بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
أكذوبة تحريف القرآن بين الشيعة والسنّة
معاونيّة العلاقات الدوليّة في
منظمة الإعلام الإسلامي
الكتاب:
أكذوبة تحريف القرآن بين الشيعة والسنّة .
المؤلف:
الشيخ رسول جعفريان .
الناشر:
معاونيّة العلاقات الدولية في منظمة الإعلام الإسلامي
طهران، ص. ب: ١٣١٣ - ١٤١٥٥ .
المطبعة:
سبهر - طهران - الجمهورية الإسلامية في إيران.
عدد النسخ:
٥٠٠٠
التاريخ:
الطبعة الأولى ١٤٠٦هـ - ١٩٨٥م
مقدمة الناشر:
ليس ( التّحريف ) وادعاؤه اليوم يشكّل أيّة مشكلة في حياة المسلمين، لا لشيء، إلاّ لأنّه لا قائل به، بعد وضوح الأدلة على سلامة النص القرآني من أي باطل يورد عليه، من بين يديه ولا من خلفه.
إذاً فما الداعي لنشر أمثال هذه الكتب؟
إنّ الداعي بكلّ اختصارٍ هو ما نراه أحياناً مِن تشكيك يُطرح بشكل علمي في بعض الكِتابات غير الناضجة، والتي تعمل على التشكيك المغرِض في أسمى نَصٍ قرآني؛ لهدف شيطاني في النفس.
والأنكى من هذا ما نجده من محاولة نسبة القول بالتحريف إلى هذه الفئة دون تلك، وبالتالي العمل على عزلها عن المسيرة الإسلامية، وإثارة الأفكار ضدها، وتنفيذ بعض المآرب الشخصية من وراء ذلك.
أمّا الحقيقة فهي ما بدأنا بها مقدمتنا هذه، مِن أنّه ليس هناك مسلمٌ واعٍ موضوعيٌ يؤمن بهذه الأكذوبة (أكذُوبة التّحريف) أو يرتب أيّ أثر عليها، وهذا ما يبدو لنا من استقراء أقوال العلماء واستدلالاتهم القوية على ردّ هذه الشبهة.
وهذا الكتاب يُعَدّ محاولة جيدة لتأكيد الحقيقة الآنفة بالإضافة إلى أنّه
يدفع الكثير من الشبهات التي حاولت إلصاق القول (بالتّحريف) بمذهب أهل البيتعليهمالسلام
وهو بريءٌ من هذه التهمة تماماً.
نعم، يوجد في تاريخ كُلٍّ مِن الشيعة والسنّة أناسٌ غرّتهم بعض الظواهر، وابتلوا ببعض الاستدلالات غير المنطقية، فراحوا يشكّكون في المسألة. إلاّ أنّ ضعف استدلالهم ومخالفتهم للضرورة الإسلامية القائمة طوت أفكارهم فلم يعد لها أيّ ذكر.
وبقي النصّ القرآني ناصعاً قوياً، قطعي السند، خالداً معبِّراً عن خلود الإسلام العظيم.
وفقنا الله تعالى للعمل به وتطبيقه على كل مناحي الحياة.
معاونيّة العلاقات الدوليّة
في
منظمة الإعلام الإسلامي
معنى التّحريف:
يقول الراغب: (وتحريف الكلام أن تجعله على حرف من الاحتمال يمكن حمله على الوجهين)
.
فعلى هذا، ليس لكلمة التحريف ظهور في التحريف اللفظي، بمعنى: تغيير العبارات وتبديلها بعبارات أخرى، بل كلام الراغب ظاهر في التحريف المعنوي وعلى ذلك جاء قول الله تعالى:
(
يُحَرّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَواضِعِهِ
)
.
فالآية تدل على أنّ اليهود مع حفظهم العبارات يغيّرون مواضع الكلم، ويحملون العبارات على معانٍ أخرى.
إلاّ أنّه رغم ظهور كلمة (التحريف) في التحريف المعنوي، فقد استعملت أيضاً في التحريف اللفظي. وعلى ذلك: انقسم التحريف إلى المعنوي واللفظي:
____________________

التحريف: اللفظي - المعنوي.
اللفظي: في السور والآيات، في الكلمات، في الحروف والحركات.
التحريف اللفظي في الكلمات، قسم منه: يرجع إلى اختلاف القراءات، يرجع إلى التحريف الذي نبحثه في هذه الرسالة
الأوّل:
التحريف المعنوي: هذا النوع من التحريف، وقع في القرآن قطعاً، ولعل بعض ما ورد في التفاسير كان يهدف إلى تأييد بعض المذاهب، فتحمل فيه الآيات على غير معانيها الأصلية. وفي هذا النوع من التحريف يقول الإمام الباقرعليهالسلام
:
« إنّهم أقاموا حروفه، وحرّفوا حدوده، فَهُم يَرْوونه ولا يَرْعونه »
.
الثاني:
التحريف اللفظي: وذلك إمّا في الحروف والحركات، وإمّا في الكلمات، وإمّا في الآيات والسور.
أمّا التحريف في القسم الأوّل فقد وقع قطعاً بدليل وجود الاختلاف في قراءة بعض الآيات، وبلوغ القراءات إلى السبع أو العشر، يشهد بذلك إنّنا نعتقد بأنّ اختلافها لم يأتِ من الله عز وجل أو الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم
، بل جاء من المسلمين نتيجة عدم وقوفهم الدقيق على القراءة التي علّمهم إيّاها الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم
، وتفرُّقِهم في البلاد كالعراق، والشام، مع وجود بعض اللَّهَجات الخاصة في هذا البلاد، مما تمهّد الأرضية اللازمة لوقوع التحريف في الإعراب والحروف، كما يمكن أن تكون علّة ذلك عدم وجود النُّقط، والإعراب في المصحف في ذلك الزمان، كقراءة(
فَتَبيَّنوا
)
، (فَتَثَبَّتوا)، وهذه الاختلافات في القراءة دوَّنها أهل السنّة في كتبهم التفسيرية وكتب القراءات، كما رواها الشيعة أيضاً عن طريق أهل السنّة، أو غيرها.
يراجع في ذلك تفسير مجمع البيان، الذي روى هذه الاختلافات عن طريق علماء أهل السنّة.
أمّا التحريف في الكلمات فقد وقع في نوع خاص من هذا، وأكثر ما روي فيه من طريق أهل السنّة. وما نروي بعد ذلك في أمثلتنا للتحريف يعد شاهداً على ذلك.
ومنشؤه هنا إمّا بعض ما ذكرناه في التحريف في الحروف والحركات، وإمّا اعتقاد بعضهم بجواز بديل بعض الكلمات المشتركة في المعنى ووضعها بدلاً مِن الأخرى، كما أعلن الجواز في ذلك ابن مسعود
.
لكنّ الذي يجب علينا ذكره هو أنّ هذا النوع لم يكن مهمّاً، لأنّنا نطرح روايات الآحاد حول تحريف هذه الكلمات.
وأمّا وقوع التحريف في الكلمات، بمعنى: حذف بعض الأسماء أو العبارات بشكل يختلف معناه مع ما هو المتواتر - وهو القرآن الموجود بين الدفتين - فهو مما لم يقبله عامّة المسلمين، إلاّ القليل منهم.
____________________
وأمّا التحريف في الآيات والسور فقد جاءت رواياتٌ أكثرها من الطرق السنّية، وبعضها من الطرق الشيعية، إلاّ إنّها جميعاً كانت موضع رفضٍ من قبل المسلمين جميعا، اللّهم إلاّ من بعض الإخباريّين (شيعة وسنّة) وسنبحث فيما يلي في مجمل الأمر بعونه تعالى.
دليل عدم التّحريف من الكتاب:
استدل بعض المفسّرين لإثبات عدم التحريف ببعض الآيات:
منها:(
إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ
)
.
يقول العلاّمة الطباطبائيرحمهالله
في الآية:
( فهو ذِكر ٌحيٌّ خالدٌ مَصُونٌ مِن أن يموت وينسى من أصله، مَصُونٌ مِن الزيادة عليه بما يُبطَل به كونه ذكراً، مصونٌ من النقص كذلك، مصونٌ مِن التغيير في صورته وسياقه، بحيث تتغير به صفةُ كونه ذكراً لله مبيّناً لحقائق معارفه، فالآية تدلّ على كون كتاب الله محفوظاً من التحريف، بجميع أقسامه).
ويقول أيضاً: (إنّ الآية بقرينة السياق إنّما تدلّ على حفظ الذكر الذي هو القرآن بعد إنزاله إلى الأبد)
.
ويقول الزَمخشري حول الآية:
(... وهو حافظه في كل وقت من كلِ زيادةٍ ونقصانٍ وتحريفٍ وتبديل، بخلاف الكتب المتقدمة... قد جعلَ ذلك دليلاً على أنّه منزّل من عنده آيةً، لأنّه لو كان من قول البشر أو غير آية لتطرق عليه الزيادة والنقصان كما يتطرق على كل كلام سواه...)
.
ويقول السيد الخوئي:
(... فإنّ في هذه الآية دلالة على حفظ القرآن من التحريف، وأنّ الأيدي الجائرة لن تتمكن من التلاعب فيه)
.
ويقول الفخر الرازي حول الآية:
____________________
(... وإنّا نحفظ ذلك الذكر من التحريف والزيادة والنقصان)
.
ويقول الفيض الكاشاني:
(
وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ
)
مِن التحريف والتغيير والزيادة والنقصان)
.
ويقول الشيخ أبوعلي الطبرسي:
(
وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ
)
عن الزيادة والنقصان، والتحريف والتغيير. وعن الحسن: معناه متكفل بحفظه إلى آخر الدهر على ما هو عليه، فتنقله الأمّة وتحفظه عصراً بعد عصر إلى يوم القيامة؛ لقيام الحجّة به على الجماعة من كل من لّزِمته دعوة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
.
إشكالات على هذا الاستدلال وأجوبتها:
ألف
- يمكن أن يقال: إننا لا ننكر أنّ الآية في صدد بيان حفظ القرآن من الزيادة والنقصان، ولكن يصدق هذا المفهوم على حفظ القرآن في الجملة عند بعض الأفراد.
إلاّ أنّنا نقول:
إنّ هذا لا يصح، لأنّ هدف إنزال القرآن من قِبل الله هو إيصال الإنسان إلى غايته وهدايته الصراط المستقيم، وهذه الهداية لا تختص بإنسان دون آخر حتى يحفظ القرآن عند بعضهم فقط، فعلى ذلك، يقتضي هدف الإنزال حفظ القرآن عند الناس عامّة.
إذ ما الفائدة في حفظه عند شخصٍ؟ وهل الغرض حفظه فقط دون إفادته للناس؟؟ إنّ كان هذا، فحفظه في اللوح المحفوظ يكفي، أمّا إذا كان بقصد الهداية فلا معنى لتصور حفظه عند بعض الإفراد.
يقول السيد الخوئي رداً على هذا الإشكال:
(... إنّما المراد بالذكر هو المحكي بهذا القرآن الملفوظ أو المكتوب، وهو المنزل على رسول الله -صلىاللهعليهوآلهوسلم
- ، والمراد بحفظه صيانته من التلاعب والضياع، فيمكن
____________________
للبشر عامّة أن يصلوا إليه، وهو نظير قولنا: "القصيدة الفلانية محفوظة "، فإنّا نريد من حفظها صيانتها وعدم ضياعها بحيث يمكن الحصول عليها)
.
باء
- وإن قيل: إنّ الاستدلال يمكن نقضه بوقوع التحريف في القرآن في أخطاء غير عمديّة - فيما انتشر من القرآن في البلاد الإسلامية - بحذف كلمة أو آية دون قصد وعمد، فإذا كان الحفظ يعني حفظه من كل تحريف وتغيير فما هذه التحريفات غير العمديّة؟؟
فهنا نقول:
إنّ هذه التحريفات لا تضرّ بمسألة حفظ القرآن مِن قبل الله لأنّها لا تصل حد تغيير القرآن بحيث لا يتبين أصله، ذلك، أنّ انتشار القرآن بالشكل الصحيح المحقّق سوف يوضّح الموقف دونما غبش.
جيم -
يمكن أن يقال: إنّ التمسك بالقرآن لإثبات عدم تحريفه غير صحيح، لإمكان وقوع التحريف في نفس الآية التي استدلّ بها على عدم التحريف، فالآية الشريفة(
إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ
)
يمكن أن تكون محرّفة، وإذا كانت كذلك فالاستدلال بها لا يصح.
فنقول: إنّ هناك إجماعاً على عدم تحريف هذه الآية وغيرها ممّا لم يدّعَ التحريف فيه.
ومنها:(
.. وَإِنّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
)
.
إنّ الآية الشريفة تدلّ على عدم ورود الباطل في الكتاب، وعدم إمكان تبديل الآيات بما هي غير آيات، فالتحريف من أتم وأكمل مصاديق الباطل، فإذا انتفى إمكان ورود الباطل فيه، انتفى إمكان ورود التحريف في الآية.
يقول العلاّمة الطباطبائي: (معنى إتيان الباطل: وروده فيه وصيرورة بعض أجزائه أو جميعها باطلاً، بأن يصير ما فيه من المعارف الحقّة أو بعضها غير حقّة، أو ما فيه من الأحكام والشرائع وما يلحقها من الأخلاق أو بعضها لغىً لا ينبغي العمل
____________________
به)
.
فالآية تنكر ورود ذلك في الكتاب.
أدلّة عدم التحريف في الروايات:
ألف
- وردت مِن طُرِق السنّة والشيعة عن النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
والأئمة الأطهار روايات كثيرة تحضّ على عرض الخبر على الكتاب وتدعو لقبول الروايات الموافقة له وردِّ ما كانت مخالفة له.
منها ما جاء عن النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
بقوله:
« تكثر لكم الأحاديث بعدي، فإذا رُوي لكم عنّي حديثٌ فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فاقبلوه ، وما خالف فردّوه »
.
وقوله أيضاً:
« إنّ على كلّ حقٍ حقيقة، وعلى كل صواب نوراً فما وافق كتاب الله فخذوه ، وما خالف كتاب الله فدعوه »
.
وعن الصّادقعليهالسلام
:
« كل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زُخرف »
.
فإذا كان القرآن هو المعيار لصحة الأخبار - ومنها الأخبار التي ظاهرها التحريف - وجب أن يكون سالماً مِن التحريف والتغيير.
وهنا طريقان في الاستدلال:
١ - إن القرآن مقدم على الأخبار وهو الميزان في تصحيحها، وهذا يدل على سلامة القرآن وعدم تحريفه؛ وإلاّ كان أمرهم بعرض الخبر على الكتاب مع تحريفه غير معقول.
٢ - إنّ الذين استدلوا ببعض الروايات على التحريف يعدّ استدلالهم هذا مخالفاً للعمل بهذه الروايات، لأنّ بعض الآيات يدلّ صراحة على عدم
____________________
التحريف، فإذا وجِدت رواية ظاهرها التحريف وجب طَرْحُها؛ كما أمر بهذا النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
والأئمّةعليهمالسلام
.
ولذا يقول الفيض الكاشانيرحمهالله
:
( وقد استفاض عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
والأئمّةعليهمالسلام
حديث عَرْض الخبر المروي على كتاب الله؛ لتعلم صحته بموافقته له، أو فساده بمخالفته، فإذا كان القرآن الذي بأيدينا محرّفا فما فائدة العرض، مع أن خبر التحريف مخالف لكتاب الله مكذب له، فيجب رده والحكم بفساده أو تأويله )
.
أمّا الإشكال الذي يمكن أن يورد على ذلك من إمكان وقوع الحذف والتحريف في قسم من القرآن الذي لا يخل بالمعنى، ولا يؤثر في العقائد والأحكام - فهو وإن أمكن دفعه بعد الدقّة في توضيحنا لدلالة الرواية - إلاّ إنّه لا داعي للمنحرفين والمنافقين في تحريف هذا القسم من الآيات والقرآن، كما إنّ الدواعي متوفرة من ناحية العلماء والمسلمين لحفظ القرآن حتى في واوه ، كما سترى.
باء
- ومن الروايات التي تدل على سلامة القرآن من التحريف رواية الثقلين المتوافرة بين فرق المسلمين ، واليك هذه الرواية بطريق واحد ، عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
:
« إنّي تارك فيكم الثقلين، كتاب الله، وفيه الهدى والنور فتمسّكوا بكتاب الله وخذوا به ( فحثّ عليه ورغّب فيه) وأهلّ بيتي، اذكّر كم الله في أهل بيتي، ثلاث مرات »
.
فمعنى التمسّك بالقرآن - كما تذكر الرواية - أخذ الهداية والنور منه، كما يقول أمير المؤمنينعليهالسلام
:
« وعليك بكتاب الله، فإنّه الحبل المتين، والنور المبين، والشفاء النافع، والرِّيُّ الناقع، والعصمة للمتمسّك، والنجاة للمتعلِق، لا يعوجّ فيقام، ولا يزيغ فيُستَعتب، ولا يخْلقه كثرة الرّد، وولوج السمع، مَن قال به صَدَق، ومن عمل به
____________________
سَبق »
.
ويقول أيضاً...
« واعلموا، أنّ هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغشّ، والهادي الذي لا يضلّ، والمحدِّث الذي لا يكذب، وما جالس هذا القرآن أحدٌ إلاّ قام عنه بزيادة أو نقصان، زيادة في الهدى أو نقصان في العمى، واعلموا أنّه ليس على أحدٍ بعد القرآن مِن فاقة، ولا لإحد قِبل القرآن من غنى، فاستشفعوه من أدوائكم، واستعينوه على لأوائكم، فإنّه فيه شفاءٌ من أكبر الداء، وهو الكفر والنفاق، والغيّ والضلال »
.
ويقول أيضاً:
« إنّ القرآن ظاهره أنيق، وباطنه عميق، لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، ولا تُكشف الظلمات إلاّ به »
.
وأيضاً يقول:
« القرآن فيه خبر مَن قبلِكم ونبأ مَن بعدكم وحكم فيكم »
.
فالإمامعليهالسلام
يصرّح بأنّ المتمسك بهذا القرآن والعامل به يهدى إلى صراط مستقيم، وكما يقول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
:« ما أن تضلّوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله »
.
