



مقدمة تمهيدية
الحمد لله ناصر الحقّ ومخزي الباطل ، وصلى الله على نبينا محمد سيد المرسلين ، وعلى آله الاخيار المنتجبين.
ان الفتنة التي ظهرت بالبصرة بعد بيعة الامام عليّعليهالسلام
بمدة قليلة كان سببها ما احدثه طلحة والزبير من نكث بيعتهما التي بايعا بها امير المؤمنينعليهالسلام
طائعين غير مكرهين ، ثمّ خروجهما من المدينة الى مكّة يظهران العمرة ، ثمّ اجتماعهما بعائشة التي كانت تراقب الوضع السياسي عن كثب في المدينة ، ثمّ التحاق عمال عثمان الهاربين من الامصار بأموال المسلمين بهما ، وقد اجمعوا في اجتماعهم على الطلب بدم عثمان ، فأجابهم الى مرادهم الغوغاء الذين استهوتهم الفتنة.
وكان رأي الجماعة التوجه الى الشام والالتحاق بمعاوية ، لكن محاولة عبدالله بن كريز بن عامر ، عامل عثمان الهارب من البصرة ان يغير وجهة القوم الى البصرة ، باعتباره كان عاملاً لعثمان عليها ، ولعثمان فيها انصار ، بعدها قرر القوم التوجه الى البصرة بعد ان زودهم يعلى بن اميّة والي عثمان على اليمن الذي هرب أيضاً بأموالها والتحق بهم
بستمائة بعير وستمائة الف درهم ، وكذلك جهزهم ابن عامر بمال كثير.
لكن لنعد الى الوراء قليلاً لنرى حقيقة هؤلاء القوم الذين يحملون الضغائن في صدورهم لآل بيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، والذين اخبر بهمصلىاللهعليهوآله
في اكثر من موضع ، ففي رواية انس بن مالك ، قال : ان النبيّ وضع رأسه على منكبي عليّ فبكى ، فقال له : ما يبكيك يا رسول الله ؟ قال : « ضغائن في صدور اقوام لا يبدونها حتى أفارق الدنيا »
.
وروي ان النبيّصلىاللهعليهوآله
كان ذات يوم جالساً ، وحوله عليّ وفاطمة والحسن والحسين8
، فقال لهم : « كيف بكم إذا كنتم صرعى وقبوركم شتى ؟ فقال الحسينعليهالسلام
: أنموت موتاً أو نقتل ؟ فقال : بل تقتل يا بني ظلماً ، ويقتل أخوك ظلماً ، وتشرد ذراريكم في الارض ، فقال الحسينعليهالسلام
: ومن يقتلنا يا رسول الله ؟ قال : شرار الناس »
الحديث.
وعلى الرغم من هذا كان الرسول الكريمصلىاللهعليهوآله
يحذر الامة من انتهاك كرامة اهل بيته ، ويتوعد كل من يفعل بهم ذلك أن يكون مصيره النار لا محالة ، ثمّ خص جماعة منهم بالتحذير كما فعل مع الزبير حين قال له : « إنّك ستخرج عليه وانت ظالم له »
، كما حذر عائشة من أن
__________________
تكون هي التي تنبحها كلاب الحوأب.
لكن كل تحذيرات رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
لم يعبأ بها القوم ، فكانصلىاللهعليهوآله
على يقين بأن اشرار الامة ستمتهن كرامة اهل بيته ( سلام الله عليهم ) لذاصلىاللهعليهوآله
اخبر علياًعليهالسلام
بأنه سيكون له يوم مع أراذل الامة ، كما في قولهصلىاللهعليهوآله
لسُهيل بن عَمرو لطلبه على ردّ من أسْلَمَ مِنْ مواليهم :
« لتنتهين يا معشر قُريش أو ليبعثَ الله عليكُم رجُلاً يضْرِبُكُمْ على تأويلِ القرآن كما ضَربتكُمْ على تنزِيلهِ ، فقال له بعضُ أصحابه : مَنْ يا رسولُ الله ؟ هُو فلانٌ ؟ قال : لا. قال : فَفُلانٌ ؟ قال : لا ، ولكنّه خاصِفُ في الحجرةِ ، فنظروا فإذا عليُّعليهالسلام
في الحُجرةِ يخصفُ نعل رسولِ اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
»
.
كما في قولهصلىاللهعليهوآله
للامام عليّعليهالسلام
: « تُقاتلُ يا عليُّ على تأويلِ القرآنِ ، كما قاتلتُ على تنزيلهِ »
.
وقولهصلىاللهعليهوآله
لامير المؤمنينعليهالسلام
: « تُقاتلُ بَعْدي الناكثينَ والقاسطينَ والمارقينَ »
. وقولهصلىاللهعليهوآله
: « عليّ مع الحقّ والحق مع
__________________
عليَّ ، اللهم أدرِ الحقّ مع عليّ حيثما دارَ »
.
وقولهصلىاللهعليهوآله
لعليعليهالسلام
: « قاتلَ اللهُ مَنْ قاتلَكَ ، وعادى مَنْ عاداك »
.
اذن ما حقيقة هؤلاء الذين يقاتلون امير المؤمنينعليهالسلام
، وما حقيقة هؤلاء الناكثين الذين امر رسول اللهصلىاللهعليهوآله
علياًعليهالسلام
بقتالهم.
نقول : النكثُ في اللغةِ ، هو نكثُ الاكسيةِ والغزل ، قريبٌ من النقضِ ، واستعير لنقض العهد ، قال الله تعالى :(
وإنْ نَكَثُوا أيمَانِهم
ـإذا هم ينكثون
)
، والنكثُ كالنقضِ ، والنكيثةُ كالنقيضةِ ، وكل خصلة نكث فيها القوم يقالُ لها نكيثة ، قال الشاعر : « متى يكُ أمْرٌ للنكيثةِ أشهدِ »
.
وعلى هذا الاساس فكل من صفق على يد الامام عليّ بن ابي طالبعليهالسلام
بالبيعة ثمّ نكث بيعته فهو مشمول بأخبار رسول اللهصلىاللهعليهوآله
علياً بقتاله. ولا شك أن طلحة والزبير كانا من الذين خصهما رسول اللهصلىاللهعليهوآله
بكلمة « الناكثين » في صدر الحديث الانف الذكر.
فأين هُم من احاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله
بحق امير المومنينعليهالسلام
؟
__________________
واين هُم من حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله
وهو يعلن للملأ : « إن وَليتُم علياً يَسلُك بكم الطريق المستقيم »
.
لكن الرسول العظيم يرى كل هذه الامور من وراء ستر رقيق ، ويخبر اهل بيته وعترته بما تؤول إليه امورهم بعدهصلىاللهعليهوآله
، ففي رواية عن الامام عليّعليهالسلام
، يقول : « عهد اليّ رسول الله : ان الامة ستغدر بك »
، لذلك لم يجد الامامعليهالسلام
بداً من قتال القوم كما قال : « ما وجدتُ بداً من قتال القوم أو الكفر بما انزل الله »
.
بعد هذه المقدمة القصيرة ، هل نطمئن الى ان طلحة والزبير هم حقيقةً من الذين بُشروا بالجنةِ على لسان رسول اللهصلىاللهعليهوآله
؟ عند العودة الى احاديث الرسولصلىاللهعليهوآله
في حقّ اهل بيته وما تناقله الرواة على مستوى جميع المذاهب ، والروايات التي جاءت مستفيضة ومتواترة وحسنة الاسناد ، وكذا الروايات الكثيرة المسندة في حقٍّ من نصب العداوة والبغضاء لآلهصلىاللهعليهوآله
.
نجد بأن حقيقة التبشير بالجنة لا اساس لها من الصحة ، وإن كان بعض فرق السنة والجماعة روجوا لهذا الحديث ، وجاءوا بتأويلات باهتة حفظا لماء الوجه ، فقالوا : إن ذلك من الاجتهاد ، وعملَ كلُّ فريق منهم على رأيه ، فكان بذلك مأجوراً وعند الله تعالى مشكوراً ، وإن كانوا
__________________
قد سفكوا فيه الدماء وبذلوا فيه الاموال
.
ونقول : فأيّ اجر في سفك الدماء وانتهاك المحارم ، والخروج على الامام العادل ، وشق عصا المسلمين وسرقة بيوت اموالهم ؟
فإذا كان الشك يداخلهم في قتال عليّعليهالسلام
، فالحافظ ابن عساكر يخبرنا في روايةٍ بسندٍ عن عبيدالله بن ابي الجعد ، قال : سئل جابر بن عبدالله عن قتال عليّ ، فقال : ما يشك في قتال عليّ الا كافر
.
وإذا سلّمنا بأن حديث العشرة المبشرين في الجنة صحيح ومتفق عليه ، فالامام عليّعليهالسلام
احد المبشرين بالجنة ، وطلحة والزبير هما أيضاً من المبشرين بالجنة ، فمن خلال فتنة الجمل ، فيجب ان يكون احد الطرفين المتحاربين على حقّ والآخر على باطلٍ ، فقتلى صاحب الحقّ شهداء ويدخلون الجنة ، وقتلى الباطل اشقياء ويدخلون النار ، فمن غير المعقول ان يكون كلا الطرفين على حقّ ، وتهرق في سبيلهما الدماء ، وإذا عرضنا الموضوع على الدين والعقل فأيّ منهما صاحب الحقّ والعدل ؟ وهذا مما لا يحتاج الى زيادة تفكير ، وقد جاءت الاية الكريمة مصداقاً لقوله تعالى :(
يوم نحشر كل امة بإمامهم
)
فيحشر قتلى عليّ مع عليّ ويستقبلهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله
ويحشر قتلى الطرف الثاني
__________________
امثال بني ضبة وغيرهم يتقدمهما طلحة والزبير ، والله يعلم اي زواية يشغلون ! وهو مما يعززُ قولنا كما جاء في رواية ابن المغازلي ، قال : أخبرنا احمد بن محمد بن عبد الوهاب اذناً ، عن القاضي ابي الفرج احمد بن عليّ ، قال : حدثنا أبو غانم سهل بن اسماعيل بن بلبل ، قال : حدثنا أبو القاسم الطائي ، قال : حدثنا محمد بن زكريا الغلابي ، حدثنا العبّاس بن بكار ، عن عبدالله بن المثنى ، عن عمه ثمامة بن عبدالله بن أنس ، عن ابيه ، عن جده ، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله
: « إذا كان يوم القيامة ونصب الصراط على شفير جهنم ، لم يَجُز إلا من معه كتاب ولاية عليّ بن ابي طالب »
.
والمعروف ان طلحة والزبير وامثالهم مزقوا هذا الكتاب وجحدوا فيه ، وجعلوه خلف ظهورهم ، فأنى لهم وعبور الصراط ؟
طلحة والزبير يؤلبان على عثمان
من المواقف التي ساهمت في زيادة حدة التوتر ما بين موقف الثوار المتشدد الذي يطالب عثمان بأصلاحات أو بخلع نفسه ، وبين عثمان الذي كان متصلباً أيضاً في مواقفه تجاه مطالبهم ، حتى شددوا عليه قبضة الحصار المفروض والذي دام أربعين يوماً ، وموقفا طلحة والربير اللذين ساهما في الوقيعة به وادى ذلك الى مقتله.
يروي الشيخ المفيد ( اعلا الله مقامه ) انه قال : ( ولما أبى عثمان ان
__________________
يخلع نفسه تولى طلحةُ والزبيرُ حصاره ، والناس معهما على ذلك ، فحصروه حصرا شديداً ، ومنعوه الماء ، فأنفذ الى عليّعليهالسلام
يقول : إنّ طلحة والزبير قد قتلاني بالعطش ، والموت بالسلاح احسن. فخرج عليّعليهالسلام
مُعتمداً على يدِ المسور بن مخرمة الزُهريِّ حتى دخل على طلحة بنِ عُبيدالله ، وهو جالس في داره يَبْري نَبْلاً وعليه قميصٌ هنديٍّ فلما رآه طلحةُ رحَّبَ به ووسع له على الوسادةِ. فقال له عليُّعليهالسلام
: « إن عثمان قد أرسل اليّ أنكم قد قتلتموهُ عطشاً وان ذلك ليس بالحَسَنُ ، والقتل بالسلاح أحْسنُ له ، وكنتُ آليتُ على نفسي أنْ لا أرُدَّ عنه أحداً بعد أهل مِصْرَ ، وأنا أحِبُ ان تُدخلوا عليه الماءَ حتى تَرَوا رأيكم فيه ». فقال طلحة : لا والله لا نعمةُ عينٍ له ، ولا نتركهُ يأكلُ ويشرب ! فقال عليّعليهالسلام
: « ما كُنتُ أظُنُّ أنْ اُكلِّمَ أحداً من قُريشٍ فيُردّني ، دَعْ ما كُنتَ فيه يا طلحة ». فقال طلحةُ : ما كُنتُ أنْتَ يا عليُّ في ذلك من شيءٍ. فقام عليٌّعليهالسلام
مغضباً ، وقال : « ستعلمُ يابن الحَضْرَميَّة
أكُونُ في ذلك من شيءٍ أمْ لا ! ثمّ انصرف »
.
وروى أبو حُذيفةَ إسحاقُ بنُ بشر القُرشيُّ أيضاً ، قال : حدثني يزيد بن ابي زياد ، عن عبد الرحمن بن ابي ليلى ، قال : والله إنّي لأنظُرُ
__________________
الى طلحةَ ، وعثمان محصور ، وهو على فرس أدْهم ، وبيدهِ الرُمْحُ يجولُ حولَ الدار ، وكأني أنْظُرُ الى بياضِ ما وراء الدِرْع
.
وفي رواية ابن الاثير ، قال : وقد قيل ان علياً كان عند حصر عثمان بخيبر ، فقدم المدينة والناس مجتمعون عند طلحة ، وكان ممن لهُ أثر فيه ! فلما قدم عليّ أتاه عثمان ، وقال له : أمّا بعد فإنّ لي حقّ الاسلام وحقَّ الاخاء والقرابة والصِّهر ، ولو لم يكن من ذلك شيء وكنّا في الجاهلية ، لكان عاراً على بني عبد مناف ان ينتزع أخو بني تيم ، يعني طلحة ، أمرهم ، فقال له عليّ : « سيأتيك الخبر » ، ثمّ خرج الى المسجد فرأى أسامة فتوكأ على يده حتى دخل دار طلحة ، وهو في خلوة من الناس ، فقال له : « يا طلحة ما هذا الامر الذي وقعت فيه ؟ » فقال : يا ابا الحسن بعدما مسّ الحزمُ الطبّيين. فانصرف عليّ حتى اتى بيت المال فقال : « افتحوه » فلم يجدوا المفاتيح ، فكسر الباب واعطى الناس ، فأنصرفوا من عند طلحة حتى بقي وحده ، وسُرّ بذلك عثمان ، وجاء طلحة فدخل على عثمان وقال له : يا أمير المؤمنين أردتُ امراً فحال الله بيني وبينهُ ! فقال عثمان : والله ما جئت تائباً ، ولكن جئت مغلوباً ، الله حسيبك يا طلحة
.
وفي رواية اخرى ، قال عبدالله بن عبّاس بن ابي ربيعة : دخلتُ
__________________
على عثمان فأخذ بيدي فأسمعني كلام من على بابه ، فمنهم من يقول : ما تنتظرون به ؟ ومنهم من يقول : انظروا عسى ان يراجع. قال : فبينما نحن واقفون إذ مرّ طلحة فقال : أين ابن عديس ؟ فقام إليه فناجاه ثمّ رجع ابن عديس فقال لاصحابه : لا تتركوا أحداً يدخل على عثمان ولا يخرج من عنده. فقال لي عثمان : هذا ما أمر به طلحة ، اللهم اكفني طلحة فإنّه حمل عليّ هؤلاء وألبَهم عليّ ! والله إني لأرجو أن يكون منها صفراً وأن يُسفك دمه !
.
اما موقف الزبير من قضية حصار عثمان ، فهو لم يكن افضل من صاحبه كما جاء في رواية ابي حُذيفة القُرشيُّ ، عن الاعمش ، عن حبيب بن ابي ثابت ، عن ثعلبةَ بن يزيد الحمّانيِّ قال : أتيتُ الزبير ، وهو عند أحْجار الزيتِ ، فقلت له : يا با عبدالله قد حِيلَ بينَ أهل الدار وبين الماء ، فنظرَ نحوهم وقال :(
وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتهُونَ كَما فُعِلَ بِأشياعِهِمْ مِنْ قَبلُ إنهُم كانُوا في شَكٍّ مُريبٍ
)
.
وفي رواية ابي اسحاق قال : لما اشتدَّ بعثمان الحصارُ عمل بنو أُميّة على إخراجه ليلاً الى مكّة وعرف الناسُ ذلك فجعلوا عليه حَرَساً ، وكان على الحرس طلحة بن عبيدالله وهو أوّلُ من رمى بسهمٍ في دار عثمان ، قال : واطّلعَ عثمانُ وقد اشتدّ به الحصارُ وظمي من العطش فنادى : أيُّها
__________________
الناسُ ! أسقُونا شرْبةً مِنَ الماء وأطعمونا مما رزقكُمُ الله ، فناداهُ الزبيرُ بنُ العوام يا نَعْثلُ ! لا والله ، لا تذُوقُه
.
وذكر ابن ابي الحديد المعتزلي ، قال ، قال أبو جعفر : وكان لعثمان على طلحة بن عُبيدالله خمسون الفاً ، فقال طلحة له يوماً : قد تهيأ مالُك فاقبضه ، فقال : هو لك معونة على مروءتك ، فلما حُصِر عثمان ، قال عليّعليهالسلام
: « أنْشُدك الله إلا كففت عن عثمان ! » فقال : لا والله حتى تُعِطي بنو أميّة الحقَّ من أنفسها. فكان عليّعليهالسلام
يقول : « لحا الله ابن الصّعبة ! أعطاهُ عثمان ما أعطاه وفعل به ما فعل ! »
.
بعد هذه الاحاديث الدالة على مساهمة طلحة والزبير مساهمة فعالة ، حتى ضيّقوا الخناق عليه ، ومنعوا من دخول الماء إليه ، حتى كان يستنجد عدة مرات بالامام عليّعليهالسلام
، فيحاول الامام على الرغم من ممانعة طلحة إيصال الماء الى عثمان. فيروي ابن الاثير في هذا الشأن : فقال عليّ لطلحة : « أريد أن تُدخل عليه الروايا ، وغضب غضباً شديداً حتى دخلت الروايا على عثمان »
. حتى قتل عثمان بتحريضٍ منهم ، ثمّ بعدها يتظاهرون بالطلب بدمه الذي هم سفكوه ، بعد مبايعتهم علياًعليهالسلام
، فأظهروا الندم ، وأثاروا الفتنة ، وجمعوا من حولهم الغوغاء ، واصحاب النفوس المريضة امثال : مروان بن الحكم ، وسعيد بن
__________________
العاص ، والوليد بن عقبة بن ابي معيط ، وعبد الله بن كريز بن عامر ، ويعلى بن اميّة ، وغيرهم من امثالهم كثير.
فما عسانا ان نقول لقومٍ جاهدوا ردّ تلك الشبهات عن تلك الزمرة الناكثة ، وما عسانا ان نقول لهم وحججهم خاوية امام وثائق التاريخ الدامغة.
وعائشة ايضاً
واما عائشة فلها النصيب الاوفر في تأليب الناس وتحريضهم على الفتك بعثمان. قال الشيخ المفيد;
: ( فهو أظهرُ مما وردتْ به الاخبارُ من تأليب طلحة والزبير ، فمن ذلك ، ما رواه محمد بن إسحاق صاحبُ السيرةِ عن مشايخه ، عن حكيم بن عبداللهِ ، قال : دخلتُ يوماً بالمدينة المسجدَ ، فإذا كفّ مرتفعةٌ وصاحبُ الكفِّ يقول : ايّها الناس ! العهدُ قريب ، هاتانِ نَعْلاً رسول اللهِصلىاللهعليهوآلهوسلم
وقميصُهُ ، كأنّي أرى ذلك القميصَ يَلُوحُ وأن فيكم فرعون هذه الأُمّة ، فإذا هي عائشة ، وعثمانُ يقول لها : اُسْكُتي ! ثمّ يقول للناس : إنها امرأةٌ وعَقلُها عَقْلُ النساءِ فلا تُصْغُوا الى قولها )
.
وروى الحسنُ بن سعدٍ قال : ( رَفَعَتْ عائشةُ ورقةً من المُصحَفِ بين عُودينِ من وراء حَجلِتها ، وعثمانُ قائمٌ ، ثمّ قالت : يا عثمانُ أقِمْ ما
__________________
في هذا الكتاب ، فقال : لَتَنْتَهِنّ عمّا انت عليه أو لأُدْخِلَنَّ عليكِ جَمْرَ النار ! فقالت له عائشة : أما والله ، لئن فلعتَ ذلك بنساء النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم
ليلعنكَ الله ورسولُهُ ! وهذا قميصُ رسول الله لم يتغيّر وقد غَيَّرْتَ سُنَّتهُ يا نَعْثلُ
!
وروى ليث بنُ ابي سُليم ، عن ثابت الانصاري ، عن ابن ابي عامر مولى الانصار ، قال : كُنتُ في المسجد فمرّ عثمانُ فنادتهُ عائشةُ : يا غُدرُ ! يا فُجَرُ ! أخْفَرتَ أمانتك ، وضيَّعتَ رعيَّتك ، ولولا الصلواتُ الخمس لمشى اليك الرجالُ حتى يَذبحُوكَ ذبْحَ الشاةِ !
فقال عثمانُ :(
ضَرَبَ الله مثلاً للذينَ كَفروا امرَأةَ نُوحٍ وامرَأةَ لُوطٍ كانتا تحتَ عَبْدَين مِن عِبادنا صالحينِ فَخَانتاهُما فلَم يُغنيا عنهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً وقيلَ ادخُلا النارَ مع الدّاخلين
)
.
هذه بعض الاحاديث اقتصرنا عليها في بيان موقف السيدة عائشة من مسألة الثورة على عثمان التي ادت الى مصرعه.
لكن لماذا هذا الانقلاب المفاجئ للسيدة عائشة بعد قتل عثمان ، وتولي امير المؤمنينعليهالسلام
لمقاليد الخلافة ؟ حتى صارت تجمع رؤوس
__________________
التحريم : ٦٦. وانظر : الفتوح م ١ : ٤١٩ ، الايضاح : ١٤١.
الشقاق من حولها ، وتعبئ الجيوش لمخالفة الامام واظهار الفتنة ، وتكتب الرسائل الى بعض الشخصيات تطالبهم بنقض البيعة والالتحاق بها مع من تجمع حولها من المنافقين والاشرار تطالب بدم عثمان ، وكانت قبل سماعها تولي الامام امير المؤمنين الخلافة فرحة مسرورة تود لو ان طلحة أو الزبير تولّيا هذا الامر من بعد عثمان. يُذكر انه لما قتل عثمان بن عفان خرج النُعاة الى الآفاق ، فلما وصل بعضهم الى مكّة سمعت بذلك عائشة فاستبشرتْ بقتله وقالت : قتلتهُ اعماله ، إنه احرق كتاب الله ، وامات سنة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
فقتله الله ، قالت : وَمَنْ بايع الناسُ ؟ فقال لها الناعي : لم ابْرَحْ من المدينةِ حتى أخذ طلحةُ بن عبيدالله نعاجاً لعثمان ، وعَمَل مفاتيح لابواب بيت المال ، ولا شكَّ ان الناس قد بايعُوهُ. فقالت : ايهاً ذا الاصبع ! قد وجدوك لها كافياً وبها مُحْسِناً. ثمّ قالت : شُدُّوا رحلي فقد قضيتُ عُمرتي لأتوجه الى منزلي. فلما شُدَّ رحلها واستوت على مركبها سارتْ حتى بلغت سَرِفاً
ـ موضع معروف بهذا الاسم ـ لقيها عبيد بنُ اُمِّ كلاب
، فقالت له : ما الخبر ؟ فقال : قُتِلَ عُثمان. فقالت : قُتِلَ نعْثَلُ ؟ فقال : قُتِلَ نعثل ! فقالت : خبِّرني عن قصّته وكيف كان أمرُهُ ؟ فقال : لما احاط الناسُ بالدار وبه رأيتُ طلحة بن عُبيدالله قد غَلبَ على الامر ، واتخذ مفاتيح
__________________
على بيوتِ الاموال والخزائن ، وتهيّأ ليُبايَعَ له ، فلما قُتِلَ عثمانَ مالَ الناسُ الى عليّ بن ابي طالبعليهالسلام
، ولم يَعْدلُوا به طلحة ولا غيرهُ ، وخرجوا في طلب علي يقدُمُهُم الاشتر ، ومحمدُ بنُ ابي بكر ، وعمارُ بن ياسر حتى أتوا علياًعليهالسلام
وهو في بيتٍ سَكَنَ فيه ، فقالوا له : بايَعْنا على الطاعة لك ، فتلكأ ساعةً ، فقال الاشترُ : يا عليُّ إنّ الناس لا يعدلُونَ بك غيرك ، فبايعْ قبلْ ان تختلف الناسُ ، قال : وفي الجماعة طلحةُ والزبيرُ فظننتُ أنْ سيَكون بينَ طلحة والزبير وعليٍّ كلامٌ قبل ذلك ، فقال الاشترُ لطلحة : قُمْ يا طلحةُ فبايعْ ، قُمْ يا زبيرُ فبايعْ ، فما تنتظران ؟
فقاما فبايَعا وأنا أرى أيْديهُما على يدِهِ يصفقانِها ببيعته ، ثمّ صَعَد عليُّ بنُ ابي طالبعليهالسلام
المنبر فتكلّم بكلام لا احفظه ، إلا أنّ الناسَ بايُعوهُ يومئذٍ على المنبر وبايُعوهُ من الغدِ ، فلمّا كان اليومُ الثالثُ خرجتُ ولا أعْلَمْ ما جَرى بعدي.
فقالت : يا اخا بني بَكْرٍ ، انتَ رأيت طلحةَ بايعَ عليّاً ؟ فقلتُ : إي والله ، رأيتهُ بايعهُ ، وما قلتُ إلا ما رأيتُ ، طلحةُ والزبيرُ أوّلُ من بايعهُ. فقالت : إنا لله ! أُكْره ـ والله ـ الرجلُ ، وغصبَ عليُّ بنُ ابي طالب أمْرَهم وقُتلَ خليفةُ اللهِ مظلوماً ! رُدَّوا بغالي ، رُدُّوا بغالي. فرجعتْ الى مكَّةَ ، قال : وسِرْتُ معها فجعلتْ تسألني في المسير وجعلتُ أخبرها بما كان ، فقالت لي : هذا بعدي وما كُنْتُ أظنُّ أنّ الناسَ يَعْدلُون عن طلحةَ مع بلائِهِ يومَ اُحُد.
قلتُ : فإنْ كان بالبلاءِ فصاحِبُهُ الذي بُويعَ أشَدُّ بلاءً وعناءً.
