

مقدمة المركز
ليس الحديث عن سيرة وتاريخ الأئمّة:
حديثاً عن الماضي ، بل المقصود بذلك إغناء حركة الواقع الإسلامي في مسيرته المعاصرة من خلال معرفة العظماء وبناة الحضارة الإسلامية الذين أغنوا تلك الحركة في عصورهم بإجابات وحلول ، لا زالت هي الجواب المحكم لأكثر من سؤال معاصر ، والحل الأمثل لجلّ المشاكل القائمة. وهكذا يكون هدفنا في دراسة أيّ من عظماء الفكر وقادته ، خصوصاً من كانت له مواقع مميزة في حياته كموقع الإمامة. ذلك لأن الإمام لا ينظر ـ من منطلق إمامته ـ في طرح المفاهيم ومعالجتها ، والمشاكل العالقة وحلّها إلى مرحلة معينة ، بل يطرحها على صعيد الحياة برمّتها ، انطلاقاً من ذلك الموقع المعبّر عن نظرة الإسلام تجاه مفاهيمه وتعاليمه.
وفي هذا الصدد رأينا باقر العلمعليهالسلام
من خلال دراسة سيرته المشرقة وتاريخه الوضّاء الحافل بأنواع العطاء ، ليس كبقية العظماء من العلماء والمجدّدين في تاريخ هذه الأُمّة الذين قادوا حركة الفكر في أزمانهم ، بل رأيناه رسالة تتحرّك على أرض الواقع ، رسالة تحمل الإسلام وتحميه ، بتدبير حكيم فذّ ، وعقل منفتح على العالم بأسره ، وحلول ناجعة شافية لمشاكل الأُمّة على أكثر من صعيد لا في حاضرها فحسب ، بل في عمرها ومستقبلها إلى أن يرث اللّه الأرض ومَن عليها.
ولا عجب فيمن يصطفيه اللّه تعالى لحماية دينه ، وردّ كيد الكائدين به ، بل العجب من حثالات أدعياء العلم وجهلة هذه الأُمّة من الذين تجرّأوا على وضع باقر العلمعليهالسلام
موضع المقارنة مع غيره من رواة الحديث وحملته! مع أن قولهم (الباقر وغيره) لا معنى له ، ولا يصحّ من كل وجه؛ لأنّ المسافة التي تفصلهعليهالسلام
عن غيره شاسعة تتّسع لكل الدنيا ، ولو كانت المسافة واحدة لما
خُصّ الباقرعليهالسلام
بالاصطفاء والولاية والإمامة وعُدّ من مات في زمانه ولم يعرفه مات ميتة جاهلية.
و (الباقر) كلقب ، بل وسام قلّده النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
لحفيده كما في حديث جابر المشهور ، يكفي وحده للإطاحة بكل مقارنة.
نعم ، إنّهعليهالسلام
بقر العلم بقرا ، وأسكت الكلّ في زمانه ، وانقادوا لحجّته ، ويحدّثنا تاريخ الإمام الباقرعليهالسلام
إن فطاحل العلماء في زمانه كانوا لا ينبسون ببنت شفة في محضره ، وكان أعظمهم علماً إذا ما حضر بين يديه صار كالحجل في كفّ البازي لا يدري ما يقول.
وأما عن مدرسته ، فقد تنوّعت مسارب العلم فيها ، وتعدّدت آفاقها المعرفية ، واتّسعت اتّساعاً هائلاً ، فكانت ضروباً وألواناً شتّى ، ناهيك عن علوم الشريعة فيها من فقه وتفسير وحديث وكلام ، حيث بلغت ذروتها في تلك المدرسة الشريفة.
وأمّا عن روّاد مدرستهعليهالسلام
، فبفضل انفتاحها الواسع رأينا صنوفاً شتّى من تلامذتها ، إذ لم يكونوا كلهم أرباب فكر واحد أو اعتقاد واحد ، ولكن مدرسة الإسلام الباقرية جمعتهم في صعيد واحد بعد أن جمعهم الانتماء إلى الإسلام وفرّقتهم مدارس المسلمين ، الأمر الذي شهدت عليه بكل وضوح سيرة الإمام وتاريخه في هذا الكتاب.
إنّه لجهد مميّز في بابه ، حيث اقتنص مؤلّفه المحترم الكثير من الحقائق التاريخية بدراسة علمية واعية موثّقة ، ليجعلها في متناول القرّاء بأسلوبه السهل الممتنع.
سائلين المولى عزّوجلّ أن يشركنا في ثوابه إنّه سميع مجيب.
مركز الرسالة
المقدمة
الحمد للّه رب العالمين ، وسلامه على عباده المصطفين محمد وآله الميامين.
إنّ سيرة أهل البيت:
تكتنز تاريخاً غنياً بالعطاء وبالجهود التي بذلوها من أجل نشر معارف الدين السامية ، وإشاعة نور الإصلاح والحقّ والعلم في دياجير الانحراف والظلم والباطل ، سيّما وهم:
الركيزة الراسخة التي يقوم عليها صرح الإسلام بعد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
، فصاروا قبلة يهوي إليها طالبو الحقّ والعدل والعلم ، وقدوة حسنة يصبو إليها أهل التقى والمكارم.
وإمامنا الباقرعليهالسلام
واحد من أفذاذ تلك السلسلة المحمدية المعصومة ، فأبوه سيّد العابدين علي بن الحسينعليهماالسلام
حليف المحراب والدعاء والابتهال ، وجدّه الحسينعليهالسلام
شهيد الإصلاح والثورة على طغاة بني أمية ، وهو الذي سمّاه جدّه رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
بـ (محمد الباقر) وأخبر عن توسعّه في العلم وتبحّره في دقائقه ، لقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم
لجابر بن عبد اللّه الأنصاريرحمهالله
: «يا جابر ، يوشك أن تلحق بولد من ولد الحسين اسمه كاسمي يبقر العلم بقراً ، فإذا رأيته فاقرأه منّي السلام
»
.
__________________
إنّ التفوّق العلمي ، هو أحد الظواهر البارزة في حياة إمامنا الباقرعليهالسلام
، فقد كان كما قال الصادق الأمينصلىاللهعليهوآلهوسلم
قد بقر العلم وعرف أصله واستنبط فرعه ، من هنا تربّع على عرش العلم في زمانه بكل ما حوى من حقول المعرفة ، حتى اعترف معاصروه بتفوّقه وسمّوه في منار العلم.
عن عبد اللّه بن عطاء ، قال : ما رأيت العلماء عند أحد أصغر علماً منهم عند أبي جعفر محمد بن علي ، لقد رأيت الحكم عنده كأنّه متعلّم
.
وإذا كان الإمام الباقرعليهالسلام
قد نأى بنفسه عن التدخّل في معترك السياسة ، فقد نشط لاستكمال جهود سلفه المعصومين:
في مجال نشر معارف الإسلام ، وتفرّغ بكلّه للعلم ، فأغنى الواقع الإسلامي علماً ومعرفة ، من خلال مدرسة علمية مفتوحة على الواقع الإسلامي ، في فترة شهدت تباشير الدعوة العباسية ، وعاش فيها المسلمون صراعاً عنيفاً انتهى بسقوط العهد الأموي وبداية العهد العباسي.
كان الإمام الباقرعليهالسلام
شخصية علمية منفتحة على واقع المسؤلية ، فقد تلمّذ له ونهل من علمه جيل من أعلام معاصريه من شتّى المذاهب والاتجاهات ، واستطاع إعداد وتربية النخبة الصالحة والصفوة من فقهاء وعلماء وثقات أهل البيت المخلصين ، فنهض لإرساء قاعدة المدرسة الفقهية المستندة على أُسس الإسلام المتينة ، في وقت بدأ الحكام بترويج فقه كل من هبّ ودبّ من وعّاظ السلاطين ، فكان سفينة النجاة التي حفظت الشريعة المقدسة من أمواج الضلال والانحراف ، والنور الذي أشرق به فجر العلم.
__________________
وكان لتلك المدرسة ميزة عن كل المدارس التي نشأت إبّان تلك المرحلة وما بعدها ، وهي الانفتاح على الواقع الإسلامي واستيعاب كل ما فيه من تيارات فكرية ومدارس مخالفة ومناقشتها بكل هدوء من غير أن تصادر الأفكار ، أو تلغي الآخر ، وبذلك قدّمت لنا درساً في وحدة الثقافة والفكر.
ولتلك المدرسة عطاء وافر وإنجازات علمية رائعة ، لها الأثر في إغناء المعرفة الإسلامية في شتّى فنون العلم وحقول المعرفة ، كعلوم القرآن والحديث والفقه وأُصوله والعقائد والتاريخ والطب وغيرها.
واستطاع الإمام الباقرعليهالسلام
ملاحقة القضايا الفكرية التي تمثّل تحدّيات الفكر آنذاك ، سيّما ما طرأ على الواقع الإسلامي من بدع وشبهات ومفاهيم باطلة كالغلوّ والإرجاء والجبر والتفويض وغيرها ، وله احتجاجات مع أصحاب الفكر والاعتقادات المخالفة ، تركت بصماتها إلى اليوم ، إذ أجاب الإمامعليهالسلام
عن الكثير من الأسئلة التي قد تكون جواباً على أكثر من سؤال يدور في أذهان المعاصرين.
وترك لنا الإمام الباقرعليهالسلام
ثروة فكرية هائلة تهدف إلى تقويم السلوك ، وتدعو إلى الأخلاق الحميدة والصفات الكريمة ، تتجلّى في الحكم والمواعظ والوصايا والرسائل التربوية.
أما حين نتناول دراسة البعد الروحي من شخصية الإمام الباقرعليهالسلام
، نجده كآبائه الهداة الميامين ، مثلاً أعلى في العبادة والورع والزهد والتقوى والتواضع والحلم والجود والهيبة والوقار. من هنا كان ولده الصادقعليهالسلام
يقول : حدّثني أبي ، وكان خير محمدي يومئذٍ على وجه الأرض
.
__________________
وحين نقرأ سيرة إمامنا المشرقة بالعطاء ، نأمل أن نستلهم منها دروس العظمة في الفكر والمنهج والسلوك ، لا أن نقرأ الماضي وحسب ، ذلك لأنّها تعبير عن حركة الإسلام في واقع الحياة ، والمفاهيم الإسلامية لا تعالج مرحلة معينة ، بل تعالج الحياة كلّها.
وعلى الرغم من عدم إنصاف التاريخ الذي كتبه أعوان الطغاة ، وتعمّده في طمس سيرة هذا الإمام العظيم ، فإننا تطلّعنا من نوافذ شتّى على تاريخهعليهالسلام
، معتمدين على النزر اليسير من شتات أخباره في مصادر التاريخ ، وعلى الكم الهائل من آثاره في مصادر الحديث والتفسير ، فجاء كتابنا في ثمانية فصول ، حرصنا على أن نستوعب فيها سيرته منذ النشأة حتى قضى شهيداً وشاهداً على فصل من فصول المحنة والابتلاء بعد واقعة كربلاء الأليمة الذي كان أحد شهودها ، ومكمّلاً دوره الذي تميّز بحمل منار العلم وصيانة مسار الإسلام عقيدة وشريعة نظرية ومنهاجا. ومنه تعالى نستمدّ العون والتوفيق ، وهو من وراء القصد.
الفصل الأوّل
عصر الإمام الباقر عليه السلام ٥٧ ـ ١١٤ هـ
تاريخ الباقرعليهالسلام
:
عاش الإمام الباقرعليهالسلام
خلال الحقبة الأموية التي تميزت بالعنف والقمع ، وانتشار مظاهر الجور والظلم والفساد ، فقد امتدّت حياتهعليهالسلام
من سنة ٥٧ إلى سنة ١١٤ هـ ، فأدرك جده الحسينعليهالسلام
نحو أربعة أعوام ، وهي الفترة الممتدة من غرّة رجب سنة ٥٧ إلى المحرم سنة ٦١ هـ حيث شهادة جده الحسينعليهالسلام
، فكانت بدايات نشأته مع واقعة الطف الأليمة ، التي شهد كل فصولها ، وما جرى فيها من مشاهد القتل والترويع والسبي والأسر بشكل لم تعرفه الجريمة البشرية من قبل.
روي عن الإمام الباقرعليهالسلام
أنه قال : «قتل جدي الحسين
عليهالسلام
ولي أربع سنين ، واني لأذكر مقتله ، وما نالنا في ذلك الوقت
»
.
وعاش أبو جعفر الباقرعليهالسلام
في ظلّ إمامة أبيه علي زين العابدينعليهالسلام
من سنة ٦١ إلى ٩٥ هـ ، أي نحو أربع وثلاثين سنة وأشهر ، وقام بأعباء الإمامة مقام
__________________
أبيه وهو ابن ثمان وثلاثين سنة ، من سنة ٩٥ هـ إلى شهادته في سابع ذي الحجّة سنة ١١٤ هـ ، أي نحو تسع عشرة سنة
.
وشهد خلال هذه الفترة فصولاً أُخرى من مشاهد الفوضى والجريمة والبغي الأموي ، كوقعة الحرّة بأهل المدينة ، وغزو مكة المكرمة ، وعاصر فترة نشوء الثورات والحركات المعارضة للجبروت الأموي ، كثورة المدينة المنورة ، وابن الزبير ، والمختار ، وثورة القرّاء ، والتوّابين ، وابن الأشعث ، وبدايات تحرّك الشهيد زيد بن عليعليهالسلام
، وتباشير الدعوة العباسية.
الحكام المعاصرون لهعليهالسلام
:
أدرك الإمام الباقرعليهالسلام
قبل إمامته أواخر أيام معاوية بن أبي سفيان الذي عهد إلى ابنه الطاغية يزيد ٦٠ ـ ٦٤ هـ ، فجعل الخلافة ملكا يتوارثه آل سفيان وآل مروان ، وعهد يزيد إلى ابنه معاوية بن يزيد الذي خلع نفسه فلم يمارس الحكم ، وتوفّي بعد فترة وجيزة من البيعة له ، ومن ثم مروان بن الحكم ٦٤ ـ ٦٥ هـ ، وعبد الملك بن مروان ٦٥ ـ ٨٦ هـ ، والوليد بن عبد الملك ٨٦ ـ ٩٦ هـ.
وأدرك خلال فترة إمامتهعليهالسلام
نحو سنة واحدة من أيام الوليد بن عبد الملك ، وأيام سليمان بن عبد الملك ٩٦ ـ ٩٩ هـ ، وعمر بن عبد العزيز بن مروان ٩٩ ـ ١٠١ هـ ، ويزيد بن عبد الملك ١٠١ ـ ١٠٥ هـ ، وهشام بن عبد الملك ١٠٥ ـ ١٢٥ هـ ، وقضى مسموماً بعد مضي نحو تسع سنين من أيام
__________________
هشام
.
خصائص عصره :
أولاً ـ انحراف المسار :
لم يكن بنو أمية وعمالهم ممن يقيم للدين والقيم وزناً ، لذلك عملوا على انتهاك الحرمات ، والاستهانة بالمقدّسات ، وتعطيل سنن الإسلام وشرائعه والاستخفاف بها ، وأصبح زمانهم زمان الانحراف عن مسار الإسلام وإفراغه من قيمه الأخلاقية والروحية ، فنجد عبد الملك بن مروان أول من ينهى عن الأمر بالمعروف ، ويقول في خطبته بعد قتل ابن الزبير : ولا يأمرني أحد بتقوى اللّه بعد مقامي هذا إلاّ ضربت عنقه
.
وترضّى يزيد بن عبد الملك على أبي لهب ، وهو في مجلس طرب ، وذلك حين غنّاه أحد بني أبي لهب بشعر الفند الزمّاني ، فقال له : عمن أخذت هذا الغناء؟ قال : أخذته من أبي ، وأخذه أبي عن أبيه ، قال يزيد : لو لم ترث إلاّ هذا الصوت لكان أبو لهب ورثكم خيراً كثيراً. فقال المغنّي : يا أمير المؤمنين ، إنّ أبا لهب مات كافراً مؤذّياً لرسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
. قال يزيد : قد أعلم ما تقول ، ولكني داخلني عليه رقّة ، إذ كان يجيد الغناء
.
هذا واللّه تعالى يقول : «تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ
»
.
__________________
ووصل الأمر بالحجّاج الثقفي ـ طاغية الأُمَويين وعاملهم ـ إلى الاستخفاف بكتاب اللّه العظيم ، بل وإنكاره أيضاً! ، قال الأعمش : واللّه سمعت الحجّاج بن يوسف يقول : يا عجباً من عبد هذيل ـ يعني عبد اللّه بن مسعود ـ يزعم أنّه يقرأ قرآناً. أو قال : يزعم أنّ قرآنه من عند اللّه ، واللّه ما هو إلاّ رجز من رجز الأعراب ، واللّه لو أدركت عبد هذيل لضربت عنقه
.
ورمى الحجّاج بمنجنيقه الكعبة المشرفة بكيزان النار حتى احترقت ستائرها ، وصارت رماداً ، فارتجز :
أما تراها ساطعاً غبارها
|
|
واللّه فيما يزعمون جارها
|
وبلغ الفسوق والعصيان بالحجّاج وغيره من ولاة بني أمية ، إلى حدّ التجاوز على مقام النبوة ، روي عن الجاحظ أنّه قال : خطب الحجّاج بالكوفة ، فذكر الذين يزورون قبر رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
بالمدينة ، فقال : تبّاً لهم ، إنّما يطوفون بأعواد ورمّة بالية ، هلاّ طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك؟ ألا يعلمون أن خليفة المرء خير من رسوله
.
وعلى نفس المنوال يقول خالد بن عبد اللّه القسري والي مكة في خطبة له : أيها الناس ، أيّهما أعظم ، أخليفة الرجل على أهله ، أم رسوله إليهم؟ واللّه لو لم تعلموا فضل الخليفة ، ألا إن ابراهيم خليل الرحمن استسقى فسقاه ملحاً أجاجاً ، واستسقاه الخليفة فسقاه عذباً فراتاً. يريد بذلك بئراً حفرها الوليد بن عبد الملك بالثنيّتين : ثنية طوى ، وثنية الحجون ، فكان ينقل ماؤها ، فيوضع في حوض من
__________________
أدم إلى جنب زمزم ، ليعرف فضله على زمزم ، قال : ثمّ غارت البئر فذهبت ، فلا يدرى أين هي اليوم
.
ولما أخذ خالد القسري سعيد بن جبير وطلق بن حبيب ليرسلهما إلى الحجّاج ، خطب فقال : كأنكم أنكرتم ما صنعت ، واللّه أن لو كتب إليّ أمير المؤمنين لنقضت الكعبة حجراً حجراً
، واللّه لأمير المؤمنين أكرم على اللّه من أنبيائه
.
وأفرغت صلاة الجمعة من محتواها الروحي والعبادي ، فتحوّلت إلى مأدبة غداء ، فقد ورد أن خطباء بني أمية كانوا يأكلون ويشربون على المنبر يوم الجمعة ، لإطالتهم في الخطبة ، وكان المسلمون تحت منبر الخطبة يأكلون ويشربون
، وأمثلة ذلك كثيرة سوّدت صحائف التاريخ ، وكلّها تحكي انحراف البيت الأموي عما يريد اللّه ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم
.
ثانياً ـ سياسة الارهاب والترويع :
اعتمد الأمويون سياسة دموية في تثبيت سلطانهم ، تعتمد القمع والإرهاب والإسراف في دماء المسلمين وإذلالهم ، فقد روي أن عبد الملك كثيراً ما يجلس إلى أُمِّ الدرداء ، فقالت : بلغني أنّك شربت الطلاء
بعد النسك والعبادة! فقال : إي واللّه ، والدماء شربتها
.
__________________
واتّخذ مروان بن الحكم مصلّى رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
في جبانة المدينة مصلباً ، فبعثت عائشة إليه : تعست ، صلّى عليه رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
، واتّخذته مصلباً!
.
ووصف الوليد بن عبد الملك بأنّه شديد السطوة ، لا يتوقّف عند الغضب ، ولا ينظر في عاقبة ، ولا يكلّم عند سطوته ، وتهون عليه الدماء
.
ولغرض الإمعان في إذلال المسلمين ، كانت بنو أمية تختم في أعناقهم ، كما توسّم الخيل ، علامة لاستعبادهم ، ونقشوا أكفّ المسلمين علامة لاسترقاقهم ، كما يصنع بالعلوج من الروم والحبشة
.
وامتلأت بلاد المسلمين خلال هذه الحقبة بولاة القمع والجور ، قال عمر بن عبد العزيز : كان الوليد بالشام ، والحجاج بالعراق ، وعثمان بن حيان في الحجاز ، وقرة بن شريك بمصر ، امتلأت الأرض واللّه جوراً
.
وقائمة عمال الجور طويلة فيها الكثير من الجلادين سيئي الصيت أمثال : هشام بن اسماعيل المخزومي ، وعبد اللّه بن هشام ، وإبراهيم بن هشام ، ومحمد بن هشام ، ومحمد بن يوسف ، ومحمد بن مروان ، وخالد بن عبد اللّه القسري ، وعبد الرحمن بن الضحاك ، وخالد بن عبد الملك وغيرهم ممن ملأوا الأرض جوراً وفساداً.
قال المسعودي : كان عدّة من قتله الحجّاج صبراً سوى من قتل في زحوفه وحروبه مئة ألف وعشرين ألفاً ، منهم سعيد بن جبير ، قتله في سنة ٩٤ هـ ، وكميل بن زياد النخعي ، وتوفّي الحجّاج وفي محبسه خمسون ألف رجل ،
__________________
وثلاثون ألف امرأة ، وكان حبسه حائراً لا شيء فيه يكنّهم فيه من حرّ ولا برد ، ويسقون الماء مشوباً بالرماد
.
من هنا يقول عمر بن عبد العزيز : لو جاءت كل أمة بمنافقيها ، وجئنا بالحجّاج ، لفضلناهم
.
ثالثاً ـ نصب العداء لآل البيت:
:
إنّ نصب العداء لآل البيت النبوي:
وبغضهم وانتقاصهم وإباحة قتلهم وسفك دمائهم ، هو سلوك مألوف درج عليه حكام بني أُمية ، فقد دأب الحاكم الأموي من عهد معاوية على لعن أمير المؤمنين الإمام عليعليهالسلام
من على منابر المسلمين بعد صلاة الجمعة ثلاث مرات ، وبعضهم يزيد ذكر الحسن والحسينعليهماالسلام
، رغم أن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
يقول : «من سبّ علياً فقد سبّني ، ومن سبّني فقد سبّ اللّه
»
.
قال عبيد اللّه بن كثير السهمي :
لعن اللّه من يسبّ علياً
|
|
وحسيناً من سوقة وإمام
|
أيسبّ المطهّرون جدوداً
|
|
والكرام الآباء والأعمام
|
يأمن الطير والحمام ولا يأ
|
|
من آل الرسول عند المقام
|
طبت بيتاً وطاب أهلك أهلاً
|
|
أهل بيت النبي والإسلام
|
رحمة اللّه والسلام عليهم
|
|
كلّما قام قائم بسلام (٤)
|
__________________
وكانوا يقتلون من يمتنع عن سبّهعليهالسلام
، يقول جابر الجعفي : لما أفضت الخلافة إلى بني أُمية سفكوا في أيامهم الدم الحرام ، ولعنوا أمير المؤمنينعليهالسلام
على منابرهم ألف شهر ، واغتالوا شيعته في البلدان ، وقتلوهم واستأصلوا شأفتهم ، ومالأتهم على ذلك علماء السوء رغبة في حطام الدنيا ، وصارت محنتهم على الشيعة لعن أمير المؤمنينعليهالسلام
، فمن لم يلعنه قتلوه
.
ولا يختلف إثنان في كون آل مروان من أقبح النواصب ، يقول الذهبي : في آل مروان نصب ظاهر ، سوى عمر بن عبد العزيز
.
وقد قصد الوليد بن عبد الملك سيّد الساجدين وزين العابدينعليهالسلام
، فدسّ إليه السمّ سنة ٩٥ هـ
.
ووصل بهم النصب والبغض أن حاربوا حتّى مَن يتسمّى بأسمائهم ، فقد روي أن إنساناً وقف للحجّاج الثقفي فصاح به : أيها الأمير ، إنّ أهلي عقّوني فسمّوني علياً ، وإنّي فقير بائس ، وإلى صلة الأمير محتاج. فتضاحك له الحجّاج قائلاً : للطف ما توسّلت به ولّيتك موضع كذا
.
على أن عمر بن عبد العزيز وإن استُثني من ظاهرة النصب الأموي المرواني ، إلاّ أنّه كان ـ مع ذلك ـ محكوماً بالفكر الأموي أيضاً في تفضيل عثمان على عليعليهالسلام
، قال ميمون بن مهران : كنت أفضل علياً على عثمان ، فقال لي عمر ابن عبد العزيز : أيّهم أحبُّ إليك ، رجل أسرع في الدماء ، أو رجل أسرع في
__________________
المال؟ قال : فرجعت وقلت : لا أعود
.
وكان عهد هشام بن عبد الملك حافلاً بالتعسّف والصدام المعلن مع الإمام الباقرعليهالسلام
، فقد أمر بإشخاصه مع ولده الصادقعليهالسلام
إلى الشام ، ولما ورد حجبه ثلاثة أيام
، وتآمر مع أصحابه ومن كان بحضرته من بني أُميّة للنيل منه وتوبيخه ، فلما دخل عليه أبو جعفرعليهالسلام
قال بيده السلام عليكم ، فعمّهم جميعاً بالسلام ثم جلس ، فازداد هشام عليه حنقاً بتركه السلام عليه بالخلافة وجلوسه بغير إذن ، فأقبل يوبّخه ، ويقول فيما يقول له : يا محمد بن علي ، لا يزال الرجل منكم قد شقّ عصا المسلمين ، ودعا إلى نفسه ، وزعم أنه الإمام سفهاً وقلّة علم ، فلما سكت القوم نهضعليهالسلام
قائماً ، ثم قال : «أيها الناس ، أين تذهبون ، وأين يُراد بكم؟! بنا هدى اللّه أولكم ، وبنا يختم آخركم ، فإن يكن لكم ملك معجّل ، فإن لنا ملكاً مؤجلاً ، وليس بعد ملكنا ملك ، لأنا أهل العاقبة ، يقول اللّه عزّوجلّ : «وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
»
.
فأمر به إلى الحبس»
.
وأخيراً تكشّفت سريرة هشام بدسّ السمّ إلى الإمامعليهالسلام
والقضاء على حياته
.
وقد عبّر الإمام الباقرعليهالسلام
عن حالة الظلم المقصود به آل محمد:
، في
__________________
حديثه لجابر الجعفي ، قالعليهالسلام
: «لا رعى اللّه هذه الأُمّة ، فإنها لم ترعَ حقّ نبيّها
صلىاللهعليهوآلهوسلم
، أما واللّه لو تركوا الحق على أهله لما اختلف في اللّه تعالى اثنان
، ثم أنشأعليهالسلام
يقول :
إنّ اليهود بحبِّهم لنبيِّهم
|
|
قد آمنوا من حادث الأزمان
|
وذوو الصليب بحبِّ عيسى أصبحوا
|
|
يمشون زهواً في قرى نجران
|
والمؤمنون بحبِّ آل محمد
|
|
يُرمَون في الآفاق بالنيران»
|
وعبّر الشاعر أبو ثميلة الأبّار عن رزية البيت النبوي خلال الحكم الأموي ، في قصيدته التي يرثي بها زيداً :
والناس قد أمنوا وآل محمد
|
|
من بين مقتول وبين مشرّد
|
نصب إذا ألقى الظلام ستوره
|
|
رقد الحمام وليلهم لم يرقد
|
البطش بشيعتهم :
لم يترك بنو أمية وسيلة من وسائل الإيذاء إلاّ اقترفوها بحقّ آل أبي طالب وشيعة أهل البيت ومواليهم ، فأمروا العمال والولاة بتشريدهم وملاحقتهم وقطع أرزاقهم والتضييق عليهم ، وملأوا بهم السجون ، وعرضوهم على البراءة أوالسيف ، فقتل من الشيعة خلقاً كثيرا سيما في زمان الحجاج.
وعرض جابر الجعفي في حديث شكوى الشيعة إلى الإمام زين العابدينعليهالسلام
، واقع التشيع في ذلك الوقت ، قال جابر : «اشتكت الشيعة إلى زين العابدينعليهالسلام
، وقالوا : يابن رسول اللّه ، أجلونا عن البلدان ، وأفنونا بالقتل الذريع ، وقد أعلنوا لعن أمير المؤمنينعليهالسلام
في البلدان ، وفي مسجد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
__________________
وعلى منبره ، ولا ينكر عليهم منكر ، ولا يغير عليهم مغير ، فان أنكر واحد منا على لعنه قالوا : هذا ترابي ، ورفع ذلك إلى سلطانهم ، وكتب إليه : ان هذا ذكر أبا تراب بخير حتى ضرب وحبس ثم قتل. فلما سمع ذلكعليهالسلام
نظر إلى السماء وقال :سبحانك! ما أعظم شأنك! إنّك أمهلت عبادك حتّى ظنّوا أنّك أهملتهم ، وهذا كلّه بعينك ، إذ لا يغلب قضاءك ، ولا يردّ تدبير محتوم أمرك ، فهو كيف شئت وأنّى شئت ، لما أنت أعلم به منّا
»
.
ومن أفعالهم في هذا الخصوص ، ما روي أن هشام بن إسماعيل المخزومي كان ظالماً مبغضاً لآل محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم
، أظهر لهم العداوة وأساء إلى آل أبي طالب والعلويين خصوصا ، قال عبد اللّه بن محمد بن عمر بن علي : كان هشام بن إسماعيل يسيء جوارنا ويؤذينا ، ولقي منه علي بن الحسين أذىً شديداً
.
ودسّ سليمان بن عبد الملك السمّ إلى عبد اللّه بن محمد بن علي بن أبي طالب ، فمات منه بالحميمة من أرض الشراة سنة ٩٧ هـ بعد أن وفد إليه
.
واستعمل يزيد بن عبد الملك على المدينة عبد الرحمن بن الضحّاك الفهري ، وخطب عبد الرحمن فاطمة بنت الحسين بن علي ، فأرسل إليها رجالاً يحلف باللّه لئن لم تفعلي ليضربنّ أكبر ولدها بالسياط ، فشكته فعزل عن عمله
.
وكان شيعة آل البيت يعرضون على البراءة من أمير المؤمنينعليهالسلام
، وتفشّت الحالة إلى الحدّ الذي سئل الإمام الباقرعليهالسلام
عن فقه المسألة ، روى عبد اللّه بن
__________________
عطاء ، قال : قلت لأبي جعفر الباقرعليهالسلام
: «رجلان من أهل الكوفة أخذا ، فقيل لأحدهما : ابرأ من أمير المؤمنينعليهالسلام
، فبرئ واحد منهما ، وأبى الآخر ، فخُلّي سبيل الذي برئ ، وقُتل الآخر؟ فقالعليهالسلام
:أما الذي برئ فرجل فقيه في دينه ، وأما الذي لم يبرأ فرجل تعجّل إلى الجنّة
»
.
وضيّق الوليد بن عبد الملك على الشيعة في العراق ، فهربوا إلى نواحي مكة والمدينة من قمع الحجّاج ، فعزل الوليد عمر بن عبد العزيز من المدينة ، وأبدله بالجلاّد عثمان بن حيّان ، الذي فرض عليهم الحصار ، وأخذ عليهم الطرق ، حيث ارتقى المنبر فقال : واللّه ما جربت عراقياً قط إلاّ وجدت أفضلهم عند نفسه الذي يقول في آل أبي طالب ما يقول وإنّي واللّه لا أوتى بأحد آوى أحداً منهم ، أو أكراه منزلاً ، أو أنزله ، إلاّ هدمت منزله ، وأنزلت به ما هو أهله
.
فكان يلقي القبض على من تمكّن منهم ، ويعاقبهم ويحبسهم ، ثم يبعث بهم إلى الحجّاج في العراق.
وروي عن الإمام الباقرعليهالسلام
أن يحيى بن أم الطويل ـ وهو من أصحابه ـ طلبه الحجّاج ، فقال : تلعن أبا تراب ، وأمر بقطع يديه ورجليه وقتله ، وأما أبو خالد الكابلي فهرب إلى مكّة ، وأخفى نفسه فنجا
.
وقطع يوسف بن عمر بنفسه يد سليمان بن خالد بن دهقان ، أبو الربيع الأقطع ، لخروجه مع زيد ، وكان قارئاً فقيهاً وجهاً
.
__________________
وكتب هشام بن الحكم إلى خالد بن عبد اللّه القسري يقسم عليه أن يقطع لسان الكميت ويده ، لقصيدة رثى بها زيد بن عليعليهالسلام
وابنه ومدح بني هاشم. فلم يشعر الكميت إلاّ والخيل محدقة بداره ، فأُخذ وحبس في المحبس ، وخلّصه أبان بن الوليد ، وكان صديقه
.
وأمر الإمام الباقرعليهالسلام
جابر بن يزيد الجعفي أن يتظاهر بالجنون ، كي يتخلّص من بطش السلطة ، فخرج وفي عنقه كعاب قد علقها ، وقد ركب قصبة ، وهو يردّد أشعاراً واجتمع عليه الصبيان والناس ، والناس يقولون : جُنّ جابر ابن يزيد جنّ ، وذهب إلى الرحبة ، وما مضت الأيام حتى ورد كتاب هشام بن عبد الملك إلى واليه أن انظر رجلاً يقال له : جابر بن يزيد الجعفي فاضرب عنقه ، وابعث إليّ برأسه. فسأل الوالي عنه ، فقيل له : كان رجلاً له علم وفضل وحديث فجنّ ، وهو ذا في الرحبة مع الصبيان على القصب يلعب معهم ، فعفى عنه
.
رابعاً ـ ظهور الحركات المناهضة للسلطة :
كان من تداعيات سياسة الجور والاستبداد التي انتهجها طغاة بني اُمية ، واستهتارهم بقيم وتعاليم الإسلام ، أن تألبت عليهم الأمة بجملة نهضات تاريخية اندلعت هنا وهناك ، بدأها أهل البيت بثورة الحسينعليهالسلام
، وختموها بثورة زيد وابنه يحيى.
١ ـ نهضة الطف (سنة ٦٠ ـ ٦١ هـ ) :
وصل يزيد لعنه اللّه إلى ذروة السلطة بعهد من أبيه معاوية ، وكان حاكماً منحرفاً مستهتراً بقيم الإسلام ، أشاع مظاهر الفساد والمنكر ، وتجاهر بالكفر
__________________
والفسوق وأنواع الرذيلة
، وحين وصل إلى سدة الحكم أراد انتزاع البيعة من الحسينعليهالسلام
، فامتنع الحسينعليهالسلام
، ورأى أن مجرّد السكوت عن هذا الحاكم الفاسق يشكّل خطرا داهماً على الإسلام كدعوة ودين ، فكيف يبايعه وهو وارث الرسول ووصيّه وسبطه وسيّد شباب أهل الجنة ، من هنا اختار طريق الصراع المسلح والثورة على الطغيان اليزيدي ، فخرج من المدينة بعياله وأهل بيته وأنصاره الصادقين ، وأعلن أهداف نهضته ، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإحياء معالم الدين ، وطلب الإصلاح في الأُمّة وإيقاظ ضميرها وتحريك وجدانها ، كي يحيا من حيي عن بينة ، ويهلك من هلك عن بينة.
ومن مكة قصد العراق مصمِّما على تحقيق أهداف نهضته ، فتسابق هو وأصحابه إلى الشهادة ونيل الرضوان ، وسجّلوا ملحمة البطولة والفداء بدمائهم الزكيّة حتّى تضرّجوا بدم الشهادة على طفّ كربلاء. ولم ينم بنو أمية مل ء جفونهم بعد مصرع الحسينعليهالسلام
، بل هزّت واقعة الطف عروشهم ، وزلزلت الأرض تحت أقدامهم ، وكشفت عن أقنعتهم المزيفة ، فكانت رائدة الثورات والانتفاضات التي بدّدت سلطانهم ومزّقت ملكهم أي ممزّق.
٢ ـ ثورة أهل المدينة (سنة / ٦٣ هـ ) :
بعث أهل المدينة وفداً إلى الشام ، فعادوا وهم يشهدون أن يزيد رجل لا دين له ، يشرب الخمر ، ويدع الصلاة ، ويلعب بالكلاب ، ويعزف بالطنابير ، وينكح الأمهات والبنات والأخوات ، فخلعه أهل المدينة ، وبايع الأنصار عبد اللّه بن حنظلة الأنصاري ، وبايعت قريش عبد اللّه بن مطيع بن الأسود والمنذر بن الزبير ، فوجّه إليهم يزيد جيشاً بقيادة السفّاح مسرف بن عقبة ،
__________________
فاستباح المدينة ثلاثة أيام لجنده بأمر يزيد ، انتهك فيها الجيش الأموي مدينة الرسول ، فهتك الأعراض ، وأزهق نفوس وجوه الناس من قريش والأنصار والمهاجرين ، ونهب الأموال
.
٣ ـ حركة التوابين (سنة / ٦٥ هـ ) :
أمير هذه الثورة الصحابي سليمان بن صرد الخزاعي ، وكان ممّن كاتب الحسينعليهالسلام
ليبايعه ، فلما عجز من نصرتهعليهالسلام
ندم وحارب
، ودعا الناس إلى التوبة ، فبايعه نحو خمسة آلاف على الثأر للحسينعليهالسلام
، فسار بهم نحو الشام لحرب عبيد اللّه بن زياد ، فعسكروا في عين الوردة ، فالتحم القتال ثلاثة أيام ، فأبلوا بلاء حسناً ، وقاتلوا شوقاً ورغبةً إلى رضوان ربّهم ، وأصدقوا القتال والتوبة حتّى قُتل سليمان وخيرة أصحابه ، وانحاز الباقون إلى بلدانهم
.
٤ ـ حركة ابن الزبير (سنة / ٧٣ هـ ) :
دعا عبد اللّه بن الزبير إلى نفسه ، فبُويع له بالخلافة عقب وفاة معاوية بن يزيد سنة ٦٤ هـ.
وهكذا استامها كل مفلسِ.
وتوسّعت حركته في رقعة جغرافية واسعة ، فشملت الحجاز والبصرة والكوفة وفارس والأهواز وخراسان ومصر واليمن وأكثر الشام ، وجعل قاعدة ملكه المدينة ، وكانت له مع الأمويين وقائع هائلة ، حتّى سيّر عبد الملك بن
__________________
مروان إليه الحجّاج الثقفي ، فانتقل إلى مكة ، وعسكر الحجّاج في الطائف ، ونشبت بينهما حروب شديدة رمى فيها الحجّاج الكعبة بأحجار المنجنيق ، وانتهت بمقتل ابن الزبير في مكة سنة ٧٣ هـ بعد أن خذله عامّة أصحابه ، وكانت مدّة ملكه تسع سنين.
وكان ابن الزبير خبيثاً ، عدوّاً للحقّ ، بخيلاً قليل العطاء ، كثير الحسد والخلاف ، شديد العداوة والبغضاء لآل أبي طالب ، تحامل على بني هاشم تحاملاً شديداً ، حتّى أنّه حين تسلّط على المدينة ترك الصلاة على محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم
في خطبته ، فقيل له : لِمَ تركت الصلاة على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
. فقال : إنّ له أُهيل سوء إذا ذكرته أتلعوا أعناقهم ، فأنا أحبّ أن أكبتهم. وحين امتنع محمد بن الحنفية وعبد اللّه بن عباس عن بيعته ، أخذهما ابن الزبير مع أربعة وعشرين رجلاً من بني هاشم ، فحبسهم في حجرة زمزم ، وحلف باللّه الذي لا إله إلاّ هو ليبايعن أو ليحرقنّ بالنار ، فأنقذهم جيش المختار ، وكان ينال من علي بن أبي طالبعليهالسلام
ويسبّه
.
من هنا كان أبو جعفر الباقرصلىاللهعليهوآلهوسلم
يسمّيها فتنة ابن الزبير
.
٥ ـ حركة المختار الثقفي (سنة / ٦٥ ـ ٦٧ هـ ) :
وهو من زعماء الثائرين على بني أمية ، وأحد الشجعان الأفذاذ ، بدأت حركته بعد ثورة التوّابين ، فعندما انتهت المواجهة ، دخل الذين انحازوا إلى الكوفة من جيش ابن صرد تحت مظلّة المختار ، ذلك لأنّ شعار المختار هو الثأر لدماء الحسينعليهالسلام
، والاقتصاص من قاتليه ، فكثر أتباعه ، واستولى على
__________________
الكوفة ، وتتبّع قتلة الحسينعليهالسلام
فقتلهم ، فأقرّ عيون آل أبي طالب ، واستولى على الموصل والجزيرة ، وبقي حتّى بعث ابن الزبير جيشا كثيفا بقيادة أخيه مصعب ، فهزم المختار وقتله وقتل أصحابه ، وكانوا زهاء خمسة آلاف أسير ، وأبردوا برأس المختار إلى ابن الزبير في مكة ، فترحّم عليه ابن عباس ، ورغم أن الإمام زين العابدينعليهالسلام
لم يكن طرفاً في حركة المختار ، لكنّه استبشر فرحاً حين أبرد برأس ابن زياد إليه ، وخرّ ساجدا ودعا له وجزاه خيراً ، وبارك ابن الحنفية للمختار أخذ ثأرهم
، فويل لقاتله من النار.
٦ ـ حركة ابن الأشعث (سنة / ٨١ ـ ٨٢ هـ ) :
وكانت بقيادة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي ، الذي سيّره الحجّاج بجيش لغزو بلاد الترك وراء سجستان ، فتمرّد عليه وخلع طاعته وطاعة عبد الملك بن مروان سنة ٨٠ هـ ، وكان أغلب أصحابه من القرّاء وأهل العلم ، كالحسن البصري ، وعامر الشعبي ، وسعيد بن جبير ، ومالك بن دينار ، وابن أبي ليلى وغيرهم ، وزحف بهم عبد الرحمن سنة ٨١ هـ إلى العراق ، فكانت له وقائع مع الحجّاج ، ظفر فيها عبد الرحمن ، وتمّ له ملك سجستان وكرمان والبصرة وفارس ، واستولى على الكوفة ، فقصده الحجّاج ، فحدثت بينهما موقعة دير الجماجم التي دامت مئة وثلاثة أيام ، وانتهت بخروج ابن الأشعث من الكوفة ، ومن ثم مقتله ، وبعث برأسه إلى الحجّاج سنة ٨٥ هـ
.
__________________
٧ ـ ثورة زيد بن عليعليهالسلام
(سنة / ١٢١ هـ ) :
وهو أخو الإمام الباقرعليهالسلام
، وكان عابداً ورعاً فقيهاً سخيّاً شجاعاً ، ويعرف حليف القرآن ، كانت أحداث ثورته في زمان الإمام الصادقعليهالسلام
، غير أن بداية تحرّكه كان في زمان الإمام الباقرعليهالسلام
، وذلك أن هشاماً أشخصه إلى الشام ، فحجبه عنه مبالغة في الاستهانة به ، ثم ضيّق عليه وحبسه ، وقال له يوماً : بلغني أنّك تذكر الخلافة وتتمنّاها ، ولست هناك لأنّك ابن أمة! فقال زيد : ان لك جواباً.
قال : تكلّم. قال : انه ليس أحد أولى باللّه ولا أرفع درجة عنده من نبي ابتعثه ، وهو إسماعيل بن إبراهيم ، وهو ابن أمة ، قد اختاره اللّه لنبوته ، وأخرج منه خير البشر. فقال هشام لعنة اللّه وملائكته عليه : فما يصنع أخوك البقرة! فغضب زيد حتى كاد يخرج من إهابه ، ثم قال : سمّاه رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
الباقر ، وتسمّيه أنت البقرة! لشدّ ما اختلفتما! لتخالفنّه في الآخرة كما خالفته في الدنيا ، فيرد الجنة ، وترد النار. وقال زيد : لم يكره قوم قطّ حرّ السيوف إلاّ ذلّوا. ثمّ أمر هشام بحمله إلى عامله ، وقد جرت هذه المقابلة بين زيد وبين هشام في حياة الإمام الباقرعليهالسلام
، وكان ذلك بدايات نهضته.
وحين خرج زيدعليهالسلام
بايعه غالب أهل الكوفة على الدعوة إلى الكتاب والسنّة ، وجهاد الظالمين ، والدفع عن المستضعفين ، وإعطاء المحرومين ، والعدل في قسمة الفيء ، وردّ المظالم ، ونصرة أهل البيت ، والطلب بثارات الحسينعليهالسلام
، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والرضا من آل محمد ، وبايعه كثير من الفقهاء والعلماء ، وأبلى بلاءً حسناً في قتال الأمويين ، ثم تخلّف عنه أهل الكوفة ، فجاهد حتى قُتل رضوان اللّه تعالى عليه ، وصلب نحو أربع سنين ، ثم أحرقه
يوسف بن عمر بالنار ، وألقى رفاته بالفرات ، بأمر الوليد بن يزيد ، وترحّم عليه ابن أخيه الإمام الصادقعليهالسلام
.
وأخبر الإمام الباقرعليهالسلام
عن خروج أخيه زيد بالكوفة ، وأنّه يُقتل ويُطاف برأسه ، ويُصلَب بالكناسة
.
٨ ـ ظهور الدعوة العباسية (سنة / ٨٧ ـ ١٣٢ هـ ) :
روى ابن عساكر أن ابتداء دعاة بني العباس إلى محمد بن علي ، وتسميتهم إيّاه بالإمام ، كان في خلافة الوليد سنة ٨٧ هـ ، ولم يزل الأمر في ذلك يتزايد إلى أن توفّى سنة ١٢٤ هـ ، وأوصى إلى ابنه إبراهيم
.
وذكر المسعودي أنّه كان مبدأ الدعوة العباسية في سنة ١٠٠ هـ ، حيث أفضى بها أبو هاشم عبد اللّه بن محمد بن الحنفية إلى محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس سنة ٩٨ هـ ، وعرف بينه وبين الدعاة ، وأعلمه أن الخلافة صائرة إلى ولده ، وأمره أن يكون ابتداء الدعوة سنة ١٠٠ هـ
.
ولما دخلت سنة ١٠٠ هـ بثّ محمد بن علي دعاته بالآفاق يدعون إلى بني العباس ، وفي سنة ١١١ هـ ظهرت دعوتهم ، وكثر من يجيبهم إلى خلع
__________________
بني أمية
.
وواصل إبراهيم بن محمد تحدّي السلطة الأموية بعد أبيه ، حتى مقتله في حبس مروان بن محمد سنة ١٣١ هـ ، واستطاع الدعاة تصدير بعض الشعارات العلوية لاستقطاب المدّ العلوي ، ومنها الرضا لآل محمد ، فكثر من يأتيهم ويميل معهم ، سيّما بعد مقتل زيد بن علي سنة ١٢١ هـ ، حتى أطاحوا بالعرش الأموي سنة ١٣٢ هـ.
وقد أخبر الإمام الباقرعليهالسلام
هشام بن عبد الملك بدنو زمان ملك بني العباس ، حين أشخصه إلى الشام ، وسأله هشام : «أنت أبو جعفر الذي تقتل بني أمية ، فقالعليهالسلام
: لا ، قال : فمن ذاك؟ فقالعليهالسلام
:ابن عمّنا أبو العباس بن محمد ابن علي
، فنظر إليه هشام وقال : واللّه ما جرّبت عليك كذباً ، ثم قال : ومتى ذاك؟ قال :عن سنيات واللّه ما هي ببعيدة
»
.
وعن أبي بصير أن الإمام أبا جعفرعليهالسلام
أخبر بني العباس بملكهم ، وكانوا في ناحية مسجد المدينة ، منهم داود بن علي ، وسليمان بن خالد ، وأبو جعفر الدوانيقي. فقالعليهالسلام
وهو يشير إلى أبي جعفر الدوانيقي : «أما واللّه لا تذهب الليالي والأيام ، حتى يملك ما بين قطريها ، ثم ليطأن الرجال عقبه ، ثم ليذلن له رقاب الرجال ، ثم ليملكن ملكاً شديداً.
وقالعليهالسلام
حين سأله الدوانيقي عن الدولة :دولتكم قبل دولتنا ، وسلطانكم قبل سلطاننا ، سلطانكم شديدعسر لايسر فيه ، وله مدّة طويلة ، واللّه لايملك بنو أمية يوماً إلاّملكتم مثليه ، ولاسنة إلاّملكتم مثليها ، ولتتلقفهاصبيان منكم
__________________
فضلاً عن رجالكم ، كما تتلقّف الصبيان الكرة ، أفهمت؟ ثم قال : لا تزالون في عنفوان الملك ترغدون فيه ، ما لم تصيبوا منّا دماً حراماً ، فإذا أصبتم ذلك الدم غضب اللّه عزّوجلّ عليكم ، فذهب بملككم وسلطانكم ، وذهب بريحكم
»
.
٩ ـ حركات الخوارج :
كان الخوارج تيارات فكرية مختلفة ، تتّفق جميعاً على لغة التكفير واستباحة الدماء ، فمنهم الأزارقة ، أتباع نافع بن الأزرق ، وكانت لهم حروب شديدة مع الأمويين في البصرة والأهواز ، قاتلوا أهل الشام مع ابن الزبير أولاً ، فلما علموا أنّه يتولّى عثمان فارقوه ، فانتدب المهلب لقتالهم ، فحاربهم وهزمهم ، وانحازوا إلى الأهواز ، ثم إلى فارس ، وقتل نافع بن الأزرق سنة ٦٥ هـ ، ثم لم يزل يواقعهم من بلد إلى بلد حتى قُتل ابن الزبير ، وخلص الأمر إلى عبد الملك ، واستمر في قتالهم حتى سنة ٧٨ هـ حيث ضعف أمرهم.
ومنهم النجدات ، أتباع نجدة الحروري ، استولوا على حضرموت والبحرين واليمن والطائف واليمامة وعمان وهجر ، وكان أول أمره مع نافع بن الأزرق ، وفارقه لاحداثه في مذهبه ، ثم خرج باليمامة أيام عبد اللّه بن الزبير ، وأتى البحرين واستقرّ بها ، وتسمّى بأمير المؤمنين ، ووجّه إليه مصعب بن الزبير جيشاً بعد جيش فهزمهم حتى قُتل.
ومنهم الأباضية ، وهم أتباع عبد اللّه بن أباض ، الذي تخلّف عن قتال ابن الزبير مع ابن الأزرق ، فتبرّأ ابن الأزرق منه ، وقتل ابن أباض في أيام مروان بن محمد ، وافترقت هذه الجماعة فيما بينها
.
__________________
خامساً ـ نشوء العقائد المنحرفة :
١ ـ الدعوة إلى الجبر :
الجبر هو الاعتقاد بنسبة أفعال العباد إلى اللّه تعالى ، ويقول المجبرة : ليس لنا صنع ، أي لسنا مخيرين في أفعالنا التي نفعلها ، بل اننا مجبورون بإرادته ومشيئته تعالى ، فهم يعطلون أي دور للإنسان في أقواله وأفعاله ، وقد تبنّى الأمويون مقولة الجبر من أجل تثبيت أركان دولتهم ، بدعوى أن اللّه آتاهم الملك قدراً مقدراً ، فلا يجوز انتزاعه منهم ، ونشط الجبر في أحضان البلاط الأموي كعقيدة يتذرّعون بها لتبرّر ظلمهم ، وتنزيه ساحتهم مما ارتكبوه من مفاسد وموبقات ، مدّعين أنّها من قضاء اللّه وقدره ، وهم منها براء ، وإن كانت تجرى على أيديهم.
٢ ـ ظهور المفوضة :
في مقابل القول بالجبر ، ظهر اتجاه منحرف آخر يدعو إلى القول بالاختيار ، أو التفويض المطلق ، وهؤلاء يرون أن اللّه سبحانه لا دخل له في أفعال العباد سوى أنّه خلقهم وأقدرهم ، ثمّ فوّض أمر أفعالهم إلى سلطانهم وإرادتهم ، ولا دخل لأي إرادة أو سلطان عليهم ، فنفوا كل أثر لمشيئة اللّه وإرادته.
وقد وقف الأمويون بوجه أصحاب هذه الفكرة الهدامة ، لأنّها تنقض ما جعلوه أساساً لأركان سلطانهم ، وهو القول بالجبر ، فأخذ عبد الملك بن مروان معبداً الجهني وعذّبه ثمّ قتله ، وقبض هشام على غيلان الدمشقي وقتله.
وقد طال معترك الكلام بين أصحاب الجبر والاختيار ، حتّى تصدّى الإمام الباقر والصادقعليهماالسلام
لنقض المقولتين ، وهدوا الناس إلى مذهب وسط بين الجبر
__________________
والاختيار ، وهو الأمر بين الأمرين ، فجمعوا الآراء المتشعّبة ، مستندين إلى ما آي الكتاب الكريم في هذا الشأن.
قال أبو جعفر الباقر وأبو عبد اللّه الصادقعليهالسلام
: «إنّ اللّه عزّوجلّ أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثم يعذّبهم عليها ، واللّه أعزّ من أن يريد أمراً فلا يكون
»
.
ومنع الإمام الباقرعليهالسلام
أصحابه من الائتمام بمن يقول بالقدر ، قال الحارث ابن سريج البزّاز : «قلت لمحمد بن علي إن لنا إماماً يقول في القدر ، فقال :اُنظر كل صلاة صلّيتها خلفه أعدها ، إخوان اليهود والنصارى ، قاتلهم اللّه أنّى يؤفكون
»
.
٣ ـ الدعوة إلى الإرجاء :
المراد بالإرجاء التأخير ، والمرجئة هم الذين يبالغون في إثبات الوعد ، ويرجون المغفرة والثواب لأهل المعاصي ، ويرجئون حكم أصحاب الكبائر وسائر المذنبين إلى الآخرة ، فلا يحكمون عليهم بكفر ولا فسق ، ويرى المرجئة أن الإيمان معرفة بالقلب وتصديق باللسان ، وهو قول بلا عمل ، ولا يضرّ معه ذنب أو معصية ، وهو لا يزيد ولا ينقص
.
وقد روّجت السلطة الأموية لفكرة الإرجاء ، لتبرير هوس طغاتهم بالدماء ، وإيغالهم بالجريمة والظلم ، واستباحة الحرمات ، واستخفافهم بأحكام الدين ، وتعطيل الكتاب والسنّة ، كي يبقوا رغم ذلك مؤمنين ، لا يضرّ بإيمانهم
__________________
معصية ، ولا ينقصه عمل!
روي أنّه لما استخلف يزيد بن عبد الملك (١٠١ ـ ١٠٥ هـ ) قال : سيروا سيرة عمر بن عبدالعزيز ، فأتوه بأربعين شيخاً شهدوا له أن الخلفاء لا حساب عليهم ولا عذاب
، فأقبل على الجور والبذخ ، وانهمك بالشرب وسماع الغناء.
ويشير طاوس اليماني لآثار هذا الاعتقاد في أفكار الناس بقوله : عجبت لإخواننا من أهل العراق يسمّون الحجّاج مؤمناً ، قال الذهبي : يشير إلى المرجئة منهم ، الذين يقولون : هو مؤمن كامل الإيمان مع عسفه وسفكه الدماء وسبّه الصحابة
.
ووقف أئمّة أهل البيت:
بوجه هذا الفكر الهدّام ، فروي عن الإمام الباقرعليهالسلام
أنّه لعن المرجئة ، وقال في حديث : «اللهمّ العن المرجئة ، فإنّهم أعداؤنا في الدنيا والآخرة
»
.
وهناك المزيد من الحديث الوارد عن الإمام الباقرعليهالسلام
ينقض فيها أفكار المرجئة صيانة لأفكار الناس ، وإن لم يسمهم تقية من بطش السلطة ، فأكد في حديثه لبعض شيعته أن الإيمان قول وعمل ، قالعليهالسلام
: «ما تنال شفاعتنا إلاّ بالتقوى والورع والعمل الصالح والجدّ والاجتهاد ، فلا تغترّوا بالعمل ويسقط عنكم ، فإذن أنتم أعزّ على اللّه منّا
»
.
وقالعليهالسلام
: «الإيمان إقرار وعمل ، والإسلام إقرار بلا عمل
»
.
__________________
وعن أبي الصباح الكناني ، عنهعليهالسلام
قال : «قيل لأمير المؤمنين
عليهالسلام
: من شهد أن لا إله إلاّ اللّه ، وأنّ محمداً رسول اللّه ، كان مؤمناً؟ قال : فأين فرائضاللّه؟
قال :وسمعته يقول : كان علي
عليهالسلام
يقول : لو كان الإيمان كلاماً لم ينزل فيه صوم ولا صلاة ولا حلال ولا حرام.
قال : وقلت لأبي جعفرعليهالسلام
: إنّ عندنا قوماً يقولون : إذا شهد أن لا إله إلاّ اللّه ، وأنّ محمداً رسول اللّه ، فهو مؤمن. قالعليهالسلام
:فلِمَ يضربون الحدود ، ولِم تُقطع أيديهم؟! وما خلق اللّه عزّوجلّ خلقاً أكرم على اللّه عزّوجلّ من المؤمن ، لأنّ الملائكة خدّام المؤمنين ، وأنّ جوار اللّه للمؤمنين ، وأنّ الجنّة للمؤمنين ، وأنّ الحور العين للمؤمنين ، ثم قال
عليهالسلام
: فما بال من جحد الفرائض كان كافراً؟
»
.
وتقوّل بعضهم على الإمام الباقرعليهالسلام
أنّه قال : اذا عرفت فاعمل ما شئت ، تماشياً مع ما يذهب إليه مروّجو الإرجاء ، فصحّح الإمام الصادقعليهالسلام
هذا الحديث مبيّناً وجه التحريف فيه ، قال فضيل بن عثمان : سُئل أبو عبد اللّهعليهالسلام
فقيل له : إنّ هؤلاء الأخابث يروون عن أبيك يقولون : إنّ أباكعليهالسلام
قال : إذا عرفت فاعمل ما شئت ، فهم يستحلّون بعد ذلك كلّ محرم. قالعليهالسلام
: «ما لهم لعنهم اللّه؟! إنّما قال أبي
عليهالسلام
: إذا عرفت الحقّ فاعمل ما شئت من خير يقبل منك
»
.
__________________
مواقف الإمامعليهالسلام
من السلطة :
اتّبع الإمامعليهالسلام
اُسلوب الحيطة إزاء عنف رجال السلطة وبطشهم ، فانصرف عن هموم السياسة ، ودعا أصحابه إلى مقاطعة السلطة ، ولم يبخل بإسداء النصح لبعضهم حيثما يتعلّق الأمر بمصالح المسلمين ، وإذا كان قد اتّقى على نفسه وأصحابه من رجال السلطة ، فإنّه لم يتردّد من مواجهة بعض الحكام في مواقف فرضوها عليه ، فكم من كلمة حق قالها أمام سلطان جائر ، وانقطع إلى نشر علوم الإسلام ومعارفه ، وواصل مسيره في هداية الناس والدعوة إلى اللّه ، وقضاء حقوق المسلمين والسعي في حاجاتهم ، وتنبيههم على مواضع الخطر ، وسعى إلى بيان مظلومية أهل البيت:
، والتجاوز على حقوقهم.
١ ـ الدور العلمي :
اعتنى الإمام الباقرعليهالسلام
بتشييد مدرسة أهل البيت العلمية على الأسس التي وطّدها آباؤه:
، وسعى إلى استقطاب الجماهير حول علوم أهل البيت ، فكان يقصده ويشدّ إليه الرحال جمع غفير من كبار التابعين وأعيان الفقهاء والمحدثين وغيرهم على اختلاف أغراضهم وأهدافهم ومعتقداتهم ومبانيهم الفكرية ، فيتحلّقون حوله للدرس في رواق المسجد النبوي الشريف ، الذي يمارس به التعليم ، أو في مسجد مكة ، أو في مجلس بيته العامر بطلبة العلم ورواته وبالمستفتين الوافدين من مختلف ديار الإسلام سيما في أيام الحج.
وهكذا كان باقر العلم رائد مدرسة أهل البيت:
في الفقه والحديث والتفسير وسائر العلوم الأخرى ، وكانت مدرسته تتميز بالسعة والشمول لكل أبناء الأمة ، وتتميز بالخطاب الإسلامي الموحّد ، فهي مدرسة الإسلام التي استقطبت كل أبنائه دون استثناء.
٢ ـ بيان مظلومية أهل البيت:
:
سعى الإمام الباقرعليهالسلام
إلى بيان مظلومية أهل البيت:
، وبيّن ـ في أكثر من مناسبة ـ إقصاءهم عن مراتبهم وجحود منزلتهم ، مع أنهم ثاني الثقلين وأولى الناس بالناس ، ومع تفوقهم على سواهم بالعلم والمعرفة ، وبيّن اتفاق الحكام على قتلهم واستذلالهم وحرمانهم من حقوقهم ، والكذب عليهم بما لم يقولوه من الأحاديث الموضوعة ، روى ابن أبي الحديد أن أبا جعفر محمد بن علي الباقرعليهالسلام
قال لبعض أصحابه : «ما لقينا من ظلم قريش إيانا وتظاهرهم علينا ، وما لقي شيعتنا ومحبونا من الناس ، إن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
قبض وقد أخبر أنا أولى الناس بالناس ، فتمالأت علينا قريش ، حتى أخرجت الأمر عن معدنه ، واحتجت على الأنصار بحقنا وحجتنا ، ثم تداولتها قريش واحد بعد واحد حتى رجعت إلينا ، فنكثت بيعتنا ، ونصبت الحرب لنا ، ولم يزل صاحب الأمر في صعود كئود حتى قتل ، فبويع الحسن ابنه وعوهد ، ثم غدر به وأسلم ، ووثب عليه أهل العراق حتى طعن بخنجر في جنبه ، ونهبت عسكره ، وعولجت خلاليل أمهات أولاده ، فوادع معاوية ، وحقن دمه ودماء أهل بيته ، وهم قليل حق قليل ، ثم بايع الحسينعليهالسلام
من أهل العراق عشرون ألفاً ثم غدروا به ، وخرجوا عليه وبيعته في أعناقهم ، وقتلوه.
ثم لم نزل أهل البيت نستذل ونستضام ، ونقصى ونمتهن ، ونحرم ونقتل ، ونخاف ، ولا نأمن على دمائنا ودماء أوليائنا ، ووجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعاً يتقربون به إلى أوليائهم وقضاة السوء وعمال السوء فى كل بلدة ، فحدثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة ، ورووا عنا ما لم نقله وما لم نفعله ، ليبغضونا إلى الناس ، وكان عظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد
موت الحسنعليهالسلام
، فقتلت شيعتنا بكل بلدة ، وقطعت الأيدي والأرجل على الظنّة.
وكان من يذكر بحبنا والانقطاع الينا سجن ، أو نهب ماله ، أو هدمت داره.
ثم لم يزل البلاء يشتد ويزداد إلى زمان عبيد اللّه بن زياد قاتل الحسينعليهالسلام
، ثم جاء الحجاج فقتلهم كل قتلة ، وأخذهم بكل ظنّة وتهمة ، حتى أن الرجل ليقال له زنديق أو كافر أحب إليه من أن يقال شيعة علي ، وحتى صار الرجل الذي يذكر بالخير ـ ولعله يكون ورعاً صدوقاً ـ يحدث بأحاديث عظيمة عجيبة من تفضيل بعض من قد سلف من الولاة ، ولم يخلق اللّه تعالى شيئاً منها ، ولا كانت ، ولا وقعت ، وهو يحسب أنها حق لكثرة من قد رواها ممن لم يعرف بكذب ولا بقلة ورع
»
.
وعن المنهال بن عمرو ، قال : كنت جالسا مع محمد بن علي الباقرعليهالسلام
، اذ جاءه رجل فسلم عليه ، فردعليهالسلام
، قال الرجل : كيف أنتم؟ فقال له محمدعليهالسلام
: «أو ما آن لكم أن تعلموا كيف نحن ، انما مثلنا في هذه الأمّة مثل بني إسرائيل ، كان يُذبح أبناؤهم وتستحيا نساؤهم ، ألا وان هؤلاء يذبّحون أبناءنا ويستحيون نساءنا ، زعمت العرب أنّ لهم فضلاً على العجم ، فقالت العجم : وبماذا؟ قالوا : كان محمّد
صلىاللهعليهوآلهوسلم
عربيا. قالوا لهم : صدقتم. وزعمت قريش أنّ لها فضلاً على غيرها من العرب ، فقالت لهم العرب من غيرهم : وبما ذاك؟ قالوا : كان محمّد
صلىاللهعليهوآلهوسلم
قرشيا. قالوا لهم : صدقتم ؛ فإن كان القوم صدقوا فلنا فضل على الناس ، لأنّا ذرية محمّد
صلىاللهعليهوآلهوسلم
، وأهل بيته خاصة وعترته ، لا
__________________
يشركه في ذلك غيرنا.