جَمْع القرآن في عهد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
وعدم التحريف
أدلّة جمع القرآن في عهد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
:
إنّنا لا نشك في أنّ القرآن قد جمع كله في عهد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
، وكُتب بأمره في ظهر بعض الأشياء. وعلى هذا فلا يمكن قبول القول بأنّ جمع القرآن قد كان بعدهصلىاللهعليهوآلهوسلم
، إلاّ إذا كان المراد استنساخ نسخة مما جمع في عهد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
، وإليك بعض الأدلّة على ذلك:
ألف
- توجد هنا روايات نقلها أهل السنّة حول جمْع بعض الصحابة
____________________
للقرآن على عهد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
:
* عن قتادة قال: سألت أنس بن مالك، (من جمع القرآن على عهد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
؟ قال: أربعة كلهم من الأنصار، أُبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، ونحن ورثناه)
. فإذا كان الجمع بمعنى الحفظ فانحصاره في أربعة في غير محله لأنّهم رَووا أيضاً أنّ مسلمين آخرين حفظوا القرآن كله.
* عن زيد بن ثابت قال: ( كنا عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
نؤلف القرآن من الرقاع )
.
* أخرج ابن أبي داود بسند حسنٍ، عن محمد بن كعب القرظي، قال: (جَمع القرآن على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
خمسة من الأنصار: معاذ بن جبل، وعبادة بن ثابت، وأُبيّ بن كعب، وأبو الدرداء، وأبو أيوب الأنصاري)
.
* وأخرج البيهقي وابن أبي داود، عن الشعبي، قال: (جَمع القرآن في عهد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
ستة: أُبيّ، وزيد، ومعاذ، وأبو الدرداء، وسعيد بن عبيد، وأبو زيد)
، وهذه الرواية مشهورة عن الشعبي ولكنّ بعض الرواة غيّروا عبارة الشعبي، بأنّ قرّاء القرآن في عهد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
كانوا ستّة
، ولكن من الواضح أنّ أصحاب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
كان الكثير منهم قرّاءً للقرآن، وذكر ستّة منهم يعني ظاهراً أنّهم جَمَعوا القرآن.
* ويدلّ على المطلوب ما قيل حول جَمْع عليعليهالسلام
للقرآن في ثلاثة أيام بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
، وسنذكر مصادره، فهذا يدل على أن القرآن كان قد كتب في عهد النبي بتمامه، وعليعليهالسلام
جمعه في مصحف في ثلاثة أيام وإلاّ فلا يمكن أن نقول أنّهعليهالسلام
قد كتب القرآن في ثلاثة أيام، أو حفظه، كما قال البعض
.
____________________
* عن علي بن إبراهيم (... إنّ النبي -صلىاللهعليهوآلهوسلم
- أمرَ بجمع القرآن، الذي كان في صحفٍ، وحريرٍ، وقرطاسٍ، في بيته، لا يضيع كما ضيع التوراة والإنجيل)
.
* عن ابن النديم قال: (إنّ الجَمّاع للقرآن على عهد النبي -صلىاللهعليهوآلهوسلم
-: علي بن أبي طالبعليهالسلام
وسعد بن عبيد، وأبو الدرداء، وعويمر بن زيد، ومعاذ بن جبل، وأبو زيد، وأُبي بن كعب، وعبيد بن معاوية، وزيد بن ثابت)
.
* عن ابن سعد، عن الكوفيين، في ترجمة مجمع بن حارثة، أنّه جمع القرآن على عهد النبي -صلىاللهعليهوآلهوسلم
- إلاّ سورة أو سورتين. وقال ابن إسحاق: كان مجمع غلاماً حَدِثاً قد جَمع القرآن على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
.
* عن ابن حبّان: أن أُبيّ جَمع القرآن على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
، وأمر الله صفيَّه صلوات الله عليه أن يقرأ على أُبيّ القرآن
.
فنفهم من انحصار جمع القرآن في أربعة أو أكثر حتى ستة أنّه جُمع القرآن في المصحف وإلاّ فقد كان القّراء، والحفّاظ للقرآن كثيرين. فثبت من ذلك أنّ القرآن جُمع في عهد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
. كما إنّ الزركَشي يصرح بأسامي سبعة من الذين عرضوا القرآن كله على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
.
باء -
وتدلّ أيضاً على جَمْع القرآن في عهد النبي أقوالُ بعض العلماء في ذلك:
* قال الحارث المحاسبي: (كتابة القرآن ليست بمُحدثة، فإنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
كان يأمر بكتابته، ولكنّه كان مفرّقا في الرقاع والأكتاف والعُسُب، فأمر الصديق بنسخه من مكان إلى مكان مجتمعا، وكان ذلك بمنزلة الأوراق وجدت في بيت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
فيها القرآن منتشراً فجمعها جامع وربطها بخيط لا يضيع منها شيء)
.
* وقال أبو شامة: (وكان غرضهم - أبي بكر وغيره - أن لا يُكتب إلاّ مِن
____________________
عين ما كُتب بين يدي النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
)
.
* قال الزركشي: (أمّا أُبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، فبغير شكٍ جمعوا القرآن، والدلائل عليها متضافرة)
.
* قال الزرقاني: (... وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
يدلّهم على موضع المكتوب من سورته فيكتبونه، فيما يسهل عليهم من العُسُب واللخاف والرقاع وقطع الأديم وعظام الأكتاف والأضلاع ثم يوضع المكتوب في بيت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
وهكذا انقضى العهد النبوي والقرآن مجموع على هذا النمط)
.
* وقال الدكتور عبد الصبور شاهين: (إنّ القرآن ثَبُت تسجيلا ومشافهة في عهد رسول الله)
.
* وقال الشيخ محمّد الغزالي: (فلمّا انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى كان القرآن كلّه محفوظاّ في الصدور، وكان كذلك مثبتا في السطور)
.
* وقال الباقلاني: (وما على جديد الأرض أجهل ممّن يظنّ بالنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
أنّه أهمل القرآن أو ضيّعه، مع أنّ له كتّابا أفاضل معروفين بالانتصاب لذلك من المهاجرين والأنصار)
.
ونحن نقول أيضاً ما قال الباقلاني، فهل على ظهر الأرض أجهل ممّن يقول بأنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
لم يهتمّ بجمع القرآن، مع أنّ الرواة ذكروا أسامي أربعين من الصحابة الذين يكتبون القرآن، وجعل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
بعضهم لذلك
.
فمع أمْر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
بكتابة الوحي وتأكيده على أن« قيّدوا العلم بالكتابة »
ومع قوله لعبد الله بن عمرو بن العاص: بكتابة العلم
وقوله لرجل آخر
____________________
حول حفظ العلم بالاستعانة باليمين
، هل يمكن إهمال كتابة القرآن بتمامه وعدم جمع القرآن؟
فمع الظروف التي في الجزيرة والتي تشير إلى إمكان ضياع القرآن، ومع تأكيد الكتاب على أنّ اليهود والنصارى حرفوا الكتاب(
فَوَيْلٌ لِلّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ..
)
هل يمكن فرض إهمال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
لكتابة القرآن حتى يضطر زيد بن ثابت إلى جمعه من صدور الرجال؟!!
ومع وجود روايات مثل:
(إنّ الوحي إذا أُنزل على النبي
صلىاللهعليهوآلهوسلم
أمر أحد الكتّاب كزيد أو غيره أن يكتب ذلك الوحي)
.
أو مثل رواية وردت عن عثمان بن أبي العاص، يقول فيها:( كنت جالساً عند رسول الله إذ شَخَص ببصره، ثم صوّبه ثمّ قال:
أتاني جبرئيل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة
)
.
ومع رواية عن ابن عبّاس أنّه قال:(كان رسول الله
صلىاللهعليهوآلهوسلم
إذا نزلت عليه سورة، دعا بعض من كتب، فقال:
ضَعوا هذه السورة في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا
)
.
ومع رواية:(عُرِض القرآن من قِبل النبي
صلىاللهعليهوآلهوسلم
على جبرئيل، سيّما في العام الأخير الذي عُرض على جبرئيل مرتين)
.
مع كل هذه الروايات، هل يمكن يمكن فرض إهمال النبي لجمع القرآن؟ وهل هذا إلاّ قدح في النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
وإظهار عدم اهتمامه بحفظ الكتاب؟ فبعد ثبوت أنّ القرآن جُمع كلّه في عهد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
وثبوت أنّ جَمْع أبي بكر وغيره للقرآن، بمعنى استنساخ ما هو مكتوب من قَبْل، ينهدم أكثر ما أورده البعض في إثبات التّحريف؛
____________________
لأنّهم يقولون بتواتر القرآن بعد جَمْعه، فإذا كان جَمْعه في عهد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
ثَبت تواتره منذ زمن حياة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم
، وتصور التحريف بعد ذلك غير معقول.
الدليل من التاريخ:
إنّ الشواهد في التاريخ تدلّ على عدم تحريف القرآن عمدا من أحد الصحابة.
فمن ذلك ما قاله عمر:( لولا أن يقول الناس: إنّأ عمر زاد في كتاب الله لكتبت آية الرجم بيدي)
.
فإنّك ترى أنّ عمر لم يجرؤ أن يضيف إلى القرآن قصة الرجم؛ لخوفه من الناس فكيف يمكن أن يجرؤ على حذف آيات وسور من القرآن؟!!
وأيضاً: إنّ عثمان أصرّ على حذف الواو مِن آية الكنز، ولكنّ الصحابة اعترضوا عليه. عن علباء بن احمد: إنّ عثمان بن عفّان لمّا أراد أنّ يكتب المصاحف أراد أن يلقوا الواو التي في براءة(
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ..
)
فقال أُبي: لتلحقنّها أو لأضعنَّ سيفي على عاتقي، فألحقوها
.
واتفق مثل هذا بالنسبة للخليفة الثاني في سورة التوبة، أخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، عن حبيب الشهيد، عن عمرو بن عامر الأنصاري، أنّ عمر بن الخطّاب قرأ:( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصارُ -
و
الذين اتبعوهم بإحسان)
.
فرفع(الأنصارُ)
ولم يلحق الواو بـ( الذين )
، فقال له زيد بن ثابت: (والذين)
، فقال عمر:(الذين)، فقال زيد: أمير المؤمنين أعلم !!!! فقال عمر
رضياللهعنه
: ائتوني بأُبيّ بن كعب، فأتاه فسأله عن ذلك، فقال أُبيّ: والذين...).
____________________
وأخرج أبو الشيخ عن أبي أسامة ومحمّد بن إبراهيم التميمي، قالا: (مرّ عمر بن الخطّاب برجلٍ وهو يقرأ:
(
(
وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ
)
)
،
فوقف عمر فلمّا انصرف الرجل قال: من أقرأك هذه؟ قال: أقرأنيها أُبيّ بن كعب، قال: فانطلق إليه، انطلقا إليه، فقال: يا أبا المنذر، اخبرني هذا أنّك أقرأته هذه الآية، قال: صَدَق، تلقيتها مِن فيِّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
قال عمر: أنت تلقيتها مِن فيّ رسول الله؟ قال: فقال في الثالثة - وهو غضبان!!! - : نعم، والله لقد أنزلها الله على جبرئيلعليهالسلام
ولم يستأمر فيها الخطّاب ولا ابنه!! فخرج عمر رافعا يديه الله اكبر الله اكبر)
.
التحريف بين السنّة والشيعة
إنّ الهدف من دراستنا لقصّة (التّحريف
) هو الإجابة عن شبهة بعض الإخباريين في ذكرهم بعض الأخبار التي ظاهرها التحريف، والجواب عمّن نسب القول بالتحريف إلى الشيعة، لاعتقاد قليل منهم بهذا القول في تمسكهم بالأخبار دون دقّة في إسنادها ومتونها، ولهذا نجد أنّ ما في كتب أهل السنّة أكثر مما في كتب الشيعة حول النقص في القرآن!! أو رفع تلاوته، أو حول حذف بعضهم البسملة من القرآن و... الخ.
وبعد ذلك، نجيب عمّا رواه السنّة والشيعة في كتبهم سنداً، ودلالة، كما إنّ بحثنا السابق حول إثبات عدم التحريف من الكتاب والسنّة يُلزِمُنا بطرح هذه الروايات منذ البداية.
أهل السنّة ورواياتهم حول التحريف
اختلاف مصاحف الأصحاب
١ - حدثنا عبد الله حدثنا عبد الله بن سعيد حدثنا يحيى بن إبراهيم بن سويد النخعي حدثنا أبان بن عمران، قال: قلت لعبد الرحمن بن أسود أنّك تقرأ:( صراط مَن أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالّين)
.
____________________
حدثنا عبد الله عن الأسود وعلقمة أنّهما صلّيا خلف عمر فقرأ بهذا.
وكذا عن علقمة وأسود قالا: سَمِعنا عمر بن الخطّاب يقرأ:(صراط مَن أنعمت عليهم وغير المغضوب عليهم وغير الضالّين)
.
وخمس روايات أخرى من طرق مختلفة تقول بأنّ عمر قرأ بمثل ذلك
.
٢ - وكذا نُقل عن عمر أنّه قرأ: (ألم الله لا إله إلاّ هو الحي القَيّام)
من سبعة طرق
.
٣ - حدثنا عبد الله، حدثنا أبو الطاهر، حدثنا سفيان بن عمرو وسمع ابن الزبير يقرأ:( في جنّات يتساءَلون يا فلان ما سلكك في سَقر)
قال عمرو: فأخبرني لقيط أنّه سمع ابن الزبير يذكر أنّه سَمِع عمر بن الخطّاب يقرأها كذلك
.
٤ - حدثنا عبد الله عن سعيد بن جُبير( فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى)
وقال هذه قراءة أُبيّ بن كعب
.
٥ - عن حمّاد قال: قرأت في مصحف أُبيّ( للذين يُقْسِمُونَ )
.
٦ - وكذا، عن حمّاد قال: وجدت في مصحف أبُيّ( فلا جناح عليه الاّ يَطَّوَّفَ بهما)
.
٧ - عن الربيع قال: كانت في قراءة أُبيّ بن كعب (فصيام ثلاثة متتابعات في كفارة اليمين )
.
٨ - عن يسير بن عمرو عن عبد الله بن مسعود أنّه قرأ:( إنّ الله لا يظلم مثقال نملة)
.
٩ - عن النزال عن ابن مسعود أنّه كان يقرأ:( واركعي واسجدي في الساجدين )
.
____________________
١٠ - عن عطاء قال: هي في قراءة ابن مسعود( في مواسم الحجّ )
.
١١ - عن الحكم قال: في قراءة ابن مسعود( بل يداه بسطان )
.
١٢ - عن سفيان قال: قراءة ابن مسعود( وتزودوا وخير الزاد التقوى )
.
١٣ - عن هارون في قراءة ابن مسعود( مِن بقْلها وقِثّائها وثُومها وعَدَسِها وبصلها )
، قال هارون وكان ابن عبّاس يأخذ بها.
١٤ - عن ميمون بن مهران وتلا هذه السورة.
(
والعصر * إنّ الإنسان لفي خسر * وإنّه فيه إلى آخر الدهر * إلاّ الذين آمنو وعملوا الصالحات وتواصوا بالصبر
)
ذكر إنّها في قراءة ابن مسعود
.
١٥ - عن سفيان كان أصحاب ابن مسعود يقرؤونها:(أولئك لهم نصيب ما اكتسبوا)
.
١٦ - وكذا في موضع آخر:( ولكلٍ جعلنا قِبْلة يَرضونها)
.
١٧ - وأيضاً:( وأقيموا الحج والعمرة للبيت )
.
١٨ - وكذا:( وحيث ما كنتم فَوَلُّوا وجُوهَكم قِبَله )
.
١٩ -( ولا تخافت بصوتك ولا تطال به )
.
٢٠ -( كذلك أخْذ ربك إذا أخذ القرى )
بغير واو
.
٢١ - وكذا:( وزلزلوا فزلزلوا يقول حقيقة الرسول والذين آمنوا )
.
ومن هنا يشرع في قراءة ابن مسعود في السور مرتبا من الصفحة ٥٧ إلى ٧٣ ويختلف عن غيره. كما ينقل ابن أبي داود - غير ما ذكرنا من موارد - أكثر من ثلاثين ومائة مورد.
____________________
وبعد ذلك ذكر موارد اختلاف مصحف ابن عبّاس مع غيره، منها:
١ - أنّه قرأ:( فلا جناح عليه أن لا يطوّف بهما )
وذكر ذلك من سبعة طرق
.
٢ - أنّه قرأ:( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج )
من عدة طرق
.
٣ - أنّه كان يقرأ:( إنّما ذلكم الشيطان يخوّفكم أولياءه )
.
٤ - كذا عنه:( أولئك لهم نصيب مما اكتسبوا )
قال أبو يعلم: هكذا قرأ الأعمش
.
٥ - وكذا يقرأ:( وأقيموا الحج والعمرة للبيت )
.
٦ - وكذا يقرأ:( وشاورهم في بعض الأمر )
.
٧ - وكذا يقرأ:( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي محدث )
.
٨ - وكذا يقرأ:( يا حسرة العباد )
.
٩ - وكذا يقرأ:(كأنّك خفيٌّ بها)
.
١٠ - وكذا يقرأ:( وان عزموا السَّراح )
.
وكذا في تسعة موارد أخرى
.
مصحف ابن الزبير
١ - ابن الزبير يقرأ:( لا جناح عليكم أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج )
.
٢ - عن عمرو قال سمعت ابن الزبير يقول: إن صبيانا هاهنا يقرؤون - سورة ٢١ آية ٢٩٥:( وحرم )
وإنما هي( حرام )
ويقرؤون سورة ٦ آية ١٠٥:( دارست )
وإنما هي( درست ) ويقرؤون سورة ٨٨ آية ٤ وسورة ١٠١ آية ١١
____________________
( حمئة )
وإنّما هي( حامية )
.
٣ - عن ابن الزبير أنّه يقرأ:( في جنات يتساءلون يا فلان ما سلكك في سقر )
.
٤ - وأنّه يقرأ:(فيصبح الفسّاق على ما اسروا في أنفسهم نادمين)
.
٥ - وأنّه يقرأ:( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير... ويستعينون بالله على ما أصابهم )
.
