الآثار الكاملة ٦
أصول الفلسفة
والمنهج الواقعي
تأليف
السيد محمّد حسين الطباطبائي
المجلّد الثاني
تقديم وتعليق: مرتضى مطهري
ترجمة: عمّار أبو رغيف
مؤسّسة أُمّ القرى للتحقيق والنشر
شعار المؤسّسة
مؤسّسة أُمّ القرى للتحقيق والنشر
كافة حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤسّسة
***
مؤسّسة أُمّ القرى للتحقيق والنشر
اسم الكتاب: أصول الفلسفة والمنهج الواقعي
تأليف: السيد محمّد حسين الطباطبائي
تقديم وتعليق: مرتضى مطهري
ترجمة: السيد عمّار أبو رغيف
الناشر: مؤسّسة أُمّ القرى للتحقيق والنشر
الطبعة الأولى / شوال ١٤٢١هـ الجزء الثاني
لبنان / بيروت / الغبيري ص ـ ب ٢٧٨ / ٢٥
omalqora@mail.com
بسم الله الرحمن الرحيم
المقالة السابعة: الوجود وواقع الأشياء
المقدّمة
ينصبّ البحث في هذه المقالة على درس الوجود وواقع الأشياء،وبعبارة أخرى:
تتناول هذه المقالة بالدرس بحث " الوجود "، الذي يشمل لوناً من القضايا التي تعرف في الفلسفة بـ: أبحاث الوجود، ونظرية الوجود.
يتداول الباحثون في الفلسفة مصطلح الوجود أكثر من تداولهم لأيّ مفهوم ومصطلح آخر ؛ وآية ذلك أَََنَّ الوجود أو الموجود هو موضوع الفلسفة(راجع المقالة الأولى) ؛ ومن هنا أضحت الفلسفة فنّاً مستقلاً عن سائر الفنون التي تحمل مصطلح " العلم "، والتي يطلق على كلٍّ منها اِسم خاص، ومن الواضح أَنَّ الباحث يتعامل في كلّ فنٍّ من الفنون مع موضوع ذلك الفنِّ بشكلٍ أساس. في هذا الضوء أمكننا أن نسمّي الفلسفة " علم الوجود " مقابل علم الأعداد، وعلم المقادير، وعلم النفس، وعلم الحيوان، وعلم المعادن... أي إنَّ الفلسفة تتعلّق بمفهوم متميّز هو مفهوم الوجود أو الموجود، على غرار تعلّق سائر إنتاج الفكر البشري بمفهوم محدّد.
بدءاً علينا أن نُلفت نظر القارئ المحترم إلى أنَّ مصبَّ درس هذه المقالة " أبحاث الوجود " بابٌ فتحه الحكماء المسلمون إِبّان الحقب الأخيرة في الفلسفة، وعكفوا على تمحيص أطراف هذه البحوث بعمقٍ ودقّةٍ. وقد عدَّ هؤلاء الحكماء هذه البحوث أُصولاً أساسية لسائر أبحاث الفلسفة، إذ يعتقد هؤلاء الحكماء أَنَّ مفتاح سائر المشكلات الفلسفية يمكن العثور عليه عبر هذه
البحوث. وعبر التوفّر على هذا المفتاح يمكن النجاح والحصول على نتائج قطعية في سائر أبحاث الفلسفة.
إنَّ البحث في "الوجود
" يضرب في عمق التاريخ العقلي، فقد تناولته مدارس الفلسفة اليونانية بالبحث، كلّ حسب منهجه الخاص. وقد ميّز أرسطو في دائرة معارفه قسماً خاص، عُرف فيما بعد بـ " الفلسفة الأولى " أو العلم الأعلى " الميتافيزيقيا "، تناول بالبحث لوناً خاصاً من المشكلات، وتميّز عن سائر الأقسام الأُخرى، التي يبحث كل منها عن موضوع مستقل، ويكمن سبب هذا التمييز في أنَّ هذا القسم الخاص تدور أبحاثه حول محور الوجود.
لقد صرّح أرسطو في ما بعد الطبيعة (كتاب الحروف
)، في مقالة الجيم: أنّ أبحاث هذا القسم لا تتلاءم مع الرياضيات أو أيّ علمٍ من العلوم ؛ لأنّ موضوع البحث في هذا القسم أعمّ من مواضيع الطبيعيات والرياضيات وغيره.
جاءت كلمة "هوية
" معادلاً لهذا المعنى الأعم في الترجمة العربية لكتاب الحروف، لكنّ الحكماء المسلمين اِستبدلوها بكلمة " الموجودات "، ولعلّ أوّل من استعمل هذه الكلمة الأخيرة هو أبو نصر الفارابي في رسائله. على أيّ حال يقرّ المحقّقون الغربيون والشرقيون بأنَّ الفلسفة الأولى والعلم الكلّي الذي يشمل أعم المسائل ابتكارٌ أرسطي، وأنَّه بحثٌ عن الوجود والموجود، وموضوعه الوجود المطلق. من هنا فالبحث في الوجود يضرب في عمق التاريخ، بل الفلسفة الأولى من حيث الأساس هي بحثٌ عن الوجود.
لكنّ الأبحاث التي جاءت في الفلسفة الإسلامية تحت عنوان " مسائل الوجود " (والتي تحتل فصلاً مستقلاً اختصت به هذه المقالة) تمثّل لوناً خاصاً من المسائل. ففي ضوء تتبّعنا وعلى هدي المعلومات التي انتهينا إليها اتّضح
لنا أَنَّ هذه الأبحاث دخلت حريم الفلسفة الإسلامية بالتدريج، فجلبت انتباه المحقّقين، حتى أضحت أكثر مسائل الفلسفة جديةً وأصالة، ومن ثمَّ مسكت زمام المبادرة في تحديد مصير الفلسفة الإسلامية.
إنَّ هذه الأبحاث انطلقت من نظريات المتكلّمين واتجاهات العُرفاء، وتأثرت بها بدرجة أكبر من ارتباطها بالمصادر اليونانية وغير اليونانية. على أنَّ هذه الأبحاث طُرحت في دائرة المتكلّمين والعُرفاء بشكل مبسّط وابتدائي، مضافاً إلى افتقارها في هذا الإطار إلى التحليل الفلسفي العقلاني السليم. لكنّها بعد أَن دخلت ميدان البحث الفلسفي وضعت تحت مشرط التحليل والتركيب الفلسفي، فتوفّرت على نضجه، حتى أضحت على صورتها النهائية في القرون الأخيرة. وسوف نشير ضمن إيضاح وتحليل هذه الأبحاث في هذه المقالة إلى وضع هذه الأبحاث لدى المتكلّمين والعُرفاء وتطوّرها في الفلسفة. ونشير إشارة تتناسب مع حجم كتابنا، لنضع بيد القارئ المحترم مفتاح هذه الأبحاث.
أمّا لِمَ لم تقع هذه الأبحاث بمفهومها الشرقي موقع اهتمام الفلسفة الأوربية الحديثة، ولم يتعدّ الأمر دائرة الاشتراك اللفظي في بعض الأبحاث نظير " أصالة الوجود " حيث يتباين مفهومها في الفلسفة الإسلامية عن مفهومها الحديث في الغرب ؟ يعود السبب إلى انقطاع الصلة بين الفلسفة الأُوربية والفلسفة الإسلامية في القرون الأخيرة.
إذا كان قارئنا المحترم مطّلعاً على الكتب العلمية إطلاعاً وافياً فإنّه يعرف السّنّة السائدة لدى الأقدمين في تدوين العلوم، حيث يبدؤون بمقدّمة تطرح ثلاثة أبحاث، تتناول موضوع العلم، وتعريفه، وفائدته ويضيفون أحياناً أُموراً أخرى. وهذه السّنّة جارية في كل العلوم والفنون من الفلسفة وغيره.
ويضيفون في مقدّمة البحث عن الفلسفة (العلم الكلّي أو الفلسفة العليا حسب مصطلح المتقدّمين) وأحياناً في كتب المنطق (كما هو الحال في منطق الشفاء) أموراً أُخرى: تقسيمات العلوم، تمايز العلوم، ماهية موضوع العلم... وغيره.
وقف العلماء باستمرار على أَنَّ مقدمة كلّ علم، أي تحديد موضوعه وتعريفه وتحديد فائدته، لا يمكن أن تكون جزءاً من ذلك العلم، وأنَّ تقسيمات العلوم ليست جزءاً من الفلسفة أو المنطق، وسرّ هذا الأمر واضح، وسيتضح بشكلٍ أكبر عبر القادم من البحث. ولكن ليس هناك علم يتكفّل بشكلٍ مستقل درس هذه المواضيع، وما هو مألوف الآن في مقدّمة كلّ علم لم يكن متداولاً في الدراسات القديمة.
لقد خطى العلماء المُحدَثُون خطوة مثمرة ـ ضمن خطواتهم المثمرة العديدة ـ في عالم الفلسفة والمنطق. فاستحدثوا فنّاً مستقلاً تكفّل إيضاح المواضيع المتقدّمة، وأضافوا فقرات مهمة أُخرى، نظير " الأصول المتعارفة " و " الأصول الموضوعة " التي تستخدم في كلّ علم، والمنهج الذي يستخدم في كلّ علم من العلوم بُغية تطوير البحث في ذلك العلم.
والموضوع الأخير أهم المواضيع التي تنبّه إليها هؤلاء الباحثون، أعني بيان اختلاف العلوم من زاوية المنهج، وتحديد الأسلوب الفكري الذي يسلكه كلّ علم للوصول إلى النتائج المطلوبة. وذهب هؤلاء الباحثون إلى أنَّ العلوم فتحت باب التكامل والتطوّر حينما تحدّدت مناهج البحث، وأنَّ علّة ركود العلوم في العصور الماضية ترجع إلى غياب المنهج السليم والمطلوب لكلّ علم، ويتجلّى هذا الغياب في استخدامهم المنهج العقلي البرهاني في الحقول التي يجب أن يستخدم فيها المنهج التجريبي.
على أيّ حالٍ، تطوّر البحث في هذا الموضوع حتى طغى على سائر المواضيع الأُخرى، وظهر إلى الوجود علمٌ جديد أطلقوا عليه " مناهج البحث ". وقد ذهب هؤلاء الباحثون إلى أَنَّ الفائدة المترتّبة على معرفة مناهج البحث أكبر بكثير من الفائدة التي تترتب على معرفة صورة الاستدلال. ومن هنا قسّموا المنطق إلى حقلين: المنطق الصوري ـ وهو منطق أرسطو ذاته ـ، ومناهج البحث، التي تتكفّل تصنيف العلوم وتعريفها وتحديد موضوعاتها وفوائدها ومناهجها وأُصولها المتعارفة والموضوعة.
بديهي أَنَّ استقصاء البحث في ما يُعرف اليوم بـ " مناهج العلوم " لا علاقة له بالبحوث المطلوبة في مجموعة مقالات هذا الكتاب. إلا أَنَّنا نضطر إلى بيان الموضوعات التي ترتبط مباشرة بالبحث الفلسفي، والتي يؤدي تركها وعدم بيان وجهة نظرنا فيها إلى خلق إشكالات في ذهن القارئ المحترم. خصوصاً وأنّ بعض هذه الموضوعات ـ حسب تتبّعنا ـ لم تدرس حتى الآن.
طرحنا في المقالة الأُولى تعريف الفلسفة وموضوعها وفائدتها، وبحثنا في المقالة الخامسة حول سلامة المنهج العقلي الذي تعتمده الفلسفة. وبحكم أَنَّ المسائل المطروحة في هذه المقالة ـ كما أشرنا ـ تمثل أساس سائر المسائل الفلسفية، وتعد مفتاح البحث الفلسفي، نعكف في المقدّمة على إيضاح سائر الموضوعات الضرورية التي تشمل ما يلي:
١ـ تمايز العلوم.
٢ ـ ماهية الموضوع.
٣ ـ منطلقات مسائل العلوم أو المبادئ التصورية والتصديقية.
٤ ـ منطلقات الفلسفة أو مبادئ الفلسفة.
٥ ـ المنهج في الفلسفة.
٦ ـ اختلاف العلوم من زاوية الأصول المتعارفة والموضوعة والمنهج.
* * *
تمايز العلوم:
يبدأ كلّ علمٍ بمجموعة مسائل بسيطاً محدودا، ثمّ يأخذ بالنمو والاتّساع. وقد سعى الإنسان منذ القدم إلى تصنيف المسائل العلمية، وإطلاق اسمٍ على كلّ صنفٍ منها: طبٌ، هندسة، حساب، منطق، فلسفة...، وكأنّه يجد أفراد كلّ صنفٍ من الأصناف بمثابة أفراد أُسرةٍ واحدة، تنشعّب من أَصلٍ واحدٍ وتعود إلى جذر واحد، وهذه هي جهة تميّزها عن سائر أفراد الأصناف الأُخرى. وتتكاثر هذه الأُسر بالتدريج، أي عبر جهود الباحثين المتواصلة وتنجب أفراداً أُخرى من الجذر الواحد مباشرة.
ونلاحظ أحياناً ترابطاً بين أفراد بعض الأسر وأفراد أُسر أُخرى رغم تمايزها، ترابطاً يبدو أسرياً أيضاً، ممّا يحكي قرابة العِلمين وارتباطهما، نظير الارتباط القائم بين علم الحساب وعلم الهندسة، ونلاحظ أيضاً ارتباطا بين الأُسر يشبه الارتباط العرقي، نظير الارتباط بين العلوم النظرية مع بعضها، مقابل الارتباط بين العلوم العملية.
دفع هذا الارتباط العائلي والعرقي الباحثين إلى تقسيم وتصنيف العلوم. وأوّل تقسيم وتصنيف نضع اليد عليه هو التقسيم الأرسطي المعروف منذ القِدم. وأوضح ابن سينا هذا التصنيف بأفضل صورة، وقام بتطويره. وقد
اعترض بعض الحكماء، كشيخ الإشراق، باعتراضات على هذا التصنيف، ودافع بعض آخر عن هذا التصنيف أمام اعتراضات شيخ الإشراق. وكل ذلك محرّر في الدراسات المعدّة لهذا الموضوع، ولا داعي للإطالة هنا في بيان ذلك.
إنَّما المهم هنا أن نوضح الأصل الذي يفضي إلى توحيد أفراد العلم الواحد تحت إطار أُسرة واحدة، ويؤدّي إلى خلق رابطة ذاتية بين هذه الأفراد. وأَن نوضح أيضاً سرّ القرابة الأُسرية والعرقية بين الأُسر العلمية. وهل تتفرع كلّ أعراق العلوم حقيقةً وواقعاً من جدٍ أعلى، وإذا كان الأمر كذلك، فما هو هذا الجدّ وما هي حقيقته ؟
لقد انتهى المنطقيون والفلاسفة بعد مزيد من البحث والتحقيق إلى أَنَّ أيّ علمٍ من العلوم لا يخلو من موضوع، وأنَّ الذي يوحّد بين مسائل كلّ علم هو موضوع ذلك العلم، وأنَّ سر القرابة الأُسرية والعرقية يكمن في القرابة بين موضوعات العلوم. وإذا آمنا بوجود جدٍ أعلى للعلوم فهو يرتبط أيضاً بموضوعات العلوم.
ما هو الموضوع ؟
موضوع كلّ علم عبارة عن ما يُبحث في كلّ علم عن أحواله وعوارضه والقضايا المرتبطة به. إِنَّ التأمل في مسائل أيّ علمٍ وتحليل تلك المسائل يوضح أنَّ جميع تلك المسائل تتكفّل بيان أحكام وآثار وعوارض وحالات شيءٍ خاص، وهذا الشيء الخاص هو الذي يصيّر جميع تلك المسائل أفراداً لأسرة واحدة، ونسمّيه موضوع ذلك العلم.
وهنا تُطرح أمام الفلاسفة والمنطقيين إشكالية، وهي: بحكم أنَّ موضوعات العلوم لا تتباين من جميع الجهات، بل هناك قرابة بين موضوعات العلوم ـ كما أَشرنا فيما تقدّم ـ وهذه القرابة تفضي إلى قرابة أُسرية وعرقية بين العلوم. فالكم المنفصل الذي هو موضوع علم الحساب والكم المتّصل الذي هو موضوع علم الهندسة بينهما قرابة جنسية، أي إنّهما يرجعان إلى جنسٍ واحدٍ وهو الكم.
هذا من جهة، ومن جهة أًخرى فما يسمّى موضوعاً لعلمٍ له أَنواع وأقسام، وكلّ نوع وقسم يختص بمجموعة أحكام وعوارض وحالات، نظير موضوع الهندسة، حيث قرّروا أَنّه " الكم المتّصل "، الذي ينقسم إلى الخطّ والسطح والحجم، ولكلّ واحد من هذه الأقسام عوارض وأحوال خاصة به. ثمّ أَنَّ " العوارض والأحكام " مصطلح مَرِن، فما يُعد عارضاً على قسم من أقسام الموضوع يعدّ عارضاً على ذات الموضوع أيضاً.
حينئذٍ إمّا أَن نعدّ جميع العلوم علماً واحداً، أيّ نعدُ مسائل جميع العلوم بمثابة أفراد أُسرة واحدة، تتفرع من أصل واحدٍ، وننكر الاختلافات الأُسرية والعرقية بين العلوم، ونعد اختلاف العلوم مع بعضها اختلافاً وضعياً اعتبارياً، وإمّا أن نكثر العلوم تبعاً لتنوّع وانقسام الموضوعات، مثلاً نعتبر الهندسة مجموعة من ثلاثة علوم: علم الخط، علم السطح، علم الحجم. بل أن نقسٍّم هذه الأقسام إلى علوم، بحكم إمكانيتها للانقسام، نظير قسمة الخط إلى منحني ومستقيم.
أضف إلى ذلك أنَّ موضوعات العلوم لا تتباين من جميع الجهات، وبينها وجه اشتراك. فنجد أحياناً أنَّ موضوع العلم الواحد ذاته جامع مشترك
لموضوع علم آخر مع مجموعة أشياء أُخرى، فمثلاً موضوع علم النبات جامع مشترك لموضوع علم الحيوان ومجموعة من الأشياء، وهكذا...
أجاب المنطقيون والفلاسفة على هذه الإشكالية،وخلاصة الجواب:
أنَّ العوارض والأحكام التي تنسب إلى شيءٍ من الأشياء تنقسم إلى قسمين: عوارض أولية أو ذاتية، وعوارض ثانوية أو غريبة. وبصدد تمييز العوارض الذاتية عن العوارض الغريبة هناك تحقيقات جيدة وجليلة، وأخصبها وأفضلها ما قام به ابن سينا في كتبه المنطقية، وخصوصاً في منطق الشفاء، رغم أنَّ بعض المتأخّرين لم يهضموا ما انتهى إليه من ملاحظات ضرورية، وسلكوا مسالك أُخرى، أدّت إلى تشويش واختلافات كثيرة في هذه المسألة، حتى أَدلى بعض الغرباء على المنطق بآراء غريبة هوجاء في هذا الميدان.
اتّضح أَنَّ مسألة تمييز العلوم وتصنيفها مهمّة حساسة من وجهة النظر المنطقية، واتّضح أيضاً أنَّ تمييز العوارض الذاتية عن الغريبة مهمّة حساسة من الزاوية المنطقية. وتمييز هذه الجهة يتطلّب مقدّمات منطقية كثيرة، لا تستوعبها هذه المقدّمة وهذه المقالة، وعلى الراغبين في الاطلاع مراجعة الكتب المنطقية، خصوصاً دراسات ابن سينا.
ولكن ينبغي هنا أن نوضح الملاحظة التالية: بحكم أنَّ العوارض الذاتية لكلّ موضوع إمّا أن يدركها الذهن بداهة ويتعرّف على ارتباطها بالموضوع بشكل مباشر، وبدون إقامة برهان، أو يدركها بواسطة برهان وعبر "الحدّ الأوسط
"، فمن المحتّم أَن يكون الارتباط بين كلّ موضوع وبين عوارضه الذاتية ارتباطاً واقعياً وليس اعتبارياً، ومن المحتّم أَن يكون الموضوع كلّياً وليس جزئيا.
على هذا الأساس فالعلاقة بين موضوعات العلوم الاعتبارية ومحمولاتها علاقة اعتبارية وليست واقعية، نظير علم القانون والفقه وأصول الفقه والنحو والصرف، وكذلك الحال في العلوم التي تتشكّل مسائلها من قضايا شخصية، كاللغة والتاريخ والجغرافية. والعلوم الاعتبارية خارج مقولات المناطقة ؛ إذ الحديث عن تمايز وتصنيف العلوم إنّما يوضح العلاقة الواقعية في مجال العلوم الحقيقية لا العلوم الاعتبارية. مضافاً أَنّ مجال هذا الحديث هو الكلّيات التي يمكن للذهن أَن يستدلّ ويستنتج من خلالها، لا الجزئيات التي هي على حدّ تعبير المنطقيين " لا كاسبة ولا مُكتسَبة ". ومن ثمّ فالحديث ينصب في مجال العلوم التي يجري فيها البرهان بمفهومه المنطقي، نظير جميع العلوم العقلية المحضة والعلوم التجريبية.
أمّا بالنسبة إلى العلوم التجريبية والمختبرية فرغم أنَّ البرهان غير جارٍ فيها بشكل مباشر، لكن يقينية البحث في هذه العلوم وكلّية نتائجها ـ كما تقدم في المقالة الخامسة ـ رهن مجموعة براهين عقلية تتّكئ عليها هذه العلوم ضمنياً.
منطلقات مسائل العلوم " المبادئ التصوّرية والتصديقية ":
اتّضح مقياس معرفة " مسائل العلم " في ضوء ما تقدّم من تعريف موضوع العلم، فالمسألة في كلّ علم عبارة عن القضية التي تكشف عن العلاقة بين موضوع ذلك العلم وأحد عوارضه وأحكامه. ومن هنا فكلّ علم عبارة عن مجموعة مسائل تتضمّن موضوعاً ومحمولاً ونسبة. وتتخّذ المسألة طابع " القانون " حينما تكون كلّية أولاً، وحينما يذعن الذهن اضطراراً بثبوت المحمول للموضوع ثانياً.
ويحصل هذا الإذعان والتصديق بشرطين:
أوّلاً ـ
أَن يكون للذهن تصوّر واضح عن موضوع المسألة ومحمولها ليتعرّف على مورد حكمه.
ثانياً ـ
وجود لون من الدليل والحجّة يكون سنداً للحكم، بحيث يُلزم الذهن بالتصديق والإذعان. و " التعريفات " في العلوم تؤدّي دور تحقيق الشرط الأوّل، أمّا الذي يؤدّي تحقيق الشرط الثاني ويستند الذهن إليه في الحكم فهو مجموعة من " الأصول المتعارفة " أو " الأصول الموضوعة " أو ما يتّكئ على هذه الأصول من مسائل.
يطلق على مجموع التعريفات والأصول المتعارفة والأصول الموضوعة في كلّ علم مصطلح " المبادئ "، وتسمّى التعريفات " مبادئ تصوّرية "، والأُصول المتعارفة والموضوعة " مبادئ تصديقية ". وأمر التعريفات واضح نظير ما يستخدم في تعريف الخط والسطح والحجم والدائرة والمربع والمثلث وغيره في الهندسة. ولكن ينبغي هنا إيضاح الفرق بين الأُصول المتعارفة والأُصول الموضوعية:
الأصول المتعارفة عبارة عن أصل أو مجموعة أُصول تقوم على أساسها براهين وأدلة العلم، وهذه الأُصول ذاتها بديهية، ولا يجيز أي ذهن الشك فيها. نظير قانون " الكل أكبر من الجزء " , " المقداران المساويان لمقدار واحد متساويان " في الهندسة، ونظير قانون استحالة التناقض في المنطق والفلسفة.
أمّا الأُصول الموضوعية فهي عبارة عن أصل أو مجموعة أُصول تتّكئ عليها أدلّة العلم، وهذه الأُصول ليست بديهية قطعية، وليس هناك دليل بالفعل على صحتها، لكنّها تؤخذ مصادرات مفروضة الصحة. على أَنّه يمكن
أن تتَّخذ بعض الأُصول طابعاً فرضياً وضعياً في علم، لكنّها أُصولٌ قام الدليل عليها في علمٍ آخر. نظير القواعد الفلسفية حينما تستخدم في العلوم، أو اتّخاذ قواعد الرياضة والطبيعيات مصادرات في البحث الفلسفي.
إذن؛ تختلف الأُصول المتعارفة عن الأُصول الموضوعة في كون الأصل المتعارف بذاته أصلاً قطعياً ويقينيا، ولا يجيز الذهن خلافه. أمّا الأَصل الموضوع فهو ليس يقينياً بذاته، ويجيز الذهن خلافه، سواء أكان فرضياً بحتاً أم كان مستدلاً عليه في علم آخر غير العلم الذي اُتخذ مصادرةً فيه.
إنَّ معالجة موضوع التعريفات والأُصول الموضوعية والمتعارفة وبيان الفروق بينها، وبيان أقسام الأُصول المتعارفة(العامة والخاصة)، وتحديد الأُصول الموضوعية والمتعارفة في كلّ علمٍ، من أَنفع الأَبحاث التي يجب أن يعالجه المنطق. وقد بذل المناطقة المحدّثون جهوداً جليلة في هذا المجال، و "كَنْت
" أحد الحكماء الذين أماطوا اللثام عن الأُصول المتعارفة والأُصول الموضوعة (المبادئ القبلية والمصادرات) لعلوم عصره. يهمّنا هنا أن نشير إلى المبادئ التصورية والتصديقية الفلسفية.
المبادئ الفلسفية:
اتّضح في ضوء ما تقدّم أنَّ المبادئ التصورية والتصديقية لكلّ فنٍّ تمثل نقاط اتكائه، وتعدّ من جهة أُخرى أدواته ووسائله. ومن هنا ينبغي أَن نتعرّف على وضع المبادئ التصورية والتصديقية للفلسفة، أي التعريفات والأُصول المتعارفة والموضوعة للفلسفة.
إنَّ الفلسفة أَغنى الفنون من زاوية التعريفات؛ لأَنَّ المفاهيم التي تشكّل موضوعات ومحمولات المسائل الفلسفية ( نظير: مفهوم الوجود، العدم، الوحدة، الكثرة، الوجوب، الإمكان، الامتناع، العِلّة، المعلول، المتناهي، اللامتناهي، الحادث القديم، القوة والفعل... ) مفاهيم بسيطة، ومن ثمَّ فهي بديهية التصوّر، وفي غنىً عن التعريف. ولإيضاح بساطة مفاهيم الفلسفة وإثبات عدم تركيبها، وأنَّ المفهوم البسيط مستغنٍ عن التعريف (راجع المقالة الثامنة).
الأُصول الفلسفية المتعارفة
: تحديد جميع الأُصول الفلسفية المتعارفة أمر مفيد جداً وهامٌّ أيضا، لكن استقصاء كلّ هذه الأُصول أَمرٌ لا يخلو من الصعوبة. ولم نجد حتى الآن من قام بهذه المهمة. ولعلنا نوفّق في فرصة أُخرى إلى عرض هذه الأصول بعد استقصائها، وتحديد مواضع الإفادة منها.
وتنبغي الإشارة هنا إلى أَهم أصلين متعارفين في الفلسفة، حيث يعدّان نقطة انطلاق المسيرة الفلسفية. وسيتضح عبر هذه المقالة (التي تتضمّن مباحث الوجود، أي المسائل الأساسية للفلسفة) أنَّ البحث ينطلق من أحد هذين الأصلين، وهما عبارة عن:
الأوّل: امتناع التناقض
لا شكّ في أنَّ هذا الأصل هو أشدّ أُصول الفلسفة إِحكاما. وهو ضرورة قائمة في كلّ العلوم وفي الفلسفة بوجهٍ خاص. وقد تناوله بالبحث أرسطو، وابن سينا في أوائل إلهيات الشفاء، وصدر المتألهين في أبحاث العقل والمعقول، وتناول الفلاسفة الآخرون قديماً وحديثاً البحث حول هذا الأصل الذي أطلقوا عليه " أصل الأُصول " و " أُمّ القضايا ". وقد أَشبعنا البحث حول هذا الأَصل في المقالة الثانية والخامسة، وتناولنا
شبهات المنكرين بالردّ، وأثبتنا أنَّ استقرار العلم بأيّ حقيقة أمر متعذّر دون الإذعان بهذا الأصل. ولا حاجة بنا للتكرار هنا.
الثاني: إثبات الواقع
:
اتّضح في ضوء المقالات السابقة أنَّ السفسطة تقوم على أساس إنكار واقعية الوجود، وأَنّ كلّ شيء خواء في خواء وباطل وكاذب. وقد أقام السوفسطائي اليوناني الشهير "جورجياس
" برهاناً لإثبات استحالة الوجود. والسوفسطائي اليوناني الآخر "بروتاجوراس
" تنتهي عبارته المشهورة " الإنسان مقياس كلّ شيء " إلى نفس هذه النتيجة. وآخرون انتهوا إلى وهمية جميع الإدراكات على أساس وقوع الخطأ فيها.
واتّضح أيضاً أنّ الحدّ الفاصل بين الواقعية والمثالية أو بين الفلسفة والسفسطة هو الإيمان بواقع الوجود، أي الإذعان بأنّ هناك واقعا. ونحن نصطلح على هذه الحقيقة بـ " أصل إِثبات الواقع ". ولا يستطيع كلّ ذي إحساس وشعور إنكار هذا الأصل الفطري في عمق وجدانه الذهني، وحتى أكثر السوفسطائيين سفسطة وأكثر الشكّاكيين شكّيةً ـ كما تقدّم في المقالة الثانية ـ يتابع عملياً فطرته ويمارس ممارسة واقعية، وعلى حدّ تعبير "باسكال
" ليس هناك شكّاك واقعي.
اتّخذت الفلسفة هذا الأصل أصلاً متعارفاً لها، وسيتّضح أنّ أهم مسائل الفلسفة، أي " مسائل الوجود "، وتبعاً لها سائر المسائل الفلسفية الهامة تُستنبط من هذا الأصل.
أمّا أصل امتناع التناقض فهو موضع استفادة كلّ العلوم؛ بحكم كونه القاعدة التحتية لكلّ الأُصول الفكرية البشرية (راجع المقالة الخامسة)، ومن ثمّ فهو من الأصول المتعارفة العامة. لكنّ أصل إثبات الواقع يُتخذ في الفلسفة فحسب كأصل متعارف.
الأُصول الموضوعة في الفلسفة:
أشرنا في المقالة الأُولى، عند الحديث عن علاقة الفلسفة بالعلوم، إلى حاجة كلٍّ منهما إلى الآخر، وقلنا إنَّ الفلسفة شئنا أَم أبينا تفيد من نتائج العلوم وتستخدمها في أبحاثها. وتمثل النتائج العلمية المادة الأوّلية التي توضع بيد الفلسفة لتصوغ منها حقائق كلّية فلسفية. والأُصول الموضوعة في الفلسفة عبارة عن هذه المواد الأوّلية التي تضعها العلوم بيد الفلسفة. على أنَّ صحة أو سقم هذه المواد تتحمّل العلوم مسئوليّتها ولا يمكن للفلسفة أن تؤمّن صحّة أو سقم حقائق العلوم.
من هنا فكلّ استدلال فلسفي يتّكئ على العلوم يتبع في درجة صحّته واعتباره درجة اعتبار وصحّة المسألة العلمية مورد الإفادة. خلافاً للمسائل الفلسفية الخالصة، حيث تقوم على أساس البديهيات والأُصول المتعارفة، فتستطيع الفلسفة ضمان صحتها المطلقة. وعلى هذا الأساس فالمسائل الفلسفية التي تقوم على أساس قبول قضايا العلوم الطبيعية والفلكية الحسية والتجريبية أو الفرضية تخضع لإعادة النظر تبعاً للتطوّرات والتغييرات التي تطرأ على العلوم الطبيعية والفلكية.
إنَّ تفكيك قضايا الفلسفة الخالصة عن قضاياها التي تعتمد العلوم من أهم الواجبات العلمية التي ينبغي العكوف عليها، ولم نجد حتى الآن من تصدى لهذه المهمة، وأنا عازم على ورود هذا الميدان وتكفيك هذه المسائل بدقة وعرضها في موضعها الملائم.
أمّا ما يمكن طرحه هنا فهو: إنَّ المسائل الأساسية في الفلسفة التي تشكل عمودها الفقري، مسائلٌ فلسفية خالصة. وينحصر اتكاء البحوث الفلسفية على مسائل العلوم في قسم من المسائل الثانوية لأبحاث العِلّة والمعلول، والقوة
والفعل، والحركة، وبعض الأقسام الفرعية الأُخرى التي لا بدّ فيها من الإفادة والاعتماد على البحوث العلمية. وفي الحقيقة تكتسب البحوث المرتبطة بمعرفة عالم الوجود (نظير مسائل الوجود والعدم، والضرورة والإمكان، والوحدة والكثرة، والعِلّة والمعلول، والمتناهي واللامتناهي...) طابعاً كلّياً وصبغة فلسفية خالصة. أمّا في نظام الفلسفة الحسية فتقوم أُصول النظريات على أساس الأُصول الموضوعية، بل تقوم أحيانا على أساس الفروض، التي لم تمحّص علميا، وتتجلّى هذه الخصوصية في ناصية المادية الديالكتيكية بشكل واضح.
منشأ اختلاف العلوم من زاوية الأُصول والمنهج:
يختص كلّ علمٍ من العلوم والفلسفة بمجموعة أُصول متعارفة وموضوعة، مضافاً إلى أنَّ العلوم والفنون لا تتبع منهجاً وأسلوباً واحدا ؛ إذ رغم أنَّ هذه العلوم نتاج الفكر والفعالية العقلية، لكن سياق التفكير والفعالية العقلية ليس على غرار واحد في كلّ الميادين. فيجب استخدام التجربة والاختبار العملي في بعض الموارد، ويجب في موارد أُخرى الاكتفاء بالمشاهدة الحسية، وينبغي في موارد أُخرى الاتجاه صوب المشاهدة الحضورية النفسية، وينبغي استخدام القياس والبرهان العقلي في موارد أُخرى. وفي بعض الحالات تتداخل هذه الأساليب بينما يكتفي في حالات أُخرى بأسلوب واحد منها.
أشرنا فيما تقدّم إلى اهتمام المناطقة المحدثين بتنوّع مناهج العلوم والفنون، وعلى أساس هذا الاهتمام أنشأوا علماً جديداً " علم المناهج ـ الميتولوجي ". إنَّما نريد هنا أن نطرح ملاحظة مهمة ـ لم نر أحداً تعرّض
إلى طرحها ـ وهي: بيان منشأ اختلاف العلوم والفنون من زاوية الأُصول المتعارفة والموضوعية، ومن زاوية الأسلوب ومنهج البحث. أي أن نتساءل: لِم تنحصر الإفادة من بعض الأُصول المتعارفة والموضوعة في بعض العلوم ؟ ولِمَ يتحتّم إتباع منهج وأسلوب خاص في كلّ علمٍ وفنٍّ ؟
نعتقد أَنَّ اختصاص كلّ علمٍ ببعض الأُصول واتّباعه منهجاً خاصاً، ينشأ وينبع من موضوع ذلك العلم ؛ لأنَّ الأُصول المتعارفة والموضوعة لكل علمٍّ عبارة عن مجموعة أحكامٍ قطعيةٍ أو وضعيةٍ يتوفّر عليها العقل في موضوع ذلك العلم، وهذا الأمر واضح في ضوء تحليل كلّ واحدٍ من الأُصول المتعارفة. أمّا الأسلوب والمنهج في كلّ علم فهو عبارة عن لون من الارتباط الفكري الخاص الذي ينبغي أن يتمّ بين الإنسان وموضوع ذلك العلم. وبديهي أنَّ لون الارتباط الفكري بين الإنسان وأيّ شيء من الأشياء يرتهن بطراز وجود وواقعية ذلك الشيء ؛ فإذا كان الشيء جسمياً يتحتّم أن يكون الارتباط بين الإنسان وذلك الشيء جسمياً ومادياً، والإحساس والاختبار ارتباط مادّي يتوفّر عليه الجهاز الفكري مع الأشياء. وإذا كان الشيء نفسياً يلزم العكوف على المشاهدة الحضورية النفسية، التي هي الوسيلة الوحيدة لارتباط الذهن مع ذلك الشيء. وإذا كان الشيء عقلياً، أي حقيقة يحصل عليها العقل بقوة الانتزاع، يلزم تحليلها بأسلوب القياس والبرهان العقلي.
من هنا يمكن الوقوف على أهمية الدور الذي تلعبه موضوعات العلوم في العلوم ؛ إذ قد اتّضح في ضوء ما تقدّم في هذه المقدّمة:
أوّلاً ـ استقلال وتمايز العلوم.
ثانياً ـ اختصاص الأُصول المتعارفة والموضوعة لكلّ علم به.
ثالثاً ـ اختصاص العلم بمنهج محدّد ينشأ من موضوعه:
إذن ؛ فموضوع كلّ علم وفنٍّ هو العامل الحاسم في استقلال ذلك العلم، والمحدد لمنهجه وأسلوب بحثه، ومنشأ اختصاص الأُصول المتعارفة والمبادئ الأولية لذلك العلم به.
منهج الفلسفة:
بعد أن تعرّفنا على موضوع الفلسفة، وعرفنا أسلوب جهاز الإدراك البشري في الحصول على هذا المفهوم، وبعد أن اتّضح لنا أنَّ منهج وأسلوب كلّ علم في البحث يرتهن بأسلوب حصول موضوع ذلك العلم لدى الذهن، تتّضح لنا ماهية المنهج الذي ينبغي على الفلسفة اختياره.
أوضحنا في المقالة الخامسة طراز ظهور المفاهيم لدى الذهن، وأوضحنا النظريتين الحسية والعقلية ونقدناهما. وأثبتنا أنَّ مفهوم الوجود والموجود هو الموضوع الأساسي لمسائل الفلسفة، وأنَّ المفاهيم الفلسفية الأُخرى، نظير: الوحدة والكثرة وغيرها مفاهيم عقلية بحتة، أي مفاهيم لا يستطيع الذهن الحصول عليها بأيٍّ من الوسائل الحسية الداخلية أو الخارجية، بل يتوفر عليها عبر أرقى فعالياته العقلية(راجع المقالة الخامسة). وبديهي أنَّ البحث والتحقيق حول موضوع، يتوفر عليه الذهن عبر أرقى فعالياته العقلية، لا يتسنى إلاّ بالأسلوب والمنهج العقلي.
الوجود وواقع الأشياء
ليس لدينا شكّ على الإطلاق، ولا ينبغي لنا الشكّ أيضا، في أنَّ الخطوة الأولى التي نزمع على خطوها بعد إسكات نغمة السَفسَطة هي: مواجهة واقع الأشياء والتعامل مع واقع الوجود. أي بعد الفراغ عن إثبات أساس الواقعية نندفع اندفاعا غريزياً لا قِبَلَ لنا من الانصراف عنه، نندفع نحو البحث والتفتيش عن وقائع الوجود المختلفة.
وبعبارة أُخرى: نعلم " أنَّ هناك واقعاً "
(١)
، ومن ثمَّ نحاول تنويع هذه الحقيقة، التي تنتج حقائقَ أُخرى. ولكن بعد أنْ تحصل لدينا مجموعة
١ـ هذا هو عين الأصل الذي ذكرناه في المقدّمة تحت عنوان "أصل إثبات الواقع
". وهذا الأصلُ عبارة عن الإذعان والتصديق بشكلٍ عام " أنَّ هناك واقعاً "، خلافاً لزعم السَفسطائيِّين الذين يعدُّون العالمَ هواء في هواء، وأنّ الإذعانَ بوجودِ أمرٍ لا يتعدَّى الخيال.
إنّ هذا الأصل أصل يقيني وقطعي، وتعتمده كلّ الأذهان البشرية، وهو النقطة الأُولى في التفكير الإنساني، عبر مسيرته العقلانية " الفلسفة " ؛ حيث تتَّخذه نقطة انطلاق حركتها.
ينبغي أن نعلم أنَّ على كل فيلسوف أنْ يبدأ أفكاره من مُنطلَق يقيني لا يقبل الشكّ، وأنْ يُقيمَ براهينه واستدلالاته على أساسٍ محكمٍ متينٍ، إذ لو قامت
من المعلومات، نجد أنَّ هذه المعلومات ليست حقائقَ أجمع، بل بعضها كذب يشبه الصدق، رغم أنَّ المنبع الأساسي لهذه المعلومات واقع موجود
مجموعة الأفكار الفلسفية على أساس فرضي غير قطعي، وانطلاقاً من نظرية احتمالية، فسوفَ تفقد قيمتها واعتبارها بالبداهة ؛ لأنَّ البناءَ الذي لا تُحكم أُسسه متهدِّم لا محالةَ.
إذن ؛ ينبغي أن يكون الأصل الأوَّلي، الذي يُعتبر نقطة انطلاق مسيرة الأفكار أصلاً، لا يعتريه أيُّ تردّدٍ وشك، وينبغي أن يكون أصلاً متعارفا، لا أصلاً موضوعاً. بل ينبغي أن يكون إنكاره مُعادِلاً لإنكار جميع الأصول المسلَّمة الأُخرى.
لقد التفتَ المحقِّقون من الحكماء إلى هذا الموضوع، فوجدوا أنَّ الأصل الوحيد الذي يتمتَّع بصلاحية أنْ يكون نقطة انطلاق الفلسفة هي: " أنَّ هناك واقعاً ". هذا الأصل الذي يُمثِّل الحدّ بين الفلسفة والسَفسَطة، أو بين الواقعية والمِثالية، وهو أصل يقيني وفطري، ومورد تصديق جميع الأذهان البشرية، وحتى السَفسَطائي نفسه، دون أنْ يلتفت، يعترف بهذا الأصل في عُمق ذاته.
منذ اللحظة الأُولى التي نتخلَّص فيها من مغالطات السفسطة، ونفيد من فطرتنا الواقعية، نجد أنفسنا في مواجهة واقع الأشياء، ونجد الإذعان والتصديق اليقيني بـ " أنَّ هناك واقعاً " في نهاية الوضوح في أذهاننا. يعني سوف نواجه ما يواجهه كلّ فردٍ بفطرته البسيطة، دون أن يلتفت إلى المغالطات السفسطائية، كما جاء في المتن "إنَّ الخطوة الأُولى التي نُزمعُ على خطوها بعد إسكات نغمة السفسطة، هي: مواجهة واقع الأشياء، والتعامل مع واقع الوجود، أي: بعد الفراغ عن إثبات أساس الواقعية...
".
بعد قبول هذا الأصل، يعني الإذعان والتصديق بـ " أنَّ هناك واقعاً "
وحقيقة قائمة باستمرار، لا يعتريها التغيير والتحوُّل، خلافاً لطموح أنصار الحقيقة النسبيَّة، فهي صامدة لا تتزَلزَل.
تأتي المرحلة الثانية للرحلة العقلانيَّة، فنتَّجهُ صوب الاستفهام عن مظاهر هذا الواقع. وبعبارة أُخرى، ما هو موجود وما هو غير موجود!
نجد في هذه المرحلة أنَّ هناك ظواهر، ونُذعن بأنَّ " أنا موجود "، " الأرض موجودة "، " النجومُ موجودة "، " المادّةُ موجودة "، " القوّة موجودة "، " الروح موجودة ". كما جاء في المتن " نعلم أنَّ هناك واقعاً، ومن ثمَّ نحاول تنويع هذه الحقيقة، التي تتضمَّن حقائق أُخرى ". على أنَّ بعض هذه الحقائق حقائق بديهيّة وعيانيَّة وغنيَّة عن الاستدلال، نظير حقيقة " أنا موجود "، التي تنبع من العلم الحضوري بالنفس بذاتها، أو حقيقة الأرض أو الشمس موجودة التي تنبع من العلم الحسّي البديهي. وأَنّ بعض هذه الحقائق تتطلّب بحثاً وتحقيقاً لكنّ هذه المرحلة تؤكّد الإذعان بالأصل الكلّي " أنَّ هناك واقعاً " وتنفي زعم السفسطائي الباطل الذي يدّعي أنّ كلّ شيءٍ هواء وباطل في باطل، وأَنَّ الوجود والواقع أمر محال وممتنع.
إنّ هذا الأصل الكلّي، نظير سائر الحقائق (خلافاً للحقائق الاعتبارية التي مرّت في المقالة الخامسة) أصل مطلق وثابت وغير خاضع إطلاقاً لقانون التحوّل والتكامل والنشوء والارتقاء، كما جاء في المتن "حقيقة قائمة باستمرار لا يعتريها التغيير والتحوّل خلافاً لطموح أنصار الحقيقة النسبية فهي صامدة لا تتزلزل
". أي خلافاً لزعم النسبيين وأنصار الماديّة الديالكتيكية كما تقدّم في المقالة الرابعة الذين يذهبون إلى أنّ جميع الأُسس الفكرية
وبحجم وضوح ثبوت أصل الواقع لدينا يتّضح لنا وجود تلك الهفوات والتورّط في الأخطاء الفكرية. ولا تقلُّ خطورة الشكّ في وقوع الخطأ
والعقلية خاضعة للتغيير والتحوّل إلى ضدها. إنّ هذا الأصل حدّ فاصل بين الواقعية والمثالية ولا يخضع إطلاقاً للتغيير والتحوّل إلى ضده كما يدعيه المثاليون والسفسطائيون.
نكرّر مرةً أُخرى، أَنَّ هذا الأصل الكلّي الذي يعدُّ نقطة بداية البحث الفلسفي، يأتي لاحقاً لقبول قانون امتناع التناقض الذي يعدُّ البنية التحتي لجميع الأفكار والمعقولات البشرية والذي يُستخدم في جميع العلوم وفي الفلسفة خصوصا.
إنّ قانون امتناع التناقض وقانون إثبات الواقع أصلان متعارفان أساسيان، تعتمد عليهما الأدلة والبراهين الفلسفية. وهذان الأصلان في الواقع يمثلان الجناحين اللذين تطير فيهما القوّة العاقلة في تحليقها بأجواء ميدان الوجود الفسيح.
بعد الإذعان بالأصل الأساسي للواقعية، وبعد تنويع هذه الحقيقة والحصول على مجموعة معلوماتٍ في هذا المجال يواجه الإنسان ملاحظة واضحة أُخرى، ترتبط بذاته وبجهازه الفكري وهي وجود أخطاءٍ وهفواتٍ يتورّط بها الإنسان. فيتخيّل وجود ما ليس بموجود أو عدم ما هو موجود أحيانا. كما جاء في المتن "بحجم وضوح ثبوت أصل الواقع لدينا يتّضح لنا وجود تلك الهفوات والتورط في الأخطاء الفكرية
"، ومن هنا تنبثق الحاجة الملحّة لمعرفة الواقع، وبعبارة أخرى: الحاجة لفنِّ معرفة الوجود، حيث يتيسّر
والاشتباه بالفكر عن خطورة الشكّ في أصل الفكر، الذي أسميناه " السفسطة ". لأنَّ السفسطة بقتلها للحقيقة والواقع ـ حيث تسلبنا أعَز
التمييز بين الحقائق والأوهام. ويمكن معرفة الموجودات الواقعية عن الأمور الخيالية، عبر هذا الفنّ. وهذا الفنّ هو الفلسفة الذي يمكن أن نسمّيه علم الوجود أو فنّ معرفة الواقع.
غير بعيد عن السياق ونحن نبحث هنا عن منطلق بداية البحث الفلسفي أن نذكر الملاحظة التالية:
نحن نعرف أنَّديكارت
الفيلسوف الفرنسي الشهير، الذي سعى إلى إيجاد ثورة في الفلسفة العقلية وطرح أساساً جديداً لها، ابتدأ بالشك بكلّ شيء، والأمر الوحيد الذي اعتبره يقينياً يمكن الاعتماد عليه واتخذه نقطة انطلاق البحث الفلسفي: " أنا موجود ". إلاّ أنَّه أثبت وجوده عن طريق وجود الفكر، وهو في الحقيقة انطلق من وجود الفكر.
على أيّ حالٍ ادعى ديكارت أنَّ الشك ممكن في كلّ شيء سوى الشك في وجود الأنا، وهذا اليقين الأوّلي كافٍ في بداية الفكر الفلسفي وخلق يقينيات أخرى. من هنا فنقطة البداية في فلسفة ديكارت هي " أنا موجود ". لقد وجِّهت إلى ديكارت اعتراضاتٍ كثيرة. ونحن بدورنا ذكرنا إشكالات أساسية على منهج ديكارت (راجع المقالة الثانية). وبمناسبة البحث أعلاه نضيف هنا: لو أغمضنا النظر عن جميع الاعتراضات التي طرحناها وطرحها الآخرون على النهج الديكارتي، نلاحظ أنَّ اختيار هذا الطريق كنقطة انطلاق للبحث الفلسفي لا يتضمّن أيّ فائدة ؛ لأنّ شكّ ديكارت ـ باعترافه ـ في كلِّ
محبوبٍ لدينا ـ تصوّر لنا نفي الخطأ والاشتباه خيالاً وخطا، وفي الحالين تسلب منّا الحقيقة.
شيء سوى وجوده ليس شكاً واقعياً وحقيقيا، بل هو شكّ فرضي. وليس ممكناً أن يشكّ الآدمي شكّاً واقعياً في يقينيّاته الفطرية التي يذعن بها اضطراراً، وعلى حدّ تعبير باسكال "ليس هناك شكّاك واقعي
". فحتى أكثر الناس سفسطةً يذعن في عمق وجدانهٍ ـ تطابقاً مع فطرة إدراكه وإرادته ـ بحقائق كثيرة، وعلى أساس الإذعان بهذه الحقائق يوجّه سلوكه اليومي.
من هنا فحينما يقول ديكارت " إذا شككنا في كلّ شيء فسوف نقول إنَّ هذا الشكّ فِكر، ولكن لا يمكن الشكّ في الفكر ذاتهِ " لا تتعدّى مقولته هذه حدَّ الشعر ؛ لأنَّ الشكّ إذا كان فرضياً فإنّه ممكن أن يشمل جميع البديهيات حتى الشكّ في هذه الفكرة والشكّ في الشكّ. وعلى حدّ تعبير الشاعر الفارسي القديم " همين سمراد هم سمراد باشد "، يعني: يمكن القول إنَّ كل شيء خيال وحتى هذا الخيال ذاته خيالٌ أيضاً. ليس هناك وجه للتميز بين اليقينيات الفطرية. أمّا إذا وافقنا على اليقينيات الفطرية فلا يجد الإنسان أيَّ فرق بين وجوده وسائر العلوم اليقينية البديهية الأخرى، مثلاً لا يجد فرقاً بين وجوده ووجود هذا القلم وهذه الورقة التي يمسكها بيده وهذا المصباح الذي يكتب على ضوئهِ وسائر البديهيات الأُخرى نظير امتناع التناقض وغيره.
ومن هنا فالتسلسل العقلي يقتضي، بعد إسكات نغمة السفسطة التي تنكر الوجود وتعتبر الموجود أمراً محالاً، أن يُبدأ من النقطة المقابلة، أي من الأصل اليقيني والبديهي "أنّ هناك واقعاً
" ثمّ تأتي المرحلة الثانية التي أشرنا
إذن ؛ يجب أن نتعرّف على الواقع. ونميّز بين الموجودات الواقعية والموجودات الخيالية، فنضع حداً فاصلاً بين الحقائق والأوهام. عندئذٍ ماذا يجب أن نفعل ؟ وبأي وسيلةٍ يجب أن نتذرّع؟
(٢)
فهل
إليه، وهي مرحلة تنويع هذه الحقيقة، ثمّ المرحلة الثالثة، حيث نواجه الأخطاء، فنختار المنهج الصحيح لمعرفة الواقع وعلم الوجود الذي هو الفلسفة. وهذا هو التسلسل السليم، الذي اختارته هذه المقالة، وهو المنهج الذي يتطابق مع منهج محقّقي الحكماء حتى هذا اليوم.
٢ ـ قلنا في مقدّمة المقالة: إنّ الإنسان يستخدم وسائل مختلفة في طريق التحقيق العلمي، فيستفيد من المنهج الحسّي أحياناً، ويستفيد من المنهج العقلي أحياناً أُخرى. فيعكف أحياناً على الاختبار والتجربة العلمية وأحياناً أخرى يعكف على التجزئة والتحليل العقلي والفلسفي، والعلوم عامةً رغم كونها نتاج فعالية الفكر البشري تختلف وسائلها وسبله، ومن هنا فتح علماء المنطق الجديد فصلاً جديداً في المنطق يعالجون فيه المناهج والأساليب، التي ينبغي اتخاذها في كلّ علم على حده.
والبحث في هذا الفصل المنطقي الجديد ودراسة مناهج العلوم خارج عن مهمّة بحثنا القائمة. إنَّما المهم هنا أن نذكّر بما أشار إليه في المتن، وهو عبارة عن تعيين الوسيلة والسبيل الذي نتوسّل به بُغية معرفة الواقع والكشف عن غوامض الفلسفة. وتعيين هذا الموضوع ضروري، خصوصاً بحكم الخلط الذي مارسهُ بعض الباحثين بين حدود الحسّ وحدود العقل، وبحكم المبالغة في اعتبار وقيمة المنهج الحسّي، حيث ذهب بعضهم إلى أنَّ السبيل
نقتفي أثر الباحثين الذي يقولون: إنَّ الحقائق يجب التعرّف عليها بمعونة الحِسّ والتجربة فقط، وإِنَّ معرفة مطلق الواقع تتمّ عبر العكوف على الحِسّ والتجربة ؟ أَم نُصغي إلى كلام أولئك الذين قالوا: إِنَّ الحقيقة يجب أَن تقوم على أساس العمل وترتهن بالممارسة العملية، وإلاّ فالفكر المعزول عن الممارسة العملية خيالٌ محضٍ، وبمنأى عن الحقيقة ؟ أَم إِنَّ هذه الوسائل موصلة، لكنّها تصل إلى أهدافها الخاصة بها، لا إلى كلّ هدف.
الوحيد للبحث العلمي في كلّ الفروع المعرفية هو الحِسّ والتجربة، ولا يمكن الاعتماد على ما سواهما.
لقد أجبنا في المقالة الخامسة، حينما ناقشنا الفرق بين المنطق العقلي والمنطق التجريبي، جواباً كافياً على هذه الدعوى، وأثبتنا أَنَّ هذه الدعوى تنشأ جرّاء عدم فهم حدود الحسّ والعقل وعدم دراسة محتوى الذهن. وأوضحنا أنّ هناك مجموعة قضايا تستخدم في أكثر العلوم حسيّة وتجريبية وهذه القضايا لا دليل عليها من الحسّ والتجربة، بل ذات طابعٍ عقلي بحت. وبُغية أن نوضح مفاد المتن هنا ونثبت عدم إمكانية أن يكون الإحساس منشأً لجميع التصديقات الضرورية للذهن نضيف: إِنَّ أحد التصديقات الضرورية للذهن أن يكون الإحساس ذا واقعٍ، فهل وجود الإحساس أمرٌ نحسّه ؟ وهناك تصديق ضروري آخر لأذهاننا وهو أَن يكون للتجربة واقعٌ فهل أثبتنا وجود التجربة بالتجربة ؟ مضافاً ـ كما جاء في المتن ـ أنَّ هذه الإدعاءات نفسها التي نسمعها تأتي في الصياغة التالية " كلّ حقيقةٍ ينبغي أن نحصل عليها عن
إِنَّ هؤلاء الباحثين اهتمّوا بالبحث في مجموعة أُمورٍ ماديةٍ، حيث ميدان فعالية الحسّ والتجربة، وانتهوا إلى تحديد مجموعة أُمورٍ واقعيةٍ مشروطة ( خواص الموضوعات المادية ). وحينما انتهت حدود ميدانهم اطلّوا على ما هو خارج عن حدود مهمّتهم، وبحثوا عن الواقع وأصل إثباته، فتعدّوا حدودهم ونفوا ما هو خارج عنها، ثمّ طرحوا مجموعة مقالات تتعلّق بما أثبتوه ونفوه ( السمات الإيجابية للمادة، اللامادة، والسمات اللامادية )، وأطلقوا عليها اسم الفلسفة. وقد أغفلوا في الواقع مهمّة الفيلسوف، التي ينبغي أن تكون في البحث عن أصل وأساس
طريق الحسّ والتجربة "، أو " ليس هناك اعتبار لغير المحسوس "، فهل هذه المقولة حسيّة وتجريبية ؛ فبعضها كليُّ وبعضها منفي، والحسُ لا يتعلّق بالأمر الكّلي والمنفي ؛ إذن فإذا لم يكن لغير الحسّ والتجربة اعتبار فهذه الادعاءات ذاتها لا اعتبار لها.
إنَّ التفاتةً بسيطةً إلى مسائل الفلسفة ذاتها تدفع هذا الوهم الطفولي، وتوضح أنَّ التحقيق في هذه الموضوعات خارج عن حدود الحسّ والتجربة. خذ مثلاً تصوّر المسائل المطروحة في هذه المقالة نفسها: اشتراك الوجود، أصالة الوجود، التشكيك الوجودي وغيره، فمن الواضح بجلاء أنَّ دعوى دراسة هذه المسائل عبر الحسّ والتجربة وتحت عدسات المكبّرات، وفي زوايا المختبرات، أمر في غاية السخرية. على أنَّ الخطأ في تحديد وسيلة الدراسة الفلسفية ينشأ بشكلٍ كبيرٍ عن خطأ آخر يرتبط بتحديد هوية الفلسفة وفائدتها وفرقها عن العلم. وقد تناولنا في المقالة الأولى البحث في تجنب هذه الأخطاء بشكل كافٍ.
وجود الأشياء وعدمها. إِنَّ على هؤلاء الباحثين الالتفات إلى أنَّ الحسّ والمحسوس، والتجربة والمجرب، والحاسّ والمجرِّب، جميعها ترتهن بالواقع المطلق، وهي أُمور واقعية.
من هنا علينا أَن نتكئ ـ أوّلاً ـ على واقعية الحسّ، لكي نستطيع الحصول على المحسوس بالقوّة الحسّية، ولا بدّ من الإيمان أيضاً بواقعية التجربة، لنعكف بعد ذلك على الحكم على المجرَّب. وقبل ذلك لا بدّ من اليقين بواقع وجودنا وبواقع ما تتطلّبه التجربة والحسّ من مستلزمات. ولا يمكن القول إطلاقاً إِنَّ هناك شيئاً يمكن أَن يتقدّم إثباته على إثبات واقعه، أي أَنّ نركن إلى الحسّ والتجربة في إثبات واقعيتنا وواقعية أفعالنا.
وبغض النظر عمّا تقدّم فإذا أخذنا مقولتهم: " كلّ حقيقة يجب الحصول عليها بالحسّ أو التجربة "، نجدها أمراً غير حسّي وتجريبي ؛ لأَنَّ جزءاً منها كلّي، والجزء الآخر نافٍ، والحسّ والتجربة لا تتعلّق بالكلّي والمنفي. أمّا إذا انطلقنا من الواقعية كأصلٍ لجميع معلوماتنا فلا يمكن إنكار النتائج الضرورية لهذا العلم، وإلاّ نبقى نحن وهاوية السفسطة المظلمة.
إذن؛ لا بدّ من وضع اليد على مجموعة معلومات وتصديقات أوّلية ضرورية آمنّا بها في ضوء تأمّلنا في أصل الواقعية.
* * *
نقول أمام السوفسطائي (المثالي الحقيقي)، الذي لا يعترف بسوى الفكر: الأرض موجودة، السماء موجودة، الإنسان موجود، الشجرة موجودة، المادة موجودة، القوّة موجودة... أي إنَّ لكلّ مفهوم من هذه المفاهيم واقعية. على أَنَّ الواقعية التي نُثبتها لكلّ مفهوم من هذه المفاهيم
ذات معنى مغاير لكلّ واحد من هذه المفاهيم، وذات معنى واحد في كلّ الموارد
(٣).
ولو كان معنى المحمول والموضوع في هذه القضايا واحداً فيكون (الإنسان موجود = الإنسان إنسان) فسوف لا يكون هناك داعٍ للإثبات، بغض النظر عن أَنَّ السوفسطائي لا ينكر هذه المفاهيم. ولا ينكر وحدة معنى المحمول أيضاً، وهو مصداق مفهوم الوجود والواقعية.
(٣) هذه أشارة إلى مسألتين من مسائل الوجود، تُطرح إحداهما تحت عنوان: مغايرة مفهوم الوجود للماهية أو زيادة الوجود على الماهية، وتطرح الأُخرى تحت عنوان: اشتراك الوجود. إِنَّ مسائل الوجود التي طُرحت في المتن من خلال اثتني عشرة مسألة يرتبط بعضها بعالم الذهن، أي أنّها ذات طابعٍ ذهني. ويرتبط بعضها بعالم الخارج، أي أَنّها ذات طابع عيني، وبعضها الآخر يرتبط بالجانبين معاً. وسوف نوضح هذه الجوانب عبر كلّ مسألة من هذه المسائل.
اهتمّت المقالات السابقة بدراسة الإدراكات والفعاليات الذهنية وإيضاح العلاقة الأكيدة بين أسلوب البحث الفلسفي، وبين معرفة الفعاليات الذهنية وأسلوب صناعة الأفكار. ومن هنا نجد أَنّ أغلب المقالات المتقدّمة تمحورت حول مسائل الإدراك. وإذ نبحث في هذه المقالة عن مسائل الوجود، ونتعامل مع الواقع والوجود، نجد أَنّنا نواجه مسائلّ ترتبط أيضاً بمسائل الإدراك.
لا يخفى على المتتبّعين أنّ نهج دراسة مسائل الإدراك في الفلسفة يختلف بشكلٍ كاملٍ عن أسلوب دراسة علم النفس الحديث، فعلم النفس يركز على قراءة عالم الذات وقوانين وجود وغياب الظواهر النفسية وارتباطها مع بعضها أو مع عالم الخارج، ويستهدف معرفة عالم الذات. لكن الفلسفة تهتم
من هنا ينبغي أَن نستنتج:
أساساً بمعرفة الوجود والواقع ولا تنظر إلى الأفكار والذهن إلاّ من زاوية الأدوات والوسائل.
تتيسّر معرفة الوجود والواقع ـ من وجهة نظرنا الفلسفية ـ حينما نضع يدنا على مجموعة الأفكار التي تمثّل نتاج الفعاليات الذهنية المختلفة وتمييز ما يمثّل الواقع الخارجي منها عمّا هو محصول ومعلول الفعاليات الذهنية. وبعبارة أُخرى العكوف على دراسة الإدراكات الذهنية وتمييز الحقيقة عن شبه الحقيقة، وبتعبير الفلاسفة الإسلاميين: معرفة الأمور الأصلية والأمور الاعتبارية. تتّضح هذه الفكرة بشكلٍ أكبرٍ عبر قراءة هذه المقالة والمقالات اللاحقة. ويبغي على القارئ المحترم أن يهيئ ذهنه لقبول حقيقةٍ أشرنا إليها مراراً، وهي أَنّنا ما لم نتعرّف على الذهن لا يمكننا أَن نتوفّر على الفلسفة.
بعد أَن يذعن الإنسان بالأصل اليقيني " أَنَّ هناك واقعاً "، وبعد أَن يتعرّف على مظاهر هذا الواقع نظير: أنا موجود، البياض موجود، الشجرة موجودة، الحجر موجود، الشمس موجودة: ثمّ يجد أن ذهنه متوفّر على تصوّراتٍ كثيرةٍ عن الأشياء كتصوّر البياض وتصوّر الشمس وتصوّر الشجرة وتصوّر الحجر... حينئذٍ يرى أَنَّ هذه التصوّرات لا يتطابق أيّ منها مع الآخر، أي ليست الشجرة عين الشمس وليس الإنسان عين البياض أو الاحمرار وهكذا. فينتهي إلى أَنّه ليست هناك عينية مطلقة بين هذه المفاهيم، وأَنَّ هناك لوناً من التغاير بينها. لكن هذه الأمور في عين تغايرها تشترك مع بعضها في أمرٍ آخر، أي أَنَّ الذهن يحكم عليها من زاويةٍ من الزوايا بحكمٍ واحدٍ، هذه الزاوية عبارة عن وجود هذه الأشياء وتوفّرها على
١ ـ نثبت الواقعية " الوجود " لكلّ شيءٍ بمعنىً واحد.
الواقع في الخارج، أي إنَّ الذهن يحكم بشأن كل مفردةٍ من هذه الأشياء بأَنّها موجودة في الخارج وذات واقع فيقرر: أنَّ للشجرة واقعاً، وأَنَّ للحجر واقعاً، وأن للإنسان واقعاً.
إذن حينما يراجع كلّ شخصٍ ذهنه يجد:
أوّلاً
ـ أنّ هناك تصوّرات ومفاهيمَ كثيرة عن الأشياء، كتصوّر البياض، وتصوّر الحرارة، وتصوّر الشجرة، وتصوّر الحجر. ( أمّا ما هي علّة ظهور هذه المفاهيم والتصوّرات ؟ فالإجابة خارجة عن بحثنا الراهن وقد أوضحناها في المقالة الخامسة )، ويجد:
ثانياً
ـ أنّ مفهوم الوجود والواقعية يرتبط في الذهن مع جميع هذه التصوّرات، أي إنّ الذهن يحكم بواقعية البياض وواقعية الشجرة وواقعية الحجر... وهنا تُطرح مجموعة أسئلة:
أ ـ هل مفهوم الوجود أو الواقعية عين هذه المفاهيم المتعددة، فيكون مفهوم الوجود في ذهننا عين مفهوم الإنسان، ومفهوم الشجرة وغيرها من المفاهيم ؟ وبعبارة أُخرى هل يتطابق تصوّرنا الذهني عن الوجود مع تصوّرنا عن الإنسان والبياض والشجرة وسائر الأشياء، التي تحضر في أذهاننا، وننسب لها الوجود، وغيره من السمات ؟
يطرح هذا السؤال المسألة الأولى من المسألتين المتقدّمتين، وهي " زيادة الوجود على الماهية "، أو مغايرة الوجود للماهية. إِنَّ هذه المسألة ـ كما هو واضح ـ ذات طابع ذهني بحت. ومن هنا تصبح الإجابة على الاستفهام المتقدّم متيسّرة، عبر مراجعة الذهن وقراءة التصوّرات الذهنية باختصار، دون حاجة لخوض مسيرة المنعطفات الاستدلالية. إِنَّ الإنسانَ عبر
٢ ـ مفهوم الواقعية " الوجود " يغاير مفهوم كلّ شيء واقعي.
مراجعة ذهنه يجد أنّه يتوفّر على تصوّراتٍ عن الأشياء تتغاير بعضها عن بعض، كتصوّر الإنسان وتصوّر الحجر حيث يتغايران، كما يجد أَنَّ تصوّره الذهني للحجر والشجرة وغيرهما يغاير تصوّره الذهني للوجود. أي كما أَنَّ الشجرة والحجر وغيرهما أشياء يتوفّر كلّ واحدٍ منها على صورةٍ ذهنيةٍ مغايرةٍ لصورة الشمس في الذهن، فالوجود أيضاً له صورة مغايرة للصورة الذهنية للشمس والشجرة وغيرها. على أنّه يمكن إقامة البرهان كما أشار في المتن على هذا الموضوع أيضاً بالنحو الآتي:
لو كان التصوّر الذهني للوجود عين التصوّر الذهني للإنسان مثلاً يلزم أن يكون لفظ الوجود أو الواقع مرادفاً للفظ الإنسان، كما يترادف لفظ البشر مع لفظ الإنسان. حينئذ يلزمُ أن يكون مفهوم ( الإنسان موجود ) معادل لجملة ( الإنسانُ إنسان )، كما تعادل هذه الجملة جملة الإنسان بشر. وحينئذٍ يلزم أن يكون إثبات الوجود للإنسان غني عن الاستدلال ؛ لأنَّ جملة الإنسان إنسان غنية عن الاستدلال. بينما يتطلّب إثبات الوجود للإنسان دليلاً. على أَنَّ مفهوم الإنسان هنا أُخذ مثالاً، ويمكن استبداله بأمثلةٍ أخرى.
أضف إلى أَنَّ مفهوم الوجود ـ كما سيأتي في الاستفهام الثاني ـ مفهوم واحد، بينما تتعدّد مفاهيم الإنسان والشجرة والحجر والبياض، ومن المحال أَن يكون المفهوم الواحد عين مفاهيمَ متعدّدةٍ متغايرةٍ. إذن نستنتج أنَّ مفهوم الوجود والواقع مغاير مع مفهوم كلّ واحدٍ من المفاهيم الموجودة في الذهن، التي ننسب إليها الواقعية والوجود. وهذا هو معنى مغايرة مفهوم الوجود للماهية، أو زيادة الوجود على الماهية.
٣ ـ بحكم أَنَّنا لا نحسب كلّ شيء في عالم الخارج عين الآخر،
إِنَّ الدافع إلى طرح هذا الموضوع هو الإجابة على مسلك بعض المتكلّمين الذين قالوا بوحدة مفهوم الوجود والماهية. أي أَنَّ البحث الكلامي هو الذي فرض على البحث الفلسفي طرح هذه المسألة. ونجد أَنَّ الفارابي هو أوّل حكيم تعرض لطرح هذا الموضوع.
ورغم ما نجده من هامشية هذه المسألة بحكم وضوحها وعدم الحاجة إلى الاستدلال عليه، لكنّنا سنرى أَنَّ هذه المسألة الهامشية هي التي أدت إلى ظهور أهم مسائل الفلسفة، يعني مسألة أصالة الوجود أو أصالة الماهية، والالتفات إلى هذه المسألة ضروري في البرهنة على موضوع أصالة الوجود أو أصالة الماهية.
ب ـ هل مفهوم الوجود عين المفاهيم التي يُحمل عليه، كمفهوم الأرض والسماء والإنسان والشجرة، حينما نقول إنَّ هذه المفاهيم موجودة، أم أنّه مفهوم مختلف عن هذه المفاهيم، وبتعبير آخر هل هو مشترك معنوي أم مشترك لفظي ؟
المسألة الوحيدة التي طرحها أرسطو في (ما بعد الطبيعة) هي هذه المسألة. وبغية أَن يثبت أنَّ الوجود مفهوم عام وشامل طرح بحث الاشتراك اللفظي والمعنوي، وأثبت أنَّ مفهوم الوجود مشترك معنوي لا لفظي.
ينبغي أوّلاً أَنّ نوضح مصطلح المشترك المعنوي والمشترك اللفظي. إذا كانت لدينا قضايا متعدّدة ذات موضوعات متعدّدة، لكنّها ذات محمولٍ مشترك نظير قولنا: زيدٌ إنسان، عمر إنسان، حسن إنسان. في مثل هذا الفرض يمكن أن يكون المحمول المشترك يشترك من زاوية اللفظ، لا من
ولا نشكّ أيضاً في أنَّ الإنسان غير الشجرة والشجرة غير الإنسان ( بأيِّ
زاوية المعنى، كما هو الحال حينما نشير إلى عين الإنسان فنقول عنها: هذه عين، ونشير إلى عين الماء، ونقول: إِنَّ هذه عين، ونشير إلى الجاسوس ونقول: إِنَّ هذا عين. فالمحمول في هذه القضايا الثلاث من زاوية اللفظ واحد، لكنه متعدد المفاهيم والمعاني، يعني حينما نشير إلى عين الإنسان فإننا نعني مفهوماً في الذهن مغاير للمفهوم الذي نشير به إلى عين الماء، أو إلى الجاسوس، فكلّ واحدٍ من هذه الألفاظ يشير إلى صورة ذهنية خاصة به، ولا تتطابق هذه الصورة الذهنية الثلاث مع بعضها.
لكن المحمول المشترك يشترك من زاوية المفهوم أحيان، كما في قولنا: زيد إنسان، عمر إنسان، حسن إنسان. فالمفهوم المقصود من لفظ الإنسان في هذه القضايا الثلاث واحد، أيّ أنّنا حملنا صورة كليّةٍ ذهنيةٍ واحدة على هذه المواضيع المتعدّدة، وقصدنا معنىً ومفهوماً مشتركاً للموراد الثلاثة. على أَنّه من الممكن أن يكون المعنى مشتركاً وموحداً أيضاً مع اختلاف اللفظ، حينما نستخدم الألفاظ المترادفة، كما في قولنا: زيد إنسان وعمر بشر وحسن حيوان ناطق. رغم تعدد الألفاظ واختلافها في هذا المثال، وعدم وجود اشتراك لفظي، لكن هناك اشتراكاً من زاوية المعنى.
إذن فالاشتراك في المثال الأول (العين
) اشتراك لفظي، والاشتراك في المثال الثاني (الإنسان
) اشتراك معنوي. على أَنَّ الاشتراك اللفظي، بحكم نشوئِهِ من الأصل، يختلف من لغةٍ إلى أُخرى، لكنّ الاشتراك المعنوي، بحكم كونه خصوصية ذهنية للمعنى، فلا علاقة له بعالم وضع الألفاظ. نأتي الآن لنرى هل مفهوم الوجود يحمل على موضوعات متعدّدة، فنقول:
مفهوم من مفاهيم التغاير، فهما اثنان ) إذن ؛ يلزمنا القول: إِنَّنا نستخلص من الموجودات الخارجية مفهومين، أحدهما المفهوم الذي تتمايز به الأشياء الواقعية، والذي يوافق عليه السوفسطائي أيضاً بوصفه فكراً، كمفهوم الإنسان ـ الشجرة... والمفهوم الآخر مفهوم الوجود " الواقعية ". إذن فكل شيء واقعي يعطينا مفهومين، نظير الإنسان الخارجي، فهو يعطينا مفهوم الإنسان ومفهوم الواقعية.
الأرض موجودة ـ الإنسان موجود ـ السماء موجودة ـ مشترك لفظي أم مشترك معنوي ؟
إنَّ الإجابة على هذا الاستفهام ـ بحكم ارتباطه بالوجدان الذهني ـ واضح، يعني أنَّ كلّ إنسان حينما يلتفت إلى معطيات ذهنه يُدرك أنَّ مفهوم الوجود مغاير مع المفاهيم التي يُحمل عليها كالأرض والسماء والشجرة وهو مشترك معنوي في هذه الموارد، وليس مشتركاً لفظياً. أي حينما يحكم الذهن على كلّ واحدٍ من المفاهيم المتقدّمة بالوجود فإنَّه يقصدُ معنىً واحداً في جميع موارد حكمه ويحمل المفهوم على هذه المفاهيم المتعددة ولا يقصد أكثر من معنى.
ج ـ إِنَّ لدينا عن كلّ أمرٍ واقعي صورتين ذهنيتين، فما نحكم عليه بالواقعية ـ رغم السفسطة ـ كالإنسان والشجرة والأرض له مفهومان: الأوّل مفهوم الإنسان ومفهوم الشجرة ومفهوم الأرض، وهذا المفهوم هو ملاك تشخيص وتمييز لكلّ قضيةٍ من القضايا الثلاث، وعلى أساس هذا المفهوم نحكم بالتغاير بين موضوعات القضايا الثلاث. والمفهوم الثاني هو مفهوم الوجود، الذي هو مشترك في القضايا الثلاث، نأتي الآن لنتساءل أيُّ المفهومين هو الأصيل وأيهما هو الاعتباري ؟ والإجابة على هذا الاستفهام تَطرحُ المسألة الثالثة. وسنتابعها في الهامش اللاحق وفقاً لما جاء في المتن.
أصالة الوجود والواقع
مع الأخذ بنظر الاعتبار أنَّ كلّ شيءٍ خارجي لا يتعدّى أمراً واقعياً واحداً، ونستخلص منه مفهومين مختلفين: الماهية ـ والوجود. نأتي الآن لنرى لمن الأصالة من هذين المفهومين
(٤)
. أي هل مفهوم الإنسان هو الذي يحكي عن الواقعية ( التي تبغضها المثالية ) أم مفهوم الوجود ؟
٤ ـ هذا هو عين السؤال الثالث الذي ذكرناه في الهامش السابق. فبعد طي المرحلة الثانية والإذعان بأنَّ الإنسان موجود والشجرة موجودة والبياض موجود... يعني بعد تكثير الأصل الكلّي " الواقع موجود " والحصول على واقعيات متعدّدة، يُطرح هذا الاستفهام.
