أهل البيت

تنوّع أدوار ووحدة هدف

تأليف

السيد محمّد باقر الصدررحمه‌الله

بسم اللّه الرحمن الرحيم

موقف الإمام عليعليه‌السلام السياسي بعد تسلّمه زمام الحكم -١-

١٩/ شهر رمضان / ١٣٨٨ هجري

هذه الليلة..... لذكرى ...

ذكرى أشأم ليلة بعد يوم توفي فيه رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله فاليوم الذي توفي فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان اليوم الذي خلّف فيه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله تجربته الإسلامية في مهبّ القدر ، في رحبة المؤامرات التي أتَت عليها بعد برهة من الزمَن ، واليوم الذي اغتيل فيه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، كان اليوم الذي قضى على آخر أمله في إعادة خطّ تلك التجربة الصحيحة ، هذا الأمل الذي كان لا يزال يعيش في نفوس المسلمين الواعين متجسّداً في شخص هذا الرجل العظيم ، الذي عاش منذ اللحظة الأولى همومَ الدعوة وآلامها ، و اكتوى بنارها و شارك في بنائها لبنةً لبنة..... وأقام صرحها مع أُستاذهصلى‌الله‌عليه‌وآله مِدماكاً فوق مِدماك .

هذا الرجل الذي كان يعبّر عن كلّ هذه المراحل بكلّ همومها.... ومشاكلها وآلامها....

هذا الرجل هو الذي كان يمثّل هذا الأمل الوحيد الذي بقيَ للمسلمين الواعين ، في أنْ تسترجع التجربة خطّها الواضح الصريح وأُسلوبها النبوي المستقيم.... حيث إنّ الانحراف في أعماق هذه التجربة كان قد طغى وتجبّر واتسع ، بحيث لم يكن هناك أيّ أمل في أنْ يَقهر هذا الانحراف.... اللهم إلاّ على يد رجلٍ واحد كعليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ولهذا كانت حادثة اغتيال هذا الإمام العظيم.... حينما خرّ صريعاً في مثل هذه الليلة تقويضاً حقيقياً لآخر

أمل حقيقي في قيام مجتمعٍ إسلامي صحيح على وجه الأرض إلى يومٍ غير معلوم ، وأجل غير محدود .

كان هذا الاغتيال المشؤوم عقيب حكم مارسه الإمامعليه‌السلام طيلة أربَع أو خمس سنوات تقريباً ، حيث بدأ منذ اللحظة الأُولى لتسلّم زمام الحكم عقلية التغيير الحقيقية في كيان هذه التجربة المنحرفة ، وواصَل سعيه في سبيل إنجاح عملية التغيير واستشهد وخرّ صريعاً بالمسجد وهو في قمة هذه المحاولة ، أو في آخر محاولة إنجاح عملية التغيير وتصفية الانحراف الذي كان قد ترسّخ في جسم المجتمع الإسلامي متمثّلاً في معسكر منفصل عن الدولة الإسلامية الأُمّ .

والظاهرة الواضحة في هذه الأربع أو الخمس سنوات التي مارس فيها الإمامعليه‌السلام عملية الحكم ، هي وإلى أنْ خرّ صريعاً في سبيل إقامة عدل الله على الأرض ، كان غير مستعدٍّ بأيّ شكلٍ من الأشكال وفي أيّ صيغةٍ من الصيَغ لتقبّل أنصاف الحلول بالنسبة إلى تصفية هذا الانحراف ، أو لتقبّل أي معنىً من معاني المساومة أو المعاملة على حساب هذه الأُمّة التي كان يرى بكلّ حرقة وألَم أنّها تهدر كرامتها وتُباع بأرخَص ثمَن.

هذه الظاهرة تسترعي الانتباه سياسياً من ناحية ، وتسترعي الانتباه فقهياً من ناحية أُخرى :

- أمّا من الناحية السياسية فقد استرعت انتباه أشخاص معاصرين للإمامعليه‌السلام واسترعت انتباه أشخاص حاولوا أنْ يُحلّلوا ويدرسوا حياة الإمامعليه‌السلام .

فقد لوحظ على الإمام عليه أفضل الصلاة والسلام : أنّ عدم تقبّله بأيّ شكل من الأشكال لهذه المساومات وأنصاف الحلول كأن يُعَقّدُ عليه الموقف ، ويثير أمامه الصعاب ويرسّخ المشاكل ويجعله عاجزاً عن مواجهته لمهمّته السياسية ، والمضيّ بخطّ تجربته إلى حيث يريد .

فمثلاً : ذاك الشخص الذي جاء إليه بعقلية هذه المساومات واقترح عليه أنْ يُبقي معاوية بن أبي سفيان والياً على الشام برهةً من الزمن قائلاً : إنّ بإمكانك إبقاء معاوية والياً على الشام برهةً من الزمن وهو في هذه الحالة سوف

يخضع ويُبايع وبعد هذا يكون بإمكانك استبداله أو تغييره بأيّ شخصٍ آخر ، بعد أنْ تكون قد استقطبت كل أطراف الدولة وقد تمّت لك البيعة والطاعة في كل أرجاء العالم الإسلامي ، فاشترِ بإبقاء هذا الوالي أو ذلك الوالي ، هذا الحاكم أو ذلك الحاكم ، بإبقاء هذه الثروات المحرّمة في جيب هذا السارق أو في جيب ذلك السارق برهة من الزمن ، ثمّ بعد هذا يمكنك أنْ تصفّي كل هؤلاء الولاة الفجَرة وترجع كل هذه الثروات المحرّمة إلى بيت المال .

فالإمامعليه‌السلام في جواب هذا الشخص ، رفَض هذا المنطق واستمرّ في خطّه السياسي يرفض كلّ مساومة ومعاملة من هذا القبيل ، ومن هنا قال معاصروه ، وقال غير معاصريه أنّه كان بإمكانه أنْ يُسجّل نجاحاً كبيراً ، وأنْ يُحقّق توفيقاً من الناحية السياسية أكثر ، لو أنّه قبِل أنصاف الحلول ، ولو أنّه مارس هذا النوع من المساومات ولو بشكلٍ مؤقت .

- أمّا من الناحية الفقهية فهيَ ناحية التزاحم ، الفقه يقول : بأنّه إذا توقّف واجبٌ أهم على مقدّمة محرّمة فلا بدّ من الحفاظ على ذلك الواجب الأهم ، وفي سبيل حرمة المقدّمة لا يجوز تبرير ترك الواجب الأهم حينما يُقال ذلك ، إذا توقّف إنقاذ نفسٍ محترمة من الغرَق على اجتياز أرضٍ مغصوبة لا يرضى صاحبُها باجتيازها ، فلا بدّ من اجتيازها حيث تسقط هنا حرية هذا المالك وعدم رضاه ؛ لأنّ النتيجة أهمّ من هذه المقدّمة ، كما فعَل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في بعض غزواته مثالاً مشابهاً لهذا المثال ، حيث كان الجيش الإسلامي مضطراً إلى الخروج من المدينة عن طريقٍ معيّن ، وهذا الطريق كان فيه مزرعة لأحد الصحابة ، وكان لا بدّ للجيش حينما يمرّ على هذه المزرعة وبحكم طبيعة مروره كجيش من أنْ يتلف كثيراً من محاصيل هذه المزرعة ويصيبها بأضرار ، فصاحب المزرعة ما هان عليه أنْ يقدّم هذه الأضرار في سبيل الله وفي سبيل الرسالة.... احتجّ على ذلك وصرَخ ثمّ جاء إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : مزرعتي ومالي ، فلَم يُجبه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله واصدر أوامره إلى الجيش ، فمشى في هذه المزرعة حتى لم يبقَ في هذه المزرعة شيء ممّا كان يَخاف تلفه صاحب المزرعة إلاّ وتلَف.

كل ذلك لأنّ النتيجة كانت أهمّ من المقدّمة كان هذا الجيش يسير لأجل

أنْ يغيّر وجه الدنيا ولأجل تغيير وجه الدنيا إذا تلفت مزرعة ، إذا ضاعت هناك ثروة صغيرة لشخص ، في سبيل أنْ يحفظ مقياس توزيع الثروات في العالم على الخطّ الطويل الطويل ، فهذا أمرٌ صحيحٌ ومعقول من الناحية الفقهية ، فمن الناحية الفقهية دائماً يُقرّر أنّ الواجب إذا توقّف على مقدّمة محرّمة وكان ملاك الواجب أقوى من ملاك الحرمة : فلا بدّ أنْ يقدَّم الواجب على الحرام .

وعلى هذا الضوء حينئذٍ تُثار هذه القضية في هذه الظاهرة التي استوضحناها في حياة أمير المؤمنينعليه‌السلام كحاكم .

وهي أنّه لماذا لم يطبّق هذه القاعدة في سبيل استباحة كثير من المقدّمات المحرّمة ، أليس إجماع الرأي عليه ، ألَيس تملّكه زمام قيادة مجتمع إسلامي ، ألَيس هذا أمراً واجباً محقِّقاً لمكسبٍ إسلامي كبير ؛ لأنّه هو الذي سوف يفتح أبواب الخيرات والبرَكات ويقيم حكومة الله على الأرض ؟؟؟

إذن فلماذا في سبيل تحقيق هذا الهدَف إذا توقّف هذا الهدف على مقدّمة محرّمة ، من قبيل إمضاء ولاية معاوية بن أبي سفيان برهة من الزمن ، أو إمضاء الأموال المحرّمة التي نهبها آل أُميّة ، أو غيرهم من الأُسَر التي وزّع عليها عثمان بن عفّان أموال المسلمين.... ؟؟

لماذا لا يكون السكوت مؤقّتاً عن غير هذا النهب والسلب مقدّمة للواجب الأهم ؟ .

ولماذا لا يكون جائزاً حينئذٍ على أساس توقّف الواجب الأهم على ذلك... ؟؟

الواقع هو أنّ الإمامعليه‌السلام كان لا بدّ له أنْ ينهج هذا الطريق ، ولم يكن بإمكانه ، كقائد رسالي يمثّل الإسلام وأهدافه ، لم يكن بإمكانه أنْ يقبل هذه المساومات وأنصاف الحلول ولو كمقدّمة ، وليس قانون باب التزاحم الفقهي هنا صالحاً للانطباق على موقف أمير المؤمنينعليه‌السلام وذلك بعد أخذ النقاط التالية بعين الاعتبار :

النقطة الأُولى : إنّه لا بدّ وأنْ يلحظ في المقام أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام كان

يريد أنْ يرسّخ قاعدة سلطانه في قطرٍ جديد من أقطار العالم الإسلامي وهذا القطر هو العراق .

وكان شعب العراق وأبناء العراق مرتبطين روحياً وعاطفياً مع الإمامعليه‌السلام ، ولكن لم يكن شعب العراق ولا أبناء العراق يعون رسالة عليّعليه‌السلام وعياً حقيقياً كاملاً ، ولهذا كان الإمام بحاجة إلى أنْ يبني تلك الطليعة العقائدية ، ذلك الجيش العقائدي الذي يكون أميناً على الرسالة وأميناً على الأهداف ، وساعداً له ومنطلقاً بالنسبة إلى ترسيخ هذه الأهداف في كل إرجاء العالم الإسلامي .

والإمامعليه‌السلام لم يكن يملك هذه القاعدة ، بل كان بحاجة إلى أنْ يبنيها ، إذن كيف يبني هذه القاعدة ؟

هل يمكن أنْ يبني هذه القاعدة في جوٍ من المساومات وأنصاف الحلول ؟ حتى لو كانت هذه المساومات وأنصاف الحلول جائزة شرعاً إلاّ أنّ جوازها الشرعي لا يؤثّر في هذه الحقيقة النفسية الواقعية شيئاً ، وهي أنّ شخصاً لا يمكن أنْ يعيش في جو من المساومات وأنصاف الحلول فيكتسب روحية أبي ذر ، أو يكتسب روحية عمار بن ياسر ، روحية الجيش العقائدي الواعي البصير ، بأنّ المعركة ليست للذات وإنّما هي للأهداف الكبيرة التي هي أكبر من الذات .

هذه الروحية لا يمكن أنْ تنمو ولا يمكن لعليّعليه‌السلام أنْ يخلقها في مَن حوله في حاشيته وفي أوساطه وقواعده الشعبية ، في جوٍ من المشاحنات والمساومات وأنصاف الحلول حتى لو كانت جائزة أنّ جوازها لا يُغير مِن ملدلوها التربوي شيئاً ، ولا من دورها في تكوين نفسيّة هذا الشخص بأيّ شكلٍ من الأشكال...

إذن فالإمامعليه‌السلام كان أمامه حاجة ملحّة حقيقية في بناء دولته ، إلى قاعدة شعبية واعية يعتمد عليها في ترسيخ الأهداف في النطاق الأوسع ، وهذه القاعدة الشعبية لم تكن جاهزة له حينما تسلّم زمام الحكم حتى يستطيع أنْ يتّفق معها .

على أنّ هذه المساومات وأنصاف الحلول أنّها ضرورات استثنائية لا توجب

الانحراف عن ذلك الخطّ أنّما كان على عليّعليه‌السلام أنْ يبني ذلك الجيش العقادي ، كان على عليّعليه‌السلام أنْ ينتزع الخيّر الخيّر الطيّب الطيّب من جماعته وحاشيته العراقيّين ؛ لكي يشكّل منهم كتلةً واعية من قبيل مالك الأشتر وغيره ، وهؤلاء لم يكن بالإمكان ممارسة بناء نفسي وروحي وفكري وعاطفي حقيقي لهم في جوٍ مليء بالمساومات وأنصاف الحلول... كانت المساومات وأنصاف الحلول نكسةً بالنسبة إلى عملية التربية لهذا الجيش العقائدي ، وكان فقدان هذا الجيش العقائدي يعني فقدان القوّة الحقيقية التي يعتمد عليها الإمامعليه‌السلام في بناء دولته ؛ لأنّ أيَّ دولة عقائدية بحاجة إلى طليعة عقائدية تستشعر بشكلٍ معمّق وموسّع أهداف الدولة وواقع أهمّيتها وضرورتها التاريخية .

ولهذا كان لا بدّ من الحفاظ على صفاء وطُهر عملية التربية لبناء هذا الجيش العقائدي ، كان لا بدّ لآلاف من مالك الأشتر أنْ يشهدوا إنساناً لا تزعزعه المغريات ولا يتنازل إلى أيّ نوع من أنواع المساومات حتى يستطيعوا من خلال حياة هذا الرجل العظيم أنْ يتبيّنوا المدلول الرسالي الكامل لأطروحته الأبعاد الواسعة للصيغة الإسلامية للحياة إذن فكان على عليّعليه‌السلام لأجل ممارسة عملية التربية لبناء هذا الجيش العقائدي كان لا بدّ له أنْ يترفّع عن هذه المساومات والحلول الوسط ؛ لكي يستطيع أنْ يخلق ذلك الجو الرفيع نفسياً وفكرياً وروحياً والذي سوف ينشأ في داخله وفي أعماقه... جيل يستطيع أنْ يحتضن أهداف أمير المؤمنينعليه‌السلام ويضحّي من أجلها في حياته وبعد وفاته ...

النقطة الثانية : لا بدّ من الالتفات أيضاً إلى أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام جاء في أعقاب ثورة ، ولم يجئ في حالة اعتيادية ، ومعنى ذلك أنّ البقية الباقية من العواطف السلامية ، كل هذه العواطف تجمّعت ، ثمّ ضغطت ، ثمّ انفجرت في لحظة ارتفاع... وماذا ينتظر القائد الرسالي غير لحظة ارتفاع في حياة أُمّة ، لكي يستطيع أنْ يستثمر هذه اللحظة في سبيل إعادة هذه الأُمّة إلى سيرها الطبيعي ...

كان لا بدّ للإمامعليه‌السلام أنْ يستثمر لحظة الارتفاع الثورية هذه ؛ لأنّ المزاج النفسي والروحي وقتئذ لشعوب العالم الإسلامي ، لم يكن ذاك المزاج الاعتيادي الهادئ الساكن لكي يمشي حسَب مخطّط تدريجي ، وإنّما كان هو

المزاج الثوري الذي استطاع أنْ يرتفع إلى مستوى قتل الحاكم والإطاحة به ؛ لأنّه انحرَف عن كتاب الله وسنّة نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، إذن هذا الارتفاع الذي وجد في لحظة في حياة الأُمّة الإسلامية ، لم يكن من الهيّن إعادته وبعد ذلك كان لا بدّ للحاكم الذي يستلم زمام المسؤولية في مثل هذه اللحظة أنْ يعمّق هذه اللحظة أنْ يمدّد هذه اللحظة ، أنْ يرسّخ المضمون العاطفي والنفسي في هذه اللحظة ، عن طريق هذه الإجراءات الثورية التي قام بها أمير المؤمنين ..

لو أنّ الإمام عليّعليه‌السلام أبقى الباطل مؤقّتاً وأمضى التصرّفات الكيفية التي قام بها الحكّام من قبل ، لو أنّه سكت عن معاوية وسكَت عن أحزاب أُخرى مشابهة لمعاوية بن أبي سفيان ، إذن لهدَأت العاصفة ولانكمش هذا التيّار العاطفي النفسي ، وبعد انكماش هذا التيار العاطفي وهدوء تلك العاصفة سوف لنْ يكون بمقدور الإمامعليه‌السلام أنْ يقوم بمثل هذه الإجراءات .

النقطة الثالثة : ولا بدّ أيضاً من الالتفات إلى نقطة هي : إنّ الإمامعليه‌السلام ، كان حريصاً على أنْ تدرك الأُمّة كأمّة أنّ واقع المعركة بينهعليه‌السلام وبين خصومه ، بينه وبين معاوية ليست معركة بين شخصين ، بين قائدين ، بين قبيلتين ، وإنما هي معركة بين الإسلام والجاهلية .

كان حريصاً على أنْ يفهم الناس أنّ واقع المعركة هو واقع المعركة بين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله والجاهلية التي حاربته في بدرٍ وأُحد ، وغيرهما من الغزَوات وكان هذا الحرص سوف يُمنى بنكسةٍ كبيرة لو أنّهعليه‌السلام أقرّ معاوية ، وأقرّ مخلّفات عثمان السياسية والمالية ، لو أنّه أقرّ هذه المخلّفات ولو إلى برهةٍ من الزمن إذن لترسّخ في أذهان الناس ، وفي أذهان المسلمين بشكلٍ عام شكٌ في أنّ القضية ليست قضيّة رسالية وإنّما هي قضية أهداف حكم ، إذاً انسجمت مع واقع هذه المخلّفات فتلغي هذه المخلّفات ذلك الشكّ الذي نما عند الأُمّة في أمير المؤمنينعليه‌السلام بالرغم من أنّه لم يكن يوجد له أيّ مبرّر موضوعي ، وإنّما المبرّر كانت له مبرّراته الذاتية بالرغم من أنّه لم يكن يوجد أي مبرّر موضوعي للشكّ ، وبالرغم من أنّ المبرّر الوحيد للشكّ كان مبرّراً ذاتياً وبالرغم من هذا استفحل هذا الشك وقرّر ، وامتحن هذا الإمام العظيمعليه‌السلام بهذا الشك ومات واستشهد والأُمّة شاكّة... ثمّ استسلمت الأُمّة بعد هذا وتحوّلت إلى

كتلة هامدة بين يدَي الإمام الحسنعليه‌السلام هذا كلّه بالرغم من أنّ الشك لم يكن له مبّرر موضوعي ، فكيف إذا افترضنا أنّ الشك وجدت له مبرّرات موضوعية بحسَب الصورة الشكلية ؟! .

كيف لو أنّ المسلمين رأوا أنّ عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام الذي هو رمز الأُطروحة ورمز الأهداف الرسالية ، هذا الشخص يساوم ويعمل ويبيع الأُمة ولو مؤقّتاً مع خيار الفسخ .

كيف يمكن للأُمّة أنْ تدرك الفرق بين بيع بلا خيار الفسخ وبين بيع يكون فيه خيار الفسخ ، إنّ البيع على أيّ حال طبيعته هو البيع وأمير المؤمنينعليه‌السلام كانت مهمّته الكبرى هي أنْ يحافظ على وجود الأُمّة ، على أنْ لا تتنازل الأُمّة عن وجودها .

الأُمّة التي قالت لعمر بن الخطّاب ، لأكبر خليفة تولّى الحكم بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إذا انحرفت عمّا نعرف من أحكام الله وسنّة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله نقوِّمك بسيوفنا ، هذه الأُمّة التي قالت هذه الكلمة بكلّ شجاعة لأكبر خليفة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كانت قد بدَأت تتنازل عن وجودها ، أو بتعبير آخر كانت هناك مؤامرات عليها لكي تتنازل عن وجودها ، وكان على عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام أنْ يحافظ على هذه الأمّة ، ويحصنّها ضدّ أنْ تتنازل عن وجودها ، عملية التنازل عن الوجود كان يمثّلها معاوية بن أبي سفيان ، وجذور معاوية في تاريخ الإسلام ، هذا الذي عبّر عنه وقتئذ ، بأنّ الإسلام أصبح هرقلية وكسرَوية ، الهرقلية والكسرَوية كان يُكنّى بها عن تنازل الأمّة عن وجودها ، يعني تحوّلت التجربة الإسلامية من أُمّة تحمل رسالة إلى مُلك وسُلطان ، يحمل هذه الرسالة بمستوى وعيه لهذه الرسالة وإخلاصه لهذه الرسالة سلباً وإيجاباً ، هذه المؤامرة الكبيرة التي نجَحت بعد هذا والتي توجّت بكلّ المآسي والمحَن والكوارث التي كانت ولا تزال إلى يومنا هذا ، هي نتيجة تنازل الأُمّة عن وجودها ، نتيجة خداع الأمّة ، وتحجيمها أو الضغط عليها حتى تنازلت عن وجودها في عقدٍ لا يقبل الفسخ ...

أمير المؤمنينعليه‌السلام كان يريد وقد أدرك الأُمّة في اللحظات الأخيرة من وجودها المستقل ، أنْ يمدّد هذا الوجود المستقل أن يشعر الأُمّة بأنّها ليست

سلعةٌ تباع وتشترى ، أنّها ليست شيئاً يساوم عليها ، إذن كيف يُشعرها بأنّها ليست سلعة تُباع وتشترى ، إذا كان هو يبيعها ويشتريها ، ولو في عقود قابلة للفسخ ؟

كيف يستطيع أنْ يشعر الأُمّة بأنّها لا تباع ولا تشترى ، ليست وفق رغَبات السلاطين وليستْ وِفق رغَبات الحكّام ، وإنّما تمثّل خلافة الله في الأرض ، لأجل أنْ تحقّق أهداف هذه الخلافة في الأرض .

كيف يُمكن أنْ يُفهم الأُمّة ذلك إذا كان هو يبيع قطاعات من هذه الأُمّة ، لحكّام فجَرة من قبيل معاوية بن أبي سفيان ، في سبيل أنْ يسترجع هذه القطاعات بعد ذلك ؟

بطبيعة الحال كان هذا معناه مواكبة المؤامرة التي كان روح العصر يتفجّر أو يتمخّض عن مثلها ، والتي كان أمير المؤمنينعليه‌السلام واقفاً لأجل أنْ يحبطها ويُنقذ الأُمّة منها ، وحينئذٍ لا يُمكن بحالٍ من الأحوال أنْ نفترض أنّ الإمامعليه‌السلام يُساهم في حبْك هذه المؤامرة .

النقطة الرابعة والأخيرة : هي أنّ عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام لم يكن يتعامل مع الفترة الزمنية القصيرة التي عاشها فقط ، وإنّما كان يحمل هدفاً أكبر من ذلك أمير المؤمنينعليه‌السلام كان يحسّ بأنّه قد أدرَك المريض وهو في آخر مرَضه ، قد أدركه حيث لا ينفع العلاج ولكنّه كان يُفكّر في أبعاد أطوَل وأوسَع للمعركة .

لم يكن يُفكّر فقط في الفترة الزمنية التي عاشها وإنّما كان يفكّر على مستوىً آخر أوسَع وأعمَق ، هذا المستوى يعني أنّ الإسلام كان بحاجة إلى أنْ تُقدّم له في خضمّ الانحراف بين يدَي الأُمّة أطروحةً واضحة صريحة نقيّة ، لا شائبة فيها ولا غموض ، لا التواء فيها ولا تعقيد ، لا مساومة فيها ولا نفاق ولا تدجيل .

لماذا.. ؟ لأنّ الأمّة كُتب عليها أنْ تعيش الحكم الإسلامي المنحرف منذ نجحت السقيفة في أهدافها ، إذن فالإسلام الذي تعطيه السقيفة امتدادها التاريخي ، هذا الإسلام إسلامٌ مشوّه ممسوخ ، إسلام لا يحفظ الصلة العاطفية فضلاً عن الفكرية بين الأمّة ككل وبين الرسالة ، بين أشرَف رسالات السماء وأشرف

أُمم الأرض لا يمكن أنْ يحفظ هذه الصلة العاطفية والروحية ، بين الأمّة الإسلامية وبين الإسلام على أساس هذا الإسلام المُعطى لهارون الرشيد ، ولمعاوية بن أبي سفيان ، ولعبد الملك بن مروان ، هذا الإسلام لا يمكن أنْ يحفظ هذه الصلة فكان لا بدّ لحفظ هذه الصلة بين جماهير الأمّة الإسلامية وبين هذه الرسالة ، من إعطاء صورة واضحة محدودة للإسلام ، وهذه الصورة أُعطيت نظرياً على مستوى ثقافة أهل البيتعليه‌السلام ، وأعطيت عملياً على مستوى تجربة الإمامعليه‌السلام ، فكان الإمامعليه‌السلام في تأكيده على العناوين الأولية في التشريع الإسلامي ، وفي تأكيده على الخطوط الرئيسية في الصيغة الإسلامية للحياة كان في هذا يريد أنْ يُقوّم المنهاج الإسلامي واضحاً غير ملوّث بلَوثة الانحراف التي كُتبت على تاريخ الإسلام مدّةً طويلة من الزمن ، وكان لا بدّ لكي يتحقّق هذا الهدف من أنْ يُعطي هذه التجربة بهذا النوع من الصفاء والنقاء والوضوح دون أنْ يعمل ما أسميناه بقوانين باب التزاحم ...

وهكذا كان وظلّ الإمامعليه‌السلام صامداً مواجهاً لكلِّ المؤامرات التي كانت الأمّة تُساهم في صنعها ، وفي حياكتها على أساس جهلها وعدَم وعيَها وعدَم شعورها بالدور الحقيقي ، الذي يمارسهعليه‌السلام في سبيل حماية وجودها من الضياع ، وحماية كرامتها من أنْ تتحوّل إلى سلعةٍ تُباع وتُشترى ، حتى خرّ صريعاً على يد شخصٍ من هذه الأمّة التي ضحّى في سبيلها... خرّ صريعاً في المسجد فقال :

( فُزْتُ وربِّ الكعبة )

لنحاسب عليّاً وهو في آخر لحظة من لحظات حياتهعليه‌السلام حينما قال :( فزت ورب الكعبة ) .

هل كان علي أسعد إنسان أو أتعس إنسان ؟

هنا مقياسان :

فتارة نقيس علياًعليه‌السلام بمقياس الدنيا .

وأُخرى نقيس عليّاً بمقاييس الله سُبحانه وتعالى ...

لو كان قد عمَل كل عمله للدنيا ، لنفسه ، فهو أتعَس إنسان ومَن

أتعَس من عليٍّعليه‌السلام الذي بنى كلّ ما بنى وأقام كل ما أقام ، من صرحٍ ثمّ حُرِم من كلِّ هذا البناء ومن كلّ هذه الصروح ؟

هذا الإسلام الشامخ العظيم الذي يأكل الدنيا شرقاً وغرباً ، هذا الإسلام بُنِي بدَمِ عليّعليه‌السلام ، بُني بخفقات قلب عليّعليه‌السلام بُني بآلام عليّعليه‌السلام ، بُني بنار عليّعليه‌السلام ، كان عليّ هو شريكُ البناء بكلّ مِحَن هذا البناء بكلّ آلام هذا البناء وفي كلّ مآسي هذا البناء ، أي لحظة محرجة وجدَت بتاريخ هذا البناء لم يكن عليّعليه‌السلام هو الإنسان الوحيد الذي يتّجه إليه نظَرُ البنّاء الأوّلصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ونظر المسلمين جميعاً لأجل إنقاذ عملية البناء ؟ إذن فعليٌّعليه‌السلام كان هو المضحّي دائماً في سبيل هذا البناء ، هو الشخص الذي أعطى ولم يبخل ، الذي ضحّى ولم يتردّد الذي كان يضّع دمَه على كفّه في كل غزوةٍ في كل معركةٍ ، في كل تصعيدٍ جديد لهذا العمل الإسلامي الراسخ العظيم ..

إذن شُيّدت كلّ هذه المنابر بيد عليّعليه‌السلام واتّسعت أرجاء هذه المملكة بسيف عليّعليه‌السلام .

جهاد عليّ كان هو القاعدة لقيام هذه الدولة الواسعة الأطراف ، لكن ماذا حصّل عليّعليه‌السلام من كلّ هذا البناء في مقاييس الدنيا ، إذا اعتمدنا مقاييس الدنيا ؟

لو كان عليّعليه‌السلام يعمل لنفسِه فماذا حصّل عليّعليه‌السلام من كلّ هذه التضحيات ، من كلّ هذه البطولات ؟ ماذا حصّل غير الحرمان الطويل الطويل ، غير الإقصاء عن حقّه الطبيعي بقطْع النظَر عن نصٍّ أو تعيينٍ مِن الله سُبحانه وتعالى ؟ كان حقّه الطبيعي أنْ يحكم بعد أنْ يموت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ لأنّه الشخص الثاني عطاءً للدعوة وتضحيةً في سبيلها .

أُقصيَ من حقّه الطبيعي ، قاسى ألوان الحِرمان ، أُنكِرَت عليه كلَّ امتيازاته ، معاوية بن أبي سفيان هو الذي يقول لمحمّد بن أبي بكر ، كان عليٌّ كالنجم في السماء في أيّام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولكنّ أباك والفاروق ابتزّا حقّه وأخذا أمره ، وبعد هذا نحن شعرنا أنّ بإمكاننا أنْ ندخل في ميدان المساومة مع هذا الرجل ، ويقول عن نفسه ، يُحدّث عن مقامه في أيّام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكيف أخَذ المقام هذا يتنازل بالتدريج نتيجةً لمؤامرات الحاكمين عليه ، حتى قيل عليّ ومعاوية .

إذن ، فعليّعليه‌السلام حينما واجهه عبد الرحمان بن مُلجم بتلك الضربة القاتلة على رأسه الشريف ، كان ماضيه كلّه ماضي حرمان وألَم وخسارة لم يكن قد حصل على شيء منه ، لكن الأشخاص الذي حصلوا على شيءٍ عظيم من هذا البناء هم أُولئك الذي لم يُساهموا في هذا البناء ، هم أُولئك الذين كانوا على استعدادٍ دائمٍ للتنازل عن مستوى هذا البناء في أيّة لحظة من اللحظات ، أُولئك حصلوا على مكاسبٍ عريضة من هذا البناء ، أمّا هذا الإمام الممتَحن الذي لم يفرّ لحظةً ، الذي لم يتلكّأ في أيّ آن ، الذي لم يتلعثَم في قولٍ أو عمَل ، هذا الإمام العظيم لم يحصَل على أيّ مكسَبٍ من هذا البناء بأيٍّ شكل من الأشكال ، انظروا أنّ هذه الحادثة يُمكن أنْ تُفجّر قلب الإنسان ، وأمّا الإنسان غير العامل ، حينما ينظر في حالِ عاملٍ على هذا الترتيب يتفجّر قلبه ألماً لحال هذا العامل المسكين ، لحال هذا العامل التعيس ، الذي بنى فغيّر الدنيا ثمّ لم يستفِد من هذا التغيير ، ثمّ تعالوا انظروا إلى المستقبل الذي ينظره الإمام عليّعليه‌السلام بعين الغيب هذا ماضيه ، فماذا عن مستقبله ؟

كان يرى بعين الغيب أنّ عدوّه اللدود سوف يطأ منبره ، سوف يطأ مسجده ، سوف ينتهك كل الحرمات والكرامات التي ضحّى وجاهد في سبيلها ، سوف يستقل بهذه المنابر التي شُيّدت بجهاده وجهوده ودمه ، سوف يستغلّها في لعنه وسبّه عشَرات السنين ، هو الذي كان يقول لبعض الخُلّص من أصحابه أنّه سوف يُعرض عليكم سبّي ولعني والبراءة منّي ، أمّا السب فسبّوني وأمّا البراءة منّي فلا تتبرّؤوا منّي .

إذن فهو كان ينظر بعين الغيب إلى المستقبل بهذه النظرة لم يكن يرى في المستقبل نوعاً من التكذيب يتدارك به هذا الحرمان ، الأجيال التي سوف تأتي بعد أنْ يفارق الدنيا ، كانت ضحيّة مؤامرة أمويّة جعلتها لا تدرك أبداً دور الإمام عليّعليه‌السلام في بناء الإسلام .

هذا هو حرمان الماضي وهذا هو حرمان المستقبل .

وبالرغم من كل هذا قالعليه‌السلام :( فُزت وربّ الكعبة ) ، حينما أدرك أنّها اللحظة الأخيرة وأنّه انتهى خطّ جهاده وهو في قمّة جهاده وانتهى خطّ محنته

وهو في قمّة صلاته وعبادته قال :( فزت ورب الكعبة ) ؛ لأنّه لم يكن إنسان الدنيا ولو كان إنسان الدنيا لكان أتعس إنسان على الإطلاق ، لو كان إنسان الدنيا لكان قلبه يتفجّر ألَماً وكان قلبه ينفجر حسرةً ولكنّه لم يكن إنسان الدنيا ، لو كان إنسان الدنيا فسوف يندم ندَماً لا ينفعه معه شيء ؛ لأنّه بنى شيئاً انقلب عليه ليحطّمه ، أيّ شيء يُمكن أنْ ينفع هذا الشخص ؟

إذا فرضنا أنّ شخصاً أراد أنْ يربّي شخصاً آخر لكي يخدمه ، فلمّا ربّى ذاك الشخص ونمى واكتمل رُشده جاء ليقتله ، ماذا ينفع هذا الشخص ندَمه غير أنْ يموت ؟

هذا الرجل العظيم قال :( فزت ورب الكعبة ) ، كان أسعَد إنسان ولم يكن أشقى إنسان ؛ لأنّه كان يعيش لهدَفه ، ولم يكن يعيش للدنيا ، كان يعيش لهدفه ولم يكن يعيش لمكاسبه ولم يتردّد لحظةً وهو في قمّة هذه المآسي والمحَن ، في صحّة ماضيه ، وفي صحّة حاضره ، وفي أنّه أدّى دوره الذي كان يجب عليه .

هذه هي العِبرة التي يجب أنْ نأخذها .

نحن يجب أنْ نستشعر دائماً أنّ السعادة في عمل العامل لا تنبَع من المكاسب التي تعود إليه نتيجة لهذا العمل .

يجب أنْ لا نُقِّيم سعادة العامل على أساس كهذا ؛ لأنّنا لو قيّمناه على هذا الأساس فقد يكون حظّنا كحظّ هذا الإمام الذي بنى إسلاماً ووجّه أُمّةً ، ثمّ بعد هذا انقلبت عليه هذه الأُمّة لتلعنه على المنابر ألف شهر .

نحن يجب أنْ لا نجعل مقياس سعادة العامل في عمله هو المكاسب والفوائد التي تنجم عن هذا العمل ، وإنّما رِضى الله سُبحانه وتعالى وإنّما حقّانية العمل ، كون العمل حقّاً وكفى ، وحينئذٍ سوف نكون سُعداء سَواء أثّر عملنا أم لم يؤثّر ، سَواء قدّر الناس عملَنا أم لم يقدّروا ، سَواء رمَونا باللعن أم بالحجارة .

على أيّ حال سوف نستقبل الله سُبحانه وتعالى ونحن سُعداء ؛ لأنّنا أدّينا حقّنا وواجبنا وهناك مَنلا يُغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلاّ أحصاها ، لئن ضيّع هؤلاء السعادة ولئن ضيّعوا فهمَهم ، ولئن استولى عليهم الغَباء فخلطوا بين عليّعليه‌السلام ومعاوية ، لئن انصرفوا عن عليّ وهم في قمة الحاجة إليه فهناك من

لا يختلط عليه الحال ، مَن يُميّز بين عليّعليه‌السلام وبين أيّ شخصٍ آخر ، هناك مَن قد أعطى لعليّعليه‌السلام نتيجةً لعملٍ واحد من أعماله مثل عبادة الثقلين .

ذاك هو الحق وتلك هي السعادة .

اللهم احشرنا معه واجعلنا من شيعته والمترسّمين خطاه والحمد للّه .

* * *

موقف الإمام عليعليه‌السلام السياسي بعد تسلّمه زمام الحكم -٢-

بسم الله الرحمن الرحيم

٢٠/ شهر رمضان /١٣٨٨ هجري

كنّا نتحدّث عن تلك الظاهرة الفريدة في المرحلة التي قضاها الإمامعليه‌السلام حاكماً متصرّفاً ومصرّفاً لشؤون المسلمين .

هذه الظاهرة الفريدة هي ما ألمحنا إليها ، من أنّ الإمامعليه‌السلام كان حريصاً كلّ الحرص على إعطاء العناوين الأولية للصيغة الإسلامية للحياة ، والوقوف على التكليف الواقعي الأوّلي بحسَب مصطلح الأُصوليّين ، دون تجاوزه إلى ضرورات استثنائية تفرضها طبيعة الملابَسات والظروف .

قلنا إنّ هذه النقطة بُحثت من الناحية الفقهية ومن الناحية السياسية معاً ، فقيل مثلاً :

لماذا لم يرتضِ الإمام بأنصاف الحلول أو بشيءٍ من المساومة ؟

لماذا لم يسكت ؟

لماذا لم يُمضِ ولو بصورة مؤقّتة الجهاز الفاسد الذي تركه وخلّفه عثمان بعد موته ؟

لماذا لم يُمضِ الجهاز حتى إذا أطاعه هذا الجهاز وأسلَم له القيادة ، بعد ذلك يستطيع أنْ يُمارس بشكلٍ أقوى وأعنف عملية التصفية ؟

كنّا نُعالج هذه المسألة وقلنا أنّ الجواب على هذا السؤال وتفسير هذه الظاهرة الفريدة في الحياة للإمامعليه‌السلام يتّضح بمراجعة عدّة نقاط استعرضنا من هذه النقاط أربع :

النقطة الأُولى : هي أنّ الإمامعليه‌السلام كان بحاجةٍ إلى إنشاء جيش عقائدي في دولته الجديدة التي كان يخطّط لإنشائها في العراق ، وهذا الجيش العقائدي

لم يكن موجوداً بل كان بحاجةٍ إلى تربيةٍ وإعداد فكري ونفسي وعاطفي ، وهذا الإعداد كان يتطلّب جوّاً مُسبَقاً صالحاً لأنْ تنشأ فيه بذور هذا الجيش العقائدي وهذا الجو ما لَم يكن جوّاً كفاحيّاً رسالياً واضحاً ، لا يُمكن أنْ تنشأ في أحضانه بذور ذلك الجيش العقائدي ، لو افترضنا أنّ الجو كان جوّ المساومات وأنصاف الحلول حتى في حالة كون أنصاف الحلول تكتسب الصفة الشرعية بقانون التزاحم ، على ما ذكرناه ، حتى في هذه الحالة تفقد الصيغة مدلولها التربوي .

النقطة الثانية : هي أنّ الإمامعليه‌السلام جاء لتسلّم زمام الحكم في لحظة ثورة لا في لحظة اعتيادية ، ولحظة الثورة تستبطن لحظة تركيز وتعبئة ، وتجمّع كل الطاقات العاطفية والنفسية في الأُمّة الإسلامية لصالح القضية الإسلامية ، فكان لا بدّ من اغتنام هذه اللحظة بكلّ ما تستنبطه من هذا الزخم الهائل عاطفياً ونفسياً وفكرياً .

النقطة الثالثة : التي ركّزنا عليها ، هي أنّ ظاهرة الشك في مجتمع الإمامعليه‌السلام هذه الظاهرة التي بيّناها في محاضرات سابقة ، وكيف أنّها عصفت بالتجربة واستطاعت أنْ تقضي على الآمال والأهداف التي كانت معقودة عليها ، هذا الشك بالرغم من أنّه لم يكن يملك في سيرة الإمامعليه‌السلام أيّ مبرّر موضوعي ، وكانت مبرراته ذاتية محضة بالنحو الذي شرحناه تفصيلاً فيما مضى فقد استفحل وطغى ، فكيف لو افترضنا أنّ هذه المبرّرات الذاتية أُضيفت إليها مُبرّرات موضوعية من الناحية الشكلية ، إذن لكان هذا الشك أسرَع إلى الانتشار والتعمّق والرسوخ وفي النهاية إلى تقويض هذه التجربة .

النقطة الرابعة : التي ختمنا بها الحديث بالأمس هي عبارة عن أنّ أنصاف الحلول أو المساومة ـ هنا ـ كانت في الواقع اشتراكاً في المؤامرة ، وكانت تحقيقاً للمؤامرة من ناحية الإمامعليه‌السلام ، ولم تكن تعبيراً عن الإعداد لإحباط هذه المؤامرة ؛ لأنّ المؤامرة لم تكن مؤامرة على شخصِ الإمام عليّعليه‌السلام لم تكن مؤامرة على حاكميّة الإمام عليّعليه‌السلام حتى يقال : أنّه يُمهّد لهذه الحاكمية بشيء من هذه

الحلول الوسط ، وإنّما المؤامرة كانت مؤامرة على وجود الأُمّة الإسلامية ، على شخصية هذه الأُمّة ، على أنْ تقول كلمتها في الميدان بكلّ قوّة وجرأة وشجاعة ، على أنْ تَنسَلِخ عن شخصيتها وينصّب عليها قيِّم من أعلى يعيش معها عيش الأكاسرة والقياصرة مع شعوب الأكاسرة والقياصرة هذا الذي كان يسمّى بالمصطلح الإسلامي بالهرقلية والكسروية .

هذه هي المؤامرة .

وهذه المؤامرة هي التي كان يسعى خطّ السقيفة بالتدريج ، عامداً أو غير عامد ، إلى تعميقها إلى إنجاحها في المجتمع الإسلامي .

فلو أن الإمامعليه‌السلام كان قد مارس أنصاف الحلول ، لو كان قد باع الأُمّة بيعاً مؤقّتاً مع خِيار الفسخ ، إذن لكان بهذا قد اشترك في إنجاح وفي سلخ الأُمّة عن إرادتها وشخصيتها .