مصحف عبد الله بن عمرو بن العاص
حدثنا عبد الله، حدثنا محمّد حاكم، حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا أبو بكر بن عيّاش قال: ( قدم علينا شعيب بن شعيب بن محمّد بن عمرو بن العاص، فكان الذي بيني وبينه فقال: يا أبا بكر ألاّ أخرج لك مصحف عبد الله بن عمرو بن العاص، فأخرج حروفاً تخالف حروفنا، فقال: وأخرج راية سوداء من ثوب خشن فيه زران وعروة، فقال: هذه راية رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
التي كانت مع عمرو، قال أبو بكر: وزاد - أي في هذا الحديث - عن محمّد بن العلاء عن أبي بكر، قال: مصحف جده الذي كتبه هو، وما هو في قراءة عبد الله ولا في قراءة أصحابنا، قال أبو بكر بن عيّاش قرأ قوم من أصحاب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
القرآن، فذهبوا ولم أسمع قراءتهم )
.
مصحف عائشة
١ - عن عروة قال: كان مكتوباً في مصحف عائشة:(حافظوا على الصلوات والصلواة الوسطى وصلاة العصر)
.
٢ - اخبرني ابن أبي حميد، قال: أخبرتني حميدة، قال: أوصت لنا عائشة بمتاعها، فكان في مصحفها( إنّ الله وملائكته يصلون على النبي
صلىاللهعليهوآلهوسلم
والذين
____________________
يصلون في الصفوف الأول )
، قالت: ( قبل أن يغير عثمان المصاحف)
.
مصحف حفصة
١ - عن سالم بن عبد الله إنّ حفصة أمرت أنسانا أن يكتب لها مصحفاً، وقالت: إذا بلغت هذه الآية سورة ٢ آية ٢٣٨ ، فاكتب(حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر)
. من عدة طرق.
مصحف أم سَلَمَة
عن عبد الله بن رافع مولى - أم سَلَمَة - قالت له: أكتب مصحفا فإذا بلغت هذه الآية فأخبرني... فقالت اكتب:(حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر)
.
اختلاف مصاحف التابعين
١ - سمعت عبيد بن عُمير، يقول: أول ما نزل من القرآن:( سبح اسم ربك الذي خلقك )
.
٢ - عن عطاء أنّه قرأ:(يخوّفكم أولياءه)
.
٣ - عن عكرمة كان يقرأ:( وعلى الذين يطوفونه )
.
٤ - عن مجاهد كان يقرأ:( فلا جناح أن يُطَوِّفَ بهما )
.
٥ - عن سعيد بن جُبير كان يقرأ:( احلَّ لكم الطيبات وطعام الذين أُتوا الكتاب من قبلكم )
.
٦ - وعنه أيضاُ، يقرأ:( فإذا هي تلقم ما يأفكون )
.
____________________
٧ - عن علقمة، وأسود، يقرآن:( صراط مَن أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالّين )
.
٨ - عن محمّد بن أبي موسى:( ولكنّ الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يفقهون )
.
٩ - كان حطّان بن عبد الله يحلف عليها:( وما محمد إلاّ رسول قد خلت من قبله رُسل )
.
١٠ - قرأ صالح بن كيسان:( وجاءهم البيات )
و( وجاءتهم البيّنات )
وقال( يكاد )
و( تكاد السموات ).
١١ - سمعت الأعمش:( الله لا اله إلاّ هو الحي القيّام )
.
١٢ - وأيضاً عنه يقرأ:( أنعام وحرث حرج )
في القرآن( حجر )
.
التحريف في الصحاح وغيرها
يوجد في كتب الصحاح وغيرها روايات كثيرة تدل على التحريف. وهذه الروايات على فرض صحتها لابد معها من القول بالتحريف ونحن نذكر قسما من هذه الروايات.
١ - حدثنا قبضة بن عقبة... عن إبراهيم بن علقمة قال: (دخلت في نفر - من أصحاب عبد الله - الشام فسمع بنا أبو الدرداء فأتانا فقال: أفيكم من يقرأ؟ فقلنا: نعم. قال: فأيكم؟ فأشاروا إليّ، فقال: اقرأ، فقرأت: ( والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى )، قال: أنت سمعتها مِن فِيّ صاحبك؟ قلت: نعم، قال: وأنا سمعتها مِن فِيّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
وهؤلاء يأبون علينا)
.
____________________
٢ - حدثني الأعلى عن أنس بن مالك: أنّ رِعلاً، وذكوان، وعصية، وبني كيان، استمدوا رسول الله على عدوهم فأمدهم بسبعين من الأنصار، كنا نسميهم القراء في زمانهم، كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل، حتى إذا كانوا ببئر معونة قتلوهم وغدروا بهم، فبلغ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
ذلك فقنت شهراّ يدعو في الصبح على أحياء من أحياء العرب، على رِعْل وذكوان وعصية وبني كيان. قال أنس: فقرأنا فيهم قرآنا ثم إنّ ذلك رفع....( بلّغوا عنّا قومنا أنَّا قد لقينا ربنا فرضي عنّا وأرضانا )
.
٣ - عن عمر: ( لو لا أن يقول الناس إن عمر زاد في كتاب الله لكتبت آية الرجم بيدي )
. وهذا يعني أن عمر قائل بالتحريف والنقص لان آية الرجم ليست في القرآن وهو لم يقل بنسخ التلاوة ؛ لأنّه يريد أن يكتبها ولكن يخاف من قول الناس، ولذا نقل السيوطي عن صاحب البرهان للزركشي أنّه قال: ( ظاهره أن كتابتها جائزة، وإنّما منعه قول الناس، والجائز في نفسه قد يقوم من خارج ما يمنعه فإذا كانت جائزة لزم أن تكون ثابتة لأنّ هذا شأن المكتوب )
.
٤ - نقل عن ابن مسعود أنّه حذف المعوذتين من مصحفه وقال إنّهما ليستا من كتاب الله
.
____________________
٥ - أخرج البخاري في تاريخه عن حذيفة قال: (قرأتُ سورة الأحزاب على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
فنسيت منها سبعين آية ما وجدتها)
.
وكذا قالت عائشة على ما أخرجه أبو عبيد في الفضائل وابن الأنباري وابن مردويه عنها: ( كانت سورة الأحزاب تُقرأ في زمان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
مائتي آية فلما كتب عثمان المصاحف لم يقدر منها إلاّ على ما هو الآن )
.
وكذا عن عبد الرزاق عن الثوري... عن زر بن حبيش قال: قال لي أبي بن كعب كأيِّنْ تقرؤون سورة الأحزاب ؟ قال: قلت ثلاثا وسبعين وإمّا أربعا وسبعين، قال: قطْ ، إن كانت لتقارب سورة البقرة أو هي أطول منها وإن كانت فيها آية الرجم، قال قلت: أبا المنذر ما آية الرجم؟ قال:( إذا زنيا الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم )
.
٦ - اخبرنا عبد الرزاق عن ابن جريح عن عمرو بن دينار، قال: سمعت بجالة التميمي قال: وجدَ عمر بن الخطّاب مصحفا في حجر غلام في المسجد، فيه: (النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أبوهم)، فقال حكّها يا غلام. فقال: لا أحكّها وهي في مصحف أُبيّ بن كعب، فانطلق إلى أُبيّ فقال له: ( إني شغلني القرآن وشغلك الصفق بالأسواق )
.
٧ - حدثنا عبد الله بن صالح عن هشام بن سعيد، عن زيد بن اسلم ،عن عطاء عن يسار، عن أبي واقد الليثي، قال:
____________________
( كان رسول الله إذا أُوحي إليه أتيناه، فعلَّمنا مما أوحي إليه، قال: فجئت ذات يوم، فقال: إنّ الله يقول:إنّا أنزلنا المال لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ولو أنّ لابن آدم واديا لأحب أن يكون إليه الثاني، ولو كان إليه الثاني لأحب أن يكون إليهما الثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التراب ويتوب الله على من تاب
)
.
٨ - وروى أبو حرب بن أبي الأسود عن أبيه، قال: بعث أبو موسى الأشعري إلى قرّاء أهل البصرة، فدخل عليه ثلاثمائة رجلٍ قد قرأوا القرآن، فقال: أنتم خيار أهل البصرة، وقراءهم، فاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد، فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم، وإنا كنا نقرأ سورة نشبهها في الطول والشدّة ببراءة فأُنسيتها، غير أنّي قد حفظت منها:(... لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التراب)
.
وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبّحات فأُنسيتها غير أنّي حفظت منها:(يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون يوم القيامة)
.
٩ - عن سفيان عن الأعمش... عن عبد الله بن سلمة، قال: قال حذيفة: ما تقرؤون ربعها!!! يعني البراءة
.
١٠ - عن ابن عبّاس: لما نزلت:
____________________
وأنذر عشيرتك الأقربين (ورهطك منهم المخلصين)
.
١١ - أخرج ابن عبد البر في التمهيد، من طريق عدي بن عمرة بن فروة عن أبيه، عن جده عميرة بن فروة، أن عمر بن الخطّاب قال لأُبيّ: أوليس كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله:( ان انتفاء كم من آبائكم كفر بكم )
؟ فقال: بلى، ثم قال: ( أوليس كنا نقرأ الولد للفراش وللعاهر الحجر فيما فقدنا من كتاب الله؟)
.
١٢ - عن الثوري: ( بلغنا أن أصحاب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
الذين كانوا يقرؤون القرآن أصيبوا يوم مسيلمة، فذهبتْ حروفٌ مِن القرآن)
.
١٣ - عبد الرزاق عن عيينة، عن عمرو بن عبيد عن الحسن، قال: ( هَمَّ عمر بن الخطّاب أن يكتب في المصاحف: إن رسول الله ضرب في الخمر ثمانين )
.
١٤ - أخرج الطبراني بسند موثق عن عمر بن الخطّاب مرفوعا: (القرآن ألف ألف، وسبعة وعشرون حرفا)
. بينما إن حروف القرآن لا يتجاوز عددها ثلث هذا المقدار. فمع وجود هذا والكثير من أمثاله في كتب أهل السنّة، فلم يَنسب بعض من ضَل سعيه في الحياة الدنيا التحريف إلى الشيعة
؟!
.
١٥ - عن نافع عن ابن عمر قال: ( ليقولنّ أحدكم قد أخذت القرآن كلّه، وما يدريه ما كلّه، قد ذهب منه قرآن كثير، ولكن ليقل قد أخذتُ منه ما ظهر)
.
١٦ - عن عائشة، قالت: ( كان فيما أُنزل من القرآن عشر رَضَعات
____________________
معلومات يحرِّمن )
.
١٧ - عن مالك: ( إنّ أوّلها - سورة البراءة - لما سَقَط، سَقَط معه البسملة، فقد ثبتَ إنّها كانت تعدل سورة البقرة )
.
١٨ - أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود، قال: كنا نقرأ على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
:(يا أيّها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك إنّ عليا مولى المؤمنين وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته، والله يعصمك من الناس)
.
١٩ - أخرج ابن ماجة عن عائشة قالت: ( لقد نزلت آية الرجم، ورضاعة الكبير عشرا، ولقد كانت في صحيفة تحت سريري، فلما مات رسول الله وتشاغلنا بموته، دخل الداجن فأكلها )
.
٢٠ - وروى أبو سفيان الكلاعي، أنّ مسلمة بن مخلّد الأنصاري قال لهم ذات يوم: ( أخبروني بآيتين في القرآن لم يكتبا في المصحف، فلم يخبروه وعندهم أبو الكنود سعد بن مالك، فقال ابن مسلمة:( إنّ الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، ألا ابشروا أنتم المفلحون والذين آووهم ونصروهم وجادلوا عنهم القوم الذي غضب الله عليهم، أولئك لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين جزاءً بما كانوا يعملون)
)
.
٢١ - وروى المسور بن مخرمة قال: ( قال عمر لعبد الرحمن بن عوف: ألم تجد فيما انزل علينا: ( إن جاهدوا كما جاهدتم أوّل مرة) فانا لا نجدها؟ قال: أُسقِطت فيما أُسقط من القرآن)
.
____________________
٢٢ - روي عن أُبيّ بن كعب أنّه كتب في مصحفه سورتي الحفد والخلع: (اللهم إنّا نستعينك، ونستغفرك، ونثني عليك، ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللّهمّ إيّاك نعبد، ولك نصلّي ونسجد، واليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك بالكافرين ملحق)
.
جوابنا عن روايات أهل السنّة في التحريف
أ - لقد ثبت عند جميع المسلمين تواتر القرآن، ولم يقل أحدٌ منهم - اعتقاداٌ - أنّه قد ثبت عن طريق الآحاد، لا كُلاًّ ولا بعضا، فعلى هذا نطرح كل الروايات التي يُشمّ منها ثبوت القرآن أو بعضه بغير التواتر، وكذا نطرح الروايات التي تقول بنسخ التلاوة لبعض الآيات، فهذه الروايات كلّها آحاد، لا تثبت قرآنا ولا تصمد أمام تواتر القرآن، الثابت عند جميع المسلمين، فيجب الحكم ببطلانها حتى ولو افترضت صحة سندها أيضاً لمخالفتها للكتاب - كما قلنا في السابق - بالإضافة إلى اعتقاد جميع المسلمين بتواتر الكتاب.
ب - أمّا بالنسبة إلى القراءات المختلفة التي نقلت عن بعض الصحابة في قسم من الآيات، فسنناقشها في المباحث الآتية. ولكن نقول هنا باختصار:
إنّ هذه القراءات ممّا وجد بعد عصر النبي -صلىاللهعليهوآلهوسلم
- من قِبَلِ الصحابة الذين كان كل واحد منهم من قبيلة، ولم يكن سماعهم من النبي -صلىاللهعليهوآلهوسلم
- كاملا، كما إنّ بعضهم كان ينسى الآيات أو قراءتها الصحيحة، فيتخيّل على النحو الذي يراه - كما يظهر من كثير من الروايات المتقدمة -، بل ذهب كلٌ منهم إلى بلد فقرأ القرآن بنحو يختلف به مع غيره من حيث القراءة، ولذا لما رأى حذيفة ذلك في أذربيجان، خاف من الاختلافات بين أهل الشام والعراق، فجاء إلى عثمان وعرض عليه هذا الأمر، فحمل عثمان الناس على قراءة واحدة ؛ حفظاً للقرآن من التحريف والنقصان وأيّده الإمام عليعليهالسلام
أيضا في ذلك. فعلى هذا نقول: إنّ القراءات التي نقلها القراء والمفسرون و... لم تكن كلها صحيحة.
____________________
بل ما تواتر منها وثبت التواتر في حقها واقعاً يكون في نظرنا صحيحا مع القول بأنّ واحدة منها فقط صحيحة، ولكن إذا لم يكن تشخيص هذه الواحدة من بين القراءات المتعددة المتواترة ممكنا فإنّنا نقول بصحة ما هو المتواتر قط ولو كان اثنين أو ثلاثة أو...
ج - أمّا بالنسبة إلى ما نسب إلى ابن مسعود حول إنكاره كون المعوذتين من القرآن فنقول: انه بالإضافة إلى عدم قبول هذا من ابن مسعود لتواتر القرآن وثبوتهما عند جميع المسلمين، نرى أنّ بعض الناس نفى هذه النسبة إلى ابن مسعود، كما يظهر ذلك من الفخر الرازي في تفسيره، ويقول النووي أيضاً: أجمع المسلمون على أنّ فاتحة الكتاب والمعوذتين من القرآن... وما نقل عن ابن مسعود باطل ليس بصحيح، كما إنّ ابن حزم أنكر هذه النسبة إلى ابن مسعود، وأيضا، روى أنّ عاصم أخذ قراءتها من ابن مسعود والحال أنّ المعوذتين وفاتحة الكتاب ثابتة في مصحف عاصم،!
ويقول حول ذلك صاحب المناهل: (إذا أنكر ابن مسعود هاتين السورتين لا يضرّنا، لوجود التواتر على أنّهما من القرآن)
.
أمّا القسطلاني، فإنّه لما رأى أنّ تكذيب هذا القول بالنسبة إلى ابن مسعود ينتهي إلى تكذيب الرواة الذين نقلوا ذلك، قال بتوجيه آخر وهو: إنّ ابن مسعود لم ينكر قرآنيتهما بل أنكر إثباتهما في مصحفه)
.... ونحن نقول للقسطلاني: لماذا هذا التوجيه فإذا لم ينكر ابن مسعود قرآنيتهما فلماذا لم يثبتهما في مصحفه؟!!!!!
أمّا الباقلاني فيكذّب رواة هذه النسبة، ويقول: (أمّا المعوذتان فكل من ادَّعى أنّ ابن مسعود أنكر أن تكونا من القرآن فقد جهل، وبَعُد عن التحصيل؛ لان سبيل نقلهما سبيل نقل القرآن)
. وأمّا بالنسبة إلى ما نسب إلى أُبيّ من أنّه أضاف إلى مصحفه سورتي الخلع
____________________
والحفد! فيقول القاضي:
(ولا يجوز أن يضاف إلى عبد الله ، أو إلى أُبيّ بن كعب، أو زيد، أو عثمان، أو عليعليهالسلام
، أو واحدٍ من ولْدِه أو عترته جَحْد آيةٍ أو حذْفٌ من كتاب الله وتغييره أو قراءته على خلاف الوجه المرسوم... وإنّ كلام القنوت المروي عن أبيّ بن كعب الذي أثبته في مصحفه، لم تقم حجة بأنّه قرآن منزّل، بل هو ضَرْب من الدعاء، وإنّما روي عنه أنّه أثبته في مصحفه، وقد ثَبَّت في مصحفه ما ليس بقرآن، من دعاء أو تأويل)
.
ويقول الباقلاني: إنّ كلام القنوت المروي عن أُبيّ بن كعب وأثبته في مصحفه لم تقم الحجّة بأنّه قرآن منزّل، بل هو ضَرب من الدعاء!! وإنّه لو كان قرآنا لنُقل إلينا نَقْل القرآن وحصل العلم بصحته)
.
فهذه الروايات التي نقلت من كتب أهل السنّة والتي تدلّ على التحريف، إمّا أنّها من خلط الصحابة، أو سهوهم، أو اجتهادهم الخاطئ في ذلك، وإمّا تخليط من الرواة لنقل هذه الروايات كذبا وافتراءً عليهم، فبعد ثبوت تواتر القرآن عند جميع المسلمين يجب طرح هذه الروايات وإن وجِدتْ في البخاري، أو مسلم ، أو غيرهما من السنن والصحاح...
