حقائق الاصول وهى تعليقة على (كفاية) الاستاذ الاعظم المحقق الخراساني قدس سره تأليف المحقق الاوحدي علم الشريعة ومرجع الشيعة السيد محسن الطباطبائى الحكيم قدس سره الجزء الثاني من منشورات مكتبة بصيرتي قم - ارم
بسم الله الرحمن الرحيم سبحانك وبحمدك يا من أشرق على مشارق العقول فاظهر منها آياته من المعقول والمنقول وأبان منها قواعد الفروع والاصول وأنزل على عبده الكتاب تبيانا للرد والقبول (ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول وآل الرسول فصل اللهم عليه وعلى عترته أيمة أرباب العقول لا سيما المخصوص بالأخوة سيف الله المسلول (وبعد) فالعلم على اختلاف فنونه وتشتت غصونه قد انتهت إلى علم الاصول مدارجه لرشاقة مسائله وتناهت إليه معارجه لوثاقة دلائله فهو الغاية القصوى والمقصد الاسنى ولولاه لما قام للفقه عمود ولا اخضر له عود بل كان كشجرة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار ولا يجتنى منها الثمار فلذا أجرى فيه كل منطيق لسانه وأظهر فيه برهانه إلا أن من أبدع فيه وأحاط بمعانيه عصابة من أولي الإصابة فقام بالامر منهم كابر بعد كابر حتى انتهت النوبة من الغائب إلى الحاضر فنهض به ثلة قليلة بل عدة جليلة - شكر الله مساعيهم الجميلة فمن تناهى في العلم حده وأدرك من قبله وأتعب من بعده جوهرة قلادة الفضل والتحقيق وشمس دائرة الفهم والتدقيق خاتم رتبة العلم وختامها وشيخ أرباب الفضائل وإمامها الفاضل الكامل واللجي الذي لا يدرك له ساحل حجة الاسلام والمسلمين آية الله في الارضين سيد الأعاظم وسند الأفاخم والبحر المتلاطم مولانا الآخوند ملا محمد كاظم الهروي الطوسي الغروي دام ظلاله على رؤوس المسلمين وجعل مستقبل امره خيرا من ماضيه ورمم بوجوده من الشريعة دوارسها وعمر بجوده من العلم مدارسها فيا له من فكر ما أشد توقده يكاد يضئ زيته ولو لم تمسسه نار فابرز صحائف هي منتهى رغبة الراغبين ولطائف هي شرعة الواردين والصادرين
وناهيك عنها تلك الصحائف الكاملة وما سبق عليها من الرسالة التي لمهمات مباحث الالفاظ شاملة كما قد اشتملت هذه على الأهم من الأدلة العقلية فتمت وكلمت بهما المباحث الاصولية فلقد أجاد من سماها (كفاية) الاصول بل قد حصل منها نهاية المأمول فاعرف قدرها إن كنت أهلا لذلك ولا تبذلها الا لمن وجدته كذلك والله الموفق والكفيل وهو حسبي ونعم الوكيل قال اطال الله بقاءه: المقصد السادس (في بيان الامارات المعتبرة شرعا أو عقلا) وقبل الخوض في ذلك لا بأس بصرف الكلام إلى بيان بعض ما للقطع من الأحكام وإن كان خارجا من مسائل الفن. ______________________________ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وآله نبي الرحمة وآله سادات الأمة وأهل بيت العصمة، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم. (قوله: وإن كان خارجا من... الخ) لما تقدم في المقدمة من كون مسائل الاصول قواعد يستنبط منها أحكام شرعية أو ينتهي إليها المكلف في مقام العمل فالعلم بالأحكام الذي هو موضوع هذه المسألة من اللوازم المترتبة على العلم بتلك المسائل فلا يكون موضوعا لها ومنه يظهر الفرق بين اكثر مباحث المقام والبحث عن حجية الظن على الحكومة فان الثاني وان كان بحثا عما هو حجة عقلا كالمقام الا أنه ينتهي إليه المكلف دون المقام فان العلم من غايات البحث في
* وكان أشبه بمسائل الكلام لشدة مناسبته مع المقام (فاعلم) أن البالغ الذي وضع عليه القلم إذا التفت إلى حكم فعلي واقعي أو ظاهري متعلق به أو بمقلديه فاما ان يحصل له القطع به أولا، وعلى الثاني لابد من انتهائه إلى ما استقل به العقل من اتباع الظن - لو حصل له وقد تمت مقدمات الانسداد على تقدير الحكومة - وإلا فالرجوع إلى الأصول العقلية من البراءة والاشتغال والتخيير على تفصيل يأتي في ______________________________ تلك المسائل فتأمل جيدا (قوله: وكان أشبه بمسائل) لأن مرجع البحث هنا إلى البحث عن حسن العقاب على مخالفة العلم الذي هو من قبيل المسائل الكلامية الباحثة عن أحوال المبدأ والمعاد (قوله: ان البالغ) ذكر البلوغ مستدرك بذكر ما بعده كما انه لم يظهر الوجه في العدول عن التعبير بالمكلف - كما في عبارة شيخنا الاعظم (ره) - فانه يؤدي مؤدى من وضع عليه القلم كما ان الظاهر ان القيود الثلاثة المذكورة توضيحية ذكرت توطئة لذكر الاقسام حيث لا يمكن مجئ هذه الأقسام الا بالنسبة إلى الواجد لهذه العناوين لامتناع القطع بالحكم أو احتماله لغيره كما هو ظاهر وحينئذ لو كان المقصود الاحتراز عن الفاقد لبعض هذه القيود كان حاصلا بذكر الاقسام ذوات الاحكام كما لا يخفى (قوله: القطع به) يعني الحكم الفعلي الكلي الجامع بين الواقعي والظاهري لا الحكم الموجود في المتن فانه نكرة، ولو كان مرجعا للضمير كان مفاد العبارة الرجوع إلى الوظيفة العقلية بمجرد عدم القطع بواحد منها - مع أنه لا يرجع إليها إلا بعد الجهل بكل منهما ولو عرف الحكم المدخول ك (إلى) الجارة لارتفع الوهم المذكور (قوله: أولا:) بأن يحصل له الظن بهما أو الشك كذلك أو الظن باحدهما والشك في الآخر وأما القطع بعدمهما فلا يعقل بعد كون موضوع الاقسام هو المكلف نعم القطع بعدم الحكم الظاهري ممكن (قوله: وقد تمت مقدمات الانسداد) وإلا فلا يحكم العقل باتباع الظن (قوله: على تقدير الحكومة) أما على الكشف فيحصل القطع بالحكم الظاهري (قوله: وإلا فالرجوع إلى الأصول العقلية)
* محله انشاء الله تعالى. وإنما عممنا متعلق القطع لعدم اختصاص أحكامه بما إذا كان متعلقا بالاحكام الواقعية وخصصنا بالفعلي لاختصاصها بما إذا كان متعلقا به على ما ستطلع عليه ولذلك عدلنا عما في رسالة شيخنا العلامة - أعلى الله مقامه - من تثليث الأقسام، وإن أبيت إلا عن ذلك فالاولى أن يقال: إن المكلف إما أن يحصل له القطع أولا، وعلى الثاني إما أن يقوم عنده طريق معتبر أولا، لئلا يتداخل الأقسام فيما يذكر لها من الاحكام ومرجعه على الأخير إلى القواعد المقررة عقلا أو نقلا لغير القاطع ومن يقوم عنده الطريق على تفصيل يأتي في محله إنشاء الله تعالى حسبما يقتضي دليلها، وكيف كان فبيان أحكام القطع وأقسامه يستدعي رسم أمور (الامر الاول) لا شبهة في وجوب العمل على وفق القطع عقلا ولزوم الحركة ______________________________ بل الاصول الشرعية الموجبة للقطع بالحكم الظاهري، فان تكن فالعقلية إذ الاصول الشرعية - لو تمت مقدمات الانسداد - لا تكون مرجعا إلا بعد فقد الظن كما أنها تقدم على الاصول العقلية لورودها عليها وان وافقتها بحسب المفاد (قوله: عممنا متعلق القطع) يعني للحكم الظاهري (قوله: وخصصنا بالفعلي) يعني خصصنا الحكم بالفعلي لاختصاص الاحكام بما... الخ (قوله: ولذلك عدلنا) يعني لأجل عموم الأحكام (قوله: عدلنا عما في رسالة شيخنا العلامة... الخ) الظاهر ان الباعث للشيخ (ره) على التقسيم الذي ذكر هو ما تعارف بينهم من تبويب ابواب وجعل أحكام العلم في باب والامارة في باب وأحكام الشك في باب ثالث وعليه جرى المصنف (ره) في تبويب كتابه هذا - مضافا إلى أن تقسيمه كان بلحاظ الحكم بوجوب الحجة وامكانها وامتناعها حيث أن موضوع الاول هو القطع والثاني الظن والثالث الشك، ولو أريد من الظن أقرب الاحتمالين نوعا ومن الشك مجموع الاحتمالين لصح التقسيم بلحاظ الاحكام المذكورة بلا تداخل (قوله: ومن يقوم) معطوف على القاطع (قوله: لا شبهة في وجوب العمل على وفق القطع عقلا) لا اشكال في كون
* على طبقه جزما وكونه موجبا لتنجز التكليف الفعلي فيما أصاب باستحقاق الذم والعقاب على مخالفته وعذرا فيما أخطأ قصورا، وتأثيره في ذلك لازم وصريح الوجدان به شاهد وحاكم فلا حاجة إلى مزيد بيان وإقامة برهان. ولا يخفى أن ذلك لا يكون بجعل جاعل ______________________________ القطع طريقا إلى الواقع الذي تعلق به كاشفا عنه في نظر القاطع بحيث يرى أنه يرى الواقع كما لا ينبغي الريب في ان عقله حينئذ يحكم بحسن عقابه على تقدير مخالفة قطعه لو كان قد قطع بوجوب شئ أو حرمته كما يحكم بقبح عقابه على تقدير موافقته لو كان قد قطع بحرمة شئ فتركه أو بوجوب شئ ففعله وهذا الأثر مترتب على الأثر السابق أعني طريقيته ومنه ينتزع عنوان التنجز والعذر فيقال: القطع منجز أو عذر. وهناك أثر آخر وهو الانزجار والانبعاث عن الفعل أو إليه وهو المعبر عنه بالعمل على وفق القطع ومتابعته وهذا الأثر مترتب على الثاني وهذه الآثار الثلاثة مختلفة فالاول ذاتي والثاني عقلي والثالث فطري جبلي لا يتوقف على القول بالتحسين والتقبيح العقليين بل هو بمناط لزوم دفع الضرر المقطوع به المسلم بين القائلين بالحسن والقبح العقليين وغيرهم ولا مجال فيه للريب من احدكما هو ظاهر بأدنى تأمل إذ لا تكاد ترى من أحد من العقلاء والمجانين والاطفال والحيوانات ممن له أدنى إدراك للضرر أن يوقع نفسه فيما يدرك أنه ضرر فترى الحيوانات والطيور تفر عن سباعها، فالمكلف إذا قطع بالحكم أو أدرك عقله حسن العقاب على مخالفة القطع انقاد بحسب طبعه وجبلته إلى القطع وتابعه وجرى على مقتضاه ومنه يظهر الاشكال في كلام المصنف (ره) من جهة ظهوره في كون وجوب العمل على وفق القطع من الاحكام العقلية إلا أن يكون المقصود أنه مما يحكم به العقل وإن كان فطريا ايضا فانه لا ريب فيه بناء على الحسن والقبح العقليين كما هو التحقيق وهو عين حكمه بوجوب الاطاعة وحرمة المعصية (قوله: ولا يخفى أن ذلك لا يكون.. الخ) بعد ما عرفت من ان القطع له آثار مترتبة تعرف
لعدم جعل تأليفي حقيقة بين الشئ ولوازمه بل عرضا بتبع جعله بسيطا وبذلك انقدح امتناع المنع عن تأثيره أيضا - مع أنه يلزم منه ______________________________ أنه يمتنع أن يكون واحد منها تحت جعل جاعل لا تكوينا ولا تشريعا أما الاول فلامتناع تعلقه بالأول أعني كونه طريقا وكاشفا عن متعلقه لما عرفت من انه من لوازمه الذاتية التي تكون نفس الذات علة لها بحيث لا يتوقف وجودها على أكثر من الذات فاستنادها إلى جعل جاعل خلف. نعم يصح جعله عرضا بمعنى جعل الذات المستند إليها وهذا مما لا مجال لانكاره وليس هو محلا للكلام. وكذا تعلقه بكل واحد من الاثنين الآخرين بعين الوجه المذكور لما عرفت من استناد الثاني منهما إلى الاول والثالث إلى الثاني فاستناد هما إلى الجعل خلف ايضا الا أن يكون القائل بالجعل منكرا للزوم الاثر الثاني للاول والثالث للثاني لكن هذا الانكار مما لا يمكن صدوره ممن له أدنى تأمل في المقام فان العبد إذا علم أن مولاه يصرخ ويناديه: يا فلان ناولني ماء، وأن مولاه عالم بأنه يسمع صوته كيف لا يحكم عقله بحسن عقاب مولاه له على تقدير المخالفة وعدم الاعتناء بامر مولاه ؟ وانه بعد حكم عقله بذلك كيف لا يحكم عقله اولا تدعوه فطرته وجبلته إلى الاتيان بالماء فرارا عن أن يكون مستحقا للعقاب ؟ إن هذا لشئ عجاب وأما الجعل التشريعي فاولى بالامتناع لعدم تعلقه بالامور الواقعية المستندة إلى اسباب خاصة مضافا إلى لغويته وكونه تحصيلا للحاصل فلاحظ (قوله: لعدم جعل تأليفي حقيقة) الجعل التأليفي هو المتعلق بنحو مفاد كان الناقصة والبسيط المتعلق بنحو مفاد كان التامة فالثاني مثل: جعل زيدا، والاول مثل: جعله عالما، وامتناع تعلق الاول بلوازم الذات ظاهر لما عرفت من لزوم الخلف (قوله: بل عرضا) معطوف على قوله: حقيقة، يعني يصح نسبة الجعل إلى اللازم بالعرض والمجاز لا بالحقيقة والا فنسبة الحقيقة قائمة بالذات (قوله: وبذلك انقدح امتناع) اعلم ان محتملات حجية القطع ثلاثة (الاول) أن يكون القطع علة تامة للحجية بحيث لا يتوقف ثبوتها له على أمر زائد على القطع من وجود أو عدم (الثاني) أن يكون
* اجتماع الضدين اعتقادا مطلقا وحقيقة في صورة الاصابة كما لا يخفى. ثم لا يذهب عليك أن التكليف ما لم يبلغ مرتبة البعث والزجر لم يصر فعليا وما لم يصر فعليا لم يكد يبلغ مرتبة التنجز واستحقاق العقوبة على المخالفة وإن كان ربما يوجب موافقته استحقاق المثوبة وذلك لان الحكم ما لم يبلغ تلك المرتبة لم يكن حقيقة بأمر ولا نهي ولا مخالفته عن عمد بعصيان، بل كان مما سكت الله عنه ______________________________ مقتضيا لها بحيث يكون ترتبها عليه مشروطا بوجود شرط أو فقد مانع (الثالث) أن لا يكون فيه ذلك الاقتضاء أصلا وقد أبطل الثالث بما عرفت وهنا اشارة إلى بطلان الثاني، وانه لا يتوقف اتصافه بالحجية على عدم الردع لكون الردع مانعا عن الحجية وان ادعى ذلك بعض، ووجه بطلانه ما اشير إليه من أن ترتب الآثار المذكورة على القطع بلا حالة منتظرة فتترتب على وجود القطع بمجرد حصوله وان جاء الرادع فكيف يمكن نفيها بالردع (قوله: اجتماع الضدين) هما الحكم المقطوع ومفاد الدليل الرادع مثلا: إذا قطع بحرمة شئ فالدليل الرادع عن القطع يقتضي جوازه والحرمة والجواز ضدان لما ذكرنا في مسألة الاجتماع من وجه تضاد الاحكام (قوله: اعتقادا) يعني اعتقاد القاطع (قوله: مطلقا) يعني سواء أصاب القطع أم أخطأ فان القاطع حيث أنه يرى قطعه مصيبا يعتقد أن مولاه جعل حكمين متضادين لموضوع واحد وان لم يكن في الواقع كذلك كما إذا كان قطعه خطأ إذ لا حكم واقعي حينئذ بل الحكم منحصر بمفاد الرادع فلا يكون جمع بين ضدين حقيقة وواقعا إلا في صورة إصابة القطع (قوله: ثم لا يذهب عليك) هذا تفصيل ما أجمله سابقا بقوله: وخصصنا بالفعلي لا ختصاصها... الخ وملخص ما ذكر أن الحكم له مراتب كما سنشير إليها فيما يأتي إنشاء الله وهي مرتبة الاقتضاء والانشاء والفعلية والتنجز والمراد من كونه فعليا كونه بحيث يصح كونه باعثا وزاجرا للمكلف فما لم يبلغ هذه المرتبة لا يكون فعليا كما انه إذا لم يكن فعليا لم يبلغ مرتبة التنجز لتأخر تلك المرتبة عن الفعلية لانها منتزعة من
* كما في الخبر فلاحظ وتدبر. نعم في كونه بهذه المرتبة موردا للوظائف المقررة شرعا للجاهل إشكال لزوم اجتماع الضدين أو المثلين على ما يأتي تفصيله انشاء الله تعالى - مع ما هو التحقيق في دفعه في التوفيق بين الحكم الواقعي والظاهري فانتظر (الامر الثاني) قد عرفت أنه لا شبهة في أن القطع يوجب استحقاق العقوبة على المخالفة والمثوبة على الموافقة في صورة الاصابة فهل يوجب استحقاقها في صورة عدم الاصابة على التجري بمخالفته واستحقاق المثوبة ______________________________ الفعلية لانها منتزعة من كون الحكم بنحو يصح العقاب على مخالفته وهذا المعنى إنما يكون في ظرف قيام الحجة على الحكم الفعلي فلو لم يكن فعليا لم تكن مخالفته عصيانا ولا منشأ لاستحقاق العقوبة ولو علم به فالقطع إنما يكون موضوعا للاثرين المذكورين في المتن من الآثار الثلاثة إذا تعلق بالحكم الفعلي والا فلا يكون منشأ لاستحقاق العقاب على تقدير المخالفة ولا مما يجب العمل على وفقه (قوله: كما في الخبر) وهو المروي عن أمير المؤمنين عليه السلام: إن الله تعالى حدد حدودا فلا تتعدوها وفرض فرائض فلا تعصوها وسكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تتكلفوها رحمة من الله لكم (قوله: نعم في كونه بهذه المرتبة) يعني أن الحكم إذا كان فعليا ففي كونه موردا للاحكام الظاهرية المقررة للشاك اشكال مشهور من لزوم اجتماع الضدين أو المثلين ولو احتمالا وهو ممتنع وسيجئ في أول مبحث الظن التعرض للاشكال ولدفعه مفصلا وهذا الاشكال مختص بالحكم الفعلي دون الانشائي والاقتضائي فانه لا إشكال في جواز كونه موردا للوظايف المقررة المذكورة وسيأتي الاشارة إلى ذلك انشاء الله تعالى (قوله: فهل يوجب استحقاقها في صورة... الخ) هذا المقام ليس منافيا لما مر من كون القطع موجبا للحركة على وفقه عقلا أو فطرة مطلقا ولو كان خطأ لكن ذلك المقام كان بالاضافة إلى نفس القاطع ومن المعلوم ان القاطع لا يرى قطعه إلا مصيبا فلو قلنا باختصاص العقاب بصورة الاصابة لم يكن ذلك موجبا للتفصيل في حجية القطع
على الانقياد بموافقته أولا يوجب شيئا ؟ الحق أنه يوجبه لشهادة الوجدان بصحة مؤاخذته وذمه على تجريه وهتك حرمته لمولاه وخروجه عن رسوم عبوديته وكونه بصدد الطغيان وعزمه على العصيان وصحة مثوبته ومدحه على إقامته بما هو قضية عبوديته من العزم على موافقته والبناء على اطاعته وان قلنا بانه لا يستحق مؤاخذة أو مثوبة ما لم يعزم على المخالفة أو الموافقة ______________________________ بالنظر إلى القاطع وحاصل الكلام أن مناط العقاب في نظر العقل هو كون العبد في مقام التمرد والطغيان واظهار الجرأة على مولاه أو خصوص المخالفة العمدية والعصيان فعلى الاول يحكم باستحقاق المتجرئ للعقاب لكونه كالعاصي في المناط المذكور وعلى الثاني لا يحم باستحقاقه لعدم المخالفة وان كان بقصد المخالفة وحال استحقاق الثواب على الانقياد بعينه ذلك الحال وان مناط الثواب كون العبد في مقام اظهار عبوديته لمولاه وانقياده له أو خصوص الموافقة لامره عن عمد والتأمل في طريقة العقلاء وملاحظة سيرتهم مع عبيدهم وتوجيه لومهم لهم والوقيعة بهم وما عليه العبيد من بنائهم على تقصيرهم وخوفهم من ذلك أشد الخوف وانقطاع ألسنة أعذارهم ولا سيما مع ملاحظة كون المخالفة من حيث هي أجنبية عن مقام الصلاحية يقتضي الحكم بالاول في المقامين وهو الذي اختاره المصنف وادعى عليه الوجدان خلافا لشيخه في رسائله في التجري ووفاقا له في الانقياد حيث ظهر منه في مبحث التجري والانقياد الفرق بينهما فحكم بعدم استحقاق المتجري للعقاب واستحقاق المنقاد للثواب وصرح في بعض تنبيهات الشبهة الوجوبية بأن الحكم بالثواب على الانقياد أولى من الحكم بالعقاب على التجري بناء على استحقاق المتجري للعقاب فراجع وتأمل (قوله: على الانقياد بموافقته... الخ) الانقياد يقابل التجري مقابلة الاطاعة للمعصية فهو على هذا اطاعة اعتقادية غير واقعية بل كان من التجري والانقياد لا يختص بالاعتقاد فقد يكون مع الاحتمال لكن لابد في صدق التجري من كون موضوعه على خلاف مقتضي الحجة عقلية كانت أم شرعية فالعمل على
بمجرد سوء سريرته أو حسنها وان كان مستحقا للوم أو المدح بما يستتبعانه كسائر الصفات والاخلاق الذميمة أو الحسنة (وبالجملة): ما دامت فيه صفة كامنة لا يستحق بها إلا مدحا أو ذما وإنما يستحق الجزاء بالمثوبة أو العقوبة - مضافا إلى أحدهما - إذا صار بصدد الجري على طبقها والعمل على وفقها وجزم وعزم وذلك لعدم صحة مؤاخذته بمجرد سوء سريرته من دون ذلك وحسنها معه كما يشهد به مراجعة الوجدان الحاكم بالاستقلال في مثل باب الاطاعة والعصيان وما يستتبعان من استحقاق النيران أو الجنان ولكن ذلك مع بقاء الفعل المتجري أو المنقاد به على ما هو عليه من الحسن أو القبح والوجوب أو الحرمة واقعا بلا حدوث تفاوت فيه بسبب تعلق القطع بغير ما هو عليه من الحكم والصفة ولا تغير جهة حسنه أو قبحه أصلا ______________________________ خلاف استصحاب التكليف أو قاعدة الاشتغال تجر اما الانقياد فيعتبر فيه أن لا يكون على خلاف حجة سواء أكان مقتضي الحجة كالعمل الموافق للاستصحاب والقاعدة المتقدمتين أم لا كترك محتمل التحريم أو فعل محتمل الوجوب مع جريان البراءة الشرعية أو العقلية أو استصحاب عدم التكليف وكيف كان فحكمه حكم التجري من حيث اقتضائه استحقاق الثواب (قوله: بمجرد سوء سريرته... الخ) متعلق بقوله: يستحق، يعني مجرد سوء السريرة وحسنها لا يوجب عقوبة أو مثوبة وانما يوجبان مدحا أو ذما كسائر الصفات مثل الكرم والبخل والشجاعة والجبن (قوله: كما يشهد به.. الخ) يعني الشاهد بعدم صحة المؤاخذة على سوء السريرة هو الوجدان (قوله: ولكن ذلك مع بقاء) هذا تعرض لبقية محتلات النزاع في هذه المسألة حيث أن النزاع فيها يمكن أن يكون في استحقاق المتجري للعقاب وعدمه فتكون المسألة كلامية، وأن يكون في قبح الفعل المتجرى به وعدمه فتكون أصولية حيث يستنتج منها حرمة الفعل شرعا، وأن يكون في حرمته شرعا وعدمها فتكون فرعية وحيث أن أقرب المحتملات هو الاول جعله عنوانا للمسألة فقال سابقا: فهل يوجب استحقاقها... الخ. ثم
ضرورة ان القطع بالحسن أو القبح لا يكون من الوجوه والاعتبارات التي بها يكون الحسن والقبح عقلا ولا ملاكا للمحبوبية والمبغوضية شرعا ضرورة عدم تغير الفعل عما هو عليه من المبغوضية والمحبوبية للمولى بسبب قطع العبد بكونه محبوبا أو مبغوضا له فقتل ابن المولى لا يكاد يخرج عن كونه مبغوضا له ولو اعتقد العبد بانه عدوه وكذا قتل عدوه مع القطع بانه ابنه لا يخرج عن كونه محبوبا أبدا. هذا مع أن الفعل المتجري به أو المنقاد به - بما هو مقطوع الحرمة أو الوجوب - لا يكون اختياريا فان القاطع لا يقصده الا بما قطع أنه عليه من عنوانه الواقعي الاستقلالي لا بعنوانه الطارئ الآلي بل لا يكون غالبا بهذا العنوان مما يلتفت إليه فكيف يكون من جهات الحسن أو القبح عقلا ومن مناطات الوجوب أو الحرمة شرعا ؟ ولا يكاد يكون صفة موجبة لذلك الا إذا كانت اختيارية (ان قلت): إذا لم يكن الفعل كذلك فلا وجه لاستحقاق العقوبة على مخالفة القطع وهل كان العقاب عليها الا عقابا على ما ليس بالاختيار ؟ (قلت): العقاب انما يكون على قصد العصيان والعزم على الطغيان لا على الفعل الصادر بهذا العنوان بلا اختيار (إن قلت): ______________________________ تعرض في هذا الكلام لبقية الاحتمالات وانه ان كان النزاع في قبح الفعل عقلا وحرمته شرعا فالمختار انه ليس قبيحا ولا حراما بل هو على ما هو عليه من الحسن أو القبح أو الوجوب أو الحرمة واقعا (قوله: ضرورة ان القطع بالحسن) يعني ما يمكن أن يدعى كونه منشأ للقبح أو الحرمة ليس الا تعلق القطع به الموجب لطروء عنوان مقطوع والمبغوضية عليه، ولا ريب في أن هذا العنوان لا يصلح ان يكون منشأ لذلك والوجدان شاهد به إذ القطع بالقبح لا يكون في نظر العقل من العناوين المقبحة أو مما يوجب المبغوضية للمولى وكذا القطع بالحسن لا يكون في نظر العقل من العناوين المحسنة أو مما يوجب المحبوبية للمولى فكيف يدعى حينئذ كون الفعل المتجرى به قبيحا أو محرما (قوله: مع أن الفعل المتجرى به) هذا
وجه آخر لمنع قبح الفعل وحرمته وحاصله أنه لو سلمنا ان عنوان مقطوع المبغوضية من العناوين الموجبة للقبح أو المبغوضية الا انه في المقام لا يصلح لذلك لكونه غير اختياري للفاعل المتجري لأنه في مقام الفعل انما يقصد الفعل بالعنوان الذي قطع به فيأتي به بعنوان كونه شربا للخمر ولا يقصد الاتيان به بعنوان كونه شربا للخمر المقطوع بمبغوضيته بل قد لا يكون ملتفتا إلى ذلك فضلا عن أن يكون قاصدا له وإذا لم يكن اختياريا كيف يكون قبيحا عقلا أو محرما شرعا وكل منهما مشروط بالاختيار ؟ (فان قلت): قد اعترف المصنف (ره) بان الفعل على ما هو عليه من الحسن أو القبح أو الوجوب أو الحرمة مع انه لا يكون مقصودا له بل مغفول عنه فلا يكون اختياريا (قلت): مراده من ذلك أنه حسن أو قبيح شأنا لا فعلا وكذا كونه واجبا أو حراما والا فاشتراط الاختيار في فعلية الوجوب والحرمة وغيرهما من الأحكام التكليفية ضروري (فان قلت): سلمنا أنه ليس باختياري بما هو مقطوع المبغوضية لكنه اختياري بما هو تجر فيكون قبيحا فعلا أو محرما كذلك بذلك العنوان (قلت): ليس هو باختياري بعنوان التجري ايضا لان التجري الذى قصده هو التجري بالمعنى الاخص وهو المعصية وهو غير حاصل لفرض خطأ القطع وعدم مصادفته للواقع وما وقع منه وهو التجري بالمعنى الأعم الحاصل عند خطأ القطع غير مقصود فلا يكون عنوان التجري ايضا اختياريا لأن ما وقع لم يقصد وما قصد لم يقع. ومن هنا يظهر أن الفعل المتجرى به لا يكون اختياريا بكل عنوان يفرض كذا ذكر المصنف (ره) في الحاشية (أقول): لم يظهر الفرق بين عنوان مقطوع المبغوضية وعنوان التجري حيث التزم ان الفاعل لا يقصد الاول ولذا لا يكون اختياريا وانه يقصد الثاني وانما لا يكون اختياريا من جهة قصد الخصوصية مع انهما من قبيل واحد داخلان تحت قصد الفاعل - مضافا إلى أن الاختيار الذى يكون شرطا للاطاعة غير الاختيار الذى يكون شرطا للمعصية فان الأول بمعنى القصد والثاني يكفي فيه مجرد الالتفات ولذا ترى ان من قصد الذهاب إلى (بغداد) وعلم أنه إذا
وصل إليها يجبر على شرب الخمر فإذا سافر إلى بغداد ملتفتا إلى انه يجبر على شرب الخمر فلما وصلها أجبر على شرب الخمر يكون عاصيا عن عمد واختيار وان لم يكن قاصدا لشرب الخمر أصلا بل كان كارها له. ولو علم أنه إذا وصل إلى بغداد أجبر على بذل ماله للفقراء فسافر إليها وأجبر على ذلك لا يعد مطيعا حيث لم يقصد البذل فان كان الالتفات كافيا في قصد الاختيار الذى يكون شرطا في المعصية كان مجرد التفاته إلى انطباق عنوان المبغوضية على فعله كافيا في القبح والحرمة ولا يحتاج في ثبوتها إلى قصد كما يظهر من قوله: فان القاطع لا يقصد... الخ ومنه يظهر الاشكال فيما ذكره في الحاشية فان قصد الخصوصية بنحو وحدة المطلوب وان كان يضاد قصد العام لكنه لا يمنع من اختيارية العام فقصده للمعصية لا يمنع من التفاته إلى الجامع بينها وبين التجري المقابل لها وهو مطلق التجري وحينئذ يكون اختياريا قبيحا يحسن العقاب عليه ويشهد بما ذكرنا أنه لا يكاد يرتاب في أن من قصد أن يشرب الخمر الذى في اناء زيد فشربه فصادف انه الخمر الذي في انائه يكون عاصيا في شربا الخمر مرتكبا له عن عمد واختيار ولا مجال للتشكيك فيه بما ذكر من أن ما قصده لم يقع وما وقع لم يقصده فلا يكون اختياريا وانما يصح ذلك فيما كان يعتبر فيه القصد كما في باب تخلف الشرط والوصف وباب تبعض الصفقة وما لو صلى خلف زيد فبان كونه عمرا ونحو ذلك بناء على كون المقصود فيها بنحو وحدة المطلوب (إذا عرفت هذا) فنقول: إن التجري الذي هو الاقدام على المولى واظهار الجرأة عليه له مراتب في الخارج (فتارة) لا يكون إلا مجرد العزم على المعصية بلا ارتكاب لشئ أصلا (وأخرى) يكون بارتكاب بعض المقدمات (وثالثة) يكون - مضافا إلى ذلك - بارتكاب نفس المعصية الاعتقادية ولا ريب في انطباق التجري على هذه المراتب وان كان التجري قبيحا موجبا للعقاب كانت المراتب المذكورة كذلك فيترتب العقاب حينئذ على نفس الفعل الخارجي بما انه ينطبق عليه التجري الملتفت إليه ولا مقتضي للالتزام بالعقاب على خصوص العزم. ثم إنه قد تقدم في بعض مباحث مسألة الاجتماع ان
كلا من الحسن والقبح نوعان (أحدهما) ما يكون منشأ للأمر والنهي ويكون موضوعا للقصد ولا يتقوم بالقصد ولا يوجب ثوابا ولا عقابا وهو الناشئ عن المصالح والمفاسد الواقعية (والثاني) ما يكون متأخرا عن الأمر والنهي ويكون متقوما بالقصد ويكون مناطا للثواب والعقاب وهو حسن الاطاعة وقبح المعصية وعلى هذا يظهر فساد ما ذكر في الفصول من التفصيل في استحقاق المتجري للعقاب بين ما لو اعتقد تحريم واجب غير مشروط بالقربة فلا يستحق عليه العقاب وبين غيره لبنائه على إعمال قواعد التزاحم بين الجهات الواقعية المقتضية للحسن وبين التجري المقتضي للقبح فيؤخذ بالأقوى لو كان (وجه) الفساد أن إعمال قواعد التزاحم إنما يكون مع تنافي المقتضيات أثرا وليس الامر هنا كذلك لما عرفت من أن الحسن الناشئ من الجهات الواقعية لا يقتضي ثوابا ولا ينفي عقابا بالمرة فكيف يمكن أن يزاحم القبح الآتي من قبل التجري في تأثيره في العقاب كما ان القبح الآتي من قبل التجري لا يصلح أن يزاحم الحسن الواقعي في اقتضائه الامر بالفعل فكيف يصح اعمال قاعدة التزاحم بين الحسن الواقعي وقبح التجري حتى يدعى عدم العقاب للمتجري في الفرض الذي ذكر ولعل مراد شيخنا العلامة - أعلى الله مقامه - في رسائله من جوابه الثاني عن شبهة الفصول حيث يقول فيه: ومن المعلوم أن ترك قتل المؤمن في المثال الذي ذكره كفعله ليس من الأمور التي تتصف بحسن أو قبح للجهل بكونه قتل مؤمن... الخ وذلك يعني: انه لا يوجب حسنا يصلح لمزاحمة قبل التجري من جهة منافاته للعقاب لا انه لا يوجب حسنا أو قبحا واقعيين والا فالاختيار لا يكون شرطا في الحسن والقبح الواقعيين كما هو ظاهر فلاحظ وتأمل. ولعل من هنا يظهر توجيه كلام المصنف (ره) في عدم اقتضاء طروء عنوان مقطوع المبغوضية على الفعل المتجرأ به للقبح من جهة كونه ليس اختياريا فيكون المراد به القبح المؤدي إلى العقاب لا مطلق القبح، وإلا فقد عرفت أن القبح الواقعي ليس مشروطا بالاختيار أصلا، ولا يحتاج إلى الجمع بين اعترافه بكون الفعل على ما هو عليه من الحسن والقبح وبين انكاره لقبح
إن القصد والعزم إنما يكون من مبادئ الاختيار وهي ليست باختيارية وإلا لتسلسل (قلت): مضافا إلى أن الاختيار وان لم يكن بالاختيار الا أن بعض مباديه غالبا يكون وجوده بالاختيار للتمكن من عدمه بالتأمل فيما يترتب على ما عزم عليه من تبعة العقوبة واللوم والمذمة - يمكن أن يقال: إن حسن المؤاخذة والعقوبة إنما يكون من تبعة بعده عن سيده بتجريه عليه كما كان من تبعته بالعصيان في صورة المصادفة فكما انه يوجب البعد عنه كذلك لا غرو في أن يوجب حسن العقوبة فانه ______________________________ الفعل المتجرأ به، بحمل الاول على القبح الشأني والثاني على الفعلي، ويكون وجه حمل الأول على النحو الذي لا يرتبط بالعقاب والثواب والثاني على النحو الآخر لكنه يفيد عن العبارة فتأمل جيدا (قوله: الاختيار وان لم يكن بالاختيار) الاختيار هو القصد والارادة، والمراد من كونه ليس بالاختيار انه لا يجب أن يكون كذلك كما في الأفعال الاختيارية، لكن ربما كان بعض مباديه بالاختيار، كما أوضح ذلك في الحاشية على الرسائل حيث ذكر أن مقدمات العمل الاختياري: حضور المراد في الذهن، ثم الميل النفساني إليه، ثم الجزم وهو حكم القلب بانه ينبغي صدوره، ثم العزم والقصد بناء على اتحادهما، أو القصد بناء على اختلافهما وحديث النفس لا يدخل تحت الاختيار وكذا الميل، واما الجزم فيختلف باختلاف الأحوال فقد يكون الفاعل بحيث يقدر على الانصراف بالتأمل بالصوارف والموانع وربما لا يقدر على ذلك لشدة الميل بحيث يغفل عما يترتب على الفعل من المهالك أو لا يبالي، وكذا العزم بناء على أنه غير القصد فقد يكون كالجزم بحيث يمكن فسخه... الخ. ويمكن المناقشة فيما ذكره بنحو لا يسعه المقام (قوله: يمكن أن يقال) لكن على هذا لا وجه للالتزام بعدم العقاب على الفعل وكونه على خصوص العزم، وهل الفرار من الأول إلى الثاني الا كالفرار من المطر إلى
وان لم يكن باختياره الا انه بسوء سريرته وخبث باطنه بحسب نقصانه واقتضاء استعداده ذاتا وامكانا وإذا انتهى الأمر إليه يرتفع الاشكال وينقطع السؤال ب (لم) فان الذاتيات ضرورية الثبوت للذات وبذلك ايضا ينقطع السؤال عن انه لم اختار الكافر والعاصي الكفر والعصيان والمطيع والمؤمن الاطاعة والايمان ؟ فانه يساوق السؤال عن أن الحمار لم يكون ناهقا والإنسان لم يكون ناطقا (وبالجملة): تفاوت أفراد الانسان في القرب منه جل شأنه وعظمت كبرياؤه والبعد عنه سبب لاختلافها في استحقاق الجنة ودرجاتها والنار ودركاتها وموجب لتفاوتها في نيل الشفاعة ______________________________ الميزاب (قوله: وان لم يكن باختياره إلا أنه بسوء) هذا التزام بما يخالف أصول المذهب وضرورياته، وأغرب من ذلك ما ذكره في الحاشية على هذا المقام تقريبا لما في المتن، ومحصله: أن العقاب للعاصي المقابل للمتجرئ إنما يكون على مالا بالاختيار فان الموجب لعقابه هي المعصية والمعصية هي المخالفة العمدية، ومن المعلوم أن المخالفة العمدية بما هي عمدية ليست اختيارية إذ العمد هو الاختيار وليس بالاختيار، ووجه الاستغراب: أن الموجب للعقاب في العاصي هو المخالفة العمدية، والمصحح لترتب العقاب صفة العمد المأخوذة فيها، ولا يتأمل أحد في أنه لا يعتبر في صحة العقاب عمدان بل يكفي عمد واحد فإذا كانت المخالفة عمدية صح العقاب عليها، وكيف يجعل هذا مثالا تقريبيا لما نحن فيه مع عدم العمد والاختيار فيه بالمرة ؟ (قوله: ذاتا وامكانا) الأول اشارة إلى الاستعداد القائم بالذات لذاتها، والثاني إلى ما ينتسب بالذات بتوسط الاقتران ببعض الممكنات (قوله: وبذلك أيضا ينقطع) اشارة إلى ما ______________
وعدمها وتفاوتها في ذلك بالآخرة يكون ذاتيا والذاتي لا يعلل (ان قلت): على هذا فلا فائدة في بعث الرسل وإنزال الكتب والوعظ والانذار (قلت): ذلك لينتفع به من حسنت سريرته وطابت طينته لتكمل به نفسه ويخلص مع ربه أنسه (ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) قال الله تبارك وتعالى: (فذكر فان الذكرى تنفع المؤمنين) وليكون حجة على من ساءت سريرته وخبثت طينته (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة كيلا يكون للناس على الله حجة) بل كان له حجة بالغة ولا يخفى أن في الآيات والروايات شهادة على صحة ما حكم به الوجدان الحاكم على الاطلاق في باب الاستحقاق للعقوبة والمثوبة ومعه لا حاجة إلى ما استدل على استحقاق المتجرئ للعقاب بما حاصله أنه لولاه مع استحقاق العاصي له يلزم اناطة استحقاق العقوبة بما هو خارج عن الاختيار من مصادفة قطعه الخارج عن تحت قدرته واختياره ______________________________ ذكر من كون مالا بالاختيار ناشئا عن الاستعداد الذاتي الضروري للذات، (قوله: ولا يخفى ان في الآيات والروايات) المراد من الآيات مثل قوله تعالى (إن السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤولا)، وقوله تعالى: (ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم) وقوله تعالى: (والذين يحبون ان تشيع الفاحشة... إلى آخر الآية) ونحوها، ومن الروايات مثل قوله (ص): نية الكافر شر من عمله، وما ورد من تعليل خلود اهل النار بعزمهم على البقاء في الكفر لو خلدوا في الدنيا، ونحوهما، لكن لا يخفى ان مثل المقام من الاحكام العقلية لا تصلح الآيات والروايات للشهادة فيه وانما تصلح للمرجعية في الأحكام الشرعية (قوله: ومعه لا حاجة) يعني مع حكم الوجدان (قوله: لولاه) الضمير راجع إلى الاستحقاق، وفى (له) إلى العقاب (قوله: من مصادفة) بيان لما هو الخارج عن الاختيار، ثم ان هذا اشارة إلى البرهان الرباعي الذي ذكر في الرسائل، وبيانه: انه لو فرض شخصان قاطعين بان ما في انائهما خمر ثم شرب كل منهما ما في انائه وكان في الواقع احد الانائين خمرا والآخر ماء فاما ان
مع بطلانه وفساده إذ للخصم أن يقول بان استحقاق العاصي دونه إنما هو لتحقق سبب الاستحقاق فيه وهو مخالفته عن عمد واختيار وعدم تحققه فيه لعدم مخالفته أصلا - ولو بلا اختيار – ______________________________ يستحقا العقاب اولا يستحقه احدهما أو يستحقه من صادف قطعه الواقع دون الآخر أو العكس، لا سبيل إلى الثاني والرابع إذ لازمهما القول بعدم الاستحقاق على المعصية وهو باطل بناء على التحسين والتقبيح العقليين الذى هو مبنى البحث في هذه المسألة، فيدور الامر بين الاول والثالث، وحيث ان الثالث يلزم منه اناطة العقاب بالمصادفة للواقع إذ لا فرق بين الشخصين الا في ذلك، فالفرق بينهما في العقاب لابد أن يستند إلى ذلك وهو باطل لانه يلزم اناطة العقاب بما هو خارج عن الاختيار فتعين الاول وهو المطلوب (قوله: مع بطلانه وفساده) الضمير المجرور فيهما راجع إلى الدليل (قوله: إذ للخصم ان يقول بان) توضيح ما ذكر: ان اناطة العقاب بما هو خارج عن الاختيار تارة يكون بمعنى ان العلة التامة في العقاب امر غير اختياري، وأخرى بمعنى ان الأمر غير الاختياري دخيل في العقاب، والاول ممتنع عند العدلية والثاني جائز عندهم وهو الذي يلزم من الدليل الاول، إذ منشأ العقاب هو المخالفة وهي اختيارية، غاية الأمران من جملة مقدماته مصادفة القطع للواقع لا أن منشأ العقاب هو نفس المصادفة ليس غير ليلزم اللازم الباطل عند العدلية، ويمكن ان يكون مقصود المستدل بيان ان جهة المصادفة مما لا يصلح ان يكون دخيلة في حسن العقاب مع كونها غير اختيارية ولا آتية من قبل المكلف فلابد ان يكون المنشأ هو ما به الاشتراك بين الشخصين من الاقدام على الهتك (قوله: الاستحقاق فيه) الضمير في فيه راجع إلى العاصي (قوله: تحققه فيه) الضمير راجع إلى المتجرئ (قوله: لعدم مخالفته) ولكن مع صدور فعل منه بالاختيار كما إذا كان الخطأ منه في الحكم كما لو اعتقد ان شرب الماء حرام فشربه فان شرب الماء صادر منه بالاختيار ولم تصدر منه مخالفة
* بل عدم صدور فعل منه في بعض أفراده بالاختيار كما في التجري بارتكاب ما قطع أنه من مصاديق الحرام كما إذا قطع مثلا بأن مايعا خمر مع انه لم يكن بالخمر فيحتاج إلى اثبات أن المخالفة الاعتقادية سبب كالواقعية الاختيارية كما عرفت بما لا مزيد عليه (ثم) لا يذهب عليك أنه ليس في المعصية الحقيقة إلا منشأ واحد لاستحقاق العقوبة وهو هتك واحد فلا وجه لاستحقاق عقابين متداخلين - كما توهم - مع ضرورة أن المعصية الواحدة لا توجب الا عقوبة واحدة: كما لا وجه لتداخلهما على تقدير استحقاقهما كما لا يخفى، ولا منشأ لتوهمه الا بداهة أنه ليس في معصية واحدة الا عقوبة واحدة مع الغفلة عن أن وحدة المسبب تكشف بنحو الان عن وحدة السبب (الأمر الثالث) أنه قد عرفت أن القطع بالتكليف أخطأ أو أصاب يوجب عقلا استحقاق المدح والثواب أو الذم والعقاب من دون أن يؤخذ شرعا في خطاب، وقد يؤخذ في موضوع حكم آخر ______________________________ لكن بلا اختيار حيث ان السبب في عدم مخالفته خطأ قطعه (قوله: بل عدم صدور فعل) بناء على ما تقدم منه من ان ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد (قوله: كما في التجري) وكذا في كل ما كان الخطأ في الموضوع (قوله: كما توهم) المتوهم صاحب الفصول بناء على مبناه السابق إذ في المعصية الحقيقية يجتمع قبحان القبح الواقعي وقبح التجري فيترتب عقابان لكن يتداخلان، وهو خلاف الضرورة القائمة على أن المعصية الواحدة لا توجب الا عقوبة واحدة (قوله: كما لا وجه التداخلهما) إذ التداخل ممتنع لانه خلف بعد ما كان كل من القبحين سببا مستقلا مطلقا (قوله: ولا منشأ لتوهمه) يعني لتوهم التداخل (قوله: الا عقوبة واحدة) يعني لما رأى بداهته لم يكن له بد الا من القول بالتداخل (قوله: مع الغفلة عن ان) ولو التفت إلى ذلك لجعل الضرورة طريقا له إلى الالتزام بوحدة منشأ العقاب لا القول بتعدده مع التداخل (قوله: قد عرفت ان القطع بالتكليف) يريد بهذا الكلام الاشارة إلى اقسام القطع
يخالف متعلقه لا يماثله ولا يضاده كما إذا ورد مثلا في الخطاب انه: إذا قطعت ______________________________ وانه طريقي وموضوعي: أما الاول فهو ما لا يؤخذ في موضوع الحكم الشرعي بل كان موضوعا لحكم العقل بوجوب الموافقة، والثاني ما يؤخذ في موضوع الحكم الشرعي وهو على اقسام، والمتصور من اقسامه الممتنعة والصحيحة كثير، لانه اما ان يتعلق بالحكم الشرعي أو بموضوعه، والاول اما ان يؤخذ في نفس ذلك الحكم الذي تعلق به، أو ضده، أو مثله، أو خلافه، وكل منها إما أن يؤخذ جزءا للموضوع أو تمام الموضوع، وكل منها اما ان يكون ملحوظا بنحو الطريقية أو بنحو الصفتية فهذه ست عشرة صورة، ومثلها صور الثاني ايضا، فانه إذا تعلق بموضوع الحكم، فتارة يؤخذ في نفس ذلك الحكم، واخرى في مثله، وثالثة في ضده ورابعة في خلافه، وكل منها إما بنحو الجزئية للموضوع أو تماميته بنحو الصفتية أو الطريقية، كما في القسم الاول، ثم إنه يمتنع أن يؤخذ في نفس الحكم الذي تعلق به بصوره الاربع للزوم الدور حيث ان نسبة العلم إلى المعلوم كنسبة العارض إلى المعروض فاخذه على احد الانحاء الاربعة يوجب توقف الشئ على نفسه، مع انه لا يخلو عن الخلف لان العلم بالحكم لابد أن يتعلق بمفاد كان التامة فالمعلوم ثبوت الحكم لشئ فيكون ذلك الشئ هو الموضوع للحكم فكيف يكون العلم به موضوعا له على احد الانحاء الاربعة ؟، وكذا اخذه في مثله بحيث يكون العلم بوجوب الصدقة موضوعا لوجوب الصدقة ثانيا فانه ممتنع لانه من اجتماع المثلين لكنهما يختلفان بحسب الرتبة لان الوجوب الاول مأخوذ في رتبة سابقة فامتناعه موقوف على امتناع اجتماع المثلين ولو في رتبتين، أو قبحه من جهة اللغوية في جعل الوجوب الثاني، وكذا اخذه في ضده بصوره للزوم اجتماع الضدين ويجوز أخذه في خلافه بصوره الاربع التي اشار إليها المصنف (ره) في المتن ومثل ذلك جواز أو امتناعا صور ما تعلق بموضوع الحكم فيمتنع اخذه في نفس حكم متعلقه للخلف وفي مثله لاجتماع المثلين بلا ترتب وفي ضده للتضاد ويصح اخذه في خلافه فالصور الصحيحة للقطع الموضوعي ثمان (قوله: يخالف متعلقه)
بوجوب شئ يجب عليك التصدق بكذا (تارة) بنحو يكون تمام الموضوع بان يكون القطع بالوجوب مطلقا ولو أخطأ موجب لذلك (وأخرى) بنحو يكون جزءه وقيده بان يكون القطع به في خصوص ما أصاب موجبا له، وفي كل منهما يؤخذ طورا بما هو كاشف وحاك عن متعلقه وآخر بما هو صفة خاصة للقاطع أو المقطوع به وذلك لأن القطع لما كان من الصفات الحقيقية ذت الاضافة ولذا كان العلم نورا لنفسه ونورا لغيره صح ان يؤخذ فيه بما هو صفة خاصة وحالة مخصوصة بالغاء جهة كشفه أو اعتبار خصوصية أخرى فيه معها كما صح أن يؤخذ بما هو كاشف عن متعلقه وحاك عنه فيكن أقسامه أربعة - مضافة إلى ما هو طريق محض عقلا غير مأخوذ في الموضوع شرعا. ______________________________ اي يخالف حكم متعلقه (قوله: بما هو كاشف) قد عرفت فيما سبق ان من اثار القطع الذاتية طريقيته إلى متعلقه وحكايته عنه ومن المعلوم ان كل موضوع ذى صفة إذا اخذ موضوعا للحكم الشرعي، تارة يؤخذ بما انه معنون بتلك الصفة، واخرى لا بما هو كذلك سواء لم تلحظ تلك الصفة فيه بالمرة أم لو حظت مع الذات أو مع غيرها من الصفات مثلا إذا كان زيد عالما فحين ما يجعل موضوعا للحكم، تارة بما انه عالم فيكون الحكم في الحقيقة على عنوان العالم الشامل لكل عالم زيدا كان أو عمرا أو غيرها، وأخرى لا بما انه كذلك سواء لوحظت جميع الصفات حتى صفة العالمية أم أغفلت تلك الصفة بالمرة وكان الحكم على الذات أو بقية الصفات غير صفة العالمية، ومن هنا يظهر أن القطع إذا لوحظ بما انه طريق في مقام موضوعيته للحكم كان الحكم في الحقيقة على مطلق الطريق فلو فرض محالا وجود طريق إلى الواقع غير القطع كان أيضا موضوعا للحكم وان لم يلحظ كذلك لم يكن مطلق الطريق موضوعا لذلك الحكم (قوله: لما كان من الصفات الحقيقية) يعني صفة حقيقية للنفس من مقولة الكيف أو غيرها (قوله: ذات الاضافة) يعني إلى غير موضوعه وهو المعلوم (قوله: فتكون اقسامه اربعة)
(ثم) لا ريب في قيام الطرق والامارات المعتبرة بدليل حجيتها واعتبارها مقام هذا القسم كما لا ريب في عدم قيامها بمجرد ذلك الدليل مقام ما اخذ في الموضوع على نحو الصفتية من تلك الاقسام بل لابد من دليل آخر على التنزيل فان قضية الحجية والاعتبار ترتيب ما للقطع بما هو حجة من الآثار لا له بما هو صفة وموضوع ضرورة انه كذلك يكون ______________________________ يعني أقسام القطع المأخوذ في الحكم الذى يخالف متعلقه فلو ضم إليها اقسام المأخوذ في الحكم الذي يخالف حكم متعلقه كانت ثمانية ولو ضم إليها الصور الممتنعة كان المجموع اثنتين وثلاثين صورة قيام الامارات مقام القطع (قوله: ثم لا ريب في قيام الطرق) المراد من الطرق الحجج المثبتة للاحكام الكلية ومن الامارات الحجج المثبتة للموضوعات الخارجية، ثم ان هذا الكلام من المصنف (ره) شروع فيما يتعلق بالقطع من حكم قيام الامارات مقامه وعدمه وتعرض فيه لمقامات ثلاثة الاول قيامها مقام القطع الطريقي المحض غير المأخوذ في موضع حكم الشارع اصلا وذكر انه لا ريب في قيامها مقامه، والمراد من ذلك انها يترتب عليها اثره، وقد عرفت ان اثره ليس الا عقليا وهو منجزيته للواقع على تقدير المصادفة وكونه عذرا في مخالفته على تقدير المخالفة، والوجه في ترتب ذلك عليها بادلة حجيتها ان مفاد ادلة حجيتها جعل مؤادها بمنزلة الواقع فإذا قامت على شئ كان ما قامت عليه بمنزلة الواقع، ولا ريب في أن القطع بما هو بمنزلة الواقع كالقطع بالواقع في كونه منجزا وعذرا في صورتي المصادفة وعدمها (قوله: كما لا ريب في عدم قيامها) هذا اشارة إلى المقام الثاني وهو قيامها مقام القطع المأخوذ موضوعا على نحو الصفتية (قوله: فان قضية الحجية حاصله: ان ادلة الحجية انما اقتضت كون الطريق والامارة بمنزلة القطع في الحجية
كسائر الموضوعات والصفات. ومنه قد انقدح عدم قيامها بذاك الدليل مقام ما أخذ في الموضوع على نحو الكشف فان القطع المأخوذ بهذا النحو في الموضوع شرعا كسائر ماله دخل في الموضوعات أيضا فلا يقوم مقامه شئ بمجرد ححجيته أو قيام دليل على اعتباره ما لم يقم دليل على تنزيله ودخله في الموضوع كدخله (وتوهم) كفاية دليل ______________________________ والطريقية إلى الواقع، ومرجع ذلك إلى تنزيل مؤداها منزلة الواقع، وهذا لا ينفع الا في ترتب آثار الواقع واحكامه على المؤدى كما هو شأن كل تنزيل اما ترتيب آثار نفس القطع المأخوذ موضوعا بما انه صفة خاصة فلا وجه له، وإذا كان الامر كذلك فلا وجه لقيامها مقامه لما عرفت من ان معنى قيام الشئ مقام آخر ثبوت آثار الثاني للاول وإذا لم يكن دليل الحجية متكفلا لترتيب آثار القطع على الامارة كيف تكون قائمة مقامه (قوله: كسائر الموضوعات والصفات) يعنى التي لا يمكن ترتيب آثارها الا على ما نزل منزلتها بما انها ملحوظة في نفسها موضوعا للحكم، وهذا المعنى غير حاصل لدليل التنزيل حيث لم يقصد منه الا تنزيل الامارة منزلة القطع بما انه ملحوظ طريقا إلى متعلقه الراجع إلى جعل مؤداها منزلة الواقع لا غير كما ذكرنا (قوله: ومنه قد انقدح عدم) هذا تعرض للمقام الثالث وهو قيامها مقام القطع المأخوذ موضوعا على نحو الطريقية لا الصفتية، وحاصل ما ذكره فيه: انها لا تقوم مقامه أيضا بعين الوجه المتقدم في المقام الثاني من انه يتوقف على ان يكون دليل حجيتها متعرضا لتنزيلها منزلة القطع ملحوظا في نفسه وبما انه موضوع لحكمه، وقد تقدم ان دليل الحجية ليس كذلك بل لا يتعرض الا لقيامها مقامه بما انه ملحوظ طريقا إلى الواقع فيكون التنزيل في الحقيقة راجعا إلى تنزيل مؤداها منزلة الواقع وهو اجنبي عن اقتضاء ترتيب آثار نفس القطع كما عرفت مكررا (قوله: على تنزيله ودخله) الضمير فيهما راجع إلى شئ (قوله: كدخله) الضمير فيه راجع إلى سائر ماله (قوله: وتوهم كفاية دليل) حاصل التوهم: انه لا وجه لتخصيص دليل تنزيل الامارة منزلة القطع
الاعتبار الدال على إلغاء احتمال خلافه وجعله بمنزلة القطع من جهة كونه موضوعا ومن جهة كونه طريقا فيقوم مقامه طريقا كان أو موضوعا (فاسد جدا) فان الدليل الدال على الغاء الاحتمال لا يكاد يفي الا باحد التنزيلين حيث لابد في كل تنزيل منهما من لحاظ المنزل والمنزل عليه ولحاظهما في أحدهما آلي وفي الآخر استقلالي بداهة أن النظر في حجيته وتنزيله منزلة القطع في طريقيته في الحقيقة إلى الواقع ومؤدى الطريق وفي كونه بمنزلته في دخله في الموضوع إلى انفسهما ولا يكاد يمكن الجمع بينهما. نعم لو كان في البين ما بمفهومه جامع بينهما يمكن أن يكون دليلا على التنزيلين والمفروض انه ليس فلا يكون دليلا على التنزيل إلا بذاك اللحاظ الألي ______________________________ بحيثية الطريقية فقط فانه خلاف اطلاق دليل التنزيل ولابد من الحكم بكونه في مقام تنزيلها منزلته من حيث الموضوعية وحينئذ يترتب الاثر ان اثر القطع بما انه طريق وهو اثر متعلقه واثره بما هو موضوع وهو اثر نفسه (قوله: فاسد جدا) خبر توهم (قوله: فان الدليل الدال على) حاصله: ان الاصل وان كان يقتضي اطلاق دليل التنزيل وكونه ناظرا إلى جميع الحيثيات ذوات الآثار والاحكام إلا ان الاطلاق في المقام ممتنع لانه يلزم منه الجمع بين اللحاظين لشئ واحد فان تنزيل الطريق منزلة القطع بلحاظ الطريقية يقتضي ان يكونا اعني الطريق والقطع ملحوظين آلة لملاحظة متعلقهما ولذا ذكرنا ان التنزيل بلحاظ الطريقية راجع إلى تنزيل المؤدى منزلة الواقع فلا يكونان ملحوظين حينئذ الامرآة لمتعلقهما وتنزيل الطريق منزلة القطع بلحاظ الموضوعية يقتضي ملاحظتهما مستقلا كسائر موضوعات الاحكام، ولا ريب ان الجمع بين اللحاظين المذكورين ممتنع فلابد، اما ان يحمل دليل التنزيل على الاول فلا يقتضي ترتيب آثار القطع الموضوعي أو على الثاني فلا يقتضي ترتيب آثار الواقع على مؤدى الطريق (قوله: ولحاظهما في احدهما آلي) وهو لحاظه بنحو الطريقية إلى المتعلق والاستقلالي ما كان بنحو الموضوعية (قوله: نعم لو كان في البين ما) يعني لو كان دليل التنزيل لسانه بحيث
فيكون حجة موجبة لتنجز متعلقه وصحة العقوبة على مخالفته في صورتي إصابته وخطئه بناء على استحقاق المتجري أو بذلك اللحاظ الآخر الاستقلالي فيكون مثله في دخله في الموضوع وترتيب ماله عليه من الحكم الشرعي (لا يقال): على هذا لا يكون دليلا على أحد التنزيلين ما لم يكن هناك قرينة في البين (فانه يقال): لا إشكال في كونه دليلا على حجيته فان ظهوره في انه بحسب اللحاظ الآلي مما لا ريب فيه ولا شبهة تعتريه وإنما يحتاج تنزيله بحسب اللحاظ الآخر الاستقلالي من نصب دلالة عليه. فتأمل في المقام فانه دقيق ومزال الاقدام للاعلام. ولا يخفى أنه ______________________________ يمكن فيه الجمع بين التنزيلين ولا يلزم فيه الجمع بين اللحاظين الممتنع كان حمله عليهما معا هو المتعين، لكن ليس مثل هذا الدليل موجودا فان لسان ادلة الحجية هو مثل: الغ احتمال الخلاف في الخبر، أو صدق خبر العادل، أو الخبر حجة أو نحو ذلك وموضوع الحكم فيها هو الخبر، وحينئذ فاما ان يلحظ بما هو هو أو بما انه طريق ولا يمكن جمعهما معا لانه من اجتماع الضدين (قوله: على هذا لا يكون) يعني على ما ذكرت من صلاحية الدليل للحمل على كل واحد من التنزيلين يكون مجملا ولا وجه لحمله على احدهما بعينه الا بالقرينة ولا قرينة (قوله: وانما يحتاج تنزيله بحسب اللحاظ) يعني ظهور ادلة التنزيل في تنزيل المؤدى موجب للحمل عليه ولا يصح حمله على الآخر الا بالقرينة ومع عدمها لابد ان يحمل على الاول (هذا) ولكن لا يخفى انه لابد من الالتزام بوفاء ادلة الحجية بتنزيل الامارة منزلة العلم لما سيأتي انشاء الله من أنه لا وجه لتقديمها على الاصول الا ذلك حيث أن الاصول لما كانت احكاما في ظرف الشك فإذا قامت الامارة في موردها ارتفع الشك ولا يكون مجال لجريان الاصل لارتفاع موضوعه، وسيجئ انشاء الله بيانه في مباحث الاستصحاب، كما انه لابد من الالتزام بتنزيل مؤدياتها منزلة الواقع وترتيب آثار الواقع عليها لما تسالموا عليه من كونها وسطا لاثبات احكام متعلقاتها بحيث يكون القياس المؤلف هكذا هذا مظنون الخمرية وكل مظنون الخمرية خمر ولولا ان مؤدياتها
بمنزلة الواقع لم تصح الكبرى المذكورة، وحينئذ فاشكال المصنف (ره) (ان كان) في مقام الثبوت فهو يتوقف على كون الملحوظ للجاعل مفهوم الامارة لا غير لان ذلك المفهوم لا يمكن الا أن يكون ملحوظا لنفسه المقتضي لتنزيلها منزلة العلم أو لغيرها المقتضي لتنزيل مؤدياتها منزلة الواقع كما ذكر المصنف (ره) اما إذا كان الملحوظ له مفهوم الامارة ومؤداها معا سواء كان لحاظهما معا بلحاظين مستقلين في زمانين أو بلحاظ واحد في آن واحد ويكون كل واحد منهما ملحوظا ضمنا فلا مانع منه بل لا مجال للريب في جوازه كما تقول: هذه الدار كتلك الدار، ملاحظا تنزيل جدران الأولى منزلة جدران الثانية وبيوت الاولى منزلة بيوت الثانية وسقوف الأولى منزلة سقوف الثانية... وهكذا إلى آخر الأجزاء، فيقصد تنزيل كل جزء منزلة ما يناسبه من أجزاء الطرف الآخر، وكما تقول: هذه الكف منزلة تلك الكف، قاصدا تنزيل كل اصبع منه منزلة ما يناسبه من أصابع تلك فيقصد المقابلة بين الخنصرين والبنصرين والوسطين... وهكذا... إلى غير ذلك من الأمثلة، وفي المقام يمكن أن يلاحظ المظنون بذاته وصفته فينزله منزلة المقطوع بذاته وصفته على ان تكون الذات بمنزلة الذات والصفة بمنزلة الصفة، (وان كان) في مقام الاثبات فليس دليل الحجية منحصرا بمثل: الظن حجة، أو: الخبر حجة، حتى لا يكون الكلام ظاهرا إلا في لحاظ مفهوم الظن أو الخبر بل فيه مثل قول ابي الحسن الهادي (ع) لابن إسحاق: العمري ثقة فما أدى اليك غني فعني يؤدي ومال قال لك عني فعني يقول، وقول العسكري (ع) له ايضا العمري وابنه ثقتان فما أديا اليك عني فعني يؤديان وما قالا لك عني فعني يقولان، وبهذا المضمون مما يتضمن الامارة ومؤداها كثير، مع أن ما لا يكون بهذا المضمون لابد أن يكون محمولا عليه جريا على الارتكاز العقلائي في باب الحجج من كونها بمنزلة العلم عندهم في ترتيب آثاره عليها، كما أن مؤداها بمنزلة الواقع في ترتيب آثاره عليه، ومنه يظهر أن بناء العقلاء المتمسك به على حجية الخبر لابد أن يكون طريقا إلى التنزيلين معا، وهكذا الحال في الاجماع فانه على تقدير
* لولا ذلك لأمكن أن يقوم الطريق بدليل واحد دال على الغاء احتمال خلافه مقام القطع بتمام أقسامه ولو فيما أخذ في الموضوع على نحو الصفتية كان تمامه أو قيده وبه قوامه (فتلخص) بما ذكرنا أن الامارة لا تقوم بدليل اعتبارها الا مقام ما ليس مأخوذا في الموضوع أصلا (وأما) الاصول فلا معنى لقيامها مقامة بادلتها ايضا غير الاستصحاب لوضوح أن المراد من قيام المقام ترتيب ماله من الآثار والأحكام من تنجز التكاليف وغيره كما مرت إليه الاشارة ______________________________ تماميته يدل على أن الخبر حجة كسائر الحجج العقلائية، ولا أدري أن المصنف - رحمه الله - ما كان بناؤه في مثل هذه الادلة اللبية ؟ وأنها هل هي مجملة أو محمولة عنده على تنزيل المؤدى كالأدلة اللفظية ؟ وما الوجه له في ذلك ؟ ولعله من جهة بنائه على المفروغية عن اقتضاء حجية الطريق تنزيل مؤداه وان لم يكن دليله لفظيا والله سبحانه أعلم، فلاحظ وتأمل. ثم إنه لو فرض كون مفاد أدلة الحجية وجوب معاملة الامارة معاملة العلم بحيث يجب على من قامت عنده الامارة ان يعمل عمل العالم كفى ذلك في ترتيب أثر العلم والواقع معا وقامت الامارة حينئذ مقام القطع الموضوعي لكن لا يتم ما اشتهر من أنها وسط لإثبات أحكام متعلقاتها فلاحظ (قوله: لولا ذلك لأمكن) إن كان المراد من الامكان الجواز العقلي فلا بأس به لجواز أن يكون دليل الحجية مفيدا لتنزيل الامارة منزلة العلم من جميع الحيثيات أعني حيثية الطريقية والصفتية معا فتثبت أحكامهما معا، وان كان المراد الامكان الوقوعي وان أدلة الحجية صالحة لذلك - لولا الاشكال الذي ذكره - ففيه ما لا يخفى إذ لا ريب في أن أدلة الحجية انما تتعرض لجعل الامارة بمنزلة العلم من حيث كونه طريقا موصلا إلى متعلقه لا غير فهي لا تفيد اكثر من جعله كاشفا تاما تنزيلا بلا تعرض لحيثية كونه صفة تامة اصلا، وفي مراجعة أدلة الحجية وسيرة العقلاء غنى وكفاية لمن تأمل، فراجع وتأمل (قوله: وأما الأصول فلا معنى لقيامها) الظاهر أن المراد من الأصول في كلامه الاصول الحكمية، كما أن المراد من العلم الذي لا تقوم مقامه خصوص العلم الطريقي وحاصل
الوجه في ذلك كما اشار إليه: أن هذه الأصول ليست متعرضة للاحكام الواقعية وانما مفاد أدلتها جعل وظائف خاصة للجاهل بالاحكام الواقعية فكيف يصح ترتيب أثر العلم الطريقي عليها ؟ حيث أن آثاره هي المنجزية والمعذرية، وإذا لم تكن أدلتها متعرضة للاحكام الواقعية ولو تنزيلا فكيف تصلح أن تكون منجزة لها أو عذرا عنها ؟، ويحتمل بعيدا أن يكون المراد عدم قيامها مقام العلم مطلقا ولو موضوعيا كما هو كذلك، أما الاول فلما عرفت، واما الثاني فلان ترتيب آثاره الشرعية تتوقف على إحرازه وجدانا أو تنزيلا وليس أدلة الاصول تصلح لاثبات ذلك فانها لا تقتضي قيام شئ مقام العلم وتنزيله منزلته ولا تنزيل شئ منزلة الواقع فكيف يترتب حينئذ أثر العلم الموضوعي ؟ ويصح أن يقال تقوم الأصول مقامه (قلت): الاصول الحكمية هي الاستصحاب والاحتياط والتخيير والبراءة، والاولان يأتي بيان حالهما في كلامه، والثالث أصل عقلي كالثاني فيلحقه حكمه، فلم يبق الا الرابع وهو أصل البراءة الشرعية، ولا ريب في انه يترتب عليه ما يترتب على العلم الطريقي في كونه عذرا على تقدير المخالفة كالعلم بالاباحة، ولو فرض وجود أصل شرعي الزامي لكان ايضا يقوم مقام العلم في كونه منجزا للواقع لكنه لا وجود له فانكار قيامها مقام العلم الطريقي غير واضح، ومجرد عدم تعرض دليلها لجعل الواقع ولو تنزيلا وانه ليس مفاده إلا أحكاما خاصة في قبال الواقع لا يدفع ما ذكرنا من المؤمنية والمنجزية وإنما يدفع ترتيب آثار الواقع على مؤدياتها لعدم إحراز موضوعها ولو تنزيلا كما يقتضي عدم قيامها مقام القطع الموضوعي لقصور أدلتها عن اثبات كونها علما تنزيلا كما كان ذلك في أدلة الامارات، كما أشرنا إليه سابقا وقلنا انه الوجه في كون الامارات مقدمة على الاصول. وبالجملة: أدلة الامارة تجعل الامارة علما تنزيلا وأدلة الاصول لا تجعل شيئا علما وانما تجعل حكما في ظرف الشك فإذا جاءت الامارة ارتفع الشك ولو تنزيلا فيرتفع حكم الأصل (فالمتحصل): أن الاصول الحكمية تقوم مقام القطع الطريقي ولا تقوم مقام القطع الموضوعي. هذا في غير الاستصحاب والاصول
وهي ليست الا وظائف مقررة للجاهل في مقام العمل شرعا أو عقلا (لا يقال): إن الاحتياط لا بأس بالقول بقيامه مقامه في تنجز التكليف لو كان (فانه يقال): اما الاحتياط العقلي فليس الا نفس حكم العقل بتنجز التكليف وصحة العقوبة على مخالفته لا شئ ______________________________ العقلية، وأما هما فسيأتي بيان حالهما في كلام المصنف (ره)، واما الاصول الموضوعية مثل أصالة الطهارة والحرية والفراش والصحة وقاعدتي التجاوز والفراغ والبناء على المصحح لكثير الشك وغيرها فلا ريب في كون مفادها جعل الواقع تنزيلا وانها تقوم مقام القطع الطريقي في تنجيز حكم مؤداها والتأمين عنه كما أنها لا تقوم مقام القطع الموضوعي لعدم اقتضاء أدلتها تنزيل شئ منزلة العلم ليرتب أثره عليها فلاحظ (قوله: ليست الاوظائف) قد عرفت أن كونها كذلك لا يمنع من قيامها مقام القطع الطريقي، مع أن للمنع من كونها كذلك مجالا، إذ انما يسلم ذلك في مثل حديث الرفع، وقوله (ع): الناس في سعة ما لا يعلمون، لا في مثل كل شئ لك حلال حتى تعلم انه حرام... الحديث، فان الظاهر منه جعل الحل الواقعي في مرتبة الشك فيكون من جعل المؤدى نظير الامارة القائمة على الحل فيترتب عليه آثار الحل الواقعي، ولأجل ذلك يصح لبس جلد الحيوان أو شعره إذا كان مشكوك الحل في الشبهة الحكمية أو الموضوعية ولو بناء على شرطية كون اللباس مما يؤكل لحمه إذا كان من حيوان، ولذا بنينا فيما كتبناه في مباحث اللباس على جواز لبس المشكوك ولو بناء على الشرطية لا المانعية فلاحظ (قوله: بقيامه مقامه) اي مقام القطع الطريقي (قوله: أما الاحتياط العقلي) يعني أن الاحتياط المدعى قيامه مقام العلم الطريقي في المنجزية ان كان المراد به الاحتياط الذي يحكم به العقل فلا معنى لكونه منجزا حتى يصح انه قائم مقام العلم في المنجزية لأن الاحتياط العقلي هو عين حكم العقل بحسن العقاب على تقدير المخالفة، وهذا هو معنى المنجزية فيلزم من دعوى كونه منجزا كون
يقوم مقامه في هذا الحكم وأما النقلي فالزام الشارع به وان كان مما يوجب التنجز وصحة العقوبة على المخالفة كالقطع الا انه لا نقول به في الشبهة البدوية ولا يكون بنقلي في المقرونة بالعلم الاجمالي فافهم (ثم) لا يخفى أن دليل الاستصحاب أيضا لا يفي بقيامه مقام القطع المأخوذ في الموضوع مطلقا وأن مثل: لا تنقض اليقين، لابد من أن يكون مسوقا إما ______________________________ الشئ حكما لنفسه، وان كان المراديه الشرعي فليس له خارجية لأن مورده ان كان الشبهة البدوية فلا نقول بالاحتياط فيها وان كان الشبهة المحصورة فالاحتياط فيها عقلي لا شرعي فاين هذا الاحتياط الشرعي حتى يثبت له حكم المنجزية ؟ (قوله: يقوم مقامه) يعني مقام القطع (قوله: في هذا الحكم) يعني في التنجيز (قوله: الاجمالي فافهم) اشارة إلى أن عدم القول به منا لا يمنع من الحكم عليه بالمنجزية في فرض القول به إذ كل حكم انما يثبت لموضوعه في فرض ثبوت الموضوع. ثم انه مما ذكرنا تعرف الحال في أصالة التخيير فانه أصل عقلي كالاحتياط العقلي لا معنى لكونه مؤمنا (قوله: لا يخفى ان دليل الاستصحاب) لا ينبغي التأمل في كون دليل الاستصحاب موجبا لقيامه مقام القطع الطريقي في كونه منجزا لو كان مثبتا للتكليف كالامارة القائمة على التكليف ومؤمنا لو كان نافيا له كالامارة القائمة على عدمه حتى على مذاق المصنف (ره) لكونه لا يخلو من نظر إلى الواقع، واما قيامه مقام القطع الموضوعي فقد اشكل المصنف (ره) في ذلك بنحو اشكاله في الامارة حيث أن قوله (ع): لا تنقض اليقين بالشك، إما أن يكون ناظرا إلى تنزيل المؤدى فقط باخذ اليقين عبرة له فيكون ملحوظا باللحاظ الآلي، أو إلى تنزيل احتمال البقاء منزلة القطع باخذ اليقين ملحوظا باللحاظ الاستقلالي، وحيث لا يمكن الجمع بين اللحاظين فلابد أن يحمل على أحدهما وهو خصوص الأول لما تقدم في الامارة من ظهوره في ذلك فلا يمكن ترتيب أثر العلم الموضوعي لعدم إحرازه لا وجدانا ولا تنزيلا. هذا ولكن يمكن أن يقال
بلحاظ المتيقن أو بلحاظ نفس اليقين وما ذكرنا في الحاشية في وجه تصحيح لحاظ واحد في التنزيل منزلة الواقع والقطع وأن دليل الاعتبار انما يوجب تنزيل المستصحب والمؤدى منزلة الواقع وانما كان تنزيل القطع فيما له دخل في الموضوع بالملازمة بين تنزيلهما وتنزيل القطع بالواقع تنزيلا وتعبدا منزلة القطع بالواقع حقيقة لا يخلو من تكلف بل تعسف فانه لا يكاد يصح تنزيل ______________________________ - كما سيأتي انشاء الله تعالى في مبحث الاستصحاب -: ان ظاهر الدليل وجوب العمل مع الشك المسبوق باليقين عمل اليقين ولازم ذلك ترتيب آثار العلم والمؤدى معا وهو الوجه في تقديمه على الأصول عداه وتفصيل ذلك موكول إلى محله (قوله: بلحاظ المتيقن) يعني فيكون من تنزيل المؤدى منزلة الواقع (قوله: نفس اليقين) فيكون من تنزيل الاحتمال منزلة القطع (قوله: وما ذكرنا في الحاشية في وجه.. الخ) هذا إشارة إلى ما ذكره في حاشيته على الرسائل من أن دليل الحجية إذا كان وافيا بتنزيل المؤدى منزلة الواقع بالمطابقة كان كافيا في لزوم ترتيب أثر القطع الموضوعي وذلك لانه إذا دل بالمطابقة على تنزيل المؤدى منزلة الواقع فقد دل بالالتزام العرفي على تنزيل القطع به منزلة القطع بالواقع فإذا قامت الحجة على شئ وثبت بدليل حجيتها أنه بمنزلة الواقع يحصل قطع وجداني بالواقع التنزيلي ويكون بمنزلة القطع بالواقع الحقيقي بحسب الدلالة الالتزامية فيثبت واقع تنزيلي وقطع بالواقع تنزيلي ايضا فلابد من ترتيب الاثر الثابت للواقع والقطع به (قوله: المستصحب والمؤدي) الاول في الاستصحاب والثاني في الطرق والامارات (قوله: فيما له الدخل) يعني فيما لو كان القطع له الدخل في الموضوع (قوله: بالملازمة) خبر كان (قوله: تنزيلهما) أي المستصحب والمؤدى (قوله: تنزيلا وتعبدا) قيد للواقع (قوله: منزلة القطع) متعلق بتنزيل القطع (قوله: لا يخلو من تكلف) خبر لما ذكرناه في الحاشية (قوله: بل تعسف فانه لا يكاد) حاصله: ان الحكم الثابت لمركب ذى اجزاء لابد في مقام ترتيبه من احراز اجزاء ذلك المركب إما وجدانا أو تنزيلا أو بعضها بالوجدان
جزء الموضوع أو قيده بما هو كذلك بلحاظ أثره إلا فيما كان جزؤه الاخر أو ذاته محرزا بالوجدان ______________________________ وبعضها بالتنزيل كما عرفت الاشارة إليه فيما سبق، لكن يشترط في صحة التنزيل للجميع ان يكون تنزيل كل احد في عرض تنزيل الآخر بحيث لا يكون احد التنزيلين ناشئا من الآخر وتابعا فانه إذا كان كذلك لزم الدور حيث انه يلزم توقف كل واحد منهما على الآخر، اما توقف التنزيل التابع على المتبوع فواضح إذ هو مقتضى التبعية، واما توقف التنزيل المتبوع على التابع فلانه لولاه لكان لغوا حيث ان صحة كل تنزيل بلحاظ الاثر الفعلي لذي المنزلة، ولا ريب ان الاثر الفعلي انما يثبت لذي المنزلة في ظرف انضمام بقية الاجزاء إليه لا في ظرف الانفراد والا لم يكن موضوع الحكم مركبا بل كان كل جزء موضوعا لحكم مستقل ففي رتبة التنزيل المتبوع إذا لم يكن الجزء الآخر محرزا بالوجدان أو بتنزيل آخر في رتبة هذا التنزيل إما ان لا يكون له اثر فعلي وقد عرفت أنه يمتنع التنزيل حينئذ واما ان يكون له أثر فعلي فيكون خلفا لكون المفروض أن الجزء ليس له وحده اثر وانما يكون له الاثر مع غيره (فان قلت): يكفي الاثر التعليقي (قلت): المراد من الاثر التعليقي في المقام أن يكون الاثر معلقا على تنزيل التابع، وهذا ايضا ممتنع لانه يلزم ان يكون الاثر الثابت للجزء الاول متأخرا رتبة عن الاثر الثابت للجزء الثاني ولا يخفى أن الآثار المترتبة يمتنع أن تكون أثرا واحدا وجودا لان الوحدة بحسب الوجود تنافي التعدد الرتبي فإذا كان الأثر الثابت لذى المنزلة واحدا وجودا كيف يثبت للمنزل منزلته متعددا ؟ فلابد من الالتزام بقصور أدلة التنزيل العامة عن شمول المقام (هذا) ولكن لا يخفى أن هذا انما يتم لو كان الترتب بين نفس التنزيلين أما لو كان بين دلالة الكلام على التنزيل الاول ودلالته على التنزيل الثاني بحيث يكون الترتب بين نفس الدلالتين لا المدلولين فلا يلزم منه المحذور المذكور ولا غيره من المحاذير، فلاحظ وتأمل (قوله: جزء الموضوع أو قيده) الاول في تنزيل المركب والثاني في تنزيل المقيد (قوله: بلحاظ اثره) يعني
أو تنزيله في عرضه فلا يكاد يكون دليل الامارة أو الاستصحاب دليلا على تنزيل جزء الموضوع ما لم يكن هناك دليل على تنزيل جزئه الآخر فيما لم يكن محرزا حقيقة وفيما لم يكن دليلا على تنزيلهما بالمطابقة كما في ما نحن فيه على ما عرفت لم يكن دليل الامارة دليلا عليه أصلا فان دلالته على تنزيل المؤدى يتوقف على دلالته على تنزيل القطع بالملازمة ولا دلالة له كذلك الا بعد دلالته على تنزيل المؤدى فان الملازمة إنما تدعى بين تنزيل القطع به منزلة القطع بالموضوع الحقيقي وتنزيل المؤدى منزلة الواقع كما لا يخفى فتأمل جيدا فانه لا يخلو عن دقة (ثم) لا يذهب عليك أن هذا - لو تم - لعم ولا اختصاص له بما إذا كان القطع مأخوذا على نحو الكشف (الامر الرابع) لا يكاد يمكن أن يؤخذ القطع بحكم في موضوع نفس هذا الحكم للزوم الدور ولا ______________________________ خصوص الاثر الثابت لنفس المركب والمقيد (قوله: أو تنزيله في عرضه) معطوف على الوجدان (قوله: وفيما لم يكن) متعلق بقوله: لم يكن لثانية (قوله: على ما عرفت) من امتناع الجمع بين التنزيلين عرضا من جهة يوم اجتماع اللحاظين (قوله: يتوقف على... الخ) المتكفل باثبات هذا التوقف وله سابقا: فانه لا يكاد... الخ (قوله: بالملازمة) متعلق بتنزيل القطع (قوله: كذلك) يعني على تنزيل القطع بالملازمة (قوله: كذلك الا بعد دلالته... الخ) لان المفروض ان الدلالة بالملازمة والدلالة على اللازم متاخرة عن الدلالة إلى الملزوم والى هذا اشار بقوله: فان الملازمة انما تدعى بين تنزيل القطع.. الخ (قوله: ولا اختصاص له) لان التفكيك بين القطع الصفتي وغيره في ملازمة بين تنزيل المؤدى وتنزيله بعيد جدا عن المتفاهم العرفي (قوله: للزوم دور) قد عرفت الاشارة إلى وجهه سابقا وليس هذا مما يختص بالقطع بل يجري جميع العناوين المتأخرة عن الحكم كالظن والشك والوهم والغفلة والالتفات نحوها فكلها لا يمكن ان تؤخذ في موضوع الحكم الذي تعلقت به للزوم الدور ذكور (وقد) يستشكل فيه بان العلم انما يتعلق بالصور الذهنية ولا يتعلق
(مثله) للزوم اجتماع المثلين ولا ضده للزوم اجتماع الضدين. نعم يصح أخذ القطع بمرتبة من الحكم في مرتبة أخرى منه أو مثله أو ضده (واما) الظن بالحكم فهو وان كان كالقطع في عدم جواز أخذه في موضوع نفس ذاك الحكم المظنون الا انه لما كان معه مرتبة الحكم الظاهري محفوظة كان جعل حكم آخر في مورده مثل الحكم المظنون أو ضده بمكان من الامكان (ان قلت) إن كان الحكم المتعلق به الظن فعليا ______________________________ بالامور الخارجية بشهادة امكان تعلقه بالمعدومات بل الممتنعات، وحينئذ فاناطة الحكم خارجا به لا يوجب الدور فانه ليس منوطا بالحكم الخارجي (ويندفع) بان العلم وان لم يتعلق بالخارج بل بنفس الصورة الحاكية عنه لكن بنحو ترى خارجية مفروضة الوجود في الخارج، وتعلق العلم بها مفروضة الخارجية مانع من كونها منوطة بالعلم، ثم انك قد عرفت - مضافا إلى لزوم الدور من اخذ القطع بالحكم في موضوعه - لزوم الخلف لان الحكم المعلوم مفروض الثبوت لموضوعه المستقل في الموضوعية فاخذ العلم فيه خلف (قوله: للزوم اجتماع المثلين) لكن في مرتبتين ولم يقم دليل على امتناعه، نعم يمكن دعوى كون الحكم الثاني لغوا لكفاية الحكم الاول في البعث وحينئذ يكون قبيحا لا ممتنعا في نفسه، فتأمل (قوله: اجتماع الضدين) واختلاف المرتبة لا يصحح الاجتماع لامتناع اجتماع الضدين ولو في مرتبتين (قوله: نعم يصح اخذ القطع) يعني إذا كان الحكم المقطوع به في مرتبة الانشاء مثلا جاز ان يؤخذ القطع به موضوعا لذلك الحكم في مرتبة الفعلية بان يكون القطع به موجبا لفعليته، وهو المشار إليه بقوله: (منه) أو يؤخذ لحكم مماثل له أو مضاد في المرتبة الفعلية، والفرق بين ما يؤخذ في نفسه وما يؤخذ في مثله: ان الحكم الذي اخذ في موضوعه القطع ان كان ناشئا عن تلك المصلحة الواقعية فهو ماخوذ في نفسه وان كان عن مصلحة اخرى فهو ماخوذ في مثله (قوله: كالقطع في عدم) لعين الدور الذي ذكر والخلف (قوله: لما كان معه مرتبة) لا ريب فيما ذكر من كون
أيضا بان يكون الظن متعلقا بالحكم الفعلي لا يمكن أخذه في موضوع حكم فعلي آخر مثله أو ضده لاستلزامه الظن باجتماع الضدين أو المثلين وإنما يصح أخذه في موضوع حكم آخر كما في القطع طابق النعل بالنعل (قلت): يمكن ان يكون الحكم فعليا بمعنى أنه لو تعلق به القطع على ما هو عليه من الحال لتنجز واستحق على مخالفة العقوبة ومع ذلك لا يجب على الحاكم رفع عذر المكلف برفع جهله لو امكن أو بجعل لزوم الاحتياط عليه فيما امكن بل يجوز جعل اصل أو امارة مؤدية إليه تارة والى ضده أخرى ولا يكاد يمكن مع القطع به جعل حكم آخر مثله أو ضده كما لا يخفى فافهم (ان قلت): كيف يمكن ذلك ؟ وهل هو إلا أنه يكون مستلزما لاجتماع المثلين أو الضدين ؟ (قلت) لا بأس باجتماع الحكم الواقعي الفعلي بذاك المعنى (أي لو قطع به من باب الاتفاق لتنجز مع حكم آخر فعلي في مورده بمقتضي الاصل أو الامارة أو دليل أخذ في موضوعه الظن بالحكم بالخصوص به على ما سيأتي من التحقيق في التوفيق بين الحكم الظاهري والواقعي ______________________________ الظن ونحوه مما لا يكون علما مما يمكن جعل الحكم الظاهري في حاله بحيث يكون للمكلف معه وظيفة شرعية سواء أكانت مماثلة للواقع ام ضدا له، وهذا هو الفارق بين العلم وما عداه فان العلم يمتنع معه الوظائف الشرعية مماثلة كانت أو مضادة لما عرفت من امتناع ان يؤخذ موضوعا لمثل متعلقه أو ضده، وما عدا العلم ليس كذلك فيمكن ان يجعل معه وظيفة مماثلة أو مضادة للواقع، وهذا معنى كونه مأخوذا في موضوع حكم مماثل أو مضاد لمتعلقه (قوله: في موضوع حكم آخر) يعني مخالف لمتعلقه مثل ان يقول المولى: إذا ظننت بوجوب الصلاة وجب عليك الاستغفار، ومثله ان يؤخذ الظن المتعلق بمرتبة موضوعا لحكم في مرتبة اخرى كما في القطع (قوله: بمعنى انه لو تعلق به القطع.. الخ) يشير بذلك إلى ان لفعلية الحكم معنيين (احدهما) انه لو تعلق به القطع لتنجز واستحق
* (الامر الخامس) هل تنجز التكليف بالقطع كما يقتضي موافقته عملا يقتضي موافقته التزاما والتسليم له اعتقادا وانقيادا كما هو اللازم ______________________________ على مخالفته العقاب (والثاني) بمعنى ان يكون للمولى ارادة فعلية توجب ان يكون في مقام البعث والزجر، والتنافي بين الحكم الظاهري والحكم الفعلي بالمعنى الثاني لتنافي ارادة الفعل مع الاذن في تركه أو كراهته مع الاذن في فعله لا الاول لما ذكره في العبارة من انه يمكن ان يكون الحكم بنحو لو علم به لتنجز ومع ذلك اذن الشارع الاقدس في مخالفته مع الجهل به فيرخص فيما هو حرام واقعا بحيث لو علم بحرمته لوجب عقلا تركه فان إذن الشارع في فعله في حال الجهل مما لا وجه لمنافاتها لحرمته واقعا إذا لم يكن كارها له بنحو يلزم المولى بالاحتياط أو يعلم العبد به الذي هو لازم الفعلية بالمعني الثاني. نعم لو كان له كارها بنحو يلزم بالاحتياط أو يعلم العبد به كانت اذنه في فعله منافية لكراهته على النحو المذكور: وسيجيئ انشاء الله تفصيل ذلك وتوضيحه في كلامه (ره) في اول مبحث الامارات فانتظر (قوله: هل تنجز التكليف بالقطع) الموافقة الالتزامية عبارة عن عقد القلب على الحكم الصادر من المولى والالتزام به ويقابلها التشريع وهو عقد القلب على غير ما صدر ونقيضهما عدم الالتزام بشئ مما يصدر منه من الاحكام، والكلام هنا يقع في ان من شئون إطاعة الحكم الصادر من المولى الالتزام والاعتقاد به على نحو يحكم بوجوبه العقل كما يحكم بوجوب الاطاعة العملية بمعنى فعل متعلق الامر وترك متعلق النهي، أو انه ليس من شئون الاطاعة الواجبة في نظر العقل بل تمام موضوع حكم العقل هو الاطاعة العملية لا غير ؟ مثلا إذا اوجب المولى فعلا على العبد كالصلاة، فهل يجب عند العقل الالتزام بذلك الوجوب كما يجب عنده فعل الصلاة فرارا عن خطر العقاب بحيث تكون الاطاعة الواجبة عند العقل قائمة بهما معا فيستحق العقاب على ترك الالتزام ولو مع فعله للصلاة كما يستحق العقاب على تركه للصلاة ولو مع التزامه بالوجوب ؟ أو ان المدار في حسن العقاب وعدمه هو
في الاصول الدينية والامور الاعتقادية بحيث كان له امتثالان وطاعتان إحداهما بحسب القلب والجنان والأخرى بحسب العمل بالأركان فيستحق العقوبة على عدم الموافقة التزاما ولو مع الموافقة عملا أولا يقتضي فلا يستحق العقوبة عليه بل انما يستحقها على المخالفة العملية ؟ الحق هو الثاني لشهادة الوجدان الحاكم في باب الاطاعة والعصيان بذلك واستقلال العقل بعدم استحقاق العبد الممتثل لامر سيده الا لنثوبة دون العقوبة ولو لم يكن مسلما وملتزما به ومعتقدا ومنقادا له وان كان ذلك يوجب تنقيصه وانحطاط درجته لدى سيده لعدم اتصافه بما يليق ان يتصف العبد به من الاعتقاد باحكام مولاه والانقياد لها وهذا غير استحقاق العقوبة على مخالفته لامره أو نبيه التزاما مع موافقته عملا كما لا يخفى ______________________________ فعل الصلاة وعدمها من دون دخل للالتزام به وعدمه اصلا، فعلى الاول يجب الالتزام بكل حكم ولو لم يكن اقتضائيا كالاباحة ومنه يظهر افتراق الموافقة الالتزامية عن الموافقة العملية إذ الثانية مختصة بالاحكام الاقتضائية والاولى جارية في جميع الاحكام وان لم تكن اقتضائية كما انه مما ذكرنا يظهر الفرق بين وجوب الالتزام عقلا لكونه من شئون اطاعة الحكم الملتزم به ووجوبها شرعا فانه لو وجب الالتزام شرعا بحكم كحرمة الغيبة وجب على العبد حينئذ التزامان، احدهما الالتزام بحرمة الغيبة وهو موافقة عملية لوجوب الالتزام المذكور، وثانيهما الالتزام بوجوب الالتزام وهو موافقة التزامية لوجوب الالتزام المذكور. فلاحظ (قوله: في الاصول الدينية) يعني اصول الدين التي يجب الاعتقاد والالتزام بها (قوله: لشهادة الوجدان) لا ريب فيما ذكر من حكم الوجدان بعدم استحقاق العقاب على مجرد ترك الالتزام مع الموافقة العملية كما ان الظاهر انه لا ريب في وجوب الالتزام شرعا بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم سواء أكان حكما شرعيا تكليفيا أو وضعيا ام غيره مما يتعلق بالحشر والنشر فانه مقتضى وجوب التدين بدينه إذ ليس التدين بدينه الا الالتزام بجميع ما جاء به من عند ربه جل اسمه، والظاهر
(ثم) لا يذهب عليك أنه على تقدير لزوم الموافقة الالتزامية وكان المكلف متمكنا منها يجب ولو فيما لا يجب عليه الموافقة القطعية عملا ولا يحرم المخالفة القطعية عليه كذلك أيضا لامتناعهما كما إذا علم إجمالا بوجوب شئ أو حرمته للتمكن من الالتزام بما هو الثابت واقعا والانقياد له والاعتقاد به بما هو الواقع والثابت وان لم يعلم أنه الوجوب أو الحرمة ______________________________ ان هذا مما لا خلاف فيه، كما ان الظاهر ان وجوب الالتزام الشرعي تابع للعلم فما علم تفصيلا يجب الالتزام به تفصيلا وما علم اجمالا يجب الالتزام به اجمالا، نعم يجب الالتزام التفصيلي عن علم تفصيلي في خصوص بعض الاصول الدينية التي لابد من معرفتها تفصيلا وهو الاصول المشهورة الخمسة دون ما عداها من تفاصيل الحشر والنشر وان وجب الالتزام بها اجمالا أيضا (قوله: ثم لا يذهب عليك انه على... الخ) إعلم انه على تقدير القول بوجوب الالتزام عقلا بالاحكام فالالتزام بها اجمالا أو تفصيلا تابع للعلم، فان علم بالحكم تفصيلا وجب الالتزام به كذلك، وان علم به اجمالا وجب الالتزام به كذلك أيضا ولا يجوز الالتزام به تفصيلا حينئذ لما عرفت من ان الموافقة الالتزامية تقابل التشريع القبيح عقلا وشرعا، ومن المعلوم ان الالتزام التفصيلي بما هو معلوم بالاجمال تشريع فان التشريع هو تدين بما لا يعلم انه من الشارع، والالتزام التفصيلي مع تردد الحكم تدين لا يعلم فيكون تشريعا فلا يكون موافقة التزامية، فالموافقة الالتزامية هي التدين بما يعلم انه من الشارع ومنه يظهرانه في صورة الدوران بين الوجوب والحرمة لا بد من الالتزام بالحكم اجمالا وان لم تجب موافقته عملا لان الموافقة العملية القطعية متعذرة والموافقة الاحتمالية ضرورية الثبوت، فالحكم في هذا الحال من التردد لا يوجب عملا بوجه اصلا وان وجبت موافقته الالتزامية لامكانها ومنه يظهر بعض صور افتراق الموافقة العملية عن الموافقة الالتزامية فتجب الثانية ولا تجب الاولى، مضافا إلى
وان أبيت الا عن لزوم الالتزام به بخصوص عنوانه لما كانت موافقته القطعية الالتزامية حينئذ ممكنة ولما وجب عليه الالتزام بواحد قطعا فان محذور الالتزام بضد التكليف عقلا ليس باقل من محذور عدم الالتزام به بداهة مع ضرورة أن التكليف لو قيل باقتضائه للالتزام لم يكد يقتضي الا الالتزام بنفسه عينا لا الالتزام به أو بضده تخييرا. ______________________________ ما قدمناه من افتراقهما في الاحكام غير الاقتضائية (قوله: وان ابيت الا عن لزوم الخ) إذا بنينا على عدم الاكتفاء بالموافقة الالتزامية الاجمالية ولزوم الموافقة التفصيلية ففي فرض الدوران بين الوجوب والحرمة اما ان يدعى وجوب الالتزام بهما معا تحصيلا للموافقة القطعية أو الالتزام باحدهما بخصوصه تخييرا تحصيلا للموافقة الاحتمالية. وكل منهما لا وجه له: اما الأول فلانه غير ممكن اولا ويحصل منه مخالفة قطعية ثانيا لأنه التزام بغير حكم المولى، واما الثاني فلانه وان كان ممكنا إلا انه كما يحتمل به الموافقة يحتمل به المخالفة لاحتمال كون الحكم الملتزم به غير حكم المولى فيدور الامر فيه بين محذورين، ومع هذا الدوران كيف يحكم بوجوبه عقلا ؟ هذا كله مضافا إلى ما عرفت من ان الموافقة الالتزامية ضد التشريع ولا ريب في ان الالتزام بهما معا كالالتزام باحدهما بخصوصه تشريع لانه تدين بما لا يعلم ثبوته من قبل المولى فلا مجال لامكان الموافقة الالتزامية فيه لا القطعية ولا الاحتمالية اصلا، فلاحظ (قوله: لما كانت موافقته) الظاهر ان الوجه في عدم امكانها هو تضاد الأحكام المانع من الالتزام بحكمين في موضوع واحد، ويمكن منع ذلك فان تضاد إنشاء الأحكام تشريعا لا يقتضي تضادها في مقام الالتزام ولو بنحو التشريع الحرام (قوله: ليس باقل) يعني فيدور امر الالتزام بواحد بخصوصه بين محذورين (قوله: مع ضرورة ان التكليف) هذا اشكال آخر على احتمال وجوب الالتزام باحدهما بخصوصه تخييرا وحاصله: ان التكليف إنما يقتضي الالتزام بنفسه ولا يقتضي الالتزام به أو بضده تخييرا لأن الالتزام بضده ليس التزاما به ولا مقدمة للالتزام به فكيف يقتضيه التكليف ولو تخييرا، الا
ومن هنا قد انقدح انه لا يكون من - قبل لزوم الالتزام مانع عن اجراء الاصول الحكمية أو الموضوعية في أطراف العلم لو كانت جارية مع قطع النظر عنه كما لا يدفع بها محذور عدم الالتزام به، إلا ان يقال: إن استقلال العقل بالمحذور فيه انما يكون فيما إذا لم يكن هناك ترخيص في الاقدام والاقتحام في الاطراف ومعه لا محذور فيه بل ولا في الالتزام بحكم آخر، إلا أن الشأن حينئذ في جواز جريان الاصول في أطراف العلم الاجمالي ______________________________ ان يقال: ان التكليف وان لم يقتض الالتزام بضده أصلا إلا أنه لما وجب عند العقل الالتزام بالتكليف ولم يمكن الالتزام به علما وجب الالتزام به احتمالا كما هو القاعدة في كل مورد تعذرت فيه الموافقة القطعية فان العقل يحكم بلزوم الموافقة الاحتمالية حينئذ (قوله: ومن هنا قد انقدح) يعني ان مما ذكرنا من ان وجوب الالتزام لو قيل به لا يقتضي الالتزام بواحد بخصوصه فيما لو دار الأمر بين الوجوب والحرمة، يظهر انه لا مانع من جريان الأصول الحكمية والموضوعية في اطراف العلم لو كانت في نفسها جارية فانه يقال ايضا العلم الاجمالي مانع عن وجوب الالتزام في واحد من الأطراف بخصوصه واذ لا يجب الالتزام بمحتمل الواقع بخصوصه يجري الأصل لو لم يكن له مانع غير وجوب الالتزام (قوله: كما لا يدفع بها محذور) الضمير في (يدفع) راجع إلى اجراء الأصول، يعني لو فرض ان العقل حاكم بوجوب الالتزام بمحتمل التكليف كان ذلك مانعا عن اجراء الأصول في الأطراف، ولا يتوهم ان اجراء الأصول في الأطراف رافع لحكم العقل بوجوب الالتزام لأنه يلزم منه الدور، لأن جريان الأصول يتوقف على عدم حكم العقل بوجوب ______________
مع عدم ترتب أثر عملي عليها مع أنها أحكام عملية كسائر الاحكام الفرعية ______________________________ الالتزام إذ لو كان حكم العقل المذكور ثابتا يقطع حينئذ بمخالفة ظاهر ادلة الأصول للواقع فلا يكون حجة فلو توقف عدم حكم العقل المذكور على جريان الأصول لزم الدور، وهكذا الحال في كل دليل على حكم شرعي يخالف حكم العقل فان حكم العقل مسقط لذلك الدليل ومانع عن حجيته فلا يمكن أن يكون ذلك رافعا له كما هو ظاهر هذا كله لو كان حكم العقل بوجوب الالتزام على تقدير ثبوته تنجيز يا أما لو كان تعليقيا بمعنى أن حكمه بوجوب الالتزام بمحتمل الواقع بخصوصه معلق على عدم جعل الشارع للكحم الظاهري مثلا فلا ريب ان ادلة الاصول لما كانت مثبتة للحكم الظاهري أو نحوه كانت رافعة لحكم العقل المذكور إذ لو لم يرتفع لم يكن تعليقيا وهو خلف وهذا هو المراد بقوله: الا أن يقال ان استقلال... الخ (هذا) ولكن يمكن أن يقال: ان وجوب الالتزام بمحتمل التكليف بخصوصه لو كان تنجيزيا لم يصلح للمنع عن جريان الاصول ايضا لأن الحكم الذي يقتضيه الاصل حكم شرعي نظير الحكم الواقعي في كونه موضوعا لحكم العقل بوجوب الالتزام ولا يختص حكمه المذكور بالاحكام الواقعية فانه بلا مخصص، وحينئذ فإذا كان عموم الاصل جاريا في مورد اجمال الحكم يكون ايضا مما يجب الالتزام به، وإذا كان وجوب الالتزام بالواقع مانعا عن عموم الاصل كان وجوب الالتزام بحكم الاصل مانعا عن عموم دليل الواقع للمورد وحينئذ يقع التمانع من الطرفين ولا مرجح لاحدهما على الآخر (وفيه) أن وجوب الالتزام بحكم الاصل لا يصلح للمنع عن عموم دليل الواقع لان وجوب الالتزام فرع حكم الاصل وحكم الاصل فرع الشك في الواقع فلو كان الوجوب المذكور رافعا للواقع ارتفع الشك به فيرتفع الوجوب وكل ما يلزم من وجوده عدمه محال، لكن هذا التمانع مع الغض عما ذكرنا من امكان الالتزام بالحكمين ولو بنينا عليه جرت ادلة الاصول ووجب الالتزام بمحتمل الواقع على انه حكم واقعي وبمضمون الاصل على انه حكم ظاهري ولا تمانع بينهما بوجه (قوله: مع عدم ترتب أثر عملي) لا ينبغي التأمل
* - مضافا إلى عدم شمول أدلتها لأطرافه للزوم التناقض في مدلولها على تقدير شمولها كما ادعاه شيخنا العلامة - أعلى الله مقامه - وإن كان محل تأمل ونظر فتدبر جيدا (الأمر السادس) ______________________________ في اعتبار ترتب الاثر العملي في جريان الاصول لانها وظائف عملية لكن لا يعتبر في الاثر العملي أن يكون بلا واسطة فقد يكون بلا واسطة كما قد يكون بالواسطة فإذا ترتب اثر عملي على ما ليس بواجب أمكن جريان أصالة عدم الوجوب في مورد الدوران بين الوجوب والحرمة، وكذا يجرى اصالة عدم الحرمة لو كان الاثر العملي مترتبا على ما ليس بحرام، وكذا يجري اصالة الحل لو فرض عموم دليلها للمورد المذكور ولو رفع احتمال وجوب الترك يقينا أو وجوب الفعل يقينا لكنه مبني على أن حكم العقل في المورد المذكور بالتخيير تعليقيا على عدم الوظيفة الشرعية والا كان الحكم العقلي المذكور كافيا في رفع احتمال تعين احد الامرين ويكون اجراء اصالة الحل بلحاظ الاثر المذكور لغوا. نعم لو فرض ثبوت الاثر لما هو الحلال مثل لبس جلده في الصلاة كان الاثر المذكور كافيا في اجراء اصالة الحل لانه اثر عملي ولو بالواسطة، ولعل هذا هو المراد للمصنف - رحمه الله - من حاشية له في المقام وان كان خلاف الظاهر فتأمل (قوله: مضافا إلى عدم شمول) هذا مانع آخر عن جريان الاصول في اطراف العلم ذكره شيخنا الأعظم (ره) في آخر الاستصحاب من رسائله وحاصله: أن أدلة الاستصحاب لا تشمل اطراف العلم الاجمالي لانه يلزم من شمولها التناقض بين صدر دليل الاستصحاب وذيله فان قوله (ع): لا تنقض اليقين بالشك، وان كان يشمل الشك المسبوق باليقين في كل واحد من الاطراف، ولازمه جريان الاستصحاب في كل واحد من الاطراف، الا أنه قوله (ع) في ذيل تلك الرواية: ولكن تنقضه بيقين آخر، شامل للمتيقن بالاجمال ولازمه وجوب العمل على اليقين الاجمالي، ومن المعلوم أن العمل على اليقين الاجمالي يضاد العمل على الشك في كل
* لا تفاوت في نظر العقل أصلا فيما يترتب على القطع من الآثار عقلا بين أن يكون حاصلا بنحو متعارف ومن سبب ينبغي حصوله منه أو غير متعارف لا ينبغي حصوله منه ______________________________ واحد من الاطراف، فلا يمكن الاخذ بالصدر والذيل معا، وحيث لا مرجح يحكم بسقوطهما معا فلا يجري الاصل في اطراف العلم، وهذا الاشكال وان كان يطرد في جميع صور العلم الاجمالي لكن ذكره الشيخ (ره) في خصوص ما لو كان العلم الاجمالي منجزا عقلا لمتعلقه، وحكى بعض تلامذته من المحققين أن الوجه في هذا التخصيص ما صرح به في مجلس درسه الشريف من ظهور اليقين في الذيل في خصوص اليقين المنجز دون غيره وعليه فلا مجال للاشكال في صورة الدوران بين الوجوب والحرمة كما هو محل الكلام فتأمل، وسيجئ التعرض من المصنف - رحمه الله - لهذا الاشكال في محل آخر ونتعرض هناك انشاء الله تعالى لما ينبغي له وعليه فانتظر (قوله: لا تفاوت في نظر العقل) لا رب في ان اطلاق موضوع كل حكم وتقييده من حيث الافراد أو الاحوال أو الازمان أو غيرها تابع لنظر جاعل الحكم، فاطلاق موضوع الحكم العقلي وتقييده تابع لنظر العقل، كما أن اطلاق موضوع حكم الشارع الأقدس تابع لنظر الشارع، واطلاق موضوع الحكم العرفي تابع لنظر العرف... إلى غير ذلك، وحيث أن القطع الطريقي موضوع لحكم العقل بالمنجزية ووجوب الموافقة فاطلاقه وتقييده تابعان لنظر العقل، وحيث انه لا فرق في نظر العقل في ترتب الآثار المذكورة بين أفراد القطع ولا بين أحواله كان الواجب الحكم بحجية القطع مطلقا من غير فرق بين قطع القطاع وغيره ولا بين القطع الحاصل من المقدمات العقلية وغيره، إلى غير ذلك من شؤون الاطلاق، وحيث أن القطع الموضوعي موضوع للحكم الشرعي جاز اطلاقه وتقييده كل ذلك بنظر الشارع، ولابد في معرفة ذلك من الرجوع إلى دليل ذلك الحكم فان اقتضى ثبوته لمطلق القطع حكم بموضوعيته مطلقا وان اقتضى ثبوته لبعض أفراده اقتصر عليه كما هو الحال في سائر الموضوعات الشرعية مثل
- كما هو الحال غالبا في القطاع - ضرورة أن العقل يرى تنجز التكليف بالقطع الحاصل مما لا ينبغي حصوله وصحة مؤاخذة قاطعه على مخالفته وعدم صحة الاعتذار عنها بانه حصل كذلك وعدم صحة المؤاخذة مع القطع بخلافه وعدم حسن الاحتجاج عليه بذلك ولو مع التفاته إلى كيفية حصوله. نعم ربما يتفاوت الحال في القطع المأخوذ في الموضوع شرعا والمتبع في عمومه وخصوصه دلالة دليله في كل مورد فربما يدل على اختصاصه بقسم في مورد وعدم اختصاصه به في آخر على اختلاف الأدلة واختلاف المقامات بحسب مناسبات الاحكام والموضوعات وغيرها من الامارات، (وبالجملة): القطع فيما كان موضوعا عقلا لا يكاد يتفاوت من حيث القاطع ولا من حيث المورد ولا من حيث السبب لا عقلا وهو واضح ولا شرعا لما عرفت من انه لا تناله يد الجعل نفيا ولا اثباتا وان نسب إلى بعض الاخباريين انه لا اعتبار بما إذا كان بمقدمات عقلية الا أن مراجعة كلماتهم لا تساعد على هذه النسبة بل يشهد بكذبها وأنها إنما تكون إما في مقام منع الملازمة بين حكم العقل بوجوب شئ وحكم الشرع بوجوبه كما ينادي به باعلى صوته ما حكي عن السيد الصدر في باب ______________________________ الخمر والتمر والصدق والكذب فلاحظ (قوله: كما هو الحال) مثال لما يحصل من سبب غير متعارف (قوله: ضرورة أن العقل) تعليل لعدم التفاوت الذي ذكره (قوله: وصحة مؤاخذة) معطوف على: تنجز التكليف (قوله: عنها) الضمير راجع إلى المخالفة (قوله: كذلك) يعني حصل من سبب غير متعارف والمعنى انه لا يصح ان يعتذر العبد عن مخالفة القطع بان قطعه حصل من سبب غير متعارف (قوله: وعدم صحة) هذا بيان لترتب الأثر الآخر للقطع الطريقي وهو كونه عذرا في مخالفة الواقع (قوله: بخلافه) يعني خلاف التكليف (قوله: وعدم حسن) معطوف على صحة المؤاخذة والمراد انه لا يحسن ان يحتج على القاطع العامل على طبق قطعه بان قطعك حاصل من الأسباب غير المتعارفة فلم عملت على طبقه ؟ (قوله: مع التفاته) الضمير راجع
الملازمة فراجع، وإما في مقام عدم جواز الاعتماد على المقدمات العقلية لانها لا تفيد الا الظن كما هو صريح الشيخ المحدث الأمين الاسترابادي - رحمه الله - حيث قال في جملة ما استدل به في فوائده على انحصار مدرك ما ليس من ضروريات الدين في السماع عن الصادقين (ع): (الرابع) أن كل مسلك غير ذلك المسلك - يعني التمسك بكلامهم عليهم الصلاة والسلام - إنما يعتبر من حيث افادته الظن بحكم الله تعالى وقد أثبتنا سابقا انه لا اعتماد على الظن المتعلق بنفس أحكامه تعالى أو بنفيها وقال في جملتها أيضا - بعد ذكر ما تفطن بزعمه من الدقيقة ما هذا لفظه: وإذا عرفت ما مهدناه من الدقيقة الشريفة فنقول: إن تمسكنا بكلامهم - عليهم السلام فقد عصمنا من الخطأ وإن تمسكنا بغيره لم نعصم عنه، ومن المعلوم أن العصمة عن الخطأ أمر مطلوب مرغوب فيه شرعا وعقلا ألا ترى أن الامامية استدلوا على وجوب العصمة بانه لولا العصمة للزم أمره تعالى عباده باتباع الخطأ وذلك الامر محال لأنه قبيح، وانت إذا تأملت في هذا الدليل علمت أن مقتضاه أنه لا يجوز الاعتماد على الدليل الظني في أحكامه تعالى. انتهى موضع الحاجة من كلامه، وما مهده من الدقيقة هو الذي نقله شيخنا العلامة - اعلى الله مقامه - في الرسالة وقال في فهرست فصولها أيضا: الاول في إبطال جواز التمسك بالاستنباطات الظنية في نفس أحكامه تعالى شأنه وجوب التوقف عند فقد القطع بحكم الله أو بحكم ورد عنهم - عليهم السلام - انتهى. وأنت ترى أن محل كلامه ومورد نقضه وإبرامه هو العقلي غير المفيد للقطع وإنما همه إثبات عدم جواز اتباع غير النقل فيما لا قطع. وكيف كان فلزوم اتباع القطع مطلقا وصحة المؤاخذة على مخالفته عند اصابته وكذا ترتب ساير آثاره عليه عقلا مما لا يكاد يخفى على عاقل فضلا عن فاضل فلابد فيما يوهم خلاف ذلك في الشريعة ______________________________ إلى القاطع (قوله: وقال في فهرست) يعنى الاسترابادي في فهرست فصول
* من المنع عن حصول العلم التفصيلي بالحكم الفعلي (العقلي خ ل) لاجل منع بعض مقدماته الموحبة له ولو اجمالا فتدبر جيدا (الامر السابع) أنه قد عرفت كون القطع التفصيلي بالتكليف الفعلي علة تامة لتنجره لا يكاد تناله يد الجعل اثباتا أو نفيا فهل القطع الاجمالي كذلك ؟ فيه اشكال ربما يقال: ان التكليف ______________________________ فوائده (قوله: من المنع عن حصول) خبر لقوله: (لابد) يعني ما ورد في الشريعة مما يوهم المنع عن القطع الطريقي لابد أن يحمل على المنع من حصول العلم لمنع بعض المقدمات الموجبة له (قوله: ولو اجمالا) متعلق بمنع (قوله: فهل القطع الاجمالي) اعلم ان الكلام في القطع الاجمالي في مقامات ثلاثة (الأول) في أن له اقتضاء الحجية أو ليس له ذلك فيكون كالظن في حال الانفتاح لا يكون حجة الا بجعل جاعل (الثاني) انه بناء على الاقتضاء فهل هو بنحو العلية التامة بحيث يكون موجبا لحكم العقل باستحقاق العقاب على تقدير المخالفة وعدم استحقاقه على تقدير الموافقة حكما تنجزيا غير موقوف على شئ من وجود شرط أو فقد مانع ؟ أو انه بنحو صرف الاقتضاء فيكون موقوفا على عدم المانع عنه عقلا أو شرعا (الثالث) انه بناء على العلية التامة فهل هو علة لحكم العقل بوجوب الموافقة القطعية أو يكفي الموافقة الاحتمالية ؟ وهذه المقامات كلها صارت مجال تأمل واشكال (أما المقام الاول) فحكي الخلاف فيه عن المحقق القمي (ره) والمحقق الخوانساري والوجه في حكاية ذلك عبارتهما المحكية في رسائل شيخنا الأعظم (قده) في الشبهة الوجوبية لكن في استظهار ذلك منها تأمل، ولعل المراد انه لا فعلية للحكم الكلي ما لم يعلم به تفصيلا لا انه ليس في العلم مقتضي الحجية إذ لا يظن التزامهما بذلك في أبواب الفقه بل صرح أولهما بلزوم الاحتياط في الشك في الشرطية، وكيف كان فهذا القول على تقدير ثبوته في غاية الوهن (وأما المقام الثاني) فهو ما تعرض له المصنف (ره) هنا واختار فيه عدم العلية التامة، وحاصل الوجه فيما اختار: أن العلم الاجمالي لما كان مقرونا بالشك دائما وكان الشك موضوعا
للاحكام الظاهرية كانت مرتبة الحكم الظاهري معه محفوظة فجاز حينئذ جعل الحكم الظاهري في كل واحد من اطرافه الموجب ذلك لجواز مخالفته، مثلا إذا علم اجمالا بحرمة اناء مردد بين انائين فكل واحد من الاناءين مشكوك الحرمة فيمكن أن يكون موضوعا لقاعدة الحل أعني قوله (ع): كل شئ لك حلال حتى تعلم انه حرام. (فان قلت): ان الحل المجعول لكل واحد يناقض الحرمة المعلومة اجمالا (قلت): هذه هي المناقضة بين كل حكم ظاهري مجعول في حق الشاك بالواقع وبين الواقع المشكوك ولا تختص بما نحن فيه فما تدفع به هذه المناقضة في الشبهات البدوية التي لا علم فيها أصلا وفى الشبهة غير المحصورة التي لا يجب الاحتياط فيها اجماعا تدفع به المناقضة في المقام. ثم انه (ره) ذكر في الحاشية ما محصله: إن دفع المناقضة بين الأحكام الظاهرية في مورد الأصول والامارات وبين الاحكام الواقعية منحصر بعدم فعلية الاحكام الواقعية ضرورة تضاد الاحكام الواقعية الفعلية والاحكام الظاهرية على خلافها، وحينئذ فمع القطع الاجمالي بالحكم الفعلي يمتنع الترخيص الشرعي على خلافه، وحينئذ فيكون علة تامة لوجوب الموافقة الا إذا ارتفعت فعلية الحكم لعروض عسر أو نحوه مما يوجب ارتفاع فعلية التكليف فيجوز حينئذ الترخيص في مخالفته شرعا وعقلا لكن ذلك لخلل في المعلوم لا لقصور في العلم والا فلو تعلق بالحكم التكليفي لا يكون مانع عن تأثيره شرعا. هذا محصل كلامه زيد في علو مقامه. ولكن لا يخفى ان البحث في حجية العلم الاجمالي وانه علة للتنجز أو مقتض كالبحث في علية العلم التفصيلي لذلك يختص بصورة تعلقه بالحكم الفعلي كما اشار إلى ذلك في مبحث حجية العلم التفصيلي غاية الأمر ان يكون المراد من الفعلية ما لا ينافيه الترخيص حال الجهل كما سيجيئ الاشارة إليه منه (ره)، وحينئذ فكون العلم علة تامة للتنجز لو كان متعلقا بالحكم الفعلي بالمعنى الذي ينافيه الترخيص ليس مما هو محل الكلام وليس ذلك لخصوصية في العلم اقتضت ذلك والا فاحتمال الفعلية ايضا مانع من الترخيص على خلافها لأنه جمع بين المتضادين احتمالا وهو ممتنع، نعم
يفترق العلم عن الجهل المتعلقين بالفعلي بالمعنى الأخير في ان الأول ليس عذرا في نظر العقل والثاني عذر في نظره والا فهما من حيث المنع عن الترخيص الشرعي سواء، ومن هنا يظهر أن ما ذكره في المتن من كونه مقتضيا للتنجز هو المختار له في محل الكلام في المقام لكنه ليس مطابقا لما هو الحق الحقيق بالقبول، وما ذكره في وجهه من ان مرتبة الحكم الظاهري معه محفوظة لا يصلح سندا له ولا ينبغي ان يعول عليه فان كل واحد من اطراف المعلوم بالاجمال وان كان مشكوك الحكم وبذلك يصير موضوعا للحكم الظاهري لكن لابد من توجيه النظر إلى العلم الاجمالي وانه علة تامة لتنجيز متعلقه على اجماله اولا ؟ فعلى الأول يمتنع الترخيص في اطرافه لأنه نظير الترخيص في مخالفة العلم التفصيلي، وعلى الثاني لا مانع منه (فنقول): لا ينبغي التأمل في ان العلم الاجمالي ليس الا من سنخ العلم التفصيلي موجبا لاراءة متعلقه وانكشافه انكشافا تاما لا قصور في ناحية انكشافه اصلا فان من علم انه يجب عليه اكرام زيد بن بكر الذي لا يعرفه بعينه لا قصور في علمه بالاضافة إلى متعلقة اعني اكرام زيد بكر ومجرد تردده بين شخصين لا يوجب نقصا في علمه بالاضافة إلى متعلقه غاية الأمران علمه لم يحط بتمام الخصوصيات المانعة من التردد بين شخصين، ومن المعلوم بشهادة الوجدان عدم دخل ذلك في المنع من منجزية العلم إذ لا ريب في انه بمجرد حصول ذلك العلم الاجمالي يتحرك العبد نحو موافقته بطبعه وعقله ويعد قول المولى: لا تكرم كل واحد من الشخصين: مناقضا لما علم بحيث يحكم اجمالا بان احد الكلامين ليس مطابقا للواقع نظير ما تقدم في العلم التفصيلي حرفا بحرف، فلا فرق بين العلمين من هذه الجهة اصلا، ومن هذا يظهر انه لا مجال للترخيص الظاهري في كل واحد من اطراف الشبهة لأنه راجع إلى الترخيص في المعصية الممتنع عقلا، ومجرد كون كل واحد مشكوك الحكم لا يصححه بعد انطباق عنوان الترخيص في المعصية عليه الذي لا ريب في قبحه، والتأمل في طريقة العقلاء يوجب وضوح ما ذكرنا بما لا مزيد عليه فالمعول عليه حينئذ انه علة تامة للتنجز بحيث لا يتوقف على وجود شرط أو فقد
حيث لم ينكشف به تمام الانكشاف وكانت مرتبة الحكم الظاهري معه محفوظة جاز الاذن من الشارع بمخالفته احتمالا بل قطعا وليس محذور مناقضة مع المقطوع اجمالا إلا محذور مناقضة الحكم الظاهري مع الواقعي في الشبهة غير المحصورة بل الشبهة البدوية ضرورة عدم تفاوت في المناقضة بين التكليف الواقعي والاذن في الاقتحام في مخالفته بين الشبهات فما به التفصي عن المحذور فيهما كان به التفصي عنه في القطع به في الاطراف المحصورة أيضا كما لا يخفى وقد اشرنا إليه سابقا ويأتي انشاء الله مفصلا ______________________________ مانع اصلا وعدم وجوب الاحتياط في الشبهة غير المحصورة كان من جهة عدم فعلية التكليف لعدم الابتلاء أو للعجز أو نحوهما كما سيأتي بيانه انشاء الله في محله، فلاحظ وتأمل (قوله: حيث لم ينكشف به تمام) لتردد المعلوم بين شيئين من جهة عدم تعلق العلم بتمام خصوصياته التي يكون العلم بها مانعا من التردد به، لكن قد عرفت ان هذا المقدار لا يقدح في المنجزية وليس ذلك عند العقلاء الا كما لو لم تعلم الخصوصيات الزائدة على تعينه كما لو علم بوجوب اكرام الشخص الحاضر عنده مع عدم علمه بانه فقير أو غني عالم أو جاهل هاشمي أو غير هاشمى... إلى غير ذلك من العناوين التي يتردد بينها الشخص، وكما ان مثل هذا التردد بين هذه العناوين لا يقدح في منجزية العلم بالتكليف فليكن في المقام كذلك، واما الفرق بين المقامين بما ذكر من محفوظية مرتبة الحكم الظاهري من جهة ان التردد بين شيئين موجب لكون كل واحد منهما مشكوك الحكم دون مورد النقض فقد عرفت الجواب عنه سابقا بان مجرد ذلك لا يصحح الترخيص بعد ما كان العلم مانعا من الترخيص في مخالفة نفس المعلوم بالاجمال لان الترخيص في كل واحد منهما ترخيص في مخالفة المعلوم بالاجمال المؤدي إلى التناقض كما في العلم التفصيلي وهذا غير المناقضة الحاصلة في الشبهة البدوية أو غير المحصورة لأن الترخيص فيهما ترخيص في المجهول لا المعلوم وهنا ترخيص في المعلوم، فالفرق بينهما ظاهر ومنه يظهر لك ما في قوله: وكانت
نعم كان العلم الاجمالي كالتفصيلي في مجرد الاقتضاء لا في العلية (١) التامة فيوجب تنجز التكليف ايضا لو لم يمنع عنه مانع عقلا كما كان في اطراف كثيرة غير محصورة أو شرعا كما في ما اذن الشارع في الاقتحام فيها كما هو ظاهر: (كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه) وبالجملة قضية صحة المؤاخذة على مخالفته مع القطع به بين أطراف محصورة وعدم صحتها مع عدم حصرها أو مع الاذن في الاقتحام فيها هو كون القطع الاجمالي مقتضيا للتنجز لا علة تامة ______________________________ مرتبة الحكم، كما يظهر ما في قوله: وليس محذور مناقضة... الخ (قوله: نعم كان العلم الاجمالي) هذا تعرض للمقام الأول من المقامات الثلاثة (قوله: كما كان في اطراف كثيرة) سيجئ إنشاء الله بيان الوجه في عدم منجزية العلم إذا كان في اطراف غير محصورة مما يرجع كله إلى قصور في المعلوم اعني التكليف به بحيث لا يصلح للمحركية اما لعدم القدرة أو لعدم الابتلاء أو غيرهما فانتظر (قوله: كما هو ظاهر: كل) وعليه فلازم ما ذكره جواز الارتكاب في اطراف الشبهة المحصورة ولا يظن من المصنف (ره) الالتزام به كيف وهو مخالف للاجماعات ______________
وأما احتمال انه بنحو الاقتضاء بالنسبة إلى لزوم الموافقة القطعية وبنحو العلية بالنسبة إلى الموافقة الاحتمالية وترك المخالفة القطعية فضعيف جدا ______________________________ المستفيضة في الموارد المتفرقة في الفقه ؟ وكون هذه الاجماعات هي الوجه في لزوم الاحتياط تعبدا خلاف ما يقتضيه التأمل في كلماتهم في الفقه فراجع وتأمل (قوله: واما احتمال انه بنحو الاقتضاء) هذا تعرض للمقام الثالث من المقامات الثلاثة التي أشرنا إليها سابقا وان العلم الاجمالي على تقدير كونه علة تامة للتنجز فهل يقتضي وجوب الموافقة القطعية عقلا بحيث يمتنع الترخيص في بعض المحتملات أو لا يقضتي الا حرمة المخالفة القطعية فيجوز الترخيص في بعض المحتملات دون جميعها ؟ وحاصل ايراد المصنف (ره) عليه: ان المنع عن الترخيص في الجميع ليس الا كونه موجبا للتناقض كما تقدم هنا وفي العلم التفصيلي وهذا بعينه موجود في الترخيص في احد المحتملات لأنه على تقدير كون مورد الترخيص هو المعلوم بالاجمال يكون ذلك المورد موردا للتخريص والالزام بالمعلوم بالاجمال، ومن المعلوم ان الجمع بينهما احتمالا ممتنع كالجمع بينهما علما لو كان الترخيص في جميع المحتملات، وتحقيق المقام: انك قد عرفت سابقا ان العلم يترتب عليه آثار طولية (احدها) كونه موجبا لاشتغال ذمة المكلف بموضوع التكليف المعلوم وهذا الأثر ينتزع عن مقامه المنجزية (وثانيها) كونه موجبا لتحصيل الفراغ عما اشتغلت به الذمة وهذا منتزع عن مقام وجوب العمل على وفق العلم وهو عين وجوب الاحتياط في موارد العلم الاجمالي (فان كان) غرض القائل بجواز الترخيص الشرعي في بعض الأطراف انه يجوز للشارع الاكتفاء في مقام الفراغ باحد المحتملات بنحو يكون ذلك فراغا تنزيليا بجعله الواقع المعلوم تنزيلا فذلك مما لا ريب في امكانه في العلم التفصيلي فضلا عن العلم الاجمالي فان وجوب الصلاة معلوم بالضرورة من الدين وقد تصرف الشارع في مقام الفراغ عنه بجعل الأصول المثبتة لموضوعه تعبدا مثل استصحاب الطهارة وقاعدتي التجاوز والفراغ والبينة لاثبات الوقت والقبلة وغيرها من الشرائط والأجزاء وغيرها من
الحجج والأصول المجعولة في مقام احراز الواقع باجزائه وشرائطه، وجواز ذلك في العلم الاجمالي اولى، لكن من المعلوم ان هذا المقدار ليس تصرفا في مقام حجية العلم واقتضائه اشتغال الذمة بموضوعه ووجوب تحصيل الفراغ عنه بل إنما ذلك تصرف في مقام احراز الفراغ بجعل المفرغ التعبدي، ولا ينافي كون العلم موجبا للموافقة القطعية اصلا، إذ ليس لسان تلك الأدلة انه لا يجب الفراغ بل كان لسانها ان هذا واقع وبفعله يحصل الفراغ عن الواقع (وان كان) غرضه جواز ترك تحصيل المفرغ المحتمل لعدم وجوب الفراغ القطعي من دون نظر إلى جعل الواقع تعبدا فهذا شئ يخالف ما عرفت من حكم العقل بوجوب الفراغ عما اشتغلت به الذمة بالعلم، ويشهد بما ذكرنا ظهور كلماتهم في الاتفاق على وجوب الاجتناب عن أطراف الشبهة من دون فرق بين ما لو كان العمل بالأصول في الأطراف موجبا للمخالفة القطعية وعدمه كما لو كان أحد الأطراف مجرى لاستصحاب الطهارة والآخر مجرى لقاعدة الطهارة لعدم العلم بالحالة السابقة الذي هو شرط إجراء الاستصحاب فيه فان الاستصحاب في الأول والقاعدة في الثاني يتعارضان وبعد تساقطهما للمعارضة يرجع في مورد استصحاب الطهارة اعني الأول إلى قاعدة الطهارة فيه لأنها لما كانت محكومة للاستصحاب كما سيأتي بيانه في محله لم تجر إلا بعد سقوط الاستصحاب للمعارضة، وإذا جرت فيه لم يبق لها معارض في الآخر لكونه ليس موردا للاستصحاب من جهة الجهل بحاله السابقة ولا للقاعدة من جهة سقوطها للمعارضة ولازم القول بالتفصيل المذكور جواز ارتكاب مجرى قاعدة الطهارة، بل لعل لازم القول المذكور حلية احد الأطراف في جميع الصور بمقتضى بعض اخبار البراءة مثل: رفع ما لا يعلمون، ونحوه مما لا مجال للاشكال في شموله للاطراف لعدم اشتماله على ما يوجب العمل على العلم كما في بعض اخبار الاستصحاب الذي تقدمت الاشارة إليه، أو ما اشتمل على كون غاية الحكم فيه العلم ليتمسك بمفهومه فانه إذا كان شاملا لطرفي الشبهة فالعقل إنما يمنع عن شموله لهما معا جمعا ولا يمنع عن شموله لأحدهما فيرفع اليد بتوسط حكم العقل عن احدهما تخييرا ويستفاد منه الترخيص في
ضرورة أن احتمال ثبوت المتناقضين كالقطع بثبوتهما في الاستحالة فلا يكون عدم القطع بذلك معهما موجبا لجواز الاذن في الاقتحام بل لو صح معهما الاذن في المخالفة الاحتمالية صح في القطعية ايضا فافهم ولا يخفى ان المناسب للمقام ______________________________ بعض اطراف الشبهة في جميع الشبهات المحصورة (فان قلت): هذا لا يختص بهذا القول بل يطرد على القول بالعلية بالنسبة إلى وجوب الموافقة القطعية، وتوضيح ذلك: انه إذا جاز للشارع التصرف في المفرغ بجعل المفرغ التنزيلي تعبدا فليستكشف ذلك من عموم ادلة الأصول للاطراف فانه إذا فرض عموم الأدلة لأطراف الشبهة وفرض انه لا يجوز الترخيص في واحد إلا مع جعل البدل فليستكشف جعل البدل من ادلة الترخيص (قلت): لا يصح ذلك بناء على العلية للزوم الدور فان العلم بالترخيص يتوقف على العلم بجعل البدل فلا يمكن استفادة العلم بجعل البدل من العلم بالترخيص، وان شئت قلت: احتمال جعل البدل غير كاف في الاذعان بالترخيص إذ العقل لا يقبل الترخيص حتى يعلم بجعل البدل فإذا كان الاذعان بجعل البدل موقوفا على العلم بالترخيص كيف يتسفاد العلم بالترخيص من العلم بجعل البدل. نعم لو كان احتمال جعل البدل كافيا في قبول العقل للترخيص امكن استكشاف جعل البدل من ادلة الترخيص لكنه ليس كذلك كما هو ظاهر بالتأمل وسيجيئ إنشاء الله تعالى توضيح ذلك في مبحث الاشتغال (قوله: ضرورة ان) تعليل للضعف وقد بيناه سابقا (قوله: بذلك) اشارة إلى ثبوت المتناقضين (قوله: معهما) أي مع الموافقة الاحتمالية وترك المخالفة القطعية، وكذا قوله (معهما) الثاني (قوله: بل لو صح معهما) يعني لو صح الترخيص في المخالفة الاحتمالية كانت صحته من جهة عدم التضاد بين الالزام المعلوم بالاجمال والترخيص بخلافه وإذا لم يكن تضاد بينهما جاز الترخيص في جميع الأطراف (قوله: فافهم) يمكن أن يكون اشارة إلى بعض ما ذكرنا من جواز الترخيص مع جعل البدل أو انحلال العلم الاجمالي على ما يأتي انشاء الله بيانه مفصلا في مبحث
هو البحث عن ذلك كما أن المناسب في باب البراءة والاشتغال بعد الفراغ هاهنا عن أن تأثيره في التنجز بنحو الاقتضاء لا العلية هو البحث عن ثبوت المانع شرعا أو عقلا عدم ثبوته كما لا مجال بعد البناء على انه بنحو العلية للبحث عنه هناك اصلا كما لا يخفى هذا بالنسبة إلى اثبات التكليف وتنجزه به وأما سقوطه به بان يوافقه اجمالا فلا اشكال فيه في التوصليات وأما في العباديات ______________________________ البراءة فانتظر (قوله: هو البحث عن ذلك) هذا تعريض بشيخنا الأعظم (ره) في رسائله حيث جعل البحث عن علية العلم الاجمالي لوجوب الموافقة القطعية من مباحث البراءة والاشتغال التي يبحث فيها عن الشك وخص البحث عن عليته لحرمة المخالفة القطعية بكونه من مباحث العلم، وحاصل ايراد المصنف (ره) عليه: ان مباحث العلم هي التى يكون الموضوع فيها العلم، ومن المعلوم ان المقامات الثلاثة كلها إنما يبحث فيها عن العلم ولا وجه للفرق بين البحث عن علية العلم بوجوب الموافقة القطعية والبحث عن عليته لحرمة المخالفة القطعية فان الاول من مباحث الشك والثاني من مباحث العلم (قوله: كما ان المناسب) هذا تعريض بالشيخ (ره) أيضا حيث بحث في قاعدة الاشتغال عن علية العلم لكل من حرمة المخالفة القطعية ووجوب الموافقة القطعية وهما معا من مباحث العلم كما عرفت وما هو من مباحث الشك هو خصوص البحث عن ثبوت الترخيص الشرعي أو العقلي في احد الاطراف أو كليهما بعد البناء على كون العلم مقتضيا لوجوب الموافقة القطعية أو لحرمة المخالفة القطعية لا علة (قوله: هذا بالنسبة إلى اثبات يعني أن البحث عن عوارض العلم يكون (تارة) من حيث انه ينجز ما تعلق به من التكليف أولا (وأخرى) من حيث انه يكتفى به في مقام الفراغ عن عهدة التكليف الثابت في الذمة أولا يكتفى به بل لابد من العلم التفصيلي بالامتثال ان امكن والا فالظن التفصيلي (وملخص) الكلام: ان التكليف الثابت الذي يوافقه المكلف اجمالا إما ان يكون توصليا أو تعبديا، والثاني إما ان يتردد
فكذلك فيما لا يحتاج إلى التكرار كما إذا تردد أمر عبادة بين الأقل والأكثر لعدم الاخلال بشئ مما يعتبر أو يحتمل اعتباره في حصول الغرض منها مما لا يمكن ______________________________ موضوع التكليف فيه بين المتباينين بحيث يحتاج في مقام العلم بالفراغ إلى التكرار، أو يتردد بين الأقل والأكثر فيحصل العلم بالامتثال بفعل الأكثر، فان كان التكليف توصليا فلا اشكال في الاكتفاء بالعلم الاجمالي بالامتثال لان العلم الاجمالي بحصول الواجب يوجب العلم بحصول الغرض لان مقتضى كونه توصليا ان يكون وجود الواجب مطلقا علة تامة لحصول الغرض فإذا علم بوجوده علم بحصول الغرض فيعلم بسقوط الامر، وان كان عباديا يتردد موضوعه بين الاقل والاكثر فينبغي الجزم ايضا بالاكتفاء بفعل الاكثر في حصول الغرض وسقوط الامر، لان عدم حصول الغرض في العبادة اما أن يكون لعدم وجود الواجب أو لعدم شرط الاطاعة مما يمتنع اخذه في الواجب مثل نية القربة ونية الوجه والتمييز، والجميع حاصل: أما وجود الواجب فلكونه المفروض، واما نية القربة والوجه والتمييز فالتردد بين الاقل والاكثر لا يمنع من تمكن المكلف منها فيمكنه ان يأتي بالاكثر بداعي وجوبه بوصف وجوبه عالما بوجوبه، فإذا جاء به المكلف على هذا الحال كان المأتي به واجدا لكل ما يعتبر في الاطاعة فلا بد ان يسقط الامر لحصول الغرض نعم الجزء المشكوك وجوبه لم يؤت به بوصف وجوبه ولا مع الالتفات إلى وجوبه وهذا المقدار لا يوجب فساد الفعل لعدم اعتباره عند العقلاء في حصول الاطاعة ولا عند الشارع في حصول الغرض، اما الاول فواضح، واما الثاني فلان اعتباره مناف للاطلاق المقامي وهو عدم البيان مع الحاجة إليه الذي هو طريق إلى العدم والا لاخل بالغرض كما تقدم بيانه في مباحث الالفاظ (قوله: فكذلك) يعني لا إشكال فيه (قوله: لعدم الاخلال) تعليل لعدم الاشكال في سقوط الامر والتكليف (قوله: منها) الضمير راجع إلى العبادة (قوله: مما لا يمكن) بيان لما يعتبر أو يحتمل اعتباره في العبادة يعني من القيود التي لا تؤخذ
* أن يؤخذ فيها فانه نشأ من قبل الأمر بها كقصد الاطاعة والوجه والتمييز فيما إذا أتى بالأكثر ولا يكون اخلال حينئذ الا بعدم اتيان ما احتمل جزئيته على تقديرها بقصدها واحتمال دخل قصدها في حصول الغرض ضعيف في الغاية وسخيف إلى النهاية وأما فيما احتاج إلى التكرار فربما يشكل من جهة الاخلال بالوجه (تارة) وبالتميز (أخرى) وكونه لعبا وعبثا (ثالثة) وانت خبير بعدم الأخلال بالوجه بوجه في الاتيان مثلا بالصلاتين المشتملتين على الواجب لوجوبه غاية الأمر أنه لا تعيين له ولا تميز فالاخلال إنما يكون به واحتمال اعتباره أيضا في غاية الضعف ______________________________ في نفس العبادة لامتناع اخذها كذلك لانها متأخرة عن الامر فلا تؤخذ في موضوعه فقوله: فانه نشأ... الخ تعليل لعدم الامكان (قوله: فيما إذا أتى بالاكثر) متعلق بعدم الاخلال (قوله: بعدم اتيان) لكن يلازم ذلك فقد نية الوجه والتمييز من الجزء فتأمل (قوله: بقصدها) الضمير راجع إلى الجزئية وكذا ضمير قصدها الآتى (قوله: ضعيف) خبر الاحتمال، ووجه ضعفه ما سيشير إليه من منافاته للاطلاق المقامي (قوله: وأنت خبير بعدم) ينبغي ان يعلم أن المكلف في مقام فعل كل واحد من اطراف الشبهة الوجوبية إنما يفعله عن ارادة متعلقة بفعل الواجب فكل واحد منهما إنما يصدر عن تلك الارادة المتعلقة بفعل الواجب المعلوم غاية الامر ان تلك الارادة إنما تؤثر في كل واحد منهما بتوسط احتمال انطباق المراد عليه، فمن يعلم بأنه يجب عليه ان يكرم زيدا المردد عنده بين شخصين تحدث بسبب علمه بذلك ارادة متعلقة باكرام زيد وهذه الارادة تؤثر في اكرام كل واحد من الشخصين بتوسط احتمال انطباق المعلوم عليه، فلا مجال لتوهم ان فعل كل واحد ليس بداعي الامر بل بداعي احتمال الامر، فلا قصور في قصد الاطاعة حينئذ، ثم هذه الارادة المؤثرة في كل واحد منهما لما كانت متعلقة بالواجب المعلوم فيمكن اخذا الوجو ب فيه، صفا أو غاية ______________
لعدم عين منه ولا اثر في الأخبار مع أنه مما يغفل عنه غالبا وفي مثله لابد من التنبيه على اعتباره ودخله في الغرض والا لاخل بالغرض كما نبهنا عليه سابقا وأما كون التكرار لعبا وعبثا فمع انه ربما يكون لداع عقلائي إنما يضر إذا كان لعبا بامر المولى لا في كيفية إطاعته بعد حصول الداعي إليها كما لا يخفى. هذا كله في قبال ما إذا تمكن من القطع تفصيلا بالامتثال وأما إذا لم يتمكن إلا من الظن به كذلك فلا اشكال في تقديمه على الامتثال الظني لو لم يقم دليل على اعتباره الا فيما إذا لم يتمكن منه واما لو قام على اعتباره ______________________________ بالمعنى المراد من نية الوجه فلا قصور حينئذ في نية الوجه، ويبقى اشكال فقد التمييز لكنه غير قادح في حصول الغرض وسقوط الامر من جهة نفي احتمال اعتباره بالاطلاق المقامي (قوله: لعدم عين منه ولا أثر) ومثله نية الوجه كما تقدم في مباحث الامر (قوله: فمع انه ربما) يعني ففيه مع انه ممنوع إذ قد يكون هناك داع يدعو إلى الامتثال بالتكرار ويمنع عن تحصيل العلم التفصيلي بالواجب ليمكن موافقته التفصيلية كما لو توقف العلم على السؤال والفحص الموجبين لبعض المشقة بنحو يكون التكرار اهون منها فلا يكون التكرار حينئذ لعبا وعبثا انه لو سلم كونه لعبا وعبثا فلا يقدح في الاطاعة المعتبرة في العبادة وإنما يقدح لو كان لعبا بامر المولى فانه نحو من التجري فلا يكون إطاعة وانقيادا ولكنه لعب في كيفية الاطاعة في فرض تحققها لفرض كون كل واحد من الاطراف إنما يؤتى به عن داعي الامر، وحينئذ يحصل الفرض ويسقط الامر (قوله: هذا كله في قبال) يعني في فرض التمكن من الامتثال التفصيلي (قوله: به كذلك) يعني بالامتثال تفصيلا (قوله: في تقديمه) يعني تقديم الامتثال العلمي الاجمالي على الامتثال الظني التفصيلي (قوله: لو لم يقم دليل) يعني إنما ينتفي الاشكال عن تقديم الامتثال العلمي الاجمالي على الظني التفصيلي إذا لم يكن الظن حجة مع امكان الامتثال العلمي الاجمالي فانه إذا لم يكن الظن حجة حينئذ لا
مطلقا فلا اشكال في الاجتزاء بالظني كما لا اشكال في الاجتزاء بالامتثال الاجمالي في قبال الظني بالظن المطلق المعتبر بدليل الانسداد بناء على أن يكون من مقدماته عدم وجوب الاحتياط وأما لو كان من مقدماته بطلانه لاستلزامه العسر المخل بالنظام أو لانه ليس من وجوه الطاعة والعبادة بل هو نحو لعب وعبث بامر المولى فيما إذا كان بالتكرار كما توهم فالمتعين هو التنزل عن القطع تفصيلا إلى الظن كذلك وعليه فلا مناص عن الذهاب إلى بطلان عبادة تارك طريقي التقليد والاجتهاد وان احتاط فيها كما لا يخفى (هذا) بعض الكلام في القطع مما يناسب المقام ويأتي بعضه الآخر في مبحث البراءة والاشتغال. فيقع المقال فيما هو المهم من عقد هذا المقصد وهو بيان: ما قيل باعتباره من الامارات اوصى أنه يقال وقبل الخوض في ذلك ينبغي تقديم أمور (أحدها) أنه لا ريب في أن الامارة غير العلمية ليست كالقطع في كون الحجية من لوازمها ومقتضياتها بنحو العلية ______________________________ يجوز الاعتماد عليه في الامتثال بل يكون من الاعتماد على غير الحجة الممتنع عقلا، فضمير (اعتباره) راجع إلى الظن وضمير (منه) راجع إلى الامتثال العلمي الاجمالي (قوله: مطلقا) يعني حتى مع امكان الامتثال العلمي الاجمالي (قوله: فلا اشكال في الاجتزاء) لأنه مقضتى حجيته، كما انه لا ينبغي الاشكال في كفاية الامتثال العلمي الاجمالي ايضا إذ ليس الظن التفصيلي باعظم من العلمي التفصيلي الذي قد عرفت مساواته للامتثال الاجمالي (قوله: بناء على أن يكون) إذ على هذا البناء لا يكون الاحتياط ممنوعا عنه فيكتفى به (قوله: المخل بالنظام) يعني فلا يجوز لوجوب حفظ النظام (قوله: الظن كذلك) يعني تفصيلا ولا يجوز الامتثال الاجمالي (قوله: ليست كالقطع) لا ينبغي أن يتوهم مما ذكرنا في القطع من كون وجوب موافقته فطريا بمناط لزوم دفع الضرر المقطوع انه يكون الظن ايضا مما تجب موافقته كذلك بمناط لزوم دفع الضرر المظنون (ووجه) اندفاع هذا التوهم:
* بل مطلقا وان ثبوتها لها محتاج إلى جعل أو ثبوت مقدمات وطروء حالات موجبة لاقتضائها الحجية عقلا - بناء على تقرير مقدمات الانسداد بنحو الحكومة - وذلك لوضوح عدم اقتضاء غير القطع للحجية بدون ذلك ثبوتا بلا خلاف ولا سقوطا وان كان ربما يظهر فيه من بعض المحققين الخلاف والاكتفاء بالظن بالفراغ ولعله لأجل عدم لزوم دفع الضرر المحتمل فتأمل (ثانيها) في بيان إمكان التعبد بالامارة غير العليمة شرعا وعدم لزوم محال منه عقلا في قبال دعوى استحالته للزومه ______________________________ ما أشرنا إليه من أن الضرر المقطوع المترتب على مخالفة القطع إنما كان ناشئا عن طريقيته الذاتية الموجبة لحكم العقل باستحقاق العقاب على مخالفته وهو المقصود من الضرر المقطوع، وهنا لا حكم للعقل باستحقاق العقاب على تقدير مخالفة الظن ليكون الضرر مظنونا فيجب دفعه بمناط لزوم دفع الضرر المظنون، وانما لم يحكم بذلك لعدم كونه طريقا إلى الواقع وحجة عليه بذاته، وهذا الأثر من آثار الحجية، ولذا لو فرض كونه حجة شرعا بالجعل أو عقلا بمقدمات الانسداد يحكم العقل بحسن العقاب على مخالفته فيجب العمل على طبقه بمناط لزوم دفع الضرر المظنون بناء على كون العقاب على مخالفة الواقع حينئذ، ولو بنينا على كونه على مخالفة الحجة كان الضرر مقطوعا لا مظنونا كما لا يخفى (قوله: بل مطلقا) يعني ولا بنحو الاقتضاء بان يكون حجة بذاته لكنه مشروط بعدم المنع عن العمل به، (والوجه في ذلك): انه لا طريق إلى دعوى ثبوت هذا الاقتضاء بل هو خلاف الوجدان كما هو ظاهر (قوله: إلى جعل) يعني جعل شرعي (قوله: بناء على تقرير) اما بناء على الكشف فيكون من الجعل الشرعي (قوله: ثبوتا) يعني في مقام اثبات التكليف به (قوله: ولا سقوطا) يعني في مقام اسقاط التكليف كما لو يقوم على الفراغ واداء المكلف به (قوله: ولعله لأجل) يعني يمكن أن يكون الوجه في دعوى المحقق المذكور حجية الظن بالفراغ بذاته هو انه إذا ظن بالفراغ كان احتمال عدم الفراغ ضعيفا فيكون الضرر
وليس الامكان ______________________________ محتملا حينئذ فإذا بني على عدم لزوم دفع الضرر المحتمل لم يجب الاعتناء باحتمال عدم الفراغ وهو معنى حجية الظن (هذا) ولكن فيه - مع انه يكفي في ذلك البناء على عدم وجوب دفع الضرر الموهوم - أن لازم ذلك اشتراط حجية كل ظن مجعول الحجية على ثبوت التكليف أن لا يكون ظن على خلافه فانه لو كان مظنون الخطأ جاز مخالفته لعدم وجوب دفع الضرر المحتمل ولا يظن التزام القائل المذكور به، مع أن قاعدة وجوب دفع الضرر لا ترتبط بباب الحجية التي هي محل الكلام، فان المراد من كون الظن حجة في مقام الفراغ ان الاعتماد عليه موجب للأمن من الضرر بل القطع بعدمه والبناء على عدم وجوب دفع الضرر المحتمل - لو سلم - لا ينافي ترتب الضرر ولو احتمالا بل يستحيل أن ينافيه بعد ما كان حكما له وإذا لم ينافه لا يقتضي حجية الظن بمعنى كونه موجبا لعدم الضرر في موافقته كما هو معنى الحجة في محل الكلام، ولعله إلى هذا اشار بقوله: فتأمل (قوله: وليس الامكان بهذا) الامكان يطلق على أحد معان أربعة (الأول) الامكان الذاتي، وهو سلب الضرورة عن الطرف المخالف بالنظر إلى نفس الذات مثل ما يقال: زيد ممكن، أي إذا لحظنا ذات زيد نحكم بان عدمها ليس ضروريا، ويقابله الامتناع الذاتي كما يقال: اجتماع النقيضين ممتنع (الثاني) الامكان الوقوعي، وهو سلب الضرورة عن الطرف المخالف بالنظر إلى ما هو خارج عن الذات كما يقال: زيد ممكن، أي لا يلزم من وجوده محال ليكون وجوده محالا بالعرض ويقابله الامتناع الوقوعي كما يقال: التعبد بالظن ممتنع لأنه يلزم منه تحليل الحرام وتحريم الحلال (الثالث) الامكان القياسي، وهو سلب الضرورة بالنظر إلى القواعد المعلومة شرعا أو عقلا كما يقال: التكليف بالضدين على نحو الترتب ممكن، بمعنى انه ليس فيما بايدينا من القواعد ما يوجب امتناعه إذ لا يلزم منه اجتماع الضدين أو النقيضين أو الدور أو نحو ذلك مما ثبت استحالته ويقابله الامتناع القياسي (الرابع) الامكان الاحتمالي، والمراد به مجرد الاحتمال وذلك
- بهذا المعنى - بل مطلقا - أصل متبعا عند العقلاء في مقام احتمال ما يقابله من الامتناع لمنع كون سيرتهم على ترتيب آثار الامكان عند الشك فيه ومنع حجيتها لو سلم ______________________________ يكون قبل النظر في البرهان أو بعده مع العجز عن اقامة البرهان على امكانه أو امتناعه باحد المعاني الثلاثة. ثم انه لا ريب في أن النزاع في امكان التعبد بالامارات ليس بالامكان بالمعنى الاول كما يظهر من أدلة القائلين بالامتناع ولا بالمعنى الأخير إذ لا يناسب اقامة البراهين من الطرفين، فيدور الأمر بين المعنيين الآخرين والمصنف - رحمه الله - جعل أولهما محل النزاع بل لعل ظاهره انكار كون المعنى الآخر من معاني الامكان، ومن هنا وجه ايراده على شيخه (ره) في رسائله حيث اعترض على المشهور حيث استدلوا على الامكان بانا نقطع بانه لا يلزم من التعبد به محال بقوله (ره): وفى هذا التقرير نظر إذا القطع بلزوم المحال في الواقع موقوف على احاطة العقول بجميع الجهات المحسنة والمقبحة والعلم بانتفائها وهو غير حاصل، فالأولى أن يقرر هكذا: انا لا نجد في عقولنا بعد التأمل ما يوجب الاستحالة وهذا طريق يسلكه العقلاء في الحكم بالامكان. انتهى. وحاصل ايراد المصنف - رحمه الله -: أن قوله: (ره) وهذا طريق... الخ ظاهر في انه يكفي في الحكم بالامكان عدم الدليل على الامتناع الراجع ذلك إلى أن الأصل فيما هو محتمل الامكان والامتناع هو الامكان، ومن العلوم أن هذا الأصل لا دليل عليه الا السيرة العقلائية التي ادعاها، لكن فيه أو لا منع السيرة، وثانيا ان هذه السيرة ليس على حجيتها دليل قطعي، والظن بحجيتها لا يجدى لأن الكلام في امكان التعبد بالظن فكيف يستدل على الامكان المذكور بالظن فانه دوري، فان جواز الاعتماد على الظن المذكور يتوقف على حجيته وحجيته تتوقف على امكان التعبد به وهو موقوف على حجية السيرة وهي موقوفة على جواز الاعتماد على الظن بحجيتها كما لا يخفى (قوله: بهذا المعنى) يعني بمعنى ما لا يلزم منه محال الذي عرفت انه معنى الامكان الوقوعي (قوله: بل مطلقا) أي بكل معنى (قوله: أصل متبع) يعنى كما يقوله الشيخ (رحمه الله) (قوله: لمنع كون سيرتهم)
ثبوتها لعدم قيام دليل قطعي على اعتبارها والظن به - لو كان - فالكلام الآن في إمكان التعبد بها وامتناعه فما ظنك به لكن دليل وقوع التعبد بها من طرق اثبات امكانه حيث يستكشف به عدم ترتب محال من تال باطل فيمتنع مطلقا أو على الحكيم تعالى فلا حاجة معه في دعوى الوقوع إلى اثبات الامكان وبدونه لا فائدة في اثباته كما هو واضح. وقد انقدح بذلك ما في دعوى شيخنا العلامة - اعلى الله مقامه - من كون الامكان عند العقلاء مع احتمال الامتناع أصلا ______________________________ يعني نمنع وجود السيرة عند العقلاء التي ادعاها الشيخ (قوله: لعدم دليل) تعليل لمنع الحجية (قوله: والظن به) يعني واما الظن بالاعتبار عند الشارع لو فرض وجود هذا الظن فلا يصلح أن يكون حجة لأن الكلام.. الخ (قوله: لكن دليل وقوع) اعلم أن المصنف (ره) لما استصوب ايراد شيخه (ره) على دليل المشهور وانتقد ما ذكره من الدليل بما عرفت سلك في التخلص عن اثبات الامكان الوقوعي مسلكا لطيفا وحاصله أنه ان قام دليل على وقوع التعبد به كان ذلك الدليل دليلا على امكانه لأن فعلية التعبد به فرع امكانه فالدليل عليه دليل عليه وان لم يكن دليل على وقوع التعبد فالنزاع في الامكان يكون بلا فائدة فلا وجه له: وفيه (أولا) أن النزاع في امكان التعبد مفروض قبل النزاع في وقوعه فلا وجه للاستدلال على امكانه بدليل وقوعه إذ بعد قيام الدليل على وقوعه لا نزاع في إمكانه كما لا يخفى (وثانيا) ان ظاهرهم كون النزاع في الامكان من قبيل النزاع في امر عقلي فلا يصح الاستدلال عليه بالدليل السمعي فتأمل (وثالثا) ان كون النزاع في الامكان لا فائدة فيه لو لم يقم دليل على الوقوع وان كان صحيحا الا أن الفائدة العملية مما لم تجعل شرطا في صحة النزاع أصلا بل تكفي الفائدة العلمية والنظر في كثير من المسائل التى حررها في الكتاب يشهد بما ذكرنا فلاحظ (فالتحقيق) ان النزاع في المقام ليس في الامكان الوقوعي بل في الامكان القياسي كيف والامكان الوقوعي بالجهة التي يفترق بها عن الامكان القياسي مما لا معنى لوقوع النزاع فيه لما أشار
والامكان في كلام الشيخ الرئيس: كل ما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعة الامكان ما لم يذدك عنه واضح البرهان، بمعنى الاحتمال المقابل للقطع والايقان ومن الواضح أن لا موظن له الا الوجدان فهو المرجع فيه بلا بينة وبرهان وكيف كان فما قيل أو يمكن أن يقال في بيان ما يلزم التعبد بغير العلم من المحال أو الباطل ولو لم يكن بمحال أمور (أحدها) اجتماع المثلين من ايجابين أو تحريمين ______________________________ إليه الشيخ (ره) في انتقاده دليل المشهور من عدم احاطة العقل بجميع الجهات المقبحة والمحسنة فكيف يصح أن يكون موردا للنزاع إذ غاية النزاع في كل مسألة العلم باحد محتملاتها فإذا فرض امتناع العلم من جهة امتناع احاطة العقل بجميع الجهات امتنع النزاع كما لا يخفى، ويشهد بما ذكرنا اكتفاء القائلين بالامكان بعدم لزوم لازم باطل بحسب ما يجده العقل، وليس ذلك لاصالة الامكان التي ارادها الشيخ حسبما يظهر من عبارته بل لان ذلك المقدار هو محل النزاع ولولا ظاهر قوله: وهذا طريق... الخ لكان حمل كلامه على ارادة كون النزاع في الامكان القياسي هو المتعين. هذا كله مبني على تسليم ما ذكره الشيخ (ره) من توقف القطع بعدم لزوم المحال على احاطة العقل بجميع الجهات وهي غير حاصلة الذي امضاه المصنف (ره) اما على ما هو التحقيق من أن احتمال لزوم محال لا يحيط به العقل من الاحتمالات السوفسوطائية التي لا تمنع من حصول القطع بعدمه فيمكن القطع بعدم لزوم المحل من مجرد القطع بعدم وجدان العقل لذلك، فيمكن أن يكون النزاع في الامكان الوقوعي ويكون استدلال المشهور في محله فلاحظ وتأمل (قوله: والامكان في كلام) هذا دفع توهم ان اصالة الامكان مما يدعيه الشيخ الرئيس فان ظاهر عبارته ان يحكم بالامكان حتى يقوم البرهان على الامتناع (قوله: بمعنى الاحتمال) هو خبر الامكان الأول (قوله: ومن الواضح أن لا) يعني أن الامكان الاحتمالي من الأمور الوجدانية نظير العلم لا يحتاج اثابته إلى اقامة البرهان بل يكفي فيه الرجوع إلى الوجدان (قوله: من المحال) المراد منه
* - مثلا - فيما اصاب أو ضدين من ايجاب وتحريم ومن ارادة وكراهة ومصلحة ومفسدة ملزمتين بلا كسر وانكسار في البين فيما اخطأ أو التصويب وان لا يكون هناك غير مؤديات الامارات احكام (ثانيها) طلب الضدين فيما إذا اخطأ وأدى إلى وجوب ضد الواجب (ثالثها) تفويت المصلحة أو الالقاء في المفسدة فيما أدى إلى عدم وجوب ما هو واجب أو عدم حرمة ما هو حرام وكونه محكوما بسائر الأحكام: (والجواب): أن ما ادعي لزومه إما غير لازم أو غير باطل، وذلك لان التعبد بطريق غير علمي إنما هو بجعل حجيته والحجية المجعولة غير مستتبعة لانشاء احكام تكليفية بحسب ما ادى إليه الطريق بل انما تكون موجبة لتنجز التكليف به إذا اصاب وصحة الاعتذار به إذا اخطأ ______________________________ اللوازم المذكورة في كلامه عدا التصويب اما هو فمن الباطل الذي ليس بمحال (قوله: مثلا) يعني قد يلزم اجتماع استحبابين أو كراهتين أو اباحتين لو كان مؤدى الامارة الاستحباب أو الكراهة أو الاباحة (قوله: ملزمتين بلا كسر) هذا قيد للمصلحة والمفسدة فان المصلحة والمفسدة لا تضاد بينهما لامكان اجتماعهما في شئ واحد ولو من جهتين وإنما يكون بينهما التضاد بوصف كونهما ملزمتين، إذ الوصف المذكور إنما يثبت للمصلحة بشرط غلبتها على المفسدة وكذا العكس، ومن المعلوم اجتماع المصلحة والمفسدة بوصف غلبة كل منهما على الأخرى كما لا يخفى (قوله: أو التصويب) معطوف على قوله: اجتماع المثلين... الخ، والمراد انه لو ثبت التعبد بالظن فاما أن يكون حكم واقعي فيلزم اجتماع الضدين أو المثلين أو لا يكون حكم واقعي فيلزم التصويب وهو ان لا يكون للواقعة حكم غير ما ادت إليه الامارة (قوله: وكونه محكوما) معطوف على عدم الوجوب وكذا عدم الحرمة (قوله: انما هو بجعل حجيته) قد اجاب المصنف (ره) عن هذه الاشكالات بوجوه هذا احدها (وحاصله): ان التعبد
* ولكون مخالفته وموافقته ______________________________ بالامارة ليس معناه جعل الحكم ليستكشف من جعله ارادة أو كراهة أو مصلحة أو مفسدة فيلزم المحذور المتقدم، بل معناه جعل الحجية فان الحجية لما كانت من الاعتبارات القابلة للجعل نظير الملكية والزوجية والحرية والرقية جاز للشارع جعلها انشاء فيترتب عليها ما يترتب على الحجية الذاتية غير المجعولة كحجية القطع من الآثار العقلية كالمنجزية في صورة الاصابة والعذرية في صورة الخطأ وكون موافقتها انقيادا ومخالفتها تجريا، فكما تترتب هذه الآثار على الحجية الذاتية تترتب ايضا على الحجية الجعلية، وليس معنى التعبد بالامارة الا ذلك فلا يلزم منه احد المحاذير المذكورة سوى المحذور الاخير من تفويت لمصلحة أو الالقاء في المفسدة، لكنه مندفع بانه لا محذور في لزومه وليس بمحال ولا باطل إذ يجوز ذلك إذا كان في التعبد مصلحة غالبة على مصلحة الواقع الفائتة أو مفسدته اللازمة، ويشهد بذلك جميع ادلة نفي العسر والحرج والضرر فان ذلك كله لا يخلو من تفويت لمصلحة العنوان الاولي أو إلقاء في مفسدته (ويمكن) الخدشة فيه (اولا) بان هذا الجواب مختص بالامارات والطرق التي هي موضوع خارج عن دليل الحجية فيمكن ان يتكفل دليل الاعتبار والتعبد لجعل الحجية لها. ولا يتأتى في الاصول إذ ليس لنا فيها شئ ثالث ليتكفل دليل الاعتبار لجعل الحجية له، فلا معنى لان يقال: كل شئ حلال حتى تعلم انه حرام يتكفل جعل الحجية وإذا لم يتم في الاصول ينبغي ان لا يتم في الامارات لاطراد الاشكال المذكور ودفعه في المقامين، فالدافع للاشكال في الامارات هو الدافع له في الاصول بلا فرق بينهما اصلا (وثانيا) ان ما ذكر وان كان يدفع الاشكالات المذكورة، لكن يتوجه حينئذ اشكال آخر وهو ان الحجية للطريق المخالف إذا كانت مجعولة للشارع كانت مرادة له، ومن المعلوم ان إرادتها تنافي ارادة الواقع بعين ؟ ؟ ؟ بين ارادة الشئ وارادة ما يمنع عنه لان حجية المخالف مانعة من الوصول إلى الواقع فكيف يصح ارادتها مع ارادة الواقع فان ذلك من قبيل نقض الغرض المستحيل فلاحظ (قوله: ولكون) معطوف
تجريا وانقيادا مع عدم اصابته كما هو شأن الحجة غير المجعولة، فلا يلزم اجتماع حكمين مثلين أو ضدين، ولاطلب الضدين، ولا اجتماع المفسدة والمصلحة، ولا الكراهة والارادة كما لا يخفى، وأما تفويت مصلحة الواقع أو الالقاء في مفسدته فلا محذور فيه اصلا إذا كانت في التعبد به مصلحة غالبة على مفسدة التفويت أو الالقاء. نعم لو قيل باستتباع جعل الحجية للاحكام التكليفية، أو بانه لا معنى لجعلها إلا جعل تلك الأحكام فاجتماع حكمين وان كان يلزم الا انهما ليسا بمثلين أو ضدين لأن احدهما ______________________________ على قوله (التنجز) (قوله: تجريا وانقيادا) من اللف النشر المرتب (قوله: إذا كان في التعبد به مصلحة غالبة) هذا لا اشكال فيه الا انه يلزم الاشكال الذي اشرنا إليه وهو امتناع تأثير المصلحة الفائتة في الارادة والمفسدة الملقى فيها في الكراهة فيلزم التصويب (قوله: أو بأنه لا معنى لجعلها) بان تكون الحجية من الوضع المنتزع من التكليف فالمجعول حقيقة هو التكليف (قوله: لان احدهما) هذا جواب ثان عن الاشكال (وحاصله): ان المجعول وان كان حكما تكليفيا إلا أن مثل هذا الحكم لا ينافي الحكم الواقعي ولا يلزم من جعله أحد المحاذير السابقة (وتوضيحه): ان الحكم المجعول على نحوين: أحدهما الحكم الحقيقي وهو الناشئ عن ارادة أو كراهة أو رضا، والآخر الحكم الصوري وهو الذي لا يكون ناشئا عن احد الامور المذكورة، ولأجل هذا الاختلاف بينهما اختلفا في شئ آخر وهو ان الاول لابد أن يكون موضوعه مشتملا على مصلحة ملزمة إن كان وجوبا أو استحبابا، أو مفسدة كذلك إن كان تحريما أو كراهة، أو خاليا عنهما إن كان اباحة من جهة أن الارادة أو الكراهة أو الرضا لابد أن يكون لأحد الأمور المذكورة لامتناع تعلق الارادة بما لا مصلحة فيه، والكراهة بما لا مفسدة فيه
طريقي عن مصلحة في نفسه موجبة لانشائه الموجب للتنجز أو لصحة الاعتذار بمجرده من دون ارادة نفسانية أو كراهة كذلك متعلقه بمتعلقة فيما يمكن هناك انقداحهما حيث انه مع المصلحة أو المفسدة الملزمتين في فعل ______________________________ والرضا بما كان مشتملا على احدهما، والثاني لا يلزم في موضوعه ذلك لعدم كونه ناشئا عن الارادة واخويها، والتماثل والتضاد المانعان من الاجتماع إنما يكونان بين افراد كل من النوعين لا بين افراد أحد النوعين وافراد الآخر، فالوجوبان الحقيقيان مثلان كالوجوبين الصوريين، والوجوب والحرمة الحقيقان ضدان كالوجوب والحرمة الصوريين، اما الوجوب الحقيقي والوجوب الصوري فلا تماثل بينهما، كما أن الوجوب الحقيقي والحرمة الصورية لا تضاد بينهما، وحينئذ نقول: الاشكال المذكور إنما يتوجه لو كان لازم التعبد بالامارة جعل حكم حقيقي، ولكنه ممنوع، بل المجعول حكم صوري وهو لا يماثل الحقيقي ولا يضاده، فلا يلزم اجتماع حكمين متماثلين أو متضادين، ولا ارادة وكراهة، ولا مصلحة ومفسدة ملزمتين، لان الحكم الصوري ليس ناشئا عن ارادة أو كراهة أو مصلحة أو مفسدة ليلزم المحذور (قوله: طريقي) قد عرفت انه حكم صوري نظير الأوامر الامتحانية، وإنما سمي بذلك من جهة خصوصية مورده (قوله: عن مصلحة في نفسه) يعني لا عن مصلحة في متعلقه وهذا هو الفارق كما عرفت والا فهو والحقيقي لما كانا فعلين اختياريين لابد ان يكونا عن مصلحة فيهما نفسية أو غيرية فلاحظ (قوله: للتنجز أو لصحة) الاول في صورة المصادفة والثاني في صورة الخطأ (قوله: حيث انه) بيان لوجه التقييد بقوله: فيما يمكن... الخ، وحاصل المراد: ان الفرق بين الحكم الحقيقي والصوري بالنحو الذي ذكرنا، وان الاول معه ارادة والثاني لا ارادة معه ليس بالاضافة إلى المبدأ الا على جل ذكره وتقدست اسماؤه، بل بالاضافة إلى النبي أو الولي، وإلا فلا فرق بين الحكمين بالاضافة إلى المبدأ في عدم انقداح ارادة أو كراهة، فالاختلاف
* وان لم يحدث بسببها ارادة أو كراهة في المبدأ الأعلى، إلا أنه إذا أوحي بالحكم الشأني من قبل تلك المصلحة أو المفسدة إلى النبي صلى الله عليه وآله أو ألهم به الولى فلا محالة ينقدح في نفسه الشريفة بسببها الارادة أو الكراهة الموجبة للانشاء بعثا أو زجرا بخلاف ما ليس هناك مصلحة أو مفسدة في المتعلق بل انما كانت في نفس انشاء الأمر به طريقيا والآخر واقعي حقيقي عن مصلحة أو مفسدة في متعلقه موجبة لارادته أو كراهته الموجبة لانشائه بعثا أو زجرا في بعض المبادئ العالية وان لم يكن في المبدأ الأعلى الا العلم ______________________________ فيهما بالاضافة إلى نفس النبي والولي، فان الحكم الحقيقي لابد ان يكون مقرونا بارادة في نفس النبي أو الولي الموظف لتبليغ الاحكام أو انشائها ولا كذلك الحكم الصوري (قوله: وان لم يحدث بسببها) الضمير راجع إلى المصلحة أو المفسدة واعلم أنه ذهب كثير من المعتزلة إلى أن الارادة والكراهة عبارة عن اعتقاد النفع والضرر، وهو ظاهر المحقق الطوسي (ره) حيث قال في التجريد: ومنها - اي من الكيفيات النفسانية - الارادة والكراهة وهما نوعان من العلم. انتهى، وحكي عن جماعة منهم أن الارادة ميل يعقب اعتقاد النفع والكراهة انقباض يعقب اعتقاد الضرر، وحكي عن الاشاعرة انهما شئ آخر، والظاهر ان مختار المصنف (ره) هو الأخير. نعم هناك خلاف آخر في ارادة الله سبحانه، فمذهب الاشاعرة - كما قيل - انها مغايرة للعلم والقدرة وسائر الصفات، وعن جماعة من رؤساء المعتزلة كابي الحسين والنظام والجاحظ والبلخي والخوارزمي انها عبارة عن الداعي وهو العلم بالنفع وهو مختار المحقق الطوسي (ره) حيث قال - في بحث الصفات -: وتخصيص بعض الممكنات بالايجاد في وقت يدل على ارادته وليست زائدة على الداعي والالزم التسلسل أو تعدد القدماء، انتهى. ومختار المصنف (ره) هو الأخير وهو الذي اشار إليه في المقام بقوله: وان لم يحدث بسببها... الخ، ولا يساعدنا المقام لتحقيق ذلك (قوله: والآخر واقعي حقيقي) هذا الكلام معطوف على قوله سابقا: احدهما طريقي (قوله: في بعض المبادئ) يعني نفس
بالمصلحة أو المفسدة، كما اشرنا، فلا يلزم ايضا اجتماع ارادة وكراهة وانما لزم انشاء حكم واقعي حقيقي بعثا وزجرا وانشاء حكم آخر طريقي ولا مضادة بين الانشاءين فيما اختلفا ولا يكون من اجتماع المثلين فيما اتفقا، ولا ارادة ولا كراهة اصلا الا بالنسبة إلى متعلق الحكم الواقعي، فافهم. نعم يشكل الامر في بعض الاصول العملية كاصالة الاباحة الشرعية فان الاذن في الاقدام والاقتحام ينافي المنع فعلا كما فيما صادف الحرام وان كان الاذن فيه لأجل مصلحة فيه لا لأجل عدم مصلحة أو مفسدة ملزمة في المأذون فيه ______________________________ النبي صلى الله عليه وآله أو الولي (قوله: إلى متعلق الحكم) دون متعلق الحكم الطريقي (قوله: فافهم) لعله اشارة إلى ان الوجه المذكور لا يدفع لزوم تفويت المصحلة أو الالقاء في المفسدة وهو اللازم الثالث، لكن يمكن ان يندفع بالنحو المتقدم في الوجه الأول من انه لا محذور فيه إذا كان في التعبد به مصلحة غالبة على مفسدة التفويت أو الالقاء في المفسدة إذ لا فرق بين الوجهين في ذلك اصلا، وان عرفت ان التحقيق عدم اندفاع ذلك الاشكال الا بالالتزام بعدم الارادة أو الكراهة في موضوع الحكم الواقعي من جهة غلبة مصلحة التعبد على المصلحة والمفسدة الواقعيتين وإلا فلو بقيت امتنع اجتماعهما مع ارادة الحكم المجعول بالاختيار لتنافي الارادتين كما ذكرنا سابقا، فلاحظ، مضافا إلى أنه يمكن الاشكال عليه ايضا بان الحكم الذى لا يكون حاكيا عن ارادة أو كراهة أو ترخيص نفسي لا يكون موضوع أثر في نظر العقل ولا يترتب عليه حركة أو سكون أصلا فكيف يترتب على الحكم الصوري الطريقي تنجيز الواقع أو العذر في مخالفته كما لعله ظاهر بالتأمل (قوله: نعم يشكل الأمر في بعض) يعني انه يمتنع ان يتأتى الجواب المتقدم في مثل قوله (ع): كل شئ لك حلال حتى تعلم... الخ، فانه ظاهر في الترخيص الحقيقي في الاقدام وهو ينافي المنع الواقعي، والالتزام بان مفاده حكم صوري طريقي على خلاف ظاهره غير ممكن، وهذا الاشكال منه قدس سره مبني على
فلا محيص في مثله الا عن الالتزام بعدم انقداح الارادة أو الكراهة في بعض المبادئ العالية ايضا كما في المبدأ الأعلى، لكنه لا يوجب الالتزام بعدم كون التكليف الواقعي بفعلي بمعنى كونه على صفة ونحو لو سلم به المكلف لتنجز عليه كسائر التكاليف الفعلية التي تتنجز بسبب القطع بها، وكونه فعليا إنما يوجب البعث أو الزجر في النفس ______________________________ استظهاره من الحديث الشريف جعل الحل حقيقة ظاهرا لا جعل الحل الواقعي تعبدا في مرتبة الشك كما استظهرناه، وإلا فلا فرق بين الأصل المذكور وغيره من الامارات والأصول المثبتة للحل الواقعي تعبدا فان كان جعل الحل الواقعي تعبدا في مرتبة الشك منافيا للمنع الواقعي فلا يختص التنافي في أصل الحل بلا يطرد في الجميع وان لم يكن منافيا له لم يكن منافيا له حتى في أصل الحل كما لا يخفى (ويمكن) الخدش فيه أيضا بانه لم يظهر لتخصيص الاشكال المذكور وجه، فانه لو سلم كون المنشأ في اصل الحل هو الحل حقيقة في ظرف الشك نقول: إن كان مثل الحل المذكور الانشائي منافيا للمنع الانشائي فاللازم الالتزام بمثل هذا التنافي بين المنع الواقعي والأمر بالعمل بالخبر المؤدي إلى الوجوب في مورد المنع لاتحاد المناط، وان كان التنافي بين الترخيص النفسي في مورد المنع النفسي فالترخيص المذكور بعينه حاصل في الأمر بالعمل بالخبر المؤدي إلى وجوب ما هو حرام، إذ لاريب في أن الأمر المذكور حاك عن الترخيص النفسي في الاقدام المنافي للمنع الواقعي ولو امكن رفع اليد عن ظهور الأمر في الترخيص النفسي فليكن في اصل الحل كذلك فيلتزم برفع اليد عن ظهور الحل المجعول في الترخيص الحقيقي النفسي فلا يكون الترخيص الحقيقي النفسي في المقامين، وبالجملة: لا يظهر وجه لتخصيص الاشكال المذكور باصل الحل أصلا (قوله: فلا محيص في مثله إلا عن الالتزام) هذا جواب ثالث عن اشكال التضاد وحاصله: عدم كون الأحكام الواقعية فعلية فلا تكون معها ارادة أو كراهة في جميع المبادئ العالية فلا يلزم شئ من تلك المحاذير السابقة
النبوية أو الولوية فيما إذا لم ينقدح فيها الاذن لأجل مصلحة فيه. فانقدح بما ذكرنا أنه لا يلزم الالتزام بعدم كون الحكم الواقعي في مورد الاصول والامارات فعليا كي يشكل (تارة) ______________________________ كما هو ظاهر، نعم يبقى اشكال لزوم التصويب ان لا يكون غير مؤديات الامارات أحكام، لأن الأحكام الانشائية ليست حقيقية باحكام كما تقدم في اول تنبيهات القطع، ولم يتعرض لدفعه استيضاحا له، حيث أن التصويب المعلوم البطلان أن لا يكون حكم واقعي أصلا لا فعلي ولا انشائي لا مجرد أن لا يكون حكم فعلي مع الالتزام بالحكم الانشائي، ولا سيما بالمعني المراد له وهو ما يكون بنحو لو علم لتنجز، وليس مثل سائر الاحكام الانشائية التي لا تتنجز بالعلم كما اشار إلى ذلك في مبحث القطع. نعم يبقى الاشكال في أنه إذا كان الحكم الواقعي ليس معه ارادة ولا كراهة كيف يتنجز بالعلم مع أن الحكم الفعلي انما يتنجز بالعلم باعتبار كونه حاكيا عن الارادة أو الكراهة وليس له موضوعية في المحركية، فالالتزام بعدم الارادة والكراهة الحقيقيتين مع كونه بحيث لو علم به لتنجز التزام بالمتنافيين. نعم يمكن أن يكون العلم بتلك الاحكام الانشائية موجبا لوصولها إلى مرتبة الفعلية، وحينئذ لا يكون العلم بها منجزا ولا طريقا بل يكون مأخوذا في فعلية الحكم على نحو الموضوعية فإذا علم ثانيا بفعليتها تنجزت، فالتنجز انما يستند إلى العلم الثاني، وهو العلم بفعليتها لا العلم الاول الموجب وصولها إلى مرتبة الفعلية. ومنه يظهر أن قيام الامارة على تلك الاحكام لا يكون منجزا لها ولو مع الاصابة إذ ليس حال الامارة أولى من العلم في المنجزية، فلابد من الالتزام بأن قيام الامارة عليها موجب لفعليتها فالعلم بالفعلية هو المنجز فالتنجز لا يستند إلى الامارة القائمة عليها اصلا كما هو ظاهر بالتأمل. ومنه يظهر انه لا وجه لتسمية الحكم المذكور فعليا بكل معنى الا مجرد اصطلاح ويكون حينئذ تسميته بالفعلي محض تسمية بلا خارجية، ومنه يظهر الاشكال في قوله (ره): انه لا يلزم الالتزام... الخ، إذ لم ينقدح بوجه لا يترتب عليه الاشكال (قوله: كي يشكل تارة) هذا الاشكال أشرنا إليه فراجع،
بعدم لزوم الاتيان حينئذ بما قامت الامارة على وجوبه ضرورة عدم لزوم امتثال الاحكام الا نشائية ما لم تصر فعلية ولم تبلغ مرتبة البعث والزجر ولزوم الاتيان به مما لا يحتاج إلى مزيد بيان أو اقامة برهان (لا يقال): لا مجال لهذا الاشكال لو قيل بانها كانت قبل أداء الامارة إليها إنشائية لانها بذلك تصير فعلية تبلغ تلك المرتبة (فانه يقال): لا يكاد يحرز بسبب قيام الامارة المتبرة على حكم إنشائي لا حقيقة ولا تعبدا إلا حكم إنشائى تعبد الاحكم إنشائي أدت إليه الامارة، أما حقيقة فواضح ______________________________ (قوله: ولم تبلغ) معطوف على: لم تصر فعلية (قوله: لا يقال لا مجال لهذا) حاصله: أن الالتزام بكون الاحكام الواقعية انشائية لا يقتضي عدم تنجزها لو قامت الامارة على ثبوتها وذلك لانها بقيام الامارة تكون فعلية فيعلم بها وتنجز حينئذ (قوله: فان يقال) حاصل الدفع: أن غاية ما تقتضيه أدلة الحجية ثبوت مؤدى الامارة على ما هو عليه فإذا كان مؤدى الامارة حكما انشائيا يصير قيام الامارة عليه موجبا لثبوت حكم انشائي فكيف يكون فعليا بذلك فلا يكون دليل الامارة موجبا لفعليته. نعم لو فرض قيام دليل على أن كل حكم انشائي قامت على ثبوته الامارة يكون فعليا ويثبت كان قيام الامارة على الحكم الانشائي من متممات فعلية الحكم حقيقة إن كان الدليل المذكور علما أو تعبدا ان كان علميا، فيعلم بالفعلية، أو يقوم الدليل عليها فيتنجز، لكن التنجز المذكور مستند إلى الدليل الثاني المذكور لا دليل حجية الامارة، واين هذا الدليل ليعتمد عليه في ذلك (قوله: لا حكم انشائي أدت إليه) يعني يثبت تعبدا نفس الحكم الانشائي الذي هو المؤدى ولا يثبت حكم انشائي بوصف كونه مما قامت عليه الامارة حتى يكون قيام الامارة مثبتا لفعليته. هذا لو فرض قيام دليل آخر على أن كل حكم انشائي قامت عليه الامارة يكون فعليا ولو لم يقم ذلك الدليل فلا يكفي قيام الامارة في التنجز ولو كان مفاد دليلها ثبوت الوصف المذكور، وكذا الحال في قوله: لا الواقع الذي... الخ (قوله: فواضح) وجه وضوحه ما تقدم
وأما تعبدا فلان قصارى ما هو قضية حجية الامارة كون مؤداها هو الواقع تعبدا لا الواقع الذي أدت إليه الامارة (فافهم) اللهم إلا ان يقال: إن الدليل على تنزيل المؤدى منزلة الواقع الذي صار مؤدى لها هو دليل الحجية بدلالة الاقتضاء لكنه لا يكاد يتم الا إذا لم يكن للأحكام بمرتبتها الانشائية أثر أصلا والا لم يكن لتلك الدلالة مجال كما لا يخفى ______________________________ من امتناع أخذ الظن بالحكم موضوعا في نفس ذلك الحكم (قوله: فافهم) يمكن أن يكون اشارة إلى ما ذكرناه من أن قيام الطريق على الحكم لو فرض اقتضاؤه ثبوت الواقع بوصف كونه مما قامت عليه الامارة لم ينفع في اثبات الفعلية ما لم يقم دليل آخر على أن كل حكم انشائي قامت عليه الامارة يثبت فعليا تعبدا ولو فرض قيام هذا الدليل كان موضوعه محرزا بالوجدان ولا يحتاج إلى اثبات كون دليل الامارة مثبتا للواقع بما انه قام عليه الطريق إذ قيام الامارة عليه يكون وجدانيا لا معنى للتعبد فيه، فالتنجز يكون حينئذ مستندا إلى العلم بالفعلية الحاصل من ذلك الدليل كما ذكرنا لا إلى دليل حجية الامارة (قوله: اللهم الا أن يقال إن) يعني أن دليل حجية الامارة وان لم يقتض فعلية الاحكام بالدلالة اللفظية إلا أنه لما لم يكن معنى لجعل الحجية على الاحكام الانشائية لابد من أن يحمل على بيان كون الأحكام الانشائية بتوسط قيام الامارة عليها تكون فعلية، والباعث على هذا التصرف صون الكلام عن اللغوية. هكذا ينبغي أن يقرر الاستدلال لا على ما يقتضيه ظاهر العبارة، لأنا لو سلمنا أن دليل الحجية يدل على تنزيل المؤدى منزلة الواقع بوصف كونه مؤدى الامارة لا ينفع ذلك في التنجز ما لم يقم دليل آخر على كون الحكم الانشائي الذي قامت الامارة عليه يثبت فعليا تعبدا، والمفروض عدم هذا الدليل، ولو فرض ثبوته لم يحتج إلى إثبات أن دليل الامارة يقتضي ثبوت عنوان مؤدى الامارة تعبدا حيث انه ثابت وجدانا، فالأولى أن يقرر كما ذكرنا فتأمل جيدا (قوله: لم يكن لتلك الدلالة) لانه
(وأخرى) بانه كيف يكون التوفيق بذلك مع احتمال أحكام فعلية بعثية أو زجرية في موارد الطرق والاصول العملية المتكفلة لأحكام فعلية ؟ ضرورة أنه كما لا يمكن القطع بثبوت المتنافيين كذلك لا يمكن احتماله فلا يصح التوفيق بين الحكمين بالتزام كون الحكم الواقعي الذي يكون مورد الطرق إنشائيا غير فعلي كما لا يصح التوفيق بان الحكمين ليسا في مرتبة واحدة بل في مرتبتين ضرورة تأخر الحكم الظاهري عن الواقعي بمرتبتين وذلك لا يكاد يجدي ______________________________ إذا ان أثر للاحكام الانشائية يصح جعل الحجية للامارة بلحاظ تلك الآثار لا بلحاظ وجوب العمل (قوله: واخرى بانه كيف) معطوف على قوله: تارة بعدم، وهذا إشكال آخر على تصحيح الجمع بين الأحكام بان الأحكام الواقعية انشائية لا فعلية، وحاصل الاشكال: ان المصحح للجمع بين الاحكام لو كان ما ذكر لزم عدم جواز الرجوع إلى الطرق والأصول مع احتمال كون الواقع فعليا لأن احتمال فعليته مانع من القطع بالحكم الظاهري لأن القطع به مساوق لاحتمال اجتماع المتضادين وهو ممتنع للقطع بعدم اجتماعها، وحاصل اندفاعه على تقريب المصنف (ره): ان فعلية الحكم الواقعي بالمعنى المتقدم لا تنافي الحكم الظاهري فلا يكون احتمالها منافيا للقطع به. نعم يرد على المصنف (ره) نظير هذا الايراد لانه إذا سلم أن فعلية الحكم المساوقة للارادة والكراهة منافية للحكم الظاهري يلزمه ايضا امتناع الرجوع إلى الطرق والاصول مع احتمال فعلية الحكم بهذا المعنى، وهو مما يصعب الالتزام به (قوله: كما لا يصح التوفيق بان) هذا وجه آخر لتصحيح الجمع بين الاحكام الظاهرية والواقعية، وحاصله: انه لا تنافي بين الاحكام المذكورة من جهة اختلافها بحسب الرتبة، وتوضيح ذلك: أن موضوع الاحكام الواقعية نفس الذات فان الحرمة الواقعية مثلا موضوعها ذات شرب الخمر من حيث كونه شرب خمر، واما الاحكام الظاهرية فموضوعها الذات المشكوكة في الحكم الواقعي فان الحلية الظاهرية المجعولة بقوله (ع): كل شئ لك حلال، موضوعها
فان الظاهرى وان لم يكن في تمام مراتب الواقعي الا انه يكون في مرتبته أيضا وعلى تقدير المنافات لزم اجتماع المتنافيين في هذه المرتبة (فتأمل) فيما ذكرنا من التحقيق في التوفيق فانه دقيق وبالتأمل حقيق (ثالثها) أن ______________________________ ذات قد شك في حرمتها واقعا وحيث أن الشك في الحرمة الواقعية متأخر عنها بمرتبة، فالذات المقيدة بالشك المذكور لابد أن تكون متأخرة عنها بمرتبتين لان المقيد بوصف تقيده يكون متأخرا عن قيده بمرتبة، فإذا كان قيده متأخرا عن الحكم الواقعي بمرتبة كان المقيد متأخرا عنه بمرتبتين، فحكم ذلك للقيد لابد أن يكون متأخرا عن الحكم الواقعي بثلاث مراتب، ومع هذا الاختلاف في الرتبة لا مانع من الاجتماع إذ ليس التنافي بين الضدين باعظم من التنافي بين النقيضين، ومن المعلوم جواز اجتماع النقيضين مع اختلاف الرتبة فان عدم المعلول الذي هو نقيص المعلول محفوظ في رتبة العلة، وكذا العكس كما أوضحناه في مبحث الضد (قوله: فان الظاهري وان لم يكن في) يعني انا وان سلمنا ان الحكم الظاهرى ليس في تمام مراتب الحكم الواقعي لانه مختص بحال الشك في الحكم الواقعي الا أن الحكم الواقعي يكون في مرتبة الحكم الظاهري لانه ثابت للذات مطلقا ولو في رتبة الشك، ففي رتبة الشك يجتمع الحكمان فإذا كانا متنافيين بتسليم الخصم لزم اجتماع المتنافيين في رتبة الشك فيعود المحذور (هذا) ولكن لا يخفى أنه إذا سلم المصنف (ره) أن الحكم الظاهرى متأخر عن الواقعي بمرتبتين كان الحكم الواقعي متقدما عليه بمرتبتين، وحينئذ كيف يكون الحكم الواقعي في مرتبة الحكم الظاهرى لان لازم التقدم والتأخر عدم الاجتماع فكيف يكونان مجتمعين مع ذلك ؟ وقد تقدم نظير هذا الكلام منه (ره) في مبحث الترتب (فالاولى) في الجواب منع كفاية اختلاف الرتبة في جواز اجتماع المتضادين فانه لا يجوز بالضرورة أن يكون المحبوب مبغوضا مع أن المبغوضية متأخرة عن المحبوبية بمرتبة، وكذا لا يجوز أن يكون مقطوع المحبوبية مبغوضا
* مع أن المبغوضية متأخرة عن المحبوبية تأخر الحلية الظاهرية عن الحرمة الواقعية، فإذا لم يكن اختلاف الرتبة كافيا هناك في جواز اجتماع المحبوبية والمبغوضية لم يكن كافيا هنا ايضا. ولعل هذا هو مقصود المصنف (ره)، وان كان بعيدا جدا (وهذه) الوجوه كلها كما ترى لا ترفع غائلة الاجتماع بلا ورود إشكال (والأحق) ما ذكره بعض المحققين من مشايخنا المعاصرين دام تأييده (وتوضيحه): أن تضاد الأحكام التكليفية الحقيقية إنما هو من جهة تنافى الارادة والكراهة والرضا التي هي المعيار في كون الحكم التكليفي حكما حقيقيا لا صوريا، بل قد عرفت في مبحث الاجتماع أن الوجه في التنافي بين الامور المذكورة تنافي مباديها ايضا أعني ترجح الوجود على العدم أو ترجح العدم على الوجود وتساويهما في نظر المولى إذ من المعلوم بالبديهة أن الشئ الواحد بما هو واحد لا يقبل أن يكون وجوده أرجح من عدمه وعدمه أرجح من وجوده، أما إذا كان للشئ الواحد جهات من الوجود فيمكن أن يكون وجوده أرجح من عدمه بلحاظ جهة وعدمه أرجح من وجوده بلحاظ جهة أخرى، ولا يكون تناف بين الترجحين المذكورين من جهة اختلاف الجهة، فالوجود الواحد إذا كان له مقدمات متعددة تتعدد جهاته بتعدد تلك المقدمات إذا حيثية وجوده من قبل مقدمة بعينها غير حيثيته من قبل المقدمة الأخرى، كما أن المركب الواحد ذي الاجزاء المتعددة بلحاظ اجزائه المتعددة تتعدد جهات وجوده، فيصح أن يكون وجوده من قبل بعض الاجزاء بعينه أرجح من عدمه ووجوده من قبل البعض الآخر مرجوح لعدمه، فالمركب المذكور إذا كان وجوده راجحا من جميع الجهات تحدث ارادة في نفس الفاعل متعلقة بتمام جهات الوجود المذكور فتبعث إلى فعل تمام أجزائه، وإذا كان راجحا من بعض الجهات دون بعض تحدث الارادة متعلقة بذلك البعض، فتبعث إلى فعل بعض الأجزاء دون بعض، بل ربما يكون الوجود من جهة البعض الآخر مرجوحا فيكون موضوعا للكراهة فتجتمع الارادة والكراهة في موضوع واحد من جهتين، مثلا البيت المركب
من جدران وسقوف قد بكون وجوده راجحا من حيثيتي الجدران والسقوف معا فتحدث الارادة المتعلقة بهما معا فتبعث إلى بناء الجدران ووضع السقوف عليها، وقد يكون راجحا من جهة الجدران مرجوحا من جهة السقوف فتحدث الارادة الباعثة على بناء الجدران فيبني الجدران ولا يضع عليها السقوف، ولو وضعها آخر خربها لما فيه من المفسدة مثل انهدام العمارة اوامر آخر، وهكذا الحال في الشئ الاحد ذى المقدمات المتعددة فيجري فيه ما ذكرنا في المركب حرفا بحرف، ثم نقول: قد عرفت فيما علقناه على مباحث الطلب والارادة أن الارادة التشريعية التي هي مناط كون الحكم حقيقيا من سنخ الارادة التكوينية، بل هي نحو خاص منها غاية الامر أنها متعلقة بالوجود من حيث جعل الحكم، فان الواجبات المولوية الصادرة من العبيد في مقام الاطاعة لما كانت صادرة عن ارادة العبد الناشئة عن علمه بحكم مولاه بتوسط حكم العقل بحسن العقاب على تقدير المخالفة كان لوجودها في الخارج مقدمات: هي جعل الحكم من قبل المولى، وعلم العبد به، وحدوث ارادته بتوسط الداعي العقلي وحينئذ فقد تتعلق ارادة المولى بوجود فعل ذى المصلحة من جميع الجهات المذكورة فتحدث ارادات غيرية للمولى بهذه الأمور فتبعث على جعل الحم واعلامه للعبد وتهديده وتخويفه إلى أن تحصل له إرادة الفعل فيفعل، وقد تتعلق الارادة بالوجود بلحاظ بعض هذه الجهات فان تعلقت بالوجود من جهة جعل الحكم وتشريعه سميت هذه الارادة إرادة تشريعية واقتضت حينئذ مجرد تشريع الحكم، فان تعلقت أيضا بالوجود بلحاظ الاعلام اقتضت حينئذ إعلامه... وهكذا، وحينئذ كل ارادة للوجود من جهة إنما تنافي كراهته من تلك الجهة ولا تنافيها من جهة أخرى اصلا (إذا عرفت) هذا عرفت ان الترخيص في ظرف الشك لا ينافي الارادة الواقعية لانها إنما تعلقت بالوجود من جهة جعل الحكم لا غير والترخيص إنما هو بلحاظ وجود الحجة على الحكم - اعني جهة الاعلام - وهذه الجهة لم تكن موضوعا للارادة حسب الفرض، نعم لو فرض كون الواقع مرادا من جهة الحكم ومن جهة اقامة الحجة عليه باعلام أو ايجاب احتياط أو غيرهما امتنع الترخيص حينئذ لكن هذا
ليس من محل الكلام في شئ - اعني منافاة الحكم الظاهري للحكم الواقعي - بل يكون من منافاة الحكم الظاهري للحكم الظاهري التى لا كلام فيها، ولا مجال لانكارها نظير منافاة الترخيص الواقعي للمنع الواقعي، ومثلها منافاة الترخيص حال العلم بالواقع للتحريم الواقعي (فان قلت): إذا كان جعل المنع الواقعي إنما كان عن ارادة حفظ الوجود من جهته لا غير جاز الترخيص في ظرف العلم لان الترخيص حينئذ لا يرتبط بتلك الجهة (قلت): المنع الواقعي وان كان ناشئا عن ارادة حفظ الوجود من قبله الا انه لما كان بداعي احداث الداعي العقلي في ظرف قيام الحجة على المنع بحيث كان حدوث الداعي العقلي من الغايات المقصودة للجاعل كان الترخيص في ظرف العلم نقضا لذلك الغرض فيمتنع، نعم لو فرض كون العلم ليس علة تامة لاحداث الداعي المذكور صح الترخيص حاله ولذلك صح النهي عن العمل بالقياس بناء على تمامية مقدمات الانسداد في اقتضاء حجية الظن على الحكومة (فتلخص): انه لا تنافي بين الأحكام الواقعية والتعبد بغير العلم، ولا يلزم اجتماع المثلين في صورة الاصابة لأن التعبد حينئذ ينشأ عن ارادة الوجود من حيث اقامة الحجة على الحكم لا من حيث نفس الحكم كما لا يلزم اجتماع الضدين في صورة الخطأ مع كون الواقع الزاميا فان التعبد في الحال المذكور وان كان حاكيا عن الترخيص والرضا في مخالفة الواقع إلا أن مثله لا ينافي الارادة الواقعية بعد اختلاف الجهات، وكيف كان فلا ريب في ترتب آثار الحجية الذاتية من المنجزية والعذرية على الحجج المجعولة فانها تكون منجزة للواقع في صورة الاصابة إذا كان الزاميا وعذرا في مخالفته في صورة الخطأ مع كونه كذلك ولو لم يكن الواقع الزاميا ترتب عليها الأمن من احتمال المخالفة على تقدير عدم مخالفتها عملا كما يترتب عليها الخوف من مخالفة الواقع على تقدير مخالفتها عملا. ثم ان موضوع التنجيز والعذر هو العلم بها كما سيأتي وترتب ذلك عليه ذاتي كترتبة على العلم بالواقع نفسه. نعم كما يعتبر في ترتب الأثرين المذكورين على العلم بالحكم كون الحكم صادرا بقصد حفظ الوجود من قبل جعله يعتبر في
* الاصل فيما لا يعلم اعتباره بالخصوص شرعا ولا يحرز التعبد به واقعا عدم حجيته جزما بمعنى عدم ترتب الآثار المرغوبة من الحجة عليه قطعا فانها لا تكاد تترتب إلا على ما اتصف بالحجية فعلا ولا يكاد يكون الاتصاف بها الا إذا أحرز التعبد به وجعله طريقا متبعا، ضرورة أنه بدونه لا يصح المؤاخذة على مخالفة التكليف ______________________________ ترتب ذلك على العلم بها كون التعبد بقصد حفظ الوجود بجعل الحجة، فلو لم يكن كذلك لم يترتب على العلم بها أثر، ومن هنا يظهر أنه لا مجال للبحث عن مناط المنجزية في الحجج الشرعية وإطالة الكلام فيه فان المؤمنية والعذرية من آثار الترخيص بوجوده العلمي، كما أن المنجزية من آثار الاهتمام بالواقع الموجب لاقامة الحجة عليه في حال الجهل بوجوده العلمي، وظني أن ما ذكرنا كله واضح جدا بادنى تأمل فتأمل فان المقام به حقيق ومنه سبحانه نستمد العناية والتوفيق والحمد لله رب العالمين (قوله: الأصل فيما لا يعلم اعتباره) المراد بالأصل في المقام القاعدة لا الاصل المقابل للدليل (قوله: عدم حجيته جزما) الحجية صفة اعتبارية عبارة عن صلاحية الشئ للاحتجاج به فالحجة هو ما يصح ان يحتج به المولى على عبده فيقطع به عذره والعبد على مولاه فيكون به معذورا، ومن لوازمها التي لا تنفك عنها أمران، المنجزية المنتزعة من حكم العقل بحسن العقاب على المخالفة، والمؤمنية المنتزعة من حكمه بقبح العقاب، ومن المعلوم أن الاثرين المذكورين يترتبان على العلم بالاعتبار عند المولى لا على الاعتبار الواقعي حينئذ فإذا شك في اعتبار شئ عند المولى لم يترتب عليه شئ من الأثرين المذكورين، ومن هنا يكون مشكوك الاعتبار شرعا مما ليس بحجة عقلا بحيث يعلم بعدم ترتب الاثرين المذكورين عليه أصلا، فالحجية العقلية مما لا يمكن أن تكون مشكوكة (قوله: الآثار المرغوبة) يعني خصوص الاثرين في قبال غيرهما مما يأتي بيانه (قوله: بالحجية فعلا) يعني الحجية العقلية (قوله: وجعله) معطوف على التعبد (قوله: بدونه) الضمير راجع إلى الاحراز
بمجرد إصابته ولا يكون عذرا لدى مخالفته مع عدمها ولا يكون مخالفته تجريا ولا يكون موافقته بما هي موافقته انقيادا وإن كانت بما هي محتملة لموافقة الواقع كذلك إذا وقعت برجاء إصابته فمع الشك في التعبد به يقطع بعدم حجيته وعدم ترتيب شئ من الآثار عليه للقطع بانتفاء الموضوع معه (ولعمري) هذا واضح لا يحتاج إلى مزيد بيان أو إقامة برهان. وأما صحة الالتزام بما أدى إليه من الأحكام وصحة نسبته إليه تعالى فليستا من آثارها ضرورة ______________________________ (قوله: بمجرد اصابته) يعني إذا كان الامر المعتبر واقعا مصيبا للواقع لا يصح العقاب على مخالفة الواقع بمجرد كونه معتبرا واقعا ومصيبا ما لم يحرز اعتباره (قوله: ولا يكون عذرا) يعني إذا كان الامر المعتبر واقعا مخطئا للواقع لا يصح ان يكون عذرا للعبد بحيث لا يحسن عقابه ما لم يحز العبد كونه معتبرا، والاولى ان يقول: لا يصح ان يكون مؤمنا للعبد، وإلا فيصلح ان يكون عذرا له واقعا مانعا من حسن عقابه بناء على كون المناط في حسن العقاب مخالفة الواقع والطريق معا كما سيأتي إنشاء الله فتأمل (قوله: كذلك) يعني تكون انقيادا إلا انها حينئذ احتياط وهو من انواع الانقياد (قوله: واما صحة الالتزام) هذا شروع في الايراد على شيخه العلامة (قده) حيث انه في مقام بيان أن الاصل في مشكوك الاعتبار عدم الحجية استدل على حرمة التعبد بما لم يعلم اعتباره بالادلة الاربعة، ثم ساق الادلة إلى آخرها، وحاصل الايراد: ان للحجية آثارا منها لازمة وهي ما عرفت من المنجزية والمؤمنية، ومنها غير لازمة وهي جواز الالتزام وجواز نسبة مؤدى الحجة إليه تعالى، ومن المعلوم أن الاستدلال بعدم اللازم على عدم الملزوم إما يصح في اللازم الاعم أو المساوي لا في اللازم الاخص، وحينئذ فالاستدلال على عدم الحجية بما دل على حرمة الالتزام وحرمة النسبة ليس جاريا على القاعدة، ويمكن ان يناقش المصنف (ره) بان جواز النسبة وإن كان بينه وبين الحجية عموم من وجه لكنه لم يستدل الشيخ (ره) بعدمه
أن حجية الظن عملا - على تقرير الحكومة في حال الانسداد - لا يوجب صحتهما فلو فرض صحتهما شرعا مع الشك في التعبد به لما كان يجدي في الحجية شيئا ما لم يترتب عليه ما ذكر من آثارها ومعه لما كان يضر عدم صحتهما أصلا كما أشرنا إليه آنفا فبيان، عدم صحة الالتزام مع الشك في التعبد وعدم جواز الاسناد إليه تعالى غير مرتبط بالمقام فلا يكون الاستدلال عليه بمهم كما أتعب به شيخنا العلامة - اعلى الله مقامه - نفسه الزكية بما أطنب من النقض والإبرام فراجعه بما علقناه عليه وتأمل ______________________________ على عدم الحجية، واما جواز الالتزام فلما كان من الاحكام العقلية لا الشرعية وكان موضوعه مطلق الطريق إلى الواقع فإذا انتفى عن مشكوك الاعتبار كان انتفاؤه دليلا على عدم كونه طريقا وحجة. نعم لو كان من الأحكام الشرعية جاز ان يكون ملحوظا لدليل الجعل وان لا يكون، وعلى الثاني فلا يترتب مع فرض الحجية لكنه ليس كذلك بل هو حكم عقلي موضوعه مطلق الطريق إلى الواقع ولو بلحاظ العمل، واما الظن بناء على الانسداد فليس بحجة ولا يستند إليه تخويف أو تأمين بل التخويف مستند إلى العلم الاجمالي والتأمين مستند إلى ادلة رفع الحرج ونحوها غاية الأمر أن العقل يحكم بلزوم جعل المخالفة التي بها يرتفع الحرج في خصوص مظنون عدم التكليف من جهة قاعدة قبح ترجيح المرجوح كما سيأتي بيانه انشاء الله. هذا مضافا إلى أن الشيخ (ره) لم يظهر منه الاستدلال على عدم الحجية بما دل على حرمة التعبد بما لم يعلم اعتباره وإنما ظاهرة تحرير اصالة حرمة التعبد بما لم يعلم التعبدبه، فليلحظ كلامه. نعم يرد عليه أن البحث في ذلك ليس من مقاصد الاصول بل هو بحث عن مسألة فرعية، مضافا إلى أن جملة من الأدلة التي ساقها لاثبات حرمة التعبد إنما تدل على عدم جواز النسبة، فلتلحظ أيضا، ولابد من التأمل (قوله: ان حجية الظن) قد عرفت الاشكال في حجيته (قوله: صحتهما شرعا) قد عرفت أن صحة الالتزام ليست شرعية (قوله: لما كان يضر) قد عرفت أنه محل تأمل (قوله: وعدم جواز)
وقد انقدح بما ذكرنا أن الصواب فيما هو المهم في الباب ما ذكرنا في تقرير الأصل فتدبر جيدا، إذا عرفت ذلك فما خرج موضوعا عن تحت هذا الأصل أو قيل بخروجه يذكر في ذيل فصول فصل لا شبهة في لزوم اتباع ظاهر كلام الشارع في تعيين مراده في الجملة لاستقرار طريقة العقلاء على اتباع الظهورات في تعيين المرادات مع القطع بعدم الردع عنها لوضوح عدم اختراع طريقة أخرى في مقام الافادة لمرامه من كلامه كما هو واضح والظاهر أن سيرتهم على اتباعها من غير تقييد بافادتها للظن فعلا ولا بعدم الظن كذلك على خلافها قطعا ضرورة انه لا مجال عندهم للاعتذار عن مخالفتها بعدم إفادتها للظن بالوفاق ولا بوجود الظن بالخلاف. كما أن الظاهر عدم اختصاص ذلك بمن قصد إفهامه ولذا لا يسمع اعتذار من لا يقصد إفهامه إذا خالف ما تضمنه ظاهر كلام ______________________________ قد عرفت أن الشيخ لم يتعرض له وان كان بعض ادلته تقتضيه (قوله: ما ذكرنا في تقرير) قد عرفت انه كذلك لانه المقصود للاصولي، ولعل هذا هو مقصود المصنف (ره) من ايراده على شيخه وان كان بعيدا عن العبارة. فتأمل في حجية الظهور (قوله: في الجملة) هذا قيد لقوله: لا شبهة، يعني أن نفي الشبهة في وجوب اتباع الظهور بنحو الموجبة الجزئية لا الكلية لما سيأتي من القول بعدم وجوب الاتباع لبعض افراد الظاهر (قوله: لاستقرار طريقة) هذا دليل وجوب اتباع الظاهر، وحاصله سيرة العقلاء الممضاة من قبل الشارع قطعا إذ ليس له طريقة خاصة في افهام مقاصده (قوله: والظاهر ان سيرتهم) شروع في بيان عموم وجوب الاتباع لكل ظاهر من غير تفصيل بين ما كان موجبا للظن
* المولى من تكليف يعمه أو يخصه ويصح به الاحتجاج لدى المخاصمة واللجاج كما تشهد به صحة الشهادة بالاقرار من كل من سمعه ولو قصد عدم إفهامه فضلا عما إذا لم يكن بصدد إفهامه. ولا فرق في ذلك بين الكتاب المبين وأحاديث سيد المرسلين والأئمة الطاهرين وان ذهب بعض الاصحاب إلى عدم حجية ظاهر الكتاب إما بدعوى اختصاص فهم القرآن ومعرفته باهله ومن خوطب به كما يشهد به ما ورد في ردع أبي حنيفة وقتادة عن الفتوى به، أو بدعوى أنه لأجل احتوائه على مضامين شامخة ومطالب غامضة عالية لا يكاد تصل إليها أيدى أفكار أولى الأنظار غير الراسخين العالمين بتأويله كيف ولا يكاد يصل إلى فهم كلمات الأوائل إلا الأوحدي من الافاضل ؟ فما ظنك بكلامه تعالى مع اشتماله على علم ما كان وما يكون وحكم ______________________________ الفعلي وغيره - كما حكى عن بعض المتأخرين - فنفى حجية الظاهر إذا لم يكن ظن على خلافه، أو بين ما كان على خلافه ظن فعلي وما لم يكن، فلا يكون الاول حجة - كما هو محتمل القول المذكور - أو بين من قصد إفهامه بالخطاب ومن لم يقصد فلا يكون الظهور حجة للثاني كما هو المحكي - عن صاحب القوانين - أو التفصيل بين ظاهر الكتاب المجيد وغيره فلا يكون الاول حجة - كما هو المحكي عن الاخباريين - والوجه في نفي هذه التفصيلات وعموم الحجية للجميع عموم دليل الحجية لاستقرار سيرة العقلاء على التمسك بالظهورات في جميع الانواع من غير فرق (قوله: من تكليف) بيان لما في قوله: ما تضمنه (قوله: ويصح به) معطوف على قوله: لا يسمع، اي ولذا يصح... الخ (قوله: ما ورد في ردع ابي حنيفة) ففي رواية شعيب بن أنس عن أبي عبد الله (ع): يا أبا حنيفة لقد ادعيت علما ويلك ما جعل الله ذلك الا عند اهل الكتاب الذين انزل عليهم، وفى رواية الشحام من قول أبي جعفر (ع): يا قتادة ويحك انما يعرف القرآن من خوطب به، وفى رواية ابن مسلم: ونحن نعلمه فليس يعلمه غيرنا (قوله: لاجل احتوائه) ففي رواية ابن الحجاج: ليس شئ ابعد عن
كل شئ أو بدعوى شمول المتشابه الممنوع عن اتباعه للظاهر لا أقل من احتمال شموله لتشابه المتشابه وإجماله، أو بدعوى انه وإن لم يكن منه ذاتا إلا أنه صار منه عرضا للعلم الاجمالي بطروء التخصيص والتقييد والتجوز في غير واحد من ظواهره - كما هو الظاهر - أو بدعوى شمول الاخبار الناهية عن تفسير القرآن بالرأي لحمل الكلام الظاهر في معنى على إرادة هذا المعنى ولا يخفى أن النزاع يختلف صغرويا وكبرويا بحسب الوجوه فبحسب غير الوجه الاخير والثالث يكون صغرويا وأما بحسبهما فالظاهر أنه كبروي ويكون المنع عن الظاهر إما لانه من المتشابه قطعا أو احتمالا، أو لكون حمل الظاهر على ظاهره من التفسير بالرأي وكل هذه الدعاوى فاسدة (أما الاولى) فانما المراد مما دل على اختصاص فهم القرآن ومعرفته بأهله اختصاص فهمه بتمامه بمتشابهاته ومحكماته بداهة أن فيه ما لا يختص به كما لا يخفى. وردع أبى حنيفة وقتادة عن الفتوى به إنما هو لاجل الاستقلال في الفتوى بالرجوع إليه من دون مراجعة أهله لا عن الاستدلال بظاهره مطلقا ولو مع الرجوع إلى رواياتهم والفحص عما ينافيه والفتوى به مع اليأس عن الظفر به كيف وقد وقع في غير واحد من ______________________________ عقول الرجال من القرآن، وفي رواية ابن جابر: ولهذه العلة واشباهها لا يبلغ احد كنه معنى حقيقة تفسير كتاب الله تعالى الا نبيه أو أوصياؤه (قوله: أو بدعوى شمول المتشابه) كما ادعاها السيد الصدر في شرح الوافية (قوله: للعلم الاجمالي بطروء) العلم الاجمالي لا يوجب كون الظاهر من المتشابه عرضا بل يوجب كونه بحكم المتشابه من جهة اقتضائه سقوط أصالة الظهور عن الحجية كما هو الحال في كل علم اجمالي بين افراد محصورة فانه يوجب سقوط الاصول فيها على ما يأتي الاشارة إلى ذلك في محله (قوله: كما هو ظاهر) قيد للعلم الاجمالي (قوله: صغرويا) يعني يكون النزاع في أنه ظاهر أو ليس بظاهر (قوله: وكبرويا) يعني يكون النزاع في أن ظاهر القرآن بعد البناء على كونه ظاهرا هل يجب العمل به اولا ؟ (قوله: يكون صغرويا) يعني ترجع دعوى الخصم إلى عدم كونه ظاهرا،