كانت الأُمّة وقتئذ بحاجة كبيرة جدّاً لكي تستطيع أنْ تكون على مستوى مسؤوليات ذلك الموقف العصيب ، وعلى مستوى القدرة للتخلّص من تبِعات هذه المؤامرة .

كان لا بدّ من أنْ تشعر بكرامتها بإرادتها ، بحرّيتها ، بأصالتها ، بشخصيّتها في المعترك وهذا كلّه ممّا لا يتّفق مع ممارسة الإمامعليه‌السلام لأنصاف الحلول .

النقطة الخامسة : التي لا بدّ من الالتفات إليها في هذا المجال ، هي أنّ الإمامعليه‌السلام لو كان قد أمضى هذه الأجهزة الفاسدة التي خلّفها عثمان ـ الخليفة من قبله ـ فليس من المعقول بمقتضى طبيعة الأشياء أنْ يستطيع بعد هذا أنْ يُمارس عملية التغيير الحقيقي في هذه التجربة التي يتزعّمها .

وفي الواقع أنّ هذا الفهم لموقف أمير المؤمنينعليه‌السلام ، الذي أعرضه في هذه النقطة مرتبطٌ بحقيقة مطلقة تشمل موقف أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وتشمل أيّ موقفٍ رسالي عقائدي آخر مشابه لموقف أمير المؤمنينعليه‌السلام ، أيّ موقف آخر يستهدف تغييراً جذرياً أو إصلاحياً حقيقياً في مجتمع أو بيئة أو حوزة أو في أيّ مجتمع آخر من المجتمعات ، وهذه الحقيقة المطلقة هي أنّ كل إصلاح لا

يُمكن أنْ ينشأ على يد الأجهزة الفاسدة نفسها التي لا بدّ أنْ يطالها التغيير .

فلو افترضنا أنّ الزعيم المسؤول عن إصلاح تلك البيئة ، أقرّ الأجهزة الفاسدة التي يتوقّف الإصلاح على إزالتها وعلى تبديدها ، لو أنّه أقرّ هذه الأجهزة وتعاوَن معها وأمضاها ولو مؤقّتاً ، ثمّ بعد أنْ اكتسب القوّة والمزيد من القدرة ، وامتدّ أُفقياً وعمودياً في أبعاد هذه التجربة التي تزعّمها ، بعد هذا استبدل هذه الركائز بركائز أُخرى هذا المنطق منطق لا يتّفق مع طبيعة العمل الاجتماعي ومع طبيعة الأشياء ؛ وذلك لأنّ هذا الزعيم من أين سوف يستمدّ القوّة ، من أين سوف تتّسع له القدرة ؟ من أين سوف يمتد أُفقياً وعمودياً ؟

هل تهبط عليه هذه القوّة بمعجزةٍ من السماء ؟ لا... وإنّما سوف يستمدّ هذه القوّة من تلك الركائز نفسها ...

أيّ زعيمٍ في أيّة بيئة يستمدّ قوّته وتتعمّق هذه القوّة عنده باستمرار من ركائزه ، من أُسسه من أجهزته التي هي قوته التنفيذية التي هي واجهته على الأُمّة ، التي هي تعبيره ، التي هي تخطيطه ، فإذا افترضنا أنّ هذه الأجهزة كانت هي الأجهزة الفاسدة التي يُريد المخطّط الإصلاحي إزالتها وتبديلها بأجهزةٍ أُخرى ، فليس من المعقول أنْ يقول الزعيم في أيّة لحظة من اللحظات ، وفي أيّ موقف من المواقف : دع هذه الأجهزة معي دعني أعمَل مع هذه الأجهزة ، حتى امتدّ حتى أشمخ ، وبعد أنْ امتدّ وأشمخ استطيع أنْ أقضي على هذه الأجهزة .

فإن هذا الشموخ الناتج من هذه الأجهزة لا يمكن أنْ يقضي على هذه الأجهزة النتيجة منطقياً مرتبطة بمقدّماتها والنتيجة واقعياً مرتبطة أيضاً بركائزها وأُسسها ، فهذا الشموخ المستمد من ركائز فاسدة ، من أجهزة فاسدة ، لا يُمكن أنْ يعود مرّة أخرى فيتمرد على هذه الأجهزة .

هذا الزعيم حتى لو كان حسن النية ، حتى لو كان صادقاً في نيته وفي تصوّره سوف يجد في نهاية الطريق أنّه عاجز عن التغيير ، سوف يجد في نهاية الطريق أنّه لا يتمكّن أنْ يحقّق أهدافه الكبيرة ؛ لأنّ الزعيم مهما كان زعيماً ، والرئيس مهما كان حاكماً وسلطاناً ، لا يغيّر بيئة بجرّة قلم ، لا يغير بيئة بإصدار قرار بإصدار أمر ، وإنّما تتغيّر البيئة عن طريق الأجهزة التي تنفذ إرادة هذا

الزعيم ، وتخطيط هذا الزعيم ، إذن كيف سوف يستطيع هذا الزعيم أنْ ينفذ إرادته ، أنْ يحقّق أهدافه أنْ يصل إلى أمله ؟

فطبيعة الأشياء وطبيعة العمل التغييري في أيّ بيئة تفرض على أيّ زعيم يبدأ هذا العمل ، أنْ يبني زعامته بصورة منفصلة عن تلك الأجهزة الفاسدة ، وهذا ما كان يفرض على الإمامعليه‌السلام أنْ لا يُمضي مخلّفات عثمان الإدارية والسياسية...؟

النقطة السادسة : التي لا بدّ من الالتفات إليها أيضاً في هذا المجال ، هي أنّ الإمامعليه‌السلام لو كان قد أمضى ولو مؤقّتاً الأجهزة التي خلّفها عثمان ، أمضى مثلاً ولاية معاوية بن أبي سفيان وحاكميته على الشام لحصل من ذلك على نقطة قوّة مؤقتة .

لو باع الأُمّة من معاوية بيعاً مؤقّتاً مع خِيار الفسخ إذن لاستطاع بذلك أنْ يحصل على نقطة قوّة ، ونقطة القوّة هي أنّ معاوية سوف يُبايعه وسوف يُبايعه أهلُ الشام ، وهذه النقطة نقطة قوّة في حساب عملية التغيير ، لكن في مقابل هذا أيضاً سوف يحصل معاوية بن أبي سفيان على نقطة قوّة ، كما حصَل الإمامعليه‌السلام على نقطة قوّة ، ونقطة القوّة التي سوف يحصل عليها معاوية ، هي اعتراف الإمامعليه‌السلام صاحب الأطروحة الجديدة ، صاحب الخطّ الإسلامي الآخر المعارض على طول الزمن منذ تشكّلت السقيفة بشرعيّة معاوية بن أبي سفيان، بأنّ معاوية رجل على أقلّ التقادير يوصَف بأنّه عامل قدير على تسيير مهامّ الدولة ، وعلى حماية مصالح المسلمين وعلى رعاية شؤونهم ، هذا الاعتراف هو المدلول العُرفي الواضح لمثل هذا الإمضاء في الذهنية الإسلامية العامّة ، فنقطة قوّة لمعاوية مقابل نقطة قوّة لعليعليه‌السلام ..

ونحن إذا قارنّا بين هاتين النقطتين فسوف لنْ ننتهي إلى قرار يؤكّد أنّ نقطة القوّة التي حصل عليها الإمامعليه‌السلام ، هي أهم في حساب عملية التغيير الاجتماعية التي يمارسها الإمامعليه‌السلام من نقطة القوة التي يحصل عليها معاوية ، خاصّة إذا التفتنا إلى أنّ تغيير الولاة في داخل الدولة الإسلامية وقتئذ لم يكن عملية سهلة ، ولم يكن عملية بهذا الشكل من اليُسر الذي نتصوّره في دولةٍ مركزيّة تُسيطر حكومتها المركزية على كلّ أجهزة الدولة وقطاعاتها .

ليس معنى أنّ معاوية يُبايع أو يأخذ البيعة لخليفة في المدينة أنّ جيشاً في الحكومة المركزية سوف يدخل الشام ، وأنّ هناك ارتباطاً عسكرياً حقيقياً سوف يُوجد بين الشام وبين الحكومة المركزية ، وإنّما يبقى هذا الوالي بعد أخذ البيعة همزة الوصل الحقيقية بين هذا البلَد وبين الحكومة المركزية ؛ لضعف مستوى الحكومة المركزية وقتئذ من ناحية ، ومن ناحية أُخرى لترسّخ معاوية في الشام بالخصوص لأنّ الشام لم تعرف حاكماً مسلماً قبل معاوية وقبل أخي معاوية ، ومنذ دشّن الشام حياته الإسلامية فإنّما دشّنها على يد أولاد أبي سفيان .

إذن ترسّخ معاوية من الناحية التاريخية والصلاحيات الاستثنائية التي أُعطيت له من قِبل عمر بن الخطّاب ، في أنْ يُنشئ له سلطنة وملكية في الشام ، بدعوى أنّ هذا يكون مظهر عزٍّ وجلال للإسلام في مقابل دولة القياصرة .

هذه الصلاحيات الاستثنائية التي أخذها معاوية من عمر بن الخطاب لأجل إنشاء مظاهر مستقلّة في الشام ، لا تشبه الوضع السياسي في الدولة الإسلامية في باقي الأقاليم ، وهذا ممّا رسّخ نوعاً من الانفصالية في الشام عن باقي أجزاء جسم الدولة الإسلامية .

ثمّ الصلاحيات التي أخذَها بعد هذا من عثمان بن عفّان حينما تولّى الخلافة ، وحينما شعَر بأنّه قادر على أنْ يستهتر بشكلٍ مطلق بالأمر والنهي ، بحيث لم يبقَ طيلة مدّة خلافة عثمان أيّ ارتباط حقيقي بين الشام والمدينة ، وإنّما كان هو الآمر والناهي في الشام ممّا جعل الشام يعيش حالة شبه انفصالية في الواقع ، وإنْ لم تكن انفصالية بحسَب العرف الدستوري للدولة الإسلامية وقتئذ ، وهذا ممّا يُعقّد الموقف على أمير المؤمنينعليه‌السلام ويجعل نقطة القوة التي يحصل عليها وهي مجرّد البيعة في الأيّام الأولى نقطة غير حاسمة ، بينما إذا أراد بعد هذا أنْ يعزِل معاوية فبإمكان معاوية أنْ يثير - إلى جانب وجوده المادّي القوي المترسّخ في الشام - الشُّبهات على المستوى التشريعي والإسلامي .

لماذا يعزلني ؟

ماذا صدر منّي حتى يعزلني بعد أنْ اعترف بأنّي حاكمٌ عادل صالح لإدارة شؤون المسلمين ؟

ما الذي طرَأ وما الذي تجدّد ؟

مثل هذا الكلام كان بإمكان معاوية أنْ يوجّهه حينئذٍ إلى الإمامعليه‌السلام ، ولم يكن للإمامعليه‌السلام أنْ يُعطي جواباً مُقنعاً للرأي العام الإسلامي وقتئذٍ على مثل هذه الشبهة .

بينما حين يعزله من البداية يعزله على أساس أنّه يؤمن بعدَم صلاحيته ، وبأنّه لا تتوفّر فيه الشروط اللازمة في الحاكم الإسلامي ، وهو لا يتحمّل مسؤولية وجوده كحاكم ، في الفترة السابقة التي عاشها معاوية حاكماً من قبل عثمان ، أو من قِبل عمر بن الخطّاب .

النقطة السابعة : التي لا بدّ من الالتفات إليها في هذا المجال هي : أنّ هذه الشبهة تفترض أنّ معاوية بن أبي سفيان لو أنّ الإمامعليه‌السلام أمضى حاكميته وأمضى ولايته ، لبايعه ولأعطى نقطة القوة هذه إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ولكن لا يوجد في الدلائل والقرائن التي كانت تكتنف موقف الإمامعليه‌السلام ما يوحي بصحّة هذا الافتراض ، فإنّ معاوية لم يعصِ علياً لأجل أنّه عُزِل عن الولاية ، وإنّما كان ذلك في أكبر الظن جزءاً من مخطّط لمؤامرة طويلة الأمَد للأموية على الإسلام ، الأمويّة كانت تُريد أنْ تنهب مكاسب الإسلام بالتدريج ، هذا النهب الذي عبّر عنه بأقسى صورة أبو سفيان حينما ركَل قبر حمزة ( رضوان اللّه عليه ) بقدَمه وهو يقول : إنّ هذا الدين الذي قاتلتمونا عليه ، هذا الدين الذي بذَلتم دماءكم في سبيله ، وضحيّتم في سبيله قوموا واقعدوا وانظروا كيف أصبح كُرةً في يدِ صبياننا وأطفالنا .

كان الشرف الأمَوي يُريد أنْ يقتنص وأنْ ينهَب مكاسِب البناء الإسلامي والوجود الإسلامي ، وكانت هذه المؤامرة تُنفّذ على مستويات وكانت المرحلة الأولى من هذه المؤامرة ترسّخ الأخوين في الشام : يزيد بن أبي سفيان ، ثمّ معاوية بعد يزيد بن أبي سفيان بعد يزيد ومحاولة استقطاب معاوية للشام ، عن طريق بقائه هذه المدّة الطويلة فيها .

ثمّ كان معاوية بن أبي سفيان بنفسه ، ينتظر الفرصة الذهبية التي يتيحها مقتل عثمان بن عفّان هذه الفرصة الذهبية التي تعطيه سلاحاً غير منتظر يُمكن أنْ يمسكه ويدخل به إلى الميدان ولهذا تباطأ عن نصرة عثمان بن عفّان كان

عثمان يستنصره ويستصرخه ويؤكّد له أنّه يعيش لحظات الخطر ، ولكنّ معاوية كان يتلكّأ في إنقاذه وكان معاوية ـ على أقلّ تقدير ـ قادراً على أنْ يؤخّر هذا المصير المحتوم بعثمان إلى مدّة أطوَل ، لو أنّه وقَف موقفاً ايجابياً حقيقياً في نصرة عثمان بن عفّان ، إلاّ أنّه تلكّأ وتلعثَم وكان يخطّط لكي يبقى هذا التيّار كاسحاً ولكي يخرج عثمان بن عفّان على يد المسلمين ميّتاً ، ثمّ بعد هذا لكي يأتي ويُمسك بزمام هذا السلاح ولكي يقول : أنا ابن عمّ الخليفة المقتول ومن المعلوم أنّ معاوية سوف لنْ يتاح له في كل يوم ، أنْ يكون ابن عمّ الخليفة المقتول ، فهذه الفرصة الذهبية التي كانت على مستوى الأطماع والآمال الأموية لنهب كل مكاسِب الإسلام ، هذه الفرصة الذهبية لم يكن من المظنون أنّ معاوية سوف يغيّرها عن طريق الاكتفاء بولاية الشام ، ولاية الشام كانت مرحلة ، أمّا منذ قتل عثمان بدأ معاوية في نهب كل الوجود الإسلامي ، وتزعّم كل هذا الوجود ، وكان هذا يعني أنّ تعيينه أو إبقاءه والياً على الشام سوف لنْ يكون على مستوى أطماعه في المرحلة الأولى ، التي بدأت بمقتل عثمان بن عفّان من مراحل المؤامرة الأموية على الإسلام .

وأخيراً لا بدّ من الالتفات أيضاً إلى شيء آخر : هو أنْ الوضع الذي كان يعيشه الإمامعليه‌السلام في ملاحظة طبيعة الأُمّة في ذلك الوضع ، وطبيعة الإمامعليه‌السلام في ذلك الوضع ، لم يكن ليوحي بالاعتقاد بالعجز عن إمكان النجاح لعملية التغيير دون مساومة .

ومن الواضح أنّ الفكرة الفقهية التي أشرنا إليها سابقاً عن توقّف الواجب الأهم على المقدّمة المحرّمة ، إنّما تكون فيما إذا كان هناك توقّف بالفعل ، بحيث يحرِز أنّ هذا الواجب الأهم لا يمكن التوصّل إليه إلاّ عن طريق هذه المقدّمة المحرّمة ، والظروف وطبيعية الأشياء وقتئذ لم تكن توحي ، ولم تكن تؤدّي إلى اليقين بمثل هذا التوقّف .

وذلك لأنّ المؤامرة التي كان عليّعليه‌السلام قد اضطلع بمسؤولية إحباطها ، حينما تولّى الحكم لم تكن قد نجَحت بعد ، بل كانت الأُمّة في يوم قريب سابق على يوم مقتل عثمان قد عبّرت تعبيراً معاكساً مضاداً لواقع هذه المؤامرة ولمضمون هذه المؤامرة .

هذه المؤامرة صحيح أنّها تمتد بجذورها إلى أمدٍ طويل قبل هذا التاريخ ،

المؤامرة على وجود الأُمّة الإسلامية ، فإنّ الأُمّة الإسلامية التي سهَر عليها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على إعطائها أصالتها وشخصيّتها وكرامتها ووجودها ، حتى كان قد ألزم نفسه وألزمه ربّه بالشورى والتشاور مع المسلمين ؛ لأجل تربية المسلمين تربيةً نفسية وإعدادهم لتحمّل مسؤوليّاتهم وإشعارِهم بأنّهم هم الأُمّة التي يجب أنْ تتحمّل مسؤوليّات هذه الرسالة خلّفها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهي تعيش هذه الروحية وتعيش على هذا المستوى عاطفياً ونفسياً ، وبدأت جذور المؤامرة للقضاء على وجود الأُمّة كافّة وتحويل الوجود إلى السلطان والحاكم .

أوّل جذر من جذور هذه المؤامرة أُعطي كمفهوم في السقيفة حينما قال أحد المتكلّمين فيها : مَن ينازعنا سلطان محمّد .

والسقيفة وإنْ كانت بمظهرها اعترافاً بوجود الأُمّة ؛ لأنّ الأُمّة تُريد أنْ تتشاور في أمر تعيين الحاكم بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولكنّ المفهوم الذي أُعطي في السقيفة والذي كُتِب له أنْ ينجح يوم السقيفة ، وأنْ يمتد بأثره بعد ذلك بعد يوم السقيفة هذه ، المفهوم كان بحدّ ذاته ينكر وجود الأُمّة .

كان ينظر إلى النبوّة على أنّها سلطان قريش ، أنّها سلطان عشيرة معيّنة وهذه العشيرة المعيّنة هي التي يجب أنْ تحكم وأنْ تسود نظريّة مالكية العشيرة ، التي تتحدّى وجود الأُمّة وتنكر عليها أصالتها ووجودها وشخصيتها ، هذه النظريّة طرحت كمفهوم في السقيفة ثمّ بعد هذا امتدّت واتّسعت عملياً ونظرياً .

عمر بن الخطّاب كان أيضاً يعمق بشكل آخر هذا المفهوم .

في مرّة من المرّات سمِع عمر بن الخطّاب أنّ المسلمين يتحلقون حلقاً حلقاً ، ويتكلّمون في أنّ أمير المؤمنين إذا أُصيب بشيء فمَن يحكم المسلمين بعد عمر ؟

المسلمون أُناس يحملون همّ التجربة هّم المجتمع همّ الأُمّة تطبيقاً لفكرة : أنّ كلّ مسلم يحمل الهموم الكبيرة يفكّرون في أن عمر بن الخطاب حينما يموت ، من الذي يحكم المسلمين ؟

هذا تعبير عن وجود الأُمّة في الميدان .

انزعج عمر بن الخطّاب جدّاً لهذا التعبير عن وجود الأُمّة ؛ لأنّه يعرف أنّ وجود الأُمّة في الميدان معناه وجود عليّعليه‌السلام في الميدان ، معناه وجود الخطّ المعارض في الميدان ، كلّما نمَت الأُمّة كلّما تأصّل وجودها أكثر واكتسبت إرادتها ووعيها بدرجةٍ أعمق ، كلّما كان عليّ هو الأقدر وهو الأكفأ لممارسة عملية الحكم ، لهذا صعد على المنبر وقال ما مضمونه : أنّ أقواماً يقولون : ماذا ومَن يحكُم بعد أمير المؤمنين... ؟ ألا أنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى اللّه المسلمين شرّها .

يعني ماذا يريد أنْ يقول في هذا الكلام ، يُريد أنْ يقول في هذا الكلام بأنّ المسلمين لا يجوز أنْ يعودوا مرّة أُخرى إلى التفكير المستقل في انتخاب شخص ، وإنّما الشخص يجب أنْ يُعيّن لهم من أعلى .

لكن لم يستطع ولم يجرأ أنْ يُبين هذا المفهوم وإلاّ هو في نفسه كان هكذا يرى ...

كان يرى أنّ الأُمّة يجب أنْ تستمع منه هو يعيّن من أعلى هذا الحاكم ، لا أنّ الأُمّة نفسها تفكّر في تعيين هذا الحاكم كما فكّرت مثلاً عقيب وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان ذلك فلتة وقى الله المسلمين شرّها ، والأُمّة يجب ألاّ تعود إلى هذه الفلتة مرّة أُخرى .

إذن فما هذا البديل ؟ هذا البديل لم يبرزه لكن البديل كان في نفسه هو إنّي أنا يجب أنْ أُعيّن هذا أيضاً ، كان استمرارية لجذور المؤامرة وبعد هذا عبّر عن هذا البديل بكلّ صراحة وهو على فراش الموت ، وحينما طلَب منه المتملقون أنْ يوصي وألاّ يهمل أُمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، حينما طلبوا منه ذلك عبّر عن هذا البديل بكلّ صراحة فأسند الأمر إلى ستّة أيضاً ، كان فيه نوع من التحفّظ ؛ لأنّه لم يعيّن واحداً وحيداً لا شريك له وإنّما عيّن ستّة كأنّه يُريد أنْ يقول : بأنّي أعطيت درجة من المشاركة للأُمّة ، عن طريق أنّي أسندت الأمر إلى ستّة هم يعيّنون فيما بينهم واحداً منهم .

انظروا كيف كانت المؤامرة على الأُمّة تنفذ بالتدريج .

كانت المؤامرة على وجودها على كيانها على إرادتها كأمّة تحمل أشرف رسالات السماء .

طبعاً عبد الرحمان بن عوف الذي كان قطب الرحى في هؤلاء الستّة ، أيضاً لم يستطع في تلك المرحلة أنْ يطفئ دور الأُمّة لم يحل المشكلة عن طريق التفاوض فيما بين هؤلاء الستّة ، في اجتماع مغلق وإنّما ذهب يستشير الأُمّة ويسأل المسلمين من الذي ترشّحونه من هؤلاء الستّة ؟ إلى هنا كانت الأُمّة لا تزال تحتفظ بدرجة كبيرة من وجودها بحيث إنّ عمر بن الخطّاب لم يستطع أنْ يغفل وجود الأُمّة ، يسأل هذا ويسأل ذاك مَن تريدون من هؤلاء الستّة ؟ يقول : ما سألت عربياً إلاّ وقال : عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام وما سألت قرشيّاً إلاّ وقال عثمان بن عفّان يعني جماهير المسلمين كانت تقول عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام وعشيرة واحدة معيّنة كانت تريد أنْ تنهَب الحكم من الأُمّة كانت تقول : عثمان ؛ لأنّ عثمان بن عفّان كان تكريساً لعملية النهب ، بينما عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام كان تعبيراً وتأكيداً لوجود الأُمّة في الميدان ، ولهذا أرادته الأُمّة ، وأرادت العشيرة عثمان .

ثمّ بعد هذا جاء عثمان بن عفّان ، وفي دور عثمان بن عفّان تكشفت المؤامرة أكثر فأكثر وامتدت أكثر فأكثر .

أصبحت العشيرة تحكم وتقول بكلّ صراحة بأنّ المال مالنا والخراج خراجنا والأرض أرضنا ، إنْ شئنا أعطينا للآخرين وإنْ شئنا حرمناهم .

لكن هذا كلام يُقال خارج نطاق الدستور ، أمّا في نطاق الدستور كانت لا تزال الصيغة الإسلامية وهي أنّ المال مال الله والناس سواسية ، المسلمون كلّهم عبيد الله لا فرق بين قرشيّهم وعربيّهم وبين عربيّهم واعجميّهم بين أيّ مسلمٍ وأيّ مسلم آخر ، هذه كانت الصيغة الدستورية حتى في عهد عثمان ، لكن هذا الوالي الأموي المتغطرس أو ذاك الأموي المتعجرِف أو هذا الأموي المستعجل والمتهوّر كان ينطق بواقعٍ آخر لا يُعبّر عن الدستور ، حيث ينظر إلى الأُمّة على أنّها قطيع يتحكّم فيه كيف يشاء ، وعلى أنّ أرض الإسلام مزرعة ينتفع بخيراتها مَن يشاء هو ويحرم مِن خيراتها من شاء ، ولكن منطق الدستور الإسلامي كان هو المتحذّر في نفوس أبناء الأُمّة هذا المنطق ، هو أنّ أرض السواد ملك الأُمّة وأنّ الأُمّة هي صاحبة الرأي فهي القائدة وهي سيّدة الموقف ، وهذا يعني أنّ المؤامرة لا تزال غير ناجحة بالرغم من الجذور بالرغم من المقدّمات ،

بالرغم من الإرهاصات النظرية والعملية ، بالرغم من كل ذلك المؤامرة لم تكن ناجحة ، الأُمّة كانت هي الأُمّة ، الأُمّة كانت تأتي إلى عثمان وتقول : لا نُريد هذا الوالي لأنّ هذا الوالي منحرف ، منحرف لا يُطبّق كتاب الله وسنّة نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولم يكن يستطيع عثمان بن عفّان أنْ يُجيب بصراحة ويقول : ليس لك إرادة ، هذا الوالي يمثلني أنا ، وأنا الحاكم ، أنا الحاكم المطلق ! لم يكن يستطيع عثمان بن عفّان أنْ يقول هذا وإنّما كان يعتذر ويقيل ويرجِع ، وهكذا كان يُناور مع الأُمّة يشتغل بمناورات من هذا القبيل مع هذه الأُمّة التي بدأت تحسّ بالخطر على وجودها ، فعبّرت الأُمّة تعبيراً ثورياً عن وجودها وعن كرامتها فقتلت هذا الخليفة ، وبعدها اتّجهت طبيعياً إلى الإمامعليه‌السلام لكي يعبّر من جديد عن وجودها لكيّ يحبط المؤامرة لكي يعيد إلى هذه الأُمّة كل كرامتها خارج نطاق الدستور وداخل نطاق الدستور ؛ لكي يقضي على كل انحراف خرج به الحكّام عن الدستور عن الصيغة الإسلامية للحياة .

فمِن هنا كانت القضية لا تزال في بدايتها ، لا تزال الأُمّة هي الأُمّة لا تزال بحسب مظهرها على أقلّ تقدير هي تلك الأُمّة التي قتلت الحاكم في سبيل الحفاظ على وجودها ، وعليّعليه‌السلام صاحب الطاقات الكبيرة هو الشخص الوحيد الذي يؤمَّل فيه أنْ يصفّي عملية الانحراف .

فالظروف والملابسات لم تكن تؤدّي إلى يأس كانت تؤدّي إلى أمل وما وقع خارجاً خلال هذه الأربَع سنوات كان يؤكّد هذا الأمل فإنّ عليّاًعليه‌السلام لولا معاكسات جانبية لم تكن تنبع من حقيقة المشاكل الكبرى في المجتمع ، لاستطاع أنْ يسيطر على الموقف .

لولا مسألة التحكيم مثلاً ، لولا أنّ شعاراً معيّناً طُرِح من قِبل معاوية هذا الشعار الذي انعكس بفهمٍ خاطئ عند جماعة معيّنة في جيش الإمامعليه‌السلام ، لولا هذا لكان بينه وبين قتل معاوية وتصفيته بضعة أمتار .

إذن كان الأمل في أنْ علياًعليه‌السلام يمكنه أنْ يحقق الهدف ويعيد للأُمّة وجودها من دون حاجة إلى المساومات وأنصاف الحلول كان هذا الأمل أمَلاً معقولاً وكبيراً ولهذا لم يكن هناك مجوّز لارتكاب أنصاف الحلول والمساومات .

ولكنّ هذا الأمل قد خاب كما قلنا : انتهى آخر أمَل حقيقي في هذه

التصفية حينما خرّ هذا الإمامعليه‌السلام العظيم صريعاً في مسجده صلوات الله عليه ، وانتهى آخر أمَل في هذه التصفية وقُدّر للمؤامرة على وجود الأُمّة أنْ تنجح وأنْ تؤتي مفعولها كاملاً .

غير أنّ الإمامعليه‌السلام حينما فتَح عينيه في تلك اللحظة العصيبة ورأى الحسنعليه‌السلام ، وهو يبكي ويشعر ويحسّ ويدرك بأنّ وفاة أبيه هي وفاة لكلّ هذه الآمال ، أراد أنْ يُنبّهه إلى أنّ الخطّ لا يزال باقياً والى أنّ التكليف لا يزال مستمّراً ، وأنّ نجاح المؤامرة لا يعني أنْ نلقي السلاح .

نعم المؤامرة يا ولدي ، نجَحت ولهذا سوف تشردون وسوف تقتلون ولكن هذا لا يعني أنّ المعركة انتهت ، يجب أنْ تقاوم حتى تُقتل مسموماً ، ويجب أنْ يقاوم أخوك حتى يُقتل بالسيف شهيداً ، ولا بدّ أنْ يستمرّ الخط حتى بعد أنْ سُرِق من الأُمّة وجودها ؛ لأنّ محاولة استرجاع الوجود إذا بقيت في الأُمّة فسوف يبقى هناك نفَسٌ في الأُمّة ، سوف يبقى هناك ما يُحصّن الأُمّة ضدّ التميّع والذوبان .

الأُمّة حينما تتنازل عن هذه الإرادة والشخصية لجبّار من الجبابرة حينئذٍ تكون عرضةً للذوبان والتميّع في أُتون أيّ فرعون من الفراعنة .

لكن إذا بقي لدى الأُمّة محاولة استرجاع هذا الوجود باستمرار هذه المحاولة التي يحاولها خطُّ عليّعليه‌السلام ومدرسة عليّعليه‌السلام والشهداء والصدّيقون من أبناء عليّعليه‌السلام وشيعته ، إذا بقيَت هذه المحاولة فسوف يبقى مع هذه المحاولة أمل في أنْ تسترجع الأُمّة وجودها ، وعلى أقلّ تقدير سوف تحقّق هذه المحاولة كسباً آنياً باستمرار وهو تحصين الأُمّة ضدّ التميّع والذوبان المطلق في إرادة ذلك الحاكم وفي إطار ذلك الحاكم .

وهذا ما وقع .

أسأل اللّه سُبحانه أنْ يجعلنا من أنصاره وشيعته والسائرين في خطّه والمساهمين في هذه المحاولات .

٣ - التغيير والتجديد في النبوّة

٢٧/ رجَب المكرّم /١٣٨٨

بمناسبة أروع ذكرى مرّت في حياة الإنسان ، في يوم هو أشرف يوم في تاريخ الإنسان ، سَواء قيّمنا الأيام بما تشتمل عليه من أحداث أم بما تتمخّض عنه من نتائج ، فإنّ هذا اليوم يبقى هو اليوم الأول في تاريخ الإنسان ؛ لأنّه اليوم الذي استطاع فيه الإنسان أنْ يبلغ الذروة ، التي رشّحته لها عشرات الآلاف من الرسالات والنبوّات ، فأصبح قاب قوسين أو أدنى ، متمثّلاً في شخص النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وكذلك إذا لاحظنا ما تمخّض عنه هذا اليوم العظيم ، يُمكننا أنْ نتصوّر المقدار العظيم من الطاعات والعبادات والأعمال النبيلة الزاخرة ، بكلّ معاني النُبل والأخلاق ، التي أُوتي بها بعد هذا اليوم .

ويمكننا أنْ نتصوّر العروش التي حُطّمت ، والجبابرة الذين قُضي عليهم ، وعهود الظلم والطغيان ، التي قُوّضت باسم هذا اليوم .

ويمكننا تصوّر الشخصيات العظيمة ، و البطولات المستميتة في سبيل إقامة العدل على الأرض باسم هذا اليوم .

هذا اليوم هو اليوم الأول في تاريخ البشرية ، سَواء قيّمنا على أساس ما حدَث فيه أو على أساس ما نتَج عنه ؛ لأنّه يوم النبوّة الخاتمة .

وبمناسبة النبوّة الخاتمة ، أريد أنْ أتحدّث إليكم عن فكرة التغيير والتجديد في النبوّة ، فكرة التغيير والتجديد التي عاشتها ظاهرة النبوّة في تاريخ الإنسان على مرّ الزمن ، حتى وضِع لها الحدّ النهائي ، على يد الرسالة الإسلامية الخاتمة .

والتغيير والتجديد في النبوّة له أسبابٌ عديدة معقولة يمكن أن يقوم على أساس أيّ واحدٍ من هذه الأسباب ، كما يمكن أنْ يقوم على أساس أكثر من سببٍ واحد من هذه الأسباب .

السبب الأوّل :

وهو فيما إذا كانت هذه النبوّة قد استنفدت أغراضها ، واستكملت أهدافها ، وأنهَت شوطها المرسوم لها ، ففي مثل هذه الحالة لا بدّ لها وأنْ تخلي الميدان لنبوة تحمل أهدافاً جديدة ، وتحمل شوطاً جديداً لا بدّ أنْ تؤدّيه في خدمة الإنسان ، وتصعيده إلى المستوى المطلوب .

وأقصد بكون النبوّة تستنفد أغراضها ، أنْ تكون النبوة بالذات ، وصفة لمرض طارئ في حياة البشرية .

هناك نقاط من الضعف ، تطرأ بين حينٍ وحين ، في بعض الأزمنة والأمكنة ، في بعض المجتمعات البشرية .

تطرأ بعض الأمراض المعيّنة من الناحية الفكرية والروحية والأخلاقية ، وهذه الأمراض تستفحل بموجب شروط معيّنة موضوعية خاصة ، وتحتاج هذه الأمراض إلى نوع من العلاج يترفّق المولى سبحانه وتعالى في إنزال وحيٍ معيّن لأجل بيانه .

وبطبيعة الحال سوف تكون الوصفة المقدّمة من قِبل هذه الرسالة لعلاج هذا المرض ، قائمة على أساس هذا الحال الاستثنائي ، المنحرف الذي يعيشه إنسان عصر هذه النبوة ، ومن المنطقي والمعقول أنْ لا تصح وصفة من هذا القبيل على كل زمان أو مكان ، فكل إنسان منّا قد يستعمل وصفة معيّنة في حالة مرضية ، إلاّ أنّ هذه الوصفة نفسها ، لا يمكن أنْ تصبح غذاءً اعتيادياً للإنسان في كلّ زمان أو مكان .

فحينما تكون النبوة في طبيعة تركيبها قد جاءت لعلاج مرض معيّن طارئ في حياة الإنسان ، وتكون في طبيعة رسالتها قد صُمّمت وفق هذه الحاجة فحينما تكون هذه النبوة هكذا ، وتدخل شوط عملها وجهادها ، وتحارب وتكافح في سبيل استئصال هذا المرض الاستثنائي ، بعد هذا تكون النبوة قد

استنفدت أغراضها ؛ لأنّها جاءت لمعركة جزئية محدّدة بظروف زمانية ومكانية خاصة ، وهذه المعركة انتهت بانقضاء هذه الظروف .

فمثلاً ما يقال عن المسيحية ، من أنّها كانت تتّجه إلى نزعة روحية مفرطة ، والتركيز على الجانب الطبيعي بدرجةٍ أكبر بكثير من التركيز على أيّ جانب من جوانب الحياة المعاشة المحسوسة يقال عادة : أنّ بعض التركيز على الجانب الغيبي اللامنظور ، التركيز على جعل النفس منقطعة عن كل علائق الدنيا ، هذا التركيز الذي قامت على أساسه بعد هذا ، فكرة الرهبنة ، هذا التركيز كان علاجاً لمرض عاشه شعب بني إسرائيل ، حينما ظهَرت المسيحية في ذلك الوقت .

هذا المرض ، الانغماس المطلق في الدنيا ، وفي علائق الدنيا ، هذه الحالة النفسية التي كانت تجعل الإنسان اليهودي مشدوداً إلى درهمه وديناره ، ويومه وغده ، هذه الحالة كانت بحاجة إلى وصفة ، هذه الوصفة تحاول أنْ تنشل هذا الإنسان اليهودي من ضرورات يومه وغده ، وتُذكّره بأمسه وربّه ، لهذا كان في المسيحية هذا النوع ، من الإفراط المناسب مع حالة موضعية زمانية معيّنة في التاريخ الطويل للإنسان .

أمّا هذا النوع من الإفراط حينما يُؤخذ كخطٍّ عام للإنسان ، يعتبر شذوذاً وانحرافاً ؛ لأنّه دواء للمريض وليس طعاماً للصحيح .

فمن هذه الأسباب التي تجعل التغيير في النبوة أمراً معقولاً ، هو أنّ النبوة تستنفد أغراضها وتستوفي أهدافها ، باعتبارها رسالة صُمّمت لعلاج حالة طارئة وقد استنفدت أغراض العلاج .

من جملة الأسباب المعقولة لتغيير النبوة هو أنْ لا يبقى منها تراث يُمكن آنْ يقام على أساسه العمل والبناء ...

إذا افترضنا ، أنّ نبَّوةً جاءت ومارسَت دورها في قيادة البشرية وهدايتها ووصلها بربّها ، وتطهيرها من شوائبها ، إلاّ أنّ هذه النبوة بعد أنْ مات شخص النبيّ ، تولّدت ظروف وانحرافات أكَلت كل ذلك التراث الروحي والمفاهيمي الذي خلّفه ذلك النبيّ الذي قاد تلك المعركة ، بقيت النبوة مجرّد

رُؤى تاريخية وشعار غامض غائم بارد ، دون أنْ يكون معبّراً عن أيّ كيان فكري مفاهيمي ، محدّد في أذهان القاعدة الشعبية المرتبطة بتلك النبوة ، في مثل هذه الحالة ، لا يمكن أنْ تواصل هذه الدفعة الإلهية المتمثّلة في تلك النبوة عملها ؛ لأنّ الدفعة الإلهية لا يمكن أنْ تواصل عملها بدون مصباح منير وبدون كتاب منير ، على ما يصطلح عليه القرآن الكريم ، وهذا الكتاب المنير ، عبارة عن ذاك التراث الفكري والمفاهيمي الذي يمثّل القاعدة للعمل النبوي ، ويمثّل الإطار للحياة التي يقدّمها النبيّ ويدعو إليها ، فإذا ماتت تلك القاعدة وذلك الإطار باضمحلال ذلك التراث ، وبقيت النبوة مجرّد مسألة تاريخية لا يوجد بالفعل في حياة الناس ما يُجسّد مفهومها ومنظارها إلى الحياة ، ففي مثل ذلك ، لا بدّ من دفعة جديدة ، لكي يستأنف العمل ويستأنف الشوط في سبيل إعادة البشرية إلى ربّها ، وإقامة دعائم العدل والحق والتوحيد على وجه الأرض .

وأيضاً هذا السبب نجده إلى درجة كبيرة في المسيحية بالذات ، فالمسيحية بعد أنْ غادر السيّد المسيحعليه‌السلام مسرح الدعوة والعمل ، لم يبقَ من المسيحية شيء حقيقي يُمكن أنْ يُقام على أساسه العمل النبويّ ، الإنجيل الذي يُحدّث عنه القرآن الكريم فُقِد نهائياً ؛ لأنّ الإنجيل الذي يُحدّث عنه القرآن الكريم كتاب أُنزل على السيد المسيحعليه‌السلام ، والأناجيل التي تعيش اليوم وكانت تعيش بالأمس هي كتب ألفَّها طلاب السيّد المسيحعليه‌السلام على أفضل التقادير ، فالرسالة المتمثّلة في الكتاب السماوي قد انطفأت ، والحواريون كانوا من حيث القلّة والتشتّت والاضطراب الذهني ، ما يجعلهم غير قادرين على حماية التراث الباقي في أذهانهم من السيّد المسيحعليه‌السلام ، بدليل مراجعة هذه الأناجيل التي كتبوها ، فإنّ هذه الأناجيل لا تحمل في الحقيقة وفي مجملها إلاّ سيرة السيّد المسيحعليه‌السلام ، مع إبراز الجانب الغيبي والمعاجزي من هذه السيرة .

إذن لم يبقَ من السيّد المسيحعليه‌السلام بعد انتهاء دوره على المسرح حصيلة مضيئة يُمكن القيام على أساسها على الخط الطويل ، العمل النبوي .

لم تبقَ إلاّ فكرة غائمة غامضة عن إنسان بات ليُصلِح ، وقال ، وعلّم ،

ثمّ انتهى ، أمّا ماذا قال ؟ وكيف انتهى ؟ وماذا خلّف ؟ وما هي شريعته ؟ كلّ هذا بقي غائماً غامضاً ، ولهذا مُلِئ بالتدريج بأيدٍ بشريّة تزعّمت بعد هذا ، المسيحية ، مُلئت هذه الفراغات الكبيرة التي تركها السيد المسيحعليه‌السلام ، خاصة بعد أنْ أصبحت المسيحية رومانية ، ودخلَت الإمبراطورية الرومانية في الديانة المسيحية رسمياً أولاً ، وشعبيا ثانياً ، في مثل هذه الحالة .

إذن هذه أيضاً من الأسباب المعقولة لتغيير النبوة ، وهي أنْ لا يبقى من ذلك النبيّ تراث حي يُمكن أنْ يُقام على أساسه العمل ، وترتكز بموجبه الدعوة إلى الله سُبحانه وتعالى .

أيضاً من الأسباب التي يمكن أنْ يقام على أساسها التغيير في النبوّة ، هو أنْ تكون الرسالة التي هبطت على النبيّ ، محدودة باعتبار محدودية نفس النبيّ ، وإنْ كان مفهوماً عامّاً ، إلاّ أنّ هذا المفهوم العام على ما يقول المناطقة : يصدق على أفراده بالتشكيك ، هناك على ما تقول الروايات نبيّ للبشرية ، ونبيّ للقبيلة ، وهناك نبوّات تختلف من حيث السعة والضيق ، باختلاف طبيعة النبيّ نفسه ، باعتبار مستوى كفاءة القيادة الفكرية والعملية في شخص النبيّ ، فحمدودية الكفاءة القيادية في المجالين الفكري والعملي ، ممّا يؤثّر في تحديد الرسالة التي يحملها النبيّ ؛ لأنّ كل إنسان على الأرض ، لا يمكن أنْ يحمل رسالة يحارب ويدافع عنها حقيقة ، إلاّ إذا كان مستوعباً لها استيعاباً كاملاً شاملاً ، وهذا الاستيعاب الكامل الشامل ، يتطلّب من هذا الداعية أنْ يكون على مستوى هذه الرسالة .