قصّة البَسْمَلة والتّحريف
هنا قصة أخرى تدل أيضاً على قولهم بالتحريف وإن لم يصرّحوا به : وهو إدّعاء بعضهم عدم كون البسملة من الآيات القرآنية. يقول الزمخشري: قُرّاء المدينة والبصرة والشام وفقهاؤها على أنّ التسْمِية ليست بآية من فاتحة الكتاب ولا من غيرها من السور
ورووا أيضا رواية في نزول البسملة بأنّها نزلت ابتداءً (بِسمِ الله
) وبعد مدة الحق بها (الرّحمن
) وبعد مدة نزلت بتمامها
، فمعنى هذا إنّ البسملة ليست من فاتحة الكتاب التي كان يقرؤها
____________________
النبي -صلىاللهعليهوآلهوسلم
- من ابتداء البعثة. والباقلاني كتب صفحات متعددة حول إثبات أنّ البسملة ليست آية من فاتحة الكتاب، ولا من فاتحة كل سورة ، وإنّما هي قرآن في سورة النمل فقط
. والذي فَهِم أنّ القول بحذف البسملة إنّما يعني القول بتحريف القرآن هو الفخر الرازي، الذي يقول: رداً على من يعتقد أنّ البسملة ليست من القرآن:
(فلو لم تكن التسمية مِن القرآن لمَا كان القرآن مصونا من التغيير، ولمَا كان محفوظاّ من الزيادة، ولو جاز أن يُظنّ بالصحابة أنّهم زادوا، لجاز أيضاّ أن يُظنّ بهم النقصان، وذلك يوجب خروج القرآن عن كونه حجة)
.
وكذا، نبه السيد ابن طاووسرضياللهعنه
على ذلك رداً على احد أهل السنّة الذي اتهم الشيعة بالاعتقاد بالتحريف، قال:
(... قد رأينا في تفسيرك إنّك ادَّعيت أنّ(
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
)
ما هي من القرآن الشريف، وقد أثبتها عثمان فيه، وهو مذهب سلفكم إنّهم لا يرونها آية من القرآن وهي مائة وثلاث عشرة آية من المُصْحَف الشريف، تزعمون أنّها زائدة وليست من القرآن، فهل هذا الاعتراف منك يا أبا علي بزيادتكم في المصحف الشريف والقرآن ما ليس فيه ؟!!)
.
الحروف المقطّعة أسماءٌ للسّور
هذا الكلام الذي ذكره عدة من أهل السنّة يدل على التحريف أيضاً. يقول ابن طاووسرحمهالله
رداً على أحد أهل السنّة:
(... وجدناك في تفسيرك تذكر أنّ الحروف المقطّعة التي في أوّل سور القرآن أسماء السور، ورأينا هذا المصحف الشريف الذي تذكر أنّ سيدك عثمان بن عفّان جمع الناس عليه قد سَمَّى كثيراً من السور التي أوّلها حروف مقطعة بغير هذه الحروف...)
.
____________________
وأيضا، نُقل عن عبد الرحمن بن أسلم: أنّ الحروف المقطعة هي أسماء السور
، فمع تصريحهم بأن أسماء السور قد وضعت من قبل الصحابة من جهة، وكون الحروف المقطعة هي أسماء السور من جهة أخرى - كما يقولون - فوجود هذه الحروف المقطّعة في القرآن يدلّ على التحريف.
نَسْخ التلاوة
قيل في جواب الروايات التي نقلناها فيما سبق - والتي تدل على نقص في بعض السور كالبراءة والأحزاب وغيرهما - أنّ هذا النقص قد نسخت تلاوته ونسخ من قبل الله، ويعبر عن ذلك بـ (نَسْخ التلاوة).
أمّا نحن فلا نستطيع أنّ نقبل هذا القول، بل نقول: إنّ نسخ التلاوة أمْرٌ وضِع في وقت متأخر من أجل تصحيح ما رواه أهل السنّة حول النقص في بعض السور، أو حذف بعض الآيات أو ضياع قسم منها، أو أكل الشاة له. نعم، لقد وضعوا ذلك من اجل توجيه ما رواه بعض الناس من دون فهم. لذا نرى أنّ جمعا من علماء السنّة أيضاً، ينكرون هذا النوع من النسخ.
يقول الإمام السَرْخَسي: ( لا يجوز هذا النوع من النسخ في القرآن عند المسلمين، وقال بعض الملحدين ممن يتستّر بإظهار الاسلام - وهو قاصد إلى فساده - هذا جائز بعد وفاتهصلىاللهعليهوآلهوسلم
، واستدل في ذلك بما روي عن أبي بكر( لا ترغبوا عن أبائكم فإنّه كفر بكم)
وما روي عن أنََس(بلّغوا عنّا قومنا أنّا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا)
وما قاله عمر ( قرأنا آية الرجم في كتاب الله ورعيناها) وما قاله أُبيّ: (إنّ سورة الأحزاب كانت مثل سورة البقرة أو أطول منها) - فأضاف السَرْخَسي - والشافعي لا يظن به موافقة هؤلاء في هذا القول، ولكنّه استدل بما هو قريب من هذا في عدد الرَّضَعات فإنّه صحّح ما يُروى عن عائشة أنّ مما أُنزل في القرآن:(عشر رَضَعات معلومات يحرّمن)
فنسخنّ بخمس رَضَعات معلومات، وكان ذلك مما يُتلى في القرآن بعد وفاة رسول الله).
وقال السَرْخَسي بعد ذلك: ( والدليل على بطلان هذا القول قوله تعالى:(
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ
)
ومعلوم أنّه ليس المراد الحفظ لديه تعالى
____________________
فانه يتعالى من أن يوصف بالغفلة والنسيان، فعرفنا أنّ المراد الحفظ لدينا. وقد ثبت أنّه لا ناسخ لهذه الشريعة بوحي ينزل بعد وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
ولو جوزنا هذا في بعض ما أوحي إليه لوجب القول بتجويز ذلك في جميعه، فيؤدي ذلك إلى القول بأنّ لا يبقى شيء مما ثبت بالوحي بين الناس في حال بقاء التكليف. وأيّ قول أقبح من هذا...)
.
ويقول أيضا الدكتور صُبحي الصالح:
( وجعلوا النَسخ على ثلاثة أضْرب: نَسْخ الحكم دون التلاوة، ونَسْخ التلاوة دون الحكم، ونَسْخ التلاوة مع الحكم... أمّا الجرأة العجيبة ففي الضربين الثاني والثالث اللذين نسخت فيهما - بزعمهم - تلاوة آيات معيّنة، إمّا مع نَسْخ الحكم وإمّا مِن دونه، والناظر في صنيعهم هذا سرعان ما يكتشف فيه خطأ مركّبا: فتقسيم المسائل إلى أضراب إنّما يصلح إذا كان لكل ضرب شواهد كثيرة أو كافية - على الأقل - ليتيسَّر استنباط قاعدة منها، وما لعشاق النسخ إلاّ شاهد أو اثنان على كل من هذين الضربين، وجميع ما ذكروه منها أخبار آحاد، ولا يجوز القطع على إنزال القرآن ونَسْخِه بأخبار آحاد لا حجّة فيها. وبهذا الرأي السديد أخذ ابن ظفر في كتاب الينبوع
، إذ أنكر أنّ هذا ممّا نسخت تلاوته وقال: لأنّ الخبر الواحد لا يُثبت القرآن)
. وذكر الشيخ صبحي أمثلة من ذلك، كآية الرجم، وعشر رَضَعات و.....
أمّا نحن فنقول للشيخ صبحي: ماذا تقولون إذاً بهذه الروايات الواردة في كتب أهل السنّة وصِحاحِهم؟ فإن كانت روايات آحادية - كما ذكرت وهو الحق - وجب الحكم ببطلان الروايات التي أوردها البخاري ومسلم وغيرهما، فآية الرجم مثلا إن كانت باطلة فمن المقصر في ذلك؟
وكذا ما روي عن أبي موسى الأشعري، وابن عمر، وأبيّ بن كعب، وغيرهم، هل هو صحيح عنهم أو مكذوب عليهم، فهل رواية هذه الروايات الآحاد التي
____________________
لا تثبت قرآنا إلاّ القول بالتحريف من ناحية الصحاح... فلذا يقول السيد الخوئي:
(ان القول بنسخ التلاوة عين القول بالتحريف والإسقاط، وبيان ذلك: أنّ نَسْخ التلاوة هذا إمّا أن يكون قد وقع من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
وإمّا أن يكون ممن تصدى للزعامة من بعده. فإن أراد القائلون بالنسخ وقوعه من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
فهو أمر يحتاج إلى الإثبات، وقد اتفق العلماء أجمع على عدم جواز نسخ الكتاب بخبر الواحد، وقد صرح بذلك جماعة في كتب الأصول وغيرها
، بل قطع الشافعي وأكثر أصحابه، وأكثر أهل الظاهر بامتناع نسخ الكتاب بالسنَّة المتواترة، واليه قد ذهب أحمدبن حنبل في إحدى الروايتين عنه، بل كان جماعة ممّن قالوا بإمكان نسخ الكتاب بالسنَّة المتواترة منعوا وقوعه
. وعلى ذلك فكيف تصح نسبة النسخ إلى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
بإخبار هؤلاء الرواة.
مع أنّ نسبة النسخ إلى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
تنافي جملة من الروايات التي تضمّنت أنّ الإسقاط قد وقع بعده ( كما ذكرنا ذلك في المباحث السابقة ). وإن أرادوا أنّ النسخ قد وقع من الذين تصدّوا للزعامة بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
فهو عين القول بالتحريف وعلى هذا فيمكن أن يدّعى أنّ القول بالتحريف هو مذهب أكثر علماء أهل السنّة لأنهم يقولون بجواز نسخ التلاوة سواء أنُسِخ الحكم، أم لم ينسخْ... نعم ذهبت طائفة من المعتزلة
إلى عدم جواز نسخ التلاوة )
.
وقد نفى القول بنسخ التلاوة أيضا كل من: الجزيرى في كتابه ( الفقه على المذاهب الأربعة ) ج٣ ص٢٥٧، والأستاذ السايس في كتابه ( فتح المنان على حسن العريض ) ص٢١٦ و ٢١٧
.
جَمْع القرآن والتّحريف
إنّ سيرة المسلمين في قِبال القرآن في التاريخ هي عدم الشكّ في آية من آيات الله، واعتقادهم بأنّه كلّه هو المنزّل من جانب الله من دون نقص أو زيادة
____________________
فيه.
ومع ذلك، فقد روى أهل السنّة في صحاحهم وغيرها من السنن روايات حول جَمع القرآن، يفهم منها عدم تواتر الآيات القرآنية بل ثبتت بالآحاد. وها نحن نذكر بعض هذه الروايات ثم نناقشها:
* عن البخاري: عن زيد بن ثابت. قال: (أرسل إليَّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطّاب عنده فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إنّ القتل قد استحّر يوم اليمامة بقُرّاء القرآن، وإنّي أخشى أن يستحّر القتل بالقُرّاء في المواطن، فيذهب كثير من آيّ القرآن، وإنّي أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقلت لعمر: كيف نفعل شيئاً لم يفعله رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
!!؟ قال عمر: هو والله خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك رأي عمر) قال زيد: قال أبو بكر :
( إنّك شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله، فتتبع القرآن أجْمَعَهُ، فوالله لو كلفّوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
!!؟ قال: هو والله خير. فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر، فتتبعت القرآن أجمعه من العَسب، واللخاف، وصدور الرجال!! فوجدت آخر سورة التوبة مع أبي خُزيمة الأنصاري، لم أجدها مع غيره:(
لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ...
)
حتى خاتمة البراءة فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفّاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر)
.
وعن ابن أبي داود من طريق الحَسن: ( أنّ عمر سأل عن آية من كتاب الله، فقيل: كانت مع فلان قُتل يوم اليمامة، فقال: إنا لله وأمر بجمع القرآن فكان أوّل من جمعه في المصحف)
.
*وعن ابن أشتة - في المصاحف - عن ابن بُريدة، قال: (أوّل من جمع القرآن في مُصْحَف سالم مولى حذيفة، أقسم لا يرتدي برداء حتى يَجْمَعه، وجمعه ثم ائتمروا
____________________
.
ما يسمّونه؟ فقال بعضهم: سمّوه السفر، قال: ذلك تسمية اليهود، فكرهوه، فقال: رأيت مثله بالحَبَشَة يسمّى المُصْحَف فاجتمع رأيهم على أن يسمّوه المصحف)
.
* وعن زيد بن ثابت: ( كتبنا المصاحف، فُفِقدت آية كنت أسمعها مِن رسول الله فوجِدَت عند خزيمة(
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا...
)
وكان عمر لا يقبل آية من كتاب الله حتى يُشهد عليها شاهدان، فجاء رجل من الأنصار بآيتين، فقال عمر: لا أَسألك عليها شاهداً غيرك)
.
* وعن يحيى بن عبد الرحمن حاطب، قال: ( أراد عمر أن يجمع القرآن، فقام في الناس فقال: مَن كان تلقّى من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
شيئاً مِن القرآن، فليأتِنا به ) وكانوا كتبوا ذلك في الصحف، والألواح، والعُسُب، وكان لا يقبل شيئا من ذلك حتى يشهد عليه شاهدان. فجاء خُزيمة فقال: إني رأيتكم تركتم آيتين لم تكتبوهما، فقال: وما هما؟ قال: تلقّيت من رسول الله(
لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ...
)
)
.
*عن أنس بن مالك: ( كنت فيمن أُملي عليهم، فربما اختلفوا في الآية فيذكرون الرجل قد تلقّاها من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
ولعلّه يكون غائباً أو في بعض البوادي، فيكتبون ما قبل الآية وما بعدها ويَدَعُون موضعها حتى يجيء الرَّجل أو يُرسل إليه )
.
* عن أُبيّ بن كعب: ( أنّهم جَمعوا القرآن في المصاحف في خلافة أبي بكر -رحمهالله
- وكان رجالٌ يكتبون ويملي عليهم أُبيّ فلمّا انتهوا إلى هذه الآية من سورة براءة :(
ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ...
)
فظنّوا أنّ هذا آخر ما نزل من القرآن، فقال: أُبيّ بن كعب: اقرأني بعدها آيتين(
لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ...
)
)
.
* عن أبي داود بن الزبير أن أبا بكر قال لعمر ولزيد: ( أُقعدا على باب المسجد، فمَن جاءكم بشاهدين على شيء من كتاب الله، فاكتباه)
.
____________________
* عن ابن سيرين: ( مات أبو بكر، وعُمَر لم يجمع القرآن )
.
* وروى ابن سعد ( إنّ أوّل من جَمَع القرآن عُمَر)
.
فهذه الروايات وأمثالها كثيرة في كتب الصحاح وغيرها، والقبول بها في شأن جمع القرآن إنّما يعني القبول بعدم تواتر القرآن، وثباته بإخبار آحاد كقول خزيمة، أو بشاهدين، أو بنقل أُبي بن كعب، أو بقول رجلٍ كان في البوادي فيُرْسَل إليه حتى يقرأها لهم، أو كانت الآية مع رجل قُتل في اليمامة، أو غير ذلك من المسائل التي لا يمكن التغاضي عنها لو أريد قبول مرويّات الصِحاح بهذا الشأن.
وقد تنبه الزركشي لهذا الأمر، وذكر توجيهاً في المقام لا يمكن قبوله؛ يقول: بالنسبة لقول زيد بأخذ آيتين من خزيمة:
(ليس فيه إثبات القرآن بخبر الواحد، لأنّ زيداً كان قد سمعها وعَلِم موضعها في سورة الأحزاب بتعليم النبيّ، فكذلك غيره من الصحابة، ثمّ نسيها فلمّا سَمع، ذَكره، وتتبّعه للرجال كان للاستظهار لا استحداث العلم )
.
ولكن لا دليل على مثل هذا التوجيه؛ إذ لو قَبِلنا ذلك فهل ثبت التواتر بعلم زيد وخزيمة فقط؟ وهل نَسيّ كلّ الصحابة هذه الآية؟!! وإذاً، فلعلّهم جميعاً قد نسوا بعض الآيات، حتى خزيمة!!!! ولم يوجد من يذكّرهم ويستظهر لهم العِلم!!!.
وأقبح من هذا توجيهه حول آيات آخر سورة التوبة، التي قال زيد عنها: ( وجدت آخر سورة براءة مع خزيمة بن ثابت ولم أجدها مع غيره ) إذ يقول الزركشي: ( يعني ممّن كانوا في طبقة زيد ممّن لم يَجْمع القرآن )
. فهذا توجيه لا سَنَدَ له.
وقد حاول آخرون تصحيح قصّة خزيمة بأنّ معناها: ( أنّ الصحابة لم يجدوا تلك الآية مكتوبة إلاّ عند خزيمة، بخلاف غيرها من الآيات)
. لأنّ هذا القيد - قيد الكتابة - لم يوجد في أي رواية تتعلق بهذا الأمر ولا يمكن قبوله بدون
____________________
دليل، بالإضافة إلى أنّ قيد شهادة خزيمة بمنزلة الشهادتين ينفي ذلك. كما أنّ توجيه البعض الآخر بالقول: ( إنّ معنى ذلك هو أنّ زيدا يطلب التثبّت عمّن تلقّاها بغير واسطة)
كذلك هذا التوجيه لا دليل عليه أيضاً. كما أنّ توجيه ابن حجر - لقصة قبول الآيات في معنى الشاهدين - غير صحيح؛ لأنه بدون دليل ، كما أنّ المعنى المتبادر من الشاهدين ينفي هذا التوجيه
. أمّا نحن فنرفض هذه الروايات حول جَمْع القرآن؛ وذلك لما يلي:
أ
- لوجود التناقض في نقل هذه الروايات كثيراً، ولا يمكن جمعها بوجه، فهل الجامع هو أبو بكر؟ أم عمر ؟ أم حذيفة ؟ أم كما قال ابن سيرين غيرهم.