فقال له الرجل : واللّه إنّي لأحبّكم أهل البيت. قال : فاتّخذ للبلاء جلبابا ، فواللّه إنّه لأسرع إلينا وإلى شيعتنا من السيل في الوادي ، وبنا يبدأ البلاء ثمّ بكم ، وبنا يبدأ الرخاء ثمّ بكم»
.
٣ ـ مقاطعة السلطة :
لم يكن الإمام الباقرعليهالسلام
ذلك المعارض الذي يرى الخروج بالسيف كوسيلة للوصول إلى السلطة ، رغم إيمانه بأنّه أولى الناس بالأمر ، ويعلّل ذلك في حديثه إلى جابر بن يزيد الجعفي بعدم وجود الناصر ، قال جابر : «قلت لهعليهالسلام
: يا سيدي ، أليس هذا الأمر لكم؟ قال : نعم. قلت : فلِم قعدتم عن حقّكم ودعواكم ، وقد قال اللّه تعالى : «وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ
»
؟ قال :فما بال أمير المؤمنين
عليهالسلام
قعد عن حقّه حيث لم يجد ناصراً ، أو لم تسمع اللّه تعالى يقول في قصّة لوط
عليهالسلام
:
«قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ
»
وفي حكاية عن نوح
عليهالسلام
:
«فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ
»
، ويقول في قصة موسى
عليهالسلام
:
«قَالَ رَبِّ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ
»
، فإذا كان النبي هكذا ، فالوصي أعذر. يا جابر ، مثل الإمام مثل الكعبة ، يؤتى ولا يأتي»
.
__________________
من هنا دعا الإمام الباقرعليهالسلام
أتباعه إلى مقاطعة السلطة وتحريم التعاون مع رموزها الذين أمعنوا كثيراً في إقصاء أهل البيت:
عن ممارسة دورهم الرسالي ، ومارست ضدّهم شتّى أساليب الظلم والجور والقتل.
وهذا الموقف جاء في مقابل فتاوى فقهاء البلاط من المتزلّفين المتملّقين الذين يحاولون إضفاء الشرعية الزائفة على ممارسات حكام الجور ، يقول الإمام الباقرعليهالسلام
: «إنّ اللّه قال : لأعذبنّ كلّ رعية في الإسلام دانت بولاية إمام جائر ، وإن كانت الرعية في أعمالها برّة تقية ، ولأعفونّ عن كلّ رعية في الإسلام دانت بولاية إمام عادل من اللّه ، وإن كانت الرعية ظالمة مسيئة
»
.
وسعى الإمام الباقرعليهالسلام
إلى تنبيه الأمّة على أن أي تعامل مع الحكام يعتبر تقويةً لظلمهم وجبروتهم ، ومشاركةً لهم في جناياتهم ، فحرّم التورّط في أعمال الظلمة ، ومعونتهم ولو لتمرير المعاش ، عن أبي بصير ، قال : «سألت أبا جعفرعليهالسلام
عن أعمالهم فقال لي :يا أبا محمد ، لا ولا مَدّة قلم ، إن أحدكم لا يصيب من دنياهم شيئاً إلاّ أصابوا من دينه مثله
»
.
وجعل ذلك بمثابة فريضة واجبة الأداء ، عن أبي مريم عبد الغفار بن القاسم ، قال : «دخلت على مولاي الباقرعليهالسلام
وعنده أُناس من أصحابه ...فقلت : يا سيدي ، فما تقول في الدخول على السلطان؟ قال : لا أرى لك ذلك. قلت : فإنّي ربما سافرت الشام ، فأدخل على إبراهيم بن الوليد. قال :يا عبد الغفار ، إن دخولك على السلطان يدعو إلى ثلاثة أشياء : محبّة الدنيا ، ونسيان الموت ، وقلّة الرضا بما قسم اللّه
. قلت : يا ابن رسول اللّه ، فإنّي ذو عيلة ، وأتّجر إلى ذلك
__________________
المكان لجرّ المنفعة ، فما ترى في ذلك؟ قال : يا عبد اللّه ، إني لست آمرك بترك الدنيا ، بل آمرك بترك الذنوب ، فترك الدنيا فضيلة ، وترك الذنوب فريضة ، وأنت إلى إقامة الفريضة أحوج منك إلى اكتساب الفضيلة
»
.
٤ ـ إسداء النصيحة :
حرص الإمام الباقرعليهالسلام
على إسداء النصيحة لجميع المسلمين بما في ذلك بعض سلاطين بني مروان.
دخل عمر بن عبد العزيز المدينة وصاح مناديه : من كانت له مظلمة وظلامة فليحضر ، فأتاه أبو جعفر الباقرعليهالسلام
، فلما رآه استقبله وأقعده مقعده ، فقالعليهالسلام
: «إنّما الدنيا سوق من الأسواق يبتاع فيها الناس ما ينفعهم وما يضرّهم ، وكم قوم ابتاعوا ما ضرّهم فلم يصبحوا حتى أتاهم الموت ، فخرجوا من الدنيا ملومين ، لمّا لم يأخذوا ما ينفعهم في الآخرة ، فقسم ما جمعوا لمن لم يحمدهم ، وصاروا إلى من لا يعذرهم ، فنحن واللّه حقيقون أن ننظر إلى تلك الأعمال التي كنّا نغبطهم بها فنوافقهم فيها ، وننظر إلى تلك الأعمال التي نتخوّف عليهم منها ، فنكفّ عنها.
فاتّقِ اللّه ، واجعل في نفسك اثنتين : اُنظر إلى ما تحبّ أن يكون معك إذا قدمت على ربّك فقدّمه بين يديك ، واُنظر إلى ما تكره أن يكون معك إذا قدمت على ربّك فارمِه وراءك ، ولا ترغبنّ في سلعة بارت على من كان قبلك ، فترجو أن تجوز عنك ، وافتح الأبواب ، وسهل الحجاب ، وانصف المظلوم ، ورد الظالم.
ثلاثة من كُنّ فيه استكمل الإيمان باللّه : من إذا رضي لم يدخله رضاه في
__________________
باطل ، ومن إذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق ، ومن إذا قدر لم يتناول ما ليس له.
فدعا عمر بداوة وبياض وكتب : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، هذا ما ردّ عمر ابن عبد العزيز ظلامة محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم بفدك»
.
وحينما وفد الإمام الباقرعليهالسلام
إلى الشام في جملة الفقهاء ، بأمر عمر بن عبد العزيز ، دخل أبو جعفرعليهالسلام
على عمر فقال : «يا أبا جعفر أوصني. قال
عليهالسلام
: أوصيك أن تتّخذ صغير المسلمين ولداً ، وأوسطهم أخاً ، وكبيرهم أباً ، فارحم ولدك ، وصِل أخاك ، وبِر أباك ، وإذا صنعت معروفاً فربّه
»
.
ورواه ابن عساكر عن أبي حمزة ، وزاد فيه : قال عمر : رحمك اللّه جمعت لنا رأسها ، ان أخذنا به ، وأعاننا اللّه عليه ، استقامت لنا الخيرات إن شاء اللّه
.
ومن المسائل التي أعضلت على الحكام ، ولم يهتدوا إلى وجه الصواب فيها ، فاستوجبت تدخّل الإمامعليهالسلام
، ما نقل في التاريخ أن ملك الروم هدّد عبد الملك ابن مروان حين أراد عبد الملك تبديل العملة الرومية المتداولة آنذاك ، فأنكره واستشاط غيظاً ، فكتب إلى عبد الملك يتهدّده بأن ينقش على الدراهم والدنانير شتم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
، فتحيّر عبد الملك كيف يمكن أن يتراجع عن موقفه الذي يضعف موقف الدولة ، وإذا لم يتراجع فسوف يصدر ملك الروم عملة ينقش فيها سبّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
، فأشار إليه روح بن زنباع أن يرسل إلى الباقرعليهالسلام
__________________
ليستقدمه إلى الشام ، فقدم عليه وأعطاه الرأي في الإصرار على إصدار عملة إسلامية ، وبيّن له أوزانها وما يكتب فيها ، وطلب إليه أن يلزم المسلمين آنذاك باستعمال هذه العملة ، وأن لا يستعملوا العملة الرومية تحت طائلة العقوبة والتهديد ، فعمل عبد الملك ما طلب الإمامعليهالسلام
، وعندما علم ملك الروم بإجراءات عبد الملك لم ينفذ تهديده ، فقيل له : افعل ما كنت تهدّد به ملك العرب. فقال : إنما أردت أن أغيظه بما كتبت إليه ، لأنّي كنت قادراً عليه والمال وغيره برسوم للروم ، فأما الآن فلا أفعل لأن ذلك لا يتعامل به أهل الإسلام
، وبهذا أنقذ الباقرعليهالسلام
الواقع الإسلامي من مأزق حقيقي ، وأحبط الخطة الرومية في زعزعة النظام المالي للمسلمين.
٥ ـ الدعاء :
الدعاء سلاح الأنبياء والأوصياء والمؤمنين الصالحين الذي يشهرونه في وجه الظالمين ، وعدّتهم في مواجهة الأعداء ، ومن أقوى الأسباب التي يستدفع بها البلاء ، قال الصادقعليهالسلام
: «كان أبي
عليهالسلام
إذا حزنه أمر
جمع النساء والصبيان ثم دعا وأمّنوا
»
.
ويلجأ الإمام الباقرعليهالسلام
إلى الدعاء حيث يشتدّ الخناق ، ويحتدّ الوثاق ، وتنقطع حبائل الصبر من جور طغاة بني أُميّة وبني مروان الذين سعوا في الأرض فساداً ، فاتّخذوا مال اللّه دولاً ، وعباد اللّه خولاً ، ويتضرّع الإمامعليهالسلام
__________________
إلى اللّه لينقذ المسلمين من محنتهم ، وينزل عقابه الصارم بالمردة الظالمين لعنة اللّه عليهم أجمعين.
قالعليهالسلام
في قنوته : «اللّهمّ إنّ عدوي قد استسن في غلوائه ، واستمرّ في عدوانه ، وأمن بما شمله من الحلم عاقبة جرأته عليك ، وتمرّد في مباينتك ، ولك اللّهمّ لحظات سخط بياتاً وهم نائمون ، ونهاراً وهم غافلون ، وجهرة وهم يلعبون ، وبغتة وهم ساهون ، وإن الخناق قد اشتدّ ، والوثاق قد احتدّ ، والقلوب قد شجيت ، والعقول قد تنكرت ، والصبر قد أودى ، وكادت تنقطع حبائله ، فإنّك لبالمرصاد من الظالم ، ومشاهدة من الكاظم ، لا يعجلك فوت درك ، ولا يعجزك احتجاز محتجز ، وإنّما مهّلته استثباتاً ، وحجّتك على الأحوال البالغة الدامغة ، ولعبدك ضعف البشرية وعجز الإنسانية ، ولك سلطان الإلهية ، وملكة الربوبية ، وبطشة الأناة ، وعقوبة التأبيد.
اللّهمّ فإن كان في المصابرة لحرارة المعان من الظالمين ، وكيد من نشاهد من المبدلين ، رضىً لك ومثوبةً منك ، فهب لنا مزيداً من التأييد ، وعوناً من التسديد ، إلى حين نفوذ مشيّتك فيمن أسعدته وأشقيته من بريّتك ، وامنُن علينا بالتسليم لمحتومات أقضيتك ، والتجرّع لواردات أقدارك ، وهب لنا محبّة لما أحببت في متقدّم ومتأخّر ومتعجّل ومتأجّل ، والإيثار لما اخترت في مستقرب ومستبعد ، ولا تخلنا اللّهمّ مع ذلك من عواطف رأفتك ورحمتك وكفايتك وحسن كلاءتك بمنّك وكرمك»
.
ولهعليهالسلام
في ذات السياق دعاء يقول في بعض أجزائه : «اللّهمّ فإنّ القلوب قد بلغت الحناجر ، والنفوس قد علت التراقي ، والأعمار قذ نفدت بالانتظار ، لا
__________________
عن نقص استبصار ، ولا عن اتهام مقدار ، ولكن لما تعاني من ركوب معاصيك ، والخلاف عليك في أوامرك ونواهيك ، والتلعب بأوليائك ومظاهرة أعدائك ، اللّهمّ فقرّب ما قد قرب ، وأورد ما قد دنا ، وحقّق ظنون الموقنين ، وبلّغ المؤمنين تأميلهم من إقامة حقّك ونصر دينك ، وإظهار حجّتك والانتقام من أعدائك
»
.
٦ ـ المواجهة :
لم تخل حياة الإمام الباقرعليهالسلام
من خط المواجهة الساخن مع بعض رجالات السلطة ، في ظروف فرضت عليه تلك المجابهة التي قد تصل إلى حد التعريض الواضح برأس السلطة ، فحين أشخص هشام بن عبد الملك الإمام الباقر وولده الصادقعليهماالسلام
إلى الشام وطلب منهما المناضلة والرمي ، قال هشام : أين رمي جعفر من رميك؟ فقالعليهالسلام
: «إنّا نحن نتوارث الكمال والتمام اللذين أنزلهما اللّه على نبيه
صلىاللهعليهوآلهوسلم
في قوله : «
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِْسْلاَمَ دِينا
ً»
والأرض لا تخلو ممن يكمل هذه الأمور التي يقصر عنها غيرنا».
فلما سمع هشام ذلك من الباقرعليهالسلام
انقلبت عينه اليمنى واحمر وجهه ، وكان ذلك علامة غضبه إذا غضب.
ثم أطرق هشام فقال : ألسنا بنو عبد مناف نسبنا ونسبكم واحد؟ فقال الباقرعليهالسلام
: «نحن كذلك ، ولكنّ اللّه جلّ ثناؤه اختصّنا من مكنون سرّه وخالص علمه ، بما لم يختصّ أحداً به غيرنا
».
__________________
فقال : أليس اللّه بعث محمداًصلىاللهعليهوآلهوسلم
من شجرة عبد مناف إلى الناس كافّة ، فمن أين ورثتم ما ليس لغيركم ، ورسول اللّه مبعوث إلى الناس كافّة؟ فمن أين ورثتم هذا العلم ، وليس بعد محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم
نبي ، ولا أنتم أنبياء؟ فقالعليهالسلام
: «من قوله تعالى لنبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
: «لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ
»
فالذي أبداه فهو للناس كافّة ، والذي لم يحرّك به لسانه ، أمر اللّه تعالى أن يخصّنا به من دون غيرنا ، فلذلك كان يناجي أخاه علياً من دون أصحابه ، وأنزل اللّه بذلك قرآناً في قوله تعالى : «وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ
»
، فقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
لأصحابه : سألت اللّه تعالى أن يجعلها أذنك يا علي ، فلذلك قال عليعليهالسلام
بالكوفة : علّمني رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
ألف باب من العلم ، يفتح من كلّ باب ألف باب. خصّه به رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
من مكنون علمه ما خصّه اللّه به ، فصار إلينا وتوارثناه من دون قومنا» إلى آخر المناظرة ، وهي طويلة
.
قال الشاعر :
تعساً وبؤساً لهشام الشوم
|
|
من هتكه لباقر العلوم
|
أيطلب الرمي من الإمام
|
|
مع الرماة من علوج الشام
|
وهو ابن من خاطبه اللّه بما
|
|
رميت إذ رميت واللّه رمى
|
وهو ابن سهم اللّه إذ رماه
|
|
فبان لا إله إلاّ اللّه
|
حتّى بدت من رمية الكرامه
|
|
وللعدو الخزي والندامه
|
أيوقف القائم بالأمر لدى
|
|
أذل مخلوق تردى في الردى
|
__________________
طال وقوف حجّة الرحمن
|
|
بين يدي طاغية الزمان
|
لكن حبّ الملك داء مهلكُ
|
|
وكم بهذا الداء قدماً هلكوا
|
وله مواجهة مع هشام عند المسجد الحرام ، أسكته فيها فلم يحر جواباً ، رواها جمع من المؤرخين عن عبد الرحمن الزهري ، قال : «حجّ هشام بن عبد الملك ، فدخل المسجد الحرام متّكئاً على يد سالم مولاه ، ومحمد بن علي بن الحسين:
جالس في المسجد ، فقال له سالم مولاه : هذا محمد بن علي ، قال هشام : المفتون به أهل العراق؟ قال : نعم. قال : اذهب إليه فقل له : يقول لك هشام : ما الذي يأكل الناس ويشربون إلى أن يفصل بينهم يوم القيامة؟ قال له أبو جعفرعليهالسلام
:يحشر الناس على مثل قرص النقي
، فيها أنهار متفجّرة ، يأكلون ويشربون حتّى يفرغ من الحساب
. قال : فرأى هشام أنه قد ظفر به ، فقال : اللّه أكبر ، اذهب إليه فقل له : ما أشغلهم عن الأكل والشرب يومئذٍ؟! فقال له أبو جعفرعليهالسلام
:هم في النار أشغل ولم يشغلوا عن أن قالوا :
«أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ
»
.
فظهر عليه الباقرعليهالسلام
، وسكت هشام لا يرجع كلاماً»
.
وهناك موقف آخر لهعليهالسلام
في الشام استوجب المواجهة ، ولكن هذه المرّة كان مع جمع من الناس ، وفي عقر دار الملك ، حينما سمع الإمامعليهالسلام
__________________
أهل الشام يعرّضون بجدّه أمير المؤمنينعليهالسلام
بذكر كنيته التي كنّاه بها رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
، وما ينطق عن الهوى ، ورغم ذلك بقي طغاة أُميّة يسبّون علياً أمير المؤمنينعليهالسلام
إلى سنين متمادية ، ويتّخذون من هذه الكنية وسيلة للسبّ والشتم ، من هنا اعتبرهم الإمام الباقرعليهالسلام
ذرية النفاق وحشو النار وحصب جهنّم.
روي بالإسناد عن الصادقعليهالسلام
، قال : «لما أشخص أبي محمد بن عليعليهماالسلام
إلى دمشق ، سمع الناس يقولون : هذا ابن أبي تراب؟ قال : فأسند ظهره إلى جدار القبلة ، ثم حمد اللّه وأثنى عليه ، وصلّى على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
، ثم قال : اجتنبوا أهل الشقاق ، وذرية النفاق ، وحشو النار ، وحصب جهنم ، عن البدر الزاهر ، والبحر الزاخر ، والشهاب الثاقب ، وشهاب المؤمنين ، والصراط المستقيم ، من قبل أن نطمس وجوهاً فنردّها على أدبارها ، أو يلعنوا كما لعن أصحاب السبت ، وكان أمر اللّه مفعولاً.
ثم قال بعد كلام : أبصنو رسول اللّه تستهزؤون ، أم بيعسوب الدين تلمزون ، وأي سبل بعده تسلكون ، وأي حزن بعده تدفعون؟! هيهات هيهات برز واللّه بالسبق ، وفاز بالخصل ، واستوى على الغاية ، واحرز على الخطاب ، فانحسرت عنه الأبصار ، وخضعت دونه الرقاب ، وقرع الذروة العليا ، فكذب من رام من نفسه السعي ، وأعياه الطلب ، فأنّى لهم التناوش من مكان بعيد؟!
وقال :
أقلوا عليهم لا أباً لأبيكم
|
|
من اللوم أو سدّوا المكان الذي سدّوا
|
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا
|
|
وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدّوا
|
فأنّى تسدّ ثلمة أخي رسول اللّه إذ شفعوا ، وشقيقه إذ نسبوا ، ونديده إذ قتلوا ، وذي قربى كنزها إذ فتحوا ، ومصلّي القبلتين إذ تحرفوا ، والمشهود له بالإيمان إذ كفروا ، والمدّعي لنبذ عهد المشركين إذ نكلوا ، والخليفة على المهاد ليلة الحصار إذ جزعوا ، والمستودع الأسرار ساعة الوداع»؟!
إلى آخر كلامه.
٧ ـ التقية :
التقية : هي الحفظ عن ضرر الغير بموافقته في قول أو فعل مخالف للحق ، وهي من الوسائل التي أباحها الشرع من أجل التحرّز من التلف أو الموت والفناء ، في ظروف استثنائية يمرّ بها الفرد المكره أو المضطر ، ولها أدلتها المفصّلة كتاباً وسنّة
.
والتقية بمثابة الدرع الحصينة التي تقي المؤمن في ساحات المواجهة مع الظالمين ، يقول أبو جعفر الباقرعليهالسلام
: «إنّ التقية جُنّة المؤمن
»
.
ولا يخفى أن الأوضاع الخطيرة التي مرّ بها الإمام الباقرعليهالسلام
في زمان طغاة بني أُميّة ، وأساليب القهر والإرهاب ، دفعته إلى استثمار مفهوم التقية في بعض
__________________
الموارد ، هذا مع بيان الإمام الباقرعليهالسلام
واقع الحكم لبعض أصحابه أولاً
، وحيث إن أخبار التقية عادة ما تكون معارضة لما صدر عن إرادة جدية ، لذا وضع الإمامعليهالسلام
قواعد كلية جعل فيها خطاً فاصلاً بين الأحكام التي تصدر بسبب التقية ، وبين ما صدر على نحو الإرادة الجديّة ، منها : قولهعليهالسلام
: «خذ بما اشتهر بين أصحابك ، ودع الشاذ النادر». وقوله : «انظر ما وافق منهما العامّة فاتركه ، وخذ بما خالفه فإن الحقّ فيما خالفهم
»
.
أي خذ ما يخالف الخط الموالي للسلطة من وعاظ السلاطين والدائرين في فلكهم.
وفي حديثهعليهالسلام
لجابر الجعفي : «انظروا أمرنا وما جاءكم عنا ، فإن وجدتموه موافقاً القرآن فهو من قولنا ، وما لم يكن موافقاً للقرآن ، فقفوا عنده وردّوه إلينا ، حتّى نشرحه لكم كما شرح لنا
»
.
وبهذا الاُسلوب استطاع الحفاظ على واقعية الأحكام الشرعية وتمييزها عن أخبار التقية.
وبسبب ضغط الظروف وحرصاً على حياة أصحابه من شرّ الظالمين ، بيّن الإمام الباقرعليهالسلام
لهم موارد وجوب التقية ، فقال : «إنّ التقية في كلّ ضرورة ، وصاحبها أعلم بها حين تنزل به
»
.
فالأمر منوط بتقدير المرء لحالة التهديد والبلاء الذي يتعرّض له لو لم ينفذ ما يطلب منه ، بشرط أن لا تصل التقية إلى هدر الدم ، قالعليهالسلام
: «إنّما جعلت التقية ليحقن بها الدم ، فإذا بلغ الدم فليس
__________________
تقية»
.
وفي هذا السياق كان يدفع الضرر عن طلابه تستّراً عليهم من عيون السلطة بموارد من التقية المباحة ، قال جابر الجعفي : «دخلت على أبي جعفرعليهالسلام
، فقال لي :من أين أنت؟
فقلت : من أهل الكوفة. قال :ممن
؟ قلت : من جعف. قال :ما أقدمك إلى ها هنا
؟ قلت : طلب العلم. قال :ممن
؟ قلت : منك. قال :إذا سألك أحد من أين أنت ، فقل : من أهل المدينة.
قلت : أيحل لي أن أكذب؟ قال :ليس هذا كذباً ، من كان في مدينة فهو من أهلها حتى يخرج
»
.
وكان ذلك حين بدأ عثمان بن حيان ، عامل الوليد بن عبد الملك ، يلقي القبض على من تمكّن من الشيعة الهاربين إلى المدينة طلباً للأمان ، فيعاقبهم ثم يبعثهم إلى الحجّاج في العراق لينكل بهم.
٨ ـ الدعوة إلى اللّه :
كان للإمامعليهالسلام
أثر فاعل في هداية كثير من الناس ، وإخراجهم من ظلمات الجهل والضلال إلى نور العلم وسواء السبيل ، من خلال التأثّر بسيرته الصالحة ، أو من خلال دعوته إلى اللّه بالحكمة والموعظة الحسنة ، وسجّلت لنا كتب الحديث والتاريخ بعض آثارهعليهالسلام
في دعوته إلى الإصلاح والإرشاد في أوساط الأُمّة المختلفة.
وكان من ثمار تلك الدعوة ، أن أحد بني أُميّة تأثّر بهديه ، وصار من خلص أصحابه ، وهو سعد بن عبد الملك ، وكان أبو جعفرعليهالسلام
يسمّيه سعد الخير ، وهو من ولد عبد العزيز بن مروان ، وكان يدخل على الإمامعليهالسلام
فينشج كما تنشج
__________________
النساء ، فيقول له أبو جعفرعليهالسلام
: «ما يبكيك يا سعد
؟ قال : وكيف لا أبكي وأنا من الشجرة الملعونة في القرآن! فيقول له الإمامعليهالسلام
:لست منهم ، أنت أموي ، منّا أهل البيت ، أما سمعت قول اللّه عزّوجلّ يحكي عن إبراهيم
عليهالسلام
:
«فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي
»
».
وصار محمد بن قيس البجلي من أصحابه الثقات ، وهو وجه من وجوه العرب بالكوفة ، وكان خصيصاً بعمر بن عبد العزيز ، ثم يزيد بن عبد الملك ، وكان أحدهما أنفذه إلى بلاد الروم في فداء المسلمين
.
ووردت الأخبار أن أحد النصارى ، وكان من البربر ، أسلم على يدهعليهالسلام
بعد رؤية كراماته ، فقال الرجل : آمنت باللّه الذي لا إله إلاّ هو ، وأن محمداً عبده ورسوله ، وأنّك الإمام المفترض الطاعة
.
ويروى أنّ رجلاً من أهل الشام ، كان يسكن المدينة المنورة ، وكان يتردّد كثيراً على مجلس الإمامعليهالسلام
، إعجاباً بفصاحته وحسن أدبه ، غير أنّه ناصبي مبغض لأهل البيت:
، مطيع لرجال الخلافة ، وكان أبو جعفرعليهالسلام
يقول له خيراً ، وحين مرض هذا الناصب واشتدّ وجعه حتّى سجّوه ، لم يلبث إلاّ قليلاً حتى عوفي بكرامة من الإمامعليهالسلام
، فأتى أبا جعفرعليهالسلام
فقال : أشهد أنّك حجّة اللّه على خلقه ، وبابه الذي يُؤتى منه ، فمن أتى من غيرك خاب وخسر وضلّ ضلالاً بعيداً. فقال له أبو جعفرعليهالسلام
: «أما علمت أن اللّه يحبّ العبد ويبغض عمله ،
__________________
ويبغض العبد ويحبّ عمله؟» فصار بعد ذلك من أصحاب أبي جعفر
عليهالسلام
.
٩ ـ تنبيه الأُمّة :
وكان الإمام الباقرعليهالسلام
ينبّه الأُمّة على مواضع الخطر ، حرصاً منه على دماء الناس من عبث العابثين ، قال أبو بصير : «أطرق أبو جعفرعليهالسلام
إلى الأرض ينكت فيها ملياً ، ثمّ انّه رفع رأسه فقال :كيف أنتم يا قوم إذا جاءكم رجل فدخل عليكم مدينتكم هذه ، في أربعة آلاف رجل ، حتى يستعرضكم بسيفه ثلاثة أيام ، فيقتل مقاتليكم ، وتلقون منه بلاءً لا تقدرون أن تدفعوه بأيديكم ، وذلك يكون في قابل ، فخذوا حذركم ، واعلموا أنّه ما قلت لكم كائن لابدّ منه ، فلم يأخذ أحد حذره من أهل المدينة إلاّ بنو هاشم خاصة
، فلما كان من قابل حمل أبو جعفرعليهالسلام
عياله أجمعين وبنو هاشم فخرجوا من المدينة ، فكان كما قالعليهالسلام
، فأُصيب أهل المدينة ، وقالوا : واللّه لا نرد على أبي جعفر شيئاً نسمعه أبداً».
وقال بعضهم : إنّما القوم أهل بيت النبوة ينطقون بالحق
.
١٠ ـ قضاء حقوق المسلمين :
لم يدع الإمام الباقرعليهالسلام
مناسبة دون أن يسعى إلى تلبية حاجات المسلمين ، ويعد ذلك من الحقوق عليه ، عن زرارة ، قال : «حضر أبو جعفرعليهالسلام
جنازة رجل من قريش وأنا معه ، وكان فيها عطاء بن أبي رباح ، فصرخت صارخة ، فقال عطاء : لتسكتن أو لنرجعن. قال : فلم تسكت ، فرجع عطاء ، قال : فقلت لأبي جعفرعليهالسلام
: إن عطاء قد رجع. قال :ولِم
؟ قلت : صرخت هذه
__________________
الصارخة. فقال لها : لتسكتن أو لنرجعن ، فلم تسكت فرجع ، فقال :امضِ بنا ، فلو أنا إذا رأينا شيئاً من الباطل مع الحقّ تركنا له الحق ، لم نقضِ حق مسلم
. قال : فلما صلّى على الجنازة قال وليها لأبي جعفرعليهالسلام
: ارجع مأجوراً رحمك اللّه ، فإنّك لا تقوى على المشي ، فأبى أن يرجع ، قال : فقلت له : قد أذن لك في الرجوع ولي حاجة أريد أن أسألك عنها ، فقال :امضِ فليس بإذنه جئنا ولا بإذنه نرجع ، إنّما هو فضل وأجر طلبناه ، فبقدر ما يتبع الجنازة الرجل يؤجر على ذلك
»
.
* * *
__________________
الفصل الثاني
الهوية الشخصية للإمام الباقر عليه السلام
نسبه :
هو الإمام المبجّل محمد باقر العلم بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد ابن علي المرتضى بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.
فأمّا نسبه أباً وأماً ، فأبوه سيد الساجدين وزين العابدين وراعي الفقراء والمساكين علي بن الحسين السجّادعليهالسلام
، الذي يقول فيه أبو جعفر الباقرعليهالسلام
: كان يقال لعلي بن الحسين ابن الخيرتين ؛ فخيرة اللّه من العرب هاشم ، ومن العجم فارس.
وقال فيه أبو الأسود الدؤلي
:
وإنّ غُلاما بين كسرى وهاشمٍ
|
|
لأكرم من نيطت عليه التمائم
|
وأما أُمّه فهي السيدة الجليلة فاطمة بنت الحسن بن علي بن أبي طالب ، وتكنّى أُمّ الحسن ، وقيل : أُمّ عبد اللّه ، وقيل : أُمّ عبدة
.
__________________
وهو ممن أمسك رداء المجد من أطرافه ، فهو أول علوي تولّد من علويين ، وأول فاطمي تولّد من فاطميين ، وأول من اجتمعت له ولادة الحسن والحسينعليهماالسلام
، وتلك هي صهوة المجد ، وغاية السؤدد.
قال له جابر بن عبد اللّه الأنصاري : أنت ابن خير البرية ، وجدّك سيد شباب أهل الجنة ، وجدّتك سيدة نساء العالمين
.
ولابدّ من التنويه هنا أنّ ابن كثير يعدّ الإمام الباقر بن علي الأكبر الشهيد في كربلاء وهماً منه ، قال ابن كثير : أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، كان أبوه علي زين العابدين ، وجدّه الحسين قتلا شهيدين بالعراق
.
ومن المسلم أنّ عمه علي الأكبر هو الشهيد ، وليس أبوه الذي كان مريضاً ، وهو ينمّ عن جهل ابن كثير وأضرابه بتاريخهم.
أحوال أمّه وفضلها :
كانت فاطمة بنت الحسنعليهالسلام
صدّيقة طاهرة ذات جلالة ونجابة ، قال أبو الصباح : ذكر أبو عبد اللّهعليهالسلام
جدّته أُمّ أبيه يوماً فقال : كانت صدّيقة ، لم
__________________
يدرك في آل الحسن امرأة مثلها
.
ومن كراماتها ما روي عن ولدها أبي جعفر الباقرعليهالسلام
، قال : «كانت أُمّي قاعدة عند جدار ، فتصدّع الجدار ، وسمعنا هدّة شديدة ، فقالت بيدها : لا وحقّ المصطفى ما أذن اللّه لك في السقوط ، فبقي معلقاً في الجو حتى جازته ، فتصدّق أبي عنها بمئة دينار
»
.
ولادتهعليهالسلام
:
قال أبو محمد الحسن بن علي العسكريعليهالسلام
: «ولد الباقر
عليهالسلام
بالمدينة ، يوم الجمعة ، غرّة رجب ، سنة سبع وخمسين من الهجرة ، قبل قتل الحسين
عليهالسلام
بثلاث أو أربع سنين
» ، وهذا التاريخ هو الذي يعوّل عليه أغلب العلماء والمؤرّخين وأصحاب التراجم والسير.
واختلفوا في تعيين اليوم والشهر والسنة على أقوال عدّة ، فقد تردّدت الأقوال بين الأول من رجب ، والثالث من صفر ، والثالث من ذي الحجّة ، واختلفوا في اليوم بين الاثنين والثلاثاء والجمعة ، واختلفوا في السنة على عدّة أقوال ، هي على التوالي سنة ٤١ و ٤٤ و ٥٧ و ٥٦ و ٥٨ و ٥٩ و ٦٠ من الهجرة
.
__________________
على أنّه لم يصرّح أحد من المصادر التي رأيتها بأنّ ولادته كانت سنة ٤١ هـ ولا سنة ٤٤ هـ ، لكن ذكر ابن خلدون أنه توفّي سنة ١١٤ هـ وعمره ٧٣ سنة
، وذلك يعني أنّ ولادته كانت سنة ٤١ هـ.
ونقل ابن سعد عن محمد بن عمر ، أنّه قال : أما في روايتنا فإنّه مات سنة ١١٧ هـ وهو ابن ٧٣ سنة ، وذلك يقتضي أن ولادته كانت سنة ٤٤ هـ
.
ويبدو أنّ أبا القاسم الكوفي قد بنى على هذا القول ، فذكر أنّ الإمام محمد الباقرعليهالسلام
كان يوم عاشوراء من أبناء خمس عشرة سنة
، وهو أمر مستبعد ، لأنّه يعني كونه ممن يقدر على حمل السلاح في ذلك اليوم العظيم في تاريخ أهل البيت:
، ولو كان كذلك لما خفي مكانه ولا توانى في نصرة جدّه الحسينعليهالسلام
في تلك المعركة الفاصلة في تاريخ الإسلام.
وهكذا حال القول الذي يحّدد ولادتهعليهالسلام
بسنة ٥٩ أو ٦٠ هـ ، فهو مستبعد لأنّه يقتضي أن يكون عمره يوم الطفّ نحو سنة أو أكثر بقليل ، وهو يعارض الروايات والأخبار التي حدّدت عمره آنذاك بنحو ثلاث أو أربع سنين
.
__________________
وفاته :
انتقل الإمام الباقرعليهالسلام
إلى رضوان بارئه بالحميمة من الشراة ، ثم نقل إلى بقيع المدينة يوم الاثنين ، السابع من ذي الحجّة ، في ملك هشام بن عبد الملك ، سنة ١١٤ هـ ، وعمره يومئذٍ سبع وخمسون سنة ، وهو المشهور عند غالبية المؤرّخين والمحدّثين
، والموافق لما قرّر في المشهور من تاريخ ولادته وما قدّر من عمره. ودفن في بقيع الغرقد بالمدينة ، في القبر الذي فيه أبوه علي بن الحسينعليهماالسلام
، وعمّ أبيه الحسنعليهالسلام
، في القبّة التي فيها قبر العباسعليهماالسلام
.
كنيته :
كنيته أبو جعفر ولا كنية له غيرها ، وهي مشتركة بينه وبين الإمام محمد الجوادعليهالسلام
، ويقال في التخصيص بالباقر أبو جعفر الأول ، وللجواد أبو جعفر الثاني.
قال التفرشي : إذا ورد في الرواية عن أبي جعفر ، فالظاهر منه الباقرعليهالسلام
، وعن أبي جعفر الثاني فهو الجوادعليهالسلام
، وقد يطلق ويراد منه : الجواد ، فالتمييز يظهر من الرجال
.
__________________
ألقابه :
للإمام الباقرعليهالسلام
ألقاب عدّة تدلّ على عظمة شخصيته ، هي : الباقر ، أو باقر العلم ، والهادي ، والشاكر ، أو الشاكر للّه ، والأمين ، ويدعى الشبيه ، لأنّه كان يشبه رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
.
معنى الباقر :
أشهر الألقاب التي عرف بها هي الباقر ، وهو مشتقّ من التبقّر ، والتبقّر لغة : يعني التوسّع والتفتّح ، ومنه يقال : بقر الأرض : شقّها ووسّعها ، وأجمع المترجمون له من لغويين ومؤرّخين ومحدّثين أنّهعليهالسلام
عرف بالباقر لأنّه بقر العلم ، أي شقّه وعرف أصله واستنبط فرعه ، وعلم خفيّه وتمكّن فيه.
وقال بعضهم : عرف بالباقر لتبقّره في العلم ، أي توسّعه فيه ، وتبحّره في دقائقه ، أو لأنّه بقر علوم النبيين
.
قال ابن حجر الهيتمي : أبو جعفر محمد الباقر ، سمّي بذلك من بقر الأرض ، أي شقّها وأثار مخبآتها ومكامنها ، فلذلك هو أظهر من مخبآت كنوز
__________________
المعارف ، وحقائق الأحكام والحكم واللطائف ما لا يخفى إلاّ على منطمس البصيرة ، أو فاسد الطوية والسريرة ، ومن ثم قيل فيه : هو باقر العلم وجامعه ، وشاهر عَلمه ورافعه ، صفا قلبه ، وزكى عمله ، وطهرت نفسه ، وشرف خلقه ، وعمرت أوقاته بطاعة اللّه
.
وذكر سبط ابن الجوزي رأياً غريباً في سبب هذا اللقب ، قال : وإنّما سمّي الباقر من كثرة سجوده ، من بقر السجود جبهته ، أي فتحها ووسعها. وقيل : لغزارة علمه
.
والقول الأول الذي ذكره السبط معارض بما سنذكره من بشارة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
بولادته ، وذكره اسمه ولقبه ، وكونه يبقر العلم بقراً ، ومعارض بإجماع غالب العلماء في معنى هذا الاسم المبارك ، فضلاً عن أن اللغة لا تساعد على ما يقول.
بشارة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم
بالباقرعليهالسلام
:
روي بطرق عدّة أنّ النبي المصطفىصلىاللهعليهوآلهوسلم
قد بشّر جابر بن عبد اللّه الأنصاري بأنّه يدرك زمان الباقرعليهالسلام
، وسمّاه له ولقّبه ، وذكر بأنّه يبقر العلم بقراً ، وأنّ اللّه يهب له النور والحكمة ، وأبلغه سلامه.
روى الطبري عن أبان بن تغلب ، عن أبي جعفرعليهالسلام
، قال : «جاءني جابر ابن عبد اللّه وأنا في الكتّاب ، فقال لي : اكشف لي عن بطنك ، فكشفت له عن بطني فقبله ، ثم قال : إن رسول اللّه
صلىاللهعليهوآلهوسلم
أمرني أن أقرئك السلام
»
.
وروى جابر عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
، قال : «يا جابر ، يوشك أن تبقى حتى
__________________
تلقى ولداً من ولدي ، يقال له محمد بن علي بن الحسين ، يبقر العلم بقراً ، فإذا رأيته فاقرأه مني السلام
. قال جابرعليهما السلام
: فأخّر اللّه تعالى مدّتي حتّى رأيت الباقر ، فأقرأته السلام عن جدّه رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
».
وروى المديني عن جابر ، أنّه قال للباقرعليهالسلام
وهو صغير : رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
يسلّم عليك ، فقيل له : وكيف ذاك؟ قال : كنت جالساً عنده والحسين في حجره ، وهو يداعبه ، فقال : «يا جابر ، يولد له مولود اسمه علي ، إذا كان يوم القيامة نادى مناد : ليقم سيد العابدين ، فيقوم ولده ، ثم يولد له ولد اسمه محمد ، فإن أدركته يا جابر ، فأقرئه منّي السلام
».
وفي بعض الأحاديث : وإن لقيته فاعلم أنّ بقاءك بعده قليل ، فلم يعش جابرعليهماالسلام
بعد ذلك إلاّ قليلاً
، وذلك من أعلام النبوة.
__________________
وقالوا في معنى يبقر العلم بقراً الواردة في حديث رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
: أي يفجّره تفجيراً ، ويظهره إظهاراً.
ونقل في بعض الأحاديث أنّ آباء الباقر:
قد أبلغوه سلام جدّه رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
أيضاً ، ففي وصية أمير المؤمنين علي إلى ولده الحسنعليهماالسلام
: أنّه أخذ بيد علي بن الحسين ، وقال : «وأمرك رسول اللّه
صلىاللهعليهوآلهوسلم
أن تدفعها إلى ابنك محمد بن علي ، فأقرئه من رسول اللّه ومنّي السلام
»
.
وقال أبو جعفر الباقرعليهالسلام
: «أجلسني جدّي الحسين بن علي في حجره ، وقال لي : رسول اللّه
صلىاللهعليهوآلهوسلم
يقرئك السلام. وقال لي علي بن الحسين : أجلسني علي بن أبي طالب في حجره ، وقال لي : رسول اللّه
صلىاللهعليهوآلهوسلم
يقرئك السلام
»
.
وفي حديث عن أمير المؤمنين عليعليهالسلام
عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
: أنّه أقبل على الحسينعليهالسلام
، فقال : «سيولد محمّد بن عليّ في حياتك ، فأقرئه منّي السلام
»
.
أصل اللقب :
روي في الحديث أنّ الإمام أبا جعفرعليهالسلام
معروف في كتاب التوراة بالباقر ، منه ما رواه جابر عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
في حديث ورد فيه النصّ على الأئمّة الاثني عشر:
، قال : «ثم محمد بن علي المعروف في التوراة
__________________
بالباقر
»
.
وعن أبي خالد الكابلي ، أنّه سأل الإمام علي بن الحسين زين العابدينعليهالسلام
عن الإمام بعده ، فقال : «ابني محمد ، واسمه في التوراة باقر
»
.
وعن ابن بابويه القمّي ، عن موسى بن جعفرعليهماالسلام
، قال : «اسم جدّي أبي جعفر
عليهالسلام
في التوراة باقر
»
.
هشام يخالف الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم
:
أصبح من الواضح والمسلّم أن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
هو الذي بشّر بولادة الإمام أبي جعفر الباقرعليهالسلام
، وسمّاه محمداً ، ولقّبه الباقر ، غير أن هشام بن عبد الملك بن مروان بلغ من الجرأة على اللّه ورسوله إلى الحدّ الذي سمّي باقر العلم وفالق صبحه في زمان الجهل الأموي بالبقرة ، وذلك في محضر أخيه زيد بن علي حين وفد على هشام ، فقال له هشام : ما يصنع أخوك البقرة؟ فغضب زيد ، حتى كاد يخرج من إهابه ، ثم قال : لشدّ ما خالفت رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
، سمّاه رسول اللّه الباقر ، وتسميه أنت البقرة! لشدّ ما اختلفتما! لتخالفنّه في الآخرة كما خالفته في الدنيا ، فيرد الجنة وترد النار
.
قال الشاعر
:
تبّاً له تاللّه باللّه كفر
|
|
مذ بدل الباقر كفراً بالبقر
|
__________________
وكذب النبي في مقالته
|
|
وتاه في الغي وفي ضلالته
|
مخالفة لابن تيمية :
ليس هشام وحده مخالفاً لما جاء عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
، بل درج ابن تيمية في غالب ما صنفه على الإنكار للمسلمات والمخالفة للبديهيات ، مما أوقعه في مطبّات وتناقضات عديدة أحصاها عليه حتّى أتباعه ، ومع ما قدّمناه من مصادر حديث تسمية محمد بن عليعليهماالسلام
بالباقر عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
، ومن بينها مصادر اعتمد ابن تيمية عليها ، مثل عيون أخبار ابن قتيبة ، ذكر ابن تيمية أنّه حديث موضوع.
وقال : ونقل تسميته بالباقر عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
لا أصل له عند أهل العلم ، بل هو من الأحاديث الموضوعة ، وكذلك حديث تبليغ جابر له السلام ، هو من الموضوعات عند أهل العلم بالحديث
.
ولكن لا عتب على ابن تيمية بعد أن كفّره الكثير من علماء أهل السنّة وحكموا بردّته وأباحوا دمه ، وبعضهم صرّح بنصبه وتحامله على أمير المؤمنين الإمام عليعليهالسلام
كابن حجر وغيره ، ولا زالت شرذمة الوهابية التي ابتدعت لها ديناً جديداً يجوز لها قطع رؤوس المسلمين وتهديم مساجدهم ، يبجّلونه ويعدونه إماماً لهم.
نعم لا عتب عليه ولا على أمثاله من الذين لا يعرفون عن الإمام الباقرعليهالسلام
إلاّ كما يعرف ابن كثير كما مرّ قوله من أنهعليهالسلام
استُشهد بكربلاء!!!
__________________
شمائله وحليتهعليهالسلام
:
كان الإمام الباقرعليهالسلام
يشبه جدّه رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
في شمائله وأخلاقه وهديه وسمته ، وقد وصفه بذلك جدّه رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
قبل مولده ، وجاء ذلك على لسان الصحابي الجليل جابر بن عبد اللّه الأنصاريعليهما السلام
بعد أن رآه في أكثر من مناسبة ، ففي تاريخ اليعقوبي ، قال جابر بن عبد اللّه الأنصاريعليهما السلام
: قال لي رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
: «إنّك ستبقى حتّى ترى رجلاً من ولدي أشبه الناس بي اسمه على اسمي ، إذا رأيته لم يخل عليك ، فأقرئه مني السلام
، فلما كبرت سنّ جابر ، وخاف الموت ، جعل يقول : يا باقر ، يا باقر ، أين أنت؟ حتى رآه فوقع عليه يقبّل يديه ورجليه ، ويقول : بأبي وأُمّي شبيه أبيه رسول اللّه ، إنّ أباك يقرئك السلام»
.
وروى أبان بن تغلب ، عن أبي عبد اللّهعليهالسلام
قال : «إنّ جابر بن عبد اللّه الأنصاري
عليهما السلام
كان يقعد في مسجد رسول اللّه
صلىاللهعليهوآلهوسلم
وهو معتجر بعمامة سوداء ، وكان ينادي : يا باقر العلم ، وكان أهل المدينة يقولون : جابر يهجر ، فكان يقول : لاواللّه ما أهجر ، ولكنّي سمعت رسول اللّه
صلىاللهعليهوآلهوسلم
يقول : إنّك ستدرك رجلاً منّي ، اسمه اسمي ، وشمائله شمائلي ، يبقر العلم بقرا
ً»
.
وفي حديث آخر أن جابر بن عبد اللّه الأنصاريعليهما السلام
رأى الباقرعليهالسلام
يتردّد ذات يوم في بعض طرق المدينة ، فقال : يا غلام أقبل فأقبل ، ثم قال له : أدبر فأدبر ، ثم قال : شمائل رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
والذي نفسي بيده
.
ومن هنا كانعليهالسلام
__________________
يُدعى الشبيه ، لأنّه كان يشبه جدّه رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
.
قال الشاعر :
وكان كالنبي في شمائله
|
|
وفي صفاته وفي دلائله
|
ففي محيّاه حياة العرفا
|
|
وكيف لا وهو شبيه المصطفى
|
ووجهه الوجيه قبلة الورى
|
|
من كلّ ما يرى وما ليس يرى
|
وعينه عين عيون المعرفه
|
|
أسرارها بنورها منكشفه
|
ومن صفاتهعليهالسلام
أنّه كان معتدل القامة ، أسمر اللون
، جعد الشعر ، رقيق البشرة ، ربع القامة ، ضامر الكشح ، مطرق الرأس ، حسن الصوت ، له خال على خدّه ، وخال أحمر في جسده.
وروي أنّه كان على جبهته وأنفه أثر السجود ، وكان يختضب بالحناء والكتم ، ويأخذ عارضيه ويبطن لحيته ، وروي أنّه كان يدوّرها
.
وفي صفة ملبسه روي أنّه كان يلبس جبّة خزّ ومطرف خزّ ، ويرسل عمامته خلفه
.
زوجاته :
كان لدى الإمام الباقرعليهالسلام
من الزوجات الدائمة اثنتان ، هما : أُمّ فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر ، وأُمّها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر ، وقيل : إنّ
__________________
اسمها فاطمة ، وأُمّ فروة كنيتها ، وتُعرف أيضاً باسم قريبة
، وهي أُمّ الإمام جعفر الصادقعليهالسلام
وعبد اللّه. وكانت من ذوات الإيمان والتقوى والعمل الصالح ، وهكذا أنبتها اللّه نباتاً حسناً كرامة لجدّها محمد رضي اللّه تعالى عنه.
قال الإمام الصادقعليهالسلام
: «كانت أُمّي ممن آمنت واتّقت وأحسنت ، واللّه يحبّ المحسنين
»
.
قال ابن أبي الحديد : وإلى أُمّ فروة أشار الرضا أبو الحسنعليهالسلام
بقوله :
يفاخرنا قوم بمن لم نلدهم
|
|
بتيم إذا عد السوابق أو عدي
|
وينسون من لو قدّموه لقدّموا
|
|
عذار جواد في الجياد مقلّد
|
فتى هاشم بعد النبي وباعها
|
|
لمرمى علا أو نيل مجد وسؤدد
|
ولولا علي ما علوا سرواتها
|
|
ولا جعجعوا فيها بمرعىً ومورد
|
أخذنا عليكم بالنبي وفاطم
|
|
طلاع المساعي من مقام ومقعد
|
وطلنا بسبطي أحمد ووصيه
|
|
رقاب الورى من متهمين ومنجد
|
وحزنا عتيقاً وهو غاية فخركم
|
|
بمولد بنت القاسم بن محمد
|
وزوجته الثانية هي أُمّ حكيم بنت أسيد بن المغيرة بن الأخنس بن شريف الثقفي
، وهي أُمّ إبراهيم وعبيد اللّه.
والمعروف من السراري وأُمّهات الأولاد ، أُمّ ابنته أُمّ سلمة ، وأُمّ أولاده علي وزينب ، ويبدو من حديث الكافي عن أبي الجارود ، عن أبي جعفرعليهالسلام
أن
__________________
زوجته أم علي كانت ترى رأي الخوارج ، فأراد منها الإمامعليهالسلام
أن ترجع عن رأيها ، فامتنعت فطلّقها
.
وسأله بعض مواليه عن سبب فراقها ، فقال : إنّي ذكرت عليّاً فتنقّصته ، فكرهت أن ألصق جمرة من جمر جهنم بجلدي
.
لكن يظهر من حديث مالك بن أعين في الكافي أيضاً أن الثقفية هي التي سمعها تبرأ من عليعليهالسلام
، فطلّقها ولم يسعه أن يمسكها ، وهي تبرأ منه
.
ولم يرد في مصادر النسب وغيرها أنّ للثقفية ولداً اسمه علي ، بل المذكور أنّها أُمّ إبراهيم وعبيد اللّه ، وعليه فإنّ أُمّ علي غير الثقفية ، إلاّ أن نقول أن أُمّ ولده علي ثقفية أيضاً ، وأنّ الحديثين يدلاّن عليها ، أو نقول أنّهعليهالسلام
طلّقهما جميعاً.
نقش خاتمه :
وردت عدّة ألفاظ لنقش خاتمهعليهالسلام
، ولا شك أن تعدّد النقوش يعود إلى تعدّد الخواتيم ، فروي عن الإمام الرضاعليهالسلام
أنّ الإمام الباقرعليهالسلام
كان يتختّم بخاتم جدّه الحسينعليهالسلام
وكان نقشه :إنّ اللّه بالغ أمره
.
وعن أبي عبداللّه الصادقعليهالسلام
، قال : «كان على خاتم محمد بن علي
عليهماالسلام
:
ظنّي باللّه حسن
|
|
وبالنبـي المؤتمـن
|
وبالوصي ذي المنن
|
|
وبالحسين والحسن»
|
__________________
وعنهعليهالسلام
قال : «كان نقش خاتم أبي : القوّة للّه جميعاً
»
.
وعنهعليهالسلام
قال : «كان في خاتم أبيمحمدبن علي ، وكان خيرمحمديرأيته بعيني : العزّة للّه جميعاً
»
.
وروي أنّ نقش خاتمهعليهالسلام
: ربّ لاتذرني فرداً
.
شعراؤه :
جاء في تراجم الإمام الباقرعليهالسلام
أنّ الشعراء الذين يتواصلون مع الإمام الباقرعليهالسلام
هم : الكميت الأسدي ، والورد أخو الكميت ، وكثير عزّة ، ووجدت أنّ من الشعراء الذين عاصروه وأنشده بعضهم : أبو هريرة العجلي ، والشاعر الحجازي مالك بن أعين الجهني ، وسديف بن مهران بن ميمون المكّي.
وعدّ الشبلنجي من شعراء الإمام الباقرعليهالسلام
السيد الحميري
، غير أنّ السيّد الحميري ، وإن كان من شعراء أهل البيت:
، لكنّه أكثر اختصاصاً بالإمام الصادقعليهالسلام
كما يبدو من أخباره ، لأنّه أدرك الإمام الباقرعليهالسلام
وعمره نحو تسع سنين ، حيث ولد سنة ١٠٥ هـ ، وتوفّي الإمام الباقرعليهالسلام
سنة ١١٤ هـ.
ولا ريب أنّ اتّصال أكثر من شاعر بالإمام الباقرعليهالسلام
، يعني أنّه لم يهمل دور الشعر في إيصال ما يريد من أفكار واعتقادات ، ولم يترك أُسلوباً يتيح له التواصل بالأُمّة وإيصال رسالته العلمية والإصلاحية إلاّ وسلكه ، ولعلّ قراءة
__________________
آثار بعض الشعراء الذين اتّصلوا بالأئمّة:
كالكميت الأسدي والسيد الحميري وكثير عزّة والفرزدق وغيرهم ، تبيّن حجم المحتوى الفكري والتعبيري للشعر ، وأنّه احدى وسائل الإيصال الفكري المهمّة لعقائد الإسلام فضلاً عمّا يشتمل عليه من عناصر الجمال والإبداع.
وسوف نذكر أهمّ الشعراء الذي عُدّوا من شعرائهعليهالسلام
مع بيان اليسير من قصائدهم وأبياتهم ، كالآتي :
١ ـ الكميت الأسدي :
عن زرارة قال : أنّ الكميت أنشد الإمام أبا جعفر الباقرعليهالسلام
قصيدته التي مطلعها :
من لقلب متيّم مستهام
|
|
غير ما صبوة ولا أحلام
|
فقال أبو جعفرعليهالسلام
: «لا تزال مؤيّدا بروح القدس ما دمت تقول فينا
.
ثم توجّه الإمامعليهالسلام
إلى الكعبة فقال :اللّهمّ ارحم الكميت واغفر له
، ثلاث مرّات. ثم قال :يا كميت ، هذه مائة ألف ، قد جمعتها لك من أهل بيتي
. فقال الكميت : لا واللّه لا يعلم أحد أنّي آخذ منها حتّى يكون اللّه عزّوجلّ الذي يكافيني ، ولكن تكرمني بقميص من قمصك ، فأعطاه»
.
وروى جابر الجعفي أنّ الكميت قال للإمام الباقرعليهالسلام
: «يا سيدي ، واللّه ما أنشدك طلباً لعرض من الدنيا ، وما أردت بذلك إلاّ صلة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
، وما أوجبه اللّه علي من حقّكم. فدعا له أبو جعفرعليهالسلام
»
.
__________________
وروى الخزّاز في حديث أنّ الكميت دخل على أبي جعفر الباقرعليهالسلام
في أيّام الحجّ فأنشده :
أضحكني الدهر وأبكاني
|
|
والدهر ذو صرف وألوان
|
لتسعة بالطفّ قد غودروا
|
|
صاروا جميعاً رهن أكفان
|
وستّة لا يتجارى بهم
|
|
بنو عقيل خير فرسان
|
ثمّ علي الخير مولاهم
|
|
ذكرهم هيّج أحزاني
|
فبكى الباقرعليهالسلام
وبكى أبو عبد اللّهعليهالسلام
، فلمّا بلغ إلى قوله :
من كان مسروراً بما مسّكم
|
|
أو شامتاً يوماً من الآن
|
فقد ذللتم بعد عزّ فما
|
|
أدفع ضيماً حين يغشاني
|
أخذ بيده ثم قال : اللّهمّ اغفر للكميت ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر ، فلمّا بلغ إلى قوله :
متى يقوم الحقّ فيكم متى
|
|
يقوم مهديكم الثاني
|
قال :سريعاً إن شاء اللّه سريعاً
. ثم قال :يا أبا المستهل ، إنّ قائمنا هو التاسع من ولد الحسين ، لأنّ الأئمّة بعد رسول اللّه
صلىاللهعليهوآلهوسلم
اثنا عشر ، الثاني عشر هو القائم.
قال : فمتى يخرج يا بن رسول اللّه؟ قال :لقد سئل رسول اللّه
صلىاللهعليهوآلهوسلم
عن ذلك فقال : إنّما مثله كمثل الساعة لا تأتيكم إلاّ بغتة
.
وممّا يدلّ على صدق ولاء الكميت وشدّة تعلّقه بأهل البيت:
، قصيدته العينية التي أنشدها الإمام الباقرعليهالسلام
حين وفد إليه ، وهي تتضمّن ذكر النص على خلافة عليعليهالسلام
بعد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
يوم غدير خم ، يقول فيها :
__________________
نفى عن عينك الأرق الهجوعا
|
|
وهم يمتري منها الدموعا
|
دخيل في الفؤاد يهيج سقماً
|
|
وحزناً كان من جذل منوعا
|
وتوكاف الدموع على اكتئاب
|
|
أحل الدهر موجعه الضلوعا
|
لفقدان الخضارم من قريش
|
|
وخير الشافعين معاً شفيعا
|
لدى الرحمن يصدع بالمثاني
|
|
وكان له أبو حسن قريعا
|
وأصفاه النبي على اختيار
|
|
بما أعيى الرفوض له المذيعا
|
ويوم الدوح دوح غدير خم
|
|
أبان له الولاية لو أطيعا
|
ولكن الرجال تبايعوها
|
|
فلم أرَ مثلها خطراً مبيعا
|
فلم أبلغ بها لعناً ولكن
|
|
أساء بذاك أولهم صنيعا
|
فصار بذاك أقربهم لعدل
|
|
إلى الجور وأحفظهم مضيعا
|
أضاعوا أمر قائدهم فضلّوا
|
|
وأقومهم لدى الحدثان ريعا
|
تناسوا حقّه وبغوا عليه
|
|
بلا ترة وكان لهم قريعا
|
فقل لبني أُمية حيث حلّوا
|
|
وإن خفت المهند والقطيعا
|
ألا أفٍ لدهر كنت فيه
|
|
هدانا طائعاً لكم مطيعا
|
أجاع اللّه من أشبعتموه
|
|
وأشبع من بجوركم أجيعا
|
وذكر المؤرّخون أنّ الإمام أبا جعفرعليهالسلام
لما سمع هذه القصيدة قال :اللّهمّ أكف الكميت ، وأخذ يكرّرها ثلاثا
ً.
__________________
٢ ـ الورد بن زيد الأسدي :
وهو أخو الكميت ، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الباقرعليهالسلام
، وأنشد الإمام أبا جعفر الباقرعليهالسلام
حين وفد عليه قصيدة ، عبّر فيها عن حبّه وولائه له ، يقول فيها :
كم جزت فيك من أحواز وأيفاع
|
|
وأوقع الشوق بي قاعا إلى قاعِ
|
ياخير من حملت أُنثى ومن وضعت
|
|
به إليك غدا سيري وإيضاعي
|
أما بلغتك فالآمال بالغة
|
|
بنا إلى غاية يسعى لها الساعي
|
من معشر شيعة للّه ثم لكم
|
|
صور
إليكم بأبصارٍ وأسماعِ
|
وعاة أمر ونهي عن أئمّتهم
|
|
يوصي بها منهم واع إلى واعِ
|
لا يسأمون دعاء الخير ربّهم
|
|
أن يدركوا فيلبّوا دعوة الداعِ
|
وأظهر فيها حسن اعتقاده بالغيبة ، وعبّر عن لسان الغيب الذي سمعه من رواة أهل البيت الثقات ، فذكر الوليد بسامراء قبل بنائها ، ويريد به الإمام الثاني عشر من أهل البيت:
، يواصل القول فيها :
متى الوليد بسامرا إذا بنيت
|
|
يبدو كمثل شهاب الليل طلاعِ
|
حتى إذا قذفت أرض العراق به
|
|
إلى الحجاز أناخوه بجعجاعِ
|
__________________
وغاب سبتا
وسبتا من ولادته
|
|
مع كل ذي جوبٍ
للأرض قطّاعِ
|
لا يسأمون به التجواب قد تبعوا
|
|
أسباط هارون كيل الصاع بالصاعِ
|
شبيه موسى وعيسى في مغابهما
|
|
لو عاش عمريهما لم ينعه ناعِ
|
تتمّة النقباء المسرعين إلى
|
|
موسى بن عمران كانوا خير سراعِ
|
أو كالعيون التي يوم العصا انفجرت
|
|
فانصاع منها إليه كل منصاعِ
|
إنّي لأرجو له رؤيا فأدركه
|
|
حتى أكون له من خير أتباعِ
|
بذاك أنبأنا الراوون عن نفر
|
|
منهم ذوي خشية للّه طواعِ
|
روته عنكم رواة الحقّ ما شرعت
|
|
آباؤكم خير آباء وشرَّاعِ
|
٣ ـ كثير عزّة :
وهو كثير بن عبد الرحمن بن الأسود الخزاعي المدني ، من فحول الشعراء ومتقدّميهم ، ينسب إلى عزّة امرأة أحبّها وشبّب بها ، روي أن الإمام الباقرعليهالسلام
شيّعه ورفع جنازته بيده الشريفة وعرقه يجري ، وكان يعد من أصحابه ، غير أنّه كان على مذهب الكيسانية ، كما هو واضحٌ من قوله :
ألا إن الأئمّة من قريش
|
|
ولاة الحقّ أربعة سواءُ
|
عليٌّ والثلاثة من بنيه
|
|
هم الأسباط ليس بهم خفاءُ
|
فسبط سبط إيمان وبر
|
|
وسبط غيّبته كربلاءُ
|
__________________
وسبط لا يذوق الموت
|
|
حتّى يقود الخيل يقدمها اللواءُ
|
يغيبُ فلا يرى منهم
زمانا
|
|
برضوى
عنده عسل وماءُ
|
ورغم اعتقاده الكيساني إلاّ أنّه كان على مودّة من الإمام الباقرعليهالسلام
، يدلّ عليه ما رواه السيد المرتضى أنّ رجلاً نظر إلى كثير وهو راكب ، والإمام أبو جعفرعليهالسلام
يمشي ، فأنكر عليه ذلك وقال له : أتركب وأبو جعفر يمشي؟! فأجابه كثير قائلاً : هو أمرني بذلك ، وأنا بطاعته في الركوب ، أفضل من عصياني إيّاه بالمشي
.
ويبدو أنّ كثيراً لم يكن جادّاً في مدح بني أمية ، ولا مؤمناً بما يقوله فيهم ، روى المرزباني عن أبي عبد الرحمن الخزاعي ، قال : إنّ الباقرعليهالسلام
قال له : «تزعم أنّك من شيعتنا وتمدح آل مروان
؟!» فقال : إنّما أسخر منهم ، وأجعلهم حيّات وعقارب ، وآخذ أموالهم ، ألم تسمع إلى قولي في عبد العزيز بن مروان :
وكنت عتبت معتبة فلجت
|
|
بي الغلواء في سنن العتاب
|
فما زالت رقاك تسل ضغني
|
|
وتخرج من مكامنها ضبابي
|
ويرقيني لك الراقون حتّى
|
|
أجابك حيّة تحت الحجاب
|
__________________
قال : فقال له عبد الملك بن مروان : ما مدحك إنّما جعلك راقياً للحيّات ، قال : فذكر عبد العزيز ذلك لي ، قلت : واللّه لأجعلنّه حيّة ، ثمّ لا ينكر ذلك ، فقلت له :
يقلب عيني حيّة بمجارة
|
|
أضاف إليها الساريات سبيلها
|
يصيد ويغضي وهو ليث خفية
|
|
إذا أمكنته عدوة لا يقيلها
|
قال : فأجزل لي عبد الملك الصلة
.
وذكر ابن شهر آشوب أنّ الإمام الباقرعليهالسلام
قال لكثير :امتدحت عبد الملك؟
فقال : ما قلت له يا إمام الهدى ، وإنّما قلت يا أسد والأسد كلب ، ويا شمس والشمس جماد ، ويا بحر والبحر موات ، ويا حية والحية دويبة منتنة ، ويا جبل وإنّما هو حجر أصمّ. قال : فتبسّمعليهالسلام
.