ومن الواضح أنّ الأنبياء كغير الأنبياء ، يتفاوتون في درجات تلقيهم للمعارف الإلهية عن طريق الوحي من قبل اللّه سبحانه وتعالى ، ولهذا كانت بعض الرسالات محدودة بحكم محدودية قابلية الأنبياء أنفسهم ، حيث إنّ هذا النبيّ ليس مؤهّلاً لأنْ يحمل هموم البشرية على الإطلاق وفي كلّ زمان ومكان ، بل هو مهيّأ لأنْ يحمل هموم عصره فقط ، أو هموم مدينته فقط، أو هموم قبيلته فقط، لأن ذاك الشخص الذي يحمل هموم البشرية على الإطلاق ، ويعيش مشاكلها على الإطلاق ، ليكتوي بنارها على الإطلاق ، ليس إلاّ الدرجة العالية إلى اللّه سُبحانه وتعالى من الأنبياء والأوصياء .

فإذا كانت النبوة محدودة بطبيعة قابليّات هذا النبيّ ، كان لا بدّ في خارج هذه الحدود الزمانية والمكانية ، من نبوة أُخرى تمارس عملها في سبيل اللّه سبحانه...

وأخيراً من جملة الأسباب التي تدعو إلى تغيير النبوة ، هو تطوّر البشرية ، وتطوّر نفس الإنسان المدعو ، لا محدودية الإنسان الداعي ، كما فيما سبق ، وكون الإنسان المدعو يتصاعد بالتدريج لا بالطفرة ، وينمو على مرّ الزمن في أحضان هذه الرسالات الإلهية ، فيكتسب من كل رسالة إلهية درجة من النمو ، تهيّئه وتُعدّه لكي يكون على مستوى الرسالة الجديدة وأعبائها الكبيرة ، ومسؤولياتها الأوسع نطاقاً .

وفكرة التطور هنا لا بدّ و أنْ تُحدّد إجمالاً ملامحها ومعالمها .

ويمكننا أنْ نبرز ثلاثة خطوط تتطوّر على وفقها الإنسانية ، إلاّ أنّ عامل التطور في النبوة يرتبط بالتطور ، في خطّين من هذه الخطوط الثلاثة ، ولا يرتبط بالخط الثالث من هذه الخطوط ، والخطوط هي : خطّ وعي التوحيد... خطّ المسؤولية الأخلاقية للدعوة لحمل أعباء الدعوة... خطّ السيطرة على الكون والطبيعة...

الخط الأول :

النبوة ترتبط بالواقع بالخطّين الأول والثاني من هذه الخطوط الثلاثة ، بالوعي التوحيدي عند الإنسان ، وبخطّ المسؤولية الأخلاقية لحمل أعباء الدعوة في العالم ، ولا ترتبط النبوة بالخطّ الثالث من خطوط التطور وهو مدى السيطرة للإنسان على عالم الطبيعة والكون ؛ ذلك لأنّ النبوّة تستهدف أنْ تصنع الإنسان من داخله ، تستهدف أنْ تصنع للإنسان قاعدة فكريّة يقوم على أساسها بناؤه الداخلي ثمّ يقوم على أساس هذا البناء الخارجي ، وهذه القاعدة الأساسية التي يقوم على أساسها البناء الداخلي وبالتالي البناء الخارجي هي : التوحيد .

فكرة التوحيد وربط الإنسان بكامل وجوده وجوانب حياته بربٍّ واحد أحد .

هذه الفكرة هي القاسم المشترك بين كل النبوّات والرسالات التي عاشها الإنسان ، منذ أنْ خلقه اللّه سبحانه وتعالى على وجه الأرض .

إلاّ أنّ هذه الفكرة فكرة التوحيد ليست ذات درجة حدية ، وإنّما هي بنفسها ذات درجات من العمق والأصالة والتركيز والترسيخ ، فهذه الدرجات متفاوتة ، كان لا بدّ بمقتضى الحكمة الإلهية أنْ يهيّأ الإنسان لها بالتدريج هذا الإنسان الذي غرَق بمقتضى تركيبه العضوي والطبيعي في حسّه ودُنياه ، حينما يُدعى إلى فكرة التوحيد ، لا بدّ من أنْ ينتزع من عالَم حسّه ودنياه بالتدريج ؛ لكي ينفتح على فكرة التوحيد التي هي فكرة الغيب .

فالغيب يجب أنْ يُعطى له على مراحل ، وعلى درجات ، كلّ درجة تهيئ ذهنه لتلّقي التوحيد .

ونحن بإمكاننا الالتفات إلى فكرة التوحيد المعطاة من التوراة والإنجيل ، والقرآن الكريم ، إنّ نفهمه مثالاً على هذا المعنى ، التوراة والإنجيل والقرآن ، كل هذه الكتب تُعطي فكرة التوحيد ، وبقولي التوراة والإنجيل أقصد التوراة والإنجيل الذي يعيش بيننا اليوم ؛ لانّ التوراة والإنجيل الموجودين بين أيدينا اليوم على أيّ حال ، قد يقصدان تصوير الفكرة الدينيّة في شعب موسى وشعب عيسى في قوم موسى وقوم عيسى ، ولا شكّ في أنّه أيضاً يحتفظ بجزءٍ من النص الديني إلى حدٍّ قليل أو كثير ، خاصة في التوراة ، ولهذا لا يمكن أنْ نستلهم من الكتابين ، في سبيل تقدير وتحديد الروح الدينية العامّة ، لمرحلتين من مراحل الإنسان التي عاشها مع النبوّة ، بطبيعة الحال هنا نرى فرقاً فارقاً بدرجة ، وتطوّراً في مفهوم التوحيد المعطى .

فبينما التوحيد في الكتاب الأول يقوم على أساس إعطاء إله ، وهذا الإِله ، لا يستطيع هذا الكتاب أنْ ينزع عنه الطابع القومي المحدود ، فيشد هذا الإله جماعة معيّنة إلى شعبٍ معيّن ، هذا الشعب المعيّن الذي قدّر أنْ يُنزل الرسالة فيه ، أنْ يكون النبيّ منه ، فكانت التوراة باستمرار تقدّم الإله في إطار قومي كأنّه إله هؤلاء في مقابل الأصنام ، والأوثان التي هي آلهة الشعوب والقبائل ، فلم تقل التوراة بكلّ صريح عميق لهؤلاء أنْ هناك إلهاً واحداً للجميع ، و أنْ هذه الأصنام والأوثان يجب أنْ ترفضها البشرية ، وإنّما عوضت هؤلاء بالخصوص عن صنم ووثن معيّن ، بإله يعبدونه بدلاً عن هذا الصنم ، هذا الشيء الذي يوجد في نفوس هؤلاء القوم تأريخياً الشعور بالاعتزاز ، والشعور بالزهو والخُيّلاء على بقيّة الشعوب الأُخرى ، هذا الشعور الذي لم يوجد في شعوب متأخّرة نزلت فيها

نبوّات التوحيد ، على أساس أنّ الإله الذي أُعطي إليهم كان إلهاً مشوباً بشيءٍ من المحدودية والطابع الذري ، فخيّل لهم على مرّ الزمن ، أنّهم يحتكرون اللّه لأنفسهم ، بينما الشعوب والقبائل الأُخرى ، هي ذات آلهة شتّى وأصنام شتّى ، ويشير القرآن الكريم إلى فكرة الاحتكار التي كان يعتقدها اليهود بالنسبة إلى اللّه تعالى .

في الكتاب الثاني صعَدت فكرة اللّه مرتبة ؛ وذلك لأنّ الطابع القومي انتُزع عن هذه الفكرة ، أصبح الإله المقدّم من قِبل تلامذة السيّد المسيحعليه‌السلام للعالم ، إلهاً عالمياً لا فرْق فيه بين شعبٍ وشعب ، هو إله العالم على الإطلاق ، لم يُغادر منطقة قريبة من ذهن الإنسان المحسوس ، لم يجرّد تجريداً كاملاً عن عالم الحس ، بقيَ على صلةٍ وثيقة جدّاً بالإنسان الحسّي ، كأنّه أبوه ، وبهذا يعبّر في الأناجيل كثيراً عن الإنسان بأنّه ابن اللّه .

المسيحية الرسمية تُفسّر هذا الإنسان بعيسى بن مريم ، وأنّ عيسى بن مريم هو ابن اللّه ، لكنّي لا أظنّ أنْ يقصد به هذا ، الأناجيل تُعبّر عن أيّ إنسان أنّه ابن الّله لا عن عيسى بن مريم بالخصوص أنّه ابن اللّه ؛ لأنّها تُعطي فكرة عن اللّه فكرة الأب الواحد للجماعة البشرية ، لا فكرة الخالق ، السيّد المطلق المقتدر الوالد الكبير ، فكرة أبٌ له أبناء هؤلاء الأبناء لهم لغات شتّى ، ولهم اتجاهات شتّى ، ولهم مذاهب شتّى ، ولهذا يجب أنْ يتآخوا ؛ لأنّهم أبناء أبٍ واحد .

بينما الكتاب الثالث يُعطي فكرة التوحيد بأنصَع وأوسع ممّا يُمكن من التنزيه الذي يبقى محتفظاً بقدرته على تحريك الإنسان ؛ لأنّه يجرّد هذه الفكرة عن طابع الأبوة والعلائق المادية مع الإنسان على الإطلاق .

يجرّد اللّه عن أيّ علاقة ماديّة مع أيّ إنسان حتى مع أشرف إنسان على وجه الأرض ، مع صاحب الرسالة بالذات محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يقف النبيّ محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله في لغةِ القرآن بين يدَي اللّه ، عبداً ذليلاً خاضعاً يتلقّى الأوامر ، وليس له إلاّ الطاعة وإلاّ أنْ ينفذ حرفياً ، مثل هذه الفكرة هي أقصى ما يُمكن أنْ يصل إليه التنزيه والتعميق والتنسيق في فكرة التوحيد ، مع الحفاظ على فاعلية الفكرة وعلى محرّكيّتها .

هذا الخط ، خطّ وعي التوحيد وفكرة التوحيد ، هذا هو أوّل الخطوط

التي تتغيّر مواقف النبوّات بموجبها ، على أساس أنّ هذا الخط هو المرتبط بالقاعدة الفكرية الأساسية التي تعمل بموجبها كل النبوّات ، فمهما صعَدت درجة الوعي لهذه القاعدة الأساسية يجب أنْ يَعطي لها الصيغة العميقة المعمّقة الأكبر .

الخط الثاني :

هو خطّ تحمّل أعباء المسؤولية الأخلاقية للدعوة ، يعني كون الإنسان بالغاً إلى درجة تؤهّله لأن يتحمّل أعباء دعوة لها ضريبتها وواجباتها وآلامها وهمومها .

مثل هذا التحمّل أيضاً له درجات ، ولم يستطع الإنسان بالطفرة ، أنْ يصل إلى درجة أعباء التحمّل للرسالة العالمية الواسعة الغير محدودة الزمان والمكان ، لم يستطع أنْ يصل إلى هذا بالطفرة ، وإنّما استطاع أنْ يصل إلى ذلك عبر مران طويل ، على تحمّل المسؤوليات .

البشرية بقِيَت تتحمّل المسؤوليات عبر مران طويل ، ونمَت خلال مرانها الطويل ، حتى استطاعت أنْ تتحمّل مسؤولية رسالة لا حدّ لها ، ممتدّة مع الزمان والمكان ، وإلاّ فأيّ مسؤوليات كانت تتحمّلها أُمَم الانبياء السابقين ، الأُمَم التي تنكشف أمامنا اليوم تواريخها هي أُمم موسى وعيسى ؟

ونحن بالمقارنة بين موسى وعيسى ، والمسؤوليات التي تحملتها الأُمّة الإسلامية حينما نزَل الوحي على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بالرسالة الخاتمة ، المقارنة ما بين هذا وذاك ، يكشف درجة كبيرة في تحمل المسؤوليات ، تعبّر عن نمو الاستعداد على مرّ الزمن ، وموسى مات وشعب بني إسرائيل في التيه ، يعني وجه حياته وجّه كل أعماله بكلّ ما يُمكِن من جهاد وتضحية في سبيل أداء رسالته ، ولكنّه أنهى حياته وشعب بني إسرائيل في التيه ، كتب اللّه جلّ جلاله عليهم التيه أربعين سنة ؛ لأنّهم لم يستجيبوا لمتطلّبات الرسالة ، لم يستجيبوا أبداً لما تقتضيه رسالة موسى بالنسبة إليهم ، حتى خلّفهم موسى حيارى ومات .

أين هذا من أُمّةٍ حملت أعباء الرسالة ؟

الخط الثالث :

وهو خط سيطرة الإنسان على الكون والطبيعة .

هذا الخط متطوّر قبل الإسلام وبعد الإسلام ، ولنْ يقف هذا الخط عند مرحلة من المراحل على الإطلاق .

والإنسان سوف لنْ تقف سيطرته بإذن اللّه جلّ جلاله ، عند مرحلة من مراحل الاستيلاء على الكون والطبيعة ، إنْ انتهى استيلاؤه على الأرض سوف يُفكّر بالاستيلاء على السماء ، في الاستيلاء على كل أبعاد الكون ، إذن ، فهو في نموٍّ مستمر لا ينقطع ولا توضَع له حدود مفترضة من هذه الناحية .

فلو كانت النبوّة مرتبطة بهذا الخط أيضاً لتحتّم أنْ تتغير النبوّات على مرّ الزمن ، وإلى يومنا هذا ، والى يوم القيامة ، ولكن النبوّة غير مرتبطة بهذا الخط ؛ لأنّ النبوّة لم تجد التيه ، لكي تأخذ بالإنسان في مجال السيطرة على الكون والطبيعة ، وإنما جاءت لتصنع هذا الإنسان المسيطر على الكون بالدرجة التي هيّأته لها هذه الظروف - ظروفه الموضوعية - أنْ تجعل من هذا الإنسان إنساناً فاضلاً نبيلاً مدبّراً حكيماً ، سَواء أكانت سيطرته على الطبيعة تهيّئه لأنْ ينتقل من بلدٍ إلى بلد على رجليه ، أم على الحمير ، أم في الطائرات أم في الصواريخ .

على جميع هذه التقادير وفي جميع هذه المراحل التي تعبر عن درجات من سيطرة الإنسان على الكون والطبيعة في جميع هذه المراحل ، النبوّة لا يختلف دورها وطبيعة رسالتها .

ومن هنا ليس من الحتْم أنْ تتغير النبوّة بين الحين والحين ، وفقاً للخط الأول والخط الثاني ، هذان الخطّان اللذان ترتبط بهما التغييرات في النبوة ، هذان الخطّان لهما حدٌّ نهائي يصل إليه الإنسان ، هذا الحد النهائي هو الحدّ النهائي الذي وصل إليه الإنسان حينما جاء الإسلام كرسالة شاملة كاملة عامّة للحياة .

جاءت على أبواب وصول الإنسان إلى رشده الكامل ، من ناحية استعداده لتقبّل وعي توحيدي صحيح كامل شامل ، ومن ناحية تحمّله لمسؤولية أعباء الدعوة .

ونحن باستقراء تاريخنا المنظور ، منذ جاء الإسلام إلى يومنا هذا ، لا نجد أيّ تغير حقيقي في هذين الخطّين ، لا في مدى اتساع الوعي التوحيدي عند الإنسان ولا في اتّساع التحمّلات الأخلاقية في أعباء الدعوة .

في كلا هذين الخطّين لا نجد أيّ تغيرٍ حقيقي .

نعم نجد التغيير الواسع جدّاً في الخطّ الثالث الذي يُعتبر خارجاً عن نطاق عمل النبوّة ورسالتها .

والحمد للّه ربَّ العالمين

٤ - مضاعفات وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

اليوم نجتمع بمناسبة أعظَم فاجعة مرّت على تاريخ البشرية على الإطلاق .

بمناسبة الفاجعة المزدوجة التي يُمثّل الجزء الأول منها انقطاع الوحي في تاريخ البشرية .

هذه الظاهرة التي لم يعرف الإنسان في تاريخه الطويل الطويل ظاهرةً يُمكن أنْ تُماثلها ، وأنْ تناظرها في القدسيّة والجلال والأثر في حياة الإنسان وتفكيره ، ويمثّل الجزء الآخر من الفاجعة الانحراف داخل المجتمع الإسلامي ، على يد المؤامرة التي قام بها جناح من المسلمين بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فانحرف ـ بذلك ـ الخطُ عمّا كان مقرّراً له من قِبَل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ومن قبل الله تعالى .

كان هذا اليوم المشؤوم بداية انحراف طويل ونهاية عهد سعيد بالوحي ، تمثّل في مِئة وأربعة وعشرين ألف نبيّ كما في بعض الروايات ، وكان بداية ظلام ومحِن ومآسٍ وفواجع وكوارث من ناحية أُخرى تمثّل في ما عقَب وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من أحداث في تاريخ العالَم الإسلامي ، هذه الأحداث المرتبطة ارتباطاً شديداً وقويّاً بما تمّ في هذا اليوم من الفاجعة على ما في زيارة الجامعة التي نقرؤها :( بيعتهم التي عمّت شؤمها الإسلام ، وزرعت في قلوب الأُمّة الآثار وعنّفت سلمانها ، وضربت مقدادها ، ونفَت جندبها ، وفتحت بطن عمّارها ، وأباحت الخُمس للطلقاء أولاد الطلقاء وسلّطت اللعناء على المصطفين الأخيار ، وأبرزت بنات المهاجرين والأنصار إلى الذلّة والمهانة ، وهدَمت الكعبة وأباحت المدينة وخلطت الحلال بالحرام ) إلى غير ذلك من الأوصاف .

والجزء الثاني من الفاجعة الذي تمّ في هذا اليوم تحدّثنا عنه خلال الكلام عن حياة الأئمّةعليهم‌السلام ، وسوف نتحدّث عنه أيضاً خلال كلامنا عن مناسبات أُخرى في حياة الأئمةعليهم‌السلام .

وأودّ الآن أنْ أقتصر على الجزء الأوّل من هذه الفاجعة ، يعني أنْ أنظر إلى الحدَث الذي وقَع في هذا اليوم بوصفِه حدَثاً قد وضَع حدّاً لتلك الظاهرة العظيمة التي اقترنت مع هبوط الإنسان على وجه الأرض ، ظاهرة الوحي ظاهرة ارتفاع الإنسان وتفانيه للاتصال المباشر مع الله سبحانه وتعالى .

ففي مثل هذا اليوم وضع حد نهائي لهذه الظاهرة المباركة الميمونة وفي بعض الروايات أنْ جبرائيلعليه‌السلام حينما ارتفع ملائكة السماء بروح محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى ربّها راضيةً مرضية ، التفت إلى الأرض مودّعاً ثمّ طار إلى سماواته .

هذا اليوم كان يوم انقطاع الإنسانية عن الاتّصال المباشر باللّه سُبحانه بانتهاء حياة خاتم الأنبياء والمرسلين .

بهذه المناسبة أُريد أنْ أُعطي فكرة موجزة على مستوى بحث اليوم عن الوحي ، الوحي الذي يتمثّل في اتّصال خاص بين الإنسان وبين الله .

فالوحي هو ضرورة من ضرورات تخليد الإنسان على وجه الأرض وبهذا خلق الله الإنسان وأودعه الاستعداد الكامل والأرضية الصالحة بإفاضة هذه الموهبة منه سبحانه ؛ لأنّ ضرورة الوحي يُمكن أنْ توضَع في قِبال جانبين في الإنسان ، الآن اقتصر على أحد الجانبين :

الإنسان خُلِق حسّياً أكثر منه عقلياً خلق يتفاعل مع حسّه أكثر ممّا يتفاعل مع عقله ، يعني أنّ النظريات والمفاهيم العقلية العامّة في إطارها النظري هذه المفاهيم حتى لو آمن بها الإنسان إيماناً عقليّاً حتى لو دخَلَت إلى ذهنه دخولاً نظريّاً مع هذا لا تهزّه ولا تحركه ولا تبنيه ولا تزعزع ما كان فيه ولا تنشئه من جديد إلا في حدود ضيقة جداً على عكس الحسّ فإنّ الإنسان الذي يواجه حسّاً ، ينفعل بهذا الحس و ينجذب إليه ، وينعكس هذا الحسّ على روحه

ومشاعره وانفعالاته وعواطفه بدرجةٍ لا يمكن أنْ يُقاس بها انعكاس النظرية والمفهوم المجرّد عن أيّ تطبيق حسّي .

وليس من الصدفة أنْ كان الإنسان على طول الخط في تاريخ المعرفة البشرية ، أكثر ارتباطاً بمحسوساته من معقولاته وأكثر تمسّكاً بمسموعاته ومنظوراته من نظريّاته .

فإنْ هذا هو طبيعة التسليم الفكري والمعرفي عند الإنسان ، وليس من الصدفة أنْ قُرِن إثبات أيّ دينٍ بالمعجرة وكانت أكثر معاجز الأنبياء معاجز على مستوى الحس ؛ لأنّ الإنسان يتأثّر بهذا المستوى أكثر ممّا يتأثّر بأيّ مستوىً آخر .

إذن : ( فالإنسان بحسَب طبيعة جهازه المعرفي وتكوينه النظري خُلِق حسّياً أكثر منه عقلياً ) ، خُلِق متفاعلاً مع هذا المستوى من الانخفاض من المعرفة أكثر ممّا هو متفاعل مع المستوى النظري المجرّد عن المعرفة ، وهذا يعني أنّ الحسّ أقدر على تربية الإنسان من النظر العقلي المجرّد ويحتل من جوانب وجوده وشخصيته وأبعاد مشاعره وعواطفه وانفعالاته أكثر ممّا يحتل العقل : المفهوم النظري المجرّد .

بناء على هذا كان لا بدّ للإنسانية من حسٍّ مربّي ، زائد على العقل والمدركات العقلية الغائمة الغامضة التي تدخل إلى ذهن الإنسان بقوالب غير محدودة وغير واضحة .

إضافة إلى هذه القوالب كان لا بدّ لكي يربّى الإنسان على أهداف السماء ، على مجموعة من القِيَم والمثل والاعتبارات ، كان لا بدّ من أنْ يُربّى على أساس الحس وهذا هو السبب في أنّ كل الحضارات التي يعرفها تاريخ النوع البشري إلى يومنا هذا ، إلى حضارة الإنسان الأوروبّي التي تحكّم العالم ظلماً وعدواناً كل هذه الحضارات التي انقطعت عن السماء ربّاهاً الحس ولم يربّها العقل ؛ لأنّ الحس هو المربّي الأول دائماً ، فكان لا بدّ لكي يمكن تربية الإنسان على أساس حس يبعث في هذا الإنسان إنسانيته الكاملة الممثّلة لكلّ جوانب وجوده الحقيقية كان لا بد من خلق حس في الإنسان يدرك تلك القِيَم والمُثل والمفاهيم ويدرك التضحية في سبيل تلك القيم والمثل إدراكاً حسياً لا إدراكاً عقلانياً بقانون الحسن والقبح العقليين فقد وهذا يعني ما قلناه من أنّ ضرورة الإنسان في خط التربية تفرض أنْ يودّع في طبيعة تكوينه وخلقه أرضية تكون صالحة ، لأنْ

تكون فيه حسّيا بحُسن العدل بقبحِ الظلم بآلام المظلومين ، أنْ تكون فيه حسّا بكلّ ما يُمكن للعقل إدراكه وما لا يُمكن إدراكه من قِيَم ومثل واعتبارات .

وهذه الأرضية أو هذا الاستعداد الكامل الذي كان الارتباط المباشر مع الله سُبحانه وتعالى لكي تنكشف كلّ الصحف ، كل الستائر عن كلّ القِيم ، وكل المُثل وكل هذه الاعتبارات والأهداف العظيمة لكي ترى رؤية العين وتسمَع سماع الأُذن لكي يلمسها بيده ، يراها بعينه .

كان لا بدّ من أنْ توجد بذرة مثل هذا الحسّ في النوع البشري ، إلاّ أنّ وجدان هذه البذرة في النوع البشري لا يعني أنّ كل إنسان سوف يصبح له مثل هذا الحس ، وينفتق إدراكه عنه وإنما يعني إنْ الإمكانية الذاتية موجودة فيه إلا أنّ هذه الإمكانية لنْ تخرج إلى مرحلة الفعلية إلاّ ضِمن شروطها وظروفها وملابساتها الخاصة كأي إمكانية أُخرى في الإنسان .

هناك شهَوات وغرائز موجودة في الإنسان منذ يخلق وهو طفل ولكنّه لا يعيش تلك الشهَوات ولا يعيش تلك الغرائز إلى مراحل متعاقبة من حياته فإذا مر بمراحل متعاقبة من حياته تفتحت تلك البذور حينئذ أصبح يعيش فعلية تلك الشهوات والغرائز كذلك على مستوى هذا الحس الذي هو أشرف وأعظم وأروَع ما أودع في طبيعة الإنسان .

هذا قد لا يعيشه مئات الملايين من البشر في عشرات الآلاف من السنين ، قد لا يتفتح يبقى مجرد استعداد خام و أرضية ذاتية تمثّل الإمكان الذاتي لهذه الصيغة فقط دون أنْ تتفتّح عن وجود مثل هذا الحس ، لأنّ تفتّحه يخضع لما قلناه من الملابسات والشروط التي لها بحثٌ آخر أوسع من كلامنا اليوم .

أرضية أنْ يحس الإنسان بتلك القِيَم والمثل تصبح أمراً واقعياً في أشخاص مميزين يختصّهم الله تعالى بعنايته ولطفه واختياره وهؤلاء هم الأنبياء والمرسلون الذين يرتفعون إلى مستوى أنْ تصبح كل المعقولات الكاملة محسوسات لديهم يصبح كل ما نفهمه وما لا نفهمه من القيَم والمُثل أمراً حسّياً لديهم يحسّونه ويسمعونه ويبصرونه .

ذلك أنّ الأفكار التي ترد إلى ذهن الإنسان تارة ترد إلى ذهنه وهو لا يدرك

إدراكاً حسّياً مصدر هذه الأفكار .

الأفكار التي ترد إلى الإنسان كلّنا نؤمن بأنّها أفكار بقدرة الله وعنايته ورَدت إلى ذهن الإنسان و إلى فكره ، لكن إيماننا بذلك إيمان عقلي نظري لا حسّي ؛ لأنّ اللّه سُبحانه وتعالى هو مصدر العِلم والمعرفة والأفكار الخيرة في ذهن الإنسان ، ولهذا أي فكرة من هذا القبيل تطرأ في ذهن الإنسان نؤمن عقلياً بأنّها من اللّه سبحانه وتعالى .

لكن هناك فارق كبير بين حالتين : بين حالة أنْ ترد فكرة إلى ذهن الإنسان فيحسّ بأنّ هذه الفكرة أُلقيت إليه من أعلى ، بحيث يدرك إلقاءها من أعلى كما تدرك أنت الآن أنّ الحجَر وقَع من أعلى ، يدرك هذا بكلّ حسّه وبصره يدرك أنّ هذه القطرة هذا الفيض هذا الإشعاع قد وقَع من أعلى ، أُلقي عليه من اللّه سبحانه وتعالى .

وأُخرى لا يُدرك هذا على مستوى الحس يدركه عقلياً ، يُدرك أنّ هناك فكرة تعيش في ذهنه نيّرة خيّرة لكنّه لم يرَ بعينه أنّ هناك يداً قذَفت بهذه الفكرة إلى ذهنه .

وهذه الأفكار التي تُقذَف في ذهن الإنسان فيتوفّر لدى ذاك الإنسان حسٌّ بها بأنّها قُذِفت إليه من الله سُبحانه وتعالى وأُفيضت عليه من واجب الوجود واهب الوجود وواهب المعرفة فهي أيضاً على أقسام .

لأنّ هذا الإنسان تارةً قد بلَغ حسّه إلى القمّة فاستطاع أنْ يحس بالعطاء الإلهي من كلّ وجوهه وجوانبه ، يسمعه ويبصره يراه في جميع جهاته يتعامل معه ويتفاعل معه بكلّ ما يُمكن للحسّ أنْ يتفاعل مع الحقيقة هذا هو الذي يعبّر عنه بمصطلح الروايات على ما يظهر من بعضها بمقامٍ عال من الأنبياء مقام الرسول الذي يسمع الصوت ويرى الشخص أيضاً .

ويمكن أنْ نفترض أنّ هناك ألواناً أُخرى من الحسّ تدعم هذا الحس السمعي والبصري عند هذا الإنسان العظيم فهو يحس بالحقيقة المعطاة من الله تعالى من جميع جوانبها ، يحس بها بكلّ ما أُوتي من أدوات الحسّ بالنسبة إليه هذه هي الدرجة العالية من الحس وقابلية الاتصال مع العمل الإلهي .

وأُخرى يفترض أنّه يحسّ بها من بعض جوانبها وهو الذي عبّر عنه بأنّه

يسمَع الصوت ولا يرى الشخص ، هذا إحساس إلاّ أنّه إحساس ناقص ، وقد يفترض أنّه أقّل من ذلك وهو الذي عُبّر عنه في بعض الروايات بأنّه يرى الرؤيا في المنام هنا يرى هذه الرؤيا المناميّة ، وهي طبعاً تختلف عن الرؤيات في اليقظة من حيث درجة الوضوح .

فهنا فارق كيفي بين الحسّ والرؤيا المناميّة والرؤيا في عالم اليقظة والانتباه الكامل .

هناك درجات من الحسّ وعلى وِفق هذه الدرجات وضِعت مصطلحات الرسول والنبيّ والمحدّث والإمام ، ونحو ذلك من المصطلحات ، أنّه الذي يمثّل أعلى هذه الدرجات هو الوحي المتمثّل في ملك يتفاعل معه النبيّ تفاعلاً حسيّاً من جميع جوانبه كما كان يعيش سيد المرسلينصلى‌الله‌عليه‌وآله مع جبرائيلعليه‌السلام هنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يعيش الحقيقة الإلهية عيشاً حسّياً من جميع جوانبها ، يعيشها كما نعيش نحن على مستوى حسنٍ ووجود رفيقنا وصديقنا ، لكن مع فارق بين هذين الحسّين بدرجة الفارق بين المحسوسين .

هذا الحس هو الذي استطاع أنْ يربّي شخص النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وأُعدّ لكي يكون المثَل الأوّل والرائد الأوّل لخط هذه القِيَم والمُثل والأهداف الكبيرة .

يعني هذا الحس قام بدور التربية للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ لأنّه استنزل القِيم والمُثل والأهداف والاعتبارات العظيمة من مستواها الغائم المُبهم من مستواها الغامض العقلي من مستوى النظريّات العمومية فأعطاها معالم الحسّ التي لا ينفعل الإنسان ـ كما قلنا بقدر ما ينفعل بها بهذا تصبح الصورة المحسوسة التي هبَطت على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، على أيّ نبيّ من الأنبياء ملء وجوده ، ملء روحه ملء كيانه .

تصبح همّه الشاغل في ليله ونهاره ؛ لأنّها أمامه يراها يحسّها... يلمسَها ويشمّها بأروَع ممّا نلمس ونشمّ ونسمع ونبصر .

ثمّ هذا الشخص الذي استطاع أنْ يُربّيه الحس القائم على الوحي يصبَح هو حسّاً مربّياً للآخرين ، فالآخرون من أبناء البشرية الذين لم تُتِح لهم الظروف ، ظروفهم وملابساتهم وعناية الله أنْ يرتفعوا هُم إلى مستوى هذا الحس ، الذين لم يُتَح لهم هذا الشرف العظيم سوف يُتاح لهم الحس لكن بالشكل

غير المباشر ، حسٌّ بالحس لا حس بالحقيقة الإلهية مباشرة ، حسٌّ بالمرآة الحقيقية الإلهية انعكست على هذه الحقيقة الإلهية ، يعني المعطى الإلهي - الثقافة الإلهية - انعكست على هذه المرآة ، والآخرون يحسّون بهذه المرآة بينما النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله نفسه كان يحسّ مباشرة بتلك الثقافة الإلهية بما هي أمرٌ حسّي لا بما هي أمرٌ نظري ، أمّا نحن نحسّ محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله ، بما هو رجلٌ عظيم بما هو رجلٌ استطاع أنْ يُثبت للبشرية أنّ هناك اعتباراً وهدَفاً فوق كلّ المصالح والاعتبارات ، فوق كل الأنانيّات ، فوق كل الأمجاد المزيّفة والكرامات المحدودة ، أنّ هناك إنساناً لا ينقطع نفسه إذا كان دائماً يسير على خط رسالة الله سُبحانه وتعالى .

هذا المضمون الذي للإنسان أنْ يُدركه عقلياً ، هذا المضمون الذي حشَد أرسطو وأفلاطون مئات الكتب بالبرهنة العقلية عليه ، على إمكانية الاستمرار اللامتناهي من اللامتناهي ، هذا المعنى أصبح لدى البشرية أمراً محسوساً خرَج من نطاق أوراق أرسطو وأفلاطون التي لم تستطع أنْ تصنع شيئاً ، والتي لم تستطع أنْ تفتح قلب إنسان على الصلة بهذا اللامتناهي ، وأصبحت أمراً حسّياً يعيش مع تاريخ الناس لكي يكون هذا الأمر المحسوس هو التعبير القويّ دائماً عن تلك القيَم والمُثل وهو المربّي للبشرية على أساس تلك القِيم والمثل .

فالوحي بحسب الحقيقة إذن هو المربّي الأول للبشرية الذي لم يكن بالإمكان للبشرية أنْ تربّى بدونه ؛ لأنّ البشرية بدون الوحي ليس لديها إلاّ حسٌ بالمادّة وما على المادة من ماديات ، وإلاّ إدراك عقلي غائم قد يصل إلى مستوى الإيمان بالقيَم والمُثُل وباللّه ، إلاّ أنّه إيمانٌ عقليّ على أيّ حال لا يهزّ قلب هذا الإنسان ، ولا يدخل إلى ضميره ولا يسمَع كل وجوده ولا يتفاعل مع كل مشاعره وعواطفه .

فكان لا بدّ أنْ يستنزل ذلك العقل على مستوى الحس ، لا بدّ أنْ تستنزل تلك المعقولات على مستوى الحس وحيث إنّ هذا ليس بالإمكان أنْ يعمل مع كل الناس ؛ لأنّ كل إنسان مهيّأ لهذا ، ولهذا استصفى لهذه العملية أُناسٌ معيّنون أوجَد الله تبارك وتعالى فيهم الحس القائد الرائد ، هذا الحس ربّاهم هم أوّلاً وبالذات ثمّ خلَق وجوداً حسّياً ثانوياً هذا الوجود الحسّي الثانوي كان هو المربّي للبشرية .

والخلاصة لئن بقيَت القيَم والمُثل والأهداف والاعتبارات عقلية محضة ، فهي سوف تكون قليلة الفهم ضعيفة الجذب بالنسبة إلى الإنسان ، وكلّما أمكن تمثيلها حسّياً أصبحت أقوى وأصبحت أكثر قدرة على الجذب والدفع .

إذا كان هذا حقّاً فيجب أنْ نخطّط لأنفسنا ونخطّط في علاقاتنا مع الآخرين على هذا الأساس .

يجب أنْ نخطّط في أنفسنا على هذا المستوى ، ومعنى أنْ نخطّط في أنفسنا على هذا ، يعني أنْ لا نكتفي بأفكار عقلية نؤمن بها نضعها في زاوية عقلنا كإيمان الفلاسفة بآرائهم الفلسفية ، لا يكفي أنْ نؤمن بهذه القِيَم والمثل إيماناً عقلياً صرفاً بل يجب بأنْ نحاول... أنْ نستنزلها إلى أقصى درجة مُمكنة من الوضوح الحسّي ، طبعاً نحن لا نطمَع أنْ نكون أنبياء ولا نطمع أنْ نحظى بهذا الشرف العظيم الذي انغلق على البشرية بعد وفاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ولكن مع هذا الوضوح مقول بالتشكيك على حسَب اصطلاح المناطقة ليس كل درجة من الوضوح معناها النبوّة ، هناك ملايين من درجات الوضوح قبل أنْ تصبح نبيّاً يمكن أنْ تكسب ملايين من درجات الوضوح ، وهذه المراتب المتصاعدة قبل أنْ تبلغ إلى الدرجة التي أصبح فيها موسىعليه‌السلام ، في لحظةٍ استحقّ فيها أنْ يخاطبه اللّه سبحانه وتعالى ، أو قبل أنْ يصل الإنسان إلى الدرجة التي بلغ إليها محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله حينما هبَط عليه اشرف كتب السماء ، هناك ملايين من الدرجات هذه الملايين بابها مفتوح أمامنا ، ولا بدّ أنْ لا نقتصر أنْ لا نزهد في هذا التطوير العقلي للقِيَم والمُثُل الموجود عندنا ، لا بدّ لنا أنْ لا نقتصر وأنْ نطمع في أكثر من هذا الوضوح وفي أكثر من هذا من التحدّد ومن الحسيّة ، لا بدّ لنا أنْ نفكّر في أنْ يعبأ كل وجودنا بهذا القِيم والمثل لكي تكون على مستوى المحسوسات بالنسبة إلينا .

من أساليب استنزال هذه القِيم والمثل إلى مستوى المحسوسات ، هو التأثير الذهني عليها باستمرار حينما توحي إلى نفسك باستمرار بهذه الأفكار الرفيعة ، حينما توحي إلى نفسك باستمرار بأنّك عبدٌ مملوك للّه سبحانه وتعالى ، وأنّ الله تبارك وتعالى هو المالك المطلق لأمرك وسلوكك ووجودك ، وهو المخطّط لوضعك ومستقبلك وحاضرك وأنّه هو الذي يرعاك بعينٍ لا تنام في دنياك

وآخرتك ، حينما توحي إلى نفسك باستمرار بمستلزمات هذه العبوديّة من انّك مسؤول أمام هذا المولى العظيم ، مسؤول أنْ تطيعه ، أنْ تطبّق خطّه ، أنْ تلتزم رسالته ، أنْ تدافع عن رايته ، أنْ تلزم شعاراته حينما تسر إلى نفسك وتؤكّد على نفسك باستمرار أنّ هذا المعنى للعبودية ، لأنّك دائماً وأبداً يجب أنْ تعيش مع الله .

حينما توحي إلى نفسك بأنّك يجب أنْ تعيش للّه ، سوف تتعمّق دقّة العيش للّه في ذهنك سوف تتّسع ، سوف تصبح بالتدريج شبحاً يكاد أنْ يكون حسّياً بعد أنْ كان نظرياً عقلياً صِرفاً .

أليس هناك أشخاص من الأولياء والعلماء والصدّيقين قد استطاعوا أنْ يبصروا محتوى هذه القِيَم والمُثل بأُمّ أعينِهم ؟ ! ولم يستطيعوا أنْ يبصروها بأُم أعينهم إلاّ بعد أنْ عاشوها عيشا تفصيلياً ، مع الالتفات التفصيلي الكائن ، وهذه عملية شاقّة جدّاً ؛ لأنّ الإنسان ـ كما قلنا ـ ينفعل بالحس وما أكثر المحسوسات مِن أمامه ومِن خلفه ، الدنيا كلّها بين يدَيه تمتّع بحسّه في مختلف الأشياء ، وهو يجب عليه دائماً وهو يعيش في هذه الدنيا التي تنقل إلى عينه مئات المبصَرات ، وتنقل مئات المسموعات ، يجب عليه أنْ يُلقّن نفسه دائماً بهذه الأفكار ويؤكّد هذه الأفكار خاصّة في لحظات ارتفاعه وفي لحظات تساميه ؛ لأنّ أكثر الناس إلاّ مَن عصَم الله تحصل له لحظات التسامي ، وتحصل له لحظات الانخفاض .

ليس كل إنسان يعيش محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله مئة بالمئة ، وإلاّ لكان كل الناس من طلاّبه الحقيقيين كل إنسان لا يعيش محمّداً إلاّ لحظات معيّنة تتّسع وتضيق بقدر تفاعل هذا الإنسان برسالة محّمدصلى‌الله‌عليه‌وآله .

إذن ففي تلك اللحظات التي تمرّ على أيّ واحد منّا ويحس بأنّ قلبه منفتح لمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنّ عواطفه ، ومشاعره كلّها متأجّجة بنور رسالة هذا النبيّ العظيمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، في تلك اللحظات يغتنم تلك الفرصة ليختزن وأنا أؤمِن بعملية الاختزان يعني أؤمن بأنّ الإنسان في هذه اللحظة إذا استوعب أفكاره ، وأكّد على مضمون معيّن وخزَنه في نفسه ، سوف يفتح له هذا الاختزان في لحظات الضعف بعد هذا حينما يفارق هذه الجلوة العظيمة ، حينما يعود إلى حياته الاعتيادية سوف يتعمّق بالتدريج هذا الرصيد هذه البذرة التي وضعها في

لحظة الجلوة في لحظة الانفتاح المطلق على أشرف رسالات السماء ، تلك البذرة سوف تُشعره وسوف تقول له في تلك اللحظة : إيّاك من المعصية ، إيّاك من أنْ تنحرف قيدَ أَنملة عن خطّ محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله .

كلّما ربَط الإنسان نفسه في لحظات الجلوة والانفتاح بقيود محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، واستطاع أنْ يعاهد نبيّه العظيمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، على أنْ لا ينحرف عن رسالته على أنْ لا يتمَلمَل عن خطّه على أنْ يعيشه ويعيش أهدافه ورسالته وأحكامه ، حينئذٍ بعد هذا حينما تفارقه هذه الجلوة وكثيراً ما تُفارقه ، إذا أراد أنْ ينحرف يتذكّر عهده يتذكّر صلته بمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله تصبح العلاقة حينئذٍ ليست مجرّد نظرية عقلية ، بل هناك اتفاق هناك معاهدة هناك بيعة أعطاها لهذا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في لحظة حسٍّ في لحظةٍ قريبة من الحس .

كان كأنّه يرى النبيّ أمامه فبايعه .

لو أنّ أيّ واحد منّا استطاع أنْ يرى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بأمّ عينه أو رأى أمامه إمام زمانه عجّل اللّه تعالى فرجه ، رأى قائده بأمّ عينه وعاهده وجهاً لوجه على أنْ لا يعصي على أنْ لا ينحرف على أنْ لا يخون الرسالة ، هل بالإمكان لهذا الإنسان بعد هذا لو فارقته تلك الجلوة ولو ذهب إلى ما ذهَب ولو عاش أيّ مكان وأي زمان ، هل بإمكانه أنْ يعصي ؟ هل يمكنه أنْ ينحرف أو يتذكّر دائماً صورة وليّ الأمر عجّل اللّه تعالى فرجه وهو يأخذ منه هذه البيعة وهذا العهد على نفسه .