الروايات الارجاع إلى الكتاب والاستدلال بغير واحد من آياته ؟ (وأما الثانية) فلأن احتواءه على المضامين العالية الغامضة لا يمنع عن فهم ظواهره المتضمنة للأحكام وحجيتها كما هو محل الكلام (واما الثالثة) فللمنع عن كون الظاهر من المتشابه فان الظاهر كون المتشابه هو خصوص المجمل وليس بمتشابه ومجمل (واما الرابعة) فلان العلم إجمالا بطروء إرادة خلاف الظاهر إنما يوجب الاجمال فيما إذا لم ينحل بالظفر في الروايات بموارد ارادة خلاف الظاهر بمقدار المعلوم بالاجمال - مع أن دعوى اختصاص أطرافه بما إذا تفحص عما يخالفه لظفر به غير بعيدة فتأمل جيدا (وأما الخامسة) فيمنع كون حمل الظاهر على ظاهره من التفسير فانه كشف القناع ولا قناع للظاهر ولو سلم فليس من التفسير بالرأي إذ الظاهر أن المراد بالرأي هو الاعتبار الظني الذي لا اعتبار به وإنما كان منه حمل اللفظ على خلاف ظاهره ______________________________ لكن قد عرفت أنه يشكل ذلك على الوجه الرابع إذا العلم الاجمالي لا يرفع الظهور فتأمل (قوله: فيما إذا لم ينحل بالظفر) يعني العلم الاجمالي إنما يمنع من أصالة الظهور لو لم يكن ينحل بالعلم التفصيلي بالمخصصات والمقيدات أما إذا انحل بالعلم التفصيلي بذلك الحاصل من البحث والفحص فلا يؤثر اثره، لكن لا يخفى أن هذا مبني على انحلال العلم الاجمالي بالعلم التفصيلي اللاحق، وهو محل الكلام والاشكال كما سيأتي بيانه في محله انشاء الله (قوله: مع ان دعوى اختصاص) يعنى أن العلم الاجمالي الحاصل ليس بوجود مخالفات الظواهر مطلقا بل بوجود مخالفات لو فحصنا عنها لعثرنا عليها ومثل هذا العلم الاجمالي إنما يمنع قبل الفحص اما بعده فان عثر على ما يوجب مخالفة الظاهر كان من المعلوم بالاجمال وان لم يعثر عليه كان الظاهر معلوم الخروج تفصيلا عن أطراف الشبهة، وحينئذ لا مانع من أصالة الظهور (قوله: غير بعيدة) بل لو كانت بعيدة فغاية الامر ان يكون هناك علمان اجماليان احدهما عام والآخر خاص وهما مقترنان ولا ريب في انحلال الاول بالثاني مع الاقتران كما سيجيئ في محله (قوله: وإنما كان منه) يعني بل منه حمل... الخ
لرجحانه بنظره أو حمل المجمل على محتمله بمجرد مساعدته ذاك الاعتبار من دون السؤال عن الاوصياء وفى بعض الاخبار: إنما هلك الناس في المتشابه لانهم لم يقفوا على معناه ولم يعرفوا حقيقته فوضعوا له تأويلا من عند أنفسهم بآرائهم واستغنوا بذلك عن مسألة الاوصياء فيعرفونهم. هذا - مع أنه لا محيص عن حمل هذه الروايات الناهية عن التفسير به على ذلك ولو سلم شمولها لحمل اللفظ على ظاهره ضرورة انه قضية التوفيق بينها وبين ما دل على جواز التمسك بالقرآن مثل خبر الثقلين، وما دل على التمسك والعلم بما به فيه، وعرض الاخبار المتعارضة عليه، ورد الشروط المخالفة له، وغير ذلك مما لا محيص عن إرادة الارجاع إلى ظواهره لا خصوص نصوصه ضرورة أن الآيات التي يمكن ان تكون مرجعا في باب تعارض الروايات أو الشروط أو يمكن أن يتمسك بها ويعمل بما فيها ليست إلا ظاهرة في معانيها وليس فيها ما كان نصا كما لا يخفي (ودعوى) العلم الاجمالي بوقوع التحريف فيه بنحو إما باسقاط أو بتصحيف (وان كانت) غير بعيدة كما يشهد به بعض الاخبار ويساعده الاعتبار إلا أنه لا يمنع عن حجية ظواهره ______________________________ (قوله: ورد الشروط المخالفة) مثل صحيح الحلبي: كل شرط خالف كتاب الله فهو مردود ونحوه كثير (قوله: لا محيص عن ارادة يعني لا محيص عن كون المراد به الارجاع إلى ظواهر... الخ (قوله: ودعوى العلم الاجمالي) قال الفضل الطبرسي في مجمعه: فاما الزيادة فيه فمجع على بطلانه، واما النقصان فقد روى جماعة من اصحابنا وقوم من حشوية العامة أن في القرآن تغييرا ونقصانا والصحيح من مذهب اصحابنا خلافه وهو الذي نصره المرتضى قدس الله روحه، استوفى الكلام فيه غاية الاستيفاء في جواب المسائل الطرابلسيات، وذكر في مواضع: أن العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والوقائع العظام والكتب المشهورة واشعار العرب المسطورة فان العناية اشتدت والدواعي توفرت على نقله
لعدم العلم بوقوع الخلل فيها بذلك أصلا، ولو سلم فلا علم بوقوعه في آيات الأحكام ______________________________ وحراسته وبلغت إلى حد لم يبلغه ما ذكرناه لان القرآن معجز النبوة ومأخذ العلوم الشرعية والاحكام الدينية وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية حتى عرفوا كل شئ اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته فكيف يجوز أن يكون مغيرا أو منقوصا مع العناية الصادقة والضبط الشديد ؟ وقال ايضا: إن العلم بتفصيل القرآن وابعاضه في صحة نقله كالعلم بجملته وجرى ذلك مجرى ما علم ضرورة من الكتب المصنفة ككتاب سيبويه والمزني إلى آخر ما نقل من كلام السيد (ره)، وقال الشيخ (ره) في محكي تبيانه: أما الكلام في زيادته ونقصانه - يعنى القرآن - فمها لا يليق به لان الزيادة فيه مجمع على بطلانها والنقصان منه فالظاهر أيضا من مذهب المسلمين خلافه، وهو الاليق بالصحيح من مذهبنا كما نصره المرتضى وهو الظاهر من الروايات، غير انه رويت روايات كثيرة من جهة العامة والخاصة بنقصان كثير من آي القرآن ونقل شئ منه من موضع إلى موضع لكن طريقها الآحاد التي لا توجب علما، فالاولى الاعراض عنها وترك التشاغل بها لانه يمكن تأويلها ولو صحت لما كان ذلك طعنا على ما هو موجود بين الدفتين فان ذلك معلوم صحته لا يعترضه أحد من الامة ولا يدفعه، ورواياتنا متناصرة بالحث على قراءته والتمسك بما فيه ورد ما يرد من اختلاف الاخبار في الفروع إليه وعرضها عليه.. إلى آخر كلامه، ومما ذكره السيد (ره) يظهر لك الاشكال فيما ذكره المصنف (ره) بقوله: ويساعد عليه الاعتبار، كما ان مما ذكره الشيخ (ره) في آخر كلامه يظهر انه لا يقدح العلم بالتحريف في جواز التمسك بالكتاب المجيد إذ يكفي في حجيته حينئذ الاخبار الآمرة بالرجوع إليه الكاشفة عن كون التحريف لا يقدح في ظواهره المثبتة للاحكام ولا حاجة إلى الجواب بما ذكره المصنف (ره) (قوله: لعدم العلم بوقوع) هذا الجواب الأول، وحاصله: أن العلم بالتحريف لا يوجب سقوط اصالة الظهور عن الحجية لعدم العلم بكون التحريف موجبا للخلل بالظواهر (قوله: ولو سلم فلا علم) هذا جواب ثان بعد تسليم الأول وحاصله: أن
* والعلم بوقوعه فيها أو في غيرها من الآيات غير ضائر بحجية آياتها لعدم حجية ظاهر سائر الآيات والعلم الاجمالي بوقوع الخلل في الظواهر إنما يمنع عن حجيتها إذا كانت كلها حجة والا لا يكاد ينفك ظاهر عن ذلك كما لا يخفي فافهم (نعم) لو كان الخلل المحتمل فيه أو في غيره بما اتصل به لأخل بحجيته لعدم انعقاد ظهور له حينئذ وان انعقد له الظهور لولا اتصاله (ثم) إن التحقيق أن الاختلاف في القراءة ______________________________ التحريف المعلوم وإن كان يوجب الخلل بظواهر الكتاب في الجملة إلا أنه لما كان بعض اطراف الشبهة خارجا عن محل الابتلاء لاحتمال كون الظواهر التي وردها الخلل ظواهر غير آيات الأحكام، ولما كانت الظواهر المذكورة خارجة عن محل الابتلاء لم يكن العلم الاجمالي منجزا ومانعا من الرجوع إلى الأصل فيما هو محل الابتلاء من ظواهر الآيات (قوله: عن ذلك) يعني عن كونه طرفا لعلم اجمالي بعض أطرافه خارج عن محل الابتلاء (قوله: فافهم) يمكن أن يكون اشارة إلى الاشكال في خروج ظواهر غير آيات الأحكام عن محل الابتلاء إذ يكفي في كونها محل الابتلاء كونها موضوعا لجواز الاعتماد عليها في الاخبار عن مضامينها الواقعية، فحجية اصالة الظهور لا تختص بالاحكام الشرعية بل تكون أيضا بلحاظ جواز حكاية مضمون الظاهر واقعا، فلاحظ (قوله: نعم لو كان الخلل المحتمل) يعني ان الخلل الحاصل من التحريف (تارة) يمنع من انعقاد الظهور نظير القرائن المتصلة (واخرى) يمنع عن العمل بالظهور نظير القرائن المنفصلة، وهذا الذي ذكرناه انما هو لو كان المعلوم ثبوت التحريف بنحو يوجب الخلل بالنحو الثاني أما لو كان بنحو يوجب الخلل بالنحو الأول أمكن المنع من حجية الظواهر، وذلك لأن العلم الاجمالي يوجب الشك في انعقاد الظهور فيما هو محل الابتلاء، ومع هذا الشك كيف يكون حجة لأن أصالة الظهور انما تجري بعد الفراغ عن أصل الظهور لا مع الشك فيه (وفيه) أن أصالة الظهور وان كانت كما ذكر إلا أن أصالة عدم القرينة لا مانع من جريانها حينئذ بالنسبة إلى ما هو محل
* بما يوجب الاختلاف في الظهور مثل (يطهرن) بالتشديد والتخفيف يوجب الاخلال بجواز التمسك والاستدلال لعدم احراز ما هو القرآن ولم يثبت تواتر القراءات ______________________________ الابتلاء، وإذا جرت أوجبت ثبوت الظهور تعبدا فيكون موضوعا لاصالة الظهور وبعبارة أخرى: لا فرق بين نحوي التحريف المعلوم بالاجمال فكما أن العلم بالنحو الثاني لا يمنع من جريان اصالة الظهور فيما هو محل الابتلاء كذلك العلم بالنحو الأول لا يمنع من اجراء اصالة عدم القرينة. ثم انه يمكن دعوى انحلال العلم الاجمالي بالتحريف بالعلم الاجمالي بتحريف لو فحصنا عنه عثرنا عليه، فان هذا العلم لما كان مقارنا للعلم الاجمالي لم يكن اشكال في اقتضائه الانحلال على النحو المتقدم كما أشار إليه في الحاشية (قوله: بما يوجب الاختلاف) أما إذا لم يكن موجبا للاختلاف في الظهور فلا إشكال في جواز العمل به بعد البناء على حجية ظواهره للعلم بكونه قرآنا لتواتره (قوله: لعدم احراز ما هو القرآن) يعني فيكون العمل باحدى القراءات عملا بما لا يعلم كونه قرآنا وهو لا يجوز للشك في موضوع الحجية (قوله: ولم يثبت تواتر القراءات) الكلام في هذا المقام يقع في أمور (الاول) تواتر القراءات وعدمه، المشهور - كما قيل - تواتر القراءات السبع وعن الشهيد الثاني في المقاصد العلية أن كلا من القراءات السبع من عند الله تعالى نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين صلى الله عليه وآله الطاهرين تخفيفا على الأمة وتهوينا على أهل هذه الملة، ومثله المحكي عن غيره من علماء الامامية وغيرهم، لكن ظاهر المحكي من كلام الشيخ في التبيان والطبرسي في مجمع البيان وغيرهما العدم وهو المصرح به في كلام جماعة من المتأخرين من أصحابنا وآخرين من غيرهم، وعليه المعول، ففي صحيح الفضيل لما قال له: ان الناس يقولون: ان القرآن نزل على سبعة أحرف،: كذب أعداء الله ولكنه نزل بحرف واحد من عند الواحد، ونحوه غيره (الثاني) جواز الاستدلال بكل قراءة مطلقا أو من السبع فقد يتوهم بدعوى استفادته من نصوص الرجوع إليه كما تقدمت إليها الاشارة نظير استفادة جواز القراءة بكل قراءة من مثل قول الصادق
ولا جواز الاستدلال بها وان نسب إلى المشهور تواترها لكنه مما لا أصل له وانما الثابت جواز القراءة بها ولا ملازمة بينهما كما لا يخفى ولو فرض جواز الاستدلال بها فلا وجه لملاحظة الترجيح بينها بعد كون الاصل في تعارض الامارات هو (سقوطها) عن الحجية في خصوص المؤدى بناء على اعتبارها من باب الطريقية ______________________________ - عليه السلام - في خبر سالم أبي سلمة: إقرأ كما يقرأ الناس، ولكنه كما ترى، للفرق بين لساني الدليلين وموردهما، فلاحظ (الثالث) جواز معاملة كل واحد منها معاملة الخبر في الاحكام من حيث الحجية واجراء قواعد التعارض وغير ذلك، الظاهر ذلك لعموم الادلة، ويشهد به أيضا خبر زرارة المروي عن كتاب فضل القرآن من الكافي عن أبى جعفر (ع): إن القرآن واحد نزل من عند واحد ولكن الاختلاف يجيئ من قبل الرواة، وقريب منه خبره الآخر المروي عن كتاب التحريف والتنزيل للسيار بطرق متعددة بعضها صحيح وحينئذ فمع التعارض يرجع إلى المرجحات، ومع فقدها يتخير، إلا أن يدعى انصراف أدلة الترجيح والتخيير عن القراءات وان كانت من قبيل الروايات ولا سيما وفى نصوص التخيير والترجيح مثل قوله: يأتي عنكم، المختص بالرواية عن الائمة (ع)، لكن هذا الاشكال ضعيف لمنع الانصراف والغاء العرف مثل هذه الخصوصيات ولا سيما بملاحظة التعليل لبعض المرجحات بمثل قوله: فان المشهور لا ريب فيه، وخلو جملة من النصوص عن التخصيص، فتأمل جيدا (قوله: ولا جواز الاستدلال) اشارة إلى المقام الثاني (قوله: فلا وجه لملاحظة) يعني لو بنينا على جواز الاستدلال بالقراءة بما أنها قراءة ففي حال التعارض بين القراءات لا وجه للرجوع إلى المرجحات السندية ومع التساوي يتخير كما هو الحكم في كل خبرين متعارضين لان ذلك كله خلاف الاصل في المتعارضين لا يجوز ارتكابه الا بدليل، والدليل الذى قام عليه يختص بالروايتين المتعارضتين فلا يشمل القراءتين، بل المرجع في القراءتين المتعارضتين هو الاصل وهو التساقط والرجوع إلى حجة أخرى من دليل
(والتخيير) بينها بناء على السببية مع عدم دليل على الترجيح في غير الروايات من سائر الامارات فلابد من الرجوع حينئذ إلى الأصل أو العموم حسب اختلاف المقامات. فصل قد عرفت حجية ظهور الكلام في تعيين المرام فان أحرز بالقطع وأن المفهوم منه جزما بحسب متفاهم أهل العرف هو ذا فلا كلام ______________________________ ثالث أو أصل بناء على الطريقية في حجية الامارات، واما بناء على السببية والموضوعية فالاصل التخيير كما هو الحكم في كل مقتضيين متزاحمين مع عدم المرجح ومعه يؤخذ بالراجح اقتضاء وتأثيرا كما لا يخفى، ثم إنك عرفت أن هذا يتم لو بني على جواز الاستدلال بكل قراءة من حيث كونها قراءة الذى هو محل الكلام في الأمر الثاني، واما لو بني على جواز الاستدلال بالقراءة باعتبار كون القارئ، راويا للقرآن كان اجراء قواعد تعارض الروايتين في محله على ما بيناه لكنه ليس محط كلام المصنف (ره) (قوله: والتخيير) معطوف على سقوطهما (قوله: بناء على السببية) سيجيئ انشاء الله وجه ذلك في محله (قوله: في غير الروايات) متعلق بسقوطها وما عطف عليه وهو التخيير وانما خصه بغير الروايات لأن الروايات المتعارضة يرجع فيها إلى أحكام التعارض التي هي خلاف الأصل المذكور لاجل الدليل كما اشرنا إليه (قوله: إلى الاصل) يعني الاصل العملي الجاري في المسألة لولا الامارات المتعارضة (قوله: حسب اختلاف) إذ المرجع في بعض المقامات العموم لوجوده وفى بعضها الاصل لفقد العموم (قوله: فان أحرز بالقطع) اعلم أن الشك في مراد المتكلم من الكلام (تارة) يكون للشك في معناه لاجل الجهل بالموضوع له (واخرى) لوجود ما يصلح لصرفه (وثالثة) للشك في وجود الصارف (ورابعة) لاحتمال تعمد ارادة خلاف
* والا فان كان لأجل احتمال وجود قرينة فلا خلاف في أن الاصل عدمها لكن الظاهر أنه معه يبنى على المعنى الذي لولاها كان اللفظ ظاهرا فيه ابتداء لا أنه يبنى عليه بعد البناء على عدمها كما لا يخفى فافهم ______________________________ الظاهر، والشك من الجهة الرابعة قد تقدم البحث عن حكمه في الفصل المتقدم وبين فيه انه يبنى على الغاء احتمال تعمد خلاف الظاهر بل يحكم بارادة المتكلم للظاهر، وهذا الفصل معقود لحكم الشك من الجهات الثلاث الباقية (قوله: فان كان لاجل) هذا تعرض لحكم الشك من الجهة الثالثة، وحاصل ما ذكر: انه يبني على عدم الاعتناء باحتمال وجود القرينة الصارفة فيحمل على المعنى الظاهر منه لولا القرينة المحتملة (قوله: لكن الظاهر انه معه) يعني ربما يتوهم في المقام أن أصالة عدم القرينة متقدم بحسب الرتبة على أصالة الظهور حيث أن أصالة الظهور انما تجرى في رتبة متأخرة عن ثبوت الظهور، والظهور مع الشك في القرينة انما يحرز بواسطة أصالة عدم القرينة فتكون أصالة عدم القرينة متقدمة على أصالة الظهور بمرتبتين، وهذا التوهم ساقط باعتقاد المصنف - رحمه الله - وان اصالة عدم القرينة ليس أصلا عقلائيا وظيفته اثبات الظهور بل هو راجع إلى اصالة الظهور إذ ليس للعقلاء بناءان مترتبان كما توهم بل ليس لهم الا بناء واحد وهو حمل اللفظ على معناه سواء أحرز كونه ظاهرا أم شك في ذلك للشك في وجود القرينة الصارفة عنه، وهذا منه على العكس مما يظهر من عبارة شيخه في رسائله من ارجاع أصالة الحقيقة وأصالة العموم واصالة الاطلاق التي هي انواع لاصالة الظهور إلى اصالة عدم القرينة، لكن الظاهر ان ما ذكراه معا خلاف الارتكاز العقلائي إذ المرتكز في أذهان العقلاء ان لهم شكين مترتبين أحدهما الشك فيما هو ظاهر الكلام، والثاني الشك في ارادة ذلك الظاهر والاصول الجارية عندهم ايضا مترتبة بعضها جار في الاول وهو أصالة عدم القرينة، وبعهضا جار في الثاني وهو اصالة الظهور بانواعه المتنوعة حسب اختلاف المقامات من اصالة الحقيقة واخواتها، والتأمل في ترتب الشكين المذكورين مما يرتفع بمزيد التأمل وترتب الاصول تابع
* وان كان لاحتمال قرينية الموجود فهو وان لم يكن مجالا للاشكال - بناء على حجية أصالة الحقيقة من باب التعبد - إلا أن الظاهر أن يعامل معه معاملة المجمل. وإن كان لأجل الشك فيما هو الموضوع له لغة أو المفهوم منه عرفا فالاصل يقتضي عدم حجية الظن فيه فانه ظن في أنه ظاهر ولا دليل إلا على حجية الظواهر. نعم نسب إلى المشهور حجية قول اللغوي بالخصوص في تعيين الاوضاع واستدل لهم باتفاق العلماء بل العقلاء على ذلك حيث لا يزالون يستشهدون بقوله في مقام الاحتجاج بلا إنكار من أحد ولو مع المخاصمة واللجاج. وعن بعض دعوى الإجماع على ذلك وفيه أن الاتفاق لو سلم اتفاقه فغير مفيد ______________________________ لترتب موضوعاتها، ومجرد الاشتراك في النتيجة حيث أن المقصود من كل من النوعين الحمل على المعنى الخاص لا يصحح ارجاعهما إلى نوع واحد فلاحظ، ولعله إلى هذا أشار بقوله: فافهم (قوله: وان كان لاحتمال) هذا تعرض لحكم الشك في المراد من الجهة الثانية، وحاصل حكمه: انه إن بنينا على أن اصالة الحقيقة حجة تعبدا كان اللازم الحمل على المعنى الحقيقي وعدم الاعتناء باحتمال قرينية الموجود وإن بنينا على انها حجة من باب الظهور أي لانها فرد من أصالة الظهور كان اللازم الحكم بالاجمال التوقف، وذلك لان أصالة الظهور إنما تجري في ظرف الظهور ووجود ما يصلح للقرينية مانع من انعقاد الظهور للكلام قوله: الا ان الظاهر أن) لان الظاهر كون أصالة الحقيقة حجة من باب الظهور، وهذا يؤيد ما تقدم من ترتب الاصول (قوله: وان كان لاجل الشك) هذا شروع في تحقيق حكم الشك من الجهة الاولى (قوله: باتفاق العلماء) المراد به الاجماع العملي المعبر عنه بالسيرة بخلاف الاجماع الآتي بيانه فانه إجماع قولي بمعنى صدور الفتوى من جميع العلماء (قوله: لو سلم اتفاقه) اي لو سلم وجوده من باب الاتفاق (قوله: فغير مفيد) لأن حجية مثله تتوقف على الامضاء من قبل الشارع وهو غير معلوم كيف ومن مقدمات اثبات الامضاء ثبوت السيرة في زمن المعصوم (ع) وهو
مع أن المتيقن منه هو الرجوع إليه مع اجتماع شرايط الشهادة من العدد والعدالة، والاجماع المحصل غير حاصل، والمنقول منه غير مقبول خصوصا في مثل المسألة مما احتمل قريبا أن يكون وجه ذهاب الجل لولا الكل هو اعتقاد أنه مما اتفق عليه العقلاء من الرجوع إلى أهل الخبرة من كل صنعة فيما اختص بها والمتيقن من ذلك إنما هو فيما إذا كان الرجوع يوجب الوثوق والاطمينان ولا يكاد يحصل من قول اللغوي وثوق بالاوضاع ______________________________ في المقام غير ثابت أو ثابت العدم ؟ (قوله: مع أن المتيقن) هذه الدعوى لا ينبغي ان تذكر الا بقصد تكثير السواد كما لا يخفى بادنى ملاحظة، كيف والشروط المذكورة للعدالة إنما هي شروط شرعية تعبدية ليس لها عند العقلاء عين ولا أثر ؟ مع انها مفقودة غالبا كما هو ظاهر (قوله: غير مقبول) لما سيأتي انشاء الله تعالى (قوله: مما احتمل قريبا) لكن هذا الاحتمال لا يختص قدحه في الاجماع المنقول بل يجري في المحصل أيضا لانه راجع إلى ان العلم بمستند المجمعين مانع من اعتبار إجماعهم فلا وجه لتخصيصه بالمنقول، مع انه لا يتم على طريقة اللطف كما يأتي في مبحث الاجماع (قوله: من الرجوع) يعني ان بناء العقلاء على الرجوع في كل صنعة إلى أهل الخبرة بها فيكون الرجوع إلى قول اللغوي من باب الرجوع إلى أهل الخبرة، ولو تم هذا البناء من العقلاء كان حجة لتمامية مقدمات الامضاء فيه لثبوته في جميع الاعصار حتى عصر المعصومين (ع) وبذلك افترق عن بنائهم على العمل باقوال اللغويين الذي عرفت انه لا دليل على حجيته لعدم تمامية مقدمات الامضاء فيه الا ان في كون اللغوي من أهل الخبرة تأملا أو منعا كما سيأتي في آخر البحث (قوله: يوجب الوثوق والاطمئنان) ينبغي ان يكون المراد بهما النوعيين لا الشخصيين إذ هو الذي استقر عليه بناء العقلاء لو كان كما هو الظاهر (قوله: ولا يكاد يحصل من قول) إنكار حصول الوثوق الشخصي فضلا عن النوعي من قول اللغوي يحتاج إلى مؤونة مثل مؤونة
بل لا يكون اللغوي من أهل خبرة ذلك بل انما هو من أهل خبرة موارد الاستعمال بداهة أن همه ضبط موارده لا تعيين أن أيا منها كان اللفظ فيه حقيقة أو مجازا ؟ والا لوضعوا لذلك علامة وليس ذكره أولا علامة كون اللفظ حقيقة فيه للانتقاض بالمشترك وكون موارد الحاجة إلى قول اللغوي أكثر من أن يحصى لانسداد باب العلم بتفاصيل المعاني غالبا بحيث يعلم بدخول الفرد المشكوك أو خروجه وان كان المعنى معلوما في الجملة لا يوجب اعتبار قوله ______________________________ الاثبات، كيف وحصول الوثوق الشخصي فضلا عن النوعي كثير جدا ؟ نعم كثيرا ما لا يحصل ذلك ايضا فلا يصح الانكار مطلقا كما لا يصح الاثبات كذلك (قوله: بل لا يكون اللغوي) هذا في الاشكال كما قبله لا يسلم الا في الجملة وليس أهل اللغة الا من أهل اللسان مع زيادة التبحر والتضلع والاحاطة، وكيف يصح دعوى أن أهل اللسان ليسوا من أهل الخبرة بمعاني لغتهم (قوله: بل انما هو من أهل) هذا مسلم في جملة من الألفاظ المستعملة في المعاني المتكثرة المتناسبة لا مطلقا، وفي بعض اللغويين لا كلهم، فانظر إلى فقه اللغة ونحوه تعرف صدق ما قلنا (قوله: وكون موارد الحاجة) هذا وجه آخر للاستدلال على حجية قول اللغوي وحاصله التمسك بمقدمات دليل الانسداد في خصوص معرفة الاوضاع فيقال: لو بنى على الاقتصار على العلم في اللغات ولم يرجع إلى قول أهل اللغة لزم التوقف في اكثر المقامات لقلة الموارد التي يحصل فيها العلم، وذلك يفضي إلى العسر والحرج فدليل نفي العسر والحرج يقتضي جواز الرجوع إليهم، (قوله: لا يوجب اعتبار) هذا خبر لكون وجواب عنه وتوضيحه: أن مجرد انسداد باب العلم باللغة لا يكفي في جواز الأخذ بالظن فيها، كما أن مجرد انسداد باب العلم بالاحكام لا يكفى في جواز العمل به بل لابد من انضمام مقدمات أخر مثل أن العمل بالاحتياط موجب لاختلال النظام أو الحرج المنفي في الشريعة المقدسة والعمل بالبراءة موجب للخروج عن الدين أو المخالفة القطعية كما سيأتي
ما دام انفتاح باب العلم بالأحكام كما لا يخفى ومع الانسداد كما قوله معتبرا إذا أفاد الظن من باب حجية مطلق الظن وان فرض انفتاح باب العلم باللغات بتفاصيلها فيما عدا المورد (نعم) لو كان هناك دليل على اعتباره لا يبعد أن يكون انسداد باب العلم بتفاصيل اللغات موجبا له على نحو الحكمة لا العلة (لا يقال): على هذا لا فائدة في الرجوع إلى اللغة (فانه يقال): مع هذا لا يكاد تخفى الفائدة في المراجعة إليها فانه ربما يوجب القطع ______________________________ بيان ذلك في محله وحينئذ فان كان الأخذ بالاحتياط والبراءة عند انسداد باب العلم باللغة مما يترتب عليه المحذوران المذكوران فقد تمت مقدمات الانسداد في الأحكام وجاز الاخذ بكل ظن بالحكم سواء أكان ناشئا من الظن باللغة من قول اللغوي أم من غيره أم من الظن بغير اللغة ايضا، ولا وجه لدعوى حجية قول اللغوي بالخصوص، وان لم يترتب عليه المحذوران ان امتنع الاعتماد على قول اللغوي فضلا عن غيره ووجب الاحتياط (قوله: ما دام انفتاح) يعني بان لا تتم مقدمات الانسداد في الاحكام (قوله: ومع الانسداد) يعني مع تمامية مقدمات الانسداد في الاحكام (قوله: وان فرض انفتاح) فعلى هذا لا يكون انسداد باب العلم باللغة منشأ لجواز العمل على الظن ولا يناط به لا وجودا ولا عدما، نعم لو دل دليل على حجية قول اللغوي بالخصوص لا يبعد أن يكون الانسداد حكمة للحكم بمعنى كونه علة لتشريعه وجعل الحجية ولو في غير مورد الانسداد لا على أن يكون علة بحيث لا يكون قوله حجة مع امكان العلم في المورد، والوجه فيه أن كونه علة ينافي اطلاق دليله المقتضي للحجية حتى في المورد الذي يمكن فيه العلم، نعم لو كان دليل الحجية مختصا بحال الانسداد أمكن أن يكون علة لا حكمة. (قوله: ربما يوجب القطع) قد يتوهم أن هذا ينافي ما قدمه من عدم حصول الوثوق من قول اللغوي ولكنه في غير محله إذ لا منافاة بين حصول القطع من مراجعة كتب اللغة ولو بملاحظة موارد الاستعمال المذكورة فيها،
بالمعنى وربما يوجب القطع بان اللفظ في المورد ظاهر في معنى بعد الظفر به وبغيره في اللغة وان لم يقطع بانه حقيقة فيه أو مجاز كما اتفق كثيرا وهو يكفي في الفتوى (فصل) الإجماع المنقول بخبر الواحد حجة عند كثير ممن قال باعتبار الخبر بالخصوص من جهة أنه من أفراده من دون أن يكون عليه دليل بالخصوص فلابد في اعتباره من شمول أدلة اعتباره له بعمومها أو إطلاقها وتحقيق القول فيه يستدعي رسم أمور (الأول) أن وجه اعتبار الاجماع هو القطع برأي الامام (ع) ومستند القطع به لحاكيه - على ما يظهر من كلماتهم - هو علمه بدخوله (ع) في المجمعين شخصا ولم يعرف عينا ______________________________ (قوله: بالمعنى) يعني المعنى الحقيقي قوله: في معنى) يعني وان لم يكن معنى حقيقيا (ثم ان) أقوى ما يستدل به على حجية قول اللغوي هو ما دل على حجية خبر الثقة في الاحكام (ودعوى) أن خبر اللغوي ليس متعرضا للحكم لانه من الخبر عن الموضوع (فاسدة) لان المراد من الخبر في الاحكام كل خبر ينتهى إلى خبر عن الحكم ولو بالالتزام، ولذلك ترى الفقهاء لا يتوقفون في العمل بخبر ابن مسلم لو اخبر بانه دخلنا على المعصوم في يوم الجمعة فقال: هذا يوم عيد، أو انتهينا إلى مكان كذا فقال: هذا مكان يجب على من مر به الاحرام أو الوقوف، أو سأله رجل فقال: كذا، حيث يفتون بان الجمعة يوم عيد ووادي العقيق أو عرفات يجب الاحرام منه والوقوف فيه، أو أنه يجب على الرجل كذا وليس المستند لهم الا خبر ابن مسلم عن الموضوعات الخارجية وهو كون اليوم يوم جمعة والمكان وادى العقيق أو عرفات والسائل رجل لا امرأة، فإذا جاز الاعتماد على خبر ابن مسلم في الموضوعات المذكورة لانه ثقة لم لا يجوز الاعتماد على الجوهري فيها لانه ثقة ؟ وما الفرق ؟ وهل يصح لاحد فيما لو اخبر ابن مسلم انه (ع) جاء إلى مكان فقال: يجب على من دخله الغسل بالماء القراح، ان يدعي انه يرجع إلى ابن مسلم في تعيين ذلك المكان وانه مسجد الكوفة ولا يعتمد على الجوهري لو اخبر عن الماء القراح انه الماء الخالص عن الخليط، وكيف لا يتوقف في شمول أدلة الحجية
أو قطعه باستلزام ما يحكيه لرأيه (ع) عقلا من باب اللطف أو عادة أو اتفاقا من ______________________________ لخبر ابن مسلم عن مثل هذه الموضوعات ولا يعتمد على اللغوي في بيان معنى اللفظ والمتتبع في الاخبار يعثر على ما لا يحصى كثرة من الاخبار المتعرض فيها لبيان بعض الموضوعات المجملة واعتماد الفقهاء عليها في تفسيرها. نعم قد يفرق بان خبر اللغوي عن حدس لا حس كخبر ابن مسلم، وفيه المنع من مثل هذا الفرق حينئذ والحدس القريب من الحس لا باس بالاعتماد عليه، ولذا بنوا على قبول الخبر المنقول بالمعنى مع انه مما نحن فيه كما هو ظاهر، ومما ذكرنا يظهر أنه يجوز الاعتماد على خبر الثقة في كل ما ينتهي إلى الحكم الكلي مثل الخبر عن عدالة الراوي وضبطه ووثاقته وموته وغير ذلك مما يرجع إلى الاخبار عن الحكم الكلي، ومثله الاخبار عن عدالة المجتهد واجتهاده وأعلميته أو نحو ذلك من شرائط الرجوع إليه وان لم يجز الاعتماد عليه في جواز الائتمام به وتسليم أموال القاصرين إليه وغير ذلك مما لا ينتهي إلى الحكم الكلي بل يترتب عليه حكم جزئي، واما ما تقدم من المصنف (ره) من كون الرجوع إلى اللغوي من باب الرجوع إلى أهل الخبرة فقد عرفت أنه محل تأمل أو منع كيف واللغوي كسائر من يطلع على الامور الخارجية ذوات الآثار الظاهرة فان اطفال أهل اللسان ومجانينهم يعلمون بلغتهم ولا يصح أن يقال إنهم من أهل الخبرة، فالعلم باللغة ليس مما يوجب كون صاحبه من أهل الخبرة بل يتوقف صدق ذلك على كون العلم حاصلا من المقدمات الحدسية البعيدة عن الاحساس. نعم ربما يكون جملة من المفاهيم مما يصعب تمييز تطبيقها الحقيقي عن المجازي في بعض الموارد، بل لعله يوجد ذلك في اكثر المفاهيم فان مفهوم الماء - مع أنه من أوضح المفاهيم العرفية - يشك في انطباقه على بعض الافراد كالمخلوط بما يساوي ربعه من التراب لعدم الاحاطة بتمام خصوصيات المفهوم، وحينئذ فيصعب على الكامل التمييز فضلا عن غيره ويكون اللغوي في مثل ذلك معدودا من أهل الخبرة لاحتياجه إلى مقدمات بعيدة في مقام الاستنباط، فتأمل جيدا والله سبحانه هو العالم (قوله: أو قطعه) الضمير فيه راجع إلى الناقل للاجماع وفى
جهة حدس رأيه - عليه السلام - وإن لم تكن ملازمة بينهما عقلا ولا عادة كما هو طريقة المتأخرين في دعوى الاجماع حيث انهم مع عدم الاعتقاد بالملازمة العقلية ولا الملازمة العادية غالبا وعدم العلم بدخول جنابه (ع) في المجمعين عادة يحكون الاجماع كثيرا. كما انه يظهر ممن اعتذر عن وجود المخالف بانه معلوم النسب انه استند في دعوى الاجماع إلى العلم بدخوله (ع) وممن اعتذر عنه بانقراض عصره انه استند إلى قاعدة اللطف. هذا مضافا إلى تصريحاتهم بذلك على ما يشهد به مراجعة كلماتهم وربما يتفق لبعض الاوحدي وجه آخر من تشرفه برؤيته (ع) وأخذه الفتوى من جنابه، وإنما لم ينقل عنه بل يحكي الاجماع لبعض دواعي الاخفاء (الأمر الثاني) أنه لا يخفى اختلاف نقل الاجماع (فتارة) ينقل رأيه (ع) في ضمن نقله حدسا كما هو الغالب، أو حسا وهو نادر جدا (وأخرى) لا ينقل الا ما هو السبب عند ناقله عقلا أو عادة أو اتفاقا ______________________________ (يحكيه) راجع إلى الاجماع وفي (رأيه) راجع إلى الامام (ع) (قوله: كما هو) الضمير راجع إلى الاستلزام الاتفاقي (قوله: انه استند في) فان العلم بالنسب إما لا يقدح في العلم الاجمالي والا فمعلوم النسب خروجه قادح في الملازمة بانواعها (قوله: انه استند إلى) فانه يكفي في اقتضاء القاعدة لاستكشاف رأيه - عليه السلام - اجتماع أهل عصر واحد ويمنع من حصول العلم الاجمالي بدخوله في المجمعين أو ثبوت الملازمة العادية أو الاتفاقية خروجه ولو في عصر منقرض كما هو ظاهر (قوله: في ضمن نقله حدسا) بان يراد من الاجماع اجماع جميع العلماء حتى الامام (ع) فانه سيدهم ويكون رأيه منقولا عن حدس ورأي غيره منقول حسا أو حدسا (قوله: كما هو الغالب) يعني الغالب في نقل رأي الامام مقابل النادر وهو نقله عن حس لا الغالب في نقل الاجماع إذ هو أول الكلام فتأمل،
واختلاف الفاظ النقل أيضا صراحة وظهورا وإجمالا في ذلك أي في أنه نقل السبب أو نقل السبب والمسبب (الأمر الثالث) أنه لا إشكال في حجية الاجماع المنقول بادلة حجية الخبر إذا كان نقله متضمنا لنقل السبب والمسبب عن حس لو لم نقل بان نقله كذلك في زمان الغيبة موهون جدا، وكذا إذا لم يكن متضمنا له بل كان ممحضا لنقل السبب عن حس إلا انه كان سببا بنظر المنقول إليه أيضا عقلا أو عادة أو اتفاقا فيعامل حينئذ مع المنقول معاملة المحصل في الالتزام بمسببه باحكامه وآثاره وأما إذا كان نقله للمسبب لا عن حس بلا بملازمة ثابتة عند الناقل بوجه دون المنقول إليه ففيه اشكال أظهره عدم نهوض تلك الأدلة على حجيته إذ المتيقن من بناء العقلاء غير ذلك كما أن المنصرف من الآيات والروايات على تقدير ______________________________ (قوله: واختلاف الفاظ) معطوف على اختلاف نقل الاجماع (قوله: موهون جدا) لعدم الوثوق بصدق الناقل لو لم يكن الوثوق بخطئه (قوله: متضمنا له) يعني لرأي الامام (ع) (قوله: لنقل السبب) أي نقل رأي غير الامام وتسميته سببا بلحاظ مقام الاثبات أي كون العلم به سببا للعلم برأي الامام، وأما بلحاظ مقام الثبوت فالأنسب أن يكون رأي غيره مسببا عن رأيه (قوله: فيعامل حينئذ مع) سيأتي انشاء الله أنه لا فرق في إثبات الخبر كسائر الامارات بين المدلول المطابقي والتضمني والالتزامي وبين اللازم العقلي والعادي والاتفاقي لأنه كما يكشف عن المدول المطابقي. يكشف عن جميع المداليل المذكورة فإذا كان دليل الحجية مطلقا دل على حجيته في الجميع (قوله: الناقل بوجه) سواء أكان الوجه عقليا أم عاديا أم اتفاقيا (قوله: أظهره عدم نهوض) يعني أن أدلة الحجية للخبر لا تشمل الخبر عن حدس بل قد يدعى دخوله في معقد الاجماع على عدم حجية رأي المجتهد بالنسبة إلى مجتهد غيره إذ لا فرق بين نقله لرأى المعصوم معتمدا على قاعدة اللطف أو الملازمة بين الحكم العقلي والشرعي أو قاعدة قبح تأخير البيان عن وقت العمل أو غيرها من القواعد التي تقع
دلالتهما ذلك خصوصا فيما إذا رأى المنقول إليه خطأ الناقل في اعتقاد الملازمة. هذا فيما انكشف الحال وأما فيما اشتبه فلا يبعد أن يقال بالاعتبار فان عمدة أدلة حجية الأخبار هو بناء العقلاء وهم كما يعملون بخبر الثقة إذا علم انه عن حس يعملون به فيما يحتمل كونه عن حدس حيث أنه ليس بناؤهم إذا أخبروا بشئ على التوقف والتفتيش عن أن عن حدس أو حس بل العمل على طبقه والجري على وفقه بدون ذلك. نعم لا يبعد أن يكن بناؤهم على ذلك فيما لا يكون هناك امارة على الحدس أو اعتقاد الملازمة فيما لا يرون هناك ملازمة. هذا لكن الاجماعات المنقولة في ألسنة الأصحاب غالبا مبنية على حدس الناقل أو اعتقاد الملازمة عقلا فلا اعتبار لها ما لم ينكشف ان نقل المسبب كان مستندا إلى الحس فلابد في الاجماعات المنقولة بالفاظها المختلفة من استظهار مقدار دلالة الفاظها ولو بملاحظة حال الناقل وخصوص موضع النقل ______________________________ في طريق استنباط الاحكام والتفصيل بلا فاصل (قوله: دلالتهما ذلك) أي غير ذلك أي ما كان عن حس (قوله: فان عمدة أدلة حجية) بل لو كان المستند فيها الآيات والروايات وكانت منصرفة إلى خصوص الخبر عن حس جاز الاعتماد مع الشك لبناء العقلاء على كون الخبر عن حس مع الشك في كونه كذلك فلا فرق في بنائهم على ذلك بين كون دليل الحجية الآيات والروايات أو نفس بناء العقلاء فتأمل (قوله: يعملون به فيما يحتمل) وإن لم يكن ظهور شخصي في كونه عن حس، ويشهد له عدم صحة الاحتجاج عند ترك العمل بالخبر باحتمال كونه عن حدس فلاحظ (قوله: حال الناقل) بملاحظة كونه من أهل التبحر والاطلاع والتثبت في النقل وانه لا يعتمد على ظاهر كلمات مشايخه في نقل الاجماع أو على بعض الوجوه التي يراها طريقا إلى فتوى الاصحاب في المسألة، ولا يبعد أن يكون الجامع لمثل هذه الصفات جماعة من المتأخرين كالفاضلين والشهيدين والمحقق الثاني واضرابهم من المتبحرين المتثبتين قدس الله أرواحهم (قوله: وخصوص موضع النقل) بملاحظة كونه محررا في كتب الاصحاب أو مهملا في اكثرها
فيؤخذ بذاك المقدار ويعامل معه كأنه المحصل فان كان بمقدار تمام السبب والا فلا يجدي ما لم يضم إليه مما حصله أو نقل له من سائر الاقوال أو سائر الامارات بانه تم فافهم (فتلخص) بما ذكرنا أن الاجماع المنقول بخبر الواحد من جهة حكايته رأي الامام (ع) بالتضمن أو الالتزام كخبر الواحد في الاعتبار إذا كان من نقل إليه ممن يرى الملازمة بين رأيه (ع) وما نقله من الأقوال بنحو الجملة والاجمال وتعمه أدلة اعتباره وينقسم باقسامه ويشاركه في أحكامه وإلا لم يكن مثله في الاعتبار من جهة الحكاية وأما من جهة نقل السبب فهو في الاعتبار بالنسبة إلى مقدار من الاقوال التي نقلت إليه على الاجمال بالفاظ نقل الاجماع مثل ما إذا نقلت على التفصيل فلو ضم إليه مما حصله أو نقل له من أقوال السائرين أو سائر الامارات مقدار كان المجموع منه وما نقله بلفظ الاجماع بمقدار السبب التام كان المجموع كالمحصل ويكون حاله كما إذا كان كله منقولا ولا تفاوت في اعتبار الخبر بين ما إذا كان المخبر به تمامه أو ما له دخل فيه وبه قوامه كما يشهد به حجيته بلا ريب في تعيين حال السائل وخصوصية القضية الواقعة المسؤول عنها وغير ذلك مما له دخل في تعيين مرامه - عليه السلام - من كلامه. وينبغي التنبيه على أمور (الأول) أنه قد مر أن مبنى دعوى الاجماع غالبا هو اعتقاد الملازمة عقلا ______________________________ (قوله: تمام السبب) بان كان المقدار المنقول ملازما لرأي المعصوم بحيث يلزم من العلم به العلم به والا فلا يجدي النقل ما لم ينضم إلى المنقول ما لم انضم إليه لكان العلم بهما موجبا للعلم برأي المعصوم (قوله: إذا كان من نقل) قد عرفت أن أدلة الحجية بعد ما كانت لا تصلح لاثبات حجية الخبر عن حدس فلا وجه للالتزام بحجية الاجماع المنقول من حيث حكاية رأي المعصوم حتى عند من يرى الملازمة بل ليس الحجة الا نفس حكاية السبب الكاشفة عن ثبوت المسبب عند المحكى له من جهة بنائه على الملازمة لا حكاية نفس المسبب ولو عند من يرى الملازمة كما هو ظاهر، وعبارة المتن لا تخلو من ابهام (قوله: ولا تفاوت في اعتبار الخبر)
لقاعدة اللطف وهي باطلة، أو اتفاقا بحدس رأيه (ع) من فتوى جماعة وهي غالبا غير مسلمة وأما كون المبنى العلم بدخول الامام بشخصه في الجماعة أو العلم برأيه للاطلاع بما يلازمه عادة من الفتاوى فقليل جدا في الاجماعات المتداولة في ألسنة الاصحاب كما لا يخفى بل لا يكاد يتفق العلم بدخوله - عليه السلام - على نحو الاجمال في الجماعة في زمان الغيبة وان احتمل تشرف بعض الاوحدي بخدمته ومعرفته أحيانا فلا يكاد يجدي نقل الاجماع إلا من باب نقل السبب بالمقدار الذي أحرز ______________________________ يريد أن يدفع اشكالا يرد على حجية الاجماع المنقول إذا لم يكن حاكيا لتمام السبب، وحاصله: أن بعض السبب إذا كان لا يترتب عليه الاثر وانما يترتب على التمام امتنع أن تشمله أدلة الحجية لأنه لابد من الأثر المصحح للتعبد كما لا يخفى وحاصل الدفع: أنه يكفي في الأثر المصحح للتعبد الأثر الضمني إذ لا ريب في حجية قول كل واحد من جزئي البينة مع أن الأثر لا يترتب إلا على تمام الخبرين ومجموعهما فكذا في المقام، ويشهد له أيضا ما ذكره من حجية الخبر الحاكي لبعض الخصوصيات التي لها دخل في الحكم مثل خصوصية السائل والزمان والمكان وغيرها مع أنها لا يترتب عليها تمام الأثر بالضرورة (قوله: لقاعدة اللطف) وهي التي اعتمدها الشيخ (ره) في حجية الاجماع، وحاصلها: أنه إذا أجمعت العلماء على رأي لابد أن يكون موافقا لرأي المعصوم (ع) لأنه يجب لطفا عليه الظهور أو إظهار من يبين الحق في تلك المسألة فلو كان العلماء على خلاف رأيه عليه السلام لردعهم وبين لهم الحق (قوله: وهي باطلة) إذ لا دليل عليها من شرع أو عقل، أما الاول فظاهر، وأما الثاني فلعدم حكم العقل بوجوب ذلك على الامام كما عن السيد المرتضى فقد قال في محكي كلامه: أنه يجوز ان يكون الحق فيما عند الامام (ع) والاقوال الأخر تكون كلها باطلة ولا يجب عليه الظهور لانا إذا كنا نحن السبب في استتاره فكلما يفوتنا من الانتفاع به وبتصرفه من الأحكام نكون قد اوتينا من قبل نفوسنا ولو ازلنا سبب الاستتار لظهر وانتفعنا به وأدى الينا الحق الذي عنده
من لفظه بما اكتف به من حال أو مقال ويعامل معه معاملة المحصل (الثاني) أنه لا يخفى أن الاجماعات المنقولة إذا تعارض اثنان منها أو أكثر فلا يكون التعارض إلا بحسب المسبب وأما بحسب السبب فلا تعارض في البين لاحتمال صدق الكل لكن نقل الفتاى على الاجمال بلفظ الاجماع حينئذ لا يصلح لان يكون سببا ولا جزء سبب لثبوت الخلاف فيها الا ذا كان في أحد المتعارضين خصوصية موجبة لقطع المنقول إليه برأيه عليه السلام لو اطلع عليها ولو مع اطلاعه على الخلاف، وهو وان لم يكن مع الاطلاع على الفتاوى على اختلافها مفصلا ببعيد إلا انه مع عدم الاطلاع عليها الا مجملا بعيد ______________________________ انتهى. قال الشيخ (ره) في العدة بعد نقل هذا الكلام: وهذا عندي غير صحيح لانه يؤدي الى انه لا يصح الاحتجاج باجماع الطائفة أصلا لانا لا نعلم بدخول الامام (ع) الا بالاعتبار الذي بيناه فمتى جوزنا انفراده (ع) بالقول ولا يجب ظهوره منع ذلك من الاحتجاج بالاجماع... الخ، وما ذكره الشيخ (ره) من الوجه كما ترى ومثله ما اشار إليه في كلامه الذي يرجع إلى أنه لو لم يجب عليه الظهور لم يحسن التكليف، فان ذلك لو تم لاقتضى وجوب اظهار الحق لكل احد من الامة وهو كما ترى ايضا فانه قريب من بعض شبهات التصويب، فلاحظ وتأمل (قوله: من لفظه) الضمير راجع إلى النقل (قوله: بما اكتنف) الباء بمعنى مع يعني ان نقل الاجماع حينئذ يكون اجداؤه من حيث كونه نقلا للسبب فلابد حينئذ من ملاحظة ظاهر النقل ولو من جهة الفرائن المكتنفة به حالية أو مقالية، فان كان ظاهرا فيما يوجب العلم به العلم برأي المعصوم كان حجة على رأي المعصوم ويكتفى به وإن لم يكن ظاهرا في ذلك وحصل له من غير جهة النقل ما يوجب العلم به العلم برأي المعصوم كان حجة والا فلا ينفع شيئا كما تقدم (قوله: فلا يكون التعارض الا) التعارض - كما سيأتي انشاء الله - تكاذب الدليلين وتنافيهما بحسب المدلول المطابقى أو التضمني أو الالتزامي فإذا نقل الاجماع على حكم والاجماع على
* فافهم (الثالث) انه ينقدح مما ذكرنا في نقل الاجماع حال نقل التواثر وانه من حيث المسبب لابد في اعتباره من كون الاخبار به إخبارا على الاجماع بمقدار يوجب قطع المنقول إليه بما أخبر به لو علم بها ______________________________ خلافه فهما من حيث حكم الامام (ع) متعارضان لتنافيهما فيه، واما من حيث السبب وهو نقل آراء غيره من العلماء، فان كان ظاهر نقل الاجماع حكاية آراء جميع العلماء كما لو كان مبنى الناقل قاعدة اللطف كان النقلان متعارضين أيضا لامتناع اجتماع العلماء على الحكمين معا فيكون النقلان أيضا متنافيين، وان كان ظاهر النقل حكاية آراء جماعة منهم حصل للناقل القطع برأي المعصوم (ع) من القطع برأيهم لحسن ظنه بهم لم يكونا متعارضين وجاز صدق كل منهما معا وحينئذ يثبت الخلاف عند المنقول إليه ولا يترتب على كل واحد من النقلين أثر إلا إذا كان السبب في أحدهما ملازما لرأي المعصوم (ع) لخصوصية فيه دون الآخر فيكون ذلك النقل حجة لدلالته بالالتزام على رأي المعصوم وكذا لو كان السبب في أحدهما قد انضم إليه ما يلازم رأي المعصوم مما حصله بنفسه أو نقله له ثالث غيرهما لكن الفرض الأول استبعده المصنف (ره) (قوله: فافهم) لعله اشارة إلى عدم الفرق بين الاطلاع الاجمالي والتفصيلي فان الاطلاع التفصيلي إذا كان ملازما لرأي المعصوم (ع) كان نقله ولو اجمالا حجة لانه مدلول التزامي للمنقول فتأمل أو إلى منع الا استبعاد لاختلاف حال الناقل عصره ومشايخه الذين اعتمدهم ومجرد الخلاف لا أثر له وكم من مسألة ليس المستند فيها إلا الاجماع مع وجود الخلاف وسبر المسائل الفقهية شاهد بذلك والخلاف إنما يقدح في الاجماع بناء على قاعدة اللطف لا غير (قوله: من حيث المسبب لابد) المتعارف من نقل التواتر نقل السبب ولا يرتبط بنقل المسبب بالمرة فلابد من اجراء أحكام نقل السبب لا غير عليه (قوله: لابد في اعتباره) يعني انما يعتبر نقل التواتر بلحاظ نقل السبب إذا كان يتضمن نقل مقدار من الأخبار بحيث تكون ملازمة للمسبب بنظر المنقول إليه أيضا هذا ولكن عرفت أن نقل المسبب إذا كان مستندا إلى الحدس لا يكون
ومن حيث السبب يثبت به كل مقدار كان اخباره بالتواتر دالا عليه كما إذا اخبر به على التفصيل فربما لا يكون إلا دون حد التواتر فلابد في معاملته من لحوق مقدار آخر من الاخبار يبلغ المجموع ذاك الحد نعم لو كان هناك أثر للخبر المتواتر في الجملة - ولو عند المخبر - لوجب ترتيبه عليه ولو لم يدل على ما بحد التواتر من المقدار فصل مما قيل باعتباره بالخصوص الشهرة في الفتوى ولا يساعده دليل وتوهم دلالة أدلة حجية خبر الواحد عليه بالفحوى لكون الظن الذي تفيده أقوى مما يفيده الخبر فيه ما لا يخفى ضرورة عدم دلالتها على كون مناط اعتباره افادته الظن غايته تنقيح ذلك بالظن وهو لا يوجب الا الظن بانها أولى بالاعتبار ولا اعتبار به - مع أن دعوى القطع بانه ليس بمناط ______________________________ حجة وإنما يكون الخبر حجة حينئذ بلحاظ نقل السبب فيدل بالالتزام على وجود المسبب إذا كانت الملازمة ثابتة عند المنقول إليه فاللازم عدم التعرض لنقل التواتر من حيث نقل المسبب والاقتصار على حكمه من حيث نقل السبب لا غير (قوله: ومن حيث السبب) يعني ينظر إلى لسان النقل ولو بقرينة حال الناقل فان كان دالا على مقدار من الاخبار تلازم رأي المعصوم بنظر المنقول إليه كان حجة كما عرفت وإلا فلا إلا أن ينضم إليه ما يوجب العلم بالواقع كما فصل سابقا (قوله: وتوهم دلالة أدلة) هذا أحد الوجوه التي يتوهم منها حجية الشهرة وحاصله: ان الأدلة الدالة على حجية الخبر تدل على حجيتها بمفهوم الموافقة لأنها أولى من الخبر لكون الظن الحاصل منها أقوى من الظن الحاصل بالخبر (قوله: ضرورة عدم دلالتها) يعني أن مفهوم الموافقة إنما يكون حجة إذا كان قد أحرز مناط حكم المنطوق ولم يثبت كون مناط حجية الخبر كونه مفيدا للظن غاية الامر أنه يظن
غير مجازفة وأضعف منه توهم دلالة المشهورة والمقبولة عليه لوضوح أن المراد بالموصول في قوله في الأولى: (خذ بما اشتهر بين أصحابك) وفي الثانية: (ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه بين أصحابك فيؤخذ به) هو الرواية لا ما يعم الفتوى كما هو أوضح من أن يخفى. نعم بناء على حجية الخبر ______________________________ كون المناط هو الظن والظن بالمناط لا اعتبار به لعدم دليل على اعتباره (قوله: غير مجازفة) إذ لو كان هو المناط لم يتخلف عند الحكم واللازم باطل إذ لا ريب في عدم حجية فتوى الفقيه مع إفادتها للظن، مضافا إلى أن كون الظن الحاصل من الشهرة أقوى من الظن الحاصل من الخبر أول الكلام، كيف وقد ذكر في المعالم أن خبر العادل أقوى الظنون ؟ فلاحظ (قوله: وأضعف منه توهم دلالة المشهورة والمقبولة) هذا هو الوجه الثاني من وجوه حجية الشهرة وحاصله الاستدلال بالنصوص الخاصة عليه (أحدها) ما رواه ابن أبي جمهور في كتاب غوالي اللئالي عن العلامة (ره) مرفوعا إلى زرارة قال: سألت أبا جعفر (ع) فقلت: جعلت فداك يأتي عنكم الخبران والحديثان المتعارضان فبأيهما آخذ ؟ فقال يا زرارة: خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر... الحديث، فانها تدل على وجوب الأخذ بما اشتهر مطلقا ولو كان فتوى، ولو سلم أنها ظاهرة في خصوص الرواية لكن تعلق الحكم على وصف الاشتهار يدل على كونه مناط الحكم (ثانيها) ما رواه المشايخ الثلاثة عن عمر بن حنظلة (وفيها) بعد ما فرض السائل تساوي الراويين في العدالة ونحوها قال (ع): ينظر في ذلك الذي حكما به المجمع عليه بين أصحابك فيؤخذ به ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك فان المجمع عليه لا ريب فيه... الحديث، ووجه الاستدلال ما تقدم بل هو هنا أظهر من جهة الاشتمال على التعليق بقوله: فان المجمع... الخ، فانه يقتضي التعدي عن مورده كما هو ظاهر والرواية الاولى تسمى في لسانهم (المشهورة) والثانية (المقبولة) ووجه التسمية ظاهر (قوله: هو الرواية) لانصرافها من لفظ الموصول فلا إطلاق له يشمل
ببناء العقلاء لا يبعد دعوى عدم اختصاص بنائهم على حجيته بل على حجية كل امارة مفيدة للظن أو الاطمينان لكن دون إثبات ذلك خرط القتاد فصل المشور بين الاصحاب حجية خبر الواحد في الجملة بالخصوص ولا يخفى أن هذه المسألة من اهم المسائل الاصولية وقد عرفت في أول الكتاب أن الملاك في الأصولية صحة وقوع نتيجة المسألة في طريق الاستنباط ولو لم يكن البحث فيها عن الأدلة الأربعة وإن اشتهر في ألسنة الفحول كون الموضوع في علم الأصول هي الأدلة وعليه لا يكاد يفيد في ذلك أي كون هذه المسألة أصولية تجشم دعوى أن البحث عن دليلية الدليل بحث عن احوال الدليل ضرورة أن البحث في المسألة ليس عن دليلية الأدلة بل عن حجية الخبر الحاكي عنها ______________________________ الفتوى وأما تعليق الحكم على الوصف فليس ظاهرا في العلية بحيث يعول عليه ولذا قيل: انه يشعر بالعلية، والاشعار ليس ظهورا وأما التعليل فانما يقتضي وجوب الأخذ بما لا ريب فيه وهو مما لا ريب فيه إلا أن المشهور فتوى ليس كذلك (قوله: دون اثبات ذلك) الظاهر أن المشار إليه بذلك حجية الخبر ببناء العقلاء لكن يشكل قوله: خرط القتاد، لما تقدم من أن عمدة أدلة حجية الخبر بناء العقلاء، وسيأتي اثباته بذلك ايضا ولو كان المشار إليه هو الدعوى التي لم يستبعدها فعدم المناسبة ظاهرة أيضا حجية خبر الواحد (قوله: في طريق الاستنباط) يعني استنباط الأحكام الكلية الذي هو وظيفة المجتهد لا الأحكام الجزئية التي هي وظيفة العامي فان ما يقع في طريق استنباطها هو المسائل الفرعية (قوله: وعليه لا يكاد يفيد) يعني بناء على ما اشتهر من
كما لا يكاد يفيد عليه تجشم دعوى أن مرجع هذه المسألة إلى أن السنة وهي (قول الحجة أو فعله أو تقريره) هل يثبت بخبر الواحد أو لا يثبت إلا بما يفيد القطع من التواتر أو القرينة ؟ فان التعبد بثبوتها مع الشك فيها لدى الاخبار بها ليس من عوارضها بل من عوارض مشكوكها كما لا يخفى ______________________________ أن الموضوع لعلم الأصول هو الأدلة الأربعة يشكل جعل مسألة حجية الخبر من مسائل الأصول لأن موضوعها وهو الخبر ليس من الأدلة الأربعة، أما كونه ليس الكتاب والاجماع والعقل فواضح، وأما أنه ليس من السنة فلأن السنة فعل المعصوم، وقوله، تقريره، وليس هو أحدها وإنما هو حاك عن أحدها والحاكي غير المحكي. ومن هنا يظهر أن ما تجشمه صاحب الفصول (ره) في دفع الاشكال من أن البحث عن دليلية الدليل بحث عن حال الدليل ليس له مساس في دفع هذا الاشكال لأن البحث عن حجية الخبر وإن كان بحثا عن دليلية الخبر لكنه ليس بحثا عن دليلية أحد الأدلة الأربعة بل هو بحث عن دليلية الحاكي لأحدها. ومنه يظهر الاشكال على شيخنا الاعظم (ره) حيث يظهر منه صحة ذلك جوابا عن الاشكال لولا أنه تجشم، ووجه كونه تجشما كون المسائل الاصولية يبحث فيها عن أحوال الادلة في فرض كونها أدلة فلا يكون البحث عن دليلتها بحثا في المسألة أصولية (قوله: كما لا يكاد يفيد) هذا تعريض بشيخنا الاعظم (ره) حيث أجاب عن الاشكال بان مرجع البحث في المقام إلى أن السنة - أعني قول المعصوم وفعله وتقريره - هل تثبت بخبر الواحد ؟ فيكون البحث حينئذ بحثا عن عوارض الدليل وهو السنة وحاصل التعريض: أن الثبوت المبحوث عنه ليس هو الثبوت حقيقة بل الثبوت تعبدا الراجع إلى وجوب العمل وترتيب آثار الثبوت الحقيقي وهذا المعنى من الثبوت ليس من عوارض السنة إذ لا نزاع في وجوب العمل بالسنة الواقعية بل من عوارض مشكوك السنة الذي هو مؤدى الخبر ومن أحواله كما هو ظاهر، وقد
- مع أنه لازم لما يبحث عنه في المسألة من حجية الخبر والمبحوث عنه في المسائل إنما هو الملاك في أنها من المباحث أو من غيره لا ما هو لازمه كما هو واضح، وكيف كان فالمحكي عن السيد والقاضي وابن زهرة والطبرسي وابن ادريس عدم حجية الخبر واستدل لهم بالآيات الناهية عن اتباع غير العلم والروايات الدالة على رد ما لم يعلم انه قولهم - عليهم السلام - أو لم يكن عليه شاهد من كتاب الله أو شاهدان، أو لم يكن موافقا ______________________________ تقدم (قوله: مع أنه لازم لما يبحث عنه) يعني مع أنه يرد عليه اشكال آخر وهو أن الثبوت ليس هو المبحوث عنه بل المبحوث عنه هو الحجية ومن لوازمها الثبوت المذكور والملاك الذى تعد به المسألة من مسائل الفن كون نفس المبحوث عنه من عوارض الموضوع فلا يكفي كون لازمه من العوارض إلا أن يقال: إن الحجية لما كانت عند بعضهم بن الاعتباريات المنتزعة فالبحث عنها لابد أن يكون بحثا عن نفس منشأ الانتزاع وهو ثبوت المؤدى، والملاك الذي به تعد المسألة من مسائل الفن ما يكون المبحوث عنه حقيقة من العوارض لا ما يكون المبحوث عنه عرضا كذلك كما أشار إليه في مبحث الاجتماع فتأمل، وربما يجاب بانه لما كان مفاد أدلة حجية الخبر كونه بمنزلة العلم - كما أشرنا إليه في مبحث قيام الامارات مقام العلم - كان البحث في الحقيقة عن أن السنة هل تعلم بالخبر أولا ؟ فيكون المبحوث عنه العلم بها وهو من العوارض للسنة الواقعية (فان قلت): العلم ليس من عوارض السنة الواقعية لان العلم لا يتعلق بالوجودات الواقعية وانما يتعلق بالصور الذهنية، (قلت): يكفي ذلك في عده من عوارض الواقع لحكاية الصور عن الواقع والحاكي بنظر عين المحكي ولذا كان موضوع علم الفقه فعل المكلف مع أن الاحكام التكليفية لا تتعلق بالفعل الخارجي بل تتعلق بنفس الصورة ايضا نظير العلم. ويمكن الخدشة فيه بان البحث عن كون السنة معلومة إن كان بلحاظ الآثار الشرعية للعلم كانت المسألة من المبادئ التصديقية لعلم الفقه لكون البحث فيها عن وجود
للقرآن إليهم أو على بطلان ما لا يصدقه كتاب الله، أو على أن ما لا يوافق كتاب الله زخرف، أو على النهي عن قبول حديث إلا ما وافق الكتاب أو السنة... إلى غير ذلك، والاجماع المحكي عن السيد في مواضع من كلامه بل حكي عنه انه جعله بمنزلة القياس في كون تركه معروفا من مذهب الشيعة، والجواب أما عن الآيات فبأن الظاهر منها أو المتيقن من اطلاقاتها هو اتباع غير العلم في الأصول الاعتقادية لا ما يعم الفروع الشرعية، ولو سلم عمومها لها فهي مخصصة بالأدلة الآتية على اعتبار الاخبار، وأما عن الروايات فبأن الاستدلال بها خال عن السداد فانها أخبار آحاد (لا يقال): إنها وإن لم تكن متواترة لفظا ولا معنى الا انها متواترة إجمالا ______________________________ الموضوع وإن كان بلحاظ وجوب العمل فليس ذلك من آثار العلم بالسنة المقصود بالبحث لان وجوب العمل (عقلا) من آثار منجزية الخبر للواقع وقد عرفت أن المناط فيه ليس هو العلم بالنسة (وشرعا) من آثار نفس قيام الحجة ولو لم تكن علما، مع أن ثبوته محل اشكال فتأمل (قوله: للقرآن إليهم) كلمة (إليهم) متعلقة بقوله: رد ما لم يعلم (قوله: أو على بطلان) معطوف على قوله: على رد (قوله: فبأن الظاهر منها أو) يمكن منع ذلك فان موردها وإن كان أصول الدين إلا أن ورودها مورد التنديد بالكفار والتعليل في بعضها بان الظن لا يغني عن الحق شيئا مما يوجب حفظ ظهورها في العموم كما لعله ظاهر بالتأمل، (قوله: ولو سلم عمومها لها فهي مخصصة) بل الظاهر أن تلك الادلة حاكمة على ما دل منها على عدم جواز العمل بغير العلم مثل قوله سبحانه: ولا تقف ما ليس لك به علم، بناء على أن مفاد أدلة الحجية جعل الخبر علما تنزيلا بل هي كذلك بالاضافة إلى ما دل على عدم جواز العمل بالظن بناء على أن مفادها (أي أدلة الحجية) نفي كونه ظنا وأنه علم، مضافا إلى امكان دعوى ظهور أدلة المنع عن الظن في كونه ليس في نفسه من حيث كونه ظنا حجة، وحينئذ فلا تنافي أدلة الحجية الدالة على أنه من حيث كونه ظنا خاصا حجة لعدم التنافي بين المقتضي واللا مقتضي كما هو ظاهر
للعلم الاجمالي بصدور بعضها لا محالة (فانه يقال): إنها وإن كانت كذلك الا انها لا تفيد الا فيما توافقت عليه وهو غير مفيد في اثبات السلب كليا كما هو محل الكلام ومورد النقض والابرام وإنما تفيد عدم حجية الخبر المخالف للكتاب والسنة والالتزام به ليس بضائر ______________________________ فان لم يتم شئ مما ذكرنا كان الجواب ما ذكره المصنف (ره) من كون أدلة حجية الخبر مخصصة لها لاختصاصها بالخبر في الفروع، وعموم تلك الادلة لغير الخبر وللأصول (قوله: للعلم الاجمالي بصدور) لا يخلو من تأمل فان الحر - رحمه الله - قد عقد في كتاب القضاء من وسائله بابا ذكر فيه الأخبار المذكورة إلا أن أكثرها وارد في المتعارضين، وليس مما نحن فيه وفى كون الباقي مما يبلغ حد التواتر الاجمالي محل تأمل ومحتاج إلى المراجعة (قوله: إلا فيما توافقت عليه) فان المضمون الذي توافقت عليه النصوص المعلوم إجمالا صدور بعضها مما يعلم بصدوره عن المعصوم أما ما اختلفت فلا يعلم صدوره فلا يعلم وجوب العمل به (قوله: وهو غير مفيد) يعني أن ما توافقت عليه النصوص وان كان يجب العمل به لكنه لا ينفع في اثبات نفي الحجية عن كل فرد من الخبر كما هو مدعى النافين وإنما ينفع في نفي الحجية عن نوع خاص منه وذلك ليس محل الكلام هنا لان الكلام في حجية الخبر في الجملة ولو لبعض أفراده بمعنى الموجبة الجزئية والدليل المذكور للنافي إنما يقتضي السالبة الجزئية وهي لا تنافي الموجبة الجزئية التي يدعيها المثبت ولا تثبت السالبة الكلية التي يدعيها النافي (قوله: وإنما تفيد عدم) هذا بيان لما اتفقت عليه النصوص وأنه عدم حجية المخالف للكتاب السنة معا لكن ذلك يتوقف على عدم التواتر الاجمالي فيما ليس بهذا المضمون لان الاخبار المتضمنة لهذا المضمون نادرة فلاحظ (قوله: ليس بضائر) يعني لا يقدح في دعوى حجية الخبر في الجملة. هذا ولكن بناء القائلين بحجية الخبر على تخصيص الكتاب والسنة المتواترة به فلابد حينئذ من التفصي عن هذا الاستدلال بوجه آخر ولا بأس بان يقال: إن من جملة الاخبار المانعة ما دل
بل لا محيص عنه في مقام المعارضة وأما عن الاجماع فبأن المحصل منه غير حاصل والمنقول منه للاستدلال به غير قابل خصوصا في المسألة كما يظهر وجهه للمتامل - مع أنه معارض بمثله وموهون بذهاب المشهور إلى خلافه وقد استدل للمشهور بالأدلة الاربعة فصل في الايات التى استدل بها فمنها آية النبأ قال الله تبارك وتعالى (ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) ويمكن تقريب الاستدلال بها من وجوه أظهرها أنه من جهة مفهوم الشرط ______________________________ على أن الخبر المخالف للكتاب زخرف - كما في رواية ابن الحر - أو: لم أقله - كما في قول النبي صلى الله عليه وآله في رواية هشام بن الحكم - وحيث أن هذا المضمون مما يأبى عن التخصيص وجب حمل المخالفة فيه على المخالفة بنحو التباين للعلم الاجمالي بصدور الاخبار المخالفة عن المعصومين - صلى الله عليهم أجمعين - فيكون المتيقن من أدلة المنع ما كان مخالفا للكتاب بنحو التباين ويبقى غيره خاليا عن المانع فيرجع فيه إلى الأدلة الدالة على الحجية (قوله: بل لا محيص عنه) بل هو مسلم ظاهرا بين القائلين بالحجية (قوله: غير قابل) لعدم ثبوت حجيته كما تقدم (قوله: خصوصا في المسألة) لأن حجيته على المنع تتوقف على اثبات حجية الخبر فكيف يكون نافيا لها لان حجيته حينئذ يلزم من وجودها عدمها، ولو قيل: إنه لا يشمل نفسه، قلنا: ولكن لا يثبت نفسه، وإن شئت قلت: يعلم إجمالا بعدم حجية هذا الاجماع المنقول إما لأن الخبر حجة فيكون مخالفا للواقع أو ليس بحجة وهو من أفراده (قوله: معارض بمثله) وهو إجماع الشيخ (ره) المعتضد باجماع جماعة كما قيل (قوله: من وجوه) احدها من جهة مفهوم الوصف المبتني على القول بحجية مفهوم الوصف (ثانيها) من جهة مفهوم خصوص الوصف الخاص أعني الفسق فان خصوصيته مناسبته لعدم القبول من جهة
وأن تعليق الحكم بايجاب التبين عن النبأ الذي جيئ به على كون الجائي به الفاسق يقتضي انتفاءه عند انتفائه. ولا يخفى أنه ______________________________ عدم ما يوجب الأمن من تعمد الكذب في الفاسق (ثالثها) من جهة التبين المأمور به إذ ليس المراد به التبين العلمي بل التبين العرفي، ومن المعلوم حصوله بنفس خبر العادل فيكون بنفسه حجة (رابعها) من جهة التعليل في الآية الشريفة بمخافة الوقوع في الندم وخبر العادل لا يخاف من الوقوع في الندم من العمل به لان الندم إنما يحسن اطلاقه على ارتكاب ما لا يحسن فعله عند العقلاء كالاعتماد على خبر الفاسق ولا كذلك الاعتماد على خبر العادل ولو انكشف كونه مخالفا للواقع، وكأن المصنف (ره) أشار بقوله: أظهرها، إلى ما فيها من الاشكال إذ (الاول) مبني على القول بمفهوم الوصف والتحقيق خلافه (والثاني) يرجع إلى الظن بالعلية غير المستند إلى ظاهر الكلام وحجية مثله أول الكلام (والثالث) مبني على ارادة التبين العرفي المسامحي من قوله تعالى: فتبينوا، وهو خلاف الظاهر من مادة البيان (والرابع) فيه أن ظاهر الآية كون الندم على مجرد إصابة القوم بالجهالة من حيث كونها جهالة وهذا المعنى موجود بخبر العادل، وليس المراد منه السفاهة فانه خلاف الظاهر، لكن سيأتي قريبا من المصنف (ره) أن دعوى ذلك غير بعيدة لكن لا يخفى أنها خلاف مورد نزول الآية وهو العمل بخبر الوليد بن عقبة - لعنه الله - إذ لا ريب في انه لم يكن سفاهة كما هو واضح جدا (قوله: وأن تعليق الحكم بايجاب) من أهم مقاصد المثبتين والنافين والمستدلين بهذه الآية الشريفة والرادين معرفة أن موضوع القضة الشرطية هو مطلق النبأ والشرط حال من احواله أو هو نبأ الفاسق والشرط وجوده، وتوضيح ذلك: أن من الموضح في محله أن الحكم في المفهوم يجب أن يكون نقيضا للحكم في المنطوق وإنما جاز اجتماعهما في القضايا الشرطية لكون أحدهما ثابتا في حال الشرط والآخر ثابتا في حال نقيضه، مثلا مفهوم قولنا: ان جاء زيد فأكرمه، إن لم يجئ زيد لا يجب اكرامه، وقولنا: لا يجب اكرام زيد، نقيض قولنا: يجب إكرامه،
على هذا التقرير لا يرد أن الشرط في القضية لبيان تحقق الموضوع ______________________________ المستفاد من جزاء الشرطية فإذا كان المفهوم نقيضا للمنطوق يجب أن يكون متحدا معه في جميع الخصوصيات المأخوذة فيه في القضية من الموضوع والمكان والزمان وغير ذلك، فان الاتحاد في الخصوصيات من مقومات التناقض بين الشيئين وحينئذ فإذا كان موضوع الحكم في الجزاء هو خبر الفاسق والشرط وجوده بحيث يكون مفاد الآية الشريفة مفاد قولنا: إن وجد خبر الفاسق فتبين عنه، امتنع افادة الآية لحجية خبر العادل لأن خبر العادل لما كان غير خبر الفاسق فعدم التبين عنه لا يكون نقيضا لوجوب التبين عن خبر الفاسق لاختلاف الموضوع المانع من ثبوت التناقض بينهما وإذا كان موضوع الحكم نفس النبأ مطلقا والشرط حال من أحواله وهو كون الجائي به فاسقا دلت الآية على حجية خبر العادل لأنه من أفراد موضوع الحكم فيه فينتفي عنه الحكم بوجوب التبين لانتفاء الشرط وهو كون الجائي به فاسقا وحينئذ فالعمدة في المقام تشخيص ظهور الآية في أحد المفادين، والذي يطهر من المصنف (ره) أنها ظاهرة في المفاد الثاني وأن موضوع الحكم نفس النبأ والشرط كون الجائي به فاسقا خلافا لشيخه (ره) في رسائله فادعى ظهورها في الاول وأنها من قبيل: إن رزقت ولدا فاختنه، و: إن تزوجت فلا تضيع حق زوجتك، ونحوهما، وهذا الذي ادعاه شيخه (ره) هو الذي يقتضيه التدبر، فان قوله تعالى فتبينوا، وإن كان خاليا عن الصلة إلا أنها بتقدير (عنه) يعني فتبينوا عنه كما اعترف به المصنف (ره) والضمير إنما يرجع إلى النبأ الذي جاء به الفاسق المذكور في الشرط، ولا وجه لارجاع إلى مطلق النبأ، وقوله تعالى: إن جاءكم، بمنزلة قوله: إن أخبركم، والاخبار عين وجوده الخبر فالشرط حينئذ نفس الوجود لا صفة في المخبر وهو كونه فاسقا كما هو ظاهر فكيف يدعى ظهورها في غيره ؟ (قوله: على هذا التقرير لا يرد) لم يتقدم منه إلا تصوير التقرير بلا تعرض لاثباته وبيان ما يوجب كونه ظاهر الآية كما لا يخفى وحينئذ فلا يجدي
فلا مفهوم له أو مفهومه السالبة بانتفاء الموضوع فافهم. نعم لو كان الشرط هو نفس تحقق النبأ ومجيئ الفاسق به كانت القضية الشرطية مسوقة لبيان تحقق الموضوع - مع أنه يمكن أن يقال: إن القضية - ولو كانت مسوقة لذلك - إلا أنها ظاهرة في انحصار موضوع وجوب التبين في النبأ الذي جاء به الفاسق فيقتضي انتفاء وجوب التبين عند انتفائه ووجود موضوع آخر فتدبر ______________________________ في دفع الايراد المذكور (قوله: فلا مفهوم له أو مفهومه) الظاهر أن القضية في المقام مما لا مفهوم لها لا أن مفهومها سالبة بانتفاء الموضوع وذلك من جهة أن وجوب التبين يمتنع أن يكون نفسيا إذ لا ريب في خلافه ولا غيريا لعدم كونه مقدمة لواجب شرعي ولا إرشاد بالعدم وجوب التبين عقلا إلا في مقامات مخصوصة توقف فيها العلم بالامتثال على العلم بالواقع فلابد أن يكون كناية عن عدم حجية الخبر فكأنه قيل إن جاءكم فاسق بنبأ فخبره ليس بحجة، وحينئذ فالمفهوم يكون موجبة بانتفاء الموضوع لا سالبة كذلك، وحيث أن الموجبة بانتفاء الموضوع ممتنعة لا مجال لدعوى المفهوم في المقام أصلا، مضافا إلى أنه لو سلم كون حكم المنطوق موجبا وأن المفهوم يكون سالبة بانتفاء الموضوع لكن ثبوت المفهوم ولو بنحو السالبة بانتفاء الموضوع إنما يصح في القضايا الشرطية الخبرية لا الشرعية لان انتفاء الحكم بانتفاء موضوعه ضروري ذاتي لا شرعي فلا مجال لاعمال التشريع فيه فقولنا: إذا لم يوجد لك ولد فلا يجب عليك ختانه، ليست مما يمكن أن تكون شرعية كما هو ظاهر، ولعله إلى هذا اشار بقوله: فافهم، (قوله: مع أنه يمكن أن يقال ان) لعل الوجه فيما ذكره أن المفهوم وان كان يجب أن يتحد مع المنطوق في جميع الخصوصيات المذكورة في القضية من موضوع وغيره لكن يجب أن يعرى عن خصوصية الشرط فيكون المنطوق ثابتا في حال الشرط والمفهوم ثابتا في غير حاله وحينئذ فإذا كان الشرط نفس الموضوع فمقتضي لزوم تعريته عن خصوصية الشرط لزوم تعريته عن خصوصية الموضوع فيكون
* ولكنه يشكل بانه ليس لها هاهنا مفهوم ولو سلم أن أمثالها ظاهرة في المفهوم لأن التعليل باصابة القوم بالجهالة المشترك بين المفهوم والمنطوق يكون قرينة على أنه ليس لها مفهوم. ولا يخفى أن الاشكال إنما يبتني على كون الجهالة ______________________________ المفهوم حينئذ عدم حكم المنطوق ولو في غير ذلك الموضوع فيكون المفهوم في المقام عدم وجوب التبين ولو عن غير الفاسق إذا لم يوجد خبر الفاسق وهو المطلوب (وفيه) أن التعرية عن خصوصية الشرط وان كانت مسلمة لكن خصوصية الشرط في المقام وجود الموضوع وتعريته عن وجود الموضوع لا يقتضي تعريته عن نفس الموضوع مثلا إذا قيل إذا وجد لك ولد فاختنه، فالضمير في الجزاء راجع إلى وجوده حينئذ فتعرية الحكم عن وجود الولد لا يقضتي تعريته عن نفس الولد ولذا كان المفهوم: إذا لم يوجد لك ولد فلا يجب ختانه، فالضمير راجع إلى ولده لا إلى مطلق الولد فكذا في المقام ولا وجه حيئذ لظهور الآية في عدم وجوب التبين عن مطلق الخبر. هذا لو أراد المصنف (ره) دعوى الدلالة من جهة أداة الشرط وأما لو أراد دعوى الدلالة من جهة أخرى فقد عرفتها وعرفت ما فيها ولعله إلى بعض ما ذكرنا اشار بقوله: فتدبر، (قوله: ولكنه يشكل بانه ليس) هذا الاشكال الثاني من الاشكالين اللذين زعم شيخنا الأعظم في رسائله عدم امكان الذب عنهما (يعني عدم امكان دفعهما) وحاصله: أنه لو سلم كون القضية المذكورة في نفسها ظاهرة في المفهوم فهي لما كانت معللة بعدم اصابة القوم بالجهالة المستفاد من قوله تعالى: أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين، دلت على أن الوجه في وجوب التبين هو اصابة قوم بجهالة والوقوع في خلاف الواقع، ومن المعلوم أن هذا المانع لا يختص بخبر الفاسق فان خبر العادل مثله أيضا فيدل التعليل على المنع عن العمل بخبر العادل، وحينئذ يقع التعارض بين المفهوم المقتضي لجواز العمل يخبر العادل والتعليل المانع عنه، ولا ريب في كون التعليل مقدما على المعلل لكونه حاكما عليه فقد يرفع به اليد عن عمومه كما في أكرم العلماء لانهم عدول، أو عن خصوصه كما في قوله: أكرم زيدا لأنه عادل
* بمعنى عدم العلم مع ان دعوى انها بمعنى السفاهة وفعل ما لا ينبغي صدوره من العاقل غير بعيدة. ثم انه لو سلم تمامية دلالة الآية على حجية خبر العدل ربما أشكل شمول مثلها للروايات الحاكية لقول الامام - عليه السلام - بواسطة أو وسائط فانه كيف يمكن الحكم بوجوب التصديق الذي ______________________________ فانه في الأول يقتضي التخصيص بالعدول من العلماء، وفي الثاني يقتضي التعميم لكل عادل بل وكذا في الأول فيوجب اكرام الجهلاء العدول كما انه في الثاني يقتضي التخصيص بحال العدالة فلا يشمل زيدا حال الفسق فكذا الحال في المقام يقتضي تعميم المنع لخبر العادل أيضا (فان قلت): المفهوم حاكم على التعليل في المقام لأنه إذا دل على جواز العمل بخبر العادل فقد دل على كونه علما تنزيلا كما عرفت الاشارة إليه فلا يكون العمل به موجبا لاصابة قوم بجهالة بل يكون بعلم كما لا يخفى (قلت): الاصل في التعليل أن يكون ارتكازيا لا تعبديا والارتكاز العقلائي يقتضي كون المنع من جهة كون خبر الفاسق جهلا حقيقة بذاته، وهذا المانع بعينه حاصل في خبر العادل ولو بالنظر إلى المفهوم لان المفهوم إنما يقتضي كونه علما تعبدا لا حقيقة، وكونه علما تعبدا لا يوجب ارتفاع المحذور المذكور في التعليل كما هو ظاهر (فان قلت): المفهوم أخص مطلقا من التعليل والخاص - ولو كان مفهوما - مقدم على العام ولو كان تعليلا (قلت): هذا مسلم إذا كان المفهوم مستفادا من الكلام الخالي عن التعليل أما إذا كان مستفادا منه فلا، والسر فيه: ان المفهوم لما كان مدلولا للكلام من جهة دلالته على خصوصية في المنطوق تلازم المفهوم يقع التعارض في الحقيقة بين التعليل وبين المعلل في دلالته على الخصوصية وقد عرفت أن التعليل مقدم والظهور المنعقد تابع له (قوله: بمعنى عدم العلم) كما هو مقتضي مادة الاشتقاق (قوله: غير بعيدة) بل هي بعيدة بملاحظة مورد نزول الآية وهو العمل بخبر الوليد - لعنه الله - (قوله: فانه كيف يمكن الحكم) إعلم أن في ثبوت السنة بالاخبار بالواسطة - كما لو أخبر الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن البزنطي عن الرضا (ع) أنه يجب الغسل يوم الجمعة - إشكالين أحدهما
ليس إلا بمعنى وجوب ترتيب ما للمخبر به من الاثر الشرعي بلحاظ نفس هذا الوجوب فيما كان المخبر به خبر العدل أو عدالة المخبر لانه وإن كان أثرا شرعيا لهما إلا أنه بنفس الحكم في مثل الآية بوجوب تصديق خبر العدل حسب الفرض نعم لو أنشأ هذا الحكم ثانيا فلا بأس في ان يكون بلحاظه أيضا حيث أنه صار أثرا يجعل آخر فلا يلزم اتحاد الحكم والموضوع بخلاف ما إذا لم يكن هناك إلا جعل ______________________________ ما أشار إليه المصنف (ره) بهذا الكلام وهو يختص بالاخبار عن الواسطة كخبر الكليني، وثانيهما يختص بخبر البزنطي وما بعده ولا يشمل خبر الكليني، وحاصل الاشكال الاول أنه لا ريب في أن جعل الحجية للخبر ووجوب تصديقه في فرض يكون لمؤداه أثر عملي وإلا كان الجعل لغوا بل لا معنى له أصلا، وعليه فالاثر للمؤدى يكون من علل وجود الحجية ووجوب التصديق فلابد أن يكون متقدما عليه رتبة تقدم العلة على معلولها فإذا كان مؤدى الخبر خبرا آخر كخبر الكليني الحاكي عن خبر علي بن ابراهيم ولم يكن للخبر المؤدى أثر غير وجوب تصديقه يلزم أن يكون وجوب التصديق الثابت للخبر الحاكي كخبر الكليني منشأ بلحاظ وجوب التصديق الثابت لخبر علي بن ابراهيم فيكون الأثر المصحح لوجوب تصديق خبر الكليني عين وجوب التصديق وهو مستحيل لما عرفت من وجوب كونه غيره متقدما عليه رتبة، وهذا الاشكال بعينه يجري في الاخبار بالعدالة من حيث ترتب وجوب التصديق على خبره لا غيره من الآثار مثل جواز الائتمام به ونحوه فانه لا مجال للاشكال فيه لاختلاف الأثر (قوله: ليس إلا بمعنى) يعنى ليس معنى وجوب التصديق إلا وجوب ترتيب الأثر الشرعي الثابت للمخبر به فيكون أثر المؤدى من قبيل الموضوع لوجوب تصديق الخبر (قوله: بلحاظ نفس هذا) لان الأثر الشرعي عين هذا الوجوب فكيف يكون وجوب التصديق ثابتا بلحاظ نفسه وموضوعا لنفسه ويكون بنفسه مصححا لنفسه (قوله: نعم لو أنشأ هذا) يعني لو كان هناك إنشاءان أحدهما إنشاء
* واحد فتدبر. ويمكن الذب عن الاشكال بانه إنما إذا لم يكن القضية طبيعية والحكم فيها بلحاظ طبيعة الأثر بل بلحاظ أفراده وإلا فالحكم بوجوب التصديق يسري إليه سراية حكم الطبيعة إلى أفراده بلا محذور لزوم اتحاد الحكم والموضوع هذا مضافا إلى القطع بتحقق ما هو المناط ______________________________ وجوب التصديق لخبر الواسطة والثاني انشاؤه للخبر الحاكي عنها صح ولم يتوجه الاشكال لأن أحدهما غير الآخر فيصح أن يكون أحدهما مصححا للآخر وموضوعا له ولا يكون اتحاد الحكم والموضوع (قوله: والحكم فيها بلحاظ طبيعة) حاصل الجواب: أن الأثر الثابت للمؤدى الذي يكون مصححا لجعل الحجية ووجوب تصديق الخبر (تارة) يلحظ بما هو طبيعة الأثر (وأخرى) يلحظ بما أنه حاك عن الأفراد، والاشكال إنما يلزم لو كان ملحوظا على النحو الثاني لأن الفرد الملحوظ الذي أخذ موضوعا لوجوب التصديق لابد أن يكون غير الحكم بوجوب التصديق أما إذا كان ملحوظا على النحو الاول فلا يلزم الاشكال لأن طبيعة الاثر غير الحكم بوجوب التصديق فيجوز أن تكون موضوعا له، ومن المعلوم أنه لا مانع من أن يكون الموضوع نفس الطبيعة فإذا ثبت الحكم لتلك الطبيعة وكانت تلك الطبيعة تسرى إلى نفس وجوب التصديق سرى إليه حكمها ايضا سراية حكم الطبيعة إلى افرادها التي تسري هي إليها، ويمكن الخدشة فيه (أولا) بأن المصحح لجعل الحجية ليس طبيعة الأثر بما هي طبيعة الأثر وإنما المصحح له مصداق الاثر فلا يمكن أخذ الاثر المصحح بنحو الطبيعة فتأمل (وثانيا) بأن طبيعة الأثر الملحوظة إما أن تلحظ مطلقة أو مهملة، والاول ممتنع للزوم المحذور بعينه لان الموضوع إذا كان يجب عقلا أن يكن مغايرا لحكمه كيف يمكن أن يكون له اطلاق يشمل حكمه ؟ وهو ظاهر جدا، والثاني يوجب قصورا الآية عن شمول الخبر إذا كان أثر مؤداه وجوب التصديق وهو عين الاشكال فيبقى الاشكال بحاله (قوله: مضافا إلى القطع بتحقق) يعني لو سلمنا عدم شمول الدليل للخبر الحاكي عن الواسطة يمكن أن نقول بان الآية إنما دلت على جوب تصديق كل خبر حتى خبر الواسطة لكن بلحاظ ما عداه من الآثار المترتبة على المؤدى لا بلحاظ وجوب التصديق، إلا أنه
في سائر الآثار في هذا الأثر أي وجوب التصديق بعد تحققه بهذا الخطاب وإن كان لا يمكن أن يكون ملحوظا لأجل المحذور وإلى عدم القول بالفصل بينه وبين سائر الآثار في وجوب الترتيب لدى الاخبار بموضوع صار أثره الشرعي وجوب التصديق وهو خبر العدل ولو بنفس الحكم في الآية فافهم. ولا يخفى أنه لا مجال بعد اندفاع الاشكال بذلك ______________________________ لما علم بوجود المناط فيه ايضا وأنه لا فرق بينه وبين غيره من الآثار في وجوب الترتيب أو لم يكن قول بالفصل بينه وبين غيره من الآثار نقول بوجوب ترتيبه ايضا كغيره من الآثار. هذا ولكن لا يخفى أن هذا فرار عن الاشكال لا جواب عنه، ولعله إلى هذا أشار بقوله: فافهم، أو أن العلم بالمناط وعدم القول بالفصل يستكشف بهما جعل الحكم ثانيا بانشاء مستقل وهو خلاف الفرض (قوله: في سائر) متعلق بمحذوف حال أو صفة للمناط (قوله: في هذا الاثر) متعلق بتحقق (قوله: أي وجوب) تفسير لهذا الاثر (قوله: أو إلى عدم القول) معطوف على قوله: إلى القطع (قوله: في وجوب) متعلق بالفصل (قوله: وهو خبر) الضمير راجع إلى الموضوع. هذا (والأولى) أن يقال: ان الكلام في أمثال المقام (تارة) يكون بلحاظ مقام الثبوت والواقع (وأخرى) بلحاظ مقام الاثبات، اما الكلام في المقام الاول فنقول فيه: انه لا ريب في أن وجوب التصديق الثابت للخبر ليس وجوبا واحدا شخصيا بل هو منحل إلى وجوبات متعددة بتعدد أفراد الخبر فكل خبر يكون له شخص من وجوب التصديق لا يكون للخبر الآخر فإذا أخبرا لكليني عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن البزنطي عن الرضا (ع) فلكل من الخبر الحاكي والمحكي وجوب تصديق غير ما يكون للآخر فيجوز أن يكون أحدها مصححا للآخر وموضوعا له فوجوب التصديق الثابت لخبر البزنطي موضوع لوجوب التصديق الثابت لخبر ابراهيم والثاني موضوع لوجوب التصديق الثابت لخبر ابنه وهو موضوع لوجوب التصديق الثابت لخبر الكليني ولا اشكال في ذلك بعد تغايرها، وأما الكلام في
للاشكال في خصوص الوسائط من الأخبار كخبر الصفار المحكي بخبر المفيد مثلا بانه لا يكاد يكون خبر تعبدا إلا بنفس الحكم بوجوب تصديق العادل الشامل للمفيد فيكف يكون هذا الحكم المحقق لخبر الصفار تعبدا مثلا حكما له أيضا وذلك لانه إذا كان خبر العدل ذا أثر شرعي حقيقة بحكم الآية وجب ترتيب أثره عليه عند إخبار العدل به كسائر ذوات الآثار من الموضوعات لما عرفت من شمول مثل الآية للخبر الحاكي للخبر بنحو القضية الطبيعية ______________________________ المقام الثاني فهو أنه لا مانع من انشاء أحكام متعددة مترتبة بعضها موضوع للآخر بانشاء واحد وجعلها بجعل واحد كذلك لان ترتيبها في مقام الثبوت وفى أنفسها لا يقتضي ترتيبها في مقام الانشاء فيجوز حينئذ للجاعل أن ينشئ هذه الوجوبات المترتبة بانشاء واحد والوجه في ذلك أن الوجوب الذي يكون موضوعا للآخر ليس موضوعا له بوجوده الانشائي الخارجي حتى يتوقف انشاء وجوب التصديق للخبر الحاكي عن الواسطة على انشاء أثر لخبر الواسطة ويمتنع انشاؤها بانشاء واحد بل يكون موضوعا بوجوده الفرضي فيرجع لسان دليل الجعل إلى أنه مهما كان لمؤدى الخبر أثر وجب تصديق الخبر وترتيب ذلك الأثر وإن كان من سنخ وجوب التصديق فيثبت لكل خبر هذا الحكم منوطا بان يكون لمؤداه أثر وان كان ذلك الأثر من سنخ هذا الحكم. هذا ملخص ما أفاده بعض مشايخنا المعاصرين زيد تأييده (قوله: للاشكال في خصوص) هذا هو الاشكال الثاني في المقام الذي ذكره شيخنا الأعظم (قده) في رسائله الذي عرفت أنه يختص بخبر الواسطة لا غير وحاصله أن خبر الواسطة إنما صار خبرا تعبدا بتوسط وجوب تصديق الخبر الحاكي عنها فيمتنع أن يكون موضوعا لوجوب التصديق لأن ما يكون معلولا للحكم ومتأخرا عنه يمتنع أن يثبت له ذلك الحكم للزوم الدور فانه موقوف على الحكم حسب الفرض والحكم موقوف عليه حسب الدعوى (قوله: وذلك لأنه إذا كان) هذا بيان لوجه الاندفاع وحاصله ما أشار إليه سابقا من أن الاشكال انما يتوجه لو كان وجوب التصديق ثابتا للخبر بلحاظ الأفراد أما إذا كان حكما على
أو لشمول الحكم فيها له مناطا وان لم يشمله لفظا أو لعدم القول بالفصل فتأمل جيدا (ومنها) آية النفر قال الله تبارك وتعالى: (فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة.. الآية) وربما يستدل بها من وجوه (أحدها) أن كلمة (لعل) وإن كانت مستعملة على التحقيق ______________________________ طبيعة الخبر فنفس الطبيعة مما لم تكن ناشئة عن الحكم المذكور فإذا ثبت الحكم للطبيعة وثبت خبر الواسطة بتوسط وجوب تصديق الخبر الحاكي عنها كان خبر الواسطة من أفراد تلك الطبيعة وسرى إليه حكمها سراية حكم الطبيعة إلى افرادها (وفيه) ما عرفت من أن الخبر الموضوع لوجوب التصديق إن أخذ مطلقا لزم المحال وان أخذ مهملا جاء الاشكال لأن المهملة في قوة الجزئية فلا تصلح لاثبات الحكم بوجوب التصديق لخبر الواسطة (وبالجملة): ثبوت الحكم لما ينشأ عنه مستحيل ولا يدفع استحالته بما ذكر (قوله: أو لشمول الحكم) معطوف على قوله: لأنه، وكذا قوله: أو لعدم القول بالفصل، يعني انا نستكشف الحكم لخبر الواسطة بتوسط العلم بالمناط أو عدم القول بالفصل وان كان الدليل المذكور لا يشمله، وقد عرفت أن هذا فرار عن الاشكال فالأولى الرجوع إلى ما ذكره بعض مشايخنا المتقدم إليه الاشارة من كون الحكم بوجوب التصديق للخبر ليس حكما واحدا غير قابل للتحليل بل هو منحل إلى أحكام متعددة بتعدد الخبر والحكم الثابت لخبر الواسطة لم ينشأ منه الخبر وانما نشأ من مثله الثابت للخبر الحاكي عن الواسطة، ولا مانع من انشاء هذه الاحكام المترتبة بانشاء واحد، فلاحظ وتأمل والله سبحانه أعلم. آية النفر (قوله: الآية) تمام الآية: (ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) ومحل الاستدلال منها قوله تعالى: لعلهم يحذرون، وتقريب الاستدلال بها أحد الوجوه الثلاثة المذكورة في المتن،
في معناها الحقيقي وهو الترجي الإيقاعي الانشائي إلا أن الداعي إليه حيث يستحيل في حقه تعالى أن يكون هو الترجي الحقيقي كان هو محبوبية التحذر عند الانذار وإذا ثبت محبوبيته ثبت وجوبه شرعا لعدم الفصل وعقلا لوجوبه مع وجود ما يقتضيه وعدم حسنه بل عدم امكانه بدونه (ثانيها) انه لما وجب الانذار لكونه غايه للنفر الواجب كما هو قضية كلمة (لو لا) التحضيضية وجب التحذر وإلا لغى وجوبه (ثالثها) أنه جعل غاية للانذار الواجب وغاية الواجب واجب. ويشكل الوجه الاول بأن التحذر لرجاء ادراك الواقع وعدم الوقوع في محذور مخالفته من فوت المصلحة أو ______________________________ (قوله: في معناها الحقيقي) حسبما تقدم منه بيانه في صيغة الأمر (قوله: يستحيل في حقه) وجه استحالة الترجي الحقيقي في حقه تعالى أنه يعتبر فيه الجهل بوقوع الأمر المرجو (قوله: شرعا) قيد لوجوبه (قوله: لعدم الفصل) دليل على الوجوب الشرعي لان كل من رجح الحذر فقد أوجبه (قوله: وعقلا) معطوف على قوله: شرعا، يعني إذا ثبت محبوبية الحذر وجب عقلا لانه إذا كان له مقتض وجب والا لم يحسن كذا قرر في المعالم (قوله: بل عدم امكانه) يعني إذا لم يكن مقتض للحذر لم يمكن الحذر لان الحذر هو الاحتياط في دفع المكروه فإذا لم يكن مقتض للحذر بان كان المكروه مأمونا لا معنى للحذر حينئذ كما لا معنى للاحتياط (قوله: لكونه غاية) لدخول لام الغاية عليه (قوله: كما هو) بيان لوجه وجوب النفر (قوله: لو لا التحضيضية) هي احدى حروف التحضيض الأربع وهي (لو لا) و (لو ما) و (الا) و (هلا) والمعروف عند النحاة أنها إذا دخلت على المضارع أفادت طلب الفعل والحث عليه وعلى الماضي أفادت التوبيخ على تركه والحض على الشئ الحث عليه، ومنه قوله تعالى: ولا تحاضون على طعام المسكين (قوله: جعل غاية للانذار) فان (لعل) في هذا المقام واقعة موقعها في قوله تعالى: فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى (قوله: بأن التحذر لرجاء) حاصله أن الحذر وإن كان عبارة عن
الوقوع في المفسدة حسن وليس بواجب فيما لم يكن هناك حجة على التكليف ولم يثبت ها هنا عدم الفصل غايته عدم القول بالفصل. والوجه الثاني والثالث بعدم انحصار فائدة الانذار بايجاب ______________________________ الاحتياط في دفع المكروه إلا أن المكروه (تارة) يراد به العقاب ونحوه مما يترتب على المعصية (وأخرى) يراد به الوقوع في المفسدة أو فوات المصلحة مما يترتب على مخالفة التكليف، فان كان المراد به في المقام هو الاول امتنع التفكيك بين حسنه ووجوبه شرعا لعدم القول بالفصل وعقلا لوجوبه مع وجود مقتضيه... الخ ما ذكر في تقريب الاستدلال، أما إذا كان المراد به الثاني فلا مانع من التفكيك بين حسنه ووجوبه وعدم الفصل بينهما لم يثبت غاية الأمر عدم القول بالفصل وهو لا يدل على عدم الفصل، كما أن قول المستدل: لوجوبه مع وجود مقتضيه، ممنوع بل لا ريب في حسنه مع وجود مقتضيه مع عدم وجوبه كما في جميع موارد الاحتياط في الشبهات البدوية التي يرجع فيها إلى أصالة البراءة. نعم يشكل ذلك بان الحذر بالمعني المذكور إنما يترتب على مجرد احتمال الواقع بلا توسط الخبر فترتيبه على الخبر يقتضي أن يكون المراد به المعنى الاول (قوله: ها هنا) يعني إذا لم تقم حجة على التكليف (قوله: غايته عدم القول) بل لا ريب في ثبوت القول بالفصل لما عرفت من حسن الاحتياط عندهم في الشبهات البدوية مع كون المرجع فيها البراءة (قوله: والوجه الثاني والثالث) معطوف على الاول يعني يشكل الوجهان بعدم انحصار... الخ وحاصل إشكالهما: أنه وإن سلم اقتضاء ما ذكر من التقريبين لوجوب الحذر المترتب على الانذار لكن لم يظهر من الآية وجوبه مطلقا وإن لم يحصل العلم بل المستفاد منها وجوبه في الجملة ولو كان مختصا بصورة إفادة الانذار للعلم إذ يكفي ذلك في كونه فائدة لوجوب الانذار وعدم كونه لغوا كما يكفي في كونه غاية للواجب (فان قلت): اختصاص وجوب الحذر بصورة افادة الانذار للعلم خلاف إطلاق الآية (قلت): الآية ليست مسوقة لبيان وجوب الحذر لكونه فائدة لوجوب الانذار أو غاية للانذار بل هي مسوقة لبيان وجوب النفر
التحذر تعبدا لعدم إطلاق يقتضي وجوبه على الاطلاق ضرورة أن الآية مسوقة لبيان وجوب النفر لا لبيان غايتيه التحذر ولعل وجوبه كان مشروطا بما إذا أفاد العلم لو لم نقل بكونه مشروطا به فان النفر انما يكون لاجل التفقه وتعلم معالم الدين ومعرفة ما جاء به سيد المرسلين كي ينذروا بها المتخلفين أو النافرين على الوجهين في تفسير الآية لكي يحذروا إذا أنذروا بها وقضيته إنما هو وجوب الحذر عند إحراز أن الانذار بها كما لا يخفى ______________________________ وإذا لم تكن مسوقة لذلك لم يكن لها اطلاق لعدم كون المتكلم في مقام البيان الذي هو شرط ثبوت اطلاق الكلام (فان قلت): إذا كانت الآية مسوقة لبيان وجوب النفر فقد دلت على وجوب النفر على كل أحد من الطائفة كما دلت على وجوب الانذار بكل ما علم فحينئذ نقول: لو اختص وجوب الحذر بصورة حصول العلم لزم كون وجوب الانذار غير الموجب للعلم بلا فائدة أو ليس له غاية واجبة وهو باطل (قلت): لم يظهر من الآية كون الحذر فائدة لوجوب كل إنذار مستقلا أو غاية له كذلك، بل المحتمل قريبا أن يكون فائدة لعموم الحكم وهو الوجوب على الطائفة لا الوجوب لكل واحد وكذا كونه غاية بل لعل تخصيص الوجوب بطائفة من كل فرقة مشعر بذلك والأصل في الحكم الثابت للجماعة ان يكون ثابتا لهم في حال الاجتماع لا مطلقا (قوله: التحذر تعبدا) يعني وان لم يحصل العلم (قوله: لو لم نقل بكونه مشروطا) هذا إشكال آخر ذكره الشيخ (ره) في رسائله مضافا إلى الاشكال الاول وحاصل هذا الاشكال: أن ظاهر الآية كون الحذر الواجب هو ما يكون بعد الانذار بما تفقهوا فيه من الأمور الدينية فلابد في الحكم بوجوب الحذر من إحراز كون الانذار بالأمور الدينية المتفقه فيها ومع الشك في ذلك يشك في وجوب الحذر فإذا لم يعلم بصدق المخبر لم يعلم أنه منذر بالأمور الواقعية فلا يجب عقلا الحذر للشك في موضوعه (قوله: على الوجهين في تفسير) ففي أحدهما
(تم) إنه أشكل أيضا بان الآية لو سلم دلالتها على وجوب الحذر مطلقا فلا دلالة لها على حجية الخبر بما هو خبر حيث انه ليس شأن الراوي إلا الاخبار بما تحمله لا التخويف والانذار وانما هو شأن المرشد أو المجتهد بالنسبة إلى المسترشد أو المقلد (قلت): لا يذهب عليك أنه ليس حال الرواة في الصدر الأول في نقل ما تحملوا من النبي - صلى الله عليه وعلى أهل بيته الكرام - والامام عليه السلام، من الأحكام إلى الانام ______________________________ أن المراد تفقه النافرين لينذروا المتخلفين وفى الآخر تفقه المتخلفين لينذورا النافرين عند رجوعهم إلى المتخلفين فعلى الاول ضمير (يتفقهوا) و (ينذروا) و (رجعوا) راجع إلى الطائفة النافرين وضمير (إليهم) و (لعلهم) راجع إلى المتخلفين، وعلى الثاني ضمير (يتفقهوا) و (ينذروا) و (إليهم) راجع إلى المتخلفين وضمير (رجعوا) و (لعلهم) راجع إلى النافرين (قوله: ثم انه أشكل أيضا) هذا الاشكال ثالث الاشكالات التى ذكرها الشيخ (ره) في الاستدلال بالآية الشريفة، وحاصله: أن الآية دلت على وجوب الحذر عقيب الانذار المترتب عليه والانذار هو الابلاغ بقصد التخويف والتخويف إنما يكون باعمال النظر فهو من وظيفة المجتهد فوجوب الحذر بعده راجع إلى جعل حجية اجتهاده وحيث أن اجتهاد المجتهد لا يكون حجة على مجتهد مثله فلابد من تخصيص الآية بمن يجب عليه الرجوع إلى المجتهد لحجية رأيه عليه ولا تكون مما نحن فيه من حجية الخبر، وبهذا التقرير لم يتضح ايراد المصنف (ره) عليه بأنه لو فرض دلالتها على... الخ الراجع إلى أن ظاهر الآية حجية الخبر مع التخويف من حيث أنه خبر وبضميمة عدم القول بالفصل تدل على حجية غيره، ووجه الاشكال: انه لم يظهر من الآية حجية الخبر من حيث أنه خبر - بناء على البيان الذي ذكرناه - وإنما دلت على حجية الانذار المتقوم بالخبر والتخويف، وحيث أن الثاني اجتهادي فقد دلت على حجية الاجتهاد فالتخويف مقوم للحجية لا أنه ظرف للحجية ليتم
* إلا كحال نقلة الفتاوي إلى العوام ولا شبهة في أنه يصح منهم التخويف في مقام الابلاغ والانذار والتحذير بالبلاغ فكذا من الرواة فالأية لو فرض دلالتها على حجية نقل الراوي إذا كان مع التخويف كان نقله حجة بدونه أيضا لعدم الفصل بينهما جزما فافهم (ومنها) آية الكتمان: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا) الآية وتقريب الاستدلال بها ان حرمة الكتمان تستلزم القبول عقلا للزوم لغويته بدونه ولا يخفى انه لو سلمت هذه اللازمة لا مجال للايراد على هذه الآية بما أورد على آية النفر من دعوى الاهمال أو استظهار الاختصاص بما إذا أفاد العلم فانها تنافيهما كما لا يخفى، لكنها ممنوعة فان اللغوية غير لازمة لعدم انحصار الفائدة بالقبول تعبدا وإمكان أن تكون حرمة الكتمان لأجل وضوح الحق بسبب كثرة من أفشاه وبينه لئلا يكون للناس على الله حجة بل كان عليهم الحجة البالغة (ومنها) آية السؤال عن أهل الذكر (فأسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) وتقريب الاستدلال ______________________________ عدم القول بالفصل ولعل قوله: فافهم، إشارة إلى ذلك. هذا والإنصاف أن الآية الشريفة لا تدل على حجية الخبر ولا على حجية الاجتهاد بل هي أجنبية عنهما بالمرة، وإنما تدل على وجوب التفقه في الدين وتعلم معالمه في الاصول والفروع لغاية تعليم الجاهلين وتفقيههم باقامة الحجة عليهم وإقناعهم بالطريق الذي تعلموا به وتفقهوا بلا دلالة لها على حجية الاجتهاد أو الخبر أصلا لا مطابقة ولا التزاما، وظني أن ذلك ظاهر بأدنى تأمل (قوله: إلا كحال نقلة) يعني أنهم نقلة لا أنهم مفتون وإذا كانوا من قبيل النقلة لا المفتين فإذا صح التخويف منهم ولا يخرجون به عن كونهم ناقلين فالآية تدل على حجية نقلهم في حال التخويف لا على حجية اجتهادهم وإذا دلت على حجية نقلهم في حال التخويف دلت على حجيته في غيره لعدم القول بالفصل، لكن عرفت تقريب الاشكال بنحو لا يتوجه عليه ما ذكر إلا أن يكون مقصود المصنف (ره) منع كون التخويف اجتهاديا ولكنه كما ترى فلاحظ (قوله: لو سلمت هذه الملازمة لا مجال) كانه قصد بذلك
بها ما في آية الكتمان وفيه أن الظاهر منها إيجاب السؤال لتحصيل العلم لا للتعبد بالجواب وقد أورد عليها بانه لو سلم دلالتها على التعبد بما أجاب أهل الذكر فلا دلالة لها على التعبد بما يروي الراوي فانه بما هور اولا يكون من أهل الذكر والعلم فالمناسب إنما هو الاستدلال بها على حجية الفتوى لا الرواية (وفيه) أن كثيرا من الرواة يصدق عليهم أنهم أهل الذكر والاطلاع على رأى الامام - عليه السلام - كزارة ومحمد بن مسلم ومثلهما ويصدق على السؤال عنهم أنه السؤال عن أهل الذكر والعلم ولو كان السائل من أضرابهم فإذا وجب قبول روايتهم في مقام الجواب بمقتضى هذه الآية وجب قبول روايتهم ورواية غيرهم من العدول مطلقا لعدم الفصل جزما في وجوب القبول ______________________________ الايراد على ما في الرسائل حيث ذكر فيها الايراد ان الأولان المذكوران سابقا في الجواب عن الاستدلال بآية النفر ولم يتعرض فيها لنفي الملازمة بنحو يظهر منه تسليمها، لكن الظاهر من عبارة الرسائل نفي الملازمة بذكر الايرادين كما يظهر من قوله (ره) فيها: نعم لو وجب الاظهار... الخ فليلحظ (قوله: لا للتعبد بالجواب) هذا غير ظاهر بل خلاف الظاهر، ويشهد له أن المضمون المذكور موجود في جملة من الاخبار التى استدل بها على حجية الخبر ولم يتوهم هذا الاشكال فيها. نعم من أجل أن مورد الآية الشريقة أصول الدين التي يجب فيها تحصيل العلم لابد من حملها على ذلك مع امكان دعوى كون المقصود الاحتجاج على اليهود باقوال علمائهم التي هي حجة باعتقادهم وليست في مقام جعلها حجة كما لا يخفى فليتأمل (قوله: وقد اورد عليها بانه) هذا الايراد ذكره شيخنا الاعظم في رسائله (قوله: وفيه أن كثيرا من الرواة) وفيه أنه إذا سلم كون المراد من أهل الذكر أهل العلم والفتوى فظاهر الآية سؤالهم عما هم فيه من اهل العلم لا في غيره فزرارة ومحمد بن مسلم ونحوهما إذا كانوا من اهل الفتوى فوجوب سؤالهم يختص بما هم فيه من أهل الفتوى ولا يشمل غيره كالاقوال المسموعة من المعصوم (ع) نعم لو أريد من أهل العلم مطلق من كان كثير العلم ولو بالمسموعات والمبصرات
* بين المبتدأ والمسبوق بالسؤال ولا بين أضراب زرارة وغيرهم ممن لا يكون من اهل الذكر وإنما يروي ما سمعه أو رأه فافهم (ومنها) آية الاذن: (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين) فانه تبارك وتعالى مدح نبيه بانه يصدق المؤمنين وقرنه بتصديقه تعالى. وفيه اولا أنه إنما مدحه بانه أذن وهو سريع القطع لا الأخذ بقول الغير تعبدا. وثانيا أنه إنما المراد بتصديقه للمؤمنين هو ترتيب خصوص الآثار التى تنفعهم ولا تضر غيرهم لا التصديق بترتيب جميع الآثار كما هو المطلوب في باب حجية الخبر ويظهر ذلك من تصديقه للتمام بانه ما نمه وتصديقه لله تعالى بانه نمه كما هو المراد من التصديق في قوله - عليه السلام -: فصدقه وكذبهم حيث قال - على ما في الخبر -: (يا أبا محمد كذب سمعك وبصرك عن أخيك فان شهد عندك خمسون ______________________________ توجه الاشكال لكنه ليس مبنى الايراد فلتلحظ عبارة الرسائل، إلا أن يكون مقصود المصنف (ره) الايراد من هذه الجهة، وأن المراد من أهل الذكر كثيروا العلم والاطلاع ولو بنحو المسموعات والمبصرات فيشمل مثل زرارة من حيث الرواية ويتعدى إلى غيره بضميمة عدم القول بالفصل فيكون إشكالا في محله إلا ان مناسبة الحكم والموضوع تقضي بكون الظاهر إرادة السؤال ممن هو عالم في موضوع السؤال بلا دخل للاجتهاد وكثرة الاطلاع، فلاحظ (قوله: بين المبتدأ والمسبوق) إشارة إلى دفع اشكال آخر على الاستدلال بالآية بانها أخص من المدعى لأنها إنما تدل على الخبر المسبوق بالسؤال فلا تعم الخبر الابتدائي وحاصل الدفع: أنه لا يمكن الفصل بين النوعين في الحجية فإذا دلت على حجية أحدهما دلت على حجية الآخر (قوله: خصوص الآثار التى) كما يشهد به قوله تعالى: أذن خير لكم، الظاهر في أنه أذن خير لجميع الناس إذ لو كان المراد ترتيب جميع الآثار كان أذن خير للمخبر - بالكسر - لا غير كما أوضحه في الرسائل فراجع (قوله: من تصديقه للتمام) كما عن تفسير القمي أنه نم منافق
قسامة أنه قال قولا وقال: لم أقله فصدقه وكذبهم) فيكون مراده تصديقه بما ينفعه ولا يضرهم وتكذيبهم فيما يضره ولا ينفعهم والا فكيف يحكم بتصديق الواحد وتكذيب خمسين ؟ وهكذا المراد بتصديق المؤمنين في قصة اسماعيل فتأمل جيدا فصل (في الأخبار التي دلت على اعتبار أخبار الآحاد) وهي وإن كانت طوائف كثيرة كما يظهر من مراجعة الوسائل وغيرها إلا أنه يشكل الاستدلال بها على حجية أخبار الآحاد بأنها أخبار آحاد غير متفقة على لفظ ولا على معنى فتكون متواترة لفظا أو معنى ولكنه مندفع بانها وان كانت كذلك إلا أنها متواترة إجمالا ضرورة أنه يعلم بصدور بعضها منهم - عليهم السلام - وقضيته وان كان حجية خبر أخصها مضمونا الا انه يتعدى عنه فيما إذا كان بينها ما كان بهذه الخصوصية وقد دل على حجية ما كان أعم فافهم. ______________________________ على النبي صلى الله عليه وآله فاخبره الله تعالى بذلك فاحضره النبي صلى الله عليه وآله وسأله فحلف له أنه لم ينم عليه فقبل منه النبي صلى الله عليه وآله فاخذ الرجل يطعن على النبي صلى الله عليه وآله ويقول: إنه يقبل كل ما يسمع، حكاه في الرسائل فراجع (قوله: قسامة) بالفتح الأيمان تقسم على أولياء القتيل إذا ادعوا الدم (قوله: في قصة اسماعيل) المحكية في الرسائل حيث قال له أبوه - عليه السلام -: إذا شهد عندك المسلمون فصدقهم (قوله: من مراجعة الوسائل) والرسائل أيضا حيث قسمها فيها إلى طوائف (قوله: أخصها مضمونا) أخص الاخبار مضمونا ما دل على حجية خبر العادل ويوجد فيها خبر العادل الدال على حجية خبر الثقة فتستنتج حجية خبر الثقة. بل يمكن دعوى التواتر الاجمالي في غير ما دل على حجية خبر العادل فيكون ما دل على حجية خبر الثقة أخص مضمونا من غيره فتستفاد حجية خبر الثقة بلا واسطة. نعم فيها ما يدل على عدم حجية خبر غير الامامي مثل
فصل (في الاجماع على حجية الخبر) وتقريره من وجوه (أحدها) دعوى الاجماع من تتبع فتاوى الأصحاب على الحجية من زماننا إلى زمان الشيخ فيكشف رضاه - عليه السلام - بذلك ويقطع به أو من تتبع الاجماعات المنقولة على الحجية ولا يخفى مجازفة هذه الدعوى لاختلاف الفتاوى فيما اخذ في اعتباره من الخصوصيات ومعه لا مجال لتحصيل القطع برضائه - عليه السلام - من تتبعها. وهكذا حال تتبع الاجماعات المنقولة. اللهم إلا أن يدعى تواطؤها على الحجية في الجملة وإنما الاختلاف في الخصوصيات ______________________________ مكاتبة علي بن سويد: لا تأخذن معالم دينك من غير شيعتنا فانك إن تعديتهم أخذت دينك من الخائنين... الحديث، ولكنه - مع معارضته بغيره مما دل على جواز العمل بكتب بني فضال والشلمغاني وما ورد في تفسير قوله تعالى: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا) فظاهر التعليل فيه أن المانع من العمل باخبارهم عدم الائتمان فتأمل، ثم إني لم أجد فيما رأيت من أخبار الثقات ما يدل على حجية ما هو أعم من ذلك فلابد من التتبع والتأمل، كما أن الظاهر مما دل على حجية خبر الثقة من تلك النصوص اعتبار كونه ثقة في خصوص ذلك الخبر ولا يعتبر كونه ثقة في نفسه، وكأن الوجه في ذلك مناسبة الحكم لموضوعه وإلا فاطلاق الثقة يقتضي كونه ثقة مطلقا، فقرينة المناسبة المذكورة ولا سيما بملاحظة الارتكاز العقلائي أوجبت كون الظاهر ما ذكرنا، ولأجل ذلك استقر بناء الأصحاب على العمل باخبار الضعفة مع اقترانها بما يوجب الوثوق بصدورها ولو كان ذلك مثل عمل المشهور أو الاساطين بها كما لا يبعد أن يكون المراد من الوثوق الوثوق النوعي جريا على مقتضي الارتكاز العقلائي (قوله: من تتبع فتاوى) فيكون الاجماع حينئذ محصلا (قوله: أو من تتبع الاجماعات) فيكون الإجماع محكيا متواترا لا بنقل الآحاد حتى يلزم الدور (قوله: إلا أن يدعى تواطؤها)
المعتبرة فيها ولكن دون اثباته خرط القتاد (ثانيها) دعوى اتفاق العلماء عملا بل كافة المسلمين على العمل بخبر الواحد في أمورهم الشرعية كما يظهر من أخذ فتاوى المجتهدين من الناقلين لها. وفيه - مضافا إلى ما عرفت مما يرد على الوجه الاول، أنه لو سلم اتفاقهم على ذلك لم يحرز أنهم اتفقوا بما هم مسلمون ومتدينون بهذا الدين أو بما هم عقلاء ولو لم يلزموا بدين كما هو لا يزالون يعملون بها في غير الامور الدينية من الامور العادية فيرجع إلى ثالث الوجوه وهو دعوى استقرار سيرة العقلاء من ذوي الأديان وغيرهم على العمل بخبر الثقة واستمرت إلى زماننا ولم يردع عنه نبي ولا وصي نبي ضرورة أنه لو كان لاشتهر وبان ______________________________ يعني أن الاختلاف في خصوصيات الفتاوى أو معاقد الاجماعات المنقولة مانع من حصول الاتفاق على الحجية إلا إذا كان الاختلاف راجعا إلى الاختلاف فيما هو الحجة بحيث لو انكشف لبعض بطلان مذهبه لابد أن يلتزم باحد المذاهب الباقية فلو ادعي ذلك كان اجماعا وحجة، إلا أن اثبات هذه الدعوى صعب جدا، لكن الانصاف ان ذلك ليس بذلك البعيد (قوله: دعوى اتفاق العلماء عملا) الفرق بين هذا الوجه والوجه الاول هو الفرق بين الطريق والواقع فان الاجماع العملي انما يكون حجة من جهة كشفه عن الاجماع القولي (قوله: مضافا إلى ما عرفت) من جهة اختلاف العلماء عملا فلا يكشف عن اتفاقهم قولا على الحجية الا إذا كان عن تواطء منهم على الحجية (قوله: لم يحرز أنهم اتفقوا... الخ) يعني أن الاتفاق العملي وان كان كاشفا عن الاتفاق القولي لكنه مجمل من حيث أن قولهم بذلك بما أنهم مسلمون ومتدينون فيكون الاتفاق القولي المستكشف بالعمل من قبيل الاتفاق على الحكم الشرعي فيعلم أنه مأخوذ من الشارع يدا بيد إلى زماننا هذا، أو بما أنهم عقلاء فلا يرتبط بجهة الشارع أصلا بل يكون ذلك بناء منهم كسائر أبنية العقلاء ويكون حينئذ راجعا إلى الوجه الثالث وهو دعوى استقرار سيرة العقلاء... الخ. وقد يقرر هذا الوجه على وجوه (الاول) أن الشارع
الاقدس كما كان في مقام جعل الاحكام كان في مقام جعل الطرق الواصلة إلى المكلفين ايضا وحيث أن العقلاء بناؤهم على طريقية خبر الثقة ولم يكن قد نصب الشارع طريقا غيره يعلم أنه الطريق المجعول عنده ويكون قد اعتمد في ايصاله إلى المكلفين ببناء العقلاء عليه إذا لولا ذلك لزم الإخلال بغرضه وهو مستحيل، وهذا الوجه يتوقف على مقدمات ثلاث (الاولى) كون الشارع في مقام نصب الطرق (الثانية) كونه طريقا عند العقلاء (الثالثة) عدم ثبوت طريق سواه، (والاولى) ممنوعة كما اعترف بذلك شيخنا الأعظم (ره) في التنبيه الاول من تنبيهات الانسداد فليلحظ (والثانية) مسلمة (والثالثة) مبنية على عدم تمامية الادلة المتقدمة على الحجية (الثاني) أن الشارع بعد ما جعل أحكاما واقعية وكان خبر الثقة عند العقلاء طريق ارتكازيا يجرون معه حيث ما جرى وينتهون معه حيث ما انتهى لاعتقاد كونه طريقا إلى تلك الأحكام لكون طريقيته مما تقتضيها فطرتهم وجبلت عليها نفوسهم فلو سلكوه فأخطأ كان عقابهم عقابا بلا بيان لفرض الغفلة منهم وعدم تنبيه الشارع لهم، وهذا الوجه لا يتوقف الا على اثبات كونه طريقا عند العقلاء على النحو المذكور، إلا أنه لا يجدي الا في حق العامل بالخبر غفلة منه وجريا على مقتضى ارتكاز طريقيته، أما المتنبه الملتفت الشاك في طريقيته فلا يجدي في حقه لعدم جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان في حقه إذ مع الشك يرجع إلى ما يحكم به عقله من البراءة أو الاشتغال حسب اختلاف الموارد، (الثالث) بناء العقلاء على كون خبر الثقة مقتضيا للحجية فهو بنفسه منجز للواقع وعذر في مخالفته وبذاته معيار للاطاعة والمعصية ومناط للثواب والعقاب إذا لم يردع عنه المولى ومع احتمال الردع يبنى على عدمه تعبدا منهم أو إذا قام على عدمه طريق من ظاهر قول أو فعل أو حال معتبر، وهذا الوجه من أحسن الوجوه إلا أنه غير ثابت (الرابع) بناؤهم على كونه حجة بينهم يعامل معاملة الحجج الذاتية إلا أن ارتكاز حجيته عندهم أوجب اعتقاد كونه حجة عند الشارع فانه مولاهم وسيدهم، وحيث أن ذلك البناء منهم لو كان على خلاف الواقع كان الواجب
ومن الواضح أنه يكشف عن رضاء الشارع به في الشرعيات ايضا (ان قلت): يكفي في الردع الايات الناهية والروايات المانعة عن اتباع غير العلم وناهيك قوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم) وقوله تعالى: (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) (قلت): لا يكاد يكفي تلك الآيات في ذلك فانه مضافا إلى أنها وردت إرشادا إلى عدم كفاية الظن في أصول الدين. ولو سلم فانما المتيقن - لو لا أنه المنصرف إليه إطلاقها - هو خصوص الظن الذي لم يقم على اعتباره حجة، لا يكاد يكون الردع بها إلا على وجه دائر وذلك لان الردع بها يتوقف على عدم تخصيص عمومها أو تقييد إطلاقها بالسيرة على اعتبار خبر الثقة هو يتوقف على الردع عنها بها وإلا لكانت مخصصه أو مقيدة لها كما لا يخفى ______________________________ عليه لقاعدة اللطف ردعهم وتنبيههم على خطئهم فحيث لم يرد عهم على أن اعتقادهم كان موافقا للواقع واحتمال وجود مفسدة في الردع أو مصلحة في عدم الردع خلاف الظاهر نعم لابد من احراز مقدمات الامضاء من الاطلاع وامكان الردع مما يوجب الظهور في الامضاء وهذا الوجه هو الذي ينبغي أن يعول عليه هنا وفي سائر موارد بناء العقلاء (قوله: ومن الواضح انه يكشف) لم يظهر الوجه في هذا الاستكشاف ولم يتضح أن المصنف (ره) بان على أي التقريرات المذكورة، وعبارته هنا مجملة، نعم سيأتي في آخر الفصل قوله: ضرورة ان ما جرت... الخ ونبين هناك أنه تقرير آخر غير ما ذكر (قوله: في اصول الدين) قد عرفت وجه التأمل فيه في أول مبحث الخبر فراجع (قوله: اطلاقها) فاعل لقوله: المنصرف (قوله: هو خصوص) خبر لقوله: المتيقن، ثم إن في دعوى الانصراف المذكورة تأملا أو منعا، بل الظاهر أنه لو دل على حجية بعض الظنون دليل كان مخصصا أو حاكما على الآيات الشريفة كما تقدم بيان ذلك إجمالا، ولو تمت دعوى الانصراف المذكورة كان الدليل واردا عليها، فلاحظ (قوله: لا يكاد يكون الردع) خبر قوله سابقا (فانه) (قوله: لان الردع بها يتوقف... الخ) من الواضح أن
* مقتضى الاخذ بظاهر الآيات الشريفة ينافي مقتضي الاخذ بالسيرة، وحينئذ يقع الكلام في أن مقتضى القاعدة تقديم الاول بجعل الآيات رادعة عن السيرة، أو الثاني يجعل السيرة مخصصة لعموم الآيات فنقول: تارة تكون السيرة مانعة عن انعقاد ظهور الآيات في الردع عنها وأخرى لا تكون كذلك بل تكون مانعة من حجية ظهور الآيات في الردع، فعلى الاول لا ينبغي التأمل في وجوب الاخذ بمقتضى السيرة لان اقتضاء الآيات للردع يتوقف على ظهورها فيه وظهورها فيه يتوقف على عدم وجود السيرة - حسب الفرض - فإذا فرض وجود السيرة كان مانعا عن انعقاد ظهور الآيات في الردع فيمتنع الردع بها عن السيرة، وعلى الثاني لابد من الأخذ بمقتضى الآيات ورفع اليد عن السيرة، وذلك لان الردع بالآيات يتوقف على ظهورها فيه وكون ذلك الظهور حجة، أما ظهورها فمسلم حسب الفرض، واما كون ذلك الظهور حجة فلعدم المزاحم له في الحجية الا السيرة والسيرة أيضا لا تصلح للمزاحمة لأن حجيتها مشروطة بعدم وجود الرادع وظهور الآيات يكفي في الردع (فان قلت): يمكن دعوى العكس بأن نقول: حجية الظهور في الردع موقوفة على عدم حجية السيرة وإلا كانت مخصصة للظهور مانعة عن حجيته (قلت): وجود مقتضي الحجية في ظهور الآيات في الردع غير موقوف على شئ وإنما الموقوف على عدم مانعية السيرة فعلية الحجية للظهور بخلاف مقتضي الحجية في السيرة فانه موقوف على عدم الرادع عنها فيكون مقتضي الحجية في الظهور تنجزيا وفي السيرة تعليقيا، ولا ريب أن المقتضي التنجيزي لا يصلح لمعارضته المقتضي التعليقي لأن الثاني ينتفي بثبوت الاول لأنه مقتضي كونه تعليقيا على عدم الآخر كما هو ظاهر بالتأمل، ومن ذلك يظهر لك الاشكال في قول المصنف (ره): لان الردع بها يتوقف على عدم التخصيص أو التقييد بالسيرة، لان فعلية التخصيص متأخرة رتبة عن اقتضاء السيرة للتخصيص وفي رتبة الاقتضاء المذكور لا مانع من فعلية الردع فإذا كان الردع فعليا ارتفع اقتضاء السيرة للتخصيص فتمتنع فعليته فعدم التخصيص معلول الردع لا موقوف عليه الردع، فتأمل في المقام فانه به
(لا يقال): على هذا لا يكون اعتبار خبر الثقة بالسيرة أيضا إلا على وجه دائر فان اعتباره بها فعلا يتوقف على عدم الردع بها عنها وهو يتوقف على تخصيصها بها وهو يتوقف على عدم الردع بها عنها (فانه يقال): إنما يكفي في حجيته بها عدم ثبوت الردع عنها لعدم نهوض ما يصلح لردعها كما يكفي في تخصيصها لها ذلك كما لا يخفى ضرورة أن ما جرت عليه السيرة المستمرة في مقام الاطاعة والمعصية وفى استحقاق العقوبة بالمخالفة وعدم استحقاقها مع الموافقة ولو في صورة المخالفة عن الواقع يكون عقلا في الشرع متبعا ما لم ينهض دليل على المنع عن اتباعه في الشرعيات ______________________________ حقيق ومنه سبحانه نستمد التوفيق (قوله: على هذا لا يكون اعتبار) يعني أن لازم ما ذكر من أن الردع يتوقف على عدم التخصيص ان عدم الردع موقوف على التخصيص لأن ما يتوقف على عدمه وجود الشئ يكون مانعا عن وجود الشئ، وإذا كان مانعا عنه كان علة لعدمه وكذا قوله: عدم التخصيص موقوف على الردع، ملازم لقولنا: التخصيص موقوف على عدم الردع (قوله: وهو يتوقف) يعني عدم الردع موقوف على تخصيصها بها وهذه المقدمة من لوازم كون الردع موقوفا على عدم التخصيص (قوله: وهو يتوقف) يعني تخصيصها يتوقف على عدم الردع بها هذه المقدمة من لوزام كون عدم التخصيص موقوفا على الردع (قوله: يكفي في حجيته بها عدم) حاصل الاشكال المنع عما ذكر في السؤال من أن اعتبار الخبر بالسيرة يتوقف على عدم الردع بل انما يتوقف على عدم ثبوع الردع فلا دور (قوله: ضرورة ان ما جرت عليه) تعليل لجواز الاعتماد على السيرة إذا لم يثبت الردع، وحاصل التعليل: ان الاطاعة الواجبة بحكم العقل والمعصية المحرمة كذلك ما كان طاعة أو معصية عند العقلاء ومن المعلوم ان خبر الثقة إذا كان حجة عند العقلاء كان سلوكه طاعة عندهم ومخالفته معصية فيجب سلوكه عقلا لانه طاعة عند العقلاء وتحرم مخالفته لانها معصية كذلك، نعم لو قام دليل شرعي على خلاف ما عند العقلاء كان واجب الاتباع
فافهم وتأمل ______________________________ عقلا (وفيه) انه لا ريب فيما ذكر من كون الاطاعة والمعصية الواجبة والمحرمة ما كان طاعة ومعصية عند العقلاء لكن المراد به انه يجب الرجوع إلى العقلاء في تشخيص مفهوم الاطاعة والمعصية مثل قصد الامر والوجه والتمييز أو غير ذلك مما يعتبر في مفهوم الاطاعة والعمد ونحوه مما يعتبر في مفهوم المعصية لا غير ذلك مما يرجع إلى المصداق وحينئذ فإذا كان سلوك ما هو طريق عند المولى طاعة ومخالفته معصية ولم يثبت كون خبر الثقة طريقا عند الشارع لا يكون سلوكه طاعة للشارع عندهم، ولا مخالفته معصية له عندهم أصلا، ومجرد كونه طريقا عندهم بنحو تكون موافقته طاعة ومخالفته معصية عندهم بالاضافة إلى مواليهم لا يلازم كونه كذلك بالاضافة إلى الشارع، نعم لو كان العقلاء مرجعا في تشخيص مصداقهما كان ما ذكر في محله الا انه في غاية المنع، وهذا الوجه الذي ذكره المصنف (ره) خامس تقريرات حجية السيرة التي اشرنا إليها سابقا، وقد عرفت أن الوجه المتعين منها هو الرابع المتوقف على احراز رضا الشارع وامضائه ولو بظاهر الحال الله سبحانه اعلم (قوله: فافهم وتأمل) قد أشار ______________
في الحاشية في وجه ذلك إلى تقرير آخر في حجية السيرة على حجية خبر الثقة وحاصله: ان سيرة العقلاء على العمل بالخبر قبل نزول الآيات المذكورة كانت بلا رادع فتكون حجة على الحجية وبعد نزول الآيات يدور الامر بين تخصيص الايات بها وكونها رادعة عنها كما هو الحال في الخاص المقدم على العام إذ يدور الامر بين كونه مخصصا للعام ومنسوخا به، وقد تقدم ان الاولى القول بالتخصيص ولو فرض التوقف فالمرجع اصالة الحجية (ثم) اورد على نفسه بان ذلك يتم لو لم يكن دليل اعتبار السيرة معني بعدم الردع عنها اما إذا كان مغيي بذلك ففي زمان نزول الآيات يمتنع ان تكون السيرة مقيدة أو مخصصة لاطلاقها أو عمومها لعدم الدليل على اعتبارها حينئذ من جهة تحقق غاية الاعتبار (ثم) اجاب بان الدليل على اعتبارها إمضاء الشارع لها ورضاه المستكشف بعدم الردع عنها في زمان وهو غير مغيي بعدم الرادع نظير دليل الحكم الابتدائي هذا ملخص كلامه (ولكن) الانصاف يقتضي الفرق بين الاحكام الابتدائية والاحكام الامضائية فان ظهور أدلة الثانية في الدوام والاستمرار في غاية الاشكال وان كان مسلما في ادلة الاول لان الوجه في ذلك الظهور ظهور الاحكام الابتدائية في كونها احكاما قانونية ليست مخصصة بزمان دون زمان وليس الامر كذلك في الاحكام الامضائية، كيف والغالب كون تبليغ الاحكام على التدريج ؟ ولذا لا يصح أن يدعى أن جميع الاحكام الابتدائية في الشريعة المقدسة كانت ناسخة لما كان قبلها من الاحكام الامضائية بل النسخ يختص بالاحكام الابتدائية التي تعقبها حكم على خلافها، نعم لو فرض عدم الردع إلى زمان انقطاع ______________
فصل في الوجوه العقلية التي أقيمت على حجية الخبر الواحد (أحدها) أنه يعلم إجمالا بصدور كثير مما بايدينا من الأخبار من الأئمة الأطهار بمقدار واف بمعظم الفقه بحيث لو علم تفصيلا ذاك المقدار لا نحل علمنا الاجمالي بثبوت التكاليف بين الروايات وسائر الامارات إلى العلم التفصيلي بالتكاليف في مضامين الأخبار الصادرة المعلومة تفصيلا والشك البدوي في ثبوت التكليف في مورد ساير الامارات غير المعتبرة ______________________________ الوحي وانتهاء التشريع كان ذلك ظاهرا في الاستمرار والامتداد فلاحظ (قوله: احدها انه يعلم اجمالا) يكفي في صدق هذه الدعوى ملاحظة بعض فوائد الوسائل المتضمنة لذكر القرائن على صحة الكتب الاربعة فلاحظ (قوله: بحيث لو علم تفصيلا ذاك المقدار) يمكن تصوير العلم الاجمالي في المقام على وجوه (الاول) انا نعلم بصدور جملة من الاخبار مرددة بين جميع الاخبار المودعة في كتب اصحابنا (رض) كما نعلم بانشاء أحكام الزامية في جميع ما هو محتمل الطريقية كالخبر والشهرة وغيرهما بحيث يحتمل انطباق جميع ما هو معلوم من الاحكام على مؤديات تلك الاخبار المعلومة بالاجمال، ولازم ذلك أن لو علم تفصيلا بتلك الاخبار الصادرة لم يبق لنا علم اجمالي بتكليف الزامي غير مؤدياتها وان كان يحتمل، ولا ريب في هذه الصورة في انحلال العلم الاجمالي بالتكليف بالعلم الاجمالي بالاخبار الصادرة فلا يجب الاحتياط في اطراف الاول ويجب الاحتياط في اطراف الثاني كما لو شهدت البينة بنجاسة اناء من اواني زيد وشهدت بينة اخرى بنجاسة اناء ابيض من اواني زيد فلا يجب الاحتياط حينئذ الا بالاواني البيض لزيد لا غير (الثاني) انا نعلم بصدور جملة من الاخبار كما ذكر سابقا ونعلم بانشاء جملة من الاحكام الالزامية اكثر عددا من الاخبار الصادرة المعلومة اجمالا بحيث لا يحتمل انطباقها بتمامها على مؤديات تلك
ولازم ذلك لزوم العمل على وفق جميع ______________________________ الاخبار وان احتمل انطباق مقدار مساو للاخبار وبقاء مقدار آخر مردد بين الاخبار التي هي اطراف العلم الاجمالي بصدور الأخبار وبين غيرها من محتمل الطريقية، ولازم ذلك أن لو عزلنا مقدارا مساويا للاخبار المعلومة الصدور اجمالا كان العلم الاجمالي بالتكليف فيما عدا ذلك المقدار المعزول باقيا بحاله وان كان نفس المعلوم حينئذ أقل من المعلوم الاصلي قبل العزل ولا ينبغي التأمل في مثل ذلك في وجوب الاحتياط في اطراف العلم الاجمالي بالتكليف ولا يكفي الاحتياط في اطراف العلم الاجمالي بالاخبار وان احتمل انطباق تمام المعلوم الاول على اطرافه إذ لا يكفي هذا المقدار في الانحلال بل لابد فيه من احتمال انطباق تمام المعلوم باحد العلمين على المعلوم بالعلم الآخر، وهو غير حاصل لاختلاف المقدار، ونظيره ما لو شهدت البينة بوجود شاة موطوءة في غنم زيد البيض وشهدت بينة اخرى بوجود شاتين موطوءتين في مطلق غنم زيد مرددتين بين البيض والسود فيجب الاحتياط في البيض والسود معا ولا يكفي الاحتياط في البيض فقط (الثالث) انا نعلم بصدور جملة من الاخبار كما سبق ونعلم بانشاء جملة من الاحكام الالزامية مساوية لها في المقدار إلا انها موصوفة بصفة محتملة الثبوت والعدم في مؤديات الاخبار الصادرة فعلى تقدير وجود الصفة في مؤديات الأخبار أمكن انطباق الاحكام عليها، وعلى تقدير العدم امتنع الانطباق وهذا كالأول في انحلال العلم الثاني بالأول فلا يجب الاحتياط الا في اطرافه ومثله ما لو شهدت البينة بوجود شاة موطوءة في قطعة خاصة من غنم زيد وشهدت بينة اخرى بوجود شاة موطوءة بيضاء في غنم زيد مطلقا بحيث كانت مرددة بين جميع افراد غنمه، ولا يجب الاحتياط في مثله الا في القطعة الخاصة لاحتمال انطباق المعلوم الثاني على المعلوم المردد في تلك القطعة والمصنف (ره) قرر الاستدلال على النحو الأول والشيخ (ره) في رسائله قرره على الوجه الثاني، واورد عليه اولا بان اللازم وجوب الاحتياط بالعمل في جميع الامارات ولا يختص بالأخبار كما سيشير إليه المصنف (ره) (قوله: ولازم ذلك لزوم)
الأخبار المثبتة وجواز العمل على طبق النافي منها فيما إذا لم يكن في المسألة أصل يثبت له من قاعدة الاشتغال أو الاستصحاب بناء على جريانه في أطراف علم إجمالا بانتقاض الحالة السابقة في بعضها أو قيام أمارة معتبرة على انتقاضها فيه وإلا لاختص عدم جواز العمل على وفق الثاني بما إذا كان على خلاف قاعدة الاشتغال (وفيه) أنه لا يكاد ينهض على حجية الخبر بحيث يقدم تخصيصا أو تقييدا أو ترجيحا على غيره من عموم أو إطلاق أو مثل مفهوم وان كان ______________________________ للعلم بوجوب العمل بالخبر الصادر فيجب العمل بكل ما هو محتمل الصدور من الأخبار (قوله: الاخبار المثبتة) لأن العلم الموجب للاحتياط هو العلم بصدور الخبر المثبت لأنه علم بالتكليف الالزامي اما العلم بصدور الخبر النافي فلا يترتب عليه اثر لعدم تعقله بالتكليف نعم يجوز العمل بالخبر النافي لو لم يكن هناك مانع كما لو كان اصل يقتضي الاحتياط كقاعدة الاشتغال أو مثبت للتكليف كاستصحاب التكليف، وكون الاستصحاب لم تثبت حجيته الا بالخبر غير المعلوم الحجية لا يقدح في منعه عن العمل بالخبر بالنافي لأن العمل بالاستصحاب عمل بالخبر المثبت (قوله: بناء على جريانه في اطراف) يعني إنما يمنع الاستصحاب المثبت عن العمل بالخبر النافي لو بنينا على حجيته في اطراف الشبهة المحصورة وأن العلم الاجمالي بانتقاض الحالة السابقة غير قادح في جريانه مطلقا وانما يقدح إذا كان العلم مثبتا للتكليف والاستصحاب نافيا أما إذا بنينا على قدح العلم الاجمالي مطلقا من جهة لزوم التناقض بين صدر دليل الاستصحاب وذيله كما أشرنا إليه في مبحث الموافقة الالتزامية ويجيئ بيانه في محله فمخالفة الاستصحاب للخبر النافي غير مانعة من العمل بالخبر لعدم حجيته فيختص المانع عنه بقاعدة الاشتغال فقط، ثم إن المناسب لهذا الاستدراك من المصنف (ره) أن الاستصحاب المثبت مطلقا مبتلى بعلم اجمالي على خلافه هو غير ظاهر (قوله: من عموم أو اطلاق) هذا على طريقة
يسلم عما أورد عليه من أن لازمه الاحتياط في سائر الامارات لا في خصوص الروايات لما عرفت من انحلال العلم الاجمالي بينها بما علم بين الأخبار بالخصوص ولو بالاجمال فتأمل جيدا (ثانيها) ما ذكره في الوافية مستدلا على حجية الاخبار الموجودة في الكتب المعتمدة للشيعة كالكتب الأربعة مع عمل جمع به من غير رد ظاهر وهو أنا نقطع ببقاء التكليف إلى يوم القيامة ولا سيما بالاصول الضرورية كالصلاة والزكاة والصوم والحج والمتاجر والانكحة ونحوها مع أن جل أجزائها وشرائطها وموانعها إنما يثبت بالخبر غير القطعي بحيث نقطع بخروج حقايق هذه الأمور عن كونها هذه الامور عند ترك العمل بخبر الواحد ومن أنكر فانما ينكره باللسان وقلبه مطمئن بالايمان انتهى، وأورد عليه أولا بان العلم الاجمالي حاصل بوجود الأجزاء والشرائط بين جميع الاخبار لا خصوص الاخبار المشروطة بما ذكره فاللازم حينئذ إما الاحتياط أو العمل بكل ما دل على جزئية شئ أو شرطيته (قلت): يمكن أن يقال: إن العلم الاجمالي وان كان حاصلا بين جميع الاخبار إلا أن العلم بوجود الاخبار الصادرة عنهم - عليهم السلام - بقدر الكفاية بين تلك الطائفة أو العلم باعتبار طائفة كذلك بينها يوجب انحلال ذاك العلم الاجمالي وصيرورة غيره خارجا عن طرف العلم كما مرت إليه الاشارة في تقريب الوجه الاول. اللهم إلا أن يمنع عن ذلك وادعي عدم الكفاية فيما علم بصدوره أو اعتباره ______________________________ اللف والنشر المرتب (قوله: يسلم عما أورد عليه) قد عرفت الاشارة إلى أن هذا الايراد من الشيخ في رسائله انما صدر من جهة تقريره العلم الاجمالي على الوجه الثاني كما يظهر من ملاحظة كلامه في تقريب الايراد فليلحظ (قوله: وأورد عليه أولا) المورد شيخنا العلامة في رسائله (قوله: المشروطة بما ذكر) يعني كونه موجودا في الكتب المعتمدة وعمل جمع به من غير رد ظاهر (قوله: إما الاحتياط أو العمل) عبارة الرسائل هكذا. فاللازم حينئذ اما الاحتياط
أو ادعي العلم بصدور أخبار أخر بين غيرها فتأمل (وثانيا) بان قضيته إنما هو العمل بالاخبار المثبتة للجزئية أو الشرطية دون الاخبار النافية لهما، والاولى أن يورد عليه بان قضيته إنما هو الاحتياط بالاخبار المثبتة فيما لم تقم حجة معتبرة على نفيهما من عموم دليل أو إطلاقه لا الحجية بحيث يخصص أو يقيد بالمثبت منها أو يعمل بالنافي في قبال حجة على الثبوت ولو كان أصلا كما لا يخفى (ثالثها) ما أفاده بعض المحققين بما ملخصه أنا نعلم بكوننا مكلفين بالرجوع إلى الكتاب والسنة إلى يوم القيامة فان تمكنا من الرجوع اليهما على نحو يحصل العلم بالحكم أو ما بحكمه فلابد من الرجوع اليهما كذلك والا فلا محيص عن الرجوع على نحو يحصل الظن به في الخروج عن عهدة ______________________________ والعمل بكل خبر دل على جزئية شئ أو شرطيته واما العمل بكل خبر ظن صدوره مما دل على الجزئية أو الشرطية. انتهى، والمراد منها ظاهرا أن العلم الاجمالي بموافقة جملة من الاخبار الدالة على الجزئية ونحوها يوجب الاحتياط بالعمل بكل خبر دل على ذلك ومع تعذره أو لزوم الحرج ينتقل إلى الظن بالصدور كما يأتي بيانه في دليل الانسداد (قوله: أو ادعي العلم بصدور) لا يحتاج إلى دعوى العلم بصدور اخبار اخر في غير ما جمع الشرائط المذكورة بل يكفي في وجوب الاحتياط دعوى العلم الاجمالي بصدور مقدار من الاخبار اكثر من المقدار المعلوم بالاجمال في خصوص ما جمع الشرائط وان لم يعلم بوجوده في غير ما جمع الشرائط كما ذكرنا (قوله: فيما لم تقم حجة معتبرة) إذ مع قيام الحجة المعتبرة على نفي التكليف لا تجري اصالة الاحتياط في العمل الخبر المثبت له كما لو قامت البينة على طهارة أحد اطراف الشبهة المحصورة، ثم إن هذا التقييد في كلام المصنف (ره) هو الفارق بينه وبين ايراد شيخه (ره) (قوله: بعض المحققين) هو الشيخ محمد تقي في حاشيته على المعالم (قوله: إلى الكتاب والسنة) إن كان المراد بالسنة قول المعصوم وفعله وتقريره فدعوى الاجماع والضرورة منه على
هذا التكليف فلو لم يتمكن من القطع بالصدور أو الاعتبار فلابد من التنزل إلى ______________________________ وجوب الرجوع إليها في محله، لكن لا يحسن قوله: فان تمكنا من الرجوع.. الخ، إذ لا يعتبر في جواز الرجوع إلى الكتاب والسنة بذلك المعنى حصول العلم بالحكم إن أمكن والا كفى الظن به، مع ان هذا لا يرتبط باثبات حجية خبر الواحد الا بتوسط مثل الوجه الاول بان نقول: يجب الرجوع إلى السنة ونعلم بحصولها في جملة من الاخبار التي بايدينا فيجب العمل بالجميع من باب الاحتياط، وان كان المراد بها الخبر الحاكي عن السنة بالمعنى الأول فدعوى الاجماع والضرورة على وجوب الرجوع إليها بهذا المعني ايضا في محلها إلا انه يرد عليه الاشكال السابق من عدم لزوم حصول العلم منها وعدم اقتضائه حجية الخبر الا بضميمة الوجه الاول فيكون هذا الوجه هو الوجه الاول بعينه لأن الاخبار الصادرة عن الأئمة - عليهم السلام - هي الاخبار الحاكية عن السنة. وان كان المراد بها مطلق الخبر الحاكي عن السنة ولو لم يعلم ذلك فتكون عين الاخبار المدونة في الكتب، فدعوى الاجماع والضرورة على وجوب الرجوع إليها مطلقا ممنوع، سوى ما حكي عن الشيخ وغيره من دعوى الاجماع في الجملة كما استشكله بذلك شيخنا (ره) في رسائله. مع أنه لو كان هذا هو المراد لم يحتج إلى إطالة الكلام بالنقض والابرام، ولا جعل دعوى الاجماع والضرورة من مقدمات الاستدلال بل كان راجعا إلى دعوى الاجماع والضرورة على حجية الخبر. ومن هنا حمل المصنف - رحمه الله - كلامه على ارادة دعوى الضرورة والاجماع على وجوب الرجوع إلى السنة بالمعنى الثالث لا مطلقا، بل في الجملة بنحو القضية المهملة كما سيصرح به المصنف (ره) في آخر عبارته وإذا ثبت ذلك فان أمكن الرجوع اليهما بنحو يحصل القطع بالحكم الواقعي للقطع بالصدور والدلالة أو ما بحكم القطع به للقطع بالاعتبار فهو والا فلابد من الرجوع اليهما بنحو يحصل الظن بالحكم فإذا لم يقم دليل على اعتبار الخبر لابد من الرجوع إليه لافادته الظن بالحكم (قوله: هذا التكليف) يعني التكليف بالرجوع إلى السنة (قوله: فلو لم يتمكن من القطع) تفصيل لما بينه في تقرير الدليل
* الظن باحدهما (وفيه) أن قضية بقاء التكليف فعلا بالرجوع إلى الأخبار الحاكية للسنة كما صرح بانها المراد منها في ذيل كلامه - زيد في علو مقامه - إنما هي الاقتصار في الرجوع إلى الاخبار المتيقن الاعتبار فان وفى وإلا أضيف إليه الرجوع إلى ما هو المتيقن اعتباره بالاضافة لو كان والا فالاحتياط بنحو عرفت لا الرجوع إلى ما ظن اعتباره وذلك للتمكن من الرجوع علما تفصيلا أو إجمالا فلا وجه مع من الاكتفاء بالرجوع إلى ما ظن اعتباره. هذا مع أن مجال المنع عن ثبوت التكليف بالرجوع إلى السنة بذاك المعنى فيمما لم يعلم بالصدور ولا بالاعتبار بالخصوص واسع وأما الايراد عليه برجوعه إما إلى دليل الانسداد لو كان ملاكه دعوى العلم الاجمالي بتكاليف واقعية وإما إلى الدليل الأول لو كان ملاكه دعوى العلم بصدور أخبار كثيرة بين ما بايدينا من الاخبار ففيه أن ملاكه إنما هو دعوى العلم بالتكليف بالرجوع إلى الروايات في الجملة إلى يوم القيامة فراجع تمام كلامه تعرف حقيقة مرامه. ______________________________ فان صورة التمكن من القطع بالصدور أو الاعتبار هي صورة حصول العلم بالحكم أو ما بحكم العلم (قوله: انما هي الاقتصار في الرجوع) الظاهر أن هذا مما اعترف به المستدل بقوله: فان تمكنا.. الخ وقوله (ره): فلو لم يتمكن. الخ إلا أن استدلاله المذكور مبني على عدم الدليل على حجية نوع خاص من السنة وبالجملة: المقدار المتيقن الاعتبار مطلقا أو بالاضافة داخل بقوله - رحمه الله -: فان تمكنا، وقوله: فلو لم يتمكن.. الخ واستدلاله مبني على عدم ذلك إذ هو مقتضي كونه دليلا في قبال غيره من الادلة (قوله: بنحو عرفت) يعني ما ذكره في الايراد على الوجه الثاني بقوله: والاولى ان يورد عليه... الخ (قوله: واما الايراد عليه برجوعه) المورد شيخنا العلامة (ره) في رسائله (قوله: فراجع تمام كلامه) لا يحضرني الآن كلامه لأراجعه إلا أن الذي في بالي ان كلامه مضطرب جدا، والله سبحانه
فصل (في الوجوه التي أقاموها على حجية الظن) وهي أربعة (الاول) أن في مخالفة المجتهد لما ظنه من الحكم الوجوبي أو التحريمي مظنة للضرر ودفع الضرر المظنون لازم أما الصغرى فلان الظن بوجوب شئ أو حرمته يلازم الظن بالعقوبة على مخالفته أو الظن بالمفسدة فيها بناء على تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد، وأما الكبرى فلاستقلال العقل بدفع الضرر المضنون ولو لم نقل بالتحسين والتقبيح لوضوح عدم انحصار ملاك حكمه بهما بل يكون التزامه بدفع الضرر المظنون بل المحتمل بما هو كذلك ولو لم يستقل بالتحسين والتقبيح ______________________________ أعلم (قوله: بناء على تعبية) قيد لقوله: أو الظن بالمفسدة، يعني أن الظن بالمفسدة بمني على القول المذكور (قوله: والمفاسد) يعني في متعلقات الأحكام (قوله: ولو لم نقل بالتحسين) قد عرفت سابقا أن وجوب دفع الضرر ليس من الأحكام العقلية بل هو من الفطريات التي جبلت عليها النفوس إذ لا ريب في بناء من له أدنى شعور وادراك على الفرار من الاضرار حتى الحيوانات والاطفال في مبدأ نشوئهم وإدراكهم، والوجدان أقوى شاهد عليه، والظاهر أنه لا فرق بين دفع الضرر وجلب النفع في ذلك، والمراد من كونه من الفطريات أنه إذا ادرك الفاعل المختار الضرر في شئ رجح عدمه على وجوده وتعلقت كراهته به فيفر عنه من دون توسط ادراك العقل حسن الفرار عن الضرر، وكذا إذا أدرك المنفعة في شئ رجح وجوده على عدمه وتعلقت ارادته به من دون توسط حكم العقل بحسنه، فادراك الضرر أو النفع في شئ موجب للفرار عنه أو السعي إليه من دون توقف على حكم عقله بحسنه أو قبحه فوجوب الفرار أو السعي انما هو بملاك وجوب تحصيل الغرض حيث أن الغرض دفع الضرر أو جلب النفع لا بملاك الحسن أو القبح العقليين، ومن هنا يظهر أنه لا يحسن تعبير المصنف (ره) بقوله:
* مثل الالتزام بفعل ما استقل بحسنه إذا قيل باستقلاله ولذا أطبق العقلاء عليه مع خلافهم في استقلاله بالتحسين والتقبيح فتدبر جيدا. والصواب في الجواب هو منع الصغرى أما العقوبة فلضرورة عدم الملازمة بين الظن بالتكليف والظن بالعقوبة على مخالفته لعدم الملازمة بينه والعقوبة على مخالفته وإنما الملازمة بين خصوص معصيته واستحقاق العقوبة عليها لا بين مطلق المخالفة والعقوبة بنفسها ومجرد الظن به بدون دليل على اعتباره لا يتنجز به كي يكون مخالفته عصيانه ______________________________ فلاستقلال العقل بدفع الضرر المظنون ولو لم.. الخ إذ لو لم نقل بالحسن والقبح العقليين لا يكون ذلك من المستقلات العقلية أصلا بل فطريا محضا، وان قلنا بالحسن والقبح العقليين يكون من المستقلات العقلية ايضا كما كان من الفطريات، لكنه يبتني على القول بالحسن والقبح العقليين، وبالجملة: وجوب الدفع من الفطريات وكونه من المستقلات العقلية يتوقف على القول بالحسن والقبح العقليين. فتأمل (قوله: مثل الالتزام بفعل ما استقل بحسنه) يعني كما أن العقل إذا أدرك حسن فعل بناء عليه يكون إدراكه ذلك موجبا لترجحه وتعلق الارادة به من دون توسط حكم عقلي بوجوب فعل الحسن كذلك الحال في المقام - كما عرفت - فتأثير الضرر أو النفع في ترجح الوجود أو العدم نظير تأثير الحسن والقبح العقليين بناء عليهما في ذلك، وكما أن الثاني من الفطريات والجبليات فكذلك الأول (قوله: أما العقوبة فلضرورة) يعني انه إذا كانت الملازمة بين التكليف الواقعي وبين العقوبة كان الظن بالتكليف موجبا للظن بالعقوبة التي هي الضرر لأن الظن باحد المتلازمين مسلتزم للظن بالآخر أما إذا لم تكن الملازمة كذلك بل كانت بين المعصية وبين استحقاق العقوبة فالظن بالتكليف لا يسلتزم الظن بالعقوبة ولا باستحقاقها على تقدير مخالفة الظن فانه مع الشك في حجية الظن لا تكون مخالفته معصية، وإذا علم بانتفائها علم بانتفاء لازمها وهو العقوبة فمع الظن بالتكليف المشكوك الحجية يقطع بعدم الضرر (قوله: واستحقاق العقوبة) يعني لا فعلية العقوبة إذ
* إلا أن يقال: إن العقل وان لم يستقل بتنجزه بمجرده بحيث يحكم باستحقاق العقوبة على مخالفته الا انه لا يستقل ايضا بعدم استحقاقها معه فيحتمل العقوبة حينئذ على المخالفة ودعوى استقلاله بدفع الضرر المشكوك كالمظون قريبة جدا ______________________________ المعصية لا توجب فعلية العقوبة كما هو ظاهر (قوله: إلا أن يقال ان العقل) هذا استدراك على الجواب وحاصله: أن العقل وان لم يحكم بالملازمة بين التكليف الواقعي واستحقاق العقوبة الا انه لا يحكم بانتفائها على تقدير ثبوت التكليف واقعا وحينئذ فمع الظن بالتكليف يشك في العقاب، وكما يجب دفع الضرر المظنون يجب دفع المشكوك فلا تجوز مخالفة الظن فرارا عن الضرر المشكوك الواجب الدفع هذا ولكن لا يخفي أنه ان أراد القائل بذلك منع قاعدة قبح العقاب بلا بيان فيدعي جواز العقاب على التكليف الواقعي ولو لم يكن الظن حجة فذلك مما لا ينبغي التأمل في بطلانه فان قبح العقاب بلا بيان كاد أن يكون من الواضحات التي لا مجال لتطرق الريب والتردد فيها. وان أراد دعوى ان احتمال حجية الظن كاف في حسن العقاب على الواقع لأن احتمال الحجية مساوق لاحتمال وجود البيان على الواقع. ففيه أن البيان المصحح للعقاب هو خصوص البيان الواصل إلى المكلف، ومجرد كون الظن حجة في نفس الأمر والواقع ما لم يعلم به المكلف لا يصحح العقاب هذا كله مضافا إلى أن عموم ادلة الترخيص مع الشك في التكليف موجبة للقطع بعدم العقاب لامتناع العقاب في ظرف الترخيص وتقدم قاعدة وجوب دفع الضرر على أدلة البراءة الشرعية لا تقتضيه القواعد لأن قاعدة وجوب دفع الضرر لا يوجب علما بالتكليف أو ما هو بمنزلته فتأمل جيدا (قوله: ودعوى استقلاله) يعني أن ما ذكر وان لم يوجب تمامية صغرى الدليل لكن يوجب ثبوت صغرى اخرى وهو الشك في الضرر وهي لا تنطبق عليها كبرى الدليل لكن لا يبعد ثبوت كبرى اخرى وهو وجوب دفع الضرر المشكوك فتكون مع الصغري المتقدمة دليلا على المطلوب. ثم إنه يمكن أن يجاب عن الدليل المذكور (اولا) بناء على
لا سيما إذا كان هو العقوبة الأخروية كما لا يخفى وأما المفسدة فلانها وان كان الظن ______________________________ ارادة العقوبة من الضرر بانه لا يثبت المدعي بل ينافيه وذلك لان المقصود منه اثبات حجية الظن بمعنى كونه يصح لأجله العقاب، وهذا الدليل إنما اقتضى وجوب العمل على وفق الظن من جهة ترتب العقاب على مخالفته وهو عكس المطلوب وبعبارة أخرى المقصود من الحجية في المقام ما يكون علة للعقاب والثابت بالدليل ما يكون معلولا له كما هو ظاهر (وثانيا) بأن القاعدة المذكورة إذا كانت من القواعد الفطرية بملاك وجوب تحصيل الغرض فانطباقها واقعا تابع لنظر الفاعل المدرك، فقد يكون الضرر بلا مزاحم فيفر عنه، وقد يكون مزاحما بضرر أهم أو نفع كذلك فالأثر - اعني الترجيح - تابع لنظر الفاعل، فقد يكون العمل على طبق الظن مما يترتب عليه في نظره ضرر أهم أو فوات نفع كذلك، فلا بد أن يكون الاثر مستندا إليه، ولا مجال للتحكم على الفاعل بلزوم الفرار عن ضرر مخالفة الظن إذا كان يرى في نظره انه مزاحم بالأهم، ولذا ترى العصاة مع علمهم بالضرر في مخالفة العلم بالوجوب يقدمون عليه لمزاحمته بالاضرار أو المنافع الشهوية، وليس ذلك لبنائهم على عدم وجوب دفع الضرر المقطوع، بل لبنائهم على وجوب دفع الضرر الأهم وتحصيل النفع الأهم ولو لزم الوقوع في الضرر المهم، فالظان بالتكليف وان كان ظانا بالضرر في المخالفة من العقوبة والمفسدة إلا أنه إذا أقدم على مخالفة ذلك الظن لمزاحمة بالأهم عنده لا يكون ذلك مخالفا لقاعدة وجوب دفع الضرر المظنون، بل كان ذلك الاقدام منه اعمالا لها وجريا على مقتضاها. وبالجملة: القاعدة المذكورة مما يمتنع ان تكون من دواعي الترجيح لأن جميع الدواعي موضوعات لها بل ليس الغرض من جعل التكاليف المولوية الا تنقيح موضوع القاعدة المذكورة حيث أنها تكون منشأ للضرر في المخالفة على تقدير العلم بها فيكون ذلك الضرر موضوعا للقاعدة المذكورة، ولابد من التأمل التام في المقام (قوله: لاسيما إذا كان هو العقوبة) بناء على كون قاعدة وجوب دفع الضرر من القواعد العقلية فلا ريب في استقلال العقل بوجوب دفع
بالتكليف يوجب الظن بالوقوع فيها لو خالفه الا انها ليست بضرر على كل حال ضرورة ان كلما يوجب قبح الفعل من المفاسد لا يلزم أن يكون من الضرر على فاعله بل ربما يوجب حزازة ومنقصة في الفعل بحيث يذم عليه فاعله بلا ضرر عليه اصلا كما لا يخفى، وأما تفويت المصلحة فلا شبهة في انه ليس فيه مضرة بل ربما يكون في استيفائها المضرة كما في الاحسان بالمال هذا مع منع كون الأحكام تابعه للمصالح والمفاسد في المأمور بها والمنهي عنها بل إنما هي تابعة لمصالح فيها ______________________________ الضرر الموهوم إذا كان اخرويا فضلا عن المشكوك، كيف وكل واحد من اطراف الشبهة المحصورة وموارد قاعدة الاشتغال والأصول المثبتة للتكليف بل وسائر موارد الحجج الدالة على التكليف من هذا القبيل غالبا كما هو ظاهر بأدنى تأمل (قوله: يوجب الظن بالوقوع) لأن المفسدة ملزومة للتكليف والظن باللازم يوجب الظن بالملزوم (قوله: ليست بضرر على) إذ لا ريب ان مفهوم المفسدة ليس عين مفهوم الضرر إذ المفسدة عبارة عن الجهة المقبحة في العقل التي صارت باعثا على كراهته تشريعا أو تكوينا وليس من لوازم العناوين المقبحة ان تكون ضررا فان عنوان العبث جهة مقبحة في الفعل وليس من سنخ الضرر أصلا، بل لو سلم انها عين الضرر لكن لا يلزم ان يكون راجعا إلى الفاعل فان مفسدة العدوان على مال الغير لو كانت راجعة إلى الضرر لكنها ليست راجعة إلى ضرر الفاعل بل ضرر غيره وقاعدة وجوب دفع الضرر مختصة بضرر الفاعل لا غيره. ثم إن غاية مقتضي الجواب المذكور أنه لا ملازمة بين الظن بالتكليف والظن بالضرر، لكن لا مانع من احتمال الضرر فإذا بني على وجوب دفع الضرر المشكوك كما تقدم منه (قدس سره) لم يجز مخالفة الظن لانها اقدام على محتمل الضرر. الا ان يقال: ان ترخيص الشارع في الاقدام يدل على تدارك الضرر المظنون أو المحتمل فيتوقف على اثبات البراءة الشرعية كما افاده شيخنا الأعظم (ره) في رسائله في المقام وفى بحث الشبهة الموضوعية. لكن اورد عليه المصنف (ره) بان المفسدة الواقعية الحاصلة بالفعل
* كما حققناه في بعض فوائدنا. وبالجملة ليست المفسدة ولا المنفعة الفائتة اللتان في الأفعال وأنيط بهما الاحكام بمضرة وليس مناط حكم العقل بقبح ما فيه المفسدة أو حسن ما فيه المصلحة من الأفعال على القول باستقلاله بذلك هو كونه ذا ضرر وارد على فاعله أو نفع عائد إليه، ولعمري هذا أوضح من ان يخفى ______________________________ المنهي عنه على تقدير القول بها لا تتداركها مصلحة الترخيص لأنها قائمة بنفس الترخيص لا بالفعل فالفعل باق على ما هو عليه قبل الترخيص من حيث كونه ذا مفسدة فاحتمال الضرر غير المتدارك حاصل فيه. نعم هذا الاشكال لا يتأتى فيما لو كان الضرر المحتمل هو العقاب لان الترخيص ولو عن مصلحة فيه يمنع من ترتب العقاب كما عرفت فلو فرض احتمال العقاب لعدم حكم العقل بقبحه مع الظن بالتكليف فعموم أدلة البراءة الشرعية موجب للأمن منه والقطع بعدمه إلا أن يدعى عدم مجئ أدلة البراءة لحكومة القاعدة عليها، لكن عرفت ان قاعدة التحكيم تقتضي العكس لتوقف مجئ القاعدة على احتمال الضرر وادلة البراءة نافية له ولا يصح العكس لان القاعدة لا توجب علما بالتكليف كما هو ظاهر فلا توجب انتفاء موضوعها الموجب لانتفائها. فتأمل جيدا (قوله: كما حققناه في بعض فوائدنا) لا يخفى أن الذي حققه في بعض فوائده الذي رأيته هو كونها تابعة للمصالح والمفساد في متعلقاتها حيث قال فيها: فهنا دعويان الأولى عدم لزوم الالزام شرعا بما الزم به عقلا.. إلى ان قال: الثانية لزوم أن لا يلزم شرعا إلا بما الزم به عقلا وذلك لان الطلب الحقيقي والبعث الجدي الالزامي لا يكاد يكون الا بملاك يكون في المطلوب والمبعوث إليه... إلى أن اورد على نفسه بقوله: ان قلت: يكفي حسن التكليف وثبوت المصلحة في نفس الطلب والالزام من دون أن يكون مصلحة أو مفسدة في الواجب أو الحرام كما هو كذلك في غير مورد، ثم عد الأوامر الامتحانية والواجبات والمستحبات العبادية والاوامر والنواهي الظاهرية واوامر التقية. ثم قال: قلت: الطلب الحقيقي والالزام الجدي والبعث الواقعي لا يكاد
فلا مجال لقاعدة دفع الضرر المظنون ها هنا أصلا ولا استقلال للعقل بقبح فعل ما فيه احتمال المفسدة أو ترك ما فيه احتمال المصلحة فافهم (الثاني) أنه لو لم يؤخذ بالظن لزم ترجيح المرجوح على الراجح وهو قبيح (وفيه) أنه لا يكاد يلزم منه ذلك الا فيما إذا كان الاخذ بالظن أو بطرفه لازما مع عدم امكان الجمع بينهما عقلا أو عدم وجوبه شرعا ليدور الامر بين ترجيحه وترجيح طرفه ولا يكاد يدور الامر بينهما الا بمقدمات دليل الانسداد وإلا كان اللازم هو الرجوع إلى العلم أو العلمي أو الاحتياط أو البراءة أو غيرهما على حسب اختلاف الاشخاص أو الاحوال في اختلاف المقدمات على ما ستطلع على حقيقة الحال (الثالث) ما عن السيد الطباطبائي - قدس سره - من أنه لا ريب في وجود واجبات ومحرمات كثيرة بين المشتبهات ومقتضى ذلك وجوب الاحتياط بالاتيان بكل ما يحتمل الوجوب ولو موهوما وترك ما يحتمل ______________________________ أن يتعلق بشئ ما لم يكن فيه بذاته أو بالوجوه والاعتبارات الطارية عليه خصوصية موافقة للغرض داعية إلى تعلق الطلب به حقيقة وإلا كان تعلق الطلب به دون غيره ترجيحا بلا مرجح، وهذا واضح... الخ، فهذا كله صريح في كونها تابعة لما في متعلقاتها من المصالح والمفاسد فلاحظ، ولعل مراده غير هذا المقام مما لم اعثر عليه والله سبحانه اعلم (قوله: فلا مجال لقاعدة دفع) بل عرفت ان التحقيق انه لا مجال للتمسك بها والعمدة هو الجواب الثاني المطرد في العقوبة وغيرها فلاحظه وتأمل (قوله: ولا استقلال للعقل) دفع لما يتوهم من أن الظن بالتكليف وان لم يستلزم الظن بالضرر لكنه مستلزم للظن بالمفسدة أو المصلحة ويكفي ذلك في وجوب العمل بالظن لاستقلال العقل بقبح ارتكاب ما فيه احتمال المفسدة أو ترك المصلحة، وحاصل الدفع: منع استقلال العقل بذلك (قوله: أو غيرهما) مثل الاستصحاب أو فتوى المجتهد (قوله: على حسب اختلاف الاشخاص) وذلك لاختلافهم في التمكن من الرجوع إلى العلم أو العلمي لاختلافهم في الاستظهار من الأدلة المتقدمة فإذا اتفق ثبوت ذلك لبعض لم يجز له الرجوع إلى الظن للتمكن
* الحرمة كذلك ولكن مقتضى قاعدة نفي الحرج عدم وجوب ذلك كله لانه عسر أكيد وحرج شديد فمقتضى الجمع بين قاعدتي الاحتياط وانتفاء الحرج العمل بالاحتياط في المظنونات دون المشكوكات والموهومات لان الجمع على غير هذا الوجه باخراج بعض المظنونات وإدخال بعض المشوكات والموهومات باطل إجماعا، ولا يخفى ما فيه من القدح والفساد فانه بعض مقدمات دليل الانسداد ولا يكاد ينتج بدون سائر مقدماته ومعه لا يكون دليل آخر بل ذاك الدليل (الرابع) دليل الانسداد وهو مؤلف من مقدمات يستقل العقل مع تحققها بكفاية الاطاعة الظنية حكومة أو كشفا على ما تعرف ولا يكاد يستقل بها بدونها وهي خمس (اولاها) انه يعلم اجمالا بثبوت تكاليف كثيرة فعلية في الشريعة (ثانيتها) أنه قد انسد علينا باب العلم ______________________________ من العلمي ولو كان الاحتياط ممكنا في حقه أو كان يرى جواز الرجوع إلى الأصل فلابد في الأخذ بالظن من ثبوت المقدمات الآتية (قوله: ولا يكاد يستقل بها بدونها وهي خمس) اما توقف استقلاله بذلك على ثبوت المقدمة الأولى فغير ظاهر إذ لو فرض كون التكاليف الواقعية محتملة ودار الأمر بين اهمالها، والاحتياط فيها، والرجوع إلى الأصل في كل مسألة بالنظر إليها، والتقليد، والاطاعة الوهمية والشكية دون الظنية وعكس ذلك وبطل ما عدا الأخير بالمقدمات الأربع تعين الأخير نعم يمكن أن تنفع في اثبات المقدمة الثالثة وعدم جواز الرجوع إلى الأصل في كل مسألة الذي تتكفله الرابعة لكن على هذا التقدير تكون من مقدمات تينك المقدمتين لا في عرضهما كما هو ظاهر، واما المقدمة الثالثة فيغني عنها المقدمة الرابعة فانه إذا لم يجز الرجوع إلى الأصول في كل مسألة كيف يجوز الاهمال وعدم التعرض للاحكام المحتملة بالمرة ؟ ومجرد الاختلاف مفهوما بالقصد أو نحوه لا يكفي في جعلهما مقدمتين متقابلتين يتوقف الاستنتاج على اثبات كل واحدة منهما مستقلا وان شئت قلت: لو قال في المقدمة الرابعة: يجب الأخذ بالاحتياط في موارد
والعلمي إلى كثير منها (ثالثتها) أنه لا يجوز لنا إهمالها وعدم التعرض لامتثالها أصلا (رابعتها) أنه لا يجب علينا الاحتياط في أطراف علمنا بل لا يجوز في الجملة كما لا يجوز الرجوع إلى الأصل في المسألة من استصحاب وتخيير وبراءة واحتياط ولا إلى فتوى العالم بحكمها (خامستها) أنه كان ترجيح المرجوح على الراجح قبيحا فيستقل العقل حينئذ بلزوم الاطاعة الظنية لتلك التكاليف المعلومة وإلا لزم بعد ______________________________ الأصول النافية في الجملة لأغنى عن المقدمة الثالثة. فلا حظ وتأمل، وأما المقدمة الخامسة فالاحتياج إليها يتوقف على تعيين كون المانع من الرجوع إلى الاصل الجاري في كل مسألة مسألة مستقلا هو الاجماع أو العلم بالاهتمام أو انه العلم الاجمالي، فعلى الأخيرين يكون محتاجا إليها فانه لا موجب لتعيين الاحتياط في خصوص المظنونات الا تلك المقدمة أما إذا كان المستند في المنع هو الاجماع فيمكن دعوى عدم الحاجة إليها لقيام الاجماع من أول الأمر على لزوم الاحتياط في خصوص المظنونات. اللهم إلا أن يدعى عدم قيام الاجماع على ذلك وانما معقد الاجماع لزوم الاحتياط في الجملة فيحتاج في تعيينه إلى المقدمة المذكورة فإذا لابد من النظر فيه وسيجيئ في المقدمة الرابعة بيان بعض ما ذكرنا في كلام المصنف (ره) (قوله: والعلمي) المراد به مطلق الامارات المعتبرة (قوله: بل لا يجوز في الجملة) يعني إذا كان موجبا لاختلال النظام. ثم انه لا ينبغي أن يذكر هذا في المقدمات إذ يكفي عدم وجوب الاحتياط وعدم جوازه في الجملة وان كان حقا الا أنه لا يتوقف عليه الاستنتاج (قوله: واحتياط) المراد به اصالة الاحتياط الجارية في المسألة مع قطع النظر عن غيرها، وبذلك يفترق عن الاحتياط في قوله: لا يجب علينا الاحتياط، فان المراد به الاحتياط في كل مسألة وإن كان على خلاف الأصل فيها. ثم انه لا يتوقف الاستنتاج على المنع من العمل باصالة الاحتياط الجاري في المسألة من حيث هي وانما يتوقف على عدم جواز العمل بغيره من الاصول ومقصود المصنف - رحمه الله - ذلك كما يظهر بأدنى تأمل (قوله: ولا إلى فتوى) لا ينبغي
انسداد باب العلم والعلمي بها إما إهمالها، وإما لزوم الاحتياط في أطرافها، وإما الرجوع إلى الأصل الجاري في كل مسألة مع قطع النظر عن العلم بها أو التقليد فيها أو الاكتفاء بالاطاعة الشكية أو الوهمية مع التمكن من الظنية والفرض بطلان كل واحد منها (أما المقدمة الاولى) فهي وإن كانت بديهية إلا أنه قد عرفت انحلال العلم الاجمالي بما في الأخبار الصادرة عن الأئمة الطاهرين - عليهم السلام - التي تكون فيما بايدينا من الروايات في الكتب المعتبرة ومعه لا موجب للاحتياط إلا في خصوص ما في الروايات وهو غير مستلزم للعسر فضلا عما يوجب الاختلال ولا إجماع على عدم وجوبه ولو سلم الاجماع على عدم وجوبه لو لم يكن هناك انحلال (وأما المقدمة الثانية) فاما بالنسبة إلى العلم فهي بالنسبة إلى أمثال زماننا بينة وجدانية يعرف الانسداد كل من تعرض للاستنباط والاجتهاد، وأما بالنسبة إلى العلمي فالظاهر أنها ______________________________ ذكر هذا في هذه المقدمة لأن فتوى المجتهد من قبيل الامارات العلمية والمتعرض لنفي ذلك هو المقدمة الثانية (قوله: قد عرفت انحلال) تقدم بيان ذلك في الدليل الأول من الأدلة العقلية (قوله: ومعه لا موجب للاحتياط) يعني مع هذا الانحلال يسقط العلم الاجمالي بثبوت التكاليف الكثيرة عن اقتضاء الاحتياط في كل ما هو محتمل التكليف ويكون الاثر للعلم بالاخبار الصادرة فيجب الاحتياط في أطرافه لا غير. وحينئذ لا مانع عن الاحتياط في اطرافه لعدم الحرج في ذلك ولا اجماع على عدم وجوبه فيجب الاحتياط في أطرافه ولا موجب للرجوع إلى الظن بل لا يجوز إذا كان مخالفا للاحتياط المذكور. ثم إنك عرفت ان المقدمة الأولى لا يتوقف عليها الدليل المذكور ويكفي مجرد احتمال التكاليف فيرجع هذا الاشكال في الحقيقة إلى انه لابد أن تتكفل المقدمة الرابعة عدم وجوب التبعيض في الاحتياط بالنحو المذكور أعني الاحتياط في موارد النصوص والرجوع إلى الأصل في غيرها كما تكفلت عدم وجوب الاحتياط مطلقا وعدم جواز الرجوع إلى الأصل في كل مسألة مسألة (قوله: ولو سلم الاجماع) لو وصلية يعني لو سلمنا الاجماع على
غير ثابتة لما عرفت من نهوض الأدلة على حجية خبر يوثق بصدقه وهو - بحمد الله - واف بمعظم الفقه لا سيما بضميمة ما علم تفصيلا منها كما لا يخفى (وأما الثالثة) فهي قطعية ولو لم نقل بكون العلم الاجمالي منجزا مطلقا أو فيما جاز أو وجب الاقتحام في بعض أطرافه كما في المقام حسب ما يأتي وذلك لان إهمال معظم الاحكام وعدم الاجتناب كثيرا عن الحرام مما يقطع بانه مرغوب عنه شرعا ومما يلزم تركه إجماعا (إن قلت): إذا لم يكن العلم بها منجزا لها للزوم الاقتحام في بعض الاطراف كما أشير إليه فهل كان العقاب على المخالفة في ساير الاطراف حينئذ على ______________________________ عدم وجوب الاحتياط لو كان العلم الاجمالي بالتكاليف غير منحل فلا نسلم الاجماع على عدم وجوب الاحتياط لو كان العلم المذكور منحلا (قوله: غير ثابتة لما عرفت) وعليه فتختلف هذه المقدمة باختلاف أنظار الباحثين عن حجية الخبر وغيره فان ثبت ما به الكفاية بحيث يحتمل انطباق تمام المعلوم بالاجمال عليه لم تتم هذه المقدمة لانحلال العلم الاجمالي المذكور، والا كانت تامة (قوله: أو فيما جاز أو وجب) هذان معطوفان على قوله: مطلقا، ومفسران له: والمراد بما جاز أو وجب العلم الاجمالي الذي جاز الاقتحام في بعض أطرافه أو وجب ذلك، (قوله: كما في المقام) فان العلم فيه مما يجب الاقتحام في بعض أطرافه لكون الاحتياط التام مما يوجب اختلال النظام المحرم شرعا (قوله: حسب ما يأتي) يعني في تنبيهات العلم الاجمالي بالتكليف حيث ذكر هناك: ان العلم الاجمالي إذا قام دليل على جواز الاقدام على مخالفته في بعض أطرافه لم يجب الاحتياط عقلا في الباقي، وحاصل ما ذكر - كما أشار إليه هنا بقوله: ان قلت... الخ -: ان الدليل الدال على جواز الاقدام موجب لانقلاب العلم بالتكليف إلى الشك به ومعه يكون العقاب على مخالفة التكليف في الباقي عقابا بلا بيان قبيحا في نظر العقل ويأتي انشاء الله توضيحه وتوضيح ما فيه في ذلك المقام (قوله: وذلك لأن) تعليل لقوله: فهي قطعية (قوله: فهل كان العقاب) هذا اشارة إلى ما
تقدير المصادفة إلا عقابا بلا بيان والمؤاخذة عليها الا مؤاخذة بلا برهان ؟ (قلت): هذا انما يلزم لو لم يعلم بايجاب الاحتياط وقد علم به بنحو اللم حيث علم اهتمام الشارع بمراعات تكاليفه بحيث ينافيه عدم ايجابه الاحتياط الموجب للزوم المراعات ولو كان بالالتزام ببعض المحتملات مع صحة دعوى الاجماع على عدم جواز الاهمال في هذا الحال وأنه مرغوب عنه شرعا قطعا فلا تكون المؤاخذة والعقاب حينئذ بلا بيان وبلا برهان كما حققناه في البحث وغيره (وأما المقدمة الرابعة) فهي بالنسة إلى عدم وجوب الاحتياط التام بلا كلام فيما يوجب عسره اختلال النظام وأما فيما لا يوجب فمحل نظر بل منع لعدم حكومة قاعدة نفي العسر والحرج على قاعدة الاحتياط وذلك لما حققناه في معنى ما دل على نفي الضرر والعسر من أن التوفيق بين دليلهما ودليل التكليف أو الوضع المتعلقين ______________________________ ذكرناه من وجه عدم لزوم الاحتياط في الباقي بعد ارتكاب ما يندفع به الحرج، (قوله: بنحو اللم) يعني استدلالا على المعلول بوجود العلة فان الاهتمام علة لجعل وجوب الاحتياط في ظرف الشك فإذا علم بالاهتمام علم بجعل وجوب الاحتياط فيكون العلم بوجوب الاحتياط حجة في نظر العقل على وجوبه فيجب عقلا كما لو كان عليه دليل سمعي (قوله: ولو كان بالالتزام) ضمير كان راجع إلى الاحتياط يعني ولو كان الاحتياط بالعمل ببعض المحتملات ولم يكن تاما موجبا لحصول اليقين بالواقع (قوله: مع صحة دعوى) هذا وجه آخر لاستكشاف وجوب الاحتياط وهو الاجماع، وعلى كلا الوجهين فالاحتياط مستند إلى جعل الشارع للحجة المستكشفة باحد الطريقين. هذا هو القول بانكشف وسيجيئ في كلام المصنف (ره) التعرض له (قوله: فيما لا يوجب فمحل) يعني إذا لم يكن الاحتياط موجبا لاختلال النظام بل كان موجبا للحرج فعدم وجوبه محل نظر بل منع (قوله: لما حققناه في معنى ما دل) اعلم ان دليل نفي الضرر والحرج ونحوهما يحتمل فيه معان كثيرة إلا الأظهر عند شيخنا الاعظم (ره) في
بما يعمهما ______________________________ رسائله كونه من قبيل نفي السبب بلسان نفي مسببه فالمعني نفي الحكم الذي يأتي من قبله الضرر والحرج، والأظهر عند المصنف (ره) كونه من قبيل نفي الحكم بلسان نفي موضوعه فالمعنى نفي الحكم الذي يكون للموضوع الحرجي أو الضرري ويختص بما في رفعه امتنان، وقد فرع المصنف (ره) على الاختلاف بين المعنيين صحة تطبيق قاعدة نفي الحرج في المقام وعدمه إذ لا ريب في أن الأحكام الواقعية في حال الجهل بها موجبة للحرج كما أن موضوعاتها ليست حرجية. فعلى الاول يصح تطبيق القاعدة لرفع تلك الأحكام بعد ما كانت موجبة للحرج، وعلى الثاني لا يصح بعد ما لم تكن موضوعاتها حرجية (فان قلت): الأحكام الواقعية انما تقتضي حفظ وجود موضوعاتها فإذا لم تكن موضوعاتها حرجية كيف تكون موجبة للحرج (قلت): الامر كما ذكرت إلا أن موضوعاتها إذا كانت مرددة بين اطراف يكون مجموعها حرجيا فقد اقتضت حفظ كل واحد من تلك المحتملات فيكون مقتضاها حرجيا ولو بالعرض من جهة الجهل، (فان قلت): فلم لا نقول ان موضوعاتها حرجية (قلت): مع تردد الموضوع بين الاطراف الكثيرة لا يصح دعوى ثبوت الحكم للمجموع بل موضوع الحكم ليس الا الموضوع الواقعي وهو ليس بحرجي ولا تلازم بين اقتضاء ذلك الحكم لفعل جميع المحتملات في ظرف الشك وعدم كونها موضوعا له كما هو ظاهر هذا ويمكن الخدشة فيه (أولا) بالمعنى الذي ذكره خلاف الظاهر جدا وسيأتي انشاء الله بيانه في قاعدة الضرر (وثانيا) بالفرق بين لسان أدلة الحرج ولسان أدلة الضرر ولا يصح قياس أحدهما على الآخر فان قوله تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) صريح في نفي جعل الحرج على العباد تشريعا وليس مثل: (لا ضرر ولا ضرار) مما هو ظاهر في نفي الموضوع فان دعوى ظهور الثاني فيما ذكر لا تلازم دعوى ظهور الأول فيه كما هو ظاهر جدا بأدنى تأمل، قوله: بما يعمهما) الضمير في (يعمها) راجع إلى الضرر والحرج وفي (نفيهما) إلى
* هو نفيهما عنهما بلسان نفيهما فلا يكون له حكومة على الاحتياط العسر إذا كان بحكم العقل لعدم العسر في متعلق التكليف وإنما هو في الجمع بين محتملاته احتياطا (نعم) لو كان معناه نفي الحكم الناشئ من قبله العسر كما قيل لكانت قاعدة نفيه محكمة على قاعدة الاحتياط لأن العسر حنيئذ يكون من قبل التكاليف المجهولة فتكون منفية بنفيه. ولا يخفى أنه على هذا لا وجه لدعوى استقلال العقل بوجوب الاحتياط في بعض الاطراف بعد رفع اليد عن الاحتياط في تمامها بل لابد من دعوى وجوبه شرعا كما أشرنا إليه في بيان المقدمة الثالثة فافهم وتأمل جيدا، واما الرجوع إلى الاصول فبالنسبة إلى الاصول المثبتة من احتياط أو استصحاب مثبت للتكليف ______________________________ التكليف والوضع وفى (عنهما) إلى الضرر والحرج وفي (نفيهما) الثاني إلى الضرر والحرج (قوله: هو نفيهما) خبر لأن من قوله: من أن التوفيق، يعني أن التوفيق حمل دليل الوضع والتكليف المتعلقين بالضرر والحرج على نفي التكليف والوضع عن الضرر والحرج بلسان نفي الضرر والحرج ويكون من قبيل نفي الحكم بلسان نفي موضوعه (قوله: كما قيل) القائل هو الشيخ كما عرفت (قوله: منفية بنفيه) لما عرفت انها من قبيل نفي السبب بنفي المسبب (قوله: لا وجه لدعوى) يعني أنه إذا بني على رفع الاحتياط التام بادلة الحرج من جهة انها موجبة لرفع التكليف المؤدي إلى الحرج فحينئذ لا يكون علم بالتكليف فلا مقتضي للاحتياط في الباقي لكون العقاب على التكليف عقابا على تكليف محتمل وهو عقاب بلا بيان كما عرفت منه الاشارة إليه فيما سبق. ولا بأس بالتعرض لبعض ما أورد عليه { فنقول }: الحكم الثابت لموضوع مردد بين فردين مثلا له اطلاقان (أحدهما) من حيث انطباقه على كل واحد من الطرفين، فان قوله: اجتنب عن النجس مطلق من حيث كونه هذا الطرف أو ذلك الطرف (ثانيهما) اطلاقه من حيث ارتكاب ما عداه وعدمه فيرجع قوله: اجتنب عن النجس في البين، إلى قوله: اجتنب عن النجس ان كان هذا الطرف سواء ارتكبت الطرف الآخر أم اجتنبته، أو كان ذلك الطرف سواء ارتكبت هذا أم اجتنبته، ولا ينبغي التأمل في
ثبوت هذين الاطلاقين له مع قطع النظر عن دليل نفي الحرج أو الاضطرار أما بلحاظه فحيث عرفت أنه في مقام الجمع لابد من رفع اليد عن دليل الحكم الواقعي فرفع اليد (تارة) يكون بتخصيصه واخراج الواقع المردد عنه بالمرة مع كون الاضطرار إلى احد محتملاته، وعليه فيقطع بعدم وجوب الاجتناب عن النجس، ولا مجال لامكان الاحتياط فضلا عن وجوبه أو رجحانه (واخرى) يقيد به الاطلاق الأول لدليله فيرجع بعد التقييد إلى قوله: اجتنب عن النجس إن كان غير ما ارتكبته لدفع الحرج مثلا، وعليه فيكون التكليف محتملا لاحتمال المعلق عليه لأن كونه الباقي بعد الارتكاب امرا محتمل، وحينئذ فلا موجب للاحتياط لعدم البيان المصحح للعقاب لكنه لا مانع من امكانه (وثالثة) يقيد به الاطلاق الثاني لدليله فيرجع دليل التكليف إلى قوله: اجتنب عن النجس سواء أكان هذا أم كان ذلك لكن ان كان هذا فوجوب الاجتناب عنه مقيد بارتكاب الآخر وان كان ذلك الآخر فوجوب الاجتناب عنه ايضا مقيد بارتكاب هذا. وعليه فلو ارتكبهما معا فقد علم بمخالفة التكليف الواقعي لانه إن كان منطبقا على الاناء الابيض فالتكليف بالاجتناب عنه لما كان مشروطا بارتكاب الآخر فبارتكاب الآخر يكون فعليا لحصول شرطه فيستحق على مخالفته العقاب، وكذا الحال لو كان منطبقا على الاناء الأصفر فانه بارتكاب الابيض صار التكليف بالاجتناب عنه فعليا فيعاقب على مخالفته. وحينئذ نقول: لا ريب في أنه يجب الاقتصار في رفع اليد عن الدليل الواقعي على المقدار المتيقن، كما انه لا ريب في أن رفع اليد عن الاطلاق الثاني فقط كاف في رفع الحرج في نظر العقل فيتعين في مقام الجمع، ولا يجوز التخصيص ولا رفع اليد عن الاطلاق الاول، وبذلك يظهر الوجه في عدم جواز ارتكاب الطرف الباقي بعد ارتكاب ما به يندفع الاضطرار. هكذا قرره بعض مشايخنا المعاصرين (ويمكن) الخدش فيه بان ارتكاب احد الاطراف الذي اخذ شرطا في وجوب الاجتناب عن الآخر ليس الا الارتكاب الرافع للاضطرار لا مطلق الارتكاب والا لزم فيما لو اختار احدهما وانكشف انه النجس حرمة ما اختار لو كان قد
فلا مانع عن إجرائها عقلا مع حكم العقل وعموم النقل. هذا ولو قيل بعدم جريان الاستصحاب في أطراف العلم الاجمالي لاسلتزام شمول دليله لها التناقض في مدلوله بداهة تناقض حرمة النقض في كل منها بمقتضى: (لا تنقض) لوجوبه في البعض كما هو قضية: (ولكن تنقضه بيقين آخر) ______________________________ ارتكب بعد ذلك ما هو حلال واقعا لتحقق الارتكاب بعد ذلك الذي هو شرط التحريم، وهو مما لا يمكن الالتزام به فإذا اختص الارتكاب المأخوذ شرط لثبوت التكليف في الآخر بالارتكاب الرافع للاضطرار امتنع ان ينطبق على ارتكاب الطرف الآخر بعد ارتكاب الاول لانه ليس رافعا للاضطرار لارتفاعه بارتكاب الاول وإذا لم ينطبق عليه لا يعلم حصول المخالفة القطعية بارتكاب الثاني لأنه على تقدير كونه هو النجس تكن المخالفة احتمالية، وعلى تقدير كونه الظاهر لا تكون مخالفة اصلا، لا به لكونه طاهرا، ولا بالاول لارتفاع الاضطرار به الموجب لحليته وسيجيى انشاء الله تحقيق الحال في مباحث العلم الاجمالي فانتظر (قوله: فلا مانع عن اجرائها عقلا) إذ المنجز للواقعيات إما ان بكون العلم الاجمالي أو لزوم الخروج عن الدين، أو الاجماع، أو العلم بالاهتمام، والجميع لا يصلح للمنع عن الاصول المثبتة كما هو ظاهر (قوله: مع حكم العقل) يعني إذا لم يكن مانع من إجرائها وجب ان تجري لوجود المقتضي من حكم العقل لو كان الاصل المثبت عقليا كالاحتياط، أو عموم النقل لو كان نقليا كالاستصحاب (قوله: ولو قيل) لو وصلية (قوله: لاستلزام) تعليل لعدم جريان الاستصحاب (قوله: بداهة تناقض) تقدم تقريب هذا التناقض في الموافقة الالتزامية وسيأتي انشاء الله في أواخر الاستصحاب (قوله: لوجوبه في) متعلق بقوله: (تناقض) يعني بداهة مناقضة حرمة النقض في كل واحد من الاطراف لوجوب النقض في واحد منها وهو المعلوم بالاجمال (قوله: كما هو) الضمير راجع إلى وجوب النقض، يعني أن وجوب النقض في المعلوم بالاجمال مستفاد من قوله (ع): ولكن تنقضه... الخ
* وذلك لانه إنما يلزم فيما إذا كان الشك في اطرافه فعليا وأما إذا لم يكن كذلك بل لم يكن الشك فعلا إلا في بعض أطرافه وكان بعض أطرافه الأخر غير ملتفت إليه فعلا اصلا كما هو حال المجتهد في مقام استنباط الأحكام كما لا يخفى فلا يكاد يلزم ذلك فان قضية: (لا تنقض) ليس حنيئذ إلا حرمة النقض في خصوص الطرف المشكوك وليس فيه علم بالانتقاض كي يلزم التناقض في مدلول دليله من شموله له فافهم ______________________________ (قوله: وذلك لأنه) تعليل لعدم المانع من جريان الاستصحاب المثبت حتى بناء على المنع عنه في اطراف العلم من جهة التناقض، وحاصل الوجه: أن التناقض يتوقف على شمول دليل الاستصحاب لكل واحد من الاطراف فانه هو الذي يناقض الحكم بوجوب النقض بالنسبة إلى نفس المعلوم بالاجمال لكن شموله كذلك ممتنع لانه يتوقف على تحقق موضوعه وهو الشك في البقاء في كل واحد منها، وهذا الشك غير حاصل لأنه يتوقف على الالتفات إلى كل واحد من الاطراف وهو غير حاصل للمجتهد لأن التفاته إلى الفروع تدريجي، ولازم ذلك عدم العلم الاجمالي بالانتقاض، فليس الا حرمة النقض بالنسبة إلى خصوص المورد الملتفت إليه لا غير فلا مانع من اعماله حينئذ فيه، لكن لا يخفى أن هذا لو تم كان خارجا عن محل الكلام في ترتيب مقدمات الانسداد فان لازمه عدم العلم الاجمالي بالتكاليف الذي تكفلته المقدمة الاولى إذ يمتنع فرض العلم الاجمالي مع الغفلة والذهول عن بقية الاطراف مضافا إلى انه لا مانع حينئذ من جريان الاصول النافية إذا المانع من جريانها إما ان يكون العلم الاجمالي، أو لزوم الخروج عن الدين، أو الاجماع والاول غير حاصل، والاخيران إنما يمنعان من إجرائها في الجميع لا من خصوص واقعة مع الغفلة عن غيرها. وبالجملة: ما ذكره المصنف (ره) ليس محل الكلام في المقام اصلا. ولعله ؟ هذا اشار بقوله: فافهم. نعم يمكن دعوى عدم المانع من جريان الاستصحاب المثبت من جهة عدم العلم الاجمالي بانتقاض الحالة في بعض اطرافه لقلة موارده، ودعوى العلم المذكور ليس عليها بينة
ومنه قد انقدح ثبوت حكم العقل وعموم النقل بالنسبة إلى الاصول الناقية ايضا وانه لا يلزم محذور لزوم التناقض من شمول الدليل لها لو لم يكن هناك مانع عقلا أو شرعا من إجرائها ولا مانع كذلك لو كانت موارد الاصول المثبتة بضميمة ما علم تفصيلا أو نهض عليه علمي ______________________________ (قوله: ومنه قد انقدح) يعني مما ذكره من عدم العلم بالانتقاض من جهة الغفلة والذهول الا عن بعض الوقائع (قوله: ولا مانع كذلك) يعني لا مانع عقلي أو شرعي، وحاصل المراد: أن المانع من جريان الاصول النافية إما العلم الاجمالي بالتكاليف الكثيرة، أو الاجماع على وجوب الاحتياط في الجملة، أو العلم بالاهتمام المستكشف به وجوب الاحتياط شرعا وجميع هذه الموانع لا تصلح للمنع عنها مطلقا: أما الأول فانما يمنع لو لم ينحل بثبوت مقدار من التكاليف بتوسط العلم أو العلمي أو الأصول المثبتة التي قد عرفت جريانها، أما إذا ثبت مقدار من التكاليف بواسطة الامور المذكورة يساوي المعلوم بالاجمال فانه ينحل العلم ولا يمنع عقلا من جريان الأصول النافية في اطرافه، وأما الاخيران فالقدر المتيقن من منعهما صورة عدم ثبوت مقدار ما من التكليف وان لم يكن مساويا للمعلوم بالاجمال أما إذا ثبت مقدار بحيث لا اجماع على وجوب الاحتياط فيما عداه ولا علم بالاحتياط يستكشف به ذلك فلا يمنعان من جريان الأصول النافية ايضا هذا ويمكن المناقشة فيه من جهة أنه إذا بنى المصنف (ره) على الذهول والغفلة الا عن بعض الوقائع فلا علم اجمالي بالتكليف ليتوقف منعه على عدم انحلاله ويهتم باثبات انحلاله بما ذكر، ولم يثبت اجماع أو علم بالاهتمام بالنسبة إلى كل واقعة واقعة، بل ان ثبتا ففي مجموع الوقائع وليس هو موضوع الاصل حسب الفرض فتأمل (قوله: أو نهض عليه علمي) (فان قلت): من جملة مقدمات هذا الدليل ان لا يكون علم أو علمي ففرض العلم أو العلمي خلف (قلت): المراد من العلم والعلمي المذكورين في المقدمة ما كانا وافيين بمعظم التكاليف بحيث ينحل بهما العلم الاجمالي والمراد منهما في المقام ما يفي
* بمقدار المعلوم اجمالا بل بمقدار لم يكن معه مجال لاستكشاف إيجاب الاحتياط وإن لم يكن بذاك المقدار، ومن الواضح أنه يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال. وقد ظهر بذلك أن العلم الاجمالي بالتكاليف ربما ينحل ببركة جريان الأصول المثبتة وتلك الضميمة فلا موجب حينئذ للاحتياط عقلا ولا شرعا أصلا كما لا يخفى، كما ظهر أنه لو لم ينحل بذلك كان خصوص موارد الأصول النافية مطلقا ولو من مظنونات عدم التكليف محلا للاحتياط فعلا ويرفع اليد عنه فيها كلا أو بعضا بمقدار رفع الاختلال أو رفع العسر على ما عرفت ______________________________ ببعض التكاليف بحيث لا يوجب انحلال العلم الاجمالي وانما يوجبه بضميمة ما ثبت بالاصول المثبتة (قوله: بمقدار المعلوم اجمالا) يعني فينحل العلم الاجمالي لو كان هو المانع من جريان الاصول النافية (قوله: لاستكشاف ايجاب) يعني بالاجماع أو العلم بالاهتمام (قوله: وان لم يكن بذاك) يعني فيما إذا كان المانع عنها الاجماع على الاحتياط أو العلم بالاهتمام إذ لو ثبت مقدار من التكاليف بحيث لا اجماع ولا علم بالاهتمام فيما زاد عليه. والمفروض أن المانع منحصر بهما من جهة سقوط العلم عن التأثير بتوسط ادلة الحرج كما هو مختار المصنف (ره) فلا مانع من جريان الاصول النافية (قوله: لو لم ينحل بذلك كان خصوص) هذا إشارة إلى اشكال اورده شيخنا الأعظم (ره) في رسائله على المشهور، وحاصله: ان مقدمات الانسداد على تقدير تماميتها لا تقتضي العمل بالظن بالتكليف وترك الاحتياط في المشكوكات والموهومات مطلقا لانه إذا كان مقتضى العلم الاجمالي هو الاحتياط التام في جميع الاطراف بعد إعمال ادلة نفي الحرج يقتصر في رفع اليد عن الاحتياط في البعض بمقدار يرتفع الحرج فإذا كان ترك الاحتياط في بعض الموهومات يوجب ارتفاع الحرج اقتصر في رفع اليد عن الاحتياط في خصوص ذلك المقدار ووجب الاحتياط في الباقي من الموهومات فضلا عن المشكوكات والمظنونات، فلا وجه لما التزم به المشهور من ان نتيجة المقدمات وجوب العمل
لا محتملات التكليف مطلقا، وأما الرجوع إلى فتوى العالم فلا يكاد يجوز، ضرورة أنه لا يجوز إلا للجاهل، لا للفاضل الذي يرى خطأ من يدعي انفتاح باب العلم أو العلمي فهل يكون رجوعه إليه بنظره إلا من قبيل رجوع الفاضل إلى الجاهل ؟ (واما المقدمة الخامسة) فلاستقلال العقل بها وانه لا يجوز التنزل بعد عدم التمكن من الاطاعة العلمية أو عدم وجوبها إلا إلى الطاعة الظنية دون الشكية أو الوهمية لبداهة مرجوحيتهما بالاضافة إليها وقبح ترجيح المرجوح على الراجح لكنك عرفت عدم وصول النوبة إلى الاطاعة الاحتمالية مع دوران الأمر بين الظنية والشكية والوهمية ______________________________ بالظن وترك الاحتياط في المشكوكات والموهومات مطلقا، ومن اجل هذا قال المصنف (ره): انه لو لم ينحل العلم الاجمالي فاللازم وجوب الاحتياط في موارد الاصول النافية ولو كانت موهومات التكليف (قوله: لا محتملات التكليف) يعني انه لا يسقط الاحتياط في محتملات التكليف أعني مشكوكاته كما يقول المشهور (وربما) استشكل على شيخنا الأعظم (ره) بان تقسيم الوقائع إلى مظنونات ومشكوكات وموهومات إنما هو بملاحظة نفس الواقع لا بملاحظة المعلوم بالاجمال إذ لا بملاحظته لا يعقل وجود المشكوكات مع المظنونات لأن الظن بثبوته في بعض الاطراف يلازمه الظن بعدمه في الباقي فكيف يمكن فرض الشك الذي هو تساوي الاحتمالين (ويندفع) بأن ذلك مسلم إذا كان للمعلوم بالاجمال ميز في الواقع أما إذا لم يكن له ميز واقعي عن غيره فلا يعقل الظن بثبوته بنحو مفاد كان الناقصة مثلا إذا علمنا بأن احد الاناءين نجس واحتملنا نجاسة كل منهما فلا يمكن ان نظن بأن النجس هذا، نعم يمكن ان يظن بان احدهما المعين نجس ويشك بان الآخر نجس والمقدار المعلوم بالاجمال في المقام مما لا ميز له عما يحتمل من غيره من التكاليف كما هو ظاهر (قوله: لبداهة مرجوحيتهما) وجهه كونهما أبعد عن ادراك الواقع من الاطاعة الظنية واقربيتها إلى ادراك الواقع منهما (قوله: وقبح ترجيح المرجوح) قد يقال: لازم ترجيح الاطاعة الظنية في المقام على الشكية والوهمية
من جهة ما أوردناه على المقدمة الأولى من انحلال العلم الاجمالي بما في أخبار الكتب المعتبرة وقضيته الاحتياط بالالزام عملا بما فيها من التكاليف ولا بأس به حيث لا يلزم منه عسر ______________________________ هو الترتب الذي لا يقول به المصنف (ره) ولا شيخه (قدس سره) و (توضيح) ذلك على سبيل الاختصار: ان مبني الرجوع إلى هذه المقدمة أنه لابد من الاحتياط في الجملة في المظنونات أو في غيرها غاية الأمر أن المقدمة المذكورة توجب ترجيح الاحتياط في المظنونات دون غيرها، فلو فرض ارتكاب المظنونات وترك الاحتياط فيها لابد من الاحتياط في غيرها، وذلك هو الترتب في حكم العقل إذ العقل يحكم بالاحتياط في المظنونات مطلقا وفى المشكوكات على تقدير تركه في المظنونات، وعدم معقولية الترتب لا يفرق فيها بين الحكم الشرعي والعقلي. وأما ما تكلفه بعض من تقرير الترتب في الحكم الشرعي الواقعي في المقام، فلا يمكن ان يتم حيث أنه لا تكليف في الواقع إلا بواحد من المظنونات أو غيرها لا تكليفان ليمكن تصوير الترتب بينهما. مع أنه لو فرض كونهما تكليفين لا يمكن في المقام تقييد أحدهما بعينه دون الآخر من جهة كون احدهما مظنونا دون الآخر، لأن حيثية الظن إنما تكون دخيلة في مجرد الحكم العقلي لا في الحكم الشرعي كيف وهي كحيثيتي العلم والشك مما يمتنع دخلهما في الحكم الشرعي للزوم الدور أو غير ذلك من جهات الامتناع مضافا إلى عدم الدليل على ذلك فالعقل إنما يجعل الظن دخيلا في وجوب الاطاعة الظنية بلا ربط له بالحكم الشرعي كما هو ظاهر فتأمل جيدا (قوله: من جهة ما اوردناه) متعلق بقوله: عرفت (قوله: وقضيته الاحتياط) هذا بيان لما يترتب على الايراد على المقدمة الأولى. يعني أن مقتضى الانحلال المذكور هو الاحتياط في خصوص موارد الأخبار ولو كانت موهومات التكليف والرجوع إلى الأصل في غيرها ولو كانت مظنونات التكليف، ولا مجال للأخذ بقاعدة قبح ترجيح المرجوح لعدم التزاحم (قوله: ولا بأس به) يعني بالاحتياط التام في موارد الاخبار (قوله: حيث لا يلزم) كما تقدم منه في بيان المقدمة
فضلا عما يوجب اختلال النظام وما أوردنا على المقدمة الرابعة من جواز الرجوع إلى الأصول مطلقا ولو كانت نافية لوجود المقتضي وفقد المانع عنه لو كان التكليف في موارد الأصول المثبتة وما علم منه تفصيلا أو نهض عليه دليل معتبر بمقدار معلوم بالاجمال وإلا فالى الاصول المثبتة وحدها وحينئذ كان خصوص موارد الاصول النافية محلا لحكومة العقل وترجيح مظنونات التكليف فيها على غيرها ولو بعد استكشاف وجوب الاحتياط في الجملة شرعا بعد عدم وجوب الاحتياط التام شرعا أو عقلا على ما عرفت تفصيله. هذا هو التحقيق على ما يساعد عليه النظر الدقيق فافهم تدبر جيدا ______________________________ الأولى (قوله: والا فالى) يعني وان لا يكون بمقدار المعلوم بالاجمال فيجوز الرجوع إلى الأصول المثبتة وحدها دون النافية إذ في موردها يرجع إلى الاحتياط وحيث أنه لا يجوز الاحتياط التام للزوم اختلال النظام أو لا يجب للزوم الحرج منه فلابد من التبعيض، وحينئذ فلا يحتاج إلى المقدمة الرابعة لتعيين الاحتياط في خصوص المظنونات (قوله: ولو بعد استكشاف) يعني أن الاحتياج إلى هذه المقدمة لا يتوقف على كون الموجب للاحتياط هو العلم الاجمالي بل لو قلنا بسقوط العلم الاجمالي عن التأثير من جهة أدلة نفي الحرج وكان الموجب للاحتياط هو الاجماع أو العلم بالاهتمام احتجنا في تعيين الاحتياط إلى المقدمة المذكورة ويتعين الاحتياط في خصوص المظنونات بها أيضا، هذا ولكن عرفت في وجه الحاجة إلى المقدمات أنه لو كان المستند في وجوب الاحتياط هو الاجماع أمكن عدم الحاجة إليها لو كان معقده الاحتياط في خصوص المظنونات، كما عرفت منه (قده) في المقدمة الرابعة أن لو كان الاجماع هو المستند أو العلم بالاهتمام كما هو المختار له وثبت بالاصول المثبتة وبغيرها من الادلة المتعبرة مقدار من التكاليف لا إجماع على وجوب الاحتياط فيما زاد عليه ولا علم بالاهتمام كذلك جاز الرجوع إلى الاصول النافية في مواردها وان لم يكن مساويا للمعلوم بالاجمال وكأنه تركه هنا اعتمادا على ما تقدم (قوله: شرعا أو عقلا) يعني بالأول أدلة نفي الحرج وبالثاني لزوم اختلال
النظام. والله سبحانه العالم بحقيقة الحال وهو المرجع والمعول في المبدأ والمال. ايقاظ يتلخص مما تقدم ان في تقرير الدليل المذكور طرقا ثلاثة (الاول) أن المنجز للتكاليف الواقعية هو العلم باهتمام الشارع الاقدس في مراعاتها (الثاني) أن المنجز لها هو الاجماع على عدم جواز الرجوع إلى البراءة (الثالث) أن المنجز هو العلم الاجمالي كما هو المشهور المسطور. والاولان يشتركان في كون الاصل عدم الاحتياط فيقتصر في لزوم الاحتياط على القدر المتيقن، ويمتاز الثالث عنهما بأن الاصل الاحتياط الا ما تنفيه أدلة الحرج كما نقدم. ثم إن العلم بالاهتمام بالتكليف على تقديره، إن كان بنفسه منجزا بلا توسط استكشاف جعل الحجة شرعا كانت الطرق الثلاثة مختلفة في اللوازم التي تأتي إليها الاشارة في التنبيهات، وان كان بتوسط استكشاف جعل الحجة شرعا - كما هو ظاهر المصنف (ره) - رجع الاول إلى الثاني، وهذه الطرق مترتبة فانه إذا كان العلم بالاهتمام منجزا عقلا امتنع استناد التفجز إلى العلم لانحلاله به والى الاجماع لأن منجزية الاجماع بكشفه عن جعل الحجية، ومع صلاحية العلم بالاهتمام للمنجزية يلغو جعل الحجية وإذا لم يصلح للمنجزية عقلا استند التنجز إلى الاجماع دون العلم لانحلاله به أيضا ومع عدم الاجماع تصل النوبة إلى منجزية العلم الاجمالي، وسيأتي انشاء الله في التنبهات ما له نفع في المقام فانتظر.