٤ ـ مالك بن أعين الجهني :
شاعر حجازي سكن الكوفة ، له أبيات في مدح أبي جعفر الباقرعليهالسلام
، ومثلها في رثاء جعفر بن محمد الصادقعليهالسلام
، وعدّه الشيخ من أصحاب الإمام الباقرعليهالسلام
، توفّي سنة ١٤٨ هـ ، وممّا قاله في الإمام الباقرعليهالسلام
:
إذا طلب الناس علم القرآ
|
|
ن كانت قريش عليه عيالا
|
وإن قيل أين ابن بنت النبي
|
|
نلت بذاك فروعاً طوالاً
|
__________________
نجوم تهلّل للمدلجين
|
|
جبال تورث علماً جبالا
|
٥ ـ أبو هريرة العجلي :
عدّه ابن شهر آشوب في شعراء أهل البيت:
المجاهرين
، وأنشد الإمام محمد الباقرعليهالسلام
قصيدة تدلّ على متابعته وطاعته له ، ورصده الحديث الصحيح وتمييزه عمّن سواه ممّا يحدثه المبتدعة أمثال المغيرة بن سعيد :
أبا جعفر أنت الولي أحبّه
|
|
وأرضى بما ترضى به وأتابع
|
أتتنا رجال يحملون عليكم
|
|
أحاديث قد ضاقت بهنّ الأضالع
|
أحاديث أفشاها المغيرة فيهم
|
|
وشرّ الأُمور المحدثات البدائع
|
بوّابه :
بوّابه : جابر بن يزيد الجعفي
.
أولاده:
المشهور بين المؤرّخين والمحدّثين ورجال النسب أنّ للإمام الباقرعليهالسلام
سبعة أولاد ، خمسة ذكور وابنتان ، وهم : أبو عبد اللّه جعفر الصادقعليهالسلام
ويُكنّى به ، وعبد اللّه ، وأُمّهما أُم فروة بنت القاسم ، وإبراهيم وعبيد اللّه درجا
، أُمّهما أُم حكيم بنت أسيد بن المغيرة الثقفية ، وعلي وزينب ، لأُم ولد ، وأُم سلمة
__________________
لأُم ولد.
وهناك اختلاف في اللذين درجا ، فروي : عبيد اللّه وعلي ، ويوجد اختلاف في ترتيبهم على الأُمّهات ، فقيل : علي وأُم سلمة وزينب من أُم ولد ، وقيل : زينب لأُم ولد أُخرى.
وهناك اختلاف في العدد أيضاً ، فمنهم من ذكر تسعة ، ستّة ذكور وهم : جعفر الصادقعليهالسلام
وعبد اللّه وعلي وزيد وعبيد اللّه وإبراهيم ، وثلاث بنات ، وذكر منهنّ : زينب وأُم سلمة ، ولم يذكر الثالثة.
وقيل : خلّف ثمانية ، ستّة ذكور وبنتان ، فأضاف إلى الذكور المذكورين أولاً أحمد.
وقيل : خلف ستّة ، أربعة ذكور وبنتان ، فأسقط من المذكورين عبيد اللّه ، وجعل بعضهم أُم سليمان بدل أُم سلمة.
ومنهم من ذكر أربعة من الذكور ، وثلاث بنات ، وهم : جعفر الصادقعليهالسلام
وعبد اللّه وإبراهيم وعبيد اللّه ، وأُم سليمان وزينب وواحدة غير مشهورة.
وقيل له خمسة اولاد ، أربعة ذكور وبنت ، وهم : جعفر الصادقعليهالسلام
وعلي وعبد اللّه وإبراهيم وأُم سلمة.
وقيل : له أربعة أولاد ، ثلاثة ذكور وبنت ، وهم : جعفر الصادقعليهالسلام
وعبد اللّه وإبراهيم وأُم سلمة ، واسمها زينب.
أما العقب ، فذكر بعضهم أنّ عقبه في اثنين من الذكور فقط ، وهما جعفر الصادقعليهالسلام
وعبد اللّه ، وقيل : العقب من جعفر الصادقعليهالسلام
فقط
.
__________________
وعدّا الذين ذكرناهم من أولاد الإمام الباقرعليهالسلام
، هناك بعض المصادر تكاد تنفرد بذكر أسماء أو مزارات ومشاهد ادُّعي أنّها منسوبة إلى أولاد صلبيين للإمام الباقرعليهالسلام
، ولم تذكرهم المصادر المشهورة ، ومنهم زيد بن الإمام محمد الباقرعليهالسلام
، عدّه العمري من أولاد الثقفية ، وذكر أنّه درج مع أشقائه عبيد اللّه وإبراهيم
.
ومنهم آمنة بنت الإمام الباقرعليهالسلام
، قال ياقوت : بين مصر والقاهرة مشهد يقال : إنّ فيه قبر آمنة بنت محمد الباقر
.
وخديجة بنت الإمام الباقرعليهالسلام
، فقد عدّها الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الباقرعليهالسلام
، وذكر العمري أنّها أُم يحيى بن الحسين ذي الدمعة بن زيد الشهيد
.
وفيما يلي نذكر بعض أخبار أولاد الإمام الباقرعليهالسلام
.
١ ـ أبو عبد اللّه جعفر الصادقعليهالسلام
:
وكان من بين اخوته سيد ولد أبيه ، وخليفته ووصيه ، والإمام القائم بالإمامة من بعده ، ولدعليهالسلام
في السابع عشر من شهر ربيع الأوّل سنة ٨٣ هـ ، وهو اليوم الذي وُلد فيه جدّه رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
، فكان ذلك إيذاناً بإحياء السنّة ونشر
__________________
الحديث على يديه ، فأقام الإسلام على أُصوله الأولى وأُسسه الثابتة التي أوشكت على الانهيار في ظلّ البلاطين الأُموي والعباسي ، قيل فيه : ذو علم غزير في الدين ، وأدب كامل في الحكمة ، وزهد بالغ في الدنيا ، وورع تام عن الشهوات
.
والحديث عن علمه وزهده وتقواه ومنزلته لا يحيط به محيط ، ولا يقف على متناه إلاّ اللّه.
٢ ـ عبد اللّه بن محمد الباقرعليهالسلام
:
وهو شقيق الإمام الصادقعليهالسلام
، أُمّهما أُم فروة ، وهو أكبر اخوته بعد الصادقعليهالسلام
، وقد توفّي شهيداً ، سقاه السمّ أحد رجال بني أُمّية.
روى أبو الفرج الأصفهاني وغيره بالإسناد عن عمرو بن أبي المقدام ، عن أبيه ، قال : دخل عبد اللّه بن محمد بن علي بن الحسين:
على رجل من بني أُمّية ، فأراد قتله ، فقال له عبد اللّه : لا تقتلني أكن للّه عليك عيناً ، ولك على اللّه عوناً
.
فقال : لست هناك
.
وتركه ساعة ، ثم سقاه سُمّاً في شراب سقاه إيّاه فقتله
.
قال الشيخ المفيد : وكان عبد اللّهعليهماالسلام
يشار إليه بالفضل والصلاح
.
وتدلّ أخبار سيرته على موالاته لأخيه الصادقعليهالسلام
، لكن ذكر في بعض المصادر أنّه ادّعى الإمامة لنفسه ، وكان على خلاف مع أخيه الإمام الصادقعليهالسلام
، وما لبث
__________________
عبد اللّه إلاّ يسيراً حتّى مات
، من هنا سمّاه بعضهم الأفطح ، وعدّه من أولاد الباقرعليهالسلام
، مع أنّه لم يدّعِ أحد من أولاد الباقرعليهالسلام
الإمامة ، ولا ادّعاها أحد لهم ، قال الشيخ المفيد : ولم يعتقد في أحد من ولد أبي جعفرعليهالسلام
الإمامة إلاّ في أبي عبد اللّه جعفر بن محمد الصادقعليهالسلام
خاصّة
.
ويبدو أنّ منشأ هذا الوهم هو الخلط بين عبد اللّه الأفطح ابن الإمام الصادقعليهالسلام
، وعبد اللّه بن الإمام الباقرعليهالسلام
، وعبد اللّه الأفطح هو الذي ادّعى الإمامة بعد أبيه الإمام الصادقعليهالسلام
، وكان متّهماً بالخلاف على أبيه في الاعتقاد ، وكان يخالط الحشوية ، ويميل إلى مذاهب المرجئة ، وادّعى بعد أبيه الإمامة ، فاتبعه على قوله جماعة من أصحاب أبي عبد اللّهعليهالسلام
، ثم رجعوا بعد ذلك إلى القول بإمامة أخيه موسىعليهالسلام
لمّا تبيّنوا ضعف دعواه ، وقوّة أمر أبي الحسنعليهالسلام
، ودلالة حقّه وبراهين إمامته
.
٣ ـ أُم سلمة بنت محمد الباقرعليهالسلام
:
أُمّها أُم ولد ، وذكر بعضهم أنّها البنت الوحيدة للإمام الباقرعليهالسلام
، وأنّ اسمها زينب ، وكنيتها أم سلمة
.
رُوي أنّها كانت عند ابن عمّها محمد بن عبد اللّه بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، الذي يقال له الأرقط ، فولدت له إسماعيل
.
__________________
٤ ـ زينب بنت محمد الباقرعليهالسلام
:
أُمّها وأُم شقيقها علي أُم ولد ، وقيل : إنّ أُم زينب أُم ولد أُخرى غيرها ، قيل : إنّها كانت عند عبيد اللّه بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، ثم خلف عليها عبيد اللّه بن محمد بن عمر بن علي بن محمد بن عمر بن علي أبي طالب ، فولدت له محمداً والعباس ومحمداً الأصغر وخديجة وفاطمة وأُم حسن
.
اُخوته :
المشهور أنّ له من الأخوة عشرة وهم : الحسن ، والحسين الأصغر ، والحسين الأكبر ، وزيد الشهيد ، وسليمان ، وعبد الرحمن ، وعبد اللّه ، وعلي وكان أصغر أخوته ، وعمر ، ومحمد الأصغر ، وأربع أخوات ، وهن : أُم كلثوم ، وخديجة ، وعلية وكنيتها أُم علي ، وفاطمة.
وهناك تفاوت في عدد الأخوة والأخوات ، فقيل : كان له أربعة أخوة ، وقيل : سبعة ، وقيل : ثمانية ، ولم يكن له أخت ، وقيل : كان له تسعة أخوة وأربع أخوات ، وقيل : له عشرة أخوة ، وسبع أخوات ، وقيل : له عشرة أخوة ، وتسع أخوات ، وهن : أُم الحسن ، وأُم موسى ، وكلثوم ، وعبدة ، ومليكة ، وعلية ، وفاطمة ، وسكينة ، وخديجة ، وهناك تفاوت في الأسماء فعدّوا : القاسم ، وعبيد اللّه ، وأُم البنين ، من أخوته
.
أما من حيث فضلهم ومنزلتهم ، فقد ذكر الشيخ المفيد أنه كان لكل واحد
__________________
من أخوة الباقرعليهالسلام
فضل ، وإن لم يبلغوا فضله ، لمكانه من الإمامة ، ورتبته عند اللّه في الولاية ، ومحلّه من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
في الخلافة
.
ويعزّز ذلك ما رواه السيد المرتضى عن أبي الجارود زياد بن المنذر ، أنّه سأل الإمام الباقرعليهالسلام
: أيُّ أخوتك أحبّ إليك؟ فقال :أما عبد اللّه فيدي التي أبطش بها ، وأما عمر فبصري الذي أبصر به ، وأما زيد فلساني الذي أنطق به ، وأما الحسين فحليم يمشي على الأرض هوناً ، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً
.
وفيما يلي نذكر بعض أخبار أخوة الإمام الباقرعليهالسلام
.
١ ـ زيد الشهيدعليهالسلام
:
أبو الحسين العلوي ، ولد سنة ٧٨ هـ ، وأُمّه أُم ولد اسمها حورية ، أو حوراء ، اشتراها المختار الثقفي ، وأهداها إلى الإمام علي بن الحسينعليهماالسلام
، فولدت له زيداً وعمر وعلياً وخديجة ، وقد اشتهر زيدعليهماالسلام
بالعلم والشجاعة والنسك وغير ذلك من الفضائل.
يقول عاصم بن عبيد العمري : رأيته وهو شاب بالمدينة يذكر اللّه فيغشى عليه ، حتّى يقول القائل : ما يرجع إلى الدنيا. وكان يعرف عند أهل المدينة بحليف القرآن ، وكان زيد من علماء عصره البارزين في الحديث والفقه والتفسير واللغة والأدب وعلم الكلام ، وله آثار شاخصة إلى اليوم في حقول علمية مختلفة.
كانت إقامته بالكوفة والمدينة ، وأمر هشام بن عبد الملك لعنة اللّه عليه بإشخاصه إلى الشام ، فحجبه عنه وضيّق عليه مبالغة في إذلاله ، وحبسه خمسة
__________________
أشهر ، ثم أطلقه بعد جدال بينهما ، فعاد إلى الكوفة وكلّه عزم على الثورة والمناهضة للجور والباطل والاستبداد في أُمور المسلمين ، فاجتمع إليه غالب أهلها ، وبايعوه على قتال الأُمويين ، والدعوة إلى كتاب اللّه ، وسنّة نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
، وجهاد الظالمين ، والدفع عن المستضعفين ، وإعطاء المحرومين ، والعدل في قسمة الفيء ، وردّ المظالم ، ونصرة أهل الحقّ. وكان في المبايعين الفقهاء والقضاة وأعلام الفكر والأدب ، فظهر بالسيف يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ويطالب بثارات الحسينعليهالسلام
، ويدعو إلى الرضا من آل محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم
، ثم أنّهم نقضوا بيعته وأسلموه ، فقُتلعليهالسلام
وصلب منكوساً في سوق الكناسة أربع سنين ، ونصب رأسه الشريف على باب دمشق ، ثم في المدينة ومصر ، ولمّا قُتل حزن له الإمام أبو عبد اللّه الصادقعليهالسلام
حزناً عظيماً حتّى بان عليه ، وفرّق من ماله على عيال من أُصيب معه من أصحابه ألف دينار ، وكان مقتله يوم الاثنين لليلتين خلتا من صفر سنة١٢٠ هـ وكانت سنّه يومئذ اثنتين وأربعين سنة ، وقيل : كان ذلك في المحرم سنة١٢٢ هـ ، فسلام عليه يوم وُلد ويوم جاهد ويوم استُشهد ويوم يُبعث حيّاً
.
٢ ـ الحسين بن عليعليهالسلام
:
وكان الحسين بن علي بن الحسينعليهماالسلام
فاضلاً ورعاً ، روى حديثاً كثيراً عن أبيه علي بن الحسين ، وعمّته فاطمة بنت الحسين ، وأخيه أبي جعفرعليهالسلام
.
روى أحمد بن عيسى عن أبيه ، قال : كنت أرى الحسين بن علي بن الحسين يدعو ، فكنت أقول : لا يضع يده حتّى يُستجاب له في الخلق جميعاً.
وعن سعيد صاحب الحسن بن صالح ، قال : لم أرَ أحداً أخوف من الحسن ابن صالح ، حتى قدمت المدينة ، فرأيت الحسين بن علي بن الحسينعليهماالسلام
، فلم أرَ
__________________
أشدّ خوفاً منه ، كأنّما أدخل النار ثمّ أُخرج منها لشدّة خوفه
.
٣ ـ عبد اللّه بن عليعليهالسلام
:
وهو شقيق الإمام الباقرعليهالسلام
لأُمّه وأبيه ، لُقِّب بالباهر لجماله وحسنه ، وكان يلي صدقات رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
، وصدقات أمير المؤمنينعليهالسلام
، وهو من مفاخر أبناء الأئمّة الطاهرين في العلم والورع والتقوى والفضل ، وكان من فقهاء أهل البيت:
، روى عن آبائه عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
أخباراً كثيرة ، وحدّث الناس عنه وحملوا عنه الآثار ، كما روى مرسلاً عن جدّه الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام
، وعن جدّه لأُمِّه الإمام الحسنعليهالسلام
، وروى عنه عمارة بن غزية ، وموسى بن عقبة ، وعيسى بن دينار ، ويزيد بن أبي زياد ، وهو ثقة مشهور عند العامة أخرج له الترمذي والحاكم
.
٤ ـ عمر بن عليعليهالسلام
:
وأُمّه أُم ولد ، وكان فاضلاً جليلاً ورعاً سخياً ، لُقِّب بالأشرف ، لما له من شرف وفضيلة في الحسب ومحاسن الأخلاق ، وكان من العلماء الأفاضل ، عدّه الشيخ من أصحاب أخيه الإمام الباقرعليهالسلام
، وقد روى عن أبيه ، وروى عنه فطر ابن خليفة ، وتولّى صدقات النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
وصدقات أمير المؤمنينعليهالسلام
.
ومن أخبار جوده وسخائه ما رواه الحسين بن زيد ، قال : رأيت عمّي عمر ابن علي بن الحسين يشرط على من ابتاع صدقات عليعليهالسلام
أن يثلم في الحائط كذا وكذا ثلمة ، ولا يمنع من دخله أن يأكل منه.
* * *
__________________
الفصل الثالث
إمامته عليه السلام
الإمامة رئاسة عامّة في أُمور الدين والدنيا ، ولا تُنال إلاّ بتعيين من السماء ينصّ عليه النبي المرسل ، وذلك من تمام الدين وكمال النعمة ، ومن صلب واجب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
، الذي بعث رحمة للأنام ، ولجمع كلمتهم ، ونظم أمرهم ، ورفع أسباب الخلاف من بينهم ، فلا يصحّ أن يترك أمرهم بعده هملاً ، بل لا بدّ أن يبيّن لأُمّته من يأتمنه على دين اللّه تعالى ورسالاته ، ليقوم بأمرهم من بعده.
وقد أدّى المصطفىصلىاللهعليهوآلهوسلم
أمانة ربّه حقّ الأداء ، وبلّغ رسالة ربّه تمام البلاغ ، فلم يفارق أُمّته حتّى أرشدهم إلى وليّ الأمر من بعده ، ونصّ على أخيه ووصيه علي بن أبي طالبعليهالسلام
في مناسبات عدّة ومواضع شتّى ، وقد تواترت النصوص بهذا عند المسلمين قاطبة. كما نصّ على أحد عشر إماما يكونون بعد علي:
بأسمائهم وأوصافهم ، كما نصّ كلّ إمام على الإمام اللاّحق له ، وقد صحّت بذلك الأحاديث من طرق شتّى ، وتناقلتها نفائس كتب الحديث والمناقب والتاريخ وغيرها
.
__________________
ومن الأُمور التي يجب توفّرها في الإمام بعد ثبوت النصّ : العصمة والدلالة وسلامة النسب والنشأة والسبق في العلم والحكمة وسائر الفضائل ، ليكون أهلاً لهذه المنزلة ، وقطباً تلتف حوله الناس.
والإمام الباقركآبائه الأطهار:
توفّرت فيه جميع الشروط المطلوبة في الإمام.
قال الشيخ المفيد : كان الباقر أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين:
من بين اُخوته خليفة أبيه علي بن الحسين ووصيّه والقائم بالإمامة من بعده ، وبرز على جماعتهم بالفضل في العلم والزهد والسؤدد ، وكان أنبههم ذكرا ، وأجلّهم في العامّة والخاصّة وأعظمهم قدرا. ولم يظهر عن أحد من ولد الحسن والحسينعليهماالسلام
__________________
من علم الدين والآثار والسنّة وعلم القرآن والسيرة وفنون الآداب ما ظهر عن أبي جعفرعليهالسلام
، وروى عنه معالم الدين بقايا الصحابة ووجوه التابعين ورؤساء فقهاء المسلمين ، وصار بالفضل به علماً لأهله تضرب به الأمثال ، وتسير بوصفه الآثار والأشعار.
وفيه يقول القرظي :
يا باقر العلم لأهل التّقى
|
|
وخير من لبّى على الأجبل
|
وقال مالك بن أعين الجهني فيهعليهالسلام
:
إذا طلب الناس علم القرا
|
|
ن كانت قريش عليه عيالا
|
وإن قيل أين ابن بنت النبي
|
|
نلت بذاك فروعاً طوالا
|
نجوم تهلّل للمدلجين
|
|
جبال تورث علماً جبالا
|
وإلى جانب تواتر النص عليه من أبيه ، ذكر بعض العلماء الدليل العقلي على إمامته المتعلّق بوجوب الإمامة عقلاً في كلّ زمان ، وعدم ادّعاء الإمامة في أيام أبي جعفر الباقرعليهالسلام
سواه ، فثبتت فيه ، لاستحالة خلوّ الزمان من إمام معصوم.
قال ابن شهر آشوب : الذي يدلّ على إمامته ما ثبت من وجوب الإمامة ، وكون الإمام معصوماً ومنصوصاً عليه ، وإن الحقّ لا يخرج من بين الاُمّة
.
وقال الطبرسي : الدليل على إمامته ما قدّمناه بعينه في إمامة أبيه من اعتبار وجوب العصمة ، وبطلان قول كلّ من ادّعى حياة الأموات ، ودلائل العقول
__________________
أوكد من دلائل الأخبار لبعدها عن التأويل والاحتمال
.
وفيما يلي نذكر أهم النصوص الدالّة على إمامتهعليهالسلام
سواء التي وردت عن آبائه المعصومين:
أو عن أبيهعليهالسلام
خاصة.
أولاً : نصّ آبائه عليه:
:
تواترت النصوص على الإمام الباقرعليهالسلام
عن جدّه المصطفىصلىاللهعليهوآلهوسلم
وآبائه المعصومين:
، قال ابن شهرآشوب : ومما يدلّ على إمامته تواتر الإمامية بالنصوص عليه من أبيه وجدّهعليهماالسلام
، وكذلك الأخبار الواردة من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
على الأئمّة الاثني عشر إماماً إماماً ، ومن قال بذلك قطع على إمامته.
ومنها اعتبار طريق العصمة ، وغير ذلك
.
وقال الشيخ الطبرسي : وأما طريقة التواتر ، فمثل ما ذكرناه فيما تقدّم ، فإن الشيعة قد تواترت خلفاً عن سلف إلى أن اتّصل نقلهم بالباقرعليهالسلام
أنّه نصّ على الصادقعليهالسلام
، كما تواترت على أنّ أمير المؤمنين نصّ على الحسن ، ونصّ الحسن على الحسين:
، وكذلك كلّ إمام على الإمام الذي يليه ، ثم هكذا إلى أن ينتهي إلى صاحب الزمانعليهالسلام
.
وأمّا النصوص على إمامة الباقرعليهالسلام
المروية عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
وآبائه المعصومين في جملة الاثني عشر:
فكثيرة ، منها :
١ ـ خبر اللوح الذي هبط به جبرئيل على رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
من الجنّة ، فأعطاه فاطمة3
، وفيه أسماء الأئمّة من بعده ، وكان فيه : محمد بن علي الإمام
__________________
بعد أبيه
.
وهو في أعلى درجات الصحّة ورُوي من عدّة طرق معتبرة.
٢ ـ وفيحديث عن أميرالمؤمنين عليعليهالسلام
عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
: «وقدأخبرنياللّه عزّوجلّ أنّه قد استجاب لي فيك وفي شركائك الذين يكونون من بعدك.
قلت : يا رسول اللّه ، ومن شركائي؟ فقال : الذين قرنهم اللّه بنفسه وبي ، فقال : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الاْءَمْرِ مِنْكُمْ
»
.
قلت : يا رسول اللّه ، سمِّهم لي. فقال : ابني هذا ، ووضع يده على رأس الحسن ، ثمّ ابني هذا ، ووضع يده على رأس الحسين ، ثمّ ابن له على اسمك يا عليّ ، ثمّ ابن له اسمه محمد بن عليّ. ثمّ أقبل على الحسين ، فقال : سيولد محمد بن علي في حياتك فأقرئه منّي السلام ، ثمّ تكملة اثني عشر إماماً.
قلت : يا نبيّ اللّه ، سمِّهم لي ، فسمّاهم رجلاً رجلاً ، منهم واللّه مهديّ هذه الأُمّة ، الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً»
.
٣ ـ وعن جابر بن عبد اللّه الأنصاري ، قال : قال لي رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
: «يا جابر ، إنّ أوصيائي وأئمّة المسلمين من بعدي أولهم علي ، ثم الحسن ، ثم الحسين ، ثم علي بن الحسين ، ثم محمد بن علي المعروف بالباقر ، ستدركه يا جابر ، فإذا لقيته فاقرأه منّي السلام ، ثم جعفر بن محمد ، ثم موسى بن جعفر ، ثم علي بن موسى ، ثم محمد بن علي ، ثم علي بن
__________________
محمد ، ثم الحسن بن علي ، ثم القائم ، اسمه اسمي ، وكنيته كنيتي
»
.
وهذا من الأخبار المشهورة عن جابر.
٤ ـ وعنه قال : لما أنزل اللّه عزّوجلّ على نبيّه محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم
: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الاْءَمْرِ مِنْكُمْ
»
قلت : يا رسول اللّه ، عرفنا اللّه ورسوله ، فمن أولو الأمر الذين قرن اللّه طاعتهم بطاعتك؟ فقال : «هم خلفائي يا جابر ، وأئمّة المسلمين من بعدي ، أولهم علي بن أبي طالب ، ثم الحسن ، والحسين ، ثم على بن الحسين ، ثم محمد بن علي المعروف في التوراة بالباقر ، ستدركه يا جابر ، فإذا لقيته فاقرأة مني السلام ، ثمّ الصادق جعفر بن محمد ، ثمّ موسى بن جعفر ، ثمّ علي بن موسى ، ثمّ محمد بن علي ، ثمّ علي بن محمد ، ثمّ الحسن بن علي ، ثمّ سميّي وكنيّي حُجّة اللّه في أرضه ، وبقيّته في عباده
»
.
٥ ـ وعن أبي سلمى راعي إبل رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
، وذكر حديث الإسراء وما جاء فيه من النصّ على الأئمّة الاثني عشر ، وفيه : «يا محمد ، أتحبّ أن تراهم؟ قلت : نعم يا رب. فقال لي : التفِتْ عن يمين العرش ، فالتفتُّ فإذا أنا بعلي ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين ، وعلي بن الحسين ، ومحمد بن علي ، وجعفر بن محمد ، وموسى بن جعفر ، وعلي بن موسى ، ومحمد بن علي ، وعلي بن محمد ، والحسن بن علي ، والمهدي ، في ضحضاح من نور قياما يصلّون ، وهو في وسطهم ـ يعني المهدي ـ كأنّه كوكب درّي. قال : يا محمد ، هؤلاء الحجج ، وهو الثائر من عترتك ، وعزّتي وجلالي انّه الحجّة
__________________
الواجبة لأوليائي ، والمنتقم من أعدائي
»
.
٦ ـ ومثل ذلك ما روي : أنّ اللّه تعالى أنزل إلى نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
كتاباً مختوماً باثني عشر خاتماً ، وأمره أن يدفعه إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام
، ويأمره أن يفضّ أول خاتم فيه ويعمل بما تحته ، ثم يدفعه عند وفاته إلى ابنه الحسنعليهالسلام
، ويأمره أن يفضّ الخاتم الثاني ويعمل بما تحته ، ثم يدفعه عند حضور وفاته إلى أخيه الحسينعليهالسلام
، ويأمره أن يفضّ الخاتم الثالث ويعمل بما تحته ، ثم يدفعه الحسين عند وفاته إلى ابنه علي بن الحسين ، ويأمره بمثل ذلك ، ويدفعه علي بن الحسينعليهماالسلام
عند وفاته إلى ابنه محمد بن عليعليهالسلام
حتّى ينتهى إلى آخر الأئمّة:
أجمعين
.
٧ ـ وجاء في وصية أمير المؤمنين علي إلى ولده الحسنعليهماالسلام
: «يا بني ، انّه أمرني رسول اللّه
صلىاللهعليهوآلهوسلم
أن أوصي إليك ، وأدفع إليك كتبي وسلاحي ، كما أوصى إليّ ودفع إليّ كتبه وسلاحه ، وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين ، ثم أقبل على ابنه الحسين ، فقال : وأمرك رسول اللّه أن تدفعها إلى ابنك هذا ، ثم أخذ بيد علي بن الحسين ، وقال : وأمرك رسول اللّه أن تدفعها إلى ابنك محمد بن علي ، فأقرئه من رسول اللّه ومنّي السلام
»
.
إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة الأخرى التي لا مجال للاستطراد معها.
__________________
ثانياً : نصّ أبيه عليهعليهماالسلام
:
في وقت عصيب تعرّض فيه التشيّع لأشرس الحملات التي استهدفت وحدته وكيانه وعقيدته ، اضطلع الإمام علي بن الحسينعليهماالسلام
بالوصية لولده محمد الباقرعليهالسلام
بالإمامة في ملأ من أولاده وخواصّ شيعته ، وسلّم إليه بعد ذلك الاسم الأعظم ومواريث الأنبياء ، فيكون بذلك قد هيّأ أحد الأدوات المهمّة لتثبيت الإمامة وضمان استمرارها ، واستطاع توحيد الصفوف واستعادة القوى لتهيئة الأرضية المناسبة لنشوء مدرسة أهل البيت على يد الصادقين من ولـده:
.
وقد روى النص عنهعليهالسلام
: جابر بن عبد اللّه الأنصاريعليهماالسلام
، وولداه الحسين وعمر ، وأبو خالد الكابلي ، وأبو حمزة الثمالي ، ومالك بن أعين الجهني ، وعثمان بن خالد عن أبيه ، وفيما يلي نعرض أهم النصوص الواردة عن أبيهعليهالسلام
في النص عليه والإشارة إليه بالإمامة من بعده.
١ ـ عن أبي خالد الكابلي قال : «دخلت على سيدي علي بن الحسين زين العابدينعليهالسلام
فقلت له : يا سيدي ، روي لنا عن أمير المؤمنين عليعليهالسلام
أن الأرض لا تخلو من حجّة للّه عزّوجلّ على عباده ، فمن الحجّة والإمام بعدك؟ قال : ابني محمد ، واسمه في التوراة باقر ، يبقر العلم بقراً ، هو الحجّة والإمام بعدي ، ومن بعد محمد ابنه جعفر ، واسمه عند أهل السماء الصادق
»
.
٢ ـ وعن جابر بن عبد اللّه الأنصاري أنّه دخل على زين العابدينعليهالسلام
فرأى عنده غلاماً فقال له : «أقبل فأقبل ، فقال له : أدبر فأدبر ، فقال جابر : شمائل رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
، ثمّ قال لزين العابدينعليهالسلام
: من هذا؟ قال :ابني ووصيي
__________________
وخليفتي من بعدي ، اسمه محمد الباقر. فقام جابر وقبّل رأسه ورجليه ، وأبلغه سلام جدّه وأبيه
عليهالسلام
»
.
٤ ـ وعن مالك بن أعين الجهني ، قال : «أوصى علي بن الحسينعليهماالسلام
ابنه محمد ابن عليعليهماالسلام
فقال :بني ، إنّي جعلتك خليفتي من بعدي ، لا يدّعي فيما بيني وبينك أحد إلاّ قلّده اللّه يوم القيامة طوقاً من النار ، فاحمد اللّه على ذلك واشكره
»
.
٥ ـ وعن عثمان بن خالد ، عن أبيه ، قال : «مرض علي بن الحسينعليهماالسلام
مرضه الذي توفّي فيه ، فجمع أولاده محمد والحسن وعبد اللّه وعمر وزيد والحسين ، وأوصى إلى ابنه محمد ، وكنّاه بالباقر ، وجعل أمرهم إليه»
.
٦ ـ وعن عمر بن علي ، عن أبيه علي بن الحسينعليهالسلام
، قال : «كان يقول : ادعوا لي ابني الباقر ، فقلت له : يا أبه ، ولِمَ سمّيته الباقر؟ قال : فتبسّم ، وما رأيته تبسّم قبل ذلك ، ثم سجد للّه تعالى طويلاً ، فسمعته يقول في سجوده :اللّهمّ لك الحمد سيدي على ما أنعمت به علينا أهل البيت
، يعيد ذلك مراراً ، ثم قال :يا بني ، إنّ الإمامة في ولده إلى أن يقوم قائمنا ، فيملأها قسطاً وعدلاً ، وأنّه الإمام أبو الأئمّة ، معدن الحلم وموضع العلم يبقره بقراً ، واللّه لهو أشبه الناس برسول اللّه
صلىاللهعليهوآلهوسلم
»
.
٧ ـ وعن الحسين بن عليعليهالسلام
، قال : «سأل رجل أبيعليهالسلام
عن الأئمّة ، فقال :
__________________
اثنا عشر ، سبعة من صلب هذا
، ووضع يده على كتفأخي محمد
»
.
٨ ـ وروى أبو حمزة الثمالي ، عن أبي جعفرعليهالسلام
، قال : «لما حضرت علي ابن الحسين
عليهماالسلام
الوفاةَ ضمّني إلى صدره وقال : أوصيك بما أوصاني به أبي حين حضرته الوفاة ، وبما ذكر أن أباه أوصاه به
»
.
٩ ـ وعن أبي بصير ، قال : قال أبو جعفرعليهالسلام
: «كان فيما أوصى أبي
عليهالسلام
إليّ أن قال : يا بني ، إذا أنا متّ فلا يلي غسلي أحد غيرك ، فإنّ الإمام لا يغسله إلاّ إمام
»
.
إلى غير ذلك من الآثار الواردة في هذا الباب.
ثالثا : من أقوال العامّة حول الإمام الباقرعليهالسلام
:
هناك أقوال كثيرة لدى العامة في إمامنا الباقر وكلّها تشير إلى عظمتهعليهالسلام
، لا بأس بالإشارة السريعة إلى بعضها كالآتي :
١ ـ ذكر كل من ابن خلكان المتوفّى ٦٨١ هـ ، واليافعي المتوفّى ٧٦٨ هـ ، وابن العماد المتوفّى ١٠٨٩ هـ ، أنّ محمد بن علي الباقرعليهالسلام
أحد الأئمّة الاثني عشر على اعتقاد الإمامية
.
٢ ـ وذكر تغرى بردى المتوفّى ٨٧٤ هـ أنّ محمد بن علي الباقرعليهالسلام
أحد الأئمّة الاثني عشر الذين تعتقد الشيعة عصمتهم
.
٣ ـ وذكر ابن الصبّاغ المالكي المتوفّى سنة ٨٥٥ هـ ، وابن طولون المتوفّى سنة ٩٥٣ هـ ، والشيخ عبد اللّه بن محمد الشبراوي المتوفّى ١١٧١ هـ في ترجمة الإمام
__________________
أبي جعفر الباقرعليهالسلام
أنّه خامس أئمّة أهل البيت الطاهر
.
٤ ـ وقال الذهبي ، المتوفّى سنة ٧٤٨ هـ : أبو جعفر الباقر ، هو السيد الإمام ، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي ، العلوي الفاطمي ، المدني ، وكان أحد من جمع بين العلم والعمل والسؤدد ، والشرف ، والثقة ، والرزانة ، وكان أهلاً للخلافة.
وهو أحد الأئمّة الاثني عشر الذين تبجّلهم الشيعة الإمامية ، وتقول بعصمتهم ، وبمعرفتهم بجميع الدين
.
٥ ـ وقال ابن خلدون ، المتوفّى سنة ٨٠٨ هـ : وأما الإمامية ، فساقوا الإمامة من علي الرضي إلى ابنه الحسن بالوصية ، ثم إلى أخيه الحسين ، ثم إلى ابنه علي زين العابدين ، ثم إلى ابنه محمد الباقر ، ثم إلى ابنه جعفر الصادق
.
٦ ـ وقال أحمد بن يوسف القرماني ، المتوفّى ١٠١٩ هـ : في ذكر أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين الباقرعليهماالسلام
: وإنّما سُمّي بالباقر ، لأنّه بقر العلم ، وكان خليفة أبيه من بين اُخوته ووصيّه والقائم بالإمامة من بعده
.
٧ ـ وروى العامّة أنّ جابر بن يزيد الجعفي إذا حدّث عن الإمام محمد بن علي الباقرعليهالسلام
يقول : حدّثني وصي الأوصياء. وصارت هذه اللفظة ، إضافة إلى قوله : إنّ العلم النبوي انتقل إلى أهل البيت:
، سببا لإعراضهم عن حديث جابر الجعفي.
__________________
قال ابن عيينة : سمعت من جابر ستّين حديثاً ، ما أستحلّ أن أروي عنه شيئاً ، يقول حدّثني وصي الأوصياء
.
وذكر شهاب أنّه سمع ابن عيينة يقول : تركت جابرا الجعفي وما سمعتُ منه قال : دعا رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
عليّا فعلّمه مما تعلم ، ثم دعا علي الحسن فعلّمه مما تعلم ، ثم دعا الحسن الحسين فعلّمه مما تعلّم ، ثم دعا ولده حتى بلغ جعفر بن محمد. قال سفيان : فتركته لذلك ، وسمعه يقول أيضا : انتقل العلم الذي كان في النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
إلى علي ، ثم انتقل من علي إلى الحسن ، ثم لم يزل حتى بلغ جعفرا
.
ولا يعنينا موقف ابن عيينة شيئاً ولا كرامة به ، بل يعنينا من كلامه ، شهادته بأنّه سمع جابر الجعفي يقول ذلك ، وجابر ثقة عند الفريقين.
ولا ريب أن ذكر لفظ الوصي وانتقال العلم النبوي إلى المعصومين:
، هو نصّ في الإمامة ، ودليل واضح عليها ، سيما وأنّها شهادة صادرة من جابر بن يزيد الجعفي الذي ثبت عند أغلب أهل الجرح والتعديل أنّه كان ثقة صدوقا ورعا في الحديث
.
* * *
__________________
الفصل الرابع
مكارم أخلاقه عليه السلام
حاز الإمام الباقرعليهالسلام
قصب السبق على كل من عاصره في العبادة والعلم والحلم والزهد والكرم والشجاعة وغيرها من مظاهر العظمة ، وشهد له فطاحل العلماء في عصره ومن جاء بعدهم بالفضل والعلم والتقى وسموّ المكانة والهيبة في المجتمع آنذاك ، ذلك لأنّ تلك السمات كانت سجية وملكة في نفسه المقدّسة ، فكان يعمل على ترسيخها باقتران القول بالفعل ، والشعار بالسلوك.
ولعلّ أوثق شهادة في هذا المضمار ، هي ما جاء على لسان أقرب الناس إليه ولده الإمام الصادقعليهالسلام
حيث قال : «حدّثني أبي ، وكان خير محمدي يومئذٍ على وجه الأرض
»
.
وفي لفظ آخر : كان خير محمدي رأيته بعيني
.
ولا يخفي الشاعر الحجازي سديف المكي
إعجابه بشخصية الإمامعليهالسلام
، ومعالي أخلاقه حيث عبّر عن شخصية الإمام بقوله : «حدّثني محمد بن علي
__________________
الباقر ، وما رأيت محمديا قطّ يعدله» ، وفي رواية : يشبهه
.
واشتهر عن محمد بن المنكدر
، أنّه قال : «ما رأيت أحداً يفضل على علي ابن الحسين حتّى رأيت ابنه محمداً ، أردت يوماً أن أعظه فوعظني»
.
وفي قوله تعالى : «إِنَّ فِي ذَلِكَ َلآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ
»
، قال سلمة بن كهيل
: «كان أبو جعفر منهم»
.
وقال الحكم بن عتيبة
: «كان واللّه محمد بن علي منهم»
.
وفي دائرة المعاصرين للإمام الباقرعليهالسلام
، نجد بعض ذوي الزعامات الأُموية تعترف راغمة بصفات الكمال التي ميّزت شخصية الإمامعليهالسلام
، وعلى رأسهم هشام بن عبد الملك ، الذي قال له : واللّه ما جربت عليك كذباً
.
وخاطبه مرّة : يا محمد ، لا تزال العرب والعجم تسودها قريش ما دام فيها
__________________
مثلك
.
ومهما كان غرضه من هذا الكلام ، وسواء انطوى على المواربة السياسية أم التشدّق والرياء ، فانّه يعبّر عن حقيقة الإمامعليهالسلام
من ألدّ أعدائه ، ويسوق لنا الدليل على أنّه حظي بإكبار وتقدير طبقات المجتمع كلّها بمن فيهم الأعداء.
وخير الفضل ما شهدت به الأعداءُ
ويشاطر هشام في التعبير عن مناقب الإمام الباقرعليهالسلام
الفريدة ، عامل المدينة في زمان عبد الملك بن مروان حين كتب إليه عبد الملك : أن ابعث إليّ محمد بن علي مقيّداً.
فكتب إليه العامل وهو يعدّد أبرز خصالهعليهالسلام
: ليس كتابي هذا خلافاً عليك يا أمير المؤمنين ، ولا ردّاً لأمرك ، ولكن رأيت أن أراجعك في الكتاب نصيحة لك ، وشفقة عليك ، إنّ الرجل الذي أردته ليس اليوم على وجه الأرض أعفّ منه ولا أزهد ولا أورع منه ، وانّه من أعلم الناس ، وأرقّ الناس ، وأشدّ الناس اجتهاداً وعبادة ، وكرهت لأمير المؤمنين التعرّض له ، فإنّ اللّه لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم. فسرّ عبد الملك بما أنهى إليه الوالي ، وعلم أنّه قد نصحه
.
وإذا خرجنا عن دائرة المعاصرين لهعليهالسلام
، نصل إلى حقيقة إجماع كلّ من ترجم للباقرعليهالسلام
على تعظيمه وتقديره وإكباره.
قال أبو نعيم الأصفهاني المتوفّى سنة ٤٣٠ هـ في ترجمتهعليهالسلام
: «هو الحاضر الذاكر ، الخاشع الصابر ، أبو جعفر محمد بن علي الباقر ، كان من سلالة النبوة ،
__________________
وممّن جمع حسب الدين والأبوة ، تكلّم في العوارض والخطرات ، وسفح الدموع والعبرات ، ونهى عن المراء والخصومات»
.
وقال شمس الدين الذهبي ، المتوفّى سنة ٧٤٨ هـ : «أبو جعفر الباقر ، محمد بن علي بن الحسين ، الإمام الثبت الهاشمي العلوي المدني ، أحد الأعلام ، وكان سيد بني هاشم في زمانه»
.
وقال ابن كثير ، المتوفّى سنة ٧٧٤ هـ : هو أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب ، سمّي الباقر لبقره العلوم واستنباطه الحكم ، كان ذاكراً خاشعاً صابراً
.
من هنا نأتي إلى نبذة من الملكات القدسية والمناقب الفذّة التي تحلّى بها الإمام الباقرعليهالسلام
وورثها عن آبائه المعصومين:
:
١ ـ العلم :
اقترن اسم الإمام أبي جعفرعليهالسلام
بوصف (باقر العلم) ، للحديث الذي قدّمناه في الفصل الثاني ، والمروي عن جدّه المصطفىصلىاللهعليهوآلهوسلم
، فقد وصفه الصادق الأمين بالباقر لأنّه سيبقر العلم ، أي يتبحّر ويتوسّع فيه.
نبوغه العلمي :
منذ فجر حياة أبي جعفر الباقرعليهالسلام
كان مصداقاً لذلك النعت ، حيث بدت عليه مظاهر العلم والمعرفة والنبوغ من أيام طفولته ، وقد عرفه الناس بسعة الاطلاع والفضل وغزارة العلم ، فكانوا يرجعون إليه في كل
__________________
ما يستعصي من المسائل ، ووجّهت إليه أدقّ الأسئلة فأجاب عنها ولما يزل غلاماً يافعاً.
وأذكر في هذا المجال خبراً مفاده أنّ الباقرعليهالسلام
يوم كان صبياً يلازم أباه في مسجد جدّه رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
، سأل رجل عبد اللّه بن عمر المتوفّى ٧٣ هـ عن مسألة فلم يدرِ بما يجيبه ، فقال : اذهب إلى ذلك الغلام فسله وأعلمني بما يجيبك ، وأشار به إلى محمد بن علي الباقرعليهالسلام
، فأتاه الرجل فسأله فأجابه ، فرجع إلى ابن عمر فأخبره ، فقال ابن عمر : إنّهم أهل بيت مُفَهَّمُونَ
.
وأجابعليهالسلام
عن أسئلة دقيقة توجّه بها إليه طاوس اليماني
في الحرم ، وهو شاب حدث ، رواها أبان بن تغلب ، قال : «دخل طاوس اليماني إلى الطواف ومعه صاحب له ، فإذا هو بأبي جعفرعليهالسلام
يطوف أمامه وهو شاب حدث ، فقال طاوس لصاحبه : إنّ هذا الفتى لعالم. فلما فرغ من طوافه صلّى ركعتين ، ثم جلس وأتاه الناس ، فقال طاوس لصاحبه : نذهب إلى أبي جعفر ونسأله عن مسألة لا أدري عنده فيها شيء أم لا ، فأتياه فسلّما عليه ، ثم قال له طاوس : يا أبا جعفر ، هل تدري أيّ يوم مات ثلث الناس؟ فقال :يا أبا عبد الرحمن ، لم يمت ثلث الناس قط ، إنّما أردت أن تقول : متى هلك ربع الناس
؟ قال : وكيف ذلك؟ قال :وذلك يوم قتل قابيل هابيل ، كانوا أربعة : آدم وحواء وهابيل وقابيل ، فقتل قابيل هابيل ، فذلك ربع الناس
. قال :
__________________
صدقت»
.
وهناك أسئلة اُخرى مهمّة وجّهها إليه طاوس ، وأجاب عنها الإمامعليهالسلام
، وردت في رواية أبي بصير ، نختار بعضاً منها ، قال : قال طاوس : «فلم سُمّي آدم آدم؟ قال الإمامعليهالسلام
:لأنّه رفعت طينته من أديم الأرض السفلى
. قال : ولِمَ سُمّيت حواء حواء؟ قال :لأنّها خُلقت من ضلع حي
، يعني ضلع آدم. قال : فلِم سُمّي إبليس إبليس؟ قال :لأنّه أبلس من رحمة اللّه عزّوجلّ فلا يرجوها
. قال : فلِم سُمّي الجنّ جِنّاً؟ قال :لأنّهم استجنوا فلم يروا
.
قال : فأخبرني عن قوم شهدوا شهادة الحقّ وكانوا كاذبين؟ قال :المنافقون حين قالوا لرسول اللّه
صلىاللهعليهوآلهوسلم
: نشهد أنّك لرسول اللّه. فأنزل اللّه عزّوجلّ :
«إِذَاجَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ
»
.
قال : فأخبرني عن رسول بعثه اللّه تعالى ليس من الجن ، ولا من الإنس ، ولا من الملائكة ، ذكره اللّه تعالى في كتابه؟ قال :الغراب ، حين بعثه اللّه عزّوجلّ ليُري قابيل كيف يواري سوأة أخيه هابيل حين قتله ، قال اللّه عزّوجلّ :
«فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الاْءَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ
»
.
قال : فأخبرني عمّن أنذر قومه ليس من الجن ، ولا من الإنس ، ولا من الملائكة ، ذكره اللّه عزّوجلّ في كتابه؟ قال :النملة حين قالت :
«يَا أَيُّهَا النَّمْلُ
__________________
ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيَْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ
»
.
قال : فأخبرني عن شيء قليله حلال وكثيره حرام ، ذكره اللّه عزّوجلّ في كتابه؟ قال :نهر طالوت ، قال اللّه عزّوجلّ :
«إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ
»
.
قال : فأخبرني عن صلاة فريضة تُصلّى بغير وضوء ، وعن صوم لا يحجز عن أكل ولا شرب ، قال :أما الصلاة بغير وضوء فالصلاة على النبي وآله عليه و
:
، وأما الصوم فقول اللّه عزّوجلّ :
«إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً
»
.
قال : فأخبرني عن شيء يزيد وينقص ، وعن شيء يزيد ولا ينقص ، وعن شيء ينقص ولا يزيد؟ فقال الباقرعليهالسلام
:أما الشيء الذي يزيد وينقص فهو القمر ، والشيء الذي يزيد ولا ينقص هو البحر ، والشيء الذي ينقص ولا يزيد هو العمر
»
.
وفي مزاياهعليهالسلام
العلمية يقول الشاعر :
أضاء وجه العلم والرسوم
|
|
بنور وجه باقر العلوم
|
إذ هو شمس مشرق الحقائق
|
|
وبدره المشرق بالدقائق
|
وكعبة العلم ومستجارها
|
|
بل في فناء بابه قرارها
|
هو المدار في محيط المعرفه
|
|
به استدار كل اسم وصفه
|
وهو لسان اللّه في بيانه
|
|
وسرّه المودع في لسانه
|
__________________
قام بحمل راية الرساله
|
|
بمحكم البيان والدلاله
|
فطبق الأرض بلابتيها
|
|
بالعلم إشفاقاً بمَن عليها
|
أعلم أهل زمانه :
لا ريب كان الباقرعليهالسلام
أعلم أهل زمانه ، مثلما كان آباؤه:
كذلك ، وهو وريثهم:
في التصدّر للعلم ونشر الهداية ، ولم يظهر عن أحد في عصره ما ظهر عنه من علم الدين والقرآن والآثار والسنّة والسيرة وغيرها ، من هنا تسابق بقايا الصحابة وأئمّة التابعين وأكابر علماء الدين لينهلوا من نمير علمه وصافي فضله ، وهم يتصاغرون هيبة لعلمه وجلالته.
قال عبد اللّه بن عطاء المكي : ما رأيت العلماء عند أحد أصغر علماً منهم عند أبي جعفر ، ولقد رأيت الحكم بن عتيبة ـ مع جلالته في القوم ـ بين يديه كأنّه صبي بين يدي معلّمه
.
وهو اعتراف صريح بتفوّقه العلمي.
وعن أبي حمزة الثمالي : أن قتادة
حين التقى الإمام الباقرعليهالسلام
في مسجد جدّه رسول اللّه ، قال له الإمامعليهالسلام
: «من أنت؟ قال : أنا قتادة بن دعامة البصري.
__________________
قال :أنت فقيه أهل البصرة
؟ قال : نعم. فقال أبو جعفرعليهالسلام
:إنّ اللّه جلّ وعزّ خلق خلقاً من خلقه ، فجعلهم حججاً على خلقه ، فهم أوتاد في أرضه ، قوام بأمره ، نجباء في علمه ، اصطفاهم قبل خلقه أظلّة عن يمين عرشه.
فسكت قتادة طويلاً ، ثم قال : أصلحك اللّه ، واللّه لقد جلست بين يدي الفقهاء وقدام ابن عباس ، فما اضطرب قلبي قدام واحد منهم ما اضطرب قدامك. فقال له أبو جعفرعليهالسلام
:ويحك أتدري أين أنت؟! أنت بين يدي
«بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاة وَإِيتَاءِ الزَّكَوةِ
»
فأنت ثمَّ ، ونحن أولئك ، فقال له قتادة : صدقت واللّه ، جعلني اللّه فداك ، واللّه ما هي بيوت حجارة ولا طين»
.
وأقرّ رجال العلم والفكر الذين أدركوه ومن تبعهم بأنّه بقر العلوم بقراً ، وأصاب قلب الحكمة وعرف حقيقتها ، واتّفقت كلمتهم على أنّه أسمى شخصية علمية عرفها العالم الإسلامي في عصره.
روي عن معاوية بن عمار الدهني ، عن محمد بن علي الباقرعليهالسلام
في قول اللّه عزّوجلّ : «فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ
»
، قال : «نحن أهل الذكر
».
قال أبو زرعة : صدق محمد بن علي ، ولعمري ان أبا جعفر لمن أكبر
__________________
العلماء
.
وقال الأبرش بن الوليد الكلبي
بعد أن ناظر الإمام الباقرعليهالسلام
: «إنّ هذا أعلم أهل الأرض بما في السماء والأرض ، فهذا ولد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
»
.
وقال نافع مولى عبد اللّه بن عمر بعد أن ناظرهعليهالسلام
: «أنت واللّه أعلم الناس حقّاً»
.
وقال عالم النصارى بعد أن ناظره الإمام الباقرعليهالسلام
في بلاد الشام : «يا معشر النصارى ، ما رأيت أحداً قط أعلم من هذا الرجل»
.
وقال كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي ، المتوفّى سنة ٦٥٢ هـ : «هو باقر العلم وجامعه ، وشاهر علمه ورافعه ، ومتفوّق درّه وراضعه ، ومنمّق دره وواضعه ، صفا قلبه ، وزكا عمله ، وطهرت نفسه ، وشرفت أخلاقه ، وعمرت بطاعة اللّه أوقاته ، ورسخت في مقام التقوى قدمه ، وظهرت عليه سمات الازدلاف ، وطهارة الاجتباء ، فالمناقب تسبق إليه والصفات تشرف به»
.
وقال ابن خلّكان ، المتوفّى سنة ٦٨١ هـ : «كان الباقر عالماً ، سيّداً كبيراً ، وإنّما قيل له الباقر ، لأنّه تبقّر في العلم ، أي توسّع»
.
وقال ابن حجر الهيتمي المكّي ، المتوفّى سنة ٩٧٤ هـ : «أبو جعفر محمد
__________________
الباقر ، سُمّي بذلك من بقر الأرض ، أي شقّها وأثار مُخَبّآتها ومكامنها ، فلذلك هو أظهر من مُخَبّآت كنوز المعارف ، وحقائق الأحكام والحكم واللطائف ، ما لا يخفى إلاّ على منطمس البصيرة ، أو فاسد الطوية والسريرة»
.
وتسالم العلماء والفقهاء على الرجوع إلى رأيه في المسائل المعضلة والغامضة من أحكام الشريعة الإسلامية ومسائل العقائد المختلفة.
قال قيس بن ربيع : «سألت أبا إسحاق السبيعي عن المسح ـ يعني على الخفّين ـ فقال : أدركت الناس يمسحون ، حتّى لقيت رجلاً من بني هاشم لم أرَ مثله قط ، يقال له محمد بن علي بن الحسين ، فسألته عن المسح فنهاني عنه ، وقال :لم يكن أمير المؤمنين
عليهالسلام
يمسح
، وكان يقول :سبق الكتاب المسح على الخفّين
»
.
وسمع أبو جعفر المنصور عن الباقرعليهالسلام
حديث النداء من السماء باسم رجل من ولد فاطمة3
، فقال لسيف بن عميرة : «لولا أنني سمعته من أبي جعفر محمد ابن علي يحدّثني به ، وحدّثني به أهل الأرض كلهم ما قبلته منهم ، ولكنّه محمد ابن علي»
.
أجوبة واحتجاج :
روي عن الإمام الباقرعليهالسلام
المزيد من الأخبار المتعلّقة بالاحتجاج والأجوبة على تساؤلات في شتّى فروع العلم ، تميّزت بقوّة الحجّة والبرهان وسرعة البديهة ووضوح البيان ، وعكست مقدار ما يمتلك الإمامعليهالسلام
من أفق
__________________
معرفي واسع ، بما يقدّمه من قراءات صحيحة لقضايا معضلة.
عن أبي حمزة الثمالي : أنّ قتادة بن دعامة البصري أقبل إلى مسجد رسول اللّه وكان قد هيّأ أربعين مسألة يسأل عنها أبا جعفرعليهالسلام
، منها ، قال قتادة : «فأخبرني عن الجبن ، قال : فتبسّم أبو جعفرعليهالسلام
ثم قال :رجعت مسائلك إلى هذا؟
قال : ضلّت علي ، فقال : لا بأس به. فقال : إنّه ربّما جعلت فيه أنفحة الميت.
قال :ليس بها بأس ، إنّ الأنفحة ليس لها عروق ، ولا فيها دم ، ولا لها عظم ، إنّما تخرج من بين فرث ودم ، ثم قال : وإنّما الأنفحة بمنزلة دجاجة ميتة أخرجت منها بيضة ، فهل تؤكل تلك البيضة
؟ فقال قتادة : لا ، ولا آمر بأكلها. فقال له أبو جعفرعليهالسلام
:ولِمَ
؟ فقال : لأنّها من الميتة. قال له :فإن حضنت تلك البيضة فخرجت منها دجاجة ، أتأكلها؟ قال : نعم. قال : فما حرم عليك البيضة ، وحلّل لك الدجاجة؟ ثم قال
عليهالسلام
: فكذلك الأنفحة مثل البيضة ، فاشتر الجبن من أسواق المسلمين من أيدي المصلّين ، ولا تسأل عنه إلاّ أن يأتيك من يخبرك عنه
»
.
وروي عن جعفر بن محمد الصادقعليهالسلام
قال : «جاء رجل من الشام
،وسأل أبا جعفر
عليهالسلام
عن بدو خلق البيت؟ فقال
عليهالسلام
: إنّ اللّه تعالى لما قال
للملائكة :
«إِنِّي جَاعِلٌ فِي الاْءَرْضِ خَلِيفَةً
»فردّوا عليه بقولهم :
«أَتَجْعَلُ فِيهَا
»
إلى قوله :
«وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ
»فعلموا أنّهم وقعوا في الخطيئة ،
__________________
فعاذوا بالعرش ، فطافوا حوله سبعة أشواط ، يسترضون ربّهم عزّوجلّ ، فرضي عنهم ، وقال لهم : اهبطوا إلى الأرض ، فابنوا لي بيتاً يعوذ به من أذنب من عبادي ، ويطوف حوله كما طفتم حول عرشي ، فأرضى عنهم كما رضيت عنكم. فبنوا هذا البيت.
فقال له الرجل : صدقت يا أبا جعفر ، فما بدو هذا الحجر؟ قال : إنّ اللّه تعالى لما أخذ ميثاق بني آدم ، أجرى نهراً أحلى من العسل وألين من الزبد ، ثم أمر القلم فاستمدّ من ذلك النهر ، وكتب إقرارهم وما هو كائن إلى يوم القيامة ، ثم ألقم ذلك الكتاب هذا الحجر ، فهذا الاستلام الذي ترى ، إنّما هو بيعة على إقرارهم ، وكان أبي إذا استلم الركن قال : اللّهمّ أمانتي أدّيتها ، وميثاقي تعاهدته ، ليشهد لي عندك بالوفاء. فقال الرجل : صدقت يا أبا جعفر ، ثم قام ، فلما ولّى قال الباقر لابنه الصادقعليهماالسلام
: اردده علي ، فتبعه إلى الصفا فلم يره ، فقال الباقر
عليهالسلام
: أراه الخضر
»
.
وروى حريز ، عن ياسين ، أنّه أوصى رجل بألف درهم للكعبة ، فجاء الوصي إلى مكّة وسأل ، فدلّوه إلى بني شيبة ، فأتاهم فأخبرهم الخبر ، فقالوا له : برئت ذمّتك ، ادفعه إلينا. فقال الناس : سل أبا جعفر ، فسأله ، فقالعليهالسلام
: «إنّ الكعبة غنية عن هذا ، انظر إلى من زار هذا البيت فقطع به ، أو ذهبت نفقته ، أو ضلّت راحلته ، أو عجز أن يرجع إلى أهله ، فادفعها إلى هؤلاء
»
.
وعن علي بن محمد بن القاسم العلوي أنّه سأل أبا جعفرعليهالسلام
عن آدم حيث
__________________
حجّ ، بم حلق رأسه ، ومن حلقه؟ فقال : «نزل جبرئيل عليه بياقوتة من الجنّة ، فأمرّها على رأسه فتناثر شعره
»
.
٢ ـ العبادة :
كان الإمام الباقرعليهالسلام
مثلاً أعلى في العبادة والورع والتقوى ، شأنه شأن آبائه المعصومين:
، أولئك الذوات المقدسة الذين ذابوا في حبّ اللّه وانقطعوا إليه ، لنيل رضوانه ورجاء الزلفى لديه.
وقد جاء عن الإمام الباقرعليهالسلام
جملة توصيات في موارد العبادة المختلفة ، فأكّد على الجانب الأخلاقي فيها ، فخير العبادة ما اقترن بالورع عن المحارم وعفّة البطن والفرج ، قال الباقرعليهالسلام
: «إنّ أشدّ العبادة الورع
»
.
وقالعليهالسلام
: «ما من عبادة أفضل من عفّة بطن أو فرج
»
.
وحثّ على حضور القلب في الصلاة ، وأداء النوافل ، فقالعليهالسلام
: «إنّ العبد ليرفع له من صلاته نصفها وثلثها وربعها وخمسها ، فما يرفع له إلاّ ما أقبل عليه بقلبه ، وإنّما أُمروا بالنوافل ليتمّ لهم ما نقصوا من الفريضة
»
.
وفي سيرته العملية ، كان الإمام الباقرعليهالسلام
يحيي ليله قياماً وتضرّعاً إلى بارئه ، وهو في محراب عبادته ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيهعليهماالسلام
، أنّه كان في جوف الليل يقول : «أمرتني فلم أئتمر ، وزجرتني فلم أزدجر ، فها أنا عبدك
__________________
بين يديك ولا أعتذر
»
.
وعرف الإمام الباقرعليهالسلام
بكثرة الصلاة ، ولم يثنِه عنها كثرة مشاغله في الوسط العلمي والاجتماعي ، قال أبو يعقوب البزّار : رأيت على أبي جعفر محمد ابن علي إزاراً أصفر ، وكان يصلّي كل يوم وليلة خمسين ركعة بالمكتوبة
.
وعن عبد اللّه بن محمد بن عقيل : بلغنا أنّ أبا جعفر كان يصلّي في اليوم والليلة مئة وخمسين ركعة
.
وكانعليهالسلام
يطيل السجود ، ويتّجه بخالص قلبه نحو ربّه ، فيناجيه منقطعاً إليه ، طاعة للّه عزّوجلّ ، وتجسيداً لحقيقة العبودية.
عن أبي عبد اللّهعليهالسلام
قال : «إنّي كنت أُمهِّد لأبي فراشه ، فانتظره حتى يأتي ، فإذا أوى إلى فراشه ونام قمت إلى فراشي ، وإنّه أبطأ علي ذات ليلة ، فأتيت المسجد في طلبه ، وذلك بعد ما هدأ الناس ، فإذا هو في المسجد ساجد ، وليس في المسجد غيره ، فسمعت حنينه وهو يقول : سبحانك اللّهمّ أنت ربّي حقّاً حقّاً ، سجدت لك يا رب تعبّداً ورقّاً ، اللّهمّ إنّ عملي ضعيف فضاعفه لي ، اللّهمّ قني عذابك يوم تبعث عبادك ، وتب علي ، إنّك أنت التوّاب الرحيم
»
.
وعن جعفر بن محمدعليهماالسلام
قال : «كان أبي يصلّي في جوف النهار ،
__________________
فيسجد السجدة فيطيل السجود حتّى يقال إنّه راقد
»
.
وكانعليهالسلام
في أكثر أوقاته وفي جميع حالاته ، لا يفتر لسانه عن ذكر اللّه سبحانه ، ويأمر أهله بالقراءة والذكر ، روى ابن القداح ، عن أبي عبد اللّهعليهالسلام
، قال : «كان أبي
عليهالسلام
كثير الذكر ، لقد كنت أمشي معه وانّه ليذكر اللّه ، وآكل معه الطعام وانّه ليذكر اللّه ، ولقد كان يحدّث القوم وما يشغله ذلك عن ذكر اللّه ، وكنت أرى لسانه لازقاً بحنكه يقول : لا إله إلاّ اللّه ، وكان يجمعنا فيأمرنا بالذكر حتّى تطلع الشمس ، ويأمر بالقراءة من كان يقرأ منّا ، ومن كان لا يقرأ منّا أمره بالذكر
»
.
البكاء العبادي :
ونلمس عند الإمام الباقرعليهالسلام
امتداداً لظاهرة البكاء ، تلك الظاهرة التي تكاد تستحوذ على حياة أبيهعليهالسلام
، المعروف بالبكّاء ، لكثرة نشيجه وبكائه ، نتيجة الألم الذي يعتصر قلبه الزكي ، ليس فقط لفجيعته بأبيه وأخوته الذين رآهم يقتلون رأي العين في ساحة المواجهة مع الجبروت الأُموي ، بل لفجيعته برموز التغيير والنهضة والإصلاح في واقع الأُمّة.
وفي فضاء محموم بالظلم والإرهاب ، كانت دموعه التي يرسلها ساخنة ، هي المتنفّس الوحيد للتعبير عن عمق ألمه ومرارته ، وكانت أيضاً رسالة ناطقة لاستنهاض وجدان الأُمّة ، وشحذ همّتها ، وتذكيرها بالجريمة النكراء التي ارتكبها عتاة بني أُمية بحقّ سبط النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
، وسيد شباب أهل الجنّةعليهالسلام
.