بعد الإيمان بالأصل الكلّي " الواقع موجود " الذي يمثل الحدّ الفاصل بين المثالية والواقعية، نخطو الخطوة الأولى للانفصال عن عالم الخيال والدخول إلى عالم الواقع، ثمّ نعكف على تكثير هذا الأصل، فنعثر على واقعيات متعدّدة، نظير الإنسان والشجرة والجسم والخط والسطح والحجم والبياض والحرارة وغيرها، فنذعنُ في أذهاننا ونصدّق بشكلٍ قطعي بأنَّ لهذه الأمور واقعاً. ثمّ نعكف على تحليل ذهننا فنجد:
أوّلاً
: إنَّ لدى الذهن صورةً عن كلِّ واحدٍ من هذه الأمور الواقعية مغايرة لصورة الوجود التي لديه ( زيادة الوجود على الماهية ).
.....................................................................................................................................................................................
ثانياً:
إنَّ مفهوم الوجود مفهوم عام ومشترك ينطبق على هذه الأمور الواقعية بمعنىً ومفهومٍ واحد ( اشتراك معنوي للوجود ). ثمّ نستنتج من هذا التحليل المختصر للذهن النتيجة الثالثة.
إذن لدينا مفهومان عن كلّ أمرٍ نصدقُ ونذعنُ بواقعيته، المفهوم الأوّل مفهوم عامٍ ومشترك ( الوجود )، الذي ينطبق على كلّ هذه الأمور الواقعية، وهو مشترك بينها. والمفهوم الثاني مفهوم خاص يختصُ بكل أمرٍ من هذه الأمور الواقعية على حده، مثل مفهوم الإنسان ومفهوم النار ومفهوم الحجر، حيث ينطبق كل مفهومٍ من هذه المفاهيم على موردٍ معينٍ، ويصطلحُ عليه الماهية.
وهنا يُطرح استفهامان:
الاستفهام الأوّل:
من أين ينشأ المفهوم العام والمشترك في الأذهان، ومن أين ينشأ المفهوم الخاص في الأذهان أيضاً ؟ وهذا السؤال ذو طابع نفسي، وقد أجبنا عليه في المقالة الخامسة بشكل مفصّل.
والاستفهام الثاني:
بعد أن عرفنا أنَّ هناك مفهومين في الذهن ( الماهية ـ الوجود )، فأيّ منهما الأصيل وأيّ منهما الاعتباري ؟ فهل هما أصيلان معاً أم هما اعتباريان معاً، أم أنَّ الوجود هو الأصيل والماهية أمر اعتباري أم العكس ؟ وهذه المسألة رغم طابعها الذهني مسألة فلسفية خالصة، وذات طابع عيني، وتتوقّف معرفة الواقع عليها، بل هي أكثر مسائل معرفة الواقع أساسيةً.
ينبغي بيان مجموعة من الأفكار مقدمةً لهذا البحث:
أ ـ تعني الأصالة هنا العينية والخارجية، مقابل الاعتبارية التي تعني
....................................................................................................................................................................................
عدم العينية والخارجية، وتعني أنّها محصول ذهني خالص. لقد درج في الاصطلاحات الفلسفية الحديثة استخدام الأصالة بمعنى التقدّم مقابل الفرع والنتيجة، فيقولون هل الأصالة للروح أم للمادة ؟ بديهي أنَّ المقصود في هذا الاستفهام ليس تحديد ما هو عيني خارجي وما هو اعتباري ذهني، بل المقصود هو تحديد ما هو الأساس هل المادة هي الأساس والروح من خواص المادة ونتيجة تركيباتها أم أنَّ الروح هي الأساس والمادة نتيجة لها ؟
لا يُعنى في بحث أصالة الوجود أو الماهية بالبحث عما هو أساس، بل يُطرح الاستفهام بصدد المفهومين اللذين نتوفّر عليهما عن كل أمرٍ واقعي، فأيّ من هذين المفهومين ذو طابعٍ عينّي خارجي، وأي منهما ذو طابع ذهني واعتباري ؟
إنَّنا إذا اعتبرنا الوجود أو الماهية أمراً اعتبارياً فسوف لا نقرُّ له بأيّ طابع عيني، فلا هو أصل وأساس ولا هو فرع ونتيجة. على أيّ حال لا ينبغي الخلط بين البحث عن الأصالة وعدمها هنا، وبين البحث عن الأصالة وعدمها في الفلسفة الحديثة، فالاصطلاحات في هذه الفلسفة تختلط أحياناً، ومن الممكن أن يراد من عدم الأصالة في بعض الموارد الاعتبارية أيضاً.
ب ـ ينبغي أن نوضح مفهوم الماهية التي نبحث عن أصالتها أو عدم أصالتها. إنَّ القارئ المحترم على بينةٍ من أنَّ هذا البحث مطروح بعد التصديق بمجموعة أمور واقعية الأشياء مقدّمة للدخول إلى هذا البحث. على أَنَّ واقعية الأشياء على الإجمال ليست فرضية احتمالية، بل
.....................................................................................................................................................................................
هي أمر بديهي وقطعي، وموضع تصديق وإذعان كلّ الأذهان. لنفرض أنَّنا آمنا بواقعية ثلاثة أشياء: الخط، العدد، الإنسان. وحكمنا بوجود الخط والعدد والإنسان، وأنَّ هذه الأشياء موجودة على حدٍ سواء ولا اختلاف بينها من زاوية واقعيتها ووجودها.
من الواضح لدى أذهاننا أنَّ الوجود تعلّق في كلّ موردٍ من هذه الموارد بشيءٍ، وفي كلّ مورد لبس شيء من الأشياء لباس الوجود. وبعبارة أُخرى واضح لدى أذهاننا أنَّ شيئاً في كلّ مورد من هذه الموارد قد خرج من ستارة الإبهام وظُلمة العدم ؛ فقد تعلّق الوجود في موردٍ بما نسمّيه الكمّية المتّصلة، وتعلّق الوجود في مورد آخر بما نسمّيه الكمّية المنفصلة، وتعلّق في موردٍ آخر بما نسمّيه الجوهر العاقل.
فيما يبدو في أذهاننا متلبّساً ومعروضاً وخارجاً من ستارة العدم وظلمته هو " الماهية ". ففي المثال المتقدّم حينما نحكم بوجود العدد أو الخط أو الإنسان، فالعدد والخط والإنسان ماهيات مختلفة ذوات وجود.
الماهيات منشأ الكثرة والتعدّد والوجود منشأ الوحدة. أيّ أَنَّ الأمور الواقعية الثلاثة ثلاثة أمور لا أمرٍ واحد ؛ حيث إنّ أحدها خطّ والآخر عدد والثالث إنسان. رغم أنَّها من زاوية الواقع والتوفر على الوجود متشابهة ومشتركة مع بعضها.
على أن نشير إلى إمكانية أن ينكر منكر حقيقة: ( إنّ ما ندركه من الأشياء هو عين ماهيتها )، فلا يَقُّر بأنّ الصورة الذهنية للخط أو العدد أو الإنسان هي عين الماهية المتلّبسة بالوجود الخارجي. أي أن يسلك مسلك
......................................................................................................................................................................................
الشكّ أو الإنكار في بحث " الوجود الذهني " أو " قيمة المعلومات ". لكن، وعلى أية حال، مع القبول بأنَّ هناك أموراً ثلاثة ذات واقعٍ ووجود لا يبقى شك في أنَّ كلّ واحدٍ من هذه الأمور الثلاثة شيء خاص بنفسه، قد تعلّق به الوجود، وهذا الشيء الذي تعلّق فيه الوجود هو ماهية ذلك الشيء، سواء آمنا بالوصول إلى كنهه أم لم نؤمن.
ج ـ حينما نحمل محمولاً على موضوع فسوف نلاحظ أن هناك حالتين:
الحالة الأولى ـ
أن يكون المحمول والموضوع في عالم الخارج أمرين واقعيين، أي لكلّ واحدٍ منهما واقع خاص به، كما هو الحال في عالم الذهن، حيث يتوفّر كلّ من الموضوع والمحمول على صورةٍ ذهنيةٍ خاصةٍ به. مثلاً، حينما نحكم بأنّ هذه الورقة بيضاء، أو هذه الغرفة مربعة، أو هذه الحبّة حلوة ـ نلاحظ في هذه الأمثلة أنَّ لكلّ واحدٍ من المحمول والموضوع تصوّراً خاصاً به في الذهن، ونلاحظ أيضاً أنَّ لكلّ واحدٍ منهما ما بإزاء في عالم الخارج، أي أنّ هناك واقعاً للبياض، وأنّ هناك واقعاً للورقة، وأنَّ هناك واقعاً للغرفة، وأنَّ هناك واقعاً للمربع، وأنَّ هناك واقعاً للحبة، وأنّ هناك واقعاً للحلاوة، فرغم ارتباط هذه الوقائع مع بعضها وارتهان كلّ محمول بموضوعه، لكن لكلّ واحدٍ منهما مصداقاً واقعياً، ومن ثمَّ له ما بإزاء خاص به.
الحالة الثانية ـ
أن لا يكون لكلٍ من المحمول والموضوع واقع مستقل في الخارج، ولا تكون هناك أيّ اثنينيّة بين الموضوع والمحمول في الخارج،
.....................................................................................................................................................................................
فلا كثرة بينهما، بل تحكم الوحدة بينهما، والكثرة تستند إلى الذهن بشكل خالص. وبعبارة أخرى أنَّ الذهن بلونٍ من ألوان التحليل والتجزئة يقسم الأمر الخارجي الواحد إلى أمورٍ متعددةٍ، فيصوغ مفاهيمَ ومعانيَ متعددةً من أمرٍ واقعي خارجي واحد، ليس فيه أيُّ لونٍ من ألوان الكثرة.
لا مجال لإنكار قدرة الذهن على التحليل والتجزئة، فلها آلاف الشواهد الواضحة. القِ نظرة على (التعريفات
) تلاحظ كيف يصوغ الذهن لشيءٍ واحدٍ بسيط خارجي مفاهيمَ ومعانيَ متعددة لديك ويضع له زوايا اشتراك ونقاط امتياز، بالشكل الذي تنطبق جميع هذه المعاني والمفاهيم الكثيرة على هذا الشيء الخارجي البسيط الواحد، كما هو الحال في تعريف الخط، فالذهن يحكم بأَنَّه " كمية متّصلة ذات بُعدٍ واحدٍ ". فالذهن هنا يجزئ الخط بقوّة تحليله إلى كمّيةٍ، واتصالٍ، وأَنَّها ذات بُعدٍ واحدٍ. وهذه المفاهيم الثلاثة تنطبق على الخط. ومن البديهي أنَّ الوجود الخارجي للخط لا يتركّب من ثلاثة أجزاء، أي أنَّ قسماً من وجوده كمّيةٌ، وآخر اتّصالٌ، وآخر بُعد واحد. بل المفاهيم الثلاثة في عالم الخارج واحدة وذات واقعٍ ووجودٍ واحدٍ، لكن الذهن هو الذي ينتزعُ من هذا الواقع والوجود الواحد مفاهيم مختلفة، ويطبقها على هذا الواقع الواحد. على أي حال لا مجال لإنكار قدرة الذهن على صياغة مفاهيمَ ومعانٍ متعددةٍ للواقع الواحد.
بحث الماهية والوجود مورد من موارد الحالة الثانية، الحالة التي لا يكون لكلّ من الموضوع والمحمول واقع مستقل، أي الموارد التي تتّخذ الماهية نظير الخط أو العدد أو الإنسان موضوعاً، ونحمل الوجود عليها،
....................................................................................................................................................................................
فنؤلّف قضايا،و
نحكم أنَّ الخط موجود أو العدد موجود أو الإنسان موجود...
للموضوع والمحمول في هذه الموارد ( يعني مفهوم الإنسان ومفهوم الوجود مثلاً ) كثرة في عالم الذهن، ويحكم التغاير بين المفهومين، ووفق الاصطلاح الفلسفي " الوجود زائد على الماهية ". بل ـ كما قلنا ـ يبدو في الوهلة الأولى للذهن أنَّ الوجود تعلّق بالماهية، وأخرجها من عالم العدم ومن ستارة الإبهام والظلمة إلى عالم الظهور، والماهية بمثابة المتلبّس بلباس الوجود ؛ لكن المسلّم أنَّ الماهية والوجود في عالم الخارج ليسا أمرين أحدهما ظاهر والآخر مظهر، وأحدهما لباس والآخر متلبس. بل الذهنُ هو الذي يصوغ هذين المفهومين من واقع خارجي واحد، فيعتبر أحد المفهومين عارضاً والآخر معروضاً عليه. هناك تركيبات ممكنة في عالم الخارج، لكن تركيب الماهية والوجود في عالم الخارج أمر لا معنى له. إنّما تحصل هذه الكثرة والتركيب بين الماهية والوجود بقوة التحليل الذهني، وليس للوجود والماهية في عالم الخارج ( كالإنسان ووجود الإنسان أو الخط ووجود الخط أو الأرض ووجود الأرض ) واقعان مستقلاّن، فيكون لكلّ واحد منهما ما بإزاءٍ خارجي. وكيف يمكن من حيث الأساس أن يكون للأمر الواقعي الواحد ـ مما فرضناه الإنسان أو الخط أو الذرة ـ واقعان واقع لذاته وواقع لوجوده، كل على حده، فيكون له واقعان في المجموع ؟!
لا حاجة لإقامة البرهان على أنَّ الشيء ووجوده يشكّلان واقعاً واحداً، واختلاف وتعدّد الماهية والوجود أمرٌ ذهني ومعلول لقوّة التحليل الذهنية. فإذا استطاع أحد أن يتصوّر هذا الموضوع فسوف يصدّق بهذه الفكرة
.................................................................................................................................................................................
بلا تردد. لكنّنا في نفس الوقت نقيم برهاناً لأولئك الذين يميلون إلى إقامة البرهان والاستدلال على هذا الموضوع، وبرهاننا على النحو الآتي:
إذا كان الشيء ووجوده أمرين واقعيين، يلزم أن يتألّف كلّ أمرٍ واقعي من أُمور واقعية غير متاهية. مضافاً إلى أن يكون ذلك الشيء من حيث الأساس أمراً لا وجود ولا واقع له ؛ إذ لو كان كلّ من الوجود والماهية أمراً واقعياً مستقلاً فسوف ننقل الكلام إلى كلّ واحدٍ من هذين الأمرين أمرٌ واقعي، وكلّ أمر واقعي بحسب الفرض مع واقعه أمران واقعيان، أي هناك اختلاف حاكم في ذاته وليس أمراً واحداً، إذن لكلّ واحدٍ من الوجود مجموع من أمرين واقعيين. ثمّ ننقل الكلام في المرحلة الثانية إلى هذين الأمرين الواقعيين الذي تشكّلهما الماهية، والأمرين الواقعيين اللذين يشكّلهما واقع الوجود، وحيث أنَّ كلّ واحدٍ من هذه الأربعة أمرٌ واقعيٌّ، وكلّ أمر واقعي بحسب الفرض مجموع من أمرين واقعيين بينهما اختلاف خارجي، إذن فكلّ واحدٍ من هذه الأمور الأربعة يشكّل أمرين واقعيين، وهكذا ننقل الكلام في المرحلة الثالثة والرابعة... إلى ما نهاية، حيث نستمر مع أمورٍ واقعيةٍ مركبةٍ من أمرين واقعيين آخرين وهكذا.. ومن الواضح أنَّ هذه الظاهرة أمر محال عقلاً لأسباب:
أوّلاً:
إنّ الأمر الواقعي الواحد كالإنسان الواحد ليس مجموعة من الأناسي اللامتناهية، والخطّ الواحد ليس مجموعة من الخطوط اللامتناهية ( على أنّ لا نخلط بين قابلية انقسام الخطّ إلى أجزاءٍ غير متناهية وهذا
......................................................................................................................................................................................
الموضوع ) والذرة الواحدة ليست مشكّلة من ذرّاتٍ لا متناهية. فكيف يمكن من حيث الأساس أن يكون الشيء الواحد في نفس الوقت الذي هو أمر واحد بالفعل، مؤلّفاً من أشياءٍ غير متناهية.
ثانياً:
إنَّ الأمر اللامتناهي المفروض هنا لون من الكثير الذي لا ينتهي إلى وحدات ؛ وقد لاحظنا أنّ الشيء يتألّف من أمرين واقعيين إلى ما نهاية، ولا ينتهي إلى أمرٍ واقعي مؤلّفٍ من هذين الأمرين الواقعيين، والكثير الذي لا ينتهي إلى أمرٍ واحد يستحيل وجوده ؛ لأنَّ الكثير يحصل جرّاء تجمّع وحداتٍ، فإذا لم تكن هناك وحدة لم تكن هناك كثرة، إذن يلزم من كون الشيء الواقعي الواحد ذاته أمرين واقعيين أن لا يكون لذلك الشيء ـ من حيث الأساس ـ وجود وواقعية.
د ـ تقدم أنَّ الشيء الواحد لا يمكن أن يكون هو ونفسه أمرين واقعيين، وبعبارة أُخرى لا يمكن أن تكون الماهية والوجود أمرين عينيين ؛ نأتي الآن لنقول على أساس وجود أمور خارج أذهاننا: إنَّ الماهية وواقعها لا يمكن أيضاً ألاّ يكون لكلّ منهما وجود وعينية خارجية، فنحن نؤمن بأنَّ الإنسان أو الخط أو العدد أو الذرة موجودة خارج أذهاننا، فإذا كان الإنسان وواقعه أو الخط وواقعه لا وجود خارجي ولا عينية لهما، بل هما أمران ذهنيان، إذن حينما نقول الإنسان موجود سوف يكون أمراً ذهنياً بحتاً، وليس هناك خلف الذهن أي شيء، وهذا خلاف الأصل البديهي الذي تقدّم، وهو عين مدّعى السفسطائين.
بعد بيان هذه المقدّمات اتّضح عبر المقدّمة الأولى أنَّ بحث أصالة الوجود أو الماهية ذو طابع ذهني، رغم أنَّ البحث عن تعيين وتحقيق الأمر
....................................................................................................................................................................................
الخارجي والواقعي منهما، فله طابع ذهني وطابع خارجي، وهما توأمان مع بعضهما. واتّضح من المقدّمة الثانية مفهوم الماهية ونسبتها للوجود بحسب الاعتبار الذهني. واتّضح من المقدّمة الثالثة أنَّ الوجود والماهية يشكّلان واقعاً خارجياً واحداً، وليسا أمرين واقعيين، ومن هنا لا يمكن أن يكونا خارجيين وعينيين وأصليّين، أي أن يكون الوجود أصيلاً والماهية أصيلة. واتّضح من المقدّمة الرابعة أنَّ الوجود والماهية لا يمكن أن يكونا معاً غير واقعيين، وأن يكون كلّ منهما أمراً ذهنياً محضاً، يعني أن يكونا اعتباريين معاً.
بعد طرح هذه المقدّمات يأتي دور الاستفهام التالي: ما هو الأصيل، هل الوجود هو الأصيل والماهية هي الاعتبارية أم بالعكس ؟
أُقيمت براهين متعدّدة لإثبات أصالة الوجود. تتكئ بعض هذه البراهين على أصول موضوعة، ينبغي إثباتها عبر العلم أو الفلسفة، ومن المحتّم أنَّ هذه الأصول الموضوعة ما لم يقم عليها البرهان تبقى الإفادة منها في البرهان على أصالة الوجود غير متوفّرة على الطابع اليقيني، وبعض البراهين ليست كذلك. ونحن هنا لا نستطيع أن نطرح ونحلّل جميع البراهين التي أُقيمت لإثبات أصالة الوجود. بل نكتفي ببيان برهان ذي طابع فلسفي خالص، وهو أسهل البراهين وأوضحها، وأكثرها إحكاماً وقوة. وهذا البرهان لا يتطلّب مقدمات إضافية خارج تمحيص مفهومي الوجود والماهية ذاتهما. ويتكئ صدر المتألّهين مؤسّس نظرية أصالة الوجود في كتبه على هذا البرهان في أغلب الأحيان. والبرهان هو على النحو التالي:
....................................................................................................................................................................................
إنَّ الأمر يدورُ بين حالين، فإمّا أن يكون الوجود أمراً واقعياً وتكون الماهية أمراً انتزاعياً عبر القوّة الذهنية، وإمّا أن تكون الماهية أمراً واقعياً ويكون الوجود أمراً انتزاعياً ذهنياً. حينما نقيس كلاً من الوجود والماهية بالواقعية والخارجية نلاحظ: أنَّ الماهية ( مثل الإنسان أو الخط أو غيرهما ) في ذاتها تصلح للوجود وتصلح للعدم أيضاً، ونسبتها إلى الوجود والعدم على السواء، فالماهية بحكم مصاحبتها للوجود والواقعية يعتبرها الذهن صالحة لحمل الوجود عليها. أمّا الوجود والواقعية فهو عين الموجودية والواقعية والخارجية، وفرض عدم واقعية وعدم وجود الوجود فرض محال ؛ إذن فالوجود هو عين الواقعية والعينيّة، وهو الذي يشكل الخارجية وعالم العينية، أمّا الماهية فهي قالب ذهني للوجود يهيئهُ الذهن بفعاليته الخاصة جرّاء ارتباطه بالواقع الخارجي، فينسبه للواقع الخارجي. وهذا هو معنى عبارة المتن:كلّ شيء، أيّ كلّ أمرٍ واقعي خارجي يتوفّر على الواقعية في ظل الواقعية، وإذا فرضنا أنَّ واقع الوجود يُسلبْ عنه الوجود، فيكون عدماً فهذا الفرض لا يتعدّى الوهم الفارغ.
إنَّ لنظرية أصالة الوجود نتائجَ كثرةً في الفلسفة. ويرتهن البحث في أغلب المسائل الفلسفية بالبحث في أصالة الوجود، خصوصاً في موضوع الحركة، حيث يفيد هذا البحث من موضوع أصالة الوجود نتائجَ كثيرة لا مجال لعدّها هنا وستذكر هذه النتائج في محلّها، نشير في خاتمة هذه الفقرة إلى الملاحظة التالية:
لاحظ القارئ المحترم أنّنا طرحنا موضوع البحث عن أصالة الوجود بعد الإيمان بالأصل الكلّي " إنَّ هناك واقعاً " وبعد التصديق بواقعية مجموعة
....................................................................................................................................................................................
أمور، وبعد الإلتفات إلى زيادة الوجود على الماهية، وبعد الإيمان بالاشتراك المعنوي للوجود. فطرحنا من الزاوية الفنية مترتّب على مجموعة مسائل ؛ ولكن ينبغي أن نوضح أنَّ هذا الترتيب الفني لا ضرورة للالتزام به، ومن الممكن تقريب الطريق والدخول إلى بحث أصالة الوجود بعد الإيمان بالأصل الكلّي " إنّ هناك واقعاً " الذي هو الحدّ الفاصل بين الفلسفة والسفسطة، ونجعل موضوع أصالة الوجود البحث الفلسفي الأوّل، فنقول:
بعد الإيمان بالأصل الكلّي يتّضح لنا أنَّ هناك أمراً واقعياً. وأنَّ لدينا موجوداً، وهذا الموجود الواقعي إمّا أن يكون وجوداً وإمّا أن يكون شيئاً له الوجود، أي أمّا أن يكون الواقع الذي يقف خلف الذهن لا يصلح لأنَّ يحكم الذهن بأنّ الماهية (س) خرجت من ستارة العدم أو أي ماهية أُخرى، وإمّا أن يكون الواقع الذي يقف خلف الذهن مؤهّلاً لكي يحكم الذهن بأنَّ الأمر (س) خرج من ستارة العدم إلى الوجود.
بناءً على الفرض الأوّل فليس هناك أثر للماهية أساساً، وبناءً على الفرض الثاني تكون الماهية معروضة للوجود وقد تعلّق بها، وعلى أساس هذا الفرض، نجري البرهان المتقدّم طبق الطريقة التي تقدّمت. وإذا سلكنا هذا الأسلوب فسوف نصل إلى النتيجة بشكلٍ أسرع ويكون الميدان بعيداً عن كثيرٍ من الشبهات. ومن هنا يتّضح أنَّ أولئك ( نظير الحكيم السبزواري ) الذين اتخذوا قاعدة الزوج التركيبي، وإنَّ الممكن زوج تركيبي، الذي يوحي بتقسيم الموجود إلى واجب وممكن، وبساطة الواجب وتركيب الممكن، الذين اتّخذوا هذه الفكرة مقدّمة للبرهنة على أصالة الوجود قد سلكوا طريقاً بعيداً، عن
من الواضح أنَّ كل شيء، أي كل أمر واقعي إنّما يتوفّر على الواقعية، تحت ظل الواقع. وإذا فرضنا أنَّ واقع الوجود نسلب عنه الوجود، فيكون عدماً، فهذا الفرض لا يتعدّى الوهم الفارغ. ومن هنا نستنتج:
إنَّ الأصل الأصيل في كلّ شيء هو وجوده، والماهية أمر ذهني، أي أنَّ واقع الوجود بذاته أمر واقعي، وعين الواقعية. وجميع الماهيات تكون واقعية به، وبدونه أي ( بذاتها ) أمراً ذهنياً واعتبارياً. بل الماهيات صور توجدها الواقعيات الخارجية في ذهننا وإدراكنا، وإلاّ فهي لا يمكن أن تنفصل ( في عالم الخارج الموضوعي ) عن الوجود، ويكون لها وجود مستقل بوجه من الوجوه.
ملاحظات أو نتائج:
١ ـ لا نستطيع أن نقف على حقيقة الوجود ؛ إذ أوضحنا في المقالة الخامسة أنّ معرفة كلّ شيء تتمّ بواسطة الماهية أو بواسطة خواصها، وليس لأيٍّ من هذين الأمرين تحقّق حقيقي في حقيقة الوجود.
أمّا الماهية: فلأنّ ماهية الشيء تضحي أمراً واقعياً وموجوداً، عبر التوفّر على الواقعية. وبعدم توفّرها على الواقعية تضحي أمراً معدوماً، وفرض التوفّر وعدم التوفّر على الواقعية أمر غير متصوّر لذات واقع الوجود. فالإنسانية ماهية الإنسان، وإذا وجدت يوجد في الخارج شيء، يختلف عن الشجرة والفرس والأشياء الأخرى، وإن لم توجد فهي أمر معدوم وذهني،
النظام المنطقي ؛ لأنَّ تقسيم الموجود إلى واجب وممكن متأخّر كثيراً عن أصالة الوجود.
ولكن لا يمكن أن نفرض لواقعية الإنسان واقعية أُخرى.
أمّا الخواص: فلأن الخصوصية والأثر ظاهرة تابعة لظاهرة أُخرى، تستند في وجودها إليها، كما هو الحال في الجاذبية التي هي أثر الجسم، والحدّة التي هي أثر الزاوية ( الزاوية الحادّة ). إذن ؛ فالأثر والخصوصية أمر منفصل عن موضوعها، وترتهن به. وهذا الأمر لا يصدق في مورد واقعية الوجود ؛ لأنّ ما ينفصل عن الوجود سيكون أمراً باطلاً لا معنى له، وإن لم ينفصل فهو ليس أثراً وخصوصية، إذن ؛ ليس لواقع الوجود خصوصية منفصلة، وحينما نطلق على بعض سمات الواقع " أوصافاً وخواصاً " فهو لون من المجاز، ومن هنا يلزم القول: إنَّنا لا يمكننا التعرف على واقع الوجود بأي وسيلة من الوسائل.
من هنا يتّضح أنَّ واقع الوجود أمّا أن يكون معلوماً بالذات وإمّا أن تكون معرفته مستحيلة
(٥)
؛ وبما أنّنا نذعن بالواقع يلزم أن نستنتج أنَّ الواقع معلوم بالذات، ولا يكون مجهولاً على الإطلاق، أي أنَّ فرض واقع مجهول توأم فرض واقع بلا واقع.
٥ ـ يتناول البحث هنا الاستفهام التالي: هل يمكن تعريف الوجود أم لا ؟ وبناءً على الفرض الثاني فهل يمتنع تعريف الوجود جرّاء بداهته واستغنائه عن التعريف، أم جرّاء استحالة تعلّق العلم به ؟ الإجابة على القسم الأوّل اتّضحت بشكل تفصيلي في المتن، ولا حاجة إلى إيضاحها مضافاً إلى أنَّ هناك بعض الأبحاث القادمة ستلقي الضوء بشكل أكبر على هذا الموضوع. أمّا بالنسبة إلى القسم الثاني فنضيف أنَّ مفهوم الوجود مفهوم بسيط وكل مفهوم بسيط معلوم بالذات، ومستغنٍ عن التعريف ؛ أمّا بساطته
......................................................................................................................................................................................
فأمر واضح، ويمكن إقامة البرهان على بساطته عن طريق كونه أعم المفاهيم ؛ إذ الوجود من المفاهيم العامة ويشمل بوجهٍ من الوجوه مفهوم العدم أيضاً، وليس هناك مفهوم يمكن فرضه أعم من مفهوم الوجود، ومن هنا فهو غير مركب ؛ لأنَّه قد ثبت في المنطق أنَّ كل مفهوم مركّب يجب أن يكون مركّباً من جزءين أحدهما أعم من المفهوم والآخر مساوٍ له، والفرض أنَّه لا يمكن أن يكون هناك مفهوم أعم من مفهوم الوجود. وإمّا أن كلّ مفهوم بسيط فهو مفهوم بديهي ؛ فلأنّ المفهوم غير البديهي هو المفهوم الذي يعرض الذهن مع الإجمال والإبهام، ولا بدّ من إيضاحه بواسطة تجزئة وتحليل الذهن لأجزائه، ورفع الإجمال بهذه الطريقة، وهذا الأمر ممكن في المفاهيم المركبة التي تتشكّل من أجزاء وهذه الأجزاء مجهولة في الذهن، أمّا المفهوم البسيط فهو عين ما يعرض في الذهن، وليس هناك أي إبهامٍ وإجمال يمكن تصوّره فيه، وهو متمّيز عن غيره بالذات. وسوف نتحدّث بشكل أكثر تفصيلاً في مقدّمة المقالة الثامنة حول هذا الموضوع. من هنا فالمفاهيم البسيطة أمّا أن لا تعرض على الذهن، وليس للذهن أي تصوّرٍ عنها، وإمّا أنّ تعرض على الذهن دون أي إبهام وإجمال، ومتميّزة عمّا سواها. وهذا هو المعنىُّ من البداهة فحسب. وهذا البرهان يمكن الإفادة منه في سائر المفاهيم العامة التي تستخدم في الفلسفة.
وينبغي هنا إيضاح الملاحظات التالية:
أ ـ البديهي والمعلوم بالذات ـ كما قلنا ـ يعني عدم وجود إبهامٍ وإجمال فيه وتميزه بالذات عن غيره، دون حاجةٍ إلى تفسير. ويستخدم
.....................................................................................................................................................................................
مصطلح الفطري أحياناً معادل لمصطلح البديهي، ويراد هذا المعنى منه. على أن لا نقع في خطأ كثيرٍ من الأشخاص، الذين يحسبون أنَّ المفاهيم البديهية مفاهيم ذاتية للنفس وأنَّ النفس في بداية تكوينها متوفّرة على هذه المفاهيم. لقد أثبتنا في المقالة الخامسة أنَّ الملعوم الفطري بهذا المفهوم أمر خاطئ، وقد وقع بعض الحكماء في هذا الخطأ أحياناً. وقد أوضحنا في المقالة الخامسة كيفية ظهور مفهوم الوجود كنموذج للبديهيات، واتّضح أنَّ ظهور هذا المفهوم في الذهن لاحق لمجموعة مفاهيم أخرى ومتأخّر عنها.
ب ـ اتّضح أنَّ هذا البحث ذو طابع منطقي ؛ لأنَّ البحث في إمكان تعريف وعدم إمكان تعريف الوجود واستغناء الوجود عن التعريف وعدم استغناء الوجود عن التعريف. على أنّنا لا نقصد هنا أنَّ البحث في هذه المسألة من مهمّات المنطق المتداول. البحث في تعريفات كلّ علم من حيث الأساس لا تقع مسؤوليته على ذلك العلم ذاته. وهو ليس من مهمّات المنطق المتداول رغم أنَّه ذو طابعٍ منطقي. وحيث إنَّ هذا البحث يتناول زاوية من الزوايا المنطقية للوجود فمن المحتم أنَّه ذو طابع ذهني ؛ إذن هذه المسألة من مسائل الوجود ذات طابع ذهني.
ج ـ يرتبط البحث المتقدم بالعلم الحصولي، حيث يقصد هذا العلم في جميع الموارد الأُخرى، التي تتناول البحث عن التعريف أو الاستغناء عن التعريف، ولا علاقة له بالعلم الحضوري. على أنَّ العلم الحصولي ـ كما اتّضح في المقالة الخامسة ـ يرتبط بعالم التصوّرات والمفاهيم. أمّا العلم بالوجود على سنخ العلم الحضوري فهو أمر مرتبط بكنه حقيقة الوجود، وهو
٢ ـ كلّ شيءٍ توفّر على واقعية الوجود ـ كما اتّضح ـ لا يمكن أن يكون بمعزل عن واقعية الوجود، ومن هنا فالاختلافات الواقعية في عالم الخارج ترجع إلى ذات الواقعية، هذا من جهة، ومن جهة أُخرى فنحن نثبت الواقعية للأشياء ذات الواقع بمعنى ومفهوم واحد. إذن ؛ فواقعية الوجود في عين تنوعها
(٦)
واختلافها هي أمر واحد ( حقيقة تشكيكية، بلغة المنطق ).
موضوع آخر.
٦ ـ النظرية التي تقرّر " إنَّ واقع الوجود في نفس الوقت الذي هو متنوّع " يمكن أن نطلق عليها نظرية " الوحدة في عين الكثرة والكثرة في عين الوحدة ". ومن الواضح أنَّ هذه النظرية ترتبط ببيان وحدة وكثرة الواقع.
تفسير وحدة وكثرة الواقع مسألة فلسفية من الطراز الأوّل، ولها تاريخ طويل في الفلسفة. ونحن نعتقد أنَّها تأتي بالدرجة الثانية من الأهمية بعد نظرية أصالة الوجود، ولها آثار على أغلب مسائل الفلسفة، كالبحث في موضوع الحركة ؛ حيث لنظرية أصالة الوجود آثار مهمة على هذا البحث، سنوضحها في محلها. ومن هنا لا بدّ لنا من بسط البحث في أطراف هذه المسألة. وقبل الدخول إلى تفاصيله نشير إلى الملاحظات التالية:
أ ـ رغم أنَّ البحث في موضوع الوحدة والكثرة ذو تاريخ طويل، لكن هذا البحث لم يتّخذ طابعه الراهن إلاّ بصورة تدريجية ؛ بحكم التطوّرات الأُخرى التي حدثت في أبحاث الفلسفة ـ كما سنرى ـ خصوصاً نظرية أصالة الوجود واعتبارية الماهية ؛ حيث لعبت هذه النظرية دوراً أساسياً في تطوير البحث في موضوع الوحدة والكثرة. ومن البديهي أنَّ البحث في هذه المقالة عن هذا الموضوع سينطلق من نظرية أصالة الوجود.
تشبه واقعية الوجود ( النور )، فهو متنوّع ومختلف ـ بالنظرة السطحية ـ على أساس القوة والضعف. فالمرتبة الضعيفة ليست نوراً
ب ـ نجد أحياناً أنَّ هناك ارتباطاً لبعض المسائل الفلسفية الأُخرى ـ بلون من الألوان ـ مع وحدة وتغاير موجودات العالم، كما هو الحال في الاستفهام التالي: هل تنبع جميع موجودات العالم من مصدر واحد ؟ أو الاستفهام التالي: هل هناك نظام واحد يحكم موجودات العالم، ويخضع هذا النظام لإرادة واحدة ؟ أو الاستفهام: هل تتّجه جميع الموجودات نحو غاية واحدة وهدف واحد ؟ أو الاستفهام: ما هو المعنى بالأصل الواحد والنظام الواحد والغاية الواحدة في الأسئلة المتقدمة ؟
على أنَّ الأسئلة بدورها تمثّل مجموعة أبحاث كلّية وعامة، وترتبط جميعها ببيان وحدة أو كثرة الواقعيات العينية، وعلى الفلسفة أن تجيب على هذه الأسئلة. لكن الذي نبتغيه هنا، والذي يمثل الأساس والتمهيد لتلك المسائل هو: أن نوضح هذا الموضوع الأساسي، ليأتي دور الأسئلة المتقدّمة.
ج ـ أشرنا واتّضح في ضوء ما تقدّم أنَّ أبحاث الوجود في هذه المقالة ذات طابع ذهني خالص أحياناً، ويأتي بعضها ذا طابع عيني خالص، وبعضها الآخر يتّسم بكلا الطابعين. على أنَّ بحث الوحدة والكثرة ذو طابع عيني خالص. وغني عن الإيضاح أنَّ هذا البحث بحث كلّي وعام، يتناول موضوعه كلّ أنحاء الوجود، الذي ليس وراءه سوى العدم.
* * *
قلنا في مطلع هذه المقالة إنَّ أحد الأصلين المتعارفين، اللذين يبدأ بهما بحثنا الفلسفي، هو الأصل الذي يمثل الحدّ الفاصل بين الفلسفة والسفسطة، أي
مخلوطاً بالظلمة، والمرتبة القوية ليست نوراً وأمراً آخر. بل المرتبة القوية نور فحسب، والمرتبة الضعيفة نور فحسب أيضاً، وكلاهما نور رغم
مبدأ " إنَّ هناك واقعاً موجوداً، وأنَّ العالم ليس خواء ووهماً محضاً ".
وهذا الأصل لا يمكن الشكّ فيه من وجهة نظرنا. وقلنا إنَّ هناك أمراً آخر لا يمكن الشك فيه أيضاً، وهو أنَّ الذهن يعكف على تنويع هذا الواقع فيتوفّر على مظاهر مختلفة وأُمور متكثّرة، نظير " الإنسان، الشجرة، المقدار... وآلاف الأمثلة الأُخرى، التي تقع تحت عنوان الموجود " فيفضي هذا الأصل الأولي " إنَّ هناك موجوداً " إلى قضية أُخرى: " إنَّ هناك موجودات ".
نأتي الآن لنرى: هل الكثرة التي تبدو في الذهن أمر حقيقي أم أمر وهمي ؟ أي: هل الكثرة الذهنية كثرة واقعية للموجودات، أم الذهن هو الذي يفترضها افتراضاً، ولا تمثل هذه الكثرة الذهنية ـ بأي وجه من الوجوه ـ كثرة واقعية.
مع أخذ نظرية أصالة الوجود بنظر الاعتبار يتغيّر طرح هذه المسألة. فقد قلنا في بحث أصالة الوجود: إنَّ الماهيات التي يفترضها الذهن أموراً واقعية ذات وجود، هي أُمور انتزاعية بحتة، والأمر الواقعي الوحيد الذي يملأ عالم الخارج هو الوجود والواقع ذاته. من هنا، فكلّما جرى الحديث عن العينية الخارجية تخرج الماهيات عن دائرة الدراسة والتحقيق، ويضع الوجود قدمه في هذه الدائرة. وحيث نتحدّث هنا عن وحدة وكثرة عالم العينية الخارجية، فمن المحتّم أن يكون الوجود هو موضوع البحث في الوحدة والكثرة.
أمّا إذا اتخذنا الماهيات أُموراً عينية وواقعية وانطلقنا منها في البحث حول هذه المسألة فلا مجال للحديث عن الكثرة الواقعية العينية ؛ إذ الماهيات
اختلافهما. والأمر كذلك في حقيقة الوجود حينما نلاحظ تجلياته المختلفة فهي كثيرة وواحدة أيضاً.
البادية في أذهاننا متكثّرة ومختلفة ومتباينة بالبداهة، وفرض المسألة هنا أنَّ هذه الأُمور المتكثّرة المتباينة هي التي تشكل الواقع العيني، إذن ؛ فالواقع العيني مؤلّف من هذه الأمور المتكثّرة المتباينة.
أمّا إذا آمنا أنَّ الوجود هو الأمر العيني والأصيل، والماهيات اعتبارات ذهنية فسوف يكون هناك مجال للبحث ؛ إذ ليس للوجود في أذهاننا سوى مفهوم واحد، ومن هنا يلزم التحقيق في: هل حقيقة الوجود، الذي يطرد العدم ويشكل الخارج أمر واحد أم كثير ؟
فإذا كان أمراً واحداً كيف أمكن أن يكون الأمر الواحد من جميع الجهات منشأ لانتزاع الماهيات الكثيرة المتباينة ؟ أيّ ما هي علّة تصوّرنا لأنواع كثيرة وأفراد مختلفة ؟ وإذا كان كثيراً فلماذا لا نمتلك أكثر من مفهوم واحد عن الوجود في أذهاننا ؟
في ضوء الصورة التي تطرح عبرها هذه المسألة، انطلاقا من نظرية أصالة الوجود، وفي ضوء النظريات المطروحة في هذا المجال، يمكن أن نضع هذه المسألة في صيغة الاستفهام التالي:
هل تحكم الواقع " الوجود " الوحدة المحضة، أم الكثرة المحضة، أم الوحدة والكثرة معاً ؟
هناك ثلاث نظريات في الإجابة على هذا الاستفهام:
الأُولى:
وحدة الوجود.
الثانية:
كثرة وتباين الوجودات.
الثالثة:
الوحدة في عين الكثرة والكثرة في عين الوحدة ( تشكيك الوجود ).
على أن لا نحسب هذه الكثرة كثرة عددية ؛ لأنَّ العدد والرقم بدوره تجلّيات مختلفة للوجود أيضاً.
وحدة الوجود:
تنسب هذه النظرية ـ مع أخذ نظرية اعتبارية الماهية بنظر الاعتبار ـ إلى العرفاء. وهم لا يعتمدون الاستدلالات والبراهين العقلية التي يعتمدها الفلاسفة، إنَّما يعدون السبيل الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه هو المكاشفة والشهود الباطني. وعن هذا السبيل يُؤَمنون صحّة نظرياتهم. ولا يهتمّون بعدم تطابق هذه النظريات مع القواعد العقلية، لأنَّهم يعتقدون أنَّ الكشف والشهود مرحلة أعلى من العقل، وعبر هذه المرحلة يمكن تسديد أخطاء العقل. كما هو الحال بالنسبة إلى دور العقل فيما يقع الحسّ فيه من أخطاء لا حصر لها، حيث يقوم العقل بتصحيحها.
على أيّ حال يعتمد العرفاء في نظرية وحدة الوجود على هذه الأُسس، ولا يهتمّون في تطابق نظريّتهم مع القواعد العقلية أو الحسّية. لكنّهم يستخدّمون أحياناً القواعد العقلية الفلسفية، للرد على الفلاسفة ونقض نظريّاتهم وتأييد نظريّتهم.
بل يردون ميدان الجدل أحياناً بأدلّة مفحمة تحرج الفلاسفة. وموضع بحثنا نموذج لهذا الجدل، ولذا طرحنا نظرية العرفاء هنا.
يستدلّ العرفاء على وحدة الوجود عن طريق تساوي الوجود مع الوجوب الذاتي، وتساوي الوجوب الذاتي مع الوحدة من جميع الجهات. ويرجع استدلال العرفاء في الواقع إلى مقدّمتين ونتيجة:
١ ـ الوجود يساوي الوجوب الذاتي.
٢ ـ الوجوب الذاتي يساوي الوحدة من جميع الجهات.
٣ ـ الماهيات الحقيقية ( التي أسميناها تجليات مختلفة للواقع الخارجي في الذهن ) في عين كونها أموراً إعتبارية ذهنية لا اثر لها
إذاً الوجود مساوٍ للوحدة من جميع الجهات.
لا شك أنَّ كلتا المقدّمتين تستدعيان التأمل والفحص العميق. سنشير في نهاية المقالة إلى البحث في المقدمة الأُولى وسنتناولها بالتفصيل في المقالة الثامنة، خصوصاً في المقدمة المسهبة التي حرّرناها هناك، وسنتناول بالتحقيق المقدّمة الثانية في المقالة الرابعة عشرة، حينما نتناول بالبحث " توحيد واجب الوجود ".
إنَّ أهم نقاط ضعف استدلال العرفاء سيأتي في المقالة الثامنة، وهو تساوي الوجود مع الوجوب الذاتي. على أنَّ منافذ نقاط ضعف استدلال العرفاء ستتّضح ضمن بيان النظرية الثانية والثالثة.
إنَّ احد الأسباب التي أدت بشيخ الإشراق إلى تبنّي نظرية اعتبارية الوجود هو: إنَّه أراد تهيئة الأرضية للمقدّمة الأُولى من استدلال العرفاء، أي أنَّه وجد الإيمان بأصالة الوجود يحتّم الإيمان بمساواة الوجود للوجوب الذاتي، وحيث أنَّ مساواة الوجود للوجوب الذاتي أمرٌ لا يرتضيه ذهب إلى اعتبارية الوجود، لكن أصالة الوجود أمر يتعذّر إنكاره. وموضوع مساواة الوجود للوجوب الذاتي له معالجة بطريقة أُخرى، سنطرحها بالتفصيل في مقدّمة المقالة الثامنة.
تباين وكثرة الوجودات:
إنَّ نظرية تباين وكثرة الوجودات نظرية يهضمها كل فرد في الوهلة الأُولى. ويرى الحكماء أنَّ العامة من الناس يختارون هذه النظرية بمنظارهم
بالنسبة إلى الخارج فهي مختلفة بعضها مع بعضها الآخر، وقد تقدّم إيضاح ذلك. لكن هذا الاختلاف والتباين ينبثق من عالم الخارج، وبما أنَّ الاختلاف
السطحي. وتنسب هذه النظرية عادةً إلى حكماء المشّاء ومدرسة أرسطو. لكن هذه النظرية لم تطرح بصورتها الراهنة من قبل الحكماء المتقدّمين، بل ظهرت بعد طرح نظرية العرفاء، ومن هنا لا يمكن أن نحدّد نسبة قديمة لهذه النظرية. تعثر في كلمات ابن سينا ( الذي يُلقب برئيس المشّائين ) على عبارات تقف موقفاً مناهضاً تماماً لهذه النظرية.
اتّخذت هذه المسألة صورتها النهائية في ضوء أصالة الوجود، ونظرية أصالة الوجود لم تكن مطروحة من قبل الحكماء المتقدّمين، فكيف أمكن نسبة هذه النظرية إلى أولئك الحكماء ؟
على أيّ حال تقرّر هذه النظرية أنَّ الملاء الخارجي يتألّف من " وجودات "، وهناك وجودات بعدد أنواع الماهيات، بل هناك وجودات بعدد أفراد أنواع الماهيات الظاهرة في الذهن. وكل وجود بالذات يباين الوجود الآخر، وليس هناك إمكان للعثور على أي لون من ألوان السنخية والاشتراك بين الموجودات. بل وجه الاشتراك الوحيد هو: إنَّ الذهن ينتزع مفهوماً واحداً " مفهوم الوجود " من بين حقائق الوجود المختلفة، التي ليس بينها أي لون من ألوان السنخية والتجانس.
تستمل هذه النظرية على جانبين:
الأوّل:
إنَّ الوجود ليس أمراً واحداً من جميع الجهات، وليست هناك كثرة في ذاته ( خلافاً للنظرية الأولى ). بل هو كثير ومختلف، أي أنَّ عالم الخارج يتألّف من وجودات، لا من الوجود.
الثاني
: إنَّ هذه الوجودات الكثيرة متباينة مع بعضها، وليس هناك أي
الخارجي أصيل وعين الواقع الخارجي فسوف لا يكون اعتبارياً وذهنياً.
ونلاحظ من زاوية أُخرى أنَّ جميع الماهيات وأحكامها وآثارها ترتد
سنخية بينها، ( خلافاً للنظرية الثالثة ).
أمّا الدليل على الجانب الأوّل لهذه النظرية فهو:
رغم أنَّ الماهيات التي تظهر في أذهاننا كثيرةً أمور اعتبارية، لكن الكثرة الذهنية تمثل كثرة واقعية خارجية حتماً ؛ لأنَّ الماهيات الذهنية تمثل الوجود الخارجي، فكما يستحيل أن لا يكون هناك واقع خارجي، وأن الذهن يخترع تصوّراتٍ عن الواقع الخارجي ـ كما تقدّم في المقالة الرابعة ـ كذلك لا يمكن أن يكون الواقع الخارجي أمراً واحداً محضاً، وينتزع الذهن من هذا الأمر الواحد الحقيقي ماهيات كثيرة.
وإذا كان الوجود الذي هو الحقيقة العينية الوحيدة أمراً واحداً محضاً فسوف تكون التصوّرات الحسّية والعقلية المختلفة أمراً جزافياً ووهميّاً، إذن ؛ فقبول نظرية وحدة الوجود يستلزم تكذيب العقل والحس وإنكار أوضح البديهيات.
أما الدليل على الجانب الثاني فهو بساطة الوجود، إيضاح ذلك: إذا كان هناك بين أمرين أو أكثر وجه مشترك وملاك للوحدة، فمن المحتّم أن يكون هناك وجه للتمايز وملاك للكثرة أيضاً ؛ إذن فهذا الشيء في الحقيقة مؤلّف مما به الاشتراك ومما به الامتياز. على أنّ هذه الفكرة صادقة في الأمور المركبة لا الأمور البسيطة. لكن الثابت بالبرهان ويؤمن به جميع الحكماء هو أنّ الوجود أمر بسيط، ولا يمكن أن يكون مركباً ممّا به الاشتراك وممّا به الامتياز، بل هذه التركيبات من مختصّات الماهيات.
إذن ؛ لا يمكن أن يكون بين وجود ووجود آخر وجه مشترك، إذن ؛
للوجود وواقعية الوجود ؛ إذ تضحي الماهية ماهية بواسطة الوجود، ويكون الأثر والحكم أثراً وحكماً بواسطة الوجود، وإلاّ فهو خواء وباطل. وفي
فالحقائق الوجودية البسيطة حقائق مستقلة، وكل منها مباين للآخر، وليس بينها أي لون من السنخية. هذا هو الاستدلال الذي يمكن إقامته على نظرية تباين وكثرة الوجودات.
وهذا الاستدلال سقيم، وستتّضح الإجابة عليه عبر بيان النظرية الثالثة، التي هي النظرية الوحيدة العارية عن الإشكال، وتتمتّع في نفس الوقت بمزيد من العمق والدقة.
الكثرة في عين الوحدة والوحدة في عين الكثرة:
الوجود ـ وفق هذه النظرية ـ الذي هو الأمر العيني الوحيد والأصيل حقيقة واحدة، ذو درجات ومراتب مختلفة. والماهيات المختلفة والمتكثرة التي تظهر لدى الذهن ليست وهماً وجزافاً، بل تُنتزع من مراتب ودرجات الوجود.
الوجود ليس أمراً واحداً محضاً ( وفق الدليل الذي قرّرناه للنظرية المتقدّمة )، بل هناك " وجودات "، أي أنَّ نظرية العرفاء لا يمكن قبولها. لكن هذه الوجودات ليست متباينة، بل هي مراتب لحقيقةٍ واحدة، ولها وجه مشترك وملاك للوحدة.
لكن التوفّر على وجه مشترك وملاك للوحدة وإن استلزم التوفّر على وجه للامتياز وملاك للكثرة، لكنه لا يستلزم أن يكون وجه الاشتراك مبايناً لوجه الامتياز ؛ لكي يتعارض مع بساطة الوجود، التي هي أمر مسلّم ويقيني، فما به الامتياز في الحقائق الوجودية من سنخ ما به الاشتراك، واختلاف
ضوء هذه المقدّمات يجب أن نستنتج:
أوّلاً ـ الماهيّات وأحكامها وآثارها الذهنية لا تصدق بالنسبة للوجود وواقع
الوجودات بعضها مع بعض يرجع إلى شدّة وكمال وضعف ونقص هذه الوجودات. والشدّة والضعف إنّما تصدق في مورد درجات الحقيقة الواحدة، ولا تصدق فيما سوى ذلك.
والواقع أنَّ إدعاء أَنصار النظرية الثانية: ضرورة اختلاف ما به الاشتراك عما به الامتياز ينشأ من قياس الوجود على الماهية. وبعبارة أُخرى أنّه ينشأ جراء قياس الواقع العيني على المفاهيم والمعاني الذهنية. بينا يرجع تحليل المفاهيم إلى ما به الاشتراك وما به الامتياز وتغايرهما إلى سمات الذهن الخاصة، وهو نتيجة قدرة الذهن على التحليل.
إنَّ ميزة الذهن تكمن في تحديد الواقع العيني، ويمكن القول ـ من زاوية من الزوايا ـ إنَّ الإدراك لا يتعدّى تحديد الواقع العيني في أفق الذهن. وقد كرّرنا مراراً أنَّ الدرس الفلسفي للواقع لا يتيسّر قبل معرفة الذهن وأسلوبه في صياغة المفاهيم، أي لا بدّ من تشخيص خصوصية الذهن في تعامله مع المفاهيم أوّلاً، لكي يمكننا في ضوء هذا التشخيص التعرّف على الحقيقة الواقعية. فالذهن على أساس خصوصياته يصوغ مفهوم العدم، وينسب هذا المفهوم إلى الأشياء في عالم الخارج، وتتطابق هذه النسبة مع الواقع ونفس الأمر، بينما نعلم أنَّ العدم لا واقع له في عالم نفس الأمر، إنّما ينتزعه الذهن جراء نسبة مرتبة من مراتب الوجود إلى مرتبة أُخرى غير مرتبة واقعه، وكما قرر في المتن " إنَّ العدم في الخارج أمر نسبي، ويظهر جراء نسبة الوجود في ظرف تحقّقه إلى ظرف آخر " إذن ؛ فالعدم في أُفق الذهن وفي عالم الخارج نحوان ولونان مختلفان.
الوجود، نظير أنَّ الماهية بذاتها أمر كلّي، وتصدق على ما لا يتناهى من أفراد فرضية، نظير الإنسان حيث يصدق على كلّ فرد خارجي وفرضي.
وما دام دور الذهن هو تحديد الواقع ورسم حدود للواقعيات، هذه الحدود التي تظهر في الذهن مستقلة متباينة، تحكمها كثرة حقيقية، فماهيات ومفاهيم الذهن على هذا الحال. قال الحكماء: إنَّ الماهيات هي ملاك الكثرة، وتحكمها " بينونة عزلية "، لكن الواقع العيني في عالمه يتوفّر على جميع هذه الأُمور المتباينة بشكلٍ آخر ّ. ويمكن في مقام التشبيه الاستعانة بصورة البحر والأمواج والأشكال التي تظهر على سطحه، فكل شكل من الأشكال التي تظهر على سطح البحر يختلف عن الشكل الآخر، لكن البحر الذي تتجلّى فيه هذه الأشكال والأمواج حقيقة واحدة، وفي نفس الوقت تظهر فيه حركات الجزر والمد والسكون والهيجان.
على أيّ حال نطلق على هذه السمة الوجودية " التشكيك "، وحيث إنَّ هذه السمة من مختصات الوجود، وليس لها مشابه ونظير واقعي نستعين بذكر بعض الأمثلة، التي تقرب تصور ( تسانخ ما به الاشتراك وما به الامتياز ):
المثال الأوّل:
نأخذ سلسلة الأعداد، التي تمثّل كثرة لا متناهية، لنتعرّف على ما به الاشتراك وما به الامتياز فيها. فالأعداد من (٢) إلى ما لا نهاية تشترك في العددية، والعدد يعني مجموعة وحدات ؛ إذن كل عدد يشترك مع العدد الآخر في كون كل واحد منهما مؤلّفاً من وحدات. على أنَّ كل عدد يختلف عن العدد الآخر، ويتمايز عنه ؛ إذ من الواضح أنَّ العدد (٤) يختلف عن العدد (٥)، والعدد (٥) يختلف عن العدد (٦) وهكذا... أمّا ما به الامتياز في كلّ عدد فهو ليس مغايراً لما به الاشتراك، أي أنَّهما ليسا من جنسين
بينا الأمر ليس كذلك في الوجود. فهو عين الخارجية والشخصية، والوجود أساساً لا يصدق على شيء آخر، ولا يحكي عما وراءه، بل وجود كل شيء
مختلفين ؛ إذ امتياز كل عدد عن الآخر يحصل بإضافة وحدة من الوحدات، أي ما هو ملاك العددية وملاك الاشتراك هو ملاك الاختلاف والكثرة والامتياز بينها.
وعلى أساس هذه الخصوصية تكون الأعداد بالطبع طولية، بعضها مع البعض، وليست عرضية، وكل مرتبة من مراتب الأعداد هي فوق بعضها، وتحت بعضٍ آخر، أي أنَّ أفراد ماهية العدد أفراد طولية لا عرضية ؛ ولو كان ما به الامتياز مغايراً مغايرة سنخية عما به الاشتراك، فليس هناك معنى للأفراد الطولية، بل ليس هناك معنى للكمال والنقص في أفراد النوع الواحد، بل يمكن القول إنَّ الكمال والنقص ليس لهما مصداق في أي مورد.
المثال الثاني
: نأخذ مثالاً أقرب، وهو مثال النور القوي والنور الضعيف، فالنور الضعيف والقوي مشتركان في حقيقة النورية، في نفس الوقت الذي يختلفان ويتمايزان فيه. وهذا التمايز في الشدة والضعف، مع أنَّ الشدة والضعف في النور ليس خارجين عن حقيقة النور، أي أنَّ النور لا يشتد أو يضعف جراء اختلاط النور بغيره، فالنور الضعيف ليس مركباً من النور وغيره، والنور الشديد ليس مركباً من النور وغيره، إذن ؛ ما به الاشتراك بين النور القوي والنور الضعيف هو النورية ذاتها، وما به الامتياز هو تراكم وعدم تراكم النور، وتراكم النور ليس أمراً خارجاً عن حقيقة النور.
المثال الثالث:
نأخذ مثالاً أفضل من الثاني، وأبعد عن الإشكال، وهو مثال الحركة السريعة والبطيئة، فكل من الحركة السريعة والبطيئة حركة، والوجه المشترك بينهما هو الحركة ذاتها، والسريعة تغاير بالضرورة
هو واقعيته وذاته. ونظير أنَّ الماهية الكلّية تنحسر عن كلّيتها وعمومها بضم القيود إليها، كالإنسان والإنسان العالم، والإنسان العالم المؤلّف،
البطيئة، وما به الامتياز بينهما هو السرعة ذاتها. ولكن حينما نأتي إلى تحليل السرعة نلاحظ: أنَّها ليست مغايرة لجنس الحركة، يعني ليست حرارةً، أو بياضاً، أو شكلاً ؛ حيث تلحق الجسم. بل سرعة الحركة تعني زيادة وتراكم الحركة، ومن البديهي أنَّ زيادة الشيء، وإن اختلفت مفهوماً عن الشيء ذاته، ويعدهما الذهن من قبيل الصفة والموصوف، لكنها ليست مصداقاً مغايراً لذات الحركة. ومثال الحركة أقرب التشبيهات لموضوع بحثنا، ويمكن القول إنَّ المثال من جنس المشبه به. وسوف تتّضح هذه الحقيقة بجلاء حينما سنبحث في المقالة العاشرة موضوع الحركة.
من هنا فالدليل الذي أقيم على " تباين الوجودات " انطلاقا من أنَّ جهة الاشتراك يلزم أن تغاير جهة الامتياز دليل خاطئ. وبغض النظر عن عدم سلامة هذا الدليل فهناك أدلة يمكن إقامتها على إبطال فرضية تباين الوجودات. والنظرية الوحيدة التي يمكن قبولها هي النظرية الثالثة. أي النظرية التي أطلقنا عليها الكثرة في عين الوحدة والوحدة في عين الكثرة " التشكيك الوجودي ". وها هي الأدلّة التي يمكن إقامتها على ذلك:
الدليل الأوّل:
إذا كانت الوجودات حقائق متباينة فسوف ينعدم أي ارتباط واقعي بين الوجودات، لأنَّ الوجودات ـ حسب هذا الفرض ـ أجنبية بعضها عن بعض، ونسبة جميع الوجودات إلى بعضها متساوية في عدم وجود ارتباط بينها، بينا لا شكّ في وجود ارتباط واقعي ونظام حقيقي بين الوجودات بعضها مع بعض، وأنَّ هناك ارتباطا بين بعض الوجودات وبعض آخر لا نلحظه بين بعض آخر من الوجودات. فهناك ارتباط علّي ومعلولي
وكلّما كثرت القيود ضاقت دائرة المفهوم ؛ بينا الأمر ليس كذلك في الوجود ؛ لأنَّه لا يتصوّر ضم قيد خارجي للوجود ـ كما تقدّم ـ.
بين الوجودات، وهذا الارتباط واقعي وليس ذهنياً خارجاً عن وجودات الأشياء، كما سيأتي إيضاح تفصيلي لهذا الموضوع في المقالة التاسعة.
بينا يلزم ـ وفق نظرية تباين الوجودات ـ عدم وجود أي نسبة بين هذه الوجودات ؛ إذن تستلزم نظرية تباين الوجودات إنكار العلاقات السببية بين الأشياء إنكاراً قطعياً.
الدليل الثاني:
نقسم الماهيات إلى مقولات عشر أو أكثر أو أقل، أي أنَّنا نجد للماهيات وجهاً مشتركاً أو وجوهاً مشتركة، وكلّ واحدة من المقولات تمثل ما به الاشتراك لعدد كثير من الأجناس والأنواع، كما يمثل كل جنس وجه الاشتراك لعددٍ كثير من الأنواع، ويمثّل كل نوع وجه الاشتراك لعدد كثير من الأفراد.
رغم أنَّ الماهيات نتاج الذهن البشري، ورغم أنَّ تصنيف المقولات نتاج فعاليات الذهن، ولا يمكن أن نحسب الواقع العيني قائماً على أساس هذا التصنيف، لكن تصنيف الماهيات تحت قاسم مشترك ( الجنس ـ الأنواع ـ الأفراد )، ودخول كلّ جنس تحت مقولة من المقولات، ليس وهميّاً واعتباطياً، بل له منشأ خارجي وجودي، وإذا كانت الوجودات متباينة تبايناً خالصاً، يلزم أن تكون جميع الماهيات متباينة بعضها مع بعض، وأن يكون كل مفهوم وماهية مقولة مستقلّة.
وبعبارة أُخرى:
تمثل كثرة وتمايز الماهيات عن بعضها لوناً من الكثرة في عالم الوجود، وعلى هذا الأساس ذهبنا إلى إبطال نظرية العرفاء في الوحدة المحضة للوجود. واشتراك واتّحاد الماهيات في جنس واحد ومقولة واحدة يمثل أيضاً لوناً من الاشتراك والوحدة في عالم الوجود والواقع.
ونظير تركيب الماهية من الذاتي والعرضي، والجوهر والعرض، والجنس والنوع والفصل... وغيرها، حيث تختص به الماهية، ولا يصدق
على أنَّ طراز الاشتراك والاختلاف في الوجودات يختلف عن طراز الاشتراك والاختلاف في الماهيات، لكن الاشتراك والاختلاف في الوجودات يظهر في الذهن بصورةٍ أُخرى على أساس خصوصية الذهن وميزته.
الدليل الثالث:
سيأتي في بحث الحركة أنَّ فرضية أصالة الماهية، وفرضية تباين الوجودات، تتنافيان مع الحركات الاشتدادية والاستكمالية القائمة في الواقع. وحيث إنَّ وقوع الحركة ووقوع الاشتداد والاستكمال في الحركة أمر قطعي لا يعتريه الشك ؛ إذن ففرضية أصالة الماهية وفرضية تباين الوجودات يجب أن نرفع اليد عنهما بشكل تام.
الدليل الرابع:
لدينا مفهوم واحد عن الوجود في أذهاننا، يصدق على جميع الوجودات العينية. ومن البديهي أنَّ انطباق مفهوم على مصداق لا يحصل اعتباطا ودون أساس. أي يجب أن تكون هناك جهة في المصداق يتمّ كلّ مصداق، أو عدم صدق أي مفهوم على أي مصداق. ومفهوم الوجود مفهوم صادق بالضرورة على جميع الوجودات العينية، فلو كان لكل موجود من الموجودات حقيقة مباينة تبايناً مطلقاً مع سائر الوجودات الأُخرى، يلزم أن لا تكون هناك جهة مشتركة يتم على أساسها صدق مفهوم الوجود على مفرداته، بينا يصدق مفهوم الوجود على مفرداته بالضرورة.
إذن ؛ في ضوء التحقّيق في وحدة وكثرة الواقع العيني تبقى النظرية الوحيدة، التي يمكن الاعتماد عليها هي نظرية " تشكيك الوجود "، حيث يمكن من خلالها تفسير النظام الخارجي العيني للموجودات، وتفسير النظام الذهني
هذا التركيب في الوجود ؛ كما لا يتضمّن الوجود أي لون من ألوان التركيب الخارجي ؛ لأنَّ أي جزء فرضناه للوجود إنّما هو عين الوجود والواقع. وفي ضوء هذه الملاحظة نستنتج: إنَّ الوجود بسيط محض خالص.
للمفاهيم والماهيات أيضاً، فينسجم مع الحس والعقل معاً. وقد أطلقنا على هذه النظرية اسم " الوحدة في عين الكثرة والكثرة في عين الوحدة " ؛ ويسوّغ لنا هذه التسمية أنَّ ملاك الكثرة ليس خارجاً عن ملاك الوحدة، وملاك الوحدة ليس خارجاً عن ملاك الكثرة. فحقيقة الوجود على أساس هذه النظرية واحد شخصي وكثير شخصي أيضاً، فإذا نظرنا إلى محض الحقيقة السارية في جميع المراتب فهي واحد بالشخص، وإذا نظرنا إلى المراتب والدرجات فهي كثير بالشخص.
* * *
ذكرت اثنتا عشرة مسألة في هذه المقالة تحت عنوان مسائل الوجود، وقد أوضحنا بشكلٍ كاملٍ سبع مسائل منها. والمسألتان المتقدّمتان تحتلان أهمية أساسية في تحديد مصير الفلسفة لا ترقى إليها أي نظرية أُخرى، أَعني مسألتي أصالة الوجود، وتشكيك الوجود. وأهمية المسائل الأُخرى تنشأ جَرّاء تمهيدها لهاتين المسألتين، والمسائل الأُخرى هي: ( بداهة الوجود ـ الوجود والماهية ـ مغايرة مفهوم الوجود لمفهوم الماهية ـ الاشتراك المعنوي لمفهوم الوجود ـ حقيقة الوجود لا تعلم بالعلم الحصولي ).
بقيت خمس مسائل من المسائل الاثنتي عشرة، وهي عبارة عن:
١ ـ الخواص الذهنية للوجود لا تنطبق على الماهيات.
٢ ـ الخواص الخارجية للماهيات من خط الوجود، وتظهر في عالم الوجود بشكل مغاير لظهورها في الذهن.
ثانياً ـ إنَّ حقائق الماهيات المختلفة وخواصها وآثارها الخارجية، وإن كانت ترتد حقيقةً إلى الوجود وفي الوجود، لكنّها تتّخذ شكلاً آخر في مرحلة الواقع. مثلاً تحرق النار الخشب، ويبدّل الإنسان التفّاح إلى دم،
٣ ـ الموجود لا يعدم على الإطلاق.
٤ ـ تحقّق العدم في عالم الخارج أمر نسبي.
٥ ـ مطلق الوجود لا يقبل الزوال والعدم.
القارئ المحترم الخبير واقف على ما لهذه المسائل الخمس من أهمية في عالم الفلسفة. فهي بمثابة النتيجة للمسألتين الأساسيتين ( أصالة الوجود ـ تشكيك الوجود )، وعلى وجه الخصوص مسألة أصالة الوجود ؛ فالمسائل الاثنتا عشرة في الواقع تنقسم إلى ما هي تمهيدٌ ومقدّمةٌ لبحث أصالة الوجود، وإلى ما هي نتيجة لهذا البحث. وفي هذا المقطع من البحث نكتفي في إيضاح المسائل الخمس الأخيرة بما جاء في المتن، مضافاً إلى ما أوضحناه ضمن مسألة تشكيك الوجود بشأن طراز صياغة المفهوم الذهني، والاختلاف الحاصل بين المفاهيم ومصاديقها، جَرّاء خصوصية الذهن.
هذا مضافا إلى ما سيأتي من أفكار تساهم في إيضاح هذه المسائل في المقالات الثامنة والتاسعة والعاشرة. خصوصاً في مقدمة المقالة الثامنة، التي تبحث عن الضرورة والإمكان، فسوف نتناول بالبحث تفصيلا المسألتين الأساسيتين من هذه المسائل الخمس، أي " الموجود لا يعدم " و " تحقيق العدم في الخارج أمر نسبي ". ومن هنا نغمض النظر مؤقّتاً عن البحث في هذه المسائل، بغية تجنب تكرار ما سيأتي من أفكار في المقالات القادمة.
إنَّما ينبغي هنا تأكيد التذكير بأنَّ مفتاح معالجة هذه المسائل وبعض المسائل
ولكن إذا أغمضنا النظر عن هذه الماهيات ورجعنا إلى متن واقع الوجود نجد أنَّ الواقعة لا تسلب واقعة أُخرى واقعيتها أو تغير واقعيتها ؛ لأنَّ الواقعية لا تسلب عن نفسها، وليس هناك شيء آخر غير والواقع لكي يتحوّّل إليه.
الفلسفية الهامة الأُخرى هو البحث في " أصالة الوجود واعتبارية الماهية ". فهذه المسألة تغيّر نظام الفلسفة العام، وتساهم في معالجة مشكلات كثيرة.
وعلى القارئ المحترم أن يهيئ ذهنه لفهم وهضم هذه المسألة، وأن يتدبّر في مقدّماتها ونتائجها. وسوف نعمد في المقالات القادمة أيضاً إلى تقرير وإيضاح هذه المسألة في كلّ مناسبة نتوفّر عليها ؛ بغية إنارة ذهن القرّاء المحترمين. ونحن على يقين بأنَّ الجهد المبذول في فهم وهضم هذه المسألة ـ مهما ازداد ـ أمر مطلوب. فرائد هذه المسألة " صدر المتألهين " قد كرر في كتبه التذكير بهذه النظرية، وطرح مضمونها وأدلتها في أبواب مختلفة بأشكالٍ مختلفة. وقد جاء في تعليقاته على حكمة الإشراق، بعد أن أسهب بالبحث حول هذه النظرية: " لقد بسطنا البحث في أطراف هذا الموضوع ( رغم أنَّ ما لم نقله أكثر ممّا قلناه ) ؛ لأنَّ هذه المسألة الشريفة المتعالية غامضة، وأهم المقاصد وأشرفها هي أن يُبذل السعي في تحصيلها ". ثم يتمثّل ببيت شعر عربي:
لئن كان هذا الدمع يجري صبابةً= على غير ليلى فهو دمع مضيّع
لقد اتّضح للقارئ المحترم في ضوء ما تقدّم أنَّ مسألة أصالة الوجود ذات زاوية نفسية وذات زاوية فلسفية أيضاً ؛ لأنَّها ذات طابع عيني وطابع ذهني معاً، فهي تبحث بشأن الواقع العيني من زاوية، وتبحث من زاوية
ثالثاً ـ رغم أنَّ الأشياء الواقعية ( الماهيات الموجودة ) بذاتها مغايرة لواقعية الوجود، ونسبتها للواقعية وارتفاعها ( الوجود والعدم ) على حدٍ سواء، ويمكن أن تتّصف بإحدى الصفتين ( الوجود أو العدم ) فنقول: الإنسان
أُخرى بشأن قوة العقل والإدراك وكيفية تحليل وانتزاع الذهن.
كرّرنا القول إنَّ الدرس الفلسفي للواقع لا يتيسر قبل معرفة الذهن، وكيفية صياغته للمفاهيم، وما لم نتعرّف على الذهن من هذه الناحية لا يمكن أن نتوفّر على الفلسفة، وعلم النفس الحديث ـ في حدود ما اطلعنا عليه من أبحاثه ـ رغم التطوّرات القيمة، التي وصل إليها في فروعه المختلفة، قاصر وضعيف فيما أسميناه حقل علم النفس الفلسفي ؛ وسر هذا الموضوع واضح وهو أنَّ المنهج الذي يفيد منه علم النفس في فروعه المختلفة لا يقع موضع الإفادة فيما نحن فيه. بل يجب هنا إتباع منهج وطراز تحليلي آخر.
ويجد القارئ المحترم نموذجه في هذه المقالة. على أنَّ علم النفس الفلسفي لا يقتصر على مسائل الوجود، بل يشمل سائر الأقسام أيضاً، ويتضح دوره في كل قسم عند موضعه المناسب.
* * *
ليس بعيداً عن السياق أن نلقي في خاتمة هذه المقالة نظرة تأريخية على أبحاث الوجود. لم تألف الدراسات الفلسفية القديمة تناول الجانب التأريخي لقضايا الفلسفة، فتعرض مصادر ظهور النظريات، والتطورات التي طرأت عليها في المراحل المختلفة، خصوصاً في الدراسات الشرقية، حيث اُغفل هذا الجانب بشكلٍ تام. ولا ينحصر هذا الأمر في الفلسفة، بل
موجود، والإنسان غير موجود، لكن واقع الوجود ذاته لا يقبل العدم بالذات، فهو لا يتّصف بنقيضه أبداً. أي أنَّ الوجود لا يصير عدماً ( مع حفظ الوحدة في جميع شروطها ).
يشمل سائر أقسام العلوم من المنطق والطب والرياضيات والآداب والفقه والأُصول والحديث أيضاً. فعلماء الشرق يعكفون في دراسة أيّ فنٍّ على الجوانب النظرية، ويغفلون الجوانب التاريخية في أبحاثهم.
من هنا تطرح النظريات في كتبها المقرّرة، ولكن لا يعرف صاحب النظرية، ومَنْ قام بتطويرها وإكمالها. وإذا تعرضوا لذكر الاسم في سياق البحث فلا يعود ذلك إلى تركيزهم على دراسة مبدأ ونشوء ونمو الفكر، بل لغاياتٍ أُخرى لا تخفى على المطّلعين. ومن ثمَّ لا يتّضح تاريخ حياة العلوم والفنون.
أما في التطوّرات الأوربية الحديثة فقد ركز الباحثون على قراءة تاريخ حياة العلوم والفنون، هذه القراءة الحيوية المفيدة. فمضافاً إلى تأليف الدراسات المستقلة في هذا الموضوع يعكف الباحثون في صلب الدراسات العلمية، وحتى الكتب الدراسية المقرّرة، على إيضاح نسبة الأفكار إلى مبدعيها، وتحديد الرواد الذين ساهموا في إكمال وتشييد دعائم الأفكار.
إنَّ إغفال الجوانب التاريخية للأفكار أَفضى إلى غفلة المختصّين وجهلهم في هذا الميدان، ووقوعهم أحياناً في أخطاء جسيمة ؛ مثلاً: إذا راجع أحدنا كتب الفلسفة، كشرح منظومة الحكيم السبزواري وغيرها، واهتم بقراءة مسائل الوجود فسوف يحسب أنَّ مسألة أصالة الوجود طرحت منذ ألفين وأربعمائة سنة، أي حينما تأسّس مذهب المشّاء ومذهب الإشراق، فتبنى المشّائيون أصالة الوجود، وتبنى الإشراقيون أصالة الماهية، ويحسب أيضاً
على أنَّنا لا نقصد أنَّ شيئاً ما يوجد يوماً ولا يعدم بعد ذلك، فحوادث العالم مليئة بذلك. بل نقصد أنَّ الشيء، الذي توفّر على واقعية الوجود تحت ظل شروط معيّنة، يستحيل مع حفظ الشروط أن يصبح عدماً. مثلاً: شجرة
أنَّ مسألة الوحدة والكثرة طرحت منذ ذلك الوقت في صورتها الراهنة، أي على أساس أصالة الوجود، فتبنى المشاء نظرية الكثرة، وذهب حكماء إيران القدامى إلى القول بتشكيك الوجود ؛ بينا حينما يراجع الإنسان كتب الفلسفة منذ أربعة قرون وما قبلها فسوف لا يجد ذكراً لأصالة الماهية، وحينما يعثر في بعض الدراسات منذ مرحلة ابن سينا وما بعدها على فكرة اعتبارية الوجود، وأنّه من المعقولات الثانية فهو أمر لا يرتبط ببحث أصالة الوجود وأصالة الماهية، كما سيتضح ذلك قريباً. ولم تتناول المراحل السابقة على هذه المرحلة حتى هذا الموضوع أيضاً.