فصل (هل قضية المقدمات على تقدير سلامتها هي حجية الظن بالواقع أو بالطريق أو بهما ؟) أقوال والتحقيق أن يقال: إنه لا شبهة في أن هم العقل في كل حال إنما هو تحصيل الأمن من تبعة التكاليف المعلومة ______________________________ الظن بالطريق والظن بالواقع (قوله: هل قضية المقدمات) يعني أن مقدمات الانسداد على تقدير تماميتها هل تقتضي وجوب العمل بالظن بالواقع فقط دون الظن بالطريق ؟ فلو ظن بطريقية شئ كخبر الثقة وأدى إلى وجوب شئ مثلا من دون ان يحصل منه الظن بالوجوب لا يجب العمل بذلك الخبر ؟ أو تقتضي وجوب العمل بالظن بالطريق دون الظن بالواقع الذي لم يقم مظنون الطريقية على ثبوته ؟ أو تقتضي العمل بهما معا ؟ أقوال ثلاثة، الذي اختاره شيخنا الأعظم (ره) في رسائله هو الثالث ووافقه عليه المصنف (ره). وحاصل ما ذكره وجها له: ان المقدمات المذكورة اقتضت كون الظن مؤمنا في حال الانسداد كالعلم في حال الانفتاح، فكما أن العلم المؤمن في حال الانفتاح لا يفرق فيه بين العلم بالواقع والعلم بالطريق فكذلك الظن في حال الانسداد لا يفرق فيه بين الظن بالواقع والظن بالطريق. (هذا) ولكن لا يخفى ان ما هو مظنون الطريقية (تارة) يلزم من العمل به مخالفة الظن بالتكليف كما لو قام على نفي التكليف مع الظن بثبوته أو على ثبوت التكليف مع الظن بثبوت ضده كما لو قام على الوجوب مع الظن بالحرمة (وأخرى) لا يلزم من العمل به مخالفة كما لو قام على ثبوت التكليف مع الظن بعدمه. فان بنينا على كون المنجز هو العلم الاجمالي بالتكاليف الواقعية وكان مظنون الطريقية على النحو الاول أمكن القول بجواز العمل على طبقه فانه وان كان
من العقوبة على مخالفتها كما لا شبهة في استقلاله في تعيين ما هو المؤمن منها وفى أن كل ما كان القطع به مؤمنا في حال الانفتاح كان الظن به مؤمنا حال الانسداد جزما ______________________________ مخالفة للظن بالواقع إلا أنه مع الظن بالطريقية يظن بالترخيص في مخالفة الواقع ومع الظن بالترخيص لا ملزم عقلا بالظن على وفق الواقع للظن بتدارك مصلحة الواقع. أما إذا كان على النحو الثاني فوجوب العمل على طبقه عقلا بلا وجه مع كون التكليف موهما لأن الظن بالطريقية لا يوجب الظن بزيادة المصلحة أو اهتمام الشارع بالمؤدى أو غير ذلك من موجبات العمل عليه ليمتاز على سائر التكاليف الموهومة لتجب موافقته كما هو ظاهر بالتأمل. نعم بناء على هذا المبنى لما كان الاصل هو الاحتياط ويلزم الاقتصار في رفع اليد عنه على المقدار الذي يرتفع به الحرج يتعين رفع اليد عن الاحتياط في خصوص بعض الموهومات فان لم يكف ذلك المقدار جاز رفع اليد عن الاحتياط في أكثر من ذلك. وهكذا حسب ما عرفت في المقدمة الرابعة، فقد يتوهم أنه إذا دار الأمر في رفع الاحتياط بين رفعه في الموهومات التي لم يقم على ثبوتها ما هو مظنون الطريقية أو في الموهومات التي قام على ثبوتها مظنون الطريقية يتعين رفعه في خصوص الاول، ولكنه توهم بلا وجه لما عرفت من أن قيام مظنون الطريقية على تكليف لا يوجب مزية فيه على غيره أصلا. (وبالجملة): الظن بالطريقية في الصورة المذكورة لا يوجب أقربية ولا اهتماما أصلا فوجوده كعدمه. وأما لو كان المنجز هو العلم بالاهتمام أو الاجماع فالتخصيص باحد الظنين والتعميم لهما يتوقف على تشخيص موضوع الاهتمام ومعقد الاجماع من حيث كونه عاما أو خاصا باحدهما ويكون هو المدار في التعميم والتخصيص، (قوله: من العقوبة) بيان لتبعة التكاليف (قوله: وفي أن) معطوف على قوله: (في تعيين... الخ) وبيان له (قوله: كان الظن به مؤمنا) هذا مضمون ما في رسائل الشيخ (ره) لكنه يختص بالظن بالطريق على النحو الأول فانه المؤمن لا الثاني ولعل المقصود من التعميم في كلام المصنف (ره)
وأن المؤمن في حال الانفتاح هو القطع باتيان المكلف به الواقعي بما هو كذلك لا بما هو معلوم ومؤدى الطريق ومتعلق العلم وهو طريق شرعا وعقلا أو باتيانه الجعلي وذلك لان العقل قد استقل بان الاتيان بالمكلف به الحقيقي بما هو هو لا بما مؤدى الطريق مبرئ للذمة قطعا كيف وقد عرفت أن القطع بنفسه طريق لا يكاد تناله يد الجعل احداثا وامضاء إثباتا ونفيا. ولا يخفى أن قضية ذلك هو التنزل إلى الظن بكل واحد من الواقع والطريق ولا منشأ لتوهم الاختصاص بالظن بالواقع إلا توهم أن قضيته اختصاص المقدمات بالفروع لعدم انسداد باب العلم في الاصول وعدم إلجاء في التنزل إلى الظن فيها ______________________________ وشيخه (قده) التعميم إلى هذا القسم لا غير كما ذكرنا فتأمل (قوله: وان المؤمن) معطوف على قوله: (تعيين ما هو.. الخ) (قوله: بما هو كذلك) أي بما هو مكلف به واقعي (قوله: ومتعلق) بالفتح معطوف على قوله: (معلوم ومؤدى) (قوله: وهو طريق) الضمير راجع إلى العلم (قوله: شرعا وعقلا) يعني طريق بنفسه من دون حكم الشارع على خلافه كما سيصرح بذلك (قوله: أو بأتيانه) معطوف على (قوله: باتيان المكلف به) (قوله: وذلك لأن العقل) بيان لما ذكره من أن المؤمن حال الانفتاح هو القطع باتيان الواقعي الحقيقي أو الواقعي الجعلي (قوله: بما هو هو لا) دفع لما سيجيئ من توهم القائل باختصاص الحجية بالظن بالطريق: ان الاحكام الواقعية بعد جعل الطريق إليها تكون مقيدة بقيام الطريق عليها فلا يجدى الظن بها بلا واسطة الطريق في وجوب موافقتها. وحاصل ما ذكر في دفعه: أن المكلف في حال الانفتاح إذا علم بالواقع كان علمه منجزا له موجبا لكون موافقته طاعة يستحق عليها الثواب ومخالفته معصية يستحق عليها العقاب وذلك مما يشهد بأن العلم طريق إليها فان موضوع الاطاعة والمعصية هو العلم الطريقي، ولو كان الواقع مقيدا بالطريق لكان العلم موضوعا لفعلية الحكم لا طريقا إليها كما هو ظاهر. هذا ولكن عرفت أن
والغفلة عن أن جريانها في الفروع موجب لكفاية الظن بالطريق في مقام يحصل الأمن من عقوبة التكاليف وان كان باب العلم في غالب الاصول مفتوحا وذلك لعدم التفاوت في نظر العقل في ذلك بين الظنين كما أن منشأ توهم الاختصاص بالظن بالطريق وجهان أحدهما ما أفاده بعض الفحول وتبعه في الفصول قال فيها: إنا كما نقطع بانا مكلفون في زماننا هذا تكليفا فعليا باحكام فرعية كثيرة لا سبيل لنا بحكم العيان وشهادة الوجدان إلى تحصيل كثير منها بالقطع ولا بطريق معين يقطع من السمع بحكم الشارع بقيامه أو قيام طريقه مقام القطع ولو عند تعذره كذلك نقطع بان الشارع قد جعل لنا إلى تلك الاحكام طريقا مخصوصا وكلفنا تكليفا فعليا بالعمل بمؤدى طرق مخصوصة وحيث انه لا سبيل غالبا إلى تعيينها بالقطع ولا بطريق يقطع من السمع بقيامه بالخصوص أو قيام طريقه كذلك مقام القطع ولو بعد تعذره فلا ريب أن الوظيفة في مثل ذلك بحكم العقل إنما هو الرجوع في تعيين ذلك الطريق إلى الظن الفعلي الذي لا دليل على عدم حجيته لانه أقرب إلى العلم والى إصابة الواقع مما عداه ______________________________ ما التزمه المصنف - رحمه الله - في الجمع بين الاحكام الظاهرية والواقعية قريب مما ذكره القائل المذكور فراجع وتأمل (قوله: والغفلة عن أن) معطوف على (توهم) (قوله: موجب لكفاية) لاطراد المناط في المقامير كما أشار إليه بقوله: وذلك لعدم... الخ (قوله: بعض الفحول) الظاهر أنه المحقق الشيخ محمد تقي في حاشيته على المعالم (قوله: يقطع من السمع) يعني ليس لنا طريق معين يقطع من الأدلة السمعية بانه حجة أو يقطع منها بحجية طريق قام على كونه حجة وكونه بمنزلة القطع بالاحكام الفرعية فضمير تعذره راجع إلى القطع بالاحكام الفرعية (قوله: فلا ريب أن الوظيفة) يمكن أن يكون المراد انه بعد ما علم اجمالا بنصب الطريق ينحل العلم الاجمالي بالأحكام الفرعية بهذا العلم الاجمالي ويجب العمل على مقتضي هذا العلم الاجمالي الثاني، فإذا لم يمكن الاحتياط ينتقل
(وفيه) أولا بعد تسليم العلم بنصب طرق خاصة باقية فيما بايدينا من الطرق غير العلمية وعدم وجود المتيقن بينها أصلا - أن قضية ذلك هو الاحتياط في أطراف هذه الطرق المعلومة بالاجمال لا تعيينها بالظن (لا يقال): الفرض هو عدم وجوب الاحتياط بل عدم جوازه لان الفرض إنما هو عدم جوب الاحتياط التام في أطراف الاحكام مما يوجب العسر المخل بالنظام لا الاحتياط في خصوص ما بايدينا من الطرق فان قضية هذا الاحتياط ______________________________ إلى الظن فيه، ولا وجه للرجوع إلى الظن بالواقع لأن الواقع من حيث هو ليس موردا للاحتياط حتى يعمل فيه بالظن عند تعذره كما سيأتي بيانه وبيان ما فيه في كلام المصنف (ره) (قوله: وفيه أولا بعد تسليم) يشير أولا إلى منع العلم الاجمالي بنصف الطريق وأنه مما لا يقتضيه شرع أو عقل. أما الأول فيكفي فيه عدم الوجدان والنظر إلى الأدلة المتقدمة على حجية الخبر خلاف مبني الانسداد الذي هو مبنى المقام، وأما الثاني فلأنه لا يمتنع أن لا يجعل الشارع الاقدس طريقا إلى الأحكام الواقعية ويكون قد اوكلنا إلى ما تقتضيه عقولنا من تحصيل العلم ومع تعذره فالاحتياط أو التبعيض فيه أو غير ذلك على اختلاف المشارب. مع أنه لو سلم حصول العلم بنصب الطرق فبقاء تلك الطرق إلى زماننا هذا غير معلوم، وحينئذ فلا موجب لانحلال العلم الاجمالي بالتكاليف الواقعية في زماننا هذا (قوله: لا تعيينها بالظن) فلا وجه للاخذ بالطريق (قوله: لا يقال الفرض هو عدم) يعني أن ما ذكرت من أن لازم العلم الاجمالي بنصب الطريق هو الاحتياط في مواردها لا الرجوع إلى الظن بالطريق إنما يتم لو كان الاحتياط ممكنا وهو خلاف مفروض كلامه من تعذر الاحتياط فيها كتعذره في اطراف العلم الاجمالي بالتكاليف الواقعية (قوله: لأن الفرض) جواب عن السؤال المذكور وحاصله: المنع من تعذر الاحتياط في موارد الطرق والفرق بين الاحتياط فيها والاحتياط في اطراف العلم بالتكليف لاتساع دائرة الثاني وضيق دائرة الأول لخروج كثير من
هو جواز رفع اليد عنه في غير مواردها والرجوع إلى الاصل فيه ولو كان نافيا للتكليف. وكذا فيما إذا نهض الكل على نفيه. وكذا فيما إذا تعارض فردان من بعض الأطراف فيه نفيا واثباتا مع ثبوت المرجح للنافى بل مع عدم رجحان المثبت في خصوص الخبر منها ______________________________ موارد احتمال التكليف عن اطرافه بحيث يجوز الرجوع إلى الاصل النافي فيها (منها) محتمل التكليف الذي يقطع بعدم كونه مما قام على ثبوته طريق (ومنها) محتمل التكليف الذي قام جميع ما هو محتمل الطريقية على نفيه إذ حينئذ يعلم بقيام الحجة على نفي التكليف، بل يكفي مجرد عدم قيام محتمل الطريقية على ثبوته فيخرج عن مورد الاحتياط لاختصاصه بما لو قام محتمل الطريقية على ثبوته (ومنها) ما لو تعارض فردان من نوع واحد فيه كما لو قام فرد من الخبر على وجوب شئ وفرد آخر منه على نفيه وكان النافي ارجح بحيث يجب الأخذ به لو ثبت كون الخبر حجة فانه لا موجب للاحتياط حينئذ لسقوط المثبت عن الحجية على تقدير حجية الخبر ويكون كما لو قام مظنون الحجية على نفي التكليف، بل يكفي في عدم وجوب الاحتياط عدم رجحان المثبت وان لم يكن النافي ارجح إذ مع التساوي يكون الحكم في باب تعارض الخبرين هو التخيير ويجوز الأخذ بالنافي هذا كله فيما لو كان المتعارضان خبرين واما لو كانا غير خبرين وكانا متعارضين في اثبات التكليف ونفيه فلا يجب الاحتياط مطلقا ولو كان احدهما أرجح بناء على عدم ثبوت الترجيح إلا في الخبرين المتعارضين سواء قلنا بالتخيير أم بالتساقط إذ على الاول يؤخذ بالنافي وعلى الثاني يسقطان معا عن الحجية ويكون كما لو لم يقم مظنون الحجية على ثبوت التكليف اصلا (ومنها) ما لو قام أحدهما على الوجوب والآخر على التحريم إذ لا يمكن الاحتياط حينئذ لاحتمال الموافقة والمخالفة في كل واحد من الفعل والترك (قوله: هو جواز رفع اليد) هذا مقتضى الانحلال لا مقتضى الاحتياط فالعبارة لا تخلو من مسامحة (قوله: في خصوص الخبر) هذا قيد لقوله: مع ثبوت... الخ، ولقوله: مع عدم... الخ
ومطلقا في غيره بناء على عدم ثبوت الترجيح على تقدير الاعتبار في غير الاخبار وكذا لو تعارض اثنان منها في الوجوب والتحريم فان المرجع في جميع ما ذكر من موارد التعارض هو الأصل الجاري فيها ولو كان نافيا لعدم نهوض طريق معتبر ولا ما هو من أطراف العلم به على خلافه فافهم. وكذا كل مورد لم يجز فيه الأصل المثبت للعلم بانتقاض الحالة السابقة فيه إجمالا بسبب العلم به أو بقيام امارة معتبرة عليه في بعض أطرافه بناء على عدم جريانه بذلك (وثانيا) لو سلم أن قضيته لزوم التنزل إلى الظن فتوهم ان الوظيفة حينئذ هو خصوص الظن بالطريق فاسد قطعا وذلك لعدم كونه أقرب إلى العلم وإصابة الواقع ______________________________ (قوله: ومطلقا) يعني وان لم يثبت المرجح للنافي أو عدم رجحان المثبت (قوله: وكذا لو تعارض) عدم لزوم الاحتياط في هذا المورد لا يختص بالاحتياط بمظنون الطريقية إذ لا يجب الاحتياط فيه ولو مع لزوم الاحتياط في جميع أطراف محتمل التكليف لعدم إمكان الاحتياط فيه مطلقا، ولعله اشار إلى ذلك بقوله: فافهم. ويمكن ان يكون اشار إلى أن خروج هذه الموارد عن الاحتياط لا يكفي في امكان الاحتياط في الباقي بنحو لا يلزم حرج، والانصاف إنه غير بعيد (قوله: وكذا كل مورد) هذا من الموارد التي لا يجب فيها الاحتياط على تقدير اختصاصه بمؤدى مظنون الطريقية فانه إذا فرض كون المثبت للتكليف استصحاب يعلم بانتقاض الحالة السابقة في بعض اطرافه لا يكون حجة لو كان في نفسه حجة بناء على قدح ذلك في حجيته كما تقدمت الاشارة إليه مرارا (فان قلت): مؤديات الاصول ليست مما نحن فيه إذ الكلام في الطرق، فخروجها عن موارد الاحتياط لا يتوقف على العلم بانتقاض الحالة السابقة (قلت): الاصول بنفسها مؤديات طرق فإذا وجب الاحتياط في كل محتمل الطريقية وجب الاحتياط في مؤدياتها (قوله: لو سلم أن قضيته لزوم) يعني لو سلمنا عدم إمكان الاحتياط في اطراف محتمل الطريقية بحيث ينتقل إلى العمل بالظن. لكن ليس اللازم هو العمل بالظن بالطريق فقط إذ لم يثبت
من الظن بكونه مؤدى طريق معتبر من دون الظن بحجية طريق أصلا ومن الظن بالواقع كما لا يخفى (لا يقال): إنما لا يكون أقرب من الظن بالواقع إذا لم يصرف التكليف الفعلي عنه إلى مؤديات الطرق ولو بنحو التقييد فان الالتزام به بعيد إذا الصرف لو لم يكن تصويبا محالا فلا أقل من كونه مجمعا على بطلانه ضرورة أن القطع بالواقع يجدي في الاجزاء بما هو واقع لا بما هو مؤدى طريق القطع ______________________________ كونه اقرب إلى اصابة الواقع من الظن بالواقع أو الظن بحكم يظن بكونه مؤدى طريق معتبر وان لم يقم عليه ما هو مظنون الطريقية وإذا لم يثبت كونه اقرب منهما فيجوز العمل بكل منها. ولا يخفى أن هذا يتوقف على سقوط العلم بنصف الطرق عن اقتضاء الاحتياط في مؤدياتها كما سيأتي بيانه في كلام المصنف (ره) قريبا، وإلا فالعمل بالظن بالواقع لا مجال للعمل به بعد سقوط الواقع عن مقام التنجز (قوله من الظن بكونه) كما لو ظن بكون حرمة العصير مؤدى طريق معتبر من دون أن يقوم عليها ما هو مظنون الطريقية فالمقابل للظن احتمال عدم كونه مؤدى للطريق المعتبر لاحتمال عدم كونه طريقا الذي يقابل الظن بالطريقية، فالظن تارة يتعلق بالطريقية مع احراز المؤدى، واخرى يتعلق بالمؤدى مع احراز الطريقية، والظن الذي يخص العمل به هذا القائل هو الأول، ولعل مقصود القائل ما يعم النوعين في قبال الظن بالواقع فلاحظ (قوله: ومن الظن) معطوف على قوله: من الظن بكونه... الخ (قوله: لا يقال إنما لا يكون اقرب) هذا وجه آخر لعدم الاعتناء بالظن بالواقع غير ما تقدم من الانحلال، وحاصله كما فهمه شيخنا الاعظم (ره) من الفصول: انه إنما يجدي الظن بالواقع لو كان الواقع فعليا مطلقا بعد نصب الطريق إليها أما إذا لم يكن فعليا إلا إذا ادى إليه الطريق فالظن به مع عدم قيام الطريق عليه ليس ظنا بالحكم الفعلي ليجب العمل عليه (قوله: فان الالتزام به) هذا جواب لقوله: لا يقال (قوله: لو لم يكن تصويبا محالا) أما وجه كونه تصويبا فلاختصاص الحكم العقلي بمن قام عنده الطريق وليس مشتركا بينه وبين غيره، وهذا نوع من
كما عرفت. ومن هنا انقدح أن التقييد أيضا غير سديد مع أن الالتزام بذلك غير مفيد فان الظن بالواقع فيما ابتلي به من التكاليف لا يكاد ينفك عن الظن بانه مؤدى طريق معتبر والظن بالطريق ما لم يظن باصابة الواقع غير مجد بناء على التقييد لعدم استلزامه الظن بالواقع المقيد به بدونه. هذا مع عدم مساعدة نصب الطريق على الصرف ولا على التقييد غايته أن العلم الاجمالي بنصف طرق وافية يوجب انحلال العلم بالتكاليف الواقعية إلى العلم بما هو مضامين الطرق المنصوبة من التكاليف الفعلية، والانحلال وان كان يوجب عدم تنجز ما لم يؤد إليه الطريق من التكاليف الواقعية ______________________________ التصويب، واما عدم كونه محالا فلانه لا مانع عقلا من ذلك وإنما المانع مختص بتقييد جميع مراتب الحكم بمن قام عنده الطريق بل التحقيق عدم المانع عقلا عنه والدور المعروف مزيف، ولعله يجيئ بيان ذلك في اواخر الكتاب (قوله: كما عرفت) يعني في أوائل هذا الفصل وعرفت أيضا أن ما ذكره القائل قريب مما ذكره المصنف (ره) في الجمع بين الاحكام الظاهرية والواقعية (قوله: ان التقييد) الظاهر من التقييد في كلام الفصول هو تقييد الفعلية لا غير والا امتنع حصول الظن بالواقع من حيث هو وهو خلاف صريح كلامه، وحينئذ فيشكل المراد بالتقييد مقابلا للصرف في كلام المصنف الا ان يكون مراده بالصرف ثبوت الفعلية في حال قيام الطريق بنحو القضية الحينية لا بنحو التقييد، ولكنه بعيد فتأمل (قوله: لا يكاد ينفك) هذا أول الكلام بل ممنوع جدا (قوله: غير مجد بناء على التقييد) ظاهر محكي الفصول الالتزام بذلك حيث قال فيه: واما لو كان احد التكليفين منوط بالآخر مقيدا له فمجرد حصول الظن باحدهما دون حصول الظن بالآخر المقيد له لا يقتضي الحكم بالبراءة... الخ فلاحظ (قوله: والانحلال وان كان يوجب) يعني أن انحلال العلم الاجمالي بالتكاليف بالعلم الاجمالي بنصب الطرق إنما يوجب الرجوع إلى الظن في تعيين الطريق لو لم يمكن الاحتياط في كل محتمل الطريقية بناء على أن العلم الاجمالي يوجب التبعيض في الاحتياط لو لم يمكن الاحتياط التام فيه كان حرجيا كما هو مذهب شيخنا
إلا انه إذا كان رعاية العلم بالنصب لازما والفرض عدم اللزوم بل عدم الجواز وعليه يكون التكاليف الواقعية كما إذا لم يكن هناك علم بالنصب في كفاية الظن بها حال انسداد باب العلم كما لا يخفى ولابد (حينئذ) من عناية أخرى في لزوم رعاية الواقعيات ______________________________ الاعظم (ره) في رسائله أما بناء على سقوطه عن اقتضاء الاحتياط اصلا فلا ينفع العلم بنصب الطرق في وجوب العمل بالظن في الطريق، ولابد حينئذ من النظر في منجز التكاليف الواقعية حينئذ ومقدار اقتضائه وحيث تقدم في المقدمة الرابعة أن المنجز هو العلم بالاهتمام بها الكاشف عن ايجاب الاحتياط في محتملاتها في الجملة وحينئذ فالظن بالواقع إذا لم يكن اقرب إلى إدراك الواقع من الظن بالطريق فلا اقل من مساواته له فلا يمنع العقل من سلوك كل منهما بعد ما كان سلوك كل منهما موجبا للظن بالفراغ والأمن من العقوبة، وعلى هذا فالاشكال في الحقيقة راجع إلى الاشكال في المبني لا في الابتناء. ثم إنه حيث كان المنجز هو العلم بالاهتمام فكون المرجح هو الظن بالواقع أو بالطريق أو بهما أو بكل منهما تابع لتشخيص موضوع الاهتمام - كما اشار المصنف (ره) إليه في حاشية له في المقام - فيختلف ذلك باختلاف الانظار في المقدار المهتم به (قوله: إلا أنه إذا كان) ضمير (انه) راجع إلى ايجابه عدم تنجيز ما لم... الخ، وخبر (ان) قوله: إذا كان... الخ (قوله: عدم اللزوم) يعني لأدلة نفي الحرج (قوله: عدم الجواز) يعني للزوم اختلال النظام (قوله: كما إذا لم يكن) وذلك لسقوط العلم بالنصب عن التأثير في ______________
بنحو من الاطاعة وعدم إهمالها رأسا كما أشرنا إليها ولا شبهة في ان الظن بالواقع لو لم يكن أولى حينئذ لكونه أقرب في التوسل به إلى ما به الاهتمام من فعل الواجب وترك الحرام من الظن بالطريق فلا أقل من كونه مساويا فيما يهم العقل من تحصيل الأمن من العقوبة في كل حال. هذا - مع ما عرفت من أنه عادة يلازم الظن بانه مؤدى طريق وهو بلا شبهة يكفي ولو لم يكن هناك ظن بالطريق فافهم فانه دقيق (ثانيهما) ما اختص به بعض المحققين قال: لا ريب في كوننا مكلفين بالاحكام الشرعية ولم يسقط عنا التكليف بالأحكام الشرعية وأن الواجب علينا أولا هو تحصيل العلم بتفريغ الذمة في حكم المكلف بان يقطع معه بحكمه بتفريغ ذمتنا عما كلفنا به وسقوط تكليفنا عنا سواء حصل العلم معه باداء الواقع ______________________________ المنجزية من جهة عدم امكان الاحتياط في اطرافه أو كونه حرجيا كما يدعيه القائل المذكور كسقوط العلم بالتكاليف الواقعية عن التأثير في المنجزية لذلك أيضا (قوله: بنحو من) متعلق برعاية (قوله: وعدم اهمالها) معطوف على نحو من الاطاعة مفسر له (قوله: كما اشرنا إليها) يعني في المقدمة الثالثة (قوله: مع ما عرفت من انه عادة) قد عرفت انه مجال تأمل أو منع (قوله: ما اختص به) يعني لم يتبعه في الفصول (قوله: وان الواجب علينا) يعني الواجب عقلا (قوله: يقطع معه) الضمير في الظرف راجع إلى قوله: لا ريب... الخ، وليس لهذا الظرف موقع حسن. ثم إن مراده بالقطع بحكم الشارع القطع بالعمل على طبق الطريق المنصوب من قبل الشارع فان نصبه ملزوم لحكمه بفراغ المكلف بالعمل عليه عن الواقع المنصوب عليه (قوله: وسقوط) معطوف على (تفريغ) (قوله: سواء حصل العلم) كما لو كان الطريق موجبا للعلم بالواقع ______________
أو لا حسبما مر تفصيل القول فيه فحينئذ نقول: إن صح لنا تحصيل العلم بتفريغ ذمتنا في حكم الشارع فلا إشكال في وجوبه وحصول البراءة به وان انسد علينا سبيل العلم كان الواجب علينا تحصيل الظن بالبراءة في حكمه إذ هو الأقرب إلى العلم به فيتعين الأخذ به عند التنزل من العلم في حكم العقل بعد انسداد سبيل العلم والقطع ببقاء التكليف دون ما يحصل معه الظن باداء الواقع كما يدعيه القائل باصالة حجية الظن. انتهى موضع الحاجة من كلامه زيد في علو مقامه، (وفيه) اولا ان الحاكم على الاستقلال في باب تفريغ الذمة بالاطاعة والامتثال انما هو العقل وليس للشارع في هذا الباب حكم مولوي يتبعه حكم العقل. ولو حكم في هذا الباب كان بتبع حكمه إرشادا إليه وقد عرفت استقلاله بكون الواقع بما هو مفرغ وان القطع به حقيقة أو تعبدا مؤمن جزما وأن المؤمن في حال الانسداد هو الظن بما كان القطع به مؤمنا حال الانفتاح فيكون الظن بالواقع أيضا مؤمنا حال الانسداد (وثانيا) سلمنا ذلك لكن حكمه بتفريغ الذمة فيما إذا اتى المكلف بمؤدى الطريق المنصوف ليس الا بدعوى أن النصب يستلزمه مع ان دعوى أن التكليف بالواقع يستلزم حكمه بالتفريغ فيما إذا أتى به أولى كما لا يخفى فيكون الظن به ظنا بالحكم بالتفريغ أيضا ______________________________ (قوله: اولا) كما لو كان غير موجب للعلم بالواقع (قوله: والقطع ببقاء) معطوف على (انسداد) (قوله: بالاطاعة والامتثال) متعلق ب (الحاكم) (قوله: وليس للشارع في هذا) سيأتي في الفصل الآتي توضيح ذلك فانتظر (قوله: ولو حكم) الضمير المستتر في حكم راجع إلى الشارع وفي (حكمه) إلى العقل وفى إليه إلى حكمه (قوله: أو تعبدا) يعني كما في موارد الطرق (قوله: لكن حكمه) الضمير راجع إلى (الشارع) وضمير يستلزمه راجع إلى (حكمه) يعني أن حكم الشارع بفراغ الذمة انما جاء من جهة ان نصب الطريق يستلزم الحكم بفراغ الذمة بموافقته (قوله: اولى كما لا يخفى) وجه الاولوية اصالة الواقع في مقام
(ان قلت): كيف يستلزم الظن بالواقع مع انه ربما يقطع بعدم حكمه به معه كما إذا كان من القياس وهذا بخلاف الظن بالطريق فانه يستلزمه ولو كان من القياس (قلت): الظن بالواقع أيضا يستلزم الظن بحكمه بالتفريغ ولا ينافي القطع بعدم حجيته لدى الشارع وعدم كون المكلف معذورا إذا عمل به فيما أخطأ بل كان مستحقا للعقاب ولو فيما أصاب لو بني على حجيته والاقتصار عليه لتجريه فافهم (وثالثا) سلمنا أن الظن بالواقع لا يستلزم الظن به لكن قضيته ليس الا التنزل ______________________________ التنزيل فإذا كان نصب الطريق إلى الواقع موجبا للحكم بفراغ اذمة عن الواقع بتوسط كون مؤداه بمنزلة الواقع مثلا فترتب الحكم بالفراغ على جعل الواقع أولى (قوله: ان قلت كيف) يعنى كيف يستلزم الظن بالواقع الظن بحكم الشارع بالفراغ بموافقته مع انه قد يقطع بعدم كونه طريقا عنده كالظن القياسي وحينئذ يقطع بعدم حكم الشارع بالفراغ مع هذا الظن (قوله: قلت الظن بالواقع) يعني أن الحكم بالفراغ ليس مختصا بنصب الطريق بل يترتب على اتيان الواقع ايضا فان جعل الطريق إنما يوجب الحكم بالفراغ عن الواقع من جهة كون مفاد الجعل جعل المؤدى بمنزلة الواقع أو جعل الطريق بمنزلة العلم بالواقع فالواقع لما كان ملحوظا لدليل الجعل كان الجعل موجبا للحكم بالفراغ، وحينئذ فايجاب جعل الواقع للحكم بالفراغ عنه بالعمل على طبقه اولى كما تقدم (قوله: لتجريه) تعليل لكونه مستحقا للعقاب، وكان الاولى عطف التشريع على التجري فان البناء على أنه حجة تشريع موجب للعقاب (قوله: فافهم) يمكن أن يكون اشارة إلى أن العقاب المستحق في هذه الصورة من جهة التجري لا ينافي الحكم بالفراغ عن الواقع ______________
إلى الظن بانه مؤدى طريق معتبر لا خصوص الظن بالطريق وقد عرفت أن الظن بالواقع لا يكاد ينفك عن الظن بانه مؤدى الطريق غالبا فصل لا يخفى عدم مساعدة مقدمات الانسداد على الدلالة على كون الظن طريقا منصوبا شرعا ضرورة انه معها لا يجب عقلا على الشارع أن ينصب طريقا لجواز اجتزائه بما استقل به العقل في هذا الحال ______________________________ المانع من استحقاق العقاب عليه لاختلاف الجهات (قوله: لا خصوص) قد عرفت قرب دعوى كون المراد من الظن بالطريق الظن بكونه مؤدى طريق (قوله: لا يكاد ينفك) قد عرفت انه محل تأمل الكشف والحكومة (قوله: ضرورة انه معها) اعلم أن استكشاف كون الظن حجة شرعية يتوقف على اثبات مقدمتين (احداهما) عدم المنجز العقلي للتكاليف الواقعية (ثانيتهما) عدم جواز الرجوع إلى الاصول النافية من جهة وجود الطريق الواصل، فانه إذا ثبت هاتان المقدمتان لابد من استكشاف حجية الظن إذ لا مجال لاحتمال وصول حجة شرعية غير الظن، والمقدمة الاولى وان سلمناها من جهة عدم حجية العلم الاجمالي بالتكاليف لأجل ارتفاع الاحتياط التام بادلة نفي الحرج وعدم صلاحية احتمال التكليف المهتم به بالمنجزية عقلا، إلا ان المقدمة الثانية لا يمكن اثباتها لامكان كون الاجماع على عدم جواز اهمال التكاليف كاشفا عن وجوب الاحتياط شرعا أو عن جعل حجة اخرى غير الظن عليها فلا مجال لاستكشاف حجية الظن عند الشارع، واما المقدمات المذكورة لهذا الدليل - اعني دليل الانسداد - فلم تتكفل لاثبات هاتين المقدمتين ليمكن أن يستكشف بها حجية الظن شرعا، بل مقتضى المقدمة الخامسة منها أن الاعتماد على الظن إنما كان بتوسط حكم العقل بقبح ترجيح المرجوح
ولا مجال لاستكشاف نصب الشارع من حكم العقل لقاعدة الملازمة ضرورة أنها إنما تكون في مورد قابل للحكم الشرعي والمورد ها هنا غير قابل له فان الاطاعة الظنية التي يستقل العقل بكفايتها في حال الانسداد إنما هي بمعنى عدم جواز مؤاخذة الشارع بازيد منها وعدم جواز اقتصار المكلف بدونها ومؤاخذة الشارع غير قابلة لحكمه وهو واضح واقتصار المكلف بما دونها لما كان بنفسه موجبا للعقاب ______________________________ وأين ذلك من مقام اثبات حجيته شرعا كما هو ظاهر (قوله: ولا مجال لاستكشاف) هذا وجه لاثبات حجية الظن شرعا بالمقدمات، وحاصله: انه إذا ثبت بالمقدمات وجوب العمل على طبق الظن عقلا لابد أن يستكشف كونه كذلك شرعا لقاعدة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع انه كلما حكم العقل حكم الشرع (قوله: ضرورة انها انما) هذا جواب عن الوجه المذكور، وحاصله: ان الملازمة على تقدير القول بها انما تكون في مورد قابل للحكم الشرعي والمقام ليس منه فان حكم العقل بكفاية الاطاعة الظنية ينحل إلى أحكام ثلاثة (الاول) حكمه بعدم وجوب الاطاعة العلمية (ثانيها) حكمه بعدم جواز الاقتصار على الاطاعة الشكية أو الوهمية (ثالثها) حكمه بحسن الاطاعة الظنية. ومرجع الاول إلى حكمه بقبح مؤاخذة الشارع على ترك الاطاعة العلمية، ومن المعلوم أن مؤاخذة الشارع من أفعاله التي يمتنع أن تكون موضوعا للاحكام الشرعية لان موضوع الاحكام الشرعية انما يكون خصوص فعل العبد وأما موضوع الحكمين الآخرين فهو وان كان فعل العبد القابل للحكم الشرعي إلا أن تعلق الحكم الشرعي به بلا غرض لان الغرض في الاحكام الشرعية هو احداث الداعي العقلي إلى متعلقه بحيث يحدث بسبب الامر والنهي داع في نفس العبد إلى الفعل أو الترك، ومن المعلوم أن هذا الداعي حاصل بذات الفعلين ولو لم يتعلق بهما حكم شرعي فان الاقتصار على الاطاعة الشكية والوهمية بنفسه منشأ لحسن العقاب في نظر العقل وكذا الاطاعة الظنية بنفسها منشأ للثواب في نظر العقل فالنهي عن الاولى تشريعا والامر بالثانية كذلك إن كان بقصد احداث الداعي إلى الفعل والترك كان من قبيل تحصيل الحاصل وان كان بلا غرض فهو ممتنع
وان كان بغرض آخر لم يكن الوجوب والتحريم المستفادان منهما شرعيين لانحصار غرض الحكم الشرعي بما عرفت، نعم يجوز أن يكونا ارشاديين بملاك الارشاد إلى حكم العقل ولكنه ليس هو محل الكلام (ويمكن) أن يقال عليه: ان الامر بالاطاعة كالامر بنفس الصلاة ليس الغرض منه الا احداث الداعي إلى متعلقه بحيث يكون ذلك الداعي منشأ لارادته ويترتب على تلك الارادة وجوده في الخارج، وهذا المعنى حاصل فيما نحن فيه لان الامر بالاطاعة يكون منشأ لحدوث الداعي في نفس العبد لارادة نفس الاطاعة، كما أن الأمر بالصلاة يكون منشأ لحدوث الداعي في نفس العبد لارادة نفس الصلاة (وبالجملة): أمر الصلاة انما اقتضى حدوث الداعي إلى نفس الصلاة لا إلى الاطاعة وأمر الاطاعة يقتضي حدوث الداعي إلى نفس الاطاعة وكيف يكون الامر بالاطاعة بداعي احداث الداعي من قبيل تحصيل الحاصل ؟ (وربما يقال) في وجه المنع: انه لو صح تعلق الامر بالاطاعة لزم التسلسل إذا الامر الثاني له اطاعة فيتعلق بها أمر ثالث ويكون له اطاعة فيتعلق بها أمر رابع... وهكذا (وفيه) أن التسلسل ممتنع في الأمور الحقيقة لا الاعتبارية لانقطاع الاعتبار بانقطاع ما به الاعتبار (وربما يقال) في وجه المنع: ان الاطاعة إما واجبة أو ممتنعة وكلاهما ليسا موضوعا للتكليف، وذلك لأن الأمر الاول ان كان محركا فلابد من تحقق الاطاعة وان لم يكن كذلك امتنعت (وفيه) أن عدم كونه محركا لا يوجب الامتناع لأن صلاحيته للمحركية كافية في كونها ممكنة ويصح أن يتعلق بها الأمر، (وربما يقال) في وجه المنع: ان مفهوم الاطاعة منتزع من الفعل في ظرف وجود الأمر الباعث عليها، ومن المعلوم امتناع تعلق التكليف بالمعلول في ظرف وجود علته إذ المعلول في ظرف وجود علته واجب لا ممكن فلا تكون موضوعا للتكليف (وفيه) أن انتزاع مفهومها من ذات الفعل في ظرف ونجود الامر مسلم لأن وجود الامر قيد لمفهوم الاطاعة الا أن ذات الأمر ليس علة تامة للفعل حتى يكون الامر به امرا بالفعل في ظرف وجود علته التامة بل الامر انما يكون علة لاحداث الداعي العقلي لا لاحداث الداعي الخارجي ليكون علة للفعل بل هو
* بالاضافة إلى الفعل من قبيل المقتضي، فلا مجال حينئذ للاشكال (والتحقيق) في وجه المنع: انك قد عرفت في مبحث التجري أن منشأ انتزاع عنوان الاطاعة مما يمتنع أن يكون منشأ انتزاع عنوان موضوع الأمر المطاع لاختلافهما في الرتبة، (فإذا قلت): أمر زيد بالصلاة فصلى، فالصلاة التي هي موخول الباء التي هي عنوان المأمور به غير الصلاة الواقعة بعد الفاء مرتبة وإن اتحدت معها ذاتا، وعنوان الاطاعة انما ينتزع من الفعل في رتبة لاحقة للامر وعنوان المأمور به انما ينتزع من الفعل في رتبة سابقة على الامر، وحينئذ إذا أمر زيد بالصلاة ثم أمر باطاعة الأمر المذكور فالاطاعة التي تنشأ من الأمر الثاني غير إطاعة الأمر الأول التي صارت موضوعا للامر الثاني، فإذا انقاد زيد للأمر الثاني كان ذلك منه طاعة للأمر الثاني لا غير وليس طاعة للأمر الاول، وحينئذ فيستحق ثوابا واحدا على إطاعة الامر الثاني ولا يستحق ثوابا على إطاعة الأمر الاول. كما أنه لو انقاد للامر الاول غافلا عن الامر الثاني استحق ثوابا على إطاعة الامر الاول لا غير، فإذا امتنع انطباق عنواني اطاعتي الأمرين على فعل خارجي واحد جاء الاشكال في الامر بالاطاعة (أولا) من جهة انه نقض المغرض من الامر الاول إذ الغرض منه أن يترتب عليه الفعل الخارجي وهذا ينافيه الغرض من الامر الثاني لامتناع ترتب الفعل على الامرين معا (وثانيا) من جهة أنه إيقاع المكلف بما لا يقدر عليه إذ يمتنع على المكلف اطاعة كل من الامرين إذ الامر الثاني لما كان متعلقا باطاعة الامر الاول فهو منوط بوجوده، ومن المعلوم أن الامر الاول في ظرف وجوده يبعث نحو إطاعته والامر الثاني في ذلك الظرف يبعث نحو اطاعة نفسه، فإذا امتنع تحقق الاطاعة لكل منهما كان الامران موجبين لوقوع المكلف بغير المقدور، وليس هذا من الترتب الذي نقول بامكانه. فتأمل (وثالثا) من جهة ان انبعاث المكلف بالامر الثاني نحو اطاعة الاول إذا كان محالا لما عرفت من أن انبعاثه عن الامر الثاني ينافي اطاعته للامر الاول كيف يمكن أن يكون غرضا للامر الثاني فيكون الامر الثاني بلا غرض وهو ممتنع (فان قلت): قد ثبت في الشريعة
مطلقا إلا فيما أصاب الظن كما أنها بنفسها موجبة للثواب أخطأ أو أصاب من دون حاجة إلى أمر بها أو نهي عن مخالتها كان حكم الشارع فيه مولويا بلا ملاك يوجبه كما لا يخفى ولا بأس به ارشاديا كما هو شأنه في حكمه بوجوب الاطاعة وحرمة المعصية ______________________________ الامر بالاطاعة في كثير من الموارد مثل اطاعة الولد لوالده والعبد لسيده والزوجة لزوجها وعامة المكلفين للنبي صلى الله عليه وآله والائمة - عليهم السلام - وغير ذلك من الموارد (قلت): هذه الأوامر ليست في الحقيقة أمرا بالاطاعة حقيقة، بل هو أمر بنفس المأمور به، فمعنى وجوب اطاعة الوالد أنه يجب على الولد إذا أمره أبوه بالقيام أن يقوم أو بالقعود أن يعقد. ويشهد لما ذكرنا حكم العقلاء بعدم استحقاق المأمور للجزاء من المطاع بل انما يستحق الجزاء من الآمر بالاطاعة، كما أنه لو انقاد المأمور لأمر المطاع لا من جهة الامر بالاطاعة استحق الجزاء على المطاع لا على الآمر بالاطاعة ولذلك نقول: لو أمر زيد عمرا باطاعة بكر كان زيد ضامنا لعمل عمرو ولا ضمان على بكر. ومن ذلك كله يظهر أن الامر المولوي بنفس الاطاعة التي هي موضوع حكم العقل بالحسن أو باستحقاق الثواب لا معنى له أصلا. فافهم وتأمل فان المقام بذلك حقيق ومنه سبحانه نستمد التوفيق (قوله: مطلقا) يعني سواء أخطأ الظن أم أصاب، واستحقاقه للعقاب في صورة اصابة الظن من جهة التفويت وفي صورة الخطأ من جهة التجري، ولو قال بدله: مطلقا أو فيما أخطأ الظن والشك، لكان أولى إذ لو قلنا بعدم استحقاق المتجري للعقاب ففي صورة اصابة الاطاعة الشكية والوهمية للواقع اللتين اقتصر عليهما المكلف لا مجال لاستحقاق العقاب ولو أصاب الظن (قوله: كما انها بنفسها) الضمير فيهما راجع إلى الاطاعة الظنية (قوله: اخطأ أو أصاب) الثواب في الاول لمجرد الانقياد وفى الثاني للاطاعة الحقيقة (قوله: حكم الشارع) هذا جواب (لما) في قوله: لما كان بنفسه.. الخ (قوله: بلا ملاك) خبر كان وضمير به في (ولا بأس به) راجع إلى حكم الشارع وضمير (شأنه) راجع إلى الشارع،
* وصحة نصبه الطريق وجعله في كل حال بملاك يوجب نصبه وحكمة داعية إليه لا تنافي استقلال العقل بلزوم الاطاعة بنحو حال الانسداد كما يحكم بلزومها بنحو آخر حال الانفتاح من دون استكشاف حكم الشارع بلزومها مولويا لما عرفت فانقدح بذلك عدم صحة تقرير المقدمات إلا على نحو الحكومة دون الكشف وعليها فلا إهمال في النتيجة أصلا سببا وموردا ومرتبة لعدم تطرق الاهمال والاجمال في حكم العقل كما لا يخفى. أما بحسب الاسباب فلا تفاوت بنظره فيها وأما بحسب الموارد فيمكن أن يقال بعدم استقلاله بكفاية الاطاعة الظنية الا فيما ليس للشارع مزيد اهتمام فيه بفعل الواجب وترك الحرام واستقلاله بوجوب الاحتياط فيما فيه مزيد الاهتمام كما في الفروج والدماء بل وسائر حقوق الناس مما لا يلزم من الاحتياط فيها العسر وأما بحسب المرتبة فكذلك لا يستقل إلا بلزوم التنزل إلى مرتبة الاطمئنان من الظن بعدم التكليف الا على تقدير عدم كفايتها في دفع محذور العسر وأما على تقرير الكشف ______________________________ (قوله: وصحة نصبه) هذا مبتدأ خبره: لا تنافي استقلال العقل... الخ، ومراده بهذا الكلام دفع توهم يقع في المقام، وحاصل التوهم: انه لو كان للعقل حكم في باب الاطاعة والمعصية بحيث يصح تعويل الشارع عليه امتنع حينئذ على الشارع نصب الطريق لانه لغو، وحاصل الدفع: انه لا تنافي بين صحة نصب الطريق وامكان التعويل على العقل في كيفية الاطاعة لجواز أن تكون هنا جهة داعية إلى نصف الشارع للطريق مثل التسهيل على المكلف وغير ذلك فان نصب طريقا كان هو المعول عليه عند العقل والا فلابد للعقل من الحكم بلزوم نحو خاص من الاطاعة كالاطاعة الظنية حال الانسداد والاطاعة العلمية حال الانفتاح (قوله: لما عرفت) يعني هنا (قوله: وعليها) يعني على الحكومة (قوله: فلا اهمال في النتيجة) قد ذكر المصنف - رحمه الله - هنا أمرين (أحدهما) انه على الحكومة ليست نتيجة المقدمات مهملة مرددة، وعلله بانه لا مجال للاهمال في حكم العقل، وما ذكره في محله لأن العقل إذا كان هو المرجع في كيفية الاطاعة فلا مجال للتردد
في حكمه لأنه إذا أحرز مناط حكمه حكم وإذا شك فيه لم يحكم جزما ولا تنتهي النوبة إلى الشك في حكم العقل، ولا ينافي هذا ما ذكره في الاستصحاب من امكان تطرق الاهمال إلى ما هو موضوع حكم العقل لكونه اجنبيا عنه إذ هو في الحقيقة اهمال في موضوع حكمه شأنا كما سيأتي انشاء الله لا في نفس حكمه كما هو محل الكلام (الثاني) انه على تقدير عدم الاهمال فلا تفاوت في نظره بحسب الأسباب لأن المناط في حكمه بلزوم العمل بالظن هو كونه اقرب من الشك والوهم، وهذا المناط لا يختلف باختلاف اسباب الظن، نعم تتفاوت بنظره الموارد لاختلافها من حيث مزيد الاهتمام وعدمه فيمكن التفكيك بينها في وجوب الاحتياط وعدمه وكذا تتفاوت مراتب الظن من حيث القوة والضعف فيمكن التفكيك بينها في وجوب الاحتياط وعدمه أيضا. وحينئذ نقول: على طريقة التبعيض بجعل المنجز هو العلم الاجمالي كما هو مذهب الشيخ (ره) فاللازم الاحتياط في كل ما لا يلزم من الاحتياط فيه الحرج ورفع اليد عنه فيما يلزم منه الحرج، فإذا كان ترك الاحتياط في تمام موهومات التكليف هو الكافي في رفع الحرج وجب الاحتياط في مظنوناته ومشكوكاته، وإذا كان ترك الاحتياط في بعض الموهومات كافيا في رفع الحرج وجب الاقتصار في ترك الاحتياط على بعضها، وحينئذ لا ترجيح من حيث السبب ويكون الترجيح من حيث المورد أو من حيث المرتبة، فإذا اختلفت الموارد من حيث مزيد الاهتمام وعدمه تعين ترك الاحتياط في خصوص ما لا مزيد للاهتمام فيه، كما انه لو اختلفت من حيث المرتبة فكان الظن بعدم التكليف في بعضها أقوى من بعض تعين ترك الاحتياط في الأول ومع التساوي يتخير، وعلى تقدير كون المنجز هو العلم بالاهتمام أو الاجماع فالتعميم والتخصيص من حيث السبب والمورد والمرتبة تابع للعلم بالاهتمام والاجماع، فكل مورد ثبت وجوب الاحتياط فيه شرعا للاجماع أو العلم بالاهتمام وجب فيه الاحتياط عقلا وكل مورد لم يثبت فيه وجوب الاحتياط لعدم ثبوت الاجماع أو العلم بالاهتمام لم يجب فيه الاحتياط عقلا، ولا مجال للترجيح بالمرتبة أو بمزيد الاهتمام على هذا
فلو قيل بكون النتيجة هو نصب الطريق الواصل بنفسه فلا اهمال فيها أيضا بحسب الاسباب بل يستكشف حينئذ أن الكل حجة لو لم يكن بينها ما هو المتيقن والا فلا مجال لاستكشاف حجية غيره ولا بحسب الموارد بل يحكم بحجيته في جميعها والا لزم عدم وصول الحجة ولو لاجل التردد في مواردها كما لا يخفى ______________________________ المبنى. نعم لو قام الاجماع أو علم بالاهتمام في مقدار لم يمكن الاحتياط فيه أو كان الاحتياط بتمامه حرجا يرجع حينئذ إلى الترجيح بالمرتبة أو بمزيد الاهتمام. فلاحظ وتأمل (قوله: فلو قيل بكون النتيجة) محتملات الكشف ثلاثة (الاول) أن يكون المستكشف نصب الطريق الواصل بنفسه بمعنى كون المقدمات موجبة للعلم بطريقية شئ بعينه (الثاني) أن يكون المستكشف منها نصب الطريق الواصل ولو بطريقه بمعنى كونها موجبة للعلم بطريقية شئ بعينه ولو بواسطة العلم بطريقيته من طريق يؤدي إليه فتعلم طريقيته بتوسط قيام طريق عليه (الثالث) أن يكون المستكشف نصب طريق وان لم يعلم هو بنفسه ولا بقيام طريق يؤدي إليه، والكلام في لازم الاحتمال الاول من حيث السبب، أو من حيث الموارد، أو من حيث المرتبة هو أنه إن كان بين الاسباب أو الموارد أو المراتب قدر متيقن واف بحيث لا يمكن اجراء مقدمات الانسداد فيما عداه وجب الاقتصار عليه والحكم بحجيته وعدم حجية ما سواه، أما الحكم بحجيته فلفرض كونها متيقنة، وأما عدم حجية ما سواه فلعدم الموجب لاستكشاف ذلك بعد صدق الطريق الواصل المستكشف نصبه على الاول، ولا فرق بين أن يكون لبعض الظنون مزية اولا فان المزية لما لا توجب كون ذيها متيقن الاعتبار لا تصلح لان تكون منشأ لانطباق الطريق الواصل على ذيها كما لا يخفى، ومن ذلك يظهر لك التأمل في كلمات المصنف (ره) كما سننبه عليه (قوله: ولا بحسب الموارد) يعني ولا اهمال بحسب الموارد (قوله: والا لزم عدم) هذا إذا لم يكن قدر متيقن واف بين الموارد والا انطبق على الظن فيه عنوان الطريق الواصل ولم يكن مجال لاستكشاف الحجة
ودعوى الاجماع على التعميم بحسبها في مثل هذه المسألة المستحدثة مجازفة جدا وأما بحسب المرتبة ففيها إهمال لاجل احتمال حجية خصوص الاطميناني منه إذا كان وافيا فلابد من الاقتصار عليه ولو قيل بان النتيجة هو نصب الطريق الواصل ولو بطريقه فلا إهمال فيها بحسب الاسباب ______________________________ في غيره كما عرفت ومنافاة التردد للوصول إذا لم يكن قدر متيقن كما هو ظاهر بالتأمل (قوله: ودعوى الاجماع) هذه الدعوى صدرت من شيخنا الاعظم (ره) في رسائله (قوله: مجازفة جدا) يمكن أن لا تكون مجازفة وان كانت المسألة مستحدثة إذا عرف الحكم من مذاق العلماء وهو كثير في نظائره فلاحظ (قوله: ففيها اهمال لاجل) لا يخفى أن خصوصية الظن الاطمئناني إن كانت موجبة لكونه متيقن الاعتبار بالاضافة إلى غيره تعين كونه هو الطريق المنصوب بعين ما ذكره في السبب ولا اهمال، وان لم تكن كذلك بحيث يحتمل ان يكون المنصوب غيره فحيث ان التردد في المنصوب ينافي الوصول المفروض لابد من الحكم بحجية الجميع ولا اهمال، فلا يظهر للحكم بالاهمال وجه واضح (قوله: ولو قيل بأن النتيجة هو) هذا تعرض للازم الاحتمال الثاني من محتملات الكشف، وحاصل ما ذكره ان الكلام فيه (تارة) من حيث السبب (واخرى) من حيث المورد (وثالثة) من حيث المرتبة (أما) من حيث السبب فهو ان الظن بالاحكام تارة يكون سببه واحدا كالخبر مثلا، وأخرى يكون متعددا، والمتعدد تارة يكون متفاوتا من حيث اليقين بالاعتبار أو الظن به، وتارة لا يكون متفاوتا، فان كان واحدا أو غير متفاوت فلا اهمال حينئذ بل يحكم بحجية الواحد في الاول الجميع في الثاني اما الاول فلأن الوحدة موجبة للتعين بالذات فلا مجال للاهمال والتردد، واما الثاني فلان التساوي وعدم التفاوت مانع من تعين البعض ولو بواسطة ظن آخر لكون المفروض تساويها من جميع الجهات، فلو كان البعض حجة دون غيره كان بلا معين فلا يكون واصلا وهو خلف، فلابد أن يكون الجميع حجة، وان كانت
لو لم يكن فيها تفاوت اصلا أو لم يكن بينها إلا واحد، وإلا فلابد من الاقتصار على متيقن الاعتبار منها أو مظنونه باجراء مقدمات دليل الانسداد حينئذ مرة أو مرات في تعيين الطريق المنصوب حتى ينتهي إلى الظن واحد أو إلى ظنون متعددة لا تفاوت ______________________________ متفاوتة في اليقين بالاعتبار بأن كان بعضها متيقن الاعتبار دون بعض كان المتيقن هو الحجة لكونه واصلا إلى المكلف، وان كانت متفاوتة بالظن بالاعتبار بأن كان بعضها مظنون الاعتبار دون ما سواه جرى دليل الانسداد في تعين الحجة على الاعتبار، فيقال: الظن بالواقع منه مظنون الاعتبار، ومنه مشكوك الاعتبار ومنه موهوم الاعتبار. ثم يقال: الظن باعتبار بعض الظنون المتعلقة بالواقع إما ان يكون واحدا فهو الحجة على الاعتبار أو متعددا وكلها متساوية في تيقن الاعتبار أو بالظن به كما تقدم فكلها حجة أيضا أو بعضها متيقن الاعتبار دون غيره فهو الحجة دون غيره، وان كان متعددا متفاوتا في الظن بالاعتبار فلابد من اجراء الدليل ثالثا لتعيين الحجة على اعتبار الظن بالاعتبار فيقال كما ذكر، وهكذا حتى ينتهي الأمر إلى ظن واحد أو ظنون متساوية أو بعضها متيقن الاعتبار فيكون ذلك هو الحجة. ثم منه ينتقل إلى اثبات غيره حتى يتعين الظن الذي هو حجة على الواقع ويكون واصلا إلى المكلف بطريقه لا بنفسه (واما) من حيث المورد والمرتبة فسيأتي (قوله: لو لم يكن فيها تفاوت) بأن كانت كلها متيقنة الاعتبار أو مظنونة الاعتبار بظن واحد أو بظنون متعددة متيقنة الاعتبار أو مظنونة الاعتبار بظن واحد وهكذا بحيث ينتهي الحال إلى تساوي الظنون من جميع الحيثيات (قوله: وإلا فلابد) يعني إذا كانت متعددة متفاوتة من حيث اليقين بالاعتبار أو الظن به (قوله: على متيقن) يعني ان كانت متفاوتة في اليقين بالاعتبار (قوله: أو مظنونه) يعني ان كانت متفاوتة بالظن بالاعتبار (قوله: باجراء مقدمات دليل الانسداد) قد عرفت صورة الدليل في الحاشية السابقة ولا يتوقف استكشاف الطريق على عدم وجوب الاحتياط في محتملات
بينها فيحكم بحجية كلها، أو متفاوتة يكون بعضها الوافي متيقن الاعتبار فيقتصر عليه وأما بحسب الموارد والمرتبة فكما إذا كانت النتيجة هي الطريق الواصل بنفسه فتدبر جيدا، ولو قيل بان النتيجة هو الطريق ولو لم يصل أصلا فالاهمال فيها يكون من الجهات ولا محيص حينئذ إلا من الاحتياط في الطريق بمراعات أطراف الاحتمال لو لم يكن بينها متيقن الاعتبار لو لم يلزم منه محذور وإلا لزم التنزل إلى حكومة العقل بالاستقلال فتأمل فان المقام من مزال الأقدام (وهم ودفع) ______________________________ الطريق التي هي احدى المقدمات لديل الانسداد، فان مقدمات الانسداد في نفس الاحكام لما كانت موجبة للعلم بنصب الطريق الواصل ولو بطريقه لم يتوقف استكشاف الطريقية على ذلك بل يكفي التفاوت في الظن بالاعتبار وعدمه حتى ينتهي الأمر إلى ظن واحد أو متعدد متيقن الاعتبار، كما انك عرفت الاشارة إلى كفاية التفاوت بين الظن بالاعتبار في الظن باعتباره وعدمه بل يكفي التفاوت في ذلك ولو في بعض المراتب البعيدة فتأمل جيدا (قوله: فكما إذا كانت النتيجة) يعني من التعميم في الأول والاهمال في الثاني، وقد عرفت أن اللازم التفصيل بين ما لو كان قدر متيقن واف فهو الحجة وغيره فاللازم التعميم (قوله: ولو قيل بان النتيجة) هذا اشارة إلى لازم الاحتمال الثالث (قوله: ولا محيص حينئذ الا من) لعدم الطريق إلى التعيين (قوله: لو لم يكن بينها متيقن) وإلا فالمتيقن الاعتبار هو الحجة (قوله: لو لم يلزم) قيد لقوله: فلا محيص... الخ، والمراد بالمحذور اختلال النظام أو الحراج (قوله: والا لزم التنزل) يعني وان لزم المحذور لزم التنزل من الكشف إلى الحكومة، وكأن الوجه في تعين الحكومة حينئذ لزوم التسلسل لتساوي المراتب والا فلو أمكن الاحتياط في اطراف محتمل الطريق على الطريق فلا كشف ولا حكومة، أو كان هناك متيقن الطريقية على الطريق امكن القول بالكشف بعين الوجه في الكشف في
لعلك تقول: ان القدر المتيقن الوافي لو كان في البين لما كان مجال لدليل الانسداد ضرورة أنه من مقدماته انسداد باب العلمي ايضا، لكنك غفلت عن أن المراد ما إذا كان اليقين بالأعتبار من قبله لأجل اليقين بانه لو كان شئ حجة شرعا كان هذا الشئ حجة قطعا بداهة أن الدليل على أحد المتلازمين إنما هو الدليل على الآخر لا الدليل على الملازمة. ثم لا يخفى أن الظن باعتبار الظن بالخصوص يوجب اليقين باعتباره من باب دليل الانسداد على تقرير الكشف بناء على كون النتيجة هو الطريق الواصل بنفسه فانه حينئذ ______________________________ دليل الانسداد في الاحكام فتأمل جيدا (قوله: لعلك تقول) هذا هو الوهم وحاصله: أنه لا مجال للتفصيل بين صورة وجود المتيقن الوافي وعدمها في محتملات الكشف لأن وجود القدر المتيقن مانع من تتميم مقدمات الانسداد، إذ من المقدمات انسداد باب العلمي (قوله: لكنك غفلت عن) هذا دفع للوهم وحاصله: أن وجود القدر المتيقن انما يكون منافيا لتتميم مقدمات الانسداد لو كان اليقين بوجود القدر المتيقن حاصلا بلا توسط دليل الانسداد، أما إذا كان حاصلا بواسطته فلا يعقل أن يكون منافيا له لأن المعلول يمتنع أن يكون منافيا لعلته واليقين بالقدر المتيقن حاصل من دليل الانسداد، وذلك لأن اليقين بأن خبر الثقة مثلا حجة ناشئ من يقينين: أحدهما اليقين بنصب الطريق، ثانيهما اليقين بالملازمة بين نصب الطريق وكون القدر المتيقن طريقا، واليقين الأول كان حاصلا بدليل الانسداد، واليقين الثاني وان لم يكن حاصلا به إلا أن حصول الاول به كاف في استناد اليقين باعتبار القدر المتيقن إلى دليل الانسداد كما هو ظاهر، ومن هنا يظهر أن قوله: لأجل اليقين... الخ بمعنى بضميمة اليقين بانه... الخ، وهو اليقين بالملازمة، وأن قوله: انما هو الدليل على الآخر، بمعنى أن للدليل على الآخر دخلا في وجوده لا أنه مستقل في التأثير كما أن المراد من قوله (ره): لا الدليل على الملازمة. بمعنى أنه لا يستند إلى الدليل على الملازمة فقط بل يستند إليه والى الدليل
* يقطع بكونه حجة كان غيره حجة أولا واحتمال عدم حجيته بالخصوص لا ينافي القطع بحجيته بملاحظة الانسداد ضرورة أنه على الفرض لا يحتمل أن يكون غيره حجة بلا نصب قرينة ولكنه من المحتمل أن يكون هو الحجة دون غيره لما فيه من خصوصية الظن بالاعتبار وبالجملة: الأمر يدور بين حجية الكل وحجيته فيكون مقطوع الاعتبار ومن هنا ظهر حال القوة ولعل نظر من رجح بها إلى هذا الفرض وكان منع شيخنا العلامة - أعلى الله مقامه - عن الترجيح بها بناء على كون النتيجة هو الطريق الواصل ولو بطريقه أو الطريق ولو لم يصل أصلا وبذلك ربما يوفق بين كلمات الاعلام في المقام وعليك بالتأمل التام. ثم لا يذهب عليك أن الترجيح بها إنما هو ______________________________ على الملزوم معا، وليس المراد أنه لا دخل للدليل على الملازمة في اليقين باللازم كما هو واضح (قوله: يقطع بكونه) محل تأمل كما سيأتي (قوله: على الفرض) يعني فرض اكشف عن الطريق الواصل بنفسه (قوله: لما فيه من خصوصية) انما يتم لو كانت مما يصح الاتكال عليها في تعيين الحجة وهو غير ظاهر (قوله: ومن هنا ظهر حال القوة) يعني إذا كان بعض الظنون أقوى من بعض يمكن الترجيح بالقوة بحيث يكون الأقوى هو الحجة لأن القوة مما يصح الاتكال عليها في تعيين الطريق (قوله: ولعل نظر من رجح) إشارة إلى ما وقع بين شيخنا المرتضى (ره) وبين المحقق التقي (ره) والفاضل النراقي - رحمه الله - من الخلاف في جواز الترجيح بالظن بالاعتبار بناء على الكشف فمنعه شيخنا (ره) لأنه بعد ما لم يكن الظن حجة لا دليل على جواز الترجيح به، ورجح به المحققان المذكوران، وأراد المصنف (ره) جعل النزاع المذكور لفظيا، وان نظر المرجح إلى الكشف عن نصب الطريق الواصل بنفسه والمانع إلى الكشف عن نصب الطريق الواصل ولو بطريقه أو غير الواصل. وهذا وان كان وجها حسنا في الجمع الا انه لا يساعده كلام شيخنا (ره)، فان نظره إلى إثبات التعميم بابطال الترجيح بالظن وهو لا يتم الا على الكشف عن الطريق الواصل بنفسه
* على تقدير كفاية الراجح وإلا فلابد من التعدي إلى غيره بمقدار الكفاية فيختلف الحال باختلاف الأنظار بل الاحوال، وأما تعميم النتيجة بان قضية العلم الاجمالي بالطريق هو الاحتياط في أطرافه فهو لا يكاد يتم إلا على تقدير كون النتيجة هو نصب الطريق ولو لم يصل أصلا، مع أن التعميم بذلك لا يوجب العمل الا على وفق المثبتات من الأطراف دون النافيات الا فيما إذا كان هناك ناف من جميع الأصناف، ضرورة ان ______________________________ ولا كلام النراقي فانه ظاهر في كون المراد من الترجيح بالظن اجراء مقدمات الانسداد في تعيين الطريق هو لا يتم على الكشف عن الطريق الواصل بنفسه، مع أنه أجنبي عن الترجيح بالظن. فلاحظ صدر عبارته المحكية في الرسائل. نعم تساعده كلمات المحقق التقي (ره). هذا مضافا إلى ما أشرنا إليه من أن مجرد الظن بالاعتبار لا يصح الاتكال عليه في تعيين الحجة ما لم يكن في نفسه حجة فتأمل جيدا (قوله: على تقدير كفاية) بحيث يجوز الرجوع في غير مورده إلى الاصول، ولا يلزم محذور (قوله: بمقدار الكفاية) يعنى لا الاكثر إذا لم يكن مرجح لذلك المقدار فيلزم التعميم كما لو لم يكن مرجح أصلا (قوله: باختلاف الانظار) يعني من حيث حصول الظن بالاعتبار الموجب للترجيح وعدمه وكونه بمقدار كاف بالمعنى المتقدم وعدمه (قوله: وأما تعميم النتيجة) هذا هو الطريق الثالث من طرق التعميم التي ذكرها شيخنا الاعظم - رحمه الله -، (قوله: الا على تقدير كون) إذ على تقدير الكشف عن الطريق الواصل بنفسه يكون الجميع حجة وعلى تقدير الكشف عن الواصل ولو بطريقه يمكن تعيينه بالظن كما تقدم فلا موجب للاحتياط في الجميع (قوله: دون النافيات) إذ هي لا اقتضاء لها في الترك ولا تصلح للمؤمنية مع الشك في حجيتها (قوله: الا فيما إذا) فانه يعلم حينئذ بقيام الحجة على النفي فيحصل الأمن من تبعة التكليف لو
الاحتياط فيها لا يقتضي رفع اليد عن الاحتياط في المسألة الفرعية إذا لزم حيث لا ينافيه، كيف ويجوز الاحتياط فيها مع قيام الحجة النافية كما لا يخفى فما ظنك بما لا يجب الأخذ بموجبه الا من باب الاحتياط فافهم. فصل قد اشتهر الاشكال بالقطع بخروج القياس على عموم نتيجة دليل الانسداد بتقرير الحكومة وتقريره - على ما في الرسائل - أنه كيف يجامع حكم العقل بكون الظن كالعلم مناطا للاطاعة والمعصية ويقبح على الآمر والمأمور التعدي عنه ومع ______________________________ كان (قوله: الاحتياط فيها) ضمير فيها راجع إلى النافيات (قوله: لا يقتضي رفع) لما عرفت من عدم الاقتضاء للنافي فلا معنى للاحتياط فيه حتى يزاحم الاحتياط في المسألة الفرعية الناشئ عن العلم الاجمالي بالتكليف (قوله: فيها مع) الضمير راجع إلى المسألة الفرعية. اشكال خروج القياس (قوله: قد اشتهر الاشكال بالقطع) إعلم أنه لا ينبغي الاشكال في عدم حجية الظن القياسي شرعا بمعنى عدم كونه طريقا منصوبا من قبل الشارع مثبتا كان أو نافيا، وفي جواز الاعتماد عليه في الجملة ولو عند انسداد باب العلم والعلمي اشكال، وعلى تقدير عدم الجواز اخذا باطلاق نصوص المنع عنه واطلاق معاقد الاجماعات على عدم العمل به فيشكل ذلك بناء على حجية الظن عقلا بدليل الانسداد لأن حكم العقل بحجية الظن كسائر أحكامه لا يقبل التخصيص فالنهي الشرعي عن القياس ان كان ممضي عند العقل كان ذلك تخصيصا لحكمه بحجية الظن وهو ممتنع، وان كان مردودا عنده كان المنع الشرعي لغوا قبيحا، مع انك قد عرفت أنه ثابت فضلا عن كونه صحيحا (قوله: بتقرير الحكومة) أما على الكشف
ذلك يحصل الظن أو خصوص الاطمئنان من القياس ولا يجوز الشارع العمل به ؟ فان المنع عن العمل بما يقتضيه العقل من الظن أو خصوص الاطمئنان لو فرض ممكنا جرى في غير القياس فلا يكون العقل مستقلا إذ لعله نهي عن امارة مثل ما نهى عن القياس واختفى علينا ولا دافع لهذا الاحتمال إلا قبح ذلك على الشارع إذ احتمال صدور ممكن بالذات عن الحكيم لا يرتفع الا بقبحه وهذا من أفراد ما اشتهر من أن الدليل العقلي لا يقبل التخصيص انتهى موضع الحاجة من كلامه - زيد في علو ______________________________ بانحائه الثلاثة فلا مجال للاشكال لعدم حكم العقل حينئذ حتى يستشكل في الجمع بينه وبين النهي الشرعي، بل يكون النهي حينئذ كاشفا عن كون الطريق المستكشف غيره ولا تجب موافقته، بل لا مجال للاشكال على بعض انحاء الحكومة ايضا إذ لو كان المنجز هو العلم بالاهتمام أو الاجماع فالنهي موجب لخروج مورد القياس عن مواردهما فلا موجب للعمل به، كما أنه بناء على العلم الاجمالي بنصب الطرق الموجب للاحتياط في كل محتمل الطريقية كما هو مذهب القائل بالظن بالطريق فلا اشكال إذ النهي موجب لخروج القياس عن كونه محتمل الطريقية ليجب العمل عليه. نعم يتسجل الاشكال على هذا المذهب لو كان الظن بالطريق حاصلا من القياس، كما لا مجال للاشكال على طريقة التبعيض فان العمل بالاحتياط في المظنونات ليس عملا بالظن وانما هو احتياط من جهة العلم الاجمالي غاية الأمر يترجح اسقاط الاحتياط في مظنون عدم التكليف من جهة انه أبعد عن الواقع من غيره فإذا كان الظن بعدم التكليف ناشئا من القياس فاسقاط الاحتياط في مورده ليس عملا بالقياس، اللهم إلا أن يدعى عموم أدلة النهي عن القياس لذلك ايضا فيتسجل الاشكال عليه ايضا. نعم يتضح ورود الاشكال على ما هو ظاهر المشهور من أن المقدمات موجبة لحكم العقل بحجية الظن في حال الانسداد كغيره من الحجج بنحو يكون عليه المعول في اثبات التكليف ونفيه فلاحظ (قوله: الا بقبحه) الموجب لكونه ممتنعا بالعرض (قوله: وهذا من أفراد) يعني
مقامه - وأنت خبير بانه لا وقع لهذا الاشكال بعد وضوح كون حكم العقل بذلك معلقا على عدم نصب الشارع طريقا واصلا وعدم حكمه به فيما كان هناك منصوب ولو كان أصلا، بداهة أن من مقدمات حكمه عدم وجود علم ولا علمي فلا موضع لحكمه مع أحدهما، والنهي عن ظن حاصل من سبب ليس الا كنصب شئ بل هو يستلزمه فيما كان في مورده أصل شرعي فلا يكون ______________________________ حكم العقل في المقام (قوله: بعد وضوح كون) لا ريب فيما ذكر فانه إذا كان من مقدمات حكم العقل انسداد باب العلم والعلمي كان مورده خصوص الوقائع التي لم يكن فيها طريق علمي على ثبوت التكليف أو نفيه والوقائع التي قام فيها الطريق على ثبوت التكليف فيها أو انتفائه خارج عن موضوع الدليل وعن حكم العقل بحجية الظن (قوله: بذلك) أي بحجية الظن (قوله: وعدم حكمه) معطوف على (كون حكم العقل) وضمير (به) راجع إلى المراد باسم الاشارة (قوله: ولو كان أصلا) لا يخلو من تسامح فان الاصل ليس من الطرق ولذا تكفلت المقدمة الرابعة لنفيه والمقدمة الثانية لنفي الطريق والأمر سهل (قوله: ليس الا كنصب شئ) هذا غير ظاهر ولا يقتضيه كون انسداد باب العلم والعلمي من مقدمات الدليل، إذ النهي ليس نصبا للطريق ولا كالنصب - كما هو ظاهر - ولعل المقصود أنه كما أن حكم العقل معلق على عدم النصب معلق على عدم النهي ايضا وإن كان الوجه الذي ذكره في الأول لا يرتبط باثبات الثاني، بل الوجه في الثاني صحة النهي في نظر العقلاء الكاشف عن كون حكمه بوجوب العمل بالظن تعليقيا لا تنجيزيا منافيا للنهي، ولكن العبارة لا تساعد عليه فلاحظ (قوله: بل هو يستلزمه) هذا الاسلتزام لا يخلو من تأمل ايضا غاية الأمر أن يكون مورد الظن القياسي كسائر الموارد التي لا علم فيها ولا علمي حاكم على الأصل يكون الأصل فيها مرجعا لو لم يكن عنه مانع من علم اجمالي أو معارضة أو لزوم الخروج عن الدين أو غير ذلك بلا فرق بينه وبين سائر الموارد التي ليس فيها علم
نهيه عنه رفعا لحكمه عن موضوعه بل به يرتفع موضوعه وليس حال النهي عن سبب مفيد للظن إلا كالأمر بما لا يفيده وكما لا حكومة معه للعقل لا حكومة له معه وكما لا يصح بلحاظ حكمه الاشكال فيه لا يصح الاشكال فيه بلحاظه (نعم) لا باس بالاشكال فيه في نفسه كما أشكل فيه برأسه بملاحظة توهم استلزام النصب لمحاذير تقدم الكلام في تقريرها وما هو التحقيق في جوابها في جعل الطرق غاية الامر تلك المحاذير التي تكون فيما إذا أخطأ الطريق المنصوب كانت في الطريق المنهي عنه في مورد الاصابة ولكن من الواضح أنه لا دخل لذلك في الاشكال على دليل الانسداد بخروج القياس ______________________________ ولا علمي وتكون من موارد دليل الانسداد، فلو لم يكن حكم العقل تعليقيا على عدم النهي وكان تعليقيا على عدم النصب فقط لم يكن نفس النهي موجبا للنصب، فالعمدة اثبات كونه تعليقيا على عدم النهي. فلاحظ (قوله: نهيه عنه) أي نهي الشارع عن الظن الحاصل من سبب، وضمير (لحكمه) راجع إلى العقل، (وعن موضوعه) راجع إلى حكم العقل، وضمير (به) إلى النهي، وضمير (موضوعه) إلى حكم العقل، وضمير (لا يفيده) راجع إلى الظن، وضمير (معه) الاولى راجع إلى الامر، (ومعه) الثانية راجع الي النهي، وضمير (حكمه) راجع إلى العقل وضمير (فيه) الاولى راجع إلى الامر والثانية راجع إلى النهي، وضمير (بلحاظه) راجع إلى حكم العقل (قوله: نعم لا بأس بالاشكال فيه) ضمير (فيه) الأولى وضمير (نفسه) راجع إلى النهي و (فيه) الثانية و (براسه) راجع إلى الأمر، يعني أن هاهنا إشكالا آخر في صحة النهي عن الظن مع قطع النظر عن حكم العقل بوجوب اتباع الظن بل بالنظر إلى النهي نفسه فيقال: كيف يصح النهي عن الظن مع أنه ربما يصيب الواقع فيكون النهي عنه موجبا لتفويت المصلحة أو الالقاء في المفسدة ؟ وهذا نظير الاشكال في الامر بالظن الذي توهمه ابن قبة، غابة الأمر أن الاشكال في النهي يختص بصورة الاصابة وفى الأمر بصورة الخطأ (قوله: لا دخل لذلك في الاشكال على) فانه إشكال في صحة النهي من حيث حكم العقل ومنافاته له لا من حيث صحته
ضرورة أنه بعد الفراغ عن صحة النهي عنه في الجملة قد أشكل في عموم النهي لحال الانسداد بملاحظة حكم العقل وقد عرفت أنه بمكان من الفساد واستلزام إمكان المنع عنه لاحتمال المنع عن امارة أخرى وقد اختفى علينا وإن كان موجبا لعدم استقلال العقل إلا أنه إنما يكون بالاضافة إلى تلك الامارة لو كان غيرها مما لا يحتمل فيه المنع ______________________________ في نفسه (قوله: ضرورة انه) ضمير (انه) راجع إلى الشأن (قوله: بملاحظة حكم) متعلق بأشكل (قوله: واستلزام) شروع في دفع ما ذكر في عبارة الرسائل بقوله: فان المنع.. الخ، وحاصل الدفع: أن إمكان المنع وان كان موجبا لاحتمال المنع بالنسبة إلى كل ظن ولو كان غير الظن القياسي إلا أنه إذا لم يمنع من الاحتمال مانع آخر من لزوم الخروج عن الدين وغيره مما دل على عدم جواز اهمال التكاليف فان ذلك مانع عن احتمال الترخيص في مخالفة الظن. نعم لو فرض حصول مقدار من الظنون لا يحتمل فيها المنع الشرعي بحيث يجب العمل عقلا عليها بلا مانع امكن تأتي احتمال المنع الشرعي في غيرها إذ لا مانع حينئذ من احتمال المنع الشرعي (ويمكن) أن يقال: ان عدم وجود ما به الكفاية من الظنون لا يمنع من المنع الشرعي لأن مرجع المنع الشرعي إلى عدم جواز التعويل على الظن بحيث تكون المظنونات كالمشكوكات، وحينئذ فلو كان مانع عن المخالفة من لزوم الخروج عن الدين ونحوه وجب ترتيب اثره. نعم لو كان مفاد النهي الشرعي الترخيص في مخالفة الظن من جميع الجهات كان من ذكره في محله، إلا انه لا يمكن التزامه في الظن القياسي فضلا عن غيره إذ لا ريب أنه لو فرض كون جميع الظنون من الظن القياسي لم يكن المنع عن القياس ممتنعا. فلاحظ وتأمل. فالعمدة إذا في دفع الاشكال المذكور كون حكم العقل تعليقيا على عدم وصول المنع لا على عدم المنع واقعا فاحتمال المنع الشرعي لا يوجب توقف العقل عن الحكم بوجوب العمل بالظن (قوله: لاحتمال) متعلق باستلزام (قوله: وان كان) اسم كان ضمير راجع إلى الاستلزام (قوله: تلك الامارة) يعني المحتمل فيها المنع
بمقدار الكفاية وإلا فلا مجال لاحتمال المنع فيها مع فرض استقلال العقل ضرورة عدم استقلاله بحكم مع احتمال وجود مانعه على ما يأتي تحقيقه في الظن المانع والممنوع وقياس حكم العقل بكون الظن مناطا للاطاعة في هذا الحال على حكمه بكون العلم مناطا لها في حال الانفتاح لا يكاد يخفى على أحد فساده لوضوح أنه مع الفارق ضرورة أن حكمه في العلم على نحو التنجز وفيه على نحو التعليق. ثم لا يكاد ينقضي تعجبي لم خصصوا الاشكال بالنهي عن القياس مع جريانه في الأمر بطريق غير مفيد للظن بداهة انتفاء حكمه في مورد الطريق قطعا مع أنه لا يظن باحد أن يستشكل بذلك وليس الا لأجل ان حكمه به معلق على عدم النصب ومعه لا حكم له كما هو كذلك مع النهي عن بعض أفراد الظن فتدبر جيدا وقد انقدح بذلك أنه لا وقع للجواب عن الاشكال (تارة) بأن المنع عن القياس لأجل كونه غالب المخالفة (وأخرى) بأن العمل به يكون ذا مفسدة غالبة على مصلحة الواقع الثابتة عند الاصابة وذلك لبداهة أنه إنما يشكل بخروجه بعد الفراغ عن صحة المنع عنه في نفسه بملاحظة حكم العقل بحجية الظن ولا يكاد يجدي صحته كذلك في الذب عن الاشكال في صحته بهذا اللحاظ فافهم فانه لا يخلو عن دقة، وأما ما قيل في جوابه من منع عموم المنع عنه بحال ______________________________ (قوله: مع فرض استقلال العقل) يعني لما تقدم من لزوم الخروج عن الدين لكن عرفت ما فيه (قوله: وقياس حكم العقل) كما ذكر في الرسائل في تقرير الاشكال (قوله: لم خصصوا الاشكال) الوجه في هذا التخصيص ما عرفت من الفرق بين نصب الطريق والنهي عن ظن (قوله: وذلك لبداهة) يعني أنك عرفت أن الاشكال في صحة النهي عن الظن من جهتين من حيث نفسه ومن حيث منافاته لحكم العقل بحجية الظن بعد الانسداد، وهذان الجوابان إنما يدفعان الاشكال من الجهة الاولى لا الثانية فلا وقع لهما في المقام (قوله: بملاحظة حكم) متعلق بقوله: (يشكل) (قوله: صحته كذلك) يعنى في نفسه (قوله: بهذا اللحاظ يعني لحاظ حكم العقل (قوله: من منع عموم المنع) هذان
الانسداد أو منع حصول الظن منه بعد انكشاف حاله وأن ما يفسده أكثر مما يصلحه ففي غاية الفساد فانه مضافا إلى كون كل واحد من المنعين غير سديد لدعوى الاجماع على عموم المنع مع اطلاق أدلته وعموم علته وشهادة الوجدان بحصول الظن منه في بعض الأحيان لا يكاد يكون في دفع الاشكال بالقطع بخروج الظن الناشئ منه بمفيد غاية الأمر انه لا اشكال مع فرض أحد المنعين لكنه غير فرض الاشكال فتدبر جيدا. ______________________________ جوابان آخران ذكرهما الشيخ (ره) في الرسائل (الاول) أنه ليس عن الظن القياسي منع شرعي حال الانسداد ليتوجه اشكال المنافاة بينه وبين حكم العقل (والثاني) أن القياس لا يفيد الظن بعدما ورد في نصوص المنع عن القياس ما دل على غلبة مخالفته للواقع وان ما يفسده اكثر مما يصلحه وإذا لم يفد الظن لم يختلف حكم الشارع والعقل فيه إذ موضوع حكم العقل هو الظن لا نفس القياس وان لم يفد الظن (قوله: لدعوى الاجماع) شروع في الجواب عن الاول (قوله: عموم المنع) يعني لحال الانسداد (قوله: وعموم علته) مثل: إن السنة إذا قيست محق الدين، وان ما يفسده اكثر مما يصلحه (قوله: وشهادة الوجدان) شروع في الجواب عن الثاني (قوله: لا يكاد يكون في) خبر (ان) في (فانه) وحاصله ايراد على الجوابين معا يعني لو سلمنا المنع في كل واحد من الجوابين، لكن ذلك المنع لا يصلح لرفع الاشكال بل يكون فرارا عنه إذ ظاهر الجوابين تسليم المنافاة بين الحكم الشرعي والعقلي وهو عين الاشكال (قوله: بالقطع) متعلق بالاشكال (قوله: بمفيد) خبر يكون
فصل (إذا قام ظن على عدم حجية ظن بالخصوص) فالتحقيق ان يقال بعد تصور المنع عن بعض الظنون في حال الانسداد إنه لا استقلال للعقل بحجية ظن احتمل المنع عنه فضلا عما إذا ظن كما أشرنا إليه في الفصل السابق فلا بد من الاقتصار على ظن قطع بعدم المنع عنه بالخصوص فان كفى والا فبضميمة ما لم يظن المنع عنه وان احتمل مع قطع النظر عن مقدمات الانسداد وان انسد باب هذا الاحتمال معها كما لا يخفى وذلك ضرورة انه لا احتمال مع الاستقلال حسب الفرض ومنه انقدح انه لا تتفاوت الحال لو قيل بكون النتيجة هي حجية الظن في الأصول أو في الفروع أو فيهما فافهم ______________________________ الظن المانع والممنوع (قوله: بعد تصور المنع) حسبما تقدم، ولو بنينا على امتناع المنع كان فرض الظن بالمنع ممتنعا (قوله: لا استقلال للعقل) قد عرفت أنه يمكن دعوى كون حكم العقل بحجية الظن معلقا على عدم ثبوت الردع لا على عدم الردع فاحتماله لا يمنع من حكم العقل بوجوب العمل (قوله: انه لا تتفاوت الحال) على ما ذكرنا تتفاوت الحال بينهما إذ بناء على حجية الظن بالاصول فالظن الممنوع مما يظن بعدم حجيته فلا يجوز العمل عليه، وبناء على حجية الظن في الفروع يكون العمل على الممنوع لانه منه دون المانع، وبناء على حجية كل منهما يجوز العمل بكل واحد منهما في نفسه لكن لتمانعهما يتعين بالمانع لأن المقضتي فيه تنجيزي وفي الممنوع تعليقي وذو المقتضي التنجيزي مقدم على ذي المقتضي للتعليقي، كما لو قام فرد من الخبر حجة على عدم حجية فرد آخر بحيث لولا قيامه على عدم حجيته لكان حجة فان الاول لما كان صالحا لتخصيص دليل الحجية والثاني
فصل لا فرق في نتيجة دليل الانسداد بين الظن بالحكم من امارة عليه وبين الظن به من امارة متعلقة بالفاظ الآية أو الرواية كقول اللغوي فيما يورث الظن بمراد الشارع من لفظه وهو واضح. ولا يخفى أن اعتبار ما يورثه يختص بما إذا كان مما يفسد فيه باب العلم فقول أهل اللغة حجة فيما يورث الظن بالحكم مع الانسداد ______________________________ لا يصلح لتخصيصه فان شمول دليل الحجية له مانع من شموله للاول لا بنحو التخصيص، كان المتعين تقديم الأول على الثاني لئلا يلزم التخصيص بلا مخصص، وكذا نقول في المقام بالنسبة إلى مناط حكم العقل بالحجية، وسيأتي له نظائر كثيرة انشاء الله ومنه يظهر الحال على طريقة التبعيض وعلى تقرير الاهتمام، فالظن المانع لا يجامع الاهتمام في مورد الممنوع، وعلى الكشف عن الطريق الواصل بنفسه فالعمل على المانع بناء على الترجيح بالظن لان الظن بالمنع يوجب الظن بكون الطريق المنصوب غيره، ومثله القول بالكشف عن الطريق الواصل بطريقه، وأما القول بالكشف عن الطريق في الجملة فعلى تقدير إمكان الاحتياط ووجوبه يجب العمل بالممنوع لانه من اطراف الشبهة والظن بالمنع لا يخرجه عنها، وعلى تقدير العدم فالحكم هو الحكم في النحوين الاولين سواء قلنا بالكشف حينئذ كما احتملناه ام بالحكومة كما جزم به المصنف (ره) لما عرفت من ملازمة الظن المذكور لظن آخر يكون العمل عليه. فلاحظ وتأمل فان المقام به حقيق (قوله: لا فرق في نتيجة دليل) من الواضح أنه إذا أنتجت المقدمات حجية الظن بالحكم بمناط كونه أقرب وقبح ترجيح المرجوح فلا فرق بين الظن به من امارة قائمة عليه بلا واسطة وبين الظن به الحاصل من أمارة قائمة على غيره من جهة التلازم بينه وبين مؤدى الامارة الموجب لحصول الظن بأحدهما من الظن بالآخر لاطراد المناط المذكور
ولو انفتح باب العلم باللغة في غير المورد (نعم) لا يكاد يترتب عليه أثر آخر من تعيين المراد في وصية أو إقرار أو غيرهما من الموضوعات الخارجية الا فيما يثبت فيه حجية مطلق الظن بالخصوص أو ذاك المخصوص ومثله الظن الحاصل بحكم شرعي كلي من الظن بموضوع خارجي كالظن بأن راوي الخبر هو (زرارة بن أعين) مثلا لا آخر. فانقدح أن الظنون الرجالية مجدية في حال الانسداد ولو لم يقم دليل على اعتبار قول الرجالي لا من باب الشهادة ولا من باب الرواية (تنبيه) لا يبعد استقلال العقل بلزوم تقليل الاحتمالات المتطرقة إلى مثل السند ______________________________ في الجميع، كما لا فرق بين كون الامارة مما توجب الظن غالبا ولا توجبه، وما كان من الاسباب العادية وغيره لاتحاد الجميع في حصول المناط المذكور (قوله: ولو انفتح باب العلم) كما أنه لو انفتح باب العلم بالاحكام فالظن به من قول اللغوي ليس بحجة وإن انسد باب العلم في اللغات كما تقدم في حجية قول اللغويين (قوله: نعم لا يكاد يترتب) إذ لا ملازمة بين حجية الظن بالاحكام وحجيته في سائر الموضوعات ذوات الآثار مثل الوصية والاقرار وغيرهما فاثبات حجيته فيها يتوقف على قيام دليل على حجية الظن مطلقا فيها أو خصوص الظن المعين، فالظن بمراد الشارع الحاصل من قول اللغوي حجة دون الظن بمراد الموصي أو المقر الحاصل من قوله، إلا أن يقوم عليه دليل بالخصوص، يعني غير دليل الانسداد (قوله: أو ذاك المخصوص) لا مطلق الظن (قوله: ومثله الظن) اي مثل الظن الحاصل من قول اللغوي (قوله: على اعتبار قول الرجالي) أما دعوى كونه من باب الشهادة فليست الا من جهة كون موضوع الشهادة هو الاخبار عن الموضوع وإخبار الرجاليين عن مثل عدالة الراوي ووثاقته وكون أبي بصير الذي يروي عنه ابن مسكان ليث المرادي، والذي يروي عنه شعيب بن يعقوب يحيى ابن القاسم، ونحو ذلك من قبيل الاخبار عن الموضوع، وقد عرفت هناك سقوط هذه الدعوى من جهة أنه وإن سلم كون موضوع الخبر هو الموضوع لا الحكم إلا أن المدلول الالتزامي له لما كان هو الحكم الكلي كان من قبيل الرواية من هذه الجهة. فلاحظ ذلك المقام وتأمل (قوله: لا يبعد استقلال)
أو الدلالة أو جهة الصدور مهما أمكن في الرواية وعدم الاقتصار على الظن الحاصل منها بلاسد بابه فيه بالحجة من علم أو علمي وذلك لعدم جواز التنزل في صورة الانسداد إلى الضعيف مع التمكن من القوي أو ما بحكمه عقلا فتأمل جيدا فصل إنما الثابت بمقدمات دليل الانسداد في الأحكام هو حجية الظن فيها لا حجيته ______________________________ يعني إذا حصل الظن بالحكم من امارة قامت عليه وكان احتمال الخلاف ناشئا من احتمال امور كثيرة وامكن المكلف سد بعض ابواب تلك الاحتمالات بالفحص عن وجود حجة رافعة لها علما كانت أو علميا وجب تحصيل تلك الحجة ورفع الاحتمال مهما أمكن وان لم ينته إلى العلم بالحكم لان ارتفاع الاحتمال ولو من بعض الجهات موجب لقوة الظن، وكما يجب الاخذ بالظن ولا يجوز التنزل عنه بمناط الاقربية إلى الواقع يجب الاقتصار على القوي منه، ولا يجوز التنزل إلى الضعيف لعين المناط المذكور (قوله: أو جهة الصدور) وهي الجهة الباعثة على البيان مثل كونه بداعي بيان الواقع أو بداعي بيان غيره تقية أو غير ذلك (قوله: بابه) أي باب الاحتمال (قوله: وذلك لعدم) تعليل لوجوب تقليل الاحتمالات. ثم ان هذا التعليل إنما يوجب ما ذكر من الفحص إذا كان موجبا لتقليل الاحتمالات حقيقة فان ذلك موجب لقوة الظن أما إذا كان موجبا لتقليلها حكما كما لو كانت الحجة علميا لا علما فاقتضاؤه للفحص محل اشكال إذ بعد ما كان الظن بحاله ومرتبته ولا يقوى حقيقة بالفحص لا يحكم العقل بوجوبه، ومجرد تقليله حكما لا يصلح مناطا في نظر العقل. فلاحظ وتأمل (قوله: من القوي) حقيقة كما لو كانت الحجة علما (قوله: اوما بحكمه) لو كانت علميا الظن بالفراغ (قوله: انما الثابت بمقدمات دليل الانسداد) من الواضح ان للعمل بالظن
في تطبيق المأتي به في الخارج معها فيتبع مثلا في وجوب صلاة الجمعة يومها لا في إتيانها بل لابد من علم أو علمي باتيانها كما لا يخفى. نعم ربما يجري نظير مقدمات الانسداد في الأحكام في بعض الموضوعات الخارجية من انسداد باب العلم به غالبا واهتمام الشارع به بحيث علم بعدم الرضا بمخالفته الواقع باجراء الأصول فيه مهما أمكن وعدم وجوب الاحتياط شرعا أو عدم امكانه عقلا ______________________________ أو غيره من الحجج مقامين (احدهما) مقام الاثبات والاشتغال (وثانيهما) مقام الفراغ والامتثال، ولا تلازم بين المقامين في الحجج فكم من حجة في الاول لا تكون حجة في الثاني وبالعكس، ومقدمات الانسداد إذا اقتضت حجية الظن في الاول فلا يلزم ان يكون حجة في الثاني، وحينئذ فالمرجع في مقام الفراغ قواعد اخر مثل قاعدة الفراغ والصحة والتجاوز وغيرها ولا يكفي مجرد الظن في الفراغ (قوله: في الخارج معها) الضمير راجع إلى الاحكام ومعها متعلق بتطبيق (قوله: نعم ربما يجري نظير مقدمات) بعد ما كانت مقدمات الانسداد في الاحكام لا توجب حجية الظن في الفراغ، فنقول: ليس لنا دليل آخر على حجيته فيه بل لا يظن القول به من احد. نعم قد يحكى عن الشيخ (ره) في جواهره القول بحجية الاطمئنان فيه وفى الأحكام، بل ربما يحكى عن شيخنا المرتضى وكأن الوجه فيه بناء العقلاء لكن لوتم فاشكال الردع عنه بالآيات الناهية عن اتباع غير العلم قد تقدم ماله وما عليه. فراجع، ولو فرض عدم تمامية البناء المذكور ولو من جهة الآيات الرادعة فقد يقرر في بعض الموضوعات نظير دليل الانسداد في الأحكام ليثبت بذلك حجية الظن به مثل الضرر الذي صار موضوعا شرعا لأحكام كثيرة مثل جواز التيمم والافطار والصلاة بالنجس أو من جلوس أو غير ذلك من انحاء صلاة المضطر فانه وان لم يمكن اجراء مقدمات الانسداد فيه إذ لا يلزم من الرجوع إلى الاصول فيه مخالفة لعلم اجمالي فضلا عن المخالفة الكثيرة لقلة ابتلاء المكلف بمحتملاته، وحصول الطريق الشرعي إلى اثباته أو نفيه في كثير
كما في موارد الضرر المردد أمره بين الوجوب والحرمة مثلا فلا محيص عن اتباع الظن حينئذ ايضا فافهم. خاتمة يذكر فيها أمرامه استطرادا (الأول) هل الظن كما يتبع عند الانسداد عقلا في الفروع العملية المطلوب فيها أولا العمل بالجوارح يتبع في الأصول الاعتقادية المطلوب فيها عمل الجوانح ______________________________ منها إلا أنه يمكن اجراء شبه الدليل المذكور فيقال - بعد انسداد باب العلم فيه - انا نعلم باهتمام الشارع في مراعاة الواقع بنحو لا يرضى باجراء الأصول في كل مورد مورد ونعلم بعدم وجوب الاحتياط فيه شرعا أو انه لا يمكن لكون الدوران في موارد احتماله من قبيل الدوران بين محذورين، إذ على تقدير ثبوت الضرر واقعا بالوضوء مثلا يحرم وعلى تقدير عدمه يجب، فبضميمة قبح ترجيح المرجوح يحكم بوجوب الأخذ بالظن لأنه اقرب إلى ادراك مصلحة الواقع فيكون الظن فيه حجة كما يكون حجة في الأحكام على تقدير الانسداد. هذا ولكن يتوقف ما ذكر على احراز اهتمام المذكور كما يتوقف أيضا على عدم اخذ الخوف موضوعا لأدلة التشريع كما ورد في الافطار وغيره، إذ لو اخذ نفس الخوف كان بنفسه موضوعا للحكم الواقعي والظاهري ويحصل بالاحتمال العقلائي فضلا عن الشك والظن بل يمكن دعوى كون الخوف نفسه موضوعا للحكم الواقعي بادلة نفي الحرج لأن التكليف بالوقوع في المخوف حرج مرفوع بها، وحينئذ لا يحتاج إلى الظن بالضرر بل يكفي خوفه في ترتيب آثار الضرر. فلاحظ وتأمل (قوله: كما في موارد الضرر) مثال لعدم امكان الاحتياط ومثله موارد خوف فوت الوقت الموجب لسقوط اعتبار بعض ما يعتبر في الصلاة جزءا أو شرطا (قوله: ايضا فافهم) لعله إشارة إلى بعض ما ذكرناه في الحاشية السابقة
من الاعتقاد به وعقد القلب عليه وتحمله والانقياد له أولا ؟ الظاهر (لا) فان الأمر الاعتقادي وان انسد باب القطع به إلا أن باب الاعتقاد إجمالا بما هو واقعه والانقياد له وتحمله غير منسد بخلاف العمل بالجوارح فانه لا يكاد يعلم مطابقته مع ما هو واقعه إلا بالاحتياط والمفروض عدم وجوبه شرعا أو عدم جوازه عقلا ولا أقرب من العمل على وفق الظن، وبالجملة لا موجب مع انسداد باب العلم في الاعتقاديات لترتيب الاعمال الجوانحية على الظن فيها مع إمكان ترتيبها على ما هو الواقع فيها فلا يتحمل إلا لما هو الواقع ولا ينقاد إلا له لا لما هو مظنونه، وهذا بخلاف العمليات فانه لا محيص عن العمل بالظن فيها مع مقدمات الانسداد. نعم يجب تحصيل العلم في بعض ______________________________ الظن في اصول الدين (قوله من الاعتقاد به) بيان لعمل الجوانح (قوله: وعقد) بيان للاعتقاد ومنه يظهر ان الاعتقاد ليس هو العلم ولا ملازما له لامكان حصول العلم بالواقع مع عدم الاعتقاد به بل مع الاعتقاد بخلافه كما يشهد له قوله تعالى: (جحدوا بها واستيقنتها انفسهم) فكل منهما ينفك عن الآخر (قوله: فان الأمر الاعتقادي) يعني أن العمل على الظن في الاصول الاعتقادية يتوقف على تتميم مقدمات الانسداد فيها وهو غير ممكن إذ منها عدم امكان الاحتياط الموجب للدوران بين الأخذ بالطرف المظنون والموهوم وبقاعدة قبح ترجيح المرجوح يتعين الاول، وفي المقام لا مجال للدوران المذكور لامكان الاعتقاد بها اجمالا على ما هي عليه واقعا، إلا أن يدعى وجوب الاعتقاد بها تفصيلا حتى في حال الجهل فانه حيث لا يمكن العلم بها لابد من سلوك الظن لانه أقرب إلى الواقع، لكن لابد من الالتزام بالكشف إذ لو لم تكشف المقدمات عن كون الظن حجة شرعا كان الاعتقاد المطابق له تشريعا محرما عقلا. فتأمل جيدا. إلا أن دعوى وجوب الاعتقاد تفصيلا مطلقا لا دليل عليها من عقل أو شرع فلاحظ (قوله: لترتيب) متعلق
* الاعتقادات لو أمكن من باب وجوب المعرفة لنفسها كمعرفة الواجب تعالى وصفاته أداء لشكر بعض نعمائه ومعرفة أنبيائه فانهم وسائط نعمه وآلائه بل ______________________________ بموجب (قوله: كمعرفة الواجب تعالى) لا ريب ظاهرا في وجوب هذه المعارف وانما الخلاف في وجوبها عقلا أو شرعا، فالمحكي عن العدلية الاول، وعن الاشاعرة الثاني، والخلاف في ذلك منهم مبني على الخلاف في ثبوت قاعدة التحسين والتقبيح العقليين، فعلى القول بها - كما هو مذهب الاولين - تكون واجبة عقلا لان شكر المنعم ودفع الخوف عن النفس واجبان وهما يتوقفان على المعرفة وما يتوقف عليه الواجب واجب، وظاهر تقرير هذا الدليل كون وجوب المعرفة غيري، والمصنف (ره) جعل وجوبها نفسيا بناء منه على كون المعرفة بنفسها شكرا، فإذا كان الشكر واجبا عقلا لكونه حسنا بنفسه كانت المعرفة بنفسها واجبة لا أنها مقدمة لواجب، ولذا قال في تعليل وجوبها: أداء لشكر بعض... الخ. نعم لو كان الشكر واجبا من باب وجوب دفع الضرر كان وجوبه غيريا فيكون وجوب المعرفة حينئذ غيريا، بل لو قلنا حينئذ بان وجوب دفع الضرر ليس عقليا بل فطريا كان وجوبها فطريا غيريا لا عقليا لا نفسيا ولا غيريا. والانصاف يقتضي التأمل في وجوب الشكر لنفسه وان كان حسنا لان حسنه لا يلازم وجوبه، نعم هو واجب من باب وجوب دفع الضرر المحتمل فيكون وجوب المعرفة غيريا لا نفسيا. وأما كونه عقليا أو فطريا فقد عرفت فيما سبق تحقيقه. فلاحظ. ثم إنه قد يتوهم كون وجوب المعرفة غيريا من جهة توقف الاعتقاد عليها، لكنه انما يتم لو كان الاعتقاد واجبا تفصيلا مطلقا غير مشروط بالمعرفة مع توقفه على المعرفة وقد عرفت الاشكال في الاول كما يمكن منع الثاني لامكان تحقق الاعتقاد بلا معرفة غاية الامر أنه تشريع محرم عقلا لكن تحريمه كذلك لا يقتضي وجوب المعرفة. نعم لو كان الواجب عقلا هو الاعتقاد عن معرفة كانت واجبة لغيرها لكنه أول الكلام (قوله: فانهم وسائط) يعني فتكون معرفتهم أداء للشكر الواجب
وكذا معرفة الامام - عليه السلام - على وجه صحيح فالعقل يستقل بوجوب معرفة النبي ووصيه لذلك ولاحتمال الضرر في تركه ولا يجب عقلا معرفة غير ما ذكر الا ما وجب شرعا معرفته كمعرفة الامام - عليه السلام - على وجه آخر غير صحيح أو أمر آخر مما دل الشرع على وجوب معرفته ومالا دلالة على وجوب معرفته بالخصوص لا من العقل ولا من النقل كان أصالة البراءة من وجوب معرفته محكمة ولا دلالة لمثل قوله تعالى: (وما خلقت الجن والانس) الآية ولا لقوله - صلى الله عليه وآله وسلم -: وما أعلم شيئا بعد المعرفة أفضل من هذه الصلوات الخمس، ولا لما دل على وجوب التفقه وطلب العلم من الآيات والروايات على وجوب معرفته بالعموم ضرورة أن المراد من: (ليعبدون) هو خصوص عبادة الله ومعرفته والنبوي إنما هو بصدد بيان فضيلة الصلوات لا بيان حكم المعرفة ______________________________ فتجب (قوله: وكذا معرفة الامام - عليه السلام -) يعني واجبة لنفسها لان الامامة كالنبوة من المناصب الالهية فيكون الامام - عليه السلام - من وسائط النعم فتجب معرفته كمعرفة النبي صلى الله عليه وآله، وهذا هو الوجه الصحيح (قوله: لذلك) يعني أداء للشكر (قوله: ولاحتمال الضرر) قد عرفت أن وجوبها لذلك يكون غيريا (قوله: على وجه آخر غير صحيح) وهو كون الإمامة من المناصب غير الالهية (قوله: ولا دلالة لمثل قوله تعالى) الاستدلال بالآية الشريفة مبني على تفسير قوله تعالى: (ليعبدون) ب (يعرفون) كما في النص وكان الاولى التعرض لذلك (قوله: على وجوب معرفته) متعلق بقوله: دلالة (قوله: ضرورة أن المراد) بيان لوجه عدم الدلالة (قوله: خصوص عبادة) كأن مراده أن المعرفة المفسر بها العبادة خصوص معرفة الله ______________
فلا إطلاق فيه أصلا ومثل آية النفر إنما هو بصدد بيان الطريق المتوسل به إلى التفقه الواجب لا بيان ما يجب فقهه ومعرفته كما لا يخفى، وكذا ما دل على وجوب طلب العلم إنما هو بصدد الحث على طلبه لا بصدد بيان ما يجب العلم به. ثم إنه لا يجوز الاكتفاء بالظن فيما يجب معرفته عقلا أو شرعا حيث انه ليس بمعرفة قطعا فلابد من تحصيل العم لو أمكن ومع العجز عنه كان معذورا ان كان عن قصور لغفلة أو لغموضة المطلب مع قلة الاستعداد كما هو المشاهد في كثير من النساء بل الرجال بخلاف ما إذا كان عن تقصير في الاجتهاد ولو لأجل حب طريقة الآباء والاجداد واتباع سيرة السلف فانه كالجبلي للخلف وقلما عنه تخلف والمراد من المجاهدة في قوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) هو المجاهدة مع النفس بتخليتها عن الرذائل وتحليتها بالفضائل وهي التي كانت أكبر من الجهاد لا النظر والاجتهاد ______________________________ لا غير (قوله: فلا اطلاق) يعني يعرف به موضوع المعرفة (قوله: لا بيان ما يجب) فلا اطلاق لها ايضا ونحوه ما يأتي (قوله: كما هو المشاهد) اشارة إلى الخلاف في وجود القاصر الذي ربما نسب إلى المشهور القول بنفيه لما دل على حصر المكلف بالمؤمن والكافر وان الكافر مخلد في النار بضميمة ما دل على قبح تعذيب القاصر، ولقوله تعالى: (لئلا يكون لناس على الله حجة بعد الرسل) ولقوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) وقد استدل المصنف - رحمه الله - على وجوده بالوجدان والمشاهدة. والانصاف يقتضي الاذعان بما ذكر إذ لا يمكن التشكيك في وجود كثير من الرجال والنساء بمرتبة من الغفلة وقلة الاستعداد (قوله: هو المجاهدة مع) هذا جواب عن الاستدلال بالآية على عدم وجوب القاصر، ويمكن الجواب عنها ايضا بانه لو سلم عمومها للاجتهاد والنظر إلا أنها لا تنافي عدم الاهتداء لعدم الاجتهاد من جهة الغفلة وقلة الاستعداد، كما يمكن الجواب عن الآية الاولى بأن المراد من الحجة
وإلا لأدى إلى الهداية مع انه يؤدي إلى الجهالة والضلالة الا إذا كانت هناك منه تعالى عناية فانه غالبا بصدد إثبات أن ما وجد آباءه عليه هو الحق لا بصدد الحق فيكون مقصرا مع اجتهاده ومؤاخذا إذا أخطأ على قطعه واعتقاده. ثم لا استقلال للعقل بوجوب تحصيل الظن مع اليأس عن تحصيل العلم فيما يجب تحصيله عقلا لو أمكن لو لم نقل باستقلاله بعدم وجوبه بل بعدم جوازه لما أشرنا إليه من ان الأمور الاعتقادية مع عدم القطع بها أمكن الاعتقاد بما هو واقعها والانقياد لها فلا إلجاء فيها اصلا إلى التنزل إلى الظن فيما انسد فيه باب العلم بخلاف الفروع العملية كما لا يخفى. وكذلك لا دلالة من النقل على وجوبه فيما يجب معرفته مع الامكان شرعا بل الادلة الدالة على النهي عن اتباع الظن دليل على عدم جوازه ايضا. وقد انقدح من مطاوي ما ذكرنا ______________________________ على الله المنفية، الاحتجاج بعدم الارسال كما يشهد به قوله تعالى: (هلا أرسلت الينا رسولا فنتبع آياتك) لا مطلق الحجة، ولو كانت هي القصور والغفلة. والجواب عن الاول مذكور في الرسائل، وأشار المصنف - رحمه الله - في حاشيته على المتن إلى شئ منه فليلحظ وليتأمل (قوله: والا لأدى إلى) هذا إنما يتوجه لو أريد مطلق النظر والاجتهاد، وهو خلاف ظاهر الظرف فان المجاهدة في الله انما تكون بقصد الوصول إليه والفوز بمعرفته (قوله: لا استقلال للعقل) لا يخلو من تأمل إذ الظن أولى من الشك، ولا يبعد أن يكون من مراتب العلم فوجوبه مع العجز عن تحصيل العلم بعين مناط وجوب تحصيل العلم من كونه شكرا أو غيره (قوله: لو أمكن) قيد ليجب والضمير فيه وفى تحصليه راجع إلى العلم (قوله: بل بعدم جوازه) هذا في غاية الغرابة وما ذكره دليلا عليه لا يقتضيه وانما يقتضي عدم وجوب تحصيل الظن، لكن عرفت أن الظن من مراتب المعرفة فلا يبعد وجوبه عقلا كالعلم. نعم لا يجوز الاعتقاد على طبق الظن لو حصل لانه تشريع (قوله: دليل على عدم جوازه) هذا غير ظاهر
أن القاصر يكون في الاعتقاديات للغفلة أو عدم الاستعداد للاجتهاد فيها لعدم وضوح الامر فيها بمثابة لا يكون الجهل بها الا عن تقصير كما لا يخفى فيكون معذورا عقلا ولا يصغى إلى ما ربما قيل بعدم وجود القاصر فيها لكنه إنما يكون معذورا غير معاقب على عدم معرفة الحق إذا لم يكن يعانده بل كان ينقاد له على اجماله لو احتمله. هذا بعض الكلام مما يناسب المقام، وأما بيان حكم الجاهل من حيث الكفر والاسلام فهو مع عدم مناسبته خارج عن وضع الرسالة (الثاني) الظن الذي لم يقم على حجيته دليل هل يجبر به ضعف السند أو الدلالة بحيث صار حجة ما لولاه لما كان بحجة أو يوهن به ما لولاه على خلافه لكان حجة أو يرجح به أحد المتعارضين بحيث ______________________________ لان مفاد تلك الادلة النهي عن اتباعه بالاعتقاد بمؤداه ونحوه لا النهي عن تحصيله كما لا يخفي (قوله: القاصر يكون) يكون هنا تامة وفاعلها ضمير القاصر (قوله: بل كان ينقاد) لما عرفت من وجوب الاعتقاد بالأمور الواقعية اجمالا (قوله: عدم مناسبته) من أجل عدم كونه بيانا لمسألة اصولية بل هي كلامية أو فرعية حسب اختلاف الآثار المقصودة (قوله: لم يقم على حجيته دليل) يعني حتى دليل الانسداد، اما لو كان حجة بدليل الانسداد كان متبعا بنفسه كما هو مقتضي حجيته ولو بدليل الانسداد كما سيأتي التنبيه عليه من المصنف (ره) (قوله: ما لولاه لما) كلمة (ما) اسم (صار) والضمير راجع إلى الظن، يعني الأمر الذي لولا الظن لما كان حجة هل يصلح الخبر لجبره (قوله: ما لولاه) كلمة ______________
* لولاه على وفقه لما كان ترجيح لاحدهما أو كان للآخر منها أم لا ؟ ومجمل القول في ذلك ان العبرة في حصول الجبران أو الرجحان بموافقته هو الدخول بذلك تحت دليل الحجية أو المرجحية الراجعة إلى دليل الحجية كما ان العبرة في الوهن انما هو الخروج بالمخالفة عن تحت دليل الحجية فلا يبعد جبر ضعف السند في الخبر بالظن بصدوره أو بصحة مضمونه ودخوله بذلك تحت ما دل على حجية ما يوثق به فراجع أدلة اعتبارها ______________________________ (ما) نائب الفاعل ليوهن والضمير راجع إلى الظن، و (على خلافه) ظرف مستقر حال من الضمير (قوله: لما كان ترجيح) لتساويهما لولا الظن (قوله: أو كان للآخر) لاشتمال الآخر على المرجح الذي هو اضعف من الظن (قوله: هو الدخول) مثلا إذا كان خبر الفاسق ليس بحجة في نفسه ولكن الحجة الخبر المظنون صدوره فإذا ظن بصور خبر الفاسق صار خبر الفاسق بواسطة الظن المذكور من افراد الحجة، أما لو كان الحجة خصوص خبر العادل فالظن بصدور خبر الفاسق لا يوجب كونه من خبر العادل فلا يكون حجة ولا يكون الظن جابرا له والحكم في التوهين على العكس من ذلك، مثلا إذا كان خبر العادل حجة مطلقا فالظن على خلافه لا يوجب وهنه إذ لا يخرج بالظن عن موضوع الحجة، وإذا كان خبر العادل حجة بشرط ان لا يكون ظن على خلافه فقيام الظن على خلافه يوجب وعنه لانه يخرج عن موضوع الحجة (قوله: الراجعة إلى دليل الحجية) يعني دليل المرجحية راجع إلى دليل الحجية لأن دليل الترجيح يجعل المشتمل على المرجح حجة ولولاه لما كان حجة (قوله: بصدوره أو بصحة) المحتمل بدوا في ادلة الحجية احد امور ثلاثة (الاول) حجية الخبر المظنون بصدوره بالنظر إلى نفس السند مثل كون الراوي ممن يظن بصدقه (الثاني) حجية مظنون الصدور ولو بالنظر إلى ما هو خارج عن السند مثل عمل الاصحاب به
وعدم جبر ضعف الدلالة بالظن بالمراد لاختصاص دليل الحجية بحجية الظهور في تعيين المراد والظن من امارة خارجية به لا يوجب ظهور اللفظ فيه كما هو ظاهر إلا فيما اوجب القطع ولو إجمالا باحتفافه بما كان موجبا لظهوره فيه لو لا عروض انتفائه وعدم وهن السند بالظن بعدم صدوره وكذا عدم وهن دلالته مع ظهوره إلا فيما كشف بنحو معتبر عن ثبوت خلل في سنده أو وجود قرينة مانعة عن انعقاد ظهوره فيما فيه ظاهر لولا تلك القرينة لعدم اختصاص دليل اعتبار خبر الثقة ولا دليل اعتبار الظهور بما إذا لم يكن ظن بعدم صدوره أو ظن بعدم ارادة ظهوره، وأما الترجيح ______________________________ واعتمادهم عليه (الثالث) حجية ما هو اعم من ذلك وما هو مظنون الصحة ومطابقة مؤداه للواقع ولو بالنظر إلى الخارج كما لو كان الخبر موافقا لفتوى المشهور، وان لم يعتمدوا عليه كخبر الدعائم والرضوي ونحوهما، وظاهر المصنف (ره) استظهار الثالث من أدلة الحجية ولا يخلو من تأمل بل المتيقن هو الاول وان كان الثاني اظهر (قوله: وعدم جبر) معطوف على جبر ضعف السند (قوله: الا فيما اوجب) الاستثناء منقطع لان ذلك من القطع بالظهور الذي هو الحجة وهو غير محل الكلام (قوله: لولا عروض) قيد لقوله موجبا (قوله: وعدم وهن) معطوف على جبر ضعف يعني لا يبعد عدم وهن السند بالظن بعدم الصدور. هذا ولكن لا يخفى أنه إذا كان الظن بالصدور أو بصحة المظنون كافيا في الجبر كان عدمه كافيا في الوهن فضلا عن الظن بعدم الصدور فيمتنع الجمع بين الدعوى الاولى مع هذه الدعوى، إلا ان يريد الظن الشخصي في الثانية، والنوعي في الاولى، لكنه تفكيك خلاف الظاهر فتأمل جيدا (قوله: وكذا عدم) هذا يناسب ما سبق منه (قوله: الا فيما كشف) هذا الاستثناء منقطع لان الكلام في التوهين بالظن غير المعتبر لا بالطريق المعتبر عداه (قوله: لولا تلك قيد) لانعقاد ظهوره (قوله: لعدم اختصاص) تعليل لعدم وهن
بالظن فهو فرع دليل على الترجيح به بعد سقوط الامارتين بالتعارض من البين وعدم حجية واحد منهما بخصوصه وعنوانه وإن بقى أحدهما بلا عنوان على حجيته ولم يقم دليل بالخصوص على الترجيح به وان ادعى شيخنا العلامة - اعلى الله مقامه - استفادته من الأخبار الدالة على الترجيح بالمرجحات الخاصة على ما يأتي تفصيله في التعادل والتراجيح، ومقدمات الانسداد في الأحكام انما توجب حجية الظن بالحكم أو بالحجة لا الترجيح به ما لم يوجب الظن باحدهما، ومقدماته في خصوص الترجيح لو جرت انما توجب حجية الظن في تعيين المرجح لا انه مرجح إلا إذا ظن أنه أيضا مرجح فتأمل جيدا. هذا فيما لم يقم على المنع عن العمل به بخصوصه دليل، وأما ما قام الدليل على المنع عنه كذلك كالقياس فلا يكاد يكون به جبر أو وهن أو ترجيح فبما لا يكون لغيره ايضا وكذا فيما يكون به أحدها لوضوح أن الظن القياسي إذا كان على خلاف ما لولاه لكان حجة بعد المنع عنه لا يوجب خروجه عن تحت دليل الحجية وإذا كان على وفق ما لولاه لما كان حجة لا يوجب دخوله تحت دليل الحجية وهكذا لا يوجب ترجيح احد المتعارضين ______________________________ السند والدلالة بالظن، وقد عرفت انه ينافي ما سبق إلا أن يكون المستفاد من ادلة الحجية ان موضوعها احد الأمرين خبر العادل مثلا والخبر المظنون بصدوره فالظن بالخلاف لا يوجب خروج الاول عن موضوع الحجية وان كان يوجب خروج الثاني (قوله: وان بقي احدهما) سيجيئ إنشاء الله الاشكال فيما ذكر (قوله: ما لم يوجب الظن) بل ولو اوجبه إذ الظن بالحكم حينئذ هو الحجة لا انه مرجح لأحد المتعارضين (قوله: ومقدماته في) يعني لو جرت مقدمات الانسداد في باب الترجيح كانت نتيجتها حجية الظن في تعيين المرجح ولا يثبت انه مرجح إلا إذا ظن بانه مرجح فيكون الظن المذكور حجة بالمقدمات (قوله: فيما لا يكون لغيره) يعني المورد
وذلك لدلالة دليل المنع على الغائه الشارع رأسا وعدم جواز استعماله في الشرعيات قطعا ودخله في واحد منها نحو استعمال له فيها كما لا يخفى فتأمل جيدا ______________________________ الذي لا يكون الظن غير القياسي فيه جابرا أو موهنا أو مرجحا، فالظن القياسي ايضا لا يكون جابرا ولا موهنا ولا مرجحا لاتحاد المناط لو لم يكن اولى وكذا لا يكون جابرا ولا موهنا ولا مرجحا في المورد الذي يكون غيره فيه جابرا أو موهنا أو مرجحا (قوله: وذلك لدلالة... الخ) تعليل لما افاده بقوله: لوضوح... الخ (قوله: على إلغائه الشارع رأسا) (فان قلت): ما الفرق بين دليل المنع عن الظن القياسي ودليل المنع عن مطلق الظن من الآيات ؟ وهل فرق بين قوله تعالى: (ان الظن لا يغني من الحق شيئا) وقوله (ع): إن دين الله لا يصاب بالعقول ؟ (قلت): وإن لم يكن بينهما فرق من حيث الدلالة إلا ان بينهما فرقا من حيث العموم والخصوص فان نسبة ما دل على أن الخبر المظنون الصدور مثلا حجة إلى ما دل على المنع عن الظن بقول مطلق نسبة الخاص إلى لعام فيقدم عليه ونسبته إلى ما دل على المنع عن القياس نسبة العامين من وجه الوجب للرجوع إلى الأصل في مورد التعارض وهو اصالة عدم الحجية فلاحظ (قوله: في واحد منها) أي من الجبر والوهن والترجيح. والله سبحانه اعلم بحقائق الأحكام ومنه نستمد الاعتصام في البدء والختام. تم على يد مؤلفه الحقير (محسن الطباطبائي الحكيم) في الثالث والعشرين من شهر شعبان من السنة الخامسة والاربعين بعد الألف والثلثمائة حامدا لله سبحانه مصليا على رسوله وآله الطاهرين.