وعليه فلا ريب أن نجد آثار تلك الظاهرة تمتد إلى الإمام الباقرعليهالسلام
، سيما
__________________
في جانبها العبادي ، ولا يخفى أنّ البكاء هو تجسيد لخشية المؤمن وطاعته لربّه ، وذوبانه في حبّه ، سيّما إذا كان صادراً عن قلب مخلص متعلّق بخالقه.
عن خالد بن أبي الهيثم ، عن محمد بن علي بن الحسين:
، قال : «ما اغرورقت عين بمائها من خشية اللّه تعالى إلاّ حرّم اللّه وجه صاحبها على النار ، فإن سالت على الخدّين لم يرهق وجهه قتر ولا ذلّة ، وما من شيء إلاّ له جزاء إلاّ الدمعة ، فإن اللّه يكفّر بها بحور الخطايا ، ولو أنّ باكياً بكى في أُمّة لحرّم اللّه تلك الأُمّة على النار
»
.
من هنا كان الإمام الباقرعليهالسلام
يبكي في الحجّ بمجرّد أن يدخل المسجد الحرام تضرّعاً وخشوعاً للّه سبحانه ، وحين ينفتل من صلاته يبتلّ موضع سجوده من الدموع ، قال أفلح مولى الإمام الباقرعليهالسلام
: «خرجت مع محمد بن عليعليهماالسلام
حاجّاً ، فلما دخل المسجد الحرام نظر إلى البيت فبكى حتى علا صوته ، فبكى الناس لبكائه ، فقلت : بأبي وأُمّي إنّ الناس ينظرون إليك ، فلو رفقت بنفسك قليلاً. فقال :ويحك! لِمَ لا أبكي؟! لعلّ اللّه ينظر إليّ برحمة منه فأفوز بها عنده غداً
. قال : ثم طاف بالبيت حتى جاء فركع عند المقام ، ورفع رأسه من سجوده ، فإذا موضع سجوده مبتلّ كلّه من دموعه»
.
__________________
الدعاء :
وثمّة مظهر عبادي آخر نلمسه في حياة إمامنا الباقرعليهالسلام
، وهو الدعاء ، مخّ العبادة وسلاح الأنبياء ، إذ تتوطّد به دعائم الصلة بين العبد وخالقه ، لأنّ اللّه تعالى قد أذن للإنسان بالدعاء وتكفّل له بالإجابة.
سار الإمام الباقر على خطى أبيه السجّادعليهماالسلام
الذي عاش في مرحلة فرضت عليه أن يتّخذ من الدعاء والتضرّع والمناجاة منهجاً لتعليم العقائد ، وبلورة الفكر الإسلامي ، وإرساء المفاهيم الأخلاقية التربوية ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وذلك في مجموعة صحائف هي بمثابة زبور آل محمد:
.
من هنا دعا الإمام الباقرعليهالسلام
إلى ربط الإنسان المسلم بربّه ، من خلال كشف ما يترتّب على الدعاء من ثمار طيّبة يجتنيها الإنسان في الدنيا والآخرة ، كدفع البلاء ونيل المحبّة والرضوان. قال أبو جعفرعليهالسلام
: «ما من شيء أحبّ إلى اللّه عزّوجلّ من أن يسأل ، وما يدفع القضاء إلاّ الدعاء
»
.
وعنهعليهالسلام
: «إنّ اللّه تعالى يحبّ من عباده المؤمنين كلّ دعّاء
»
.
وقالعليهالسلام
: «إنّ اللّه كره إلحاح الناس بعضهم على بعض في المسألة ، وأحبّ ذلك لنفسه ، إنّ اللّه جلّ ذكره يحبّ أن يُسأل ويُطلب ما عنده
»
.
وقد أثرت عن الإمام الباقرعليهالسلام
المزيد من الأدعية في مجال العبادة كالأذكار والقنوتات والتعقيبات التي تكشف عن تمسّكهعليهالسلام
بطاعة اللّه وعظيم إنابته إليه ،
__________________
وأخرى في مجال العقائد تشعّ منها معاني التوحيد ومختلف دروس العقيدة ، وأدعية في مجال التربية الأخلاقية وشدّ الناس باللّه تعالى وتذكيرهم بعظمته وجبروته ، وتحذيرهم من الكفر به وتجاوز حدوده ، وأدعية في مواقف ومواطن شتّى كأيّام الأسبوع وطلب الحاجات والمهمّات والأحراز عند المرض وعند النوم وبعد الطعام وغيرها.
ومن أمثلة أدعيته في مجال العبادة ، دعاؤه عند السجود ، رواه أبو عبيدة الحذّاء ، قال : «سمعت أبا جعفرعليهالسلام
يقول وهو ساجد :أسألك بحقّ حبيبك محمد إلاّ بدّلت سيئاتي حسنات ، وحاسبتني حسابا يسيرا.
ثم قال في الثانية :أسألك بحقّ حبيبك محمد إلاّ كفيتني مؤونة الدنيا وكل هول دون الجنّة. ثم قال في الثالثة : أسألك بحقّ حبيبك محمد لمّا غفرت لي الكثير من الذنوب والقليل ، وقبلت من عملي اليسير. ثم قال في الرابعة : أسألك بحقّ حبيبك محمد لمّا أدخلتني الجنّة ، وجعلتني من سكّانها ، ولما نجّيتني من سفعات النار برحمتك»
.
ومن دعاء لهعليهالسلام
عقيب صلاة الليل : «لا إله إلاّ اللّه ، وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت ويميت ويحيي ، وهو حي لا يموت ، بيده الخير ، وهو على كل شيء قدير ، اللهمّ لك الحمد يا رب ، أنت نور السماوات والأرض فلك الحمد يا رب ، وأنت قوّام السماوات والأرض فلك الحمد ، وأنت جمال السماوات والأرض فلك الحمد ، وأنت زين السماوات والأرض فلك الحمد ، وأنت صريخ المستصرخين فلك الحمد ، وأنت غياث المستغيثين فلك الحمد ، وأنت مجيب دعوة المضطرين ، فلك الحمد وأنت أرحم الراحمين.
__________________
اللّهمّ بك تنزل كل حاجة فلك الحمد ، وبك يا إلهي أنزلت حوائجي الليلة فاقضها يا قاضي الحوائج ، اللّهمّ أنت الحقّ ، وقولك الحقّ ، ووعدك الحقّ ، وأنت مليك الحقّ ، أشهد أنّ لقاك حقّ ، وأنّ الجنّة حقّ والنار حقّ ، والساعة حقّ آتية لا ريب فيها ، وأنّك تبعث من في القبور.
اللّهمّ لك أسلمت ، وبك آمنت ، وعليك توكّلت ، وبك خاصمت ، وإليك يا ربّ حاكمت ، فاغفر لي ما قدّمت وما أخّرت ، وما أسررت وما أعلنت ، أنت الحي القيوم لا إله إلاّ أنت»
.
ومن أدعيتهعليهالسلام
في المجال العقيدي قوله : «الحمد للّه الذي منّ علينا ووفّقنا لعبادته ، الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفواً أحد ، وجنّبنا عبادة الأوثان ، حمداً سرمداً وشكراً واصباً»
.
ومن دعاء لهعليهالسلام
، وكان يسمّيه الجامع ، رواه عنه أبو حمزة الثمالي :
« بسم اللّه الرحمن الرحيم
أشهد أن لا إله إلاّ اللّه ، وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله ، آمنت باللّه وبجميع رسل اللّه ، وبجميع ما أرسل به رسل اللّه ، وأنّ وعد اللّه حقّ ، ولقاءه حقّ ، وصدق اللّه وبلّغ المرسلون ، والحمد للّه ربّ العالمين ، وسبحان اللّه كلّما سبّح اللّه شيء ، وكما يحبّ اللّه أن يسبّح ، والحمد للّه كلّما حمد اللّه شيء ، وكما يحبّ اللّه أن يحمد ، ولا إله إلاّ اللّه كلّما هلّل اللّه شيء ، وكما يحبّ اللّه أن يهلّل ، واللّه أكبر كلّما كبّر اللّه شيء ،
__________________
وكما يحبّ اللّه أن يكبّر
»
.
ولهعليهالسلام
من أدعيته القصيرة ما رواه الجاحظ : «اللّهمّ أعنّي على الدنيا بالغنى ، وعلى الآخرة بالتقوى
»
.
ولهعليهالسلام
دعاء حين يخرج من منزله ، رواه أبو حمزة الثمالي ، وهو في كفاية المهمّات ، قالعليهالسلام
في فضله : ما تكلم به أحد قط إلاّ كفاه اللّه ما أهمّه من أمر دنياه وآخرته ، ولفظه : «بسم اللّه ، حسبي اللّه ، توكّلت على اللّه ، اللّهمّ إنّي أسألك خير أُموري كلّها ، وأعوذ بك من خزي الدنيا وعذاب الآخرة
»
.
وآخر رواه عبد اللّه بن عبد الرحمن ، عنهعليهالسلام
، قال : قال لي : «ألا أعلمك دعاءً تدعو به ، إنّا أهل البيت إذا كربنا أمر ، وتخوّفنا من السلطان أمر لا قبل لنا به ، ندعو به
. قلت : بلى بأبي أنت وأمي ، يا بن رسول اللّه. قال :قل : يا كائناً قبل كل شيء ، ويا مكوّن كلّ شيء ، ويا باقي بعد كلّ شيء ، صلِّ على محمد وآل محمد ، وافعل بي كذا وكذا
»
.
ومن دعائه بعد الطعام ، عن الصادقعليهالسلام
، قال : «كان أبي يقول : الحمد للّه الذي أشبعنا في جائعين ، وأروانا في ظامين ، وآوانا في ضاحين ، وحملنا في راجلين ، وآمننا في خائفين ، وأخدمنا في عانين
»
.
__________________
٣ ـ الزهد :
أما زهد الإمام الباقرعليهالسلام
في الحياة الدنيا ، وتجرّده عن كل نزعة مادية أو ذاتية ، فتشير كل تفاصيل حياته أنّه كان أزهد أهل زمانه وأورعهم وأتقاهم.
يقول ابن حجر الهيتمي : وله من الرسوم في مقامات العارفين ، ما تكلّ عنه ألسنة الواصفين ، وله كلمات كثيرة في السلوك والمعارف لا تحتملها هذه العجالة
.
وقد أفرد الشيخ الصدوق ، كتاباً في زهده ، سمّاه كتاب زهد أبي جعفرعليهالسلام
.
وكانعليهالسلام
يحث أصحابه ويحدثهم بضرورة العمل بمقتضيات الزهد في الدنيا ، منها إخلاص الإيمان ، وإدامة الذّكر سيما ذكر الموت ، وقصر الأمل ، وغايته هدايتهم وتهذيب أخلاقهم ، قالعليهالسلام
: «لا زهد كقصر الأمل
»
.
وعن أبي عبيدة الحذاء ، قال : قلت لأبي جعفرعليهالسلام
: «حدثني بما أنتفع به. فقال : يا أبا عبيدة ، أكثر ذكر الموت ، فإنّه لم يكثر إنسان ذكر الموت إلاّ زهد في الدنيا
»
.
وقالعليهالسلام
: «ما أخلص العبد الإيمان باللّه عزّوجلّ أربعين يوماً إلاّ زهده اللّه عزّوجلّ في الدنيا ، وبصره داءها ودواءها ، فأثبت الحكمة في قلبه ،
__________________
وأنطق بها لسانه
»
.
ومن خصائصهعليهالسلام
أنه كان ذا قلب محزون ، مشغول عما في الدنيا ، لم يحفل بمظاهر الحياة الفانية ونعيمها الزائل ، بل امتلأت آفاق قلبه بخالص دين اللّه ، واتجه بكلّ عواطفه إلى اللّه سبحانه ، ليس له همّة إلاّ لقاءه ، رغبة فيما أعدّه له في دار الخلود من الرضوان والنعيم والكرامة ، ويترجم الإمامعليهالسلام
ذلك خلال وصيته إلى تلميذه جابر الجعفي ، في ذم الدنيا وحث السالكين سبيل الهدى كي يسيروا في طريق المتّقين الصادقين في إدراك الآخرة والعمل لها ما وسعهم ذلك.
قال جابر : «خرجعليهالسلام
يوماً وهو يقول : أصبحت واللّه يا جابر محزوناً مشغول القلب. فقلت : جعلت فداك ، ما حزنك وشغل قلبك ، كل هذا على الدنيا؟ فقالعليهالسلام
: لا يا جابر ، ولكن حزن همّ الآخرة. يا جابر ، من دخل قلبه خالص حقيقة الإيمان شغل عما في الدنيا من زينتها ، إن زينة زهرة الدنيا ، إنّما هو لعب ولهو ، وإنّ الدار الآخرة لهي الحيوان. يا جابر ، إن المؤمن لا ينبغي له أن يركن ويطمئن إلى زهرة الحياة الدنيا.
واعلم أن أبناء الدنيا هم أهل غفلة وغرور وجهالة ، وأن أبناء الآخرة هم المؤمنون العاملون الزاهدون ، أهل العلم والفقه ، وأهل فكرة واعتبار واختيار ، لا يملون من ذكر اللّه.
واعلم يا جابر أن أهل التقوى هم الأغنياء ، أغناهم القليل من الدنيا ، فمؤونتهم يسيرة ، إن نسيت الخير ذكروك ، وإن عملت به أعانوك ، أخروا شهواتهم ولذاتهم خلفهم ، وقدموا طاعة ربهم أمامهم ، ونظروا إلى سبيل الخير ، وإلى ولاية أحباء اللّه ، فأحبوهم وتولوهم واتبعوهم. فانزل نفسك
__________________
من الدنيا كمثل منزل نزلته ساعة ثم ارتحلت عنه ، أو كمثل مال استفدته في منامك ففرحت به وسررت ، ثم انتبهت من رقدتك وليس في يدك شيء.
وإني إنما ضربت لك مثلاً لتعقل وتعمل به إن وفقك اللّه له. فاحفظ يا جابر ما أستودعك من دين اللّه وحكمته ، وانصح لنفسك ، وانظر ما اللّه عندك في حياتك ، فكذلك يكون لك العهد عنده في مرجعك.
وانظر فإن تكن الدنيا عندك على غير ما وصفت لك فتحول عنها إلى دار المستعتب اليوم ، فلرب حريص على أمر من أمور الدنيا قد ناله ، فلما ناله كان عليه وبالاً وشقي به ، ولرب كاره لأمر من أمور الآخرة قد ناله فسعد به»
.
ومما جاء عن معالي أخلاقهعليهالسلام
وشدة ورعه أنه كان اذا ضحك قال : «اللهمّ لا تمقتني
»
.
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أنه إذا كان الإمامعليهالسلام
زاهداً ، فإنّما يستن بسنة جده المصطفى ، ويتبع منهاج آبائه الكرام:
، ولم يكن زهده بالمعنى الصوفي أو الرهباني ، الذي يعزله عن التمتع بزينة الحياة ، ويقطعه عن لقاء الناس ، بل هو إمام منفتح على الواقع بكل تفاصيله ، وله مرجعية واسعة ومهام
__________________
جسيمة ، على رأسها رفع منار العلم والنهوض بالواقع المعرفي للأمة ، فلا يمكن أن يحجر نفسه في خانة المتصوفة ، كما يدعي بعض المتصوفة
، أو يتخذ من الزهد نظاماً يحكم حياته.
وهناك المزيد من الأخبار تدل على ما ذكرناه ، منها رواية الحكم بن عتيبة ، قال : «دخلت على أبي جعفرعليهالسلام
وهو في بيت منجد ، وعليه قميص رطب وملحفة مصبوغة ، قد أثر الصبغ على عاتقه ، فجعلت أنظر إلى البيت وأنظر إلى هيئته ، فقال : يا حكم ،ما تقول في هذا
؟ فقلت : وما عسيت أن أقول وأنا أراه عليك؟
وأما عندنا فانما يفعله الشاب المُرِهْقُ ، فقال لي :يا حكم
«مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ
»
وهذا مما أخرج اللّه لعباده ، فأما هذا البيت الذي ترى فهو بيت المرأة ، وأنا قريب العهد بالعرس ، وبيتي البيت الذي تعرف
»
.
وعن الحسن الزيات ، قال : «دخلت على أبي جعفر
عليهالسلام
في بيت منجد ، ثم عدت إليه من الغد وهو في بيت ليس فيه إلاّ حصير ، وعليه قميص غليظ ، فقال : البيت الذي رأيته ليس بيتي ، انما هو بيت المرأة ، وكان أمس يومها
»
.
وروي أنهعليهالسلام
كان يتأنق بملبسه ، قال زرارة : «رأيت على أبي جعفر
عليهالسلام
__________________
ثوباً معصفراً ، فقال :إني تزوجت امرأة من قريش
»
.
وعن جراح المدائني ، عن أبي جعفرعليهالسلام
، قال :«إنا نلبس المعصفرات والمضرجات
»
.
وعن أبي الجارود ، قال : كان أبو جعفرعليهالسلام
«يلبس المعصفر والمنيّر»
.
٤ ـ الكرم :
البذل والعطاء والجود خصال بارزة في سيرة أئمتنا المعصومين:
، وكان الإمام أبو جعفرعليهالسلام
من أندى الناس كفاً ، وأسمحهم يداً ، لايردّ سائلاً ، ولا يخيب مؤملاً. قال الشيخ المفيد : وكان ـ مع ما وصفناه به من الفضل في العلم والسؤدد والرئاسة والإمامة ـ ظاهر الجود في الخاصة والعامة ، مشهور الكرم في الكافة ، معروفاً بالفضل والاحسان مع كثرة عياله وتوسط حاله
.
ولم يكنعليهالسلام
يمارس الإحسان والجود وحسب ، بل كان يدعو كثيراً إلى العطاء ويمتدح أهل المعروف ، ويبين فضلهم في الدنيا والآخرة ، وكأنه يريد أن يجعله منهجا وسلوكاً للسائرين في طريقه ، فمن كلامهعليهالسلام
في هذا الاتجاه : «إن من أحب عباد اللّه إلى اللّه ، لمن حبب إليه المعروف ، وحبب إليه فعاله
»
.
__________________
وقيل لهعليهالسلام
: أتعرف شيئاً خيراً من الذهب؟ قال : «نعم ، معطيه
»
.
وقالعليهالسلام
: «إن اللّه جعل للمعروف أهلا من خلقه ، حبب إليهم المعروف وحبب إليهم فعاله ، ووجه لطلاب المعروف الطلب إليهم ، ويسر لهم قضاءه ، كما يسر الغيث للأرض المجدبة ليحييها ويحيي أهلها ، وان اللّه جعل للمعروف أعداء من خلقه بغّض إليهم المعروف ، وبغض إليهم فعاله ، وحظر على طلاب المعروف التوجه إليهم ، وحظر عليهم قضاءه ، كما يحظر الغيث عن الأرض المجدبة ليهلكها ويهلك أهلها ، وما يعفو اللّه عنه أكثر
»
.
وعن جابر الجعفي ، قال : «دخل رجل على أبي جعفر الباقرعليهالسلام
، فقال له : عافاك اللّه ، اقبض مني هذه الخمس مئة درهم ، فإنها زكاة مالي. فقال له أبوجعفرعليهالسلام
:خذها أنت فضعها في جيرانك من أهل الإسلام والمساكين من إخوانك المسلمين
»
.
ويرتفع الإمام الباقرعليهالسلام
بالتكافل إلى مقام العبادة ، بل ويضاهي بعض العبادات ويفوقها ثوابا ، وهو مثل رائع في تنمية روح التضامن والتكافل في مجتمع يسوده التفاوت الطبقي بسبب ظروف المقاطعة ، واحتكار بيت المال في دائرة البلاط الضيقة ، التي تمارس قطع الأرزاق كعقوبة لمخالفيها في الرأي.
قالعليهالسلام
: «واللّه لأن أحج حجة أحب إليَّ من أن أعتق رقبة ورقبة ورقبة ومثلها ومثلها
حتى بلغ عشراً ،ومثلها ومثلها
حتى بلغ السبعين ،ولأن أعول أهل بيت من المسلمين أسدّ جوعتهم ، وأكسو عورتهم ، وأكف وجوههم
__________________
عن الناس ، أحب إليَّ من أن أحج حجة وحجة وحجة ومثلها
ومثلها
حتى بلغ عشراً ،ومثلها ومثلها
حتى بلغ السبعين»
.
وفي هذا الصدد ، كانعليهالسلام
يسعى إلى تربية شيعته وأتباعه من المؤمنين على أرقى نماذج التعامل الإسلامي فيما بينهم ، فيضرب لهم مثلاً أعلى في التكافل والتضامن ، لأجل التخفيف عن كاهل الأمة التي يرهقها الظلم والجور الذي تصبّه السياسة الأموية على قطاعات واسعة من جماهير الأمة ، سيما أتباع أهل البيت:
.
عن الوصافي ، قال : «كنا عند أبي جعفر محمد بن علي يوماً ، فقال لنا :أيدخل أحدكم يده في كم أخيه ـ أو قال في كيسه ـ فيأخذ حاجته؟
قال : قلنا : لا. قال :فلستم أذن باخوان كما تزعمون
. وفي رواية :أنتم أخدان ، ولستم باخوان
»
.
وفي رواية الكافي ، فقال أبو جعفرعليهالسلام
: «فلا شيء اذا
، قلت : فالهلاك اذا؟ وقال :إنّ القوم لم يعطوا أحلامهم بعد
»
.
وعن الحجاج بن أرطاة حين سألهعليهالسلام
: أيدخل أحدكم يده في كم أخيه ...قلت : أما هذا فلا. فقال : «أما لو فعلتم ما احتجتم
»
.
ولا ريب أن الإمامعليهالسلام
يريد بهذا البيان أن يربي أصحابه على المواساة في
__________________
المال ، وهي أرفع المكارم وأعلى المقامات ، وفي الوقت نفسه أشدّ الأعمال على الإنسان الذي جبل على حبّ المال وانشدّ إلى عالمه المادي ، إلاّ أولئك الذين بلغوا درجات من الكمال والإيمان تؤهلهم للزهد بالمال وعدم الاكتراث به.
روي عن أبي جعفرعليهالسلام
أنه قال : «أشد الأعمال ثلاثة : ذكر اللّه على كل حال ، وإنصافك الناس من نفسك ، ومواساة الإخوان في المال
»
.
وعلى الصعيد العملي كان من سجايا الإمام الباقرعليهالسلام
صلة الإخوان وإدخال السرور عليهم ، والإحسان والبذل والتصدق على ذوي الفاقة ، قال الشيخ المفيد : «كان لا يملّ من صلة إخوانه وقاصديه ومؤمليه وراجيه»
.
ولعل القيمة الموضوعية لبِرِّ الإمامعليهالسلام
وصدقاته الجارية تكون أكثر وقعاً إذا عرفنا أنهعليهالسلام
كان متوسط الحال كثير العيال ، ولم يكن من ذوي الثروة والمال.
عن أبي عبد اللّهعليهالسلام
، قال : «كان أبي
عليهالسلام
أقلّ أهل بيته مالاً ، وأعظمهم مؤنة ، قال : وكان يتصدق كل جمعة بدينار ، وكان يقول : الصدقة يوم الجمعة تضاعف لفضل الجمعة على غيره من الأيام
»
.
وعن الصادق : أن أباهعليهماالسلام
تصدق على فقراء أهل المدينة بثمانية آلاف دينار
.
وحكت سلمى مولاة أبي جعفرعليهالسلام
أنه كان يدخل عليه بعض إخوانه ،
__________________
فلا يخرجون من عنده حتى يطعمهم الطيب ، ويكسوهم الثياب الحسنة في بعض الأحيان ، ويهب لهم الدراهم ، فكنت أكلمه في ذلك ، لكثرة عياله وتوسط حاله ، فيقول : «يا سلمى ، ما حسنة الدنيا إلاّ صلة الإخوان والمعارف
. وكان يصل بالخمس مئة درهم ، وبالست مئة ، وبالألف درهم»
.
وعن سليمان بن قرم ، قال : كان أبو جعفر محمد بن عليعليهماالسلام
يجيزنا بالخمس مئة درهم ، إلى الست مئة ، إلى الألف درهم
.
وعن عمرو بن دينار وعبد اللّه بن عبيد ، أنهما قالا : «ما لقينا أبا جعفر محمد ابن عليعليهماالسلام
إلاّ وحمل إلينا النفقة والصلة والكسوة ، ويقول : هذه معدّة لكم قبل أن تلقوني»
.
وقال الحسن بن كثير : «شكوت إلى أبي جعفرعليهالسلام
جور الزمان وجفاء الإخوان ، فقال :بئس الأخ أخ يرعاك غنياً ويجفوك فقيراً
. ثم أمر غلامه فأخرج كيساً فيه سبع مئة درهم ، فقال :استعن بهذه على الوقت ، فإذا فرغت فأعلمني
»
.
وثمة موقف تربوي في العطاء والبذل يسجله الإمام الباقرعليهالسلام
، في حفظ كرامة السائل وحرمته في داره ، وعدم الحط من شأن الفقراء ، قال الجاحظ :
__________________
وكان محمد بن علي الباقر اذا رأى مبتلى أخفى الاستعاذة ، وكان لا يسمع من داره للسائل : بورك فيك ، ولا ياسائل خذ هذا ، وكان يقول :سمّوهم بأحسن أسمائهم
»
.
وفي هذا الاتجاه يقولعليهالسلام
: «اعلم أن طالب الحاجة لم يكرم وجهه عن مسألتك ، فأكرم وجهك عن رده
»
.
ويتسع العطاء لديهعليهالسلام
ليشمل الرفق بسائر المخلوقات ، يقولعليهالسلام
: «من سقى كبدا حرى من بهيمة أو غيرها أظلّه اللّه يوم لا ظل إلاّ ظلّه
»
.
عتق المماليك :
كان الرقّ ظاهرة متفشية في الوسط الاجتماعي آنداك ، وكان يُنظر إلى العبيد نظرة ازدراء واحتقار ، وبحكم النظام الاجتماعي القائم ، أصبح العبيد محكومين من قبل ساداتهم لايستطيعون التمرّد عليهم ، وجاء الإسلام لتحرير الإنسان من براثن العبودية والرق ، واستئصال تلك الظاهرة ولو بالتدريج ، فشجع على البذل والعطاء في سبيل عتق الرقاب ، ومارس الرسول وأهل البيت:
ذلك ممارسة عملية ، فتبوأ المماليك بفضل ذلك مراكز اجتماعية مهمة في أوساط المجتمع الإسلامي ، وكان آخر وصايا رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
بالصلاة وبهذه الشريحة الاجتماعية المهمة ، حيث قالصلىاللهعليهوآلهوسلم
: «اللّه اللّه في صلاتكم ، وما ملكت أيمانكم
».
وقال : «ألبسوهم مما تلبسون ، وأطعموهم مما تأكلون
».
__________________
وقد جسّد الإمام الباقرعليهالسلام
إيمانه بكرامة الإنسان وسعيه إلى تحريره ، من خلال عتق العبيد والمماليك ، وبذله المزيد من العطاء في هذا السبيل ، امتداداً لعمل آبائه الكرام:
، واقتداءً بأحد خصال أبيه السجادعليهالسلام
الذي تعامل مع تلك الظاهرة من موقع المسؤولية ، فاتّبع فلسفة خاصة في تحرير العبيد ، وتعامل معهم كبشر لا يميّزهم شيء عن سواهم في تطلعاتهم وآمالهم ، وسعى إلى تربيتهم وزرع القيم الرسالية في نفوسهم.
نعم ، كان الإمام الباقرعليهالسلام
قد تعامل مع تلك الظاهرة على خطى آبائه المعصومين:
، فحث وعمل على شراء المماليك وعتقهم لوجه اللّه ، وتعامل معهم بلطف الأخ الكبير وشفافية الأب الحنون والصديق الحميم ، وكان يجالسهم ويؤدب شرارهم ، ويعمل معهم يداً بيد ، ليزرع فيهم الثقة والاعتزاز بالنفس وبالدين.
روى أبو حمزة الثمالي ، عن أبي جعفر الباقر محمد بن عليعليهماالسلام
، أنه قال في حديث : «أربع من كن فيه من المؤمنين ، أسكنه اللّه في أعلى عليين ، في غرف فوق غرف ، في محل الشرف
. إلى أن قال :ومن لم يخرق بمملوكه ، وأعانه على ما يكلفه ، ولم يستسعه فيما لا يطيق
»
.
ولم يكن ذلك شعاراً يطلقه الإمامعليهالسلام
وحسب ، بل كان يمارس العمل مع مماليكه فيما لا يطيقون ، عن داود بن فرقد ، قال : «سمعت أبا عبد اللّهعليهالسلام
يقول :في كتاب رسول اللّه
صلىاللهعليهوآلهوسلم
: إذا استعملتم ما ملكت أيمانكم في شيء يشقّ عليهم ، فاعملوا معهم فيه. قال
عليهالسلام
: كان أبي يأمرهم ، فيقول : كما أنتم ، فيأتي فينظر فإن كان ثقيلاً قال : بسم اللّه ، ثم عمل معهم ، وإن كان خفيفاً
__________________
تنحّى عنهم
»
.
وكان الإمام الباقرعليهالسلام
يكتب لبعضهم عهداً بالحرية بخط يده ويختمه بخاتمه ، منها العهد الذي كتبه لعبد اللّه بن المبارك قبل موته بسنة واحدة ، وكان عبد اللّه من سبي الحروب ، فأتى أبا جعفرعليهالسلام
فقال : «إني رويت عن آبائك:
أن كل فتح بضلال فهو للإمام. فقال : نعم. قلت : جعلت فداك ، فإنهم أتوا بي من بعض فتوح الضلال ، وقد تخلصت ممن ملكوني بسبب ، وقد أتيتك مسترقاً مستعبداً. قالعليهالسلام
: قد قبلت. فلما كان وقت خروجه إلى مكة ، قال : مذ حججت فتزوجت ومكسبي مما يعطف علي إخواني ، لا شيء لي غيره ، فمرني بأمرك.
فقالعليهالسلام
:انصرف إلى بلادك ، وأنت من حجك وتزويجك وكسبك في حلّ.
ثم أتاه بعد ست سنين ، وذكر له العبودية التي ألزمها نفسه. فقال : أنت حرّ لوجه اللّه تعالى. فقال : اكتب لي به عهداً ، فخرج كتابهعليهالسلام
:
بسم اللّه الرحمن الرحيم
هذا كتاب محمد بن علي الهاشمي العلوي لعبد اللّه بن المبارك فتاه ، إنّي أعتقك لوجه اللّه والدار الآخرة ، لا رب لك إلاّ اللّه ، وليس عليك سيد ، وأنت مولاي ومولى عقبي من بعدي ، وكتب في المحرم سنة ثلاث عشرة ومائة ، ووقع فيه محمد بن علي بخط يده وختمه بخاتمه»
.
وعن محمد بن مروان ، عن أبي عبد اللّهعليهالسلام
: أن أبا جعفرعليهالسلام
مات وترك
__________________
ستين مملوكاً ، فأعتق ثلثهم عند موته ، فأقرعت بينهم وأخرجت الثلث
.
وعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
، قال : «دخلت على أبي يوماً وقد تصدق على فقراء أهل المدينة بثمانية آلاف دينار ، وأعتق أهل بيت بلغوا أحد عشر»
.
٥ ـ التواضع :
التواضع من الخصال الحميدة التي حظيت بقراءة واقعية من قبل الإمام الباقرعليهالسلام
، فأكّد أنه على المرء أن يرتقي على العجب ويتغلب على صفة الكبر في نفسه بالسلام والرضا بأدنى المجلس ، وعدم المراء حتى في الحق ، وعدم مجالسة الأغنياء.
قالعليهالسلام
: «التواضع الرضا بالمجلس دون شرفه ، وأن تسلم على من لقيت ، وأن تترك المراء وإن كنت محقاً
»
.
وقالعليهالسلام
لرجل : «يا فلان ، لا تجالس الأغنياء ، فإنّ العبد يجالسهم وهو يرى أن للّه عليه نعمة ، فما يقوم حتى يرى أن ليس للّه عليه نعمة
»
.
وكانعليهالسلام
يرى أن الكبر يتناسب عكسياً مع المعرفة ، فكلما علم الإنسان عاقبته وما يؤول إليه مصيره ، زهد في الدنيا وتواضع لأبناء جنسه ، وحيثما يكون فارغاً من تلك المعرفة اغترّ بدنياه وزها بنفسه ، وكما يقال : إن السنابل الملآى تميل تواضعاً ، والفارغة تشمخ برأسها ، فالعجب علامة الجهل ، والتواضع دليل المعرفة ، جاء في وصيتهعليهالسلام
لجابر الجعفي : «سدّ سبيل العجب
__________________
بمعرفة النفس
»
.
وقالعليهالسلام
: «ما دخل قلب أحد شيء من الكبر ، إلاّ نقص من عقله مثل ما دخله من ذلك ، قلّ ذلك أو كثر
»
.
وبيّن أن التكبر صفة مذمومة للعبد ، لأنها تعني تقمص صفة الرب تعالى ، قالعليهالسلام
: «المتكبر ينازع اللّه رداءه»
.
وعلى صعيد السيرة العملية للإمام الباقرعليهالسلام
، فإن التواضع صفة بارزة في حياته ، فهو يجتهد نفسه بالعمل لكسب عيشه ، لا يصده عنه كبر السن ، ولا شدّة الحرّ ، ويعدّ ذلك طاعة من طاعات اللّه يكف بها نفسه عن سائر الناس.
عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمدعليهماالسلام
، قال : «إن محمد بن المنكدر كان يقول : ما كنت أرى أن مثل علي بن الحسين يدع خلفاً ـ لفضل علي بن الحسين
عليهماالسلام
ـ حتى رأيت ابنه محمد بن علي ، فأردت أن أعظه فوعظني. فقال له أصحابه : بأي شيء وعظك؟ قال : خرجت إلى بعض نواحي المدينة في ساعة حارة ، فلقيت محمد بن علي ، وكان رجلاً بديناً ، وهو متكئ على غلامين له أسودين ، فقلت في نفسي : شيخ من شيوخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا! أشهد لأعظنه؟ فدنوت منه فسلمت عليه ،
__________________
فسلم علي ببُهر
وقد تصبب عرقاً.
فقلت : أصلحك اللّه ، شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على مثل هذه الحال في طلب الدنيا! لو جاءك الموت وأنت على هذه الحال؟! قال : فخلى عن الغلامين من يده ، ثم تساند ، وقال : لو جاءني واللّه الموت وأنا في هذه الحال ، جاءني وأنا في طاعة من طاعات اللّه ، أكفّ بها نفسي عنك وعن الناس ، وانما كنت أخاف الموت لو جاءني وأنا على معصية من معاصي اللّه. فقلت : يرحمك اللّه ، أردت أن أعظك فوعظتني
»
.
وكانعليهالسلام
في مركبه مثالاً للتواضع ، فلا يمتطي الخيل الفارهة ، بل يفضل الحمار على البغل ، ويحمد اللّه الذي سخّره حين يستوي عليه ، عن عبد اللّه بن عطاء ، قال : «قال لي أبو جعفرعليهالسلام
:قم فأسرج دابتين حماراً وبغلاً
، فأسرجت حماراً وبغلاً ، فقدمت إليه البغل ، ورأيت أنه أحبهما إليه ، فقال :من أمرك أن تقدم إلي هذا البغل
؟ قلت : اخترته لك. قال :وأمرتك أنت تختار لي
؟! ثم قال : إنّ أحبّ المطايا إلي الحمر. قال : فقدمت إليه الحمار ، وأمسكت له بالركاب فركب ، فقال :الحمد للّه الذي هدانا بالإسلام ، وعلمنا القرآن ، ومنّ علينا بمحمد
صلىاللهعليهوآلهوسلم
، والحمد للّه الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ، وإنا إلى ربنا لمنقلبون ، والحمد للّه رب العالمين
»
.
وكان يؤثر أصحابه بالركوب ، ويفضل أن يمشي على قدميه ، قال السيد
__________________
المرتضى : «روى أن رجلاً نظر إلى كثير الشاعر وهو راكب ، وأبو جعفر محمد بن عليعليهماالسلام
يمشى ، فقيل له : أتركب وأبو جعفر يمشي؟! فقال : هو أمرني بذلك ، وأنا بطاعته في الركوب ، أفضل مني في عصياني إياه بالمشي»
.
وفي مأكله كان في غاية التواضع والبساطة ، فيكتفي بالخل والزيت أوالجبن وحده ، عن بزيع ، قال : «دخلت على أبي جعفرعليهالسلام
وهو يأكل خلاً وزيتاً في قصعة سوداء ، مكتوب في وسطها بصفرة :قل هو اللّه أحد
. فقال لي :اُدن يا بزيع
، فدنوت فأكلت معه ، ثم حسا من الماء ثلاث حسيات حين لم يبق من الخبز شيء ، ثم ناولني فحسوت البقية»
.
وعن عبد اللّه بن سليمان ، قال : «سألت أبا جعفرعليهالسلام
عن الجبن ، فقال :لقد سألتني عن طعام يعجبني
، ثم أعطى الغلام درهماً ، فقال :يا غلام ابتع لنا جبناً
. ودعا بالغداء فتغدينا معه ، وأتى بالجبن فأكل وأكلنا»
.
٦ ـ الصبر والحلم :
دعا الإمام الباقرعليهالسلام
إلى إعداد النفس للارتقاء إلى أفضل الكمال المتمثل بجملة تعاليم منها الصبر على النائبة ، قالعليهالسلام
: «الكمال كل الكمال التفقه في الدين ، والصبر على النائبة ، وتقدير المعيشة
»
.
والصبر إضافة إلى كونه من الكمالات ، ومن مصاديق الحلم ، فهو من الفضائل التي قد تؤدي بصاحبها إلى الجنة ، إذا صبر على مصائب الدنيا وعما
__________________
حرم اللّه من الشهوات واللذات ، قالعليهالسلام
: «الجنة محفوفة بالمكاره والصبر ، فمن صبر على المكاره في الدنيا دخل الجنة ، وجهنم محفوفة باللذات والشهوات ، فمن أعطى نفسه لذتها وشهوتها دخل النار
»
.
وبيّن الإمام الباقرعليهالسلام
مصداق الصبر الجميل ، وهو اجتناب الشكوى إلى الناس ، عن جابر الجعفي ، قال : «قلت لأبي جعفر : يرحمك اللّه ، ما الصبر الجميل؟ قال :ذلك الصبر الذي ليس فيه شكوى إلى الناس
»
.
ويدخل في هذا الإطار الصبر في حال الفاقة والحاجة ، بل وحتى في الغنى الذي قد يؤدي بالإنسان إلى العتوّ والطغيان ، وقد عبر عنه الإمامعليهالسلام
بمروءة الصبر ، لأنه دليل الثقة باللّه ، ولذلك فهو أعلى مرتبة من مروءة الاعطاء.
قالعليهالسلام
: «سخاء المرء عما في أيدي الناس أكثر من سخاء النفس والبذل ، ومروءة الصبر في حال الفاقة والحاجة والتعفف والغنى أكثر من مروءة الاعطاء ، وخير المال الثقة باللّه ، واليأس مما في أيدي الناس
»
.
والصبر صفة بارزة في سيرة الإمام الباقرعليهالسلام
العملية ، مثلما في سيرته القولية ، لأن قوله فعل وممارسة وتجسيد على أرض الواقع بمصاديق عملية واضحة ، فكانعليهالسلام
نموذج الصابر المتوكل على اللّه ، الذي ارتفع إلى حقيقة اليقين المتمثل بالصبر عند البلاء ، والشكر عند الرخاء ، والرضا بالقضاء.
روي أنه كان قوم أتوا أبا جعفرعليهالسلام
، فوافقوا صبياً له مريضاً ، فرأوا منه اهتماماً وغماً ، وجعل لا يقر ، فقالوا : واللّه لئن أصابه شيء ، إنا لنتخوف أن نرى
__________________
منه ما نكره. قال : فما لبثوا أن سمعوا الصياح عليه ، فإذا هو قد خرج عليهم منبسط الوجه في غير الحال التي كان عليها ، فقالوا له : جعلنا اللّه فداك ، لقد كنا نخاف مما نرى منك ، أن لو وقع أن نرى منك ما يغمنا. فقال لهم : «إنا لنحب أن نعافى فيمن نحب ، فإذا جاء أمر اللّه سلمنا فيما يحب
»
.
وفي رواية سفيان بن عيينة أنه قال : «ندعو اللّه تبارك وتعالى فيما نحب ، فإذا وقع ما نكره لم نخالف اللّه فيما أحب
»
.
وعن زرارة ، قال : «فلما قضى الغلام ، أمر به فغمض عيناه وشد لحياه ، ثم قال لنا :إن نجزع ما لم ينزل أمر اللّه ، فإذا نزل أمر اللّه ، فليس لنا إلاّ التسليم
، ثم دعا بدهن فادّهن واكتحل ، ودعا بطعام فأكل هو ومن معه ، ثم قال :هذا هو الصبر الجميل
، ثم أمر به فغسل ، ثم لبس جبة خز ومطرف خز وعمامة خز ، وخرج فصلى عليه»
.
وحثّ الإمامعليهالسلام
على الحلم وسعة الصدر ، وأكد على ضرورة اقتران الحلم بالعلم ، إذ الحلم لباس العالم ، فيصبر حيثما يقتضي الامر حلماً ، أما الجاهل فلباسه التهور والجزع ، مما يوقعه في أخطاء وخيمة.
جاء في رسالة الإمام الباقرعليهالسلام
إلى سعد الخير : «وليس الحليم الذي لا يتقي أحداً في مكان التقوى ، والحلم لباس العالم ، فلا تعرين منه
»
.
__________________
وقالعليهالسلام
: «ما شيب شيء بشيء ، أحسن من حلم بعلم
»
.
وجاء في سيرته العملية المزيد من المواقف التي صبر فيها على كيد الأعداء ، وسكت عن الجهال ، وصفح عن المسيئين ، وغضّ الطرف عن الهفوات ، ووسعها بعفوه وصبره وسعة صدره.
ومن ذلك موقفه من الناصبي الذي واجهه بكلمات قبيحة ، رواه محمد بن سليمان ، عن أبيه ، قال : «كان رجل من أهل الشام يختلف إلى مجلس أبي جعفرعليهالسلام
، ويقول له : يا محمد ، ألا ترى إني إنما أغشى مجلسك حياءً مني لك ، ولا أقول : إن في الأرض أحداً أبغض إلي منكم أهل البيت ، وأعلم أن طاعة اللّه وطاعة رسوله وطاعة أمير المؤمنين في بغضكم ، ولكن أراك رجلاً فصيحاً ، لك أدب وحسن لفظ ، وإنما الاختلاف إليك لحسن أدبك ، وكان أبو جعفرعليهالسلام
يقول له خيراً ، ويقول :لن تخفى على اللّه خافية
وصار بعد ذلك من أصحاب أبي جعفرعليهالسلام
»
.
ومنه موقفه من النصراني الذي أراد استفزازه بكثرة الأسئلة ، وأجاب عنها الإمام بردّ جميل وموعظة حسنة ، قال له النصراني : «أنت ابن السوادء الزنجية البذية ، فقال له الإمامعليهالسلام
:إن كنت صدقت غفر اللّه لها ، وإن كنت كذبت غفر اللّه لك
. ولم يزد عليها ، فأسلم النصراني»
.
٧ ـ الهيبة والوقار :
تجلّت في شخصية الإمام الباقرعليهالسلام
سمات أولياء اللّه وأحبائه الذين أضفى
__________________
عليهم العزة والوقار والهيبة في الدنيا ، والظفر في الآخرة ، قالعليهالسلام
: «إن اللّه عزّوجلّ أعطى المؤمن ثلاث خصال : العزة في الدنيا ، والفلح في الآخرة ، والمهابة في صدور الظالمين
، ثم قرأ : «وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُوءْمِنِينَ
»
.
وقد ابتعد الإمامعليهالسلام
عن كل ما ينافي الوقار وسمو الشخصية ومعالي الأخلاق ، فروي أنه كان إذا ضحك قال : «اللهم لا تمقتني
»
.
من هنا كان كل من التقى الإمامعليهالسلام
، قد بدت له مظاهر العظمة والإجلال وملامح الهيبة والوقار ، عظمة المكارم التي يحملها ، وهيبة الملكات القدسية التي اجتمعت في شخصهعليهالسلام
، ومنهم الصحابي الجليل جابر بن عبد اللّه الأنصاري.
قال جابر بن يزيد الجعفي : « دخل جابر بن عبد اللّه الأنصاري على علي بن الحسينعليهماالسلام
، فبينا يحدّثه إذ خرج محمد بن علي الباقرعليهالسلام
من عند نسائه ، وعلى رأسه ذؤابة ، وهو غلام ، فلما بصر به جابر ارتعدت فرائصه ، وقامت كل شعرة على جسده ، ونظر إليه ملياً ، ثم قال له : يا غلام أقبل. فأقبل ، ثم قال له : أدبر فأدبر »
.
وقال أبو حمزة الثمالي : «لما كانت السنة التي حج فيها أبو جعفر محمد بن عليعليهماالسلام
، ولقيه هشام بن عبد الملك ، أقبل الناس ينثالون عليه ، فقال عكرمة :
__________________
من هذا الذي عليه سيماء زهرة العلم لأجربنه؟ فلما مثل بين يديه ارتعدت فرائصه ، واسقط في يده ، وقال : يا بن رسول اللّه ، لقد جلست مجالس كثيرة بين يدي ابن عباس وغيره فما أدركني ما أدركني آنفاً؟ فقال له أبو جعفرعليهالسلام
:ويلك ، إنك بين يدي بيوت أذن اللّه أن ترفع ويذكر فيها اسمه
»
.
وقابله فقيه أهل البصرة قتادة بن دعامة البصري ، فاضطرب قلبه من هيبته ، فقال : «أصلحك اللّه ، لقد جلست بين يدي الفقهاء وقدام ابن عباس ، فما اضطرب قلبي قدام واحدٍ منهم ما اضطرب قدّامك!»
.
وقال عبد اللّه بن عطاء المكي : «ما رأيت العلماء عند أحد أصغر علماً منهم عند أبي جعفر»
.
٨ ـ حسن العشرة :
أكد الإمام الباقرعليهالسلام
في أحاديث مستفيضة على تكريس مبدأ الأخاء في اللّه طلباً لمرضاة اللّه ، وبين فضل ذلك في الدارين ، فقالعليهالسلام
: «من استفاد أخاً في اللّه على إيمان باللّه ووفاء بأخائه طلباً لمرضاة اللّه ، فقد استفاد شعاعاً من نور اللّه ، وأماناً من عذاب اللّه ، وحجة يفلج بها يوم القيامة ، وعزاً باقياً وذكراً نامياً ، لأن المؤمن من اللّه عزوجل لا موصول ولا مفصول
»
.
وأكد على تعهد الإخوان بالزيارة والتواصل والمصافحة ، وإيثارهم على
__________________
النفس ، فقالعليهالسلام
: «إن للّه عزّوجلّ جنّة لا يدخلها إلاّ ثلاثة : رجل حكم على نفسه بالحق ، ورجل زار أخاه المؤمن في اللّه ، ورجل آثر أخاه المؤمن في اللّه على نفسه
»
.
وقالعليهالسلام
: «أيما مؤمن خرج إلى أخيه يزوره عارفاً بحقه ، كتب اللّه له بكل خطوة حسنة ، ومحيت عنه سيئة ، ورفعت له درجة ، وإذ طرق الباب فتحت له أبواب السماء ، فإذا التقيا وتصافحا وتعانقا أقبل اللّه عليهما بوجهه ، ثم باهى بهما الملائكة ، فيقول : انظروا إلى عبدي تزاورا وتحابا في ، حق علي ألاّ أعذّبهما بالنار بعد هذا الموقف ، فإذا انصرف شيعه الملائكة عدد نفسه وخطاه وكلامه ، يحفظونه من بلاء الدنيا وبوائق الآخرة إلى مثل تلك الليلة من قابل ، فإن مات فيما بينهما أعفي من الحساب ، وإن كان يعرف من حق الزائر ما عرفه الزائر من حق المزور كان له مثل أجره
»
.
وقالعليهالسلام
: «إن المؤمنَين إذا التقيا فتصافحا أقبل اللّه عزّوجلّ عليهما بوجهه ، وتساقطت عنهما الذنوب كما يتساقط الورق من الشجر
»
.
وجعل الصحبة الطويلة بمثابة القرابة ، فقالعليهالسلام
: «صحبة عشرين سنة
__________________
قرابة
»
.
وأكد على تعهد الإخوان ومواصلتهم والإحسان إليهم والسعي في حاجاتهم ، فمن كلامه في هذا الاتجاه : «ليس في الدنيا شيء أعون من الإحسان إلى الإخوان
»
.
وقالعليهالسلام
: «ما من عبد يمتنع من معونة أخيه المسلم والسعي له في حاجته قضيت أو لم تقض ، إلاّ ابتُلي بالسعي في حاجة من يأثم عليه ولا يؤجر ، وما من عبد يبخل بنفقة ينفقها فيما يرضى اللّه ، إلاّ ابتُلى بأن ينفق أضعافها فيما أسخط اللّه
»
.
وقالعليهالسلام
: «إنّ اللّه تعالى أوحى إلى داود : يا داود ، أن العبد من عبيدي ليأتيني بالحسنة فأحكمه بها في الجنّة ، فقال داود : يا رب ، وما تلك الحسنة؟ قال : عبد مؤمن سعى في حاجة أخيه المؤمن أحب قضاءها ، قضيت له أم لم تقض
»
.
وإلى جانب ذلك أوصىعليهالسلام
بحسن السيرة والتعايش مع الآخر ولو كان منافقاً أو يهودياً ، فقالعليهالسلام
: «صانع المنافق بلسانك ، وأخلص ودك للمؤمنين ، وإن جالسك يهودي فأحسن
__________________
مجالسته
»
.
وأوصىعليهالسلام
بالبشر وطلاقة الوجه ، كأحد مقومات حسن العشرة ، فقالعليهالسلام
: «البشر الحسن وطلاقة الوجه مكسبة للمحبة وقربة من اللّه ، وعبوس الوجه وسوء البشر مكسبة للمقت وبعد من اللّه
»
.
وعلى الصعيد العملي ، عرف الإمام الباقرعليهالسلام
بحسن العشرة وتعهد الإخوان والإحسان إليهم ، قال أبو عبيدة الحذاء : «كنت زميل أبي جعفرعليهالسلام
، وكنت أبدأ بالركوب ، ثم يركب هو ، فإذا استوينا سلّم وساءل مسألة رجل لا عهد له بصاحبه وصافح ، قال : وكان إذا نزل نزل قبلي ، فإذا استويت أنا وهو على الأرض سلم وساءل مسألة من لا عهد له بصاحبه ، فقلت : يا ابن رسول اللّه ، إنك لتفعل شيئاً ما يفعله أحد من قبلنا ، وإن فعل مرة فكثير. فقال :أما علمت ما في المصافحة ، ان المؤمنين يلتقيان ، فيصافح أحدهما صاحبه ، فلا تزال الذنوب تتحات عنهما كما يتحات الورق عن الشجر ، واللّه ينظر إليهما حتى يفترقا
»
.
وعن أبي حمزة ، قال : «زاملت أبا جعفرعليهالسلام
فحططنا الرحل ثم مشى قليلاً ، ثم جاء فأخذ بيدي فغمزها غمزة شديدة فقلت : جعلت فداك ، أو ما كنت معك في المحمل؟! فقال :أما علمت أن المؤمن إذا جال جولة ثم أخذ بيد أخيه ،
__________________
نظر اللّه إليهما بوجهه ، فلم يزل مقبلاً عليهما بوجهه ، ويقول للذنوب تتحات عنهما
، فتتحات ـ يا أبا حمزة ـ كما يتحات الورق عن الشجر ، فيفترقان وما عليهما من ذنب»
.
* * *
__________________
الفصل الخامس
على أعتاب مدرسة أهل البيت عليهم السلام
أنبأ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
عن الدور العلمي الذي سيضطلع به حفيده الباقرعليهالسلام
، حينما بشّر الصحابي الجليل جابر بن عبد اللّه الأنصاري بادراك زمانه ورؤيته ، وأنه يبقر العلم بقراً ، فيخرجه من منابعه الأصيلة وكنوزه الدفينة ، وقد تحقق ذلك بجهود الإمام الباقرعليهالسلام
على طريق انشاء جامعة أهل البيت العلمية ، وتغذيتها بحقول المعرفة المختلفة.
تأسيس مدرسة أهل البيت:
:
إذا كان لكل واحد من أئمة أهل البيت:
دور ينسجم مع الحاجات البشرية ويتوافق مع طبيعة ظروف الحياة الاجتماعية والسياسية ، فيمكن القول : إن جهود أئمة أهل البيت:
كانت تدور كلّها حول محور واحد ، وهو محور الحفاظ على الإسلام من خطر الانحراف الذي بدأ يدبّ في جسم هذه الأُمّة منذ اليوم الأول للسقيفة المشؤومة التي كانت السبب المباشر لكل ما تلاها من عوامل وأسباب الانحراف الذي كلّف أهل البيت:
تضحيات جسيمة ، حيث تعاملوا مع مسبّبات الانحراف كل بحسب طبيعة المرحلة التي تكتنفه زماناً ومكاناً.
وفي حدود ما اتّصل بحياة الإمام الباقرعليهالسلام
ونشاطه العلمي المبدع على جميع الاتجاهات نجد أبيه الإمام السجّادعليهالسلام
قد مهّد لولده الإمام الباقرعليهالسلام
الدور الذي سيضطلع به ، حيث استطاع إمامنا زين العابدينعليهالسلام
رغم سوء الظروف التي اكتنفت عصره أن يضع إصبعه على مواطن الانحراف ، وأن يجمع صفوف المؤمنين من أصحابه ، ويركّز على تربيتهم روحياً وعلمياً ، ليعيد الثقة إلى نفوسهم ، وكان أولئك الرجال من أهم أدوات مدرسة أهل البيت:
.
وبعد وفاة الإمام السجادعليهالسلام
بزغ نجم الباقرعليهالسلام
في سماء المدينة ، فحاول أن ينأى بنفسه عن دوائر الصراع السياسي خلال فترة إمامته ، كي يمهّد السبيل لأداء مهمته الرسالية المتمثلة بالتأسيس العلمي لفقه أهل البيت:
، وإقامة ركائز مدرستهم:
، فأتيح له أن يبلور اتجاه أهل البيت:
إلى العلم والتعليم.
ورغم الإرهاب الفكري والسياسي الذي أشاعه الحكم الأموي المنحرف حينذاك ، كرس الإمام الباقرعليهالسلام
خلال إمامته كل جهوده لاستقطاب المسلمين حول تعاليم الدين الإسلامي الصحيحة ، وإرساء ركائز البناء العلمي والتربوي على قواعد الإسلام المتينة ومصادره وأصوله الرصينة ، في وقت بدأ الحكام بترويج فقه وعاظ السلاطين المداهنين للسلطة الظالمة ، واستطاع الإمام الباقرعليهالسلام
إغناء الواقع الإسلامي بما فتح عليه من آفاق العلم والمعرفة ، وما حققه من انجازات علمية رائعة ، وبالتالي أسهم في حفظ الشريعة المقدسة من خطر الزوال والتحريف.
ولم يقتصر التدريس في مدرسة أهل البيت على أصول الاعتقاد والفقه
وأصوله ، بل تعداه إلى تدريس الفلسفه والكلام والطب وغيرها من العلوم المتاحة آنذاك ، وامتدّ أثر تلك المدرسة بما تحمل من علوم على مساحة واسعة من الأرض ، بعد أن كانت محصورة في مساجد المدينة المنورة والكوفة والبصرة ، فكانت مدرسة مفتوحة على الواقع الإسلامي كلّه ، واستوعبت فطاحل العلماء في عصره من مختلف الميول والاتجاهات.
وحين لفظت الدولة الأموية أنفاسها الأخيرة ، لاح في الأفق شيء من الانفراج للنشاط الفكري ، الأمر الذي جعل مدرسة أهل البيت تكتمل على يد صادق أهل البيت جعفر بن محمدعليهماالسلام
لتبلغ أوجها ، من حيث عدد طلابها وسعة العلوم التي تصدت لنشرها ، تلك العلوم المأخوذة عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
بواسطة وصيه وسبطيه ومن تلاهما من العترة الطاهرة:
، فعميد المدرسة الصادقعليهالسلام
هو القائل : حديثي حديث أبي ، وحديث أبي حديث جدي ، وحديث جدي حديث الحسين ، وحديث الحسين حديث الحسن ، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين ، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
، وحديث رسول اللّه قول اللّه عزوجل
.
قال الشاعر :
أحيا دوارس الربوع الخاليه
|
|
فأصبحت ذات قباب عاليه
|
أنار وجه الحق والحقيقه
|
|
بأحسن البيان والطريقه
|
أحيا بما فيه من اللطائف
|
|
لطيفة العارف والمكاشف
|
أحيا بعلمه معالم الهدى
|
|
فأصبحت آمنة من الردى
|
__________________
اجراءاتهعليهالسلام
في هذا السبيل :
كان على رأس سلّم أولويّات الإمام الباقرعليهالسلام
، في اطار وضع اللبنات لمدرسة أهل البيت:
، هو العمل على إبراز هوية الإسلام بعد اختلاط الأوراق في زمانه ، وإظهاره على أنه التمثيل الواقعي لما أراده اللّه تعالى ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم
عقيدة وفكراً وتشريعاً ، ومن ثم العمل على تهيئة مقدمات نشر علوم أهل البيت:
، ضمن عدة اجراءات اتخذها لتحقيق هذا الغرض ، منها اعداد الجماعة الصالحة سلوكاً وعملاً ، والحث على طلب العلم ، والدعوة إلى تدوينه ، والانفتاح على الواقع الإسلامي بكل ما فيه من مذاهب وفرق وتوجهات ، والدعوة إلى اعتماد الكتاب والسنة ، ومجابهة أصحاب الرأي والقياس ، وإعداد نخبة من المؤلفين والثقات من أصحابه الذين حملوا على أكتافهم رسالة الإسلام ومنار العلم ، وفيما يلي شرح موجز لتلك الإجراءات :
١ ـ إعداد الجماعة الصالحة :
لم تكن رسالة الإمام الباقرعليهالسلام
قائمة على العلوم النظرية البحتة ، بل كانت ذات سمة قرآنية دنيوية طفحت على جنباتها الأخلاق الفاضلة والتربية الإسلامية الصحيحة التي تؤكد تربية الذات على النقاء والطهارة ، وتعميق الصفات الأخلاقية في المجتمع الإسلامي ، وقد عمل الإمام الباقرعليهالسلام
بوحي من عمق إدراكه للواقع على إعداد النماذج الإسلامية المتحركة ، التي تسير على أكتافها عجلة مدرسة أهل البيت:
، وتعمّ باشعاعها ونورها مختلف قطاعات الأمة ، بوصفها الكتلة المؤمنة والمحافظة على خط الإسلام الأصيل.
حرص الإمامعليهالسلام
على بلوغ هذه الأهداف من خلال عدة توصيات ، كان لها الأثر الفاعل في تربية الكوادر الرسالية الواعية والنخبة الصالحة على
المستوى السلوكي والفكري ، وركز في توصياته على بيان مفهوم التشيع الأصيل ، وتأطير خواص ومميزات المنتمين إليه ، فليس جميع الشيعة بمستوى واحد من الخلال التي تؤهلهم لما يريده الإمامعليهالسلام
، بل فيهم الانتهازي الذي يتحين الفرص ، وفيهم من يتهشم كالزجاج في وقت الفتنة والابتلاء ، وفيهم من هو كالذهب الخالص كلما فتنته إزداد جودة ، قال أبو جعفر الباقرعليهالسلام
: «شيعتنا ثلاثة أصناف : صنف يأكلون الناس بنا ، وصنف كالزجاج تهشم ، وصنف كالذهب الأحمر كلما أدخل النار ازداد جودة
»
.
وأولئك الذين وصفهم الإمامعليهالسلام
بالذهب الأحمر ، هم الذين توافرت فيهم عِدّة خصال حددها الإمامعليهالسلام
في جملة أحاديث :
أولاً
: إخلاص الولاء والمحبة لأهل البيت:
وإحياء أمرهم ، باعتبارهم الصفوة والقيادة الرسالية ، قالعليهالسلام
: «إنما شيعة علي
عليهالسلام
المتباذلون في ولايتنا ، المتحابون في مودتنا ، المتزاورون لاحياء أمرنا ، الذين إذا غضبوا لم يظلموا ، وإذا رضوا لم يسرفوا ، بركة على من جاوروا ، سلم لمن خالطوا
»
.
ثانياً
: لا يكفي الشيعي أن ينتحل محبة أهل البيت:
ويدين بولايتهم وحسب ، بل لا بد أن يتمسك بتقوى اللّه ويعمل بطاعته ، فمن كان للّه مطيعا فهو لهم:
ولي ، ومن كان للّه عاصيا فهو لهم عدو ، ولا بد أن يعمل بعملهم ويستن بسنتهم ، فلا تنال ولايتهم إلاّ بالورع والعمل والاجتهاد ، ولابد للشيعي أن يتحلّى بمكارم الأخلاق ويجعلها سلوكاً وعملاً يسير على الأرض ، وعلى رأس تلك الفضائل التواضع والتخشع وصدق الحديث والأمانة وكثرة الذكر وتلاوة
__________________
القرآن والصوم والصلاة وتعهد الجيران والأيتام.
قال الباقرعليهالسلام
لمحمد بن مسلم : «يا محمد ، لا تذهبنّ بكم المذاهب ، فواللّه ما شيعتنا منكم إلاّ من أطاع اللّه»
.
وقالعليهالسلام
لبعض شيعته : «إنا لا نغني عنكم شيئاً إلاّ بالورع ، وإن ولايتنا لا تنال إلاّ بالورع والاجتهاد ، ولا تدرك إلاّ بالعمل ، وإنّ أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة من وصف عدلاً وأتى جوراً
»
.
وقالعليهالسلام
لجابر بن يزيد الجعفي : «يا جابر ، أيكتفي من انتحل التشيّع أن يقول بحبّنا أهل البيت؟ فو اللّه ما شيعتنا إلاّ من اتقى اللّه وأطاعه ، وما كانوا يعرفون ـ يا جابر ـ إلاّ بالتواضع ، والتخشع ، وكثرة ذكر اللّه ، والصوم ، والصلاة ، والتعهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة والغارمين والأيتام ، وصدق الحديث ، وتلاوة القرآن ، وكفّ الألسن عن الناس إلاّ من خير ، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء
.
فقال جابر : يا بن رسول اللّه ، لست أعرف أحدا بهذه الصفة. فقال: يا جابر ، لا تذهبنّ بك المذاهب ، أحسب الرجل أن يقول أحبّ عليا وأتولاه! فلو قال : اني أحبّ رسول اللّه ؛ ورسول اللّه خيرٌ من عليّ ، ثم لا يعمل بعمله ولا يتبع سنته ، ما نفعه حبّه إيّاه شيئا ، فاتقّوا اللّه واعملوا لما عند اللّه ، ليس بين اللّه وبين أحد قرابة ، أحبّ العباد إلى اللّه وأكرمهم عليه ، أتقاهم له وأعملهم بطاعته ، واللّه ما يتقرّب إلى اللّه جلّ ثناؤه إلاّ بالطاعة ، ما معنا براءة من النار ، ولا على اللّه لأحد من حجّة ، من كان للّه مطيعا فهو لنا وليّ ، ومن كان للّه عاصيا
__________________
فهو لنا عدو ، ولا تنال ولايتنا إلاّ بالورع والعمل
»
.
ثالثاً
: أمرهم أن يجاهدوا أنفسهم كي يعرجوا في سلّم الكمال ، قالعليهالسلام
: «إنما شيعة علي
عليهالسلام
الشاحبون الناحلون الذابلون ، ذابلة شفاههم ، خميصة بطونهم ، متغيرة ألوانهم ، مصفرة وجوههم ، إذا جنهم الليل اتخذوا الأرض فراشاً ، واستقبلوا الأرض بجباههم ، كثير سجودهم ، كثيرة دموعهم ، كثير دعاءهم ، كثير بكاءهم ، يفرح الناس وهم محزونون
»
.
رابعاً
: وأمرهم أن يعرضوا أنفسهم على المكارم الواردة في القرآن ، وأن يسلكوا سبيله ، فمن وصيته إلى جابر بن يزيد الجعفي : «واعلم بأنك لا تكون لنا ولياً حتى لو اجتمع عليك أهل مصرك وقالوا : إنك رجل سوء لم يحزنك ذلك ، ولو قالوا : إنك رجل صالح لم يسرك ذلك ، ولكن اعرض نفسك على كتاب اللّه ، فان كنت سالكاً سبيله ، زاهداً في تزهيده ، راغباً في ترغيبه ، خائفاً من تخويفه فاثبت وأبشر ، فإنه لا يضرك ما قيل فيك. وإن كنت مبايناً للقرآن ، فماذا الذي يغرك من نفسك؟ ان المؤمن معنّي بمجاهدة نفسه ليغلبها على هواها ، فمرّة يقيم أودها ويخالف هواها في محبة اللّه ، ومرة تصرعه نفسه فيتبع هواها ، فينعشه اللّه فينتعش ، ويقيل اللّه عثرته ، فيتذكر ويفزع إلى التوبة والمخافة ، فيزداد بصيرة ومعرفة لما زيد فيه من الخوف ، وذلك بأن اللّه يقول :
«إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ
» »
.