لقد كانت مسائل الوجود في المراحل الأولى لترجمة الفلسفة من اليونانية إلى العربية محدودة جداً، ولم تطرح المسائل الأساسية فيها. ولا تعثر في " ما وراء الطبيعة " لأرسطو، الذي يُعد المنبع الأساس للفلسفة الأُولى إلاّ على مسألة الاشتراك المعنوي أو اللفظي للوجود، من بين مجموع المسائل المعروفة اليوم.
طرحت مسألة مغايرة الوجود للماهية في رسائل أبي نصر الفارابي، هذه المسألة المعروفة بـ " زيادة الوجود على الماهية ". ويبدو أنَّ بحث الحكماء لزيادة الوجود على الماهية جاء رد فعل على مذهب بعض المتكلّمين بشأن عينية الوجود للماهية. وقد أفضى البحث في زيادة الوجود على الماهية إلى ظهور بحث أصالة الوجود أو الماهية أيضاً.
الصفصاف فإذا أخذنا شجرة معينة منها في زمان معين قد وجدت واخضرت فلا يمكن افتراض أن تكون معدومة في ذلك المقطع الزماني مع حفظ بقية الشروط. كما يمكن تطبيق هذه الفكرة على الحوادث الماضية، فنحن نقول بلا تردّد إنَّ الحوادث التي وقعت بالأمس لا يمكن تغييرها أو نقلها من محلّها.
تنسب عينية الوجود للماهية إلى أبي الحسن البصري وأبي الحسن الأشعري من المتكلّمين، وخصوصاً الأخير. إنَّ ما تحت أيدينا من كتب الأشعري لا يتيح لنا تمحيص صحة هذه النسبة، لكن القاضي عضد الدين الإيجي يدّعي أنَّ هذه النسبة غير صحيحة، إنَّما اختلف الأشعري مع الحكماء في مسألة الوجود الذهني، حيث ادّعى أنَّ عين ماهيات الأشياء لا تحصل في الذهن، خلافاً لنظرية الحكماء. إذن فليس هناك في الذهن ماهية ؛ لكي يقرّر مغايرتها للوجود.
على أي حال سواء أصحت نسبة النظرية إلى الأشعري أم لم تصح، فقد جاء بحث الحكماء حول زيادة الوجود على الماهية في الذهن ردة فعل على البحوث الكلامية، التي ذهبت إلى عينية الوجود للماهية في عالم الذهن.
أفضى البحث في هذا الموضوع إلى طرح مسألة أُخرى ؛ فبعد ثبوت أنَّ الوجود في عالم الذهن ليس جزءاً من الماهية، وليس عينها، بل مغاير وزائد عليها، وبعبارة أُخرى عارض على الماهية، طرح الاستفهام التالي: ما هو الحال في عالم الخارج ؟ فهل الوجود في عالم الخارج زائد على الماهية أيضاً أم أنَّه عين الماهية في عالم الخارج ؟ أجاب الحكماء بأنَّ الوجود في عالم الخارج عين الماهية، ولا يمكن تغاير الوجود والماهية في عالم الخارج. ثمّ طرح استفهام آخر: كيف يمكن أن يكون الأمران اللذان هما متغايران في
من هنا ينبغي أن نستنتج أنَّ تحقّق العدم في الخارج أمر نسبي، أي جراء نسبة وجود متحقّق في ظرف معيّن إلى ظرف آخر يتحقّق العدم. مثلاً لا يمكننا القول: " إنَّ (س) الموجود بالأمس غير موجود أمس "، ولكن يمكننا القول: " إنَّ (س) الموجود بالأمس غير موجود غداً " أو " إنّ (س) الموجود في هذه الغرفة غير موجود في الغرفة الأخرى ".
عالم الذهن، وليس أي منهما جزءاً أو عيناً للآخر، متّحدين في عالم الخارج، وأحدهما عين الآخر ؟
وفي الإجابة على هذا الاستفهام طرح بحث انتزاعية الوجود، وأنَّ الوجود من المعقولات الثانية، وطرحت الأدلّة على أنَّ الوجود مفهوم انتزاعي، وأنَّ المفاهيم الانتزاعية ليس لها ما بإزاء خارجي غير منشأ انتزاعها، وفي هذه المرحلة طرحت قضية انتزاعية الوجود واعتباريته. لقد أقام شيخ الإشراق في حكمة الإشراق أدلة كثيرة على أنَّ الوجود مفهوم اعتباري وانتزاعي. على أنَّ شيخ الإشراق ـ كما تقدّم ـ طرح هذا البحث تحت عنوان زيادة الوجود على الماهية في عالم الخارج، وليس تحت عنوان أصالة الوجود وأصالة الماهية. فالبحث في هذه المرحلة لا يزال دائراً حول أنَّ الوجود في عالم الخارج ليس أمراً مضافاً إلى الماهية ؛ لأنَّه أمر اعتباري.
وكان التصوّر السائد آنذاك هو أنَّ القول بعدم اعتبارية وانتزاعية الوجود يستلزم زيادة الوجود على الماهية في عالم الخارج، أي أنَّ هذه المسألة لم تطرح ولم تفهم آنذاك على أساس دوران الأمر بين أصالة الماهية وأصالة الوجود.
ثمّ اتخذ البحث في مرحلة لاحقة طابعاً أكثر دقّة، وهي مرحلة محمّد
إيضاح:
للعالِم الشهير لافوازييه فرضية تقول: " الموجود لا يعدم والمعدوم لا يوجد ". وهذه الفرضية تختلف مفهوماً عن النظرية التي تقدمت ؛ إذ أفاد لافوازييه فرضيته من الأبحاث المادية، وهو يمارس بحثه في العلوم
باقر الداماد المتوفّى عام ١٠٤٠ هـ.
طرحت الملازمة ـ في مرحلة الداماد ـ بشكل آخر: إذا كان الوجود أمراً حقيقياً وليس اعتبارياً لا يلزم منه زيادة الوجود على الماهية في الخارج، بل يلزم منه أن تكون الماهية أمراً ذهنياً اعتبارياً. وفي هذه المرحلة طرحت إشكالية أصالة الوجود أو الماهية بشكل فنّي، كما هو قائم اليوم. وتبنّى المحقّق الداماد ذاته نظريّته أصالة الماهية، ودافع عن أصالة الماهية في عالم التحقّق والجعل ـ كما يسمّيه ـ. ثمّ جاءت مرحلة تلميذه صدر المتألهين، فتبنّى في مطلع حياته الفكرية نظرية أُستاذه، لكنّه آمن في مرحلة لاحقةٍ بعدم إمكانية قبول نظرية أصالة الماهية. وانتهى إلى أنَّ أصالة الوجود هي النظرية التي يمكن الدفاع عنها وإقامة البراهين عليها، مضافاً إلى معالجة المشكلات الفلسفية الكبرى على أساسها.
أقام صدر المتألهين براهينَ كثيرة على نظرية أصالة الوجود. ثمّ أضحت هذه النظرية مسلّمة يقينية لا تقبل الشك، ولعبت دوراً كبيراً في تغيير مصير الفلسفة، بحكم ما لها من أهمية.
اتّضح ـ إذن ـ أنَّ بحث الاشتراك المعنوي للوجود هو البحث الوحيد الذي طرحه أرسطو في " ما بعد الطبيعة "، ثمّ طرح في القرن الثالث والرابع الهجري مقابل مذاهب المتكلّمين بحث (زيادة الوجود على الماهية
)، ثمّ طرح
المادية، والمادة موضوع هذه العلوم. ومن ثمّ اعتبر المادة مساوية للوجود. واتّجه لتفسير جميع الاختلافات الخارجية صوب تحليل وتجزئة الأجسام من الزاوية المادية، وبحكم الوحدة النوعية للمادة أشارت تحليلاته العلمية بالضرورة إلى وحدة المادة في جميع موارد الاختلاف. ومن هنا
بعد ذلك البحث حول أنَّ الوجود الذاتي ليس بماهية، أي ليس جزءاً للماهية ( وقد بحث هذا الموضوع ابن سينا ). ثمّ انصبت الأنظار على موضوع عينية ومغايرة الوجود للماهية في عالم الخارج ( وتستفاد هذه الظاهرة عبر كلمات ابن سينا أيضاً ). ثمّ طرح البحث في اعتبارية وانتزاعية الوجود، دون الإلتفات إلى الملازمة بين اعتبارية الوجود وأصالة الماهية، وبين اعتبارية الماهية وأصالة الوجود ( كما يستفاد ذلك من بحوث شيخ الإشراق ). ثمّ طرح بشكلٍ فنّي في مرحلة المحقق الداماد البحث عن أصالة الوجود وأصالة الماهية، وأضحت نظرية أصالة الوجود نظرية يقينية مسلمة بواسطة صدر المتألهين.
لقد اندهش صدر المتألهين اندهاشاً شديداً ممّا طرحه شيخ الإشراق، فهو يذهب إلى أصالة الماهية واعتبارية الوجود من جهة، ومن جهة أُخرى يطرح أفكاراً تحت عنوان "النور
" لا علاقة لها مع أصالة الماهية، ولا تنسجم معها. بل ما طرحه حول حقيقة النور من أفكار هي عين ما يمكن لفيلسوف مؤمنٍ بأصالة الوجود أن يطرحه بشأن حقيقة الوجود.
لكنّ الإنصاف هو: أنّ قراءة التحوّلات التي طرأت على البحث في مسائل الوجود، وكيفية تكاملها، يرفع بشكل طبيعي هذه الدهشة والتعجّب، إذ المفهوم الذي قصده شيخ الإشراق من انتزاعية الوجود يختلف عمّا يقصد من
أرجع جميع الاختلافات إلى اختلاف تركيبات المادة، فوجد نوعاً واحداً في جميع الموارد " وحدة المادة "، وعلى هذا الأساس أقام فرضيته، إذن ؛ فمفهوم فرضيته سيكون: كلّ مادة أتت بصورة معينة بحكم تركيب خاص سوف تبقى بعد انحلال التركيب.
فإذا قلنا: هذه شجرة الصفصاف الموجودة اليوم لا تعدم. سوف يكون مفهوم هذه المقولة ـ في ضوء فرضية لافوازييه ـ ما يلي: إنَّ مادة معينة
أصالة الماهية، كما أنَّ الأفكار التي طرحها شيخ الإشراق، تبعاً لأسلافه، بشأن حقيقة النور تختلف عما يقصده الفيلسوف المؤمن بأصالة الوجود، وأنَّ الماهيات اعتبارات ذهنية.
على كلٍّ حالٍ فمن المسلّم أنَّ مسألة أصالة الوجود وأصالة الماهية، بالشكل القائم اليوم لم تكن مطروحة لدى الحكماء المتقدّمين. فلو أغمضنا النظر عمّا ينسبه المتأخّرون، وحملناه على عدم الالتفات إلى تاريخ تطوّر المعرفة، وراجعنا بأنفسنا متون كتب الحكماء، وقارنا بين دراساتهم عبر مراحلها المختلفة فسوف تّتضح الحقيقة المتقدّمة بجلاء.
ينسب متأخّرو الحكماء بشكلٍ قطعي نظرية أصالة الوجود إلى المشّائين ؛ ولو كان المشاءون قائلين منذ القدم بمثل هذه النظرية فكان على ابن سينا الملقّب برئيس المشّائين أن يصرّح بهذه النظرية، أو ينقلها على الأقل، بينا ينسب كلّ باحثٍ لابن سينا نظريةً في هذا المجال. يقول صاحب المواقف في مسألة زيادة الوجود على الماهية، حيث يطرح فكرة انتزاعية الوجود: " فصرّح ابن سينا في الشفاء أنَّه من المعقولات الثانية، فليس له ما بإزاء في الخارج إلاّ منشأ انتزاعه وهي الماهيات، وهي معقولات أولية ".
في ظل شروط معينة اتخذت صورة شجرة الصفصاف، إذن ؛ فبعد انحلال تركيب الشجرة تبقى المادة ولا تعدم. لكن الفيلسوف يفهم هذا المثال كالتالي: " إنّ شجرة الصفصاف بوجودها في ظل شروط معينة احتلت موقعاً من الزمان ( اليوم )، وبعدم الشروط سوف لا تحتل هذا الموقع ".
وهناك نظرية علمية أُخرى تكمل هذه الفرضية، حيث تقرر: " كلّ حادثة تقع في عالم الوجود لا تفنى إطلاقا ". وفي ضوء البيان المتقدّم يصبح مفهوم هذه النظرية هو: حيث إنَّ لكلّ فعل ردّ فعل، ورد الفعل ذاته
ويقول في بحث بداهة الوجود: " والحقّ عند الحكماء اتّصاف الوجود ونقيضه بالعدم وأنّه من المعقولات الثانية، التي لا وجود لها في الخارج، وما لا وجود له فهو معدوم، إذ لا واسطة ".
ولو كان المشاءون قائلين بأصالة الوجود، وقد طرحوا نظريّتهم بشكلٍ فنّي، فلا يمكن أن يستنبط صاحب المواقف أنَّ جميع الحكماء يذهبون إلى انتزاعية الوجود، بل صدر المتألهين نفسه يقول في الأسفار:
" وإني قد كنت شديد الذبّ في اعتبارية الوجود وتأصّل الماهيات حتى أنّ هداني ربّي وانكشف لي انكشافاً بيناً أنّ الأمر بعكس ذلك، وهو أنَّ الوجودات هي الحقائق المتأصّلة الواقعة في العين "
وقد تابع صدر المتألهين بعد ذهابه إلى نظرية أصالة الوجود منهجه السابق في الدفاع بشدّة عن القدماء. وذهب إلى أنّهم جميعاً مؤمنون بأصالة الوجود، ويستشهد ببعض كلماتهم التي يشمّ منها القول بأصالة الوجود. وهذا بذاته دليل واضح على ما قلناه ؛ إذ لو كانت مسألة أصالة الوجود نظير بعض المسائل الأُخرى، التي طرحت لدى القدماء لم يتمكّن صدر المتألهين، وهو
فعل، وله رد فعل آخر، وهكذا... فعبر التحويل العكسي يمكن الوصول إلى الحادثة الأولى، أي الحادثة المشابه للحادثة المنصرمة ( لا عينها )، وإلاّ فالشروط الزمانية والمكانية لكلّ حادثة يجب أن تلغى، وفي هذه الحالة يلغى ناموس العلية، وينتهي نظام الخارج والذهن. هذا هو الإيضاح الذي يمكن للفلسفة أن تطرحه فحسب.
يبنى نظريتين متضادتين، من العثور في زمانيين على نظريّتين متضادتين، وينسبهما إلى الحكماء.
على أيّ حال فمن المقطوع به أنَّ مسألة أصالة الوجود وأصالة الماهية، ومسألة الوحدة والكثرة، لم تطرحا كمسألتين واضحتين في حدودهما ومقدّماتهما ونتائجهما لدى القدماء. إنَّما هناك بعض عبارات الحكماء، التي يمكن وضع اليد عليها، ككلمات ابن سينا ونصير الدين الطوسي توحي بفكرة أصالة الوجود. لكن ملاحظة سائر نظريّاتهم في المسائل الأُخرى توضح بجلاء أنَّ هؤلاء لم يلتفتوا لجميع المقدّمات والنتائج المترتبة على القول بأصالة الوجود واعتبارية الماهية.
تنبغي الإشارة هنا إلى أنَّ العرفاء على طول تاريخ البحث في الوجود سلكوا طريقاً آخر في بحثهم عن الوجود. فالعرفاء لا ينظرون إلى الوجود كمفهوم اعتباري انتزاعي، بل الوجود هو الحقيقة الوحيدة لديهم. على أنَّ كلام العرفاء يقوم على أُسسٍ أُخرى تنطلق من الكشف والشهود، أي أنَّ العرفاء لم يكن لديهم بحث عقلي تحت عنوان أصالة الوجود أو الماهية، بل كانت لهم كلمات تنسجم مع نظرية أصالة الوجود. إنّما استلهم صدر الدين الشيرازي ( الذاهب إلى نظرية أصالة الوجود، والذي أقام عليها البراهين
ولكن اذا كان هناك من يقول إنَّ مادة أي مركب من المادة والصورة تبقى حتى بعد انحلال المركب، وإنّ كل حادثة حصلت تحت ظل شروط مكانية وزمانية معينة تبقى موجودة حتى بعد تغير الشروط، فمثل هذا الشخص عليه أن يقرَّ بأنّ كلّ شيء هو كلّ شيء، وليس للفلسفة كلام مع هذا الطراز من المفكرين، بل تعده أوطأ من السوفسطائي الحقيقي، إذ السوفسطائي يميز بين الأفكار على الأقل، بينا لا يتمتّع هذا الشخص حتى بهذه الصفة. فإذا طلب مثل هذا الشخص ماءً فجوابه ركوب الفرس، وإذا طلب خبزاً فجوابه الهرولة ؛ لأنَّ كل شيء مساوٍ لكل شيء.
الفلسفية والعقلية ) نظريات العرفاء ؛ فهو الذي عثر على أساس عقلي وفلسفي لنظرية العرفاء. كما أسس أُسساً عقلية وفلسفية في كثيرٍ من المواضيعِ تؤيد نظريّات العرفاء.
من هنا فلا يمكن اعتبار صدر المتألهين مبتكر نظرية أصالة الوجود، إنّما هو الشخص الأَوّل الذي أعطى لهذه النظرية طابعاً يقينياً فلسفياً، وعثر على مبادئها، وأفاد من نتائجها في حدود كبيرة.
اتّضح في ضوء مجموع ما تقدّم: أنَّ مسائل الوجود، وخصوصاً المسألتين الأساسيتين " مسألة أصالة الوجود، وتشكيك الوجود " تتكئ على نظرية العرفاء من جهة، ومن جهة أُخرى تتكئ على مقارعة نظريات المتكلّمين، أكثر من اعتمادها على نظريات الفلسفة اليونانية القديمة.
انتهينا حتى الآن من قراءة تأريخية مختصرة لتطوّر أبحاث الوجود. وإذا أردنا لهذه القراءة أن تكون دقيقة وموثقة بأقوال الفلاسفة على مرّ العصور فسوف يكون البحث طويلاً جداً. وأنا عازم على إنجاز دراسة تحت
رابعاً ـ في ضوء النتيجة الثالثة يصبح مطلق واقع الوجود ـ على أي فرض ـ لا يقبل العدم، أي أنَّ حقيقة الوجود ضرورية الوجود. على أنَّ التأمل في هذه النظرية يطرح الاستفهام التالي:
هل الضرورة خصوصية ذاتية للوجود أم تأتيه من محل آخر ؟ وللحصول على الإجابة التفصيلية على هذا الاستفهام ينبغي انتظار المقالة القادمة.
النظريات التي ثبتت عبر هذه المقالة:
١ ـ نثبت واقعية الوجود لكلّ الأشياء بمعنى واحد.
عنوان " تطوّر المنطق والفلسفة في الإسلام " لأتُابع فيها أبحاث الفلسفة والمنطق كلاً على انفراد، واحدد ما هو ميراث يوناني، وما جاء إضافة عليه. ضمن تقويم فلسفي للنظريات. وقد أنجزت مقدمات هذا المشروع إلى حدٍ كبير، وانتهيت من تدوين معلومات مفيدة في هذا المجال. وما تقدّم عرضه باختصار حول تطور مسائل الوجود نموذج لما أنوي إنجازه. وأنا على يقين بأنَّ دراسة هذا الموضوع الجديد تكشف عن حقائق كثيرة.
ونشير أخيراً إلى بعض الأفكار المرتبطة بهذا الموضوع، والتي لا مجال لتفصيل البحث حولها هنا. كموضوع نسبة نظرية تشكيك الوجود إلى حكماء إيران القدامى " الفهلويين ". وكنسبة هذه النظرية إلى الأفلاطونية المحدثة، وعلى وجه التحديد إلى إفلوطين بالذات. وكدراسة وتحليل بحث جديد طرح في أُوربا تحت اسم " الوجودية "، حيث يوسم بأصالة الوجود. آملاًّ التوفيق لدراسة هذه المواضيع في مجالٍ آخر.
٢ ـ مفهوم الواقع مغاير لمفهوم كل واحد من الموجودات الواقعية.
٣ ـ ننتزع من الواقعيات الخارجية مفهومين مختلفين: الوجود، والماهية.
٤ ـ الأصالة في عالم الخارج حظ الوجود، والماهية اعتبارية ذهنية.
٥ ـ لا نستطيع إدراك حقيقة الوجود، أي بالواسطة.
٦ ـ واقعية الوجود معلومة بالذات.
٧ ـ الوجود حقيقة تشكيكية.
٨ ـ الخواص الذهنية للماهيات لا تصدق على الوجود.
٩ ـ الخواص الخارجية للماهيات ترتد إلى الوجود، لكنها تظهر في عالمه بنحو آخر.
١٠ ـ الموجود لا يعدم على أي حال.
١١ ـ تحقّق العدم في الخارج أمر نسبي.
١٢ ـ مطلق الوجود لا يقبل الزوال والعدم.
المقالة الثامنة:
الضرورة والإمكان
المقدّمة
يطرحُ الفلاسفة على طول تاريخ الحكمة هذه الإشكالية: هل نظام العالم نظام ضروري ووجوبي ؟ أي: هل ما يوجد في هذا العالم من موجودات يوجد بحكم الضرورة ولا يمكن أن لا يوجد، أم أنَّ ما يوجد في مرتبة وظرف خاص لا مانع من أن لا يوجد، وليست هناك أيُ ضرورة ووجوب في البين ؟ وإذا كان نظام العالم نظاماً وجوبياً وضرورياً فمن أين تنشأ هذه الضرورة ؟
إنَّ البحث في طبيعة نظام الوجود، وهل هو نظام ضروري أو لا ؟ أنتج بحثاً خاصا في الفلسفة يتفرّعُ إلى مجموعة أبحاث تحت عنوان " البحث في المواد العقلية الثلاث " حيث يتناول البحث في أطراف الوجوب والإمكان والامتناع. وقد تناول البحثُ هذه المواد العقلية الثلاث من زوايا مختلفة، وطُرِحتْ في هذا المجال بحوث كثيرة. لكنَّ هناك بحوثاً مفيدة ومهمة لم تطرح في هذا المجال. وسوف نعكف على بيان بعض هذه البحوث المرتبطة بشكل مباشر مع موضوع هذه المقالة، ونغمضُ النظر عمّا سواها.
تناولَ متن هذه المقالة البحثَ في الضرورة والإمكان بطريقة خاصة به، وهذه الطريقة رغم اعتمادها على مسلَّمات تمّ بحثها في المقالة السابعة، وهي موضوع اتفاق كافة أتباع الحكمة المتعالية، لكن نهج هذه المقالة في استنباط أحكام الضرورة والإمكان في ضوء أبحاث الوجود، وخصوصا بحث أصالة الوجود، نهج غير مألوف وتختص به هذه المقالة. مضافاً إلى أنَّ
الأفكار المطروحة في هذه المقالة مختزلة جداً ؛ ومن هنا يمكن أن يكون نهج وطريقة البحث في قضايا الضرورة والإمكان في هذه المقالة غريباً، وغير مفهوم حتى لدى المطّلعين على هذه البحوث.
من هنا سوف نتناول في هذه المقدمة مجموعة القضايا والأفكار، التي اتخذتها المقالة مسلّمات، وأشارت إليها باختصار في المتن، مضافاً إلى تناول بعض الأفكار الضرورية الأخرى، وسنشفع ذلك بإيضاحات مختصرة في هوامش المقالة ذاتها، وبهذا سوف تتّضح بجلاء الأفكار المطروحة في متن هذه المقالة.
تشتمل هذه المقدّمة على الفقرات التالية:
١ ـ مفهوم الضرورة والإمكان.
٢ ـ الضرورة والإمكان مفهومان عقليان وليسا حسّيين.
٣ ـ هل ينتمي بحث ضرورة نظام الوجود أو عدم ضرورته إلى حقل الأبحاث العلمية، أم ينتمي إلى حقل الأبحاث الفلسفية ؟
٤ ـ منشأ الضرورة والإمكان.
٥ ـ قانون العلية والمعلولية.
٦ ـ العلّة تعطي المعلول الضرورة " الجبر العلّي ".
٧ ـ حاجة المعلول إلى العلة في البقاء.
٨ ـ الضرورة بالذات وبالغير.
٩ ـ الضرورة الذاتية المنطقية والضرورة الذاتية الفلسفية.
١٠ ـ تفسير نظام الوجود.
١١ ـ أصالة الوجود الضرورة والإمكان.
١٢ ـ الموجود لا يعدم.
مفهوم الضرورة والإمكان:
الضرورة والإمكان من المفاهيم التي لا تحتاج إلى تعريف وإيضاح. إذا كان هناك مفهوم مبهم ومجمل علينا أن نتوسل بُغية إيضاحه بتعريفه، أما إذا كان غير مبهم وغير مجمل سوف يكون مستغنياً عن التعريف والإيضاح. إنَّ التعريف يعني التوفّر على معرفة ذات الشيء، ويتمّ ذلك بتحليل مفهوم الشيء إلى عناصره الأولية الذهنية، كما أنّ معرفة أجزاء وعناصر المركبات الخارجية تتم بالتجزئة العلمية والموضوعية. أي أنَّ التعريف هو تحليل وتجزئة مفهوم الشيء عقلانياً ؛ ومن هنا يصدق التعريف في مورد المفاهيم المركبة، أمّا المفاهيم البسيطة التي تشكّل العناصر الأولية للتصوّرات الذهنية فهي لا تقبل التعريف، ومن المحتم أنَّ هذه العناصر بديهية التصور ومتستغنية عن التعريف ؛ لأنَّ الإبهام في المفاهيم الذهنية البسيطة لا معنى له.
إيضاح ذلك: كما تقدّم في المقالة الرابعة والخامسة فإنَّ كلّ صورة ذهنية تتطابق بالذات مع واقعية من الواقعيات تسمى علماً، وتلك الواقعية الخارجية تسمّى معلوماً. والعلم هو انكشاف المعلوم للعالم، ولا طريقَ للإبهام والإجمال في العلم من حيث هو علم. الأمر المطروح هنا هو إذا كان المفهوم والصورة الذهنية مركباً فيجب ـ وفق قواعد المنطق ـ أن يكون مركباً من جزء أعم ( وهو ما به الاشتراك مع أشياء عديدة أخرى ) ومن جزء آخر مساوٍ للمفهوم ومختص به.
يتم تشخيص وتمييز الشيء عن غيره بواسطة الجزء المختص، ويصطلح على هذا التمييز ( المعرفة )، ويطلق أحيانا على العلم الأولي والانطباع الأولي للصورة الذي هو معلول لتعامل الذهن مع الواقع مصطلح
( المعرفة الإجمالية ). أمّا تمييز وتشخيص الشيء، الذي يتمّ عبر التحليل الذهني لأجزائه وتشخيص ما به الاشتراك عما به الامتياز، فيصطلح عليه ( المعرفة التفصيلية ). وعلى أيّ حال فالمعرفة هي التعريف والتمييز، على أنَّ المفهوم والصورة الذهنية يتطلّب التعريف حينما يكون له وجه اشتراك مع الأشياء الأخرى، فيكون التوفّر على وجه الاختصاص والامتياز محصّلاً للمعرفة. أمّا إذا كان المفهوم بسيطاً بالذات، يختلف عن سائر المفاهيم الأخرى، ويتميّز بالذات عنها، فالمعرفة به تحصل بالذات حتماً.
من هنا فالعناصر الذهنية البسيطة أمّا أن لا تعرض على الذهن، وليس للذهن أي معرفة بها، وأمّا أَن تعرّض على الذهن، وهي واضحة بديهية عارية عن كلّ إبهام وإجمال.
الضرورة والإمكان وسائر المفاهيم الفلسفية العامة، نظير مفهوم الوجود والعدم والوحدة والكثرة والعلية والمعلولية، مفاهيم بسيطة. ولو كانت مركبة وجب أن تتألّف من جزء أعم ( الجنس ) وجزء مساوٍ ( الفصل )، ومن الواضح أنَّ فرض وجود جزء أعم في هذه المفاهيم يتنافى مع عموميتها. من هنا فمفهوم الضرورة والإمكان لا يقبل التعريف ومستغنٍ عنه بحكم البرهان.
لسنا بحاجة إلى إقامة برهان على إثبات استغناء مفهومي الضرورة والإمكان عن التعريف. فحينما يراجع كل فرد وجدانه يجد صورة واضحة جليلة لهذين المفهومين. لكلّ واحد منا أحكام قطعية ويقينية، فكلّ واحد منّا مثلاً يعرف أنَّ حاصل ضرب العدد خمسة في أربعة يساوي عشرين، فنحن على يقين من هذه النتيجة، ونعتقد أنَّ خلافها محال وممتنع ؛ إذن فنحن نرى أنَّ حاصل ضرب الأربعة في خمسة يساوي عشرين بالضرورة، وما لم يكن
الذهن متوفرا على مفهوم وتصور واضح للضرورة لا يمكنه أن يُصدر في هذا المثال حكماً.
إنَّ المفاهيم الفلسفية العامة بديهية التصور جميعا، وهذه المفاهيم تمثل الأدوات الأساسية للفكر البشري. فما لم يكن للبشر تصوّر عن الوجود والعدم والوجوب والإمكان والامتناع والوحدة والكثرة والعلّة والمعلول، لا يمكنه أن يفكّر بطريقة عقلية منطقية في أي موضوع من المواضيع. ولا يمكنه أن يقيم الدليل عليها. إنَّ الأمر خلافا لما يقوله عموم الفلاسفة في أنَّ ( الناطقية ) التي هي ميزة الإنسان عن سائر الحيوانات تنحصر في قوّة التجريد والتعميم الذهنية، بل تشمل التوفّر على هذه المفاهيم الفلسفية العامة التي هي معقولات ثانية ونتاج لنوع خاص من الفعالية الذهنية. على كلّ حال فنحن لا نحتاج إلى التعريف في مقام بيان مفهوم الضرورة والإمكان، ونكتفي في هذه الموارد بتنبيه الذهن وإرجاعه إلى المرتكزات والوجدان.
الضرورة والإمكان مفهومان عقليان وليسا حسّيين:
من أيّ طريق ترد مفاهيم الضرورة والإمكان والامتناع إلى الذهن، وما هي القوة الذهنية المدركة لهذه المفاهيم، وعلى أي نسق ندركها، وكيف نحصل عليها، فهل يمكن تفسير هذه الظواهر على أساس حسّي كما زعم الحسّيون ؟ وما هو الدليل على أنَّ هذه المفاهيم يجب أن تعد مفاهيم فلسفية عامة ومعقولات ثانية ؟ وهل هناك دليل على أنَّ جميع الأذهان تدرك هذه المفاهيم بالضرورة أم لا ؟ الإجابة على هذه الأسئلة لا يمكن أن تطرح في هذه المقالة. لكن نظرة بسيطة تكفينا لنفهم أنَّ أيّاً من هذه المفاهيم ليست حسّية، وإنّما هي معقولة.
من البديهي أنَّ الضرورة التي تحكم جميع الموجودات ليست ظاهرة خاصة في عرض الظواهر الكونية الأخرى التي يمكن لمسها والإحساس بها. ونحن نتصوّر مفهوم الضرورة بشكل واضح دون أن نراه، ومن هنا فالعقل يدرك هذه الحقائق بأسلوب آخر. أثبتنا في المقالة الخامسة أنَّ العلية والمعلولية لا يمكن الإحساس بها، وأثبتنا أيضا أنَّ مفهوم الوجود لم يتوفّر الذهن عليه عن طريق الحس، إذن كيف يمكن أن تكون الضرورة التي هي من شؤون العلية، ومن شؤون الوجود بلحاظ آخر محسوسة لنا ؟! إنَّ تحديد هوية الضرورة والإمكان والامتناع، وهل هي حسية أم عقلية، سنفيد منه حينما نعكف على بيان أقسام الضرورة والإمكان، حيث سنوضح هناك أقساما أخرى للضرورة غير الضرورة العلية ؛ وحينما نواجَهُ بالاعتراض القائل بأنّنا لا نحس إلاّ بالضرورة العلية فسوف نجيب على هذا الاعتراض بأنَّنا لا نحس حتى بالضرورة العلية، وأنَّ جميع الضرورات والحتميات نعرفها عن طريق لون من التحليل العقلي.
هل هذا البحث بحث علمي أم فلسفي ؟
من الممكن أن يتوهّم أُولئك الذين لا يعرفون حدود الحس والعقل والعلم والفلسفة أنَّ هذا الموضوع يمكن معالجته عن طريق العلوم، ويطرحون لدعم هذا التوهم الحجة التالية: إنَّ كلّ علم يسير وفق مجموعة قضايا ضرورية وقوانين قطعية، فإذا أخذنا الكيمياء مثلاً فهي تقول لنا إنَّ التركيب " س " ينتج من المعادلة " ص "، فهذا يعني أنَّ هذه النتيجة ضرورية وحتمية. وإذا كشفت الفيزياء لنا عن خواص المادة والقوة وقوانين الحركة فهي توضح ذلك على نحو الضرورة والحتمية، والهندسة كذلك حينما توضح
لنا خواص الأشكال، فهي تثبت هذه الخواص إثباتاً ضروريا يستحيل تخلّفهُ، من هنا يمكننا القول وفق معطيات العلوم إنَّ هناك مجموعة قواعد ضرورية ونواميس حتمية يسير عليها كل علم من العلوم، أو يمكننا القول على الأقل إنَّ العلوم تشير إلى وجود مجموعة أنظمة يقينية ونواميس حتمية تحكم الكون.
والجواب على الحجّة:
١ ـ إنَّ القارئ المحترم ـ في ضوء الإلتفات إلى ما طُرِحَ في المقالة الأُولى من التفرقة بين ميدان العلم والفلسفة ـ يعرف أنَّ طبيعة البحث العلمي تفترض دائماً موضوعاً، ثم تعكف على البحث في خواص هذا الموضوع. أما البحث عن وجود الموضوع وعدمه، وتحديد هوية وجوده على فرض وجوده فهو بحث تتعهّد به الفلسفة. ولا يستطيع العلم تناول هذا الموضوع بالبحث، ولو تناوله فسوف تتغير وسائله ونسق أًصوله الموضوعية ومنهجه، وبهذا يتحوّل إلى فنّ آخر وهو ما نسمّيه الفلسفة.
من هنا فنحن مضطرّون إلى استخدام المنهج الفلسفي في دراسة موضوع الضرورة والإمكان، وعلينا اتّخاذ الأُصول الموضوعية والمسلّمات الفلسفية أساساً في هذا البحث.
٢ ـ لو فرضنا أنَّ منهج العلوم الخاص يمكنه الوقوف على ضرورة ووجوب جزء من نظام الوجود سوف يكون محدوداً بحدود دائرة العلوم، التي تحدّد خواص شيءٍ أو أشياء معيّنة، وسوف ينحصر بحثنا في موضوعات محدودة، وهي الموضوعات التي تصل إلى يد العلم. أما دائرة التحقيق الفلسفي فبحكم كونها كلّية وعامة وشاملة فهي تشمل كلّ نظام الوجود، والقدر المتيقن هو أنَّ هذه المسألة إذا أمكن البحث فيها فهو منحصر في المنهج
الفلسفي وإن لم يمكن البحث فيها فليس هناك طريق آخر.
٣ ـ صحيح أنَّ كل علم يطرح قواعده بطريقة حتمية وضرورية، لكنّه عاجز عن بيان تفسير هذه الضرورة والحتمية وتحديد منشئها ومنبعها. وهذا العجز واضح في العلوم التجريبية ؛ لأنَّ أقصى ما يمكن أن يقال بشأن الفرضية والنظرية العلمية هو أنَّ الحس والتجربة المكررة تؤيّد هذه الفرضية. فالحسّ والتجربة يؤكّد وقوع هذه الفرضية في عالم الطبيعة، أما لِمَ وعلى أيِّ أساس تكون هذه الفرضية حتمية، ويستحيل نقيضها ؟! فهو أمر خارج عن حدود الحس والتجربة، ولا بد من التوسّل بنوع آخر من الأدلة، وهي الأدلة الفلسفية.
والواقع أنَّ جميع العلوم وخصوصاً العلوم الطبيعية تطرح قضاياها استنادا إلى مصادرة، هذه المصادرة هي عبارة عن ( ضرورة نظام الوجود ). وهذه المصادرة تتّخذ في العلوم بمثابة أصل موضوعي، وهي جزء أساسي من قضايا الفلسفة. وهذه هي إحدى الجهات التي تحتاج فيها العلوم إلى الفلسفة، حيث أشرنا إليها في المقالة الأُولى إجمالاً. فإذا لم نستطع في البحث العقلي أن نثبت ضرورة نظام الوجود، وأن نحدد منبع هذه الضرورة، فسوف لا يمكننا أن نعتبر قضايا العلوم قضايا ضرورية ويقينية، بل لا يمكننا أن نعتبرها قانوناً علمياً ؛ لأنَّ القانون العلمي يكتسب طابع القانون حينما يتلقاه الذهن بشكل يقيني وحتمي، وإلاّ فليس هناك أي فرق بين القانون العلمي والفرض الاحتمالي. إذن ينحصر تحديد منشأ الضرورة والوجوب وتفسير هذه المقولة بالمنهج العقلي الفلسفي.
منشأ الضرورة والإمكان:
نؤجّل طرح نظريّتنا في هذا المجال إلى بحث ( أصالة الوجود والضرورة والإمكان ). ونقتصر على طرح النظريّات الأُخرى منذ سالف عهد الحكمة، فنكون قد قدّمنا عرضاً إجمالياً لتطوّر البحث في هذه المسألة.
المعروف أنَّ الحكماء منذ سالف عهد الحكمة ذهبوا إلى أنَّ كلاً من الضرورة والإمكان والامتناع يمثل خاصية لبعض الماهيات والذوات، أي أنَّ الماهيات مختلفة بالذات، وخصوصية بعضها أنَّها ضرورية الوجود وبعضها ممكنة الوجود وبعضها ممتنعة الوجود، ومن هنا صنّفوا الماهيات إلى ثلاثة أصناف: واجب الوجود، ممكن الوجود، ممتنع الوجود. وقد عرف هذا الفريق من الحكماء الواجب والممكن والممتنع على الشكل التالي:
الواجب هو ما تقتضي ذاته وماهيته الوجود، والممتنع هو الذي تقتضي ذاته وماهيته عدم الوجود، والممكن هو ما تكون ذاته وماهيته بالنسبة إلى الوجود على صفة ( اللاإقتضاء ).
ثمّ تقدّم البحث الفلسفي قليلاً، فالتفت الفلاسفة إلى أنَّ النظرية المتقدّمة بعيدة جداً، بل طفولية. وقالوا لا معنى لأنّ تكون الذات مقتضية لوجودها أو لعدمها، فكيف يمكن أن يكون الشيء معطياً لوجوده أو عادماً له. نعم يمكن القول إنَّ واجب الوجود هو ذات وماهية إذا تصورها العقل فسوف ينتزع الموجودية من ذاتها، كما ينتزع الزوجية من ذات العدد أربعة، ويعد خلافهُ محالاً وممتنعاً، أمّا ممتنع الوجود فهو ماهية إذا تصوّرها العقل فسوف ينتزع المعدومية من حاقِّ ذاتها. إذن فواجب الوجود ليس ذاتاً معلولة للغير إنّما ينتزع العقل الموجودية من ذاته، وممتنع الوجود بغض النظر عن أي علّة
خارجية معدوم وينتزع العقل من. ذاته المعدومية. أمّا ممكن الوجود فهو المعلول من غيره، والعقل لا ينتزع من ذاته ـ بقطع النظر عن أي شيء خارجي ـ الموجودية ولا المعدومية.
ثمّ تعمّق الفلاسفة في الإلهيات بشكل أكبر، واكتشفوا صفات الواجب وفق براهين خاصة، فأثبتوا أنَّ واجب الوجود لا يمكن أن يكون كسائر الأشياء المركبة من ماهية ووجود، بل واجب الوجود ينبغي أن يكون وجوداً محضاً وهوية صرفة ؛ ومن هنا اعتبروا تعريف واجب الوجود بأنه ماهية تنتزع الموجودية من حاق ذاتها تعريفاً غير صحيح أيضاً. بل التعريف الصحيح لواجب الوجود هو ( الحقيقة التي هي صرف الوجود والقائمة بذاتها ).
وعلى أساس نظرية هذا الفريق من الفلاسفة تصبح النظريتان المتقدّمتان خاطئتين في اعتبار الضرورة والإمكان والامتناع خصوصية ماهوية ؛ لأنَّنا لاحظنا أنَّ الوجوب الذاتي لا يمكن أن يكون خاصية ماهوية. بل إذا كان هناك وجوب ذاتي أي واجب الوجود يلزم أن يكون وجوداً محضاً ( بلا ماهية ).
غير خفي على القارئ المحترم أنَّنا لسنا بصدد إثبات واجب الوجود وتحديد صفاته، فإثبات واجب الوجود قضية متأخّرة عن هذا البحث، وسوف يأتي البحث حولها في آخر مقالة من هذه المجموعة من المقالات. لكننا بصدد بيان نظريات الفلاسفة حول الضرورة والإمكان، واتخذنا هذا البحث مقدمة لإثبات قاعدة ( ضرورة نظام الوجود ).
قانون العلّية:
العلّية تعني: إنَّ كل حادثة تحتاج إلى موجد ومحدث، وبعبارة أخرى، إنَّ كل شيء هويته ( الفعل ) و ( الحدث ) يتطلّب فاعلاً ومحدثاً. وقد تكفّلت المقالة التاسعة بحث هذا القانون وفروعه. يقف قانون العلية مقابل فرضية الصدفة والاتفاق، والصدفة عبارة عن وجود الأشياء والحوادث بذاتها وبدون تدخّل شيء آخر. إنَّ امتناع الصدفة والاتفاق ضرورة من الضرورات العقلية، وسوف تعكف المقالة التاسعة بشكل مستقل على إيضاح وتفسير الشواهد التي تُدّعى لفرضية الصدفة. ونَدُرَ بين مفكري العالم قائلون بالصدفة، نعم هناك بين علماء اليونان من أنكر مبدأ الكون وأجاز وقوع الصدفة، والحق أنَّ هذه الدعوى التأريخية لا نعرف مدى صحّتها أيضاً.
إنَّ الإيمان بالصدفة والاتفاق ونفي قانون العلية بشكل قطعي يستلزم أن ينتفي أيّ نظام وقاعدة في الكون، وسوف لا نعترف بأيّ دور لأيّ شيء في أي شيء، ولا نقرّ بارتباط أي حادثة بأي أمر آخر، وننفي الارتباط بين الأشياء، وهذا يفضي إلى أن نضرب علامة (X) على جميع العلوم ؛ لأنَّ كل علم عبارة عن بيان لمجموعة قواعد وأنظمة كونية، وإذا كان وقوع أي حادثة ممكن بلا علة أمكن أن ننتظر في كل وقت وتحت كل شرط وقوع تلك الحادثة أو أي حادثة أُخرى. وسوف لا نطمئن في أي وقت وتحت أي شرط من عدم وقوع أي حادثة من الحوادث.
قانون العلية العام أحد القوانين الفلسفية، وهو أحد الأُسس الرئيسية الكلية لقوانين جميع العلوم.
( الحتمية العلّية ) ـ العِلّة تُعطي المعلولَ الضرورةَ:
تمثل هذه القاعدة أحد شعب قانون العِلّية، وهي ترتبط ببحث الضرورة والإمكان، وينبغي علينا أن نتحدّث عن هذه القاعدة في مقدّمة البحث عن ضرورة نظام الوجود.
يعرف كلّ واحد منا أنَّ العلّة تعني ( مانحة الوجود إلى المعلول ). نريد هنا أن نتعرف على الإجابة على الاستفهام التالي: ـ هل العِلّة التي تعطي الوجود للمعلول تعطي الضرورة للمعلول أيضاً أم لا ؟ ويعني هذا الاستفهام هل يكون تحقّق المعلول ضرورياً وحتمياً مع فرض تحقّق العلة التامة، أم لا ؟
إذا تأملنا قليلاً نلاحظ أنَّ العلّة إن لم تمنح المعلول الضرورة فسوف لا تكون مانحة الوجود للمعلول ؛ لأنَّ المعلول مع غض النظر عن العلة ممكن الوجود، ومن الواضح أنَّ إمكان وجود الشيء ليس كافياً لإيجاده، وإلاّ لزم أن توجد كل حادثة ممكنة بدون علة، وهذا عين الصدفة والاتفاق، الذي يعادل نفي العلية العامة، وهذا يعني ـ كما لاحظنا ـ إلغاء العلوم جميعها والوقوع في وحل السفسطة.
بعد أن اتّضح أن الإمكان الذاتي لشيء لا يكفي لوجوده وتحقّقه نقول: إذا فرضنا أنَّ المعلول يبقى ممكن الوجود، رغم تحقق علته، ولا يصبح ضرورياً وواجباً، فهذا يعني أنَّ تحقق العلة وعدم تحققها سيان بالنسبة إلى المعلول، وهذا يعني أنَّ تحقق العلة ليس مرجحاً لوجود المعلول كما هو الحال في فرضية عدم تحقق العلة، وينتج من هذا أنَّ الملعول ممتنع عقلاً حال تحقق العلة، كما هو ممتنع عقلاً حال عدم تحققها، ويكون وجوده معادلاً للصدفة والاتفاق. إذن إذا كانت العلة لا تمنح الملعول ضرورةً ووجوباً فهي لا تمنحه الوجود أيضاً، أي سوف لا تكون العلة علة بحسب الواقع. إذن
فالعلية من هذه الزاوية تعادل الضرورة والحتمية، والنظام العلي نظام ضروري وحتمي.
من هنا فقاعدة أنَّ العلّة تعطي المعلول الضرورة قاعدةٌ فطريةٌ، ويذعن بها كلّ ذهن بشري. فإذا حاول بعض الباحثين على أساس البحث العلمي التشكيك في هذه القاعدة فهو يتابعهما عملياً، انطلاقا من فطرته، كما أشار المتن إلى ذلك: ( إذا ضغطنا على باب، ولم يُفتح، سوف نعود نبحث في أطرافه وزواياه، أي نحاول أن نفهم: ما هي الموانع التي حالت دون أن تحقق علّة فتح الباب معلولها ؛ إذ لو لم تكن هناك موانع فسوف يفتح الباب بضغط اليد حتما مع تحقق بقية الشروط ؛ إذن فلا بد أن تكون العلة التامة مانحة لمعلولها الضرورة، ويوجد معلولها جراء هذه الضرورة ).
نطلق على هذه القاعدة، أي قاعدة منح العلة الضرورة للمعلول، وأنَّ المعلول ما لم يجب لا يوجد ( قانون الجبر العلّي ). وهذا القانون مورد اتفاق سائر الحكماء، ومخالفوه على صنفين، صنف ذهب مذهب الصدفة والاتفاق وأنكر قانون العلّية، وأنصار هذا المذهب نادرون جداً في القديم والحديث. والصنف الآخر ظهر أخيراً، حيث ذهب فريق من علماء الفيزياء ـ جراء تجاربهم المختبرية ـ إلى الشك في قانون العِلّية، واستنتجوا بطلان الحتمية العِلّية. والحق أنَّ قانون الحتمية العِلّية خارج عن دائرة الفيزياء، ولا يمكن إثباته أو إبطاله على أساس قواعد الفيزياء. إنَّ استنتاجات علماء الفيزياء في هذا المجال هي نوع من الاستنباطات النظرية والعقلية العامة ؛ وحيث إنّ هذه الاستنباطات النظرية لم تتم وفق أُصول المنطق وقواعده فهي فاقدة للقيمة العلمية. وليس هناك ارتباط معقول وسليم بين الاختبارات العلمية وبين هذه
الاستنباطات النظرية. وسوف نتناول البحث في أطراف هذا الموضوع بشكلٍ مفصل في المقالة التاسعة أو العاشرة.
هناك فريق آخر أنكر قانون الحتمية العلّية، وهم جماعة من المتكلّمين. إنَّ هذا الفريق لا ينكر قانون العلّية العامة، إنَّما ينكر الحتمية والضرورة العِلّية. واستبدلوا قانون الجبر العِلّي بقانون آخر، أطلقوا عليه ( قانون الأولوية )، وقدموا طرحاً خاصاً لإثبات فرضيتهم، وقد رد عليهم الحكماء وبعض المتكلّمين بأجوبةٍ مفيدة ومقنعة. ونحن هنا نغمض النظر عن الدخول في نظرية هذا الفريق من المتكلّمين لعدم توفرها على أفكار مهمة.
حاجة المعلول إلى العلّة حدوثاً وبقاءً:
بُغية أن نستوعب قاعدة ( ضرورة نظام الوجود ) علينا أن نتناول إحدى شعب قانون العلّية العامة الأخرى، وهي من أُسس هذه القاعدة أيضاً، فنطرح الاستفهام التالي: هل ينحصر تأثير العِلّة على المعلول وحاجة المعلول إلى العِلّة في مرحلة الحدوث فقط، أم في الحدوث والبقاء معاً ؟
افرض أنَّ لدينا جسماً ساكناً، وجهنا إليه قوةً، فتحرك الجسم، فحركة الجسم هنا حادثة لم تكن ثمّ كانت، والقوة التي وجهناها علة حركة الجسم، نأتي لنرى هل هذه الحركة تحتاج إلى علة في ابتدائها فقط أم أنَّها تحتاج إلى علة على الدوام، ويمتنع أن تنفك عن العلة، رغم أنَّ العلة قد تكون خفية علينا ؟
ثم إننا لو آمنا بأنَّ المعلول يحتاج إلى علة في الحدوث فقط، وقلنا إنه يستمر في الوجود بذاته، فهنا يطرح الاستفهام التالي: هل تكون هذه الاستمرارية والدوام في الوجود ضرورية وحتمية أم لا ؟
نعم بعد الإيمان بقانون العلّية العام وقانون الحتمية العلية، وبغية إثبات أنَّ نظام الوجود نظام ضروري ووجوبي، يتحتّم علينا أوّلاً: إثبات أنَّ المعلول يحتاج إلى علة في البقاء، وأنَّ العلة التي تمنح المعلول الضرورة والوجوب تمنحه إياها حدوثاً وبقاءً. أو على الأقل علينا إثبات أنَّ المعلول، وإن لم يتطلب علة لبقائه، لكن استمرارية وجوده وبقائه وإن كانت ذاتية لكنها ضرورية ووجوبية ؛ إذ من البديهي أننا اذا لم نؤمن بحاجة المعلولات إلى علة في البقاء ولم نؤمن بأن استمرار المعلول في الوجود بنفسه استمرار ضروري وحتمي لا يمكننا إثبات أنَّ نظام الموجودات في العالم نظام ضروري وحتمي.
تطرح هنا ثلاث نظريات:
١ ـ إنَّ المعلولات تحتاج إلى علة في الحدوث والبقاء معاً، وأنها تكتسب وجودها وضرورتها حدوثاً وبقاءً من العلل. وهذه نظرية سائر الفلاسفة، ولا تعثر على فيلسوف مخالف لهذه النظرية.
٢ ـ إنَّ المعلولات تحتاج إلى علة في الحدوث لا في البقاء، لكن بقاءَها ودوامها الذاتي ضروري وحتمي. وهذه نظرية فريق من العلماء المحدثين، استنتجوها في ضوء التجارب الفيزيائية.
٣ ـ المعلولات لا تحتاج إلى علّة في بقائها، وليست هناك أي ضرورة تحكم بقاءها ودوامها. وهذه نظرية فريق من المتكلّمين، الذين أنكروا حاجة المعلول إلى العلة في البقاء، مضافاً إلى إنكارهم أصل قانون الحتمية العلّي.
لقد أقام الفلاسفة على إثبات نظريتهم أدلة محكمة، ونقدوا نظريات المتكلّمين بشكلٍ عقلي سليم. وقد تعهد متن هذه المقالة بطرح نظرية المتكلّمين وسائر أنصار نظرية عدم حاجة المعلول إلى العلة بقاءً، وقدم نقداً
لها، وأشار إلى نظرية الفيزيائيين المحدثين أيضاً. وسوف تأتي هذه الموضوعات ضمن المقالة تحت عنوان (إشكال وجواب)، وحيث إن هذا الموضوع طرح بشكل تفصيلي في جواب الإشكالات ضمن هذه المقالة، وسيأتي بشكل تفصيلاً في المقالة التاسعة تحت عنوان (هل مناط الحاجة إلى العلة هو الحدوث أم الإمكان؟)، فسوف نتجنّب التكرار في هذه المقدّمة، ونكتفي بهذا الطرح الإجمالي لفهم نظرية المقالة.
الضرورة بالذات وبالغير:
ألقى البحث حول منبع الضرورة والإمكان، وقانون الحتمية العلي ضوءاً على تنويع الضرورة إلى ما بالذات وما بالغير. وبغية مزيد من الإيضاح ينبغي تبيان أقسام الضرورة والإمكان والامتناع حسب القسمة العقلية، ووفق آخر البحوث في هذا المجال.
يبدو للوهلة الأُولى أنَّ كلاً من المواد العقلية الثلاث تنقسم إلى ما بالذات وما بالغير.
الضرورة بالذات تعني أن يكون الموجود موجوداً بدون إسنادٍ لأي علّة، وقائماً بذاته، ويستحيل العدم عليه. ونسمّي هذا الموجود وجب الوجود.
الضرورة بالغير تعني أن يكون الموجود مستنداً في وجوده إلى أمر آخر، ويكتسب وجوده وضرورته من هذا الأمر الآخر، الذي هو علة وجوده.
الامتناع بالذات يعني استحالة الوجود على ذات الشيء، مثل اجتماع النقيضين، والصدفة، والطفرة، وغيرها.
الامتناع بالغير يعني أن الشيء لا يستحيل عليه الوجود بذاته، بل إذا وجدت العلة فسوف يوجد. ولكن بحكم عدم وجود علته فهو غير موجود بالضرورة، إذن فامتناع وجود هذا الشيء ناشئ من عدم وجود العلة، وحيث إنَّ هذا الإمتاع ناشئ من زاوية عدم العلة نسميه الامتناع بالغير.
الإمكان الذاتي عبارة عن أن الشيء بذاته ليس ضروري الوجود وليس ممتنع الوجود، بل بحسب ذاته قابل للوجود والعدم معاً، مثل سائر الأشياء التي توجد في هذا العالم ثمّ تعدّم. ولا منافاة بين الإمكان الذاتي وبين الضرورة بالغير والامتناع بالغير ؛ إذ ليس هناك إشكال في أن يكون الشيء بحسب ذاته لا اقتضاء له، أي ليس ضروري الوجود وليس ممتنع الوجود، لكنه بحسب اقتضاء الغير يتّصف بالضرورة أو الامتناع، وحيث إنّ العلة تمنح المعلول الضرورة، فكل ممكن بالذات في حال وجوده ضروري بالغير، وفي حال عدمه ممتنع بالغير.
أما الإمكان بالغير فهو أمر غير معقول ؛ لأنَّ الشيء بحسب ذاته أما أن يكون ممكنا، أو واجباً، ممتنعاً. فإذا كان ممكناً فبحسب ذاته واجد للإمكان، ولا معنى لأنَّ يأتيه الإمكان من ناحية الغير. وإذا كان واجباً أو ممتنعاً يلزم أن يكون الواجب بالذات متّصفاً بصفة بواسطة أمر خارجي، وهذه الصفة تجيز الوجود والعدم معاً، لكن هذه الصفة تتنافى مع الوجوب الذاتي والامتناع الذاتي ؛ إذن لا معنى للإمكان بالغير. إذن فالأقسام المعقولة هنا خمسة، أما القسم السادس الذي يبدو للوهلة الأُولى فهو غير معقول.
يتضح في ضوء ما تقدم أنَّ كل معلول له وجوب وضرورة بالغير، فإذا فرضنا أنَّ نظام الوجود يتألّف من سلسلة علل ومعلولات غير متناهية
يلزم أن يكون كل نظام الوجود مؤلفاً من وجوبيات بالغير ( لا وجوب بالذات ).
إنّ إحدى تناقضات الماديين تكمن في هذه النقطة، فهم قد طرحوا أنفسهم مؤمنين بالنظام العلي، ثم ذهبوا ـ من زاوية أخرى ـ إلى أنَّ الحتمية العلية دليل على نفي الصانع ومبدأ الوجود ؛ إذ ادعى هؤلاء أنَّ فرض وجود مبدأ أول وصانع للكون لا معنى له، ما دام نظام الوجود يسير طبق قانون العلية الحتمي، وما دام كل موجود يوجد بالضرورة في حد ذاته، وكل موجود ضروري الوجود، ومن هنا لا ضرورة لافتراض واجبٍ يكون خالقاً لكل الموجودات.
والحق أنَّ الحتمية العلية هي إحدى المقدّمات اليقينية لإثبات أنَّ الوجودات القائمة بالغير تنتهي إلى وجود قائم بالذات، لكن الماديين يأكلون من القفا ؛ لأنَّ أساس الفكر المادي في إنكار مبدأ الوجود يقوم على الصدفة ونفي قانون العلية، لا على أساس إثباته. لكن الماديين بحكم اضطرارهم إلى الإذعان بقانون العلية خلطوا بين الضرورة بالغير والضرورة بالذات، سواء علموا بذلك أم لم يعلموا. فينبغي أخذ هذا الموضوع بنظر الاعتبار، بغية فهم بعض أفكار هذه المقالة.
الضرورة الذاتية الفلسفية والضرورة الذاتية المنطقية:
بعد أن أوضحنا مفهوم الضرورة الذاتية، وفق الاصطلاح الفلسفي الشائع، علينا هنا إيضاح مفهوم الضرورة الذاتية وفق اصطلاح المناطقة الشائع أيضاً ؛ إذ ما لم يتّضح الفرق بين هاتين الضرورتين يتعذر فهم وإيضاح عمق الفكرة التي سنطرحها في إثبات أنَّ لكل وجود، سواء أكان ممكناً أم كان واجباً، ضرورة ذاتية.
إنَّنا لا نريد هنا أن نتلاعب بالألفاظ، بل نريد تحليلاً دقيقاً لأحكام العقل المختلفة، وهذا أمر سيقف عليه القارئ المحترم.
أشرنا سابقاً إلى أنَّ أحكام الذهن بشأن الضرورة والإمكان والامتناع أحكام عقلية وليست حسّية، وإزاء هذه الأحكام إمّا أن نختار السكوت المطلق، وإمّا أن نقوم بتحليل عقلي دقيق، نميّز من خلاله أحكام الذهن المختلفة. ولا بدّ من معرفة جميع أقسام الضرورات العقلية، أي أنواع أحكام العقل، لكي تتّضح الحقيقة في هذا المجال، ونتجنب الجدل السفسطائي في خضم الأفكار الكثيرة التي طرحت في هذا المجال، حيث أولت مدراس الفلسفة هذا الموضوع بالاهتمام منذ القدم.
على أن نشير إلى أنَّ الفرق بين هاتين الضرورتين اللتين نزمع على بيانهما ( الضرورة الذاتية الفلسفية والضرورة الذاتية المنطقية ) لم يكن ذا أهمية في دائرة البحث الفلسفي قبل ظهور أصالة الوجود. ولكن على أساس أصالة الوجود يكون التمييز بين هاتين الضرورتين أساسياً وحائلاً دون الوقوع في إشكالات أساسية، هذه الإشكالات التي تدفع البعض إلى نفي الوجود الممكن، وتدفع بعضاً آخر إلى نظرية اعتبارية الوجود. كما وقع أنصار المنطق الديالكتيكي ـ بحكم عدم التمييز بين هاتين الضرورتين ـ في أخطاء جسيمة ومثيرة للسخرية أحياناً، وسنأتي على الإشارة إليها في هوامش المقالة.
الضرورة ـ سواء في المنطق أم في الفلسفة ـ تقابل الإمكان والامتناع ؛ إنَّما أراد المنطقيون من الضرورة الذاتية في باب القضايا ما يقابل الضرورة الوصفية والشرطية. وهذا التقسيم المنطقي يلحظ نسق حكم العقل،
ولا ينظر إلى الواقع ونفس الأمر، رغم تطابق حكم العقل والواقع ونفس الأمر.
الضرورة الوصفية
تعنّي أن يكون المحمول ضرورياً للموضوع، لا مطلقاً، بل ما دام الموضوع بصفة وحالة خاصة، نظير قولنا: إنَّ الحركة ضرورية للجسم، حينما نوجه إليه قوة دافعة، وحينما لا يكون هناك مانع في البين. أمّاالضرورة الذاتية
فهي أن يكون المحمول ثابتاً للموضوع بالضرورة المطلقة، دون شرط خارجي خاص، ودون اتّصافه بحالة معينة، بل ما دام ذات الموضوع محفوظاً فالمحمول ثابت بالضرورة للموضوع، أي أنَّ أخذ الموضوع بنظر الاعتبار كافٍ وحده لحكم العقل بضرورة اتصاف الموضوع بالمحمول، نظير قولنا: الجسم ذو مقدار ومكان، أو قولنا: الإنسان حيوان، أو قولنا: إنَّ مجموع زوايا المثلث تساوي قائمتين ؛ فمفهوم هذه القضايا هو أنَّ الجسم ما دام جسماً فهو ذو مكان ومقدار، والإنسان ما دام إنساناً فهو حيوان، والمثلث ما دام مثلثا فمجموع زواياه تساوي قائمتين.
إنَّ حكم العقل بالضرورة في هذه القضايا مشروط بشرط واحد فقط، وهو عبارة عن بقاء ذات الموضوع، أي أنَّ العقل يحكم بضرورة ثبوت المحمول للموضوع على فرض بقاء الموضوع، خلافاً للقضايا الضرورية الوصفية، حيث لا بد من توفر شرط ووجود حالة معينة إلى جانب بقاء الموضوع.
لم يجد المنطقيّون ـ للوهلة الأولى ـ سوى هذين القسمين للضرورة، فقسم من القضايا يكفي فيها أخذ ذات الموضوع بنظر الاعتبار ليحكم العقل بالضرورة، وقسم آخر يتطلب إضافةً إلى ذات الموضوع النظر إلى حالة
معينة وشرط خاص. على أنَّ المنطقيّين لا يحصرون هذين القسمين، كما لا يحصرون الامتناع والإمكان بمحمول معين. بل كل محمول يقاس إلى موضوع من الموضوعات، أمّا أن يكون ضرورياً أو ممكناً أو ممتنعاً. هذا هو مصطلح المناطقة للضرورة الذاتية، وهي تعني ما يقابل الضرورة الوصفية، كما عرفنا، وهذا التقسيم للضرورة بلحاظ مناط حكم العقل.
أمّا الفلاسفة فيستخدمون الضرورة الذاتية مقابل الضرورة بالغير ( لا الضرورة الوصفية )، ويستخدمون الامتناع الذاتي مقابل الامتناع بالغير. وهذا التقسيم للضرورة لا يلحظ فيه مناط حكم العقل وكيفية تركيب القضية ذهنياً ولفظياً، بل يلحظ فيه الواقع ونفس الأمر بشكل محض.
الضرورة بالغير تعني الضرورة التي تحصل للشيء بواسطة علّة خارجية، سواء أكانت هذه الضرورة ضرورة ذاتية أم وصفية من وجهة نظر المنطقي. والضرورة الذاتية عبارة عن الضرورة التي تحصل للشيء بدون تدخّل أي علّة خارجية. على أنَّ التقسيم الفلسفي في باب الضرورة والإمكان والامتناع لا يعم جميع المحمولات، بل يختصّ بمحمول معيّن، وهو الوجود. ومن هنا فحينما يقال واجب أو ممكن أو ممتنع يراد به من وجهة نظر الفلاسفة. واجب الوجود، وممكن الوجود، وممتنع الوجود. خلافاً للتقسيم المنطقي حيث يعم كلّ محمول بالنسبة لكل موضوع، كما أشرنا.
من هنا فالضرورة الذاتية الفلسفية عبارة عن اتّصاف الموجود بالوجود بنحو الضرورة وهذه الضرورة ليست رهن أي علّة خارجية. وبعبارة أخرى إنّها تعني وجود الموجود بشكلٍ مستقل وبذاته، أي بدون علّة. والضرورة بالغير عبارة عن اتّصاف الموجود بصفة الوجود بالضرورة، لكن هذه الضرورة رهن علّة خارجية.
يستلزم من إثبات الضرورة الذاتية الفلسفية للشيء أن يكون أزلياً وأبدياً، أي إذا أثبتنا الوجود لموجود بنحو الضرورة الذاتية، وقيام الوجود بنفسه، وبدون علّة، يستلزم أن يكون الذاتي أزليا وأبدياً، وتكون صفة الوجود ثابتةً للموجود ثبوتاً أزلياً وأبدياً. ولكن لا يستلزم من ثبوت الضرورة الذاتية المنطقية ثبوت الأزلية والأبدية ؛ لأنَّ العقل يحكم بالضرورة الذاتية المنطقية بشرط بقاء الموضوع، فإذا كان الموضوع أمراً زائلاً، فسوف يزول بزواله اتّصاف الموضوع بمحمولاته من باب " السالبة بانتفاء الموضوع ".
ادّعى بعض الفلاسفة والمنطقيين أنَّ هناك ثلاثة أقسام للضرروة من زاوية منطقية، وهي الضرورة الوصفية والضرورية الذاتية والضرورة الأزلية. الضرورة الوصفية عبارة عن ضرورة اتّصاف الموضوع بالمحمول بشرط بقاء الموضوع، وبشرط وجود حالة معينة. الضرورة الذاتية عبارة عن ضرورة اتّصاف الموضوع بالمحمول، ما دام الموضوع مطلقاً، أي بدون أي شرط وقيد. ومن هنا فالقضايا الضرورية الوصفية ذات شرطين في حكم العقل بالضرورة، والقضايا الضرورية الذاتية ذات شرط واحد، والقضايا الأزلية ليس لها أي شرط وقيد في حكم العقل بالضرورة. من هنا يمكن عد الضرورة الذاتية الفلسفية قسماً مستقلاً في عرض الضرورة الذاتية والوصفية المنطقية. ومن هنا فالضرورة المطلقة تختص بالضرورة الأزلية، وسائر الأقسام الأُخرى ضرورات مشروطة.
على كل حال، ومع غض النظر عن الاصطلاحات الشائعة بين المناطقة والفلاسفة، إذا راجعنا أسلوب حكم العقل بضرورة شيء لشيء نجد الأقسام التالية: قسم من الأحكام التي تثبت الضرورة، أيّ ضرورة صفات
للأشياء، ولكن في حالةٍ خاصة وشروط معينة ( الضرورة الوصفية ). وقسم من الأحكام يثبت ضرورة بعض الصفات الأخرى للأشياء بدون تدخل حالة خاصة وشروط خارجية معينة، ولكن بشرط بقاء ذات تلك الأشياء ( الضرورة الذاتية المنطقية ). وقسم من الأحكام يثبت ضرورة الصفة للأشياء بشكل مطلق، وبدون شرط بقاء الموضوع كمناط لحكم العقل بالضرورة ( الضرورة الأزلية ).
ويمكن أن يطرح هنا الإشكال التالي: ليس هناك فرق في الواقع بين الضرورة الذاتية الفلسفية ( الضرورة الأزلية )، وبين الضرورة الذاتية المنطقية ؛ والفرق المذكور سابقاً، الذي يقرّر بقاء الموضوع كشرط لحكم العقل في الضرورة الذاتية المنطقية، وأنَّ العقل لا يجد أيّ مانع من زوال الموضوع وزوال الصفة واتصاف الموضوع بالمحمول تبعاً لذلك، ويقرّر عدم اعتبار هذا الشرط في الضرورة الذاتية الفلسفية لأنَّ الشيء إذا كان قائماً بذاته فهو أزلي وأبدي، ولا معنى لزواله، إنَّ هذا الفرق لا يرتبط بماهية هذين القسمين من الضرورة، بل يرتبط حصراً بحكم أنّنا فرضنا الوجود محمولاً في الضرورة الأزلية، وإذا كانت صفة الوجود ثابتة لشيء ذي ضرورة ذاتية منطقية فهذا يعني أنَّ الوجود لازم لذات الشيء، ويستلزم ذلك أن يكون الشيء أزليّاً وأبدياً، وهذا يستلزم أن يكون الشيء ذاتياً مستقلاً وقائماً بذاته وواجب الوجود.
لكنّ هذا الإشكال غير سليم، وليست هناك ملازمة بين وجوب الوجود الذاتي، حسب اصطلاح المناطقة، وبين وجوب الوجود الذاتي حسب اصطلاح الفلاسفة. ولا منافاة أيضاً بين الضرورة الذاتية للوجود حسب
اصطلاح المناطقة، وبين الضرورة بالغير حسب اصطلاح الفلاسفة. ونحن نطرح هذه المقدّمات جميعها للوقوف على هذه الإشكالية، وسوف نقف عند معالجتها بشكل تفصيلي في الفقرة التالية تحت عنوان ( أصالة الوجود والضرورة والإمكان ).
إنَّ عدم التمييز بين الضرورة الذاتية المنطقية وبين الضرورة الذاتية الفلسفية أفضى إلى أخطاء جسيمة، ارتكبها بعض أدعياء الفلسفة وغيرهم من الماديين وغير الماديين. كما أفضى عدم التمييز إلى ذهاب أنصار المنطق الديالكتيكي إلى أنّ بحث الضرورة في المنطق بحث لاغٍ، بل ذهبوا إلى أنَّ الإيمان بالعلاقة الضرورية مظهر جمود المنطق ( استاتيك ). وسوف نقف على مناقشة هذه الأوهام ضمن هوامش هذه المقالة.
تفسير نظام الوجود:
تمثّل الأبحاث المتقدّمة مقدّمة لهذا الموضوع، وقد اتّضح ممّا تقدم أنَّ نتيجة بعض النظريات تفضي إلى نفي الضرورة في نظام الوجود، ونتيجة بعضها الآخر يفضي إلى إثباتها. وأنصار نظرية ضرورة نظام الوجود ليسوا على موقفٍ واحد، فبعضهم يتبنّى تنويع الضرورة في نظام الوجود إلى ضرورة بالذات وضرورة بالغير، بينما يذهب بعضهم الآخر إلى أنَّ نظام الوجود تسيطر عليه الضرورة بالغير فقط.
ويمكننا أن نضع مجموع نظريّات المفكّرين في تفسير نظام الوجود، من زاوية الضرورة وعدمها، ضمن الجدول التالي:
ليست هناك أيّ ضرورة ووجوب يحكم الموجودات ؛ لأنَّ قانون العلية العام غير صادق، وحدوث الموجودات يتمّ بالصدفة والاتّفاق.
|
أصحاب نظرية الصدفة والاتّفاق، ومنكروا مبدأ الوجود ونظامه.
|
نظام الوجود ليس ضرورياً ووجوبياً ؛ إذ رغم صحّة قانون العلّية، لكنّ الحتمية والضرورة العلية غير صحيحة.
|
فريق من المتكلّمين
|
نظام الموجودات ليس نظاماً ضرورياً وجبرياً ؛ إذ رغم صدق قانون العلّية وقانون الحتمية العلية، لكن تأثير العلّة في وجود وضرورة المعلول ينحصر في الحدوث، وليس هناك ما يحتم بقاء المعلولات، أو عدم بقائها.
|
الذين يؤمنون بحاجة المعلول إلى العلّة في الحدوث لا في البقاء، وينفون الحتمية تلقائياً.
|
الوجود لا نظام له، لكي يكون ضرورياً أو غير ضروري ؛ لأنَّ الوجود حقيقة واحدة محضة، وهذه الحقيقة واجب بالذات.
|
فريق من العرفاء.
|
نظام الموجودات نظام وجوبي وضروري ؛ لصدق قانون العِلّية العام، وقانون الجبر العِلّي، وقاعدة حاجة المعلول إلى العلّة في البقاء. ويتألّف هذا النظام من الوجوب الذاتي والوجوب الغيري ؛ لأنَّ سلسلة العلل والمعلولات المنتظمة قائمة بذات واجب الوجود، الذي هو علّة بالذات.
|
الحكماء الإلهيون، كأرسطو وابن سينا والفارابي، وغيرهم.
|
نظام الموجودات نظام ضروري ووجوبي ؛ لصدق قانون العِلّية العام وقانون الحتمية العِلّي. ورغم عدم حاجة المعلول إلى العِلّة في البقاء، لكن بقاء المعلول تلقائي وجبري، ما لم تقع العلّة التي تعدم المعلول، وهذا النظام مؤلّف من الواجب بالذات والواجب بالغير. وتنتهي سلسلة العلل إلى المحرك الأوّل الذي هو ذات واجب الوجود.
|
بعض المفكّرين الإلهيين المحدثين
|
نظام الموجودات نظام ضروري ووجوبي، لصدق قانون العِلّية العام أو قانون الحتمية. ورغم عدم حاجة المعلولات إلى العِلّة في البقاء، لكنّ بقاءها تلقائي وحتمي. وهذا النظام يتألّف بأسره من الضرورة بالغير ؛ لأنَّ سلسلة العلل والمعلولات غير متناهية.
|
المادّيون المحدثون
|
قمنا بالتمييز عبر هذا الجدول بين نظرية الصدفة والاتفاق التي تنكر قانون العلية العام، وبين نظرية المتكلّمين التي تنكر الحتمية العلية فقط، وبين نظرية جميع أولئك ( الإلهيين والماديين ) الذين يذهبون إلى انحصار حاجة المعلول إلى العلة في الحدوث. على أنَّ الأمر ليس خفياً على المختصّين، فإنَّ نفي الجبر العلّي ونفي حاجة المعلول إلى العلة في البقاء هو عين نفي قانون العلية والقول بالصدفة والاتّفاق، وقد أشرنا إلى هذا الموضوع، وسنتناوله بالبحث تفصيلياً في مقالة ( العلة والمعلول ). من هنا فقد جاءت هذه التفرقة تمشياً مع أطروحات أنصار هذه النظريات، وإلاّ فهذه النظريات لا تنفك عن القول بالصدفة والاتّفاق.
على كلّ حال فضرورة نظام الوجود تستلزم: إنَّ وقوع كلّ حادثة في عالم الوجود حتمي ولا يمكن تخلّفه، وإنَّ كلّ حادثة ترتبط برباط ذاتي وتكويني مع سائر حوادث وموجودات العالم، أي أنَّ نسبتها إلى بعض الموجودات نسبة المعلول، وإلى بعض نسبة العلّة، ونسبتها إلى بعض آخر نسبة الاشتراك في العلل الأولية. وحيث إنَّ ارتباط هذه الحادثة مع سائر حوادث العالم ارتباط ذاتي وتكويني تكون مميزاتها الوجودية ضرورية وقطعية، ولا يمكن تخلّفها أيضاً. أي إنَّ هذه الحادثة المفروضة ذات ارتباط زماني ومكاني ووضعي وإضافي وغيره مع سائر الموجودات، فتتقدّم على
بعضها زمانياً وتتأخّر عن بعضها أو تقارن بعضها، وفي كلّ لحظة من الزمان أمّا أن تكون قريبة أو بعيدة بالنسبة إلى بعض الموجودات، أو محاذية أو غير محاذية، فهذه المميزات مع أخذ العلل الحتمية المحيطة بنظر الاعتبار تكون ضرورية ووجوبية، ويستحيل وقوع ما يغاير الأمر الواقع.
أصالة الوجود ( الضرورة والإمكان ):
طرحنا في فقرة " منشأ الضرورة والإمكان " ثلاث نظريات، ولاحظنا السير التكاملي في هذه النظريات. وقد تمّ البحث في منشأ الضرورة والإمكان مع قطع النظر عن أصالة الوجود أو أصالة الماهية. فالبحث في أصالة الوجود ـ كما تقدّم في المقالة السابعة ـ لم يكن مألوفاً على صورته الراهنة قبل أربعة قرون. ومن هنا فقضايا الفلسفة لم يتمّ البحث فيها على أساس أصالة الوجود أو الماهية. رغم أنَّ النظريات غير الممحّصة اقرب لمسلك أصالة الماهية.
لكن أخذ نظرية أصالة الوجود بنظر الاعتبار يفضي إلى تغييرات في مصير قضايا الضرورة والإمكان ؛ فعلى أساس أصالة الوجود تصبح العلية والملعولية والوجوب الذاتي والغيري جميعها من شؤون الوجود، وتنبثق كلّ الضرورات والحتميات من الوجود وترجع إليه. والماهية بحسب الحقيقة لا تتّصف بصفة الوجود، كما أنَّها لا تتّصف بصفة الوجوب والضرورة حقيقةً. وإذا نسبنا صفة الوجوب الغيري للماهية أحياناً فإنَّما ننسبها مجازاً واعتباراً. أي أنَّ الماهية كما أنّ وجودها مجازي واعتباري تكون ضرورتها ووجوبها مجازياً واعتبارياً، وليس حقيقياً.