ب - قيل إنّ علّة جمع القرآن هو قتل القُرّاء في اليمامة. وهذا لا يمكن قبوله لأنّ كُتّابَ الوحي والحافظين له كلهم موجودون في المدينة كعلي بن أبي طالب، وأُبيِّ بن كعب الذي قال فيه النبي (صلىاللهعليهوآلهوسلم
): ( أقرؤهم أُبيّ بن كعب )
وكذا عبد الله بن مسعود الذي قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
فيه: (اقرؤوا بقراءة ابن أمّ عبد)
. فمع وجود هؤلاء الأفراد في المدينة لا يمكن تصور خوف أبي بكر وعمر من ذهاب القرآن!؟
ج - إنّنا أثبتنا في السابق أنّ القرآن قد جُمع في عهد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
، وأنّ قصة جمع القرآن في عهد الخلفاء كذب محض، وقدّح في النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
؛ بعدم اهتمامه بجمع القرآن. مع أنّه لم يكن له شغل أهمّ مِن جمع القرآن وحِفْظُه للأجيال المسلمة اللاحقة. فإذا ثبت أنّ جَمْع القرآن كان في زمن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
، فلا يمكن قبول هذه الروايات.
د - بعد قبول تواتر القرآن كله وعدم وجود نقص أو زيادة فيه عند الجميع، وجب طرح هذه الروايات التي تثبت القرآن بالآحاد.
____________________
التّحريف وروايات الشيعة
لقد نقل رواة الشيعة بعض الروايات التي يُشمّ منها التّحريف ووقوعه في كتاب الله ظاهراً، واستدلّ البعض - من غير المُتَثَبِتين في الأمور - بهذه الروايات على أنّ الشيعة قائلون بالتحريف. ونحن نقول في جواب هؤلاء المستدلِّين:
١ - إنّ ذكر الروايات ونقلها في الكتب لا يعني الاعتراف الضمني بصحتها، لا سيّما عند عامة الإمامية، وكذلك الحال بالنسبة لأهل السنّة، وإن كانوا يعتقدون بصحة كل ما جاء في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما من الصحاح الستة، وكيف يمكن قبول دعوى صحة كل ما في الكتب في حين نجدهم يذكرون روايات متناقضة في كثير من المسائل الإسلامية من الأصول والفروع، وعلى فرض تصريح مُصَنِف بأنّه ذكر الروايات الصحيحة فقط، فإنّه لا يمكن الاعتماد على قوله والحكم بصحة جميع مَرْويّاته.
وخلاصة الأمر هي: أنّ الشيعة لا يعتقدون بصحة جميع مرويّاتهم. ولذا ذكروا أسانيد الأحاديث لكي ينظر المدقق ويتحقق - بعد إنعام النظر في رجال الحديث، أو غير ذلك من المزايا - من صحة الحديث أو ضعفه. وهذا ما ينسحب على كتاب الكافي وغيره من كتب الشيعة.
أمّا بالنسبة إلى تفسير القمّي، الذي ذكر بعض هذه الروايات، فنقول: إنّ ما ذكرناه آنفا يشمل هذا الكتاب أيضاً، إضافة إلى أنّه قد خلط مع تفسير آخر يسمى بـ (تفسير أبي الجارود) وقد ذكر ذلك وثبته: الشيخ آقا بزرك الطهراني
. فهذا التفسير - تفسير أبي الجارود - بالإضافة إلى أنّ في سنده كثير بن عيّاش - وهو ضعيف - فإنّه ينتهي إلى أبي الجارود المنحرف عن مدرسة أهل البيتعليهمالسلام
، والذي كان قد لعنه الإمام الصادقعليهالسلام
- كما قال ابن النديم - وقال فيه وفي جماعة آخرين بأنهم كذابون، ووردت روايات في جرحه وعدم مقبوليّته عند أهل البيتعليهمالسلام
.
____________________
وأمّا توثيق السيد الخوئي لأبي الجارود لأجل وقوعه في أسانيد كامل الزيارات الذي قد شهد محمد بن قولوّيه بوثاقة جميع رواته
فغير صحيح؛ لتقدّم الجرح على التوثيق، وَورُد الروايات في ذم أبي الجارود يُقدّم على توثيق ابن قولوّيه له، بالإضافة إلى عدم صحة ما ذكره من وثاقة جميع رجال كامل الزيارات، وابن قولوّيه لا يظهر من كلامه ذلك. وعلى كل حال فقد قال المامقاني بعد نقل الروايات في جرح أبي الجارود: ( إنّ الرجل لم يَرِد فيه توثيق بوجه، بل هو مذموم أشدّ الذمّ وقد ضَعّفه في الوجيزة وغيرها )
. أمّا نقل بعض الثقات عنه فلا يوجب توثيقه. كما صرّح بذلك السيد الخوئي بالنسبة إلى أبي الجارود
.
وأمّا بالنسبة إلى الكافي الذي أُلّف خلال عشرين سنة بيد الشيخ المتقي الكلينيرحمهالله
، فنحن لا نقول بصحة كل الروايات التي نقلها الكليني فيه؛ لأن قسْماّ منها يعدّ من حيث السند ضعيفاً أو مرسلاً أو غير ذلك، وقسْماً آخر منها لا يوافق الكتاب ويمكن أن يُخدش فيه من حيث المتن، ومنها روايات التحريف إن وجدت. فليس الكافي في نظر الإمامية كالبخاري، ومسلم، وسائر السنن في نظر أهل السنّة الذين يقولون بصحة كل مرويّات تلك الكتب وان خالفت الكتاب!!! بل يقولون بأنّ: ( السنّة قاضية على الكتاب )
فراجع مرآة العقول للعلامة المجلسي، وانظر ما أصدره المجلسي من أحكام بالنسبة إلى الروايات، من حيث السند فقط، لترى انه يحكم بضعف جمع من الروايات، أو بإرساله أو غير ذلك من وجوه الضعف.
يقول السيد هاشم معروف الحسني: ( إنّ المتقدمين لم يُجمِعوا على
____________________
الاعتماد على جميع مرويّاته جملة وتفصيلا )
.
ويقول أيضاً: ( إنّ أحاديث الكافي التي بلغت ستة عشر ألف حديث ومائة وتسعة وتسعين - ١٦١٩٩ - حديثاً، يكون الصحيح منها: خمسة آلاف واثنين وسبعين حديثا، والحَسِن: مائة وأربعة وأربعين حديثا، والمُوّثّق: ألفاً ومائة وثمانية وعشرين حديثا، والقوي ثلاثمائة وحَديثَين، والضعيف تسعة آلاف وأربعمائة وثمانين حديثا
)
. هذا من حيث السند فقط.
بعد ذلك نقول: إنّ أكثر روايات التحريف روايات ضعيفة ينتهي إسنادها إلى الضعفاء
والذين هم متهمون بالغُلو وفساد المذهب.
فقسم كبير من هذه الروايات ينتهي إلى أحمدبن محمد السَيّاري. يقول الشيخ ميرزا مهدي البروجردي: عَدَدتُ روايات التحريف، فرأيت أنّ أكثر من ١٨٨ منها ينتهي إلى السَيّاري، ولكنّا عددنا هذه الروايات فرأينا أنّها أكثر من ثلاثمائة حديث عنه، ويقول الشيخ النجاشي في رجاله حول السَيّاري:
(ضعيف الحديث، فاسد المذهب، و...)، وذكر النجاشي عبارة يفهم منها أنّه مُتّهمٌ بالغلو
. وحَكَم الشيخ الطوسي عليه بالضَّعف في الإستبصار بعد نقل حديث عنه
.
وقال ابن الغضائري - عن السَيّاري - : ( يكنّى أبا عبيد الله المعروف بالسَيّاري، ضعيف متهالك غالٍ منحرف)
. وأيضاً عن الشيخ بشأن السَيّاري: (ضعيف الحديث، فاسد المذهب، مجْفو الرواية، كثير المراسيل)
.
ومن رواة هذه الروايات يونس بن ظبيان الذي قال فيه النجاشي:
____________________
(ضعيف جداً، لا يلتفت إلى ما رواه، كل كُتُبَه تخليط )، وقال ابن الغضائري: ( ابن ظبيان كوفي غالٍ كذّابٌ، وضّاع الحديث )
.
ومنهم، منخل بن جميل الكوفي: نصّ المؤلفون في الرجال على أنّه (ضعيفٌ، فاسدُ الرواية) وأضافوا إلى ذلك ( أنّه من الغلاة المنحرفين)
.
ومنهم، محمد بن حسن بن جمهور، الذي قال الحلّي فيه: (كان ضعيفاً في الحديث، غالياً في المذاهب، فاسداً في الرواية، لا يلتفت إلى حديثه، ولا يعتمد على ما يرويه)
وكذا قال النجاشي فيه: ( ضعيف الحديث، فاسد المذهب)
.
وهكذا يتضح: أنّ هؤلاء الأشخاص ما كانوا مقبولين عند الرجاليين، بل هم من الغلاة، و.. و.. الخ. ورواية بعض الإخباريين عنهم لم تكن عن دقّة وتأمل، ولذا اعتقد بعضهم - طبقا لهذه الروايات عن هؤلاء الضعفاء - بالنقص في القرآن ولكنّ هؤلاء ليسوا إلاّ شرذمة قليلين، وكما يقول الشيخ أبو زهرة: ( خالفهم في ذلك الكثيرون من الإمامية، وعلى رأسهم المرتضى، والطوسي، وغيرهما)
.
٢ - ومن الروايات في هذا الباب قسم يرجع إلى الاختلاف في القراءات، وقد ذُكر بعض هذه الروايات في كتب الشيعة، وقسم كبير منها في كتب أهل السنّة، وما جاء في كتب الشيعة قد نسب أكثره إلى أهل البيتعليهمالسلام
ولا سيّما إلى مُصْحَف علي بن أبي طالبعليهالسلام
، كما نسبت هذه الاختلافات التي جاءت في كتب أهل السنّة إلى الصحابة، كابن مسعود أو أُبيّ أو غيرهما.
ونقول: إنّ هذه الروايات - التي وردت فيها الآيات - مخالفةٌ لما هو المتواتر والمشهور بين الناس، وهي أخبار آحاد، لا يثبت بها القرآن، ولا يمكن رفع اليد عن المتواتر بالآحاد، وكما إنّ الأئمةعليهمالسلام
قد أمروا متابعيهم بقراءة القرآن كما يقرؤه الناس
.
____________________
يقول الدكتور عبد الصبور شاهين:
(إنّ جميع ما روي من وجوه القراءة بزيادة أو نقصان عن المصحف الذي بين أيدينا، لا يخرج عن كونه شاذّ الرواية وهو لا يُثْبت قرآنا، أو هو من المدرج الذي أُقحم في النص تفسيراً، أو بيانا، وذلك ليس بقرآن)
.
فعلى هذا لا يمكن ولا يجوز استعمال هذه القراءات الشاذة في القرآن لأنها آحاد، بالإضافة إلى إمكان كون هذه القراءات بياناً لأصل الآيات، وتفسيرا للبيّنات ، كما أشار إليه الدكتور عبد الصبور، ويؤيد ما قاله أبو حيان في تعليقه على قراءة ابن مسعود:(فوسْوَس لهما الشيطان عنها )
في موضع(
فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا
)
: وهذه القراءة مخالفة لسواد المصحف المجمع عليه، فينبغي أن تجعل تفسيرا
وهكذا الحال بالنسبة إلى بعض الروايات التي نقلها الإمامية. ويوجد في كتب أهل السنّة الاختلاف في القراءات أيضا، كما ألّفت في اختلاف القراءات والمصاحف عشرات الكتب، راجع كتاب المصاحف لابن أبي داود السِجِسْتاني حول اختلاف المصاحف، أو تفسير الزمخشري، أو الطبري، أو غير ذلك، فسترى شيئا تتعجب منه قطعاً، وراجع أمثلة أخرى لاختلاف المصاحف في كتب أهل السنّة، مما نذكره من المصادر في الهامش
.
فهذه الاختلافات يرجع أكثرها إلى التفسير والبيان، لاسيما بالنسبة إلى بعض من كان يعتقد بجواز تبديل كلمات القرآن لأجل توضيحه
، وإن كان هذا يؤدي بمرور الزمان إلى القول بالتّحريف.
وأمّا ما روي عن أهل السنّة من أنّ القرآن نزل على سبعة أحرف
وحملها
____________________
على جواز قراءة القرآن بقراءات مختلفة، فمما لا يمكن قبوله نقلا ولا عقلا؛ ذلك لأنّ الرواية معارِضة لِما نقل عنهم أيضا من أن القرآن نزل على ثلاثة أحرف
. كما أنّها مناقِضة لما روي صحيحاً من طريق الإمامية، عن أبي عبد اللهعليهالسلام
لمّا سأله فُضَيل بن يسار حول ما روي في نزول القرآن على سبعة أحرف فقال الإمامعليهالسلام
:« كَذَبوا - أعداء الله - لكنّه نَزَل على حرفٍ واحدٍ من عند الواحد »
.
كما روي عن أبي جعفرعليهالسلام
:« إنّ القرآن واحدٌ، نَزَل من عند واحد، ولكنّ الاختلاف يجيء من قِبَل الرواة »
.
وأيضاً، ينفي تفسير سبعة أحرف بتجويز سبع قراءات، ما روي عن طريق الخاصة، من أنّ المقصود من سبعة أحرف أحرف المعاني، وهي أَمْرٌ وزجْرٌ وترغيب وترهيب وجدل ومَثَلٌ وقَصَصٌ
.
وعن طريق العامة نقل عن ابن مسعود في نزول القرآن على خمسة أحرف وهو: حلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال
. وروي أيضاً، عن عليعليهالسلام
: أنّ القرآن نزل على أرباع، ربع حلال، وربع حرام، وربع مواعظ ومثل وربع قصص وآثار
. ومثل هذه الروايات كثيرة عن أهل السنة
.
ومَن روى من الشيعة حول نزول القرآن على سبعة: إمّا أنّه مجهول
وإمّا غالٍ متهم في دينه
أو كان المقصود منه غير ما ذكره من تجويز اختلاف القراءات.
وأيضا فقد ورد في الروايات ما ينكر اختلاف القراءات مثل: ما رواه احمد
____________________
في مُسنَده: عن زُر بن حبيش عن ابن مسعود قال: ( أقرأني رسول الله سورة الأحقاف، فخرجت إلى المسجد فإذا رجلٌ يقرؤها على غير ما أقرأني، فقلت: من أقرأك؟ فقال: رسول الله. قال: قلت للآخر: اقرأها، فقرأها على غير قراءتي وقراءة صاحبي، فانطلقت بهما إلى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
، فقلت: يارسول الله هذان يخالفاني في القراءة، فغضب وتعمَّر وجهه، وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم
: إنما أَهلك مَن كان قَبْلكم الاختلاف، قال زُر: وعندهصلىاللهعليهوآلهوسلم
قال: فقال: إنّ رسول الله يأمركم أن يقرأ كلُ رجلٍ كما أُقِرئَ، فإنّما أَهلك من كان قبلكم الاختلاف
.
فصريح الرواية نهي النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
عن الاختلاف في القراءة، والغضب من ذلك، ويتبين من الرواية أنّ الاختلاف لم يكن من ناحية رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
، بل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
يؤكد أنّ هذا الاختلاف هو الذي اهلك الأمم السابقة، ولا ينبغي أن يوجد في أُمة الاسلام.
فهذا الاختلاف الذي وجِد في عهد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
، من ناحية بعض الصحابة لاختلاف لَهَجاتهم مع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
وقبيلته ، أو وجِد بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
سيّما بعدما انتشر الأصحاب في الآفاق، فقرؤوا القرآن عند الناس كل واحد منهم على قراءة خاصة في بعض المواضع من الكتاب، هذا الاختلاف هو الذي خاف منه بعض الأصحاب وأوجب على عثمان أن يجمع الناس على قراءة واحدة، وهي القراءة المتواترة عن النبي، ويظهر ذلك من الروايات التالية - حول جمع عثمان له -:
عن أنس: أنّ حذيفة بن اليمان قِدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى... فأمر عثمان بجمع المصاحف
.
وأيضا، أنّ حذيفة قال: غزوت في فتح أرمينية فحضرها أهل العراق وأهل الشام، فإذا أهل الشام يقرؤون على قراءة أُبيّ بن كعب فيأتون بما لم يَسمع أهل العراق، فتكفرهم أهل العراق، وإذا أهل العراق يقرؤون بقراءة ابن مسعود، فيأتون
____________________
بما لم يسمع أهل الشام، فتكفرهم أهل الشام. قال زيد: فأمرني عثمان بجمع القرآن
.
فإذا كان الاختلاف في القراءة بحيث ينتهي إلى القول بالتحريف كما اتفق ذلك بالنسبة إلى اليهود والنصارى، فهل يجوز عقلا أن يجوّزه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
!!! وما معنى قول الطبري: إنّ أمر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
بقراءة القرآن على سبعة أحرف - التي لم يعمل بها عثمان بل حمل الناس على قراءة واحدة - أمر رخصة وإيجاب
فلا يمكن أن يكون معنى الحديث هو اختلاف اللهجات، والإشارة إلى تباين مستويات الأداء، الناشئة عن اختلاف الألسن وتفاوت التعليم، والى اختلاف بعض الألفاظ وترتيب الجمل، ولو لم يتغير به المعنى، كما اختار ذلك الدكتور عبد الصبور. لأنّ ذلك عين القول بالتّحريف وهو الذي غَضَب النبي له، وخاف منه حذيفة وأمر عثمان بجمعه لحفظه من هذه الاختلافات، وأيّده الإمام أمير المؤمنين عليعليهالسلام
وقال: (لو ولّيت لفعلت مثل الذي فعل)
.
٣ - ومن الروايات في هذا الباب - التي ذكرت فيها بعض الآيات على خلاف ما هو المتواتر - ما يشير إلى شأن نزول الآيات وإضافة بعض الكلمات لتوضيح الآيات. أمّا من قِبل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
لتوضيح الآية، وإضافة بعض أصحابه في مصحفه، وأمّا من قِبل نفس الصحابة.
فيقول عليعليهالسلام
: ولقد جئتهم بالكتاب مشتملا على التنزيل والتأويل
.
وقلنا أنّ الإمام قد ذكر في مصحفه شأن نزول الآيات، وقد طلب ابن سيرين ذلك المصحف من أجل هذه المطالب التي فيه ولكنه لم يجده. فالروايات التي ذُكر فيها اسم عليعليهالسلام
في بعض الآيات - بالإضافة إلى إمكان الخدش في سندها - يمكن أن تكون من هذا القسم.