المقصد السابع في الاصول العملية وهي التي ينتهي إليها المجتهد بعد الفحص واليأس عن الظفر بدليل مما دل عليه حكم العقل أو عموم النقل والمهم منها أربعة فان مثل قاعدة الطهارة فيما اشتبه طهارته بالشبهة الحكمية وان كان مما ينتهي إليها فيما لا حجة على طهارته ولا على نجاسته إلا أن البحث عنها ليس بمهم حيث انها ثابتة بلا كلام من دون حاجة إلى نقض وإبرام ______________________________ في الاصول العملية (قوله: في الاصول) الأصل في الاصطلاح حكم مجعول في ظرف الشك ويقابله الدليل الذي هو حكم يوجب الغاء الشك، ولهذه الجهة كان الدليل مقدما على الأصل موافقا كان أو مخالفا، والأصل العملي في الاصطلاح هو الجاري في الشبهة في الحكم الكلي الناشئة من عدم الدليل أو اجماله أو تعارضه بناء على كونه مرجعا عند تعارض الأدلة، وتوصيف المصنف (ره) له بما ينتهي إليه المجتهد... الخ، ليس بما يقومه اصطلاحا بل بما هو لازم له من باب الاتفاق لما سيأتي في بيان اعتبار الفحص في الرجوع إلى الاصول فلو فرض عدم الدليل على وجوب الفحص في الرجوع إلى الاصول وجواز الرجوع إليها قبله لم تخرج عن كونها اصولا عملية (قوله: مما دل عليه حكم) هذا بيان للموصول وتقسيم للاصول على قسمين عقلي وهو الحاكم به العقل وشرعي وهو الحاكم به الشرع (قوله: منها اربعة) وهي البراءة والاشتغال والتخيير والاستصحاب، واما اصالة العدم، واصالة عدم الدليل دليل العدم، واصالة الحلية، واصالة الحضر، فاعتذر عن عدم التعرض لها برجوع الأول إلى الاستصحاب والثالث إلى البراءة، والآخران من الامارات لا الأصول (قوله: الا ان البحث عنها ليس) حكي عن شيخنا الأعظم (ره) الاعتذار عن عدم التعرض لاصالة الطهارة بانها راجعة إلى اصالة البراءة، ولا يخلو من
بخلاف الاربعة وهي البراءة والاحتياط والتخيير والاستصحاب فانها محل الخلاف بين الاصحاب ويحتاج تنقيح مجاريها وتوضيح ما هو حكم العقل أو مقتضى عموم النقل فيها إلى مزيد بحث وبيان ومؤونة حجة وبرهان. هذا مع جريانها في كل الأبواب واختصاص تلك القاعدة ببعضها فافهم ______________________________ اشكال فانها تجري لاحراز الشرط وموضوع التكليف مثل طهارة ماء الوضوء وطهارة لباس المصلى، وليس شأن اصل البراءة ذلك. وهذا الاشكال على تقدير تماميته يختص بأصل الطهارة الجاري في الشبهة في الحكم الكلي واما الجارى في الشبهة الموضوعية فلا مجال فيها للاشكال كسائر الاصول الجارية فيها مثل اصل الصحة واصالة الفراش واصالة الحرية ونحوها من الأصول الموضوعية، لانها ليست من الاصول العملية، ولا من شأن الاصولي البحث عنها بل هي من المسائل الفرعية التي يكون البحث عنها من شأن الفقيه (قوله: ببعضها) وهو خصوص باب النجاسات من الفقه (قوله: فافهم) يمكن أن يكون اشارة إلى التأمل في صحة الاعتذار الاخير إذا الاختصاص بباب لا يصح الاهمال ______________
فصل لو شك في وجوب شئ أو حرمته ولم تنهض عليه حجة جاز شرعا وعقلا ترك الاول وفعل الثاني وكان مأمونا من عقوبة مخالفته كان عدم نهوض الحجة لاجل فقدان النص أو إجماله واحتماله الكراهة أو الاستحباب أو تعارضه ______________________________ اصل البراءة (قوله: في وجوب شئ أو حرمته) يعني لو شك في وجوب شئ وعدم وجوبه مع العلم بعدم حرمته أو شك في حرمته وعدمها مع العلم بعدم وجوبه، وقد جمع المصنف (ره) في هذا الفصل مباحث عقد لها الشيخ (قدس سره) في رسائله ست مسائل فان الشك في الوجوب وعدمه عقد له ثلاث مسائل: الاولى فيما لو كان الشك لعدم النص، والثانية فيما لو كان لاجماله، والثالثة فيما لو كان لتعارض النصين ومثلها المسائل التي عقدها للشك في الحرمة وعدمها، وما ذكره المصنف (ره) أولى لان اختلاف منشأ الشك أو موضوعه مع الاتحاد في مناط البحث لا يصحح عقد مسائل (قوله: ترك الاول) يعني ما شك في وجوبه (قوله: وفعل الثاني) يعني ما شك في حرمته (قوله: واحتماله الكراهة) بيان لاجمال النص واحتمال ______________
فيما لم يثبت بينهما ترجيح بناء على التوقف في مسألة تعارض النصين فيما لم يكن ترجيح في البين وأما بناء على التخيير كما هو المشهور فلا مجال لأصالة البراءة وغيرها لمكان وجود الحجة المعتبرة وهو أحد النصين فيها كمالا يخفى وقد استدل على ذلك بالادلة الاربعة (أما الكتاب) فبآيات أظهرها قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) وفيه أن نفي التعذيب قبل إتمام الحجة ببعث الرسل لعله كان منة منه تعالى على عباده مع استحقاقهم لذلك ولو سلم اعتراف الخصم بالملازمة بين الاستحقاق والفعلية لما صح الاستدلال بها ______________________________ الكراهة راجع إلى صورة الشك في الحرمة واحتمال الاستحباب راجع إلى صورة الشك في الوجوب (قوله: فيما لم يثبت بينهما) أما لو ثبت بينهما ترجيح فالعمل على الراجح اجماعا (قوله: بناء على التوقف) إذ على هذا المبنى يمكن الرجوع إلى الاصل لعدم الحجة ويختار حينئذ كون الاصل اصل البراءة الاحتياط (قوله: وهو احد النصين) يعني احدهما تخييرا ويحتمل ان يكون ما يختاره تعيينا، وسيأتي انشاء الله في محله تحقيق ذلك (قوله: اظهرها قوله تعالى) الظاهر ان الآية مسوقة للاخبار عن فعل الله سبحانه بالامم السابقة، وان ما كان يعذبهم حتى يبعث إليهم رسولا، فالمراد من العذاب العذاب الدنيوي ومن الرسول الرسول الظاهري وأين هي مما نحن فيه. ثم إن الاظهر في تقريب الاستدلال بها على المقام جعل الرسول كناية عن البيان وقيام الحجة على التكليف، ويكون المراد من قوله تعالى: (ما كنا معذبين) ما كان يحسن منا العذاب وقول المصنف (ره): وفيه ان نفي التعذيب... الخ راجع إلى منع كون المراد ذلك بل ليس الظاهر منها الانفي العذاب الفعلي وهو اعم من ان يكون لعدم حسنه فتكون دالة على نفي الاستحقاق أو يكون منة على العباد فلا تدل على نفي الاستحقاق فلا تصلح لاثبات نفي الاستحقاق الذي هو المدعى (قوله: ولو سلم اعتراف الخصم) هذا إشارة إلى دفع ما ذكره شيخنا العلامة (ره) في رسائله من ان الآية الشريفة وان كانت
* إلا جدلا مع وضوح منعه ضرورة أن ما شك في وجوبه أو حرمته ليس عنده بأعظم مما علم بحكمه وليس حال الوعيد بالعذاب فيه إلا كالوعيد به فيه فافهم (وأما السنة) فروايات منها حديث الرفع حيث عد ما لا يعلمون من التسعة المرفوعة فيه فالالزام المجهول مما لا يعلمون فهو مرفوع فعلا وان كان ثابتا واقعا فلا مؤاخذة عليه قطعا ______________________________ ظاهرة في نفي فعلية العذاب لا نفي الاستحقاق يصح الاستدلال بها لنفي الاستحقاق لأن الخصم يعترف بالملازمة بين الاستحقاق والفعلية في المقام فنفي احدهما يستلزم نفي الاخر. والوجه في اعترافه بالملازمة: أن الادلة التي اقامها على الاستحقاق تدل على فعلية العقاب مثل اخبار التثليث الدالة على أن الأخذ بالشبهة موجب للوقوع في الهلكة، والظاهر من الهلكة الهلكة الفعلية لا مجرد الاستحقاق، ووجه الدفع (اولا) ان الاستدلال حينئذ يكون جدليا لا ينفع في اثبات المدعي الا باعتقاد الخصم (وثانيا) منع هذا الاعتراف من الخصم إذ لا تزيد الشبهة عنده على المعصية الحقيقة ولا ملازمة عنده بين الاستحقاق والفعلية فيها فكيف يعترف بالملازمة بينهما في الشبهة ؟ ومجرد استدلاله باخبار التثليث لا يقتضي ذلك فان الوعيد بالهلكة في اخبار التثليث ليس الا كالوعيد بالعذاب على المعصية لابد ان يكون محمولا على الاستحقاق (قوله: إلا جدلا) القياس الجدلي ما يتالف من المشهورات أو المسلمات (قوله: بالعذاب فيه) ضمير (فيه) راجع إلى ما شك في حكمه وضمير (به) راجع إلى ما علم بحكمه (قوله: منها حديث الرفع) وهو المروي عن النبي صلى الله عليه وآله: رفع عن امتي تسعة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وما لا يعلمون وما لا يطيقون وما اضطروا إليه والطيرة والحسد والتفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق الانسان بشفته (قوله: فالالزام المجهول مما لا يعلمون) هذا بناء منه على جعل (ما) بمعني الحكم لا الموضوع كما سيصرح به، وسيأتي توضيح المراد (قوله: مرفوع فعلا) يعني ظاهرا في رتبة الجهل به كما سيصرح به لا واقعا وإلا لزم كون الجهل بالحكم علة للعلم بعدمه (قوله: فلا مؤاخذة)
(لا يقال): ليست المؤاخذة من الآثار الشرعية كي ترتفع بارتفاع التكليف المجهول ظاهرا فلا دلالة على ارتفاعها فانه يقال: إنها وإن لم تكن بنفسها أثرا شرعيا إلا أنها مما يترتب عليه بتوسيط ما هو أثره وباقتضائه من ايجاب الاحتياط شرعا فالدليل على رفعه دليل على ______________________________ يعني لا استحقاق للمؤاخذة كما هو ظاهر (قوله: لا يقال ليست) يعني الآثار التي تترتب وتنتفي على جريان الأصل هي الآثار الشرعية لمجراه والمؤاخدة ليست منها بل من الآثار العقلية فكيف تنتفي بنفي الحكم ظاهرا (قوله: فانه يقال إنها) يعني ان المؤاخذة وان كانت اثرا عقليا لكنها لما كانت مترتبة حقيقة وواقعا على ايجاب الاحتياط وكان نفي التكليف ظاهرا دليلا على عدم ايجاب الاحتياط الذي هو موضوعها حقيقة، فالدليل الدال على نفي التكليف لابد ان يكون موجبا لنفيها حقيقة، وما اشتهر من أن الآثار غير الشرعية لا تترتب وجودا وعدما على جريان الأصل مختص بما إذا لم يكن جريان الأصل موجبا لأنتفاء موضوع الأثر حقيقة. وان شئت قلت: الآثار العقلية التى لا تترتب على جريان الأصل هي خصوص الآثار الثابتة لمجرى الأصل واقعا، اما ما كانت ثابتة لما هو اعم من مجراه واقعا وظاهرا فلا ريب في ترتبها على جريان الاصل إذا بجريان الاصل يثبت وجود ظاهري لمجرى الاصل وهو موضوع حقيقة لها قتترتب عليه وقبح العقاب من هذا القبيل إذ كما يترتب على عدم الحكم واقعا يترتب على عدمه ظاهرا، وكذلك حسن العقاب فانه يترتب على ثبوت التكليف ظاهرا كما يترتب على ثبوته واقعا، وهذا هو الذي اشار إليه في حاشيته على المقام، لكنه جعله ______________
عدم ايجابه المستتبع لعدم استحقاق العقوبة على مخالفته (لا يقال) لا يكاد يكون ايجابه مستتبعا لاستحقاقها على مخالفة التكليف المجهول بل على مخالفته نفسه كما هو قضية ايجاب غيره (فانه يقال): هذا إذا لم يكن إيجابه طريقيا وإلا فهو موجب لاستحقاق العقوبة على المجهول كما هو الحال في غيره من الايجاب والتحريم الطريقيين ضرورة أنه كما يصح أن يحتج بهما صح ان يحتج به ويقال: لم أقدمت مع ايجابه ؟ ويخرج به عن العقاب بلا بيان والمؤاخذة بلا برهان كما يخرج بهما، وقد انقدح بذلك أن رفع التكليف المجهول كان منة على الأمة حيث كان له تعالى وضعه بما هو قضيته من ايجاب الاحتياط فرفعه فافهم. ثم لا يخفى عدم الحاجة إلى تقدير المؤاخذة ولا غيرها من الآثار الشرعية ______________________________ وجها ثانيا مضافا إلى ما في المتن. ولا يخفى أنه ليس على ما ينبغي من جهة أن نفي التكليف ظاهرا عين عدم وجوب الاحتياط، كما أن ثبوت التكليف ظاهرا عين وجوب الاحتياط. نعم ثبوت التكليف ظاهرا ووجوب الاحتياط من تبعات ثبوته واقعا كما ذكره قدس سره هنا وفي آخر المبحث (قوله: عدم ايجابه) يعني ايجاب الاحتياط حقيقة (قوله: لا يكاد يكون) يعني ان ايجاب الاحتياط لا يوجب المؤاخذة على مخالفة التكليف حتى يكون عدمه موجبا لعدمها، بل إنما يوجب المؤاخذة على مخالفة نفسه كسائر التكاليف المولوية فعدمه إنما ينفي المؤاخذة على مخالفته فتبقى المؤاخذة على مخالفة التكليف لا دليل على نفيها (قوله: هذا إذا لم يكن ايجابه) يعني أن ما ذكر إنما يتم لو كان إيجاب الاحتياط حقيقيا واقعيا، أما لو كان طريقيا ظاهريا فلا يترتب على مخالفته مؤاخذة بل فائدته المؤاخذة على مخالفة الواقع كما هو شأن جميع الاوامر الطريقية (قوله: بما هو قضيته) قد عرفت أن وضع التكليف في ظرف الجهل به عين ايجاب الاحتياط فتأمل (قوله: ثم لا يخفى عدم الحاجة) اعلم أن الموصول في (ما لا يعلمون) يحتمل بدوا
* امورا: (الاول) أن يكون المراد به نفس الحكم الشرعي، ولا ريب في صحة الاستدلال به على البراءة في الشبهة الحكمية والموضوعية معا بأن يراد من الحكم الاعم من الكلي والجزئي (الثاني) أن يراد به نفس الموضوع للحكم الشرعي، وحينئذ فان أريد من عدم العلم به عدم العلم بأنه حرام أو حلال صح الاستدلال بالحديث في المقامين ايضا على البراءة، وان اريد عدم العلم بعنوانه غير المنتزع من الحكم مثل عدم العلم بكون المائع خلا أو خمرا اختص الاستدلال به على البراءة في الشبهة الموضوعية إذ الموضوع في الشبهة الحكمية مما لا يجهل عنوانه (الثالث) ان يراد به الجامع بين الموضوع والحكم، وحينئذ يصح الاستدلال به على البراءة في الموضعين ايضا، وظاهر المصنف (ره) اختيار الوجه الاول، وكأن الوجه فيه أن حمله على الموضوع يلزم منه المجاز في النسبة أو في الحذف لان الموضوع مما يمتنع رفعه حقيقة فرفعه لابد أن يحمل إما على التجوز في النسبة وادعاء انه مما يصلح للرفع، أو في الحذف بتقدير الأثر الظاهر أو جميع الاثار أو خصوص المؤاخذة، وحيث انه لا داعي إلى هذا التجوز يتعين حمله على الحكم ويكون رفعه حينئذ على الحقيقة (ولكن لا يخفى) أن الرفع منسوب إلى التسعة نسبة واحدة شخصية، ومن المعلوم امتناع التفكيك عرفا بين اجزاء هذه النسبة فإذا كان المرفوع فيما لا يطيقون وما اضطروا إليه وما اكرهوا عليه والطيرة والحسد وغيرها هو الموضوع ادعاء لابد ان يحمل في الجميع عليه إذ لا جامع بين الرفع الحقيقي والادعائي بحسب متفاهم العرف. مضافا إلى وحدة سياق الجميع المانع من التفكيك بينها عرفا، ومنه يظهر امتناع حمله على الجامع بين الموضوع والحكم إذ عليه يلزم التفكيك بين أفراد الموضوع الواحد في كيفية النسبة مضافا إلى لزوم التفكيك في كيفية نسبة العلم إلى الموصول فانه بلحاظ الموضوع يكون متعلق العلم عنوان الموضوع وبالنسبة إلى الموضوع نفسه، والفرق بينهما هو الفرق بين مفاد كان الناقصة والتامة إذ العلم المتعلق بالحكم بمعني التصديق بوجوده وبالموضوع بمعنى التصديق بانه حرام أو حلال، والفرق بينهما ظاهر. وايضا يلزم على هذا تطبيق
فيما لا يعلمون فان ما لا يعلم من التكليف مطلقا كان في الشبهة الحكمية أو الموضوعية بنفسه قابل للرفع والوضع شرعا وان كان في غيره لابد من تقدير الآثار أو المجاز في اسناد الرفع إليه فانه ليس ما اضطروا وما استكرهوا... إلى آخر التسعة بمرفوع حقيقة (نعم) لو كان المراد من الموصول في (ما لا يعلمون) ما اشتبه حاله ولم يعلم عنوانه لكان احد الأمرين مما لابد منه أيضا. ثم لا وجه لتقدير خصوص المؤاخذة بعد وضوح أن المقدر ______________________________ الحديث في كل شبهة مرتين احداهما بلحاظ الجهل بنفس الحكم والأخرى بلحاظ الجهل بنفس الموضوع { وبالجملة }: هذا المعنى ساقط جدا، وقد عرفت سقوط المعنى الأول، فالمتعين هو الثاني، ولابد أن يحمل متعلق العلم فيه على العنوان المنتزع من الحكم كما تقتضيه المناسبات العرفية مضافا إلى أن حمله على العنوان غير المنتزع من الحكم موجب لحمله على ما لا يمكن أن يلتزم به لأن الجهل بعنوان الموضوع مما لا يوجب ارتفاع حكمه ضرورة كيف وكل موضوع معلوم الحكم. لابد أن يكون مجهول العنوان في الجملة فان الاناء المعين من الخمر مما لا يعلم كونه عتيقا أو حديثا معمولا، في صفر أو حديد من عنب العراق أو غيره الأسود منه أو الأخضر... وهكذا، إذ مقتضى الحمل على المعنى المذكور ارتفاع حكم الاناء المزبور، فيتعين حمله على العنوان المنتزع من الحكم مثل كونه حلالا أو حراما، كما هو ظاهر بأدنى تأمل. فتأمل (قوله: فيما لا يعلمون) متعلق بتقدير (قوله: في غيره) يعني غير ما لا يعلمون (قوله: بمرفوع) هو خبر ليس (قوله: ما اشتبه حاله) يعني الموضوع الذي اشتبه حكمه لاشتباه عنوانه فتختص بالشبهة الموضوعية (قوله: أحد الأمرين) يعني تقدير الآثار والمجاز في اسناد الرفع (قوله: مما لابد منه) لما عرفت من امتناع رفع الموضوع حقيقة، والمراد بهذا الكلام التعريض بشيخنا الأعظم (ره) في رسائله حيث قرب الاستدلال بالحديث بحمل الموصول على الحكم ثم قال: ومعنى
في غير واحد غيرها فلا محيص عن أن يكون المقدر هو الأثر الظاهر في كل منها أو تمام آثارها التي تقتضي المنة رفعها كما أن ما يكون بلحاظه الاسناد إليها مجازا هو هذا كما لا يخفى فالخبر دل على رفع كل أثر تكليفي أو وضعي كان في رفعه منة على الأمة كما استشهد الامام - عليه السلام - بمثل هذا الخبر في رفع ما استكره عليه من الطلاق والصدقة والعتاق. ثم لا يذهب عليك أن المرفوع فيما اضطر إليه وغيره مما أخذ بعنوانه الثانوي إنما هو الآثار المترتبة عليه بعنوانه الأولي ضرورة أن الظاهر أن هذه العناوين صارت موجبة للرفع والموضع للأثر مستدع لوضعه فكيف يكون موجبا لرفعه ؟ (لا يقال): كيف وايجاب الاحتياط فيما لا يعلم وايجاب التحفظ في الخطأ والنسيان ______________________________ الرفع رفع الآثار أو خصوص المؤاخذة (قوله: في غير واحد) يعني من العناوين المذكورة في الحديث (قوله: غيرها) يعني غير المؤاخذة فان المقدر فيما أكرهوا وما لا يطيقون والخطأ غير المؤاخذة كما يظهر من الرواية التي يشير إليها المصنف (ره) (قوله: ان المرفوع فيما اضطروا) يعني أن العناوين المذكورة في الحديث مختلفة بعضها اولية كالطيرة والحسد والتفكر وبعضها ثانوية كما عداه والمرفوع في القسم الأول أثر العنوان الأولي المذكور في الحديث، وأما المرفوع في الثاني فليس أثر العنوان الثانوي المذكور بل المرفوع أثر العنوان الأولي لأن الظاهر من الحديث أن العلة في الرفع هو العنوان الثانوي، ومن المعلوم أن آثار العنوان الثانوي يكون العنوان الثانوي علة لثبوتها لا لرفعها فيلزم أن يكون العنوان الثانوي علة لثبوتها ورفعها وهو ممتنع (فان قلت): فكيف جاز ذلك في الحسد واخواته ؟ (قلت): المنفي فيها فعلية الأثر الاقتضائي يعنى الاثر الذي يكون الحسد مثلا مقتضيا لثبوته منفي فعلا فاختلف مرتبة النفي والمنفي، (فان قلت): فليلتزم في العناوين الثانوية بذلك ايضا (قلت): الظاهر من الحديث كون العناوين الثانوية هي المقتضية للرفع فلا تكون مقتضية للثبوت كما
* يكون أثرا لهذه العناوين بعينها وباقتضاء نفسها (فانه يقال): بل إنما تكون باقتضاء الواقع في موردها ضرورة أن الاهتمام به يوجب ايجابهما لئلا يفوت على المكلف كما لا يخفى (ومنها) حديث الحجب وقد انقدح تقريب الاستدلال به مما ذكرنا في حديث الرفع الا انه ربما يشكل بمنع ظهوره في وضع ما لم يعلم من التكليف بدعوى ظهوره في خصوص ما تعلقت عنايته تعالى بمنع إطلاع العباد عليه لعدم أمر رسله بتبليغه حيث انه بدونه لما صح إسناد الحجب إليه تعالى (ومنها) قوله - عليه السلام -: (كل شئ لك حلال حتى تعرف انه حرام بعينه... الحديث) حيث دل على حلية ما لم يعلم حرمته مطلقا ______________________________ عرفت وليس كذلك الحال في الحسد واخواته فانه لا يظهر من الحديث كونها مقتضية للنفي وبذلك افترقت العناوين في هذه الجهة (قوله: يكون أثرا لهذه العناوين) فان مفهوم الاحتياط انما ينتزع متأخرا عن مقام الجهل كما أن عنوان التحفظ يكون منتزعا متأخرا عن مقام الخطأ والنسيان (قوله: فانه يقال بل انما) حاصل الجواب أن وجوب الاحتياط والتحفظ انما ينشأ عن المصالح الواقعية الموجبة للاحكام الواقعية فهي في الحقيقة من آثار العناوين الاولية، غاية الأمر أن مفهوم الاحتياط والتحفظ متأخر رتبة عن الجهل والخطأ وهو مما لا أثر له في كون نفس الوجوب من مقتضيات العناوين الأولية كما لا يخفى (قوله: ومنها حديث الحجب) وهو قوله - عليه السلام -: ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم (قوله: انقدح تقريب) يعني نقول: الالزام المجهول مما حجب علمه فهو موضوع (قوله: بدعوى ظهوره في خصوص) قال في الرسائل: فالرواية مساوقة لما ورد عن مولانا أمير المؤمنين - عليه السلام -: ان الله تعالى حد حدودا فلا تعتدوها وفرض فرائض فلا تعصوها وسكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تتكلفوها رحمة من الله تعالى بكم (قوله: حيث انه بدونه) يعني أن الوجه في دعوى ظهورها في ذلك هي نسبة الحجب إليه تعالى فان الحكم المجهول
* ولو كان من جهة عدم الدليل على حرمته وبعدم الفصل قطعا بين إباحته وعدم وجوب الاحتياط فيه وبين عدم وجوب الاحتياط في الشبهة الوجوبية يتم المطلوب مع إمكان أن يقال: ترك ما احتمل وجوبه مما لم يعرف حرمته فهو حلال، تأمل (ومنها) قوله - عليه السلام -: (الناس في سعة ما لا يعلمون) فهم في سعة ما لم يعلم أو مادام لم يعلم وجوبه أو حرمته ومن الواضح أنه لو كان الاحتياط واجبا لما كانوا في سعة أصلا فيعارض به ما دل على وجوبه كما لا يخفى (يقال): قد علم به وجوب الاحتياط (فانه يقال): لم يعلم الوجوب أو الحرمة بعد فكيف يقع في ضيق الاحتياط من أجله ؟ نعم لو كان الاحتياط واجبا نفسيا كان وقوعهم في ضيقة بعد العلم بوجوبه لكنه عرفت أن وجوبه كان طريقيا لأجل أن لا يقعوا في مخالفة الواجب أو الحرام أحيانا فافهم (ومنها) قوله - عليه السلام -: كل شئ ______________________________ الذي بينه الرسول انما حجب بمعصية من عصى الله تعالى إذ اخفاه ولا يصدق عليه انه مما حجبه الله بخلاف الحكم الذي لم يأمر الله رسوله في تبليغه فانه يصدق عليه انه مما حجبه الله ضرورة (قوله: ولو كان من جهة) بيان لوجه الاطلاق يعني سواء كان الجهل بحرمته ناشئا من الجهل بعنوانه كما في الشبهة الموضوعية كالمايع المردد بين الخمر والخل أم عدم الدليل على حكمه كما في الشبهة الحكمية مثل حرمة شرب التتن (قوله: وبعدم الفصل) متعلق بقوله: يتم المطلوب، يعني أن الرواية موردها التردد بين الحرمة وغير الوجوب ولا تعم صورة التردد بين الوجوب وغير الحرمة فاثبات البراءة في هذه الصورة يكون بواسطة عدم الفصل بين الصورتين في الحكم، مع امكان تطبيق الرواية على الصورة المذكورة بلحاظ الترك فان الفعل المردد بين الوجوب وغير الحرمة يكون تركه مردد بين الحرمة وغير الوجوب فيثبت حل تركه بالرواية ويتم المطلوب. لكن ذلك خلاف الظاهر إذ الظاهر من الرواية النظر إلى خصوص الفعل لا الجامع بينه وبين الترك. ولعله إلى هذا أشار بقوله: تأمل (قوله: فهم في سعة ما لم) يعني أن (ما) إما
مطلق حتى يرد فيه نهي، ودلالته تتوقف على عدم صدق الورود إلا بعد العلم أو ما بحكمه بالنهي عنه وإن صدر عن الشارع ووصل إلى غير واحد - مع أنه ممنوع لوضوح صدقه على صدوره عنه لا سيما بعد بلوغه إلى غير واحد وقد خفي على من لم يعلم بصدوره (لا يقال): نعم ولكن ______________________________ موصولة قد اضيفت إليها السعة أو مصدرية ظرفية متعلق بالسعة وعلى كل تقدير يتم المطلوب لظهورها في كون متعلق العلم هو الحكم الواقعي، فالحرمة والوجوب الواقعيان المشكوكان حيث لم يعلم بهما يكون المكلف منهما في سعة فلو دل على الاحتياط دليل كان معارضا لهذه الرواية فان وجوب الاحتياط يقتضي كون المكلف في ضيق منها، ومن هنا يظهر الاشكال فيما ذكره شيخنا الأعظم (قده) في رسائله حيث أورد على الاستدلال بالرواية بانها لا تصلح لمعارضة أدلة الاخباريين الدالة على وجوب الاحتياط لأن تلك الادلة توجب العلم بوجوب الاحتياط فلا يكون المكلف في سعة منه لكونه مما يعلم لا مما لم يعلم. وحاصل الاشكال: أن أدلة وجوب الاحتياط - لو تمت - لا توجب العلم بالحكم الواقعي فلا يخرج بها عن كونه مما لم يعلم، وحينئذ فلا تمنع عن تطبيق الرواية بالاضافة إلى الحكم الواقعي وانما تنمع من تطبيقها بالنسبة إلى جوب الاحتياط حيث أنه صار مما يعلم، لكن الرواية قاصرة عن شمول الجهل بمثل وجوب الاحتياط لأنه ليس حكما من قبيل الواقعي حتى يكون المكلف بالاضافة إليه في سعة أو في ضيق وانما يوجب كون المكلف بالاضافة إلى الحكم الواقعي في ضيق كما هو شأن جميع الأحكام الظاهرية الطريقية، بل لو فرض كونه من قبيل الحكم الواقعي يكون المكلف من قبله في ضيق تارة وفى سعة أخرى، إلا أن العلم به من أدلة الاحتياط إنما يوجب عدم صحة تطبيق رواية: الناس... الخ بالاضافة إليه ولا يمنع من تطبيقها بالاضافة إلى الحكم الواقعي بعد كونه مما لا يعلمون فإذا صح تطبيقها بالاضافة إليه كانت معارضة لأدلة الاحتياط لا محكومة لها كما لا يخفى (قوله: ودلالته تتوقف على عدم) الورود المجعول غاية لاطلاق الشئ مما لا ريب في كونه مما يقابل الصدور نحو قوله تعالى: (ولما
بضميمة أصالة العدم صح الاستدلال به وتم (فانه يقال): وإن تم الاستدلال به بضميمتها ويحكم باباحة مجهول الحرمة وإطلاقه إلا أنه لا بعنوان انه مجهول الحرمة ______________________________ ورد ماء مدين) فاحتمال كونه بمعنى الصدور - كما قد يتوهم من العبارة - في غاية السقوط. نعم الاطلاق والورود لما كانا إضافيين، بمعنى أن الاطلاق قد يكون في حق جميع المكلفين، وقد يكون في حق بعضهم، وكذلك الورود قد يكون لجميع المكلفين وقد يكون لبعضهم، فالاحتمالات العقلية في معنى الكلام وان كانت كثيرة إلا أن التردد بين اثنين منها (الأول) أن يكون المراد من الاطلاق ما كان في حق كل واحد من المكلفين، ومن الورود ما كان ولو إلى واحد منهم، فكل شئ مطلق بالاضافة إلى كل واحد من العباد إلى أن يرد فيه نهي ولو إلى واحد، فإذا ورد نهي عنه إلى واحد ارتفع اطلاقه بالنسبة إلى كل واحد (الثاني) أن يكون ورود النهي بالاضافة إلى شخص غاية للاطلاق بالاضافة إليه ولا يكون غاية للاطلاق بالنسبة إلى غير من ورد إليه النهي. فعلى الأول لو شك في ورود النهي إلى أحد فقد شك في تحقق الغاية. ولا يجوز التمسك بالحكم المغيى مع الشك في تحقق غايته إلا أن يحرز عدم الغاية بالأصل، وعلى الثاني يجوز التمسك به للعلم بعدم تحقق الغاية بالاضافة إلى الشاك، والمصنف (ره) استظهر المعنى الأول فاورد على التمسك بها على البراءة بانه تمسك بما هو خلاف الظاهر، وكأن الباعث له على هذا الاستظهار كونه مقتضى الاطلاق في الاطلاق والورود، ولكن الانصاف يقتضي خلاف ما ذكر، وكيف يصح أن يدعى أن ظاهر هذا الكلام انه يجب الاحتياط على عامة المكلفين إذا علم بالنهي واحد منهم ؟ فان ذلك خلاف الارتكاز العقلائي كما هو ظاهر لمن تأمل (قوله: بضميمة اصالة العدم) يعني يمكن التمسك بالحديث إذا أحرز عدم الورود باصالة العدم فان أصالة عدم ورود النهي إذا جرت يحرز بها أن الشئ مما لم برد فيه نهي فيكون مطلقا (قوله: الا انه لا بعنوان) يعني أن أصالة العدم وان كانت نافعة في اثبات كونه مطلقا إلا
* شرعا بل بعنوان انه مما لم يرد عنه النهي واقعا (لا يقال): نعم ولكنه لا يتفاوت فيما هو المهم من الحكم بالاباحة في مجهول الحرمة كان بهذا العنوان أو بذاك العنوان (فانه يقال): حيث أنه بذاك العنوان لاختص بما لم يعلم ورود النهي عنه أصلا ولا يكاد يعم ما إذا ورد النهي عنه في زمان واباحه في آخر واشتبها من حيث التقدم والتأخر، (لا يقال): هذا لولا عدم الفصل بين أفراد ما اشتبهت حرمته (فانه يقال): وإن لم يكن بينها الفصل إلا أنه إنما يجدي فيما كان المثبت للحكم بالاباحة في بعضها الدليل لا الأصل فافهم (وأما الاجماع) فقد نقل على البراءة إلا أنه موهون ولو قيل باعتبار الاجماع المنقول في الجملة فان تحصيله في مثل هذه المسألة مما للعقل إليه سبيل ومن واضح النقل عليه دليل ______________________________ أن الاطلاق المحرز بها ليس مما هو محل الكلام هنا إذ الكلام في أن الجهل بالحكم الالزامي هل هو موضوع لجواز الارتكاب أولا ؟ والثابت من الرواية أن ما لم يرد فيه نهي إلى أحد يجوز ارتكابه وهو غير محل الكلام (قوله: بهذا العنوان) يعني عنوان مجهول الحرمة (قوله: أو بذاك العنوان) يعني عنوان ما لم يرد فيه نهي (قوله: واشتبها من حيث) ففي هذا الفرض يصدق انه مجهول الحرمة ولا يمكن احراز انه مما لم يرد فيه نهي بالأصل لامتناع جريان أصالة العدم في المقام للعلم بارتفاع العدم وانتقاضه بالوجود (قوله: هذا لولا عدم) يعني ما ذكر من عدم امكان إثبات الاباحة في الفرض المذكور انما يتم لولا عدم الفصل أما بالنظر إلى عدم الفصل بين أفراد مشتبه الحكم فيثبت الحكم بالاباحة في الفرض كما ثبت في غيره من أمثاله (قوله: انما يجدي فيما كان) يعني أن التلازم بين الافراد في الحكم بالاباحة انما ينفع في اثبات الاباحة لبعض الافراد عند ثبوتها في غيره لو كان ثبوتها للغير مما قام عليه دليل لأن الدليل الدال على احد المتلازمين حجة في اثبات الملازم الآخر، أما إذا كان المثبت للاباحة هو الاصل فليس الحكم كذلك لأن الاصل المثبت لاحد المتلازمين لا يكون حجة على الملازم الآخر،
* بعيد جدا (وأما العقل) فانه قد استقل بقبح العقوبة والمؤاخذة على مخالفة التكليف المجهول بعد الفحص واليأس عن الظفر بما كان حجة عليه فانهما بدونها عقاب بلا بيان ومؤاخذة بلا برهان وهما قبيحان بشهادة الوجدان. ولا يخفى انه مع استقلاله بذلك لا احتمال لضرر العقوبة في مخالفته فلا يكون مجال ها هنا لقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل كي يتوهم أنها تكون بيانا كما انه مع احتماله ______________________________ ولذا اشتهر أن الاصل المثبت ليس بحجة، فاصالة العدم وان كانت تثبت الاباحة في اكثر الموارد لكنها لا تصلح لاثباتها في الفرض المذكور بتوسط الملازمة بين الموارد بالاباحة. هذا ولكن لا يخفى أن أصالة العدم في المقام لا تثبت الاباحة وانما تثبت موضوع الاباحة والاباحة إنما تستفاد من الدليل وهو الحديث المذكور فالاولى أن يقال: إن عدم الفصل انما ينفع في اثبات الاباحة لو كان بين ما لم يرد فيه نهي وما لم يعلم ورود النهي فيه لا ما لو كان بين أفراد مجهول الحكم فان عدم الفصل في الثاني انما يجدي لو قام دليل على الاباحة في بعض أفراد مجهول الحكم والمفروض عدمه، وانما الدليل قام على الاباحة فيما لم يرد فيه نهي فلابد من اثبات عدم الفصل بينه وبين مجهول الحكم. فلاحظ وتأمل، ولعله إلى هذا أشار بقوله: فافهم (قوله: بعيد جدا) يعني ومع بعد صدق الناقل لا يجوز الاعتماد على النقل (قوله: بما كان) متعلق بالظفر (قوله: فانهما بدونها) ضمير التثنية راجع إلى العقوبة والمؤاخذة وضمير المؤنث راجع إلى الحجة، (قوله: ولا يخفى انه مع استقلاله) يعني أنه حيث استقل العقل بقبح المؤاخذة كانت المؤاخذة معلومة العدم لامتناع صدور القبيح منه تعالى، ومع العلم بعدم المؤاخذة لا مجال لتطبيق قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل لان تطبيقها يتوقف على احتمال لضرر والمفروض حصول العلم بعدمه فقاعدة قبح العقاب بلا بيان واردة على قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل رافعة لموضوعها تكوينا حقيقة. ومن هذا يظهر لك اندفاع ما يتوهم من كون قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل واردة
لا حاجة إلى القاعدة بل في صورة المصادفة استحق العقوبة على المخالفة ولو قيل بعدم وجوب دفع الضرر المحتمل، وأما ضرر غير العقوبة فهو وإن كان محتملا إلا أن المتيقن منه فضلا عن محتمله ليس بواجب الدفع شرعا ولا عقلا، ضرورة عدم القبح في تحمل بعض المضار ببعض الدواعي عقلا وجوازه شرعا - مع أن احتمال الحرمة أو الوجوب لا يلازم احتمال المضرة وان كان ملازما لاحتمال المفسدة أو ترك المصلحة لوضوح ان المصالح والمفاسد التي تكون مناطات الاحكام وقد استقل العقل بحسن الافعال التى تكون ذات المصالح وقبح ما كان ذات المفاسد ______________________________ على قاعدة قبح العقاب بلا بيان لأن الاولى تصلح أن تكون بيانا فيرتفع موضوع الثانية حقيقة (توضيح الاندفاع): أن قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل مما يمتنع أن تكون بيانا على التكليف لان تطبيقها يتوقف على احتمال الضرر والاحتمال المذكور انما يكون مع وجود البيان على الواقع فالبيان لابد أن يكون مفروضا في رتبة سابقة عليها، ويمتنع حينئذ ان يكون البيان بها، وان شئت قلت: يلزم من كونها بيانا الدور، لأن ورودها يتوقف على ثبوت موضوعها وهو احتمال الضرر، واحتمال الضرر يتوقف على البيان فلو كان البيان موقوفا على ورودها لزم توقف الشئ على ما يتوقف عليه وهو الدور الممتنع (قوله: لا حاجة إلى القاعدة) إنما لا يكون حاجة إليها لو كان النزاع في ثبوت العقاب على تقدير المصادفة حيث أن ثبوت العقاب على ذلك التقدير تابع لوجود مقتضيه وهو المعصية أما لو كان النزاع في ثبوت وجوب الاحتياط كما يدعيه الاخباريون فالحاجة إليها أكيدة إذ لولاها لم يكن ما يوجب الاحتياط (قوله: واما ضرر غير العقوبة) معطوف على قوله: لاحتمال الضرر... الخ (قوله: ضرورة عدم القبح) يشهد به الوجدان الضرورى، كما يظهر بادنى تأمل (قوله: وجوازه شرعا) لأن الثابت في الشرع حرمة الوقوع في التهلكة دون عنوان مطلق الضرر فلاحظ مع ان احتمال الضرر الدنيوي من قبيل الشبهة الموضوعية التي لا إشكال عند
* ليست براجعة إلى المنافع والمضار وكثيرا ما يكون محتملا التكليف مأمون الضرر. نعم ربما يكون المنفعة أو المضرة مناطا للحكم شرعا وعقلا (ان قلت): نعم ولكن العقل يستقل بقبح الاقدام على ما لا يؤمن من مفسدته وأنه كالافدام على ما علم مفسدته كما استدل به شيخ الطائفة - قدس سره - على أن الاشياء على الحضر أو الوقف (قلت): استقلاله بذلك ممنوع والسند شهادة الوجدان ومراجعة ديدن العقلاء من أهل الملل والاديان حيث أنهم لا يحترزون مما لا تؤمن مفسدته ولا يعاملون معه معاملة ما علم مفسدته كيف وقد أذن الشارع بالاقدام عليه ؟ ولا يكاد يأذن بارتكاب القبيح فتأمل (واحتج للقول) بوجوب الاحتياط فيما لم تقم فيه حجة بالأدلة الثلاثة (أما الكتاب) فبالآيات الناهية عن القول بغير العلم وعن الالقاء في التهلكة والآمرة بالتقوى، والجواب أن القول بالاباحة شرعا وبالأمن من العقوبة عقلا ليس قولا بغير علم لما دل على الاباحة من النقل وعلى البراءة من حكم العقل ومعهما لا مهلكة في اقتحام الشبهة أصلا ولا فيه مخالفة التقوى كما لا يخفى (واما الأخبار) فبما دل على وجوب التوقف عند الشبهة معللا في بعضها بأن (الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في المهلكة) من الأخبار الكثيرة ______________________________ الاخباريين في جواز الارتكاب فيها، إلا ان يفرق بين مثل هذه الشبهة الموضوعية وسائر الشبه الموضوعية لاختلافها في أن بيانها وظيفة الشارع دونها كما هو ظاهر (قوله: ليست براجعة) هو خبر أن المصالح... الخ، وقد تقدم ذلك في مبحث حجية الظن (قوله: وكثيرا ما يكون محتمل) وحينئذ فلو بني على وجوب دفع الضرر المحتمل اختص بغير هذه الموارد (قوله: كيف وقد أذن) من الواضح أن المصالح والمفاسد الواقعية بعد ما كانت عللا للاحكام الشرعية امتنع إذن الشارع في الاقدام على ما لا تؤمن مفسدته الا مع وجود المزاحم الاهم أو المساوي كما تقدم في الجمع بين الاحكام الظاهرية والواقعية، وحينئذ فاذن الشارع
الدالة عليه مطابقة أو التزاما وبما دل على وجوب الاحتياط من الاخبار الواردة بألسنة مختلفة (والجواب) أنه لا مهلكة في الشبهة البدوية مع دلالة النقل على الاباحة وحكم العقل بالبراءة كما عرفت وما دل على وجوب الاحتياط لو سلم وان كان واردا على حكم العقل فانه ______________________________ في الاقدام عليه لا تصلح شاهدا على جواز الاقدام مطلقا، إلا أن يكون مقصوده دعوى جواز الاقدام عند العقلاء لبعض الدواعي كما جاز عند الشارع لذلك، لكن العبارة لا تساعد عليه، مع أنه قياس مع الفارق لان الدواعي العقلائية المصححة للاقدام ليست مما تصلح لمزاحمة المفاسد الواقعية، كما هو ظاهر، ولعله إليه أشار بقوله: فتأمل (قوله: الدالة عليه مطابقة) اي الدالة على وجوب التوقف مطابقة مثل ما تضمن الأمر بالوقوف والكف أو التزاما مثل ما دل على وجوب التثبت والرد إلى الله تعالى والى رسوله صلى الله عليه وآله والائمة (ع) وغير ذلك (قوله: والجواب انه لا مهلكة) توضيحه: أن وجوب التوقف المستفاد من أخباره قد اخذ في موضوعه الهلكة فيمتنع ان يكون علة لها لأن الموضوع من علل وجود حكمه فلو كان معلولا له لزم الدور، فلابد حينئذ من أن يكون منشأ الهلكة شيئا آخر غير هذا الوجوب فتختص الاخبار المذكورة بما لو كان بيان على الواقع غير نفس الاخبار فيبطل جعلها بيانا على التكليف كما هو غرض المستدل، ويكون حال هذه الاخبار بالاضافة إلى قاعدة قبح العقاب بلا بيان حال قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل بالاضافة إليها، فكل مورد لابيان فيه على الواقع تجري فيه قاعدة قبح العقاب بلا بيان وتكون واردة على هذه الاخبار، وكل مورد يكون فيه بيان على الواقع تجري فيه هذه الاخبار ولا تجري فيه قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فالأخبار المذكورة لا تصلح بيانا اصلا كما لا تصلح قاعدة وجوب دفع الضرر بيانا حسبما عرفت، وهكذا حال الأخبار بالاضافة إلى الأدلة النقلية الدالة على البراءة فان تلك الادلة رافعة لموضوعها أيضا بعين التقريب المذكور (قوله: لو سلم) يعني لو سلم وجوده ولم يناقش
كفى بيانا على العقوبة على مخالفة التكليف المجهول، ولا يصغي إلى ما قيل من ان إيجاب الاحتياط ان كان مقدمة للتحرز عن عقاب الواقع المجهول فهو قبيح وان كان نفسيا فالعقاب على مخالفته لا على مخالفة الواقع، وذلك لما عرفت من أن ايجابه يكون طريقيا وهو عقلا ما يصح أن يحتج به على المؤاخذة في مخالفة الشبهة كما هو الحال في أوامر الطرق والامارات والاصول العملية إلا أنها تعارض بما هو أخص أو اظهر، ضرورة أن ما دل على حلية المشتبه أخص بل هو في الدلالة على الحلية نص وما دل على الاحتياط ______________________________ فيه بدعوى القرائن الدالة على أنه للاستحباب أو للارشاد كما يظهر من ملاحظة الرسائل (قوله: كفى بيانا) فلا مجال معه لتطبيق قاعدة قبح العقاب بلا بيان (قوله: ما قيل من ان ايجاب) القائل شيخنا الأعظم (قدس سره) في رسائله ذكره في جواب ايراد أورده على نفسه في مقام الجواب عن اخبار التوقف وقد تضمن الايراد دعوى وجوب الاحتياط شرعا، وستأتي الاشاره إليه في كلام المصنف (ره) (قوله: فهو قبيح) يعني ترتب العقاب على التكليف المجهول (قوله: وذلك لما عرفت من) تعليل لأنه لا يصغى إليه، وحاصله: أنه لا ينحصر وجه وجوب الاحتياط في احد الأمرين الباطلين ليكون باطلا بل يمكن أن يكون بنحو آخر بأن يكون طريقيا كسائر الوجوبات التى تضمنتها أدلة الطرق والامارات والاصول ناشئا عن الاهتمام بمصلحة الواقع، وحينئذ يكون بيانا على الواقع مصححا للعقاب على مخالفته واردا على قاعدة قبح العقاب بلا بيان ورود جميع الطرق والامارات والأصول عليها (قوله: الا انها تعارض) استدراك على قوله: وإن كان، وهو الجواب عن اخبار الاحتياط (قوله: ضرورة ان ما دل على حلية المشتبه اخص) إن كان المراد به مثل حديث الرفع والسعة، فيشكل بأنه وان كان مخصصا بالشبهة المقرونة بالعلم الاجمالي اجماعا إلا أن تخصيص أدلة الاحتياط بالشبهة الموضوعية يوجب كون النسبة بينه وبين أدلة الاحتياط عموما من وجه وكما يجوز حمل الثانية على الشبهة المقرونة بالعلم الاجمالي يجوز حمله على
* غايته أنه ظاهر في وجوب الاحتياط مع أن هناك قرائن دالة على انه للارشاد فيختلف ايجابا واستحبابا حسب اختلاف ما يرشد إليه، ويؤيده أنه لو لم يكن للارشاد لوجب تخصيصه لا محالة ببعض الشبهات اجماعا مع أنه آب عن التخصيص قطعا كيف لا يكون قوله: (قف عند الشبهة فان الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة) للارشاد مع أن المهلكة ظاهر في العقوبة ولا عقوبة في الشبهة البدوية قبل إيجاب الوقوف والاحتياط فكيف يعلل إيجابه بانه خير من الاقتحام في الهلكة ؟ (لا يقال): نعم ولكنه يستكشف منه على نحو الان إيجاب الاحتياط من قبل ليصح به العقوبة على المخالفة ______________________________ خصوص الشبهة الموضوعية. وان كان المراد به مثل: كل شئ لك حلال، فالكلام فيه هو الكلام فيما قبله، وان كان المراد به: كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهي - بناء على عدم عمومه للشبهة الموضوعية - فهو وان كان حينئذ أخص مطلقا إلا أنه تقدم منه الاشكال على الاستدلال به، وعليه فيرجع عاما ايضا (قوله: غايته انه ظاهر) وحينئذ فيمكن التصرف فيه بحمله على الفضل كما هو الشائع عملا في الجمع بين ما دل على الوجوب وما دل على جواز الترك مثل افعل ولك ان لا تفعل، بل اكثر المندوبات مستفادة من مثل ذلك (قوله: قرائن دالة على انه) تظهر بمراجعة الرسائل (قوله: ببعض الشبهات) إجماعا كالشبهة الموضوعية مطلقا والشبهة الحكمية الوجوبية (قوله: كيف لا يكون قوله قف) ذكر هذا الحديث في المقام لا يخلو من شئ لأن المقصود الجواب عن اخبار الاحتياط لا اخبار التوقف إذ قد اجاب عنها اولا بما سبق (قوله: لا يقال نعم ولكنه) هذا هو الاشكال الذي اورده الشيخ (ره) على نفسه واجاب عنه بما اشار إليه المصنف (ره) بقوله: ولا يصغي إلى ما قيل... الخ (قوله: على نحو الان) الاستدلال الاني هو الاستدلال بوجود المعلول على وجود العلة، وفي المقام لما كان حسن العقاب معلولا لتنجز التكليف وثبوت البيان عليه كان الدليل الدال على وجود العقاب في الشبهة
* (فانه يقال): إن مجرد إيجابه واقعا ما لم يعلم لا يصحح العقوبة ولا يخرجها عن انها بلا بيان ولا برهان فلا محيص عن اختصاص مثله بما يتنجز فيه المشتبه قبل الفحص مطلقا أو الشبهة المقرونة بالعلم الاجمالي فتأمل جيدا (وأما العقل) فلاستقلاله بلزوم فعل ما احتمل وجوبه وترك ما احتمل حرمته حيث علم إجمالا بوجود واجبات ومحرمات كثيرة فيما اشتبه وجوبه أو حرمته مما لم يكن هناك حجة على حكمه تفريغا للذمة بعد اشتغالها ولا خلاف في لزوم الاحتياط في أطراف العلم الاجمالي إلا من بعض الاصحاب (والجواب): أن العقل وان استقل بذلك الا انه إذا لم ينحل العلم الاجمالي إلى علم تفصيلي وشك بدوي ______________________________ دالا على وجود البيان على التكليف، فالأخبار المثبتة للهلكة في الشبهات كاشفة عن وجوب الاحتياط شرعا لئلا يكون العقاب بلا بيان والمعلول بلا علة (قوله: فانه يقال ان مجرد ايجابه) يعني ان ايجاب الاحتياط واقعا لو كان يكفي في حسن العقاب على المخالفة وفى كون الاقدام على الشبهة هلكة صح حينئذ استكشاف ايجاب الاحتياط في الشبهة بما دل على ثبوت الهلكة فيها دلالة ما دل على ثبوت اللازم على ثبوت ملزومه كما ذكر في السؤال، لكن ليس الامر كذلك لأن ايجاب الاحتياط واقعا ما لم يصل إلى المكلف لا يكفي في حسن العقاب على المخالفة اصلا (فان قلت): إذا كانت الهلكة لازمة لوجوب الاحتياط الواصل فليستكشف وجوب الاحتياط الواصل بما دل على ثبوت الهلكة في الشبهة (قلت): لا يمكن استكشاف ذلك للعلم بعدم وصوله من قبل غير الحديث المذكور ومن قبل نفس الحديث المذكور دوري كما عرفت في الجواب عنه سابقا وعن قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل. فلاحظ (فان قلت): ما الفرق بين هذا الحديث وما تضمن الوعيد على فعل بعض المحرمات مثل قوله تعالى: (ومن قتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها) ؟ إذ لا ريب في كون هذا الخطاب بنفسه بيانا على تحريم
* وقد انحل هاهنا ______________________________ القتل، فهلا كان المقام كذلك (قلت): فرق واضح بين المقام وبين الوعيد على فعل المحرم فان الوعيد لما لم يمكن الأخذ بظاهره كان اقرب وجوه التصرف فيه أن يحمل على كونه كناية عن التحريم ويكون حينئذ بيانا عليه، وفي المقام لما لم يمكن الأخذ بظاره كان اقرب وجوه التصرف فيه ان يحمل فيه الشبهة على خصوص المقرونة بالعلم الاجمالي أو نحوها مما كان فيها بيان على الواقع، واجاب والدي (قدس سره) عن اشكال الفرق بأن ظاهر لسان الوعيد كون الاستحقاق فيه ناشئا من نفس الخطاب المشتمل عليه، وظاهر اخبار الوقوف كون الهلكة ناشئة من خطاب آخر، ولعله راجع إلى ما ذكرنا فلاحظ وتأمل (قوله: وقد انحل ها هنا) اعلم انه إذا تعلق علم اجمالي بثبوت التكليف في احد امور معينة كما لو علم اجمالا بوقوع النجاسة في احد أو ان اربعة كبيرين وصغيرين وقام علم تفصيلي أو اجمالي، أو علمي تفصيلي أو اجمالي، أو أصل مثبت للتكليف في بعضها المساوي للمعلوم بالاجمال بحيث لا يعلم بثبوت التكليف فيما عداه من الأطراف فهل ينحل العلم الاجمالي حقيقة أو حكما فيسقط عن التأثير اولا يكون شئ منها ؟ وهل يختلف الحال فيما لو كان العلم أو العلمي متعرضا لتعيين المعلوم بالاجمال كما لو علم بان النجس المعلوم بالاجمال هو هذا الاناء عما لو لم يكن كذلك كما لو علم بان هذا نجس من دون نظر إلى تعيين النجس ؟ كما انه هل يختلف الحال فيما لو اتحد جنس التكليف كما في الفرض المذكور عما تعدد كما لو علم بخمرية احد الاناءين وعلم تفصيلا بغصبية أحدهما المعين مثلا ؟ (وتوضيح) الحال في هذه الصور وغيرها مما يظهر بملاحظتها يكون بذكر صور معينة وتحقيق حكمها ويظهر حال غيرها مما ذكر فيها (فنقول): إذا علم اجمالا بنجاسة احد الانائين وعلم تفصيلا بنجاسة احدهما بعينه، فالظاهر انه لا اشكال في عدم وجوب الاحتياط بالاجتناب عن الطرف المشكوك، ويقع الكلام في وجهه، فالذي يظهر من المصنف (ره) انه انحلال العلم الاجمالي حقيقة فلا موجب للاحتياط، وكأن الوجه فيه، إما
الوجدان إذ ليس لنا الا فرد معلوم النجاسة وآخر مشكوك النجاسة نظير الأقل والأكثر الاستقلاليين كما لو علم بنجاسة احد الاناء ين وشك في نجاسة الآخر أو ان المعلوم بالاجمال لما كان طبيعة مهملة صالحة للانطباق على كل واحد من الطرفين على البدل والمعلوم بالتفصيل طبيعة خاصة ولا ريب ان الطبيعة المهملة عين الطبيعة الخاصة في الخارج كان اتحاد المعلومين موجبا لامتناع اجتماع العلمين لأن المثلين كالضدين يمتنع اجتماعهما في محل واحد فيمتنع كون المعلوم بالتفصيل طرفا للمعلوم بالاجمال فلم يبق له إلا طرف واحد ويمتنع قيام العلم الاجمالي بطرف واحد فينقلب شكا (فان قلت): إذا فرضنا أن اطراف الشبهة اكثر من اثنين فعند خروج المعلوم بالتفصيل عن كونه طرفا له يبقى له طرفان أو اكثر ويمكن حينئذ قيام العلم الاجمالي بها (قلت): إذا فرضنا أن المعلوم بالتفصيل طرف للعلم الاجمالي بحيث يحتمل أن ينطبق عليه المعلوم بالاجمال امتنع قيام العلم الاجمالي فيما عداه من الأطراف ولو كان اكثر من واحد فان ذلك خلف لأن من خواص العلم الاجمالي أن لو عزل ما يساوي المعلوم بالاجمال انتفى في باقي الأطراف كما تقدمت إليه الاشارة وظاهر بأدنى تأمل (هذا) ولكن لا يخفى عدم تمامية كل من التقريبين (أما الأول) فلأن الوجدان حاكم بوجود علمين في محل الكلام بحيث يصح ان نخبر بأنا نعلم بنجاسة الاناء الفلاني ونعلم بنجاسة اناء زيد المردد بينه وبين الآخر (وأما الثاني) فلابتنائه على تعلق العلم بالأمور الخارجية لا الصور الذهنية إذ على الثاني تكون الصورة الحاكية عن المعلوم بالفصيل غير الصورة الحاكية عن المعلوم بالاجمال فيكون موضوع أحد العلمين غير موضوع الآخر، ولا يلزم اجتماع المثلين، مع أن الشك في الطرف الآخر إنما كان ناشئا من العلم الاجمالي فبقاؤه يدل على بقائه. فلا محيص الا عن أن يقال: ليس الانحلال في المقام حقيقيا بل حكمي بمعني مجرد عدم ترتب أثر على العلم الاجمالي وفرض وجوده كعدمه، والوجه فيه: أن المعلوم بالاجمال يمتنع أن يتنجز في المقام لا من قبل العلم التفصيلي ولا من قبل العلم الاجمالي. أما من قبل الأول فواضح لعدم تعلقه به فكيف يصلح للمنجزية. وأما من قبل الثاني فلأنه وان تعلق به إلا أن المعلوم
بالاجمال لما كان صالحا للانطباق على المعلوم بالتفصيل كان تنجزه بالعلم الاجمالي موجبا لكون المعلوم بالتفصيل قام عليه منجزان العلم التفصيلي المتعلق به والعلم الاجمالي المتعلق بما هو صالح للانطباق عليه، واجتماع المنجزين على المنجز الواحد ممتنع، فلابد من استناد تنجز المعلوم بالتفصيل اليهما معا فيسقط العلم الاجمالي عن المنجزية الفعلية فلا منجزية للمعلوم بالاجمال أصلا (فان قلت): إذا كان انطباق المعلوم بالاجمال على المعلوم بالتفصيل مانعا عن تأثير العلم الاجمالي به فعلا من جهة لزوم الترجيح بلا مرجح فهو بعينه مانع من تأثير العلم التفصيلي في المعلوم لعين المانع المذكور، ولازمه عدم المنجز للمعلوم بالتفصيل ايضا، فلا موجب لاشتغال الذمة بكل واحد من المعلوم بالاجمال والمعلوم بالتفصيل (قلت): فرق واضح بين المعلوم بالتفصيل والمعلوم بالاجمال فان الأول مما لا ريب في قيام المنجز عليه إما العلم التفصيلي أو مجموع العلمين، والثاني مما لا يحتمل وجود المنجز له غير العلم الاجمالي والمفروض انه يمتنع أن يكون منجزا له (والنكتة الفارقة): أن العلم الاجمالي وإن لم يتعلق إلا بالصورة المهملة الصالحة للانطباق على كل من الفردين إلا أنه ينجز نفس الواقع الذي اتحد معه وانطبق عليه فيصلح لمنجزية المعلوم بالتفصيل والعلم التفصيلي مما لا يصلح لمنجزية المعلوم بالاجمال الصالح للانطباق على كل من الفردين أصلا وانما ينجز متعلقه فقط ولا يسري التنجز من متعلقه الي الامر المردد بينه وبين غيره. ومن هنا نحكم بجود المنجز للمعلوم بالتفصيل، إما نفس العلم التفصيلي أو هو والاجمالي ولا نحكم بوجود المنجز للمعلوم بالاجمال إذ ينحصر محتمل المنجزية له بنفس العلم الاجمالي الذي قد عرفت انه ممنوع لوجود المماثل (وان شئت قلت): تنجز المعلوم بالاجمال ليس معناه الا اشتغال ذمة المكلف به في قبال اشتغالها بالمعلوم بالتفصيل وهذا ممتنع عقلا لاحتمال كونه عين المعلوم بالتفصيل فكيف يثبت في ذمة المكلف زائذا على المعلوم بالتفصيل، وحينئذ يدور الامر بين رفع اليد عن العلم التفصيلي فلا يحكم بمنجزية متعلقه أو عن العلم الاجمالي كذلك أو عنهما معا فلا يجب على المكلف اجتناب كل واحد منهما، لكن لما كان وجوب الاجتناب عن المعلوم بالتفصيل من لوازم كل
من العلمين ومقتضياتهما كان ترتبه مما لا اشكال فيه لعدم تزاحمهما فيه، ووجوب الاجتناب عن الطرف المشكوك لما كان من لوازم تأثير العلم الاجمالي في متعلقه بخصوصه لا وجه للحكم به لعدم قيام المرجح له. وعلى هذا جرت طريقة العقلاء التي هي حاكمة على كل اشكال في المقام أو نقض أو ابرام، ومنه سبحانه نستمد الاعتصام (إذا عرفت) هذا عرفت انه لا فرق بين كون العلمين التفصيلي والاجمالي حقيقيين أو تنزيليين أو مختلفين، بل لا فرق بين أن يكونا علمين أو أصلين مثبتين للتكليف أو مختلفين إذ يأتي في جميع هذه الصور جميع ما ذكرنا. فلاحظ وتأمل (هذا كله) إذا كان العلمان أو ما هو بمنزلتهما مقترنين. ولو تقدم العلم التفصيلي على العلم الاجمالي كما لو علم بنجاسة اناء معين ثم علم بوقوع نجاسة فيه أو في اناء آخر، فان بنينا على أن التنجز حدوثا وبقاء منوط بالعلم حدوثا بحيث يكون حدوث العلم بالتكليف موجبا لتنجز متعلقه إلى الأبد فالمعلوم بالتفصيل لما كان متنجزا بالعلم التفصيلي حين حدوثه فإذا جاء العلم الاجمالي امتنع أن يكون منجزا لمتعلقه لما عرفت من التنافي الموجب لتعين سقوطه لتأخره الزماني إذ يكون تنجيزه حينئذ من قبيل تحصيل الحاصل الممتنع، وان قلنا - كما هو التحقيق - ان التنجز منوط بالعلم حدوثا وبقاء ففي آن حدوث العلم الاجمالي يأتي حكم صورة التقارن، ومجرد سبق العلم التفصيلي لا أثر له في الفرق، كما انه لا فرق ايضا بين أن يكون العلمان حقيقيين أو تنزيليين أو مختلفين، كما لا فرق بينها وبين ما لو كان المثبت للتكليف اجمالا وتفصيلا أصلين أو كان أحدهما أصلا والآخر علما فيجري فيه جميع ما تقدم بلا فرق أصلا. ولو تقدم العلم الاجمالي على العلم التفصيلي (فان قلنا): بأن التنجز منوط بحدوث العلم فالمعلوم بالاجمال متنجز بالعلم الاجمالي لأنه بلا مانع حين حدوثه وحدوث العلم التفصيلي لا يبطل أثره لعدم كونه مقتضيا لذلك فيبقي المعلوم بالاجمال متنجزا ويجب الاحتياط في الطرف المشكوك (وان قلنا): بأن التنجز منوط بالعلم حدوثا وبقاءا فالمعلوم بالاجمال متنجز بالعلم إلى حين حدوث العلم التفصيلي، وفى آن حدوثه يجري
عليهما حكم الاقتران فيسقط العلم الاجمالي عن التأثير، ولا يجب الاجتناب الا عن المعلوم بالتفصيل، ولازم ذلك أنه لو علم اجمالا بنجاسة احد اناءين فوجب عليه اجتنابهما معا ثم في الزمان اللاحق وقعت نجاسة في احدهما المعين وجب عليه الاجتناب عن ذلك المعين ولم يجب عليه الاجتناب عن الآخر لعدم المنجز له على تقدير نجاسته. نعم قد يقال: إنه وإن انحل العلم الاجمالي المذكور إلا أن هناك علم اجمالي لم ينحل وذلك لان التكليف الممتد بامتداد الزمان أعني المستمر في الجملة مثل التكليف بالجلوس في المسجد ساعة والتكليف بالاجتناب عن النجس مدة الحياة منحل إلى تكاليف متعددة بتعدد الآنات وليس المراد من ذلك أن كل زمان يفرض ملحوظ قيدا في موضوع التكليف فيكون مثلا كل حصة من الجلوس مقيدة بحصة من الزمان موضوعا مستقلا للحكم حتى يمنع ذلك بانه لا دليل عليه، بل المراد ما هو اعم من ذلك ومن ان كل حصة من الجلوس وقطعة منه بما هي جلوس موضوع مستقل للحكم، والمراد من كونها مستقلة في الموضوعية أن لها ارادة خاصة بها بحيث لا تكون القطعة الاخرى مما لها الدخل في موضوعية هذه القطعة للمقدار الخاص بها من الارادة بل كل قطعة من قطعات الجلوس المنحل إليها الجلوس المستمر قائمة بها ارادة مستقلة غير مربوطة بارادة القطعة الاخرى اصلا بحيث لو فرض تبدل الارادة الاخرى بنقيضها كانت هذه القطعة من الارادة ثابتة بحالها، فهناك حقيقة ارادات متعددة بتعدد حصص الجلوس تنحل إليها الارادة الممتدة بامتداد الجلوس بحيث يكون لكل واحدة من هذه الارادات طاعة ومعصية لا كالوجوب الارتباطي، وحينئذ ينحل التكليف بالاجتناب عن النجس مدة الحياة إلى التكليف بالاجتناب عنه يوم الجمعة ويوم السبت ويوم الاحد... وهكذا إلى آخر المدة فإذا تردد النجس بين اناءين كان هناك علوم اجمالية كثيرة بتكثر الآنات منها آنية مثل أنا نعلم اجمالا بوجوب الاجتناب عن احدهما يوم الجمعة ونعلم بوجوب الاجتناب عن احدهما يوم السبت ونعلم اجمالا بوجوب الاجتناب عن احدهما يوم الاحد... وهكذا، ومنها تدريجية مثل أنا نعلم بوجوب الاجتناب اما عن الاحمر يوم الجمعة أو عن الابيض يوم السبت أو عنه يوم الاحد أو عنه يوم الاثنين... وهكذا إلى آخر ازمنة الابيض، ومع
ذلك نعلم ايضا بوجوب الاجتناب اما عن الاحمر يوم الاحد أو الابيض يوم الجمعة أو عنه يوم السبت أو عنه يوم الاثنين، وحاصل هذه العلوم التدريجية: انه بعد انحلال التكليف المستمر إلى التكاليف المتعددة بتعدد الآنات فعند تردد المكلف به بين الفردين يكون التردد بين كل ما يفرض من الآناث بالنسبة إلى احدهما وكل ما يفرض من الآنات بالنسبة إلى الآخر وحينئذ فان فرض طرفا الترديد في آن واحد فالعلم الاجمالي بينهما آني وان فرضا في آنين متصلين أو منفصلين فالعلم الاجمالي بينهما تدريجي مثلا إذا فرض تردد رمضان بين شهرين فانه كما يعلم بوجوب صوم احد اليومين الاولين واحد الثانيين واحد الثالثين منهما يعلم بوجوب صوم اما الاول من الاول أو الثاني من الثاني أو الثالث منه أو الرابع منه... وهكذا، وكذا يعلم اما بوجوب صوم الثاني من الاول أو الاول من الثاني أو الثالث منه أو الرابع منه... وهكذا، وحينئذ نقول: العلم التفصيلي اللاحق للعلم الاجمالي وإن كان يوجب كون العلم الاجمالي بحكم المنحل لكن يختص ذلك بالعلم الآتي وبعض صور التدريجي مطلقا، وذلك لان بعض التدريجي لم يقم على ثبوت التكليف في احد طرفيه بعينه منجز فلا يكون له ربط بما نحن فيه، مثلا إذا علمنا بنجاسة احد الاناءين في يوم الجمعة ثم علمنا في يوم الاحد بنجاسة احدهما بعينه، فهذا العلم التفصيلي إنما يوجب انحلال العلم الكائن في يوم الاحد بنجاسة احدهما، أما العلم الاجمالي إما بنجاسة احدهما في يوم الجمعة أو الآخر في يوم السبت أو الاحد أو الاثنين فهذه العلوم التدريجية مما لم يقم العلم على ثبوت التكليف في احد اطرافها المعين لان العلم التفصيلي إنما حدث في يوم الاحد ومتعلقه في يوم الاحد ليس طرفا لجميع العلوم التدريجية وإنما يكون طرفا لبعضها فما يكون طرفا له يجري عليه حكم الانحلال وما لم يكن طرفا له لا وجه لانحلاله فيجب الاحتياط في اطرافه التدريجية. ومما ذكرنا ظهر أنه لا فرق بين أن يكون العلم التفصيلي قائما على حدوث تكليف جديد بعد التكليف المعلوم بالاجمال كما في المثال الذي ذكرنا وبين أن يكون قائما على ثبوت التكليف مقارنا للمعلوم بالاجمال كما ظهر أنه لا فرق بين العلمين الحقيقيين والتنزيليين
والمختلفين وبينها وبين الاصلين المثبتين للتكليف والمختلفين (فتلخص) ان العلم التفصيلي أو ما بحكمه القائم على ثبوت التكليف في احد الطرفين إن كان مقدما على العلم الاجمالي أو مقارنا أوجب انحلال العلم الاجمالي حكما وإن كان متأخرا لم يمنع من تأثيره في المعلوم بالاجمال، ولابد من الاحتياط كما ظهر أنه لا فرق بين كون التكليف الثابت بالعلم التفصيلي متفقا صنفا مع المعلوم بالاجمال ومختلفا كما لو علم اجمالا بنجاسة احد الاناءين مع العلم التفصيلي بغصبية احدهما المعين فانه يجوز شرب الآخر والوضوء منه وغير ذلك من انواع التصرف لان المناط في جميع ما ذكرناه كونه علما بالكليف سواء كان لنجاسة ام غصبية أم غيرهما. نعم لو علم اجمالا بغصبية احد الاناءين مع العلم التفصيلي بنجاسة أحدهما بعينه كان العلم التفصيلي المذكور مانعا من تنجز حرمة شرب الآخر ولا يمنع من تنجز سائر انواع التصرف فيه لان العلم الاجمالي بحرمة سائر انواع التصرف في احدهما مما لم يقم منجز على ثبوت التكليف في بعض اطرافه المعين، فتأمل جيدا. ثم ان ما ذكرنا من ان العلم التفصيلي بثبوت التكليف في احد الاطراف يمنع من تنجيز العلم الاجمالي للمعلوم بالاجمال يختص بما إذا كان العلم التفصيلي في رتبة العلم الاجمالي أما لو كان ناشئا منه لم يمنع من تنجيزه لعدم كونه في رتبته فلو علم اجمالا بوجوب احد الامرين مع كون احدهما مقدمة للآخر وجب الاحتياط بفعلهما معا ولا ينحل العلم الاجمالي بالعلم التفصيلي بوجوب ما كان مقدمة للآخر بعينه اما لنفسه أو لغيره لان العلم التفصيلي بوجوبه بعينه إنما نشأ من قبل العلم الاجمالي فالعلم الاجمالي لما لم يكن في رتبته مانع من تأثيره كان تأثيره بلا مانع (واوضح) منه ما لو كان العلم التفصيلي ناشئا من منجزية العلم الاجمالي لامن قبل نفسه كما لو علم المصلي حين كونه في الركعة الثالثة بفوات التشهد أو السجدة الثانية فانه حينئذ وان علم تفصيلا بوجوب التشهد يجب عليه الاتيان بالسجدة لان العلم التفصيلي المذكور إنما جاء من تنجز المعلوم بالاجمال إذ على تقدير فوات السجدة واقعا لا يجب عليه التشهد، ولذا يجب على من فاتته سجدة فقط ان يتدارك التشهد وانما يجب تدارك التشهد على من فاتته
السجدة لو كان قد تنجز عليه فعلها ونحوه كثير من الأمثلة. فتأمل جيدا (ولو علم) بعد الفراغ من صلوته بفوات ركن من صلوته أو جزء من وضوئه وجب عليه فعل الصلاة للعلم ببطلانها إما لفوات الركن أو لفوات الطهارة المانع من الرجوع إلى قاعدة الفراغ فيها ولا يلزم اعادة الوضوء للشك في صحته فيرجع فيه إلى قاعدة الفراغ، ولا يجئ ما ذكرنا هنا فيقال: إن العلم التفصيلي ببطلان الصلاة انما نشأ من العلم الاجمالي بفسادها أو فساد الوضوء فلا يوجب انحلاله، لان العلم بفساد احد الأمرين ليس علما منجزا حتى لا يمنع العلم الناشئ منه من تأثيره فانه علم بالموضوع ولا معنى لكونه منجزا بل المنجز هو العلم بالحكم وهو العلم بوجوب الوضوء والصلاة أو الصلاة فقط، وحيث أنه علم بما هو مردد بين الأقل والاكثر كان منحلا حقيقة إلى العلم بالأقل والشك في الزائد فيعمل على مقتضي كل منهما فيجب الأقل للعلم به ويرجع في الزائد إلى قاعدة الفراغ التي لولاها لكان المرجع فيه قاعدة الاشتغال من جهة سبق التكليف به، ومن هنا يظهر أن ما ذكرنا من ان العلم التفصيلي الناشئ من قبل العلم الاجمالي لا يمنعه من تأثيره مختص بما كان ناشئا من العلم بالتكليف اجمالا فانه الذي ينجز لا العلم بالموضوع وان اشتبه ذلك على جماعة من فضلاء عصرنا فأوجبوا فعل الوضوء في المسألة المذكورة، ومنعوا من الرجوع إلى قاعدة الفراغ فيه لما اشتهر من أن العلم التفصيلي الناشئ من العلم الاجمالي لا يوجب انحلاله. والله سبحانه اعلم (هذا كله) إذا لم يكن العلم التفصيلي قائما على تعيين المعلوم بالاجمال بل كان قائما على ثبوت التكليف في أحد الاطراف في الجملة أما لو كان قائما على تعيين المعلوم بالاجمال فلا ريب في اقتضائه انحلال المعلوم بالاجمال حقيقة ولا يمكن فرض ذلك الا في العلم التفصيلي اللاحق أما المقارن والسابق فانه مانع من ثبوت العلم الاجمالي بالمرة. نعم يمكن فرض صورة مهملة في الذهن غير حاكية عن احدهما بعينه لكن في ظرف الاذعان بها لا ترى حاكية عن الطرف غير المعلوم بالتفصيل ولو على البدل بل ترى حاكية عن المعلوم بالتفصيل لا غير (هذا) إذا كان العلمان حقيقيين اما لو كان العلم الاجمالي
فانه كما علم بوجود تكاليف إجمالا كذلك علم إجمالا (تفصيلا ظ) بثبوت طرق وأصول معتبرة مثبتة لتكاليف بمقدار تلك التكاليف المعلومة أو أزيد وحينئذ لا علم بتكاليف أخر غير التكاليف الفعلية في موارد المثبتة من الطرق والأصول العملية ______________________________ حقيقيا والتفصيلي تنزيليا كما لو علم اجمالا بنجاسة أحد الاناءين وقامت البينة على كون النجس المعلوم بالاجمال هو الاناء الأبيض فان العلم الاجمالي وان كان باقيا حقيقة الا ان دليل حجية البينة يجعل موضوعها بدلا عن المعلوم بالاجمال، وجعل البدل مما لا ينافي منجزية العلم الاجمالي، ولو انعكس الامر كأن قامت البينة على نجاسة احدهما اجمالا وعلم بان النجس هو المعين لا مجال لحجية البينة في وجوب الاجتناب عن الطرف الآخر للعلم بعدم انطباق موضوعها عليه، ولو كانا تنزيليين معا كما لو قامت بينة على نجاسة احد الاناءين واخرى على كون النجس هو الأبيض كانت الثانية حاكمة على الأخرى ومقتضى حجيتها عدم الاجتناب عن الآخر فيكون من قبيل جعل البدل أيضا، فالانحلال الحقيقي يكون في صورتين وجعل البدل في صورتين. فتأمل في المقام فانه به حقيق ومنه سبحانه نستمد الاعتصام فانه خير رفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم (قوله: فانه كما علم بوجود) هذا بيان لكيفية انحلال العلم الاجمالي الذي اعتمده الاخباريون لاثبات وجوب الاحتياط إلى العلم التفصيلي والشك البدوي لكن قوله: كذلك علم اجمالا بثبوت طرق... الخ يقتضي كونه منحلا إلى علم اجمالي اضيق منه دائرة وهو العلم بثبوت تكاليف تؤدي إليها الطرق بحيث لو فحص عنها المكلف لعثر عليها، وهذا العلم مقارن للعلم الأول لا لاحق له ويوجب اجراء احكام الانحلال له كما في العلم التفصيلي بعينه غاية الأمر أن هذا العلم ينحل حقيقة بالفحص لأنه إذا تفحص المكلف فان عثر على تكليف هو مؤدى طريق فقد علم تفصيلا بأن العثور عليه من المعلوم بالاجمال بالعلم الصغير الدائرة وان لم يعثر كذلك علم تفصيلا بان التكلف في ذلك المورد ليس من اطرافه فلا مجال للاحتياط فيه، فعلى هذا انحلال العلم الاجمالي
(ان قلت): نعم لكنه إذا لم يكن العلم بها مسبوقا بالعلم بالتكاليف (قلت): إنما يضر السبق إذا كان المعلوم اللاحق حادثا وأما إذا لم يكن كذلك بل مما ينطبق عليه ما علم أولا فلا محالة قد انحل العلم الاجمالي إلى التفصيلي والشك البدوي (ان قلت): إنما يوجب بقيام الطرق المثبتة له بمقدار المعلوم بالاجمال ذلك إذا كان قضية قيام الطريق على تكليف موجبا لثبوته فعلا وأما بناء على أن قضية ______________________________ الكبير الدائرة بالعلم الاجمالي الضيق الدائرة من الانحلال الحكمي، وانحلال هذا العلم الاجمالي الضيق الدائرة بالعلم التفصيلي الحاصل بعد الفحص من الانحلال الحقيقي، وعبارة المصنف (ره) لا تخلو من قصور في افادة الانحلالين معا، وان كان قوله: إلى علم تفصيلي... الخ يصلح للاشارة إلى الانحلال الثاني، وقوله: كذلك علم... الخ يصلح للاشارة إلى الانحلال الأول لكن يشكل من جهة سوق الكلام الثاني بيان للاول، ولا يبعد أن يكون (علم اجمالا) من قلم الناسخ والأصل (علم تفصيلا) ويشهد به كلام في حاشيته على الرسائل في المقام، وقوله هنا: ان قلت وما بعده... إلى اخر المطلب، لكن التحقيق في كيفية الانحلال ما ذكرنا وقد تقدم مثله في باب حجية الظواهر (قوله: نعم لكنه إذا) هذا اشكال على الانحلال بالعلم التفصيلي اللاحق لا العلم الاجمالي المقارن الذى ذكرناه (قوله: إنما يضر السبق) قد عرفت أن العلم التفصيلي اللاحق لا يوجب انحلال العلم الاجمالي السابق لا حقيقة ولا حكما ما لم يرجع إلى تعيين المعلوم بالاجمال فلابد في اثبات انحلال العلم بالطرق من اثبات كونها متعرضة للمعلوم بالاجمال لا مجرد الحكاية عن ثبوت الواقع. إلا أن يقال: ان التكاليف الواقعية ليس لها ميز عند العالم بها اجمالا زائد على كونها تكاليف واقعية واذ لا ميز لها عنده يكون الانطباق قهريا، ولذا لو علم باصابة الطريق الموصل إلى مقدار المعلوم بالاجمال يرتفع العلم الاجمالي حقيقة كما ذكرنا فتأمل جيدا (قوله: إنما يوجب العلم بقيام) يعني ان ما ذكرت من انحلال العلم الاجمالي بالعلم
حجيته واعتباره شرعا ليس إلا ترتيب ما للطريق المعتبر عقلا وهو تنجر ما أصابه والعذر عما أخطأ عنه فلا انحلال لما علم بالاجمال أولا كما لا يخفى (قلت): قضية الاعتبار شرعا على اختلاف ألسنة أدلته وان كان ذلك على ما قوينا في البحث الا أن نهوض الحجة على ما ينطبق عليه المعلوم بالاجمال في بعض الأطراف يكون عقلا بحكم الانحلال وصرف تنجزه إلى ما إذا كان في ذاك الطرف والعذر عما إذا كان في سائر الأطراف مثلا إذا علم إجمالا بحرمة اناء زيديين الاناءين وقامت البينة على ان هذا اناؤه فلا ينبغي الشك في أنه كما إذا علم أنه اناؤه في عدم لزوم الاجتناب الا عن خصوصه دون الآخر ______________________________ التفصلي بمؤديات الطرق يتم لو كان مفاد جعل الطريق ثبوت مؤداه حقيقة كما هو مقتضي القول بالسببية فانه بقيام الطريق يعلم بثبوت التكليف تفصيلا أما بناء على الطريقية فلا علم بثبوت التكليف تفصيلا حتى يدعى الانحلال به فليس مورد الطريق الا مما يحتمل ثبوت التكليف فيه كغيره مما لم يقم على ثبوت التكليف فيه طريق (قوله: قلت قضية الاعتبار شرعا) حاصل الجواب: ان هذا وإن لم يكن من الانحلال الحقيقي لكنه بحكم الانحلال في عدم وجوب الاحتياط في غير مورده من الاطراف كما عرفت توضحيه فيما سبق، بل عرفت أن هذا من قبيل جعل البدل وليس من الانحلال في شئ لا حقيقة ولا حكما إذ ليس فيه تعرض لمقام الاشتغال بل التعرض فيه لمقام الفراغ الذي هو وظيفة جعل البدن نظير قاعدة الفراغ عما علم الاشتغال به تفصيلا فان دليل القاعدة لا يوجب انحلال العلم التفصيلي وإنما يجعل بدلا ظاهريا عما اشتغلت به الذمة. فلاحظ (قوله: مثلا إذا علم اجمالا بحرمة) لا ريب فيما ذكر إلا أن في كون المقام منه محل الاشكال حيث أن الطرق والاصول ليس لسانها التعرض لنفس المعلوم بالاجمال وتعيينه في مؤدياتها وإنما مفادها مجرد ثبوت الواقع فكيف يصح القياس بالمثال المذكور. إلا أن يقال: ان الأحكام الواقعية المعلومة اجمالا لما لم يكن لها ميز في نظر العالم أصلا كان انطباقها
* ولولا ذلك لما كان يجدي القول بان قضية اعتبار الامارات هو كون المؤديات أحكاما شرعية فعلية ضرورة انها تكون كذلك بسبب حادث وهو كونها مؤديات الامارات الشرعية هذا إذا لم يعلم ثبوت التكاليف الواقعية في موارد الطرق المثبتة بمقدار المعلوم بالاجمال وإلا فالانحلال إلى العلم بما في الموارد وانحصار اطرافه بموارد تلك الطرق بلا اشكال كما لا يخفى، وربما استدل بما قيل من استقلال العقل بالحضر في الأفعال غير الضرورية قبل الشرع ولا أقل من الوقف وعدم استقلاله لا به ولا بالاباحة ولم يثبت شرعا اباحة ما اشتبه حرمته فان ما دل على الاباحة معارض بما دل ______________________________ على مؤديات الطرق فهريا فتأمل جيدا (قوله: ولولا ذلك لما كان) يعني لولا الذى ذكرنا من أن قيام الطرق والأصول على الواقع بمنزلة الانحلال لم ينفع القول بالسببية في حصول الانحلال الذي اعترف به المعترض وذلك لان قيام الطريق مثلا وان كان يوجب العلم التفصيلي بثبوت المؤدى الا أن مثل هذا العلم لا ينحل به العلم الاجمالي لأنه على بتكليف حادث حال قيام الطريق وليس علما بثبوت الحكم من اول الأمر، وذلك لان السبب في ثبوت الحكم قيام الطريق وهو حادث متأخر عن زمان العلم الاجمالي الذي اعتمده الاخباريون في وجوب الاحتياط (قوله: وإلا فالانحلال إلى العلم) يعني أن تكلف الجواب بما ذكرنا من كون قيام الطريق بحكم الانحلال الحقيقي إنما هو إذا احتمل خطأ جميع الطرق والاصول المثبتة للواقع أما مع العلم باصابتها بمقدار المعلوم بالاجمال فهذا العلم يوجب انحلال العلم الاجمالي حينئذ. هذا ولا يخفى انه إذا اراد العلم الحادث حال قيام الطريق فقد عرفت أنه لا يوجب الانحلال إلا إذا كان قائما على تعيين المعلوم بالاجمال الذي عرفت أن كونه كذلك محل اشكال، وان اراد العلم المقارن فما ذكر في محله وقد عرفت تفصيل الحال في الحاشية على قوله: كذلك علم اجمالا.. الخ. فلاحظ وتأمل والله سبحانه هو العالم (قوله: وربما استدل) يعني على الاحتياط (قوله: الضرورية) يعني التى يضطر المكلف إلى ارتكابها (قوله: وعدم استقلاله)
على وجوب التوقف أو الاحتياط، وفيه (أولا) أنه لا وجه للاستدلال بما هو محل الخارف والاشكال والا لصح الاستدلال على البراءة بما قيل من كون تلك الأفعال على الاباحة (وثانيا) أنه تثبت الاباحة شرعا لما عرفت من عدم صلاحية ما دل على التوقف أو الاحتياط للمعارضة لما دل عليها (وثالثا) أنه لا يسلتزم القول بالوقف في تلك المسألة للقول بالاحتياط في هذه المسألة لاحتمال ان يقال معه بالبراءة لقاعدة قبح العقاب بلا بيان (وما قيل) من أن الاقدام على ما لا تؤمن المفسدة فيه كالاقدام على ما تعلم فيه المفسدة (ممنوع) ولو قيل بوجوب دفع الضرر المحتمل فان المفسدة المحتملة في المشتبه ليس بضرر غالبا ضرورة ان المصالح والمفاسد التي هي مناطات الأحكام ليست براجعة إلى المنافع والمضار بل ربما يكون المصلحة فيما فيه الضرر والمفسدة فيما فيه المنفعة واحتمال ان يكون في المشتبه ضرر ضعيف غالبا لا يعتني به قطعا - مع أن الضرر ليس دائما مما يجب التحرز عنه عقلا ______________________________ بيان للوقف وضمير به راجع إلى الحظر (قوله: أولا انه لا وجه) يعني أن القول بان الأصل الحظر هو احد الاقوال في المسألة فلا وجه للاستدلال به وإلا لجاز لنا الاستدلال بالقول الآخر وهو القول بالاباحة (قوله: وثانيا انه) اعتراض على قول المستدل: ولم تثبت شرعا اباحة... الخ (قوله: وثالثا انه لا يستلزم) يعني لو سلم عدم ثبوت الاباحة شرعا فليس لازم القول بالوقف هناك القول بالاحتياط في هذه المسألة إذ من المعلوم أن النزاع في تلك المسألة في نفس حكم العقل وعدمه عند النظر إلى نفس الشئ المشتمل على المصلحة الخالي عن امارة المفسدة مع قطع النظر عن العناوين الثانوية، ومن الواضح أن توقف العقل عن الحكم بالاباحة والحظر بالنظر إلى نفس الشئ لا يستلزم توقفه عن الحكم بالنظر إلى العناوين الثانوية فيجوز أن يحكم بالبراءة في المقام بالنظر إلى قاعدة قبح العقاب بلا بيان، ولذا ذهب بعض القائلين بالوقف في تلك المسألة إلى القول بالبراءة الشرعية استنادا إلى ما دل عليها من الأدلة الشرعية وآخر إلى البراءة العقلية الواقعية اعتمادا
* بل يجب ارتكابه احيانا فيما كان المترتب عليه أهم في نظره مما في الاحتراز عن ضرره مع القطع به فضلا عن احتماله (بقي أمور مهمة) لا بأس بالاشارة إليها (الأول) أنه إنما تجرى اصالة البراءة شرعا وعقلا فيما لم يكن هناك أصل موضوعي مطلقا ولو كان موافقا لها فانه معه لا مجال لها اصلا لوروده عليها كما يأتي تحقيقه فلا تجري مثلا أصالة الاباحة في حيوان شك في حليته مع الشك في قبوله التذكية فانه إذا ذبح مع سائر الشرائط المعتبرة في التذكية فاصالة عدم التذكية تدرجها فيما لم يذك ______________________________ على قاعدة اللطف وانه لو كان في الفعل مفسدة لوجب على الحكيم بيانها لطفا وثالث إلى البراءة العقلية الظاهرية اعتمادا على قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فالقول بالوقف هناك لا يستلزم القول به هنا لأن النزاع هناك في حكم العقل بالنظر إلى نفس الفعل وهنا في حكم العقل ولو بالنظر إلى بعض العناين الثانوية (قوله: بل يجب ارتكابه) لما عرفت من أن وجوب دفع الضرر إنما هو بمناط وجوب تحصيل الغرض فلا يجب دفعه الا إذا كان الغرض دفعه (قوله: كما يأتي تحقيقه) يأتي في مبحث الاستصحاب انشاء الله أن الأصول الموضوعية مهما جرت امتنع جريان الأصول الحكمية سواء أكانت موافقة لها عملا أم مخالفة لأن الأولي إما واردة على الثانية أو حاكمة عليها والأصل المورود أو المحكوم لا يجري مع جريان الأصل الوارد أو الحاكم (قوله: مع الشك في قبوله التذكية) اعلم ان الشك في ذكاة الحيوان وعدمه (تارة) يكون من الشبهة الموضوعية كما لو شك في كون الحيوان مات حتف انفه أو بقطع اوداجه (واخرى) من الشبهة الحكمية كما لو شك في قابلية الحيوان للتذكية وعدمها أو احرزت القابلية وشك في اشتراط عدالة الذابح أو اسلامه أو ذكوريته مع فقد الذابح لبعضها والشك على النحو الثاني إنما يكون بناء على انها معني شرعي لا يخلو من اجمال واهمال، انا بناء على أنها مفهوم
* عرفي محصل عند اهل العرف وأنها الذبح - كما في القاموس - فلا مجال للشك فيها الا على نحو الشبهة الموضوعية، وحيث أن كلام القاموس مبني على المسامحة كما يظهر من موارد استعمالها مثل قوله (ع) - في حديث السمك -: ذكاه الله تعالى لبني اسرائيل، وكل يابس ذكي، وذكاة الأرض يبسها، وذكاة الجنين ذكاة امه، وأخذ الجراد ذكاته، وذكاة السمك اخراجه حيا من الماء وذكاة الابل نحرها، وفي حسن حريز: اللبن واللبا والبيضة والشعر والصوف والقرن والناب والحافر وكل شئ يفصل من الشاة والدابة فهو ذكي، ونحوها كثير مما ورد فيما لا تحله الحياة من الميتة، وغير ذلك من الموارد الكثيرة الدالة على ان الذكاة ليست هي الذبح، وانها أثر يحصل بالذبح تارة وبغيره أخرى يكشف عن وجوده الشارع الأقدس يرجع فيه إليه، فمع الشك فيه للشبهة الموضوعية أو الحكمية يرجع إلى أصالة عدمه ويترتب عليها الحرمة والنجاسة، ولا مجال للرجوع إلى أصالة البراءة والطهارة لأن اصالة عدم التذكية اصل موضوعي لهما فيقدم عليهما بلا فرق في ذلك بين كون الشك فيها للشك في القابلية أو في غيرها من الشرائط للشبهة الموضوعية أو الحكمية. ثم إن المصنف (ره) حيث استبعد ما ذكره في القاموس التزم بأن التذكية عبارة عن الذبح الخاص الجامع للشرائط المعتبرة مثل اسلام الذابح ونحوه ومنها قابلية المحل، فجعل النتذكية من قبيل الصلاة التى هي عبارة عن أفعال خاصة بشرائطها لا الأثر الحاصل من الأفعال كما ذكرنا، وهذا المعني وان كان اقرب مما ذكره في القاموس لكنه خلاف المتبادر منها أيضا، كما يظهر من ملاحظة موارد استعمالها التي اشرنا إليها، وعليه فلو شك فيها للشبهة الموضوعية جرى أصالة عدمها وللشبهة الحكمية من جهة الشك في شرطية شئ لها لم تجر اصالة عدمها لاجمال المفهوم الموجب لليقين بعدمه على بعض التقادير واليقين بثبوته على ______________
وهو حرام اجماعا كما إذا مات حتف أنفه فلا حاجة إلى إثبات أن الميتة تعم غير المذكى شرعا ______________________________ التقدير الآخر، مثلا إذا شككنا في اعتبار عدالة الذابح في التذكية فذبح الحيوان غير العادل فالتذكية بمعني ما يعتبر فيه العدالة معلومة العدم وبمعنى ما لا يعتبر فيه العدالة معلومة الثبوت فليس الشك في البقاء وعدمه الذي هو قوام الاستصحاب بل الشك في الحقيقة في الاعتبار وعدمه، ومثل المقام استصحاب بقاء النهار بعد سقوط القرص لاثبات كونه مما ينتهي بذهاب الحمرة المشرقية، وان كان من جهة الشك في القابلية فاستصحاب عدم القابلية وان لم يكن جاريا لأن القابلية من الصفات الاعتبارية التي يكون ثبوتها للماهية ازليا ليس مسبوقا بالعدم فلا مجال لاستصحاب عدمها، لكن يجري أصالة عدم التذكية بمعنى عدم الذبح في المحل القابل، كما لو نذر أن يغتسل بكر فاغتسل بماء ليس له حالة سابقة فاصالة عدم الكرية وان لم يكن جاريا لكن اصالة عدم الغسل بالكر لا مانع منها، فتلخص: أنه على رأي القاموس لا مجال لاصالة عدم التذكية الا مع الشك فيها للشبهة الموضوعية، وعلى رأي المصنف - رحمه الله - تجري في ذلك للشك في القابلية، وعلى ما قلناه تجري في ذلك كله وللشك في شرطية شئ لها، كما ظهر أن تتبع موارد الاستعمال يشهد بوهن ما ذكره في القاموس معنى للتذكية كوهن ما ذكره المصنف (ره). فلاحظ وتأمل (قوله: وهو حرام اجماعا) أشار بذلك إلى دفع إشكال في المقام وهو أن النجاسة والحرمة معلقتان على الميتة فاثباتهما يتوقف على اثبات كون اللحم ميتة وهو لا يثبت باصالة عدم التذكية وإذا لم يثبت لا مجال لاجرائها لعدم الأثر الشرعي، فالمرجع حينئذ اصالة الحل والطهارة، وحاصل الدفع: أن الحرمة والنجاسة كما يثبتان للميتة يثبتان ايضا لما ليس بمذكى بالاجماع فيكون لهما موضوعان الميتة وما ليس مذكى واصالة عدم التذكية وان لم تثبت الاول لكنها تثبت الثاني فيترتب على جريانها الحرمة والنجاسة (قوله: فلا حاجة إلى اثبات ان)
ضرورة كفاية كونه مثله حكما وذلك بأن التذكية انما هي عبارة عن فري الأوداج الأربعة مع سائر شرائطها عن خصوصية في الحيوان التي بها يؤثر فيه الطهارة وحدها أو مع الحلية ومع الشك في تلك الخصوصية فالأصل عدم تحقق التذكية بمجرد الفري بساير شرايطها كما لا يخفى. نعم لو علم بقبوله التذكية وشك في الحلية فاصالة ______________________________ اشارة إلى ما أجاب به شيخنا الاعظم (قده) عن الاشكال المذكور، وحاصله: أن اصالة عدم التذكية انما لا تصلح لاثبات عنوان الميتة لو كان العنوان المذكور عنوانا وجوديا مثل الميت حتف أنفه أما لو كان عدميا وهو ما ليس بمذكى كان اصالة عدم التذكية صالحا لاثباته، وليس مراده أن الميتة بحسب المفهوم العرفي بمعنى غير المذكي بل مراده أنها في لسان الشارع حين أخذت موضوعا للحرمة والنجاسة اريد بها ما ليس بمذكى، والباعث له على ذلك مع التفاته - قدس سره - إلى ما ذكر المصنف - رحمه الله - من أن الحرمة والنجاسة ثابتتان لغير المذكى في الكتاب والسنة، ما يظهر من الفقهاء من كون موضوع النجاسة هو الميتة لا غير تبعا لم يظهر من النصوص المقابلة للمذكي بالميتة، ففي رواية سماعة: إذا رميت وسميت فانتفع بجلده وأما الميتة فلا، وما في رواية علي بن أبي حمزة: منه ما يكون ذكيا ومنه ما يكون ميتة: وما في رواية الصيقل: إنى أعمل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة... إلى أن قال: فصرت أعملها من جلود الحمر الوحشية الذكية، ورواية أبى بصير في إليات الضان تقطع وهي أحياء أنها ميتة، وغيرها فان الجميع ظاهر في كون الميتة غير المذكي، والأمر سهل بعد عدم وضوح الثمرة العملية (قوله: ضرورة كفاية) تعليل لعدم الحاجة (قوله: هي عبارة عن فري) قد عرفت ما فيه (قوله: عن خصوصية) وهي الملازمة للقابلية (قوله: الطهارة وحدها) كما في غير مأكول اللحم القابل للتذكية كالأرانب والثعالب ونحوها (قوله: أو مع الحلية) كما في مأكول اللحم (قوله: لو علم بقبوله) كالأرانب مثلا التي علم
الاباحة فيه محكمة فانه حينئذ انما يشك في ان هذا الحيوان المذكى حلال أو حرام ولا أصل فيه الا أصالة الاباحة كسائر ما شك في انه من الحلال أو الحرام. هذا إذا لم يكن هناك أصل موضوعي آخر مثبت لقبوله التذكية كما إذا شك مثلا في أن الجلل في الحيوان هل يوجب ارتفاع قابليته لها أم لا ؟ فاصالة قبوله لها معه محكمة ومعها لا مجال لأصالة عدم تحققها فهو قبل الجلل كان يطهر ويحل بالفري بسائر شرائطها فالأصل انه كذلك بعده، ومما ذكرنا ظهر الحال فيما اشتبهت حليته وحرمته بالشبهة الموضوعية من الحيوان وان اصالة عدم التذكية ______________________________ بقبولها للتذكية وطهارتها بها فشك في أنها حلال اللحم أو حرامه فانه لا مانع حينئذ من أصالة الحل لعدم الاصل الموضوعي الحاكم عليها (قوله: ولا أصل فيه الا) يمكن الرجوع إلى استصحاب الحرمة الثابت قبل ان يشعر أو يؤبر فلاحظ، (قوله: كما إذا شك) مثال للمنفي (قوله: ومعها لا مجال لاصالة) يعني مع اصالة بقاء القابلية الثابتة قبل الجلل لا مجال لجريان اصالة عدم التذكية لان التذكية إذا كانت عبارة عن فري الأوداج في المحل القابل، فباستصحاب القابلية يثبت كون الفري في المحل القابل الذي هو عين التذكية والأصل في المقام نظير إجراء أصالة الطهارة لاثبات كون الصلاة حال الطهارة ومثل كل أصل جرى لاثبات قيد الموضوع أو جزئه وليس هو من الأصل المثبت كما يأتي انشاء الله تعالى بيان ذلك في مبحث الاستصحاب. نعم بناء على أن التذكية نفس الأثر المترتب على الذبح فاستصحاب القابلية لا ينفع في إثبات فعلية التذكية الا بناء على الأصل المثبت، فيتعين الرجوع في اثباتها في المثال المذكور إلى الاستصحاب التعليقي فيقال: كان هذا الحيوان قبل الجلل إذا ذبح بالشروط المخصوصة يصير ذكيا وهو باق على ما هو عليه (قوله: فهو قبل الجلل) هذا لا يناسب ما ذكره إذ ليس هو من استصحاب القابلية بل استصحاب حكمي تعليقي لا موضوع التنجيزي. فتأمل
* محكمة فيما شك فيها لاجل الشك في تحقق ما اعتبر في التذكية شرعا كما أن أصالة قبول التذكية محكمة إذا شك في طروء ما يمنع عنه فيحكم بها فيما أحرز الفري بسائر شرائطها عداه كما لا يخفى فتأمل جيدا (الثاني) انه لا شبهة في حسن الاحتياط شرعا وعقلا في الشبهة الوجوبية أو التحريمية في العبادات وغيرها كما لا ينبغي الارتياب في استحقاق الثواب فيما إذا احتاط وأتى أو ترك بداعي احتمال الامر أو النهي، وربما يشكل في جريان الاحتياط في العبادات عند دوران الامر بين الوجوب وغير الاستحباب من جهة أن العبادة لابد فيها من نية القربة المتوقفة على العلم بامر الشارع تفصيلا أو اجمالا وحسن الاحتياط عقلا لا يكاد يجدي في رفع الاشكال ولو قيل بكونه موجبا لتعلق الامر به شرعا بداهة توقفه على ثبوته توقف العارض على معروضه فكيف يعقل أن يكون من مبادي ثبوته ؟ وانقدح بذلك أنه لا يكاد يجدي في رفعه ايضا القول بتعلق الامر به ______________________________ (قوله: محكمة) كما عرفت في صدر المبحث كما عرفت ايضا أنه بناء على ما ذكر في معنى التذكية لا تجري اصالة عدم التذكية إذا شك في شرطية شئ لها (قوله: إذ شك في طروء) يعني بنحو تكون الشبهة موضوعية (قوله: في جريان الاحتياط) يعني في امكان الاحتياط فيها ولازم الاشكال المذكور عدم امكانه في العبادات (قوله: وغير الاستحباب) أما لو دار الأمر بين الوجوب والاستحباب فلا مجال للاشكال للعلم بالأمر المصحح النية القربة. نعم يشكل من جهة الوجه وهو اشكال آخر. فتأمل (قوله: من جهة ان العبادة) بيان لوجه الاشكال، وحاصله: أن الاحتياط عبارة عن الاتيان بمحتمل الواقع، وهذا لا يمكن في العبادة لأن قوام العبادة نية القربة وهي متوقفة على الأمر فمع الشك في الأمر تتعذر نية القربة وحينئذ لا يمكن الاتيان بمحتمل العبادة لأن المأتي به بلا نية القربة يعلم بانه ليس هو العبادة (قوله: وحسن الاحتياط) هذا أحد وجوده دفع الاشكال، وحاصله: أن حسن الاحتياط عقلا لما كان
من جهة ترتب الثواب عليه ضرورة أنه فرع إمكانه فكيف يكون من مبادئ جريانه ؟ هذا ______________________________ موجبا لمطلوبيته شرعا بناء على الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع في المقام أمكنت نية القربة للعلم بأمر الشارع تفصيلا ولو بتوسط حسن الاحتياط عقلا. وحاصل ايراد المصنف - رحمه الله - عليه: أن حسن الاحتياط عقلا من قبيل العارض عليه والعارض متأخر رتبة عن المعروض فيمتنع أن يكون من علل وجوده لانه دور (قوله: من جهة ترتب الثواب) هذا وجه آخر لدفع الاشكال (وتوضيحه) أن ترتب الثواب على الاحتياط يتوقف على كونه طاعة وهو يتوقف على تعلق الأمر به فيكشف ترتب الثواب عن تعلق الأمر كشف المعلول عن علته، فيتأتى حينئذ الاتيان بالفعل بنية القربة. وحاصل اشكال المصنف - رحمه الله - عليه: أن ثبوت الأمر يتوقف على إمكان الاحتياط فيمتنع أن يتوقف عليه إمكان الاحتياط لانه دور. وقد يدفع بكلا تقريريه بانه دور معي فان إمكان الاحتياط وإن كان موقوفا على الأمر به إلا أن الأمر به موقوف على امكانه ولو بواسطة الامر. وفيه أن داعوية الامر باحتياط متأخرة رتبة عن الامر به فيمتنع أن تكون ماخوذة في موضوعه (وان شئت قلت): تطبيق مفهوم الاحتياط على فعل العبادة المشكوكة يتوقف على تعلق الامر بها إذ لولا الامر لا مجال لتطبيق الاحتياط عليها، وحينئذ يمتنع أن يكون المصحح للتطبيق المذكور هو الامر بالاحتياط لانه متأخر رتبة عن التطبيق، فلا يكون مصححا له. وكأن المستشكل حسب أن المراد بالامكان ما هو مفاد كان التامة، فامكنه أن يقول: لا دليل على وجوب كون المأمور به ممكنا في رتبة سابقة على الأمر بل يجوز أن يكون الامر من مقدمات إمكانه، ولذا صح أن يكون الأمر من مقدمات وجود المأمور به. وفيه أن المراد بالامكان في المقام ما هو مفاد كان الناقصة - أعني تطبيق الاحتياط على فعل العبادة المشكوكة المطلوبية - إذ قد عرفت أن هذا التطبيق يتوقف على الامر في رتبة سابقة عليه، ولا يكفي فيه الامر بالاحتياط، لأن
مع أن حسن الاحتياط لا يكون بكاشف عن تعلق الامر به بنحو اللم ولا ترتب الثواب عليه بكاشف عنه بنحو الاءن، بل يكون حاله في ذلك حال الاطاعة فانه نحو من الانقياد والطاعة، وما قيل في دفعه من كون المراد بالاحتياط في العبادات هو مجرد الفعل المطابق للعبادة من جميع الجهات عدانية القربة فيه - مضافا إلى عدم مساعدة دليل حينئذ على حسنه بهذا المعنى فيها بداهة انه ليس باحتياط حقيقة بل هو أمر لو دل عليه دليل كان مطلوبا مولويا نفسيا عباديا والعقل لا يستقل الا بحسن الاحتياط والنقل لا يكاد يرشد الا إليه (نعم) لو كان هناك دليل على الترغيب في الاحتياط في خصوص العبادة لما كان محيص عن دلالته اقتضاء على ان المراد به ذاك المعنى بناء على عدم امكانه فيها بمعناه حقيقة كما لا يخفى ______________________________ الامر بمفهوم الاحتياط لا يصحح تطبيقه على المورد. ومن ذلك يظهر الاشكال في قوله: إلا أن الأمر به موقوف على امكانه ولو بواسطة الأمر، ضرورة أن الأمر بمفهوم لا يصحح تطبيقه ولا يمكن أن يكون دخيلا فيه لانه من قبيل الحكم والحكم لا يكون علة لوجود موضوعه. فتأمل جيدا (قوله: مع أن حسن) هذا إشكال آخر على ما ذكر في دفع الاشكال، (وتوضيحه): أن حسن الاحتياط عقلا وترتب الثواب عليه لا يكون كاشفا عن الامر به، بل يمكن أن يكون من قبيل حسن الاطاعة الحقيقية وترتب الثواب عليها فانهما لا يكشفان عن الأمر بالاطاعة شرعا لما عرفت من أن الامر بها ارشادي لا غير فلاحظ (قوله: فانه نحو من) الضمير راجع إلى الاحتياط وحينئذ يكون ترتب الثواب على الاحتياط ذاتيا بلا توسط امر به (قوله: في دفعه) أي في دفع الاشكال في جريان الاحتياط في العبادة (قوله: هو مجرد الفعل) وحينئذ لا مجال للشك في جريانه (قوله: أنه ليس باحتياط) إذ هو ليس اتيانا بمحتمل الواقع حتى يكون احتياطا حقيقة (قوله: مولويا نفسيا) يعني لا إرشاديا لأنه ليس موضوعا لحكم العقل حتى يكون الامر الشرعي ارشادا إليه (قوله: نعم لو كان هناك)
* أنه التزام بالاشكال وعدم جريانه فيها وهو كما ترى (قلت): لا يخفى أن منشأ الاشكال هو تخيل كون القربة المعتبرة في العبادة مثل سائر الشروط المعتبرة فيها مما يتعلق بها الأمر المتعلق بها فيشكل جريانه حينئذ لعدم التمكن من قصد القربة المعتبر فيها وقد عرفت انه فاسد وإنما اعتبر قصد القربة فيها عقلا لأجل أن الغرض منها لا يكاد يحصل بدونه وعليه كان جريان الاحتياط فيه بمكان من الامكان ضرورة التمكن من الاتيان بما احتمل وجوبه بتمامه وكما له غاية الأمر انه ______________________________ استدراك على قوله عدم مساعدة دليل... الخ (قوله: انه التزام بالاشكال) هذا هو اصل الاعتراض فهو مبتدأ خبره قوله: (فيه مضافا) (قوله: انه فاسد) لما تقدم في مبحث الامر من البرهان على امتناع اخذ القربة في موضوع الامر وان ليس موضوعه الا ذات العبادة (قوله: ضرورة التمكن) اقول: التمكن المذكور وان كان تمكنا من الاحتياط إلا أن مثل هذا الاحتياط ______________
لابد أن يؤتى به على نحو لو كان مامورا به لكان مقربا بان يؤتى به بداعي احتمال الأمر أو احتمال كونه محبوبا له تعالى فيقع حينئذ على تقدير الأمر به امتثالا لامره تعالى وعلى تقدير عدمه انقيادا لجنابه تبارك وتعالى ويستحق الثواب على كل حال إما على الطاعة أو الانقياد وقد انقدح بذلك انه لا حاجة في جريانه في العبادات إلى تعلق أمر بها بل لو فرض تعلقه بها ______________________________ مما لا يستقل العقل بحسنه ولا يرشد النقل إليه كما تقدم الاشكال به منه (ره) على الوجه الثالث من وجوه الدفع. هذا مضافا إلى أن نية القربة وان كانت خارجة عن موضوع الامر إلا أنه لما لم يكن للموضوع اطلاق يشمل حال عدمها كما تقدم توضيحه سابقا فلا ينطبق عنوان الاحتياط على فعله مطلقا بل يختص بالفعل الصادر عن نية القربة فيرجع الاشكال. فالاولى في دفعه (اما) بالالتزام بان القربة المعتبرة في العبادة يراد بها الجامع بين الفعل عن الأمر المعلوم والفعل برجاء الأمر ولا تختص بخصوص الأول غاية الامر اختصاص الأول بصورة العلم بالامر واختصاص الثاني بصورة الشك فيه إذ على هذا لا مجال لدعوى عدم التمكن من نية القربة مع الشك في الامر كما ذكر المستشكل للتمكن منها بالتمكن من الفرد الآخر لها (واما) من الالتزام بان الفعل في حال الشك في الامر يصدر عن نفس الامر كما يصدر عنه في حال العلم غاية الأمر أن تأثير الامر في وجود الفعل، تارة يكون بتوسط العلم به، واخرى يكون بتوسط احتماله فالعلم والاحتمال دخيلان في تأثير الامر في وجود الفعل فنية القربة الممكنة في حال العلم بعينها ممكنة في حال الشك بلا فرق بينهما اصلا، ومنه يظهر أنه لا يتوقف اندفاع الاشكال على كون نية القربة خارجة عن موضوع الامر لتأتي الوجهين ولو قيل بدخولها فيه. فلاحظ (قوله: لابدان يؤتى به على) لا ملزم بذلك إلا ما أشرنا إليه في صدر الحاشية السابقة من عدم اطلاق متعلق الامر بنحو يشمل صورة عدم الداعي. هذا لو كان الاحتياط عبارة عن مجرد فعل مشكوك المطلوبية، وان كان عبارة عن فعله بداعي موافقة
لما كان من الاحتياط بشئ بل كسائر ما علم وجوبه أو استحبابه منها كما لا يخفى، فظهر أنه لو قيل بدلالة اخبار: (من بلغه ثواب) على استحباب العمل الذي بلغ عليه الثواب ولو بخبر ضعيف لما كان يجدي في جريانه في خصوص ما دل على وجوبه أو استحبابه خبر ضعيف بل كان - عليه - مستحبا كسائر ما دل الدليل على استحبابه ______________________________ الأمر على تقدير ثبوته فالملزم به أنه لولاه لا يكون الفعل احتياطا. فتأمل جيدا (قوله: لما كان من الاحتياط) لان قوام الاحتياط كون الفعل برجاء موافقة الأمر الواقعي الموجب لتردده بين كونه طاعة وانقيادا وفعل مشكوك المطلوبية لموافقة الأمر المتعلق به بعنوان كونه مشكوك المطلوبية ليس الاطاعة جزمية. ثم إن إشكال تعلق الأمر الاستحبابي بالفعل المشكوك المطلوبية من جهة لزوم اجتماع الحكمين للفعل الواحد لا مجال لدفعه ببعض ما تقدم في إشكال الجمع بين الاحكام الواقعية والظاهرية من كون الحكم الظاهري عذريا صرفا أو طريقيا لعدم كون الأمر الاستحبابي كذلك، فلا بد من دفعه بغير ذلك مما تقدمت الاشارة إليه من عدم التنافي مع اختلاف الرتبة أو غير ذلك إن تم والا اشكل تعلق الامر بالفعل المشكوك المطلوبية بما هو كذلك. فلاحظ وتأمل (قوله: لما كان يجدي في جريانه) هذا وجه آخر لدفع إشكال جريان الاحتياط في العبادة، وتوضيحه أن الشك في المطلوبية الواقعية وإن كان مانعا عن التمكن من قصد التقرب بها بالنظر إلى الامر الواقعي إلا أن الاخبار الكثيرة الدالة على ترتب الثواب على العمل الذي دل على وجوبه أو استحبابه خبر ضعيف تدل على استحباب العمل المذكور فيمكن التقرب بلحاظ هذا الاستحباب المدلول عليه بهذه الاخبار، وحاصل الاشكال عليه، ما عرفت من أن موافقة هذا الأمر الاستحبابي لما كان طاعة جزمية لم تكن من الاحتياط في شئ إذا قوامه كون الفعل بقصد موافقة الامر الواقعي الثابت في رتبة سابقة على عنوان الاحتياط الموجب لتردد الفعل بين
* (لا يقال): هذا لو قيل بدلالتها على استحباب نفس العمل الذي بلغ عليه الثواب بعنوانه، وأما لو دل على استحبابه لا بهذا العنوان بل بعنوان انه محتمل الثواب لكانت دالة على استحباب الاتيان به بعنوان الاحتياط كأوامر الاحتياط لو قيل بانها للطلب المولوي لا الارشادي (فانه يقال): إن الأمر بعنوان الاحتياط - ولو كان مولويا - لكان توصليا مع أنه لو كان عباديا لما كان مصححا للاحتياط ومجديا في جريانه في العبادات كما أشرنا إليه آنفا. ثم إنه لا يبعد دلالة بعض تلك الاخبار على ______________________________ كونه طاعة وانقيادا بحتا فلاحظ (قوله: لا يقال هذا لو قيل بدلالتها) هذا القائل تخيل أن وجه عدم ارتفاع الاشكال بالاستحباب المستفاد من اخبار من بلغه... الخ كون الاستحباب المذكور ناشئا عن مصلحة في نفس عنوان بلوغ الثواب على العمل ولا ربط له بالواقع فيكون استحبابا مستقلا في قبال الواقع، أما لو كان أمرا بما هو محتمل الواقع من حيث كونه كذلك كان كاستحباب الاحتياط بناء على كونه شرعيا كافيا في امكان التقرب بالعبادة المشكوكة (قوله: فانه يقال إن الأمر) حاصل الاشكال عليه امران (الأول) أن اوامر الاحتياط لو كانت مولوية لا ارشادية فهي توصلية لا عبادية، فيكفي في سقوطها مجرد موافقتها ولا يتوقف سقوطها على داعويتها كما هو شأن الاوامر العبادية، وحينئذ فلا ملزم بنية التقرب لها (والثاني) ما تقدم من لزوم الدور وغيره. هذا ولا يخفى أن مفهوم الاحتياط تارة يكون منتزعا عن مجرد فعل مشكوك المطلوبية، وأخرى يكون منتزعا عن الفعل المذكور بعنوان كونه عن دعوة امره الواقعي المحتمل، فعلى الأول يكون الأمر به مولويا عباديا تارة وتوصليا اخرى، وعلى الثاني لا يكون الامر به إلا إرشاديا لعين البرهان المتقدم على كون اوامر الاطاعة ارشادية فلا يتضح الوجه لما ذكره المصنف (ره) من لزوم كون امر الاحتياط مولويا توصليا، مضافا إلى أن كونه توصليا لا يمنع من صحة مقربيته فيصحح جريان الاحتياط في العبادة. فتأمل جيدا (قوله: لا يبعد دلالة بعض) اعلم أن الاخبار المشار
إليها تحتمل بدوا أحد معان ثلاثة (الأول) حجية الخبر الضعيف الدال على استحباب الفعل أو وجوبه وترتب الثواب عليه فيكون مفادها حكما اصوليا لا فرعيا (الثاني) استحباب الفعل الذي بلغ المكلف عليه الثواب فيكون الفعل بسبب طروء عنوان بلوغ الثواب عليه مستحبا شرعيا كسائر المستحبات الشرعية (الثالث) ترتب الثواب على الانقياد الحاصل من الفعل برجاء كونه مطلوبا شرعا: وظاهر فتوى المشهور بالاستحباب بمجرد ورود الخبر الضعيف الدال على وجوب الفعل أو استحبابه هو الاول حتى اشتهر تعليل ذلك بالتسامح في أدلة السنن إذ لو لا استفادتهم من الاخبار المذكورة ذلك لم يكن وجه لافتاء العامي بالاستحباب بمجرد عثور المجتهد على الخبر وعدم عثور العامي عليه، بل اللازم على تقدير استفادتهم منها الثاني الفتوى باستحباب الفعل الذي بلغ المكلف عليه الثواب ولا يكون مستحبا في حق العامي إلا إذا عثر على الخبر الدال على ترتب الثواب عليه، إلا أن يكونوا قد فهموا من البلوغ الطريقية المحضة إلى نفس الوجود الواقعي بحيث تدل على استحباب الفعل الذي يوجد خبر يدل على ترتب الثواب عليه وان لم يبلغ المكلف، والمصنف (ره) استظهر الثاني من صحيحة هشام بتقريب: أن ترتب الثواب على العمل المترتب على بلوغ الثواب عليه (تارة) يكون بعنوان كونه رجاء موافقة الواقع، وعليه فلا طريق الا استكشاف الامر المولوي الموجب لاستحبابه لعدم المقتضي له مع صلاحية العنوان المذكور لترتب الثواب ولو لم يكن أمر حيث أنه إطاعة حكمية موجبة بذاتها لترتب الثواب عليها كالاطاعة الحقيقة (واخرى) يكون على نفس العمل بلا أخذ العنوان المذكور جهة تقييدية بل أخذه جهة تعليلية، وعليه فلابد من استكشاف الامر المولوي لعدم صلاحية نفس العمل لترتب الثواب عليه إلا بتوسط انطباق عنوان الاطاعة اللازم لوجود الأمر، وظاهر الصحيحة هو الثاني، وظاهر غيرها وان كان الاول إلا أنه لا منافاة بينهما فيؤخذ بظاهر كل منهما (هذا) ولكن لا يخفى أن المناط في استكشاف الامر المولوي في مثل: من سرح لحيته فله كذا، ليس هو ترتب الثواب على العمل مطلقا
استحباب ما بلغ عليه الثواب فان صحيحة هشام بن سالم المحكية عن المحاسن عن ابي عبد الله - عليه السلام - قال: (من بلغه عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - شئ من الثواب فعمله كان أجر ذلك له وإن كان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لم يقله) ظاهرة في ان الاجر كان مترتبا على نفس العمل الذي بلغه عنه أنه ذو ثواب وكون العمل متفرعا على البلوغ وكونه الداعي إلى العمل غير موجب لان يكون الثواب إنما يكون مترتبا عليه فيما إذا أتى برجاء أنه مأمور به وبعنوان الاحتياط ______________________________ لأن الثواب بعد ما كان لا يختص بالاطاعة ويكون على الانقياد فلا ملازمة بينه وبين الاطاعة اللازمة للأمر الا في ظرف القطع بعدم انطباق عنوان الانقياد، وهذا القطع غير حاصل في المقام فمع احتمال كون الثواب من جهة الانقياد لا مجال للاستكشاف المذكور، مضافا إلى أن ظاهر الصحيحة كون موضوع الثواب هو العمل المتفرع على البلوغ لمكان الفاء، وهذا العمل هو منشأ انتزاع عنوان الانقياد الذي قد عرفت أنه كالاطاعة يمتنع أن يتعلق به الامر المولوي ولا موجب لرفع اليد عن هذا الظهور وجعل الثواب مترتبا على نفس العمل بلا ملاحظة حيثية ترتبه على البلوغ، لا أقل من كون الصحيحة من قبيل المقرون بما يصلح للقرينية المانع عن انعقاد ظهوره الموجب لاجراء حكم الاجمال عليه فيرجع إلى غيره مما هو ظاهر في المعنى الاخير، ولو فرض عدم حجيته في نفسه فالمرجع اصالة عدم الاستحباب، مع أن الحكم بالاستحباب يحتاج إلى تكلف دفع اشكال الجمع بينه وبين الحكم الواقعي الذي عرفت الاشارة إليه قريبا. وأما المعنى الاول فهو ساقط قطعا لعدم اشعار في النصوص به فضلا عن ظهورها فيه، بل لعل صراحة النصوص بترتب الثواب على العمل ولو في صورة مخالفة الخبر للواقع شاهد بخلافه لان الامر الطريقي لا يصلح لترتب الثواب في صورة الخطأ، بل يكون حينئذ على الانقياد فتأمل، فالمتعين من بين المعاني هو الاخير والله سبحانه اعلم (قوله: غير موجب لأن يكون) يعني لا يوجب ان يكون الترتب على البلوغ ملحوظا قيدا في موضوع
بداهة أن الداعي إلى العمل لا يوجب له وجها وعنوانا يؤتي به بذاك الوجه والعنوان واتيان العمل بداعي طلب قول (النبي) كما قيد به في بعض الأخبار وإن كان انقيادا إلا أن الثواب في الصحيحة إنما رتب على نفس العمل ولا موجب لتقييدها به لعدم المنافات بينهما بل لو أتى به كذلك أو التماسا للثواب الموعود كما قيد به في بعضها الآخر لأوتى الاجر والثواب على نفس العمل لا بما هو احتياط وانقياد فيكشف عن كونه بنفسه مطلوبا وإطاعة فيكون وزانه وزان: من سرح لحيته، أو من صلى أو صام فله كذا، ولعله لذلك أفتى المشهور بالاستحباب فافهم وتأمل (الثالث) ______________________________ الثواب (قوله: في بعض الاخبار) هو رواية محمد بن مروان عن ابي عبد الله (ع) قال: من بلغه عن النبي صلى الله عليه وآله شئ من الثواب ففعل ذلك طلب قول النبي صلى الله عليه وآله كان له ذلك الثواب وان كان النبي صلى الله عليه وآله لم يقله (قوله: ولا موجب لتقييدها) قد عرفت أنه لو لم يكن موجب للتقيد فلا موجب للاطلاق المؤدى إلى استظهار الاستحباب (قوله: كذلك) يعني طلب قول النبي - صلى الله عليه وآله - (قوله: في بعضها الآخر) وهو رواية محمد ابن مروان عن ابي جعفر - عليه السلام -: من بلغه ثواب من الله على عمل فعمل ذلك العمل التماس ذلك الثواب أوتيه وان لم يكن الحديث كما بلغه (قوله: لاوتى الأجر والثواب) هذا غير ظاهر إذ لو فرض دلالة هذه النصوص على استحباب الفعل كما ذكر المصنف - رحمه الله - كان ترتب الثواب على العمل منوطا بقصد استحبابه المستفاد منها أما لو لم يقصد الأمر الواقعي المحتمل فالثواب المترتب لابد أن يكون على الانقياد لا غير لان ترتب الثواب تابع لقصد الفاعل عقلا فان قصد أمرا معينا ترتب الثواب المترتب على ذلك الامر ولا يترتب ثواب غيره إلا تفضلا فثواب الاطاعة لا يترتب على الانقياد ولا العكس بل المترتب ثواب نفسه عليه (قوله: فيكون وزانه وزان) قد عرفت الفرق بينهما (قوله: ولعله لذلك أفتى) قد عرفت أن فتوى المشهور إنما تتم بناء على استفادة حجية الخبر
* أنه لا يخفى ان النهي عن شئ إذا كان بمعنى طلب تركه في زمان أو مكان بحيث ______________________________ الضعيف منها ولا يكفي فيها استفادة الاستحباب (قوله: إذا كان بمعنى طلب تركه) قد عرفت الاشارة إلى جملة من أنحاء تصور الماهية في مسألة تعلق الامر بالطبايع وان الماهية التي تكون موضوعا للامر والنهي تكون ملحوظة بما أنها حاكية عن الوجود الخارجي بحيث لا ترى الا خارجية وان لحاظها كذلك قد يكون لحاظا لصرف الطبيعة وهو المسمى بصرف الوجود وقد يكون لحاظا لكل حصة حصة من الطبيعة وهو المسمى بالطبيعة السارية، ولازم الاول ان لو كانت موضوعا للنهي كانت له طاعة واحدة حاصلة بترك جميع أفرادها ومعصية واحدة حاصلة بفعل بعض أفرادها ولو مع ترك الباقي، ولازم الثاني أن لو كانت موضوعا للنهي كانت له طاعات متعددة ومعصية كذلك بتعدد حصص الطبيعة فإذا ارتكب فردا وترك آخر عصى في الاول واطاع في الثاني، فلو ارتكب أفرادا كثيرة وترك مثلها عصى في كل واحد مما ارتكب واطاع في كل واحد مما ترك، والسر في ذلك أن التكليف المتعلق بها على النحو الاول ليس الا تكليفا واحدا لموضوع واحد فلا مجال لتعدد اطاعته ومعصيته، والتكليف المتعلق بها على النحو الثاني منحل إلى تكاليف متعددة بتعدد الحصص فلكل واحد من تلك التكاليف طاعة ومعصية. ومنه يظهر أنه لو شك في فردية خارجي لتلك الماهية، فعلى الاول يجب الاحتياط إذ الشك ليس في التكليف لكون التكليف الوارد على المفهوم المحصل معلوما وانما الشك في أن ارتكاب ذلك الخارجي المشتبه معصية للنهي أولا وحيث أن شغل الذمة اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني فلابد من تركه ليحصل اليقين بالفراغ عن التكليف المعلوم، وعلى الثاني لا يجب الاحتياط لأن الشك في فردية الخارجي مستلزم للشك في أصل التكليف به حيث أنه على تقدير كونه فردا فهو موضوع لتكليف مستقل فالشك في فرديته مستلزم للشك في تعلق التكليف به، ومع الشك في التكليف يكون المرجع البراءة. ومن هنا يظهر أن اطلاق القول بان المرجع في الشبهة الموضوعية التحريمية هو البراءة في غير محله بل يختص بما
لو وجد في ذاك الزمان أو المكان - ولو دفعة - لما امتثل أصلا كان اللازم على المكلف إحراز أنه تركه بالمرة ولو بالأصل فلا يجوز الاتيان بشئ يشك معه في تركه إلا إذا كان مسبوقا به ليستصحب مع الاتيان به (نعم) لو كان بمعنى طلب ترك كل فرد منه على حدة لما وجب إلا ترك ما علم أنه فرد وحيث لم يعلم تعلق النهي إلا بما علم أنه مصداقه فاصالة البراءة في المصاديق المشتبهة محكمة، فانقدح بذلك أن مجرد العلم بتحريم شئ لا يوجب لزوم الاجتناب عن أفراده المشتبهة فيما كان المطلوب بالنهي طلب ترك كل فرد على حدة أو كان الشئ مسبوقا بالترك وإلا لوجب الاجتناب عنها عقلا لتحصيل الفراغ قطعا فكما يجب فيما علم وجوب شئ إحراز إتيانه إطاعة لأمره فكذلك يجب فيما علم حرمته إحراز تركه وعدم اتيانه امتثالا لنهيه غاية الامر كما يحرز وجود الواجب بالاصل كذلك يحرز ترك الحرام به والفرد المشتبه ______________________________ كان موضوع النهي فيه ملحوظا بنحو الطبيعة السارية. هذا ولكن قد يقال: بأن صرف الوجود وإن كان عبارة عن صرف المفهوم الصالح للانطباق على القليل والكثير إلا أنه كما يكون في ظرف انطباقه على القليل عين القليل يكون في ظرف انطباقه على الكثير عين الكثير فالشك في فردية خارجي للطبيعة ملزوم للشك في اتساع دائرة التكليف بنحو يشمل ذلك الخارجي وضيقه فلا يخرج أصل التكليف عن كونه موضوعا للشك الموجب للرجوع فيه إلى اصالة البراءة. ومما ذكرنا يظهر لك الفرق بين المقام وبين الموارد التي يكون الشك فيها في المحصل فان المتحصل الواجب لما لم يكن عين المحصل في الخارج، بل كان أجنبيا عنه فالشك فيه لا يكون شكا في التكليف، بل الشك فيما يحصل الواجب يقينا الموجب لتحصيل الفراغ عنه يقينا بالاحتياط (قوله: إذا كان بمعنى) يعني كان ملحوظا بنحو صرف الوجود (قوله: مسبوقا به ليستصحب) يعني إذا كان مسبوقا بتركه بحيث يصدق عليه أنه تارك للخمر مثلا فانه يجوز له ارتكاب الفرد المشكوك لاستصحاب
وان كان مقتضى أصالة البراءة جواز الاقتحام فيه إلا أن قضية لزوم إحراز الترك اللازم وجوب التحرز عنه ولا يكاد يحرز الا بترك المشتبه ايضا فتفطن (الرابع) أنه قد عرفت حسن الاحتياط عقلا ونقلا ولا يخفى أنه مطلقا كذلك حتى فيما كان هناك حجة على عدم الوجوب أو الحرمة أو امارة معتبرة على انه ليس فردا للواجب أو الحرام ما لم يخل بالنظام فعلا فالاحتياط قبل ذلك مطلقا يقع حسنا كان في الامور المهمة كالدماء والفروج أو غيرها وكان احتمال التكليف قويا أو ضعيفا كانت الحجة على خلافه اولا، كما ان الاحتياط الموجب لذلك لا يكون حسنا كذلك وان كان الراجح لمن التفت إلى ذلك من اول الامر ترجيح بعض الاحتياطات احتمالا أو محتملا فافهم. ______________________________ تركه للخمر الذي هو موضوع الطلب نظير استصحاب الطهارة من الحدث والخبث لاثبات الطهارة المعتبرة في الصلاة وغيرها (قوله: وان كان مقتضى اصالة) يعني مقتضى أصالة البراءة مع قطع النظر عن العلم بحرمة صرف الطبيعة أما بالنظر إليه فحيث أنه بيان يكون رافعا لموضوع اصالة البراءة، وهذا هو المراد من تقديم مقتضى لزوم احراز الترك اللازم على مقتضى اصالة البراءة والا فلا وجه لتقديم مقتضى أحدهما على مقتضى الآخر مع تساويهما في الاقتضاء (قوله: حتى فيما كان) بيان لوجه الاطلاق، (قوله: حجة على عدم) هذا في الشبهة في الحكم الكلي (قوله: أو امارة معتبرة) هذا في الشبهة الموضوعية (قوله: ما لم يخل بالنظام) قيد لقوله: حسن الاحتياط (قوله: قبل ذلك) يعني قبل أن يكون مخلا فعلا بالنظام، (قوله: كان في الامور) بيان لوجه الاطلاق (قوله: لذلك) يعني الخلل بالنظام (قوله: كذلك) يعني مطلقا بالنحو المذكور (قوله: وان كان الراجح) يعني إذا كان الاحتياط التام موجبا لاختلال النظام فالراجح لمن التفت إلى ذلك التبعيض في الاحتياط والاقتصار فيه على ما لا يلزم منه الاختلال وترجيح الاحتياط في الموارد المهتم بها، أو يكون احتمال التكليف فيها أقوى على الاحتياط
فصل إذا دار الأمر بين وجوب شئ وحرمته لعدم نهوض حجة على احدهما تفصيلا بعد نهوضها عليه إجمالا ففيه وجوه (الحكم) بالبراءة عقلا ونقلا لعموم النقل وحكم العقل بقبح المؤاخذة على خصوص الوجوب أو الحرمة للجهل به (ووجوب) الاخذ باحدهما تعيينا أو تخييرا (والتخيير) بين الترك والفعل عقلا مع التوقف عن الحكم به رأسا أو مع الحكم عليه بالاباحة شرعا اوجهها الاخير لعدم الترجيح بين الفعل والترك وشمول مثل: (كل شئ لك حلال حتى تعرف انه حرام) له ______________________________ في غيرها، ووجه ترجيح تلك الموارد على غيرها ظاهر (قوله: لعموم النقل) مثل حديث الرفع وغيره مما استدل به على البراءة (قوله: للجهل به) الموجب لصدق عدم البيان الذي هو موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان (قوله: ووجوب الأخذ) معطوف على الحكم بالبراءة فيكون هو الوجه الثاني (قوله: تعيينا) بان يأخذ باحتمال الحرمة فان دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة ولغير ذلك (قوله: أو تخييرا) بان يتخير بين الأخذ باحتمال الوجوب فيلزمه الفعل والأخذ باحتمال الحرمة فيلزمه الترك، وبذلك يفترق عن الوجه الثالث الذي هو التخيير بين الفعل والترك فانه تخيير في العمل لا غير (قوله: أوجهها الأخير) وهو التخيير عقلا عملا والحكم بالاباحة شرعا فالدعوى مركبة من أمرين (قوله: لعدم الترجيح) استدلال على الامر الأول منهما، وحاصله: ان في كل من الفعل والترك احتمال الموافقة والمخالفة إذ لو فعل احتمل الموافقة على تقدير الوجوب والمخالفة على تقدير الحرمة ولو ترك احتمل الموافقة على تقدير الحرمة والمخالفة على تقدير الوجوب وحيث تساوى الفعل والترك في ذلك يحكم العقل بالتخيير بينهما فان شاء فعل وان شاء ترك (قوله: وشمول مثل) استدلال على الأمر الثاني منهما يعني أن الرواية المذكورة لا تختص بمحتمل الحرمة والاباحة بل تشمل محتمل الحرمة والوجوب
ولا مانع عنه عقلا ولا نقلا وقد عرفت انه لا يجب موافقة الاحكام التزاما ولو وجب لكان الالتزام إجمالا بما هو الواقع معه ممكنا والالتزام التفصيلي باحدهما لو لم يكن تشريعا محرما لا نهض على وجوبه دليل قطعا، وقياسه بتعارض الخبرين الدال احدهما على الحرمة والآخر على الوجوب باطل فان التخيير بينهما على تقدير كون الاخبار حجة من باب السببية يكون على القاعدة ______________________________ فتكون حجة على ثبوت الاباحة فيه شرعا. هذا ولكن قد عرفت أن مفاد الرواية جعل الحل الواقعي المقابل للحرمة في ظرف الشك في الحرمة نظير قاعدة الطهارة وقاعدة الحرية وغيرهما، ومن المعلوم أن الحل المقابل للحرمة ليس هو الاباحة شرعا بل هو أعم منها ومن الاستحباب والوجوب والكراهة. مع انه لو سلم كون مفادها جعل الحل ظاهرا في ظرف الشك في الحرمة من دون نظر إلى جعل الحل الواقعي ليترتب عليه آثاره فليس الحل المجعول إلا ما يقابل الحرمة لا ما يرادف الاباحة شرعا فاثبات الاباحة بالرواية يتوقف على تطبيقها بلحاظ احتمال الوجوب وحرمة الترك ولولاه لم تكن دليلا إلا على مجرد رفع المنع ورفع وجوب الاحتياط. فتأمل جيدا (قوله: ولا مانع عنه عقلا) كما في الشبهة المحصورة (قوله: ولا نقلا) كما في الشبهة البدوية بناء على تقديم اخبار الاحتياط كما هو مذهب الاخباريين (قوله: وقد عرفت انه لا يجب) دفع لما يتوهم من أن كل شئ لك حلال وان كان في نفسه لا قصور فيه من حيث شموله للمقام إلا انه ممنوع من أجل ما دل على وجوب الموافقة الالتزامية لأن جعل الاباحة يوجب الالتزام بما علم انه خلاف الحكم الواقعي (وحاصل الدفع): انك قد عرفت أنه لا دليل على وجوب الموافقة الالتزامية، ولو سلم وجوبها فاللازم الالتزام بالواقع اجمالا وهو لا ينافي الالتزام بالاباحة تفصيلا ظاهرا (قوله: والالتزام التفصيلي) شروع في الرد على القول بوجوب الأخذ باحدهما (قوله: لو لم يكن تشريعا) بل قد عرفت انه تشريع محرم (قوله: وقياسه بتعارض الخبرين) شروع في الجواب
ومن جهة التخيير بين الواجبين المتزاحمين وعلى تقدير أنها من باب الطريقية فانه وإن كان على خلاف القاعدة إلا أن احدهما تعيينا أو تخييرا حيث كان واجدا لما هو المناط للطريقية من احتمال الاصابة مع اجتماع سائر الشرائط جعل حجة في هذه الصورة بأدلة ______________________________ عما استدل به لكل واحد من بقية الاقوال واشارة إلى الاستدلال للقول بوجوب الاخذ باحدهما والرد عليه (وحاصل الاستدلال) انه لا إشكال في وجوب الاخذ باحد الخبرين لو دل على وجوب شئ والآخر على حرمته ولا فرق بين مورد تعارض الخبرين وبين المقام فما دل على وجوب الاخذ تخييرا هناك دال عليه هنا (وحاصل الجواب عنه): ان قياس المقام بصورة التعارض قياس مع الفارق فانه إذا بني على كون حجية الخبر من باب السببية فالتخيير حينئذ يكون على القاعدة لان كل فرد من الخبر يكون واجد المناط وجوب الاخذ به فمع تعارض الخبرين لما لم يمكن الاخذ بهما معا وجب الاخذ باحدهما تخييرا كما هو القاعدة في جميع المقتضيات المتزاحمة التي لا يمكن اعمال جميعها فانه يتخير بينها في الاعمال كالغريقين للذين لا يمكن انقاذهما معا، وحينئذ لا مجال لقياس المقام بصورة التعارض فان كلا من احتمالي الوجوب والحرمة لا اقتضاء له في وجوب الاخذ به حتى يتخير بينهما من جهة التزاحم، وان بني على كون حجية الخبر من باب الطريقية فان الاصل عند التعارض وان كان هو التساقط دون الترجيح والتخيير إلا أنه لما قام الدليل على الترجيح مع وجود المرجح والتخيير مع عدمه امكن ان يكون الوجه فيه هو الطريقية النوعية التى عليها الخبر، ومن المعلوم عدم وجود صفة الطريقية المذكورة في احتمالي الوجوب والحرمة فيكف يصح قياسهما بذلك المقام (قوله: ومن جهة) عطف تفسيري على القاعدة (قوله: احدهما تعيينا) يعني مع وجود المرجح فيه (قوله: أو تخييرا) يعني مع عدم المرجح (قوله: للطريقية) يعني الطريقية الفعلية (قوله: من احتمال) بيان للمناط والمراد الطريقية النوعية التي لا ينافيها وجود المعارض (قوله: جعل حجة) الضمير النائب عن
الترجيح تعيينا أو التخيير تخييرا، وأين ذلك مما إذا لم يكن المطلوب إلا الأخذ بخصوص ما صدر واقعا وهو حاصل والأخذ بخصوص احدهما ربما لا يكون إليه بموصل نعم لو كان التخيير بين الخبرين لأجل إبدائهما احتمال الوجوب والحرمة وإحداثهما الترديد بينهما لكان القياس في محله لدلالة الدليل على التخيير بينهما على التخيير ههنا فتأمل جيدا. ولا مجال ههنا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان فانه لا قصور فيه ههنا وإنما يكون عدم تنجز التكليف لعدم التمكن من الموافقة القطعية ______________________________ الفاعل راجع إلى احدهما (قوله: مما إذا لم يكن المطلوب) كما فيما نحن فيه إذ ليس الا الحكم الواقعي (قوله: وهو حاصل) يعني للالتزام به اجمالا (قوله: والاخذ بخصوص) يعني الاخذ باحدهما تخييرا أو تعيينا (قوله: ربما لا يكون) إذ أحدهما محتمل الواقع (قوله: على التخيير بينهما) متعلق ب (الدليل) والضمير راجع إلى (الخبرين) (قوله: على التخيير ههنا) متعلق ب (دلالة) (قوله: فتأمل جيدا) يمكن أن يكون اشارة إلى القطع بعدم كون المناط إبداء الاحتمال، ضرورة أنه لو قام احد الخبرين على الوجوب والآخر على الحرمة واحتمل كون الحكم الواقعي هو الكراهة مثلا لا يجوز الالتزام باحتمال الكراهة بل يجب الالتزام بخصوص مضمون احد الخبرين (قوله: ولا مجال ههنا) هذا رد على الوجه الاول وهو الحكم بالبراءة عقلا، وحاصله أنه لا وجه لتطبيق قاعدة قبح العقاب بلا بيان في المقام لوجود البيان وهو العلم بلزوم الفعل أو الترك كما لو علم بوجوب شئ أو حرمة آخر فانه لا ينبغي التأمل في وجوب الاحتياط معه بفعل الاول وترك الثاني، غاية الامر ان المكلف في المقام لا يمكنه الاحتياط والموافقة القطعية لامتناع الجمع بين الفعل والترك لكونهما نقيضين كما لا يمكنه المخالفة القطعية لامتناع ترك النقيضين فلا يترتب على العلم المذكور اثر في نظر العقل ويسقط عن المنجزية، فعدم منجزيته ليس لعدم كونه
كمخالفتها والموافقة الاحتمالية حاصلة لا محالة كما لا يخفى. ثم إن مورد هذه الوجوه وإن كان ما إذا لم يكن واحد من الوجوب والحرمة على التعيين تعبديا إذ لو كانا تعبديين ______________________________ بيانا بل لعدم القدرة فكيف يصح تطبيق قاعدة قبح العقاب بلا بيان (فان قلت): إذا حكم العقل بالتخيير بين الفعل والترك كان ذلك موجبا لسقوط العلم بالالتزام المردد بين الوجوب والحرمة عن كونه بيانا فيصح حينئذ تطبيق قاعدة قبح العقاب بلا بيان (قلت): أولا نمنع سقوطه عن البيانية ولو بملاحظة حكم العقل بالتخيير فان العجز عن موافقة التكليف المعلوم لا يوجب عدم كون العلم بيانا عليه فضلا عن العجز عن الموافقة القطعية. وثانيا انه لا مجال لتطبيقها ولو في الرتبة اللاحقة إما للزوم اجتماع المثلين أو للزوم اللغوية، فتأمل جيدا (قوله: كمخالفتها) الاضافة إلى الضمير غير ظاهرة المعنى (قوله: ثم ان مورد هذه الوجوه) اعلم: ان الوجوب والتحريم المعلوم ثبوت احدهما اجمالا في الواقعة الخاصة تارة يكونان توصليين، واخرى تعبديين، وثالثة يكون احدهما المعين تعبديا دون الآخر، ورابعة يكون احدهما المردد تعبديا دون الآخر، وتشترك الصور الاربع في امتناع الموافقة القطعية، وتفترق الأولى والأخيرة عن الباقيتين في امتناع المخالفة القطعية فيهما وإمكانها في الباقيتين إذ لو فعل المكلف أو ترك لا بقصد التقرب يقطع بالمخالفة في الصورة الثانية، ولو فعل لا بقصد التقرب يقطع بالمخالفة في الصورة الثالثة لو كان الوجوب المحتمل تعبديا، ولو ترك لا بقصد التقرب يقطع بالمخالفة لو كان التحريم المحتمل تعبديا، وحيث اشتركت جميعها في امتناع الموافقة القطعية اشتركت في الرجوع إلى اصالة التخيير لعدم المرجح، وحيث افترقت في إمكان المخالفة القطعية افترقت في جواز الرجوع إلى اصالة الاباحة، فما تمكن فيها المخالفة القطعية لا يجوز الرجوع فيه إلى اصالة الاباحة لأن الرجوع إليها موجب للمخالفة القطعية الممنوع عنا عقلا، ومالا تمكن فيها المخالفة القطعية يجوز الرجوع فيها إلى اصالة الاباحة لعدم المانع كما تقدم (قوله: هذه الوجوه)
أو كان أحدهما المعين كذلك لم يكن إشكال في عدم جواز طرحهما والرجوع إلى الاباحة لانها مخالفة عملية قطعية - على ما أفاد شيخنا الاستاذ قدس سره - إلا أن الحكم أيضا فيهما إذا كانا كذلك هو التخيير عقلا بين اتيانه على وجه قربي بأن يؤتى به بداعي احتمال طلبه وتركه كذلك لعدم الترجيح وقبحه بلا مرجح. فانقدح أنه لا وجه لتخصيص المورد بالتوصليين بالنسبة إلى ما هو المهم في المقام وان اختص بعض الوجوه بهما كما لا يخفى. ولا يذهب عليك ان استقلال العقل بالتخيير إنما هو فيما لا يحتمل الترجيح في أحدهما ______________________________ يعني الوجوه في المسألة التي منها الرجوع إلى البراءة (قوله: لانها مخالفة عملية) هذا ربما ينافي ما سيأني منه (ره) من الرجوع إلى الاباحة عند الاضطرار إلى بعض اطراف الشبهة المحصورة لعدم الفرق بينه وبين المقام إلا أن يكون هذا منه جريا على مذاق شيخه. فتأمل (قوله: لا وجه لتخصيص المورد) المقصود به التعريض بشيخه في رسائله حيث انه بعد ما ذكر وجوها في المسألة منها الرجوع إلى الاباحة ظاهرا قال: ومحل هذه الوجوه ما لو كان كل من الوجوب والتحريم توصليا... الخ، فان مقصوده وإن كان أن تمام الوجوه المذكورة إنما تكون في الصورة المذكورة لا تخصيص مرجعية اصالة التخيير بها، لكن لما كان المهم وهو اصالة التخيير لا يختص بالصورة المذكورة كان المناسب له التعرض لذلك. فتأمل (قوله: ما هو المهم) يعني اصالة التخيير التي عقد لها المبحث (قوله: بعض الوجوه) يعني القول بالاباحة (قوله: ولا يذهب عليك ان استقلال) يعني أن ما ذكرنا من استقلال العقل بالتخيير بين الفعل والترك إنما هو فيما لم يحتمل أهميته أحد الحكمين على تقدير ثبوته، أما مع احتمال أهميته في ظرف ثبوته لزيادة مصلحته أو مفسدته فالعقل يحكم بتعين موافقة محتمل الاهمية، فلو دار الامر بين وجوب شئ وحرمته واحتمل أهمية الوجوب على تقدير ثبوته واقعا لتأكد
على التعيين ومع احتماله لا يبعد دعوى استقلاله بتعينه، كا هو الحال في دوران الأمر بين التخيير والتعيين في غير المقام، ولكن الترجيح إنما يكون لشدة الطلب في أحدهما وزيادته على الطلب في الآخر بما لا يجوز الاخلال بها في صورة المزاحمة ______________________________ مصلحته أو أهمية التحريم لتأكد مفسدته تعين الفعل في الاول والترك في الثاني كما هو الحال في الدوران بين التعيين والتخيير العقليين. كما في المتزاحمات فانه كما لا ريب عند تزاحم المقتضيات في وجوب الأخذ بالأهم منها - لو كان - لأن الأخذ بالمهم تفويت للمقدار الاهم بلا مسوغ كذلك يجب الاخذ بمحتمل الأهمية، فكما يجب انقاذ من يعلم أنه نبي عند دوران الامر بين انقاذه وانقاذ مؤمن غيره لعدم التمكن من انقاذهما معا، كذا يجب انقاذ من يحتمل انه نبي عند الدوران المذكور وكذا نقول في المقام إذا احتمل أهمية احد الحكمين بعينه يكون من الدوران بين التعيين والتخيير العقلي والاصل التعيين (قلت): قياس المقام على صورة الدوران بين التعيين والتخيير في المتزاحمات غير ظاهر، إذ التعيين مع إحراز الاهمية إنما هو من جهة لزوم التفويت، ومع احتمال الاهمية من جهة الشك في المزاحمة الذي هو كالشك في وجود المزاحم موجب للاحتياط، والمقام ليس من التزاحم في شئ إذ لم يحرز المقتضي إلا لأحد الحكمين فلا موجب للاخذ بمحتمل الاهمية على تقدير ثبوته. نعم لو كان احد الحكمين مظنونا والآخر محتملا وجرت مقدمات الانسداد وجب الاخذ بالمظنون على ما تقدم. فتأمل (قوله: على التعيين) أما لو احتمل الترجيح في احدهما على الترديد فلا مجال لاحتمال التعيين كما هو ظاهر (قوله في غير المقام) يعني مقام التزاحم) (قوله: ولكن الترجيح) يعني الترجيح المحتمل الموجب للتعيين في نظر العقل إنما هو بمعني شدة الطلب في احدهما وأهمية مصلحته أو مفسدته بالنسبة إلى الآخر لا غير ذلك (قوله: بما لا يجوز الاخلال) يعني بحيث تبلغ شدة الطلب حدا موجبا للترجيح على تقدير التزاحم باحراز المقتضى من
ووجب الترجيح بها وكذا وجب ترجيح احتمال ذي المزية في صورة الدوران ولا وجه لترجيح احتمال الحرمة مطلقا لاجل ان دفع المفسدة أولى من ترك المصلحة ضرورة أنه رب واجب يكون مقدما على الحرام في صورة المزاحمة بلا كلام فكيف يقدم على احتماله احتماله في صورة الدوران بين مثليهما فافهم ______________________________ الجانبين (قوله: ووجب) معطوف على (لا يجوز) وضمير بها في المقامين راجع إلى الشك والزيادة (قوله: وكذا وجب) على معطوف (لا يجوز) ايضا يعنى بحيث تكون شدة الطلب تبلغ حدا موجبا للتعيين في محتملها عند الدوران بين التعيين والتخيير (قوله: الحرمة مطلقا) يعني وان لم تكن مشتملة على الشدة والزيادة (قوله: يكون مقدما على) كما لو توقف اتقاذ الغريق على استطراق ارض مغصوبة أو ركوب سفينة كذلك (قوله: على احتماله) ضمير الاول للواجب والثاني للحرام (قوله: مثليهما) اي الواجوب والتحريم. تنبيه. لو بني على التخيير في المقام فهل هو ابتدائي بحيث لا يجوز له في الزمان الثاني اختيار غير ما اختاره اولا، أو استمراري ؟ قولان اقواهما الثاني لعدم الفرق بين الوقائع في نظر العقل فكما يخير في الزمان الاول يخير في الزمان الثاني. ودعوى لزوم المخالفة القطعية لو اختار غير ما اختاره اولا مندفعة بلزوم الموافقة القطعية أيضا ولا ترجيح للموافقة الاحتمالية على الموافقة القطعية الملازمة للمخالفة القطعية. هذا بناء على التخيير العملي أما بناء على التخيير في الأخذ باحد المحتملين فحيث كان المستند فيه اخبار التخيير بين المتعارضين فالمرجع اطلاق تلك الاخبار، ومع عدمه الاستصحاب والظاهر ثبوت الاطلاق لأخبار التخيير من حيث الزمان لأن اختلاف الزمان موجب لتعدد الوقائع التي لا فرق فيها في مرجعية تلك الاخبار كما هو ظاهر بالتأمل، فالتخيير إذا استمراري ايضا وسيأتي انشاء الله في أحكام التعارض ماله نفع في المقام فانتظر والله سبحانه الموفق المعين
فصل لو شك في المكلف به مع العلم بالتكليف من الايجاب أو التحريم فتارة لتردده بين المتباينين وأخرى بين الاقل والاكثر الارتباطيين فيقع الكلام في مقامين (المقام الاول) في دوران الامر بين المتباينين. لا يخفى أن التكليف المعلوم بينهما مطلقا - ولو كانا فعل أمر وترك آخر - ان كان فعليا من جميع الجهات بان ______________________________ الدورانه بينه المتباينين (قوله: بين المتباينين) تباين المكلف به (تارة) يكون بالذات كما لو علم اجمالا بوجوب عتق رقبة أو صيام شهرين (وأخرى) بالعرض كما لو علم اجمالا بوجوب القصر أو التمام، فان القصر إنما يباين التمام بلحاظ اخذ بشرط لا في القصر وشرط شئ في التمام فلا ينطبق احدهما على الآخر، وهذا بخلاف الأقل والأكثر فان الأقل لا يباين الاكثر، بل الاقل بعض الاكثر الموجب لكون وجوده عين وجود الاكثر. وان شئت قلت: لابد في كل علم اجمالي قائم بالمتباينين من امكان فرض قضيتين شرطيتين مقدم احداهما احد الامرين وتاليها نقيض الآخر ومقدم ثانيتهما عين الآخر وتاليها نقيض مقدم الاولى كقولنا: إن كان العتق واجبا فليس الصيام واجبا، وان كان الصيام واجبا فليس العتق واجبا، وان كان القصر واجبا فليس التمام واجبا، وان كان التمام واجبا فليس القصر واجبا، ولا يصح فرضهما في الأقل والاكثر، فلا يقال: إن كانت العشرة واجبة فليست التسعة واجبة لان التسعة بعض العشرة فوجوب العشرة وجوب التسعة وزيادة. ثم إن المراد من القضية السلبية في التالي سلب المعلوم بالاجمال فلا ينافي احتمال فرد آخر غيره. فلاحظ (قوله: الارتباطيين) أما الأقل والاكثر الاستقلاليان فلا اجمال في المكلف به فيهما لأن الأقل معلوم التكليف به والزائد مشكوك التكليف بدوا (قوله: ولو كان فعل امر وترك) لا يخفى أنه إذا علم اجمالا بوجوب شئ وحرمة آخر فلا علم اجمالا
يكون واجدا لما هو العلة التامة للبعث أو الزجر الفعلي مع ما هو عليه من الاجمال والتردد والاحتمال فلا محيص عن تنجزه وصحة العقوبة على مخالفته وحينئذ لا محالة يكون ما دل بعمومه على الرفع أو الوضع أو السعة أو الاباحة مما يعم أطراف العلم مخصصا عقلا لاجل مناقضتها معه، وإن لم يكن فعليا كذلك - ولو كان بحيث لو علم تفصيلا لوجب امتثاله وصح العقاب على مخالفته لم يكن هناك مانع عقلا ولا شرعا عن شمول أدلة البراءة الشرعية للاطراف. ومن هنا انقدح انه لا فرق بين العلم التفصيلي والاجمالي إلا أنه ______________________________ بوجوب أو تحريم وإنما علم اجمالا بالالزام المردد بين الوجوب والتحريم فلا يدخل في العنوان المذكور في صدر المبحث إلا إذا اريد من المكلف به ما هو اعم من الفعل والترك فانه حينئذ يصح أن يقال: علم بوجوب فعل احدهما أو ترك الآخر أو بحرمة احدهما أو ترك الآخر. لكن عليه كان اللازم الاكتفاء باحد الامرين من الوجوب والتحريم ولا داعي إلى ذكرهما معا، والامر سهل (قوله: فلا محيص عن تنجزه) قد عرفت الاشارة سابقا إلى أن التكليف الفعلي من جميع الجهات حيث كان مضادا للترخيص الشرعي فلا فرق بين العلم به والظن به واحتماله ولو موهوما في امتناع شمول ادلة الترخيص لأن شمولها يوجوب إما العلم بالمتضادين أو الظن بهما أو احتمالهما، والجميع ممتنع ولا ميز للعلم الاجمالي على الظن والاحتمال في امتناع شمول ادلة الترخيص لمورده دون موردهما، بل الجميع مما لا مجال لشمول ادلة الترخيص لمورده. نعم بينهما ميز في ثبوت الترخيص العقلي وعدمه فان العلم لما كان واجدا لمقتضي الحجية سواء أكان بنحو العلية التامة أم مجرد الاقتضاء امتنع الترخيص العقلي في مخالفته، وليس كذلك الظن والاحتمال. هذا لو لم يكن معنى فعليته من جميع الجهات مساوقا لتنجزه وإلا فلا مجال لاحتمال فعليته من جميع الجهات مع عدم المنجز له في ظرف الشك فيه (قوله: لم يكن هناك مانع عقلا ولا شرعا) (اما) عدم المانع عقلا فلان العلم الاجمالي ليس علة تامة للتنجز
* كالعلم التفصيلي حتي يمتنع الترخيص الشرعي في مخالفته لكونه ترخيصا في المعصية قبيحا في نظر العقل كما أشار إليه في مبحث القطع. هذا وقد عرفت هناك ما فيه وأن العلم الاجمالي ليس سنخا غير سنخ العلم التفصيلي، بل كشفه واراءته لمتعلقه كشف العلم التفصيلي عنه، بل هو هو غاية الامر يشك في انطباقه على كل واحد من اطرافه على البدل، وهو امر خارج عن متعلق العلم، وقد يكون المعلوم بالتفصيل كذلك فيشك فيما علم وجوب اكرامه تفصيلا أنه عالم أو جاهل أو غني أو فقير... إلى غير ذلك من العناوين المنطبقة عليه، فكما لا يقدح ذلك في كشف العلم التفصيلي عن متعلقه لا يقدح الشك في انطباق المعلوم بالاجمال في كشف العلم الاجمالي عن متعلقه كما هو ظاهر. نعم الشك المذكور يوجب كون كل واحد من الاطراف موضوعا لادلة الاصول، وهذا المقدار لا أثر له في عدم منجزية العلم لأن إعمال أدلة الاصول في كل واحد من الاطراف يتوقف على عدم المانع عقلا عنه فإذا كان العلم الاجمالي منجزا لمتعلقه في نظر العقلاء منع ذلك من إعمال ادلة الاصول لأن إعمالها يكون ترخيصا في محتمل المعصية وهو قبيح عقلا. فالعمدة حينئذ هو اثبات هذه الجهة، اعني كونه منجزا في نظر العقلاء محدثا بمجرد حدوثه للداعي العقلي نحو موافقته كما في العلم التفصيلي فيكون ذلك مانعا عن اجراء الاصول في الاطراف، وإلا فمجرد كون كل واحد من الاطراف مشمولا لأدلة الاصول لا أثر له في رفع منجزيته، وقد عرفت فيما سبق أن احداثه للداعي العقلي إلى موافقته مما لا مجال للريب فيه عند العقلاء، إذ لافرق عندهم في حدوث الداعي المذكور بين أن يسمع العبد مولاه يقول: اكرم هذا، مشيرا إلى معين، وبين أن يسمعه يقول: اكرم زيدا، مع تردد زيد في نظر العبد بين شخصين معينين، وكما ينبعث نحو موافقة العلم في الاول بمجرد حصوله ينبعث نحو موافقته في الثاني ايضا كذلك ولا يتوقف حدوث الداعي له على عدم ورود الترخيص في مخالفته بحيث يكون منتظرا لذلك، بل لو سمع المولى يقول: لا تكرم هذا ولا ذلك لانك لا تعرف كلا منهما أنه زيد، عد ذلك منه مخالفا لقوله الأول مضادا له، وأقل
* سبر لحال العقلاء في هذا المقام كاف في اثبات ما ذكرنا. مع ان ما ذكره المصنف (ره) لا يكاد يلتزم به هو (ره) ولا غيره في جميع الموارد الفقهية، وان صدر من بعضهم ما يوهم ذلك كان في مقام التشكيك وابداء الاحتمال مما لا يعد خلافا في المسألة فراجع كلماتهم في المباحث الفقهية وتامل (واما) عدم المانع شرعا فلان المحتمل في المنع احد امرين (الاول) ان موضوع ادلة الاصول ما لم يعلم انه حرام، وهذا العنوان مما لا يحرز في كل واحد من الاطراف لأن المعلوم بالاجمال لما كان معلوما أنه حرام فمع احتمال انطباقه على كل واحد من الطرفين يكون كل واحد منهما مما يحتمل أنه معلوم الحرمة واحتمال انه معلوم الحرمة ينافي احراز انه لم يعلم انه حرام، ومع عدم احراز عنوان العام لا يجوز التمسك بالعام (وهذه) الشبهة ذكرها المصنف (ره) في مجهول التاريخ في مبحث الاستصحاب ولم يذكرها هنا مع عدم ظهور الفرق بين المقامين (وحاصل) الوجه في دفعها: أن العلم ليس من الصفات التي تسري إلى ما ينطبق عليه موضوعها كالصفات الخارجية حتى يصح قياسها عليها بحيث يكون حال العلم حال نفس النجاسة، فكما أن احتمال انطباق النجس المعلوم بالاجمال على كل واحد من الاطراف موجبا لاحتمال كون كل واحد منها محتملا أنه نجس يكون احتمال انطباق المعلوم الحرمة على كل واحد من الاطراف موجبا لاحتمال كونه معلوم الحرمة بل ليس العلم إلا قائما بنفس الصورة لا يتعداها إلى ما تتحد معه تلك الصورة خارجا. والوجه في ذلك: انه لا ريب في مضادة الشك للعلم كما لا ريب في كون كل واحد من الاطراف مشكوك الحرمة فيمتنع ان يحتمل انه معلوم الحرمة، وهذا واضح بانى تأمل (الثاني) لزوم التناقض في مدلول أدلة الاصول لو بني على تطبيقها على كل واحد من الطرفين. فان قوله (ع): كل شئ لك حلال حتى تعلم انه حرام، لو بني على تطبيق صدره على كل واحد من الطرفين كان اللازم تطبيق ذيله على المعلوم بالاجمال فيلزم التناقض لأن عدم حل المعلوم بالاجمال وحل كل واحد من طرفيه مما لا يجتمعان (وفيه) أن هذا الاشكال على تقدير تماميته - كما سيجيئ توضيح الحال فيه في الاستصحاب انشاء الله - مختص بمثل
* روايتي مسعدة وابن سنان المشتملتين على قوله (ع): فتدعه، فيكون نظير قوله (ع) في بعض أخبار الاستحصاب: ولكن تنقضه بيقين آخر، ولا مجال له في مثل احاديث الوضع والرفع والسعة، بل وفي مثل كل شئ لك حلال حتى تعلم أنه حرام لأن عدم الحكم على المعلوم بالاجمال من حيث كونه معلوما لا ينافي الحكم بالحل على كل واحد من طرفيه لكونه مشكوكا لجواز اجتماع عناوين متعددة بعضها موضوع للحكم وبعضها غير موضوع له، فان زيدا العالم يجب اكرامه لكونه عالما ولا يجب اكرامه لكونه غنيا أو فقيرا أو طويلا أو قصيرا... إلى غير ذلك. اللهم إلا أن يستفاد منه أن الحكم بالحل على المشكوك لعدم المقتضي للمنع وعدم الحكم به على المعلوم الحرمة لوجود المقتضي للمنع، وحينئذ ففعلية الحل لا تكون الا في ظرف عدم المانع عنه المقتضي للمنع، فلا يمكن تطبيق الرواية الا في مورد لا يكون فيه مانع عن الحكم بالحل كالشبهات البدوية، بل يشكل التمسك حينئذ بمثل حديث الرفع أيضا لوقوع التعارض بينه وبين الغاية في هذه الرواية الموجب لتقديم الغاية لعدم التنافى بين المقتضي واللا مقتضي، ويكون مفاد مجموع الأدلة أن المشكوك لا مقتضي فيه للمنع، والمعلوم فيه مقتضى المنع ففي الشبهة المقرونة بالعلم الاجمالي لا مجال لفعلية الحل في كل واحد من الاطراف للاقتران بالمانع. فلاحظ وتأمل (ثم انه) لو بني على شمول ادلة الاصول لكل واحد من الاطراف فلابد من رفع اليد عنها لما عرفت من كون العلم علة تامة للتنجز فيكون الترخيص في اطرافه ترخيصا في المعصية وهو قبيح بل ممتنع لانه نقض للغرض ومضاد للحرمة المعلومة كما عرفت الاشارة إليه في الجمع بين الاحكام الظاهرية والواقعية (فان قلت): رفع اليد عن عموم أدلة الاصول إنما يتم لو كان العلم الاجمالي علما حقيقيا أما لو كان دليلا علميا كالعموم أو الاطلاق أو نحوهما من الظهورات فلا وجه لتعين رفع اليد عن عموم أدلة الاصول بل يدور الامر بين رفع اليد عنها وبين رفع اليد عن الدليل المثبت للحرمة اجمالا، فلابد حينئذ من الرجوع إلى الاقوى فقد يكون عموم
* الأصل وقد يكون دليل الحكم المعلوم بالاجمال (قلت): هذا الاشكال وان أجيب عنه بوجوه كثيرة، إلا أن التحقيق في الجواب أن اصالة الظهور في دليل التحريم حاكمة على اصالة العموم في دليل الأصل لأن أصالة الظهور في كل مقام انما تجري في مورد يحتمل مطابقة مؤداها للواقع اما لو علم بعدم مطابقة مؤداها للواقع فلا موضوع لها واعمال اصالة الظهور في دليل التحريم يوجب العلم بعدم مطابقة أصالة الظهور في دليل الأصل للواقع دون العكس لأن إعمال اصالة الظهور في دليل التحريم يوجب تنجز التحريم عند العقل، وحينئذ يمتنع الترخيص في مخالفته فيعلم بعدم مطابقة الظهور لدليل الترخيص للواقع فلا موضوع لأصالة الظهور فيه، وإعمال اصالة الظهور في دليل الترخيص لا يوجب العلم بعدم مطابقة ظهور دليل التحريم للواقع لامكان مطابقته للواقع حينئذ وانما توجب سقوط الظهور عن الحجية فيه إذ المصحح للترخيص عدم الحجة على التحريم الواقعي لا عدم التحريم في نفسه (والوجه) في أصل الاشكال توهم التنافي بين التحريم الواقعي والترخيص فتتعارض اصالة الظهور المثبتة لهما فلابد من الأخذ بالأقوى، وليس الامر كذلك لما عرفت من عدم التضاد بين الحكم الواقعي والظاهري وانما التنافي بين الحجة على الحكم الواقعي والترخيص في مخالفته فيكون العلم بالحجة على الحكم الواقعي وهي اصالة الظهور في دليل التحريم موجبا للعلم بعدم الترخيص فلا، مجال لاعمال اصالة الظهور في دليل الترخيص للعلم بمخالفتها للواقع، وليس العلم بالحجة على الترخيص موجبا للعلم بعدم التحريم واقعا، بل هو مستحيل إذ لا ترخيص الا في مورد الشك فيه فلا تكون اصالة الظهور في دليل الترخيص رافعة لموضوع اصالة الظهور في دليل الواقع، بل هذه مزيلة وتلك مزالة فلا يتعارضان (فان قلت): إذا كان العلم الاجمالي علة تامة للتنجز بنحو يمتنع الترخيص في مخالفته كان اللازم عدم العمل على الامارة القائمة على نفي التكليف في بعض الاطراف كما لو قامت البينة على طهارة احد الاناءين في الشبهة المحصورة، مع أنه لا ريب في جواز العمل عليها، فيكشف ذلك عن جواز الترخيص في مخالفته فلا يكون علة لوجوب الموافقة القطعية،
* (قلت): قد عرفت الاشارة في مبحث القطع إلى أنه لا مجال للتفكيك في اقتضاء العلم الاجمالي بين حرمة المخالفة القطعية ووجوب الموافقة القطعية، وما ذكر في السؤال لا يدل على خلاف ذلك لأن المقصود من كونه علة لوجوب الموافقة القطعية أنه يقتضي تنجز المعلوم بقول مطلق وليس للشارع الاقدس التصرف في مقام منجزيته له والردع عنها لا أنه بحيث يمنع عن تصرف الشارع الاقدس في مقام الفراغ، فان العلم التفصيلي - مع انه لا اشكال في منجزيته لمتعلقه - قد ثبت تصرفه في مقام الفراغ عنه بجعل الامارات والاصول المفرغة، مثل قاعدتي التجاوز والفراغ واصالة الطهارة من الخبث واستصحاب الطهارة من الحديث ونحوها والبينة القائمة على طهارة أحد الاناءين في الشبهة المحصورة من هذا القبيل، فان مدلولها المطابقي وان كان هو طهارة ما قامت على طهارته من الاناءين، الا ان مدلولها الالتزامي كون الآخر هو النجس، فمقتضي حجيتها في مدلولها الالتزامي أن ترك الآخر ترك المعلوم بالاجمال وفراغ عنه، فحجيتها في هذا المقام تصرف في مقام الفراغ عما تنجز بالعلم لا تصرف في أصل التنجز الممنوع عنه عقلا بناء على انه علة لوجوب الموافقة القطعية، وهذا هو ما اشتهر من جواز الترخيص بعد جعل البدل، واصل الطهارة ونحوه من الاصول النافية للتكليف انما امتنع جريانها في أحد الاطراف لانها لا تصلح لتعيين المعلوم بالاجمال الابناء على الأصل المثبت الذي لا نقول به (فان قلت): إذا جاء الترخيص بعد جعل البدل فلم لا يكون عموما أدلة الأصول بعد ما كان شاملا لكل واحد من الأطراف كاشفا عن جعل البدل ؟ فان عمومه لكل واحد منها وان كان شموليا لا بدليا إلا أنه لما امتنع ذلك لأنه ترخيص في المعصية فليحمل على أنه بدلي ويكون كاشفا عن جعل مقدار الحرام بدلا على البدل إذ هو أولى من رفع اليد عنه بالنسبة إلى جميع الأطراف بالمرة (قلت): قد عرفت سابقا أن المصحح للترخيص في نظر العقل ليس مجرد جعل البدل واقعا بل المصحح هو العلم بجعل البدل، واحتمال جعل البدل واقعا غير كاف بل هو نظير احتمال مخالفة الحجة القائمة على ثبوت المعلوم بالاجمال للواقع لا يصلح
* عذرا في نظر العقل، فما لم يعلم العقل بجعل البدل يرد الترخيص، فإذا كانت صحة الترخيص في نظر العقل موقوفة على العلم بجعل البدل امتنع استكشاف جعل البدل من دليل الترخيص لأنه دور، فانه على هذا يكون العلم بجعل البدل موقوفا على العلم بالترخيص، وقد عرفت أن العلم بالترخيص موقوف على العلم بجعل البدل، (وبالجملة): احتمال جعل البدل لما لم يكن حجة على جعله ولا يصلح عذرا في نظر العقل كان اقتضاء العلم الاجمالي للموافقة القطعية بحاله فيكون الترخيص في بعض الأطراف ترخيصا في محتمل المعصية الممتنع، فلا يخرج الترخيص عن كونه ترخيصا في محتمل المعصية حتى يكون جعل البدل معلوما محرزا فيمتنع استفادة العلم بجعل البدل من قبل دليل الترخيص. نعم لو فرض النص من الشارع الأقدس على جواز ارتكاب بعض أطراف الشبهة لابد حينئذ من استفادة جعل البدل صونا لكلام الحكيم عن اللغوية، لكن هذا ليس مما نحن فيه لأن الكلام في استفادة جعل البدل من نفس دليل الترخيص بحيث يكون مدلولا التزاميا له فانه موقوف على احتمال ارادة الترخيص، وقد عرفت القطع بعدم ارادته لأنه ترخيص في المعصية والاستفادة في الفرض المذكور ليست من نفس الكلام الملقي إلى المكلف بل من قاعدة امتناع صدور اللغو من الحكيم. فتأمل في المقام فانه به حقيق ومنه سبحانه نستمد التوفيق (فان قلت): لو نذر المكلف ان يتصدق بدرهم لو لم يكن مشغول الذمة لزيد بدرهم، فانه يعلم اجمالا اما بوجوب دفع درهم لزيد وفاء لما في ذمته واما بوجوب الصدقة بدرهم، ولا ريب في جريان استصحاب عدم اشتغال ذمته بدين لزيد، وهذا الاستصحاب اصل ناف جار في بعض اطراف العلم وليس متعرضا لمقام الفراغ وجعل البدل فيكشف ذلك عن عدم وجوب الموافقة القطعية (قلت): ما ذكرت من جريان الاصل المذكور مسلم وكذا عدم كونه من قبيل جعل البدل لانه لابدان يكون بلسان تعيين المعلوم بالاجمال والاصل لا يفي بذلك الا بناء على الاصل المثبت، والوجه في جريانه - مع انه اصل ناف للتكليف - ان من آثار موارده ثبوت التكليف في الطرف الآخر
* لا مجال للحكم الظاهري مع التفصيلي فإذا كان الحكم الواقعي فعليا من سائر الجهات لا محالة يصير فعليا معه من جميع الجهات وله مجال مع الاجمالي فيمكن أن لا يصير فعليا معه لامكان جعل الظاهري في اطرافه وإن كان فعليا من غير هذه الجهة فافهم. ثم إن الظاهر أنه لو فرض أن المعلوم بالاجمال كان فعليا من جميع الجهات لوجب عقلا موافقته مطلقا ولو كانت أطرافه غير محصورة وإنما التفاوت بين المحصورة وغيرها ______________________________ فيكون من قبيل الاصل المثبت للتكليف في احد الاطراف فيوجب انحلال العلم الاجمالي كما تقدم تفصيله فراجعه. ومن هنا يظهر لك الفرق بين جعل البدل وبين الانحلال مع اشتراكهما في عدم لزوم الاحتياط فان الاول يلزم فيه ان يكون متعرضا لتعيين المعلوم بالاجمال ولا كذلك الثاني، ويلزم في الثاني ان يكون متقدما أو مقارنا للعلم ولا يلزم ذلك في جعل البدل، فان الامارة القائمة بعد العلم على تعيين المعلوم بالاجمال تسوغ ارتكاب بقية الاطراف، ولا كذلك الاصل المثبت للتكليف في بعض الاطراف إذا كان متاخرا عن العلم كما عرفت ذلك كله في مبحث الانحلال والله سبحانه اعلم (قوله: لا مجال للحكم الظاهري) لأن العلم التفصيلي لا يكون مقرونا بالشك الذي هو موضوع الحكم الظاهري فلا يمكن جعل الحكم الظاهري معه (قوله: وله مجال مع الاجمالي) أي وللحكم الظاهري مجال مع العلم الاجمالي (قوله: لامكان جعل) لاقترانه بالشك (قوله: فعليا من غير) اي فعليا من سائر الجهات بحيث لو علم تفصيلا لتنجز وان لم يكن فعليا من الجهة التي تضاد الترخيص وجعل الحكم الظاهري (قوله: ولو كانت أطرافه غير محصورة) إشكال على ما اشتهر من وجوب الاحتياط في اطراف العلم الاجمالي إذا كانت محصورة وعدم وجوبه إذا كانت اطرافه غير محصورة، وحاصل الاشكال: ان الحكم المعلوم بالاجمال ان كان فعليا من جميع الجهات بحيث يمتنع الترخيص في مخالفته ولو في حال الشك فيه يجب الاحتياط في اطرافه وان كانت غير محصورة لامتناع الترخيص في بعض الاطراف حتى لا يجب الاحتياط فيه، وان لم يكن
هو ان عدم الحصر ربما يلازم ما يمنع عن فعلية المعلوم مع كونه فعليا لولاه من سائر الجهات (وبالجملة) لا يكاد يرى العقل تفاوتا بين المحصورة وغيرها في التنجز وعدمه فيما كان المعلوم اجمالا فعليا يبعث المولى نحوه فعلا أو يزجر عنه كذلك مع ما هو عليه من كثرة أطرافه والحاصل أن اختلاف الاطراف في الحصر وعدمه لا يوجب تفاوتا في ناحية العلم ولو أوجب تفاوتا فانما هو في ناحية المعلوم في فعلية البعث أو الزجر مع الحصر وعدمها مع عدمه فلا يكاد يختلف العلم الاجمالي باختلاف الاطراف قلة وكثرة في التنجيز وعدمه ما لم يختلف المعلوم في الفعلية وعدمها بذلك وقد عرفت آنفا أنه لا تفاوت بين التفصيلي والاجمالي في ذلك ما لم يكن تفاوت ______________________________ فعليا كذلك بحيث يصح الترخيص في بعض اطرافه لا يجب الاحتياط في اطرافه وان كانت اطرافه محصورة كما عرفت سابقا فكون الاطراف محصورة أو غير محصورة مما لا أثر له في الفرق من حيث وجوب الاحتياط وعدمه، بل الفرق في ذلك انما ينشأ من اختلاف المعلوم من حيث كونه فعليا من جميع الجهات بحيث يضاده الترخيص الشرعي أو غير فعلي بحيث لا يضاده الترخيص الشرعي (قوله: هو ان عدم الحصر) يعني عدم حصر الأطراف قد يلازم وجود المانع من فعلية الحكم من سائر الجهات بحيث لولا المانع الملازم لكان فعليا من سائر الجهات غير الجهة التي تضاد الترخيص ولأجل المانع لا يكون فعليا من سائر الجهات بحيث لو علم به تفصيلا لما تنجز، وذلك مثل الخروج عن محل الابتلاء أو الاضطرار إلى الارتكاب أو غيرهما مما سيذكره المصنف (ره) (قوله: لولاه من سائر) ضمير (لولاه) راجع إلى (ما يمنع) و (من سائر) متعلق بقوله: (فعليا) (قوله: في فعلية) بيان ل (ناحية المعلوم) و (مع الحصر) متعلق ب (فعلية) (قوله: والاجمالي في ذلك)
في طرف المعلوم أيضا فتأمل تعرف وقد انقدح أنه ______________________________ المشار إليه التنجيز وعدمه (قوله: في طرف المعلوم) يعني من حيث كونه فعليا من جميع الجهات وليس فعليا كذلك فان العلم التفصيلي لما لم يكن معه الشك الذي هو موضوع الحكم الظاهري صار الحكم معه فعليا من جميع الجهات والعلم الاجمالي لما كان معه الشك لم يكن الحكم معه كذلك. ثم إن اوجه ما يذكر في الفرق بين العلم بالمردد بين الأطراف المحصورة والعلم بالمردد بين الأطراف غير المحصورة أن احتمال انطباق المعلوم بالاجمال في الثاني على كل واحد من الاطراف لما كان ضعيفا لم يكن محركا على الموافقة بخلاف الأول، للفرق الواضح بين العلم بنجاسة اناء مردد بين اناءين وبين العلم بنجاسة اناء مردد بين عشرة الآف فان احتمال الانطباق في الاول لما كان قويا كان محركا على الموافقة وفي الثاني لما كان ضعيفا لم يصلح ان يكون محركا ونظيره في العرفيات سب أحد ثلاثة على الاجمال وسب واحد من اهل البلد كذلك إذ في الاول يتأثر كل واحد من الثلاثة، وفي الثاني لا يتأثر واحد من أهل البلد، وكذا لو علم أن في احد الاناءين سما فانه يمنع من استعمالهما معا ولا كذلك العلم بان في احد عشرة الآف سما فانه لا يصلح رادعا عن الارتكاب. وفيه أنه إن كان الغرض أن نفس العلم المتعلق بالامر المردد بين الامور غير المحصورة لا يصلح ان يكون بيانا على متعلقه ومنجزا له، ففيه ما عرفت من انه إذ لا قصور في ناحية العلم لكشفه عن متعلقه كشفا تاما، ولا في ناحية المعلوم لكونه فعليا بحيث لو علم به تفصيلا لوجبت موافقته فلم لا يكون بيانا عليه ؟ وان كان الغرض انه ينجز متعلقه لكن احتمال انطباقه على كل واحد لما كان ضعيفا لم يحدث داعيا إليه، ففيه أنه بعد تنجز المعلوم واستحقاق العقاب على مخالفته كيف لا يكون احتمال انطباقه على كل واحد من الاطراف موجبا لحدوث الداعي العقلي إلى اجتناب كل واحد منها ؟ مع أن احتمال الانطباق ملازم لاحتمال العقاب على تقدير الارتكاب المانع من جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان. واما ما ذكر من ضعف احتمال
* لا وجه لاحتمال عدم وجوب الموافقة القطعية مع حرمة ______________________________ الانطباق، ففيه أنه مسامحة لأن ضعف احتمال الانطباق يلازمه قوة احتمال عدم الانطباق الذى هو الظن بعدم الانطباق ويلازمه الظن بالانطباق على غير الأطراف وهو خلف (وبالجملة): العلم المذكور بعد ما كان بيانا على متعلقه كان منجزا له، وحينئذ فيكون احتمال انطباقه على كل واحد من الأطراف ملازما لاحتمال العقاب على تقدير المخالفة، وهذا الاحتمال لابد أن يكون داعيا في نظر العقل موجبا لرجحان الاحتياط في كل واحد من الأطراف على عدمه وان كان ذلك الاحتمال ضعيفا جدا، ولذا لو فرض كون احتمال الانطباق على بعض الأطراف في الشبهة المحصورة كان ضعيفا لا مجال لتوهم عدم وجوب الاحتياط عقلا فيه. وأما ما ذكر من الأمثلة العرفية فلا مجال للاستشهاد به للفرق بينها وبين ما نحن فيه، فان قاعدة وجوب دفع الضرر المقطوع به أو المظنون أو المحتمل وان كانت من القواعد الفطرية الموجبة للداعي النفسي إلا أن باب تزاحم الدواعي واسع جدا، فقد يترجح عندهم الاقدام على الضرر المحتمل لداع آخر أهم إذ لو فرض الاجتناب عما يحتمل عندهم كونه سما لتردده بين الاطراف غير المحصورة لزم الهرج والمرج لوجود هذا الاحتمال في اكثر موارد الابتلاء، وكذا الحال في السباب فان سب واحد من أهل البلد لا يكون نقصا في كل واحد لكثرة وجود من يستحق السب في اكثر البلاد، وسب واحد من اثنين يكون نقصا في كل واحد لندرة الاستحقاق، ولذا ترى الانسان لا يتأثر إذا قيل له: أنت تغضب في السنة مرة، بل لعله يعده مدحا لكثرة وقوع الغضب من اكثر أفراد الانسان، ويغضب إذا قيل له: أنت تغضب في كل ساعة مرة (وبالجملة): لا مجال لقياس ما نحن فيه على الامور العرفية، والتأمل يشهد بذلك. فتأمل. ويمكن أن يقال: ان الشبهة بعد ما لم تكن الا محصورة أو غير محصورة كان الفرق بينهما دائما بزيادة واحد والعقل لا يجد لزيادة الواحد دخلا في عدم وجوب الاحتياط. فلاحظ، (قوله: لا وجه لاحتمال عدم) مما ذكرنا هنا وفي مبحث القطع الاجمالي
مخالفتها ضرورة أن التكليف المعلوم إجمالا لو كان فعليا لوجب موافقته قطعا وإلا لم يحرم مخالفته كذلك ايضا. ومنه ظهر أنه لو لم يعلم فعلية التكليف مع العلم به إجمالا إما من جهة عدم الابتلاء ببعض أطرافه أو من جهة الاضطرار إلى بعضها معينا أو مرددا أو من جهة تعلقه بموضوع يقطع بتحققه إجمالا في هذا الشهر كايام حيض المستحاضة مثلا لما وجب موافقته بل جاز مخالفته وأنه لو علم فعليته ولو كان بين أطراف تدريجية لكان منجزا ووجب موافقته فان التدرج لا يمنع عن الفعلية ضرورة أنه كما يصح التكليف بامر حالي كذلك يصح بامر استقبالي كالحج في الموسم للمستطيع فافهم. ______________________________ يتضح لك سقوط هذا الاحتمال. فراجع وتأمل (قوله: مخالفتها) هذه الاضافة لا تخلو من سماجة وتقدم مثلها (قوله: أو من جهة تعلقه بموضوع) هذا لا ينبغي عده قسما مقابلا لما قبله فانه من القسم الاول أعني عدم الابتلاء، (قوله: كأيام حيض المستحاضة) يعني لو ابتلي الرجل بزوجته في أثناء الشهر فوجدها مستمرة الدم فانه يعلم بان لها أيام حيض يحرم فيها نكاحها لكن لا يدري انها فيما مضى أو في الحال أو فيما يأتي (قوله: بين أطراف تدريجية) كما لو نذر أن يصوم يوم الجمعة وتردد بين غده وما بعده فانه يعلم اجمالا بوجوب صوم الغد أو ما بعده وهما مترتبان زمانا ولا يقدح ترتبهما في وجوب الاحتياط. ودعوى أن ما بعد الغد مستقبل فلا يصح التكليف به لعدم القدرة عليه قبل وجوده فلا علم اجمالي بالتكليف. مندفعة بانه يصح التكليف بالاستقبالي كما يصح بالحالي كما هو موضح في الواجب المعلق، ونظيره التكليف بالحج في الموسم وهو أيام الحج من شهر ذي الحجة فانه يتحقق عند خروج الرفقة عليه بمدة طويلة،
تنبيهات (الأول): أن الاضطرار كما يكون مانعا عن العلم بفعلية التكليف لو كان إلى واحد معين كذلك يكون مانعا لو كان إلى غير معين ضرورة ______________________________ (قوله: ان الاضطرار كما يكون) اعلم ان الاضطرار إلى مخالفة العلم في بعض الاطراف (تارة) يكون إلى واحد معين (وأخرى) يكون إلى واحد غير معين، وكل منهما إنما أن يكون حال العلم، واما أن يكون طاريا بعده، وكل منهما إما أن يرتفع الاضطرار بحيث يحسن التكليف به حال العلم معلقا على ارتفاع الاضطرار، اولا اما لاستمرار الاضطرار إلى آخر العمر أو لارتفاعه في زمان بعيد عن العلم بحيث لا يحسن التكليف به. ولا بأس بالتعرض لاحكام كل واحدة من الصور تفصيلا (فنقول): إذا كان الاضطرار إلى معين حال العلم مستمرا أو مرتفعا بحيث لا يحسن التكليف به حال العلم معلقا فلا ينبغي التأمل في عدم وجوب الاحتياط في بقية الاطراف لعدم العلم بالتكليف وان علم بموضوعه فان الفرد المضطر إليه مما يعلم بعدم التكليف به والفرد الآخر مما يشك في كونه موضوعا له فيكون التكليف به مشكوكا بدوا (فان قلت): لا ريب في كون الشك في الاضطرار إلى الحرام موضوعا لوجوب الاحتياط فالموضوع المحرم محرز الثبوت وانما الشك في الاضطرار إليه، فلا وجه لرفع اليد عن التكليف مع الشك في الاضطرار إليه (قلت): ما نحن فيه مما لم يحرز فيه موضوع التكليف لما عرفت من أن المضطر إليه خارج عن حيطة التكليف قطعا والطرف الآخر مما أحرز عدم الاضطرار إليه ويشك في كونه موضوعا للتكليف. نعم لو احرز موضوع التكليف كهذا الاناء المعين وشك في الاضطرار إليه كان ذلك مجرى لاصالة الاحتياط (وان كان) الاضطرار إلى المعين حال العلم يعلم بارتفاعه بحيث يحسن التكليف به بعده وجب الاحتياط في الطرف الآخر للعلم الاجمالي بالتكليف بالامر المردد بينه وبين المضطر إليه بعد ارتفاع الاضطرار. مثلا إذا
حدث العلم بغصبية احد الاناءين يوم الخميس مع الاضطرار إلى استعمال الأبيض منهما إلى صباح الجمعة فانه يعلم بوجوب الاجتناب اما عن الابيض يوم الجمعة لو كان هو النجس أو الاسود من الآن فيجب الاجتناب عن الاسود لانه أحد الفردين المعلوم وجوب الاجتناب عن أحدهما (وان طرأ) الاضطرار إلى معين بعد حدوث العلم مستمرا أو بحيث لا يحسن التكليف به معلقا حال العلم وجب الاحتياط في الطرف الآخر، وذلك لأن التكليف بالمضطر إليه على تقديره وان كان ينتهي بالاضطرار إلا أن العلم الاجمالي حين حدوثه لما نجز المعلوم بالاجمال المحتمل الانطباق على الطرف الآخر كما يحتمل انطباقه على المضطر إليه قبل زمان الاضطرار وجب الاحتياط في الطرف غير المضطر إليه لاصالة الاشتغال، وان ارتفع العلم بالتكليف فعلا لانه يكفي في بقاء تنجز الصوم المردد بقاء العلم به ولو بعد موافقته في بعض أطرافه، ولا يعتبر في بقاء التنجز بقاء العلم بالتكليف الفعلي الباقي ببقاء العلم كما لو علم بوجوب صوم أحد اليومين من الخميس والجمعة فصام الخميس فانه في عشاء الجمعة لا يعلم بالتكليف فعلا لكنه يعلم بوجوب صوم اليوم المردد بين اليومين وهو كاف في بقاء تنجزه، فلم يكن بد من الاحتياط بصوم يوم الجمعة لقاعدة الاشتغال وان كان صوم يوم الجمعة مشكوك الوجوب لأن الشك في التكليف انما يكون موردا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان إذا لم يحتمل كونه المنجز، والا كان المرجع فيه قاعدة الاشتغال، ولذا لو شك في التكليف الذي علم ثبوته تفصيلا للشك في امتثاله كانت هي المرجع دون اصالة البراءة كما هو واضح فكذا في المقام (وان كان) الاضطرار إلى المعين طارئا بعد حدوث العلم ويعلم بارتفاعه في زمان يحسن التكليف به حال العلم معلقا وجب الاحتياط في الطرف الآخر لما عرفت وللعلم الاجمالي بالمردد بينه وبين المضطر إليه بعد العلم كما عرفته في الصورة الثانية فهذه صور أربع للاضطرار إلى معين لا يجب الاحتياط في الاولى منها ويجب في الثلاث الأخيرة (ولو كان) الاضطرار إلى غير المعين فصوره ايضا أربع وهي الجارية في الاضطرار إلى معين بعينها، ففي الصورة الاولى لا يجب الاحتياط
* في غير ما اختاره عند المصنف (ره) خلافا لشيخه - رحمه الله - في رسائله فاوجب الاحتياط فيه، والوجه فيما اختاره المصنف (ره): ما ذكره في المتن من أن الاضطرار لما كان مانعا من فعلية التكليف كان الاضطرار إلى غير المعين موجبا لتضييق دائرة التكليف وتقييده بغير ما اختار فيكون ما اختاره اولا حلالا وما يبقى مشكوك الحرمة بدوا للشك في كونه هو النجس والاصل فيه البراءة، وقد عرفت في المقدمة الرابعة من مقدمات الانسداد الاشكال عليه من بعض مشايخنا المعاصرين دام تأييده، كما عرفت دفع ذلك الاشكال فيما هو محل الكلام من ارتكابهما تدريجا أما لو ارتكبهما دفعة فلا ينبغي التأمل في تحقق المعصية لاندفاع الاضطرار بغير الحرام جزما فلا وجه لارتفاع حرمته. وتوضيحه يظهر من ملاحظة تقريب الاشكال هناك فراجع وتأمل. وربما يوجه ما ذكره شيخنا في رسائله بان الاضطرار إلى واحد غير معين ليس اضطرارا إلى الحرام، ولذا لو انكشف الحال وارتفع الاجمال كان المتعين أنه الحلال كافيا في رفع الاضطرار، وإذا لم يكن الاضطرار إلى الحرام لا وجه لرفع اليد عن فعلية التكليف به غاية الامر أن العقل يعذر في ارتكاب واحد منهما فيبقي الباقي على منعه لأن الترخيص الآتي من قبل الاضطرار انما يمنع عن تحصيل العلم بالموافقة فيسقط وجوبه لا عن نفس الموافقة فيبقي وجوبها (وفيه) أنه لا ريب في أن الاضطرار إلى واحد غير معين من الامرين اضطرار إلى كل منهما تخييرا ولا فرق بين الاضطرار التعييني والتخييري في رفع فعلية التكليف (فان قلت): لازم ذلك جواز الارتكاب للنجس حتى لو ارتفع الاجمال (قلت): لا يجوز حينئذ لامكان الجمع بين غرضي الشارع وهما رفع الاضطرار والاجتناب عن النجس، ولولا ما ذكرنا من كون الاضطرار التخييري كالتعييني لم يكن وجه للترخيص في ارتكاب واحد من الأطراف لأن التكليف بالحرام إذا كان غير مزاحم بشئ كان مطلقا من حيث الانطباق على كل واحد من الطرفين، ومع هذا الاطلاق لا مجال للترخيص في بعض الاطراف فانه مناف للواقع المعلوم اجمالا كما هو ظاهر، فلا يكون الترخيص الا من جهة تقييد
أنه مطلقا موجب لجواز ارتكاب أحد الأطراف أو تركه تعيينا أو تخييرا وهو ينافي العلم بحرمة المعلوم أو بوجوبه بينها فعلا وكذلك لا فرق بين أن يكون الاضطرار كذلك سابقا على حدوث العلم أو لا حقا وذلك لأن التكليف ______________________________ الواقع بحالة عدم انطباقه على ما يختار، ولذا لا ريب في ان ما يختاره لرفع الاضطرار حلال واقعا وان كان هو النجس، وذلك كله شاهد بكون الاضطرار إلى غير المعين اضطرارا إلى الحرام في الجملة ولو تخييرا وانه كاف في تقييد الواقع. فلاحظ (وأما) بقية صور الاضطرار إلى غير معين فيعلم الحكم فيها مما تقدم في الثلاث الأخيرة من صور الاضطرار إلى معين لعدم الفرق بينها في مقتضيات الاحتياط. ويعلم ذلك بمقايسة كل صورة إلى نظيرتها، فلاحظ والله سبحانه ولي التوفيق (قوله: انه مطلقا) يعني سواء أكان اضطرارا إلى معين ام إلى غير معين (قوله: ارتكاب) يعني في الشبهة التحريمية (قوله: أو تركه) يعني في الشبهة الوجوبية (قوله: تعيينا) يعني إذا كان الاضطرار إلى معين (قوله: أو تخييرا) يعني إذا كان الاضطرار إلى غير معين (قوله: وهو ينافي العلم) لأن جواز ارتكاب واحد ينافي حرمته على تقدير الارتكاب فلابد من تضييق دائرة الحرمة وتقييد اطلاقها فتختص بالنجس ان كان هو الباقي ولا تكون له ان كان ما ارتكب فيكون ثبوت الحرمة مشكوكا للشك في كون الباقي هو النجس كما عرفت بيانه ايضا في الحاشية السابقة (قوله: وكذلك لا فرق) يعني فلا يجب الاحتياط في الباقي ولو كان الاضطرار مطلقا لاحقا للعلم الاجمالي (قوله: وذلك لان التكليف) اشارة إلى وجه القول بوجوب ______________
الاحتياط إذا كان الاضطرار لاحقا للعلم ودفعه، وحاصل الوجه: أنه قبل طروء الاضطرار يعلم اجمالا بوجوب الاجتناب عن النجس المردد مثلا وهذا العلم يوجب تنجيز المعلوم بالاجمال، وبعد طروء الاضطرار إلى معين أو غير معين وان ارتفع العلم المذكور الا ان قاعدة الاشتغال بالتكليف المنجز تقتضي وجوب الاحتياط في الباقي. وحاصل الدفع: أن وجوب الاجتناب المعلوم قبل طروء الاضطرار ليس مطلقا بل هو مقيد بعدم طروء الاضطرار ففي زمان الاضطرار لا علم بالتكليف من أول الأمر حتى يكون الباقي طرفا لمعلوم منجز فيكون مجرى لقاعدة الاشتغال ليجب فيه الاحتياط. هذا وقد استشكل المصنف (ره) في هذا الدفع في حاشيته على المقام بان الباقي طرف لعلم اجمالي قائم بين التدريجيين وهما الباقي مطلقا والمضطر إليه قبل طروء الاضطرار، كما اشرنا إليه هنا واوضحناه في مبحث الانحلال، فوجوب الاحتياط فيه لأجل هذا العلم القائم بين التدريجيين وان لم يكن طرفا لعلم اجمالي آخر قائم بين الدفعيين من جهة منافاة الاضطرار لفعلية التكليف مطلقا، لكنه خص هذا الاشكال بالاضطرار إلى معين دون الاضطرار إلى غير معين، مع ان الفرق بينهما غير واضح لانه إذا اختار المكلف احد الطرفين فارتكبه كان الآخر عنده طرفا لعلم اجمالي قائم بينه وبين ما ارتكبه قبل طروء الاضطرار بعين العلم الحاصل له في صورة الاضطرار إلى معين، ومن هنا ذكرنا سابقا ان الحكم في الصور الثلاث الاخيرة الجارية في الاضطرار إلى غير معين هو الحكم فيها في الاضطرار إلى المعين (فان قلت): إذا كان الاضطرار إلى غير معين منهما فكل منهما موضوع للاضطرار كما تقدم فلا يكون احدهما قبل الارتكاب طرفا لعلم اجمالي تدريجي (قلت): الاضطرار وان ______________
* المعلوم بينها من أول الامر كان محدودا بعدم عروض الاضطرار إلى متعلقه فلو عرض على بعض أطرافه لما كان التكليف به معلوما لاحتمال أن يكون هو المضطر إليه فيما كان الاضطرار إلى المعين أو يكون هو المختار فيما كان إلى بعض الأطراف بلا تعيين (لا يقال): الاضطرار إلى بعض الأطراف ليس الا كفقد بعضها فكما لا إشكال في لزوم رعاية الاحتياط في الباقي مع الفقدان كذلك لا ينبغي الاشكال في لزوم رعايته مع الاضطرار فيجب الاجتناب عن الباقي أو ارتكابه خروجا عن عهدة ما تنجز عليه قبل عروضه (فانه يقال): حيث أن فقد المكلف به ليس من حدود التكليف به وقيوده كان التكليف المتعلق به مطلقا فإذا اشتغلت الذمة به كان قضية الاشتغال به يقينا الفراغ عنه كذلك وهذا بخلاف الاضطرار إلى تركه فانه من حدود التكليف به وقيوده ______________________________ كان إلى كل منهما إلا أنه على البدل فيكون هناك علم اجمالي على البدل قائم بالطرف الذي لا ينطبق عليه الاضطرار فتأمل جيدا (قوله: محدودا بعدم) يعني مشروطا بعدم طروء الاضطرار بحيث ينتهي التكليف بطروئه، (قوله: حيث ان فقد المكلف به) المراد من المكلف به في المقام الموضوع الذي يتعلق به فعل المكلف مثل الاناء النجس كما تقتضيه قرينة السؤال ووجه الفرق بين فقد بعض الاطراف والعجز عنه والاضطرار إليه مع اشتراكها في كون عدمها دخيلا في التكليف في الجملة - بحيث ربما يقال يعتبر في التكليف عدم الاضطرار والقدرة وكون موضوعه في مقام الابتلاء بحيث يكون موجودا لا مفقودا - أن مقام شرطية هذه الامور الثلاثة للتكليف مختلفة فان شرطية عدم الاضطرار راجعة إلى شرطية عدم المزاحم للمصلحة المقتضية للحكم، فان المفسدة في النجس مثلا إنما تصلح للتأثير في حرمة شربه إذا لم تزاحم بمصلحة أهم كما لو توقف حفظ النفس من الهلاك على شرب النجس الذي هو معنى الاضطرار إليه أما إذا زوحمت كان شرب النجس ارجح من عدمه، وشرطية القدرة راجعة إلى شرطية عدم المانع من تعلق الارادة
ولا يكون الاشتغال به من الاول إلا مقيدا بعدم عروضه فلا يقين باشتغال الذمة بالتكليف به إلا إلى هذا الحد فلا يجب رعايته فيما بعده ولا يكون إلا من باب ______________________________ من جهة قصور المكلف لا المكلف به كما في الاول، وشرطية وجود الموضوع راجعة إلى شرطية عدم المانع من اشتغال ذمة المكلف فان الاناء المفقود مما لا قصور في مفسدته ولا في تعلق الكراهة بشربه إلا ان العلم بكراهته لا يصلح ان يكون موجبا لاشتغال الذمة به فيمتنع ان يكون وجوده شرطا للتكليف الذي هو في الحقيقة شرط نفس الارادة والكراهة ذاتا كما في القدرة أو عرضا كما في عدم الاضطرار، فوجود الموضوع والابتلاء به نظير وجود الحجة على التكليف ليس شرطا للتكليف وان كان شرطا للاشتغال في نظر العقل، وهذا واضح لدى التأمل، إنما الاشكال فيما ذكره من كون تنجز الباقي بعد الفقد بقاعدة الاشتغال إذا من المعلوم ان القاعدة المذكورة إنما تجري في كل ما يحتمل انه المنجز والباقي بعد الفقدان مما لا يحتمل فيه ذلك إذ المنجز إن كان هو العلم حال الفقدان فبطلانه ظاهر لعدم صلاحيته لذلك من جهة الفقدان، وان كان هو العلم قبل الفقدان فذلك العلم طرفاه المفقود والباقي معا قبل زمان الفقدان لا مطلقا فليس الوجه في تنجز الباقي إلا انه طرف لعلم اجمالي قائم بين التدريجيين وهما المفقود قبل فقده والباقي بعد الفقدان كما اشار إليه في الحاشية، وحينئذ فلا فرق بين الاضطرار والفقدان من هذه الجهة فبالنظر إلى العلم الاجمالي بين الدفعيين لا تنجز للباقي في المقامين، والى العلم الاجمالي بين التدرجيين يتنجز الباقي في المقامين، وصحة التقييد في الاضطرار وعدمها في الفقدان إنما يوجبان الفرق في حصول العلم الاجمالي بالتكليف بعد الفقدان وحصوله بعد الاضطرار، وذلك لا يوجب فرقا في منجزية الباقي بعد الفقدان لأن العلم الحاصل حين الفقدان لا أثر له في المنجزية بعد خروج بعض اطرافه عن محل الابتلاء. وعليك بالتأمل وهو سبحانه المستعان (قوله: ولا يكون الاشتغال به) هذا الأثر مشترك بين الاضطرار والفقدان لما عرفت ان
* الاحتياط في الشبهة البدوية فافهم وتأمل فانه دقيق جدا (الثاني) انه لما كان النهي عن الشئ إنما هو لأجل أن يصير داعيا للمكلف نحو تركه لو لم يكن له داع آخر ولا يكاد يكون ذلك إلا فيما يمكن عادة ابتلاؤه به وأما ما لا ابتلاء به بحسبها فليس للنهي عنه موقع أصلا ضرورة أنه بلا فائدة ولا طائل بل يكون من قبيل طلب الحاصل كان الابتلاء بجميع الأطراف مما لابد منه في تأثير العلم فانه بدونه لا علم بتكليف فعلي لاحتمال تعلق الخطاب بما لا ابتلاء ومنه قد انقدح ______________________________ الفقدان من موانع الاشتغال فلا يكون الاشتغال الا قبله فهو من حدود الاشتغال وان لم يكن من حدود نفس التكليف كالاضطرار (قوله: داعيا للمكلف) يعني داعيا عقليا بحيث يكون عدمه ارجح من وجوده في نظره لما يترتب على الوجود من استحقاق العقاب (قوله: يكون ذلك) يعني صيرورته داعيا (قوله: بحسبها) اي بحسب العادة (قوله: طلب الحاصل) لحصول الغرض وهو عدم المفسدة (قوله: كان الابتلاء بجميع الأطراف) هذا جواب (لما) في قوله: لما كان النهي. وحاصل المراد: انه يعتبر في صحة النهي عن شئ كونه في معرض ابتلاء المكلف إذ لو لم يكن كذلك كان تركه مستندا إلى عدم حصول الداعي إلى فعله فلا مجال للنهي عنه لأنه من قبيل تحصيل الحاصل، وحينئذ إذا كان بعض اطراف المعلوم بالاجمال خارجا عن محل الابتلاء لا يكون ذلك العلم الاجمالي منجزا وموجبا للاحتياط فيما هو محل الابتلاء من الأطراف لاحتمال كون المعلوم منطبقا على ما هو خارج عن محل الابتلاء فلا يكون التكليف به فعليا. وتوضيح الحال: ان موضوع التكليف (تارة) يكون في معرض الابتلاء للمكلف فيحسن ان يخاطب بالاجتناب عنه مطلقا كما في بعض اواني المكلف التي ______________
تكون تحت يده (واخرى) لا يكون كذلك فلا يحسن الخطاب به الا مشروطا بالابتلاء كما في الاواني التى قد تقتضي العادة نادرا ابتلاءه بها كأواني الملك بالنسبة إلى سواد الرعية فانه لا يصح ان تقول له: اجتنب عن اناء الملك مطلقا، وان صح ان تقول له: إن دخلت بيت الملك فاجتنب الاناء الفلاني (وثالثة) لا يصح الخطاب به لا مطلقا ولا مشروطا كالثوب يلبسه انسان معين من سواد الرعية وسكان البراري والقفار بالنسبة إلى الملك فلا يحسن خطاب الملك بالاجتناب عنه مطلقا لا مطلقا ولا مشروطا، وقد عرفت في الحاشية السابقة انه لا قصور في مفسدة الموضوع المذكور من حيث اقتضائها الكراهة حيث انها مفسدة بلا مزاحم ولا في تحقق الكراهة لقدرة المكلف على الارتكاب والاجتناب غاية الأمر أنه لا يحسن الخطاب به لحصول الصوارف العادية عنه بحيث يعد النهي عنه من قبيل تحصيل الحاصل لغوا ومن هنا وقع الاشكال في اعتبار هذا الشرط في منجزية العلم الاجمالي، فمنعه بعض زعما منه أن امتناع الخطاب لا يقدح في منجزية العلم بعد تعلقه بالارادة الكامنة في نفس المولى إذ الخطاب لا موضوعية له في المنجزية به هو ملحوظ طريقا إلى تلك الارادة وحاكيا عنها، ولذا لو علمت الارادة المذكورة مع العلم بعدم الخطاب لمانع وجب موافقتها، كما أنه لو علم بالخطاب وعلم بعدم الارادة لم تجب الموافقة في نظر العقل فإذا كان المنجز هو العلم بالارادة فهو حاصل، ولو كان بعض الاطراف خارجا عن محل الابتلاء ويترتب حينئذ وجوب الاحتياط فيما هو محل الابتلاء (والجواب): أن المانع من الخطاب في المقام ليس الا كونه بحيث لا يوجب تحميلا على المكلف والقاء له في كلفة التكليف، وهذا مما لا يمنع أن يكون العلم مما يترتب عليه الأثر أعني المنجزية واشتغال الذمة إذ لو ترتب عليه ذلك كان مترتبا بعينه على الخطاب ويكون به حسنا والمفروض خلافه. وبالجملة: العلم من قبيل الخطاب فالالتزام بقبح الخطاب ولغويته وعدم ترتب اثر عليه ملازم لالتزام ذلك في العلم بعينه وهو ينافي كونه منجزا وموجبا لاشتغال ذمة العبد كما هو
* أن الملاك في الابتلاء المصحح لفعلية الزجر وانقداح طلب تركه في نفس المولى فعلا هو ما إذا صح انقداح الداعي إلى فعله في نفس العبد مع اطلاعه على ما هو عليه من الحال ولو شك في ذلك كان المرجع هو البراءة لعدم القطع بالاشتغال لا إطلاق الخطاب ضرورة أنه لا مجال للتشبث به إلا فيما إذا شك في التقييد بشئ بعد الفراغ عن صحة الاطلاق بدونه ______________________________ ظاهر بادنى تأمل (قوله: ان الملاك في الابتلاء المصحح) يعني أن الميزان الذي يعرف به كون الموضوع مبتلي به وغير مبتلى به هو كون العلم به موجبا لحدوث الداعي في نفس العبد إلى الترك أو غير موجب لذلك فان كان موجبا له فالموضوع مبتلي به إذ لا معنى لتحميل العبد وايقاعه في الكلفة الا التسبب إلى ايجاد ذلك الداعي العقلي إلى الفعل أو الترك فلو لم يكن موجبا لذلك الداعي فالموضوع غير مبتلي به (قوله: ولو شك في ذلك كان المرجع) يعني لو شك في الابتلاء للشك في صحة انقداح الداعي إلى ترك المعلوم بالاجمال فالمرجع فيما هو محل الابتلاء من الاطراف اصل البراءة لعدم القطع باشتغال الذمة بالمعلوم بالاجمال ليجب فيه الاحتياط من جهة الشك في الشرط، لكن لا يخفى أن الابتلاء ليس شرطا للاشتغال والتنجز العقلي بوجوده الواقعي حتى يكون الشك فيه شكا فيه بل هو شرط بوجوده العلمي فما لم يعلم الابتلاء يعلم بعدم حكم العقل بالاشتغال، فلا يخلو التعبير من مسامحة (قوله: لا اطلاق الخطاب) يعني ليس المرجع اطلاق الخطاب كما قد يظهر من كلام شيخنا الاعظم (ره) في رسائله لأن الاطلاق إنما يكون مرجعا فيما إذا احرزت صحته وشك في مطابقته للواقع وعدمها من جهة الشك في التقييد وعدمه لا ما إذا علم بمطابقته للواقع وشك في صحته وعدمها، والمقام من الثاني لما عرفت أن الموضوع الخارج عن محل الابتلاء لا قصور في ثبوت التكليف به لثبوت مقتضيه وعدم المزاحم له غاية الامر انه لا يحسن الخطاب به للغويته وعدم ترتب فائدة عليه وذلك إنما يوجب عدم صحته لانه في ظرف ثبوته لا يكون
* لا فيما شك في اعتباره في حصته تأمل لعلك تعرف انشاء الله تعالى (الثالث) انه قد عرفت أنه مع فعلية التكليف المعلوم لا تفاوت بين أن يكون أطرافه محصورة وأن يكون غير محصورة (نعم) ربما يكون كثرة الأطراف في مورد موجبة لعسر موافقته القطعية باجتناب كلها أو ارتكابه أو ضرر فيها أو غيرهما مما لا يكون معه التكليف فعليا بعثا أو زجرا فعلا وليس بموجبة لذلك في غيره كما أن نفسها ربما يكون موجبة لذلك ولو كانت قليلة في مورد آخر فلابد من ملاحظة ذاك الموجب لرفع فعلية التكليف المعلوم بالاجمال أنه يكون اولا يكون في هذا المورد أو يكون مع كثرة أطرافه وملاحظة أنه مع آية مرتبة من كثرتها كما لا يخفى ولو شك في عروض الموجب فالمتبع هو إطلاق دليل التكليف لو كان وإلا فالبراءة لأجل الشك في ______________________________ مطابقا للواقع بخلاف سائر المطلقات مثل اكرم العالم إذا شك في تقييده بالعدالة فان الشك في التقييد المذكور إنما يوجب الشك في مطابقة اطلاق العالم الشامل للفاسق والعادل للواقع مع القطع بصحته، ولو كان غير مطابق للواقع فضمير (به) راجع إلى الاطلاق و (بشئ) متعلق بالتقييد، و (بعد) ظرف لشك، وضمير (بدونه) راجع إلى التقييد (قوله: لا فيما شك) يعني لا يتشبث بالاطلاق إذا شك في وجود ما يعتبر في صحته كالابتلاء الذي هو شرط صحة اطلاق الخطاب (قوله: أو ضرر فيها) أي في الموافقة القطعية (قوله: أو غيرهما) أي غير العسر والضرر مثل خروج بعض الاطراف عن محل الابتلاء (قوله: وليس بموجبة) معطوف على موجبة (قوله: ان نفسها) اي الموافقة القطعية (قوله: ولو كانت) يعني الاطراف (قوله: مع أية مرتبة) إذ قد تكون بعض مراتب الكثرة موجبة وبعض مراتبها غير موجبة (قوله: فالمتبع هو اطلاق دليل) من الواضح أن ادلة العسر والحرج والضرر مقيدة لأدلة ______________
* التكليف الفعلي. هذا هو حق القول في المقام وما قيل في ضبط المحصور وغيره لا يخلو من الجزاف (الرابع) أنه إنما يجب عقلا رعاية الاحتياط في خصوص الاطراف مما يتوقف على اجتنابه أو ارتكابه حصول العلم باتيان الواجب أو ترك الحرام المعلومين في البين دون غيرها وان كان حاله حال بعضها في كونه محكوما بحكم واقعا. ومنه ينقدح الحال في مسألة ملاقاة شئ مع أحد أطراف النجس المعلوم بالاجمال وانه (تارة) يجب الاجتناب عن الملاقي دون ملاقيه فيما كانت الملاقاة بعد العلم إجمالا بالنجس بينها فانه إذا اجتنب عنه وطرفه اجتنب عن النجس في البين قطعا ولو لم يجتنب عما يلاقيه فانه على تقدير نجاسته لنجاسته كان فردا آخر من النجس قد شك في وجوده كشئ آخر شك في نجاسته بسب آخر. ______________________________ الاحكام الأولية وان كانت بلسان الحاكم فهي رافعة لنفس التكليف في ظرف ثبوته واقعا فمع الشك فيها يكون الشك في مطابقة الاطلاق للواقع فاصالة الاطلاق فيه حجة لولا أن الشبهة مصداقية، فالتمسك بها يتوقف على حجية اصالة العموم والاطلاق في الشبهات المصداقية. نعم تختص الشبهة في المقام بكون الأصل العقلائي فيها هو الاحتياط نظير الشك في القدرة لكون الشك في المزاحم مع احراز مقتضي التكليف وفي مثله يبني على عدم المزاحم، ومنه يظهر أنه لا يتضح الوجه في حكمه بالرجوع إلى اصالة الاطلاق ومع عدمه فالرجوع إلى البراءة إذ المرجع اصالة عدم المزاحم سواء كان هناك اطلاق أم لم يكن، وان هذا هو حق القول في المقام. فلاحظ (قوله: دون غيرها) إذ هو بعد ما لم يحتمل انطباق المعلوم بالاجمال عليه لا مقتضي للاحتياط فيه (قوله: فيما كانت الملاقاة بعد العلم) اعلم انه إذا علم اجمالا بنجاسة احد الاناءين مثلا ثم علم بملاقاة اناء ثالث لأحدهما فلا ريب في انه بعد العلم بالملاقاة يحدث علم اجمالي بنجاسة الملاقي - بالكسر - أو صاحب الملاقى - بالفتح - فيكون حينئذ علمان يشتركان في طرف واحد وهو صاحب الملاقى - بالفتح - ويختلفان بالمتلاقيين، ومقتضى حجية العلم الاجمالي وجوب الاحتياط في