ينبغي القول على أساس أصالة الوجود واعتبارية الماهية أنَّ الضرورة مطلقاً ( بالذات وبالغير ) من شأن الوجود، والإمكان من شأن الماهية، كما أنَّ الامتناع يرجع إلى العدم. أي ينبغي القول إنَّ الضرورة والإمكان والامتناع على الترتيب من شأن الوجود والماهية والعدم ؛ خلافاً للسائد بين المتقدّمين من أنَّ الضرورة والإمكان والامتناع جميعاً شأن من شئون الماهيات.
نقول إنَّ الضرورة شأن الوجود ؛ لأنَّ نسبة الموجودية إلى الوجود نسبة ضرورية ؛ إذ بناءً على أصالة الوجود يكون الوجود عين الموجودية والواقع، وفرض وجود غير موجود فرض محال، كما جاء في مطلع هذه المقالة ( إنَّ واقعية وجود ماهية لا يمكن إطلاقاً أن تقبل بذاتها زوال واقعها، فيصبح واقعها لا واقعاً، أي ليست هناك واقعة يمكن أن تسلب عن ذاتها ).
وحينما نقول إنًّ الإمكان شأن الماهية فإنّنا نعني بذلك أنَّ نسبة الموجودية والمعدومية إلى الماهية هي نسبة التساوي، أي أنَّ فرض الوجود والعدم إلى الماهية ليس ضرورياً، كما جاء في مطلع المقالة أيضاً " إنَّ معنى الإمكان هو تساوي نسبة الشيء إلى الوجود والعدم... وإذا قلنا الإنسان ممكن فهذا يعني أنَّ نسبة ماهية الإنسان إلى الوجود والعدم نسبة التساوي، رغم أنَّ نسبة وجود هذه الماهية إلى وجود الماهية ليست على هذا النحو ".
وحينما نقول إنَّ الامتناع شأن العدم فنعني أنَّ نسبة المعدومية إلى العدم نسبة الضرورة، والامتناع لا يعني سوى ضرورة العدم. فجميع الممتنعات بالذات ترجع إلى امتناع التناقض، وسوف نقول في بحث العدم النسبي إنَّ العدم الذي يكون نقيضاً هو العدم الحقيقي، الذي له امتناع ذاتي. ومن هنا فالوجوب مطلقاً ( بالذات أو بالغير ) شأن من شؤون الوجود، وليس للماهية حقيقةً نصيب منه.
يطرح أمامنا هنا موضوعان جديدان:
أ ـ إنَّ المعلولات وفق أصالة الوجود من سنخ الوجود، وذات وجوب غيري، ولا بدّ أن يكون لها نحو من الإمكان الذاتي ؛ لأنَّ لازم الوجوب الغيري هو الإمكان الذاتي. ولكن الإمكان الذاتي شأن من شؤون الماهية والضرورة شأن من شؤون الوجود كما تقدّم، فكيف يمكن تصور الإمكان الذاتي للوجودات ؟
للوجودات إمكان ذاتي وحاجة بالنسبة إلى عللها، لكنّ هذا الإمكان الذاتي يختلف عن الإمكان الذي يفرض للماهيات ؛ لأنَّ الإمكان الذاتي للماهيات يعني لا اقتضائية الماهية بالنسبة للوجود والعدم، أو بمعنى تساوي نسبة الماهية إلى الوجود والعدم، وقد لاحظنا أنَّ هذا المفهوم بالنسبة إلى الوجودات خاطئ. فالإمكان الذاتي للوجودات يعني أنَّ حقيقة ذات هذه الوجودات عين المعلولية وعين الحاجة والتعلّق بالعلة، وليس لها حيثية سوى حيثية الإيجاد وحيثية كونها فعلاً، وارتباطها بعللها عين ذاتها.
إنَّ المعلولات وجودات وليست ماهيّات، والحقيقة الوجودية للمعلول عين الملعولية، والحاجة والارتباط بالعلّة عين ذاتها، هذه الأفكار من أعمق الأفكار البشرية في باب العلة والمعلول. وهي أفكار تنبثق من نظرية أصالة الوجود والتشكيك الوجودي، وقد أثبتت ببراهين منطقية متقنة. وسوف نتناول هذا الموضوع بشكلٍ واضحٍ، عبر البحث المشبع حول حاجة المعلول إلى العلة بقاءً في المقالة التاسعة. وإمكان الوجودات بالمعنى المتقدّم هو عين ما اصطلح عليه لأوّل مرة صدر المتألهين " الإمكان الفقري ".
ب ـ انطلاقا من نظرية أصالة الوجود ( وإنَّ الموجودية والعلية والمعلولية جميعها من شئون الوجود، والماهية خارجة عن إطار الموجودية
وحريم العلية والمعلولية الحقيقية، وليس لها صلاحية الموجودية والعلية والمعلولية إلاّ مجازاً واعتباراً ) سوف يختلف حتماً مفهوم الإمكان الذاتي للماهية عمّا افترضه السلف من الحكماء على أساس أصالة الماهية أو مع عدم الإلتفات إلى أصالتها.
لقد قامت فرضية السلف من الحكماء على أنَّ للماهية واقعاً وحقيقة صلاحية أن تكون موجوداً في الخارج، لكن نسبة ذات الماهية إلى وجودها في الواقع أو عدم وجودها نسبة " اللاإقتضاء ". أي أنَّ الماهية لا يمكنها بذاتها أن تكون موجودة أو معدومة، بل وجود أو عدم الماهية واقعاً وحقيقة تابع لعلة خارجية، وهي العلة التي توجدها أو تعدمها، ومن هنا فالماهوية تلازم المعلولية، والماهية بحسب ذاتها لا تقتضي الوجود أو العدم، وإنّما توجد أو تعدم تبعاً للعلّة، وهذا أمر حقيقي وواقعي، ولا يرتبط باعتبار الأذهان وعدم اعتبارها.
أمّا على أساس أصالة الوجود واعتبارية الماهية فينبغي سحب اليد عن الفرضية المتقدّمة، إذ ليس للماهية صلاحية الموجودية والمعلولية ـ بناء على أصالة الوجود ـ لا بذاتها، ولا تبعاً للعلة. بل الوجود وحده له صلاحية الموجودية والمعلولية الحقيقية. وإذا وسمنا الماهية بالموجودية والمعلولية فإنّما يكون ذلك مجازاً واعتباراً، والماهية في هذه الموجودية والمعلولية فإنّما يكون ذلك مجازاً واعتباراً، والماهية في هذه الموجودية والمعلولية المجازية تابعة للوجود، الذي تنتزع منه، وليست تابعة لأمر خارجي ( علّة ). ومن هنا فالماهية موجودة، بالتبع، أي تبع ذلك الوجود الذي تنتزع منه، ومعلولة بتبع معلولية ذلك الوجود، أي أنَّ صفة الموجودية والمعلولية المجازية والاعتبارية يصح إطلاقها على الماهية من زاوية الوجود، الذي يتّصف بهذه الصفات حقيقةً، وبغض النظر عن أي اعتبار. فإذا فرضنا أنَّ
ذلك الوجود الذي هو منشأ انتزاع الماهية ليس معلولاً، فالماهية بتبعه لا معلولية لها أيضاً. وعلى أساس أصالة الوجود تكون الماهية أمراً ذهنياً، وموجوديتها اعتبار ذهني أيضاً، ومن ثمَّ يكون إمكان موجوديّتها ومعدوميّتها مرتبطاً بمرحلة الذهن ( لا الواقع )، وهذا الإمكان يعني أنَّ الماهية بذاتها ومع قطع النظر عن اعتبار الذهن ليس لها صلاحية الاتّصاف بالموجودية والمعدومية.
إذن فعلى أساس نظرية القدماء وعلى أساس نظرية أصالة الوجود يعني الإمكان الذاتي للماهية " لا اقتضائية " ذات الماهية بالنسبة للموجودية والمعدومية، وأنَّ الماهية بذاتها لا تمتلك صلاحية الموجودية. إنَّما يفترق اتجاه القدماء بإصراره على النظر إلى الواقع، ويقصدون من أنَّ الماهية بذاتها لا يمكن أن تكون موجودة أنَّها لا يمكن أن تتوفّر على الوجود في الواقع بقطع النظر عن العلة الخارجية، لكنّها مع فرض العلّة الخارجية ستكون موجودة في الواقع ؛ أما على أساس أصالة الوجود فالنظر إلى الاعتبار الذهني، فمعنى أنَّ الماهية بذاتها لا يمكن أن تكون موجودة، أنَّها مع غض النظر عن اعتبار الذهن لا يمكن أن تكون موجودة، وأنَّها توجد في اعتبار الذهن. ومن هنا فالإمكان الذاتي للماهية بحسب نظرية السلف من الحكماء يلازم معلولية الماهية، لكنه لا يلازمها بناءً على أصالة الوجود. وبعبارة أخرى أنَّ نظرية القدماء في الإمكان الذاتي للماهية تنصب على حاجة الماهية إلى حيثية تعليلية وواسطة في الثبوت، لكن الإمكان الذاتي للماهية على أساس أصالة الوجود يقوم على أساس الحاجة إلى حيثية تقييدية وواسطة في العروض. ومع غض النظر عن الحيثية التقييدية والواسطة في العروض للماهية ـ بناءً على أصالة الوجود ـ لا معنى للحديث عن
الموجودية أو المعدومية أو الحاجة إلى حيثية تعليلية أو عدم الحاجة لها، أمّا مع أخذ الحيثية التقييدية والواسطة في العروض بنظر الاعتبار يصبح موضوع حاجة الماهية إلى الحيثية التعليلية وعدم الحاجة إليها تابع لتلك الواسطة، التي هي الوجود، أي إذا كان الوجود معللاً فالماهية معللة بالعرض، وإذا كان الوجود غير معلل فالماهية أيضاً غير معللة بالعرض، والماهية بذاتها ليست معللة، وليست مستغنية عن العلة.
من هنا يتّضح حجم تأثير نظرية أصالة الوجود على مصير البحث في الضرورة والإمكان ؛ إذ اتّضح في ضوء ما تقدّم أنَّ الضرورة لا ترتبط بالماهية بأي معنى من المعاني ( لا بالذات ولا بالغير )، وهي خالصة للوجود. واتّضح أيضاً أنَّ هناك لوناً من الإمكان الذاتي في الوجودات يختلف عن الإمكان الذاتي للماهيات. واتضح أنَّ الإمكان الذاتي للماهية لا معنى له على أساس فرضية السلف من الحكماء. واتّضح أيضاً خطأ أساس نظرية السلف في باب منشأ الضرورة والإمكان والامتناع، حيث ذهبوا إلى أنَّ كل واحدة من هذه المفاهيم الثلاثة تختص ببعض الماهيات ؛ حيث اتّضح أنَّ الضرورة شأن الوجود والإمكان شأن الماهية والامتناع شأن العدم.
إنَّ فكرة رجوع الضرورة الذاتية إلى الوجود طرحت قبل نظرية أصالة الوجود في موضوع نفي الماهية عن ذات واجب الوجود. لكن فكرة ارتباط الوجوب الغيري بالوجود وأنَّه شأن من شؤون الوجود، وإنَّ الوجودات ذات إمكان فقري فهذه الأفكار طرحت انطلاقاً من نظرية أصالة الوجود، واُستلهمت من نصوص صدر المتألهين.
أثبات خطأ نظرية السلف في الإمكان الذاتي للماهيات وطرح المفهوم السليم لفكرة الإمكان الذاتي، وإنَّ الوجوب والإمكان والامتناع صفات
للوجود والماهية والعدم على الترتيب، فهذه الأفكار تطرح لأوّل مرة في هذا الكتاب، وهي مستنبطة من نظرية أصالة الوجود.
بينا يتغير مفهوم الإمكان الذاتي للماهية على أساس أصالة الوجود عن المفهوم الذي فرضه السلف، فتطرح فكرة رفيعة يتغير في ضوئها نهج الاستدلال في كثير من القضايا، وهذه الفكرة بقيت غامضة على فارس نظرية أصالة الوجود " صدر المتألهين " أيضاً، ومن هنا وقع في كتبه، خصوصاً كتاب الأسفار، في إشكاليات عويصة حينما عالج الإمكان الذاتي، وبقيت إشكالات بدون علاج، وقد أدى إغفال هذه الفكرة إلى متابعة بعض الأفكار الخاطئة، وإلى اعترافه في مواضع أخرى بخطئه، وطرح في بعض المجالات الأخرى وجهة نظره بنحو آخر، ولا أريد هنا الإطالة، ونكتفي بهذه الإشارة.
هل يُعدم الموجود ؟
على أساس ما تقدّم في هذه المقالة من أنَّ الضرورة سمة الوجود، جاء الاستدلال في متن هذه المقالة على الصورة التالية: " لا يمكن إطلاقاً أن يقبل واقع الوجود ما يقابله، أي زوال واقعه، ويصبح الواقع لا واقعاً. أي لا يمكن أن يسلب الواقع عن ذاته، رغم جواز وقوع السلب عليه بالنسبة إلى غير مورد ذاته ". وهذه الفكرة تقدّمت في المقالة السابعة في النص التالي: " إنَّ واقع الوجود لا يقبل ما يقابله، أي العدم بالذات، ولا يتّصف به إطلاقاً، أي أنَّ الوجود لا يصبح عدما ". يطرح هنا استفهامان مهمّان لا يمكن إغفالهما، والإجابة على هذين الاستفهامين تتطلّب عمقاً خاصاً في مجموعة قضايا منطقية وفلسفية. والسؤالان على النحو التالي:
السؤال الأوّل:
لما كانت الموجودية خصوصية ذاتية للوجود، ولا تسلب عنه، يلزم أن تكون جميع الوجودات أزليةً وأبدية ؛ لأنَّ الفرض هو أنَّ العدم لا يطرأ على الوجود، وحينما لا يطرأ العدم على شيء يلزم أن يكون دائمياً وأبدياً. إذن يلزم أن لا يعدم أي وجود، ويكون كل وجود أبديا. ويلزم من كون الوجودات أبدية ودائمية أن تكون الماهيات أبدية ودائمية أيضاً ؛ لأنَّ الماهية تابعة للوجود، والشيء الذي يكون وجوده باقياً يلزم أن تكون ماهيته باقية أيضاً، إذن يلزم أن لا يعدم أي موجود وكل شيء يكون أبدياً، ويلزم من ذلك نفي الحركة والكون والفساد، وغير خفي أنَّ هذه النتيجة تصطدم بالعقل والحس وتخالفهما.
الإجابة على هذه الإشكالية تتطلّب البحث في أطراف الموضوع الذي وعدنا في المقالة السابعة ببحثه وإيضاحه بشكل أفضل وهو الإجابة على هذا الاستفهام: هل يمكن أن يكون الموجود معدوماً أو المعدوم موجوداً ؟!
هناك طريقان للاستدلال على أنَّ أي شيء موجود لا يعدم، وإنَّ أي شيء معدوم لا يوجد: الطريق العلمي والتجريبي، والطريق الفلسفي والعقلي. الطريق العلمي والتجريبي هو الطريق الذي سلكه في القرن الثامن عشر عالم الكيمياء الفرنسي الشهيرلافوازييه
. لقد وصل عبر تجاربه وتحقيقاته الكيميائية إلى أن مجموع مواد هذا العالم، التي تشكّل المادة الأولية لبناء هرم الوجود ثابتة لا تتغيّر وجميع ما يبدو لنا من وجود وعدم وحدوث وفناء ليس وجوداً وعدماً واقعياً وحدوثاً وفناء حقيقياً، بل هي صور وكيفيات مختلفة لتحليل وتركيب الأنواع المختلفة ومن الارتباطات التي تحكم المواد الأساسية للعالم، إذن ( ليس هناك معدوم يوجد في هذه الدنيا وليس هناك موجود يعدم ).
أمّا الطريق الفلسفي العقلي فيقول: إذا عُدِم الموجود أو وجد المعدوم يلزم تبديل الوجود بالعدم أو العدم بالوجود، وهو محال لاستلزامه التناقض. لكن السؤال طرح إشكالية الموضوع الفلسفية بطراز آخر في ضوء معطيات البحث المتقدّمة.
من الواضح أنَّ كلا الطريقين يصل إلى قانون واحد ونتيجة واحدة، وهي أنَّ الموجود لا يعدم والمعدوم لا يوجد، وإنَّ كل شيء أزلي وأبدي.
أمّا الطريق الأوّل الذي طرح لأوّل مرّة من قبللافوازييه
فقد توجّه إليه النقد من زاويتين، الزاوية الأولى حيث زلزلت التجارب وقراءات العلماء اللاحقة أساس بقاء المادة، وأثبتت أنَّ فرضية عدم فناء الأجسام والمواد لا صحّة لها، وإذا فرضنا أنَّنا مضطرون للقول بوجود ( هيولى أولى ) لموجودات العالم، وأطلقنا عليها مصطلح مادة المواد فهي على درجات أكثر بساطة من الأجرام والمواد التي فرضهالافوازييه
، وفرض هذه الهيولى " ومادة المواد لا يتنافى مع وجود وعدم وحدوث وفناء الأشياء حقيقة وواقعاً. وسوف نتناول في المقالة العاشرة التطوّر التاريخي لنظرية الهيولى الأُولى ( مادة المواد )، وسنتناول هنا البحث حول قانونلافوازييه
في ضوء معطيات العلم المعاصر.
ثمّ لو فرضنا أنَّنا آمنا بأنَّ الأجرام والمواد التي يفترضهالافوازييه
ثابتة وأبدية فلا يمكننا مع ذلك التسليم بدعواه، حيث إنّها أعم من الدليل ؛ لأنَّ دليله التجريبي يثبت في أحسن الحالات أنَّ مواد وأجرام العالم ثابتة وأبدية، بينا يدعيلافوازييه
ما هو أعمّ من المواد والأجرام، ويشمل كلّ شيء أي أنَّلافوازييه
بدل أن يقول إنَّ أجرام هذا العالم ثابتة ولا تتغيّر قال إنَّ كل شيء ثابت ولا يتغيّر، وبدل أن يطرح قانوناً علمياً في الكيمياء طرح أصلاً فلسفياً.
أمّا الطريق الثاني فرغم بساطة وسهولة الإجابة المطروحة للوهلة الأولى، لكنّ العثور على إجابة دقيقة وعارية من الخلل أمر مقرون بمصاعب كثيرة. والجواب الإجمالي الذي ينبغي توجيهه للإشكال هو: نعم، إنَّ الموجود لا يعدم والمعدوم لا يوجد، ولكن لا يلزم من ذلك أزلية وأبدية الأشياء ونفي الحركة والتغيير والكون والفساد، بل صحّة هذا القانون من زاوية النظر الفلسفي لا تتنافى مع صحة نظرية التغييرات الذاتية والجوهرية للأشياء، وأنَّ كل شيء في عالم الطبيعة في حالة تغير دائم، وإنَّ ذات أي شيء لا تبقى في لحظتين من الزمان على حال واحد. من هنا فالعدم نسبي دائماً، وكل شيء يوجد في لحظة من اللحظات ويعدم في لحظة أخرى لا يعني أنَّ عدمه يتم واقعاً في اللحظة اللاحقة، أي إنّ العدم في اللحظات اللاحقة لا يطرأ بحسب الواقع على الشخصية الواقعية لذلك الشيء.
أمّا الجواب التفصيلي على الاستفهام المتقدم فيستدعي بيان حكم آخر من أحكام الوجود، وهو ( مرتبة كلّ وجود مقومة لذلك الوجود ). إيضاح ذلك: الوجودات علل ومعلولات، والعلّة لها تقدّم ذاتي على المعلول، وبعض الوجودات متقدّمة زماناً على بعضها الآخر أو مقارنة أو متأخرة عن بعضها الآخر، ومن ثمّ فكلّ وجود يشغل مرتبة من المراتب الطولية للعِلّيّة أو الزمانية. نريد أن نرى هنا ما هي نسبة كلّ وجود إلى المرتبة التي هو فيها ؟ فالوجود الذي في مرتبة العلية أو المعلولية ما هي نسبته للمرتبة التي هو فيها، فهل هذه المرتبة خارجة عن حقيقة ذلك الوجود أم لا ؟ أي إذا فرضنا أنَّ ذلك الوجود لا يشغل تلك المرتبة فهل يبقى هو ذاته ولم يسلب منه إلاّ أمر خارجي، أم سوف لا يبقى هو هو، وهوية ذلك الوجود عين مرتبته ؟ وكذلك الأمر بالنسبة إلى المراتب الزمانية، فالحادثة (س) تقع في زمن معين، ما
هي نسبة هذه الحادثة إلى المرتبة الزمانية التي تقع فيها ؟ فإذا فرضنا أنَّ هذه الحادثة وقعت في زمان الحادثة التي قبلها، أو في زمان الحادثة التي وقعت بعدها، فهل يسلب منها أحد عوارضها، وهو وقوعها في زمان معين، أم سوف لا تبقى هي هي، وإنَّ الزمان ليس خارجاً عن هوية الحوادث التي تقع فيه، أي أنَّ زمان كل وجود مقوم لذات ذلك الوجود.
إِنَّ إحدى أهم النتائج التي تستنتج من نظرية ( أصالة الوجود ) وأصالة ( التشكيك الوجودي ) هي: إنَّ مرتبة كل وجود من الوجودات مقوّمة لذاته، وحتى بالنسبة إلى مراتب الزمان أيضاً، فالزمان ليس خارجاً عن واقع هوية وتشخّص الموجودات.
وعادة يحسبون الزمان بمثابة إناء لحقيقة وجود الموجودات الزمانية، أي يفترضون أنَّ الزمان موجود مستقل والزمانيات موجودات أخرى، فيحسبون أنَّ كل موجودٍ زماني في مقطع من مقاطع الزمان يلازمهُ موجود آخر هو الزمان. وهذا الافتراض يشبه افتراض الأشياء في صندوق أو في غرفة، مع فارقٍ هو أنَّ إناء الزمان يحتوي على موجوداته بشكل طولي، بينا الصندوق والغرفة تحتويها بشكل عرضي. فالموجودات الطولية في الزمان يتبع بعضها بعضاً، نظير حلقات السلسلة التي يتبعُ بعضها بعضاً ؛ وحيث إنَّ الزمانَ موجود والزمانيات موجودات أخرى فلا مانع من أن تقع الحادثةُ الزمانية الواحدة في زمانين مع حفظ هويتها وعينيتها، نظير الكرة التي تقع في الزاوية اليمنى من الصندوق مره وتقع مرةً أخرى في الزاوية اليسرى، أو نظير الحلقة الحمراء في سلسلةٍ من السلاسل، التي تقع في أول السلسة مرة وفي آخر السلسلة مرةً أخرى.
إنَّ هذا اللون من التصور للزمان والزمانيات لون من التصور الساذج، الذي يتوفّر عليه سواد الناس. والحق أنَّ الزمان ليس له هوية مستقلة عن الزمانيات، وبعبارةٍ أخرى أنَّ الزمانيات ليست لها هوية خارج الزمان، وكل موجود من الموجودات الزمانية هو مرتبة من مراتب الحركة والزمان. وفرض موجودٍ في غير تلك المرتبة يطابق تماماً افتراض أنَّ ذلك الموجود مغاير لهذا الموجود. وسوف نتناول هذا الموضوع في المقالة العاشرة، حينما نبحث القوةَ والفعلَ والحركةَ والزمان، وسنطرح النظريات الحديثةَ التي تؤكّد هذه النظرية. ونكتفي هنا بالإيضاح التالي:
لا ينبغي تشبيه مراتب الزمان بحلقات السلسلة المتتابعة أو بالأشياء التي تشغل الصندوق أو الغرفة. إنَّما الذي يشبه الزمان من هذه الزواية هو الأعداد ومراتبها.
إنَّ الأعداد من رغم واحد إلى ما لا نهاية تشكل مراتب، وكلّ عددٍ يشغل مرتبة من هذه المراتب، ومن ثمَّ يتقدم على بعضها ويتأخّر عن البعض الآخر. مثلاً العدد خمسة يشغل مرتبة بين العدد أربعة وستة، والعدد ثمانية يشغل مرتبة بين العدد سبعة وتسعة وهكذا... ونأتي الآن لنرى ما هي النسبة بين كلّ عددٍ وبين المرتبة التي هو فيها ؟ فهل مرتبة كل عددٍ خارجة عن حقيقة ذلك العدد، أم ليست خارجة، بل مرتبة كل عددٍ مقومة لذلك العدد ؟ وبعبارةٍ أخرى إذا فرضنا أنَّ العددَ خمسة يشغل مرتبة العدد ثمانية أو العكس فهل يبقى ذلك العدد هو ذاته، ولن يطرأ التغيير إلاّ على مكانه ومرتبته، أم أنَّ العدد لا يبقى هو هو، أنَّ العدد خمسة ليس هو العدد خمسة حينما يشغل مرتبة العدد ثمانية، والعكس كذلك.
من الواضح أنَّه لا يمكن فرض أي عددٍ في غير مرتبته، مع حفظ هويّته وذاته. والموجودات الزمانية بالنسبة إلى مراتب الزمان تطابق العدد من هذه الزاوية، مثلاً: عاش الشاعر الإيراني سعدي الشيرازي في مقطع من الزمان، ونحن نعيش في مقطع من الزمان اللاحق، يبدو للوهلة الأُولى أن لا مانع من أن يكون سعدي في زماننا أو أن نكون في زمان سعدي ؛ ولكن إذا فهمنا حقيقة أصالة الوجود بشكل جيد، وفهمنا هذه الفكرة ( كلّ مرتبةٍ من الوجود مقومة لذات ذلك الوجود ) وآمنا بأنَّ الزمان ليس خارجاً عن حقيقة ذات الوجودات الزمانية، فسوف نفهم جيداً أنَّ هذا التصوّر يشبه تماماً القول بعدم وجود مانع من أن يكون العدد خمسة محل العدد ثمانية أو العكس، أو عدم وجود المانع من أن يكون الأمس محل اليوم أو العكس، أي أن يكون هذا المقطع الزماني محل ذلك المقطع الزماني أو العكس.
ترجع سهولة التصديق بأنَّ المرتبة مقوّمة في الأعداد، وصعوبة التصديق بذلك في الوجودات، بل غرابة التصديق بها في الوجودات، إلى أن كون المرتبة مقوّمة في الأعداد يرتبط بماهية الأعداد، بينما يرتبط كون المرتبة مقوّمة في الزمان أو العلّة والمعلول إلى وجودات الأشياء وليست إلى ماهية الأشياء، أي أنّ مراتب الزمان أو العلّة والمعلول ليست مقوّمةً لماهية الأشياء، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فالأذهان تألف الماهيات لا الوجودات، وإنَّما تذعن بأصالة الوجود واعتبارية الماهية بعد آلاف التحليلات الفلسفية، ثمّ تتّضح فكرة أنَّ المرتبة مقومة في الوجودات، وتتّضح كذلك حقيقة الزمان. ومن هنا تكون معرفة مقومات ماهيات الأشياء يسيرة، خلافاً لمعرفة مقوّمات الوجودات.
فهنا يثبت مرّة أُخرى أنَّنا ما لم نتعرّف على الذهن واعتباراته وخصوصياته وأسلوب صناعته للأفكار لا يمكننا أن نتوّفر على الفلسفة.
على كلّ حال اتّضحت الإجابة على الاستفهام الأوّل بعد هذه المقدّمة ؛ إذ بعد أن اتّضح أنَّ زمان كلّ وجود مقوم لذلك الوجود يتّضح أنَّ الوجود الذي يشغل مرتبة من مراتب الزمان ليس هو الوجود الذي يشغل مرتبةً أخرى. بل ذلك الوجود بالمرتبة الثانية يطرأ عليه العدم، لأنَّ هوية ذلك الوجود رهن الزمان الذي يشغله، وإذا أردنا أن نفرض ذلك الوجود بمرتبةٍ أخرى من الزمان فليس هو هو، كما أنَّ لذلك الوجود الذي احتل مرتبة من الزمان ابتداءً ووسطاً وانتهاءً، أي أنّه وجود ممتد بامتداد الزمان، وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أيَّ جزءٍ مفروض من ذلك الوجود بالنسبة إلى أي جزء مفروضٍ من الزمان الذي يتطابق معه فإن ذلك الجزء من الزمان يقوّم ذلك الجزء من الوجود، ولا يقوّم الجزء القبلي ولا الجزء البعدي. وإذا طرأ العدم على وجودٍ من الوجودات الزمانية فيجب أن يرتفع ذلك الوجود عن زمانه، وهذا أمر محال.
إذن اتّضح أنَّ لازم الموجودية سمةُ ضرورة الوجود، وأن العدم لا يطرأ على الوجود إطلاقاً، أو كما جاء في متن المقالة السابعة ويأتي أيضاً في هذه المقالة: " أنَّ واقع وجودِ ماهيةٍٍ لا يصيرُ لا واقعاً إطلاقاً ". وهذا لا يعني أنَّ الوجود يجب أن يكون أزلياً وأبدياً، وبعبارة أخرى أنَّ قانون ( الموجود لا يعدم إطلاقاً والمعدوم لا يوجد إطلاقاً ) قانون صحيح تماماً، لكن تفسيرَ هذا القانون لا يعني أنَّ كل موجود أزلي الوجود وأبدي الوجود، وكلّ معدوم أزلي العدم وأبدي العدم. بل يلزم منه ـ كما جاء في المقالة السابعة ـ فقط أن نقول في مورد الشجرة مثلاً: إنَّ شجرةَ الصفصاف المعيّنة، التي وجدت
في زمانٍ معيّن وأرضٍ وهواءٍ وماءٍ معين لا يمكن أن نفترض خلوّ وجودها من تلك الفترة الزمانية المعينة على الإطلاق.
السؤال الثاني:
انطلاقاً من أنَّ الموجودية سمة ذاتية للوجود ويمتنع سلبها عنه يلزم أن تكون جميع الوجودات واجبة الوجود بالذات، أي لزم أن يكون كل وجود واجبَ الوجود، وبناءً على أصالة الوجود ليس هناك شيء سوى الوجود حقيقةً، والماهيات اعتبارات ذهنية وهي تابعة للوجود والعدم والوجوب الذاتي والغيري والعلية والمعلولية والقدم والحدوث، ومن هنا يلزم أن يكون كلّ موجودٍ واجب الوجود، وهذه النتيجة مضافاً إلى أنّها خلاف إمكان الأشياء، الذي نستنتجه من حدوث الأشياء في عالم الحسّ، وخلاف مقتضى قانون العلّية العام، الذي يربط الموجودات بنظام أساس لكل العلوم، فإنّها خلاف مدّعى هذه المقالة أيضاً، حيث تقول إنَّ جميع الوجودات سوى وجود الباري واجبة بالغير ؛ إذ بناءً على ما تقدم فإِنَّ الموجوديةَ سمةُ ذاتية لكلّ وجودٍ وكلُ وجودٍ موجود بالذات، وله وجوب ذاتي، ولا يمكن أن يكون واجباً بالغير.
هذا الاستفهام أو الإشكالية تختلف عن السؤال الأوّل. كان السؤال الأوّل هو أنَّ لازم عدم طرو العدم على الوجود قدمُ وأزليةُ وأبديةُ الأشياء، أمّا هذه الإشكالية فتُقرر أنَّ لازم عدمَ طروّ العدم على الوجود نفي الإمكان الذاتي للأشياء ووجوبها الذاتي، ولا يخفى على أهل الاختصاص عدم وجود الملازمة بين الأزلية والأبدية والوجوب الذاتي، ورغم أنَّ لازم الوجوب الذاتي الأزلية والأبدية، لكن لازم الأزلية والأبدية ليس الوجوب الذاتي.
إنَّ هذا الاستفهام معضلة وإشكالية مهمّة، رغم أنَّه لم يطرح في كتب الفلسفة بشكلٍ مباشر، لكن البحثَ في الدراسات الفلسفية حينما يصل إلى هذه
الإشكالية يضطرب الفلاسفة اضطراباً شديداً. وهذه الإشكالية هي التي اعتمدها العرفاء لإلزام الفلاسفة من منطلق البرهان العقلي بما يدَّعونه على أساس الكشف والشهود في باب وحدة الوجود ونفي أيٍّ لونٍ من الكثرة، حيث أنَّ الوجود يساوي الوجوب الذاتي والوجوب الذاتي يساوي الوحدة إذن فالوجود يساوي الوحدة. وهذه الإشكالية أيضاً إحدى الجهات التي أدّت بشيخ الإشراق إلى القول باعتبارية الوجود، ودعوى أنَّ الوجود إذا كان واقعاً عينياً يلزم أن يكون واجباً بالذات ويمتنع عليه العدم.
لكن القارئ المحترم إذا أخذ بنظر اعتباره ما تقدّم من بيان الفرق بين الضرورة الذاتي المنطقية والضرورة الذاتي الفلسفية، تتّضح له الإجابةُ على هذه الإشكالية.
إنَّ الضرورة الذاتية التي ننسبها إلى موجودية الوجود هي عين الضرورة التي ننسبها إلى إنسانية أو حيوانية الإنسان، أو إلى مساواة مجموع زوايا المثلث لقائمتين. وهي الضرورة الذاتي في مصطلح المنطقيين، أي أنَّنا إذا افترضنا شيئاً ما إنساناً فالحيوانية تثبتُ لهذا الشيء مع فرض إنسانيته ثبوتاً ضرورياً، أو إذا فرضنا مثلثاً فمجرّد فرضه مثلثاً يثبت بالضرورة أنَّ زواياه تساوي قائمتين، أمّا هل الإنسان أو المثلث حقيقة معلولة وقائمة بالغير، أم أنَّها حقيقة قائمة بالذات وغير معلولةٍ ؟ فهذا بحث خارج عن موضوع القضية التي نحن بصدد إثباتها.
والأمر كذلك حينما نقول إنَّ كل وجودٍ موجود بالضرورة، فإنما نعني أنَّ كل وجود مفروض مع فرض موجوديته فالوجود ثابت له بالضرورة، أمّا هل هذا الوجود حقيقة مستقلة وقائمة بالذات ( واجب الوجود )، أم حقيقة غير
مستقلة ومعلولة وقائمة بالغير ؟ فلا علاقة لهذا الاستفهام بالضرورة الذاتية التي نحن بصددها.
وبتعبير آخر أنَّ الضرورة الذاتي الفلسفية ـ كما تقدّم ـ تقابل الإمكان الفقري. والإمكانُ الفقري بالنسبة للوجود يعني أنَّ ذلك الوجود في نفس الوقت الذي هو وجود وعين الموجودية فهو حقيقة متعلقة بالغير ومحتاجة إلى الغير، بل عينُ التعلق والحاجة للغير، وباقٍ ببقاء الغير ومحفوظة بحفظه، أمّا الوجوب الذاتي هنا فيعني أنَّ الوجود مستقل وغير محتاج وغير متكئ على حقيقةٍ أخرى.
إنَّ القارئ الكريم إذا تأمل بعمقٍ فيما تقدّم من الإجابة على الإشكالين المتقدّمين يتمكّن من رفع كثيرٍ من الإبهامات والشبهات التي طرحت بشأن نفي العلية وعبثية الخلق وبطلان الحدوث وفناء الأشياء. ويتمكّن ضمناً من رفع الشبهة المشهورة التي طرحها الإمام الفخر الرازي في موضوع معلولية الممكنات، وسوف نعالجها في المقالة القادمة بشكل تفصيلي.
شاعَ أخيراً بين أدعياء الفلسفة أنَّ " اللاشيء لا يصير شيئاً، والشيء لا يصير لا شيئاً " فملئوا كتباً بشأن هذه القضية.
إنَّ قانونلافوازييه
الكيميائي المعروف، الذي يقول ( الطاقة لا تفنى ولا تُستحدث ) يشير إلى هذا الموضوع أيضاً. وهذا القانون أقامهلافوازييه
على أساس اختبارات وتحقيقات لا يمكن إنكارها.
إنَّ مشكلة الاستدلال بهذا القانون تنشأ جرّاء توسيع دائرة الإفادة منه، فيكون المدعى أعم من الدليل ؛ إذ تُطرح هذه الدعوى بأنَّ كل شيء معدوم أو موجود لا يوجدُ أو لا يعدم، ومن الواضح أنَّنا إذا آمنا بهذه الدعوى يلزم أن
يكونَ كل شيء أزلياً وأبدياً، وأن ننفي كل لون من ألوان التغيير والحركة والتكامل. لكننا إذا رجعنا إلى أدلة هذا القانون نجد أنَّ الأمر لا يشمل كلّ شيء، بل فقط المادة الأولية للمركبات الكيميائية هي التي لا توجدُ أو لا تعدم. ومن الواضح أنَّ كون المادة الأولية لهذا الكون لا تُعدم أخصُ من أنَّ كلَّ مادةٍ لا تعدم، وأنَّها أزلية وأبدية.
لقد أجرى العلماء على قانونلافوازييه
تعديلاتٍ، وكلّما تقدّمت أبحاث العلماء تتأيّد نظريّة عدم بقاء المادة الواحدة بعينها، أي تتأيّد نظرية تحول المواد بعضها إلى بعض، أو تحوّل المادة إلى طاقة والطاقة إلى مادة. وتتّجه الأفكار صوب الإقرار بأنَّ المادة الشخصية مع حفظ تشخصها ليس أزليةً وأبدية. على أنَّ نشير إلى أنَّ المقصود من استبدال المادة من وحدة إلى وحدةٍ أخرى لا يعني أنَّ الوحدة الأُولى تعدم مطلقاً، ثمّ توجد الأخرى من رحم العدم ؛ لأنَّ هذه الفكرة وفق الدراسات الفلسفية العميقة ليست صحيحة. بل وفق الأبحاث العميقة التي قام بها الفلاسفة الإلهيون في هذا المجال، ووفق ما أكّده علماء الطبيعة أيضاً، فإنّ كلَّ حادثةٍ تسبق بمادة ومدّة، وكلُ فانٍ يترك المجالَ لحادثٍ جديد. وحينما يصل البحث إلى هذه النقطة يُطرح البحث في مادة المواد، وهو بحث يتطلّب فصلاً مستقلاً، وهو الفصل الذي اختصت به المقالة العاشرة من مجموع هذه المقالات.
على كلّ حال أضحت مقولة " الشيء لا يصير لا شيء، واللاشيء لا يصير شيئاً " مستمسَكاً بيد الماديين لإنكار موضوع الخلق والإبداع، غافلين عن أنَّ هذه الفكرة إذا أخذناها بمفهومها العرفي يلزم إنكار قانون العلّية العام وقانون الحركة والتكامل، بينا يمثل إنكار هذين القانونين إنكار جميع العلوم،
والماديون أنفسهم يتّخذون من هذين القانونين مستمسَكاً. أمّا إذا نظرنا إلى هذه المقولة نظرةً علمية، حيث أشرنا إليها فيما تقدّم، فسوف نجد عدم وجود تنافٍ بينها وبين موضوع العلّية والخلق والإبداع.
على كلّ حال فهذه المقولة إذا أخذناها بمعناها الفلسفي العام فينبغي نفيها أو إثباتها عن طريق البراهين الفلسفية، وينبغي تفسيرها بلغة الفلسفة، وتفسيرها الفلسفي هو التفسير الذي تقدّم في المقالة السابعة، وهو التفسير الذي قدمناه عبر هذه المقدّمة. وهذا التفسير لهذا القانون ـ كما اتّضح ـ لا يستلزم أزَلِيّةَ وأبَدِيةَ الأشياء، ولا يستلزم نفي الخلقةِ والإبداع.
الضرورة والإمكان
أثبتنا في المقالة السابقة أنَّ واقع وجود أي ماهية لا يعدم إطلاقاً ( مع حفظ وحدة الشروط في كلا الحالين )، وبعبارة أخرى: كلّ ماهية رغم أنَّها بالنظر إلى ذاتها يمكن أن تتّصف بالوجود والعدم، مثلا إنسانية الإنسان توجد وتعدم، ولكن واقع وجود ماهية من الماهيات لا يمكن أن تقبل ما يقابل ذاتها، أي زوال واقعها
(١)
، ويكون واقعها لا واقعاً، أي لا يمكن سلب أيّ واقع عن ذاته، رغم جواز السلب في غير مورد ذاته.
١ ـ هذه القاعدة تشمل جميع الموجودات من الواجب والممكن والجوهر والعرض، وهي القاعدة التي طُرحت في آخر المقالة السابعة تحت عنوان (الموجود لا يُعدم
). وقد أوضحناها بشكل كافٍ في مقدّمة هذه المقالة. على أن نؤكّد ما أَوضحناه في هذه المقدّمة من أنَّ هذه الضرورة الذاتية للوجودات لا تستلزمُ نفي المخلوقية والمعلولية، ولا تستلزم أبدية وأزلية الموجودات ؛ لأنَّ هذه الضرورة من صنف الضرورة الذاتية المنطقيّة، وهي تجتمع مع الوجوب الذاتي ومع الوجوب الغيري الفلسفي، كما تقدّم شرحه في المقدّمة. وهذا النحو من الضرورة الذاتية في الوجودات يقوم على أساس أصالة الوجود، أمّا على أساس أصالة الماهية فهذا النحو من الضرورة ليس له أيُّ معنىً.
فلا يصح إطلاقا أن نقول: إنَّ الشجرة الموجودة اليوم غير موجودة اليوم، ولكن يصح أن نقول: الشجرة الموجودة اليوم غير موجودة غداً.
نطلق على هذه السمة في بحوثنا مصطلح ( الضرورة )، ونطلق مصطلح ( الإمكان ) على سمة تساوي الوجود والعدم في الماهية.
إذن ؛ فمفهوم الضرورة يعني وجوب ولزوم وعدم قابلية انفكاك الوجود ( الحتمية
(٢)
ـ حسب اللغة العلمية الحديثة ). ومفهوم الإمكان يعني تساوي الشيء إلى الوجود والعدم.
إنَّ التمييز بين الضرورة الذاتية في الوجود وبين الضرورة الذاتية الفلسفية، والوقوف على أنَّ الضرورة الذاتية في الوجود لا تستلزم أزلية وأبدية الموجودات ولا تستلزم وجوب وجودها، موضوع دقيق وقد غاب عن ذهن أغلب الحكماء والفلاسفة. وقد أقام العرفاء استدلالهم على تساوي الوجود مع الوجوب الذاتي والوجوب الذاتي مع الوحدة، كما تقدّم في المقالة السابعة، أقاموا هذا الاستدلال على ضوء عدم التفكيك بين هاتين الضرورتين، فشيخ الإشراق استدل هناك أيضاً على اعتبارية الوجود، وقد كان عدم التمييز بين هاتين الضرورتين أحد الأسباب التي أدت بشيخ الإشراق إلى الخطأ والتشويش.
٢ ـ الضرورة والوجوب مصطلحان شائعان في الاستخدام الفلسفي والمنطقي منذ القدم، لكن مصطلح الحتمية مصطلح جديد شاع في لغة الفلسفة الحديثة، على أنّ الحتمية والضرورة والوجوب مفاهيم مترادفة، وذات معنى واحد.
المسألة التي ينبغي إيضاحها هنا هي أنَّ الماديين استخدموا مصطلح
.....................................................................................................................................................................................
" الحتمية " كثيراً، لكنّهم يفهمون من أقسام الضرورات والحتميات التي أشرنا إليها في المقدّمة الحتمية العلية فقط، وهي عبارة عن الضرورة بالغير فلسفياً، أمّا الضرورة الذاتية الفلسفية والضرورة الذاتية المنطقية فلا يعرفون مفهومهما. وعدم معرفة الضرورة الذاتية الفلسفية أدى بهؤلاء إلى تصوّرات طفولية ووهمية بشأن ذات الباري تعالى، ومن ثمَّ انتهى الأمر بهم إلى النفي. وسوف نعكف في هوامش هذه المقالة على طرح نصوص الماديين، التي تعكس تصوراتهم الطفولية والوهمية بشأن ذات الباري، لكي يقف القارئ المحترم بشكلٍ مباشر على هذه التصوّرات المادية الطفولية في هذا الموضوع الفلسفي المهم.
إنَّ عدم وقوف الماديين على مفهوم الضرورة الذاتية المنطقية أدى بهم إلى أخطاء غريبة. فالمادّيون المحدثون يدّعون أنَّ منطقهم الديالكتيكي منطق ديناميكي، بينما يسمّون المنطق الإلهي بالمنطق الإستاتيكي ؛ ومن هنا فحينما يقفون في نصوص المنطقيين على مصطلح الضرورة الذاتية يحسبون أنَّ مفهوم الضرورة الذاتية هو أنَّ كل ذات ( كالإنسان مثلاً ) تبقى على حالة واحدة دائمية ولا يعتريها التغيير، ومن هنا يستنتجون أنَّ المنطق القديم منطق جامد.
يقول الدكتور( أراني )
في كتيّبه المادية الديالكتيكية: " يصل المنطق الإستاتيكي إلى نتائج خاطئة خصوصاً جرّاء إيمانه بالحتمية والدوام، فالمنطق الجامد يرى مثلا: أنَّ نسبة البياض للثلج ضرورية ودائمية، ونحن نعرف أنَّ لون الثلج ليس أبيضاً بالضرورة وعلى نحو الدوام. فبياض الجسم ينشأ جراء
....................................................................................................................................................................................
انعكاس الضوء بشكل تام من الأجسام. ففي جو مظلم تماماً لا يكون الثلج أبيضاً، أي أنَّ البياض ليس ضرورياً ودائمياً للثلج، ومن هنا ليست هناك أيةُ حقيقة دائمية الوجود، لكن الإشراقيين، نظير شهاب الدين، بالغ في الأمر، حتى عدَّ جميع الصفات ضرورية ودائمية، وهذا هو الجمود المطلق ".
إنَّ الذين يعرفون أسلوب عقد القضايا الضرورية والدائمية يعرفون حجم خواء هذا النص وحجم جهل صاحبه، خصوصاً حينما ينسبُ الأمر إلى شهاب الدين السهروردي المشهور بشيخ الإشراق، ويعكس أنَّ الرجل بنى نصه على أساس السماع الشفاهي من أنَّ شيخ الإشراق أرجع جميع القضايا الموجهة إلى قضية ضرورية، فتخيّل أنَّ مقصوده هو أنَّ نسبة كل محمول إلى كل موضوع نسبة ضرورية وأزلية وأبدية. بينا لو رجع الدكتور(
أراني )
إلى فرد مطّلع إطّلاعاً إجماليا على المنطق لما ارتكب هذه الفضيحة. إنَّ مثال الثلج والبياض من مخترعات الدكتور أراني، والأمثلة التي يذكرها المنطقيون للضرورة تنحصر بنسبة الذات إلى الماهية ( الإنسان إنسان، المثلث مثلث ) وفي نسبة أجزاء ذات الماهية إلى الماهية ( الإنسان حيوان، المثلث شكل ) وفي لوازم الماهية الذاتية بالنسبة للماهية ( كلّ إنسان يشغل حيزاً، مجموع زوايا المثلث يساوي قائمتين ). ومن الواضح أنَّ مفهوم هذه القضايا لا يعني أنَّ الإنسان إنسان على الدوام وباق على حالة واحدة، وأنَّ المثلث كذلك. بل تعني الضرورة هنا أنَّ كلّ شيء ما دام إنساناً فهو إنسان ويستحيل ألا يكون إنساناً ( سلب الشيء عن نفسه محال )، ويستحيل أن يكون لا حيوان أو غير شاغلٍ لمكان، وكذلك الحال في مثال المثلث.
مثلاً: إذا قلنا إنَّ كل واقعة خارجية ضرورية، فهذا يعني أنَّ الواقع لا يمكن سلبه عن ذاتها، وإذا قلنا الإنسان ممكن فهذا يعني أنَّ ماهية الإنسان يتساوى أمرها بالنسبة للوجود والعدم، رغم أنَّ الماهية بالنسبة إلى وجودها ذاتها ليست كذلك. ( على أنَّ للإمكان معانيَ أخرى في الاستخدامات الفلسفية، ومنها القوة مقابل الفعلية. وتستخدم الضرورة أحيانا بمعنى وجوب العدم، فتكون مرادفة للامتناع والاستحالة، نظير قولنا: سلب الواقع عن ذاته ضروري العدم وممتنع ومحال ).
بيان آخر
من البديهيات التي لا يعتريها أدنى شكّ لدينا، ونعدها أكثر أسلحتنا العلمية فعالية، هي " قانون العلية والمعلولية "
(٣)
، ( لكلّ حادثة علّة ).
٣ ـ عرفّنا قانون العلية والمعلولية في مقدّمة هذه المقالة، وقلنا على أساس هذا القانون إنَّ كل حادثة لها علة ويستحيل وقوعها صدفة واتفاقاً.
وإذا أنكرنا وجود علاقة العليّة بين الأشياء، سواء على أساس الصدفة والاتفاق، أو على أساس أنَّ جميع الموجودات واجبة بالذات مستغنية عن العلّة، فسوف تعدم أيُّ علاقة بين أي موجود وأي موجود آخر، وتكون جميع الموجودات أجنبية بعضها عن بعض وغير مترابطة. وعندئذٍ سوف لا يكون هناك أيّ قانون وناموس في عالم الخارج ؛ لأنَّ جميع القوانين والنواميس التي تحكم الطبيعة هي صور عن قانون العلية العام. وفي هذه الحالة سوف لا يكون للعلم معنى أيضاً ؛ لأنَّ العلم عبارة عن بيان القوانين والنواميس والعلاقات الواقعية التي تحكم بين الأشياء، وإذا لم يكن هناك أي علاقة بين
كل ظاهرة تتحقّق فلها علّة، وإذا لم تكن هذه العلّة فلا وجود أيضاً لتلك الظاهرة.
إذا ضغطنا على باب فلم يُفتح، نعود فنبحث في زواياه، أي نحاول أن نفهم العيب والنقص الحاصل في الباب حيث لم يعد يُفتح، إذ لو لم يكن هناك عيب أو نقص فإنّ ضغط اليد مع توفر الشروط الأخرى يفتح الباب حتماً
(٤)
.
الأشياء فسوف لا يكون هناك أيّ علمٍ. إذن فقانون العلية أساس العلم. وأولئك الذين يريدون إنكار قانون العلية ويسعون في نفس الوقت إلى الحفاظ على المعرفة العلمية، يسيرون في طريق عابث.
إنَّ قانون العلية أهم القوانين التي تفيد منها الفلسفة الإلهية، وسوف نشير في هذه المقالة إلى أنَّ هذا القانون ذاته والقوانين المتفرعة منه تفضي بنا إلى الإيمان بأنَّ جميع الأسس العليّة تنتهي إلى ذات كاملة وغير معلولة، وأنَّ جميع النظم تنطوي تحت نظام واحد، فتقوم بذات واحدة.
٤ ـ أحد القوانين التي تتفرّع على قانون العلية العام هو قانون الحتمية، أي أنَّ العلة تمنح المعلول الضرورة، وأنَّ كل معلول وخصوصياته الوجودية يحصل بالضرورة التي لا يمكن تخلّفها. وقد أوضحنا في مقدّمة هذه المقالة النظريات المختلفة التي طُرحت حول هذا القانون، وأقمنا برهاناً بسيطاً على صحة هذا القانون أيضاً.
المثير للدهشة أنَّ هذا القانون حينما يُطرح كقانونٍ كلي وعام على الأذهان يثير صعوباتٍ، ويتطلب الإذعان به نشاطاً ذهنياً وممارسة برهانية كبيرة، لكي ترتفع الأوهام، لكنّه في نفس الوقت مورد قبول كلّ شخص في حسه الباطني، ووفق فطرته وإرادته يتابع هذا القانون. والنص
والأمر كذلك إذا لاحظ ميكانيكي العجلات توقف العجلة التي قام بترميمها وتصليحها وتشغيلها. فإنَّه يندفع مباشرة إلى البحث في محركها وسائر أجزائها، أي أنَّه يبتغي تحديد الشرط المفقود من الشروط العليّة لحركة العجلة، إذ لو لم يُفقد أحد الشروط لا تتوقّف العجلة عن الحركة إطلاقاً، أي إذا كانت العلّة التامة للحركة موجودة فالحركة ضرورية.
إذن ؛ فمن المحتم أنَّ العلّة التامة لكل معلول تعطي معلولها الضرورةَ، ويوجد معلولها على أثر هذه الضرورة.
بديهي أنّه إذا كان مجرّد الوجود الخارجي للعلة في زمان ( وإن لم يكن بمعية المعلول ) كافٍ لكي يستمر المعلول بذاته في الحياة
(٥)
، فسوف لا يحصل إطلاقاً ذلك الفحص والتفتيش والبحث.
الذي جاء في المتن ( إذا ضغطنا على باب... إلى قوله: إذن فالعلة التامة تمنح كلّ معلول من معلولاتها الضرورة ) يوضح الإذعان والتصديق الفطري والعملي بهذا القانون.
٥ ـ يُطرح هنا قانون آخر من القوانين المتفرّعة على قانون العلية العام، وهو ( حاجة المعلول إلى العلة حدوثاً وبقاء ). وقد قدّمنا وعدا في مقدّمة هذه المقالة بتفصيل البحث حول هذا الموضوع في المقالة التاسعة، لكنّنا نجد من الأنسب أن نفي بهذا الوعد هنا ومن خلال هذا الهامش.
يبدو للوهلة الأُولى عدم وجود مانع من استغناء المعلول عن العلة في البقاء ؛ لأنَّ علاقة المعلول بالعلة تنشأ جراء كون العلة موجَدة للمعلول، وبمجرد وجود المعلول تنقطع علاقته بالعلة، ولا معنى لبقاء هذه العلاقة، ومن المحتم أن يتمكن المعلول بعد حدوثه بواسطة العلة من الإستمرار ببقائه وإدامة
إشكال
من الممكن أن يقال إنَّنا في مثال المركبة لم نفتش حقيقةً عن علّة وجود الحركة. بل نبحث عن علّة توقف المركبة. وبتعبير أوضح نقول: نحن
حياته، ما لم توجد علّة أو علل تفنيه، ويصير ذلك الملعول عدماً.
يذكر أنصار نظرية استغناء المعلول عن العلة في البقاء أمثلةً وشواهد لإثبات نظريتهم، نظير: بقاء الابن بعد أبيه، وبقاء الساعة بعد صانعها، وبقاء البناء بعد البنّاء، وبقاء حركة الحجر بعد انفصال القوة الدافعة عن الحجر، بل يدعى أيضاً أنَّ علم الميكانيك من الفيزياء الحديثة يؤكد أنَّ الجسم في حالات الحركة والسكون يتطلّب القوة الخارجية فقط حينما يراد تغيير حالته، فحينما تكون درجة حركته صفراً ( السكون ) فيتحرّك، أو يتحرّك بدرجة أكبر من درجة حركته. وإذا تحرّك الجسم بواسطة القوّة الخارجية فسوف يستمر بهذه الحركة ما لم يحصل عامل خارجي يوقف أو يقللُ هذه الحركة دون أن يحتاج إلى علة لإدامة هذه الحركة. وإذا توقّف الجسم نتيجة عاملٍ خارجي فسوف يستمر بهذا التوقّف، ما لم تحصل علّة خارجية تحركه بدرجة من الدرجات، وأيّ درجة من درجات الحركة نفترضها للجسم فإنّه يحتاج إلى علّة في الحدوث الأولي لهذه الحركة فقط، وليس بحاجة إلى علّة وعامل في إدامة هذه الحركة.
سوف نغض النظر فعلاً عن الأمثلة المتقدّمة ومناقشتها، ونغض النظر أيضاً عن تفسير النظرية الفيزيائية فلسفياً، ونكتفي بتحليل عقلي عام حول علاقة العلّة بالمعلول، لنرى فتوى العقل والفلسفة في هذا الموضوع. وسوف
لا نعتقد أنَّ علة الحركة تبقى مع الحركة إلى آخر لحظات وجود الحركة، وتمنحها ضرورة الوجود، لكي نبحث عن النقص في علّة الحركة عند ظهور خللٍ في المركبة. بل مع وجود علّة الحركة ينبغي أن تمضي المركبة
نتابع الأمثلة والنظرية الفيزيائية في الهوامش اللاحقة تبعاَ للمتن، لنرى هناك تناقض هذه الأمثلة مع حكم العقل أو عدم تناقضها، وأنَّ تصور التناقض والمخالفة ينشأ جرّاء سوء فهم واستنباط.
هناك تصوّر مشترك لقانون العلية لدى كل إنسان ( العلة تمنح الملعول الوجود ) فكلّ شخص يُذعن لهذا القانون العام مادام يؤمن بعلاقة العلية بين الموجودات، سواء أكان حكيماً أم متكلّماً، إليهاً أم مادياً، عالماً أم فيلسوفاً، ونحن هنا نأخذ هذه المقولة اليقينية أساساً لتحليلنا فنقول: حينما نلاحظ في حياتنا اليومية الأمثلة التي يتم فيها إعطاء شيء من قبل شيء إلى شيء آخر، كما لو أعطى إنسان إلى إنسان آخر شيئاً، نجد في هذه الظاهرة أربعة أركان:
١ ـ المُعطِي.
٢ ـ المستقبل.
٣ ـ الإعطاء، أي العمل الذي يقوم به المُعطِي.
على أنَّ الأركان في بعض الموارد يمكن أن تكون خمسة، والركن الخامس عبارة عن الأخذ، أي العمل الذي يتم من ناحية المستقبَل. على كلّ حال فنحن نواجه في هذه الأمثلة أربعة أركان على الأقل. نأتي الآن لنرى في مورد العلّة والمعلول هل هناك أربعة أركان:
في حركتها، وتستمر في الحركة حتى مع زوال علة الحركة، كما هو الحال لو مات المعمار فإنَّ المبنى لا يزول، أو لو مات الأب فإنّ الابن يبقى ولا يفنى. أمّا في المثال المتقدّم فحيث إنَّ الحركة زالت ووقع السكون والتوقّف فسوف نبحث عن علّة السكون والتوقّف.
١ ـ المعطي ( العلة ).
٢ ـ المستقبل ( ذات المعلول ).
٣ ـ المعطى ( الوجود الواقعي ).
٤ ـ الإعطاء ( الإيجاد ).
وبعبارة أخرى هل هناك موجد وإيجاد ووجود وموجود في مورد العلية والمعلولية، أي جاعل وجعل ومجعول ومجعول له، معطي وإعطاء ومُعطى له، أم أنَّ الأمر ليس كذلك، وإذا كان الأمر ليس كذلك فما هي طبيعته في هذا المورد ؟
نأتي أوّلاً لنرى هل هناك أمران في مورد العلّة والمعلول أي هناك أمران واقعيان خارجيان في مورد العلّة والمعلول وهما المعطى له والمعطي أو المستقبِل والمعطي ؟ نلاحَظ أنَّ المستقبِل أي ذات المعلول إذا كان له واقع بغض النظر عمّا اكتسبه من العلّة يلزم أن يكون ذلك المعلول ليس معلولاً، أي يلزم الخلف ؛ لأنَّنا حسب التعريف الأولي عرّفنا العلة بوصفها معطي الواقعَ إلى المعلول، أي أنَّ المعلول يكسب واقعيته من العلة، وإذا كان المعلول أمراً واقعياً يختلف عن الواقع الذي يكسبه من العلة فسوف يكون المعلول غير متلقٍ لواقعه من العلّة، أي أنَّ المعلول بحسب الواقع ليس
الجواب
نفوّض وجدان طارح الإشكال، لكي يجيب على هذا النقض ؛ ونتساءل هل يفتش الميكانيكي ـ في المثال المتقدّم ـ عن أجزاء علة الحركة، أم يبدأ بحثا جديدا عن علّة التوقّف ؟
معلولاً: إذن ففي مورد العلّة والمعلول يكون واقع المعطى عين واقع المعُطى له، إنَّما يعتبر ذهننا هذا الواقع العيني الواحد مفهومين مختلفين ( مستقبل ومعطى ).
نأتي في المرحلة الثانية لنعكف على الاستفهام التالي: هل الإيجادُ له واقع مستقل عن واقع المعطى أم لا ؟ فإذا فرضنا أنَّ واقع الإيجاد يختلف عن واقع المعطى يلزم أن نفترض وجود ( المعطى له ) بغض النظر عن الإيجاد واقعاً مستقلاً، وينحصر عمل العلة بالارتباط بهذا الواقع المستقل والإضافة إليه، وتمنح هذه العلاقة والإضافة إلى المعلول. وهذا الفرض يستلزم أن نفترض واقعاً مستقلاً للمستقبِل أيضاً يختلف عن واقع المعطى، بينا وجدنا ذلك محالاً كما تقدّم. إذن فلا يعني منح العلة الواقع للمعلول وتوفّر المعلول على الواقع من قبل العلة أنَّ الواقع أمر قائم في الخارج وعمل العلة أن يأتي فيمنح الملعول هذا الواقع، بل المفهوم الحقيقي لإعطاء الواقع للمعلول هو أنّ واقع المعلول عين إعطاء العلة وإفاضتها، أي أنَّ هناك أمرا واحداً ـ كما هو الحال في مورد المستقبل والمعطى ـ وهو الإعطاء أو المعلول، أي أنَّ المعلول عين الإعطاء وعين إفاضة العِلّة وليس أمراً آخر، أي ليس هناك فيض يحصل بواسطة واقع آخر اسمه الإفاضة من قبل العِلّة.
إنّ طارح الإشكال إذا راجع وجدانه وفطرته فسوف يرى أنَّ السكون عدم الحركة، وعلة عدم المعلول هي عدم العلة. إذن ففي كلّ حادثة سلبية، أي عندما تعدم حادثة إيجابية، فنحن نبحث دائماً علة وأجزاء
نأتي في المرحلة الثالثة لنرى واقع ( المعطي )، نلاحظ هنا أنَّ واقع المعطي يجب أن يكون واقعا مستقلاً عن المستقبل والمعطى والإيجاد ؛ لأنَّه واقع آخر غير واقع الشيء الذي ينشأ عنه، هو منشأ هذا الواقع الآخر، ومن المستحيل أن يكون الشيء ينشأ عنه، هو منشأ هذا الواقع الآخر، ومن المستحيل أن يكون الشيء منشأً لذاته، لأنَّ ذلك يستلزم الصدفة وتقدّم الشيء على نفسه، ومن ثمَّ التناقض.
في هذا الضوء تعرف أنَّ التصوّر الأولي للأركان الأربعة ليس سليماً في مورد العلة والملعول، بل في هذا المورد ليس هناك في عالم الخارج إلاّ واقعان، وليس هما إلاّ واقع العلة وواقع المعلول، الذي هو عين إيجاد العلة. وبعبارة أخرى أدركنا بعد التحليل الكامل أنَّ واقع الإيجاد والموجود والوجود في مورد المعلولات أمر واحد، إنَّما يقوم ذهننا بتحليل هذا الواقع الواحد إلى مفاهيم ثلاثة، وهذا التحليل الذهني أفضى إلى ذلك الوهم الأولي.
والحقّ أنَّ المنشأ الرئيسي لهذا اللون من التفكير الابتدائي الخاطئ، الذي وقع فيه أغلب أدعياء الفلسفة، هو لون من القياس الخاطئ ؛ فقد لاحظوا بحسب العادة أنَّ شخصاً حينما يمنح شخصاً آخر مالاً أو يهدي إليه وردة مثلاً، فهذه العملية تتطلّب أربعة أركان واقعية، ولاحظوا أنَّ المعطي يغاير عملية الإعطاء، فمثلاً حينما يأخذ شخصٌ مالاً أو وردة من شخص آخر فهو يحتاج في اللحظة الأُولى إلى أحد ذلك الشيء من المعطي، لكنّه في اللحظات
علّة الحادثة السابقة، نعم حينما تقع حادثة إيجابية لا نرجع إلى علّة الحادثة السابقة، لكن استدلالنا لا يعتمد على هذا الفرض.
ثمّ مع غض النظر عمّا تقدّم، فإنَّ وجود علّة السكون والتوقّف بمعيّة
اللاحقة سوف يكون ذاته صاحب ذلك الشيء، ولا حاجة له في اللحظات اللاحقة إلى المعطي، ومن هنا تخيّلوا أنَّ الإيجاد يناظر إعطاء المال أو إهداء الوردة، فواقع الوردة والمال غير عملية إعطاء الوردة والمال، وغير المستقبل أيضاً، ولاحظوا ثانياً أنَّ المستقبل يستطيع التوفّر على المال والوردة في اللحظة اللاحقة للحظة استقباله وأخذه لهما، ولا حاجة له بالمعطي، ومن هنا استنتجوا أنَّ المعلول لا حاجة به إلى العلة في البقاء.
بعد أن آمنا على أساس القاعدة الكلّية الثابتة أنَّ علاقة العلة والمعلول علاقة منح الوجود والتوفّر عليه، وبعد أن تعرّفنا في ضوء ما تقدّم على أنَّ هذه العلاقة، يعني الإيجاد والتوفّر على الوجود، ليست أموراً واقعية مغايرة لذات وجود المعلول ومستقلّة عنه، أي أنَّ واقع المعلول وعلاقة المعلول بالعلّة أمر واحد ؛ إذن يتّضح أنّ واقع المعلول لا يمكن فرضه منفكّاً عن علاقة المعلول بالعلّة، إي مع قطع النظر عن علاقة المعلول بالعلة يستحيل حفظ وبقاء المعلول. ومن هنا نستنتج أنَّ المعلول يحتاج إلى العلّة ويتكئ عليها حدوثاً وبقاءً. ويستحيل لمعلولٍ أن يستمر في إدامة حياته مع قطع علاقة بعلّته.
أمامنا من وجهة نظر فلسفية طريقان، فأمّا أن نضع قانون العلية جانباً، ومن ثمَّ نؤمن بمذهب السفسطة والصدفة والاتفاق، وإمّا أن نؤمن بحاجة المعلول إلى العلة بقاءً. أما تفسير وتبين الأمثلة والشواهد التي ذُكرت لعدم
التوقّف أمرٌ لا لزوم له ـ من وجهة نظر طارح الإشكال ـ ؛ ومن هنا ليس هناك مبرّر وتفسير للبحث في هذه الحالة عن شيء من الممكن أن يكون معدوماً.
حاجة المعلول إلى العلّة في البقاء فسوف نأتي عليها لاحقا. وهنا نحاول التذكير بالأفكار التالية:
أ ـ قلنا مراراً أنَّ المهمة الأُولى لكلّ فيلسوف هي أن يتفحّص أفكاره، ويتعرّف على أُسلوب صناعة الذهن لها. وهذا النشاط المعرفي اصطلحنا عليه علم النفس الفلسفي. ونحن هنا كما اطّلع القارئ المحترم قمنا بتحليل أفكارنا الذهنية حول العلة والمعلول، اعتماداً على قاعدتين فلسفيتين ( مسلّمتين )، وأثبتنا أنَّ الكثرة في مجال بحثنا هنا كثرة مفهومية وذهنية، وهذه الكثرة الذهنية أضحت منشأ لأكبر الأوهام في الفلسفة. لذا نكرّر مرةً بعد مرّة ما قلناه: ما لم نتعرّف على الذهن لا يمكننا أن نتوفّر على فلسفة.
ب ـ البرهان الذي استخدمناه لإثبات الفكرة هنا برهان عقلي خالص. حيث إنَّ هذه المسألة كما تقدّمت الإشارة في مقدّمة المقالة السابعة من المسائل الفلسفية الخالصة، لا تعتمد على أي عنصر تجريبي خارج إطار العقل المحض. بل الإلتفات الدقيق لطبيعة هذه المسألة يوضح أنَّ هذه المسألة من المسائل التي لا يتيسر درسها إلاّ عن طريق البرهان العقلي الذي تقدّم. وهذا يؤكّد مدى مبالغة المدرسة الحسّية والتجريبية، وخطل دعواها بأنَّ قضايا الفلسفة يلزم أن تُدرَس في ضوء الحس والتجربة.
ج ـ يناصر المادّيون نظرية عدم حاجة المعلول إلى العلّة بقاءً، وسوف ننقل أفكارهم وننقدها في محلّها المناسب. وقد ذهب إلى هذه النظرية
إشكال
صحيح أنَّ التفتيش عن المعدوم غير مبرّر، لكنّ العلّة في هذه الموارد علّة مركبة ذات أجزاء متّصلة، بعضها موجود، وبعضها معدوم.
وعبر الوقوف على الأجزاء الموجودة فعلاً نقف على الأجزاء الأخرى، إلاّ إذا فرضنا أنَّ العلّة كلّ مركب ينعدم بانعدام بعض أجزائه. إذن؛
بعض المتكلّمين أيضاً، لكن المحقّقين من الحكماء عامة يناصرون نظرية حاجة المعلول إلى العلة بقاء، وقد أقام كلّ اتجاه من اتّجاهات هؤلاء الفلاسفة برهاناً أو براهين لإثبات ذلك. وبعض هذه البراهين رغم اعتماد أنصار أصالة الوجود عليها، لكنّها تتنفّس في إطار أصالة الماهية، ونحن بغية عدم إطالة البحث نغضّ النظر عن تحليل ونقد هذه البراهين. ونحسب أنَّ البرهان الذي تقدّم أعلاه هو أفضل وأسهل الطرق لإثبات الموضوع. على كلّ حال فهذا الموضوع من أهم المسائل التي سوف يفيد منها الباحث في مباحث الإلهيات التي ستأتي في المقالة الرابعة عشر.
د ـ تُعرف العلة في كلمات الفلاسفة بأنّها ( معطي الوجود ). وتُعرّف أحياناً بمعنى أعم، لتشمل جميع الأشياء التي يحتاجها الشيء في حصوله على الوجود. وإذا أخذنا العلّة بمعناها الأعم فسوف تشمل المعدّات والشروط أيضاً، وإذا كان المعلول مركّباً سوف تشمل أجزاءه التي يتشكّل واقعه منها أيضاً، وإذا كنّا نؤمن بالعلّة الغائية فسوف يشملها أيضاً ؛ لأنَّ جميع الأجزاء التي تشكّل واقع الشيء يصدق عليها تعريف العلّة، الذي هو عبارة عن كلّ ما يحتاجه الشيء في وجوده.
فوجود العلّة بتمام أجزائها في معيّة وجود المعلول لا لزوم له إطلاقاً. كما هو الحال في الوليد، فهو يحتاج إلى والديه في الولادة فقط، وبعد الولادة لا تبقى هناك حاجة في البين.
الجواب
لقد أُُخذ في مفهوم العلّة في الإشكال ـ كما هو واضح ـ وجود كلّ جزء من أجزاء العِلّة بشكلٍ مطلقٍ، وهذا الأمر نفسه خطأ كبير،
لكنّ التعريف الأوّلي ( معطي الوجود ) لا يصدق على الشروط والمعدّات، ولا يصدق أيضاً على الغاية وعلى أجزاء المركب الواقعية. بل يصدق فقط على ما يصطلح عليه (العلّة الفاعلية
). والمقولة التي تقدّمت، والتي تقرّر أنَّ المعلول يحتاج إلى العلّة حدوثاً وبقاءً تعني العلّة الفاعلية، والبرهان الذي تقدّمت إقامته ـ كما هو واضح ـ يشمل العلّة الفاعلية فقط، ولا يشمل هذا البرهان الشروط والمعدّات والغاية وأجزاء المركّب. بالنسبة إلى مورد الأجزاء التي تشكّل واقع الشيء ( المركّب الحقيقي الذي يتألّف من مادّة وصورة ) ينبغي عن طريق آخر إثبات أنَّ هوية المعلول تحتاج إلى العلّة حدوثاً وبقاء، وهذه الفكرة واضحة جداً وغنية عن الاستدلال، إذ لا يحتمل أن يكون هناك شخص يشكّك في حقيقة أنَّ بقاء المركّب متوقّف على بقاء جميع أجزائه، وأنَّ انتفاء أيّ جزء من أجزائه كافٍ لانتفاء المركّب. ويبدو أنَّه لم يوجد حتى الآن من يدّعي خلاف هذه الفكرة.
خصوصاً وهو يصدر عن الأفراد الذين يرفعون لواء التحوّل والتكامل
(٦)
. ممّا يثير الدهشة المذهلة.
إذ ليس لدينا في عالم المادة موجود مطلق، يروغ على قانون الحركة والتكامل. إنَّ كل ظاهرة تقع فهي مرتبطة بالأجزاء المكانية والزمانية التي هي جزء وجودها. ومن هنا فالعلّة المركّبة تعني سلسلة أحداث مترابطة
٦ ـ بحكم أهمية وصعوبة الأفكار نضطر هنا إلى إيضاحها عن طريق وضع نظريات المتن ثمّ الاعتراض عليها بصورة إشكال ثمّ الإجابة عليها، بُغية أن يفيد القرّاء المحترمين من هذا التحليل:
النظرية:
معطي الضرورة للمعلول حدوثاً وبقاءً هو علّته، وبقاء العلّة شرط في وجود وفي ضرورة المعلول معاً. مثلاً إذاً لاحظ الميكانيكي خللا في حركة السيارة، فسوف يعكف على فحص الخلل، ويرجع ذلك إلى أنَّه بحسب فطرته يؤمن بأنَّ الحركة موجودة بالضرورة ما دامت العلّة التامة للحركة موجودة، وإذا لوحظ خلل في لحظة من اللحظات فهذا يكشف عن حصول نقصٍ في علّة الحركة، أي أنَّه يذعن بالفطرة أنَّ مجرّد الوجود الخارجي لعلّة الحركة في زمان ما ليس ضامنا لبقاء الحركة، بل بقاء العلة التامة للحركة هو الذي يضمن بقاء الحركة.
إشكال:
إنَّ نظائر هذا الفحص ليست دليلاً على الإذعان الفطري بالنظرية المتقدّمة ؛ إذ من الممكن أن يقال إنَّ الميكانيكي لم يأتِ ليكشف عن نقطة نقصان علّة الحركة، بل جاء للكشف عن التغيير الذي طرأ على الحركة فصيّرها سريعة أو بطيئة أو متوقّفة. أي أنَّ حدثاً جديداً قد وقع وأنَّ الميكانيكي بصدد البحث عن علّة حدوث هذا الحدث الجديد، وليس بصدد
لحصول ظاهرة مادية مفترضة. والحقيقة أنَّ المادة التي فرضناها قد ركبت طريق الحركة، وسارت بشكلٍ تكامليٍّ في ظل مجموعة حالات وشروط. على أنَّ كلّ واحدة من هذه الشروط والحالات مرتهنة بوضعها الخاص فقط، إذن فالعلّة المفروضة في الحقيقة لم تنفصل عن معلولها بأجزائها التدريجية، ومجموع العلّة لمعلولٍ معين لم تفقد أي جزء من أجزائها، إذ كلّ جزء من الأجزاء محفوظ في موضعه الخاص بالبداهة.
الكشف عن منشأ عدم بقاء الحادثة الأُولى. إذن يمكن أن يقال إنَّ الميكانيكي بحسب فطرته يذعن بخلاف مدعى النظرية المتقدّمة أي أنَّه يعلم أنَّ بقاء علة الحركة ليس شرطاً في بقاء الحركة، بل إذا حصل خلل في الحركة فهذا يكشف عن علّة جديدة قد حصلت، وألغت دور العلّة السابقة.
الجواب:
أولاً:
السكون ليس أمراً وجودياً لكي يتطلّب علة وجودية، بل هو أمر عدمي، لأن السكون عدم الحركة، ومن هنا فعلّة السكون أو عدم الحركة هي عدم علّة الحركة، ومن هنا فالبحث عن علة السكون عين البحث عن عدم البقاء والبحث عن النقص في علّة الحركة.
ثانياً:
سلّمنا أنَّ بقاء علّة الحادثة ليس شرطاً في بقاء الحادثة، فإذا فرضنا أنَّ السكون واقعة وجودية فسوف يكون البحث عن علّة السكون لا معنى له ؛ لأنَّ علّة السكون حسب الفرض المتقدّم ليس شرطاً في بقاء السكون فمن الممكن أن يكون معدوماً، والبحث عن المعدوم لا معنى له.
إشكال
: نسلّم أنَّ البحث عن السكون لا معنى له، لكن هذا الأمر يَصدق في العلّة البسيطة. بينا ليست هناك علل بسيطة في عالم الكون على هذا
مثلاً: الوليد الإنساني، فالعملية التناسلية وتلقيح البويضة أحد أجزاء العلّة، مضافاً إلى شروط وحالات أُخرى تتكامل عبر تسعة أشهر. وفي هذه السلسة يكون لكلّ واحد من الشروط والحالات دور مفيد، ولكن ليس بشكل مطلق، أي أنَّ العملية الجنسية يجب أن تقع قبل تسعة أشهر من الولادة، لا في أي وقت، ولا في حين الولادة...