نفس هذه العملية يمكن أنْ يعملها أيّ واحدٍ منّا لكن في لحظة الجلوة في لحظة الانفتاح .

كل إنسان من عندنا يعيش لحظة لقاء الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه من دون أنْ يلقى الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه ولو مرّة واحدة في حياته ، هذه المرّة الواحدة أو المرّتين والثلاثة يجب أنْ نعمل لكي تتكرّر ؛ لأنّ بالإمكان أنْ نعيش هذه اللحظة دائماً هذا ليس أمراً مستحيلاً ، بل هو أمرٌ ممكن والقصّة قصّة إعداد وتهيئة لأنْ نعيش هذه اللحظة حتى في حالة وجود لحظات أكثر بكثير تعيش

فيها الدنيا تعيش فيها أهواء الدنيا ورغَبات الدنيا وشهوات الدنيا ، مع هذا يجب أنْ تخلّف فينا هذه اللحظة رصيداً يجب أنْ تخلق فينا بذرة منعة عصمة ، قوّة قادرة على أنْ تقول : لا ، حينما يقول الإسلام : لا ، ونعم حينما يقول الإسلام ذلك .

هذه اللحظة يجب أنْ نغتنمها ، ويجب أنْ نختزن لكي تتحوّل بالتدريج هذه المفاهيم إلى حقائق ، وهذه الحقائق إلى محسوسات ، وهذه المحسوسات إلى جهاد نعيشه بكلّ عواطفنا ومشاعرنا وانفعالاتنا ، آناء الليل وأطراف النهار ونحن ما أحوَجنا إلى ذلك ؛ لأنّ المفروض أنّنا نحن الذين يجب أنْ نبلّغ للناس نحن الذين يجب أنْ نشعّ بنور الرسالة على الناس .

نحن الذين يجب أنْ نحدّد معالم الطريق للأُمّة والمسلمين ، إذن فما أحوجنا إلى أنْ يتبيّن لنا الطريق تبيّناً حسّياً تبيّناً أقرب ما يكون إلى تبيّن الأنبياء وطُرقهم .

ليس عبثاً وليس صدفةً أنّ رائد الطريق دائماً كان إنساناً يعيش الوحي ؛ لأنّه كان لا بدّ له أنْ يعيش طريقه بأعلى درجة ممكنة للحس ، حتى لا ينحرف حتى لا يتململ حتى لا يضيع حتى لا يكون سبباً في ضلال الآخرين ، ونحن يجب أنْ ندعو أنْ نتضرّع إلى اللّه دائماً لأنْ يفتح أمام أعيننا معالم الطريق ، أنْ يُرينا الطريق رؤية عينٍ لا رؤية عقل فقط ، أنْ يجعل هذه القيَم وهذه المُثل والطريق إلى تجسيد هذه القِيم وهذه المُثل شيئاً محسوساً بكلّ منعطفات هذا الطريق ، وبكلّ صعوبات هذا الطريق وما يُمكن أنْ يصادفه في أثناء هذا الطريق .

لا بدّ لنا أنْ نفكّر في أنْ نحصل اكبر درجة ممكنة من الوضوح في هذا الطريق هذا بيننا وبين أنفسنا ..

وأمّا العبرة التي نأخذها بالنسبة إلينا مع الآخرين ، نحن أيضاً يجب أنْ نفكّر في أنّنا سوف لنْ نطمع في هداية الآخرين عن طريق إعطاء المفاهيم فقط ، عن طريق إعطاء النظريّات المجرّدة فقط وتصنيف الكتب العميقة ، كل هذا لا يكفي إلقاء المحاضرات النظرية لا يكفي .

لا بدّ لنا أنْ نبني تأثيرنا في الآخرين أيضاً على مستوى الحس ، يجب أنْ نجعل الآخرين يحسّون منّا بما ينفعلون به انفعالاً طيّباً طاهراً مثالياً ، فإنّ الآخرين مثلنا ، الآخرون هُم بشر والبشر ينفعلون بالحس أكثر ممّا ينفعلون

بالعقل فلا بدّ إذن أنْ نعتمد على هذا الرصيد أكثر ممّا نعتمد على ذلك الرصيد .

كتاب مئة كتاب نظري لا يساوي أنْ تعيش الحياة التي تمثّل خط الأنبياء ، حينما تعيش الحياة التي تمثّل خط الأنبياء بوجودك بوضعك بأخلاقك بإيمانك بالنار والجنّة ، إيمانك بالنار والجنّة حينما ينزل إلى المستوى الحس إلى مستوى الرقابة الشديدة ، إلى مستوى العصمة حينما ينزل إلى هذا المستوى يصبح أمراً محسوساً ، يصبح هذا الإيمان أمراً حسّياً حينئذ سوف يُكهرب الآخرين ، ولا نطمع بالتأثير عليهم على مستوى النظريات فحسب فإنّ هذا وحده لا يكفي ، وإنْ كان ضرورياً أيضاً ولكن يجب أنْ نضيف إلى التأثير على مستوى النظريات ، تطهير أنفسنا وتكميل أرواحنا وتقريب سلوكَنا من سلوك الأنبياءصلى‌الله‌عليه‌وآله وأوصياء هؤلاء الأنبياء لنستطيع أنْ نجسّد تلك القِيَم والمثل بوجودنا أمام حسّ الآخرين قبل أنْ نعطيها بعقول الآخرين أوْ توأماً مع إعطائها لعقول الآخرين ...

اللهم وفّقنا للسير في خطّ أشرف أنبيائك والالتزام بتعالميه غفر اللّه لنا ولكم جميعاً .

٥ - دور الأئمّةعليهم‌السلام بعد وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله

الصلاة والسلام على محمّد وآله الطيبين الطاهرين .

حينما توفّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خلّف أُمّة ومجتمعاً ودولة .

وأقصد بالأُمّة المجموعة من المسلمين الذين كانوا يؤمنون برسالته ويعتقدون بنبوّته ، وأقصد بالمجتمع تلك المجموعة من الناس التي كانت تمارس حياتها على أساس تلك الرسالة ، وتنشئ علاقاتها على أساس التنظيم المقرّر لهذه الرسالة ، وأقصد بالدولة القيادة التي كانت تتولّى ، تزعّم التجربة في ذلك المجتمع ، والاشتغال على تطبيق الإسلام وحمايته ممّا يهدّده من أخطار وانحراف .

الانحراف الذي حصَل يوم السقيفة ، كان أوّل ما كان في كيان الدولة ؛ لأنّ القيادة كانت قد اتخذت طريقاً غير طريقها الطبيعي ، وقلنا بأنّ هذا الانحراف الذي حصل يوم السقيفة ، في زعامة التجربة ـ أي الدولة ـ كان من الطبيعي في منطق الأحداث أنْ ينمو ويتّسع ، حتى يحيط بالتجربة نفسها ، فتنهار الزعامة التي تشرف على تطبيق الإسلام .

هذه الزعامة باعتبار انحرافها ، وعدم كونها قادرة على تحمّل المسؤولية ، تنهار في حياتها العسكرية والسياسية ، وحينما تنهار الدولة ، حينما تنهار زعامة التجربة ينهار تبَعاً لذلك المجتمع الإسلامي ؛ لأنّه يتقوّم بالعلاقات التي تنشأ

على أساس الإسلام ، فإذا لم تبقَ زعامة التجربة لترعى هذه العلاقات وتحمي وتقنّن قوانين لهذه العلاقات ، فلا محالة ستتفتت هذه العلاقات ، وتتبدّل بعلاقات أُخرى قائمة على أساس آخر غير الإسلام ، وهذا معناه زوال المجتمع الإسلامي .

تبقى الأُمّة بعد هذا ، وهي أبطأ العناصر الثلاثة تصدّعاً وزوالاً ، بعد أنْ زالت الدولة الشرعية الصحيحة ، وزال المجتمع الإسلامي الصحيح ، تبقى الأُمّة ، إلاّ أنّ هذه أيضاً من المحتوم عليها أنْ تتفتت ، وانْ تنهار ، وأنْ تنصهر ببوتقة الغزو الكافر ، الذي أطاح بدولتها ومجتمعها ؛ لأنّ الأُمّة التي عاشت الإسلام زمناً قصيراً ، لم تستطع أنْ تستوعب من الإسلام ما يحصّنها ، ما يُحدّد أبعادها ما يقوّيها ، ما يعطيها أصالتها وشخصيتها وروحها العامّة وقدرتها على الاجتماع على مقاومة التميّع والتسيّب والانصهار في البوتقات الأُخرى .

هذه الأُمّة بحكم أنّ الانحراف قصّر عمر التجربة ، وبحكم أنّ الانحراف زوّر معالم الإسلام ، بحكم هذين السببين الكمّي والكيفي الأُمّة غير مستوعبة ، الأُمّة تتحصّن بالطاقات التي تمنعها وتحفظها عن الانهيار أمام الكافرين وأمام ثقافات الكافرين ، فتتنازل بالتدريج عن عقيدتها عن آدابها ، عن أهدافها وعن أحكامها ، ويخرج الناس من دين اللّه أفواجاً ، وهذا ما أشارت إليه رواية عن أحد الأئمّةعليهم‌السلام ، يقول فيها بأنّ أوّل ما يتعطّل من الإسلام هو الحكم بما أنزل اللّه سبحانه وتعالى ، وآخر ما يتعطّل من الإسلام هو الصلاة ، هذا هو تعبير بسيط عمّا قلناه من أنّ أوّل ما يتعطّل هو الحكم بما أنزل اللّه أي إنّ الزعامة والقيادة للدولة تنحرف ، وبانحرافها سوف يتعطّل الحكم بما أنزل اللّه .

وهذا الخط ينتهي حتماً إلى أنْ تتعطل الصلاة ، يعني إلى تمييع الأُمّة ، تَعطّل الصلاة هو مرحلة أنّ الأُمّة تتعطّل ، إنّ الأُمّة تتنازل عن عقيدتها ، أنّ الأُمّة تضيع عليها رسالتها وآدابها وتعاليمها .

الحكم بغير ما أنزل اللّه ، معناه أنّ التجربة تنحرف ، أنّ المجتمع يتميّع ...

في مقابل هذا المنطق وقَف الأئمّةعليهم‌السلام على خطّين كما قلنا :

الخط الأول : هو خط محاولة تسلّم زمام التجربة ، زمام الدولة ، محو آثار الانحراف ، إرجاع القيادة إلى موضعها الطبيعي ؛ لأجل أنْ تكتمل العناصر الثلاثة : الأُمّة والمجتمع والدولة .

الخط الثاني : الذي عمل عليه الأئمّةعليهم‌السلام ، هو خط تحصين الأُمّة ضدّ الانهيار ، بعد سقوط التجربة وإعطائها من المقوّمات القدر الكافي لكي تبقى وتقف على قدميها ، وتعيش المحنة بعد سقوط التجربة بقدَم راسخة وروح مجاهدة وبإيمان ثابت .

والآن ، نريد أنْ نتبيّن هذين الخطّين في حياة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، مع استلال العِبَر في المشي على هذين الخطّين .

علىالخط الأوّل ، خط محاولة تصحيح الانحراف وإرجاع الوضع الاجتماعي والدولي في الأُمّة الإسلامية إلى خطه الطبيعي ، في هذا الخط عملعليه‌السلام ، حتى قيل عن عليّعليه‌السلام : إنّه أشدّ الناس رغبةً في الحكم والولاية ، اتهمه معاوية بن أبي سفيان ، بأنّه طالب جاه ، وأنّه طالب سلطان ، اتهمه بالحقد على أبي بكر وعمر ، اتهمه بكل ما يمكن أنْ يتّهم الشخص المطالب بالجاه وبالسلطان وبالزعامة .

أمير المؤمنينعليه‌السلام عمل على هذا الخط ، خط تسلّم زمام الحكم ، وتفتيت هذا الانحراف ، وكسب الزعامة زعامة التجربة الإسلامية إلى شخصه الكريم ، بدأ هذا العمل عقيب وفاة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله مباشرةً ، كما قلنا بالأمس ، حيث حاول إيجاد تعبئة وتوعية فكرية عامّة في صفوف المؤمنين وإشعارهم بأنّ الوضع وضعٌ منحرف .

إلاّ أنّ هذه التعبئة لم تنجح لأسباب ترتبط بشخص عليّعليه‌السلام استعرضنا بعضها بالأمس ، ولأسباب أُخرى ترتبط بانخفاض وعي المسلمين أنفسهم .

لأنّ المسلمين وقتئذ لم يدركوا أنّ يوم السقيفة كان هو اليوم الذي سوف ينفتح منه كلّ ما انفتح ، من بلاء على الخط الطويل لرسالة الإسلام ، لم يدركوا هذا ، ورأوا أنّ وجوهاً ظاهرة الصلاح قد تصدّت لزعامة المسلمين ولقياداتهم في هذا المجال ، ومن الممكن خلال هذه القيادة ، أنْ ينمو الإسلام وأنْ تنمو الأُمة .

لم يكن يفهم من عليّعليه‌السلام إلاّ أنّ له حقّاً شخصيّاً يطالب به ، وهو مقصّر في مطالبته ، إلاّ أنّ المسألة لم تقف عند هذا الحد ، فضاقت القصّة على أمير المؤمنينعليه‌السلام من هذه الناحية ، ومن أنّنا نجد في مراحل متأخّرة من حياة أمير المؤمنينعليه‌السلام المظاهر الأُخرى لعمله على هذا الخط ، لمحاولة تسلّمه أو سعيه في سبيل تسلّم زعامة التجربة الإسلامية وتفادي الانحراف الذي وقع ، إلاّ أنّ الشيء الذي هو في غاية الوضوح ، من حياة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، أنّهعليه‌السلام في عمله في سبيل تزعّم التجربة ، وفي سبيل محاربة الانحراف القائم ومواجهته بالقول الحق وبالعمل الحق ، وبشرعيّة حقّه في هذا المجال ، كان يواجه مشكلة كبيرة جداً ، وقد استطاع أنْ ينتصر على هذه المشكلة انتصاراً كبيراً جداً أيضاً .

هذه المشكلة التي كان يواجهها هي مشكلة الوجه الظاهري لهذا العمل والوجه الواقعي لهذه العمل .

قد يتبادر إلى ذهن الإنسان الاعتيادي لأوّل مرّة إنّ العمل في سبيل معارضة زعامة العصر ، والعمل في سبيل كسب هذه الزعامة ، أنّه عمل في إطار فكري ، أنّه عمل يعبَّر عن شعور هذا العامل بوجوده ، وفي مصالحه ، وفي مكاسبه ، وبأبعاد شخصيته ، هذا هو التفسير التلقائي الذي يتبادر إلى الأذهان ، من عمل يتمثّل فيه الإصرار على معارضته في زعامة العصر على كسب هذه الزعامة ، وقد حاول معاوية كما أشرنا أنْ يستغل هذه البداهة التقليدية في مثل هذا الموقف من أمير المؤمنينعليه‌السلام .

إلاّ أنّ الوجه الواقعي لهذا العمل من قِبَل الإمامعليه‌السلام لم يكن هذا ، الوجه الواقعي هو أنّ عليّاً كان يمثّل الرسالة ، وكان هو الأمين الأوّل من قِبَل رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله على التجربة على استقامتها وصلابتها ، وعدم تميّعها على الخط الطويل ، الذي سوف يعيشه الإسلام والمسلمون بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فالعمل كان بروح الرسالة ولم يكن بروحه هو ، كان عملاً بروح تلك الأهداف الكبيرة ، ولم يكن عملاً بروح المصلحة الشخصية ، لم يكن يريد أنْ يبني زعامة لنفسه ، وإنّما كان يريد أنْ يبني زعامة الإسلام وقيادة الإسلام في المجتمع الإسلامي ، وبالتالي في مجموع البشرية على وجه الأرض .

هذان وجهان مختلفان ، قد يتعارضا في العامل نفسه ، وقد يتعارضان في نفس الأشخاص الآخرين ، الذين يريدون أنْ يفسّروا عمل هذا العامل .

هذا العامل قد يتراءى له في لحظة أنّه يُريد أنْ يبني زعامة الإسلام لا زعامة نفسه ، إلاّ أنّه خلال العمل ، إذا لم يكن مزوّداً بوعي كامل ، إذا لم يكن مزوّداً بإرادة قوية ، إذا لم يكن قد استحضر في كل لحظاته وآنات حياته ، أنّه يعيش هذه الرسالة ولا يعيش نفسه ، إذا لم يكن هكذا ، فسوف يحصل في نفسه ولولا شعوريا انفصام بين الوجه الظاهري للعمل وبين الوجه الحقيقي للعمل ، وبمثل هذا الانفصام سوف تضيع أمامه كل الأهداف ، أو جزءٌ كبير من تلك الأهداف سوف ينسى أنّه لا يعمل لنفسه ، بل هو يعمل لتلك الرسالة سوف ينسى أنّه ملك غيره وأنّه ليس ملكاً لنفسه .

كل شخص يحمل هذه الأهداف الكبيرة ، يواجه خطر الضياع في نفسه ، وخطر أنْ تنتصر أنانيّته على هذه الأهداف الكبيرة ، فيسقط في أثناء الخط ، يسقط في وسط الطريق ، وهذا ما كان عليّعليه‌السلام معه على طرفَي نقيض عليّعليه‌السلام كان يصّر دائماً على أنْ يكون زعيماً ، يصّر دائماً على أنْ يكون هو الأحق بالزعامة ، عليّ الذي يتألّم ، الذي يتحسّر أنّه لم يصبح زعيماً بعد محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، الذي يقول :

( لقد تقمّصها ابن أبي قحافة وهو يعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحا ) ، في غمرة هذا الألم ، في غمرة هذه الحساسية ، يجب أن لا ننسى أنّ هذا الألم ليس لنفسه ، أنّ هذه الحساسية ليست لنفسه ، أنّ كل هذا العمل وكل هذا الجهد ، ليس لأجل نفسه بل من أجل الإسلام و كذلك كان يربّي أصحابه على أنّهم أصحاب تلك الأهداف الكبيرة ، لا أصحاب زعامته وشخصه ، وقد انتصر عليّعليه‌السلام انتصاراً عظيماً في كلتا الناحيتين .

انتصر علي على نفسه ، وانتصر في إعطاء عمله إطاره الرسالي وطابعه العقائدي انتصاراً كبيراً .

عليّ ربّى أصحابه على أنّهم أصحاب الأهداف لا أصحاب نفسه كان يدعو إلى أنّ الإنسان يجب أنْ يكون صاحب الحق ، قبل أنْ يكون صاحب شخص بعينه عليّ هو الذي قال :( اعرف الحق تعرف أهله ) كان يربّي أصحابه ، يربّي عمّاراً وأبا ذرّ والمقداد على إنّكم اعرفوا الحق... ثمّ احكموا

على عليّ في إطار الحق وهذا غاية ما يُمكن أنْ يقدّمه الزعيم من إخلاص في سبيل أهدافه أنْ يؤكّد دائماً لأصحابه وأعوانه - وهذا ممّا يجب على كل المخلصين - إنّ المقياس هو الحق وليس هو الشخص ان المقياس هو الأهداف وليس هو الفرد .

هل يوجد هناك شخص أعظم من عليّ بن أبي طالب ؟ لا يوجد هناك شخص أعظم من عليّ إلا أُستاذه ، لكن مع هذا جعل المقياس هو الحق لا نفسه .

لما جاءه ذلك الشخص وسأله عن الحق في حرب الجمَل هل هو مع هذا الجيش أو مع ذلك الجيش ، كان يعيش في حالة تردّد بين عائشة وعليّ ، يُريد أنْ يوازن بين عائشة وعليّ ، أيّهما أفضل حتى يحكم بأنّه هو مع الحق أو عائشة جهودها للإسلام أفضل أو جهود عليّ أفضل ، قال له :( اعرف الحق تعرف أهله ) .

عليّ كان دائماً مصرّاً على أنْ يعطي العمل الشخصي طابعه الرسالي ، لا طابع المكاسب الشخصية بالنسبة إليه ، وهذا هو الذي يفّسر لنا كيف أنّ عليّاًعليه‌السلام ، بعد أنْ فشل في تعبئته الفكرية عقيب وفاة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لم يُعارض أبا بكر وعمَر معارضة واضحة سافرة طيلة حياة أبي بكر وعمر ، وذلك أن أوّل موقف اعتزل فيه عليّ المعارضة بعد تلك التعبئة الفكرية وإعطائها شكلاً واضحاً صريحاً كان عقيب وفاة عمر ، يوم الشورى حينما خالَف أبا بكر وعمر .

هذا عندما حاول عبد الرحمان بن عوف حينما اقترح عليه المبايعة أنْ يبايعه على كتاب اللّه وسنّة رسول وسنّة الشيخين ، قالعليه‌السلام :( بل على كتاب اللّه وسنّة نبيّه واجتهادي ) . هنا فقط أعلن عن معارضة عمر ، في حياة أبي بكر وعمر بعد تلك التعبئة ، لم يبد موقفاً ايجابياً واضحاً في معارضتهما ، والوجه في هذا ، هو أنّ علياًعليه‌السلام كان يُريد أنْ تكون المعارضة في إطارها الرسالي ، وأنْ ينعكس هذا الإطار على المسلمين ، أنْ يفهموا أنّ المعارضة ليست لنفسه ، وإنّما هي للرسالة ، وحيث إنّ أبا بكر وعمر كانا قد بدآ الانحراف ، ولكن الانحراف لم يكن قد تعمّق بعد والمسلمون القصيرو النظر ، الذين قدّموا أبا بكر على عليّعليه‌السلام ، ثمّ قدّموا عمر على عليّعليه‌السلام ، هؤلاء

المسلمون القصيرو النظر لم يكونوا يستطيعون أنْ يُعمّقوا النظر إلى هذه الجذور ، التي نشأت في أيّام أبي بكر وعمر فكان معنى مواصلة المعارضة بشكلٍ جديد أنْ يفسر من أكثر المسلمين ، بأنّه عمل شخصي ، وأنّها منافسة شخصية مع أبي بكر وعمر ، وإنْ بدأت بهم بذور الانحراف في عهدهما ، إلاّ أنّه حتى هذه البذور كانت الأغلب مصبوغة بالصبغة الإيمانية ، كانا يربطانها بالحرارة الإيمانية الموجودة عند الأُمّة ، وحيث إنّها حرارة إيمانية بلا وعي ، ولهذا لم تكن الأُمّة تُميّز هذا الانحراف .

عمر ميّز بين الطبَقات ، إلاّ أنّه حينما ميّز بين الطبقات ، حينما أثرى قبيلة بعينها دون غيرها من القبائل...؟ أتعرفون أيّ قبيلة هي التي أثراها ، هي قبيلة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، عمر أغنى قبيلة النبيّ محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أغنى عمّ محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله أعطى زوجات النبيّ عشرة آلاف ، كان يُعطي للعباس اثني عشر ألفا ، كان يُقسّم الأموال الضخمة على هذه الأسرة ، هذا الانحراف لا يختلف في جوهره عن انحراف عثمان بعد ذلك ، عثمان حينما ميّز ، إلاّ أنّ عمر فقط ربَط هذا الانحراف بالحرارة الإيمانية عند الأُمّة ؛ لأنّ الحرارة الإيمانية عند الأُمّة كانت تقبل مثل هذا الانحراف .

هؤلاء أهل بيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، هذا عمّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، هذه زوجة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، إذن هؤلاء يُمكن أنْ يعطَوا يمكن أنْ يُثروا على حساب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لكنّ عثمان حينما جاء لم يرد على هذا الانحراف شيئاً ، إلاّ أنّه لم يرتبط بالحرارة الإيمانية ، بدّل عشيرة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بعشيرته هو ، وهذا أيضاً انحراف مستمر لذلك الانحراف ، إلاّ أنّه انحراف مكشوف ، ذاك انحراف مقنّع ، ذاك انحراف مرتبط بالحرارة الإيمانيّة عند الأُمّة ، وهذا انحراف يتحدّى مصالح الأُمّة ، والمصالح الشخصية للأُمّة ، ولهذا استطاعت الأُمّة أنْ تلتفت إلى انحراف عثمان ، بينما لم تلتفت بوضوح إلى انحراف أبي بكر وعمر ، وبهذا بدأ عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام معارضته لأبي بكر وعمر في الحكم بشكل واضح ، بعد أنْ مات أبو بكر وعمر ، لم يكن من المعقول تفسير هذه المعارضة على أنّها معارضة شخصية بسبب طمع في سلطان ، بدأ هذه المعارضة وأعطى رأيه بأبي بكر وعمر .

عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام بعد أنْ تمّ الأمر لعثمان ، بعد أنْ بويع عثمان يوم

الشورى ، قال : أنا سوف اسكت ما سلِمت مصالح المسلمين وأُمور المسلمين ، وما دام الغبن عليّ وحدي ، وما دُمت أنا المظلوم وحدي ، وما دام حقّي هو الضائع وحدي أنا سوف اسكت سوف أُبايع سوف أطيع عثمان ، هذا هو الشعار الذي أعطاه بصراحة مع أبي بكر وعمر وعثمان ، وبهذا الشعار أصبح في عمله رسالياً ، وانعكست هذه الرسالة على عهد أمير المؤمنين ، وبقيَعليه‌السلام ملتزماً بما تعهّد به من السكوت إلى أنْ بدأ الانحراف في حياة عثمان بشكل مفضوح ، حيث لم يرتبط بلون من ألوان الحرارة الإيمانية ، التي ارتبط بها الانحراف في أيام الخليفة الأول وفي أيام الخليفة الثاني ، بل أسفر الانحراف ، ولهذا أسفر عليّعليه‌السلام عن المعارضة وواجه عثمان بما سوف نتحدّث عنه بعد ذلك .

فعليّعليه‌السلام في محاولته لتسلّم زمام التجربة وزعامة القضية الإسلامية ، كان يريد أنْ يوفّق بين هذا الوجه الظاهري للعمل ، و بين الوجه الواقعي للعمل ، واستطاع أنْ يوفّق بينهما توفيقاً كاملاً ، استطاع هذا في توقيت العمل ، واستطاع هذا في تربيته لأصحابه ، على أنّهم أصحاب الأهداف لا أصحاب الأشخاص ، واستطاع في كلّ هذه الشعارات التي طرحها ، أنْ يثبت أنّه بالرغم من كونه في قمّة الرغبة لأنْ يصبح حاكماً ، لم يكن مستعدّاً أبداً لأنْ يصبح حاكماً مع اختيار أيّ شرط من الشروط المطلوبة التي تنال من تلك الرسالة .

ألَم تُعرض عليه الحاكمية والرسالة بعد موت عمر بشرط أنْ يسير سيرته ؟ فرفَض الحاكمية برفض هذا الشرط .

عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام بالرغم من أنّه كان في أشدّ ما يكون سعياً وراء الحكم ، جاءه المسلمون بعد أنْ قتل عثمان ، عرضوا عليه أنْ يكون حاكماً ، قال لهم بايعوا غيري وأنا أكون كأحدكم ، بل أكون أطوَعكم لهذا الحاكم ، الذي تبايعونه ، ما سلِمت أُمور المسلمين في عدله وعمله ، يقول ذلك ، لأنّ الحقد الذي تواجهه الأُمّة الإسلامية كبير جدّاً ، تتمادى بذرة الانحراف ، الذي عاشه المسلمون بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى أنْ قُتل عثمان ، هذا الانحراف الذي تعمّق ، الذي ارتفع ، هذا الانحراف الذي طغى والذي استكبر ، الذي خلَق تناقضات في الأُمّة الإسلامية ، هذا عبء كبير جداً .

ماذا يريد أنْ يقول ، يريد أنْ يقول : لأنّي أنا لا أقبل شيئاً إلاّ على أنْ تُصفّوا الانحراف ، أنا لا أقبل الحكم الذي لا يُصفّي هذا الانحراف ، بل الحكم الذي يُصفّيه ، هذه الإحجامات عن قبول الحكم في مثل هذه اللحظات كانت تؤكّد الطابع الرسالي ، بحرقته بلوعته ، لألمه لرغبته أنْ يكون حاكماً ، استطاع أنْ ينتصر على نفسه ، ويعيش دائماً لأهدافه ، واستطاع أنْ يربّي أصحابه أيضاً على هذا المنوال .

هذا هو الخط الأول وهو خط محاولة تسلّمه لزمام التجربة الإسلامية .

أمّا علىالخط الثاني وهو خط تحصين الأمُّة لقد كانت الأمة تواجه خطراً ، وحاصل هذا الخطر هو أنّ العامل الكمّي والعامل الكيفي ، سوف يجعلان هذه الأُمّة لا تعيش الإسلام ، إلاّ زمناً قصيراً .

بحكم العامل الكمّي الذي سوف يُسرع ، في إفناء التجربة وسوف لنْ تعيش إلاّ مشوهة بحكم العامل الكيفي ، الذي يتحكّم في هذه التجربة ، ولذا بدأ الإمام بتحصين الأُمّة ، وبالتغلّب على العاملين : العامل الكمّي والعامل الكيفي .

أمّا التغلّب على العامل الكمّي فكان في محاولة تحطيم التجربة المنحرفة وتحجيمها وإفساح المجال للتجربة الإسلامية لتثبت جدارتها وذلك بأُسلوبين :

الأُسلوب الأول : هو التدخّل الايجابي الموجّه في حياة هذه التجربة بلحاظ قيادتها.

القادة والزعماء الذين كانوا يتولّون هذه التجربة ، كانوا يواجهون قضايا كثيرة لا يُحسنون مواجهتها ، كان يواجههم مشاكل كثيرة لا يحسنون حلّها ، ولو حاولوا لوقَعوا في أشدّ الأضرار والأخطار ، لأوقعوا المسلمين في أشدّ التناقضات ، ولأصبحت النتيجة محتومة أكثر ، ولأصبَحت التجربة أقرب إلى الموت ، وأقرب إلى الفناء وأسرع إلى الهلاك ، هنا كان يتدخّل الإمامعليه‌السلام ، وهذا خطٌّ عام سار الأئمّةعليهم‌السلام كلّهم عليه كما قلنا و كما سوف نقول ، فكان الإمامعليه‌السلام يتدخّل تدخّلاً ايجابياً ، موجّهاً في سبيل أنْ ينقذ التجربة من المزيد

من الضياع ومن المزيد من الانحراف ، ومن المزيد من السير في الضلال .

كلّنا نعلم بأنّ المشاكل العقائدية التي كانت تواجههعليه‌السلام والزعامة السياسية بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله هذه المشاكل العقائدية التي كان يثيرها ، وتثيرها القضايا الأُخرى التي بدأت تندرج في الأُمّة الإسلامية والأديان الأُخرى التي بدأت تعاشر المسلمين ، هذه المشاكل العقائدية لم تكن الزعامات السياسية وقتئذ على مستوى حلّها كان الإمامعليه‌السلام يعيّن تلك الزعامات في التغلّب على تلك المشاكل العقائدية .

كلّنا نعلم بأنّ الدولة الإسلامية واجهت في عهد عمر خطراً من أعظم الأخطار ، خطر إقامة إقطاع لا نظير له في المجتمع الإسلامي ، كان من المفروض أنْ يُسرع في دمار الأُمّة الإسلامية ، وذلك حينما وقَع البحث بين المسلمين بعد فتح العراق ، في انّه هل توزّع أراضي العراق على المجاهدين المقاتلين ، أو أنّها تبقى ملكاً عامّاً للمسلمين ، وكان هناك اتجاه كبير بينهم إلى أنْ توزّع الأراضي على المجاهدين الذين ذهبوا إلى العراق وفتحوا العراق ، وكان معنى هذا أنْ يُعطى جميع العالم الإسلامي ، أي يعطي العراق ، وسوريا وإيران ومصر وجميع العالم الإسلامي الذي أسلم بالفتح ، سوف يوزّع بين أربعة أو خمسة آلاف أو ستّة آلاف من هؤلاء المسلمين المجاهدين ، سوف تُستقطع أراضي العالم الإسلامي لهؤلاء ، وبالتالي يتشكّل إقطاع لا نظير له في التاريخ .

هذا الخطَر الذي كان يهدّد الدولة الإسلامية ، وبقيَ عمر لأجل ذلك أيّاماً متحيّراً ؛ لأنّه لا يعرف ماذا يصنع ، لا يعرف ما هو الأصلح ، وكيف يُمكن أنْ يعالج هذه المشكلة .

عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام هو الذي تدخّل كما تعلمون وحسَم الخلاف ، وبيّن وجهة النظر الإسلامية في الموضوع ، وأخَذ عمر بنظر الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وأنقذ بذلك الإسلام من الدمار الكبير .

وكذلك له تدخّلات كبيرة وكثيرة ، النفير العام الذي اقترح على عمر والذي كان يهدّد العاصمة في غزوٍ سافر ، كان من الممكن أنْ يقضي على الدولة الإسلامية ، هذا الاقتراح طُرِح على عمر ، كاد عمر أنْ يأخذ به ، جاء

عليّعليه‌السلام إلى المسجد مسرعاً على ما أتذكّر في بعض الروايات تقول : جاء مسرعاً إلى عمر ، قال له :

( لا تنفر نفيراً عامّاً ) ، كان عمر يريد أنْ يخرج مع تمام المسلمين الموجودين آنذاك في المدينة ، وعندما تفرّغ عاصمة السلام ممّا يحميها من غزو المشركين والكافرين ، منعه من النفير العام .

وهكذا كان عليّعليه‌السلام يتدخّل تدخّلاً ايجابياً موجّهاً في سبيل أنْ يقاوم المزيد من الانحراف ، والمزيد من الضياع ، كي يطيل عمر التجربة الإسلامية ويقاوم عامل الكم الذي ذكرناه .

هذا أحد أُسلوبَي مقاومة العامل الكمّي .

الأُسلوب الثاني : لمقاومة العامل الكمّي كان هو المعارضة .

يعني كان تهديد الحكّام ومنعهم من المزيد من الانحراف ، لا عن سبيل التوجيه ، وإنّما عن سبيل المعارضة والتهديد .

في الأوّل كنّا نفرض أنّ الحاكم فارغ دينياً ، وكان يحتاج إلى توجيه ، والإمامعليه‌السلام كان يأتي ويوجّهه ، أمّا الأُسلوب الثاني ، فيكون الحاكم فيه منحرفاً ولا يقبل التوجيه ، إذن فيحتاج إلى معارضة ، يحتاج إلى حملة ضدّ الحاكم هذا ، لأجل إيقافه عند حدّه ، ولأجل منعه من المزيد من الانحراف .

وكانت هذه هي السياسة العامة للائمّةعليهم‌السلام .

ألسنا نعلم بأنّ عمر صعد على المنبر وقال : ماذا كنتم تعملون لو أنّا صرفناكم عمّا تعلمون إلى ما تنكرون ؟ .

كان يريد أنْ يقدّر الموقف .

وماذا سيكون لو أنّا صرفناكم ممّا تعلمون إلى ما تنكرون .

لو انحرفنا شيئاً قليلاً عن خط الرسالة ماذا سيكون الموقف .

لم يقم له إلاّ عليّعليه‌السلام قال له :( لو فعلتَ ذلك لعدّلناك بسيوفنا ) .

كان هذا هو الشعار العام للإمامعليه‌السلام بالرغم من أنّه لم يتنزّل في عملية تعديل عمر بالسيف خلال حكم عمر ، لظروف ذكرناها ، إلاّ أنّه قاد المعارضة

لعثمان ، واستقطب آمال المسلمين ومشاعر المسلمين ، واتجاهات المسلمين نحو حكمٍ صحيح ، ولهذا كان هو المرشّح الأساسي بعد أنْ فشل عثمان واجتمع عليه المسلمون .

الإمام عليّعليه‌السلام يتصدّى للمعارضة لأجل أنْ يُوقف الانحراف .

هذان أُسلوبان كانا هما الأُسلوبان المتّبعان لمواجهة العامل الجديد .

ثمّ هذه المعارضة نفسها كانت تعبّر من ناحية أُخرى عن الخط الثاني ، وهو المحافظة على الأُمّة الإسلامية من الانهيار بعد سقوط التجربة ، حيث إنّ المسلمين لم يعيشوا التجربة الصحيحة للإسلام ، أو بعدوا عنها ، والتوجيه وحده لا يكفي ؛ لأنّ هذا العمل لا يكفي لانْ يُكسب مناعة ، المناعة الحقيقية والحرارة الحقيقية للبقاء والصمود كأُمّة ، إذن كان لا بدّ من أنْ يُحدّد الموقف ، من أنْ يحدّد الوجه الحقيقي للإسلام ، في سبيل الحفاظ على الإسلام ، وهذا الوجه الحقيقي للإسلام قدّمه عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، من خلال معارضته للزعامات المنحرفة أوّلاً ، ومن خلال حكم الإمام بعد أنْ مارس الحكم بنفسه .

من خلال هذين العملين ، ومن خلال العمل السياسي المتمثّل في المعارضة ، والعمل السياسي المتمثّل في رئاسة الدولة بصورة مباشرة ، قدّم الوجه الحقيقي للإسلام ، الأُطروحة الصحيحة للحياة الإسلامية الأطروحة الخالية من كل تلك الألوان من الانحراف .

طبعاً هذا لا يحتاج إلى حديث ، ولا يحتاج إلى تمثيل ، لأنّه واضح لديكم .

أمير المؤمنين حينما تولّى الحكم لم يكن يستهدف من تولّي الحكم تحصين التجربة أو الدولة ، بقدَر ما كان يستهدف تقديم المثَل الأعلى للإسلام ؛ لأنّه كان يعرف أنّ التناقضات في الأُمّة الإسلامية ، بلغت إلى درجة لا يمكن معها أنْ ينجح عمل إصلاحي إزاء هذا الانحراف مع علمه أنّ المستقبل لمعاوية ، وأنّ معاوية هو الذي يمثّل القوى الكبيرة الضخمة في الأُمّة الإسلامية .

كان يعرف أنّ الصور الضخمة الكبيرة التي خلَقها عمر وخلقها عثمان والتي خلقها الانحراف هذه القوى ، كلّها إلى جانب معاوية ، وهو ليس إلى

جانبه ما يعادل هذه القوى ، لكن مع هذا قبِل الحكم ، ومع هذا بدأ تصفية وتعرية الحكم والانحراف الذي كان قبله ، ومع هذا مارس الحكم وضحّى في سبيل هذا الحكم بعشرات الآلاف من المسلمين ، في سبيل أنْ يُقدّم الأُطروحة الصحيحة الصريحة للإسلام وللحياة الإسلامية .

وقد قلت بالأمس ، وأؤكّد اليوم مرّة أُخرى بأنّ عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام في معارضته ، وعليّ بن أبي طالب في حكمه لم يكن يؤثّر على انحراف الشيعة فقط ، بل كان يؤثّر على مجموع الأمة الإسلامية ، عليّ بن أبي طالب ربّى المسلمين جميعاً شيعة وسنّة ، حصّن المسلمين جميعاً شيعة وسنّة ، عليّ بن أبي طالب أصبح أُطروحة ومثلاً أعلى للإسلام الحقيقي ، من الذي كان يحارب مع عليّ بن أبي طالب ؟ هؤلاء المسلمون الذين كانوا يحاربون في سبيل هذه الأطروحة العالية في سبيل هذا المثَل الأعلى ، أكانوا كلّهم شيعة بالمعنى الخاص ؟ لا ، لم يكونوا كلّهم شيعة هذه الجماهير التي انتفضت بعد عليّ بن أبي طالب على مرّ التاريخ ، بزعامات أهل البيت بزعامات العلويّين الثائرين من أهل البيت ، الذين كانوا يرفعون راية عليّ بن أبي طالب للحكم ، هؤلاء كلّهم شيعة ؟

كان أكثرهم لا يؤمن بعليّ بن أبي طالب إيماننا نحن الشيعة ، ولكنّهم كانوا ينظرون إلى عليّ أنّه المثل الأعلى ، أنّه الرجل الصحيح الحقيقي للإسلام ، حينما أعلن والي عبد اللّه بن الزبير سياسة عبد اللّه بن الزبير ، وقال بأنّنا سوف نحكم بما كان يحكم به عمر وعثمان ، وقامت جماهير المسلمين تقول : لا بل بما كان يحكم به عليّ بن أبي طالب ، فعليّ بن أبي طالب كان يمثّل اتجاهاً في مجموع الأُمّة الإسلامية .

والخلافة العبّاسية كيف قامت ؟ كيف نشأت ؟ قامت على أساس دعوة كانت تتبنّى زعامة الصادق من آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله الحركة السلمية التي على أساسها نشأت الخلافة العبّاسية كانت تأخذ البيعة للصالح ، للإمام الصادق من آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يعني هذه الحركة استغلّت عظمة الإسلام ، عظمة هذا الاتجاه ، وتجمّع المسلمون حول هذا الاتجاه ، ولم يكن هؤلاء مسلمين شيعة ، أكثر هؤلاء لم يكونوا شيعة ، لكن كانوا يعرفون أنّ الاتجاه الصالح ، الاتجاه

الحقيقي ، الاتجاه الصلب العنيف كان يمثّله عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، والواعون من أصحاب عليّعليه‌السلام ، والواعون من أبناء عليّعليه‌السلام ؛ ولهذا كثير من أبناء العامّة ، ومن أئمّة العامّة ، من أكابر أصحاب الإمام الصادقعليه‌السلام ، كانوا أُناساً عامّين يعني كانوا أُناساً سنّة ، ولم يكونوا شيعة .

دائماً كان الأئمّةعليه‌السلام يفكّرون ، في أنْ يقدّموا الإسلام لمجموع الأُمّة الإسلامية ، أنْ يكونوا مناراً ، أنْ يكونوا أطروحة ، أنْ يكونوا مثلاً أعلى .

كانوا يعملون على خطين ، خط بناء المسلمين الصالحين ، وخط ضرب مثل أعلى لهؤلاء المسلمين ، بقطع النظر عن كونهم شيعة أو سنّة .

هناك علماء من أكابر علماء السنّة ، أفتَوا بوجوب الجهاد ، وبوجوب القتال بين يدَي ثوار آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأبو حنيفة قبل أنْ ينحرف ، قبل أنْ يرشيه السلطان ويصبح من فقهاء عمّال السلطان ، أبو حنيفة نفسه الذي كان من نوّاب السنّة ، ومن زعماء السنّة ، هو نفسه خرَج مقاتلاً ومجاهداً مع راية من رايات آل محمّد وآل عليّعليه‌السلام ، وأفتى بوجوب الجهاد مع راية من رايات عليّعليه‌السلام ، مع راية تحمل شعار عليّ بن أبي طالب ، قبل أنْ يتعامل أبو حنيفة مع السلاطين .