الملاقي - بالكسر - كما يجب في الملاقى - بالفتح - وصاحبه (وقد) يدفع وجوب الاحتياط فيه بان التكليف بالاجتناب عنه تكليف زائد على التكليف المعلوم بالاجمال والأصل فيه البراءة (وفيه) أنه يمكن دعوى ذلك بالنسبة إلى الملاقى - بالفتح - فانه يعلم اجمالا بوجوب الاجتناب إما عن الملاقي - بالكسر - أو عن صاحب الملاقى - بالفتح - والتكليف بالملاقى تكليف زائد يرجع فيه إلى أصل البراءة، ولا مرجح لملاحظة العلم بين الاصليين على ملاحظة هذا العلم الحادث بل التحقيق انه هنا علم واحد قائم بين المتلاقيين والطرف الآخر كما لو علم اجمالا اما بوجوب اكرام زيد وعمرو وإما بوجوب اكرام خالد الذي لا اشكال في وجوب الاحتياط التام فيه باكرام الجميع (وقد يدفع) كما قد يظهر من شيخنا الاعظم قدس سره في رسائله بان طهارة الملاقي - بالكسر - ونجاسته لما كانت من آثار طهارة الملاقى - بالفتح - ونجاسته، وكان ذلك موجبا لامتناع جريان الاصل في الأول في عرض جريانه في الثاني للسببية والمسببية الموجبة للترتب بينهما كما سيأتي انشاء الله بيانه في محله، كانت المعارضة بين اصالتي الطهارة أو استصحابهما في الاصليين لا غير، وبعد تساقطهما يرجع إلى اصالة الطهارة في الملاقي - بالكسر - بلا معارض (وفيه) أنه مبني على القول بأن المانع من جريان الأصل في طرف العلم الاجمالي هو المعارضة دون العلم الاجمالي المبتني على كون العلم الاجمالي علة تامة لحرمة المخالفة القطعية الحاصلة من جريان الأصل في تمام الأطراف دون وجوب الموافقة القطعية، وقد عرفت ان التحقيق هو الثاني وحينئذ لا مجال لجريان الأصل في بعض الاطراف وان لم يكن له معارض لأن اجراءه مخالفة احتمالية مضافا إلى أن أصالة الطهارة في الملاقي - بالكسر - معارضة باصالة الحل في الاصليين لانها فيهما اصل مسببي يرجع إليها بعد تعارض اصالة الطهارة فيهما وبعد التعارض يرجع إلى اصالة الحل في الملاقي - بالكسر - ولازم ذلك جواز شربه وعدم ترتيب آثار الطهارة عليه. نعم لو كان مسبوقا بالطهارة أمكن في بعض الصور معارضة أصالة الحل فيهما باستصحاب الطهارة فيه وبعد التعارض يرجع إلى اصل الطهارة فيه. لكن قد يكون الأصليان مسبوقين بالحل فيتعارض استصحاب الحل فيهما باستصحاب
الطهارة فيه ثم يتعارض اصل الحل فيهما بقاعدة الطهارة فيه ويرجع فيه إلى اصل الحل لا غير. فتأمل جيدا (وقد يدفع) بما يظهر من المصنف (ره) من أن العلم القائم بين الملاقي - بالكسر - وصاحب الملاقى لما كان حادثا بعد العلم الاول لم يكن منجزا لأن احد طرفيه منجز بالعلم الأول وقد عرفت أنه إذا كان لبعض الأطراف منجز تعييني امتنع تنجيز العلم الاجمالي لمتعلقه ومن هنا لو انعكس الفرض بان تأخر العلم الاجمالي القائم بين الاصليين وجب الاحتياط في الملاقي - بالكسر - وصاحب الملاقى - بالفتح - ولم يجب الاحتياط فيه كما بينه في الصورة الثانية، ولو اقترن العلمان زمانا وجب الاحتياط في الجميع لحدوث العلمين في اطراف غير منجزة (وفيه) انك قد عرفت الاشارة سابقا إلى أن وجوب الاجتناب عن النجس إذا تعلق به العلم في زمان وبقي ممتدا بامتداد الزمان فتنجزه في كل آن يستند إلى العلم في ذلك الآن لا إلى العلم فيما قبله وحينئذ فوجوب الاجتناب عن أحد الأصليين في حال حدوث العلم الثاني يكون تنجزه مقارنا لتنجز وجوب الاجتناب إما عن الملاقي بالكسر أو عن الطرف الثالث ويكون الحال كما لو علم دفعة اما بنجاسة المتلاقيين أو بنجاسة الطرف الثالث في وجوب الاحتياط في الجميع (فان قلت): ما ذكرت من اناطة التنجز بالعلم حدوثا وبقاء هل يختص بالتكليف الممتد المنحل إلى تكاليف متعددة بتعدد الزمان كوجوب الاجتناب عن النجس أو يعم ما لم يكن كذلك كوجوب صوم أول يوم من الشهر ؟ وما الموجب لهذه الدعوى ؟ (قلت): لا فرق بين القسمين فإذا علم المكلف قبل الهلال بايام أنه يجب عليه صوم أول الشهر فمجرد حدوث العلم موجب لتنجز وجوب الصوم فإذا بقي العلم بقي التنجز. إذا انتفى العلم لحدوث شك سار ارتفع التنجز، والموجب لدعوى ذلك: أنه لو كان مجرد حدوث العلم موجبا لحدوث التنجز وبقائه كان اللازم حكم العقل بوجوب الامتثال ولو بعد ارتفاع العلم بوجوب الصوم وهو ظاهر البطلان (فان قلت): كيف يكون ظاهر البطلان مع انه لو تردد اليوم الواجب الصوم بين يومين وصام أحدهما فانه يرتفع العلم وجوب الصوم مع بقاء تنجز وجوب صوم اليوم المردد، ولذا نقول بوجوب صوم اليوم الثاني (قلت):
لا نسلم أنه بعد صوم اليوم الاول من اليومين يرتفع العلم بوجوب صوم اليوم المردد بل هو بعد باق حتى لو صام الثاني منهما ايضا، غاية الامر يعلم بسقوط الوجوب للعلم بالامتثال وهو لا ينافى العلم بالثبوت فبعد صوم اليوم الاول يستند تنجز صوم اليوم المردد حينئذ إلى العلم في ذلك الزمان (فان قلت): كيف يكون العلم بوجوب صوم اليوم المردد منجزا بعد صوم أحدهما أو افطاره مع أن بعض أطرافه خارج عن محل الابتلاء فوجوب صوم اليوم الثاني إنما يكون لقاعدة الاشتغال التي هي عين وجوب دفع الضرر المحتمل لا لأجل العلم (قلت): لا يعتبر في بقاء التنجز لبقاء العلم بقاء تمام الأطراف تحت الابتلاء وانما يعتبر ذلك في حدوث التنجز وأما وجوب صوم اليوم الثاني لقاعدة الاشتغال فهو فرع منجزية العلم في تلك الحال واشغاله لذمة المكلف ولولاه لا معنى لقاعدة الاشتغال، فوجوب الاحتياط عقلا في كل واحد من الأطراف في كل آن لأجل احتمال كون الطرف هو الواجب المنجز في ذلك الآن وهو فرع تنجز المعلوم الاجمالي بالعلم في ذلك الآن، ولا فرق في ذلك بين ما قبل الشروع في واحد من الأطراف وما بعده وان حصل احتمال الموافقة في الثاني فقاعدة الاشتغال بما هي هي ليست منجزة بل هي فرع وجود منجز وشاغل لذمة المكلف يحتمل انطباقه على مجراها، فلابد من وجود ذلك المنجز وهو العلم وإن كان بعض أطرافه خارجا عن محل الابتلاء إذ لا يقدح ذلك عقلا إلا في حدوث التنجز. فتأمل (وقد يدفع) ايضا بان العلم بنجاسة الملاقي - بالكسر - أو طرف الملاقى ناشئ من العلم الاجمالي بنجاسة أحد الأصليين فيكون متأخرا عنه رتبة، وحينئذ فلا يصلح لأن ينجز متعلقه لأن أحد طرفيه متنجز بالعلم السابق رتبة، ولأجل ذلك تختلف الصور في وجوب الاجتناب عن الملاقي - بالكسر - دون الملاقى - بالفتح - أو العكس أو وجوب الاجتناب عنهما باختلاف كون العلم الذي أحد طرفيه الملاقي - بالكسر - ناشئا مما كان أحد طرفيه الملاقى (بالفتح) أو العكس أو كونهما ناشئين عن سبب ثالث (وفيه) أن العلم المذكور وإن كان ناشئا عن العلم بنجاسة أحد الأصليين إلا أن العلم بالنجاسة ليس منجزا حتى يمنع تنجيزه لطرفيه من تنجيز العلم
ومنه ظهر أنه لا مجال لتوهم ان قضية تنجز الاجتناب عن المعلوم هو الاجتناب عنه ايضا، ضرورة ان العلم به إنما يوجب تنجز الاجتناب عنه لا تنجز الاجتناب عن فرد آخر لم يعلم حدوثه وإن احتمل ______________________________ الثاني لأنه علم بالموضوع وهو لا يصلح للمنجزية بل المنجز هو العلم بوجوب الاجتناب عن أحدهما الناشئ من العلم بالنجاسة وهو مما لا يكون علة للعلم بوجوب الاجتناب الذى طرفه الملاقي (بالكسر) أصلا بل هما معلولان لعلة واحدة فلا يصلح أن يكون احدهما مانعا عن منجزية الآخر، وعلى هذا فلم يتضح الوجه فيما هو المشهور من طهارة الملاقي لأحد أطراف الشبهة، وان كان هو الذي يقتضيه المذاق الفقهي. وكأن الوجه فيه: أن السبق الزماني لأحد العلمين موجب لاستناد التنجز إليه دون اللاحق وإن قلنا بأن التنجز يستند إلى العلم حدوثا وبقاء - كما ذكرناه آنفا - إذ غاية ما يقتضي اقتران العلمين حدوث احدهما مع بقاء الآخر، لكن ذلك لا ينافي استناد التنجز عند العقلاء إلى السابق، فان الانحلال الموجب لسقوط العلم المنحل عن التأثير ليس حقيقيا - كما عرفت - ولا عقليا ايضا - كما يقتضيه النظر الدقيق - بل هو عقلائي، والعقلاء مع اختلاف العلمين بالسبق واللحوق لا يرون للاحق أثرا في المنجزية، لا بنحو الاستقلال ولا بنحو الانضمام، وحينئذ يتعين التفصيل بين الصور - كما ذكره المصنف (ره) - ثم انه لا مجئ لشبهة معارضة أصل الطهارة في الملاقي (بالكسر) لاصل الحل في الاصليين على مسلك المصنف - رحمه الله - وما بعده لأن العلم الاجمالي بين الاصليين لما كان منجزا استند سقوط الاصول إليه فلا يرجع إلى الاصل في الملاقي بالكسر الا بعد تنجيز العلم القائم بين الاصليين المانع من جريان الاصول فيهما ففي رتبة جريان الاصل في الملاقي (بالكسر) لا مجال لجريان الاصول في الاصليين حتى تتوهم المعارضة بينهما بل تختص المعارضة على مسلك الشيخ - رحمه الله - لا غير كما ذكرنا (قوله: ومنه ظهر انه لا مجال لتوهم) يعني ما ذكره من قوله:
(واخرى) يجب الاجتناب عما لاقاه دونه فيما لو علم اجمالا نجاسته أو نجاسة شئ آخر ثم حدث العلم بالملاقات والعلم بنجاسة الملاقى أو ذاك الشئ ايضا فان حال الملاقى في هذه الصورة بعينها حال ما لاقاه في الصورة السابقة في عدم كونه طرفا للعلم الاجمالي وانه فرد آخر على تقدير نجاسته واقعا غير معلوم النجاسة اصلا لا اجمالا ولا تفصيلا ______________________________ كان فردا آخر. وغرضه بهذا الكلام الاشارة إلى ما عن ظاهر ابن زهرة من أن المتنجس من شؤون نفس النجس فوجوب الاجتناب عن النجس يقتضي الاجتناب عنه وعما لاقاه نظير وجوب اكرام زيد المقتضي لاكرامه واكرام ولده وخادمه وسائر توابعه، فالخروج عن عهدة وجوب الاجتناب عن النجس المعلوم بالاجمال يتوقف على الاجتناب عن الملاقي لاحتمال انطباقه على الملاقى (بالفتح) المقتضي وجوب اجتنابه حينئذ لاجتناب ملاقية حينئذ، ويكون الحال كما لو قسم أحد الاناءين قسمين فانه يجب الاحتياط فيهما ولا يرجع في أحدهما إلى أصل الطهارة أو غيره من الاصول النافية. وحاصل دفع المصنف - رحمه الله - له: المنع عن ذلك وان الملاقاة للنجس تقتضي تنجس الملاقي له فيحدث فرد آخر للنجس يجب الاجتناب عنه كما يجب الاجتناب عن الملاقى غاية الأمر ان للنجس فردين ذاتيا وعرضيا، ولذلك لا تجري أحكام النجس على المتنجس به فان نجاسة البول تذهب بالغسل مرتين وليس كذلك المتنجس به بل إما أن تذهب بالغسل مرة لو كان اطلاق أو يحتاج إلى الغسل ثلاثا لو لم يكن اطلاق. فتأمل (قوله: واخرى يجب الاجتناب) معطوف على قوله: تارة يجب الاجتناب... الخ (قوله: عما لاقاه دونه) يعني عن الملاقى (بالكسر) دون الملاقى (بالفتح) (قوله: فان حال الملاقي) يعني الملاقى (بالفتح) ووجه كون حاله في هذه الصورة حال الملاقى (بالكسر) في الصورة السابقة أنه طرف لعلم اجمالي قائم بينه وبين شئ قد تنجز بعلم سابق على هذا العلم قائم به والملاقي بالكسر فصار كأنه مشكوك بدوا لانحلال العلم الذي هو طرفه بتنجز أحد طرفيه بالعلم السابق، وحيث أن المصنف - رحمه الله - يدعى الانحلال الحقيقي ______________
(وكذا) لو علم بالملاقات ثم حدث العلم الاجمالي ولكن كان الملاقي خارجا عن محل الابتلاء في حال حدوثه وصار مبتلي به بعده (وثالثة) يجب الاجتناب عنهما فيما لو حصل العلم الاجمالي بعد العلم بالملاقاة ضرورة انه حينئذ يعلم اجمالا اما بنجاسة الملاقي والملاقى أو بنجاسة الآخر كما لا يخفى فيتنجز التكليف بالاجتناب عن النجس في البين وهو الواحد أو الاثنان (المقام الثاني): في دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين ______________________________ بتنجز أحد أطراف العلم قال غير معلوم النجاسة... الخ، ولو كان يرى الانحلال الحكمي لقال: ليس طرفا لعلم اجمالي منجز (قوله: وكذا لو علم) يعني يجب الاجتناب عن الملاقي بالكسر ايضا دون الملاقى لو علم بملاقاة اناء مثلا لآخر ثم خرج الملاقى بالفتح عن محل الابتلاء ثم علم اجمالا بنجاسته قبل الملاقاة أو اناء ثالث فانه حينئذ يحدث علم اجمالي بنجاسة الملاقي بالكسر أو صاحب الملاقى بالفتح فيحدث بسببه علم بوجوب الاجتناب عن أحدهما فيجب الاحتياط فيهما والعلم الاجمالي بنجاسة الملاقى بالفتح أو صاحبه لا أثر له لخروجه عن محل الابتلاء فإذا اتفق ان صار في محل الابتلاء لا يجب الاجتناب عنه لما تقدم في الملاقي بالكسر في الصورة السابقة من أنه فرد آخر مشكوك بدوا وليس طرفا لعلم اجمالي منجز. هذا وقد عرفت في الصورة السابقة الاشكال الجاري في هذين الفرضين بعينه الموجب للاحتياط فلاحظ (قوله: عنهما) يعني المتلاقيين. الأقل والأكثر الارتباطيان (قوله: الارتباطيين) المراد من الأكثر الارتباطي هو المركب من أمرين أو أمور يترتب عليها غرض واحد أو أغراض متعددة متلازمة في مقام الثبوت والسقوط بحيث لا يترتب الأثر المقصود على بعضها الا في ظرف وجود الباقي ومن هنا لا يسقط الأمر ببعضها الا في ظرف سقوط الأمر بالباقي ويقابله الأكثر
(والحق) أن العلم الاجمالي بثبوت التكليف بينهما ايضا يوجب الاحتياط عقلا باتيان الأكثر لتنجزه به حيث تعلق بثبوته فعلا (وتوهم) انحلاله إلى العلم بوجوب الأقل تفصيلا والشك في وجوب الاكثر بدوا ضرورة لزوم الاتيان بالاقل لنفسه شرعا ______________________________ الاستقلالي فان كل واحد من أجزائه يترتب عليه الغرض مطلقا ولو في ظرف عدم الباقي كصوم شهر رمضان فان صوم كل يوم يترتب عليه الغرض ولو مع عدم صوم بقية أيامه، وعلى هذا فلا يعتبر في محلا الكلام أن يكون الأقل ارتباطيا بل لو كان الأقل بسيطا والأكثر المركب من ذلك الأقل وغيره ارتباطيا كان محلا للكلام من حيث البراءة والاشتغال (قوله: والحق أن العلم الاجمالي بثبوت) من الواضح أن الأقل لما كان داخلا في الاكثر وبعضا منه كان الوجوب النفسي على تقدير ثبوته للأكثر ثابتا للأقل أيضا غايته أنه لم يثبت له وحده بل ثبت له مع غيره، وحينئذ فلا اجمال في المعلوم حتى يسري الاجمال إلى العلم ويحكم بأن التكليف الثابت للأقل أو الأكثر معلوم بالاجمال، بل التكليف للأقل معلوم تفصيلا وللزائد على الأقل مشكوك بدوا، وحينئذ كان اللازم على المصنف - رحمه الله - التصدي لوجه منجزية العلم بالتكليف على النحو المذكور لوجوب الأكثر، مع أن الزائد على الأقل مما لم يعلم لا تفصيلا ولا إجمالا فهو لا معلوم ولا مما يحتمل انطباق المعلوم عليه، ولا يحسن قياس العلم المذكور بالعلم الاجمالي المردد بين المتباينين لوضوح الفرق بينهما فان المعلوم بالاجمال هناك محتمل الانطباق على كل واحد من الاطراف، والمعلوم هنا معلوم الانطباق على الاقل تفصيلا وعدم الانطباق على الاكثر كذلك، ولذا لا ريب في حصول مثل هذا العلم في الاقل والاكثر الاستقلالي، مع أنه لا مجال لتوهم وجوب الاحتياط فيه باتيان الأكثر وحيثية الارتباط والاستقلال لا دخل لها في وجود العلم الاجمالي وعدمه كما هو ظاهر بأدنى تأمل. نعم لو كان بناؤه على امكان ثبوت الوجوب الغيري للأجزاء المبتني على أخذ الحدود
أو لغيره كذلك أو عقلا ومعه لا يوجب تنجزه لو كان متعلقا بالاكثر (فاسد) قطعا لاستلزام الانحلال المحال بداهة توقف لزوم الاقل فعلا إما لنفسه أو لغيره على تنجز التكليف مطلقا ولو كان متعلقا بالاكثر فلو كان لزومه كذلك مستلزما لعدم تنجزه ______________________________ الذهنية في موضوع الوجوب الغيري كان اجمال المعلوم وتردده بين الاقل بشرط لا والاكثر محققا، إلا أن الذي صرح به في مقدمة الواجب خلافه وان كان قد يظهر منه هنا ارتضاؤه، كما سيأتي الاشارة إليه في وجه الانحلال. هذا ومما يمكن أن يوجه به اجمال العلم بنحو يقتضي الاحتياط أن الاقل وان كان معلوما وجوبه إلا أنه لا اطلاق له من حيث انفراده عن الزائد واجتماعه معه، بل هو مهمل من حيث الحالين، والاجمال الاحوالي كالاجمال الافرادي يقتضي عدم جواز الاقتصار على الاقل في حال الانفراد للشك في وجوبه في تلك الحال، وكأن المصنف - رحمه الله - اكتفى في وجه منجزية الاكثر بما سيأتي في نقض دعوى الانحلال. فتأمل وانتظر (قوله: أو لغيره كذلك) يعني شرعا بناء على وجوب المقدمة شرعا أو عقلا بناء على وجوبها عقلا لا غير، وهذا مبني على أخذ الحدود الذهنية في موضوع التكليف الغيري كما أشرنا إليه (قوله: فاسد قطعا) لان العلم تفصيلا بالوجوب المردد بنى النفسي والغيري للأقل ناشئ من العلم اجمالي بالوجوب النفسي اجمالا، وقد تقدم في مبحث الانحلال أن مثله لا يوجب الانحلال فراجع. نعم لو قرر الانحلال بالعلم التفصيلي بالوجوب النفسي للأقل بناء على ثبوت الوجوب النفسي للأجزاء - كما أشرنا إليه في الحاشية السابقة - لم يكن مجال لهذا الاشكال إذ ليس لنا الا علم واحد وهو هذا العلم كما عرفت لا علمان ينشأ أحدهما من الآخر (قوله: لاستلزام الانحلال المحال) يعني الخلف (قوله: لزوم الاقل فعلا) يعني تنجز الاقل والا فلزومه واقعا لا يتوقف على تنجز التكليف مطلقا ولو كان متعلقا بالاكثر بل يكفي فيه ثبوت التكليف واقعا إما للاقل أو للاكثر وهو معلوم فيكون لزوم الاقل إما لنفسه أو لغيره معلوما. نعم
الا إذا كان متعلقا بالاقل كان خلفا، مع انه يلزم من وجوده عدمه لاستلزامه عدم تنجز التكليف على كل حال المستلزم لعدم لزوم الاقل مطلقا المستلزم لعدم الانحلال وما يلزم من وجوده عدمه محال (نعم) انما ينحل إذا كان الاقل ذا مصلحة ملزمة فان وجوبه حينئذ يكون معلوما له وإنما كان الترديد لاحتمال ان يكون الاكثر ______________________________ تنجز التكليف بالأقل المردد بين النفسي والغيري يتوقف على تنجز التكليف النفسي مطلقا ولو كان قائما بالأكثر إذ لو لم يكن منجزا على تقدير قيامه بالاكثر امتنع تنجز التكليف بالاقل لو كان غيريا، لأن تنجز التكليف الغيري للأقل تابع لتنجز التكليف النفسي للاكثر، فلا يمكن الحكم بتنجز الاول على تقدير ثبوته إلا في فرض تنجز الثاني فلو كان تنجز الاول يستنتج منه عدم تنجز الثاني كان خلفا للفرض (قوله: مع انه يلزم من وجوده عدمه) الضمائر البارزة راجعة إلى الانحلال (قوله: لاستلزامه عدم) يعني ان الانحلال يقتضي عدم تنجز التكليف النفسي على تقدير كونه متعلقا بالاكثر، وهو يقتضي عدم تنجز الاقل مطلقا ولو كان واجبا غيريا لما عرفت من تبعية تنجز الوجوب الغيري لتنجز الوجوب النفسي، وإذا لم يتنجز وجوب الاقل لو كان غيريا امتنع الانحلال لانه يتوقف على تنجز وجوب الأقل مطلقا. فتأمل. ثم إنك عرفت الاشارة في تقرير الاشكالين إلى أنهما يتوقفان على التلازم بين الوجوب النفسي والغيري في مرتبة التنجز كما هما متلازمان في جميع مراتب الحكم السابقة على هذه المرتبة، ولو منع ذلك لم يتم كل من الاشكالين (أما) الاول فلمنع ما ذكر في تقريره من توقف لزوم الأقل مطلقا على تنجز التكليف مطلقا ولو كان متعلقا بالاكثر إذ لا موجب لهذا التوقف الا التلازم المذكور، فلو منع منع التوقف المذكور وجاز الالتزام بتنجيز الأقل مطلقا وعدم تنجز التكليف النفسي لو كان متعلقا بالأكثر (وأما) الثاني فلمنع قوله: المستلزم - يعني عدم تنجز التكليف على كل حال - لعدم لزوم الاقل، إذ لا موجب ايضا لهذا الاستلزام إلا ما ذكرنا من التلازم فلو منع منع الاستلزام. ثم ان نظير هذين الاشكالين يجري
على الانحلال الحقيقي بالعلم بالوجوب النفسي للأقل كما عرفت بيانه في الحاشية على قوله: والحق ان العلم الاجمالي... الخ، فيقال: يتوقف تنجز وجوب الأقل لنفسه على تنجز الاكثر لو كان هو الواجب فلا يمكن ان يترتب عدم الثاني على نفس الاول لأنه خلف كما يقال: الانحلال بالعلم التفصيلي يستلزم عدم تنجز الاكثر وهو يستلزم عدم تنجز الاقل مطلقا وهو يستلزم عدم الانحلال، وسند توقف في الاول والاستلزام في الثاني هو التلازم بين الوجوبات النفسية الضمنية في مرتبة التنجز بمعني أنه لو ثبت وجوب واحد لجملة اشياء بنحو الارتباط بينها فانه وان انحل إلى وجوبات ضمنية متعددة بتعدد تلك الاشياء إلا أنها لما كانت متلازمة في مقام الأثر والثبوت والسقوط امتنع التفكيك بينها في التنجز بحيث يتنجز بعضها ولا يتنجز البعض الآخر، فلو بني على جواز التكفيك بينها فيه جاز منع التوقف والاستلزام كما تقدم حرفا فحرفا فلاحظ. وحيث عرفت أن التحقيق والمختار للمصنف (ره) أن الأجزاء واجبة بالوجوب النفسي، فدعوى الانحلال ينبغي ان تكون بالعلم التفصيلي بوجوب الاقل لنفسه، وحينئذ يتوقف منع الانحلال على اثبات التلازم بين الوجوبات الضمنية النفسية. فنقول: لا تلازم بين تلازمها في مقام الثبوت والسقوط وتلازمها في مقام التنجز لاختلاف المناط في المقامين، فان المناط في تلازمها في مقام الثبوت والسقوط تلازمها في الغرض والمصلحة وجودا وعدما الذي هو الوجه في الثبوت والسقوط، والمناط في مقام التنجز هو البيان وهي غير متلازمة فيه فان العلم التفصيلي بوجوب الاقل لنفسه إنما يصلح بيانا على وجوب الأقل لنفسه ولا يصلح بيانا على وجوب الزائد، وكيف وقد عرفت انه مشكوك محضا بحيث لا يحتمل انطباق المعلوم عليه اصلا فكيف يمكن أن يتنجز ؟ وهل يمكن دعوى كون التنجز بلا بيان ؟ وبالجملة: لابد في المقام من الالتزام باحد امور: (الاول) تنجز وجوب الزائد على الاقل بمجرد العلم بوجوب الاقل (الثاني) عدم تنجز الاقل وعدم تنجز الزائد (الثالث) التفكيك بين الاقل والزائد في التنجز، وحيث أن الاول غير ممكن لانه تنجيز بلا بيان، وكذا
* الثاني للعلم بجوب الاقل الصالح لمنجزيته، فيتعين الثالث، والرجوع إلى طريقة العقلاء في الاحتجاج والاعتذار يلحق ما ذكرنا بالبديهيات إذ لا ريب في صحة الاحتجاج عند ترك الاقل بالعلم بوجوبه، وفى صحة الاعتذار عند ترك الجزء المشكوك بالجهل بوجوبه. فلاحظ، ولو، بنى على كون الاجزاء واجبة بالوجوب الغيري فان بنينا على أن العلم التفصيلي القائم على ثبوت التكليف في بعض الاطراف يقتضي انحلاله حقيقة كما هو ظاهر المصنف (ره) في مبحث الانحلال فالعلم الاجمالي بالوجوب النفسي لابد من انحلاله حقيقة حينئذ بالعلم التفصيلي بوجوب الأقل لنفسه أو لغيره وبعد انحلاله حقيقة لا منجز لوجوب الزائد على الاقل فيدور الأمر حينئذ بين الاحتمالات الثلاثة المتقدمة، ولابد من تعين الثالث منها لعين الوجه المتقدم، وان بنينا على انحلاله حكما فلابد من الالتزام به هنا لعين الوجه السابق في مبحث الانحلال وليس معنى انحلاله حكما الا عدم صلاحيته لمنجزية المعلوم بالاجمال الصالح للانطباق على الأكثر، وحينئذ فلا منجز لوجوب الاكثر اجمالا ولا تفصيلا فتنتهي النوبة أيضا إلى التردد بين المحتملات الثلاثة ويتعين الاخير منها، وبذلك يتضح لك عدم تمامية نقض الانحلال بالنحو الذي ذكره المصنف (ره) على جميع المباني (نعم هنا) شبهة اخرى تقتضي الاحتياط وهي أن العلم التفصيلي بوجوب الاقل إذا نجزه واشتغلت به ذمة المكلف لابد من الاحتياط بالاكثر لان الاقتصار على اتيان الأقل بوجوب الشك في سقوط وجوب الأقل، ومن الواضح أن الشك في السقوط مجرى لقاعدة الاشتغال فما لم يأت بالاكثر يشك في سقوط وجوب الاقل، ولابد له من إحراز سقوطه (ويمكن) الجواب عنها بأن الشك في السقوط إنما يرجع فيه إلى قاعدة الاشتغال لو كان منشؤه الشك في اتيان المكلف به وليس في المقام كذلك للعلم باتيان الاقل وانما منشؤه الشك في كون وجوبه استقلاليا أو في ضمن الاكثر إذ على تقدير كونه ضمنيا لا يسقط الا في ظرف سقوط وجوب الزائد المتوقف على اتيانه لتلازم الوجوبات الضمنية في الثبوت والسقوط، وعلى تقدير كونه استقلاليا يسقط بمجرد إتيان الاقل، وحيث كان منشأ الشك في سقوط وجوب الاقل ذلك لا الشك في اتيان الاقل فالمرجح فيه
ذا مصلحتين ______________________________ اصل البراءة (ومن) هذا يظهر لك الجواب عن الشبهة التي ذكرناها في الحاشية على قوله: والحق ان العلم الاجمالي... الخ الراجعة إلى اجمال الاقل المعلوم من حيث الاحوال، وحاصل الجواب: ان الانفراد مما يعلم بعدم اخذه قيدا في الاقل والا فهو خارج حينئذ عما نحن فيه ويكون الواجب حينئذ مرددا بين اخذه بشرط لا واخذه بشرط شئ بل الشك إنما هو في أخذ الاقل موضوعا للوجوب لا بشرط واخذه بشرط شئ والاتيان به وحده وإن كان يوجب الشك في وجوبه في هذا الحال فيشك في سقوط وجوبه، إلا أن منشأ الشك في سقوطه الشك في ثبوت الوجوب الملازم له لغيره وفى مثله يرجع إلى البراءة (فان قلت): هذا بعينه جاء في التردد بين وجوبه بشرط لا ووجوبه بشرط شئ لو اقتصر على الاتيان به وحده إذ الشك في السقوط ناشئ من الشك في وجوب غيره معه فليرجع فيه إلى البراءة، مع أنه لا ريب في الرجوع إلى قاعدة الاشتغال (قلت) الرجوع إلى قاعدة الاشتغال ليس للشك في سقوط التكليف بذات الاقل بل للشك في سقوط التكليف بالامر المردد بين شرط لا وشرط شئ فانه يعلم اجمالا بوجوب احد الأمرين من شرط لا وشرط شئ فيتنجز المعلوم بالاجمال، فالاقتصار على ذات الاقل يوجب الشك في سقوط التكليف بذلك الأمر المردد في حصوله خارجا، فالشك في السقوط للشك في اتيان الموضوع الواجب لا لشئ آخر. فلاحظ (ثم إنه) يمكن أن يقرب الانحلال بالعلم التفصيلي بحرمة ترك الأقل بنحو لا يوقف على امكان التفكيك بين الوجوبات النفسية الضمنية أو بين الوجوب الغيري والنفسي كما كان يتوقف عليه انحلاله بالعلم التفصيلي بوجوب الاقل تركنا ذكره خوف الاطالة واعتمادا على ذكرنا له في الحاشية القديمة على الكتاب فليراجع وليتأمل فان المقام به حقيق واليه سبحانه نبتهل في فيض العناية والتوفيق (قوله: ذا مصلحتين) يعني غير متلازمتين بحيث يمكن انفكاك احدهما عن الاخرى فتترتب احداهما على الأقل لو اقتصر عليه وتترتبان معا على الاكثر، وهذا هو المسمى بالاكثر الاستقلالي، ولهذا كان خارجا عن محل الكلام في المقام إذ
أو مصلحة أقوي من مصلحة الأقل فالعقل في مثله وان استقل بالبراءة بلا كلام الا انه خارج عما هو محل النقض والابرام في المقام. هذا مع أن الغرض الداعي إلى الأمر لا يكاد يحرز الا بالأكثر بناء على ما ذهب إليه المشهور من العدلية من تبعيه الأوامر والنواهي للمصالح والمفساد في المأمور بها المنهي عنها وكون الواجبات الشرعية ألطافا في الواجبات العقلية وقد مر اعتبار موافقة الغرض وحصوله عقلا في إطاعة الأمر وسقوطه فلابد من إحرازه في إحرازها كما لا يخفى ______________________________ هو في الارتباطي (قوله: أو مصلحة أقوى) يعني غير متلازمة المراتب كما تقدم. شبهة الغرض (قوله: هذا مع أن الغرض الداعي) هذا وجه آخر لوجوب الاحتياط (وتوضيحه): أن المشهور بين العدلية أن الأمر بالشئ ناشئ عن غرض للآمر في ذلك الشئ فيكون الامر دائما معلو لذلك الغرض، فالعلم بالأمر يستلزم العلم بالغرض لأن العلم بالمعلول يستلزم العلم بالعلة، وحينئذ فيجب بحكم العقل العلم بحصول ذلك الغرض ومع الاقتصار على فعل الاقل يشك في حصوله فلابد من الاحتياط ليحصل العلم بحصوله، فالشك في المقام راجع إلى الشك في محصل الغرض بعد الجزم بثوبته لا في أصل ثبوته مع العلم بمحصله على تقدير ثبوته كما في الشبهة البدوية والشك في المحصل موضوع لقاعدة الاشتغال لا لاصالة البراءة (قوله: بناء على ما ذهب) أما بناء على ما ذهب إليه جماعة من كون الغرض يحصل بنفس الامر لا بفعل المأمور به فلا موجب للاحتياط حينئذ للعلم بحصول الغرض بمجرد الأمر (قوله: وكون الواجبات) الظاهر أن المراد أن الواجبات الشرعية مقربات للواجبات العقلية كما يشهد به قوله تعالى: (إن الصلاة
* ولا وجه للتفصي عنه (تارة) بعدم ابتناء مسألة البراءة والاحتياط على ما ذهب إليه مشهور العدلية وجريانها على ما ذهب إليه الأشاعرة المنكرين لذلك أو بعض العدلية المكتفين بكون المصلحة في نفس الامر دون المأمور به (وأخرى) بان حصول المصلحة واللطف في العبادات لا يكاد يكون الا باتيانها على وجه الامتثال وحينئذ كان لاحتمال اعتبار معرفة اجزائها تفصيلا ليؤتى بها مع قصد الوجه مجال ومعه لا يكاد يقطع بحصول اللطف والمصلحة الداعية إلى الامر فلم يبق الا التخلص عن تبعة مخالفته ______________________________ تنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي... الآية) لا أن الواجبات الشرعية واجبات عقلية لو اطلع العقل على جهاتها، والامر سهل (قوله: ولا وجه للتفصي عنه تارة) المتفصي بذلك شيخنا المرتضى (قده) في رسائله، وحاصل ما ذكره أولا: ان النزاع في البراءة والاشتغال في هذه المسألة من حيث التردد في الوجوب بين الاقل والاكثر مع التغافل عن حيثية الشك في الغرض ومقتضاها، بشهادة أن النزاع في هذه المسالة لا يختص بمذهب دون غيره بل تجري على جميع المذاهب، (قوله: وأخرى بأن حصول) هذا هو الوجه الثاني، وحاصله: ان الشك في محصل الغرض وان كان موضوعا لقاعدة الاشتغال إلا أنه حيث يمكن القطع بحصوله وهو متعذر في العبادات لاحتمال توقف حصول الغرض فيها على الجزم بالنية وهو ممتنع مع الشك والتردد في الواجب بين الاقل والاكثر فيسقط حكم العقل بوجوب الجزم بحصول الغرض ويبقى حكمه من حيث تردد الوجوب بين الاقل والاكثر الذي هو وجوب فعل الاقل للعلم بوجوبه وجواز ترك الاكثر للجهل بوجوبه (قوله: على وجه الامتثال) يعني على وجه الاطاعة (قوله: كان لاحتمال) (كان) تامة فاعلها قوله: (مجال) و (لاحتمال) متعلق بها، (قوله: اعتبار معرفة) يعني اعتبار المعرفة في تحقق الامتثال المعتبر في صحة العبادة وحصول الغرض منها (قوله: ومعه) الضمير راجع إلى احتمال الاعتبار
باتيان ما علم تعلقه به فانه واجب عقلا وان لم يكن في المأمور به مصحلة ولطف رأسا لتنجزه بالعلم به إجمالا وأما الزائد عليه - لو كان - فلا تبعة على مخالفته من جهته فان العقوبة عليه بلا بيان وذلك ضرورة أن حكم العقل بالبراءة - على مذهب الاشعري - لا يجدي من ذهب إلى ما عليه المشهور من العدلية بل من ذهب إلى ما عليه غير المشهور لاحتمال أن يكون الداعي إلى الامر ومصلحته على هذا المذهب ايضا هو ما في الواجبات من المصلحة وكونها ألطافا فافهم. ______________________________ (قوله: باتيان ما علم) متعلق بالتخلص وضمير (تعلقه) راجع إلى الامر، وضمير (به) راجع إلى (ما علم) والمراد بما علم الأقل (قوله: مخالفته من جهته) ضمير (مخالفته) راجع إلى الأمر وضمير (جهته) راجع إلى الزائد (قوله: وذلك ضرورة) شروع في تعليل قوله سابقا: لا وجه للتفصي... الخ، وحاصل ما يرد الوجه الأول المنع من كون النزاع في المسألة من حيث التردد في التكليف من حيث الغرض ونحوه إذ لا ريب أن الحكم بالبراءة من حيث نفس التكليف يجدي عملا بالبراءة من حيث الغرض مع أن القائل بالبراءة هنا يجعلها مبني له في مقام الاستنباط للفروع وهو يذهب إلى المشهور بين العدلية، فلابد أن يكون بناؤه على البراءة من جميع الحيثيات حتى من حيث الغرض كما هو ظاهر (قوله: بل من ذهب) معطوف على قوله: (من ذهب) السابق الواقع مفعولا لقوله: (لا يجدي) يعني أن من ذهب إلى أن المصلحة في الامر لا يرى انه يجب أن تكون في الامر بل يجوز ذلك ويجوز كونها في المأمور به في قبال دعوى وجوب كونها في المأمور به، فإذا جاز عنده أن تكون في المأمور به كان الاقتصار على الأقل موجبا للشك في حصول الغرض. اللهم إلا أن يدعي أن الشك في حصول الغرض إنما يوجب الاحتياط لو كان المكلف مكلفا بتحصيله قبل الشك في حصوله وهو مما لم يحرز في المقام بعد احتمال
* وحصول اللطف والمصلحة في العبادة وان كان يتوقف على الاتيان بها على وجه الامتثال الا انه لا مجال لاحتمال اعتبار معرفة الأجزاء واتيانها على وجهها كيف ولا إشكال في إمكان الاحتياط ها هنا كما في المتباينين ولا يكاد يمكن مع اعتباره. هذا مع وضوح بطلان احتمال اعتبار قصد الوجه كذلك والمراد بالوجه في كلام من صرح بوجوب إيقاع الواجب على وجهه ووجوب اقترانه به هو وجه نفسه من وجوبه النفسي لا وجه أجزائه من وجوبها الغيري أو وجوبها العرضي واتيان الواجب مقترنا بوجهه غاية ووصفا باتيان الاكثر بمكان من الامكان لانطباق الواجب عليه ______________________________ كونه من فعل الآمر لا المأمور، ولعله إلى هذا أشار بقوله: فافهم (قوله: وحصول اللطف والمصلحة) هذا رد على الوجه الثاني من وجهي التفصي، وحاصله: انه لا يعتبر الجزم بالنية بالنسبة إلى الأجزاء في حصول الغرض للاجماع على امكان الاحتياط في المقام كما في المتباينين ولو كان يعتبر ذلك لما كان الاحتياط ممكنا. اللهم إلا أن يكون المراد من الاحتياط الممكن هو الاحتياط في المأمور به لا في الغرض (فالاولى أن يقال): إن امتناع حصول العلم بحصول الغرض لا يمنع من وجوب الاحتياط في المقام لما عرفت سابقا من وجوبه مع الشك في القدرة، ومنه المقام كما هو ظاهر. نعم لو علم بعدم حصول الغرض من فعل الأكثر من جهة الجزم باعتبار الجزم بالنية في حصول الامتثال لما وجب الاحتياط حينئذ، لكنه خلاف الفرض (قوله: قصد الوجه كذلك) يعني قصده في كل واحد من الاجزاء كما سيشير إليه (قوله: والمراد بالوجه) هذا خلاف المحكي عن المشهور بل خلاف اطلاق معقد الاجماع المحكي عن السيد الرضي الذي اقره عليه السيد المرتضى من بطلان صلاة من صلى صلاة لا يعرف أحكامها فلاحظ (قوله: من وجوبها الغيري) قد عرفت ان الاجزاء واجبة بالوجوب النفسي أصالة لا عرضا ولا بالوجوب الغيري. فتأمل (قوله: لانطباق الواجب عليه) من المعلوم أن الواجب لو كان في الواقع هو الأقل فلا ينطبق الا على نفسه
ولو كان هو الاقل فيتأتى من المكلف معه قصد الوجه واحتمال اشتماله على ما ليس من أجزائه ليس بضائر إذا قصد وجوب المأتي على إجماله بلا تمييز ماله دخل في الواجب من أجزائه لا سيما إذا دار الزائد بين كونه جزءا لماهيته وجزءا لفرده حيث ينطبق الواجب على المأتي حينئذ بتمامه وكماله لان الطبيعي يصدق على الفرد ______________________________ ويمتنع أن ينطبق على الأكثر. نعم الاكثر فيه الواجب ويشتمل على الواجب لا أنه هو الواجب وحينئذ كيف يمكن فعل الاكثر مقترنا بوجهه غاية ووصفا. (فالأولى) أن يقال: ان قصد الوجه في الاجزاء أيضا ممكن لانه عبارة عن اتيان الفعل الخارجي عن ارادة فعل الواجب لوجوبه وهو حاصل لأن فعل الزائد لا يكون الا عن هذه الارادة، كما أشرنا إلى ذلك سابقا، ومثله فعل كل واحد من الأطراف في الشبهة الوجوبية مع التردد بين المتباينين لكن عرفت أن هذا خلاف ظاهر معقد الاجماع. فتأمل (قوله: جزءا لماهيته وجزءا لفرده) جزء الماهية هو الذي بانتفائه تنتفي الماهية وجزء الفرد هو الذي بانتفائه ينتفي الفرد وان لم تنتف الماهية ويكون ذلك في الماهيات المشككة التي تنطبق على الكثير بعين انطباقها على القليل فالكثير كله فرد واحد كالقليل وكل جزء من الكثير جزء من الفرد وليس جزءا من الماهية لأنه بانتفائه ينتفي الكثير ولا تنتفي الماهية، وحينئذ فإذا وجبت الماهية فعند الاتيان بالفرد الكثير لابد من قصد الوجوب في كل واحد من اجزائه لان الماهية الواجبة تنطبق على الكثير بتمام اجزائه، وحينئذ فإذا تردد الشئ بين كونه جزءا للماهية وجزءا للفرد يتأتى قصد الوجوب فيه، وإن لم يعلم وجوبه بوجوب الماهية للشك في كونه جزءا من الماهية. ومما ذكرنا يظهر لك الاشكال في كون الاذكار المستحبة في الصلاة مثل القنوت والتكبير للهوي للركوع والسجود وللرفع منهما وغيرهما أجزاء صلاتية لامتناع كونها أجزاء للماهية إذ انتفاؤها لا يوجب انتفاء الماهية وامتناع كونها أجزاء للفرد لامتناع قصد الوجوب فيها اجماعا ظاهرا فكيف تكون حينئذ اجزاء صلاتية، وقد يترتب
بمشخصاته (نعم) لو دار بين كونه جزءا ومقارنا لما كان منطبقا عليه بتمامه لو لم يكن جزءا لكنه غير ضائر لانطباقه عليه أيضا فيما لم يكن ذاك الزائد جزءا غايته لا بتمامه بل بسائر أجزائه. هذا - مضافا إلى أن اعتبار قصد الوجه من رأس مما يقطع بخلافه - مع أن الكلام في هذه المسألة لا يختص بما لابد أن يؤتى به على وجه الامتثال من العبادات - مع أنه لو قيل باعتبار قصد الوجه في الامتثال فيها على وجه ينافيه التردد والاحتمال فلا وجه معه للزوم مراعات الامر المعلوم أصلا ولو باتيان الاقل لو لم يحصل الغرض ______________________________ على ذلك أن فعلها في غير محلها لا يوجب البطلان من جهة الزيادة العمدية المستفاد قدحها في الصلاة من مثل قوله - عليه السلام - في رواية أبي بصير: من زاد في صلاته فعليه الاعادة، لعدم صدق الزيادة عليها إذا كان فعلها في غير محلها على النحو الذي يؤتى بها عليه لو فعلت في محلها. نعم لو أتي بها في غير محلها بقصد الجزئية من الصلاة كسائر الاجزاء الصلاتية من الركوع والسجود بطلت الصلاة، بل الظاهر ذلك لو أتي بها في محلها بالقصد المذكور لما عرفت من عدم كونها أجزاء صلاتية فالاتيان بها بقصد الجزئية يوجب صدق الزيادة العمدية، كما اوضحنا ذلك في الفقه فراجع (قوله: بمشخصاته) كان الاولى أن يقول: باجزائه (قوله: لما كان منطبقا) جواب (لو) (قوله: بتمامه) يعني حتى الآمر المقارن لو لم يكن جزءا، وحينئذ لا يمكن الاتيان به بقصد الوجوب لاحتمال كونه مقارنا لاجزءا فلا يكون واجبا نظير الأذكار الصلاتية التي أشرنا إليها (قوله: لانطباقه عليه) يعني لانطباق الواجب على المأتي به في الجملة لا على تمامه بل على اجزائه المعلومة (قوله: لا يختص بما) بل يجري في التوصليات التي لا يتوقف حصول الغرض فيها على قصد الامتثال فضلا عن قصد الوجه (قوله: من العبادات) بيان لما الموصولة (قوله: مع انه لو قيل باعتبار قصد) هذا اشكال على قول المتفصي: فلم يبق الا التخلص (قوله: لو لم يحصل الغرض) فانه إذا لم يحصل غرض الآمر لا يسقط الأمر والعقل انما يحكم بوجوب موافقته
وللزم الاحتياط باتيان الاكثر مع حصوله ليحصل القطع بالفراغ بعد القطع بالاشتغال لاحتمال بقائه مع الاقل بسبب بقاء غرضه. فافهم هذا بحسب حكم العقل ______________________________ لغاية سقوطه لا تعبدا فإذا لم يسقط لبقاء الغرض لا تجب موافقته عنده وهو واضح لكنه خلاف الفرض إذ الفرض الشك في حصول الغرض وعدمه فيمكن دعوى وجوب موافقة الامر حينئذ عقلا فلا يظهر توجه كلام المصنف (ره) عليه، ولعله إليه اشار بقوله: فافهم، وان كان بعيدا الجواب عن شبهة الغرض (قوله: لاحتمال بقائه) اي بقاء الغرض مع الاقتصار على الاقل (ثم) انه قد يجاب عن شبهة الغرض (تارة) بأن ترك الاقل مفوت للغرض قطعا بخلاف ترك الاكثر للشك في كونه مفوتا له ومع الشك في كونه مفوتا لا تعلم حرمته والاصل البراءة (وفيه) أنه يتم لو كان الثابت حرمة تفويت الغرض لا غير، اما لو كان الثابت وجوب تحصيله فمع الشك في حصوله يرجع إلى قاعدة الاشتغال التي هي المرجع عند الشك في المحصل (واخرى) بأن الاوامر الشرعية وان كانت أوامر غيرية والمطلوب النفسي هو نفس العرض إلا أن حب الغرض لما كان يلزمه كراهة تركه، وكما يحتمل أن يكون الوجه في الاوامر الغيرية هو حب الغرض يمكن أن يكون كراهة تركه بأن يكون للكراهة نحو جلوة بها كانت هي الداعي إلى الامر، وعلى التقدير الثاني لا يجب الاحتياط للشك في كون ترك الزائد تركا للغرض فيشك في كونه حراما والأصل البراءة (وفيه) (اولا) امتناع استناد الأمر الشرعي إلى كراهة ترك المصلحة وإنما يستند إلى ارادة فعلها إذ الارادة الغيرية إنما تستند إلى ارادة نفسية لا إلى كراهة نفسية كما هو ظاهر (وثانيا) أن استناد الأمر الشرعي إلى الكراهة لا أثر له في رفع وجوب الاحتياط بعد العلم بارادة المصلحة لنفسها فان هذا العلم يقتضي الاحتياط، وكون كراهة تركها لا يقتضي الاحتياط لا يجدي إذ المقام من قبيل اجتماع المقتضي واللا مقتضي، ولا ريب في كون الأثر فيه للمقتضي. فلاحظ (وقد) يجاب بأن
* واما النقل فالظاهر أن عموم مثل حديث الرفع ______________________________ الغرض إنما يجب تحصيله إذا قامت عليه الحجة وليس عليه حجة في المقام غير الأمر والمعلوم منه ليس الا ما تعلق بالأقل فهو إنما يكشف عن غرض فيه لا في الاكثر (وفيه) ان ذلك مسلم إلا أنه لا يرفع الشك في حصول الغرض القائم بالاقل بفعل الأقل لاحتمال قيامه بالزائد على الأقل معه، ولا ساد لهذا الاحتمال إلا أن تقوم الحجة على عدم وجوب الزائد ومجرد عدم الحجة على وجوبه لا يكون حجة على عدم وجوبه، فما دام احتمال وجوبه موجودا كان احتمال عدم حصول الغرض من الأقل موجودا معه ايضا (والاولى) ان يجاب بأن العلم بالغرض والمصلحة ليس له اقتضاء في نظر العقل اكثر من اقتضاء العلم بالأمر، فان كان الشك في حصوله ناشئا من الشك في وجود موضوعه فالمرجع فيه اصالة الاشتغال، وان كان الشك في حصوله للشك في مقومه وموضوعه وانه الاقل أو الاكثر فالمرجع فيه اصالة البراءة والشاهد على ذلك ما عرفت من بناء العقلاء في امثال المقام على الرجوع إلى البراءة وعدم الاعتناء باحتمال عدم حصول الغرض مع فعل الأقل. نعم لو كان نفس الغرض موضوعا للامر كما لو قال: حصل مصلحة الصلاة، كان المرجع اصالة الاحتياط لو شك في حصوله للشك في نفس وجود الموضوع، فالجواب عن شبهة الغرض يكون هو الجواب عن شبهة الشك في سقوط الأمر بفعل الأقل الذي عرفته سابقا، والله سبحانه هو العالم (قوله: وأما النقل فالظاهر ان عموم مثل) الكلام في جريان البراءة الشرعية (تارة) يكون بناء على البراءة العقلية (واخرى) بناء على الاحتياط (فعلى) الاول نقول: إن كان الوجه في انحلال العلم الاجمالي بالوجوب النفسي هو العلم التفصيلي بوجوب الاقل لنفسه كما هو التحقيق ______________
قاض برفع جزئية ما شك في جزئيته فبمثله يرتفع الاجمال والتردد عما تردد أمره بين الاقل والاكثر ويعينه في الاول (لا يقال): إن جزئية السورة المجهولة - مثلا - ليست بمجعولة وليس لها أثر مجعول والمرفوع بحديث الرفع إنما هو المجعول ______________________________ أمكن رفع الوجوب النفسي الضمني الثابت للزائد بمثل حديث الرفع لكونه مما لا يعلم، وان كان الوجه في الانحلال هو العلم الاجمالي بوجوب الأقل اما لنفسه أو لغيره أمكن رفع الوجوب النفسي الاستقلالي الثابت للاكثر بمثل الحديث المذكور لكونه أيضا مما لا يعلم وهذا واضح (وعلى) الثاني فان كان الوجه في الاحتياط امتناع الانحلال من جهة التلازم بين الوجوبات النفسية الضمنية وبين الوجوب النفسي والغيري اشكل جريان الحديث سواء كان لرفع الوجوب النفسي الاستقلالي للأكثر أم الضمني للزائد أو الجزئية، اما الاول فلانه يعارض بجريانه لرفع الوجوب النفسي للاقل والعلم الاجمالي بوجوب الأقل لنفسه أو لغيره لا يمنع من جريانه فيه لانه لا ينجز على تقدير الوجوب الغيري للاقل لارتفاع الوجوب النفسي للأكثر المانع من تنجز الوجوب الغيري للاقل - لو كان -. واما الثاني فلمنافاة جريانه لرفع الوجوب الضمني مع البناء على تنجز وجوب الاقل لنفسه لأن الجمع بينهما يوجب احتمال التفكيك، وقد عرفت انه ممتنع، ومنه يظهر الحال في الثالث إذ لا معنى لرفع الجزئية إلا رفع الوجوب الضمني المتعلق بالجزء لأن الجزئية من الاعتبارات المنتزعة من نفس الوجوب المذكور فلا معنى لرفعها الا رفع منشأ انتزاعها، وقد عرفت امتناعه لاقتضاء رفعه التفكيك بين الوجوبات الضمنية احتمالا، وقد عرفت انه ممتنع جزما، وان كان الوجه في الاحتياط شبهة الغرض، أو شبهة الشك في سقوط الامر، أو شبهة اهمال الموضوع، فلا مجال للبراءة الشرعية أيضا لعدم جريانها في امثال هذه المقامات. وبالجملة: فالتفكيك بين البراءة العقلية والشرعية في الجريان وعدمه مشكل جدا (قوله: قاض برفع جزئية) ربما ينسب إلى المصنف (ره) أن الوجه في تخصيص تطبيق الحديث على الجزئية المشكوكة دون
بنفسه أو أثره ووجوب الاعادة إنما هو أثر بقاء الامر الاول بعد العلم مع انه عقلي وليس إلا من باب وجوب الاطاعة عقلا (لانه يقال): إن الجزئية وإن كانت غير مجعولة بنفسها إلا انها مجعولة بمنشأ انتزاعها وهذا كاف في صحة رفعها (لا يقال): إنما يكون ارتفاع الامر الانتزاعي برفع منشأ انتزاعه وهو الامر الاول ولا دليل آخر على امر آخر بالخالي عنه (لانه يقال): نعم وإن كان ارتفاعه بارتفاع منشأ انتزاعه ______________________________ الوجوب النفسي للاكثر أن تطبيقه على الوجوب المذكور معارض بتطبيقه على وجوب الاقل فانه مشكوك أيضا واحتمال معارضة تطبيقه على الجزئية بتطبيقه على كلية الاقل فانها مشكوكة. مندفع بأنه لا أثر لرفع كلية الاقل إذ وجوب الاتيان به عقلا ليس من آثار كليته. لكن فيه ما عرفت من أن الجزئية من الاعتبارات المنتزعة من الوجوب فرفعها إنما يكون برفعه فإذا امتنع رفعه امتنع رفعها. فتأمل (قوله: بنفسه أو اثره) إذا لرفع فيه رفع تشريعي والرفع التشريعي إنما يتعلق بالامر الشرعي فإذا لم يكن الشئ امرا شرعيا ولا ذا اثر شرعي ليكون رفعه بلحاظه امتنع رفعه تشريعا وان كان رفعه تكوينا ممكنا إلا ان الحديث ليس متضمنا لذلك والالزم الكذب (قوله: ووجوب الاعادة) دفع توهم أن الجزئية لها اثر شرعي وهو وجوب الاعادة فيصح رفعها بلحاظه. ووجه الدفع: ان وجوب الاعادة عبارة اخرى عن وجوب اطاعة الامر بفعل المأمور به تاما بعد فعله ناقصا وهو أثر عقلي لبقاء الامر الاول، واما وجوب الاعادة شرعا فهو عين بقاء الامر وعدم سقوطه بفعل الاقل وليس أثرا للجزئية اصلا (قوله: وهو الامر الاول) المراد بالامر الاول الوجوب النفسي الثابت للاكثر، وحينئذ يكون الوجوب النفسي للاقل مشكوكا فيجري فيه الحديث ولا دليل على وجوبه حينئذ كما عرفت، وهذا مبني على وجوب الجزء لغيره اما على تقدير وجوبه لنفسه فقد عرفت انه لا يمكن رفع الوجوب النفسي الضمني
* إلا أن نسبة حديث الرفع الناظر إلى الادلة الدالة على بيان الاجزاء إليها نسبة الاستثناء وهو معها يكون دالة على جزئيتها إلا مع الجهل بها كما لا يخفى فتدبر جيدا ______________________________ لامتناع التفكيك الذي هو مبنى الاحتياط العقلي (قوله: إلا ان نسبة حديث الرفع) حاصل الجواب: أن الحديث الشريف لو كان موجبا لرفع الوجوب بتمامه على تقدير ثبوته للاكثر كان اجراؤه لرفعه موجبا للشك في وجوب الاقل لاحتمال كون الوجوب ثابتا للاكثر فيكون مرفوعا، أما إذا كان موجبا لرفع خصوص الوجوب الضمني القائم بالجزء مع بقاء وجوب الباقي بحاله فالاقل يكون معلوم الوجوب حينئذ ولا يمكن اجراء الحديث لرفع وجوبه فيكون حديث الرفع محددا لوجوب الاكثر على تقدير ثبوته واقعا والوجه في هذ التحديد هو الجمع بين ما دل على جزئية كل واحد وما دل على رفع الجزئية المجهولة، فان لازم الجمع المذكور هو وجوب الاقل لانه معلوم الجزئية وعدم وجوب الزائد على لكونه مجهول الجزئية (هذا) ويمكن الخدشة فيه بأن أدلة الجزئية الواقعية إنما تفيد حكما واقعيا، وحديث الرفع ونحوه إنما يفيد حكما ظاهريا، ومن المعلوم أن احدهما ليس في عرض الآخر حتى يكون دليل احدهما بمنزلة الاستثناء من دليل الآخر، فحديث الرفع ليس مما يرفع الجزئية واقعا حتى يكون بمنزلة الاستثناء مما دل على الجزئية واقعا، بل إنما يقتضي رفعها ظاهرا، وكونه بمنزلة الاستثناء يتوقف على وفاء ادلة الجزئية بثبوتها ظاهرا في كل واحد من الاجزاء حتى مشكوك الجزئية، ولا ريب في انها لا تفي بذلك، وليست دالة إلى على الجزئية واقعا. مضافا إلى ما عرفت من ان تخصيص الوجوب الضمني الثابت الزائد بالرفع يتوقف على إمكان التفكيك في التنجز بين الوجوبات الضمنية وهو غير مبني على الاحتياط، فانه لو جاز هذا التفكيك جاز الرجوع إلى البراءة العقلية في خصوص الزائد على الأقل، ولا مجال للاحتياط العقلي فيه الذى هو المختار عند المصنف (ره)
وينبغي التنبيه على أمور (الاول) أنه ظهر مما مر حال دوران الامر بين المشروط بشئ ومطلقه وبين الخاص كالانسان وعامه كالحيوان، وأنه لا مجال ههنا للبراءة عقلا بل كان الامر فيهما أظهر، فان الانحلال المتوهم في الاقل والاكثر لا يكاد يتوهم ههنا، بداهة ______________________________ فلاحظ وتأمل (قوله: الاول انه ظهر مما مر حال) هذا شروع في حكم الشك في شرطية شئ للمأمور به وفي حكم الدوران في الواجب بين التعيين التخيير كما لو شك في كون الاقامة شرطا للصلاة، أو شك في كون الواجب في الركوع والسجود مطلق الذكر أو خصوص التسبيح (وحاصل) ما ذكر في بيان حكمهما: انه لا مجال للبراءة العقلية فيهما سواء قلنا بها في الاقل والاكثر أم لم نقل. أما على الثاني فواضح إذ المانع المتقدم من انحلال العلم الاجمالي هناك جار بعينه هنا بل بطريق اولى كما سيظهر. وأما على الاول فللفرق بين مسألة الاقل والاكثر وبين هاتين المسألتين بأن الاولى انما تكون في المركب الخارجي الذي هو واحد اعتبارا ومتعدد خارجا فان كلا من اجزاء الاكثر له وجود ممتاز في قبال غيره إذ وجود التكبير غير وجود القراءة وهما غير وجود الركوع وهي غير وجود السجود وهكذا سائر اجزاء الصلاة واجزاء غيرها من الواجبات فتمكن فيها دعوى الانحلال لو شك في جزئية الاستعاذة مثلا للصلاة إذ يعلم تفصيلا بوجوب ما عدا الاستعاذة مثلا من الاجزاء ويشك في وجوب الاستعاذة فيتنجز ما علم وجوبه ويرجع في وجوب الاستعاذة إلى البراءة عقلا، ولا تمكن الدعوى المذكورة في المقام بأن يقال: وجوب ذات المشروط أو ذات العام معلوم ويشك في وجوب التقييد بالشرط أو الخصوصية، لأن ذات المشروط - على تقدير الشرطية - ليست مما يتصف بالوجوب الغيري ليعلم بوجوبها تفصيلا إما لنفسها أو لغيرها كما في ذات الأقل، لأنها في حال وجدان الشرط عين الواجب فتكون واجبة بالوجوب النفسي، وفي حال فقدانه مباينة للواجب وليست مقدمة له لتجب بوجوب غيري
* ولما لم يعلم بوجوبها تفصيلا نفسيا أو غيريا كما في ذات الاقل لم يكن وجه للانحلال، وهكذا الحال في ذات العام إذا شك في وجوب الخاص. وعمدة النكتة فيه: ان الوجوب الوارد على المشروط ليس قائما بامرين ذات المشروط وأمر آخر لتكون ذات المشرط جزءا من الواجب ويجري عليها حكم الاقل، بل ليس قائما إلا بأمر واحد وهو ذات المشروط لا غير والتقييد بالشرط ليس جزءا للواجب بل إنما يوجب تضييق دائرة الذات في مقام موضوعيتها للوجوب، فالشك في الشرطية في الحقيقة شك في ان ذات المشروط التي هي تمام موضوع الطلب موضوع له في جميع الاحوال والاطوار، أو في خصوص بعضها، فليس هناك تكليف معلوم وتكليف مشكوك كما في باب الاقل والاكثر. ومنه يظهر أنه لو بني على وجوب الجزء نفسيا - كما هو التحقيق والمختار للمصنف (ره) في مبحث مقدمة الواجب - فالانحلال بالعلم التفصيلي بالوجوب النفسي الذي تقدم تقريره في الاقل والاكثر غير آت هنا، إذ الشك ليس في التكليف بل في اطلاق موضوع التكليف وتقييده، ومثله الشك في التعيين والتخيير بلا فرق اصلا بينهما في هذه الجهة. نعم بينهما فرق من جهة أخرى، وهي أن ذات المشروط لا تختلف باختلاف حالي وجود الشرط وعدمه، بل هما طارئان على أمر واحد خارجي فهما من أحواله وأطواره مع حفظ ذات واحدة فيهما فان زيدا في حال علمه هو زيد في حال جهله ولا يتعدد بتعدد الاطوار والاحوال اصلا، بخلاف الجامع بلحاظ حصصه وافراده فان الانسان المتحد مع خصوصية زيد غير المتحد مع خصوصية عمرو، وليست خصوصية زيد وعمرو من قبيل الخصوصيات الطارئة على ذات واحدة، بل هو متعدد بتعدد تلك الخصوصيات لعدم كون تلك الخصوصيات احوالا لأمر واحد وطارئه على شئ فارد، بل كل خصوصية منها مقومة لحصة معينة وبها تتباين تلك المقومات، ومن هذه الجهة من الفرق يمكن ان تفترق مسألتا الشك في الشرطية والدوران بين التعيين والتخيير في الرجوع إلى البراءة والاحتياط وان اتفقتا في عدم كون الشك فيهما في التكليف النفسي الضمني، فان الشك في الشرطية لما كان راجعا إلى الشك في
اطلاق موضوع التكليف النفسي وتقييده كانت الذات التي هي معروض الاطلاق والتقييد ما يعلم بتعلق التكليف بها وكونها في موضوعيتها له مقيدة أمر مشكوك، وهذا الشك يوجب الشك في تعلق الامر الغيري بالشرط بحيث يلزم من تركه مخالفة التكليف المعلوم، وحيث لا بيان على ذلك فالمرجع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، والشك في التعيين لما كان راجعا إلى الشك في موضوع التكليف وانه الجامع بين الافراد أو خصوص فرد منه، ولم يكن هناك امر واحد محفوظ كان المكلف به مرددا بين المتباينين، والمرجع فيه الاشتغال (اللهم) إلا أن يقال: قد اشتهر ان مقوم العالي مقوم للسافل فالجامع لابد أن يكون موجودا ضمنا في الفرد، بل برهان الاشتراك في الأثر يقتضي وجود الجهة الجامعة بين الافراد، بل انتزاع مفهوم واحد من الافراد المتعددة يقتضي وجود منشأ الانتزاع في كل واحد منها، ولازم ذلك كله أن يكون الجامع مما يعلم تفصيلا كونه موضوعا للتكليف النفسي ويكون الشك في اعتبار الخصوصية زائدا عليه فيكون حال الشك في التعيين حال الشك في الشرطية، بل لعله حال الشك في الجزئية لكون الخصوصية الفردية مقومة للفرد المحتمل التعيين فيكون لها حظ من الوجوب النفسي فيكون الحكم فيه هو البراءة العقلية (فان قلت): ما ذكر مسلم إلا أن ما يعلم وجوده في ضمن الفرد هو الماهية المهملة المشتركة بين الماهية الشخصية - اعني الفرد - والمطلقة الصالحة للانطباق على كل فرد، والماهية المهملة غير صالحة للانطباق على غير الفرد المحتمل التعيين، وحينئذ فالماهية المطلقة مباينة للماهية المحدودة الشخصية، فإذا دار الواجب بينهما فقد تردد بين متباينين والماهية المهملة المتيقنة أمر ثالث غير كل واحد من الطرفين فتعين كونها موضوعا للتكليف النفسي لا يجدي في الانحلال بعد كون الواجب مرددا بين امرين متباينين (قلت): قد عرفت في الجواب عن بعض شبهات الاحتياط في الاقل والاكثر ان تردد الواجب بين المتباينين إنما يوجب الاحتياط إذا كان ما به الامتياز في كل واحد من المتباينين مما يقتضي التكليف حفظه، كما لو كان مرددا بين ما اخذ بشرط لا وبين ما اخذ بشرط شئ لا ما إذا تردد بين ما اخذ لا بشرط وبين ما اخذ
أن الاجزاء التحليلية لا يكاد يتصف باللزوم من باب المقدمة عقلا، فالصلاة مثلا في ضمن الصلاة المشروطة أو الخاصة موجودة بعين وجودها في ضمن صلاة اخرى فاقدة لشرطها وخصوصيتها تكون متبائنة للمأمور بها كما لا يخفى (نعم) لا بأس بجريان البراءة النقلية في خصوص دوران الامر بين المشروط وغيره دون دوران الامر بين ______________________________ بشرط شئ. مضافا إلى أن الكلام هنا في الفرق بين الشك في التعيين والشك في الشرطية وما ذكر في الاول من تردد الواجب بين المتباينين وان المتيقن كونه موضوعا للتكليف هو الماهية المهملة وهي غير كل واحد منهما بعينه جار في الثاني لما عرفت من ان المتيقن مع الشك في الشرطية هو ذات المشروط مهملة والواجب مردد بين كونه مطلقا وكونه مشروطا، بل العلم التفصيلي الذي ادعي اقتضاؤه الانحلال مع الشك في الجزئية إنما قام على ثبوت التكليف لذات الاقل مهملة مع التردد في انها واجبة مع الباقي أو مطلقا فحكم مثل هذا الشك المقرون بمثل هذا العلم إن كان هو الاحتياط في المقام كان هو حكمه في الشك في الجزئية والشرطية أيضا، وان كان حكمه البراءة فيهما كانت حكمه في المقام أيضا، فلا موجب للفرق بين المقامات الثلاثة فان الجميع على نسق واحد (والتحقيق) الرجوع إلى البراءة في الجميع لما اشرنا إليه من عدم البيان الملزم لفعل الخصوصية الزائدة على الطبيعة المعلوم تعلق التكليف بها مهملة التي يعلم بحرمة تركها تفصيلا، والمقام محتاج إلى مزيد تأمل والله سبحانه هو الهادي (قوله: الاجزاء التحليلية) هي التي يحللها العقل ويميز بعضها عن بعض في مقابل الاجزاء الخارجية، والمراد من الاجزاء التحليلية في المقام ذات المشروط والتقييد وذات العام والخصوصية المفردة للعام (قوله: فالصلاة مثلا) بيان لوجه عدم الاتصاف باللزوم (قوله: موجودة بعين) يعني فلا يمكن تعلق الوجوب الغيري بها للزوم اجتماع المثلين، لكن هذا الاشكال بعينه جار في الاجزاء الخارجية، والمصحح لتعلق الوجوب الغيري بها من اخذ الحدود الذهنية جار ايضا (قوله: تكون متبائنة) يعني وليس بينهما
الخاص وغيره لدلالة مثل حديث الرفع على عدم شرطية ما شك في شرطيته وليس كذلك خصوصية الخاص فانها إنما تكون منتزعة عن نفس الخاص فيكون الدوران بينه وبين غيره من قبيل الدوران بين المتباينين فتأمل جيدا ______________________________ المقدمية التي هي مناط الوجوب الغيري وإلا فمحض المباينة غير كاف في المنع إذ المقدمة لابد ان تكون مباينة كما هو ظاهر، ولكن يمكن ان يقال: إن مناط المقدمية في الجزء حال عدم اجتماع تمام الاجزاء ليس إلا كونه بحيث لو انضم إليه بقية الاجزاء لالتأم منه الكل وهو بعينه موجود في الصلاة الفاقدة للشرط إذ لو انضم إليها تمام ما يعتبر في المشروط لكانت عين المشروط. نعم لا تم ذلك في المقامين معا لو بني على اختصاص الوجوب الغيري بالمقدمة الموصلة، لكنه غير مختار المصنف (ره). فتأمل (قوله: لدلالة مثل حديث الرفع على) قد تقدمت الاشارة إلى أن الجزئية منتزعة من الوجوب الضمني القائم بالجزء فرفعها إنما يكون برفعه. أما الشرطية فان كانت منتزعة من تقييد المشروط بالشرط في رتبة سابقة على التكليف لم تكن شرعية ولا يمكن رفعها بحيث الرفع، وان كانت منتزعة من تعلق التكليف بالمقيد بالشرط كانت شرعية وكان رفعها برفع التكليف المذكور، لكن إن بنينا على الانحلال فلا اشكال إذ يكون رفعها برفع الخصوصية القائمة بالمقيد الموجبة لانتزاع اضافة الشرطية، أما بناء على عدم الانحلال كما يرى المصنف (ره) فيشكل رفع الخصوصية المذكورة لما تقدم في رفع الجزئية لعدم الفرق بين المقامين في هذه الجهات (قوله: منتزعه عن نفس الخاص) يعني لا من أمر خارج عنه حتى تكون نظير خصوصية الشرط بل هي منتزعة من نفس الخاص فتكون مقومة لنفس الواجب فيدور الأمر بين وجوب الخاص ووجوب العام فيكونان من قبيل المتباينين، لكن عرفت أن خصوصية الخاص وان كانت مقومة للخاص إلا أن الخاص لما كان متقوما بالعام ولو كان بنحو الطبيعة المهملة فالدروان بين وجوب الخاص ووجوب العام ملزوم لليقين بوجوب العام في الجملة
* (الثاني) انه لا يخفى أن الأصل فيما إذا شك في جزئية شئ أو شرطيته في حال نسيانه عقلا ونقلا ما ذكر في الشك في أصل الجزئية أو الشرطية فلو لا مثل حديث الرفع مطلقا و (لا تعاد) في الصلاة يحكم عقلا بلزوم اعادة ما أخل بجزئه أو شرطه نسيانا كما هو الحال فيما ثبت شرعا جزئيته أو شرطيته مطلقا ______________________________ ويكون الشك في وجوبه مطلقا أو وجوب الخصوصية، ففي الحقيقة يكون الدوران بين الاطلاق والتقييد من حيث الافراد وهو كالدوران بين الاطلاق والتقييد من حيث الأحوال كما في الشك في الشرطية أو بين الاهمال والاطلاق من حيث الأحوال كما في الشك في الجزئية، وتباين صور المفاهيم في الجميع حاصل، فان كان مثله مانعا عن إعمال البراءة الشرعية فليكن كذلك في الجميع، وان لم يكن مانعا في بعضها لم يكن مانعا في الباقي. فتأمل جيدا والله سبحانه هو الهادي، (قوله: إذا شك في جزئية شئ) اعلم أن الكلام في الناسي (تارة) يكون في ناسي الجزئية مع الالتفات إلى ذات الجزء (وأخرى) في ناسى نفس الجزء (اما) حكم الأول فهو انه لا ريب في معذوريته في حال النسيان عقلا في ترك الجزء، وأما بعد الالتفات إليها فصحة المأتي به والاكتفاء به يتوقف على قيام دليل بالخصوص عليه، ولا ينبغي التأمل في دلالة حديث: لا تعاد الصلاة، عليه، لكنه مختص بالصلاة، واما حديث رفع النسيان فيشكل جريانه لاثبات ذلك سواء كان مفاده مفاد حكم العقل من المعذورية ورفع التنجز، أم رفع وجوب التحفظ أم رفع الجزئية حقيقة برفع الوجوب الضمني القائم بالجزء. إذ الأول ليس إلا حكم العقل بمعذورية الناسي وهو أعم من صحة الناقص، ومثله الثاني غاية الأمر أنه يقتضي نفي المؤاخدة على الناسي ولو كان نسيانه عن تقصير. واما الثالث فمع انه يشكل في نفسه باقتضائه اختصاص الوجوب الضمني بالملتفت مع ان الأحكام الواقعية مشتركة بين الملتفت والناسي اشتراكها بين العالم والجاهل اجماعا وللزوم الدور المشهور فتأمل، بل لزوم الخلف لأن عنوان نسيان الجزئية إنما يعتبر في فرض الجزئية حال
النسيان فلا يمكن أن يكون رافعا لها، لا يجدي في اثبات صحة الناقص فان نسيان الجزئية وان كان لا يقتضي في نفسه إلا رفع نفس الوجوب الضمني الذي هو منشأ انتزاع الجزئية إلا أن رفع الوجوب المذكور لما كان ملازما لرفع وجوب الناقص لتلازم الوجوبات الضمنية في مقام الثبوت والسقوط كان تطبيقه لرفع الوجوب الخاص بالجزء دالا بالالتزام على ارتفاع وجوب الباقي، وليس في الحديث الشريف دلالة على ثبوت الوجوب للناقص لأنه رافع وليس فيه شائبة الوضع (فان قلت): الأدلة الواقعية دالة على ثبوت كل واحد من تلك الوجوبات الضمنية، وحديث الرفع لا يصلح للحكومة عليها الا من حيث دلالتها على وجوب الجزء المنسي جزئيته فترفع اليد عن دلالتها عليه ولا وجه لرفع اليد عن دلالتها على ثبوت بقية الوجوبات (قلت): لا ريب في دلالتها على ثبوت كل واحد من تلك الوجوبات لكنها تدل مع ذلك على انها وجوبات ضمنية لا استقلالية وبواسطة دلالتها على الضمنية يكون الحديث دالا بالمطابقة على رفع خصوص الوجوب الضمني القائم بالجزء المنسية جزئيته وبالالتزام على رفع الوجوب الباقي، فهو يعارض الأدلة الواقعية في تمام مدلولها ولازم تقديمه عليها سقوط حجيتها في تمام ايضا، وحينئذ فلا دليل على صحة الناقص المأتي به ولازم ذلك وجوب الاعادة بعد الالتفات لعموم دليل التكليف الواقعي بالتام ورفع اليد عنه حال النسيان لا يمنع من وجوب الأخذ به بعد الالتفات، واما وجوب القضاء خارج الوقت فيتوقف على اقتضاء دليله ذلك، وقد تقدم في مبحث الإجزاء بعض الكلام فيه فراجع. نسيان الجزء (وأما) نسيان الجزء فالكلام فيه (تارة) فيما لم يقم دليل من عموم أو اطلاق على جزئية المنسي في حال نسيانه بناء على امكان التفكيك بين الناسي للجزء وغيره في الجزئية (وأخرى) فيما لو قام (اما) الكلام في الاول فظاهر المصنف - رحمه الله - هو الاحتياط العقلي والبراءة الشرعية، وكأن الوجه في
الأول ما دل على الاحتياط عقلا مع الشك في الجزئية، وفى الثاني ما دل على البراءة الشرعية لعدم الفرق بين الشك في جزئية المنسي بعد الالتفات والشك في أصل الجزئية. ويمكن الخدشة فيه بالفرق بين المقامين بحدوث الشك بعد فعل الاقل فالعلم الاجمالي بوجوب المردد بين الاقل والاكثر لا يوجب الاحتياط لحصوله بعد الامتثال في أحد الاطراف، ومثله لا ينجز كما لو علم بوجوب صوم أمس أو غد، ومثله الاستصحاب التعليقي لأنه كان لو التفت وجب عليه فعل المنسي فكذا بعد الالتفات، لأن الملازمة فيه ليست شرعية، نعم لو بني على الاحتياط في المسألة السابقة من جهة الشك في حصول الغرض أو الشك في سقوط الامر المتعلق بالأقل لزم البناء عليه هنا ايضا لذلك كما يمكن البناء على الاحتياط لاستصحاب التكليف بالجزء المنسي الثابت قبل نسيانه، لكنه مختص بما إذا طرأ النسيان في الاثناء بعد التكليف بالتمام دون ما لو كان النسيان من أول الامر لعدم اليقين المصحح للاستصحاب، بل ومبني على عدم اقتضاء حديث رفع النسيان رفعه حقيقة، والا فهو حاكم على الاستصحاب للعم بارتفاع الحالة السابقة. ثم لو تم الاستصحاب المذكور فلا مجال للبراءة الشرعية لحكومته عليها كما سيأتي، ولا فرق بين حديث الرفع وغيره من أدلتها. نعم قول أبي جعفر - عليه السلام - لزرارة: لا تعاد الصلاة الا من خمسة.. الخ مقدم على الاستصحاب بل وسائر أدلة الجزئية المقتضية للاعادة. ومن هذا يظهر لك أن المراد من حديث الرفع في كلام المصنف - رحمه الله - رفع ما لا يعلمون لا رفع النسيان لأن محل كلامه صورة الشك في الجزئية حال النسيان ورفع النسيان إنما يجري في صورة العلم بالجزئية لولاه. نعم يبقي الاشكال على المصنف - رحمه الله - في إعمال حديث: لا تعاد، في صورة الشك وليس موضوعه ذلك إذ هو نظير رفع النسيان موضوعه الجزء المعلوم الجزئية، وليس هو من الاحكام الظاهرية فتأمل جيدا، (وأما) الكلام في الثاني فيظهر الحال فيه مما سبق إذ مقتضى قيام الدليل على الجزئية حال النسيان وجوب الاعادة وعدم الاكتفاء بالناقض إلا أن يقوم دليل
* نصا أو إجماعا. ثم لا يذهب عليك أنه كما يمكن رفع الجزئية أو الشرطية في هذا الحال بمثل حديث الرفع كذلك يمكن تخصيصها بهذا الحال بحسب الأدلة الاجتهادية ______________________________ بالخصوص على الاكتفاء به، ولا ريب في اقتضاء حديث: لا تعاد الصلاة. ذلك في خصوص الصلاة، وأما حديث رفع النسيان فقد عرفت الكلام فيه في نسيان الجزئية وأنه لا يدل على صحة الناقص والاكتفاء به بوجه. فراجع وتأمل (قوله: نصا) كالخمسة المذكورة في حديث لا تعاد (قوله: أو اجماعا) كتكبيرة الافتتاح وسائر الأركان (قوله: كذلك يمكن تخصيصها بهذا) شروع في امكان التفكيك بين ناسي الجزء والملتفت إليه في الواجب، خلافا لشيخه (ره) حيث بنى على امتناعه - كما سيشير إليه - (وتوضيح) الاشكال: أنه إذا قام دليل على جزئية شئ ولم يكن له اطلاق يشمل حال نسيان الجزء وجب الحكم بجزئيته في ذلك الحال لأنه لو لم يكن جزءا في حال النسيان يلزم أن يكون الملتفت مكلفا بالتام الشامل لذلك الجزء والناسي مكلفا بالناقص الخالي عن ذلك الجزء، وهذا التنويع محال لامتناع جعل عنوان الناسي موضوعا لكل خطاب، إذ الغرض من الخطابات ليس الا البعث والزجر وهو لا يترتب على خطاب الناسي، لأن تأثيره في البعث يتوقف على علم المكلف بانطباق عنوانه عليه وعلمه بانطباق عنوان الناسي عليه يوجب التفاته إلى المنسي فينتفي عنه العنوان المذكور، فلا يترتب الغرض المذكور على خطاب موضوعه الناسي أصلا، فيكون محالا. وقد أجاب المصنف - رحمه الله - عنه بان التفكيك بين الناسي والملتفت في جزئية المنسي وعدمها لا يتوقف على جعل الناسي موضوعا للخطاب ليرد المحذور، بل يمكن أن يكون على أحد وجوه (الأول) أن يجعل عنوان المكلف الشامل للملتفت والناسي موضوعا للخطاب بما عدا المنسي من الاجزاء لا غير، ثم تكليف الملتفت بالمنسي فالملتفت الآتي بالتمام آت بما هو المأمور به والناسي الآتي بالناقص ايضا آت بما هو مأمور به (فان قلت): أخذ الالتفات قيدا في موضوع الخطاب بالجزء
محال لان الالتفات متأخر عن الحكم فكيف يؤخذ في موضوعه (قلت): ذاك في الالتفات إلى الحكم لا في الالتفات إلى الموضوع، والثاني هو محل الكلام (الثاني) أن يكلف الملتفت بالتمام والناسي بالناقص ولكن لا بعنوان الناسي بل بعنوان ملازم له مثل ضعيف الدماغ أو رطب الدماغ أو نحو ذلك (الثالث) أن يكلف الملتفت بالتمام ولا يكلف الناسي بشئ ولكن يصح فعله للناقص لاشتماله على المصلحة ويكفي في بعثه إلى الناقص اعتقاده توجه أمر الملتفت إليه فيأتي بالناقص بداعي موافقة أمر الملتفت بالتمام، وهذا الوجه الاخير ذكره المصنف (رحمه الله) في حاشيته على الرسائل، والوجهان الاولان وان كان لا بأس بهما في مقام الثبوت إلا انهما خلاف ما عليه الادلة الدالة على الجزئية وعدمها بالاضافة إلى الملتفت والناسي، فان الجمع بين الادلة الدالة على الجزئية وبين حديث: لا تعاد الصلاة ونحوه مما دل على صحه صلاة الناسي إذا ترك ما عدا الاركان يقتضي اطلاق جزئية الاركان وثبوتها في حالي الالتفات إليها والنسيان وتخصيص جزئية كل جزء جزء عداها بالالتفات إليه، فما التفت إليه منها فهو جزء وما لم يلتفت إليه فليس بجزء، فالملتفت والناسي لابد أن يشتركا في الامر بالأركان وقد يشتركان في الأمر بما عداها إذا لم يكن موضوعا للنسيان فيختلف أمر الناسي سعة وضيقا باختلاف حال النسيان من حيث طروئه على تمام ما عدا الاركان أو على بعضه كثيرا أو قليلا. ومنه يظهر لك عدم تمامية الوجه الاخير (اولا) من جهة انه لابد من أمر الناسي بالاركان وبالمقدار الملتفت إليه من الاجزاء زائدا عليها لوجود المقتضي وهو المصلحة في فعله وعدم المانع (وثانيا) من جهة أن اطاعة أمر الملتفت لا توجب عبادية فعله بعد ما لم يكن فعله موضوعا له إلا أن يكون من باب الاشتباه في التطبيق. فتأمل. كما منه يظهر أن فعل الناسي انما كان عبادة وطاعة لامره المتعلق به وليس له في ذلك خطأ واشتباه، بل كما هو غافل عن كونه ناسيا غافل عن كونه ملتفتا. نعم هو ملتفت إلى ما فعله من الاجزاء كالملتفت إلى تمام الاجزاء وليس الاختلاف بينه وبين الملتفت الا غفلته عن الجزء المنسي والتفات الملتفت إليه الذي هو معنى كونه
كما إذا وجه الخطاب على نحو يعم الذاكر والناسي بالخالي عما شك في دخله مطلقا وقد دل دليل آخر على دخله في حق الذاكر أو وجه إلى الناسي خطاب يخصه بوجوب الخالي بعنوان آخر عام أو خاص لا بعنوان الناسي كي يلزم استحالة ايجاب ذلك عليه بهذا العنوان لخروجه عنه بتوجيه الخطاب إليه لا محالة كما توهم لذلك استحالة تخصيص الجزئية أو الشرطية بحال الذكر وايجاب العمل الخالي عن المنسي على الناسي فلا تغفل (الثالث) أنه ظهر مما مر حال زيادة الجزء إذا شك في اعتبار عدمها شرطا أو شطرا في الواجب ______________________________ ناسيا في قبال الملتفت. وهذا الذي ذكرناه قريب مما ذكره المصنف (ره) اولا. فلاحظ وتأمل (قوله: كما إذا وجه الخطاب) هذا هو الوجه الاول (قوله: بالخالي) متعلق بالخطاب (قوله: مطلقا) يعني حتى في حق الناسي (قوله: أو وجه إلى) هذا هو الوجه الثاني) قوله: بهذا العنوان) يعني عنوان الناسي (قوله: لخروجه) تعليل للاستحالة، (قوله: كما توهم لذلك) يعني لاجل استحالة خطاب الناسي بعنوان النسيان توهم بعض استحالة تخصيص الجزئية بحال الذكر وانما كان توهما لعدم التلازم بين استحالة الخطاب على النحو المذكور واستحالة التخصيص المذكور لما عرفت (قوله: حال زيادة الجزء) اعلم أنه الجزء المعتبر في المركب يمكن اعتباره على أحد وجوه، فتارة يعتبر بنحو صرف الوجود المضاف إلى نفس الجامع بين الأفراد الذي هو نقيض عدمه، وأخرى يعتبر بشرط لا - يعني شرط ان لا يتكرر الوجود - وثالثة بشرط شئ - أي بشرط أن يتكرر وجوده - ورابعة بنحو يصدق على القليل والكثير المتدرج كما في موارد التخيير بين الأقل والأكثر كما في التسبيح في الركوع والسجود بناء على كون تمام التسبيح المتعدد واجبا، ثم إن عنوان زيادة الجزء انما يصح انتزاعه في الصورتين الأوليين دون الأخيرتين لأن الزيادة عبارة عن كون الوجود مما لا يترتب عليه أثر مقصود مرغوب،
* مع عدم اعتباره في جزئية والا لم يكن من زيادته بل من نقصانه وذلك لاندارجه في الشك في دخل شئ فيه جزءا أو شرطا فيصح لو اتى به مع الزيادة عمدا تشريعا أو جهلا قصورا أو تقصيرا أو سهوا ______________________________ والوجود الثاني في الأخيرتين ليس كذلك كما هو ظاهر. نعم هو في الأوليين كذلك إلا أن اعتبار عدم الزيادة في المركب انما يصح في الصورة الأولى دون الثانية لأن اعتباره في الجزء يمنع من اعتباره ثانيا في المركب للغويته كما هو ظاهر. ثم ان اعتبار العدم المذكور في المركب يوجب اعتبار عنوان المانعية للزيادة، واما اعتباره شطرا فالظاهر امتناعه لأن العدم غير صالح للتأثير فيمتنع أن يكون جزءا من المؤثر وكأن ذكر المصنف (ره) له من باب الفرض والتقدير (قوله: مع عدم اعتباره) هذا قيد لقوله: زيادة الجزء. يعني أن كون الزيادة من باب زيادة الجزء إذا لم يعتبر عدمها في الجزء والا كانت من نقص الجزء لان اعتبار العدم في الجزء يقتضي فوات الجزء بفوات شرطه فيكون وجود الجزء ثانيا موجبا لنقص الجزء لا زيادة الجزء، لكن عرفت أن ذلك لا ينافي صدق زيادة الجزء على نفس الوجود وان كان موجبا لنقص الجزء أيضا، كما أن اعتبار العدم في المركب موجب لكون الوجود زيادة للجزء ونقصا لعدمه ايضا فصدق الزيادة للجزء والنقص له حاصل في المقامين لكنه مختلف بالاعتبار (قوله: وذلك لاندارجه) تعليل لظهور حال الزيادة مما مر. يعني أن أخذ العدم شرطا أو شطرا في الواجب كاخذ الوجود شرطا أو شطرا فيه، وكما أن الثاني يرجع فيه إلى الاحتياط العقلي لولا البراءة الشرعية كذلك الاول لجريان جميع ما سبق من التقريبات فيه، وعليه يترتب صحة المأتي به مشتملا على الزيادة وعدم لزوم الاحتياط بتركها سواء كان فعلها عن عمد تشريعا أم عن جهل قصورا أو تقصيرا أم عن سهو (قوله: تشريعا) يعني لو جاء بالزيادة بعنوان العبادة كما لو كان الواجب عبادة والا فلا ملازمة بين العمد والتشريع (قوله: أو جهلا) يعني باعتقاد كون الزيادة واجبة فلا تشريع حينئذ
* وان استقل العقل - لولا النقل - بلزوم الاحتياط لقاعدة الاشتغال. نعم لو كان عبادة وأتى ______________________________ سواء كان الجهل عن قصور أم تقصير (قوله: وان استقل) متعلق بقوله: فيصح (قوله: بلزوم) متعلق ب (استقل) (قوله: نعم لو كان عبادة) شروع في تحقيق حال الاشكال في صحة المأتي به المشتمل على الزيادة لا من جهة احتمال قدح الزيادة بذاتها بل من جهة فقد التقرب المعتبر في صحة العبادة، وهذا الاشكال يختص بالواجب العبادي دون التوصلي. وكأن وجه الاشكال: أن الفعل المشتمل على الزيادة ليس مأمورا به إذ الأمر إنما تعلق بما عدا الزيادة فالاتيان بالجموع بداعي الامر لابد أن يكون بداعي امر تشريعي غير الامر الواقعي، فلا يكون الفعل طاعة لامره فلا يصح بعد فرض اعتبار التقرب فيه لان التقرب إنما يكون بالفعل عن داعي امره لا عن داعي امر غيره (وتوضيح) دفع الاشكال: ان الزيادة الماتي بها - حسبما اشار المصنف (ره) - تارة تكون عمدا تشريعا، واخرى جهلا أو سهوا، فان كان الاول فالتشريع (تارة) يكون في نفس الأمر بذاته بان يلتزم بامر تشريعي غير الامر الواقعي قائم بالمجموع من الزيادة والمزيد فيه ويأتي بالزيادة بداعي هذا الامر الملتزم به (وأخرى) في نفس الأمر بحده بان يلتزم بكون الامر له سعة تشمل الزيادة بحيث يلتزم بمقدار من الوجوب الضمني قائم بالزيادة فيأتي بالزيادة بداعي هذا الوجوب الضمني الملتزم به (وثالثة) في نفس المأمور به بان يلتزم أن الواجب يشتمل على الزيادة تشريعا بلا تصرف في الامر اصلا، (ورابعة) بأن يلتزم بانطباق الخالي على ما يشمل الزيادة فلا تصرف في الأمر ولا في المأمور به ولكن في تطبيق المأمور به على المشتمل على الجزء، فيلتزم بانه هو هو نظير الاستعارة على مذهب السكاكي، ولا ينبغي التأمل في البطلان لو كان التشريع على الصورة الأولى لما ذكر المستشكل في تقرير الاشكال، أما لو كان على الصورة الثانية فالبطلان إنما يكون لو كان الاتيان بالاجزاء الواقعية عن اوامرها الضمنية مقيدا بدخول الزيادة في موضوع الأمر، بأن يكون تأثير تلك الاوامر في ايجاد متعلقاتها منوطا بانضمام
به كذلك على نحو لو لم يكن للزائد دخل فيه لما يدعو إليه وجوبه لكان باطلا مطلقا أو في صورة عدم دخله في لعدم تصور الامتثال في هذه الصورة مع استقلال العقل بلزوم الاعادة مع اشتباه الحال لقاعدة الاشتغال وأما لو أتى به على نحو يدعوه إليه على أي حال كان صحيحا ولو كان مشرعا في دخله الزائد فيه ______________________________ الزيادة إليها في موضوعيتها للامر، فان ذلك يوجب تحقق التقرب المعتبر في العبادة منوطا بالامر الضمني المذكور فإذا لم يكن للامر الضمني المذكور وجود واقعي لم يحصل التقرب، اما لو لم يكن تأثير تلك الاوامر منوطا في نظر المكلف بذلك بل كان بعثها له مطلقا فلا موجب لفقد التقرب، بل هو حاصل كما هو ظاهر لدى التأمل واما لو كان التشريع على النحوين الاخيرين فلا موجب للبطلان لصدور تلك الاجزاء عن امرها وهو عين التقرب المعتبر في العبادة، وان كان الثاني فحيث عرفت أنه لا تشريع اصلا غاية الامر أن المكلف اعتقد الامر بالزيادة فجاء بها فيبتني البطلان على كون الاتيان بالاجزاء عن اوامرها الضمنية كان بنحو التقييد أو مطلقا كما في الصورة الثانية المتقدمة، فان كان بنحو التقييد لم يحصل التقرب المعتبر والا فهو حاصل كما عرفت فلا وجه لدعوى البطلان بدعوى فقد التقرب بفعل الزيادة مطلقا. فلاحظ وتأمل (قوله: به كذلك) يعني عمدا تشريعا (قوله: على نحو لو لم) اشارة إلى صورة التقييد (قوله: باطلا مطلقا) يعني حتى في صورة الدخل واقعا، لكنه لا وجه له لتحقق داعوية الامر الواقعي حينئذ، إلا أن يدعى ان التقييد تحكم من العبد ينافي مقام عبوديته (وفيه) انه ممنوع (قوله: لعدم تصور) وذلك لعدم كون الامر الواقعي على ما هو عليه داعيا للمكلف إلى الفعل (قوله: في هذه الصورة) أي صورة عدم الدخل واقعا (قوله: مع اشتباه الحال) يعني إذا لم يعلم الدخل واقعا وعدمه. ووجه حكم العقل بالاعادة حينئذ الشك في تحقق الامتثال والتقرب الذى هو شرط في صحة العبادة (قوله: على نحو يدعوه إليه) يعني لم تكن داعوية الامر مشروطة بدخل الزيادة في الموضوع بل كانت
* بنحو مع عدم علمه بدخله فان تشريعه في تطبيق المأتي مع المأمور به وهو لا ينافي قصده الامتثال والتقرب به على كل حال ثم. انه ربما تمسك لصحة ما أتي به مع الزيادة باستصحاب الصحة وهو لا يخلو من كلام ونقض وإبرام خارج عما هو المهم في المقام ويأتي تحقيقه في مبحث الاستصحاب انشاء الله تعالى ______________________________ في جميع الاحوال (قوله: بنحو مع عدم) إذ لو كان مع ادخاله الزائد عن اعتقاد دخله لم يكن تشريعا ولو كان خطأ (قوله: فان تشريعه في تطبيق) يعني لا في ذات الامر حتى لا تكون الاطاعة للامر الواقعي، وقد عرفت امكان كون التشريع على نحو آخر في غير التطبيق (قوله: باستصحاب الصحة) الصحة المستصحبة (تارة) يراد بها موافقة الجزء السابق للأمر (وأخرى) كونه بحيث لو انضم إليه بقية الاجزاء لالتأم منه الكل (وثالثة) كونه معتدا به في حصول الكل (ورابعة) كونه باقيا على ما هو له من الأثر فان الجزء لما كان جزءا من الواجب الذي يترتب عليه الأثر كان مما يترتب عليه بعض الأثر لكونه بعض المؤثر (وخامسة) بمعنى تنجز الوجوب بالجزء اللاحق، حسبما ذكره بعض الاعيان في حاشيته على الرسائل حيث قال (ره): إن الامر بالاجزاء اللاحقة في مثل الصلاة وغيرها من العبادات إنما ينتنجز بعد الفراغ عن الجزء السابق، فوجوبها قبل الاتيان بالجزء السابق تعليقي وبعد الامتثال بكل جزء يتنجز الامر بما بعده، فمتي شك في طروء في الاثناء يشك المانع في ارتفاع الطلب التنجيزي عن الجزء اللاحق فيستصحب... الخ (فان أريد) الاول فلا مجال لاستصحابها لليقين ببقائها حتى مع القطع بطروء المفسد (وان أريد) الثاني فكذلك لليقين بالشرطية المذكورة، غاية الامر أن المفسد الطارئ مانع عن الانضمام. وان اريد من الانضمام مطلق الانضمام الخارجي فاحرازه لا يجدي في سقوط الامر كما لو احرز اجتماع تمام اجزاء الواجب مقرونة بطروء المفسد (وان اريد) الثالث فلا يجدي استصحابها في عدم مانعية الطارئ ولا في الاعتداد بالاجزاء اللاحقة، إذ هو على تقدير
مانعيته مانع من الاعتداد بالاجزاء اللاحقة كالسباقة على نسق واحد، لأن الوجه في اقتضاء الطارئ، عدم الاعتداد بالاجزاء السابقة أخذ عدمه قيدا في المركب، والمركب عبارة عن تمام الاجزاء فوجوده مانع من الاعتداد بالجميع. فتأمل (وان اريد) الرابع ففيه أنه إنما يصح الاستصحاب لو كان الطارئ المحتمل القدح على تقدير قدحه رافعا لأثر الاجزاء السابقة، أما لو كان مانعا من ترتب الأثر عليها أو رافعا لأثر الاجزاء اللاحقة، فلا مجال له للشك في ثبوت الاثر من اول الامر، وليس الشك في بقائه، مع أنه لو فرض كونه على تقدير قدحه رافعا لأثر الاجزاء السابقة لا غير، فالشك في بقاء الاجزاء السابقة لما كان ملازما للشك في ترتب الأثر على الاجزاء اللاحقة لتلازم الاجزاء في مقام التأثير، ولذا كان وجوبها ارتباطيا، فاستصحاب بقاء الأثر المترتب على الاجزاء السابقة لا يوجب العلم بترتب الأثر على الاجزاء اللاحقة واقعا كما هو ظاهر، ولا تعبدا الا بناء على القول بالاصل المثبت. فتأمل جيدا (وان اريد) الخامس ففيه أن اجزاء الواجب الارتباطي لما كانت وجوباتها الضمنية متلازمة في مقام الثبوت والسقوط لتلازم الغرض المقصود منها كان سقوط الوجوب القائم بأول الاجزاء بمجرد فعله ملازما لسقوط الوجوب القائم بآخرها في ظرفه، وحينئذ فطروء محتمل القادحية في الاثناء يوجب الشك في سقوط الوجوب القائم بالاجزاء السابقة من أول الأمر لا أن الوجوب القائم بها يسقط واقعا وبعروض القادح يثبت بعد السقوط، إذ هو ظاهر المنع، وإنما يحكم بسقوط الوجوب بفعل بعض الاجزاء جريا على ظاهر الحال أو غيره، وإلا فمن أول الامر يشك في السقوط للشك في لحقوق بقية الاجزاء على الوجه المعتبر إذ على تقدير عدم لحوقها واقعا لا سقوط من اول الامر لا أنها تسقط ثم تثبت كما توهم، بل التزم بعض الاساطين بعدم سقوط الوجوب القائم بالاجزاء السابقة الا بعد فعل تمام الاجزاء اللاحقة فتسقط جميعها في آن واحد، لكن التحقيق ما عرفت وان الوجوب الضمني القائم بكل جزء يسقط بمجرد فعل الجزء لكن منوطا بسقوط الامر بعده بفعله في ظرفه. فلاحظ (ثم إن) هنا
معنى آخر للصحة وهو القابلية بناء على أن شأن المانع رفع القابلية سواء كان المراد من القابلية قابلية الاجزاء السابقة للحوق الاجزاء اللاحقة بها أم قابلية الاجزاء اللاحقة للالتحاق بالسابقة ام قابليتهما، وحينئذ فإذا شك في مانعية الطارئ فقد شك في بقاء القابلية فيستصحب. هذا ولا يخفى ان استصحاب القابلية لا يصلح لاثبات الفعلية فلا محرز لفعلية الالتحاق التي هي موضوع سقوط الأمر (فان قلت) ترتب سقوط الامر على وجود المأمور به ليس ترتبا شرعيا فان سقوط الامر من اللوازم العقلية لوجود المأمور به، فاثبات فعلية الالتحاق لا يجدي في اثبات سقوط الامر (قلت): قد عرفت فيما سبق من مباحث العلم الاجمالي أن للشارع الاقدس التصرف في مقام الفراغ بجعل البدل بلسان ثبوت موضوع التكليف كما في جميع القواعد التي تعمل في مقام الفراغ مثل قاعدتي التجاوز والفراغ، والاستصحاب المثبت لاجزاء الواجب وشرائطه، مثل استصحاب الطهارة من الحدث الذي هو مورد صحيح زرارة المستدل به على حجية الاستصحاب، والسقوط وان كان من الاحكام العقلية لوجود المأمور به إلا أن ادلة الاصول المذكورة ترجع في الحقيقة إلى توسعة موضوع الحكم الواقعي بنحو يشمل مجاريها ظاهرا، ولازم ذلك سقوط الحكم بوجود الموضوع المصطنع بالاصل، وكما ان توسعة الموضوع واقعا امر شرعي كذلك توسعته ظاهرا، فإذا العمدة في سقوط مثل استصحاب القابلية كونه ليس اصلا موسعا للموضوع بنحو يكون مجديا في ترتب السقوط. فلاحظ وتأمل (وهناك) معنى آخر لاستصحاب الصحة وهو استصحاب نفس الشرط والجزء المعتبر في الواجب كما لو شك في ناقضية المذي للطهارة المعتبرة شرطا في الصلاة أو قاطعية الصفق للهيئة الاتصالية المعتبرة جزءا مثلا فيها، فانه بطروء المذي والصفق يستصحب كل من الطهارة والهيئة الاتصالية، ولا ينبغي الاشكال في صحة الاستصحاب المذكور. نعم يمكن الاشكال في عدم الدليل على اعتبار الهيئة الاتصالية في الصلاة حتى تستصحب مع الشك في طروء محتمل القاطعية وان ادعاه شيخنا المرتضي - اعلى
* (الرابع) أنه لو علم بجزئية شئ أو شرطيته في الجملة ودارا لامر بين أن يكون جزءا أو شرطا مطلقا ولو في حال العجز عنه وبين أن يكون جزءا أو شرطا في خصوص حال التمكن منه فيسقط الامر بالعجز عنه على الاول لعدم القدرة حينئذ على المأمور به لا على الثاني فيبقى معلقا بالباقي ولم يكن هناك ما يعين أحد الامرين من إطلاق دليل اعتباره جزءا أو شرطا أو إطلاق دليل المأمور به مع إجمال دليل اعتباره أو إهماله لاستقل العقل بالبراءة عن الباقي فان العقاب على تركه بلا بيان والمؤاخذة عليه بلا برهان (لا يقال): نعم ولكن قضية مثل حديث الرفع عدم الجزئية أو الشرطية إلا في حال التمكن منه ______________________________ بذلك اعم عرفا مما ادعاه، إذ المفهوم عرفا من ذلك كون الشئ مانعا من انضمام الاجزاء اللاحقة إلى الاجزاء السابقة على نحو يلتئم منها الكل ويترتب عليه الغرض والله سبحانه اعلم (قوله: ولو في حال العجز) بيان لوجه الاطلاق (قوله: ولم يكن هناك) معطوف على قوله: علم بجزئيته (قوله: من اطلاق دليل) يعني فتتعين جزئيته في حال العجز فيترتب على ذلك السقوط حاله لعدم القدرة، إلا أن ترفع اليد عن اطلاق دليل اعتباره جزءا أو شرطا بحديث رفع الاضطرار ويكون الحال كما لو لم يكن له اطلاق فيرجع إلى اطلاق دليل المأمور به - لو كان - فيثبت وجوب الباقي، وان لم يكن فالى اصالة البراءة عقلا ونقلا عنه، لكن رفع اليد عن اطلاق دليل الجزء أو الشرط بحديث رفع الاضطرار مشكل لأنه امتناني فلا يجري إذا لزم من جريانه خلاف الامتنان ووجوب الباقي خلاف الامتنان، وسيأتي نظيره في كلام المصنف (ره) (قوله: أو اطلاق دليل) يعني فيتعين عدم جزئيته أو شرطيته، ولازمه وجوب الباقي حال العجز عن التمام لعدم المانع (قوله: لاستقل العقل) جواب (لو) في قوله: لو علم بجزئية شئ... الخ (قوله: ولكن قضية مثل حديث) المراد من حديث الرفع (رفع ما لا يعلمون) لكون البحث عن حكم الشك كما تقدم مثله في النسيان. وحاصل
(فانه يقال): إنه لا مجال ههنا لمثله بداهة انه ورد في مقام الامتنان فيختص بما يوجب نفي التكليف لا اثباته (نعم) ربما يقال بان قضية الاستصحاب في بعض الصور وجوب الباقي في حال التعذر ايضا ولكنه لا يكاد يصح إلا بناء على صحة القسم الثالث من استصحاب الكلي ______________________________ الاشكال: ان الشك في وجوب الباقي ناشئ عن الشك في اعتبار المقدار المتعذر فإذا رفع اعتباره بحديث الرفع ثبت وجوب الباقي كما ثبت به وجوب الناقص في صورة النسيان حسب ما تقدم (قوله: لا مجال ههنا) يعني يفترق المقام عن النسيان بأن إجراء الحديث في المقام حال التعذر فيترتب عليه وجوب فعل الباقي فيكون الحديث موجبا لكلفة المكلف وهي خلاف الامتنان، وليس كذلك في النسيان لأن اجراءه فيه بعد الالتفات فيترتب عليه نفي وجوب الاعادة، وفي ذلك كمال الامتنان، واما فعل الناسي للناقص فليس مستندا إلى إجراء الحديث بوجه كما هو ظاهر. هذا ولكن عرفت امتناع اجراء الحديث في نظائر المقام ولو لم يكن امتنانيا لأن رفع الجزئية والشرطية المشكوكة لا يقتضي بنفسه ثبوت الباقي، لأن الحديث مسوق للرفع وليس فيه شائبة الاثبات، مع أن رفع التكليف فيه لا معنى له لارتفاعه عقلا بالتعذر، ورفع مباديه - مثل الدخل في الغرض - غير ممكن لانها لا تقبل الوضع والرفع التشريعيين بعد ما كانت واقعية ناشئة من مقتضياتها الذاتية، وهكذا الحال في النسيان ايضا (فان قلت): فما معنى رفع الخطأ والنسيان والاضطرار في حديث الرفع (قلت): لابد أن يحمل على رفع المؤاخذة في مورد لا يحكم العقل برفعها كما لو كان الخطأ أو نحوه عن تقصير في المقدمات فيكون في الحقيقة رفعا لوجوب التحفظ المؤدي إلى المؤاخذة، كما اشار إلى ذلك شيخنا الاعظم (قدس سره) في رسائله (قوله: نعم ربما يقال بان) هذا استدارك على قوله: لاستقل العقل بالبراءة... الخ، فان حكم العقل بالبراءة عن الباقي انما يكون إذا لم يكن حجة على وجوبه واستصحاب وجوبه حجة عليه فهو مقدم على
* البراءة، وللاستصحاب في المقام وجوه (الاول) استصحاب كلي الوجوب القائم بالباقي الجامع بين الوجوب النفسي والغيري فان الباقي في ظرف امكان التام واجب لغيره وبعد تعذره يحتمل وجوبه لنفسه فيستصحب كلي الوجوب مع الغض عن خصوصيتي الغيرية والنفسية (الثاني) استصحاب الوجوب النفسي له بدعوى اتحاده مع التام عرفا فيقال مثلا: كانت الصلاة واجبة وبعد تعذر جزء أو شرط لها باقية على وجوبها (الثالث) استصحاب الوجوب النفسي القائم بالباقي بناء على وجوب الاجزاء بالوجوب النفسي غاية الامر أن الوجوب المتيقن كان ضمنيا موجودا بحد الوجوب للتام والمشكوك استقلاليا موجودا بحد نفسه واختلاف الحدود لا يوجب تعدد وجود المحدود. هذه عمدة الوجوه التي تذكر في المقام (واورد) المصنف (ره) على الاول بانه من القسم الثالث من استصحاب الكلي حيث أن المتيقن من وجود الكلي كان في ضمن فرد معلوم الزوال والمشكوك في ضمن فرد مشكوك الحدوث، ومثله لا يصح كما سيأتي (ويمكن) ان يخدش بأن صفتي النفسية والغيرية من الجهات التعليلية التي لا يوجب اختلافها تعدد الوجوب فلو كان الباقي واجبا لنفسه كان وجوبه كذلك بقاء لوجوبه لغيره سابقا، غاية الامر أن حدوثه لملاك وبقاءه لملاك آخر، بل المحتمل أن يكون ملاك الوجوب النفسي فيه حاصلا من أول الأمر فيكون حدوث وجوبه لملاكين وبقاؤه لبقاء احدهما، فاين هو من القسم الثالث بل هو من القسم الاول. نعم يمكن الخدش فيه (اولا) بأنه مبني على وجوب الجزء لغيره وقد عرفت انه خلاف التحقيق لكنه اشكال في المبنى (وثانيا) بان استصحاب الوجوب بشخصه لا ينفع في حكم العقل بوجوب موافقته ما لم يحرز انه بملاك لنفسه لا لغيره بناء على عدم وجوب موافقة الوجوب الغيري، واحراز ذلك موقوف على القول بالاصل المثبت فتأمل (واورد) المصنف (ره) على الثاني بانه موقوف على المسامحة في موضوع الاستصحاب وهو محل الكلام لكن المختار للمصنف (ره) جواز المسامحة فيه إذا كان يصدق عرفا أن الشك في البقاء وان كان انما ينفع في المقام لو كان المتعذر مقدارا لا يمنع من لاتحاد عرفا دون ما لو
أو على المسامحة في تعيين الموضوع في الاستصحاب وكان ما تعذر مما يسامح به عرفا بحيث يصدق مع تعذره بقاء الوجوب لو قيل بوجوب الباقي وارتفاعه لو قيل بعدم وجوبه ويأتي تحقيق الكلام فيه في غير المقام. كما ان وجوب الباقي في الجملة ربما قيل بكونه مقتضى ما يستفاد من قوله - صلى الله عليه وآله: (إذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم) وقوله: (الميسور لا يسقط بالمعسور) (و قوله: (ما لا يدرك كله لا يترك كله) ودلالة الاول مبنية على كون كلمة (من) تبعيضية لا بيانية ولا بمعنى الباء وظهورها في التبعيض وإن كان مما لا يكاد يخفى الا أن كونه بحسب الأجزاء غير واضح ______________________________ كان بحيث منه عرفا (واما الوجه الثالث) فلا مجال للاشكال عليه حتى لو قبل بأن تعدد الملاك يوجب تعدد ذي الملاك عرفا وان لم يوجبه عقلا ودقة إذ من المحتمل - كما عرفت - بقاء الوجوب لبقاء ملاكه قبل التعذر غاية الأمر أن حدوثه لملاكين وبقاءه لاحدهما، وليس هو من تعدد الملاك الموجب لتعدد وجود ذيه. فلاحظ وتأمل (قوله: أو على المسامحة في) هذا الترديد لاختلاف وجه تقريب الاستصحاب كما عرفت (قوله: في غير المقام) يعني في آخر الاستصحاب. قاعدة الميسور (قوله: كلمة من تبعيضية لا بيانية) يحتمل في كلمة (من) ان تكون تبعيضية وهي التي يصح قيام كلمة بعض مقامها، نحو قوله تعالى: (منهم من كلم الله) وان تكون بيانية وهي التي يكون مدخولها جنسا نحو قوله تعالى: (أساور من ذهب وثيابا خضرا من سندس واستبرق) وأما كونها بمعنى الباء فلم ينقل عن أحد الا عن يونس مستشهدا عليه بقوله تعالى: (ينظرون اليك من طرف خفي) وانكره غيره وادعى انها في الآية للابتداء، لكن لو سلم فليس
لاحتمال أن يكون بلحاظ الافراد ولو سلم فلا محيص عن انه ههنا ______________________________ منه المقام، وكأن الوجه في احتماله: أن الاتيان يتعدى بالباء إلى المأتي به نحو قوله تعالى: (ومن يغلل يات بما غل)، وقوله تعالى: (إلا أن ياتين بفاحشة) وبنفسه إلى الماتي نحو قوله تعالى: (واللاتي ياتين الفاحشة) وتقول: جئتك بزيد وجئت زيدا بالمال. فيحتمل كونه هنا متعديا ب (من) إلى الماتي به على أنها بمعني الباء، وهو توهم ظاهر إذ لم تذكر التعدية من معاني (من) ولا ذكر معنى الباء من معانيها الا يونس على - ما حكي عنه - وليس مراده باء التعدية - كما هو ظاهر فالتردد ينبغي أن يكون بين المعنيين الاولين. فتأمل. والاستدلال يتوقف على كونها للأول إذ لو حملت على الثاني كانت دالة على وجوب التكرار وهو غير المقصود بالاستدلال بها كما هو ظاهر (قوله: لاحتمال ان يكون) يعني أن حملها على التبعيض إنما ينفع في الاستدلال لو حمل الشئ على الكل ذي الاجزاء أما لو حمل على العام ذي الافراد كانت من التبعيض في الافراد وهو غير محل الكلام. والتحقيق: أن كلمة شئ ظاهرة في الأمر الواحد فان جعل بمعنى الجنس كانت (من) بيانية، وان جعل بمعني الكل كانت تبعيضية، والعام ذو الافراد المتكثرة إن لوحظت افراده لحاظ اجزاء الكل كان داخلا في الكل غايته يكون من الاجزاء ماهية، وإلا امتنع حمل الشئ عليه لأنه ليس شيئا واحدا كما هو ظاهر، وعليه فإذا كان الظاهر هو التبعيض صح الاستدلال، ولا مجال للاشكال بالاجمال لاحتمال كون الحكم بلحاظ الافراد لأنها إن لوحظت على وجه تكون كلا فهي داخلة في اطلاق الرواية، وعلى وجه آخر تكون كثيرا فهي خارجة عنها بالمرة، فالعمدة حينئذ اثبات ظهور (من) في التبعيض، ويبعده أنها لو حملت على التبعيض فاما ان تتعلق بما استطعتم بجعل (ما) موصولة أو موصوفة، وهو خلاف الظاهر، أو بالاتيان بجعل ما مصدرية، وهو كذلك، بل لا معنى له، أو به بجعل (ما) موصولة أو موصوفة بدلا من (منه)، فهو كذلك ايضا فيتعين تعلقها
بهذا اللحاظ يراد حيث ورد جوابا عن السؤال عن تكرار الحج بعد أمره به فقد روي أنه خطب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (إن الله كتب عليكم الحج، فقام عكاشة - ويروى سراقة بن مالك - فقال: في كل عام يا رسول الله فاعرض عنه حتى أعاد مرتين أو ثلاثا فقال: ويحك وما يؤمنك أن أقول: نعم، والله لو قلت: نعم، لوجب ولو وجب ما استطعتم ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتم وإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم إلى أنبيائهم فإذا أمرتكم بشئ فاتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه، ومن ذلك ظهر الاشكال في دلالة الثاني أيضا حيث لم يظهر في عدم سقوط الميسور من الأجزاء بمعسورها لاحتمال إرادة عدم سقوط الميسور من أفراد العام بالمعسور منها. هذا مضافا إلى عدم دلالته على عدم السقوط لزوما لعدم اختصاصه بالواجب ولا مجال معه ______________________________ بالاتيان وجعل (ما) مصدرية وكونها بيانية. فتأمل جيدا (قوله: بهذا اللحاظ يراد) يعني بلحاظ الافراد (قوله: حيث ورد جوابا) مقتضى ذلك كونها بيانية لا تبعيضية بلحاظ الافراد. فتأمل، والمراد من الاستطاعة العرفية كما هو المراد منها من قوله: ولو وجب ما استطعتم، بقرينة قوله: ولو تركتم... الخ (قوله: لاحتمال ارادة عدم) إن كان المراد احتمال عدم سقوط الميسور من الافراد دون الاجزاء فلا وجه له لأنه خلاف الاطلاق، وان كان المراد احتمال ارادة ذلك مع ارادة عدم السقوط في الاجزاء فهو متعين لكونه مقتضى الاطلاق كما عرفت ولا يمنع من الاستدلال. وبالجملة: المفهوم أن كل ميسور مطلقا لا يسقط بالمعسور إلا أنه لما كان واردا مورد توهم السقوط اختص بالواجبات الضمنية سواء كانت افرادا لكلي ام اجزاء لكل لما عرفت من رجوع الاولى إلى الثانية، ويخرج منه الواجبات الاستقلالية حيث لا مجال لتوهم السقوط فيها (قوله: مضافا إلى عدم دلالته) يعني ان قوله: الميسور لا يسقط، يتعذر حمله على الوجوب لأنه
لتوهم دلالته على انه بنحو اللزوم إلا أن يكون المراد عدم سقوطه بما له من الحكم وجوبا كان أو ندبا بسبب سقوطه عن المعسور بان يكون قضية الميسور كناية عن عدم سقوطه بحكمه حيث ان الظاهر من مثله هو ذلك، كما أن الظاهر من مثل (لا ضرر ولا ضرار) هو نفي ماله من تكليف أو وضع لا أنها عبارة عن عدم سقوطه بنفسه وبقائه على عهدة المكلف كي لا يكون له دلالة على جريان القاعدة في المستحبات على وجه أولا يكون له دلالة على وجوب الميسور في الواجبات على آخر فافهم (وأما الثالث) فبعد تسليم ظهور كون الكل في المجموعي لا الأفرادي لا دلالة له إلا على ______________________________ يلزم منه خروج المستحبات إذا تعذر بعض اجزائها، إذ لا ريب في عدم وجوب الباقي فيها فيدور الامر بين تخصيصه بالواجبات وبين حمله على الثبوت ولو بنحو الاستحباب، والثاني اولى لأنه أظهر، وعليه فلا تدل على وجوب الباقي (قوله: الا ان يكون المراد) هذا استدارك على الاشكال ودفع له، وحاصله: ان المراد من عدم السقوط ليس مجرد المطلوبية حتى يرد الاشكال، بل عدم سقوط حكم الميسور، وحينئذ تقتضي في الواجبات وجوب الباقي، وفى المستحبات استحبابه فيتم المطلوب، والوجه في هذا المعنى: تعارف التعبير عن مقام ثبوت الحكم أو نفيه بثبوت موضوعه أو نفيه كما في (لا ضرر) بناء على ما سيأتي من كون المراد نفي الحكم الثابت للموضوع الضرري (قوله: على وجه) وهو حمل عدم السقوط على اللزوم (قوله: على آخر) وهو حمله على الثبوت في الجملة (قوله: فافهم) يمكن أن يكون إشارة إلى أن حمل عدم السقوط على البقاء في العهدة يلزم منه خروج المستحبات جزما إذ لا عهدة لها وانما تكون العهدة للواجبات فقط. هذا ولعل الأولى الجمود على ظاهر نسبة السقوط إلى نفس الميسور وحمله على ارادة عدم السقوط عن مقام التشريع وجوبا كان أو استحبابا (قوله: فبعد تسليم ظهور) قد عرفت الكلام فيه فيما سبق (قوله: لا دلالة له الا على) إلا أن يحمل على معنى لا يسقط - كما هو غير بعيد - فيكون
رجحان الاتيان بباقي الفعل المأمور به واجبا كان أو مستحبا عند تعذر بعض أجزائه لظهور الموصول فيما يعمهما وليس ظهور (لا يترك) في الوجوب لو سلم موجبا لتخصيصه بالواجب لو لم يكن ظهوره في الأعم قرينة على إرادة خصوص الكراهة أو مطلق المرجوحية من النفي، وكيف كان فليس ظاهرا في اللزوم ههنا ولو قيل بظهوره فيه في غير المقام (ثم) إنه حيث كان الملاك ______________________________ المراد منه عدم ارتباط الاجزاء في المصلحة عند تعذر بعضها فلاحظ (قوله: لو سلم) اشارة إلى الاشكال في ثبوت ظهور الجملة الخبرية في الوجوب إلا ان تكون (لا) ناهية لا نافيه (قوله: ظهوره) الضمير راجع إلى الموصول، ثم إن ما ذكره من تعارض ظاهري الحكم والموضوع جار في كثير من العمومات المخصصة التى بنوافيها على التخصيص بالتصرف في الموضوع فتأمل (قوله: ثم انه حيث كان الملاك) من الواضح أن لفظ الميسور كسائر الالفاظ الواقعة في الكتاب والسنة يرجع في تشخيص مفهومها إلى العرف، فإذا اخذ المفهوم منه يرجع في تشخيص مصداقه إلى العقل ولا اعتبار بتطبيق العرف ذلك المفهوم وعدمه اصلا إذ مهما طبق العقل ذلك المفهوم على مصداق حصل عنده صغرى وجدانية فيضمها إلى الكبرى الشرعية المستفادة من دليل القاعدة، ويستنتج منهما النتيجة، وان توقف العرف في التطبيق، ومهما توقف العقل عن التطبيق امتنع عنده الاستنتاج وان ثم التطبيق عند العرف إذ تطبيق العرف وعدمه مع الخطأ لا اعتبار به وعليه فإذا رجعنا إلى العرف لتشخيص مفهوم الميسور فوجدناه عندهم عبارة عن بعض مراتب ما اشتمل على المعسور امتنع انطباقه على المباين، ولازمه عدم وجوب الفاقد للشرط إذا كان الواجب هو الواجد له وقد تعذر ذلك الشرط لأن الفاقد ليس من مراتب الواجد بل مباين له فلا يكون ميسورا منه وان كان العرف يعد الفاقد ميسورا للواجد كان اللازم الحكم بوجوب الواحد من العشرة إذا كان الواجب هو العشرة وقد تعذر منها تسعة لكون الواحد بعض مراتب العشرة فيكون ميسورا
في قاعدة الميسور هو صدق الميسور على الباقي عرفا كانت القاعدة جارية مع تعذر الشرط ايضا لصدقه حقيقة عليه مع تعذره عرفا كصدقه عليه كذلك مع تعذر الجزء في الجملة وان كان فاقد الشرط مباينا للواجد عقلا، ولاجل ذلك ربما لا يكون الباقي الفاقد لمعظم الأجزاء أو لركنها موردا لها فيما إذا لم يصدق عليه الميسور عرفا وان كان غير مبائن للواجد عقلا (نعم) ربما يلحق به شرعا مالا يعد بميسور عرفا ______________________________ لها واقعا وان كان العرف لا يعدها ميسورا نعم ربما يكون خطأ العرف ممضى في نظر الشارع بتوسط مقدمات الاطلاق المقامي الجارية في كل ما يغفل عنه غالبا كما تقدم غير مرة فيكون تطبيق العرف وعدمه حينئذ حجة ايضا وعليه جرى المصنف (ره) في كلامه في المقام فلاحظ (قوله: الشرط ايضا) يعني كما تجرى مع تعذر الجزء (قوله: عليه مع تعذره عرفا) ضمير (عليه) راجع إلى الباقي وضمير (تعذره) إلى الشرط وقوله (عرفا) قيد لصدقه (قوله: عليه كذلك) يعني عرفا (قوله: الجزء في الجملة) لا مطلقا كما سيأتي (قوله: عقلا) قيد لقوله: (مباينا) (قوله: وان كان غير مبائن) بل كان بعض مراتبه لكن خفاء ذلك أوجب عدم عده ميسورا عرفا (قوله: بتخطئته للعرف) من الواضح ان اطلاق الميسور (تارة) يكون بلحاظ الحكم الوجوبي أو الاستحبابي (واخرى) بلحاظ الغرض الباعث على الحكم (فان) كان بلحاظ الاول فلا مجال لتخطئة العرف في تطبيقه وعدمه الا في مثل ما سبق بأن يقوم الدليل على أن الفاقد للشرط مثلا ليس ميسورا للواجد له وان كان وافيا بمعظم الغرض أو على أن الواحد ميسور للعشرة وان لم يكن وافيا الا بمقدار يسير من الغرض فان الدليل المذكور يكون تخطئه للعرف في تطبيقهم الميسور في الاول وعدمه في الثاني، ولا دخل للقيام بمعظم الغرض وعدمه في التخطئة، وان كان بلحاظ الغرض كان المعيار في صدق الميسور كون بعض الواجب وافيا بمقدار من الغرض، فإذا صدق الميسور عرفا على
بتخطئته للعرف وان عدم العد كان لعدم الاطلاع على ما هو عليه الفاقد من قيامه في هذا الحال بتمام ما قام عليه الواجد أو بمعظمه في غير الحال وإلا عد أنه ميسوره كما ربما يقوم الدليل على سقوط ميسور عرفي لذلك أي للتخطئة وانه لا يقوم بشئ من ذلك (وبالجملة) ما لم يكن دليل على الاخراج أو الالحاق كان المرجع هو الاطلاق ويستكشف منه أن الباقي قائم بما يكون المأمور به قائما بتمامه أو بمقدار يوجب ايجابه في الواجب واستحبابه في المستحب وإذا قام دليل على احدهما فيخرج أو يدرج تخطئة أو تخصيصا ______________________________ شئ لاعتقادهم وفاءه بمرتبة من الغرض أو لم يصدق عليه لاعتقادهم عدم وفائه بذلك جاز تخطئتهم إذا كان الواقع على خلاف اعتقادهم، ولا دخل لقلة الاجزاء وكثرتها في ذلك، فيتوقف الحكم بالتخطئة حينئذ على امور (الأول) كون القاعدة بلحاظ الغرض (الثاني) حصول الاعتقاد الخطئي عند العرف (الثالث) تعرض الدليل للتخطئة إذ لو دل على وجوب بعض الاجزاء عند تعذر الباقي لغرض أجنبي عن الغرض القائم بالتام لم يكن ذلك تخطئة للعرف في شئ اصلا، والاولان في نهاية من المنع إذ ليس دليل القاعدة ناظرا إلى مقام الوفاء بالغرض، وليس للعرف اعتقاد به إذ ليس لهم اطلاع على مقام الاغراض كما لا يخفى، ومن هنا يظهر لك الاشكال فيما يظهر من كلام المصنف (ره) كما سنشير إليه ايضا (قوله: بتخطئته للعرف) الضمير راجع إلى الشرع (قوله: والاعدانه) يعني وان كان العرف له الاطلاع على وفائه بالغرض عده ميسورا لكن عرفت أنه ممنوع فإذا الدليل لا يقتضي الا الالحاق بلا تخطئة (قوله: لذلك أي للتخطئة) بل هو ممنوع فليس الدليل الا مخصصا بحتا (قوله: هو الاطلاق) أي الاطلاق المقامي المقتضي لحجية تطبيق العرف (قوله: ويستكشف منه) بل لا يستكشف منه الا وفاؤه بغرض ما وان لم يكن من مراتب الغرض من التام (قوله: على احدهما) يعني الاخراج
في الأول وتشريكا في الحكم من دون الاندراج في الموضوع في الثاني فانهم (تذنيب) لا يخفى أنه إذا دار الامر بين جزئية شئ أو شرطيته وبين مانعته أو قاطعيته لكان من قبيل المتبائنين ولا يكاد يكون من الدوران بين المحذورين لامكان الاحتياط باتيان العمل مرتين مع ذاك الشئ مرة وبدونه أخرى كما هو اوضح من أن يخفى. خاتمة في شرائط الاصول (أما الاحتياط) فلا يعتبر في حسنه شئ أصلا بل يحسن على كل حال الا إذا كان موجبا لاختلال النظام ولا تفاوت فيه بين المعاملات والعبادات مطلقا ______________________________ والالحاق (قوله: في الاول) يعني الاخراج فانه قد يكون من التخطئة وقد يكون من التخصيص (قوله: وتشريكا) كان المناسب أن يقول بعده: أو تخطئة كما ذكره بقوله سابقا: نعم ربما يلحق... الخ (قوله: في الثاني) يعنى الالحاق (قوله: ولا يكاد يكون من) كأن وجه توهم كونه من الدوران بين المحذورين دوران وجود الشئ بين الوجوب والحرمة لأنه على تقدير الجزئية أو الشرطية يكون واجبا وعلى تقدير المانعية أو القاطعية يكون حراما، لكنه إنما يتم لو لم يمكن التكرار أما إذا امكن التكرار فلا، لأنه إذا فعله اولا يحتمل الموافقة على تقدير الجزئية أو الشرطية ولا يحتمل المخالفة حينئذ إذ لا حرمة في فعل المانع أو القاطع إذا امكن فعل الواجب ثانيا مقرونا بعدمه وإذا تركه ثانيا يحتمل الموافقة ولا يحتمل المخالفة كما هو ظاهر ولابد في باب الدوران بين المحذورين من احتمال الموافقة والمخالفة في كل واحد من الفعل والترك (قوله: فلا يعتبر في حسنه شئ) قد يقال كما يعتبر الفحص في البراءة يعتبر في الاحتياط أيضا إذ قد يؤدي ترك الفحص إلى ابتلاء المكلف بالتزاحم في الاحتياط بين احتمال الواجب الأهم واحتمال الواجب المهم فيجب عليه تقديم الاحتياط في الاول ولا يكون معذورا في ترك الثاني لاستناد تعذر الاحتياط
ولو كان موجبا للتكرار فيها و (توهم) كون التكرار عبثا ولعبا بأمر المولى وهو ينافي قصد الامتثال المعتبر في العبادة (فاسد) لوضوح أن التكرار ربما يكون بداع صحيح عقلائي مع أنه لو لم يكن بهذا الداعي وكان اصل اتيانه بداعي امر مولاة بلا داع له سواه لما ينافي قصد الامتثال وان كان لاعبا في كيفية امتثاله (فافهم) بل يحسن ايضا فيما قامت الحجة على البراءة عن التكليف لئلا يقع فيما كان في مخالفته على تقدير ثبوته من المفسدة وفوت المصلحة ______________________________ فيه إلى تقصيره في ترك الفحص المؤدي إلى ذلك لان المفروض كونه بحيث لو فحص لامكنه الجمع بين الواجبين المتزاحمين (وفيه) أن الملاك في حسن الاحتياط عقلا ليس الا كونه انقيادا إلى المولى، وهذا المعنى لا يفرق فيه بين الحالات، ومجرد كون ترك الفحص مؤديا إلى مخالفة الواقع إنما يقتضي وجوب الفحص للفرار عن المخالفة لا لاجل كونه دخيلا في حسن الاحتياط كما هو مقتضى دعوى كونه شرطا فيه كما هو واضح (قوله: ولو كان موجبا) بيان لوجه الاطلاق (قوله: فاسد لوضوح) تقدم الكلام فيه في القطع (قوله: امتثاله فافهم) لعله اشارة إلى أن كيفية الامتثال عبارة عن نفس فعل محتملات الواقع فإذا كانت كيفية الامتثال لعبا امتنع انطباق الاطاعة والانقياد عليها فلا يصح الواقع إذ كان عبادة (وفيه) ان اللعب انما ينطبق على الفعل عن الامر المحتمل فالفعل عن الامر المحتمل الذي هو الانقياد مأخوذ في موضوعه فلا ينافيه ولا يمنع من انطباقه (قوله: بل يحسن ايضا فيما) يعنى يحسن الاحتياط عقلا لو قام الدليل على نفي التكليف كما لو قام الخبر المعتبر على عدم وجوب شئ أو عدم حرمته فان كونه حجة شرعا على نفي التكليف لا ينافي حسن الاحتياط عقلا لأن الوجه في حسن الاحتياط كونه انقياد أو اطاعة حكمية وهو حاصل عند قيام الحجة على عدم التكليف لان احتمال ثبوته حاصل لاحتمال خطأ الحجة فيحسن عقلا الفعل في الاول والترك في الثاني برجاء موافقة الواقع (قوله: لئلا يقع) تعليل لحسن الاحتياط عقلا (قوله: في مخالفته على تقدير) ضمير مخالفته راجع إلى (الاحتياط) وضمير
* (وأما البراءة) العقلية فلا يجوز إجراؤها إلا بعد الفحص واليأس عن الظفر بالحجه على التكليف لما مرت الاشارة إليه من عدم استقلال العقل بها الا بعدهما (واما البراءة) النقلية فقضية إطلاق أدلتها ______________________________ ثبوته راجع إلى (ما) وقوله: من المفسدة الخ بيان ل (ما) وهذا بناء على ان قصد مثل ذلك كاف في تحقق الانقياد. (قوله: لما مرت الاشارة) يعني في الدليل الرابع من ادلة البراءة (قوله: من عدم استقلال العقل) ووجه توقف العقل عن حكمه بالبراءة قبل الفحص والياس احد امور (الاول) كون احتمال التكليف بيانا ومنجزا عند العقلاء كسائر الحجج العقلائية (الثاني) كون البيان الذي عدمه موضوع لقبح العقاب هو الحجة الواقعية فمع احتمال وجود الحجة لا يحرز موضوع القاعدة فلا حكم للعقل للشك في موضوعه (الثالث) كون البيان المذكور هو الحجة الواصلة لولا تقصير المكلف بترك الفحص فقبل الفحص لا يحرز عدم مثل هذه الحجة لجواز وصولها إلى المكلف بالفحص فلا حكم للعقل بقبح العقاب ويترتب على الاول حسن العقاب على مخالفة الواقع قبل الفحص وان لم تكن عليه حجة في الواقع لتحقق الحجة عليه وهي الاحتمال، وليس كذلك الاخيران ويترتب على الثاني حسن العقاب إذا كان حجة على التكليف في الواقع وان لم يمكن أن يعثر عليها بعد الفحص وليس كذلك الاخير فان حسن العقاب عليه مشروط بامرين وجود حجة على الواقع وكونها يعثر عليها بعد الفحص، ولو قلنا بان المراد بالبيان هو الحجة الواصلة فعلا جاز الرجوع إلى البراءة العقلية قبل الفحص بمجرد الشك لعدم وصول الحجة حينئذ والاول غريب وليس له نظير، وتوهم وجود النظير له وهو الشك في الفراغ قد عرفت ما فيه سابقا وان المنجز ليس هو الشك بل هو العلم المستمر حال الشك في الفراغ والثاني اضعف منه يظهر ذلك مما عرفت من لازمه والثالث قريب، ولكن الاخير منه اقرب لعدم صحة الاحتجاج في نظر العقلاء بوجود الحجة واقعا مع عدم وصولها إلى المكلف وجهله بها، ومجرد كونه قادرا على رفع جهله لا يصحح العقاب كما هو الحال في الشبهات الموضوعية ايضا (قوله: فقضية اطلاق ادلتها) حيث
وان كان هو عدم اعتبار الفحص في جريانها كما هو حالها في الشبهات الموضوعية إلا انه استدل على اعتباره بالاجماع وبالعقل فانه لا مجال لها بدونه حيث يعلم اجمالا بثبوت التكليف بين موارد الشبهات بحيث لو تفحص عنه لظفر به ولا يخفى أن الاجماع ههنا غير حاصل ونقله لوهنه بلا طائل فان تحصيله في مثل هذه المسألة مما للعقل إليه سبيل صعب لو لم يكن عادة بمستحيل لقوة احتمال أن يكون المستند للجل لولا الكل هو ما ذكر من حكم العقل وان الكلام في البراءة فيما لم يكن هناك على موجب ______________________________ أن الظاهر من ادلة البراءة مثل حديث الرفع والسعة ونحوهما أن موضوعها مجرد عدم العلم بالواقع وهو حاصل قبل الفحص كما هو حاصل بعده فليس في أدلتها اعتبار الفحص في جريانها. نعم لو كان موضوعها عدم الدليل على الواقع اشكل تطبيق ادلتها قبل الفحص للشك في الدليل، بل وبعد الفحص ايضا الا مع العلم بعدمه أو يجعل اليأس طريقا إلى عدمه أو يكون المراد منه ما يعثر عليه بالفحص نعم يمكن تطبيقها قبل الفحص أو بعده مع الشك لاصالة عدم الدليل (قوله: فانه لا مجال لها) بيان لوجه الاستدلال بالعقل (قوله: بحيث لو تفحص عنه) لولا هذا القيد لم ينفع الفحص في جواز الرجوع إلى البراءة إذ ما دام الشك في التكليف موجودا لم تخرج الواقعة عن كونها من اطراف العلم الاجمالي فيجب فيها الاحتياط، ولأجل تقييد المعلوم بالاجمال بالقيد المذكور يرجع إلى البراءة بعد الفحص لأنه لما لم يعثر على التكليف في الواقعة يكون التكليف المحتمل خارجا عن اطراف المعلوم بالاجمال فيسوغ الرجوع فيها إلى البراءة (قوله: ان الاجماع ههنا) يعنى الاجماع المحصل (قوله: فان تحصيله) يعنى على وجه يكشف عن رأي المعصوم عليه السلام (قوله: من حكم العقل) يعني الناشئ من العلم الاجمالي (قوله: ان الكلام في البراءة) تعرض للاستدلال بالعقل (قوله: فيما لم يكن هناك) هو مسلم لكن بقرينة غلبة وجود العلم المذكور وكون محل الكلام في المسألة ابتلائيا فعليا لا فرضي يكون الاستدلال بالعلم المذكور على وجوب الفحص ليس
* إما لانحلال العلم الاجمالي بالظفر بالمقدار المعلوم بالاجمال أو لعدم الابتلاء إلا بما لا يكون بينها علم بالتكليف من موارد الشبهات ولو لعدم الالتفات إليها (فالاولى) الاستدلال للوجوب بما دل من الآيات والاخبار على وجوب التفقه والتعلم والمؤاخذة على ترك التعلم في مقام الاعتذار عن عدم العمل بعدم العلم بقوله تعالى - كما في الخبر -: هلا تعلمت ______________________________ خروجا عن محل الكلام كما تقدم في نظيره (قوله: إنما لانحلال) قد تقدم الاشكال في انحلال العلم الاجمالي بالعلم التفصيلي اللاحق (قوله: ولو لعدم) لو وصلية متعلقة بعدم الابتلاء (قوله: فالاولى الاستدلال للوجوب بما) قد يقرب الاستدلال (تارة) بأن الامر بالعلم غيري لكونه مقدمة للعمل والامر الغيري لما كان معلوما للامر النفسي كشف بالإن عن الامر النفسي بالعمل قبل الفحص وهو ينافي عموم ادلة البراءة (وفيه) ان العلم ليس مقدمة للعمل بوجه لامكان الاحتياط مع الشك كما يلتزم به القائل بوجوبه قبل الفحص فيمتنع كون الامر به غيريا (واخرى) بأن الامر به طريقي نظير الامر بالعمل بالطريق فتخصص به ادلة البراءة كما لو قام دليل بالخصوص على وجوب الاحتياط قبل الفحص (وفيه) أن الامر الطريقي عين الامر الواقعي على تقدير المصادفة كما أن موضوعه عين موضوعه، وليس المقام كذلك لمبانية الامر بالعلم وللأمر الواقعي لاختلاف موضوعيهما إلا أن يجعل نظير الامر بالتبين في آية النبأ للدلالة على الردع عن خبر الفاسق وعدم حجيته فيحمل على ارادة عدم عذرية الجهل قبل الفحص في نظر الشارع فيكون دالا على وجوب الاحتياط حينئذ، ولزوم فعل الواقع المحتمل فيكون مقيدا لاطلاق ادلة البراءة (قوله: والمؤاخذة) معطوف على وجوب التفقه، وقوله: على ترك وفى مقام متعلقان به وقوله: بعدم العلم، متعلق بالاعتذار وقوله: بقوله، متعلق بالمؤاخذة، فان اللوم نوع من المؤاخذة فتأمل (قوله: كما في الخبر) اشارة إلى ما ورد في تفسير قوله تعالى: فلله الحجة البالغة، من أنه يقال للعبد
فيقيد بها أخبار البراءة لقوة ظهورها في ان المؤاخذة والاحتجاج بترك التعلم فيما لم يعلم لا بترك العمل فيما علم وجوبه ولو اجمالا فلا مجال للتوفيق بحمل هذه الاخبار على ما إذا علم اجمالا (فافهم) ولا يخفى اعتبار الفحص في التخيير العقلي أيضا بعين ما ذكر في البراءة فلا تغفل، ولا بأس بصرف الكلام في بيان بعض ما للعمل بالبراءة قبل الفحص من التبعة والأحكام، أما التبعة فلا شبهة في استحقاق العقوبة على المخالفة فيما إذا كان ترك التعلم والفحص مؤديا إليها فانها وان كانت مغفولة حينها وبلا اختيار الا انها منتهية إلى الاختيار وهو كاف في صحة العقوبة بل مجرد تركهما كاف في صحتها وان لم يكن مؤديا إلى المخالفة ______________________________ يوم القيامة: هل علمت فان قال: نعم قيل له: فهلا علمت ؟ وان قال: لا، قيل له: هلا تعلمت حتى تعمل (قوله: فيقيد بها اخبار) يعني ان نسبة هذه النصوص إلى اخبار البراءة نسبة المقيد إلى المطلق من حيث شمول أخبار البراءة لما قبل الفحص وبعده واختصاص هذه النصوص بالاول فتقدم عليها كما يقدم المقيد على المطلق، (ودعوى) أن النسبة بينها هي المباينة لان مورد هذه النصوص ترك العمل فيما علم وجوبه مثلا ولو اجمالا ومورد اخبار البراءة عدم العلم اصلا فلا موجب لتقييد الثانية بالأولى، (ممنوعة) بأن الظاهر من الاخبار خصوص صورة عدم العلم، إلا أن يكون المراد من عدم العلم عدم العلم التفصيلي فلا ينافي وجود العلم الاجمالي فيمكن حملها على خصوص صورة العلم الاجمالي، وحينئذ فلا تصلح لتقييد أدلة البراءة، لكنه خلاف الظاهر منها. فتأمل، ولعله اشار إليه بقوله: فافهم (قوله: اعتبار الفحص في التخيير) ولا مجال هنا للتشكيك المتقدم في اعتبار الفحص في البراءة العقلية من جهة علم المكلف هنا بجنس الالزام فيجب فيه الفحص لذلك وان لم نقل به فيها (قوله: اما التبعة فلا شبهة) يقع الكلام في امور (الاول) انه لا ينبغي التأمل في عدم حسن العقاب بترك التعلم إذا كان عمل المكلف موافقا للاحتياط إذ لا وجه له بعد تحقق الانقياد وعدم المخالفة الا دعوى وجوب التعلم
نفسيا وهو خلاف ظاهر الأدلة (الثاني) لا ينبغي التأمل في استحقاق العقاب بترك التعلم إذا كان العمل مخالفا للواقع مع التفات المكلف إليه حال العمل وشكه فيه فانه مقتضى النصوص المتقدمة (الثالث) هل يدور العقاب مدار مخالفة الواقع مطلقا أو يختص بما إذا لم يكن على خلافه طريق معتبر يعثر عليه بالفحص ؟ قولان، اقواهما الثاني، فانه لا يحسن في نظر العقل العقاب على مخالفة الواقع مع ترخيص الشارع في مخالفته واقعا الذي هو لازم قيام الطريق الواقعي على خلافه. ومجرد عدم علم العبد به لا أثر له في مانعيته من حسن العقاب. وهناك وجهان آخران وهما: دوران العقاب مدار مخالفة الطريق: ودورانه مدار مخالفة احدهما، يبتنيان معا على السببية التي هي خلاف ظاهر أدلة الحجية. ومن هنا يظهر أنه لو ترك الملكلف التعلم والاحتياط مع كونه شاكا في الالزام واقعا ولم يكن في الواقع إلزام في الواقعة لم يكن موجب للعقاب وان كان بالفحص يعثر على طريق يؤدي إلى الالزام لعدم مخالفة الواقع حينئذ. نعم يستحقه بالتجري بناء على استحقاق المتجري للعقاب (الرابع) لو ترك التعلم فغفل عن الواقع وعمل حال غفلته فخالف الواقع فصريح المصنف (ره) انه لا شبهة في استحقاق العقاب، والغفلة حال المخالفة لا تمنع من حسن العقاب عليها وان كانت حينئذ بلا اختيار لاستنادها إلى تقصيره في ترك التعلم، وقد تقرر غير مرة حسن العقاب على ما ليس بالاختيار إذا كان منتهيا إلى ما هو بالاختيار (فان قلت): قد تقدم أن العلم ليس من مقدمات العمل فكيف يكون تركه موجبا للمخالفة (قلت): العلم وان لم يكن مقدمة وجودية لذات العمل مل لكنه قد يكون تركه سببا لذهاب صورة الحكم أو الموضوع عن الذهن ولو بنحو الشك فيؤدي ذلك إلى مخالفة الواقع، ولذا ترى كثيرا من أهل البوادي والسواد الذين لم يتعلموا شرائع الدين الشريف غافلين عن كثير من الواجبات واحكامها فلا تحضر في ذهنه صورة الصلاة فضلا عن احتمال وجوبها من اول وقت الصلاة إلى آخره، وليس كذلك غيرهم ممن يعرف تلك الشرائع المقدسة كما هو ظاهر، فترك مثل هؤلاء للصلاة وغيرها من الواجبات وان لم يكن
مع احتماله لاجل التجري وعدم المبالات بها. نعم يشكل في الواجب المشروط والموقت ولو أدى تركهما قبل الشرط والوقت إلى المخالفة بعدهما فضلا عما إذا لم يؤد إليها ______________________________ عن التفات إليها حال الترك لكنه لما كان مستندا إلى التساهل في معرفة الاحكام كان مستندا إلى ما بالاختيار فيحسن عليه العقاب (فان قلت): لازم ذلك عدم الاكتفاء بالتعلم بل لابد من التحفظ على بقاء العلم لئلا تعرض الغفلة المؤدية إلى المخالفة (قلت): لا ضمير في التزام ذلك إذا كان المكلف يعلم بترتب الغفلة لو لم يتحفظ، وحديث رفع الخطأ مختص بصورة احتمال عدم الترتب. فتأمل، ولو فرض عمومه لصورة العلم بترتب الغفلة - كما هو مقضتى اطلاقه - كان هو الفارق بين ترك العلم رأسا المؤدي إلى الغفلة وترك التحفظ بعد العلم. اللهم إلا أن يدعى عمومه للمقامين كما هو ايضا مقتضى اطلاقه فيدل على عدم العقاب مطلقا (والتحقيق): ان الغفلة المؤدية إلى المخالفة انما تستند في الشاك والعالم معا إلى ترك التحفظ أو عدم الاهتمام بالحكم إذ مع احدهما لا تحصل الغفلة ولو مع الشك في الحكم ومع عدمها تحصل الغفلة ولو مع العلم بالحكم فيكون حال المتعلم للحم حال الشاك فيه في استناد الغفلة فيهما إلى ترك التحفظ أو عدم الاهتمام من دون فرق بينهما فلا يكون ترك التعلم في الجاهل مستندا إلى الغفلة، وحينئذ فيشتركان في استحقاق العقاب وعدمه شرعا عقلا لاتفاقهما في المناط فإذا بنى على معذورية العالم شرعا لحديث رفع الخطأ وان لم يكن معذورا عقلا فليبن على معذورية الجاهل ايضا كذلك لذلك الحديث، إلا أن يدعى تخصيص الحديث بالاول دون الثاني ولو لأخبار الامر بالتعلم، ويمكن أن يكون الوجه في التعلم حصول الاهتمام المانع من حصول الغفلة فتأمل جيدا (قوله: مع احتماله) يعني إذا كان المكلف يحتمل اداء ترك التعلم والفحص إلى المخالفة فان الاحتمال المذكور يوجب عليه الاحتياط بالتحفظ بالتعلم والفحص فتركهما حينئذ يكون تجريا وان لم يؤد إلى المخالفة لانه اقدام على احتمال مخالفة الواجب المنجز (قوله: فضلا عما إذا لم يؤد) يعني مع احتمال الاداء فهو
* حيث لا يكون حينئذ تكليف فعلي أصلا لا قبلهما وهو واضح ولا بعدهما وهو كذلك لعدم التمكن منه بسبب الغفلة ولذا التجأ المحقق الاردبيلي وصاحب المدارك - قدس سرهما - إلى الالتزام بوجوب التفقه والتعلم نفسيا تهيئيا فيكون العقوبة على ترك التعلم نفسه لا على ما أدى إليه من المخالفة فلا إشكال حينئذ في المشروط والموقت ويسهل بذلك الأمر في غيرهما ______________________________ اشارة إلى صورة التجري المتقدمة (قوله: حيث لا يكون حينئذ) تقرير للاشكال (قوله: وهو واضح) لأن الوجوب المشروط والموقت انما يكونان بعد الوقت والشرط على المشهور فلا يمكن أن يترشح منهما وجوب غيري يتعلق بالتعلم قبل الشرط والوقت، وهذا الاشكال قد تقدم منه (قدس سره) في مقدمة الواجب وتقدم عدم اختصاصه بالتعلم بل يطرد في بعض المقدمات الوجودية التي تجب قبل الوقت مثل السفر للحج والغسل للصوم ونحوهما بل حكي الاجماع على عدم جواز إراقة الماء قبل الوقت إذا علم عدم تيسره له بعده، والجواب عن الجميع لابد ان يكون بوجه واحد (قوله: نفسيا تهيئيا) قد تقدم الاشكال عليه بان الواجب التهيئي ما يجب مقدمة للخطاب بواجب آخر كما سيأتي في قبال الواجب الغيري وهو ما يجب لكونه مقدمة لواجب آخر وحينئذ فالالتزام به لا يرفع الايراد لان المقصود من الواجب التهيئي وهو الخطاب ليس مرادا بنفسه بل مقدمة لحصول الغرض منه، فيكون الواجب التهيئي مقدمة لذلك الغرض فإذا كانت غرضية الغرض منوطة بوجود الشرط أو الوقت كيف يجب ما هو مقدمة له قبلهما كما هو ظاهر ؟ ______________
لو صعب على أحد ولم تصدق كفاية الانتهاء إلى الاختيار في استحقاق العقوبة على ما كان فعلا مغفولا عنه وليس بالاختيار، ولا يخفى أنه لا يكاد ينحل هذا الاشكال إلا بذلك أو الالتزام يكون المشروط أو الموقت مطلقا معلقا لكنه قد اعتبر على نحو لا تتصف مقدماته الوجودية عقلا بالوجوب قبل الشرط أو الوقت غير التعلم فيكون الايجاب حاليا وان كان الواجب استقباليا قد أخذ على نحو لا يكاد يتصف بالوجوب شرطه ولا غير التعلم من مقدماته قبل شرطه أو وقته، وأما لو قيل بعدم الايجاب إلا بعد الشرط والوقت كما هو ظاهر الأدلة وفتاوي المشهور ______________________________ مضافا إلى أنه لا معنى لايجاب التعلم مقدمة للخطاب بالواجب لان ما يتعلم ان كان ذلك الخطاب امتنع ان يكون التعلم من مقدماته لوجوب كونه مفروض الثبوت مع قطع النظر عن العلم والا كان خلفا أو لزم الدور على المشهور، وان كان غيره بان يلتزم مثلا بوجوب تعلم وجوب الصلاة ليخاطب بوجوب الصوم فذلك مما لا يمكن الالتزام به، مع انه يؤدي إلى دعوى عدم وجوب تعلم وجوب الصوم مثلا فيلزم التفكيك بين الاحكام في وجوب التعلم (قوله: لو صعب على احد) يعني لو استشكل احد في حسن العقاب على ما لا بالاختيار لانتهائه إلى ما بالاختيار ولم يسعه نفي العقاب أمكن له ان يلتزم بان العقاب على ترك التعلم لا على ترك الواقع فقوله: (كفاية) فاعل (صعب) و (تصدق) على التنازع (قوله: على نحو لا تتصف) فلا يجب فعل سائر المقدمات قبل الوقت بأن يكون الواجب منها هو الجامع بين فعلها في الوقت مطلقا وفعلها قبله من باب الاتفاق فيمتنع تعلق الوجوب الغيري بها قبل الوقت لأنه يكون حينئذ وجودها بدعوة الوجوب لا من باب الاتفاق (قوله: بالوجوب شرطه) بان يكون الشرط وجوده من باب الاتفاق فيمتنع ان يتشرح إليه وجوب غيري كما عرفت، ولولاه كان مقتضي كونه قيدا في الواجب وجوب تحصيله كسائر القيود. ثم ان هذا الوجه قد فر به عن الاشكال
فلا محيص عن الالتزام بكون وجوب التعلم نفسيا لتكون العقوبة - لو قيل بها - على تركه لا على ما أدى إليه من المخالفة ______________________________ شيخنا الاعظم (ره) كما تقدم في مبحث مقدمة الواجب وتقدم ما عليه (قوله: فلا محيص عن الالتزام) قد عرفت الاشارة في ذلك المبحث إلى امكان اندفاعه بأن تبعية الوجوب الغيري للنفسي لا تقتضي تبعيته له في جميع الخصوصيات إذ لا ريب في أن الوجوب المطلق إذا كان لمتعلقه مقدمات لا يصلح للمحركية إلى متعلقه الا بعد فعل المقدمات والوجوب الغيري له فعلية المحركية إلى تلك المقدمات فإذا جاز اختلافهما في هذا المقدار جاز اختلافهما في غيره. فنقول: الوجوب النفسي إذا كان منوطا بشئ غير حاصل وان كان يتبعه وجوب غيري ايضا يكون منوطا بذلك الشئ لكن يجوز اختلافهما في كيفية الاناطة فيكون الوجوب النفسي منوطا به بنحو الاناطة بالشرط المتقدم والوجوب الغيري منوطا به بنحو الاناطة بالشرط المتأخر، مثلا حسن شرط الدواء منوط بوجود المرض بنحو الشرط المتقدم إذ لا يحسن الشرب الا بعد وجود المرض وحسن احضار الدواء وتهيئته منوط بوجود المرض مطلقا ولو بنحو الشرط المتأخر، فانه يحسن احضار الدواء إذا كان يوجد المرض في المستقبل، وهكذا حسن اكل الطعام منوط بالجوع قبله لكن حسن احضار الطعام منوط بالجوع ولو بعده فوجوب التعلم منوط بالشرط ولو بنحو الشرط المتأخر لكن نفس الوجوب منوط به بنحو الشرط المتقدم (وان شئت قلت): العلم بوجود الشرط في المستقبل مثل وجود المرض أو الجوع أو نزول الضيف يوجب ترجح احضار الطعام أو الدواء فعلا فتتعلق به الارادة التكوينية أو التشريعية الغيريتان. هذا مع أن إشكال لزوم التعلم عقلا قبل الشرط والوقت لا يتوقف على اثبات وجوبه شرعا حتى يلتزم بأنه واجب نفسي أو غيري بل لو لم نقل بوجوبه شرعا نفسيا أو غيريا يمكن اندفاعه بقبح تعجيز العبد نفسه عقلا عن القيام بالواجب بلا فرق بين الواجب المطلق والمشروط ولا بين ما قبل الشرط وما بعده، فكما لا يجوز في نظر العقل
ولا بأس به كما لا يخفى، ولا ينافيه ما يظهر من الاخبار من كون وجوب التعلم انما هو لغيره لا لنفسه حيث أن وجوبه لغيره لا يوجب كونه واجبا غيريا يترشح وجوبه من وجوب غيره فيكون مقدميا بل للتهيئ لايجابه (فافهم) وأما الأحكام فلا اشكال في وجوب الاعادة في صورة المخالفة بل في صورة الموافقة ايضا في العبادة فيما لا يتأتي منه قصد القربة وذلك لعدم الاتيان بالمأمور به مع عدم دليل على الصحة والاجزاء ______________________________ تعجيز العبد نفسه عن القيام بالواجب المطلق أو المشروط بعد حصول الشرط لا يجوز في نظره تعجيز نفسه عنه قبل حصوله فان ذلك كله اخلال بالغرض وتفريت له يستحق عليه العقاب، وإذا ثبت ذلك ثبت لزوم التعلم عقلا قبل حصول الشرط أو الوقت فلو تركه عامدا استحق العقاب، وهذا غاية ما يقصده القائل بوجوب التعلم وليس مقصوده مجرد اثبات وجوبه شرعا حتى يتكلف له بما ذكر من الوجوه (فان قلت): اثبات وجوبه شرعا كاف في استحقاق العقاب على تركه وان لم نقل بقبح تعجيز العبد نفسه قبل الوقت أو الشرط مع العلم بهما (قلت): الوجوب الغيري لا أثر له في حسن العقاب بل يكون تبع الوجوب النفسي فإذا فرضنا ان قبح التعجيز غير ثابت كان ذلك التزاما باعتبار القدرة حال الوجوب النفسي فالعجز حاله ولو باختيار المكلف عذر في نظر العقل فلا يتنجز الوجوب النفسي فلا يوجب العقاب على مخالفته فلا اثر للوجوب الغيري قبل الوقت ولو كان شرعيا. نعم لابد من الالتزام بأحد الوجوه في تصحيح المقدمات العبادية التي يؤتى بها قبل الوقت والشرط بقصد الوجوب (قوله: ولا بأس به) قد عرفت ما فيه، مضافا إلى أن لازم ذلك عدم المقيد لاطلاق أدلة البراءة لانحصار المقيد باوامر التعلم بناء على كونها طريقية ولو كانت نفسية لم تصلح لتقييد تلك الاطلاقات، والى أن حمل اوامر التعلم على النفسية انما يدفع الاشكال عن وجوب التعلم قبل الوقت ولا يقتضي دفع الاشكال عن وجوب فعل بعض المقدمات الاخر، فلو بني على حمل اوامرها على النفسية كالامر بالتعلم فربما لا يكون امر ببعضها مع العلم بكونها مقدمة (قوله: فافهم)
إلا في الاتمام في موضع القصر أو الاجهار أو الاخفات في موضع الآخر فورد في الصحيح وقد أفتى به المشهور صحة الصلاة وتماميتها في الوضعين مع الجهل مطلقا ولو كان عن تقصير موجب لاستحقاق العقوبة على ترك الصلاة المأمور بها لان ما أتى بها وان صحت وتمت الا انها ليست بمأمور بها (إن قلت): كيف يحكم بصحتها مع عدم الامر بها ؟ وكيف يصح الحكم باستحقاق العقوبة على ترك الصلاة التي أمر بها حتى فيما إذا تمكن مما أمر بها كما هو ظاهر إطلاقاتهم بان علم بوجوب القصر أو الجهر بعد الاتمام والاخفات وقد بقي من الوقت مقدار إعادتها قصرا أو جهرا، ضرورة أنه لا تقصير ههنا يوجب استحقاق العقوبة. وبالجملة كيف يحكم بالصحة بدون الامر ؟ وكيف يحكم باستحقاق العقوبة مع التمكن من الاعادة لولا الحكم ______________________________ لعله اشارة إلى بعض ما ذكرنا (قوله: صحة الصلاة) هو فاعل (فورد في الصحيح) اما الصحيح الدال على الاول فهو صحيح زرارة ومحمد بن مسلم قالا قلنا لابي جعفر (ع): رجل صلى في السفر اربعا ايعيد ام لا ؟ قال (ع): إن كان قرئت عليه آية التقصير وفسرت له فصلى اربعا اعاد وان لم يكن قرئت عليه ولم يعلمها فلا اعادة عليه، واما الصحيح الدال على الثاني فهو صحيح زرارة عن ابي جعفر (ع) عن رجل جهر فيما لا ينبغي الاجهار فيه واخفى فيما لا ينبغي الاخفاء فيه فقال (ع): أي ذلك فعل متعمدا فقد نقض صلاته وعليه الاعادة فان فعل ذلك ناسيا أو ساهيا أو لا يدري فلا شئ عليه وقد تمت صلاته (قوله: انها ليست بمأمور بها) اقول: يمكن دعوى كونها مأمورا بها بأن يكون الجامع بين القصر والتمام مشتملا على مصلحة ملزمة ويكون في خصوص القصر مصلحة كذلك فيكون القصر من قبيل الصلاة في المسجد وصلاة التمام من قبيل الصلاة في البيت فالقصر افضل الفردين لاشتماله على مصلحتين يكونان منشأ لتأكد ارادته كالصلاة في المسجد بلا فرق، غير ان مصلحة الصلاة في المسجد الزائدة على مصحلة كلي الصلاة غير ملزمة والمصحلة الزائدة في القصر ملزمة يحرم تفويتها (قوله: لولا الحكم) منه يظهر اشكال آخر وهو انه
شرعا بسقوطها وصحه ما اتى بها ؟ (قلت): إنما حكم بالصحة لاجل اشتمالها على مصلحة تامة لازمة الاستيفاء في نفسها مهمة في حد ذاتها وان كانت دون مصلحة الجهر والقصر وإنما لم يؤمر بها لاجل أنه أمر بما كانت واجدة لتلك المصلحة على النحو الاكمل والاتم وأما الحكم باستحقاق العقوبة مع التمكن من الاعادة فانها بلا فائدة إذ مع استيفاء تلك المصلحة لا يبقي مجال لاستيفاء المصلحة التي كانت في المأمور بها ولذا لو أتى بها في موضع الآخر جهلا مع تمكنه من التعلم فقد قصر ولو علم بعده وقد وسع الوقت فانقدح أنه لا يتمكن من صلاة القصر صحيحة بعد فعل صلاة الاتمام ولا من الجهر كذلك بعد فعل صلاة الاخفات وإن كان الوقت باقيا (ان قلت): على هذا يكون كل منهما في موضع الآخر سببا لتفويت الواجب فعلا وما هو السبب لتوفيت الواجب كذلك حرام وحرمة العبادة موجبة لفسادها بلا كلام (قلت): ليس سببا لذلك غايته أنه يكون مضادا له وقد حققنا في محله أن الضد وعدم ضده متلازمان ليس بينهما توقف اصلا (لا يقال): على هذا فلو صلى تماما أو صلى إخفاتا في موضع القصر والجهر مع العلم بوجوبهما في موضعهما لكانت صلاته صحيحة وان عوقب على مخالفة الأمر بالقصر أو الجهر (فانه يقال): لا بأس بالقول به لو دل دليل على انها تكون مشتملة على المصلحة ولو مع العلم لاحتمال اختصاص أن يكون كذلك في صورة الجهل ______________________________ كيف يسقط الامر بالقصر قبل خروج الوقت بدون فعله ؟ (قوله: وانما لم يؤمر بها) قد عرفت امكان الامر بها بنحو تعدد المطلوب ولعل مقصوده انه لم يؤمر بها تعيينا (قوله: فانها بلا فائدة) كان المناسب ان يقول: فلأنها - اي الاعادة قصرا - بلا فائدة، لعدم امكان تدارك مصلحتها الفائتة بفعل التمام ولذا صار مقصرا بفعل القصر مستحقا عليه العقاب (قوله: لا يبقى مجال)
ولا بعد أصلا في اختلاف الحال فيها باختلاف حالتي العلم بوجوب شئ والجهل به كما لا يخفى. وقد صار بعض الفحول بصدد بيان إمكان كون المأتي في غير موضعه مأمورا به بنحو الترتب وقد حققنا في مبحث الضد امتناع الامر بالضدين مطلقا ولو بنحو الترتب بما لا مزيد عليه فلا نعيد، ثم إنه ذكر لاصل البراءة شرطان آخران (أحدهما) أن لا يكون موجبا لثبوت حكم شرعي من جهة أخرى (ثانيهما) أن لا يكون موجبا للضرر على آخر، ولا يخفى أن أصالة البراءة عقلا ونقلا في الشبهة البدوية بعد الفحص لا محالة تكون جارية وعدم استحقاق العقوبة الثابت بالبراءة العقلية والاباحة ورفع التكليف الثابت بالبراءة النقلية لو كان موضوعا لحكم شرعي أو ملازما له فلا محيص عن ترتبه عليه بعد إحرازه ______________________________ به يندفع الاشكال الثالث الذي ذكرناه (قوله: بنحو الترتب) يعني بان يؤمر بالتمام على تقدير عصيان الأمر بالقصر الحاصل بامتناع حصول مصلحته لكن بنحو الشرط المتأخر فإذا فرض تحقق العصيان ولو بعد فعل التمام كان مأمورا بالتمام من أول الامر (فان قلت): الموجب لامتناع حصول مصلحة القصر فعل التمام فاناطة الامر بالتمام بامتناع المصلحة موجبة لاناطته بفعل التمام لأن المنوط بالمعلول منوط بعلته واناطة الامر بالتمام بفعل التمام محال لأنه طلب الحاصل (قلت): هذا مبني على أن عدم علة أحد الضدين مقدمة لوجود الضد الآخر لان بديله وهو وجود علة احد الضدين علة لعدم الآخر وهو غير مبني عدم اقتضاء الامر بالشئ النهي عن ضده. فتأمل (قوله: امتناع الامر بالضدين) قد عرفت انه لم يتضح الوجه في الامتناع (قوله: ذكر لاصل البراءة) الذاكر هو الفاضل النراقي (ره) (قوله: آخران) يعني غير شرط الفحص (قوله: لا محالة تكون جارية) أما الثانية فلاطلاق أدلتها التي لم يخرج عنها الا فيما قبل الفحص كما عرفت. وأما الاولى فلانه ان احتمل اعتبار شئ فيها فهو الفحص فمع حصوله تجري بلا توقف على شئ آخر (قوله: وعدم استحقاق العقوبة) يعني فإذا جرت البراءة
فان لم يكن مترتبا عليه بل على نفي التكليف واقعا فهي وإن كانت جارية إلا أن ذاك الحكم لا يترتب لعدم ثبوت ما يترتب عليه بها وهذا ليس بالاشتراط، وأما اعتبار أن لا يكون موجبا للضرر فكل مقام تعمه قاعدة نفي الضرر وإن لم يكن مجال فيه لاصالة البراءة كما ______________________________ العقلية والنقلية وثبت مضمونها اعني عدم استحقاق العقوبة ورفع التكليف وكان مضمونهما ملزوما لحكم شرعي أو ملازما له لابد من العلم بذلك الحكم شرعي لأن العلم بالملزوم يوجب العلم باللازم وكذا العلم بالملازم يوجب العلم بملازمه فان كان مقصود المشترط انها لا تجري اصلا بعد الفحص في مثل هذا المقام فذاك خلاف أدلتها وان كان مقصوده أنها تجري لكن لا يترتب الحكم اللازم أو الملازم فذاك خلاف الدليل الدال على اللزوم أو الملازمة (فان قلت): سلمنا ترتب اللازم لكن نمنع ترتب الملازم لأنه موقوف على القول بالاصل المثبت (قلت): هذا لا يرتبط بالاصل المثبت لأن المفروض ان الحكم الملازم ملازم للبراءة النقلية أعني رفع الحرمة مثلا ظاهر فإذا علم بوجود الملازم بمقتضي حديث الرفع مثلا لابد أن يعلم بملازمه. نعم إذا كان الأثر ملازما للواقع، وكان الاصل مثبتا للواقع ظاهرا كان اثبات الملازم به موقوفا على القول بالاصل المثبت ولكن الفرض ليس كذلك بل الاثر لازم أو ملازم لنفس مضمون البراءة العقلية أو النقلية (قوله: فان لم يكن مترتبا) يعني وان كان الاثر لازما لنفي التكليف واقعا جرت أصالة البراءة بعد الفحص ولكن لا يترتب لاجلها ذلك الاثر لعدم احراز موضوعه إذ ليس مفاد حديث الرفع الا رفعه ظاهرا (فان قلت): ما الفرق بينه وبين استصحاب عدم التكليف الذي لا ريب في انه يترتب عليه اثر نفي التكليف واقعا (قلت): الفرق أن مفاد الاستصحاب اثبات النفي الواقعي ظاهرا فيترتب عليه آثار نفس النفي الواقعي ومفاد حديث الرفع النفي ظاهرا للتكليف الواقعي ولا تعرض له للنفي الواقعي، وقد تقدم نظير هذا في الفرق بين اصالة الحل واستصحاب الحل على
هو حالها مع سائر القواعد الثابتة بالادلة الاجتهادية إلا أنه حقيقة لا يبقى لها مورد، بداهة أن الديل الاجتهادي يكون بيانا وموجبا للعلم بالتكليف ولو ظاهرا فان كان المراد من الاشتراط ذلك فلابد من اشتراط أن لا يكون على خلافها دليل اجتهادي لا خصوص قاعدة الضرر فتدبر والحمد لله على كل حال (ثم) انه لا بأس بصرف الكلام إلى بيان قاعدة الضرر والضرار على نحو الاقتصار وتوضيح مدركها وشرح مفادها وايضاح نسبتها مع الادلة المثبتة للأحكام الثابتة للموضوعات بعناوينها الاولية أو الثانوية وإن كانت أجنبية عن مقاصد الرسالة إجابة لالتماس بعض الاحبة فاقول وبه استعين: إنه قد استدل عليها باخبار كثيرة منها موثقة زرارة عن ابي جعفر: ان سمرة بن جندب كان له عذق في حائط لرجل من الانصار وكان منزل الانصاري بباب البستان وكان سمرة يمر إلى نخلته ولا يستأذن فكلمه الانصاري أن يستأذن إذا جاء فابى سمرة فجاء الانصاري إلى النبي صلى الله عليه وآله فشكى إليه فاخبر بالخبر فارسل رسول الله وأخبره بقول الانصاري وما شكاه فقال: إذا أردت الدخول فاستأذن فأبى فلما أبى فساومه حتى بلغ من الثمن ما شاء الله فابى أن ______________________________ مذاق المصنف (ره) (قوله: هو حالها) الضمير راجع إلى البراءة وكذا ضمير لها في قوله: (لا يبقى لها) (قوله: لا يبقى لها مورد) يعني لا يبقى للبراءة مورد مع جريان قاعدة الضرر لا أن عدم القاعدة شرط في جريانها لان الشرط انما يطلق مع احراز المقتضي لا مع عدم المقتضي كما في المقام (قوله: يكون بيانا) يعني فيمنع من جريان البراءة لانها انما تجري مع عدم البيان (قوله: لا خصوص) لعدم الفرق بين القواعد الاجتهادية في رفع مورد البراءة قاعدة نفى الضرر (قوله: موثقة زرارة) قد رواها في الوسائل عن الكافي عن عدة من
يبيعه فقال: لك بها عذق في الجنة فأبى أن يقبل فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله - للانصاري: اذهب فاقلعها وارم بها إليه فانه لا ضرر ولا ضرار، وفي رواية الحذاء عن أبي جعفر (ع) مثل ذلك إلا انه فيها بعد الاباء: ما أراك يا سمرة إلا مضارا اذهب يا فلان فاقلعها وارم بها وجهه، إلى غير ذلك من الروايات الواردة في قصة سمرة ______________________________ اصحابنا عن احمد بن محمد بن خالد عن أبيه عن عبد الله بن بكير عن زرارة عن ابي جعفر (ع) وتسميتها موثقة لأن في سندها ابن بكير وهو فطحي وان كان من اصحاب الاجماع، والسند معتبر إذ العدة فيهم مثل على بن ابراهيم القمي الشهير صاحب التفسير، واحمد بن محمد البرقي، وثقه الشيخ والنجاشي وغيرهما، والطعن فيه بانه يعتمد المراسيل ويروي عن الضعفاء ليس طعنا فيه - كما عن ابن الغضائري - بل في من يروي عنه وابوه وثقه الشيخ والعلامة، وعن النجاشي انه كان ضعيفا في الحديث، وعن جدي (ره) في تكملته: المشهور بين الفقهاء العمل بروايته كما اعتمده العلامة (ره)، وحيث كان الجارح له هو النجاشي وهو اسطوانة اهل هذا الفن ولا مجال لرد كلامه اخذوا في تأويل كلامه، واطال الكلام في نقل كلماتهم، وحاصل ما ارتضاه ان المراد انه يروي عن الضعفاء وهو كلام متين - كما قيل - واما زرارة فحاله في الجلالة أظهر من ان يذكر وأشهر من ان يسطر، ثم إن المتن المذكور في نسختي من الوسائل يخالف يسيرا ما هو مذكور في المتن وان كان لا يقدح في الدلالة فراجع (قوله: وفى رواية الحذاء) هو ابو عبيدة زياد بن عيسى وثقه النجاشي والعلامة وسعد بن عبد الله الاشعري، رواها عنه الحسن بن زياد الصيقل ولم ينص على توثيقه احد، لكن روى عنه جماعة من الاعيان منهم اربعة من اصحاب الاجماع ومنهم يونس بن عبد الرحمن كما في هذا السند ولا يبعد دلالة ذلك على توثيقه، واما طريق الصدوق إليه فمعتبر فليراجع (قوله: مثل ذلك) بل مع اختلاف يسير ايضا (قوله: فاقلعها وارم بها) الموجود في نسختي فاقطعها واضرب بها (قوله: الواردة في قصة سمرة)
* وغيرها وهي كثيرة وقد ادعي تواترها مع اختلافها لفظا وموردا فليكن المراد به تواترها اجمالا بمعنى القطع بصدور بعضها، والانصاف أنه ليس في دعوى التواتر كذلك جزاف وهذا مع استناد المشهور إليها موجب لكمال الوثوق بها وانجبار ضعفها مع أن بعضها موثقة فلا مجال للاشكال فيها من جهة سندها كما لا يخفى وأما دلالتها ______________________________ لم اعثر في قصة سمرة الا على الروايتين أعني روايتي زرارة والحذاء عن أبي جعفر (ع): نعم رواية زرارة مروية بطريقين أحدهما الموثق بواسطة ابن بكير والثاني مرسل عن ابن مسكان عنه (قوله: وغيرها) يعني غير ما ورد في قصة سمرة كرواية عقبة بن خالد الحاكية لقضاء النبي صلى الله عليه وآله في موارد كثيرة، وفيها وقال صلى الله عليه وآله: لا ضرر ولا ضرار، وكذا في روايته الاخرى، لكن الظاهر انها رواية واحدة وان عدت في كتب الحديث وغيرها روايتين فليلحظ، وفيما عندي من مجمع البحرين زيادة قوله: في الاسلام، وكذا أرسله الصدوق في الفقيه على ما في الوسائل في أول المواريث، وعن التذكرة ونهاية ابن الأثير، وكمكاتبة محمد بن الحسين إلى ابي محمد (ع): رجل كانت له رحمي على نهر قرية والقرية لرجل فاراد صاحب القرية أن يسوق إلى قريته الماء في غير هذا النهر ويعطل هذه الرحي أله ذلك ام لا ؟ فوقع (ع): يتقي الله ويعمل في ذلك بالمعروف ولا يضر اخاه المؤمن. فتأمل، وكرواية هرون بن حمزة الغنوى عن ابي عبد الله (ع) في رجل شهد بعيرا مريضا وهو يباع فاشتراه رجل بعشرة دارهم فجاء واشرك فيه رجلا بدرهمين بالراس والجلد فقضي: أن البعير برئ فبلغ ثمنه ثمانية دنانير قال لصاحب الدرهمين خمس ما بلغ فان قال: اريد الرأس والجلد فليس له ذلك هذا الضرار وقد اعطي حقه إذا اعطي الخمس، ولعل منها ما ورد في العيون الضارة بعضها ببعض. فتأمل (قوله: والانصاف ان) لا يخلو من تأمل وكيف والعمدة روايات زرارة والحذاء وعقبة والغنوي اما المراسيل فلم يثبت انها غير المسانيد وبقية النصوص أجنبية عن القاعدة فتأمل (قوله: وهذا مع) يعني كثرتها بحد
فالظاهر أن الضرر هو ما يقابل النفع من النقص في النفس أو الطرف أو العرض أو المال تقابل العدم الملكة، كما ان الاظهر أن يكون الضرار بمعنى الضرر جيئ به تأكيدا كما يشهد به إطلاق المضار على سمرة وحكي عن النهاية لا فعل الاثنين وان كان هو الاصل في باب المفاعلة ولا الجزاء على الضرر لعدم تعاهده من باب المفاعلة ______________________________ تقرب دعوى التواتر فيها (قوله: تقابل العدم والملكة) يعني أن النفع عبارة عن وجود شئ لشئ وعدمه عما ينبغي ان يكون له ضرر فالبصر للانسان مثلا نفع والعمي ضرر ووجود المال لزيد مثلا نفع وعدمه عنه ضرر فالضرر عدم النفع عما من شأنه ان يكون ذا نفع. هذا ولا يخفى أن ذلك خلاف المتفاهم عرفا فان المتفاهم منهما ان الضرر عبارة عن النقص عن المرتبة التي ينبغي ان يكون عليها الموضوع والنفع عبارة عن الزيادة على تلك المرتبة وعليه فيكون لهما ضد ثالث وهو التمام حيث يكون الشئ بلا نقص ولا زيادة، فوجود البصر للانسان ليس نفعا بل كمال له وعدمه عنه نقص، وكونه بحيث يبصر من خلفه مثلا نفع فتقابل العدم والملكة انما هو بين الضرر والتمام لا بين النفع والضرر (قوله: ان يكون الضرار بمعنى الضرر) قد عرفت أن الضرر بمعني النقص فيكون من قبيل حاصل المصدر نظير الوجع والألم ونحوهما وليس معنى الضرار ذلك قطعا، بل معناه - كما يشهد به تتبع موارد استعماله مثل قوله تعالى: (والذين اتخذوا مسجدا ضرار، وقوله تعالى: (ولا يضار كاتب ولا شهيد) وقوله: (لا تضار والدة بولدها) وقوله تعالى: (ولا تمسكوهن ضرارا) وقوله صلى الله عليه وآله لسمرة: انك رجل مضار، وقول الصادق (ع) في خبر الغنوي: هذا الضرار - هو السعي في ايصال الضرر كما هو الظاهر من مثل قاتله وضاربه وخادعه، وان كان الظاهر من القاموس كون ضره وضربه واضره وضاره بمعنى، وكيف كان فهو غير الضرر فمعنى (لا ضرر) نفي نفس الضرر، ومعنى (لا ضرار) نفي الاضرار وليس احدهما عين الآخر حتى يكون تأكيدا له (قوله: وان كان هو الاصل في باب المفاعلة) كما هو المشهور بين أهل العربية لكن رب مشهور لا أصل له
* وبالجملة لم يثبت له معنى آخر غير الضرر كما أن الظاهر أن يكون (لا) لنفي الحقيقة كما هو الأصل في هذا التركيب حقيقة أو ادعاء كناية عن نفي الآثار كما هو الظاهر من مثل: ______________________________ وكيف يصح دعوى أن قاتل زيد عمرا بمعنى تقاتل زيد وعمر ومع ان زيدا في المثال الاول فاعل وعمرا مفعول، وكل منهما فاعل في المثال الثاني، وكأن الوجه في توهم ذلك صدق نسبة المفاعلة إلى المفعول في بعض الموارد غالبا كباب المقاتلة والمضاربة والمطاردة والمراهنة والمعاطاة ونحوها بحيث إذا صح قاتل زيد عمرا صح غالبا قاتل عمرو زيدا وكذا في بقية الامثلة فاوجب ذلك توهم دخوله في معنى المفاعلة مع ان هذا المقدار لا يقتضي ذلك ولا سيما وكون أكثر موارد استعمال الصيغة المذكورة مما لا يصح فيه النسبة من الطرفين، بل قد لا تصدق في الموارد المذكورة إذا أمكن قيام الفعل بواحد والامر سهل (قوله: الظاهر ان تكون لا لنفي الحقيقة) لا ريب في أن الاصل في كلمة (لا) أن تكون لنفي حقيقة مدخولها، وحيث تعذر حملها على ذلك في المقام فلابد من التصرف فيها بحملها على ما هو اقرب إليه من المعاني المجازية، فيدور الامر بدوا بين معان (الاول) نفي الحقيقة ادعاء بلحاظ نفي الخواص والآثار، كما هي كذلك في مثل قوله (ع): لا صلاة الا بطهور (الثاني) نفي نوع من الحقيقة حقيقة وهو خصوص الضرر الآتي من قبل الحكم الشرعي فانه مما يمكن نفيه حقيقة بنفي سببه وهو الحكم (الثالث) نفي نوع منها حقيقة وهو الضرر غير المتدارك فيستكشف منه أن كل ضرر متدارك بجعل الشارع للضمان أو للخيار أو غيرهما (الرابع) جعل مدخولها هو الحكم على نحو المجاز في الحذف أو في الكلمة باستعمال لفظ الضرر في الحكم المؤدي إليه بعلاقة السببية (الخامس) جعلها ناهية بأن يكون المقصود من نفي الضرر في الخارج الزجر عنه واحداث الداعي إلى عدمه كما هو ظاهر في قوله تعالى: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) ولا فرق في احتمال هذه المعاني بين كون الكلام خبرا
وانشاء، غاية الامر أنه على الاول يختص بالآثار الشرعية لأن غيرها مما لا يصح أن يكون تحت الرفع والوضع التشريعيين، وعلى الثالث يكون المقصود من رفع الضرر غير المتدارك جعل التدارك لكل ضرر، وعلى الخامس يكون المقصود من انشاء عدم الضرر الزجر عنه، كما هو الحال في مثل: لا تقم، حيث عرفت الاشارة إلى انها مستعملة في انشاء عدم القيام بداعي الزجر عنه (ثم) ان الذي استظهره المصنف (ره) هو المعنى الاول قياسا على نظائره، ويشكل (أولا): بانه يتوقف على ان يكون للضرر آثار وخواص ولو غير شرعية لو حمل الكلام على الخبر ويكون النفي بلحاظها، وان تكون كلمه (لا) بمعني ليس الناقصة كما في (لا صلاة الا بطهور) بمعنى ليس الصلاة مع الحدث صلاة، وكلا الامرين غير ظاهر (اما) الاول فلأن الضرر وان كان ذا آثار وخواص فليس النفي بلحاظها قطعا إذ من الواضح ان ليس المقصود بالكلام نفي آثار الضرر بل نفي آثار موضوعه أعني الوضوء الضرري مثلا كما سيأتي (وأما) الثاني فلأن المعنى المطابقى للقضية نفي وجود الضرر الذي هو مفاد ليس التامة لا نفي كون النوع الفلاني من الضرر ضررا ليكون من قبيل المثالين المذكورين في المتن (لا يقال) ما ذكرت انما يتم لو كان الضرر ملحوظا لحاظا استقلاليا اما لو كان ملحوظا لحاظا آليا لنفس الموضوع الضرري كالوضوء فلا ريب أن الوضوء الضرري نوع خاص من حقيقة الوضوء التي لها آثار خاصة شرعية كالوجوب أو خارجية كالطهارة فيصح حينئذ نفي تلك الحقيقة عن الوضوء الضرري بلحاظ الآثار المذكورة ويكون مفاد (لا) مفاد ليس الناقصة فيتم المعنى المذكور ويكون الضرر نظير نفى الخطأ والنسيان في حديث الرفع (لانا نقول): (اولا) ذلك خلاف ظاهر الجملة والالتزام به في رفع الخطأ لانحصار المراد فيه لا يقتضي الالتزام به في المقام مع امكان ارادة غيره (وثانيا) انه خلاف ظاهر رواية سمرة كما يظهر بادنى تأمل فيها فتأمل جيدا (واما الثاني) فهو الذي استظهره شيخنا الاعظم (ره) في رسائله، والوجه فيه: أن الكلام لو حمل على الانشاء اختص طبعا بالضرر الآتي من قبل الشارع
(لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) و: يا أشباه الرجال ولا رجال، فان قضية ______________________________ لان غيره مما لا يقبل الرفع، ومن المعلوم أن الضرر المذكور مما يصح رفعه حقيقة برفع سببه وهو الحكم المؤدي إليه نظير رفع المؤاخذة وان عمل على الخبر اختص أيضا بذلك إما بقرينة قوله صلى الله عليه وآله: (في الاسلام) كما عرفته في رواية الصدوق وعن التذكرة ونهاية ابن الاثير وفى مجمع البحرين الذي هو عين ما في النهاية ظاهرا إذ لا معنى لنفي الضرر في الاسلام إلا نفيه في القوانين الدينية فلا تعرض له للضرر الموضوعي، وإما بقرينة موردها من رواية سمرة، وإما بقرينة كونه صادرا من الشارع، وإما بقرينة خارجية إذ لا ريب في ثبوت الضرر الخارجي المتسبب عن اسبابه التكوينية فيختص النفي بغيره (وأما المعني الثالث) فهو الذي قد يظهر من المحكي عن الفاضل التوني، وفيه أن التدارك الذي أخذ عدمه قيدا في الضرر المنفي إن كان المراد به ما يكون برفع الحكم المؤدي إلى الضرر فهو راجع إلى المعنى الثاني، وان كان المراد به شيئا آخر لا ينافي ثبوت الضرر فهو خلاف إطلاق نفي الضرر، وكيف كان فلا يخلو عن تكلف (وأما المعنى الرابع) فهو راجع إلى الثاني غاية الامر انه يخالفه في كيفية الاستعمال والامر فيه سهل (وأما الخامس) فهو المحكي عن البدخشي واحتمله شيخنا الاعظم (ره) في رسائله بل ارتضاه بعض الاعيان من مشايخنا (قدس سره) على ما حكي عنه (فان قلت) لا ريب في أن (لا) الناهية مختصة بالفعل المضارع فكيف يصح الحكم بان (لا) في المقام ناهية مع انها داخلة على الاسم (قلت): ليس المقصود انها ناهية باصطلاح النحاة بل المقصود انها مفيدة للنهي والزجر حيث أن الجملة المشتملة عليها مستعملة في نفي الضرر اخبارا أو انشاء بداعي الزجر عنه (وفيه) ان حمل الكلام على ذلك انما يصح بعد تعذر حمله على نفي الحقيقة حقيقة الذي عرفته فحمله عليه مع امكانه حمل للكلام على خلاف ظاهره ولا سيما بقرينة قوله صلى الله عليه وآله: (في الاسلام) الذي عرفت تذييله في المرسلات فتأمل جيدا والله سبحانه اعلم (قوله لا صلاة لجار المسجد) كان المناسب التمثيل بمثل: لا صلاة الا بطهور، إذ المقصود بالمثالين
البلاغة في الكلام هو إرادة نفي الحقيقة ادعاء لا نفي الحكم أو الصفة كما لا يخفي، ونفي الحقيقة ادعاء بلحاظ الحكم أو الصفة غير نفي احدهما ابتداء مجازا في التقدير أو في الكلمة مما لا يخفى على من له معرفة بالبلاغة. وقد انقدح بذلك بعد إرادة نفي الحكم الضروري أو الضرر غير المتدارك أو إرادة النهي من النفي جدا ضرورة بشاعة استعمال الضرر وإرادة خصوص سبب من أسبابه أو خصوص غير المتدارك منه، ومثله لو أريد ذاك بنحو التقييد فانه وإن لم يكن ببعيد إلا أنه بلا دلالة عليه غير سديد وارادة النهي من النفي وإن كان ليس بعزيز إلا أنه لم يعهد من مثل هذا التركيب وعدم إمكان إرادة نفي الحقيقة حقيقة لا يكاد يكون قرينة على إرادة واحد منها بعد امكان حمله على نفيها ادعاء بل كان هو الغالب في موارد استعماله ______________________________ المذكورين نفي الكمال لا نفي الآثار فتأمل (قوله: هو ارادة نفي الحقيقة) لكن عرفت أن ذلك حيث يدور الامر بينها لاما إذا كان غيرها أظهر (قوله: بعد ارادة) هو فاعل (انقدح)، يشير بهذا إلى مختار الشيخ الاعظم قدس سره وغيره من بقية الاقوال (قوله: ضرورة بشاعة) تعليل للبعد، يعني ان الضرر (تارة) ينشأ من الحكم (واخرى) ينشأ من اسبابه التكوينية وارادة خصوص الاول ليس عليها قرينة، لكن قد عرفت القرينة عليه وهي عدم ارتفاع الثاني خارجا وعدم كونه مما يصلح للرفع الشرعي (قوله: ومثله لو أريد ذاك) الفرق بينه وبين ما قبله انه على الاول يكون المرفوع نفس الذوات الخاصة بلا ملاحظة تقييدها بالوصف، وعلى الثاني تكون قد لوحظ تقييدها بالوصف (قوله: لم يعهد من مثل) قد عرفت ارادة النهي من النفي في قوله تعالى: (لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) (قوله: وعدم امكان ارادة) قد عرفت امكان ارادة نفي الحقيقة حقيقة لو أريد خصوص الضرر الناسئ من الحكم الشرعي فليحمل عليه فانه أولى من حمله على النفي الادعائي مع احتياجه إلى تمحل (قوله: كان هو الغالب) مسلم لكن في غير امثال هذا التركيب كامثلة المتن ونحوها، ولم يعهد في امثاله الا في
ثم الحكم الذي أريد نفيه بنفي الضرر ______________________________ حديث الرفع حيث لم يمكن حمله على نفي السبب (قوله: ثم الحكم الذي اريد نفيه) هذا تعرض لكيفية الاخذ بها في قبال القواعد الشرعية المثبتة للاحكام، والكلام (تارة) فيما دل على ثبوت الحكم الضرري (وأخرى) فيما دل على ثبوته للموضوع الذى قد يطرأ عليه الضرر (وثالثة) فيما دل على ثبوته للموضوع الضرري بذاته (ورابعة) فيما دل على ثبوته للموضوع الذي قد طرأ عليه الضرر مع تعرضه لحال الضرر بالخصوص (أما الكلام) في الاول مثل قوله (ع): من اضر بطريق المسلمين فهو له ضامن، فهو انه لا معارضة بين القاعدة المذكورة وبينه سواء أكان مفادها نفي الحكم المؤدي إلى الضرر - كما اختاره الشيخ الاعظم قدس سره - ام نفي الحكم بلسان نفي الموضوع كما يراه المصنف (ره) (اما) على الاول فواضح لأن الحكم الثابت للضرر غير الحكم الذي يؤدي إلى الضرر فنفي الثاني الذى هو مفاد القاعدة لا ينافي ثبوت الاول الذي هو مفاد الدليل المذكور، وحيث لم يتناف مفادهما وجب الاخذ بهما معا (فان قلت): الحكم بالضمان على الضرر وان كان حكما على الضرر إلا أنه ايضا موجب للضرر فان الضمان من الاحكام الضررية لاقتضائه اشتغال ذمة الضامن بالمال وهو ضرر (قلت): الحكم المذكور ذو جهتين احداهما كونه حكما للضرر، والاخرى كونه موجبا للضرر، والكلام هنا فيه من الجهة الاولى لا غير، وأما من حيث الجهة الثانية فيأتى في الكلام في النوع الثالث، ولا تلازم بين الجهتين لجواز كون الحكم الثابت للضرر غير ضرري، (واما) على مختار المصنف (ره) فلأن الاحكام التي يقصد نفيها بالقاعدة لا تشمل الاحكام الثابتة لعنوان الضرر لأن الظاهر من القاعدة كون الضرر هو العلة في نفي الحكم، والظاهر من دليل الحكم المثبت للضرر كون الضرر علة لثبوته، ولامتناع كون الشئ الواحد علة للنقيضين يمتنع ان يكون الحكم المنفي بالضرر عين الحكم الذى يثبت به، واذ لم يتحد الحكم المنفي بالقاعدة مع الحكم الثابت للضرر لم يكن تناف بينها وبين دليل ذلك الحكم، كما تقدم نظيره
في حديث الرفع، وعليه فتختص القاعدة نفي الحكم الذي لا يكون موضوعه عنوان الضرر (فان قلت): ذلك يتوقف على ظهور دليل القاعدة في كون الضرر علة للنفي وهو لا يتم على مختاره - اعني كنه من قبيل نفي الحكم بلسان نفي الموضوع - لأن كونه من ذلك القبيل يتوقف على كون الضرر موضوعا للحكم ليكون نفيه بنفيه فيكون علة له لا موضوعا لعدمه ليكون علة لعدمه وحينئذ يتعين شمول القاعدة للحكم الذي يكون موضوعه الضرر لا غير (قلت): ظهور القاعدة في كون الضرر علة لنفي الحكم مما لا مساغ لانكاره ولا يتوقف على أخذ الضرر فيها موضوعا لعدم الحكم بل يكفي في استفادة ذلك المناسبات العرفية ولا سيما بملاحظة سوق القضية مساق الامتنان فيتم البرهان (فان قلت): إذا تم ظهور القضية في كون الضرر علة لعدم الحكم امتنع حينئذ أن تكون القضية من قبيل نفي الحكم بلسان نفي الموضوع لأن حمل القضية على ذلك يلازم ظهورها في علية الضرر لنفس الحكم إذ هو لازم كونه موضوعا له ومنفيا بنفيه ويمتنع ظهورها في ذلك مع ظهورها فيما سبق إذ لازم الظهورين كون الضرر علة للحكم ولعدمه وهو ممتنع، فلابد إما من رفع اليد عن الظهور الاول فلا يتم البرهان أو عن الظهور الثاني فلا يتم مختاره (قلت): يمكن المحافظة على الأخذ بالظهورين معا بحمل الضرر في القاعدة على العناوين الضررية مثل الوضوء والنسل الضرريين فيكون الوضوء مثلا علة للحكم لأنه موضوعه والضرر علة لعدمه لأنه موضوع لنفي الحكم عن الوضوء، ومنه يظهر أن ظاهر القضية حينئذ - ولو بملاحظة المناسبات العرفية ومقام الامتنان - كون الضرر موضوعا لعدم الحكم ومنه استفيد عليته له وموضوع الحكم الذى استظهر من القضية نفي حكمه بلسان نفيه هو الوضوء الضرري لا عنوان الضرر. هذا وقد عرفت سابقا أن مبنى ما اختاره المصنف (ره) من الاستظهار حمل الضرر على الطريقية، وعليه فلا مجال لتوهم منافاة القاعدة لأدلة أحكام عنوان الضرر حتى يتفصى عنها بالبرهان المذكور. فتأمل (وأما الكلام) في الثاني مثل ما دل على وجوب الوضوء للصلاة مطلقا
ولو كان ضرريا، فهو أن بينه وبين القاعدة عموما من وجه إلا أن الجمع العرفي بينهما حمل ما دل على ثبوت الحكم للموضوع مطلقا ولو في حال الضرر على كونه حكما اقتضائيا وحمل القاعدة على كون عنوان الضرر مانعا فيرتفع التنافي لأن وجود المقتضي لا ينافي وجود المانع وفي مثله يكون العمل على المانع (فان قلت): إذا حمل دليل العنوان الاولي على الاقتضائي فلا طريق لاثبات فعليته في غير مورد الضرر لاحتمال وجود المانع عن فعليته أيضا إلا بناء على قاعدة الاقتضاء الراجعة إلى وجوب ترتيب أثر المقتضي مع الشك في المانع (قلت): ظاهر الدليل فعلية الحكم في جميع موارد العنوان ورفع اليد عن فعليته في مورد الضرر لا يقتضي التوقف في فعليته في غير مورده لأنه رفع لليد عن الحجة بلا وجه صالح لذلك، ومجرد احتمال وجود المانع لا يصلح للتوقف لأن ظهور الدليل في الفعلية في غير مورد الضرر حجة على عدم المانع عنه في تلك الموارد فيلغي به احتمال المانع فليس المراد من حمل الدليل على كونه اقتضائيا حمله على مجرد الحكاية عن وجود المقتضي في العنوان الاولي مطلقا ليرد ذلك، بل المراد كونه دالا على كونه اقتضائيا في خصوص مورد المعارضة في قبال دليل الضرر المحمول على كونه مانعا في خصوص مورده فان التوفيق بينهما عرفا بذلك يوجب تقديم دليل الضرر، ولو توقف العرف عن الجمع بين العامين من وجه بذلك وجاز عندهم تكاذبهما في اصل وجود المقتضي للحكم لم يكن مجال لترجيح احدهما على الآخر في مورد المعارضة. فلاحظ (وأما الكلام) في الثالث مثل ما دل على وجوب الخمس والزكوات والانفاقات والجهاد ونحوها من الاحكام الضررية فهو انه لما كان بينه وبين القاعدة خصوص مطلق وكان دليلها أخص من دليل القاعدة وجب تقديمه عليه كما هو الحال في أمثاله من موارد اجتماع الخاص والعام التي يدور الامر فيها بين التخصيص والطرح والتخصيص أولى من الطرح (وأما الكلام) في الرابع مثل ما دل على وجوب الغسل على من أجنب متعمدا وهو مريض وان كان يتضرر به فالكلام فيه هو الكلام فيما قبله لاتحادهما في مناط
هو الحكم الثابت للافعال بعناوينها أو المتوهم ثبوته لها كذلك في حال الضرر لا الثابت له بعنوانه لوضوح أنه العلة للنفي ولا يكاد يكون الموضوع يمنع عن حكمه وينفيه بل يثبته ويقتضيه، ومن هنا لا يلاحظ النسبة بين أدلة نفيه وأدلة الاحكام وتقدم أدلته على أدلتها مع أنها عموم من وجه حيث أنه يوفق بينهما عرفا بأن الثابت للعناوين الاولية اقتضائي يمنع عنه فعلا ما عرض عليها من عنوان الضرر بأدلة كما هو الحال في التوفيق بين سائر الأدلة المثبتة أو النافية لحكم الافعال بعناوينها الثانوية والأدلة التكفلة لحكمها بعناوينها الاولية (نعم) ربما يعكس الامر فيما أحرز بوجه معتبر أن الحكم في المورد ليس بنحو الاقتضاء بل بنحو العلية التامة وبالجملة الحكم الثابت بعنوان أولي (تارة) يكون بنحو الفعلية ______________________________ الترجيح ووجوب تقديمه على القاعدة (قوله: هو الحكم الثابت للافعال) يريد به النوع الثاني (قوله: أو المتوهم ثبوته) يعني لا يجب ان يكون الحكم ثابتا محققا بل يكفي أن يكون متوهم الثبوت في نظر من قصد إفهامه، وإن شئت قلت: يعتبر في صحة نفي الحكم بلسان نفي الموضوع أن يكون الموضوع مفروغا عن ثبوت حكم له سواء كان ثابتا قبل الخطاب ام بعده ام متوهم الثبوت (قوله: لا الثابت له بعنوانه) يشير به إلى القسم الاول (قوله: ومن هنا) يعني من أجل وضوح كون الضرر علة للنفي (قوله: وادلة الاحكام) يعني الثابتة للعناوين الأولية (قوله: مع أنها) يعني مع أن النسبة عموم من وجه وشأن العامين من وجه الرجوع في مورد المعارضة لهما إلى قواعد التعارض أو الاصل العملي (قوله: كما هو الحال في التوفيق) و (ربما) يوفق بوجه آخر وهو أنه لو بنى على تقديم أدلة الاحكام الاولية لم يبق لأدلة الأحكام الثانوية مورد فيلزم الطرح، ولو بني على تخصيص أدلة الاحكام الاولية لم يلزم الا التخصيص وإذا دار الامر بين التخصيص والطرح كان الأول أولى (وقد يوفق) بوجه ثالث وهو أن التعارض بين اطلاق أدلة العناوين الأولية وإطلاق أدلة العناوين الثانوية، وتقييد الأول أولى من تقييد الثاني لأن الاطلاق
مطلقا أو بالاضافة إلى عارض دون عارض بدلالة لا يجوز الاغماض عنها بسبب دليل حكم العارض المخالف له فيقدم دليل ذاك العنوان على دليله (وأخرى) يكون على نحو لو كانت هناك دلالة للزم الاغماض عنها بسببه عرفا حيث كان اجتماعهما قرينة على أنه بمجرد المقتضي وأن العارض مانع فعلي، هذا ولو لم نقل بحكومة دليله على دليله لعدم ثبوت نظره إلى مدلوله كما قيل ______________________________ الاول بلحاظ حالي الضرر مثلا وعدمه، ويقرب جدا في نظر العرف اختلاف الحالين في الحكم والاطلاق الثاني بلحاظ الضرر في الوضوء والضرر في الغسل والضرر في غيرها، ويبعد جدا في نظر العرف اختلاف الافراد المذكورة في الحكم فيكون التصرف في الاطلاق الاول في نظر العرف اولى لضعف الاول وقوة الثاني، والفرق بين الوجهين أن الاول مبني على ملاحظة أدلة الاحكام الاولية دفعة واحدة والثاني مبني على ملاحظة كل واحد منها في نفسه في قبال دليل العنوان الثانوي (قوله: مطلقا) يعني بالنسبة إلى جميع العوارض (قوله: بدلالة لا يجوز) يعني بحيث تكون دلالته على الفعلية بالنصوصية بنحو تأبي التصرف فيه بالحمل على الاقتضاء، وحينئذ يقدم دليله على دليل الضرر ونحوه من العناوين الثانوية فيخصص به (قوله: بسببه) يعني بسبب دليل حكم العارض (قوله: هذا ولو لم نقل) يعني أن تقديم دليل الضرر بالوجه الذي ذكرنا يتم ولو لم نقل بحكومته على أدلة أحكام العناوين الاولية لان الجمع المذكور في قبال الجمع بين الحاكم والمحكوم بالحكومة (قوله: لعدم ثبوت) تعليل للنفي (قوله: كما قيل) هذا تعريض بشيخنا الاعظم (ره) حيث ذكر أن الوجه في تقديم القاعدة على الأدلة المتكفلة لاثبات احكام العناوين الاولية هو حكومتها عليها والحاكم يقدم على الدليل المحكوم كما سيأتي، والمصنف (ره) منع من هذه الحكومة هنا اشارة وفى الحاشية تصريحا. والوجه في المنع: ان الحكومة عبارة عن كون الدليل (الحاكم) ناظرا إلى الدليل المحكوم سواء أكان لاغيا لولاه كما يراه شيخنا الاعظم (قدس سره) ام لا كما يراه
(ثم) انقدح بذلك حال توارد دليلي العارضين ______________________________ المصنف (ره) على الاخلاف الآتي بينهما انشاء الله تعالى، ودليل القاعدة المذكورة ليس له هذا النظر بل هو دليل في عرض الادلة الاولية، فشيخنا الاعظم (قدس سره) يفسر القاعدة بأن الاحكام المجعولة في الاسلام لم تجعل على نحو تؤدي إلى الضرر بل إنما جعلت في غير حال الضرر فتكون شارحة لحال الاحكام المجعولة في الاسلام، والمصنف (ره) يمنع من كون معناها ذلك بل ليس معناها الا أمرا واقعيا وهو نفي الضرر من دون نظر إلى أدلة الاحكام أصلا (هذا) ولكن لا يخفى انه لو بني على كون مفاد القاعدة نفي الحكم بلسان نفي الموضوع كما يراه المصنف (ره) وجب الالتزام بكون القاعدة حاكمة على أدلة الاحكام مضيقة لموضوعها بتنزيلها السلبي، كما ان ادلة التنزيل الاثباتي مثل قوله (ع): الطواف بالبيت صلاة، وقوله (ع): الفقاع خمر استصغره الناس، حاكمة على ادلة الصلاة والخمر موسعة لموضوعهما، وبالجملة: دليل نفي الحكم بلسان نفي الموضوع كدليل اثبات الحكم بلسان اثبات الموضوع حاكم على دليل الحكم للموضوع باجلي مظاهر الحكومة بحيث لولاه لكان لاغيا، ولو بني على كون مفادها نفي السبب بلسان نفي المسبب كما يراه شيخنا الاعظم (قدس سره) ففي كونها حاكمة خفاء واشكال (قوله: انقدح بذلك حال توارد) هذا تعرض لحكم تعارض القاعدة مع أدلة الاحكام الثابتة للعناوين الثانوية غير عنوان الضرر، يعنى حيث كان الجمع العرفي بين أدلة الاحكام الثانوية وأدلة الاحكام الاولية حمل الثانية على الاقتضاء والاولى على المنع الفعلي كان اللازم في مورد تنافي الدليلين المتكفلين للحكمين الثانويين البناء على التعارض أو التزاحم لعدم امكان الجمع العرفي بينهما حيث كانا من قبيل واحد فهما مع احراز المقتضي لكل منهما في مورد التنافي يكونان متزاحمين ومع عدمه يكونان متعارضين، فعلى الاول ينظر في المقتضيين فان كان احدهما اقوى يؤخذ به ويحكم بثبوت مقتضاه ومع التساوي يتخير المكلف في العمل على أحدهما، وعلى الثاني يرجع إلى قواعد التعارض من الترجيح أو التخيير
كدليل نفي العسر ودليل نفي الضرر مثلا فيعامل معهما معاملة المتعارضين لو لم يكن من باب تزاحم المقتضيين وإلا فيقدم ما كان مقتضيه أقوى وان كان دليل الآخر أرجح وأولى ولا يبعد ان الغالب في توارد العارضين أن يكون من ذاك الباب بثبوت المقتضي فيهما مع تواردهما لا من باب التعارض لعدم ثبوته إلا في احدهما كما لا يخفى هذا حال تعارض الضرر مع عنان أولي أو ثانوي آخر، وأما لو تعارض مع ضرر آخر فمحل القول فيه أن الدوران ان كان بين ضرري شخص واحد أو اثنين ______________________________ أو الاصل (قوله: كدليل نفي العسر ودليل) يمكن ان يخدش بأن أدلة نفي العسر كادلة نفي الضرر امتنانية لا تجرى في مورد يلزم من اجرائها خلاف الامتنان لأن ورودها مورد الامتنان موجب لقصورها عن شمول المورد المذكور ونفي الضرر إذا كان يلزم منه الحرج خلاف الامتنان كما أن نفي الحرج إذا كان يلزم منه الضرر خلاف الامتنان فدليل نفي كل منهما يقصر عن شمول مورد الدوران ولو لم يكن دليل نفي الآخر فلا مجال حينئذ لاعمال قواعد التزاحم والتعارض بين دليليهما بل اللازم اجراء حكم تعارض الضررين الذي سيأتي بيانه في كلامه (قوله: معاملة المتعارضين) من الاخذ بالراجح لو كان والا فالتخيير أو الرجوع إلى الاصل من اول الامر على الخلاف الآتي في العامين من وجه (قوله: فيقدم ما كان) لانه اولى بالتأثير من الاضعف (قوله: ارجح واولى) يعني في مقام الدليلية، والوجه في ذلك اختصاص ادلة احكام ادلة المتعارضين بهما فلا تشمل المتزاحمين (قوله: لعدم ثوبته) تعليل لكونه من باب التعارض (قوله: هذا حال تعارض الضرر) مما اشرنا إليه تعرف أن تعارض الضرر مع عنوان ثانوي آخر يختلف حكمه باختلاف كون الثاني امتنانيا، فعلى الاول يجري فيه حكم تعارض الضررين، وعلى الثاني يسقط دليل نفي الضرر إذا لزم من اجرائه خلاف الامتنان ويكون العمل على الآخر لا غير، والا فكون العمل على دليل نفى الضرر أو عليه تابع لكونهما من المتعارضين أو المتزاحمين واعمال قواعد التعارض أو التزاحم
فلا مسرح الا لاختيار أقلهما لو كان والا فهو مختار وأما لو كان بين ضرر نفسه وضرر غيره فالاظهر عدم لزوم تحمله الضرر ولو كان ضرر الآخر اكثر فان نفيه يكون للمنة على الامة ولامنة على تحمل الضرر لدفعه عن الآخر وان كان أكثر (نعم) لو كان الضرر متوجها إليه ______________________________ (قوله: فلا مسرح الا لاختيار) هذا في صورة تعارض ضرري شخص واحد ظاهر لأن في نفي الاكثر من الضررين كمال الامتنان فتجري القاعدة لنفيه بعد فرض كون الوقوع في المقدار الاقل مما لابد منه أما في تعارض ضرري شخصين فمشكل لما سيأتي في صورة تعارض ضرري نفسه وغيره (قوله: بين ضرر نفسه وضرر) كما لو كان تصرف المالك في ملكه موجبا لتضرر جاره وترك تصرفه فيه موجبا لضرر نفسه (قوله: فالاظهر عدم لزوم) كما هو المشهور بل عن الشيخ في المبسوط والعلامة (ره) في التذكرة نفي الخلاف فيه قال في محكي الاول: ان حفر رجل بئرا في داره وأراد جاره ان يحفر بالوعة أو بئر كنيف بقرب هذه البئر لم يمنع منه وان ادى ذلك إلى تغير ماء البئر أو كان صاحب البئر يستقذر ماء بئره لقربه من الكنيف والبالوعة لان له ان يتصرف في ملكه بلا خلاف، وقال في محكي الثاني في باب حريم الحقوق: وان أراد الانسان ان يحفر في ملكه أو داره بئرا وأراد جاره ان يحفر لنفسه بئرا بقرب تلك البئر لم يمنع من ذلك بلا خلاف وان نقص بذلك ماء البئر الاولى لان الناس مسلطون على اموالهم، وفي ظهور الاول في نفي الخلاف فيما نحن فيه اشكال ظاهر وان جزم به بعض، نعم عن غير واحد من القدماء دعوى الاجماع عليه، والوجه فيه ما اشار إليه المصنف (ره) من الرجوع إلى قاعدة السلطنة بعد سقوط قاعدة نفي الضرر في كل منهما لقصورها بلزوم خلاف الامتنان من اجرائها (فان) قلت: القاعدة المذكورة وان كانت امتنانية إلا ان المقصود من ذلك كون الموجب لتشريعها الامتنان في حق المتضرر، ولا ريب أن نفي كل من الضررين امتنان في حق المتضررين فلا وجه لرفع اليد عنها غاية الامر انه
ليس له دفعه عن نفسه بايراده على الآخر اللهم الا ان يقال: إن نفي الضرر وان كان للمنة إلا أنه بلحاظ نوع الامة واختيار الاقل بلحاظ النوع منه. فتأمل ______________________________ لا يمكن اعمالها في نفيهما معا فليرجع إلى قاعدة التزاحم الموجبة لاعمالها في حق الاكثر ضررا فانه أولى كما هو ظاهر (قلت): ظهور دليل نفى الضرر في كونه امتنانا محضا مما لا ينبغي ان يكون مجالا للاشكال وهو كاف في قصوره عن شمول صورة ما لو لزم من اجرائه خلاف الامتنان، وليس المقصود انه امتنان على كل احد حتى يدفع بظهوره في كونه امتنانا على خصوص المتضرر كما لعله ظاهر بالتأمل هذا مضافا إلى ان مفاد القاعدة مجرد النفي والنفي لا يقبل التأكد إذ لا تأكد في الاعدام (قوله: ليس له دفعه عن نفسه) لان دفعه عن نفسه إلى غيره مناف لاعمال قاعدة نفي الضرر في حق الغير الذي يقصد دفع الضرر إليه (فان) قلت: يلزم من تطبيق القاعدة لنفي الضرر عن الغير خلاف الامتنان في حقه (قلت): ممنوع فان توجه الضرر إليه لم يجئ من اجراء القاعدة وانما جاء من قبل اسبابه التكوينية التي اقتضت توجهه إليه وليس ضرره مستندا إلى حكم الشارع ليرفع برفعه وانما الذي يجيئ من قبل الحكم خصوص توجيه الضرر إلى غيره الذي عرفت انه مرفوع برفعه (قوله: اللهم الا ان يقال) هذا استدارك على قوله: ولامنة على تحمل الضرر... الخ يعني أن ذلك يتم لو لوحظ كل واحد من الامة في قبال غيره اما لو لوحظ مجموع الامة امرا واحدا كان الحال كما لو تعارض ضررا شخص واحد في تحقق الامتنان برفع اكثر الضررين (قوله: فتأمل) لعله اشارة إلى منع ما ذكر وان الظاهر كون الامتنان بلحاظ كل واحد واحد من الامة في نفسه، ثم انه حيث بني على جواز التصرف المؤدي إلى ضرر الغير إذا كان يلزم من تركه الضرر على المالك لقاعدة السلطنة فالمعروف عدم الضمان بل قيل: لا ينبغي الاشكال فيه، وكأن الوجه عدم الدليل عليه بعد البناء على جواز التصرف ولكنه لا يخلو عن الاشكال إذ الجواز اعم من عدم الضمان فلا موجب لرفع اليد عن عموم ما يقتضي الضمان
فصل في الاستصحاب وفي حجيته إثباتا ونفيا أقوال للاصحاب ولا يخفى أن عباراتهم في تعريفه وان كانت شتى ______________________________ من قاعدة الاتلاف، كما انه يشكل التصرف المؤدي إلى ضرر الغير إذا لم يكن في تركه الضرر وان كان فيه منفعة عائدة إلى المالك لعموم نفي الضرر (ودعوى) ان ترك التصرف حرج (ممنوعة) في الفرض المذكور وان صدرت عن جماعة من الاعاظم، كدعوى كون ترك منع المالك عن التصرف المذكور ضررا عليه إذ هي مع كونها خلفا ممنوعة، ومنه يظهر المنع فيما لو كان التصرف لغير منفعة عائدة له بل كان لغوا محضا ولعله ظاهر. (إلى هنا) انتهى الكلام فيما قصد توضيحه من مباحث البراءة والاشتغال والحمد لله سبحانه على كل حال، وكان ذلك في النجف الأشرف ليلة الاثنين السادس من ربيع الثاني من السنة السادسة والاربعين بعد الالف والثلثمائة هجرية على يد الاحقر (محسن) خلف العلامة المرحوم السيد (مهدي) الطباطبائي الحكيم قدس الله روحه ونور ضريحه واسكنه أعلى عليين. الكلام في الاستصحاب (قوله: وان كانت شتى) مثل: (أنه) إبقاء ما كان (وأنه) إثبات الحكم في الزمان الثاني تعويلا على ثوبته في الزمان الاول { وأنه } اثبات حكم في زمان لوجوده في زمان سابق عليه (وأنه) التمسك بثبوت ما ثبت في وقت أو حال على بقائه بعد ذلك الوقت أو غير تلك الحال (وأنه) كون حكم أو وصف يقيني الحصول في الآن السابق مشكوك البقاء في الآن اللاحق (وانه) الحكم على حكم مثبت في وقت أو حال ببقائه بعده من حيث ثبوته في الاول مع عدم العلم بالبقاء ولو تقديرا و (أنه) ابقاء ما كان في الزمن الثاني تعويلا على ثبوته في الزمن الاول
إلا أنها تشير إلى مفهوم واحد ومعنى فارد وهو الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم شك في بقائه (إما) من جهة بناء العقلاء على ذلك في أحكامهم العرفية مطلقا أو في الجملة تعبدا (أو للظن) به الناشئ عن ملاحظة ثبوته سابقا (وإما) من جهة دلالة النص أو دعوى الاجماع عليه كذلك حسبما يأتي الاشارة إلى ذلك مفصلا ولا يخفى أن هذا المعنى هو القابل لان يقع فيه النزاع والخلاف في نفيه واثباته مطلقا أو في الجملة وفي وجه ثبوته على أقوال ضرورة أنه لو كان الاستصحاب هو نفس بناء العقلاء على البقاء أو الظن به الناشئ من العلم بثبوته لما تقابل في الاقوال ولما كان النفي والاثبات واردين على مورد واحد بل موردين وتعريفه بما ______________________________ ولو تقديرا مع عدم العلم بالبقاء ولو تقديرا... إلى غير ذلك (قوله: الا انها تشير إلى) كون التعاريف المذكورة تشير إلى مفهوم واحد وهو ما ذكره المصنف (ره) مما لا ينبغي الاشكال فيه، نعم بناء على كونه من الامارات لا من الاصول يشكل جعله عبارة عن الحكم المذكور فانه مؤدى الاستصحاب على هذا المبني لا نفسه بل هو اما نفس ظن البقاء أو نفس الوجود السابق، الا ان يجعل الاستصحاب عبارة عن نفس الحكم الظاهري بالبقاء الذي هو مؤدى الظن به أو الوجود السابق كما يقتضيه التعريف الثاني ونحوه لا نفس الامارة الدالة على الحكم ولا مشاحة في الاصطلاح لو ثبت (قوله: مطلقا أو في الجملة) اشارة إلى بعض التفصيلات الآتية (قوله: تعبدا) يعني فيكون اصلا (قوله: أو للظن) معطوف على قوله: تعبدا، وعليه فيكون مدلول الامارة (قوله: عليه كذلك) يعني مطلقا أو في الجملة (قوله: وفى وجه ثبوته) يعني دليل ثبوته وانه النص أو الاجماع أو بناء العقلاء (قوله: لما تقابل فيه الاقوال) يعني الاقوال في ثبوت الاستصحاب ونفيه فالقائل بثبوت الاستصحاب قد لا يثبت البناء المذكور بل يقول بثبوته من الاخبار، والقائل بنفيه قد لا ينفي البناء المذكور لكنه لا يرى البناء حجة فتأمل، وكذا لو كان هو الظن إذا القائل بثبوت الاستصحاب قد