النحو. بل علّة كل شيء مجموعة من الحوادث المتعدّدة التي تقع على طول الزمان، وهذه الحوادث التي تشكّل أجزاء علل الشيء ليست شرطاً في بقاء المعلول. بل من الممكن أن يبقى بعضها مع المعلول ولا يبقى البعض الآخر. على أنَّ الحصول على أجزاء العلل الموجودة يُمكننا من الوقوف على سائر الأجزاء الأخرى، وهذا دليل على أنَّ بقاء العِلّة التامة ( كلّ أجزاء العِلّة ) ليس شرطا في بقاء المعلول.
الجواب:
إنَّ هذا اللون من الحوادث الطولية الزمانية، التي يكون وجود المعلول مشروطا بوجودها السابق، يُستحسن أن نُطلق عليها مصطلح الشروط والمعدات لا العلّة. مثلاً الحجر الذي يتحرّك ويطوي مسافة، فما لم يمر بجميع النقاط الوسطية يستحيل أن يصل إلى النقطة الأخيرة، وكذلك أي نقطة افترضناها يستحيل أن يصل إليها قبل الوصول إلى النقطة التي هي قبلها. أي أنَّ طيّ بعض أقسام المسافة شرط للوصول ولطي البعض الآخر من أقسام المسافة. ولكن لا يمكن أن نعتبر طيّ أو الوصول إلى جزء من المسافة علّة محركة للجسم في الجزء الآخر، بل العلّة المحركة في كلّ الأحوال تصاحب الحركة وهي القوّة التي تقوم في الجسم وتوجهه في مسيرة
ومن الواضح جداً أنَّ جميع هذه الحالات والشروط ليست مرتبطة بدون واسطة وبشكل مباشر بالوليد ( المعلول ـ الظاهرة الجديدة ـ ). بل يختلف أمرها، فبعضها شرطٌ لشرطٍ، وبعضها شرطٌ لشرطِ الشرط، كما هو الحال في العملية الجنسية فهي ترتبط مباشرة بقذف المادة المنوية في الرحم لا بولادة الوليد.
معينة ؛ انطلاقاً من قانون التكامل الجوهري والذاتي لموجودات الطبيعة، أنَّ كلّ موجود من موجودات الطبيعة في مراحله الوجودية يشبه حالة الحجر باستمرار. فهو حينما يطوي مسافة يكون العبور من مرحلة سابقة شرط العبور في المرحلة اللاحقة، وفي نفس الوقت فالقوّة التي تلازمه في مسيرة تكامل الموجودات قوة باقية ولا تزال. من هنا فهذه الشروط والمعدات بمثابة منازل ومراحل لعبور الشيء، وتسمّى أحيانا ( علل )، ويكون وجودها شرط وجود المعلول، ولكن لا بنحو مطلق بل بنحو نسبي ؛ أي أنَّ وجود كلّ واحد من هذه الشروط شرط لوجود المعلول في مرحلة معينة وفي لحظة معينة من الزمان لا مطلقاً. ونحن قلنا إنَّ بقاء العلة شرط في بقاء المعلول، وكنا ننظر إلى العلّة الفاعلية وكذلك العلة المادية والصورية ( الأجزاء التي تشكّل واقع الشيء، لا مطلق العلل التي تشمل الشروط والمعدات أيضاً ).
إشكال:
إنَّ الأمثلة والشواهد الحسية تنقض جميع هذه الاستدلالات العقلية. فنحن نجد آلاف الأعمال في العالم يذهب فاعلوها ويبقى الفعل قائماً بذاته. فالبَنّاء يشيّد المبنى ويبقى المبنى قائماً بعد وفاة البَنّاء. الساعتي يصنع الساعة وتستمر الساعة في عملها سنيناً دون أن تحتاج إلى صانعها. الأب ينجب الابن ثمّ يموت، لكن الإبن يستمر في حياته، وهكذا آلاف الأمثلة
من بين أجزاء العلّة التي لا يكون للمعلول وجود بعدمها تلك الأجزاء التي ترتبط بشكل مباشر بالمعلول. كما لو فرضنا عدم المادة التي يوجد بها الوليد، أو الصورة الإنسانية التي يأتي على هيئتها، أو عدم فاعل التركيب، فسوف لا يكون هناك وليد في البين. فالوليد الإنساني دون مادة ليس له مفهوم، والمادة التي لا تتوفّر على الصورة الإنسانية لا تكون وليداً إنسانياً، وكذلك الفاعل لعملية التركيب، فحيثما يسحب نفسه من إنجاز العملية يتوقّف العمل ويبقى ناقصاً. إذن ؛ فوجود العلّة بمعيّة المعلول أمر ضروري على كلّ حال.
الأخر... وأفضل دليل على الإمكان هو الوقوع، ووقوع هذه الحوادث دليل على إمكان بقاء المعلول بدون علّة.
الجواب:
إنَّ هذه الأمثلة الحسية لا تنقض حكم العقل، لأنَّ استخدام العلّة وإطلاقها من باب التسامح في التعبير. فالبَنّاء علّة لحركاته التي يقوم بها وليس علّة للمبنى، الذي هو مجموعة من مواد مع خصوصيات معيّنة، والذي يضمن بقاء المبنى هو هذه الخصوصيات المعينة. والبَنّاء ليست له أي علاقة عليّة مع هذه المواد والخواص، بل تنحصر علّيته بالنسبة إلى الحركات التي قام بها شخصياً، ومن البديهي عند عدم البَنّاء تعدم هذه الحركات المعينة، وكذلك الحال في مثال الساعة والأب، فليس لدينا سوى عليّة للحركات التي يقومون بها في لحظات معينة بشكل مباشر. على أنَّ بقاء هذه الحركات مشروط ببقاء فاعليها، الذين هم علل وجودية لهذه الحركات. ومن هنا يمكن أن نستنتج على أساس قانون الحركة والتكامل الذاتي للأشياء، وأنَّ وجود كلّ موجود من موجودات الطبيعة وجود سيّال ومتغيّر ومتحرّك، وأن الحركة هي التي تعطي لهذه الموجودات هويتها وعلى أساس ما تقدم من أنَّ
إشكال
البيان المتقدّم سليم إلاّ في مورد الفاعل، واعتراضنا في الحقيقة ينصبّ على العلّة الفاعلية.
نحن لا نقول بأنَّ الإنسان بلا مادة يبقى إنساناً، أو أنَّ المادة دون الصورة الإنسانية إنسان. ولكن يمكننا القول: إنَّ الفعل بعد فناء الفاعل يبقى موجوداً. فنحن نجد آلاف الأعمال في العالم قد فنى فاعلها، لكنّ الفعل لا زال قائماً على قدميه، وعندئذ كيف يمكن القول إنَّ الفاعل حينما يسحب يده عن العمل يفنى العمل ويزول.
الجواب
إنَّ منشأ الإشكال يرجع إلى تزلزل فهم الحقائق، والتساهل في هذا الأمر. أو يرجع إلى عدم الوقوف على حقيقة الفعل والفاعل. فنحن رغم
الحركة حادثة تطلب محرّكاً وفاعلاً مباشراً كما تتطلّب شروطاً ومعدّات ومراحل نفهم في ضوء ما تقدّم ضرورةَ التصديق بوجود محرّك مباشر دائم وباقٍ، ومباشر وواحد ( وتفصيل هذا الموضوع سيأتي في المقالة العاشرة، حيث تتناول بحث الحركة والزمان بشكلٍ مباشر ).
إشكال:
نظرية نيوتن الفيزيائية أثبتت بتجارب لا يمكن إنكارها وهي تناقض الاستدلالات العقلية المتقدّمة، ومن البديهي أنَّ أي قاعدة عقلية حينما تتعارض مع التجارب الدقيقة تفقد اعتبارها وقيمتها.
الإجابة على هذا الإشكال في الهامش اللاحق وسنوضحها.
نسبتنا المبنى إلى فعل معمار البناء، ونسبتنا الوليد إلى فعل الوالدين، لكن عمل المعمار في الحقيقة هو حركات يده، التي تزول بمجرد إقلاعه عن العمل، وإلاّ فالمبنى لا يقوم بمعمار البناء، وكذلك الحال في سائر الأمثلة. إذن نحن نعرف: أوّلاً ـ أنَّ مادة الفعل وصورته لا تقوم بهذا الفاعل ( معمار البناء في المثال ). ثانياً ـ أنَّ حركات يد الفاعل المختلفة تقوم به، وتنعدم بمجرّد تركه للعمل. ثالثاً ـ أنَّنا أطلقنا على هذه الحركات اسم الفعل، لوجود حركة، وهي قائمة بمحرّكها. وإلاّ فتناول الحجر ووضع بعضه على بعض، وقيام المبنى لا علاقة له بالتسمية. وفي هذه الحالة فكل حركة ( فعل ) تتطلّب محركاً ( فاعل ) تقوم به، وتذهب بذهابه. رابعاً ـ أنَّ كلّ موجود من موجودات العالم يتطلّب مادة للحركة، ومحرّكاً موجوداً بمعّيتها.
هذه أفكار، إذا اعترى أيّا منها أدنى شك وتردّد فسوف يتلاشى هرم العلية والمعلولية وجهاز التكامل والتطوّر ؛ ومن هنا نحكم بأنَّ فاعل الفعل نظير مادة وصورة الفعل، يجب أن يبقى موجوداً بمعية الفعل ذاته.
نعم ؛ من الممكن أن يشترك أكثر من فاعل في وجود الفعل، متواليين عليه، وكلّ واحد بعد إنجاز الفعل يسلّمه إلى شريكه اللاحق، أي أنَّ الفاعل اللاحق متّصل وجودياً بالفاعل السابق، ومن ثمّ يحتل موقعه، وفي هذه الصورة يمكن أن يبقى الفعل قائماً بعد زوال الفاعل الأوّل. وكل موارد بقاء الفعل بعد زوال الفاعل من هذا القبيل.
في ضوء ما تقدم اتضح أنَّ الفلسفة الميتافيزيقية تتّخذ في نظريّتها قانون العلّية والحركة العام أساساً. والعلم المعاصر أيضاً يؤيد ـ رغم ألوان التشبثات ـ نظرية التكامل والتطوّر ( الحركة العامة ). والمدهش هنا أنَّ
المادية الديالكتيكية أغفلت التطوّر والتكامل الذي تقوم على أساسه حركة عالم المادة، فأخذت الوجودات المطلقة بدون تقييد أساساً لنظريّتها، والأغرب من ذلك أنَّ الماديين الديالكتيكيين يتّهمون الميتافيزيقيا بعدم فهمها لقانون العلّية.
إشكال
إنَّ الحديث المتقدّم يتنافى مع نظرية نيوتن الفيزيائية، التي قامت على أساس تجارب لا يمكن ردّها
(٧)
، والتي تقرّر: " كل جسم يبقى على حالته، فإن كان ساكناً يبقى على سكونه، وإن كان متحرّكاً يستمر في حركته، ما لم تتدخّل قوى تغيّر حالة السكون أو الحركة " ؛ إذ من البديهي أنَّ المحرّك الأوّل في الحركة الدائمة قد زال، ورغم ذلك تبقى الحركة قائمة.
٧ ـ في الإجابة على آخر إشكال تقدّم انتهى بنا الحديث إلى بعض الشواهد والأمثلة نظير البَنّاء والمبنى والابن والأب والساعة وصانعها، حيث استخدموا التسامح العرفي بدل النظر العقلي الدقيق، واتكأوا على النظرة العرفية للعلّة والمعلول وللفعل والفاعل. من الواضح أنَّ العرف بالتسامح يطلق على المبنى أنَّه فعل البَنّاء، وعلى الساعة فعل صانع الساعة وعلى الابن فعل الأب، لكن أياً من هذه الظواهر ليست أفعال هؤلاء من زاوية النظر العقلي الدقيق ؛ لأنَّ المواد التي تشكل وجود الابن أو المبنى أو الساعة والخصوصيات الفيزيائية أو الكيميائية أو العضوية التي تتوفّر عليها هذه الظواهر ليست من فعل الأب أو البَنّاء أو صانع الساعة. إنَّما يمارس هؤلاء بعض الأعمال في مواد العالم الموجودة عبر مجموعة حركات منظمة، ثمّ تفضي
الجواب
بغض النظر عن أنَّ نظرية نيوتن نظرية حدسية وقائمة على أساس التأمّل النظري في تنوّع الحركات بتنوّع المعوّقات، وأنّها نظرية غير
هذه الحركات المنظّمة في ظل عوامل فيزيائية وكيميائية وعضوية يتوفّر عليها هذا الكون العظيم، تفضي إلى جهاز آلي أو مركب كيميائي أو موجود عضوي. إذن فما يسمّى بالنظر العرفي فاعل للابن أو المبنى أو الساعة هو في الحقيقة فاعل لمجموعة حركات تقومُ بهم. على أنَّهم علل لهذه الأفعال الواقعية، التي تقع بهم، والقاعدة العقلية الفلسفية التي تقرّر حاجة المعلول إلى العلة حدوثا وبقاءً تجري في هذا المورد أيضاً ؛ إذ يستحيل أن تظهر حركة وفاعلها المباشر معدوم وتستطيع هذه الحركة أن تستمر بوجودها.
وحينما انتهى الحديث إلى هذا الموقع يطرح إشكال جديد، وهو آخر إشكال يطرحه المتن.
إيضاح الإشكال:
ثبت وفق الأدلة العلمية والتجريبية في الفيزياء الحديثة أنَّ دوام الحركة لا يستلزم دوام المحرِّك، ومن ثمَّ أضحت نظرية أرسطو في حاجة الحركة إلى محرّكٍ دائمٍ متعارضة تماماً مع التجارب العلمية الدقيقة، التي تلاحقت خلال ثلاثة قرون. وعلم الميكانيك الحديث يقوم على أساس قانون الحتمية، الذي طرحه غاليلو ونيوتن، هذا القانون الذي يقف في النقطة المناقضة لنقطة أرسطو. ومن البديهي حينما يتناقض حكم العقل مع التجارب، وينتهي العلم إلى نتيجة مخالفة للنتيجة الفلسفية يلزم إزاحة فتوى الفلسفة والعقل وتبني نظريّة العلم والتجربة.
جاء في كتاب (خلاصة فلسفية لنظرية إنشتاين
) ترجمة السيد أحمد آرام ما يلي: ( إنَّ موضوع الحركة من المواضيع التي بقيت آلاف السنين
تجريبية ؛ إذ الحركة بدون معوّق لا مجال لحصولها ؛ لأنَّ فرضية جسم واحد في عالم الوجود، وفرضية الحركة المكانية التي يكون التحوّل التدريجي للجسم في عالم الخارج ناشئاً من ذات الجسم فرضيّتان لا يمكن اجتماعهما.
خفية، نتيجة عمقها وغموضها. إذا أخذنا بنظر الاعتبار جسماً ساكناً في محل، وبغية تغيير وضع هذا الجسم ينبغي توفير مؤثر خارجي يُسلط على هذا الجسم قوته ليدفعه إلى الأمام أو ليرفعه.
إنَّنا نفهم الحركة ـ وفق تصوراتنا الغريزية ـ مرهونة بفعاليات نظير الدفع والرفع والسحب. إنَّ تكرار التجربة يوحي لنا أنَّنا لو أردنا أن نسرع بحركة جسم من الأجسام فعلينا أن ندفعه بشدة لأنَّ العامل المؤثّر في الحركة كلّما كان أشد كلّما كانت الحركة أسرع... إنَّ هذا اللون من التصوّر الغريزي للحركة تصوّر خاطئ، وقد أدى هذا التصور إلى خطأ فهمنا لموضوع الحركة قروناً كثيرة. ولعلّ شخصية أرسطو التي هيمنت على العلم في أُوربا قروناً طويلة هي العلة الأساسية لبروز هذا التصوّر الخاطئ. فقد جاء في كتاب الميكانيك المنسوب لأرسطو والذي مضى على عمره ألفا عامٍ ما يلي: ( إنَّ الجسم المتحرّك يقف حينما لا تستطيع القوّة المحرّكة له بالاستمرار في تأثيرها عليه ودفعه ) إنَّ اكتشاف المنهج العلمي بوضوح واستخدامه من قِبل غاليلو يعد أكبر تقدّم أحرزه الفكر البشري، وينبغي أن نعد هذه المرحلة البداية الحقيقية لعلم الفيزياء... نأتي الآن لنرى هل النداء الداخلي هو الذي أوقعنا في الخطأ بصدد موضوع الحركة ؟ افترض شخصا يدفع عربةً على طريق معبّد، ثم يسحب يده منها بشكل مفاجئ، نلاحظ أنَّ العربة تطوي مسافة قبل أن تتوقّف، وهنا نساءل أنفسنا كيف أمكن أن تمضي العربة هذه المسافة
بغض النظر عمّا تقدّم فإنَّ نظرية نيوتن ذاتها، التي تفترض الفاعل الأوّل للحركة، ساكتة عن فاعل بقاء الحركة، وإنّما تؤكّد بقاء الحركة فقط. وفي هذه الحالة فإذا فرضنا بقاء الحركة فلا بد من افتراض فاعل آخر لبقائها، وفق البيان المتقدّم.
الإضافية ؟ لهذه الظاهرة عدّة أسباب من ضمنها تزييت إطارات العربة وتعبيد الطريق، وكلّما كان تزييت الإطارات أفضل والطريق أجود تعبيداً كانت المسافة بعد سحب اليد أطول. حسناً جداً نتساءل ما هو الأثر الذي يتركه تزييت الإطارات وتعبيد الطريق ؟
إنَّ الأثر الذي تقوم به هذه العوامل ينحصر في تقليص حجم التأثيرات الخارجية، أي الاحتكاك داخل الإطارات نفسها والإطارات والطريق. وهذا تفسير احتمالي ونظري للظاهرة التي شاهدناها، نتقدّم خطوة إلى الإمام لنمسك بالمفتاح الحقيقي للمشكلة. افترض طريقاً معبّداً تعبيداً كاملاً وإطارات ليس فيها أي احتكاك وأي تعقيد، ففي هذه الصورة ليس هناك أي عامل للتوقّف، وسوف تستمر العربة بالحركة إلى ما لانهاية. هذه صورة خيالية عن الموضوع: الذي لا يمكن أن يتحقّق عملياً، لعدم وجود إطار أو طريق بهذه المواصفات. لكن هذه التجربة الخيالية تضع بأيدينا مفتاحاً سحريا يفتح أمامنا الطريق لجميع قوانين ميكانيك الحركة. حينما نقارن التصوّرين المطروحين بشأن الحركة يمكننا القول إنَّ محصّلة التصوّر الغريزي هي: كلّما كان المؤثّر أقوى كانت السرعة أكثر، ومن هنا يمكن أن نستنبط في ضوء السرعة وجود قوى خارجية مؤثرة في السرعة أو عدم وجود هذه القوى. أما في ضوء مفتاحغاليلو
تصبح النتيجة على النحو التالي: إنَّ الجسم
نستنتج في ضوء مجموع ما تقدّم ما يلي:
١ ـ إنَّ كلّ ظاهرة خارجية لا توجد ما لم تتوفّر على الضرورة.
٢ ـ إنَّ كلّ موجود خارجي متّصف بالضرورة حال وجوده.
٣ ـ إنَّ ضرورة وجود كلّ معلول تترشح له عن طريق ضرورة علّته.
إذا لم يدفع أو يرفع أو يسحب ولم تؤثر عليه قوى أخرى، وبعبارة أوضح حيث تفقد القوة الخارجية المؤثرة على الجسم تصبح حركته على منوال واحد، أي يسير بسرعة ثابتة على خط مستقيم، أي أنَّ السرعة لا تكشف عن وجود قوى خارجية مؤثرة على الجسم أو عدم وجود هذه القوى. لقد صاغ نيوتن نهج غاليلو بعد جيل، صاغه على شكل قانونه الحتمي " يبقى كلّ جسم على حالته من سكون أو حركة. " نلاحظ أنَّ هذا القانون لا يمكن أن يكون نتيجة مباشرة للتجربة، بل التأمّل العلمي المنسجم مع الملاحظات التجريبية أدى إلى صياغة هذا القانون. لا يمكننا بالفعل أن نتوفّر عملياً على تجربة تجسد هذا التصوّر، لكنّ التجربة الخيالية أداة لفهم الواقع التجريبي بشكل كامل... بعد هذه المقدّمات تطرح بشأن الحركة قضية أخرى، فإذا لم تكن السرعة علامة على وجود قوى خارجية مؤثرة في الجسم، فماذا تعني السرعة إذن ؟ لقد حصلغاليلو
على الجواب الأساسي لهذا الاستفهام وأكملهنيوتن
أيضاً، وهذا الجواب أيضاً مفتاح ومؤشر لنا أمام بحوثنا واستطلاعاتنا. وبغية التوفر على الجواب السليم ينبغي التأمل العميق في مثال العربة التي تسير على الطريق بشكل دائم، ففي التصوّر الخيالي كانت الحركة المستمرة نتيجة لفقدان القوى الخارجية. فإذا فرضنا أنَّنا وجهنا دفعاً جديداً للعربة
ويصحّ أن نستنتج في ضوء هذه النظرية أنَّ ضرورة وجود كلّ معلول، وهي ضرورة بالغير، تنتهي إلى ضرورة العلّة ؛ وحيث إنَّنا إذا فرضنا تصاعد هذه الضرورات، دون أن تتوقف عند نقطة معينة، فسوف لا
المتحركة باستمرار فماذا يحصل حينئذ ؟ من الواضح أنَّ سرعة العربة سوف تزداد، وإذا كان الدفع موجهاً من الجهة المعاكسة فسوف تنخفض سرعة حركة العربة، ففي الحالة الأُولى تزداد سرعة العربة بينما تقل في الحالة الثانية. ومن هنا نحصل على القاعدة التالية " إنَّ نتيجة تأثير القوى الخارجية هي تغيير السرعة " ومن هنا يصبح تغيير السرعة ـ لا ذات السرعة ـ ناشئاً جرّاء دفع أو سحب العربة لا ذات السرعة. فالعلاقة بين القوة وتغيير السرعة ( خلافاً للتصوّر الغريزي الذي يربط بين القوة وذات السرعة ) هي أساس الميكانيك الذي حرّره نيوتن ".
في ضوء النصّ المتقدّم تكون درجة ما للجسم من سرعة، أي درجة الحركة، غير مرتبطة بالقوّة الخارجية المؤثرة. وإنّما تكمن في الحتم الذاتي أي تكمن في قدرة الجسم على الاحتفاظ بأيّ حالة يحصل عليها، ما لم تحصل علة خارجية تسلب هذه الحالة من الجسم. من هنا فإذا كانت درجة سرعة الجسم صفراً أي السكون، فهذه الحالة تحفظ بالحتم إلى حين توفّر عاملٍ يعطي الجسم درجة من درجات السرعة. أمّا إذا كانت حالة الجسم هي السرعة والحركة فتحفظ بالحتم أيضاً، إلى أن يتوفّر عامل يقلّل أو يزيد من هذه السرعة. إذن فتأثير القوة ينحصر في تغيير السرعة لا في ذات السرعة، وبعد تغيير السرعة لا تحتاج السرعة إلى عامل خارجي، ما لم نفترض أنَّ التغيير يطرأ على السرعة لحظة لحظة، وفي هذه الحالة فقط يشترط دوام
نحصل على الضرورة الأُولى، التي هي ضرورة المعلول الأول، فمن المحتّم أن تنتهي كلّ هذه الضرورات الغيرية إلى ضرورة بالذات. إذن نحصل على النتيجة التالية:
أوّلاً: كل ضرورة بالغير تنتهي إلى ضرورة بالذات، أي أنَّ الوجود الممكن ينتهي إلى واجب الوجود.
المؤثر الخارجي.
نستنتج في ضوء مجموع ما تقدم أنَّ العلم يخالف الفلسفة بشكلٍ صريح في موضوع الحركة. وقانونغاليلو ونيوتن
، الموسوم بقانون الحتمية ينقض القاعدة الفلسفية " حاجة المعلول إلى العلة في البقاء ".
لكن الحق أنَّنا لو نظرنا من زاوية فيزيائية بحتة فسوف نجد أنَّ صحة قانون الحتمية النيوتني لا ينقض القاعدة الفلسفية المتقدّمة ولا ينقض أي قاعدة فلسفية أخرى. بل الشواهد الفلسفية تؤيّد ذلك القانون. ينشأ توهّم التناقض، كما يحصل في مواقع أخرى أحياناً، جراء استنتاجات نظرية غير منطقية، فتختلط بالنظرية الفيزيائية، وتنشأ هذه الأوهام.
إنَّ هذه النظرية تنتقض القاعدة الفلسفية " إنَّ بقاء المعلول يرتهن ببقاء العلة " فيما إذا أثبتت دوام الحركة بدون محرّك مباشر ؛ بينما إذا نظرنا من زاوية فيزيائية محضة واستبعدنا الاستنتاجات الشخصية غير المنطقية نلاحظ أنَّ القانون يبين علاقة حالة الجسم بالقوى الخارجية، يعني يبين العلاقة بين سرعة الجسم وبين القوّة الخارجية التي تتسلّط عليه، فيقول إنَّ تأثير القوة الخارجية ينحصر في تغيير سرعة الجسم لا في ذات السرعة. والقانون لا يبيّن العلّة المباشرة للسرعة، وبعبارة أُخرى القانون ساكت عن بيان القوّة المباشرة للحركة، بل هذا القانون
ثانياً: أنَّ سلسلة العلل التي يتوقّف عليها وجود المعلول تنتهي إلى علّة، ليست بمعلول، إذن فلسلسة العلل لا بد أن تكون متناهية.
إيضاح وتَذكير
اتّضح في ضوء البيان المتقدّم، إنَّنا نصل إلى هدفٍ واحدٍ من خلال
لا يمكنه أن يحدّد العلّة المباشرة لتغيير السرعة أيضاً. فهل العلّة المباشرة لتغيير السرعة هي القوى الخارجية أم أنَّ تأثير القوّة الخارجية في تغيير السرعة يتمّ بطريق غير مباشر، وبعبارة أخرى أنَّ هذا القانون تنحصر مهمّته ببيان علة إدامة الحركة، وهو ساكت عن بيان العلة المباشرة لحدوث الحركة.
إنَّ الأمر الذي يثير دهشة كاتب هذه السطور، ولم يجد له تفسيراً حتى الآن هو أنَّ النصّ الذي نقلناه فيما تقدّم قرر أنَّ الفكر البشري طبقاً للقاعدة الأرسطية يرى أنَّ الجسم يسكن جراء عجز القوة الخارجية التي تحرّكه عن التأثير واستمرار هذا التصوّر حتى مجيءغاليلو
. بينما نحن نعرف أنَّ نهج التفكير الفلسفي في هذه المسألة، أي في بيان العلاقة بين حركة الجسم والقوّة الخارجية يختلف عمّا تقدّم في هذا النصّ. إنَّ ابن سينا في مبحث الخلاء يقرر أنَّ الجسم إذا تحرك جراء قوة خارجية فسوف يستمر على الدوام بعد قطع علاقة الجسم بالقوة الخارجية، ما لم تحصل هناك عوائق وموانع عن الحركة. ومن الواضح أنَّ هذا النصّ مطابق لقانون الحتمية النيوتني، مضافاً إلى أنَّ علماء الفيزياء يطرحون هذا القانون على الصورة التالية: ليس هناك دليل على أنَّ الجسم يفقد الحالة التي اكتسبها، وحتى الفلاسفة يقيمون الأدلة أحياناً على أنَّ حالة الجسم تبقى محفوظة في
طريقين. فمن خلال طريق دراسة سمات الوجود الخارجي، وعبر طريق البحث في قانون العلية أيضاً، نصل إلى أنَّ كل ظاهرة موجودة وواقعية ذات ضرورة وجودية. أي أنَّ وجودها مع حفظ الشروط والقيود الخارجية لا
فرض عدم العوائق والموانع.
نعم ينظر الفلاسفة إلى موضوع البحث من زاوية أخرى، وبأدلّة خاصة لا يرون أنَّ القوة الخارجية هي العلة المباشرة لحركة الجسم، بل إنَّ المحرّك المباشر للجسم هو طبيعة الجسم، أيّ القوّة المتّحدة مع ذات الجسم، سواء أكانت الحركة حركة طبيعية أم حركةً قسرية. من هنا فالفاعل المباشر لحركة الجسم هو القوّة المتّحدة بذات الجسم لا القوّة الخارجية. إنّما ينحصر التأثير المباشر للقوّة الخارجية في إعداد تلك القوة المتّحدة مع الجسم والمسمّاة اصطلاحاً بـ " الطبيعة "، وهذه القوّة المباشرة لحركة الجسم أي طبيعة الجسم ترافقه حدوثاً وبقاءً، وهذا معنى أنَّ علّة الحركة موجودة مع الحركة حدوثاً وبقاء.
على أن نشير إلى أنَّ إثبات الفاعل المباشر للحركة لا يمكن أن يكون خارج الجسم، وإثبات وجود القوى المتّحدة مع الأجسام، التي يسمّيها الفلاسفة " الطبائع " أمر خارج عن دائرة البحث فيه وفق قواعد الفلسفة. وسوف نعكف في المقالة العاشرة على دراسة هذا الموضوع.
نحن هنا لا نريد أن ندّعي أنَّ النظرية التي تقرّر علاقة الجسم بالقوّة الخارجية وفق ما نقلناه عن ابن سينا، والنظرية التي تقرّر أنَّ الفاعل
يقبل أن يكون غير ما هو واقع. وهذه النسبة ( الضرورة ) تمنحها العلّة له. وهذه النظرية لا تقبل التشكيك والتردّد، على أن نأخذ بنظر اعتبارنا الملاحظتين التاليتين:
المباشر للحركة لا يمكن أن يكون القوة الخارجية أمر متّفق عليه بين جميع الفلاسفة، لكنّنا يمكننا أن ندّعي هنا أنَّ هاتين النظريتين لهما تأريخ واضح بين المحقّقين من الفلاسفة.
ليس لدي بالفعل إطلاع واضح عن نظرية أرسطو الشخصية في هذا الموضوع، ولم أتوفّر على مجالٍ لمراجعة كتب أرسطو بشكلٍ مباشر، لكنّني أعرف أنَّ الفلاسفة الإسلاميين لم ينسبوا لأرسطو الفكرة التي تقول: إنَّ الجسم يستمر بإدامة الحركة ما دامت هناك قوّة خارجية مؤثّرة عليه. ومن البعيد جداً أن يكون لأرسطو مثل هذا النظرية. فهل يمكن أن يغفل أرسطو أنَّ الحجر إذا قذف في الهواء سيستمر في الحركة إلى مدّة على الأقل بعد انفصاله عن القوّة الدافعة له ؟! وإذا حملنا نصّ أرسطو الذي نقلناه عن كتاب خلاصة فلسفية لنظريةإنشتاين
على أنَّ مقصود أرسطو من القوّة التي تحرك الجسم من وجهة نظر فلسفية هي طبيعة الجسم الداخلية لا القوة الخارجية من وجهة نظر فيزيائية، فسوف لا يكون هذا الحمل والتأويل بعيداً.
نأتي هنا لنضيف ملاحظة أخرى: لنفرض أنَّ قانون الحتمية النيوتني مغاير للقاعدة الفلسفية التي تقرّر بقاء العلّة مع المعلول ؛ لكن قانون نيوتن ليس قانونا تجريبياً ثابتا، لأنّّ هذا القانون لم يخضع للتجربة كما صرح في نص الدراسة الفلسفية لنظريةإنشتاين
. بل كانت التجربة في موضوع هذا القانون لون من ألوان الخيال العلمي لا التجربة الواقعية. ومن هنا يجب أن
الملاحظة الأُولى
المقصود من الظاهرة والحادثة، التي يطلق عليها ظاهرة وحادثة ضرورية حسب الاصطلاح الفلسفي، هي الظاهرة التي تمثّل وحدة حقيقية،
نتلقّى هذا القانون بوصفه فرضية علمية وليس قانوناً علمياً.
ثمّ إذا كانت إدامة الحركة لا تستلزم وجود محرّك يلزم أن تكون الحركة حدوثاً غنية عن العلّة أيضاً، وبتعبير آخر يلزم أن يكون تغيير السرعة أمراً ذاتياً ولا علاقة له بالقوة الخارجية ؛ كأنَّ للحركة حالة خاصة معيّنة وبواسطة هذه الحالة الخاصة كما تستغني عن العلّة ابتداءً تستغني عن العلّة بقاءً أيضاً. والحالة الخاصة هي أنَّ حقيقة الحركة عبارة عن الحدوث التدريجي، وبعبارة أخرى: الحركة وجود مستمر وجود مستمر ودوام الحركة عين دوام واستمرار الحدوث. فالحركة ليست أمراً يحدث في لحظة ويسكن في لحظات أخرى، بل كلّ جزء من الحركة يوجد في لحظة ويعدم في لحظة أخرى وفي اللحظة الأخرى يحصل جزء آخر من الحركة وهكذا... بقاء الحركة عبارة عن الاستمرار الاتصالي لهذه الحدوثات، وإذا كانت الحركة مستغنية في لحظة عن المحرّك والفاعل المباشر يلزم أن يكون الشيء مستغنياً عن العلّة في الحدوث. ومن البديهي إذا كان الشيء مستغنياً عن العلّة في الحدوث في مورد خاص يلزم أن يكون مستغنياً في جميع الموارد. وبعبارة أخرى إذا سمحنا للصدفة والاتّفاق في مورد خاص يلزم أن نجوّزها في سائر الموارد، وفي هذه الحالة يلزم إلغاء قانون العلية العام، وسوف لا يكون أي شيءٍ شرطاً لأي شيء، وليست هناك أية علاقة بين الأشياء. أي أن ننكر العلم والفلسفة والنظام والقانون دفعة واحدة. نكتفي هنا بهذا المقدار من الحديث،
ولا وحدة عرفية ؛ فنحن قد اعتدنا بالنسبة إلى مجموعة أمور متنوّعة ذات وحدات كثيرة أن ننظر إليها نظرة الظاهرة الواحدة بحكم تحقيقها لغرض واحد، ونفترض لها ضرورة واحدة، ونحسب أنَّ لها علّة واحدة. نظير
ونوكل البحث التفصيلي في أطراف هذا الموضوع حينما نتناول في المقالة العاشرة البحث حول موضوع الحركة.
في ختام هذا البحث، وبغية إيضاح قيمة الفكر المادي في هذا المجال نشير إلى فكرة: افرض أنَّنا لا نشترط بقاء العلّة مع بقاء المعلول، فهل بقاء العلّة لحظة حدوث المعلول شرط، أم أنَّ ذلك ليس شرطاً أيضاً، بل العلّة معدومة باستمرار زمان حدوث المعلول، نعم زمان العلّة فقط متصل بزمان المعلول، ولحظة حدوث المعلول هي لحظة موت وعدم العلّة ؟ إنَّ التصوّر المادي عن العلّة والمعلول ينحصر في أنَّ زمان العلّة متصلٌ بزمان المعلول وليست هناك فاصلة زمانية بينهما، وفي لحظة حدوث المعلول تفنى العلّة وتزول.
يقول الدكتورأراني
في كتيبه "المادية الديالكتيكية
" ( ص ٥٤ ) ما يلي: " ينبغي أن نلتفت إلى أنَّنا لا يصحّ أن نفترض العلّة والمعلول أمرين متزامنين. لقد ذهب فلاسفة القرون الوسطى إلى وحدة زمان العلّة والمعلول لأنّهم لم يعتبروا للآن الزماني وجوداً خارجياً. وخطأ هذه السفسطة أمرٌ واضح ؛ إذ ليس هناك أي فاصل زماني بينهما، لكن بداية أحدهما نهاية للآخر على كلّ حال. كما لو كان لدينا خطّان منفصلان أحدهما خلف الآخر فاتّصلا فلا يمكننا أن نقول إنَّ ما بين بداية أحدهما ونهاية الآخر فاصلة مكانية، ومع ذلك لا يمكننا أن نقول أنَّ كلا الخطين أشغلا مكانا واحداً. لقد اضطر فلاسفة
الإقامة في المدينة الواحدة، والسكن في الدار الواحدة، وتناول الفطور الواحد، وشرب كأس الماء الواحد، ونظير الفطور الواحد، البيت الواحد، المدينة الواحدة، الدولة الواحدة و... بينما لا يصحّ من وجهة النظر
القرون الوسطى إلى هذه السفسطة، لأنَّهم يواجهون في هذا الموضوع إشكالاً يرتبط ببداية الطبيعة ".
أنا لا أدري على أي شيء استند الدكتورأراني
في ربط نظرية بقاء العلّة مع المعلول بنفي الوجود الخارجي للآن ؟ نحن لا ندافع عن فلاسفة القرون الوسطى، ومن الممكن أن يكون أمراً من هذا القبيل قد جاء على لسانهم في أُوربا. لكن القارئ المحترم تعرّف على نهج وطريقة استدلالنا الخاصّين في هذا الموضوع. لكنّ المؤكّد أنَّ دعوى الدكتورأراني
في موضوع عدم بقاء العلّة في لحظة حدوث المعلول أضعف كثيراً من استدلال الاتجاه المدرسي في العصر الوسيط. لقد اضطرّ الدكتور أراني أن يطرح هذه النظرية ؛ لأنَّ مجرد إذعانه بأنَّ وجود العلّة ( ولو في لحظة حدوث المعلول ) أمر ضروري، يلزم أن يقرّ بوجود عالمٍ آخر باقٍ ودائم. وسوف يتّضح هذا الأمر بالتدريج.
ينبغي هنا أن نتابع المتن في طرح مسألة أُخرى، مستنتجة في ضوء الأبحاث السابقة، وهي عبارة عن " بطلان تسلسل العلل " وهي قضية تطرح في جميع العلوم وخصوصا في الفلسفة.
اتضح حتى الآن أنَّ نظام الموجودات نظام وجوبي وضروري، وهذه الضرورة والوجوب تنشأ جرّاء أنَّ هذا النظام نظام وجودات وليس نظام ماهيات، والوجود يساوق الضرورة، ومن هنا فهذا النظام نظام عِلّيّ
الفلسفية أن نعتبر أيّ مثالٍ من هذه الأمثلة ظاهرة واحدة ذات ضرورة واحدة وتستند إلى علّة واحدة، إذ لكلّ مثال من هذه الأمثلة وحدات كثيرة.
ومعلولي، والعلّة تمنح المعلولَ الوجودَ كما تمنحه الضرورة أيضاً، أي أنَّ المعلول يكسب وجوده وضرورته من قبل العلّة، وما لم تتوفّر العلّة على الوجود والضرورة لا يمكن أن تكون معطية للوجود والضرورة إلى المعلول، واتضح ضمناً أنَّ المعلول يكسب وجوده وضرورته حدوثاً وبقاءً من قبل العلّة.
نستنتج أنَّ الموجودات القائمة في العالم والتي ندركها بشكلٍ مباشر ذات ضرورة وجودية، وتكتسب ضرورتها ووجودها من قبل العلل الموجودة والضرورية إلى جانبها.
وهنا يطرح سؤالان:السؤال الأوّل
: هل هذه العلل لم تكسب وجودها وضرورتها من الخارج، أي أنَّها هويات قائمة بذاتها، أم أنَّ هذه العلل تكسب وجودها وضرورتها أيضا من علل خارجية، وعلى الفرض الثاني هل سلسلة هذه العلل متناهية أم غير متناهية ؟
السؤال الثاني
: سواء أكانت سلسلة العلل متناهية أم غير متناهية فهل تنتهي جميع سلاسل العلل إلى سلسلة غير متناهية، أو تنتهي إلى ذات لها هوية قائمة بالذات ومستقلّة، أم أنَّها تنتهي إلى سلاسل غير متناهية، أو هويات مستقلّة قائمة بالذات ؟
السؤال الأوّل هو السؤال الذي يطرح إشكالية تسلسل العلل. وقد أقام الحكماء براهين كثيرة على بطلان تسلسل العلل. وقد طرحت منذ العصر اليوناني براهين على بطلان التسلسل. وقد أقام الحكماء الإسلاميون نظير ابن
حينما نتناول كأساً من الماء فقط، فهو عمل واحد حسب الظاهر، لكنّنا في الواقع نمارس حركات مختلفة وكثيرة، ولكلّ واحدٍ منها وجود وضرورة وعلّة.
سينا والفارابي ونصير الدين الطوسي والميرداماد وصدر المتألهين كلّ واحد منهم برهاناً على بطلان تسلسل العلل، أو على الأقل رمموا أو أكملوا البراهين التي أقامها الآخرون. وقد طرحت إشكالات وانتقادات حول هذه البراهين، ولا داعي للورود إلى هذا الميدان هنا. إنَّما نكتفي هنا بذكر برهان يرتبط بأفكار هذا المقالة ارتباطاً كبيراً، وهو أفضل برهان ـ من زاوية وجهة نظرنا ـ أقيم على بطلان تسلسل العلل.
أفضل برهان على امتناع تسلسل العلل هو البرهان الذي ينطلق من قاعدة ضرورة نظام الموجودات. وهذا البرهان طرحه لأوّل مرّة الفيلسوف نصير الدين الطوسي، وفتح الطريق أمام الآخرين، وقد أشار المتن إلى هذا البرهان. ونحاول هنا أن نوضح هذا البرهان بشكل بسيط ما وسعنا الإيضاح:
نظام الموجودات نظام علّيّ وضروري، وكلّ معلول يكسب ضرورته من قبل علّته. فهل هذا النظام الضروري العلّي في الواقع يتألّف من ضرورات بالغير، يعني سلسلة علل ومعلولات غير متناهية، وكلّ علّة بدورها معلولة لعلّة أُخرى وهكذا... أم أنَّ هذا النظام يتألّف من ضرورات بالغير وضرورة بالذات، أي أنَّ جميع الوجودات والضرورات تنتهي إلى موجود قائم بالذات وكامل بالذات وضروري بالذات، وهو غير متناهٍ شدّة وكمالاً، وهو أَساس جميع الوجودات، ومنبع جميع الضرورات والوجودات بنظامٍ وترتيبٍ معين ؟
إنَّ هذا النسق يقتضيه البحث في علّة وضرورة كلّ ظاهرة، رغم أنَّ سياقا آخر من البحث ( كما سيأتي تفصيلاً ـ إن شاء الله ـ في المقالة العاشرة ) يقرّر أنَّ عالَم المادة وحدة واحدة لا غير، ومن هنا يلزم القول: إنَّ له ضرورة
لا يمكن تفسير هذا النظام على أساس الفرض الأوّل ؛ لأنا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أي معلول خاص وأردنا أن نعرف: لِم توفّر هذا الشيء على الضرورة والوجود ؟ فمن الممكن أن نفترض ابتداءً في الإجابة: لأنَّ علّته كانت موجودة وضرورية، ومع افتراض وجود العلّة يكون وجود هذا الشيء ضرورياً، ولا يقبل التخلّف. ولكن يطرح لدينا مرةً أُخرى سؤال: لِم توفرت علّته على الوجود، أي لماذا لم يعدم المعلول ( الذي هو علّة لما بعده ) بعدم علّته ؟ من الممكن أيضاً أن نقول: لأنَّ علّة هذه العلّة كانت موجودة، ومع فرض وجود علّة هذه العلّة يكون وجود هذه العلّة ضرورياً، ولا يقبل الانفكاك.
يطرح للمرة الثالثة السؤال التالي: لِم لم يكن المعلول ( الذي أخذناه بنظر الاعتبار ) معدوماً عن طريق عدم علّته ؟ رغم أنَّ هذا الاستفهام سيجاب عليه بجوابٍ مشابه للأجوبة المتقدمة، لكننا إذا استفتينا العقل وسألناه: لماذا لم يكن هذا المعلول الخاص معدوماً بعدم جميع هذه السلسلة اللامتناهية، ولِم لم يحل العدم المحض محل هذه السلسلة ؟ عندئذٍ لا يجد العقل جواباً. وبعبارة أُخرى: إنَّ المعلول المقصود يتوفّر على الوجود حينما يتوفّر على ضرورة الوجود، ويتوفّر على ضرورة الوجود حينما تفقد جميع إمكانات عدمه، ومن هذه الإمكانات عدمه بواسطة عدم جميع هذه السلسلة.
نعم ؛ إذا كانت هذه السلسلة مؤلّفة من الضرورة الذاتية والضرورة
واحدة ويستند إلى علّة واحدة. نشير إلى هذه الفكرة الأخيرة إشارة، وإيضاحها الكافي ينبغي تلمّسه عبر المقالات القادمة.
الملاحظة الثانية
النظريّتان المتقدّمتان:
ـ كلّ ظاهرة معلولة لا تتوفّر على الوجود ما لم تتوفّر على الضرورة.
الغيرية يصبح عدم هذه السلسلة أمراً محالاً، أي أنَّ المعلول المقصود لا يمكن أن يعدم عن طريق عدم جميع هذه السلسة ؛ لأنَّ عدم هذه السلسلة يستلزم عدم واقع ضروري بالذات، وممتنع العدم بالذات، وليس لهذا الواقع بأي وجه من الوجوه إمكانية العدم، وحيث إنَّ هذا الواقع موجود يلزم من وجوده وضرورته وجود وضرورة جميع آحاد السلسلة بترتيب ونظام معين. أمّا إذا فرضنا أنَّ هذه السلسلة مؤلّفة من ضرورات بالغير فلا يستحيل عدم هذه السلسلة عن طريق عدم جميع آحادها ؛ إذن فعدم المعلول المقصود ليس محالاً أيضاً ؛ إذن فهذا المعلول غير ضروري ؛ إذن لا يمكن أن يكون موجوداً.
وبتعبير آخر: نظام الموجودات نظام متحقّق، وحيث تحقّق فهو ضروري، ولا يمكن عدمه، أي يستحيل أن لا يكون هذا النظام موجوداً من الأساس، ويحلّ محلّه العدم المحض. بعد أن تبين أنَّ هذا النظام نظام متحقّق وضروري، فإذا توفّر على ضرورة بالذات أمكن تبرير وتفسير تحقّق هذا النظام وضرورته ؛ لأنَّ علّة وجود وضرورة هذا النظام هي وجود واقع فيه يستحيل عليه العدم بالذات، ومن ثمَّ يترشّح من هذا الواقع الضروري الذي
ـ العلّة هي التي تعطي الضرورة للمعلول.
يعطيان النتيجة التالية: لكلّ معلول بالنسبة إلى علّته ضرورة نسبية. أي إذا قِسنا المعلول إلى علّته فسوف يتوفّر على نسبة الضرورة، وهذه النسبة أي الضرورة بالقياس، تنحصر بين المعلول وعلّته التامة، ولا تحصل
يستحيل عليه العدم بالذات ( الذي نسمّيه علّة العلل ) امتناع العدم والضرورة على سائر الأشياء التي لا يستحيل عليها العدم بالذات. أمّا إذا لم تكن هناك ضرورة بالذات في هذا النظام فلا يمكن تبرير وتفسير تحقّق هذا النظام وضرورته ؛ لأنَّ نسبة هذا النظام إلى الوجود وعدم الوجود متساوية، وبعبارة أُخرى: إنَّ كل واحد من آحاد هذا النظام بلا استثناء تكون نسبته إلى الوجود ( عن طريق وجود سلسلة العلل اللامتناهية ) وإلى العدم ( عن طريق عدم جميع السلسلة ) متساوية ؛ إذن ليس هناك منشأ لتحقّق وضرورة هذا النظام.
على هذا الأساس يلزم قطعاً وجزماً أن يتكئ عالم العلّة والمعلول على علّة بالذات أو علل بالذات. ولكن هل تنتهي الأُسس العلية والمعلولية إلى علّة واحدة بالذات وواجب الوجود بالذات، أم ليس هناك مانع من تعدد العلّة بالذات والواجب بالذات ؟ وبعبارة أخرى: هل منبع ومنشأ ومبدأ الكل واحد أم لا مانع من تعدّده ؟ وعلى أساس كلا الفرضين فهل هذه العلّة أو العلل بالذات من سنخ المادة أم مجردة عن المادة ؟ الأفكار التي تشكل جواب هذا الاستفهام تستدعي بحثاً تفصيلياً وطويلاً، وقد تكفّلتها المقالة عشرة التي تبحث في الإلهيات.
نذكّر في الختام بأنَّ بحثنا هنا في تسلسل العلل ينصب على العلّة الفاعلية، أمّا هل يمتنع التسلسل في العلل الغائية أو العلل الصورية والعلل
بين المعلول وأجزاء العلّة، ولا بين المعلول وما هو خارج عن العلّة، بل تنحصر في العلّة التامة ؛ لأنَّها هي التي تعطي الضرورة. أمّا إذا قسنا الشيء إلى غير علّته التامة فسوف تكون له نسبة أخرى، مغايرة لنسبة الضرورة، ويطلق عليها نسبة الإمكان بالقياس.
مثلاً: إذا قسنا الماء إلى تركيب الهيدروجين والأُكسجين مع توفر سائر الشروط الزمانية والمكانية، فسوف نقول: إنَّ حصول ظاهرة الماء أمر ضروري. لكنّنا إذا قسنا الماء إلى الأُوكسجين فقط فسوف لا تكون هناك ضرورة وجودٍ للماء، لأنَّ الأُوكسجين وحده لا ينتج الماء، ولكن ليديه ( إمكان )، أي إذا انضمّت سائر أجزاء علّة وجود الماء وسائر الشروط لديه ( إمكان )، أي إذا انضمّت سائر أجزاء علّة وجود الماء وسائر الشروط إلى الأُوكسجين وإلاَّ فلا. إذن، فيمكن للأُوكسجين أن يصبح ماءً ( مع وجود سائر الأجزاء والشروط )، ويمكن أن لا يصير ماء ( مع عدم بقية الأجزاء
المادية أم لا يمتنع ؟ فهذا بحث آخر خارج عن موضوع بحثنا الحاضر. ومن نافلة القول التذكير بأنَّ الشروط والمعدّات، أيّ مراحل وجود الشيء، التي يصطلح عليها أحياناً " العلل الإعدادية " خارجة عن موضوع البحث وعن إشكالية تسلسل العلل خروجاً كاملاً ؛ إذ لاحظنا أنَّ براهين بطلان تسلسل العلل تنصب على العلل الواجبة الموجودة بصحبة وجود المعلول. أمّا الشروط والمعدّات التي تقع في طريق وجود الشيء، وليست عللاً معطية للوجود فلا ضرروة لوجودها بصحبة المعلول، بل يجب أن تتقدّم زماناً على وجوده. من هنا لا يصح التوهم بأنَّ بطلان تسلسل العلل يلزم منه تناهي سلسلة الشروط والمعدات، أي أنَّ الحوادث الزمانية التي تتدخّل في وجود الشيء متناهية، ومن ثمَّ يتناهى الزمان والحوداث الزمانية.
والشروط ). وكذلك الأكل، الذي هو أحد أفعالنا، فإذا قسناه إلى علّته التامة ( الإنسان، العلم، الإرادة، سلامة الأعضاء الفاعلة، وجود مادة الأكل، وسائر الشروط الأخرى ) يصبح وجوده ضرورياً. أمّا إذا قسناه، مع غضّ النظر عن الأجزاء والشروط الأُخرى، كما لو قسناه على الإنسان فقط، أو على الإنسان والعلم فقط، فسوف لا تكون له نسبة الضرورة، بل سوف يكون ممكناً، أي يمكن أن يصدر من الفاعل ويمكن ألاّ يصدر من الفاعل.
وهذا هو عين الاختيار
(٨)
، الذي يثبته الإنسان لنفسه بالفطرة، ويعتبر نفسه مختاراً، أي حرّاً في الفعل والترك، ويعدُّ أفعاله بالنسبة له اختيارية.
٨ ـ يفضي البحث في الوجوب والضرورة وحتمية نظام الوجود إلى طرح إشكالية " الجبر والاختيار "، هذه الإشكالية التي استقطبت اهتمام العلماء والفلاسفة منذ سالف العصور. لقد اهتمّ بمعالجة هذه الإشكالية الفلاسفة وعلماء النفس والأخلاق، وعلماء الكلام والفقهاء ورجال القانون، كلّ من زاوية خاصة ؛ فبما أنَّ البحث يرتبط من زاوية من زواياه بنسق السلوك الإنساني ومناشئ السلوك النفسية فهو يرتبط بالبحث النفسي، وحيث إنَّ الجبر والاختيار ـ في وهم بعض الباحثين ـ عبارة عن ضرورة وإمكان الأفعال الإنسانية في نظام الوجود فالبحث حوله يرتبط بالفلسفة، وبما أنَّه يرتبط بعلاقة العلم والإرادة الإلهية بأفعال الإنسان فهو مرتبط بالبحث في علم الكلام والإلهيات في الفلسفة. وبحكم ارتباط البحث في الجبر والاختيار بموضوع المسئولية والجزاء على الأفعال فهو مرتبط بالبحث الفقهي والقانوني. ومن زاوية ارتباط البحث في الجبر والاختيار بموضوع الفطرة والسلوك الخلقي المحترم فهو يرتبط بعلم الأخلاق.
لو كان الإنسان لا يدرك بالفطرة أنَّه مختار فسوف لا يمارس أعماله إطلاقاً على أساس التفكير والتروّي، ولا يقيم مجتمعاً تحكمه الأوامر والنواهي والجزاء والتربية ومستلزماتها. إذ كل ما هو واقع واقع لا محالة،
جراء تعدد الأبحاث وتعدد زواياها في هذا الموضوع نشأ تشويش حول تحديد مفهوم الجبر والاختيار، أي أنَّ هذين المصطلحين لم يتوفّرا على تعريف موحدٍ لدى جميع الباحثين، فكل فريق منهم تناول البحث في الجبر والاختيار على أساس مفهوم خاصٍ لهما. لكن هناك قاسماً مشتركاً بين هذه البحوث وهو: إنَّها سعت جميعها إلى اكتشاف حدود حرية الإنسان العملية، وبعبارة أخرى: إنَّ الجميع سعوا إلى الإجابة على هذين الاستفهامين: هل الإنسان حر في أعماله أم لا ؟ وإذا كان حراً فما هي ماهية هذه الحرية ؟
نسعى في هذا البحث إلى دراسة هذا الموضوع من زاوية فلسفية، أي نحاول إيضاح العلاقة بين موضوع الجبر والاختيار وقضية ضرورة نظام الوجود، وسوف نلقي الضوء ضمن هذه المحاولة على جوانب البحث وزواياه الأخرى.
على أساس قاعدة " ضرورة ووجوب نظام الوجود " ليس هناك وجود لأيِّ حادثة في العالم دون وجوب وضرورة. ومفهوم هذه المقولة ـ في ضوء ما تقدّم ـ يعني أنَّ كل حادثة من الحوادث تتحقّق حتماً وبالضرورة عندما توجد علّتها التامة، ويستحيل أن لا تتحقّق حتماً وبالضرورة عندما توجد علّتها التامة، ويستحيل أن لا تتحقّق. وإذا لم توجد علّتها التامة ـ سواء لنقص في شروطها ومقتضياتها أم لوجود مانع يحول دونها ـ فسوف لا توجد الحادثة بالضرورة، أي يستحيل وجودها في هذا الفرض. إنَّ كل حادثة تقع في العالم تحكي عن وجود علّتها التامة، ومن ثمَّ عن
وكل ما هو غير واقع لا محالة، وليس هناك شيء غير متحقّق يمكن أن يتحقّق، وليس هناك فعل لم نمارسه بالفعل ويمكننا إنجازه.
ضرورتها ووجوبها، وكلّ حادثة ممكنة لا تتحقّق تحكي عن عدم علّتها التامة، ومن ثمَّ عدم ضرورتها، بل ضرورة عدمها.
إنَّ إنكار قانون العلية كناموس لعالم الوجود يعادل ـ كما تقدم ـ الصدفة والاتفّاق وإنكار كل قاعدة ونظام وحقيقة في العالم، كما أنَّ إنكار قانون ضرورة نظام الوجود يعادل الصدفة وإنكار كل قاعدة ونظام. وهذا القانون لا يقبل الاستثناء. أي أنَّ كل ظواهر الوجود تخضع له، دون استثناء.
من هنا تتنفس إشكالية الجبر ؛ إذ لما كان نظام الوجود ضرورياً، وكل حادثة تقع فيه توجد بالحتم والضرورة ويستحيل أن لا توجد، وهذا قانون لا استثناء فيه، فمن المحتم أن يكون شاملاً لأفعال الإنسان وحركاته، التي هي جزء من نظام الوجود، وهذا يعني أنَّ كل فعل يصدر عن الإنسان يصدر عنه بالضرورة شاء أم أبى، وما لا يصدر عنه لا يصدر شاء أم أبى، وليس هناك أي فعل من أفعال الإنسان يمكن أن يصدر ويمكن أن لا يصدر ؛ إذن لا يتمتع الإنسان بأي لون من ألوان الاختيار والحرية في أفعاله، لأنَّ الاختيار إمكان والجبر ضرورة، وقد لاحظنا أنَّ العالم عالم حتمية وضرورة وليس عالم إمكان. وبعبارة أُخرى:
إنَّ وقائع الكواكب والأفلاك من الذرة حتى السيارات الكبرى تجري وفق نواميس وقوانين ضرورية، فالخسوف والكسوف والزلزلة والليل والنهار والمطر وغيرها وقائع تحصل جرّاء عللٍ محددة يقينية ويمكن التنبوء بها. والأمر كذلك بالنسبة لأفعال الإنسان والحوادث التي تقع منه، أي أنَّها
والمحصّلة هي أنَّه لا يصحّ توسيع دائرة سمة الضرورة الثابتة بين الأشياء وعللها التامة، وإثباتها بين كلّ الأشياء، كما توّرط المفكّرون المادّيون بهذا الخطأ ؛ فنفوا الاختيار ( نسبة الإمكان ) من الأساس، بعد إثبات
تجري وفق قوانين ونواميس، وتحصل جرّاء علل محددة يقينية، ومن هنا ليس هناك أي لون من الحرية والاختيار، وكلّ ما هو حاصل جبري ومحدود وضروري. إذن لا يمكن أن نتحمل أي مسئولية إلهية أو بشرية ولا يمكن أن نستحق ثواباً أو عقاباً ؛ لأنَّ التكليف والمسئولية والثواب والعقاب فرع الحرية والاختيار ؛ وحيث إنَّ كل ما هو موجود جبرٌ، فليس لأي من هذه المفاهيم معنى وفعالية.
لا شكّ أنَّ هذه الإشكالية من المعضلات الكبرى التي استحوذت على الفكر الإنساني. ومن النادر أن تجد باحثاً عالج هذه الإشكالية بشمول واستيعاب، وقدم لها معالجة سليمة ناجحة. فأغلب الباحثين الذين وردوا هذا الميدان ( من أَدعياء الفلسفة، أو علماء النفس، أو الأخلاق، أو علماء أُصول الفقه ) سلكوا منذ البدء منهجاً خاطئاً، أو أغفلوا بعض جوانب المشكلة ولم يحيطوا بجميع أطرافها، أو لم يتمكّنوا من هذه الإحاطة وشمولية البحث.
إنَّ هذه الإشكالية مضافاً إلى زاويتها النظرية ذات أهمية عملية أيضاً ؛ لأنَّ نتيجة الجبر رفع المسئولية والتكليف عن عاتق الإنسان، وإلغاء دور التربية والتهذيب الخلقي، ومن ثمّ التحلّل والانحطاط والضياع، والاتجاه الجبري من أخطر الاتجاهات على الأخلاق والسلوك، وهو ذريعة قد يتّخذها البعض لتبرير أعمالهم المشينة. من هنا سنرد هذا البحث بشكلٍ تفصيلي، ونسعى إلى تقديمه للقارئ المحترم بأسلوب بديع لم يعهده سابقاً.
( الضرورة ) في جميع الحوادث والأفعال الاختيارية وغير الاختيارية، فوقعوا في وحل تناقضات غريبة، والأغرب منها طرحهم الذي يقرّر أنَّ إثبات الاختيار يستلزم إنكار العِلّية وتبني نظرية الصدفة والاتفاق، والاعتقاد
يمكننا أن نذكر خلاصة الاتجاهات المطروح في الموقف من إشكالية الجبر والاختيار، عبر الجدول التالي:
صدور الأفعال من الإنسان ضروري وجبري، وليس هناك أي لون من الحرّية والاختيار، ولا يصح تحميل الإنسان أيّ مسئوليةٍ وتكليف.
|
الجبرية المطلقة، يتبنّاها أفراد يظهرون في فترات مختلفة، وليس لهذا الاتجاه مدرسة محدّدة المعالم.
|
صدور الأفعال من الإنسان ضروري وجبري، وليس هناك أي لون من الحرّية والاختيار، ولكن يصح تحميل الإنسان مسئوليةً وتكليفاً.
|
المادّيون المُحدثون.
|
ليست هناك أي ضرورة ووجوب يحكم وقائع العالم، ومن ثمَّ ليست هناك ضرورة حاكمة على الأفعال الإنسانية، العلّية تنحصر في عالم المادة، أمّا غير المادي، كنفس الإنسان وذات الباري، فنسبتها إلى أفعالها نسبة الفاعل لا العلّة، والعلة نسبتها إلى معلولها هي الضرورة، أمّا الفاعل فنسبته إلى آثاره ليست ضرورية.
|
منكرو العلّية، نظير بعض علماء الكلام وبعض علماء الفيزياء الحديثة.
بعض المتكلّمين وبعض علماء أُصول الفقه.
|
ليست هناك أيّ ضرورة ووجوب وحتمية تحكم السلوك الإنساني، لان هذا السلوك توأم الإرادة، والإرادة لا تخضع لقانون العلية العام.
|
بعض علماء النفس.
|
نظام الوجود نظام ضروري، ولا يقبل الاستثناء، والإنسان مختار وحرّ في أفعاله، بأعلى صور الحرية، ولا تعارض بين حتمية نظام الوجود وحرية الإنسان.
|
نظرية المحقّقين من الحكماء المسلمين، وهي نظرية هذه المقالة.
|
بالحتمية يستلزم إنكار الصانع الواجب، وإنكار الإعجاز ونظائر هذه الأُمور. وكلّ هذه الأوهام نتجت جرّاء تشبث هؤلاء المفكّرين بالحتمية ( النسبة بين المعلول والعلة التامة )، ونسوا الاختيار ( النسبة بين المعلول والعلّة غير التامة ).
واضح في ضوء هذا الجدول أنَّ الاتجاهات المعارضة لاتجاهنا تقع في اتجاهين رئيسيين، أحدهما اتجاه من يؤمن بالضرورة والحتمية العلية، ويذهب إلى اضطرار الإنسان، والاتجاه الآخر ينكر بشكلٍ من الأشكال الحتمية العلية في السلوك الإنساني، ويؤمن بحرية واختيار الإنسان. وفي الواقع يتّفق هذان الاتجاهان على قاسم مشترك وهو وجود ترابط وتلازم بين قانون الحتمية العلية وفقدان الإنسان لحرية اختياره، وتلازم بين اللاحتمية وحرية الإنسان واختياره، غاية ما في الأمر أذعن اتّجاه منهما بالحتمية العلية فأنكر حرية الإنسان، واختار الاتجاه الآخر حرية الإنسان وأنكر الحتمية العلّية في السلوك الإنساني.
تقف نظريتنا في النقطة تماماً للقاسم المشترك بين هذين الاتجاهين، أي أنَّنا لا نرى أي تلازم بين قانون الحتمية العلّي وبين جبرية الفعل الإنساني، ولا نرى أي تلازم بين اللاحتمية العلية وبين اختيار الإنسان. بل ندّعي أنَّ الحتمية العلية في مورد الإنسان ـ مع الأخذ بنظر الاعتبار المقدمات الخاصة والعلل المباشرة لأفعال وحركات الإنسان ـ تؤيد حرية واختيار الإنسان، وإنكار الحتمية العلية على مستوى أفعال الإنسان يؤدي إلى تحديد وسلب الحرية والاختيار الإنساني.
من هنا يرتدي بحثنا ثوباً جديداً ومثيراً للاستغراب والدهشة، وعلينا
يقولون: إنَّ ما نحسّه وتثبته التجارب العلمية وغير العلمية هو أنَّ كل ظاهرة في عالم الوجود وليدة علّة، تتحقّق بتحقّقها، ويزول المعلول بزوالها. إذن فوجودُ أيِّ موجود حتميّ، ولا يمكن تخلّفه، ومن هنا فجميع
هنا أن نعكف على بحثين، نثبت في الأوّل عدم التلازم بين نفي الحتمية العلية وبين الاختيار والحرية، بل يتعارضان، ونثبت في الثاني أنَّ الحتمية والضرورة العلية على مستوى الأفعال الإنسانية لا تتعارض مع حرية واختيار الإنسان، بل تؤكّدها وتؤيّدها.
البحث الأول:
لنفرض أنَّنا لا نؤمن بالحتمية والضرورة العلية في أفعال الإنسان أو مبادئ أفعاله " كالإرادة "، أي لا نؤمن بوجود علة تامة نسبتها إلى هذه الأفعال نسبة الضرورة والوجوب، فسوف نضطر إلى تفسير هذه الظواهر على أساس الصدفة ( سواء أنكرنا قانون العلية أساساً أم أنكرنا الارتباط الضروري بين المعلول وعلته، لأننا لاحظنا في مقدمة هذه المقالة أنَّ فرضية نفي الحتمية العلية تلازم الصدفة والاتفاق ) ؛ وحينئذٍ يمكن للإنسان أن يتوقّع أي حركة وفعل منه، في ظل كل شرط وكل آن وكل حالة، ولا يمكنه الاطمئنان من عدم وقوع أي فعل منه في ظل أي شروط وأي حالة ؛ إذ لو أنكرنا العلل التامة التي تكون نسبتها لأفعال الإنسان نسبة الضرورة والوجوب فسوف يتحتم علينا أن نعهد بزمام الأفعال إلى الصدفة، ونؤمن بأنَّ الإنسان نفسه لا يمكنه التدخّل بأي وجهٍ من هذه الأفعال. ولا شك أنَّ هذه الفرضية تلازم نفي الحرية والاختيار الإنساني، بل لا معنى للحرية من حيث الأساس على هذا
ظواهر وحوادث العالم ـ سواء أكانت حوادثاً طبيعية أم إنسانية ـ نظير الحوادث الاجتماعية وممارسات الإنسان الفردية، جميع هذه الظواهر تخضع لقانون الطبيعة الكلي ( العلة والمعلول )، ومن ثمّ تحكمها الحتمية والجبر.
الفرض، بل لا يمكن على أساس هذا الفرض أن نعتبر الفعل فعل إنسان خاص، بل فعل أي فاعل.
إذن، فأولئك الذين حاولوا الفرار من الجبرية عن طريق إنكار قانون العلّية العام أو إنكار قانون الحتمية العلية، أو الذين حاولوا الفرار من الجبرية بإدخال الاستثناء على أحد هذين القانونين للوصول إلى الحرية، سلكوا طريقاً لا طائل من ورائه. نعم سلوك هذه الطرق ( على فرض صحتها ) يؤدّي إلى الاعتقاد بأنَّ الإنسان غير مجبر لعلّةٍ خارجية، ولكن سنسلب الحرية وننفي الاختيار عن طريقٍ آخر، أي عن طريق الصدفة والاتفاق، ويفضي الموقف إلى قهر وتقييدٍ مثير. إنَّ خطأ هؤلاء الباحثين يكمن في رؤيتهم للموقف بعين واحدةٍ، أي أنَّهم حاولوا الفرار من مخالب الجبر مقابل العلل الطبيعية وما فوق الطبيعية على أساس فرضية إنكار الضرورة العلّية، لكنهم لم يروا النقطة الأخرى في هذا الموقف، وهي أنَّ هذا الموقف يفضي إلى سلب حرية الإنسان واختياره عن طريق آخر وهو الصدفة الصماء العمياء.
البحث الثاني:
إنَّ ضرورة أفعال وحركات الإنسان في نظام الوجود لا تتنافى مع حرية الإنسان واختياره ؛ لأنَّ كلّ معلول يتوفّر على الضرورة، إنَّما يتوفّر
وإذا كان الإنسان مختاراً في أفعاله الفردية والاجتماعية يلزم غياب قانون العلية والمعلولية. ومن ثمّ نستثني الإنسان في هذه الحالة عن عموم القانون، ونجعله إلهاً في عالمه، والإنسان على أساس هذا الفرض لا يمكن أن يتنبأ أو يتابع شيئاً، وأن ينجز فعلاً ويستهدف هدفاً. إذن ؛ فالاختيار الذي
عليها بواسطة علته التامة. وأفعال الإنسان إنَّما تصبح ضرورية بواسطة علّتها التامة. والعلّة التامة للفعل الإنساني مركبة من مجموع غرائزه وميوله وعواطفه وخلفياته الذهنية وقدرته العقلية على التحليل والموازنة والتقدير وقدرته على التصميم والإرادة. أي أنَّ كل فعل يصدر من الإنسان يلزم أن يشبع حاجة لديه، أي لابد من انسجامه مع أحد ميوله وغرائزه على الأقل.
من هنا فكل فعل يتصوّر الإنسان أداءه، دون أن يشبع حاجة، ودون أن يرضي أي غريزة وميل، وعلى حد تعبير الحكماء ( إنَّ النفس لا تصدق بقائدته ) لا يمكن أن تتجه قوى الإنسان الفعالة صوب إنجازه، وبعد إحراز انسجامه مع إحدى غرائز وميول الإنسان تتدخّل معلومات الإنسان ومخزونه الذهني، لتوازن القوّة العاقلة وتقيّم الفعل من زواياه المختلفة حتى الإمكان، فإذا اكتشفت أنَّ للفعل مضاراً مقبلة، أو تعارضاً مع ميولٍ ورغباتٍ أسمى من إشباعه للميل الآني فسوف تتحرّك الإرادة لكبح جماح الغريزة. وإذا لم يكن هناك مانع وضرر وتعارض، أو كان الضرر والتعارض مرجوحاً فسوف تولد حالة التصميم والإرادة لدى الإنسان، فيقع الفعل.
على أي حال فالإنسان بعد الموازنة والتقويم أمّا أن يرجّح جانب الفعل وأمّا أن يرجّح جانب الترك، وفي كلا الحالين فالذي يمنح الفعل الوجود ويوفّر له الضرورة هو ترجيح واختيار وإرادة الإنسان ذاته. إذن فالحقّ أنَّ
يثبته الإنسان لنفسه ليس له هوية خارج الذهن، وهو مفهوم لا مصداق له، إنَّما المسلم والثابت هو أنَّ لكلّ شيء في عالم الخارج علّة، يتحتّم وجوده بواسطتها. وأما تضحياتنا على طريق أهدافنا أو ممارستنا التربوية والأخلاقية ( الأمر والنهي ) فلا تنطلق من حريّتنا في أفعالنا. بل لأنَّ أفعالنا
كل فعل من أفعال الإنسان يتحقّق على أساس الضرورة والوجوب، وإذا كان تركاً فوفق الضرورة والوجوب يكون تركاً أيضاً ؛ لكنّ العلّة التي تمنح الضرورة للفعل أو الترك هي إرادة الإنسان ذاته، وليس أمراً آخر، ومفهوم الضرورة هنا أنَّ أفعال الإنسان ضرورية بالاختيار، وهذه الضرورة لا تنافي الاختيار، بل تؤكّده وتؤيّده.
وحينما نقول إنَّ بعض أفعال الإنسان ضرورية الوجود، وبعضها ضروري العدم فهذا لا يعني أنَّ أفعال الإنسان لا تتّصف بأيّ وجه من الوجوه بالإمكان، أي أنَّ أي فعل من أفعال الإنسان لا يمكن أن يتّصف بإمكان الوجود وإمكان العدم ؛ إذ حينما نقول ضروري الوجود نعني مع فرض توفّر كلّ الشروط الدخيلة وتمام أجزاء العلّة، وحينما نقول ممتنع، نعني مع فرض عدم توفّر جميع الشروط والمقدّمات، وإلاّ فكلّ فعل في ذاته ممكن أن يوجد ومكن أن لا يوجد، كما أنَّ كل فعل مع الأخذ بنظر الاعتبار بعضَ شروطه ومقدّمات وجوده ممكن أن يوجد وممكن أن لا يوجد. مثلاً إذا أخذنا فعلاً من أفعال الإنسان مع غض النظر عن علم الإنسان وإرادته واختياره فسوف يكون ممكن الصدور عن الإنسان وممكن أن لا يصدر عنه، ولكن إذا نظرنا إلى الفعل وهو توأم علم وإرادة واختيار إنسان للفعل، فالفعل بالنسبة للإنسان في هذه الصورة ضروري الوجود، وليس ممكناً.
تلعب دوراً في تحقيق الأهداف المادية. وإذا لم نمارسها لا نستطيع الحصول على نتيجة الفعل. خلافاً للوقائع الكونية الأُخرى نظير الكسوف والخسوف وحركة الأرض وغيرها، حيث لا أثر لأفعالنا في وجودها وترتهن بعللها وأسبابها فحسب.
وبغية أن نتعرّف بشكل أفضل على مفهوم اختيارية أفعال الإنسان يحسن أن نقوم بمقارنةٍ بين نسق الفعاليات الإنسانية ونسق فعاليات الجماد والنبات والحيوان:
أبرز سمات فعاليات الجماد هي أنَّه ليس على وتيرة واحدة، ونهج واحد محدود. فكلّ جسم جامد ـ بدءاً من الذرة حتى أكبر المنظومات الشمسية ـ يمارس فعاليته على وتيرة واحدة، والجسم الجامد لا يمتلك بذاته إمكانية المروغ والانحراف عن الجهة التي يسير عليها، إلاّ إذا تدخّلت عوامل خارجية فغيّرت المسير، أو إذا أوجدت تغييرات داخل ذلك الجسم، بحيث تؤدّي إلى حدوث تغييراتٍ في سلوك الجسم وآثاره.
أمّا حينما نقرأ فعاليات النبات نلاحظ اختلافات بين هذا اللون من الفعاليات وفعاليات الجماد ؛ فالنبات يتمتّع بخصوصيات تمكّنه من المواقع المطلوبة من تغيير طريقة أدائه حفظاً لبقائه، وحتى في المواقع التي لا تساعد الظروف الخارجية على أداءِ الفعل المطلوب، تجري تغييرات داخل بنية النبات لحصول الأداء المطلوب. إنَّ النباتات تمتاز بسمة " التكييف مع البيئة "، وهذه السمة تستلزم التوفّر على إمكانية تغيير مسار الأداء. فجذر النبات حينما يصطدم بالحجر يغيّر جهة حركته ذاتياً، ونبتة اليقطين حينما تكبر تدريجياً وتزحف سيقانها فسوف تغيّر مسيرها حينما تقترب من حائط،
الجواب
يتّضح بجلاء ـ كما هو بيّن من نسق البحث والاستدلال المتقدم ـ أنَّ هؤلاء الباحثين استخدموا " الجبر " بمعنى ضرورة ووجوب الوجود، ومن ثمّ استخدموا " الاختيار " بالمعنى المقابل والمناقض للضرورة والوجوب، أي
وتأخذ بالتسلق إلى الأعلى، وهكذا... إذن يتّضح أنَّ الرتابة والنهج المحدود، الذي يتّسم به الجماد، لا يتّسم به النبات، وبعامة فمجال الفعالية النباتية أوسع من مجال الجمادات. ومن الواضح أنَّ القدرة على التكيف مع المحيط، والتصرّف في الجمادات، والمادة لدى النبات بغية حفظ بقائه، قد اكتسبها من أشعة الحياة الضعيفة التي توفّر عليها.