إذن فاتجاه عليّ بن أبي طالب ، لم يكن اتجاهاً منفرداً ، اتجاهاً محدوداً ، كان اتجاهاً واسعاً على مستوى الأُمّة الإسلامية كلّها ، لأجل أنْ يعرّف الأُمّة الإسلامية وأنْ يحصن الأُمّة الإسلاميّة بالإسلام ، وبأهداف الإسلام ، وكيف يمكن للإنسان أنْ يعيش الحياة الإسلامية في إطار المجتمع الإسلامي .

المهم من هذا الحديث ، أنْ نأخذ العبرة وأنْ نقتدي ، حينما نرى أنّ عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام على عظمته يربّي أصحابه على أنّهم أصحاب الهدف ، لا أصحاب نفسه يجب أنْ لا أُفكّر أنا ، ويجب أنْ لا تفكر أنت ، بأنْ تربّي أصحابك على أنّهم أصحابك ، وإنّما هم أصحاب الرسالة ، أيّ واحد منكم ليس صاحباً للآخر ، ولهذا يجب أنْ نجعل الهدَف دائماً مقياساً ، نجعل الرسالة دائماً مقياسا ً. احكموا علَيّ باللحظة التي انحرف فيها عن الهدف ؛ لأنّ الهدَف هو الأعز والأغلى ، هو ربّ الكون ، الذي يجب أنْ تشعروا بأنّه يملككم ،

بأنّه بيده مصيركم ، بيده مستقبلكم ، أنّه هو الذي يمكن أنْ يعطيكم نتائج جهادكم .

هل أنا أُعطيكم نتائج جهادكم ، أو أيّ إنسانٍ على وجه الأرض يُمكن أنْ يعطي الإنسان نتائج جهاده ، نتائج عمله ، نتائج إقدامه على صرف شبابه ، حياته ، عمره ، زهده على تحمّله آلام الحياة ، تحمّله للجوع تحمّله للظلم ، تحمّله للضيم ، من الذي يعطي أجر كل هذا ؟ هل الذي يعطي أجر هذا أنا وأنت ؟ لا أنا ولا أنت يعطي أجر هذا ، وإنّما الذي يعطي أجر هذا هو الهدف فقط هذا هو الذي يعطي النتيجة والتقييم ، هو الذي سوف يفتح أمامنا أبواب الجنّة ، هو الذي سوف يغيّر أعمالنا ، هو الذي سوف يصحّح درجاتنا .

إذن لا تفكّروا في أنّ أيّ واحد منكم ، في أن أيّ واحد منّا ، مرتبط مع أيّ واحد منّا ، بل فكّروا هكذا : إنّ أيّ واحد منّا مرتبط كلّه مع أكبر من أيّ واحد منّا ، هذا الشيء الذي هو أكبر ، هو اللّه سُبحانه هو رضوان اللّه ، هو حماية الإسلام ، هو العمل في خط الأئمّة الأطهارعليه‌السلام .

وغفر لنا ولكم .

٦ - بداية الانحراف وبعض المشاكل التي واجهت أمير المؤمنينعليه‌السلام

إنّ المتسلّم للقيادة الفعلية ، المتسلّم لزمام التجربة بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله مباشرة كان من المحتوم أنْ يجنح إلى الانحراف ؛ لأنّه كان يعيش رواسب جاهلية ، وبالتالي لم يكن يُمثّل الدرجة الكاملة للانصهار مع الرسالة ، هذه الدرجة التي هي شرطٌ أساسي لتزعّم هذه التجربة ، وهي التي يُمكن أنْ تفسِّر موقف الشيعة من اشتراطهم العصمة لقيادة هذه التجربة .

الفكرة في هذا الحديث تقوم على هذا الأساس ، على أساس أنّ قيادة التجربة ، يجب أنْ تكون على مستوى العبء ، وهذا في الواقع ليس من مختصّات الشيعة ، ليس من مختصّات الشيعة الإيمان ، بأنّ الإمام يجب أنْ يكون معصوماً ، بل هذا ما تؤمن به كلّ الاتجاهات العقائدية في العالم على الإطلاق .

أيّ اتجاه عقائدي في العالم ، يريد أنْ يبني الإنسان من جديد في إطاره ، ويريد أن ينشئ للإنسانية معالم جديدة ، فكرية وروحية واجتماعية ، يشترط لأنْ ينجح ، وأنْ ينجز وأنْ يأخذ مجراه في خط التاريخ ، يشترط أنْ يكون القائد الذي يُمارس تطبيق هذا الاتجاه ، معصوماً ...

فالقائد في نظر الماركسيّة مثلاً بوصفها اتجاهاً عقائدياً ، يريد أنْ يبني ويصنع الإنسان ، ويبلوره في إطاره الخاص ، يشترط فيه أنْ يكون معصوماً .

إلاّ أنّ مقاييس العصمة تختلف .

الاتجاه الماركسي يجب أنْ يكون القائد الذي يُمارس تطبيقه معصوماً

بمقاييس ماركسية ، والقائد الذي يمارس زعامة التجربة الإسلامية ، يجب أنْ يكون معصوماً بمقاييس إسلامية ، والعصمة في الحالتين بمفهوم واحد ، هو عبارة عن الانفعال الكامل بالرسالة ، والتجسيد الكامل لكل معطيات تلك الرسالة ، في النطاقات الروحية والفكرية والعملية .

هذه هي العصمة .

والشيعة لم يشذّوا باشتراط العصمة في الإمام ، عن أيّ اتجاه عقائدي آخر ، ولهذا نرى في الاتجاهات العقائدية الأخرى ، كثيراً ما يُتّهم القائد الذي يُمثّل الاتجاه ، بأنّه ليس معصوماً ، يُوجّه إليه نفس التهمة ، التي نوجّهها نحن المسلمون الواعون ، أصحاب عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام إلى الخلَفاء الذين تولوا الخلافة بعد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

نفس هذه التهم يوجّهونها إلى القادة الذين يعتقدون بأنّهم لم ينصهروا بأطروحاتهم ، ولم يتفاعلوا باتّجاهاتها تفاعلاً كاملاً .

بالأمس القريب جزء كبير من الماركسية في العالم انشطَر على قيادة الاتحاد السوفيتي ، واتّهم القيادة التي كان متمثّلة في حكّام روسيا ، بأنّهم أُناس غير مهيئين لأنْ يكونوا قادة للتجربة الماركسية ، يعني غير معصومين بحسب لغتنا .

إلاّ أنّ نفي العصمة عنهم بمقاييس ماركسية لا بمقاييسنا الخاصة ، لا بمقاييس إسلامية .

فأصل الفكرة ، تؤمن به كل الاتجاهات العقائدية ، وإنّما المقياس للعصمة يختلف باختلاف طبيعة هذه الاتجاهات العقائدية .

نعم ، العصمة في الإسلام ، ذات صيغة أوسع نطاقاً من العصمة في الاتجاهات العقائدية الأخرى ، وهذه السعة في صيغة العصمة تنبع من طبيعة سعة الإسلام نفسها ؛ لأنّ العصمة ، كما قلنا ، هي التفاعل الكامل والانصهار الشامل والتجاوب مع الرسالة في كل أبعاد الإسلام ، والرسالة الإسلامية ، تختلف عن أيّ رسالة أخرى في العالم ؛ لأنّ أي رسالة أُخرى في العالم تعالج جانباً واحداً من الإنسان ، الماركسية التي تمثّل أحدَث رسالة عقائدية في العالم الحديث ، تعالج جانباً واحداً من وجود الإنسان وتترك الإنسان حينما يذهب إلى

بيته ، حينما يذهب الإنسان إلى مخبئه ، حينما يخلو الإنسان بنفسه ، تترك الإنسانَ ، ليس لها أيُّ علاقة معه في هذه الميادين ، وإنّما تأخذ بيده في مجال الصراع السياسي والاقتصادي لا أكثر .

فصيغة الرسالة بطبيعتها صيغةٌ منكمشة محدودة ، صيغة تعالج جانباً من الحياة الإنسانية ، فالعصمة العقائدية التي لا بدّ أنْ تتوفّر في قائد ماركسي ، مثلاً هي العصمة في حدود هذه المنطقة التي تُعالجها الرسالة العقائدية الماركسية .

أمّا الرسالة الإسلامية التي هي رسالة السماء على وجه الأرض فهي تُعالج الإنسان من كلِّ نواحيه ، وتأخذ بيده إلى كل مجالاته ولا تُفارقه وهو على مخدعه في فراشه ، وهو في بيته بينه وبين ربّه ، بينه وبين نفسه ، بينه وبين أفراد عائلته ، وهو في السوق ، وهو في المدرسة ، وهو في المجتمع ، وهو في السياسة ، وهو في الاقتصاد ، وهو في أيِّ مجالٍ من مجالات حياته ، ولهذا تكون الصيغة المحدودة من العصمة على أساس هذه الرسالة أوسَع نطاقاً وأرحَب أُفقاً وأقسى شروطاً ، و أقوى من ناحية مفعولها وامتدادها في كلّ أبعاد الحياة الإنسانية .

فعصمة الإمام عبارة عن نزاهة في كلّ فكرة وكلّ عاطفة وكل شأن ، والنزاهة في كلّ هذا عبارة عن انصهار كامل مع مفاهيم وأحكام الرسالة الإسلامية ، في كل مجالات هذه الأفكار والعواطف والشؤون .

هذا كان استطراداً .

إذن فالعصمة التي هي شرط لمجموع الاتّجاهات العقائدية ، نحن أيضاً نؤمن بها كشرط في هذا الاتجاه .

وبطبيعة الحال فإنّنا عندما نقول : إنّ العصمة شرطٌ في هذا الاتجاه ، العصمة بحدّ ذاتها أيضاً ليست أمراً حتمياً غير قابل للزيادة والنقصان والتشكيك ، نفس العصمة إذا حوّلناها إلى مفهوم النزاهة والتجاوب الكامل مع الرسالة فيكون أمراً مقولاً بالتشكيك في الشدّة والضعف ، وبوصف أنّ أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام المرتبة الأسمى والأكمَل من هذه المراتب المقولة بالتشكيك المختلفة شدّةً وضعفاً .

ومِن هنا نأتي إلى ما كان موضوع الحديث ، موضوع الحديث أنّ هؤلاء

الذين تسلّموا أمر التجربة بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يكونوا معصومين حتى بأدنى مراتب العصمة ، حتى بالحد الأدنى من مراتب النزاهة والتفاعل مع الرسالة الإسلامية ، كما أشرنا إليه بالأمس ، وحينئذ حيث إنّ التجربة تجربةٌ تمثّل اتجاهاً عقائدياً ، واتجاهاً رسالياً ، ليس اتجاه أناس يُمثّلون وجهة نظر معيّنة في الكون والحياة والمجتمع ، يمثّلون رسالة لتغيير الحياة على وجه الأرض وتغير التاريخ ، إذن هذه التجربة العقائدية الضخمة على هذا المستوى ، بحاجة إلى قيادة عقائدية معصومة ، تتوفّر فيها فعّالية عالية جدّاً من النزاهة والتجرّد والموضوعية والانفعال بمعطيات هذه الرسالة ، فكيف إذا لم تكن هذه المواصفات موجودة في القيادة ؟

قد يقال : إنّها كانت موجودة في الأُمّة ككل ، والأُمّة ككل ، كانت تُمارس المراقبة ، وكانت تُمارس التوجيه ، وكانت تُمارس المراقبة للحكم القائم حتى لا ينحرف ، الأُمّة ككل كانت معصومة ، وإذا كانت الأُمّة ككل معصومة ، إذن فالعصمة قد حصلنا عليها عن طريق الوجود الكلّي للأُمّة .

إلاّ أنّ هذه الفكرة غير صحيحة ، نحن نؤمن بأنّ الأُمّة في وجودها لم تكن معصومة أيضاً ، كما أنّ الخلفاء الذين تولّوا الحكم بعد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لم يكن يتوفّر لديهم الحد الأدنى من النزاهة المطلوبة لزعامة تجربة من هذا القبيل ، الأُمّة بوصفها الكلّي وبوجودها المجموعي أيضاً لم تكن معصومة ، طبعاً إذا استثنينا من ذلك الزعامة المعصومة الموجودة في داخل هذه الأُمّة الممثّلة في اتجاه أمير المؤمنينعليه‌السلام ، هذا بالرغم من أنّنا نعترف ونفتخر ، ونمتلئ اعتزازاً بالإيمان بأنّ الأُمّة الإسلامية التي أسّسها وحرسها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ضربت أروع نموذج للأُمّة في تاريخ البشرية على الإطلاق ، الأُمّة الإسلامية التي أمكن للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بوقتٍ قصير جدّاً ، في مدّة لا تبلِغ ربع قرن ، أنْ ينشئ أُمّة لها من الطاقة والإرادة ، لها من المؤهلات اللازمة القدر الكبير ، الذي لا يُمكن أبداً أنْ يتخيّل الإنسان الاعتيادي كيف أمكن إيجاده في ربع قرن أو أقل ؟

هذه الأُمّة التي قدّمت من التضحيات في أيّام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في سبيل رسالتها ، ما لَم تقدّم مثله أيُّ أُمّةٍ من أُمَم الأنبياء قبل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، هذا التسابق على الجنّة ، التسابق على الموت ، الإيثار الذي كان موجوداً بين المسلمين ، روح التآخي الذي شاع في المسلمين ، المهاجرين والأنصار ، كيف

عاشوا كيف تفاعلوا ، كيف انصهروا ، انظروا إلى أهل بلدٍ واحد ينزح إليهم أهل بلدٍ آخر ، فيأتون إليهم ليقاسموهم خيرات بلدهم ومعاشهم وأموالهم ، وهؤلاء يستقبلونهم برحابة صدر ، ينطلقون معهم ينظرون إليهم على أنّهم إخوة لهم ، يعيشون مجتمعاً واحداً وكأنّهم كانوا قد عاشوا مئات السنين ، هذه الانفتاحات العظيمة في كلّ ميادين المجتمع التي حقّقتها الأُمّة بقيادة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، هذه الانفتاحات التي لا مثيل لها ، بالرغم من كل هذا نقول : إنّ الأُمّة لم تكن معصومة .

إنّ هذه الانفتاحات كانت قائمة على أساس الطاقة الحرارية التي كانت تمتلكها الأُمّة من لقاء القائد الأعظم ، ولم تكن قائمة على أساس درجة كبيرة من الوعي الحقيقي للرسالة العقائدية نعم كان الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله الأعظم ، يمارس عملية توعية الأُمّة وعملية الارتفاع بها إلى مستوى أُمّة معصومة ، هذه العملية التي كانت مضغوطة ، والتي بدأ بها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لم ينجز شيئاً منها في الخط هذا ، وإنّما الشيء الذي أنجز في هذا الخط ، خط عمل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله على مستوى الأُمّة ككل ، هو إعطاء هذه الأُمة طاقة حرارية في الإيمان بدرجة كبيرة جداً ، مثل هذه الطاقة الحرارية التي تملكها الأُمّة يوماً بعد يوم ، وشهراً بعد شهر ، وفي كل لحظة من لحظات انتصارها أو انكسارها ، كانت هي المصدر وهي السبب في كل الانفتاحات العظيمة ، روح القائد هي التي تجذب وهي التي تحصد ، وهي التي تقود هؤلاء إلى المُثل العليا والقِيَم الضخمة الكبيرة التي حدّدها الرائد الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله بين أيديهم ، إذن فهي طاقة حرارية وليست وعياً .

وقلنا أيضاً فيما سبق : إنّ الطاقة الحرارية والوعي قد يتفاعلان ويتّفقان في كثير من الأحيان ، ولا يمكن أنْ نقارن في الحالات الاعتيادية بين أُمّة واعية ، وبين أُمّة تملك طاقة حرارية كبيرة دون درجة كبيرة من الوعي ، المظاهر تكون مشتركة في كثير من الأحيان ، لكن في منعطفات معينة من حياة هذه الأُمة في لحظات حاسمة في حياة هذه الأُمّة ، في مواقف حرجة من تاريخ هذه الأُمة ، يتبيّن الفرق بين الوعي والطاقة الحرارية ، يتبيّن الفرق بين الوعي والطاقة الحرارية في لحظات الانفعال الشديد ، سَواء كان انفعالاً موافقاً لعملية

الانتقال أم انفعالاً معاكساً ؛ لأنّ الوعي لا يتزَعزَع في لحظة الانفعال ويبقى صامداً ثابتاً ، لا يلين ولا يتميّع ، وعي الإنسان ، إيمان الإنسان بأهدافه ومسؤولياته فوق كل الانفعالات ، فوق كل المشاكل ، فوق كل الانتصارات .

أيّ انتصار يحقّقه الإنسان ، لا يمكن أنْ يخلق انفعالاً يُزَعزِع وعيه ، إذا كان واعياً وعياً حقيقياً يبقى على الخط ، لا يشِطّ ولا يشِذّ ولا يزيد أو ينقُص .

محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله هذا الرجل العظيم ، يدخل إلى بيت اللّه الحرام منتصراً في لحظة ، لم تُزعزع هذه اللحظة من خلقه ، لم تخلّف فيه نشوة الانتصار ، وإنّما خلّفت فيه ذلّ العبودية للّه ، شعَر بذلّ العبودية للّه أكثر ممّا يشعر بنشوة الانتصار ، هذا هو الذي يمثّل الوعي العظيم ، لكن المسلمين عاشوا نشوة الانتصار ، في لحظات عديدة لحظات الصدمة ، لحظات المشكلة ، لحظات المأساة .

الواعي يبقى ثابتاً ، يبقى صامداً أمام المشكلة لا يتزعزع ، لا يلين لا يكفّ لا يتراخى ، يبقى على خطّه واضحاً .

النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يكن يبدو منه أيُّ فرقٍ بينه وهو حال دخوله إلى مكّة فاتحاً ، وهو مطرود بالحِجارة من قبائل العرب المشركين ، يتوجّه إلى اللّه سبحانه وتعالى يقول له : لا يهمّني ما يصنَع هؤلاء إذا كنت راضياً عنّي ، نفس الروح التي نجدها في لحظة انقطاعه ، في لحظة مواجهته البشرية التي تحمل ألوان الشرور ، في لحظة تمرّد الإنسان على هذا الوجه الذي جاء ليصلحه ، لم تتبدّل حالته في هذه اللحظة وبين حالته ، والإنسانية تستجيب والإنسانية تخضع ، والإنسانية تطأطئ رأسها بين يدَي القائد العظيمصلى‌الله‌عليه‌وآله هذا هو الوعي .

أمّا الأُمّة لم تكن هكذا ، ولا نُريد أنْ نكرّر الشواهد مرّة أُخرى حتى يأتي البحث كاملاً اليوم ، الشواهد على أنّ الأُمّة كانت غير واعية ، وإنّما هي طاقة حرارية مرّت في الأيّام السابقة ، إذن فالأمة الإسلامية كانت تحمل طاقة حرارية كبيرة ، ولم تكن أُمّة واعية بدرجةٍ كبيرة فلم تكُن العصمة متوفّرة لا في القيادة ، ولا في الأُمّة بوجودها المجموعي ، ومن أجل هذا كان الانحراف حتمياً على النحو الذي بيّناه بالأمس ، وهكذا بدأ الانحراف بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقلنا أنّ الخط الذي بدأه الأئمّةعليهم‌السلام هذا الخط ينحل إلى شكلين :

الأول : خط محاولة القضاء على هذا الانحراف بالتجربة ، أليست التجربة

تجربة المجتمع الاسلامي والدولة الإسلامية ؟ هذه التجربة انحرفت بإعطاء زمامها إلى أُناس لا يؤمَنون عليها وعلى مُقدّراتها ، وعلى ممتلكاتها ، الخط الأول كان يُحاول أخذ هذه التجربة ، تسلَّم زمام التجربة .

الثاني : هو الخط الذي كان يعلمه الأئمّةعليهم‌السلام حتى في الحالات التي كانوا يرون إنّ ليس في الإمكان السعي وراء تسلّم زمام التجربة ، وهو خط الضمان لوجود الأُمّة مستقبلاً .

قلنا : إنّ التجربة حينما انحرفت ، كان من المنطقي في تسلسل الأحداث ، أنْ يتعمّق هذا الانحراف ، ثمّ يتعمّق حتى تنهار التجربة ، وإذا انهارت التجربة أمام أوّل غزو ، أمام أوّل تيّار ، إذن فسوف لنْ تُحارب عن إسلامها كأُمّة ، فبعد أنْ تنهار الدولة والحضارة الحاكمة ، وسوف تتنازل عن إسلامها بالتدريج ؛ لأنّها لم تجِد في هذا الإسلام المنحرف ما تدافع عنه ، إذ ماذا جنَوا من هذا الإسلام .

كيف نقدّر أنْ نتصوّر أنّ الإنسان غير العربي يُدافع عن الإسلام الذي يتبنّى زعامة العربي لغير العربي ؟ كيف يُمكن أنْ نتصوّر أنّ الإنسان العربي والفارسي يُدافع عن كيان يُعتبر هذا الكيان هو ملك لأُسرة واحدة من قبائل العرب ، وهي أُسرة قريش ؟ كيف يُمكن أنْ نفرض أنّ هؤلاء المسلمين يشعرون بأنّهم قد وجَدوا حقوقهم قد وجدوا كرامتهم ، في مجتمع يضجّ بكل ألوان التفاوت والتمييز والاستئثار والاحتكار ؟

إذن كانوا قد تنازلوا عن هذا الإسلام حينما تنهار التجربة بعد تعمّق الانحراف .

إلاّ أنّ الذي جعل الأُمّة لا تتنازل عن الإسلام ، هو أنّ الإسلام له مثَلٌ آخر قُدّم له ، مثَلٌ واضح المعالم ، أصيل المُثُل والقِيَم ، أصيل الأهداف والغايات ، قُدّمت هذه الأطروحة من قبل الواعين من المسلمين بزعامة الأئمّةعليهم‌السلام من أهل البيتعليهم‌السلام .

ولنعرف مسبقاً قبل أنْ نأتي إلى التفاصيل ، أنّ هذه الأطروحة التي قدّمها الأئمّةعليهم‌السلام للإسلام ، لم تكن تتفاعل فقط مع الشيعة المؤمنين بإمامة أهل البيتعليهم‌السلام ، هذه الأطروحة كان لها صدى كبير في كلّ العالم الاسلامي ، فالأئمّةعليهم‌السلام كان لهم أطروحة للإسلام وكانت

لهم دعوى لإمامة أنفسهم ، صحيح أنّ الدعوى لإمامة أنفسهم لم يطلبوا لها إلاّ عدداً ضئيلاً من مجموع الأُمّة الإسلامية ، ولكن الأُمّة الإسلامية بمجموعها تفاعلت مع هذه الأطروحة ، إذن فكان الخط الكبروي للأئمّةعليهم‌السلام هو تقديم الأطروحة الصحيحة للإسلام والنموذج والمخطّط الواضح الصحيح الصريح ، للإسلام ، في كل مجالات الإسلام في المجالات الخاصّة والمجالات العامّة ، في المجالات الاجتماعية ، والسياسية والاقتصادية ، والخُلقية والعبادية ، كانوا يقدّمون هذه الأطروحة الواضحة ، التي جعلت المسلمين على مرّ الزمن يسهرون على الإسلام ويقيمونه وينظرون إليه بمنظارٍ آخر غير منظار الواقع الذي يعيشونه ، غير مناظر التجربة الفريدة التي يعيشونها .

هذا هو الخط الثاني الذي عمل عليه الأئمّةعليهم‌السلام .

والآن ، نبدأ بتحليل الموقف عقيب وفاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

أميرُ المؤمنين حينما واجه الانحراف في التجربة ، قام بعملية تعبئة فكرية في صفوف المسلمين ، الذين يذهب تفكيرهم إلى أنّ هذا الوضع الذي قام الآن جديداً وضع غير طبيعي ، وضعٌ منحرف عن الخط الإسلامي ، واستعان بهذا السبيل ببنت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله الزهراءعليها‌السلام ؛ لأجل أنْ يستثير في نفوس المسلمين عواطفهم ومشاعرهم المرتبطة بأعزّ شخص يحبّونه ويجلّونه ، وهو شخص النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

إلاّ أنّه لم يستطع أنْ يستثير المسلمين بالدرجة التي تُحوّل مجرى التجربة ويجعل هناك تبدّلاً أساسياً في الخط القائم ، لم يستطع ذلك ، وهذا أمرٌ طبيعي ، يعني من الطبيعي أنْ ينتهي أمير المؤمنينعليه‌السلام إلى عدَم النجاح في القضاء على هذا الانحراف ، يكفي لأنْ نفهم هذا أنْ نلتفت إلى نفس ما أصاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو الرائد الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله لهذه الرسالة من قلقٍ وخوفٍ وارتباك ، في سبيل تركيز خلافة عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، هذا النبيّ الذي لم يتلكّأ ، ولم يتوقّف ، ولم يتردّد عن أيّ لون من ألوان التركيز والعمل في سبيل تلك المهمّات ، هذا النبيّ العظيم الذي لم يشعر بالخوف ولم يخفق قلبه بأيّ لون من ألوان الوساوس والشكوك ، أو الضعف والانهيار ، هذا النبيّ العظيم ، وقف حائراً أمام الأمر الإلهي في أنْ يبلّغَ إِمامة عليّ بن أبي طالب ، حيثُ جاء ما جاء إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من إنذاره بأنْ يبلّغ ، وإلاّ فكأنّه لم

يبلّغ الرسالة .

هذه الموانع التي كانت تمنع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عن تزعّم عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام للتجربة الإسلامية عميقة قوية واسعة ، بدرجة أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله نفسه كان يخشى من أنْ يعلن عن تشريع هذا الحكم ، ليس عن تطبيقه بحسب الخارج ، بل عن تشريعه وإعلانه أمام المسلمين .

هذه جهة ، والجهة الأُخرى ، حينما أراد أنْ يُسجّل هذا الحُكم في كتاب المسلمين الأوّل مرّة في تاريخ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

هذا النبيّ الذي كان المسلمون يتسابقون إلى الماء الذي يتقاطر من وضوئه .

هذا النبيّ الذي ذهَب رسول قريش يقول لهم : إنّي رأيت كسرى وقيصر وملوك الأرض ، فما رأيت رجُلاً انجذب إليه جماعته وأصحابه ، وآمنوا به ، وذابوا بوجوده كما ذاب أصحاب محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله في محمّد .

هؤلاء لا يشعرون بوجودهم أمام هذا الرجل العظيمصلى‌الله‌عليه‌وآله في مجلس النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فيقوم واحد منهم فيقول ما يقول ، ممّا تعلمون ، ثمّ لا يحصل بعد هذا أيّ رد فعل لهذا الكلام ، فالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عندئذ يقول :( قوموا عنّي ، لا ينبغي الاختلاف في مجلس نبيّ ) .

المسألة بهذه الدرجة من العنف ، الموانع بهذه الدرجة من الشمول .

يجب أنْ نعرف أنْ علياًعليه‌السلام لم يكن رئيساً حينما فشل ، ولم يكن قاصراً حينما فشل ، كل هذا لم يكن ؛ لأنّ كل هذا غير محتمل في شخص هو قمّة النشاط ، وقمّة الحيوية وقمّة الحرص ومع هذا كله ، النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله واجه هذه المشاكل والصعاب تجاه تشريع هذا الحكم ، إذن فموقف الإمامعليه‌السلام كان حرجاً غاية الحرَج تجاه هذه الموانع ، أمّا ما هي صيغة هذه الموانع ، هذه الموانع تحتاج إلى دراسة مفصلة لنفسية المجتمع الإسلامي في أيّام الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فهنالك عوامل كثيرة لها دخل في نسج خيوط هذه الموانع ، يُمكن أنْ نذكر بعضها على سبيل المثال .

العامل الأوّل : التفكير اللاإسلامي من ولاية عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله جعل عليّاً بعده حاكماً على المسلمين ، وإماماً للمسلمين

ككل ، ولنتكلّم عن المسلمين المؤمنين باللّه ورسوله حقّاً ، هؤلاء المسلمون المؤمنون باللّه وبرسوله حقّاً ، قُلنا : إنّهم لم يكونوا من الواعين بدرجةٍ كبيرة ، نعم كان عندهم طاقة حرارية تصل إلى درجة الجهاد ، إلى الموت في سبيل اللّه هؤلاء الذين قاموا بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ضدّ عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، أنا لا أشكّ بأنّهم مرّ عليهم بعض اللحظات ، كانوا على استعداد لأنْ يضحّوا بأنفسهم في سبيل اللّه ، وأنا لا أشكّ أنّ الطاقة الحرارية كانت موجودة عند هؤلاء ، سعد بن عبادة الخزرجي مثلاً ، هذا الذي عارَض عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام إلى حين ، والذي فتَح أبواب المعارضة على عليّ بن أبي طالب إلى حين .

سعَد هذا كان مثل المسلمين الآخرين يُكافح ويُجاهد غاية الأمر لم يكن لديه الوعي ، هؤلاء المسلمون المؤمنون باللّه ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لم يكونوا على درجةٍ واحدة من الوعي وكان الكثرة الكاثرة منهم أُناساً يملكون الطاقة الحرارية ، بدرجةٍ متفاوتة ، ولم يكونوا يملكون وعياً ، إذن فقد تبادر إلى ذهن عدد كبير من هؤلاء أنّ محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله يفكّر أنْ يُعلّي مجد بني هاشم ، أنْ يعلّي كيان هذه الأُسرة ، أنْ يمدّ بنفسه بعده فأختار علياً ، اختار ابن عمّه ، لأجل أنْ يمثّل عليّ بن أبي طالب أمجاد أُسرته ، هذا التفكير كان تفكيراً منسجماً مع الوضع النفسي الذي يعيشه أكثر المسلمين كراسب الجاهلية ، كراسب عرفوه ما قبل الإسلام ، ولم يستطيعوا أنْ يتحمّلوا تحمّلاً تامّاً ، أبعاد الرسالة .

ألسنا نعلم... ماذا صنعوا في غزوة حنين ، حينما وزّع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله المال ؟ وزّع الغنائم على قريش ولم يعطِ الأنصار ، وزّعه على قريش على أهل مكّة ، ولم يعطِ أهل المدينة ، ماذا صنَع هؤلاء ، ماذا صنَع أهل المدينة ؟ أخذ بعضهم يقول لبعض : إنّ محمّداً لقي عشيرته فنسينا ، لقي قريشاً ونسيَ الأوس والخزرَج ، هاتين القبيلتين اللتين قدّمتا ما قدّمتا للإسلام ، إذن فكان هؤلاء على المستوى الذي تصوّروا في هذا القائد الرائد العظيم ، الذي كان يعيش الرسالة ، آثر قبيلته بمال ، فكيف لا يتصوّرون أنّه يؤثر عشيرته بحكمٍ ، بزعامةٍ ، بقيادةٍ على مرّ الزمن وعلى مرّ التاريخ .

هذا التصوّر كان يصل إلى هذا المستوى المتدنّي من الوعي ، هؤلاء لم

يكونوا قد أدركوا بعد أبعاد محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولم يكونوا قد أدركوا أبعاد الرسالة الإسلامية ، وكانوا بين حينٍ وحين يطفو على أنفسهم الراسب الجاهلي وينظرون إلى النبيّ من منظار ذلك الراسب الجاهلي ، ينظرون إليه كشخصٍ يرتبط بالعرَب ارتباطاً قوميّاً ، ويرتبط بعشيرته ارتباطاً قبَلياً ويرتبط بابن عمّه ارتباطاً رحمياً ، كلّ هذه الارتباطات كانت تراود أذهانهم بين حين وحين ، وأنا أظنّ ظنّاً كبيراً أنّ عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام لو لم يكن ابن عمّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لو أنّ الصدفة لم تشأ أنْ يكون الرجل الثاني في الإسلام ، لو لم يكن من أُسرة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله لو كان من عدِي ، أو لو كان من تميم ، لو كان من أُسرة أُخرى ، لكان لهذه الولاية مفعولاً كبيراً جداً ، لقضيَ على هذا التفكير اللاإسلامي.....

لكن ما هي حيلة محمّد إذا كان الرجل الثاني في الإسلام ابن عمّه ، لم يكن له حيلة في أنْ يختار شخصاً دون شخص آخر ، وإنّما كان عليه أنْ يختار مَن اختاره الله سُبحانه وتعالى ، ومَن اختاره اللّه هو الرجل الثاني في الإسلام ، في تاريخ الرسالة ، في كيان الرسالة ، وفي الجهاد... في سبيل الرسالة ، وفي الاضطهاد في سبيل الرسالة ، كان من باب الاتفاق ابن عمّ محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله هذا الاتفاق فتح باب المشاغبة على هؤلاء هذا هو العامل الأول ، هذا العامل يعيش في نفوس المؤمنين باللّه تعالى ، وبرسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

العامل الثاني : عامل يعيش في نفوس المنافقين ، والمنافقون كثيرون في المجتمع الإسلامي ، خاصّة وأنّ المجتمع الإسلامي كان قد انفتح قبيل وفاة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله انفتاحاً جديداً على مكّة ، وكانت قد دخَلَت مكّة أيضاً داخل هذا المجتمع ، ودخلت قبائل كثيرة في الإسلام قبيل وفاة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وكان هناك أُناسٌ كثيرون قد دخلوا الإسلام نفاقاً ، ودخلوه طمعاً ، ودخلوه حرصاً على الجاه ، ودخلوه استسلاماً للأمر الواقع ؛ لأنّ هذا مُسلّم ، لأنّ محمداً فرض زعامته على العرب ، لم يكن شخصٌ يفكّر في أنْ تُزَعزَع هذه الزعامة ، إذن فلا بدّ من الاعتراف بهذه الزعامة .

دخل كثير من الناس بهذه العقلية ، وهؤلاء كانوا يدركون كل الإدراك أنّ عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام هو الرجل الثاني للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو الاستمرار الصلِب العنيد للرسالة ، لا الاستمرار الرخو المتميّع لها ، وهؤلاء كانوا مشدودين إلى

أطماع وإلى مصالح كانت تتطلّب أنْ تستمرّ الرسالة ويستمرّ الإسلام ؛ لأنّ الإسلام إذا انطفأ معنى هذا أنّه سوف تنطفئ هذه الحركة القويّة التي بنَت دولةً ومجتمعاً ، والتي يُمكن أنْ تُطبِق على كنوز دولة كسرى وقيصر وتضمّ أموال الأرض كلّها إلي هذه الأُمّة ، كان من المصلحة أنْ تستمر هذه الحركة ، لكن كان من المصلحة أنْ لا تستمر بتلك الدرجة من الصلابة والجدّية ، بل أنْ تستمر بدرجة رخوة هيّنة ليّنة ، كما وصَف الإمام الصادقعليه‌السلام حينما سُئل ، كيف نجح أبو بكر وعمر بقيادة المسلمين وفشَل عثمان في هذه القيادة ؟

قال :( لأنّ عليّاً أرادها حقّاً محضاً ، وعثمان أرادها باطلاً محضاً ، وأَبو بكر وعُمَر خلَطا حقّاً وباطلاً ) .

كان لابدّ وأنْ تستمر الرسالة لكن تستمر بشكلٍ ليّن هيّن ، بشكلٍ ينفتح على مطامح أبي سفيان ، بشكلٍ يمكن أنْ يتعامل معه أبو سفيان الذي جاء إلى عليّعليه‌السلام في لحظة قاسية تلك اللحظة التي يشعر فيها الإنسان عادة بقدرٍ كبير من المظلومية ، حيثُ يرى كيف أنّ الناس قد تنكّروا لكل أمجاده وأنكروا كلّ جهاده ، حتى أخوَّته لرسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، في هذه اللحظة جاءه أبو سفيان يعرض عليه القيادة بين يديه ، يعرِض عليه أنْ يُزعّمه في سبيل أنْ يكون هو اليد اليمنى للدولة الإسلامية ، يأبى عليّعليه‌السلام ذلك ، يأبى وهو مظلوم ، وهو متآمَرٌ عليه ، وهو مضطهد حقّه ثمّ يذهب أبو سفيان ، أو بالأحرى نقول أنّ أبا بكر وعمر يذهبان إلى أبي سفيان ، ويولّيان أولاد أبي سفيان على بلاد المسلمين ، وهذا هو الاستمرار الهيّن الذي كانت مصالح المنافقين تطلبه وقتئذ ، وبهذا كانت قيادة عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام وزعامته تمثّل خطراً على هذه المصالح فكان لا بدّ في سبيل الحفاظ عليها من قِبل المنافقين هؤلاء أنْ يخلقوا في سبيلها العراقيل ويقيموا الحواجز والموانع .

العامل الثالث : وهو مرتبطٌ بمراحل نفسية خلقية ، عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام كان يمثّل باستمرار تحدّياً بوجوده التكويني ، كان يمثّل تحدّياً للصادقين من الصحابة لا للمنحرفين من الصحابة ، كان يمثّل تحدّياً بجهاده ، بصرامته ، باستبساله ، بشبابه ، بكلّ هذه الأُمور ، كان يضرب الرقم القياسي الذي

لا يمكن أنْ يحلم به أيّ صحابي آخر ، كلّ هؤلاء كانوا يودّون أنْ يُقدّموا خدمةً للإسلام .

أتكلّم عن الصحابة الصالحين الصحابة الصالحون كانوا يودون أنْ يقدموا خدمةً للإسلام ولكن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام كان يفوقهم بدرجةٍ كبيرة ، بدرجةٍ هائلة ، عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام بالرغم من التفاوت الكبير في العمر بينه وبين شيوخ الصحابة ، من أمثال أبي بكر وعمر وغيرهما ، ممّن عاش بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بالرغم من هذا، أفلَس أبو بكر وأفلَس عمر ، وأفلَس هؤلاء كلّهم ، أمام رسوخ عليّعليه‌السلام الذي كان يضرب بسيفين .

معاوية يقول في كتابه لمحمّد بن أبي بكر بأنّ علياً كان في أيّام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كالنجم في السماء لا يطاول ، الأُمّة الإسلامية كانت تنظر إليه كالنجم في السماء بالرغم من أنّ العدد الكبير منها لم يكن يحبّونه ، كان عليّ مجاهداً بدرجة لا يُمكن أنْ يُقاس به شخصٌ آخر ، كان صامداً زاهداً ، بدرجةٍ لا يُمكن أنْ يُقاس به شخصٌ آخر ، وهكذا في كل كمالات الرسالة الإسلامية .

إذنْ فعليّ كان تحدّياً ، كان استفزازاً للآخرين ، وهؤلاء الآخرون ليسوا كلّهم يعيشون الرسالة فقط ، بل جملةً منهم يعيشون أنفسهم أيضاً ، يعيشون أنانيّتهم أيضاً ، وحينما يشعرون بهذا الاستفزاز التكويني من شخصِ هذا الرجل العظيم الذي كان يتحدّاهم وهو لا يقصد أنْ تحدّاهم ، بل يقصد أنْ يهديهم ، وأنْ يبني لهم مجدهم ، يبني لهم رسالتهم وعقيدتهم ، لكن ماذا يصنع بأُناسٍ يعيشون أنفسهم.

فهؤلاء الأُناس كانوا يفكّرون في أنّ هذا تحدّ واستفزاز لهم كان ردّ الفعل لهذا مشاعر ضخمة جدّاً ضدّ عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام .

يكفي مثال واحد ليتّضح هذا الموقف .

النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يُسافر من المدينة إلى غزوة من الغزَوات فيخلّف عليّاً مكانه أميراً على المدينة ، فهل تركه الناس ، لا إنّما أخذوا يشيعون بالرغم من أنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله في المرّات السابقة كان يستخلف أحد الأنصار على المدينة غير عليّ ، فكانوا يشيعون بأنّه ترَك عليّاً لأنّه لا يصلح للحرب !! عليّ بن أبي طالب هذا الرجل الصلب ، العنيد ، المترفّع ، هذا الرجل الذي يقول :( لا يزيدني إقبال الناس عليّ ولا ينقصني

إدبارهم عنّي ) هذا الرجل الصلب استفزّ الأعصاب إلى درجة أنّه اضطرّ أنْ يلحق بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فيسأله النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عن سبب تركه المدينة ، فيقول :( الناس يقولون بأنّك طردتني لأنّي لا أصلح للحرب ) .

يمكن أنْ تنكر أيّة فضيلة من فضائل عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، ولكن هل يُمكن أنْ ينكر أنّ عليّ بن أبي طالب لا يصلح للحرب ؟ انظروا الحقد كيف وصل عند هؤلاء المسلمين بأنْ أخذوا يُفسّرون إمارة عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام على المدينة بأنّه لا يصلح للحرب ، فيقول رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله كلمته المشهورة :( إنّ عليّاً منّي بمنزلة هارون من موسى ) ، أنّه لا ينبغي أنْ أخرج من المدينة إلاّ وأنت فيها إثباتاً لوجودي ولتحمي المدينة .

هذا الموقف من هؤلاء لا يُمكن أنْ يُفسّر إلا على أساس هذا العامل النفسي هذا العامل الثالث .

وهناك عوامل أُخرى ، هذه العوامل كلّها اشتركت في سبيل أنْ تجعل هناك موانع قويّة جدّاً اصطدم بها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عند تشريع الحكم ، واصطدم بها عليّ بن أبي طالب عند محاولة مقابلة الانحراف وتعديل التجربة وإرجاعها إلى وضعها الطبيعي ، ولهذا فشَل في زعزَعة الوضع القائم بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

(٧)

قلنا : إنّه حينما وجِد الانحراف بعد وفاة الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لم تكن الأُمّة على مستوى المراقبة بوصفها المجموعي ، لم تكن قادرة على ضمان عدَم وقوع هذا الحاكم المنحرف بطبيعته في سلوكٍ منحرف ؛ لأنّ كون الأُمّة على هذا المستوى من الضمان ، إنّما يكون فيما إذا وصلَت الأُمّة بوصفها المجموعي إلى درجة العصمة ، أي إذا أصبحت الأُمّة كأُمّة تعيش الإسلام عيشاً كاملاً عميقاً ، مستوعباً مستنيراً منعطفاً على مختلف مجالات حياتها ، هذا لم يكن ، بالرغم من أنّ الأُمّة الإسلامية وقتئذ ، كانت تشكّل أفضل نموذج للأُمّة في تاريخ الإنسان على الإطلاق يعني نحن الآن لا نعرف في تاريخ الإنسان ، أُمّة بلَغت في مناقبها وفضائلها ، وقوة إرادتها وشجاعتها وإيمانها وصبرها وجلالتها وتضحيتها ما بلغته هذه الأُمّة العظيمة حينما خلّفها رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

الذي يقرأ التاريخ تاريخ هؤلاء الناس ، الذي عاشوا مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله تبهره أنوارهم في المجال الروحي والفكري والنفسي ، في مجال الجهاد والتضحية في سبيل العقيدة ولكن هذه الأنوار التي تظهر للمطالع لم تكن نتيجة وضع معمّق تعيشه الأُمّة في أبعادها الفكرية والنفسية ، بل كانت نتيجة طاقة حرارية هائلة اكتسبتها هذه الأُمّة بإشعاع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

هذه الأُمّة التي عاشَت مع أكمل قائد للبشرية ، اكتسبت عن طريق الإشعاع من هذا القائد ، درجة كبيرة من الطاقة الحرارية صنعت المعاجز ، وصنعت البطولات والتضحيات التي يقل نظيرها في تاريخ الإنسان .