ينطبق على بعضها وإن كان ربما يوهم أن لا يكون هو الحكم بالبقاء بل ذاك الوجه ألا أنه حيث لم يكن بحد ولا برسم بل من قبيل شرح الاسم كما هو الحال في التعريفات غالبا لم يكن له دلالة على أنه نفس الوجه بل الاشارة إليه من هذا الوجه ولذا لا وقع للاشكال على ما ذكر في تعريفه بعدم الطرد أو العكس فانه لم يكن به إذا لم يكن بالحد أو الرسم بأس فانقدح أن ذكر تعريفات القوم له وما ذكر فيها من الاشكال بلا حاصل وتطويل بلا طائل (ثم) لا يخفى ان البحث في حجيته مسألة أصولية حيث يبحث فيها لتمهيد قاعدة تقع في طريق استنباط الأحكام الفرعية وليس مفادها حم العمل بلا واسطة ______________________________ لا يعترف بثبوت الظن المذكور والقائل بنفيه قد لا يلتزم بنفي الظن بل يمنع الدليل على حجيته، ومنه يظهر المراد من قوله: ولما كان النفي... الخ فانه مفسر لما قبله (قوله: ينطبق على بعضها) كما قد يعطيه التعريف الرابع ومثله اشكالا التعريف الخامس المذكور في القوانين (قوله: بل ذاك الوجه) يعني المذكور في التعريف وكذا قوله فيما ياتي: انه نفس الوجه (قوله بأس) فاعل (يكن) في قوله: فانه لم يكن، وقد عرفت التأمل فيما ذكره (قده) مرارا وانه لو كان المقصود مجرد الاشارة لم يكن وجه للعدول عن تعريف المشهور ولا سيما وكون العدول بعد النقض والابرام في الطرد والعكس في تعريفات القوم فتأمل (قوله: يبحث فيها لتمهيد) هذا يختص بالاستصحاب الجاري لاثبات الحكم الاصولي أو الحكم الفرعي الكلي دون الجاري في الموضوعات الجزئية مثل حياة المفقود وطهارة الاناء والاحكام الجزئية مثل حلية هذا المايع وحرمته، فان ذلك لا يقع في طريق استنباط الاحكام الفرعية بل هو من الاحكام الفرعية نظير قاعدة التجاوز والفراغ والبناء على الاكثر والحرية واليد والصحة ونحوها من الاصول الحكمية والموضوعية فانها من المسائل الفرعية جزما. نعم لو كان يكفي في كون المسألة اصولية وقوعها في الجملة في طريق استنباط الاحكام وان كانت في بعض مواردها ليست كذلك كانت مسألة الاستصحاب كلية من المسائل الأصولية لوقوعها في طريق الاستنباط في الجملة (قوله: حكم العمل بلا واسطة)
* وان كان ينتهي إليه كيف وربما لا يكون مجرى الاستصحاب إلا حكما أصوليا كالحجية مثلا ؟. هذا لو كان الاستصحاب عبارة عما ذكرنا وأما لو كان عبارة عن بناء العقلاء على بقاء ما علم ثبوته أو الظن به الناشئ من ملاحظة ثبوته فلا اشكال في كونه مسألة اصولية، وكيف كان فقد ظهر مما ذكرنا في تعريفه اعتبار أمرين في مورده، القطع بثبوت شئ، والشك في بقائه ولا يكاد يكون الشك في البقاء الا مع اتحاد القضية المشكوكة ______________________________ اشتهر تعريف الحكم الفرعي بانه ما يتعلق بالعمل بلا واسطة وادعى بعض المحققين ان تقييد لتعلق بالعمل لاخراج الاحكام الأصولية فانها تتعلق بالادلة وتقييده بعدم الواسطة لاخراج الاحكام الاعتقادية فانها تتعلق بالعمل بواسطة اعتبار موضوعها في صحة العمل، وعليه فجميع القواعد الظاهرية ومنها الاستصحاب من الاحكام الفرعية لانها تتعلق بالعمل بلا واسطة ولو اريد من الواسطة الواسطة في العروض كانت جميع القواعد من الاحكام الاصولية لتعلقها بالعمل بواسطة عنوان الشك، وكأن دعوى المصنف (ره) ان ليس مفاد الاستصحاب حكم العمل بلا واسطة بلحاظ بعض موارد الاستصحاب مثلا استصحاب الحجية فلاحظ (قوله: عما ذكرنا) يعني نفس الحكم ببقاء ما ثبت (قوله: فلا اشكال في كونه) لان البحث فيه يكون من قبيل البحث عن حجية الخبر وغيره من الادله والاشكال فيه هو الاشكال فيها والجواب هو الجواب، وكأن مقصود المصنف (ره) من نفي الاشكال نفي الاشكال الوارد على تقدير كونه حكما من انه كيف يكون البحث عنه بحثا عن مسألة اصولية مع انه بحث عن الحكم الشرعي المتعلق بفعل المكلف بتخيل انه نظير بعض القواعد الشرعية المتكفلة لجعل الحكم لفعل المكلف التي لا ريب في كونها مسائل فرعية (قوله: اعتبار امرين في مورده) اما ظهور اعتبار الثاني فلذكره صريحا في التعريف واما اعتبار الاول فلدلالة الشك في البقاء على كون الحدوث مفروغا عن ثبوته (قوله: اتحاد القضية المشكوكة) المراد من القضية اعم مما كان مفاد كان التامة كما إذا كان المستصحب وجود زيد
* والمتيقنة بحسب الموضوع والمحمول، وهذا مما لا غبار عليه في الموضوعات الخارجية في الجملة، وأما الأحكام الشرعية سواء كان مدركها العقل أم النقل فيشكل حصوله فيها لانه لا يكاد يشك في بقاء الحكم إلا من جهة الشك في بقاء موضوعه ______________________________ أو ليس التامة كما إذا كان المستصحب عدم زيد أو كان الناقصة كما إذا كان المستصحب كون الماء كرا، أو ليس الناقصة كما إذا كان المستصحب ليس الماء كرا، ثم المراد من اتحاد الموضوع والمحمول اتحادهما بحسب الوجود لا بسحب الذات والماهية إذ الاتحاد في الماهية مع تعدد الوجود لا يكفي في صدق البقاء عرفا ولذا لا يكون وجود عمرو مقارنا لعدم زيد بقاء لوجود الانسان مع اتحادهما ذاتا ومن هنا لم يجر الاستصحاب في القسم الثالث من اقسام الشك في وجود الكلي (قوله: لا غبار عليه في الموضوعات) كأن الوجه في عدم تأتي الاشكال الآتي فيها أنه مع الشك في تبدل قيود الموضوع يمكن أن يستصحب بقيوده فيكون الاستصحاب مثبتا لقيده كما يكون مثبتا لذاته، ومع العلم بتبدلها على تقدير بقاء ذاته ان اختلاف الحالات وتبادلها عليها لا يوجب اختلافا فيها فلا يختل الشك في بقاء الذات فيها بخلاف الاحكام الكلية فان موضوعاتها نفس المفاهيم الكلية ومن الواضح أن اختلاف القيود موجب لاختلاف المفهوم المأخوذ موضوعا للحكم فلا يصدق على الشك في الحكم أنه شك في بقاء الحكم لأن صدقه يتوقف على وحدة الموضوع لذلك الحكم ومع اختلافه يكون الشك في حدوث حكم لموضوع آخر لا في بقاء ذلك الحكم لموضوعه (قوله: حصوله فيها) يعنى حصول الاتحاد في الاحكام (قوله: الا من جهة الشك في بقاء موضوعه) هذا بني على ارجاع جميع القيود التي تؤخذ في القضية إلى الموضوع ولأجل ذلك بنى شيخنا الأعظم (قده) على ارجاع الواجبات المشروطة إلى الواجبات المعلقة، لكن عرفت أنه لا دليل عليه ظاهر من عقل أو عرف، بل عرفت في مبحث المقدمة امتناع كون شرائط الوجوب - اعني شرائط الاحتياج - شروطا للواجب فوجود الاستطاعة له دخل في عروض الوجوب على الحج نفسه لا الحج عن استطاعة، وكذا المجاورة للنار دخيلة في عروض الحرارة على نفس الجسم لا الجسم
بسبب تغير بعض ما هو عليه احتمل دخله فيه حدوثا أو بقاء والا لا يتخلف الحكم عن موضوعه إلا بنحو البداء بالمعنى المستحيل في حقه تعالى ولذا كان النسخ بحسب الحقيقة دفعا لا رفعا، ويندفع هذا الاشكال بان الاتحاد في القضيتين بحسبهما ______________________________ المقيد بالمجاورة، فالحار هو نفس الجسم واتصال الحطب بالنار دخيل في عروض الاحتراق عليه فموضوع الاحتراق نفس الحطب. نعم لا اطلاق للموضوع يشمل حال عدم القيد وان كان غير مقيد به، ومنه يظهر أن تسجيل الاشكال لا يتوقف على اخذ القيود المذكورة في الموضوع، بل يكفي فيه عدم الاطلاق فيه الشامل لحال عدمها فانه كاف في اختلاف المفهوم الموجب لتعدد الموضوع المانع من صدق الشك في البقاء على الشك في الحكم للموضوع في حال عدم القيد (قوله: والا لا يتخلف) يعني والا يكون الشك في الموضوع بل كان محرزا امتنع الشك في الحكم لان الموضوع علة تامة للحكم ويستحيل الشك في المعلول مع العلم بالعلة (قوله: الا بنحو البداء) بان يبدو للحاكم الخطأ في حكمه فيعدل عنه من دون اختلاف في موضوعه اصلا، ولذا كان مستحيلا في حقه تعالى لأنه يستدعي الجهل بحال الموضوع وهو عليه ممتنع (قوله: ويندفع هذا الاشكال) سيأتي انشاء الله أن المدار في اتحاد القضيتين وتعددهما هو العرف لا العقل ولا الدليل، وعليه يبتني جواز استصحاب الحكم مع العلم بارتفاع بعض القيود المأخوذة في لسان الدليل في موضوع الحكم، كما لو دل الدليل على نجاسة الماء المتغير فزال تغيره بنفسه فشك في بقاء نجاسته فانه يجوز استصحاب النجاسة لذات الماء بعد زوال التغير لعدم كونه مقوما للموضوع عرفا ولا يكون زواله موجبا للتعدد، وحينئذ فإذا جاز الاستصحاب في ذلك جاز مع اختلال بعض القيود التي ترجع لنا إلى الموضوع بطريق اولى إذا كانت من قبيل التغير ليست مقومة للموضوع في نظر العرف (وبالجملة) مبنى هذه الشبهة كون المرجع في بقاء الموضوع هو العقل، وسيأتي ان التحقيق خلافه (قوله: بحسبهما) يعنى الموضوع والمحمول
* وان كان مما لا محيص عنه في جريانه إلا أنه لما كان الاتحاد بحسب نظر العرف كافيا في تحققه وفي صدق الحكم ببقاء ما شك في بقائه وكان بعض ما عليه الموضوع من الخصوصيات التي يقطع معها بثبوت الحكم له مما يعد بالنظر العرفي من حالاته وان كان واقعا من قيوده ومقوماته كان جريان الاستصحاب في الاحكام الشرعية الثابتة لموضوعاتها عند الشك فيها لاجل طروء انتفاء بعض ما احتمل دخله فيها مما عد من حالاتها لا من مقوماتها بمكان من الامكان، ضرورة صحة إمكان دعوى بناء العقلاء على البقاء تعبدا أو لكونه مظنونا ولو نوعا أو دعوى دلالة النص أو قيام الاجماع عليه قطعا بلا تفاوت في ذلك بين كون دليل الحكم نقلا أو عقلا، أما الاول فواضح وأما الثاني فلان الحكم الشرعي ______________________________ (قوله: في تحققه) يعني الاتحاد في القضيتين (قوله: من حالاته) يعنى بحيث لا يكون ارتفاعها موجبا لارتفاع الموضوع كما هو شأن الحال (قوله: من قيوده ومقوماته) يعنى بحيث يكون ارتفاعها موجبا لارتفاع الموضوع كما هو شأن المقوم (قوله: ضرورة صحة امكان) تعليل لكفاية الاتحاد في نظر العرف، وحاصله: صدق كون الشك في البقاء بلا فرق بين كون الدليل على الحجبة بناء العقلاء، أو النص أو الاجماع. هذا ولكن في صحة ذلك تأمل إذ لو كان الدليل بناء العقلاء أو الاجماع فحيث ان القدر المتيقن غير ذلك يجب الاقتصار عليه إذ ليس لهما اطلاق يؤخذ به كما هو غير خفي، ولعله يأتي فيما ياتي انشاء الله (قوله: واما الثاني فلأن الحكم الشرعي هذا شروع في جواز استصحاب الحكم الشرعي المستكشف بتوسط حكم العقل. ووجه الاشكال فيه ما عرفت من الاشكال في جواز استصحاب مطلق الاحكام الشرعية الكلية. ومنه يتضح أن الوجه في الجواز هو الوجه في جوازه بعينه (وتوضيح) ما ذكره المصنف (ره) انه لا اشكال في أن كل قيد من القيود المأخوذة في موضوع الحكم لعقلي مما ينتفي بانتفائه الحكم العقلي لكن لا يلزم من انتفائه انتفاء ملاكه ومناطه إذ يجوز أن يكون الشئ مما له دخل في
المستكشف به عند طروء انتفاء ما احتمل دخله في موضوعه مما لا يرى مقوما له كان مشكوك البقاء عرفا لاحتمال عدم دخله فيه واقعا وإن كان لا حكم للعقل بدونه قطعا (ان قلت): كيف هذا مع الملازمة بين الحكمين (قلت): ذلك لان الملازمة إنما تكون في مقام الاثبات والاستكشاف لا في مقام الثبوت فعدم استقلال العقل الا في حال غير ملازم لعدم حكم الشرع إلا في تلك الحال وذلك لاحتمال أن يكون ما هو ملاك حكم الشرع من المصلحة أو المفسدة التي هي ملاك حكم العقل كان على حاله في كلتا الحالتين ______________________________ حصول القطع بوجود الملاك ولا يكون له دخل في وجود الملاك واقعا بحيث لا يحرز العقل وجود ملاك حكمه الا في ظرف القيد وان لم يكن لوجود القيد دخل واقعا في نفس وجود الملاك، ولازم ذلك ان لو انتفى مثل القيد المذكور ينتفي حكم العقل جزما ويكون ملاكه محتمل البقاء واحتمال بقاء الملاك ملزوم لاحتمال بقاء الحكم الشرعي لانه تابع له فإذا فرض ان انتفاء القيد لا يوجب تعدد الموضوع في نظر العرف يصدق على الشك في الحكم أنه شك في بقائه فيشمله دليل الاستصحاب مضافا إلى أنه لو سلم أن ارتفاع القيد موجب لارتفاع الملاك واقعا، لكن لا مانع من احتمال وجود ملاك آخر للحكم الشرعي لو يطلع عليه العقل فيحتمل لاجله بقاء الحكم غاية الأمر أن الحكم الشرعي بحدوثه يستند إلى الجامع بين الملاكين وببقائه يستند إلى الملاك الآخر الذي لم يرتفع بارتفاع القيد واختلاف علة الحدوث والبقاء لا يوجب تعددا في وجود المعلول فضلا عما إذا كان بهذا المقدار من الاختلاف إذا الاستناد ليس الا إلى الجامع غاية الامر ان الجامع كان موجودا اولا في ضمن فردين ثم صار موجودا في ضمن احدهما (قوله: قطعا) هو قيد للنفي (قوله: في مقام الاثبات) يعني بحيث لو حكم العقل علم بحكم الشرع (قوله: لا في مقام الثبوت) يعني لا يصدق قولنا لو لم يكن حكم للعقل لم يكن حكم للشرع لعدم الدليل عليه بل الدليل على خلافه ضرورة صدق قولنا: قد يكون حكم الشرع ولا حكم للعقل كما إذا كان ملاك الحكم العقلي موجودا ولم يطلع عليه العقل فانه لا حكم للعقل لعدم احراز
* وان لم يدركه الا في احداهما لاحتمال عدم دخل تلك الحالة فيه أو احتمال ان يكون معه ملاك آخر بلا دخل لها فيه أصلا وان كان لها دخل فيما اطلع عليه من الملاك (وبالجملة) حكم الشرع إنما يتبع ما هو ملاك حكم العقل واقعا لا ما هو مناط حكمه فعلا وموضوع حكمه كذلك مما لا يكاد يتطرق إليه الاهمال والاجمال مع تطرقه إلى ما هو موضوع حكمه شأنا وهو ما قام به ملاك حكمه واقعا فرب خصوصية لها دخل في استقلاله مع احتمال عدم دخله فبدونها لا استقلال له بشئ قطعا مع احتمال بقاء ملاكه واقعا ومعه يحتمل بقاء حكم الشرع جدا لدورانه معه وجودا وعدما فافهم وتأمل جيدا (ثم) انه لا يخفى اختلاف آراء الأصحاب في حجية الاستصحاب مطلقا وعدم حجيته كذلك والتفصيل بين الموضوعات والأحكام أو بين ما كان الشك في الرافع وما كان في المقتضي إلى غير ذلك من التفاصيل الكثيرة على أقوال شتى لا يهمنا نقلها ونقل ما ذكر من الاستدلال عليها وأنما المهم الاستدلال على ما هو المختار منها وهو الحجية مطلقا على نحو يظهر بطلان سائرها فقد استدل عليه بوجوه (الوجه الاول) استقرار بناء العقلاء من الانسان بل ذوي الشعور من كافة أنواع الحيوان على العمل على طبق الحالة السابقة وحيث لم يردع عنه الشارع كان ماضيا ______________________________ ملاكه ويثبت حكم الشرع لاحراز ملاكه عنده (قوله: وان لم يدركه الا) فيكون وجود القيد دخيلا في العلم بالمناط لا في نفس وجوده (قوله: أو احتمال ان يكون) يعنى يحتمل ايضا ان يكون في المقيد ملا كان احدهما يرتفع بارتفاع القيد لدخله في وجوده والآخر يبقى ولو مع ارتفاع القيد لعدم دخله فيه (قوله: حكمه كذلك) يعني فعلا (قوله: في استقلاله) يعنى دخيلة في حكمه فعلا لدخلها في احراز مناطه مع احتمال عدم دخلها في مناطه وملاكه (قوله: ومعه يحتمل) يعنى مع احتمال بقاء ملاكه واقعا (قوله: على طبق الحالة السابقة) يعنى من حيث كونه عملا على طبق الحالة السابقة فيكون عندهم اصلا تعبديا لا من جهة
(وفيه) أولا منع استقرار بنائهم على ذلك تعبدا بل إما رجاء واحتياطا، أو اطمينانا بالبقاء، أو ظنا ولو نوعا، أو غفلة كما هو الحال في ساير الحيوانات دائما وفى الانسان أحيانا (وثانيا) سلمنا ذلك لكنه لم يعلم ان الشارع به راض وهو عنده ماض ويكفي في الردع عن مثله ما دل من الكتاب والسنة على النهي عن اتباع غير العلم وما دل على البراءة أو الاحتياط في الشبهات فلا وجه لاتباع هذا البناء فيما لابد في اتباعه من الدلالة على إمضائه فتأمل جيدا (الوجه الثاني)) أن الثبوت في السابق موجب للظن به في اللاحق (وفيه) منع اقتضاء مجرد الثبوت للظن بالبقاء فعلا ولا نوعا فانه لا وجه له اصلا إلا كون الغالب فيما ثبت أن يدوم مع امكان ان لا يدوم وهو غير معلوم ولو سلم فلا دليل على اعتباره بالخصوص مع نهوض الحجة على عدم اعتباره بالعموم (الوجه الثالث) دعوى الاجماع عليه كما عن المبادئ حيث قال: الاستصحاب حجة لاجماع الفقهاء على انه ______________________________ الظن ليكون امارة كما يظهر من مقابلة هذا الوجه بما بعده (قوله: منع استقرار بنائهم) الانصاف ان المنع عن بنائهم على ذلك مطلقا لا يخلو من منع أو تأمل (قوله: على ذلك تعبدا بل اما) يعني انهم وان عملوا على طبق الحالة السابقة لكن ليس لانه عملا على طبقها كما يريد المستدل بل قد يكون وجه العمل الاحتياط وقد يكون الاطمئنان وقد يكون الظن ولو النوعي (قوله: أو غفلة كما هو الحال) هذا لا ينبغي أن يعد من العمل على طبق الحالة السابقة بوجه فان عمل الحيوانات دائما وعمل الانسان احيانا ليس الا لمحض العادة الناشئة من تكرر العمل وان انتقضت مرة أو اكثر ما لم تتبدل بعادة اخرى على خلافها فترى الانسان الذي اعتاد سلوك طريق معين إلى داره إذا انتقل منها إلى اخرى يسلك طريقا آخر إلى الثانية مرة أو مرات فإذا غفل سلك طريقه الاول لمحض العادة السابقة وإلا فهو على خلاف العادة السابقة وكذا الحال في عمل الحيوانات (قوله: ويكفي في الردع) تقدم الكلام فيه في أدلة حجية الخبر (قوله: وهو غير معلوم)
* متى حصل حكم ثم وقع الشك في انه طرأ ما يزيله أم لا ؟ وجب الحكم ببقائه على ما كان أولا، ولولا القول بان الاستصحاب حجة لكان ترجيحا لاحد طرفي الممكن من غير مرجح (انتهى) وقد نقل عن غيره أيضا (وفيه) أن تحصيل الاجماع في مثل هذه المسألة مما له مبان مختلفة في غاية الاشكال ولو مع الاتفاق فضلا عما إذا لم يكن وكان مع الخلاف من المعظم حيث ذهبوا إلى عدم حجيته مطلقا أو في الجملة ونقله موهون جدا لذلك ولو قيل بحجيته لولا ذلك (الوجه الرابع) وهو العمدة في الباب الاخبار المستفيضة منها صحيحة زرارة: قال: قلت له: الرجل ينام وهو على وضوء أيوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء ؟ قال: يا زرارة قد تنام العين ولا ينام القلب والاذن وإذا نامت العين والاذن والقلب فقد وجب الوضوء، قلت: فان حرك في جنبه شئ وهو لا يعلم قال: لاحتى يستيقن انه قد نام حتى يجئ من ذلك أمر بين وإلا فانه على يقين من وضوئه ولا ينقض اليقين بالشك أبدا ولكنه ينقضه بيقين آخر، وهذه الرواية وإن كانت مضمرة الا أن إضمارها لا يضر باعتبارها حيث كان مضمرها ______________________________ يعني بنحو الكلية والا فهو يختلف باختلاف استعداد مشكوك البقاء لو كان الشك في المقتضي أو باختلاف غلبة وجود الرافع لو كان الشك في الرافع (قوله: تحصيل الاجماع) يعني الاجماع المحصل الكاشف عن رأي المعصوم (ع) (قوله: في غاية الاشكال) إذ قد يكون الذاهب إلى الحجية انما يذهب ايها على تقدير صحة مبناه وإلا فهو ذاهب إلى عدم الحجية لو كان مبناه باطلا فكيف يكون كاشفا حينئذ عن رأي المعصوم (ع) (قوله: الخلاف من المعظم) لا تخلو هذه النسبة من تأمل وغالب التفصيلات منسوبة إلى اشخاص معينين (قوله: ونقله موهون) يعني الاجماع المنقول موهون نقله في المقام لخلاف المعظم (قوله: منها صحيحة زرارة) رواها الشيخ (ره) عن الحسين بن سعيد عن حماد عن حريز عن زرارة وطريق الشيخ إلى الحسين صحيح وهو ومن قبله من أجلاء ثقات اصحابنا (قدس سرهم) (قوله: حيث كان مضمرها) بل اثبات الشيخ
مثل زرارة وهو ممن لا يكاد يستفتي من غير الامام - عليه السلام - لا سيما مع هذا الاهتمام (وتقريب) الاستدلال بها أنه لا ريب في ظهور قوله - عليه السلام -: وإلا فانه على يقين... الخ عرفا في النهي عن نقض اليقين بشئ بالشك فيه وانه - عليه السلام - بصدد بيان ما هو علة الجزاء ______________________________ والحسين لها في كتب الحديث واثبات حماد لها في اصله راويا لها عن حريز شهادة قطعية على كونها راوية عن المعصوم (ع) كما هو ظاهر، ومنه يظهر اعتبارها ولو كان الراوي لها غير زرارة (قوله: هذا الاهتمام) المستفاد من تكرير السؤال (قوله: عن نقض اليقين بشئ) يعني من دون اختصاص بمورد الرواية بل تعم كل شئ شك في بقائه (قوله: وانه (ع) بصدد بيان) لا يخفى ان قوله (ع) في الرواية: (وإلا) بمعنى وان لا يتقن أنه قد نام حذف فيه جملة الشرط لدلالة ما قبله عليه، واما جواب الشرط فالاحتمالات التي اشار إليها المصنف (ره) وشيخنا الاعظم (ره) في الرسائل ثلاثة (الاول) ان يكون محذوفا قامت علته مقامه وادخلت عليها فاء الجزاء وقد عقد ابن هشام في المغني تنبيها لذلك وذكر فيه كثيرا من الامثلة، وذكر شيخنا الاعظم (ره) في الرسائل. جملة اخرى فليراجعا، والتقدير في المقام: وان لا يستيقن انه قد نام فليس عليه اعادة الوضوء لانه على يقين من وضوئه ولا ينقض اليقين بالشك... الخ، وعليه فيكون الامام (ع) في مقام تعليل الحكم بعدم لزوم اعادة الوضوء بأن اليقين بالوضوء المقرون بالشك في انتفاضه يدخل تحت كبرى كلية ارتكازية وهي انه لا ينقض اليقين بالشك ابدا فتدل الرواية الشريفة على ثبوت الكبرى الكلية المذكورة بلا اختصاص لها بموردها وهي عين الاستصحاب مطلقا (الثاني) ان يكون نفس قوله (ع): فانه على يقين، بجعل الجملة انشائية وان المقصود منها جعل احكام اليقين بالوضوء في حال الشك فيه بلسان جعل الموضوع نظير قوله (ع): الطواف بالبيت صلاة، وعليه فيكون قوله: ولا ينقض... الخ بمنزلة عطف التفسير (الثالث) ان يكون قوله (ع): ولا ينقض اليقين... الخ ويكون قوله (ع): فانه على
المستفاد من قوله عليه السلام: (لا)، في جواب: فان حرك في جنبه... الخ وهو اندراج اليقين والشك في مورد السؤال في القضية الكلبة الارتكازية غير المختصة بباب دون باب واحتمال أن يكون الجزاء هو قوله: فانه على يقين... الخ غير سديد فانه لا يصح إلا بارادة لزوم العمل على طبق يقينه ______________________________ يقين... الخ تمهيدا للجواب، والمعني: ان لا يستيقن انه قد نام فبعد ما كان على يقين بالوضوء لا ينقض يقينه بالشك في النوم، وعلى هذين لا دلالة للرواية على حجية الاستصحاب عموما حتى في غير المورد إذ الظاهر من اليقين فيها اليقين بالوضوء فالتعدي إلى غيره محتاج إلى قرينة أو الغاء خصوصية المورد عرفا وكلاهما محل اشكال بل منع، والذي استظهره المصنف (ره) تبعا لشيخنا الاعظم (ره) هو الاول (قوله: المستفاد) هو صفة للجزاء (قوله: وهو اندراج) الضمير راجع إلى كلمة (ما) (قوله: في مورد) قيد لليقين والشك (قوله: في القضية) متعلق بالاندراج (قوله: الارتكازية) يعني المرتكزة في ذهن العقلاء وليس المراد من كونها ارتكازية بناءهم عليها حتى يكون منافيا لما تقدم من عدم ثبوت بنائهم على العمل على طبق الحالة السابقة، بل المقصود انه ارتكز في اذهانهم مناسبة العلة للتعليل كسائر التعليلات الارتكازية مقابل التعليلات التعبدية مثلا إذا قال: اكرم زيدا لانه عالم فهو تعليل بأمر ارتكازي وإذا قال: اكرم زيدا لانه طويل فالتعليل يناسب الارتكاز لان صفة الطول لا تناسب ولا تصلح في نظر العقلاء علة لوجوب الاكرام بخلاف صفة العلم، فحيثية اليقين الذي يطرأ على موضوعه الشك مما يرتكز في ذهن العرف والعقلاء صلاحيته للحكم بعدم جواز النقض (قوله: غير المختصة بباب) يعني ان القضية الارتكازية لا تختص بباب دون باب بل تعم جميع الابواب فلابد حينئذ من تعميم الحكم إذ لو بني على تخصيصه بباب الوضوء كان التعليل تعبديا لا ارتكازيا وهو خلاف الاصل في التعليل لأن الغرض من التعليل التنبيه على وجه الحكم بحسب ما عند المخاطب فلو كان تعبديا لم يترتب عليه الغرض المذكور (قوله: احتمال ان يكون) هذا اشارة إلى الاحتمال الثاني (قوله: لا يصح الا بارادة)
وهو إلى الغاية بعيد، وأبعد منه كون الجزاء قوله: لا ينقض... الخ وقد ذكر: فانه على يقين، للتمهيد، وقد انقدح بما ذكرنا ضعف احتمال اختصاص قضية: لا تنقض... الخ باليقين والشك في باب الوضوء جدا فانه ينافيه ظهور التعليل في انه بامر ارتكازي لا تعبدي قطعا، ويؤيده تعليل الحكم بالمضي مع الشك في غير الوضوء في غير هذه الرواية بهذه القضية أو ما يرادفها فتأمل جيدا. هذا مع أنه لا موجب لاحتماله الا احتمال كون اللام في اليقين للعهد اشارة إلى اليقين في (فانه على يقين من وضوئه) مع ان الظاهر أنه للجنس كما هو الاصل فيه، وسبق: (فانه على يقين... الخ) لا يكون قرينة ______________________________ يعني لا يصح لو حمل الكلام على الخبر فان كونه على يقين بوضوئه معلوم لدى المخاطب استيقن بالنوم ام لم يستيقن فلا وجه لتعليقه على عدم الاستيقان بالنوم فلابد من حمله على انشاء لزوم العمل بلسان جعل موضوعه وهو نفس اليقين (قوله: إلى الغاية بعيد) فان الحمل على الانشاء خلاف الظاهر ولا سيما مع لزوم كون: ولا ينقض اليقين... الخ بمنزلة التأكيد له، بل يلزم أن يكون كل ذلك تأكيدا لقوله (ع): لا حتى يستيقن (قوله: وابعد منه كون) اشارة إلى الاحتمال الثالث، ووجه كونه ابعد (أولا) انه خلاف ظاهر لفظ الواو في قوله (ع): ولا ينقض، إذ لو كان هو الجزاء لزم خلوه عنه (وثانيا) انه يلزم كون القضية من قبيل الشرطية المساقة لتحقيق الموضوع كما في مثل: إن رزقت ولدا فاختنه، لامتناع فرض الجزاء فيها الا في فرض ثبوت الشرط مع لزوم كون الكلام بمنزلة التأكيد لما قبله كما في الاحتمال الثاني بخلاف ما لو حمل على المعنى الاول فانه يدل على علة الحكم وثبوت الكبري الكلية المطردة في مورد الرواية وغيره (قوله: بما ذكرنا) يعني من حمل الكلام على التعليل (قوله: ينافيه) الضمير راجع إلى الاختصاص (قوله: لا تعبدي) إذ لو بنى على الاختصاص بالوضوء كان التعليل تعبديا لما عرفت من انه لا خصوصية له في نظر العرف فلا يتضح وجه التعليل (قوله: قطعا) قيد لقوله ينافيه (قوله: لاحتماله)
عليه مع كمال الملائمة مع الجنس ايضا (فافهم) مع أنه غير ظاهر في اليقين بالوضوء لقوة احتمال ان يكون من وضوئه ______________________________ اي الاختصاص (قوله: ايضا فافهم) يمكن أن يكون إشارة إلى أن كمال الملائمة لا يقتضي الحمل على الجنس لكمال الملائمة مع العهد ايضا، ولا سيما وكونه الاصل في لام التعريف إذا سبقها المدخول كما نص عليه علماء العربية. نعم ربما قيل يمتنع حمل اللام على العهد في المقام لان المعهود في السؤال شخص خاص من اليقين فالحمل عليه يوجب كون القضية شخصية وهو ممتنع إذ لا ريب في كون المراد الحكم على كل يقين بالوضوء ملحوق بالشك به مع أن اليقين الشخصي ربما لا يكون محلا للابتلاء وقت السؤال حتى يؤمر بالعمل عليه، لكن فيه أنه لم يظهر من الرواية ذلك، بل الظاهر منها السؤال عن كلي اليقين بالوضوء الملحق بالشك فيه فحمل اللام على العهد يقتضي ارادة طبيعة اليقين بالوضوء ولا مانع منه (قوله: مع انه غير ظاهر) يعني ان حمل اللام على العهد انما يقتضي اختصاص الحكم باليقين بالوضوء لو كان (قوله: لقوة احتمال) لا ينبغي التأمل في كون الظاهر تعلق قوله (وضوئه) بالظرف كما تقول: صرت من هذه المسألة على علم ومن عدالة زيد على يقين (قوله: من وضوئه) قيد لليقين أما إذا كان قيدا للظرف اعني قوله: على يقين كان مطلقا، فحمل اللازم على العهد لا يقتضي الاختصاص المدعي إذ المعهود هو اليقين مطلقا واحتمال انه قيد للظرف قوي (ويمكن) ان يخدش (أولا) بأن قوة الاحتمال لا تجدي ما لم تبلغ الظهور المعتد به إذ لولاه لكان الكلام مجملا ساقطا عن الحجية (وثانيا) انه لم يظهر الفرق بين اخذه قيدا لليقين واخذه قيدا للظرف في تمامية دعوى الاختصاص إذ على الثاني يكون مفهوم اليقين غير مقيد لكن لا اطلاق له يشمل اليقين بغير الوضوء بل يكون المراد الحصة الملازمة للتعلق بالوضوء فيكون المعرف باللام كذلك (وان شئت) قلت كل خصوصية تذكر في الجملة التي يكون فيها الاسم السابق يجب ان يقيد بها المعرف، مثلا إذا قال: إذا اشتريت فرسا بمائة يوم الجمعة فبع الفرس، فالمراد من الفرس الثاني هو الفرس الذي اشتراه بمائة يوم الجمعة،
متعلقا بالظرف لا بيقين وكان المعنى فانه كان من طرف وضوئه على يقين وعليه لا يكون الأصغر الا اليقين لا اليقين بالوضوء كما لا يخفى على المتأمل (وبالجملة) لا يكاد يشك في ظهور القضية في عموم اليقين والشك خصوصا بعد ملاحظة تطبيقها في الاخبار على غير الوضوء ايضا (ثم) لا يخفى حسن اسناد النقض وهو ضد الابرام إلى اليقين ولو كان متعلقا بما ليس فيه اقتضاء البقاء والاستمرار لما يتخيل فيه من الاستحكام بخلاف الظن فانه يظن أنه ليس فيه إبرام واستحكام وان ______________________________ ومن المعلوم أن يوم الجمعة والشراء ليسا قيدين للفرس في الجملة السابقة، ومثله قوله تعالى (وارسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول... الآية) فان المراد بالرسول الثاني هو الرسول الذي ارسل، مع أن قوله تعالى (ارسلنا) لم يجعل قيدا للرسول ففي المقام المراد من اليقين الذي لا يجوز نقضه بالشك هو اليقين الذي يكون المكلف من وضوئه عليه لا مطلقا (قوله: لا يكاد يشك) العمدة فيه ما ذكره الاو من ظهور الرواية في التعليل بالامر الارتكازي لا التعبدي (قوله: ثم لا يخفي حسن اسناد) هذا شروع في الرد على شيخنا الاعظم (قده) حيث استشكل تبعا للمحقق الخوانساري (ره) في دلالة الاخبار على ثبوت الاستصحاب لو كان الشك في البقاء مستندا إلى الشك في المقتضي، ووجه الاشكال أن حقيقة النقض حل المبرم من قولهم نقض الحبل، وقوله تعالى: (كالتي نقضت غزلها من بعد قوة.. الآية) ولما امتنع ارادة ذلك قى المقام دار الامر بين حمله على رفع اليد عن الامر الثابت لوجود مقتضيه وحمله على مجرد رفع اليد عن الشئ ولو كان لعدم المقتضي، وحيث ان الاول اقرب إلى المعنى الحقيقي كان هو المتعين فلا يصح التمسك بالاخبار الناهية عن نقض اليقين بالشك إلا فيما إذا كان مشكوك البقاء واجدا لمقتضيه فتختص بالشك في الرافع دون الشك في المقتضي، وحاصل ما ذكره المصنف (ره) في دفعه ان المصحح لاستعمال النقض في المقام كونه متعلقا باليقين الذي هو من قبيل الامر المبرم، وحينئذ لا فرق بين كون المتيقن مبنيا على الثبوت على الثبوت والدوام اولا وليس استعماله بلحاظ نفس المتيقن حتى يختص بما إذا كان مبنيا على ذلك دون ما إذا لم يكن كذلك (قوله: لما يتخيل فيه) تعليل لحسن اسناد النقض إلى اليقين وضمير (فيه) راجع إلى اليقين
كان متعلقا بما فيه إقتضاء ذلك وإلا لصح أن يسند إلى نفس ما فيه المقتضي له مع ركاكة مثل (نقضت الحجر من مكانه) ولما صح ان يقال: انتقض اليقين باشتعال السراج، فيما إذا شك في بقائه للشك في استعداده مع بداهة صح وحسنه (وبالجملة) لا يكاد يشك في ان اليقين كالبيعة والعهد إنما يكون حسن اسناد النقض إليه بملاحظة لا بملاحظة متعلقة فلا موجب لارادة ما هو اقرب إلى الامر المبرم أو اشبه بالمتين المستحكم مما فيه اقتضاء البقاء لقاعدة (إذا تعذرت الحقيقة فاقرب المجازات) بعد تعذر ارادة مثل ذاك الامر ما يصح اسناد النقض إليه حقيقة (فان قلت): نعم ولكنه حيث لا انتقاض لليقين في باب الاستصحاب حقيقة فلو لم يكن هناك اقتضاء البقاء في المتيقن لما صح اسناد الانتقاض إليه بوجه ولو مجازا بخلاف ما إذا كان هناك فانه وان لم يكن معه ايضا انتقاض حقيقة إلا أنه صح اسناده إليه مجازا فان اليقين معه كانه تعلق ______________________________ (قوله: والا لصح) يعني والا يكن المصحح له ما في اليقين من الابرام بل كان ما في المتيقن من اقتضاء القاء لصح استعماله في مورد يكون فيه اقتضاء البقاء مع انه لا يصح فلا يقال: نقضت الحجر من مكانه، مع أن كونه في مكانه مما فيه الاقتضاء إذ لا ينفصل عن مكانه الا برافع، ويصح ان يقال: نقضت الحجر، بمعني كسرته لأن الحجر في نفسه لا يخلو من نوع من الابرام بين اجزائه ويصح ان يقال: نقضت البناء، إذا ازلته عن مكانه لأن كونه في مكانه ايضا لا يخلو من نحو من الابرام (قوله: ولما صح) معطوف على قوله لصح (قوله: للشك في) متعلق بقوله: شك في بقائه (قوله: نعم ولكنه حيث لا انتقاض) يعني ان ما ذكرت من ان المصحح لاستعمال النقض في المقام نفس اليقين انما يتم لو كان النقض مسلطا على اليقين حقيقة مع انه ليس كذلك إذ الشك في مورد الاستصحاب مجامع لليقين لا ناقض له، ولأجله لا يكون رفع اليد عن العمل نقضا لليقين بل انما يكون نقضا للمتيقن فالنقض حقيقة انما يسند إلى المتيقن فلابد ان يكون فيه جهة مصححة لاسناد النقض إليه وليس الا كونه واجد المقتضي البقاء فيتم التخصيص بالشك في
بامر مستمر مستحكم قد انحل وانفصم بسبب الشك فيه من جهة الشك في رافعه (قلت): الظاهر أن وجه الاسناد هو لحاظ اتحاد متعلقي اليقين والشك ذاتا وعدم ملاحظة تعددهما زمانا وهو كاف عرفا في صحة اسناد النقض إليه واستعارته له بلا تفاوت في ذلك اصلا في نظر اهل العرف بين ما كان هناك اقتضاء البقاء وما لم يكن وكونه مع المقتضي أقرب بالانتقاض وأشبه لا يقتضي تعيينه لاجل قاعدة (إذا تعذرت الحقيقة) فان الاعتبار في الاقربية إنما هو بنظر العرف لا الاعتبار وقد عرفت عدم التفاوت بحسب نظر أهله هذا كله في المادة (واما الهيئة) فلا محالة يكون المراد منها النهي عن الانتقاض ______________________________ الرافع (قوله: الظاهران وجه الاسناد) يعني ان الشك انما لم يكن ناقضا لليقين في مورد الاستصحاب من جهة اختلاف متعلقهما زمانه لكون متعلق اليقين متقدما على متعلق الشك زمانا ولو بني على التغافل عن التعدد الزماني ولم يلحظ الانفس المتعلق ووحدته يرى الشك ناقضا لليقين فاسناد النقض إلى اليقين مبني على هذا التغافل ولا بأس به عرفا، ولأجل ذلك التغافل يعبر غالبا عن مورد الاستصحاب بانه يقين سابق وشك لاحق بل ربما كان ذلك في بعض الاخبار المستدل بها عليه (قوله: وكونه مع المقتضي) يعني قد يقال: رفع اليد عن اليقين المتعلق بما هو واجد لمقتضي البقاء اقرب إلى النقض الحقيقي من رفع اليد عن اليقين المتعلق بما هو فاقد للمقتضي فقاعدة أن تعذر الحقيقة يوجب الحمل على اقرب المجازات تقتضي حمل النقض في المقام على الاول (وفيه) أن المراد من الاقرب الذي يجب حمل اللفظ عليه هو الاقرب عرفا لا الاقرب عقلا، ولذا يحمل مثلا زيد أسد على ان المراد انه شجاع مع كون الاقرب عقلا ان يكون واجدا لكل صفة في الاسد والمعنيان المذكوران في المقام ليس احدهما اقرب من الآخر عرفا بل هما سواء فليحمل على الجامع بينهما لان تخصيص احدهما بلا مخصص (قوله: واما الهيئة فلا محالة يكون المراد) الاحتمالات المتصورة بدوا كثيرة إذ نقض اليقين (تارة) يراد به نقض نفسه (واخرى) نقض احكامه (وثالثة) نقض متعلقه (ورابعة) نقض احكامه، والجميع ممتنع
بحسب البناء والعمل لا الحقيقة لعدم كون الانتقاض بحسبيهما تحت الاختيار سوا كان متعلقا باليقين كما هو ظاهر القضية أم بالمتيقن أم بآثار اليقين بناء على التصرف فيها بالتجوز أو الاضمار. ______________________________ لو اريد النقض الحقيقي (أما في الثاني والرابع) فواضح إذ الاحكام ليست من فعل المكلف ليمكنه نقضها ولا نقضها مضافا إلى انه لا معنى لنقضها بالشك (ومنه) يظهر امتناع الثالث مضافا إلى انه قد لا يكون من افعاله الاختيارية لا حدوثا ولا بقاء (اما الاول) فلانه ان اريد من حرمة نقضة بالشك وجوب البقاء على اليقين حقيقة فممتنع إذ قد لا يكون حصول اليقين اختياريا، وان اريد حرمة نقضه بالشك في ظرف حصوله فان اريد ما كان من موارد قاعدة الشك الساري فالانتقاض ضروري لا معنى للنهي عنه، وان اريد ما كان من موارد الاستصحاب فالانتقاض غير حاصل فلا معنى للنهي عنه. هذا كله مضافا إلى ان جميع هذه الاحتمالات خلاف الضروري من مفاد النص ولم يتوهم احد احتمالها منه، مثلها أن يكون المراد نقض اليقين عملا بمعنى جعل احكام اليقين للشك فانه وان كان في نفسه معقولا كما لو كان اليقين موضوعا لحكم شرعي أو جزءا للموضوع إلا أنه خلاف مورد الرواية فان جواز الصلاة ونحوه ليس من احكام نفس اليقين، فيدور الامر بين إرادة نقض المتيقن عملا بجعل احكامه حال الشك في وجوده، وارادة وجوب العمل مع الشك العمل مع اليقين فكما أنه لو تيقن الطهارة مثلا لوجب عليه ترتيب احكام الطهارة واحكام اليقين بها كذلك لو شك في الطهارة بعد اليقين بها فيجب عليه ترتيب احكامها واحكام اليقين بها فكل عمل يجب في حال اليقين بشئ يجب في حال الشك به سواء كان العمل لأثر لليقين ام لأثر للمتيقن، والذي استظهره المصنف (ره) تبعا لشيخنا الاعظم (ره) هو الاول وسيأتي قريبا توضيح الحال (قوله: بحسب البناء) ذكر البناء غير ظاهر فان الظاهر هو كونه بحسب العمل لا غير (قوله: ظاهر القضية) يعني من حيث الوضع (قوله: فيها بالتجوز أو الاضمار) ضمير فيها راجع إلى القضية والتجوز على
* بداهة أنه كما لا يتعلق النقض الاختياري القابل لورود النهي عليه بنفس اليقين كذلك لا يتعلق بما كان على يقين منه أو أحكام اليقين فلا يكاد يجدي التصرف بذلك في بقاء الصيغة على حقيقتها فلا مجوز له فضلا عن الملزم كما توهم (لا يقال): لا محيص عنه فان النهي عن النقص بحسب العمل لا يكاد يراد بالنسبة إلى اليقين وآثاره لمنافاته مع ______________________________ تقدير ارادة المتيقن والاضمار على تقدير ارادة آثار اليقين (قوله: بداهة) تعليل لقوله سواء كان... الخ (قوله: بما كان على) يعني المتيقن (قوله: أو احكام اليقين) بل واحكام المتيقن (قوله: فلا يكاد يجدي التصرف) هذا تعريض بشيخنا الاعظم قدس سره حيث أنه بعد ما خص النقض بما إذا كان الشك في الرافع قال: ثم لا يتوهم الاحتياج إلى تصرف في اليقين بارادة المتيقن منه لان التصرف لازم على كل حال فان النقض الاختياري القابل لورود النهي عليه لا يتعلق بنفس اليقين على كل تقدير بل المراد نقض ما كان على يقين منه والطهارة السابقة أو احكام اليقين... الخ فيظهر منه امكان تعلق النقض الاختياري بالمتقين واحكام اليقين دون نفس اليقين، وقد عرفت أنه لا فرق بينها في ذلك ومن هنا ذكر المصنف (ره) انه لا يكاد يجدي التصرف... إلى قوله: كما توهم، ومراده من المتوهم شيخه - قدس سره - هذا ولكن قال شيخنا الاعظم - قدس سره - بعد ذلك: وكيف كان فالمراد اما نقض المتيقن فالمراد بالنقض رفع اليد عن مقتضاه واما نقض احكام اليقين اي الثابتة للمتيقن من جهة اليقين والمراد حينئذ رفع اليد عنها. انتهى، وهو صريح في أن النقض المتعلق أو احكام اليقين يراد منه النقض عملا لا حقيقة، فالجمع بين الكلامين يقتضي ارادة وجوب التصرف في اليقين بارادة المتيقن أو احكامه من جهة مورد الرواية وارادة النقض العملي من النقض الاختياري القابل لورود النهي عليه، وان كانت العبارة الاولى توهم ما عليه المصنف (ره) من ارادة النقض الحقيقي فلاحظ (قوله: لا محيص عنه فان) يعني لابد من الحمل على ارادة نقض المتيقن لأن الحمل على ما ذكرت
المورد (فانه يقال): إنما يلزم لو كان اليقين ملحوظا بنفسه وبالنظر الاستقلالي لاما إذا كان ملحوظا بنحو المرآتية وبالنظر الآلي كما هو الظاهر في مثل قضية (لا تنقض اليقين) حيث تكون ظاهرة عرفا في انها كناية عن لزوم البناء والعمل ______________________________ من ارادة نقض اليقين عملا ينافي مورد الرواية إذ الحكم المترتب في الرواية على حرمة النقض صحة الصلاة ونحوها وذلك من احكام الطهارة المشكوكة لا اليقين بها هذا ولا يخفى أنه كان الانسب اسقاط قوله: لا محيص عنه، إذ بعد اثبات امتناعه لا وجه لدعوى كونه لا محيص عنه كما هو ظاهر (قوله: انما يلزم لو كان) يعني ان ما ذكرناه من ارادة حرمة نقض اليقين عملا نعني منه حرمة نقض المتيقن إذ اليقين ملحوظ عبرة وطريقا إلى نفس المتيقن (قوله: كما هو الظاهر في مثل قضية) هذا الاستظهار غير ظاهر إذ هو خلاف الاصل المعول عليه في الالفاظ فان كل لفظ انما يحكي عن معناه استقلالا واستعمال اليقين طريقا في بعض المقامات مثل رواية زرارة: إذا استيقن انه زاد في صلاته المكتوبة فليستقبل صلاته استقبالا، لا يقتضي الحمل عليه في غيرها ما لم تقم قرينة عليه، مع امكان المنع من كونه فيها طريقا بهذا المعني بل من الجائز أن يكون موضوعا لوجوب الاعادة ارشادا فانه الموافق للاصل المذكور (وثانيا) انه خلاف ظاهر سياقه مساق الشك إذ الشك في قوله: ولا ينقض اليقين بالشك، ملحوظ في نفسه استقلالا لا طريقا فيكون اليقين كذلك لكونهما في سياق واحد، وخلاف ما يظهر من الرواية من كونها تنبيها على امر ارتكازي فان الامر الارتكازي عدم رفع اليد عن اليقين بما هو يقين في قبال الشك، وخلاف ما يظهر من الصغرى المعلل بها الجواب - اعني قوله (ع): فانه على يقين من وضوئه - فان الظاهر منها ملاحظة اليقين استقلالا، وليس المراد منها انه على وضوء، بل لعله ايضا خلاف ما ذكره المصنف (ره) من كون المصحح لاستعمال النقض في المقام نفس اليقين لما فيه من الاستحكام فان حمل اليقين على الطريقية إلى المتيقن نقض لما ذكر الا بدعوى
بالتزام حكم مماثل للمتيقن تعبدا إذا كان حكما ولحكمه إذا كان موضوعا لا عبارة عن لزوم العمل بآثار نفس اليقين بالالتزام بحكم مماثل لحكمه شرعا وذلك لسراية الآلية والمرآتية من اليقين الخارجي إلى مفهومه الكلي فيؤخذ في موضوع الحكم في مقام بيان حكمه مع عدم دخله فيه أصلا كما ربما يؤخذ فيما له دخل فيه أو تمام الدخل (فافهم) ______________________________ اكتساب المتيقن من اليقين حيثية الابرام والاستحكام، لكنها - مع انها لا تخلو من تكلف - لا تأبى كون حمله على اليقين الاستقلالي انسب بلفظ النقض، فالمتعين مما ذكرناه ابقاء اليقين على معناه وارادة حرمة رفع اليد عنه ووجوب العمل حال الشك عمله حال اليقين سواء كان العمل مستندا إلى أثر شرعي لليقين كما لو كان تمام الموضوع له أو جزأه، ام مستندا إلى اثر شرعي للمتيقن كما في مورد الرواية، وسيجيئ انشاء الله تعالى في وجه تحكيم الاستصحاب على الاصول ماله نفع تام في المقام فانتظر وتأمل والله سبحانه اعلم (قوله: بالالتزام بحكم مماثل) قد عرفت في بعض الحواشي السابقة وفي السؤال المتقدم ان هذا المعنى وان كان معقولا الا انه لا ينافي مورد الرواية (قوله: وذلك لسراية الآلية) هذا تعليل لقوله: كما هو الظاهر، ودفع لتوهم انه كيف يكون اليقين في الرواية ملحوظا آلة للمتيقن وطريقا إليه مع ان اليقين الذي يكون كذلك هو اليقين الخارجي الذي هو مصداق مفهوم اليقين لا نفس المفهوم (وحاصل) الدفع تسليم ذلك ودعوى سراية الآلية من المصداق إلى نفس المفهوم. هذا وفي دعوى كون اليقين الخارجي طريقا إلى المتيقن خفاء فان اليقين نوع من العلم لا به يكون العلم فتأمل جيدا (قوله: فيؤخذ في) يعني (فتارة) يؤخذ اليقين في موضوع الحكم طريقا محضا بلا دخل له في موضوع ذلك الحكم بل تمام الموضوع هو ذات المتيقن (واخرى) يؤخذ في موضوعه موضوعا تمامه أو جزؤه فضمير (حكمه) و (فيه) راجع إلى الموضوع، وضمير (دخله) راجع إلى اليقين وكلمة (ما) في قوله: فيما له،
تم إنه حيث كان كل من الحكم الشرعي وموضوعه مع الشك قابلا للتنزيل بلا تصرف وتأويل غاية الامر تنزيل الموضوع بجعل مماثل حكمه وتنزيل الحكم بجعل مثله كما أشير إليه آنفا كان قضية (لا تنقض) ظاهرة في اعتبار الاستصحاب في الشبهات الحكمية والموضوعية. واختصاص المورد بالاخيرة لا يوجب تخصيصها بها خصوصا بعد ملاحظة أنها قضية كلية ارتكازية قد أتي بها في غير مورد لأجل الاستدلال بها على حكم المورد فتأمل (ومنها) صحيحة أخرى لزرارة (قال: قلت له: اصاب ثوبي دم رعاف ______________________________ عبارة عن الموضوع (قوله: ثم انه حيث كان كل) هذا بيان لعموم الرواية لاستصحاب الموضوع ولاستصحاب الحكم وانها لا تختص بالاول وان كان موردا لها لان المورد لا يخصص الوارد (وتوضيحه): ان اليقين في قوله (ع): ولا ينقض اليقين بالشك مطلق، فيعمم كلا من اليقين بالحكم واليقين بالموضوع فيدل على جعل كل منهما في حال الشك في بقائه غاية الامر أن جعل الموضوع تعبدا راجع إلى جعل حكم مماثل لحكمه وجعل الحكم كذلك راجع إلى جعل مماثله، وحيث لا مانع من ان يكون الكلام المذكور متكفلا لجعل الامرين معا وجب حمله على ذلك أخذا باطلاقه، كما أن قوله مثلا، اعمل بالخبر، لما كان عاما للخبر الحاكي عن الموضوع والخبر الحاكي عن الحكم وجب الاخذ باطلاقه ويكون ايضا متكفلا لجعل المماثل للحكم لو كان حاكيا عنه ولجعل مماثل حكم الموضوع لو كان حاكيا عن الموضوع (قوله: بلا تصرف وتأويل) يعني كائنين على خلاف ظاهر الكلام، والا فلا بد من التصرف والتأويل في الجملة إذ قد عرفت ان مقتضى الجمود على ما تحت العبارة ارادة حرمة نقض اليقين حقيقة وهو ممتنع كما عرفت (قوله: ومنها صحيحة اخرى) هذه الصحيحة رواها الشيخ (ره) بالطريق المتقدم بعينه ورواها الصدوق عن أبيه عن علي بن ابراهيم عن ابيه عن حماد عن حريز عن زرارة، وهذا السند حسن بابراهيم بن هاشم عند المشهور ولكنه
أو غيره أو شئ من المني فعلمت أثره إلى أن أصيب له الماء فحضرت الصلاة ونسيت أن بثوبي شيئا وصليت ثم إني ذكرت بعد ذلك، قال: تعيد الصلاة وتغسله، قلت: فان لم أكن رأيت موضوعه وعلمت أنه قد أصابه فطلبته ولم أقدر عليه فلما صليت وجدته، قال - عليه السلام -: تغسله وتعيد، قلت: فان ظننت أنه قد أصابه ولم أتيقن ذلك فنظرت فلم أر شيئا فصليت فرأيت فيه، قال: تغسله ولا تعيد الصلاة، قلت: لم ذلك ؟ قال لانك كنت على يقين من طهارتك فشككت فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا، قلت: فاني قد علمت أنه قد أصابه ولم أدر أين هو فاغسله ؟ قال: تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أنه قد أصابها حتى تكون على يقين من طهارتك، قلت فهل علي إن شككت في انه أصابه شئ أن أنظر فيه ؟ قال: لا ولكنك إنما تريد أن تذهب الشك الذي وقع في نفسك، قلت: إن رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة، قال: تنفض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثم رأيته وإن لم تشك ثم رايته رطبا قطعت الصلاة وغسلته ثم بنيت على الصلاة لأنك لا تدري لعله شئ أوقع عليك فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك) وقد ظهر مما ذكرنا في الصحيحة الاولى تقريب الاستدلال بقوله: فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشك، في كلا الموردين ولا نعيد (نعم) دلالته في المورد الأول على الاستصحاب مبني على أن يكون المراد من اليقين في قوله - عليه السلام -: لانك كنت على يقين من طهارتك، اليقين بالطهارة قبل ظن الاصابة ______________________________ صحيح عند جماعة من المحققين لثبوت توثيقه عندهم (قوله: أو غيره أو شئ) الاول معطوف على رعاف والثاني معطوف على دم (قوله: وقد ظهر مما ذكرنا) بل التقريب هنا اظهر لان ظهور الرواية في التعليل مما لا ينكر كيف وهو مدلول اللام في (لانك) ؟ (قوله: مبني على ان يكون) يعني يحتمل بدوا
كما هو الظاهر فانه لو كان المراد منه اليقين الحاصل بالنظر والفحص بعده الزائل بالرؤية بعد الصلاة كان مفاده قاعدة اليقين كما لا يخفي. ثم إنه أشكل على الرواية بان الاعادة بعد انكشاف وقوع الصلاة ليست نقضا لليقين بالطهارة بالشك فيها بل باليقين بارتفاعها فكيف يصح أن يعلل عدم الاعادة بانها نقض اليقين بالشك ؟ (نعم) إنما يصح أن يعلل به جواز الدخول في الصلاة كما لا يخفى، ولا يكاد يمكن التفصي عن هذا الاشكال إلا بان يقال: إن الشرط في الصلاة فعلا حين الالتفات إلى الطهارة ______________________________ في الرواية معنيان (الاول) ان يكون المراد باليقين اليقين الحاصل قبل ظن الاصابة وبالشك الشك الحاصل حال الصلاة لاحتمال الاصابة بان يكون قوله: فنظرت... الخ بمعنى لم اعلم بالاصابة (الثاني) ان يكون المراد باليقين اليقين بالطهارة الحاصل بالنظر بأن يحمل قوله: فلم ار شيئا، على معنى علمت بعدم الاصابة ويكون المراد بالشك الشك الحاصل بعد ذلك حال الصلاة بان يكون قد شك حال الصلاة في وجود النجاسة حال النظر وعدم الرؤية وعلى الاول تكون الرواية دالة على ثبوت الاستصحاب لاختلاف متعلقي اليقين والشك زمانا وعلى الثاني تكون دالة على ثبوت قاعدة الشك السارى لاتحاد متعلقيهما (قوله: كما هو الظاهر) وجهه: أن حمل (فلم أر شيئا) على اليقين بعدم الاصابة غير ظاهر، كما أن حدوث الشك له حال الصلوة الموجب لزوال اليقين المذكور لا دال عليه في الرواية (قوله: ثم انه اشكل على الرواية) هذا الاشكال مبني على ان الطهارة الواقعية شرط في صحة الصلاة فان المكلف إذا علم بعد الصلاة ان صلاته وقعت فاقدة للشرط كان العلم المذكور ملزوما للعلم ببقاء التكليف المقتضي للاعادة فالاعادة المستندة إلى العلم المذكور لا تنافي حرمة نقض اليقين بالشك لانها من نقض اليقين باليقين (قوله: جواز الدخول) لان عدم جواز الدخول نقض لليقين بالشك فحرمة النقض تقتضي جواز الدخول (قوله: حين الالتفات) انما قيد به لانه لو صلى في النجس غافلا صحت صلاته ولو كان الشرط
هو إحرازها ولو باصل أو قاعدة لا نفسها فتكون قضية استصحاب الطهارة حال الصلاة عدم إعادتها ولو انكشف وقوعها في النجاسة بعدها كم أن إعادتها بعد الكشف تكشف عن جواز النقض وعدم حجية الاستصحاب ______________________________ احراز الطهارة مطلقا كان اللازم البطلان لانه لا احراز لها في حال الغفلة (قوله: هو احرازها ولو) يعني إذا كان الشرط لصحة الصلاة احراز الطهارة كان عدم وجوب اعادة الصلاة في مورد السؤال في الرواية من آثار ثبوت الاستصحاب وحرمة نقض اليقين بالشك لانه بالاستصحاب تحرز الطهارة فيتحقق الشرط وتصح الصلاة المشروطة فيصح حينئذ تعليل صحة الصلاة وعدم وجوب الاعادة بعدم جواز نقض اليقين بالشك (فان قلت): إذا كان احراز الطهارة ولو باصل كافيا في صحة الصلاة لم يتوقف عدم وجوب الاعادة على حرمة نقض اليقين بالشك بل يكفي فيه قاعدة الطهارة (قلت): قاعدة الطهارة لا تجري في مورد يجري فيه الاستصحاب كما سيأتي انشاء الله تعالى فمهما كان الاستصحاب جاريا كان هو المستند في الصحة لا غير (فان قلت): كون الشرط احراز الطهارة ينافى ما عليه جل الاصحاب من أن الشرط عدم احراز النجاسة (قلت): هو ممنوع كيف وظاهرهم الاتفاق على عدم الاكتفاء بالصلاة في احد الثوبين المعلوم نجاسة احدهما اجمالا ؟ إذ لا ريب في ان واحدا منهما بعينه مما لم تعلم نجاسته (ودعوى) أن المعلوم بالاجمال لما لم تجز الصلاة فيه لم تجز الصلاة في كل واحد من محتملاته (مندفعة) باطراد الحكم عندهم حتى لو كان الطرف الآخر مما لا يصلى فيه كما لو كان طعاما لا يجوز اكله أو بيعه. فتأمل. ثم إنه بناء على ما ذكره المصنف (ره) من أن مفاد دليل الاستصحاب تنزيل المشكوك منزلة المتيقن لا غير لا يكون الاستصحاب محرزا للطهارة الواقعية. نعم به يحصل احراز وجداني للطهارة الظاهرية فيتوقف اندفاع الاشكال على كون الشرط احراز الطهارة واقعية كانت ام ظاهرية (قوله: بعدها) ظرف (انكشف)
حالها كما لا يخفى فتأمل جيدا (لا يقال): لا مجال حينئذ لاستصحاب الطهارة فانه إذا لم يكن شرطا لم يكن موضوعا لحكم مع أنه ليس بحكم ولا محيص في الاستصحاب عن كون المستصحب حكما أو موضوعا لحكم (فانه يقال): إن الطهارة وإن لم تكن شرطا فعلا إلا انها غير منعزل عن الشرطية رأسا بل هو شرط واقعي اقتضائي - كما هو قضية التوفيق بين بعض الاطلاقات ومثل هذا الخطاب – ______________________________ (قوله: حالها) ظرف لجواز النقض (قوله: لا يقال لا مجال حينئذ) يعني إذا كان الشرط احراز الطهارة لا نفس الطهارة الواقعية امتنع جريان الاستصحاب لاثباتها لما تقدم من أنه لابد ان يكون المستصحب حكما شرعيا أو موضوعا لحكم شرعي والطهارة ليست واحدا منهما. اما الاول فواضح. واما الثاني فلانه المفروض، وإذا امتنع جريان الاستصحاب لاثباتها لم يتحقق احراز الطهارة الذي هو الشرط فاللازم بطلان الصلاة ولزوم الاعادة فيشكل تعليل عدم الاعادة بالاستصحاب في الرواية. ثم إن هذا الاشكال يتوقف على عدم أثر شرعي للطهارة غير شرطيتها للصلاة والا كفى ثبوته في جريان الاستصحاب ويتم التعليل. كما ان هذا الاشكال مبني على مذاق المصنف (ره) من كون مفاد دليل الاستصحاب تنزيل المشكوك منزلة المتيقن أما بناء على أن مفاده معاملة الشك معاملة اليقين في جميع الآثار العلمية الثابتة له من جهة نفسه أو من جهة المتيقن كما استظهرناه، فلا مجال له على هذا المبني إذ لا يتوقف جريان الاستصحاب على كون الطهارة حكما شرعيا أو موضوعا له بل يكفي فيه كون العلم موضوعا والمفروض انه كذلك فلاحظ (قوله: فانه يقال ان الطهارة) حاصله: انه ليس المقصود من قولنا شرط صحة الصلاة احراز الطهارة لانفسها أن الامر كذلك مطلقا، بل المقصود أن الشرط الواقعي الأولي هو نفس الطهارة الواقعية غاية الامر انه لو اخطأ الاستصحاب ولم يصادف ثبوتها واقعا كان الشرط الفعلي حينئذ هو احرازها لا نفسها، وإذا كانت الطهارة الواقعية شرطا جاز جريان الاستصحاب لاثباتها. والداعي إلى الالتزام بذلك أنه وجه جمع بين
هذا مع كفاية كونها من قيود الشرط حيث أنه كان إحرازها بخصوصها لا غيرها شرطا (لا يقال): سلمنا ذلك لكن قضيته أن يكون علة عدم الاعادة حينئذ بعد انشكاف وقوع الصلاة في النجاسة هو إحراز الطهارة حالها باستصحابها لا الطهارة المحرزة بالاستصحاب - مع أن قضية التعليل أن تكون العلة له هي نفسها لا إحرازها ضرورة أن نتيجة قوله: لانك كنت على يقين... الخ أنه على الطهارة لا أنه ______________________________ ما دل بظاهره على اعتبار الطهارة نفسها مثل: لا صلاة الا بطهور. فتأمل وما دل على صحة الصلاة بفقدها إذا كانت مجرى للاستصحاب كهذه الصحيحة (وفيه) أنه يمتنع الجمع بين دعوى كونها شرطا اقتضائيا في صورة الفقدان ودعوى صحة جريان الاستصحاب حينئذ لتوقف جريانه على اثر فعلى لمجراه وهو غير حاصل بالفرض (قوله: مع كفاية كونها من قيود) يعني أنه يكفي في صحة جريان الاستصحاب في شئ كونه من قيود الشرط وان لم يكن بنفسه شرطا إذ لا ريب في صحة جريان استصحاب طهارة الماء المتوضأ به مع أن طهارة الماء قيد لشرط الصلاة وهو الوضوء فكذا في المقام فانه إذا كان الشرط احراز الطهارة كانت الطهارة قيدا للاحراز ويكفي ذلك في صحة جريان الاصل لاثباتها (ويشكل) بان قيود الشرط التي يجري الاصل فيها هي التي تكون بوجودها الواقعي قيدا للشرط مثل طهارة الماء للوضوء والمفروض أن الطهارة ليست كذلك، بل لو فرض تسليم كون الطهارة بوجودها الواقعي قيدا للاحراز كان الفرض من صغريات اخذ العلم جزءا من الموضوع، وقد تقدم منه (ره) عدم صلاحية دليل الاستصحاب لاثبات قيامه مقامه (قوله: سلمنا ذلك لكن قضية) يعني سلمنا صحة جريان الاستصحاب لاثبات الطهارة لكن لو كان الشرط لصحة الصلاة هو احراز الطهارة كان المناسب تعليل عدم وجوب الاعادة في الرواية بتحقق احراز الطهارة لا بتحقق نفس الطهارة. مع أن ظاهر التعليل في الرواية كون العلة ثبوت نفس الطهارة فيدل على بطلان كون الشرط احراز الطهارة (قوله: ان نتيجة قوله لانك) يعني
مستصحبها كما لا يخفي (فانه يقال): نعم ولكن التعليل إنما هو بلحاظ حال قبل انكشاف الحال لنكتة التنبيه على حجية الاستصحاب وأنه كان هناك استصحاب مع وضوح اسلتزام ذلك لان يكون المجدي بعد الانشكاف هو ذاك الاستصحاب لا الطهارة وإلا لما كانت الاعادة نقضا كما عرفت في الاشكال ______________________________ أن ظاهر التعليل اشارة إلى قياس مؤلف من صغرى خارجية وكبرى شرعية صورته هكذا: انك كنت على يقين من طهارتك فشككت، وكل من كان على يقين من طهارته فشك فهو متطهر، ونتيجته: إنك متطهر، فيرجع التعليل في الحقيقة إلى التعليل بالنتيجة وهو حصول الطهارة لا بالاستصحاب (قوله: نعم ولكن التعليل) يعني انك عرفت أن احراز الطهارة ليس شرطا مطلقا بل شرطيته منحصرة بحال فقدان الطهارة، وأما في حال الوجدان فالشرط هو الطهارة لا احرازها وحينئذ نقول: إن كان التعليل بملاحظة زمان انكشاف الفقدان وهو ما بعد الصلاة لزم أن يكون بالاستصحاب لانه به احراز الطهارة الذي هو الشرط، وان كان بملاحظة زمان الجهل بالفقدان لزم أن يكون بنفس الطهارة لامكان اثباتها بالاستصحاب حينئذ، فتضمن الصحيحة التعليل بنفس ثبوت الطهارة انما هو بملاحظة زمان الجهل وهو زمان الصلاة فلا تدل على بطلان شرطية الاحراز بعد انكشاف الفقدان وهو ما بعد الصلاة (قوله: لنكتة التنبيه) يعني الباعث على ملاحظة زمان الشك في التعليل التنبيه على حجية الاستصحاب في ذلك الحال فتدل الرواية على امور (احدها) حجية الاستصحاب (ثانيها) شرطية الطهارة في ذلك الحال كما عرفت تقريبه في السؤال (ثالثها) شرطية الاحراز في حال الفقدان كما يقتضيه الحكم فيها بعدم لزوم الاعادة حاله إذ لو لم يكن الاحراز شرطا كان اللازم الاعادة. ثم إن ما ذكره المصنف (ره) من كون التعليل بلحاظ ما قبل الانكشاف غير ظاهر لأن المعلل عدم وجوب الاعادة بعد الانكشاف فلابد أن يكون التعليل بلحاظ هذا الحال المسئول عنه. فالاولى في الجواب دعوى وجوب
(ثم) إنه لا يكاد يصح التعليل لو قيل باقتضاء الأمر الظاهري للاجزاء كما قيل ضرورة أن العلة عليه إنما هو اقتضاء ذاك الخطاب الظاهري حال الصلاة للاجزاء وعدم إعادتها لا لزوم النقض من الاعادة كما لا يخفى. اللهم إلا ان يقال: إن التعليل به إنما هو بملاحظة ضميمة اقتضاء الامر الظاهري للاجزاء بتقريب أن الاعادة لو قيل بوجوبها كانت موجبة لنقض اليقين بالشك في الطهارة قبل الانكشاف وعدم حرمته شرعا وإلا للزم عدم اقتضاء ذاك الأمر له كما لا يخفى مع اقتضائه شرعا أو عقلا ______________________________ رفع اليد عن ظهور التعليل في كون العلة هو الطهارة الواقعية وحمله على كفاية تحقق العلم بالطهارة حين الصلاة في صحتها (قوله: لا يكاد يصح التعليل) اشارة إلى ما قيل في توجيه التعليل من أنه مبني على اقتضاء الامر الظاهري للاجزاء فانه على هذا المبني تكون الطهارة الظاهرية بمنزلة الطهارة الواقعية ولو بعد انكشاف الخلاف فيترتب عليها صحة العمل واقعا. وأورد عليه (ره) انه على هذا المبني تكون العلة في عدم وجوب الاعادة اقتضاء الامر الظاهري للاجزاء وظاهر الرواية أن العلة هو حرمة نقض اليقين بالشك لان الاعادة نقض له به (قوله: بتقريب ان الاعادة) توضيحه: أن الاعادة بلحاظ حال الانكشاف المسؤل عنه نقض لليقين باليقين كما تقدم في تقرير الاشكال لكنها بلحاظ ما قبل الانشكاف من نقض اليقين بالشك فإذا فرض أن الامر الظاهري يقتضي الاجزاء كان تطبيق حرمة نقض اليقين بالشك بلحاظ هذا الحال موجبا لعدم الاعادة واقعا واجزاء المأتي به عن الواقع فلا تجب الاعادة حينئذ بعد الانكشاف إذ وجوبها حينئذ ملازم لبقاء الأمر وبقاء الامر خلاف القول بالاجزاء. ثم إن الفرق بين هذا الوجه وما ذكره المصنف (ره) واضح إذ هذا الوجه مبني على كون الشرط هو الطهارة الواقعية غاية الامر أن الطهارة الظاهرية مجزية بناء على اجزاء الامر الظاهري. ووجه المصنف (ره) مبني على أن الشرط الفعلي احراز الطهارة لا نفسها الا في صورة وجودها الواقعي. ومنه يظهر أنه يشكل على هذا الوجه القول بالصحة في صورة العلم بعدم النجاسة مع انكشاف الخلاف إذ لا أمر
فتأمل، ولعل ذلك مراد من قال بدلالة الرواية على اجزاء الأمر الظاهري. هذا غاية ما يمكن أن يقال في توجيه التعليل - مع أنه لا يكاد ______________________________ ظاهري حينئذ. فتأمل (قوله: فتأمل) وجهه على ما في حاشية الكتاب أن اقتضاء الامر الظاهري للاجزاء ليس بذلك الوضوح كي يحسن بملاحظته التعليل بلزوم النقض من الاعادة كما لا يخفى. انتهى. وحكي أنه (ره) ضرب عليها اخيرا أو كأن الوجه فيه ما اشار إليه في حاشيته أيضا من أنه يكفي كون الاجزاء مفروغا عنه عند السائل كما يظهر من قناعته بالتعليل وان لم يكن بذلك الوضوح في نفسه هذا مع أن الكلام في توجيه الرواية ويكفي فيه مجرد احتمال المفروغية عنه عند السائل ولو ببيان من الامام عليه السلام كما لا يخفى (قوله: هذا غاية ما يمكن) اقول: يحتمل في الراية معنى آخر نبه عليه شيخنا الاعظم (قدس سره) وهو أن يكون السؤال عن صورة رؤية النجاسة بعد الصلاة مع الشك في وجودها حال الصلاة فتكون هذه الصورة نظير الصورة المذكورة في ذيل الرواية المعلل الحكم فيها بمثل ما علل به الحكم في هذه الصورة، وحينئذ لا اشكال في الرواية بالنظر إلى نفسها لأن الاعادة حينئذ نقض لليقين بالشك لا باليقين، كما لا اشكال عليها اصلا لو قيل بان الطهارة الواقعية شرط في صحة الصلاة. نعم لو قيل بعدم كونها شرطا كما تقتضيه جملة من النصوص المعتبرة الموافقة لفتوى المشهور اشكل امر الجمع بينها وبين تلك النصوص، لكن الاشكال على النحو المذكور أهون كالاشكال في ذيلها أيضا من هذه الجهة. ثم إنه لا يبعد ان يكون وجه الجمع هو شرطية الطهارة نفسها في صحة الصلاة، ولو صلى جاهلا بها اجزأت إما لعدم امكان التدارك أو لحصول الغرض أو غير ذلك مما يمنع عن بقاء الامر بالاعادة. ثم إن ما يقرب هذا المعني أمور (الاول) قول الراوي: فرأيت ولم يقل فرأيته، كما قال في الفرض السابق: وجدته (الثاني) موافقته للصورة الثانية من الصورتين المذكورتين في ذيل الرواية في التعليل (الثالث) انه لو حمل على الوجه الاول يكون موافقا للصورة الاولى
يوجب الاشكال فيه والعجز عن التفصي عنه إشكالا في دلالة الرواية على الاستصحاب فانه لازم على كل حال كان مفاد قاعدته أو قاعدة اليقين - مع بداهة عدم خروجه منهما فتأمل جيدا (ومنها) صحيحة ثالثة لزرارة: (وإذا لم يدر في ثلاث هو أو أربع وقد أحرز الثلاث قام فاضاف إليها أخرى ولا شئ عليه ولا ينقض اليقين بالشك ولا يدخل الشك في اليقين ولا يخلط أحدهما بالآخر ولكنه ينقض الشك باليقين ويتم على اليقين فيبني عليه ولا يعتد بالشك في حال من الحالات) والاستدلال بها ______________________________ منهما في الفرض مع المخالفة في الحكم وعدم سؤال الراوي عن وجه الفرق مع اطراد التعليل المذكور فيه فيهما معا هذا مضافا إلى لزوم الاشكال المتقدم من كونه نقضا لليقين باليقين لا بالشك. فتأمل والله سبحانه اعلم (قوله: يوجب الاشكال) (الاشكال) فاعل (يوجب)، وضمير (فيه) راجع إلى التوجيه و (العجز) معطوف على الاشكال (واشكالا) مفعول (يوجب) (قوله: فانه لازم) يعني الاشكال لازم على كل حال سواء حملت على الاستصحاب أم حملت على قاعدة اليقين فلو كان حملها على قاعدة اليقين يندفع به الاشكال يتعين لذلك، لكنه حيث لا يجدي في رفع الاشكال فيتعين حملها على الاستصحاب الذى هو الظاهر (قوله: ومنها صحيحة ثالثة لزرارة) هذه الصحيحة رواها الكليني عن علي بن ابراهيم عن أبيه وعن محمد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان جميعا عن حماد بن عيسى عن حريز عن زرارة، وقد ظهر حال الطريق الاول، واما الثاني فمحمد بن اسماعيل المذكور فيه فيه كلام معروف مشهور من حيث تعيينه وأنه ابن بزيع أو البرمكي أو النيسابوري أو غيرهم إلا أن المحقق في محله انه النيسابوري تلميذ الفضل، وراوية كتبه ومن حيث توثيقه فعن العلامة وكثير ممن تأخر عنه عده خبرا صحيحا، وعن بعض عده حسنا، وكيف كان فحديثه معتبر، واما الفضل فحاله في الجلالة اظهر من أن يذكر واشهر من ان يسطر (قوله: وإذا لم يدر في ثلاث) صدر الحديث عن احدهما (ع) قال: قلت له: من لم يدر في اربع
على الاستصحاب مبني على إرادة اليقين بعدم الاتيان بالركعة الرابعة سابقا والشك في اتيانها. وقد اشكل بعدم إمكان إرادة ذلك على مذهب الخاصة ضرورة أن قضيته إضافة ركعة أخرى موصولة والمذهب قد استقر على اضافة ركعة بعد التسليم مفصولة ______________________________ هو اوفي ثنتين وقد احرز الثنتين قال (ع): يركع ركعتين واربع سجدات وهو قائم بفاتحة الكتاب ويتشهد ولا شئ عليه، وإذا لم يدر... الحديث (قوله: على ارادة اليقين) قد يشكل جريان اصالة عدم الاتيان بالركعة سواء كان المقصود بها اثبات وجوب ركعة متصلة ام منفصلة (اما الاول) فلأن محل التشهد والتسليم الجلوس في الرابعة ومن المعلوم ان اصالة عدم الاتيان بالركعة لا تصلح لاثبات كون الركعة الماتي بها رابعة ليحرز بها محلهما الا بناء على القول بالاصل المثبت (فان قلت): لازم ذلك عدم احراز المحل لو شك في زيادة جزء بعد الرابعة فتبطل الصلاة بمجرد الشك (قلت): زيادة الاجزاء لا تنافي المحل لان المراد من الرابعة ما يقابل الثالثة والخامسة (واما الثاني) فلأن ترتبه عليها لو فرض كون الركعة المفصولة مصداقا للواجب ليس ترتبا شرعيا بل عقليا، ومثله سقوط الوجوب بفعل المأمور به كما عرفت الاشارة إليه سابقا، ونبه عليه شيخنا الاعظم (ره) في هذا المقام لكن عرفت فيما سبق أن مرجع جميع الاصول المفرغة مثل قاعدتي التجاوز والفراغ واصالة بقاء الطهارة من الحدث التي هي مورد الصحيحة الاولى ومن الخبث التي هي مورد الصحيحة الثانية إلى توسعة في موضوع الأثر فيترتب عليها سقوط التكليف فليكن مرجع اصالة عدم الاتيان وقاعدة الشك في المحل ونحوهما إلى تضييق موضوع الأثر فيترتب عليها بقاء التكليف (قوله: على مذهب الخاصة) من البناء على الأكثر بالتسليم عن المتيقن فان مرجعه إلى البناء على فعل الركعة المشكوكة وعدم الاعتناء باحتمال عدم فعلها عملا وهو ينافي البناء على عدم فعلها الذي هو مقتضى الاستصحاب (قوله: ان قضيته) الضمير راجع إلى حمل اليقين على اليقين بعدم الركعة والشك على الشك في اتيانها. يعني أن مقتضى ذلك لزوم فعل ركعة قبل التسليم موصولة بالمتيقن لكن عرفت
وعلى هذا يكون المراد باليقين اليقين بالفراغ بما علمه الامام - عليه السلام - من الاحتياط بالبناء على الأكثر والاتيان بالمشكوك بعد التسليم مفصولة، ويمكن الذب عنه بان الاحتياط كذلك لا يأبي عن إرادة اليقين بعدم الركعة المشكوكة بل كان أصل الاتيان بها باقتضائه، غاية الأمر إتيانها مفصولة ينافي إطلاق النقض وقد قام الدليل على التقييد في الشك في الرابعة وغيره وأن المشكوكة لابد أن يؤتي بها مفصولة (فافهم) وربما أشكل أيضا بانه لو سلم دلالتها على الاستصحاب كانت من الأخبار الخاصة الدالة عليه في خصوص المورد لا العامة لغير مورد، ضرورة ظهور الفقرات في كونها ______________________________ الاشكال في اقتضائه ذلك في نفسه. نعم قد يقتضيه بملاحظة نفس الرواية بحيث يكون ظهورها في تطبيق الاستصحاب في المقام دليلا على الغاء اعتبار المحل أو على صلاحيته لاثبات كون الركعة رابعة (قوله: وعلى هذا يكون المراد) يعني فإذا كان حمل الرواية على الاستصحاب يوجب مخالفه المذهب لابد حينئذ من حملها على معنى لا يخالف المذهب بان يكون المراد من اليقين اليقين بالفراغ الحاصل من عمل الاحتياط الذي علمه الامام (ع) بفعل الركعة بعد التسليم ويكون المراد من الشك الشك في الفراغ بفعل المشكوك قبل التسليم، وهذا اجنبي عن الاستصحاب اللهم إلا ان يقال: بانه إذا سلم كون ظاهر الرواية الاستصحاب فمخالفة المذهب انما تمتنع من تطبيق الاستصحاب في المقام لا من ظهورها في ثبوته فليحمل تطبيقه على المورد على التقية ويؤخذ بظهورها في ثبوته فيصح الاستدلال بها عليه للعلم بمخالفة ظهورها في التطبيق للواقع والشك في مخالفة القاعدة له، إلا أن يدعى أن حملها على المعنى المذكور في التوجيه اقرب عرفا من التفكيك بين ظهورها في اصل القاعدة وظهورها في التطبيق على المورد ولا سيما بملاحظة صدرها المخالف للتقية بناء على ظهوره في الركعتين المنفصلتين إذ يبعد حينئذ التطبيق على التقية (قوله: ينافي اطلاق النقض) أقول: إذا كانت الركعة الواجبة التي يجري الاصل لاثبات عدمها هي الموصولة فاصالة عدمها انما تقتضي وجوب فعلها موصولة فوجوب
مبنية للفاعل ومرجع الضمير فيها هو المصلي الشاك وإلغاء خصوصية المورد ليس بذلك الوضوح وإن كان يؤيده تطبيق قضية (لا تنقض اليقين) وما يقاربها على غير مورد، (بل دعوى) أن الظاهر من نفس القضية هو ان مناط حرمة النقض إنما يكون لأجل ما في اليقين والشك لا لما في المورد من الخصوصية وأن مثل اليقين لا ينقض بمثل الشك (غير بعيدة) (ومنها) قوله: من كان على يقين فأصابه شك فليمض على يقينه فان الشك لا ينقض اليقين أو بان اليقين لا يدفع بالشك، وهو وان كان يحتمل قاعدة اليقين لظهوره في اختلاف زمان الوصفين وإنما يكون ذلك في القاعدة دون الاستصحاب ضرورة إمكان اتحاد زمانهما إلا أن المتداول في التعبير عن مورده هو مثل هذه العبارة ______________________________ الركعة المفصولة ليس هو الوجوب الثابت للركعة المشكوكة حتى يترتب على اطلاق حرمة النقض اللهم الا ان يقال: ان وجوب الركعة المفصولة انما هو بحسب الادلة الاولية اما بعد ورود ما دل على وجوب البناء على الاكثر وفعل المشكوك بعد التسليم فلابد من التقييد وانه في حال الشك تجب المفصولة لا الموصولة، وحينئذ فمقتضي أصالة عدم الاتيان هو فعل الركعة مفصولة وليس فيه حنيئذ تقييد لإطلاق حرمة النقض اصلا بل التقييد كما عرفت لوجوب المشكوك موصولا كما يظهر بادنى تأمل، ولعل هذا هو مراد المصنف (ره) أو اشار إليه بقوله: فافهم. هذا والانصاف ان الرواية لا تخلو من اجمال في المراد بملاحظة الفقرات الست أو السبع وظهورها في اتحاد المراد من اليقين فلاحظ (قوله: مبنية للفاعل) بقرينة العطف على: قام فاضاف... الخ (قوله: غير بعيدة) هو خبر (دعوى) (قوله: لظهوره في اختلاف) بقرينة الفاء الدالة على الترتيب (قوله: ضرورة امكان) بل لابد من اتحاد زمانهما واختلاف زمان متعلقهما في الاستصحاب على العكس من قاعدة اليقين، فالاول كأن يتيقن يوم الجمعة بوجود زيد يوم الخميس ويشك يوم الجمعة بوجوده يوم الجمعة، والثانية كأن يتيقن يوم الجمعة بوجود زيد
ولعله بملاحظة اختلاف زمان الموصوفين وسرايته إلى الوصفين لما بين اليقين والمتيقن من نحو من الاتحاد (فافهم) هذا مع وضوح أن قوله: فان الشك لا ينقض... الخ هي القضية المرتكزة الواردة مورد الاستصحاب في غير واحد من اخبا الباب (ومنها) خبر الصفار عن علي بن محمد القاساني قال: كتبت إليه وأنا بالمدينة عن اليوم الذي يشك فيه من رمضان هل يصام أم لا فكتب: اليقين لا يدخل فيه الشك صم للرؤية وافطر للرؤية، حيث دل على أن اليقين بشعبان لا يكون مدخولا بالشك في بقائه وزواله بدخول شهر رمضان ويتفرع عدم وجوب الصوم إلا بدخول شهر رمضان، وربما يقال: إن مراجعة الاخبار الواردة في يوم الشك، يشرف على القطع بان المراد باليقين هو اليقين بدخول شهر رمضان وانه لابد في وجوب الصوم ووجوب الافطار من اليقين بدخول شهر رمضان وخروجه وأين هذا من الاستصحاب فراجع ما عقد في الوسائل لذلك من الباب تجده شاهدا عليه (ومنها) قوله عليه السلام: كل شئ طاهر حتي تعلم أنه قذر، وقوله: الماء كله طاهر حتى تعلم انه نجس، ______________________________ يوم الخميس ويشك في يوم السبت بوجوده يوم الخميس، ومنشأ الشك حينئذ ارتفاع اسباب اليقين من اصلها (قوله: ولعله بملاحظة اختلاف) بل الظاهر أن الوجه إلغاء جهة الزمان فيه بحيث لا ينظر الا إلى نفس المتيقن مع غلبة حدوث اليقين قبل حدوث الشك، ولعل من راجع موارد استعمال نفسه حيث يقول: كنت متيقنا بالطهارة ثم شككت فيها، يجد صدق ما قلناه. وأما ما ذكره بعض من كون الوجه في هذه الاستعمالات غلبة اختلاف زمان الوصفين في الاستصحاب ففيه ما عرفت من امتناع ذلك ولعل مراده غلبة اختلاف زمانهما حدوثا لا وجودا فانه غير بعيد (قوله: ومنها خبر الصفار عن) رواه الشيخ بسنده إلى الصفار وطريقه إليه صحيح والصفار محمد بن الحسن الصفار وهو من الجلالة والوثاقة بمكان، والقاساني فيه كلام (قوله: هو اليقين بدخول شهر رمضان) ففي رواية الخزاز: ان
وقوله: كل شئ حلال حتى تعرف أنه حرام، ______________________________ شهر رمضان فريضة من فرائض الله تعالى فلا تؤده بالتظني، وفى رواية اسحاق بن عمار: صم للرؤية وأفطر للرؤية واياك والشك والظن فان خفي عليكم فاتموا الشهر الاول ثلاثين، وفى رواية ابن مسلم: إذا رأيتم الهلال فصموا وإذا رأيتموه فافطروا وليس بالرأي ولا بالتظني ولكن بالرؤية... الحديث (فتأمل) وقد يؤيد بقوله عليه السلام: لا يدخل فيه. دون مثل: لا ينقض، هذا مضافا إلى ان جريان الاستصحاب في المقام موقوف على كون وجوب الصوم من آثار بقاء شهر رمضان وكون عدمه من آثار عدم دخوله فانه حينئذ يترتب وجوبه على استصحاب بقاء الشهر وعدم وجوبه على اصالة عدم دخوله، أما لو كان وجوب الصوم من آثار كون الزمان المعين من رمضان بنحو مفاد كان الناقصة فاستصحاب بقائه أو عدم دخوله لا يترتب عليه تعيين حال زمان الشك من حيث كونه من رمضان أو من غيره إذ لا يترتب مفاد كان الناقصة على استصحاب مفاد كان التامة إلا على القول بالاصل المثبت، هذا والمستفاد من مثل قوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) ونحوه هو الثاني قوله: (ومنها قوله: كل شئ) الرواية الاولي رواها الشيخ في الموثق عن عمار عن ابي عبد الله (ع) - في حديث -: كل شئ نظيف حتى تعلم انه قذر فإذا علمت فقد قذر وما لم تعلم فليس عليك، والظاهر أن ما في المتن من غلط النساخ، والثانية رواها الكليني والشيخ عن حماد بن عثمان وحماد بن عيسي عن ابي عبد الله (ع) ______________
وتقريب دلالة مثل هذه الاخبار على الاستصحاب أن يقال: إن الغاية فيها إنما هو لبيان استمرار ______________________________ الماء كله طاهر حتى يعلم انه قذر، والظاهر أن ما في المتن كما قبله، والسند معتبر، والثالثة رواها الكليني عن علي بن ابراهيم عن هرون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة عن ابي عبد الله (ع) قال: سمعته يقول: كل شئ هو لك حلال حتى تعلم انه حرام بعينه فتدعه... الحديث والسند معتبر وان كان مسعدة لا يخلو من خدش (قوله: وتقريب دلالة مثل هذه الاخبار) اعلم ان شيخنا الاعظم (قده) في رسالة الاستصحاب منع من صلاحية هذه النصوص للدلالة على الاستصحاب وقاعدة الطهارة معا. بل هي، اما دالة على الاستصحاب أو القاعدة والمصنف (ره) في حاشيته على ذلك الموضع من الرسالة لم يستبعد دعوى دلالتها عليها معا وعلى ثبوت الطهارة الواقعية للاشياء وفى المتن عدل عن ذلك واستقرب دلالتها على ثبوت الطهارة الواقعية وعلى الاستصحاب دون قاعدة الطهارة الظاهرية. وتقريب ما ذكره في الحاشية: ان قوله (ع): كل ماء طاهر، مثلا دال على ثبوت الطهارة لكل ماء بمقتضي العموم الافرادي المستفاد من (كل) وعلى ثبوتها في كل حال بمقتضي الاطلاق الاحوالي لمفهوم الماء، ومن المعلوم أن من تلك الاحوال حال الشك في الطهارة لأن الشك في طهارة الماء مما يصح انتزاع عنوان عرضي منه للماء يكون من أحواله مثل عنوان مشكوك الطهارة فيدل الكلام المذكور على ثبوت الطهارة لكل ماء في كل حال حتى حال كونه مشكوك الطهارة والنجاسة. ثم إن الطهارة الثابتة لكل ماء في كل حال عدا الحال المذكورة هي الطهارة الواقعية والطهارة الثابتة لكل ماء في الحال المذكورة أعني حال كونه مشكوك الطهارة هي الطهارة الظاهرية. هذا كله مدلول المغيا - أعني نفس كل ______________
شئ طاهر - وأما الغاية فتدل على استمرار الطهارة المذكورة إلى زمان العلم بالنجاسة، (وحيث) أن هذا الاستمرار ليس استمرارا واقعيا إذا الطارة الواقعية مستمرة إلى زمان النجاسة واقعا لا إلى زمان العلم بها فجعل الغاية العلم بالنجاسة دليل على كون الاستمرار للطهارة الظاهرية (كان) الاستمرار المذكور عين استصحاب الطهارة، فتدل الرواية بالمغيى والغاية على قاعدة الطهارة الواقعية وقاعدة الطهارة الظاهرية والاستصحاب، وكأن وجه عدو له عن ذلك إلى ما في المتن من دلالتها على الطهارة الواقعية والاستصحاب وعدم دلالتها على الطهارة الظاهرية هو أن مجرد الاطلاق الاحوالي لمفهوم الماء الشامل لحال كونه مشكوك الطهارة والنجاسة لا يقتضي جعل الطهارة الظاهرية إذ جميع الاحكام الواقعية ثابتة في حال الشك فيها ولا تخرج بذلك عن كونها احكاما واقعية (والسر) في ذلك أن الحكم الظاهري هو ما يثبت لعنوان مشكوك الحكم لاما يثبت في حال الشك به فالطهارة الثابتة للماء في جيمع الحالات التي منها حال الشك فيه هي عين الطهارة الواقعية المشكوكة لا طهارة ظاهرية متيقنة. نعم لو أريد اثبات الطهارة لكل عنوان للماء ذاتي أو عرضي ومنها كونه مشكوك الحكم تم ما ذكر إلا أنه خلاف ظاهر قوله (ع): كل ماء، إذ مفهوم الماء كغيره لا يحكي إلا عن ذاتياته فليس عمومه إلا افراديا لا غير، وعليه فلا يدل المغيا إلا على ثبوت الطهارة الواقعية وبضميمة الغاية يدل المجموع على الطهارة الواقعية والاستصحاب معا، وهذا هو ما ذكره في المتن (وفيه) أن الغاية لا تدل الا على تحديد المغيا ورفع الابهام عنه من حيث طول الامد وقصره فالمحدد إن كان واقعيا فهو على واقعيته مستمر إلى وجود الغاية وان كان ظاهريا فهو على ظاهريته مستمر إلى وجود الغاية فالكلام المشتمل على الغاية يدل على وجود حكم واقعي مستمر إلى وجود الغاية أو ظاهري كذلك ويمتنع أن يكون المغيا مفيدا لحكم واقعي والغاية مفيدة لحكم ظاهري فاستفادة الامرين معا موقوف على جعل الغاية غاية لأمر مقدر بحيث يكون معنى: كل ماء طاهر حتى تعلم انه قذر، كل ماء طاهر وكل ماء طاهر طاهر حتى انه قذر، فتكون (حتى) غاية لقوله: طاهر، المقدر لكن هذا المقدر
حيث لا قرينة عليه لا تمكن دعواه (والتحقيق) في معنى الجملة المذكورة: أن يقال: الغاية إما ان تجعل قيدا للموضوع أو للمحمول أو للنسبة (فعلى الاول) يكون معناه: كل ماء موجود إلى زمان العلم بنجاسته طاهر، ولازمه عدم الحكم بالطهارة على الماء المستعمل قبل العلم بالنجاسة لأن الموضوع عليه يكون هو الماء المستمر الوجود إلى زمان العلم والمستعمل منعدم قبل العم، بل عليه لا يمكن تطبيقها أبدا إذ قبل العلم يشك في انطباق عنوان العام وبعده لا مجال له لمنع العلم (وعلى الثاني) يكون المعني: الماء تثبت له الطهارة المستمرة إلى زمان العلم بالنجاسة، فغاية الثبوت غير مذكورة لكنها تفهم تبعا لاتحاد ظرف الثبوت وظرف الثابت، وهذا المعنى لا مانع عنه (ومثله) المعنى اللازم على الثالث فان المعنى عليه: الماء تثبت له إلى زمان العلم بالقذارة الطهارة، وغاية الثابت غير مذكورة، وان كانت تفهم تبعا لاتحاد الظرفين كما ذكرنا، وحينئذ فيدور الامر بينهما وإن كان الاخير أظهر، وكيف كان، فالطهارة المثبتة ليست هي الطهارة الواقعية بقرينة الغاية كما عرفت، بل الطهارة الظاهرية قد أخذ عدم العلم ظرفا لثبوتها بنفسها أو لموضوعها، وحينئذ فاما ان يقصد المتكلم ثبوتها في الظرف المذكور بملاحظة ثبوتها واقعا بحيث يكون المقصود ابقاءها تعبدا ويرجع معنى الكلام المذكور إلى معنى: كل ماء طاهر تستمر طهارته حتى تعلم... الخ فذلك الاستصحاب بعينه وان لم يكن بملاحظة ذلك فهي قاعدة الطهارة بعينها. ولأجل ذلك تجري وان كان الحال السابقة المعلومة هي القذارة وانما تسقط بدليل الاستصحاب لا لقصور دليلها كما يأتي انشاء الله تعالى، وحيث أنه لا جامع بين الوجود والعدم لا جامع بين مفادي القاعدة والاستصحاب لتحمل عليه الرواية فيدور الامر بينهما، ولأجل أن الاستصحاب محتاج إلى عنايه زائدة لم يكن عليها قرينة في الكلام تعين الحمل على القاعدة. وهذا هو الذي ذكره شيخنا الأعظم (قدس سره) في رسالته فلاحظ. نعم قد يظهر منه ان جعل الغاية قيدا للمحمول موجب لظهور الروايات في الاستصحاب، كما أن جعلها قيدا للنسبة يوجب ظهورها في القاعدة، وما ذكره غير ظاهر الوجه. فلاحظ وتأمل والله سبحانه أعلم
ما حكم على الموضوع واقعا من الطهارة والحلية ظاهرا ما لم يعلم بطروء ضده أو نقيضه لا لتحديد الموضوع كي يكون الحكم بهما قاعدة مضروبة لما شك في طهارته أو حليته وذلك لظهور المغيا فيها في بيان الحكم للاشياء بعناوينها لا بما هي مشكوكة الحكم كما لا يخفى فهو وإن لم يكن له بنفسه مساس بذيل القاعدة ولا الاستصحاب إلا أنه بغايته دل على الاستصحاب حيث أنها ظاهرة في استمرار ذاك الحكم الواقعي ظاهرا ما لم يعلم بطروء ضده أو نقيضه كما أنه لو صار مغيا لغاية مثل الملاقاة بالنجاسة أو ما يوجب الحرمة لدل على استمرار ذاك الحكم واقعا ولم يكن حينئذ بنفسه ولا بغايته دلالة على الاستصحاب، ولا يخفى أنه لا يلزم على ذلك استعمال اللفظ في معنيين اصلا وانما يلزم لو جعلت الغاية مع كونها من حدود الموضوع وقيوده ______________________________ قوله: (ما حكم) يعني ما حكم به والمراد انها قيد للمحمول (قوله: واقعا) قيد الحكم (قوله: ظاهرا) قيد لاستمرار (قوله: لا لتحديد الموضوع) قد عرفت امتناع جعل الغاية قيدا للموضوع فضلا عن ان تختص عليه بالقاعدة (قوله: وذلك لظهور) تعليل لما يقال (قوله: الحكم للاشياء) يعني الحكم الواقعي (قوله: فهو وان لم) الضمير راجع إلى الحكم للاشياء يعني أن الحكم المذكور لا يتعلق بقاعدة الطهارة ولا بالاستصحاب بل هو أجنبي عنهما كما هو ظاهر (قوله: لدل على استمرار) هذا مما لا اشكال فيه إلا انه لا مجال لقياس ما نحن فيه عليه لما عرفت الاشارة إليه في الحاشية السابقة (قوله: ولم يكن) لأن الاستمرار حينئذ يكون واقعيا لا ظاهريا كالاستصحاب (قوله: لا يلزم على ذلك استعمال) هذا تعريض بشيخنا الأعظم (ره) حيث قال: نعم إرادة القاعدة والاستصحاب معا يوجب استعمال اللفظ في معنيين لما عرفت من أن المقصود في القاعدة مجرد اثبات الطهارة في المشكوك وفى الاستصحاب خصوص أبقائها في معلوم الطهارة السابقة والجامع بينهما غير موجود فيلزم ما ذكرناه... الخ، ومراده من المعنيين
غاية لاستمرار حكمه ليدل على القاعدة والاستصحاب من غير تعرض لبيان الحكم الواقعي للاشياء أصلا مع وضوح ظهور مثل كل شئ حلال أو طاهر في انه لبيان حكم الاشياء بعناوينها الاولية وهكذا: الماء كله طاهر، وظهور الغاية في كونها حدا للحكم لا لموضوعه كما لا يخفى (فتأمل جيدا) ولا يذهب عليك أنه بضميمة عدم القول بالفصل قطعا بين الحلية والطهارة وبين سائر الأحكام لعم الدليل وتم (ثم) لا يخفى أن ذيل موثقة عمار: فإذا علمت فقد قذر وما لم تعلم فليس عليك، يؤيد ما استظهرنا منها من كون الحكم المغيا واقعيا ثابتا للشئ بعنوانه لا ظاهريا ثابتا له بما هو مشتبه لظهور في انه متفرع على الغاية وحدها وانه بيان لها وحدها منطوقها ومفهومها لا لها ______________________________ مفاد القاعدة ومفاد الاستصحاب (قوله: ليدل على القاعدة) هذا غاية لجعلها من قيود الموضوع وقوله: والاستصحاب، غاية جعلها من قيود الحكم لكن عرفت الاشكال في امكان جعلها قيدا للموضوع فضلا عن اقتضائه القاعدة إلا أن يراد من الموضوع الحكم الذي هو مفاد القاعدة حيث انه موضوع للاستمرار الذي هو مفاد الاستمرار فلاحظ كلام شيخنا الأعظم (ره) لكن يأباه كلام المصنف (ره) فلاحظ وتأمل (قوله: في انه لبيان حكم) هذا مسلم لو لم تلحق به الغاية (قوله: لا لموضوعه) قد عرفت اشكاله (قوله: ولا يذهب عليك انه) يعني أنه على تقدير تمامية دلالة الروايات على الاستصحاب في الطهارة والحلية يمكن بضميمة عدم القول بالفصل استفادة القاعدة الكلية، لكن تقدم منه (ره) مرارا ان عدم القول بالفصل لا يكفي في التعميم ما لم يثبت القول بعدم الفصل (قوله: يؤيد ما استظهرنا) بل يؤيد ما استظهره شيخنا (قدس سره) من أن موضوع ليس عليك شئ مجرد عدم العلم بلا دخل لليقين بثبوته الواقعي (قوله: لظهوره في انه) يعني أن ذيل الرواية يتضمن حكمين أحدهما مثبت والآخر منفي، وظاهره أنه متفرع على الغاية وحدها فيدل على ان الغاية تضمنت حكمين أيضا، أحدهما استمرار الحكم المثبت في الصدر ليتفرع عليه الحكم المنفي، وثانيهما انتهاء الاستمرار ليتفرع عليه الحكم المثبت فيدل ذلك على ان الصدر
مع المغيا كما لا يخفى على المتأمل. ثم إنك إذا حققت ما تلونا عليك مما هو مفاد الاخبار فلا حاجة في إطالة الكلام في بيان سائر الاقوال والنقض والابرام فيما ذكر لها من الاستدلال ولا بأس بصرفه إلى تحقيق حال الوضع وانه حكم مستقل بالجعل كالتكليف أو منتزع عه وتابع له في الجعل أو فيه تفصيل حتى يظهر حال ما ذكر ههنا بين التكليف والوضع من التفصيل فنقول وبالله الاستعانة: لا خلاف كما لا اشكال في اختلاف التكليف والوضع مفهوما واختلافهما في الجملة موردا لبداهة ما بين مفهوم السببية أو الشرطية ومفهوم مثل الايجاب أو الاستحباب من المخالفة والمباينة كما لا ينبغي النزاع في صحة تقسيم الحكم الشرعي إلى التكليفي والوضعي بداهة أن الحكم وان لم يصح تقسيمه اليهما ببعض معانيه ولم يكد يصح إطلاقه على الوضع إلا أن صحة تقسيمه بالبعض الآخر اليهما وصحة اطلاقه عليه بهذا المعني مما لا يكاد ______________________________ لا يرتبط بالغاية في مدلوله، ويتعين حمله على الطهارة الواقعية. هذا ولا يخفى أن ظاهر الذيل كونه متفرعا على تمام القضية المغياة فانه تصريح بالمنطوق والمفهوم والغاية لا منطوق لها أصلا، فما ذكره المصنف (ره) سبك اشكال في اشكال والله سبحانه العالم بحقيقة الحال (قوله: حتى يظهر حال) غاية لقوله لا بأس (قوله: بين التكليف) ظرف مقدم لقوله من التفصيل، وهذا التفصيل نسبه الفاضل التوني إلى نفسه في محكي عبارته حيث قال: إن الاستصحاب المختلف فيه لا يكن إلا في الاحكام الوضعية... إلى آخر كلامه (قوله: في اختلاف التكليف) إذ المراد بالتكليف أحد الأحكام الخمسة الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة والاباحة والمراد بالوضع ما عداها (قوله: واختلافهما في الجملة موردا) فانه يقال: الزوال سبب لوجوب الصلاة، فمورد السببية الزوال ومورد الوجوب الصلاة وقد يتفقان موردا مثل ما يقال: الافطار في رمضان حرام وسبب لوجوب الكفارة (قوله: لبداهة) تعليل لقوله. لا خلاف... الخ (قوله ببعض معانيه) مثل خطاب الله المتعلق بافعال المكلفين (قوله بالبعض الآخر) مثل المحمولات
* ينكر كما لا يخفى، ويشهد به كثرة اطلاق الحكم عليه في كلماتهم، والالتزام بالتجوز فيه كما ترى، وكذا لا وقع للنزاع في انه محصور في امور مخصوصة كالشرطية والسببية والمانعية - كما هو المحكي عن العلامة - أو مع زيادة العلية والعلامية، أو مع زيادة الصحة والبطلان والعزيمة والرخصة أو زيادة غيرذلك - كما هو المحكي عن غيره - أو ليس بمحصور بل كل ما ليس بتكليف مما له دخل فيه أو في متعلقه وموضوعه أو لم يكن له دخل مما أطلق عليه الحكم في كلماتهم، ضرورة أنه لا وجه للتخصيص بها بعد كثرة اطلاق الحكم في الكلمات على غيرها، مع انه لا تكاد تظهر ثمرة مهمة علمية أو عملية للنزاع في ذلك وانما المهم في النزاع هو أن الوضع كالتكليف في انه مجعول تشريعا بحيث يصح انتزاعه بمجرد إنشائه أو غير مجعول كذلك بل انما هو منتزع عن التكليف ومجعول بتبعه وبجعله (والتحقيق) أن ما عد من الوضع على انحاء (منها) ما لا يكاد ______________________________ الشرعية. فتأمل (قوله: عن العلامة) وعن السيوري وغيرهما (قوله: والعلامة) يعني كون الشئ علامة، حكيت هذه الزيادة عن الشهيد الثاني واحتمل ردهما إلى السبب أو العلامية إلى الشرط (قوله: أو مع زيادة الصحة) و (قوله: والعزيمة) كما عن الآمدي (قوله: أو زيادة غير ذلك) كما عن صلاح الدين زيادة التقديرات والحجاج والمراد من الأول تنزيل الموجود أو المعدوم منزلة الآخر مثل تنزيل المقتول منزلة الحي في ملك الدية والماء المحتاج إليه منزلة عدمه في شرعية التيمم، ومن الثاني مطلق الحجج التي يستند إليها القضاة من بينه واقرار ويمين (قوله: له دخل فيه) أي في التكليف كما في القسم الاول من الأقسام الآتية (قوله: أو في متعلقه) كما في القسم الثاني (قوله: أولم يكن) كما في القسم الثالث (قوله: للنزاع في ذلك) يعني النزاع في الحصر وعدمه (قوله: هو أن الوضع كالتكليف) يعني أنه لااشكال في كون الأحكام التكليفية مجعولة استقلالا تشريعا بحيث يصح اعتبارها من مجرد جعلها بقوله: هذا واجب أو حرام أو غيرهما فيكون واجبا أو حراما بمجرد ذلك فهل الاحكام الوضعية كذلك فيصح انتزاع السببية من قوله: هذا
يتطرق إليه الجعل تشريعا أصلا لا استقلالا ولا تبعا وان كان مجعولا تكوينا عرضا بعين جعل موضوعه كذلك (ومنها) ما لا يكاد يتطرق إليه الجعل التشريعي إلا تبعا للتكليف (ومنها) ما يمكن فيه الجعل استقلالا بانشائه وتبعا للتكليف بكونه منشأ لانتزاعه وان كان الصحيح انتزاعه من انشائه وجعله وكون التكليف من آثاره وأحكامه على ما يأتي الاشارة إليه (أما النحو الاول) فهو كالسببية والشرطية والمانعية والرافعية لما هو سبب التكليف وشرطه ومانعه ورافعه حيث أنه لا يكاد يعقل انتزاع هذه العناوين لها ______________________________ سبب لكذا، وكذا بقية الأحكام الوضعية، أو هي منتزعة من التكليف، أولا هذا ولا ذاك أو فيه تفصيل ؟ (قوله: ولا تبعا) يعني ولا منتزعا من التكليف (قوله: عرضا) أي مجعول بالعرض بجعل موضوعه تكوينا بالحقيقة (قوله: كذلك) أي تكوينا (قوله: من انشائه) أي انشاء نفسه (قوله: لما هو) حال من السببية وما بعدها (قوله: سبب التكليف) على سبيل اللف والنشر المرتب (قوله: حيث أنه لا يكاد) أقول: قد عرفت الاشارة إلى أن العناوين المذكورة اعتبارية محضة ليس لها حقيقة وراء الاعتبار ولابد أن يكون اعتبارها من منشأ معين لامتناع الجزاف، فهل المنشأ في انتزاع السببية للتكليف واخواتها هو التكليف المترتب على موضوعاتها، أو جعلها استقلالا، أو لا هذا ولا ذاك بل خصوصية ذاتية قائمة بتلك الموضوعات ؟ الذي اختاره شيخنا الأعظم قدس سره هو الأول، ونسب الثاني إلى المشهور وفي النسبة تأمل، واختار المصنف (ره) الأخير مستدلا على بطلان الاول بانه عليا يلزم تأخر السبب عن المسبب لأنه إذا كان وصف السببية منتزعا عن المسبب كان متأخرا عنه فيلزم تأخر ذات السبب بوصف كونه سببا عنه وهو محال لتقدمه عليه، وعلى بطلان الثاني بالخلف لانه إذا كان مجعولا كان اعتباره منوطا بالجعل وجودا وعدما اناطة كل معلول بعلته، واللازم باطل ضرورة صحة اعتبار وصف السببية للدلوك إذا كان بنحو يترتب عليه وجوب
من التكليف المتأخر عنها ذاتا حدوثا وارتفاعا، كما أن اتصافها بها ليس إلا لأجل ______________________________ الصلاة وان لم تنشأ له السببية، وعدم صحة اعتباره له إذا كان بحيث لا يترتب عليه وجوب الصلاة وان انشئت له السببية (ويمكن) دفع الاول بانه لا استحالة في تأخر وصف السببية عن ذات المسبب وانما المستحيل تأخر ذات السبب عنه. مضافا إلى أن اطلاق السبب على مثل الدلوك مسامحة لأن السبب الحقيقي لوجوب الصلاة بعد ما كان الوجوب فعلا اختياريا للموجب هو ارادة الفاعل غاية الامر أن الدلوك من قبيل الداعي والداعي انما يكون مرجحا لا سببا فاطلاق السبب عليه ادعائي والمصحح للادعاء يمكن أن يكون هو الخصوصية القائمة فيه ويمكن أن يكون هو ترتب الوجوب عليه ترتبه على السبب الحقيقي. إلا أن يقال: إن المصحح للادعاء خصوصية فيه كما في السبب الحقيقي (والتحقيق): ان اعتبار السببية والشرطية والمانعية والرافعية ملازم لاعتبار ما يقابلها من المسببية والمشروطية والممنوعية والمرفوعية، ومنشأ اعتبار الجميع هو ترتب وجود المسبب والمشروط على وجود ذات السبب والشرط وعدمهما على وجود ذات المانع والرافع كاعتبار الفاعلية والمفعولية والموجبية والقابلية، فكما أن اعتبار الفاعلية انما يكون بلحاظ الفعل كذلك اعتبار العناوين المذكورة، والخصوصية المعتبرة في مثل السبب ومسببه انما تكون دخيلة في ترتب المسبب على سببه أما نفس اعتبار السببية والمسببية فهي منتزعة في الرتبة اللاحقة لملاحظة المسبب والسبب. ثم لم يوضح المصنف (ره) وجه الفرق بين السببية للامر والجزئية للمأمور به إذ كما أن الثانية منتزعة في رتبة متأخرة عن الأمر لأجل اضافتها إلى المأمور به - كما سيأتي - كذلك الأولي، وكما أنه لابد في موضوع الاولى من خصوصية، وإلا لأثر كل شئ في كل شئ، لابد أن يكون في موضوع الثانية أيضا خصوصية، وإلا لكان كل شئ جزءا من كل شئ، وإذا التزم بان الثانية منتزعة عن الامر فليلتزم بان الأولي كذلك. فتأمل جيدا (قوله: من التكليف) اشارة إلى مذهب شيخنا الأعظم (ره) (قوله: حدوثا وارتفاعا) الأول اشارة إلى السببية والشرطية والثاني اشارة
ما عليها من الخوصية المستدعية لذلك تكوينا للزوم أن يكون في العلة باجزائها ربط خاص به كانت مؤثرا في معلولها لا في غيره ولا غيرها فيه والا لزم أن يكون كل شئ مؤثرا في كل شئ، وتلك الخصوصية لا يكاد يوجد فيها بمجرد إنشاء مفاهيم العناوين وبمثل قول: دلوك الشمس سبب لوجوب الصلاة وإنشاء لا إخبارا، ضرورة بقاء الدلوك على ما هو عليه قبل انشاء السببية له من كونه واجدا لخصوصية مقتضية لوجوبها أو فاقدا لها وان الصلاة لا تكاد تكون واجبة عند الدلوك ما لم يكن هناك ما يدعو إلى وجوبها ومعه تكون واجبة لا محالة ان لم ينسأ السببية للدلوك اصلا. ومنه انقدح أيضا عدم صحة انتزاع السببية له حقيقة من ايجاب الصلاة عنده لعدم اتصافه بها بذلك ضرورة. نعم لا بأس باتصافه بها عناية واطلاق السبب عليه مجازا، كما لا بأس بأن يعبر عن انشاء وجوب الصلاة عند الدلوك مثلا بانه سبب لوجوبها فكني به عن الوجوب ______________________________ إلى المانعية والرافعية (قوله: لذلك) أي للتكليف حدوثا وارتفاعا (قوله: بمجرد انشاء) اشارة إلى ما ربما ينسب إلى المشهور من انها مجعولة استقلالا (قوله: وبمثل قول) معطوف على انشاء (قوله: لا اخبارا) إذ لو كان اخبارا لم يقتض تحقق هذه العناوين (قوله: ضرورة) تعليل لقوله: لا يكاد يوجد... الخ (قوله: ما يدعو) يعني الخصوصية القائمة في الدلوك واليه يرجع ضمير قوله: معه (قوله: عدم صحة) يعني حيث لا خصوصية (قوله: بها عناية) قد عرفت أن اطلاق السببية على مثل الدلوك لابد ان يكون بالعناية ولو كانت فيه الخصوصية التي بها يكون داعيا (قوله: كما لا بأس بأن يعبر) اشارة إلى ما ربما يقع في بعض الاخبار من التعبير بان الشئ الفلاني سبب للوجوب أو نحو ذلك فلا يتوهم من هذا التعبير ان
عنده فظهر بذلك أنه لا منشأ لانتزاع السببية وسائر ما لاجزاء العلة للتكليف إلا ما هي عليها من الخصوصية الموجبة لدخل كل فيه على نحو غير دخل الآخر فتدبر جيدا (واما النحو الثاني) فهو كالجزئية والشرطية والمانعية والقاطعية لما هو جزء المكلف به وشرطه ومانعه وقاطعه حيث ان اتصاف شئ بجزئية المأمور به أو شرطيته أو غيرهما لا يكاد يكون إلا بالامر ______________________________ السببية قابلة للجعل والانشاء لان ذلك حقيقة انشاء للوجوب بطريق كنائي (قوله: فظهر بذلك) فيه تأمل عرفته (قوله: لما هو جزء المكلف به) قيد لقوله: كالجزئية وما بعدها، على سبيل اللف والنشر المرتب (قوله: اتصاف شئ بجزئية) اعلم أنه إذا ورد امر بجملة امور تدريجية متصلة مقيدة بوجود شئ وعدم آخر كان كل واحد من تلك الامور جزءا للمأمور به ومجموعها كلاله وما اخذ وجوده قيدا شرطا له وما اخذ عدمه قيدا مانعا وما كان منافيا للاتصال المعتبر قاطعا، ومحصل مراد المصنف (ره): أن هذه العناوين لا يصح جعلها استقلالا وانما تنتزع بملاحظة الامر المتعلق بتلك الجملة فان تعلق الامر بتلك الجملة صح اعتبار العناوين المذكورة وإن لم يتعلق بها الامر لم يصح اعتبارها. والوجه في ذلك: ان عنوان الجزئية للمأمور به مثلا قد اخذ مضافا إلى عنوان المأمور به فما لم يكن امر ليس هناك شئ مامور به حتى تضاف إليه الجزئية. وهذا في غاية الوضوح إلا أنه ليس له كثير مساس فيما هو محل الكلام، لأن الكلام في المقام بالنظر إلى نفس العناوين المذكورة من حيث هي لا من حيث كونها مضافا إلى المأمور به والا فكل ما يضاف إلى عنوان المأمور به لابد أن يكون متاخرا عنه ولو لم يكن من قبيل العناوين المذكورة مثل مكان المأمور به وزمان المأمور به ونحوهما (فالتحقيق) أن يقال: (اما) مفهوم الجزئية فهو كمفهوم الكلية ينتزع من كل وحدة طارئة على المتكثرات كما سيشير إلى ذلك المصنف (ره) فقبل ملاحظة تلك الوحدة لا كلية ولا جزئية، بل ليس الا امور متكثرة فإذا طرأت الوحدة عليها صار كل واحد من تلك الامور
بجملة أمور مقيدة بامر وجودي أو عدمي، ولا يكاد يتصف شئ بذلك - أي كونه جزءا أو شرطا للمأمور به - إلا بتبع ملاحظة الامر بما يشتمل عليه مقيدا بامر آخر وما لم يتعلق بها الامر كذلك لما كاد اتصف بالجزئية أو الشرطية وان انشأ الشارع له الجزئية أو الشرطية وجعل الماهية ______________________________ جزءا ومجموعها كلا والوحدة قد تكون وحدة اللحاظ، وقد تكون وحدة الغرض، وقد تكون وحدة الأمر، وقد تكون وحدة الزمان، وقد تكون وحدة المكان، وقد تكون غير ذلك وباختلافها يختلف ما تضاف إليه الجزئية فيقال: جزء الملحوظ، وجزء موضوع الغرض، وجزء المأمور به، وجزء الموجود في الزمان، وجزء الموجود في المكان... وهكذا، فنفس مفهوم الجزئية غير موقوف اعتباره على ملاحظة الامر، بل موقوف على ملاحظة جهة وحدة ما، وجزئية المأمور به موقوفة على ملاحظة الامر بعينه (واما) الشرطية فاتصاف شرط الواجب بها ان كان بلحاظ كونه دخيلا في ترتيب الأثر على الواجب لكونه من قبيل المقتضي له وشرطه كسائر شروط تأثير المقتضيات في آثارها فهو في الحقيقة شرط للأثر وتكون شرطيته حينئذ كسببية التكليف وشرطيته منتزعة من ترتب اثره عليه على نحو خاص من الترتب، كما أن السببية منتزعة من ترتبه عليه بنحو آخر ولا دخل للامر في اعتبارها اصلا، وان كان بلحاظ تقييد ذات الواجب به فهي منتزعة من ذلك التقييد ولا دخل للامر ايضا في اعتبارها. ومنه يظهر الكلام في المانعية فان المانع إن كان بمعنى ما يكون عدمه دخيلا في ترتب الأثر فهو كالسبب، وان كان بمعنى ما يؤخذ عدمه قيدا في ذات الواجب فهو كالقيد، وعلى كل حال ليست المانعية منتزعة من الامر، (واما) القاطعية فاعتبارها للقاطع بملاحظة ترتب القطع والانفصال عليه، ولا دخل للامر فيها بالمرة، ولعل في هذا المقدار كفاية فتأمل جيدا والله سبحانه اعلم (قوله: بجملة امور) يعني فينتزع من الامر مفهوم الجزئية لكل واحدة من الامور والشرطية للامر الوجودي والمانعية والقاطعية للشئ الذي قيدت الجملة بعدمه (قوله: بما يشتمل) متعلق بالامر (قوله: وجعل الماهية)
وأجزائها ليس إلا تصور ما فيه المصلحة المهمة الموجبة للامر بها فتصورها باجزائها وقيودها لا يوجب اتصاف شئ منها بجزئية المأمور به أو شرطيته قبل الامر بها فالجزئية للمأمور به أو الشرطية له انما ينتزع لجزئه أو شرطه بملاحظة الامر به بلا حاجة إلى جعلها له وبدون الامر به لا اتصاف بها اصلا وان اتصف بالجزئية أو الشرطية للمتصور أو لذي المصلحة كما لا يخفى (وأما النحو الثالث) فهو كالحجية والقضاوة والولاية والنيابة والحرية والرقية والزوجية والملكية إلى غير ذلك، حيث أنها وإن كان من الممكن انتزاعها من الاحكام التكليفية التي تكون في مواردها - كما قيل - ومن جعلها بانشاء انفسها، الا انه لا يكاد يشك في صحة انتزاعها من مجرد جعله تعالى أو من بيده الامر من قبله - جل وعلا - لها بانشائها بحيث يترتب عليها آثارها كما تشهد به ضرورة صحة انتزاع الملكية والزوجية والطلاق والعتاق بمجرد العقد أو الايقاع ممن بيده الاختيار بلا ملاحظة ______________________________ دفع لتوهم أن يقال: إنه لا اشكال في ان الماهيات المخترعة مجعولة للشارع وذلك كاف في اعتبار الجزئية لكل واحد من اجزائها ولو لم يكن امر، وحاصل الدفع: ان معنى جعل الماهيات تصورها ولحاظها وهذا المقدار لا يصحح اعتبار الجزئية للمأمور به وان صحح اعتبار الجزئية لذى المصلحة أو المتصور كما عرفت (قوله: من الممكن) يعني الامكان الاحتمالي بدوا والا فسيأتي امتناع ذلك (قوله: أو من بيده الامر من قبله) المراد به مطلق من له السلطنة على انشائها في نظر الشارع سواء كان مالكا ام وليا ام وكيلا ام مأذونا ام غير ذلك. ثم ان اعتبار السلطنة المذكورة انما هو بلحاظ الآثار الشرعية المترتبة على هذه الامور والا فيكفي في صحة الانشاء مجرد ترتب الأثر في نظر الجاعل. وتوضيح ذلك ما اشرنا إليه في مبحث الامر من أن العناوين المذكورة وكذا كثير من عناوين العقود والايقاعات، مثل البيع والصلح والرهن والهبة والعطية والاجارة والنكاح والطلاق والرجوع وغير ذلك، بل وعناوين الاحكام التكليفية من الوجوب والالزام والحرمة
التكاليف والآثار ولو كانت منتزعة عنها لما كاد يصح اعتبارها الا بملاحظتها وللزم ان لا يقع ما قصد ووقع ما لم يقصد ______________________________ والمنع والكراهة والاباحة... إلى غير ذلك لها حقائق حقيقية (تارة) تنشأ تكوينا حقيقة بفعلها في الخارج مثل: ايجاد العطاء الخارجي في الهبة والعطية، والاجر في الاجارة، والعين المرهونة في الرهن، والصلح الحقيقي في الصلح، وايجاد نفس الفعل في الايجاب، وإلصادق الفعل بفاعله في الالزام... وهكذا (واخرى) تنشأ تكوينا ادعاء كما هو محكي هذه العناوين في باب العقود والايقاعات الانشائية، فمعنى صالحت واعطيت ووهبت واوجبت الفعل ومنعت عنه وألزمت به اوجدت الصلح والعطاء والهبة والوجوب والمنع والالزام بمفاهيمها الحقيقة ادعاء لا حقيقة، وهكذا الحال في بقية العناوين المذكورة وغيرها، والمصحح لهذا الادعاء غالبا تعلق ارادة الجاعل المؤدية في الجملة إلى حصولها في الخارج أو دفع المانع عنه مع مظنة وجود المقتضي، فترى من يريد الاعطاء الخارجي لزيد يقول له: اعطيتك، انشاء، ومن يريد اعطاء الاجر: آجرتك، وهكذا، فانشاء هذه الامور ليس انشاء لامر اعتباري بل انشاء لامر حقيقي ادعاء لا حقيقة، ولأجل ذلك ربما يكون هذا الادعاء بعينه من غير الجاعل لوجود المصحح له فترى صحة دعوى كون الفعل واجبا إذا علم تعلق ارادة المولى به وان لم يكن انشاء منه للوجوب اصلا كصحة قولنا: فلان قاض أو وال إذا علم بتعلق ارادة السلطان بتنفيذ قضائه وتصرفه وان لم يكن منه انشاء للقضاء والولاية، غاية الامر أن الشارع اعتبر في اعتبارها أو في ترتب الآثار عليها في بعض المقامات الانشاء مطلقا أو من منشئ خاص أو بلفظ كذلك أو غير ذلك. وهذا مما لا دخل له في صحة الانشاء ولا في توقف اعتبارها عليه فلاحظ وتأمل والله سبحانه اعلم (قوله: التكاليف والآثار) يعني المترتبة عليه هذه العناوين الاربعة (قوله: وللزم ان لا يقع ما قصد) يعني لو كانت هذه العناوين منتزعة من آثارها لا من نفس انشائها لزم عدم ترتبها على انشائها،
كما لا ينبغي أن يشك في عدم صحة انتزاعها عن مجرد التكليف في موردها فلا ينتزع الملكية عن إباحة التصرفات ولا الزوجية من جواز الوطء وهكذا سائر الاعتبارات في أبواب العقود والايقاعات فانقدح بذلك ان مثل هذه الاعتبارات انما تكون مجعولة بنفسها يصح انتزاعها بمجرد انشائها كالتكليف لا مجعولة بتبعه ومنتزعة عنه (وهم ودفع) (أما الوهم) فهو ان الملكية كيف جعلت من الاعتبارات الحاصلة بمجرد الجعل والانشاء التي تكون من خارج المحمول حيث ليس بحذائها في الخارج شئ ______________________________ مع أن المقصود منه ذلك ولزم ترتب الآثار على الانشاء وليس هو المقصود منه. والاولى في الاستدلال لذلك بأن الآثار في لسان أدلتها محمولات على نفس العناوين المذكورة فلابد أن تكون متاخرة عنها رتبة تأخر الحكم عن موضوعه فلو كانت منتزعة عنها لزم الدور فتأمل (قوله: كما لا ينبغي ان) متعلق بقوله: لا يكاد يشك (قوله: صحة انتزاعها) اي الحجية واخواتها (قوله: يصح انتزاعها بمجرد) بل المنقدح عدم توقف اعتبارها عند الاعقلاء على الانشاء بل المصحح للانشاء هو المصحح للاعتبار فالانشاء عندهم في عرض الاعتبار لا من علله ومباديه. نعم ربما يكون ذلك عند الشارع كما ربما لا يكفي مجرد الانشاء عنده بل لابد من كونه بنحو خاص، وقد ذهب المشهور إلى تحقق الفسخ بمجرد التصرف مع انه غالبا لا يكون بقصد الانشاء، كما ذهب جماعة بل لعله المشهور إلى تحقق الرجوع في الطلاق بمجرد فعل ما يناسب الزوجية وان لم يكن بقصده، وربما يقتضيه بعض النصوص أيضا والمقام محتاج إلى مزيد التأمل (قوله: حيث ليس بحذائها) تعليل لكونها من خارج المحمول لأن المراد بما كان خارج المحمول ما ليس بحذائه شئ في الخارج ويقابله المحمول بالضميمة وهو ما يكون بأزائه شئ في الخارج سواء كان موجودا في الخارج كالسواد والبياض ام هو بنفسه في الخارج كالفوقية والتحتية. وحاصل التوهم: أن المحمول بالضميمة يمتنع اعتباره بمجرد الانشاء بل لابد في اعتباره من تحقق ما بازائه في الخارج الذي يكون عن علله الخاصة، والملكية من المحمول بالضميمة
وهي إحدى المقولات المحمولات بالضميمة التي لا يكاد تكون بهذا السبب بل بأسباب أخر كالتعمم والتقمص والتنعل، فالحالة الحاصلة منها للانسان هو الملك وأين هذه من الاعتبار الحاصل بمجرد إنشائه ؟ (وأما الدفع) فهو أن الملك يقال بالاشتراك على ذلك ويسمى بالجدة أيضا واختصاص شئ بشئ خاص وهو ناشئ إما من جهة إسناد وجوده إليه ككون العالم ملكا للباري جل ذكره، أو من جهة الاستعمال والتصرف فيه ككون الفرس لزيد بركوبه له وسائر تصرفاته فيه، أو من جهة إنشائه والعقد مع من اختياره بيده كملك الاراضي العقار البعيدة للمشتري بمجرد عقد البيع شرعا وعرفا، فالملك الذي يسمي بالجدة ايضا غير الملك الذي هو اختصاص خاص ناشئ من سبب اختياري كالعقد أو غير اختياري كالارث ونحوهما من الاسباب الاختيارية وغيرها، فالتوهم إنما نشأ من إطلاق الملك على مقولة الجدة أيضا، والغفلة عن أنه بالاشتراك بينه وبين الاختصاص الخاص والاضافة الخاصة الاشراقية كملكه تعالى للعالم أو المقولية كملك غيره لشئ بسبب من تصرف واستعمال أو إرث أو عقد أو غيرهما من الاعمال ______________________________ فكيف يصح اعتبارها بمجرد الانشاء ؟ (قوله: وهي إحدى) يعني الملكية (قوله: بهذا السبب) يعني بالانشاء (قوله: بل باسباب) وهي علل تحقق ما بازائه في الخارج (قوله: كالتعمم) تمثيل للملكية (قوله: أيضا) يعني كما يسمى بالملك (قوله: واختصاص) معطوف على (ذلك) فانه المعني الثاني للملك (قوله: مع من اختياره بيده) متعلق ب (العقد) والمراد بالموصول السلطان علي التصرف بالموضوع المملوك سواء كان مالكا ام غيره (قوله: غير الملك الذي) قد عرفت ان هذا غير ثابت بل الظاهر انه هو هو غاية الامر أن إنشاءها ليس على الحقيقية بل بنحو الادعاء ولا تخرج بذلك عن كونها اعتبارية لان الوجود الادعائي نوع من الاعتبار، وقد عرفت في مبحث
فيكون شئ ملكا لاحد بمعنى ولآخر بالمعني الآخر فتدبر. إذا عرفت اختلاف الوضع في الجعل فقد عرفت أنه لا مجال لاستصحاب دخل ماله الدخل في التكليف إذا شك في بقائه على ما كان عليه من الدخل لعدم كونه حكما شرعيا ولا يترتب عليه أثر شرعي والتكليف وان كان مترتبا عليه إلا أنه ليس بترتب شرعي (فافهم) وانه لا اشكال في جريان الاستصحاب في الوقع المستقل بالجعل ______________________________ الامران صيغ الطلب مثل (قم) و (اقعد) وغيرهما تستعمل لانشاء المادة على نحو الادعاء (قوله: فيكون شئ) تفريع على اختلاف معنى الملك فان الغاصب التي تكون بيده العين مالكها بمعني الجدة ومالكها غيره بمعنى الاختصاص (قوله: ماله الدخل في التكليف) يعني القسم الاول من اقسام الوضع حسبما ذكره (قدس سره) لأنه منتزع من الخصوصية الموجودة في الموضوع وهي ليست اثرا شرعيا ولا موضوعا لأثر شرعي. أما الاول فلانها امر واقعي ذاتي. وأما الثاني فلأن ما يتوهم كونه اثرا لها شرعا ليس الا ترتب التكليف وجودا أو عدما، ومن المعلوم أن الترتب المذكور من قبيل ترتب المعلول على علته ذاتي لا يكون بجعل تشريعي حتى يكون امرا شرعيا. هذا ولكن قد عرفت ان اطلاق السبب على سبب التكليف مسامحة، وانما هو داع لتعلق الارادة بالتكيف فالتكليف مسبب عن الارادة لا عنه ولا الارادة عنه لانه بوجوده الاعتقادي العلمي داع إلى التكليف لا بوجوده الواقعي، وحينئذ فالتكليف المنوط به شرعي فيكون موضوعا لأثر شرعي إذ ليس المقصود من كون الشئ موضوعا للاثر الا كونه طرف اضافة ما بينه وبينه. والا اشكل جريان الاستصحاب في عامة الموضوعات الشرعية إذ ليس ترتب التكليف عليها الا لخصوصية فيها اقتضت ترتب التكليف عليها، وهل يصح دعوى الفرق بين قوله: المستطيع يجب عليه الحج، وقوله: ان استطعت يجب عليك الحج، فيجري الاستصحاب في الاول لو شك في بقاء المستطيع على ما هو عليه من الخصوصية المقتضية للحكم ولا يجري في الثاني ؟ مع أنه لو تم ذلك لم ينفع كون السببية مجعولة للشارع الاقدس
حيث انه كالتكليف وكذا ما كان مجعولا بالتبع فان أمر وضعه ورفعه بيد الشارع ولو بتبع منشأ انتزاعه، وعدم تسميته حكما شرعيا - لو سلم - غير ضائر بعد كونه مما تناله يد التصرف شرعا. نعم لا مجال لاستصحابه لاستصحاب سببه ومنشأ انتزاعه (فافهم). ثم: إن ههنا تنبيهات (الأول) أنه يعتبر في الاستصحاب فعلية الشك واليقين فلا استصحاب مع الغفلة لعدم الشك فعلا ولو فرض أنه يشك لو التفت ضرورة أن الاستصحاب وظيفة الشاك ولا شك مع الغفلة أصلا ______________________________ في صحة استصحابها ايضا لأن اقتضاءها للحكم ايضا لابد أن يكون عن خصوصية فيها مقتضية له فيمنع ذلك عن صحة استصحابها، ولعله إلى هذا اشار بقوله: فافهم، وسيأتي في الاستصحاب التعليقي ماله نفع في المقام انشاء الله تعالى (قوله: حيث انه كالتكليف) كونه كالتكليف في كونه مجعولا لا يجدي في صحة الاستصحاب بعد الفرق بينهما في ان التكليف موضوع للعمل المصحح للتعبد وليس هو كذلك الا بلحاظ أثره وترتب أثره عليه انما هو لخصوصية فيه تقتضيه ذاتا والاقتضاء المذكور بعد ما لم يكن شرعيا لا يصح التعبد بلحاظه كما قرره في النوع الاول. فتأمل (قوله: ما كان مجعولا) هو القسم الثاني (قوله: لا مجال لاستصحابه لاستصحاب) يعني لا يصح استصحابه لأن الاستصحاب الجاري في سببه وهو نفس الحكم حاكم عليه كما سيأتي في الاصل السببي والمسببي انشاء الله تعالى (قوله: فافهم) لعله إشارة إلى ما يمكن أن يخدش به جريان الاستصحاب في الامور الاعتبارية المحضة حيث انها ليست موضوعا للعمل الا بلحاظ الآثار وهي ليست في الحقيقة موضوعا لها لأنها لما كانت اعتبارية محضة امتنع ان تكون ذوات آثار فالآثار في الحقيقة لمنشا الانتزاع لأنه امر حقيقي موضوع للمصلحة والمفسدة وغيرها من علل الأحكام والآثار. فتأمل
فيحكم بصحة صلاة من أحدث ثم غفل وصلى ______________________________ التنبيه الاول (قوله: فيحكم بصحة صلاة) هذا تفريع على ما ذكره من اعتبار اليقين والشك الفعليين في جريان الاستصحاب وعدم كفاية الوجود التقديري لهما (وتوضيحه): أن المكلف لو تيقن الحدث في زمان معين ثم غفل وصلى فهنا صورتان (الأولى) أن يعلم بعدم حصول الطهارة له ولا اشكال في بطلانها حينئذ (الثانية) أن يحتمل حصولها له وهذه على نحوين (الأول) أن لا يحدث له الشك في الطهارة إلا بعد الفراغ من الصلاة بأن تستمر غفلته عن الطهارة إلى أن يفرغ من الصلاة ثم يشك بعدها أنه تطهر قبل الصلاة ام لا ؟ والحكم فيه الصحة لأن الشك التقديري لما لم يكن موضوعا للاستصحاب لم يكن المصلي محكوما بالحدث الاستصحابي إلى ما بعد الفراغ فتصح صلاته، وبعد الفراغ لا مجال لاستصحاب الحدث حال الصلاة وان حصل له الشك الفعلي لحكومة قاعدة الفراغ عليه (الثاني) أن يحدث له الشك في الطهارة قبل الصلاة، ثم يغفل فيصلي فيتجدد له الشك بعد الفراغ، وهذا أيضا على نحوين (الاول) أن يحتمل أن يكون قد تطهر بعد الشك والحكم فيه الصحة ايضا إذ ليس الشك بأصعب حكما من اليقين، وقد عرفت في النحو الاول أن حكمه الصحة (الثاني) أن لا يحتمل الطهارة بعد الشك بل يحتمل الطهارة قبل الشك الاول فيكون شكه المتجدد بعد الفراغ هو الشك الاول بعينه، والحكم فيه البطلان لأن الشك لما حدث قبل الصلاة كان محكوما في زمان حدوثه بأنه محدث فتكون صلاته بالحدث الاستصحابي فتبطل كما لو كان بالحدث الواقعي، ولا مجال لقاعدة الشك بعد الفراغ لأن موردها حدوث الشك بعد الفراغ فلا تشمل صورة حدوثه قبله كما في الفرض. ومثله لو شك قبل الصلاة وبقي شاكا إلى ما بعد الفراغ. هذا ولكن في تفريع الحكم بالصحة في الصورة الاولى وبالبطلان في الصورة الاخيرة على اعتبار الشك الفعلي في
ثم شك في انه تطهر قبل الصلاة لقاعدة الفراغ، بخلاف من التفت قبلها وشك ثم غفل وصلى فيحكم بفساد صلاته فيما إذا قطع بعدم تطهيره بعد الشك لكونه محدثا قبلها بحكم الاستصحاب مع القطع بعدم رفع حدثه الاستصحابي (لا يقال): نعم ولكن استصحاب الحدث في حال الصلاة بعد ما التفت بعدها يقتضي أيضا فسادها (فانه يقال): نعم لولا قاعدة الفراغ المقتضية لصحتها المقدمة على أصالة فسادها (الثاني) أنه هل يكفي في صحة الاستصحاب الشك في بقاء شئ على تقدير ثبوته وإن لم يحرز ______________________________ الاستصحاب وعدم الاكتفاء بالتقديري نوع غموض، لأنه لو بني على كفاية الشك التقديرى لا يمكن القول بالبطلان في الصورة الأولى لقاعدة الفراغ، كما أنه لو بني على اعتبار الشك الفعلي يمكن القول بالبطلان في الصورة الاخيرة لحصول الشك الفعلي بعد الفراغ وهو كاف في اثبات الحدث ظاهرا في حال الصلاة فيثبت البطلان لولا قاعدة الشك بعد الفراغ، فينبغي ابتناء الصحة والبطلان في الفرضين على جريان قاعدة الفراغ وعدمه، فان جرت فيهما فالحكم الصحة، وان لم تجر فيهما فالحكم البطلان، وان جرت في احدهما دون الآخر فاللازم التفصيل بينهما (قوله: ثم شك) يعني بعد الفراغ (قوله: لقاعدة الفراغ) تعليل للصحة (قوله: مع القطع بعدم) هذا خلاف فرض اعتبار فعلية الشك فانه إذا فرض كونه في حال الصلاة غافلا فليس بشاك فلا يحكم عليه بأنه محدث ظاهرا لا في حال الصلاة ولا فيما قبله لان التعبد بالحدث في كل زمان من الأزمنة فرع كونه شاكا في بقائه فيه والمفروض عدمه فالاستدلال بناء على ما عرفت بدعوى القطع بعدم الحدث الاستصحابي لا القطع بعدم رفعه. فلاحظ (قوله: لا يقال نعم) هذا إشكال على الحكم بالصحة في الفرض الاول. التنبيه الثاني (قوله: هل يكفي في صحة الاستصحاب) إعلم إنه إذا قامت الامارة
ثبوته فيما رتب عليه أثر شرعا أو عقلا ؟ إشكال من عدم إحراز الثبوت فلا يقين ولابد منه بل ولا شك فانه على تقدير لم يثبت ومن أن اعتبار اليقين إنما هو لأجل أن التعبد والتنزيل شرعا إنما هو في البقاء لا في الحدوث فيكفي الشك فيه على تقدير الثبوت فيتعبد به على هذا التقدير فيترتب عليه الأثر فعلا ______________________________ على ثبوت حكم في زمان فلا إشكال في أن مقتضي دليل الحجية وجوب العمل على طبق ذلك الحكم في ذلك الزمان ولو شك في الحكم فيما بعده من الازمنة فان كان مفاد الامارة ثبوت الحكم في الزمان الأخير ايضا كانت هي المرجع، وإن لم تكن دالة على ذلك بأن لا تكون متعرضة إلا لمجرد الثبوت لم تكن هي المرجع ضرورة، وفي جواز الرجوع حينئذ إلى الاستصحاب ليثبت به بقاء الحكم إشكال لعدم اقتضاء الامارة اليقين بثبوت مؤداها حتى يكون الشك في بقائه بل انما تقتضي احتمال ثبوته وإذ لا يقين بالثبوت لاشك في البقاء فلا مجال للاستصحاب لاختلال ركنيه معا والمصنف (ره) دفع هذا الاشكال بأن ادلة الاستصحاب ليس موضوعها الشك في البقاء الفعلي حتى يتوقف على اليقين بالثبوت، بل البقاء التقديري اي البقاء على تقدير الثبوت فهي تجعل الملازمة بين ثبوت الشئ وبقائه ولو علم بعدم الثبوت لأن صدق الشرطية لا يتوقف على صدق طرفيها فإذا ثبتت الملازمة المذكورة بالاستصحاب وقامت الامارة على الثبوت كانت حجة عليه وعلى البقاء لأن الدليل على أحد المتلازمين دليل على الملازم الآخر كما لو قامت الامارة على نجاسة شئ فانها تكون حجة على نجاسة ملاقيه لثبوت الملازمة بين نجاسة الشئ ونجاسة ملاقيه، غاية الامران الملازمة في المثال واقعية وفى المقام ظاهرية (قوله: فيما رتب عليه) يعني إذا كان المقام مترتبا على البقاء التقديري، اما لو كان مترتبا على البقاء الفعلي يمتنع جريان الاستصحاب لعدم الاثر لمؤداه (قوله: شرعا أو عقلا) الاول في استصحاب الموضوع والثاني في استصحاب الحكم (قوله: اشكال) يعني في الكفاية اشكال (قوله: من عدم) بيان لعدم الكفاية (قوله: ولاشك فانه) يعني ولاشك في البقاء فان الشك فيه في الفرض على تقدير الثبوت لا مطلقا (قوله: ومن ان اعتبار)
فيما كان هناك أثر وهذا هو الاظهر وبه يمكن ان يذب عما في استصحاب الاحكام التي قامت الامارات المعتبرة على مجرد ثبوتها وقد شك في بقائها على تقدير ثبوتها من الاشكال بانه لا يقين بالحكم الواقعي ولا يكون هناك حكم آخر فعلي بناء على ما هو التحقيق (١) من أن قضية حجية الأمارة ليست إلا تنجز التكاليف مع الاصابة والعذر مع المخالفة كما هو قضية الحجة المعتبرة عقلا كالقطع والظن في حال الانسداد على الحكومة لا انشاء أحكام فعليه شرعية ظاهرية كما هو ظاهر الاصحاب، ووجه الذب بذلك: أن الحكم الواقعي الذي هو مؤدى الطريق حينئذ محكوم بالبقاء فتكون الحجة على ثبوته حجة على بقائه تعبدا للملازمة بينه وبين ثبوته واقعا (ان قلت): كيف وقد أخذ اليقين بالشئ في التعبد ببقائه في الاخبار ولا يقين في فرض تقدير الثبوت (قلت): نعم ______________________________ بيان لوجه الكفاية يعني ان اعتبار اليقين في لسان الادلة ليس لأن له موضوعية للحجية بل لبيان أن محل التعبد هو البقاء لا الحدوث (قوله: فيما كان) يعني إذا كان مترتبا على البقاء التقديري كما تقدم (قوله: هو الاظهر) بل الأظهر خلافه فانه مما لا يساعد عليه التركيب (قوله: من الاشكال) بيان للموصول في قوله: عما في... الخ، وقوله: (بانه) متعلق به فانه تقرير للاشكال (قوله: لا انشاء) معطوف على قوله (ره): ان قضية... الخ، كما هو ظاهر الأصحاب أما عليه فلا مجال للاشكال فان الحكم الظاهري المستفاد من دليل الامارة يكون عين الواقع على ______________
ولكن الظاهر أنه أخذ كشفا عنه ومرآة لثبوته ليكون التعبد في بقائه والتعبد مع فرض ثبوته إنما يكون في بقائه فافهم (الثالث) أنه لا فرق في المتيقن السابق بين أن يكون خصوص احد الاحكام أو ما يشترك بين الاثنين منها أو الازيد من أمر ______________________________ تقدير المصادفة فيصح استصحابه لاحتمال المصادفة ويكون باقيا على تقديرها وإن كان على تقدير المخالفة يكون مرتفعا قطعا في الزمان المتأخر لقصور الامارة عن الدلالة عليه فيه فلا مقتضي لثبوته ويكون استصحابه حينئذ من القسم الثاني من استصحاب الكلي، كما افاد ذلك المصنف (ره) في حاشيته على المقام. نعم لو كان مراد الاصحاب ثبوت حكم ظاهري غير الواقع حتى على تقدير المصادفة امتنع الاستصحاب لأنه من القسم الثالث من اقسام استصحاب الكلي (قوله: ولكن الظاهر انه) هذا الاستظهار ممنوع جدا كما عرفت، وعلى هذا فالوجه في اندفاع الاشكال ما اشرنا إليه سابقا وسيأتي انشاء الله من أن دليل حجية الامارة يقتضي تنزيلها منزلة العلم كما يقتضي تنزيل مؤداها منزلة الواقع، وحينئذ إذا قامت على ثبوت شئ في زمان معين كانت علما به تنزيلا فيترتب عليه أثره من عدم جواز نقضه بالشك (وأما) ما قيل في الذب عن أصل الاشكال من أن الحكم الواقعي متيقن الثبوت ظاهرا بواسطة قيام الامارة عليه فيستصحب (ففيه) ان اليقين بالثبوت الظاهري عين اليقين الوجداني بالحكم الظاهري فيرجع إلى ما هو ظاهر الاصحاب الذي اشار إليه المصنف (ره) وأوضحه في الحاشية كما عرفت التنبيه الثالث (قوله: لا فرق في المتيقن السابق) هذا شروع في حكم استصحاب الكلي باقسامه وهي ثلاثة (الأول) أن يعلم بوجود الكلي في ضمن فرد بعينه ويشك في بقائه للشك في بقاء ذلك الفرد كأن يعلم بوجود زيد في الدار فيعلم
عام فان كان الشك في بقاء ذاك العام من جهة الشك في بقاء الخاص الذي كان في ضمنه وارتفاعه كان استصحابه كاستصحابه بلا كلام، وان كان الشك فيه من جهة تردد الخاص الذي في ضمنه بين ما هو باق أو مرتفع قطعا فكذا لا اشكال في استصحابه ______________________________ بوجود الانسان فيها ثم يشك في بقاء الانسان للشك في بقاء زيد (الثاني) أن يعلم بوجود الكلي في ضمن فرد مردد بين فردين يعلم بزوال أحدهما بعينه على تقدير حدوثه وببقاء الآخر بعينه على تقدير حدوثه، فيشك لأجل ذلك في بقاء الكلى لاحتمال حدوثه في طويل العمر كأن يعلم بوجود الحيوان في فرد مردد بين البقة والجمل ثم يعلم بعد ثلاثة أيام بأنه إن كان الموجود هو الجمل فهو باق وإن كان البقة فهو زائل، فحينئذ يشك في بقاء الحيوان (الثالث) أن يعلم بوجود الكلي في ضمن فرد بعينه ويعلم بزوال ذلك الفرد ويحتمل حدوث فرد آخر للكلي مقارن لزواله أو لوجوده باق بعد زواله كأن يعلم بوجود الانسان في زيد ثم يعلم بزوال زيد ويحتمل وجود عمرو مقارنا لزوال زيد أو مقارنا لحياته مع بقائه بعد زواله فيكون بقاء الكلي المحتمل في فرد آخر غير الفرد المتيقن وجوده فيه (قوله: فان كان الشك) هذا إشارة إلى القسم الأول (قوله: استصحابه كاستصحابه) الضمير الاول راجع إلى الكلي والثاني إلى الخاص (قوله: بلا كلام) حكي الاشكال فيه عن بعض بان الكليات اعتبارات لا تكون موضوعا للتعبد الشرعي، وفيه أن دعوى جواز الاستصحاب مبنية على كون الكلي موضوعا للآثار الشرعية وإلا فلا معنى له كما هو واضح، فان كان اشكال في ذلك فهو اشكال في جواز كونه موضوعا للاثر لا في صحة الاستصحاب ويندفع بمراجعة البحث عن تعلق الأمر بالطبائع. فراجع (قوله: وان كان الشك) هذا إشارة إلى القسم الثاني (قوله: فكذا لا اشكال في استصحابه) يمكن الاشكال عليه بما يأتي منه في مبحث مجهول التاريخ من احتمال كون رفع
فيترتب عليه كافة ما يترتب عليه عقلا أو شرعا من أحكامه ولوازمه وتردد ذاك الخاص الذي يكون الكلي موجودا في ضمنه ويكون وجوده بعين وجوده بين متيقن الارتفاع ومشكوك الحدوث المحكوم بعدم حدوثه غير ضائر بالاستصحاب الكلي المتحقق في ضمنه مع عدم إخلاله باليقين والشك في حدوثه وبقائه وإنما كان التردد بين الفردين ضائرا باستصحاب أحد الخاصين اللذين كان امره مرددا بينهما لاخلاله باليقين الذي هو أحد ركني الاستصحاب كما لا يخفى. نعم يجب رعاية التكاليف المعلومة اجمالا المترتبة على الخاصين فيما علم تكليف في البين ______________________________ اليد عن بقاء الكلي من نقض اليقين باليقين لاحتمال كون الكلي موجودا في معلوم الزوال فيكون الكلي معلوم الزوال لكن سيأتي انشاء الله اندفاعها (قوله: فيترتب عليه) كما هو الحال في كل ما يجري فيه الاستصحاب (قوله: وتردد ذاك الخاص) هذا اشارة إلى بعض شبهات المنع عن جريان الاستصحاب في القسم الثاني (وتوضيحه): أن الكلي ليس له وجود مستقل عن وجود الفرد وانما هو موجود في ضمنه وكل واحد من الفردين اللذين يعلم وجود الكلي في أحدهما في هذا القسم مما لا تجتمع فيه أركان الاستصحاب فان أحدهما معلوم الارتفاع والآخر غير معلوم الحدوث فكيف يجري الاستصحاب في نفس الكلي الذي يكون وجوده عين وجود أحدهما ولاسيما مع كون الفرد غير المعلوم الحدوث محكوما بعدم حدوثه بالاستصحاب (قوله: غير ضائر) هو خبر قوله: تردد (وتوضيح) عدم ضيره: أن اليقين والشك إنما يتعلقان بالصور الذهنية لا بمحكياتها الخارجية فعدم اجتماع اليقين بالحدوث مع الشك في البقاء في كل واحد من الفردين لا ينافي اجتماعهما في نفس الكلي، ضرورة صدق قولنا في المثال المتقدم: وجود الحيوان معلوم وبقاؤه مشكوك، ولازم ذلك جواز الاستصحاب في الكلى لاجتماع الاركان فيه فيجب ترتيب آثاره عليه وعدم جوازه في كل واحد من الفردين بعينه فلا يجب ترتيب آثار كل منهما إلا
(وتوهم) كون الشك في بقاء الكلي الذي في ضمن ذاك المردد مسببا عن الشك في حدوث الخاص المشكوك حدوثه المحكوم بعدم الحدوث باصالة عدمه (فاسد) قطعا لعدم كون بقائه وارتفاعه من لوازم حدوثه وعدم حدوثه بل من لوازم كون الحادث المتيقن ذاك المتيقن الارتفاع أو البقاء مع أن بقاء القدر المشترك إنما هو بعين بقاء الخاص الذي في ضمنه لا أنه من لوازمه ______________________________ إذا كان هناك علم اجمالي بالتكليف فانه حينئذ يكون منجزا ويجب الاحتياط فيه (قوله: وتوهم كون الشك) هذا إشارة إلى شبهة أخرى للمنع وحاصلها: أن الشك في بقاء الكلي وزواله مسبب عن الشك في وجود الفرد الطويل العمر والأصل الجاري في السبب مقدم على الاصل الجاري في المسبب فاصالة عدم الفرد الطويل العمر تقتضي انتفاء الكلي فلا يجري الاصل في بقائه (قوله: فاسد قطعا) هو خبر توهم (ووجه) الفساد أمور أشار إليها (الاول) منع السببية على النحو الذي ذكره فان احتمال بقاء الكلي وإن كان من لوازم حدوث الفرد الطويل العمر إلا أن احتمال ارتفاعه ليس من لوازم عدم حدوثه إذ لا اقتضاء لعدم حدوثه في ارتفاع الكلي وانما المقتضي له حدوث الفرد القصير العمر فيكون سبب الشك في بقاء الكلي وارتفاعه الشك في كون الحادث هو طويل العمر أو قصيره، ومن المعلوم أنه لا أصل يصلح لتعيين الحادث فان اصالة عدم حدوث الفرد الطويل العمر لا يثبت كون الحادث هو القصير إلا بناء على الأصل المثبت، فان كون الحادث هو القصير من الملازمات الاتفاقية لعدم حدوث الفرد الطويل من جهة العلم الاجمالي بحدوث أحدهما المقتضي لملازمة وجود كل منهما لعدم الآخر (الثاني) أن بقاء الكلي عين بقاء الفرد الطويل العمر لا أنه من لوازمه حتى تصح دعوى السببية والمسببية بينهما (وفيه) أن دعوى السببية انما كانت بين بقاء الكلي وحدوث الفرد لا بين حدوثه وحدوثه حتى تدفع بما ذكر. مع أن العينية بين الوجودين ذاتا لا تقتضي العينية بينهما اعتبارا إذ لا ريب أن الوجود المضاف إلى الفرد بما
على أنه لو سلم أنه من لوازم حدوث المشكوك فلا شبهة في كون اللزوم عقليا ولا يكاد يترتب باصالة عدم الحدوث إلا ما هو من لوازمه وأحكامه شرعا، وأما إذا كان الشك في بقائه من جهة الشك في قيام خاص آخر في مقام ذاك الخاص الذي كان في ضمنه بعد القطع بارتفاعه ففي استصحابه اشكال أظهره عدم جريانه فان وجود الطبيعي وان كان بوجود فرده إلا أن وجوده في ضمن المتعدد من افرداه ليس من نحو وجود واحد له بل متعدد حسب تعددها فلو قطع بارتفاع ما علم وجوده منها لقطع بارتفاع وجوده وإن شك في وجود فرد آخر ______________________________ أنه كذلك غير الوجود المضاف إلى الكلي بما أنه كذلك. ولذا قد ينعدم الفرد ولا ينعدم الكلي لوجوده في فرد آخر. فتأمل. مضافا إلى أن العينية أقرب إلى اثبات التوهم من الاثنينية فيرجع الاشكال إلى التعبير محضا. فلاحظ (الثالث) انه لو سلم اللزوم فهو عقلي، وفي مثله فالأصل الجاري في السبب غير حاكم على الأصل الجاري في المسبب بل لابد من الرجوع إلى الأصل الجاري في المسبب (وهنا) شبهة أخرى وهي أن وجود الكلي لما كان بوجود فرد من أفراده كان عدمه بعدم تمام الأفراد فإذا علم بعدم كل فرد للكلي غير الفرد الطويل العمر فبضميمة اصالة عدم الفرد المذكور يثبت عدم تمام الأفراد فيثبت عدم الكلي فيكون موضوع الأثر محرزا بعضه بالوجدان وبعضه بالاصل (وتندفع) بما أشرنا إليه من أن عدم الطبيعي ليس عين عدم جميع الافراد حتى يكون الاثر الثابت لعدم الطبيعي في الحقيقة ثابتا لعدم تمام الافراد الثابت بعضه بالوجدان وبعضه بالاصل بل يخالفه، ولذلك ترى أن عدم الطبيعي لا تكثر فيه وعدم الافراد متكثر قطعا، فاثبات عدم الطبيعي باثبات عدم الافراد بالأصل يتوقف على القول بالاصل المثبت. فلاحظ وتأمل (قوله: واما إذا كان الشك) هذا تعرض لحكم القسم الثالث (قوله: فان وجود الطبيعي) يعني يعتبر في صحة جريان الاستصحاب أن يكون الشك في البقاء والبقاء عين الحدوث وجودا وان كان غيره زمانا فإذا علم بوجود الكلي في فرد وعلم بارتفاع ذلك الفرد فقد علم بارتفاع وجود الكلي
مقارن لوجود ذاك الفرد أو لارتفاعه بنفسه أو بملاكه كما إذا شك في الاستحباب بعد القطع بارتفاع الايجاب بملاك مقارن أو حادث (لا يقال): الأمر وإن كان كما ذكر إلا أنه حيث كان التفاوت بين الايجاب والاستحباب وهكذا بين الكراهة والحرمة ليس إلا بشدة الطلب بينهما وضعفه كان تبدل أحدهما بالآخر مع عدم تخلل العدم غير موجب لتعدد وجود الطبيعي بينهما لمساوقة الاتصال مع الوحدة فالشك في التبدل حقيقة شك في بقاء الطلب وارتفاعه ______________________________ واحتمال وجود فرد آخر وان كان شكا في وجود الكلي إلا أن هذا الوجود المشكوك ليس بقاء لذلك الوجود المعلوم، وإلا فقد عرفت العلم بارتفاعه فكيف يكون مما يحتمل بقاؤه فلا يكون الشك في هذا الوجود المشكوك شكا في بقاء وجود الكلي المعلوم ليكون موردا للاستصحاب بل شك في وجود آخر للكلي والأصل عدمه (قوله: مقارن لوجود) اشارة إلى اقسام القسم الثالث فان الفرد الآخر المحتمل بقاء الكلي فيه (تارة) يحتمل وجوده مقارنا لوجود الفرد المعلوم الارتفاع (وأخرى) مقارنا لزواله، والأخير (تارة) يكون لملاك حادث مقارن لزوال المعلوم (وأخرى) يكون لملاك مقارن لوجود المعلوم، وذلك كما لو علم بارتفاع الوجوب واحتمل وجود الاستحباب مقارنا لارتفاعه إما لملاك ثابت حال وجود الوجوب أو حال ارتفاعه (قوله: لا يقال الامر وان كان) هذا اشكال على التمثيل بالاستحباب لا على منع الاستصحاب في هذا القسم. وحاصل الاشكال: أن الاستحباب بعض مراتب الوجوب فيكون وجوده عين وجوده كما هو الحال في السواد الضعيف والشديد فلا يكون وجود الاستحباب بعد الوجوب إلا بقاء لوجود الجامع بينهما وهو الطلب فيصح استصحابه (قوله: إلا بشدة الطلب بينهما وضعفه) هذا راجع إلى الوجوب والاستحباب وأما الحرمة والكراهة فالتفاوت بينهما بشدة الكراهة وعدمها (قوله: لمساوقة الاتصال) يعني ملازمة الاتصال بحسب الوجود الحاصل بعدم تخلل العدم للوحدة
لا في حدوث وجود آخر (فانه يقال): الأمر وإن كان كذلك إلا أن العرف حيث يرى الايجاب والاستحباب المتبادلين ردين متباينين لا واحد مختلف الوصف في زمانين لم يكن مجال للاستصحاب ______________________________ بحسبه (قوله: وان كان كذلك) يعني أن الاستحباب من مراتب الوجوب حقيقة لكنه مباين له عرفا، والمعيار في جريان الاستصحاب الوحدة العرفية ولو مع التعدد عقلا. ثم ان ما ذكره المصنف (ره) من كون الاستحباب من مراتب الوجوب هو المشهور ظاهرا، ولكنه لا يخلو من تأمل، إذ لازمه كون اجتماع عناوين مستحبة موجبا لوجوب المعنون مع أن بطلانه ضروري. مضافا إلى أن المرتكز في اذهان العقلاء كون جواز الترك في المستحبات وعدم جوازه في الواجبات من جهة الترخيص وعدمه لا لضعف الطلب وتأكده. نعم يبقى الاشكال في امكان الجمع بين طلب الفعل ولو كان ضعيفا والترخيص في الترك، ولعل الوجه فيه أن الطلب مع عدم الترخيص يكون بداعي احداث الداعي العقلي من حيث ترتب الثواب على الموافقة والعقاب على المخالفة معا ومع الترخيص يكون بداعي احداث الداعي العقلي من حيث ترتب الثواب فقط لأن الاذن انما تنافي العقاب لا غير، وأما وجه عدم التنافي بين الارادة الحقيقية والترخيص فهو الذي تقدم في بيان عدم تضاد الأحكام الظاهرية والواقعية. فتأمل جيدا (قوله: لا واحد مختلف الوصف) يعني ليست صفتا الوجوب والاستحباب القائمتان بالطلب من قبيل الأحوال المتبادلة على الموضوع الواحد عرفا بل من قبيل المقومات للموضوع بحيث يتعدد تبادلها فلا مجال للاستصحاب لاعتبار اتحاد الموضوع فيه عرفا (أقول): بعدما عرفت من تباين الوجوب والاستحباب ارتكازا فالظاهر أن منشأ اعتبار الوجوب طلب الشئ مع عدم الاذن في تركه ومنشأ اعتبار الاستحباب طلب الشئ مع الاذن في تركه فإذا علم بارتفاع الوجوب فعلم بجواز الترك وشك في بقاء الطلب لم يكن مانع من استصحاب بقائه فيثبت الاستحباب، نظير ما تقدم من أن الجمع بين أدلة التكاليف وأدلة رفع القلم عن
لما مرت الاشارة إليه ويأتي من أن قضية إطلاق اخبار الباب أن العبرة فيه بما يكون رفع اليد عنه مع الشك بنظر العرف نقضا وان لم يكن بنقض بحسب الدقة ولذا لو انعكس الامر ولم يكن نقض عرفا لم يكن الاستصحاب جاريا وإن كان هناك نقض عقلا، ومما ذكرنا في المقام يظهر أيضا حال الاستصحاب في متعلقات الأحكام في الشبهات الحكمية والموضوعية فلا تغفل ______________________________ الصبي يقتضي الحكم بشرعية عبادة الصبي، وكذا الجمع بين أدلة التكاليف وأدلة نفي الحرج والضرر يقتضي صحة الوضوء الحرجي والضرري. فتأمل جيدا، وقد تقدم في مبحث نسخ الوجوب ماله نفع في المقام فراجع (قوله: ويأتي) يعني في الخاتمة (قوله: وان لم يكن بنقض) كما في مثل استصحاب الكرية بعد نقصه بأخذ مقدار منه وكما في استصحاب النجاسة بعد زوال تغيره من قبل نفسه (قوله: وان كان هناك) كما في مثل استصحاب الحمرة للجسم بعد العلم بارتفاع السواد (قوله: في الشبهات الحكمية) كما إذا شك في أن الواجب في الكفارة مد أو مدان فباعطاء المد يشك في وجوب المد أيضا، ولا يجوز استصحابه لأنه من هذا القسم الثالث (قوله: والموضوعية) كما لو شك في فوات فريضة الصبح مرة أو مرتين فبقضاء الصبح مرة يشك في وجوبها عليه ولا يجوز استصحابه لما ذكر بل يجري فيه وفي أمثاله استصحاب العدم في زمن التعيين بوجود المعلوم إلى ما بعده والله سبحانه أعلم تنبيه هذا كله لو كان الاثر الشرعي للكلي أما لو كان الاثر للفرد فان كان الشك في بقائه للشك في طول عمره وقصره جرى استصحابه بلا كلام، وان كان لتردده بين فردين كما لو كان انسان وكيلا لزيد ولعمرو على الانفاق على عيالهما ثم علم بموت زيد وبحياة عمرو وقد حضره انسان واجب النفقة على أحدهما فتردد بين أن يكون
عيالا لزيد وان يكون عيالا لعمرو، فعلى الأول لا يجب عليه انفاقه عليه لموت معيله، وعلى الثاني يجب لحياة معيله ففي جواز استصحاب حياة معيله، لاثبات وجوب انفاقه عليه اشكال الذي يجري على ألسنة بعض أهل العصر ذلك لاجتماع اركان الاستصحاب فيه من اليقين بالوجود والشك في البقاء كالكلي المردد بين فردين في القسم الثاني. لكن الظاهر المختار لجماعة من مشايخنا المعاصرين هو المنع (والوجه فيه): أنه يعتبر في صحة جريان الاستصحاب تعلق اليقين والشك بنفس موضوع الاثر الشرعي ومثل عنوان المعيل في المثال المذكور ليس كذلك لأنه إن أخذ عنوانا حاكيا عن زيد كان معلوم الوفاة وان أخذ حاكيا عن عمرو كان معلوم الحياة وان أخذ مرددا لم يكن موضوعا للاثر لكون المفروض كون الاثر لمصداق الفرد لا لمفهومه المردد الصالح للانطباق على كل واحد منهما ولو على البدل. وبهذا يظهر الفرق بين الاستصحاب هنا واستصحاب الكلي في القسم الثاني مع تردده بين فردين أيضا فان نفس متعلق اليقين والشك هناك وهو الكلي موضوع للاثر الشرعي وليس كذلك هنا لكون الأثر للشخص لا للكلي، ومن هنا يظهر أيضا أن المنع المذكور لا يختص بالاستصحاب بل يجري في عامة الأصول لاطراد وجه المنع فيها ويترتب على ذلك أن لو صلى مع اشتباه القبلة إلى الجهات الأربع ثم علم بعد تمام الصلاة بفساد واحدة منها بعينها وجب عليه اعادة تلك الصلاة ولا مجال لاجراء قاعدة الفراغ في الصلاه إلى القبلة المرددة بين معلومة الفساد ومعلومة الصحة لأن الصلاة المذكورة من الفرد المردد الذي لا يجري فيه الأصل، ولو علم بفساد واحدة منها مرددة جرت قاعدة الفراغ في كل واحدة منها بعينها، والعلم الاجمالي المذكور لا يمنع لعدم الاثر لمتعلقه لاحتمال كون الفاسدة غير ما وقعت إلى القبلة، إلا ان يكون وجوب الأربع ليس من باب الاحتياط بل من باب الاكتفاء تعبدا من جهة النص فلابد من الاحتياط باعادة الجميع للعلم الاجمالي المذكور فلاحظ. (ثم إنه) قد اشتهر أن الوجه في تحرير مسألة استصحاب الفرد المردد أن
بعض الاعاظم (قدس سره) ورد النجف الأشرف في أيام حياة المصنف (ره) فسأل في بعض مجالسه عن عباءة تنجس جانب منها غير معين وطهر منها جانب معين يحتمل كونه المتنجس فلاقى بدن المصلي كلا من جانبيها المطهر وغير المطهر، زاعما (قدس سره) أن مقتضى استصحاب نجاسة الجانب المتنجس نجاسة البدن الملاقي للعلم بملاقاته له، مع أنه لو فرض ملاقاة البدن للجانب غير المطهر فقط لم يحكم بنجاسته بناء على طهارة الملاقي لاحد أطراف الشبهة المحصورة فكيف يحكم بنجاسة البدن لو لاقى الجانب المطهر بعد ملاقاته للجانب المحتمل للنجاسة مع العلم بأن ملاقاته للجانب المطهر لا تؤثر فيه نجاسة أصلا ؟ فكان المتحصل في الجواب هو طهارة البدن لعدم جريان استصحاب النجاسة لكون موضوعه الفرد المردد. واشتهرت هذه المسألة بمسألة العباءة. ثم إنه كما لا يجوز استصحاب الفرد المردد لا يجوز استصحاب المفهوم المردد كما لو شك في مفهوم الكر أنه ما يساوي ثلاثة وأربعين شبرا تقريبا أو ما يساوي سبعة وعشرين فوجد ماء بالمقدار الأول ثم نقص حتى صار بالمقدار الثاني فلا يصح استصحاب الكرية، وكذا لو شك في أن النهار ينتهي بغياب القرص أو بذهاب الحمرة المشرقية لا مجال لاستصحاب النهار بعد غياب القرص، أو شك في أن العدالة اجتناب الكبائر مطلقا أو مع منافيات المروءة فوجد شخص مجتنبا للجميع ثم ارتكب بعض منافيات المروءة فلا يصح استصحاب العدالة... إلى غير ذلك من الموارد التي يشك فيها في بقاء المفهوم لتردده بين مفهومين يعلم بارتفاع أحدهما وببقاء الآخر فانه لا يجوز الاستصحاب فيها لما ذكر من أن المفهوم المردد ليس موضوعا للاثر والمعين لم تجتمع فيه أركان الاستصحاب والله سبحانه أعلم. ______________
(الرابع) أنه لا فرق في المتيقن بين أن يكون من الامور القارة أو التدريجية غير القارة فان الامور غير القارة وإن كان وجودها ينصرم ولا يتحقق منه جزء إلا بعدما انصرم منه جزء وانعدم إلا أنه ما لم يتخلل في البين العدم بل وان تخلل بما لا يخل بالاتصال عرفا وان انفصل حقيقة كانت باقية مطلقا أو عرفا ______________________________ التنبيه الرابع (قوله: من الامور القارة) القار هو الذي تجتمع أجزاؤه في الوجود في زمان واحد مثل زيد وعمرو مقابل التدريجي وهو ما لا يكون كذلك بل يوجد منه جزء في آن فينعدم ويوجد الجزء الآخر منه في آن آخر... وهكذا حتى تنتهي أجزاؤه. مثل جريان الماء وسيلان الدم ونحوهما (وحاصل) المراد: أنك عرفت أن المستفاد من أدلة الاستصحاب وجوب العمل على البقاء مهما كان الشك في البقاء، ومن المعلوم صدق البقاء حقيقة وعقلا على وجود الأمر التدريجي في الزمان الثاني كصدقه على وجود القار كذلك، مجرد عدم اجتماع الأجزاء في الوجود في زمان واحد في الأول واجتماعها في الثاني لا يوجب الفرق في ذلك. والرجوع إلى موارد الاستعمال مثل قولهم: بقي الجريان والسيلان، يلحق ما ذكر بالضروري (ومنشأ) الاشكال في جريان الاستصحاب ملاحظة الأجزاء في التدريجي كلا مستقلا فيرى أن الجزء الاول منه المعلوم الوجود في الزمان الأول معلوم الارتفاع في الزمان الثاني والجزء الثاني منه مشكوك الحدوث فيرجع إلى أصالة عدمه (ويندفع) بأنه لا وجه لذلك بعد صدق الوجود الواحد على الوجود الممتد تدريجا بحيث يكون أوله حدوثا وما بعده بقاء كما يصدق على الوجود الممتد القار بعينه (قوله: وان كان وجودها) من هذا توجه الاشكال كما عرفت (قوله: إلا انه ما) إشارة إلى دفع الاشكال (قوله: بما لا يخل) كما في مثل الكلام الواحد فانه يصدق عرفا مع تخلل السكوت اليسير (قوله: مطلقا) يعني حقيقة وعرفا وهو راجع إلى صورة عدم تخلل العدم (قوله: أو عرفا)
ويكون رفع اليد عنها مع الشك في استمرارها وانقطاعها نقضا ولا يعتبر في الاستصحاب بحسب تعريفه وأخبار الباب وغيرها من أدلته غير صدق النقض والبقاء كذلك قطعا، هذا مع أن الانصرام والتدرج في الوجود في الحركة في الاين وغيره إنما هو في الحركة القطعية وهي كون الشئ في كل آن في حد أو مكان لا التوسطية وهي كونه بين المبدأ والمنتهى فانه بهذا المعنى يكون قارا مستمرا، فانقدح بذلك أنه لا مجال للاشكال في استصحاب مثل الليل أو النهار وترتيب مالها من الآثار، وكذا كما إذا كان الشك في الامر التدريجي من جهة الشك في انتهاء حركته ووصوله إلى المنتهي أو أنه بعد في البين، ______________________________ راجع إلى قوله: (ره) وان تخلل... الخ (قوله: نقضا) خبر يكون (قوله: والبقاء كذلك) يعني عرفا (قوله: هذا مع أن) يعني أن الحركة على قسمين قطعية وتوسطية (فالاولى) عبارة عن كون الشئ في كل آن في مكان إذا كانت الحركة في المكان كحركة السائر فانه في كل آن يكون في مكان غير ما كان فيه في الآن السابق أو في حد إذا كانت الحركة في غير المكان كحركة الطفل والشجرة في النمو فانهما ما داما في النمو يكون نموهما في كل آن بحد خاص فهو في الآن اللاحق يخلع حدا كان له في الآن السابق ويلبس حدا آخر فهو في كل آن في خلع ولبس ومثله الاشتداد في الكيف (والثانية) عبارة عن كون الشئ بين المبدأ والمنتهى، كالنهار الذي هو عبارة عن كون الشمس بين المشرق والمغرب، والليل الذي هو عبارة عن كونها بين المغرب والمشرق. والتدرج والتصرم إنما هو في القسم الأول لا الثاني فانه من القار، ولذا يقال: النهار يوجد عند طلوع الشمس وينعدم بغروبها. هذا وحيث أن الفرق بين القسمين انما هو بمحض الاعتبار وملاحظة مجموع ما بين المبدأ والمنتهى وعدمه فالعمدة ما تقدم (قوله: واما إذا كان من جهة الشك) الشك في مثل جريان الماء (تارة) يكون للشك في طروء ما يمنع عن جريانه أو قوة استعداده للجريان
وأما إذا كان من جهة الشك في كميته ومقداره كما في نبع الماء وجريانه وخروج الدم وسيلانه فيما كان سبب الشك في الجريان والسيلان الشك في أنه بقي في المنبع والرحم فعلا شئ من الماء والدم غير ما سال وجرى منهما فربما يشكل في استصحابهما حينئذ فان الشك ليس في بقاء جريان شخص ما كان جاريا بل في حدوث جريان جزء آخر شك في جريانه من جهة الشك في حدوثه ولكنه يتخيل بانه لا يختل به ما هو الملاك في الاستصحاب بحسب تعريفه ودليله حسبما عرفت. ثم إنه لا يخفى أن استصحاب بقاء الامر التدريجي إما يكون من قبيل استصحاب الشخصي أو من قبيل استصحاب الكلي بقسامه فإذا شك في أن السورة المعلومة التي شرع فيها تمت أو بقي شي منها ______________________________ مع العلم بكمية الماء ومقداره (وأخرى) يكون للشك في كميته ومقداره (وثالثة) يكون للشك في تولد زائد على المقدار المعلوم في المنبع (أما الاول) فلا مانع من استصحابه مطلقا أو فيما كان الشك في الرافع على الخلاف (وأما الثاني) فالظاهر أنه كذلك وليس من قبيل القسم الثاني من استصحاب الكلي لأن الاختلاف في الحكم لا يوجب تعدد الوجود حتى يكون الشك فيه شكا في الوجود وفاقا لشيخنا الاعظم (قدس سره) (وأما الثالث) فقد يتوهم أنه من قبيل القسم الثالث من استصحاب الكلي لأن الماء الحادث غير الماء الذي كان موجودا (وفيه) ان تعدد الماء لا يلازم تعدد الجريان عرفا، وكون الجريان عرضا قائما بالماء تابعا له في الوحدة والتعدد ممنوع، لأن اتصال الجريان عرفا وعدم تخلل العدم بين ابعاضه موجب لصدق الوحدة ولا سيما مع كون حدوث الماء الجديد بنحو تزايد الماء الاول الموجب لعده معه ماء واحدا (قوله: من جهة الشك في كميته) الظاهر أنه يريد الصورة الثانية وان كان ذيل العبارة قد لا يساعده. فتأمل (قوله: في استصحابهما) يعني الجريان والسيلان (قوله: في حدوث جريان) قد عرفت انه مع اتصال الجريان يصدق البقاء لا الحدوث (قوله: ولكنه يتخيل) يعني
صح فيه استصحاب الشخص والكلي، وإذا شك فيه من جهة ترددها بين القصيرة والطويلة كان من القسم الثاني وإذا شك في أنه شرع في أخرى مع القطع بانه قد تمت الاولى كان من القسم الثالث كما لا يخفى، هذا في الزمان ونحوه من سائر التدريجيات وأما الفعل المقيد بالزمان (فتارة) يكون الشك في حكمه من جهة الشك في بقاء قيده (وطورا) مع القطع بانقطاعه وانتفائه من جهة أخرى كما إذا احتمل ______________________________ أن هذا خيال لا يطابق الواقع لكن عرفت انه لا باس به (قوله: صح فيه استصحاب) سواء كان منشأ الشك الشك في كونها طويلة أو قصيرة ام الشك في عروض المانع من الاتمام (قوله: من القسم الثالث) قد عرفت أن كونه منه موقوف على انقطاع القراءة عرفا والشك في حدوث غيرها فلا يكون الشك في البقاء، أما لو لم يكن كذلك لصدق اتصال القراءة عرفا فهو من القسم الاول، والا كان تعدد الآيات موجبا لتعدد القراءة، وهو كما ترى، ومثله ما لو شرع في أكل طعام أمامه وشك في بقاء الاكل لاحتمال شروعه في اكل طعام آخر فانه يجري استصحاب القراءة والاكل ولا سيما وكون القراءة والاكل قائمين بالقارئ والآكل فلا يتعدد ان بمجرد تعدد المقروء والمأكول. فلاحظ (قوله: واما الفعل المقيد) كصوم رمضان وافطار يوم العيد (قوله: فتارة يكون الشك) الشك في ثبوت حكم المقيد بالزمان كوجوب صوم رمضان (تارة) يكون للشك في نفس الزمان سواء كانت الشبهة موضوعية كما لو شك في هلال شوال ام حكمية كما لو شك بانتهاء النهار بغياب القرص (وأخرى) يكون للشك في ثبوت نفسه مع العلم بانتهاء الزمان الذي اخذ قيدا لموضوعه كما إذا وجب الجلوس في المسجد في النهار فانقضى النهار فشك في بقاء وجوب الجلوس في الليل، لاحتمال كون زمان الليل موجبا لمصلحة فيه ملزمة، أو كون الجلوس مطلوبا في النهار بنحو تعدد المطلوب بأن يكون في ذاته مصلحة ملزمة وبخصوصية كونه في النهار مصلحة أخرى غير المصلحة القائمة به بذاته (فان كان) الشك على النحو الاول جاز الرجوع إلى
أن يكون التعبد به إنما هو بلحاظ تمام المطلوب لا أصله فان كان من جهة الشك في بقاء القيد فلا بأس باستصحاب قيده من الزمان كالنهار الذي قيد به الصوم مثلا فيترتب عليه وجوب الامساك وعدم جواز الافطار ما لم يقطع بزواله كما لا بأس باستصحاب نفس المقيد فيقال: إن الامساك كان قبل هذا الآن في النهار والآن كما كان فيجب (فتأمل) وان كان من الجهة الاخرى فلا مجال الا لاستصحاب الحكم ______________________________ استصحاب نفس الزمان المأخوذ قيدا فيثبت به المقيد ويترتب عليه حكمه كما جاز استصحاب التقييد لذات المقيد فيقال: كان الامساك في النهار فهو على ما كان فيجب. هذا ولكن اجراء الاستصحاب في القيد يتوقف على لحاظ وجوده بنحو مفاد كان التامة بأن يكون الواجب الامساك المتقارن لوجود رمضان نظير تقييد الصلاة الواجبة بالطهارة أما إذا كان ملحوظا بنحو مفاد كان الناقصة بأن كان الواجب الامساك في زمان هو رمضان فاستصحاب بقاء رمضان لا يثبت كون الزمان الواقع فيه الامساك هو رمضان الابناء على الاصل المثبت، وكذا اجراء الاستصحاب في المقيد فانه يتوقف على كون الحكم ثابتا لوجود المقيد بالزمان الملحوظ بنحو مفاد كان التامة كما إذا قيل، ان كان الامساك في رمضان فهو واجب. فان استصحاب كون الامساك في رمضان يوجب كونه واجبا، أما إذا كان بنحو مفاد كان الناقصة كما إذا قيل: الامساك في زمان هو رمضان واجب: فلا مجال للاستصحاب لعدم اليقين بالحالة السابقة إذا لم يعلم أن الامساك في هذا الزمان امساك في زمان هو رمضان كما لعله ظاهر بالتأمل. فتأمل. ولعله إلى هذا اشار بقوله: فتأمل (قوله: ان يكون التعبد به) الظاهر أن أصل العبارة: ان يكون التقييد به... الخ، يعني احتمل ان يكون الزمان قيدا لتمام المطلوب يعني المطلوب التام لا تقييدا لأصله يعني للمطلوب في الجملة بان يكون الفعل في خارج الوقت مطلوبا ايضا لكنه بعض المطلوب (قوله: من الزمان) بيان لقيده (قوله: فيترتب عليه) نظير استصحاب عدالة الشاهد ليترتب عليه وجوب قبول شهادته (قوله: نفس المقيد) الظاهر أن أصل العبارة نفس التقييد (قوله: وإن كان من الجهة)
في خصوص ما لم يؤخذ الزمان فيه إلا ظرفا لثبوته لا قيدا مقوما لموضوعه والا فلا مجال إلا لاستصحاب عدمه فيما بعد ذاك الزمان فانه غير ما علم ثبوته له فيكون الشك في ثبوته له أيضا شكا في أصل ثبوته بعد القطع بعدمه لا في بقائه (لا يقال): إن الزمان لا محالة يكون من قيود الموضوع وإن أخذ ظرفا لثبوت الحكم في دليله ضرورة دخل مثل الزمان فيما هو المناط لثبوته فلا مجال الا لاستصحاب عدمه (فانه يقال): نعم لو كانت العبرة في تعيين الموضوع بالدقة ونظر العقل وأما إذا كانت العبرة بنظر العرف فلا شبهة في أن الفعل بهذا النظر موضوع واحد في الزمانين قطع بثبوت الحكم له في الزمان الاول وشك في بقاء هذا الحكم له وارتفاعه في الزمان الثاني فلا يكون ______________________________ يعني وإن كان الشك في الحكم من حيث تحقق المصلحة المقتضية له حتى مع العلم بانقضاء الزمان (قوله: في خصوص ما لم يؤخذ) يعني ينظر في دليل الحكم فان كان قد أخذ الزمان فيه قيدا لموضوعه امتنع جريان الاستصحاب فيه لاثباته لذات الموضوع في غير ذلك الزمان لأن ذات الموضوع مع عدم القيد مباينة للموضوع المقيد فاثبات الحكم حينئذ لا يكون ابقاء الثبوته للمقيد بل احداثا له في موضوع آخر، ولازم ذلك امتناع الاستصحاب ايضا لو اخذ قيدا للمحمول لعين الوجه المتقدم. وان اخذ الزمان قيدا للنسبة جاز الاستصحاب لاتحاد الموضوع والمحمول الموجب لكون الشك فيه شكا في البقاء الذي هو تمام موضوع الاستصحاب (وفيه) أن قيد الزمان كسائر القيود التي تؤخذ في موضوعات الاحكام لا يوجب انتفاؤه تعدد الموضوع عرفا. ألا ترى أن وصف التغير للماء المحكوم بنجاسته لا يقدح في استصحابها بعد زوال التغير مع ما بين التغير والنجاسة من المناسبات الارتكازية عند العرف فكيف لا يكون قيد الزمان كذلك (قوله: فانه غير ما علم) يعني أن الحكم المثبت بالاستصحاب غير الحكم الاول المعلوم لتعدد موضوعيهما. ثم إنه لا يخفى أن جعل ما أخذ الزمان فيه ظرفا لثبوت الحكم من أقسام المقيد بالزمان لا يخلو من مسامحة (قوله: من قيود الموضوع) هذا
مجال الا لاستصحاب ثبوته (لا يقال): فاستصحاب كل واحد من الثبوت والعدم يجري لثبوت كلا النظرين ويقع التعارض بين الاستصحابين كما قيل (فانه يقال): إنما يكون ذلك لو كان في الدليل ما بمفهومه يعم النظرين، والا فلا يكاد يصح الا إذا سيق باحدهما لعدم إمكان الجمع بينهما لكمال المنافاة بينهما ولا يكون في اخبار الباب ما بمفهومه يعمهما فلا يكون هناك الا استصحاب واحد وهو استصحاب الثبوت فيما إذا أخذ الزمان ظرفا واستصحاب العدم فيما إذا أخذ قيدا، لما عرفت من أن العبرة في هذا الباب بالنظر العرفي ولا شبهة في أن الفعل فيما بعد ذاك الوقت مع قبله متحد في الاول ومتعدد في الثاني بحسبه، ضرورة ان الفعل المقيد بزمان خاص غير الفعل في زمان آخر ______________________________ مبني على إرجاع جميع القيود المشتملة عليها القضية إلى الموضوع وقد عرفت أنه غير ظاهر الوجه وانه موجب للمنع من جريان الاستصحاب في عامة الاحكام (قوله: كلا النظرين) يعني نظر العرف ونظر العقل (قوله: كما قيل) القائل الفاضل النراقي (ره) في المناهج حيث قال - فيما لو علم وجوب الجلوس يوم الجمعة إلى الزوال وشك فيه فيما بعد الزوال -: يجوز استصحاب الوجوب إلى ما بعد الزوال كما يجوز استصحاب عدمه الثابت قبل التكليف بالجلوس، لكن ظاهر محكي كلامه عدم اختصاص ما ذكره بما إذا كان الزمان قيدا بل لعل ظاهره اختصاصه بما إذا كان ظرفا فراجع (قوله: لعدم امكان الجمع بينهما) لأن في الجمع بينهما تناقضا في المدلول حيث انه بملاحظة احدهما يكون رفع اليد عملا عن حكم المقيد نقضا وبملاحظة الآخر لا يكون نقضا، والاول يستتبع الحرمة والثاني يستتبع عدمها وهما نقيضان ولا يعقل حكاية الدليل عنهما معا لامتناع اجتماعهما (قوله: ولا يكون في) ولو كان وجب رفع اليد عن ظاهره لامتناع الاخذ به (قوله: مع قبله) الظاهر أن اصل العبارة مع ما قبله والمراد من الاول اخذه ظرفا ومن الثاني اخذه قيدا والضمير في (بحسبه) راجع إلى نظر العرف
ولو بالنظر المسامحي العرفي (نعم) لا يبعد أن يكون ______________________________ (قوله: ولو بالنظر المسامحي) قد عرفت انه في نهاية المنع (قوله: نعم لا يبعد ان يكون) يعني إذا احتمل ان يكون ثبوت الحكم للمقيد بالزمان بنحو تعدد المطلوب بان يكون فيه مصلحتان احداهما قائمة بذات المقيد والاخرى قائمة بنفس التقييد بالزمان فيكون ثبوت الحكم في الزمان الثاني ناشئا عن مصلحة قائمة بذات المقيد مطلقا حتى مع عدم القيد فيكون بذلك من مراتب الحكم الاول فلا يبعد الاتحاد في نظر العرف بين الحكمين ويكون الشك فيه شكا في البقاء فيستصحب (أقول): لا يخلو الحال من ان يعلم كون الزمان قيدا للموضوع بلحاظ تمام مراتب الحكم الثابت له، أو يعلم كونه قيدا لبعضها دون بعض، أو يعلم كونه قيدا لبعضها ويحتمل كونه قيدا لبعضها الآخر (فالاول) ليس من تعدد المطلوب في شئ، وعليه يكون احتمال وجود الحكم للموضوع فيما بعد ذلك الزمان مستندا إلى احتمال حدوث مصلحة فيه من جهة الزمان اللاحق أو غيره ولا يجوز استصحابه به عند المصنف (ره) وعرفت انه لا مانع عنه (وعلى الثاني) لابد من الحكم بثبوت الحكم في الزمان الثاني بلا حاجة إلى الاستصحاب (وعلى الثالث) فلازم ما ذكر المصنف (ره) من أن التقييد موجب لتعدد الموضوع عدم جواز الاستصحاب فان احتمال تقييد الموضوع بلحاظ بعض المراتب الاخر وان كان مساوقا لاحتمال ارتفاع الحكم بانتهاء الوقت، كما ان احتمال عدم تقييده بلحاظها مساوق لاحتمال بقائه فيكون محتمل البقاء والارتفاع إلا أن احتمال التقييد على النحو المذكور يوجب الشك في صدق النقض للشك في وحدة الموضوع وتعدده فلا يجوز التمسك بعموم حرمة النقض إذ الشك في عنوان العام مانع عن صحة التمسك به. فلاحظ وتأمل، وحيث عرفت أن التحقيق جواز اجراء الاستصحاب حتى مع العلم بالتقييد فالجواز هنا اولى والله سبحانه اعلم
بحسبه ايضا متحدا فيما إذا كان الشك في بقاء حكمه من جهة الشك في انه بنحو التعدد المطلوبي وان حكمه بتلك المرتبة التي كان مع ذاك الوقت وان لم يكن باقيا بعده قطعا الا انه يحتمل بقاؤه بما دون تلك المرتبة من مراتبه فيستصحب فتأمل جيدا (إزاحة وهم) لا يخفى أن الطهارة الحدثية والخبثية وما يقابلها يكون مما إذا وجدت باسبابها لا يكاد يشك في بقائها إلا من قبل الشك في الرافع لها لا من قبل الشك في مقدار تأثير أسبابها ضرورة أنها إذا وجدت بها كانت تبقى ما لم يحدث رافع لها كانت من الامور الخارجية أو الامور الاعتبارية التى كانت لها آثار شرعية فلا أصل لأصالة عدم جعل الوضوء سببا للطهارة بعد المذي وأصالة عدم جعل الملاقاة سببا للنجاسة بعد الغسل مرة - كما حكي عن بعض الافاضل - ولا يكون ههنا أصل إلا أصالة الطهارة أو النجاسة (الخامس) انه كما لا إشكال فيما إذا كان المتيقن حكما فعليا لا ينبغي الاشكال فيما إذا كان مشروطا ______________________________ (قوله: بحسبه) يعني بحسب نظر العرف (قوله: أو الامور الاعتبارية) يعني المجعولة اما لو كانت منتزعة من وجود اسبابها الخاصة فيمكن أن يكون الشك فيها من الشك في المقتضي بأن يشك في كون الوضوء منشأ للطهارة مطلقا أو بشرط عدم خروج المذي وكون ملاقاة النجاسة منشأ لانتزاع النجاسة للملاقي بشرط عدم الغسل ولو مرة، لكن مع ذلك لا مانع من استصحابها بناء على جريانها في الشك في المقتضي (قوله: بعض الافاضل) هو الفاضل النراقي التنبيه الخامس (قوله: لا ينبغي الاشكال فيما) هذا شروع في بيان جواز استصحاب الاحكام المشروطة سواء كانت تكليفية كما إذا قيل: يحرم العنب إذا غلى فيشك في حرمة الزبيب إذا غلى ام وضعية كما إذا قيل: ينجس العنب إذا غلى فيشك في نجاسة
معلقا فلو شك في مورد لاجل طروء بعض الحالات عليه في بقاء أحكامه فكما صح استصحاب أحكامه المطلقة استصحاب أحكامه المعلقة لعدم الاختلال بذلك فيما اعتبر في قوام الاستصحاب من اليقين ثبوتا والشك بقاء (وتوهم) أنه لا وجود للمعلق قبل وجود ما علق عليه فاختل أحد ركنيه (فاسد) فان المعلق قبله إنما لا يكون موجودا فعلا لا أنه لا يكون موجودا أصلا ولو بنحو التعليق، كيف والمفروض أنه مورد فعلا للخطاب بالتحريم مثلا أو الايجاب فكان على يقين منه قبل طروء الحالة فيشك فيه بعده ولا يعتبر في الاستصحاب إلا الشك في بقاء شئ على يقين من ثبوته ______________________________ الزبيب إذا غلى وحاصل الوجه في الجواز: ان الاحكام المشروطة كالاحكام المطلقة مجعولات شرعية يشملها دليل الاستصحاب عند الشك في بقائها وحيث انه لا مخصص له يجب الاخذ به (قوله: معلقا) بيان لقوله مشروطا (قوله: طروء بعض الحالات) مثل صيرورة العنب زبيبا في المثال المتقدم (قوله: في بقاء) متعلق بقوله شك (قوله: موجودا اصلا ولو بنحو) لا يخفى ان الوجود المعلق وجود تقديري اي وجود في ظرف وجود المعلق عليه فقبله لا وجود للمعلق، وكونه موردا للخطاب لا اثر له بعد أن كان مجعولا على تقدير غير حاصل. هذا بناء على كون الوجوب المشروط ونحوه مشروطا بوجود الشرط خارجا بحيث لا وجود له الا في ظرف وجود الشرط خارجا كما يراه المصنف (ره) وتقدم في الواجب المشروط اما إذ كان مشروطا بالوجود الذهني الحاكي عن الخارجي - كما هو الظاهر - تم ما ذكر إذا الوجوب المشروط مثلا على هذا موجود قبل تحقق الشرط لكنه بوجود منوط لا مطلقا غير منوط، فاستصحابه لا باس به لاجتماع اركان الاستصحاب فيه من اليقين بالثبوت والشك في البقاء فينبغي بناء صحة الاستصحاب وعدمها على ذلك، وحيث ان صحة الاستصحاب ارتكازية في امثال هذه الاحكام ولا سيما إذا كان الشك فيها من جهة الشك في النسخ لابد ان يستكشف صحة مبناها اعني كونه منوطا بالوجود
واختلاف نحو ثبوته لا يكاد يوجب تفاوتا في ذلك، وبالجملة يكون الاستصحاب متمما لدلالة الدليل على الحكم فيما أهمل أو أجمل كان الحكم مطلقا أو معلقا فببركته يعم الحكم للحالة الطارية اللاحقة كالحالة السابقة، فيحكم مثلا بان العصير الزبيبي يكون على ما كان عليه سابقا في حال عنبيته من أحكامه المطلقة والمعلقة لو شك فيها فكما يحكم ببقاء ملكيته يحكم بحرمته على تقدير غليانه (إن قلت): نعم ولكنه لا مجال لاستصحاب المعلق لمعارضته باستصحاب ضده المطلق فيعارض استصحاب الحرمة المعلقة للعصير باستصحاب حليته المطلقة (قلت): لا يكاد يضر استصحابه ______________________________ الذهني. هذا مضافا إلى أن الظاهر أنه لا فرق بين إناطة الحكم بالشرط باصطلاح النحاة مثل: إذا غلى ينجس، وإذا استطعت يجب عليك الحج، وبين اناطته بالموضوع مثل العنب الغالي ينجس والمستطيع يجب عليه الحج، وكما انه لا ريب في صحة استصحاب الحكم المنوط بالموضوع ينبغي ان لا يستراب في صحة استصحاب الحكم المنوط بشرطه فيكشف ذلك عن ان الاناطة في المقامين انما هي بالوجود اللحاظي والا لم يكن وجه للاستصحاب فيهما معا (قوله: واختلاف نحو ثبوته) قد عرفت ان الوجود المعلق على الامر الخارجي ليس نحوا من الثبوت قبل وجود المعلق عليه وانما يكون نحوا من الثبوت في ظرف وجود المعلق عليه خارجا (قوله: متمما لدلالة) لا اشكال في ذلك وانما الاشكال في اجتماع اركانه ليكون متمما ولا تجتمع اركانه الا مع ثبوت المستصحب حقيقة ولو منوطا (قوله: حليته المطلقة) اي غير المشروطة وهي الثابتة له قبل الغليان حيث يشك في ارتفاعها بالغليان فيلزم استصحابها (قوله: قلت لا يكاد يضر استصحابه) يعني استصحاب الحلية (توضيح) المراد: ان العنب قبل أن يصير زبيبا كان له حرمة معلقة على الغليان ويلازم ثبوت هذه الحرمة المعلقة ثبوت حلية مغياة بالغليان لتضاد الحكمين الموجب لتلازم اناطة احدهما بشئ واناطة الآخر بنقيضه فإذا كانت للعنب حرمة منوطة بالغليان كانت له حلية منوطة بعدمه فإذا صار العنب
زبيبا وشك في بقاء الحرمة المنوطة بالغليان شك ايضا في بقاء الحلية المنوطة بعدم الغليان اعني المغياة بالغليان، وكما انه يصح استصحاب الحرمة المذكورة يصح استصحاب الحلية المذكورة ولا تعارض بين الاستصحابين لعدم العلم بمخالفة احدهما للواقع بل يجوز مطابقتهما معا للواقع وكيف يكون بينهما تعارض مع تلازم مؤداهما (فان قلت): لا ريب في تضاد الحلية والحرمة وسائر الاحكام التكليفية كما سبق فكيف لا يكون استصحاب احداهما معارضا لاستصحاب الاخرى (قلت): التضاد إنما يكون بين الحل والحرمة المطلقين أو المشروطين بامر واحد وجودي أو عدمي واما الحل المشروط بامر وجودي والحرمة المشروطة بنقيضه أو العكس كما في المقام فلا تضاد بينهما، ولذا ترى العنب دائما تثبت له حلية منوطة بعدم الغليان وحرمة منوطة بالغليان بلا تناف بينهما فلا تعارض بين استصحابيهما (هذا) ولكن يمكن ارجاع السؤال بنحو لا يتوجه الجواب عنه بما ذكر بأن يقال: لا ريب في ان الزبيب قبل الغليان حلال فعلا فإذا شككنا في ارتفاع حليته بالغليان فالمرجع استصحاب تلك الحلية الفعلية كما لو شككنا في ارتفاع حليته بمواجهة الشمس أو بالحرارة أو نحوها من محتمل الرافعية، ومن المعلوم ان هذه الحلية بعد الغليان مضادة للحرمة على تقدير الغليان فيتعارض استصحابها مع استصحاب الحرمة المعلقة بل ومع استصحاب الحلية المغياة بالغليان عرضا (ويمكن) في الجواب ان يقال: الشك في ارتفاع الحلية بالغليان وبقائها ناشئ من الشك في بقاء الغليان على ما هو عليه من الخصوصية المقتضية للحرمة الرافعة للحلية وعدمه والاصل بقاؤه على ما كان فيترتب عليه اثره وهو ارتفاع الحلية وثبوت الحرمة كما اشرنا إلى ذلك في ذيل البحث عن الاحكام الوضعية، وليست الخصوصية المذكورة الا كسائر الخصوصيات المأخوذة قيدا في موضوع الاحكام ولا استصحابها الا كاستصحابها فكما أنه لو قيل: إذا كان الامام عادلا يجب الائتمام به وقبول شهادته، وان كان فاسقا لا يجوز الائتمام به ولا قبول شهادته، فشك في بقاء الامام على عدالته أو فسقه يجوز استصحاب كونه على ما هو عليه من العدالة أو الفسق وترتيب احكامهما
على نحو كان قبل عروض الحالة التي شك في بقاء حكم المعلق بعده ______________________________ كذلك المقام فيستصحب كون الغليان على ما هو عليه من الخصوصية المنوط بها الحرمة وبعدمها الحل ويترتب عليها احكامها، وإذا جرى الاصل في ذلك كان حاكما على استصحاب الحل لكونه جاريا في السبب. (ومما) يوضح ما ذكرنا أنه لو شك في نسخ الحكم التعليقي للعنب فلا ريب في وجوب العمل على الحرمة المعلقة على الغليان ولا مجال لاستصحاب الحل الثابت قبله، ولا فرق بينه وبين المقام ولا وجه له ظاهر غير ما ذكرنا (ولعل) هذا هو مراد شيخنا الاعظم (قدس سره) في الجواب عن السؤال المذكور بحكومة استصحاب الحرمة على تقدير الغليان على استصحاب الحل قبله لا ما هو ظاهره (والا ففيه) أن ارتفاع الحل ليس من آثار ثبوت الحرمة على تقدير الغليان حتى يكون استصحابها حاكما على استصحابه بل هما في مرتبة واحدة معلولان للغليان بما له من الخصوصية فاستصحاب كون الغليان على ما هو عليه حاكم على استصحابهما معا. ومنه يظهر أنه لا مجال لاستصحاب الحكم التعليقي بل هو يثبت باستصحاب موضوعه. (هذا ولكن) يشكل ما ذكر بما سيأتي في الاصل المثبت من أن الخصوصيات التي يجري الاصل لاثباتها هي الخصوصيات التي تؤخذ في القضية التشريعية التى يطابقها الدليل لا الخصوصيات التي تؤخذ في القضية اللبية، فخصوصية الغليان التي تستصحب إن كان المراد بها مثل كونه في حال العنبية ونحوها فاستصحابها من استصحاب المردد بين معلوم البقاء ومعلوم الارتفاع الذي لا يصح، وان كان المراد بها الخصوصية المصححة لاناطة الحكم بحال العنبية مثلا المعبر عنها بالمصلحة ونحوها فتلك مما لم تؤخذ موضوعا للحكم في القضية الشرعية فلا يجري الاصل لاثباتها الا بناء على الاصل المثبت. فتأمل جيدا والله سبحانه أعلم (قوله: على نحو كان) اي على الوصف الذي كان عليه وهو كونه مغيا بالغليان مثلا (قوله: عروض الحالة) مثل حالة الزبيبية (قوله: حكم المعلق) الظاهر ان اصل العبارة الحكم المعلق
ضرورة أنه كان مغيا بعدم ما علق عليه المعلق، وما كان كذلك لا يكاد يضر ثبوته بعده بالقطع فضلا عن الاستصحاب لعدم المضادة بينهما فيكونان بعد عروضهما بالاستصحاب كما كانا معا بالقطع قبل بلا منافاة أصلا، وقضية ذلك انتفاء حكم المطلق بمجرد ثبوت ما علق عليه المعلق فالغليان في المثال كما كان شرطا للحرمة كان غاية للحلية فإذا شك في حرمته المعلقة بعد عروض حالة عليه شك في حليته المغياة لا محالة أيضا فيكون الشك في حليته أو حرمته فعلا بعد عروضها متحدا خارجا مع الشك في بقائه على ما كان عليه من الحلية والحرمة بنحو كانتا عليه فقضيته استصحاب حرمته المعلقة بعد عروضها الملازم لاستصحاب حليته المغياة حرمته فعلا بعد غليانه وانتفاء حليته فانه قضية نحو ثبوتهما كان بدليلهما أو بدليل الاستصحاب كما لا يخفى بأدنى التفات على ذوي الالباب فالتفت ولا تغفل (السادس) لافرق ايضا بين أن يكون المتيقن من أحكام هذه الشريعة أو الشريعة السابقة إذا شك في بقائه ______________________________ على التوصيف وضمير (بعده) راجع إلى عروض الحالة (قوله: ضرورة انه) تعليل لعدم الضرر يعني ان الحل كان مغيا بعدم الغليان المعلق عليه الحكم المعلق وهو التحريم (قوله: فيكونان بعد) يعني فيكون الحل المغيا بالغليان والحرمة المعلقة عليه بعد عروض وصف الزبيبية... الخ (قوله: بالاستصحاب) متعلق ب (يكونان)، وقوله: كما كان. خبر يكونان، وبالقطع متعلق بقوله: كانا، وكذا قوله: قبل، اي قبل عروض الحالة (قوله: وقضية ذلك) يعني ثبوت الحل المغيا والحرمة المعلقة (قوله: لا محالة ايضا) لتلازمهما (قوله: متحدا خارجا مع) وانما الاختلاف بينه وبين الشك في البقاء بملاحظه الحال السابقة في الثاني دون الاول (قوله: فانه قضية نحو) اشارة إلى دفع توهم ______________
وارتفاعه بنسخه في هذه الشريعة لعموم أدلة الاستصحاب ______________________________ أن فعلية الحرمة بعد تحقق الغليان خارجا ليس من اللوازم الشرعية للحلية المغياة والحرمة المعلقة بل من اللوازم العقلية فترتبها يتوقف على القول بالاصل المثبت (وحاصل) الدفع: أن الفعلية المذكورة وإن كانت من اللوازم العقلية إلا أنها لا تختص بالواقع حتى يتوقف إثباتها على الاصل المثبت: بل تلزم ما هو أعم من الواقع والظاهر فتترتب على الحرمة المعلقة سواء كانت ثابتة بالامارة التي يكون المثبت منها حجة أم بالاصل الذي لا يكون كذلك. وسيأتي انشاء الله تعالى في الاصل المثبت الاشارة إلى ذلك فانتظر التنبيه السادس (قوله: وارتفاعه بنسخه) إعلم أن الشك في بقاء حكم الشريعة السابقة (تارة) يكون لمحض الشك في نسخه بحيث لولا احتمال النسخ كان دليله وافيا بثبوته حتى في حق من يوجد بعد حدوث الشريعة اللاحقة بان يكون دالا على ثبوت الحكم لجميع المكلفين في جميع الازمان (وأخرى) للشك في انتهاء أمده لعدم دلالة دليله على تمام حدوده وقيوده وهو على قسمين (الاول) أن يدل دليله على ثبوته لجميع أفراد المكلفين بلا دلالة له على العموم الازماني بل يكون مهملا من حيث الزمان فيكون على نحو القضية الحقيقية المطلقة دالا على ثبوته لجميع الافراد الموجودة فيما بين الشريعتين من الزمان ولجميع الافراد الموجودة بعد الشريعة اللاحقة على تقدير وجودهم قبلها (الثاني) أن يدل بنحو القضية الحقيقية المهملة على ثبوته لجميع الافراد الموجودة فيما بين الشريعتين بلا دلالة له على ثبوته للافراد ______________
الموجودة بعد الشريعة اللاحقة على تقدير وجودهم قبلها (فان كان) الشك على النحو الاول وجب البناء على بقائه لا للاستصحاب بل لاصالة الجهة (وتوضيح) ذلك: ان النسخ على قسمين حقيقي وصوري (فالاول) كأن يعتقد المولى وجود مصلحة في الفعل فيوجبه على المكلف ثم ينكشف له الخطأ فيرفع وجوبه فهو نسخ للحكم بجميع مباديه (والثاني) كأن يحكم على خلاف المصلحة الموجودة في الموضوع لمصلحة في نفس الحكم اقتضت جعله في وقت معين فإذا انقضى الوقت حكم على خلاف الحكم الاول مراعاة للمصلحة الموجودة في الموضوع واقعا ولا بد ان يكون الحكم الثاني قبل حضور وقت العمل فلا تبدل لمبادئ، الحكم بل التبدل لنفس الحكم لا غير، والشك في النسخ بالمعنى الاول - اعني النسخ الحقيقي - لا مرجع فيه إلا الاستصحاب (أما الشك) فيه بالمعنى الثاني الذي هو النسخ الصوري فالمرجع فيه ظهور دليله في كونه حكما حقيقيا ناشئا عن مصلحة فيه. وهذا الظهور هو المعبر عنه في لسان بعضهم باصالة الجهة التي تكون مرجعا في نفي احتمال كون الحكم صادرا عن تقية أو نحوها من الدواعي غير الراجعة إلى مصلحة في نفس الفعل. هذا ومن المعلوم أن النسخ في جميع الشرائع المقدسة لا يكون إلا من الثاني لاستحالة البداء على الشارع الاقدس كما تقدم في مبحث العام والخاص فلا يكون المرجع إلا اصالة الجهة المذكورة (فان قلت): قد لا يكون الحكم مما تضمنه دليل كي يرجع في نفي احتمال نسخه إلى ظهوره بل يكون المثبت له هو العلم (قلت): إذا كان الحكم معلوما على النحو المذكور في القسم الاول الذي هو مفروض الكلام امتنع الشك في نسخه وإلا انقلب العلم جهلا كما لا يخفى (وان كان) الشك فيه على النحو الثاني فليس شكا في النسخ بل شك في أمد الحكم المجعول والمرجع فيه الاستصحاب التعليقي بناء على صحته فيجري بالنسبة إلى كل واحد من الموجودين بعد الشريعة اللاحقة فيقال: هذا المكلف كان بحيث لو وجد لوجب عليه كذا فهو إلى الآن على ما كان فلو وجد الآن لوجب عليه كذا (فان قلت): المعلوم سابقا هو أنه لو وجد قبل الشريعة اللاحقة لوجب عليه كذا لا مطلقا (قلت): هذا
وفساد توهم أختلال اركانه فيما كان المتيقن من أحكام الشريعة السابقة لا محالة، إما لعدم اليقين بثبوتها في حقهم وان علم بثبوتها سابقا في حق آخرين فلا شك في بقائها أيضا بل في ثبوت مثلها كما لا يخفى، وإما لليقين بارتفاعها بنسخ الشريعة السابقة بهذه الشريعة فلا شك في بقائها حينئذ ولو سلم اليقين بثبوتها في حقهم وذلك لان الحكم الثابت في الشريعة السابقة حيث كان ثابتا لافراد المكلف كانت محققة وجودا ______________________________ ينتقض بجميع موارد الاستصحاب التعليقي فان المتيقن من حال الزبيب انه لو غلى حال كونه عنبا نجس لا مطلقا (وحله): ان خصوصية الزمان من الخصوصيات التي لا يتعدد الموضوع بتبدلها (وان كان) الشك على النحو الثالث امتنع الاستصحاب التعليقي لعدم صدق القضية التعليقية في حق من يوجد بعد الشريعة اللاحقة لما عرفت من قصور دليله على اثباتها في حقه ويستشكل في الاستصحاب التنجيزي لتعدد الموضوع عرفا كما سيشير إليه المصنف (ره) (وربما) يدفع بما تقدم في استصحاب التدريجي من صحة استصحاب القراءة والا كل مع تعدد المقروء والمأكول (وفيه) وضوح الفرق فان تعدد المأكول أو المقروء لا يوجب تعدد الأكل والقراءة ولا يخرجان بذلك عن كونهما متصلا واحدا بخلاف تعدد المكلف كتعدد المكلف به فانه يوجب تعدد التكليف. فراجع ما تقدم في ذيل استصحاب الكلي تعرف ان الاستصحاب في المقام من قبيل القسم الثالث (قوله: وفساد توهم) معطوف على عموم (قوله: فيما كان) يعني فيما إذا كان (قوله: لا محالة) قيد للاختلال (قوله: اما لعدم) وجه لتوهم الاختلال وحاصله ما تقدم من تعدد الموضوع (قوله: فلا شك) لان البقاء فرع الحدوث فالشك فيه فرع العلم بالحدوث وهو غير حاصل (قوله: واما لليقين) وجه آخر للتوهم (قوله: بنسخ) متعلق بارتفاعها (قوله: بهذه) متعلق بنسخ (قوله: وذلك لان الحكم) بيان لبطلان الوجه الاول من وجهي
أو مقدرة كما هو قضية القضايا المتعارفة المتداولة وهي قضايا حقيقية لا خصوص الافراد الخارجية كما هو قضية القضايا الخارجية وإلا لما صح الاستصحاب في الاحكام الثابتة في هذه الشريعة ولا النسخ بالنسبة إلى غير الموجود في زمان ثبوتها كان الحكم في الشريعة السابقة ثابتا لعامة أفراد المكلف ممن وجد أو يوجد وكان الشك فيه كالشك في بقاء الحكم الثابت في هذه الشريعة لغير من وجد في زمان ثبوته والشريعة السابقة وان كانت منسوخة بهذه الشريعة يقينا إلا ______________________________ التوهم (قوله: أو مقدرة كما هو) وعليه فالشك في الحكم من النحو الثاني الذي عرفت الرجوع فيه إلى الاستصحاب التقديري ولو كان مراده النحو الاول فالمرجع فيه ظهور الدليل كما عرفت (قوله: وهي قضايا حقيقية) القضية الحقيقية في الاصطلاح ما يكون الحكم فيها على افراد موضوعها الموجودة والمقدرة كما اشار إليه بخلاف القضية الخارجية فان الحكم فيها يختص بالافراد الموجودة حال الحكم (قوله: وإلا لما صح) يعني وان لم تكن القضايا حقيقية بل كانت خارجية امتنع الاستصحاب في احكام هذه الشريعة لتعدد الموضوع فالبناء على الاستصحاب في الشك في نسخ هذه الشريعة يدل على ان قضايا الاحكام حقيقية مطلقا حتى في احكام الشريعة السابقة فتأمل (قوله: بالنسبة) متعلق بالنسخ وبالاستصحاب معا (قوله: كان الحكم في) جواب قوله: حيث كان وقوله: وكان الشك، معطوف عليه (قوله: في زمان) متعلق بوجد (قوله: والشريعة السابقة) بيان لبطلان الوجه الثاني من وجهي التوهم. ______________
أنه لا يوجب اليقين بارتفاع أحكامها بتمامها، ضرورة أن قضية نسخ الشريعة ليس ارتفاعها كذلك بل عدم بقائها بتمامها، والعلم إجمالا بارتفاع بعضها أنما يمنع عن استصحاب ما شك في بقائه منها فيما إذا كان من أطراف ما علم ارتفاعه إجمالا لا فيما إذا لم يكن من أطرافه كما إذا علم بمقداره تفصيلا أو في موارد ليس المشكوك منها وقد علم بارتفاع ما في موارد الاحكام الثابتة في هذه الشريعة (ثم) لا يخفى أنه يمكن إرجاع ما أفاده شيخنا العلامة - اعلى الله في الجنان مقامه - في الذب عن إشكال تغاير الموضوع في هذا الاستصحاب من الوجه الثاني إلى ما ذكرنا لا ما يوهمه ظاهر كلامه ______________________________ وحاصله: أن المراد من كون هذه الشريعة ناسخة لما قبلها أنها ناسخة لبعض أحكام الشريعة السابقة لا جميعها (قوله: والعلم اجمالا) يعني انها إذا كانت ناسخة لبعض الشريعة السابقة فذلك البعض غير معين فيحصل علم اجمالي بالنسخ وهو مانع عن جريان الاستصحاب في كل مشكوك من تلك الاحكام السابقة، لكنه لا يمنع مطلقا بل بشرط أن لا ينحل إلى العلم التفصيلي، وأن يكون مورد الاستصحاب من أطراف العلم، وهذا العلم المذكور لا ريب في انحلاله للعلم التفصيلي بنسخ جميع الاحكام التي ثبت في هذه الشريعة خلافها، ومورد الاستصحاب ليس من موارد العلم التفصيلي فلا مانع عن الاستصحاب فيه (قوله: فيما إذا كان) متعلق بمنع (قوله: كما إذا علم) تمثيل لما لم يكن من أطراف العلم يعني كما إذا علم النسخ بمقدار، يساوي المعلوم بالاجمال (قوله: أو في موارد) معطوف على بمقدار، يعني أو علم النسخ اجمالا في موارد... الخ (قوله: وقد علم) يعني تفصيلا فلا يصلح العلم الاجمالي للمنع عن الاستصحاب (قوله: من الوجه الثاني) بيان لما أفاده وعبارته في الوجه الثاني هكذا: ان المستصحب هو الحكم الكلي الثابت للجماعة على وجه لا مدخل لاشخاصهم فيه غاية الامر احتمال مدخلية بعض اوصافهم المعتبرة في موضوع الحكم، ومثل هذا لو أثر في الاستصحاب لقدح في اكثر الاستصحابات، وحملها على ما ذكر المصنف (ره) غير بعيد
من أن الحكم ثابت للكلي، كما أن الملكية له في مثل باب الزكاة والوقف العام حيث لا مدخل للاشخاص فيها، ضرورة أن التكليف والبعث أو الزجر لا يكاد يتعلق به كذلك بل لابد من تعلقه بالاشخاص وكذلك الثواب أو العقاب المترتب على الطاعة أو المعصية، وكأن غرضه من عدم دخل الأشخاص عدم دخل أشخاص خاصة. فافهم. وأما ما أفاده من الوجه الاول فهو وإن كان وجيها بالنسبة إلى جريان الاستصحاب في حق خصوص المدرك للشريعتين إلا أنه غير مجدد في حق غيره من المعدومين ولا يكاد يتم الحكم فيهم بضرورة اشتراك أهل الشريعة الواحدة أيضا، ضرورة أن قضية الاشتراك ليس إلا أن الاستصحاب حكم كل من كان على يقين فشك لا أنه حكم الكل ولو من لم يكن كذلك بلا شك وهذا واضح ______________________________ (قوله: من ان الحكم ثابت للكلي) علي هذا حملها المصنف (ره) في حاشيته (قوله: عدم دخل اشخاص) يعني عدم دخل خصوص الاشخاص الموجودين بل كان ثابتا للمعدومين ايضا على تقدير وجودهم في زمان الحكم كما هو شأن الاحكام القانونية (قوله: من الوجه الاول) هو ما ذكر بقوله: انا نفرض الشخص الواحد مدركا للشريعتين فإذا حرم في حقه شئ سابقا وشك في بقاء الحرمة في الشريعة اللاحقة فلا مانع من الاستصحاب أصلا (قوله: ضرورة أن قضية) يعني لو سلم الاجماع على اشتراك أهل الشريعة الواحدة في الاحكام الواقعية والظاهرية جميعا فذلك انما هو مع اتحاد الموضوع، فكما أن استصحاب من أدرك الشريعتين يتوقف على كونه متيقنا بثبوت الحكم له شاكا في بقائه له فكذا استصحاب من لم يدرك الشريعتين. نعم لو كان الاستصحاب المثبت حجة كان الاستصحاب الجاري في حق الأول مثبتا له في حق الثاني للاشتراك بينهما في ثبوت الحكم الواقعي لهما.