ويدلّ على أنّ بعض الروايات تنفي وجود اسم (عليّ ) في القرآن:
عن أبي بصير عن أبي عبد اللهعليهالسلام
فقلت له:( إنّ الناس يقولون، فما له لَمْ يسمّ
____________________
عليّاً في القرآن وأهل بيته في كتاب الله؟ فقال:
« فقولوا لهم إن رسول الله نزلت عليه الصلاة ولم يسمّ الله ثلاثا وأربعا حتى كان رسول الله هو الذي فسر لهم ذلك »
)
.
فهذه الرواية صريحة في نفي كون اسم عليّعليهالسلام
قد ورد في القرآن، فتحمل الروايات التي ذكرت في بعض الآيات اسم علي، على الشرح والتفصيل.
كما إنّ الإمام الصادقعليهالسلام
كان كثيرا ما يقرأ آية:(
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ
)
، ولكنّه لم يقرأ منها ولم يضف إليها اسم عليعليهالسلام
.
والحال إنّ أهل السنّة أيضاً قد رووا هذه الآية مع إضافة اسم عليعليهالسلام
إليها
، وأيضاً يدلّ على ما ذُكر، رواية أخرى عن أبي الحسن الماضي، قال:( قلت: هذا الذي كنتم به تكذبون،
« فقال الإمام
عليهالسلام
: يعني أمير المؤمنين، قلت: تنزيل؟ قال: نعم »
)
.
فهذا يدل على أنّ اسم أمير المؤمنين لم يكن من القرآن، بل من التنزيل الذي نزل من عند الله تفسيراً للمراد من الآية
. والرواية تدل على ذلك.
ومن مصاديق هذا الباب ما رواه السنّة والشيعة على حد سواء بشأن آية:(
حافِظُوا عَلَى الصّلَوَاتِ وَالصّلاَةِ الْوُسْطَى
)
حيث أضيف إليها صلاة العصر
.
واضح أن إضافة (صلاة العصر) في المصحف لم يكن بمعنى أنّها من الآية، بل هو تفسير لهذه الكلمة. ولذا قال القاضي رداً على من نَسب إلى ابن مسعود حَذْف المعوذتين من مصحفه، وأنّ أُبي بن كعب أضاف إلى مصحفه سورتي الحَفْد والخلع، أنّه يمكن أن يكون قد أثبت بعض التأويلات والدعاء في مصحفه ويقول: ( قد ثبت في مصحفه ما ليس بقرآن من دعاء أو تأويل )
.
وأيضا فقد أجاب الباقلاني عن ذلك: ( بأن الذِّكْر في القنوت، المروي أنّ
____________________
أبيّ بن كعب قد أثبته في مصحفه، لم تقم الحجة بأنّه قرآن منزل، بل هو ضَرْب من الدعاء وأنّه لو كان قرآنا لَنُقل إلينا، وحصل العلم بصحته)
.
ونحن هنا نشير إلى السؤال التالي: كيف يقولون هذا بالنسبة إلى ما رواه كبراؤهم، ولا يقولون بنفس هذا الكلام في توجيه ما روي عن أئمة الشيعةعليهمالسلام
(إن صحّ وثبت عنهم) ؟ ولكنّ البعض - وقد يكون بدافع الاتهام لا الموضوعية - ذكر بعض هذه الروايات وزعم أنّه قد اثبت أنّ الشيعة يقولون بالتحريف.
يقول الفيض الكاشاني: ( ولا يبعد أيضا أن يقال: إنّ بعض المحذوفات كان من قبيل التفسير والبيان ولم يكن من أجزاء القرآن فيكون التبديل من حيث المعنى، أي: حرفوه وغيّروه في تفسيره وتأويله، أعني حملوه على خلاف ما هو به، فمعنى قولهمعليهمالسلام
( كذا نزلت ) أنّ المراد به ذلك، لا أنّها نزلت مع هذه الزيادة في لفظها فحذف منها ذلك اللفظ )
.
٤ - ومن الروايات التي ذكر أنّها يشمّ منها التحريف، الروايات التي ذكر فيها أنّ القرآن محرف.
ولكننا نقول: إنّ الروايات التي تقول بتحريف القرآن إنّما تشير إلى التحريف المعنوي لا اللفظي، بقرينة تصريح رواية أخرى بذلك:
عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن فَضّال عن ثعلبة بن ميمون عن بدر بن الخليل الأسدي، نقل رسالة الإمام أبي جعفرعليهالسلام
إلى سعد الخير جاء فيها:« وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرّفوا حدوده، فهم يَرْوونه ولا يَرْعونه، والجهّال يعجبهم حِفظهم للرواية، والعلماء يُحزنهم تركهم للرعاية، وكان من نبْذهم الكتاب أن وَلَوه الذين لا يعلمون، فأوردوهم الهوى واصدروهم إلى الردى وغيّروا عُرى الدين، ثم ورثوه في السفه والصبا »
.
فالإمامعليهالسلام
يصرح بأنهم أقاموا حروف القرآن ولكن حرَّفوا حدوده. فعلى ذلك تحمل الروايات التي ورد فيها ذكر تحريف القرآن. أي إنّ المراد هو التحريف
____________________
المعنوي. كرواية ( ٩٥ ) من الروضة وما ذكره الصدوق في خصاله ص٩٣.
فمع اعتقاد الصدوق بعدم التحريف، وذكره أيضا هذه الرواية، نفهم أنّ المقصود من التحريف، هو التّحريف المعنوي لا اللفظي.
كما إنّ ذكر كلمة التمزيق والنبذ بالنسبة إلى القرآن في بعض الروايات (الخصال ص٨٣) أيضا يدلّ على التحريف المعنوي.
بعد كل ما مرّ نقول:
إذا وجِدت رواية لا يمكن تطبيقها على واحد من التوجيهات ( الأربعة ) التي ذكرنا، فانا نعرضها على القرآن. ولمّا كان القرآن يصرح بحفظ الله له فقد وجب أن نضرب هذه الروايات عرض الجِدار. وهذا ما أمرنا به النبي الأعظمصلىاللهعليهوآلهوسلم
والأئمّة البررةعليهمالسلام
.
الشيعة والتحريف
توجد في كتب أعلام الشيعة بعض النصوص الدالة على اعتقادهم بسلامة القرآن من التبديل والنقصان، وهذه النصوص أتمّ دليل على أنّ القرآن الموجود بين الدفتين هو عين ما انزل الله، وعدم اعتقاد الإمامية بزيادة فيه أو نقصان منه، وهنا نذكر كلمات زعماء الشيعة وكبار علمائهم وبعض كتبهم ورسالاتهم في إثبات عدم التحريف.
١ - الفضل بن شاذان:
وهو احد مصنِّفي الشيعة في القرن الثالث الهجري، ومن يقرأ كتابه المسمى بـ (الإيضاح) يفهم منه أنّه اتهم بعض فرق أهل السنّة باعتقادهم بالتحريف، وخطابه في الكتاب يوجّه إليهم بما رووا حول نقص القرآن. فأمّا مَن استنبط من نقله هذه الروايات أنّه قائل بالتحريف فهو واهِم قطعا، بل هو في كتابه يقول: (ومما رويتم...) ويكرر هذا في صفحات متعددة.
٢ - أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي المشهور بالصدوق المتوفى ٣٨١ يقول:
(اعتقادنا أنّ القرآن الذي أنزل الله تعالى على نبيه محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم
ما هو بين الدفتين، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك... ومن نسب إلينا أن نقول
أكثر من ذلك فهو كاذب)
.
فالصدوق من أجل علماء الشيعة وهو مع تبحره في الحديث والتاريخ ينكر نسبة الاعتقاد بالتحريف الى الامامية.
٣ - السيد المرتضى علي بن الحسين الموسوي العلوي
المتوفى ٤٣٦هـ، يقول في جواب المسائل الطرابلسيات: (... إنّ العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار، والوقائع العظام، والكتب المشهورة، وأشعار العرب المسْطُورة. فإنّ العناية اشتدت، والدواعي توفرت على نقله وحراسته، وبلغت إلى حدّ لم يبلغه فيما ذكرناه... إنّ القرآن كان على عهد رسول الله مجموعا مؤلفاً على ما هو عليه في ذلك الزمان، حتى عيّن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
على جماعة من الصحابة حفظهم له، وكان يُعرض على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
ويُتلى عليه، وإنّ جماعة من الصحابة مثل عبد الله بن مسعود، وأُبي بن كعب، وغيرهما ختموا القرآن على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
عدة خَتَمات، وكل ذلك يدلّ بأدنى تأمّل على أنّه كان مجموعاً مرتبا غير مبتور ولا مبثوث... وأنّ من خالف من الإمامية والحشوية لا يعتد بخلافهم، فإنّ الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث، نقلوا أخباراً ضعيفة ظنّوا صحتها، لا يُرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته)
.
٤ - شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي
المتوفى ٤٦١هـ يقول: (وأمّا الكلام في زيادته ونقصانه فمما لا يليق به، لان الزيادة فيه مُجمَعٌ على بطلانها، وأمّا النقصان منه فالظاهر أيضا من مذاهب المسلمين خلافه وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا، وهو الذي نصره المرتضىرضياللهعنه
، وهو الظاهر من الروايات، غير أنّه رويت روايات كثيرة من جهة الخاصة والعامة بنقصان كثير من آيّ القرآن، ونقل شيء منه من موضع إلى موضع، طريقها الآحاد ولا يستوجب علماً فالأولى الإعراض عنها وترك التشاغل بها، لأنّه يمكن تأويلها، ولو صحّت لمَا كان ذلك طعناً على ما هو موجود بين الدفتين، فإنّ ذلك معلوم صحته، لا يعترضه أحد من الأمّة ولا يدفعه، وروايتنا متناصرة على قراءته والتمسك بما فيه، وردِّ ما يَرِد من
____________________
اختلاف الأخبار في الفروع إليه وعرضها عليه، فما وافقه عُوِّلَ عليه، وما خالفه يجتنب ولم يلتفت إليه، وقد ورد عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
رواية لا يدفعها أحد أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
قال:« إنّي مخلّف فيكم الثَقَلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض »
وهذا يدلّ على أنّه موجود في كل عصر، لأنّه لا يجوز أن يأمرنا بالتمسك بما لا نقدر على التمسك به، كما إنّ أهل البيتعليهمالسلام
ومن يجب إتباع قوله حاصل في كل وقت، وإذا كان الموجود بيننا مجمعا على صحته فينبغي أن يتشاغل بتفسيره وبيان معانيه وترك ما سواه)
.
٥ - أبو علي الطبرسي صاحب تفسير مجمع البيان يقول:
(... الكلام في زيادة القرآن ونقصانه. فأمّا الزيادة فيه فمجمع على بطلانها، وأمّا النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من الحشوية العامة أنّ في القرآن تغييرا أو نقصانا، والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه، وهو الذي نصره المرتضى قدس الله روحه )
.
٦ - السيد ابن طاووس
المتوفى: ٦٦٤هـ يقول في كتابه المسمى بسعد السعود:
(ان رأي الإمامية هو عدم التحريف)
. ويقول ردّاً على أهل السنّة:
( قد تعجبت ممّن استدلّ على أنّ القرآن محفوظ من عند رسول الله وهو الذي جمعه، ثم ذكر هاهنا اختلاف أهل مكّة والمدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة واختار أنّ(
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
)
ليست من السورة، وأعجب من ذلك احتجاجه بأنّها لو كانت من نفس السورة لكان قد ذكر قبلها افتتاح. فيا لله ويا للعجب إذا كان القرآن مصونا من الزيادة والنقصان كما يقتضيه العقل والشرع فكيف يلزم أن يكون قبلها ما ليس فيها وكيف كان يجوز ذلك أصلا)
.
____________________
٧ - ملا محسن المعروف بالفيض الكاشاني
المتوفى( ١٠٩١هـ) : بعد نقل جمع من الروايات التي يشمّ منها التحريف يقول:
( ويرد على هذا كلّه إشكال وهو أنّه على هذا التقدير لم يبقَ لنا اعتماد على شيء من القرآن إذ على هذا يحتمل في كل آية منه أن يكون محرّفاً ومغيّرا، ويكون على خلاف ما أنزل الله، فلم تبق لنا في القرآن حجّة أصلاً فتنتفي فائدته وفائدة الأمر بإتباعه والوصية بالتمسك به إلى غير ذلك، وأيضا قال الله تعالى(
لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِه ِ
)
،
وقال:(
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ
)
. فكيف يتطرق إليه التحريف والتغيير!! وأيضاً قد استفاض عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
والأئمةعليهمالسلام
حديث عَرْض الخبر المروي على الكتاب؛ لتُعلم صحته بموافقته له، وفساده بمخالفته. فإذا كان القرآن الذي بأيدينا محرّفاّ فما فائدة العَرْض، مع أنّ خبر التّحريف مُخالف لكتاب الله مُكَذِّب له فيجب ردّه والحُكم بفساده أو تأويله)
.
ويقول أيضاً في إثبات عدم التحريف في سائر كتبه
: ( هذا صريح قول الفيض في عدم التحريف، بعد نقله بعض روايات التحريف، وإنّك ترى انّه يحكم بمخالفتها للكتاب ولزوم الحكم بفسادها عند المخالفة، ولكن بعض المنحرفين الذين يسعون في الأرض فساداً ينسبون القول بالتحريف إلى الفيض لنقله بعض الروايات ، ولكن لم يذكر حكمه عليها ؛ ليشوّش الأذهان حول الإمامية، وهو يؤكد على نسبة القول بالتحريف بالنسبة إلى الفيض في صفحات من كتابه
( إن هذا إلاّ ضَلال مبين).
٨ - محمد بهاء الدين العاملي المعروف بالشيخ البهائي
المتوفى سنة ١٠٣٠هـ يقول:
(... والصحيح أن القرآن العظيم محفوظ من ذلك زيادة كان أو نقصانا، ويدلّ عليه قوله تعالى -(
إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ
)
- وما اشتهر بين الناس من إسقاط اسم أمير المؤمنين في بعض المواضع، مثل قوله:(يا أيّها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك في
____________________
علي)
وغير ذلك فهو غير معتبر عند العلماء
.
٩ - الشيخ محمد بن الحسن الحرّ العاملي:
صاحب الكتاب القيّم وسائل الشيعة (المتوفى ١١٠٤هـ). يقول في رسالة في إثبات عدم التحريف ( بالفارسي) ما تعريبه:
(ومن له تَتَبّع في التاريخ والأخبار والآثار يعلم علماً يقينا بأنّ القرآن ثبت بغاية التواتر وبنقل آلاف من الصحابة، وأنّ القرآن كان مجموعا مؤلفاً في عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
.
هذا صريح قول الشيخ الحر العاملي، احد أعلام الشيعة ومحدثيهم، أثبته في رسالة له في إثبات عدم نقص القرآن، ولكنك ترى أنّ بعض الكذابين ينسبون إليه القول بالتحريف
.
١٠ - العالم المحقق زين الدين البياضي،
صاحب كتاب (الصراط المستقيم)، يقول - في تفسير قوله تعالى(
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ
)
-
: أي إنّا لحافظون له من التحريف والتبديل والزيادة والنقصان)
.
١١ - القاضي سيد نور الله التستري،
يقول:
(ما نسب إلى الشيعة الإمامية من وقوع التغيير في القرآن ليس مما يقول به جمهور الإمامية، إنّما قال به شرْذِمة قليلة منهم لا اعتداد بهم في ما بينهم )
.
١٢ - المقدس البغدادي:
في كتابه (شرح الوافية) نقل الإجماع على عدم النقيصة بين أصحابنا
.
____________________
١٣ - كاشف الغطاء:
وهو ينفي القول بالتحريف ونسبته إلى الإمامية في كتابه ( كَشْف الغِطاء عن مُبهمات الشريعة الغرّاء ).
١٤ - السيد المجاهد محمد جواد البلاغي:
في كتابه التفسير المسمى بـ ( آلاء الرحمن) ينكر نسبة التحريف إلى الإمامية.
١٥ - السيد مهدي الطباطبائي المعروف ببحر العلوم:
في كتابه (فوائد الأصول) في قسم حجية الكتاب يقول بعدم التحريف
.
١٦ - آية الله كوه كمري:
يقول بعدم التحريف على ما حَكى عنه تلميذه في كتاب (بشرى الأصول).
١٧ - السيد محسن الأمين العاملي:
ينادي بالقول بعدم التحريف في كتابه أعيان الشيعة الذي ألّف حول حياة شخصيات الشيعة وأعيانها في التاريخ ويقول - بالنسبة إلى من نسب ذلك إلى الشيعة - :
( فهذا كذب وافتراء تَبع فيه ابن حزم... ونص كبراء الشيعة ومحدثيهم على خلافه). ويقول أيضاً في موضع آخر:
( لايقول احد من الإمامية - لا قديما ولا حديثا - أنّ القرآن مزيد فيه قليل أو كثير، بل كلهم متفقون على عدم الزيادة ومن يعتد بقولهم متفقون على أنّه لم ينقص منه... ومن نَسب إليهم خلاف ذلك فهو كاذب مفتر مجترئ على الله ورسوله )
.
١٨ - ملا فتح الله الكاشاني:
صاحب تفسير منهج الصادقين
.
١٩ - المِيرْزا حسن الاشتياني:
في كتابه بحر الفوائد.
٢٠ - الشيخ المامقاني:
في كتابه تنقيح المقال...
٢١ - الشيخ محمد النهاوندي:
في تفسيره المسمى بنفحات الرحمن.
٢٢ - السيد علي نقي الهندي:
في مقدمة كتابه المسمى بتفسير القرآن.
____________________
٢٣ - السيد محمد مهدي الشيرازي
.
٢٤ - السيد شهاب الدين المرعشي النجفي
.
٢٥ - السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي:
في كتابه ( أجوبة مسائل موسى جار الله ).
٢٦ - السيد محمد رضا الكُلبايْكاني
.
٢٧ - السيد الإمام الخميني
في كتاب كشف الأسرار.
وهناك نصوص أخرى من علماء الشيعة حول نَفْيهم القولَ بالتحريف، لم نذكرها هنا فمن أراد فليراجع كتبهم الأصولية، في بحث حجية الكتاب وأيضا كتاب: (كشف الارتياب في رد فصل الخطاب).