فقالت : يا أخا بني بَكْرٍ لم أسألك غير هذا. فإذا دخلت مكّةَ وسألك الناسُ : ما رَدَّ اُم المؤمنين ؟ فَقُلْ : القيامُ بدَم عثمانَ والطلبُ بهِ !
وجاءَها يَعْلَىَ بْنُ مُنْيَةَ ، فقال لها : قد قُتِلَ خليفتُكِ الذي كُنْتِ تُحرّضينَ على قَتْلِهِ. فقالت : بَرئتُ الى اللهِ من قاتلِه. فقال لها : الآن ! ثمّ قال لها : أظْهري البراءَة ثانياً مِنْ قاتِلهِ. قال : فخرجتْ الى المسجدِ فجعلتْ تَتَبرَّأُ مِمَّنْ قَتلَ عثمانَ
.
لكن السيدة لم تزل مبغضةً وماقتةً لعليعليهالسلام
منذ قصة الذين رموها بصفوان بن المعطل ، وما كان منها في غزوة بني المصطلق وهجر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
، واستشارته في امرها أُسامة بن زيد ، وذكر له
__________________
فمنكِ البداءُ ومنكُ الغيَرْ
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
قذف القوم بصفوان ، فقال له اسامة : لا تظن يا رسول الله إلا خيراً ، فإنّ المرأة مأمونة ، وصفوان عبدٌ صالحٌ ، ثمّ استشار علياًعليهالسلام
، فقال له : « يا رسول الله صلى الله عليك ، النساء كثيرةٌ وسل بريرةَ خادِمَتها وابحثْ عنْ خَبَرها منها ». فقال له رسولُ اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
: « فتولَّ أنت يا عليُّ تقريرها ». فقطع لها عليُّعليهالسلام
عُسُباً مِنَ النخلِ وَخَلا بها يسألُها عنّي ( اي عن عائشة ) ويتهدَّدُها ويَرْهِبُها ، لا جَرَمَ أنّي لا أحِبُّ عليّاً ابداً
.
فهذا تصريح منها بِبُغضها له وَمْقتها إياه ، قال شيخنا المفيد ( اعلا الله مقامه ) : ولم يكنْ ذلك منهعليهالسلام
إلا النصيحة لله ولرسوله واجتهاده في الرأي ، ونُصْحه وامتثاله لأمْرِ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم
ومُسارعته الى طاعته
.
ومن شدة بغضها وحقدها على امير المؤمنينعليهالسلام
حتى انها لا تستطيع ان تصرح باسمه ، ففي رواية عكرمة وابن عباس ، وأنّ عكرمةَ خبَّرهُ عن حديثٍ حدَّثتْهُ عائشةُ في مَرَضِ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
، خرجَ متوكئاً على رَجُلَيْنِ مِنْ أهل بيته ، أحدُهما الفضلُ بنُ العبّاس ، فقال عبدُالله بن العبّاسِ لعكْرمةَ : فلم تُسَمِّ لك الاخر ؟ فقال : لا والله ما سَمَّتهُ. فقال : أتدْري مَنْ هو ؟
قال : لا. قال : ذلك عليّ بن ابي طالبعليهالسلام
، وما كانت والله أُمّنا
__________________
تذكره بخير وهي تستطيع
.
ولم تخفِ ام المؤمنين فرحها وسرورها عند سماعها باستشهاد أمير المؤمنينعليهالسلام
، فذكر أبو الفرج الاصفهاني رواية بسند اسماعيل بن راشد قال : لما أتى عائشة نعي عليّ امير المؤمنينعليهالسلام
تمثلت :
فألقت عصاها واستقر بها النوى
|
|
كما قرّ عيناً بالإياب المسافـرِ
|
ثم قالت : من قتلهُ ؟ فقيل : رجلٌ من مراد. فقالت :
فإن يكُ نائياً فلقد بغاهُ
|
|
غلامٌ ليس في فيه الترابُ
|
فقالت لها زينب بنت أم سلمة : العلي تقولين هذا ؟ فقالت : إذا نسيت فذكروني ، ثمّ تمثلت :
ما زالَ إهداء القصائد بيننا
|
|
باسم الصديق وكثرة الالقابِ
|
حتى تركت كأن قولك فيهم
|
|
في كل مجتمع طنين ذبابِ
|
وذكر رواية أيضاً عن ابي البحتري ، قال : لما ان جاء عائشة قتل عليّعليهالسلام
سجدت
.
وبقي هذا الحقد ملازماً لها حتى بعد مصرع الامام عليّعليهالسلام
، ففي
__________________
رواية مسروق انه قال : دخلتُ عليها فاستدعِتْ غلاماً باسم عبد الرحمن ، فسألتها عنه ، فقالتْ : عَبْدي ، فقلتُ : كيف سَمَّيتهِ بعبد الرحمن ؟ قالت : حُباً لعبدِ الرحمن بنِ مُلْجم قاتل عليّ
!!
رسائل طلحة والزبير والسيدة عائشة
بعد ان احكمت الفتنة ، واظهر القوم الشقاق والخلاف على حكومة امير المؤمنينعليهالسلام
الفتية ، وقد حاولوا استدراج من له تأثير في الساحة السياسية ، فكاتبوهم يطالبونهم بأتخاذ موقف مشابه لموقفهم في نكث بيعة الامام عليّعليهالسلام
، والمطالبة بدم عثمان ، وتحريض الناس للالتحاق بركب الشر ، لكن اجاباتهم كانت طعنة في خاصرة القوم ، فلقد كان اصحاب الشر يتوقعون ان يجنوا ولو شيئاً يسيراً من الذين كاتبوهم ، لكن الردّ جاء مخيباً للآمال ، وكان عنيفاً وقاسياً.
كما كاتبهم من عاب عملهم الشائن ، وحذرهم الولوغ في الفتنة ، والسعي في شق عصا المسلمين واهراق دمائهم.
فقد كتبت ام سلمة الى عائشة عندما عزمت على الخروج الى البصرة :
من امِّ سلمة زوج النبيّصلىاللهعليهوآله
الى عائشة ام المؤمنين :
سلام عليكِ ، فأني أحمدُ اليك الذي لا الله الا هو ، أما بعدُ :
__________________
فإنّكِ سدة بين رسول اللهصلىاللهعليهوآله
وبين امتهِ ، وحجابك مضروب على حرمته ، قد جمع القرآن ذيلك فلا تندحيه ، وسكِّن عُقيراكِ فلا تصحريها ، الله من وراء هذه الامة ، لو علم رسول اللهصلىاللهعليهوآله
ان النساء يحتملن الجهاد عهد إليك ، عُلْتِ عُلْتِ ! بل نهاك عن الفرْطة في البلاد ، انّ عمود الدين لا يثاب بالنساء ان مال ، ولا يرأب بهنّ ان صُدع ، حُماديات النساء غضّ الاطراف وخفض الاصوات ، وخفر الاعراض ، وضمّ الذيول ، وقعر الوهازة ، وما كنت قائلة لرسول اللهصلىاللهعليهوآله
لو عَارضكِ ببعض الفلوات ناصة قلوصاً من منهلٍ الى منهل ، قد وجهت سدافته وتركتك عهداه ، ان بعين الله مهواكِ ، وعلى رسولهِ تردين ، واقسمُ بالله لو سرتُ مسيرك هذا ، ثمّ قيل لي : يا ام سلمة : ادخلي الفِردوسَ ، لاستحييت ان القى محمداًصلىاللهعليهوآله
هاتكة حجاباً قد ضربه عليّ.
اجعلي بيتك حِصْنكِ
، وقاعة الستر قبرك ، حتى تلقيه وانت
__________________
على تلك ، أطوع ما تكونين لله إذا الَزِمته ، وانصرُ ما تكونين للدين ما حللتِ فيه ، ولو ذكّرْتك قولاً من رسول اللهصلىاللهعليهوآله
تعرفينه ، لنُهشتِ به نهش الرقشاء المطرقة ، والسلام »
.
رد عائشة على امّ سلمة
فأجابتها عائشة :
من عائشة ام المؤمنين الى ام سلمة :
« سلامٌ عليك ، فأني أحمد اليك الله الذي لا اله الا هو ، اما بعدُ :
فما أقبلني لِوَعْظكِ ، وأعرفني لحق نصحك ، وما انا بعمية عن رأيك ، وليس مسيري على ما تظنين ، ولنعم المسير مسيرٌ فزعت فيه اليّ فئتان متناحرتان من المسلمين ، فإنّ اقعد ففي غير حرج ، وان امضِ فإلى ما بُد لي من الازدياد منه ، والسلام »
.
كتاب الاشتر الى عائشة
وكتب الاشتر من المدينة الى عائشة ، وهي بمكة :
« اما بعد : فأنّكِ ضعينة رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، وقد أمرك ان تقري في
__________________
العقد الفريد ٢ : ٢٧٧ ، الامامة والسياسة ١ : ٤٥ ، تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٨٠ ، بلاغات النساء : ١٥ ، الاحتجاج ١ : ٢٤٤ ، مصنفات الشيخ المفيد م ١ : ٢٣٦.
بيتك ، فإنّ فعلتِ فهو خير لك ، وإن ابيتِ الا ان تأخذي فسأتك ، وتلقي جلبابك ، وتبدُ للناس شُعيراتك ، فأقاتلك حتى أردك الى بيتك ، والموضع الذي يرضاه لك ربُّكِ »
.
ردُّ عائشة على الاشتر
فكتبت إليه في الجواب :
« اما بعدُ : فإنّك أوّل العرب شبَّ الفتنة ، ودعا الى الفرقة ، وخالف الائمة ، وسعر في قتل الخليفة ، وقد علمت إنّك لن تعجز الله حتى يُصيبك منه بنقمة ينتصر بها منك للخليفة المظلوم ، وقد جاءني كتابك ، وفهمت ما فيه ، وسيكفينك الله ، وكان من اصبح مماثلاً لك في ضلالك وغيّك ، ان شاء الله »
.
كتاب عائشة الى زيد بن صوحان
وكتبت عائشة الى زيد بن صوحان العبدي ، إذ قدمت البصرة.
من عائشة ابنة ابي بكر ام المؤمنين حبيبة رسول اللهصلىاللهعليهوآله
الى ابنها الخالص زيد بن صوحان.
« سلام عليك ، اما بعدُ : فإنّ اباك كان رأساً في الجاهلية ، وسيداً في الاسلام ، وإنّك من ابيك بمنزلة المصلى من السابق ، يقال : كادَ أو
__________________
لحِق ، وقد بلغك الذي كان في الاسلام من مصاب عثمان بن عفان ، ونحن قادمون عليك ، والعيان اشفى لك من الخبر ، فإذا أتاك كتابي هذا ، فاقدم فانصرنا على أمرنا هذا ، فإنّ لم تفعل فثبّط الناس عن عليّ بن ابي طالب ، وكن مكانك حتى يأتيك أمري ، والسلام »
.
ردُّ زيد بن صوحان على عائشة
فكتب إليها زيد :
من زيد بن صوحان الى عائشة ام المؤمنين :
« سلام عليك ، اما بعدُ : فأنّ الله امركِ بأمرٍ وأمرنا بأمرٍ :
أمرك أن تقرّي في بيتك ، وأمرنا ان نقاتل الناس حتى لا تكون فتنة ، فتركت ما امرتِ به ، وكتبتِ تنهينا عمّا امرنا به ، فأمرك عندنا غير مطاع ، وكتابك غير مجاب ، والسلام »
.
وفي رواية الطبري : كتب إليها :
من زيد بن صوحان الى عائشة ابنة ابي بكر الصديقرضياللهعنه
حبيبة رسول اللهصلىاللهعليهوآله
:
__________________
« اما بعد : فأنا ابنك الخالص ان اعتزلت هذا الامر ، ورجعت الى بيتك ، وإلا فأنا أوّل من نابذك ».
كتاب عائشة الى حفصة
ولما بلغ عائشة نزول أمير المؤمنينعليهالسلام
بذي قار ، كتبت الى حفصة بنت عمر :
« اما بعد ؛ فإنا نزلنا البصرة ونزل عليّ بذي قار ، والله داقّ عُنقهُ كدق البيضة على الصفا ، إنه بذي قار بمنزلة الاشقر
، إن تقدّم نحر وان تأخّر عُقِرَ ».
فلما وصل الكتاب الى حفصة استبشرت بذلك ودعت صبيان بني تيم وعدي واعطت جواريها دفوفاً وأمرتهن ان يضربن بالدفوف ، ويقلن : ما الخبر ما الخبر ؟ عليّ كالاشقر ، إنْ تقدّم نحر وإن تأخّر عقر. فبلغ أم سلمة رضي الله عنها اجتماع النسوة على ما اجتمعن عليه من سبّ امير المؤمنينعليهالسلام
، والمسرة بالكتاب الوارد عليهنّ من عائشة ، فبكت وقالت : اعطوني ثيابي حتى أخرج إليهن واقع بهنّ. فقالت أم كلثوم بنت امير المؤمنينعليهالسلام
: أنا أنوبُ عنك فأنني أعرَفُ منك ، فلبست ثيابها وتنكرت وتخفرت واستصحبت جواريها متخفرات ،
__________________
وجاءت حتى دخلت عليهنّ كأنها من النضارة ، فلما رأت ما هُنّ فيه من العَبثِ والسَفَهِ ، كشفت نقابها وابرزت لهنّ وجهها ، ثمّ قالت لحَفصة : إنْ تظاهرت انتِ وأختُكِ على امير المؤمنينعليهالسلام
فقد تظاهرتا على اخيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
من قبل ، فأنزل الله عزّوجلّ فيكما ما أنزلَ ، والله من وراء حربكما ، فأنكرت حفصة وأظهرت خجلاً ، وقالت : إنهنّ فعلنَ هذا بجهلٍ ، وفرقتهُنَّ في الحال ، فانصرفن من المكان
.
كتاب عائشة الى أهل المدينة
روى الواقدي عن رجاله قال : لما أخرجَ القومُ عن عثمان بن حُنيفٍ لما خافوه من أخيه سهل بن حُنيف ، كتبت عائشة الى اهل المدينة :
« بسم الله الرحمن الرحيم. ومن أمِّ المؤمنين عائشة زوجة النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم
، وابنةِ الصدّيق الى أهل المدينةِ ، اما بعدُ ؛ فإنّ الله أظهر الحقّ ونَصرَ طالبيه ، وقد قال الله عز اسمه :(
بل نقذف بالحقِّ على الباطلِ فيدمغُهُ فإذا هو زاهق
)
فأتقوا الله عبادَ اللهِ واسمعوا واطيعُوا واعتصمُوا بحبل الله جميعاً وعُروةِ الحقِّ ، ولا تجعلُوا على انفسِكم سبيلاً ، فإنّ الله قد جمع كلمة أهل البصرة وأمرُوا عليهم الزبير بن العوام فهو أميرُ الجنود ، والكافةُ يجتمعون على السَمْعِ والطاعةِ له ،
__________________
فإذا اجتمعتْ كلمةُ المؤمنين على امّرائهم عن ملأٍ منهم وتشاورٍ فأنا ندخل في صالح ما دَخلُوا فيه ، فإذا جاءَكم كتابي هذا فأسمعُوا وأطيعُوا واعينوا على ما سمعتم عليه مِنْ امر الله. وكَتَبَ عُبيدُالله بنُ كَعبٍ لخمس ليالٍ من شهر ربيع الاول سنةَ ستِ وثلاثين »
.
كتاب عائشة الى أهل اليمامة
وكَتبتْ إلى أهل اليمامة وأهل تلك النواحي : « أمّا بعدُ ، فإني أُذكركم الله الذي أنْعَمَ عليكم وألْزمَكُم بالاسلام ، فإنّ الله يقول :(
ما أصابَ مِنْ مُصيبةٍ في الارضِ ولا في أنْفسكُمْ إلا في كتابٍ مِنْ قَبْلِ أن نَبْرَأها إن ذلكَ على الله يسيرٌ
)
فأعتصموا عباد الله بحبلهِ وكونوا مع كتابه ، فإنّ أُمّكُم ناصحةٌ لكم فيما تدعُوكُم إليه من الغَضَب له والجهادِ لِمَنْ قتل خليفة حَرَمِهِ ، وابتزَّ المسلمين أمْرَهم وقد أظْهَر اللهُ عليه ، وإنّ ابْنَ حُنيفٍ الضّالَّ المُضلَّ كان بالبصرة يَدْعُو المسلمين الى سبيل النار ، وإنّا أقْبلنا إليها نَدْعُو المسلمين الى كتاب اللهِ ، وأن يضعُوا بينهم القرآن فيكونُ ذلك رضاً لهم وأجْمَعَ لأمْرِهم ، وكان ذلك للهِ عزّوجلّ على المسلمين فيه الطاعة ، فإما أنْ نُدْرِكَ به حاجتنا أو نَبْلُغَ عُذراً ، فلمّا دَنوْنا الى البصرةِ وسَمِعَ بنا أبْنُ حُنيفٍ جَمَعَ لنا الجُمُوعَ وأمَرهُم أنْ يلقُونا بالسلاح فَيُقَاتِلونا ويَطردُونا وشهدُوا علينا بالكُفْر وقالوا فينا المُنكرَ ،
__________________
فأكْذبَهُم المسلمين وأنكَرُوا عليهم ، وقالوا لعثمان بن حُنيفٍ : وَيْحَكَ ! إنما تابَعْنا زوجَ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم
وأمَّ المؤمنين وأصحابَ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
وائمة المسلمين ، فتمادى في غيْهِ وأقامَ على أمْرهِ ، فلمّا رأى المسلمين انّه قد عصاهم ورَدَّ عليهم أمْرَهم غَضِبُوا لله عزّوجلّ ولأُمِّ المؤمنين ، ولم نشعُر به حتى أظَلَّنا في ثلاثةِ آلافِ مِنْ جَهَلَةِ العرب وسُفهائِهم ، وصَفَّهُم دونَ المسجدِ بالسلاح ، فاْلتَمسنا أنْ يُبايُعوا على الحقِّ ولا يَحُولُوا بيننا وبين المسجدِ ، فردَّ علينا ذلك كلّهُ ، حتى إذا كان يومُ الجمعةِ وتفرق الناسُ بعد الصلاة عنه ، دخَلَ طلحةُ والزبيرُ ومعهما المسلمون وفتحوهُ عَنْوة ، وقدّمُوا عَبدالله بنُ الزبيرُ للصلاة بالناسِ ، وإنا نخافُ من عثمانَ واصحابهِ ان يأتونا بغتةً ليُصيبوا منّا غرَّةً.
فلما رأى المسلمون أنهم لا يبرحُون تحرَّزوا لانفسهم ولم يَحْرُجْ ومن معه حتى هجمُوا علينا وبلغُوا سدَّة بيتي ومعهم هاد يدلُهُم عليه ليسفكوا دمي ، فوجدوا نفراً على باب بيتي فرَدُّوهم عني وكان حولي نفراً من القريشيين والازديين يدفعونهم عني ، فقُتلَ منهم من قُتِلَ وانهزموا فلم نعرض لبقيتهم وخلَّينا ابن حُنيفٍ مِنّاً عليه ، وقد توجه الى صاحبهِ ، وعرّفناكم ذلك عبادَ اللهِ لتكونوا على ما كنتم عليه من النيةِ في نُصرة دين الله والغضب للخليفةِ المظلوم »
.
__________________
كتاب طلحة والزبير الى كعب بن سور
ولمّا اجمعت عائشة وطلحة والزبير واشياعهم على المسير الى البصرة ، قال الزبير لعبدالله بن عامر ـ وكان عامل عثمان على البصرة وهرب عنها حين مصير عُثمان بن حُنيف عامل عليّعليهالسلام
إليها : مَنْ رجال البصرة ؟
قال : ثلاثة ، كلهم سيد مطاع : كعب بن سُور في اليمن والمنذر بن ربيعة ، والاحنف بن قيس في البصرة.
فكتب طلحة والزبير الى كعب بن سُور :
« اما بعدُ ، فإنّك قاضي عمر بن الخطاب ، وشيخ اهل البصرة وسيد أهل اليمن ، وقد كنت غضبت لعثمان من الاذى ، فأغضب له من القتل ، والسلام »
.
كتابهما الى الاحنف بن قيس
وكتبا الى الاحنف بن قيس :
« اما بعد ، فإنّك وافد عمر ، وسيد مضر ، وحليم اهل العراق ، وقد بلغك مصاب عثمان ، ونحن قادمون عليك ، والعيان أشفى لك من الخبر ، والسلام »
.
__________________
كتابهما الى المنذر بن ربيعة
وكتبا الى المنذر :
« اما بعدُ ، فإنّ أباك كان رئيساً في الجاهلية ، وسيداً في الاسلام وإنّك من أبيك بمنزلة المصلى من السابق ، يقال كادَ أو لَحِق ، وقد قتل عثمان من انت خيرٌ منه ، وغضب له من خيرٌ منك ، والسلام »
.
ردُّ كعب بن سُور على طلحة والزبير
فكتب كعب بن سور الى طلحة والزبير :
« اما بعد ، فإنا غضبنا لعثمان من الاذى ، والغير باللسان ، فجاء أمر الغير فيه بالسيف ، فإنّ يك عثمان قُتِلَ ظالماً فما لكما وله ؟ وإنْ كان قُتِلَ مظلوماً فغيركما أولى به ، وإن كان أمره أشكل على من شهده فهو على من غاب عنه أشكل »
.
__________________
رد الاحنف عليهما
وكتب الاحنف اليهما :
« اما بعدُ ، فإنه لم يأتنا من قبلكم أمرٌ لا نشك فيه الا قتل عثمان ، وانتم قادمون علينا ، فإنّ يكن في العيان فضلٌ نظرنا فيه ونظرتم ، وإلا يكن فيه فضل فليس في ايدينا ولا ايديكم ثقة ، والسلام »
.
رد المنذر بن ربيعة عليهما
وكتب المنذر اليهما :
« اما بعدُ ، فأنه لم يلحقني بأهل الخير إلا ان اكون خيراً من اهل الشر ، وإنما اوجب حقّ عُثمان اليوم حقّهُ امس ، وقد كان بين أظهركم فخذلتموه ، فمتى استنبطتم هذا العلم ، وبدا لكم هذا الرأي »
.
كتاب الصلح بين أصحاب الجمل وعثمان بن حُنيف
لقد أصرّ الناكثون على التمادي في غيّهم ، حتى صار النكث والغدر سجية ملازمةً لهم اينما حلوا ، وشعاراً يجمعون حوله الانتهازيين والسفهاء وأصحاب السوء ، فهم لم يكتفوا بخيانة امير المؤمنينعليهالسلام
حتي غروا بعثمان بن حنيف ، وقد كان الاخيرة قد وقع اتفاقاً للصلح بينهم على شروطٍ اتفقوا عليها ، منها ايقاف القتال ، وان يكون لعثمان بن
__________________
حُنيف دار الامارة والمسجد وبيت المال ، ولطلحة والزبير وعائشة ما شاؤوا من البصرة ، ولا يُهاجُون حتى يقدم امير المؤمنينعليهالسلام
، فإنّ أحبّوا ذلك دخلوا في طاعته ، وإن أحَبَّوا ان يُقاتِلوا
.
وقيل انهم أوقفوا القتال وتصالحوا ، على ان يبعثوا رسولاً الى المدينة ، حتى يرجع الرسول بالجواب الذي يبتغيه ابن حنيف ، والذي كان من اهم بنود الصلح ، وهو : هل طلحة والزبير اكرِها على بيعة الامام عليّعليهالسلام
؟ فإذا كان الجواب ( نعم ) خرج ابن حنيف من البصرة وأخلاها لهما ، وإنْ كان الجواب بالنفي خرج طلحة والزبير
، وارسل كعب بن سُور لهذا المهمة ، وفي هذه الفترة القصيرة حاولوا كسب الوقت الى جانبهم ، بمكاتبة من له القدرة في توسيع دائرة الخلاف على الحكومة الشرعية بقيادة ابن عمّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله
. ومع هذا لم يصبروا على ابن حنيف كثيراً ، فمزقوا كتاب الصلح ، وغدروا به في ليلة مظلمة ذات رياحٍ ، فخرج طلحة والزبير وأصحابهما حتى أتوا دار الامارةِ وعثمان بن حنيف غافل عنهم ، وعلى الباب السبابجة يحرسون بيوت الاموالِ وكانوا قوماً من الزط قد استبصروا وأئتمنهم عثمان على بيت المال ودار الامارة ، فأكب عليهم القوم وأخذوهم من اربع جوانبهم ووضعوا فيهم
__________________
السيف فقتلوا منهم اربعين رجُلاً صبراً ! يتولى منهم ذلك الزبيرُ خاصةً ، ثمّ هجموا على عثمان فأوثقوه رباطاً وعمدوا الى لحيته ـ وكان شيخاً كثّ اللحية ـ فنتفوها حتى لم يبق منها شيء ، وقال طلحة : عذبوا الفاسق وانتفوا شعر حاجبيه واشفار عينيه واوثقوه بالحديد. فلما اصبحوا اجتمع الناس اليهما وأذّن مؤذن المسجد لصلاة الغداة فرام طلحة ان يتقدم للصلاة بهم فدفعه الزبير وأراد ان يصلي بهم فمنعهُ طلحةُ ، فما زالا يتدافعان حتى كادت الشمس ان تطلع فنادى اهل البصرة : الله الله ، يا أصحابَ رسول الله ، في الصلاة نخافُ فوتها ! فقالت عائشة : مروا ان يُصلي بالناس غيرهما.
فقال لهم يعلى بن مُنْيَة : يصلي عبدالله بن الزبير يوماً ومحمد بن طلحة يوماً حتى يتفق الناس على امير يرضونه ، فتقدم ابن الزبير وصلى بهم ذلك اليوم
.
اما صورة كتاب الصلح فهو :
بسم الله الرحمن الرحيم
« هذا ما اصطلح عليه طلحة والزبير ومن معه من المؤمنين والمسلمين ، وعثمان بن حنيف ومن معه من المؤمنين والمسلمين :
إنّ عثمان يُقيم حيثُ ادركه الصلح على ما في يده ، وإنّ طلحة
__________________
والزبير يقيمان حيث ادركهما الصلح على ما في ايديهما ، حتى يرجع امين الفريقين ورسولهم كعبُ بن سُور من المدينةِ ، ولا يضّار واحد من الفريقين الاخر في مسجد ، ولا سوق ، ولا طريق ، ولا قرضة
، بينهم عيبة مفتوحة ، حتى يرجع كعب بالخبر ، فإنّ رجع بأن القوم أكرهوا طلحة والزبير ، فالامر امرهما ، وإن شاء عثمان حتى يلحق بطيته
، وإن شاء دخل معهما ، وان رجع بأنهما لم يُكرْها فالامر أمر عثمان ، فإنّ شاء طلحة والزبير ، أقاما على طاعة عليّ ، وإن شاءا خرجا حتى يلحقا بطيتهما ، والمنجون اعوانَ الفالج
»
.