__________________
خامساً
: حرصعليهالسلام
على تأصيل الخصال الإسلامية في سلوكهم ، ونبذ خصال السوء ، ففي قول اللّه عزّوجلّ : «وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً
»
.
قالعليهالسلام
: «قولوا لهم أحسن ما تحبون أن يقال لكم ، ثم قال : إن اللّه عزوجل يبغض اللعان السباب ، الطعان الفحاش المتفحش ، السائل الملحف ، ويحب الحيي الحليم ، العفيف المتعفف
»
.
سادساً
: كانعليهالسلام
يطلب من شيعته أن لاينعزلوا عن محيطهم الاجتماعي ، وأن يتجردوا عن حبّ الذات ، لأن التشيع لا ينفك عن الألفة والأخوة ، وتحقيق أعلى مستويات التعاون والإيثار ، فأوصاهم بتعهد الجيران من الفقراء وأهل المسكنة والغارمين والأيتام.
وفي هذا الشأن ، يقول جابر بن يزيد الجعفي : «دخلت على أبي جعفر الباقرعليهالسلام
فقلت : أوصني يا ابن رسول اللّه. فقال :ليعن قويكم ضعيفكم ، وليعطف غنيكم على فقيركم ، وليساعد ذو الجاه منكم بجاهه من لا جاه له ، ولينصح الرجل أخاه كنصحه لنفسه ، واكتموا أسراركم ، ولا تحملوا الناس على رقابنا
»
.
وقالعليهالسلام
لأحد أصحابه : «يا اسماعيل ، أرأيت فيما قبلكم إذا كان الرجل ليس له رداء ، وعند بعض إخوانه فضل رداء ، يطرحه عليه حتى يصيب رداء؟ فقلت : لا. قال : فإذا كان له إزار يرسل إلى بعض إخوانه بإزاره حتى يصيب
__________________
إزارا
؟ فقلت : لا. فضرب بيده على فخذه ، ثم قال :ما هؤلاء باخوة
»
.
٢ ـ الحثّ على طلب العلم وتعليمه :
وفي المجال النظري حثّ الإمام الباقرعليهالسلام
أتباعه على طلب العلم ، باعتباره الدعامة الأولى والمقدمة الضرورية التي يرتكز عليها صرح المدرسة العلمية ، وذلك من خلال الارشادات التالية :
أولاً
: تحدثعليهالسلام
عن تمجيد العلم ، وبين ثمراته وفوائده ، وأثنى على طلابه.
عن جابر الجعفي ، عن أبي جعفرعليهالسلام
، قال : «سارعوا في طلب العلم ، فوالذي نفسي بيده لحديث واحد في حلالٍ وحرام ، تأخذه عن صادق ، خير من الدنيا وما حملت من ذهب وفضّة ، وذلك أنّ اللّه يقول :
«مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
» »
.
وقالعليهالسلام
: «ما من عبد يغدو في طلب العلم ويروح إلاّ خاض الرحمة ، وهتفت به الملائكة : مرحباً بزائر اللّه ، وسلك من الجنة مثل ذلك المسلك
»
.
ومن كلامهعليهالسلام
في هذا السياق ، قوله لبعض أصحابه : «تعلموا العلم ، فإن تعلّمه حسنة ، وطلبه عبادة ، ومذاكرته تسبيح ، والبحث عنه جهاد ، وتعليمه صدقة ، وبذله لأهله قربة ، والعلم ثمار
الجنة ، وأنس في الوحشة ، وصاحب في الغربة ، ورفيق في الخلوة ، ودليل على السراء ، وعون على
__________________
الضراء ، وزين عند الأخلاء ، وسلاح على الأعداء ، يرفع اللّه به قوماً فيجعلهم في الخير سادة ، وللناس أئمة ، يقتدى بفعالهم ، وتقتصّ آثارهم ، ويصلى عليهم كل رطب ويابس ، وحيتان البحر وهوامه ، وسباع البرّ وأنعامه
»
.
ثانياً
: شدد الإمامعليهالسلام
على ضرورة سؤال أهل العلم ومذاكرتهم ، لأن السؤال هو المفتاح الذي يلج منه الطالب إلى خزائن العلم ، قالعليهالسلام
: «العلم خزائن ، والمفاتيح السؤال ، فاسألوا يرحمكم اللّه ، فانه يؤجر في العلم أربعة : السائل ، والمتكلم ، والمستمع ، والمحبّ لهم
»
.
وقال : «ألا إن مفاتيح العلم السؤال
، وأنشأ يقول :
شفاء العمى طول السؤال وانما
|
|
تمام العمى طول السكوت على الجهل»
|
أما المذاكرة في العلوم ، فإنها تفتح آفاق الدراسة والمعرفة الواسعة ، وذلك من وسائل إحياء للعلم ، قال الباقرعليهالسلام
: «رحم اللّه عبداً أحيا العلم
. فقيل : وما إحياؤه؟ قال :إن يذاكر به أهل الدين والورع
»
.
وقالعليهالسلام
: «تذاكر العلم ساعة خير من قيام ليل
»
.
وقالعليهالسلام
: «تذاكر العلم دراسة ، والدراسة صلاة حسنة
»
.
__________________
وهنا يرتفع الإمامعليهالسلام
بدراسة العلم إلى مستوى الصلاة والعبادة ، فأنت حينما تتدارس العلم مع الآخرين ، فكأنك تصلي وتتعبد ، يصلي عقلك ويتعبّد إلى اللّه سبحانه حتى يفيض عليه الحقيقة مما لم يطلع عليه في دراسته وحده.
فالعلم لا يقتصر على أن نقرأ ونسمع ، لأن التلقي والتلقين وحدهما من المسائل السلبية التي لا يتعمق بهما العلم ، ولا تُفتح آفاقه ، وهذا من التعاليم الراقية لمن يريد أن ينهض بتأسيس مدرسة علمية تلتقي فيها مختلف الطوائف ، لأن التذاكر يجعل الفكر يصطدم بفكر الآخر أو ينفتح عليه ، كما قد يكون التذاكر تفاعلاً ذاتيا مع العلم ، مما يجعل العلم يتعمق في الذات.
ثالثاً
: وضع الإمام الباقرعليهالسلام
الأسس القويمة لآداب المتعلمين ، قالعليهالسلام
: «إذا جلست إلى عالم فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول ، وتعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن القول ، ولا تقطع على أحد حديثه
»
.
وتحدّث الإمامعليهالسلام
عن الروحية التي ينبغي للمتعلم أن يعيشها في طلب العلم ، فقالعليهالسلام
: «من طلب العلم ليباهي به العلماء ، أو يماري به السفهاء ، أو يصرف به وجوه الناس إليه ، فليتبوأ مقعده من النار ، إن الرياسة لا تصلح إلاّ لأهلها
»
.
ذلك لأن هناك من يطلب العلم للشيطان ولا يطلبه للّه ، فقد يريد من العلم أن يخدم شخصه في الجاه أو الكسب المادي ، كي يصرف وجوه الناس إليه ،
__________________
وهناك من يتشدق به في مواجهة العلماء ، أو يجادل به السفهاء ، لتأكيد ذاته مباهاة وافتخاراً ، وفي المقابل فإن هناك من يطلب العلم من أجل أن ينير ذاته في معرفة الحقيقة ، وأن ينير بالعلم مجتمعه.
رابعاً
: تحدّث الإمام أبو جعفرعليهالسلام
في كثير من أحاديثه عن صفات العلماء ، ودعاهم إلى الابتعاد عن الآفات النفسية سيما الحسد ، وإلى عدم استصغار من هو دونهم من صغار طلابهم ، قالعليهالسلام
: «لا يكون العبد عالماً حتى لا يكون حاسداً لمن فوقه ، ولا محقراً لمن دونه
»
.
ونهى المتصدين منهم للإفتاء عن الفتوى بغير علم ، لأنها مصدر لضلالة الأمة ، قالعليهالسلام
: «ما علمتم فقولوا ، وما لم تعلموا فقولوا : اللّه أعلم
»
.
واعتبر ذلك من حقوق اللّه سبحانه على العباد ، فقد سأله زرارة : «ما حق اللّه على العباد؟ فقالعليهالسلام
:أن يقولوا ما يعلمون ، ويكفوا عما لا يعلمون ، فإذا فعلوا ذلك فقد أدوا إلى اللّه حقه
»
.
وطلب الإمامعليهالسلام
من أهل العلم العمل بمقتضى العلم ، وتطبيق ما علموه على واقع حياتهم ، لأن ذلك يفتح عليهم آفاقاً علمية رحبة ، قالعليهالسلام
: «من عمل بما يعلم ، علمه اللّه ما لا يعلم
»
.
وقالعليهالسلام
: «إذا سمعتم العلم فاستعملوه
»
.
__________________
ودعاهم إلى تعاطي العلم وإشاعته بين الناس ، جاعلاً ذلك بمثابة الزكاة للعلم ، يقولعليهالسلام
: «زكاة العلم أن تعلمه عباد اللّه
»
.
خامساً
: بيّن الإمامعليهالسلام
نوع العلم الذي ينبغي على المعلّم تعليمه إلى طلابه ، فيقولعليهالسلام
: «من علّم باب هدى ، فله مثل أجر من عمل به ، ولا ينقص أولئك من أجورهم شيئاً ، ومن علم باب ضلال ، كان عليه مثل أوزار من عمل به ، ولا ينقص أولئك من أوزارهم شيئاً
»
.
سادساً
: أشادعليهالسلام
بفضل العلماء ، وبين سمو منزلتهم ، فقالعليهالسلام
: «العالم كمن معه شمعة تضيء للناس ، فكل من أبصر شمعته دعا له بخير
»
.
وقالعليهالسلام
: «إن الذي يعلّم العلم منكم ، له مثل أجر المتعلّم ، وله الفضل عليه ، فتعلموا العلم من حملة العلم ، وعلموه إخوانكم كما علمكم العلماء
»
.
وقالعليهالسلام
: «عالم ينتفع بعلمه ، أفضل من سبعين ألف عابد
»
.
٣ ـ الانفتاح على الأمة بكل طوائفها :
رغم أن الإمام الباقرعليهالسلام
يمثل عنواناً مذهبياً في ما يعتقده كثير من المسلمين بأنه إمام في موقع الوصاية من الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم
، إلاّ أنه كان منفتحاً على مختلف أطياف الواقع الإسلامي ، وكان مرجعاً لها جميعاً ، وحرص على أن تمتاز مدرسته بالسعة والشمولية والتنوع ، بحيث يصدق عليها مدرسة الإسلام الكبرى ،
__________________
ويتضح ذلك مما يلي :
أولاً
: التواضع العلمي ، وهو المقدمة الأساسية لتحقيق الانفتاح على الأمة ، وأبدى الإمام الباقرعليهالسلام
تواضعه العلمي في روايته حديث اللوح عن جابر مع علمه الأكيد بهذا الحديث الشريف ، فقد ثبت في الصحيح أنهعليهالسلام
عارض ما يحفظ من حديث اللوح الذي يتضمن النص على أئمة أهل البيت:
واحداً واحداً ، بالأصل الذي كان عند الصحابي الجليل جابر بن عبد اللّه الأنصاريعليهما السلام
، وتجشم زحمة الذهاب إلى بيت جابر لهذا الغرض ، وجاء في الرواية أنهعليهالسلام
قال لجابر :هل لك يا جابر أن تعرضه علي
؟ فقال : نعم ، فمشى معهعليهالسلام
حتى انتهى إلى منزل جابر ، فأخرج إليه صحيفة من رقّ ، فقال :يا جابر ، انظر أنت في كتابك لأقرأه أنا عليك
، فنظر جابر في نسخته ، فقرأه عليه وما خالف حرف حرفاً
.
ولا يخلو هذا العمل من محاولة الإمامعليهالسلام
إثارة الوازع في نفوس أصحابه لطلب العلم ، ودفعهم باتجاه التفاني في سبيل الحفاظ على السنة المحمدية وتدوينها.
ويدل على تواضعه من خلال تواصله العلمي ومراسلاته الفقهية وحواراته الفكرية والكلامية مع علماء الإسلام من مختلف أوساط الأمة بمن فيهم حكام الجور الأمويين وفقهائهم ، كالحسن البصري ، ونافع مولى عبد اللّه ابن عمر ، والأبرش بن الوليد الكلبي وزير هشام بن عبد الملك ، وقتادة بن دعامة البصري ، وسالم التمار من الزيدية ، وطاوس اليماني ، وعبد اللّه بن معمر الليثي ، وعبد اللّه بن المبارك ، وعمر بن عبد العزيز ، وعمرو بن عبيد من المعتزلة وآخرين ، باعتبار أن الحوار هو الذي يقلّص مساحة الخلاف.
__________________
ثانياً
: استقطاب رواد المعرفة بغض النظر عن توجهاتهم الفكرية والفقهية والعقدية ، فتجد في مجلسه وحلقة درسه مختلف رجالات الفكر من شتى ديار الإسلام ، منهم العامي والزيدي والمعتزلي والمتصوف والخارجي وغيرهم ، فلا يضيق مجلسه بفكر يختلف مع فكره ، ولا بعالم يلتزم اجتهاداً أو يتبنى مذهباً معيناً في الفقه أو الكلام.
قال الشيخ الطبرسي في ذكره لتاريخ الإمام الباقرعليهالسلام
: يختلف إليه الخاص والعام ، ويأخذون عنه معالم دينهم ، حتى صار في الناس علماً تضرب به الأمثال
.
ويقول أبو زهرة : ورث الباقر إمامة العلم ونبل الهداية عن أبيه زين العابدين ، ولذا كان مقصد العلماء من كل البلاد الإسلامية ، وما زار أحد المدينة ، إلاّ عرج على بيت محمد الباقر يأخذ عنه ، وكان ممن يزوره علماء من الذين يتشيعون لآل البيت ، وعلماء من أهل السنة ، وكان يقصده بعض المنحرفين الغلاة في تشيعهم الذين أفرطوا ، فكان يبين لهم الحق ، فإن اهتدوا أخذ بيدهم إلى الحق الكامل ، وان استمروا على غيهم صدهم ، وأخرجهم من مجلسه ، وكان يقصده من أئمة الفقه والحديث كثيرون ، منهم سفيان الثوري ، وسفيان بن عيينة محدث مكة ، ومنهم الإمام أبو حنيفة
فقيه العراق ، وكان
__________________
يرشد كل من يجيء إليه ، ويبين له الحق الذي لا عوج فيه
.
وعدا من ذكر أبو زهرة ، عدّ المترجمون للإمامعليهالسلام
من رجال العامة أعلاماً آخرين تلقوا العلم عنهعليهالسلام
، مما يدل على سعة مدرسته وتنوعها ، منهم : أبو إسحاق السبيعي ، وأبيض بن أبان ، والأعمش ، والأوزاعي إمام الشام ، وحجاج بن أرطاة ، وحرب بن سريج ، وحفص بن غياث ، والحكم بن عتيبة ، وخالد بن طهمان أبو العلاء الخفاف السلولي ، وربيعة الرأي ، والزهري ، وأخوه زيد ، وعبادة بن صهيب ، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج ، وعبد اللّه بن أبي بكر ابن حزم شيخ مالك ، وعبد الملك بن جريج إمام مكة ، وعطاء بن أبي رباح ، وعمر بن خالد الواسطي ، وعمرو بن دينار ، والقاسم بن الفضل الحذاء ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر ، وقرة بن خالد البصري ، وكيسان صاحب الصوفية ، وليث بن أبي سليم ، ومالك ، ومحمد بن المنكدر ، ومحمد بن يوسف ، ومخول بن راشد ، ومعمر بن يحيى ، ومكحول بن راشد ، ووكيع ، ويحيى بن أبي كثير ، وغيرهم
.
وعدّ المترجمون لهعليهالسلام
من الشيعة رجالاً من الزيدية أو البترية رووا عنهعليهالسلام
معالم الدين ، منهم : أبو المقدام ثابت الحداد ، والحسن بن صالح بن حي ، وإليه تنسب الزيدية الصالحية ، وأبو الجارود زياد بن المنذر ، وإليه تنسب
__________________
الزيدية الجارودية ، وسالم التمار ، وسعيد بن خيثم الهلالي وأخوه معمر وكانا من دعاة زيد ، وسلمة بن كهيل ، وصباح بن قيس بن يحيى المزني ، وطلحة بن زيد ، وعمر بن قيس الماصر ، وعمرو بن جميع ، وعمرو بن خالد الواسطي ، وغياث بن إبراهيم ، وقيس بن الربيع ، وكثير النواء ، ومحمد بن زيد ، ومسعدة ابن صدقة ، ومقاتل بن سليمان ، ومنصور بن المعتمر ، ويوسف بن الحارث.
وذكروا أيضاً جملة من أعلام الأمة تطول قائمة تعدادهم ، فيهم خيرة وفضلاء وأئمة التابعين ومن قاربهم من شيوخ آل أبي طالب وغيرهم ممن روى عنه وتلمذ له في مدرسته
.
ونحن حينما ندرس تلك المرحلة ، نلمس الدرس الوحدوي الإسلامي في مسألة الثقافة والفكر ، بعيداً عن كل ما يثير الخلاف والتناحر ، وعلى ضوئه يمكننا اليوم أن نوسع ساحتنا الإسلامية ، كي ينطلق المسلمون مع اختلاف أفكارهم وتعددها ، ليلتقوا في مدرسة واحدة ، يطرح فيها كل واحد فكره ، دون أي تعقيد أو احراج ، فما دام الاختلاف في تحديد ما هو الإسلام عقيدة وشريعة ومفاهيم ، وما دامت المسألة هي في اكتشاف الحقيقة الإسلامية من الكتاب والسنة ، فلماذا يحمل المسلم في داخله حقداً على أخيه المسلم الآخر ، قد يصل إلى حد الاقصاء والتكفير وإباحة إزهاق الأرواح على الهوية ، مثلما يحصل اليوم في عراقنا الدامي من قبل عصابات الاجرام الضالة التي تقودهم الوهابية على مرأى ومسمع كل أحد!
__________________
هل روى عنهعليهالسلام
من يحتج به؟
قد يبدو هذا السؤال غريباً مع ما ذكرنا من أسماء الرجال الذين رووا العلم عن الإمام الباقرعليهالسلام
، وما ذكره الذين ترجموا للإمامعليهالسلام
من أنه روى عنه معالم الدين بقايا الصحابة ، ووجوه التابعين ، ورؤساء فقهاء المسلمين ، وكبار أئمة الحديث ، ووصفهم الذهبي والسيوطي بالخلق أو الخلائق مما يدل على كثرتهم
.
ولكن ابن سعد في طبقاته يقول في ترجمة الباقرعليهالسلام
: كان ثقة كثير العلم والحديث ، وليس يروي عنه من يحتج به
، وهل يعقل أنه لم يطلع على هذا اللفيف من رجالات الأمة بمختلف مشاربهم واتجاهاتهم واطلع فقط على الضعفاء الذين رووا الحديث عنهعليهالسلام
؟ فهلا يحتج بأمثال فطاحل العلم ابنه جعفر الصادقعليهالسلام
وأخوه زيد ، وأعلام التابعين وأئمة العلم في عصره؟! فانظر أين وصلت العصبية بابن سعد في تجاهله مثل هذه الحقائق الدامغة ، فكان كمن أراد تغطية ضوء الشمس بغربال؟
٤ ـ اعتماد الكتاب والسنة :
الكتاب والسنة الأساسان المتينان لأي مدرسة علمية تتصدى لنشر علوم الإسلام ، والابتعاد عنهما يعني البناء على قاعدة هشّة ، لا تلبث أن تنزع عنها رداء الإسلام وهويته لتلحق بمدارس الهوى والضلال والانحراف.
من هنا يعتقد أئمة أهل البيت:
وشيعتهم من بعدهم اعتقاداً راسخاً بأن القرآن الكريم والسنة النبوية قولاً وفعلاً وتقريراً ، هما أصل التشريع ومصدره
__________________
الأم بلا منازع ، ومن ذلك ندرك سرّ التلازم والتوافق بين القرآن الكريم والعترة المطهرة القائم منذ صدور حديث الثقلين ، والباقي ما دام هناك مسلم على وجه الأرض ، وعلى هذه الخطى جاء عن الإمام الباقرعليهالسلام
جملة توصيات :
أولاً
: دعا الإمام الباقرعليهالسلام
ومن قبله آباؤه:
إلى مركزية الكتاب الكريم ، وكونه حاكماً على جميع ما نسب إلى السنة في جميع الأحكام الشرعية والعقائد التي جاء بها أهل البيت:
عن جدهم رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
. قال الإمام الباقرعليهالسلام
: «انظروا أمرنا وما جاءكم عنا ، فان وجدتموه موافقاً القرآن فهو من قولنا ، وما لم يكن موافقاً للقرآن ، فقفوا عنده وردوه الينا ، حتى نشرحه لكم كما شرح لنا
»
.
وقالعليهالسلام
: «إن على كل حق نوراً ، وما خالف كتاب اللّه فدعوه
»
.
وعلى ضوء ذلك ، كانعليهالسلام
إذا سئل عن حديث يحدّث به أشار إلى دليله من كتاب اللّه ، حتى يبدو حديثه وكأنّه انتزاعات من القرآن المجيد. عن أبي الجارود ، قال : قال أبو جعفرعليهالسلام
: «إذا حدثتكم بشيء فاسألوني من كتاب اللّه
، ثم قال في بعض حديثه : إن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
نهى عن القيل والقال ، وفساد المال ، وكثرة السؤال
. فقيل له : يا بن رسول اللّه ، أين هذا من كتاب اللّه عزوجل؟ قال :قوله :
«لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ
»
،وقال
: «وَلاَ تُوءْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي
__________________
جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً
»
، وقال : «لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُوءْكُمْ
» »
.
فالقرآن نور يضيء لنا الطريق في ثقافتنا وروحيتنا وحركتنا في الحياة ، وهو الأساس الأول الحري بأن نتدبره ونستلهًمه ، ونجعله كتاب الحياة الذي ينفتح على كل ما يحقق للإنسان الخير والسعادة ، ولا نجمده من خلال تخلفنا وجهلنا.
ثانياً
: نقل السنة النبوية ، كان الإمام الباقرعليهالسلام
رافداً عظيماً للعلم النبوي ، وقد اضطلع بدور تأريخي في ربط زمان صدور السنة المباركة بزمانه الذي تغير فيه المسار ، وذلك من خلال جسر من النصوص المحمدية التي تستطيع معالجة مشكلات الحياة على وجه الأرض ، وتنتزع منها القواعد التي تساير الحياة إلى يوم الدين.
والصفة الثابتة لتلك السنة لا تمثل تطلعات وآراء خاصة مطلقاً ، بل هي آثار مودعة لديهعليهالسلام
من علوم النبوة ومكنون الرسالة ، توارثها أهل البيت:
كابراً عن كابر ، واكتنزوها في صدورهم كما يكنز الناس ذهبهم وفضتهم.
عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام
، في حديثه لجابر الجعفي ، قال : «يا جابر ، إنا لو كنّا نحدثكم برأينا وهوانا لكنا من الهالكين ، ولكنا نحدثكم بأحاديث نكنزها عن رسول اللّه
صلىاللهعليهوآلهوسلم
كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم
»
.
وعنهعليهالسلام
قال : «لو أنا حدثنا برأينا ضللنا ، كما ضل من كان قبلنا ، ولكنا
__________________
حدثنا ببينة من ربنا بينها لنبيه فبينها لنا
»
.
ويؤكدعليهالسلام
حجية حديث أهل البيت:
، باعتباره امتداداً لحديث رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
، ورواية صادقة له ، فحينما سئل عن الحديث يرسله ولا يسنده ، قال :إذا حدثت الحديث ولم أسنده ، فسندي فيه : أبي ، عن جدي ، عن أبيه ، عن جده رسول اللّه
صلىاللهعليهوآلهوسلم
، عن جبرئيل
عليهالسلام
، عن اللّه عزوجل
.
ثالثاً
: الموروث المدوّن ، حيث تداول أهل البيت:
عدة كتب منها : الجفر والجامعة والصحيفة ومصحف فاطمة ، وكتاب عليعليهالسلام
، الذي يشتمل على الشرائع والسنن الالهية بخط عليعليهالسلام
، واملاء رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
، وقد وصلت الإمام أبي جعفر الباقرعليهالسلام
، ومن بعده من أئمة أهل البيت:
.
روى حمران بن أعين عن أبي جعفرعليهالسلام
، قال : أشار إلى بيت كبير ، وقال : «يا حمران ، إن في هذا البيت صحيفة طولها سبعون ذراعاً بخط علي ، وإملاء رسول اللّه ، ولو ولينا الناس لحكمنا بينهم بما أنزل اللّه ، لم نعدُ ما في هذه الصحيفة
»
.
وأخرج الإمام محمد الباقرعليهالسلام
كتاب عليعليهالسلام
أمام بعض أهل العلم ، وجعل ينظر فيه وكان كتاباً مدروجاً عظيماً ، روى ذلك النجاشي بسنده عن محمد بن عذافر بن عيسى الصيرفي المدائني ، قال : «كنت مع الحكم بن عتيبة عند أبي جعفرعليهالسلام
، فجعل يسأله ، وكان أبو جعفرعليهالسلام
له مكرماً ، فاختلفا في شيء ، فقال أبو جعفرعليهالسلام
: يا بني قم ، فأخرج كتاب علي
، فأخرج كتاباً مدروجاً عظيماً
__________________
ففتحه ، وجعل ينظر حتى أخرج المسألة. فقاله أبو جعفرعليهالسلام
:هذا خط علي
عليهالسلام
، وإملاء رسول اللّه
صلىاللهعليهوآلهوسلم
، وأقبل على الحكم ، وقال : يا أبا محمد ، اذهب أنت وسلمة وأبو المقدام حيث شئتم يميناً وشمالاً ، فواللّه لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرئيل»
عليهالسلام
.
رابعاً
: وجه الإمامعليهالسلام
الأنظار إلى ضرورة أخذ العلم من منابعه الصحيحة ومدرسته الوثقى ، وأهله الذين نزل في بيوتهم ، ولم تجد الأمة علماً أوثق ولا أصح مما خرج من أهل البيت:
حصراً.
عن أبي مريم ، قال : «قال أبو جعفرعليهالسلام
لسلمة بن كهيل والحكم بن عتيبة :شرّقا وغرّبا ، فلا تجدان علماً صحيحاً إلاّ شيئاً خرج من عندنا أهل البيت
:
»
.
وقالعليهالسلام
: «كل شيء لم يخرج من هذا البيت فهو وبال
»
.
وعن عبد اللّه بن سليمان ، قال : «سمعت أبا جعفرعليهالسلام
يقول وعنده رجل من أهل البصرة يقال له عثمان الأعمى ، وهو يقول : ان الحسن البصري يزعم أن الذين يكتمون العلم يؤذي ريح بطونهم أهل النار ، فقال أبو جعفرعليهالسلام
:فهلك إذن مؤمن آل فرعون! ما زال العلم مكتوماً منذ بعث اللّه نوحاً
عليهالسلام
، فليذهب الحسن يميناً وشمالاً ، فواللّه ما يوجد العلم إلاّ هاهنا
»
.
وفي رواية : «فواللّه ما يوجد العلم إلاّ عند أهل العلم الذين نزل عليهم
__________________
جبرئيل
»
.
وعن زرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام
ـ في حديث ـ قال : «إنه ليس أحد عنده علم شيء إلاّ خرج من عند أمير المؤمنين
عليهالسلام
، فليذهب الناس حيث شاءوا ، فواللّه ليس الأمر إلاّ من هاهنا
، وأشار بيده إلى بيته
، وأشار بيده إلى صدره»
.
على أن دعوة الإمام أبي جعفرعليهالسلام
إلى التمسك بهدي القرآن والسنة وتركيزه على مركزيتهما ، لاقت آذاناً صاغية من بعض أعلام الأمة حتى على المستوى التشريعي الذي غالباً ما يختلف الفقهاء في فروعه.
عن قيس بن الربيع ، قال : سألت أبا اسحاق السبيعي عن المسح ، فقال : «أدركت الناس يمسحون حتى لقيت رجلاً من بني هاشم لم أر مثله قط ، محمد بن علي بن الحسين ، فسألته عن المسح على الخفين فنهاني عنه ، وقال : لم يكن أميرالمؤمنينعليهالسلام
يمسح ، وكان يقول : سبق الكتاب المسح على الخفين. قال أبوإسحاق : فما مسحت منذ نهاني عنه. وقال قيس بن الربيع : وما مسحت أنا منذ سمعت أبا إسحاق»
.
٥ ـ مجابهة الرأي والقياس :
بالنظر لاختلاف جيل التابعين حول مصادر الفقه التي يستقون منها أحكامهم ، وحول جواز الرجوع إلى الرأي ، تشعّبت الآراء في تلك الفترة إلى
__________________
إتجاهين متباينين ، هما اتجاه الحديث ، ومركزه المدينة المنورة ، واتجاه الرأي ، ومركزه الكوفة ، فألغى الأول اتجاه الرأي ، وتوقّفت النصوص الشرعية إلى حدّ الجمود على ظواهرها ، بينما الاتجاه الثاني بالغ باستخدام الرأي ، وتشدّد في قبول الحديث ، فضيّق دائرة العمل بالحديث ، وتبع ذلك التوسّع في الأخذ بالقياس.
ولا شك أن تضيق دائرة الحديث هو من تداعيات الحظر على تدوين الحديث وروايته الذي فرضته السلطة بعد وفاة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم
، الأمر الذي جعل بعض الفقهاء ينأى بنفسه عن مصادر التشريع الأصيلة المتمثلة بالكتاب والسنة ، ويلجأ إلى اعتماد عناصر جديدة في استنباط الأحكام الشرعية ، وهي القياس والرأي والاستحسان والعرف والمصالح المرسلة التي دخلت بقوة في خط الاجتهاد حتى بلغت ذروتها على يد أبي حنيفة
الذي اشتهر بكثرة القياس في الفقه.
وقد وقف الإمام الباقر وأولاده المعصومون:
من بعده بوجه هذه القواعد الاجتهادية ، وقاوموا اجتهاد الرأي ، وتصدوا لتفنيد آراء ومزاعم القائلين بها ، من خلال ما يلي :
أولاً
: التأكيد على أن النصوص الشرعية تفي بتزويد الفقيه ما يحتاج إليه ، أو بعبارة أخرى التأكيد على شمولية الكتاب والسنة لحاجات الإنسان كلّها ، بل وحتى لما يطرأ عليها من مسائل في المستقبل ، قال الإمام الباقرعليهالسلام
: «إن اللّه تبارك وتعالى لم يدع شيئاً تحتاج إليه الأمة إلاّ أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله
صلىاللهعليهوآلهوسلم
، وجعل لكل شيء حداً وجعل عليه دليلاً يدل عليه ، وجعل على
__________________
من تعدى ذلك الحد حداً
»
.
فلا توجد واقعة في الحياة إلاّ ويمكن إدراجها تحت الأحكام الكلية المستنبطة من الكتاب والسنة دون الرجوع إلى الرأي ، وإذا وجد رأي يقول بعدم ذلك ، فيلجأ إلى الاستحسان والرأي ، فالمشكلة ليست في أن اللّه سبحانه لم يبيّن للإنسان الخطوط التفصيلية التي يحتاجها في تلبية حاجات الحياة ومواجهة مشكلاتها ، بل هي في أن الناس تركوا ما أمروا به من الانصياع إلى أهل البيت:
وأخذ معالم الدين عنهم ، ولو فعلوا ذلك لاستطاعوا أن يكتشفوا الحل الإسلامي لأية مشكلة طارئة تعترى حياتهم.
ثانياً
: رفض القياس ، وعدّه ابتداعاً في الدين ومحقاً له ، لما فيه من جرأة على تجاوز أحكام اللّه تعالى ، وتهاون بالسنة والحديث ، وتعويل على العقل من غير حجة شرعية ولا دليل معتبر. عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام
، قال : «إنَّ السنّة لا تقاس ، وكيف تقاس السُنّة ، والحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة؟!»
.
إذ لو صحّ القياس كدليل لوجب على الحائض أن تقضي صلاتها دون صومها ، وهو كما ترى.
وعنهعليهالسلام
، قال : «من أفتى الناس برأيه ، فقد دان اللّه بما لا يعلم ، ومن دان اللّه بما لا يعلم ، فقد ضادَّ اللّه حيث أحلَّ وحرَّم فيما لا يعلم
»
.
ثالثاً
: بلورة اتجاه معارض لمدرسة الحديث والرأي في الأوساط العلمية
__________________
آنذاك ، وضع حجره الأساس الإمام الباقرعليهالسلام
من خلال تحديد معالم مدرسة أهل البيت ومصادر أصولها التشريعية ، المستندة إلى الكتاب والسنة ودليل العقل ، والقول بعصمة أهل البيت:
في تبليغ الأحكام والحدود ، وحجية حديثهم باعتباره الامتداد الصحيح لحديث رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
، من هنا كانت مدرسة أهل البيت بمثابة النمرقة الوسطى بين تيارين فكريين متنازعين ، وقد أثمرت جهود روادها في التخفيف من غلواء هذين التيارين.
رابعاً
: مواجهة الداعين إلى القياس بالحوار والمناظرة ، فقد حاور الإمام الباقرعليهالسلام
أبا حنيفة حول القياس في الفقه ، حين لقيه في المدينة أيام الموسم ، فقال : «أنت الذي حولت دين جدي وأحاديثه إلى القياس
؟ فقال : معاذ اللّه عن ذلك ، اجلس مكانك كما يحق لي ، فان لك عندي حرمة كحرمة جدكصلىاللهعليهوآلهوسلم
في حياته على أصحابه »
.
ومهما قيل في هذا الحوار ، فإنه يدل على إنكار الإمام الباقرعليهالسلام
للقياس ، وأنه كان يتابع ما يجري على الساحة الفكرية ، ويراقب أعلام الأمة فيما يطرحون من أفكار ، وكان يحاور كي يقلّص من مساحات الخلاف ، باعتباره إمام الأئمة الذي يقوم بدوره الرسالي.
يقول الشيخ أبو زهرة : من هذا الخبر نتبين إمامة الإمام الباقر للعلماء ، يحضرهم إليه ، ويحاسبهم على ما يبلغه عنهم ، أو يبدو منهم ، وكأنه الرئيس يحكم مرؤوسيه ليحملهم على الجادة ، وهم يقبلون طائعين غير مكرهين تلك الرئاسة
.
__________________
قال الشاعر :
سمت به معاهد العلم إلى
|
|
هام الضراح والسماوات العلى
|
حتى تجلت لأولى الألباب
|
|
حقائق السنة والكتاب
|
أحكمها بمحكم الأساس
|
|
جلت عن الرأي أو القياس
|
وسد باب الظن والتخمين
|
|
بفتح باب العلم واليقين
|
وبابه المفتوح باب الباري
|
|
وباب علم المصطفى المختار
|
هل يترك العين ويطلب الأثر
|
|
فما أضل من تولى وكفر!
|
فاتبعوا إبليس في قياسه
|
|
واستحسنوا البنا على أساسه
|
واتخذوا سبيله سبيلا
|
|
ما راقبوا اللّه ولا الرسولا
|
صدوا عن الحق وتاهوا في العمى
|
|
في مثله تحبس قطرها السما
|
حادوا عن العترة والكتاب
|
|
بل نكسوا قُدما على الأعقاب
|
٦ ـ اعداد المؤلفين والثقات :
كان الكثير من أصحاب الإمام الباقرعليهالسلام
يزدحمون في حلقة درسه ويختلفون إليه في جميع المناسبات ، ولكثرتهم أفردهم ابن عقدة في كتاب من روى عن أبي جعفرعليهالسلام
، وعدّ الشيخ الطوسي (٤٦٨) من أصحابه والرواة عنه من مختلف ديار الإسلام ، ومن مختلف الاتجاهات ، فتجد فيهم العامي والزيدي والمعتزلي والمتصوف والخارجي وغيرهم ، وتجد فيهم النساء إلى جانب الرجال ، ممن شمرن عن ساعد الجدّ للرواية عن الإمامعليهالسلام
، ومنهن ابنته
__________________
خديجة ، وحبابة الوالبية.
وقد أثمرت توصيات الإمام الباقرعليهالسلام
وجهوده في اعداد النخبة الصالحة من هذا الجمع ، أن تمخضت عن كوكبة من الرجال الثقات المخلصين والمؤلفين الذين أوقفوا حياتهم على حمل راية العلم ومعالم الدين وتبليغه إلى سائر البلدان.
وكان أهم انجازاتهم في هذا الاتجاه :
أولاً
: عملوا على صيانة آثار النبوة وحديث أهل البيت:
وتراثهم من مطبات الوضع والتزوير ، وأوصلوه إلينا بأمانة عبر الأجيال المتعاقبة.
قال أبو عبد اللّهعليهالسلام
: «رحم اللّه زرارة بن أعين ، لولا زرارة ونظراؤه لاندرست أحاديث أبيعليهالسلام
»
.
وقالعليهالسلام
: «بشّر المخبتين بالجنة : بريد بن معاوية العجلي ، وأبو بصير بن ليث البختري المرادي ، ومحمد بن مسلم ، وزرارة ، أربعة نجباء أمناء اللّه على حلاله وحرامه ، لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوة واندرست
»
.
ثانياً
: تميزت منهم شخصيات واعية تتمتع بذهنية علمية قادرة على التفكير والتحليل ، أسهمت في اثراء مدرسة أهل البيت:
بالمتخصصين في حقول المعرفة المختلفة ، وأرست قواعد التحديث والحديث وأصول الاجتهاد والاستنباط. قال الصادقعليهالسلام
: «ما أجد أحداً أحيا ذكرنا وأحاديث أبي
عليهالسلام
إلاّ زرارة ، وأبو بصير ليث المرادي ، ومحمد بن مسلم ، وبريد بن معاوية العجلي ، ولولا هؤلاء ماكان أحد يستنبط هذا. هؤلاء حفاظ الدين ، وأمناء أبي
عليهالسلام
على
__________________
حلال اللّه وحرامه
»
.
ثالثاً
: تنوعهم الجغرافي أوصل صوت الإمامعليهالسلام
إلى بقعة جغرافية شاسعة ، وأسهم في اتساع مرجعيته الفكرية والروحية ، فتجد فيهم الكوفي ، والبصري ، والموصلي ، والبغدادي ، والمدائني ، والأنباري ، والواسطي ، والرصافي ، والحجازي ، والمدني ، والمكي ، والطائفي ، والشامي ، والحلبي ، واليماني ، والحضرمي ، والهجري ، والمصري ، والنيسابوري ، والجبلي ، والكناسي ، والهمذاني ، والبرقي ، والسجستاني ، والقمي وغيرهم.
رابعاً
: تنوع الاختصاص في مختلف ضروب المعرفة الإنسانية ، من علوم لغوية وشرعية وطبيعية ، أكسب مدرسة أهل البيت البقاء والدقة والشمولية ، وأدى إلى نشاط ملحوظ في حركة التأليف.
فتجد في أصحابهعليهالسلام
المفسر والقارئ والفقيه والمتكلم والراوي والشاعر واللغوي والمؤرخ وغيرهم ، فمن أصحاب أبي جعفرعليهالسلام
من علماء التفسير وعلوم القرآن : أبو النضر محمد بن السائب بن بشر الكلبي ، وهو أول من صنف في علم أحكام القرآن ، وله تفسير كبير ، وجابر بن يزيد الجعفي ، وأبو بصير ، وأبو حمزة الثمالي ، وصنف أبان بن تغلب في معاني القرآن
، وتفسير غريب القرآن.
ومن الفقهاء الذين أجمعت العصابة على تصديقهم ، وكونهم أفقه الأولين ستة : زرارة ، ومعروف بن خربوذ ، وبريد ، وأبو بصير الأسدي ، والفضيل بن
__________________
يسار ، ومحمد بن مسلم الطائفي ، وقالوا : وأفقه الستة زرارة
.
ومن الفقهاء القراء : سليمان بن خالد الأقطع ، وأبان بن تغلب ، وكان أبان عالماً بالقراءات ، وله كتاب القراءات
، قرأ على عاصم ، وأبي عمرو الشيباني ، وطلحة بن مصرف ، والأعمش
، ومنهم حمران بن أعين ، وهو مقرئ كبير ، أخذ القراءة عرضاً عن أبي جعفرعليهالسلام
وآخرين ، وروى القراءة عنه عرضاً حمزة الزيات
.
وممن اهتمّ بالكلام من أصحابهعليهالسلام
: زرارة بن أعين بن سنسن ، وله مصنفات في الاستطاعة والجبر.
ومن أعلام اللغة والأدب : الشاعر الحجازي سديف بن مهران بن ميمون المكي ، ومالك بن أعين الجهني ، والكميت بن زيد الأسدي ، والشاعر الفقيه عبد اللّه بن غالب الأسدي ، وكثير عزّة ، وأبو جعفر محمد بن الحسن بن أبي سارة الرواسي الكوفي ، أستاذ الكسائي ، وإمام الكوفيين في النحو ، وأقدمهم بالتصنيف فيه.
وممن كتب في التاريخ : أبان بن تغلب ، وعبد اللّه بن إبراهيم بن محمد الجعفري ، ومحمد بن مبشر الثقفي ، ومسمع بن عبد الملك ، الملقب كردين.
ولكي نطلع القارئ الكريم على دور أصحاب الإمام الباقرعليهالسلام
في رفع منار
__________________
العلم وإقامة عماده ، وامتياز مدرسة أهل البيت بسعة معارفها وتنوع رجالها ، نعرض هنا مجموعة مختارة من أصحابه الثقات والمؤلفين :
١ ـ أبان بن تغلب بن رباح
. كان عظيم المنزلة في أصحابنا ، لقي علي بن الحسين وأبا جعفر وأبا عبد اللّه:
، وروى عنهم ، وكانت له عندهم منزلة وقدم. وكان أبان;
مقدماً في كل فن من العلم في القرآن والفقه والحديث والأدب واللغة والنحو ، وله كتب ، منها : تفسير غريب القرآن
، وكتاب الفضائل ، وكتاب صفين ، ولأبان قراءة مفردة مشهورة عند القراء ، وكان قارئاً من وجوه القراء. روي أنه كان اذا قدم المدينة تقوّضت إليه الحلق ، وأخليت له سارية النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
. وقال له الباقرعليهالسلام
: «اجلس في مسجد المدينة وأفت الناس ، فإني أحب أن يرى في شيعتي مثلك
». ومات أبان في حياة أبي عبد اللّه الصادقعليهالسلام
، سنة ١٤١ هـ ، فلما أتاه نعيه قال : «أما واللّه لقد أوجع قلبي موت أبان
»
.
٢ ـ إبراهيم بن أبي البلاد
. كان ثقة قارئاً أديباً ، وكان راوية الشعر ، وله يقول الفرزدق :
يا لهف نفسي على عينيك من رجل.
وعمّر دهراً ، وكان للرضاعليهالسلام
إليه رسالة أثنى بها عليه ، وله كتاب
.
__________________
٣ ـ إبراهيم بن صالح الأنماطي
. ثقة ، لا بأس به ، له كتب ، قال النجاشي : قال لي أبو العباس أحمد بن علي بن نوح : انقرضت كتبه فليس أعرف منها إلاّ كتاب الغيبة
.
٤ ـ إبراهيم بن عثمان الخزاز
. ثقة ، له أكثر من أصل ، وله كتاب النوادر
.
٥ ـ إبراهيم بن عمر الصنعاني
. شيخ من أصحابنا ، ثقة ، له كتاب وأصول
.
٦ ـ إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى
. مدني ، روى عن أبي جعفر وأبي عبد اللّهعليهماالسلام
، وكان خصيصاً بهما ، والعامة لهذه العلة تضعّفه ، وحكى بعض أصحابنا عن بعض المخالفين أن كتب الواقدي سائرها إنما هي كتب إبراهيم ابن محمد بن أبي يحيى ، نقلها الواقدي وادّعاها. وذكر بعض أصحابنا أن له كتاباً مبوباً في الحلال والحرام عن أبي عبد اللّهعليهالسلام
.
٧ ـ إبراهيم بن نعيم العبدي
. أبو الصباح الكناني ، له كتاب ، ويسمى الميزان من ثقته ، قال له الصادقعليهالسلام
: أنت ميزان لا عين فيه
.
٨ ـ إسماعيل بن جابر الجعفي
. ثقة ممدوح ، له أصول رواها عنه صفوان بن يحيى ، وله كتاب ذكره محمد بن الحسن بن الوليد في فهرسته
.
__________________
٩ ـ إسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي
. تابعي ، سمع أبا الطفيل عامر بن واثلة ، وكان فقيهاً ، نقل ابن عقدة : أن الصادقعليهالسلام
ترحم عليه ، وحكى عن ابن نمير أنه قال : ثقة
.
١٠ ـ إسماعيل بن عبد الرحمن السدي
. مفسر مشهور ، عدّه الشيخ من أصحاب السجاد والباقر والصادق:
.
١١ ـ إسماعيل بن الفضل بن يعقوب
. من بني الحارث بن عبد المطلب ، ثقة ، من أهل البصرة ، روي أن الصادقعليهالسلام
قال : هو كهل من كهولنا ، وسيد من ساداتنا
.
١٢ ـ برد الأسكاف الأزدي الكوفي
. عده الشيخ من أصحاب السجاد والباقرعليهماالسلام
، وله كتاب
.
١٣ ـ بريد بن معاوية العجلي
. وجه من وجوه أصحابنا ، ثقة فقيه ، روي أنه من حواري الباقر والصادقعليهماالسلام
، وله محل عندهما ، قال الكشي : انه ممن اتفقت العصابة على تصديقه ، وممن انقادوا له بالفقه. ومات سنة ١٥٠ هـ
.
١٤ ـ ثابت بن دينار الكوفي الأزدي
. أبو حمزة الثمالي ، ثقة ، من خيار أصحابنا وثقاتهم ومعتمديهم في الرواية والحديث ، له كتاب تفسير القرآن ، وكتاب النوادر ، وكتاب الزهد
.
__________________
١٥ ـ جابر بن يزيد الجعفي
. ثقة جليل مشهور له أصل وتفسير وكتاب النوادر والفضائل ، ورسالة أبي جعفر الباقرعليهالسلام
إلى أهل البصرة ، توفي سنة ١٢٨ هـ ، وقيل : ١٣٢ هـ
.
١٦ ـ الحارث بن المغيرة النصري
. بصري ، ثقة ثقة ، له كتاب
.
١٧ ـ حجر بن زائدة الحضرمي
. ثقة صحيح المذهب ، صالح ، له كتاب
.
١٨ ـ حجر بن زائدة الحضرمي
. أبو عبد اللّه ، ثقة صحيح المذهب ، له كتاب
.
١٩ ـ حذيفة بن منصور الخزاعي
. ثقة ، له كتاب
.
٢٠ ـ حسان بن مهران الجمال
. أخو صفوان الجمال ، عدّه الشيخ من أصحاب الباقرعليهالسلام
، ثقة ثقة ، له كتاب
.
٢١ ـ الحسن بن السري الكاتب
. الكرخي ، ثقة ، له كتاب
.
٢٢ ـ الحسن بن علي بن أبي المغيرة الكوفي
. ثقة ، له كتاب
.
٢٣ ـ الحسين بن ثوير بن أبي فاختة
. ثقة ، له كتاب نوادر
.
__________________
٢٤ ـ الحكم بن عبد الرحمن بن أبي نعيم
. روى ابن عقدة ، عن الفضل بن يوسف ، قال : الحكم بن عبد الرحمن ، خيار ، ثقة ثقة
.
٢٥ ـ الحكم بن المختار بن أبي عبيدة
. ثقة
.
٢٦ ـ خالد بن طهمان
. أبو العلاء الخفاف السلولي ، له نسخة أحاديث رواها عن أبي جعفرعليهالسلام
، وكان من العامة
.
٢٧ ـ رافع بن سلمة بن زياد الأشجعي
. كوفي ، ثقة من بيت الثقات وعيونهم ، له كتاب
.
٢٨ ـ زحر بن عبد اللّه الأسدي
. ثقة ، له كتاب
.
٢٩ ـ زرارة بن أعين
. شيخ أصحابنا في زمانه ومتقدمهم ، كان قارئاً فقيهاً متكلماً شاعراً أديباً ، قد اجتمعت فيه خلال الفضل والدين ، مات سنة ١٥٠ هـ ، كان ثقة صادقاً فيما يرويه ، وله مصنفات منها كتاب في الاستطاعة والجبر
.
٣٠ ـ زياد بن أبي الحلال
. كوفي ثقة ، عده الشيخ من أصحاب الباقرعليهالسلام
، له كتاب
.
٣١ ـ زياد بن سوقة البجلي
. كوفي ، ثقة ، عده الشيخ من أصحاب
__________________
الباقرعليهالسلام
.
٣٢ ـ زياد بن عيسى الحذاء
. كوفي ، ثقة صحيح ، له كتاب ، قال العقيقي العلوي : أبو عبيدة ، زياد الحذاء ، كان حسن المنزلة عند آل محمد:
، وكان زامل أبا جعفرعليهالسلام
إلى مكة
.
٣٣ ـ زياد بن المنذر
. أبو الجارود الهمداني الخارقي ، زيدي المذهب ، واليه تنسب الزيدية الجارودية ، له أصل ، وكتاب تفسير القرآن ، رواه عن أبي جعفرعليهالسلام
أيام استقامته ، وكأنه كان يكتبه عن إملائهعليهالسلام
، ولذا نسبه ابن النديم إلى الباقرعليهالسلام
.
٣٤ ـ زيد بن محمد بن يونس
. أبو أسامة الشحام ، كوفي ، ثقة عين ، له كتاب
.
٣٥ ـ سعد بن طريف الحنظلي الاسكاف
. كان قاضياً ، وله رسالة الإمام الباقرعليهالسلام
إليه
.
٣٦ ـ سلام بن أبي عمرة الخراساني
. ثقة ، له كتاب
.
٣٧ ـ سليمان بن خالد بن دهقان
. أبو الربيع الأقطع ، كان قارئاً فقيهاً وجهاً ، خرج مع زيدعليهالسلام
فقطعت يده ، وكان الذي قطعها يوسف بن عمر بنفسه ، ومات في حياة أبي عبد اللّهعليهالسلام
، فتوجع لفقده ، ودعا لولده ، وأوصى بهم أصحابه ، له
__________________
كتاب
.
٣٨ ـ شجرة بن ميمون
. أبو أراكة النبال الوابشي ، كوفي ، هو وابنه علي بن شجرة ، والحسن بن شجرة ، كلهم ثقات وجوه أعيان أجلة ، وله كتاب
.
٣٩ ـ شهاب بن عبد ربه الأسدي الصيرفي الكوفي
. ثقة له كتاب يعد من الأصول
.
٤٠ ـ صباح بن يحيى
. أبو محمد المزني الكوفي ، ثقة ، له كتاب
.
٤١ ـ عامر بن عبد اللّه بن جذاعة
. من حواري الباقر والصادقعليهماالسلام
.
٤٢ ـ عباد بن صهيب
. أبو بكر التميمي ، بصري ، ثقة ، روى عن أبي عبد اللّهعليهالسلام
كتاباً ، وعده الشيخ من أصحاب الباقرعليهالسلام
.
٤٣ ـ عبد الرحمن بن أعين بن سنسن الشيباني
. له كتاب ، روى الكشي عن الحسن بن علي بن يقطين عن مشايخه أنه كان مستقيماً
.
٤٤ ـ عبد الغفار بن القاسم بن قيس
. أبو مريم الأنصاري ، ثقة ، له كتاب
.
٤٥ ـ عبد اللّه بن ابراهيم بن محمد الجعفري
. ثقة ، صدوق ، له كتب ، منها :
__________________
كتاب خروج محمد بن عبد اللّه ومقتله ، وكتاب خروج صاحب فخ ومقتله
.
٤٦ ـ عبد اللّه بن سنان بن طريف
. ثقة جليل ، له كتاب الصلاة الكبير
.
٤٧ ـ عبد اللّه بن غالب الأسدي
. شاعر فقيه ، ثقة ثقة ، له كتاب تكثر الرواة عنه ، قال له أبو عبد اللّه الصادقعليهالسلام
: «إن ملكاً يلقي الشعر عليك ، وإني لأعرف ذلك الملك»
.
٤٨ ـ عبد المؤمن بن القاسم بن قيس الأنصاري
. كوفي ، ثقة ، هو وأخوه أبو مريم عبد الغفار بن القاسم ، توفي سنة ١٤٧ هـ ، له كتاب
.
٤٩ ـ عبيد بن محمد بن قيس البجلي
. له كتاب يرويه عن أبيه ، عرضه على أبي جعفر محمد بن علي الباقرعليهالسلام
، فقال : «هذا قول أمير المؤمنين
عليهالسلام
»
.
٥٠ ـ عبيد اللّه بن الوليد الوصافي
. ثقة ، له كتاب
.
٥١ ـ علي بن أبي المغيرة الزبيدي
. ثقة ، وله كتاب مفرد
.
٥٢ ـ عنبسة بن بجاد العابد
. عده الشيخ من أصحاب الباقرعليهالسلام
، وكان قاضياً ، ثقةً خيراً فاضلاً ، له كتاب
.
٥٣ ـ غياث بن ابراهيم التميمي
. بصري وسكن الكوفة ، عده الشيخ من
__________________
أصحاب الباقرعليهالسلام
، ثقة ، له كتاب في الحديث ، وكتاب مقتل أمير المؤمنينعليهالسلام
.
٥٤ ـ فضيل بن يسار النهدي البصري
. ثقة عين ، جليل القدر ، له كتاب
.
٥٥ ـ الفيض بن المختار الجعفي الكوفي
. ثقة عين ، له كتاب
.
٥٦ ـ كثير بن كلثم
. كوفي ، ثقة
.
٥٧ ـ الكميت بن زيد الأسدي
. شاعر الإمام الباقرعليهالسلام
، وقد قدمنا ترجمته في الفصل الثاني ، وقيل : في الكميت عشر خصال لم تكن في شاعر : كان خطيب بني أسد ، وفقيه الشيعة ، وحافظ القرآن ، وكاتباً حسن الخط ، ونسابة ، وكان جدلياً ، وهو أول من ناظر في التشيع مجاهراً بذلك ، وكان رامياً لم يكن في بني أسد أرمى منه ، وكان فارساً شجاعاً ، وكان سخياً ديناً
.
٥٨ ـ ليث بن البختري المرادي
. ثقة عظيم الشأن ، وله كتاب
.
٥٩ ـ مالك بن عطية الأحمسي
. عده الشيخ من أصحاب الباقرعليهالسلام
، ثقة ، وله كتاب
.
٦٠ ـ محمد بن الحسن بن أبي سارة الرواسي
. أصله كوفي ، وسكن هو وأبوه قبله النيل ، روى هو وأبوه عن أبي جعفر وأبي عبد اللّهعليهماالسلام
، وابن عمه معاذ بن
__________________
مسلم بن أبي سارة ، وهم أهل بيت فضل وأدب ، وعلى معاذ ومحمد تفقّه الكسائي علم العرب ، والكسائي والفراء يحكون عنهما في كتبهم كثيراً ، وهم ثقات لا يطعن عليهم بشيء. ولمحمد هذا كتاب الوقف والابتداء ، وكتاب الهمز ، وكتاب إعراب القرآن
.
٦١ ـ محمد بن السائب الكلبي
. له كتاب أحكام القرآن ، والتفسير ، وقيل : هو أول من صنف في هذا الفن ، توفي سنة ١٤٦ هـ
.
٦٢ ـ محمد بن شريح الحضرمي
. ثقة ، عده الشيخ من أصحاب الباقرعليهالسلام
، وله كتاب
.
٦٣ ـ محمد بن قيس البجلي
. ثقة ، وجه من وجوه العرب بالكوفة ، له كتاب قضايا أمير المؤمنينعليهالسلام
رواه عن الباقرعليهالسلام
، وكتاب آخر نوادر
.
٦٤ ـ محمد بن مرازم الساباطي
. ثقة ، له كتاب
.
٦٥ ـ محمد بن مسلم بن رباح الطحان
. وجه أصحابنا بالكوفة ، فقيه ، صحب أبا جعفر وأبا عبد اللّهعليهماالسلام
، وروى عنهما ، وكان من أوثق الناس. له كتاب يسمى الأربع مئة مسألة في أبواب الحلال والحرام
.
٦٦ ـ مسكين
. ثقة ، عده الشيخ من أصحاب الباقرعليهالسلام
.
__________________
٦٧ ـ مسمع بن عبد الملك
. أبو سيار ، الملقب كردين ، شيخ بكر بن وائل بالبصرة ووجهها ، وسيد المسامعة ، وكان أوجه من أخيه عامر بن عبد الملك وأبيه ، له كتاب نوادر كبير ، وروى أيام البسوس. وقال له أبو عبد اللّهعليهالسلام
: «إنّي لأعدك لأمر عظيم ، يا أبا السيار»
.
٦٨ ـ معاذ بن مسلم بن أبي سارة النحوي
. نحوي مشهور ، وثقه النجاشي عند ترجمة محمد بن الحسن بن أبي سارة
.
٦٩ ـ منصور بن حازم أبو أيوب البجلي
. كوفي ، ثقة ، عين ، صدوق ، من أجلة أصحابنا وفقهائهم. عده الشيخ من أصحاب الباقرعليهالسلام
، له كتب منها : أصول الشرائع ، وكتاب الحج
.
٧٠ ـ معمر بن يحيى بن سام العجلي
. ثقة ، متقدم ، له كتاب
.
٧١ ـ موسى بن الحسن بن عامر الأشعري القمي
. أبو الحسن ، ثقة ، عين ، جليل. صنف ثلاثين كتاباً ، منها : كتاب الطلاق ، كتاب الوصايا ، كتاب الفرائض ، كتاب الفضائل ، كتاب الحج ، كتاب الرحمة ، كتاب الوضوء ، كتاب الصلاة ، كتاب الزكاة ، كتاب الحج ، كتاب الصيام ، كتاب يوم وليلة ، كتاب الطب. روى عن أبي عبد اللّهعليهالسلام
، وعده الشيخ من أصحاب الباقرعليهالسلام
.
٧٢ ـ نصر بن مزاحم المنقري
. مستقيم الطريقة ، صالح الأمر ، له مصنفات
__________________
حسان
.
٧٣ ـ هارون بن حمزة الغنوي
. ثقة ، عين ، له كتاب ، عده الشيخ من أصحاب الباقرعليهالسلام
.
٧٤ ـ هيثم بن أبي مسروق النهدي
. قريب الأمر ، له كتاب نوادر
.
٧٥ ـ وهب بن عبد ربه الأسدي
. ثقة ، له كتاب
.
٧٦ ـ يحيى بن أبي العلاء الرازي
. له كتاب
، وهو ثقة مشهور.
٧٧ ـ يحيى بن القاسم الأسدي
. أبو بصير ، ثقة وجيه ، له كتاب يوم وليلة ، كتاب مناسك الحج ، وتفسير أبي بصير
.
٧٨ ـ أبو خالد القماط
. كوفي ، ثقة ، له كتاب
.
وكان كل هؤلاء وغيرهم من الرجال الأفذاذ يشكلون حجر الزاوية في مدرسة أهل البيت:
التي اكتمل بناؤها على يد الإمام الصادقعليهالسلام
، الذي كان حلقة الوصل في نقل علوم الشريعة بشكل لم يسبق له مثيل ، قال الحسن بن علي الوشاء يصف مسجد الكوفة : اني أدركت في هذا المسجد تسع مئة شيخ كلٌّ يقول حدثني جعفر بن محمد
.
__________________
الفصل السادس
دوره عليه السلام في تأصيل عقائد الإسلام
في أصول الاعتقاد :
تعرض الإمام الباقرعليهالسلام
لمسائل كلامية دقيقة ذات صلة بالتوحيد وصفات الذات الإلهية والإمامة والمعاد وغيرها من المسائل التي كانت مثار جدل في عصره ، وهي تكتسب أهمية قصوى في ذلك العصر إذا لوحظ حجم التحديات
التي تواجه الإسلام من قبل الحكام الذين استباحوا كل وسائل القمع والإرهاب ضد القائلين بإمامة أهل البيت:
، وكان الإمامعليهالسلام
بصدد إعادة المسار إلى نصابه في سبيل إعلاء كلمة الدين ، وتنمية الأفكار والمفاهيم الإسلامية الصحيحة في وعي المسلم ووجدانه.
قال الشاعر :
وشيد الدين الحنيف السامي
|
|
حتى علت دعائم الإسلام
|
قامت به قواعد التوحيد
|
|
واستحكمت برأيه السديد
|
فرّقَ جمعَ الغيِّ والضلالِ
|
|
بجمع شمل العلم والكمال
|
وقد ورد في حديث الإمام الباقرعليهالسلام
تبيين أصول العقيدة لبعض أصحابه ، حيث سأله أبو الجارود عن دينه الذي يدين اللّه به هو وأهل بيته.
قال أبو الجارود : «قلت لأبي جعفرعليهالسلام
: يا بن رسول اللّه ، هل تعرف مودتي لكم وانقطاعي إليكم وموالاتي إيّاكم؟ قال : فقال :نعم
. قال : فقلت : فإني أسألك مسألة تجيبني فيها ، فإني مكفوف البصر ، قليل المشي ، ولا استطيع زيارتكم كل حين. قال : هات حاجتك. قلت : أخبرني بدينك الذي تدين اللّه عزّوجلّ به أنت وأهل بيتك ، لأدين اللّه عزّوجلّ به. قال :إن كنت أقصرت الخطبة ، فقد أعظمت المسألة ، واللّه لأعطينك ديني ودين آبائي الذي ندين اللّه عزّوجلّ به ، شهادة أن لا إله إلاّ اللّه ، وأن محمداً رسول اللّه ، والإقرار بما جاء به من عند اللّه ، والولاية لولينا ، والبراءة من عدونا ، والتسليم لأمرنا ، وانتظار قائمنا ، والاجتهاد والورع
»
.
١ ـ كلماته في التوحيد ومعرفة الخالق :
يشكل التوحيد الحجر الأساس في البناء الفكري والعقيدي والأخلاقي ، وهو المحور الذي تدور عليه العقائد والشرائع الإلهية ، من هنا كان للإمام الباقرعليهالسلام
كلمات كثيرة في بيان معنى التوحيد الخالص من شوائب الشرك ومقولات التشبيه والتجسيم ، وتأكيد أن المعبود سبحانه لم يزل ولا يزال واحداً صمداً قدوساً تفرّد بالعبودية ، وتعالى عن صفات الخلق.
إخلاص التوحيد :
قال أبو جعفر الباقرعليهالسلام
: «الأحد الفرد المتفرد ، والأحد والواحد بمعنى واحد ، وهو المتفرد الذي لا نظير له ، والتوحيد الإقرار بالوحدة ، وهو الانفراد ، والواحد المتباين الذي لا ينبعث من شيء ولا يتحد بشيء ، ومن ثم قالوا : ان بناء العدد من الواحد ، وليس الواحد من العدد ، لأن العدد
__________________
لا يقع على الواحد ، بل يقع على الإثنين ، فمعنى قوله : اللّه أحد ، المعبود الذي يأله الخلق عن إدراكه والإحاطة بكيفيته ، فرد بالهيته ، متعال عن صفات خلقه
»
.
وقال محمد بن مسلم : سأل نافع بن الأزرق أبا جعفرعليهالسلام
قال : «أخبرني عن اللّه عزّوجلّ متى كان؟ قال :متى لم يكن حتى أخبرك متى كان؟! سبحان من لم يزل ولا يزال فرداً صمداً ، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً
»
.
وأكد الإمامعليهالسلام
على إخلاص التوحيد للّه وما يترتب عليه من حسن الثواب ، روى جابر بن يزيد الجعفي عن أبي جعفرعليهالسلام
، قال : «جاء جبرئيل إلى رسول اللّه
صلىاللهعليهوآلهوسلم
، فقال : يا محمد ، طوبى لمن قال من أمتك : لا إله إلاّ اللّه ، وحده وحده وحده
»
.
وعن أبي حمزة ، قال : سمعت أبا جعفرعليهالسلام
يقول : «ما من شيء أعظم ثواباً من شهادة أن لا إله إلاّ اللّه ، إنّ اللّه عزّوجلّ لا يعدله شيء ، ولا يشركه في الأمور أحد
»
.