(السابع) لا شبهة في أن قضية أخبار الباب هو إنشاء حكم مماثل للمستصحب في استصحاب الاحكام ولأحكامه في استصحاب الموضوعات كما لا شبهة في ترتيب ما للحكم المنشأ بالاستصحاب من الآثار الشرعية والعقلية ______________________________ التنبيه السابع (قوله: السابع لا شبهة في أن) هذا التنيه معقود للبحث عن حجبة الاصل المثبت (قوله: في استصحاب الاحكام) مثل ما لو وجب الجلوس في المسجد في ساعة معينة من النهار وشك في وجوب الجلوس بعدها فان مفاد لا تنقض اليقين بالشك وجوب الجلوس أيضا مثل الوجوب السابق المتيقن (قوله: في استصحاب الموضوعات) كما لو علم بعدالة زيد في زمان وشك فيها في زمان بعده فان معنى لا تنقض... الخ جعل مثل أحكام العدالة في حال الشك فيجوز الائتمام به وقبول شهادته، واما جعل أحكام العدالة حقيقة فلا يعقل لأن موضوعها نفس العدالة الواقعية لا العدالة المشكوكة، وكون الحكم الطريقي عين الحكم الواقعي على تقدير المصادفة لا يخلو من تساهل وتسامح، وربما تقدم بيانه في الجمع بين الاحكام الظاهرية والواقعية. فراجع. ولأجل ما ذكرنا كانت دلالة الدليل على الاستصحاب في الموضوعات والأحكام بجامع واحد ظاهرة، حيث أن اطلاق اليقين للموضوعات والاحكام محكم ويكون جعل المتيقن بمعنى جعله تعبدا لا حقيقة، غاية الامر أن جعل الحكم الواقعي تعبدا في حال الشك يترتب عليه العمل عقلا بلا حاجة إلى شئ وجعل الموضوع تعبدا في ظرف الشك إنما يترتب عليه العمل بواسطة جعل حكمه الواقعي تعبدا (قوله: كما لا شبهة في ترتيب) يعني إذا ثبت الحكم الواقعي تعبدا بالاستصحاب الجاري في الحكم أو الموضوع فكل أثر لذلك الحكم يترتب حينئذ سواء كان الاثر شرعيا مترتبا على خصوص الحكم الواقعي أو على الأعم منه ومن الحكم الظاهري أم كان عقليا مترتبا على الأعم من الواقعي والظاهري
وإنما الاشكال في ترتيب الآثار الشرعية المترتبة على المستصحب بواسطة غير شرعية عادية كانت أو عقلية ومنشؤه أن مفاد الأخبار ______________________________ دون ما لو كان مترتبا على خصوص الحكم الواقعي. أما الأول فلثبوت موضوعه تعبدا المقتضي ثبوته كذلك. واما الثاني والثالث فلثبوت الموضوع وجدانا المقتضي لثبوته كذلك. واما الرابع فلعدم احراز موضوعه. ومن هنا يظهر أنه لو كان للمستصحب آثار شرعية طولية ترتبت على استصحابه فالاستصحاب الجاري في الموضوع لما كان بعناية أنه الموضوع الواقعي ترتب عليه أثر الواقعي ظاهرا فيترتب على اثره اثره الواقعي ظاهرا ايضا ويترتب على اثر اثره اثره الواقعي ظاهرا أيضا... وهكذا، فهذه الآثار الطولية تترتب باستصحاب نفس موضوع الاثر الاول فتكون مجعولة بدليل الاستصحاب على الترتيب المطابق لترتبها واقعا وليست مجعولة في عرض واحد - كما ربما يتوهم - لامتناع جعل اللاحق ظاهرا بلا جعل موضوعه السابق وإلا كان حكما في قبال الحكم الواقعي (قوله: المترتبة على المستصحب) الظاهر عموم الاشكال للآثار الشرعية الثابتة لما يلازم المستصحب بل وملزومة أيضا ولا يختص بما كان من آثار المستصحب ولوازمه (قوله: ومنشؤه أن مفاد الاخبار) الضمير راجع إلى الاشكال (وتوضيح) المراد: أن دليل الاستصحاب يحتمل بدوا معاني يختلف مقتضاها من حيث حجية الاصل المثبت وعدمها (الأول) التعبد بالمستصحب بلحاظ أثره بلا واسطة لا غير مثل التعبد بالطهارة المشكوكة بلحاظ جواز مس كتابة القرآن (الثاني) التعبد به بلحاظ أثره ولو بواسطة مثل التعبد بوجود النار بلحاظ اثر احراق حطب الغير ليترتب عليه ضمانه (الثالث) التعبد به وباثره غير الشرعي ليترتب الاثر الشرعي لاثره فيكون معنى: لا تنقض اليقين بوجود النار، هو التعبد بها وبالاحتراق معا فيترتب الاثر الشرعي للاحتراق كما يترتب الاثر الشرعي للنار، فان حمل الدليل على المعنى الأول لم يترتب على المستصحب اثر الواسطة بالاستصحاب لأنه ليس
* هل هو تنزيل المستصحب والتعبد به وحده بلحاظ خصوص ماله من الاثر بلا واسطة، أو تنزيلة بلوازمه العقلية أو العادية كما هو الحال في تنزيل مؤديات الطرق والامارات، أو بلحاظ مطلق ماله من الاثر ولو بالواسطة بناء على صحة التنزيل (١) بلحاظ أثر الواسطة ايضا لاجل أن اثر الاثر أثر وذلك لأن مفادها لو كان هو تنزيل الشئ وحده بلحاظ أثر نفسه لم يترتب عليه ما كان مترتبا عليها لعدم احرازها حقيقة ولا تعبدا ولا يكون تنزيله بلحاظه بخلاف ما لو كان تنزيله بلوازمه أو بلحاظ ما يعم آثارها فانه يترتب باستصحابه ما كان بوساطتها (والتحقيق) ان الاخبار إنما تدل على التعبد بما كان على يقين منه فشك بلحاظ ما لنفسه ______________________________ أثرا للمستصحب فلا يكون التعبد بلحاظه، ولو حمل على الثاني يترتب الاثر المذكور لأنه أثر بالواسطة، وكذا على الثالث لثبوت نفس الواسطة باستصحاب موضوعها فلابد أن يترتب أثرها (قوله: هو تنزيل) إشارة إلى الاحتمال الأول (قوله: أو تنزيله) إشارة إلى الاحتمال الثاني (قوله: أو بلحاظ) إشارة إلى الاحتمال الثالث (قوله: لاجل ان اثر) هذه الكلية جارية على المسامحة كما سيأتي (قوله: وذلك لأن) بيان وتعليل لقوله: ومنشؤه ان... الخ (قوله: عليه) يعني على المستصحب (قوله: عليها) يعني على الواسطة وقوله: لعدم. تعليل لقوله: لم يترتب (قوله: ولا يكون) معطوف على عدم (قوله: تنزيله بلوازمه) كما هو الاحتمال الثالث (قوله: أو بلحاظ) كما هو الاحتمال الثاني (قوله: والتحقيق ان الاخبار) شروع ______________
في تعيين الاحتمال الاول (وتوضيح) ذلك: انه لا مجال للمصير إلى الاحتمال الثاني لما عرفت من أن اليقين في قوله (ع): لا تنقض اليقين، لما كان ملحوظا عبرة إلى نفس المتيقن لم يقتض إلا التعبد به ظاهرا عند الشك في بقائه واما الواسطة العقلية والشرعية وكذا ملازمات المستصحب وملزومه فهي أجنبية عن هذا التعبد فكيف يصح استفادة التعبد بها من الدليل المذكور (فان قلت): لا فرق بين الواسطة غير الشرعية والواسطة الشرعية فكما أن مقتضى التعبد بشئ التعبد باثره الشرعي فليكن مقتضى التعبد به التعبد باثره غير الشرعي (قلت): الفرق هو أن دليل الاستصحاب كسائر أدلة الأحكام الظاهرية والواقعية لما (كان واردا) في مقام احداث الداعي مثلا إلى العمل وكان العمل لا يترتب على نفس الموضوع وانما يترتب على حكمه كان التعبد بالموضوع بقرينة ذلك ظاهرا في التعبد بحكمه، اما اللازم العقلي أو العادي فلما لم يكن دخيلا في العمل بنفسه لم يكن لا تعبد بموضوعه ظاهرا في التعبد به بل كان اللازم المذكور كسائر الامور الخارجية المشكوكة التي تكون أجنبية عن المستصحب بالمرة ليس موضوعا للتعبد أصلا (هذا) وربما يقال بانه لا يعتبر في صحة الاستصحاب كون الاثر المتعبد به عمليا إلا بلحاظ أثره كما في الآثار الشرعية الوضعية حسبما يأتي في التنبيه الثامن، وعليه فلا فرق بين هذه الآثار والآثار العقلية والعادية (وربما) يدفع الاشكال من أصله بان ظاهر الدليل كون التعبد بالموضوع بلحاظ جعل الاثر حقيقة، وبذلك يظهر الفرق بين الآثار الشرعية مطلقا ولو كانت وضعية غير عملية وبين الآثار العقلية والعادية لامتناع جعل الثانية حقيقة لأنها غير شرعية (وفيه) انه قد لا يمكن جعل الاثر حقيقة لخروج موضوعه عن محل الابتلاء كما لو نذر ان يصوم يوم الخميس على تقدير حياة ولده ونذر ان يتصدق بدرهم على تقدير وجوب الصوم عليه يوم الخميس ثم غفل عن ذلك إلى يوم الجمعة فانه لا ريب في انه يصح استصحاب الحياة ليترتب عليه وجوب صوم الخميس ليترتب عليه وجوب الصدقة بدرهم مع انه لا معنى لجعل صوم يوم الخميس بعد انقضائه لخروجه عن محل الابتلاء، فاما أن يلتزم بالمنع عن الاستصحاب في أمثال ذلك وهو كما ترى، أو بكفاية التعبد بالاثر في صحة الاستصحاب فيرجع اشكال الفرق بين
الآثار الشرعية وغيرها لصحة التعبد بالجميع بلحاظ العمل ولو بالواسطة، فلابد في دفع الاشكال من دعوى انصراف دليل الاستصحاب إلى خصوص الموضوعات المذكورة في الكبريات الشرعية بلحاظ مالها من الآثار الشرعية المضافة إليها إضافة خاصة سواء كانت عملية بلا واسطة أم بواسطة كما سيأتي بيان ذلك اجمالا في التنبيه الثامن فانتظر (ولا مجال) ايضا للمصير إلى الاحتمال الثالث فان أثر الواسطة ليس اثرا لنفس المستصحب وإلا كان خلفا بعد ما كانت الواسطة غير المستصحب، وقضية أن اثر الاثر اثر مبنية على العناية والتجوز فثبوت الاثر المذكور يتوقف التعبد به إما على كونه موردا للاستصحاب أو كون موضوعه موردا له ليكون التعبد به من لوازم التعبد بموضوعه ولا يكون التعبد به من لوازم التعبد بغير موضوعه فالتعبد بوجود النار انما يقتضي التعبد بآثارها الشرعية ولا يقتضي التعبد بآثار الاحراق وانما المقتضي لذلك هو التعبد بالاحراق المتوقف على جريان الاستصحاب فيه نفسه (هذا كله) بناء على مذاق المصنف (ره) من كون مفاد دليل الاستصحاب التعبد بنفس المتيقن، أما (بناء) على ما استظهرناه من أن مفاده وجوب ان يعمل الشاك عمله مع اليقين فقد يشكل نفي الاصل المثبت، لأن المراد من عمل اليقين، إن (كان) خصوص العمل المترتب على المتيقن بلا واسطة اختص الدليل بالاحكام إذ اليقين بالموضوع مما لا يترتب عليه عمل الا بلحاظ اليقين بحكمه وهو خلاف مورد النص أعني الطهارة التي هي من الموضوع، وان كان المراد به الاعم مما كان بواسطة عم العمل المترتب على اثر الواسطة مطلقا شرعية كانت ام لابل اعم مما كانت لازما أو ملزوما أو ملازما، ولابد ان يدفع ايضا بما اشرنا إليه من أن منصرف الدليل خصوص الشك في بقاء ما هو ماخوذ في القضايا الشرعية موضوعا أو محمولا أو قيدا لاحدهما دون ما لم يكن كذلك، والمشكوك الذي يكون لازمه موضوعا للاثر الشرعي ليس مأخوذا في القضية الشرعية بل المأخوذ خصوص لازمه فلا وجه لاجراء الاستصحاب فيه وبالجملة: لنا في جميع موارد الاصول المثبتة قضيتان احداهما غير شرعية وهي الحاكية عن نسبة الواسطة إلى موضوعها، واخرى شرعية وهي الحاكية عن نسبة الاثر الشرعي إلى الواسطة، وظاهر ادلة الاصول هو التعرض لهذه القضية الشرعية دون الاولى. مثلا إذا كان احراق مال الغير
من آثاره وأحكامه ولا دلالة لها بوجه على تنزيله بلوازمه التي لا يكون كذلك كما هي محل ثمرة الخلاف ولا على تنزيله بلحاظ ماله مطلقا ولو بالواسطة فان المتيقن إنما هو لحاظ آثار نفسه وأما آثار لوازمه فلا دلالة هناك على لحاظها اصلا وما لم يثبت لحاظها بوجه ايضا لما كان وجه لترتيبها عليه باستصحابه به كما لا يخفى (نعم) لا يبعد ترتيب خصوص ما كان منها محسوبا بنظر العرف من آثار نفسه لخفاء ما بوساطته بدعوى أن مفاد الاخبار عرفا ما يعمه أيضا حقيقة (فافهم) ______________________________ موجبا لضمانه شرعا يتصور قضيتان: احداهما: النار محرقة، وهي غير شرعية، وثانيتهما: الاحراق موجب للضمان، وهي شرعية ودليل الاستصحاب كسائر ادلة الاصول بل جميع ادلة الاحكام الظاهرية حتى ادلة الامارات انما تتعرض لخصوص القضية الشرعية موضوعها أو محمولها لا القضية غير الشرعية، ولا ينافي ذلك كون الامارات المثبتة حجة لأن الامارة انما تدخل تحت دليل الحجية بلحاظ مدلولها الالتزامي لا المطابقي فهي بلحاظ المدلول المطابقي غير مشمولة لدليل الحجية كالاستصحاب الجاري في موضوع الواسطة ذات الاثر الشرعي. فلاحظ وتأمل والله سبحانه اعلم (قوله: من آثاره واحكامه) سواء ترتب العمل عليها بلا واسطة كما في استصحاب الطهارة من الحدث المترتب عليه جواز مس كتابة القرآن ام بواسطة كما في مثال النذر المتقدم (قوله: كذلك) يعني من آثاره واحكامه قوله: ثمرة الخلاف) لان ثمرة الخلاف انما تظهر في الآثار الشرعية الثابتة لاثر غير شرعي للمستصحب واما الآثار الشرعية الثابتة للاثر الشرعي للمستصحب فقد عرفت انها تترتب على كل حال (قوله: ولا على تنزيله) اشارة إلى منع الاحتمال الثاني (قوله: آثار نفسه) اما آثار الواسطة فيتوقف ترتيبها على التعبد بالواسطة الذي هو مفاد الاحتمال الثاني الذي تقدم بطلانه (قوله: نعم لا يبعد ترتيب خصوص) اشارة إلى ما ذكره شيخنا الاعظم (قدس سره) من انه إذا كان الاثر مترتبا على واسطة خفية بنحو يكون خفاؤها موجبا لان يكون الاثر في نظر العرف اثرا للمستحصب فلا يبعد دلالة دليل الاستصحاب على وجوب ترتيب الاثر المذكور حينئذ (وربما) اشكل عليه بانه لا عبرة بخطأ العرف في تطبيق مفاد الدليل
كما لا يبعد ترتيب ما كان بواسطة ما لا يمكن التفكيك عرفا بينه وبين المستصحب تنزيلا كما لا تفكيك بينهما واقعا أو بواسطة ما لأجل وضوح لزومه له أو ملازمته ______________________________ بل العبرة بنظرهم في تشخيص نفس مفاده (واجاب) عنه المصنف (ره) في الحاشية بانه انما يتم لو فرض كون المستفاد من الدليل كون التنزيل بلحاظ الاثر بلا واسطة حقيقة، اما لو كان المستفاد منه كون التنزيل بلحاظ الاثر بلا واسطة عرفا فلا يكون خطأ في التطبيق اصلا بل هو تشخيص للمفهوم من الدليل (ويمكن) أن يخدش بان ما ذكر فرض مجرد فان مفاد الدليل ليس الا تنزيل المشكوك منزلة المتيقن ومن المعلوم أن المصحح للتنزيل المذكور هو جعل احكام المتيقن بلا واسطة فيستكشف من دليل التنزيل ذلك اعني جعل الاحكام ظاهرا اجمالا. اما تشخيص ان هذا من احكام المتيقن أو من احكام غيره فليس مما يرجع فيه إلى العرف لأنه من التطبيق الذي لا يكون من وظائفه، بل قد عرفت أن جعل اثر الواسطة متوقف على جعل الواسطة ولو كانت خفية، ولاجل ما ذكرنا لو اطلع العرف على الخطأ في نسبة الاثر إلى المستصحب لا مجال له في استفادة ترتيبه من دليل الاستصحاب ولعله إلى بعض ما ذكرنا اشار بقوله (فافهم) (قوله: كما لا يبعد ترتيب) هذا اشارة إلى وجوب ترتيب آثار الواسطة غير الشرعية في صورتين اخريين (احداهما) ان تكون الواسطة بنحو لا يمكن التفكيك عرفا بين التعبد بها والتعبد بالمستصحب فماذا دل الدليل على التعبد بالمستصحب دل على التعبد بها بالالتزام فيترتب حينئذ اثرها، ومثل له في الحاشية بالمتضايفات كالابوة والبنوة فان التعبد بابوة زيد لعمرو ملازم عرفا للتعبد ببنوة عمرو لزيد (وثانيتهما) ان تكون الواسطة لوضوح لزومها أو ملازمتها للمستصحب تعد آثارها عرفا اثار اللمستصحب فترتب على ثبوته بالاستصحاب (ويمكن) ان يخدش في الاولى بان ذلك يتم لو كان الدليل دالا على التعبد به بالخصوص كما لو قال: زيد أب لعمرو. اما لو كان التنزيل بلسان العموم كما في المقام فلا دلالة له (وفي الثانية) بما عرفت في صورة خفاء الواسطة، بل لعل وروده هنا اولى إذ وضوح اللزوم مع وضوح الواسطة ليس الا مصححا لادعاء نسبة الآثار إلى المستصحب
معه بمثابة عد أثره اثرا لهما فان عدم ترتيب مثل هذا الأثر عليه يكون نقضا ليقينه بالشك ايضا بحسب ما يفهم من النهي عن نقضه عرفا (فافهم) ثم لا يخفى وضوح الفرق بين الاستصحاب وسائر الأصول التعبدية وبين الطرق والامارات فان الطريق أو الامارة حيث انه كما يحكي عن المؤدى ويشير إليه كذا يحكي عن أطرافه من ملزومه ولوازمه وملازماته ويشير إليها كان مقضتى إطلاق دليل اعتبارها لزوم تصديقها في حكايتها ______________________________ بلا تطبيق حقيقي ولو كان خطئيا فتأمل جيدا (قوله: معه) يعني المستصحب (قوله: فافهم) لعله اشارة إلى بعض ما ذكرنا أو جميعه (قوله: ثم لا يخفى وضوح الفرق) (توضيح) الفرق: أن الحجج الشرعية سواء كانت طرقا إلى الاحكام مثل الخبر ام امارة على الموضوعات مثل البينة لها واقعية في انفسها مع قطع النظر عن دليل الحجية، كما أن لها حكاية عن مدلولها المطابقي والالتزامي ودلالتهما على احدهما كدلالتهما على الآخر، فاطلاق دليل الحجية يقتضي حجيتها في جميع مداليلها المطابقية والالتزامية، فإذا كان المستفاد من دليل الحجية تنزيل مؤداها منزلة الواقع فذلك التنزيل لا يختص بالمدلول المطابقي بل كما يكون له يكون للمدلول الالتزامي ومقتضى ذلك ترتيب آثار كل من المدلول المطابقي والالتزامي بلا فرق بينهما بخلاف الاصول سواء كانت حكمية ام موضوعية فانها ليست الا عبارة عن نفس التنزيل الشرعي مثلا المؤدى بدليله فيختص بموضوعه، ولا وجه للتعدي إلى غيره، مثلا قوله (ع): كل شئ طاهر حتى تعلم انه قذر، ليس مفاده الا تنزيل مشكوك الطهارة منزلة الطاهر فإذا كان لازم كون الشئ الفلاني طاهرا أن يكون الشئ الفلاني نجسا فليس مفاد الدليل كون الشئ الآخر نجسا لما عرفت من انه لا بدل عليه الكلام المذكور بوجه، بخلاف البينة فانها إذا قامت على طهارة شئ وكان لازم طهارته نجاسة شئ آخر فانها تدل على نجاسة الآخر بالالتزام فاطلاق دليل حجيتها يقتضي حجيتها في جميع مداليلها فيترتب جميع الآثار المترتبة على
وقضيته حجية المثبت منها كما لا يخفى، بخلاف مثل دليل الاستصحاب فانه لابد من الاقتصار بما فيه من الدلالة على التعبد بثبوته ولا دلالة له إلاعلى التعبد بثبوت المشكوك بلحاظ أثره حسبما عرفت فلا دلالة له على اعتبار المثبت منه كسائر الاصول التعبدية إلا فيما عد أثر الواسطة أثرا له لخفائها أو شدة وضوحها وجلائها حسبما حققناه ______________________________ طهارة الشئ التي هي مدلول مطابقي لها وعلى نجاسة الآخر التي هي مدلول التزامي (فان قلت): حكاية البينه على المدلول الالتزامي ليست حكاية بالفعل بل بالقوة بل ربما لا تكون بالقوة كما لو كان الشاهدان لا يعتقدان اللزوم فكيف تكون البينة حجة في اللازم (قلت): المراد من البينة الحاكية بالالتزام هو نفس خبر الشاهدين، ومن الواضح أن دلالة الخبر على معناه المطابقي بالمطابقة كدلالته على معناه الالتزامي بالالتزام دلالة فعلية غير متوقفة على اعتقاد المخبر اللزوم فتدخل تحت إطلاق دليل الحجية كل من الدلالتين بلا فرق (نعم) ربما لا يكون للدليل اطلاق يشمل الدلالة الالتزامية مطلقا أو خصوص دلالته على بعض اللوازم معينا فلا تكون دلالته على اللازم حينئذ حجة. (ومنه) يظهر أنه لا ملازمة بين كون الشئ إمارة وكونه حجة على ترتيب آثار لازم مؤداه إذ قد لا يكون لدليل الحجية اطلاق يقتضي ذلك كما في مثل اليد التي هي امارة شرعا على الملكية، وظهور حال الفاعل الناشئ من الغلبة أو غيرها الذي هو امارة شرعا على الصحة فانه لا يثبت بهما جميع اللوازم مع كونهما امارتين (قوله: وقضيته حجية) لا يخلو من تأمل لما عرفت من أن ترتيب اثر اللازم لاجل ثبوت الحجية للدلالة الالتزامية في عرض حجية الدلالة المطابقية لا في طولها حتى يكون من جهة ان المثبت من الامارات حجة وانما يصح على الحقيقة دعوى الاثبات للامارات لو كان ترتيب آثار اللازم لأجل دخول الدلالة المطابقية تحت دليل الحجية فتأمل (قوله: الا فيما) قد عرفت الاشكال فيه
(الثامن) أنه لا تفاوت في الاثر المترتب على المستصحب بين أن يكون مترتبا عليه بلا وساطة شئ أو بوساطة عنوان كلي ينطبق ويحمل عليه بالحمل الشايع ويتحد معه وجودا كان منتزعا ______________________________ التنبيه الثامن (قوله: الثامن انه لا تفاوت في الاثر) تضمن هذا التنبيه الاشارة إلى موارد ربما توهم كون الاصل الجاري فيها مثبتا مع انه ليس كذلك (احدها) الموضوعات الخارجية فقد يتوهم كون الاصل الجاري لاثباتها مثبتا لعدم كون الأثر الشرعي مترتبا عليها وانما يترتب على الطبيعي المنطبق عليها فاثبات اثر الطبيعي باستصحابها عمل بالأصل المثبت (وتوضيح) اندفاع التوهم: ان الطبيعي المجعول موضوعا للاثر اما ان يكون ملحوظا عبرة للافراد واما ان يكون ملحوظا لنفسه، فعلى الأول لا مجال للتوهم المزبور لأن الفرد في الحقيقة هو موضوع الاثر لا الطبيعي، وعلى الثاني فالطبيعي وان كان هو الموضوع للاثر الا ان الطبيعي لما كان منتزعا عن ذات الفرد كان الأثر ثابتا للفرد ايضا بذاته حقيقة فاجراء الاصل فيه اجراء له في موضوع الأثر الشرعي (ثانيها) الاستصحاب الجاري في بعض الموضوعات لترتيب اثر شرعي مترتب على بعض المفاهيم الاعتبارية مثل الغصب والملك وغيرهما مثل استصحاب عدم رضا المالك ببقاء ماله في يد الاجنبي ليترتب عليه ضمانه، مع ان الضمان من آثار الغصب (ويندفع) بأن اثر الغصب انما يثبت حقيقة لنفس المستصحب لأن الغصب ليس له ما بحذاء حتى يكون موضوعا لاثره بل هو منتزع عن نفس وضع اليد على مال الغير بدون رضاه، فعدم الرضا موضوع لحرمة الوضع وسبيته للضمان، فلا مانع من استصحابه لترتيب اثره، ولو نذر الصدقة بدرهم على تقدير حياة ولده فان كان مفاد النذر تمليك الله سبحانه نفس الصدقة بالدرهم كما هو الظاهر من اللام في قول الناذر: لله علي ان اتصدق كان، تملك
عن مرتبة ذاته أو بملاحظة بعض عوارضه مما هو خارج المحمول لا بالضميمة فان الاثر في الصورتين إنما يكون له حقيقة حيث لا يكون بحذاء ذلك الكلي في الخارج سواه لا لغيره مما كان مبائنا معه أو من اعراضه مما كان محمولا عليه بالضميمة ______________________________ الله سبحانه للصدقة من آثار الحياة فاستصحابها استصحاب لذي أثر فيترتب عليه التملك: ولازمه وجوب الصدقة. ان كان مفاد النذر مجرد الالتزام له سبحانه على تقدير الحياة فالوفاء بهذا النذر منتزع عن الصدقة بالدرهم في ظرف الحياة، فوجوب الوفاء حقيقة وجوب للصدقة على تقدير الحياة فالاستصحاب الجاري لاثبات الحياة جار في موضوع الاثر الشرعي كالاستصحاب الجاري في العدالة لاثبات جواز الائتمام أو قبول الشهادة أو غير ذلك. نعم لو كان الوفاء بالنذر أمرا حقيقيا لا يتحد مع الصدقة على تقدير الحياة لم ينفع في ترتيب آثاره استصحاب الحياة (قوله: عن مرتبة ذاته) كما في الطبيعي وافراده (قوله: أو بملاحظة) كما في الامور الاعتبارية (قوله: بعض عوارضه) الضمير راجع إلى المستصحب والمراد ببعض العوارض الخصوصيات الخارجية المصححة للانتزاع مثل عدم رضا المالك المصحح لاعتبار الغصب فان عنوان الغصب منطبق على وضع اليد على مال الغير والمصحح لاعتباره عدم رضا المالك، ومثل عنوان الوفاء المنطبق على نفس الصدقة بالدرهم فان المصحح لاعتباره حياة الولد إذ في حال موت الولد لا تكون الصدقة بالدرهم وفاء بالنذر المعلق. لأن الوفاء بالنذر العمل بمقتضاه ومع موت الولد المعلق على عدمه النذر لا يكون له اقتضاء شئ اصلا (قوله: مما هو خارج) بيان للفمهوم المنتزع بملاحظة بعض العوارض (قوله: لا بالضميمة) هو معطوف على خارج المحمول أي لا المحمول بالضميمة وهو الذي له ما بازاء في الخارج كما في المفاهيم الحقيقة (قوله: فان الاثر) بيان لأنه لا تفاوت (قوله: يكون له) أي للمستحب (قوله: لا لغيره مما كان) فان الاثر الثابت للمباين المستصحب في الخارج أو للمتحد
كسواده مثلا أو بياضه، وذلك لأن الطبيعي إنما يوجد بعين وجود فرده كما ان العرضي كالملكية والغصبية ونحوهما لا وجود له إلا بمعنى وجود منشأ انتزاعه، فالفرد أو منشأ الانتزاع في الخارج هو عين ما رتب عليه الاثر لا شئ آخر فاستصحابه لترتيبه لا يكون بمثبت كما توهم، وكذا لا تفاوت في الاثر المستصحب أو المترتب عليه بين أن يكون مجعولا شرعا بنفسه كالتكليف ______________________________ معه فيه مع أن له ما بحذاء غير المستصحب لا يكون للمستصحب فلا يجوز الاستصحاب لترتيب الاثر المذكور إلا باجرائه في نفس موضوعه وهو الامر المباين أو ما يكون ما بحذاء المفهوم (قوله: وذلك لأن) بيان لكون الاثر في الصورتين للمستصحب (قوله: وكذا لا تفاوت في الاثر) هذا إشارة إلى المورد الثالث مما توهم كون الاستصحاب فيه مثبتا وهو الأجزاء والشرائط والموانع فانها ليست بذات اثر شرعي بل هو للكل والمشروط والممنوع فاجراء الاصل في وجود الكل أو الشرط أو عدم المانع لاثبات الكل أو المشروط أو الممنوع فيترتب عليها آثارها اعمال للاصل المثبت. ودفعه المصنف (ره) بان المراد من الاثر الشرعي المصحح للتعبد بالمستصحب ليس خصوص الاثر التكليفي بل يعمه والوضعي المنتزع من التكليفي وقد تقدم ان الجزئية والشرطية والمانعية من الاعتبارات المنتزعة من التكليف فيكفي ترتبها في صحة استصحاب الجزء والشرط والمانع (وتحقيق الحال): ان المراد من كون الشئ موضوعا للاثر الشرعي كونه طرفا لاضافة خاصة قائمة بينه وبين الأثر الشرعي سواء كانت من قبيل اضافة الموضوع والحكم أم من قبيل اضافة السبب والمسبب أم من قبيل اضافة الظرف والمظروف أم من قبيل آخر، فإذا قيل: يجب عليك اكرام العادل باعطاء صاع من تمر وأنت ظاهر لابس ثوبا أبيض، فكل واحد من مفردات القضية المذكورة بينه وبين الحكم نحو خاص من الاضافة فتحكيه بعبارة خاصة فتقول: العادل يجب اكرامه، والاعطاء للعادل واجب، وصاع التمر يجب اعطاؤه للعادل، والتمر
وبعض انحاء الوضع، أو بمنشأ انتزاعه كبعض انحائه ______________________________ يجب اعطاء صاع منه للعادل، والطاهر يجب أن يعطي للعادل، واللابس ثوبا يجب ان يعطي للعادل، والثوب الأبيض يجب على لابسه أن يعطى للعادل، والابيض من الثياب يجب على لابسه ان يعطي للعادل... وهكذا، ولأجل ذلك كان الاثر المذكور وهو الوجوب اثرا لكل واحد من مفردات القضية الشرعية له نحو اضافة إليه غير ما للآخر. ويكفي ذلك في جواز استصحابه، فيجوز استصحاب كل من العدالة والاعطاء والصاع والتمر والطهارة واللبس والثوب والبياض عند الشك فيه، ولا فرق بين نفس الاعطاء الذي هو موضوع الحكم التكليفي وبين غيره من العناوين المذكورة في القضية، فان كان مفاد دليل الاستصحاب تنزيل المشكوك منزلة المتيقن كان مفاد استصحاب كل واحد من مفردات القضيه المذكورة جعله حال كونه مشكوكا منزلة المتيقن في كونه طرفا للاضافة الخاصة، وان كان مفاده وجوب جعل عمل الشاك عمل المتيقن فقد عرفت ان منصرفه خصوص العمل من حيث كون المتيقن طرفا للاضافة الخاصة القائمة بينه وبين الاثر الشرعي الذي تضمنته الكبرى الشرعية. ومن هذا يظهر لك ضابطة كون الأصل مثبتا أو غير مثبت فان كل أصل يجري فيما هو مذكور في القضية الشرعية الموجب لكونه طرفا لاضافة خاصة لترتيب العمل بلحاظ تلك الاضافة فليس بمثبت، وما لا يكون كذلك فهو مثبت، ويشهد بذلك الصحيحتان الاوليان الواردتان في الطهارة من الحدث والخبث التي هي من قيود الموضوع لا نفسه فان المورد المذكور قرينة قطعية على عموم الدليل فضلا عن ظهوره في نفسه بالعموم والله سبحانه أعلم (قوله: وبعض انحاء الوضع) يعني القسم الثالث من أقسام الوضع المتقدمة، والوجه في شموله لذلك ما عرفت من أن ظاهر الدليل كونه ناظرا إلى الكبريات الشرعية سواء كانت أحكامها تكليفية أم وضعية فيجوز استصحاب طهارة الماء لاثبات مطهريته كما يجوز استصحاب نجاسته لاثبات نجاسة ملاقه
كالجزئية والشرطية والمانعية، فانه أيضا مما تناله يد الجعل شرعا ويكون أمره بيد الشارع وضعا ورفعا ولو بوضع منشأ انتزاعه ورفعه، ولا وجه لاعتبار أن يكون المترتب أو المستصحب مجعولا مستقلا كما لا يخفى، فليس استصحاب الشرط أو المانع لترتيب الشرطية أو المانعية بمثبت كما ربما توهم بتخيل: أن الشرطية أو المانعية ليست من الآثار الشرعية بل من الامور الانتزاعية (فاهم) وكذا لا تفاوت في المستصحب أو المترتب بين أن يكون ثبوت الأثر ووجوده أو نفيه وعدمه، ضرورة أن امر نفيه بيد الشارع كثبوته وعدم إطلاق الحكم على عدمه غير ضائر إذ ليس هناك ما دل على اعتباره بعد صدق نقض اليقين بالشك برفع اليد عنه كصدقه برفعها من طرف ثبوته كما هو واضح، فلا وجه للاشكال في الاستدلال على البراءة باستصحاب البراءة ______________________________ وكذا استصحاب ملك الميت لاثبات ملك الوارث إلى غير ذلك (قوله: كالجزئية) إذ بنينا على ان الاجزاء واجبة بالوجوب النفسي الضمني لم يكن مجال للاشكال (قوله: ولو بوضع منشأ انتزاعه) قد تقدم الكلام في الشرطية والمانعية وانها متنزعة من التكليف أولا فراجع (قوله: وكذا لا تفاوت في) هذا من الموارد التي يشكل جريان الأصل فيها أيضا من جهة عدم الاثر المجعول وهو عدم الموضوع أو عدم الحكم فان الثاني ليس بمجعول فلا يجري الاصل فيه ولا في الاول لأنه موضوعه (ويندفع) بان الاثر الشرعي المصحح لجريان الاصل فيه أو في موضوعه يراد منه ما يكون أمره بيد الشارع الاقدس، وهذا كما ينطبق على كل واحد من الأحكام المجعولة ينطبق على عدمها لأن نسبة القدرة إلى الوجود والعدم نسبة واحدة فلا يكون الوجود مقدورا الا والعدم مثله، غاية الأمر أن العدم ليس بمجعول ولا يسمى حكما كما كان الوجود مجعولا ويسمى حكما (قوله: أمر نفيه) يعني نفي الاثر (قوله: على عدمه) يعني عدم الاثر إذ الحكم يراد منه نفس الاثر لا عدم الاثر (قوله: على اعتباره) يعني اعتبار اطلاق الحكم (قوله: من طرف ثبوته) يعني حيث يكون ثبوته
من التكليف وعدم المنع عن الفعل بما في الرسالة من أن عدم استحقاق العقاب في الآخرة ليس من اللوازم المجعولة الشرعية فان عدم استحقاق العقوبة وإن كان غير مجعول إلا انه لا حاجة إلى ترتيب اثر مجعول في استصحاب عدم المنع، وترتب عدم الاستحقاق مع كونه عقليا على استصحابه إنما هو لكونه لازم مطلق عدم المنع ولو في الظاهر فتأمل (التاسع) أنه لا يذهب عليك أن عدم ترتب الاثر غير الشرعي ولا الشرعي بوساطة غيره من العادي أو العقلي بالاستصحاب إنما هو بالنسبة إلى ما للمستصحب واقعا، فلا يكاد يثبت به من آثاره إلا أثره الشرعي الذي كان ______________________________ مجرى للاستصحاب (قوله: بما في الرسالة) يعني رسالة البراءة لشيخنا الأعظم (قدس سره) (قوله: من ان عدم استحقاق) عبارة الرسالة ظاهرة في عدم جواز استصحاب عدم استحقاق العقاب لأنه ليس من اللوازم المجعولة الشرعية حتى يحكم به الشارع في الظاهر لا عدم جواز استصحاب عدم المنع لأن الاثر المذكور ليس مصصحا لجريان الاستصحاب فيه. فلتلحظ، بل المستفاد منها أن المانع من جريان اصالة عدم المنع ان حكم العقل بقبح العقاب من لوازم الشك في المنع فلا حاجة إلى اثباته بالاصل فراجع (قوله: لازم مطلق عدم) يعني حكم العقل بعدم استحقاق العقاب ليس من لوازم عدم المنع الواقعي حتى لا يترتب بالاستصحاب لأنه غير مجعول بل من لوازم الاعم من عدم المنع الواقعي والظاهري فإذا ثبت بالاستصحاب عدم المنع الظاهري ترتب عليه عدم استحقاق العقاب، هذا ولكن عرفت ان شيخنا الأعظم (قدس سره) يرى انه من لوازم عدم ثبوت المنع الواقعي فيترتب بمجرد الشك ولا يحتاج في ترتبه إلى الاستصحاب التنبيه التاسع (قوله: ان عدم ترتب) كما تقدم في التنبيه السابع. وحاصل المراد: ان ما تقدم من انه لا يترتب بالاستصحاب الاثر غير الشرعي ولا اثره وان كان شرعيا
له بلا واسطة أو بوساطة أثر شرعي آخر حسبما عرفت فيما مر لا بالنسبة إلى ما كان للاثر الشرعي مطلقا كان بخطاب الاستصحاب أو بغيره من أنحاء الخطاب فان آثاره شرعية كان أو غيرها يترتب عليه إذا ثبت ولو بان يستصحب أو كان من آثار المستصحب وذلك لتحقق موضوعها حينئذ حقيقة فما للوجوب عقلا يترتب على الوجوب الثابت شرعا باستصحابه أو استصحاب موضوعه من وجوب الموافقة وحرمة المخالفة واستحقاق العقوبة إلى غير ذلك كما يترتب على الثابت بغير الاستصحاب بلا شبهة ولا ارتياب فلا تغفل (العاشر) أنه قد ظهر مما مر لزوم أن يكون المستصحب حكما شرعيا أو ذا حكم كذلك، لكنه لا يخفى أنه لا بد أن يكون كذلك بقاء ولو لم يكن كذلك ثبوتا فلو لم يكن المستصحب في زمان ثبوته حكما ولا له أثر شرعا وكان في زمان استصحابه كذلك - أي حكما - أو ذا حكم يصح استصحابه كما في استصحاب عدم التكليف فانه وان لم يكن بحكم مجعول في الأزل ولا ذا حكم ______________________________ انما هو بالنسبة إلى الاثر الثابت لنفس الواقع المستصحب، أما لو كان الاثر غير الشرعي مترتبا على الاثر الواقعي والظاهري معا فانه يترتب بالاستصحاب ولو لم يكن شرعيا لثبوت موضوعه وهو الاثر الظاهري بالاستصحاب فيتبعه اثره (قوله: الشرعي مطلقا) يعني واقعيا كان ام ظاهريا وهذا هو المراد بقوله (ره) كان بخطاب... الخ، يعني سواء كان... الخ (قوله: آثاره) يعني آثار الأثر الشرعي (قوله: إذا ثبت) يعني ثبت ولو ظاهرا بان يستصحب... الخ (قوله: وذلك لتحقق) تعليل لترتب الآثار الشرعية وغيرها على الاثر الثابت بالاستصحاب (قوله: من وجوب الموافقة) بيان لما للوجوب عقلا من الآثار (قوله: بغير الاستصحاب) كالعلم والدليل التنبيه العاشر (قوله: لابد ان يكون) يعني يعتبر ذلك في زمان بقائه وهو زمان التعمد
إلا أنه حكم مجعول فيما لا يزال لما عرفت من أن نفيه كثبوته في الحال مجعول شرعا وكذا استصحاب موضوع لم يكن له حكم ثبوتا أو كان ولم يكن حكمه فعليا وله حكم كذلك بقاء وذلك لصدق نقض اليقين بالشك على رفع اليد عنه والعمل كما إذا قطع بارتفاعه يقينا، ووضوح عدم دخل أثر الحالة السابقة ثبوتا فيه وفى تنزيلها بقاء (فتوهم) اعتبار الأثر سابقا كما ربما يتوهمه الغافل من اعتبار كون المستصحب حكما أو ذا حكم ______________________________ ولا يعتبر ذلك في حدوثه (قوله: الا انه حكم مجعول) قد تقدم انه ليس بحكم ولا مجعول إلا أن يراد من كونه مجعولا أنه أمر شرعي بقرينة قوله: لما عرفت... الخ إذ لم يتقدم منه انه مجعول بل المتقدم أن امره بيد الشارع. فتأمل (قوله: فيما لا يزال) يعني في المستقبل وهو زمان استصحابه الذي هو زمان الشك في بقائه وارتفاعه فانه لابد ان يكون حينئذ شرعيا والا امتنع الشك في بقائه كما هو ظاهر (قوله: موضوع لم يكن) كما في جميع الاعدام الازلية المستصحبة إلى زمان ثبوت الأثر الشرعي كعدم التذكية المستصحب إلى زمان الموت فانه حال الحياة لا اثر له وانما يكون اثره بعد الموت، وكما لو تطهر في وقت ثم غفل واراد الصلاة فان الطهارة قبل الصلاة ليس لها اثر فعلي وانما يكون اثرها حال الصلاة فلا مانع من استصحابها حال الصلاة (قوله: والعمل كما إذا) بيان لرفع اليد وقوله: (كما) متعلق بالعمل (قوله: ووضوح) معطوف على (صدق) يعني أن ترتب الأثر قبل زمان الشك لا يتوقف عليه التعبد به في زمان الشك وانما يتوقف التعبد على وجود الأثر في زمان التعبد فهو المعتبر لا غير (قوله: ثبوتا فيه) ثبوتا تمييز للاثر وفيه متعلق بدخل وضميره راجع إلى النقض (قوله: وفي تنزيلها) معطوف على (فيه) وضمير المؤنث راجع إلى الحالة السابقة يعني لا يتوقف التعبد ببقاء الحالة السابقة على ثبوت اثر لحدوثها بل يكفي ثبوت اثر لبقائها في زمان التعبد (قوله: من اعتبار) متعلق ب (يتوهمه)
(فاسد) قطعا فتدبر جيدا (الحادي عشر) لا إشكال في الاستصحاب فيما كان الشك في أصل تحقق حكم أو موضوع وأما إذا كان الشك في تقدمه وتاخره بعد القطع بتحققه وحدوثه في زمان لوحظ بالاضافة إلى أجزاء الزمان فكذا لا اشكال في استصحاب عدم تحققه في الزمان الاول وترتيب آثاره لا آثار تأخره عنه لكونه بالنسبة إليها مثبتا إلا بدعوى خفاء الواسطة أو عدم التفكيك في التنزيل بين عدم تحققه إلى زمان وتاخره عنه عرفا كما لا تفكيك بينهما واقعا ولا آثار حدوثه في الزمان الثاني فانه نحو وجود خاص (نعم) لا بأس بترتيبها بذاك الاستصحاب بناء ______________________________ التنبيه الحادى عشر (قوله: الشك في أصل) فيستصحب العدم الازلي (قوله: بعد القطع بتحققه) كما لو علم بوجود زيد وشك في زمان حدوثه (قوله: بالاضافة إلى اجزاء) كما لو علم بوجود زيد يوم الجمعة وشك في ان حدوثه كان في يوم الجمعة أو في يوم الخميس (قوله: في الزمان الاول) يعني يوم الخميس في المثال المذكور (قوله: آثاره) يعني آثار عدم تحققه (قوله: لا آثار تأخره) معطوف على (آثاره) يعني لا يجوز ترتيب آثار تأخره لو كان لتأخره عن يوم الخميس آثار شرعية (قوله: مثبتا) لان صفة التأخر التي هي موضوع للاثر الشرعي صفة وجودية من لوازم عدم وجوده يوم الخميس فاثباتها باستصحاب العدم اعمال للاصل المثبت (قوله: بدعوى خفاء) قد عرفت الاشكال فيه (قوله: أو عدم التفكيك) قد عرفت ايضا الاشكال فيه (قوله: ولا آثار حدوثه) معطوف على قوله: لا اثار تأخره: يعني لا يجوز ايضا باستصحاب عدمه يوم الخميس ترتيب آثار حدوثه يوم الجمعة لان الحدوث عبارة عن أول الوجود فهو ملازم لعدم الوجود يوم الخميس فلا يثبت بالاصل لترتب آثاره (قوله: بترتيبها) يعني آثار الحدوث (قوله: بذلك الاستصحاب) يعني استصحاب عدم وجوده
على أنه عبارة عن أمر مركب من الوجود في الزمان اللاحق وعدم الوجود في السابق، وإن لوحظ بالاضافة إلى حادث آخر علم بحدوثه أيضا وشك في تقدم ذاك عليه وتاخره عنه كما إذا علم بعروض حكمين أو موت متوارثين وشك في المتقدم والمتأخر منهما فان كانا مجهولي التاريخ (فتارة) كان الأثر الشرعي لوجود أحدهما بنحو خاص من التقدم أو التأخر أو التقارن ______________________________ يوم الخميس (قوله: على انه) يعني الحدوث (قوله: عن امر مركب) وحينئذ يكون الاثر ثابتا لمجموع الجزءين الثابت أحدهما بالاصل وهو عدم الوجود يوم الخميس والآخر بالوجدان وهو الوجود يوم الجمعة، فليس الاصل مثبتا لما تقدم في التنبيه الثامن. لكن المبنى المذكور ضعيف. ثم إن المصنف (ره) لم يذكر صورا في الحادث المضاف إلى الزمان كما ذكر في المضاف إلى حادث آخر مع اطراد الصور فيهما معا، فانه يمكن ان يكون الاثر ثابتا لتأخره عن الزمان أو لتقارنه أو لتقدمه أو للجميع، كما يكون لتقدم الزمان عليه أو لتأخره أو لتقارنه أو للجميع... إلى آخرها. والحكم في هذه الصور هو الحكم في صور اضافة الحادث إلى حادث آخر. وكأن الوجه في إهمال ذكرها أن حكمها يفهم مما يأتي في المضاف إلى حادث آخر. والمقصود هنا بيان حكم الشك في وجوده في الزمان وعدمه من حيث صلاحية الاستصحاب لاثبات الحدوث بعده أو التأخره عنه وعدمها، وهذا أيضا جار في الحادث بملاحظة إضافته إلى حادث آخر واهمله هناك اكتفاء بذكره هنا. ومن هنا تعرف أنه كان الأولى للمصنف (ره) جمعهما معا في لتقسيم وبيان الاحكام فلاحظ والامر سهل (قوله: مجهولي التاريخ) ويقابله الجهل بتاريخ أحدهما والعلم بتاريخ الآخر كما سيأتي بيانه. أما لو علم تاريخهما معا فلا يعقل الشك حينئذ في التقدم والتأخر (قوله: فتارة كان الأثر الشرعي) لا بأس بالتعرض لبيان الأقسام والاحكام على سبيل الاجمال (فنقول): كل حادث أضيف إلى حادث آخر إما أن يكون متقدما عليه أو متأخرا عنه أو مقارنا له، وحينئذ إما أن
يكون كل واحد من العناوين المذكورة موضوعا لاثر شرعي يصح بلحاظه التعبد بالاستصحاب أو يكون بعضها له اثر دون بعض، وكذا الحال في الحادث الآخر بالاضافة إلى هذا الحادث فانه يكون له هذه الأقسام بيعنها. ثم العنوان الذي يكون موضوعا للاثر (تارة) يكون ملحوظا بنحو مفاد كان التامة كأن يقال: المرثه المتقدم للاب على موت الابن كذا، (وأخرى) يكون ملحوظا بنحو مفادكان الناقصة كان يقال: إذا كان موت الاب متقدما على موت الابن فكذا، وحكم هذه الاقسام: انه إذا كان الأثر الشرعي ثابتا لبعض العناوين المذكورة لاحد الحادثين بعينه دون تمامها ودون عناوين الحادث الآخر، وكان العنوان ملحوظا بنحو مفاد كان التامة وقد شك في تحقق ذلك العنوان جرى اصالة عدم ذلك العنوان مثلا إذا قيل: موت الاب المتقدم على موت ولده مورث للولد، فشك في تقدم موت الأب وعدم تقدمه فانه يرجع إلى اصالة عدم الموت المتقدم فينتفي اثره تعبدا (فان قلت): موت الأب معلوم الوجود فكيف يجري اصالة عدمه (قلت): المعلوم الوجود انما هو الموت في الجملة واما الموت المتقدم فغير معلوم وحيث انه حادث مسبوق بالعدم لم يكن مانع من اجراء اصالة عدمه. نعم قد يشكل ذلك فيما لو كان الأثر ثابتا لعنوان المتأخر من جهة العلم بوجود موت الاب بعد موت الابن إذا الاب ليس حيا بعد موت الابن قطعا، فالشك انما هو في حدوث موته بعد موت الابن أو قبله، فذات الحدوث في احد الزمانين معلومة لا يمكن استصحاب عدمها فيهما معا فينحصر الاصل في اصالة عدم الوصف وهو مما لا يمكن بناء على انه منتزع من خصوصية في الذات ازلية ليست مسبوقة بالعدم كما سيأتي (فان قلت): الذات المعروضة لوصف التأخر الملازمة له مشكوكة قطعا فلا مانع من جريان اصالة عدمها (قلت): ذلك مسلم إلا أن مجرد الشك في وجود الشئ غير كاف في اصالة عدمه والا فكل مشكوك البقاء مشكوك الوجود البقائي ولا يجري فيه الا اصالة وجوده لا اصالة عدمه، ففي المقام بعد دوران الامر بين التأخر والتقدم يدور امر الحدوث بين ان يكون بعد موت الابن وهو غير التأخر أو قبله فيكون الوجود بعد بقاء لا حدوثا ولا مجال لاصالة العدم في البقاء، ومن هذا يظهر
لك الفرق بين المتأخر وبين المتقدم والمقارن فانه في الشك في الأخيرين لا مانع من اجراء الأصل في عدم الذات المتقدمة والمقارنة لأن احتمال عدم التقدم ملازم لاحتمال كون الحدوث بعد لا قبل بخلاف الشك في التأخر وحينئذ لا يمكن الحكم بانتفاء اثر التأخر الا بنفي وصف التأخر بنفسه بالاصل المتوقف على كونه من الاضافات الخارجية المسبوقة بالعدم، اما إذ كان من الاعتبارات المنتزعة من نفس الذات نظير وصف الحدوث لم يمكن نفيه بالأصل إذ لا حالة له سابقة (ولو كان) كل واحد من عناوين احد الحادثين بعينه موضوعا للاثر الشرعي فقد علم اجمالا بثبوت احد الآثار لعدم امكان انفكاك الحادث عن احد العناوين، وحينئذ يمتنع جريان اصالة العدم في كل منها لمنافاته للعلم الاجمالي المذكور إلا ان يكون في نفسه غير مانع بان لا يكون المعلوم بالاجمال الزاميا فلا تكون مخالفته معصية عقلا. (اللهم) إلا أن نقول: العلم الاجمالي ولو لم يكن منجزا مانع عن جريان الاستصحاب في اطرافه لأن شموله للاطراف يوجب التناقض بين الصدر والذيل في دليل الاستصحاب كما سيأتي، لكن قد عرفت انه إذا امتنع جريان اصالة عدم التأخر في نفسها لم يكن مانع من جريان اصالة العدم في التقدم والتقارن حيث لا علم اجمالي بالمخالفة كما لعله ظاهر (ولو كان) احد العناوين في كل من الحادثين موضوعا للاثر (فان) كان العنوان عنوان التقارن جرى الأصل في نفيه بالنسبة إلى كل واحد منهما ولا تعارض بين الاصلين لا بملاحظة نفس المفهوم ولا بملاحظة الخارج، وان كان عنوان التقدم جري الاصل في نفيه ايضا بالنسبة إلى كل منهما الا ان يكون علم اجمالي بالمخالفة فيأتي فيه ما تقدم، وان كان عنوان التأخر فقد عرفت الاشكال في جريان الاصل في نفيه وعلى تقدير القول به يجري إلا أن يكون علم اجمالي بالمخالفة حسبما تقدم ايضا (ولو كان) احد العناوين في احد الحادثين بعينه موضوعا للاثر وغيره في الحادث الآخر كذلك فالحكم فيه يظهر مما سبق إذا المانع حسبما تقدم منحصر في امرين كون مجراه نفي التأخر ووجود علم اجمالي منجز أو مطلقا فلاحظ وتأمل (ولو كان) الأثر ثابتا لأحد العناوين في احد الحادثين بنحو مفاد
لا للآخر ولا له بنحو آخر فاستصحاب عدمه صار بلا معارض، بخلاف ما إذا كان الاثر لوجود كل منهما كذلك أو لكل من انحاء وجوده فانه حينئذ يعارض فلا مجال لاستصحاب العدم في واحد للمعارضة باستصحاب العدم في آخر لتحقق أركانه في كل منهما، هذا إذا كان الاثر المهم مترتبا على وجوده الخاص الذي كان مفاد كان التامة، وأما ان كان مترتبا على ما إذا كان متصفا بالتقدم أو باحد ضديه الذي كان مفاد كان الناقصة فلا مورد ههنا للاستصحاب ______________________________ كان الناقصة كما لو قيل: إن كان موت الأب متقدما على موت الابن ورثه الابن، فقد يشكل جريان الاستصحاب فيه إما لأنه من الاستصحاب الجاري في العدم الازلي الذي هو محل الخلاف بين المحققين، واما لأن العناوين المذكورة منتزعة من نفس الذات ليس لها حالة سابقة وليست من الامور الخارجية المسبوقة بالعدم، لكن الاشكال من الجهة الاولى مندفع بما تقدم في مبحث العام والخاص فينحصر بالجهة الثانية، وعليه بنى المصنف (ره) في المقام، وحيث أن الظاهر أن الاضافات المذكورة ومثلها الفوقية والتحتية والحذائية وغيرها من الاعتباريات التي لها نحر خارجية غير متوفقة على الاعتبار كان الظاهر جريان الاستصحاب في نفيها والله سبحانه أعلم (قوله: لا للآخر) يعني لا يكون الاثر الشرعي للوجود الخاص للحادث الآخر (قوله: ولا له بنحو آخر) يعني ولا للحادث المذكور أولا بنحو آخر من أنحاء وجوده الثلاثة (قوله بلا معارض) قد عرفت انه مسلم إلا أن الأصل لا يجري في نفى المتأخر (قوله: كل منهما كذلك) أي كل من الحادثين بنحو خاص بان يكون تقدم كل منهما له اثر أو تأخره أو تقارنه (قوله: للمعارضة باستصحاب) قد عرفت انه لا معارضة في بعض الصور (قوله: في كل منهما) أي كل من فردي العنوان الواحد في كل من الحادثين أو كل من العنواين في أحد الحادثين بعينه (قوله: أو باحد ضديه) يعني التقارن والتأخر (قوله: للاستصحاب) يعني استصحاب عدم كون الوجود متقدما الذي هو مفاد ليس
لعدم اليقين السابق فيه بلا ارتياب (وأخرى) كان الاثر لعدم أحدهما في زمان الآخر. فالتحقيق أنه أيضا ليس بمورد للاستصحاب فيما كان الاثر المهم مترتبا على ثبوته المتصف بالعدم في زمان حدوث الآخر لعدم اليقين بحدوثه كذلك في زمان بل قضية الاستصحاب عدم حدوثه ______________________________ الناقصة (قوله: لعدم اليقين) من جهة ما اشرنا إليه من كون هذه العناوين انتزاعية من نفس الذات لا من أمر زائد عليها (قوله: وأخرى كان الاثر) معطوف على قوله سابقا: فتارة كان... الخ وهو شروع في حكم ما لو كان الاثر لعدم أحد الحادثين في زمان وجود الآخر وقسمه إلى قسمين (أحدهما) أن يكون الاثر لوجود أحدهما المتصف بالعدم في زمان الآخر (وثانيهما) أن يكون الاثر لنفس عدم أحدهما في زمان الآخر (وحكم الأول) انه لا يجري الأصل لاثبات كون الوجود متصفا بالعدم المذكور لأنه يتوقف على اليقين بكونه متصفا بالعدم في وقت ثم يشك في بقائه على ما كان من الاتصاف المذكور ولا يتعين إذا الوجود من الازل غير معلوم الاتصاف لأنه ان كان وجد متأخرا عن زمان حدوث الآخر كان متصفا بالعدم المذكور وان كان متقدما عليه أو مقارنا له فهو غير متصف، وحيث لم يعلم انه متأخر أولا فقد شك باتصافه بذلك في جميع الازمنة (فان قلت): وجود أحدهما بعينه قبل أن يكون لم يكن في زمان الآخر قطعا فليستصحب ذلك فيثبت به ان الوجود لم يكن في زمان الآخر كما في سائر موارد استصحاب العدم الأزلي بناء على مختار المصنف (ره) من عدم المانع من جريانه (قلت): العدم الازلي انما هو بمعنى السلب المحصل بمعنى سلب اتصاف الوجود بالكون في زمان الآخر لا بمعنى الايجاب المعدول بمعنى الاتصاف بالعدم في زمان الآخر، وجواز الاستصحاب في الأول لا يقتضي جوازه في الثاني لأن الثاني ايجاب وهو يتوقف على وجود الموضوع فقبله لا اتصاف بالعدم في زمان الآخر ولا بالوجود فيه فلا حالة له سابقة (ويمكن) الخدش فيه (اولا) بان جعل ما ذكر أعني - كون الاثر للوجود المتصف بالعدم في زمان الآخر - من أقسام ما إذا كان الاثر
كذلك كما لا يخفى، وكذا فيما كان مترتبا على نفس عدمه في زمان الآخر واقعا وإن كان على يقين منه في آن قبل زمان اليقين بحدوث أحدهما ______________________________ للعدم في زمان الآخر غير ظاهر (وثانيا) بان اختلاف السلب المحصل والايجاب المعدول في المفهوم لا يوجب الفرق فيما نحن فيه، وكون الايجاب يتوقف على وجود الموضوع ممنوع بل المعتبر وجود الموضوع في ظرف الاتصاف فان كان ظرف الاتصاف بالوجود أو العدم الخارج وجب وجود الموضوع فيه، وان كان ظرفه الذهن وجب وجود الموضوع فيه ولو كان ظرف الاتصاف نفس الواقع بناء عليه كان اللازم ثبوته فيه أيضا، ضرورة صدق قولنا: شريك البارئ ممتنع وقولنا: الوجود والعدم نقيضان ونحوهما من القضايا الايجابية التي تكون موضوعاتها ممتنعة في الخارج. على ان الفرق بين السلب المحصل والايجاب المعدول انما هو بمحض الاعتبار إذ هما متلازمان بحيث كلما صدق قولنا: زيد ليس بقائم صدق قولنا: زيد لا قائم، فمهما كان الاول له حالة سابقة كان الثاني كذلك، غاية الأمر أن النسبة السلبية تلحظ في الاول بمعناها الحرفي، وفي الثاني بمعناها الاسمي، فتأمل جيدا وقد تقدم في مبحث العدم الأزلي في العموم والخصوص ماله دخل في المقام فراجع وتأمل والله سبحانه هو الهادي. ثم انه يحتمل بعيدا ان يكون المراد من العبارة في القسم الاول ما يكون العدم ملحوظا بنحو مفاد كان الناقصة بحيث يكون الاثر الشرعي ثابتا لكون عدمه في زمان الآخر في قبال القسم الثاني الملحوظ فيه العدم بنحو مفاد كان التامة أعني مجرد العدم في زمان الآخر، لكن عليه لا مانع من استصحاب عدم كون عدمه في زمان الآخر لليقين بعدم كون عدم أحد الحادثين في زمان الآخر والشك في بقائه فيستصحب (قوله: وكذا فيما) شروع في حكم القسم الثاني وانه ليس بمورد للاستصحاب وصورة الاستصحاب فيما لو كان الأثر الشرعي مرتبا على عدم موت الأب في زمان موت الابن مثلا أن يقال: كان عدم موت الأب متيقنا فيحكم ببقائه إلى زمان موت الابن فيثبت عدم أحدهما في زمان الآخر (قوله: في آن قبل) وهو
لعدم احراز اتصال زمان شكه وهو زمان حدوث الآخر بزمان يقنا لاحتمال انفصاله عنه باتصال حدوثه به (وبالجملة): كان بعد ذاك الآن الذي قبل زمان اليقين بحدوث ______________________________ الآن الذي يعلم بعدم وجودهما فيه (قوله: لعدم احراز اتصال زمان) توضيح المراد: انه إذا علم بموت الوالد وولده غير مقترنين وشك في المتقدم منهما والمتأخر فهناك آنات ثلاثة، وليفرض الأول يوم الخميس وهو الزمان الذي يعلم بحياتهما فيه، والثاني يوم الجمعة وهو الزمان الذي يعلم بحدوث موت أحدهما فيه اجمالا إما الوالد أو الولد، والثالث يوم السبت وهو الزمان الذي يعلم بموت الآخر فيه اجمالا إما الوالد أو الولد أيضا وهذا الزمان يعلم بتحقق موتهما فيه، وهذه الازمنة الثلاثة تفصيلية وهناك زمانان اجماليان، أحدهما زمان موت الوالد المحتمل الانطباق على كل من الجمعة والسبت على البدل، وثانيهما زمان موت الولد المحتمل انطباقه على اليومين أيضا على البدل وهذان الزمانان الاجماليان متباينان خارجا بحيث لو انطبق احدهما على الجمعة مثلا انطبق الآخر على السبت وبالعكس. وحينئذ نقول: لو استصحبنا عدم موت الوالد المعلوم يوم الخميس إلى زمان موت الولد احتمل ان يكون زمان موت الولد يوم السبت ويلزمه احتمال ان يكون موت الوالد يوم الجمعة فيكون زمان الشك وهو زمان موت الولد المنطبق على يوم السبت منفصلا عن زمان اليقين وهو يوم الخميس بزمان اليقين بموت الوالد وهو يوم الجمعة فيكون - على هذا التقدير - من نقض اليقين باليقين لا بالشك، ومع هذا الاحتمال يمتنع التمسك بعموم دليل الاستصحاب لأن التمسك بالعموم فرع احراز انطباق عنوانه على المورد وهو مشكوك (قوله: باتصال حدوثه) متعلق بانفصال والباء للسببية يعني الانفصال المحتمل يكون سبب اتصال زمان حدوث الحادث المعلوم المستصحب عدمه بزمان اليقين بعدمه (قوله: ذاك الآن) يعني يوم الخميس في المثال ______________
أحدهما زمانان أحدهما زمان حدوثه والآخر زمان حدوث الآخر وثبوته الذي يكون ظرفا للشك في أنه فيه أ قبله وحيث شك في أن أيهما مقدم وأيهما مؤخر لم يحرز اتصال زمان الشك بزمان اليقين ومعه لا مجال للاستصحاب حيث لم يحرز معه كون رفع اليد عن اليقين بعدم حدوثه بهذا الشك من نقض اليقين بالشك (لا يقال): لا شبهة في اتصال مجموع الزمانين بذاك الآن وهو بتمامه زمان الشك في حدوثه لاحتمال تأخره عن الآخر مثلا إذا كان على يقين من عدم حدوث واحد منهما في ساعة وصار على يقين من حدوث أحدهما بلا تعيين في ساعة أخرى بعدها وحدوث الآخر في ساعة ثالثة كان زمان الشك في حدوث كل منهما تمام الساعتين لا خصوص أحدهما كما لا يخفى (فانه يقال): نعم ولكنه إذا كان بلحاظ إضافته إلى أجزاء الزمان والمفروض أنه بلحاظ إضافته إلى الآخر وأنه حدث في زمان حدوثه وثبوته أو قبله ولا شبهة أن زمان شكه بهذا اللحاظ إنما هو خصوص ساعة ثبوت الآخر ______________________________ (قوله: زمان حدوثه) يعني حدوث الحادث المستصحب عدمه (قوله: حيث لم يحرز معه) لاحتمال كونه من نقض اليقين باليقين (قوله: لا يقال لا شبهة في اتصال مجموع) ايراد على دعوى احتمال انفصال زمان الشك عن زمان اليقين بالعدم بزمان اليقين بحدوث مستصحب العدم (وحاصله): أن زمان الشك منطبق على مجموع الزمانين ومجموعهما متصل بزمان اليقين بالعدم فقد احرز اتصال زمان الشك بزمان اليقين (قوله: نعم ولكنه إذا كان بلحاظ) ______________
* وحدوثه لا الساعتين. فانقدح انه لا مورد ها هنا للاستصحاب لاختلال أركانه لا أنه مورده وعدم جريانه إنما هو بالمعارضة كي يختص بما كان الاثر لعدم كل في زمان الآخر وإلا كان الاستصحاب فيما له الاثر جاريا (وأما) لو علم بتاريخ أحدهما فلا يخلو ايضا (إما) يكون الأثر المهم مترتبا على الوجود الخاص من المقدم أو المؤخر أو المقارن فلا إشكال ______________________________ حاصل الجواب: أن الاثر الشرعي (تارة) يكون مترتبا على عدم أحد الحادثين في الزمان التفصيلي مثل يوم الجمعة ونحوه (وأخرى) يكون مترتبا على عدمه في الزمان الاجمالي مثل ما نحن فيه اعني العدم في زمان حدوث الآخر، فان كان مترتبا على النحو الاول أمكن استصحابه في مجموع الزمانين وترتيب أثره عليه، أما إذا كان مترتبا على النحو الثاني فلا يتم لان زمان حدوث احدهما الذي هو زمان الشك لا ينطبق الا على احدهما على البدل ويمتنع انطباقه عليهما معا كما عرفت فلا يكون زمان الشك الا احدهما، ومع احتمال انطباقه على الثاني دون الاول يكون مما لم يحرز اتصاله بزمان اليقين بالمستصحب ويرجع الاشكال (اقول): يمكن ان يخدش ما ذكره (اولا) بأن انطباق زمان الشك على مجموع الزمانين التفصليين غير ظاهر إذ الزمان الثاني منهما زمان اليقين بوجودهما معا كما عرفت في صدر المطلب فليس زمان الشك الا الزمان الاول منهما لا غير فلا يمكن استصحاب العدم الا فيه (وثانيا) بانه ان كان المعتبر في جريان الاستصحاب اتصال زمان الشك بزمان اليقين على جميع التقادير امتنع الاستصحاب في الزمان التفصيلي بتمامه لأن الزمان الثاني على تقدير كونه ظرفا لحدوث الآخر يكون منفصلا عن زمان اليقين بالعدم بزمان حدوث مستصحب العدم، (ودعوى) ان المجموع غير منفصل مسلم لكنه لا يجدي في صحة الاستصحاب في الزمان الثاني بعد احتمال انفصاله، وكفاية مجرد صدق اتصال المجموع تحكم في الاستظهار، إذ على تقدير ظهور الدليل في اعتبار الاتصال فالظاهر اعتباره في كل زمان شك ولا فرق بين الزمان الاول وغيره (وثالثا) بان زمان الشك إذا كان زمان حدوث الآخر وكان في نفسه صالحا
للانطباق على كل من الزمانين ولو على البدل لزم ذلك أن يكون كل واحد من الزمانين زمان شك، وكون انطباقه على الزمانين بدليا لا ينافي كونهما زماني شك في عرض واحد، ولذلك لو اشتبه احد اطراف الشبهة المحصورة في اطراف أخر صار كل واحد منها مشكوك النجاسة مع كون انطباق الطرف المشكوك على كل واحد انطباقا بدليا (ورابعا) ان احتمال الانفصال لو اقتضى المنع عن التمسك بعموم دليل الاستصحاب من جهة عدم احراز عنوان العام لاحتمال كون رفع اليد عن اليقين من نقض اليقين باليقين لزم امتناع جريان الاصل في كثير من الموارد نبهنا على بعضها سابقا مثل أطراف العلم الاجمالي والكلي في القسم الثاني وغير ذلك مثل ما لو علم بموت الزوج وتردد بين ان يكون في هذه السنة أو فيما قبلها فانه يحتمل ان يكون رفع اليد عن اليقين السابق من نقض اليقين باليقين (وخامسا) بأن مبنى ما ذكر سراية العلم إلى الخارج كما نبهنا عليه سابقا وإلا - كما هو التحقيق من تقوم العلم بالصور الذهنية - فلا احتمال انه من نقض اليقين باليقين إذ اليقين بالموت في أحد الزمانين اجمالا لا يتحد موضوعا مع العدم المشكوك في زمان حدوث الآخر فتأمل جيدا. نعم (هنا) شبهة ذكرها بعض مشايخنا دام ظله (وتوضيحها): أنا إذا شككنا في بقاء شئ إلى زمان آخر فقد يكون منشأ الشك الشك في امتداد الشئ المشكوك البقاء وعدمه كما إذا شككنا في حياة زيد يوم الجمعة وموته قبلها، وقد يكون منشؤه الشك في زمان حدوث الآخر وتقدمه وتأخره كما إذا علمنا بان زيدا مات في يوم الجمعة وشك في بقاء حياته إلى زمان الخسوف للشك في تقدم الخسوف على الجمعة وتأخره عنها، (فان) كان منشأ الشك الاول فلا ريب في جريان الاستصحاب، وان كان الثاني امتنع جريانه لظهور دليله في إلغاء الشك في الامتداد ووجوب البناء على ثبوته والمفروض أن الشك في الثاني ليس في امتداد المستصحب بل في امر آخر: وعليه فلو كان منشأ الشك الامرين معا كان دليل الاستصحاب متكفلا لالغاء الشك في الامتداد لا غير. (ففي)) المقام نقول: إذا شك في حياة الوارث إلى زمان موت المورث
في استصحاب عدمه ______________________________ مع العلم بموتهما وجهل تاريخه كان منشأ الشك كلا الامرين - اعني الشك في امتداد الحياة والشك في تقدم موت المورث وتأخره - فلم ينفع جريان الاستصحاب في اثبات الحياة إلى زمان موت المورث إذ لا يقتضي الا اثبات الامتداد تعبدا، اما حيثية اقتران الحياة بموت الموروث من جهة تقدمه وتأخره فلا دلالة له على الغائها (وهذه) الشبهة في غاية المتانة وكفى بها مانعا عن جريانه في المقام لاثبات عدم أحد الحادثين إلى زمان حدوث الآخر اجمالا (فان قلت): يمكن استصحاب أحد الحادثين في تمام ازمنة الشك التفصيلية إلى زمان العلم بوجود الحادث الآخر المردد بين الحدوث فيه والبقاء ويثبت بذلك الاقتران فيترتب عليه أثره فيستصحب في المثال المتقدم عدم موت الوارث إلى يوم الجمعة المعلوم موت المورث فيه لانه إما حدث فيه أو فيما قبله ويترتب على ذلك إرثه لما تركه (قلت): الاقتران عبارة عن اجتماع المقترنين في زمان واحد وهذا لا يثبت بالاستصحاب إلى زمان اليقين بوجود الآخر وانما يثبت به وجود أحدهما في زمان بعد زمان عدم الآخر متصلا به فيترتب عليه اثر ذلك، لكنه ليس مما نحن فيه من كون موضوع الاثر عدم احدهما في زمان الآخر لا بعده متصلا به كما ذكر في السؤال (فان قلت): فليستصحب عدمه إلى اثناء زمان العلم بالآخر بمقدار يتحقق الاقتران بالزمان (قلت): يمتنع ذلك لأن الزمان التفصيلي الذي يعلم فيه وجود الآخر اما حدوثا أو بقاء يعلم فيه ايضا وجود مستصحب العدم اما حدوثا أو بقاء لما عرفت من انه زمان اليقين بوجود الحادثين معا فكيف يستصحب عدم احدهما فيه (قوله: في استصحاب عدمه) يعني يجري استصحاب عدم الوجود الخاص على أحد الانحاء فيترتب عليه انتفاء اثره، وقد عرفت انه لا مانع من هذا الاستصحاب بعد ما كان الوجود الخاص مسبوقا بالعدم ومجرد العلم بانتقاض العدم المطلق بالوجود لا ينافي الشك في انتقاض العدم الخاص به، كما عرفت ايضا الاشكال في جريان استصحاب عدم المتأخر لأن الوجود المتأخر ليس مشكوك الحدوث الا
* لولا المعارضة باستصحاب العدم في طرف الآخر أو طرفه كما تقدم (وإما) يكون مترتبا على ما إذا كان متصفا بكذا فلا مورد للاستصحاب أصلا لا في مجهول التاريخ وفي معلومه كما لا يخفى لعدم اليقين بالاتصاف به سابقا منهما (وإما) يكون مترتبا على عدمه الذي هو مفاد ليس التامة في زمان الآخر فاستصحاب العدم في مجهول التاريخ منهما كان جاريا لاتصال زمان شكه بزمان يقينه ______________________________ بلحاظ وصف التأخر لا بلحاظ ذاته لأن ذات الوجود المتأخر معلوم التحقق مرددا بين الحدوث والبقاء، فجريان استصحاب عدمه غير ممكن والوصف ليس عدمه مجرى للاصل بناء على مختاره (ره) من كونه اعتباريا محضا فراجع (قوله: لولا المعارضة) قد تقدم اختصاص المعارضة بما لو كان الوجود الخاص للآخر ذا اثر شرعي على نحو يعلم اجمالا بتحقق احد الأثرين على نحو لا يجوز اجراء الأصل كما تقدم تفصيله (قوله: على ما إذا كان متصفا) بان يكون موضوع الأثر كون الوجود متصفا بالتقدم أو باحد ضديه بنحو مفاد كان الناقصة لا على الوجود المتصف بنحو مفاد كان التامة الذي تقدم حكمه في الصورة الأولى (قوله: لعدم اليقين بالاتصاف) لما اشرنا إليه سابقا من كون العناوين المذكورة منتزعة من نفس الوجود الخارجي فهو إما واجد لمنشأ انتزاعها من الأول أو ليس بواجد له كذلك لا أنه ليس بواجد له من الأزل ثم يشك في اتصافه بها ليجري استصحاب عدم الاتصاف كما في موارد استصحاب العدم الأزلي مثل اصالة عدم القرشية. لكن عرفت التأمل في المبني المذكور (قوله: مترتبا على عدمه) بأن يكون موضوع الأثر عدم احد الحادثين المقيد بكونه في زمان الآخر (قوله: في زمان الآخر) قيد للعدم (قوله: فاستصحاب العدم) يعني يجري استصحاب العدم في مجهول التاريخ إلى زمان حدوث معلوم التاريخ فيثبت عدمه في زمان الآخر فيترتب عليه أثره (قوله: لاتصال زمان) قد عرفت ان شبهة عدم الاتصال جارية في جميع موارد العلم الاجمالي بالانتقاض ومنها المقام، حيث أن مجهول التاريخ لما كان معلوم الوجود المردد بين ما قبل معلوم التاريخ وما بعده كان زمان الشك في عدمه
دون معلومه لانتفاء الشك فيه في زمان وإنما الشك فيه باضافة زمانه إلى الآخر، وقد عرفت جريانه فيهما تارة وعدم جريانه كذلك أخرى. فانقدح أنه لا فرق بينهما كان الحادثان مجهولي التاريخ أو كانا مختلفين ولا بين مجهوله ومعلومه في المختلفين فيما اعتبر ______________________________ وهو زمان حدوث معلوم التاريخ غير محرز الاتصال بزمان اليقين به لاحتمال انفصاله عنه بزمان اليقين بوجوده فتأمل جيدا (قوله: دون معلومه) يعني لا يجري استصحاب العدم في معلوم التاريخ إلى زمان حدوث مجهول التاريخ (قوله: لانتفاء الشك فيه) يعني بالاضافة إلى الازمنة التفصيلية لانه بعد فرض كونه معلوم التاريخ يكون قبل تاريخ حدوثه معلوم العدم وبعده معلوم الوجود فليس زمان تفصيلي يشك في وجود المستصحب فيه وانما يشك في وجوده بالاضافة إلى الزمان الاجمالي لوجود مجهول التاريخ ولا يجري استصحاب عدمه بالاضافة إلى الآخر اما لعدم اتصال زمان الشك بزمان اليقين كما يراه استاذنا المصنف (ره) أو لعدم كون الشك في البقاء كما حكيناه عن بعض مشايخنا المعاصرين (قوله: وقد عرفت) تلخيص لحكم صور مالو علم تاريخ احدهما دون الآخر وكأنه تعريض بشيخنا الاعظم (ره) حيث لم يتعرض الا لجريان اصل العدم في المجهول التاريخ دون المعلوم وكأنه لاجل ذلك لم يذكر المصنف (ره) ذلك مضافا إلى ذكره صورتي الجريان فيهما وعدمه كذلك فتأمل (قوله: فيهما تارة) يعني في المجهول والمعلوم مشيرا إلى الصورة الاولى (قوله: كذلك اخرى) مشيرا إلى الصورة الثانية (قوله: فانقدح انه لا فرق) فذلكة البحث عن الحادثين من أوله إلى آخره، وكأنه تعريض بشيخنا الاعظم (قدس سره) حيث لم يتعرض الا لما عرفت فيما لو جهل تاريخ احدهما دون الآخر ولجريان اصل العدم فيما لو جهل تاريخهما معا (قوله: لا فرق بينهما) الظاهر ان اصل العبارة: لا فرق بينهما (قوله: مختلفين) يعني كان احدهما معلوم التاريخ والآخر مجهوله (قوله: فيما اعتبر) متعلق بلا فرق، يعني إذا اعتبر في الموضوع خصوصية
* في الموضوع خصوصية ناشئة من إضافة أحدهما إلى الآخر بحسب الزمان من التقدم أو أحد ضديه وشك فيها، كما لا يخفى كما انقدح أنه لا مورد للاستصحاب أيضا فيما تعاقب حالتان متضادتان ______________________________ مثل التقدم وأحد ضديه جرى اصل عدمه في جميع الصور (قوله: من التقدم) بيان لقوله (خصوصية) (قوله: كما انقدح انه لا مورد) هذا شروع في حكم تعاقب الحادثين المتضادين كالطهارة والنجاسة من حيث جواز استصحابهما إلى ما بعد زمان حدوثهما وقد وقع النزاع بين المحققين في جواز الاستصحاب في كل واحد منهما مع قطع النظر عن معارضته باستصحاب الآخر وعدمه فالمعروف بينهم هو الاول وذهب جمع إلى الثاني لوجوه (الاول) ما اشار إليه المصنف (ره) من عدم احراز اتصال زمان الشك بزمان اليقين لاحتمال انفصاله عنه بزمان اليقين بانتقاضه وهو زمان اليقين بحدوث الآخر، مثلا إذا طهر المحل في ساعة ونجس في الاخرى وشك في المتقدم والمتأخر فأريد استصحاب الطهارة مثلا في الساعة الثالثة لم يحرز اتصال الساعة الثالثة التي هي زمان الشك بزمان اليقين بالطهارة لاحتمال انفصاله عنه بزمان اليقين بالنجاسة بان تكون الطهارة في الساعة الاولى والنجاسة في الثانية ومع هذا الشك لا مجال للتمسك بدليل الاستصحاب لعدم احراز كونه من نقض اليقين بالشك وقد عرفت الكلام فيه مكررا فلا نعيد (الثاني) ما ذكره بعض مشايخنا المحققين من ان منصرف دليل الاستصحاب كون الشك الذي لا يجوز نقض اليقين به شكا في البقاء والارتفاع، وليس هنا كذلك إذا الشك في المثال المذكور في بقاء الطهارة في الساعة الثالثة وارتفاعها في الساعة الثانية، لان الطهارة ان كانت واقعة في الساعة الثانية فهي باقية في الثالثة، وان كانت واقعة في الساعة الاولى فهي مرتفعة في الثانية لا في الثالثة، فالساعة الثالثة ليست زمان الشك في الارتفاع بل يعلم بعدم الارتفاع فيها إذ الارتفاع محتمل في الثانية لا غير (وفيه) أن دعوى الانصراف ممنوعة. نعم قوام الاستصحاب كون الشك شكا في البقاء وهو
حاصل، مع ان لازم دعوى الانصراف المذكور عدم جريان الاستصحاب في جميع موارد طروء محتمل الرافعية إذ الزمان الثاني بعد زمان طروئه ليس مما يحتمل فيه الارتفاع بل المحتمل الارتفاع في زمان محتمل الرافعية ولا يظن التزامه به بل لازمه انه لو احتمل وجود الرافع في زمان معين عدم جواز استصحاب المرفوع فيما بعد ذلك الزمان ولا يظن التزامه به أيضا (الثالث) ما ذكره ايضا شيخنا المتقدم من ان المنصرف من دليل الاستصحاب اتصال زمان الشك بزمان اليقين بمعنى ان لو انتقلنا من زمان الشك المتأخر إلى ما قبله من الازمنة وتقهقرنا إلى الوراء عثرنا على زمان اليقين بالمستصحب وليس هنا كذلك لان ما قبل الساعة الثالثة التي هي زمان الشك هو الساعة الثانية وهي ليست زمان اليقين بالطهارة أو النجاسة في المثال المتقدم، وما قبلها وهو الساعة الأولى أيضا ليست زمان اليقين بالطهارة ولا اليقين بالنجاسة لاحتمال كل منهما وقوعه فيها وفيما بعدها، وحيث انه ليس لنا زمان تفصيلي نتيقن فيه الطهارة والنجاسة امتنع الاستصحاب لانصراف الدليل عنه. نعم لا باس باستصحاب كل من الطهارة والنجاسة إلى الزمان الثاني اجمالا المتصل بزمان اليقين بحدوث كل منهما إلا أنه إنما يصح لو كان الأثر لمجرد بقاء الطهارة أو النجاسة في زمان ما اجمالا دون ما لو كان الأثر لثبوت احدهما في زمان تفصيلي كما في مثل صحة الصلاة ونجاسة الملاقي - بالكسر - المجعولان للطهارة والنجاسة في حال الصلاة والملاقاة (وفيه) أن دعوى الانصراف ممنوعة بل الظاهر من الأدلة اعتبار اليقين بوجود المستصحب والشك في بقائه لا غير وهو في المقام حاصل بلا ريب (الرابع) ما ذكره ايضا شيخنا المتقدم من ان قوام الاستصحاب الشك في امتداد المستصحب، وليس هنا كذلك، فان الحدث المجهول التاريخ في المقام إن كان سابقا على الزوال فهو مرتفع وليس له امتداد، وان كان لاحقا للزوال فهو باق وممتد، فلا شك في الامتداد على كل تقدير، بل الشك في التقدم والتأخر لا غير (وفيه) ان مرجع الشك في الامتداد إلى احتمال كل من الارتفاع والبقاء وهو حاصل كما ذكر في وجه المنع. نعم الشك المذكور ناشئ من الشك في التقدم والتأخر لا أنه عينه فهنا شكان: شك في
كالطهارة والنجاسة وشك في ثبوتهما وانتفائهما للشك في المقدم والمؤخر منهما وذلك لعدم إحراز الحالة السابقة المتيقنة المتصلة بزمان الشك في ثبوتهما وترددها بين الحالتين وأنه ليس من تعارض الاستصحابين فافهم وتأمل في المقام فانه دقيق (الثاني عشر) أنه قد عرفت أن مورد الاستصحاب ______________________________ الامتداد وشك في التقدم والتأخر ينشأ اولهما عن ثانيهما (الخامس) ما يختلج في الذهن من ان البقاء تابع للحدوث والشك فيه تابع للعلم بالحدوث، فان كان الحدوث المعلوم بلحاظ الأزمنة التفصيلية فالبقاء لابد ان يكون كذلك، وان كان الحدوث بلحاظ الازمنة الاجمالية فالبقاء لابد ان يكون كذلك، ولا يصح اعتبار البقاء مع مخالفته للحدوث في الزمان بأن يكون الحدوث المعلوم بلحاظ الزمان التفصيلي والبقاء بلحاظ الزمان الاجمالي، وكذا العكس. إذ البقاء منتزع من وجود الحادث في الزمان المتصل بزمان حدوثه، فإذا كان زمان حدوثه مرددا بين آنين فالزمان الثاني المتصل به لابد أن يكون ايضا مرددا بين آنين والا لم يكن متصلا به. وكذا الحكم إذا كان زمان الحدوث معلوما تفصيلا فان البقاء لابد أن يكون في الزمان المتصل به المعلوم تفصيلا، وإذا كان الزمان الذى يقصد ابقاء الحادث فيه مرددا بين آنين لم يكن متصلا به. وعليه فإذا تردد زمان الحدوث بين زمانين وكان الأثر الشرعي مترتبا على البقاء في الجملة بمعنى الثبوت في الزمان الثاني المتصل بزمان الحدوث صح استصحاب الحادث واثباته في الزمان الاجمالي ليترتب عليه اثر بقائه كذلك، أما إذا كان الأثر مترتبا على وجوده في الزمان التفصيلي امتنع استصحابه ليترتب عليه الاثر المذكور لأن ثبوته في الزمان التفصيلي ليس بقاء لثبوته المردد بين الزمانين ليمكن اثباته بالاستصحاب لاختصاص الاستصحاب باثبات البقاء لا غير. وهذا الوجه متين جدا وان لم اعرف احدا ذكره، والله سبحانه ولي التوفيق والسداد (قوله: كالطهارة و) ومثلهما الطهارة والحدث (قوله: للشك) متعلق بقوله: وشك (قوله: وذلك لعدم) تعليل لقوله كما انقدح (قوله: وانه ليس من تعارض) قد عرفت انه محل اشكال ومحتاج إلى التأمل
لابد أن يكون حكما شرعيا أو موضوعا لحكم كذلك، فلا إشكال فيما كان المستصحب من الاحكام الفرعية أو الموضوعات الصرفة الخارجية أو اللغوية إذا كانت ذات أحكام شرعية (وأما) الامور الاعتقادية التي كان المهم فيها شرعا هو الانقياد والتسليم والاعتقاد بمعنى عقد القلب عليها من الاعمال القلبية الاختيارية، فكذا لا اشكال في الاستصحاب فيها حكما وكذا موضوعا فيما كان هناك يقين سابق وشك لاحق لصحة التنزيل وعموم الدليل ______________________________ التنبيه الثاني عشر (قوله: لابد أن يكون حكما شرعيا أو موضوعا) لما اشير إليه من امتناع تعبد الشارع الاقدس الا بشرطين (احدهما) ان يكون المستصحب حكما شرعيا أو موضوعا له لأن ما لا يكون كذلك خارج عن حيطة تصرفه بما هو شارع فلا مجال لتعبده به الذي هو نحو من تصرفه (ثانيهما) أن يكون الحكم الشرعي الملحوظ في مقام التعبد مما يترتب عليه أثر علمي فلو لم يكن كذلك - كما لو كان خارجا عن محل الابتلاء للمكلف - امتنع التعبد للغويته ومع اجتماعهما يجري الاستصحاب سواء كان الحكم المستصحب من الاحكام الاصلية ام الفرعية العملية ام الاعتقادية الالزامية ام اللاالزامية وسواء كان الموضوع المستصحب من الموضوعات العرفية ام الشرعية ام اللغوية لعموم دليل الاستصحاب من دون مخصص (قوله: الصرفة) اي التي ليس فيها شائبة الشرعية كالماء والتمر لا كالطهارة والنجاسة وغيرهما من الوضعيات التي تكون موضوعات للاحكام وتخصيص هذا القسم بالذكر لانه مظنة الاشكال (قوله: واما الامور الاعتقادية) حاصله: أن الامور الاعتقادية نوعان (الاول) ما كان الواجب فيه الاعتقاد فقط (والثاني) ما كان الواجب فيه المعرفة واليقين (اما الاول) فيجري فيه الاستصحاب موضوعا وحكما إذا اجتمعت فيه اركانه من اليقين بالوجود والشك
في البقاء فإذا شك في بقاء شئ يجب الاعتقاد به على تقدير بقائه استصحب بقاؤه ويترتب عليه وجوب الاعتقاد به، وإذا شك في وجوب الاعتقاد بشئ مع العلم بوجوب الاعتقاد به سابقا استصحب ويترتب عليه وجوب الاعتقاد به عقلا كما في سائر موارد استصحاب الوجوب، إذ لا فرق في الاثر الشرعي بين وجوب الاعتقاد ووجوب غيره كما لا فرق في العمل بين عمل الجوارح والجوانح (نعم) صحة ما ذكر تتوقف على مقدمتين (احداهما) أن الاعتقاد غير اليقين. إذ لو كان عينه كان هذا القسم هو القسم الثاني الذي يأتي حكمه (ثانيتهما) أن الاعتقاد بناء على مغايرته لليقين ليس من لوازم اليقين خارجا بل يمكن ان يتحقق مع الشك أو اليقين بالخلاف إذ لو كان من لوازمه امتنع التعبد بوجوبه في ظرف الشك بمتعلقه لاستحالة وجوده مع الشك (وملخص) الكلام في الاولى: أن المحكي عن اكثر المتكلمين ان الاعتقاد فعل اختياري للقلب غير اليقين ويقابله الجحود، وهذا هو ظاهر شيخنا الاعظم (ره) واستاذنا المصنف (ره) مستدلين عليه بالآيات والاخبار الدالة على ذلك كقوله تعالى: (جحدوا بها واستيقنتها انفسهم كفرا وعلوا) مضافا إلى الوجدان فانه شاهد بان عقد القلب على شئ أمر آخر وراء اليقين به كما عرفت ذلك في مبحث الموافقة الالتزامية (خلافا) لآخرين مستدلين ايضا بالوجدان وانه ليس شئ مما يعرض على النفس بعد اليقين بنبوة شخص مثلا إلا الرضا بنبوته والبناء عليها والعزم على اطاعته، ومن المعلوم أن ليس لأحد هذه الامور دخل في الاعتقاد فلا بد ان يكون عين اليقين (وفيه) منع انحصار الافعال بذلك بل هناك شئ وراءها وهو الالتزام بالنبوة ويكون الرضا بها من مقدماته (وملخص) الكلام في المقدمة الثانية، هو ان المحكي عن بعض المحققين ان الاعتقاد بعد البناء على مغايرته لليقين ملازم لليقين يمتنع اجتماعه مع الشك فضلا عن اليقين بالخلاف (وفيه) أن الاستدلال على المقدمة الاولى بما سبق شاهد ببطلان ذلك لدلالته على التفكيك بين الاعتقاد واليقين فانه كما يدل على مغايرتهما يدل على نفي اللزوم بينهما (هذا) كله في النوع الاول (واما النوع) الثاني فيمتنع جريان
وكونه أصلا عمليا إنما هو بمعنى أنه وظيفة الشاك تعبدا قبالا للامارات الحاكية عن الواقعيات فيعم العمل بالجوانح كالجوارح، وأما التي كان المهم فيها شرعا وعقلا هو القطع بها ومعرفتها فلا مجال له موضوعا ويجري حكما، فلو كان متيقنا بوجوب تحصيل القطع بشئ كتفاصيل القيامة في زمان وشك في بقاء وجوبه يستصحب، وأما لو شك في حياة إمام زمان مثلا فلا يستصحب لأجل ترتيب لزوم معرفة إمام زمانه بل يجب تحصيل اليقين بموته أو حياته مع إمكانه، ولا يكاد يجدي في مثل وجوب المعرفة عقلا أو شرعا إلا إذا كان حجة من باب إفادته الظن وكان المورد مما يكتفى به أيضا فالاعتقادات كسائر الموضوعات لابد في جريانه فيها من أن يكون في المورد أثر شرعي يتمكن من موافقته مع بقاء الشك فيه كان ذاك متعلقا بعمل الجوارح أو الجوانح. وقد انقدح بذلك أنه لا مجال له في نفس النبوة إذ كانت ناشئة من ______________________________ الاستصحاب فيه لعدم الأثر العملي لبقائه حتى يترتب بالاستصحاب ووجوب المعرفة ليست من آثار بقائه واقعا بل هو ثابت مطلقا حتى مع ارتفاعه. نعم لا مانع من جريان الاستصحاب في حكمه - أعني وجوب المعرفة لو شك في بقائه بعد اليقين بثبوته - كما لا مانع من جريان الاستصحاب في نفس الموضوع لو كان الاستصحاب مفيدا للظن وكان مما تكفي فيه المعرفة الظنية، لكن ذلك لا لأنه حجة بل لحصول المعرفة الظنية التي هي داخلة في المعرفة الواجبة ولو لم نقل بحجيته من باب الظن أولم نقل بحجيته أصلا والله سبحانه أعلم (قوله: وكونه أصلا عمليا) إشارة إلى توهم ان الاستصحاب من الاصول العملية فلا يجري في الامور الاعتقادية لأن الاعتقادية تقابل العملية. وحاصل الدفع: ان المراد من الاصل ما يقابل الامارة ومن العمل ما يعم العمل بالجوانح لا ما يقابل الاعتقاد (قوله: فلا مجال له) يعني لا مجال للاستصحاب فيها موضوعا فلا يصلح لاثبات نفس الموضوعات التي تجب معرفتها (قوله: ولا يكاد يجدي) يعني الاستصحاب وانما لا يجدي لعدم كونه معرفة (قوله: مع بقاء الشك) مثل
كمال النفس بمثابة يوحى إليها وكانت لازمة لبعض مراتب كمالها إما لعدم الشك فيها بعد اتصاف النفس بها أو لعدم كونها مجعولة بل من الصفات الخارجية التكوينية ولو فرض الشك في بقائها باحتمال انحطاط النفس عن تلك المرتبة وعدم بقائها بتلك المثابة كما هو الشأن في سائر الصفات والملكات الحسنة الحاصلة بالرياضات والمجاهدات وعدم أثر شرعي مهم لها يترتب عليها باستصحابها (نعم) لو كانت النبوة من المناصب المجعولة وكانت كالولاية وان كان لابد في اعطائها من أهلية وخصوصية يستحق بها لها لكانت موردا للاستصحاب بنفسها فيترتب عليها آثارها ولو كانت عقلية بعد استصحابها ______________________________ وجوب الاعتقاد كما تقدم لا مثل وجوب المعرفة (قوله: وعدم اثر شرعي) معطوف على عدم كونها مجعولة يراد من الواو معنى (مع) لأن عدم كونها مجعولة لا يكفي في المنع عن استصحابها إلا مع عدم أثر شرعي لها (فان قلت): كيف لا يكون لها أثر شرعي مع أن وجوب العمل باحكام النبي من آثارها ؟ (قلت): وجوب العمل بالأحكام ليس من آثار النبوة بهذا المعنى إذ لو علم ببقائها بهذا المعنى لا يجب العمل بالأحكام مع العلم بحدوث شريعة أخرى لنبي بعده بل هو من آثار النبوة بمعنى المنصب الالهي المجعول الذي سيأتي انه لا مانع من استصحابها وترتيب آثارها الشرعية والعقلية. ومن هنا كان المناسب للمصنف (ره) التنبيه على الفرق بينهما من هذه الجهة حتى لا يتوهم الايراد عليه بأن النبوة ان كان لها أثر مصحح للاستصحاب جرى استصحابها سواء كانت من الملكات أم المناصب المجعولة وإلا لم يصح مطلقا أيضا، وكأنه لوضوح الحال لم يتعرض لبيانه فتأمل جيدا (قوله: موردا للاستصحاب) لاجتماع اركانه (قوله: آثارها ولو كانت عقلية) الظاهر أن وجوب العمل بالاحكام من الآثار العقلية للنبوة من قبيل وجوب العمل بسائر الحجج ويكفي في صحة استصحابها ترتبه كما يفكي أيضا في استصحاب الحجية، ولعل الشك في بقاء الحجية كاف في نظر العقل في وجوب
لكنه يحتاج إلى دليل كان هناك غير منوط بها والا لدار كما لا يخفى. وأما استصحابها بمعنى استصحاب بعض أحكام شريعة من اتصف بها فلا اشكال فيها كما مر. ثم لا يخفى أن الاستصحاب لا يكاد يلزم به الخصم إلا إذا اعترف بانه على يقين فشك فيما صح هناك التعبد والتنزيل ودل عليه الدليل كما لا يصح أن يقنع به إلا مع اليقين والشك والدليل على التنزيل. ومنه انقدح انه لا موقع لتشبث الكتابي باستصحاب نبوة موسى أصلا ______________________________ ترتيب آثارها وان لم يقم دليل على حجية الاستصحاب، كما ان الشك في حدوث الحجية كاف في نظر العقل في جواز ترتيب آثار عدمها وان لم يقم دليل على حجية الاستصحاب نعم لو ثبت دليل على الاستصحاب كان واردا على حكم العقل في المقامين فيكون حال النبوة كذلك. فتأمل (قوله: لكنه يحتاج إلى دليل) يعني أن إجراء الاستصحاب في النبوة يتوقف على العلم بحجية الاستصحاب مع قطع النظر عن النبوة السابقة وإلا لزم الدور لأن بقاء النبوة يتوقف على حجية الاستصحاب وهي تتوقف على بقاء النبوة. ثم إنه قد يتوهم انه يكفي في صحة استصحاب النبوة كون حجيته ثابتة في كلتا الشريعتين (وفيه) أن ثبوته في الشريعة اللاحقة لا ينفع لعدم صلاحية دليله لعموم الحكم للنبوة السابقة المشكوكة لأنه يلزم من هذا العموم عدمه لأن بقاء النبوة السابقة يقتضي بطلان النبوة اللاحقة الملزوم لبطلان العموم فالشك فيها يستلزم الشك في صحة العموم. نعم اشتراك الشريعتين في حجية الاستصحاب يقتضي العلم بالحكم الظاهري الذي يكون واقعه مجرى للاستصحاب مع الشك فيه بالنظر إلى كلتا الشريعتين. هذا ويمكن استصحاب النبوة بالنظر إلى ما عرفته في الحاشية السابقة من حكم العقلاء فلاحظ (قوله: فلا اشكال) قد عرفت انه من الاستصحاب التعليقي فيتوقف على القول به (قوله: لا يكاد يلزم به) يعني ان الاستدلال بالاستصحاب في كل مقام إما ان يكون غرض المستدل به الزام خصمه وابطال دعواه، واما ان يكون غرضه اقناع نفسه واثبات دعواه،
لا إلزاما للمسلم لعدم الشك في بقائها قائمة بنفسه المقدسة واليقين بنسخ شريعته وإلا لم يكن بمسلم، مع انه لا يكاد يلزم به ما لم يعترف بانه على يقين وشك، ولا اقناعا مع الشك للزوم معرفة النبي بالنظر إلى حالاته ومعجزاته عقلا وعدم الدليل على التعبد بشريعته لا عقلا ولا شرعا والاتكال على قيامه في شريعتنا لا يكاد يجديه ______________________________ فان كان الغرض الأول توقف على امور (الأول) كون الخصم متيقنا بالثبوت شاكا في البقاء إذ لولاه لم يصح أخذه بالاستصحاب (الثاني) أن يكون للمستصحب أثر شرعي مصحح للتعبد كما تقدم (الثالث) أن يعتقد الخصم قيام الدليل على الاستصحاب وإلا فكيف يلتزم به. وان كان الغرض الثاني توقف أيضا على هذه الامور لكن بالاضافة إلى المستدل بان يكون متيقنا بالثبوت شاكا في البقاء، وان يكون في المورد أثر مصحح في نظره وان يعتقد قيام الدليل عليه (قوله: لعدم الشك) يعني للعلم ببقائها فهو إشارة إلى انتفاء الاول (قوله: قائمة بنفسه) هذا يدل على أخذ النبوة بمعني صفة النفس، وعليه كان المناسب التنبيه على انتفاء الشرط الثاني وهو عدم الاثر لها بهذا المعنى، بل وانتفاء الثالث وهو عدم الدليل على حجية الاستصحاب لما عرفت من أن ثبوته في شريعتنا لا يكفي لعدم عموم الدليل لمورد الالزام لانه يلزم من وجوده عدمه. نعم لو ثبت ما تقدم من كون دليله العقل في خصوص الحجية ونحوها تم وسيأتي (قوله: واليقين بنسخ) يعني لو كان مراده استصحاب نفس الشريعة (قوله: لا يكاد يلزم) يعني في الظاهر وإلا ففي الواقع يلزم مع شكه في البقاء وان لم يعترف به (قوله: بالنظر إلى) متعلق بمعرفة ومثله قوله: عقلا (قوله: وعدم الدليل) إشارة إلى انتفاء الشرط الثالث (قوله: لا عقلا) قد عرفت امكان دعوى لزوم التعبد عقلا لكنه تجب المعرفة عقلا مع احتمال حصولها (قوله: والاتكال على) نقض لقوله: لا شرعا، بتوهم أن ثبوته في
إلا على نحو محال ووجوب العمل بالاحتياط عقلا في حال عدم المعرفة بمراعاة الشريعتين ما لم يلزم منه الاختلال للعلم بثبوت إحداهما على الاجمال إلا إذا علم بلزوم البناء على الشريعة السابقة ما لم يعلم الحال (الثالث عشر) أنه لا شبهة في عدم جريان الاستصحاب في مقام مع دلالة مثل العام لكنه ربما يقع الاشكال والكلام فيما إذا خصص في زمان في أن المورد بعد هذا الزمان مورد الاستصحاب أو التمسك بالعام (والتحقيق) أن يقال: إن مفاد العام (تارة) يكون بملاحظة الزمان ثبوت حكمه لموضوعه على نحو الاستمرار والدوام (وأخرى) على نحو جعل كل يوم من الايام فردا لموضوع ذاك العام وكذلك مفاد مخصصه (تارة) يكون على نحو أخذ الزمان ظرف استمرار حكمه ودوامه (وأخرى) على نحو يكون مفردا ومأخوذا في موضوعه فان كان مفاد كل من ______________________________ شريعتنا كاف في ثبوته شرعا (قوله: على نحو محال) كما اشرنا إليه سابقا حيث أن الاعتماد فيه على شريعتنا يتوقف على العلم بصدق الشريعة ويلزمه العلم بارتفاع الشريعة الأولى فلا شك فيها ليصح التعبد ببقائها (قوله: ووجوب العمل) معطوف على لزوم المعرفة (قوله: بمراعاة) متعلق بالاحتياط (قوله: للعلم بثبوت) متعلق بوجوب العمل وتعليل له (قوله: الا إذا علم بلزوم) كما عرفت انه قريب جدا في نظر العقل التنبيه الثالث عشر (قوله: مع دلالة مثل العام) لحكومته على الاصول ومنها الاستصحاب كما سيأتي انشاء الله تعالى تفصيله (قوله: ربما يقع الاشكال) ووجهه الاشكال في حجية العام فيما بعد زمان التخصيص وعدمها (قوله: ثبوت حكمه لموضوعه) (ثبوت) مبتدأ خبره (على نحو) والجملة خبر (يكون) وضمير (حكمه) و (موضوعه) راجع إلى العام يعني يكون الزمان ظرفا للنسبة ويكون المجعول لكل فرد من افراد العام حكما واحدا مستمرا (قوله: فردا لموضوع ذاك العام) يعني لوحظ
العام والخاص على النحو الاول فلا محيص عن استصحاب حكم الخاص في غير مورد دلالته لعدم دلالة للعام على حكمه لعدم دخوله على حدة في موضوعه، وانقطاع الاستمرار بالخاص الدال على ثبوت الحكم له في الزمان السابق من دون دلالته على ثبوته في الزمان اللاحق فلا مجال إلا لاستصحابه ______________________________ الزمان قيدا للموضوع على نحو يكون كل يوم أو كل ساعة قيدا للموضوع في قبال غيره من الايام والساعات فيكون كل فرد من افراد العام كزيد وعمرو منحلا إلى افراد متباينة لتباين الايام أو الساعات المأخوذة قيدا لها (قوله: على النحو الاول) يعني المجعول ظرفا لاستمرار النسبة (قوله: في غير مورد دلالته) الضمير راجع إلى الخاص والمراد ما بعد زمان الخاص (قوله: لعدم دلالة للعام) يعني انما يرجع إلى العام فيما كان دالا عليه والعام لا يدل على ثبوت الحكم للفرد في الزمان الثاني في قبال دلالته على حكمه في الزمان السابق حتى يحكم بحجيته فيه مع الحكم بعدم حجيته على ثبوته في الزمان السابق، بل العام إنما يدل على ثبوت حكم واحد مستمر إلى نهاية الزمان فإذا دل الخاص على انقطاع الحكم في زمان معين فلما كان الحكم في الزمان الذي بعده غير الحكم الاول فلم يدل عليه العام وسقط عن الحجية كان المرجع الاستصحاب (فان قلت): لا ريب في ان الحكم المجعول لكل واحد من الافراد بملاحظة الزمان المأخوذ قيدا للنسبة أو الحكم منحل إلى احكام متعددة بتعدد اجزاء الزمان كما هو شأن جميع الامور الممتدة المستمرة فدلالة العام على الحكم المذكور المنحل إلى الاحكام الضمنية تنحل ايضا إلى دلالات ضمنية بالاضافة إلى تلك الاحكام الضمنية فدلالة الخاص انما تنافي بعض تلك الدلالات الضمنية اعني دلالة العام على الحكم الضمني في زمان الخاص لا غير، فسقوط حجية تلك الدلالة للعام لا تقتضي سقوط حجية دلالته على غيره، ومقتضى ذلك وجوب الرجوع إلى دلالة العام لا إلى الاستصحاب (قلت): ما ذكرت مسلم الا ان دلالة العام على كل واحد من تلك الاحكام الضمنية التدريجية (تارة)
* تكون بلا عناية الاستمرار والامتداد بان لوحظ كل جزء من الموضوع الممتد المستمر وحكم عليه في عرض ملاحظته للجزء الآخر منه والحكم عليه (وأخرى) تكون بعناية الاستمرار والاتصال بحيث يكون الحكم على الجزء اللاحق بعناية انه كان على ما قبله من الأجزاء أو استمر إليه وامتد عليه، فان كانت الدلالة على النحو الأول تعين ما ذكرت من مرجعية العام لكنه غير ما نحن فيه بل هو القسم الآخر الذي سيأتي وجوب الرجوع إلى العام فيه، اما ما نحن فيه فهو النحو الثاني مما ذكرنا (فان قلت): ما ذكرت يقتضي عدم حجية العام في الباقي بعد التخصيص لأن العام انما دل على حكم عام لجميع الافراد، فإذا خصص لم يبق الحكم عاما فاثبات الحكم الباقي بالعام اثبات لغير مدلوله به (قلت): العموم بعنوانه ليس مدلولا للعام بل مدلوله كل واحد واحد من احكام افراده غاية الامر يعتبر عنوان العموم لمدلوله في رتبة لاحقة للدلالة فإذا فرض ان العام ليس بحجة في مورد التخصيص وجب رفع اليد عن بعض مدلوله فيكون نتيجة ذلك التوزيع في المدلول. (فتأمل) مع أنه لو فرض كون العموم بعنوانه مدلولا للعام امكن دعوى وجوب رفع اليد عن دلالته على العموم بالخاص وانه الجمع العرفي بينهما وان لم يكن من باب التخصيص (وأما) في المقام فنقول: إن كان عنوان الاستمرار مدلولا عليه بالكلام بحيث كان ثبوت الحكم في الزمان الثاني بعناية الاستمرار والتبعية له كان الجمع العرفي بينه وبين ما دل على انتفاء الحكم في زمان معين في الأثناء هو الحكم بانقطاع الاستمرار فلا موجب لثبوت الحكم فيما بعد ذلك الزمان لان المفروض أن ثبوته فيه كان بعناية الاستمرار والتبعية له وقد انقطع، وان كان عنوان الاستمرار معتبرا لمدلول العام - اعني الاحكام الضمنية المندرجة الملحوظ كل منها في قبال غيره في الرتبة اللاحقة عن دلالة العام عليها - فالجمع العرفي بين العام والخاص هو رفع اليد عن الاستمرار لا غير وتبقى دلالته على الاحكام الضمنية اللاحقة بحالها ومن هنا يظهر أن المتحصل من جميع ما ذكر: أنه مهما كانت دلالة العام على الاحكام الضمنية اللاحقة تبع دلالته على الحكم المستمر وجب رفع اليد عن
نعم لو كان الخاص غير قاطع لحكمه كما إذا كان مخصصا له من الاول ______________________________ العام فيما بعد زمان التخصيص، ومهما كانت الدلالة على الاستمرار تبع الدلالة على الاحكام الضمنية وجب الرجوع إلى العام فيما بعد زمان التخصيص وبني على انقطاع الاستمرار لا غير، والظاهر أنه لا فرق بين اخذ الزمان قيدا للموضوع والحكم أو النسبة فقد يكون حكم العام ملحوظا فيه الاستمرار بحسب ظاهر أالدليل مع أخذ الزمان ظرفا للموضوع، وقد لا يكون الاستمرار ملحوظا فيه مع اخذ الزمان ظرفا للحكم أو النسبة. نعم الغالب في العمومات المغياة بغاية ملاحظة الاستمرار ولو مع اخذ الزمان ظرفا للموضوع كما لو قيل: الجلوس في المسجد يوم الجمعة إلى الليل واجب، والغالب فيما لم تذكر له غاية عدمه كما لو قيل: يجب يوم الجمعة الجلوس في المسجد، فإذا دل دليل على عدم وجوب الجلوس لزيد ساعة الزوال، فان كان العام من قبيل الاول كان الدليل دالا على كون غاية الجلوس لزيد هو الزوال وان كان من قبيل الثاني كان دالا على خروج الزوال عن الظرفية ويبقى ما بعده على ظرفيته للحكم، والأمر سهل في الامثلة بعد معرفة المعيار والله سبحانه الهادي (قوله: نعم لو كان الخاص) اعلم ان شيخنا الاعظم (ره) في رسائله فصل في المقام بين ما إذا كان الزمان مفردا للعام واما اخذ بيانا لاستمرار حكم العام، فحكم في الاول بوجوب الرجوع إلى العام، وفي الثاني بوجوب الرجوع إلى الاستصحاب، واستاذنا المصنف (ره) وافقه في حكم الاول مطلقا وفي حكم الثاني إذا لم يكن الخاص مخصصا في اول الازمنة ولم يكن الزمان في الخاص مفردا، وكلامه هذا تنبيه على الصورة الاولى وان حكمها الرجوع إلى العام لا الاستصحاب (والوجه) فيه: أن العام بالاضافة إلى كل فرد يدل على امرين، احدهما ثبوت حكم واحد مستمر، والآخر كون مبدأ ثبوته اول وجود الموضوع والخاص إذا كان مخصصا في اول الازمنة انما ينافي دلالة العام على الثاني دون دلالته على الاول فيجب الأخذ بدلالته العام على الاول. (نعم) يبقى الاشكال في أن الأخذ
لما ضربه في غير مورد دلالته فيكون أول زمان استمرار حكمه بعد زمان دلالته فيصح التمسك ب (أوفوا بالعقود) ولو خصص بخيار المجلس ونحوه ولا يصح التمسك به فيما إذا خصص بخيار لا في أوله فافهم. وإن كان مفادهما على النحو الثاني فلابد من التمسك بالعام بلا كلام لكون موضوع الحكم بلحاظ هذا الزمان من أفراده فله الدلالة على حكمه والمفروض عدم دلالة الخاص على خلافه، وان كان مفاد العام على النحو الاول والخاص على النحو الثاني فلا مورد للاستصحاب فانه وان لم يكن هناك دلالة اصلا الا أن انسحاب الحكم الخاص إلى غير مورد دلالته ______________________________ بدلالة العام على الأول لا يقتضي كون مبدأ ثبوته الزمان المتصل بزمان الخاص إذا العام لا يدل على ذلك. (وقد) دفعه في الحاشية بأن المخصص إن كان راجعا إلى تقييد الموضوع فلا اشكال إذ بعد التقييد يكون الموضوع المقيد ثابتا له الحكم من اول وجوده، مثلا قوله تعالى: (اوفوا بالعقود) بعد تقييد بمثل: البيعان بالخيار ما لم يفترقا، يكون المراد: العقد في حال الافتراق يجب الوفاء به، وان كان راجعا إلى التخصيص بحسب الزمان فمفاد اطلاق العام ثبوت الحكم من الأول فالاول فإذا لم يكن الاول مبدأ كان الثاني مبدأه. (هذا) وكأن وجه دلالة الاطلاق على ذلك ظهور الدليل في كون نفس الموضوع علة تامة للحكم فإذا دل دليل على عدم كونه كذلك في الزمان الأول بقيت دلالته على عليته فيما بعد ذلك من الزمان بحالها فتأمل جيدا (قوله: لما ضربه في غير) يعني لما ضر الخاص المذكور بالعام في غير مورد دلالته يعني ما بعده من الزمان (قوله: لا في أوله) كما في خيار الغبن بناء على ثبوته عند العلم بالغبن (قوله: فافهم) يمكن ان يكون اشارة إلى الاشكال المتقدم (قوله: على النحو الثاني) يعني ما يكون فيه الزمان مفردا أو معددا للموضوع (قوله: لم يكن هناك دلالة) يعني لا للخاص كما هو
من إسراء حكم موضوع إلى آخر لا استصحاب حكم الموضوع ولا مجال أيضا للتمسك بالعام لما مر آنفا فلابد من الرجوع إلى سائر الاصول، وان كان مفادهما على العكس كان المرجع هو العام للاقتصار في تخصيصه بمقدار دلالة الخاص ولكنه لو لا دلالته لكان الاستصحاب مرجعا لما عرفت من أن الحكم في طرف الخاص قد أخذ على نحو صح استصحابه فتأمل تعرف أن اطلاق كلام شيخنا - أعلى الله مقامه - في المقام نفيا واثباتا في غير محله (الرابع عشر) الظاهر أن الشك في أخبار الباب وكلمات الاصحاب هو خلاف اليقين فمع الظن بالخلاف فضلا عن الظن بالوفاق يجري الاستصحاب ويدل عليه - مضافا إلى أنه كذلك لغة - كما في الصحاح وتعارف استعماله فيه في الاخبار في غير باب - قوله عليه السلام في اخبار الباب: ولكن تنقضه بيقين آخر، حيث أن ظاهره أنه في بيان تحديد ما ينقض به اليقين وانه ليس الا اليقين ______________________________ المفروض ولا للعام كما تقدم (قوله: من اسراء حكم موضوع) لان الموضوع المقيد بالزمان الأول غيره مقيدا بالزمان الثاني ومع تعدد الموضوع لا مجال للاستصحاب المقيد بالزمان، كما تقدم الاشكال فيه وان منع الاستصحاب فيه مبني على كون المرجع في وحدة الموضوع الدليل لا العرف لوحدة الموضوع عرفا، ولا فرق بينه وبين المقيد بغير الزمان مثل: الماء المتغير نجس، هذا مضافا إلى امكان استصحاب نقيض حكم العام فانه غير ملحوظ فيه الزمان كنفسه (قوله: اطلاق كلام) قد عرفت كيفية اطلاق كلامه (ره) إلا ان كونه في مقام البيان من هذه الجهات كلها غير ظاهر بل ليس نظره إلا صلاحية العام للمرجعية وعدمها فتأمل كلامه التنبيه الرابع عشر (قوله: كما في الصحاح) وكذا في القاموس ومجمع البحرين وظاهر الأخير نسبته إلى أئمة اللغة (قوله: في غير باب) فلاحظ باب الشك في عدد
وقوله ايضا: لا حتى يستيقن انه قد نام، بعد السؤال منه (ع) - عما إذا حرك في جنبه شئ وهو لا يعلم، حيث دل باطلاقه - مع ترك الاستفصال بين ما إذا أفادت هذه الامارة الظن وما إذا لم تفد، بداهة انها لو لم تكن مفيدة له دائما لكانت مفيدة له احيانا على عموم النفى لصورة الافادة وقوله عليه السلام بعده ولا تنقض اليقين بالشك، أن الحكم في المغيا مطلقا هو عدم نقض اليقين بالشك كما لا يخفى، وقد استدل عليه أيضا بوجهين آخرين (الأول) الاجماع القطعي على اعتبار الاستصحاب مع الظن بالخلاف على تقدير اعتباره من باب الاخبار (وفيه) أنه لا وجه لدعواه ولو سلم اتفاق الاصحاب على الاعتبار لاحتمال ان يكون ذلك من جهة ظهور دلالة الأخبار عليه (الثاني) أن الظن غير المعتبر إن علم بعدم اعتباره بالدليل فمعناه أن وجوده كعدمه عند الشارع وان كلما يترتب شرعا على تقدير عدمه فهو المترتب على تقدير وجوده وإن كان مما شك في اعتباره فمرجع رفع اليد عن اليقين بالحكم الفعلي السابق بسببه إلى نقض اليقين بالشك فتأمل جيدا (وفيه) أن قضية عدم اعتباره لالغائه أو لعدم الدليل على اعتباره لا يكاد يكون إلا عدم اثبات مظنونه ______________________________ الركعات (قوله: بعد السؤال) ظرف ل (قوله) (قوله: دل باطلاقه) فاعل دل راجع إلى (قوله) (قوله: على عموم) متعلق بقوله: (دل) (قوله: وقوله (ع) بعده) معطوف على فاعل (دل) يعني دل قوله (ع): لا تنقض... الخ على (ان الحكم المغيا) بقوله (ع) حتى... الخ (مطلقا) يعني وان كان الظن على خلافه (هو عدم نقض اليقين بالشك) والعبارة لا تخلو من قصور (قوله: وقد استدل) المستدل شيخنا (ره) في رسائله (قوله: وفيه ان قضية) يعني ان عدم اعتبار الظن شرعا أو عقلا معناه عدم ثبوت مؤداه لا لزوم ترتيب آثار الشك المتساوي الطرفين عليه فإذا فرض ان الاستصحاب من آثار الشك المتساوي الطرفين لا يترتب على الظن مع قيام الدليل
به تعبدا ليترتب عليه آثاره شرعا لا ترتيب آثار الشك مع عدمه، بل لابد حينئذ في تعيين أن الوظيفة أي أصل من الأصول العملية من الدليل فلو فرض عدم دلالة الأخبار معه على اعتبار الاستصحاب فلابد من الانتهاء إلى سائر الأصول بلا شبهة ولا ارتياب ولعله أشير إليه بالامر بالتأمل فتأمل جيدا (تتمة) لا يذهب عليك انه لابد في الاستصحاب من بقاء الموضوع وعدم إمارة معتبرة هناك ولو على وفاقه فها هنا مقامان (المقام الأول) انه لا اشكال في اعتبار بقاء الموضوع بمعنى اتحاد القضية المشكوكة مع المتيقنة موضوعا كاتحادهما حكما، ضرورة انه بدونه لا يكون الشك في البقاء بل في الحدوث ولا رفع اليد عن اليقين في محل الشك نقض اليقين بالشك فاعتبار البقاء بهذا المعنى لا يحتاج إلى زيادة بيان واقامة برهان (والاستدلال) عليه باستحالة انتقال العرض إلى موضوع آخر لتقومه بالموضوع وتشخصه به (غريب) ______________________________ على عدم اعتباره أو عدم قيام دليل على اعتباره (قوله: آثاره شرعا) الضمير راجع إلى مظنونه وضمير (عدمه) راجع إلى الشك (قوله: من الدليل) خبر (لا) في لابد (قوله: ولعله) بل هو الظاهر كما يظهر من ملاحظة كلامه في غير المقام بقاء اشتراط الموضوع (قوله: ضرورة انه بدونه) يعني أن ظاهر ادلة الاستصحاب كون موضوعه الشك في البقاء الموقوف على كون متعلق اليقين والشك واحدا وجودا والاختلاف بينهما في الحدوث والبقاء فقط فيكون متعلق اليقين الحدوث ومتعلق الشك البقاء، أما مع اختلاف الموضوع بأن يكون المتيقن حكم موضوع والمشكوك حكم موضوع آخر لا يكون الشك في الحكم الثاني شكا في البقاء بل في ثبوت حكم آخر غير المتيقن فلا مجال للاستصحاب (قوله: والاستدلال عليه) المستدل شيخنا الاعظم (ره) حيث قال: والدليل على اعتبار هذا الشرط في جريان الاستصحاب
بداهة ان استحالته حقيقة غير مستلزم لاستحالته تعبدا والالتزام بآثاره شرعا، واما بمعنى احراز وجود الموضوع خارجا فلا يعتبر قطعا في جريانه لتحقق اركانه بدونه نعم ربما يكون مما لابد منه في ترتيب بعض الآثار ففي استصحاب عدالة زيد لا يحتاج إلى احراز حياته لجواز تقليده وان كان محتاجا إليه في جواز الاقتداء به أو وجوب اكرامه أو الانفاق عليه وانما الاشكال كله في هذا الاتحاد هل هو بنظر العرف أو بحسب دليل الحكم ______________________________ واضح لأنه لو لم يعلم تحققه لاحقا فإذا اريد إبقاء المستصحب العارض له المتقوم به فاما أن يبقى في غير محل وموضوع وهو محال، واما ان يبقي في موضوع غير الموضوع السابق، ومن المعلوم أن هذا ليس ابقاء لنفس ذلك العارض وانما هو حكم بحدوث عارض مثله في موضوع جديد فيخرج عن الاستصحاب بل حدوثه للموضوع الجديد كان مسبوقا بالعدم فهو المستصحب دون وجوده وبعبارة أخرى... الخ، واعترضه جماعة من تلامذته بما أشار إليه المصنف (ره) من أن المراد بالابقاء إن كان هو البقاء الحقيقي ثم ما ذكر أما لو كان المراد منه الابقاء التعبدي الذي هو عبارة عن مجرد لزوم ترتيب الآثار في مقام الظاهر فلا استحالة فيه مع الشك في الموضوع. هذا ولا يخفى أن هذا الاستدلال من شيخنا (قدس سره) على اعتبار البقاء بالمعنى الآتي - أعني احراز وجود الموضوع لاحقا لا بمعنى اتحاد موضوع القضيتين - فلا يناسب ذكر هذا الكلام هنا بل المناسب ذكره بعد قوله: واما بمعنى احراز... الخ. فلاحظ (قوله: ففي استصحاب عدالة) قد عرفت أنه لابد ان يكون المستصحب أثرا شرعيا أو موضوعا للاثر الشرعي، وحينئذ فقد يكون موضوع الأثر مجرد وجود الشئ فلا حاجة حينئذ في جريان الاستصحاب إلى أكثر من كون ذلك الشئ معلوم الثبوت مشكوك البقاء وذلك مثل جواز التقليد فان موضوعه مجرد عدالة المجتهد فإذا علم رأي مجتهد وشك في
أو بنظر العقل ؟ فلو كان مناط الاتحاد هو نظر العقل فلا مجال للاستصحاب في الاحكام لقيام احتمال تغير الموضوع في كل مقام شك في الحكم بزوال بعض ______________________________ عدالته جرى استصحاب عدالته، ولو اعتبر في جواز التقايد الحياة جرى استصحاب حياته وعدالته، وليس احراز الحياة شرطا في جريان استصحاب العدالة لما عرفت من أن موضوع الأثر الشرعي نفس الحياة والعدالة فإذا اجتمعت أركان الاستصحاب فيهما من اليقين بالثبوت والشك في البقاء جرى الاستصحاب فيهما. وقد يكون موضوع الأثر الشرعي وجود الشئ لأمر خارجي معين فيتوقف جريان الاستصحاب على احراز ذلك الأمر الخارجي المعين مثل جواز الائتمام فانه انما يترتب على عدالة الامام المعين فلا يجري الاستصحاب إلا مع احراز امام معين ليشك في عدالته فإذا احرز امام معين وشك في عدالته جرى استصحاب عدالته، اما لو لم يحرز وكان الشك في عدالة زيد مثلا امتنع جريان الاستصحاب ليترتب عليه صحة الائتمام، لأن عدالة زيد ليست موضوعا لجواز الائتمام مطلقا حتى يترتب باستصحابها، بل موضوعه عدالة زيد الذي هو الامام المعين. وهكذا الحال في جميع الآثار المتعلقة بالأمر الخارجي المعين مثل وجوب اكرامه وقبول شهادته ونفوذ تصرفه والانفاق عليه ونحوها إذ ما لم يحرز الأمر الخارجي امتنع أن يقال: هذا كان عدلا أو زوجة أو وليا أو نحوها وقد شك في بقائه على ما كان حتى يجري الاستصحاب في حاله ووصفه. ومجرد الشك في ثبوت الحال والوصف لموضوع لا ينفع في ترتيب الآثار المذكورة على استصحابه بعدما كانت موضوعا للاثر بما انها حال ووصف لنفس الأمر الخارجي المعين، فاحراز الموضوع في هذه المقامات ليس دخيلا في جريان الاستصحاب إلا من حيث دخله في كون المشكوك موضوعا للاثر. وقدم تقدم أن لو وجب صوم زمان هو رمضان لابد من احراز أن الزمان رمضان ولا ينفع استصحاب بقاء رمضان في ترتيبه (قوله: فلو كان مناط) شروع في بيان ثمرة الخلاف في مرجع الاتحاد (قوله: لقيام احتمال)
خصوصيات موضوعه لاحتمال دخله فيه ويختص بالموضوعات، بداهة انه إذا شك في حياة زيد شك في نفس ما كان على يقين منه حقيقة بخلاف ما لو كان بنظر العرف أو بحسب لسان الدليل، ضرورة أن انتقاء بعض الخصوصيات وإن كان موجبا للشك في بقاء الحكم لاحتمال دخله في موضوعه إلا أنه ربما لا يكون بنظر العرف ولا في لسان الدليل من مقوماته، كما انه ربما لا يكون موضوع الدليل بنظر العرف بخصوصه موضوعا (مثلا) إذا ورد: العنب إذا غلى يحرم، كان العنب بحسب ما هو المفهوم عرفا هو خصوص العنب ولكن العرف بحسب ما يرتكز في أذهانهم ويتخيلونه من المناسبات بين الحكم وموضوعه يجعلون الموضوع للحرمة ما يعم الزبيب ويرون العنبية والزبيبية ______________________________ كما تقدم في أوائل مبحث الاستصحاب (قوله: بنظر العرف ولا في) كما لو قيل: الماء إذا تغير نجس، فان موضوع النجاسة في لسان الدليل نفس الماء، وكذا عند العرف فلو زال تغيره امكن استصحاب النجاسة لو كان المرجع في اتحاد القضيتين أحدهما (قوله: هو خصوص العنب) يعني المفهوم الذي لا يصدق على الزبيب وإلا لما شك في ثبوت الحكم الزبيب لأن الدليل يكون رافعا للشك. فالشك انما كان لأجل أنه لا يفهم من العنب المأخوذ موضوعا للحكم المذكور إلا الذات التي لا تصدق على الزبيب (قوله: بحسب ما يرتكز في اذهانهم) هذا - كما سيأتي - شروع في دفع توهم أنه كيف يكون الموضوع في نظر العرف غير الموضوع في لسان الدليل، مع أن المرجع في فهم الدليل هو العرف (وتوضيح) الدفع: انه لا تنافي بين فهمهم من الدليل كون الحكم الشرعي كالتحريم بالغليان مثلا الذي تضمن اثباته الدليل موضوعه العنب على أن يكون وصف العنبية مقوما له بحيث ينتفي الموضوع بانتفائه. وكون المرتكز في أذهانهم كون التحريم بالغليان موضوعه ذات العنب ووصف العنبية من الحالات فكونهم مرجعا في فهم الدليل معناه أنهم مرجع في معني الكلام،
من حالاته المتبادلة بحيث لو لم يكن الزبيب محكوما بما حكم به العنب كان عندهم من ارتفاع الحكم عن موضوعه ولو كان محكوما به كان من بقائه، ولا ضير في أن يكون الدليل بحسب فهمهم على خلاف ما ارتكز في أذهانهم بسبب ما تخيلوه من الجهات والمناسبات فيما إذا لم تكن بمثابة يصلح قرينة على صرفه عما هو ظاهر فيه. ولا يخفى أن النقض وعدمه حقيقة يختلف بحسب الملحوظ من الموضوع فيكون نقضا بلحاظ موضوع ولا يكون بلحاظ موضوع آخر فلابد في تعيين أن المناط في الاتحاد هو الموضوع العرفي أو غيره من بيان أن خطاب (لا تنقض) قد سيق بأي لحاظ ؟ ______________________________ وكونهم مرجعا في الاتحاد معناه أن ارتكازهم في تمييز قوام الموضوع عن حاله هو الميزان في الاتحاد المصحح للاستصحاب (أقول): يمكن أن يقال: انه لو فرض كون ارتكازهم مطابقا لفهمم من الدليل لكنه إذا صدق على الزبيب انه كان عنبا يصدق بالضرورة انه كان إذا غلى بنجس فيجري الاستصحاب إذا شك في بقائه على ما كان، وحينئذ لا يحتاج إلى تصحيح كون ارتكازهم في الحكم على خلاف الدليل ولا تنقيح ما عليه ارتكازهم (قوله: من حالاته المتبادلة) يعني من حالات الموضوع المتبادلة عليه لا من مقوماته كما هو ظاهر الدليل (قوله: من ارتفاع الحكم) ولا يصدق الارتفاع إلا مع وحدة الموضوع والمحل، وهكذا البقاء (قوله: إذا لم تكن بمثابة) وإلا كان الدليل موافقا للعرف في الموضوع (قوله: يختلف بحسب الملحوظ) قد عرفت أن النقض في النصوص معناه رفع اليد عما كان لشئ مع الشك في بقائه فمهما صدق كون الشئ كان كذا فإذا شك في بقائه على ما كان وجب العمل على بقائه، ولأجل ذلك يختلف صدق النقض وعدمه باختلاف ما يكون الشئ حاكيا عنه، فقد يجعل حاكيا عن الموضوع العقلي أو الدليلي فلا يصدق أنه كان كذا الانتفائه فيجعل حاكيا عن الموضوع العرفي فيصدق انه كان كذا لبقائه، وقد يكون الأمر بالعكس
فالتحقيق أن يقال: إن قضية إطلاق خطاب (لا تنقض) هو أن يكون ______________________________ (ويمكن) أن يقال: لا ملزم في حمل الشئ على الموضوع حتى يتردد في أن أي موضوع هو المكحي به، بل اطلاقه يقتضي أن كل شئ يصدق انه كان كذا وقد شك في بقائه على ما كان وجب العمل على بقائه سواء كان ذلك الشئ موضوعا في نظر العقل أم العرف أم الدليل أم لا، فان صدق إنه كان حراما ولو بواسطة أو صدق إنه كان خمرا أو عنبا جرى الاستصحاب، وان لم يصدق إنه كان كذا امتنع الاستصحاب. نعم يبقي الاشكال في أن صدق كان هذا الشئ كذا هل هو منوط بنظر العرف أو بنظر العقل مثلا الملح الذي استحال إليه الكلب لا يصدق بنظر العرف أنه كان كلبا حتى يصدق أنه كان نجسا أو حراما، لكن يصدق بنظر العقل انه كان كلبا (ويفترق) هذا التقرير عن سابقه (أولا) بانه لا وجه لاحتمال الرجوع إلى الدليل إذ ليس في الدليل تعرض لصدق قولنا: هذا كان كذا، وكذبه بل يدور الامر بين الرجوع فيه إلى العقل والرجوع إلى العرف (وثانيا) ان الرجوع إلى العقل يوجب التوسعة في موضوع الاستصحاب على هذا التقرير فيصح استصحاب نجاسة الكلب إذا صار ملحا بخلاف التقرير السابق لما عرفت من عدم الصدق عرفا (وثالثا) بانه لا مانع أيضا من استصحاب الأحكام الكلية لو كان المرجع العقل على هذا التقرير ويمتنع استصحابها على التقرير السابق (ورابعا) بان الحمل على الموضوع العرفي على التقرير الأول أسهل اثباتا لأن الدليل عليه يكون مرددا مجملا في نفسه، وبالاطلاق المقامي ينزل على العرفي بخلاف التقرير الثاني لأن الحمل عليه لا يخلو من مسامحة كما يظهر بالتأمل فتأمل جيدا (قوله: فالتحقيق أن يقال) من المعلوم أن لفظ (النقض) كسائر الالفاظ المذكورة في الكتاب والسنة يجب حمله على المعني الحقيقي عند العرف، وليس دعوى الرجوع إلى العرف في المقام راجعة إلى خلاف ذلك بل راجعة إلى أن النقض الحقيقي بلحاظ الموضوع العرفي - كما على التقرير الأول - دون العقلي أو الدليلي أو هو بلحاظ نظر العرف المبني على المسامحة في صدق إن هذا كان كذا
بلحاظ الموضوع العرفي لأنه المنساق من الاطلاق في المحاورات العرفية ومنها الخطابات الشرعية فما لم يكن هناك دلالة على أن النهي فيه بنظر آخر غير ما هو الملحوظ في محاوراتهم لا محيص عن الحمل على أنه بذاك اللحاظ فيكون المناط في بقاء الموضوع هو الاتحاد بحسب نظر العرف وان لم يحرز بحسب العقل أو لم يساعده النقل فيستصحب مثلا ما يثبت بالدليل للعنب إذا صار زبيبا لبقاء الموضوع واتحاد القضيتين عرفا ولا يستصحب فيما لا اتحاد كذلك وان كان هناك اتحاد عقلا كما مرت الاشارة إليه في القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلي فراجع (المقام الثاني) أنه لا شبهة في عدم جريان الاستصحاب مع الامارة المعتبرة في مورده وإنما الكلام في أنه للورود أو الحكومة أو التوفيق بين دليل اعتبارها وخطابه، والتحقيق، أنه للورود فان رفع اليد عن اليقين السابق بسبب إمارة معتبرة على خلافه ليس من نقض اليقين ______________________________ - كما على التقرير الثاني - دون النظر الحقيقي. ولا يبعد صدق الدعوى المذكورة ويكون المقام نظير الأوزان القائمة بالموضوعات العرفية فإذا وجب صاع حنطة امتنع اعطاء ما دون صاع ولو بمثقال لأنه ليس صاعا حقيقة، ويجوز اعطاء صاع حنطة مخلوطة بما ليس من الحنطة من تراب أو تبن أو غيرهما مما يتعارف خلطها به ولا تخرج بذلك عن كونها حنطة وان كانت لو ميز عنها الخليط نقصت عن الصاع بعشرة مثا قيل. والانصاف أن اطلاق نصوص المقام يقتضي كون الاعتبار بنظر العرف ولابد من التأمل. فتأمل (قوله: بلحاظ الموضوع العرفي) هذا جري على التقرير الأول الذي قد عرفت أنه لا ملزم به (قوله: في القسم الثالث) وهو الشك في الاستحباب عند القطع بارتفاع الايجاب الاستصحاب والامارات (قوله: والتحقيق انه للورود) من المعلوم أن الورود عبارة عن كون الدليل الوارد رافعا لموضوع المورود، فكون الامارات واردة على الاستصحاب
* بالشك بل باليقين، وعدم رفع اليد ______________________________ يتوقف على كونها رافعة لموضوعه وهو يكون بأمرين (الأول) أن يكون المراد من الشك الذي هو من أركانه عدم الحجة نظير الشك المأخوذ في موضوع الأصول العقلية كقاعدتي البراءة والاشتغال، وحيث ان الامارة حجة فإذا قامت على البقاء أو الارتفاع لم يتحقق موضوع الاستصحاب - أعني عدم الحجة - لتحقق نقيضه فلا مجال لجريانه (وفيه) أنه خلاف ظاهر لفظ الشك الذي تقدم أن معناه خلاف اليقين (الثاني) أن يكون المراد من المشكوك الأعم من الحقيقي والتعبدي فإذا قامت الامارة في مورده فقد علم بمؤداه التعبدي فلا شك فيه فلا مجال للاستصحاب لارتفاع موضوعه (وفيه) أنه خلاف ما تقدم من كون متعلق الشك هو متعلق اليقين فإذا كان اليقين متعلقا بالأمر الحقيقي كفى في جريان الاستصحاب الشك في بقاء ذلك الأمر الحقيقي ولو علم بالوجود التعبدي بتوسط قيام الامارة (واما) ما ذكره المصنف (ره) من أن رفع اليد عن اليقين السابق بالامارة ليس من نقض اليقين بالشك بل باليقين (ففيه) انه إن اريد من اليقين اليقين الحقيقي فلا ريب في عدم حصوله من الامارة، وإن اريد اليقين التنزيلي - لأن أدلة حجية الامارات تدل على كونها علما تنزيليا وهو الوجه المصحح للتعير عنها بانها طرق إلى مؤدياتها - فهو وإن كان الأمر كما ذكر لكنه لا يقتضي ورود الامارة بل حكومتها عليه كما سيأتي، وان اريد به ما يعم الدليل فهو راجع إلى الوجه الأول الذى عرفت ما فيه وانه خلاف ظاهر لفظ اليقين والشك، وان أريد به اليقين بالحكم - ولو بعنوان كونه مما قامت الامارة على حكمه مثلا إذا قامت الامارة على نجاسة شئ بالملاقاة فقد علم بكونه نجسا بما انه قامت الامارة على نجاسته - فهو راجع في الحقيقة إلى الوجه الثاني الذي عرفت ما فيه من مخالفته لما تقدم من اعتبار اتحاد متعلق اليقين والشك. ومن هذا يظهر لك أن دعوى الورود غير ظاهرة جدا. (قوله: وعدم رفع اليد) هذا دفع توهم انه لو كان الدليل يقينا كان اللازم رفع اليد عن اليقين السابق به مطلقا مع انه
عنه مع الامارة على وفقه ليس لأجل أن لا يلزم نقضه به بل من جهة لزوم العمل بالحجة (لا يقال): نعم هذا لو أخذ بدليل الامارة في مورده ولكنه لم لا يؤخذ بدليله ويلزم الأخذ بدليلها ؟ (فانه يقال): ذلك إنما هو لأجل أنه لا محذور في الأخذ بدليلها بخلاف الاخذ بدليله فانه يسلتزم تخصيص دليلها بلا مخصص إلا على وجه دائر إذ التخصيص به يتوقف على اعتباره معها واعتباره كذلك يتوقف على التخصيص به إذ لولاه لا مورد له معها كما عرفت آنفا ______________________________ لا يجب رفع اليد عنه إذا كان الدليل على وفقه بل يجب العمل عليه. ووجه الدفع ان عدم رفع اليد عن اليقين السابق في صورة الموافقة ليس عملا باليقين السابق بل عمل بالحجة الموافقة له (هذا) وربما قيل: ان الامارة الموافقة لا توجب كون العمل على طبق اليقين السابق عدم نقض له باليقين ليكون ممنوعا عنه بل يبقى جائزا ومقتضاه حجية الاستصحاب في عرض الامارة الموافقة ولا تكون واردة عليه (قوله: عنه) الضمير راجع إلى اليقين السابق وكذا ضمير (وفقه) (قوله: ليس لأجل) بل عرفت أنه لذلك إذ لا مجال للزوم النقض مع الموافقة لامتناع تحققه ولا ينافيه وجوب العمل بالامارة ايضا (قوله: لا يلزم) يعني لا يجب نققض اليقين السابق باليقين بمعنى الامارة والدليل (قوله: نعم هذا لو أخذ) هذا استدراك على قوله: بل باليقين، يعني انما يكون نقضا باليقين لو بني على الأخذ بدليل الامارة أما لو بني على الأخذ بدليل الاستصحاب امتنع الأخذ بدليل الامارة لتنافيهما في صورة المخالفة، وحينئذ يحتاج الأخذ بدليل الامارة واسقاط دليل الاستصحاب إلى مرجح (قوله: ويلزم) معطوف على قوله: لا يؤخذ (قوله: فانه يقال ذلك) حاصل الجواب: ان الاستصحاب والامارة وان كانا متنافيين يمتنع الاخذ بهما معا ويلزم من الأخذ باحدهما رفع اليد عن الآخر إلا أن المتعين الأخذ بدليل الامارة ورفع اليد عن دليل الاستصحاب إذ في ذلك لا يلزم تخصيص دليل الاستصحاب ولا غيره، ولو اخذ بالاستصحاب
وأما حديث الحكومة فلا أصل له أصلا، فانه لا نظر لدليلها إلى مدول دليله إثباتا ______________________________ ورفعت اليد عن الامارة يلزم تخصيص دليلها بلا مخصص إلى على وجه دائر. أما أن الأخذ بالامارة لا يلزم منه تخصيص دليل الاستصحاب ولا غيره فهو لما عرفت من أن الامارة إذا كانت حجة كانت يقينا فرفع اليد عن اليقين السابق بها نقض لليقين باليقين لا بالشك فيكن عملا بدليل الاستصحاب ودليل الامارة معا. وأما لو بني على الأخذ بالاستصحاب ورفع اليد عن الامارة كان ذلك تخصيصا لدليل الامارة بلا مخصص (فان قلت): المخصص دليل الاستصحاب (قلت): تخصيص دليل الامارة بدليل الاستصحاب يتوقف على حجيته بنحو يشمل مورد الامارة وحجيته كذلك موقوفة على تخصيص دليل الامارة وهو دور. أما سند المقدمة الأولى فواضح. وأما سند الثانية فلأنه لولا تخصيص دليل الامارة تكون الامارة يقينا فترفع الاستصحاب، ولا مجال لحجية دليله، ولأجل ذلك لا يصح تقريره الدور على العكس فلا يقال: تخصيص دليل الاستصحاب يتوقف على حجية الامارة وحجيتها موقوفة على تخصيص دليل الاستصحاب، إذ المقدمة الأولى وان كانت مسلمة إلا أن المقدمة الثانية ممنوعة فان حجية الامارة لا تلازم تخصيص دليل الاستصحاب فضلا عن توقفها عليه (قوله: واما حديث الحكومة) يعني دعوى كون الامارات حاكمة على الاستصحاب كما استظهره شيخنا الأعظم (ره) (قوله: لا نظر لدليلها) قد عرفت ان دليلها إذا كان دالا على كونها علما كما هو مقتضي كونها طريقا عندهم كان ناظرا إلى مدلول دليل الاستصحاب ومفيدا لكون الشك في موردها علما فرفع اليد عن اليقين السابق به نقض لليقين باليقين لا بالشك (ودعوى) عدم دلالة دليلها على كونها علما وعلى إلغاء احتمال الخلاف كما سيأتي منه (قدس سره) في مبحث التعارض (خلاف) المنساق من أدلتها. وقد عرفت أن اعتبار الدليلية لها وكونها طرقا إنما هو لأجل دلالة دليلها على ذلك بخلاف الاستصحاب وعامة الاصول فانه لا دلالة لدليله إلا على حكم في ظرف الشك ولأجل ذلك لا تسمي طرقا ولا أدلة تسمي أصولا وقواعد.