عائشةُ أمّ المؤمنين تنبحها كِلابُ الحوأبِ
لقد حذر رسول اللهصلىاللهعليهوآله
نساءه من بعده ، في اظهار الخلاف والولوج في الفتنةِ التي اخبر بهاصلىاللهعليهوآله
وسمى القائمين بها بالناكثين وقد ذكر رسول اللهصلىاللهعليهوآله
هذه الحادثة ضمن ذكره لكثير من انباء الغيب الذي اوصى الله تعالى به لنبيهصلىاللهعليهوآله
.
وجاء هذا التحذير في جمعٍ من نسائه ، ففي رواية عصام بن قدامة البجلي ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله
لنسائه :
__________________
« ليتَ شِعْري أيَّتُكنَّ صاحبة الجَملِ الأَدبَب
، تخرج حتى تنبحها كلاب الحوأب ، يُقتلُ عن يَمينها وشِمالها خَلقٌ كثيرٌ ، كُلُّهم في النار ، وتنجُو بعد ما كادَتْ »
.
وفي حديث آخر فيما قالصلىاللهعليهوآله
لنسائه ، ثمّ اردفه بتحذير شديد الى عائشة :
« كأني بأحداكن وقد نبحتها كلاب الحوأب » ثمّ قال لعائشة : « اياك ان تكونيها »
ومرة اخرى يصرّحصلىاللهعليهوآله
باسمها علناً كما جاء في رواية عليّ بن مُسهر ، عن هشام بن عُرْوة ، عن ابيه ، عن عائشة ، قالت : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله
: « يا عائشة إنّي رأيتك في المنام مرتين ، أرى جملاً يحملك في سدافة
من حرير ، فأكشفها فإذا هي انت »
.
وفي رواية سالم بن ابي الجعد ، انه ذكر النبيّصلىاللهعليهوآله
خروج بعض نسائه فضحكت عائشة ، فقال : « انظري يا حميراء لا تكونين هي » ثمّ التفت الى عليّ فقال : « يا ابا الحسن إن وليت من أمرها شيئاً فارفق بها »
.
__________________
اذن ، جميع القرائن الواردة في احاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، سواء كانت تلويحاً أو تلميحاً تدلُّ على انّ المعنية بصاحبة الجمل هي عائشة. وكانت هي أيضاً تعلم علم اليقين بأنها هي التي تنبحها كلاب الحوأب ! كيف لا تعلم هي صاحبة الجمل وكثير من المسلمين يعرفون بأن لها يوماً تنفرُ فيه مع الغادرين والناكثين ؟
فعن حُذيفة قال : لو احدثكم بما سمعت من رسول اللهصلىاللهعليهوآله
لوجمتموني
! قالوا : سبحان الله نحن نفعل ؟ قال : لو احدثكم أنّ بعض أمهاتكم تأتيكم في كتيبة كثير عددها شديد بأسها تقاتلكم ، صدّقتم ؟ قالوا : سبحان الله ومن يصدّق بهذا ؟
قال : تأتيكم أمّكم الحميراء في كتيبة يسوق بها أعلاجها من حيث يسؤكم وجوهكم
.
بعد هذه المقدمة الموجزة ، هل يمكننا ان نصدق على ان عائشة عند مسيرها الى البصرة ، وعلمت بالموضع أنّه هو الحوأب الذي اخبرها رسول الله به ، استرجعت وأرادت الرجوع. كما ورد الخبر عند كثير من الرواة ، فيذكر المسعودي : ( وسار القوم نحو البصرة في ستمائة راكب ، فأنتهوا في الليل الى ماء لبني كلاب يعرف بالحَوْأب ، عليه ناس من بني كلاب ، فعوتْ كلابهم على الركب ، فقالت عائشة : ما
__________________
اسم هذا الموضع ؟ فقال لها السائق لجملها : الحوأب ، فاسترجعت وذكرت ما قيل لها في ذلك ، فقالت : رُدُّوني الى حرم رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، لا حاجة لي في المسير ، فقال الزبير : بالله ما هذا الحوأب ، ولقد غلط فيما أخبرك به ، وكان طلحة في سَاقَةِ الناس ، فلحقها فأقسم ان ذلك ليس بالحوأب ، وشهد معهما خمسون رجلاً ممن كان معهم ، فكان ذلك أوّل شهادة زور أقيمت في الاسلام )
.
فمن يقرأ الحديث في الوهلة الاولى يعتقد أو يتصور ان عائشة المسكينة قد غرر بها ، وأرادت الاصلاح بين فئتين مؤمنتين عند مسيرها الى البصرة ، وعندما بلغت الموضع الذي نبحتها كلابه ، واستفسرت من سائق جملها واعلمها انه الحوأب تذكرت قول رسول اللهصلىاللهعليهوآله
لها ، فأسترجعت وصاحت ردوني ، كأنها ندمت على خروجها ، وأرادت العودة لولا قسم الزبير وطلحة بأن هذا ليس هو الحوأب ! وايضاً لولا شهادة الخمسين علجاً لصفعت الزبير وطلحة على فعلهما القبيح ، ولعقرت الجمل الذي يحمل على ظهره السوء والمنكر.
لكن عائشة كانت تعلم علم اليقين أنّ هذه الشهادة هي شهادة زور ، وهي على قناعة بأن هذا المكان هو الحوأب بعينه ، وان الجمل الذي يحملها هو الذي أخبر عنه رسول اللهصلىاللهعليهوآله
. وهذا ما يؤيده كثير من القرائن والحجج الدامغة التي خلفتها لنا ام المؤمنين عائشة.
__________________
فهي ألم تترك قول الله تعالى خلف ظهرها ؟ وتخرج متبرجة بين الملأ من الناس والعسكر ، مخالفة لامر الله تعالى ، والله تعالى يقول في خطابه لنساء النبيّصلىاللهعليهوآله
:(
وقرن في بيوتكنّ ولا تتبرجنّ تبرج الجاهلية الاولى وأقمن الصلاة واتين الزكاة
)
.
وإذا كانت ارادت الرجوع لمجرد سماعها اسم الموضع ، فما بالها لم ترجع عندما تواقف الجيشان واطبقت حلقات الفتنة ، ثمّ انها لم تكتف ان تجلس في بيتها وتراقب الموقف وما ستؤول إليه الامور ، بل خرجت الى الحرب ووقفت امام جيش الغدر تحرض وتؤلب الناس على القتال ، وتلقي عليهم الخطب الرنانة لإثارة الحماس فيهم والاستبسال في القتال لكسب هذه الجولة التاريخية ، وتنهي حكومة العدل بقيادة ابن عمّ الرسولصلىاللهعليهوآله
.
هل استرجعت وقررت الخروج ولو في اللحظات الحالكة التي مرت بها عندما نشب القتال ، وهي ترى الناس حولها أكواماً من الجثث مقطوعة الايدي والرؤوس ؟
هل كانت ستعظم ما فعلته من إباحة دماء المسلمين ويُتْم اطفالهم ، وزعزعة الحياة الاجتماعية في البصرة.
لكن قول الامام عليّعليهالسلام
لها كان شافياً ، وقاطعاً عنها كل سبيل ،
__________________
ففي رواية الاصبغ بن نباتة ، قال : لما عقر الجمل وقف عليّعليهالسلام
على عائشة ، فقال لها : « ما حملك على ما صنعت ؟ » قالت : ذيت وذيت
. فقال : « اما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، لقد ملأت أذنيك من رسول اللهصلىاللهعليهوآله
وهو يلعن أصحاب الجمل وأصحاب النهروان ، أمّا أحياؤهم فيقتلون في الفتنة ، وأمّا أمواتهم ففي النار على ملة اليهود »
.
هذه عائشة ام المؤمنين صاحبة الجمل الادبب ، وقد جاءت مصداقاً لقوله تعالى :(
التي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثاً
)
وقد سئل الامام الصادقعليهالسلام
عن معنى هذه الاية فقال : « عائشة هي نكثت ايمانها »
.
وقوله تعالى :(
مثل الذين اتخذوا من دون الله اولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً
)
كما روى سالم بن مكرم عن ابيه في معنى هذه الاية الكريمة ، قال : سمعت ابا جعفرعليهالسلام
يقول : هي الحميراء.
واخيراً نقف عند قول الصادق الامينصلىاللهعليهوآله
، حيث يجلو الحيرة ويزيح اللثام عن نفسيات ونوازع هذه المرأة العجيبة ، حيث جاء في صحيح البخاري بأسناده عن نافع ، عن عبدالله ، قال : قام النبيّصلىاللهعليهوآله
__________________
خطيباً واشار نحو مسكن عائشة فقال : « هنا الفتنة ـ ثلاثاً ـ من حيث يطلع قرن الشيطان »
.
حديث عائشة عن هزيمة اصحاب الجمل
لقد اصطف الطرفان في الموضع المعروف بالخُريبة القريب من البصرة ، ومن ثمّ تهيؤا للقتال ، وكان اميرُ المؤمنين يناشدهم بالرجوع الى العقل وحقن دماء المسلمين ، لكنهم أصروا على الحرب ، وكانت عائشة على ظهر جملها ( عسكر )
تُؤلب وتحرض الناس على القتال.
وإذا كان ( عسكر ) في بداية الامر عند خروج عائشة من مكّة تريد البصرة متباهياً على اقرانه ، حيث كُلّف بحمل ام المؤمنين على ظهره دون غيره ، وما هذا الا تكريم له ، لكن المسكين لا يدري ما تؤول إليه عاقبة امره ، حتى وقف في ذلك اليوم العصيب وهو يوم الخميس ١٠ جمادى الثانية سنة ٣٦ ه ، وكانت على ظهره ام المؤمنين عائشة والسهام تتساقط عليه كالمطر ، ورمي الهودج بالنشاب والنبل حتى صار
__________________
كالقنفذ
، لابد انه لعن ذلك اليوم الذي استوت فيه على ظهره عائشة ، وكم كان بوده ان يقذا هذه الهودج الذي يحمل الشرّ بداخله الى الجحيم ويهرب بجلده ، لكنه لا يستطيع حيث بني ضبة يتسابقون على مسك زمامه ، وكلما قطعت يد ماسك الزمام ، أخذه رفيقه الاخر حتى تقطع يده ، وهكذا أربت الايدي التي قطعت على السبعين يداً
، فأين يجد المسكين عسكر فرصة للهروب ، حتى ضربه رجل على عجزه فسقط لجنبه ، وفي خبر حبة القرني قال : كأني اسمع عجيج الجمل ما سمعت قط عجيجاً أشدّ منه
. اما عن حديث عائشة عن هزيمة القوم ، فقد روى الواقدي ، عن رجاله العثمانية عن عائشة ، في ذكر الحال وهزيمة القوم في الحرب وشرح الصورة ورأيها فيما كان ذلك ، فقال : حدثنا محمد بن حميد ، عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة ، عن امها كبشة بنت كعب ، قالت : كان أبي لقي على عثمان حُزناً عظيماً وبكاهُ ولم يمنعهُ من الخروج إلا انّ بصرهُ ذهبَ ، ولم يُبايع علياً ولم يقرَبه بُغضاً له ومقتاً ، وخرج عليّعليهالسلام
من المدينةِ فلما قدمت عائشةُ منصرفةً من البصرة
__________________
جاءَها أبي فسلّمَ على الباب ، ثمّ دخل وبينها وبينهُ حجَابٌ فذكرت له بعض الامر ولم تشرحهُ له ، فلما أمسينا بعثنا الى عائشة واستأذنا عليها فأذِنتْ لنا ، قالت كبشة : فدخلتُ في نسوة من الانصار فحدثتنا بمخرجها وأنها لا تظنُّ الامر يبلغُ الى ما بلغَ.
ثم قالت : لقد عُمِلَ لي على هودجِ جملي
، ثمّ ألبسَ الحديد ودخلتُ فيه ، وقمتُ في وسطٍ من الناس أدْعو إلى الصُلْحِ والى كتاب اللهِ والسنة ، فليس أحدٌ يسمع مِنْ كلامي حرفاً ، وعجَّلَ من لقينا بالقتال ، فرموا النبل وصرعتُهُم القومُ فلا أُدْرك حتى قُتِلَ من أصحاب عليِّ رجلٌ أو رجلانِ ، ثمّ تقاربَ الناسُ ولحُمَ الشرّ فصار القوم ليس لهم همّةٌ إلا جملي ، ولقد دخلتْ عليَّ سهامٌ فجرحتني ـ فأخرجت ذِراعها وأرتنا جرْحاً على عَضُدِها فبكتْ وأبكتنا ـ قالت : وجعل كلّما أخذ رجلٌ بخطام جملي قُتلَ ، حتى أخذهُ ابنُ أُختي عبدالله ، فصحتُ به وناشدتهُ بالرحمِ أنْ يتجافاني.
فقال : يا أُماه ! هو الموتُ ، يُقتلُ الرجلُ ـ وهو عظيم الغِنى عن الأصحاب ـ على نيته خيرٌ مِنْ أنْ يُدْرك وقد فارقتهُ نيتهُ.
__________________
فصحت : واثُكلَ اسماء ! فقال : يا أُماهُ ! اِلْزمي الصمتَ وقد لَحُمَ ما ترينَ ! فأمسكْتُ. وكان ممن معنا فتيانٌ احداثٌ مِنْ قريشٍ وكان لا علمَ لهم بالحرب ولم يشهدوا قتالاً ، فكانوا جُزراً للقوم ، فإنا لعلى ما نحن فيه وقد كان الناسُ كُلُّهم حولَ جَملي فأُسْكُتِوا ساعةً ، فقلتُ : خيرٌ ام شرّ ؟ إنّ سكوتكم ضِرْسُ القتال ، فإذا ابنُ ابي طالب أنظرُ إليه يباشر القتالَ بنفسه واسمعهُ يصيح : « الجمل ! الجمل ! ». فقلت : أراد والله قتلي ، فإذا هو قد دنا منه ومعه محمد بنُ أبي بكر أخي ومُعاذ بنُ عبيدالله التميمي وعمارُ بنُ ياسر فقطعوا البطانَ ، وأحتملوا الهودجَ فهو على أيدي الرجال يَرّفلُونَ به ، إذْ تفرقَ من كان معنا فلم أُحِسَّ لهم خبراً ، ونادى منادي عليّ بن ابي طالب : « لا يُتبعْ مُدبرٌ ، ولا يُجهز على جريحٍ ، ومَنْ طرحَ السِلاحَ فهو آمِنٌ ».
فرجعْت الى الناس أرواحُهُم فمشوا على الناس واستحيوا من السعْي ، فأُدْخِلْتُ منزلَ عبدالله بن خلف الخُزاعي وهو والله رجلٍ قد قُتِلَ وأهلُهُ مستعبرونَ عليه ، ودخل معي كلُّ من خاف علياً مِمَّن نصب له ، وأحْتُمل ابنُ أختي عبدالله جريحاً ، فوالله إنّي لعلى ما انا عليه وأنا أسألُ ما فعل أبو محمد طلحةُ ؟ إذ قال قائل : قُتِلَ ! فقلتُ : ما فعلَ أبو سليمانَ ؟ فقيل : قد قُتلَ ! فلقد رأيتُني تلك الساعةَ جَمدتْ عيناي وانقطعتُ مِنَ الحُزْنِ واكثرتُ الاسترجاعَ والندامةَ ، وذكرتُ من قُتِلَ فبكيتُ لِقتلِهم فنحن على ما نحن عليه ، وأنا أسأل عن عبيدالله ، فقيل لي : قُتِلَ فأزددتُ هَمّاً وغَمّاً حتى كاد ينصدعُ قلبي ، فوالله لقد بقيتُ
ثلاثةَ ايام بلياليهنّ ما دخلَ فمي طعامٌ ولا شرابٌ ، وإني عند قومٍ ما يُقصِّرونَ في ضيافتي ، وإنّ الخُبُر في منازلهم لكثيرُ ، ولكنّي أُعالجُ الشِبعَ من الطعام فما أقدِرُ ، فنعوذ باللهِ من الفتنةِ ! ولقد كُنتُ ألَّبتُ على عثمان حتى نِيلَ منهُ ما نيلَ ، فلما قُتلَ ندمتُ وعلمتُ أنّ المسلمين لا يستخلفون مِثلَهُ أبداً ، كان والله أجلّهُم حِلْماً ، وأعبَدهم عبادةً ، وابذلهم عند النائبةِ ، وأوْصَلهُم للرحمِ.
قالتْ كبشة بنتُ كَعْبٍ ، فرجعتُ الى أبي فقال : ما حَدّثتُكم به عائشة ؟ فأخبرتُهُ بما قالت. فقال : يرحمُ اللهُ عائشة ويرحمُ الله أمير المؤمنين عثمان ، هي كانت أشدَّ الناسِ عليه ، ولقد فزعتْ وثابتْ وأرادتْ ان تأخذ بثأرهِ فجاء خِلافُ ما أرادتْ فرحمهما اللهُ جميعاً ، ثمّ قال : رحمَ اللهُ عُمَر بن الخطاب كان والله يرى هذا كُلّهُ ، قال يوماً : إن كان يصيرُ اختلافٌ فأنما يكون بينكم ، وإن كان بينكم دخلَ عليكم ما تكرهُونَ
.
* * *
__________________
ترجمة المؤلف
اسمه ونسبه :
هو السيد ضامن ابن السيد شدقم بن زين الدين علي بن بدر الدين حسن النقيب ابن حسين الشهيد ابن علي بن شدقم بن ضامن بن محمد الحمزي الحسيني المدني ، من ذرية ابي القاسم الطاهر المحدث بن يحيى النابه بن الحسن بن جعفر الحجة ابن عبيدالله الاعرج ابن الحسين الاصغر بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالبعليهالسلام
.
وجده بدر الدين الحسن النقيب مؤلف ( زهر الرياض ) سنة ٩٢٢ الذي ينقل عنه السيد ضامن في كتابه ( التحفه )
.
ولم نعثر على سنة مولده ، وأما سنة وفاته فيستفاد مما جاء في مجلة المجمع العراقي
، وفي مجلة سومر العراقية
، من الحديث
__________________
عن الجزء الثالث من كتابه ( تحفة الازهار ) انه كان حياً سنة ١٠٨٨ ه
.
مكانته العلمية :
كان المصنف;
عالماً فاضلاً اديباً كاتباً مشهوراً ، قال المرحوم محسن الامين : « والذي وجدته في مسودة الكتاب ( تحفة الازهار ) هو كما ذكر : ضامن بن شدقم بن علي المعروف بين المؤلفين ».
وابوه أيضاً كان عالماً كما ذكر المرحوم محسن الامين : « في كتاب يظن انه اسمه كتاب ( الانوار ) مؤلفه من اصحابنا من اهل أواسط القرن الثالث عشر ، رأيته في بغداد عام ١٣٥٢ ما صورته :
السيد ضامن ابن السيد العالم السيد شدقم المدني »
.
وقال عنه صاحب الاعلام : ضامن بن شدقم بن علي بن حسن النقيب المدني : أديب إمامي ، له علم بالانساب. صنف ( تحفة الازهار وزلال الانهار في نسب الائمة الاطهار ) نسخة منه في المكتبة القادرية ببغداد تحت رقم (٦٥٧) ، ونسخة ثانية مجلدان ، في مكتبة محمد رضا كاشف الغطاء ، بالنجف
.
وذكر هذا الكتاب صاحب الذريعة ، فقال : وهو كبير في مجلدين المجلد الاول في الحسنين أوله : ( الحمدلله المحسن المتفضل الكريم
__________________
الوهاب ، ذو الجود والنعم الجسام بغير حساب إني قد جمعت هذه الحديقة الفائقة الانيقة الزاهرة المثيرة ، فرتبتها على أحسن ترتيب في نسل ابي محمد الحسن ).
وأول المجلد الثاني : ( الحمدُ لله الذي لا ند له فيبارى ، ولا ضد له فيجازى ، ولا شريك له فيوازي لما مَنَّ الله تعالى عليّ باتمام الجلد الاول من تحفة الازهار وزلال الانهار ، فحداني الشوق الى إلحاق الجلد الثاني ، وهو مختص بنسب أبناء ابي عبدالله الحسين السبط ، ورتبته على ترتيب المجلد الاول المختص بنسب اولاد ابي محمد الحسن ، والعقب في الحسين منحصر في إبنه عليّ الاوسط زين العابدين ...
وعند ذكر جعفر الحجة كما جاء في نسبه قال : الى عامنا هذا سنه ثمان وثمانون والف
.
وعن الكتاب قال السيد محسن الامين : وفي النسخة التي رأيناها في طهران قال في بعض المواضع فيها : يقول جامعه الفقير الى الله الغني ، ضامن بن شدقم بن علي الحسيني المدني : وصلت الى البصرة في شهر ربيع الثاني سنة ١٠٦٨ ه فأجتمعت بالسيد الشريف الحسيب النسيب عمدة السادة النجباء ، وزبدة الاماثل الاطباء ، أو الطبيب الحاذق ، وبقية الحكماء الفائق ، عبد الرضا بن شمس الدين بن علي. وفي موضع آخر يقول : جامعه الفقير الى الله الغني ضامن بن شدقم بن
__________________
علي الحسيني المدني ، وصلت الى الدورق
في العشر الاول من جمادى الثانية سنة ١٠٦٨ ه ، وفي شهر ذي الحجة سنة ١٠٩٢ ه اجتمعت في البصرة بالسيد ناجي الخ وفي شهر شوال سنة ١٠٨٠ ه اجتمعت بالسيد يحيى في اصفهان الخ وفي جمادى الثانية سنة ١٠٨٢ ه اجتمعت في اصفهان بالسيد يعقوب الخ فذكروا لي انسابهم.
ويظهر من كتابه انه ساحَ وكتب في سياحته جملة من الانساب.
ومن شعرهِ :
سبحان من اصبحت مشيئتهُ
|
|
جارية في الورى بمقدارِ
|
في عامنا اغرق العراق وقد
|
|
احرق ارض الحجاز بالنارِ
|
كان من المعاصرين للسيد زين العابدين بن نور الدين بن عليّ بن الحسين الموسوي ـ يروي السيد عبد الرضا بن شمس الدين بن علي الحسيني نزيل البصرة ، من العلماء الاجلة في عصره ، ويظهر انه من تلاميذ البهائي ، والسيد الداماد
.
* * *
__________________
التعريف بالكتاب
لقد صنف السيد ضامن كتابه هذا عن أحداث فتنة البصرة التي اشعل فتيلها الزمرة الناكثة عند تولي امير المؤمنينعليهالسلام
زمام الخلافة بعد مقتل عثمان ، وسماهُ ب ( وقعة الجمل ) ، ودوّن المصنف;
الاحداث والوقائع التي شهدتها مدينة البصرة بعد انحياز رموز الشر إليها ، تدعو الناس الى نكث بيعة الامام عليّعليهالسلام
، وَتعدُّ العدَّة من الرجال والسِّلاح لقتاله والقضاء على حكومته الفتية.
لقد جاء هذا الكتاب وان كان مختصراً ، إلا انه كان غزيراً في مادتهِ التي لا يستغني عنها الباحث عن الحقيقة في بطون الكتب القديمة ، والتي حفظت لنا التاريخ.
نسخة الكتاب ومنهج التحقيق :
لقد تمت مقابلة النسخة الخطّية التي حصلت عليها من ( مركز احياء الميراث الاسلامي ) والتي جعلتها كأصل مع المصادر التي دونت احداث معركة الجمل من كلا الفريقين ، كما اشرتُ الى الاختلاف الذي وقع بين النسخة والمصادر ، وقد علقت عليها في هامش الكتاب.
كما اشرتُ الى بعض الوقائع والاحداث التي لم يذكرها المصنف ، واشرت إليها في الهامش ايضاً ، مع ترجمة بعض من ورد ذكرهم في النسخة الخطية.
كما قمتُ بكتابة مقدمة تمهيدية لهذا السفر القيم ، وذكرت بإيجاز الاسباب التي دعت الذين سماهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله
بالناكثين ، الى نكث البيعة ، والاستدلال بما ورد من أحاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله
بحق العترة:
وبحق من ناصبهم العداء.
كما ذكرت رسائل الناكثين وعائشة الى من كتبوا لهم يطالبونهم بنكث بيعة امير المؤمنينعليهالسلام
وتأليب الناس على حكومته ، كما تطرقت الى موقف طلحة والزبير من قضية حصار عثمان وتحريض الناس على قتله ثمّ بعد ذلك المطالبة بدمه.
نسأل الله تعالى ان يثيبنا على عملنا هذا ، ونأمل ان يخرج هذا الكتاب بحلةٍ جديدة ليضع بين يدي القارئ الكريم ، ومن الله تعالى نستمد العون والتوفيق.
سيد تحسين آل شبيب الموسوي
* * *



مقدمة الكتاب
في السبب الموجب لوقعة الجمل
قال الشيخ المفيد
;
في أرشاده
:
روي عن ابي ذر جندب بن عبدالله الغفاريرضياللهعنه
قال : دخلت على أمير المؤمنين علي بن ابي طالبعليهالسلام
بالمدينة في زمن خلافة عثمانرضياللهعنه
فرأيته مطرقاً رأسه ـ كئيباً ـ فقلتُ له : جعلتُ فداك ، ما أصاب قومك ؟!
فقالعليهالسلام
: صبراً جميل والله المستعان.
__________________
الارشاد ١ : ٢٤١ ، ٢٤٢ مع بعض الاختلاف اليسير.
فقلت : والله إنّك لصبور.
قال : « فماذا أصنع ؟! ».
قلتُ : قُم وادع الناس الى نفسك ، واخبرهم أنّك اولاهم بالقيام واحقهم بالامر ، لما فضلك الله تعالى عليهم وعظم شأنك فيهم ، وقد سبق لك النصّ الصريح من رسول اللهصلىاللهعليهوآله
في اماكن عديدة سمعوها منهصلىاللهعليهوآله
.
فإن دان لك الكل وتمّ لك الامر ذلك ما كنا نبغي ، وإلا فلا بد من ان يجيبك عشرة فتميل بهم على المتمردين اخوان الشياطين ، فينصرك الله تعالى عليهم ، لأنّك على الحقّ وهم على الباطل ، وهو قوله تعالى :
(
وَيُحِقُّ اللهُ الحَقَّ بِكَلِمتِهِ وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ
)
. وقوله تعالى :(
كَم مِّن فِئَةْ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَة بِإذنِ اللهِ واللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ
)
.
فقالعليهالسلام
: « أتراهُ يا ابا ذر ؟! ».
قلتُ : والله ، إني لأرجو لك من اللهِ ذلك.
قالعليهالسلام
: « اني لا أرجو من كلِّ مائةٍ اثنين ، ألست تعلم من اين ذلك ؟ ، انما تنظر الناسُ الى قريشٍ ، وإنّ قريشاً تقول : إنّ آل محمّدٍ
__________________
يرون لهم فضلاً على سائر الناس ، وإنّهم اولى بالامر من دون قريش ، وإنّهم إنْ وَلُوهُ لم يخرج عنهم هذا السُّلطان الى احدٍ ابداً ، وحتى كان في غيرهم تداولتموهُ بينكم ، ولا ـ والله ـ لا تدفعُ قريشٌ إلينا السُّلطان وهم خاضعون ابداً ».