وحينما نطالع الفعاليات الحيوانية نلاحظ أنَّ الفعاليات الخاصة بالحيوان، أي فعالياته الإرادية غير محدودة وليست رتيبة بأي وجه. فليست هناك قيود على فعاليات الحيوان الإرادية نظير الأكل ولا شرب والمشي، وغيرها. فهي مرتبطة من جهة بإرادة الحيوان، وليست رتيبة وذات إيقاع واحد من جهة أخرى. فالحيوان قادر على تغيير اتجاه حركته بشكل آني، والتحرّك بشكل دائري، على أي حال ليست هناك قيود على حركة الحيوان على غرار القيود التي تحدّد حركة الجمادات. فالجسم الجامد حينما يُراد له أن يتحرّك بشكل متنوّع ( نظير حركة الأجهزة الآلية ) يتحتّم أن تحرّكه قوة خارجية، لكن الحيوان قادر بإرادته وإحساسه أن يتحرّك ألون الحركة. فالطائر يستطيع بميله أن يُحَلّق ألوان التحليقات المتنوعة بشكل متتابع، ومن هنا فالحيوان أكثر قدرة من النبات على تغيير مسيرة حركته، ومجال الحركة مفتوح أمامه بشكلِ أوسع. ومن البديهي أنَّه كلّما ارتفعت القيود والموانع عن
ارتفاع ضرورة الوجود. ومن الواضح عندئذٍ أنَّنا إذا فرضنا ثبوت الاختيار للإنسان ( ارتفاع ضرورة العلية والمعلولية ) يلزمنا القول إنّه ليس هناك وجوب وضرورة. ويلزمنا القول أيضاً إنَّ الإنسان لا يمكنه أن يتنبّأ بأي حادثة متوقعةٍ، ولا يمكنه أن يتنبّأ بالمستقبل إطلاقاً.
الفعالية وكلّما اتسع ميدان الحركة، كانت الحرية والاختيار أوسع نطاقاً. إنَّ نسبة الحيوان للحركة بهذا الاتّجاه أو ذاك على حد سواء، أي أنَّ الحركة ممكنة لديه باتّجاه الطرفين. واختيار الحيوان أي ميله وإرادته هي التي تتيح له حرية الحركة في الطريق، فيختار أحد الاتّجاهات دون الآخر.
نتقدّم خطوة إلى الأمام، لنقرأ عالَم فعاليات الإنسان، حيث نجد حريةً واختياراً على أعلى المستويات الممكنة. فالحيوان رغم حرّيته في الحركة، ورغم أنَّ الطبيعة لم تعيّن للحيوان خطاً ومسيراً محدداً، بل أعطته ميداناً واسعاً للحركة، لكنّ الحيوان في إرادته محدود بطاعة الميول والغرائز الحيوانية، فما يتّفق مع الميول والغرائز الحيوانية يمارسه الحيوان دون توقّف. ويمكننا تشبيه الإرادة لدى الحيوان والإنسان بالقوّة التنفيذية، وهذه القوة التنفيذية لدى الحيوان تابعة بلا قيد أو شرط لأوامر الغرائز والميول، ففي دولة الحيوان رغم حرية واستقلال هذه الدولة لكنّ زمام الأُمور بيد مجموعة من الميول والغرائز، وتحت قيادة هذه الميول والغرائز تحدد القوة التنفيذية علاقتها بالعالم الخارجي. فالجهاز الحيواني مجرّد أن يتصوّر شيئاً موافقاً لميوله وغرائزه يندفع بدون توقّف بأمر هذه الميول والغرائز لتحقيق وتنفيذ هذا الأمر، ما لم يصطدم بمانع خارجي يحول دونه ودون التنفيذ.
لكن هذا الحدّ للحرية والاختيار ليس موجوداً لدى الإنسان، فالإنسان
وحيث لا يمكن التسليم بأي واحدة من هذه المحاولات يلزم القول إنَّ الإنسان مجبور، أمّا ما يحسبه الإنسان من أنَّ أفعاله اختياريه ( دون ضرورة وعلّة )، وأنَّه حرّ في إرادته، فهو أمر وهمي لا يتعدّى الذهن، ولا يتطابق مع عالم الخارج.
مضافاً إلى غناه الغريزي ؛ إذ لا تنحصر ميوله بالأكل والشرب والجنس، بل لديه ميول وغرائز يختص بها أرفع وأسمى، نظير الميول الجمالية والأخلاقية وميله لطلب الحقيقة، فإنَّ الحكومة الدكتاتورية للغرائز غير موجودة في الإنسان أيضاً ؛ إذ هناك اختلاف كبير بين نسق فعالية الإنسان وفعالية الحيوان، يفضي إلى زوال الحكومة الدكتاتورية للميول والغرائز، وتستبدل بحكومة دستورية توائم حرّيته واختياره. وينشأ هذا الاختلاف الكبير جرّاء اختلاف نوع فعالية الحيوان عن فعالية الإنسان، فالأُولى " فعاليات اللذّة "، والثانية " فعاليات التدبير ".
أوضحنا في المقالة السادسة الفرق بين فعاليات اللذة وفعاليات التدبير. وقولنا على سبيل الاحتمال إنَّه بالرغم من عدم تحديد طبيعة الفعاليات الغريزية الحيوانية تحديداً نهائياً حتى الآن، لكن أقرب الاحتمالات هو أنَّ الفعاليات الغريزية الحيوانية حتى أكثرها دقة وغرابة، نظير فعاليات النمل والنحل هي من نوع فعاليات اللذة، لا من نوع فعاليات التدبير.
تقوم الفعاليات الإنسانية على أساس التدبير ؛ لأنَّ مجرّد توافق الفعل مع بعض الميول لا يكفي لتحريك الإرادة ودفع الإنسان نحو إنجاز العمل، بل بعد أن يتصوّر الإنسان العمل المتّفق مع أحد ميوله، يقوم بمقايسة ومقارنة تتدخل فيها قدرته على التنبؤ وخلفياته الفكرية والثقافية، ثم يقيّم جميع النتائج
هذه خلاصة نظرية هؤلاء المفكّرين. وإذا حاولنا تقويم الطرح، عبر قراءة أساس هذا البحث في الفلسفة، وبواسطة ميزان متعادل ومنطق سليم، سوف يتّضح أنَّه مغالطة مؤلّفة من مجموعة مغالطات مختلفة
المنطقية الممكنة لهذا العمل والآثار المفيدة والمضرّة المترتبة عليه، لكي تصل مرحلة الاختيار والانتخاب. فإذا وصل الإنسان في مقارنته إلى أنَّ الضرر أكبر من النفع، أو كانت العواقب السيئة والآلام اللاحقة أكثر من اللذة الراهنة، أو كان العمل رغم انسجامه مع الغرائز الدانية متعارضاً مع بعض الغرائز الرفيعة، فسوف تتحرّك الإرادة في هذه الحالة لتقاوم الميل نحو العمل وتقمعه.
على أنَّنا نؤمن بأنَّ مقياس النفع والضرر هو عين مقياس التزاحم والتعارض مع الميول والغرائز. لكن الدافع الغريزي عند الإنسان عاجز عن تحديد المسار الحياتي للإنسان تحديداً نهائياً ؛ لأنَّ الدافع الغريزي آنيّ على الدوام، أي أنَّ الغريزة تدفع الإنسان والحيوان باتجاه اللذة الراهنة ودفع الألم القائم بالفعل. بينا يجب أن يحدّد مسار حياة الإنسان العلمُ والقانون والواجب والعقل. فبحكم هداية وتوجيه العقل يقلع الإنسان عن الذات الآنية، رغم ميوله الغريزية، فيتناول الدواء المر. ولأجل الآجلة الدائمة النفع يمتنع عن العاجلة المؤقتة النفع، ويضحي بالمنفعة الكبيرة التي تدفعه ميوله إلى استيفائها من أجل الفضيلة الأخلاقية. يتحمل الألم لكي يلتذ أصدقاؤه. وأحيانا يتخلّص بشكل تامٍّ من قيد الخضوع للغرائز الدانية، فيتحرّر ويحلّق في عالم أعلى وأرفع.
المنشأ، وأنَّ هذه المغالطات لا تنتج بمجموعها ولا بآحادها هذه النتيجة السحرية. وأنَّ الفلاسفة لا يجيزون اتّهامهم بالتّهمة التي وجّهها إليهم هؤلاء الباحثون.
تستبد الدوافع الغريزية في دولة الغرائز، فتدفع الحيوان باتّجاه الفعل، ودون أن تتيح له فرصة، تنبعث إرادته نحو إنجاز العمل. أمّا في دولة العقل، فرغم أنَّ الدوافع الغريزية تتّجه بالإنسان صوب العمل، لكنّ الفرصة والحرية متاحة للإنسان لكي يتأمّل ويقيس ويقارن بين المصالح والمفاسد التي ينطوي عليها العمل، ثمّ يقوم بعملية الترجيح بين الفعل أو الترك. أي أنَّ دولة العقل لا تستبد في حكمها الدوافع الغريزية، بل الحكم للأكثرية، أي أكثرية المصالح التي يحدّدها العقل عبر المقايسة والمقارنة. فيتوفّر الإنسان على الحرية الكاملة في ظل نعمة العقل، هذه النعمة التي تُهيؤهُ لكي يتوفّر على التشريع والواجب والقانون والأخلاق، وهي التي هيّأته ليتحمّل مسئولية الأمانة التي لم تستطع السماوات أن تحملها.
يستطيع الإنسان أن يكون ذا " شخصية أخلاقية "، وأخلاقية الإنسان ترتهن بوجود قدرة يقاوم بها الدوافع الغريزية الحيوانية، ويكبحها. وهذه القدرة تنبع من إمكانية ملاحظة الأهداف المعنوية العالية، نظير الخير الأخلاقي والكمال العلمي والقرب لذات الحقّ في ظل الغرائز الرفيعة، هذا من زاوية، ومن زاوية أُخرى يستطيع الإنسان في ظل العقل أن يحسب بشكلٍ منطقي أهمية الهدف والمقتضيات التي تساعد على بلوغه والموانع التي تحول دون الوصول إليه.
اتّضح في ضوء مجموع ما تقدّم:
إنَّ بحث ودراسة الفلاسفة ينصبّ أساساً على موضعين ومسألتين:
١ ـ هل الأشياء التي توجد في العالم توجد بوجوب الوجود ( الضرورة في المصطلح الفلسفي ) الذي تتوفّر عليه من العلّة أم لا ؟ وجواب
أوّلاً:
أنَّ الأفعال التي تصدر من الإنسان ممكنة الوجود، أي أنَّها كأيّ ممكن الوجود، يصحّ أن تقع، ويصحّ أن لا تقع، وفي ظلّ عِلل ومقدّمات خاصة تتوفّر على الضرورة والوجوب.
ثانياً:
تفترق فعاليات الإنسان والحيوان عن فعاليات الجماد، نظير اشتعال النار والجاذبية والمغناطيسية وغيرها. ففعاليات الجماد لا تتجاوز مساراً حدّدته لها الطبيعة، ومن هنا فهي رتيبة تمضي على منوال محدّد. لكن هذه الرتابة والتقييد ليست قائمة في الفعاليات الحيوانية، بل أتيح لها مجال عملي، وترك تحديد المسار لإرادة واختيار الحيوان نفسه.
ثالثاً:
يفترق الإنسان في طريقة الاختيار والانتخاب عن الحيوان، فقد ترك للحيوان أن يمارس إرادته واختياره تحت تأثير الغريزة فقط، وليس للحيوان حرية مقابل محكم الغريزة. لكنّ الإنسان غير مضطر إلى الخضوع للدوافع الغريزية، بل يتمتّع بحريّة تقويم وحساب آثار الدافع الغريزي، ويستطيع أن يقاومه أحياناً ويكبحه.
علينا الآن أن نتناول بالبحث الموضوعات التالية:
١ ـ ما هي طبيعة مقدمات الأفعال الاختيارية ؟
٢ ـ هل مقدّمات الأفعال الاختيارية اختيارية أم غير اختيارية ؟
٣ ـ الجبر والتفويض من زاوية كلامية.
٤ ـ الجبر والاختيار والوجودان.
الفلاسفة على هذا الاستفهام جواب إيجابي، في ضوء القرائن والنصوص التي طرحوها منذ ثلاثة آلاف سنة حتى اليوم. ولم يتركوا معالجة هذه المسألة إلى ظهور أفكار المادّيين التلفيقية. والموقف من اتّجاه المفكّرين
٥ ـ الجبر والاختيار والأخلاق.
٦ ـ الأمر بين الأمرين من زاوية فلسفية وكلامية وأخلاقية.
٧ ـ بحث مع المادّيين.
مقدّمات الأفعال الاختيارية:
لكلّ فعل اختياري ـ على الأقل ـ مقدّمتان إدراكيتان ومقدّمة انفعالية ومقدّمة فعلية. المقدّمتان الإدراكيتان عبارة عن إدراك الفعل وإدراك فائدته. أمّا إدراك الفعل فهو عبارة عن تصوّر الفعل، وإدراك فائدة الفعل عبارة عن التصديق بانسجام النتيجة النهائية مع ميول الفاعل. والمقدمة الانفعالية عبارة عن الإثارة الداخلية رغبةً أو رهبةً أمام النتيجة النهائية للفعل. والمقدّمة الفعلية عبارة عن العزم والإرادة التي هي آخر مقدمات الفعل الاختياري، والتي تنتهي بصدور الفعل خارجاً. على أنَّ هناك مقدمة يختص بها الإنسان، تقع قبل الإرادة، وهي مزية الإنسان على الحيوانات، وهذه المقدمة عبارة عن مرحلة التقويم والمقايسة والتأمل.
ذهب بعض المتكلّمين إلى وجود مرحلة أُخرى مضافاً إلى المراحل السابقة، وهي عبارة عن الهجوم والاندفاع نحو العمل. فقد أطلقوا على هذه المرحلة الطلب أحياناً والاختيار أحياناً أُخرى. لكنّ هذه الفرضية لا تقوم على ملاحظات علمية فنّية، بل هي مجرّد فرض فرضه هؤلاء المتكلّمون للفرار
الذين ذهبوا للاتّفاق والصدفة موقف سلبي، وهم حفنة من الماديين، الذين لم يؤمنوا بوجود علّة لمجموع العالم.
٢ ـ وما هو الموقف بصدد أفعال الإنسان، فهل يلزم القول بالجبر أم
من شبهة الجبر، حسب زعمهم. ومن هنا فلا قيمة لهذا الفرض من زاوية علمية، لكي نرد بحثه ونقده، فالطلب أو الاختيار ليس سوى الإرادة.
هل مقدّمات الأفعال الاختيارية اختيارية أم لا ؟
بعد أن أوضحنا مفهوم حرية واختيار الإنسان في أفعاله يتضح لنا جيداً أنَّ مقدمات وعلل الأفعال الاختيارية ليست اختيارية. ولكن اختيارية الفعل ليست مشروطة باختيارية مقدماته، أي أنَّ الإنسان حرّ ومختار وبالنسبة لكل حركة خارجية وفعل عضلي، فله أن يفعله أو أن لا يفعله. أي إذا أراد فعل، وإن لم يرد لم يفعل. ولكنه ليس حراً بالنسبة لأفعاله النفسية، أي أنَّه لا يستطيع على الدوام إذا أراد أن يتصوّر ويصدق ويريد ويتشوّق وينفعل فسوف يتصوّر ويصدّق ويريد ويتشوّق وينفعل، وإن لم يرد ذلك فلا يقع، وإذا أراد أن يقارن فسوف يقارن ويقيّم، وإن لم يرد فلا، وإذا أراد أن يريد أراد، وإلاّ فلا.
ويعود ذلك إلى:
أوّلاً:
إنَّ التصوّر والتصديق والشوق والتأمل والإرادة ليست أفعالاً عضلية لكي يناط حصولها وعدم حصولها بالإرادة وسائر المقدمات.
ثانياً:
إذا فرضنا أنَّ مقدمات الأفعال الاختيارية تتحقّق على الدوام بواسطة مقدمات اختيارية فسوف نواجه تسلسلاً وارتدادا إلى ما لا نهاية، وهذا
التفويض أم الأمر بين الأمرين ؟ وبعبارة أُخرى هل تخضع أفعال الإنسان خضوعا تامّاً لتأثير علّة خارجية، وليس لإرادة الإنسان أيّ لون من التأثير في الفعل، وأنَّ الإنسان مجبور ( هذا هو مفهوم الجبر هنا، ولا يعني
محال. مضافاً إلى أنَّنا نحس بالوجدان بحرية اختيارنا بالنسبة إلى الفعل لا بالنسبة إلى مقدّماته ومقدّماتها إلى ما لا نهاية.
علينا أن نوضح هنا أنَّنا لا نعني بقولنا إنَّ الأفعال النفسية غير اختيارية أنَّ أي فعل منها لا يقع تحت إرادة واختيار الإنسان، وإنَّ نسبة الإنسان إلى هذه الأفعال نظير نسبته إلى حركات الكواكب المساوية. بل نعني أنَّ الأُمور النفسية ليست شبيهة بالحركات والأفعال الخارجية للإنسان. إنَّ الأفعال والحركات الخارجية ذات سمتين، الأولى أنَّ كل فعل خارجي تسبقه مقدّمات اختيارية على الدوام، لكنّ الأمور النفسية لا تتّسم بهذه السمة، أي أنَّ الأمور النفسية لا تُسبق على الدوام بمقدّمات اختيارية، وإذا كان الأمر كذلك فسوف نواجه تسلسلاً. على أنَّ نتيجة هذا البرهان ليست إثباتا للسالبة الكلّية، بل نتيجته نفي الموجبة الكلّية، أي أنَّ نتيجة هذا البرهان هي ( ليس كلّ فعلٍ نفسي أمراً اختيارياً )، ولا ينتج ( لا شيء من الأفعال النفسية أمر اختياري ). إنَّ نتيجة هذا البرهان هي: ليس كلّ إرادة تتقدمها إرادة، ولا ينتج لا شيء من الإرادة تسبقه وتتقدّمه إرادة.
تعامل بعض الباحثين مع برهان التسلسل المتقدّم في نصوص الحكماء، واتّخذه دليلاً على نفي اختيارية الأُمور النفسية بشكل مطلق، غافلاً عن أنَّ هذا البرهان ينفي الإيجاب بالكلّي، ولا يثبت السلب الكلّي.
مضافاً إلى أنَّنا إذا آمنا بأنْ ليس هناك أي أمر نفسي اختياري يلزم أن
ضرورة الوجود التي تعطيها العلّة. وإلاّ فالقولان الآخران لا يقومان على أساس إنكار هذه الضرورة )، أم أنَّ أفعال الإنسان تخضع لإرادته خضوعاً تاماً، وليس لها علاقة بأي فاعل وعلة أُخرى، والإنسان حرّ في أفعاله من قيد أي علة خارجية ( هذا هو معنى التفويض، ولا يعني التفويض أنَّ
تكون جميع الوصايا الأخلاقية المرتبطة بترشيد الإرادة والعقل، وخلق ملكة التقوى والشجاعة وغيرها، وصايا عبثية لا فائدة من ورائها ؛ بينا نحس بالضرورة أنَّ هذا الأمر أمر اختياري. وعلى كلّ حال فمذهب هؤلاء الباحثين في فهم نصوص الحكماء خطأ كبير.
أمّا السمة الثانية للأفعال والحركات الخارجية فهي أنَّها تقع مباشرة تحت سيطرة إرادة الإنسان، مثلا حينما أُمسك بهذا القلم وأمارس الكتابة، فهذه الكتابة وعدمها لا ترتبط إلاّ بإرادتي. لكنّ أفعالي النفسية ليست على هذا النحو، أي إذا أردت أن لا تصدر عني أيُّ إرادةٍ لا أخلاقية، فأكون متوفّراً على ملكة التقوى، أو أبتعد عن البخل والحسد والجبن، فلا أستطيع بمحض الإرادة الفعلية أن أتوفّر على هذه الأمور. ولكن عبر ممارسة مقدّمات ترتبط مباشرة باختياري أستطيع تدريجياً أن أُمارس التغيير النفسي انسجاماً مع إرادتي. ومن ثمَّ أستطيع تقوية وترشيد إرادتي والسيطرة عليها إزاء بعض الأفعال. نعم يمكن أن نقول إنَّ التعقّل والتقويم والمقارنة وحدها تقع تحت الاختيار المباشر فقط.
هناك شبهة مشهورة بشأن حرية واختيار الإنسان وهي: على أساس المقدّمات السابقة تكون مقدّمات الأفعال الاختيارية غير اختيارية، وكل شيء تكون مقدّماته غير اختيارية يكون غير اختياري، وكيف يمكن أن نعد الفعل
الاختيار يعني نفي الضرورة ) أم أنَّ أفعال الإنسان تستند إلى إرادته وتستند أيضا إلى علّة أُخرى فوق الإنسان، والإرادة والعلة والأُخرى طوليّتان لا عرضيتان. أي أنَّ العلّة العلوية تريد الفعل الإنساني عن طريق إرادة
اختياريا بينا تنتهي مقدماته إلى أُُمور غير اختيارية ؟!
الإجابة على هذه الشبهة تتركّز على القاعدة الكية للاستدلال الذي طرحته، حيث تقرّر في كبرى القياس: " كلّ شيءٍ تكون مقدّماته غير اختيارية يكون غير اختياري " وهذه الكبرى خاطئة للأسباب التالية:
أوّلاً:
نجد في أنفسنا بالوجدان والعيان أنَّنا أحرار في اختيار الفعل، وليست هناك أيّ قوّة خارجية تضطرّنا إلى الفعل. أمّا الإجابة على الإشكال الذي يقرّر أنَّ أفعالنا جزء من سلسلة العلل والمعلولات التي تحكم حوادث الكون وهي سلسلة ضرورية، ومن ثمَّ فمن أين لنا الإرادة والاختيار ضمن هذه السلسلة المتّصلة ؟ فهي: أنَّ إرادتنا واختيارنا وتقويمنا بدورها جزء من حلقات هذه السلسلة المتّصلة ونحن أحد العوامل المؤثّرة في هذا العالم، نتأثّر بالعوامل الخارجية، ونؤثّر بدورنا في غيرنا. ونحن وإرادتنا واختيارنا لم نخلق خارج هذه السلسلة المتّصلة، لكي يمكن أن نكون عوامل غير مؤثّرة في هذه السلسلة.
ثانياً:
إذا لم نوافق على النظرية المتقدّمة التي يدعمها البرهان والوجدان معاً، والتي تقوم على أساس قانون العليّة، يلزم سلب سمة الضرورة من أفعال الإنسان، وعندئذٍ فإمّا أن نفسّرها على أساس الصدفة وننكر العلّية بشكل مطلق، وإمّا أن نؤمن بالعلّية وننكر الضرورة والحتمية. وعلى أساس إنكار العلّية والإيمان بالصدفة تنقطع علاقتنا بالأفعال
الإنسان، والإنسان يختار وينتخب الفعل بواسطة الإرادة، فيوجده بعد توفّر بقية أجزاء العلّة المادّية والصورية والشروط الزمانية والمكاتبة. والعلّة العلوية تخلق الإرادة المختارة في الإنسان ؛ بغية إيجاد الفعل الإنساني. ومن
بشكل تام، وتسلب منّا حرّيتنا، وتمسك بزمام الأفعال الصدفة الصماء العمياء. وعلى أساس إنكار الضرورة والحتمية فسوف ننتهي إلى ما انتهى إليه مذهب الصدفة ؛ لأنَّ إنكار الضرورة يفضي إلى إنكار العلّية والإيمان بالصدفة. نعم يبقى أمامنا فرض آخر وهو أنَّ جميع مقدمات الأفعال الاختيارية اختيارية، ومقدّمات هذه المقدّمات اختيارية أيضاً وهكذا. أي أنَّ جميع هذه المقدّمات تحصل بالإرادة والاختيار، وكلّ إرادة واختيار يحصل بالإرادة والاختيار أيضاً وهكذا... وهذا الفرض إن لم يكن معوّقاً للإرادة والاختيار فهو غير مؤيّد لهما ؛ إذ على أساس هذا الفرض تكون كل إرادة معلولة لإرادة وهذه الإرادة معلولة أيضاً لإرادة أخرى وهكذا... ومن ثمَّ لا يرتبط هذا الفعل بشخصيّتي إطلاقاً وتنقطع علاقته معي بشكل تام ؛ لأنَّ كل إرادة تستند إلى إرادة أٌخرى وليست هناك أي إرادة تنبع من شخصيتي وذاتي، بل الأمر يشبه تماماً وجود أشخاص آخرين يقرّرون أفعالي حسب إرادتهم.
ولهذا نقول: إنَّ الفرض الوحيد الذي يبرّر اختيار وحرية الإنسان هو النظرية التي تقوم على أساس قبول قانون العلّية والمعلولِيّة. أمّا سائر النظريات فهي تتعارض مع الحرية والاختيار الذي يسعى أنصار هذه النظريات إلى إثباته، والذي يحسّه كلّ فرد بالوجدان، مضافاً إلى أنَّ هذه النظريات تستلزم محالاتٍ، نظير الصدفة وتسلسل العِلَل. ومن هنا فالذين لم يقتنعوا بنظريّتنا في مجال الاختيار سوف لن تقنعهم أي نظرية أخرى.
ثمَّ يختار الإنسان الفعل بإرادته، لكنّه في إرادته يخضع لعلّة خارج ذاته. وهذا هو معنى الأمر بين الأمرين، النظرية التي تقع بين نظريّتي الجبر والتفويض، ولا يعني الأمر بين الأمرين أنَّ بعض الأفعال لها علّة، وليس
مضافاً إلى أنَّ تسويغ وتبرير التأثير التربوي والأخلاقي ينحصر بهذه النظرية. فأثر وفائدة التربية والأخلاق أمر لا يمكن إنكاره، بينا لا يمكن تبريرها على أساس نظريّات الصدفة، أو فرضية تسلسل العلل، وكذلك النظرية الجبرية، التي تذهب إلى أنَّ أفعال الإنسان تخضع بشكل تام لتأثير العوامل الخارجية. ووفق نظريتنا تكون نتيجة التربية والأخلاق خلق مجموعة من السجايا الأخلاقية، وتفضي هذه السجايا إلى تقوية الإرادة، ورفع مستوى مقاومتها أمام إثارات الغرائز الدانية ؛ أي أنَّ علاقة العلية والمعلولية بين التربية والسجايا الأخلاقية، وبين السجايا الأخلاقية وقدرة الإرادة، وبين قدرة الإرادة وكبح جماح الميول التي تنبعث من الشهوات، أمر قائم بالفعل، أمّا إذا بنينا على عدم وجود علاقة العِلّية والمَعلوليّة ( وفق نظريات الصدفة )، أو آمنا بوجود هذه العلاقة مع الإيمان بأنَّ إرادة الإنسان تابعة تماماً للإثارات الغريزية أو العوامل الخارجية، أو أنَّها تابعة لإرادة أُخرى وهذه الإرادة تابعة لإرادة أخرى وهكذا إلى ما لانهاية، فلا يبقى أي مجال لموضوع التربية والأخلاق.
الجبر والتفويض من زاوية كلامية:
حينما تناول المتكلّمون ـ في مباحث الإلهيات ـ شمول وعموم إرادة الباري تعالى لكلّ حوادث الكون، طرحوا البحث حول شمول الإرادة الإلهية لأفعال الإنسان. وانقسم المتكلّمون حول هذا الموضوع إلى فريقين:
لبعضها الآخر علّة، كما فسّره بعض المفكّرين المادّيين ونسبوه إلى أصحاب نظرية الأمر بين الأمرين.
في ضوء التحليل المتقدّم يتّضح أنَّ هؤلاء المفكّرين حسبوا أنَّ
الأشاعرة:
ذهبوا إلى أنَّ إرادة الباري تعمّ الحوادث، وكلّ حادثة تصدر مباشرة من ذاته، وليس هناك أيّ مؤثر في وجود الحادثة غير إرادته. فإذا رأينا النار تحرق، فليس النار محرقة في واقع الأمر. بل إرادة الله هي التي تخلق الإحراق في بعض الأجسام، التي تقترب من النار، وإذا رأينا أنَّ تَجَرّعَ السم قاتل، وإنَّ الترياق يفرغ السم ويقضي على أثَره، فلا السمّ مؤثّر في القتل ولا الترياق مؤثّر في الشفاء، بل إرادة الله تعالى هي التي تجعل تجرّع السم قاتلاً، وتخلق الشفاء بعد استعمال الترياق. والأسباب والمسبّبات في مفهومها الواقعي لا معنى لها. بل الإرادة الإلهية جرت على أن تحصل الأشياء متتابعة، فنحسب اللاحقة مسبباً والسابقة سبباً. وعلى هذا الأساس ليست هناك علاقة علية ومعلولية وشرطية ومشروطية بين حوادث الكون. وجميع الحوادث ترتبط مباشرة بإرادة ذات الباري. وأفعال الإنسان التي هي جزء من حوادث هذا العالم يشملها هذا الحكم، أي أنَّ الإنسان لا دخل له في الأفعال، بل الأفعال تَنشأ مباشرة من إرادة الباري. وعلى هذا الأساس وَسمَ الأشاعرة بالجبرية.
المعتزلة
: نظرية هذا الفريق من المتكلمين تقف مقابل نظرية الأشاعرة تماما. ذهب المعتزلة إلى إنَّ إرادة الله لا دخل لها في حوادث هذا العالم. وينحصر تدخل الإرادة الإلهية بمجرد تكوين هذا العالم ابتداءً. وبعد أن وجد هذا العالم بإرادة الله، فهو يمضي في مسيرته حسب طبعه الذاتي، والحوادث
المسألتين المتقدّمتين مسألة واحدة. ثمّ استلوا مصطلح الجبر والتفويض من المسألة الثانية عبر تبديل مصطلح التفويض بالاختيار. فوضعوه موضع سمتي المسألة الأُولى، أي الضرورة واللاضرورة، ثمّ وضعوا الحكم
التي تحصل تدريجياً في هذا العالم تنشأ من طبيعة العالم الذاتية. على غرار المعمل الذي ينصبه المهندس، فدور المهندس ينحصر فقط بنصب هذا المعمل وتشغيله، أما حركة المعمل وفعاليته بعد التأسيس فلا علاقة لها بإرادة المهندس. وعلى هذه الأساس فالعالم بعد خلقه من قبل الباري تعالى أُوكلت المهمة وفوُضت إليه. والإنسان أحد موجودات هذا العالم أُوكلت مهمة أفعاله بشكل كامل إليه، وهي حرّة تماماً من تدخّل إرادةِ الباري. ومن هنا توسم هذه النظرية بنظرية التفويض.
طرحت نظرية مقابلة لهاتين النظريتين، تكذّب كلا النظريتين، وهي النظرية التي تقول لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين. أي أنَّ أفعال الإنسان وسائر حوادث العالم ليست ناشئة مباشرة من إرادة ذات الباري، لكي تنقطع علاقة السببية بين الأشياء ؛ وليست فعاليات الكون مفوّضة للعالم والإنسان، بل تتدخّل في حوادث الكون وأفعال الإنسان العِلَل والأسباب القريبة، كما تتدخّل إرادة الباري، الذي هو علة العلل.
طرحت هذه النظرية لأوّل مرة من قبل أئمة الدين، ثمّ تناولها الحكماء الإلهيون وفق الموازين العقلية والمنطقية الدقيقة، فوجدوا بعد التعمق في هذا الموضوع الفلسفي أنَّ حكم العقل يتطابق مع هذه النظرية التي تستلهم من مصدر الوحي. وتفصيل البحث في هذا الموضوع يجب تلمسه في المقالة الرابعة عشرة.
باللاضرورة في المسألة الأُولى، الذي اصطلحوا عليه بالاختيار، وهو أمر منفي، موضع الاختيار في المسألة الثانية، وهو حكم مثبت. ثم انتهوا بعد كل هذه التحويرات والتحويلات إلى:
استحكمت شبهة الجبر لدى فريق آخر عن طريق علم الباري ؛ فبحكم أنَّ علم الباري عام وشامل لكل شيء يستلزم عدم وقوع المعلول تحول علم الله إلى جهل. ومن هنا فإذا عصى العاصي فعصيانه معلوم لله، ومن ثمَّ تسلب إمكانية عدم العصيان. وهذه الشبهة مغالطة لا غير. وجميع هذه المغالطات تنشأ جَرّاء قياس علم الباري وتقديره بالنسبة إلى حوادث العالم على علم الإنسان وتقديره في أفعاله. وسوف نتناول هذا الموضوع تفصيلياً في المقالة الرابعة عشرة. ونكتفي هنا في الإجابة على هذه الشبهة الطفولية بهذا النقض الجدلي: إنَّ الإنسان حرّ ومختار في علم الله فإذا سلبت حرية الاختيار من الإنسان يلزم أن يتحول العلم الإلهي إلى جهل.
الجبر والاختيار والوجدان:
يتمسّك بنظرية الجبر ـ في الأعم الأغلب ـ أولئك الذين يريدون التشبث بوسيلة للتحرّر من التكليف والقانون والأخلاق، ويجدون تسويغاً لكلّ ممارسة يمارسونها، فيتذرّعون أحياناً بحجة أنَّ الله أراد ذلك، ولا يمكن الحيلولة أما إرادته، وأحياناً بحجة أنَّ الظروف الموضوعية اقتضت أفعالهم، ولا يمكن الحيلولة أما جبر التأريخ.
على أنَّ معالجة إشكالية الجبر والاختيار بشكل شمولي من أشد الإشكاليات غموضاً، وندر ـ بين الباحثين ـ أولئك الذين استطاعوا الوصول
أوّلاً: إنكار الحكم باللاضرورة، أي نسبة المعلول إلى علته الناقصة.
ثانياً: حسبوا أنَّ الاختيار وجميع آثاره لدى الإنسان أمر وهمي.
ثالثاً: أخطأوا في تفسير الأمر بين الأمرين.
إلى معالجة ناجعة. لكن الإدراك الإجمالي لحقيقة حرية واختيار الإنسان، وأنَّه غير مسلوب الإرادة أمام أي عامل طبيعي أو ما ورائي، أمر بديهي ووجداني، لأنَّ الأمر يرتبط بنسق ممارسة الإنسان لأعماله الوجدانية والذهنية. وكل فرد يحس بوجدانه إنَّ الله لم يسلبه حرية الاختيار، كما ادعى الأشاعرة. وإنَّ الظروف المادية وظروف المحيط الموضوعية لا يمكنها أن تحول الإنسان إلى ريشة في مهب الريح، كما ادعى الماديون.
يحس الإنسان بالوجدان أنَّه حر في اختيار الفعل أو الترك تحت ظل مختلف الشروط والظروف. ويحس الإنسان بالوجدان أنَّ لديه قدرة المقاومة أمّا الإغراءات المادية ليحفظ الفضائل الأخلاقية وغيرها. ويحس الإنسان بالوجدان أنَّ لديه استعداد قبول التكليف والمسؤولية والقانون، وعبر هذه السمة يختلف عن الجمادات والنباتات والحيوانات، وكما قال في المتن: "لو كان الإنسان لا يدرك بالفطرة أنَّه مختار فسوف لا يمارس أعماله إطلاقاً على أساس التفكير والتروّي. ولا يقيم مجتمعاً تحكمه الأوامر والنواهي والجزاء والتربية ومستلزماتها
". إنَّ إنكار هذا الموضوع إنكار لأمر بديهي ووجداني، وهو لون من السفسطة. يقول جلال الدين الرومي:
الجبرية أشدّ عاراً من القدرية عند العقل..
لأنَّ الجبري ينكر حسّه..
أمّا رجل القدرية فهو لا ينكر حسه..
رابعاً: وعبر تصوّر أنَّ الاختيار يعادل الاتّفاق، استلّوا الاتفاق من أبناء ملّتهم ونسبوه إلى الفلاسفة.
خامساً: وعندما وجّه إليهم النقد بأنَّ الأمر والنهي والتربية والدعوة
ففعل الحقّ ليس حسّياً أيها الولد..
بل يحل الإدراك الوجداني محل الحس..
وكلاهما يمضيان في مسير واحد..
وحينما تقول سأعمل هذا أو هذا غداً..
فهذا دليل على الاختيار أيها الصنم..
يريد مولوي من "القدرية
" هنا المفوضية، وقد شرحنا مدلول هذا المصطلح. فالقدرية تطلق على المفوضة وتطلق على الجبرية، ولهذا الأمر علة تاريخية.
هذه السفسطات وإنكار البديهيات ذات علّتين بشكل عام: فقدان التوازن الفكري، والأهداف الاجتماعية الفاسدة، فهناك بعض الأفراد فقدوا توازنهم الفكري جرّاء ضعف القوة الفعلية ومواجهة الاستدلالات المعقّدة، فأخذوا بطرح وجهات النظر المخالفة لوجدانهم الفطري، وبعض آخر تدفعه أهداف فاسدة، فتوسّل بالسفسطة لأجل أن يجد عذراً فيما يرتكبه. وطريق علاج الفريق الأوّل هو تنشيط قوة العقل والمران على الاستدلال المنطقي. أمّا الفريق الآخر فلا ينبغي أن يقترح عليه علاج. يقول ابن سينا في الشفاء إنَّ آخر جواب علاجي ينبغي أن يطرح على الفريق الثاني هو أن يتمسّكوا بمنطقهم، ويردوا ميدان العمل، مثلاً: يضربون، ويقال لهم: إنَّ الضرب وعدمه أمر واحد. أو يلقوا في النار، ويقال لهم: إنَّ النار وغيرها أمر واحد، وعندئذٍ
والتبليغ والجهود والتضحيات لدى الإنسان التي هي آثار للاختيار تتنافى مع الإلغاء الكامل للاختيار. أجابوا: بأنَّ إرادة الإنسان جزء من الفعل، بينا وجّه الناقد نقده مع التسليم بهذه المقدمة. والناقد ـ كما هو واضح ـ لا
تتكلّم فطرتهم الواقعية، ويعترفون بالحقيقة.
وقد نظم هذه الفكرة مولانا جلال الدين الرومي شعراً، فقال:
ذهب أحدهم إلى أعالي الشجرة..
ليقطف بعنفِ السارق ثمرتها..
فجاء صاحب البستان وقال له: أيها الدني..
أما تخجل من الله ؟! أي عمل أنت عامل..
قال: إنَّ عبد الله يأكل من..
بستان الله الذي خلقه عطيةً للناس..
فحمل عليه البستاني وشده على الشجرة بعنف..
وأخذ يضرب بشدة ظهره وأضلاعه بالعصا..
فصاح به: استح من اللّه..
فسوف تقتل هذا البريء، آخ آخ..
فقال له: إنَّ عبد الله يضرب..
ظهر عبده الآخر بعصا الله..
فالعصا لله والظهر والأضلاع..
له وأنا عبدٌ وآلةٌ لأوامره..
فصاح: تبت من الجبر أيها الكيّس..
اختيار اختيار اختيار..
يقول إنَّ الإنسان ليس جزءاً من أجزاء علّة الفعل، بل يقول مع أنَّ الإنسان جزء من أجزاء علّة الفعل، ومع أنَّ الفعل في الخارج يوجد بالضرورة
الجبر والاختيار والأخلاق:
تُقرأ إشكاليات الجبر والاختيار في ضوء التربية والأخلاق من زاوية خاصة، حيث يطرح الاستفهام التالي: هل الصفات النفسية الإنسانية تخضع للتغيير أم لا ؟ إنَّ جميع النظم الأخلاقية، رغم الاختلافات القائمة بينها في تحديد الأهداف والوسائل، تسلّم بحقيقة إمكانية تغيير الصفات الإنسانية، وإنَّ العادة يمكن أن تحل محل الطبع. يقول علماء الأخلاق إنَّ التربية عبارة عن فن تشكيل العادات فتصبح العادة طبيعة ثانية للبشر. وهذا يعني أنَّ البناء الروحي للإنسان مَرِن يتقبل الجديد من السلوك، الذي يتحوّل بالتكرار إلى ملكة راسخة.
وتقف مقابل هذه النظرية نظرية أولئك الذين يذهبون إلى أنَّ طبيعة البشر لا تقبل التحوير والتغيير، ولا أثر للأخلاق والتربية لدى الطباع الخبيثة، بل تربية هذه الطبائع دوران في حلقة مفرغة. يرى هؤلاء أنَّ أشجار الصفصاف لا تعطي ثماراً، وإنَّ قصب البردي لا يعطي سكراً، وإنَّ الأرض السبخة لا تُنتج سُنبلاً، وإنَّ الحديد الرديء لا ينتج سيفاً جيداً، فكذلك الإنسان سَيّء الطبع ورديء الجوهر لا يطهر ولا تسلم نفسه، ولا يضحى مصدراً للأعمال الخيرة، والشخص الذي يُخَلق سَيّء الطبع فسوف لا يغير طبعه.
حصير حظ الشخص إذا حيك أسودا..
لا يمكن أن يَبْيَضَّ بماء زمزم والكوثر..
بواسطة اجتماع هذا الجزء مع بقية الأجزاء، فإنَّ الفعل ما لم تكن نسبته إلى الإنسان متساوية الطرفين، أي أنَّ نسبة الفعل للإنسان نسبة الإمكان،
يقول جلال الدين الرومي على لسان منكري دور الأنبياء لإنكارهم أثر التربية والإرشاد:
قال القوم: أيّها الناصحون كفاكم نصحاً..
فما تقولونه معقول..
إذا كان هناك سامع بنسبة واحدة من عشرة..
بهذه الصورة خلقنا المصوّر..
وسوف لا تتغير هذه الصورة بالحوار والكلام..
قل مئة عام للحجر: كن جوهراً..
أو للعتيق: كن جديداً..
أو قل للتراب: خذ صفات الماء..
أو قل للماء: كن عسلاً أو لبناً..
أو قل للنار لتكن نوراً خالصاً..
أو قل للبقّة: أن تطير عكس التيار..
أو قل للقلب: كن ذهباً خالصاً..
أو كن أكسيراً تصنع المعجزات..
فهل تتبدّل أيّ من هذه الصفات ؟!..
متى يصبح الماء عسلاً أيها المحترم ؟..
بحيث يمكن أن يصدر من الفاعل ويمكن أن لا يصدر، فسوف لا يكون أي معنى للأمر والنهي والجزاء والحساب والتعليم والتربية والدعوة
ثمّ يجيب عليهم بلسان الأنبياء فيقول مولانا جلال الدين الرومي:
قال الأنبياء: نعم، لقد خلق الباري..
صفاتٍ لا يمكن التخلّي عنها..
وخلق صفات عارضة..
تحول المبغوض مرضياً أحياناً..
لقد خلق آلاماً لا علاج لها..
كالتخلف العقلي والفطس والعمى..
وخلق آلاماً لها علاج..
كالقوة ووجع الرأس..
بل أغلب الآلام لها علاج..
تجده إذا كنت جاداً في البحث..
لقد خلق هذه العلاجات لتلائمها..
وليست هذه الآلام والعلاجات اعتباطية..
وبغض النظر عن أنَّ موضوع الطبع الحسن والرديء لا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بموضوع الجبر والاختيار بمفهومه الفلسفي، فإنَّ هذا الموضوع غير مقبول من الناحية العلمية. فإذا قرأنا هذا الموضوع من زاوية علمية يلزمنا الرجوع إلى قانون الوراثة البايلوجي فقد ثبت في البايلوجيا أنَّ الصفات الأخلاقية، رغم انتقالها من جيل إلى جيل كما تنتقل السمات النوعية، لكنّها لا تتمتّع بالثبات الموجود في المواصفات النوعية، بل تقبل التغيير
والتضحية. ففي هذه الحالة ألا تكون الإجابة على هذا الناقد بأنَّ الإنسان أحد أجزاء علّة فعله، وأنَّ الفعل الإنساني بدون الإنسان لا يتوفّر على وجود
والتحوير والزيادة والنقصان، جَرّاء العوامل التربوية والأخلاقية. ومضافاً إلى أنّنا نحسّ ونجد بالوجدان أثر التربية في الأفراد والشعوب. إنَّ أهم ظاهرة تلفت نظر علماء الاجتماع اليوم هي ظاهرة النظم التربوية والأخلاقية للشعوب والأُمم.
الأمر بين الأمرين من زاوية فلسفية وكلامية وأخلاقية:
اتّضح في ضوء ما تقدّم أنَّ النظرية السليمة في قضية الجبر والاختيار ـ سواء عالجنا الموضوع من زاوية فلسفية أو كلامية أو أخلاقية ـ هي نظرية الأمر بين الأمرين ؛ إذ لاحظنا أنَّ الأفعال الصادرة من الإنسان من زاوية فلسفية ممكنة الوقوع وعدم الوقوع، هذا من جانب، ومن جانب آخر فما هو واقعٌ واقعٌ، وما هو غير واقع غير واقع. أي لا الضرورة المطلقة حاكمة ولا الإمكان بشكل تام، بل هو أمر بين أمرين. أي الضرورة حاكمة من زاوية والإمكان حاكم من زاوية أخرى ؛ وحينما يدرس الموضوع من زاوية كلامية نلاحظ أنَّ الأفعال ليست مستندة بشكل محض لإرادة الباري، وليس للإنسان أي دور فيها، ولا هي مستندة بشكل محض لإرادة الإنسان، وليس للفعل أي علاقة بإرادة الباري. بل هي أمر بين أمرين، فالفعل في نفس الوقت الذي يستند فيه إلى ذات الإنسان، يستند إلى إرادة الباري أيضاً، على أنَّ الاستناد إلى الإرادتين طولي ( لا عرضي، وعلى نحو الشركة ) ؛ وحينما نقرأ الموضوع من زاوية أخلاقية نلاحظ أيضاً: لا الطبيعة الموروثة ثابتة ولا تقبل التغيير، ولا الطبيعة الأخلاقية الموروثة أمر لا واقع له بالكلية، بل
خارجي، ألا تكون هذه الإجابة مضحكة ؟!
* * *
أمر بين أمرين. أي رغم أنَّ بعض السجايا الأخلاقية تنتقل من جيل إلى جيل عبر العوامل الوراثية، فإنَّها بفعل المؤثرات التربوية ممكنة التغيير والتحوير والضعف والشدة.
بحث مع المادّيين:
الماديون أنصار لمذهب الجبر بشكل كامل، وقد ذهبوا إلى نفي أي لون من ألوان الاختيار والحرية للإنسان مقابل العوامل المادية للمحيط والجبر التاريخي. لقد سعى الماديون أن يصوّروا الإنسان محكوماً للطبيعة وتابعاً لها بشكل مطلق، وإنّها تابع محض في جميع الآثار والأفعال والأفكار والمنهج والمسلك للوضع الخاص المادي الموضوعي. وعلى أساس هذه النظرية المادية فسر الماديون التاريخ الإنساني تفسيراً مادياً، فذهبوا غلى أنَّ كل ظاهرة اجتماعية وكل حركة وتطوّر وثورة تنتج جَرّاء الوضع المادي الموضوعي. وجَرّاء الظروف المادية الموضوعية. ويرى الماديون أنَّ ظهور المذاهب الفكرية والمدارس الفلسفية والفنية والعلمية في كل عصر من العصور انعكاس للوضع الخاص للحاجات المادية في حياة البشر خلال ذلك العصر. وفي المحصلة لا ينحصر دور البطن في الحياة المادية والمعيشية. بل يلعب البطن ونظائره دوراً أساسياً في فكر وعلم وعقل وصنعة وفن وأخلاق وتجليات الإنسان المعنوية والروحية.
لقد تشبث الماديون لإثبات مذهبهم الجبري بسفسطات غريبة، الدكتور
....................................................................................................................................................................................................................................................
آراني
في كتيبه " الجبر والاختيار " بعد مقدمة يوضح فيها أنَّ قانون العلية هو القانون الذي يحكم الظواهر والحواث، يقول:
" بيّنا لا تقع أي ظاهرة في الطبيعة بدون علّة، وإنَّ جميع الحوادث تقوم على أساس قوانين معينة ونظم مقررة، وقد أوضحنا مفهوم القانون والناموس، يلزمنا أن نجيب هنا على الاستفهام التالي: هل هذه النواميس جبرية أم اختيارية، أي هل قوانين العالم يجب أن تكون على ما هي عليه، أم من الممكن أن تأتي بشكل آخر، وبعبارة أخرى: هل العالم القائم بالفعل واجب أم ممكن ؟ والجواب على هذا الاستفهام واضح ؛ لأنَّنا حينما نذعن بأنَّ لكل أمرٍ علة، وإنَّ لكل علة معلولاً، أي أنَّها تتعاقب دائماً، وإنَّ كل علل معينة تعطي نتائج معينة، فسوف لا نستطيع أن نتصوّر أن هناك عالماً ممكناً. إذ يلزمنا حينئذ أن نتخيل نقطة معينة تتوقف فيها سلسلة العِلَل والمعلولات. وهذا خلف القاعدة التي آمنا بها سابقاً، إذ لا بد أن نعتبر هذه النقطة المعينة للتوقف معلولاً بلا علة، وهذا مجال منطقياً، إذن نستنتج أنَّ ليس هناك إعجاز في عالم الطبيعية... ".
نلاحظ:
أوّلاً:
أنَّ موضوع الجبر والاختيار يرتبط بكيفية صدور الأفعال من الإنسان، وهو موضوع تناوله الفلاسفة بالبحث منذ عشرات القرون، فما هي علاقة هذا الموضوع بموضوع قوانين العالم، وإنَّها هل يجب أن تكون على ما هي عليه، أم من الممكن أن لا تكون ؟
ثانياً:
لو فرضنا أنَّنا فهمنا الجبر والاختيار بالمعنى المتقدّم، يبقى لنا أن نتساءل ما هي
....................................................................................................................................................................................................................................................
علاقة هذا الموضوع بالاستفهام السابق: هل العالم الفعلي واجب أم ممكن ؟ وهل هناك منافاة بين أن نؤمن بأنَّ هذا العالم ممكن ونؤمن أيضاً بأنَّ هناك ضرورة ووجوباً عِلّياً ومعلولياً ؟ وقد اشرنا سابقاً إلى أنَّ الماديين لم يستطيعوا أن يفرّقوا بين الوجوب الغيري، الذي هو الوجوب العلي والمعلولي والذي يمكن أن يجتمع مع الإمكان الذاتي، وبين الوجوب الذاتي الذي لا يمكن أن يجتمع إطلاقاً مع الإمكان، وهذا الموضع شاهد على ما ادعيناه.
ثالثاً:
ماذا يعني قول الدكتورآراني
: إذا قلنا إنَّ هذا العالم عالم ممكن يلزم أن نتوهّم نقطة معينة لتوقّف سلسلة العلل والمعلولات ؟ إذا عنى أنَّه يلزمنا الإيمان بتوقف سلسلة العلل بعلة العلل وواجب الوجوب، فماذا يعني بقوله يلزمنا الإذعان بأنَّ نقطة التوقف معلول بلا علة. وهل معنى واجب الوجود أنَّه معلول بلا علة ؟!!! رابعاً: ماذا يعني في استنتاجه الأخير، حيث قرّر أن ليس هناك إعجاز في عالم الطبيعة ؟ فهل ادعى أنصار الإعجاز أنَّ الأعجاز عبارة عن معلول بلا علة ؟ وإذا كان الإعجاز معلولاً بلا علة فما هي علاقته بمصدر الإعجاز ومبدعه ؟ حقاً أنَّ جمع هذه السفسطات عبر هذه الأسطر أمر مدهش وغريب، والأغرب منه المنطق المستحكم الذي استخدمه الدكتورآراني
!! لقد أرادوا إثبات الحتمية المادية، وتفسير التاريخ وفق أهوائهم.
ثم يقول الدكتورآراني
بعد بضعة أسطر:
" وهذا الموضوع يصطلح عليه فلسفياً الجبر والاختيار ( التفويض )، ومعالجة هذا الموضوع تشكل أساساً لعامة الفلسفات والمذاهب. ويطلق على الذاهبين إلى حتمية الإرادة الإنسانية ( الجبريّين )، ويوسم مخالفوهم بالمفوضية أو أصحاب مذهب الاختيار ".
....................................................................................................................................................................................................................................................
اتضح في ضوء ما تقدم أنَّ التفويض مصطلح خاص بالمعتزلة. وله مفهوم خاص، ولا يعني التفويض مفهوماً مرادفاً للاختيار الذي نؤمن به، ولا مرادفاً لنفي العلية. وحينما يستخدم مصطلح الجبر مقابل التفويض فله مفهوم خاص أيضاً، أوضحناه سابقاً، ولا علاقة له بمفهوم العِلّية أو مفهوم الوجوب العِلّي والمعلولي.
ويقول أيضاً:
" السبب الرئيسي لظهور هذا الاعتقاد ( الاعتقاد بالاختيار ) ينشأ جَرّاء الخلط في أغلب الأحيان بين تصور استقلال الإرادة، وبين ذات الاستقلال والاختيار. مثلاً أنَّ خطيباً وضع أمامه كوباً من عصير الفواكه وبعد أن تحدث مدة من الزمان تناول جُرعَة من عصير الفواكه. فليس هناك شخص أجبره على تناول العصير بل أنَّه تناول العصير وشربه باختياره، ومن المتيقن أنَّه يحس باختياره بوجدانه. ولكن هل يصبح هذا الاطمئنان الوجداني دليلاً على أنَّه تناول العصير باختياره واقعاً ؟ كلا ؛ لأنَّ كل فرد متأمّل يعرف أنَّ الخطيب تناول عصير الفواكه بهذه الحرارة، لأنَّ حنجرته يبست، وهذه اليبوسة جَرّاء تحدثه، الذي أدى إلى حدوث تغييرات داخلية، دفعته إلى شرب العصير ؛ إذن فعلة هذه الممارسة تغيير فسيولجي ( جسمي وآلي ) حدث لدى الخطيب، وأجبره على تناول العصير ".
نلاحظ:
أوّلاً:
إنَّ موضوع حرية واختيارية الإنسان لا علاقة له بموضوع استقلال الإرادة. على أنَّ إرادة الإنسان حادثة من حوادث العالم
....................................................................................................................................................................................................................................................
أيضا وظهورها وحدوثها ينشأ جَرّاء علل معينة. ثانياً ـ أخطأ الدكتورآراني
بقوله: " إنَّ التغيير الفسيولوجي للخطيب اجبره على شرب العصير "، إنَّ هذه العوامل تدفع الإنسان صوب الحركة دائماً، لكنّها لا تجبره، أي يبقى الإنسان محتفظاً بقدرة مقاومة هذه العوامل، فإذا تيقّن الإنسان بعد المقارنة والمحاسبة أنَّ ضرر شرب العصير أكثر من فائدته، كما لو قدر الخطيب في المثال المتقدم أنَّ تناول العصير يفضي إلى آثار سيئة فسوف يقمع غريزته، ويقلع عن تناول العصير. إذن ليس هناك إجبار للإنسان حال الإثارات الغريزية، التي تنبع من الطبيعة المادية. فالإنسان ذو شخصية أخلاقية. والشخصية الأخلاقية للإنسان ترتهن بحجم مقاومته أمام إثارات الغرائز، وإذا كان الإنسان خاضعاً تماماً لهذه الإثارات فلا معنى لشخصيته الأخلاقية حينئذٍ.
هناك ملاحظة نفسية حول هذا الموضوع، ذات سر فلسفي هام، وهي أنَّ الإنسان الذي يقاوم الإثارات الغريزية يحس بداخله بشعور الانتصار، وكأنَّه تغلَّب على خصم له. والعكس حينما يتجاوز هدفاً أخلاقياً من أجل هدف غريزي حيث يشعر بالضعف والانكسار، وكأنَّه خسر معركة أمام خصومه. بينا نلاحظ أنَّ الفاعل في الحالتين شخص واحد وإرادة لشخص واحد تبادر للفعل. لقد أشار علماء النفس إلى هذه الملاحظة وهي أمر ممكن لكل شخص أن يجده حينما يراجع ضميره.
إنَّ هذه الملاحظة تؤكد لنا أنَّ الحياة الأخلاقية والمعنوية للإنسان أشد أصالة من الحياة المادية. وإنَّ شخصية الإنسان الواقعية ترتهن بالأهداف المعنوية والأخلاقية، وإنَّ الجوانب الحيوانية والشهوية طفيلية بالنسبة
القضايا التي ثبتت في هذه المقالة:
١ ـ هناك نسبة بين الوقائع الخارجية، تسمّى نسبة الضرورة، مقابل نسبة أخرى تسمّى الإمكان.
٢ ـ كلّ ظاهرة خارجية، ما لم تتوفّر على الضرورة فسوف لا توجد.
٣ ـ كلّ موجود خارجي يتّصف بالضرورة، حال وجوده.
٤ ـ تترشّّح ضرورة وجود كلّ معلول من ضرورة وجود علّته.
٥ ـ كلّ ضرورة بالغير ( أي بواسطة علّة ) تنتهي إلى ضرورة بالذات. أي أنَّ الضرورة على نحوين، بالذات وبالغير.
٦ ـ كلّ سلسلة من الضرورات المترتبة متناهية.
٧ ـ هناك ضرورة أخرى لدينا تسمّى الضرورة بالقياس، تنشأ جَرّاء نسبة المعلول إلى العِلّة، وهناك إمكان أيضاً يسمّى الإمكان بالقياس.
٨ ـ الأمر بين الأمرين هو الموقف المختار بين الجبر والتفويض.
لشخصية الإنسان الواقعية. فإنَّه يحس بالانتصار، لأنَّ شخصيته الواقعية تغلّبت على طفيليات وجوده، ويحس بالانكسار لأنَّ شخصيته الواقعية انهزمت أمام الطفيليات، أي أنَّ الإحساس بالنصر والخسارة ينبع من غريزة حب الذات.
ومن هنا ينبغي أن نفهم إجمالاً أنَّ الحياة المعنوية والأخلاقية للإنسان ليست تابعةً لحياته المادية، بل هي مستقلة، خلاقاً للماديين. وسوف نوضح هذا الموضوع في موضع آخر.
المقالة التاسعة:
العلّة والمعلول
العِلّة والمعلول
أوضحنا في المقالات السابقة أنَّنا في اليوم الأوّل من وجودنا، حيث نطلّ على هذا العالم المليء بالحوادث والتحوّلات، نضع أيدينا على ذاتنا وفعالياتنا الذاتية ( العلم والإرادة...) وعلى أساس قياسنا للنسبة بين ذاتنا وأفعالنا الأخرى التي تشبه أفعالنا ( المعلومات الحسّية التي نحصل عليها عن طريق الحس )، والتي ليست تحت اختيارنا، نثبّت جوهراً آخر، وهو موضوع هذه الصفات والآثار. فهذا السواد والبياض اللذان نراهما، وهذه الحرارة والبرودة اللتان نحس بهما، وهذا الطعم الذي نتذوّقه، وهذه الرائحة التي نشمّها، والنغمة التي نسمعها، كلّ هذه الظواهر تعود لذلك الشيء الذي يتوفّر على هذه الصفات، فهذه الصفات على غرار صفتي علمي وإرادتي، اللتين لا تحصلان بدون " أنا "، فهذه الصفات إذن غير ذاتي، بل هي إلى جانب ذاتي، لأنَّ أياً منها ليست تحت اختياري، ومن هنا نذعن بوجود واقع خارج ذواتنا ( المقالة ٢ ـ ٥ ).
من هنا تتبلور أرضية قانون العِلّية والمعلول العام
(١)
، فيقرّر الإنسان بشكل قاطع أنَّ الفعل لا يقع إطلاقاً بدون فاعل، وإنَّ كلّ معلول يتطلّب علّة، ثمّ بحكم ملاحظة الحوادث والظواهر المختلفة يتأيّد هذا القانون باستمرار،
١ ـ يقع بحث العِلّة والمعلول في المرتبة الأساسية بين بحوث الفلسفة، ويتفرّع هذا البحث إلى مجموعة قضايا. تكرّر طرح هذا البحث في المقالات المتقدّمة، خصوصاً في المقالة الثامنة، بل أُقيم الدليل على بعض القضايا
ويصمد أما الاختبار، وعلى هذا الأساس ينعطف الإنسان حين سماع أي صوت والإحساس بأيّ حدث صغيرٍ أو كبيرٍ على البحث عن علّته، وإذا لم يستطع تحديد العلّة لحدثٍ ما فسوف يفترض له علّة مجهولة.
المتفرّعة من هذا البحث، وسيتحتّم علينا في المقالات القادمة بحكم مستلزمات البحث طرح بعض قضايا قانون العِلّية، على أنَّ ما تمَّ إثباته في المقالات السابقة لا يعاد تكراره، كما أنَّ القضايا التي تتوقّف على معطيات البحث في المقالات القادمة سنأتي على إيضاحها في محلّها الملائم.
إنَّ قانون العِلّية أوّل قضية فلسفية ( من بين قضايا الفلسفة ) استحوذت على الفكر البشري، ودفعته صوب التفكير لكشف لغز الوجود. فبالنسبة للإنسان الذي يتمتّع بإمكانية التفكير يمثل قانون العٍلّية أهم العوامل التي تقذف به في تيار التأمّل، هذا القانون الذي يُعبّر عنه: لكلّ حادثة علّة. وفي ضوء ذلك يتبلور في الذهن البشري مفهوم " لِم ".
مفهوم ( لِمَ ) هو الاستفهام الذي يطرحه الذهن عن علّة الأشياء، ولو لم يكن الذهن متوفّراً على فهم عام عن العِلّة والمعلول، أي لم يُذعن بقانون العِلّية وأنَّ لكل حادثة علّة، فسوف لا يجد مفهوم ( لِم ) موقعاً في الذهن، بل لا ينبثق مثل هذا المفهوم في الذهن من حيث الأساس.
تأتي حركات الطفل والحيوان أيضاً على نظام وترتيب، وكأنَّهما يدركان العلاقة بين العِلّة والمعلول. لكن هذا الإدراك على افتراضه مبهم ومجرّد دون شك، إذ يأتي محدوداً بحدود تجاربهما اليومية، ويمكن اعتبار إدراك الحيوان والطفل في هذا المجال ـ كما تقدّم في هوامش المقالة الخامسة ـ لوناً من " تداعي المعاني " و " العادة الذهنية "، التي تحصل جَرّاء
إنَّ هذه الظاهرة يمكن أن تجدها لدى كلّ موجود ذي إحساس، حتى المجانين والمتخلّفين عقلياً، فهولاء يتكلّمون من أجل تفهّم وتفهيم
التكرار. أي إنَّ ذهن الحيوان والطفل بدون أن يتوفّر على تصوّر لمفهوم العِلّية ينتقل من حادثة إلى الحادثة الأخرى بحكم العادة وتداعي المعاني المترابطة. وممّا لا شك فيه أنَّ الطفل والحيوان لا يدرك قانون العِلّية كقانون كلّي ويقيني، بل يختص بهذا الإدراك الإنسان المُهيأ بالفعل للتفكير المنطقي، وإذا فُرض أنَّ بعض الحيوانات العُليا تتمتّع بهذا اللون من الإدراك لقانون العِلّية فسوف تكون متوفّرة حتماً على القدرة المنطقية على التفكير.
إنَّ انخراط الإنسان في مسيرة التأمّل والتفكير المنطقي له عامل آخر، وهو إمكانيته على قراءة عالمه الداخلي ووعي ذاته. وعلى أساس هذه الإمكانية يمكن للإنسان إن يعلم بعلمه أو بجهله. أنَّ الحكماء يدعون ميزةً للإنسان عن الحيوان، تكمن في قدرة الإنسان على العلم بجهله وعلمه، والتفاته إلى أنَّه يعرف القضية "س" ويجهل القضية "ص"، أمّا الحيوان فليس لديه هذه القدرة، وبتعبير آخر: إنَّ الحيوان على الدوام أمّا أن يكون جاهلاً جهلاً مركّباً، وإمّا أن يكون عالماً علماً بسيطاً، بينا يمكن للإنسان أن يكون جاهلاً جهلاً بسيطاً وعالماً علماً مركّباً.
يتعامل الإنسان مع حوادثٍ لا يعرف علّتها، وبحكم قدرته على وعي ذاته يشعر بجهله، لكنّه يعرف ـ على أساس إدراكه لقانون العِلّية العام ـ أنّ لهذه الحوادث عللها في الواقع، ومن ثمَّ يعكف على البحث عن علل الحوادث بدافع البحث عن الحقيقة أو بدافع حاجاته الحياتية. فإن وقف على العِلّة الواقعية في هذا البحث فقد بلغ هدفه، وإلاّ اكتفى بالإيمان بوجود عِلّة خفية،
أغراضهم، ويمارسون أعمالاً بُغية إيصال مقاصدهم وهكذا.. بل أدنى درجات الملاحظة تؤكّد أنَّ أساس حياة كلّ كائن حي بحجم ما لديه من شعور ووعي يتكئ على هذا القانون " قانون العلة والمعلول ". ولو كان
ولعله يفترض عِلّة وهمية إرضاءً لغريزة البحث ؛ ومن هنا قالوا إنَّ الإنسان البدائي بحكم مستواه العقلي الأولي لم يستطع تفسير الحوادث الطبيعية، فأرجعها إلى آلهة والأرواح الخبيثة والطيبة. على أنَّ هذا الأمر شاهد على إدراك الذهن البشري لقانون العِلّية، وأنّ الذهن لم يكن باستطاعته أن يفترض الحوادث الطبيعية صدفة واتفاقاً، لا عِلّة لها. غاية ما في الأمر أنَّه لم يكن قادراً على رؤية الحقيقة، ومن هنا تذرّع بالخرافة والتفسيرات البدائية.
كانت الفلسفة ـ في ضوء معطيات تاريخ الفلسفة ـ في سالف أيامها القديمة تطوي مرحلة طفولتها، وقد امتزجت مع كلّ فروع المعرفة، وكانت تدّعى آنذاك " علم العلل والأسباب ". وفي المراحل القريبة ـ حيث أخذت الفلسفة تنفصل عن العلوم ـ نلاحظ أنَّ الفلسفة تعرّف أحيانا بـ " علم العلل الأولى ". ورغم أنَّنا لا نؤمن بسلامة هذا التعريف من زاوية فنية، إلاّ أنَّنا لا نشك في أنَّ أهم توقّعات البشرية من الفلسفة هي أن تكشف عن العِلل الأولية لعالم الوجود، ليتعرف الإنسان على السر الأول للعالم.
وفق منهجنا ـ الذي قد تعرّف عليه القارئ المحترم ـ يلزمنا أن ندرس قانون العِلّية عبر التحليل العقلي، انطلاقاً من الأصول البديهية، التي تشكل أساس الفكر البشري، هذه الأصول التي يضمن صحّتها العقل ذاته، دون واسطة، ودون أن تلعب أي تجربة دوراً فيها، بل هذه الأُصول ذاتها هي التي تضمن صحّة التجربة أيضاً. أي أنَّنا نعالج قانون العِلّية من زاوية
الإنسان أو أي كائن حساس آخر لا يؤمن بعِلّية ومعلولية ما بين ذاته وبين فعله، وما بين فعله وبين إنجاز هدفه، فسوف لا يصدر عنه أقل نشاط وفَعّالية إطلاقاً، وسوف لا يتوقع حدوث أي شيء، ولا ينتظر حدوثه.
عقلية لا تجريبية، ونحن نرى أنَّ قانون العلية مسألة فلسفية محضة، وليست مسألة فلسفية تعتمد نظريات الفيزياء أو غيرها. ونرى أيضاً أنَّ إدخال التجارب الفيزيائية في عمليات إثبات أو نفي العِلّية لغو لا طائل من ورائه، بل الاعتماد على هذه التجارب في هذا الإثبات يفضي إلى عدم الاعتماد عليها، وهذا ما سيتّضح ضمن الأبحاث القادمة.
الصورة التي يمتلكها الإنسان عن العلّة والمعلول هي أنَّهما أمران معينان، أحدهما معطٍ للوجود والواقع الآخر، والآخر متلقٍ للوجود والواقع من الأول. الأسئلة التي تحتل المرتبة الأولى في الذهن بشأن قانون العِلّية هي: من أين ينشأ تصوّر العِلّية في الذهن ؟ هل يدرك الإنسان قانون العِلّية بواسطة إحدى حواسه، كما يدرك الحرارة والبرودة والإيقاع الموزون والأصوات الناشزة والثقل والحلاوة وغيرها، أم أنَّه يدركها بواسطة أخرى ؟ وما هي هذه الواسطة ؟ لقد تناولنا الإجابة على هذه الأسئلة عبر المقالة الخامسة.
هناك سؤال آخر: هل قانون العِلّية قانون حقيقي وواقعي أم لا ؟ أي هل هناك في الواقع علاقة عِلّية ومعلولية، أم أنَّ هذا القانون في الحقيقة إيهام يقع فيه الذهن ؟ حتى ظهور الفيزياء الحديثة لا تعثر بين الفلاسفة أو علماء الطبيعة على من شكّ في صحة وواقعية قانون العلّية. نعم ظهر في أوساط المتكلّمين من ينكر الضرورة العِلية، وهذا الإنكار يفضي في الواقع إلى إنكار قانون العِلّية ذاته، أو من يستثني الأفعال الإرادية من شمول هذا القانون.
وفي ضوء هذا البيان نستنتج: " كلّ شيء وجد بعد أن لم يكن موجوداً، لا بد أن تكون له علّة ".
يذهب فريق من علماء الكلام إلى عدم صحة تعميم قانون العِلّية وأحكام العِلّية والمعلولية على الأفعال الإرادية كأفعال الباري تعالى والأفعال الإنسانية. وحينما يتبنى هذا الفريق مذهب " الجبر " فمن المحتم أن لا يكون لقانون العِلّية أي مصداق ؛ إذ مفهوم الجبر لدى المتكلّمين ـ كما تقدّم في هوامش المقالة الثامنة ـ يعني أنَّ جميع حوادث العالم تنشأ مباشرة وبلا واسطة من ذات الباري تعالى، وليست هناك سببية بين حوادث العالم، وما نشاهده من أحداث تتوالي في الوقوع ونسمّي بعضها سبباً والآخر مسبباً ما هي إلاّ سنة الله التي أجراها في خلقه، وليس هناك أي ارتباط سببي في البين ؛ إذن فأنصار الجبرية يسندون كلّ حوادث العالم إلى الفاعل المختار مباشرة، وإذا ضممنا إلى هذه النظرية نظرية عدم شمول قانون العلية للأفعال الإرادية فسوف تكون النتيجة أنَّ قانون العلية ليس له مصداق.
لقد تعرّضت نظرية المتكلمين في إنكار قانون العِلّية لازدراء واستهزاء الفلاسفة قروناً متعددة. ولكن أعيد إحياء نظرية المتكلّمين منذ نصف قرن، جَرّاء التطورات العِلمية والتحوّلات التي حصلت في الفيزياء على وجه الخصوص، حيث تزلزل إيمان بعض العلماء بقانون العِلية.
لقد قارع علماء الكلام الفلسفة منذ بداية عصرها الإسلامي، واعترضوا على القواعد الفلسفية، بل شكّكوا في مبادئ ومسلمات الفلسفة أيضاً، وقد واجههم الفلاسفة ودافعوا عن أنفسهم أمام شبهات المتكلمين. ورغم أنَّ المدرسة الكلامية لم تستطع مقاومة مدرسة الفلاسفة، ولكن الشك لا يتطرّق
طريق آخر
الطريق الذي أشرنا إليه هو الطريق الذي
(٢)
يطويه الإنسان بنظرة ساذجة. والنظرة الفلسفية الدقيقة تنتهي إلى نفس النتيجة. لقد أثبتنا في المقالة الثامنة:
إلى أنَّ ظهور كثير من النظريات الفلسفية الدقيقة ـ كما تدل على ذلك الشواهد التاريخية ـ مدين للصراع الكلامي الفلسفي. وقد أشرنا في المقالة السابعة إلى أنَّ القسم الأهم من أبحاث الوجود، التي تمثل من زاوية نظر مذهب أصالة الوجود مفتاح حل معضلات الفلسفة، مدين لمناقشات المتكلّمين في هذا المجال. ولعلّنا نوفق في ما يأتي من أبحاث إلى تقديم الشواهد على الأبحاث الفلسفية المتطوّرة، التي طرحت كرد فعل على هجمات علماء الكلام. وهذه النكتة لم نرَ من تعرّض إليها، ولعل بإماطة اللثام عنها تنكشف كثير من الأسرار التاريخية المهمة.
قانون العِلّية أحد المواضع التي هاجمها علماء الكلام، ونحن نلاحظ في ضوء معطيات بعض كبار علماء الفيزياء والرياضيات ما يؤيّد نظرية المتكلّمين. كما أَن مجموعة كثيرة نسبياً من قضايا الخلاف بين الفلسفة وعلم الكلام يقف العلم الحديث فيها إلى جانب المتكلّمين.
إنَّ قانون العلّية أحد الأُسس التي إذا تزلزلت أدَّت إلى انقلاب فلسفي كامل، ويعتقد الفلاسفة أن قانون العلية ركن أساسي إذا تزلزل أدى الأمر إلى فقدان العلم لمعناه. وسوف نتناول بالبحث هذا الموضوع في الهوامش والتعليقات المقدَّمة بشكلٍ تفصيلي.
٢ ـ قلنا في الهامش المتقدِّم أنَّ التصوّر الذي يمتلكه كلّ فرد عن العلّية
أوّلاً: ليست هناك ماهية ـ على الإطلاق ـ تتوفّر على الوجود، دون أن يجب وجودها، وتتوفّر على " الضرورة ".
ثانياً: أنَّ هذا الوجوب تحصل عليه بواسطة موجود آخر، وإلاّ فالماهية بذاتها تتساوى نسبتها للوجود والعدم.
والمعلولية هو: إنّهما عبارة عن أمرين، أحدهما معطي الوجود والواقع والآخر متلقي الوجود والواقع. وأي ظاهرتين اتسمتا بهاتين السمتين نقول إنَّ بينهما علاقة العلية والمعلولية. قلنا في المقالة الثامنة: إنَّ الفلاسفة يستخدمون مصطلح العلية والمعلولية بمعنى أعم أحياناً، ويطلقون العلّة على مطلق الأشياء، التي تتدخّل في وجود الشيء، ويرتهن وجود المعلول بها، رغم أنَّ هذه الأشياء ليست مُعطية للوجود، ومن هنا يطلق مصطلح العلة على الأجزاء التي يتركّب منها وجود المعلول، وعلى الشروط والمقدّمات الخاصة لوجود المعلول، بينا لا يصدق مفهوم الإيجاد وإعطاء الوجود على هذه الأُمور.
إذا استخدمنا مفهوم العلية بمعناه الأعم فسوف تكون علاقة العلية والمعلولية عبارة عن استناد واقعة إلى واقعة أُخرى. على أنَّنا يجب أن نفحص في المرحلة اللاحقة طبيعة هذا الاستناد، الذي ينبغي أن يتطابق مع الواقع. نريد الآن أن نجيب على الاستفهام الذي طرحناه في الهامش السابق: هل قانون العلية قانون حقيقي وواقعي أم وهم وكاذب يعرض على الأذهان ؟
بدءً يلزمنا التذكير بأنَّنا إذا أنكرنا قانون العلية يلزمنا أن ننكر مرةً واحدة العلاقات بين الأشياء والوقائع ؛ إذ مرجع إنكار العلّية يعود إلى أحد أمرين لا ثالث لهما: فإمّا أن ينكر، جراء الإيمان بأنّ جميع الموجودات ذات
نستنتج مما تقدم: ( كلّ موجود تتساوى نسبته إلى الوجود والعدم، فإنَّ وجوده الذي يساوي الوجوب، ينشأ من موجودٍ آخر [ العلّة ] ). ويمكن التعبير عن هذه النتيجة بالعبارة التالية: " لا بد للممكن من علّة في وجوده ".
وجوب ذاتي، وإنَّ الإمكان ( الذي هو لازم المعلولية ) وهم باطل، ومن ثمَّ فكل ما هو موجود أو معدوم أزلي وأبدي. وإنَّ الحدوث والزوال والتغيير والتكامل مفاهيم لا مصداق لها.
وأمّا أن ينكر، جراء الإيمان بالصدفة والاتّفاق. وإذا أخذنا أياَ من هذين الأمرين يلزم انفصال وعدم ارتباط الوقائع مع بعضها، وعندئذٍ يصبح انعكاس العالم الخارجي في أذهاننا بصورة وقائع منفردة أو مجتمعة، ولا نستطيع أن نتصوّر مجموعة العالم بصورة جهاز واحد، بل لا يمكننا أن نتصوّر أي مجموعة صغيرة من العالم بصورة جهاز مترابط الأجزاء.
من الممكن أن يطرح الوهم التالي: افترض أنَّنا آمنا مثلاً بنظريةديمقريطس
التي أُعيدت لها الحيوية في القرن التاسع عشر، وآمنا أنَّ الأجسام مركّبة من أجزاء صغيرة لا تتجزّأ، وعلى حد تعبير "ماكسول
" علاّمة القرن التاسع عشر الشهير: ( أحجار قصر العالم التي لا تفنى )، وآمنا أن هذه الذرّات أزلية وأبدية وقائمة بذاتها، ومن ثمّ لا علّة لها. عندئذٍ ننكر قانون العلّية، وفي نفس الوقت تكون أجزاء الجهاز الكوني مترابطة مع بعضها، والارتباطات القائمة بين جهاز العالم هي التي تنتج أنواع المركّبات من الجمادات والنبات والحيوانات.