وبما هو مدلول الدليل وإن كان دالا على إلغائه معها ثبوتا وواقعا لمنافات لزوم العمل بها مع العمل به لو كان على خلافها، كما أن قضية دليله الغاؤها كذلك فان كلا من الدليلين بصدد بيان ما هو الوضيفة للجاهل فيطرد كل منهما الآخر مع المخالفة هذا مع لزوم اعتباره معها في صورة الموافقة ولا أظن أن يلتزم به القائل بالحكومة (فافهم) فان المقام لا يخلو من دقة ______________________________ وبالجملة: فنظر ادلة الامارات إلى مدلول دليل الاستصحاب وغيره من الأصول بما أنه مدلول دليله مما لا ينبغي الاشكال فيه، والرجوع إلى طريقة العقلاء في باب الامارات كاف في اثباته، وليس حال دليل الامارة عندهم الا حال سائر الأدلة المتعرضة لنفي حكم الموضوع المستفاد من دليل آخر بلسان نفى موضوعه فتأمل جيدا (قوله: وبما هو مدلول) بيان لقوله: اثباتا (قوله: وان كان دالا) معطوف على قوله: لا نظر لدليلها... الخ، يعني ان دليل الامارة لابد أن يكون دالا على نفي الاستصحاب إذا كان مقتضيا لخلاف الامارة إلا أن هذه الدلالة لا توجب حكومتها عليه لأن هذه الدلالة ناشئة من تنافي المدلولين فانه يقتضي أن يكون دليل احدهما دالا على نفي الآخر - كما سيأتي انشاء الله تعالى في مبحث التعارض - ومثلها لا تكون حكومة والا فهي حاصلة بدليل الاستصحاب فانه يدل على نفي الامارة التي على خلافه بالالتزام، ومع ذلك لا يكون حاكما على الامارة (قوله: هذا مع لزوم اعتباره) ظاهر العبارة يقتضي ان يكون ايرادا على القول بالحكومة في قبال الايراد الاول. يعني لو قلنا بالحكومة من جهة أن دليل الامارة ناظر إلى مدلول دليل الاستصحاب لابد من القول بها في صورة المخالفة بينهما لا في صورة الموافقة. (لكن) فيه أنه إذا سلم نظر الدليل على النحو المذكور فلا وجه للاختصاص بصورة المخالفة لاطلاق الدليل في جميع الحالات كما هو لازم القول بحجية الامارة في صورة الموافقة. (ويمكن) أن يكون ايرادا على القول بكون نظر الدليل ثبوتا كافيا في الحكومة
* وأما التوفيق فان كان بما ذكرنا فنعم الاتفاق وان كان بتخصيص دليله بدليلها فلا وجه له لما عرفت من أنه لا يكون مع الأخذ به نقض يقين بشك لا أنه غير منهي عنه مع كونه من نقض اليقين بالشك (خاتمة) لا بأس ببيان النسبة بين الاستصحاب وسائر الأصول العملية وبيان التعارض بين الاستصحابين (اما الاول) فالنسبة بينه وبينها ______________________________ وهو في محله إلا أنه لم يتعرض لتوهم ذلك في العبارة صريحا ولا لدفعه فلاحظ (قوله: وأما التوفيق) يريد من التوفيق الجمع العرفي بين دليل الامارة ودليل الاستصحاب لا بنحو الورود ولا بنحو الحكومة ومنه لا يحسن قوله: فان كان بما ذكرنا، إذ الذي ذكره هو الورود كما صرح به (قوله: وان كان بتخصيص) قد جزى على لسان جماعة إذ بين دليل الامارة ودليل الاستصحاب عموما من وجه إلا أن ظهور دليل الامارة في مورد الاجتماع اقوى فيتعين تقديمه وتخصيص دليل الاستصحاب به (وأورد) عليه المصنف (ره) بان التخصيص رفع اليد عن الحكم بلا تصرف في الموضوع وليس الأمر هنا كذلك إذ في مورد الامارة يكون نقض اليقين بالدليل لا بالشك (وفيه) ما عرفت من أن الامارة إذا لم توجب ارتفاع الشك حقيقة ولا تنزيلا لم يخرج المورد عن كونه نقضا لليقين بالشك واما ما ينبغي ان يورد على هذا الوجه فامران احدهما انه لا وجه لاقوائية ظهور دليل الامارة من ظهور دليل الأصل (وثانيهما) ان لازمه حجية الاستصحاب في رتبة الامارة إذا كانا متوافقين ولا يظن الالتزام به من احد فإذا التحقيق هو ما استظهره شيخنا الأعظم (ره) من كون التقديم بمناط الحكومة (وهو) الوجه في تقديم الامارات والطرق كافة على عامة الأصول حكمية أو موضوعية والله سبحانه اعلم
هي بعينها النسبة بين الامارة وبينه فيقدم عليها ولا مورد معه لها للزوم ______________________________ الاستصحاب والاصول (قوله: هي بعينها النسبة) يعني نسبة الاستصحاب إلى سائر الاصول نسبة الوارد إلى المورود، وعلله في الحاشية بقوله: فان المشكوك معه يكون من وجه وبعنوان مما علم حكمه وان شك فيه بعنوان آخر وموضوع الأصول هو المشكوك من جميع الجهات. انتهي (وتوضيحه): ان مشكوك الحكم إذا جرى فيه الاستصحاب يكون معلوم الحكم بعنوان كونه قد شك في بقاء حكمه، ومع هذا العلم لا مجال لجريان سائر الأصول فان موضوعها مشكوك الحكم من جميع الجهات، مثلا إذا شك في حلية شئ قد علم حرمته سابقا فباستصحاب الحرمة يكون معلوم الحرمة بعنوان كونه قد شك في بقاء حرمته وإذا صار معلوم الحرمة كذلك لا مجال لجريان اصالة الحل لأن موضوعها مشكوك الحل والحرمة من جميع الجهات (وفيه أولا) امتناع جعل الشك في الحكم من جميع الجهات الشامل لعنوان كونه مشكوك الحكم موضوعا لحكم الأصل لأن الحكم المجعول للشئ بعنوان كونه مشكوك الحكم متأخر رتبة عن الشك فيمتنع أخذه في موضوعه فتأمل جيدا (وثانيا) ان هذا تفكيك بين أدلة الاصول من غير وجه ظاهر، ولم لا يجوز الالتزام بالعكس ؟ بجعل الشك المأخوذ موضوعا لدليل الاستصحاب الشك من جميع الجهات والشك المأخوذ موضوعا لأدلة سائر الأصول خصوص الشك من وجه واحد (فالتحقيق): أنه لو بني على كون مفاد دليل الاستصحاب كمفاد سائر الاصول تنزيل المشكوك منزلة الواقع لم يكن وجه لتقديم بعضها على بعض لا الاستصحاب وغيره، وان كان مفاد دليله وجوب العمل حال الشك العمل حال اليقين - كما اشرنا إليه سابقا - كان الوجه تقديمه على سائر الاصول لا بمناط الحكومة المتقدم في الامارات ولا بمناط الورود لعدم تعرض دليله لنفي الشك المأخوذ في أدلتها لا حقيقة ولا تنزيلا: ولكن بمناط آخر من الحكومة
وليسم مناط النظر، لما عرفت من ان المراد من عمل اليقين العمل المترتب على آثار نفسه وآثار متعقله، ومن آثار نفسه كونه غاية لاصل الطهارة أو الحلية أو غيرهما من الاصول المغياة بالعلم عقلا وشرعا، فالشك في بقاء الحرمة في الفرض المتقدم وان كان موضوعا لكل واحد من الاستصحاب وقاعدة الحل بلا فرق بينهما فيه الا أن الحكم في أحدهما لما كان ناظرا إلى الحكم في الآخر كان ذلك موجبا لتقدمه عليه عرفا فلاحظ (ثم) إن شيخنا الاعظم (قدس سره) بنى على الحكومة في المقام مع بنائه على كون دليل الاستصحاب دالا على تنزيل المشكوك منزلة المتيقن (يتقريب): ان الناية المجعولة لحكم الاصول العلم بالحكم الواقعي الحقيقي ودليل الاستصحاب يجعل الحكم الواقعي الحقيقي تنزيلا فتتحقق به الغاية فيرجع مفاد الأصل والاستصحاب إلى مثل قوله: كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهي، وكل نهي ورد في زمان ثابت إلى زمان اليقين بارتفاعه، فدليل الاستصحاب يثبت النهي الذي هو غاية لاطلاق الشئ الذي هو كناية عن حليته (وفيه) أن اثبات الحكم الواقعي تنزيلا بالاستصحاب انما يقتضي ترتيب آثار نفس الحكم لا آثار العلم به، ومن المعلوم أن الغائية انما تكون للعلم بالحكم الواقعي لا لنفسه. نعم بالاستصحاب يحصل علم حقيقي بالحكم الواقعي الحقيقي التنزيلى، إلا ان هذا العلم لم يجعل غاية لحكم الأصل بل الغاية العلم بالحكم الواقعي الحقيقي فلا يقوم مقامه الا ما هو بمنزلة العلم بالحكم الواقعي لا العلم الحقيقي بالحكم التنزيلي، مع انه لو فرض كون العلم بالحكم الواقعي التنزيلي غاية كان الاستصحاب واردا على الاصول لا حاكما عليها لأنه يثبت غايتها حقيقة لا تنزيلا. ولأجل ذلك يمكن دعوى كون جميع الأصول المحرزة للواقع - اعني ما يكون دليله دالا على ثبوت الواقع تعبدا في ظرف الشك كالاستصحاب وقاعدة الحرية وقاعدة الطهارة وقاعدة التجاوز واصالة الصحة ونحوها - واردة على ما ليس كذلك كاصالة الاباحة بناء على انها كذلك بدعوى كون موضوع الاصول غير المحرزة الشك بالواقعي الحقيقي أو التنزيلي. وجميع الاصول المحرزة لما كانت مثبتة الواقع الحقيقي تنزيلا كانت رافعة لموضوعها. ولا يمكن
* محذور التخصيص إلا بوجه دائر في العكس وعدم محذور فيه أصلا. هذا في النقلية منها وأما العقلية فلا يكاد يشتبه وجه تقديمه عليها، بداهة عدم الموضوع معه لها ضرورة أنه اتمام حجة وبيان ومؤمن من العقوبة وبه الامان، ولا شبهة في ان الترجيح به عقلا صحيح (واما الثاني) فالتعارض بين الاستصحابين إن كان لعدم إمكان العمل بهما بدون علم بانتقاض الحالة السابقة في أحدهما كاستصحاب وجوب أمرين حدث ______________________________ دعوى العكس لأن الاصول غير المحرزة لا تثبت الواقع الحقيقي ولا التنزيلي فلا تكون رافعة لموضوع الاصول المحرزة، (لكن) ذلك - مع انه لا يجدي الا في تقديم الاستصحاب على الاصول غير المحرزة لا على الاصول كافة كما هو، ظاهرهم، ويقتضي تقديم بعض الاصول غير الاستصحاب على بعض وهو ايضا خلاف ظاهرهم - لا دليل عليه اصلا، بل ظاهر أدلة جميع الاصول كون موضوعها الشك في الحكم الواقعي وغايتها العلم به. مضافا إلى ما عرفته سابقا من دعوى امتناع تعلق الشك بحكم نفسه، ولو فرض تصويره باعتبار شكين مترتبين رجع الاشكال إذا الشك الأول موضوع حكم الاصل غير المحرز فيتنافى حكما الاصلين فتأمل جيدا (قوله: محذور التخصيص) وتقريره كما تقدم بعينه (قوله: في العكس) متعلق ب (لزوم) والمراد به تقديمها على الاستصحاب (قوله: محذور فيه) يعني عدم لزوم محذور التخصيص بلا مخصص الا بوجه دائر في تقديم الاستصحاب عليها (قوله: واما العقلية) يعني بها اصالة البراءة والتخيير والاشتغال (قوله: اتمام حجة وبيان) يعني لو قام على ثبوت التكليف وحينئذ فلا مورد للبراءة (قوله: ومؤمن من العقوبة) يعني لو قام على نفي التكليف وحينئذ لا مجال لاصالة الاشتغال (قوله: في ان الترجيح به) يعني لو قام على ثبوت الوجوب أو الحرمة فيما لو دار الامر بينهما وحينئذ فلا مجال للتخيير (قوله: كاستصحاب وجوب) كما لو علم بوجوب الانفاق على والده وبوجوب الصدقة على الفقير بدرهم ثم شك في بقاء الوجوبين في زمان لا يتمكن إلا
بينهما التضاد في زمان الاستصحاب فهو من باب تزاحم الواجبين وان كان مع العلم بانتقاض الحالة السابقة في أحدهما (فتارة) يكون المستصحب في أحدهما من الآثار الشرعية لمستصحب الآخر فيكون الشك فيه مسببا عن الشك فيه كالشك في نجاسة الثوب المغسول بماء مشكوك الطهارة وقد كان طاهرا (وأخرى) لا يكون كذلك فان كان أحدهما أثرا للآخر فلا مورد إلا للاستصحاب في طرف السبب ______________________________ من درهم واحد فانه يستصحب وجود الامرين معا ويتخير بينهما ان لم يكن اهم والا تعين عليه (فان قلت). يعلم بعدم فعلية احدهما فكيف يجري الاستصحاب فيهما (قلت): العلم المذكور لا يمنع في المقام لان عدم الفعلية المعلوم انما هو لقصور في المكلف لا التكليف ومثله لا ينافي العلم بالوجوب فضلا عن استصحابه (فان قلت): لا يترتب الاثر على كل منهما لعدم القدرة فلا يجري الاستصحاب الا في احدهما ويترتب على ذلك ان لو كان احدهما اهم لم يتعين جريان الاستصحاب فيه ليلزم بعينه (قلت): يكفي في الاثر العملي كونه تخييريا تعارضه الاستصحابين (قوله: كالشك في نجاسة) يعني إذا كان ثوب نجس قد طهر بماء مشكوك الطهارة حال التطهير به معلوم الطهارة قبل ذلك فان الشك في طهارة الثوب ونجاسته ناشئ من الشك في طهارة الماء ونجاسته، لان طهارة الثوب من آثار طهارة الماء والشك في الاثر ناشئ من الشك في الموضوع (قوله: الا للاستصحاب في طرف) يعني يجري في المثال المذكور استصحاب طهارة الماء فيحكم بطهارة ______________
فان الاستصحاب في طرف المسبب وموجب لتخصيص الخطاب ______________________________ الثوب ولا يجري استصحاب نجاسة الثوب (قوله: فان الاستصحاب في طرف) تعليل لتقديم الاستصحاب في السبب على الاستصحاب في المسبب، يعني لا مجال لرفع اليد عن الاستصحاب في السبب وهو طهارة الماء لاجتماع اركان الاستصحاب فيه من اليقين بالثبوت والشك في البقاء، ومقتضاه الحكم بطهارة الثوب، ولا مجال لمعارضته بالاستصحاب في المسبب الذي هو نجاسة الثوب مع اجتماع اركانه فيه ايضا من اليقين بالثبوت والشك في البقاء، لأن رفع اليد عن نجاسة الثوب ليس من نقض اليقين بالشك حتى يمتنع بل هو من نقض اليقين باليقين لأن الحكم بطهارة الماء بوجب اليقين بطهارة الثوب ظاهرا، فنقض اليقين بالنجاسة كان باليقين بالطهارة الظاهرية لا بالشك ويكون المقام كما لو علم بنجاسة الثوب ثم قامت الامارة على طهارته فانه لا ريب في وجوب الأخذ بالامارة لما تقدم من أن الامارة لما كانت موجبة لليقين بالطهارة الظاهرية كان رفع اليد عن اليقين بالنجاسة باليقين بالطهارة الظاهرية، وكذا نقول في المقام: اليقين بالنجاسة للثوب ينتقض باليقين بالطهارة الظاهرية الحاصل بتوسط استصحاب طهارة الماء إذ لا معنى لطهارة الماء ظاهرا الا جعل آثارها ظاهرا ومنها طهارة ما يغسل به فلا يكون رفع اليد عن النجاسة من نقض اليقين بالشك بل باليقين (فان قلت): فليجر الاستصحاب في نجاسته الثوب ولا يجر في طهارة الماء (قلت): يلزم تخصيص دليل الاستصحاب من غير مخصص وهو ممتنع (فان قلت): إذا عم الدليل الشك في نجاسة الثوب امتنع عمومه للشك في طهارة الماء فليكن تخصيص دليل الاستصحاب بالاصافة إلى الشك في طهارة الماء بذلك (قلت): قد تقدم أن هذا دور لان عموم الدليل للشك في نجاسة الثوب يتوقف على تخصيصه بالاضافة إلى الشك في طهارة الماء، فلو توقف تخصيصه كذلك على العموم المذكور كان دورا كما تقدم تفصيله سابقا وانما كررناه بقصد الايضاح (هذا) ولكن عرفت الاشكال في ذلك وعمدته. أن الشك في نجاسة الثوب إذا لم برفع لا حقيقة ولا تنزيلا كان موضوعا لعموم حرمه النقص ومقتضاه ثبوت النجاسة للثوب فإذا كان
الشك في طهارة الماء أيضا موضوعا لذلك العموم كان مقتضاه طهارة الثوب فيكون الثوب بجريان الاستصحاب في الشكين محكوما بالنجاسة والطهارة معا وهو ممتنع واليقين بالطهارة الظاهرية للثوب الحاصل باستصحاب طهارة الماء لا يوجب ارتفاع الشك بالطهارة الواقعية، فيكون رفع اليد عن اليقين بالنجاسة الواقعية للثوب من نقض اليقين بالشك. فلاحظ ما تقدم وتأمل. ثم إن الاشكال في تقديم الأصل السببي على الأصل المسببي لا يختص بالاستصحابين بل يجري في غيرهما فانه لا اشكال في جريان اصالة الطهارة في الماء في المثال المذكور لو لم يكن له حالة سابقة ويترتب عليه طهارة الثوب النجس المغسول به مع جريان استصحاب نجاسته في نفسه، فيكون أصل الطهارة السببي مقدما على استصحاب النجاسة المسببي فدفع الاشكال لابد أن يكون مطردا (وربما) يدفع في الجميع بأن الأصل السببي ناظر إلى مؤدى الأصل المسببي ولا عكس فيكون الأصل الناظر مقدما على الاصل المنظور إليه (أما) انه ناظر إليه فلأن معنى طهارة الماء الثابتة بالاصل السببي استصحابا كان أم غيره طهارة ما يغسل به وارتفاع نجاسته التي هي مؤدى الاصل المسببي وليس معنى نجاسة الثوب نجاسة الماء المغسول به (وأما) كون النظر المذكور موجبا للتقديم فلانه يكون من قبيل الحكومة التي لا ريب في تقديم الحاكم فيها على المحكوم (وفيه) أن النظر الموجب للتقديم عرفا هو نظر أحد الدليلين إلى الآخر لا نظر أحد الدليلين إلى مؤدى الآخر فان استصحاب النجاسة واصالة الطهارة الجاريين في محل واحد منهما مناط التقديم على الآخر مع كون كل منهما ناظرا إلى مؤدى الآخر (اللهم) إلا أن يكون المراد أنه لما كان الشك في الحكم ناشئا من الشك في الموضوع فكان التعبد بالحكم مستفادا من التعبد بالموضوع. صعب على الذهن ملاحظة الشك في الحكم من حيث نفسه ليتطلع على حكمه من حيث كونه شكا في الحكم بل بلاحظ الشك في الحكم تبعا للشك في الموضوع فيستفيد حكمه من حكمه: وهذا مما لا مجال للتأمل فيه فانه إذا شك في طهارة الثوب للشك في طهارة الماء الصب الذهن إلى نعرف حال الماء فإذا حكم عليه بانه طاهر
وجواز نقض اليقين بالشك في طرف السبب بعدم ترتيب اثره الشرعي، فان من آثار طهارة الماء طهارة الثوب المغسول به ورفع نجاسته فاستصحاب نجاسة الثوب نقض لليقين بطهارته بخلاف استصحاب طهارته إذ لا يلزم منه نقض يقين بنجاسة الثوب بالشك بل باليقين بما هو رافع لنجاسة وهو غسله بالماء المحكوم شرعا بطهارته (وبالجملة) فكل من السبب والمسبب وإن كان موردا للاستصحاب إلا أن الاستصحاب في الأول بلا محذور بخلافه في الثاني ففيه محذور التخصيص بلا وجه إلا بنحو محال فاللازم الأخذ بالاستصحاب السببي. نعم لو لم يجر هذا الاستصحاب بوجه لكان الاستصحاب المسببي جاريا فانه لا محذور فيه حينئذ مع وجود أركانه وعموم خطابه وإن لم يكن المستصحب في أحدهما من الآثار للآخر فالاظهر جريانهما فيما لم يلزم منه محذور المخالفة القطعية للتكليف الفعلي المعلوم اجمالا لوجود المقتضي إثباتا وفقد المانع عقلا أما وجود المقتضي فلاطلاق الخطاب وشموله للاستصحاب في أطراف المعلوم بالاجمال ______________________________ ولو ظاهرا اقتنع به ولا يلتفت إلى كون الثوب مما يشك في زوال نجاسته وهي محكومة بالبقاء، وعلى هذا استقرت طريقة العقلاء في هذا الباب حتى أن إعمال التعارض بين الاصل السببي والمسببي يحتاج إلى عناية وتدبر لا يقبله الذهن باول نظر وهذا هو المنشأ لتقديم الاصل السببي على المسببي في نظر العرف، ولذلك ترى زرارة مع ما هو عليه من الجلالة لم يتعرض للسؤال عن معارضة استصحاب الطهارة باستصحاب عدم تحقق الصلاة، وكفى بالصحيحتين شاهدا على هذا التقديم المذكور والله سبحانه أعلم (قوله: وجواز) بيان ل (تخصيص) (قوله: بعدم) متعلق بنقض (قوله: بما هو رافع) قد عرفت انه ليس برافع واقعي فلا يقين بالارتفاع الواقعي بل هو مشكوك (قوله: بنحو محال) قد تقدم بيانه (قوله: من الآثار للآخر) كما في موارد العلم الاجمالي (قوله: فالاظهر جريانهما) يعني أن الاظهر جريان الاستصحاب
* فان قوله عليه السلام في ذيل بعض أخبار الباب، ولكن لم تنقض اليقين باليقين ______________________________ في كل واحد من الأطراف إلا إذا كان العلم الاجمالي متعلقا بتكليف الزامي فعلي فانه يمتنع حينئذ جريان الاصل في اطرافه للزوم الترخيص في محتمل المعصية وهو قبيح كما تقدم توضيح ذلك في الاشتغال وغيره (قوله: فان قوله (ع): في ذيل) إشارة إلى الاشكال الذي ذكره شيخنا الأعظم (قدس سره) في رسائله في هذا المقام المانع على تقدير تماميته من جريان الاستصحاب في أطراف العلم الاجمالي (وحاصل) تقريبه: انه إذا علمنا بنجاسة أحد الاناءين الطاهرين فهذا العلم الاجمالي بالنجاسة لما كان خلاف اليقين بالطهارة السابقة وجب نقضه به عملا بقوله (ع): ولكن تنقضه بيقين آخر، فلو بني على شمول قوله (ع): اليقين لا ينقض بالشك، لكل واحد من الاناءين حيث أن كلا منهما مشكوك الطهارة كان ذلك تناقضا إذ الاناء المعلوم بالاجمال الذي يجب البناء على طهارته بمقتضي قوله (ع): ولكن تنقضه... الخ، ليس اناء ثالثا غيرهما بل هو أحدهما فيكون الحكم بنجاسته مناقضا للحكم بطهارتهما تناقض السلب الكلي والايجاب الجزئي، وإذا لزم من شمول الدليل للطرفين التناقض كان محالا لاستحالة لازمه (وقد) أجاب المصنف (ره) في المتن (أولا) بأن قوله (ع): ولكن تنقضه بيقين... الخ، ليس حكما شرعيا ظاهريا حتى يناقض تطبيقه على المعلوم بالاجمال تطبيق صدر الدليل على اطرافه لامتناع جعل الحكم الظاهري في ظرف العلم ولا واقعيا لامتناء أخذ العلم موضوعا لمتعلقه، بل مفاده حكم ارشادي محض إلى حكم العقل من طريقية العلم إلى متعلقه، وكونه غايه لانقطاع حكم الأصل، ومقتضى ذلك عدم جريان الاستصحاب في المعلوم بالاجمال، أما جريانه في الاطراف فلا يمنع منه إلا أن يكون علما بتكليف الزامي منجز لا مطلقا (وثانيا) بأن التناقض بين الصدر والذيل إنما يمنع عن التمسك بالنص المشتمل على ذلك الذيل لاجماله باقترانه بما يصلح للقرينية لا مطلقا فان ما لم يشتمل على الذيل لا قصور في شمول اطلاقه
لو سلم أنه يمنع عن شمول قوله - عليه السلام - في صدره: لا تنقض اليقين بالشك، لليقين والشك في أطرافه للزوم المناقضة في مدلوله، ضرورة المناقضة بين السلب الكلي والايجاب الجزئي إلا أنه لا يمنع عن عموم النهي في سائر الأخبار مما ليس فيه الذيل، وشموله لما في أطرافه فان إجمال ذاك الخطاب لذلك لا يكاد يسري إلى غيره مما ليس فيه ذلك، وأما فقد المانع فلاجل أن جريان الاستصحاب في الأطراف لا يوجب إلا الخالفة الالتزامية وهو ليس بمحذور لا شرعا ولا عقلا. ومنه قد انقدح عدم جريانه في أطراف العلم بالتكليف فعلا أصلا ولو في بعضها لوجوب الموافقة القطعية له عقلا في جريانه لا محالة يكون محذور المخالفة القطعية أو الاحتمالية كما لا يخفى (تذنيب) لا يخفى أن مثل ______________________________ للاطراف ولا مانع عنه حيث لم يذيل بما ذكر (اللهم) إلا أن يقال بأن الذيل يوجب صدر الصدر عن عموم الأطراف لقوة ظهوره، وحينئذ فيعارض ما لم يشتمل من النصوص عليه فيوجب صرفه عنها أيضا، وقد يشكل أيضا ما ذكره شيخنا الأعظم (ره) بأن اللازم عدم جريان الاصل في جميع موارد العلم الاجمالي بالانتقاض كما لو توضأ بمائع مردد بين البول والماء، وربما يحكي عنه في مجلس بحثه الشريف دفع ذلك بدعوى ظهور اليقين في الذيل بما كان منجزا لا مطلقا، وهو وإن كان دافعا لما ذكر إلا انه يرد عليه أن اللازم جريان الاستصحاب فيما لو علم بطهارة أحد النجسين اجمالا، مع انه صرح بعدم الفرق بينه وبين ما لو علم بنجاسة أحد الطاهرين اجمالا في عدم جريان الاستصحاب في المقامين فلاحظ (قوله: لو سلم) إشارة إلى الاشكال الاول (قوله: لا يوجب إلا المخالفة) يعني في محل الكلام، أعني ما يلزم منه المخالفة العملية للتكليف الفعلي كما صدر به البحث ويأتي (قوله: ليس بمحذور) كما تقدم (قوله: محذور المخالفة) الممنوع عنها عقلا فيمتنع جريانه لانه ترخيص في المعصية.
قاعدة التجاوز في حال الاشتغال بالعمل وقاعدة الفراغ بعد الفراغ عنه وأصالة صحة عمل الغير إلى غير ذلك من القواعد المقررة في الشبهات الموضوعية إلا القرعة يكون مقدمة على استصحاباتها المقتضية لفساد ما شك فيه من الموضوعات ______________________________ تعارض الاستصحاب والقواعد (قوله: قاعدة التجاوز) هي الحكم بوجود الشئ المشكوك بعد الدخول في غيره مما هو مرتب عليه المستفاد من صحيح زرارة: إذا خرجت من شئ ودخلت في غيره فشكك ليس بشئ، ومعتبر اسماعيل بن جابر: كل شئ شك فيه وقد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه، وربما يقتضيه أيضا موثقة ابن ابي يعفور: إنما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه (قوله: في حال الاشتغال) لم يظهر من النصوص اعتبار الاشتغال بالعمل في جريانها، فلعل المراد صحة جريانها حال الاشتغال. فتأمل (قوله: وقاعدة الفراغ) وهي عبارة عن الحكم بصحة الفعل الموجود في ظرف الشك في صحته المستفادة من موثق ابن مسلم عن أبي جعفر (ع): كلما شككت فيه مما قد مضى فامضه، كما هو المعتضد ببناء العقلاء على صحة ما شك في صحته من فعل نفسه وفعل غيره، ومن هنا يظهر لك الوجه في سند اصالة صحة عمل الغير، مضافا إلى ما ادعاه شيخنا الأعظم (قدس سره) من الاجماع القولى والعملي عليها وانه لولاها لاختل نظام المعاد والمعاش (قوله: يكون مقدمة على) اعطاء هذه الكلية غير ظاهر لأن بعض القواعد الموضوعية يقدم عليها الاستصحاب، كقاعدة الحرية وقاعدة الطهارة، إلا أن يكون المراد ما يكون نسبة دليله إلى دليل الاستصحاب نسبة دليل القواعد الثلاث إلى دليله (قوله: على استصحاباتها) يعني الاستصحابات الجارية في تلك الشبهات الموضوعية مثل اصالة عدم الاتيان بالمشكوك أو عدم تحقق ما تكون به الصحة (قوله: المقتضية لفساد) قد لا تكون الاستصحابات مقتضية للفساد لعدم تجاوز محل التدارك أو لكون المتروك مما لا يكون تركه مفسدا بل يترتب
لتخصيص دليله بادلتها، وكون النسبة بينه وبين بعضها عموما من وجه لا يمنع عن تخصيصه بها بعد الاجماع على عدم التفصيل بين مواردها مع لزوم قلة المورد لها جدا لو قيل بتخصيصها بدليلها إذ قل مورد منها لم يكن هناك استصحاب على خلافها كما لا يخفى، وأما القرعة فالاستصحاب في موردها يقدم عليها لأخصية دليله من دليلها لاعتبار سبق الحالة السابقة فيه دونها واختصاصها بغير الاحكام إجماعا لا يوجب الخصوصية في دليلها بعد عموم لفظها لها، هذا مضافا إلى وهن دليلها بكثرة تخصيصه حتى صار العمل به في مورد محتاجا ______________________________ عليه قضاؤه أو سجود السهو إذ مجرى قاعدتي التجاوز والفراغ أعم من ذلك، بل كذا مجرى اصالة الصحة فانها بمعني التمامية مقابل النقصان (قوله: لتخصيص دليله) تعليل لكونها مقدمة على الاستصحاب، يعني أن الوجه في تقديمها عليه وجوب تخصيص دليله بدليلتها إما لأنه أخص منه فيدخل تحت قاعدة وجوب تخصيص العام بالخاص أو لأن بينهما العموم من وجه إلا أنه يجب ادخال مورد الاجتماع تحت دليلها واخراجه عن دليله لأنه لو بنى على العكس لم يبق لدليلها إلا مورد نادر يمتنع عند أهل اللسان سوقه لبيان حكمها فقط. مضافا إلى الاجماع على عدم الفصل بين مواردها الموجب لدوران الامر بين طرح دليلها بالمرة وتخصيص دليل الاستصحاب به ولا ريب ان الثاني متعين (قوله: وبين بعضها) كقاعدتي الفراغ والصحة فانه يكون المشكوك مما لا يجري فيه أصل العدم لكون مورده مما تعاقب فيه الحالتان وفرض ذلك في قاعدة التجاوز أيضا ممكن (قوله: واختصاصها بغير) يعني فيتوهم لذلك أن بينها عموما من وجه لعموم دليل الاستصحاب للاحكام دونها وعمومها لما ليس له حالة سابقة دونه (قوله: بعد عموم لفظها) يعني الذي هو المعيار في عموم النسبة وخصوصها لعدم الترتب بين المخصصات حتى يتعين تخصيص العام بواحد منها ثم تلحظ النسبة بين العام وبين الباقي بل هي في رتبة واحدة كل منها أخص مطلقا من العام، وسيأتي انشاء الله بيانه في محله. (قوله: بكثرة تخصيصه)
إلى الجبر بعمل المعظم كما قيل، وقوه دليله بقلة تخصيصه بخصوص دليل (لا يقال): كيف يجوز تخصيص دليها بدليله وقد كان دليلها رافعا لموضوع دليله لا لحكمه وموجبا لكون اليقين باليقين بالحجة على خلافه كما هو الحال بينه وبين أدلة سائر الامارات فيكون ههنا أيضا من دوران الامر بين التخصيص بلا وجه غير دائر والتخصص (فانه يقال): ليس الامر كذلك فان المشكوك مما كانت له حالة سابقة وان كان من المشكل والمجهول والمشتبه بعنوانه الواقعي إلا أنه ليس منها بعنوان ما طرأ عليه من نقض اليقين بالشك وللظاهر من دليل القرعة ان يكون منها بقول مطلق لا في الجملة، فدليل الاستصحاب الدال على حرمة النقض الصادق عليه حقيقة رافع لموضوعه أيضا فافهم، فلا بأس برفع اليد عن دليلها عن دوران الامر بينه وبين رفع اليد عن دليله لوهن عمومها وقوة عمومه كما أشرنا إليه آنفا والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على محمد وآله باطنا وظاهرا ______________________________ الموجب لضعف اصالة الظهور فيه (قوله: إلى الجبر بعمل) أقول: النصوص الدالة على ثبوت القرعة قيل: انها متواترة، وعليه فلا تحتاج إلى جبر السند وجبر الدلالة بالعمل غير واضح (قوله: كيف يجوز تخصيص) هذا ايراد على ما ذكر أولا من تخصيص دليلها بدليله لا أخيرا والا فبعد اجمال المراد بكثرة التخصيص لا مجال للورود أو الحكومة (قوله: رافعا لموضوع دليله) يعني بناء على ما يظهر من جملة من النصوص من انها امارة مثل ما في الحديث الذي رواه زرارة (ره): ليس من قوم فوضوا أمرهم إلى الله ثم اقترعوا إلا خرج سهم المحق (قوله: فان المشكوك مما كانت) يعني أن القرعة وان كانت امارة إلا أنها انما تكون واردة على الاستصحاب لو كان موضوعها مجهول الحكم بالعنوان الاولي الواقعي لأنها حينئذ تكون كسائر الامارات حجة بمجرد الجهل بحكم المورد من حيث عنوانه الواقعي وإذا كانت حجة ارتفع موضوع الاستصحاب
فتكون واردة عليه أما لو كان موضوعها مجهول الحكم بلحاظ كل عنوان ولو كان مثل عنوان نقض اليقين بالشك كان الاستصحاب واردا عليها لأنه يوجب العلم بحكم المورد من حيث طروء عنوان نقض اليقين بالشك فيرتفع موضوعها. (هذا) ولكن يمكن ان يخدش (اولا) بانه على هذا لا وجه لدعوى كون دليل الاستصحاب مخصصا لدليلها لاعتبار الحالة السابقة فيه دونها كما تقدم منه (وثانيا) بانه لم يظهر الوجه الفارق بينها وبين سائر الامارات في اعتبار الجهل بلحاظ كل عنوان في موضوعها دون موضوعها (وثالثا) بانه قد تقدم ان العمدة في تقديمه الامارات على الاستصحاب اعتبار ذلك أيضا في موضوعه وعليه يكون حاله حال القرعة فتأمل (فالاولى) أن يقال: ان نصوص القرعة (إن كانت واردة) في موارد خاصة مثل قطيع غنم نزى الراعي على واحدة منه وما لو وقع الحر والعبد والمشرك على امرأة فادعى كل منهم الولد، وما لو اوصى بعتق ثلث مماليكه وغير ذلك فحكمه أنه يجب العمل به في خصوص مورده إذا جمع شرائط الحجية. (وإن) كان مثل: القرعة لكل امر مشكل، فحكمه أنه يقدم عليه الاستصحاب لأن الظاهر من المشكل ما يصعب حله فلا يشمل موارد الاستصحاب. (وان كان) مثل: كان مجهول ففيه القرعة - كما في رواية محمد ابن حكيم وغيره - فحكمه انه وان كان يعم موارد الاستصحاب الا انه يجب تخصيصه بدليله لأنه اخص ولا سيما مع وهنه بكثرة التخصيص - كما اشار إليه قدس سره - ومن هذا يتضح لك وجه النظر فيما في بيان المصنف (ره) ولعله إلى بعض ما ذكرنا اشار بقوله: فافهم. والحمد لله رب العالمين. هنا انتهي ما اردنا تعليقه على كلام شيخنا (قدس سره) من مباحث الاستصحاب في جوار الحضرة العلوية المقدسة على صاحبها افضل الصلاة والسلام ليلة الخميس السابع والعشرين من جمادى الآخرة من النسة السابعة والاربعين بعد الالف والثلمائة هجرية وله الحمد دائما أبدا
هذا مبحث التعادل والتراجيح بسم الله الرحمن الرحيم المقصد الثامن في تعارض الأدلة والامارات (فصل) التارض هو تنافي الدليلين أو الأدلة بحسب الدلالة ومقام الاثبات على وجه التناقض أو التضاد ______________________________ التعادل والتراجيح (قوله: تنافى الدليلين أو الادلة) المعروف تعريف التعارض بانه تنافي مدلولي الدليلين، وربما اضيف إليه قولهم: على وجه التناقض أو التضاد، وقد عدل عنه إلى ما ذكره في المتن (اقول): اما اضافة قيد التناقض والتضاد فالظاهر ان الباعث عليها دفع توهم اختصاص التعارض بما كان مدولهما متناقضين - كما يقتضيه الجمود على مفهوم التنافي - لكن لا يخفى انه إذا عممنا المدلول للمدلول الالتزامي العقلي فالدليلان الدالان على المتضادين بالمطابقة دالان على المتناقضين بالالتزام فلو قيدنا التنافي بالتناقض فقط كان التعريف عاما فضلا عما إذا جرد عن القيد فلا مقتضي إذا لتكلف التقييد. (واما) وجه عدول المصنف (ره) عنه إلى ما في المتن فلانه يشمل ما كان بينهما حكومة أو جمع عرفي مع انه ليس كذلك، ولذا لا تجرى عليها احكام التعارض من الترجيح أو التخيير، بخلاف ما في المتن فانه لا يشملهما. (اما) شمول الاول فواضح حيث ان كلا من الحاكم والمحكوم في نفسه يدل على خلاف ما يدل عليه الآخر. (واما) عدم شمول الثاني فلأن الجمع العرفي ولو للحكومة مانع من كون كل منهما حجة في خلاف الآخر بل يقتضي ان يكون حجة فيما لا ينافي الآخر (اقول): يمكن دعوى ذلك في تعريف المشهور بأخذ عنوان المدلول قيدا لذات المدلول لا مرآة محضا إذ
حقيقة أو عرضا بأن علم بكذب أحدهما إجمالا مع عدم امتناع اجتماعهما أصلا وعليه فلا تعارض بينهما بمجرد تنافي مدلولهما إذا كان بينهما حكومة رافعة للتعارض والخصومة بان يكون أحدهما قد (سيق) ناظرا إلى بيان كمية ما أريد من الآخر مقدما كان أو مؤخرا أو كانا على نحو إذا عرضا على العرف وفق بينهما (بالتصرف) في خصوص أحدهما كما هو مطرد في مثل الأدلة المتكلفة لبيان أحكام الموضوعات بعناوينها الأولية مع مثل الأدلة ______________________________ مدلول كل من الحاكم والمحكوم بما انه مدلول الدليل لا ينافي الآخر وانما ينافيه بذاته فلا موجب للعدول. (مضافا) إلى أن ما في المتن يوهم كون التعارض تنافي دلالة الدليلين وليس كذلك: مع انه لا تنافي بين الدلالتين على المتنافيين والتنافي بين الدلالتين من حيث حجيتهما دائما يكون من التضاد لا التناقض فتأمل جيدا (قوله: حقيقة) بان يمتنع واقعا اجتماعهما ولو بحسب الشرع كما لو دل احدهما على الوجوب والآخر على الحرمة أو احدهما على صحة العتق والآخر على عدم الملك فانه لا مانع عقلا من اجتماعهما بل شرعا مثل: لا عتق الا في ملك (قوله: مع عدم امتناع) يعني لا شرعا ولا عقلا (قوله: وعليه فلا تعارض) تعريض بالمشهور واشارة إلى وجه العدول (قوله: مقدما كان أو مؤخرا) هذا تعريض بشيخنا الأعظم (ره) حيث يظهر من عبارته في الرسالة اعتبار تققدم المحكوم في تحقق الحكومة لانه لابد أن يكون متفرعا عليه وناظرا إليه بحيث لولا المحكوم كان الحاكم لاغيا، فاورد عليه المصنف (ره) بانه لا يعتبر فيه ذلك بل يجوز ان يكون المحكوم متأخرا واستشهد عليه في الحاشية بأن اظهر افراد الحكومة ما يكون بين ادلة الامارات وادلة الاصول مع أن الأول لا تكون لاغية لو لم تجعل الأصول إلى يوم القيامة بديهة، وعليه فلا يعتبر في الحكومة إلا سوق الدليل بنحو يصلح للنظر إلى كمية موضوع الآخر. (هذا) ولكن الظاهر أن مراد شيخنا الأعظم (ره) كون الحاكم متفرعا على المحكوم بحيث يكون متقدما عليه رتبة
* السافية للعسر والحرج والضرر والاكراه والاضطرار مما يتكفل لاحكامها بعناوينها الثانوية حيث يقدم في مثلهما الأدلة النافية ولا تلاحظ النسبة بينهما أصلا ويتفق في غيرهما كما لا يخفى (أو بالتصرف) فيهما فيكون مجموعهما قرينة على التصرف فيهما أو في أحدهما المعين لو كان الآخر أظهر، ولذلك تقدم الامارات المعتبرة على الأصول الشرعية فانه لا يكاد يتحير أهل العرف في تقديمها عليها بعد ملاحظتهما حيث لا يلزم منه محذور تخصيص أصلا، بخلاف العكس فانه يلزم منه محذور التخصيص بلا وجه أو بوجه دائر كما أشرنا إليه في أواخر الاستصحاب ______________________________ لا زمانا واستشهاد المصنف (ره) على خلافه بما ذكر مبني على عدم دلالة حجية الامارات على إلغاء احتمال الخلاف تعبدا وانها علم تنزيلا، لكن عرفت خلافه وانه لولاه لم يكن وجه لتقديمها على الاصول. وحينئذ فالمناقشة في معنى الحكومة تشبه ان تكون مناقشة في الاصطلاح فلاحظ (قوله: النافية للعسر) قد تقدم في مبحث الانسداد انها حاكمة (قوله: والضرر) قد تقدم في قاعدة الضرر انها على مذاق المصنف (ره) في معناها حاكمة باجلي مظاهر الحكومة وكذا على مذاق شيخنا الاعظم (ره) واما نفي الاكراه والاضطرار فحاله حالهما (قوله: في غيرهما) اي غير أدلة احكام العناوين الاولية والثانوية فيتصرف فيهما أيضا بذلك التصرف فيحمل أحدهما على الاقتضاء والثاني على المانعية مثل اكرم العلماء ولا تكرم الفساق (قوله: أو بالتصرف فيهما) كما لو قال: افعل ثم قال: لا تفعل، حيث يحمل الاول على الاستحباب والثاني على نفي الالزام، ولو كان المتقدم (لا تفعل) حمل على الكراهة وحمل (افعل) على الرخصة ولو جهل التاريخ فهما متعارضان (قوله: أو في احدهما المعين) كالعام والخاص والمطلق والمقيد $ وغ ؟ ؟ مما كان أحدهما أظهر فيتعين التصرف في غيره (قوله: ولذلك تقدم) قد تقدم ان التقديم المورود لا للجمع العرفي فان الورود ليس منه إذ المتواردان يمتنع فرض
* وليس وجه تقديمها حكومتها على أدلتها لعدم كونها ناظرة إلى أدلتها بوجه، وتعرضها لبيان حكم موردها لا يوجب كونها ناظرة إلى أدلتها وشارحة لها وإلا كانت أدلتها أيضا دالة ولو بالالتزام على ان حكم مورد الاجتماع فعلا هو مقتضي الأصل لا الامارة وهو مستلزم عقلا نفي ما هو قضية الامارة بل ليس مقتضي حجيتها إلا نفي ما قضيته عقلا من دون دلالة عليه لفظا، ضرورة أن نفس الامارة لا دلالة له الا على الحكم الواقعي وقضية حجيتها ليست إلا لزوم العمل على وفقها شرعا المنافي عقلا للزوم العمل على خلافه وهو قضية الاصل. هذا مع احتمال أن يقال: إنه ليس قضية الحجية شرعا إلا لزوم العمل على وفق الحجه عقلا وتنجز الواقع مع المصادفة وعدم تنجزه في صورة المخالفة (وكيف كان) ______________________________ التنافي بين مدلولهما ذاتا واثباتا فالجمع بينهما واقعي لا عرفي (قوله: وليس وجه) بل هو الوجه كما تقدم (قوله: وتعرضها لبيان) يعني بالدلالة الالتزامية العقلية كما سيأتي إذ التنافي بين الاحكام الظاهرية يوجب دلالة دليل كل منها بالالتزام العقلي على نفي ما عداه بلا فرق بين دليل الاصل ودليل الامارة (قوله: ما قضيته) يعني ما يقتضيه الاصل (قوله: ضرورة أن) بيان لنفي الدلالة اللفظية، يعني لا تدل الامارة بالدلالة اللفظية على نفى حكم الاصل وانما تدل على ثبوت الحكم الواقعي ولا دليل اعتبارها يدل عليه وانما يدل على ثبوت الحكم الظاهري الموافق لمؤداها (اقول): لو فرض دلالة الامارة أو دليل اعتبارها على نفي حكم الاصل لفظا لا يكون ذلك كافيا في الحكومة بل لابد من نفي الموضوع ليتحقق النظر المعتبر في الحكومة (قوله: الا لزوم العمل) قد عرفت أن عليه لا وجه للتقديم لان أدلتها كأدلة الاصل جاعلة للمؤدى في ظرف قيام الامارة (قوله: مع احتمال ان يقال) يعني يكون مفاد دليل الاعتبار جعل الحجية فيترتب عليه وجوب الموافقة عقلا (اقول) هذا لا ينافي جعل الطريقة لها والا
ليس مفاد دليل الاعتبار هو وجوب إلغاء احتمال الخلاف تعبدا كي يختلف الحال ويكون مفاده في الامارة نفي حكم الاصل حيث أنه حكم الاحتمال بخلاف مفاده فيه لأجل أن الحكم الواقعي ليس حكم احتمال خلافه، كيف وهو حكم الشك فيه واحتماله ؟ (فافهم) وتأمل جيدا. فانقدح بذلك أنه لا يكاد ترتفع غائلة المطردة والمعارضة بين الاصل والامارة إلا بما أشرنا سابقا وآنفا فلا تغفل. هذا ولا تعارض أيضا إذا كان أحدهما قرينة على التصرف إلى الآخر كما في الظاهر مع النص أو الاظهر مثل العام والخاص والمطلق والمقيد أو مثلهما مما كان أحدهما نصا أو أظهر حيث أن بناء العرف على كون النص أو الاظهر قرينة على التصرف في الآخر (وبالجملة) الادلة في هذه الصور وان كانت متنافية بحسب مدلولاتها الا انها غير متعارضة لعدم تنافيها في الدلالة وفى مقام الاثبات بحيث تبقي أبناء المحاورة متحيرة، بل بملاحظة المجموع أو خصوص بعضها يتصرف في الجميع أو في البعض عرفا بما ترتفع به المنافات التي تكون في البين ______________________________ لم يكن وجه للتقديم لتنافي دليلهما (قوله: ليس مفاد دليل) بل الظاهر أنه هو المفاد فان أدلة الحجية يستفاد منها طريقيتها ودليلتها وهو عين إلغاء احتمال لخلاف، مع أنه المطابق لارتكاز العقلاء في كثير منها حيث أنها طرق عندهم وعلم بالواقع تنزيلا فيجب تنزيل دليل الاعتبار عليه (قوله: مفاده) يعني مفاد دليل الاعتبار (قوله: حكم الاحتمال) يعني موضوع حكم الاصل احتمال الواقع فإذا دل دليل اعتبار الامارة على انها علم بالواقع وانه يجب إلغاء احتمال الخلاف تعبدا ارتفع موضوع حكم الاصل فتكون حاكمة عليه (قوله: مفاده فيه) يعني مفاد دليل الاعتبار في الاصل (قوله: لاجل أن الحكم) يعني لو كان الحكم الواقعي الذي هو مدلول الامارة موضوعه عدم حكم الاصل كان
ولا فرق فيها بين أن يكون السند فيها قطعيا أو ظنيا أو مختلفا فيقدم النص أو الاظهر وان كان بحسب السند ظنيا على الظاهر ولو كان بحسبه قطعيا، وإنما يكون التعارض في غير هذه الصور مما كان التنافي فيه بين الادلة بحسب الدلالة ومرحلة الاثبات وإنما يكون التعارض بحسب السند فيما إذا كان كل واحد منها قطعيا ______________________________ الاصل رافعا لموضوعها فيكون مقدما عليها، لكنه ليس كذلك لان حكم الاصل موضوعه الشك في الواقع فلو كان موضوع الواقع عدم حكم الشك كان حكم الاصل رافعا له فيلزم من وجود حكم الاصل عدمه (قوله: ولا فرق فيها بين) لانه بعد فرض عدم التنافي بين الدليلين يجب العمل بهما في جميع الصور وكون الظاهر قطعي السند لا يمنع من تصرف العرف فيه بعد كونه ظني الدلالة وكون الاظهر اقوى منه دلالة (قوله: مما كان) بيان لغير (قوله: وإنما يكون التعارض بحسب السند) لا يخفى ان استفادة الحكم من الدليل تتوقف على صدور لفظه ممن له الحكم وكونه لبيان الواقع لا لغيره لتقية أو غيرها وحجيته في معناه والحافظ للجهة الاولى دليل الحجية المعبر عنه باصالة السند، وللثانية الاصل العقلائي الراجع إلى ظهور حال المتكلم في ذلك أو تعبدا المعبر عنه باصالة الجهة، وللجهة الثالثة اصالة الظهور، فمع تعارض الدليلين يعلم اجمالا بمخالفة احدهما للواقع فيعلم بكذب احد الاصول الثلاثة اعني اصالة السند أو اصالة الجهة أو اصالة الظهور في احد الدليلين فيكون التعارض بين الاصول الستة فيهما، وربما يكون التعارض في خصوص اصالتي السند فيهما كما لو كانا مقطوعي الدلالة والجهة. أو في خصوص اصالتي الجهة كما لو كانا مقطوعي السند والدلالة أو في خصوص اصالتي الظهور لو كانا مقطوعي السند والجهة، وربما يكون التعارض بين احد الاصول بعينه في احدهما، وبين الاصول الثلاثة في الآخر أو اثنين منها فيه أو واحد منها فيه مخالف له، كما لو كان احدهما معلوم الجهة والصدور والآخر معلوم الجهة والسند، وربما يكون
دلالة وجهة أو ظنيا فيما إذا لم يكن التوفيق بينها بالتصرف في البعض أو الكل فانه حينئذ لا معنى للتعبد بالسند في الكل إما للعلم بكذب أحدهما أو لاجل أنه لا معنى للتعبد بصدورها مع اجمالها فيقع التعارض بين ادلة السند حينئذ كما لا يخفى فصل التعارض وان كان لا يوجب إلا سقوط احد المتعارضين عن الحجية رأسا حيث ______________________________ التعارض بين اثنين منها في احدهما وبين الثلاثة في الآخر أو بين اثنين فيه متفقين مع الاولين أو مختلفين... إلى غير ذلك، والحكم في الجميع اجراء احكام التعارض لعدم المرجح الذاتي (قوله: دلالة وجهة) فيتعارض اصالة السند فيهما لا غير (قوله: أو ظنيا) فتتعارض الاصول الستة) (قوله: اما للعلم بكذب احدهما) راجع إلى ما كان قطعيا دلالة وجهة (قوله: أو لاجل انه) راجع إلى قوله أو ظنيا (قوله: لا معنى للتعبد) الظاهر ان الاصول الثلاثة المتقدمة لا ترتب بينها بحيث يكون بعضها مأخوذا في موضوع الآخر فيكون جريانه شرطا في جريان الآخر بل هي متلازمة في مقام الحجية لا يكون بعضها حجة الا في ظرف حجية الآخر لأجل أن الأثر العملي العقلي إنما يكون في ظرف حجية الجميع، وقد يظهر من المصنف (ره) بقوله: فيقع التعارض... الخ حيث فرع المعارضة بين ادلة السند على اجمال الدليلين، ان اصالة الظهور متقدمة رتبة على اصالة السند فبعد تعارض اصالة الظهور في الدليلين الموجب لاجمالهما يقع التعارض بين اصالتي السند، ويظهر من بعض الاعيان عكس ذلك، وهو غير ظاهر الوجه فإذا اللازم الحكم بكون التعارض بين تمام الأصول في احدهما وتمامها في الآخر. مضافا إلى أنه بعد تعارض اصالتي الظهور والحكم بالاجمال لا معنى لفرض التعارض بين اصالتي السند للغوية حجية السند حينئذ فتسقط بذاتها لا بالمعارضة فتأمل جيدا
لا يوجب الا العلم بكذب احدهما فلا يكون هناك مانع عن حجية الآخر ______________________________ (قوله: لا يوجب الا العلم بكذب) هذا شروع في تحقيق الاصل في المتعارضين وانه التساقط أو التخيير والذي اختاره انه التساقط (وتقريبه): أن المتعارضين مما يعلم بكذب احدهما ولا ريب في ان معلوم الكذب ليس بحجة ولما لم يكن له عنوان محفوظ متعين وكان محتمل الانطباق على كل واحد منهما كان كل واحد منهما مما يحتمل انه ليس بحجة لكونه مما يحتمل كونه معلوم الكذب فيسقط كلاهما عن الحجية ويكون الحال كا لو اشتبه خبر الفاسق بخبر العادل فانه لا ريب في سقوط كل من الخبرين عن الحجية. (هذا) ولكن قد تكرر غير مرة أن مبنى هذا التقريب سراية العلم إلى الخارج والا فكل منهما مشكوك الكذب قطعا ولا يحتمل كونه معلوم الكذب فيكون داخلا تحت دليل الحجية جزما (فان قلت): العلم الاجمالي وان كان لا يسري إلى الخارج إلا أنه ينجز متعلقه فيجب الاحتياط في اطرافه (قلت): الكذب الواقعي لا يمنع عن شمول دليل الحجية والا اختص الحجة بما هو معلوم الصدق وذلك خلف، وإذا لم يكن الكاذب الواقعي خارجا عن دليل الحجية فالعلم به لا اثر له غاية الامر أن معلوم الكذب ليس بحجة والمفروض انه لا ينطبق على احدهما بل كل واحد منهما مشكوك الكذب فحال معلوم الكذب حال معلوم الصدق لامتناع جعل الحجية لكل واحد منهما، فكما أن العلم بصدق أحد الخبرين لا يمنع عن حجيتهما ولا حجية احدهما فكذا العلم بكذب احدهما (فالتحقيق) في وجه اصالة التساقط: ان الدليلين المتعارضين لما كان كل واحد منهما دالا على نفي الآخر بالمطابقة - لو كانا متناقضي المضمون - أو بالالتزام - لو كانا متضادي المضمون - وكان اطلاق دليل حجيتهما في المدلول المطابقي والالتزامي في عرض واحد امتنع دخولهما معا تحت دليل الحجية لادائه إلى التناقض، ودخول احدهما بعينه تحت دليل الحجية دون الآخر بلا مرجح ممتنع فلابد من الحكم بخروجهما معا عنه (قوله: عن حجية الآخر) لانه غير معلوم الكذب
إلا أنه حيث كان بلا تعيين ولا عنوان واقعا فانه لم يعلم كذبه الا كذلك، واحتمال كون كل منهما كاذبا لم يكن واحد منهما بحجة في خصوص مؤداه لعدم التعيين في الحجة اصلا كما لا يخفى (نعم) يكون نفي الثالث باحدهما لبقائه على الحجية وصلاحيته على ما هو عليه من عدم التعين لذلك لا بهما. هذا بناء على حجية الامارات من باب الطريقية - كما هو كذلك - حيث لا يكاد يكون حجة طريقا إلا ما احتمل إصابته، فلا محالة كان العلم بكذب أحدهما مانعا عن حجية، وأما بناء على حجيتها من باب السببية فكذلك ______________________________ (قوله: إلا انه) الضمير راجع إلى معلوم الكذب (قوله: لم يكن واحد) هو خبر (أنه) (قوله: في خصوص مؤداه) يعني مدلوله المطابقي بل والالتزامي ايضا إذا لم يكن مدلولا للآخر لعدم ثبوت كونه الحجة حتى يكون حجة فيه (قوله: نفي الثالث باحدهما) يعني الحكم بنفي الحكم المخالف لهما معا لحجية غير معلوم الكذب في نفيه وليس ما يقتضي عدم حجيته علي إبهامه وعدم تعينه (قوله: لا بهما) معطوف على قوله: باحدهما. هذا ولكن التحقيق أن نفي الثالث بهما معا لانهما وان سقطا عن الحجية معا لكن في خصوص ما يتكاذبان فيه لمجيئ التقريب المتقدم فيه بخصوصه لا ما يتفقان عليه لعدم تكاذبهما فيه فلا يسقطان عن الحجية فيه (قوله: هذا بناء على حجية) (فان قلت): حجية كل من الامارات على الطريقية لابد ان يكون ناشئا عن مصلحة، وبعد تكاذب الظهورين وامتناع اعمال المقتضيين معا يجب العمل على قاعدة التزاحم باعمال احد المقتضيين على التخيير لأن اعمال احدهما بعينه ترجيح من دون مرجح فلا وجه للحكم بالتساقط (قلت): إذا فرض أن أحد الدليلين دل بالمطابقة أو الالتزام على وجوب شئ والآخر دل على عدم وجوبه، وفرض أن شمول دليل الحجية للاول كاشف عن ثبوت مصلحة مقتضية لتنجيز الواقع على المكلف وان شمول دليل الحجية للثاني كاشف عن ثبوت مصلحة مقتضية للترخيص المنافي للتنجيز فحيث لا يمكن اعمال المصلحتين معا ولم
لو كان الحجة هو خصوص ما لم يعلم كذبه بان لا يكون المقتضي للسببية فيها إلا فيه - كما هو المتيقن من دليل اعتبار غير السند منها وهو بناء العقلاء على أصالتي الظهور والصدور - لا للتقية ونحوها، وكذا السند لو كان دليل اعتباره هو بناؤهم ايضا وظهوره فيه لو كان هو الآيات والاخبار. ضرورة ظهورها فيه لو لم نقل بظهورها في خصوص ما إذا حصل الظن منه أو الاطمينان وأما لو كان المقتضي للحجية في كل واحد من المعارضين لكان التعارض بينهما من تزاحم الواجبين فيما إذا كانا مؤديين إلى ______________________________ تكن مصلحة الالزام أقوى حسب الفرض لتساوي الفردين في الدخول تحت دليل الحجية لابد ان تسقط مصلحة الالزام عن فعلية التأثير لوجود المزاحم: ولا مجال لدعوى وجوب اعمال إحداهما لأن ذلك حيث يكون ترك اعمالهما معا مخالفة لهما معا - كما في مسألة الغريقين ونحوها - لا فيما لو دار الأمر بين الفعل والترك كما لو كانت مصلحة في الوجود وأخرى في العدم فانه لا مجال للوجوب التخييري لامتناع الوجوب التخييري بين الوجود والعدم إذ المكلف لا يخلو عن احدهما فالتكليف باحدهما أمر بتحصيل الحاصل. والمقام من هذا القبيل إذ المراد من الترخيص مجرد عدم الالزام المؤدي لنفي اللزوم العقلي لا انشاء الترخيص الوجودي (وان شئت) قلت: كل من الالزام والترخيص إعمال لأحدى المصلحتين وإهمال للاخرى وحيث يدور الأمر بينهما ولا مرجح لأحدهما على الآخر يسقطان معا عن التأثير. ومنه يظهر أنه لا مجال لدعوى وجوب العمل بأحد الخبرين تخييرا فانه وجوب تخييري بين الوجود والعدم وهو ممتنع، وكذا بين الضدين اللذين لا ثالث لهما. نعم لا مانع من التخيير بين الوجود والعدم عقلا كما في موارد الدوران بين المحذورين وشرعا كما في موارد الاباحة الشرعية. وأما ما سيأتي انشاء الله من ان حكم المتعارضين مع عدم المرجح هو التخيير فمعناه وجوب اختيار أحد الدليلين لا الوجوب التخييري بين المدلولين الممتنع (قوله: لو كان الحجة هو) قد عرفت انه لا ريب في أن معلوم الكذب ليس بحجة سواء كان الدليل على الحجية لبيا من اجماع أو بناء
إلى وجوب الضدين أو لزوم المتناقضين لا فيما إذا كان مؤدى احدهما حكما غير الزامي فانه حينئذ لا يزاحم الآخر، ضرورة عدم صلاحية ما لا اقتضاء فيه ان يزاحم به ما فيه الاقتضاء. إلا أن يقال: بان قضية اعتبار دليل غير الالزامي ______________________________ عقلاء أم لفظيا كالكتاب والسنة إلا أن عنوان معلوم الكذب مما يعلم عدم انطباقه على كل منهما فيكون كل منهما داخلا تحت دليل الحجية إلا أن بدعى عدم شمول الأدلة اللبية للمتعارضين معا وهو كلام آخر غير ما ذكر (قوله: إلى وجوب الضدين) يعني ينظر فان كان أحدهما أهم يتعين الأخذ به وان تساويا فان لم يكن لهما ثالث يتخير بينهما عقلا وان كان لهما ثالث يجب الأخذ باحدهما، لكن هذا بالنظر إلى المدلول المطابقي اما بالنظر إلى المدلول الالتزامي يكون كل من الضدين مما دل الدليل على وجوبه وعدمه فيدخلان فيما لو دل أحدهما على حكم الزامي والآخر على حكم غير الزامي وسيأتي حكمه (قوله: أو لزوم المتناقضين) فينظر الأهم فيؤخذ به وان تساويا يتخير بين الفعل والترك عقلا (قوله: لا فيما إذا) يعني لا يعمل بقاعدة التزاحم لو كان أحدهما دالا على حكم الزامي والآخر على حكم غير الزامي كما لو دل أحدهما على الوجوب والآخر على الاباحة لأن الاباحة من الأحكام غير الاقتضائية فلا يزاحم الوجوب الذي هو حكم اقتضائي (إلا أن) يدعى: أن الاباحة وإن كانت من الأحكام غير الاقتضائية في نفسها إلا أن مقتضى القول بالسببية ان تكون اقتضائية لأن معنى السببية أن يكون قيام الامارة على حكم موجبا لثبوت مقتضي الحكم، فإذا قامت الامارة على اباحة شئ كان قيامها موجبا للاباحة فتكون الاباحه اقتضائية فتصلح لمزاحمة الوجوب، وبهذا التزاحم يكون المورد كأنه مما ليس فيه مقتضي الالزام ولا مقتضي اللا إلزام، والحكم فيه الاباحة لأنه يكفي فيها عدم مقتضي الالزام، ولا يكفي في الوجوب عدم مقتضي اللا إلزام (ويمكن) تقرير التعارض على القول بالسببية من وجهين (الاول) ان القول بالسببية إنما هو لو قامت الامارة على خلاف الواقع دون ما لو قامت الامارة على نفس الواقع فان ثبوت الحكم فيه من جهة مقتضي الواقع، فإذا قام أحد الدليلين على الوجوب
أن يكون عن اقتضاء فيزاحم به حينئذ ما يقتضي الالزامي ويحكم فعلا بغير الالزامي ولا يزاحم بمقتضاه ما يقتضي غير الالزامي لكفاية عدم تمامية علة الالزامي في الحكم بغيره (نعم) يكون باب التعارض من باب التزاحم (مطلقا) لو كان قضية الاعتبار هو لزوم البناء والالتزام بما يؤدي إليه من الأحكام لا مجرد العمل على وفقه بلا لزوم الالتزام به، وكونهما من تزاحم الواجبين حينئذ وان كان واضحا ______________________________ والآخر على عدمه فان كان الدليل الأول مخالفا للواقع كان قيامه مقتضيا للوجوب وقيام الدليل على الوجوب لا يصلح لمزاحمته وان كان الامر بالعكس كان الحكم على العكس، وحيث لا يعلم الموافق من المخالف يقع التعارض، ولا وجه للتزاحم. نعم لو احتمل كذب الدليلين معا تم ما ذكر. فتأمل (الثاني) أن ظاهر كل واحد من الدليلين فعلية الحكم الالزامي واللا إلزامي، وحيث يمتنع اجتماع النقيضين لابد أن يتكاذبا، والأخذ باحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح، وانما يكونان من المتزاحمين لو دل كل منهما على ثبوت المقتضي فقط، لكنه خلاف مفروض تنافي الدليلين (فان قلت): الدليلان وإن دلا على فعلية الحكمين إلا أنه لما امتنع اجتماعهما فعليين يجمع بينهما عرفا بالحمل على الاقتضائي كما في جميع موارد التزاحم مثل: أكرم العالم وأهن الفاسق (قلت): محل الكلام ما إذا لم يكن الجمع العرفي بين الدليلين ممكنا فالجمع بينهما بذلك جمع غير عرفي. وبالجملة: إذا كان أحدهما نصا في ثبوت الوجوب والآخر نصا في عدم الوجوب فدليل الاعتبار في شموله كلا منهما يمنع من شموله للآخر، وشموله لاحدهما ترجيح من دون مرجح فلابد من الحكم بخروجهما معا. ومن هنا يظهر لك أن الحكم في جميع الصور المذكورة في المتن هو التعارض على القول بالسببية أيضا (قوله: ان يكون عن) يعني أن يكون الحكم غير الالزامي عن اقتضاء (قوله: ولا يزاحم بمقتضاه) يعني لا يزاحم الالزامي بمقتضي مقتضي الحكم غير الالزامي (قوله: مطلقا) يعني ولو على الطريقية (قوله: من تزاحم الواجبين) حيث ان دليل اعتبار
ضرورة عدم إمكان الالتزام بحكمين في موضوع واحد من الاحكام إلا انه لا دليل نقلا ولا عقلا على الموافقة الالتزامية للاحكام الواقعية فضلا عن الظاهرية كما مر تحقبقه، وحكم التعارض بناء على السببية فيما كان من باب التزاحم هو التخيير لو لم يكن أحدهما معلوم الأهمية أو محتملها في الجملة حسبما فصلناه في مسألة الضد وإلا فالتعيين، وفيما لم يكن من باب التزاحم هو لزوم الأخذ بما دل على الحكم الالزامي لو لم يكن في الآخر مقتضيا لغير الالزامي وإلا فلا بأس بأخذه والعمل عليه لما أشرنا إليه من وجهه آنفا (فافهم) هذا هو قضية القاعدة في تعارض الامارات لا الجمع بينها بالتصرف في أحد المتعارضين أو في كليهما، كما هو قضية ما يتراءي مما قيل من أن الجمع مهما أمكن أولى من الطرح إذ لا دليل عليه فيما لا يساعد عليه العرف مما كان المجموع أو أحدهما قرينة عرفية على التصرف في أحدهما بعينه أو فيهما كما عرفته في الصور السابقة، مع أن في الجمع كذلك أيضا طرحا للامارة أو الامارتين، ضرورة سقوط اصالة الظهور في أحدهما أو كليهما معه وقد عرفت أن التعارض بين الظهورين فيما كان سنداهما قطعيين وفي السندين إذا كانا ظنيين، وقد عرفت أن قضية التعارض إنما هو سقوط المتعارضين في خصوص كل ما يؤديان إليه من الحكمين لا بقاؤهما على الحجية بما ______________________________ كل منهما يقتضي وجوب الالتزام بمضمونه فإذا تعذر الالتزام بهما لزم الالتزام باحدهما تخييرا (قوله: ضرورة عدم) قد تقدم الاشكال فيه وأنه لا مانع من امكان الالتزام بحكمين في موضوع واحد إذ التنافي انما هو بين الحكمين لا بين الالتزامين بهما على تقدير جواز ثبوتهما معا (قوله: ما يتراءي) حيث يتراءي منه كون المراد من الامكان العقلي (قوله: مما كان) بيان لما يساعد (قوله: أيضا طرحا) فلا وجه لكونه أولى من الطرح بخلاف ما لو كان التصرف عرفيا فانه ليس طرحا لاصالة الظهور لعدم حجية اصالة الظهور في الاضعف مع منافاتها بالظهور الأقوى (قوله: ضرورة) تعليل لكونه طرحا (قوله: معه) يعني مع هذا الجمع (قوله: لا بقاؤهما على) معطوف على
يتصرف فيهما أو في أحدهما أو بقاء سنديهما عليها كذلك بلا دليل يساعد عليه من عقل أو نقل، فلا يبعد أن يكون المراد من إمكان الجمع هو إمكانه عرفا، ولا ينافيه الحكم بأنه أولى مع لزومه حينئذ وتعينه فان أولويته من قبيل الأولوية في أولي الأرحام وعليه لا إشكال فيه ولا كلام فصل لا يخفي أن ما ذكر من قضية التعارض بين الامارات إنما هو بملاحظة القاعدة في تعارضها، وإلا فربما يدعى الاجماع على عدم سقوط كلا المعارضين في الأخبار كما اتفقت عليه كلمة غير واحد من الاخبار. ولا يخفى أن اللازم فيما إذا لم تنهض حجة على التعيين أو التخيير بينهما هو الاقتصار على الراجح منهما للقطع بحجيته تخييرا أو تعيينا بخلاف الآخر لعدم القطع بحجيته والاصل عدم حجية ما لم يقطع بحجيته بل ربما ادعي الاجماع أيضا على حجية خصوص الراجح واستدل عليه بوجوه أخر أحسنها الاخبار وهي على طوائف (منها) ما دل على التخيير على ______________________________ سقوط. والوجه في ذلك: عدم الدليل على حجية الكلام في المؤول (قوله: بلا دليل) متعلق ببقاء سنديهما (قوله: أو نقل) كما سيأتي من أدلة الترجيح أو التخيير (قوله: ان اللازم فيما) يعني الأصل عند الدوران بين التعيين والتخير في الحجية هو التعيين وربما يتوهم أنه من صغريات الدوران بين التعيين والتخيير في المكلف به فيلحقه حكمه، ولكنه كما ترى إذ لا مجال للوجوب التخييري في العمل بالحجة لما عرفت من أنه قد يكون مؤداهما نقيضين أو ضدين لا ثالث لهما فيمتنع الوجوب التخييري بينهما، وربما لا يكون مؤداهما معا حكما الزاميا إذ لا معنى للوجوب في المقام فيتعين كون المرجع عند الشك اصالة عدم الحجية في غير ما يحتمل التعيين واما محتمل التعيين فمعلوم الحجية قطعا (قوله: بوجوه أخر) سيأتي تفصيلها عن قريب (قوله: وهي على طوائف) الضمير راجع إلى نفس
الاطلاق كخبر الحسن بن الجهم عن الرضا عليه السلام (قلت: يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة بحديثين مختلفين ولا يعلم أيهما الحق، قال: فإذا لم يعلم فموسع عليك بأيهما أخذت) وخبر الحارث بن المغيرة عن أبي عبد الله عليه السلام: (إذا سمعت من اصحابك الحديث وكلهم ثقة فموسع عليك حتى ترى القائم فترد عليه) ومكاتبه عبد الله بن محمد إلى أبي الحسن عليه السلام: (اختلاف اصحابنا في رواياتهم عن أبي عبد الله - عليه السلام - في ركعتي الفجر فروي بعضهم: صل في المحمل، وروي بعضهم: لا تصلها إلا في الأرض، فوقع عليه السلام: موسع عليك بأية عملت) ومكاتبة الحميري إلى الحجة - عليه السلام -... إلى أن قال: في الجواب عن ذلك حديثان... إلى أن قال عليه السلام: (وبأيهما أخذت من باب التسليم كان صوابا) إلى غير ذلك من الاطلاقات (ومنها) ما دل على التوقف مطلقا (ومنها) ما دل على ما هو الحائط منها (ومنها) ما دل على الترجيح بمزايا مخصوصة ومرجحات منصوصة من مخالفة القوم وموافقة الكتاب والسنة والاعدلية ______________________________ الأخبار لا خصوص أخبار الترجيح وإلا فاخبار التخيير مطلقا ليس منها (قوله: إلى غير ذلك) كمرسل الكافي: بايهما أخذتم من باب التسليم وسعكم (قوله: ما دل على التوقف) كخبر سماعة عن أبي عبد الله (ع) قلت: يرد علينا حديثان واحد يأمرنا بالأخذ به والآخر ينهانا عنه قال (ع): لا تعمل بواحد منهما حتى تلقي صاحبك فتسأله. قلت: لابد أن نعمل بواحد منهما قال: خذ بما خالف فيه العامة. ومكاتبة محمد بن علي بن عيسى إلى علي بن محمد (ع) يسأله عن العلم المنقول الينا عن آبائك وأجدادك (ع) قد اختلف علينا فيه فكيف العلم به على اختلافه والرد اليك فيما اختلف فيه ؟ فكتب (ع): ما علمتم أنه قولنا فالزموه وما لم تعلموا فردوه الينا (قوله: ما هو الحائط) لم أجد فيما يحضرني ما دل على الاحتياط مطلقا غير ما دل على التوقف. نعم في مرفوعة زرارة ذكر
والأصدقية والأفقهية والأورعية والأوثقية والشهرة على اختلافها في الاقتصار على بعضها وفي الترتيب بينها ولاجل اختلاف الاخبار اختلفت الانظار (فمنهم) من أوجب الترجيح بها مقيدين باخباره إطلاقات التخيير، وهم بين من اقتصر على الترجيح بها ومن تعدى منها إلى ساير المزايا الموجبة لأقوائية ذي المزية وأقربيته - كما صار إليه شيخنا العلامة اعلى الله مقامه - أو المفيدة للظن - كما ربما يظهر من غيره - فالتحقيق أن يقال: إن أجمع خبر للمزايا المنصوصة في الاخبار هو المقبولة والمرفوعة مع اختلافهما وضعف سند المرفوعة جدا، والاحتجاج بهما على وجوب الترجيح في مقام الفتوى لا يخلو عن إشكال لقوة احتمال اختصاص الترجيح بها بمورد الحكومة ______________________________ الاحتياط بعد عدم المرجح (قوله: لأقوائية ذي) يعني وان لم توجب الظن وبهذا افترق عن القول الآتي (قوله: مع اختلافهما) لتقديم الترجيح بصفات الرواي في المقبولة على الشهرة وتأخيره عنها في المرفوعة، لكن دفعه شيخنا الاعظم (ره) بان الترجيح بالصفات في المقبولة إنما كان للحكم لا للرواية فتأمل. (قوله: وضعف سند) إذ لم يروها الا ابن ابي جمهور عن العلامة (ره) مرفوعا إلى زرارة (قوله: اختصاص الترجيح) يأبى هذا الاختصاص تعليل الترجيح بالشهرة بأن المجمع عليه لا ريب فيه فان مقتضاه بعد ما كان ارتكازيا عدم الفرق في الحكم بين مورد الرواية وغيره ولا سيما بملاحظة تثليث الامور، والاستشهاد على رد المشكل إلى الله تعالى بقول النبي صلى الله عليه وآله: حلال بين... الخ لامتناع الاقتصار على المورد بعد ذلك كله، واما الترجيح بالصفات فيشكل لعدم ذكره في ترجيح الرواية الا في المرفوعة وهي ضعيفة السند، ولم يعتمد عليها الاصحاب في ذلك وانما اعتمد من رجح بالصفات على المقبولة التي عرفت انها ليست ظاهرة الا في ترجيح احد الحكمين على الآخر، واما الترجيح بموافقة الكتاب ومخالفة العامة فمذكور في كثير من نصوص الترجيح ولا ينحصر ذكرهما بالمقبولة حتى يحتاج في التعدي عن مودرها إلى معمم. مع أن تعليل الترجيح بمخالفة العامة
لرفع المنازعة وفصل الخصومة كما هو موردهما ولا وجه معه للتعدي منه إلى غيره كما لا يخفى، ولا وجه لدعوى تنقيح المناط مع ملاحظة أن رفع الخصومة بالحكومة في صورة تعارض الحكمين وتعارض ما استند إليه من الروايتين لا يكاد يكون إلا بالترجيح ولذا أمر - عليه السلام - بارجاء الواقعة إلى لقائه - عليه السلام - في صورة تساويهما فيما ذكر من المزايا بخلاف مقام الفتوى، ومجرد مناسبة الترجيح لمقامها ايضا لا يوجب ظهور الرواية في وجوبه مطلقا ولو في غير مورد الحكومة كما لا يخفى. وإن أبيت إلا عن ظهورهما في الترجيح في كلا المقامين فلا مجال لتقييد إطلاقات التخيير في مثل زماننا مما لا يتمكن من لقاء الامام - عليه السلام - بهما لقصور المرفوعة سندا وقصور المقبولة دلالة لاختصاصها بزمان التمكن من لقائه عليه السلام. ولذا ما أرجع إلى التخيير بعد فقد الترجيح - مع أن تقييد الاطلاقات الواردة في مقام الجواب عن سؤال حكم المتعارضين بلا استفصال عن كونهما متعادلين أو متفاضلين ______________________________ بكون الرشد في خلافهم يقتضي التعدي عن مورده ايضا (قوله: ولا وجه لدعوى) لا حاجة إلى هذه الدعوى (قوله: لا يكاد يكون الا بالترجيح) إذ التخيير لا يقطع الخصومة إذ قد يختار كل من الخصمين خلاف ما يختاره الآخر (قوله: ولذا ما ارجع إلى) هذا - اعني عدم الارجاع والامر بالارجاء بعد فقد الترجيح - يوجب المباينة بين المقبولة وبين الاطلاقات لأن حمل الاطلاقات على صورة فقد المرجح طرح للمقبولة من حيث دلالتها على وجوب الارجاء، والجمع بينهما بحمل المقبولة على زمان الحضور والاطلاقات على زمان الغيبة مما تأباه كلتا الطائفتين، اما تخصيص الاطلاقات بحال الغيبة فيأباه صريح رواية الحارث، ومكاتبة عبد الله، واما تخصيص المقبولة بحال الحضور فلأن ظاهرها كون الارجاء لخصوصية الواقعة لا لخصوصية زمان الحضور، لكن هذا الاشكال يختص بالبناء على التعدي من مورد المقبولة إلى الفتوى بملاحظة المناسبة بين موردها وغيره، أما لو كان التعدي للتعليل المذكور فيها فلا اشكال. ويكون الجمع العرفي تقييد
مع ندرة كونهما متساويين جدا - بعيد قطعا بحيث لو لم يكن ظهور المقبولة في ذاك الاختصاص لوجب حملها عليه أو على ما لا ينافيها من الحمل على الاستحباب كما فعله بعض الاصحاب ويشهد به الاختلاف الكثير بين ما دل على الترجيح من الاخبار. ومنه قد انقدح حال سائر اخباره، مع أن في كون أخبار موافقة الكتاب أو مخالفة القوم من أخبار الباب نظرا وجهه قوة احتمال أن يكون الخبر المخالف للكتاب في نفسه غير حجة، بشهادة ما ورد في أنه زخرف وباطل وليس بشئ، أو انه لم نقله، أو أمر بطرحه على الجدار، وكذا الخبر الموافق للقوم ضرورة أن أصالة عدم صدوره تقية بملاحظة الخبر المخالف لهم مع الوثوق بصدوره لولا القطع به غير جارية للوثوق حينئذ بصدوره كذلك، وكذا الصدور أو الظهور في الخبر المخالف للكتاب يكون ______________________________ اطلاقات التخيير بفقد المرجح من دون فرق بين زماني الحضور والغيبة (قوله: مع ندرة كونهما) يمكن منع الندرة في التساوي في المرجحات الثلاث اعني الشهرة والموافقة للكتاب والمخالفة للعامة، نعم يندر التساوي في صفات الراوي لكن عرفت عدم الدليل على الترجيح بها في الرواية (قوله: لوجب حملها) لئلا يلزم الحمل على النادر (قوله: بشهادة ما ورد) هذا وان ورد في جملة من النصوص لكن اخبار الترجيح بموافقة الكتاب خالية عنه مع انه لابد من رفع اليد عن ظاهره في الجملة إذ المقبولة قد اشتملت على الترجيح به بعد الترجيح بالشهرة، ومقتضى الظاهر جواز الاخذ بالمخالف إذا كان مشهورا بين الاصحاب فتدل على حجية الخبر المخالف في الجملة (قوله: وكذا الخبر) معطوف على قوله: ان يكون الخبر (قوله: غير جارية للوثوق) هذا ممنوع، والمراد من الوثوق بالصدور النوعي بملاحظة ما عليه الخبر من الخصوصيات فانه المعول عليه عند العقلاء، ومثل هذا الوثوق لا ينافيه وجود المعارض نظير الوثوق بالصدور الذي لا ينافيه وجود المعارض والا سقط الخبران عن الحجية اقتضاء وذاتا لا بالتعارض (قوله: وكذا الصدور) يعني أن الخبر المخالف للكتاب لا مجال
* موهونا بحيث لا يعمه أدلة اعتبار السند والظهور كما لا يخفى، فتكون هذه الأخبار في مقام تمييز الحجة عن اللاحجة لا ترجيح الحجة على الحجة (فافهم) وإن أبيت عن ذلك فلا محيص عن حملها توفيقا بينها وبين الاطلاقات إما على ذلك أو على الاستحباب كما أشرنا إليه آنفا. هذا ثم إنه لولا التوفيق بذلك للزم التقييد أيضا في أخبار المرجحات وهي آبية عنه كيف يمكن تقييد مثل: (ما خالف قول ربنا لم أقله) أو زخرف أو باطل ؟ كما لا يخفى (فتلخص) مما ذكرنا أن إطلاقات التخيير محكمة وليس في الأخبار ما يصلح لتقييدها (نعم) قد استدل على تقييدها ووجوب الترجيح في المتفاضلين بوجوه آخر (منها) دعوى الاجماع على الاخذ بأقوى الدليلين (وفيه) أن دعوى الاجماع ______________________________ لجريان اصالة حجية السند أو اصالة الظهور فيه لعدم الوثوق بظهوره ولا بصدوره فلا يدخل تحت دليل حجية الصدور أو الظهور (أقول): لازم ما ذكر عدم حجية الخبر المخالف للكتاب ولو لم يكن له معارض، لكنه خلاف المحقق وخلاف المفروض في المقام، إذ الكلام في الخبرين المتعارضين بعد الفراغ عن حجية كل منهما لولا المعارضة، وقد تقدم منه في العموم والخصوص جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد والجواب عن هذه الاخبار. نعم تقدم منه في مبحث الخبر عدم حجية المخالف عند المعارضة (قوله: أبيت عن ذلك) يعني عن عدم جريان اصالة السند والظهور وعدم التقية (قوله: على ذلك) يعني على كونها في مقام تمييز الحجة عن اللاحجة وان كان خلاف ظاهرها إلا أن ارتكابه لازم لانه أولى من تقييد الاطلاقات لانه أقرب منه (قوله: للزم التقييد) يعني لو بني على الاخذ باطلاقات التخيير عند فقد المرجح يلزم التقييد في أدلة المرجحات فيحكم بحجية المخالف للكتاب مثلا مع تساوي الخبرين في ذلك وهي آبية عن التقييد (قوله: مثل ما خالف) قد عرفت أنه ليس في اخبار الترجيح ما يشتمل على ذلك بل مثله دال على عدم الحجية فلابد ان يحمل على المخالفة بنحو المباينة
- مع مصير مثل الكليني إلى التخيير وهو في عهد الغيبة الصغري ويخالط النواب والسفراء قال في ديباجة الكافي: ولا نجد شيئا أوسع ولا أحوط من التخيير مجازفة (ومنها) أنه لو لم يجب ترجيح ذي المزية لزم ترجيح المرجوح على الراجح وهو قبيح عقلا بل ممتنع قطعا (وفيه) أنه إنما يجب الترجيح لو كانت المزية موجبة لتأكد ملاك الحجية في نظر الشارع، ضرورة إمكان أن تكون تلك المزية بالاضافة إلى ملاكها من قبيل الحجر في جنب الانسان وكان الترجيح بها بلا مرجح وهو قبيح كما هو واضح. هذا - مضافا إلى ما هو في الاضراب من الحكم بالقبح إلى الامتناع من أن الترجيح بلا مرجح في الافعال الاختيارية ومنها الاحكام ______________________________ لا مطلقا فلا يكون مما نحن فيه (قوله: مع مصير مثل الكليني) لم ينقل الخلاف عنه (قدس سره) في الترجيح وانما المنقول عنه السيد الصدر من اصحابنا والجبائيان من العامة، بل عبارته المحكية كالصريحة في وجوب الترجيح. قال (ره): اعلم يا اخي ارشدك الله تعالى انه لا يسع احدا تمييز شئ مما اختلف الرواية فيه من العلماء برأيه الا ما اطلقه العالم (ع) بقوله (ع): اعرضوهما على كتاب الله فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله عزوجل فذروه، وقوله (ع): دعواما وافق القوم فان الرشد في خلافهم، وقوله (ع): خذوا بالمجمع عليه فان المجمع عليه لا ريب فيه، ولا نعرف من جميع ذلك الا اقله، ولا نجد شيئا احوط ولا اوسع من رد علم ذلك كله إلى العالم، وقبول ما وسع من الامر فيه بقوله: بايهما اخذتم من باب التسليم وسعكم. انتهي فانه اشار بصدر عبارته إلى مضمون المقبولة فهو مفت به، واما قوله (ره): ولا تجد... الخ فلعله - بقرينة قوله: ولا نعرف - يريد به انه حيث لا يمكن العلم غالبا بثبوت هذه المرجحات يجب الرجوع إلى اطلاقات التخيير ولا يجوز الأخذ بالظن فلاحظ (قوله: موجبة لتأكد) إذ لولا ذلك لا يكون صاحب المزية ارجح فلا يكون جواز الاخذ بغيره ترجيحا للمرجوح (قوله: من ان الترجيح بيان ل (ما هو)
الشرعية لا يكون إلا قبيحا ولا يستحيل وقوعه إلا على الحكيم تعالى والا فهو بمكان من الامكان لكفاية ارادة المختار علة لفعله، وإنما الممتنع هو وجود الممكن بلا علة فلا استحالة في ترجيحه تعالى للمرجوح الا من باب امتناع صدوره منه تعالى وأما غيره فلا استحالة في ترجيحه لما هو مرجوح مما باختياره (وبالجملة): الترجيح بلا مرجح بمعني بلا علة محال وبمعني بلا داع عقلائي قبيح ليس بمحال فلا تشتبه (ومنها) غير ذلك مما لا يكاد يفيد الظن فالصفح عنه أولى وأحسن (ثم) إنه لا إشكال في الافتاء بما اختاره من الخبرين في عمل نفسه وعمل مقلديه ولا وجه للافتاء بالتخيير في المسألة الفرعية لعدم الدليل عليه فيها (نعم) له الافتاء به في المسألة الأصولية، فلا بأس حينئذ باختيار المقلد غير ما اختاره المفتي فيعمل بما يفهم منه بصريحه أو بظهوره الذي ______________________________ (وتوضيح) الاشكال: ان الاضراب خلط بين الترجيح بلا مرجح والترجح بلا مرجح، إذ الاول انما يكون في الافعال الاختيارية وهو لا يكون الا قبيحا لا ممتنعا لان ارادة المرجوح قبيحة، والثاني انما يكون في الامور غير الاختيارية ويراد به ان ترجح احد طرفي الممكن بلا علة محال والمقام - اعني الحكم الشرعي وهو جواز الاخذ بغير ذي المزية - من قبيل الاول (قوله: لا اشكال في الافتاء بما) اعلم أن وجوب التخيير ليس شرعيا مولويا إذ لا عقاب على مخالفته زائدا على مخالفة الواقع، بل هو ارشادي عقلي بمناط وجوب تحصيل الحجة فيدل على حجية ما يختاره المكلف من الخبرين فإذا اختار احدهما كان حجة بعينه فتجب الفتوى بمضمونه لا غير فيجب على المقلد الاخذ بها تعيينا كما يجب على المجتهد نفسه العمل به كذلك، وحينئذ فلا وجه للفتوى بالتخيير الفرعي بمعنى الاباحة من جهة انها فتوى بلا دليل إذ التخيير كذلك ليس مؤدى احد الخبرين، وكذا بمعنى الوجوب التخييري مع أنه لا يعقل الوجوب التخييري بين الوجود والعدم كما تقدم (قوله: نعم له الافتاء) يعني بان يفتي بان ما يختاره المكلف حجة،
لا شبهة فيه وهل التخيير بدوي أم استمراري ؟ قضية الاستصحاب لو لم نقل بانه قضية الاطلاقات ايضا كونه استمراريا (وتوهم) أن المتحير كان محكوما بالتخيير ولا تحير له بعد الاختيار فلا يكون الاطلاق ولا الاستصحاب مقتضيا للاستمرار لاختلاف الموضوع فيهما (فاسد) فان التحير بمعنى تعارض الخبرين باق على حاله، وبمعني آخر لم يقع في خطاب موضوعا للتخيير أصلا كما لا يخفى فصل هل على القول بالترجيح يقتصر فيه على المرجحات المخصوصة المنصوصة ______________________________ أو بوجوب التخيير بين الخبرين العقلي (قوله: لا شبهة فيه) أما ما كان محتاجا إلى نظر يعجز عنه المقلد فلابد فيه من الرجوع إلى المجتهد (قوله: قضية الاطلاقات) يعني اطلاقات التخيير من حيث الزمان فكما تقتضي ثبوت التخيير في الزمان الاول تقتضي ثبوته ايضا في الزمان الثاني بلا فرق بين الزمانين (فان) قلت: التخيير المأخوذ موضوعا للوجوب مقتضي اطلاقه كونه ملحوظا بنحو صرف الوجود ولازمه سقوط حكمه بمجرد حصوله في الزمان الاول (قلت): قد عرفت أن التخيير ليس بواجب شرعا بل واجب عقلا بمناط وجوب تحصيل الحجة فاطلاقه تابع لاطلاق دليل الحجية، فإذا كان اطلاقه دالا على حجية ما يختاره الملكف في كل زمان كان اللازم وجوب التخيير كذلك، ولا يختص بالزمان الأول ثم إنه على تقدير سقوط الاطلاق فالمرجع الاستصحاب لكنه موقوف على حجية الاستصحاب التعليقي فان تمت جرى (ودعوى) أن موضوع التخيير هو المتحير كما صدرت من شيخنا الاعظم (ره) ولا تحير بعد اختيار احد الخبرين فلا استصحاب لارتفاع موضوعه (مدفوعة) بان المراد من المتحير إن كان من تعارض عنده الخبران ان فهو حاصل في جميع الأزمان وان كان بمعنى آخر ينافيه الاختيار فهو مما لم يؤخذ في الادلة موضوعا للتخيير مع انه لو سلم فارتفاع التحير
أو يتعدى إلى غيرها ؟ قيل بالتعدي لما في الترجيح بمثل الأصدقية والأوثقية ونحوهما مما فيه من الدلالة على أن المناط في الترجيح بها هو كونها موجبة للأقربية إلى الواقع ولما في التعليل بأن المشهور مما لا ريب فيه من استظهار أن العلة هو عدم الريب فيه بالاضافة إلى الخبر الآخر ولو كان فيه الف ريب ولما في التعليل بأن الرشد في خلافهم ولا يخفى ما في الاستدلال بها (أما الأول) فان جعل خصوص شئ فيه جهة الاراءة والطريقية حجة أو مرجحا لا دلالة فيه على ان الملاك فيه بتمامه جهة إراءته بل لا اشعار فيه كما لا يخفى لاحتمال دخل خصوصيته في مرجحيه أو حجيته لا سيما قد ذكر فيها ما لا يتحمل الترجيح به الا تعبدا فافهم (وأما الثاني) فلتوقفه على عدم كون الرواية المشهورة في نفسها مما لا ريب فيها، مع أن الشهرة في الصدر الأول بين الرواة واصحاب الأئمة - عليهم السلام - موجبة لكون الرواية مما يطمأن بصدورها بحيث يصح ان يقال عرفا: إنها مما لا ريب فيها، كما لا يخفى ولا بأس بالتعدي منه إلى مثله مما يوجب الوثوق والاطمينان بالصدور لا إلى كل مزية ولو لم توجب إلا أقربية ذي المزية إلى الواقع من المعارض الفاقد لها ______________________________ لا يوجب تبدل الموضوع عرفا (قوله: قيل بالتعدي لما) القائل شيخنا الاعظم (ره) ونسبه إلى جمهور المجتهدين (قوله: بان الرشد في) إذ ليس المراد منه الا كون خلافهم مظنة الرشد والا فقد يكون الرشد في وفاقهم (قوله: لا دلالة فيه) نعم يحصل الظن منه بذلك لكن الظن غير المستند إلى ظهور الكلام ليس بحجة. هذا كله مضافا إلى الاشكال في حصول الترجيح بهذه الصفات كما تقدم (قوله: الا تعبدا) كالاورعية والافقهية والاعدلية، لكنه لا يخلو من اشكال فانها مما توجب الاقربية في الجملة (قوله: مما يطمأن بصدورها) لو سلم حصول ذلك شخصيا بالنسبة إلى كل خبر مشهور فلا يسلم حصوله للشاذ كذلك فيدور الامر بين تخصيص الترجيح بالشهرة بصورة حصول الاطمئنان بالمشهور
(واما الثالث) فلاحتمال أن يكون الرشد في نفس المخالفة لحسنها ولو سلم انه لغلبة الحق في طرف الخبر المخالف فلا شبهة في حصول الوثوق بأن الخبر الموافق المعارض بالمخالف لا يخلو من الخلل صدورا أو جهة ولا بأس بالتعدي منه إلى مثله كما مر آنفا، ومنه انقدح حال ما إذا كان التعليل لأجل انفتاح باب التقية فيه، ضرورة كمال الوثوق بصدوره كذلك مع الوثوق بصدورهما لولا القطع به في الصدر الاول لقلة الوسائط ومعرفتها هذا مع ما في عدم بيان الامام - عليه السلام - للكلية كي لا يحتاج السائل إلى إعادة السؤال مرارا، وما في أمره عليه السلام بالارجاء بعد فرض التساوي فيما ذكره من المزايا المنصوصة من الظهور في أن المدار في الترجيح على المزايا المخصوصة كما لا يخفى (ثم) إنه بناء على التعدي حيث كان في المزايا المنصوصة ما لا يوجب الظن ______________________________ وعدم حصوله في غيره تحكيما للتعليل على المعلل أو البناء على كون المراد نفي الريب بالاضافة، وحيث أن الثاني اقرب كان التعدي إلى كل ما يوجب نفي الريب بالاضافة في محله، فتأمل (قوله: فلاحتمال ان) هذا خلاف الظاهر (قوله: كما مر آنفا) لكن عرفت ما فيه (قوله: لاجل انفتاح باب) بحيث يكون صدوره للتقية، ويكون الفرق بين هذا الوجه وما قبله، ان المخالفة للعامة على هذا تكون من المرجحات الداخلية نظير الشهرة الروايتية، وعلى ما قبله تكون من المرجحات المضمونية نظير الشهرة الفتوائية (وحاصل) الجواب: ان تقديم المخالف إذا كان من جهة احتمال التقية في الموافق فإذا كان الخبران موثوقا بصدروهما معا يحصل الوثوق بان الموافق صادر تقية، ومع هذا الوثوق يسقط عن الحجية، لكن عرفت أن ظاهر الرواية كون كل منهما حجة لولا المعارضة فهي في مقام الترجيح بين الحجتين لا تمييز الحجة عن اللاحجة (قوله: كذلك) يعني تقية (قوله: القطع به) يعني بصدوره كذلك (قوله: في الصدر الاول) متعلق بالوثوق والقطع على التنازع (قوله: مع ما في عدم) لعل الوجه في
بذي المزية ولا أقربيته كبعض صفات الراوي مثل الاورعية أو الافقهية إذا كان موجبهما مما لا يوجب الظن أو الاقربية كالتورع من الشبهات والجهد في العبادات وكثرة التتبع في المسائل الفقهية أو المهارة في القواعد الاصولية فلا وجه للاقتصار على التعدي إلى خصوص ما يوجب الظن أو الاقربية بل إلى كل مزية ولو لم تكن بموجبة لاحدهما كما لا يخفى (وتوهم) أن ما يوجب الظن بصدق أحد الخبرين لا يكون بمرجح بل موجب لسقوط الآخر عن الحجية للظن بكذبه حينئذ (فاسد) فان الظن بالكذب لا يضر بحجية ما اعتبر من باب الظن نوعا وإنما يضر فيما أخذ في اعتباره عدم الظن بخلافه ولم يؤخذ في اعتبار الاخبار صدورا ولا ظهورا ولا جهة ذلك. هذا مضافا إلى اختصاص حصول الظن بالكذب بما إذا علم بكذب أحدهما صدورا وإلا فلا يوجب الظن بصدور أحدهما لا مكان صدورهما مع عدم إرادة الظهور في أحدهما أو فيهما أو إرادته تقية كما لا يخفى (نعم) لو كان وجه التعدي اندراج ذي المزية في أقوى الدليلين لوجب الاقتصار على ما يوجب القوة في دليليته وفي جهة إثباته وطريقيته من دون التعدي إلى ما لا يوجب ذلك وإن كان موجبا لقوة مضمون ذيه ثبوتا كالشهرة الفتوائية أو الأولوية الظنية ونحوهما، فان المنساق من قاعدة أقوى الدليلين أو المتيقن منها إنما ______________________________ التفصيل التنبيه على موجبات الاقربية مع الاشارة إلى الكلية بالتعليل (قوله: كبعض صفات) قد عرفت الاشكال في ذلك، مضافا إلى الاشكال في كون الصفات مرجحة لاحد المتعارضين في المقبولة بل مرجحة لاحد الحكمين المختلفين (قوله: بل إلى كل مزية) هذا يتم لو كان التعدي لاجل إلغاء خصوصية المرجحات المنصوصة اما لو كان الاخذ بظاهر التعليل فهو انما يقتضي التعدي إلى كل ما يوجب الاقربية لا غير (قوله: لا يكون بمرجح) حيث ان الترجيح فرع كون المقتضي موجودا في كلا المتعارضين والظن بصدق احد الخبرين يوجب انتفاء مقتضي الحجية في الآخر (قوله: في اقوى الدليلين) فيدخل تحت قاعدة
هو الاقوى دلالة كما لا يخفى فافهم (فصل) قد عرفت سابقا انه لا تعارض في موارد الجمع والتوفيق العرفي ولا يعمها ما يقتضيه الأصل في المتعارضين من سقوط احدهما رأسا وسقوط كل منهما في خصوص مضمونه كما إذا لم يكونا في البين فهل التخيير أو الترجيح يختص أيضا بغير مواردها أو يعمها ؟ قولان أولهما المشهور وقصارى ما يقال في وجهه: إن الظاهر من الأخبار العلاجية سؤالا وجوابا هو التخيير أو الترجيح في موارد التحير مما لا يكاد يستفاد المراد هناك عرفا لا فيما يستفاد ولو بالتوفيق فانه من أنحاء طرق الاستفادة عند ابناء المحاورة (ويشكل) بان مساعدة العرف على الجمع والتوفيق وارتكازه في أذهانهم على وجه وثيق لا يوجب اختصاص السؤالات بغير موارد الجمع لصحة السؤال بملاحظة التحير في الحال لاجل ما يترآى من المعارضة وان كان يزول عرفا بحسب المآل أو للتحير في الحكم واقعا وان لم يتحير فيه ظاهرا وهو كاف في صحته قطعا مع إمكان أن يكون لاحتمال الردع شرعا عن هذه الطريقة المتعارفة بين ابناء المحاورة وجل العناوين المأخوذة في الاسئلة لولا كلها يعمها كما لا يخفى (ودعوى) ان المتيقن منها غيرها (مجازفة) غايته انه كان ______________________________ وجوب العمل باقوى الدليلين بناء على ان المراد بالاقوى الاقوى دلالة (قوله: لا يخفى فافهم) لعله اشارة إلى انه لو كان منساقها غير ذلك فلا دليل عليها. إلى هنا انتهى الكلام في شعبان من النسة السابعة والاربعين بعد الالف والثلثمائة هجرية في جوار الحضرة المقدسة العلوية على صاحبها الف سلام وتحية هذا ختام ما كتبه مد ظله في الدورة الثانية ولما كان ذلك لا يستوفي مباحث التعادل والتراجيح مد ظله وكان قد كتبها في الدورة الاولى كاملة اتممنا هذا الجزء بما كتبه سابقا تتميما للفائدة (قوله: ويشكل بان مساعدة) اعلم: انه إذا بنينا علي ان الاظهر المنفصل يوجب ارتفاع ظهور الظاهر بالكلية وانعقاد ظهوره فيما يوافق الأظهر نظير القرائن المتصلة فلا ريب في عدم مجال اشكال لان الظاهر والاظهر لا نعارض بينهما بدوا فضلا عما لو لو حظت القواعد العرفية في الجمع، وهذا وإن ذهب إليه جمع من المحققين الا أنه خلاف التحقيق، وأن العرف يفرق بين القرائن المتصلة والمنفصلة، وأن
* كذلك خارجا لا بحسب مقام التخاطب وبذلك ينقدح وجه القول الثاني (اللهم) الا أن يقال: إن التوفيق في مثل الخاص والعام والمقيد والمطلق كان عليه السيرة القطعية من لدن زمان الأئمة (عليهم السلام) وهي كاشفة إجمالا عما يوجب تخصيص أخبار العلاج بغير موارد التوفيق العرفي لو لا دعوى اختصاصها به وأنها سؤالا وجوابا بصدد الاستعلاج والعلاج في موارد التحير والاحتياج أو دعوى الاجمال وتساوى احتمال العموم مع احتمال الاختصاص، ولا ينافيها مجرد صحة السؤال لما لا ينافي العموم ما لم يكن هناك ظهور أنه لذلك فلم يثبت باخبار العلاج ردع عما هو عليه بناء العقلاء وسيرة العلماء من التوفيق وحمل الظاهر على الأظهر والتصرف فيما يكون صدورهما قرينة عليه فتأمل (فصل) قد عرفت حكم تعارض الظاهر والأظهر وحمل الأول على الآخر فلا إشكال فيما إذا ظهر أن أيهما ظاهر وأيهما أظهر ؟ وقد ذكر فيما اشتبه الحال لتمييز ذلك ما لا عبرة به أصلا فلا باس بالاشارة إلى جملة منها وبيان ضعفها (منها) ما قيل في ترجيح ظهور العموم على الاطلاق وتقديم التقييد على التخصيص فيما دار الامر بينهما (من) كون ظهور العام في العموم ______________________________ الأولى موجبة لعدم انعقاد الظهور الا بما هو موافق دون الثانية فانها لا تمنع من انعقاد الظهور وإنما تمنع من وجوب الأخذ به فعلا اما للمزاحمة بالاهم بناء على أن تقديم الاقوى ظهورا بذلك المناط أو للورود بناء على ان حجية الظهور في نظر العرف معلقة على عدم ورود ظاهر أقوى على الخلاف، فللمتكلم ان يلحق بكلامه ما شاء من القيود إذ ما لم يتم لم ينعقد له ظهور في شئ فإذا تم انعقد ظهوره وصار ظاهرا في معنى ولا ينتظر في مقام الحكم عليه بأنه ظاهر في كذا أن لا يرد كلام آخر منفصل ينافيه، (وإن) بنينا على مذهب المصنف (قده) وهو التحقيق فقد يتوجه الاشكال في عدم إطلاق لأدلة الترجيح والتخيير شامل لصورة إمكان الجمع العرفي بل مقتضي الاطلاق عدم الفرق بين ما يمكن بينهما الجمع العرفي وما لا يمكن
* تنجيزيا، بخلاف ظهور المطلق في الاطلاق فانه معلق على عدم البيان والعام يصلح بيانا فتقديم العام حينئذ لعدم تمامية، مقتضي الاطلاق معه بخلاف العكس فانه موجب لا تخصيصه بلا وجه إلا على نحو دائر (ومن) أن التقييد أغلب من التخصيص (وفيه) أن عدم البيان الذي هو جزء المقتضي في مقدمات الحكمة إنما هو عدم البيان في مقام التخاطب لا إلى الأبد (وأغلبية) التقييد مع كثرة التخصيص بمثابة قد قيل: ما من عام إلا وقد خص، (غير مفيد) ولا بد في كل قضية من ملاحظة خصوصياتها الموجبة لأظهرية أحدهما من الآخر فتدبر (ومنها) ما قيل فيما إذا دار بين التخصيص ______________________________ لكن لا يخفى أنه إذا فرض أن بناء العرف والعقلاء على تقديم الأظهر وعدم حجية أصالة الظهور في الظاهر للمزاحمة أو الورود فحكم الشارع بالتخيير عند عدم المرجح أو الترجيح والاخذ بالراجح ولو كان هو الظاهر مع وجود المرجح لابد أن يكون رادعا عن طريقة العقلاء وجاعلا لحجية الظهور في الظاهر مع وجود الأقوى على خلاف طريقتهم، ولولا ذلك امتنع الاخذ بالظاهر لعدم حجية الظهور فيه حسب الفرض عند العقلاء، ولا طريق لاثبات حجيته الا بناؤهم أو بيان الشارع والمفروض عدم الأول فلابد من الثاني، ومن المعلوم بديهة ان الاخبار المذكورة ليست الا في مقام الترجيح أو التخيير بين الحجتين من حيث الصدور لا في مقام جعل الحجية للظهور (قوله: تنجزيا) أي غير معلق على شئ (قوله: الا على نحو دائر) لان رفع اليد عن العموم بالاطلاق يتوقف على عدم مانعية العموم عن الاطلاق وهو يتوقف على رفع اليد عن العموم بالاطلاق (قوله: ومن ان التقييد) وجه آخر للتقديم فهو معطوف على قوله من كون ظهور العام... الخ (قوله: لا إلى الابد) أي ليس جزء المقتضي في مقدمات الحكمة عدم البيان إلى لابد ليكون وجود العام - ولولا في مقام التخاطب - موجبا لارتفاع مقدمات الحكمة من أول الأمر (نعم) لو كان العام المعارض للمطق متصلا به أمكن تقديمه على العام لصلاحية كونه قرينة على التقييد فتأمل (قوله: وأغلبية التقييد) جواب عن الوجه الثاني
والنسخ كما إذا ورد عام بعد حضور وقت العمل بالخاص حيث يدور بين أن يكون الخاص مخصصا، أو يكون العام ناسخا أو ورد الخاص بعد حضور وقت العمل بالعام حيث يدور بين أن يكون الخاص للعام أو ناسخا له أو رافعا لاستمراره ودوامه في وجه تقديم التخصيص على النسخ من غلبة التخصيص وندرة النسخ، ولا يخفى أن دلالة الخاص أو العام على الاستمرار والدوام إنما هو بالاطلاق لا بالوضع، فعلى الوجه العقلي في تقديم التقييد على التخصيص كان اللازم في هذا الدوران تقديم النسخ على التخصيص أيضا، وان غلبة التخصيص إنما يوجب اقوائية ظهور الكلام في الاستمرار والدوام من ظهور العام في العموم إذا كانت مرتكزة في أذهان أهل المحاورة بمثابة تعد من القرائن المكتنفة بالكلام، وإلا فهي وإن كانت مفيدة للظن ______________________________ (قوله: انما هو بالاطلاق لا بالوضع) قد تحقق في محله أن النسخ ليس من التخصيص بحسب الازمان ليكون من قبيل الدوران بين التخصيص والتقييد بل من سنخ التصرف بالجمهة، من حيث ان الناسخ يكشف عن أن المتكلم ليس في مقام بيان الواقع، وحينئذ فإذا تأخر الخاص عن العام ودار بين كونه ناسخا ومخصصا، فاللازم تعيين الثاني، لأن الدروان في الحقيقة يكون بين رفع اليد عن أصالة العموم في العام وأصالة الجهة فيه، ولا إشكال في تقديم الأول على الثاني، للعلم التفصيلي بسقوط اصالة الظهور على كل حال، لأن حجية الظهور إنما هي فيما لو أحرز كون المتكلم في مقام بيان الواقع، ففي المقام يعلم بان أصالة الظهور على خلاف الواقع، إما لعدم العموم، أو لعدم كون المتكلم في مقام بيان الواقع، والشك في سقوط اصالة الجهة حينئذ بلا معارض يوجب وجوب الاخذ بها وعدم رفع اليد عنها، نعم لو تأخر العام عن الخاص دار الامر بين سقوط أصالة العموم في العام وسقوط اصالة الجهة في الخاص، ولا علم تفصيلي بسقوط إحداهما بعينها كما في الصورة الاولى، فلابد في تقديم الثانية على الأولى من مرجح وهو قوة أصالة الجهة بالنسبة إلى اصالة الظهور (واما) لو كان النسخ من تخصيص الازمان (كما) هو
* بالتخصيص إلا أنها غير موجبة لها كما لا يخفى، ثم إنه بناء على اعتبار عدم حضور وقت العمل في التخصيص لئلا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة يشكل الامر في تخصيص الكتاب أو السنة بالخصوصات الصادرة عن الائمة (عليهم السلام) فانها صادرة بعد حضور وقت العمل بعموماتها والتزام - نسخها بها - ولو قيل بجواز نسخهما بالرواية عنهم - كما ترى فلا محيص في حله من أن يقال: إن اعتبار ذلك حيث كان لأجل قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة، وكان من الواضح أن ذلك فيما إذا لم يكن هناك مصلحة في اخفاء الخصوصات أو مفسدة في ابدائها كاخفاء غير واحد من التكاليف في الصدر الاول لم يكن بأس بتخصيص عموماتها بها واستكشاف ان موردها كان خارجا عن حكم العام واقعا وإن كان داخلا فيه ظاهرا، ولأجله لا باس بالالتزام بالنسخ بمعني رفع اليد بها عن ظهور تلك العمومات باطلاقها في الاستمرار والدوام أيضا فتفطن. ______________________________ المشهور، وعليه بني المصنف (قده) الاشكال - فلا وجه لتقديم التخصيص عندهم إلا الأشيعية والأغلبية، وحينئذ فيشكل بأن الأغلبية انما تكون منشأ لتقديم التخصيص لو كانت بمثابة تعد من القرائن المكتنفة بالكلام بحيث تصلح لصرف الظهور، لكن لا يخفى انه يكفي اقل من هذا المقدار فإنها وإن لم تكن كالقرائن المكتنفة لكن إذا كانت موجبة لقوة أحد الظهورين على الآخر بحيث يكون العرف يرى الجمع بينهما بالتصرف في أحدهما دون الآخر كانت كافية، ومن المعلوم ثبوت هذا المقدار، فان ظهور الكلام الوارد من قبل الشارع في كونه حكما قانونيا مستمرا باستمرار الزمان أقوى من ظهور العام في العموم بعد شيوع التخصيص جدا، حتى قيل: ما من عام الا وقد خص مضافا الى ما قيل من ان النسخ يوجب التصرف في الكلامين: ظهور المنسوخ في الاستمرار والناسخ في كونه ثابتا من مبدأ الشريعة لا من حين صدوره، بخلاف التخصيص فانه ليس فيه الا رفع اليد عن ظهور العام فتأمل (قوله: كما ترى... الخ) فانه يتوقف على امكان نسخهم
فصل لا إشكال في تعيين الاظهر لو كان في البين إذا كان التعارض بين الاثنين وأما إذ كان بين الزائد عليهما فتعينه ربما لا يخلو عن خفاء، ولذا وقع بعض الاعلام في اشتباه وخطأ حيث توهم أنه إذا كان هناك عام وخصوصات وقد خصص ببعضها كان اللازم ملاحظة النسبة بينه وبين سائر الخصوصات بعد تخصيصه به فربما تنقلب النسبة إلى عموم وخصوص من وجه فلابد من رعاية هذه النسبة وتقديم الراجح منه ومنها أو التخيير بينه وبينها لو لم يكن هناك راجح لا تقديمها عليه إلا إذا كانت النسبة بعده على حالها (وفيه) ان النسبة انما هي بملاحظة الظهورات وتخصيص العام بمخصص منفصل ولو كان قطعيا لا ينثلم به ظهوره وان انثلم به حجية ولذلك يكون بعد التخصيص حجة في الباقي لاصالة عمومه بالنسبة إليه (لا يقال): إن العام بعد تخصيصه بالقطعي. ______________________________ لشريعة النبي صلى الله عليه وآله (قوله: على حالها) أي نسبة الخاص إلى العام المطلق (قوله: وفيه أن النسبة إنما هي بملاحظة الظهورات) علم أنه إذا ورد عام وخاصان مثلا وكان أحد الخاصين قطعيا أو مقدما رتبة على الخاص الآخر فخصص العام به، فقد يقال: إن تخصيص العام به يوجب انقلاب النسبة بين العام والخاص الآخر، لان النسبة حينئذ إنما تلحظ بين الباقي بعد التخصيص والخاص الاخر، ولا تلحظ بين نفس العام بفرض عدم تخصيصه وبين الآخر، ومبني هذا القول هو ما أشرنا إليه سابقا من أن القرائن المنفصلة موجبة لانقلاب الظهور وانعقاده بما يوافقها، فالخاص المنفصل كالخاص المتصل في كونه موجبا لانعقاد ظهور العام في الباقي بلا فرق بينهما ويتفرغ على ذلك أمور (منها) ما هو محل الكلام، مثلا إذا ورد أكرم العلماء، ثم ورد لا تكرم الفساق، وورد ايضا لا تكرم النحاة، فان كلا من الاخيرين وان كان أخص مطلقا من (لا تكرم العلماء) لكن بعد تخصيصه ب (لا تكرم
لا يكون مستعملا في العموم قطعا فكيف يكون ظاهرا فيه (فانه يقال): إن ______________________________ الفساق) يكون الباقي بينه وبين (لا تكرم النحاة) عموم من وجه (ومنها) ما لو ورد اكرم العلماء، ثم ورد يحرم اكرام الفساق، ثم ورد يكره اكرام الجهلاء الفساق، فان الأخير اخص مطلقا من الثاني، وبين الثاني والاول عموم من وجه، وبعد تخصيص الثاني بالاخير تنقلب النسبة بينه وبين الاول إلى العموم المطلق، فعلى المبنى المذكور تلحظ النسبة بعد التخصيص في المقامين ويعمل فيها على حسب القواعد، وحيث عرفت أن المبني المذكور خلاف مبنى العرف كان اللازم ملاحظة النسبة قبل التخصيص والعمل عليها، ففى الاول إن امكن تخصيص العام بالخصوصات أجمع وجب وإن امتنع من أجل لزوم محذور التخصيص المستغرق أو تخصيص الاكثر المستهجن بحيث لزم من التخصيص طرح العام في نظر العرف ولم يكن من الجمع العرفي بين الكلامين، كان العام مع الخصوصات من قبيل المتعارضين، فان أخذ بالخصوصات وجب طرح العام بالكلية حتى بالمقدار الزائد عليها الباقي بعد التخصيص لو فرض، ولا يجوز الاخذ بذلك المقدار لفرض التعارض وسقوط العام عن الحجية رأسا، وإن أخذ بالعام وجب طرح الخصوصات في الجملة وحينئذ يرجع إلى قواعد التعارض من التخيير مع عدم المرجح والترجيح معه، (وإن شئت) قلت: يمتنع العمل بالعام والخصوصات، بل يدور الامر بين الاخذ بالخصوصات وطرح العام وبين أخذ العام مع أحد الخصوصات، لعدم التنافي بعد تحقق الجمع العرفي بينه وبين واحد منها، وحينئذ فان وجب الأخذ باحد الخصوصات لكونه قطعيا دار الامر بين الاخذ بالعام والاخذ بالخاص الآخر فيعمل قواعد التعارض بينهما، فان كان مع أحدهما مرجح تعين الاخذ به، وإلا تخير، وان لم يتعين الاخذ باحد الخصوصات تخير مع عدم المرجح بين الاخذ بالخصوصات وطرح العام والاخذ بالعام مع أحدهما وإسقاط الآخر، ويتخير أيضا بين الخاصين، وان كان مرجح يقتضي الاخذ بواحد من الوجوه الثلاثة تعين الاخذ بالراجح (قوله: لا يكون مستعملا في العموم) قد يقال بان الاستعمال وعدمه ليس ميزان الظهور، لأن
المعلوم عدم إرادة العموم لاعدم استعماله فيه لافادة القاعدة الكلية فيعمل بعمومها ما لم يعلم بتخصيصها والا لم يكن وجه في حجيته في تمام الباقي لجواز استعماله حينئذ فيه وفي غيره من المراتب التي يجوز ان ينتهي إليها التخصيص، واصالة عدم مخصص آخر لا يوجب انعقاد ظهور له لا فيه ولا في غيره من المراتب لعدم الوضع ولا القرينة المعينة لمرتبة منها كما لا يخفى لجواز إرادتها وعدم نصب قرينة عليها (نعم) ربما يكون عدم نصب قرينة مع كون العام في مقام البيان قرينة على ارادة التمام وهو غير ظهور العام فيه في كل مقام (فانقدح) بذلك انه لابد من تخصيص العام بكل واحد من الخصوصات مطلقا ولو كان بعضها مقدما أو قطعيا ما لم يلزم منه محذور انتهائه إلى ما لا يجوز الانتهاء إليه عرفا ولو لم يكن مستوعبة لافراده فضلا عما إذا كانت مستوعبة لها، فلابد حينئذ من معاملة التباين بينه وبين مجموعها ومن ملاحظة الترجيح بينهما وعدمه فلو رجح جانبها أو اختير فيما لم يكن هناك ترجيح فلا مجال للعمل به أصلا، بخلاف ما لو رجح طرفه أو قدم تخييرا فلا يطرح منها الا خصوص ما لا يلزم مع طرحه المحذور من ______________________________ الظهور عبارة عن المعنى الذي يحكم بكونه مرادا للمتكلم في مقام الحكم فقد يكون مستعملا في العموم وليس ظاهرا كما في العام المستثنى منه، مثل: اكرم كل رجل الا زيدا، فان (كل) مستعمل في العموم وهو كل فرد فرد من الرجل ومع ذلك لا يكون كل فرد تحت الحكم بتوسط القرينة المتصلة أعني الاستثناء. فتأمل (قوله: وإلا لم يكن وجه في حجيته في تمام الباقي) لعل الوجه فيه هو الوجه في المخصص المتصل لو بني على كون العام فيه مستعملا في الباقي (قوله: ولو كان بعضها مقدما) إما لاجل الدلالة أو المرجح (قوله: فلا بد حينئذ) اي حين لزوم المحذور من التخصيص من تخصيص الاكثر أو التخصيص المستغرق (قوله: فلا مجال للعمل به أصلا) اي حتى في المقدار الزائد الباقي بعد تخصيص الآخر، ووجهه ما عرفت من سقوط العام عن الحجية بعد عدم الجمع العرفي وفرض التعارض (قوله: فلا يطرح منها الا خصوص)
التخصيص بغيره فان التباين انما كان بينه وبين مجموعها لا جميعها وحينئذ فربما يقع التعارض بين الخصوصات فيخصص ببعضها ترجيحا أو تخييرا فلا تغفل. هذا فيما كانت النسبة بين المتعارضات متحدة وقد ظهر منه حالها فيما كانت النسبة بينها متعددة كما إذا ورد هناك عامان من وجه مع ما هو اخص مطلقا من احدهما وانه لابد من تقديم الخاص على العام ومعاملة العموم من وجه بين العامين من الترجيح والتخيير بينهما وان انقلبت النسبة بينهما إلى العموم المطلق بعد تخصيص احدهما لما عرفت من انه لا وجه إلا لملاحظة النسبة قبل العلاج (نعم) لو لم يكن الباقي تحته بعد تخصيصه إلا ما لا يجوز أن يجوز عنه التخصيص أو كان بعيدا جدا لقدم على العام الآخر لا لانقلاب النسبة بينهما، بل لكونه كالنص فيه فيقدم على الآخر الظاهر فيه بعمومه كما لا يخفى ______________________________ يعني إذا قدم العام لم يجب طرح جميع الخصوصات، بل لا يطرح منها الا الخاص الذي لا يلزم لو طرح المحذور المتقدم من تخصيص الاكثر أو المستغرق، لأن المانع من الاخذ بالخصوصات مع العام هو المحذور المتقدم فلابد أن يقتصر في طرح الخصوصات على المقدار اللازم من الأخذ به المحذور ومن طرح ارتفاع المحذور، ولا يتعدى إلى غيره لان الضرورات تقدر بقدرها، ولم يكن التنافي بين العام وبين كل واحد من الخصوصات بل كان بين المجموع وبينه، وحينئذ لا يجوز الاخذ بالمجموع وان جاز الاخذ بواحد، بل يجب لقاعدة: الجمع بين الدليلين مهما أمكن أولى من الطرح (قوله: فربما يقع) قد عرفت أنه ربما يكون الدوران بين صور ثلاث (قوله: متحدة) اي نسبة من سنخ واحد كما في الخصوصات بالنسبة إلى العام فان نسبة كل واحد منها إلى العام نسبة الخاص المطلق (قوله: عامان من وجه) كما إذا ورد: أكرم العلماء، وورد ايضا: يحرم اكرام فساقهم، ويستحب اكرام العدول، فان النسبة بين الأولين عموم مطلق وبين الأول والأخير عموم من وجه (قوله: نعم لو لم يكن الباقي تحته) أشار بذلك إلى تفصيل في مقابل الشيخ (قدس سره)
حكم بتقديم العام المخصص على غيره من العمومات المعارضة لأن نسبته إليها بعد تخصيصه بالخاص نسبة الخاص إلى العام، فان: اكرم العلماء، وان كان بينه وبين: يستحب اكرام العدول عموم من وجه، إلا انه بعد تخصيصه بيحرم اكرام فساقهم، يختص بالعلماء العدول، ونسبته إلى مطلق العدول المستحب اكرامهم نسبة الخاص للعام، والمصنف (قدس سره) لم يرتضه على اطلاقه، بل فصل بين ما لو كان الباقي مقدارا لا يجوز ان يتعداه التخصيص لكونه من تخصيص الاكثر فيجب تقديم العام على سائر معارضاته، وبين ما لو كان الباقي أكثر من ذلك، ووجهه: أن العام في ذلك المقدار يكون نصا فيقدم على غيره بعد قوة دلالته، وفيما يزيد على ذلك لا يكون كذلك فلا تقوى دلالته فلا مرجح له على غيره ليكون موجبا لتقديمه عليه، و ربما يشكل عليه بأن العام وإن كان نصا في ذلك المقدار إلا أن ذلك المقدار صدقه على الباقي بعد التخصيص كصدقه على ما خرج بالتخصيص، وحينئذ يمتنع أن يكون نصا في خصوص الباقي بعد التخصيص، والمفروض أنه - أعني الباقي - هو مورد المعارضة ودلالته عليه كدلالة غيره عليه، وعليه فلا وجه للاستدراك عليه بقوله: نعم لو لم يكن... الخ، مضافا إلى أنه لا وجه للتفصيل بين القسمين أيضا لأن الرجوع بعد التخصيص إلى ملاحظة النسبة قبله يوجب سقوط العام المخصص بالكلية لو قدم غيره عليه فيلزم سقوطه فيما هو نص فيه - أعني المقدار المتقدم إليه الاشارة - ولا فرق بين القسمين الا انه يسقط العام المخصص في خصوص ذلك المقدار في أحدهما وفيه وفيما يزيد عليه في الآخر وإلا فهو ساقط في ذلك المقدار في المقامين فيلزم إسقاطه فيما هو نص فيه (نعم) ما قيل: من انه لو لم يقدم على معارضاته لزم إما الغاء النص أو طرح الظاهر وكلاهما باطل، بخلاف ما لو قدم على غيره فانه يعمل به في الباقي وبالنص فيما يختص به والجمع مهما امكن اولى من الطرح، حسن لو كان ذلك موجبا للجمع العرفي بحيث لو عرض الأدلة الثلاثة على العرف لخصصوا العام بالخاص وقدموا العام
فصل لا يخفى أن المزايا المرجحة لأحد المتعارضين الموجبة للأخذ به وطرح الآخر بناء على وجوب الترجيح وإن كانت على انحاء مختلفة ومواردها متعددة من راوي الخبر ونفسه ووجه صدوره ومتنه ومضمونه مثل الوثاقة والفقاهة والشهرة ومخالفة العامة والفصاحة وموافقة الكتاب والموافقة لفتوى الأصحاب... إلى غير ذلك مما يوجب مزية في طرف من أطرافه خصوصا لو قيل بالتعدي من المزايا المنصوصة إلا أنها موجبة لتقديم أحد السندين وترجيحه وطرح الآخر فان أخبار العلاج دلت على تقديم رواية ذات مزية في أحد أطرافها ونواحيها فجميع هذه من مرجحات السند حتى موافقة الخبر للتقية فانها ايضا مما يوجب ترجيح أحد السندين وحجيته فعلا وطرح الآخر رأسا وكونها في مقطوعي الصدور متمحضة في ترجيح الجهة لا يوجب كونها كذلك في غيرهما ______________________________ على معارضاته، لكنه يحتاج إلى مزيد تأمل، فتأمل فانه غير بعيد (قوله: فجميع هذه من مرجحات السند حتى موافقة) قد عرفت فيما سبق ان الخبرين المختلفين، تارة يعلم بكذب احدهما وان احتمل موافقة مضمونيهما للواقع، وتارة يعلم بمخالفة مضمون أحدهما وإن احتمل صدقهما معا، وتارة يعلم بكذب احدهما ومخالفة مضمونة للواقع، والظاهر أن مورد السؤال في جميع اخبار التخيير والترجيح الأول - اعني ما علم بمخالفة احدهما للواقع مضمونا سواء علم بكذب احدهما أم احتمل صدقهما معا - كما ان الظاهر أن أدلة الترجيح في مقام تعيين ما هو اقرب إلى الواقع مضمونا حتي ما دل على الترجيح بمثل الاوثقية والاعدلية وشهرة الرواية مما هو راجع إلى الترجيح بحسب السند، لأن الترجيح بحسب السند انما هو بلحاظ كون الراجح سندا اقرب إلى الواقع، لأن البيان الصادر من المعصوم هو طريق إلى الواقع. ثم ان المرجح على اقسام (الاول) ما يكون راجعا إلى الترجيح من حيث السند بحيث يكون دليل الترجيح
به حاكما بأن الراجح هو الصادر والمرجوح ليس بصادر (الثاني) ما يكون راجعا إلى الترجيح من حيث الجهة بحيث يكون الراجح صادرا لبيان الواقع والمرجوح صادر لا لبيان الواقع. (الثالث): ما يكون راجعا إلى الترجيح من حيث المضمون بحيث يكون الراجح مطابقا للواقع والمرجوح مخالفا له، ومن المعلوم ترتب هذه الاقسام الثلاثة، أما تقدم القسم الاول على الثاني فلأن موضوع أصالة الجهة الكلام الصادر ممن له الحكم فإذا فرض وجود المرجح بحسب السند كان موجبا لسقوط موضوع أصالة الجهة بالنسبة إلى المرجوح، وأما تقدم القسم الثاني على الثالث فلأن موضوع أصالة الظهور الكلام الصادر ممن له الحكم لبيان الواقع لا لأمر آخر من تقية ونحوها، فإذا فرض وجود المرجح لاصالة الجهة في احدهما دون الآخر كان موجبا لسقوط أصالة الجهة في الآخر فيرتفع موضوع أصالة الظهور فيه، كما انه لو فرض تساوي الخبرين من حيث المرجحات السندية ينتقل حينئذ إلى المرجحات الجهتية، فان تساويا فيها ايضا جرت المرجحات المضمونية، فان تساويا فيها ايضا يتخير، كما أنه لو كانا مقطوعي الصدور ينتقل إلى المرجحات الجهتية فإذا كانا مقطوعي الجهة ينتقل إلى المرجحات المضمونية، ولا يعقل ان يكونا مقطوعين من الجهات الثلاث (فان قلت): إذا تساويا من حيث السند فان جرت أصالة السند فيهما لزم من إجرائها فيهما معا عدم اجراءها في احدهما لأن المرجح الجهتي يوجب سقوط المرجوح حتى من حيث السند فيلزم من وجوده عدمه، وإن لم تجر فيهما لزم عدم إحراز موضوع أصالة الجهة فيمتنع إجراؤها (قلت): بل تجري أصالة السند فيهما معا، وكون المرجح الجهتي يوجب سقوط المرجوح حتى من حيث السند ممنوع، فانه إنما يتم لو لم يترتب أثر على جريان أصالة السند في كل منهما إلا ما يترتب على مضمونه فانه يلزم من سقوط المرجوح من حيث الجهة سقوط من حيث السند، أما لو كان هناك أثر يصح بلحاظه التعبد غير ما يترتب على مضمونه وهو كونه موضوعا لوجوب الترجيح فلا يضر إلغاؤه من حيث المضمون في جريان أصالة السند في كل منهما، فان دليل الترجيح من حيث الجهة إذا كان موضوعه
الخبرين الصادرين صح إجراء أصالة السند فيهما بلحاظ ترتب هذا الاثر وإن لزم طرح احدهما بلحاظ الترجيح من حيث الجهة، وكذا الكلام سؤالا وجوابا بالنسبة إلى أصالة الجهة وأصالة الظهور. فلاحظ وتأمل (فان قلت): كيف يصح الحكم بهذه المراتب الثلاث مع أن المقبولة قدمت رتبة الترجيح بموافقة الكتاب التي هي من المرجحات المضمونية على مخالفة العامة مع انها من مرجحات الجهة مع أن الأمر على ما ذكرت بالعكس (قلت): الظاهر من المقبولة ان مخالفة العامة من المرجحات المضمونية لا الجهتية فلا يتم الاشكال، ويشهد لما ذكرنا التعليل بان فيه الرشاد الدال على أن المخالف للعامة اانما يؤخذ به لانه أقرب إلى الواقع لا لأن الموافق فيه التقية لتكون من المرجحات الجهتية. مضافا إلى أنها تضمنت الترجيح بموافقة الكتاب ومخالفة العامة بما أنها مرجح واحد الظاهر في انهما من سنخ واحد لاسنخين. (وبالجملة): المحتمل بدوا في الترجيح بمخالفة العامة أمور، (الاول): أن يكون وجه الترجيح بها محض التعبد، الثاني: أن يكون لمجرد حسن المخالفة، (الثالث): ان يكون لأجل أن المخالف اقرب إلى الواقع، كما يظهر من رواية ابن اسباط: قلت للرضا (ع): يحدث الأمر لا أجد بدا من معرفته وليس في البلد الذي أنا فيه احد استفتيه من مواليك فقال: ائت فقيه البلد واستفته في امرك فإذا افتاك بشئ فخذ بخلافه، وأصرح منها خبر الا رجائي: أتدري لم امرتم بالاخذ بخلاف ما يقوله العامة ؟ فقلت: لا ادري، فقال: ان عليا (ع) لم يكن بدين الله بشئ إلا خالف عليه العامة ارادة لابطال امره، وكانوا يسألون عن الشئ الذي لا يعلمونه فإذا افتاهم بشئ جعلوا له ضدا من عندهم ليلبسوا على الناس. (الرابع): أن يكون لاجل أن الموافق لهم صادر على نحو التقية، ومن المعلوم أن الاحتمالين الاولين ساقطان لمخالفة الظاهر خصوصا الثاني، لان الأوامر المذكورة في الترجيح طريقية لا نفسية ولا غيرية، وهو انما يتم على الثاني، ولمخالفة النصوص فيتعين أحد الاحتمالين الاخيرين والظاهر ان المقبولة من قبيل رواية ابن اسباط تدل على أنها من المرجحات المضمونية لا الجهتية، فتكون معارضة بما دل على كونها من المرجحات الجهتية، مثل:
ضرورة انه لا معنى للتعبد بسند ما يتعين حمله على التقية فكيف يقاس على ما لا تعبد فيه للقطع بصدوره (ثم) انه لا وجه لمراعات الترتيب بين المرجحات لو قيل بالتعدي واناطة الترجيح بالظن أو بالاقربية إلى الواقع ضرورة ان قضية ذلك تقديم الخبر الذى ظن صدقه أو كان اقرب إلى الواقع منهما والتخيير بينهما إذا تساويا فلا وجه لاتعاب النفس في بيان أن أيها يقدم أو يؤخر إلا تعيين أن أيها يكون فيه المناط في صورة مزاحمة بعضها مع الآخر (واما) لو قيل بالاقتصار على المزايا المنصوصة فله وجه لما يتراءي من ذكرها ______________________________ ما سمعته مني يشبه قول الناس ففيه التقية وما سمعته مني لا يشبه قول الناس فلا تقية فيه، والكلام المتقدم منا مبني على كونها من المرجحات الجهتية فلاحظ، وكيف كان فقد ظهر الاشكال على المصنف (قدس سره) بانها من مرجحات السند (قوله: ضرورة انه لا) قد عرفت الجواب عنه. مضافا إلى أن كونها من مرجحات السند يراد به أنها موجبة للحكم بكذب أحد السندين على ما عرفت سابقا من أن لازم التعارض التكاذب وكونها من مرجحات الجهة يراد به أنها موجبة للحكم بكذب أحد الخبرين من حيث الجهة وكون لازم ذلك عدم الحكم بأصالة السند في المرجوح من أجل عدم الانتهاء إلى الأثر العملي الموجب للغوية الحكم غير الحكم بكذب احد السندين. فتأمل (قوله: لا وجه لمراعاة الترتيب) قد عرفت وجهه للترتب الطبعي بينها لو أريد الترتيب بين الاقسام الثلاثة، ولو اريد الترتيب فيما بين افراد كل قسم منها فيمكن القول بالترتيب بينها، بناء على أن الترتيب الشرعي لعله كاشف عما هو اقرب واقعا وان لم يكن كذلك بنظر غير الشارع، كذا قيل. وقد يشكل بما عرفت من أن لازم التعدي عن المرجحات المنصوصة بقرينة التعليلات الواردة رفع اليد عن خصوصية المرجحات المنصوصة وان المناط في الترجيح حيثية الأقربية العرفية، فلابد أن يكون النظر العرفي ممضى عند الشارع وإلا كان الترجيح تعبديا فيمتنع التعدي. وبالجملة: لازم القول
* مرتبا في المقبولة والمرفوعة مع إمكان أن يقال: ان الظاهر كونهما كسائر اخبار الترجيح بصدد بيان ان هذا مرجح وذاك مرجح ولذا اقتصر في غير واحد منها على ذكر مرجح واحد والالزم تقييد جميعها على كثرتها بما في المقبولة وهو بعيد جدا، وعليه فمتى وجد في احدهما مرجح وفي الآخر آخر منها كان المرجع هو إطلاقات التخير ولا كذلك على الأول بل لابد من ملاحظة الترتيب إلا إذا كانا في عرض واحد (وانقدح) بذلك أن حال المرجح الجهتي حال سائر المرجحات في انه لابد ______________________________ بالتعدي امضاء الشارع نظر العرف من حيث الاقربية. فتأمل (قوله: مرتبا في المقبولة والمرفوعة) قد عرفت أن ظاهر المقبولة والمرفوعة بل وظاهر غيرهما من أخبار والترجيح أن الترجيح بمخالفة العامة من المرجحات المضمونية لا الجهتية فراجعها وحينئذ فاخبار الترجيح متعرضة لقسمين من المرجحات وهما المرجحات المضمونية والمرجحات السندية، وقد اتفقت المقبولة والمرفوعة وجملة من غيرها على تقديم الترجيح بموافقة الكتاب على الترجيح بمخالفة العامة وفى جملة لم يذكر الا الترجيح بمخالفة العامة وحينئذ فمقتضى الجمع العرفي بينهما تقديم الترجيح بموافقة الكتاب على الترجيح بمخالفة العامة حملا للمطلق على المقيد، وأما المرجحات السندية فلم يتعرض لها الا في المقبولة والمرفوعة مع اختلافهما في الترتيب، ففي المرفوعة قدم الترجيح بالشهرة على الترجيح بصفات الراوي، وفي المقبولة بالعكس، ومقتضي الجمع التخيير بينهما وعدم الترتيب لكنه يتوقف على حجية المرفوعة وكون الترجيح بالصفات في المقبولة راجع إلى الترجيح من حيث الرواية لا الترجيح بنى الحكمين أو المجتهدين. (والانصاف) ان المرفوعة لم تجمع شرائط الحجية واما المقبولة فالظاهر أن الاشكال المذكور لا رافع له كما عرفت فلم يثبت مرجح للسند غير الشهرة وكيف كان فالاشكال يختص بالمرجحين المذكورين، لكن المحكي عن الاصحاب تقديم الترجيح بالشهرة على الترجيح بالصفات فتخالف الرواية عمل المشهور فيشكل الاخذ بها من هذه الجهة. هذا كله بعد فهم الترتيب وإلا فلا إشكال
في صورة مزاحمته مع بعضها من ملاحظة أن أيهما فعلا موجب للظن بصدق ذيه بمضمونه أو الأقربية كذلك إلى الواقع فيوجب ترجيحه وطرح الآخر أو انه لا مزية لاحدهما على الآخر كما إذا كان الخبر الموافق للتقية بماله من المزية مساويا للخبر المخالف لها بحسب المناطين، فلابد حينئذ من التخيير بين الخبرين فلا وجه لتقدميه على غيره كما عن الوحيد البهبهاني - قدس سره - وبالغ فيه بعض اعاظم المعاصرين - أعلى الله درجته - ولا لتقديم غيره عليه كما يظهر من شيخنا العلامة - أعلى الله مقامه - قال: أما لو زاحم الترجيح بالصدور الترجيح من حيث جهة الصدور بأن كان الأرجح صدورا موافقا للعامة فالظاهر تقديمه على غيره وإن كان مخالفا للعامة بناء على تعليل الترجيح بمخالفة العامة باحتمال التقية في الموافق لان هذا الترجيح ملحوظ في الخبرين بعد فرض صدورهما قطعا كما في المتواترين أو تعبدا كما في الخبرين بعد عدم إمكان التعبد بصدور أحدهما وترك التعبد بصدور الآخر، وفيما نحن فيه يمكن ذلك بمقتضي أدلة الترجيح من حيث الصدور (إن قلت): إن الاصل في الخبرين الصدور فإذا تعبدنا بصدورهما اقتضي ذلك الحكم بصدور الموافق تقية كما يقتضي ذلك الحكم بارادة خلاف الظاهر في أضعفهما فيكون هذا المرجح نظير الترجيح بحسب الدلالة مقدما على الترجيح بحسب الصدور (قلت): لا معنى للتعبد بصدورهما ______________________________ (قوله: بحسب المناطين) هو الظن بالصدق والأقربية (قوله: وفيه مضافا إلى ما عرفت) يريد به ما ذكره بقوله: ثم إنه لا وجه لمراعاة الترتيب، واشار إليه ايضا بقوله بعد ذلك: وانقدح بذلك أن حال المرجح الجهتي حال سائر المرجحات... الخ من ان مرجح الجهة وان لم يكن راجعا إلى المرجح السندي إلا ان البناء على التعدي عن المرجحات المنصوصة يقتضي عدم ملاحظة الترتيب بينها بل الاخذ بما يوجب حصول المناط في التعدي سواء كان مرجح السند أم الجهة. وحاصل الايراد المضاف إلى ذلك: هو منع كون المرجح الجهتي مقابلا للمرجح السندي بل راجع إليه
مع وجوب حمل أحدهما المعين على التقية لانه إلغاء لأحدهما في الحقيقة، وقال - بعد جملة من الكلام -: فمورد هذا الترجيح تساوي الخبرين من حيث الصدور إما علما كما في المتواترين أو تعبدا كما في المتكافئين من الاخبار وأما ما وجب فيه التعبد بصدور أحدهما المعين دون الآخر فلا وجه لاعمال هذا المرجح فيه لان جهة الصدور متفرع على أصل الصدور. انتهى موضع الحاجة من كلامه زيد في علو مقامه وفيه - مضافا إلى ما عرفت - أن حيث فرعية جهة الصدور على أصله إنما يفيد إذا لم يكن المرجح الجهتي من مرجحات أصل الصدور بل من مرجحاتها، وأما إذا كان من مرجحاته باحد المناطين فاي فرق بينه وبين سائر المرجحات ؟ ولم يقم دليل بعد في الخبرين المتعارضين على وجوب التعبد بصدور الراجح منهما من حيث غير الجهة مع كون الآخر راجحا بحسبها بل هو أول الكلام كما لا يخفى، فلا محيص من ملاحظة الراجح من المرجحين بحسب أحد المناطين أو من دلالة أخبار العلاج على الترجيح بينهما مع المزاحمة ومع عدم الدلالة ولو لعدم التعرض لهذه الصورة فالمحكم هو إطلاق التخيير فلا تغفل. وقد اورد بعض أعاظم تلاميذه عليه بانتقاضه بالمتكافئين من حيث الصدور فانه لو لم يعقل التعبد بصدور المتخالفين من حيث الصدور مع حمل احدهما على التقية لم يعقل التعبد بصدورهما مع حمل ______________________________ (قوله: ولم يقم دليل بعد) أقول: قد عرفت الدليل على هذا التقديم وأن اصالة الجهة موضوعها الكلام الصادر فإذا فرض وجود المرجح بحسب السند كان موجبا لسقوط المرجوح سندا وتسقط أصالة الجهة فيه، وإن كان ارجح فيها لارتفاع موضوععها، وكأن الذي دعا المصنف (ره) إلى ارجاعها إلى المرجحات السندية امتناع التعبد بما يتعين حمله على التقية فتكون موجبة لسقوط السند ايضا كالمرجحات السندية. فراجع وتأمل (قوله: فانه لو لم يعقل التعبد) حاصل الاشكال على المصنف (ره) كما تقدم الاشارة إليه: أنه ان كان يعتبر في الترجيح بحسب الجهة جريان أصالة السند فيهما معا امتنع بالبديهة، لأن الترجيح
أحدهما عليها لانه إلغاء لاحدهما أيضا في الحقيقة (وفيه) ما لا يخفى من الغفلة، وحسبان أنه التزم - قدس سره - في مورد الترجيح بحسب الجهة باعتبار تساويهما من حيث الصدور إما للعلم بصدورهما وإما للتعبد به فعلا، مع بداهة ان غرضه من التساوي من حيث الصدور تعبدا تساويهما بحسب دليل التعبد بالصدور قطعا، ضرورة أن دليل حجية الخبر لا يقتضي التعبد فعلا بالمتعارضين بل ولا باحدهما، وقضية دليل العلاج ليس الا التعبد باحدهما تخييرا أو ترجيحا. والعجب كل العجب أنه - رحمه الله - لم يكتف بما أورده من النقض حتى ادعى استحالة تقديم الترجيح بغير هذا المرجح على الترجيح به وبرهن عليه بما حاصله امتناع التعبد بصدور الموافق لدوران أمره بين عدم صدوره من اصله وبين صدوره تقية ولا يعقل التعبد به على التقديرين بداهة كما أنه لا يعقل التعبد بالقطعي الصدور الموافق بل الامر في الظني الصدور أهون لاحتمال عدم صدوره بخلافه ثم قال: فاحتمال تقديم المرجحات السندية على مخالفة مع نص الامام - عليه السلام - على طرح موافقهم من العجائب والغرائب التي لم يعهد صدورها من ذي مسكة فضلا عمن هو تالي العصمة علما وعملا ثم قال: وليت شعري ان هذه الغفلة الواضحة كيف صدرت منه مع أنه في وجودة النظر يأتي بما يقرب من شق القمر (وأنت خبير) بوضوح فساد برهانه ضرورة عدم دوران أمر الموافق بين الصدور تقية وعدم الصدور رأسا لاحتمال صدوره لبيان حكم الله واقعا وعدم صدور المخالف المعارض له اصلا ولا يكاد يحتاج في التعبد إلى أزيد من احتمال صدور الخبر لبيان ذلك بداهة وانما دار احتمال الموافق بين الاثنين إذا كان المخالف قطعيا صدورا وجهة ودلالة ضرورة دوران معارضه حينئذ بين عدم صدوره وصدوره تقية وفى غير هذه الصورة كان دوران امره بين الثلاثة لا محالة لاحتمال صدوره لبيان الحكم الواقعي حينئذ ايضا، ومنه قد انقدح امكان التعبد بصدور الموافق القطعي لبيان الحكم الواقعي ايضا وانما لم يمكن التعبد بصدوره لذلك إذا كان معارضه المخالف قطعيا بحسب النسد والدلالة
لتعيين حمله على التقية حينئذ لا محالة. ولعمري ان ما ذكرنا أوضح من أن يخفى على مثلا إلا أن الخطأ والنسيان كالطبيعة الثانية للانسان عصمنا الله من زلل الاقدام والاقلام في كل ورطة ومقام (ثم) إن هذا كله إنما هو بملاحظة أن هذا المرجح مرجح من حيث الجهة، وأما بما هو موجب لاقوائية دلالة ذيه من معارضه ______________________________ موجب لسقوط أصالة السند في احدهما لامتناع التعبد بصدورهما مع وجوب حمل أحدهما المعين على التقية، وان كان لا يعتبر ذلك لم يضر وجود المرجح السندي الموجب لسقوط أحد السندين. وحاصل ما اجاب به المصنف (قدس سره) عن هذا الاشكال: أن مراده أنه يعتبر في الترجيح بمرجح الجهة تساويهما من حيث دليل التعبد، بحيث تكون نسبتهما إلى دليل التعبد، نسبة واحدة، وهذا لا يجري مع وجود المرجح السندي لاختلاف نسبتهما إليه حيث حكم بسقوط أحدهما عن الحجية وبقاء الآخر. هذا وقد عرفت أنه دليل في المقام من نص أو اجماع يتضمن الشرط المذكور للترجيح بمرجح الجهة حتى يقال بأن المعتبر في دليل الترجيح تساويهما في النسبة إلى دليل حجية السند وان لم تجر اصالة السند فيهما معا فعلا، فيفرق بين المتكافئين والمتخالفين، بل الدليل على اعتبار الشرط المذكور هو الترتب الطبعي بين اصالة السند وأصالة الجهة وان الثانية انما تجري بعد الفراغ عن ثبوت السند، لأن موضوعها الكلام الصادر ممن له الحكم فما لم يحرز موضوعها امتنع جريانها، ومقتضى ذلك لزوم جريان اصالة السند فيهما فعلا ليثبت الموضوع ومع عدم الجريان فيهما كذلك ولو للمعارضة يمنع من جريان اصالة الجهة ويمنع من تحقق التعارض بينهما، وحينئذ يعود الاشكال فيقال: إن كان المعتبر جريان أصالة السند فعلا فقد عرفت امتناعه، وان كان المعتبر جريانها اقتضاء لم يضر وجود المرجح السندي فانه لا يرفع الاقتضاء في كل من المتعارضين بالنسبة إلى اصالة السند فلابد من الرجوع إلى ما ذكرنا من انه يعتبر الجريان فعلا، ويكفي مصححا للجريان الانتهاء إلى الترجيح بحسب الجهة وانا لم يترتب الأثر المضموني لكل منهما
(والتحقيق): ان توقف اجراء اصالة الجهة على اجراء اصالة السند فعلا يراد به اجراؤها فعلا من جميع الحيثيات غير حيثية اصالة الجهة، لا من جميع الحيثيات حتى حيثية اصالة الجهة، والا فيلزم الدور لتوقف اصالة السند على اصالة الجهة والمفروض توقف اصالة الجهة على اصالة السند وهو دور، وحينئذ فالمانع من فعلية اصالة السند ان كان ناشئا من اصالة الجهة أو من احكامها فلا يضر في فعليته اصالة السند المعتبرة في اصالة الجهة بل هي حاصلة إذا كانت من سائر الجهات محفوظة وحينئذ نقول في رفع الاشكال: ان كان مرجح لاحد السندين على الآخر كان موجبا لسقوط اصالة السند في المرجوح فلا تنتهي النوبة إلى الترجيح بحسب الجهة ويسقط المرجوح السندي، وان كان بحسب الجهة أرجح لارتفاع موضوع اصالة الجهة بتوسط المرجح السندي وان لم يكن مرجح سندي فلا مانع من فعلية اصالة السند في كل من الخبرين فتجري أصالة الجهة لتحقيق موضوعها، فإذا كان احد الاصلين الجهتين ارجح من الآخر قدم، ولا يرد بأن معارضة أصالة الجهة في الطرفين فرع فعلية أصالة السند فيهما، وهي ممتنعة لامتناع التعبد بصدورهما مع وجوب حمل أحدهما المعين على التقية، لانا نقول: ان كان المراد من فعلية أصالة السند المعتبرة في أصالة الجهة فعليتها حتى من حيث ترجيح احدى أصالتي الجهة على الاخرى الذي هو من أحكام معارضتهما، فهو ممتنع للزوم الدور، وان كان المراد فعليتهما من سائر الحيثيات، بمعني: عدم وجود مانع من اصالة السند غير حيثية الترجيح الجهتي الذى هو من أحكام المعارضة، فهى حاصلة بالضرورة فحسب، وهذا هو مراد شيخنا الاعظم (قده): فلا يتوجه عليه الاشكال المزبور، ومن هنا يظهر الاشكال على المصنف (ره) في ارجاعه الترجيح الجهتي إلى المرجح السندي، فان المرجح السندي رافع لموضوع أصالة الجهة فيمتنع أن يكون من افراده الترجيح الجهتي كما أنه يظهر الاشكال فيما ذكره المصنف (ره) دليلا على المطلب من قوله: ضرورة انه لا معنى للتعبد... الخ، والانصاف أن الترتيب الطبعي بين المرجحات المذكورة للترتيب الطبعي بين مواردها مما لم يقم
لاحتمال التورية في المعارض المحتمل فيه التقية دونه فهو مقدم على جميع مرجحات الصدور بناء على ما هو المشهور من تقدم التوفيق بحمل الظاهر على الأظهر على الترجيح بها (اللهم) إلا أن يقال: إن باب احتمال التورية وإن كان مفتوحا فيما احتمل فيه التقية إلا أنه حيث كان بالتأمل والنظر لم يوجب أن يكون معارضه أظهر بحيث يكون قرينة على التصرف عرفا في الآخر فتدبر. فصل موافقة الخبر لما يوجب الظن بمضمونه ولو نوعا من المرجحات في الجملة بناء على لزوم الترجيح لو قيل بالتعدي من المرجحات المنصوصة أو قيل بدخوله في القاعدة المجمع عليها كما ادعي وهي لزوم العمل بأقوى الدليلين وقد عرفت أن التعدي محل نظر بل منع وأن الظاهر من القاعدة هو ما كان الاقوائية من حيث الدليلية والكشفية ومضمون أحدهما مظنونا لاجل مساعدة امارة ظنية عليه لا يوجب قوة فيه من هذه الحيثية بل هو على ما هو عليه من القوة لولا مساعدتها كما لا يخفى، ومطالقة أحد الخبرين لها ______________________________ عليه برهان بل ولا وجه له بعد التأمل، فان القول بأن موضوع أصالة الجهة الكلام الصادر ممن له الحكم ليس أولى من القول بالعكس وان اصالة السند موضوعها الكلام الصادر لبيان الواقع، وهكذا الكلام في أصالة الظهور بالنسبة اليهما بل التأمل يقتضي القول بان ترتب الأثر العملي على جريان هذه الاصول الثلاثة ترتيب عرضي، نظير ترتيب الأثر على المركبات، ولا يصح القول بان اجزاء المركب بعضها منوط ببعض، ويترتب على ذلك حصول التعارض بين المرجحات المذكورة كما ذكره المصنف (قده) وما ذكرناه من اوله إلى آخره كان تتميما لما ذكره شيخنا الأعظم (قده) في رسائله من فرعية الأصول بعضها على بعض فراجع وتأمل والله تعالى اعلم ومنه نستمد التوفيق فانه حسبنا ونعم الوكيل (قوله: لاحتمال التورية في المعارض) إعلم أن الخبر الصادر تقية يحتمل أن يكون المراد ظاهره
لا يكون لازمه الظن بوجود خلل في الآخر إما من حيث الصدور أو من حيث جهته، كيف وقد اجتمع مع القطع بوجود جميع ما اعتبر في حجية المخالف ؟ لولا معارضة الموافق والصدق واقعا لا يكاد يعتبر في الحجية كما لا يكاد يضر بها الكذب كذلك (فافهم) هذا حال الامارة غير المعتبرة لعدم الدليل على اعتبارها أما ما ليس بمعتبر بالخصوص لاجل الدليل على عدم اعتباره بالخصوص كالقياس فهو وإن كان كغير المعتبر لعدم الدليل بحسب ما يقتضي الترجيح به من الاخبار بناء على التعدي والقاعدة بناء على دخول مظنون المضمون في أقوى الدليلين، إلا أن الأخبار الناهية عن القياس وأن السنة إذا قيست محق الدين مانعة عن الترجيح به ضرورة أن استعماله في ترجيح ______________________________ فيكون من الكذب المرخص فيه للمصلحة، ويحتمل أن يكون المراد به خلاف ظاهره بلا نصف قرينة على ذلك فيكون من قبيل التورية، وعلى الاحتمال الاول كانت المخالفة مرجحا من حيث الجهة، وعلى الثاني كانت من مرجحات الدلالة، ولا دخل لها من جهة الكلام إذ لم يقصد بالكلام الا بيان الحكم الواقعي الا ان بيانه لم يكن بكلام ظاهر فيه بل كان بكلام غير ظاهر فيه، وحينئذ فيكون الجمع العرفي حمل الموافق على معنى لا يخالف المخالف، مثلا إذا ورد يجوز: قول (آمين)، في الصلاة بعد الفاتحة، وورد: لا يجوز قول (آمين) أمكن التصرف في الاول ما لا يمكن في الثاني، بحمل (يجوز) على معنى: لا يجوز، وان كان بعيدا أو حمله على حال التقية وحمل (لا يجوز) على غير حال التقية برفع اليد عن اطلاق كل منهما نعم إنما يتم ذلك - اعني كونه من مرجحات الدلالة - لو كان الكلامان بحيث لو جمعا في كلام واحد لم يكونا متنافيين في نظر العرف كما هو معنى الجمع العرفي، ومجرد انفتاح باب احتمال في الموافق لا يحتمل في المخالف أو امكان الجمع بينهما بحمل احدهما على حال التقية والآخر على غير حال التقية لا يقتضي ذلك بحيث يكون ظاهرا لكلا الكلامين ويكون احدهما على الآخر قرينة (قوله: لازمه الظن بوجود خلل) اعلم: ان الكلام في الترجيح بالمرجحات الخارجية انما هو إذا لم يكن
أحد الخبرين استعمال له في المسألة الشرعية الاصولية وخطره ليس باقل من استعماله في المسألة الفرعية (وتوهم) أن حال القياس ها هنا ليس في تحقق الاقوائية به إلا كحاله فيما ينقح به موضوع آخر ذو حكم من دون اعتماد عليه في مسألة اصولية ولا فرعية قياس مع الفارق لوضوح الفرق بين المقام والقياس في الموضوعات الخارجية الصرفة، فان القياس المعمول فيها ليس في الدين فيكون إفساده اكثر من اصلاحه، وهذا بخلاف المعمول في المقام فانه نحو إعمال له في الدين، ضرورة انه لولاه لما تعين الخبر الموافق له للحجية بعد سقوطه عن الحجية بمقتضي أدلة الاعتبار والتخيير بينه وبين معارضه بمقتضي ادلة العلاج فتأمل جيدا، واما ما إذا اعتضد بما كان دليلا مستقلا في نفسه كالكتاب والسنة القطعية فالمعارض المخالف لاحدهما إن كانت مخالفته بالمبائنة الكلية فهذه الصورة خارجة عن مورد الترجيح لعدم حجية الخبر المخالف كذلك من أصله ولو مع عدم المعارض فانه المتيقن من الاخبار الدالة على أنه (زخرف) أو (باطل) أو انه (لم نقله) أو غير ذلك، وان كانت مخالفة بالعموم والخصوص المطلق فقضية القاعدة فيها وان كانت ملاحظة المرجحات بينه وبين الموافق وتخصيص الكتاب به تعيينا أو تخييرا لو لم يكن الترجيح في الموافق بناء على جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد، الا ان الاخبار الدالة على اخذ الموافق من المتعارضين غير قاصرة عن العموم لهذه الصورة لو قيل بانها في مقام ترجيح احدهما لا تعيين الحجة عن اللاحجة كما نزلنا ها عليه، ويؤيده اخبار العرض على الكتاب الدالة على عدم حجية المخالف من اصله فانهما تفرغان عن لسان واحد فلا وجه لحمل المخالفة في احداهما على خلاف المخالفة في الاخرى كما لا يخفى (اللهم) الا ان يقال: (نعم) الا ان دعوى اختصاص هذه الطائفة بما إذا كانت المخالفة بالمبائنة بقرينة القطع بصدور المخالف غير المبائن عنهم عليهم السلام كثير أو اباء مثل:
ما خالف قول ربنا لم أقله أو زخرف أو باطل عن التخصيص غير بعيدة، وان كانت المخالفة بالعموم والخصوص من وحه فالظاهر انها كالمخالفة في الصورة الاولى كما لا يخفي، واما الترجيح بمثل الاستصحاب كما وقع في كلام غير واحد من الاصحاب فالظاهر انه لاجل اعتباره من باب الظن والطريقية عندهم واما بناء على اعتباره تعبدا من باب الاخبار وظيفة للشاك كما هو المختار كسائر الاصول العملية التي تكون كذلك عقلا أو نقلا، فلا وجه للترجيح به اصلا لعدم تقوية مضمون الخبر بموافقة ولو بملاحظة دليل اعتباره كما لا يخفى هذا آخر ما أردنا إيراده والحمد لله أولا وآخرا وباطنا وظاهرا. ______________________________ وجود المرجح في أحد الطرفين موجبا لاختلال شرط من شرائط الحجية في الآخر بحيث به يخرج عن موضوع الحجية، كما لو قلنا بعدم حجية الخبر المخالف للمشهور أو المخالف للكتاب ولو بنحو العموم والخصوص المطلق أو الخبر المظنون خلافه فان الامور المذكورة موجبة لسقوط المخالف عن الحجية ولو لم يكن له معارض فضلا عما لو كان له معارض، وحينئذ فان كان المدعي للترجيح بمثل الموافقة للشهرة الفتوائية يستند إلى انها موجبة للظن بوجود خلل في المخالف فان كان غرضه انها موجبة لارتفاع شرط من شرائط الحجية في الآخر، (ففيه) مع انه لا يحسن التعبير بانها موجبة للظن بالخلل بل هي موجبة للقطع بالخلل قطعا أنه ليس هو محل الكلام بل الكلام في غيره، وان كان المقصود انها موجبة للظن بمخالفته للواقع اما لمخالفة اصالة السند له أو لمخالفة اصالة الجهة أو لمخالفة اصالة الظهور فهو حق إلا انه لا ينفع في الترجيح بعد ما كان البناء على الاقتصار على المرجحات المنصوصة مضافا إلى أنه لا وجه لحصر الخلل المظنون بالصدور والجهة بل يمكن أن يكون في الظهور. (هذا آخر ما برز من قلمه الشريف في التعادل والتراجيح) في النجف الاشرف يوم السابع والعشرين من ذي الحجة الحرام من السنة التاسعة والثلاثين بعد الالف والثلثمائة هجرية على مهاجرها افضل صلاة وتحية والحمد لله رب العالمين.
ختام واعتذار سبق أن قد نبهنا على أن سيدنا الوالد - مد ظله العالي - قد أنهى تعليقته الأنيقة - تبعا لانتهاء درسه الشريف - ولما يتم مباحث التعادل والتراجيح ومباحث الاجتهاد والتقليد، فكان مناسبا جدا إتمام مباحث التعادل والتراجيح بتعليقته القديمة على هذه المباحث. أما مباحث الاجتهاد والتقليد فقد رأينا أن نستغني عن نشر التعليق عليها بما كتبه - مد ظله - في الجزء الأول من (مستمسك العروة الوثقى) في شرح هذه المباحث فانه أحدث عهدا وأوسع بحثا والله سبحانه ولي التوفيق والسداد وهو حسبنا ونعم الوكيل. ١٣ شعبان سنة ١٣٧٢ ه يوسف الطباطبائي الحكيم
وأما الخاتمة فهي فيما يتعلق بالاجتهاد والتقليد فصل الاجتهاد لغة (تحمل المشقة) واصطلاحا كما عن الحاجبي والعلامة (استفراغ الوسع في تحصيل الظن بالحكم الشرعي)، وعن غيرهما (ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعي الفرعي من الاصل فعلا أو قوة قريبة). ولا يخفى أن اختلاف عباراتهم في بيان معناه اصطلاحا ليس من جهة الاختلاف في حقيقته وماهيته، لوضوح انهم ليسوا في مقام بيان حده أو رسمه، بل انما كانوا في مقام شرح اسمه والاشارة إليه بلفظ آخر وان لم يكن مساويا له بحسب مفهومه، كاللغوي في بيان معاني الالفاظ بتبديل لفظ بلفظ آخر ولو كان أخص منه مفهوما أو أعم. ومن هنا انقدح أنه لاوقع للايراد على تعريفاته بعدم الانعكاس أو الاطراد كما هو الحال في تعريف جل الاشياء لولا الكل، ضرورة عدم الاحاطة بها بكنهها أو بخواصها الموجبة لامتيازها عما عداها لغير علام الغيوب - فافهم. وكيف كان فالاولى تبديل (الظن بالحكم) بالحجة عليه، فان المناط فيه هو تحصيلها قوة أو فعلا لا الظن، حتى عند العامة القائلين بحجيته مطلقا، أو بعض الخاصة القائل بها عند انسداد باب العلم بالاحكام فانه مطلق عندهم أو عند الانسداد عنده من أفراد الحجة. ولذا لا شبهة في كون استفراغ الوسع في تحصيل غيره من أفرادها من
العلم بالحكم أو غيره مما اعتبر من الطرق التعبدية الغير المفيدة للظن ولو نوعا اجتهادا أيضا. ومنه انقدح أنه لا وجه لتأبي الاخباري عن الاجتهاد بهذا المعنى، فانه لا محيص عنه كما لا يخفى، عاية الامر له أن ينازع في حجية بعض ما يقول الاصولي باعتباره ويمنع عنها، وهو غير ضائر بالاتفاق على صحة الاجتهاد بذلك المعنى، ضرورة أنه ربما يقع بين الاخباريين كما وقع بينهم وبين الاصوليين. فصل ينقسم الاجتهاد إلى مطلق وتجز. فالاجتهاد المطلق هوما يقتدر به على استنباط الاحكام الفعلية من أمارة معتبرة أو أصل معتبر عقلا أو نقلا في المورد التى لم يظفر فيها بها، والتجزي هو ما يقتدر به على استنباط بعض الاحكام. ثم انه لا اشكال في امكان المطلق وحصوله للاعلام وعدم التمكن من الترجيح في المسألة وتعيين حكمها، والتردد منهم في بعض المسائل انما هو بالنسبة إلى حكمها الواقعي لاجل عدم دليل مساعد في كل مسألة عليه أو عدم الظفر به بعد الفحص عنه بالمقدار اللازم، لا لقلة الاطلاع أو قصور الباع. وأما بالنسبة إلى حكمها الفعلي فلا تردد لهم أصلا. كما لا اشكال في جواز العمل بهذا الاجتهاد لمن اتصف به، وأما لغيره فكذا لا اشكال فيه إذا كان المجتهد ممن كان باب العلم أو العلمي بالاحكام مفتوحا له على ما يأتي من الادلة على جواز التقليد، بخلاف ما إذا انسد عليه بابهما فجواز تقليد الغير عنه في غاية الاشكال، فان رجوعه إليه ليس من رجوع الجاهل إلى العالم بل إلى الجاهل، وأدلة جواز التقليد انما دلت على جواز رجوع غير العالم إلى العالم كما لا يخفى.
وقضية مقدمات الانسداد ليست الا حجية الظن عليه لا على غيره، فلابد في حجية اجتهاد مثله على غيره من التماس دليل آخر دليل التقليد وغير دليل الانسداد الجاري في حق المجتهد من اجماع، أو جريان مقدمات دليل الانسداد في حقه بحيث تكون منتجة بحجية الظن الثابت حجيته بمقدماته له ايضا. ولا مجال لدعوى الاجماع، ومقدماته كذلك غير جارية في حقه لعدم انحصار المجتهد به أو عدم لزوم محذور عقلي من عمله بالاحتياط وان لزم منه العسر إذا لم يكن له سبيل إلى اثبات عدم وجوبه مع عسره. نعم لو جرت المقدمات كذلك - بأن انحصر المجتهد ولزم من الاحتياط المحذور أو لزم منه العسر منع التمكن من ابطال وجوبه حينئذ - كانت منتجة لحجيته في حقه أيضا، لكن دونه خرط القتاد. هذا على تقدير الحكومة، وأما على تقدير الكشف وصحته فجواز الرجوع إليه في غاية الاشكال، لعدم مساعدة ادلة التقليد على جواز الرجوع إلى من اختص حجية ظنه به. وقضية مقدمات الانسداد اختصاص حجية الظن بمن جرت في حقه دون غيره، ولو سلم أن قضيتها كون الظن المطلق معتبرا شرعا كالظنون الخاصة التي دل الدليل على اعتبارها بالخصوص - فتأمل. ان قلت: حجية الشئ شرعا مطلقا لا توجب القطع بما أدى إليه من الحكم ولو ظاهرا كما مر تحقيقه وأنه ليس أثره الا تنجز الواقع مع الاصابة والعذر مع عدمها، فيكون رجوعه إليه مع انفتاح باب العلمي عليه أيضا رجوعا إلى الجاهل فضلا عما إذا انسد عليه. قلت: نعم الا أنه عالم بموارد قيام الحجة الشرعية على الاحكام، فيكون من رجوع الجاهل إلى العالم. ان قلت: رجوعه إليه في موارد فقد الامارة المعتبرة عنده التى يكون
المرجع فيها الاصول العقلية ليس الا الرجوع إلى الجاهل. قلت: رجوعه إليه فيها انما هو لاجل اطلاعه على عدم الامارة الشرعية فيها وهو عاجز عن الاطلاع على ذلك، واما تعيين ما هو حكم العقل وانه مع عدمها هو البراءة أو الاحتياط فهو انما يرجع إليه، فالمتبع ما استقل به عقله ولو على خلاف ما ذهب إليه مجتهده - فافهم. وكذلك لا خلاف ولا اشكال في نفوذ حكم المجتهد المطلق إذا كان باب العلم أو العلمي له مفتوحا، واما إذا انسد عليه بابهما ففيه اشكال على الصحيح من تقريرات المقدمات على نحو الحكومة، فان مثله - كما اشرت آنفا - ليس ممن يعرف الاحكام مع ان معرفتها معتبرة في الحاكم كما في المقبولة. الا ان يدعى عدم القول بالفصل، وهو وان كان غير بعيد الا انه ليس بمثابة يكون حجة على عدم الفصل، الا ان يقال بكفاية انفتاح باب العلم في موارد الاجماعات والضروريات من الدين أو المذاهب والمتواترات إذا كانت جملة يعتد بها، وان انسد باب العلم بمعظم الفقه فانه يصدق عليه حينئذ انه ممن روى حديثهم عليهم السلام ونظر في حلالهم وحرامهم وعرف احكامهم عرفا حقيقة. وأما قوله عليه السلام في المقبولة (فإذا حكم بحكمنا) فالمراد أن مثله إذا حكم كان بحكمهم حكم، حيث كان منصوبا منهم، كيف وحكمه غالبا يكون في الموضوعات الخارجية، وليس مثله ملكية دار لزيد أو زوجية امرأة له من أحكامهم عليهم السلام، فصحة اسناد حكمه إليهم عليهم السلام انما هو لاجل كونه من المنصوب من قبلهم. وأما التجزي في الاجتهاد ففيه مواضع من الكلام: (الاول) في امكانه. وهو أنه - وان كان محل الخلاف بين الاعلام - الا أنه
لا ينبغي الارتياب فيه حيث كان أبواب الفقه مختلفة مدركا والمدارك متفاوتة سهولة وصعوبة عقلية ونقلية مع اختلاف الاشخاص في الاطلاع عليها وفى طول الباع وقصوره بالنسبة إليها، فرب شخص كثير الاطلاع وطويل الباع في مدرك باب بمهارته في النقليات أو العقليات وليس كذلك في آخر لعدم مهارته فهيا وابتنائه عليها. وهذا بالضرورة ربما يوجب حصول القدرة على الاستنباط في بعضها لسهولة مدركه أو لمهارة الشخص فيه مع صعوبته مع عدم القدرة على ما ليس كذلك، بل يستحيل حصول اجتهاد مطلق عادة غير مسبوق بالتجزي للزوم الطفرة. وبساطة الملكه وعدم قبولها التجزية لا تمنع من حصولها بالنسبة إلى بعض الابواب بحيث يتمكن بها من الاحاطة بمداركه، كما إذا كانت هناك ملكة الاستنباط في جميعها ويقطع بعدم دخل ما في سائرها به أصلا أو لا يعتنى باحتماله لاجل الفحص بالمقدار اللازم الموجب للاطمئنان بعدم دخله كما في الملكة المطلقة. بداهة انه لا يعتبر في استنباط مسألة معها من الاطلاع فعلا على مدارك جميع المسائل كما لا يخفى. (الثاني) في حجية ما يؤدي إليه على المتصف به. وهو أيضا محل الخلاف الا أن قضية أدلة المدارك حجيته، لعدم اختصاصها بالمتصف بالاجتهاد المطلق، ضرورة أن بناء العقلاء على حجية الظواهر مطلقا. وكذا ما دل على حجية الخبر الواحد، غايته تقييده بما إذا تمكن من دفع معارضاته كما هو المفروض. (الثالث) في جواز رجوع غير المتصف به إليه في كل مسألة اجتهد فيها. وهو ايضا محل الاشكال من انه من رجوع الجاهل إلى العالم فتعمه أدلة جواز التقليد، ومن دعوى عدم اطلاق فيها وعدم احراز أن بناء العقلاء أو سيرة المتشرعة على الرجوع إلى مثله ايضا، وستعرف انشاء الله تعالى ما هو قضية الادلة. وأما جواز حكومته ونفوذ فصل خصومته فأشكل. نعم لا يبعد نفوذه فيما إذا عرف
جملة معتدا بها واجتهد فيها بحيث يصح أن يقال في حقه عرفا أنه ممن عرف أحكامهم كما مر في المجتهد المطلق المسند عليه باب العلم والعلمي في معظم الاحكام. فصل لا يخفى احتياج الاجتهاد إلى معرفة العلوم العربية في الجملة، ولو بأن يقدر على معرفة ما يبتني عليه الاجتهاد في المسألة بالرجوع إلى ما دون فيه، ومعرفة التفسير كذلك. وعمدة ما يحتاج إليه هو علم الاصول، ضرورة أنه ما من مسألة الا ويحتاج في استنباط حكمها إلى قاعدة أو قواعد برهن عليها في الاصول أو برهن عليها مقدمة في نفس المسألة الفرعية كما هو طريقة الاخباري. وتدوين تلك القواعد المحتاج إليها على حدة لا يوجب كونها بدعة، وعدم تدوينها في زمانهم عليهم السلام لا يوجب ذلك، والا كان تدوين الفقه والنحو والصرف بدعة. وبالجملة لا محيص لاحد في استنباط الاحكام الفرعية من أدلتها الا الرجوع الا ما بني عليه في المسائل الاصولية، وبدونه لا يكاد يتمكن من استنباط واجتهاد مجتهدا كان أو أخباريا. نعم يختلف الاحتياج إليها بحسب اختلاف المسائل والازمنة والاشخاص، ضرورة خفة مؤنة الاجتهاد في الصدر الاول وعدم حاجته إلى كثير مما يحتاج إليه في الازمنة الاحقة مما لا يكاد يحقق ويختار عادة الا بالرجوع إلى ما دون فيه من الكتب الاصولية. فصل اتفقت الكلمة على التخطئة في العقليات، واختلف في الشرعيات، فقال أصحابنا بالتخطئة فيها أيضا وأن له تبارك وتعالى في كل مسألة حكم يؤدي إليه
الاجتهاد تارة والى غيره أخرى، وقال مخالفونا بالتصويب وأن له تعالى احكاما بعدد آراء المجتهدين فما يؤدي إليه الاجتهاد هو حكمه تبارك وتعالى. ولا يخفى أنه لا يكاد يعقل الاجتهاد في حكم المسألة الا إذا كان لها حكم واقعا حتى صار المجتهد بسب استنباطه من أدلته وتعيينه بحسبها ظاهرا، فلو كان غرضهم من التصويب هو الالتزام بانشاء احكام في الواقع بعدد الاراء - بأن تكون الاحكام المؤدي إليها الاجتهادات أحكاما واقعية كما هي ظاهرية - فهو وان كان خطأ من جهة تواتر الاخبار واجماع أصحابنا الاخيار على أن له تبارك وتعالى في كل واقعة حكما يشترك فيه الكل الا أنه غير محال. ولو كان غرضهم منه بانشاء الاحكام على وفق آراء الاعلام بعد الاجتهاد، فهو مما لا يكاد يعقل، فكيف يتفحص عما لا يكون له عين ولا أثر أو يستظهر من الاية أو الخبر. الا أن يراد التصويب بالنسبة إلى الحكم الفعلي، وان المجتهد وان كان يتفحص عما هو الحكم واقعا وانشاءا الا أن ما أدى إليه اجتهاده يكون هو حكمه الفعلي حقيقة، وهو مما يختلف باختلاف الاراء ضرورة ولا يشترك فيه العالم والجاهل بداهة، وما يشتركان فيه ليس بحكم حقيقة بل انشاء. فلا استحالة بالتصويب بهذا المعنى، بل لا محيص عنه في الجملة بناءا على اعتبار الاخبار من باب السببية والموضوعية كما لا يخفى. وربما يشير إليه ما اشتهر بيننا من أن ظنية الطريق لا تنافي قطعية الحكم. نعم بناءا على اعتبارها في باب الطريقة - كما هو كذلك - فمؤديات الطرق والامارات المعتبرة ليست بأحكام حقيقة نفسية ولو قيل بكونها أحكاما طريقية. وقد مر غير مرة امكان منع كونها احكاما كذلك أيضا، وان قضية حجيتها ليست الا تنجز مؤدياتها عند اصابتها والعذر عند خطائها، فلا يكون حكم أصلا الا الحكم الواقعي، فيصير منجزا فيما قام عليه حجة من علم أو طريق معتبر، ويكون غير منجز بل غير
فعلى فيما لم تكن هناك حجة مصيبة - فتأمل جيدا. فصل إذا اضمحل الاجتهاد السابق بتبديل الرأي الاول بالاخر أو بزواله بدونه فلا شبهة في عدم العبرة به في الاعمال اللاحقة، ولزوم اتباع الاجتهاد اللاحق مطلقا أو الاحتياط فيها. وأما الاعمال السابقة الواقعة على وفقه المختل فيها ما اعتبر في صحتها بحسب هذا الاجتهاد، فلابد من معاملة البطلان معها فيما لم ينهض دليل على صحة العمل فيما إذا اختل فيه لعذر كما نهض في الصلاة وغيرها، مثل لا تعاد وحديث الرفع، بل الاجماع على الاجزاء في العبادات على ما ادعى. وذلك فيما كان بحسب الاجتهاد الاول قد حصل القطع بالحكم وقد اضمحل واضح، بداهة أنه لا حكم معه شرعا غايته المعذورية في المخالفة عقلا. وكذلك فيما كان هناك طريق معتبر شرعا عليه بحسبه وقد ظهر خلافه بالظفر بالمقيد أو المخصص أو قرينة المجاز أو المعارض، بناءا على ما هو التحقيق من اعتبار الامارة في باب الطريقية، قيل بأن قضية اعتبارها انشاء أحكام طريقية أم لا، على ما مر منا غير مرة، من غير فرق بين تعلقه بالاحكام أو بمتعلقاتها. ضرورة أن كيفية اعتبارها فيهما على نهج واحد ولم يعلم وجه للتفصيل بينهما كما في الفصول، وان المتعلقات لا تتحمل اجتهادين بخلاف الاحكام الا حسبان ان الاحكام قابلة للتغيير والتبدل بخلاف المتعلقات والموضوعات. وأنت خبير بأن الواقع واحد فيهما، وقد عين اولا بما ظهر خطاؤه ثانيا ولزوم العسر والحرج والهرج والمرج المخل بالنظام والموجب للمخاصمة بين الانام - لو قيل بعدم صحة العقود والايقاعات والعبادات الواقعة على طبق الاجتهاد الاول الفاسدة بحسب الاجتهاد الثاني ووجوب العمل على طبق الثاني من عدم
ترتيب الاثر على المعاملة واعادة العبادة - لا يكون الا احيانا. وأدلة نفي العسر لا تنفي الا خصوص ما لزم منه العسر فعلا مع عدم اختصاص ذلك بالمتعلقات، ولزوم العسر في الاحكام كذلك أيضا لو قيل بلزوم ترتيب الاثر على طبق الاجتهاد الثاني في الاعمال السابقة، وباب الهرج والمرج ينسد بالحكومة وفصل الخصومة. وبالجملة لا يكون التفاوت بين الاحكام ومتعلقاتها بتحمل الاجتهادين وعدم التحمل بينا ولا مبينا بما يرجع إلى محصل في كلامه زيد في علو مقامه - فراجع وتأمل. وأما بناءا على اعتبارها من باب السببية والموضوعية فلا محيص عن القول بصحة العمل على طبق الاجتهاد الاول عبادة كان أو معاملة، وكون مؤداه ما لم يضمحل حكما حقيقة، وكذلك الحال إذا كان بحسب الاجتهاد الاول مجرى الاستصحاب أو البراءة النقلية وقد ظفر في الاجتهاد الثاني بدليل على الخلاف، فانه عمل بما هو وظيفته على تلك الحال. وقد مر في مبحث الاجزاء تحقيق المقال فراجع هناك. فصل: في التقليد وهو أخذ قول الغير ورأيه للعمل به في الفرعيات، أو للالتزام به في الاعتقاديات تعبدا بلا مطالبة دليل على رأيه. ولا يخفى انه لا وجه لتفسيره بنفس العمل ضرورة سبقه عليه، والا كان بلا تقليد - فافهم. ثم انه لا يذهب عليك ان جواز التقليد ورجوع الجاهل إلى العالم في الجملة يكون بديهيا جبليا فطريا لا يحتاج إلى دليل، والا لزم سد باب العلم به على العامي مطلقا غالبا لعجزه عن معرفة ما دل عليه كتابا وسنة، ولا يجوز التقليد فيه ايضا والا لدار أو تسلسل.
بل هذه هي العمدة في ادلته، واغلب ما عداه قابل للمناقشة، لبعد تحصيل الاجماع في مثل هذه المسألة مما يمكن ان يكون القول فيه لاجل كونه من الامور الفطرية الارتكازية، والمنقول منه غير حجة في مثلها ولو قيل بحجيتها في غيرها لوهنه بذلك. ومنه قد انقدح امكان القدح في دعوى كونه من ضروريات الدين، لاحتمال ان يكون من ضرريات العقل وفطرياته لا من ضرورياته. وكذا القدح في دعوى سيرة المتدينين. واما الاية فلعدم دلالة آية النفر والسؤال على جوازه، لقوة احتمال ان يكون الارجاع لتحصيل العلم لا الاخذ تعبدا. مع أن المسؤول في آية السؤال هم اهل الكتاب كما هو ظاهرها، أو اهل بيت العصمة الاطهار كما فسر به في الاخبار. نعم لا بأس بدلالة الاخبار عليه بالمطابقة أو الملازمة، حيث دل بعضها على وجوب اتباع قول العلماء، وبعضها على ان للعوام تقليد العلماء، وبعضها على جواز الافتاء مفهوما مثل ما دل على المنع عن الفتوى بغير علم، أو منطوقا مثل ما دل على اظهاره عليه السلام المحبة لأن يرى في أصحابه من يفتي الناس بالحلال والحرام. لا يقال: إن مجرد اظهار الفتوى للغير لا يدل على جواز أخذه واتباعه. فانه يقال: ان الملازمة العرفية بين جواز الافتاء وجواز اتباعه واضحة، وهذا غير وجوب اظهار الحق والواقع حيث لا ملازمة بينه وبين وجوب أخذه تعبدا - فافهم وتأمل. وهذه الاخبار - على اختلاف مضامينها وتعدد أسانيدها - لا يبعد دعوى القطع بصدور بعضها، فيكون دليلا قاطعا على جواز التقليد وان لم يكن كل واحد منها بحجة، فيكون مخصصا لما دل على عدم جواز اتباع غير العلم والذم على التقليد
من الايات والروايات. قال الله تبارك وتعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم) وقوله تعالى (قالوا انا وجدنا آبائنا على أمة وانا على آثارهم مقتدون)، مع أن احتمال الذم انما كان على تقليدهم للجاهل أو في الاصول الاعتقادية التي لابد فيها من اليقين. وأما قياس المسائل الفرعية على الاصول الاعتقادية - في أنه كما لا يجوز التقليد فيها معع الغموض فيها كذلك لا يجوز فيها بالطريق الاولى لسهولتها - فباطل مع أنه مع الفارق، ضرورة أن الاصول الاعتقادية مسائل معدودة، بخلافها فانها لا تعد ولا تحصى ولا يكاد يتيسر من الاجتهاد فيها فعلا طول العمر الا للاوحدي في كلياتها كما لا يخفى. فصل إذا علم المقلد اختلاف الاحياء في الفتوى مع اختلافهم في العلم والفقاهة، فلابد من الرجوع إلى الافضل إذا احتمل تعينه، للقطع بحجيته والشك في حجية غيره. ولا وجه لرجوعه إلى الغير في تقليده الا على نحو دائر. نعم لا بأس برجوعه إليه إذا استقل عقله بالتساوي وجواز الرجوع إليه أيضا، أو جوز له الافضل بعد رجوعه إليه. هذا حال العاجز عن الاجتهاد في تعيين ما هو قضية الادلة في هذه المسألة، وأما غيره فقد اختلفوا في جواز تقديم المفضول وعدم جوازه: ذهب بعضهم إلى الجواز، والمعروف بين الاصحاب - على ما قيل - عدمه، وهو الاقوى، للاصل وعدم دليل على خلافه. ولا اطلاق في أدلة التقليد بعض الغض عن نهوضها على مشروعية أصله، لوضوح أنها انما تكون بصدد بيان أصل جواز الاخذ بقول العالم لا في كل حال، من غير تعرض أصلا لصورة معارضته بقول الفاضل، كما هو شأن سائر الطرق والامارات
على ما لا يخفى. ودعوى السيرة على الاخذ بفتوى أحد المخالفين في الفتوى من دون فحص عن أعلميته مع العلم بأعلمية أحدهما، ممنوعة. ولا عسر في تقليد الاعلم، لا عليه لاخذ فتاواه من رسائله وكتبه، ولا لمقلديه لذلك أيضا. وليس تشخيص الاعلمية بأشكل من تشخيص أصل الاجتهاد، مع أن قضية نفي العسر الاقتصار على موضع العسر، فيجب فيما لا يلزم منه عسر - فتأمل جيدا. وقد استدل للمنع أيضا بوجوه: (أحدها) نقل الاجماع على تعين تقليد الافضل. (ثانيها) الاخبار الدالة على ترجيحه مع المعارضة كما في المقبولة وغيرها، أو على اختياره للحكم بين الناس كما دل عليه المنقول عن أمير المؤمنين عليه السلام (أختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك). (ثالثها) ان قول الافضل أقرب من غيره جزما، فيجب الاخذ به عند المعارضة عقلا. ولا يخفى ضعفها: (أما الأول) فلقوة احتمال أن يكون وجه القول بالتعيين للكل أو الجل هو الاصل، فلا مجال لتحصيل الاجماع مع الظفر بالاتفاق، فيكون نقله موهونا مع عدم حجية نقله ولو مع عدم وهنه. (وأما الثاني) فلان الترجيح مع المعارضة في مقام الحكومة لاجل رفع الخصومة التي لا تكاد ترتفع الا به لا يستلزم الترجيح في مقام الفتوى كما لا يخفى. (وأما الثالث) فممنوع صغرى وكبرى: أما الصغرى فلاجل أن فتوى غير الافضل ربما يكون أقرب من فتواه لموافقته لفتوى من هو أفضل منه ممن
مات، ولا يصغى إلى أن فتوى الافضل أقرب في نفسه، فانه لو سلم أنه كذلك الا أنه ليس بصغري لما ادعي عقلا من الكبرى، بداهة أن العقل لا يرى تفاوتا بين أن يكون الاقربية في الامارة لنفسها أو لاجل موافقتها لامارة أخرى كما لا يخفى. وأما الكبرى فلان ملاك حجية قول الغير تعبدا ولو على نحو الطريقية، لم يعلم أنه القرب من القطع، فلعله يكون ما هو الافضل وغيره سيان ولم يكن لزيادة القرب في أحدهما دخل أصلا. نعم لو كان تمام الملاك هو القرب - كما إذا كان حجة بنظر العقل - لتعين الاقرب قطعا فافهم. فصل اختلفوا في اشتراط الحياة في المفتي، والمعروف بين الاصحاب الاشتراط وبين العامة عدمه، وهو خيرة الاخباريين وبعض المجتهدين من أصحابنا، وربما نقل تفاصيل: منها التفصيل بين البدوي فيشترط والاستمراري فلا يشترط. والمختار ما هو المعروف بين الاصحاب، للشك في جواز تقليد الميت والاصل عدم جوازه. ولا مخرج عن هذا الاصل الا ما استدل به المجوز على الجواز من وجوه ضعيفة: (منها) استصحاب جواز تقليده في حال حياته. ولا يذهب عليك أنه لا مجال له لعدم بقاء موضوعه عرفا لعدم بقاء الرأي معه، فانه متقوم بالحياة بنظر العرف وان لم يكن كذلك واقعا، حيث أن الموت عند أهله موجب لانعدام الميت ورأيه. ولا ينافي ذلك صحة استصحاب بعض أحكام حال حياته كطهارته ونجاسته وجواز نظر زوجته إليه، فان ذلك انما يكون فيما لا يتقوم بحياته عرفا بحسبان بقائه ببدنه الباقي بعد موته، وان احتمال أن يكون للحياة دخل في عروضه واقعا. وبقاء الرأي لابد منه في جواز التقليد قطعا، ولذا لا يجوز التقليد فيما إذا تبدل الرأي أو ارتفع
لمرض أو هرم اجماعا. وبالجملة يكون انتفاء الرأي بالموت بنظر العرف بانعدام موضوعه، ويكون حشره في القيامة انما هو من باب اعادة المعدوم وان لم يكن كذلك حقيقة لبقاء موضوعه وهو النفس الناطقة الباقية حال الموت لتجرده. وقد عرفت في باب الاستصحاب أن المدار في بقاء الموضوع وعدمه هو العرف، فلا يجدي بقاء النفس عقلا في صحة الاستصحاب مع عدم مساعدة العرف عليه وحسبان أهله أنها غير باقية وانما تعاد يوم القيامة بعد انعدامها فتأمل جيدا. لا يقال: نعم الاعتقاد والرأي وان كان يزول بالموت لانعدام موضوعه، الا أن حدوثه في حال حياته كاف في جواز تقليده في حال موته، كما هو الحال في الرواية. فانه يقال: لا شبهة في أنه لابد في جوازه من بقاء الرأي والاعتقاد، ولذا لوزال بجنون وتبدل ونحوهما لما جاز قطعا كما أشير إليه آنفا. هذا بالنسبة إلى التقليد الابتدائي، واما الاستمراري فربما يقال بأنه قضية استصحاب الاحكام التي قلده فيها، فان رأيه - وان كان مناطا لعروضها وحدوثها - الا أنها عرفا من اسباب العروض لا من مقومات الموضوع والمعروض. ولكنه لا يخفى انه لا يقين بالحكم شرعا سابقا، فان جواز التقليد ان كان بحكم العقل وقضية الفطرة كما عرفت - فواضح، فانه لا يقتضي ازيد من تنجز ما اصابه من التكليف والعذر فيما اخطأ وهو واضح، وان كان بالنقل فكذلك على ما هو التحقيق من ان قضية الحجية شرعا ليست الا ذلك لا انشاء احكام شرعية على طبق مؤداها، فلا مجال لاستصحاب ما قلده لعدم القطع به سابقا الا على ما تكلفنا في بعض تنبيهات الاستصحاب فراجع. ولا دليل على حجية رأيه السابق في اللاحق.
واما بناء على ما هو المعروف بينهم من كون قضية الحجية الشرعية جعل مثل ما أدت إليه من الاحكام الواقعية التكليفية أو الوضعية شرعا في الظاهر فلاستصحاب ما قلده من الاحكام. وان كان مجال بدعوى بقاء الموضوع عرفا لاجل كون الرأي عند اهل العرف من اسباب العروض لا من مقومات المعروض. الا ان الانصاف عدم كون الدعوى خالية عن الجزاف، فانه من المحتمل لولا المقطوع ان الاحكام التقليدية عندهم ايضا ليست احكاما لموضوعاتها بقول مطلق، بحيث عد من ارتفاع الحكم عندهم من موضوعه بسبب تبدل الرأي ونحوه، بل انما كانت احكاما لها بحسب رأيه بحيث عد من انتفاء الحكم بانتفاء موضوعه عند التبدل، ومجرد احتمال ذلك يفي في عدم صحة استصحابها لاعتبار احراز بقاء الموضوع ولو عرفا - فتأمل جيدا. هذا كله مع امكان انه لم يجز البقاء على التقليد بعد زوال الرأي بسبب الهرم أو المرض اجماعا لم يجز في حال الموت بنحو اولى قطعا فتأمل. (ومنها) اطلاق الايات الدالة على التقليد. وفيه مضافا إلى ما أشرنا إليه من عدم دلالتها عليه، منع اطلاقها على تقدير دلالتها، وانما هو مسوق لبيان أصل تشريعه كما لا يخفى. ومنه انقدح حال اطلاق ما دل من الروايات على التقليد، مع امكان دعوى الانسباق إلى حال الحياة فيها. مطلق، بحيث عد من ارتفاع الحكم عندهم من موضوعه بسبب تبدل الرأي ونحوه، بل انما كانت احكاما لها بحسب رأيه بحيث عد من انتفاء الحكم بانتفاء موضوعه عند التبدل، ومجرد احتمال ذلك يفي في عدم صحة استصحابها لاعتبار احراز بقاء الموضوع ولو عرفا - فتأمل جيدا. هذا كله مع امكان انه لم يجز البقاء على التقليد بعد زوال الرأي بسبب الهرم أو المرض اجماعا لم يجز في حال الموت بنحو اولى قطعا فتأمل. (ومنها) اطلاق الايات الدالة على التقليد. وفيه مضافا إلى ما أشرنا إليه من عدم دلالتها عليه، منع اطلاقها على تقدير دلالتها، وانما هو مسوق لبيان أصل تشريعه كما لا يخفى. ومنه انقدح حال اطلاق ما دل من الروايات على التقليد، مع امكان دعوى الانسباق إلى حال الحياة فيها. (ومنها) دعوى انه لا دليل على التقليد الا دليل الانسداد، وقضيته جواز تقليد الميت كالحي بلا تفاوت بينهما اصلا كما لا يخفى. وفيه أنه لا يكاد تصل النوبة إليه، لما عرفت من دليل العقل والنقل عليه. (ومنها) دعوى السيرة على البقاء، فان المعلوم من أصحاب الائمة عليهم السلام عدم رجوعهم عما أخذوه تقليدا بعد موت المفتي. وفيه منع السيرة فيما
هو محل الكلام، واصحابهم عليهم السلام انما لم يرجعوا عما أخذوه من الاحكام لاجل انهم غالبا انما كانوا يأخذونها ممن ينقلها عنهم عليهم السلام بلا واسطة أحد أو معها، من دون دخل رأي الناقل فيها أصلا. وهو ليس بتقليد كما لا يخفى. ولم يعلم إلى الان حال من تعبد بقول غيره ورأيه أنه كان قد رجع أو لم يرجع بعد موته. (ومنها) غير ذلك مما لا يليق بأن يسطر أو يذكر.
فهرست الجزء الثاني الامارات المعتبرة عقلاً أو شرعاً ٣ احكام المكلف.. ٤ وجه العدول عما في الرسالة ٥ وجوب العمل على طبق القطع. ٦ مراتب الحكم. ٨ مبحث التجري. ٩ اقسام القطع. ٢٠ قيام الطرق مقام القطع الطريقي. ٢٣ قيام الاصول مقام القطع. ٢٨ الموافقة الالتزامية ٣٧ جريان الاصول في اطراف العلم الاجمالي. ٤٣ حجية القطع مطلقا ٤٤ حجية القطع الاجمالي مطلقا ٤٧ الامتثال الاجمالي. ٥٧ ما قيل باعتباره من الامارات أو صح أنه يقال. ٥٩ امكان التعبد بالامارات.. ٦٠ محاذير التعبد بالامارات.. ٦٥ الجمع بين الاحكام الظاهرية والواقعية ٦٦ معنى الارادة والكراهة ٦٩ طريق الجمع بين الاحكام الواقعية والظاهرية ٧٧ الاصل في مشكوك الحجية ٨٠ حجية الظهور ٨٣ حجية ظاهر الكتاب.. ٨٤ الاجماع المنقول. ٨٩ تواتر القراءات.. ٩٠ طريق احراز الظهور ٩٢ أصالة عدم القرينة ٩٣ حجية قول اللغوي. ٩٤ نقل التواتر ١٠٦ الشهرة في الفتوى. ١٠٧ حجية خبر الواحد. ١٠٩ الايات التى استدل بها على حجية الخبر ١١٤ الاستدلال بآية النباء ١١٨ اشكال الخبر بالواسطة ١١٩ دفع الاشكال. ١٢١ الاستدلال باية النفر ١٢٤ الاستدلال باية الكتمان واية السؤال. ١٢٩ الاستدلال باية الاذن. ١٣١ الاستدلال بالاخبار ١٣٢ الاجماع على حجية الخبر. ١٣٣ الاستدلال بالسيرة ونقضه ١٣٧ الوجوه العقلية لحجية الخبر. ١٤١ الاشكال في الوجوه العقلية ١٤٧ الوجوه حجية الظن. ١٤٨ الوجه الاول لحجية الظن. ١٤٩ الجواب عن الوجه الاول. ١٥٠ قاعدة وجوب دفع للضرر ١٥٣ مقدمات دليل الانسداد ١٥٥ مفاد أدلة الحرج. ١٦١ الرجوع الى الأصول. ١٦٤ التبعيض في الاحتياط. ١٦٦ الظن بالطريق والظن بالواقع. ١٧١ الكشف والحكومة ١٨٤ أوامر الاطاعة ارشادية لا مولوية ١٨٧ نتيجة الحكومة ١٨٩ لوازم الكشف.. ١٩٦ الترجيح بالظن. ١٩٧ اشكال خروج القياس. ١٩٨ الظن المانع والممنوع. ٢٠٥ عدم الفرق بين اقسام الظن بالحكم. ٢٠٦ الظن بالفراغ. ٢٠٨ الظن في اصول الدين. ٢١١ وجوب المعرفة ٢١٢ الترجيح والوهن بالظن. ٢١٧ الاصول العملية ٢٢١ اصل البراءة ٢٢٣ أدلة البراءة ٢٢٥ حديث الرفع. ٢٢٨ حديث الحجب والحل. ٢٣١ حديث السعة ٢٣٢ دعوى الاجماع على البراءة ٢٣٥ حكم العقل بالبراءة ٢٣٦ أدلة الاحتياط. ٢٣٨ الجواب عن أخبار الاحتياط. ٢٤١ الدليل العقلي على الاحتياط والجواب عنه ٢٤٢ انحلال العلم الاجمالي. ٢٤٣ الاستدلال على الاحتياط بحكم العقل. ٢٥٤ لاتجري البراءة مع الاصل الموضوعي. ٢٥٦ أصالة عدم التذكية ٢٥٧ حسن الاحتياط عقلا. ٢٦١ إمكان الاحتياط في العبادة ٢٦٤ التسامح في أدلة السنن. ٢٦٧ النهي عن صرف الوجود ٢٧١ الدوران بين المحذورين. ٢٧٤ الدوران بين المتباينين. ٢٨٢ علية العلم للتنجز ٢٨٤ المانع من جريان الاصل في الأطراف.. ٢٨٥ شمول أدلة الاصول لاطراف العلم. ٢٨٦ تقديم أصالة الظهور في دليل الواقع على اصالة الظهور في دليل الترخيص.. ٢٨٧ باب جعل البدل. ٢٨٨ الفرق بين الانحلال وجعل البدل. ٢٨٩ الشبهة غير المحصورة ٢٩٠ الشبهة غير المحصورة ٢٩٣ الاضطرار الى المعين. ٢٩٥ الاضطرار الى غير المعين. ٢٩٧ فقدان بعض الأطراف.. ٣٠٠ اشتراط الابتلاء ٣٠٢ الشك في الابتلاء ٣٠٤ المانع من فعلية التكليف في بعض الاطراف.. ٣٠٥ ملاقى أحد اطراف الشبهة المحصورة ٣٠٦ الأقل والأكثر الارتباطيان. ٣١٢ شبهة الشك في الفراغ ودفعها ٣١٧ شبهة الغرض.. ٣١٩ التفصي عن شبهة الغرض.. ٣٢٠ البراءة العقلية ٣٢٢ الجواب عن شبهة الغرض.. ٣٢٥ البراءة الشرعية ٣٢٦ رفع الجزئية بحديث الرفع. ٣٢٩ الشك في الشرطية والخصوصية ٣٣٠ الشك في التعيين والتخيير. ٣٣١ نسيان الجزئية ٣٣٥ نسيان الجزء ٣٣٦ تكليف الناسي. ٣٣٨ حكم الزيادة ٣٤١ صور للتشريع. ٣٤٢ استصحاب الصحة ٣٤٤ الشك في اطلاق الجزئية أو الشرطية ٣٤٧ استصحاب الوجوب.. ٣٤٩ قاعدة الميسور ٣٥٠ شرائط الاصول. ٣٥٧ وجوب الفحص.. ٣٥٩ وجوب التعلم. ٣٦١ اشكال وجوب التعلم. ٣٦٥ قاعدة نفى الضرر ٣٧٣ احاديث نفي الضرر ٣٧٥ المراد من نفي الضرر ٣٧٧ فصل في الاستصحاب.. ٣٩٠ مسألة الاستصحاب أصولية ٣٩٣ الاشكال في استصحاب الحكم الكلي. ٣٩٤ استصحاب حكم الشرع المستند الى العقل. ٣٩٦ ادلة حجية الأستصحاب.. ٣٩٨ الاستدلال بالاخبار ٤٠٠ المراد من نقض اليقين. ٤٠٩ الأحكام الوضعية ٤٣٣ تنبيهات الاستصحات: التنبيه الاول. ٤٤٥ التنبيه الثاني. ٤٤٦ التنبيه الثالث.. ٤٤٩ استصحاب الفرد المردد ٤٥٦ التنبيه الرابع. ٤٥٩ التنبيه الخامس.. ٤٦٧ التنبيه السادس. ٤٧٣ التنبيه السابع. ٤٧٩ الاصل المثبت.. ٤٨١ التنبيه الثامن. ٤٨٨ التنبيه التاسع. ٤٩٣ التنبيه العاشر ٤٩٤ التنبيه الحادى عشر ٤٩٦ اتصال زماني الشك واليقين. ٥٠٥ مجهول التاريخ ومعلومه ٥٠٨ تعاقب النجاسة والطهارة ٥١٠ التنبيه الثاني عشر ٥١٣ التنبيه الثالث عشر ٥١٩ استصحاب حكم المخصص.. ٥٢١ التنبيه الرابع عشر ٥٢٤ اشتراط بقاء الموضوع في الاستصحاب.. ٥٢٦ الاستصحاب والامارات.. ٥٣٢ وجه تقديم الامارات على الاستصحاب.. ٥٣٣ النسبة بين الاستصحاب والأصول العملية ٥٣٨ تعارض الاستصحابين. ٥٤١ جريان الاستصحاب في اطراف العلم الاجمالي. ٥٤٥ تعارض الاستصحاب والقواعد. ٥٤٧ مبحث التعادل والتراجيح. ٥٥١ التعارض وحقيقة الحكومة ٥٥٣ حكومة الامارات على الاصول. ٥٥٤ أصالة التساقط. ٥٥٧ حكم المتعارضين. ٥٦٤ وجوه الترجيح في المتفاضلين وما فيها الجمع العرفي. ٥٦٩ التخيير بدوي او استمراري. ٥٧٢ الجمع العرفي. ٥٧٧ تعارض العموم والاطلاق والنسخ. ٥٧٨ التخصيصات الصادرة من الأئمة (عليه السلام) ٥٨٠ ملاحظة النسبة قبل التخصيص او بعده ٥٨١ المزايا المرجحة ٥٨٦ ترتب المرجحات.. ٥٩٠
|