فقلتُ : أفلا تأمرني أرجعُ في آخرِ النّاس بمقالتك هذهِ ، فأقم وادعهم إليك.
قال [ لي ] : « يا ابا ذر ، ليس هذا زمان ذلك ».
قال أبو ذر;
: فمضيتُ الى العراق ، فكلّما حدثتُ الناس بشيءٍ من فضائل أمير المؤمنينعليهالسلام
ومناقبه التي أوجَبَها الله تعالى له على عباده بنصِّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، زبروني وأهانوني ، حتى إنهم رموني الى الوليد بن عُقبه فحبسني
.
قال جدّي حسن المؤلف ( طاب ثراه )
: وفي يوم السبت ثامن عشر من ذي الحجة سنة ٣٥ من الهجرة بايعت الناس أمير المؤمنين عليّ بن ابي طالبعليهالسلام
من المهاجرين والانصار وقوم من قريش وغيرهم ، فمنهم مَنْ أظهر الوفاق وهو مصر على النفاق.
فأمرعليهالسلام
كاتبه عبدالله بن رافع بتقسيم ما في بيت المال على المهاجرين لكل رجل ثلاثة دنانير ، ثمّ على الانصار مثل ذلك ، ثمّ من
__________________
حضر من الناس كلهم الاحمر والاسود فيما صنع به مثل ذلك.
فقال سهيلُ بن حنيف الانصاري : يا أمير المؤمنين ، هذا غلامي بالامس فاعتقته اليوم
.
فقالعليهالسلام
: نعطيه كما نعطيك ، فأعطاه ثلاثة دنانير ولم يفضل أحداً على احدٍ.
وقد تخلف يومئذٍ عن المبايعة له عبدالله بن الزبير ، وجماعة من قريش ، وطلحة بن عبدالله ، والزبير بن العوام ، وعبد الله بن عمر ، وسعيدُ بن العاص ، ومروان بن الحكم ، وسعد بن ابي وقاص ، ومحمد بن مسلمة ، وحسان بن ثابت ، واسامةُ بن زيد ، وغيرهم من قريش. فصعدعليهالسلام
المِنبَر ، وحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبيّصلىاللهعليهوآله
، ثمّ قالعليهالسلام
:
« أيُّها الناس ، إنّكم بايعتموني على ما بُويعَ
عليه غيري مَنْ كانَ قَبْلي ، وإنَّما الخيارُ الى الناسَ قبلَ أنْ يُبايعوا فإذا بايَعُوا فلا خِيارَ لهُم ، وإنّ على الامام الاستقامة
وعلى الرّعيّةِ الاطاعة والتسليم ، وهذه بيعةٌ عامةٌ ، فَمَنْ رَغِبَ عنه رغب عن دين الاسلام واتبع غيرَ سبيل الهُدى
،
__________________
ولم تَكُنْ بَيعتكم لي فلتة وليسَ أَمري وأمْركُم واحداً ، ألا وإِنّي أريدُكم للهِ عزّوجلّ وأنتم تريدونني لأَنْفُسِكُم ، وايْمُ اللهِ ، لأَنصحَنَّ
للخصوم ، ولأنصفنَّ للمظلوم
، وقد بَلغني عن ( عَبْدُاللهِ وسعدٍ ومروانٍ ومحمدٍ وحسانٍ واسامةٍ )
امورٌ كَرِهْتُها ، والحقُّ بيني وبينَهُم ».
قال : فجلسوا جميعاً ، وتحدثوا نجياً ، ثمّ جاء إليه الوليد بن عُقبة بن ابي معيط وقال : يا أبا الحسن ، إنّك قد وترتنا جميعاً ! اما انا فقتلت ابي يوم بدر صبراً ، وخذلت اخي يومَ الدار.
واما سعيد فقتلت اباه يوم بدرٍ في الحرب وكان ثور
قريش.
واما مروان فسخفت
أباه عند عثمان إذ ضمه إليه
.
ونحنُ نبايعك اليوم على ان تضع عنّا ما قد صنعنا ، وان تقتل قتلة
__________________
عثمان ، فإنّا ان خفناك تركناك والتحقنا عنك الى غيرك.
فقالعليهالسلام
: « اما وتري فالحق وتركم ، وأما وضعي عنكم [ ما اصبتم فليس علي ] انه مالي ان اضع حق الله عنكم ولا عن غيركم ، وما قتلة عثمان فلو لزمني قتلهم لقتلتهم بالامس ، ولكن لكم عليّ ان خفتموني ان أؤمنكم وان خفتكم ان أسيّركم فمضى الوليد الى أصحابه واخبرهم فتفرقوا على أظهار العداوة [ وأشاعة الخلاف ]
، وكتبوا الى معاوية بن ابي سفيان بالشام يستنهضونه في طلب دم عثمان ، وأوعدوه بالقيام معه وان يكونوا له اعواناً وانصاراً ، فأجابهم الى ذلك الا انه المؤثور
عليهم.
اخبار الامام عليّعليهالسلام
بنقض القوم بيعتهم
فجاءَ عمّار بن ياسر الى ابي الهَيثم وابي ايوب وسهيل بن حنيف وجماعة من المهاجرين والانصار ، وقال : اعلموا ان هؤلاء النفر قد بلغنا عنهم ما هو كذا وكذا من الخلاف والطعن على أمير المؤمنينعليهالسلام
، فقاموا وأتوا إليه ، وقالوا : يا أمير المؤمنين انظر في أمرك وعاتب قومك هذا الحيّ من قريش فأنهم قد [ نقضوا بيعتهم لك وخالفوا أمرك ]
، وقد دعونا في السِّرّ الى رفضك ، [ فهداك الله الى مرضاته وأرشدك الى
__________________
عباده ]
، وذلك لانهم كرهوا الاسوة ، وفقدوا الأثرة ، لما واسيت بينهم وبين الاعاجم ، انكروا واستشاروا عدوّك وعظموه ، واظهروا الطلب في دم عثمان فرقةً للجماعة وتأليفا لاهل الضلالة ، [ فرأيك منهم سديد ، ونحن معك على كل باغ عنيد ]
.
فخرجعليهالسلام
ودخل المسجد مرتدياً بطاقٍ ، مؤتزراً ببردٍ قطري ، متقلداً بسيفه ، متنكباً على قوسه ، فصعد المنبر ، وقال :
بعد ان حمد الله عزّوجلّ واثنى عليه ، وصلى على النبيّصلىاللهعليهوآله
« اما بعد ، ايّها الناس ، فإنا نحمد الله ربنا والهنا ووليّنا ووليّ النعم علينا ، الذي اصبحت نعمتهُ علينا ظاهرةً ، وباطنةً امتناناً منه بغير قولٍ منّا ولا قوة لنشكر ام نكفر ، فمن شكر زاده ، ومن كفر عذّبه ، فأفضل النّاس عند الله منزلةً واقربهم من الله وسيلةً اطوعُهُم لامره واعلمهُم بطاعته واتبعهم لسنةِ [ نبيه محمد رسوله ]
صلىاللهعليهوآلهوسلم
، واحياهم لكتابه ليس لأحدٍ عندنا فضلٌ إلا بطاعةِ الله وطاعة رسولهصلىاللهعليهوآله
.
هذا كتابُ الله بين أظهرنا ، وعهدُ رسول اللهصلىاللهعليهوآله
وسيرته فينا ، لا يجهل ذلك إلا جاهلٌ معاندٌ عن الحقّ منكر للصدق ، قال الله تعالى :(
يا ايّها الناسُ إنّا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم
)
.
__________________
ثم انّهعليهالسلام
صاح بأعلى صوته :(
[يا ايّها الذين آمنوا
]
أطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم فإن تولوا فإنّ الله لا يحبُ الكافرين
)
.
ثم قال : يا معشر المهاجرين والانصار ،(
أتمنون على الله
[ورسوله
]
باسلامكم بل الله يمنّ عليكم ان هداكم للايمان ان كنتم صادقين
)
. ثمّ قالعليهالسلام
: انا أبو الحسن ، ( وكان لا يقولوها إلا إذا غضب )
. ثمّ قال : إلا ان هذِهِ الدنيا التي اصبحتم تتمنونها وترغبون فيها ، واصبحت تغضبكم وترضيكم ليست بداركم ولا منزلكم الذي خلقتم له ، فلا تغرّنكم [ الحيوة الدّنيا ]
فقد حذرتموها فاستتموا نعَم الله بالصبر لانفسكم على طاعةِ اللهِ ، والذلّ لحكمهِ جلّ ثناؤه.
فأما هذا الفيء فليسَ لاحدٍ على أحدٍ فيه أثرة وقد فرغ الله من قسمته فهو مال الله ، وانتم عباد الله المسلمون ، وهذا كتابُ الله به أقررنا وله اسلمنا ، وعهد نبينا بين أظهرنا فمن لم يرضَ به فليتول كيف شاء فانّ العامل بطاعةِ اللهِ والحاكم بحكم الله لا وحشة عليه.
ثم انهعليهالسلام
نزل عن المنبر وصلى ركعتين
.
__________________
مناشدة أمير المؤمنينعليهالسلام
للزبير وطلحة
ثم بعثعليهالسلام
عمّار بن ياسر وعبد الرحمن بن حَسْل الى طلحة بن عبيدالله والزبير بن العوام وهما في ناحية من المسجد ، [ فأتيا بهما ]
فجلسا بين يديه ، فقالعليهالسلام
لهما :
« نشدتكما الله هل جئتماني طائعين للبيعة ودعوتماني إليها وانا كارهٌ لها ؟ » قالا : نعم.
قال : « غير مجبورين ولا مقهورين
فأسلمتما لي بيعتكما ، واعطيتماني عهدكما » ؟ قالا : نعم.
قال : « فما دعاكم بعد هذا الى ما أرى ».
قالا : اعطيناك بيعتنا على ان لا تقضي الامور ولا تقطعها من دوننا ، وان تستشيرنا في كل امرٍ ولا تستبدّ بذلك علينا ، ولنا من الفضل على غيرنا ما قد علمت ، [ فرأيناك قسمت القسم وقطعت الامر وقضيت بالحكم بغير مشاورتنا ولم تعلمنا ]
.
فقالعليهالسلام
: « لقد نقمتما يسيراً وارجأتما كثيراً ، فاستغفرا الله يغفر لكما.
__________________
ألا تخبراني ادفعتكما عن حقٍّ وجب لكما عليّ
فظلمتكما
اياه ؟ ». قالا : معاذ الله !
قال : فهل استأثرتُ من هذا المال لنفسي بشيء ؟
قالا : معاذ الله.
قال : « أفوقع حكمٌ في حقٍّ لاحدٍ من المسلمين فجهلته أو ضعفت عنه ؟ »
قالا : معاذ الله.
قال : « فما الذي كرهتما من أمري حتى رأيتما خلافي ؟ »
قالا : نعم ، خلافك لعمر بن الخطابرضياللهعنه
في القسم ، لأنّك جعلت حقّنا في القسم كحقّ غيرنا ، وسوّيت بيننا وبين من لا يماثلنا فيما افاء الله بأسيافنا ورماحنا ، وقد أوجفنا عليه بخيلنا [ ورجلنا وظهرت عليهم دعوتنا واخذناه قسراً وقهراً ]
ممن لا يرى الاسلام إلا كرهاً عليه.
فقالعليهالسلام
: « [ أمّا ما ذكرتما أني احكم بغير مشورتكما ]
فوالله ما كان لي في الولاية رغبة ولكنكم دعوتموني إليها فخفت ان اردكم فتختلف الامة ، فلما أفضت اليّ نظرت في كتاب الله وسنة رسوله
__________________
فأمضيتُ ما دلاني عليه فأتبعته ولم أحتج الى رأيكما فيه ولا أرى غيركم ، ولو وقع ما ليس في كتاب الله بيانه ، [ ولا في سنة رسول الله برهانه ]
، واحتيج الى المشاورة فيه لشاورتكما فيه.
وأمّا القسم والاسوة وانّ ذلك [ لم أحكم فيه بادئ بدء ]
وقد وجدت انا وانتما رسول اللهصلىاللهعليهوآله
يحكم بذلك وكتاب الله ناطقٌ به ، [ وهو الكتاب ]
(
الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفِهِ تنزيلٌ من حكيم حميد
)
.
واما قولكما : جعلت فيئنا وما افاءتهُ سيوفنا ورماحنا سواءً بيننا وبين غيرنا. فقديماً سبق الى الاسلام قوم نصروه بسيوفهم ورماحهم فلم يفضلهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله
في القسم ولا آثرهم بالسبق والله سبحانه مُوفّ السّابق والمجاهد يوم القيامة ، وليس لكما والله عندي ولا لغير كما إلا هذا ، أخذ الله بقلوبنا وقلوبكم الى الحق والهمنا واياكم الصبر.
ثم قالعليهالسلام
: رحم الله امرءاً رأى حقّاً فأعان عليه ، ورأى جوراً فردّه وكان عوناً للحقّ على من خالفه »
.
( لعل المراد قولهعليهالسلام
فقديماً سبق الى الاسلام يعني به نفسه ، حيث
__________________
لم يسبق إليه سابق ولم يلحق بأثره في جميع ما امره به رسول اللهصلىاللهعليهوآله
لاحقٌ ، فأنهعليهالسلام
جميع اعماله بالكتاب المجيد والسنة الواضحة
في السبب الموجب لنكث طلحة بن عبيدالله والزبير
بن العوام لبيعتهما امير المؤمنين عليّ بن ابي طالبعليهالسلام
قال المسعودي : لما قتل عثمان بايعت الناس امير المؤمنين عليّ بن ابي طالبعليهالسلام
بالخلافة ، كتبعليهالسلام
الى معاوية بن ابي سفيان بالشام :
« امّا بعد فأن الناس قتلوا عثمان من غير مشورة مني ، وبايعوني عن مشورة منهم واجتماع ، فإذا اتاك كتابي هذا فبايع لي الناس ، وأوفد اليّ اشراف اهل الشام »
.
فلم يكن منه له جواب غير انه كتب كتاباً الى الزبير بن العوام وبعثه مع رجل من بني عبس فمضمونه :
بسم الله الرحمن الرحيم
الى الزبير بن العوام
من معاوية بن ابي سفيان سلام الله عليكم اما بعد ، فأني قد بايعت لك اهل الشام فأجابوني الى بيعتك فأستوثقتهم كما استوثق الحلف
، فدونك الكوفة والبصرة [ لا
__________________
يسبقك عليهما عليّ بن ابي طالب ]
فأنه لا شيء بعد هذين المصرين وقد بايعتهم لطلحة بن عبيدالله من بعدك ، فعليكما
بالظهور في طلب دم عثمانرضياللهعنه
، فأدعوا الناس الى ذلك بالجدّ والتشهير ، ظفركما
الله تعالى وخذل مناوئيكما.
قال جدي حسن ( طاب ثراه ) : انّ معاوية كتب الى الزبير :
اما بعدُ ، فإنّك الزبير بن العوام ابن اخي خديجة بنت خويلد ، وابن عمّة رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، وحواريه وسلفه ، وصهر ابي بكر ، وفارسُ المسلمين ، وانت الباذل في الله مهجتهُ له بمكة عند صيحة الشيطان ، بعثك المنبعث فخرجتَ كالثعبان المتسلخ بالسيف المنصلت ، تخبط خَبْطَ الجمل الرَّديع ، كل ذلك قوة ايمان وصدق يقين منك ، وقد سبقت لك من رسول اللهصلىاللهعليهوآله
البشارةُ بالجنة ، ثمّ جعلك عمررضياللهعنه
احد المستخلفين على الامة.
فانهض يا أبا عبدالله فإن الرعية اصبحت كالغنم المتفرقة لغيبة الراعي ، فسارع ـ رحمك الله ـ في حقن الدماء ولَمّ الشَّعث ، واجمع الكلمة لصلاح ذات البين قبل تفاقم الامور وانتشار الامة ، فقد اصبح الناسُ على شفا جُرُفٍ هارٍ عمّا قليل منهار ، ان لم يُرأب ، فشمِّر لتأليف
__________________
الامة وابتغِ الى ربّك سبيلاً ، فقد أحكمتُ لك الامر على من قبلي لك ولصاحبك على ان الامر للمقدّم ، ثمّ لصاحبه من بعده ، جعلكما الله من أئِمة الهدى ، وبُغاة الخير والتقوى ، وسلك بكما قصد المهتدين ، ووهبكما رُشد الموفقين والسلام
.
مكاتبة معاوية بن ابي سفيان الى بني امية
وكتب الى مروان بن الحكم :
اما بعدُ ، فقد وصل اليّ كتابُكَ بشرحِ خبر قتل امير المؤمنين عثمانرضياللهعنه
، وما رَكبوه به ونالوه منه جَهْلاً بالله وجرأةً عليه ، واستخفافاً بحقِّهِ ، [ ولأماني لوّحَ ]
الشيطان بها في شركِ الباطل ليُدهْدهِم
في أَهْويَّاتِ الفِتَن ، ووَهداتِ الضلال ، ولعمري لقد صَدقَ إِبليسُ عليهم ظَنَّهُ ، اقتَنَصَهم بأنشَوطة فَخِّه ، فعَلَى رسْلِك يا عبدالله تَمشي الهُوَيْنَى وتكون اَوّلا ، فإذا قرأت كتابي هذا فكن كالفَهْد الذي لا يصطاد إلا غيلةً
، ولا يتشازر
الا عند حيلة ، وكالثعلب
لا يُفلِت الا رَوَغاناً ، وأخْفِ نفَسك منهم اخفاء القُنْفُذ رأسَه عند لمسِ الأكُفّ ، وامتهِنْ
__________________
نَفَسك امتهانَ مَن ييأس القوم من نصره وانتصاره ، وابحث عن أمورهم بَحْثَ الدّجاج عن حَبِّ الدُّخَن عند فقاسها ، وأنغل
الحجاز فأني مُنغل الشام ، والسلام
.
وكتب الى سعيد بن العاص :
اما بعدُ ، فقد ورد عليّ كتاب مروان بن الحكم من ساعةٍ حين وقعت النازلةُ ، تصل بها البُرُد
بسير المطيّ الوَجيف
، يتوجس
كتوجُّس الحيَّة الذَّكر خوف ضربة الفأس وقبضة الحاوي
، ومروان لا يكذبُ أهله ، فعلام الافكاك
يابن العاص ولات حين مناص ؟ وذلك انكم يا بني اميّة عمَّا قليل تسألون أَدْنى العيش من ابعد المسافة ، فَيُنكِرُكم من كان بكم عارفاً ، ويصدُّ عنكم مَن كان لكم واصِلاً ، فتتفرقون في البلاد ، وتتمنون لمظة
المعاش.
الا وان امير المؤمنين عُتِبَ عليه فيكم ، وقُتِلَ في سببكم ، فقبيح القعود عن نُصرته ، والطلب بدمهِ ! وانتم بنو اميّة ، ودون الناس منه
__________________
رَحماً وقُرباً وطُلاب ثأره ، فأصبحتم متمسكين [ بشظف معاشٍ زهيدٍ ]
قليل يُنزع منكم عند التخاذُل ، وضعْفِ القُوى.
فإذا قرأت كتابي هذا فدِبّ دبيبَ البُرد في الجسد النَحيف ، وسَرّ سير النجوم تحت الغمام ، واحشدُ حشد
الذرة في الصّيف لأنجحارها في الصّرد ، فقد ايدتكم بأسدٍ وتيمْ ، وكتب في آخر الكتاب
:
تالله لا يَذْهَبُ شيخي باطِلاً
|
|
حتى أُبيرَ مالِكاً وكاهِلاً
|
القاتِلين المَلِكَ الحلاحِلا
|
|
خيرَ مَعدٍ حَسَباً ونائِلاً
|
وكتب الى عبدالله بن عامر :
اما بعدُ ، فإنّ المنبر مركب ذلول سهل الرّياض لا ينازعك اللّجام ، وهيهات ذلك إلا بعد ركوب اثباج
المهالك ، واقتحام امواج المعَاطب ، فكأني بكم يا بني أميَّة شعارير
كالاوراق تقودها الحُداة
، أو كَرخَم الخَنْدَمة
تَذْرِفُ خوفَ العُقاب ، فثب الآن قبل ان
__________________
اي اجمع جمع الذرة.
يستشري الفساد ، ونَدبُ السَّوْطِ جديد ، والجُرْحُ لمَّا يَنْدَمِل ، ومن قبل استضراء الأَسَد ، والْتقَاءِ لحيْيهِ على فريستهِ ، وساوِر الامر مساورة الذئْب الأَطَلس
كَسِيرة القطيع ، ونازل الرأي ، وانَصِب الشَّرَك ، وأرمِ عن تمكن ، وضَع الهناء مواضع النُّقَب
، واجعل اكبر عُدَّتك الحذَرَ ، وَأَحَدَّ سَلاحِك التحريضَ ، وأَغْضِ عن العَوْراء ، وسامح عن اللّجُوجَ ، واستعِطِف الشارد ، ولاين الأَشوَس
، وقوِّ عزم المُريد ، وبادِرِ العَقَبة ، وأزْحَفْ زَحْفَ الحَيَّة ، وإسبق قبل أَن تُسْبَقَ ، وقُمْ قبل ان يقامَ لك ، واعلم أنّك غيرُ مَتروك ولا مُهْمَل ، فأني لك ناصح امين ، والسلام.
ثم انه كتب في اسفل الكتاب هذه الابيات شعراً
:
عليك سلامُ الله قيسَ بن عاصم
|
|
ورَحْمَتُهُ ، ما شاء أن يترحَّما
|
تحية مَن أَهدى السلام لأَهله
|
|
إذا شَطَّ داراً عن مزارك سَلَّما
|
فما كان قيسٌ هلْكُهُ هُلْكَ واحدٍ
|
|
ولكنّه بنيان قومٍ تَهدَّما
|
وكتب الى الوليد بن عُقْبة بن أبي معيط :
اما بعدُ ، يا ابْن عُقْبة : كِنُّ الجيش ، وطيبُ العيش ، أطيبُ من سَفْعِ
__________________
سَمُوم
الجَوْزاء عند اعتدال الشمس في أفقها ، إلا انّ أخاك
عثمان أصبحَ منك بعيداً ، فصرتُ بعده مزيداً ، فأطلب لنفسك ظلاً تأوي إليه فتستكنُّ به ، فأني اراك على التراب رقُودا ، وكيف بالرُّقادِ بك ؟ لا رُقادَ لك ! فلو قد استتبَّ هذا الامر لِمُريده اُلْفِيتَ كشريد النعام يفزَع من ظلّ الطائِر ، وعن قليل تشربُ الرَّنق
، وتستشعر الخوف
، ألا وانّي أراك فسيحَ الصَّدر ، مُسترخي اللَّبَب
، رَحُوَا الحِزام ، قليلَ الاكتراث ، وعن قليل يُجتَث أَصْلُك ، والسلام.
وكتب في آخره هذين البيتين شعراً
:
أخترت نومك ان هبت شامية
|
|
عند الهجير وشربا بالعشيات
|
على طلابك ثأرا من بني حكم
|
|
هيهات من راقد طلاب ثارات
|
وكتب الى يعلى بن اميّة :
اما بعدُ ، احاطك الله بكلاءته ، وأيَّدك بتوفيقه ، كتبتَ اليّ صبيحةَ وَرَدَ عليَّ كتابُ مروان بن الحكم ، يخبرني بأستشهاد أمير المؤمنين وشْرحِ الحال ، وانّه قد طالَ بهِ العمر حتى نقضَت قُواه ، وثقُلت نهضتهُ ،
__________________
وظهرت به الرِّعْشة في اعضائه ، فلما رأى ذلك منه اقوامٌ لم يكن لهم عنده موضعاً للامامةِ والامانة ، وتقليل الولاية ، وثبوا إليه وألَّبوا عليه ، فكان اعظم ما نقموا عليه وأعابوه به ، ولايتُك اليمن ، وطول مدّتك عليها ، ثمّ ترامى بهم الامر حالاً بعد حال ، حتى ذبحوه ذَبْحَ النَّطيحةِ مبادراً بها الموتُ
، وهو مع ذلك صائم ، معانقٌ المصحفَ ، يتلو كتاب الله تعالى ، فقد عظُمت مصيبةُ الاسلام باستشهاد صهر
الرسول ، والامام المقتول على غير جُرْمٍ سفكوا دمه ، وانتهكوا حُرْمته ، وانت تعلم ان بَيعتَهُ في أَعناقِنا ، وطلب ثأرهِ لازمٌ علينا ، فلا خيرَ في امرئٍ يعدلُ عن الحقِّ ، ويميلُ الى البَاطل ، عن نهج الصّدق ، النارُ ولا العار ، الا واِنّ الله جل ثناؤه لا يرضى بالتَّعذيرِ في دينه ، فشمِّر أطرافَكَ لدخولِ العراقين
، فأنّي قد كفيتُك الشام واهلها ، واحكمْتُ امرها ، واعلم اني كتبتُ الى طلحة بن عبيدالله ان يَلقاك بمكة لاجتماع رأيكما لاظهار الدعوة لطلب دمِ عثمان ، وكتبتُ أيضاً الى عبدالله بن عامر ، يمهد لكم اهل العراقين ويسهِّل لكم حُزُونة عِتابها واعلم ان القوم فاصدُوك بادئَ بَدْءٍ ، لاستنزاف
ما حوتهُ يداك من المال ، فأعلم ذلك واعمل على حَسَبِه ، ايدك الله تعالى بمشيئتهِ والسلام ، وكتب في اسفله هذه
__________________
الابيات شعراً
:
ظَلَّ الخليفةُ محصوراً يناشِدُهم
|
|
بالله طوراً ، وبالقرآن احيانا
|
وقد تألَّقَ اقوامٌ على حَنق
|
|
عن غير جُرْم ، وقالوا فيه بُهتانا
|
فقامَ يُذْكرهم وَعْدَ الرسول لهُ
|
|
وقولهُ فيه إِسراراً وإِعلانا
|
فقال : كُفُّوا فإِنّي مُعْتبٌ لكم
|
|
وصارِفٌ عنكُم يَعْلَى ومَرْوانَا
|
فكذبوا ذاك منه ، ثمّ سَاوَرَهُ
|
|
مَنْ حَاضَ لبتَّهُ ظُلماً وعُدْوانَا
|
في اجوبتهم لمعاوية ، قال :
فكتب مروان بن الحكم الى معاوية : اما بعدُ ، فقد وَصَلَ اليّ كتابك ، فنعمَ كتابُ زعيم العشيرة ، وحامي الذِّمارِ
، فأخْبرك أَن القوم على سننِ استقامةٍ [ إلا شظايا شُعب ]
شننت بينهم مَقْوَلي
على غير مجابهةٍ ، حسب ما تقدَّم من أمرك ، فأنما كان ذلك دَسيس
العُصاة ورَمْيَ الجذر من اغصان الدَّوْحة ، ولقد طويْتُ أَدِيمهم على نَغَلِ
يَحلَمُ منه الجلُدِ ، كذبت نَفسُ الضانّ بنا تَرْكَ المظِلمةِ ، وحُبَّ الهُجوع الا تهويمة
الراكب العَجل ، حتى تُجَذَّ الجماجمُ جذّ [ العراجين
__________________
المهَدَّلة حين ]
انبياعها ، وانا على صحة نيَّتَي ، وقوة عزيمتي ، لتحريك الرحم لي وغليان الدم مني. غير سابقك بقولٍ ، ولا متقدّمك بفعلٍ ، وانت ابنُ حرب وطلابُ التِّراتِ
، وابي الضّيم ، وكتابي إليك وانا كحَرْباء السَّبْسَب
في الهجير ترقُب عين الغزالة
، وكالسَّبُع المُفلِت من الشرك يَفْرَق
من صوت نفسه ، منتظراً لِمَا تَصِحُّ به عزيمتك ، ويَرِدُ به امرك فيكون العمل به والمحتذى عليه.