وقد ترك لنا هؤلاء العلماء الذين ذكرناهم أخيرا كتابات تدل على قولهم بعدم التحريف أوردها صاحب كتاب (برهان روشن) الميرزا مهدي البروجردي (حفظه الله)، وذكر أيضا عدة من الأفاضل غير مَن ذكرنا. راجع كتابه ( كتابات ورسالات حول إثبات عدم التحريف) :
١ - رسالة من الشيخ الحر العاملي، نقله صاحب كتاب لؤلؤة البحرين
.
٢ - رسالة من الشيخ عبد العالي الكركي في نفي النقيصة
.
٣ - رسالة من الشيخ العالم آقا بزرك الطهراني المسمّى ( النقد اللطيف في نفي التحريف)
.
٤ - بحث للسيد الخوئي في كتابه ( البيان في تفسير القرآن ).
٥ - بحث للسيد العلامة محمد حسين الطباطبائي في تفسيره الكبير المسمى بـ (الميزان في تفسير القرآن)، ذيل آية:(
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ...
)
.
٦ - رسالة من عبد الحسين الرشْتِي الحائري: باسم ( كشف الاشتباه ) في رد موسى جار الله.
٧ - الشيخ عبد الرحيم التبريزي: ألف كتابه المسمّى ( آلاء الرحيم ) في الرد على التحريف.
____________________
وفي ختام نقل كلمات علماء الشيعة، نذكر كلام احد علماء السنّة حول اعتقاد الشيعة بعدم التحريف، يقول العالم السنّيرحمهالله
الهندي صاحب كتاب إظهار الحق حول الشيعة والقرآن:
( إنّ القرآن المجيد عند جمهور علماء الشيعة الإمامية الاثني عشرية محفوظ عن التغيير والتبديل، ومن قال منهم بوقوع النقصان فيه فقوله مردود غير مقبول عندهم)
.
قصّة مُصْحف عليعليهالسلام
عليعليهالسلام
وجَمْع القرآن
ورد في كتب التاريخ والحديث أنّ علياًعليهالسلام
جَمَع القرآن وحفظه كله، وثبت أنّه من كتّاب الوحي ومِن أجلّهم. يقول ابن أبي الحديد: ( اتفق الكل على انه كان يحفظ القرآن على عهد رسول الله ولم يكن غيره يحفظه، ثم هو أوّل من جَمَعه )
.
وعن سليم بن قيس: ( إنّ علياعليهالسلام
بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
لزم بيته وأقبل على القرآن يؤلفه ويجمعه فلم يخرج من بيته حتى جمعه)
.
وعن الكلبي قال: ( لما تُوفي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
قَعَد علي بن أبي طالب في بيته فجَمَع القرآن )
.
وعن الكتاني: ( أنّ علياً جَمَع القرآن على ترتيب النزول عقب موت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
)
.
وعن ابن المنادي: (حدثني الحسن بن العبّاس قال: أُخبرت عن عبد الرحمن بن أبي حماد عن الحكم بن ظهير السدوسي عن عبد خير عن عليعليهالسلام
أنّه رأى من الناس طيرة عند وفاة النبي، فأقسم أنّه لا يضع عن ظهره رداءه حتى يجمع
____________________
القرآن فجلس في بيته ثلاثة أيام حتى جمع القرآن فهو أوّل مُصْحَف جَمَعَ فيه القرآن من قلبه)
فمع قرابة عليعليهالسلام
من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
وكونه مع النبي دائماً يقتضي ذلك طبعا أن يكون جَمْعُه للقرآن بأحسن وجه، فهوعليهالسلام
يقول:« ولقد كنت اتبعه إتباع الفصيل أثر أمّه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً، ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كل سنة بحرّاء فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذٍ في الاسلام غير رسول الله وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشمّ ريح النبوّة، ولقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه، فقلت: يا رسول الله ما هذه الرّنَّةُ؟ فقال: هذا الشيطان قد آيس من عبادته. إنّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى، إلاّ انّك لست بنبي لكنّك لوزير، وانّك لعلى خير »
.
ونُقل أيضاً عن سليمان الأعمش قال: قال عليعليهالسلام
:« ما نزلت آية إلاّ وأنا علمت فيما أُنزلت، وأين نزلت، وعلى من نزلت، إنّ ربّي وهب لي قلباّ عقولاً ولساناً طلقاً »
.
وعنهعليهالسلام
:« سَلُوني عن كتاب الله فإنّه ليس من آية إلاّ وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار، في سهل أم في جبل »
.
وكذا عن سليم بن قيس: عن عليعليهالسلام
: « ما نزلت على رسول الله آية من القرآن إلاّ أَقرأنِيها، وأملاها عليّ فكتبتها بخطي، وعلمّني تأويلها وتفسيرها، وناسخها ومنسوخِها ومحكمها ومتشابهها، ودعا الله عز وجل أن يعلمني فَهْمَها وحفظها، فما نسيت آية مِن كتاب الله عزّ وجلّ ولا عِلْمَا أملاه عليّ فكتبته )
.
ولمّا كان الإمام عالما بتمام الآيات علماً وافياً، وعالماً بشأن نزولها، فقد
____________________
كتب مصحفه طبقاً لِمَا نَزل، ولِمَا أمره به رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
حسب الرواية السابقة، وكتب أيضا في مصحفه تأويل الآيات طبقاً لما علّمه إيّاه رسول الله، ولذا كان مُصْحَفهعليهالسلام
أتمّ المصاحف وأكملها؛ بِلِحاظ وجود التأويلات وشأن نزول الآيات، كما كان تأليفه للمصحف طبقا لما نزل في الأزمنة المختلفة.
روى محمد بن سيرين عن عكرمة قال: (عند بدء خلافة أبي بكر قعد علي بن أبي طالب في بيته يجمع القرآن. قال فقلت لعكرمة: هل كان تأليف غيره كما انزِلَ، الأول فالأول؟ قال: لو اجتمعت الجن والإنس على أن يؤلفوه هذا التأليف ما استطاعوا)
.
ويقول المفيد حول مصحف الإمامعليهالسلام
: ( فقدم المكّي على المَدَني، والمنْسُوخ على الناسِخ، ووضع كلّ شيء منه في حقه)
. وكذا يقول: ( ومما لا خلاف فيه بين المسلمين المفسرين هو حذف ما كان مثبّتا في مصحف أمير المؤمنين من تأويل القرآن وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله)
.
وهذا صريح في أنّ من ادعى أنّه قد كان في مصحف الإمام بعض النصوص المثْبِتة لخلافتهعليهالسلام
إنّما كان من قبيل تأويل القرآن وتنزيله.
وعن ابن جزي الكلبي: ( لو وجد مصحفهعليهالسلام
لكان فيه علم كثير )
. وعن السيوطي حول اختلاف ترتيب السور في مصاحف السلف، قوله: ( فمنهم مَن رتبها على ترتيب النزول وهو مصحف علي، كان أوّله: اقرأ ، ثم المدثر، ثم نون، ثم المُزَّمّل، ثم التكوير، وهكذا إلى آخر المكّي والمدني )
.
وكذا عن ابن سيرين على ما حكي عنه ابن أشتة : ( إنّ علياً كتب في مُصْحَفه الناسِخ والمنْسُوخ ) وكذا عن ابن سيرين: ( تطلبت ذلك الكتاب، وكتبت
____________________
فيه إلى المدينة فلَم أقدر عليه )
وكذا عن ابن سيرين (ولو أُصيب ذلك الكتاب لكان فيه العلم)
.
فهل كان ابن سيرين يعتقد بأنّ مُصْحَف عليعليهالسلام
فيه بعض الآيات التي ليست في المصاحف الأخرى!!؟ لا، بل هذه الإضافات ما هي إلاّ تأويلات وتنزيلات. وهذا عين ما صرّح به الإمامعليهالسلام
نفسه، إذ قال:
« وقد جئتهم بالكتاب مشتملا على التنزيل والتأويل »
. وتشير إلى ذلك روايات
تصرّح بوجود بعض أسماء المنافقين من قريش في مصحف الإمامعليهالسلام
، وهذه الأسماء من التأويلات ولشرح شأن نزول الآيات.
ولما كان هذا النحو من الجمع لا يكون إلاّ من أمير المؤمنينعليهالسلام
، فإنّنا نجد الإمام أبا جعفرعليهالسلام
يقول:« ما ادّعى أحد من الناس أنّه جمع القرآن كلّه كما أُنزل إلاّ كذّاب، وما جمعه وحفظه كما أُنزل إلاّ علي بن أبي طالب والأئمّة بعده »
.
أمّا حمْل جَمْعَ عليعليهالسلام
للقرآن على جمعه في الصدر
فهو مخالف لما صرحت به الروايات الواردة في تأليف القرآن في المصحف، وما ورد حول كيفية تأليفه. فتبين أنّه ليس في النصوص التي وردت حول مصحف عليعليهالسلام
إشارة إلى وجود بعض الآيات إضافة لما كان في مصاحف غيره، بل فيه التأويلات وتبيين محل نزول بعض الآيات فقط.
مُصْحَف فاطمةعليهاالسلام
يمكن أن يتوهم أنّ مصحف فاطمةعليهاالسلام
من قسم مصحف عائشة أو حفصة أو غيرهما من الصحابة والتابعين، فيه ذكرت الآيات على نحو يختلف عمّا
____________________
ذكرت في القرآن المتواتر، ونحن نقول:
ورد في روايات كثيرة ذِكْرُ مصحف فاطمةعليهاالسلام
، وصُرِّح في بعضها أنّ في هذا المصحف عِلْمُ ما يكون وليس فيه ذكر حلال ولا حرام، كما صرّحت بعض روايات أخرى بأنّ فيه وصيّة فاطمة الزهراءعليهاالسلام
. وعلى هذا يمكن أن تكون فيه بعض المعارف التي تعلمتها فاطمةعليهاالسلام
من أبيها في طيلة حياتها، وتصرّح بعض الروايات أيضاً بأنّ مًصْحف فاطمة ليس فيه قرآن ولم يكن مُصْحَفا قرآنيا
.
نحن لا نريد أن نعرف ماذا في مصحف فاطمة، بل نريد أن نقول إنّ مصحفها ليس مصحفا قرآنيا، ولذا لم يقع ما توهمه بعض المتوهمين في المقام.
تنبيه وتعقيب
بعد بيان اعتقاد الإمامية بالنسبة إلى سلامة القرآن وعدم تحريفه يجب أن ننبّه إلى بعض الأمور:
ألف - إنّ من المغالطات العامّة (عمداً أو سهواً) هو الخلط بين فِرَق الشيعة وعدم التمييز بين اعتقادات كل فِرقة منهم، فلا يفرّقون بين الغُلاة والمعتدلين، وعدم تفريقهم بين هذه الفِرق أوجب لهم نسبة اعتقادات بعضهم إلى بعض آخر، ولذا يقول الدكتور حفني داود بالنسبة إلى أحمدأمين المصري بأنّه : ( لم يفرِّق التفرقة العلمية بين الإمامية والمؤلّهة... بل أكثر من ذلك، لم يميّز التمييز الدقيق بين المعتدلين من هؤلاء الأتباع ومن المتعصبين الذين يتناولون عقائد غيرهم بألسنة حِداد )
.
ويقول أيضا:
( فالإمامية والزَّيْدِيّة من المذاهب الشيعية المعتدلة، يختلفون كل الاختلاف عن الكيسانية والمؤلّهة والحلولية المتطرفة )
.
هذا الخلط ناشئ من جهلهم باعتقادات الشيعة الإمامية، ونعتقد أنّهم لهم يميّزوا هذا التمييز من أجل أن يستفيدوا من ذلك في هجمتهم على الإمامية، وهذا مما لا يليق بفكر سليم وعاقل مسلم.
____________________
أمّا بعض المسائل التي كانت جزءاً من بعض اعتقادات الغلاة فلا تجوز نسبتها إلى الشيعة الإمامية، ومسألة التحريف من هذا القبيل، واعتقاد الغلاة بذلك كالسَيّاري، أو أحمدبن محمّد الكوفي أو غيرهما، ونقلهم لبعض هذه الروايات يشير إلى أنّ ذلك كان من اعتقادات الغلاة ولا تصح نسبته إلى الإمامية.
ولكنّ الجاهلين أو المغرضين قد نسبوا هذا القول إلى الشيعة من دون تفريق بين فرقهم من متقدميهم ومتأخريهم )
. ونحن نرى أنّ معظم هذه الروايات قد ورد من طريق الذين كانوا متهمين بالغلوّ والكذب في كتب رجاليّي الشيعة.
والآن نجد بعض العلماء المشهور بأنهم من الإمامية في بعض المناطق يميلون إلى بعض الغلاة كما في الهند والباكستان وهم يكتبون بعض الكتابات العقائدية التي يفهم منها أنهم قائلون بالتحريف.
كما أنّ سائر اعتقاداتهم أيضاً تشير إلى ميلهم إلى الغلاة. وهذا ممّا لم يقبله كبار الشيعة الذين ذكرناهم، ولا تتحمّل الإمامية وزرهم، بل كانت هذه آراؤهم الشخصية ولا يمكن نسبتها إلى الإمامية، كما أنّ بعض علماء العامة في التاريخ - كابن تيمية وغيره - قد اظهروا بعض الأقوال في بعض المسائل مما لا يقبله أهل السنّة عامّة، ولا يمكن نسبة هذه الاعتقادات إليهم كلهم.
فما نقل من قبل هؤلاء الأفراد لا تصح نسبته إلى الشيعة الإمامية، والذي أنصف في ذلك هو الزرقاني حيث قال:
(يزعم بعض غلاة الشيعة أنّ عثمان ومن قبله أبو بكر وعمر أيضاً حرَّفوا القرآن وأسقطوا كثيراً من آياته وسوره)
.
ويقول أيضاً: ( إنّ بعض علماء الشيعة تبرأوا من هذا السخف، ولم يطق أن يكون منسوبا إليهم)
.
كما يقول الدكتور عبد الصبور شاهين: ( إنّ الذين الصقوا بالمصحف
____________________
بعض روايات الكذب، هم الغلاة )
.
( فانظر إلى آثار الشيعة تجد أنّهم قد ألّفوا في رد الغلاة عشرات الكتب، وتبرأوا منهم ومن اعتقاداتهم حتى يتبين لك الفرق العلمي بينهم)
.
باء - من الأمور التي يجب التنبيه إليها هو وجود بعض الإخباريين بين الشيعة والسنّة الذي يهتمون بالروايات من حيث الرواية والخبر من دون النظر في القرآن ومطابقة الروايات للكتاب وعدمها فهؤلاء يأخذون الروايات من دون تدقيق في إسنادها، ولا يفرقون التفرقة العلمية بين الروايات وقبول ما هو صحيح منها ورد ما هو غير صحيح.
فلذا لمّا رأى هؤلاء بعض الروايات التي ظاهرها التحريف خُدعوا بها واعتقدوا بالتحريف وحتى لو لم يكونوا معتقدين بالتحريف فإنّهم على أي حال قد رووا هذه الأباطيل في كتبهم، لأنّهم احتملوا صحتها أو احتملوا لها وجهاً وجيهاً ليس من قبيل التحريف بنظرهم. والعهدة في ذلك عليهم لنقلهم هذه الروايات. وعلى أي حال فإنّ علماء الشيعة وكبراءهم كالصدوق والطوسي والمرتضى والطبرسي وغيرهم لم يعتقدوا بالتحريف وأنكروا نسبته إلى الشيعة وهذا هو الصحيح، وقد أكدوا على ضعف الروايات التي وردت في التحريف. راجع مقدمة مجمع البيان وغيرها ومقدمة تفسير الصافي والبحار وغيرهما.
فصل الخِطاب، التحريف، أهل السنّة
إنّ بعض الذين يحبون خداع الناس يظهرون بأنّ( فصل الخِطاب) الذي ألّف في تحريف الكتاب للميرزا محمد تقي النوري الطبرسي كله وارد من طرق الشيعة، وذكروا اثنين من أدلّة النوري التي ترجع إلى أحاديث الشيعة في الظاهر ولم يذكروا عشرة من أدلته الأخرى التي ترجع تسعة منها إلى روايات أهل السنّة
، وها نحن نذكر أدلّة النوري واحداً بعد واحد، حتى يتبين للناس أنّ أكثرها منقول عن
____________________
أهل السنّة.
أمّا دليله الأوّل:
فقد نقل الروايات التي رواها العامة وبعض من الخاصة ( الشيعة ) حول أنّ ما وقع في الأمم السالفة كبني إسرائيل يقع في الامة الإسلامية أيضاّ، وذكر روايات الصحاح من أهل السنّة في ذلك. وينتج من ذلك أنّ ما وقع في بني إسرائيل هو تحريف كتابهم وهو واقع في امتنا الإسلامية أيضاً.
ومع غض النظر عن عدم صحة هذا الاستدلال؛ لأنّ ما أشارت إليه الرواية هو الحوادث الاجتماعية والسنن التاريخية التي أشار إليها القرآن نقول إنّ أكثر هذه الروايات منقول عن أهل السنّة وإن كان فيها بعض ما روي عن الشيعة.
وأمّا دليله الثاني:
فيذكر النوري فيه روايات السنّة في جمع القرآن وما فيه من الخزعبلات، كجمع القرآن بشاهدين، أو وجود الآيات عند بعض الافراد فقط و... فينتج من هذه الروايات عدم تواتر القرآن واحتمال وقوع التحريف.
ومع إنّ قصة جمع القرآن بهذا الشكل إنّما رواها أهل السنّة فإنّ الشيعة يعتقدون بأنّ القرآن قد جُمِع في عهد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
كما أشار إلى ذلك الطبرسي في مقدمته على مجمع البيان.
وأمّا دليله الثالث:
ففيه يذكر النوري روايات أهل السنّة حول الآيات والسور التي رُفِعَت تلاوتها،!!! فهو بعد نفيه نسخ التلاوة يقول: إنّ هذه الروايات تدلّ على وجود آيات وسور قد حذفت بأيدي الخلفاء، فهذا أيضاً كما ترى مما رواه أهل السنّة.