وحذّرعليهالسلام
من الشرك لأنه من الظلم الذي لا يغفره اللّه ، قالعليهالسلام
: «الظلم ثلاثة : ظلم لا يغفره اللّه ، وظلم يغفره اللّه ، وظلم لا يدعه اللّه ، فأما الظلم الذي لا يغفره اللّه فالشرك باللّه
»
.
__________________
وحاولعليهالسلام
غرس هذه المفاهيم عن طريق الدعاء الذي جعل منه ميداناً لتعليم العقائد وعلى رأسها التوحيد ، ومن ذلك الدعاء وقت الزوال الذي علمه الباقرعليهالسلام
محمد بن مسلم : «لا إله إلاّ اللّه ، واللّه أكبر ، وسبحان اللّه ، والحمد للّه الذي لم يتخذ ولداً ، ولم يكن له شريك في الملك ، ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً.
قال محمد بن مسلم : فقلت : جعلت فداك ، أحافظ على هذا الكلام عند الزوال؟ قال :نعم ، حافظ عليه كما تحافظ على عينيك
»
.
العقول لا تدرك كنه الذات :
يؤكد الإمام الباقرعليهالسلام
امتناع عقول المخلوقين وحواسهم عن إدراك حقيقة الذات الالهية ، أو توهمه بالمحسوسات ، لأنه سبحانه فوق ما يدركه العقل ، وفوق ما تتصوره الأوهام والحواس ، عن المنهال بن عمرو ، عنهعليهالسلام
قال : «اذكروا من عظمة اللّه ما شئتم ، ولا تذكرون منه شيئاً إلاّ وهو أعظم منه
»
.
وقالعليهالسلام
: «اللّه معناه المعبود الذي أَلْهَ الخلق عن درك ماهيته والإحاطة بكيفيته
»
.
وعن عبد الرحمن بن أبي نجران ، قال : «سألت أبا جعفرعليهالسلام
عن التوحيد ، فقلت : أتوهم شيئاً. فقال :نعم ، غير معقول ولا محدود ، فما وقع وهمك عليه من شيء فهو خلافه ، لا يشبهه شيء ولا تدركه الأوهام ، كيف تدركه الأوهام وهو خلاف ما يعقل ، وخلاف ما يتصور في الأوهام؟! إنّما يتوهم
__________________
شيء غير معقول ولا محدود
»
.
وعن المدائني ، قال : «بينما محمد بن علي بن الحسين:
في فناء الكعبة أتاه أعرابي فقال له : هل رأيت اللّه حيث عبدته؟ فأطرق وأطرق من كان حوله ، ثم رفع رأسه إليه ، فقال :ما كنت لأعبد شيئاً لم أره
. فقال : وكيف رأيته؟ قال :لم تره الأبصار بمشاهدة العيان ، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان ، لا يدرك بالحواس ولا يقاس بالناس ، معروف بالآيات ، منعوت بالعلامات ، لا يجور في قضية ، بان من الأشياء وبانت الأشياء منه ، ليس كمثله شيء ، ذلك اللّه لا إله إلاّ هو
. فقال الأعرابي : اللّه أعلم حيث يجعل رسالاته»
.
ونهىعليهالسلام
عن الكلام في كنه الذات لأنه يؤدي إلى الخوض في التشبيه والتجسيم ، وإنزال ذات الإله وكأنها شيء من الأشياء التي تخضع لوصف الحواس وسائر المدركات العقلية ، الأمر الذي يتبعه الضُلاَّل والتِّيه.
عن محمد بن مسلم ، قال : قال أبو جعفرعليهالسلام
: «يا محمد ، إن الناس لا يزال لهم المنطق حتى يتكلموا في اللّه ، فإذا سمعتم ذلك فقولوا : لا إله إلاّ اللّه
»
.
وعنه ، عن أبي جعفرعليهالسلام
، قال : «تكلموا فيما دون العرش ، ولا تكلموا فيما فوق العرش ، فإنَّ قوماً تكلموا في اللّه فتاهوا ، حتى كان الرجل ينادى من بين يديه فيجيب من خلفه
»
.
__________________
وعن أبي بصير ، قال : قال أبو جعفرعليهالسلام
: «تكلموا في خلق اللّه ، ولا تتكلموا في اللّه ، فإن الكلام في اللّه لا يزداد صاحبه إلاّ تحيرا
ً».
وفي رواية أخرى عن حريز : «تكلموا في كل شيء ، ولا تتكلموا في ذات اللّه
»
.
وعنهعليهالسلام
: «كلّما ميزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه ، مخلوق مصنوع مثلكم مردود إليكم
»
.
صفات الذات :
نفى الإمام الباقرعليهالسلام
ما قاله بعض متكلمي العراق من تعدد صفات الذات ، وأنّه تعالى يسمع بغير ما يبصر ، ويبصر بغير ما يسمع ، شأنه في ذلك شأن مخلوقاته ، وقد عمل الإمامعليهالسلام
على وضع هذه المسألة في إطارها الصحيح ، مؤكّداً وحدة الصفات ، وكونها عين الذات الإلهية المقدّسة.
روى محمد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليهالسلام
، ـ في صفة القديم ـ إنّه واحد صمد ، أحدي المعنى ، ليس بمعان كثيرة مختلفة. قال : «قلت : جعلت فداك ، إنّه يزعم قوم من أهل الع راق أنّه يسمع بغير الذي يبصر ، ويبصر بغير الذي يسمع. قال : فقال :كذبوا وألحدوا ، وشبهوا اللّه تعالى ، إنّه سميع بصير ، يسمع بما به يبصر ، ويبصر بما به يسمع
. قال : فقلت : يزعمون أنّه بصير على ما يعقله. قال : فقال :تعالى اللّه ، إنما يعقل من كان بصفة المخلوق ، وليس اللّه
__________________
كذلك
»
.
أزلية الذات :
ورد في كلام الإمام الباقرعليهالسلام
ما يؤكد أزلية واجب الوجود وتوحيده ، وتنزيهه عن المشابهة لمخلوقاته المفتقرة إلى الزمان والمكان والعلّة.
قال الإمام محمد بن علي الباقرعليهالسلام
: «إن اللّه تبارك وتعالى كان ولا شيء غيره ، نوراً لا ظلام فيه ، وصادقاً لا كذب فيه ، وعالماً لا جهل فيه ، وحياً لا موت فيه ، وكذلك هو اليوم ، وكذلك لا يزال أبداً
»
.
وعن أبي بصير ، قال : «جاء رجل إلى أبي جعفرعليهالسلام
، فقال له : أخبرني عن ربك متى كان؟ فقال: ويلك إنما يقال لشيء لم يكن متى كان ، إنّ ربي تبارك وتعالى كان ولم يزل حياً بلا كيف ، ولم يكن له كان ، ولا كان لكونه كيف ، ولا كان له أين ، ولا كان في شيء ، ولا كان على شيء ، ولا ابتدع لمكانه مكاناً ، ولا قوي بعد ما كون الأشياء ، ولا كان ضعيفاً قبل أن يكون شيئاً ، ولا كان مستوحشاً قبل أن يبتدع شيئاً ، ولا يشبه شيئاً مذكوراً ، ولا كان خلواً من الملك قبل إنشائه ، ولا يكون منه خلواً بعد ذهابه ، لم يزل حياً بلا حياة ، وملكاً قادراً قبل أن ينشئ شيئاً ، وملكاً جباراً بعد إنشائه للكون ، فليس لكونه كيف ، ولا له أين ، ولا له حدّ ، ولا يعرف بشيء يشبهه ، ولا يهرم لطول البقاء ، ولا يصعق لشيء ، بل لخوفه تصعق الأشياء كلّها ، كان حياً بلا حياة حادثة ، ولا كون موصوف ، ولا كيف محدود ، ولا أين
__________________
موقوف
عليه ، ولا مكان جاور شيئاً ، بل حي يعرف ، وملك لم يزل له القدرة والملك ، أنشأ ما شاء حين شاء بمشيئته ، لا يحدّ ولا يبعّض ولا يفنى ، كان أولاً بلا كيف ، ويكون آخراً بلا أين ، وكل شيء هالك إلاّ وجهه ، له الخلق والأمر ، تبارك اللّه ربّ العالمين.
ويلك أيّها السائل ، إنّ ربّي لا تغشاه الأوهام ، ولا تنزل به الشبهات ، ولا يحار ولا يجاوزه شيء
، ولا تنزل به الأحداث ، ولا يسأل عن شيء يفعله ، ولا يندم على شيء ، ولا تأخذه سنة ولا نوم ، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى
»
.
معنى الصمد :
ذهب المشبهة إلى أن معنى الصمد هو المصمت الذي لا جوف له ، وذلك لا يكون إلاّ من صفة الأجسام المصمتة التي لا أجواف لها ، واللّه جلّ ذكره متعال عن ذلك ، ليس كمثله شيء ، وهو أعظم وأجلّ من أن تقع الأوهام على صفته ، أو تدرك كنه عظمته.
من هنا أكّد الإمام أبو جعفر الباقرعليهالسلام
على أن معنى الصمد هو أن اللّه سبحانه يعبده كل شيء ، ويصمد إليه كل شيء
.
وقالعليهالسلام
: «الصمد السيد المطاع الذي ليس فوقه آمر وناهٍ
»
.
أي هو السيد الصمد الذي جميع الخلق
__________________
من الجن والإنس إليه يصمدون في الحوائج ، وإليه يلجأون عند الشدائد ، ومنه يرجون الرخاء ودوام النعماء ، ليدفع عنهم الشدائد
.
وورد عنهعليهالسلام
تفسير لحروف كلمة الصمد ، ينسجم مع المعنى الذي يؤكده في وحدانية الخالق ، وأزلية ملكه ودوامه ، وعجز حواس وأوهام الخلق عن درك ماهيته وكيفيته.
قال وهب بن وهب القرشي : سمعت الصادقعليهالسلام
يقول : «قدم وفد من أهل فلسطين على الباقرعليهالسلام
فسألوه عن مسائل فأجابهم ، ثم سألوه عن الصمد ، فقال : تفسيره فيه ، الصمد خمسة أحرف : فالألف دليل على إنّيته ، وهو قوله عزّوجلّ : «شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ
»
وذلك تنبيه وإشارة إلى الغائب عن درك الحواس ، واللام دليل على إلهيته بأنه هو اللّه.
والألف واللام مدغمان لا يظهران على اللسان ، ولا يقعان في السمع ، ويظهران في الكتابة ، دليل على أن إلهيته بلطفه خافية لا تدرك بالحواس ، ولا تقع في لسان واصف ، ولا أذن سامع ، لأن تفسير الإله هو الذي ألْهَ الخلق عن درك ماهيته وكيفيته بحسّ أو بوهم ، لا بل هو مبدع الأوهام وخالق الحواس ، وإنما يظهر ذلك عند الكتابة ، دليل على أن اللّه سبحانه أظهر ربوبيته في إبداع الخلق وتركيب أرواحهم اللطيفة في أجسادهم الكثيفة ، فإذا نظر عبد إلى نفسه لم ير روحه ، كما أن لام الصمد لا تتبين ولا تدخل في حاسة من الحواس الخمس ، فإذا نظر إلى الكتابة ظهر له ما خفي ولطف ، فمتى تفكر العبد في ماهية الباري وكيفيته ، ألْهَ فيه وتحيّر ، ولم تحط فكرته بشيء يتصور له ، لأنه
__________________
عزّوجلّ خالق الصور ، فإذا نظر إلى خلقه ثبت له أنه عز وجل خالقهم ومركب أرواحهم في أجسادهم.
وأما الصاد فدليل على أنه عز وجل صادق وقوله صدق وكلامه صدق ، ودعا عباده إلى إتباع الصدق بالصدق ، ووعد بالصدق دار الصدق.
وأما الميم فدليل على ملكه ، وأنه الملك الحق لم يزل ولا يزال ولا يزول ملكه.
وأما الدال فدليل على دوام ملكه ، وأنه عزّوجلّ دائم ، تعالى عن الكون والزوال ، بل هو عزّوجلّ يكوّن الكائنات ، الذي كان بتكوينه كل كائن»
.
العلم الإلهي :
جاء في حديث الباقرعليهالسلام
ما يؤكد أزلية علمه تعالى ، وأنه محيط بكل شيء ، وليس في علمه تفاوت ولا اختلاف وليس له حدود ، فهو عالم بالأشياء قبل وبعد كونها على حد سواء ، لأنه الخالق والمكوّن له.
عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليهالسلام
، قال : «سمعته يقول :كان اللّه عزّوجلّ ولا شيء غيره ، ولم يزل عالماً بما يكون ، فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد كونه
»
.
وعن فضيل ، قال : قلت لأبي جعفرعليهالسلام
: «جعلت فداك ، إن رأيت أن تعلمني هل كان اللّه جل ذكره يعلم قبل أن يخلق الخلق أنه وحده؟ فقد اختلف مواليك. فقال بعضهم : قد كان يعلم تبارك وتعالى أنه وحده قبل أن يخلق شيئاً من خلقه ، وقال بعضهم : إنما معنى يعلم يفعل ، فهو اليوم يعلم أنه لا غيره قبل
__________________
فعل الأشياء ، وقالوا : إن أثبتنا أنه لم يزل عالماً بأنه لاغيره ، فقد أثبتنا معه غيره في أزليته ، فإن رأيت يا سيدي أن تعلمني ما لا أعدوه إلى غيره ، فكتبعليهالسلام
:ما زال اللّه تعالى عالماً تبارك وتعالى ذكره
»
.
٢ ـ كلماته في الإمامة :
تحدث الإمام أبو جعفر الباقرعليهالسلام
عن كثير من جوانب الإمامة ، باعتبارها من أصول الدين وأركان الإسلام في مدرسة أهل البيت:
، وهي القاعدة الصلبة التي ترتكز عليها بنى الإسلام ، وكان ذلك في وقت عصيب عملت فيه السلطة بكل ما أوتيت من قوة على طمس معالم الإمامة ، وإقصاء أهلها.
وكان من مضامين حديثه في هذا الاتجاه بيان ضرورة ووجوب الإمامة ، ووجه الحاجة إلى الإمام ، وكون معرفته من ضرورات الدين ، التي بدونها يموت المرء ميتة جاهلية ، وتحدث عن منزلة الإمام وعظمته وكرامته عند اللّه ، وأكد على أن الأئمة الذين فرض اللّه طاعتهم هم المعصومون الإثنا عشر من أهل البيت:
حصراً ، وهم الأوصياء ، الذين أوجب اللّه سبحانه التمسك بهم وطاعتهم وإخلاص الولاية لهم ، وفرض حبهم ومودتهم والصلوات عليهم.
ضرورة ووجوب الإمامة :
أكّد الإمام الباقرعليهالسلام
على ضرورة الإمامة ووجوبها من اللّه تعالى ، ذلك لأن الإمام حجته على عباده ، وهو الذي يهتدى به إليه سبحانه ، من هنا لا تخلو الأرض من إمام حي معروف ظاهر أو غائب منذ بدء الخليقة إلى آخر الدهر.
عن أبي هراسة ، عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام
أنه قال : «لو أن الإمام رُفِعَ من
__________________
الأرض ساعة لساخت بأهلها وماجت ، كما يموج البحر بأهله
»
.
عن أبي حمزة الثمالي ، عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام
أنه قال : «واللّه ما ترك اللّه أرضه منذ قبض اللّه آدم إلاّ وفيها إمام يهتدى به إلى اللّه ، وهو حجته على عباده ، ولا تبقى الأرض بغير إمام حجة للّه على عباده
»
.
وجه الحاجة إلى الإمام :
لتأكيد ضرورة النبوة والإمامة ، ذكر الإمام الباقرعليهالسلام
العلّة التي من أجلها يحتاج إلى النبي والإمام ، وهي تحقيق صلاح العالم وأمان أهل الأرض.
عن جابر بن يزيد الجعفي ، قال : «قلت لأبي جعفر محمد بن علي الباقرعليهالسلام
: لأي شيء يحتاج إلى النبي والإمام؟ فقال :لبقاء العالم على صلاحه ، وذلك أن اللّه عزوجل يرفع العذاب عن أهل الأرض إذا كان فيها نبي أو إمام ، قال اللّه عزّوجلّ :
«وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ
»
وقال النبي
صلىاللهعليهوآلهوسلم
: النجوم أمان لأهل السماء ، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض ، فإذا ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يكرهون ، وإذا ذهب أهل بيتي أتى أهل الأرض ما يكرهون. يعني بأهل بيته الأئمة الذين قرن اللّه عزوجل طاعتهم بطاعته ، فقال :
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الاْءَمْرِ مِنْكُمْ
»
وهم المعصومون المطهرون الذين لا يذنبون ولا يعصون ، وهم المؤيدون
__________________
الموفّقون المسدّدون ، بهم يرزق اللّه عباده ، وبهم تعمر بلاده ، وبهم ينزل القطر من السماء ، وبهم يخرج بركات الأرض ، وبهم يمهل أهل المعاصي ، ولا يعجل عليهم بالعقوبة والعذاب ، لا يفارقهم روح القدس ولا يفارقونه ، ولا يفارقون القرآن ولا يفارقهم ، صلوات اللّه عليهم أجمعين
»
.
وقد شخصعليهالسلام
في هذا الحديث أيضاً هوية الأئمة مفترضي الطاعة من قبل اللّه عزّوجلّ.
وجوب معرفة الإمام :
تحدّث الإمام الباقرعليهالسلام
عن وجوب معرفة إمام العصر ، لارتباط هذه المعرفة بمعرفة اللّه ، قالعليهالسلام
: «إنّما كلّف الناس ثلاثة : معرفة الأئمة ، والتسليم لهم فيما ورد عليهم ، والرد إليهم فيما اختلفوا فيه
»
.
وعن جابر ، قال : سمعت أبا جعفرعليهالسلام
يقول : «إنّما يعرف اللّه عزّوجلّ ويعبده من عرف اللّه وعرف إمامه منا أهل البيت ، ومن لا يعرف اللّه عزّوجلّ ولا يعرف الإمام منا أهل البيت ، فإنّما يعرف ويعبد غير اللّه ، هكذا واللّه ضلالاً
»
.
وأكّد حديث آبائه:
«أنّ من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية
» ، من هنا فإن الحجة لا تقوم للّه عزّوجلّ على عباده إلاّ بإمام حي معروف.
عن فضيل بن يسار ، قال : سمعت أبا جعفرعليهالسلام
يقول : «من مات وليس له
__________________
إمام فميتته ميتة جاهلية ، ومن مات وهو عارف لإمامه لم يضره تقدم هذا الأمر أو تأخر ، ومن مات وهو عارف لإمامه ، كان كمن هو مع القائم في فسطاطه
»
.
وعن أبي عبيدة الحذاء ، قال : سمعت أبا جعفرعليهالسلام
يقول : «من مات لا يعرف إمامه ، مات ميتة جاهلية كفر ونفاق وضلال
»
.
وفي لفظ آخر عنه وعن سالم بن أبي حفصة ، أنهما سمعا أبا جعفرعليهالسلام
يقول : «من مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهلية
»
.
وقال أبو جعفرعليهالسلام
: «إن الحجّة لا تقوم للّه عزّوجلّ على خلقه إلاّ بإمام حي يعرفونه
»
.
الآثار المترتبة على عدم المعرفة :
وشرح الإمامعليهالسلام
الآثار المترتبة على عدم معرفة الإمام ، وعلى رأسها عدم قبول الأعمال إلاّ بتلك المعرفة ، ضارباً أروع الأمثلة في هذا السياق.
عن محمد بن مسلم قال : سمعت أبا جعفرعليهالسلام
يقول : «كل من دان اللّه عزّوجلّ بعبادة يجهد فيها نفسه ولا إمام له من اللّه ، فسعيه غير مقبول ، وهو ضال متحير ، واللّه شانئ لأعماله ، ومثله كمثل شاة ضلت عن راعيها وقطيعها ، فهجمت ذاهبة وجائية يومها ، فلما جنّها الليل بصرت بقطيع غنم مع راعيها ، فحنت إليها واغترت بها ، فباتت معها في مربضها ، فلما أن
__________________
ساق الراعي قطيعه ، أنكرت راعيها وقطيعها ، فهجمت متحيرة تطلب راعيها وقطيعها ، فبصرت بغنم مع راعيها فحنت إليها واغترت بهافصاح بها الراعي : ألحقي براعيك ، وقطيعك فأنت تائهة متحيرة عن راعيك وقطيعك ، فهجمت ذعرة متحيرة تائهة لا راعي لها يرشدها إلى مرعاها أو يردها ، فبينا هي كذلك إذ اغتنم الذئب ضيعتها ، فأكلها.
وكذلك واللّه يا محمد من أصبح من هذه الأُمّة لا إمام له من اللّه عزّوجلّ ظاهر عادل ، أصبح ضالاً تائهاً ، وإن مات على هذه الحالة مات ميتة كفر ونفاق.
واعلم يا محمد أن أئمة الجور وأتباعهم لمعزولون عن دين اللّه ، قد ضلّوا وأضلّوا ، فأعمالهم التي يعملونها كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف ، لا يقدرون مما كسبوا على شيء ، ذلك هو الضّلال البعيد»
.
كيف يُعْرَف الإمام؟
تحدث الإمام الباقرعليهالسلام
عن الوسائل التي يتمكّن المرء من التعرّف على الإمام ، أو الخصال التي يجب توافرها في الإمام ، لكي يسحب البساط عن كل من يدعي هذا المنصب الخطير.
عن أبي الجارود ، قال : سألت أبا جعفر الباقرعليهالسلام
: «بم يعرف الإمام؟ قال :بخصال أولها : نص من اللّه تبارك وتعالى عليه ، ونصبه علماً للناس حتى يكون عليهم حجة ، لأن رسول اللّه
صلىاللهعليهوآلهوسلم
نصب علياً
عليهالسلام
وعرفه الناس باسمه وعيّنه ، وكذلك الأئمة
:
ينصب الأول الثاني ، وأن يُسأل فيجيب ، وأن يسكت عنه فيبتدئ ، ويخبر الناس بما يكون في غد ، ويكلم الناس بكل
__________________
لسان ولغة
»
.
أئمة أهل البيت:
:
عمل الإمام الباقرعليهالسلام
على تشخيص المراد من أئمة أهل البيت:
بعد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
، فذكر أنّ اللّه تبارك وتعالى أرسل محمداًصلىاللهعليهوآلهوسلم
إلى الجن والإنس ، وجعل من بعده اثني عشر وصياً ، منهم من مضى ، ومنهم من بقي
، وذكر أنهم اثنا عشر إماماً من أهل بيت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
، وكلهم محدثون ، ومنهم علي بن أبي طالب وهو أولهم
، وبقية الأئمة من ولد علي وفاطمة إلى أن تقوم الساعة
، وهم الحسن والحسين ، ثم الأئمة من ولد الحسينعليهالسلام
، وهم تسعة من صلبه
، وتاسعهم قائمهم
.
وروى الإمام الباقرعليهالسلام
عن الصحابي الجليل جابر عبد اللّه الأنصاري حديث اللوح الذي هبط به جبرئيل على رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
من الجنّة ، فأعطاه فاطمة3
، وفيه أسماء الأئمة من بعده ، وفيه اثنا عشر اسماً هي أسماء الأوصياء أولهم عليعليهالسلام
وبعده أحد عشر من ولده ، وآخرهم القائمعليهالسلام
.
__________________
الوصية :
وذكر الإمام الباقرعليهالسلام
الوصية باعتبارها أهم ما يعهد به النبي إلى القائد الرسالي الذي يخلفه في قيادة الأمة في مسيرتها الرسالية ، ويكون حجةً للّه على العباد ، ووريثاً للنبوة ، ومحافظاً على ديمومة حركة الرسالة ، ولم يتخلف أحد من الأنبياء عن هذه القاعدة الإلهية منذ أبينا آدمعليهالسلام
حتى رسولنا المصطفىصلىاللهعليهوآلهوسلم
، وتماشياً مع هذه السنن الإلهية خلّف النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
علياًعليهالسلام
وصياً له من بعده ، في أحاديث كثيرة منها قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم
: «لكلّ نبي وصيّ ووارث ، وأنّ علياً وصيي ووارثي
»
، وبيّن أن أولاده المعصومين هم الأوصياء من بعده.
وجاء في حديث الإمام الباقرعليهالسلام
ما يؤكّد هذه المضامين ، ففي حديث عنهعليهالسلام
ذكر فيه اتصال الوصية منذ هبة اللّه وصيّ آدمعليهماالسلام
إلى سام بن نوحعليهالسلام
.
وفي حديث آخر عنهعليهالسلام
جاء فيه : «فلمّا انقضت نبوة آدم
عليهالسلام
واستكمل أيامه ، أوصى اللّه تعالى إليه ، أن يا آدم قد قضيت نبوتك ، واستكملت أيامك ، فاجعل العلم الذي عندك والايمان والاسم الأعظم وميراث العلم وآثار علم النبوة في العقب من ذريتك ، عند هبة اللّه ابنك ، فإني لم أقطع العلم والإيمان والاسم الأعظم وآثار علم النبوة في العقب من ذريتك إلى يوم القيامة ، ولن أدع الأرض إلاّ وفيها عالم يُعرَف به ديني ، وتُعرَف به طاعتي ، ويكون نجاةً لمن يولد بينك وبين نوح
»
.
__________________
وفي حديث آخر عنهعليهالسلام
ذكر فيه وصية موسىعليهالسلام
إلى فتاه يوشع بن نون
.
وأخرج العلامة ابراهيم بن محمّد الصنعاني في كتابه (إشراق الأصباح) عن محمد بن علي الباقرعليهالسلام
، عن آبائه:
: عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
من حديث طويل ، وفيه : «وهو
ـ يعني علياً ـوصيي ووليي
»
.
وعن أبي حمزة الثمالي ، عن أبي جعفرعليهالسلام
، قال : سمعته يقول : «إن أقرب الناس إلى اللّه عزوجل وأعلمهم به وأرأفهم بالناس محمد
صلىاللهعليهوآلهوسلم
والأئمة
:
، فادخلوا أين دخلوا ، وفارقوا من فارقوا ، فإن الحقّ فيهم ، وهم الأوصياء ، ومنهم الأئمة
»
.
التمسك بالأئمة وطاعتهم:
:
تحدّث الإمام أبو جعفرعليهالسلام
عن حقوق أهل البيت الواجبة على الأُمّة ، والتي تسالم الحكام على الاعتداء عليها وتجاوزها ، ومن ذلك فرض طاعتهم ومولاتهم والتمسّك بهديهم ومودّتهم.
عن زرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام
، قال : «ذروة الأمر وسنامه ومفتاحه ، وباب الأشياء ورضا الرحمن تبارك وتعالى ، الطاعة للإمام بعد معرفته ، ثم قال : إن اللّه تبارك وتعالى يقول :
«مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً
» »
.
__________________
وعن أبي بصير أنه سأل الإمام الباقرعليهالسلام
عن قول اللّه تعالى : «أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الاْءَمْرِ مِنْكُمْ
»
، فقال : «نزلت في علي بن أبي طالبعليهالسلام
.
قلت : إنّ الناس يقولون : فما منعه أن يسمّي علياً وأهل بيته في كتابه؟ فقال أبو جعفرعليهالسلام
:قولوا لهم : إنّ اللّه أنزل على رسوله الصلاة ولم يسمّ ثلاثاً ولا أربعاً حتى كان رسول اللّه هو الذي فسّر ذلك ، وأنزل الحجّ فلم ينزل طوفوا سبعاً حتى فسّر ذلك لهم رسول اللّه
صلىاللهعليهوآلهوسلم
، وأنزل :
«أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الاْءَمْرِ مِنْكُمْ
»فنزلت في علي والحسن والحسين ، وقال رسول اللّه
صلىاللهعليهوآلهوسلم
: أوصيكم بكتاب اللّه وأهل بيتي ، اني سألت اللّه أن لا يفرّق بينهما حتى يوردهما عليّ الحوض ، فأعطاني ذلك
»
.
وجاء في حديث جابر الجعفي ، عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام
: «وطاعتنا فريضة»
.
وقالعليهالسلام
موضحاً أن التمسك بهم هو سبيل النجاة ، والتخلف عنهم هو سبيل الغواية والضلال : «نحن صراط اللّه المستقيم ، نحن رحمة اللّه للمؤمنين ، بنا يفتح اللّه ، وبنا يختم اللّه ، من تمسّك بنا نجا ، ومن تخلّف عنا غوى
»
.
ومثلما ذكر حقوق الإمام على الرعية ، تحدث عن حق الرعية على الإمام.
عن أبي حمزة الثمالي ، قال : «سألت أبا جعفرعليهالسلام
ما حق الإمام على الناس؟
__________________
قال :حقه عليهم أن يسمعوا له ويطيعوا. قلت : فما حقهم عليهم؟ قال : يقسم بينهم بالسوية ، ويعدل في الرعية ، فإذا كان ذلك في الناس ، فلا يبالي من أخذ هاهنا وهاهنا
»
.
إخلاص الموالاة لهم:
:
وحيث أن الإمامة منصب خطير ، به تقام الفرائض وتنتظم الأمور ، صارت الولاية أحد أركان الإسلام ، عن فضيل بن يسار ، عن أبي جعفرعليهالسلام
، قال : «بني الإسلام على خمس : على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية ، ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية ، فأخذ الناس بأربع وتركوا هذه
»
.
وعن زرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام
، قال : «بني الإسلام على خمسة أشياء : على الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية.
قال زرارة : فقلت : وأي شيء من ذلك أفضل؟ فقال :الولاية أفضل ، لأنها مفتاحهن والوالي هو الدليل عليهن
»
.
وقال أبو جعفرعليهالسلام
: «من سره أن لا يكون بينه وبين اللّه حجاب حتى ينظر الى اللّه وينظر اللّه إليه ، فليتول آل محمد ويبرأ من عدوهم ، ويأتم بالإمام منهم
»
.
وعن الفضيل ، قال : نظر أبو جعفرعليهالسلام
إلى الناس يطوفون حول الكعبة ، فقال : «هكذا كانوا يطوفون في الجاهلية ، إنما أمروا أن يطوفوا بها ، ثم ينفروا
__________________
الينا فيعلمونا ولايتهم ومودتهم ، ويعرضوا علينا نصرتهم ، ثم قرأ هذه الآية
«فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ
» »
.
وفي قوله تعالى : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ
»
.
جاء عن الإمام الباقرعليهالسلام
في هذه الآية قوله : «كونوا مع آل محمد
:
»
.
وقالعليهالسلام
: «من سرّه أن لا يكون بينه وبين اللّه حجاب حتى ينظر إلى اللّه وينظر اللّه إليه ، فليتول آل محمد ويبرأ من عدوهم ، ويأتم بالإمام منهم ، فإنه إذا كان كذلك نظر اللّه إليه ونظر إلى اللّه
»
.
مودتهم:
:
لا يختلف اثنان أن مودة أهل البيت:
عقيدة مستمدة من كتاب اللّه تعالى وسنة نبيهصلىاللهعليهوآلهوسلم
، ومبدأ رسالي ينطوي على آثار مهمة في حياة الفرد والمجتمع ، من هنا حرص الإمام الباقرعليهالسلام
على نفض غبار التناسي والنسيان عن ذاكرة الأُمّة ، وإزالة تراكمات الحكام الذين عملوا على تبديل ذلك الودّ المفروض بالقتل والقمع والإرهاب والترويع والبغض والنصب ، فذكّرهم بضرورة من ضرورات الدين ، وحق من حقوق أهل البيت الثابتة لهم لطهارتهم وعصمتهم وقربهم من ربهم ، مبيناً أن حبهم من الإيمان ، بل هو أصل الإيمان.
__________________
قالعليهالسلام
: «حبنا إيمان ، وبغضنا كفر
»
.
وقالعليهالسلام
: «إنّما حبنا أهل البيت شيء يكتبه اللّه في قلب العبد ، فمن كتبه اللّه في قلبه لم يستطع أحد أن يمحوه ، أما سمعت اللّه يقول : «أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِْيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ»
فحبنا أهل البيت من أصل الإيمان
»
.
آثار مودّتهم:
:
بيّن الإمام الباقرعليهالسلام
عمق الآثار المترتبة على حب آل البيت ، ومنها أنه دليل على طهارة القلب وطيب المولد ، ويؤدي بالمرء إلى غفران الذنوب والخلاص من شديد الحساب والأمن من فزع يوم القيامة.
قال الإمام الباقرعليهالسلام
: «لا يحبّنا عبد ويتولانا حتى يطهّر اللّه قلبه ، ولا يطهّر اللّه قلب عبد حتى يسلّم لنا ويكون سلما لنا ، فإذا كان سلما لنا سلّمه اللّه من شديد الحساب ، وآمنه من فزع يوم القيامة الأكبر
»
.
وعنهعليهالسلام
، قال : «من أصبح يجد برد حبنا على قلبه فليحمد اللّه على بادئ النعم
. قيل : وما بادئ النعم؟ قال :طيب المولد
»
.
وقالعليهالسلام
: «محبنا في الجنة ، ومبغضنا في النار
»
.
__________________
وقالعليهالسلام
: «بحبّنا تغفر لكم الذنوب
»
.
وإخلاص حبهم هو دليل على بلوغ حقيقة الإيمان ، روى فضيل بن يسار ، عن أبي جعفرعليهالسلام
قال : «لا يبلغ أحدكم حقيقة الإيمان حتى يكون فيه ثلاث خصال : حتى يكون الموت أحب إليه من الحياة ، والفقر أحب إليه من الغنى ، والمرض أحب إليه من الصحة
. قلنا : ومن يكون كذلك؟ قال :كلكم
. ثم قال :أيما أحب إلى أحدكم؛ يموت في حبنا ، أو يعيش في بغضنا؟
فقلت : نموت واللّه في حبكم أحب إلينا. قال :وكذلك الفقر والغنى والمرض والصحة
. قلت : إي واللّه»
.
ونقل الإمام الباقرعليهالسلام
عن جده رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
وأمير المؤمنينعليهالسلام
كثيراً من الأحاديث في هذا الاتجاه
.
الصلاة عليهم :
الصلاة على النبي وآله من الحقوق التي جاءت صريحة لأهل البيت:
في محكم الكتاب الكريم في قوله تعالى : «إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً
»
، وثبت في السنن المنقولة عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
أنه حينما سئل عن كيفية الصلاة قال : «قولوا اللهم صل على محمد
__________________
وآل محمد
».
ونقل عن الإمام الباقرعليهالسلام
ما يؤكد هذا الحق الثابت والمضيع ، أو المنقول بصور مشوهة ومبتورة تزلفاً للحكام الذين استخدموا شتى الوسائل في حرب مفتوحة على أهل هذا البيت الطاهر.
وقد صرّح الإمام الباقرعليهالسلام
بوجوب الصلاة عليهم في التشهّد
.
ورويت أحد صور الصلاة على النبي والآل:
عن الإمام الباقرعليهالسلام
، وبين فضلها ، بالاسناد عن ناجية ، قال : «قال أبو جعفر الباقرعليهالسلام
:إذا صلّيت العصر يوم الجمعة فقل : اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد الأوصياء المرضيّين بأفضل صلواتك ، وبارك عليهم بأفضل بركاتك ، والسلام عليه وعليهم وعلى أرواحهم وأجسادهم ورحمة اللّه وبركاته. فإنّه من قالها بعد العصر ، كتب اللّه له مائة ألف حسنة ، ومحا عنه مائة ألف سيئة ، وقضى له بها مائة ألف حاجة ، ورفع له بها مائة ألف درجة
»
.
فضل أهل البيت:
ومنزلتهم :
واستغرق الإمام أبو جعفرعليهالسلام
في الحديث عن عظمة منصب الإمامة وسمو منزلتها عند اللّه تعالى في جملة أحاديث بين فيها أن الإمامة عهد من اللّه لشخص محدّد متميّز بخصال وصفات تؤهله لهذا المنصب العظيم ، منها أنه معصوم متنزّه من الظلم بجميع صوره. روى جابر ، عن أبي جعفرعليهالسلام
، قال : سمعته يقول : «إن اللّه اتّخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتّخذه نبياً ، واتّخذه نبياً قبل أن يتّخذه رسولاً ، واتّخذه رسولاً قبل أن يتّخذه خليلاً ، واتّخذه خليلاً قبل أن يتّخذه
__________________
إماماً ، فلمّا جمع له هذه الأشياء ـ وقبض يده ـ قال له : يا إبراهيم إني جاعلك للناس إماماً فمن عظمها في عين إبراهيم
عليهالسلام
قال : يا رب ، ومن ذريتي؟ قال : لا ينال عهدي الظالمين
»
.
وتحدث عن خصوص منزلة أهل بيت النبي:
المعصومين الذين فرض اللّه طاعتهم ، وعن فضائلهم التي حباهم اللّه بها في أحاديث عدّة ، منها حديث خيثمة الجعفي ، عن أبي جعفرعليهالسلام
، قال : « سمعته يقول :نحن جنب اللّه ، ونحن صفوته ، ونحن خيرته ، ونحن مستودع مواريث الأنبياء ، ونحن أمناء اللّه عزوجل ، ونحن حجج اللّه ، ونحن أركان الإيمان ، ونحن دعائم الإسلام ، ونحن من رحمة اللّه على خلقه ، ونحن الذين بنا يفتح وبنا يختم ، ونحن أئمة الهدى ، ونحن مصابيح الدجى ، ونحن منار الهدى ، ونحن السابقون ، ونحن الأخرون ، ونحن العلم المرفوع للخلق ، من تمسك بنا لحق ، ومن تخلف عنا غرق ، ونحن قادة الغر المحجلين ، ونحن خيرة اللّه ، ونحن الطريق الواضح والصراط المستقيم إلى اللّه عزوجل ، ونحن من نعمة اللّه عزوجل على خلقه ، ونحن المنهاج ، ونحن معدن النبوة ، ونحن موضع الرسالة ، ونحن الذين إلينا تختلف الملائكة ، ونحن السراج لمن استضاء بنا ، ونحن السبيل لمن اقتدى بنا ، ونحن الهداة إلى الجنة
»
.
وعنه عن أبي جعفرعليهالسلام
، قال : «نحن شجرة النبوة ، وبيت الرحمة ، ومفاتيح الحكمة ، ومعدن العلم ، وموضع الرسالة ، ومختلف الملائكة ، وموضع
__________________
سر اللّه ، ونحن وديعة اللّه في عباده ، ونحن حرم اللّه الأكبر ، ونحن عهد اللّه ، فمن وفى بذمتنا فقد وفى بذمة اللّه ، ومن وفى بعهدنا فقد وفى بعهد اللّه ، ومن خفرنا فقد خفر ذمة اللّه وعهده
»
.
وعن سدير ، عن أبي جعفرعليهالسلام
، قال : «قلت له : جعلت فداك ، ما أنتم؟ قال :نحن خزان علم اللّه ، ونحن تراجمة وحي اللّه ، ونحن الحجة البالغة على من دون السماء ومن فوق الأرض
»
.
وعن جابر الجعفي ، قال : قال الباقرعليهالسلام
: «نحن ولاة أمر اللّه ، وخزان علم اللّه ، وورثة وحي اللّه ، وحملة كتاب اللّه»
.
وعن الفضيل بن يسار ، قال أبو جعفرعليهالسلام
: «يا فضيل ، ما ينقم الناس منا ، فواللّه إنّا لشجرة النبوة ، وموضع الرسالة ، ومختلف الملائكة ، وبيت الرحمة ، ومعدن العلم
»
.
وعنهعليهالسلام
: «نحن الأُمّة الوسطى ، ونحن شهداء اللّه على خلقه ، وحججه في أرضه
»
.
فضل الحسينعليهالسلام
وزيارته :
الحسينعليهالسلام
مفجّر ثورة تصحيح المسار في الزمن العصيب ، كان له نصيب وافر من حديث الإمام الباقرعليهالسلام
الذي شهد الثورة وهو غلام رباعي ، وحمل
__________________
منارها طوال حياته لاستثمار النصر الذي حققه جده الحسينعليهالسلام
بدمه الزكي ، واستكمال الخطوات التي حمل السجادعليهالسلام
أعباءها في الدفاع عن أهداف نهضة الحسينعليهالسلام
وتأصيل مبادئها في أذهان الأمة ، عن طريق التحديث بفضائل قائد النهضة وفضل التواصل مع دلالات ثورته وتعهده بالزيارة تصديقاً لما رغب فيه.
روى محمد بن مسلم عن الباقر والصادقعليهماالسلام
: «أن للحسين
عليهالسلام
ثلاث فضائل يتميز بها عن سواه من الخلق ، فضلاً عن سائر فضائله الأخرى ، وهي : أن جعل اللّه الإمامة في ذريته ، والشفاء في تربته ، واجابة الدعاء عند قبره
»
.
وعنه ، عن أبي جعفرعليهالسلام
، قال : «مروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين
عليهالسلام
، فإنّ إتيانه يزيد في الرزق ، ويمدّ في العمر ، ويدفع مدافع السوء ، وإتيانه مفترض على كل مؤمن يقرّ له بالإمامة من اللّه»
.
وعن داود الرقي ، قال : «قال الباقر محمد بن علي بن الحسين
:
: من زار الحسين
عليهالسلام
في ليلة النصف من شعبان غفرت له ذنوبه ، ولم تكتب عليه سيئة في سنته حتى تحول عليه السنة ، فإن زاره في السنة المستقبلة غفرت له ذنوبه
»
.
الغيبة :
__________________
استغرق موضوع الغيبة كثيراً من حديث الإمام الباقرعليهالسلام
وجهوده ، ويبدو أن واحدة من دواعي ذلك هو اعتقاد بعض الناس بمهدويته هوعليهالسلام
، وما أرجف به الأمويون من ادعاء مهدوية عمر بن عبد العزيز ، وصنع الوضاعون روايات عن الباقرعليهالسلام
وفاطمة بنت عليعليهالسلام
تؤيد مهدوية عمر بن عبد العزيز ، ومنها الحديث المزعوم عن الباقرعليهالسلام
: النبي منّا ، والمهدي من بني عبد شمس ، ولا نعلمه إلاّ عمر بن عبد العزيز ، ونحو ذلك
.
لأجل الطعن بهذه العقيدة وإضعافها في نفوس معتقديها.
وعلى ضوء ذلك عمل الإمام الباقرعليهالسلام
في اتجاهين ، الأول : نفي مهدويته ومهدوية غيره من المدعين. الثاني : تشخيص هوية مهدي أهل البيت الذي بشّر به النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
والأئمة الميامين من قبل ، وبيان خصاله التي لا تنطبق إلاّ عليه.
١ ـ نفي ادعاء مهدويتهعليهالسلام
:
كان ردّ الإمام الباقرعليهالسلام
على من ادعى المهدوية له أو لغيره ، يبتني على جملة أمور ، هي :
أ ـ تأكيد أن كل واحد من أئمة أهل البيت:
قائم بأمر اللّه ، ويهدي إلى اللّه عزّوجلّ ، لكنه ليس القائم أو المهدي الموعود صاحب السيف الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً.
ب ـ تأكيد أن المهديعليهالسلام
يظهر في صورة شاب أقل عمراً منهعليهالسلام
، وأنى يكون هو المهدي وقد دنى أجله؟!
روي أن الحكم بن أبي نعيم كان يعتقد مهدوية الإمام الباقرعليهالسلام
، قال : «أتيت أبا جعفرعليهالسلام
بالمدينة فقلت له : جعلت فداك ، إني جعلت عليّ نذر صيام
__________________
وصدقة إن أنا لقيتك لم أخرج من المدينة حتى أعلم أنك قائم آل محمدعليهالسلام
أو لا ، فإن كنت أنت رابطتك ، وإن لم تكن انتشرت في الأرض وطلبت المعاش؟
فقالعليهالسلام
:يا حكم ، كلنا قائم بأمر اللّه عزّوجلّ
. فقلت : وأنت المهدي؟ قال :كلنا نهدي إلى اللّه عزّوجلّ
. قلت : فأنت صاحب السيف ووارث السيف ، وأنت الذي تقتل أعداء اللّه وتعزّ أولياءه ، ويظهر بك دين اللّه؟ قال :يا حكم ، أكون أنا هو وقد بلغت هذا! أليس صاحب الأمر أقرب عهداً باللين مني؟!
ثم قال بعد كلام طويل :سر في حفظ اللّه والتمس معاشاً
»
.
وعن الأعمش عن أبي جعفرعليهالسلام
، قال : «يزعمون أني أنا المهدي ، وإني إلى أجلي أدنى مني إلى ما يدعون ، ولو أن الناس اجتمعوا على أن يأتيهم العدل من باب ، لخالفهم القدر حتى يأتي به من باب آخر
»
.
ج ـ تأكيد أن المهدي الموعودعليهالسلام
يتميز بصفات لا تنطبق على أحد ممن أدّعي له هذا الأمر ، سواء كان من أهل البيت:
أو من غيرهم ، منها :
أولاً : خفاء ولادته :
قال الشيخ المفيد : روي عن الباقرعليهالسلام
: أن الشيعة قالت له يوماً : «أنت صاحبنا الذي يقوم بالسيف؟ قال :لست بصاحبكم ، انظروا من خفيت ولادته ، فيقول قوم ولد ، ويقول قوم ما ولد ، فهو صاحبكم
»
.
وعن أبي الجارود ، عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام
، قال : «لا تزالون تمدون أعناقكم إلى الرجل منا تقولون : هو هذا ، فيذهب اللّه به ، حتى يبعث اللّه لهذا
__________________
الأمر من لا تدرون ولد أم لم يولد ، خلق أم لم يخلق
»
.
وعن عبد اللّه بن عطاء ، قال : قلت لأبي جعفرعليهالسلام
: «إن شيعتك بالعراق كثيرون ، فواللّه ما في أهل بيتك مثلك ، فكيف لا تخرج؟! فقال :يا عبد اللّه بن عطاء ، قد أمكنت الحشو من أذنيك! واللّه ما أنا بصاحبكم. قلت : فمن صاحبنا؟ قال : انظروا من تخفى على الناس ولادته ، فهو صاحبكم
»
.
ثانياً : الفتنة والتمحيص :
ذكرعليهالسلام
في أحاديث كثيرة مرور شيعته خلال غيبة الإمام المهديعليهالسلام
بمرحلة طويلة من التمحيص والابتلاء ، ومنه عن محمد بن منصور الصيقل ، عن أبيه ، قال : «دخلت على أبي جعفر الباقرعليهالسلام
وعنده جماعة ، فبينا نحن نتحدث وهو على بعض أصحابه مقبل ، إذ التفت إلينا وقال :في أي شيء أنتم؟ هيهات هيهات ، لا يكون الذي تمدون إليه أعناقكم حتى تمحّصوا ، هيهات ولا يكون الذي تمدون إليه أعناقكم حتى تميّزوا ، ولا يكون الذي تمدون إليه أعناقكم حتى تغربلوا ، ولا يكون الذي تمدون إليه أعناقكم إلاّ بعد إياس
»
.
٢ ـ تشخيص هوية المهديعليهالسلام
وبيان خصاله :
وأخبر أبو جعفر الباقرعليهالسلام
أن الإمام الحجةعليهالسلام
هو الثاني عشر من الأئمةعليهالسلام
، وشخص بعض صفاته التي لا تنطبق إلاّ عليه ، كما ذكر الملاحم والفتن وعلامات الظهور ، وقيام دولة الحق على يديه.
__________________
ولكي لا يطول بنا المقام هنا ، اقتصر على ذكر بعض مضامين حديث الإمام الباقرعليهالسلام
في هذا الاتجاه ، فقد ورد عنه أن الإمام المهديعليهالسلام
من آل محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم
، وهو رجل من ولد الحسينعليهالسلام
، وهو الإمام التاسع من بعد الحسين بن عليعليهماالسلام
، والسابع من بعد الباقرعليهالسلام
، وهو ابن أمة
، وله غيبتان
، وأن قيامهعليهالسلام
من المحتوم الذي لا تبديل له عند اللّه
.
وفيه شبه بالأنبياء:
وسنن من سننهم ، منهم يونس بن متىعليهالسلام
في غيبته وعودته ، ويوسفعليهالسلام
في حبسه وغيبته ، وموسىعليهالسلام
بكونه خائفاً يترقب ، وعيسىعليهالسلام
في اختلافهم به ، بين قائل : انه مات ، وقائل : انه لم يمت ، ومحمد المصطفىصلىاللهعليهوآلهوسلم
في خروجه بالسيف ، وقتله أعداء اللّه وأعداء رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم
من الجبارين والطواغيت ، وأنه ينصر بالسيف والرعب ، وأنه لا ترد له راية
.
وروي عن الإمام الباقرعليهالسلام
أنه يصلح اللّه له أمره في ليلة واحدة
، ويخرج في آخر الزمان فيملأها عدلاً كما ملئت جوراً
__________________
وظلماً
، وأنه منصور بالرعب ، مؤيد بالنصر ، تطوي له الأرض وتظهر له الكنوز ، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب ، ويظهر اللّه عزّوجلّ به دينه على الدين كله ولو كره المشركون ، فلا يبقى في الأرض خراب إلاّ قد عمّر ، وينزل روح اللّه عيسى بن مريمعليهالسلام
فيصلّي خلفه
، ويهدم ما قبله كما صنع رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
، ويستأنف الإسلام جديداً
، وإذا قام قسم بالسوية ، وعدل في الرعية
، وذكر علامات ظهوره المقدس وأخبار أصحابه ودولته في أخبار طويلة
.
٣ ـ كلماتهعليهالسلام
في الموت والجنّة والنار :
معنى الموت :
قيل لمحمد بن علي الباقرعليهالسلام
: «ما الموت؟ قالعليهماالسلام
:هو النوم الذي يأتيكم في كل ليلة ، إلاّ أنه طويل مدته ، لا ينتبه منه إلاّ يوم القيامة
»
.
عظمة الجنة والنار :
عن المنهال بن عمرو ، عنهعليهالسلام
، قال : «اذكروا من النار ما شئتم ، ولا تذكرون منها شيئاً إلاّ وهي أشد منه ، واذكروا من الجنّة ما شئتم ، ولا تذكرون منها شيئاً إلاّ وهي أفضل
»
.
__________________
وصف النار وأهلها :
عن عمرو بن ثابت ، عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام
، قال : «إن أهل النار يتعاوون فيها كما يتعاوى الكلاب والذئاب ممّا يلقون من ألم العذاب.
ما ظنّك ـ ياعمرو ـ بقومٍ لا يقضى عليهم فيموتوا ، ولا يُخفف عنهم من عذابها ، عطاش فيها جياع ، كليلة أبصارهم ، صم بكم عمي ، مُسودّة وجوههم ، خاسئين فيها نادمين ، مغضوبٌ عليهم فلا يرحمون ، ومن العذاب لا يُخفّف عنهم ، وفي النار يُسجرون ، ومن الحميم يشربون ، ومن الزقوم يأكلون ، وبكلاليب النار يخطمون ، وبالمقامع يضربون ، والملائكة الغلاظ الشداد لا يرحمون ، فهم في النار يسحبون على وجوههم ، ومع الشياطين يقرنون ، وفي الأنكال
والأغلال يصفدون ، إن دعوا لم يُستجب لهم ، وإن سألوا حاجة لم تقضَ لهم ، هذه حال من دخل النار
»
.
وعن زرارة ، عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام
، قال : «إنّ رسول اللّه
صلىاللهعليهوآلهوسلم
حيث أسري به إلى السماء لم يمر بخلق من خلق اللّه إلاّ رأى منه ما يحب من البِشر واللطف والسرور به حتى مرّ بخلق من خلق اللّه ، فلم يلتفت إليه ، ولم يقل له شيئا ، فوجده قاطبا عابسا ، فقال : يا جبرئيل ، ما مررت بخلق من خلق اللّه إلاّ رأيت البشر واللطف والسرور منه إلاّ هذا ، فمن هذا؟ قال : هذا مالك خازن النار ، وهكذا خلقه ربّه. قال : فإنّي أحبّ أن تطلب إليه أن يريني النار. فقال له جبرئيل : إنّ هذا محمّدا رسول اللّه ، وقد سألني أن
__________________
أطلب إليك أن تريه النار. قال : فأخرج له عنقا منها
فرآها ، فما افترَّ ضاحكا
حتى قبضه اللّه عزّوجلّ
»
.
٤ ـ مجابهة البدع والمفاهيم الخاطئة :
الابتداع شرك وضلال :
قام الإمام الباقرعليهالسلام
بدور بارز في الدفاع عن العقيدة الإسلامية المتمثلة بالكتاب الكريم وسنة النبي المصطفىصلىاللهعليهوآلهوسلم
، وجعلهما الميزان في تقييم الأعمال وإن كل ما خالفهما فهو بدعة وضلال
.
وعلى ضوء ذلك بين لأصحابه عدم مشروعية صلاة الضحى وصلاة التراويح جماعة في شهر رمضان ، فقد سأل زرارة ومحمد بن مسلم والفضيل أبا جعفر الباقر وأبا عبد اللّه الصادقعليهماالسلام
عن الصلاة في شهر رمضان نافلة بالليل جماعة ، فقالا : «إن النبي
صلىاللهعليهوآلهوسلم
كان إذا صلّى العشاء الآخرة انصرف إلى منزله ، ثم يخرج من آخر الليل إلى المسجد فيقوم فيصلّي ، فخرج في أول ليلة من شهر رمضان ليصلّي ، كما كان يصلّي ، فاصطفّ الناس خلفه ، فهرب منهم إلى بيته وتركهم ، ففعلوا ذلك ثلاث ليال ، فقام
صلىاللهعليهوآلهوسلم
في اليوم الثالث على منبره ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، إن الصلاة بالليل في شهر رمضان من النافلة في جماعة بدعة ، وصلاة الضحى بدعة ، ألا فلا تجتمعوا ليلاً في شهر رمضان لصلاة الليل ، ولا تصلّوا صلاة الضحى ، فإن تلك معصية ، ألا
__________________
فإن كل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة سبيلها إلى النار ، ثم نزل
صلىاللهعليهوآلهوسلم
وهو يقول : قليل في سُنّة خير من كثير في بدعة
»
.
وعن أبي جعفرعليهالسلام
أن رجلاً من الأنصار سأله عن صلاة الضحى ، فقال : «أول من ابتدعها قومك الأنصار ، سمعوا قول رسول اللّه
صلىاللهعليهوآلهوسلم
: صلاة في مسجدي تعدل ألف صلاة ، فكانوا يأتون من ضياعهم ضحى فيدخلون المسجد فيصلون فيه ، فبلغ ذلك رسول اللّه
صلىاللهعليهوآلهوسلم
، فنهاهم عنه
»
.
ادعاءات وأباطيل :
عمل الحاكم الأموي على تصدير أكذوبة مفادها أن الكعبة تسجد لبيت المقدس في كل غداة ، وأخرى أن اللّه تبارك وتعالى ، أو أن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
، حيث صعد إلى السماء ، وضع قدمه على صخرة بيت المقدس ، وتمّ وضع الأحاديث على هذا المنوال ، حين منع عبد الملك بن مروان أهل الشام من الحج أيام كانت مكة بيد ابن الزبير ، فجعل عبد الملك يجبرهم على تغيير وجهة الحج إلى بيت المقدس تحت غطاء أمثال هذه الأحاديث التي تفضل البيت على الكعبة.
قال اليعقوبي : منع عبد الملك أهل الشام من الحج ، وذلك أن ابن الزبير كان يأخذهم اذا حجوا بالبيعة ، فلما رأى عبد الملك ذلك منعهم من الخروج إلى مكة ، فضج الناس ، وقالوا : تمنعنا من حج بيت اللّه الحرام ، وهو فرض من اللّه علينا!
فقال لهم : هذا ابن شهاب الزهري يحدثكم أن رسول اللّه قال : لا تشدّ
__________________
الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجدي ، ومسجد بيت المقدس. وهو يقوم لكم مقام المسجد الحرام ، وهذه الصخرة التي يروى أن رسول اللّه وضع قدمه عليها ، لما صعد إلى السماء ، تقوم لكم مقام الكعبة ، فبنى على الصخرة قبة ، وعلق عليها ستور الديباج ، وأقام لها سدنة ، وأخذ الناس بأن يطوفوا حولها كما يطوفون حول الكعبة ، وأقام بذلك أيام بني أمية
.
وكان موقف الإمام الباقرعليهالسلام
يسير باتجاه تكذيب أمثال هذه الأباطيل.
عن زرارة ، قال : كنت قاعداً إلى جنب أبي جعفرعليهالسلام
وهو محتب مستقبل الكعبة ، فقال : «أما أن النظر إليها عبادة
، فجاءه رجل من بجيلة يقال له : عاصم بن عمر ، فقال لأبي جعفرعليهالسلام
: إن كعب الأحبار كان يقول : إن الكعبة تسجد لبيت المقدس في كل غداة. فقال أبو جعفرعليهالسلام
:فما تقول فيما قال كعب؟
فقال : صدق ، القول ما قال كعب. فقال أبو جعفرعليهالسلام
:كذبت وكذب كعب الأحبار معك
، وغضب. قال زرارة : ما رأيته استقبل أحداً بقول كذبت غيره. ثم قال :ما خلق اللّه عزوجل بقعة في الأرض أحب إليه منها
ـ ثم أومأ بيده نحو الكعبة ـولا أكرم على اللّه عزوجل منها ، لها حرّم اللّه الأشهر الحرم في كتابه يوم خلق السماوات والأرض ، ثلاثة متوالية للحج : شوال وذو القعدة وذو الحجة ، وشهر مفرد للعمرة وهو رجب
»
.
وروى جابر بن يزيد الجعفي ، قال : قال محمد بن علي الباقرعليهماالسلام
: «يا جابر ، ما أعظم فرية أهل الشام على اللّه عزّوجلّ! يزعمون أن اللّه تبارك وتعالى حيث صعد إلى السماء ، وضع قدمه على صخرة بيت
__________________
المقدس ، ولقد وضع عبد من عباد اللّه قدمه على حجره ، فأمرنا اللّه تبارك وتعالى أن نتخذه مصلّى. يا جابر ، إن اللّه تبارك وتعالى لا نظير له ولا شبيه ، تعالى عن صفة الواصفين ، وجل عن أوهام المتوهّمين ، واحتجب عن أعين الناظرين ، لا يزول مع الزائلين ، ولا يأفل مع الآفلين ، ليس كمثله شيء ، وهو السميع العليم
»
.
ومن الأباطيل التي روّج لها الحاكم الأموي قولهم قبّحهم اللّه : إن أبا طالب في ضحضاح من نار ، للطعن بايمانه ، والحط من أهل بيته ، وقد رد الإمام الباقرعليهالسلام
هذه الفرية بشدة ، فقد سئلعليهالسلام
عما يقوله حثالة الناس : إن أبا طالب في ضحضاح من نار. فقال : «لو وضع إيمان أبي طالب في كفة ميزان ، وإيمان هذا الخلق في كفة أخرى لرجح إيمانه. ثم قال : ألم تعلموا أن أمير المؤمنين علياً
عليهالسلام
كان يأمر أن يحج عن عبد اللّه وابنه وأبي طالب في حياته ، ثم أوصى في وصيته بالحج عنهم
»
.
وقد قدمنا في الفصل الأول أن حكام بني أمية وعمالهم عملوا على النيل من مقام النبوة ، والاستخفاف بزوار قبر رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
بالمدينة
.
وإزاء ذلك قدم الإمام الباقر دروساً عملية في مشروعية زيارة قبر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
وقبور الأئمة المعصومين من أهل البيت:
وشدَّ الرحال إليهم ، والتوسل والاستشفاع بهم ، منها حديث الإمام الباقرعليهالسلام
عن أبيه علي بن
__________________
الحسينعليهماالسلام
، أنّه كان يقف على قبر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
ويلتزق بالقبر
.
وروى ابن عساكر بالاسناد عن قيس بن النعمان أنه خرج يوماً إلى بعض مقابر المدينة ، فوجد الإمام الباقرعليهالسلام
جالساً عند قبر أبيه يبكي بكاءً شديداً ، وأن وجهه ليلقي شعاعاً من نور ، فقال له في بعض حديثه : «هذا قبر أبي ، فأي أنس آنس من قربه ، وأي وحشة تكون معه
». قال قيس : فانصرفت وما تركت زيارة القبور مذ ذاك
.
تصحيح مقولات خاطئة :
مارس الإمام الباقرعليهالسلام
عملية تصحيح لبعض المقولات الخاطئة الجارية على ألسن الناس ، فقال يوماً رجل عنده : اللهم أغننا عن جميع خلقك. فقال أبو جعفرعليهالسلام
: «لا تقل هكذا. ولكن قل : اللهم أغننا عن شرار خلقك ، فإن المؤمن لا يستغني عن أخيه
»
.
وقالعليهالسلام
: «كم من رجل قد لقي رجلاً فقال له : كب اللّه عدوك ، وما له من عدو إلاّ اللّه
»
.
مواجهة حركة الغلو :
إن حركة الغلو من الاتجاهات المدمرة في الفكر الإسلامي ، لذلك كان لأهل البيت:
كلمتهم حيثما يظهر الغلو ، وهي كلمة واحدة أعلنوا فيها عن كفر الغلاة والحادهم ، ولعنوهم ودعوا أصحابهم إلى البراءة منهم ، لحرصهم على
__________________
تنزيه تعاليم الإسلام من التشويه والتحريف والافتراء ، ولتصحيح المسار الإسلامي بكل ما حوى من علوم ومعارف واتجاهات ، ولم يدخروا في هذا السبيل وسعاً.
وتصدّى الإمام الباقرعليهالسلام
لحركة الغلو وحذر من مقالات الغلاة ، وفنّد ادعاءاتهم الباطلة.
وهكذا فعل مع المغيرة بن سعيد ، روى سليمان الكناني ، عن أبي جعفرعليهالسلام
، أنه قال له : «هل تدري ما مثل المغيرة
؟ قال : قلت : لا. قال :مثله مثل بلعم
. قلت : ومن بلعم؟ قال :الذي قال اللّه عزّوجلّ
: «الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ
»
».
وأعلن الإمام الصادقعليهالسلام
عن لعن المغيرة بن سعيد ، وحذر أصحابه مما كان يفتريه المغيرة على أبي جعفرعليهالسلام
، وصرح أنه كان يكذب على أبي جعفرعليهالسلام
، فأذاقه اللّه حر الحديد
، وعرى ما دسه من الكفر والزندقة في كتب أصحابه
.
وكان من شيوع ذلك وذيوعه أن ذكره حتى الشعراء ، فقد جاء أبو هريرة العجلي الشاعر إلى الإمام الباقرعليهالسلام
فأنشده :
أبا جعفر أنت الولي أحبّه
|
|
وأرضى بما ترضى به وأتابعُ
|
أتتنا رجالٌ يحملون عليكمُ
|
|
أحاديث قد ضاقت بهنّ الأضالعُ
|
أحاديث أفشاها المغيرة فيهم
|
|
وشر الأمور المحدثات البدائعُ
|
__________________
ولكي لا يقع أصحابه في متاهة الغلو وأحابيل أهله ومقالاتهم الباطلة ، أكّد الإمام الباقرعليهالسلام
على المؤمنين أن لا يتجاوزوا الحدّ فيهم:
، ولا يغتروا بما يقوله الغلاة من نبوّتهم أو أُلوهيّتهم ، وأكد أنهم عبيد اللّه لا يشركون به شيئاً ، وما بينهم وبين اللّه من قرابة إلاّ بالطاعة ، وطلب من شيعته أن يكونوا النمرقة الوسطى ، يرجع إليهم الغالي ، ويلحق بهم التالي
.
* * *
__________________
الفصل السابع
اسهامه في العلوم
أظهر باقر العلمعليهالسلام
طاقات هائلة من العلم تركت بصماتها إلى اليوم ، في جل العلوم والمعارف التي أسهم فيها ، كعلوم القرآن والتفسير والحديث والأصول والفقه والتشريع والكلام والطب واللغة والأدب والسيرة والتاريخ والملاحم والحكم العالية والمواعظ السامية.
قال الشيخ المفيد : روى أبو جعفرعليهالسلام
أخبار المبتدأ وأخبار الأنبياء ، وكتب عنه الناس المغازي ، وأثروا عنه السنن ، واعتمدوا عليه في مناسك الحج التي رواها عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
، وكتبوا عنه تفسير القرآن ، وروت عنه الخاصة والعامة الأخبار ، وناظر من كان يرد عليه من أهل الآراء ، وحفظ عنه الناس كثيراً من علم الكلام
.