وكتب في اسفل الكتاب هذه الابيات شعراً
:
أيُقْتلُ عُثمان وتَرْقا دموعُنا
|
|
وَنرْقُدُ هذا الليل لا تتنزَّعُ
|
ونشرب بَرْد الماء ريّاً وقد مَضَى
|
|
على ضمأٍ يتلو القُران ويَركعُ
|
فأنّي ومَن حَجَّ المُلَبُّون بيتهُ
|
|
وطافوا به سعياً وذو العرش يسمعُ
|
سأمنع نفسي كلّ ما فيه لذَّةٌ
|
|
من العيش حتى لا يُرى فيه مَطمَعُ
|
وأَقْتُلُ بالمظلوم مَن كان ظالماً
|
|
وذلك حكمُ الله ما عنه مَدْفَعُ
|
وكتب عبدُالله بن عامر الى معاوية :
اما بعدُ ، فإنّ امير المؤمنين كان لنا الجَناح الحاضِنةَ تأوي إليها
__________________
فِراخها تحتها ، فلما أقصده السهمُ صرنا كالنعام الشاردِ ، ولقد كنتُ مشرَّد
الفكر ، ضال الفهم ، التمِسُ [ دريّة ]
استجنُّ بها من خَطَأ الحوادث ، حتى وقعَ اليَّ كتابُك ، فأنتبهت من غفلة طار فيها رُقادي ، فأنا كواجد المحجةِ
كان الى جانبها حائراً ، وكأني اُعاينُ ما وصفت من تصرُّف الاحوال ، فالذي أخبرك به ان الناس في هذا الامر : تسعةٌ لك ، وواحد عليك ، ووالله ان الموت في طلب العزِّ احسن من الحياة في الذلِّة.
وانت ابنُ حَرْب فَتَى الحروب ، ونصَّار بني عبد شمس ، والهِمَمُ بك منوطةٌ لأنّك مُنهضُها ، فإذا نهضتُ فليس لنا التخلف عنك ، بل ولا لأحدٍ من الناس القُعود حين نهوضك ، وانا اليوم على خِلاف ما كانت عليه عزيمتي :
من طلب العاقبة ، وحُبِّ السلامة قبل قرعِك سُويداء
القلب بسَوْط الملام ، ولنعْمَ مؤدِّب العشيرة انت ، وإنّا لنرجوك بعد عثمان كهفاً لنا ، نتوقع لوعدك ، نترقب لامرك وما يكون منك لأمتثله واعمل عليه ، إن شاء الله تعالى.
__________________
وكتب في اسفله هذه الابيات شعراً :
لا خيرَ في العيشِ في ذلٍّ ومَنْقصةٍ
|
|
فالموتُ أحسنُ من ضيْم ومن عارِ
|
إنّا بنو عبد شمس معشرٌ أنُفٌ
|
|
غُرٌّ جحاجحةٌ طُلابُ اوتارِ
|
واللهِ لو كان ذَميُّ مُجاورنا
|
|
ليطلب العَزّ لم نقعد عن الجارِ
|
فكيف عثمان إذ يدفنُ بمزبلةٍ
|
|
على القُمامةِ مطروحاً بها عارِ
|
فازحف اليّ فاني زاحفٌ لهمُ
|
|
بكلِّ ابيض ماضِ الحدِّ بتّارِ
|
وكتب الوليد بن عقبة بن ابي معيط الى معاوية :
اما بعدُ ، فإنّك ابنُ حرب
وسيدُ قريش ، واكملهم عَقْلاً ، واحسنهم فَهْماً ، واصوبهم رأياً ، واعرفهم لحُسن السياسة
، إذ انت معدن الرِّياسة
، تُورِد بمعرفةٍ ، وتُصْدر عن مَنْهَلٍ رويّ ، مُنَاويك كالمنقلب من العيون ، تهوي به عواصف الشِّمال في لُجَّةِ البحر.
كتبت اليّ تذكر كنَّ الجَيش ، ولينَ العيش ، [ فملأتُ بطني على حِمام ]
الى مُسكةَ الرَّحق
، حتى اَفْرِي أوْداجَ قَتلةِ عُثمانرضياللهعنه
__________________
فرْيَ الأهُبَ
بشبا الشفار
، واما اللّينُ فهيهاتَ ، إلا خُفيةَ الموت إذ يرتقبُ غفلة الطالب ، فإنا على مُداجاةٍ
ولم نُبدِ صَفَحاتنا بعدُ ، وليس دون الدَّم بالدم مَزْحَل
إذ لا يخفى عند ذوي المعرفة والمروءة ان العار منقصة والضعفَ ذلّ ، أيَخْبطُ قتلة عثمان زهوة الحياة الدنيا ، ويسقون برد العين ، وكما يمتطوا الخوف ، ويستحلسوا
الحذر مع بعدُ مسافة الطَّرد
، وامتطاء العقبة الكئود
وفي الرحلة ؟
لا دُعيتُ لعقبة ! ان كان ذلك ، حتى انصب لهم حرباً ، تضع الحوامل لها اطفالها ، فقد ألْوَت
بنا المسافة ، ووردنا حياض المنايا ، وقد عَقلتُ نفسي على الموت عقل البعير ، واحتسبتُ اني قتيل ثاني بعد عثمان أو أقتل قاتله ، فعجِّل عليّ بما تتوقاه من رأيك الحسن
، فإنا منوطون بِكَ منتظرون لوعدك متبعون لعقبك ، [ ليس لنا من مخالفٍ لامرك ]
، ولم احسب الحالَ يتراخى بك الى هذه الغاية لما انا خائف
__________________
من احكام القوم لأمورهم ، كما لا يخفى عليك ، والسلام عليك.
وكتب في اسفل الكتاب هذه الابيات شعراً
:
نومي عَليَّ محرّمٌ ان لم أقُمْ
|
|
بدم اِبنِ أمِّي من بني العَلاتِ
|
قامت عليّ إذ قعدتُ ولم أقُمْ
|
|
بطلابِ ذاك مناحةُ الامواتِ
|
عذُبتْ حياضُ الموت عندي بعدما
|
|
كانت كريهة مَوْرِد النّهلاتِ
|
وكتب يعلى بنُ اميّة الى معاوية :
اما بعدُ ، فانا وانتم بني اميّة كالحَجر ، الذي لا يُبْنَى بغير مَدَر
، وكالسّيفِ لا يقطع الا بضاربه. وصلَ اليّ كتابك يخبرنا بخبر القوم وحالهم ، فلئن كانوا ذبحوه ذبحَ النطيحة بُودِرَ بها الموتُ ، فاِنّا بني اميّة ، والله لنخرجنّ ذابحه ، ولننحرنه نحر البدنه
وافى بها الهَدْيُ الاجل !!
ثكلتني
من انا ابنها ان نمتُ عن طلب وتر عثمانرضياللهعنه
، من ان اذبح القوم ، واني مدلج
وان كان قصدهم ما حوته يداي من المال ، فالمال أيسرُ مفقود ان دفعوا الينا القاتل ، وان منعوا عن تسليمه ، أنفقنا المال على قتالِهِم ، وانّ لنا واياهم لمعركةً [ نتناحر فيها نحر الجزَّار
__________________
النقائِع عن قليل تصلُّ لحومها ]
. وكتب في اسفل الكتاب
:
لِمثْلِ هذا اليوم اُوصي الناسُ
|
|
لا يعط ضَيْماً أو يحزَّ الراسُ
|
وأمّا سعيد بن العاص فأنه كتب الى معاوية بخلاف ماكبت إليه القوم فهذه صورة كتابهِ إليه :
اما بعدُ ، فإنّ الحزمَ في التثبّت ، والخَطأ في العَجلة ، والشُّؤم في البِدار ، واسهم سَهْمك ما لم يَنْبض به الوَترُ ، وان يردَّ الحالَبُ في الضَّرع اللبَنَ ، قد ذَكرتَ ما لعُثمان علينا من الحقوقِ والقرابة فيه ، وانه قُتل فينا ، فهنا خَصلتان ذكْرُهما نقصٌ ، والثالثة تكَذُّبُ
، وامرتنا بطلب دمه ، فأيُّ جهة تسلُك فيها ابا عبد الرحمن ؟ رُدِمَت الفجاج
، واُحْكِم الامرُ عليك ، وَوَلِي زِمامَهُ غيرك ، فدعْ مناوأة من لو كانَ افترش فِراشه صدر الامر لم يعْدل به غيره ، وقلت : كأنّا عن قليل لا نتعارف ، فهل نحن الا حيٌّ من قريش ، ان لم تنلنا الولاية لم يفتئ عن الحقّ ؟ انها خلافة منافية
، وبالله أقسِمُ قسماً باراً لئن أصبَحت عزيمتك على ما ورد به
__________________
كتابك لأَلفَيتكَ في الحالتين طليحا
، وهبني اخالُك بعد خَوْضَ الدماء تنالُ الظفر ، هل في ذلك عوَض من ركوب المآثم ونقص في الدين.
اما انا فلا علي بني اميّة ولا لهم عليّ ان اجعل الحزم داري والبيت سجني واتوسد الاسلام ، واستشعر العاقبة ، فأعدل ابا عبد الرحمن زمام راحلتك الى محجة الحقّ ، واستَوْهب العافية لاهلك وعشيرتك ، واسعطف الناس على قول الصدق قبل ان تهلك ]
.
[ وهيهات من قبولك ما اقول حتى يفجِّر مروانُ ينابيعَ الفتن وأجّجُ في البلاد ، وكأني بكما عند ملاقاة الاقران تعتذران بالعذر ، ولبئس العاقبةُ الندامةُ عمّا قليل يَضَحُ الامر لك والسلام ]
.
كتاب محمد بن ابي بكر الى معاوية بن ابي سفيان
قال أبو عليّ أحمد بن الحسين بن احمد بن عمران في كتاب « الاختصاص »
: ان محمد بن ابي بكررضياللهعنه
كتب الى معاوية بن ابي سفيان :
اما بعدُ ، فانّ الله بجلالته وعظمته وسلطانه وقدرته على كافة خلقه
__________________
وعز برهانه ، [ خلق خلقه ]
بلا عبثٍ منه ولا ضعفٍ في قوةٍ ولا من حاجة له إليهم ، ولكنّه سبحانه خلقهم عبيداً فجعل منهم غويّاً ورشيداً
وشقياً وسعيداً ، ثمّ اختار على علم فأصطفى وانتخب
محمداًصلىاللهعليهوآلهوسلم
فاصطفاه نجيباً وانتجبه خليلاً فبعثه برسالته امينا وأرسله بوحيه وائتمنه على أمرهِ رسولاً مصدّقاً وهادياً ودليلاً ومبشراً ونذيراً ، فكان اوّل من أجاب وصدّق وأناب وآمن واسلم ، وسلم اخوه وابن عمه وصفيّه ووصيّه ووارث علمه ، وخليفته من بعده بوحي من الله عزّوجلّ لنبيهصلىاللهعليهوآله
، فنصّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله
على أمير المؤمنين عليّ بن ابي طالبعليهالسلام
فصدقه بالغيب المكتوم ، وآثره على كل حميم ، ووقاه كل هول ، وواساه بنفسه في كل خوف ، فحارب من حاربه وسالم من سالمه ، ولم يزل باذلاً نفسه بين يديه في ساعةِ الخوف والجوع والجدّ والهزل ، حتى اظهر الله تعالى دعوته ، وافلج حجته.
وقد رأيتك ايّها الغاوي
تساميه وانتَ انتَ ، وهو هو المبرز
السبّاق في كل حين ، اصدق الناس نيّةً وافضلهم سجيةً واخصّهم زوجة وارفعهم منزلة ، الباذل رُوحه حينَ مهاجرته عن اعدائه ، والنائم على
__________________
فراشه والشاري بنفسه يوم موته ، وعمه سيد الشهداء يوم احدٍ ، وابوه الذابُّ اعداء الله عن وجه رسول اللهصلىاللهعليهوآله
وعن حوزته ، وانتَ انتَ لم تزل انت وابوك تبتغيان عليهما الغوائل ، وتجتهدان على اطفاءِ نور الله باجتماعكما الجموع ، وتؤلبان
عليهما القبائل ببذل الاموال ، وقد هلك على ذلك ابوك وعليه خلفك ، والشاهد عليك بفعلك من يأوي
ويلجأ اليك من بقية الاحزاب ورؤوس النفاق والشقاق لرسول اللهصلىاللهعليهوآله
وأهل بيته ، والشاهد لعليعليهالسلام
بفضله المبين وسبقهالقديم ، انصاره والذين معه وهُم الذين ذكرهم الله تعالى وفضلهم في القرآن المجيد واثنى على المهاجرين والانصار ، منهم معه كتائب وعصائب [ من حوله يجادلون بأسيافهم ويهرقون دماءهم دونه ]
يرون الفضل في اتباعه والشقاء في خلافة أمره ، فلك الويل ثمّ الويل ، كيف تعدل نفسك بعليعليهالسلام
وهو أخو رسول اللهصلىاللهعليهوآله
وابو ولديه ، وشريكه في امره بخيره وشرّه ، وانت عدوُّهُ وابن عدوّهِ ، فتمتع بباطلك إذ يمدّك ابن العاص في غوايتك ، وكأنّ اجلك قد انقضى وكيدك قد وهى ، واعلم أنّك قد كايدت ربّكَ الذي أمنت كيده في نفسك ، وآيست من روحِهِ وهو لك لبالمرصاد وانت منه في غرور وعناد ، [ وبالله ورسوله واهل رسوله عنك الغنى ، والسلام على من اتبع الهدى ]
.
__________________
وكتب في اسفل الكتاب هذه الابيات شعراً
:
معاوي ما أمسى هوى يستقيدني
|
|
إليك ولا أخفي الذي لا اعالنِ
|
ولا أنا في الاخرى إذا ما شهدتها
|
|
بنكسٍ ولا هيابة في المواطنِ
|
حللت عقال الحرب جبناً وانّما
|
|
يطيبُ المنايا خائناً وابن خائنِ
|
فحسبك من احدى ثلاث رأيتها
|
|
بعينك أو تلك التي لم تعاينِ
|
ركوبك بعد الامن حرباً مشارفاً
|
|
وقد ذميت اضلافها والسناسنِ
|
وقدحك بالكفين توري ضريمة
|
|
من الجهل ادتها اليك الكهائنِ
|
ومسحُك اقراب الشموس كأنها
|
|
تبس بأحدى الداحيات الحواضنِ
|
تنازع اسباب المروءة اهلها
|
|
وفي الصدر داء من جوى الغلِ كامنِ
|
جواب معاوية بن ابي سفيان لمحمد بن ابي بكررضياللهعنه
فأجابه معاوية بهذا الكتاب
:
بسم الله الرحمن الرحيم
من معاوية بن ابي سفيان الى محمد بن ابي بكر الزاري على أبيه [ خليفة رسول اللهصلىاللهعليهوآله
]
، اما بعدُ ، وصَلَ
اليّ كتابُك وما ذكرت فيه [ من أنّ الله ]
بعظمته وسلطانه وقدرته قد اصطفى رسوله مع كلام ألفته
__________________
ووضعته
، فيه لرأيك تضعيف ، ولابيك فيه تعنيف وتفضيل
لابن ابي طالب وقديم سوابقه وقرابته من رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، ونصرته له ومواساته اياه في كل خوف وهول
، فكان احتجاجك عليّ وعيبك لي بفضل غيرك لا بفضلك ، فأحمد ربّك
الذي صرف ذلك الفضل عنك وجعله لغيرك. وقد كنا وابوك معاً في حياة نبينا محمدصلىاللهعليهوآله
نرى حقّ عليّ بن ابي طالب لازماً لنا ، وفضله مبرزاً علينا ، حتى اختار الله لنبيهصلىاللهعليهوآله
ما اختار الله إليه ، وقد اتمّ له وعده ، واظهر له دعوته ، وافلج له حجته ، ثمّ قبضه الله إليه ، فكان أوّل من أبتز حقه ابوك وفاروقه
وخالفاه في امره ، على ذلك [ اتفقا واتسقا ]
بينهما ، ثمّ انهما دعواه ليبايعهما [ فأبطأ عنهما وتلكأ عليهما ]
فلم يأتهما ، فهما به الهموم ، وأرادا به العظيم ، فعند ذلك بايع لهما وسلم
، فلم يشركاه في امرهما ، ولم يطلعاه قط على سريرتهما ، حتى قبضا على ذلك ، ثمّ قام بعدها عثمانرضياللهعنه
فأقتدى بهديهما ، [ حتى طمع فيه الاقاصي من اهل المعاصي
__________________
وبطنتما له ]
واظهرتما العداوة له حتى بلغتما فيه مجهودكما ، ونلتما منه مناكما ، فخذ حذرك يا ابن ابي بكر ، وقس شبرك بفترك ، فكيف توازي من يوازي الجبال حلمه ، ولا تعب من مهد [ له ابوك ]
مهاده ، وطرح لملكه وسادة ، فإن يكن ما نحن فيه صواباً فأبوك فيه أوّل من اسس بناءه ، فنحن بهديهم اقتدينا وبفعلهم احتذينا ، ولولا ما سبق إليه ابوك وفاروقه لما خالفنا الكتاب ونصّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، بل فأسلمنا إليه ، واجتمعنا لديه ، فليكن عيبك لابيك ، فعبه بما شئت أو دع ، والسلام.
خروج الزبير وطلحة بعائشة الى البصرة
قال المسعودي :
ولمّا ورد كتاب معاوية الى طلحة بن عبيدالله والزبير بن العوام ، لم يشكا في صدقه بالنصيحة لهما فأجتمعا على خلاف امير المؤمنين عليّ بن ابي طالبعليهالسلام
فهمّا إليه وقالا : يا امير المؤمنين لقد علمنا
ما نحن فيه من الجفوة في زمن خلافة عثمان
[ واختصاصه عنّا ببني اميّة ]
__________________
دوننا ، وقد منَّ الله تعالى عليك بالخلافة من بعده ، فولّنا بعض عمّالِك.
فقالعليهالسلام
: ارضيا بما قسم الله تعالى لكما حتى أرى رأيي ، واعلما اني لا اُشرك في امانتي الا من أرضى بدينه وأمانته من اصحابي ومن عرفت دخيلته.
فداخلهما اليأس فاستأذناه للعمرة فخوفهما من الله ومن التسرع في الفتنة ، فأنصرفا عنه وتوجها الى مكّة ، فلم يلقيا أحداً من الناس إلا استحثاه على الخروج معهما ، فيسألهما عن خروجهما على أمير المؤمنينعليهالسلام
.
فيقولان : ليس له في اعناقنا بيعة برضى مِنّا وإنما صدرت منّا مبايعتنا له كُرهاً منّا وجبراً علينا ، فبلغه قولهما ، فقالعليهالسلام
: أبعدهما الله تعالى ، والله لقد علمت انهما سيقتلان انفسهما [ أخبث مقتل ويأتيان من وردا عليه بأشأم يوم ]
والله ما العمرة يريدان ، ولقد أتياني بوَجهين فاجرين ورجعا بوجهين غادرين ناكثين ، والله لا يلقيان بعد اليوم إلا كتيبة خشناء يقتلان فيها انفسهما فبُعداً لهما وسحقاً
.
فلما بلغ أمير المؤمنينعليهالسلام
مسير طلحة والزبير بعائشة الى البصرة ، قال :
ان كل واحدٍ منهما يريد الخلافة لنفسه دون صاحبه ، فادعاء طلحة
__________________
للخلافة لانه ابن عبيدالله عمّ عائشة ، وادعاء الزبير لانه صهر ابيها ، والله ، لئن ظفر الزبير بطلحة ليضربن عنقه ! وان ظفر طلحة بالزبير ليضربن عنقه ! فلا بد من تنازعهما على هذا الملك.
والله ، انها الراكبةُ الجمل ! لا تحلُّ عقدة ، ولا تسير عقبةً ، ولا تنزل منزلاً إلا ولله فيه معصية ، حتى تورد نفسها ومن معها مورداً يُقتَل وليُّهم ، ويهرب تليّهم ، ويرجع عليهم غيهم.
والله ، إنّ طلحة والزبير ليعلمان انهما يخطيان ويجهلان ولربّ عالم قتله جهله ومحله معه لا ينفعه ، والله ، لتنبحها كلاب الحوأب !! فهل يعتبر معتبراً ويتفكر متفكراً ، لقد قامت الفئة الطاغية فأين المحسنون ؟
خطبة أمير المؤمنينعليهالسلام
حين بلغه مسير طلحة والزبير الى البصرة
قال الشيخ المفيد;
في أرشاده
:
لما بلغ أمير المؤمنين عليّ بن ابي طالبعليهالسلام
مسير طلحة والزبير بعائشة الى البصرة ، صعد المنبر ، فحمد الله واثنى عليه ، وصلى على النبيّصلىاللهعليهوآله
ثمّ قال :
اما بعدُ ، ايّها الناس
: إنّ الله عزّوجلّ بعث نبيه محمداً صلى الله
__________________
عليه وآله الى الناس كافةً ، وجعله رحمةً للعالمين
، فصدع بما امره بهِ ، وبلغ رسالاته ، فلّم به الصدع ، ورتق به الفتق ، وأمن به السبل ، وحقن به الدماء ، وألف به ذوي الاحن والعداوة ، والوغر في الصدور ، والضغائن الراسخة في القلوب ، ثمّ [ قبضه الله إليه ]
حميداً لم يقصر في الغاية التي إليها ادى الرسالة ، ولا بلغ شيئاً كان في التقصير عنه وكان من بعده ما كان من التنازع في الامر ، فتولى أبو بكر وبعده عمر ، ثمّ تولى عثمان ، [ فلما كان ]
من امره [ ما ]
عرفتموه ، وأتيتموني
، فقلتم : بايعنا
، فقلت : لا افعل ، فقلتم : بلى
.
فقلت : لا
، وقبضتم على يدي فبسطتموها وانا كاره فنازعتكم ، فجذبتموها !! ، وقد تداككتم علي تداك الابل الهيم على حياضها يوم ورودها حتى ظننت انكم قاتلي ، وان بعضكم قاتل بعضاً ، فبسطت يدي فبايعتموني مختارين ، [ وبايعني في اولكم ]
طلحة والزبير
__________________
طائعين [ غير مكرهين ] !!.
ثم لم يلبثا حتى استأذناني في العمرة ، والله يعلم انهما أرادا الغدرة ، فجددتُ عليهما العهد في الطاعة ، وان لا يبغيا في الامة
الغوائل ، فعاهداني ثمّ لم يفيا لي
، فنكثا بيعتي ونقضا عهدي
فعجباً لهما من انقيادهما [ لابي بكر وعمر وخلافهما لي ]
، ولستُ بدون احد الرجلين ، ولو شئت ان اقول اللهم احكم عليهما بما صنعا [ في حقي وصغرا من امري ] وظفرني بهما.
ولهعليهالسلام
خطبة أخرى
وقالعليهالسلام
في مقامٍ آخر في هذا المعنى ، بَعد أنْ حَمِد اللهَ وأثنى عليهِ ، وصلّى على النبيّصلىاللهعليهوآله
:
أمّا بعدُ ، أيّها الناس
فانّ اللهَ عزّوجلّ لمّا قَبضَ نبيَّهُصلىاللهعليهوآله
، قُلنا نحنُ أَهل بيتهِ وعصبتُهُ وَوَرثتُهُ وأولياؤهُ وأحقُّ [ الناسُ بالامرِ
__________________
والخلافةِ ]
، لا نُنازع في حقّهِ وسُلطانهُ ، فبينا نحن [ كذلك ]
إذ نفر قومٌ من المنافقين حتى انتزعوا سُلطانَ نبينا منّا ، وَوَلّوهُ غيرنا ، فَبكتْ ـ والله ـ لذلك العُيونُ والقُلوبُ منَّا جميعاً معا ، [ وخشنت ] له الصُّدورُ ، وجَزعَت النَّفوسُ منَّا جزعاً أرغمَ ، وايمُ الله [ لولا ] مخافتي الفرق بين المسلمين وأن يقود أكثرهم الى الكفرِ ويعَور الدْينُ ، لكُنّا قد غيّرنا ذلك بما استطعْنا. وقد بايعتموني الآن وبايعني هذان الرجلان طلحةُ والزّبيرُ على الطَّوْعِ منهما ومنكم [ الايثار ]
، ثمّ نهضا يُريدان ببغيهما
البصرة ، ليُفرّقا جماعتكم ويُلقيا بأسَكم [ بينكم ] ، اللّهم فخُذهما [ بغشّهما ] ، لهذه الامة واخذل بيعتهما لهذه الامة وبسوء نظرهما للعامة
.
ثم قالعليهالسلام
: انفروا
رحمكم الله لطلب الناكثين القاسطين الباغين قبل ان يفوتا ، [ فتداركوا ما خبياه ]
.
ومن كلامهعليهالسلام
فخرجا يجران
حرمة رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، كما تجرُّ الأَمَةُ عندَ
__________________
شرائِها مُتَوَجّهين بها الى البَصْرة ، [ فحَبَسا نساءهم في بيوتهم ]
، وابرزا حبيس
رسول اللهصلىاللهعليهوآله
لهما ولغيرهما في جيش ، فما منهم رجلٌ إلا وقد اعطاني الطاعة ، وسمح لي بالبيعة طائعا غير مكره
.
فَقدموا عَلى عَامِلي بهَا وخُزّان بيت مالِ المُسلمِينَ الذي في يدي ، وعلى اهل مصر كلهم في طاعتي وعلى بيعتي ، فشتَتوا شملهم وفرقوا كلمتهم ، وأفسدوا جَماعتهمْ ، وَوَثبُوا على شِيعتي
فقتلوا طائفة منهم غدراً ، [ وطائفةً عَضّوا على أسْيافهِم فَضَارَبوا بِها حَتى لَقوا الله صادِقينَ ]
.