ولا أُريد أنْ أتكلّم عن هؤلاء الناس في أيّام رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله وإيثار كل واحد منهم للإسلام والعقيدة ، إيثاره بكلّ وجوده وطاقاته بكل إمكانياته وقدراته هذه النماذج الرفيعة إنّما هي نتاج هذه الطاقة الحرارية التي جعلت

الأُمّة الإسلامية تعيش أيّام رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله محنة العقيدة والصبر ، وتتحمّل مسؤولية هذه العقيدة بعد وفاتهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتحمل لواء الإسلام بكلّ شجاعة وبطولة إلى مختلف أرجاء الأرض ، هذه هي طاقة حرارية وليست وعياً ، لذا يجب أنْ نفرّق ونميّز بين الطاقة الحرارية وبين الوعي :

الوعي : عبارة عن الفهم الفعّال الإيجابي المحقّق للإسلام في نفس الأُمّة ، الذي يتأصّل ويستأصل جذور المفاهيم الجاهلية السابقة استئصالاً كاملاً ، ويحوّل تمام مرافق الإنسان من مرافق الفكر الجاهلي إلى مرافق الفكر الإسلامي والذوق الإسلامي .

أمّاالطاقة الحرارية : فهي عبارة عن توهّج عاطفي حار ، بشعور قد يبلِغ في مظاهره نفس ما يبلغه الوعي في ظواهره بحيث يختلف الأمر ، فلا يميّز بين الأُمّة التي تحمل مثل هذه الطاقة الحرارية وبين أُمّة تتمتّع بذلك الوعي إلاّ بعد التبصر .

إلاّ أنّ الفرق بين الأُمّة الواعية والأُمّة التي تحمل الطاقة الحرارية كبير ، فإنّ الطاقة الحرارية بطبيعتها تتناقص بالتدريج بالابتعاد عن مركز هذه الطاقة الحرارية .

والمركز الذي كان يموّن الأُمّة بهذه الطاقة الحرارية هو شخص النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله القائد ، فكان طبيعياً أنْ تصبح طاقة الأُمّة بعده في تناقض مستمر ، حال الشخص الذي يتزوّد من الطاقة الحرارية للشمس والنار ، ثمّ يبتعد عنهما ، فإنّ هذه الحالة تتنافص عنده باستمرار .

هكذا كان ، وتاريخ الإسلام يثبت أنّ الأمة الإسلامية كانت في حالة تناقص مستمر من هذه الطاقة الحرارية التي خلفها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في أُمّته حين وفاته بخلاف الوعي ، فإنّ الوعي بذلك المعنى المركز الشامل المستأصّل لجذور ما قبله ، ذلك الوعي من طبيعته الثبات والاستقرار ، بل التعمّق على مرّ الزمن ؛ لأنّه بطبيعته يمتد ويخلق له بالتدريج خيالات جديدة وفقاً لخط العمل وخطّ الأحداث ، فالأُمّة الواعية هي أُمّة تسير في طريق التعمّق في وعيها ، والأُمّة التي تحمل طاقة حرارية هائلة ، هي الأُمّة التي لو بقِيت وحدها مع هذه الطاقة الحرارية فسوف تتناقص طاقتها باستمرار .

وهناك فرق آخر : هو أنّ الوعي لا تهزّه الانفعالات ، يصمد أمامها ، أمّا الطاقة الحرارية فتهزّها الانفعالات ، الانفعال يفجّر المشاعر الباطنية المستترة ، يبرز ما وراء الستار ، ما وراء سطح النفس كأنّ الطاقة الحرارية طاقة تبرز على سطح النفس البشرية ، وأمّا الوعي فهو شيءٌ يثبت في أعماق هذه النفس البشرية ، ففي حالة الانفعال سَواء كان الانفعال انفعالاً معاكساً ، يعني حزناً وألَماً أم كان انفعالاً موافقاً ، أي فرحاً ولذّة وانتصاراً ، في كلا الحالتين سوف يتفجّر ما وراء الستار ويبرز ما كان كامناً وراء هذه الطاقة الحرارية في الأُمّة المزوّدة بهذه الطاقة فقط ، أمّا الأُمّة الواعية فوعيها يجمد ويتقوّى على مرّ الزمن فكلّما مرّ بها انفعال جديد أكّدت شخصيّتها الواعية في مقابل هذا الانفعال ، وصبَغته بما يتطلّبه وعيها من موقف .

هذا هو الفرق بين الوعي والطاقة الحرارية .

نحن ندّعي أنّ الأُمّة الإسلامية العظيمة التي خلّفها القائد الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والتي ضربت أعظم مثل للكون في تاريخ الإنسان إلى يومنا هذا ، هذه الأُمّة كانت تحمل طاقة حرارية كبيرة ، ولم تكن تحمل وعياً مستنيراً مجتثّاً لأصول الجاهلية فيها .

والدليل على هذا كلّه واضح من تاريخ الأُمّة نفسها وكشاهد على ذلك ، علينا أنْ ننظر إلى غزوة حنين ، غزوة هوازن بعد فتح مكّة ، ماذا صنَعت هذه الأُمّة العظيمة بتلك الطاقة الحرارية في لحظة الانفعال ، رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله خرَج بجيش من الأنصار ومن قريش من أهل مكّة فانتصر في معركته وأخذ غنائم كثيرة ، وكان قراره توزيع الغنائم كلّها جميعاً على مَن خرَج من مسلمي مكّة ، فوزّعها كذلك ، ولم يعطِ مسلمي الأنصار شيئاً منها ، هذه لحظة انفعال نفسي ، إنّ هؤلاء الأنصار يرون أنفسهم خرَجوا مع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله من المدينة ليفتحوا مكّة ، وفتحوها وحقّقوا للأُمّة أعظم انتصاراتها في حياة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وبعد هذا يدخل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في الدين أُناساً جدداً يستقلون بتمام الغنائم ويأخذونها هذه لحظة انفعال ، في هذه اللحظة من لحظات الانفعال لا تكفي الأُمّة الطاقة الحرارية ، بل تحتاج الأُمّة إلى وعي يثبتها لتستطيع أنْ تتغلب على لحظة الانفعال ، هل كان مثل هذا الوعي موجوداً...؟ الجواب أنّه لم يكن :

فإنّ الأنصار أخذوا يثيرون ما بينهم الهمس القائل : بأنّ محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله لقِي أهله وقومه وعشيرته ، فنسِيَ أنصاره وأصحابه ، هؤلاء الذين شاركوه في محنته ، هؤلاء الذين ضحّوا في سبيله ، هؤلاء الذين قاوموا عشيرته في سبيل دعوته ، نسيَهم وأهمَلهم وأعرض عنهم ؛ لأنّه رأى أحبّائه وأولاد عمّه ، رأى عشيرته...

أنظروا إلى هذا التفسير ، يبدو من خلاله الأنصار وكأنّ المفهوم القبَلي متركّز في واقع نفوسهم ، إلى درجةٍ يبدو معه لهم ، أنّ محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو الرجل الأشرف والأكمل ، الذي عاشوا معه ، وعاشوا تمام مراحل حياته الجهادية ، ولم يبدِ في كل مراحله الجهادية أيّ لون من الألوان يُعطي شعوراً قبَلِياً قوميّاً ، بالرغم من هذا ، وبالرغم من خلوّه من أيّ شعور يشير إلى ذلك .

في لحظة الانفعال قالوا ، بأنّه وقَع تحت تأثير العاطفة القبليّة والقومية هذه العاطفة القبليّة أو القومية هذا الترابط القبلي كيف كان قوياً في نفوسهم ، بحيث إنّهم اصطنعوه تفسيراً للموقف في لحظة من لحظات الانفعال ، رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله سمِع بالهمس ، اطّلع على أنّ هناك بذور فتنة ضدّه في الأنصار ، فأرسَل على أبناء الأنصار من الأوس والخزرج ، وجمَعهم عنده ثمّ التفت إليهمصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال ما معناه : ( لقد بلَغني عن بعضِكم هذا الموضوع ، إنّ محمّداً نسيَ أصحابه وأنصاره حينما التقى بقومه ) ، فسكَتَ الجميع واعترف البعض بهذه المقالة .

حينئذٍ أخذ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله يُعالج الموقف والمشكلة وذلك بإعطاء المزيد من الطاقة الحرارية ؛ لأنّ هذه المشكلة ذات حدّين ، حدٍّ آني وحد المدى الطويل ، الحد على المدى الطويل يجب أنْ يعالج عن طريق التوعية على الخط الطويل ، وهذا ما كان يُمارسهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والمشكلة بحدّها الآني يجب أنْ تُعالج أيضاً معالجة آنيّة ، والمعالجة الآنية لا تكون إلاّ عن طريق إعطاء مزيد من هذه الطاقة الحرارية للسيطرة على لحظة الانفعال ، ماذا قالصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ كيف ألهَب عواطفهم ، قال لهم :( ألا ترضَون أنْ يذهَب أهل مكّة إلى بلادهم بمجوعة من الأموال الزائفة ، وأنتم ترجعون إلى بلادكم بمحمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله برسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ) .

هذه كانت دفعة حرارية حوّلت الموقف في لحظة حيث أخذ هؤلاء الأوس

والخزرج يبكون أمام رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ويستغفرون ويعلنون ولاءهم واستعدادهم وتعلّقهم به ، أراد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنْ يعمّق هذا الموقف العاطفي أكثر فعندما سكَن بكاؤهم وهدأت عواطفهم قال لهم :

( ألا تقولون لي مقابل هذا ) ، ثمّ أخذ يترجم بعض الأحاسيس المستترة في نفوسهم ، حتى يهيّج عواطفهم تجاهه ، ويتيح لذلك المجلس جوّاً عاطفياً وروحياً ، بعد ذلك يتغلّب على الموقف إلى آخر القصّة .

هذه الأُمّة التي تحمل الطاقة الحرارية تنهار أمام لحظة انفعال .

شاهد آخر في لحظة انفعال أُخرى أيضاً في تاريخ هذه الأُمّة .

الأُمّة بعد وفاة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله تملكتها لحظة انفعال كبيرة ؛ لأنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله راحل وكان رحيلهصلى‌الله‌عليه‌وآله يشكّل هزّة نفسية هائلة بالنسبة إلى الأُمّة الإسلامية ، التي لم تكن قد تهيّأت بعد ذهنياً وروحياً لأنْ تفقد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، في هذه اللحظة من الانفعال أيضاً المشاعر التي كانت في الأعماق برَزت على السطح .

المهاجرون : هناك تكلّمنا عن الأنصار ، وهنا نتكلّم عن المهاجرين ، ماذا قال المهاجرون في لحظة الانفعال...؟ هؤلاء المهاجرون الذين هاجروا من بلادهم ، وتركوا دورهم وعوائلهم وقومهم في سبيل الإسلام ، ماذا قالوا ، وماذا كان موقفهم ؟

قالوا : إنّ السلطان سلطان قريش ، إنّ سلطان محمّد سلطان قريش ، نحن أولى من بقيّة العرب ، وبقيّة العرب أولى من بقية المسلمين .

هنا يبرز الشعور القبَلي والشعور القومي ، في لحظة انفعال ؛ لأنّ هذه اللحظة من الانفعال تشكّل صدمة بالنسبة إلى الطاقة الحرارية ، يصبح الإنسان معها في حالة غير طبيعية ، حيث لا يوجد عنده وعي فينهار أمام تلك الأفكار وهذه العواطف .

إذن لحظة الانفعال هي التي تحدّد أنّ هذه الأُمّة تحمل وعياً ، أو طاقة حرارية .

ماذا صنع المسلمون في لحظة الانتصار والاستيلاء على كنوز كسرى وقيصر ، المسلمون في هذه اللحظة ، أخذوا يفكّرون في الدنيا ، أخذوا يفكّرون في أنْ يقتنص كلّ واحد منهم أكبر قدَر ممكن من حطامها .

والأزمة التي مرّت بعمر بن الخطّاب في تحقيق حال الأرض المفتوحة عنوة ، وأنّ الأرض المفتوحة عنوة هل تقسم على المقاتلين أو أنّها تجعل لبيت المال ، وتجعل ملكاً عاماً ، هذه الأزمة تبينّ ، كيف أنّ هذه الأُمّة تردّدت في لحظة الانفعال ؛ لأنّ وجوه المهاجرين والأنصار ، هؤلاء الأبرار المجاهدون ، هؤلاء الذين عاشوا كل حياتهم الكفاح والجهاد في سبيل اللّه ، هؤلاء أخذوا يصرّون إصراراً مستميتاً على أنّ هذه الأرض يجب أنْ توزّع عليهم ، وعلى أنّ كل واحد منهم يجب أنْ ينال أكبر قدر ممكن من هذه الأرض ، إلى أنْ أفتى عليّعليه‌السلام بأنّ الأرض للمسلمين جميعاً ، لمَن هو موجود الآن ولمَن يوجد بعد اليوم إلى يوم القيامة .

هذه اللحظات لحظات انفعال ، لحظات الانفعال الانخذالية ، ولحظات الانفعال الانفصالية هي التي تحدّد أنّ الأُمّة هل تحمل طاقة حرارية ، أو تحمل وعياً .

إذن كان وعي الأُمّة يحمل وراءه قدَراً كبيراً من الرواسب الفكرية والعاطفية والنفسية ، التي لم تكن قد استؤصلت بعد ؟

وربّما قيل : إذن ماذا كان يصنع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا لم تكن قد استؤصلت هذه الرواسب ؟

وجوابه : أنّ هذه الرواسب ليس من السهل استئصالها ؛ لأنّ الدعوة الإسلامية التي جاء بها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لم تكن مجرّد خطوة إلى الإمام ، بل كانت طفرة بين الأرض والسماء .

إذا لاحظنا حال العرب قبل الإسلام ، ولاحظنا مستوى الرسالة الإسلامية ، نرى أنّ المستوى هو مستوى الطفرة بين الأرض والسماء ، لا مستوى الحركات الإصلاحية التي توجد في المجتمعات العالمية ، وهي مستوى الخطوة إلى الأمام ، أي حركة إصلاحية تنبع من الأرض وتنبع من عبقرية الإنسان بما هو إنسان ، تزحف بالمجتمع خطوةً إلى الأمام لا أكثر، المجتمع كان قد وصل إلى الخطوة

السابقة ، في خط التقدّم ، وحينئذ من الممكن في زمَن قصير أنْ تستأصل رواسب الخطوة السابقة ، بعد الدخول في الخطوة التالية ؛ لأنّ الفرق الكيفي بين الخطوة السابقة والثانية مثلاً فرقٌ قليل ضئيل ، والتشابه بين الخطوتين تشابهٌ كبيرٌ جدّاً ، هذا التشابه الكبير أو ذاك التفاوت اليسير ، يُعطي في المقام إمكانية التحويل ، إمكانية اجتثاث تلك الأُصول الموروثة من الخطوة السابقة .

لكن ماذا ترون وما تقدّرون ، عندما جاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى مجتمع متأخّر يعيش الفكرة القبلية بأشدّ ألوانها ونتائجها ، وأقسى مفاهيمها وأفكارها ، جاء فألقى فيها فكرة المجتمع العالمي ، الذي لا فرق فيه بين قبيلة وقبيلة ، وبين شعب وشعب ، وبين أُمّة وأُمّة ، وقال : إنّ الناس سواسية كأسنان المشط .

هذه الطفرة الهائلة بكلّ ما تضم من تحوّل فكري وانقلاب اجتماعي ، وتغيير في المشاعر والمفاهيم والانفعالات ، هذه الطفرة لم تكن شيئاً عادياً في حياة الإنسان ، وإنّما كانت شيئاً هائلاً في حياته إذن فكيف يمكن أنْ نتصوّر أنّ هذا المجتمع الذي طفَر بهذه الطفرة ـ مهما كان هذا المجتمع ذكيّاً ، وصبوراً على الكفاح ، ومهما كان قويّاً ومؤمناً برسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ كيف يمكن أنْ نتصور في الحالات الاعتيادية ، أنّه يُودّع تمام ما كان عنده من الأفكار والمشاعر والانفعالات ، ويقلب صفحة جديدة كاملة ، دون أيّ اصطحاب لموروثات العهد السابق ، هذا غير ممكن إلاّ في فترة طويلة جدّاً ، مع أنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يعِش لمجتمع ودولة كمربّي تربيةً كاملة في المدينة إلاّ عشرَ سنوات فقط ، عِلماً أنّ جزءاً كبيراً من المجتمع الإسلامي دخل الأحداث بعد وفاة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومجتمع مكّة الذي دخل في حظيرة الإسلام وقت فتح مكّة ، وقبل سنتين فقط من وفاة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فكيف يمكن أنْ نتصوّر من خلال هذه الأزمنة القصيرة ومع تلك الطفرة الهائلة الكبيرة إثبات تلك الأُصول .

فالأُصول إذن كان من المنطقي والطبيعي أنْ لا تبقى ، وكان من المنطقي والطبيعي أيضاً أنْ لا تُجتث إلاّ في خلال أمَد طويل ، وخلال عمليّة تستمر مع خلفاء الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بعده إلاّ أنّ هذه العملية قطعت بالانحراف ، بتحوّل

خط الخلافة عن عليّعليه‌السلام وهذا لا يثير استغراباً ، أو يسجّل نقطة ضعف ، بالنسبة إلى عمل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل ينسجم مع الرسالة مع عظمتها وجلالتها ومع تخطيط النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فهذه هي الأُمّة التي تحمل طاقة حرارية ، أُمّة غير واعية وإذا كانت تحمل هذه الطاقة وهي غير واعية ، فليست بقادرة على حماية التجربة الإسلامية ، وعلى وضَع حدٍّ لانحراف الحاكم الذي تولّى الحكم بعد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، إذ بالصيغة الأُصولية التي قلناها ، من أنّ الأُمّة بوصفها المجموعي ليست معصومة ، ما دامت تحمل طاقة حرارية فقط ، ولا تحمل وعياً مستنيراً بجتثُّ أُصول الجاهلية فيها .

وما دامت كذلك فهي لا تقف في وجه هذا الانحراف ، وقد قلنا بأنّه حتى لو أخذنا الحاكم بغير المفهوم الشيعي ، مع هذا تبقى طبيعة الأشياء وطبيعة الأحداث تُبرهن على أنْ يكون هذا الحاكم عرضةً للانحراف ولتحطيم التجربة الإسلامية ، وبالتالي تحطيم جميع الأُصول الموضوعية والإطار العام لهذه التجربة الشريفة المباركة ، فإنّ الحاكم أوّلاً هو جزء عادي من هذه الأُمّة ، التي قلنا بأنّها لم تكن تحمل وعياً مستنيراً بل كانت تحمل طاقة حرارية .

ولنفرض أنّ هذا الحاكم لم يكن شخصاً متميّزاً من هذه الأُمّة بانحراف خاص ، وبتخطيطٍ سابق للاستيلاء على الحكم ، أو بتصميم على قتل رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله في سبيل الاستيلاء على الحكم ، لنفرض أنّ هذا لم يكن ، وإنّما هو جزءٌ عادي من هذه الأُمّة تدلّ سوابقه على ذلك فمعنى كونه جزءاً من هذه الأُمّة ، أنّ الحاكم يستبطن قدراً كبيراً من الأفكار الجاهلية والعواطف الجاهلية والمشاعر الجاهلية ، وهذا كان واضحاً من اللحظة الأُولى في يوم السقيفة ، وفي الحجج التي أوردها المهاجرون ضدّ الأنصار ، وكان من الواضح أنّ تقييم الخلافة لم يكن تقييماً إسلامياً ، فهذه الرواسب الفكرية والعاطفية للجاهلية سوف تعمل عملها في سلوك هذا الحاكم وفي تخطيطه .

إذا أضفنا إلى هذا أنّ الحاكم كان يبدو منه في حياة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله نزعة الاستقلال بالرأي وروح التمرّد على التعبّد ، وهذا كان ظاهراً فيهم وخاصّة الخليفة الثاني ، حيث كانت تبدو فيه روح التمرّد على جملة التعاليم التي جاء

بها الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ لأنّها تحدث عنده حالة تناقض بين الدعوة الجديدة التي دخَل فيها وبين مفاهيمه وأفكاره وعواطفه المسبقة التي صاغتها الجاهلية له ، هذه النزعة نزعة التمرّد ، ونزعة التعويل على الرأي لم تكن تشكّل خطراً في الوقت الذي كان هذا إنساناً عاديّاً في المجتمع الإسلامي ، وكان الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله هو الحاكم في هذا المجتمع ، وأمّا في الوقت الذي تولّى فيه هذا الشخص وأصحابه زمام قيادة التجربة ، قيادة هذه السفينة ، هذه النزعة أصبحت تشكّل خطراً في المقام ، خطر أنّ هذا الحاكم سوف يُعبِّر في جملة من قضاياه ومفاهيمه ومشاكله على وفق الموروثات الجاهلية ، وعلى وفق رواسبه العاطفية والنفسية التي خلّفها له آباؤه وأجداده ، لا التي خلَّفها له رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وإذا أضفنا إلى ذلك أيضاً أنّ الحاكم لم يكن قد هُيّئ أبداً لأنْ يكون حاكماً ، وللحاكم مشاكله الخاصّة وسلوكه الخاص وثقافته الخاصّة ، الحاكم خاصّة إذا كان حاكماً في صدر دعوة جديدة ذات حرارة خاصّة وثقافة جديدة ، فلا بدّ وأنْ يكون هذا الحاكم مهيّأً بصورة مُسبقة تهيؤاً ثقافياً وعلمياً وروحياً ، لأنْ يكون حاكماً...؟

وقصدنا من عدَم التهيّؤ هو عدَم التهيؤ الثقافي والعلمي ، بمعنى أنّه لم يكن قد أستوعب الإسلام عمر نفسه كان يقول : شُغِلنا أيّام رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله في الأسواق والحرب.؟ تأتيه مشكلة فلا يعرف الجواب عنها فيبعث للمهاجرين والأنصار ليستفتيهم مرّة ثانية وثالثة ورابعة ، حينما يتكرّر هذا المطلب منه ويقف موقفاً سلبيّاً تجاه المشاكل من الناحية الدينيّة ، فيعتذر عن ذلك فيقول : شغلتنا أيّام رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله الحرب والعمل في الأسواق .

رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يُهيّئ هذا الحاكم : نعم ، رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يكن قد اشتغل لتهيئة مجموعة من الأُمّة لتحكم الناس وإنّما هيّأ قادة معيّنين من أهل البيتعليهم‌السلام ليحكموا .

كان رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله يعمل على خطّين للتوعية : الخطّ الأوّل هو التوعية على مستوى الأُمّة ، وهذه التوعية للأُمّة بوصفها رعيّة بالمقدار الذي تتطلّبه

الرعية الواعية من فهمٍ وثقافة ، وكان له خط عمل على مستوى آخر من التوعية ، للصفوة التي اختارها الله سُبحانه وتعالى ؛ حتى تخلفه لقيادة هذه التجربة ، كانت توعية على مستوى القيادة وعلى مستوى الحاكمية .

وهؤلاء الذين تولّوا الحكم بعد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لم يكونوا قد عاشوا على هذا المستوى للتوعية من الناحية الفكرية والثقافية ، ألسنا جميعاً نعرف أنّ الصحابة في أيّام عمر وأبي بكر اختلفوا في المسائل الواضحة جدّاً ؟ اختلفوا في حكم سنَّةٍ كان يُمارسها رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله أمام أعينهم مدّة طويلة ، اختلفوا في حكم صلاة الجنائز ، هذه المسألة العبادية الصرفة البعيدة عن كلّ مجالات الهوى والسياسة والاقتصاد ، فالاختلاف هنا اختلاف ناشئ من الجهل حقيقة ، لا اختلاف ناشئ من الهوى ، ليس من قبيل الاختلاف في حكم الأرض وفي حكم الغنيمة وحكم الخُمس .

كل هذا ينشأ من عدَم التهيئة سابقاً ومن عدَم الاستعداد لممارسة الحكم ولقيادة هذا التجربة ، يُضاف إلى ذلك أنّ الأُمّة كانت تحمل طاقة حرارية ولم تكن واعية إلى أنّ الحاكم كان قاصراً أو مقصّراً ، يُضاف إلى كلّ ذلك أنّ الإسلام كان على أبواب تحوّل كمّي هائل ، كان على أبواب أنْ يفتح أحضانه لأُمَم جديدة ، لم ترَ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ولم تسمَع آية من القرآن منه على الإطلاق .

تلك الأُمّة التي خلّفها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كانت تحمل طاقة حرارية ، لكن بعد أنْ اتّسعت الأُمّة كميّاً وضمَّت إليها شعوباً كثيرة ، ضمّت إليها الشعب العرَبي بأكمله تقريباً ، في زمَن عمر ، وضمّت إليها من الشعوب الأُخرى من الفارسية والتركية والكردية والهندية والأفغانية والأوروبّية وغيرها ، ما بال هذه الشعوب التي لم تكن قد رأت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولم تسمَع منه كلمة من القرآن ، هل يترقّب أنْ يكون لها وعي ، أو يترقّب أنْ يكون لها طاقة حراراية ؟ تلك الطاقة كانت نتيجة كفاح مستمر مع أشرَف قائد على وجه الأرض .

إنّ هذه الشعوب التي دخَلَت حظيرة الإسلام ، لم تكن قد عاشت هذا الكفاح المستمر مع القائد إذن فهذا الانفتاح الهائل على الشعوب الأخرى أيضاً ضعّف مناعة هذه الأُمّة ، واضعَفَ من قدرتها على الحماية ، وفتح بالتالي مجالات جديدة للقصور والتقصير أمام الحاكم .

الحاكم الذي لم يكن مهيّأً نفسياً لأنْ يحكم في مجتمع المدينة ، كيف يكون مهّيأً نفسيّاً وفكرياً وثقافياً لأنْ يحكم بلاد كسرى وقيصر ويجتثّ أُصول الجاهلية ، الفارسية والهندية والكردية والتركية ؟ إضافة إلى اجتثاث الجاهلية العربية ، هذه الجاهليات التي كانت كلّ واحدة منها تحتوي على قدرٍ كبير من الأفكار والمفاهيم الأُخرى ، جاهليّات عديدة متضاربة فيما بينها عاطفياً وفكرياً ، وكلّها في مجتمع واحد وفي حالة عدَم وجود ضمان لا على مستوى الحاكم ، ولا على مستوى الأُمّة ؟!

لئن كان أُولئك الذين خلّفهم رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد رأوا بأمّ أعينهم ، في لحظة قصيرة ، تجسيداً واقعياً حيّاً للنظرية الإسلامية للحياة وللمجتمع في أيّام رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ورأوا تصرّفات رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله في المجال السياسي والاقتصادي والعسكري والاجتماعي ، وسمعوا من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه يقول :( الناس سواسية كأسنان المشط ) فإنّ هذه الشعوب التي دخَلت في الإسلام جديداً ، لم تكن قد سمِعت كلّ هذا بل سمِعت هذا من الحكّام الجُدد الذين كانوا يقودون زعامة التجربة فإذا كان أمينها حاكماً منحرفاً ، وكانت الأُمّة غير قادرة على مواجهة هذا الانحراف ، وكانت على أبواب توسّع هائل ضخم يضم شعوباً لا تعرف شيئاً أصلاً عن هذه النظرية الإسلامية للحياة الاجتماعية ، إنما تعرف الواقع الذي يتجسّد خارجاً والذي عاشته كواقع وهو أنّ فاتحاً مسلماً سيطر على بلادها .

إذن كان من المفروض ومن المنطقي بحسب طبيعة الأشياء ، أنْ تتحوّل النظرية الإسلامية للحياة الاجتماعية إلى نظرية أُخرى وفق خطّ الحاكم الموجود فعلاً ، والذي يجسّد في سلوكه وتصرّفاته ، حقيقة بعيدة عن الحقيقة التي عمل رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله على تجسيدها في حياته ، فنظرية أبي بكر وعمر وعثمان للحكم وكما عاشوها واقعياً وسياسياً واقتصادياً ، كانت كفيلة بأنْ تطمس تلك الأطروحة الصالحة فكرياً وروحياً ، كما انطمست سياسياً واقتصادياً يوم السقيفة ، ولذا كان أمراً طبيعياً أنْ يعمل قادة أهل البيتعليهم‌السلام على التخطيط لحماية إسلامهم من أنْ يندرس ، وذلك عن طريق الدخول في الصراع السياسي مع هؤلاء الخلفاء .

الأئمّةعليهم‌السلام دخلوا في صراع مع الخلفاء ومع الزعامات المنحرفة ، دخلوا

في الصراع يحملون في أيديهم مشعل تلك النظرية الإسلامية للحياة الاجتماعية ، بكلّ بهائها ونورها وجمالها وكمالها ولم يكونوا يستهدفون من هذا أنْ يعيدوا خط التجربة ؛ لأنّ المؤسف أنّ خط التجربة لم يكن بالإمكان أنْ يعود مرّة أُخرى إلى الاستقامة بعد أنْ انحرف ، لم يكن الصراع السياسي يستهدف في المقام أنْ يعيد التجربة إلى خطّها المستقيم ، أو على المدى الطويل الطويل ، ولم يكن هذا هو الهدف الآني للصراع السياسي ، وإنما كان الهدف الآني للصراع هو أنْ يبثّوا الوعي في المسلمين والشعوب الجديدة التي دخلت في الإسلام على النظرية الحقيقية للإسلام عن الحياة ، عن المجتمع عن الدولة عن الاقتصاد وعن السياسة وعن الآخرة ، ويبيّنوا لهم بصدق ما هو مفهوم الإسلام في هذه المجالات وصولاً إلى ترسيخ هذه النظرية في أذهان الناس .

صحيح أنّ النظرية كانت موجودة في القرآن ، وكانت موجودة في النصوص ، ولكن هذا لا يكفي وحده للوصول إلى الهدف وذلك :

أولاً : لأنّ النظريات حينما تكون حبراً على ورَق ، لا تكفي لأنْ تعطي صورة واضحة عن الحقيقة الصادقة في أذهان الناس .

ثانياً : لأنّ القرآن والسنّة لم تكن قد فهمته هذا الشعوب الجديدة التي قد دخلت في الإسلام ، السنّة لم يكونوا قد سمِعوا عنها شيئاً وإنّما سوف يسمعون عنها عن طريق الصحابة وأمّا القرآن الكريم لم يكونوا قد سمِعوا شيئاً عن تفسيره أيضاً ، وإنّما بدأوا يسمعونه عن طريق الصحابة ، فلا بدّ حينئذ من تجسيدٍ حيٍّ لهذه النظرية الإسلامية ، وحيث لم يكن بالإمكان تجسيده عن طريق الحكم بعد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله مباشرةً ، كان من الضروري تجسيده عن طريق المعارضة للزعامات المنحرفة على يد عليّعليه‌السلام والحسن والحسينعليهما‌السلام أئمّة المرحلة الأولى .

٨ - ممارسة أئمّة المرحلة الأولى للصراع السياسي

في هذه المرحلة مارس هؤلاء الأئمّةعليه‌السلام الصراع السياسي ، لأجل إعطاء هذه النظرية بكلّ وضوح ، غاية الأمر أنّنا نرى أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام لم يَقُم بالصراع الحاد إلاّ بعد موت عمر بن الخطّاب ، نعم بعد السقيفة بأيّام ، سجّل أمير المؤمنينعليه‌السلام للتاريخ رأيه في السقيفة وسجّل ذلك الحواريّون من أصحابه ، من أمثال سلمان والمقداد وعمار وهناك قالوا حكمهم ، قالوا بأنّ هذا ليس تعدّياً على عليّعليه‌السلام ، وإنّما هو تعد على الأُمّة الإسلامية ، وعلى التجربة الإسلامية سلمان أخذ يصف حال المسلمين وماذا يكون عليه فيما لو ولّوا علياً .

وفاطمة الزهراءعليها‌السلام ، في كلام لها مع نساء المهاجرين والأنصار ، وصفَت أيضاً حالة المسلمين لو أنّهم ولّوا عليّاً...

لكن بعد هذا ، أمير المؤمنينعليه‌السلام لم يبد على مسرح الصراع بشكل مكشوف في أيّام أبي بكر وعمر بالرغم من أنّ الانحراف كان قد بدأ منذ خلافة أبي بكر لا الانحراف في تغيير شخص الحاكم ، بل الانحراف في تغيير مضمون الحكم وسياسة الحكم .

هذا الانحراف بدأ في أيّام أبي بكر واشتدّ في أيّام عمر وانجلى في أيّام عثمان بصورة غير إسلامية ، وكان الانحراف يسير في خطّ منحنِ حتى وصل إلى الهاوية بعد ذلك .

نعم بدأ أمير المؤمنينعليه‌السلام معارضته لأبي بكر وعمر وعثمان ، وللزعامات المنحرفة جميعاً بشكل مكشوف وصريح ، بعد وفاة عمر مباشرة ، وقبل أنْ يتم

الأمر لعثمان عندما قال له عبد الرحمان بن عوف ـ وكانوا ستة قد اجتمعوا للشورى ـ قال له : مُدّ يدك أُبايعك على كتاب اللّه وسنّة نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله وسنّة الشيخين ، وكان يريد عبد الرحمان من ذلك أنْ يجعل سيرة الشيخين ممثّلاً شرعياً للنظرية الإسلامية للحياة الاجتماعية ، لو كان عليّ قبِلَ ذلك لانتهى هذا التمثيل ؛ لأنّه لم يكن في مقابل أطروحة هذين الشيخين إلاّ عليّعليه‌السلام ولو وافق على ذلك ، لأصبح هو ذات النظرية السائدة ، فقال : بايعني على كتاب اللّه وسنّة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله واجتهادي أمّا سيرة الشيخين لا يُمكن أنْ تقبل كممثّل شرعي للنظرية الإسلامية وللحياة الاجتماعية .

هنا بدَأ الإمامعليه‌السلام يشجب ويعارض هذه الزعامة المنحرفة ، أمير المؤمنينعليه‌السلام رفَضَ الخلافة والزعامة لأجل أنْ لا يدخل سيرة هذَين الرجلين كجُزء للنظرية الإسلامية .

قد يقال : أنّ هذا باب التزاحم وباب العناوين الثانوية ماذا كان يضره لو قال : نعم فيبايعه على كتاب اللّه وسنّة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله وسيرة الشيخين ، ثمّ بعد هذا يقول ويعمل حسب رأيه وينقض عهده لعبد الرحمان لأنّ كل شرط خالف كتاب اللّه ورسوله مردود ؟! ألَم يكُن هذا تكليفاً شرعياً بناءً على أنْ الوصول إلى الخلافة واجب ، وتنحصر مقدّمة هذا الواجب بأنْ يمضي هذا الشرط ، فعليه يكون هذا واجباً بالعناوين الثانوية ؛ لأنّه مقدّمة للواجب...؟!

وجوابه : إنّه لو قال عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ذلك لتمّ هذا التخطيط ، ثمّ إنّ النظرية الإسلامية للحياة هي النظرية التي قدّمها هؤلاء المنحرفون في المقام ، وما أشدّ ضياع الإسلام لو قال هذا ، وقد قُلنا وسوف نشرح أنّ عودة التجربة إلى الخط المستقيم على المدى البعيد البعيد ، لم تكن بالإمكان أصلاً حتى لو تولّى أمير المؤمنينعليه‌السلام الخلافة بعد عمر ، فماذا يكون إلاّ الخسارة إلاّ أنْ يعطي هذا الإمضاء وهذا الصك للزعامات المنحرفة .

من هنا بدأ الإمامعليه‌السلام يصارع ، ثمّ بعد هذا في أيّام عثمان انفتح صراعه السياسي بشكل أوضح .

كانعليه‌السلام يُعبّر عن آلام الأُمّة وعن آمالها ، ومظالمها أمام عثمان ، ويعظه ويوبّخه ، ويذكّره اللّه وأيّام اللّه والآخرة ورسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولكن عثمان لم يكن يتّعظ .

لماذا كان حريصاً كلّ الحرص على أنْ يبدو صراعه موضوعيّاً عقائدياً ، يستهدف النظرية لا الشخص ، يستهدف تثبيت دعائم نظرية حقيقية للإسلام ، لا تدعيم شخصه ؟ كان الإمامعليه‌السلام حريصاً على أنْ تكون التصوّرات والانعكاسات التي يعيشها الناس عن صراعه على مستوى أنّ صراعه صراع نظري عقائدي ، وليس صراعاً شخصيّاً ؛ لأنّ هذا كان من أكبر الوسائل لتثبيت حقّانية هذه النظرية التي يقدّمها ، أليس هو يريد أنْ يثبت للذهنية الإسلامية أنّ النظرية الإسلامية للحياة الاجتماعية ، هذه لا تلك التي يطبّقها الزعماء المنحرفون ؟ كيف يستطيع أنْ يُرسّخ هذا في الذهنية الإسلامية على أنّه صراع عقائدي ونضالي في سبيل تثبيت النظرية ؟ ولهذا انتظر أمير المؤمنينعليه‌السلام أنْ يبرز الانحراف واضحاً ثمّ يبدأ الصراع ؛ لأنّ هؤلاء الناس الغير الواعين لا يشعرون بمرارة الانحراف إلاّ إذا دخل الانحراف إلى بيوتهم ، إلاّ إذا مس جلودهم ، أمّا قبل هذا فلا يترقّب من الأُمّة الغير الواعية ، أنْ تشعر بالانحراف .

الانحراف بدأ في أيام ابن أبي قحافة وعمر ، وكان انحرافاً مستوراً ، وكان عمر موفّقاً جدّاً في أنْ يُلبِس هذا الانحراف الثوب الديني المناسب نحن لا نريد أنْ نُطي مفهومنا الخاص عن عمر ، بل نأخذ بمفهوم السنّة عن عمر ، أنّ عمر حتى بحسَب المفهوم الذي يُحتمل أنّه كان حقيقة في الإسلام على مستوى هذا الثوب الديني المصطنع ، نجد عمر فرط في العطاء بين الناس ووضع تركيباً قبَليّاً في المجتمع الإسلامي كما صنَع عثمان ، لكن فرق بينهما ؛ لأنّ عمر جعَل هذا التركيب القبلي الطبَقي على أساس خدمة الإسلام ، قال : إنّ كل مَن كان أقرب للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يعطيه أكثر ، وهذا ثوب تقبله أُمّة غير واعية قبولاً إجماعياً ، أكثر ممّا تقبل النظرية الإسلامية الحقيقية قبل أنْ يلتفت إلى نتائج هذا التركيب القبلي من اللحظة الأولى ، قبل أنْ يلتفت إلى ما سوف يتمخّض عنه هذا التركيب الطبقي من بلايا وكوارث ومِحَن في المجتمع الإسلامي ،

تستسيغ هذا المطلب تستسيغ أن عم الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله أكثر الناس عطاءً أنْ يكون البدريّون أكثر عطاءً من الأُحديّين وأنْ يكون المهاجرون أكثر عطاءً من غيرهم وأنْ يكون العرب الموجودون أيّام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعاشوا الدعوة في مراحلها الأولى أكثر عطاء من غيرهم ، وهكذا فلو كان عليّ يُعارض هذا الانحراف وقتئذٍ لفسّر على مستوى تلك الذهنية ، بأنّه صراع شخصي وليس صراعاً عقائدياً لم يكن بإمكانه أنْ يفهم المسلمين ذلك ولهذا سكَت لئلاّ يلبس صراعه الثوب الشخصي ، وهذا هو يقول : سأُسالم ما سلِمَت أُمور المسلمين مادام التعدّي عليّ أنا ، فأنا ساكت مادام الناس يعيشون ويشعرون بأنّ الأُمور بخير ، فأنا ساكت حتى يصابوا بنيران الانحراف .

ويعد عمر أعلن رأيه في الشيخين ، فإعلانه بمخالفة سيرة الشيخين كان موقفاً عقائدياً ونضالياً ، ولم يكن موقفاً شخصياً ؛ لأنّ المصلحة الشخصية تقتضي هنا أنْ يسكت ، فإنّه لم يكن بينه وبين وصوله إلى الخلافة إلاّ أنْ يقرّ بزعامة هؤلاء المنحرفين ، وهذا أمرٌ مؤقّت لا يمكن أنْ يفسَّر على أساس الصراع الشخصي ، وإنّما يفسَّر على أساس أنّ هذا الشخص يُريد أنْ يمسك بيده نظرية جديدة للإسلام غير النظرية التي طبقها الشيخان ، ثمّ بعدما تكشّف الانحراف في أيّام عثمان إلى درجة لم يكن بحاجة إلى صعوبة لتشعر به الأُمّة الغير الواعية ، شعرت الأُمّة الإسلامية بذلك خصوصاً في السنوات الأخيرة من أيّام عثمان ، فدخل الإمامعليه‌السلام في الصراع بشكل مكشوف ليثبت للتجربة الإسلامية دعائم النظرية الأُخرى ، فكانعليه‌السلام هو رمز نظرية إسلامية للحياة الاجتماعية ، تختلف عن النظرية المطبّقة لواقع الحياة الاجتماعية على ما سوف نشرح إنْ شاء اللّه تعالى .

٩ - تولّي أمير المؤمنين زعامة المسلمين

انتهينا في خط العرض العام إلى تولّي أمير المؤمنينعليه‌السلام لزعامة المسلمين سياسياً وإدارياً بعد مقتل عثمان ، إلاّ أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام حينما تولّى الخلافة بعد مقتل عثمان ، أراد أنْ يشرح للمسلمين بطريقته الخاصّة ، أنّ المسألة ليست بالنسبة إليه تبديل شخصٍ بشخصٍ آخر ، وليست مسألة فارق اسمي بين زعيم الأمس وزعيم اليوم ، وإنما المسألة هي مسألة اختلاف شامل كامل للمنهج ، وفي كل القضايا المطروحة .