لكن النظرية الفلسفية المنسوبة إلىديمقريطس
لا تقوم على أساس نفي قانون العلّية، رغم عدم وجود علاقة سببية ـ وفق هذه النظرية ـ بين
على أساس البيان المتقدّم، فحينما نضع اليد على أيّ حادثة أو ظاهرة في العالم يلزمنا القول إنّها موجود، ووجودها ضمن شروطها وخصوصياتها ضروري ( حتمي ). وإنّها وجدت جراء تعاضد وتعاون مجموعة من الظواهر الأُخرى ( العلّة ). ولو لم تكن علّتها موجودة لم توجد، وبعبارة أُخرى يلزمنا القول: " وجود العلّة علّة لوجود المعلول، وعدم العلّة
الذرّات بعضها مع بعض، وعدم وجود علّة أُولى لها، ولكن كلّ ذرة من الذرّات ذات خصوصية أو خصوصيات معينة، وبواسطة هذه الخصوصيات يمكن تركيب الواضح أنَّ علاقة كلّ ذرّة بخصوصياتها، وكذلك علاقة كل ذرّة بالمركب الذي تنتجه هي علاقة العلّية والمعلولية.
إذن، فالنظرية الذرّية لا تقوم على أساس نفي قانون العلّية، فإنَّ نفي قانون العلية العام ـ كما قلنا ـ يستلزم نفي أيّ لون من الارتباط الواقعي بين الموجودات. إذ تنبع جميع الارتباطات بين الموجودات من علاقة العلية والمعلولية، ومع عدم وجود علاقة العلية سيعدم أيّ لون من ألوان الارتباط الواقعي بين الموجودات. نعم يخلق الإنسان أحياناً روابطَ بين الأشياء نظير رابطة الملكية والزوجية والرئاسة وغيرها، لكنّ هذه الروابط لا تتجاوز المرحلة الذهنية، بل هي اعتبارات ليس لها وجود عيني.
أمّا إذا آمنا بقانون العلّية ورأينا العالم بلباس العلّية والمعلولية، فسوف نذعن بترابط وتلاحم الوقائع مع بعضها، وسوف يظهر العالم الخارجي أمامنا بصورة جهازٍ متلاحم ومترابط الأجزاء. ومن هنا فالحديث عن قانون العلّية هو الحديث عن الارتباط والتلاحم بين موجودات العالم.
علّة عدم المعلول ". [ رغم أنَّ مقولة " عدم العلّة علّة لعدم المعلّول " لا تخلو من مجازية ؛ إذ أنّ العدم ـ كما تقدّم في المقالة السابعة ـ مفهوم ذهني لا واقع له، ولكن حينما نفترض له واقعاً سوف لا يكون له حكم سوى الحكم السابق ]. ومن هنا نستنتج: " الشيء يتطلّب علة على كل حال ". ( على أنَّ الشيء في هذه النتيجة يشير إلى حالة تساوي الشيء بالنسبة إلى
يتفرّع عن قانون العلّية العام قوانين كثيرة، وهناك قانونان رئيسيان ما لم يثبتا فسوف لا يكون قانون العلّية العام كافياً لتفسير نظام الوجود، وأحد هذين القانونين هو قانون السنخية بين العلّة والمعلول، أي القانون الذي يقرّر أنَّ العلل الخاصة تنتج معلولات خاصة، وليس كلّ علّة يمكن أن تنتج أي معلول، بل هناك خصوصيات في العلل والمعلولات التي نتج بعضها من بعض. فنحن إذا آمنا بقانون العلّية العام وأنكرنا قانون السنخية فهذا ينتج ـ رغم عدم جواز وقوع أيّ حادثة بلا سبب ـ جواز صدور أيّ شيء من أيّ شيء، وفي هذه الحالة سوف لا يظهر لنا العالم بصورة نظام معيّن، وإن لم يظهر لنا بصورة موجودات منفصلة ومنفردة.
أمّا القانون الثاني الذي يتفرّع من قانون العلية العام فهو قانون امتناع انفكاك المعلول عن العلّة التامة، ويطلق على هذا القانون " قانون الحتمية، أو الجبر العلّي، أو الضرورة العلّية "، وهذا القانون تناولناه بالبحث في المقالة الثامنة. ويستنتج من قانون العلّية وقانون السنخية وقانون الجبر العلّي ثلاثة أفكار رئيسية:
١ ـ ترابط وتلاحم الموجودات.
٢ ـ نظام الموجودات الخاص.
الوجود والعدم ). إذن ؛ إذا نظرنا إلى شيء مع غضّ النظر عن وجوده وعدمه فسوف يقع بين طرفي العدم والوجود المتقابلين، والعلّة هي التي تمنح أحد الطرفين مزّيةً ورجحاناً، ومن هنا نطلق على العلّة مصطلح المرجِّح. ومن هنا ينبغي أن نستنتج ما يلي:
٣ ـ وجوب وضرورة نظام الموجودات الخاص.
إذا أخذنا بنظر اعتبارنا الأفكار الثلاثة المتقدّمة، مضافاً إلى " امتناع تسلسل العلل وانتهاء سلسلة العلل بالعلّة بالذات " ـ كما مرّ في المقالة الثامنة ـ، مضافاً إلى وحدة العلّة بالذات ( حيث سيأتي إثبات ذلك في المقالة الرابعة عشرة "، فسوف يضحي مجموع العالم ـ رغم أبعاده اللامتناهية زمانياً ومكانياً ـ جهازاً واحداً متكاملاً، متلاحم الأجزاء ومترابطاً في أبعاده اللامتناهية.
اصطلح فلاسفة أُوربا على مذهب العلية "المذهب الميكانيكي
"، ومن هنا يكون العالم على صورة جهاز مترابط الأجزاء والآلات، ويعمل بانتظام وبطريقة ميكانيكية. ولكنّنا سنقرّر لاحقاً أنَّ تصوّرنا عن العلّية يختلف عن تصوّر المذهب الميكانيكي، الذي يحصر العلاقات بالعلاقات المادية.
قانون العلّية:
فَرَزنا في طرحنا قانونَ العلية العام عن القانونين اللذين يتفرّعان منه، وهما قانون السنخية وقانون الجبر العلي، لكن كثيراً من الباحثين لم يميّزوا بين هذه القوانين، ومن هنا أدى عدم الفرز إلى الوقوع في أخطاء واستنتاجات باطلة، ونلاحظ أحياناً أنَّ بعض الباحثين يهاجم قانون العلية، ثمّ
١ ـ بين وجود الشيء وعلّته علاقة ونسبة وجودية، لا تقوم بينه وبين غيرها.
٢ ـ العلّة التي تكون نسبتها إلى شيئين على حدٍّ سواء لا يمكن إطلاقاً أن تخصّص أحدهما بالوجود دون الآخر. ولا يمكن أيضاً أن يختص أحدهما بالوجود، ومن هنا تنطلق قاعدتان مشهورتان، أحدهما: استحالة الترجيح بلا مرجِّح، والأُخرى: استحالة الترجُّح بلا مرجِّح.
يتّضح بعد التأمّل أنَّ هجومه لا ينصب على قانون العلّية العام، بل ينصبّ على أحد القانونين المتفرّعين منه أو القوانين الأُخرى المتفرّعة منه. رغم أنَّ الملاحظة الفلسفية الدقيقة تثبت أنَّ إنكار أيّ من قانوني السنخية أو الجبر العلِّي يفضي إلى إنكار قانون العلية العام ؛ لكن التأمّل في كلمات الباحثين الذين هاجموا قانون العلية يوضح أنَّ هؤلاء لم يرفضوا أصل الارتباط والعلاقة العلّية، بل قصدوا رفض نظام معيّن وترتيب خاص للعلية، وهو يعادل قانون السنخية، أو قصدوا قانون الحتمية العلية.
لو أخذنا المتكلّمين مثلاً نجد أنَّ مذهبهم في الفاعل المختار جاء للرد على الحكماء في نظريّتهم بشأن ترتيب صدور الموجودات عن المبدأ الأوّل، هذا الترتيب الذي يقوم على أساس قانون السنخية، فأنكروا الترتيب السببي، وذهبوا إلى إطلاق إرادة المبدأ الأول وتدخّله في كلّ حادثة مباشرة. وقصدوا أيضاً رفض نظرية الحكماء الأُخرى، التي تقرّر لا نهائية سلسلة الزمان والزمانيات، هذه النظرية التي هي نتيجة التزام الحكماء بامتناع انفكاك المعلول عن العلة " الحتم العلّي "، إلاّ فالمتكلّمون يعترفون بأنَّ الفاعل يمنح لفعله الوجود، ومفهوم العلية في كلّ شيء لا يتعدّى ذلك.
٣ ـ في ضوء النتيجة الثانية نصل إلى أنَّ الاختيار ( الذي يذعن به الإنسان، وفق الفهم السطحي ) لا وجود له في الواقع ؛ فالإنسان يتصوّر وفق النظرة السطحية أنَّه يستطيع حينما يواجه فعلين أو أفعالاً متكافئة اختيار أحدهما وممارسته، دون أن يكون فعله ضروري الوجود، أو بدون أن يكون هناك مرجح في البين، وبغية إثبات هذه النظرية الكاذبة طرحوا مجموعة مواردٍ أُغفلت فيها العلّة الموجبة والمرجِّحة أو كانت مجهولة. إلاّ
وحينما نلاحظ نصوص بعض علماء الفيزياء المُحدَثين، الذين أدانوا قانون العلّية، نجد ـ بعد شيءٍ من التأمّل ـ أنَّهم لم يقصدوا نفي أصل العلّية، بل قصدوا نفي نظام خاص بعالم الذرّات، وهو النظام الحتمي الجزمي. وسوف نستشهد بنصٍ لأحد علماء الفيزياء المشهورين في هذا المجال.
أجل ؛ فأنصار نظرية وحدة الوجود، الذين يقف في طليعتهم العرفاء. يمكن أن نعدّهم منكري قانون العلّية ـ ؛ إذ على أساس نظريّتهم لا يكون في الوجود سواه، وليس في العالم سوى المعشوق، وليس هناك سوى واقع واحد من جميع الجهات، ومن ثمّ ليس هناك تعدّد في البين، لكي نتحدّث عن ارتباط وارتهان واقع بواقع آخر. إنَّ عرفاء وحدة الوجود المحضة يأبون عن استخدام مصطلح العلّة والمعلول.
هناك فريق آخر يمكن أن نعدّهم منكري قانون العلية، هؤلاء الذين استعصى الأمر عليهم في تصور العلية والمعلولية، ولم يتمكّنوا من هضم فكرة منح الوجود من قبل شيء إلى شيء آخر، بل حسبوا أنَّ منح الوجود من قبل شيء إلى شيء آخر محال وممتنع. إنَّ جميع الذين ادعوا أنَّ الشيء لا يصير لا شيء، أو أنَّ اللاشيء لا يصير شيئاً، أو الذين قالوا باستحالة
أنَّ الإنسان حينما يراجع وجدانه سوف يرى أنَّه ما لم يضم إلى الفعل مرجحاً نظرياً، وما لم يمنح الفعل سمة الضرورة لا تتحقّق لديه إرادة الفعل. والاختيار الذي لدى الإنسان ـ كما تقدّم في المقالة الثامنة ـ هو أنَّ الفعل بالنسبة إليه ليس حتمياً، رغم أنَّ الفعل حتمي وضروري بالنسبة إلى مجموع أجزاء العلة، التي يمثلها الإنسان وغير الإنسان.
الخلق من العدم، واتّخذوا هذه الفكرة دليلاً على عدم وجود المبدأ الأوّل، هم من هذا الفريق. وقد أثبتنا في المقالة الثامنة في البحث عن امتناع وجود المعدوم وعدم الموجود إنَّ ما تؤمن به الفلسفة من قاعدة في هذا المجال لا يفضي إلى أزلية وأبدية الموجودات، ولا يستلزم نفي المعلولية والخلق، عليك بمراجعة ذلك البحث، وسوف نكرّر البحث حول هذا الموضوع.
الحاجة إلى العلّة:
نغضّ الطرف عن العرفاء أنصار وحدة الوجود المحضّة، ونغضّ الطرف عن الذين استعصى عليهم تصوّر العلية والمعلولية. تبقى المدارس الأُخرى التي تناصر قانون العلّية. وأمام هذه المدارس يطرح سؤال خطير، والإجابة عليه تتضمّن مشكلات كثيرة، والسؤال هو: ما هو مناط الحاجة إلى العلّة ؟
قلنا سابقاً إنَّ مفهوم " لِمَ " سؤال عن علّة وجود الشيء، وبهذه الصيغة نستفهم عن علّة أي حادثة تقع. وحينما نجيب عن السؤال بشأن كلّ حادثة يلزمنا بيان علّة تلك الحادثة. لكن هناك سؤالاً فلسفياً مهمّاً، تقع على الفلسفة مسئولية الجواب عليه، والسؤال هو: ما هي علّة الحاجة إلى العلّة ؟ أي ما
٤ ـ تنقسم العلّة إلى علّة تامة وعلّة ناقصة ؛ لأنَّ العلّة المؤلّفة من أجزاءٍ يحتاج المعلول إلى كلِّ واحد من أجزائها، كما يحتاج إلى مجموع الأجزاء ؛ إذن فكلُّ جزء من أجزاء العلّة ( كما هو حال مجموع الأجزاء ) علّة، وبزوال أي جزء منها يزول المعلول، ومن هنا يتّضح:
هي الخصوصية التي يتميّز بها الشيء لكي يكون وجوده ناشئاً من علّة ؟ وفي سياق الإجابة على هذا الاستفهام يطرح أنصار المدارس المختلفة نظرياتهم بشأن عمومية الحاجة إلى العلّة، أو وجود موجود لا يحتاج إلى علّة، ومناط الاستغناء والحاجة إلى العلّة.
هناك أربع نظريّات مطروحة من قبل أنصار قانون العلّية في هذا المجال:
١ـ النظرية الحسية:
علة الحاجة إلى العلّة ـ وفق هذه النظرية ـ تنحصر في التوفّر على الوجود، والوجود ملازم للمعلولية. وعلى هذا الأساس يلزم القول: " إنَّ مناط الحاجة إلى العلّة هو عين الموجودية ". وكلّ شيء فهو محتاج إلى العلّة ومتكئ عليها، ويستحيل وجود موجود غير متكئ على العلّة. هذه نظرية المادّيين، الذين ذهبوا إلى عدم تناهي سلسلة العلل والمعلولات، ولم يذعنوا بوجود واجب الوجود، وعلّة العلل. تقف في مقابل هذه النظرية نظرية أُخرى للماديين، الذي يرون أنَّ التوفّر على الوجود يتناقض مع المعلولية والمخلوقية. ولا يقل سخف هذه النظرية عن النظرية السابقة.
دليل أنصار النظرية الأُولى هو: أنّنا لم نشاهد بالحس والتجربة حتى الآن سوى وجود أشياءٍ وحوادثَ معلولةٍ لعلل ؛ ومن هنا نفهم أنَّ الموجودية
أ ـ إنَّ سمة العلّة التامة هي أنَّ المعلول بوجودها يتوفّر على ضرورة الوجود، وبعدمها يكون ضروري العدم، وسمة العلّة الناقصة أنَّ وجودها لا يحقّق ضرورة الوجود للمعلول، لكن عدمها يصيّر المعلولَ ضروريَ العدم.
ب ـ عدم العلّة التامة أو أيِّ من العلل الناقصة علّة تامة لعدم المعلول.
تلازم المعلولية. ولا أظن أنَّ نقص وضعف هذا الاستدلال يحتاج إلى بيان. وقد وقع هذا الفريق من الماديين بغية إثبات نظريتهم بمغالطةٍ خاصة، فقالوا إذا كان هناك موجود غير معلولٍ لعلّة يلزم أن يكون وجود هذا الموجود صدفةً واتّفاقاً، والصدفة محال عقلاً. وهذا الفريق من الماديين اتّخذ من امتناع الصدفة دليلاً على عدم وجود واجب الوجود. خذ على ذلك مثلاً الدكتورآراني
في كتيبه الجبر والاختيار ( الصفحة الثالثة )، حيث يقول: " لا يمكننا أن نتصوّر أنّ هناك عالماً تقف فيه سلسلة العلل والمعلولات عند نقطة معينة، إذ يتناقض هذا التصوّر مع القانون الذي أذعنّا به، إذ يلزم أن تكون هذه النقطة معلولاً بلا علّة، وهذا محال منطقياً... " !! ويقول في الصفحة العاشرة أيضاً: " إنَّ الأهم من كل ذلك هو أنَّ الإيمان بالاتفاق يدفعنا بشكلٍ مباشر إلى الإيمان بالمعاجز والخرافات، ويضطرّنا إلى الإيمان بالخلق من العدم وسائر الأفكار الباطلة الأُخرى، كما حصل لأرسطو وسيسرون وليبنتز وولف في إثبات الصانع، حيث تمسّك هؤلاء بنظرية الاتّفاق... " !
هذه المغالطة مغالطة واضحة جداً. فالصدفة والاتّفاق أمر محال، يدركه كلّ فرد، إذ يستحيل أن يكون شيء غير موجودٍ في وقت ثمّ يوجد بلا
٥ ـ إذا قارنّا بين النتيجة التي حصلنا عليها وفق المنهج الأوّل في بداية هذه المقالة ( إنَّ الشيء الذي لم يكن موجوداً في وقتٍ ما، ثمَّ وجد، لا بد أن تكون له علّة )، وبين النتيجة التي حصلنا عليها وفق المنهج الثاني ( كلّ ممكن يحتاج إلى علّة )، يتّضح أنَّ النتيجة الثانية أعمَّ و أوسع دائرةً من الأولى ؛ إذ من الممكن على أساس هذه النتيجة أن يكون هناك معلول قديم زماناً، وليس مسبوقاً بالعدم في أيَّ وقت من الأوقات، أمّا وفق النتيجة الأُولى فلا يصحُّ أن نصف مثل هذا الموجود بالحاجة إلى العلّة ؛ لأن هذه النتيجة تحكم في دائرة الموجودات، التي سبق عليها العدم الزماني.
علّة. وهذا أمر لا علاقة له بوجود واجب الوجود القديم والأزلي والقائم بالذات. وليس هناك أيّ فيلسوف حتى الآن تمسّك بنظرية الاتّفاق لإثبات الصانع، سوى فريق من المادّيين الذين حاولوا تفسير العالم على أساس نظرية الاتّفاق.
الغريب من هؤلاء السادة أنَّهم يتمسّكون أحياناً بقاعدة العلّية لنفي المبدأ الأوّل وخالق العالم، ويتمسّكون أحياناً بنظرية امتناع الخلق من العدم لإثبات نفي المبدأ الأوّل، بينا تقف نظرية امتناع الخلق من العدم في النقطة المقابلة تماماً لقانون العلّية. والطرح الجامع لشبهة امتناع الخلق من العدم ( هذه الشبهة التي أجاب عليها الفلاسفة أجوبةً دامغةً ) هي: أنَّ الخلق والعلّية، ومن ثمَّ إعطاء الوجود من قبل شيءٍ إلى شيءٍ آخر أمر محال ؛ لأنَّ المعلول والمخلوق إمّا أن يكون معدوماً وإما أن يكون موجوداً، فإذا كان معدوماً يلزم من تأثير العلّة في المعلول تبديل العدم بالوجود، وانقلاب العدم إلى الوجود أمر محال، وإذا كان موجوداً فهو ليس بحاجةٍ إلى علّة، والعلّة لا يمكنها أن
إشكال
المعلول الذي يفرض له وجود بلا نهاية، والذي لم يطرأ عليه العدم، لا في الماضي ولا في المستقبل سوف لا يحتاج إلى علّة إطلاقاً، وبعبارة أُخرى أن فرض الوجود الدائمي يتناقض مع فرض الحاجة.
تصيّر الموجود موجوداً، بل هو تحصيل حاصل. إذن فعلى كلّ حالٍ تأثير العلّة والخالق في إيجاد المخلوق والمعلول أمرٌ محالٌ.
إذا آمنا بهذه النظرية وفق الاستدلال المتقدّم، فسوف لا يتوقّف الأمر على فقدان العلّية لمفهومها، بل سوف يستحيل من حيث الأساس عدم شيءٍ ووجود شيءٍ، ومن هنا يضحي الكون والفساد والحركة والتكامل أموراً لا معنى لها ؛ إذ يلزم على الأقل من هذه الأُمور عدم حالةٍ ووجود حالة أُخرى. لكنّ الماديين في مقام نفي وجود الخالق ومبدأ العالم أبدوا كثيراً من العجلة والخفة، التي حجبت أبصارهم عن الإلتفات إلى هذه التناقضات، ولعلهم أقنعوا أنفسهم بتغيير لفظ الخلق بلفظ العليّة، كما تقدم هذا اللعب اللفظي عند المتكلّمين حينما استبدلوا مصطلح العلّية بمصطلح الفاعلية.
هذا مضافاً إلى أنَّ دليل هذا الفريق على تحديد مناط الحاجة إلى العلّة بالوجود دليل واهن ولا أساس له. فأدلّة وجود المبدأ الأوّل تبطل هذه النظرية بوضوح، خصوصاً برهان الصدّيقين، الذي هو أشرف وأرقى برهان في هذا المجال، والذي يستنتج من التعمّق في حقيقة الوجود. إذ يُستنتج برهان الصدّيقين من أصالة الوجود والتشكيك الوجودي، والفلاسفة الإسلاميون وحدهم تنبّهوا إلى هذا البرهان. وسوف نتناول مقدّمات ونتائج هذا البرهان بالبحث التفصيلي في المقالة الرابعة عشرة.
الجواب
فرض المعلول هو فرض الحاجة ؛ إذن فالوجود الدائمي للمعول وجود دائمي للمحتاج. والوجود الدائمي للمحتاج تكون حاجته أشدّ وأقوى. وأساس الفكرة يقوم على أنّ الممكن يحتاج إلى علّة مرجِّحة، بحكم تساوي نسبة الوجود والعدم فيه، لا بحكم سابقة العدم، التي هي معنىً نسبيّ انتزاعي.
٢ـ نظريّة الحدوث:
على أساس هذه النظرية يكون الحدوث هو السمة التي تؤدّي إلى حاجة الشيء إلى العلّة. والقِدم هو السمة التي تؤدّي إلى الاستغناء عن العلّة. إنَّ فهمنا لقانون العلّية العام يهدينا إلى أنَّ الاستفهام عن السبب ( لِم ) يقع في مورد الأشياء التي لم تكن موجودة في وقت من الأوقات ثمّ وجدت، فهذه الأشياء لا بدّ أن تكون لها علّة، لأنَّ وجودها بلا علّة سوف يكون صدفةً، وهو أمر محال. أمّا إذا كان الموجود قديماً فلا يمكن أن نقول إنَّ له علّة، وليس هناك محلّ للاستفهام عن السبب، لأنَّ هذا الموجود لم يكن غير موجودٍ في زمان ثمّ وجد، لكي يمكننا الاستفهام عن سبب وعلّة وجوده. وحيث إنَّ مفهوم العلّية هو أنَّ كل موجود لم يكن موجوداً في وقت ثمّ وجد فلا بدَّ أن تكون له علّة، فلا يمكننا ( على غرار المادّيين ) أن ننفي وجود الموجود القديم على أساس قانون العلّية، ونقول لا يمكن أن يكون موجوداً قديماً، لأنَّ ذلك استثناء في قانون العلّية ؛ إذ إنَّ قانون العلية في نفسه يشمل الموجودات الحادثة فقط، ولا يمكن أن يشمل بأي وجه من الوجوه الموجودات القديمة. ومن الواضح أنَّ هذا ليس استثناءً في قانون العلية. بل يحصل الاستثناء إذا فرضنا وجود موجود حادثٍ بدون علّة.
إشكال
قانون العلّية العام قانون مستنتج على أساس الاختبارات، التي قمنا بها في عالم الأحداث المادية، وليس هناك أيُّ موردٍ من هذه الموارد غير مسبوق بالعدم، ومن هنا لا يمكن إطلاقاً أن نفترض معلولاً قديماً
هذه النظرية يتبنّاها المتكلّمون وكثير من أدعياء الفلسفة. وعلى أساس هذه النظرية الكلامية يحصر المتكلّمون " القديم " بذات الباري سبحانه، ويقرّرون لكلّ شيء نقطة بدءٍ زمانية. على هذا الأساس من التفكير ينطلق فريق من الإلهيين في البحث عن إثبات وجود المبدأ الأوّل إلى فرض نقطة بدءٍ زمانية لكلّ العالم، كما ينطلق من هذا الأساس أيضاً فريق من الماديين الذين يقفون في النقطة المقابلة لتصوّرات الإلهيين، فيطرحون نظرية عدم تناهي الزمان والزمانيات، ويتّخذون من ذلك دليلاً على عدم وجود المبدأ الأوّل. وقد وقع المؤرّخون وكُتّاب الموسوعات الفلسفية في اضطرابٍ عند هذه النقطة، فمن هنا عدّوا الفلاسفة الذين يؤمنون بلا نهاية الزمان أو قدم المادة فلاسفةً ماديين، ولا اقل من عدهم فلاسفةً ثنوية، وهذا الأمر أضحى منشأً لكثير من الأخطاء الكبرى. ولعلنا نوفق في المقالة الحادية عشرة إلى التذكير ببعض الأفكار حول هذا الموضوع.
٣ـ نظريّة الماهية:
على أساس هذه النظرية تكون علّة الحاجة إلى العلة هي توفّر الشيء على الماهية، فكلّ شيءٍ ذو ماهية ووجود، وذاته، أي ماهيته، غير وجوده وواقعه، فهو بحاجة إلى علّة، سواء أكان هذا الموجود حادثاً أم قديماً. أمّا الموجود الذي تكون ذاته عين وجوده وواقعه، وحقيقته غير مؤلفةٍ من ماهية ووجود فهو غني عن العلة. ( راجع هوامش
زمانياً وبحاجة إلى العلّة ؛ لعدم صحّة تعميم الحكم التجريبي إلى أوسع من دائرة الشروط الخاصة للاختبار، ما لم نعثر على موردٍ أو عدّة موارد يصدق عليها الحكم التجريبي مع عدم توفّر الشروط المشار إليها. ولا يمكن إطلاقاً اعتماد مجرّد القياس العقلي في استنتاج الحكم.
المقالة السابعة في الفرق بين الماهية الوجود ). وحيث إنَّ هذا الموجود تكون موجوديته عين ذاته , ونسبته إلى الموجودية نسبة الضرورة لا الإمكان، فسوف يستحيل عليه العدم، وحيث يستحيل عليه العدم فهو أزليّ وأبديّ وعلى أساس هذه النظرية يكون الموجود المستغني عن العلّة، الذي نسمّيه واجب الوجود قديماً، لكن كلّ قديم غير مستغن عن العلّة، وليس هناك إشكال في أن يكون هناك موجود قديم وهو بحسب ذاته ممكن الوجود، وإنَّما يُصبح أزلياً وأبدياً بواسطة فيض واجب الوجود.
يتبنّى هذه النظرية عموم الحكماء الذين يؤمنون بأصالة الماهية أو الذين أغفلوا البحث في أصالة الماهية وأصالة الوجود. وحتى فلاسفة أصالة الوجود يتابعون هذه النظرية أيضاً. وهذه النظرية هي إحدى مواضع الخلاف الكبرى بين الفلاسفة الإلهيين وعلماء الكلام. الفلاسفة لا يحصرون ممكن الوجود وفق نظريتهم في الحوادث، ولا يحصرون القديم بذات الباري تعالى، خلافاً للمتكلّمين الذين يقررّون أنَّ الممكن يساوي الحادث، والقديم يساوي الواجب.
دليل هذا الفريق لإثبات أنَّ مناط الحاجة إلى العلّة هو توفّر الشيء على الماهية دليل مؤلّف من مقدّمتين:
المقدّمة الأُولى:
كلّ ماهية نظير ماهية الإنسان والشجرة والحجر والخط والحجم وغيرها تتساوى نسبتها إلى الوجود والعدم بحسب ذاتها،
الجواب
الحكم التجريبي هو عين ما تقرّر في الإشكال، لكن نقّادَّنا نسوا وجود الزمان ذاته، وهو واقعة مادية وإمكانية، وحقيقته أنَّه مقياس الحركة، ومعلول للحركة العامة للمادة، ولا يمكن إطلاقاً افتراض سابقة عدم زماني لهذه الحقيقة، فلا يمكن القول حصل زمان ولم يكن ثمَّ أصبح زماناً، أو أنّ
ويصح أن تكون موجودة أو معدومة. فالماهية بذاتها لا تقتضي الوجود ولا تقتضي العدم. يعني أنَّ الماهية لا يمكن أن تقتضي الوجود أو تقتضي العدم. وقد اصطلح الحكماء على هذه اللاقتضائية والتساوي نسبة ( الإمكان )، فقالوا إنَّ الماهية في ذاتها ممكنة أو أنَّ الإمكان من لوازم الماهية.
المقدّمة الثانية
: كلّ شيءٍ تتساوى نسبته إلى شيئين يستحيل عقلاً بدون عامل مرجح أن يلبس رداء أحد الطرفين. فامتناع أن يلبس ثوب أحد الطرفين بدون مرجح متساوٍ بالنسبة إلى كلا الطرفين، وهذه هي القاعدة العقلية المعروفة بامتناع الترجيح بلا مرجح. وامتناع الترجيح بلا مرجح إحدى بديهيات العقل الأولية، وكلّ شخصٍ تصوّر هذه المقولة فسوف يصدّق سواء أراد أم أبى، وبُغية تصور هذه القاعدة العقلية يمكننا الاستئناس بالأمثلة التالية:
افترض جسماً يسير على خط مستقيم، فيصطدم خلال حركته بمانع يحول دون استمرار الحركة في جهتها المعينة، وافترض أنَّ الأمر يدور بين أن يميل الجسم إلى جهة اليمين أو إلى جهة اليسار، وليس هناك أي عامل مؤثر في الواقع يدفع الجسم إلى إحدى الجهتين. فهل يمكن في هذه الحالة أن يختار الجسم بذاته طرفاً معيناً، دون أن يكون هناك أي مرجح في
يوماً قد حصل ولم يكن يوماً ثمَّ أصبح يوماً. نعم، إنَّ هؤلاء الباحثين بحكم عدم تحقيقهم العلمي في حقيقة الزمان ارتكبوا مجموعة أخطاءٍ وإغفالاتٍ في كلّ بحث فلسفي يرتبط بسمات الزمان النظرية، ولم ينحصر الأمر في هذا البحث.
البين ؟ من الواضح أنَّ الإجابة بالنفي. افترض ميزاناً متعادل الكفتين. فإذا أردنا أن تَرجح إحدى الكفّتين على الأُخرى يلزمنا أن نقوم بعملٍ ما، فنزيد في وزن هذه الكفّة أو نقلل من ثقل الكفّة الأُخرى. فلو افترضنا في هذه الحالة أنَّنا لم نقم بأي عمل يزيد في وزن هذه الكفة أو يقلل من وزن الكفة الأُخرى، وليس هناك أي عامل منظور أو غير منظور يؤثّر على إحدى الكفّتين. وتكون ظروف الكفّتين متساوية، فهل يمكن عقلاً أن تميل إحدى الكفتين بذاتها ؟
إنَّ قانون امتناع الترجح بلا مرجح قانون عقلي ولا يصح أن يكون تجريبياً بأدلّة سوف لا تخفى على القارئ، لكنه يُستخدم في العلوم التجريبية. ومن هنا فحينما يواجه الباحث التجريبي أمثلة مشابه للمثالين المتقدّمين، وتكون الظروف متساوية حسب اعتقاد الباحث، لكنه يلاحظ ميلاً لطرف دون طرفٍ آخر، فمن المحتم حينئذٍ أن يعتقد بعدم تساوي الشروط، ووجود عامل خفي، ومن ثم يأخذ بالبحث عن هذا العامل المرجح، ويمكننا العثور على شواهد من هذا القبيل في تأريخ العلم.
على كل حال فالترجيح بلا مرجح أمر محال عقلاً، وكذلك الترجيح بلا مرجح أي أن يتساوى أمام الفاعل أحد فعلين، ودون أن يحدث أي تغيير في وضع الفاعل يختار أحد الفعلين دون الآخر فهذا أمر محال عقلاً أيضاً. نعم
على كلّ حالٍ، فالزمان من جملة الظواهر التي لم تُسبق بالعدم الزماني وهو يحتاج إلى العلّة، وكذلك الحركة العامة والمادة التي هي موضوع الحركة تتسم بهذه السمة أيضاً، كما سيأتي في موضعه الخاص إن شاء الله تعالى.
أنَّ أؤلئك الذين لم يتعمّقوا في هذه الأبحاث بشكل وافٍ طرحوا مجموعة أمثلة ساذجة كشواهد على نقض قانون الترجيح بلا مرجح، وإنَّه ليس محالاً. نظير قولهم: إذا وضعنا كأسين من ماء أمام عطشان، وهذان الكأسان متساويان من جميع الجهات، فمن المحتم أنَّ العطشان سوف يتناول أحد هذين الكأسين، في حين ليس هناك أي ميزة لأحد هذين الكأسين على الآخر بالنسبة إلى العطشان. ونظير الشخص الذي يقف عند مفترق طريق، وكلا الطريقين المنشعبين من هذا المفترق يوصلان إلى الهدف، بدون أي مزيةٍ لأحدهما على الآخر، ونظير الشخص الذي يريد أن يشتري طعاماً من السوق وهذا الطعام متوفّر بنفس المواصفات وبنفس الشروط لدى مجموعة أفراد، فمن المحتم أنّه سوف يختار أحدهما لا على التعيين.
الحق إنَّنا في هذه الأمثلة المذكورة أعلاه لا نعرف علة الترجيح، أي إنَّنا لا نعرف الشيء الذي تميل الإرادة بسببه إلى طرف معين، لا أنَّ المرجح غير موجود في البين. إنَّ أولئك الذين ضربوا الأمثلة المتقدّمة حسبوا أنَّ الإنسان يستطيع على الدوام أن يحدد العلل التي ترجح أحد الإطراف على الآخر، بينما يؤكّد علم النفس على أنَّ هناك آلاف العوامل النفسية الخافية على مرحلة الشعور، وهذه العوامل اللاشعورية تتدخّل في ترجيح الإرادة، ونحن على جهل كامل بها. إذن فالأمثلة المذكورة لا يمكن أن تكون دليلاً على وقوع الترجيح بلا مرجّح.
وبغضّ النظر عمّا تقدّم فإنَّ الجملة الأخيرة من الإشكال ( لا يمكن إطلاقاً الاعتماد على مجرّد القياس العقلي ) قد أجبنا عليها في المقالة الخامسة.
بعد هاتين المقدّمتين ( تساوي نسبة الماهية والوجود والعدم، وامتناع الترجّح بلا مرجّح ) يمكننا أن نفهم دعوى الحكماء بشأن علّة الحاجة إلى العلّة. فالحكماء يقولون إنَّ كل ماهية نسبتها إلى الوجود والعدم متساوية ( المقدّمة الأُولى )، وكل شيء تكون نسبته إلى أمرين على حد سواء، يحتاج إلى مرجّح لكي يميل إلى أحد هذين الأمرين ( المقدّمة الثانية )، فنستنتج: أنَّ الماهية في وجودها وعدمها تحتاج إلى مرجّح، ونطلق على مرجح وجود أو عدم ماهية ( العلّة ). إذن فوجود الماهية وعدمها مرهون على الدوام بالعلّة. إنّما هناك فرق بين الوجود والعدم، وهو أنَّ وجود الماهية رهن وجود العلة، أمّا عدم الماهية فهو رهن عدم العلّة، أي أنَّ وجود العلّة مرجح لوجود الماهية، وعدم العلّة مرجّح لعدم الماهية. وعلى أساس هذه النظرية يستنتج قانون العلّية العام من قانون الترجّح بلا مرجّح، ويكون الاستفهام بـ " لِمَ " ناشئاً من هذا القانون، أي امتناع الترجّح بلا مرجّح. أي أنَّ الذهن الإنساني يتساءل بـ ( لِمَ ) حينما يكون السؤال عن العلّة أمراً وارداً، وذلك حينما يكون الشيء نسبته إلى الطرفين متساوية، ثمّ يميل إلى طرف دون آخر.
وعلى أساس هذه النظرية أيضا يكون قانون امتناع الصدفة فرعاً من فروع قانون امتناع الترجّح بلا مرجّح ؛ لأنَّ العقل يقول إنَّ هذا الشيء الذي لم يكن في وقت ثمّ حصل بعد ذلك، إما أن يكون ذاتاً مقتضياً للوجود فيلزم
٦ ـ حيث إنَّ المعلول يحتاج إلى العلة في وجوده فلا يمكن أن يكون المعلول علّةً لعلّةِ ذاته. هذا اللون من العلّية ـ سواء أكان بواسطة أم بلا واسطة ـ محالٌ ؛ لأنَّ علّة الشيء علّة لذات الشيء، ولا يمكن أن يكون الشيء علّة لذاته. وهذه هي مسألة بطلان الدور.
أن يكون موجوداً من قبل، وحيث إنَّه لم يكن موجوداً من قبل يتّضح أنَّه ممكن الوجود والعدم، أي أنَّ نسبته إلى الوجود والعدم متساوية، إذن فهذا الشيء إذا وجد بلا علّة يستلزم الترجّح بلا مرجح، إذن يمتنع أن يوجد الشيء الذي لم يكن ثمّ كان دون علّة.
يعتقد الحكماء: أنَّ الذين ذهبوا إلى اعتبار الحدوث مناطاً للحاجة إلى العلّة، لم يتعمّقوا في حكم العقل، وحسبوا أنَّ سبب الامتناع هو أنَّ الشيء لم يكن في زمان ثمّ حصل بلا علّة، أي مجرّد أنَّه لم يكن في زمان ثمّ حصل بعد ذلك ؛ بينا لا علاقة لهذه الخصوصية أي مسبوقية الوجود بالعدم ( الحدوث ) في حكم العقل بالحاجة إلى العلّة، ومناط حكم العقل هو إمكان الماهية، أي تساوي نسبة الماهية إلى الوجود والعدم، وبضم حكم العقل بامتناع الترجّح بلا مرجّح، نحصل على النتيجة وهي الحاجة إلى العلّة. إذن فمناط الحاجة إلى العلّة هو الإمكان لا الحدوث، ويمكن القول أيضاً إنَّ علّة الحاجة إلى العلّة هي الماهية ؛ لأنَّ الماهية علّة ومناط الإمكان، والإمكان علّة ومناط الحاجة إلى العلّة.
يقول الحكماء إنَّ الماهية ـ بحكم العقل ـ تتقدّم على الإمكان، والإمكان مقدّم على الحاجة، والحاجة مقدّمة على إيجاب وإيجاد العلّة، وإيجاب وإيجاد العلّة مقدم على وجوب ووجود المعلول، ووجود المعلول مقدّم على
٧ ـ وجود العلة التامة أقوى من وجود المعلول ؛ لأن كلَّ واقع المعلول ووجوده من آثار وجود العلة، ومتكئ على وجودها. على أنَّه لا يجوز هنا التشبث ببعض النقوض الساذجة، نظير الأب والابن، والمعمار والمبنى، والحجري والحجر، ومشعل النار والنار، وأمثال هذه النماذج ؛ إذ
حدوث المعلول. ومن هنا فحينما نقول وجود المعلول مقدّم على حدوث المعلول لأنَّ الحدوث هو عبارة عن مسبوقية الوجود بالعدم، وهو وصف للوجود، ومن الواضح أنَّ الموصوف مقدم عقلاً على الوصف. على أن نذكر بأنَّ التقدّم المذكور في الأمثلة أعلاه هو تقدّم رُتبي وعقلي وليس زمانياً.
على كل حال، انطلاقا من نظرية الحدوث ينبغي أنّ نصوّر إدراك الذهن لقانون العلية والمعلولية على النحو التالي: ( كلّ حادثة يعني كلّ موجود لم يكن موجوداً في وقت ما ثمّ وجد لا بد أن تكون له علّة ) أمّا وفق نظرية الماهية فينبغي أن نصوّر إدراك الذهن لقانون العلّية على النحو التالي: ( كلّ ممكن محتاج إلى علّة في وجوده بالضرورة ).
الطريقان اللذان طرحهما المتن في مقام بيان العلّية، أحدهما طريق الحدوث، والآخر طريق الماهية.
٤ ـ نظرية الفقر الوجودي
: يتوقّف الطرح الكامل لهذه النظرية على مناقشة بعض الأفكار حول الإمكان والوجوب ( حقيقة الوجود ) بشكل أكبر ممّا طرح في المقالة الثامنة. فقد أوكلنا هذه المهمة إلى المقالة الرابعة عشرة، ونحن لا نشك أنَّ الموضوع من زاوية فلسفية محضة، من أعمق الموضوعات التي غار في عمقها البشر حتى الآن، ولكن بغية أن يطلع القارئ المحترم بشكل إجمالي حول هذا الموضوع، وبما يتناسب مع هذه
ذكرنا في المقالة الثامنة أنَّ العلّة الفاعلية في هذه النماذج بالنسبة إلى معلولها الحقيقي أقوى على الدوام دون شكٍ، كما هو الحال في مثال الأب بالنسبة إلى فعالياته التناسلية.
المقالة سوف نقوم بشيء من الإيضاح.
إنَّ النظرية الحسّية ـ وهي إحدى النظريات الثلاث التي طرحناها حتى الآن ـ لا تتضمّن فكرة مهمّة بشأن مناط الحاجة إلى العلّة ؛ لأنَّ غاية استدلال هذه النظرية هي: حيث إنَّ ما شاهدناه ورأيناه حتى الآن هو أنَّ هناك سلسلة من القضايا يتابع بعضها بعضاً، وكلّما حصلت مجموعة من القضايا يحصل بعدها قضايا أُخرى، وكلّما ذهبت تلك المجموعة ذهبت المجموعة التي جاءت بعدها، إذن نفهم أنَّ هناك قضايا تكون علّة لقضايا أُخرى على الدوام، ومن ثمّ نعمّم، ونقيس الغائب على الشاهد ونقول ( كل موجود يحتاج إلى علّة، ووجود الموجود الذي لا يستند إلى علّة أمر محال ). وهن هذا الاستدلال يرجع إلى أمرين:
أوّلاً:
إذا اكتفينا بالإحساس فقط فنحن لا نشاهد إلاّ التعاقب والتقارن، ولا يمكننا أن نقول إنَّ بعض القضايا علّة وبعضها معلولاً، لأنَّ العلية لا يمكن إدراكها بالإحساس ؛ راجع بهذا الشأن المقالة الثالثة.
ثانياً:
إنَّ ما يمكننا أن نستنتجه في ضوء الحسّ والتجربة لا يمكن أن يكون قانوناً شاملاً لجميع الموجودات، حتى تلك الموجودات التي لا تشابه الموجودات المجرّبة.
والمثير للسخرية أن يدّعي هؤلاء أنَّ الوجود القائم بالذات وغير المتكئ على العلّة استثناء في قانون العليّة ! إنَّ الاستثناء يأتي حينما نتعرّف على مناط العلية والمعلولية والحاجة إلى العلّة، ثمّ نفرض موجوداً لا يتوفّر على
ومن هنا فالعلة متقدّمة على المعلول، والمعلول متأخّر عن العلّة ؛ إذ ما لم توجد العلّة لا يكون للمعول وجود. وفي الحال ذاته لا بَّد أن يجتمعا معاً في زمانٍ واحدٍ، ومن هنا يتّضح أنَّ التقدّم والتأخّر ليس زمانياً، كما سيأتي.
هذا المناط، بينا نحن في أوّل الكلام، وهذا مصادرة على المطلوب. إذن استناداً إلى امتناع الاستثناء في قانون العلّية لا يمكننا أن ندّعي أنَّ كل موجود بحاجة إلى علّة.
تبقى أمامنا النظرية الثانية والنظرية الثالثة. والحق أنَّ اعتراض الحكماء على نظرية المتكلّمين اعتراض وارد. والحدوث لا يمكن أن يكون مناط الحاجة إلى العلّة. لكنّ نظرية الحكماء في أنَّ الماهية وإمكان الماهية مناط الحاجة إلى العلة أمر لا يمكن قبوله أيضاً. إنَّ القاعدة الكلية التي تقرّب امتناع الترجح بلا مرجح قاعدة صحيحة، ولا مناقشة فيها، لكن اتّخاذ موضوع تساوي نسبة الماهية للوجود والعدم مصداقاً لهذه القاعدة، وصغرى لهذا الكبرى الكلّية أمر لا يخلو من الإشكال. على كل حال فهذا النسق من الاستدلال استخدمه الحكماء منذ سالف الأزمنة، وهو سليم على أساس نظرية أصالة الماهية فقط، حيث تعتبر الماهية قابلة للوجود والعدم والمعلولية الواقعية، وأنَّ كلاً من مفهومي الوجود والعدم مفهومان اعتباريان، ينتزعان من حالتين مختلفتين للماهية. أما بناءً على أصالة الوجود في التحقق والمعلولية فالماهية خارجة عن حريم العلاقة بالعلّة. فلا وجود العلّة يرجح الماهية، ولا عدم العلّة يجعل الماهية على حد سواء بالنسبة للوجود والعدم.
نعم حينما يكون الذهن ملزماً بالحكم بأنَّ ماهية الإنسان موجودة مثلاً،
وفي ضوء مجموع ما تقدّم ينبغي أن نستنتج: " أنَّ استقلال المعلول ووجوده التام عين استقلال العلّة ووجودها التام " ؛ لأنَّ المعلول في وجوده الضروري ( حيث يلبس بواسطته ثوب الواقعية وينزع رداء اللاواقعية ) متكئ على العلّة، أي على استقلال الوجود الضروري للعلة. إذن فالمعلول
فحالة التساوي تزول مجازاً لا حقيقة. ورغم أنَّ هذا الزوال المجازي ناشئ من حقيقة، لكن هذه الحقيقة هي وجود وواقع ذات الماهية، لا وجود العلّة الخارجية، والماهية في الحاجة إلى العلّة وعدم الحاجة إليها تابعة للوجود والواقع، وليس لديها بذاتها أصالة، أي إذا كان ذلك الوجود محتاجاً ومعلولاً فالماهية تابعة له ومجازاً محتاجة ومعلولة، وإذا كان ذلك الوجود مستغنياً وغير معلولٍ تكون الماهية بالتبع مستغنية وغير معلولة.
قلنا في مقدمة المقالة الثامنة إنَّ مفهوم إمكان الماهية بناءً على أصالة الوجود يختلف عن المفهوم الذي يقوم على أساس أصالة الماهية أو بناءً على إغفال نظرية أصالة الوجود وأصالة الماهية ( راجع مقدمة المقالة الثامنة ). ومن هنا لا يمكننا عن طريق الماهية واستناداً إلى قاعدة امتناع الترجيح بلا مرجح إثبات الحاجة إلى العلة. فبناءً على أصالة الوجود في التحقق وفي المعلولية تتغير صورة المسألة تغيّراً أساسياً.
فقد بحث الحكماء والمتكلّمون حتى الآن عن علّة الحاجة إلى العلّة، وكلا الفريقين فرض أنَّ المعلول أمرٌ، وحاجة المعلول أمر آخر، وعلّة الحاجة أمر ثالث، نأتي الآن لنرى هل الأمر كما يقولون أم ليس كذلك ؟
قدّمنا في المقالة الثامنة تحليلاً وأقمنا برهاناً على أنَّ علاقة العلية والمعولية في العالم لا يمكن أن نجزئها إلى ثلاثة أجزاء، ونفترض المعلول
مستقل باستقلال العلّة، لا باستقلال آخر، أي أنَّ العلّة والمعلول ليسا وحدتين مستقلّتين، بل هما مستقلّتان باستقلالٍ واحد. وهذه النظرية وفق البيان المطروح في الحكمة المتعالية واضحة جداً، على أنَّ البحث في أطراف هذه النظرية لا ترقى إلى مستواه بحوثنا في هذه الأُصول التمهيدية.
أمراً، والمعطي إلى المعلول أمراً آخراً، وتأثير العلّة في المعلول أمراً ثالثاً، لقد أثبتنا هناك أنَّ الوجود والموجود والإيجاد في المعلولات أمر واحد، أي أنَّ هوية المعلول عين هوية الوجود وعين هوية الإيجاد. وقد اتّضح في ضوء ذلك التحليل أنَّ رابطة المعلول بالعلة وحاجة المعلول إلى العلّة عين هوية المعلول، أي أنها هوية واحدة، نطلق عليها الوجود والموجود والإيجاد، وكذلك الرابط والرابطة والمرتبط والنسبة والمنتسب والمحتاج والحاجة باعتبارات مختلفة. وهذه الكثرة من حيث الأساس صناعة الذهن البشري، وإلاّ فليست هناك في عالم الخارج كثرة من هذه الناحية، ويستحيل أن يتكثّر الشيء بهذه الطريقة.
على أساس ما تقدّم فإذا كانت هناك علّة ومعلول في العالم لا تكون واقعية المعلول أمراً، وحاجة المعلول إلى علّة أمراً آخر، ومناط الحاجة إلى العلة أمراً ثالثاً، لكي يصل الدور إلى الاستفهام عن علّة ومناط حاجة المعلول إلى العلة. فهذا الاستفهام يشبه أن نقول: ما هي علّة حاجة الشيء إلى العلّة، الشيء الذي هويته عين الحاجة إلى العلّة ؟ وبالضبط كما لو استفهمنا ما هي علّة أن يكون العدد أربعة عدد أربعة، أو علّة أن يكون الخط خطاً ؟... نعم يمكن أن نغيّر شكل السؤال، ونغض النظر عن المعلول الواقعي الذي هو ذات الوجود، وأن نتّخذ من الماهية التي هي معلول بالمجاز وفق عادة الذهن
وبغية الإمساك بخيط هذه النظرية علينا التمييز ـ كما تقدّم في المقالة السابعة ـ بين الماهية والوجود، وينصبّ نظرنا على الوجود، ثمَّ نرد البحث. أمّا الذي يحسب الوجود معادلاً للمادة، ومن ثمَّ يمضي في طريق بحثه الفلسفي متعثّراً في خطاه، مختنقاً ومتنفّساً في كل لحظة، مقدّماً
مورداً للاستفهام، فنتساءل ما هو مناط حاجة الماهية إلى العلّة ؟ وفي جواب هذا الاستفهام يمكن القول إنَّ علّة حاجة الماهية ( على نحو الحاجة المجازية ) هو الفقر الوجودي. أي أنَّ علّة أن تكون الماهية في موجوديّتها ومعدوميّتها المجازية تابعة لعلة خارجية هي نسق وجود الماهية، وهو نسق إيجادي تعلّقي وارتباطي. يصحّ هذا السؤال في مورد الماهية بحكم أنَّنا ميّزنا بلون من التسامح الذهني بين المحتاج والحاجة وعلّة الحاجة، لكن هذا الاستفهام في مورد الوجود ليس بسليم ؛ لأنَّ هذا التفكيك والتمييز في الوجود غير ميسّر.
إذا عرفنا المعلول بأنَّه ما تكون هويته عين الإيجاد وعين الحاجة وعين الارتهان فسوف نستنتج نتيجتين مهمّتين:
الأُولى ـ سوف نثبت وجود العلّة بالذات وواجب الوجود، يعني ما تكون هويته ليست هوية تعلقية وارتباطية وإيجادي، بل هويّته عين الغنى والاستقلال والقيام بالذات، نثبت ذلك دون الحاجة إلى براهين امتناع تسلسل العلل. وسوف تكون الفرضية الحسية المادية، التي تقرّر أنَّ كل موجود معلول باطلة بأسهل وأوضح الطرق. وتفصيل هذا الموضوع ستلاحظه في المقالة الرابعة عشرة. الثانية: إنَّ الارتباط والتلاحم بين الموجودات في ضوء النظريات الثلاث السابقة، على أحسن تقدير، يمكن أن نتصوّره على النحو التالي، إنّ جميع موجودات الكون بمثابة حلقات سلسلة واحدة، وأدوات معمل واحد متّصلة ومرتبطة مع
العذر تلوَ الآخر في البحث عن أيّ صفة عامة نظير الوحدة والكثرة والتقدّم والتأخّر والقوّة والفعلية وأمثالها، أو يكابر المكابرة تلوَ الأُخرى في هذه الأبحاث، فلا يحقّ له أن يطرح وجهة نظرٍ في هذه الميادين.
بعضها. أمّا وفق هذه النظرية الأخيرة يكون الارتباط عين هوية الموجودات، وينبغي لنا أن نتصوّر العالم بمثابة خط متّصل واحد، أو بمثابة حقيقة واحدة متموّجة، والاختلاف الوحيد الذي يفرض بين أجزائه هو الاختلاف في الشدّة والضعف والكمال والنقص. وهذه الفكرة سوف نزيدها إيضاحاً في موضع آخر إن شاء الله.
إنّ نظرية الفقر الوجودي التي جاءت في عرض النظريات الثلاث المتقدّمة يقينية لأصول ( الحكمة المتعالية )، وهي ترتبط قبل كلّ شيء بنظرية أصالة الوجود والتشكيك الوجودي. وعلى أساس نظرية أصالة الوجود في التحقّق وفي المجعولية ينبغي رفع اليد إلى الأبد عن النظرية الماهوية، التي تبنّاها أغلب الحكماء المتقدّمين. لكن الأمر المثير للدهشة هو أنَّ أنصار الحكمة المتعالية والحكماء الذين تبنّوا نظرية أصالة الوجود اعتمدوا في نصوصهم واستدلالاتهم على النظرية الماهوية المتقدّمة. واتخذوها مسلّمة، ولم نر حتى الآن اعتراضاً صدر على هذه النظرية. ولعل هذا الاعتماد يرجع إلى أنَّ نتيجة استدلالهم تتطابق مع نتيجة استدلال نظرية الفقر الوجودي، فكما أنَّ حدوث الموجودات دليل على الإمكان الماهوي وكاشف عن عدم وجوبها الذاتي، وفق نظرية الماهية، فحدوث الموجودات وفق نظرية الفقر الوجودي دليل على حاجتها الوجودية وارتهانها بشروط ومقدّمات خاصة، كما أنَّ القدم الزماني لا يتنافى مع النظرية
٨ ـ إنَّ سلسلة العلّة التامة لمعلول من المعلولات ـ كما ذكرنا في المقالة الثامنة ـ لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، ولا تتوقّف عند نقطةٍ معينة. وقد طرحنا هذه النظرية في بحوث الفلسفة المتعالية ببيانٍ واضحٍ، يقوم على أساس حاجة المعلول الوجودية واستقلال العلّة.
الماهوية، كما هو الحال في هذه النظرية أيضاً. وفق النظرية الماهوية يكون التوفّر على الماهية مؤشّراً على تساوي نسبة ذات الشيء إلى العدم والوجود ( الإمكان )، وهذا التساوي دليل على الحاجة إلى العلّة والمرجح، وطبق ووفق هذه النظرية ( في ضوء الإيضاح الذي سيأتي في المقالة الرابعة عشرة ) يكون التوفّر على الماهية دليلاً على الفقر الوجودي.
من هنا يتّضح أنَّ نتيجة التحليل واحدة وفق النظريّتين، فرغم أنَّ أُصول النظرية الماهوية خاطئة، لكنّها تعطي في المحصّلة نفس النتيجة التي تمنحها نظرية الفقر الوجودي. مضافاً إلى سهولة التحليل في النظرية الماهوية، ومن هنا لا مانع من استخدام النظرية الماهوية كتمهيد وإيضاح بالنسبة لدارسي الفلسفة. كما هو الحال مثلاً في تدريس أُصول وأُسس النظرية الفلكيّة، فنحن نعرف أنَّ أُصول وأُسس نظرية بطليموس خاطئة وأُصول كوبرنيك صحيحة، ولكن ليس هناك مانع من أن نفيد من قياس بعض حركات الأجرام السماوية والتنبؤ بالخسوف والكسوف على أساس نظرية بطليموس، بحكم أنَّ نتيجة الحساب في كثير من المواضع واحدة، ومن الممكن في بعض الأحيان أن يكون الحساب وفق أُصول نظرية بطليموس الخاطئة أكثر سهولة.
على أنّني مدرك لصعوبة بيان علاقة العلّية ومناط الحاجة إلى العلّة،
٩ ـ إنَّ العلّتين المستقلّتين المنفصلتين لا يمكن
(٣)
أن يؤثّرا معاً في معلولٍ واحدٍ، كما أنَّ العلّة الواحدة بتأثيرٍ وعلّيةٍ واحدة لا يمكن أن تؤثّر في معلولين.
وفق أُصول الحكمة المتعالية، وليس من السهل أن يهضم كلّ فرد ما قلناه من أنَّ المعلول عين الحاجة، ولعل أولئك الذين لم يمارسوا تمريناً كبيراً في العلوم العقلية، خصوصاً ذوي الاتجاهات الحسية، لا يجدون فيما نقول سوى لعبة لفظية. ونحن لا نتوقّع بهذا البيان المختصر إيصال هذه الفكرة الرفيعة، التي تعدّ من الإنجازات الفكرية الباهرة في تاريخ الفكر البشري. ولكن ينبغي للقارئ المحترم أن يعرف أنَّ هذه النظرية جزء من مجموعة النظريات الفلسفية التي هي أكثر يقينية من القضايا الرياضية بالنسبة للذين يعرفون أُصول ومبادئ البحث الفلسفي. على أنّني أُريد أن أُكرر المقولة، التي أوردناها في المقالتين المتقدّمتين: ( ما لم نتعرّف على الذهن لا يمكننا أن نتوفّر على فلسفة )، أكرّرها لأولئك الذين وصلوا إلى محصلة من حديثنا المتقدّم، ووقفوا على النهج العقلاني الذي يؤدّي إلى هذه المحصلة، هذا النهج الذي يمثل ثمرة تحليل الذهن لركام الأفكار المضلّلة.
٣ ـ قلنا في الهوامش السابقة أنَّ قانون العلّية العام يتفرّع إلى فروع كثيرة، وفرعان من هذه الفروع ما لم يثبتا لا يمكننا إثبات أنَّ العالم نظام يقيني وحتمي. وهما قانون السنخية وقانون الحتمية. وقد أوضحنا هذه الفكرة فيما تقدّم. وتناولنا بالبحث قانون العلية العام في هوامش المقالة الراهنة، وتناولنا بالبحث موضوع الضرورة والحتمية العلّية في المقالة الثامنة. وقد أشار في المتن إلى قانون السنخية إشارة مختصرة، وبحكم أهمية هذا البحث،
لأنّ السنخية والعلاقة الوجودية للعلّة والمعلول تقتضي أن يكون وجود المعلول مرتبة ضعيفة من وجود العلّة، ومن هنا فالتباين الوجودي للعلّتين المتباينتين يجعل المعلول في مرتبتين ضعيفتين متباينتين، كما أنَّ
وبحكم الإشكاليات التي أثارها المتكلّمون، وبعض نظريات علماء الفيزياء الحديثة، حيث يبدو أنَّ الدراسات في علم الذرة تثبت خلاف هذا القانون، بحكم مجموع هذه الدوافع نحاول تفصيل البحث حول هذا القانون المهم.
إذا أردنا تعريف قانون السنخية بشكلٍ بسيط نقول: ( عن علّة معينة يصدر معلول معيّن، ويصح المعلول المعيّن عن علّة معيّنة ). ويضع الحكماء هذا القانون في الصيغة التالية: ( يستحيل صدور الواحد عن الكثير وصدور الكثير عن الواحد )، أي إنَّ العلّة الواحدة ترتبط بمعلول واحد والمعلول الواحد يرتهن بعلّة واحدة. وإذا تصوّرنا أحياناً في بعض المواضع علّة واحدة لمعلولاتٍ كثيرة أو معلولاً واحداً لعللٍ متعدّدة فهذه العلة الواحدة والمعلول الواحد المفترضين ليسا واحداً، بل مجموعة من الآحاد.
ينصب اهتمام الحكماء من حيث الأساس في تحرير قاعدة السنخية على الواحد الشخصي. لكن هذه القاعدة تصدق بحدود معينة على الواحد النوعي، أي الأفراد المتعدّدين الذين ينطوون تحت نوع واحد ومن ثمّ فالأفراد المختلفون ستزداد درجة تشابه آثارهم وخصوصياتهم بحجم تشابههم النوعي. ومن هنا ـ بناءً على تعميم الواحد إلى الواحد الشخصي والواحد النوعي ـ سوف يكون معنى القاعدة أنَّ كل واحد حقيقي علّة مرتبطة بواحد حقيقي من المعلومات وكل مجموعة من الأفراد متّحدين بالنوع مرتبطين بمجموعة من الآثار المتّحدة بالنوع.
التباين الوجودي للمعولين المتباينين يستلزم علّتين متباينتين.
وعلينا أن نعلم أنَّ النظرة السطحية تطرح نقوضاً كثيرة على هاتين
نستنتج من الشق الأوّل أنّ صدور الموجودات من المبدأ الأوّل وخالق العالم ( الذي هو بحكم البرهان بسيط وواحد من جميع الجهات ) يتمّ وفق نظام معيّن، أي أنّ صدور الموجودات ترتّبي، قدم المعلول الأوّل ( المقصود الأوّلية الترتيبية لا الزمانية ) والمباشر، ثمّ يأتي دور معلول المعلول الأوّل وهكذا. والنظرية الأشعرية التي تذهب إلى أن إرادة ذات الباري تتدخّل في جميع الأمور بلا واسطة غير صحيحة.
ونستنتج من الشق الثاني أنّ الطبيعة تمضي باستمرار على نسق واحد، أي إنّ الطبيعة تعطي من الظروف المتساوية تماماً متساوية على الدوام. وحينما نحسب في بعض المواضع تطابق الشروط والظروف، ونجد في نفس الوقت اختلاف النتائج فعلينا أن نفهم حينئذٍ أن الشروط والظروف ليستا متساوية في الواقع، بل هناك اختلاف بينها، غاية ما الأمر إننا لم نتعرّف على هذا الاختلاف.
بغية إثبات قانون السنخية يمكننا إقامة لونين من الدليل: الدليل الحسي والاستقرائي، والدليل العقلي والقياسي.
الدليل الحسي والاستقرائي:
كلما تنوّعت معلومات الإنسان الاستقرائية يلاحظ أنّ الأشياء ذات خواص معيّنة ثابتة، وأن الظروف والمقدّمات والعلل المعيّنة تنتج معلولات معيّنة باستمرار، ولا يشاهد خرقاً لهذه القاعدة، ومن هنا يحصل اليقين لديه
النظريتين، إذ كثيراً ما يحصل في عالم الخارج أن يتعاضد أكثر من فاعل لإيجاد فعلٍ واحدٍ، أو يقوم فاعلٌ واحدٌ بأفعالٍ متعدّدة. ولكن ينبغي التدقيق في هذا الموضوع، وعلينا أن نفهم أنَّ مجموع الفاعلين في الصورة الأُولى
أنّ لكلّ شيءٍ سمات واستعدادات خاصة تختلف عن سمات واستعدادات سائر الأشياء. لقد توفّر الإنسان جراء التجربة والاستقراء على يقين بأنّ كلّ واحد من المواد المعدنية والآلية ذو سمات خاصة به، فالإحراق سمة النار، وإخماد النار سمة الماء، والهواء قابل للتنفّس. وقد تعلّم الإنسان جراء التجربة أنَّ الحنطة تنتج حنطة، والشعير ينتج شعيراً، والإنسان ينجب إنساناً، والفرس يولد فرساً، والخروف ينجب خروفاً. ولا يمكن إطلاقاً أن يزرع الزارع حنطة فتنتج شعيراً، أو ينجب الفرس حماراً ؛ إذن فالإنسان يستنتج حكماً كلّياً من استقراء هذه الجزئيات، وهذا الحكم الكلّي عبارة عن أنَّ العلل والمقدّمات المعينة تعطي على الدوام معلولات ونتائج معيّنة.
هذا الاستدلال ضعيف ما لم يشفع بمقدمة قياسية ؛ لأنَّ الذهن ـ كما تقدّم في المقالة الخامسة ـ غير قادرٍ على اكتشاف القانون الكلّي بمجرّد استقراء الجزئيات، بل تتدخّل بعض الأُصول العقلية غير التجريبية في جميع المواضع التي يكتشف الذهن عبر الاستقراء والتجربة قانوناً كلّياً. وقد أثبتنا أنَّ هناك مجموعة قوانين وأُصول تتكئ عليها القواعد التجريبية، وقانون السنخية بين العلّة والمعلول أحد هذه القوانين والمسلمات الأساسية، ومن الواضح إذا أرادنا أن نثبت هذا القانون ذاته بالتجربة فهذا يستلزم الدور ( راجع المقالة الخامسة ).
ثمّ أنَّ القوانين التجريبية بشكل عامٍ ليست يقينية ؛ لأنَّ الأرضية الكاملة
يشكّلون في الواقع فاعلاً واحداً، وفي الصورة الثانية يصبح الفاعل الواحد عبر الشروط المختلفة مجموعة من الفاعلين أو تكون الأفعال المتعدّدة فعلاً واحداً بحكم ترتبها.
للتجربة، التي يستطيع الإنسان من خلالها إحصاء جميع العوامل ذات العلاقة بموضوع التجربة أمر غير ممكن تقريباً، ولهذا يتوالى نقض القوانين التجريبية، والتجارب اللاحقة تنقض التجارب السابقة، وإذا اتّخذنا من التجارب الماضية قاعدة لإثبات قانون السنخية فإنَّ التجارب العلمية الحديثة في عالم الذرة، التي تظهر الطبيعة وكأنها تسير سيراً عشوائياً غير متجانس، تنقض هذا القانون، كما سنوضح ذلك قريباً.
الدليل العقلي والقياسي:
يعتمد هذا الطريق على تحليل عقلي لحقيقة العلية والمعلولية، فينطلق من الأفكار التالية:
أوّلاً:
أنَّ العلّية والمعلولية تستلزم ارتباط شيئين، نسمّي أحدهما علّة، والآخر معلولاً، وإذا كان هناك أمران متباينان فلا معنى لإطلاق العلّة على أحدهما والمعول على الآخر.
ثانياً:
أنَّ علاقة العلّة بالمعلول هي من نسق إعطاء الوجود والتوفّر على الوجود. أي إنَّنا ننتزع مفهوم العلّية والمعلولية من موجودين أحدهما يعطي الوجود، والآخر يتوفّر على الوجود من قبل الأوّل.
ثالثاً:
أثبتنا فيما تقدّم أنَّ ارتباط وتلاحم المعلول بالعلّة لا يباين واقع المعلول، أي إنَّ واقع المعلول عين الارتباط والإضافة، وليس أمراً له الإضافة والارتباط.
وبُغية أن يتّضح الموضوع بشكلٍ كامل نضيف إلى الأفكار المتقدّمة
العلل الأربع
لو حاولنا قراءة بعض فعالياتنا، التي نعدها اختيارية، نظير " خياطة القميص " سنجد أنَّ تحقّق وجود القميص الذي هو معلول ( تسامحاً وتجوّزاً )
فكرة أُخرى وهي: أنَّ حقائق المعلولات عين الإضافة والارتباط، أي إنَّ كلّ معلول عين الإضافة إلى علّة خاصة، وإلاّ فالإضافة المطلقة والارتباط بدون المضاف إليه أمر لا معنى له. والمعلولات تختلف عن بعضها ـ رغم اشتراكها في أنّها إضافية وارتباطية ـ وذلك أنَّ هوية كلّ معلول هي النسبة والارتباط بعلّةٍ خاصة، وهذه العلّة الخاصة مقوّمة لذلك المعلول. أي إذا فرضنا بدل هذه العلّة علّة أُخرى فسوف لا ينحصر الأمر بتغيير الإضافة، بل سوف لا تكون تلك الإضافة هي هي، وذلك المعلول هو ذلك المعلول. ومن هنا نقول: إنَّ مرتبة كلّ موجود في نظام الوجود تقوّم ذات ذلك الموجود، أي أنَّ هوية وموجودية ذلك الموجود تكمن في كونه بتلك المرتبة الخاصة. وإذا فرضناه في مرتبة أُخرى فسوف لا يكون هو هو ولم يتغير سوى موقعه، بل لا يكون هو هو، بل ذاته تتوقّف على وجوده في مرتبة خاصة، وكما قلنا في المقالة الثامنة أنَّ مراتب الموجودات في سلسلة الزمان أو في مراتب العلية والمعلولية ونظام الأسباب والمسبّبات لا ينبغي أن تصوّرها على هيئة سلسلةٍ وطابور من الجند، ويحتل كلّ واحد منهم مكاناً معيناً، ولا مانع من تغيير وضع ومحل كل عنصر من هذه العناصر، بل ينبغي تشبيهها وتنظيرها بمراتب الأعداد التي تقوّم حقيقة كلّ عدد. فكما لا يصح أن نتساءل بشأن الأعداد لماذا كان العدد واحداً ولم يكن اثنين، ولم كان العدد اثنين ولم يكن خمسة، كذلك لا معنى لأن نتساءل في نظام الموجودات:
يتوقّف على قطعة قماش، لتخاط بأدوات الخياطة المتوفّرة بيد الخياط، على شكل خاص، لكي ترتدي. فوجود القميص يتوقّف على جميع العناصر التالية:
لم أضحى " س" علة للمعلول " ص"، ولِم أضحى المعلول " ص " معلولاً للعلّة " س ". ولا يصح أن نتساءل أيضاً لماذا لا يصبح هذا المعلول بدل علّته وتحتل علّته موضعه، أو لِمَ لَمْ أكن معلولاً أو على أُولى ؟
بعد أن اتّضح أنَّ واقع نسبة كلّ معلول إلى علّته الخاصة عين واقع المعلول ومقوم لذات المعلول، يمكننا أن نعرف أنَّ واقع النسبة لعلّتين مختلفتتين ومتغايرتين مختلف ومتغاير. وإذا صدر من علّتين مختلفتين معلول واحد، يلزم أن يكون المعلول الواحد بحسب الفرض كثيراً، وفي نفس الوقت الذي تكون هويته عين النسبة لعلّة معيّنة ومتقوّمة بتلك العلة فهي عين الانتساب لعلة أُخرى ومتقوّمة بتلك العلّة. وإذا صدر عن علّة واحدة معلولان متغايران يلزم أن يكون هذان المعلولان المتكثّران حسب الفرض ليس لهما إلاّ هوية واحدة. وكما جاء في المتن: إنَّ السنخية والعلاقة الوجودية بين المعلول والعلة تستلزم أن يكون وجود المعلول مرتبة ضعيفة لوجود العلّة. ومن ها فالتباين الوجودي لعلّتين متباينتين سيعطي معلولاً في مرتبتين ضعيفتين متباينتين، وكذلك التباين الوجودي لمعلولين متباينين يستلزم علّتين متباينتين.
أُقيمت براهين وأدلّة كثيرة لإثبات قانون السنخية، وهذا القانون من نسق القضايا الفلسفية التي لا يتطرّق أدنى شك في صحّتها لدى عارفي الأُسس والمبادئ الفلسفية. وبمجرد قبول المسلّمة التي تقرّر أنَّ نظام
١ ـ الفاعل ( الخياط ).
٢ ـ الغاية والهدف ( اللبس والارتداء ).
٣ ـ المادة ( قطعة القماش ).
٤ ـ الصورة ( هيئة وشكل القميص ). وإذا لم يكن أي واحدٍ من هذه العناصر موجوداً لا يوجد القميص.
الموجودات الخاص يمكن تفسيره، فهذه المسلمة تفضي إلى اليقين بأنَّ ظهور الأحداث والوقائع يتم وفق خطة وأسباب معينة. إنَّ هذه المسألة ـ كما أشرنا ـ مسألة فلسفية خالصة، أي أنَّها تقوم على أساس أُصول موضوعية لا علاقة لها بالعلوم الطبيعية أو الرياضية، وإذا استطاع القارئ المحترم أن يتعرّف بشكلٍ سليم على المبادئ التصوّرية والتصديقية لهذه المسألة سوف يقف على أنَّ دراسة هذه المسألة لا تتيسر إلاّ في ميدان البحث الفلسفي. وإذا كان ذا مرانٍ عقلي فلسفي فسوف يذعن بها إذعانه بقضية رياضية.
تناولجينز
الفيزيائي والفلكي المعاصر الشهير في كتابه (سرّ الكون
) التصوّرات البدائية للبشر في تفسير أحداث الطبيعة، حيث أرجعها إلى الأشباح والأرواح والآلهة، ثمّ يقول: " استمر الحال على هذا المنوال آلاف السنين، حتى القرن السابع عشر، أي قرن غاليلو ونيوتن، حيث انتهى الأمر إلى اتخاذ قانون العلّية كأساسٍ لكشف عالم الطبيعة ودراسته. إنَّ العلماء الذين مارسوا العمل في العلوم الطبيعية وقفوا عند العلل والأسباب، وقرروا أنًَّ كل علّة مفروضة توجد معلولاً معيّناً. إنَّ الدراسات الفلكية أبصرت حركة السيارات والكواكب المنتظمة، فألقى العلماء جانباً الخرافات والأوهام في اقتران القمر بالمشتري ونحس وسعد زحل والزهرة، وثبت في القرن السابع
إنَّنا نذعن بوجود هذه العلل الأربع في أفعالنا الاختيارية، ونحسب أنَّ الأفعال التي ننجزها بفكرٍ وتروٍ تقوم على هذه الأُسس الأربعة، وأنَّ أفعالنا تستمد وجودها منها، لكن السؤال هنا هو: هل ما نحسبه ونصدق به
عشر أنَّ حركة الكواكب والأجرام السماوية تسير وفق قوانين ثابتة، وقد أعلن عنها وفسرها علماء ذلك القرن. يقول نيوتن أنَّ جميع الأُمور الطبيعية يستلزم استنتاجها وفق الأدلّة القائمة على أُسس الميكانيك... وقد ازداد أنصار نظرية نيوتن يوماً بعد يوم، وبلغت هذه النظرية قمة شهرتها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حتى بلغ الأمر بالعالم الألماني المعروفهيلمولتز
ليقرّر: أنَّ جميع العلوم الطبيعية يلزم إخضاعها لعلم الميكانيك. أي حينما ندرس العالم الطبيعي يلزمنا تشخيص العلّة والمعلول، وتحديد العلاقة بينهما بشكل محقّق، وأن لا ننظر إلى أي شيء إلاّ بمنظار قانون العلّية. كما أنَّ الباحث الإنجليزي الشهير اللوردكلوين
اعترف أنَّنا ما لم نتصوّر الشيء على نموذج ميكانيكي لا يمكننا أن ندركه...
إنَّ هذه الأبحاث تركت تفاعلات مثيرة في الحياة الإنسانية ؛ إذ كما ازداد الإيمان بقانون العلّية تزلزل الإيمان بحرية الإرادة، واتّجهت أفكار البشر إلى طرح هذه الإشكالية: إنَّ العالم الطبيعي تابع لقانون العلّية فلماذا يكون العالم الحيوي خارجاً عن هذه القاعدة ؟ وقد أفضى الموقف حول هذا الموضوع إلى ظهور الفلاسفة الميكانيكيين في القرن السابع عشر والثامن عشر، وواجهوا أصحاب المذهب التصوّري.