فوَالله لَوْ لَمْ يصيبوا من المُسْلمين الا رَجُلاً واحِداً مُتعمِدِين لِقَتْلِهِ ، بلا جُرْمٍ لحلَّ قتلُ ذَلِكَ الجيش كله ، إذ حضروه ، فلم ينكروا ولم يدفعوا عنه بلسانٍ ولا بيد ، دع ما انهم قد قتلوا من المسلمين مثل العدة التي دخلوا عليهم ، [ وقَتَلوا من السبابجة أَربعمائة رجل ، وعَزَرتا بِولاتِها ]
.
__________________
فصل في خروج ام المؤمنين عائشة رضي الله
عنه الى البصرة ونصح ام سلمة زوجة رسول اللهصلىاللهعليهوآله
لها
قال أبو عليّ احمد بن الحسين بن احمد بن عمران : فيما استخرج من كتاب « الاختصاص »
حدثني محمد بن عليّ بن شاذان ، قال : حدثنا احمد بنُ يحيى النحوي أبو العبّاس [ ثعلب ]
، قال : حدثنا احمد بن سهل أبو عبد الرحمن ، قال : حدثنا يحيى بن محمد بن اسحق بن موسى ، قال : حدثنا احمدُ بن قتيبة أبو بكر ، عن عبد الحكيم [ القتيبي ]
، عند ابي [ كبسه ]
، ويزيد بن رومان ، قالا :
لما قصدت عائشةرضياللهعنه
الخروج على امير المؤمنين عليّ بن ابي طالبعليهالسلام
أتت الى ام سلمة بمكة المشرفة ، وقالت لها :
يا بنت ابي
اميّة لقد كنتِ كبيرة امهات
المؤمنين ، وكان رسول
__________________
اللهصلىاللهعليهوآله
يقيم ببيتكِ ويقسم لنا وينزل عليه الوحي ، [ قالت لها يا بنت ابي بكر ]
ولقد زرتني [ وما كنت زوّارةً ولامر ما تقولين ]
. [ قالت : ان اخي ]
وابن اخي اخبراني ان عثمان قُتِلَ مظلوماً ، وان بالبصرة مائة الف [ سيف يطاعون ]
، فهل لك في الخروج معي لعل الله ان يصلح امر المسلمين من التشاجر بين الفئتين ؟
[ فقالت : يا بنت ابي بكر أبدم عثمان تطلبين ]
؟ فلقد كنت أشدّ الناس عليه عداوةً ، وان كنت لتدعينه بالتبرئ ، ام امر ابن ابي طالب تنقضين
!
__________________
ولقد نص عليه رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، والآن قد بايعته المهاجرون والانصار ، وان ذلك سدة بين رسول اللهصلىاللهعليهوآله
وبين امتهِ ، وحجابه مضروب على حرمه ، وقد جمع [ القرآن ذلك ]
فلا [ تبذخيه ]
وسكني عقيراك فلا تضحي بها [ الله من وراء ]
هذه الامة ، قد علم رسول اللهصلىاللهعليهوآله
مكانك ، ولو أراد ان يعهد اليك فعل.
وقد نهاك رسول اللهصلىاللهعليهوآله
عن الفراطة في البلاد ، فأن عمود الاسلام لا يرأبه النساء ان اثلم ولا يشعب بهن ان انصَدع ، حماديات النساء غض الاطراف وقصر الوهادة ، وما كنتُ قائلة لو ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله
عَرضَ لك ببعض الفلوات وانت ناصة قلوصاً من منهلٍ الى آخر بعين الله مهواكِ ، وعلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله
تردين قد وجهت سدافته وتركت عهده.
اقسمُ بالله لئن سرتُ مسيرك هذا ، ثمّ قيل لي : ادخلي الفِردوسَ لاستحييت ان القي رسول اللهصلىاللهعليهوآله
هاتكةً حجاباً قد ضربه علي ، فأجعلي حصنكِ بيتك
، وقاعة الستر قبرك حتى تَلقَيهِ وانت على
__________________
ذلك اطوع [ ما تكونين لله ما التزمتيه ، وابصري ما تكونين للدين ما جلست عند بيتك ]
.
ثم قالت : لو ذكرتك من رسول اللهصلىاللهعليهوآله
خمساً في عليعليهالسلام
لنهشتيني نهش الحية الرقشاء المطرقة ذات الحبب. اتذكرين اذ كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله
يقرع بين نسائه إذا أراد سفراً ، فأقرع بينهنّ فخرج سهمي وسهمك ، فبينا نحن معه وهو هابط من قديد ومعه عليٌّعليهالسلام
يحدثه ، فذهبت لتهجمي عليه ، فقلتُ لك : رسول اللهصلىاللهعليهوآله
معه ابن عمّه ولعل له إليه حاجةٌ ، فعصيتِني ورجعتِ باكيةً فسألتك ، فقلت : إنّكِ هجمت عليهما ، فقلتِ له يا علي : انما لي من رسول اللهصلىاللهعليهوآله
يوم من تسعة أيام وقد شغلته مني ! فأخبرتيني انه قال لك : أتبغضينه ؟ فقلت : كيف أبغضه وهو أخوك وابن عمّك ، واحب الناس اليك.
فقالصلىاللهعليهوآله
: ما يبغضه أحد من اهلي ولا من امتي إلا خرج من الايمان. قالت : نعم.
__________________
انظر : روح المعاني ٢٢ : ٦ ، الدر المنثور ٥ : ١٩٦.
[ ويوم اراد ]
رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
[ سفراً ]
وانا أجشُ له جشيشاً فقال [ ليت شعري ]
ايتكنّ صاحبة الجمل الاحدب
تنبحها كلاب الحوأب ، فرفعت يدي من الجشيش ، وقلتُ : اعوذ بالله من ذلك ان اكون.
فقالصلىاللهعليهوآله
: والله لا بُدّ لاحدكما ان يكونه [ إتقي الله ]
يا حميراء ، ان تكونيه !! ، أتذكرين هذا ؟! قالت : نعم.
ويوم تبذلنا لرسول اللهصلىاللهعليهوآله
، فلبست ثيابي ولبستِ ثيابكِ ، فجاء رسول اللهصلىاللهعليهوآله
الى جنبك.
فقالصلىاللهعليهوآله
: أتظنين يا حميراء اني لا اعرفكِ ؟ اما ان لأمتي منك يوماً [ مراً أو يوماً ]
، أتذكرين هذا ؟ قالت : نعم.
ويوم كنت انا وانت ذات يوم مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، فجاء ابوك وصاحبه يستأذن الدخول ، فدخلت الخدر.
فقالا : يا رسول الله ، انا لا ندري قدرَ مقامكَ فينا ، فلو جعلت لنا انساناً نأتيه بعدك.
__________________
فقالصلىاللهعليهوآله
: امّا اني اعرف مكانه واعلم موضعه ، فلو أخبرتكم به لتفرقتم عنه كما تفرقت بنو اسرائيل عن عيسى بن مريمعليهالسلام
.
فلما خرجا خرجت إليه انا وانتِ حزينة عليه ، فقلت له : يا رسول الله من كنتَ جاعلاً لهم ؟
فقالصلىاللهعليهوآله
: خاصف النعل [ وغاسل الثوب ]
وكان عليّعليهالسلام
يخصف نعل رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، ويغسل ثوبه إذا اتسخ.
فقلت : ما أرى إلا علياً ؟ فقالصلىاللهعليهوآله
: هو ذاك ، أتذكرين هذا
؟ قالت : نعم.
قالت : يوم جمعنا رسول اللهصلىاللهعليهوآله
في بيت ميمونة فقالصلىاللهعليهوآله
:
يا نساء
النبيّ ، أتقين الله ولا يسفرنّ
بكنّ احدٌ ، أتذكرين هذا
؟ قالت : نعم.
[ يا حميراء إنّك لتقاتلين علياً وانت ظالمةٌ له !! ]
قالت نعم.
فقالت عائشةرضياللهعنه
: لقد سمعتُ وفهمتُ قولك [ وقبلتُ نُصحكِ
__________________
ووعظك لي ]
وأسمعني لقولك فأن اخرج ففي غير حرج ، وان أقعد ففي غير بأس.
ثم انها أمرت ان يُنادى في الناس : من أراد الخروج فليخرج ، فأنّ ام المؤمنين نأت عن الخروج.
فدخل عليها عبدالله بن الزبير بن العوام [ فنفث في أذنيها كنفث الحيّة لسمّها ، وقلبها في الذروة ]
، فأمرت ان يُنادى في الناس ان ام المؤمنين خارجة فمن أراد الخروج فليخرج معها. فأنشأت ام سلمة تقول هذه الابيات شعراً
:
لو ان معتصما من زلة احد
|
|
كانت لعائشة [ العتبى على ]
الناس
|
كم سنة لرسول الله تاركة
|
|
وتلو آيٍ من القرآن مدراس
|
قد ينزع من اناس عقولهم
|
|
حتى يكون الذي يقضى على الناس
|
__________________
في النسخة : الدنيا بغي ، وصوابه كما في الاختصاص.
لو ان معتصما من زلة احد
|
|
كانت تبدل [ إيحاشا بايناس ]
|
تحرك القوم الى البصرة
قال : فكان قصدهم الشام ، فصادفهم في اثناء الطريق عبدالله بن عامر عامل عثمان على البصرة قد صرفه امير المؤمنين بحارثة بن قدامه السعدي واخذ البيعة من اهلها ، فقال لهم عبدالله بن عامر : اعلموا أني امسّ منكم خبراً بمعاوية ، انه لا ينقادُ اليكم ولا يعطيكم ما هو ضامرٌ عليه في نفسه ، فمشورتي عليكم ان تنتحوا عنه ، وعليكم بحفظ البصرة فأنها كثيرة الضياع والعدة ، وجهزهم بألف الف درهم
ومائة من الابل وغير ذلك.
واما يعلى بن منية اعطاهما أربعمائة الف درهم
، وكراعاً وسلاحاً ، والجمل المسمى ب ( عسكر ) الذي ركبته قد اشتراه بمائتي دينار ، فكان عسكرها ثلاثين الفاً ، وعسكر امير المؤمنين عليّعليهالسلام
عشرين الفاً.
فلما انتهى بهم المسير الى الموضع المعروف بالحوأب
احد
__________________
منازل بني عبس ، وجدوهم نازلين على مائة فعوت بهم كلابهم.
فقالت عائشةرضياللهعنه
: ما اسم هذا الموضع الذي عوت بنا كلابُ اهله ؟
فقال لها قائد جملها : هذا الحوأب « الحوأب احد منازل بني عبس » وهذه كلابهم ، فتذكرت ما قال لها رسول اللهصلىاللهعليهوآله
.
فقالت : ردوا بي الى حَرَمِ رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، لا حاجة لي في هذا المسير وكان طلحة والزبير في السّاقة ، فلحقا بها واقسما لها ان ليس هذا بالحوأب ، انما سائق الجمل غلط في قوله لك !! وشهد لها خمسون رجلاً ممن معهم !! فكانت هي أوّل شهادة زور وقعت في الاسلام.
فسارت حتى قدمت البصرة ، فمانعهم دونها عثمان بن حنيف والخزان والموكلون بها من قبل امير المؤمنينعليهالسلام
.
ففي بعض الليالي نزغ لهم الشيطان فثاروا عليه وضربوه وأسروه
__________________
ونتفوا لحيته ! وأرادوا قتله ، إلا انهم خافوا من أخيه سهيل.
وفي رواية فساروا حتى انتهوا بالحوأب ، اسم موضع لبني كلاب ، فوجدوهم عليه فعوت بهم كلابهم ، فقالت عائشةرضياللهعنه
: ما اسم هذا الموضع ؟ قال سائق الجمل : هذا الحوأب ! فذكرت ما قال لها رسول اللهصلىاللهعليهوآله
فقالت : ردوني لا حاجة لي بهذا المسير.
فقال طلحة والزبير وخمسون رجلاً منهم : تاللهِ ما هذا الحوأب !! فهي أوّل شهادة زور وقعت في الاسلام.
ثم قدموا البصرة ، فمانع عنها عثمان بن حنيف والخزان والموكلون ، فوقع بينهم القتال ، فقتلوا منهم سبعين رجلاً ، ثمّ اصطلحوا ، ثمّ اسروا عثمان وضربوه ونتفوا لحيته ، وأرادوا قتله إلا انهم خافوا من اخيه سهيل
.
فصل في توجه أمير المؤمنينعليهالسلام
الى البصرة
قال : بعد مضي اربعة اشهر توجه امير المؤمنينعليهالسلام
في سبعمائة
__________________
راكب ، فمنهم اربعمائة من المهاجرين والانصار ، وسبعون بدرياً ، والباقون من الصحابة
.
ثم لحق به خزيمةُ بن ثابت ذو الشّهادتين وستمائة رجل من طي ، فلما انتهى به المسير الى الربذة
من الكوفة ، قال الشيخ المفيد;
في ارشاده
:
روي عن ابن عباس قال : اتيتُ امير المؤمنينعليهالسلام
فوجدتهُ يخصفُ نعلاً ، فقلتُ له : جعلت فداك ، هل علينا اصلاح ما يحتاج إليه من الامور ؟ فلم يجبني ، حتى فرغ من خصف النعل ، ودفعها الى صاحبتها ، ثمّ قال : « قوِّمها ».
فقلت : ليس لها قيمةٌ.
__________________
الرَّبَذَةُ : قال ياقوت الحموي : وفي كتاب العين : الربذ خفة القوائم في المشي وخفة الاصابع في العمل ، والربذات العهون التي تعلق في اعناق الابل. والربذة من قرى المدينة على ثلاثة ايام قريبة من ذات عرق على طريق الحجاز إذا رحلت من فيد تريد مكّة ، وبهذا الموضع قبر ابي ذر الغفاريرضياللهعنه
.
فقالعليهالسلام
: « على ذلك ».
قلتُ : كسْر درهمٍ.
فقالعليهالسلام
: « والله ، انها احبُّ اليّ من أمرِكم هذا ، إلا أنْ اقيم حقّاً أو ادفع باطلاً ».
فقلتُ : ان الحاج قد اجتمعوا ليسمعوا كلامك ، أفتأذن لي أَنْ أتكلَّمَ ، فإنْ كان حَسَناً كانَ منكَ ، وإنْ كانَ غيره فهو مني.
قال : « لا ، بل انا أتكلّمُ » ، ثمَّ وضع يده في صدري وكان شثن الكفِّ
، فآلمني. ثمّ قال : فأخذتُ بثوبه.
فقلتُ : ناشدتُّكَ الله والرَّحمَ.
قال : « لا تنشدني » ، ثمّ خرجعليهالسلام
فاجتمع عليه الناس ، فحمد الله واثنى عليه ، وصلى على النبيّصلىاللهعليهوآله
، ثمّ قال :
« اما بعدُ ، ايّها الناس : فإنّ الله عزّوجلّ بعثَ نبيه محمداًصلىاللهعليهوآله
وليسَ في العرب أحدٌ يقرأ كتاباً ، ولا يدّعي نبوّةً ، فساقَ الناسَ إلى منجاتهم ، أمَ واللهِ ما زلتُ في ساقتها ما غيّرتُ ولا بدّلتُ ولا خُنتُ
، حتى تولَّت بحذافيرها. مالي ولقريشٍ.
أيم الله ، لقد قاتلتهُم كافرينَ ، ولأُقاتلنّهم مفتونين ، وان مسيري
__________________
هذا على عهدٍ اليّ فيه من رسول اللهصلىاللهعليهوآله
.
أَمَ واللهِ ، لابقرنَّ الباطل حتى يخرج الحقُّ من خاصرته.
ما تنقمُ منَّا قريشُ ، ألا وانّ الله عزّوجلّ اختارنا من عين خلقه عليهم فأدخلناهُم في حيِّزنا »
.
ثم انهعليهالسلام
انشد يقول :
ذنب لعمري شريك المحض خالصا
|
|
وأكلك بالزبد المقشرة
البجرا
|
ونحن وهبناك العلاء ولم تكن
|
|
عليا وحطنا حولك الجرد والسمرا
|
قال : فلما انتهى مسير امير المؤمنينعليهالسلام
الى الربذة من الكوفة على طريق الحارة ، كاتب عامله بها أبا موسى الاشعري ليستنفر له اهلها ، فلم يكن منه إلا انه ثبتهم على خلافه ، حتى انه قال لهم : انما هي فتنة. فبلغه ذلك [عليهالسلام
] فعزله ، واقام عوضه موصِ بن كعب الانصاري.
وكتب إليه [عليهالسلام
] : « اعتزل عن عملنا يا ابن الحياكة مذموماً مدحوراً ».
قال الشيخ المفيد;
في أرشادهِ :
__________________
روي عبد الحميد بن عوان العجلي ، عن سلمة بن سهيل ، قال : لمّا انتهى مسير امير المؤمنينعليهالسلام
الى ذي قار ، بعث ابنه الحسنعليهالسلام
وعمار بن ياسر الى اهل الكوفة ، ليستنفرا اهلها ، فأتوه بذي قار [ اي اهل الكوفة ] ، فأخذ عليهم البيعة ، ثمّ قام فيهم خطيباً ، فحمد الله واثنى عليه ، وصلى على النبيّصلىاللهعليهوآله
، ثمّ قال :
اما بعدُ ، ايّها الناس :
« قد جَرَتْ علينا أمورٌ صَبَرْنا عليها ـ وفي اَعْيُنِنا القَذَى ، وفي القلب شجى ـ تسليماً لأمرِ الله تعالى فيما امتحن به عبده ، رجاء الثواب على ذلك ، فكان الصبر عليها أمثل من أن يَتفرَّقَ المسلمون ، وتُسفَكَ دماؤهم ، فنحن أهلُ بيتِ النّبوّةِ ، وعترة رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، وأَحقُّ الناسِ بسلطانِ الرّسالةِ ، ومَعْدِنُ الكَرامَةِ ، التي ابتدأنا الله تعالى بها ،(
ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم
)
.
يا أهل الكُوفةِ :
إنكم مِنْ أكْرَم المسلمين ، [ وأَصدقهم تقوى ]
، وأَعْدَلهم سُنَّةً ، وأَفْضَلِهِم سَهْماً في الإسلام ، وأَجْودهم في القربِ مركباً ونصاباً ، أنتم أشدُّ القربِ للنبيصلىاللهعليهوآله
ولأهل بيتهِ ، وإنما جئتكم ثقةً ـ بعد الله ـ بكم للّذي بَذَلتم من أَنفُسِكم عند نقضِ طلحة والزُّبير وخلعهما طاعتي
__________________
[ واقبالهما بعائشة للفتنة ]. [ خرجا محتالان على فساد العباد واخراب البلاد ، ألا وإنهما قد بَايَعَا لي طائِعين رَاغبِينَ مُختارين ، ثمَّ أستأذناني في الذهاب الى العمرةِ ، فأذِنتُ لَهُما ، فأكثرا القولَ عَليها [ اي عائشة ] ، حَتى أخْرَجَاهَا مِنْ بَيتِها يجرانها كما تجرُّ الأمَةُ عند شِرَائِها ، حتى قَدِمَا بِهَا البصرةَ ، فحَبسا [ نساءهم في بيوتهم ]
، وأبرزَا حبيس رسول اللهصلىاللهعليهوآله
لهما ولغيرهما في جيشٍ ، فَضرَبُوا عَامِلي بِهَا وأسّروهُ ، وخُزّان بيتِ مال المسلمينَ الذي بيدي ، وعلى اهلِ المصرِ [ الذين ] كُلهُم في طَاعَتي وعَلَى بَيْعَتي ، فَشتتوا شَملَهم ، وفَرّقُوا كَلِمَتهم ، وأفْسَدُوا علي جَمَاعَتهم ، وَوَثبُوا على شيعتي فَقَتلوا طائفةً مِنْهُم ، وطائفةً ، عَضّوا على أسيافِهم وَضاربوا بها حَتى لَقوا الله صادقين في اللهِ.
لَو لَمْ يُصيبُوا من المُسلمينَ إلا رَجُلاً واحِداً مُتعمّدين لقتلهِ بلا جرمٍ ، لحل قتلُ ذَلك الجيش كُله ، إذ حضروه فلم ينكروا ولم يدفعوا عنه بلسانٍ ولا يدٍ ، مَعَ ما إنّهم قَتَلُوا مِنْ المسلمين العدة التي دَخلُوا بها عَليهم.
فالذي قتل مِن السبابجة اربعمائةَ رجُل ، وعزروا بولاتها ]
.
__________________
اللهمَّ ، إنّهما قطعاني وظَلَماني ونَكثا بيعتي ، وألَّبا الناس عَلي ، فأحْلُلْ ما عَقدا ، ولا تُحكِمْ ما أبْرَما ، وأرِهِما المساءة فيما عَمِلا.
فقال له أهل الكوفة : « يا امير المؤمنين ، إنّا نحمدُ الله عزَّوجلّ الذي مَنَّ عَلَينا بِرُؤيَاكَ ، وخَصّنا بِجوارِك ، وجَعَلنا مِنْ شِيعتك وأنصاركَ واعوَانكَ على أعْدَائِك ، ولو دعوتنا الى اضعافهم احتسبْنا الخير ورجونا الشهادة بين يديك ، فطب نفساً وقرّ عيناً بظفرك على اعدائك ان شاء الله تعالى »
.
قال : فلم يزل الكوفيون وغيرهم يقدمون إليه زُمراً ، زُمراً ، وهوعليهالسلام
مقيم بذي قار.
وصول الامام امير المؤمنينعليهالسلام
واصحابه الى البصرة
ثم توجه بِهِم الى البصرة وقام في اصحابه خطيباً ، فحمد الله واثنى عليه ، وصلّى على النبيّصلىاللهعليهوآله
ثمّ قال
:
__________________
الارشاد ١ : ٢٥١.
« اما بعدُ ، ايّها الناس :
إنَّ الله عزّوجلّ فَرَضَ على عباده الجهادَ ، وعظَّمَهُ وجَعَلَهُ نُصْرةً له ، والله ما [ صَلحتْ ]
دُنياً ولا دَينٌ إلا به ، الا وإنّ الشّيطانَ قد جَمَعَ حِزْبَهُ ، واستجلَبَ خَيْلَهُ ، [ وشبَّ ]
في ذلك وخَدَعَ ، وقد بانَت الأمورُ ( فتمخضت )
.
والله ما انكروا عليَّ منكراً ولا جَعَلوا بيني وبينهم [ نِصْفاً ]
، الا وإنّهم يَطلبون حقّاً تركوه ، ودماً سَفكوه ، ولَئنْ كُنتُ شَركتُهم فيه إنَّ لهم نصيبهم فيه ، ولَئنْ كانوا وَلُوهُ [ دوني ]
[ فما تَبعتُهُم إلا قَبلُهم ]
، وإنّ أعظمِ حُججهِم لَعَلى أَنْفُسِهم ، وإِني لَعَلى بَصيرتي [ ما لُبِّستْ عليّ ]
، وإنّها الفئَةُ الباغيةُ [ الحُمَّى والحُمّةُ ]
قد طالت هُلبتُها
وامكَنَتْ درَّتها ، يَرْضَون أُما [ فطمت ]
، يجيبونَ بَيْعةً تُرِكتْ ، ليعود الضلالُ الى نِصابهِ.
__________________
ما أعتذرُ ممّا فعلتُ ، ولا أتبرأ ممّا صَنَعتُ ، [ فيا خيبةً للدّاعي ومَنْ دعا ، لو قيلَ له : الى مَنْ دعواكَ ؟ والى مَنْ أحبَبْتَ ؟ ومَنْ إمامُكَ ؟ وما سُنَنُهُ ؟ ]
، إذاً لَزاحَ الباطلُ عن مَقامهِ ، ولَصَمَت لِسانُهُ فما نَطقَ.
وايمُ الله ، لأمْرُطَنَّ لهم حَوضاً أنا [ ماتحه ]
، لا يَصْدُرونَ عنه ، ولا يلقَونَ [ بعده ريّاً ]
ابداً ، وإني لراضٍ بحُجّةِ [ الله عليهم وعُذرِه فيهم ، إذ أنا داعيهم ]
، فمعذرٌ إليهم فإنّ تابوا وقبلوا فالتّوبةُ [ مبذولة ]
والحقُّ مَقبولٌ وليسَ على الله كُفرانٌ ، وإنْ [ أبوا أعطيتُهم ]
حَدَّ السّيفِ ، وكفى بهِ شافياً من باطل وناصراً للمؤمنين »
.
قال : وَلمّا وصل امير المؤمنين الى البصرة ، أرسل الى القوم يناشدهُم الله تعالى ، ويذكرهم بقول رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، متعوذاً منهم على ما اصروا عليه ، فلم يجيبوه لذلك ، بل تعصبوا على القتال ، فقامعليهالسلام
في اصحابه خطيباً ، فحمد الله واثنى عليه وصلى على النبيّصلىاللهعليهوآله
، ثمّ قالعليهالسلام
:
__________________
« اللَّهمَّ ، إني أسْتَعينُ بِكَ على قُريش ، فإنَّهُمْ [ قطعوا ]
رحمي ، ( والكفوا انائي )
، وَأجْمَعُوا على مُنَازَعتي حَقّاً كُنتُ أوْلى بهِ من غيْري
، وقالوا : ألا إنّ في الحقِّ أنْ تأخُذَهُ ، وفي الحقِّ أنْ تمْنِعَهُ ، فأصْبِرْ مغمُوماً
، أو مُتْ مُتَأسِّفاً ، فَنَظَرتُ فإذا لَيْسَ لي رافدٌ ولا ذَابٌ ، وَلا مُسَاعِدٌ ، إلا أهلَ بَيْتي ، فَضَننْتُ بِهم عَن المَنيّةِ
، فَأغْضَيتُ عَلى القَذَى ، وَجَرِعْتُ
ريقي عَلَى الشَجا ، وَفي العينِ قَذى ، فَصَبَرْتُ مِنْ كظمِ الغيظِ على أمَرَّ مِنَ العلْقَمِ ، واَلَم لِلقلْبِ مِنَ وَحزِ
الشِّفَارِ »
.
ومن كلامهعليهالسلام
حين وصوله الى البصرة ، يحرض اصحابه على
__________________
الجهاد
:
« عباد الله ، أنهدوا الى هؤلاء القوم منشرحة صدوركم لِقتالِهِم ، فأنهم نكثوا بيعتي ، واخرجوا عثمان
بن حنيف عاملي بعد الضرب المبرح ، والعقوبة الشديدة ، وقتلوا السبابجة
، وقتلوا حكيم بن جبلة العبدي
، وقتلوا رجالاً صالحين.
ثم اتبعوا من نجا منهم ، يأخذونه من كل حائط ، ومن تحت كل راية. [ ثمّ يأتون بهم ]
فيضربون رقابهم صبراً ، [ فيستحلون اموالهم ]
، مالهم قاتلهم الله انى يؤفكون.
أنهدوا إليهم وكونوا اشدّاء عليهم ، والقوهم وانتم صابرون محتسبون ، ليعلموا
أنكم منازلوهم ومقاتلوهم ، وقد وطنتم انفسكم
__________________
على الطعن الدعسي
والضرب الطلخفي
، ومبارزة الاقران.