وقال أبو زهرة : كانعليهماالسلام
مفسراً للقرآن ، ومفسراً للفقه الإسلامي ، مدركاً حكمة الأوامر والنواهي ، فاهماً كل الفهم لمراميها ، وكان راوية للأحاديث ، يروي أحاديث آل البيت ، ويروي أحاديث الصحابة من غير تفرقة ، ولكمال نفسه ونور قلبه وقوة مداركه ، أنطقه اللّه تعالى بالحكم الرائعة ، ورويت عنه عبارات في الأخلاق الشخصية والاجتماعية ، ما لو نظم في سلك لتكون فيه
__________________
مذهب خلقي سام ، يعلو بمن يأخذ به إلى مدارج السمو الإنساني
.
قال الشاعر :
والخير كل الخير في لسانه
|
|
والعلم كل العلم في بيانه
|
منطقه منطقة الكمال
|
|
ناطقة العدل والاعتدال
|
بل هو مفتاح مفاتيح الهدى
|
|
وعنده الغيب شهود أبدا
|
به تجلت صفوة المعارف
|
|
في قلب كل سالك وعارف
|
ويمكن الإشارة إلى انجازات الإمام الباقرعليهالسلام
العلمية ضمن النقاط التالية :
١ ـ الآثار العلمية المنسوبة إليهعليهالسلام
:
نسبت إلى الإمام أبي جعفر الباقرعليهالسلام
مؤلّفات عدة ، رواها عنه أصحابه ، يتضمن غالبها علمي التفسير والحديث ، وهي كما يلي :
١ ـ تفسير القرآن : رواه عنهعليهالسلام
زياد بن المنذر ، أبو الجارود العبدي
.
٢ ـ نسخة أحاديث : رواها عنهعليهالسلام
خالد بن أبي كريمة
.
٣ ـ نسخة أحاديث أخرى : رواها عنهعليهالسلام
خالد بن طهمان ، أبو العلاء الخفّاف. قال مسلم بن الحجاج : أبو العلاء الخفاف له نسخة أحاديث ، رواها عن أبي جعفرعليهالسلام
.
٤ ـ كتاب : رواه عنه عبد المؤمن بن القاسم الأنصاري
.
__________________
٥ ـ كتاب : رواه زرارة بن أعين الشيباني
.
٦ ـ رسالتهعليهالسلام
إلى سعد بن طريف الاسكاف الحنظلي ، وكان قاضياً
.
٧ ـ رسالتهعليهالسلام
إلى سعد بن عبد الملك الأموي نسبا ، المعروف بسعد الخير ، وقد روى ثقة الإسلام الكليني هذه الرسالة بسندين
.
٨ ـ نسخة الباقر والصادقعليهماالسلام
لأبي عثمان عمر بن جميع الأزدي البصري ، القاضي بالري ، ذكرها النجاشي مع سندها
.
٩ ـ مناظرتهعليهالسلام
مع الهروي في خلافة أبي بكر ، وهي موجودة في مجموعة مع مناظرة ابن أبي جمهور ، ومناظرة ركن الدولة في المكتبة الرضوية
.
١٠ ـ ووصلت إلينا عدّة مناظرات وحوارات ساخنة للإمام الباقرعليهالسلام
مع العلماء من مختلف أوساط الامة وغيرهم ، منها : مناظرته مع عمرو بن عبيد المعتزلي
، وسالم التمار من البترية
، ونافع بن الأزرق مولى عبد اللّه بن عمر
، وقتادة بن دعامة البصري
، وطاوس اليماني
، وعبد اللّه
__________________
ابن عباسعليهماالسلام
، وهشام بن عبد الملك
، والأبرش بن الوليد الكلبي وزير هشام بن عبد الملك
، والخضرعليهالسلام
، وعالم النصارى
.
١١ ـ ونقلت عنهعليهالسلام
مواعظ ووصايا ورسائل كثيرة ، سنعرض نماذج منها ومن المناظرات في آخر الفصل.
٢ ـ دوره في علوم القرآن :
بيان فضل القرآن :
تحدث الإمام الباقرعليهالسلام
عن فضل القرآن ، ولا يخفى ما في ذلك من دفع باتجاه الاهتمام بالكتاب الكريم ، روى سعد الخفاف ، عن أبي جعفرعليهالسلام
في حديث طويل عن فضل القرآن ، قال : «يا سعد ، تعلّموا القرآن ، فإن القرآن يأتي يوم القيامة في أحسن صورة نظر إليها الخلق ، والناس صفوف ، إلى أن قال : فيخر تحت العرش ، فيناديه تبارك وتعالى : يا حجّتي في الأرض وكلامي الصادق الناطق ، ارفع رأسك ، وسل تعط ، واشفع تشفع. فيرفع رأسه ، فيقول اللّه تبارك وتعالى : كيف رأيت عبادي؟ فيقول : يا رب ، منهم من صانني وحافظ عليّ ولم يضيّع شيئاً ، ومنهم من ضيّعني واستخفّ بحقّي
__________________
وكذب بي ، وأنا حجّتك على جميع خلقك. فيقول اللّه تبارك وتعالى : وعزّتي وجلالي وارتفاع مكاني ، لأثيبنّ عليك اليوم أحسن الثواب ، ولأعاقبنّ عليك اليوم أليم العقاب
»
.
قراءتهعليهالسلام
:
كان الإمام الباقرعليهالسلام
كآبائه أحسن الناس قراءة وصوتاً ، روى معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه الصادقعليهالسلام
، قال : «إن أبا جعفر
عليهالسلام
كان أحسن الناس صوتاً بالقرآن ، وكان إذا قام من الليل وقرأ ، رفع صوته ، فيمر به مار الطريق من الساقين وغيرهم فيقومون فيستمعون إلى قراءته
»
.
وقد أخذ عنه القراءة عرضاً بعض أصحابه منهم حمران بن أعين
.
شروط تلاوة القرآن :
للإمام الباقرعليهالسلام
وصايا في تحمّل القرآن وقراءته ، تتناغم مع قداسة هذا الكتاب العظيم ، وتحقيق أهدافه في تهذيب النفوس والأخذ بمجامع القلوب ، من هنا جدير بكل مسلم أن يجعل تلك الوصايا نصب عينه حينما يقرأ كتاب اللّه.
قال أبو جعفر الباقرعليهالسلام
: «قراء القرآن ثلاثة : رجل قرأ القرآن فاتخذه بضاعة ، واستدر به الملوك ، واستطال به على الناس ، ورجل قرأ القرآن فحفظ حروفه وضيع حدوده ، وأقامه اقامة القدح ، فلا كثّر اللّه هؤلاء من حملة القرآن. ورجل قرأ القرآن فوضع دواء القرآن على داء قلبه ، فأسهر به ليله ، وأظمأ به نهاره ، وقام به في مساجده ، وتجافى به عن فراشه ،
__________________
فبأولئك يدفع العزيز الجبار البلاء ، وباولئك يديل اللّه عز وجل من الأعداء ، وبأولئك ينزل اللّه عزوجل الغيث من السماء ، فواللّه لهؤلاء في قراء القرآن أعز من الكبريت الأحمر
»
.
ثم قالعليهالسلام
: «إذا قرأتم القرآن فبينوه تبياناً ، ولا تهذّوه
هذاً كهذّ الشعر ، ولا تنثروه نثر الرمل ، ولكن افرغوا له القلوب القاسية. ولا يكن هم أحدكم آخر السورة ، واقرءوه بألحان العرب وأصواتها ، واياكم ولحون أهل الكبائر ، وأعربوا به فإنّه عربي ، ولا تقرأوه هذرمة
، وإذا مررتم بآية فيها ذكر الجنة فقفوا عندها واسألوا اللّه الجنة ، وإذا مررتم بآية فيها ذكر النار فقفوا عندها وتعوذوا باللّه من النار ، وحزّنوه بأصواتكم ، فإن اللّه تعالى أوحى إلى موسى بن عمران
عليهالسلام
: إذا وقفت بين يدي فقف موقف الذليل الفقير ، وإذا قرأت التوراة فاسمعنيها بصوت حزين
»
.
وعن جابر ، عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام
، قال : «قلت له : إنّ قوما إذا ذُكّروا بشيء من القرآن أو حدثوا به صعق أحدهم حتى يرى أنّه لو قطعت يداه ورجلاه لم يشعر بذلك. فقال :سبحان اللّه! ذاك من الشيطان ، ما بهذا أمروا ، إنّما هو اللين والرقة والدمعة والوجل
»
.
وعن أبي بصير عنهعليهالسلام
: «ورجّع بالقرآن صوتك ، فإن اللّه يحبّ
الصوت
__________________
الحسن يرجع فيه ترجيعاً
»
.
التفسير :
تعدّ الأخبار الواردة في التفسير عن أهل البيت:
بالأسانيد المعتمدة من أوثق مصادر التفسير ، وأثبتت الدلائل أنهم الأقدر على تفسير آي الكتاب وإدراك مضامينها وفهم دقائقها ، لأنهم أعدال الكتاب الذين قرن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
بينهم وبينه ، وذكر أنهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض.
وأكد الإمام الباقرعليهالسلام
هذه الحقيقة في أكثر من مناسبة ، فقالعليهالسلام
: «إن رسول اللّه
صلىاللهعليهوآلهوسلم
أفضل الراسخين في العلم ، فقد علم جميع ما أنزل اللّه عليه من التنزيل والتأويل ، وما كان اللّه لينزل عليه شيئاً لم يعلمّه إياه ، وأوصياؤه من بعده يعلمونه كلّه
»
.
وعن جابر ، عن أبي جعفرعليهالسلام
أنه قال : «ما يستطيع أحد أن يدّعي أن عنده جميع القرآن كله ظاهره وباطنه غير الأوصياء
»
.
أي أن العلم بجميع القرآن من حيث معانيه الظاهرة ومعانيه الباطنة منحصر بهم:
.
من هنا فإن الحديث عن تفسير الإمام الباقرعليهالسلام
واسع بسعة التفسير المأثور عنه ، لكننا سوف نقتصر على بيان بعض الأمثلة من التفسير الوارد عن الإمام الباقرعليهالسلام
.
١ ـ عن محمد بن مسلم ، قال : «سألت أبا جعفرعليهالسلام
، فقلت : قوله
__________________
عزوجل :
«يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
»
.
فقال
عليهالسلام
: اليد في كلام العرب القوّة والنعمة ، قال اللّه :
«وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الاْءَيْدِ
»
، وقال :
«وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ
»
، أي : بقوّة ، وقال :
«وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ
»
، أي قوّاهم ، ويقال : لفلان عندي أيادٍ كثيرة. أي فواضل واحسان ، وله عندي يد بيضاء ، أي نعمة
»
.
٢ ـ وعن زرارة ومحمّد بن مسلم : أنّهما قالا : قلنا لأبي جعفرعليهالسلام
: «ما تقول في الصلاة في السفر كيف هي ، وكم هي؟ فقال :إن اللّه عزوجل يقول :
«وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الاْءَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاة
»
، فصار التقصير في السفر واجباً كوجوب التمام في الحضر.
قالا : قلنا : إنما قال اللّه عزوجل : «فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ
» ، ولم يقل : افعلوا ، فكيف أوجب ذلك كما أوجب التمام في الحضر؟ فقال :أو ليس قد قال اللّه عزّوجلّ في الصفا والمروة :
«فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا
»
؟
ألا ترون أن الطواف بهما واجب مفروض؟ لأن اللّه عزّوجلّ ذكره في كتابه وصنعه نبيه
صلىاللهعليهوآلهوسلم
، وكذلك التقصير في السفر شيء
__________________
صنعه النبي
صلىاللهعليهوآلهوسلم
وذكره اللّه تعالى في كتابه
»
.
٣ ـ وفي حديث نافع بن الأزرق أنه سأل الباقرعليهالسلام
عن مسائل ، منها قوله تعالى : «وَاسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ
»
من الذي يسأل محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم
، وكان بينه وبين عيسى خمس مائة سنة؟ قال : فقرأ أبو جعفرعليهالسلام
: «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً
»
ثم ذكر اجتماعه بالمرسلين والصلاة بهم في المسجد الأقصى وسؤاله منهم على من يشهدون ، وما كانوا يعبدون. قالوا : نشهد أن لا إله إلاّ اللّه ، وحده لا شريك له ، وأنك رسول اللّه ، أخذت على ذلك عهودنا ومواثيقنا
.
أولاً
: القول بسلامة القرآن من النقصان ، وأنه الذي بأيدي المسلمين مابين الدفتين ، وقد حرص أهل البيت:
في الحفاظ على سلامة القرآن من التحريف ، وعدم ضياع أي حرف منه.
وصرح الإمام الباقرعليهالسلام
في رسالته إلى سعد الخير أن التحريف المزعوم في الكتاب الكريم إنما يقع من الجهال في شرحه وتفسيره ، لا في حروفه ، قالعليهالسلام
: «كان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه ، وحرفوا حدوده ، فهم يروونه ولا يرعونه ، والجهال يعجبهم حفظهم للرواية ، والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية
»
.
__________________
وفي هذا السياق ، نفى الإمام الباقرعليهالسلام
أن يكون القرآن نزل على سبعة أحرف ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام
قال : «إن القرآن واحد ، نزل من عند واحد ، ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة
»
.
فالأحرف المدعاة إنما هي أخبار آحاد واختلاف من قبل الرواة ، والقرآن لا اختلاف فيه من حيث صورة ألفاظه ، بل نزل بلغة واحدة ، وعلى قراءة واحدة ، هي لغة قريش ، لقوله تعالى : «وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ
»
وكان رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
قرشياً.
رابعاً
: تأويل المتشابه الذي يعارض العقائد الإسلامية التي أرادها اللّه ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم
، بمعانٍ مناسبة لجوّ الآيات والروايات ، مثل تنزيه الخالق عن التجسيم التشبيه والتعطيل ، وتنزيه الأنبياء عن المعاصي ، واستحالة روءية الخالق في الدنيا والآخرة ، والأمر بين الأمرين وغيرها من عقائد الإسلام الأصيل ، وذلك بالاستفادة من معاني الكلمات المجازية عند العرب ، أو من الآيات الأخرى التي تكمل بمجموعها معنى النص القرآني ، كما في تأويل الإمام الباقرعليهالسلام
لكلمة اليد في الحديث المتقدم.
ومثال تنزيه الخالق من صفة المخلوق ، ما سأل عمرو بن عبيد الإمام الباقرعليهالسلام
، عن قول اللّه تبارك وتعالى : «وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى
»
، ما ذلك الغضب؟ فقال أبو جعفرعليهالسلام
: «هو العقاب. يا عمرو ، إنه من زعم أن اللّه قد زال من شيء إلى شيء فقد وصفه صفة مخلوق ، وإنّ اللّه تعالى
__________________
لا يستفزّه شيء فيغيره
»
.
وعن أبي حمزة ، عن أبي جعفرعليهالسلام
، قال : في قول اللّه عزوجل : «كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ
»
، قال : «فيهلك كل شيء ويبقى وجه اللّه عزوجل ، واللّه أعظم من أن يوصف؟! ولكن معناها كل شيء هالك إلاّ دينه ، ونحن الوجه الذي يؤتى اللّه منه
»
.
ومثال على مبدأ الأمر بين الأمرين ، وهو مبدأ وسط بين الجبر والتفويض ، ما رواه جابر بن يزيد الجعفي ، عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام
، قال : «سألته عن معنى (لا حول ولا قوة إلاّ باللّه ). فقال : معناه: لا حول لنا عن معصية اللّه إلاّ بعون اللّه ، ولا قوة لنا على طاعة اللّه إلاّ بتوفيق اللّه عزوجل
»
.
فلا تفويض مطلق ، ولا جبر مطلق ، بل إن للإنسان حولاً وقوةً ، لكنهما خاضعان للإرادة الإلهية ، وعلى أساس هذا الاتجاه من الوعي فسروا آيات القرآن ، ونفوا عن كلام اللّه تعالى كل ما يفهم منه الجبر أو التفويض.
خامساً
: النهي عن التفسير بالرأي ، ويراد به الأخذ بالاعتبارات الظنية في التفسير ، يقول شيخ الطائفة الطوسي في مقدمة تفسيره : ان تفسير القرآن لا يجوز إلاّ بالأثر الصحيح عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
وعن الأئمة:
الذين قولهم حجة كقول النبي
.
__________________
وقد نهى الإمام أبو جعفرعليهالسلام
عن الأحتكام إلى الحدس والظن والتخمين في التفسير ، أو أن يفسره الإنسان بذوقه ومن تلقاء نفسه ، في عدة أحاديث ، منها ما رواه ثقة الإسلام الكليني عن زيد الشحام ، قال : «دخل قتادة بن دعامة على أبي جعفرعليهالسلام
فقال :يا قتادة ، أنت فقيه أهل البصرة
؟ قال : هكذا يزعمون. فقال أبو جعفرعليهالسلام
:بلغني أنك تفسر القرآن
؟ فقال له قتادة : نعم. فقال له أبو جعفرعليهالسلام
:بعلم تفسره أم بجهل
؟ قال : لا ، بعلم. فقال له أبو جعفرعليهالسلام
:فإن كنت تفسره بعلم ،
فأنت أنت ، وأنا أسألك
؟ قال قتادة : سل. قال :أخبرني عن قول
اللّه عزوجل في سبأ :
«وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ
»
.
فقال قتادة : ذلك من خرج من بيته بزاد حلال وراحلة وكراء حلال ، يريد هذا البيت ، كان آمنا حتى يرجع إلى أهله. فقال أبو جعفرعليهالسلام
:نشدتك اللّه يا قتادة ، هل تعلم أنه قد يخرج الرجل من بيته بزاد حلال وراحلة وكراء حلال يريد هذا البيت ، فيقطع عليه الطريق ، فتذهب نفقته ويضرب مع ذلك ضربة فيها اجتياحه؟
قال قتادة : اللهم نعم.
فقال أبو جعفرعليهالسلام
:ويحك يا قتادة ، إن كنت إنما فسرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت وأهلكت ، وإن كنت قد أخذته من الرجال فقد هلكت وأهلكت. ويحك يا قتادة ، ذلك من خرج من بيته بزاد وراحلة وكراء حلال يروم هذا البيت عارفاً بحقنا ، يهوانا قلبه ، كما قال اللّه عزّوجلّ :
«فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ
»
ولم يعن البيت فيقول : إليه ، فنحن واللّه دعوة إبراهيم
عليهالسلام
التي من هوانا قلبه قبلت حجّته
__________________
وإلاّ فلا ، يا قتادة فإذا كان كذلك كان آمناً من عذاب جهنّم يوم القيامة
. قال قتادة : لا جرم واللّه لا فسرتها إلاّ هكذا.
فقال أبو جعفرعليهالسلام
:ويحك يا قتادة ، إنما يعرف القرآن من خُوطب به
»
.
وهنا يحصر الإمام أبو جعفرعليهالسلام
، معرفة الكتاب العزيز تفسيراً وتأويلاً وعلى درجة الكمال بالمعصومين من أهل البيت:
دون سواهم ، باعتبارهم المخاطبين الذين نزل الكتاب في بيوتهم ، وعليه لا يجوز تفسير القرآن بغير علم ، وهو المستفاد من قولهعليهالسلام
: «فإن كنت تفسره بعلم ، فأنت أنت
» ، وقولهعليهالسلام
: «ما علمتم فقولوا ، وما لم تعلموا فقولوا : اللّه أعلم ، ان الرجل لينزع بالآية من القرآن يخر فيها أبعد من السماء
»
.
لأن التفسير الخالي من الدليل العلمي الواضح والبرهان القطعي يعتمد على الظن الذي لا يغني عن الحقّ شيئاً.
حجم تراثه التفسيري :
أما من حيث حجم التفسير المأثور عن الإمام الباقرعليهالسلام
، فقد ترك تراثاً هائلاً من الروايات والأخبار التي تدخل في باب التفسير ، ويشكل هذا التراث أهم عناصر التفاسير الأثرية ، مثل تفسير فرات الكوفي ، والعياشي ، وعلي بن ابراهيم القمي.
وأورد تفسيره للآيات علماء التفسير على اختلاف مشاربهم وأطيافهم الشيء الكثير ، كالطبري وسفيان الثوري والثعلبي والبغوي وابن كثير والشوكاني والسيوطي والنقاش والزمخشري وغيرهم.
__________________
أما تفسيره المبثوث في مصادر الحديث وغيرها ، فقد جمعها السيد هاشم البحراني في (البرهان) والعروسي في (نور الثقلين) وهما يتضمنان المزيد من التفسير الأثري الوارد عن الإمام الباقرعليهالسلام
.
وراجعنا معجم تفسير أهل البيت:
الذي أسهمنا في اعداده خلال عملنا في قسم الدراسات الإسلامية التابع إلى مؤسسة البعثة ، من خلال تتبّع ١٧٧ مصدراً من مصادر المسلمين ، عدا مصادر التفسير ، فأحصينا فيه ٢٦٨٠ مورداً منقولاً عن الإمام الباقرعليهالسلام
في تفسر آي القرآن ، وهو يعكس عظمة جهود الإمامعليهالسلام
في تفسير الكتاب الكريم.
ومن جملة جهود الإمام الباقرعليهالسلام
في هذا السياق ، أنه ألف كتاباً في التفسير ، ذكره ابن النديم في الفهرست ، وقال : رواه عنه أبو الجارود زياد بن المنذر ، رئيس الجارودية الزيدية
.
وألف جابر بن يزيد الجعفي كتاباً في تفسير القرآن ، أخذه من الإمام الباقرعليهالسلام
، وكان أبو النضر محمد بن السائب بن بشر الكلبي أول من صنف في علم أحكام القرآن ، وله تفسير كبير ، وأبو بصير يحيى بن أبي القاسم الأسدي ، له تفسير ، وأبو حمزة الثمالي ، له تفسير ، وصنف أبان بن تغلب في معاني القرآن
، وتفسير غريب القرآن. ولا ريب أن جهود أصحاب الإمام في هذا الاتجاه ، تعكس مقدار اهتمام الإمامعليهالسلام
بعلم التفسير ، لأنه صاحب مدرسة تمتد إلى مختلف ديار الإسلام.
تنقية التفسير :
أسهم الإمام الباقرعليهالسلام
في تنقية التفسير مما وفد إلى رحابه من آثار
__________________
إسرائيلية ، وأقوال المغرضين والجهال من أهل الهوى وغيرهم.
قال الباقرعليهالسلام
لجابر الجعفي : «ما يقول فقهاء العراق في قوله تعالى :
«لَوْلاَ أَنْ رَءَا بُرْهَانَ رَبِّهِ
»
؟ قال : رأى يعقوب عاضاً على إبهامه. فقال :لا ، حدثني أبي عن جدي علي بن أبي طالب
عليهماالسلام
أن البرهان الذي رآه أنها حين همت به وهم بها ، قامت إلى صنم لها مكلل بالدر والياقوت في ناحية البيت فسترته بثوب أبيض خشية أن يراها ، أو استحياء منه. فقال لها يوسف
عليهالسلام
: ما هذا؟ فقالت : الهي أستحي منه أن يراني على هذه الصورة. فقال يوسف
عليهالسلام
: تستحين من صنم لا ينفع ولا يضر ، ولا يسمع ولا يبصر ، أفلا أستحي أنا من إلهي الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت؟ ثم قال : واللّه لا تنالين مني أبداً ، فهو البرهان
»
.
وعن محمد بن عطية ، قال : «جاء رجل إلى أبي جعفرعليهالسلام
من أهل الشام من علمائهم ، فقال له : يا أبا جعفر ، قول اللّه تعالى : «أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالاْءَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا
»
؟ فقال له أبو جعفرعليهالسلام
:فلعلك تزعم أنهما كانتا رتقاً ملتزقتين ملتصقتين ففتقت احداهما من الأخرى؟
فقال : نعم. فقال أبو جعفرعليهالسلام
:استغفر ربك ، فإنّ قول اللّه عزوجل :
«كَانَتَا رَتْقاً
»يقول : كانت السماء رتقاً لا تنزل المطر ، وكانت الأرض رتقاً لا تنبت الحبّ ، فلمّا خلق اللّه تبارك وتعالى الخلق وبثّ فيها من كلّ دابة ، فتق السماء بالمطر ، والأرض بنبات الحبّ
. فقال الشامي : أشهد أنك من ولد الأنبياء ، وأنّ علمك
__________________
علمهم»
.
وسأله الأبرش الكلبي عن قول اللّه عزوجل : «وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ
»
.
فقال أبو جعفرعليهالسلام
: «ما قيل لك؟ فقال : قالوا : الشاهد يوم الجمعة ، والمشهود يوم عرفة.
فقال أبو جعفرعليهالسلام
:ليس كما قيل لك ، الشاهد يوم عرفة ، والمشهود يوم القيامة ، أما تقرأ القرآن؟ قال اللّه عزوجل :
«ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ
»
.
٣ ـ دوره في علوم الحديث :
يشكل الحديث أولى الاهتمامات العلمية للإمام أبو جعفر الباقرعليهالسلام
، فربى جيلاً من حملة الحديث الثقات ، وحمّلهم حديث جده وآبائه المعصومين:
، كي يحفظونه من الضياع والتحريف ، منهم بريد بن معاوية العجلي ، وأبو بصير بن ليث البختري ، وجابر الجعفي ، ومحمد بن مسلم ، وزرارة بن أعين وغيرهم ، ذلك لكون الحديث ثاني ركائز التشريع ومنابع الفكر الديني بعد كتاب اللّه تعالى ، من هنا يمكن أن نتلمس دور الإمامعليهالسلام
في هذا الاتجاه بما يلي :
رواية الحديث ودرايته :
هناك جملة قواعد في رواية الحديث أكد عليها الإمام الباقرعليهالسلام
في حديثه ، وهي تحكي مدى عنايته بثاني أثافي التشريع الإسلامي ، وأضحت
__________________
بعض تلك القواعد فيما بعد من جملة القواعد التي تبحث في أصول الفقه الذي وضع الإمام الباقرعليهالسلام
حجره الأساس.
ومن تلك القواعد الوقوف عند الشبهات ، حيث يلتبس وجه الحق بالباطل ، سيما في مجال العقيدة والمسؤلية الشرعية ، عن أبي سعيد الزهري ، عن أبي جعفرعليهالسلام
، قال : «الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة ، وتركك حديثاً لم تروه خير من روايتك حديثاً لم تحصه
»
.
فإذا كان ثمة حالة يشتبه فيها الأمر عليك ، فلا تملك وضوحا في معرفة الخير والشر ، أو الصلاح والفساد ، أو الحق والباطل ، فإن عليك أن تقف لتبحث وتسأل وتتثبت ، حتى تعرف الحقيقة التي تضيء لك الموقف كله ، أما اذا ألقيت نفسك في الشبهة ، وأصدرت الأحكام بلا رويّة ، فقد تنتظرك الهلكة التي قد تقع فيها وأنت لا تعلم.
واذا أردت أن تنقل حديثا ، فان عليك أن تعرفه ، وأن تحفظ عناصره كلها ، متناً وسنداً من غير تبديل وتغيير مخل بالمعنى المقصود ، لتكون دقيقا في نقله ، وواعيا لمفاهيمه وعناصره ، لا أن تنقله كيفما اتفق ، بل إن ترك رواية حديث لم تنقله بعناصره المذكورة خير من روايتك إيّاه ، لأنك إن رويته هلكت وأهلكت الناس المتابعين لك فيما ليس لك به علم ، وإن تركت روايته سلمت وسلم الناس من الوقوع في الضلال.
وعلى نفس المنوال اهتم الإمام الباقرعليهالسلام
بضرورة إدراك الحديث والوقوف على مضامينه ، وجعل ذلك ميزاناً للتفاضل بين الرواة ، ودليلاً على سمو منزلتهم العلمية.
__________________
روى الشيخ الصدوق عن بريد الرزاز ، عن أبي عبد اللّهعليهالسلام
، قال : «قال أبو جعفر
عليهالسلام
: يا بني ، أعرف منازل الشيعة على قدر روايتهم ومعرفتهم ، فإن المعرفة هي الدراية للرواية ، وبالدرايات للروايات يعلو المؤمن إلى أقصى درجات الإيمان ، إني نظرت في كتاب لعلي
عليهالسلام
فوجدت في الكتاب : أن قيمة كل امرء وقدره معرفته ، إن اللّه تبارك وتعالى يحاسب الناس على قدر ما آتاهم من العقول في دار الدنيا
»
.
كما أكد على تحري الدقة في الرواية ، وأن تكون عن الثقات الصادقين ، قال الباقرعليهالسلام
: «يا جابر ، واللّه لحديث تصيبه من صادق في حلال وحرام ، خير لك مما طلعت عليه الشمس حتى تغرب
»
.
وقد صنف أحد أصحاب الإمام الباقرعليهالسلام
كتاباً بعنوان (من الأصول في الرواية على مذاهب الشيعة) ذكره ابن النديم في الفهرست
، وهو يعكس مدى اهتمام الإمامعليهالسلام
وأصحابه بمبادئ الرواية والدراية.
عرض الحديث وتدوينه :
أكد الإمام الباقرعليهالسلام
ضرورة عرض وقراءة الكتب على مشيخة الحديث ، وعدّ ذلك بمثابة السماع منهم ، عن داود بن عطاء المديني ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيهعليهماالسلام
، قال : «عرض الكتاب والحديث سواء
»
.
وعلى ضوء ذلك بادر بعض الأصحاب إلى عرض كتبهم على الإمامعليهالسلام
__________________
بهدف توثيقها وتصحيحها ، قال الشيخ الطوسي في ترجمة عبيد بن محمد بن قيس البجلي : «له كتاب ، يرويه عن أبيه وقال أبوه : عرضنا هذا الكتاب على أبي جعفر محمد بن علي الباقرعليهماالسلام
، فقال :هذا قول أمير المؤمنين
عليهالسلام
، انّه كان يقول إذا صلّى قال في أول الصلاة
وذكر الكتاب»
.
إلى جانب ذلك كان الإمام الباقرعليهالسلام
يدعو أصحابه إلى ضرورة تدوين الحديث ووجوب كتابته ، وحفظه كما يحفظ الذهب والفضة ، كي لا يتعرض بتمادي الأيام إلى الضياع والنسيان ، عن جابر الجعفي ، قال : قلت لأبي جعفرعليهالسلام
: «أقيد الحديث إذا سمعت؟ قال :إذا سمعت حديثاً من فقيه خير ممّا في الأرض من ذهب وفضة
»
.
وقد حدث ذلك في وقت كان يعدّ خرقاً للحظر الذي فرضه الخلفاء على تدوين الحديث وروايته.
ومارس الإمام الباقرعليهالسلام
الكتابة بنفسه ، فقد ورد في أول الصحيفة السجادية أن السجادعليهالسلام
أملاها على ولده الإمام الباقرعليهالسلام
وزيد الشهيد ، وكتباه بخطهما
.
ومارس الإمامعليهالسلام
الكتابة للسنة ، قال عبد اللّه بن محمّد بن عقيل بن أبي طالب : كنت أختلف إلى جابر بن عبد اللّه ، أنا ، وأبو جعفر ، معنا ألواح نكتب فيها. وقال فنسأله عن سنن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
، وعن صلاته ، فنكتب عنه»
.
__________________
ممارسة التصحيح :
وضع الإمام الباقرعليهالسلام
يده على الاختلاق الذي مارسه الحكام في ساحة الحديث الشريف ، منبهاً إلى أن كثيراً من أحاديث الفضائل التي رويت في السلف من الولاة موضوع ، وإن كانت قد رويت عن الثقات بتقادم الأيام ، وهم يعتقدون صحتها ، قالعليهالسلام
لبعض أصحابه وهو يذكر ما لقوا من ظلم قريش : «حتى صار الرجل الذي يُذكر بالخير ، ولعله يكون ورعا صدوقا ، يحدث بأحاديث عظيمة عجيبة من تفضيل بعض مَن قد سلف من الولاة ، ولم يخلق اللّه تعالى شيئا منها ، ولا كانت وقعت ، وهو يحسب أنّها حقّ لكثرة من رواها ممّن لم يُعرف بالكذب ولابقلة ورع
»
.
ومارس الإمام التصحيح لبعض السنن المنقولة على غير وجهها عن المعصومين ، ومنه ما رواه زرارة ، قال : «كنت عند أبي جعفرعليهالسلام
وعنده رجل من الأنصار ، فمرت به جنازة ، فقام الأنصاري ولم يقم أبو جعفرعليهالسلام
، فقعدت معه ، ولم يزل الأنصاري قائماً حتى مضوا بها ، ثم جلس ، فقال له أبو جعفرعليهالسلام
: ما أقامك؟ قال : رأيت الحسين بن عليعليهماالسلام
يفعل ذلك. فقال أبو جعفرعليهالسلام
:واللّه ما فعله الحسين
عليهالسلام
، ولا قام لها أحد منا أهل البيت قط
. فقال الأنصاري : شككتني أصلحك اللّه ، قد كنت أظن أني رأيت»
.
عناية الإمامعليهالسلام
بالحديث :
خلّف الإمام الباقرعليهالسلام
تراثاً حديثياً هائلاً يستوعب مختلف مجالات الأحكام والشرائع والتفسير وآداب السلوك والأخلاق ، وشتى فروع المعرفة ،
__________________
وقد وصل الينا مدوّناً في موسوعات الفقه والحديث ، التي اعتمدت الأصول الأربعمائة المروية عن الإمام الباقر وولده الصادقعليهماالسلام
، كما نسبت إليه عدّة كتب ورسائل ومسائل في أبواب الفقه المختلفة ذكرناها آنفاً.
من هنا كان الإمام الباقرعليهالسلام
معدوداً في كتب الرجال السنية من صفوة التابعين ، ومن رؤوس المحدثين المكثرين الصادقين فيما يروون
.
وأخرج أصحاب المسانيد والسنن التسعة نحو تسعة وثلاثين حديثاً عن الإمام الباقرعليهالسلام
، وهو بلا ريب ظلم بحق باقر العلمعليهالسلام
فرضته مواقف السياسة وقت تدوين تلك المسانيد والسنن.
ولعل ذلك دفع الذهبي إلى القول في ترجمة الإمام الباقرعليهالسلام
: وليس هو بالمكثر ، هو في الرواية كأبيه وابنه جعفر ، ثلاثتهم لا يبلغ حديث كل واحد منهم جزءاً ضخماً ، ولكن لهم مسائل وفتاو
.
والحق كان الإمامعليهالسلام
كثير الحديث كما وصفه ابن سعد
، ولو اطلع الذهبي على تراث الإمام الباقرعليهالسلام
في غير المسانيد لوجد الكثير ، سيما في مصادر التفسير والسيرة والتاريخ وشتى فروع المعرفة.
من جانب آخر أن أصحاب المسانيد تجافوا حديثه وحديث أبيه وولده الصادق:
وكل من ينتمي إلى شجرة النبوة ، تزلفاً أو خوفاً من الحكام الذين شددوا من ممارساتهم التعسفية القائمة على الإرهاب الفكري والتعتيم وكم
__________________
الأفواه ، وفرضوا حظراً على أهل هذا البيت حسداً لمكانتهم السامية.
وكمثال على ما نقول أنهم أعرضوا عن الحديث الذي رواه جابر الجعفي عن الإمام الباقرعليهالسلام
وتركوه ، لا لشيء إلاّ لأنّه يقول : حدثني وصي الأوصياء ، يريد بذلك الإمام الباقرعليهالسلام
، مع أن الذهبي يصف جابراً بأنه أحد أوعية العلم
.
جاء في مقدمة صحيح مسلم عن الجراح بن مليح ، قال : سمعت جابرا يقول : عندي سبعون ألف حديث عن أبي جعفر الباقر عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
، تركوها كلّها
.
فاذا كان هذا الكم الهائل من الحديث ، هو لراوٍ واحد من أصحاب الإمامعليهالسلام
، فكيف حال مجموع الرواة ، بل وكيف يمكن الإحاطة بعلم الإمامعليهالسلام
، فضلاً عن التجرؤ عليه وهو باقر العلم ، ووضعه مع أبيه وولده:
في خانة قليلي العلم؟ وأي ذنبٍ لباقر العلمعليهالسلام
حتى يسقط حديثه؟! إن الجواب نلتمسه منهعليهالسلام
حيث يقول : «بلية الناس علينا عظيمة ، إن دعوناهم لم يستجيبوا لنا ، وإن تركناهم لم يهتدوا بغيرنا
»
.
ولو استثنينا جابر الجعفي ، فإن الوارد عن بعض أصحابه الثقات أنهم سمعوا منه كماً هائلاً من الحديث ، فهذا محمد بن مسلم يقول : «ما شجر في رأيي شيء إلاّ سألت عنه أبا جعفرعليهالسلام
حتى سألته عن ثلاثين ألف حديث ، وسألت أبا عبد اللّه الصادق عن ستة عشر ألف حديث»
.
__________________
وعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
: «إن أبان بن تغلب روى عني ثلاثين ألف حديث ، فاروها عنه
»
.
وفي رجال ابن داود في ذكر جماعة ضبطت روايتهم بالعدد ، قال يعقوب ابن شعيب : روى عن أبي عبد اللّهعليهالسلام
خمسة آلاف حديث
.
ومما يدل على سعة علوم الإمام الباقرعليهالسلام
وعمقها ، أنه مع الكم الهائل المروي عنه من علوم أهل البيت ، كان يقول : «لو كان لألسنتكم أوكية لحدثت كلّ امرئ بما له وعليه
»
.
ويقولعليهالسلام
: «لو وجدت لعلمي الذي آتاني اللّه عز وجل حملة لنشرت التوحيد والإسلام والإيمان والدين والشرائع من الصمد ، وكيف لي بذلك ولم يجد جدي أمير المؤمنين
عليهالسلام
حملة لعلمه حتى كان يتنفس الصعداء ويقول على المنبر : سلوني قبل أن تفقدوني ، فإن بين الجوانح مني علماً جماً
»
.
فأين الذهبي عن كل هذا؟! انه التعصب الذي يعمي ويصم؟!
قال الشاعر في الباقرعليهالسلام
:
وأشرقت به سماء المعرفه
|
|
مذ أصبحت وشمسها منكسفه
|
بل استنار عالم الأنوار
|
|
بنوره الخاطف للأبصار
|
علومه الغر مصابيح الهدى
|
|
بنور علمه اهتدى من اهتدى
|
علومه أثماره الزكيه
|
|
من دوحة العلم المحمديه
|
__________________
جوهر علمه من الكنز الخفي
|
|
فياله من شرف في شرف
|
٤ ـ دوره في علم الفقه والتشريع :
كان للإمام الباقرعليهالسلام
دور كبير في نشر الفقه ، وأعاد له نضارته ، وحافظ على أصوله من الضياع ، في وقت درج فيه الناس على إهمال شؤون الدين ، والجهل بمسائل الحلال والحرام.
قال ابن أبي الحديد : كان محمد بن علي بن الحسين سيد فقهاء الحجاز ، ومنه ومن ابنه جعفر تعلم الناس الفقه
.
وقال الشيخ المفيد : آثر عنه الناس السنن ، واعتمدوا عليه في مناسك الحج التي رواها عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
.
وعدّ باقر العلمعليهالسلام
من قبل أعلام أهل السنة كالنسائي وغيره في فقهاء التابعين من أهل المدينة
، واتفق الحفاظ على الاحتجاج بأبي جعفرعليهالسلام
.
أما انجازاته على هذا الصعيد ، فيمكن بلورتها من خلال النقاط التالية :
أولاً
: ترك الإمامعليهالسلام
تراثاً ضخماً يغطي معظم أبواب الفقه والتشريع ، حفلت بها موسوعات فقه وحديث الإمامية ، وكانت ولا تزال رافداً ومعيناً للفقهاء.
ثانياً
: كان في حلقة درسه في بيته وفي مسجد مكة والمدينة ، سيما في موسم
__________________
الحج ، بمثابة مدرسة سيارة في افتاء الناس وحلّ المسائل المعضلة ، وكان ضمن الوافدين إليه الذين سألوه عن مسائل في الحلال والحرام ، فأجابهم : نافع بن الأزرق
، والحكم بن عتيبة
، والحسن الزيات
، وقتادة بن دعامة السدوسي ، ووفد من أهل خراسان
، ووفد من أهل فلسطين
.
وكان يجلس حوله عالم من الناس ، فلم يبرح مكانه حتى يفتي في ألف مسألة ، وهو في الساعة الأخيرة من يومه. قالت حبابة الوالبية : رأيته بمكة أصيلاً
في الملتزم ، أو بين الباب والحجر ، على صعدة من الأرض ، وقد حزم وسطه على المئرز بعمامة خز ، والغزالة
تخال على قلل الجبال كالعمائم على قمم الرجال ، وقد صاعد كفه وطرفه نحو السماء ويدعو ، فلما انثال الناس عليه يستفتونه عن المعضلات ، ويستفتحون أبواب المشكلات ، فلم يرم
حتى أفتاهم في ألف مسألة ، ثم نهض يريد رحله
.
ثالثاً
: هناك جملة من الإرشادات في مجال الفقه والتشريع ، وردت في حديث الإمامعليهالسلام
، منها أن على الفقيه أن يعتمد الكتاب والسنة فيما يصدر من
__________________
أحكام ، ولا يعتمد رأيه واستحسانه. عن أبي بصير ، قال : قلت لأبي جعفرعليهالسلام
: «يرد علينا أشياء لا نجدها في الكتاب والسنة ، فنقول فيها برأينا؟ فقال :أما إنّك إن أصبت لم تؤجر ، وإن أخطأت كذبت على اللّه»
.
ونهى الفقهاء عن الفتوى بغير علم ، لأنها سبب للضلال والانحراف ، من هنا يستحق فاعلها لعنة الملائكة ، قالعليهالسلام
: «من أفتى الناس بغير علم ولا هدى ، لعنته ملائكة الرحمن وملائكة العذاب ، ولحقه وزر من عمل بفتياه
»
.
وتحدث عن الصفات الواجب توافرها في الفقيه ، عن أبي حمزة الثمالي ، عن أبي جعفرعليهالسلام
قال : «قال أمير المؤمنين
عليهالسلام
: ألا أخبركم بالفقيه حقاً؟ قالوا : بلى يا أمير المؤمنين ، قال : من لم يقنط الناس من رحمة اللّه ، ولم يؤمنهم من عذاب اللّه ، ولم يرخص لهم في معاصي اللّه ، ولم يترك القرآن رغبة عنه إلى غيره
»
.
وعن أبان بن تغلب ، عن أبي جعفرعليهالسلام
، أنه سئل عن مسألة فأجاب فيها ، قال : فقال الرجل : «إنّ الفقهاء لا يقولون هذا ، فقال :يا ويحك ، وهل رأيت فقيهاً قط؟! إنّ الفقيه حقّ الفقيه ؛ الزاهد في الدنيا ، الراغب في الآخرة ، المتمسّك بسنّة النبي
صلىاللهعليهوآلهوسلم
»
.
__________________
رابعاً
: على أساس هذا الاتجاه من الوعي والمعرفة ، وعلى ضوء هذه الإرشادات ، ربّى جيلاً من الفقهاء الرواة ، وتخرج على يده جمهرة كبيرة من مراجع الفتيا ، ممن أجمعت الطائفة على تصديقهم ، وكونهم أفقه الأولين ، أمثال زرارة ومعروف بن خربوذ وبريد بن معاوية وأبي بصير الأسدي والفضيل بن يسار ومحمد بن مسلم الطائفي وأبان بن تغلب ، وغير هؤلاء كثير.
وكان الإمامعليهالسلام
يخلق فيهم حوافز الاهتمام بالفقه والاجتهاد به وإفادة الناس منه ، عن طريق ممارسة التوثيق للنابهين منهم ، على مستوى الشهادة له بالفقاهة وجواز الإفتاء ، ومن ذلك قولهعليهالسلام
لأبان بن تغلب : «اجلس في مسجد المدينة وأفت الناس ، فإني أُحبّ أن يُرى في شيعتي مثلك
»
.
وكان التنوع صفة بارزة في مدرسته الفقهية على ما قدمنا ، فكان يقصده العلماء من كل البلاد الإسلامية ، وفيهم من أئمة الفقه والحديث كثيرون ، فأخذ منه ومن ولده الصادقعليهماالسلام
، أعلام الأُمّة آنذاك كأبي حنيفة ومالك وسفيان الثوري وأبي اسحاق السبيعي والأوزاعي وحجاج بن أرطاة وحفص بن غياث والحكم بن عتيبة وربيعة الرأي والزهري وعبد الملك بن جريج وعطاء بن أبي رباح ووكيع وغيرهم.
خامساً
: حثّ شيعته سيما شبابهم على التفقه في الدين ، قالعليهالسلام
: «تفقهوا في الحلال والحرام ، وإلاّ فأنتم أعراب
»
.
وقالعليهالسلام
: «لو أتيت بشاب من
__________________
شباب الشيعة لا يتفقه في الدين لأوجعته
»
.
سادساً
: رجع الفقهاء إلى رأيه في المسائل الغامضة من أحكام الشريعة ، منهم أبو أسحاق السبيعي ، في مسألة المسح على الخفين
، وعبد اللّه بن عمر حين سأله رجل عن مسألة ، فلم يدر بما يجيبه ، فأرسله إلى الباقرعليهالسلام
.
وروي أنه جاءت امرأة إلى محمد بن مسلم الثقفي فقالت : «لي بنت عروس ضربها الطلق ، فما زالت تطلق حتى ماتت ، والولد يتحرك في بطنها ، ويذهب ويجيء ، فما أصنع؟ فقال : يا أَمَة اللّه ، سئل الباقرعليهالسلام
عن مثل ذلك فقال : يشق بطن الميت ويستخرج الولد ، أفعلي مثل ذلك يا أَمة اللّه ، أنا في ستر ، من وجّهك إليّ؟ قالت : سألت أبا حنيفة فقال : عليك بالثقفي ، فإذا افتاك فأعلمينيه»
.
وروي عن ابن أبي ليلى أنه قدّم إليه رجل خصماً له ، فقال : «إنّ هذا باعني هذه الجارية فلم أجد على ركبها حين كشفتها شعراً ، وزعمت أنه لم يكن لها قط.
قال : فقال له ابن أبي ليلى : إن الناس ليحتالون لهذا بالحيل حتى يذهبوا به ، فما الذي كرهت؟ قال : أيها القاضي ، إن كان عيباً فاقضِ لي به. قال : حتى أخرج إليك ، فإنّي أجد أذىً في بطني. ثم دخل وخرج من باب آخر ، فأتى محمد ابن مسلم الثقفي ، فقال له : أي شيء تروون عن أبي جعفر في المرأة لا يكون على
__________________
ركبها شعر ، أيكون ذلك عيباً؟ فقال له محمد بن مسلم : أما هذا نصاً فلا أعرفه ، ولكن حدثني أبو جعفر ، عن أبيه ، عن آبائه:
، عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
أنّه قال :كل ما كان في أصل الخلقة فزاد أو نقص فهو عيب
. فقال له ابن أبي ليلى : حسبك ، ثم رجع إلى القوم ، فقضى لهم بالعيب»
.
وهنا استفاد محمد بن مسلم من هذا الحديث كقاعدة فقهية عينت موضوع الحكم.
قال الشاعر :
ناشر آثار النبي الهادي
|
|
بالعلم والحكمة والارشاد
|
به استبانت لأولي الأفهام
|
|
معالم الحلال والحرام
|
به صفت شريعة المختار
|
|
عن كدر الأهواء والأفكار
|
كأنها الكوثر في الصفاء
|
|
طاب ورودها لطيب الماء
|
به نمت وأورقت أشجارها
|
|
به زكت وأينعت أثمارها
|
به تدلّت لذوى المعالي
|
|
أغصانها في غاية الكمال
|
٥ ـ دوره في علم الأصول :
إنّ الحاجة إلى هذا العلم تكمن في ابتلاء المكلفين بمسائل قد لا تكون هناك أخبار خاصة تجيب عنها ، لبعد الشقة عن الإمام أو لغيبته ، من هنا تصبح قواعد وأصول الفقه المعين الذي يتكفل بتعيين الحكم الذي يحدد وظيفة المكلف العملية وتعين له حكم موضوعه ، وعليه لايمكن أن يحصل المجتهد على ملكة الاجتهاد واستنباط الأحكام حتى يطلع على بحوث هذا العلم ، وكان الإمام الباقرعليهالسلام
الرائد الأول في هذا العلم.
__________________
يقول السيد حسن الصدر عن علم الأصول : ان أول من فتح بابه وفتق مسائله ، هو باقر العلوم الإمام أبو جعفر الباقر ، وبعده ابنه أبو عبد اللّه الصادقعليهماالسلام
، وقد أمليا فيه على جماعة من تلامذتهما قواعده ومسائله ، جمعوا من ذلك مسائل رتبها المتأخرون على ترتيب مباحثه ، ككتاب أصول آل الرسول ، وكتاب الفصول المهمة في أصول الأئمة ، وكتاب الأصول الأصلية ، كلها بروايات الثقات مسندة متصلة الاسناد إلى أهل البيت:
. وأول من أفرد بعض مباحثه بالتصنيف هشام بن الحكم شيخ المتكلمين تلميذ أبي عبد اللّه الصادق عليهالسلام ، صنف كتاب الألفاظ
.
وحفلت كتب الحديث بالأخبار التي أضحت دليلاً على قواعد الأصول ، كقاعدة الاستصحاب ، والترجيح عند تعارض الأخبار ، والتعادل ، والتجاوز ، والفراغ ، والبراءة الشرعية وغيرها ، وانتقد الإمام الباقرعليهالسلام
بعض المباني الأصولية التي اعتمدها بعض أئمة الفقه كمسألة القياس والاستحسان كما قدمنا.
وإنّما أدلى الإمامعليهالسلام
بتلك القواعد إلى طلاّبه ، كي يخلق فيهم القدرة العلمية على الاستقراء والاستنتاج ، فيزود من يراه أهلاً بالمزيد ويأمره بالتفريع على القاعدة ، والتطبيق على مواردها.
ومن أمثلة تلك الأصول والقواعد العامة ، قاعدة الترجيح التي تعين على التمييز بين الصحيح وغيره في حال تعارض الأخبار ، وذلك بالردّ إلى كتاب اللّه وسنّة نبيهصلىاللهعليهوآلهوسلم
، فلا يؤخذ إلاّ بما وافق كتاب اللّه أو سنّة رسول اللّه ، لقول أبي جعفر وأبي عبد اللّهعليهماالسلام
: «لا تصدق علينا إلاّ ما وافق كتاب اللّه وسنّة
__________________
نبيّه
صلىاللهعليهوآلهوسلم
»
.
ومن قواعد الترجيح الأخرى الأخذ بالمشهور ، والنظر إلى حال الراوي من حيث الوثاقة والعدالة ، لرواية زرارة بن أعين قال : «سألت الباقرعليهالسلام
فقلت : جعلت فداك ، يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان فبأيهما آخذ؟ فقال :يا زرارة ، خذ بما اشتهر بين أصحابك ، ودع الشاذ النادر.
فقلت : يا سيدي ، إنّهما معا مشهوران مرويان مأثوران عنكم؟ فقالعليهالسلام
:خذ بقول أعدلهما عندك ، وأوثقهما في نفسك
»
.
ومنها ما يصطلح عليه قاعدة الفراغ ، وهي الحكم بصحة الفعل فيما لو شك في صحته بعد الفراغ منه ، لحديث محمد بن مسلم عن أبي جعفرعليهالسلام
، قال : «كلّما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو
»
.
ولقولهعليهالسلام
: «كل شيء شك فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمضِ عليه
»
.
ومنها قاعدة الاستصحاب ، كما في صحيحة زرارة عن الباقرعليهالسلام
:«لا تنقض اليقين بالشك أبداً ، وإنّما تنقضه بيقين آخر
»
.
٦ ـ دوره في علوم اللغة والأدب :
أصحابه الأدباء :
كان لأصحاب الإمام الباقرعليهالسلام
دور ملحوظ في علوم اللغة وقواعدها
__________________
والأدب ورواية الشعر ، منهم أبو جعفر محمد بن الحسن بن أبي سارة الرواسي ، أُستاذ الكسائي والفرّاء ، وإمام الكوفيين في النحو ، وأقدمهم بالتصنيف فيه ، فقد صنف كتاب الوقف والابتداء ، وكتاب الهمز ، وكتاب إعراب القران
.
ومن أعلام الأدب واللغة والنحو أبان بن تغلب ، والأديب وراوية الشعر ابراهيم بن أبي البلاد ، والشاعر الأديب زرارة بن أعين ، وذكر ابن النديم أن زرارة كان نحوياً
، والنحوي المشهور معاذ بن مسلم بن أبي سارة النحوي.
ومن أعلام الأدب : الشاعر الحجازي سديف بن مهران بن ميمون المكي ، ومالك بن أعين الجهني ، والكميت بن زيد الأسدي ، والورد أخوه ، والشاعر عبد اللّه بن غالب الأسدي ، وكثير عزّة ، وأبو هريرة العجلي.
الشعر المنسوب إليهعليهالسلام
:
لم يكن الإمام الباقرعليهالسلام
يعنى بنظم الشعر ، رغم أن قول الشعر لم يكن بعزيز على من أوتي الحكمة وفصل الخطاب ، أما الأشعار المنسوبة إليه فان بعضها لا يرقى إلى بلاغة الإمام وفصاحته المعهودة في قصار كلماته ومواعظه وسائر حديثه. ومنها ما رواه ابن عساكر بالاسناد عن قيس بن النعمان أن الباقرعليهالسلام
أنشده :
إنّ الصبي صبي العقل ، لا صغر
|
|
أزرى بذي العقل فينا ، لا ولا كبر
|
وفي نفس الخبر أنّهعليهالسلام
زار قبر أبيه فقال :
ما غاض دمعي عند نازلة
|
|
إلاّ جعلتك للبكا سببا
|
إنّي أجلّ ثرىً حللت به
|
|
من أن أرى لسواك مكتئبا
|
__________________
فإذا ذكرتك سامحتك به
|
|
مني الدموع ففاض فانسكبا
|
ومن كتاب جمعه الوزير مؤيد الدين أبو طالب محمد بن أحمد بن محمد العلقمي أنّهعليهالسلام
أنشد يقول :
نحن على الحوض رواده
|
|
نذود ويسعد
ورّاده
|
فما فاز من فاز إلاّ بنا
|
|
وما خاب من حبنا زاده
|
فمن سرنا نال منا السرور
|
|
ومن ساءنا ساء ميلاده
|
ومن كان غاصبنا حقنا
|
|
فيوم القيامة ميعاده
|
وأنشدعليهالسلام
مخاطباً العصاة :
تعصي الإله وأنت تظهر حبّه
|
|
هذا لعمرك في الفعال بديع
|
لو كان حبّك صادقاً لأطعته
|
|
إنّ المحبّ لمن أحبّ مطيع
|
وأنشأعليهالسلام
يقول :
شفاء العمى طول السؤال وإنما
|
|
تمام العمى طول السكوت على الجهل
|
__________________
وقال في ظلم الحكام لمحبي آل البيت:
:
إنّ اليهود بحبّهم لنبيّهم
|
|
قد آمنوا من حادث الأزمان
|
وذوو الصليب بحبّ عيسى أصبحوا
|
|
يمشون زهواً في قرى نجران
|
والمؤمنون بحبّ آل محمد
|
|
يُرمَون في الآفاق بالنيران
|
ما تمثّل به من الشعر :
روي أن هناك أشعاراً تمثل بها الإمام الباقرعليهالسلام
، منها أنه تمثل بشعر لحاتم الطائي في حديثه عن فضل اليأس ممّا في أيدي الناس ، روى نجم بن حطيم
الغنوي ، عن أبي جعفرعليهالسلام
، قال : «اليأس ممّا في أيدي الناس عزّ المؤمن في دينه ، أما سمعت قول حاتم :
إذا ما عزمت اليأس ألفيته الغنى
|
|
إذا عرفته النفس والطمع الفقر»
|
وعن أبي خالد البرقي في كتاب (الشعر والشعراء) أن الباقرعليهالسلام
تمثل بقول الشاعر :
وأطرق اطراق الشجاع ولو يرى
|
|
مساغاً لنايبه الشجاع لصمها
|
__________________
استنشاده الشعراء :
روى المؤرخون عن رجل من بني هاشم ، قال : «كنا عند محمد بن علي بن الحسين ، وأخوه زيد جالس ، فدخل رجل من أهل الكوفة ، فقال له محمد بن عليعليهماالسلام
:إنّك لتروي طرائف من نوادر الشعر ، فكيف قال الأنصاري لأخيه؟
فأنشده :
لعمرك ما إن أبو مالك
|
|
بواهٍ ولا بضعيف قواه
|
ولا بالألد
له وازع
|
|
يعادي أخاه إذا ما نهاه
|
ولكنّه هين لين
|
|
كعالية الرمح عرد نساه
|
اذا سدته سدت مطواعة
|
|
ومهما وكلت إليه كفاه
|
أبو مالك قاصر فقره
|
|
على نفسه ومشيع غناه
|
فوضع أبو جعفرعليهالسلام
يده على كتف زيد ، وقال له :هذه صفتك يا أخي ، وأعيذك باللّه أن تكون قتيل العراق
»
.
ورواها الشيخ الصدوق عن جابر الجعفي ، وفيها أن أبا جعفرعليهالسلام
استنشد معروف بن خربوذ المكي ، قائلاً له : «يا معروف ، أنشدني من طرائف ما عندك» فأنشده الأبيات
.
وروى أبو الفرج عن الإمام الباقرعليهالسلام
أنّه كان إذا نظر إلى أخيه زيد تمثّل
__________________
بهذه الأبيات
.
والأبيات التي أراد الإمامعليهالسلام
وصف أخيه زيد بها ، تعني أنّه كان كريماً في طباعه ، صلباً في إرادته ، وإن ساده أخوه في أمر الإمامة فهو مطيع لأخيه لا يعصيه ولا يحسده ، ومهما وكل إليه من أمر عظيم فإنّه أهل للقيام به.
تصحيح الشعر :
روي أنّ الكميت أتى المدينة ، فأنشد الباقرعليهالسلام
قصيدته التي يقول فيها :
من لقلب متيم مستهام
|
|
غير ما صبوة ولا أحلام
|
فلما بلغ إلى قوله :
أخلص اللّه لي هواي فما أُغـ
|
|
رقُ نزعا ولا تطيش سهامي
|
قال له محمد بن علي الباقرعليهالسلام
: «من لم يُغرق النزع لم يبلغ غايته بسهمه ، ولكن لو قلت : فقد اُغرق نزعا ولا تطيش سهامي
»
.
وفي رواية ابن شهر آشوب والطبرسي : فقال الكميت : «يا مولاي ، أنت أشعر منّي في هذا المعنى»
.
قال العلاّمة المجلسي : إن فيما ذكرهعليهالسلام
معنى لطيفاً كاملاً ، وهو أن المداحين إذا بالغوا في مدح ممدوحهم ، خرجوا عن الحقّ ، وكذبوا فيما يثبتون له ، كما أن
__________________
الرامي إذا أغرق نزعاً أخطأ الهدف ، وإنّي كلّما أبالغ في مدحكم ، لا يعدل سهمي عن هدف الحقّ والصدق
.
وفي مورد آخر نقل العلاّمة المجلسي عن خط الشيخ ابن فهد الحلي : أنّ رجلاً ورد على أبي جعفر الأولعليهالسلام
بقصيدة مطلعها :
عليك السلام أبا جعفر
فلم يمنحه شيئاً ، فسأله في ذلك وقال : لِمَ لا تمنحني وقد مدحتك؟ فقال : «حييتني تحية الأموات ، أما سمعت قول الشاعر :
ألا طرقتنا آخر الليل زينب
|
|
عليك سلام لما فات مطلب
|
فقلت لها حييت زينب خدنكم
|
|
تحية ميت وهو في الحي يشرب
|
مع أنه كان يكفيك أن تقول : سلام عليك أبا جعفر
»
.
علم العروض :
في كتاب (الزينة) للحافظ أبي حاتم أحمد بن حمدان الرازي : كان الخليل بن أحمد أول من استخرج العروض ، فاستنبط منها ومن علل النحو ما لم يستخرجه أحد ، ولم يسبق إلى مثله سابق. وسمعت بعض أهل العلم يذكر أن الخليل بن أحمد أخذ رسم العروض عن رجل من أصحاب محمد بن علي ، أو من أصحاب علي بن الحسين ، فوضع له أصولاً ، وقسم الشعر ضروباً ، وسماه بها ، وجعل لتلك الأقسام دوائر وأسطراً
.
__________________
٧ ـ دوره في السيرة والتاريخ :
قلما يخلو كتاب من كتب التاريخ عن ذكر الأخبار المنقولة عن الإمام الباقرعليهالسلام
، فقد أخذ عنه المؤرخون وكتاب السيرة وقصص الأنبياء.
قال الشيخ المفيد : كتب عنه الناس المغازي
.
وقال ابن شهر آشوب : روى عنه من المصنفين نحو الطبري والبلاذري والسلامي والخطيب في تواريخهم
.
ونقل عنه غيرهم من المؤرخين كابن اسحاق وابن هشام والواقدي واليعقوبي والمسعودي والمنقري وابن شبة وابن عساكر والشيخ المفيد وأبو الفرج الاصفهاني والذهبي وابن كثير وابن سيد الناس وآخرون غيرهم ، ونقلت عنهعليهالسلام
أخبار في غير كتب التاريخ ، مما يصلح أن يكون مادة تاريخية مهمة. ونكتفي هنا بالاشارة إلى مضامين بعض الأخبار التاريخية المنقولة عن باقر العلم مع ذكر مظانها.
فمن جملة المباحث التي نقلت عنه أخبار ومواعظ وسنن الأنبياء:
، ومن ذلك أخبار خلق آدمعليهالسلام
، وابنا آدم اذ قربا القربان
، وولادة عيسىعليهالسلام
وتأديبه ونشأته
، والذبيح اسماعيل بن ابراهيم
، وذو القرنين
.
ونقلت عنه أخبار في التاريخ العربي والإسلامي ، منها : أصنام
__________________
العرب
، وما عند العرب من خصال الحنيفية ، وما خالفوا من تلك الخصال
، ونذر عبد المطلب بذبح ولده العاشر عبد اللّه ، وما فداه به من الابل
، ومولد البشير النذير رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
، وذكر تسميته محمداً وأحمد ، وابتداء الوحي ، وصفته وسمته وهديه وصفة حجّه ، وتاريخ نبوته حتى وفاته ، وكيف غسّله عليعليهالسلام
عند وفاته من بئر سعد بن خيثمة ، وذكر أولادهصلىاللهعليهوآلهوسلم
من خديجة ، ووفاة القاسم والطاهر ولدا رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
، وأحكام السيوف التي بعث اللّه بها محمداًصلىاللهعليهوآلهوسلم
، وبعض أحداث وقعة بدر ، ووقعة أحد
، وزيارة فاطمة3
قبر حمزة ، وأنها كانت ترمّه وتصلحه وتعلّمه بحجر
، ووفاة فاطمة3
ومقدار عمرها ومدة بقائها بعد الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم
، وغزوة خيبر وتترس عليعليهالسلام
بباب خيبر حتى صعد المسلمون عليه
، وذكر الخبر عن
__________________
غزوة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
هوازن بحنين
، وبعثة خالد بن الوليد إلى بني جذيمة
، وبعثة عليعليهالسلام
إلى اليمن
، ومقتل عثمان
، ومسير عليعليهالسلام
من ذي قار إلى حرب البصرة
، ومسير عليعليهالسلام
ولقاؤه أهل الشام في صفين
، وتحكيم الحكمين بعد الحرب
، وشهادة أمير المؤمنين عليعليهالسلام
ومحل دفنه
، وذكر الخبر عن صفته
، ورووا عنه أحداث الطف ، ومقتل الحسينعليهالسلام
وأهل بيته وأصحابه
، ووقعة الحرة
، وأخبار المختار
.
وممن صنف في التاريخ من أصحابه : أبان بن تغلب ، له كتاب الفضائل ، وكتاب صفين ، وإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى ، قيل : ان كتب الواقدي سائرها
__________________
إنّما هي كتب ابن أبي يحيى ، نقلها الواقدي وادّعاها
، وجابر بن يزيد الجعفي ، له كتاب الفضائل ، وعبد اللّه بن ابراهيم بن محمد الجعفري ، له كتب منها : كتاب خروج محمد بن عبد اللّه ومقتله ، وكتاب خروج صاحب فخ ومقتله
، وغياث بن ابراهيم التميمي ، له كتاب مقتل أمير المؤمنينعليهالسلام
، ومحمد بن مبشر الثقفي ، له كتاب أخبار السلف ، وكتاب جمل وصية محمد بن الحنفية
، ومسمع ابن عبد الملك ، له كتاب أيام البسوس
.