نسير في منعطفات هذه الأفكار، حتى يواجهنا القرن العشرون بخطوات واسعة تتقدم صوب العلم الحديث. وأوّل خطوة كبيرة في هذا القرن
صحيح أم أنَّه وهم محض لا يتطابق وعالم الخارج، وليس هناك ـ من حيث الأساس ـ علّية ومعلولية في البَين، وليست هناك أيّ ظاهرة بحاجة إلى علّة، أم أنَّ قانون العلّية سليم، لكن العلل الأربع لا تصدق في كل
تجلت في قراءة الأجزاء الصغيرة من المادة، حيث لم يكن العلماء حتى هذا التاريخ قادرين على دراسة الأجزاء الصغيرة جداً من المادة، وكانت أحكامهم تنصب على الأجزاء المحسوسة بالحواس الخمس، أمّا الآن فأصبح أمامنا جزء من مليار جزء من المادة، ولم نشك في أنَّ هذا الجزء المادي خاضع لقانون العلّية، ولكن لم يكن واضحاً لدينا أنَّ أثر هذه الذرة يتطابق ويتشابه مع أثر مليون ذرة. توسّلت فيزياء القرن التاسع عشر بأصول وأُسس الميكانيك، وصورت كلّ قضية طبيعية وكأنّها آلة، وانتهى الأمر بها إلى قراءة آلية الفكر البشري بهذه الطريقة أيضاً. لكن هناك إشكالية أُخرى بقيت تواجه فيزياء هذا القرن، وهي تفسير النور والجاذبية بين الأجسام السماوية، حيث لا يمكن تفسيرها بأي صيغة ميكانيكية. وفي الشهور الأخيرة من القرن التاسع عشر اكتشف البروفسورماكس
بلانك
بعض القضايا المتعلّقة بالأشعة الضوئية، والتي كانت خفية ومجهولة حتى ذلك التاريخ، وأثبتت أنَّ نظائر هذه الظواهر الطبيعية لا يمكن تفسيرها وفق الصيغة الميكانيكية لقانون العلّية، بل لا يمكن أساساً ربطها بأي وجهٍ من الوجوه بالحتمية الميكانيكية.
لقد واجه البرفسوربلانك
مدة من الزمان سخرية الباحثين، على قاعدة أنَّ الفكر الجديد يواجه حملات المتمسّكين بالفكر القديم، ولكن لم تمض مدة طويلة حتى أصبحت أهم النظريات الفيزيائية قائمة على أساس نظرياتبلانك
، وينبغي أن نعد هذا التاريخ نهاية سلطة قانون العلّية، وبداية عصر
الموارد، نظير المادة والصورة في كل موجود، أو الغاية فيما عدا أفعالنا الاختيارية، إنّ الغاية لا تصدق في أي موردٍ من الموارد حتى في أفعالنا الاختيارية، وما فكرة الغائية إلا حسبان باطل ؟
جديد في تطوّر العلم والفلسفة. ذهببلانك
إلى أنًَّ التغييرات في الظواهر الطبيعية تحدث على هيئة قفزات، وأثبت أنَّ الحركات الصغيرة في عالم الطبيعة تحدث على هذا النهج، خذ عقرب الساعة مثلاً، فكل دقيقة ينتقل عقرب الساعة نقلة واحدة فيطوي درجة من محيط الساعة. وصاحب الساعة يحسب أنَّ عقاربها تنتقل في محيط الساعة بشكل مستمر، بينما حينما يلاحظ الساعة في زمان خاص يشاهد أنَّ عقرب الساعة يكون ثابتاً في بحر كلّ دقيقة عند نقطة معينة ثمّ يتحرك حركة واحدة في نهاية الدقيقة إلى نقطة أُخرى.
أكد العلامة المعاصرإنشتاين
في عام ١٩١٧ أنَّ نظريةبلانك
تنطوي على أفكار خطيرة ومهمّة. مضافاً إلى تفسير الحركة بالقفزات، وإذا تعمقنا في هذه الفكرة تبعاً لـإنشتياين
وغيره من العلماء فسوف نذعن بأنَّ قانون العلّية الذي كان منطلق تطوّر العلوم والمعرفة لدى علمائنا فَقَدَ قدرته وفعاليته الفكرية. فعلى أساس العلوم التقليدية ( علوم ما قبل القرن العشرين ) يقرّر قانون العلية أنَّ العالم يمضي باستمرار على مسيرة ثابتة ومحددة، فهو يدور في سلسلة العلية المتّصلة صباح مساء، وكل علّة يتبعها حتماً معلول معين، وهذا المعلول ذاته على لظهور وضع جديد، وهكذا...
وبعبارة أُخرى: إنَّ العلوم التقليدية تقول: إذا عبّرنا عن وضع العالم الراهن بـ A، فالوضع اللاحق لهذا الوضع الذي نعبر عنه بـ B هو نتيجة حتمية للوضع A.
تقف الفلسفة موقفاً إيجابياً من صدق وصحة قانون العلية، كما ذكرنا في مطلع هذه المقالة. لكن الموقف من سائر الخيارات المطروحة في السؤال المتقدم مختلف ومتفاوت، حسب ما سيأتي من تفصيل.
أمّا العلوم الحديثة فقد انتهت بنا حتى يومنا الحاضر إلى إنَّنا لا يمكننا أن نجزم بأنَّ الوضع A ينطوي على الوضع B، فمن الممكن أن يتّخذ العالم بعد الوضع A شكل B أو C أو D أو أي وضع آخر. فنحن لا يمكننا أن نتنبّأ بالوضع اللاحق بشكل يقيني ( خلافاً للمعرفة القديمة التي تتنبأ بالوضع اللاحق لـ A وتقرّر بشكلٍ جزمي أنَّه B )، فالوضع اللاحق من المحتمل أن يكون C أو أي وضع آخر. إنَّ المعرفة العلمية الحديثة استطاعت أن تقدّر لنا قيمة احتمال وقوع الحادثB أو
C أو
D
( حساب الاحتمالات ). أمّا العلم اليقني فهو سرّ من أسرار الغيب وليس لهذا السرّ من سبيل.
نأخذ مثالاً عنصر الراديوم، حيث يشع منه النور والحرارة باستمرار، فجراء هذا التشعشع تتحوّل ذرات الراديوم إلى رصاص وهليوم، وحيث إنَّ هذين العنصرين أخف بكثير من وزن الراديوم فسوف يفقد الراديوم وزنه خلال مدّة طويلة جداً. الأمر الذي نؤكد عليه هنا أنَّ نقصان وزن الراديوم يتمّ عبر معادلة عجيبة، نضرب لتقريبها الأمثلة التالية:
هناك مدينة جميع نسائها عقيمات، ولنفرض أنَّ نسبة الموت في سكانها ١% في العام، وأنَّ موتهم مفاجئ وقدري، ولا يرتبط بأعمارهم. إنّ الحساب الرياضي يقرّر أنَّ نسبة انخفاض عدد سكان مثل هذه المدينة يشبه نسبة انخفاض عدد ذرّات الراديوم المتقدّمة.
ويمكن أن نتصوّر جيشاً تحت وطأة قنابل ونيران العدو، والعدو
العلّة الفاعلية
رغم أنَّ وعينا لقانون العلّية يحصل في اللحظات الأُولى من حياتنا، لكنّ هذا الوعي يبدأ إجمالياً في حدود فهمنا ( إنَّ كل موجود يحتاج في
يقصفه بطريقة عشوائية. فمن البديهي في هذه الحالة أنَّ إصابة أفراد هذا الجيش تخضع للصدفة والقدر. وانخفاض عدد أفراد هذا الجيش يشبه انخفاض عدد ذرّات قطعة الراديوم.
وبعبارة أُخرى: أنَّ ذرة الراديوم لا تفنى بمرور الزمان وبلوغ العمر الطبيعي، بل يد القدر وحدها هي التي تحشرها في ساحة العدم. افرض أنَّ لدينا قطعة من الراديوم تشمل على ألفي ذرّة، تستطيع الفيزياء الحديثة أن تحسب لنا قيمة احتمال عدد ذرّات قطعة الراديوم بعد عام. ولكنّها لا تستطيع بأيّ وجه من الوجوه أن تحدّد بشكل يقيني عدد ذرّات هذه القطعة بعد عام. فالحساب العلمي يقول لنا إنَّ الظن القوي هو أنَّ عدد ذرّات قطعة الراديوم سوف يكون بمقدار معيّن، وليس من المحال أن لا يكون بهذا العدد. مضافاً إلى فكرة دقيقة أُخرى تقدّمها المعرفة الحديثة لنا، وهي أنَّ العلم لا يستطيع تحديد الذرة التي يحتمل زوالها بين ذرّات قطعة الراديوم.
على كلّ حال لا يزال هناك بعض أنصار قانون العلّية، الذين لم يرفعوا اليد عن هذا القانون، وهم يرصدون العامل الذي يحلّ محلّ الصدفة والقدر... إنَّ الدراسات والملاحظات الفيزيائية الكثيرة على هذا الطريق تؤيّد المقولة السابقة، فالبروفسورفيزن
برج
الألماني أثبت أنَّ نظرية الكمام الجديدة لا يمكن تفسيرها إلاّ على أساس اللاحتمية وعدم الضرورة العلّية.
وجوده إلى وجود آخر، ووجود المعلول عن وجود العلّة ). ثمّ يأخذ هذا الوعي الإجمالي تفاصيله عبر ملاحظتنا، التي لا حصر لها، فنعي مفهوم العلّة والمعلول، وتتجلى أمام رؤانا سمات العلية والمعلولية.
لقد توفّرنا على أمثلة فيزيائية كثيرة رغم قانون العلّية، وجراء هذه الأمثلة ذهب كثير من علماء الفيزياء إلى عدم صدق قانون العلّية في عالم الإلكترون والذرّة، وإنّما يبدو قانون العلّية للوهلة الأٌولى صادقاً بسبب أنَّ ميدان النظرة الفيزيائية كان ميداناً واسعاً، ولم يتناول البحث التفاصيل الذرية للمادة. وقد أكد الفيزيائي الإنجليزيديراك
هذا المفهوم في كتابه، حيث يقول: ( أظهرت عامة التجارب والدراسات المتعلقة بالذرّات والإلكترونات أنَّ نتيجة الاختبار في حالة مفروضة ومعيّنة لا تعطي نتيجة معيّنة وثابتة ( اللاحتمية وعدم التعيين )، أي أنَّ تكرار التجربة تحت نفس الشروط قد يؤدّي إلى نتائج مختلفة... وينبغي القول أيضاً إنَّ الفيزياء الحديثة، رغم دخولها هذا الميدان منذ زمن، لكنّها لم تصدر قراراً نهائياً حول هذا الموضوع. هناك بعض الفيزيائيين الذين يقل عددهم يوماً بعد آخر يعتقدون أنَّ عصر قانون العلّية سوف يعود ليجلس على كرسي العلوم، لكنّ الحق أنَّ الفيزياء الحديثة تمضي بالاتجاه المعاكس لنظرية هؤلاء الفيزيائيين. إنّ دور العلّية في المعرفة الحديثة أخذ يفقد بريقه، ومن هنا يتناقص عدد أنصار المذهب الميكانيكي. والنظرية الجديدة التي قدمناها في الصفحات الماضية هي موضع قبول الباحثين، وأساس الذي تقوم عليه ينسجم مع حرية الإرادة المحدودة في حياتنا اليومية. ومن خلال الإذعان بالأفكار المتقدّمة سوف نؤمن أنَّ خالق الكون ترك لنا اختياراً نستطيع من خلاله أن نظهر وجودنا في نشاط
نضرب أمثلة مجازية: اللقمة التي تأخذها اليد ويمضغها الفم، وقطعة القماش التي يقصها الخياط ويخيطها، والباب الذي يصنعه النجار من الخشب. نلاحظ أنَّ الصور الوجودية والأشكال الجديدة التي تحصل في هذه
وفعاليات العالم... ".
هذه خلاصة نظرية هذا الباحث الكبير في صدد قانون العلّية. ونستطيع في ضوء مجموع النص المتقدّم أن نستنتج الأفكار التالية:
١ ـ إنَّ العالم المعاصر لا يؤمن بقانون الحتمية واتساق أحداث الطبيعة وتعيّنها، وأنَّ أحداث الطبيعة سلسلة مترابطة ترابطاً علّياً.
٢ ـ حيث إنَّ قانون العلّية لا يحكم عالم الذرّات، وليست هناك علاقة علّية ومعلولية بين الحاضر والمستقبل، فالعلم الحديث يثبت وجود تدخلٍ غيبي في عالم الذرّات.
٣ ـ يستلزم قانون العلية والترابط العلّي بين الحوادث إمكان التنبّؤ اليقيني بالمستقبل على أساس الحاضر، ولكن قانون العلّية لا يحكم عالم الذرّات. ومن هنا تزول أرضية هذه التنبؤات. إنَّ قانون العلّية لا يمكنه أن يكون موجّهاً لبني الإنسان في عالم الذرّات، أي إنَّ البشر لا يمكنه أن يتنبّأ في عالم الذرّات اعتمادا على قانون العلّية. والإمكانية الوحيدة المتاحة للبشر في هذا المجال هي أن يتنبّأ بطريقة احتمالية على أساس حساب الاحتمالات.
٤ ـ قانون العلّية يتنافى مع حرية الإنسان واختياره، فمع بطلان قانون العلّية يثبت اختيار الإنسان.
المطلع إلى أُسسنا الفلسفية بشكلٍ كامل يقف جيداً على أنَّ الأفكار الأربع المتقدّمة ذات طابع نظري استنباطي، سوى الفكرة الثالثة، حيث كانت
الأمثلة ترتهن بجميع أجزاء العلل. هذا أمر سليم، لكن نسبتها إلى جميع أجزاء العلل ليست على حدٍِّ سواء. فنسبة صورة القميص إلى الخياط تختلف عن نسبتها إلى قطعة القماش، لأنَّ الخياط نظير من يخرج شيئاً من
ذات طابع تجريبي. أمّا الأفكار الاستنباطية فلا يمكن قبول أي واحدة منها. على أنَّنا لا نريد أن ننكر تجارب العلماء الكبار ونوابغ عالم الفيزياء، ولا يمكننا ذلك. إنَّ ما يمكننا ونزمع أيضاً عليه هو نقد استنباطات هؤلاء العلماء الفلسفية. إنَّ من المخاطرات الكبرى أن يناقش نفياً أو إثباتاً قانون من قوانين فنٍّ خاص بواسطة أدوات ووسائل فنٍّ آخر. إنَّ السلف من الحكماء حاولوا إثبات أو نفي قضايا العلوم الطبيعية أحياناً بواسطة الأُسس الفلسفية، فارتكبوا مخاطرة، ولا أقل من خطر تحجيم العلم وصده عن التطوّر، والطريق الذي يسلكه بعض الباحثين المحدثين، ويبتغون رؤية الفلسفة من وجهة نظر الفيزياء مخاطرة لا تقل عن مخاطرات السلف.
إنَّ قانون العلّية وما يتفرّع منه، نظير قانون الحتمية وقانون السنخية وبطلان الدور والتسلسل وغيره من القوانين الفلسفية المحضة، يمكن البحث بشأنها على أساس الأُصول الفلسفية فقط، أمّا العلوم فلا يمكنها نفي أو إثبات هذه القوانين، ولا يمكنها أيضاً الاستغناء عنها. إنَّ ما يمكن للفيزيائي أو غيره من العلماء هو أن يتّخذ من قانون العلية وما يتفرّع منه أُصولاً موضوعية، يفيد منه حيث تمكّنه الإفادة، وحيث لا تمكّنه الإفادة منه عليه أن يختار السكوت.
إنَّ خطأ هؤلاء الباحثين يكمن في هذه النقطة، فقد اعتبر هؤلاء الباحثون قانون العلّية قانوناً تجريبياً، وحيث إنَّ موضوع التجربة هو من
عنده ( العمل والفعل )، وقطعة القماش نظير من يتقبّل شيئاً من خارجه ( الانفعال والقبول )، ومن الواضح أنَّ لهاتين النسبتين المختلفتين سمتين مختلفتين. فالنسبة التي تحصل مع الفاعل هي أنَّ الفاعل ذو أثرٍ خارجي
سنخ المادة، فلا بد أن ينحصر قانون العلية بالمادة والأجسام، ومن هنا اعتبروا العلّية معادلة للميكانيك. إنَّ الأصل الواقعي الوحيد، الذي أقرّه الميكانيك هو المادة والحركات الميكانيكية، ومن ثمّ فالعلاقات الموجودة تنحصر بالعلاقات المادية والميكانيكية. ومن هنا فكلّما تعذّر عليهم تفسير الملاحظات والتجارب على أساس الميكانيك ذهبوا إلى بطلان قانون العلّية، وقرّروا أنَّ الفعاليات التي تجري داخل الذرة خارجة عن قانون العلّية. وكان الأجدر بهم أن يستنبطوا أنًّ العلاقات العلّية لا تنحصر بالظواهر المادية والميكانيكية.
ما هي الضرورة التي تدفعنا لاعتبار قانون العلّية قانوناً تجريبياً، ومن ثمّ نعتبره معادلاً للميكانيك، وحينما يثبت أمر يتنافى مع الميكانيك نثير زوبعة على قانون الحتمية العلّية ونقرّر عزل هذا القانون عن موقعه الذي احتلّه قروناً. إنَّ هناك أدلّة واضحة على أنَّ قانون العلّية لا يمكن اعتباره قانوناً تجريبياً، وقد تناولنا هذا الموضوع في هوامش المقالة الخامسة بالبحث.
خلاصة ما تقدّم منا هي: إنَّ الإحساس والتجربة ـ كما هو واضح ـ ينصب على الجزئي لا الكلّي. والإنسان بعد الملاحظة والاختبار في موارد متعدّدة يقوم بتعميم نتيجة تجاربه على سائر الموارد التي لم تخضع للاختبار. وهذا التعميم يقوم على أساس الإذعان بأصل موضوعي، وهو عبارة عن اتساق الطبيعة. واتساق الطبيعة يعني أنَّ الطبيعة في ظروف متشابهة تماماً
يعطيه ( على أنَّنا لا نقصد أنَّ شكل القميص مثلاً في يد وخيط وإبرة الخياط، وقد رآه، ثمّ اتجه متحرّكاً صوب قطعة القماش ) والنسبة التي تحصل مع القابل هي أنَّ القابل ليس متلبساً بالأثر فعلاً. وإن كان متوفّراً على استعداد
تسير على نسق واحد في كلّ مكان وزمان. وبعد التسليم بالأصل الموضوعي ( اتساق الطبيعة ) يمكننا أن نعمّم تجاربنا في عالم الحسّ أو عالم الذرّة. واتساق الطبيعة لا يعني سوى قانون السنخية بين العلّة والمعلول، أي إنَّ العلل المعيّنة تتبعها على الدوام معلولات معيّنة. إذن، فصحّة القانون التجريبي الكلّي تتوقّف على التسليم القبلي بالأصل الموضوعي ( اتساق الطبيعة ) أو قانون السنخية بين العلّة والمعلول ؛ ومن هنا لا يمكننا أن نرد هذا الأصل أو هذا القانون بواسطة التجربة، فلا يمكننا نفيه ولا يمكننا إثباته بواسطة التجربة. ولا يمكننا الاستغناء عنه في العلوم التجريبية أيضاً. لأنّنا إذا أردنا نقض هذا القانون، ثمّ ندعي أنَّ التجربة أثبتت عدم وجود اتساق في الطبيعة، وأردنا أن نصوغ هذه القضية صياغة قانونية كلّية يلزمنا أوّلاً التسليم بقانون اتّساق الطبيعة، فاعتماداً على ذات قانون اتّساق الطبيعة ننقضه ونردّه. وإذا أردنا إثباته تجريبياً يلزم الاتكاء عليه، وبالاعتماد على قانون الاتّساق نثبت قانون الاتّساق. ومن الواضح أنَّ نقض قانون الاتساق في الحالة الأُولى يستلزم صحّته وعدم نقضه، أمّا في الصورة الثانية فصحّة هذا القانون تتوقّف على صحّته، أي يستلزم الدور، إلاّ إذا ادعينا أنَّ امتناع الدور ليس مقبولاً لأنّه فرع من فروع قانون العلّية !!!
إذن إذا أنكرنا قانون العلّية يلزمنا في المرحل الأُولى وضع العلوم التجريبية جانباً، وإبطال دورها. ومن هنا نقول إنَّ العلوم ينبغي أن تتّخذ
التأثّر وقبول الأثر، ومن هنا فمع اختلاف المستعدّين والقابلين تختلف الآثار.
قانون العلّية أصلاً موضوعاً.
مضافاً إلى ما تقدّم فإنَّنا إذا أنكرنا قانون العلّية فلا يصحّ لنا الإيمان بأيّ قانون علمي، سواء أكان تجريبياً أم غير تجريبي ؛ لأنَّ كل قانون علمي يمثّل نتيجة مجموع مقدّمات قياسية أو غير قياسية، ومع حصول هذه المقدّمات نحصل على القانون العلمي كثمرةٍ ونتيجةٍ يقينيةٍ لتلك المقدّمات. بينا إذا اعتبرنا قانون العلّية كاذباً فسوف لا تكون هناك أيّ علاقة بين مقدّمات أيّ دليل وبين نتيجته. أي سوف لا تكون أي فكرة ثمرة ونتيجة لأيّ دليل. وإذا اعتبرنا قانون السنخية بين العلّة والمعلول كاذباً فيمكن انتظار أي نتيجة من أيّ مقدّمة ومن أيّ استدلال وقياس، بل يمكن انتظار أيّ شيءٍ من أيّ شيءٍ آخر. مثلاً: يمكن أن ننتظر من تناول إنسان للغذاء صيرورة جمادٍ من الجمادات عالماً ! وإذا اعتبرنا قانون الحتمية العلّي كاذباً فلا يمكن انتظار وقوع المعلول بشكل يقيني، عند توفّر جميع شروط ومقدّمات وأجزاء العلّة، أي يمكن في هذه الحالة أن يوجد الشيء ويمكن أن لا يوجد. وهذا يعني أنَّ وجود جميع المقدّمات الذهنية لدليل من الأدلّة في الذهن يساوق عدم وجودها في الذهن ؛ إذ لو كانت الحتمية العلّية كاذبة فليس هناك أي ضرورة بين وجود العلّة ووجود المعلول، وليس هناك ضرورة أيضاً بين عدم العلّة وعدم المعلول، ومن هنا فوجود العلّة وعدم وجودها في هذه الحالة متساويان بالنسبة لوجود وعدم المعلول، إذن فوجود العلّة وعدمها سيّان.
إذا كان قانون العلّية وما يتفرّع منه كاذباً فترتّب نتيجة نظرية السيد
وكلّما كرّرنا هذه الملاحظة في المواد والموارد المختلفة يتّضح لنا ويتأكّد بشكل أكبر اختلاف نسبتي ( الفعل والانفعال ) والسمة الخاصة لكل منهما. ومن هنا نحكم بأن كل فعل يتطلب فاعلاً، وبلغة أكثر بساطة نقول:
جينز
على استدلالاته ليس لها أي ضرورة أيضاً، وكأن هذه الاستدلالات ليس لها وجود أصلاً وأبداً.
هناك مصدر آخر لخطأ هؤلاء السادة، وهو أنَّهم لم يريدوا أو لم يستطيعوا التفرقة بين واقع قانون العلّية وبين تطبيقه واستخدامه في داخل ظواهر الذرّة. هناك نظرية ترتبط بعالم التجربة الفيزيائية، وهي صحيحة وقد طرحها هؤلاء العلماء ووافق عليها الآخرون، وهي أنَّ قانون العلّية لا يمكن أن يكون موجّهاً للباحثين داخل تفاصيل عمل الذرّات. إنَّ قانون العلّية يمكنه أن يكون هادياً وموجهاً للفيزياء حينما يستطيع الباحث بالاستعانة به أن يتنبّأ وفق المعطيات الموجودة بالمستقبل، ومن الواضح أنَّ التنبّؤات اليقينية تتيسر حينما تكون جميع المقدّمات التي تشكّل أرضية المستقبل اليقينية تحت الملاحظة والاختبار والحساب اليقيني، أمّا إذا لم تكن جميع المقدّمات محسوبة فسوف ينعدم إمكان التنبؤ. من الثابت أنَّ علماء الفيزياء المحدثين لم يستطيعوا السيطرة على الوضع الداخلي للذرّات، بحيث يمكنهم حساب التنبؤات اليقينية.
ومن الواضح في هذه الحالة أنَّ الأمر يدور بين قصور العلم المعاصر في هذا المجال وعدم قدرته على ضبط كلّ العوامل المؤثّرة في الواقع، وإمّا أن تكون الحوادث عديمة الترابط السلسلي في الواقع ونفس الأمر، ويكون قانون العلّية كاذباً. ومن البديهي عدم وجود أي دليلٍ يثبت أنَّ العلم المعاصر
إنَّ كلّ أثر يتطلّب مؤثراً. وإن وجود أي موجودٍ محتاج إلى العلّة لا يتحقّق بدون العلة الفاعلية، وإنْ توفّر على سائر العلل الأخرى، نظير العلّة المادية وغيرها.
هو نهاية طريق العلم، وأنَّه ضبط واطّلع على جميع العوامل الدخيلة في الأحداث الطبيعية. وواقعية قانون العلّية لا يلازم إمكان التنبؤ، بلا يتلازم التنبؤ مع اطلاع الباحثين على تلك المقدّمات والعلل. إذن فإذا أردنا أن نستنتج في ضوء معطيات الفيزياء استنتاجاً منطقياً فلا ينبغي لنا أن نستنتج من عدم إمكان التنبؤ في بعض المواضع عدم واقعية قانون العلّية، بل يلزمنا أن نستنتج الحد التالي: إنَّنا لا نملك اطلاعاً على العوامل اليقينية المؤثّرة بسبب عدم وجود هذه العوامل من حيث الأساس أو أنَّ هذه العوامل موجودة لكنّنا لسنا على اطلاع بها.
إنَّنا إذا أقلعنا عن التفكير الحسّي في قانون العلّية، وأدركنا هذا القانون إدراكاً سليماً، وعرفنا أنَّ تصوّر هذا القانون لا يرد الذهن عن طريق الحسّ ( راجع المقالة الخامسة )، وأنَّ تصديقنا الذهني ( وفق الأدلّة التي قدّمناها في هذه المقالة وفي المقالة الخامسة أيضاً ) ليس نتيجة التجربة، يمكننا أن نفهم حينئذٍ أنَّ قانون العلية شأن من شؤون الواقع المطلق، سواء أكان هذا الواقع مادياً أم غير مادي. ومن هنا فكل عامل يمنح معلوله واقعاً يكون علّة ويكون المستَقبلُ معلولاً. وعلى هذا الأساس فإذا افترضنا أنَّ نظرية السيدجينز
صحيحة وأنَّ التغييرات والتحوّلات المختلفة داخل الذرة تقديرٌ وإرادةٌ ما فوق الطبيعة، فنظريّته ليست خارج إطار قانون العلّية. وعلّة عدم قدرتنا على التنبؤ بهذه المقادير تنشأ جراء كون القوانين الخاصة لهذه التقادير ليست في
إشكال
إنَّ دائرة الملاحظات التي أفضت إلى الاعتقاد بضرورة العلّة الفاعلية تقع في حدود الموارد التي تمارس الطبيعة فعلها فيها عن
أيدينا لكي نستطيع أن نتنبّأ بها.
لكنّ الحقّ أنَّ الذي يؤمن بتدخّل الإرادة وتقدير ما فوق الطبيعة في مثل هذه الحوادث ليس له معرفة اليوم بالعلوم الإلهية. من الممكن أن يحسب أولئك الذين ليس لهم معرفة كافية في هذا المجال أنَّنا نستقبل اعترافات باحث شهير نظير "جينز
" بتدخّل الإرادة ما فوق الطبيعة في بعض حوادث العالم بالقبول، ونتّخذ من هذا الاعتراف مؤيداً للنظريات الإلهية. لكن القارئ المحترم عليه أن يطمئن الآن، وسيسمع تفصيلياً في المقالة الرابعة عشرة أنَّنا نعتبر وجود مثل هذه التدخّلات والتقديرات ما فوق الطبيعية أمراً محالاً وممتنعاً، ونرى أنَّ نظريّاتجينز
وغيره في هذا المجال ناشئة عن جهلهم بالعلوم الإلهية. نحن لا نسير على نهج أدعياء الفلسفة وغيرهم في نظرياتنا الإلهية، فنبحث عن الاستثناءات لإثبات صانع الكون ومبدأ العالم، ونفسر كلّ استثناءٍ وخروجٍ عن العادة بإرادة الله، ونتّخذه دليلاً على وجوده. إنَّ نظام الوجود من وجهة نظرنا الفلسفية نظام متقنٌ وترتبي، وجميع أجزاء هذا النظام مترابطة ومتلاحمة وهو قائم بذات الباري تعالى. وإنَّ نظام العلية والمعلولية هو عين أجزاء إرادة وتقدير الباري، التي جاءت على هيئة هذا النظام، وهذا النظام المتقن من وجهة نظرٍ فلسفية دقيقة دليل على وجود ذات الباري، لا الاستثناءات على فرض وجودها. وسوف يتعرّف القارئ المحترم في المقالة الرابعة عشرة على نهج استدلالاتنا بشكلٍ كاملٍ.
طريق الفعل والانفعال، وبتعبير حديث: تمارس فعلها عن طريق الفعل ورد الفعل. ومن الواضح أنَّ نتيجة الملاحظات لا يمكن تعميمها على غير مواردها.
نعم أغلب المتكلّمين حينما حاولوا الاستدلال نظير اعتبارهم الطبيعية شريك الباري وفعل الطبيعة لا يستند لذات الباري استمروا بالبحث عن الاستثناءات وحسبوا أنّهم بإبطال نظام الموجودات يلزمهم إثبات وجود الصانع. وفي حدود بحثنا واطلاعنا نلاحظ أنَّ جميع الفلاسفة الأوربيين ( الإلهيين والماديين والشُّكاك ) يسيرون على هذا النهج. ونظرية "أوجست
كُنت
" الشهيرة في تحليل المراحل الثلاث التي مرّت بها البشرية في تفسير الحوادث، التي تقدّم بحثها في المقالة الخامسة، تحكي عن هذا النهج، وهذا الأمر ذاته أثار دهشتي المذهلة.
من المناسب هنا أن أنقل نصّاًلصدر المتألهين
في الردِّ على الإمامالرازي
يرتبط بموضوعنا. ففي بحث ( السعادة والشقاوة الحسّية ) من المجلّد الرابع في الأسفار نقل ونقد بعض أدلّة الرازي لإثبات الصانع ومنهجهِ في تفسير القرآن، فقال: " وأعجب الأُمور أنَّ هؤلاء القوم متى حاولوا إثبات أصل من أُصول الدين كإثبات قدرة الصانع أو إثبات النبوّة والمعاد اضطروا إلى إبطال خاصية الطبائع ونفي الرابطة العقلية بين الأشياء والترتيب الذاتي الوجودي والنظام اللائق الضروري بين الموجودات التي جرت سنّة الله عليها ولا تبديل لها، فهذه هي عادتهم في إثبات أكثر الأُصول الاعتقادية كما فعله هذا الرجل إمام أهل البحث والكلام ".
على كلّ حال نحن نؤمن بنظام متقن للوجود، لا يمكن تخلّفه. وهذه
مضافاً إلى أنّ لدينا موارد كثيرة، تكون المادة أو موضوع الأثر متوفّرة على الأثر باستمرار توفّراً ضرورياً دون أن تكون بحاجةٍ إلى علّة
النظرية لم نستنتجها في ضوء التجارب اليومية، لكي تتزلزل أُسسها جراء مواجهة إشكاليات عالم التجربة. لقد استفدنا نظرية ترتيب ونظام الموجودات في ضوء البرهان العقلي، وهذا البرهان من نوع ( البرهان اللّمي )، الذي ينشأ من معرفة علة العلل، لا البرهان الإنّي، وتفصيل البحث في هذا الموضوع يأتي في المقالة الرابعة عشرة.
لم يميّز نصجينز
بين قانون العلّية العام، وقانون الحتمية، وقانون السنخية. بل طرحها جميعاً على شكل قانونٍ واحدٍ. ورغم تلازم هذه القوانين الثلاثة ـ كما أثبتنا ذلك سابقاً ـ لا يمكن عدها قانوناً واحداً. ويشفع لهذا الباحث وغيره، أنَّ هؤلاء يعدّون هذا القانون قانوناً تجريبياً، وفي عالم التجربة لا يمكن تصوّر هذه القوانين الثلاثة مجزأة عن بعضها. إنّما يتيسّر التمييز والتجزئة بين هذه القوانين وفق النهج الفلسفي النظري.
والغريب أنَّ هذا الباحث وجمع كثير آخر من الباحثين ألحّوا على موضوع الاختيار، وحسبوا أنَّ الاختيار يتنافى مع العلّية، ومن ثمّ اتخذوا من الإحساس الوجداني للإنسان بالحرية والاختيار دليلاً على نفي قانون العلّية. لكن قليلاً من التأمّل كافٍ لنتعرّف على مفهوم حرّيتنا واختيارنا، التي هي أمر وجداني، يشهد بها الضمير، فهي بمعنى أنّه لم يحدّد لنا في عالم الطبيعة طريق خاص ومسلك معيّن، بل فتح أمامنا الطريق لنختار الفعل الذي نريده، أي نحن أحرار إذا أردنا فعلنا وإذا لم نرد لم نفعل، أي أنَّ إرادتنا هي التي تعيّن لنا نهج سلوكنا. ولا يعني الاختيار أنَّ إرادتنا حرة بذاتها وبدون علّة،
فاعلية ؟ خذ النور مثلاً فهو يتحرّك ما يعادل ثلاثمئة ألف كيلومتر في الثانية تقريباً، وهذه الحركة التي هي معلول لموضوعها لا تتطلّب فاعلاً موجداً.
ولا يعني الاختيار أيضاً أنَّنا أحرار في أن نريد أو لا نريد، والخلاصة أنَّنا أحرار بالنسبة إلى الفعل الخارجي لا بالنسبة إلى مقدّماته النفسية. وما يشهد به الضمير لا يتعدّى هذا الأمر. لقد طرحنا في المقالة الثامنة الأفكار اللازمة حول موضوع الجبر والاختيار. وخصوصاً أوضحنا لأوّل مرّة فكرتنا بشأن حرية الإرادة ونفي الحتمية العلّية، وبينا بطلان ما تشبث به هؤلاء الباحثون والمتكلّمون المسلمون لإثبات حرية واختيار الإنسان في أفعاله. تتلخّص نظريّتنا بصدد قانون العلّية في ما يلي:
أ ـ أنَّ قانون العلية، وجميع القوانين المتفرّعة منه، قوانين واقعية ونفس أمرية ومستقلة عن الذهن وإدراكاتنا.
ب ـ إدراكنا الذهني التصوري للعلّية والمعلولية لا ينشأ من الإحساس الخارجي، بل ينشأ من قراءةٍ داخلية لجوهر النفس والحالات النفسية، وفق التفصيل الذي تقدّم في المقالة الخامسة.
ج ـ إدراكنا الذهني التصديقي لقانون العلّية والمعولية ( مناط الحاجة إلى العلّة ) وما يتفرّع منه ناشئ من حكم العقل ومستقل عن التجربة. وفق التفصيل الذي تقدّم في هذه المقالة.
د ـ قانون العلّية من شؤون الواقع المطلق، ولا يختص بالمادة والعلاقات المادية.
هـ ـ قانون العلّية وما يتفرّع منه قوانين فلسفية، ودراستها خارجة عن إطار العلوم الجزئية.
وبلغة أكثر وضوحاً نقول: إنَّ الحركة تتطلّب متحرِّكاً لا محرِّكاً. والأمر كذلك في أصل المادة، فقد ثبت أنَّ لها حركة دائمية، وأنَّها في حالة تفاعل داخلي مستمر بواسطة هذه الحركة، دون أن يكون ليدينا دليل على ثبوت الفاعل المحرّك، الذي يوجد هذه الحركة، بل وجود المادة القابلة، والتي هي المتحرّك، كافية في هذا المجال
(٤)
.
و ـ قانون العلّية وما يتفرّع منه يلزم اتخاذه أصلاً موضوعاً في العلوم الجزئية، وهذه العلوم لا يمكنها الاستغناء تماماً عن هذه القوانين.
ز ـ العلم بالعلة التامة يفضي إلى العلم بالمعلول، ومن هنا يمكن الإذعان بوجود المعلول من خلال وجود العلّة.
ح ـ حوادث العالم ضرورية ضرورة وقتية، أي أنَّ كل حادثة مهيّئة للوقوع في لحظة معينة فقط ولا غير.
ط ـ الظروف والأحوال الزمانية ليست علّة تامة للأحوال اللاحقة، بل تهيئ أرضية الأحوال اللاحقة، والمعرفة الكاملة بهذه الظروف ( وفق أدلة ستأتي ) تفضي إلى التنبؤ اليقيني.
ك ـ لا معنى للتقدير والإرادة ما فوق الطبيعة في عرض العلل الطبيعية ( لا في طولها ).
ل ـ الإنسان حر ومختار في أفعاله، وهذه الحرية والاختيار لا يتنافيان مع العلية.
٤ ـ تقسيم العلل إلى أربعة أقسام ( فاعلية، غائية، مادية، صورية ) تقسيم أرسطي. إذا فرضنا أنَّ الفاعل إنساناً، وأخذنا بنظر الاعتبار مجموعة الأعمال التي يمارسها الإنسان في المادة الخارجية ( لا الأفعال النفسية نظير
بل ذهب علماء المادة إلى أنَّ النشوء الأولي للكون معلول للتصادم التلقائي لمجموعة الذرّات، السابحة في الفضاء، وبتصادمها مع بعضها حفظت وجودها وتكونت كرات مختلفة التركيبات والسمات والآثار، ولم
التصوّر والتصديق والشوق والإرادة وغيرها ) فسوف يكون هذا التقسيم الأرسطي واضحاً جداً، فالتصرّفات التي يمارسها الإنسان في المادة الخارجية تقوم على أربعة أركان: فاعل، غاية، مادة، صورة. والفاعل هو ذات الإنسان، الذي هو العلّة التي تمنح الفعل الوجود.
أمّا الغاية أو العلة الغائية فهي الشيء الذي يتوخّاه ويستهدفه الإنسان من الفعل، وتُعد الغاية على من زاوية كونها متمّماً ومكمّلاً للعلّة الفاعلية ؛ لأنَّ تصوّر الغاية يحفّز إرادة الإنسان، وينقل الإنسان من درجة الفاعل بالقوة إلى درجة الفاعل بالفعل ؛ إذن فالعلة الغائية تندرج تحت العلّة الفاعلية، والعلّة الفاعلية تندرج تحت العلّة الغائية. أمّا الصورة فهي الحالة والفعلية التي يعطيها الإنسان للمادة الخارجية، وهي المعلول الواقعي للعلّة الفاعلية. والمادة عبارة عن الشيء الذي يقبل الصورة ويلبس رداء الفعلية. إنَّ هذه العلل الأربع جاءت مجتمعة في مثال المتن ( القميص ). يطلق على المادة والصورة مصطلح العلّة ـ كما جاء في المتن ـ لأنَّ حقيقة كل شيء مادي في الخارج مؤلّفة من مجموع المادة والصورة، وهذا المجموع يحتاج في تحقّقه إلى هذين العنصرين، وقد قلنا سابقاً أنَّ هناك استخداماً لمفهوم العلية بمعناها الأعم، فتطلق على الشيئين اللذين يكون أحدهما بحاجة في واقعه إلى الآخر، ومن هنا فكل من المادة والصورة علّة لمجموع المركّب، فيطلق عليهما العلّة المادية والعلّة الصورية. ويعود السبب إلى إطلاق مصطلح العلّة
تكن هناك علّة سوى المادة حين حصول هذه الصور. وأمّا الموارد التي توفّرت على العلّتين المادية والفاعلية ( موارد الفعل ورد الفعل، فالأمر بحسب الحقيقة يرجع إلى أنَّ كلاً من الفاعل والمنفعل ذو أثر، نظير الأُم والأب فكل منهما مادية، رغم الفرق بينهما في أنَّ كلاً منهما طرف في
على الغاية إلى ما قلناه من أنَّ العلّة الغائية تتمّم وتكمّل العلّة الفاعلية. أمّا إذا لم نتوسّع في مفهوم العلّية، ونحصر مفهوم العلّة بمعطي الوجود والواقع فسوف يكون الشيء الذي يستحقّ مصطلح العلّية هو الفاعل فقط، ومعلول هذه العلة سوف يكون أيضاً الشيء الذي سمّيناه الصورة.
أشرنا إلى أنَّنا إذا افترضنا أنَّ الفاعل ( الإنسان )، وأنَّ الفعل ينصبّ على تحوير المادة الخارجية، فإنَّ تصور وتصديق العلل الأربع يكون في غاية الوضوح ولا يمكن اعتبار أيّ واحدة من العلل الأربع عين الأُخرى. أمّا إذا غيّرنا الفرض واعتبرنا الفاعل شيئاً لا يشبه الإنسان، بل اعتبرنا الطبيعة الجامدة هي الفاعل، فسوف يكون وجود العلّة الغائية موضع شك ( وسيأتي تفصيل هذا البحث )، وكذلك إذا فرضنا أنَّ الفعل ليس نظير تحوير المادة والتصرف فيها، بل فرضنا أنَّ الفعل هو ذات المادة، أو انصب حديثنا على الإبداع الكوني، فسوف لا يكون لوجود العلة المادية مفهوم ومعنى.
من هنا تطرح إشكالية أساسية وهي: حينما يكون الفعل قائماً بالمادة، وبتعبيرٍ آخر تصرّفاً وتحويراً في المادة، فهل هناك ضرورة من حيث الأساس لتكون العلّة الفاعلية مغايرة للعلّة المادية ؟ وعلى هذا الأساس هل هناك ضرورة لوجود فاعل مادّي مغاير لذات المادة، يقوم بالتغييرات والتحوّلات التي تقع داخل المادة على الدوام، أم ليس هناك ضرورة لهذا
عملية التجاذب ( جاذب ومنجذب ). ويمكن القول أيضاً إنَّ انقسام العلّة إلى علّة فاعلية وعلّة مادية في هذه الموارد حصل بمجرّد الصدفة والاتفاق، نظير التوارث وقابلية البقاء فقد تمّ حصولها تلقائياً.
التمييز، بل العلّة الفاعلية عين العلّة المادية ؟ ثمّ حينما نقول ليس هناك ضرورة للتميز بين العلّتين، فالأمر يدور بين مفهومين، فأمّا أن تكون العلّة المادية وحدها كافية ولا حاجة للعلة الفاعلية، وأما أن يكون الشيء الذي هو علّة مادية عين العلّة الفاعلية.
تكمن في هذه النقطة من البحث إحدى المسائل الحساسة في الجدل الإلهي المادي. ونحن نعرف أنَّ منطلق نظرية أرسطو في الإلهيات تكمن في هذه النقطة أيضاً. لقد قام أرسطو بإثبات المحرك الأوّل بواسطة ثلاث مقدمات:
الأُولى:
امتناع أن يكون المتحرّك عين المحرّك، وبعبارة أُخرى امتناع أن تكون العلّة الفاعلية عين العلّة القابلة.
الثانية
: ضرورة وجود المحرّك باستمرار في معيّة المتحرّك، أي ما دامت الحركة قائمة يجب أن يبقى عامل الحركة باقياً، وإذا زال هذا العامل تزول الحركة بزواله.
الثالثة:
إذا كان المحرّك بدوره متحرّكاً فسوف يحتاج إلى محرّك آخر، وهذا المحرّك الآخر لا يمكن أن يكون عين المتحرّك الأوّل، ولا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية. إذن فسلسلة المحرّكات يجب أن تنتهي بمحرّك غير متحرّك، وهو عبارة عن الموجود المجرّد ما وراء الطبيعة.
المقدمة الأرسطية الأُولى هي ذات الموضوع الذي نحن فيه، والمقدّمة
الجواب
نقف مرّة موقف أولئك الذين يذهبون إلى أنَّ العلّة والمعلول ترتبط بتداعي المعاني، وليست العلية سوى العادة والألفة الذهنية. فنكتفي بالتسمية في مورد العلّة والمعلول، دون إثبات علاقة حقيقية، بل كلّما وجدنا تتابعاً بين موجودين
(٥)
نسمّي السابق علّة واللاحق معلولاً. وفي هذه الحالة نكون من
الثانية هي الفكرة التي ناجزها غاليلو ونيوتن، وتناولناها بالبحث والنقد في المقالة الثامنة. والمقدّمة الثالثة تقوم على أساس استحالة الدور والتسلسل. وحينما يعترّض المعترض على أي من هذه المقدّمات، كما لو لم يرَ ضرورة كون المحرّك غير متحرّك، أو لم يرَ ضرورة بقاء المحرّك في معيّة المتحرّك، أو لا يرى استحالة الدور والتسلسل، أو يذهب إلى أنَّ ما اعتبره أرسطو دوراً وتسلسلاً ليس مصداقاً للدور والتسلسل، حينئذٍ سوف يكون برهان أرسطو لإثبات المحرك الأوّل معيباً وناقصاً، وسنتناول بالبحث والنقد هذا الموضوع في المقالة الرابعة عشرة حينما نطرح براهين الفلاسفة في إثبات الصانع. وعلى كلّ حال فموضوع وحدة المحرّك والمتحرّك من أهم المسائل الفلسفية، ولا مانع من وجهة نظر الماديين أن يكون المتحرّك عين المحرّك، لكنّه مستحيل من وجهة نظرنا. وقد أشار في المتن إلى الأفكار الضرورية في هذا الموضوع، وحيث إنَّ الدراسة الكاملة لهذا الموضوع تتوقّف على معرفة كاملة للمادة وللحركة، نوكل بحثه إلى المقالة العاشرة، ونكتفي بهذا العرض الموجز تبعاً للمتن.
٥ ـ إنَّ الشرط الأولي للقناعة والتصديق السليم بالقانون والقضية العلمية هو التصوّر السليم لذلك القانون وتلك القضية. وبعد أن نتوفّر على
منكري قانون العلّية في الواقع، ولا نعطي لهذا القانون قيمة أكبر من التسمية، وحينئذٍ سنشطب على جميع أفكارنا وعلومنا، ونحكم عليها بالبطلان.
ونقف مرة أُخرى موقف المؤمن بالعلاقة الحقيقية بين العلّة والمعلول، أي نقرّر وجود علاقة الحاجة الوجودية. وعندئذٍ ففي المواضع التي يكون فيها الفاعل منفصلاً عن المادة نلاحظ أنَّ علاقة المعلول بالمادة
تصوّر سليم يحق لنا أن نرد مقام النقض أو الإثبات. وهذا الشرط شرط عام في جميع القضايا النظرية ولا يختص بالفلسفة. وكثيراً ما تجد بعض الأفراد يدافعون عن نظريةٍ أو يهاجمونها، ثمّ يتضح بعد التحليل أنَّ هؤلاء المدافعين أو المهاجمين لا يمتلكون تصوّراً سليماً عن الموضوع. ولا نعني بهذا التفكير اختلاف الاصطلاح، إذا كان الاصطلاح محدّداً وواضحاً، إنّما ينصبّ اعتراضنا على أولئك الذين لا يملكون تصوّراً واضحاً عن المفهوم الذي يتبنّونه، فيقعون في خبط عشواء من خلال النفي والإثبات حول هذا المفهوم. وعلى هذا الأساس أصر المناطقة منذ سالف الأزمنة على ضرورة تعريف وتحديد الموضوعات.
إنَّ مسألة العلّية ابتليت بهذا المصير المشئوم، ونجد في أحيان كثيرة مدافعين أو مناجزين للعلّية لا يمتلكون تصوّراً ومفهوماً واضحاً عن المسألة. ومن هنا نلاحظ أنَّ بعض أدعياء الفلسفة وقعوا في تهافتٍ عند تعريف مفهوم العلية، وتذبذبوا بين مفهوم التعاقب والتقارن وبين واقعية العلية. إنَّ علاقة العلّية يمكن تعريفها بأحد تعريفين:
١ ـ العلّية ليست سوى تعاقب حادثتين. فجراء مشاهداتنا التجريبية نرى وقوع حادثةٍ عقب الأُخرى باستمرار، فننتزع من هذا التعاقب مفهوم
مستقلة عن علاقته بالفاعل، وسوف نفهم أنَّ علاقة المعلول بالمادة هي علاقة التلقّي والتأثّر، ونصل أيضاً إلى أنَّ التلقّي والتأثّر لا يتلائم مع الوجود السابق للأثر. فلا يمكن أن نتصوّر أنَّ الماء الذي درجة حرارته عشرة سوف يقبل مرة أُخرى هذه الدرجة، والإنسان يصير إنساناً، والمادة التي تلبّست صورة التفاح فعلاً سوف تتلقى صورة التفاحة مع وجودها. ومن ثمّ نفهم أنَّ متلقّي الأثر يجب أن يكون فاقداً لهذا الأثر من قبل. وبلغة
العلّية. ومن ثمّ فالعلّية ليست سوى التعاقب، وحينما نقول إنَّ أ علّة لـ ب، فنعني أنَّ "ب" أعقب " أ" باطّراد. والذهن يحكم بتعميم هذا التعاقب على أساس قانون تداعي المعاني، فاقتران التعاقب المطرد بين حادثتين يخلق في الذهن قانون تداعي المعاني، فاقتران التعاقب المطرد بين حادثتين يخلق في الذهن عادة استدعاء تصوّر احدهما عند مشاهدة الأُخرى. إذن فما هو في عالم الواقع لا يتعدّى التعاقب المطّرد بين الحادثتين المشهودتين حسياً، وحكمنا الكلّي بأنَّ " ب " تعقب " أ " باستمرار ينشأ من الاقتران الذهني بين تصوّر الحادثتين، جراء تكرار التعاقب باطراد. وهذا هو مذهب الحسِّيين في تعريف العلة.
ونستطيع أن نضع رداً على هذا المذهب في النقاط التالية:
أوّلاً:
إنَّ تصوّرنا للعلّية يختلف عن مفهوم التعاقب، ولهذا التصوّر منشأ سليم، راجع المقالة الخامسة.
ثانياً:
إنَّ الذهن يحكم بالضرورة في موارد العلّية بعدم وجود المعلول عند عدم وجود العلّة حكماً يقينياً. وإذا كانت العلية مجرد تعاقب حادثتين فلا معنى لحكم الذهن بزوال إحداهما عند زوال الأُخرى.
ثالثاً:
نحكم في بعض المواضع بالعلّية بين الحادثتين المقترنتين زمانياً
الفلسفة " حيثية القبول هي حيثية الفقدان ". ونثبت نظير هذه الفكرة في مورد علاقة الفاعل بالمعلول، فالفاعل المعطي للأثر يجب أن يكون متوفّراً على الأثر من قَبل، وبلغة الفلسفة " حيثية الفاعلية هي حيثية الوجدان ". وفي ضوء هذا البيان نستنتج بوضوح النتيجة التالية: لا يمكن إطلاقاً أن يكون المتلقي والقابل عين الفاعل للأثر.
( وليس بينهما تعاقب )، مثلاً حينما نحرك العصا التي نمسكها بأيدينا، فنحن نقرّ بأنّ حركة اليد علّة لحركة العصا، والحركتان متزامنتان، إذن فالعلّية تختلف عن التعاقب.
رابعا
ً: ندرك في بعض المواضع التعاقب الدائمي بين الحادثتين، ولا نحكم بالعلّية، نظير تعاقب الليل والنهار.
خامساً:
أنَّ أساس نظرية الحسِّيين في اعتبار تداعي المعاني أساساً للتصديق والحكم خاطئ، وقد أكّد علماء النفس خطأ هذا الأساس، وقد أوضحنا وجهة نظرنا في هذا المجال، عبر هوامش المقالة الخامسة.
٢ ـ العلّية والمعلولية عبارة عن رابطةٍ واقعيةٍ بين واقعيتين، ترتهن إحداهما بالأُخرى، ومع زوال واقع العلّة يستحيل وجود المعلول. وهذه النظرية هي النظرية التي يتبناها الفلاسفة المتبحّرين في الفلسفة، وقد كرّرنا تعريف علاقة العلّية على هذا الأساس، وقامت تحليلاتنا في مجال إيضاح علاقة المعلول بالعلّة على أساس هذا النهج وهذا التصوّر عن العلّية والمعلولية.
إنَّ هذا النهج في تصوّر العلّية نهج واقعي. ولإثبات واقعية هذا النهج يمكننا ـ في الحد الأدنى ـ أن نقول: إنَّ الموجودات التي لم تكن في زمانٍ
استناداً إلى النتيجة المتقدّمة نقول: حينما نجد موضوعاً مستقبلاً، تلقّى الأثر بنفسه وتوفّر عليه، فإمّا أن يكون وجوده مؤلّفاً من قابلٍ وفاعلٍ، فيستقل بأحدهما ويعطي بالآخر. وأمّا ( إذا كان بسيطاً ) فسوف يكون قابلاً فقط وفاعل الأثر مستقل عنه.
وبأخذ البيان المتقدّم بنظر الاعتبار في مورد حركة النور السريعة، وفي مورد ذرّات العالم ذات الحركة الدائمة، فإمّا أن تكون ذات صورة وفعلية تمنحها الحركة، وهي ذاتها قابلة للحركة فمن المحتم عندئذٍ أن يكون
ما ثمّ وجدت في زمان لاحق ترتهن واقعيتها بشكل يقيني بواقع آخر، والصدفة مستحيلة وممتنعة.
تطرح هنا شبهة مفادها:
من الممكن أن نكذّب نهج إدراكنا الذهني للعلّية، وندَّعي أنَّ ليس هناك أيّ واقعة تستند إلى واقعة أُخرى. وفي نفس الوقت لا ندّعي بأنَّ وجود الحوادث في زمان بعد أن لم تكن موجودة في زمان سابق يحصل صدفة. وذلك لأنّنا حينما نقرّر تطابق وجود الحوادث بلا علّة مع الصدفة فإننا نحسب الحوادث المستقبلية معدوماً مطلقاً.
والحالة أنّه ـ وفق بعض الفرضيات ـ لا الماضي معدوم ولا المستقبل. فكلّ من الماضي والمستقبل مجهول لدينا، لأنَّنا تجاوزنا الماضي، ولم نصل إلى المستقبل بعد. وعلى هذا الأساس فجميع الحوادث موجودة أزلاً وأبداً، ولا تعدم إطلاقاً، بحيث يكون وجودها محتاجاً إلى العلّة، وإذا فرضنا هذه الموجودات بلا علّة فسوف تكون متطابقة مع الصدفة.
تقدّم جزء من الجواب المتعلّق بهذه الشبهة في الهوامش السابقة، والجزء الآخر يتوقّف على بعض الأفكار التي ستأتي في المقالة العاشرة.
وجودها مؤلّفاً من فاعلٍ وقابل. وإمّا أن تكون متحرّكة فقط، وليس لديها أيّ صورة وفعلية، سوى أنَّها تقبل الصور اللاحقة، فمن المحتّم عندئذٍ أن يكون هناك فاعل وراء المادة، تستقبل منه الحركة، ومن هنا يُثبت الفلاسفة الإلهيون وجود فاعل وراء المادة.
وبغض النظر عمّا تقدم فإنَّ المادة الرتيبة ذات حركات متنوّعة، ومن المحتّم أن يكون لكلّ حركة منها علّة خارج المادة ؛ إذن على كل حال فلا مفرَّ من إثبات علّة فاعلية لكلّ معلول.
وأما ما جاء في نهاية الإشكال من أنّ العلّة الفاعلية هي في الواقع علّة مادية، فهو خطأ أيضاً، ويتّضح الجواب عليه من خلال البيان المتقدّم أيضاً.
وأمّا ما طرح في الإشكال من إمكانية ظهور العلّة الفاعلية في بعض الموارد، بمجرد الصدفة والاتفاق، فهو كلام متناقض ؛ إذ سوف يكون مفهومه أنَّ العلّة التي لها علاقة وجودية وواقعية بالمعلول لها واقع بمجرّد الاتفاق وبلا علاقة وجودية.
العلّة المادية
الإيضاح الذي تقدّم بصدد العلّة الفاعلية، كافٍ بالفعل للتعريف بالعلّة المادية. ولمزيد من الإيضاح ينبغي تلمّس تفاصيل المقالة العاشرة. ولكن لا ينبغي هنا إغفال الملاحظتين التاليتين:
أ ـ ميّزنا في بحوثنا بين المادة والعلّة المادية، والفارق بينهما في أنَّ المركب من المادة والصورة يتألّف من جزءٍ مادي هو المادة بالنسبة إلى جزئه الآخر ( الصوري )، المادة التي تقبل الصورة، وهذان الجزءان ( المادة والصورة ) بالنسبة إلى المركب علّة مادية ؛ حيث يحتاج إليهما
المركب في وجوده، لكنّ الصورة ليست بحاجة إلى المادة في الحالة الأولية، بل المادة لا يمكن أن تتوفّر على الوجود بدون الصورة.
ب ـ نستمر في حوارنا الفلسفي، منطلقين من التسليم بالقاعدة المسلَّمة في العلوم المادية ( الأجسام مركبة من ذرّات صغيرة جداً هي مادة الأجسام )، وبحكم أنَّ العلوم المادية تثبت لهذه المادة العامة نشاطات متعدّدة فإنَّنا مضطرّون أيضاً على أساس قانون العلّية العام ـ كما قلنا في العلّة الفاعلية ـ إلى إثبات مادة أكثر بساطة
(٦)
من هذه المادة المفترضة، ونطلق عليها مصطلح مادةِ المواد، أو الهيولى.
٦ ـ اتّضح في ضوء ما تقدّم أنَّ المادة في الاصطلاح الفلسفي تطلق على الشيء، الذي لبس رداء الفعلية والصورة. وتطلق في المصطلح العرفي على معنىً مشابه للمصطلح الفلسفي. فالإنسان عادة حينما يشاهد شيئاً مصنوعاً أو طبيعياً، ذا فائدةٍ وامتياز معيّن، يتساءل: ما هي المادة التي صُنع أو يتكوّن منها هذا الشيء ؟ أي: من أي شيء صنع هذا الأمر المفيد، ومن ثمّ جاء على هذه الصورة الماثلة أمامنا ؟ فيتساءل الإنسان مثلاً: ما هي مادة الطعام أو الأسنان أو العظام ؟ أو يتساءل عن المادة التي يصنع منها الورق والبلاستيك والنايلون وغيرها، والمقصود في جميع هذه الأسئلة هو تحديد الشيء أو الأشياء التي جاءت على صورة عظام أو ورق في ظل شروط معينة.
يقتنع الإنسان عادة بالإجابة العرفية على هذه الأسئلة بذكر الأجزاء، التي يتألّف منها الجسم موضع السؤال. فيقول مثلاً إنَّ الملح يتألّف من عنصرين أحدهما الكلور والآخر الصوديوم. ويقتنع السائل بهذا المقدار من الجواب أيضاً. ولكن من الممكن أن تكون الأشياء التي تقع موضع
العلّة الصورية
العلّة الصورية، في الواقع، عين فعلية الشيء، التي يُستل بواسطتها اسمه النوعي، نظير الإنسان، الخروف، العصفور، شجرة الصفصاف، الأُكسجين، النيتروجين و...
استفهامنا، والتي فرضناها مادية، مركّبة هي بدورها من مادّة وصورة أي أن تكون المادة مركّبة من مجموعة مواد أكثر بساطة، وهي مؤلّفة ـ أي هذه المواد ـ من مادة وصورة، ومن الممكن أيضاً أن تكون هذه المواد بدورها مركبة من مواد أكثر بساطة منها ؛ وحيث لا يمكن أن يمضي هذا الفرق إلى ما لا نهاية، فلا بدّ أن ينتهي إلى شيء لم يركب من اجتماع مجموعة مواد، وهذا الشيء يسمّى في الاصطلاح الفلسفي ( لا العلم ) عنصراً. ولكن هل العنصر بسيط أم مركب ؟ فإذا كان بسيطاً يلزم أن تكون جميع العناصر على نسق واحد، وذات خصوصية واحدة، مع أن الأمر ليس كذلك ؛ إذن يتّضح أنَّ كل عنصرٍ أيضاً مركب من مادة مشتركة وصورة خاصة، حيث تكون الصورة هي منشأ اختلاف أثره عن سائر العناصر. وهذه المادة المشتركة إما أن تكون ذاتها المادة الحقيقية وإمّا أن تكون مركبة من مجموعة المادة والصورة، ومن ثمّ تنتهي إلى المادة الحقيقية. والمادة الحقيقية هي الشيء الذي يكون مادة محضة، أي الشيء الذي تكون فعليته وواقعيته أمراً لا يتعدّى سوى المادة، وليس له صورة. أمّا سائر مراتب المادة فهي ليست مادة حقيقية، بل مادة نسبية، أي أنَّها مادة بالنسبة إلى الأُمور التي تألّفت منها، أمّا هي فمجموعة من المادة والصورة.
إنَّ المسألة التي أشغلت الفكر البشري منذ بداية تاريخ الفلسفة هي
والفرق بين الصورة والعلّة الصورية هو نظير الفرق بين المادة والعلّة المادية، كما تقدّم إيضاحه.
ولا يخفى أنَّ اختلاف الأشياء وتنوّع سماتها وآثارها يرتهن باختلاف صورها ؛ وحيث إنَّنا تناولنا البحث في أطراف هذا الموضوع في المقالة الخامسة نعزف عن التكرار هنا.
قضية المادة الأُولى، وما هي مادة المواد لهذا العالم ؟ أي ما هو الشيء الذي لعب كل هذه الأدوار ولبس كل هذه الصور والفعليات ؟ إنَّ هذا الاستفهام استفهام عن العلّة المادية للعالم، كما أنَّ السؤال عن وجود واجب الوجود وصانع الكل سؤال عن العلة الفاعلية للعالم. إنَّ الفقرة المتقدّمة التي تناولت بالبحث تطابق العلة الفاعلية والعلة المادية ووحدتهما ترتبط بهذا الموضوع ؛ لأنَّ الغاية الفلسفية من طرح هذه المسألة هي التحقق من أنَّ الشيء الذي لعب كل هذه الأمور، ولبس كل هذه الصور والفعليات هو عينه معطي هذه الصورة والفعاليات والأدوار، أم أنَّ معطي هذه الصور والأدوار أمر آخر غير المتلبّس بها ؟
على كلّ حال أنَّ التحقيق والبحث حول مادة المواد، أي ماهية المادة الأساسية للعالم من أقدم بحوث الفلسفة، وقد طرحت نظريات مختلفة بشأنها. فمنذ العصر اليوناني ( قبل سقراط ) حتى عصرنا الحاضر طرحت نظريات متنوعة، والكثير منها لا تستحق الاهتمام. وسوف نتناول في المقالة العاشرة تاريخ تطوّر موضوع البحث في هذه المسألة، وسوف نشير إلى النظريات التي طرحت قبل سقراط، وسنلاحظ أنَّ النظرية الوحيدة التي لفتت أنظار الفلاسفة المتأخرين هي نظرية ديمقريطس، هذه النظرية التي تعتبر أنَّ المادة
العلّة الغائية
قلنا إنَّ لدينا غاية وهدفاً في أفعالنا الاختيارية، التي نمارسها بالفكر والروية ؛ بغية إشباع حاجتنا الوجودية، فنتكامل ونرفع نقصنا. نأكل لكي نحلَّ الشبع محل الجوع، وننام لكي نرتاح، ونمشي لكي نصل إلى المقصود و...
الأساسية للعالم هي ذرّات صغيرة وغير محسوسة وغير قابلة للتجزئة والتحليل.
إنَّ نظرية ديمقريطس تشتمل على قسمين، قسم فلسفي وآخر فيزيائي، أمّا القسم الفيزيائي من نظرية ديمقريطس فيقرّر أنَّ ما يبدو لنا من اتّصال في الأجسام لا واقع له، بل هو مجموعة من الأجسام الصغيرة، التي لا ترى بالعين المجرّدة. أمّا الجانب الفلسفي من نظرية ديمقريطس فيقرّر: أنَّ الأجسام الصغيرة، بحكم عدم قابليتها على التجزئة والتحليل، فهي ليست مجموعة من المادة القابلة والصورة الجسمية الامتدادية، بل هي ذاتها المادة، والذرّات هي مادة مواد العالم.
اعترض الحكماء منذ أمدٍ بعيد على نظرية ديمريطس، خصوصاً الجانب الفلسفي منها، حيث رفضوه. وبحكم رفضهم للجانب الفلسفي أغفلوا الجانب العلمي منها ؛ واستمر الحال حتى القرن التاسع عشر، فوجدت نظرية ديمقريطس سنداً في الاكتشافات الحديثة، إذ اتّضح أنَّ الأجسام الحسية ليست وحدة متّصلة، بل هي مجموعة من الذرّات الصغيرة ذات الأبعاد الهندسية، التي يتألف منها الجسم. أفضى إحياء الجانب العلمي من نظرية ديمقريطس إلى ظهور أنصار محدثين لنظريته الفلسفية، ومن ثمّ طرحت فرضيته بأنَّ ذرّات ديمقريطس التي لا تقبل الانقسام هي مادة مواد
ولكن هل
(٧)
تتوفّر جميع أفعالنا الاختيارية على هذه السمة، رغم أنَّنا نمارس كثيراً من الأفعال الاختيارية عشوائياً، ولا نجد هدفاً وغاية لهذه الأفعال، نظير الألعاب وحركات الأطفال، ونظير الحركات العبثية بالرأس
العالم. وأطلق ( ماكسول ) على ذرّات ديمقريطس بأنَّها الحجرات الأُولى لعمارة الكون. لكن الأمر لم يدم طويلاً حتى اتّضح أنَّ تلك الذرّات بدورها تتألّف من ذرّات أصغر، والسؤال لا يزال حائراً: ما هي مادة مواد العالم ؟ ولا يزال الاعتقاد لدى بعض الباحثين قائماً في أنَّ الفلسفة وحدها كفيلة بتحديد مادة مواد العالم، وأنَّ هذه المهمة خارجة عن إطار العلم، ويَدّعون أنَّ الجزئيات الذرية ليست مادة المواد والمادة الأُولى، بل مادة المواد أمر آخر.
ومن بين النظريّات المطروحة بشأن مادة المواد نظرية المتكلّمين، وهي بدورها قد لفتت الأنظار إليها. لقد حسب المتكلّمون أنَّ الجسم يتألف من جواهر فَرِدة وأجزاءٍ حقيقية لا تتجزّأ. وذهبوا إلى أنَّ الأجزاء الأولية للجسم تمثل نواةً جوهرية، ليس لها أبعاد، والذهن ذاته لا يمكنه أن يفترض انقسامها، وهي في ذات الوقت تشغل حيزاً من المكان. وتفصيل هذه النظرية يأتي في المقالة العاشرة.
٧ ـ أشرنا إلى أنَّ موضوع تقسيم العلّة إلى العلل الأربع تقسيم طرحه أرسطو لأوّل مرّة، وقلنا إنَّ الفاعل إذا كان إنساناً أو شبيهاً بالإنسان، وكان الفعل من لون التصرّف في المادة الخارجية يصبح التصديق بالعلل الأربع وارداً. وتطرح هنا ثلاثة أسئلة بالنسبة إلى العلة الغائية، أحدها يرتبط بالإنسان ذاته، والآخر يرجع إلى الطبيعة الجامدة، والثالث يعود إلى مبدأ لكل وصانع الكل. أمّا السؤال الأوّل فهو أنَّ الإنسان يمارس إرادياً كثيراً من
والوجه واليد، التي نمارسها عادة، ونظير الأنفاس التي تستنشقها بدون فكر، وأمثالها ؟ وهل هناك غاية في مورد الأفعال غير الاختيارية، التي تقع في عالم الوجود وتحصل في جوهر الطبيعة، بدون أدنى درجات الإحساس ؟ وهل لإله العالم غاية في خلق العالم ؟ الإجابة على هذه الأسئلة الثلاث بالإيجاب، واليك إيضاح ذلك:
( ١ )
يمكن أن نضع اليد على الغاية والهدف في مورد الأفعال العبثية، من خلال قليل من التأمّل ؛ إذ ليست هناك ضرورة لأن تكون كل غاية غايةً اجتماعية، يحددها عقلاء المجتمع بفكر وروية تفصيلية. فالطفل بحكم طاقته الفائضة يتطلّب حركة كثيرة، ويلتذّ بهذه الحركة، وهذه بنفسها غاية. والأمر كذلك بالنسبة إلى عادتنا، التي نلتذ بممارستها بحكم رسوخ صورتها في خيالنا، وهذه بنفسها غاية. والأمر كذلك في أمثال الاستنشاق ورمشة العين، حيث نجد فيها راحة طبيعية، وهذه بنفسها غاية. على أنَّ
الأعمال العبثية، التي لا غاية من ورائها، نظير اللعب باللحية والأصابع، حيث لا فائدة ولا غاية لهذه الأفعال، إذن فكيف يمكن أن تكون جميع الأفعال الإرادية الإِنسانية مستهدفةً لغاية ؟ أمّا السؤال الثاني فكيف يمكن أن نتصوّر العلّة الغائية في الطبيعة الميّتة، أي التي لا إحساس ولا إدراك لها كما هو الحال في الجمادات والنباتات ؟ والسؤال الثالث فيما يتعلّق بالمبدأ الأوّل وصانع الكون فإنَّ أفعاله ليست من نوع التصرّف في المادة، بل جميع ما سواه من مادة وغير مادة هي فعله، وتسير وفق نظام محفوظٍ ومنسجم وهادف ؟ وقد أجاب المتن على هذه الأسئلة الثلاثة بشكل تفصيلي.
الأفعال الاختيارية تستلزم إحساساً وإرادة فقط، ولا تتطلّب فكراً تفصيلياً، كما هو الحال حينما نتكلّم، حيث نتكلّم باختيارنا دون أن نفكر في ترتيب الحروف في جملنا. إذن فكل الأفعال الاختيارية ذات غاية.
( ٢ )
كلّ غاية
(٨)
نتوخّاها من أفعالنا الاختيارية هي شيء نتطلّبه بغية
٨ ـ يرتبط هذا الموضوع بالسؤال الثاني، الذي طرحه المتن سابقاً، وهو: ( أنَّ جميع هذه الأفعال اللامتناهية، التي تقع في عالم الوجود، وتحصل في فلك الطبيعة، والتي لا نعثر على أدنى إحساس فيها، هل تستهدف هذه الأفعال غاية ؟ ) يصطلح على موضوع هذا السؤال قانون الغائية أو العلة الغائية، والسؤال في الواقع محاولة لكي يتعرّف الإنسان على أنَّ الطبيعة الجامدة تتابع في أفعالها هدفاً باستمرار، على غرار أفعاله هو أم لا ؟ إنَّ الجواب على هذا الاستفهام ليس يسيراً ؛ إذ يصعب على الإنسان أن يفسّر فعاليات الطبيعة الجامدة، على أساس الوصول إلى هدف والحصول على غاية هذا من زاوية، ومن زاوية أُخرى يلاحظ الإنسان انسجاما واتّساقاً بين أجزاء الطبيعة، ويرى أنَّ فعاليات الطبيعة تسير على الدوام، وفق نظام وانسجام، ونتيجة هذا الاتساق أهداف خاصة على الدوام، ولا يستطيع الإنسان القناعة بأنَّ هذا الانسجام والاتساق يتمّ دون هدف للطبيعة.
مضافاً إلى أنَّ الإنسان يلاحظ في بعض الموارد، أو في جميع الموارد أنَّ الطبيعة تتّجه في سيرها نحو التكامل، وهذا بذاته دليل على اتّجاه الطبيعة إلى هدف معين، وأنَّ مسيرتها بدءاً وانتهاءً تتجه نحو الوصول إلى هذا
إشباع حاجتنا الوجودية، فحينما نكون جوعى، نريد أكل الطعام لنشبع، وحينما نكون عطشى نطلب شرب الماء لنروى، وهكذا، أي أنَّنا ناقصون، ونتكامل بغاية أفعالنا، وبتعبير أوضح نقول: إنَّ نسبة الغاية لنا كفاعلين هي نسبة الكمال إلى النقص.
وعلى هذا الأساس، فنحن نطلب كمالنا ـ وفق قانون التكامل العام ـ، وعلى هذا الأساس أيضاً نمارس الأنشطة والفعاليات الوجودية، التي
الهدف.
انقسم الفلاسفة في مقام الإجابة على هذا الاستفهام إلى فريقين، فريق تبنّى الغائية، وفريق آخر أنكر الغائية. وأغلب الحكماء الإلهيين ينتصرون لنظرية الغائية، لكن الماديين عامة ينكرون هذه النظرية.
في ضوء تاريخ الفلسفة يعد ديمقريطس وامبادقليس من منكري العلّة الغائية، فقد ذهب ديمقريطس ـ مضافاً إلى نظريّته الذرية ـ إلى أنَّ العالم المتّسق بالفعل نشأ بشكل عشوائي، وأنَّ ذرّات العالم في حالة حركة تلقائية تجري كيفما اتّفق، وبتصادم الذرّات تكونت دوامات أو زوابع هائلة، ومن هذه الدوامات تكونت العوالم. على أنَّ ديمقريطس لم يكن منكراً للعلة الفاعلية والحتمية العلّية، بل أنكر العلّة الغائية. ولم يؤمن بالتلقائية والاتّفاق ـ كما جاء في نصوص القدماء ـ بشأن النبات والحيوان، بل أقر بالغائية فيهما.
أمّا امبادقليس فيفسّر اللاغائية في العالم بطريقة أُخرى. فقد ذهب إلى أنَّ العالم مكوّن من عناصر أولية بسيطة هي: الماء والهواء والتراب والنار وكل الموجودات تحصل جراء تركيب هذه العناصر الأربعة بشكلٍ تلقائي، أي بدون هدف، وكلّ مركب محكم البناء سوف يبقى، وسيفنى متزلزل البناء.
الفهرست
المقالة السابعة: الوجود وواقع الأشياء ٥
المقدّمة ٧
تمايز العلوم: ١٢
ما هو الموضوع ؟ ١٣
منطلقات مسائل العلوم " المبادئ التصوّرية والتصديقية ": ١٦
المبادئ الفلسفية: ١٨
منشأ اختلاف العلوم من زاوية الأُصول والمنهج: ٢٢
منهج الفلسفة: ٢٤
الوجود وواقع الأشياء ٢٥
أصالة الوجود والواقع. ٤٣
ملاحظات أو نتائج: ٥٥
وحدة الوجود: ٦٣
تباين وكثرة الوجودات: ٦٤
الكثرة في عين الوحدة والوحدة في عين الكثرة: ٦٧
المقالة الثامنة: ٩١
الضرورة والإمكان. ٩١
المقدّمة ٩٣
مفهوم الضرورة والإمكان: ٩٥
الضرورة والإمكان مفهومان عقليان وليسا حسّيين: ٩٧
هل هذا البحث بحث علمي أم فلسفي ؟ ٩٨
والجواب على الحجّة: ٩٩
منشأ الضرورة والإمكان: ١٠١
قانون العلّية: ١٠٣
( الحتمية العلّية ) ـ العِلّة تُعطي المعلولَ الضرورةَ: ١٠٤
حاجة المعلول إلى العلّة حدوثاً وبقاءً: ١٠٦
الضرورة بالذات وبالغير: ١٠٨
الضرورة الذاتية الفلسفية والضرورة الذاتية المنطقية: ١١٠
تفسير نظام الوجود: ١١٦
أصالة الوجود ( الضرورة والإمكان ): ١١٩
هل يُعدم الموجود ؟ ١٢٥
الضرورة والإمكان. ١٣٩
بيان آخر ١٤٣
إشكال. ١٤٦
الجواب.. ١٤٩
إشكال. ١٥٣
الجواب.. ١٥٤
إشكال. ١٦٠
الجواب.. ١٦٠
إشكال. ١٦٢
الجواب.. ١٦٣
إيضاح وتَذكير. ١٦٩
الملاحظة الأُولى. ١٧٢
الملاحظة الثانية ١٧٨
البحث الثاني: ١٨٨
الجواب.. ١٩٢
مقدّمات الأفعال الاختيارية: ١٩٨
هل مقدّمات الأفعال الاختيارية اختيارية أم لا ؟ ١٩٩
الجبر والتفويض من زاوية كلامية: ٢٠٤
الجبر والاختيار والوجدان: ٢٠٧
الجبر والاختيار والأخلاق: ٢١١
الأمر بين الأمرين من زاوية فلسفية وكلامية وأخلاقية: ٢١٤
بحث مع المادّيين: ٢١٥
المقالة التاسعة: ٢٢١
العلّة والمعلول. ٢٢١
العِلّة والمعلول. ٢٢٣
طريق آخر ٢٢٩
قانون العلّية: ٢٣٤
الحاجة إلى العلّة: ٢٣٧
إشكال. ٢٤١
الجواب.. ٢٤٢
إشكال. ٢٤٣
الجواب.. ٢٤٥
الدليل الحسي والاستقرائي: ٢٦٠
الدليل العقلي والقياسي: ٢٦٢
العلل الأربع. ٢٦٣
العلّة الفاعلية ٢٧٠
إشكال. ٢٧٩
الجواب.. ٢٨٧
العلّة المادية ٢٩٢
العلّة الصورية ٢٩٤
العلّة الغائية ٢٩٦
|