وأيّ امرئ منكم أحَسَّ من نفسِه رباطة جأشٍ عندَ اللقاءِ ، ورأى من أحدٍ مِن إخوانِه فَشَلاً ، فليُذبَّ عن أخيه الذي فُضِّل عليه كما يذبُّ عن نفسِه ، فلو شاءَ الله لجَعلهُ مِثْلَهُ ».
ثم قالعليهالسلام
: « ايّها الناس :
إذا هَزمُتموهُمْ فَلا تجْهزوا على قَتِيلٍ ولا جَريح ، ولا تقتلوا اسيراً ، ولا تَطْلبوا مُوَلّياً ، ولا تَتبعُوا مُدْبِراً ، ولا تكشفُوا عَوْرَةً ، ولا تُمثلوا بقتيلٍ ، ولا تَهتِكوا سِتْراًً ، ولا تربوا شيئاً من أمْوالِهم ، إلا أنْ تجدوه في مُعَسْكَرِهم من سلاحٍ أو كُرَاعْ وعبيدٍ واماءٍ ، وأمّا مَا سِوى ذلك فهوَ ميراثٌ لَوَرثتِهم على ما في كتابِ الله عزّوجلّ »
.
قال المسعودي
:
ذكر عن المنذر انه ساق الحديث حتى قال : وكان دخول امير المؤمنينعليهالسلام
البصرة مما يلي الطف ، فأتى الزاوية
، فخرجت انظرُ
__________________
الى القوم
، فرأيتُ موكباً نحو الفِ فارس ، يقدمهم فارسٌ [ ومعه راية ]
على فرسٍ اشهب عليه قلنسوةٌ وثيابٌ بيض متقلداً بسيفٍ ، وإذا انا بتيجانِ القوم غالبها بيض وصفر ، مدججين في السلاح والحديد ، فقلت : من هذا ؟
فقيل لي : هذا أبو ايوب الانصاري ، صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، وهؤلاء الذين معه الانصار وغيرهم.
ثم تلاه فارسٌ ثانٍ عليه عمامةٌ صفراء وثيابٌ بيض ، متقلداً بسيفٍ ( متنكباً قوساً )
على فرسٍ أشقر ، بيده راية ، معه نحو الف فارس.
فقلتُ : من هذا ؟
فقيل : لي هذا خزيمة ذو الشهادتين
.
__________________
ثم مرّ بنا فارسٌ ثالث على فرسٍ كميت ، متعمماً بعمامة صفراء من تحتها قلنسوةٌ بيضاء ، عليه قباء مصقول ، متقلداً بسيفٍ ، متنكباً قوساً ، معه نحو الف فارس ، وبيد راية.
فقلت : من هذا ؟
فقيل لي : هذا أبو قتادة بن ربعي الانصاري.
ثم مرّ بنا فارسٌ رابع
، شديدُ الادمة ، على فرسٍ اشهب ، عليه سكينةٌ ووقار ، رافعاً صوته بتلاوة القرآن المجيد ، بيده رايةٌ بيضاء ، وعليه عمامةٌ سوداء ، وثياب بيض ، متقلداً بسيف ، متنكباً قوساً ، معه نحو الف فارس مختلفي التيجان ، حوله شيوخٌ وكهولٌ وشبان [ كأنما قد أوقفوا للحساب ]
جباههم مسودة من أثر السجود.
فقلت : من هذا ؟
فقيل لي : هذا عمّار بن ياسر الانصاري ، والذين معه من المهاجرين والانصار.
ثم مرّ بنا فارسٌ خامس
، على فرسٍ اشقر ، على رأسه قلنسوة
__________________
صلىاللهعليهوآله
انظر : الاختصاص : ٥٨.
عليها عمامةٌ صفراء ، وعليه ثيابٌ بيض ، متقلداً بسيفٍ ، متنكباً فرساً ، تخط رجلاه الارض ، معه الف فارس فارس مختلفي التيجان غالبها الصفرة والبياض ، ومعه راية صفراء.
فقلت : من هذا ؟
فقيل لي : هذا قيس بن سعد بن عبادة الانصاري ، وهؤلاء الذين معه الانصار وغيرهم من قحطان.
ثم مرّ بنا فارسٌ سادس
على فرسٍ أشهل
ما رأينا مثله ، عليه ثياب بيض وعمامة سوداء سدلها
بين يديه ومن خلفه ، وبيده لواء [ ومعه نحو الف فارس من اصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله
]
.
فقلت : من هذا ؟
فقيل لي : هذا عبدالله بن العباس.
ثم تلاه موكب سابع
، يقدمهم فارس اشبه الناس بمن [ قبله ]
.
فقلت : من هذا ؟
فقيل لي : هذا [ قثم بن العبّاس ، أو معبد بن العبّاس ]
.
__________________
ثم مرّ بنا موكب تاسع
، فيه خلقٌ عظيم ، مكملين بالسلاح والحديد ، مختلفي التيجان والرايات ، تقدمهم راية كبيرة عظيمة ، في اولهم فارسٌ ، كأنما قد [ كسر وجبر ]
، كأن على رؤوسهم الطير ، فعن يمينه شابٌ حسن الوجه ، وعن شمالِهِ
مثله ، وبين يديه شابٌ ليس هو ببعيد منهما.
فقلت : من هؤلاء ؟
فقيل لي : اما الاوسط فهو امير المؤمنين عليّ بن ابي طالبعليهالسلام
، وما الشابُ الذي على يمنيهِ ابنه الحسنعليهالسلام
، والذي عن شماله ابنهُ الحسينعليهالسلام
، واما الذي بين يديه حامل الراية فأبنه محمدُ بن الحنفية
.
فساروا حتى نزلوا بالزاوية ، فصلّى امير المؤمنينعليهالسلام
أربع ركعاتٍ ، ثمّ عفّر خدّيه على التّراب وخالطهما بدموعه ، ثمّ رفع رأسه يقول : « اللّهم ربّ السَّمواتِ وما اظلّت ، وربَّ الارضين وما اقلّت ،
__________________
وربَّ العرشِ العظيم ، هذه البصرة ، فأسألك من خيرها وأعوذُ بِكَ من شرّها ، اللّهم ، انزلنا فيها خير منزلٍ وانتَ خيرُ المنزلين.
اللّهم ، ان هؤلاءِ القوم ، [ قد بَغَوا علي ، وخالفوا طاعتي ]
، ونكثوا بيعتي.
اللّهم ، احقن دماء المسلمين ».
ثم انهعليهالسلام
بعث إليهم يناشدهم ، فأبوا إلا الحرب لقتاله !!
فبعث إليهم مرةً ثانيةً رجلاً من اصحابه يقال له مسلم
بمصحفٍ
__________________
عليهالسلام
عليهالسلام
عليهالسلام
يدعوهم الى كتاب الله عزّوجلّ ، فرموه بالسِهام حتى قتلوه ، فَحُمِل الى امير المؤمنينعليهالسلام
قتيلاً ، فقالت اُمُه فيه هذه الابيات شعراً
:
يا رَبِّ إن مُسْلِماً اتاهُمُ
|
|
يَتْلُو كتِابَ الله لا يَخْشاهُمُ
|
فَخضبُوا مِن دَمِهِ لحاهمُ
|
|
وامّهُ قائمةٌ تراهُم
|
ثم جاء عبدالله بنُ مدمل بأخيه مقتولاً ، وجيء برجل آخر من الميسرة مذبوحاً فيه سهم ، فقالعليهالسلام
:
« اللهم ، اشهد غدرَ القوم ».
فمضى إليهم عمّارُ بن ياسررضياللهعنه
حتى وقف بينَ الصفّين ، وقال :
__________________
في رواية عن عبدالله بن زياد مولى عثمان بن عفان قال : خرج عمارة بن ياسر يوم الجمل الينا ، فقال : يا هؤلاء على اي شيء تُقاتِلُونا ؟ فقلنا : نُقاتلكم على أنّ عثمان قُتِلَ مؤمناً. فقال عمّارٌ : نحن نقاتلكم على أنّهُ قُتِلَ كافراً.
(
)
ايّها الناسُ ، ما انصفتم نبيكمصلىاللهعليهوآله
، حين كففتم عقايلكم في بيوتكم ، وابرزتم عقيلته للسّيوف ، ثمّ انه دنا من عائشةرضياللهعنه
وهي في هودجها ، فقال لها :
يا ام المؤمنين ما تريدين بهذا الموقف ؟
قالت : طالبة لِدَمَ عثمانرضياللهعنه
.
قال : قتل الله تعالى الباغي في هذا اليوم ، والطالب للباطل بغير الحق.
ايّها الناسُ : أتعلمون ايّنا الممالي في قتل عثمان ، فرشقوه بالنبل ، فرجع وهو يقول :
فمنك البكاءُ ومنك العويلُ
|
|
ومنك الرّياح ومنك المطر
|
وانتِ امرتِ بقتلِ الامامِ
|
|
وقاتله عندنا منْ أمر
|
اشارَ بقولهِ هذا إليها ، حيث قالت : اقتلوا نعثلاً قتل الله نعثلاً
!!
__________________
فلما اتى الى امير المؤمنينعليهالسلام
قال له : جعلت فداك ، انظرني امرك واجمع اصحابك وانصارك ، فإنه ليس لك عند القوم إلا الحرب.
فقالعليهالسلام
لاصحابه :
« ايّها الناسُ : صافوهم ولا تبدوهم البراز ، ولا ترموهم بالسهام ، ولا تضربوهم بالسيفِ ، ولا تطعنوهم بالرماحِ ، حتى يبدوكم فإذا هزمتموهم فلا تجهزوا على جريح ، ولا تقتلوا اسيراً ، ولا تتبعوا مولياً ، ولا تقبلوا شيئاً من اموالهم ، إلا ما تجدونه في معسكرهم من كراعٍ أو سلاحٍ أو عبيد أو إماء ، وما عدا ذلك فهو ميراثٌ لورثتهم »
.
* * *
__________________
مناشدة امير المؤمنينصلىاللهعليهوآله
الزبير بن العوام (١)
ثم انهعليهالسلام
خرج على بغلةِ رسولِ اللهِصلىاللهعليهوآله
، ونادى بالزبير بن العوام ، فجاءهُ مكملاً بالسّلاح.
فقالت عائشة رضي الله عنها : واحزنكِ يا اسماء !
فقيل لها : إنّ علياًعليهالسلام
خرج حاسراً من السلاح ، فطمأنت نفسها. فتقاربا حتى اختلفت اعناق خيلهما.
فقال امير المؤمنينعليهالسلام
له : يا أبا عبدالله ، انما دَعَوتك لاذكرك حديثاً قال لي ولك رسول اللهصلىاللهعليهوآله
: أتذكر يوماً رآك [ اي رسول اللهصلىاللهعليهوآله
] وانتَ تعنقني في بني عوف ، إذ قال لك : أتحبّ يا زبير علياً ؟
__________________
فقلت : اي والله إنّي لأحبه ، وما يمنعني يا رسول الله عن حبهِ وهو اخي وابنُ خالي.
فقالصلىاللهعليهوآله
لك : إنّك ستخرج عليه وانت ظالمٌ له !
قال : بلى ، قد كان ذلك !
فقالعليهالسلام
: انشدك الله ثانياًً ، يوم جاء رسول اللهصلىاللهعليهوآله
من عند بني عوف وانت معه آخذ بيدي ، فأستبقلته وسلمت عليه ، فضحك في وجهك ، وضحكت إليه ، فقلت له :
يا رسول الله ، لا يدع ابن ابي طالب زهوه.
فقالصلىاللهعليهوآله
لك : يا زبير ليس بعلي زهو ، ولتخرجن عليه وتحاربه وانت ظالم له.
قال : اللهم ، نعم لقد كان ذلك ، ولكني نسيتُ وما ذكرتني انسانيه الدهر !! ولو ذكرته لما خرجتُ عليك.
فكيف أرجع وقد التقت حلقتا البطان ، والله ان هذا هو العار الذي ليس له مثيل.
فقالعليهالسلام
: يا زبير ارجع ، قبل ان تجمع العار والنار.
قال : اذن ، لامضين وانا استغفر الله تعالى ، فكر راجعاً وهو يقول هذه الابيات شعراً
:
اخترتُ عاراً على نارٍ مؤجَّجَةٍ
|
|
[ الى خلقٍ بها قوم من الطّين ]
|
__________________
نادى عليٌّ بأمرٍ لستُ اجهلهُ
|
|
عارٌ لعمرك في الدّنيا وفي الدين
|
فقلتُ : حسبُك من عذلٍ ابا حسنٍ
|
|
فبعض هذا الذي قد قلت يكفيني
|
فقالت له عائشةرضياللهعنه
: ما خلفت وراءك يا با عبدالله ؟
قال : والله ، ما وقفت موقفاً ، ولا شهدتُ مشهداً في شركٍ ولا اسلام إلا ولي فيه بصيرةٌ ، وانا اليوم على شكٍ من أمري ، فما كدتُ ان ابصر موضع قدمي.
وقال له ابنهُ عبدُالله : يا ابتِ لقد رجعت الينا بغير الوجه الذي مضيتَ به عنّا.
قال : نعم والله ، لقد ذكرني عليٌّ [عليهالسلام
] حديثاً عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله
قد انسانيه الدهر فلا حاجةَ لي في محاربته ابداً. فرجعتُ مستغفراً للهِ عزّوجلّ ، وتارككم منذ اليوم ، فيفعل الله ما يشاء.
قال : بلى ، انّي اراك فررت من عيون بني هاشم حين رأيتها تحت المغافر ، وبأيديهم سيوف حداد ، وتحملها فتية امجاد.
قال : ويلك ، يا بني اتهيجني على حربه ، اما اني قد حلفتُ ان لا أحاربه
.
__________________
فقال : كفر عن يمينك ، لئلا يتحدثنّ نساءُ قريش ، إنّك جبنتَ ، وما كنت بجبان.
قال : صدقت إذاً ، فغلامي مكحول هو حرٌّ كفارة عن يميني
.
ثم انّه نصلَ سنان رمحه ، وكر راجعاً.
فقال امير المؤمنينعليهالسلام
: أفرجوا له ، فأنه مُحرج.
فلم يزل يجول في المعركة يميناً وشمالاً ، يشقُّ الصفوف ، حتى اتى وادي السّباع ، ثمّ عاد الى أصحابه ، ثمّ حمل مرةً ثانيةً وثالثة ، فقال
__________________
انظر : مصنفات الشيخ المفيد م ١ : ٢٨٩.
عليهالسلام
لابنه : ويلك ، اترى ما فعلتُ ، أهذا جبنٌ ؟
قال : حاشا ، لقد اعذرت بما فعلت.
قال [ المصنف في رواية اخرى ] :
فلما خرج امير المؤمنينعليهالسلام
لطلب الزبير ، خرج حاسراً والزبير دارعاً مدججاً.
فقال لهعليهالسلام
: يا ابا عبدالله ، لعمري لقد اعددت سلاحاً وجنداً ، فهل اعددت لله عزّوجلّ بعذرٍ ؟
قال : ان مردنا الى الله عزّوجلّ يفعل ما يشاء.
فقالعليهالسلام
:(
يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ الْمُبِينُ
)
.
فكرّ عنه راجعاً نادما
، ورجع امير المؤمنينعليهالسلام
الى أصحابه فرحاً مسروراً.
فقالوا له : يا امير المؤمنين ، أتبرز الى الزبير حاسراً وهو مستعدٌ بالسلاحِ ، ألست تعلم بشجاعته ؟
قال : بلى ، ولكنّه ليس بقاتلي ، وانما يقتلني رجلٌ خامل الذكر غيلةً.
__________________
مقتل الزبير بن العوام
قال [ المصنف ] :
ولمّا انصرف الزبيرُ الى وادي السّباع
، وكان به الاحنف بن قيس في جمع من بني تميم ، فأخبر به فرفع صوته ، وقال : ما معشر بني تميم هذا الزبير بن العوام فما أصنع به ؟ اما انه احق بالقتل.
__________________
رضياللهعنه
صلىاللهعليهوآلهوسلم
انظر : مصنفات الشيخ المفيد م ١ : ٣٨٧.
قالوا : بلى والله ، فركب فرسه في الف فارس ، وتبعه عمرو بن جرموز ، [ و ] كان مشهوراً [ بالفروسية ] والشجاعة ، فوقف له الزبير وقال : ما شأنك ؟
قال : جئت لأسألك عن أمر الناس.
قال : تركتهم قياماً في الركب ، يضربُ بعضهم وجه بعضٍ بالسيف ! فسارا معاً يتحدثان ، وكل واحدٍ على حذرٍ من صاحبه حتى دخل وقتُ الصلاة.
فقال الزبير : يا هذا انا نُريد ان نُصلّي.
قال : احسنت فيما تقول ، إنّ الصّلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً ، وقد أردتُ ان اقولَ لك ذلك.
قال : أفتؤمنني وأومنك.
قال : نعم.
فحولا عن خيلهما ، واسبغا الوضوء ، وقام الزبير للصلاة فشدّ عليه عمرو بن جرموز فقتله ، وجزّ رأسه ، وانتزع خاتمه وسيفه ، وحثا عليه التراب ، واتى بهم الى الاحنف بن قيس.
فقال له : والله ما ادري بك ، هل اسأت ام أحسنت ؟ ولكن اذهب بهم الى أمير المؤمنينعليهالسلام
، واخبره بخبرك ، فمضى إليه وأخبره.
فقالعليهالسلام
له : « انت قتلته ؟ »
قال : نعم.
قال [ المصنف;
] :
وفي كثير من الروايات انه لم يأتهِ بالرأس.
فقالعليهالسلام
: « والله ما كان ابنُ صفية جباناً ولا لئيماً ، ولكن الحين ومصارع السوء »
. ثمّ قالعليهالسلام
: « ناولني سيفه » فناوله اياه ، فأخذه وهزّه ، ثمّ قالعليهالسلام
:
« اما اني سَمعتُ رسول اللهصلىاللهعليهوآله
يقول : بَشِّر قاتِل أبن صَفيةُ بالنار ».
وقال في حديث آخر : « الزبير وقاتله في النار ».
فخرج ابن جرموز خائباً وهو يقول هذه الابيات شعراً
:
اتيتُ عليّاً برأسِ الزبير
|
|
ابغي به عنده الزلفهْ
|
فبشر بالنّار يومَ الحساب
|
|
فبئس بشارةً ذي التحفهْ
|
فقلت له ان قَتلَ الزبير
|
|
لولا رضاك من الكلفهْ
|
فان ترضَ ذاكَ فمنك الرضا
|
|
ولا فدونك لي حلفهْ
|
وربّ المحلّين والمحرمين
|
|
ورب الجماعة والالفهْ
|
لسيّان عندي قتل الزبير
|
|
وضرطة عنز بذي الجحفهْ
|
ثم ان عمرو بن جرموز مضى عن امير المؤمنينعليهالسلام
، وخرج عليه مع اهل النهروان ، فَقُتِلَ مع من قتلِ منهم.
وفي رواية قال [ المصنف;
] :
__________________
فبرز له عمرو بن جرموز فقتله ، وقيل الاحنف بن قيس ، فقال عمرو بن جرموز في قتله له هذه الابيات :
اتيتُ عليّاً برأسِ الزبير
|
|
لشتان عندي قتل الزبيرْ
|
فبشّر بالنّار يومَ الحساب
|
|
وبُشّرتُ بشارةً ذي التحفهْ
|
لشتّان عندي قتل الزبير
|
|
وضرطةُ نمر بذي الجحفهْ
|
مناشدة امير المؤمنينعليهالسلام
طلحة بن عبيد الله
ثم ان امير المؤمنينعليهالسلام
استدعى طلحة بن عبيدالله ، فقال له : انما دعوتك يا أبا عبدالله لأُذكرك ما قاله رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، أما سمعته يقول : « اللهم والِ من والاه ، وعادِ من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ؟ »
وانت أوّل من بايعني ، ثمّ نكثت بيعتك لي ، وقد قال الله تعالى(
فمن نكث فأنما ينكث على نفسه
)
فقال : استغفر الله ، وكان امر الله قدراً مقدوراً.
فرجع وهو يقول هذه الابيات
:
ندمتُ وظلّ لحمي
|
|
ولهفي مثل لهف ابي وامي
|
ندمتُ ندامة الكُسَعيِّ
|
|
طلبتُ رضا بني جرم بزعمي
|
__________________
قال [ المصنف;
] :
ثم برز فقتله مروان بن الحكم
، فقالعليهالسلام
: انا لله وانا إليه راجعون ، والله لقد كنت اكره ان أراه صريعاً تحت بطون الكواكب ، والله انه لقد كان كما قال الشاعر :
__________________
انظر : مصنفات الشيخ المفيد م ١ : ٣٨٣ ، ٣٨٤.
فتىً كان يُدنيه الغنى من صديقه
|
|
إذا ما هو استغنى ويَبعِد الفقرُ
|
كان الثريَّا عُلُقت بجبينه
|
|
وفي خدّهِ الشعرا وفي جبينه البدرُ
|
نشوب القتال بين الفريقين
قال المسعودي
: وذكره ابنُ ابي الحديد ، ان اصحاب الجمل حملوا على ميمنة عسكر امير المؤمنينعليهالسلام
حتى كشفوها على الميسرة ، فأتى بعض ولد عقيل الى امير المؤمنينعليهالسلام
فوجده [ يخصف نعلاً ]
، فقال له : يا أمير المؤمنين !
فقالعليهالسلام
: « اسكت يا ابن اخي ، انّ لِعمّكَ يوماً لا يعدوه
، والله لا يبالي عمّك [ وقع على الموت ام الموت وقع عليه ]
،
قال : جعلت فداك ، ان القوم قد بلغت من القوم مرادها من ميمنتك حتى كشفتها على الميسرة بحيث لم تر ، [ وانت جالس تخصف نعلاً ]
.
فقالعليهالسلام
: اُسْكُت يا ابن اخي ، انّ لعمك يوماً لا يتعداه ، والله لا
__________________
يبالي عمك أوقع على الموت أو الموت وقع عليه.
ثم انهعليهالسلام
بعث الى صاحب الراية ، وهو ولده محمّد بن الحنفية
، يأمره ان يحمل على القوم ، فأبطأ بالحملة عليهم ، وكان بأزائه [ قومٌ من الرماة قد نفذت سهامهم ]
.
فأتاهعليهالسلام
وقال له : « لِمَ لا حملت على القوم ؟ ».
قال : لم أجد متقدماً [ إلا الرماة ، وقد نفدت سِهامهم ]
.
فضربه بقائِم سيفهِ ، وقال : [ ما ادركك عِرقٌ من ابيك ]
.
أحمل بين الاسنة ، [ فإنّ الموت عليك جنة ]
...
فحمل حتى شبك بين الرماح والسّهام ، وقد اخذ منه الراية وحمل عليّعليهالسلام
على القوم.
وطاف بنو ضبّة بالجمل وهم يرتجزون بهذه الابيات
:
__________________
نحن بنو ضبة اصحاب الجمل
|
|
ردوا علينا شيخنا ثمّ حبل
|
عثمان ردوه علينا بأطراف الاسل
|
|
الموت أحلى عندنا من العسل
|
وكانوا بنو ضبّة سبعين رجلاً ، فكلّما لزم خطامَ الجمل رجل منهم قطعت يداه
، حتى لم يبق منهم أحد وعرقب الجمل ، ولم يقع حتى قطعت قوائمه الاربع ، فأخذوه بالسيوف قطعاً ، وكان المعرقب له أبو جعدة بن غوبة الانصاري.
فمن قتل عنده محمد بن طلحة السجّاد
، قتله عاصمُ بن الغيث ،
__________________
عليهالسلام
يا اُمّنا أعقَّ أمٍ نعلمُ
|
|
|
|
|
|
وطلحةُ بن عبد الله.
قال [ المصنف;
] :
فجاء خُزيمة بن ثابت ذو الشهادتين الى امير المؤمنينعليهالسلام
، وقال : جعلتُ فداك ، لا تنكس رأس محمد ، فأردد الراية إليه ، فدعاه وردها عليه ، فأخذها وقال :
أطعن بها طعن ابيك تحمدِ
|
|
لا خير في الحرب إذ لم توقدِ
|
بالمشرفي والقنا المسددِ
|
قال : والذي قتل من اصحاب الجمل ستة عشر الف وسبعمائة وسبعون رجلاً
، والذي قتل من أصحاب امير المؤمنين أربعة آلاف رجل وقيل ان عبدالله بن الزبير قبض على خطام الجمل ، فصرخت به عائشةرضياللهعنه
تقول : واثكل اسماء !
__________________
انظر : مروج الذهب م ٢ : ٣٧٩.
خلِّ عن الخطام ودونك القوم ، خلاه والتقى بمالك النخعي الاشتر ، فاعتركا ملياً حتى سقطاً الى الارض ، فعلاه مالك بالسيف ، فلم يجد له سبيلاً الى قتلهِ ، وعبدالله ينادي من تحته :
اقتلوني ومالكاً واقتلوا مالكاً معي.
فلم يجبه أحد ، ولا احد يعلم من الذي يعنيه لشدة اختلاط الناس ببعضهم ، وثور النقع ، فلو قال اقتلوني ومالك الاشتر ، لقتلا جميعاً
، فقال مالك هذه الابيات
:
أعايشُ لَوْلا أنني كُنتُ طاوياً
|
|
ثلاثاً لالفَيتِ ابْنَ أختِكِ هالِكاً
|
غداة يُنادي والرماحُ تنُوشُهُ
|
|
كوقعِ الضَياحي اُقتُلُوني ومالِكاً
|
فنجاه منّي أكلُه
وشبابُهُ
|
|
وأنّي شيخٌ لم اكُنْ مُتماسَكاً
|
__________________
انظر : بحار الانوار ٣٢ : ١٩١.
ولمّا سقط الجمل بالهودج ، انهزم القوم عنهُ ، فكانوا كرمادٍ اشتدت به الريح في يوم عاصف
.
فجاء محمدُ بنُ ابي بكررضياللهعنه
وادخل يده الى اختهِ ، فقالت له : من هذا المتهجم على حرم رسول اللهصلىاللهعليهوآله
؟
قال : انا اقرب الناس اليك ، وابغضهم لكِ ، انا أخوك محمد بعثني اليك أمير المؤمنين ، يقول لك ، هل اصابك شيء من السلاح ؟
__________________
انظر : مصنفات الشيخ المفيد م ١ : ٣٢٨ ، الفتوح م ١ : ٤٨٤.
قالت : ما اصابني إلا سهم لم يضرّني
.
ثم جاء إليها امير المؤمنينعليهالسلام
بذاته ، حتى وقف عليها ، وضرب الهودج بالقضيب ، وقال :
« يا حميراء ! هل رسول اللهصلىاللهعليهوآله
أمرك بهذا الخروج عليّ ؟ ألم يأمرك ان تقري في بيتك ؟ والله ما انصفكِ الذين أخرجوكِ من بيتكِ ، إذ صانوا حلائلهم وابرزوكِ !! »
ثم انهعليهالسلام
أمر اخاها محمداً ان يُنزلها في دار آمنة بنت الحارث [ ابن طلحة الطلحات ] ، فرفع الهودج وجعل يضرب الجمل بسيفهِ.