إلاّ أنّه لعلاجها وتصفيتها ، كان يُريد أنْ يبيّن للمسلمين ضرورة أنْ ينظر إليه بوصفه قائماً على الخط ، وقيّماً على المنهج وأميناً على الرسالة ، وعنواناً لدستورٍ جديد ، يختلف عن الوضع المنحرف القائم بعد وفاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

لأجل هذا امتنع عن قبوله الخلافة أوّل الأمر ، فقال لهم : فكّروا في غيري ، واتركوني وزيراً لمن تستخلفونه ، فأنا لكم وزير خيرٌ منّي أمير ، يعني على مستوى حياة الدعَة والكسَل ، على مستوى الرخاء واليسر ، على مستوى الحياة الفارغة من المسؤولية ، على مستوى هذه الحياة أنا وزير خيرٌ منّي أمير ؛ لأنّي حينما أكون أميراً سوف أُرهقكم ، سوف أُتعبكم سوف أفتح أمامكم أبواب مسؤوليات كبرى تجعل ليلكم نهاراً ، وتجعل نهاركم ليلاً ، هذه الهموم التي تجعلكم دائماً وأبداً تعيشون مشاكل الأُمّة في كل أرجاء العالم الإسلامي ، هذه الهموم التي سوف تدفعكم إلى حمل السلاح - من دون حاجة مادية - لأجل تطهير الأرض الإسلامية من الانحراف الذي قام عليها...؟

اتركوني وزيراً أكون أفضل لكم على مستوى هذه الحياة منّي وأنا أمير ؛ لأنّي كوزير لا أملك أنْ أرسم الخط ، أو أنْ أضع المخطّط ، وإنّما أنصح وأُشير

وحينئذٍ يبقى الوضع الذي كان بعد وفاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله مستمراً ، أصرّوا عليه بأنْ يقبل الخلافة ، ففرض عليهم الشروط فقبلوها إجمالاً دون أنْ يسألوه التوضيح ، أعطاهم فكرة عن أنّ عهده هو عهدُ منهجٍ جديد للعمل السياسي والاجتماعي والإداري ، فقبلوا هذا العهد ، وكان هذا سبباً في أنْ ينظر المسلمون من اللحظة الأولى ، إلى أنّ عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام بوصفه نقطة تحوّل في الخط الذي وجِد بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لا بوصفه مجرّد خليفة ، فانتعشت مع هذا العهد الجديد آمال كثيرة .

وحينما بويع عليّعليه‌السلام ، كانت أكثر الصعاب التي واجهها بعد بيعته ، هو انشقاق معاوية وتخلّف الشام بكامله لابن أبي سفيان عن الانضمام إلى بيعته هذا التناقض شق المجتمع الإسلامي في الدولة الإسلامية إلى شقّين ، ووجَد في كل منهما جهاز سياسي وإداري لا يعترف بالآخر ، ومنذ البدء ، كان هناك فوارق موضوعية واضحة ، بين وضع عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام السياسي والإداري ، ووضع معاوية السياسي والإداري ، تجعل هذه الفوارق معاوية ، أحسنَ موقفاً واثبت قدماً، واقدر على الاستمرار في خطه من إمام الإسلامعليه‌السلام .

هذه الفوارق الموضوعية لم يصنعها الإمامعليه‌السلام وإنّما كانت نتيجة تاريخ :

فأوّلاً : كان معاوية يستقل بإقليم من أقاليم الدولة الإسلامية ، ولم يكن لعليّ أيّ رصيد أو قاعدة شعبيّة في ذلك الإقليم على الإطلاق ؛ لأنّ هذا الإقليم ، قد دخل في الإسلام بعد وفاة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وانعزال عليّ عن خط العمل ، وكان هذا الإقليم قد دخَل ودشّن حياته الإسلامية بولاية يزيد أخي معاوية ، ثمّ بعده بولاية معاوية ، وعاش الإسلام من منظار آل أبي سفيان ، ولم يسمَع لعليّعليه‌السلام ، ولم يتفاعل مع الوجود الإسلامي والعقائدي ، هذا الإمام العظيم لم يكن يملك شعاراً له رصيد أو قاعدة شعبية في المجتمع الذي تزعّمه معاوية ، وحمَل لواء الانشقاق فيه ، في حين العكس فإنّ شعار معاوية كان يملك رصيداً قوياً وقاعدة قوية في المجتمع الذي تزعّمه الإمامعليه‌السلام ؛ لأنّ معاوية ، كان يحمل شعار الخليفة القتيل ، والمطالبة بدمه والخليفة

هذا كان أمير المجتمع الذي تزعمه عليّعليه‌السلام ، وكان لهذا الخليفة القتيل إخطبوط في هذا المجتمع وقواعد وهكذا كان شعار ابن أبي سفيان يلتقي مع وجود قاعدة ورصيد في داخل مجتمع أمير المؤمنينعليه‌السلام ، بينما لم يكن شعار عليّ يلتقي مع قاعدة ورصيد في داخل مجتمع معاوية .

وثانياً : كانت طبيعة المهمّة تميّز معاوية عن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ؛ لأنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام بوصفه الحاكم الشرعي ، والمسؤول عن الأُمّة الإسلامية كان يريد أنْ يقضي على هذا الانشقاق الذي وجِد في جسم الأُمّة الإسلامية ، وذلك بشخصية هؤلاء المنحرفين ، وإجبارهم بالقوة على انضمامهم إلى الخط الشرعي ، وكان هذا يستدعي الدخول في الحرب ، التي تفرض على عليّعليه‌السلام الطلب من العراقي أنْ يخرج من العراق ، تاركاً أمنه ووحدته واستقراره ، ومعيشته ورخائه ، ليحارب أُناساً شاميّين لم يلتقِ معهم بعداوة سابقة ، وإنّما فقط بفكرة أنّ هؤلاء انحرفوا ، ولا بدّ من إعادة أرض الشام للمجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية ، فكان موقف عليّعليه‌السلام يتطلّب ويفترض ويطرح قضية الهجوم ، على أُناس لا يملكون - في غالبيّتهم - الوعي لخطورة تراخيهم على قمع هذا الانحراف ، انطلاقاً من عدم استيعابهم لأبعاده !

في حين أنّ معاوية بن أبي سفيان يكتفي من تلك المرحلة ، بأنْ يحافظ على وجوده في الشام ، ولم يكن يفكّر ( مادام أمير المؤمنين ) أنْ يهاجم أمير المؤمنين ، وأنْ يُحارب العراق ويضمّ العراق إلى مملكته ، وإنّما كان يفكر فقط ، في أنْ يحتفظ بهذا الثغر من الثغور للمسلمين ، حتى تتهيّأ له الفرص والمناسبات والظروف الموضوعية ، بعد ذلك يتآمر على الزعامة المطلقة في كل أرجاء العالم الإسلامي .

فمعاوية لم يكن يقول للشامي : اترك استقرارك ووحدتك ، واذهب إلى العراق محارباً ؛ لأنّ هذا الشخص خارج عن طاعتي ، ولكن كان عليّعليه‌السلام يقول هذا للعراقي ؛ لأنّ عليّاًعليه‌السلام كان يحمل بيده مسؤولية الأُمّة ، ومسؤولية إعادة وحدة المجتمع الإسلامي ، بينما كان كل مكسب معاوية وهمّه أو قصارى أمله ، أنْ يحافظ على هذا الانشقاق ويحافظ على هذه التجزئة التي أوجدها في جسم المجتمع الإسلامي ، وشتّان بين قضية الهجوم حينما تطرح وقضية الدفاع .

وثالثاً : كان هناك فرق آخر بين معاوية والإمامعليه‌السلام وهو أنّ معاوية ، كان يعيش في بلد لم يكن قد نشأت فيه زعامات سياسية طامحة إلى الحكم والسلطان من ناحية ، ولم يكن فيه أُناس ذوو سابقة في الإسلام ، ممّن يرى لنفسه الحق أنْ يُساهم في التخطيط وفي التقدير ، وفي حساب الحاكم وفي رسم الخط ، لم يكن هكذا ، الشام أسلَمت على يد معاوية وأخيه ، كلّهم كانوا نتيجة لإِسلام معاوية ولإِسلام أخي معاوية ، ولإِسلام مَن استخلف معاوية على الشام ولَم يكن قد مُني بتناقضات من هذا القبيل .

أمّا عليّعليه‌السلام كان يعيش في مدينة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يعيش في حاضرة الإسلام الأولى ، التي عاش فيها الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وعاش بعد ذلك أبو بكر ، وعاش بعد ذلك عمر وعثمان ، حتى قُتِلا ، ومِن ناحية كان يواجه كثيراً ممّن يرَون أنّ من حقّهم أنْ يساهموا في التخطيط ، وأنْ يشتركوا في رسم الخط ، كان يواجه عليّعليه‌السلام أشخاصاً كانوا يرونه ندّاً لهم ، غاية الأمر أنّه ندّ أفضل ، ندٌّ مقدّم ، لكنّهم صحابة كما أنّه هو صحابي عاش مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وعاشوا مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

طبعاً إنّنا نعلم أيضاً ، بأنّ خلافة عليّ كانت بعد وفاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بعشرين سنة ، وهذا معناه ، أنّ ذلك الامتياز الخاص الذي كان يتمتّع به أمير المؤمنين في عهد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله كالنجم لا يُطاول ، ذاك الامتياز الخاص كان قد انتهى مفهومه وتضاءَل أثره في نفوس المسلمين ، الناس عاشوا عشرين سنة يرون عليّاً مأموماً ، يرونه منقاداً ، يرونه جندياً بين يدَي أمير هذا الإحساس النفسي خلال عشرين سنة ذهب بتلك الآثار التي خلّفها عهد النبوّة .

وهكذا كان عليّعليه‌السلام يُنظَر إليه بشكلٍ عام ، عند الصحابة الذين ساهموا في حل الأُمور وعقدها وكانوا يمشون في خط السقيفة ، هؤلاء الصحابة الذين قدّموا للإسلام في صدر حياتهم ، وكانوا قد قدّر لهم بعد هذا أنْ يمشوا في خط الانحراف وفي خط السقيفة ، هؤلاء كانوا ينظرون إلى عليّ الأخ الأكبر ، الزبير صحيح كان يخضع لعليّعليه‌السلام لكن كان يخضع له كالأخ الأكبر لا يرى أنّ إسلامه مستمد منه ، هذه الحقيقة الثانية الثابتة التي كانت واضحة على عهد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله حُرّفت خلال عهد الانحراف ، خلال عهد أبي بكر وعمر وعثمان ، ولهذا كان الزبير يعترف بأنّ عليّاً أفضل منه ، لكنّه لا يرى نفسه مجرّد آلة ومجرّد تابع

يجب أنْ يؤمر فيطيع ، فكان هناك أُناس من هذا القبيل ، هؤلاء يريدون أنْ يشتركوا في التخطيط ويشتركوا في رسم الخط ، في ظرف هو أدقّ ظرف وأبعده عن عقول هؤلاء القاصرين .

رابعاً : كانت توجد هناك الإطماع السياسية والأحزاب السياسية التي تكوّنت في عهد ابن الخطّاب ، واستفحلت بعده نتيجة للشورى ، هذه الأحزاب السياسية كان يفكّر في أمرها ويفكّر في مستقبلها ، ويفكر في أنّه كيف يستفيد أكبر قدر ممكن من الفائدة في خضمّ هذا التناقض ، وهذا بخلاف معاوية لم يكن قد مُنيَ بصحابة أجلاّء يعاصرونه ويقولون له : نحن صحابة كما أنتَ صحابي ، بل كلّ أهل الشام مسلمون نتيجة لإسلامه وإسلام أخيه ، لم يرَ أحدٌ منهم رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولم يسمَع أحدٌ القرآن إلاّ عن طريق معاوية ، إذن كانت حالة الاستسلام في المجتمع الشامي بالنسبة إليه ، لا يوجد ما يناظرها بالنسبة إلى الإمامعليه‌السلام في مجتمع المدينة والعراق .

خامساً : كان هناك فرق آخر بين الإمامعليه‌السلام ومعاوية ، وحاصل هذا الفرق هو أنّ الإمامعليه‌السلام كان يتبنّى قضية هي في صالح الأضعف من أفراد المجتمع ، وكان معاوية يتبنّى قضية هي في صالح الأقوى من أفراد المجتمع ، أمير المؤمنينعليه‌السلام كان يتبنّى الإسلام بما فيه من قضايا العدالة الاجتماعية التي يمثّلها النظام الاقتصادي للإسلام .

وهذه القضايا لم تكن في صالح الأقوى ، بل كانت في صالح الأضعف ، ومعاوية كان يمثّل الجاهلية بفوارقها وعنفوانها وطبقاتها ، وهذا لم يكن في صالح الأضعف بل كان في صالح الأقوى ، وذلك أنّه بعد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله حينما دخل العراق والشام وبقيّة البلاد في داخل المجتمع الإسلامي ، لم يقدِر الخلفاء الذين تزعموا زعامة المسلمين ، على تذويب التنظيم القبائلي الذي كان موجوداً في هذه البلاد ، بل بقيَ التنظيم القبائلي سائداً وبقيَ زعيم كلّ قبيلة هو الشخص الذي يرتبط كهمزة الوصل بين قبيلته وبين السلطان ، وهذا التنظيم القبائلي بطبيعته ، يخلق جماعة من الزعماء ومِن شيوخ هذه القبائل الذين لم يربِّهم الإسلام في المرتبة السابقة ، ولَم يعيشوا أيّام النبوّة عيشاً صحيحاً ممّا جعل من هؤلاء طبقةً معيّنة ذات مصالح ، وذات

أهواء وذات مشاعر في مقابل قواعدها الشعبية ، ممّا يوفّر لهم أسباب النفوذ والاعتبار .

الآن تصوّروا مجتمعاً إسلامياً تركه الخلفاء المنحرفون وهو يعمّ بالتقسيمات القبلية ، بمعنى أنّ كلّ قبيلة كانت تخضع إدارياً وسياسياً لزعامة تلك القبيلة التي تشكّل ـ كما قلنا ـ همزة وصل بين القبيلة وبين الحاكم ، الذي يسهل عليه أنْ يرشي رؤساء هذه القبائل بقدر الإمكان ، وهذا ما كان يفعله غير عليّعليه‌السلام من الحكّام ، وكان عاملاً من عوامل القوة بالنسبة إلى معاوية ، هذه الظروف الموضوعية لم يصنعها الإمامعليه‌السلام وإنّما هي صنَعت خلال التاريخ وأوجدَت لمعاوية مركزاً قويّاً ، ووجِد للإِمام مركز ضعف ولولا براعة التضحية وكفاءته الشخصية ورصيده الروحي في القطاعات الشعبية الخاصّة الواسعة ، لولا ذلك لما استطاععليه‌السلام أنْ يقوم بما مرّ به نفسه من حروب داخلية خلال أربع سنوات ...

هكذا بدأ الإمام بخلافته ودشّن عهده ، وبدأ الانقسام مع هذا العهد على يد معاوية بن أبي سفيان ، وأخذ الإمام يُهيّئ المسلمين للقيام بمسؤوليّاتهم الكبيرة ؛ للقيام بدورهم في تصفية الحسابات السابقة ، في تصفيتها على مستوى مالي ، على المستوى الاقتصادي ، على المستوى الاجتماعي على المستوى السياسي والإداري أيضاً ، كلّ ذلك كان يحتاج إلى الكفاح والقتال فأخَذ يدعو الناس إلى القتال وخرجوا إليه فعلاً لقد درسنا إلى هنا علياً مع معاوية بحسب ظروفه الموضوعية ، فلابدّ وأنْ ندرس الذهنية العامّة للمسلمين أيضاً ، كيف كان يُفسّر هذا الخلاف الموجود بين عليّ ومعاوية .

الذهنية العامّة للمسلمين بدأت تفسّر هذا الخلاف ، بأنّه بين خطّ خلافة راشدة ، وبين شخص يُحاول الخروج على هذه الخلافة ، كانوا ينظرون إلى عليّ بشكلٍ عام على أنّه هو الخليفة الراشد ، الذي يُريد أنْ يُحافظ على الإسلام ، ويُحافظ على خطّ القرآن ، في حين أنّ معاوية يحاول أنْ يتآمر على هذا المفهوم .

استطاع أمير المؤمنينعليه‌السلام أنْ يثبت هذا الانطباع ، بالرغم من كلّ الظروف الموضوعية التي قلناها ، في ذهن القاعدة الشعبية الواسعة ، في كل أرجاء العالم الإسلامي ، عدا القطر الذي كان يرتبط بمعاوية ، وهذه الذهنية هي التي كانت تصبغ المعركة بين عليّ ومعاوية بطابع الرسالة ، كأنْ تعطيه معنىً رسالياً وكانت تُفسّر هذه المعركة

بأنّها معركة بين الجاهلية ، بين فكرين ، بين هدفين ، وليست بين زعامتين وشخصيّتين ، إلاّ أنّ الأمر تطوّر إلى الأسوأ حيث إنّ المسلمين بدأوا يشكّون شكّاً واسع النطاق ، بأنّ المعركة بين أمير المؤمنينعليه‌السلام وبين معاوية بن أبي سفيان معركة رسالية .

من الصعب جداً أنْ نتصوّر أنّه كيف يمكن للمسلمين أنْ يشكوا في أنّ المعركة القائمة بين إمام الورَع والتُّقى والعدالة ، وبين شخصٍ خائن جاهلي منحرف عدوّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله كانت معركة رسالية ، إلاّ أنّي لا أشكّ في أنّ عدداً كبيراً من المسلمين ، على مرّ الزمن في عهد خلافة أمير المؤمنين ، بدأ يَشُكّ في أنّ هذه المعركة أهيَ رسالية حقيقية أو غير رسالية ؟ وهنا يجب أنْ نعرف أنّ المسلمين الذين شكّوا مَن هم .

إنّهم أولئك الذين عرفناهم عقيب وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، هم أُولئك المسلمون الذين خلّفهم الرسول فكانت( خيرُ أُمّةٍ أُخرجت للناس ) ، على مستوى إيمانهم وطاقتهم الحرارية وإشعاعهم وشحنهم من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بشخصِ المبادئ التي طرحهاصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولكن لم يكن لهم من الوعي العقائدي الراسخ إلاّ شيء قليل ، هذا المعنى شرحناه وبيّناه وبيّنا جهاته ، وقلنا : إنّ الأُمّة لم تكن على مستوى الوعي ، وإنّما كانت على مستوى الطاقة الحرارية ، إذن فنحن سوف لنْ نتوقّع فيها أنْ تبقى مشتعلة ، وتبقى على جذوتها وحرارتها بعد وفاة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يبقى هذا أيضاً غير منطقي ، إذن يجب أنْ نفكّر في أنّ هذه الطاقة الحرارية قد تضاءلت بدرجةٍ كبيرة ، وحتى تلك الصبابة من الوعي ، تلك الجذور من الوعي التي كان رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد بدأ بها كي يُواصل بعد هذا خلفاؤه المعصومون عملية توعية الأُمّة، حتى تلك البذور قد فُتّتت ، وأخفقت ومُنِع بعضها عن الإثمار ، وبقيَ بعضها الآخر بذوراً منقسمة أيضاً .

وحينما نتصوّر الأُمّة الإسلامية بهذا الشكل ، من ناحية أُخرى يجب أنْ نتصوّر مفهوم المسلمين عن معاوية ، نحن الآن ننظر إلى معاوية بعد أنْ استكمل حظّه من الدنيا ، وبعد أنْ دخل الكوفة وصعد على منبر عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام وقال : إنّي لم أُحاربكم لكي تصوموا أو تصلّوا ، وإنّما حاربتكم لأنْ أتأمّر عليكم ، بعد أنْ أعلن بكلّ صراحة ووقاحة عن هدفه ، وبعد أنْ طرَح بكلّ برودة شعار الخليفة المظلوم وشعار الخليفة القتيل ، دخل عليه أولاد عثمان بن عفّان وقالوا له : لقد جعلنا هذا الأمر

وتمّ الأمر لك يا أمير المؤمنين ، فما بالك لا تقبض على قتَلَة أبينا ، قال : أوّلاً يكفيكم أنّكم صرتم حكّام المسلمين .

نحن ننظر إلى معاوية بعد أنْ ارتكب الفظائع ، وغيّر أحكام الشريعة ، وأبدع في السنّة ، ننظر إلى معاوية بعد أنْ استخلف يزيد ابنه على أُمور المسلمين ، وبعد أنْ قتل مئات من الأبرار والأخيار ، ننظر إلى معاوية بعد أنْ تكشّفت أوضاعه ، لكن فلنفرض أنّ شخصاً ينظر إلى معاوية قبل أنْ تكشف له هذه الأوضاع ، لنفترض أنّ أُولئك الأشخاص يعيشون في إطار الأُمّة الإسلامية وقتئذ ، معاوية ماذا كان يكشف عن أوضاعه وقتئذ على المسلمين ، الذين كانوا يدورون في فلَك السقيفة ، وحكومات السقيفة ، ماذا كان من أوراق معاوية مكشوفاً وقتئذ ؟

كان معاوية شخصاً قد مارس عمله الإداري والسياسي بعد وفاة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله بأقلّ من سنة ، خرَج إلى المدينة وذهَب إلى الشام كعاملٍ عليها ، وبقيَ معاوية هناك مدلّلاً محترماً معزّزاً من قِبل ابن الخطّاب ، الذي كان ينظر إليه بشكلٍ عام في المجتمع الإسلامي ، بنظرة الاحترام والتقدير ، حتى إنّ عمر بن الخطاب ، حينما أراد أنْ يؤدّب ولاته ، استثنى معاوية من هذا التأديب ، وحينما أراد أنْ يُقاسم أموال ولاته استثنى معاوية من ذلك ! فمعاوية كان والياً موثوقاً به معزّزاً من الناحية الإسلامية عند ابن الخطاب .

وبعد هذا جاء عثمان فوسّع من نطاق ولاية معاوية ، وضمّ إليه عدّة بلاد أُخرى ، إضافةً إلى الشام ، ولم يطرأ أيّ تغيير في ابن أبي سفيان ، فمعاوية لم يكن شخصاً مكشوفاً ، بل كان شخصاً عنوانه الاجتماعي ، أنّه حريصٌ على كرامة الإسلام ، وإنّه هو الشخص الذي استطاع أنْ يدخل في قلب الخليفة الخشِن الذي يعاتب ويُعاقب ، الذي كان يضرب ابنه بحدّ الخمر حتى يموت ، هذا الخليفة لم يضرِب معاوية ولم يعاقبه .

معاوية كان نتيجة الترويجات من قِبَل الحكّام والخلفاء المنحرفين ، وكان يتمتّع بسمعةٍ طيّبة وبمفهوم طيّب ، هنا دخَل الصراع لأوّل مرّة شعار الأخذ بالثأر لدم عثمان ، هذا الشعار الذي أخذَه معاوية وكان يبدو للبسطاء من الناس وكثير من المغفّلين ، كان شعاراً له وجهة شرعية ، كان يقول بأنّ عثمان قُتل مظلوماً ، وعثمان بالرغم من أنّه خان الأمانة من استهزاء بالإسلام ، وبالرغم من أنّه صيّر الدولة الإسلاميّة إلى دولة عشيرة وقبيلة ، وبالرغم مِن أنّه ارتكب الجرائم

التي أدنى عقابها القتل ، بالرغم من هذا ، ابن أبي سفيان يقول : قُتِل عثمان مظلوماً ، وليس هناك من يعرف بأنّ عثمان يستحقُّ القتل ، كثير من الناس البسطاء أيضاً يقولون : عثمان قتل مظلوماً فلابدّ من القصاص ، فيا عليّ ، إنْ كنت قادراً فأعطنا قاتليه ، وإنْ كنت عاجزاً ، فأنت عاجز عن أنْ تطبّق أحكام الإسلام فاعتزل الحكم ؛ لأنّ الخليفة يُشترط فيه القدرة على تطبيق أحكام الإسلام .

هذا هو الشعار الذي أبرزه معاوية في مقابل الإمامعليه‌السلام ، والإمامعليه‌السلام في مقابل هذا الشعار لم يكن يُريد بأنْ يصرّح بأنّ عثمان كان جديراً بأنْ يُقتل ، أوْ كان يجب أنْ يُقتل ؛ لأنّه لو صرّح بهذا ، لتعمّق اتهام معاوية وطوّر التهمة من قول أعطني ، إلى قول : إنّك قتلتَ عثمان ، فبقيَ شعار معاوية شعاراً مضلّلاً إلى حدٍّ كبير .

ثمّ لابدّ وأنْ نلاحظ الجهود والأتعاب والتضحيات التي قام بها المسلمون في كنف عليّعليه‌السلام ، لا أدري هل أنّ أحداً جرّب أو لم يُجرّب هذا الإيحاء النفسي ، حينما تكون المهمّة صعبة على الإنسان وثقيلة ، حينئذٍ توَسوِس له نفسه بالتشكيك في هذه المهمّة بمختلف التشكيكات ، فحينما يصعب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حينئذ يأخذ بالوَسوَسة .

مَن قال بأنّ هذا الرجل مُبطل ؟ مَن قال إنّه قادر على هذا الكلام ؟ مَن قال إنّ شروط الأمر بالمعروف تامّة ، وهكذا يوَسوِس لأجل أنْ يستريح من هذه المهمّة ؛ لأجل أنْ يلقي عن ظهره هذا العبء الكبير ، كلّ إنسان يميل بطبعه إلى الدعة ، إلى الكسَل إلى الراحة إلى الاستقرار ، فإذا وضعت أمامه مهام كبيرة ، حينئذٍ ، إذا وجِد مجالاً للشكّ في هذه المهمّة فسوف يكون عنده دافع نفسي إلى أنْ يشك ، يشك لأجل أنْ يريد أنْ يشك ، ويشك لأجل أنّه من مصلحته أنْ يشك ، وهذا كان موجوداً على عهد الإمامعليه‌السلام .

العراقيّون قدّموا من التضحيات شيئاً كثيراً بذلوا أموالهم ونفوسهم ودماءهم في حروبٍ ثلاثة ، آلاف من العراقيين ماتوا وقتلوا ، عشرات من الأطفال يُتّموا آلاف من النساء أصبحن أرامل ، آلاف من البيوت والعوائل تهدّمت ، كثير من المدِن والقرى غارت عليها جيوش معاوية ، كثير من هذه المآسي

والويلات حلَّت بهؤلاء المسلمين ، نتيجةَ ماذا ولأجل ماذا ؟ لأجل أنْ يزداد مالهم ، لا ، لأجل أنْ يزداد جاههم ، لا ، وإنّما لحساب الرسالة ، لحساب الخط ، لحساب المجتمع الإسلامي ، لأجل هذا الهدف الكبير ، وهذا هدفٌ كبير أعزّ من كل النفوس واعزّ من كل الدماء وأعزّ من الأموال .

لكن نحن يجب أنْ نقدّر موقف هؤلاء الذين ضحّوا وبذلوا وقدّموا ، ثمّ أصبحوا يُشكّكون ؛ لأنّ من مصلحتهم أنْ يُشكّكوا ، وأصبح الإمام يدفعهم فلا يندفعون ، يحرّكهم ، فلا يتحرّكون ، لماذا ؟ لأنّ من مصلحتهم أنْ يعطوا للمعركة مفهوماً جديداً ، وهو أنّ القصّة قصّةُ زعامة عليّ أو معاوية ، ما بالنا وعليّ ومعاوية ، إمّا أنْ يكون هذا زعيماً وإمّا أنْ يكون ذلك زعيماً ، نحن نقف على الحياد ونتفرّج ، فأمّا أنْ يتمّ الأمر لهذا أو لذاك .

هذا التعبير بداياته ، وهذا التفسير الذي أوحت مصلحة هؤلاء وهؤلاء هو الذي كان يشكّل عقبة دون أنْ يتحرّكوا ، دون أنْ يتحرّك هؤلاء من جديد إلى خط الجهاد ، هذا التعبير هو الذي جعل أمير المؤمنينعليه‌السلام يبكي من على المنبر ، وينعى أصحابه الذين ذهبوا ، أُولئك الذين لم يشكّوا في خطّه وفيه لحظة ، أُولئك الذين آمنوا به إلى آخر لحظة ، أُولئك الذين كانوا ينظرون إليه كامتداد لرسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، من قبيل عمّار وأمثاله ، هذا عمّار الذي وقَف بين الصفّين ، ووضَع سيفه على بطنه ، وقال :

واللّه إنّك تعلم لو كان رضاك أنْ تغمد هذا في بطني حتى أخرجته من ظهري لفعلته ، واللّه إنّك تعلم أنيّ لا أعلم رضاً ، إلاّ في قتال هؤلاء المائعين المنحرفين ، كان يبكي لأمثال عمّار ؛ لأنّ عمّاراً وأمثاله كانوا قد ارتفعوا فوق هذه الشكوك ، قد طلّقوا مصالحهم الشخصية لمصلحة الرسالة ، كانوا قد غضّوا النظر عن كلّ الاعتبارات الخاصّة في سبيل حماية كيان الإسلام ، وفي سبيل إعادة مجد المجتمع الإسلامي ووحدة المجتمع الإسلامي إلى هؤلاء .

أصبح هؤلاء الذين كانوا يُفكّرون في الهموم الكبيرة يفكّرون في الهموم الصغيرة ، أصبحوا يُفكّرون في قضاياهم ، يجب أنْ لا نعتب عليهم ، نحن أسوأ منهم فنحن لم نرتفع لحظة هكذاً ، نهبِط وهؤلاء ارتفعوا لحظة ثمّ هبَطوا هؤلاء خرَجوا من بلادهم وطلّقوا نساءهم وأطفالهم وأموالهم في سبيل اللّه ، وفي سبيل قضيّة ليس لهم ربح مادّي فيها .

هؤلاء فعلوا هذا ساعة ثمّ أدركهم الشيطان ، أمّا نحن لا ندري أذا وقفنا مثل هذا الموقف هل نصمد ولو ساعة

أو نبقى مكاننا ، على أيّ حال هؤلاء كانوا ثلّة ، لم يكونوا عمّار بن ياسر ، هؤلاء بدأ الشكّ يتسرّب إلى نفوسهم ، بدأوا يشكّون في هذا الإمامعليه‌السلام الصالح حتى تمنّى الموت ؛ لأنّ الإمامعليه‌السلام أصبح يحسّ أنّه انقطع عن هؤلاء ، وأصبح منفصلاً عنهم .

إنّهم أصبحوا لا يفهمون أهداف رسالته ومَن أمرّ ما يُمكن أنْ يقاسيه زعيم أو قائد أنْ يعيش في جماعة لا تتفاعل معه فكرياً ، ولا تعيش مع أهدافه ولا مع خطّه ، مع إنسان يبذل كلّ ما لديه في سبيلهم ، وهُم لا يحسّون أنّ كلّ هذا في سبيلهم ، وإنّما يشكون فيه ، في نيّته ، هذا هو الامتحان العسير الذي قاساه ـ أفضل الصلاة والسلام عليه ـ ، لكن بالرغم من كلّ هذا الامتحان يُحاول أنْ يبث من روحه الكبير في هذا المجتمع المتفتّت الذي بدأ يشك ، والذي بدأ يتوقّف .

كان يحاول أنْ يبثّ فيهم من روحه الكبير ، إلى أنْ خرّ شهيداً في مسجد الكوفة .

اللّهم اجعلنا ممّن ينتصر لدينك .

١٠ - ثلاثة أئمّة

يدور هذا البحث حول حياة الأئمّة الثلاثة ( الحسن والحسين وعليّ بن الحسين ) ، الذين يشكّلون مع أبيهمعليهم‌السلام على ما قلناه سابقاً ، المرحلة الأُولى من المراحل الثلاث لحياتهمعليهم‌السلام ، فإنّنا قُلنا فيما تقدّم عن تاريخ الأئمّةعليهم‌السلام على أنّ هذا التاريخ يمكن تقسيمه إلى مراحل ثلاث .

المرحلة الأُولى : وهي مرحلة تفادي صدمة الانحراف ، هذه المرحلة هي التي عاش فيها قادة أهل البيتعليه‌السلام مراراة الانحراف ، وصدمته بعد وفاة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكانت مرارة هذا الانحراف وصدمة هذا الانحراف ، التي كان من الممكن أنْ تمتد وتقضي على الإسلام ومصالحه وعلى الأُمّة الإسلامية ، فتصبح قصّة في التاريخ لا وجود لها في خط الزمن المستمر .

الأئمّةعليهم‌السلام في هذه المرحلة عاشوا صدمة الانحراف ، وقاموا بالتحصينات اللازمة بقدر الإمكان ، بكلّ العناصر الأساسية للرسالة ضدّ صدمة الانحراف ، فحافَظوا على الرسالة الإسلامية نفسها .

كل هذه الأركان والمقوّمات حصّنوها تجاه صدمة الانحراف ، هذه هي المرحلة الأُولى وتبدأ بعد وفاة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتستمر إلى حياة الإمام الرابع من قادة أهل البيتعليه‌السلام .

المرحلة الثانية : ثمّ تبدأ المرحلة الثانية والإمام الباقرعليه‌السلام شبه البداية لها وحينما نقول شبه البداية ؛ لأنّ تصوّر هذا العمل ليس حدّياً، حيث يُمكن أنْ نقف ، على اللحظة ، فنقول : هذه اللحظة هي نهاية المرحلة وبداية أخرى ، وإنما هذا التصوّر يتّفق مع طبيعة الإحداث المتصوّرة في خط تاريخ الإسلام .

والمرحلة الثانية هي المرحلة التي شرَع فيها قادة آهل البيتعليهم‌السلام - بعد أنْ وضعوا التحصينات اللاّزمة وفرغوا من الضمانات الأساسية ضدّ صدمة الانحراف - ببناء الكتلة ، بناء الجماعة المنطوية تحت لوائهم ، الشاعرة بكلّ الحدود والأبعاد من المفهوم الإسلامي المتبنّى من قبلهمعليهم‌السلام ، منذ زمان

عليّ بن الحسينعليه‌السلام ، وعلى زمان الإمام الباقر والصادقعليه‌السلام كان هذا العمل يبلغ القمّة ، وليس معنى ذلك ، أنّ هذا العمل الأوّل الذي كان اللبنة الرئيسية للمرحلة قد انقطع ، وإنّما معنى هذا أنّ العمل الأوّل استمر ، لكن حيثُ إنّ صدمة الانحراف ، كان قد أمكن تقليل خطرها ، خلال ما قام به الأئمّة الأربعة الأُول من جهود وتضحيات في سبيل حفظ الإسلام ، وهذا يحتّم أنْ يواجه قادة أهل البيتعليهم‌السلام المهمّة الجديدة ، مهمّة بناء الجماعة الصالحة من مجموع هذه الأُمّة ، التي حصّنت بالحد الأدنى من التحصين ، ولا بدّ أنْ تُنتَخبَ مجموعة من هذه الأُمّة ، فيحَصّنَّون بأعلى درجة ممكنة من التحصين ، ويوعون بأعلى درجة ممكنة من التوعية ، حتى تكون هذه الجماعة ، هي الرائد والقائد والحامي للوعي الإسلامي الذي حصّن بالحد الأدنى .

هذا العمل مارسه الإمام الباقرعليه‌السلام على مستوى القمّة وقلنا : إنْ هذه المرحلة استمرّت الى زمن الإمام الكاظمعليه‌السلام ، وفي زمان الإمام الكاظمعليه‌السلام بدأت المرحلة الثالثة .

وهذهالمرحلة الثالثة : لا تحدّد بشكلٍ بارز من قِبَل الأئمّةعليه‌السلام أنفسهم ، بل يحدّدها بشكل بارز ، موقف الحكم المنحرف من الأُئمّة أنفسهم ؛ وذلك لأنّ الجماعة التي نشأت في ظلّ المرحلة الثانية التي وضعت بذرتها في المرحلة الأولى ، نشأت ونمَت في ظلّ المرحلة الثانية ، وهذه الجماعة غزَت العالم الإسلامي ، وقتئذ ، وبدا للخلفاء أنّ قيادة أهل البيتعليه‌السلام ، أصبحت على مستوى تسلّم زمام الحكم والعود بالتجمع الإسلامي إلى حظيرة الإسلام الحقيقي ، وهذا خلّف بشكلٍ رئيسي ردود الفعل للخلفاء تجاه الأئمّةعليه‌السلام من أيّام الإمام الكاظمعليه‌السلام .

هذه هي المراحل الثلاث التي سوف نستوعبها بالتأريخ ، خلال تاريخ كلّ واحد من الأئمّةعليه‌السلام إلى أنْ يكملوا ، وخصيصة هذه المرحلة الرئيسية ، أنّ الأئمّة الأربعةعليه‌السلام قاموا بتحصينات المقوّمات الإسلامية للحضارة الإسلامية ، ضدّ صدمة الانحراف ، هذا الانحراف وعمقه وخطورته يمكن أنْ ننتبه حينئذ لجلالة وعظمة منجزات الأئمّةعليه‌السلام .

صدمة الانحراف : خطورة هذا الانحراف الذي يمكننا أنْ نوجزه في جملة

بسيطة قصيرة جدّاً ، هي أنّ شخصاً غير عليّ بن آبي طالبعليه‌السلام تولّى الأمر بعد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأصبح سلطان المسلمين بعده .

هذه الجملة البسيطة هي التي تشكّل كل هذا البلاء العظيم بكلّ مضاعفاته ونتائجه التي سوف نتحدّث عنها ، وليست هذه الجملة معبّرة فقط ، عن ظلم وغُبْن شخصي للإمامعليه‌السلام ، واستيلاء على حقٍّ خاص من حقوقه ، ليس هكذا ، لو كان مجرّد مظلومية عليّعليه‌السلام ، لوقف على مستوى العقيدة الدينية ، ولم يسرِ إلى الحياة الإسلامية في كلّ مجالاتها الخارجية ، لم تكن المسألة مسألة عقيدة فحسب ، أو نزاع بين شخصين في حقٍّ مشروع يدّعيه المدّعي وينكره المنكر ، لم يكن هذا وإنّما كان تغيير شخص الحاكم ، تعريضاً للتجربة الإسلامية للفشل المحقّق فعلاً ، ثمّ خطر الانهيار الكامل في المستقبل .

بيان ذلك ، ولكي يتّضح هذا المعنى تماماً ، لا بدّ وأنْ نعرف ما هي الرسالة التي بمجرّد تغيير شخص الحاكم فيها ، بمجرّد استيلاء أبي بكر على الحكم بدلاً من الشخص المعيّن من قِبَل رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالنص ، يزعزع كيان هذه الرسالة ثمّ يمحقها محقاً كاملاً ، لولا جهود الأئمّةعليهم‌السلام .

كيف أنّ مجرّد تغيير هذا الحاكم ، يوجب هذا العمق في الخطر وهذا المحق في نهاية الشوط ، وما هي الرسالة الإسلامية حتى نعرف على ضوء ذلك كيف يكون هذا الخطر عميقاً، ثم نفهم بعد هذا ما هي التحصينات ضدّ هذا الخطر العميق ، هناك منذ البدء نظرتان أساسيّتان للكون ولموقف الإنسان من الكون .

إحدى هاتين النظرتين : أنْ يرى أنّ الكون مملكة لمليك قدير يُراقب من وراء الستار مراقبةً غير منظورة ، هذه هي النظرة الأولى التي يتحدّد بها موقف الإنسان من الكون وطبيعة هذا الكون ، وهذه النظرة ، تستبطن حتماً الشعور بأنّ وجود الإنسان في الكون ، هو وجود الأمين ووجود الخليفة ، لا وجود الأصيل والمتحكّم ؛ لأن هذه مملكة غيره بكل ما فيها من وجود، بما فيها نفس الإنسان ، هي مملكة ذاك المليك القدير المراقب من وراء الستار، وهذا يشعر بأنّه يقوم بأعباء الأمانة والخلافة، هذه الخلافة التي قام فيها آدمعليه‌السلام ، وقامت به بعد ذلك الأجيال الصالحة لبني آدم هذه الخلافة والأمانة تستبطن معنى

آخر هو ضرورة استيحاء الأمر والنهي والتدبير والتقدير والتقديم من قبل ذلك المليك القدير ؛ لأنّه خليفة وأمين ، والأمين لا بدّ له أنْ يُطبّق على الأمانة التي استؤمن عليها قرارات المالك ، فلا بدّ للإنسان إذَن أنْ يكون رهن ذلك المليك القدير .

ثمّ أنّ الجزء الآخر لهذه النظرية الأساسية ، المليك القدير المراقب من وراء الستار ، يراقب ويحاسب ويدقّق ، لكن بطريقة خاصّة في المراقبة والتدقيق ، فإنّه يراقب من وراء الستار ، لا يتجلّى للإنسان في مملكته جهاراً فكل من عصاه ينزل به العقوبات ، بل يختفي عن مملكته بحسب المنطق الحسّي ، ويراقب أهل هذه المملكة ، فكرة يراقب من وراء الستار ، تستبطن المسؤولية تستبطن الثواب والعقاب ، والحساب والعقاب يستبطن وجود عالم آخر ، وراء هذا العالم ، لتحقيق نتائج هذه المراقبة المستورة ، الغير السافرة والعاجلة من قِبَل ذلك المَليك القدير .

إذنْ جاءت فكرة عالم آخر للجزاء والحساب والعقاب ، حينئذٍ تجيء فكرة الأهداف الكبيرة ، وحينئذ الإنسان لا يكون قيد هذا الشوط القصير في الدنيا ، بل يكون رهْن خطٍّ طويل ، يمتد من ذلك العالِم المنظور ، وحينئذٍ يكون الإنسان على مستوى الأهداف الكبيرة ، الأهداف التي لا يستطيع هو أنْ يستفيد منها ويمتصّها ويستنزفها ، أعظم الأهداف وأجلّ الأهداف وأسمى الأهداف ، هي تلك الأهداف التي تكون أوسَع من عُمر الإنسان .

واحد من هذه الأهداف كيف يُمكن أنْ تحمل الإنسانية بها وتحمل الإنسانية على تحقيقها ، إذا كانت الإنسانية لا ترى الأمر في نظرها إلاّ هذا الشوط القصير ، إذن هذا الهدَف ليس هدفها ؛ لأنّها لا تستلزم خسارة هذا الهدف ، ولا تشرب نخبه فتكون هذه الأهداف معطّلة ، وتبقى الإنسانية رهْن الأهداف القصيرة ، وهي غايات المادّة المحدودة ، وهذه الغايات المحدودة هي منطلق ألوان كثيرة ، من الكفاح والصراع ما بين الأُسرة البشرية ، بين فردٍ وفرد ، بين مجتمعٍ ومجتمع ، بين قومية وقومية ، بين أُمّة أُمّة ، أمّا إذا أصبحت البشرية على مستوى الأهداف الكبيرة ، لأنّها انطلقت في غاياتها وفي ثباتها الى أكثر من حدود هذه الدنيا ، حينئذٍ تستطيع أنْ تقوم بأعباء تلك الأهداف الكبيرة مَن خرَج مِن بيته مهاجراً في سبيل اللّه ، فمات وقَع أجره على اللّه ، كم من الناس درَسوا وماتوا قبل أنْ يحقّقوا النتيجة ، كم من آلاف المجاهدين خرجوا للحرب

واستشهدوا قبل أنْ يذوقوا لذّة النصر والانتصار ، كم من آلاف من المجاهدين والمعلّمين طافوا وتحمّلوا في سبيل مباحثهم من الأذى والظلم والإهانة ، وماتوا قبل أنْ يذوقوا لذّة الانتصار ، إلاّ أنّ هؤلاء حيث إنّهم خرَجوا من بيوتهم هاجروا في سبيل اللّه سبحانه وتعالى وماتوا وسط الطريق ، فوقع أجرهم على اللّه سُبحانه وبذلك انفتح أمام هؤلاء طريق هذه الأهداف الكبيرة ، فلا يهمّ هذا الإنسان القصير العمر أنْ يموت خلال الخطوة الأولى أو الثانية ، ما دام يسير في خط ، في أيّ مرحلة منه يموت يقع أجره على اللّه ، هنا انفتح طريق الأهداف الكبيرة ، انفتح باب أنّ القِيَم الخلقية لا معنى لها ما لَم تكن على مستوى الأهداف الكبيرة والجزاء الكبير الغير المنظور .