ونحن أيضاً نحكم ببطلان نسخ التلاوة ، ولكنّنا نقول بالنسبة إلى ما روي في ذلك من الموارد أنّها آحاد لا يثبت بها القرآن، ويجب علينا وعلى كل المسلمين طرحها والضرب بها عرض الجدار.
وأمّا دليله الرابع:
فإنّه يذكر فيه التقديم والتأخير في الآيات، ثم يورد روايات تدل على وجود التقديم والتأخير خلاف ما أنزل الله، ومنها مصاحف السلف وقول أهل السنّة بأنّ ترتيب القرآن اجتهاد من الصحابة، وترتيب القرآن في مصاحف الصحابة من أُبي وعليعليهالسلام
، وابن مسعود، وفيه يذكر أيضاً شواهد عن الشيعة.
ونحن أيضاً نعتقد بالتقديم والتأخير في السور ولكن لا في الآيات لأنّ
بعض الروايات تصرح بأنّ تعيين الآيات قد كان من قِبَل الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم
نفسه واختلاف ترتيب السور في المصاحف لا يُثبت وقوع التحريف.
وأمّا دليله الخامس:
فيذكر فيه المصنف اختلاف مصاحف الصحابة في نقل بعض الآيات والكلمات والسور، ويذكر الروايات في ذلك عن أهل السنّة كالدر المنثور، والثعلبي، والإتقان، والكشاف وغير ذلك، ثم يستنتج من ذلك وقوع التحريف في الكتاب فهذا الدليل أيضاّ كل رواياته مأخوذة عن السنّة وإن كان فيه بعض الروايات عن الشيعة أيضاً حول اختلاف هذه المصاحف.
ونحن نقول إنّ هذه القراءات الشاذة التي تنسب إلى بعض الصحابة - وكذا ما دل على وجود بعض السور والآيات الأخرى - ما هي إلاّ روايات آحاد وأكثرها مكذوب ولا يثبت بها قرآن خلاف القرآن الموجود، الذي ثبت تواتره عند جميع المسلمين، سوى الصانعين لهذه الروايات.
وأمّا دليله السادس:
فيذكر فيه روايات أهل السنّة حول أُبي بن كعب بأنه أقْرَأُ الأمّة، ثم يذكر أيضاً رواياتهم حول مصحفه وأنّ فيه أكثر ممّا هو موجود الآن. يستنتج من ذلك أنّ المصحف الموجود ليس شاملا لجميع ما في مصحفه، فيثبت التحريف عنده. وروايات هذا الباب أكثرها عن السنّة كما إنّ بعضها عن الشيعة.
وقولنا في ذلك هو ما قلناه في السابق.
وأمّا دليله السابع:
ففيه ذكر عمل عثمان بإحراق المصاحف وحَمْل الناس على قراءة واحدة، وهذا أيضاً مما رواه أهل السنّة كما رواه الشيعة، ولعلهم أخذوه منهم، وكلاهما رويا مخالفة ابن مسعود لعمل عثمان. ثم يستنتج المصنف من هذا وجود التحريف مع توضيحات أخرى.
ونحن نقول بعد ذلك إنّ عمل عثمان قد أيّده الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام
ومخالفة ابن مسعود إمّا مكذوبة عليه، وإمّا أنّها كانت لأمر آخر، أو ناشئة عن عدم معرفته بوجود اختلاف كثير في ذلك الزمان في قراءة القرآن كما أشار إليه حذيفة.
أمّا دليله الثامن:
فتعرّض فيه لما ذكره أهل السنّة من الروايات والأقوال حول نقص القرآن، كما روى عن ابن عمر حول نقص القرآن وذهاب كثير من آياته وما رواه المستدرك حول قصة أبي موسى الأشعري بجمع القراء وقوله لهم في
احد المسبّحات ( كما مر )، وكذا قصّة الخلع والحَفْد عن أهل السنة
، وأيضاً ما رواه البخاري حول زيادة صلاة العصر في الآية، وما نقل في ذلك عن مصحف عائشة وعن البخاري حول تحريف آيات أخرى، كمواسم الحجّ وما استمتعتم، عن الثعلبي والإتقان والموطأ والمحاضرات للراغب الأصفهاني.
أمّا نحن فنقول في ذلك مثل قولنا في ما روي حول نسخ التلاوة وقد تقدم.
أمّا دليله التاسع:
فهو استنباط خاص من بعض الروايات الواردة في بعض كتب الشيعة والتي ليس فيها ذكر القرآن ولا التحريف ولا اختلاف القراءة بل كل ما ورد فيها أنّ أسامي الأئمّةعليهمالسلام
قد ذكرت في الكتب السماوية، ثم يستنتج المصنِّف من هذا أنّه لابد وأنّ أساميهم كما ذكرت في الكتب السابقة فلابد وان تكون مذكورة في القرآن، لأنها مما يختص بالأمّة الإسلامية، فإذا لم نجدها في القرآن فلا يعني ذلك عدم ذكرها بل يدل على حذف هذه الأسماء من القرآن بأيدي المغرضين.
ونحن نقول إنّنا لا نقبل هذا الاستدلال لإمكان الخدش في مقدماته، كما يمكن أن يكون عدم ذكر أسامي الأئمّة في القرآن إنّما هو لدلائل أخرى لم نعلمها. وهناك أيضاً روايات أخرى تصرح بعدم ذكر اسم عليعليهالسلام
فيه (وقد ذكرناها في ما مضى).
أمّا دليله العاشر:
فيذكر فيه المصِّنف من روايات اختلاف القراءات التي رواها أهل السنّة بطرق أكثر من أن تحصى، ويوجهونها برواية نزول القرآن على سبعة أحرف، ويجوِّزون هذه القراءات وإن زاد عددها على العشر، كما صرّح بذلك بعضهم، وأيضا روى الشيعة في ذلك بعض القراءات التي لا يصح أكثر رواياتها وإن صح بعضها فإنّنا نجد في مقابلها ما أمر به الأئمّة:« اقرؤوا كما يقرأ الناس »
و:« اقرؤوا كما علمتم »
. كما إنّ هذه القراءات روايات آحاد لا تثبت قرآنا إلاّ ما تواتر منها ( وان أمكن عدم قبول تواتر بعضها أيضاّ)، أو لعلها تفسيرات.
أمّا دليله الحادي عشر:
فهو ودليله الآتي ترجع رواياتهما في الظاهر إلى
____________________
الشيعة ففي هذا الدليل يذكر روايات الشيعة حول أنّ القرآن وقع فيه التحريف.. وجوابنا عن هذه الروايات إضافة إلى أنّ أكثرها مروي عن السَيّاري ( الغالي ) وغيره من الضعفاء فإنّ المقصود بها هو التحريف المعنوي لا اللفظي، لوجود رواية صحيحة تصرّح بذلك، وهي: رسالة الإمامعليهالسلام
لسعد الخير، كما ذكرها الكليني في روضة الكافي ( ذكرناها فيما مضى فراجعها ).
أمّا دليله الثاني عشر:
فقد جمع فيه المصنِّف روايات الشيعة في موارد مخصوصة من الآيات وتحريفها، ويبلغ عددها ألف حديث.
ونحن نقول:
* إنّ أكثر من ٣٢٠ رواية من هذه الأحاديث يرجع إلى السَيّاري ( الغالي ) الملعون على لسان الصادقعليهالسلام
والمخدوش من قبل جميع الرجاليين.
* وإنّ أكثر من ٦٠٠ حديث من مجموع الألف حديث مكررة. والفرق فيها إمّا من جهة نقلها من كتاب آخر مع وحدة السند أو نقلها عن طريق آخر.
أمّا غير ما ورد من الروايات عن السَيّاري وكذلك غير المكررات فإنّنا نجد أنّ أكثر من ١٠٠ حديث عبارة عن قراءات مختلفة أكثرها عن الطبرسي في مجمع البيان، وأيضاً فإن أكثرها مشترك بين السنّة والشيعة، والطبرسي يروي عن رجال أهل السنّة مثل: الكسائي، وابن مسعود، والجحدري، وأبي عبد الرحمن السَلَمي، والضحّاك وقتادة، وابن عمرو، وابن حجاز، ومجاهد، وعكرمة، وعمرو بن قائد، وغيرهم من رجال السنّة. وبعد كل هذا هل يمكن القول بالتحريف استنادا إلى قسم قليل من الروايات التي تبقى بعد ذلك حتى ولو كانت منقولة نقلها الكليني أو علي بن إبراهيم القمّي!!؟ مع أن أكثر علماء الشيعة يعتقدون بسلامته طبقا للتواتر.
إضافة إلى كل ما سبق فإنّ بعض هذه الروايات التي ذكرها النوري يرجع إلى التفسير وشأن نزول الآيات كما صرّح به المجلسي في شرحه على أصول الكافي.
وفي ختام هذا البحث نذكر قول الشيخ آقا بزرك الطهراني ، عن أستاذه الميرزا حسين النوري صاحب كتاب فَصْل الخِطاب:
والطهراني يقول: ( حسبما شافهنا به وسمعنا من لسانه فإنّه كان يقول:
أخطأت في تسمية الكتاب وكان الأجدر أن يسمى بـ (فصل في عدم تحريف الكتاب) لأنّي أثبتُ فيه أنّ كتاب الاسلام - القرآن الشريف - الموجود بين الدفتين، المنتشر، في أقطار العالم، وحي الهي، بجميع سوره وآياته وجمله لم يطرأ عليه تغيير أو تبديل ولا زيادة ولا نقصان من لدن جمعه حتى اليوم، ولقد وصل إلينا المجموع الأول بالتواتر القطعي... كما إنّي أهملت التصريح في مواضع متعددة من الكتاب؛ حتى لا تسدّد نحوي سهام العتاب والملامة، بل صرّحت غفلة بخلافه، وإنما اكتفيت بالتلميح إلى مرامي في ص٢٢، إذ المهم حصول اليقين بعدم وجود بقية للمجموع بين الدفتين، كما نقلنا هذا العنوان عن الشيخ المفيد في ص٣٦، واليقين بعدم البقية موقوف على دفع الاحتمالات العقلائية الستة المستلزم بقاء احدها في الذهن لارتفاع اليقين بعدم البقية، وقد أوكلت المحاكمة في بقاء احد الاحتمالات أو انتفائه إلى من يمعن النظر في ما أدرجته في الكتاب من القرائن والمؤيدات، فإن انقدح في ذهنه احتمال البقية فلا يدَّعِ جزافا القطع واليقين بعدمها وان لم ينقدح فهو على يقين و( ليس وراء عبادان قرية ) كما يقول المثل السائد، ولا يترتب على حصول هذا اليقين ولا على عدمه حكم شرعي فلا اعتراض لإحدى الطائفتين على الأخرى ).
وأضاف الطهرانيرحمهالله
: (هذا ما سمعناه من قول شيخنا نفسه أمّا عمله فقد رأيناه وهو لا يُقيم لما ورد في مضامين الأخبار وزنا، بل يراها آحادا لا تثبت بها القرآنية بل يضرب بخصوصيتها عرض الجدار...)
.
ويمكننا أن نقول - بكل ثقة وتحد - إنّ ما رواه أهل السنّة في ذلك أكثر مما روي عن الشيعة بكثير، ولو جُمع بكل طرقه من الكتب التي نقلت هذه الروايات (من كتب التفسير والقراءات وعلوم القرآن والحديث و...). فإذا كان الوضع والاختلاف في زمن البخاري حداه هو لجمع صحيحه ( الذي يشتمل على سبعة آلاف مع أنّ ثلاثة آلاف منها مكررة ) من ٦٠٠ ألف حديث
، فلا يبعد وجود روايات التحريف في حد أعلى وأكثر مما روى الشيعة. وكتبهم وصحاحهم خير شاهد على ذلك.
____________________
خاتمة:
بعد إتمام البحث يجب أن أشكر سيدنا الأستاذ السيد جعفر مرتضى العاملي الحسيني الذي أعانني على جمع الروايات والمصادر، كما صحح المتن بعد إتمامه والشيخ حجة الإسلام التسخيري - معاون العلاقات الدولية في منظمة الإعلام الإسلامي - على مراجعته من جديد.
١٤٠٥هـ.ق
طهران
مصادر الكتاب
الميزان في تفسير القرآن للسيد محمد حسين الطباطبائي
الصحيح من سيرة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
للسيد جعفر مرتضى
الكافي للشيخ الكليني
وسائل الشيعة للشيخ الحر العاملي
المصنف لعبد الرزاق
تفسير الصافي للفيض الكاشاني
كنز العمّال للمتقي الهندي
سنن الدارمي للدارمي
الدر المنثور للسيوطي
دراسات وبحوث في التاريخ والإسلام للسيد جعفر مرتضى
الإتقان للسيوطي
البرهان في علوم القرآن للزركشي
البيان في تفسير القرآن للسيد الخوئي
صحيح البخاري للبخاري
الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد
بحوث حول علوم القرآن وتاريخه لمير محمدي
تاريخ القرآن للدكتور عبد الصبور شاهين
الفهرست لابن النديم
نور القبس للمرزباني
المصاحف لابي داود
تاريخ قرآن (فارسي) الدكتور راميار
تفسير الطبري للطبري
مناهل العرفان للزرقاني
الشيعة والسنّة لاحسان إلهي ظهير
الخطوط العريضة للخطيب
الإمام الصادق لمحمد أبو زهرة
الكشاف للزمخشري
الثقات لابن حيان
جامع الأصول لابن الأثير
مسند أحمدبن حنبل لأحمدابن حنبل
حياة الصحابة للكاند هلوي
مسند أبي عوانة لابي عوانة
كشف الأستار للبزّار
تفسير ابن كثير لابن كثير
الفرقان لابن الخطيب
أخبار أصبهان لابي نعيم الأصبهاني
صحيح مسلم لمسلم بن الحجاج
روح المعاني للآلوسي
فتح الباري لابن حجر
مجمع الزوائد للهيثمي
المُعتصر من المختصر للباجي المالكي
تفسير القمّي لعلي بن إبراهيم القمّي
بحار الأنوار للمجلسي محمد باقر
بداية المجتهد لابن رشد
تأويل مختلف الحديث لابن قُتيبة
التمهيد في علوم القرآن لهادي معرفة
التنبيه والإشراف للمسعودي
السيرة الحلبية للحلبي
العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي
التفسير الكبير للفخر الرازي
سعد السعود للسيد ابن طاووس
فقه السنّة.......................... للسيد ابن طاووس
أحكام القرآن لابن عربي
المدونة الكبرى لمالك بن أنس
المنار لمحمد رشيد رضا
الموافقات للشاطبي
الإحكام في أصول الأحكام للآمدي
تاريخ الخلفاء للسيوطي
تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر
برهان روشن (فارسي) لميرزا مهدي البروجردي
رجال النجاشي للنجاشي
قاموس الرجال للتُسْتَرِي
معجم رجال الحديث للسيد الخوئي
خلاصة الرجال للعلامة الحلي
اختيار معرفة الرجال للشيخ الطوسي
معالم العلماء لابن شهر آشوب
الذريعة لآقا بزرك الطهراني
دراسات في الحديث والمحدثين للحسني
تنقيح المقال للمامقاني
جامع الرواة للمقدس الأردبيلي
البحر الزخار لابن مرتضى
تاريخ بغداد للخطيب البغدادي
صحيح الترمذي للترمذي
تفسير القرطبي للقرطبي
آلاء الرحمن للسيد البلاغي
آلاء الرحيم للشيخ عبد الرحيم التبريزي
روضة الكافي للشيخ الكليني
التسهيل في علوم التنزيل لابن جزّي
الخصال للشيخ الصدوق
التراتيب الإدارية للكتاني
شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد
كتاب سليم بن قيس سليم بن قيس
مرآة العقول للمجلسي محمد باقر
الاحتجاج للطبرسي
تاريخ اليعقوبي ابن واضح اليعقوبي
تفسير العيّاشي للعيّاشي
أوائل المقالات للشيخ المفيد
الإستيعاب لابن عبد البر
كمال الدين للشيخ الصدوق
أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين
مجمع البيان للطبرسي
الوافي للفيض الكاشاني
علم اليقين للفيض الكاشاني
أفسانه تحريف (فارسي) للمهدوي
الشيعة في الميزان للشيخ محمد جواد مغنية
مستدرك الوسائل للنّوري
مع الكتب الخالدة للدكتور حفني داود
إعجاز القرآن للرافعي
تفسير الخازن للخازن
تحت راية القرآن للرافعي
الانتصار للخياط المعتزلي
إرشاد الساري للقسطلاني
عمدة القاري للعيني
إظهار الحق لرحمة الله الهندي
تفسير ابن كثير لابن كثير
مفردات راغب للأصفهاني
الفهرست
مقدمة الناشر: ٥
معنى التّحريف: ٧
دليل عدم التّحريف من الكتاب: ١٠
إشكالات على هذا الاستدلال وأجوبتها: ١١
أدلّة عدم التحريف في الروايات: ١٣
جَمْع القرآن في عهد النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وعدم التحريف ١٥
أدلّة جمع القرآن في عهد النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم: ١٥
الدليل من التاريخ: ٢٠
التحريف بين السنّة والشيعة ٢١
أهل السنّة ورواياتهم حول التحريف.. ٢١
اختلاف مصاحف الأصحاب.. ٢١
مصحف ابن الزبير. ٢٤
مصحف عبد الله بن عمرو بن العاص.. ٢٥
مصحف عائشة ٢٥
مصحف حفصة ٢٦
مصحف أم سَلَمَة ٢٦
اختلاف مصاحف التابعين. ٢٦
التحريف في الصحاح وغيرها ٢٧
جوابنا عن روايات أهل السنّة في التحريف.. ٣٣
قصّة البَسْمَلة والتّحريف.. ٣٥
الحروف المقطّعة أسماءٌ للسّور ٣٦
نَسْخ التلاوة ٣٧
جَمْع القرآن والتّحريف.. ٣٩
التّحريف وروايات الشيعة ٤٤
الشيعة والتحريف.. ٥٤
قصّة مُصْحف علي عليهالسلام.... ٦١
علي عليهالسلام وجَمْع القرآن. ٦١
مُصْحَف فاطمة عليهاالسلام.... ٦٤
تنبيه وتعقيب.. ٦٥
فصل الخِطاب، التحريف، أهل السنّة ٦٧
خاتمة: ٧٣
مصادر الكتاب.. ٧٤
|