[ امير المؤمنينعليهالسلام
يأمر بأعادة عائشة الى المدينة ]
قال المسعودي
: ثمّ انّ اميرَ المؤمنينعليهالسلام
بعث عبدالله بن العبّاس الى عائشة يأمرها بالذهاب الى المدينة المنورة ، فدخل عليها بغير اذنها ، فاجتذب وسادةً وجلس عليها.
فقالت له : يا ابن عباس ، لقد أخطأت السُّنة المأمور بها بدخولك
__________________
علينا بغير اذنٍ منّا ، وجلوسك على رَحْلِنا بغير إذننا
!
فقال : نعم ، لو كُنْتِ في البيتِ الذي تَرَكَكِ فيهِ رسول اللهصلىاللهعليهوآله
لما دخلتُ
عَلَيكِ إلا بأذنِكِ ، ولا جلستُ
على رَحْلِكِ إلا بأمركِ ، بعثني امير المؤمنينعليهالسلام
إليك يَأمُركِ بسُرعة الاوبة ، والتأهب للذهاب الى المدينة.
قالت : أبَيتُ عمّا قلت ، وخالفتُ امرَ من وصفت
، فمضى إليه واخبره بأمتناعها ، [ فبعثهعليهالسلام
إليها ثانية ]
، وقال : ان امير المؤمنين يعزم عليك ان ترجعي
.
فأمنعت بالاجابة للامر فجهزهاعليهالسلام
، واتاها في اليوم الثاني ، ومعه بنوه الحسنُ والحسين واولاده جميعاً واخوته وبنو هاشم
، فدخلوا عليها فلما [ ابصرته صاحت مع من عندها من النسوة ]
في وجههعليهالسلام
، يا قاتل الاحبة !
فقالعليهالسلام
: « لو كنت قاتل الاحبةِ لقتلتُ من في هذا البيت ».
__________________
وهو يشير الى احدِ تلك البيوت ، قد اختلى فيه مروان بن الحكم ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن عامر ، [ وجماعة من بني اميّة ]
، فضرب كل من كان معه على قائم سيفهِ ، لما علموا منهعليهالسلام
، مخافة من خروجهم عليهم فيغتالونهم.
فقالت عائشة [ بعد كلام بينهما ]
: قد صار ما صار ، فأحب الآن ان اقيمَ معك لعلي اسيرُ لقتال عدوك.
فقال : « بل ارجعي الى البيت الذي ترككِ فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآله
.
فسألته ان يؤمن ابن اختها عبدالله بن الزبير ، فأمنه ، وتكلم الحسن والحسين8
في مروان ، فأمنه
.
فقالت : والله ، اني قد ازددت يا ابن ابي طالب كرباً ، ووددت اني
__________________
لم اخرج هذا المخرج ، ولقد علمت بما قد اصابني فيه.
وقال له مروان بن الحكم : يا امير المؤمنين ، اني احبّ ان ابايعَكَ ، واكون في خدمتك !
فقالعليهالسلام
: « اولم تبايعني ، بعد ان قتل عثمان ، ثمّ نكثت ، فلا حاجة لي ببيعتك ، انها كف يهودية.
لو بايعني بيده لغدر بأسته ، اما ان له امرةً كلعقة الكلب انفه ، وهو ابن الاكبش الاربعة ، وستلقى الامة منه ، ومن ولده يوماً احمر ».
قال المسعودي : ولمّا توجهت عائشةرضياللهعنه
الى المدينة ، بعث امير المؤمنينعليهالسلام
معها اخاها عبد الرحمن بن ابي بكر
، وثلاثين رجلاً ، وعشرين امرأةً من ذوات الدّين من آل عبد قيس وهمدان ، ولزم عليهم بخدمتِها
، فلما وصلت المدينة ، قيل لها : كيف رأيت مسيرك وما صنع معكِ عليّعليهالسلام
؟
قالت : والله ، لقد كنت بخير ، ولقد اجاد ابن ابي طالب واكثر بالعطاء
، [ ولكنّه بعث معي رجالاً انكرتهم ، فعرفها النسوة امرهن ،
__________________
فسجدت وقالت : ما ازددت والله يابن ابي طالب الا كرماً ، ووددت اني لم اخرج ، وان اصابتني كيت وكيت من امور ذكرتها ]
.
قال [ المصنف;
] ؛ ومن كلام امير المؤمنينعليهالسلام
، لما أظفره الله تعالى على اصحاب الجمل ، بعد ان حمد الله عزّوجلّ واثنى عليه ، صلى على النبيّصلىاللهعليهوآله
، قال : « اما بعدُ ، ايّها الناسُ :
انّ الله عزّوجلّ ، ذو رحمةٍ واسعةٍ ، ومغفرةٍ دائمة ، وعفوٍ جم ، وعقابٍ اليمٍ ، قضى ان رحمتهُ وسعت كل شيء ، ومغفرتهُ لأهل طاعتهِ من خلقه ، وبرحمتهِ اهتدى المهتدون ، وقضى ان نقمتهُ وسطواته وعقابهُ على اهل معصيته من خلقه ، وبعد الهُدى والبينات ما ضلّ الضّالُّون ، فما ظنكم يا اهل البصرة وقد نكثتُم بيعتي ، وظاهرتُم على عدوِّي
». « وقمتُ بالحجةِ واقلتُ العثرة ، والزلة من اهل الردة ،
__________________
عليهالسلام
فأستتبت من نكث فيهم بيعتي ، فلم يرجع عمّا اصرّ عليه ، فقَتل الله تعالى من قتل منهم الناكث ، وولى الدبر الى مصيرهم بشقائِهم ، فكانت المرأة عليها اشأم من ناقة الحجر ، فخذلوا وأدبروا دبراً ، فقطعت بهم الاسباب فلما حَل بهم ما قدروا سألوني العفو ، فقبلتُ منهم القول وغمدتُ عنهم السيف ، واجريت الحقّ والسنّة بينهم ، واستعملت عبدالله بن العبّاس عليهم »
.
فقام إليه رجل منهم ، وقال : نظُنُّ خيراً ، ونراك قد ظفرت وقدرت ، فإنّ عاقبت فقد اجترمنا ذلك ، وان عفوت [ فأنت محلُ العفو ، والعفو أحبُّ الى الله عزّوجلّ ، والينا ]
.
فقالعليهالسلام
: « قد عفوتُ عنكم ، فإيّاكم والفتنة فأنها أشدّ من القتل ، فأنّكم اوّل الرّعيةِ لنكث البيعة ، وشقَّ عصا هذه الامة »
.
__________________
ثم جلس ، فأتاه الناس وبايعوه.
من كلامهعليهالسلام
حين قتل طلحة وانفضّ اهل البصرة
ومن كلامهعليهالسلام
، لمّا طاف على القتلى يوم الجمل ، قال الشيخ المفيد;
في ارشاده
:
قال امير المؤمنينعليهالسلام
: « بنا [ تسنّمتم ]
الشرف ، وبنا [ انفجرتم ]
عن السّرار ، وبنا اهتديتم في الظلماءِ ، [ وقر ]
سمعٌ لم يفقهِ الواعية للنبأة كيف يُراعُ من أصمَّتهُ الصَّيحةُ ، رُبط جنانُ لم يُفارقهُ الخَفَقان ، ما زَلتُ أتوقعُ بكم عواقِبَ الغدْر ، وأتوسَّمكم بحيلةِ المغترِّين ، سترني عنكم جلبابُ الدّينِ ، وبصَّرنيكم صدق النية ، اقمت لكم الحقّ حيث تعرفون ، ولا دليل وتحتفرون ولا تُميهون
اليوم ،
__________________
نطق لكم العجماء ذات البيان ، عزبَ فهمّ امرءٍ تخلف عني ، ما شككت في الحقّ منذ أريته ]
، كان بنو يعقوب على المحجة العظمى حتى عقوا اباهم ، وباعوا أخاهم ، وبعد الاقرار كانت توبتهم ، وباستغفار ابيهم واخيهم غُفِرَ لهم ».
من كلامهعليهالسلام
عندما طاف بالقتلى (٢)
« هذه قُرَيْشٌ ، جَدَعْتَ أنفي ، وشَفَيْتَ نَفْسي ؛ لقد تقدَّمتُ اليكم
احذِّرُكم عضَّ السّيوفِ ، فكُنتُم أَحداثاً لا عِلمَ لكم بما تَرونَ ، [ فَناشَدتُكم العهدَ والميثاق ، فتماديتُمْ في الغي والطُغيان ، وأبيتُمْ إلا القتالَ ، فناهضتُكمْ بالجهادِ ]
.
ولكنَّه الحَيْنُ
وسُوء المَصرع ، فأَعوذُ بالله مِن سوء المصرع ».
فمرَّعليهالسلام
[ بمعبد بن المقداد ]
، فقالعليهالسلام
:
« رَحِمَ الله أبا هذا ، أَمَا إنّه لو كان حيّاً لكانَ رأيُهُ أحسن من رأي هذا ».
__________________
فقال عمّار بن ياسر : الحمدُللهِ الذي [ رَفَعَكَ ]
يا امير المؤمنين
، وجَعَلَ خدَّهُ الأسفلَ ، إنّا واللهِ يا أميرَ المؤمنين [ ما نُبالي مَنْ عَنَدَ عَنِ الحقِّ مِنْ ولَدٍ ووالدٍ. فقال أميرُ المؤمنين ]
: « رحمِكَ اللهُ وجَزاكَ عنِ الحقِّ خيراً ».
ثم انهعليهالسلام
مرّ بعبدِاللهِ بن رَبْيعَة بن دَرَّاجٍ ، فقالعليهالسلام
: « هذا البائسُ ما كانَ أخرجَهُ ؟ أدينُ أخرجهُ أمْ نَصْرٌ لعُثمان ؟! واللهِ ما كان رأيُ عُثمان فيهِ ولا في [ ابيه ]
لحسنٍ ».
ثمَّ إنهُعليهالسلام
مرّ بمَعْبدِ بن زُهَير بن أبي اميّة
، فقالعليهالسلام
: « لو كانت الفتنةُ برأسِ الثريّا لَتَنَاولها هذا الغُلامُ ، واللهِ ما كان فيها بذي نحيزة
، ولقد أخبرني مَنْ أَدركهُ إنّه لَيُولْولَ فرقاً من السَّيف ».
ثم مرّعليهالسلام
بمسلمة بن قَرَظَةَ ، فقالعليهالسلام
: « البرُّ أخرجَ هذا ! والله لَقد كلَّمني أن أكلِّمَ له عُثمانَ في شيءٍ كان يدَّعيه قَبلَهُ بمكة ، [ فأعطاهُ
__________________
ايّاه ]
، ثمّ قال [ لي ]
لَولا أنتَ ما اعطيتهُ [ اياه ]
، إنّ هذا [ ما علمت ]
بئسَ أخو العشِيرةِ ، ثمّ جاءَ المشُومُ لِلحَين
، [ ناصراً يُطالب دم عُثمان ] »
.
ثمَّ مرّعليهالسلام
بعبدِاللهِ بن حميدِ بن زُهَير ، فقالعليهالسلام
: « إنّ هذا أيضاً ممّن أوضَعَ في قتالنا ، [ ثمّ أنَّه يزعمُ إنّهُ يطلبُ رِضاءَ اللهِ بذلك ]
، ولقد كَتَبَ اليَّ كتاباً يُؤذي عُثمان فيه ، فأعطاهُ شيئاً فَرضِي عنه ».
ثمَّ مَرّعليهالسلام
بعبداللهِ بن حَكيم بنِ حزام ، فقالعليهالسلام
: « إنَّ هذا قد خَالفَ أباه في الخروج ، وأبوهُ حيثُ لم ينصُرنا وقد أَحسن في بيعته لنا ، وإن كان قد كَفَّ وجَلسَ حيثُ شكَّ في القتال ، وما ألوم اليوم مَنْ كفَّ عنّا وعن غيرنا ، ولكنَّ [ اللوم على ]
الذي قاتلنا ».
ثمَّ مرّعليهالسلام
بعبدالله بنِ المغيرةِ بن الأخْنَس بن [ شريق ]
،
__________________
فقالعليهالسلام
: « وأما هذا [ فقتل ابوه ]
يَوم قُتِلَ عُثمان [ في الدار ]
خَرَجَ مُغْضَباً لقتلَ أبيهِ ، وهو غُلامٌ حَدَثٌ [ حينَ قتله ]
».
ثم مرَّعليهالسلام
[ بعبدالله بن عُثمان ]
بن الأخْنَس بن شريق ، فقالعليهالسلام
: « وأمَّا هذا فكأنّي أنظُرُ إليه ، وقد أخذ القومَ السُّيوفُ هارباً يغدو من الصَّفِّ ، [ فَنْهنَهْتُ ]
عنهُ فلم يَسمعْ مَنْ [ نَهْنَهْتُ ]
، حتى قتل ، وكان هذا ممّا خَفِيَ على فتيان قُريش ، أغمار لا عِلمَ لهم بالحربِ ، خُدِعوا [ واستُزِلُّوا ]
، فلمّا وقفوا [ وَقَعوا ]
فقتلوا ».
ثمَّ مرَّعليهالسلام
[ بكَعبِ بن سُور ]
، فقالعليهالسلام
: « وأمّا هذا الَّذي خَرَجَ علينا ، وفي عُنُقِه المُصحَفُ ، يزعُمُ أنّه ناصرُ [ أمِّهِ ]
، يدعو الناسَ الى ما فيه وهو لا يعلَمُ بما فيهِ ، ثمَّ استفتح [ وخابَ كُلّ ]
جبّار عَنيدٍ ، أمَّا
__________________
إنه دعا الله أَن يقتُلني فقتلهُ اللهُ تعالى ».
أجلِسُوا [ كَعبَ بن سُورٍ ]
فأجلسَ ، فقالَ لَهُعليهالسلام
: « يا كعبُ ، قد وَجدْتُ ما وَعَدَني ربي حَقّاً ، فَهَل وَجدْتَ ما وَعَدَك ربُّكَ حقّاً ؟ ».
ثم قالعليهالسلام
: « أضجعُوهُ ».
ثمَّ مرّعليهالسلام
بطلحة بن عُبيدِاللهِ
، فقالعليهالسلام
: « وأمَّا هذا فَهو النّاكثُ لبيعتي ، والمُنْشئ الفِتنَة في الأمّةِ ، والمُجلُبِ عَلَيَّ ، والدّاعي إلى قَتْلي وقتل عترتي ».
اجلسوا [ طلحة بن عبيدالله ]
فأُجلِس ، ثمَّ قالَعليهالسلام
له : « يا طلحة ، قد وجدْتُ ما وَعَدَني ربّي حقّاً ، فهلْ وجدْتَ ما وَعَدَك ربُّكَ حقّاً ؟! » ثمّ قالعليهالسلام
: « أضجعُوه » ، فأُضجع.
وسارَعليهالسلام
، فقالَ لهُ بعضَ أصحابه : يا امير المؤمنين ، رأيتك تُكلّمُ كعباً وطلحة بعد أنْ قُتِلا ، فَهل يفْقَهان ما قلت لهُما ؟!
فقالعليهالسلام
: « [ أمَ ]
وَاللهِ ، إنّهما لقد سَمِعا كلامي ، كما سَمِعَ أهلُ
__________________
القَلِيب كلامَ رسولِ اللهصلىاللهعليهوآله
يومَ بَدْرِ »
.
قال المسعودي : ولمّا ان مَنَّ الله تعالى عليهِ بما هو اهله من الظفرِ على أصحاب الجمل ، دخل عليه بجماعةٍ من اصحابه الى بيت مالَ المسلمين بالبصرة ، فنظر الى ما فيه من العينِ والورق ، فأدام انظر إليه ، فجعل يقول : « يا صفراء ويا بيضاء ، غُرِّي غيري »
.
ثم قالعليهالسلام
: « اقسموه بين اصحابي ، خمسمائة خمسمائة » ،
__________________
مصنفات الشيخ المفيد م ١ : ٣٤٩ ، تاريخ الطبري ٤ : ٥١٨.
انظر : مصنفات الشيخ المفيد م ١ : ٢٨٤ ، ٢٨٥.
فقسموه فأصابَ كل رجل منهم خمسمائة ، فلم يزد درهماً ولا نقص درهماً !
فكان عدد اصحابه اثني عشر الفاً ، وقبضعليهالسلام
على ما اصابه في معسكرهم ، فباعه وقسمه أيضاً عليهم ، ولم يزد لنفسه ولا لأولاده واهل بيته عن اصحابه بشيء ابداً.
ثم اتاه رجلٌ من اصحابه لم يكن حاضر القسمة ، فقال : يا امير المؤمنين ، اني لم آخذ شيئاً لعدم حضوري عند القسمة ، فالسبب الموجب لغيابي عنها هو كيت وكيت ، فأعطاه ما اصابه من القسمة
.
ومن كلامهعليهالسلام
حين قدم الكوفة من البصرة
ثم توجهعليهالسلام
الى الكوفة. قال [ المسعودي ] : فقال حين قدومه إليها ؛ بعد ان حمد الله واثنى عليه ، وصلى على النبيّصلىاللهعليهوآله
:
« أمَّا بعدُ ، فالحمدُ للهِ الّذي نَصرَ وَليه ، وخَذلَ عدوَّه ، وأعزَّ الصَادِق المُحِقَّ ، وأذلَّ الكاذِب المُبطِلَ.
ايّها الناس عليكم
بتقوى الله حقَّ تقاتِهِ ، واطاعةِ مَن اطاعَ اللهَ من اهلِ بيتِ نبيِّكم ، الذين هم أَولى بطاعتِكم من المُنتَحِلينَ المُدَّعين القَائلينَ الينا ، يتفضَّلون بفضلنا ، ويُجاحِدونا في أمرِنا ، وينازعونا حقّنا
__________________
ويدفعونا عنه ، وقد ذاقُوا وَبَالَ ما اجترحُوا ، فسوفَ يَلقَوْنَ غَيّاً ، وقد قعد عن نصرتي منكم رجالٌ ، وانا عليهم عاتبٌ زارٍ ، فأهجُروهم وأسمِعوهم ما يَكرهون حتى يُعتبونا ونرى ما نُحِبُّ »
.
* * *
__________________
مصادر التحقيق
١ ـ امالي الطوسي
|
|
للشيخ الطوسي
|
٢ ـ امالي المفيد
|
|
للشّيخ المفيد
|
٣ ـ احقاق الحق
|
|
للتستري
|
٤ ـ اساس البلاغة
|
|
الزمخشري
|
٥ ـ اسد الغابة
|
|
لابن الاثير الجزري
|
٦ ـ اعيان الشيعة
|
|
للسيد محسن الامين
|
٧ ـ اعلام الورى
|
|
للطبرسي
|
٨ ـ انساب الاشراف
|
|
للبلاذري
|
٩ ـ الاحتجاج
|
|
للطبرسي
|
١٠ ـ الاختصاص
|
|
للشيخ المفيد
|
١١ ـ الارشاد
|
|
للشيخ المفيد
|
١٢ ـ الاستيعاب
|
|
للاندلسي
|
١٣ ـ الاصابة
|
|
لابن حجر العسقلاني
|
١٤ ـ الاعلام
|
|
للزرگلي
|
١٥ ـ الاغاني
|
|
لابي فرج الاصفهاني
|
١٦ ـ الامامة والسياسة
|
|
لابن قتيبة
|
١٧ ـ الامثال
|
|
لابي القاسم بن سلام
|
١٨ ـ الايضاح
|
|
لابن شاذان
|
١٩ ـ بحار الانوار
|
|
للمجلسي
|
٢٠ ـ البداية والنهاية
|
|
لابن كثير
|
٢١ ـ بلاغات النساء
|
|
لابن طيفور
|
٢٢ ـ بشارة المصطفى
|
|
للطبري
|
٢٣ ـ تاريخ بغداد
|
|
للخطيب البغدادي
|
٢٤ ـ تاريخ خليفة بن خياط
|
|
لخليفة بن خياط
|
٢٥ ـ تاريخ دمشق
|
|
لابن عساكر
|
٢٦ ـ تاريخ الطبري
|
|
للطبري
|
٢٧ ـ تاريخ اليعقوبي
|
|
لليعقوبي
|
٢٨ ـ تذكرة الخواص
|
|
لابن الجوزي
|
٢٩ ـ تفسير العياشي
|
|
للعياشي
|
٣٠ ـ التمهيد والبيان
|
|
لمحمد بن يحيى الاندلسي
|
٣١ ـ جمهرة الامثال
|
|
لابي هلال العسكري
|
٣٢ ـ جمهرة رسائل العرب
|
|
احمد زكي صفوت
|
٣٣ ـ حلية الاولياء
|
|
لابي نعيم الاصفهاني
|
٣٤ ـ الذريعة
|
|
للطهراني
|
٣٥ ـ الدر المنثور
|
|
للسوطي
|
٣٦ ـ رجال الكشي
|
|
للكشي
|
٣٧ ـ روح المعاني
|
|
للآلوسي
|
٣٨ ـ السنن الكبرى
|
|
للبيهقي
|
٣٩ ـ سيرة ابن هاشم
|
|
لابن هشام
|
٤٠ ـ الشافي في الامامة
|
|
للشريف المرتضى
|
٤١ ـ شرح نهج البلاغة
|
|
لابن ابي الحديد
|
٤٢ ـ الصحاح
|
|
لاسماعيل الجوهري
|
٤٣ ـ صحيح البخاري
|
|
للبخاري
|
٤٤ ـ صحيح مسلم
|
|
لمسلم
|
٤٥ ـ الصواعق المحرقة
|
|
لابن حجر الهيثمي
|
٤٦ ـ طبقات ابن سعد
|
|
لابن سعد
|
٤٧ ـ العقد الفري
|
|
لابن عبد ربه
|
٤٨ ـ العمدة
|
|
لابن البطريق
|
٤٩ ـ الغارات
|
|
للواقدي
|
٥٠ ـ الفتوح
|
|
لابي اعثم الكوفي
|
٥١ ـ فرائد السمطين
|
|
للحمويني
|
٥٢ ـ الفصول المختارة
|
|
للمفيد
|
٥٣ ـ الفهرست
|
|
لابن النديم
|
٥٤ ـ المعجم المفهرس
|
|
لمحمد فؤاد
|
٥٥ ـ القاموس المحيط
|
|
للفيروز آبادي
|
٥٦ ـ الكامل في التاريخ
|
|
لابن الاثير
|
٥٧ ـ الكافية
|
|
للشيخ المفيد
|
٥٨ ـ الكشاف
|
|
للزمخشري
|
٥٩ ـ كشف الغمة
|
|
للاربلي
|
٦٠ ـ كنز الفوائد
|
|
لمحمد الكراجكي
|
٦١ ـ لسان العرب
|
|
لابن منظور
|
٦٢ ـ لسان الميزان
|
|
لابن حجر العسقلاني
|
٦٣ ـ مجلة المجمع العراقي
|
|
|
٦٤ ـ مجلة سومر العراقية
|
|
|
٦٥ ـ مجمع الزوائد
|
|
للهيثمي
|
٦٦ ـ مروج الذهب
|
|
للمسعودي
|
٦٧ ـ مستدرك الحاكم
|
|
للحاكم
|
٦٨ ـ مسند احمد
|
|
لاحمد بن حنبل
|
٦٩ ـ المصباح المنير
|
|
لاحمد الفيومي
|
٧٠ ـ مصنفات الشيخ المفيد
|
|
للشيخ المفيد
|
٧١ ـ معجم البلدان
|
|
للحموي
|
٧٢ ـ معجم ما استعجم
|
|
لابي عبيد الاندلسي
|
٧٣ ـ مغازي الواقدي
|
|
للواقدي
|
٧٤ ـ المفرادات في غريب القرآن
|
|
للراغب الاصفهاني
|
٧٥ ـ مقاتل الطاليبيين
|
|
لابي الفرج الاصفهاني
|
٧٦ ـ مناقب آل أبي طالب
|
|
لابن شهر آشوب
|
٧٧ ـ مناقب ابن المغازلي
|
|
لابن المغزلي
|
٧٨ ـ مناقب الخوارزمي
|
|
للخوارزمي
|
٧٩ ـ رجال النجاشي
|
|
للنجاشي
|
٨٠ ـ النهاية
|
|
لابن الاثير الجزري
|
٨١ ـ نهاية الاربعاء
|
|
للنويري
|
المحتويات
مقدمة تمهيدية................................................................... ٩
رسائل طلحة والزبير والسيدة عائشة........................................... ٢٧
رد عائشة على امّ سلمة........................................................ ٢٩
ردُّ عائشة على الاشتر......................................................... ٣٠
ردُّ زيد بن صوحان على عائشة................................................ ٣١
كتاب عائشة الى أهل المدينة.................................................... ٣٣
كتاب عائشة الى أهل اليمامة................................................... ٣٤
كتاب طلحة والزبير الى كعب بن سور.......................................... ٣٦
كتابهما الى المنذر بن ربيعة...................................................... ٣٧
عائشةُ أمّ المؤمنين تنبحها كِلابُ الحوأبِ......................................... ٤١
حديث عائشة عن هزيمة اصحاب الجمل........................................ ٤٧
ترجمة المؤلف.................................................................. ٥٣
اسمه ونسبه :.................................................................. ٥٣
مكانته العلمية :............................................................... ٥٤
التعريف بالكتاب.............................................................. ٥٧
مقدمة الكتاب................................................................ ٦٤
في السبب الموجب لوقعة الجمل................................................ ٦٤
مناشدة أمير المؤمنين عليهالسلام للزبير وطلحة......................................... ٧٢
في السبب الموجب لنكث طلحة بن عبيدالله والزبير.............................. ٧٥
بن العوام لبيعتهما امير المؤمنين عليّ بن ابي طالب عليهالسلام........................... ٧٥
مكاتبة معاوية بن ابي سفيان الى بني امية......................................... ٧٧
جواب معاوية بن ابي سفيان لمحمد بن ابي بكررضياللهعنه
.............................. ٩٣
خروج الزبير وطلحة بعائشة الى البصرة......................................... ٩٥
حين بلغه مسير طلحة والزبير الى البصرة........................................ ٩٧
فصل في خروج ام المؤمنين عائشة رضي الله................................. ١٠٢
عنه الى البصرة ونصح ام سلمة زوجة رسول الله صلىاللهعليهوآله لها....................... ١٠٢
تحرك القوم الى البصرة....................................................... ١٠٩
مناشدة امير المؤمنين عليهالسلام الزبير بن العوام (١)................................ ١٣١
مقتل الزبير بن العوام........................................................ ١٣٦
مناشدة امير المؤمنين عليهالسلام طلحة بن عبيد الله................................... ١٣٩
نشوب القتال بين الفريقين................................................... ١٤١
من كلامه عليهالسلام عندما طاف بالقتلى (٢)...................................... ١٥٤
مصادر التحقيق............................................................. ١٦٢
|