الملاحم والفتن :
وأخبر الإمام الباقرعليهالسلام
عن وقوع الكثير من الملاحم وحوادث المستقبل وأخبار الغيب التي رواها عن آبائه عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
، وقد تحقق بعضها ، وبعض منها لا يزال بظهر الغيب ، منها : اخباره عن عمر بن عبد العزيز بأنّه يلي الأمر
، وأخباره بزوال دولة بني أمية ، وظهور الرايات السود
، وقيام ملك بني العباس
، وأخبر بدخول نافع بن الأزرق المدينة وقتله جماعة كثيرة
، وشهادة أخيه زيد والطواف برأسه ، وأنه صليب
__________________
الكناسة
، وهدم دار هشام بن عبد الملك في يثرب التي بناها بأحجار الزيت ، وأخبر أن أحجار الزيت هي موضع شهادة النفس الزكية ، وهو ما حدث
، وأخبر عن شهادة الحسين بن علي بن الحسن صاحب فخ
، وقال لأهل الكوفة : يخطب على أعوادكم سنة تسع وتسعين ومائة رجل منا أهل البيت ، يباهي اللّه به الملائكة
، وقام محمد بن إبراهيم بن طباطبا وداعيته أبو السرايا بثورته ضد حكم المأمون ، بنفس التاريخ المذكور
، كما أُخبرعليهالسلام
بوقوع غيبة الإمام المهديعليهالسلام
بأحاديث كثيرة جدّاً وحدّد تاريخها بسنة ٢٦٠ هـ
.
ووردت عنهعليهالسلام
أخبار لا يبلغها الاحصاء عن أحداث وفتن آخر الزمان ، سيما ما يتعلق بأشراط الظهور وعلاماته ، كظهور اثنتي عشرة راية بالكوفة ، ومقتل أربعة نفر بالشام كلهم ولد خليفة
، وظهور السفياني وبيان صفته ومدة ملكه ، وغلبته الكندي والترك والروم والأبقع الذي بمصر ، واليماني الذي يأتي من صنعاء بجنوده بعد ملاحم عظيمة ، ثم خروجه إلى العراق ونشر جنوده في
__________________
الآفاق
، وخروج الحسني من خراسان برايات سود وبين يديه شعيب بن صالح ، فيقاتل أصحاب السفياني فيهزمهم
، ونزول راياته السود الكوفة ، فاذا ظهر المهديعليهالسلام
بمكة بعثت إليه بالبيعة
، ومقتل نفس زكية من آل محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم
عند أحجار الزيت
، والخسف بجيش السفياني
، والنداء من السماء
، وظهور المهديعليهالسلام
بمكة عند العشاء ومعه راية رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
وقميصه وسيفه وعلامات ونور وبيان
، وتراث الإمام الباقرعليهالسلام
في هذا الباب واسع جداً
.
هذا فضلاً عما قدمناه من أخبارهعليهالسلام
في الغيبة.
٨ ـ دوره في علم الطب :
وردت عن الإمام الباقرعليهالسلام
ارشادات كثيرة في مجال الطب الروحاني ، وعلاجات لبعض الأمراض ، ومواصفات لبعض الأدوية والأغذية.
ونقل عنهعليهالسلام
الكثير من العلاجات بطريقة الطب الروحاني ، ولا يخفى أن البحوث الطبية الحديثة أكدت أنّ الطبّ الروحاني من أهمّ الأسباب المؤدّية إلى
__________________
تخفيف الأمراض النفسية المستعصية ، والكثيرة الشيوع في زماننا هذا ، ولا ريب أنّ القرآن الكريم والدعاء يقفان على رأس مفردات الطبّ الروحاني والعلاج النفساني ، قال تعالى : «وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُوءْمِنِينَ
»
.
من هنا أكد الإمام الباقرعليهالسلام
أن يتعوذ المسلم بالرقى المستخرجة من القرآن ، دون غيرها لأن كثيراً منها قد يؤدي بالمرء إلى الشرك دون أن يشعر.
روى أحمد بن محمد بن مسلم ، قال : سألت أبا جعفر محمد الباقرعليهالسلام
: «أنتعوّذ بشيء من هذه الرقى؟ قال :إلاّ من القرآن ، فإن علياً
عليهالسلام
كان يقول : إنّ كثيراً من الرقى والتمائم من الإشراك
»
.
وأكد على خصوصية سورة الحمد والإخلاص في علاج جميع الأمراض ، قالعليهالسلام
: «كل من لم تبرأه سورة الحمد ، وقل هو اللّه أحد ، لم يبرأه شيء ، كلّ علّة تبرأها هاتان السورتان
»
.
ونقل عن الإمام الباقرعليهالسلام
مزيد من العلاجات والوصفات الروحانية التي تعتمد القرآن أو الدعاء ، منها في علاج آلام الجسد
، ووجع الرأس والشقيقة
، والصمم
، ووجع
__________________
الأضراس
، ووجع الخاصرة
، ووجع الظهر
، ووجع الرجلين
، وبكاء الصبيان
، والسل
، وكل ما يشتكي منه الإنسان
، وشدّة الطلق وعسر الولادة
، والرمد
، وعبث الشيطان
، وتعرّض الأرواح
، وشدّة النزع عند الموت
، وآثار الهوام
، والجراح
.
كما نقلت عن الإمام الباقرعليهالسلام
وصفات طبية لبعض الأمراض ، تعتمد العلاج بالأعشاب ، منها في علاج الطحال
، وضعف البدن
،
__________________
والزحير
، والبلغم
، وتقطير البول
، والبواسير
، وبياض العين
، والحمى
، وأوجاع الجسد
، والجنون والصرع
، وعلاج السموم ولدغ المؤذيات
.
وذكر في طب الإمام الباقرعليهالسلام
خواص بعض الأغذية والعلاجات وآثارها الطبية ، منها : السويق
، والحبة السوداء
، والبيض
، والتفاح
، والكمثرى
، والكمأة
، والسلجم
، والحجامة
،
__________________
والكحل المعروف بكحل أبي جعفر
، وبخور مريم
، والإدهان بالبان والزنبق أو الرازقي
.
وهناك مجموعة إرشادات طبّية أثرت عنهعليهالسلام
، وهي تدخل في صميم هذا العلم ، منها تشخيصه نوع المرض من خلال الأعراض البادية على الوجه ، كاستدلاله على البواسير من خلال امتقاع لون الوجه البادي على إسحاق الجريري وعلاجه إيّاه
.
ونقل عنهعليهالسلام
أصناف طب العرب في قوله : «طب العرب في سبعة : شرطة الحجامة ، والحقنة ، والحمام ، والسعوط ، والقيء ، وشربة عسل ، وآخر الدواء الكي. وربّما يزاد فيه النورة
»
.
وفي هذا الاتجاه ذكرعليهالسلام
أنّ إخراج الحمى في ثلاثة أشياء : في القيء ، وفي العرق ، وفي إسهال البطن
.
وفي حديث آخر ذكرعليهالسلام
«أن القيء يخرج كل داء وعلّة
»
.
وذكرعليهالسلام
أن خير الدواء الحقنة والسعوط والحجامة والحمام
.
وعنهعليهالسلام
أنه قال : «إذا دخلتم أرضاً وبيئةً فكلوا من بصلها ، فإنّه يذهب
__________________
عنك وباءها
»
.
٩ ـ نماذج من مواعظه ووصاياه ورسائله :
كان الإمام الباقرعليهالسلام
يثير بعض الكلمات في مختلف جوانب المعرفة ، كي يزيد من حالة ارتباط الناس وتواصلهم الروحي والتربوي مع شخصيات الإسلام المتحركة مع كل جيل ، ويجعلهم حاضرين معه في عقولهم وتعاملهم ومجالات حياتهم كلها ، من خلال جملة مواعظه ووصاياه تقعد القواعد المشرقة لآداب السلوك ، وتسهم في تنظيم الأسرة وصيانتها من الانحراف ، وتلبي ما يحتاج إليه الناس في حياتهم على مستوى الفرد والمجتمع.
أولاً ـ المواعظ وقصار الحكم :
ذكرنا في الفصل الرابع السيرة العملية للإمام الباقرعليهالسلام
، وتتجلى فيها حركة التأصيل للمفاهيم التربوية التي رسمها من خلال خصائص شخصه وتحركه في أوساط الأمة ، ونذكر هنا السيرة القولية المتمثلة بما أدلى به من النصح والارشاد والموعظة والحكمة والوصايا والرسائل التي حرص من خلالها على تقويم سلوك الفرد المسلم ، وغرس بذور الخير والصلاح في النفوس وتقويم اعوجاجها ، واعدادها للسير في مدارج الكمال ، والارتقاء إلى مراحل إيمانية عالية ، وإلى حقيقة اليقين المتمثل بالصبر عند البلاء ، والشكر عند الرخاء ، والرضا بالقضاء.
وقد نالت الحكم المنقولة عنهعليهالسلام
اعجاب الأدباء على مر العصور ، لأنها لوحات جميلة من حيث الشكل والمحتوى ، قال الجاحظ : قد جمع محمد بن علي ابن الحسين صلاح حال الدنيا بحذافيرها في كلمتين ، فقال : «صلاح شأن جميع
__________________
المعايش والتعاشر مل ء مكيال : ثلثاه فطنة ، وثلث تغافل
»
.
وفيما يلي نماذج مختارة من المواعظ البليغة والحكم الرائعة والأقوال الجامعة الواردة عنهعليهالسلام
مرتبة على الحروف :
قال الإمام الباقرعليهالسلام
:
١ ـ «إذا علم اللّه تعالى حسن نيّة من أحد ، اكتنفه بالعصمة
»
.
٢ ـ «أربع من كنوز البر : كتمان الحاجة ، وكتمان الصدقة ، وكتمان الوجع ، وكتمان المصيبة
»
.
٣ ـ قالعليهالسلام
لابنه : «اصبر نفسك على الحق ، فانه من منع شيئاً في حق ، أعطى في باطل مثليه
»
.
٤ ـ «اعرف مودة أخيك لك بما له في قلبك من المودة ، فان القلوب تتكافأ
»
.
٥ ـ «إن استطعت أن لا تعامل أحداً إلاّ ولك الفضل عليه فافعل
»
.
٦ ـ «إن أسرع الخير ثواباً البر ، وإن أسرع الشر عقوبة البغي
»
.
٧ ـ «إن اللّه يتعهّد عبده المؤمن بالبلاء ، كما يتعهّد الغائب أهله
__________________
بالهدية ، ويحميه عن الدنيا كما يحمي الطبيب المريض
»
.
٨ ـ «إن اللّه يحبّ إفشاء السلام
»
.
٩ ـ «إن اللّه يعطي الدنيا من يحبّ ويبغض ، ولا يعطي دينه إلاّ من يحبّ
»
.
١٠ ـ «إنّما يُبتلى المؤمن في الدنيا على قدر دينه
»
.
١١ ـ «إنّ المؤمن أخ المؤمن لايشتمه ولايحرمه ، ولايسيء به الظن
»
.
١٢ ـ «إنّ هذه الدنيا تعاطاها البرّ والفاجر ، وإن هذا الدين لا يعطيه اللّه إلاّ أهل خاصّته
»
.
١٣ ـ «إنّي لأكره أن يكون مقدار لسان الرجل فاضلاً على مقدار علمه ، كما أكره أن يكون مقدار علمه فاضلاً على مقدار عقله
»
.
١٤ ـ «بئس الأخ أخ يرعاك غنياً ويقطعك فقيراً
»
.
١٥ ـ «بئس العبد عبداً يكون ذا وجهين وذا لسانين ، يطري أخاه شاهداً ، ويأكله غائباً ، إن أعطي حسده ، وإن ابتلي خذله
»
.
__________________
١٦ ـ «ثلاث من مكارم الدنيا والآخرة : أن تعفو عمن ظلمك ، وتصل من قطعك ، وتحلم إذا جهل عليك
»
.
١٧ ـ «ثلاث لم يجعل اللّه عزّوجلّ لأحد فيهنّ رخصة : أداء الأمانة إلى البرّ والفاجر ، والوفاء بالعهد للبرّ والفاجر ، وبرّ الوالدين برّين كانا أو فاجرين
»
.
١٨ ـ «ثلاث من عمل الجاهلية : الفخر بالأنساب ، والطعن في الأحساب ، والاستقساء بالأنواء
»
.
١٩ ـ «الحياء والإيمان مقرونان في قرن ، فإذا ذهب أحدهما تبعه صاحبه
»
.
٢٠ ـ «سلاح اللئام قبح الكلام
»
.
٢١ ـ «شرّ الآباء من دعاه البرّ إلى الإفراط ، وشرّ الأبناء من دعاه التقصير إلى العقوق
»
.
٢٢ ـ «صلة الأرحام تزكّي الأعمال ، وتنمّي الأموال ، وتدفع البلوى ، وتيسّر الحساب ، وتنسئ في الأجل
»
.
__________________
٢٣ ـ «صمت الأديب عند اللّه ، أفضل من تسبيح الجاهل
»
.
٢٤ ـ «عليكم بالورع والاجتهاد وصدق الحديث وأداء الأمانة إلى من ائتمنكم عليها بَرّاً كان أو فاجراً ، فلو أن قاتل علي بن أبي طالب
عليهالسلام
ائتمنني على أمانة لأدّيتها إليه
»
.
٢٥ ـ «في كلّ قضاء اللّه خير للمؤمن
»
.
٢٦ ـ «كان لي أخ في عيني عظيم ، وكان الذي عظمه في عيني صغر الدنيا في عينه
»
.
٢٧ ـ «الكسل يضرّ بالدين والدنيا
»
.
٢٨ ـ «كفى بالمرء غشّاً لنفسه أن يبصر من الناس ما يعمى عليه من أمر نفسه ، أو يعيب غيره بما لا يستطيع تركه ، أو يؤذي جليسه بما لا يعنيه
»
.
٢٩ ـ «كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو ، فإنّ موسى
عليهالسلام
خرج ليقتبس ناراً فرجع نبيّاً مرسلاً
»
.
٣٠ ـ «كفى العبد من اللّه ناصراً أن يرى عدوّه يعصي اللّه
»
.
__________________
٣١ ـ «لا تجالسوا أصحاب الخصومات ، فإنّهم الذين يخوضون في آيات اللّه
»
.
٣٢ ـ «ما استوى رجلان في حسب ودين قط ، إلاّ كان أفضلهما عند اللّه آدبهما
»
.
٣٣ ـ «ما عرف اللّه من عصاه
»
.
٣٤ ـ «من أعطي الخلق والرفق فقد أعطي الخير والراحة ، وحسن حاله في دنياه وآخرته ، ومن حرم الخلق والرفق كان ذلك سبيلاً إلى كل شر وبلية إلاّ من عصمه اللّه
»
.
٣٥ ـ وقيل لهعليهالسلام
: من أخسر الناس صفقة؟ فقالعليهالسلام
: «من باع الباقي بالفاني
»
.
٣٦ ـ «من صدق لسانه زكا عمله ، ومن حسنت نيّته زِيد في رزقه ،
ومن حسن برّه بأهله زِيد في عمره
»
.
٣٧ ـ «من الغيبة أن تقول في أخيك ما ستره اللّه عليه ، فأما الأمر الظاهر منه مثل الحِدّة والعجلة فلا بأس أن تقوله ، وإن البهتان أن تقول في أخيك ما ليس فيه
»
.
__________________
٣٨ ـ «من قسم له الخُرق حجب عنه الإيمان
»
.
٣٩ ـ «من كان ظاهره أرجح من باطنه خفّ ميزانه
»
.
٤٠ ـ وقيل له : من أعظم الناس قدراً؟ فقالعليهالسلام
: «من لا يبالي في يد من كانت الدنيا
»
.
٤١ ـ «من لم يجعل اللّه له من نفسه واعظاً ، فإن مواعظ الناس لن تغني عنه شيئاً
»
.
٤٢ ـ وقال جرير بن يزيد : قلت لمحمد بن علي بن حسين:
: «عظني. قال : يا جرير ، اجعل الدنيا مالاً أصبته في منامك ثم انتبهت وليس معك منه شيء
»
.
ثانياً ـ الوصايا :
ترك الإمام الباقرعليهالسلام
وصايا كثيرة حافلة بالحكم والمعارف والآداب ، حرص من خلالها على التوجيه والإصلاح ، والحفاظ على الشريعة الغراء ، وكان منها عدة وصايا لأولاده ولأصحابه سيما جابر الجعفي ، ونقل عدة وصايا من كتاب التوراة ، وعن أبيه السجادعليهالسلام
، وعن جده رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
، وفيما يلي نماذج منها :
__________________
١ ـ من وصيته لابنه الصادقعليهماالسلام
:
قالعليهالسلام
: «يا بني ، إذا أنعم اللّه عليك نعمة فقل : الحمد للّه ، وإذا أحزنك أمر فقل : لا حول ولا قوّة إلاّ باللّه العلي العظيم ، وإذا أبطأ عليك الرزق فقل : استغفر اللّه»
.
٢ ـ ومن وصيته له أيضاً :
قالعليهالسلام
: «إن اللّه خبأ ثلاثة أشياء في ثلاثة أشياء : خبأ رضاه في طاعته ، فلا تحقرن من الطاعة شيئاً ، فلعل رضاه فيه ، وخبأ سخطه في معصيته ، فلا تحقرن من المعصية شيئاً ، فلعل سخطه فيه ، وخبأ أولياءه في خلقه ، فلا تحقرن أحداً ، فلعله ذلك الولي
»
.
٣ ـ من وصيته لجابر :
وهي طويلة جمع فيها مكارم الأخلاق ، اخترنا منها : «يا جابر ، اغتنم من أهل زمانك خمساً : إن حضرت لم تعرف ، وإن غبت لم تفتقد ، وإن شهدت لم تشاور ، وإن قلت لم يقبل قولك ، وإن خطبت لم تزوج. وأوصيك بخمس : إن ظلمت فلا تظلم ، وإن خانوك فلا تخن ، وإن كُذِّبت فلا تغضب ، وإن مُدِحتَ فلا تفرح ، وإن ذُمِمت فلا تجزع يا جابر ، استكثر لنفسك من اللّه قليل الرزق تخلصاً إلى الشكر ، واستقلل من نفسك كثير الطاعة للّه إزراء على النفس وتعرضاً للعفو ، وادفع عن نفسك حاضر الشر بحاضر العلم ، واستعمل حاضر
__________________
العلم بخالص العمل ، وتحرز في خالص العمل من عظيم الغفلة بشدة التيقّظ ، واستجلب شدة التيقظ بصدق الخوف واعلم أنّه لا علم كطلب السلامة ، ولا سلامة كسلامة القلب ، ولا عقل كمخالفة الهوى ، ولا خوف كخوف حاجز ، ولا رجاء كرجاء معين ، ولا فقر كفقر القلب ، ولا غنى كغنى النفس ، ولا قوة كغلبة الهوى ، ولا نور كنور اليقين ، ولا يقين كاستصغارك الدنيا ، ولا معرفة كمعرفتك بنفسك ، ولا نعمة كالعافية ، ولا عافية كمساعدة التوفيق ، ولا شرف كبعد الهمة ، ولا حرص كالمنافسة في الدرجات ، ولا عدل كالإنصاف
»
.
٤ ـ ومن وصيته لمحمد بن مسلم :
«يا محمد بن مسلم ، لا يغرّنك الناس من نفسك ، فإنّ الأمر يصل إليك دونهم ، ولا تقطع النهار عنك كذا وكذا ، فإنّ معك من يحصي عليك ، ولا تستصغرن حسنة تعمل بها ، فإنّك تراها حيث تسوءك ، وأحسن فإنّي لم أرَ شيئاً قط أشدّ طلباً ، ولا أسرع دركاً ، من حسنة محدثة لذنب قديم
»
.
٥ ـ ومن وصيته لرجل :
عن جعفر بن محمد الصادق ، عن أبيهعليهماالسلام
، قال : «جاءه رجل فقال : أوصني. قال : هيء جهازك ، وقدم زادك ، وكن وصي نفسك
»
.
__________________
ثالثاً ـ الرسائل والمكاتيب :
للإمام الباقرعليهالسلام
رسائل بعث بها إلى أصحابه ومواليه وغيرهم ، تشتمل على وصايا قيمة في السلوك والآداب ، ويحث فيها على اتباع التقوى والعمل الصالح ، ويشرح حال الأمة بعد رحلة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم
، ودور العلماء في تلبية حاجات الأمة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومواضيع أخرى مختلفة.
وعلى رأس تلك الرسائل ، هناك رسالتان كتبها إلى سعد بن عبد الملك الأُموي نسبا ، المعروف بسعد الخير
.
كتب أبو جعفرعليهالسلام
بعد البسملة ، «أما بعد ، فإني أوصيك بتقوى اللّه ، فإن فيها السلامة من التلف ، والغنيمة في المنقلب ، إن اللّه عزّوجلّ يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ، ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله ، وبالتقوى نجا نوح ومن معه في السفينة ، وصالح ومن معه من الصاعقة ، وبالتقوى فاز الصابرون ، ونجت تلك العصب من المهالك
»
.
وكتب رسالة ثانية جوابية إلى سعد الخير ، ومنها : «يا أخي ، إن اللّه عزّوجلّ جعل في كل من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ، ويصبرون معهم على الأذى ، يجيبون داعي اللّه ، ويدعون إلى اللّه ، فأبصرهم رحمك اللّه ، فإنهم في منزلة رفيعة ، وإن أصابتهم في الدنيا وضيعة ، أنهم يحيون بكتاب اللّه الموتى ، ويبصرن بنور اللّه من العمى ، كم
__________________
من قتيل لإبليس قد أحيوه ، وكم من تائه ضال قد هدوه ، يبذلون دماءهم دون هلكة العباد ، وما أحسن أثرهم على العباد ، وأقبح آثار العباد عليهم
»
.
١٠ ـ حوارات ومناظرات :
ناظر الإمام الباقرعليهالسلام
العديد من أهل النظر والكلام ، وأثبت لهم بصائب الدليل وصحيح البرهان عقائد الإسلام الأصيل ، قال الشيخ المفيد : «ناظر من كان يرد عليه من أهل الآراء ، وحفظ عنه الناس كثيراً من علم الكلام»
.
وفيما يلي نماذج من مناظراته المسكتة مع بعض الأعلام في زمانه :
١ ـ نافع بن الأزرق الخارجي :
للإمام الباقرعليهالسلام
على المستوى العقائدي مناظرة أفحم فيها نافع بن الأزرق. قال الشيخ المفيد : جاءت الأخبار أن نافع بن الأزرق جاء إلى محمد بن عليعليهماالسلام
، فجلس بين يديه ، فسأله عن مسائل في الحلال والحرام ، فقال له أبو جعفرعليهالسلام
: «قل لهذه المارقة بم استحللتم فراق أمير المؤمنين
عليهالسلام
، وقد سفكتم دماءكم بين يديه في طاعته والقربة إلى اللّه بنصرته؟! فسيقولون لك : إنّه حكّم في دين اللّه ، فقل لهم : قد حكّم اللّه تعالى في شريعة نبيه
صلىاللهعليهوآلهوسلم
رجلين من خلقه فقال تعالى :
«فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِن يُّرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا
»
وحكّم رسول اللّه
صلىاللهعليهوآلهوسلم
سعد بن
__________________
معاذ في بني قريظة ، فحكم فيهم بما أمضاه اللّه
.
أو ما علمتم أن أمير المؤمنين
عليهالسلام
إنّما أمر الحكمين أن يحكما بالقرآن ولا يتعدّياه ، واشترط ردّ ما خالف القرآن من أحكام الرجال ، وقال حين قالوا له : حكمت على نفسك من حكم عليك. فقال : ما حكّمت مخلوقاً ، وإنّما حكّمت كتاب اللّه ، فأين تجد المارقة تضليل من أمر بالحكم بالقرآن واشترط رد ما خالفه؟! لولا ارتكابهم في بدعتهم البهتان. فقال نافع بن الأزرق : هذا كلام ما مر بسمعي قط ، ولا خطر مني ببال ، وهو الحقّ إن شاء اللّه
»
.
٢ ـ عبد اللّه بن نافع :
قال ابن شهرآشوب : روي أن عبد اللّه بن نافع بن الأزرق كان يقول : «لو عرفت أن بين قطريها أحداً تبلغني إليه الإبل يخصمني بأن علياً قتل أهل النهروان وهو غير ظالم لرحلت إليه.
قيل له : ائت ولده محمد الباقر ، فأتاه فسأله فقالعليهالسلام
بعد كلام :الحمد للّه الذي أكرمنا بنبوته ، واختصّنا بولايته. يا معشر أولاد المهاجرين والأنصار ، من كان عنده منقبة في أمير المؤمنين
عليهالسلام
، فليقم فليحدّث
. فقاموا ونشروا من مناقبه ، فلما انتهوا إلى قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم
:لأعطين الراية غداً رجلاً يحب اللّه ورسوله ، ويحبه اللّه ورسوله ، كراراً غير فرار ، لا يرجع حتى يفتح اللّه على يديه
، سأله أبو جعفرعليهالسلام
عن صحّته ، فقال : هو حقّ لا شكّ فيه ، ولكن عليّاً أحدث الكفر بعد.
فقال أبو جعفرعليهالسلام
:أخبرني عن اللّه أحبّ عليّ بن بي طالب يوم أحبّه وهو يعلم أنّه يقتل أهل النهروان ، أم لم يعلم؟ قال : إن قلتَ : لا
__________________
كفرتَ
.
قال : فقال : قد علم. قال :فأحبّه على أن يعمل بطاعته ، أو على أن يعمل بمعصيته؟
قال : على أن يعمل بطاعته. فقال أبو جعفرعليهالسلام
: قم مخصوماً. فقام وهو يقول : «حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الاْءَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ
»
اللّه يعلم حيث يجعل رسالاته»
.
٣ ـ عمرو بن عبيد :
قال الشيخ المفيد : روى العلماء أن عمرو بن عبيد ، وهو من أئمّة الاعتزال ، وفد على محمد بن علي بن الحسين:
ليمتحنه بالسؤال ، فقال له : «جعلت فداك ، ما معنى قوله عزّ اسمه : «أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالاْءَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا
»
ما هذا الرتق والفتق؟ فقال له أبو جعفرعليهالسلام
:كانت السماء رتقاً لا تنزل القطر ، وكانت الأرض رتقاً لا تخرج النبات
، فانقطع عمرو ولم يجد اعتراضاً»
.
٤ ـ احتجاج علّمه لأبي الجارود :
ولهعليهالسلام
احتجاج لقنه أبا الجارود في ردّ المنكرين بأن الحسن والحسين ابنا رسول اللّه من الصلب ، قال أبو جعفرعليهالسلام
: «واللّه يا أبا الجارود لأعطينّكم من كتاب اللّه آية تسمّيها أنّهما لصلب رسول اللّه
صلىاللهعليهوآلهوسلم
لا يردّها إلاّ كافر. قال : قلت :
__________________
جعلت فداك ، وأين؟ قال :حيث قال :
«حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ
ـ إلى قوله ـوَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ
»
فسلهم ـ يا أبا الجارود ـ هل يحلّ لرسول اللّه نكاح حليلتيهما؟ فإن قالوا : نعم ، فكذبوا واللّه ، وإن قالوا : لا ، فهما واللّه ابنا رسول اللّه لصلبه ، وما حرمن عليه إلاّ للصلب
»
.
٥ ـ مناظرة حول ظلم الأمة لعليعليهالسلام
:
وله مناظرة مع رجل في مجلس أبيه السجادعليهالسلام
، حول مظلومية أمير المؤمنين ، قال له الباقرعليهالسلام
: «يا عبد اللّه ، ما أكثر ظلم كثير من هذه الأُمّة لعلي بن أبي طالب
عليهالسلام
، وأقلّ أنصارهم ، إنّهم يمنعون علياً
عليهالسلام
ما يعطونه سائر الصحابة ، وعلي أفضلهم ، فكيف يمنع منزلة يعطونها غيره؟!
قيل : وكيف ذاك يا بن رسول اللّه؟ قال : لأنّكم تتولّون محبّي أبي بكر بن أبي قحافة ، وتتبرّءون من أعدائه كائناً من كان ، وكذلك تتولّون عمر بن الخطّاب ، وتتبرّءون من أعدائه كائناً من كان ، وتتولّون عثمان بن عفّان ، وتتبرّءون من أعدائه كائناً من كان ، حتّى إذا صار إلى علي بن أبي طالبعليهالسلام
، قالوا : نتولّى محبّيه ، ولا نتبرّأ من أعدائه ، بل نحبّهم ، فكيف يجوز هذا لهم ، ورسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
يقول في عليعليهالسلام
: اللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله. أفترونه لا يعادي من عاداه ، ولا يخذل من خذله؟! ليس هذا بإنصاف.
ثم أخرى : إنّهم إذا ذكر لهم ما أخصّ اللّه به عليّاًعليهالسلام
بدعاء رسول اللّه
صلىاللهعليهوآلهوسلم
وكرامته على ربّه تعالى جحدوه ، وهم يقبلون ما يذكر لهم في غيره من
__________________
الصحابة ، فما الذي منع علياًعليهالسلام
ما جعله لسائر أصحاب رسول اللّه؟
هذا عمر بن الخطّاب ، إذا قيل لهم : إنّه كان على المنبر بالمدينة يخطب ، إذ نادى في خلال خطبته : يا سارية الجبل. وعجب القوم ، وقالوا : ما هذا من الكلام الذي في هذه الخطبة ، فلما قضى الخطبة والصلاة قالوا : ما قولك في خطبتك : يا سارية الجبل؟
فقال :اعلموا أنّي وأنا أخطب إذ رميت ببصري نحو الناحية التي خرج فيها إخوانكم إلى غزوة الكافرين بنهاوند ، وعليهم سعد بن أبي وقاص ، ففتح اللّه لي الأستار والحجب ، وقوّى بصري حتى رأيتهم وقد اصطفوا بين يدي جبل هناك ، وقد جاء بعض الكفار ليدور خلف سارية ، وساير من معه من المسلمين ، فيحيطوا بهم فيقتلوهم ، فقلت : يا سارية الجبل ، ليلتجئ إليه ، فيمنعهم ذلك من أن يحيطوا به ، ثم يقاتلوا ، ومنح اللّه إخوانكم المؤمنين أكتاف الكافرين ، وفتح اللّه عليهم بلادهم ، فاحفظوا هذا الوقت ، فسيرد عليكم الخبر بذلك ، وكان بين المدينة ونهاوند مسيرة أكثر من خمسين يوماً.
قال الباقرعليهالسلام
:فإذا كان مثل هذا لعمر ، فكيف لا يكون مثل هذا لعلي ابن أبي طالب
عليهالسلام
؟! ولكنّهم قوم لا ينصفون ، بل يكابرون
»
.
٦ ـ عالم النصارى :
ناظره بالشام حين أشخصه هشام بن عبد الملك إلى هناك ، أخرجه ثقة
__________________
الإسلام الكليني عن عمر بن عبد اللّه الثقفي ، والطبري في دلائل الإمامة عن أبي بصير ، وأجاب فيها الإمامعليهالسلام
عن عدّة تساؤلات ، منها : قال النصراني : «أنتم الذين تزعمون أنّكم تذهبون إلى الجنّة فتأكلون وتشربون ولا تحدثون؟ قالعليهالسلام
:نعم ، الجنين يأكل في بطن أُمّه من طعامها ، ويشرب من شرابها ولا يحدث.
قال : أخبرني عن رجلين ولدا في ساعة واحدة ، وماتا في ساعة واحدة ، عاش أحدهما خمسين ومئة سنة ، وعاش الآخر خمسين سنة. قالعليهالسلام
:هما عزير وعزرة ، عاش عزرة مع عزير ثلاثين سنة ، ثم أمات اللّه عزيراً مائة سنة ، وبقي عزرة يحيا ، ثم بعث اللّه عزيراً فعاش مع عزرة عشرين سنة.
قال النصراني : يا معشر النصارى ، ما رأيت أحداً قط أعلم من هذا الرجل ، لا تسألوني عن حرف وهذا بالشام»
.
وللإمـام الباقـرعليهالسلام
حوارات أُخـرى مع آخريـن ، منـهم : سالم التمّار من البترية
، وقتادة بن دعامة البصـري
، وطاوس اليماني
، وهشام ابن عبد الملك
، والأبرش بن الوليد الكلبي وزير هشام بن
__________________
عبد الملك
.
* * *
__________________
الفصل الثامن
شهادة الإمام الباقر عليه السلام
تاريخ شهادته :
انتقل الإمام الباقرعليهالسلام
إلى رضوان بارئه بالحميمة من الشراة ، ثم نقل إلى بقيع المدينة يوم الإثنين ، السابع من ذي الحجة ، في ملك هشام بن عبد الملك ، سنة ١١٤ هـ ، وسنّه يومئذ سبع وخمسون سنة ، وهو المشهور عند غالبية المؤرخين والمحدثين
، والموافق لما قرّر في المشهور من تاريخ ولادته ، وما قدّر من عمره.
واختلفوا في تعيين اليوم والشهر والسنة التي توفّي فيها على أقوال عدة ، فقيل : الثالث أو السابع من ذيالحجة ، والثالث والعشرون من صفر ، والسابع من ربيع الأول أو من ربيع الآخر. وقيل في ذكر سنة وفاته : ١٠٥ و ١١٢ و ١١٣ و ١١٥ و ١١٦ و ١١٧ و ١١٨ و ١١٩ و ١٢٤ و ١٢٥ من الهجرة
.
__________________
واختلف في الحاكم الذي توفي في زمانه ، فهناك أخبار تصرح بوفاة الإمامعليهالسلام
في زمان عبد الملك بن مروان
.
وهو غريب ، لأن خلافة عبد الملك ابن مروان كانت من سنة ٦٥ إلى ٨٦ هـ ، ولم يقل أحد بهذا التاريخ ، بل الأخبار الصحيحة صرحت بوفاته سنة ١١٤ هـ ، أي بعد مضي نحو تسع سنين من أيام هشام بن عبد الملك ١٠٥ ـ ١٢٥ هـ. واستظهر العلاّمة المجلسي كونه هشام بن عبد الملك بن مروان ، فسقط اسم هشام من الرواة أو النساخ ، وبقي عبد الملك ابن مروان
.
وذكر الطبري أنه قبض في أول ملك إبراهيم بن الوليد
، وذكر القرماني وابن شهرآشوب عن أبي جعفر بن بابويه أنّه سمّه إبراهيم بن الوليد
.
وروى الطبري عن أبي محمد الحسن العسكريعليهالسلام
، أنّ سبب وفاتهعليهالسلام
أنّ إبراهيم بن الوليد سمّه
.
وقال السيد بن طاوس في الزيارة الكبيرة : وضاعف العذاب على من
__________________
شرك في دمه ، وهو إبراهيم بن الوليد
.
فإذا كان الباقرعليهالسلام
قبض سنة ١١٤ هـ ، على المشهور ، فوفاته في ملك هشام ١٠٥ ـ ١٢٥ هـ ، لا في ملك إبراهيم الذي ولي وقتل سنة ١٢٧ هـ ، فهذا القول معارض بالمشهور ، إلاّ أن نقول أن إبراهيم بن الوليد قد نفذ هذه الجريمة العظمى في زمان هشام بن عبد الملك ، وبإشارة منه ، وليس في زمان ملك إبراهيم.
وذكر المسعودي أن وفاة أبي جعفر الباقرعليهالسلام
كانت أيام الوليد بن يزيد ١٢٥ هـ ، ثم قال : وقد تنوزع في ذلك ، فمن الناس من رأى أن وفاته كانت على أيام هشام بن عبد الملك ، وذلك سنة ١١٧ هـ ، ومن الناس من رأى أنه مات في أيام يزيد بن عبد الملك
، وكانت أيام يزيد من سنة ١٠١ إلى ١٠٥ هـ.
مقدار عمره الشريف :
الرواية المشهورة في مقدار عمر الإمام الباقرعليهالسلام
هي سبع وخمسون سنة ، بناءً على القول المشهور في ولادته ووفاته ، وهناك أقوال أخرى تتفاوت بحسب تعدّد الأقوال المتقدمة في الولادة والوفاة ، والمذكور منها ٥٥ و ٦٠ و ٥٦ و ٥٨ و ٦٣ و ٧٣ سنة
.
__________________
ورجّح سبط ابن الجوزي وفاته عن ثمان وخمسين سنة ، لما روي عنهعليهالسلام
: أنّ علياًعليهالسلام
قتل وهو ابن ثمان وخمسين ، ومات لها الحسنعليهالسلام
، ومات لها الحسينعليهالسلام
، ومات لها علي بن الحسينعليهالسلام
.
وروي عن جعفر بن محمدعليهماالسلام
يقول : سمعت أبي يقول لعمتي فاطمة بنت الحسينعليهالسلام
: قد أتت علي ثمان وخمسون ، فتوفّي لها
، وروي نحو ذلك ابن سعد ، والجنابذي ، وابن عساكر ، والقاضي النعمان
.
شهادتهعليهالسلام
:
رغم ابتعاد الإمام الباقر ، ومن قبله أبوه الإمام السجّادعليهماالسلام
، عن كل ما يمت بصلة إلى السلطة ورموز بلاطها ، إلاّ أنّه يمثل بالنسبة للسلطات الأُمويّة هاجساً من الخوف المشوب بالغيرة والحقد ونصب العداء ، ويدخل ذلك ضمن الثقافة التي توارثها الأبناء عن الآباء من رجالات السلطة ، ذلك لأنّهم يدركون خطورة النشاط الذي يمارسه عليها ، لكونه مصدر الوعي الإسلامي الصحيح ورائد الحركة الاصلاحية في الأُمّة ، التي تكنّ له التبجيل والاحترام ، فعملت السلطة على تصفيته جسدياً ، ولجأت إلى سلاحها المعهود فاغتالته بالسم في زمان هشام بن عبد الملك ، الذي نقل أنّه كان شديد العداوة والعناد لأبي جعفر الباقرعليهالسلام
ولأهل بيته
.
ولم تذكر الروايات تفاصيل أسباب دسّ السم إليه وكيفية شهادته.
__________________
ومهما يكن فإنّ بعض المصادر ذكرت أنّ سبب موته مرض ، بينما اكتفت بعض المصادر أنّ الإمام الباقرعليهالسلام
استُشهد مسموماً كأبيه ، ولم تذكر الذي باشر ذلك ، في حين ذكرت بعضها أنّ هشام بن عبد الملك هو الذي سمّه ، وذكرت أُخرى أنّ إبراهيم بن الوليد هو الذي سمّه
.
غير أنّ هناك رواية طويلة لأبي بصير عن أبي عبد اللّه الصادقعليهالسلام
، جاء فيها أنّ سبب إقدام السلطة على قتل الإمامعليهالسلام
هو وشاية زيد بن الحسن إلى عبد الملك بن مروان ، وأنّه قال له حين دخل عليه : أتيتك من عند ساحر كذّاب لا يحلّ لك تركه ، وأنّ عنده سلاح رسول اللّه وسيفه ودرعه وخاتمه وعصاه وترِكته ، مما أثار حفيظة عبد الملك بن مروان ، وذلك لأنّ زيداً خاصم الإمام الباقرعليهالسلام
في ميراث رسول اللّه إلى القاضي ، ثمّ أنّ عبد الملك بعث بسرج إلى الإمام الباقرعليهالسلام
، فلما أسرج له نزل متورّماً ، وعاش ثلاثاً ، ثم مضى إلى كرامة ربّه
.
وتقدّم أنّ الرواية تذكر الأحداث في زمان عبد الملك ، ولا يصحّ إلاّ بافتراض السقط والتحريف ، لتكون أجواء الرواية في أيام هشام بن عبد الملك.
وممّا يدلّ على إصرار هشام على قتل الإمامعليهالسلام
، أنّه كتب إلى عامل المدينة بعد أن أشخص الإمام مع ولده الصادقعليهماالسلام
أن يحتال في سمّ أبي جعفرعليهالسلام
عند
__________________
عودته في طعام أو شراب ، فلم يتهيّأ له شيء من ذلك
.
قال الشاعر :
هلم بنا نبكي على باقر العلم
|
|
سليل النبي المصطفى الأُمّي
|
على لذّة العيش العفا بعد ما قضى
|
|
شهيداً بلا ذنب أتاه ولا جرم
|
له طول حزني ما حييت وحرقتي
|
|
ونوحي ولو أنّ البكا قد برى عظمي
|
سقاه على رغم الوقى السمّ خفية
|
|
هشام ردي الأب والجدّ والأُم
|
عليه من الرحمن لعن مؤبّد
|
|
بما سرّ من بغي وما سنّ من ظلم
|
وصاياه وجهازه :
كان الإمام الباقرعليهالسلام
قد نعى نفسه المقدسة لولده الصادقعليهالسلام
، وأوصاه عدّة وصايا تتعلّق بالإمامة وبجهازه ودفنه ، في أكثر من مناسبة ، ففي الليلة التي قبض فيها ، أدنى ولده الصادقعليهالسلام
فناجاه ، فلما فرغ من المناجاة ، قال : يا بني هذه الليلة التي وُعدت أن أُقبض فيها.
ولما حان حينه ، وتيقن وفاته ، وعزم إلى أن يصير إلى روح اللّه وريحانه ، ويعرج إلى معارج فوزه وجنانه ، أوصى إلى ابنه أبي عبد اللّه جعفر الصادقعليهالسلام
بجميع ما يحتاج إليه الناس ، واستودعه ما كان محفوظاً عنده من الكتب والسلاح وآثار الأنبياء وودائعهم ، وأوصاه بأشياء في غسله وكفنه ودخوله قبره.
وكان فيما أوصى إليه أن قال : «يا بني ، إذا أنا مت فلا يلي غسلي أحد غيرك ، فإنّ الإمام لا يغسله إلاّ إمام
».
وفي خبر آخر أنّه أمر حين حضرته الوفاة بإدخال أربعة من قريش من
__________________
أهل المدينة فأشهدهم ، وكان منهم نافع مولى عبد اللّه بن عمر ، ثم قال : «اكتب : هذا ما وصى به يعقوب بنيه
«يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
»
وأوصى محمد بن علي إلى جعفر بن محمد ، وأمره أن يكفّنه في ثلاثة أثواب أحدها رداء له حبرة كان يصلّي فيه الجمع ، وثوب آخر ، وقميص ، وأن يعمّمه بعمامته
، وأن يربّع قبره ، ويرفعه أربع أصابع ، ثم يخلى عنه ، ويرشّه بالماء ، وأن يحلّ عنه أطماره عند دفنه. وأوصاه أيضاً أن يحفر له ويشقّ له شقّ ، وقال : إن قيل لكم : إنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
لُحّد له ، فقد صدقوا» ، وعلّل الإمام الصادقعليهالسلام
بقوله : وشققنا له الأرض من أجل أنّه كان بادناً.
وحين سأله الإمام الصادقعليهالسلام
عن سبب الإشهاد على وصيّته قال : «يا بني ، أردت أن لا تنازع» ، وفي خبر آخر : «كرهت أن تغلب ، وأن يقال إنّه لم يوصَ إليه ، فأردت أن تكون لك الحجّة
».
ومن جملة وصاياه أنه أوصى بثمان مئة درهم لمأتمه ، لأنّه السنّة ، لأن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
قال : اتّخذوا لآل جعفر طعاماً فقد شُغلوا.
وفي يوم وفاته قام الإمام الصادقعليهالسلام
بتهيئته ، فغسله كما أمره وحنّطه بحنوطه ، وأدرجه في أكفانه ، وصلى عليه مع شيعته ، وروي أنه كان على نعشه برد حبرة ، وخرج الناس لجنازته بالبكاء والعويل ، وكان يوماً عظيماً مشهوداً ، وأخرجه إلى بقيع الغرقد بالمدينة ، في القبر الذي فيه أبوه علي بن الحسينعليهماالسلام
، وعمّ أبيه الحسنعليهالسلام
، في القبّة التي فيها قبر العباسعليهماالسلام
، وهكذا رحل باقر العلم إلى كرامة ربه الأعلى سبحانه صابراً محتسباً ، شاهداً وشهيداً
.
__________________
ما قيل فيه من الشعر :
فيما يلي نخبة من الأشعار التي قيلت في مدح أو رثاء الإمام الباقرعليهالسلام
، مرتبة على وفق حرف الروي.
١ ـ قال زيد بن عليعليهالسلام
في رثائه :
ثوى باقر العلم في ملحد
|
|
إمام الورى طيب المولد
|
فمن لي سوى جعفر بعده
|
|
إمام الورى الأوحد الأمجد
|
أبا جعفر الخير أنت الإمام
|
|
وأنت المرجى لبلوى غد
|
٢ ـ وأنشد الكميت الأسدي بحضرتهعليهالسلام
:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم
|
|
لم يبقَ إلاّ شامت أو حاسد
|
وبقى على ظهر البسيطة واحد
|
|
فهو المراد وأنت ذاك الواحد
|
٣ ـ وقال الشيخ حسين البحراني :
سأقضي حياتي بالكآبة والشجا
|
|
على باقر العلم الذي ليس يوجد
|
له شبه في العالمين وقد حوى
|
|
فنون علوم اللّه فهو الموحّد
|
فيا قاتل اللّه الغوي الذي سعى
|
|
له بسموم فهو باغ ومخلد
|
__________________
أيقتل نفس المصطفى ووصيه
|
|
ونجل حسين وابنه ويشرد
|
فذاك كتاب اللّه يبكي لفقدهم
|
|
وهذا رسول اللّه حزناً يعدد
|
وتلك محاريب المساجد قد خلت
|
|
فلا عابد فيها ولا متهجّد
|
٤ ـ وقال الشيخ علي بن عيسى الإربلي :
عرج على طيبة وانزل بها
|
|
وقف مقام الضارع الصاغر
|
وعج على أرض البقيع الذي
|
|
ترابه يجلو قذى الناظر
|
وبلغن عني سكانه
|
|
تحية كالمثل السائر
|
قوم هم الغاية في فضلهم
|
|
فالأول السابق كالأخر
|
هم الألى شادوا بناء العلى
|
|
بالأسمر الذابل والباتر
|
وأشرقت في المجد أحسابهم
|
|
إشراق نور القمر الباهر
|
وبخلوا الغيث ويوم الوغى
|
|
راعوا جنان الأسد الخادر
|
بدا بهم نور الهدى مشرقاً
|
|
وميز البر من الفاجر
|
فحبهم وقف على مؤمن
|
|
وبغضهم حتم على كافر
|
كم لي مديح فيهم شائع
|
|
وهذه تختص بالباقر
|
إمام حقّ فاق في فضله
|
|
العالم من باد ومن حاضر
|
أخلاقه الغرّ رياض فما
|
|
الروض غداة الصيب الماطر
|
ما ضرّ قوماً غصبوا حقّه
|
|
والظلم من شنشنة الجائر
|
لو حكموه فقضى بينهم
|
|
أبلج مثل القمر الزاهر
|
جرى على سنّة آبائه
|
|
جري الجواد السابق الضامر
|
وجاء من بعد بنوه على
|
|
آثاره الوارد كالصادر
|
__________________
قد كثرت في الفضل أوصافه
|
|
وإنّما العزّة للكاثر
|
محمد الخير استمع شاعراً
|
|
لولاكم ما كان بالشاعر
|
قد قصر المدح على مجدكم
|
|
وليس في ذلك بالقاصر
|
٥ ـ وقال السيد محسن الأمين العاملي :
واذرِ دموع العين فيها دماً
|
|
على ضريح السيد الباقر
|
على إمام ما جرى ذكره
|
|
في خاطري إلاّ جرى ناظري
|
على إمام لم يدع رزؤه
|
|
صبراً لجلد في الورى صابر
|
على إمام هدّ ركن الهدى
|
|
مصابه بالقاصم الفاقر
|
وبدر تم في الثرى غائب
|
|
وبحر علم في الثرى غائر
|
يا أقبراً منها البقيع اغتدى
|
|
يسمو سنام الفلك الدائر
|
سقاك يا أقبر رب السما
|
|
من الحيا بالصيب الماطر
|
لا ينقضي وجدي ولا حسرتي
|
|
لساكني مربعك العاطر
|
٦ ـ وقال أيضاً :
جلّت مصيبته على كل الورى
|
|
فالكل بات لها بطرف ساهر
|
يذري الدموع على مصيبة سيد
|
|
من آل أحمد بذ كل مفاخر
|
للّه أيّ مصيبة جلت فلا
|
|
يلفى لها في الكون بعض نظائر
|
ذهبت بركن الدين مصباح الهدى
|
|
غوث المؤمّل والإمام الطاهر
|
الصبر عزّ لها فكم من جازع
|
|
تهفو جوانحه ولا من صابر
|
__________________
٧ ـ وقال منصور :
يا ابن الأئمّة من بعد النبي ويا
|
|
ابن الأوصياء أقرّ الناس أم دفعوا
|
إنّ الخلافة كانت إرث والدكم
|
|
من دون تيم وعفو اللّه متّسع
|
٨ ـ وأشار إليه الكميتعليهماالسلام
في قصيدته اللاّميّة :
وقالت فعد نفسك صابراً
|
|
كما صبروا أيّ القضاءين يعجل
|
أموتاً على حقّ كمن مات منهم
|
|
أبو جعفر دون الذي كنت تأمل
|
أم الغاية القصوى التي إن بلغتها
|
|
فأنت إذا ما أنت والصبر أجمل
|
٩ ـ وقال المغربي :
يا ابن الذي بلسانه وبيانه
|
|
هدي الأنام ونزل التنزيل
|
عن فضله نطق الكتاب وبشّرت
|
|
بقدومه التوراة والإنجيل
|
لولا انقطاع الوحي بعد محمد
|
|
قلنا محمد من أبيه بديل
|
هو مثله في الفضل إلاّ أنّه
|
|
لم يأتِه برسالة جبريل
|
١٠ ـ وقال آخر من قصيدة :
وأبرز حكم اللّه بعد خفائه
|
|
وأوضح برهاناً له والدلاله
|
حوى من صفات المصطفى بعد اسمه
|
|
شمائله قد أورثته الجلاله
|
وقد حسدته أمة السوء يا لها
|
|
أمية إذ نالت هناك السفاله
|
فأردوه مسموماً على غير جرمة
|
|
فآذوا رسول اللّه أهل الضلاله
|
برئت إلى اللّه المهيمن منهم
|
|
فقد قابلوا علم النبي بالجهاله
|
__________________
فكيف لنفسي لا تموت صبابة
|
|
وقد لقيت آل النبي النكاله
|
١١ ـ وقال آخر :
بني أمية لا قرّت عيونكم
|
|
بما جنيتم على أبناء ياسين
|
جحدتم لحقوق أوجبت لهم
|
|
بنص قرآنه في آي تبيين
|
أسقيتموهم سموماً بعد ما نهلت
|
|
في دمهم عنوة بتر الملاعين
|
أطفيتم لمصابيح الهدى فغدت
|
|
دياجي الكفر عمت كل مسكين
|
يا نسل مروان ماذا قد أباح لكم
|
|
دم الرسالة يا نسل الملاعين
|
أمليتم الأرض من جاري دمائهم
|
|
وقد غدوا بين مأسور ومسجون
|
فما هشامكم قد عف مذ ملكت
|
|
يمينه عنهم من بعد تمكين
|
سعى لقتلهم حتى أبادهم
|
|
عن البسيط بتنكيل وتوهين
|
يا باقر العلم قد جلت رزيتكم
|
|
على القلوب فما دمعي بمخزون
|
وقد تنسى لهاتيك الخطوب وقد
|
|
دكت معالم دين اللّه في حين
|
اللّه يجبر كسراً قد أصابكم
|
|
بالقائم المرتجى بالنصر والعون
|
انتهى بحمد اللّه في غرة رجب سنة ١٤٢٨ هـ
وسلامٌ على عباده
الذين اصطفى
محمد وآله
الطاهرين
__________________
المحتويات
مقدمة المركز.................................................................... ٤
المقدمة......................................................................... ٦
الفصل الأوّل................................................................. ١٠
عصر الإمام الباقر عليه السلام ٥٧ ـ ١١٤ هـ............................... ١٠
تاريخ الباقر عليهالسلام :.......................................................................... ١٠
الحكام المعاصرون له عليهالسلام :................................................................... ١١
خصائص عصره :........................................................................... ١٢
أولاً ـ انحراف المسار :...................................................................... ١٢
ثانياً ـ سياسة الارهاب والترويع :............................................................ ١٤
ثالثاً ـ نصب العداء لآل البيت : :........................................................... ١٦
البطش بشيعتهم :............................................................................ ١٩
رابعاً ـ ظهور الحركات المناهضة للسلطة :..................................................... ٢٢
١ ـ نهضة الطف (سنة ٦٠ ـ ٦١ هـ ) :................................ ٢٢
٢ ـ ثورة أهل المدينة (سنة / ٦٣ هـ ) :.................................. ٢٣
٣ ـ حركة التوابين (سنة / ٦٥ هـ ) :................................... ٢٤
٤ ـ حركة ابن الزبير (سنة / ٧٣ هـ ) :................................. ٢٤
٥ ـ حركة المختار الثقفي (سنة / ٦٥ ـ ٦٧ هـ ) :...................... ٢٥
٦ ـ حركة ابن الأشعث (سنة / ٨١ ـ ٨٢ هـ ) :....................... ٢٦
٧ ـ ثورة زيد بن علي عليهالسلام (سنة / ١٢١ هـ ) :.......................... ٢٧
٨ ـ ظهور الدعوة العباسية (سنة / ٨٧ ـ ١٣٢ هـ ) :.................... ٢٨
٩ ـ حركات الخوارج :.................................................. ٣٠
خامساً ـ نشوء العقائد المنحرفة :............................................................. ٣١
١ ـ الدعوة إلى الجبر :................................................... ٣١
٢ ـ ظهور المفوضة :..................................................... ٣١
٣ ـ الدعوة إلى الإرجاء :................................................ ٣٢
مواقف الإمام عليهالسلام من السلطة :.............................................................. ٣٥
١ ـ الدور العلمي :...................................................... ٣٥
٢ ـ بيان مظلومية أهل البيت : :.......................................... ٣٦
٣ ـ مقاطعة السلطة :.................................................... ٣٨
٤ ـ إسداء النصيحة :.................................................... ٤٠
٥ ـ الدعاء :............................................................ ٤٢
٦ ـ المواجهة :.......................................................... ٤٤
٧ ـ التقية :............................................................. ٤٨
٨ ـ الدعوة إلى اللّه :.................................................... ٥٠
٩ ـ تنبيه الأُمّة :........................................................ ٥٢
١٠ ـ قضاء حقوق المسلمين :............................................ ٥٢
الفصل الثاني.................................................................. ٥٤
الهوية الشخصية للإمام الباقر عليه السلام....................................... ٥٤
نسبه :..................................................................................... ٥٤
أحوال أمّه وفضلها :......................................................................... ٥٥
ولادته عليهالسلام :............................................................................... ٥٦
وفاته :..................................................................................... ٥٨
كنيته :..................................................................................... ٥٨
ألقابه :..................................................................................... ٥٩
معنى الباقر :................................................................................ ٥٩
بشارة الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم بالباقر عليهالسلام :........................................................... ٦٠
أصل اللقب :............................................................................... ٦٢
هشام يخالف الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم :................................................................ ٦٣
مخالفة لابن تيمية :........................................................................... ٦٤
شمائله وحليته عليهالسلام :......................................................................... ٦٥
زوجاته :................................................................................... ٦٦
نقش خاتمه :................................................................................ ٦٨
شعراؤه :................................................................................... ٦٩
١ ـ الكميت الأسدي :.................................................. ٧٠
٢ ـ الورد بن زيد الأسدي :............................................. ٧٤
٣ ـ كثير عزّة :......................................................... ٧٥
٤ ـ مالك بن أعين الجهني :.............................................. ٧٨
٥ ـ أبو هريرة العجلي :................................................. ٧٩
بوّابه :....................................................................... ٧٩
أولاده:....................................................................... ٧٩
١ ـ أبو عبد اللّه جعفر الصادق عليهالسلام :.................................... ٨١
٢ ـ عبد اللّه بن محمد الباقر عليهالسلام :....................................... ٨٢
٣ ـ أُم سلمة بنت محمد الباقر عليهالسلام :...................................... ٨٣
٤ ـ زينب بنت محمد الباقر عليهالسلام :........................................ ٨٤
اُخوته :...................................................................... ٨٤
١ ـ زيد الشهيد عليهالسلام :.................................................. ٨٥
٢ ـ الحسين بن علي عليهالسلام :.............................................. ٨٦
٣ ـ عبد اللّه بن علي عليهالسلام :............................................. ٨٧
٤ ـ عمر بن علي عليهالسلام :................................................. ٨٧
الفصل الثالث................................................................. ٨٨
إمامته عليه السلام............................................................. ٨٨
أولاً : نصّ آبائه عليه : :..................................................................... ٩١
ثانياً : نصّ أبيه عليه عليهماالسلام :................................................................. ٩٥
ثالثا : من أقوال العامّة حول الإمام الباقر عليهالسلام :................................................. ٩٧
الفصل الرابع............................................................... ١٠٠
مكارم أخلاقه عليه السلام................................................... ١٠٠
١ ـ العلم :.............................................................................. ١٠٣
نبوغه العلمي :............................................................................ ١٠٣
أعلم أهل زمانه :.......................................................................... ١٠٧
أجوبة واحتجاج :.......................................................................... ١١٠
٢ ـ العبادة :............................................................................. ١١٣
البكاء العبادي :........................................................................... ١١٥
الدعاء :.................................................................................. ١١٧
٣ ـ الزهد :............................................................................. ١٢١
٤ ـ الكرم :............................................................................. ١٢٥
عتق المماليك :............................................................................. ١٣٠
٥ ـ التواضع :............................................................................ ١٣٣
٦ ـ الصبر والحلم :....................................................................... ١٣٦
٧ ـ الهيبة والوقار :....................................................................... ١٣٩
٨ ـ حسن العشرة :....................................................................... ١٤١
الفصل الخامس.............................................................. ١٤٦
على أعتاب مدرسة أهل البيت عليهم السلام.................................. ١٤٦
تأسيس مدرسة أهل البيت : :.............................................................. ١٤٦
اجراءاته عليهالسلام في هذا السبيل :.............................................................. ١٤٩
١ ـ إعداد الجماعة الصالحة :........................................... ١٤٩
٢ ـ الحثّ على طلب العلم وتعليمه :.................................... ١٥٤
٣ ـ الانفتاح على الأمة بكل طوائفها :................................... ١٥٨
هل روى عنه عليهالسلام من يحتج به؟............................................................. ١٦٣
٤ ـ اعتماد الكتاب والسنة :............................................ ١٦٣
٥ ـ مجابهة الرأي والقياس :............................................. ١٦٨
٦ ـ اعداد المؤلفين والثقات :............................................ ١٧٣
الفصل السادس............................................................. ١٨٩
دوره عليه السلام في تأصيل عقائد الإسلام.................................... ١٨٩
في أصول الاعتقاد :........................................................................ ١٨٩
١ ـ كلماته في التوحيد ومعرفة الخالق :..................................................... ١٩٠
إخلاص التوحيد :......................................................................... ١٩٠
العقول لا تدرك كنه الذات :................................................................ ١٩٢
صفات الذات :............................................................................ ١٩٤
أزلية الذات :.............................................................................. ١٩٥
معنى الصمد :............................................................................. ١٩٦
العلم الإلهي :.............................................................................. ١٩٨
٢ ـ كلماته في الإمامة :................................................................... ١٩٩
ضرورة ووجوب الإمامة :................................................................... ١٩٩
وجه الحاجة إلى الإمام :..................................................................... ٢٠٠
وجوب معرفة الإمام :...................................................................... ٢٠١
الآثار المترتبة على عدم المعرفة :.............................................................. ٢٠٢
كيف يُعْرَف الإمام؟........................................................................ ٢٠٣
أئمة أهل البيت : :........................................................................ ٢٠٤
الوصية :.................................................................................. ٢٠٥
التمسك بالأئمة وطاعتهم : :............................................................... ٢٠٦
إخلاص الموالاة لهم : :..................................................................... ٢٠٨
مودتهم : :................................................................................ ٢٠٩
آثار مودّتهم : :............................................................................ ٢١٠
الصلاة عليهم :............................................................................ ٢١١
فضل أهل البيت : ومنزلتهم :............................................................... ٢١٢
فضل الحسين عليهالسلام وزيارته :................................................................ ٢١٤
الغيبة :................................................................................... ٢١٥
١ ـ نفي ادعاء مهدويته عليهالسلام :............................................................. ٢١٦
أولاً : خفاء ولادته :....................................................................... ٢١٧
ثانياً : الفتنة والتمحيص :................................................................... ٢١٨
٢ ـ تشخيص هوية المهدي عليهالسلام وبيان خصاله :............................................. ٢١٨
٣ ـ كلماته عليهالسلام في الموت والجنّة والنار :................................................... ٢٢٠
معنى الموت :.............................................................................. ٢٢٠
عظمة الجنة والنار :........................................................................ ٢٢٠
وصف النار وأهلها :....................................................................... ٢٢١
٤ ـ مجابهة البدع والمفاهيم الخاطئة :......................................................... ٢٢٢
الابتداع شرك وضلال :.................................................................... ٢٢٢
ادعاءات وأباطيل :......................................................................... ٢٢٣
تصحيح مقولات خاطئة :................................................................... ٢٢٦
مواجهة حركة الغلو :...................................................................... ٢٢٦
الفصل السابع.............................................................. ٢٢٩
اسهامه في العلوم............................................................ ٢٢٩
١ ـ الآثار العلمية المنسوبة إليه عليهالسلام :....................................................... ٢٣٠
٢ ـ دوره في علوم القرآن :................................................................ ٢٣٢
بيان فضل القرآن :......................................................................... ٢٣٢
قراءته عليهالسلام :.............................................................................. ٢٣٣
شروط تلاوة القرآن :...................................................................... ٢٣٣
التفسير :.................................................................................. ٢٣٥
حجم تراثه التفسيري :..................................................................... ٢٤١
تنقية التفسير :............................................................................. ٢٤٢
٣ ـ دوره في علوم الحديث :............................................................... ٢٤٤
رواية الحديث ودرايته :..................................................................... ٢٤٤
عرض الحديث وتدوينه :................................................................... ٢٤٦
ممارسة التصحيح :......................................................................... ٢٤٨
عناية الإمام عليهالسلام بالحديث :................................................................ ٢٤٨
٤ ـ دوره في علم الفقه والتشريع :......................................................... ٢٥٢
٥ ـ دوره في علم الأصول :................................................................ ٢٥٧
٦ ـ دوره في علوم اللغة والأدب :.......................................................... ٢٥٩
أصحابه الأدباء :........................................................................... ٢٥٩
الشعر المنسوب إليه عليهالسلام :.................................................................. ٢٦٠
ما تمثّل به من الشعر :...................................................................... ٢٦٢
استنشاده الشعراء :........................................................................ ٢٦٣
تصحيح الشعر :........................................................................... ٢٦٤
علم العروض :............................................................................ ٢٦٥
٧ ـ دوره في السيرة والتاريخ :............................................................. ٢٦٦
الملاحم والفتن :........................................................................... ٢٦٩
٨ ـ دوره في علم الطب :................................................................. ٢٧١
٩ ـ نماذج من مواعظه ووصاياه ورسائله :................................................... ٢٧٦
أولاً ـ المواعظ وقصار الحكم :............................................................. ٢٧٦
ثانياً ـ الوصايا :.......................................................................... ٢٨٢
١ ـ من وصيته لابنه الصادق عليهماالسلام :................................... ٢٨٣
٢ ـ ومن وصيته له أيضاً :.............................................. ٢٨٣
٣ ـ من وصيته لجابر :................................................. ٢٨٣
٤ ـ ومن وصيته لمحمد بن مسلم :........................................ ٢٨٤
٥ ـ ومن وصيته لرجل :................................................ ٢٨٤
ثالثاً ـ الرسائل والمكاتيب :................................................................ ٢٨٥
١٠ ـ حوارات ومناظرات :................................................................ ٢٨٦
١ ـ نافع بن الأزرق الخارجي :......................................... ٢٨٦
٢ ـ عبد اللّه بن نافع :................................................. ٢٨٧
٣ ـ عمرو بن عبيد :................................................... ٢٨٨
٤ ـ احتجاج علّمه لأبي الجارود :....................................... ٢٨٨
٥ ـ مناظرة حول ظلم الأمة لعلي عليهالسلام :................................. ٢٨٩
٦ ـ عالم النصارى :................................................... ٢٩٠
الفصل الثامن............................................................... ٢٩٣
شهادة الإمام الباقر عليهالسلام..................................................... ٢٩٣
تاريخ شهادته :............................................................................ ٢٩٣
مقدار عمره الشريف :..................................................................... ٢٩٥
شهادته عليهالسلام :............................................................................ ٢٩٦
وصاياه وجهازه :.......................................................................... ٢٩٨
ما قيل فيه من الشعر :...................................................................... ٣٠٠
المحتويات................................................................... ٣١٠
|