والقِيَم الخلقية من التضحية والفداء والحبّ والإيثار ونحو ذلك من الأمور ، كل هذه انفتح بابها ؛ لأنّها جميعاً طُرق اللّه سبحانه وتعالى ، كلّ من يمشي في طريق من هذه الطرق ويموت ويخسر ويبتدئ تجاهها بصدمة يقع أجره على اللّه سُبحانه وتعالى ، كل مَن يضحّي فلا يلاقي جزاء تضحيته يقع أجره على اللّه ، كل مَن يقوم بخدمة للآخر فلا يُلاقي جزاء من الآخر يقع أجره على اللّه ؛ لأنّه يدخل في ملاك مَن خرَج من بيته مهاجراً في سبيل اللّه فمات وقَع أجره على اللّه .

هذه النظرة الأساسية تشعّبت منها كلّ هذه الشُّعَب وكلّ هذه الفروع التي بكاملها تشكّل الحضارة الإسلامية .

فالحضارة الإسلامية عبارة عن هذه النظرة الأساسية بكل شُعَبِها وفُروعها التي ترجع بالنهاية إلى تجسيد كامل للعلاقة مع اللّه سبحانه وتعالى ، في تفاعل الإنسان مع كل مجالاته الحيوية والكونية هذه هي النظرة الأُولى وفي مقابلها نظرة أُخرى .

والنظرة الثانية : هي أنْ يرى الإنسان نفسه بأنّه أصيل في هذا الكون ، وحينما ينظر في نفسه على أنّه أصيل في هذا الكون ، وأنّ هذا الكون مستقل وغير خاضع لمليك ومراقبة من وراء الستار ، حينما تتركّز في نظره هذه الأصالة والاستقلال بهذا الكون تنعدم المسؤولية ، وإذا انعدَمت المسؤولية في المقام ، بقيَ عليه هو أنْ يتحمّل المسؤولية بنفسه .

يعني بدلاً مِن أنْ يشعر بأنّه مسؤولٌ ومراقب أمام جهة علياً ، تضعه أمام أهداف كُبرى في سبيل الثواب الكبير والعقاب الكبير ، يصنع هو المسؤولية وحينما يتحمّل هو وضع المسؤولية ، تكون هذه المسؤولية نتاج نفسه فينعكس فيما وضَعه تمام ما في نفسه ، تمام المحتوى الداخلي والروحي والحسّي بكل ما فيه من نقصٍ وشهوة ، وحينئذٍ حينما يُريد الإنسان أنْ يُحدّد لنفسه مسؤولياته ، يحدّدها على ضوء أهدافه ، التي سوف يحدّدها على ضوء مدى طريقه ، وحيث إنّ طريقه محدود ، وحيث إنّ طريقه منكمش في نطاق المادّة ، فسوف تكون الأهداف على مستوى الطريق ، وحينما يكون كذلك ، فسوف تكون المسؤوليات في نطاق هذه الأهداف ، وبعد هذا سوف يخسر القِيَم الأخلاقية ، ويتولّد عن ذلك ألوان من الصراع والنزاع بين البشرية حيث تصبح جماعات ووحداناً وهذه النظرة غير إسلامية .

لماذا جاء الإسلام ؟ : الإسلام جاء لأجل أنْ يربّي الإنسان على النظرية الأُولى ، لا لأجل أنْ يكون مجرّد عالم يجيء بنظرية ليكتبها في كتاب ، بل جاء الإسلام ليربّي الإنسان على هذه النظرية ، بحيث تصبح جزءاً من وجوده وتجري مع دمه وعروقه ، مع فكره وعواطفه وتنعكس على كلّ مجالات تصرفه وسلوكه مع اللّه سبحانه وتعالى ، ومع نفسه ومع الآخرين .

فعليه لا بدّ للإسلام أنْ يهيمن على هذا الإنسان ، وعلى كل طاقاته وعلاقاته ، ليستطيع أنْ يربيه ، فالمربّي لا يستطيع أنْ يربّي شخصاً ما لم يهيمن عليه ، إذا لم يُهيمن عليه يكون مجرّد أُستاذ وتلميذ ، الأُستاذ يلقي النظرية العلمية للتلميذ ، فإنْ شاء التلميذ قَبِل وإنْ شاء رفَض وهذا باب التلمذة والبحث .

وأمّا باب التربية فإنّه باب الهيمنة ، الأب يستطيع أنْ يُربّي ابنه فيما إذا هيمَن عليه ، وعليه فالهيمنة هي الشرط الأساسي للتربية ، والهيمنة كلّما كانت أوسَع نطاقاً وأوسَع مجالاً ، كانت أكثر إنجاحاً لعملية التربية ، قلنا : إنّ الأب يستطيع أنْ يربّي ابنه ، لكن قد لا يستطيع أنْ ينجح ؛ لأنّ وجود ابنه ليس كلّه تحت هيمنته وسيطرته ؛ لأنّ هذا الابن هو ابنه ، وأيضاً ابن المجتمع ، ابن مجتمعٍ كبير يتفاعل معه ويتأثّر به ويؤثّر فيه ، ويتبادل معه العواطف والمشاعر

والأفكار والانفعالات ، وقد يُقيم معه علاقات بالحقول الأخلاقية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، وغير ذلك من مجالات حياته فهو ليس ابنه وحده ، بل ابن المجتمع أيضاً.

الأب أقوى حقيقةً وأُبوّته مجازية ، فبنوّة المجتمع لهذا الولد ، أكثر بكثير من بنوّته لهذا الأب الذي ولد منه ، ولهذا قد يعجز كثير من الآباء عن تربية أبنائهم في المجتمع الفاسد ، كم سمِعت من أبٍ يتذمّر إذ أنّه لا يستطيع أنْ يربّي ابنه في آخر الزمان ومع هذا الفساد مثلاً ؛ كل هذا لأنّه يوجد أب آخر لهذا الابن وهو المجتمع .

كيفية وجود التربية الكاملة : والتربية الكاملة لا يمكن أنْ تكون لهذا الفرد ، إلاّ إذا هيمن المربّي عليه ، على علاقاته الاجتماعية وروابطه مع غيره أيضاً ، يصبح تمام هذا الوجود تحت سيطرة هذا المربّي ، بحيث يصير شخص واحد هو الأب ويكون هو المجتمع ، فحينئذ يصبح هذا مربياً كاملاً مطلقاً بالنسبة إلى هذا الابن .

وهذا ما صنعه رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، هيمن على العلاقات الاجتماعية ؛ لأنّه تزعّم بنفسه المجتمع ؛ لأنّه انشأ مجتمعاً وقاده بنفسه ، ووقف رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله يخطّط لهذا المجتمع ويبني كل العلاقات داخل الإطار الاجتماعي ، علاقة الإنسان مع نفسه ، علاقته مع ربّه ، علاقته مع عائلته ، علاقته مع بقيّة أبناء مجتمعه ، علاقته في مختلف المجالات والحقول الاجتماعية والشخصية ، فكان هو الذي يخطّط ، لذا كلّ هذه الأمور صارت تحت هيمنته ، فحينئذ استكمل الشرط الأساسي للتربية الناجحة .

ولا شكّ أنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لو كان قد امتد به العُمر ، أو كان قد امتدّت التجربة الإسلامية من بعده على يد خلفائه المعصومين الميامين من أهل بيته من أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وأولادهعليه‌السلام إذن لقدّر لهذه التجربة والتربية أنْ تُؤتي ثمارها بشكلٍ عجيب ، هذه الثمار نقرأها الآن بعنوان المعجزات والكرامات من أحوال الناس بعد ظهور الحجّة ، وتلك المعجزات والكرامات ليست معجزات وكرامات ، وإنّما هي نتيجة تربية ، هل يمكن أنْ يبلغ المجتمع البشري الى مستوى من التعاون والتعاضد ، إلى مستوى من التوحيد والترفّع ، بحيث يستغني عن النقد ، عن

التعبير المادّي القاسي جدّاً في حياة الإنسان ، الروايات وقَعَت تقول بأنّ هذا سوف يقَع في عهد الحجّةعليه‌السلام ونتيجة هذه التربية المخططة على يد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ويد الخلفاء المعصومين من أهل بيتهعليه‌السلام ، فالتجربة الإسلامية إذن كانت تشمل عناصر ثلاثة ، باعتبار أنّها عملية تربية من فاعل وهو المربّي ، ومن تنظيم يستمد من قبل الشريعة ، ومن حقل لهذا التنظيم وهو الأُمّة أي المجتمع ، هذه هي العناصر الثلاثة المزدوجة في هذه التجربة .

ولكن الانحراف بدأ يغير العناصر الرئيسية لهذه التجربة .

أحد هذه العناصر لهذه التجربة تهدَّم بعد وفاة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله بمعنى أنّ ثلث التجربة الإسلامية تهدّم ، تهدّم ذاك البناء الذي لأجله جاءت أربع وعشرون ألف رسالة من السماء ، وكان تهدَّم هذا الجزء الواحد كفيلاً بهدْم الجزئين الآخرين ، لأنّ هذه التجربة متفاعلة في عناصرها ، فبهدم جزءٍ منها يتهدّم الجزءان الآخران .

لا ندري أنّ المسلمين وقتئذٍ ، هل كانوا يتصوّرون عمق هذا الانحراف بعد هذا...؟! أكبر الظن أنّهم لم يكونوا يتصوّرون ذلك ، بل غاية ما كانوا يتصوّرونه أنّ المسألة مسألة تغيير حُكم من أحكام اللّه لا أكثر ، إنّ اللّه سُبحانه وتعالى جعل علياً ، وهُم جعلوا أبا بكر ، أمّا باقي الجهات فيبقى الوضع فيها على حاله ، بقيت الصلاة على حالها ، بقيت الزكاة على حالها تجبى ، بقي الفقراء يُعطَونَ منها ، بقيَ كتاب اللّه يقرأ في المساجد ، بقيَت الجماعات تُقام ظهراً وعصراً ، ومغرِباً وعشاءً وصباحاً ، بقيَ بيت اللّه يَحُج إليه عشرات الآلاف من الناس ، بقيَ الجنود والمرابطون يفتحون بلاد اللّه الواسعة ، بلداً بلداً ، وعليه لم يتغيّر شيء سوى أنّ شخصاً كان اسمه عليّ ، هو أعدَل وأعلَم من أبي بكر ، أقصي من مقام الحكم لغلبة الأهواء والشهَوات ولأُمورٍ أُخرى سوف تذكر في حياة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وجعل مكانه أبو بكر لا أكثر من هذا المقدار .

وفي الحقيقة لم يكن الأمر كذلك ، وإنّما كان هذا نذير شؤم بالنسبة إلى التجربة الإسلامية كلّها ، لما بدّل شخص الحاكم وجعل مكانه آخر ، هذا الحاكم الآخر لم يكن معصوماً، ولم يكن مصمماً من قبل واضع التجربة ، ومعناه إنّ هذا الإنسان على أقل تقدير ، حتى لو أخذنا بمفهوم السنّة عن أبي

بكر ، فهو إنسان تحتشد في نفسه أفكار كثيرة خاطئة ، تحتشد في نفسه شهَوات كثيرة تُعرّضه للانحراف ، لم يكن معصوماً لا من ناحية المفاهيم الفكرية ، ولا من الناحية العملية ، هذا الإنسان جاء ليتسلّم زِمام التجربة الإسلامية في بداية أمرها بدلاً من ذلك الإنسان المعصوم ، حينئذٍ مَن هو الحاكم الآن ، هو أبو بكر ، أبو بكر يعني المجموعة الكثيرة من العواطف والمشاعر والانفعالات ، إذن فالحاكم هو هذه الكومة من الأفكار والعواطف .

هذا هو أبو بكر ، إذن فالحاكم هو هذهِ الحفنة ، فلنفرض أنّ فيها ٥٠% أفكاراً وعواطف إسلامية لكن فيها ٥٠% من العواطف ممّا هو ليس بإسلامي ، إذن فقد أصبح الحاكم مزدوج الشخصية ، أصبح الحاكم في المقام عبارة عن ٥٠% من الأفكار .

والعواطف الإسلامية من جهة رأي السنَّة و ٥٠% من العواطف والأفكار غير الإسلامية والجاهلية في المقام ، فبطبيعة الحال أنّ هذا النصف الثاني على أقلّ تقدير لو لم نقل بأنّ كلا النصفين حاله هكذا ، وأخذنا بنظرية مَن يقول : أنّ القصة قصة مناصَفة ، لا أقلّ من أنْ يكون هذا الشخص عرضةً للانحراف ، مَن هو الضامن لعدم الانحراف ؟ هل الضامن هو الأُمّة ؟ الأمّة لم تكن على مستوى العصمة وقتئذ .

كما أنّ أبا بكر لم يكن معصوماً ، لقد كان من المُمكن أنْ تَبلُغ الأُمّة درجة العصمة خلال تربية طويلة ، لو أنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّةعليهم‌السلام قد توالوا على أُمّةٍ واحدة ، ومارسوا عملية التجربُة ، كان من الجائز أنْ تبلغ الأُمّة بوصفها المجموعي مستوى العصمة ، بحيث لا تحتاج بعد هذا إلى قائد معصوم ، بل هي تحكم نفسها بنفسها ، هذا أمرٌ جائز عقلاً ، ولكن بعد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله لم تكن الأُمّة معصومة ، والدليل على هذا يأتي بعد ذلك ، فإذا لم تكن الأُمّة على مستوى العصمة ، إذن فسوف ينفتح من هذا الحكم الغير المعصوم الخطر على الأجزاء الأُخرى للتجربة ، للمقوّمات الأساسية للرسالة الإسلامية ، سوف ينفتح الخطر على المصادر الأُخرى ، على الكتاب والسنّة ، ومن البديهي أنّه لم يكن الكتاب والسُنّة في عهد الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، مدوّنين في كتاب ، لم يكن هذا الكتاب في أيدي المسلمين بوصفه كتاباً أو قرآناً ، محدوداً من ألفهِ إلى يائه ، وانتم تعلمون أنّ السُنّة لم تكن مكتوبة أصلاً وإنّما كانت محفوظة في صدور المسلمين وقتئذ ، والسُنّة كانت هي في الصدر الثاني للإسلام ، ماذا يُترقّب من شخصٍ حاكم منحرف في

المقام ؟ أنْ يقف من هذَين المصدرين وأنْ يعمل في حمايتهما ، لم يكن هناك تحصين من الخارج من قادة أهل البيتعليهم‌السلام بالنحو الذي سوف نشرحه إنْ شاء اللّه ، كان من الطبيعي أنْ يُترقّب أنّ السُنّة سوف تكون عرضةً للضياع والانحراف والتزوير على أساس الانحراف في هذا الحكم ، فالمقومات الإسلامية للإسلام سوف تتطور وتزور، الإسلام نظرية للحياة ، هذه النظرية سوف تتطوّر وتزوّر وتشوّه بشكلٍ آخر ، بشكل جاهلي لا يختلف عن نظرية جاهلية ؛ لأنّ المصدر الأساسي للإسلام عرضةً للتحريف وللإقصاء عن مجالاته الذهنية والإسلامية ، وحتى لو لم تكن عرضة فإنّ النصوص الموجودة في أُمّهات الكتب ، لم تكن تعطي النظرية الحقيقية للناس ، الناس حسّيون أكثر منهم منطقيون ، الناس يعيشون ما يرَون لا يعيشون ما يقرؤون حبراً على ورَق ، إذن فيعيشون ما يرَون النظرية التي يمارسها أبو بكر ويمارسها الخلفاء الذين تولّوا من بعده ، يمارس هذا الخط المنحني ، من الانحراف الذي اشتدّ انحناؤه بالتدريج حتى بلَغ إلى الهاوية من الانحراف .

سوف يعيشون هذا الواقع وهذا المجسَّد للنظرية الإسلامية للحياة ، وسوف لنْ تبقى هناك أُطروحة أُخرى للنظرية الإسلامية للحياة ، وبذلك يفقد الإسلام أطروحته على المستوى النظري ، وعلى المستوى النضالي ، بعد أنْ فقده على المستوى الواقعي والمستوى الاجتماعي والخارجي ، بعد هذا سوف تزول الأُمّة نفسها ؛ لأنّ هذه الأُمّة سوف ينعكس فيها ، بعد إقصاء مصادر الرسالة عنها ، وبعد تشويه معالم النظرية الإسلامية في وجهها ، وبعد تعمّق الحاكم في انحرافه ، ومعنى انحراف الحاكم انّه سوف يتميّع في حفظ مصالح الأُمّة وسوف يتحيّز في حاكميته ، وسوف ينعكس هذا التميّع للأُمّة في الظلم والفساد والتناحر والصراع فيما بين أفراد الأُمّة ؛ لأنّ الوالي لا يحفظ مصالحه الحقيقية ، وسوف ينعكس على الأُمة في الضياع والذل وفقدان الإرادة وفقدان الشعور بالمسؤولية .

إذن سوف تصبح الأُمّة ، بعد شوط طويل من الزمن ، ملؤها الفساد وانعدام الإرادة ، وهذه التجربة الإسلامية المنحرفة ، سوف تسقط حتماً في يوم من الأيّام ؛ لأنّها منحرفة ، ولو كانت إسلامية وسوف تجيء بتجربة أُخرى لا إسلامية مكانها وحينما تجيء تلك التجربة مكانها ، سوف تواجه أُمّةً متميّعة لا

يوجد لديها أيّ مناعة ضدّ الكفر ، وسوف تندمج هذه الأُمّة اندماجاً كاملاً بالتجربة الكافرة ، وبذلك يضيع الإسلام والرسالة ، والنظرية الإسلامية للحياة ، وتضيع الأُمّة نفسها هذه هي الأخطاء التي كان يترقّب أنْ تنجم مِن منطلق الانحراف يوم السقيفة .

١١ - بداية الانحراف

كنا نريد أنْ نحدّد دَور الأئمّةعليهم‌السلام ، والمخلصين ممّن يدور في فلكِهم من أهل البيتعليهم‌السلام ، والواعين من المسلمين في عصرهم في حماية الإسلام ، وردّ الفعل على ما يقع من انحراف بعد وفاة النبيّ الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله .

هناك دور مفروض للأئمّةعليهم‌السلام في نصّ الشريعة الإسلامية ، في عالم التشريع ، وهو دور صيانة تجربة الإسلام ، تجربة المجتمع الإسلامي التي أنشأها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكان المفروض أنّ هذه القيادة تتسلسل في هؤلاء الأئمّةعليهم‌السلام الاثني عشرعليهم‌السلام واحداً بعد الآخر .

إلاّ أنّنا نريد أنْ نتحدّث عن هذا الدور التشريعي وأدلّته ومبرّراته ، يعني لا نريد أنْ ندرس مواطن العبرة من حياة الأئمّةعليهم‌السلام ، ونفهم أنّ الأئمّةعليهم‌السلام بعد أنْ أُقصوا عن مراكزهم القيادية في تزعّم التجربة الإسلامية للمجتمع والدولة وللأُمّة ، ماذا كان وصفهم ، فإنّ معرفة وضع الأئمّة بعد الإقصاء ممّا يؤثّر في حالنا وممّا نحن فيه من خطٍّ في عملنا ، وفي تصوّرنا وموقفنا الإسلامي تجاه قضايانا وأهدافنا ، الفكرة التي أُريد أنْ أعرضها خلال أيّام عديدة أُلخّصها في البدء بعدّة كلمات ثمّ بعد هذا ابدأ بتطبيقها .

ماذا جابه الإسلام

إنّ الإسلام جابه بعد وفاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، انحرافاً خطيراً في صميم التجربة الإسلامية التي أنشأها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله للمجتمع الإسلامي والأُمّة الإسلامية ، وهذا الانحراف في التجربة الاجتماعية للأُمّة والتجربة السياسية للأُمّة في الدولة الإسلامية ، كان بحسب طبيعة الأشياء ، من المفروض أنْ يتّسع ليتعمّق بالتدريج على مرّ الزمن ، الانحراف يبدأ بذرة ، وتنمو هذه البذرة ، وكلّما تحقّق مرحلة من الانحراف تمهّد هذه المرحلة لمرحلة أوسع وأرحب ، فكان من المفروض أنْ يصل هذا الانحراف إلى خطٍّ منحنٍ ، طوال عملية تاريخية زمنية طويلة المدى ، يصل إلى الهاوية فتمر التجربة الإسلامية للمجتمع

والدولة ، لتصبح مليئة بالتناقضات من كل جهة ومن كل صوب ، وتصبح عاجزةً عن مجاراة ومواكبة الحدّ الأدنى من حاجات الأُمّة ومصالحها ، حتى تُعلن عن إفلاسها نهائياً عن مواكبة الحدّ الأدنى من حاجات هذه الأُمّة ، وعن الحلول بالحدّ الأدنى للقضايا التي تتبنّاها وللرسالة التي تعلن عنها ، فحينما يتسلسل الانحراف في خطٍّ تصاعدي من هذه القبيل أو في خطٍّ تنازلي الى الهاوية من هذا القبيل ، فمن المنطقي في فهم تسلسل الأحداث ، أنّ هذا التجربة سوف تتعرّض بعد مدىً من الزمن لانهيارٍ كامل ، يعني أنّ الدولة والمجتمع الإسلامي والحضارة الإسلامية لقيادة المجتمع سوف تتعرّض للانهيار الكامل ؛ لأنّ هذه التجربة حين تصبح ملأى بالتناقضات ، وحين تصبح عاجزةً عن مواجهة وظائفها الحقيقية ، تصبح عاجزة عن حماية نفسها ؛ لأنّ التجربة تكون قد استنفدت إمكانية البقاء والاستمرار على مسرح التاريخ ، كما أنّ الأُمّة ليسَت على مستوى حمايتها ؛ لأنّ الأُمّة لا تجني من هذه التجربة الخير الذي تفكر فيه ، ولا تحقّق عن طريق هذه التجربة الآمال التي تصبو إليها ، فلا ترتبط بأيّ ارتباط حياتي حقيقي معها ، فالمفروض أنْ تنهار هذه التجربة في مدىً من الزمن ، تنهار كنتيجةٍ نهائية ، وخاتمة حتميّة لبذرة الانحراف التي غُرِست فيها .

معنى انهيار الدولة الإسلامية

ومعنى انهيار الدولة الإسلامية أنْ تسقط الحضارة الإسلامية وتتخلّى عن قيادة المجتمع ، والمجتمع الإسلامي يتفكّك ، والإسلام يُقصى عن مركزه كقائد للمجتمع وكقائد للأُمّة ، لكن الأُمّة تبقى طبعاً المسلمون يبقون كأُمّة التجربة ، تجربة المجتمع والدولة تفشل وتُخطئ وتنهار أمام أوّل غزو يغرها ، كما انهارت التجربة أمام الغزو التتري ، الذي واجه الخلافة العباسية ، وواجه الدولة الإسلامية في أواخر الخلافة العباسية .

هذا الانهيار يعني أنّ الدولة والتجربة سقطت أم أنّ الأُمّة بقيت ، لكن هذه الأُمّة أيضاً بحسَب تسلسل الأحداث من المحتوم أنْ تنهار فبعد أنْ تنهار التجربة ، الأُمّة كأُمّة تدين بالإسلام ، وتؤمن بالإسلام ، وتتفاعل مع الإسلام أيضاً تنهار ، لماذا ؟

لأنّ هذه الأُمّة ، عاشت الإسلام الصحيح الكامل زمناً قصيراً ، وهو الزمن الذي مارس فيه التجربة شخصُ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله الأعظم

وبعد هذا عاشت تجربة منحرفة ، هذه التجربة المنحرفة ما استطاعت أنْ تعمّق فيها الرسالة وتعمّق فيها المسؤولية تجاه عقيدتها ، وتثقّفها وتحصّنها وتزوّدها بالضمانات الكافية لعدم الانهيار أمام حضارة جديدة ، وغزوٍ جديد ، وأفكارٍ جديدة يحملها الغازي الى بلاد الإسلام ، فهذا الغازي الذي يأتي يحطّم التجربة ، يحطم المجتمع الإسلامي ، يحطم الدولة الإسلامية ، يأتي معه بتقاليد ومفاهيم حضارية سوف تؤثّر على الأُمّة الإسلامية ، التي لم تعرف الإسلام معرفة حقيقية كاملة طيلة هذه التجربة المنحرفة ، فسوف لن تجد هذه الأُمّة الإسلامية ، في نهاية هذه التجربة المنحرفة ، بعد أنْ أُهينت كرامتها ، وبعد أنْ حطمت إرادتها ، وبعد أنْ غُلّت أياديها عن طريق الزعامات التي مارسَت تلك التجربة المنحرفة ، وبعد أنْ فقدت روحها الحقيقية سوف لنْ تقدر على تحصين نفسها ضدّ ما يطرأ بعد انهيار التجربة ، وحينئذ ستنهار الأُمّة أيضاً كما انهارت التجربة .

الأُمّة أيضاً سوف تنهار بالاندماج مع العالم الكافر الذي غزاها ، سوف تذوب الأُمّة ، وتذوب الرسالة والعقيدة وتصبح الأُمّة خبَراً بعد أنْ كانت أمراً حقيقياً على مسرح التاريخ ، وبهذا ينتهي دور الإسلام .

هذا هو التسلسل المنطقي بقطع النظر عن دَور الأئمّةعليهم‌السلام ، تبدأ بذرة الانحراف بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بحكم طبيعة الأشياء ، وينمو هذا الانحراف بالتدريج ، يتعمّق بالتدريج ، تتردّى التجربة بالتدريج حتى تصبح عاجزةً عن حماية نفسها ، وتصبح الأُمّة أيضاً عاجزةً عن حماية هذه التجربة ، فتتعرّض لنكسةٍ أمام أيّ غزوٍ يأتي من الخارج ، وسوف تصبح هذه الأُمّة حينئذٍ مجموعة من البشَر المتميّعين الذائبين الخانعين ، الغير الواعين والغير الملتفّتين لرسالتهم ، فبطبيعة الحال إنّ هذا الأُمّة سوف تنهار ، وسوف تتفتت كأُمّة ، فتسقط بعد أنْ سقطت التجربة .

١٢ - دور الأئمّةعليهم‌السلام تجاه هذا التسَلسُل

أمّا دور الأئمّةعليهم‌السلام تجاه هذا التسَلسُل فيتلخّص بأمرين :

الأمر الأول : الذي كان الأئمّةعليهم‌السلام يعيشونه في حياتهم ، هو محاولة القضاء على الانحراف الموجود في تجربة المجتمع الإسلامي ، وإرجاعها إلى وضعها الطبيعي ، وذلك بإعداد طويل المدى ، وتهيئة للظروف الموضوعية التي تتناسب وتتّفق مع ذلك .

فمتى ما كانت الظروف الموضوعية مهيّأة لذلك ، كان الأئمّةعليهم‌السلام على استعداد لأنْ يمارسوا إرجاع التجربة إلى الوضع الطبيعي ، كما مارس أمير المؤمنينعليه‌السلام وقال : بأنّ اللّه سُبحانه وتعالى أخذ عهداً على الإنسان ، أنْ لا يقرّ على الظلم مع وجود الناصر ، والناصر موجود وفي كلمة الناصر استبطن كلّ الحدود والظروف الموضوعية التي سوف تذكر فيما بعد ، والتي ذكرناها سابقاً ، التي تجعل في قدرة الإنسان الإمام المعصوم ، أنْ يحاول إعادة التجربة الإسلامية إلى وضعها الطبيعي ووضعها الصحيح الكامل .

الأمر الثاني : والذي كان يمارسه الأئمّةعليهم‌السلام ، حتى في حالة الشعور بعدَم وجود هذه الظروف الموضوعية ، التي تهيّئ الإمام لخوض معركة في مقام تسلّم زمام الحكم من جديد .

فالدور الثاني الذي كان يُمارسه الأئمّةعليهم‌السلام والذي كان يمارسه الإمامعليه‌السلام هو تعميق الرسالة فكرياً وروحياً وسياسياً للأُمّة نفسها ، بغية إيجاد تحصينٍ كافٍ في صفوفها لكي يؤثّر هذا التحصين في مناعتها ، وفي عدم انهيارها بعد تردّي التجربة وسقوطها ، إذ كان من اللازم بعد أنْ حُرِمت الأُمّة الإسلامية من التجربة الصحيحة الكاملة للحياة الإسلامية ، بعد وفاة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنْ تُطعم وتُغذّى الأُمّة كأمّة ، تُطعم الأُمّة وتُغذّى بالإسلام رسالياً ، وتغذّى في مجالها الروحي والفكري والاجتماعي والسياسي ؛ لكي تستوعب الإسلام .

وأقصد بالأُمّة لا مجموع الأُمّة ؛ لأن هذا لا يمكن أنْ يتحقّق بالنسبة إلى المجموع ، إلاّ في حالة قيادة تُمارس التجربة وتُمارس الحكم وتُمارس الدولة في المجتمع ، ولكنّ الذي أقصده في المقام من التعبئة ، إيجاد قواعد واعية في الأُمّة ، وإيجاد روح رسالية فيها ، وإيجاد عواطف تجاه هذه الرسالة في الأمة .

والأئمّةعليهم‌السلام حتى في حالة شعورهم بعدم إمكان استرجاع مركزهم المغصوب ، كانوا يعملون عمَلاً مهمّاً جدّاً لإنقاذ وجود الأُمّة في المستقبل ، وضمان عدم انهيارها الكامل وتفتّتها كأُمّة بعد سقوط التجربة وذلك بإعطاء التحصين الكامل المستمر لها ، على تفصيل سوف يأتي إنْ شاء اللّه خلال شرح هذه الفكرة ، والفكرة على سبيل الإجمال ، ملخصّاً لما سبق لتتمّة تتبع التسلسل في عرضها .

ولقد وقَع الانحراف بعد وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله هذه البداية في تسلسل هذه الفكرة وكانَ هذا الانحراف الذي وقع بعد وفاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله انحرافاً سياسياً خطيراً جدّاً ، بالرغم من أنّ هذا الانحراف لم يمسّ بحسب الظاهر إلاّ ميداناً واحداً من الميادين التي كان يعتمد عليها الإسلام ، في بداية الأمر لعلّ كثيراً من الناس بدا لهم أنّ هذا الانحراف لا يعني أكثر مِن أنّ شخصاً كان مرشّحاً من قِبَل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أو مِن قِبَل اللّه سبحانه وتعالى ، وهذا الشخص قد أُقصي أو غُصِبَ حقّه ، وأُعطيَ لشخصٍ آخر بدلاً عنه ، قد يكون هذا الشخص الآخر قادراً على أنْ يقوم مقامه في هذه المهمّة.

إلاّ أنّ الانحراف لم يكن انحرافاً شخصياً ، أو سهلاً أو بسيطاً بهذا المقدار لأننا قلنا فيما سبق ، بأنّ الإسلام رسالة تربية للإنسان ، رسالة جاءت لتبني الإنسان من جديد ، وبناء الإنسان من جديد ، يتوقّف على السيطرة على كل المجالات ، وما لَم يمتلك زمام كل تلك الميادين ، لا يُمكن أنْ يسيطر على كل أبعاد الإنسان ، وبالتالي أنْ يربّي الإنسان وفقاً للرسالة التي جاء بها ، التربية الشاملة الكاملة للإنسان بشكل متميّزاً كلّياً عن إنسان ما قَبل الإسلام ، عن إنسان الجاهلية ، هذا يتوقّف على المربّي بحيث يسيطر على كلّ المجالات التي يعمل عليها الإنسان ، يسيطر على مجالات العلاقات الفردية مع ربّه ، يسيطر على مجالات علاقاته مع الآخرين في النطاق العائلي ، يسيطر على مجالات علاقته مع

الأفراد الآخرين في المجال الاجتماعي وهكذا يسيطر على كلّ المجالات ؛ لأنّ أيّ واحد من هذه المجالات ، لو أنّه لم يسيطر عليه ، فمعنى هذا أنّه لم يسيطر على جزء من الإنسان ؛ لأنّ الإنسان يتفاعل مع كل هذه المجالات ، انتم ترَون أنّ الأب لا يستطيع أنْ يربّي ابنه تربية كاملة شاملة ، ليس الأب هو المربّي الوحيد لابنه ؛ لأنّ هناك أشياء أخرى تشاركه في تربية ابنه ، يشاركه في تربية ابنه زملاؤه في المدرسة وأساتذته فيها .

المجتمع الذي يعيش فيه ، الشارع الذي يلعب فيه ، القوانين التي تطبّق عليه من قِبَل الدولة ، كلّ هذا يشارك في تربية الابن ، فالتربية الشاملة الكاملة لهذا الإنسان لا تكون إلاّ بالهيمنة الكاملة على كلّ هذه المجالات، بحيث تؤخذ كلّ هذه المجالات بيد المربّي ، وبعد هذا يستطيع أنْ يحدّد الأُطروحة الصحيحة للإنسان الأفضل .

على هذا الأساس كانت سيطرة الإسلام على كلّ المجالات بما فيها المجال الاجتماعي الذي هو رأس هذه المجالات ، كان هذا جزءاً أساسياً من التركيب الإسلامي ومن الأُطروحة الإسلامية ، كان من الضروري جداً للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنْ يسيطر على كلّ هذه المجالات لا أنْ يكون واعظاً في المسجد فحسب ، ولا أنْ يكون أُستاذاً في حلقة فحسب ، بل يكون هذا وذاك ، ويكون إضافةً إلى هذا وذاك ، رائداً للمجتمع ، حاكماً للمجتمع في كلّ مكان ، في كل ما يمكن أنْ يصبو إليه المجتمع من آمال وأهداف ، ويكون مخطّطاً ومقنّناً للمجتمع في كل المجالات ، في كل ما يحتاج إليه المجتمع من قوانين وتنظيم .

هذا هو أُسلوب التربية الشاملة الكاملة الذي اتجه إليه الإسلام ، وليس من الكلفة أنْ يقال في نصٍّ نبوي ، مَن مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً جاهلية ؛ لأنّ الارتباط بالإمامعليه‌السلام والارتباط بالقيادة جزء من التربية الشاملة الكاملة للإنسان ، فوجود قيادة إسلامية للحياة الاجتماعية كان جزءاً ضرورياً في الحياة الإسلامية الاجتماعية ، وإنجاح الثورة الإسلامية ، وإنتاج الأمة والفرد والعائلة التي يريدها اللّه سُبحانه وتعالى ، والتي يحدّدها القرآن الكريم وعلى ضوء هذا ، نستطيع أنْ نعرف أنّ أيّ انحراف يحصل في هذا المجال ، في مجال قيادة المجتمع ، أي انحراف يقع في هذه القيادة فهو يهدّد المخطط بكامله ؛ لأنّ هذا الانحراف ، سوف يجعل المجال الاجتماعي يفلت من يد الإسلام ، وإذا افلت

هذا المجال من يد الإسلام فسوف يفلت من يد الإسلام جزءٌ كبير من وجود الإنسان ، وبالتالي ، وبقانون التفاعل بين أجزاء الإنسان بعضها ببعض ، سوف تفلت بقية الأجزاء أيضاً .

هذا الانحراف كان يشكل بداية خطر على التجربة الإسلامية كلّها ، على عملية التربية الإسلامية كلّها ، ولم يكن مجرّد استبدال شخص بشخص آخر ، كان ظلماً للتجربة الإسلامية كلّها ، وبالتالي للبشرية كلّها .

هذا الانحراف وقع بعد وفاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وتمثّل في أنّ جماعة من صحابة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يرتضوا علياً المنصوص عليه من قِبَل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله للخلافة فتصدّى بعضهم لها ، مارس أبو بكر قيادة التجربة الإسلامية ، بعده مارس عمر بن الخطاب ، بعده مارس عثمان بن عفّان ، هؤلاء الصحابة تارة ننظر إليهم بمنظار شيعي خاص نختصّ نحن به في مقام النظر إليه ، وهذا المنظار لا نريد أنْ نتحدّث عنه ؛ لأنّنا متّفقون على طبيعة هذا المنظار ، لكنّنا نصرف النظر عن هذا المنظار الخاص الذي نحن متّفقون عليه فيما بيننا ، وننظر إلى هؤلاء بقطع النظر عن المنظار الخاص ، النظر إلى هؤلاء بالمنظار العام .

إنّ تسلّم هؤلاء الحكّام لزمام زعامة التجربة الإسلامية كان يُشكّل بداية انحراف ، وكان سبباً حتمياً لتأرجح التجربة بين الحق والباطل ، واستبطانها شيئاً من الباطل ، واتّساع دائرة الباطل بالتدريج وذلك لعدّة أُمور :

أوّلاً : إنّ هؤلاء الصحابة الذين تسلّموا زمام الحكم بقطع النظر عن ذلك المنظار الخاص الذي جمّدناه الآن في حبل الكلام ، هؤلاء أُناسٌ يشهد التاريخ بأنّهم عاشوا الجزء الأكبر من حياتهم في عصرٍ جاهلي ، وضِمن إطارِ التفكير الجاهلي في كل ما كانوا يفكرون فيه ، أو يعملون فيه ، أو يتألّمون منه ، في كلّ مجالاتهم العاطفية ، ومجالات أهدافهم ، ومجالاتهم الفكرية والعقائدية ، لم تكن حياتهم قبل الإسلام إلاّ حياة مِن طِرْز جاهليّ آخر ، بعد هذا دخلوا في الإسلام ولا نُريد أنْ نتحدّث عن طبيعة دخولهم في الإسلام ، افرضوا أنّ هؤلاء دخلوا في الإسلام دخولاً حسناً ، وعاشوا مع الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله عيشةً حسنة ، إلاّ أنّ هذه الأهداف المضادّة لم تستأصل ، وبذور هذه الجاهلية لم تستأصل من أفكارهم وعقولهم ، بدليل أنّهم بالرغم من عيشهم

مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وبالرغم من الإدّعاء بالاستئثار بلطف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، بالرغم من كلّ هذا كانوا بين حينٍ وحين يُعلنون عن تقاليد أو عن تصوّرات ترتبط بالوضع الذي كانوا يعيشونه قبل الإسلام ، ومع كلّ ما نعلم ، يضع الخليفة الثاني احتجاجه على متعة الحج ، بالرغم من أنّ متعة الحج عمل عبادي خالص ، لا يرتبط بأيّ مصلحة من مصالح الدنيا المعلومة ، الإنسان العاقل لا يستطيع أنْ يدرك بعقله ، أيّهما أحسن ، هل الأحسن هي العُمرة المستمرّة إلى الحج ، أو العمرة المتحلّل منها التي يأتي بعدها الحج ، هذا بعقولنا لا نستطيع أنْ نحكم عليه بأنّه أفضل أو ذاك أفضل ، فهي مسألة عبادية ثابتة .

هنا عمر لم يتأثّر في احتجاجه بعقله ؛ لأنّ العقل لا يدرك أيّهما الأفضل ، وإنّما تأثّر بطبيعة تربية عادته وتقاليده ، وأنّ الجاهلية التي كانت قبل الإسلام كانت ترفض التحلّل بين العمرة والحج ، مثل هذه العادة أثّرت في نفس الخليفة الثاني أثراً كبيراً ، إلى درجة أنْ يرد على رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله وجهاً لوجه في ذلك ، وفي حياتهم شواهد كثيرة على هذا تظهر بين حين وحين ، ولا نريد أنْ نقول من هذا ، أنّ هؤلاء كانوا أُناساً يستبطنون الكفر أو العداء للإسلام ، أو البغض لشخص النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإنّ الحديث عن هذا قد جمّدناه ، بل إنّ هذا يمكن أنْ ينسجم حتى مع التصوّر السُنّي لهؤلاء ، أُنٌاس صحابة صالحون ، ولكنّهم مع هذا كلّه لا يزال الراسب الجاهلي يعيش في أعماقهم بثلاثين في المِئة أو أربعين أو خمسين ، لا يزال جاهلياً والباقي أصبح إسلامياً .

في يوم السقيفة طبعاً تعلمون بأنّهم قالوا : من ينازعنا سلطان محمد....؟

محمّد كان شيخ قبيلة ، وهم شيوخ هذه القبيلة بعد أنْ مات شيخ القبيلة الأول يتولّى شيوخ القبيلة الآخرون ، مَن ينازعنا سلطان محمّد...؟ هذا راسبٌ جاهلي ، قد لا يكون عمر أو أبو بكر ، قد لا يكون هذا الصحابي يعيش هذا الراسب في تمام حالاته ، بل يكون في بعض الحالات يترفّع عن هذا الراسب ، قد يكون الجانب الإسلامي يتغلّب على هذا الجانب الجاهلي ، حيث إنّ الراسب موجود ، بالنهاية جزءٌ من نفسه يُمثّل هذا الراسب ، ولهذا يطفو هذا الراسب في لحَظات عديدة من حياتهم الاجتماعية والسياسية ، إذن فهؤلاء

الخلفاء ، بحكم وصفهم وحياتهم ، لم يكونوا أُناساً قد اجتثّت الجاهلية من نفوسهم اجتثاثاً كاملاً ، بل كانت الجاهلية تعيش في نفوسهم في حالةٍ واضحة ملموسة وملحوظة ، تنعكس على سلوكهم بين حينٍ وآخر ، وحينئذٍ فهؤلاء حينما يتزعّمون قيادة التجربة الإسلامية فبطبيعة الحال الذي يتولّى القيادة ، قيادة هذه التجربة الإسلامية ، ومَن هم ، هم مجموع هذه الأفكار والعواطف التي سوف تحكم ، وهي التي سوف تسود ، إنْ كان من هذه ٥٠% أو ٣٠% جاهليّاً فمعنى ذلك أنّ الجاهلية سوف تشارك الإسلام في الحكم ، وسوف يصبح للجاهلية حكمٌ وتزعّم في توجيه التجربة الإسلامية التي جاءت لأجل أنْ تنقذ الإنسان من الجاهلية إلى الإسلام ، وتصنع الإنسان الجديد ، وتقضي على الإنسان القديم ، بينما كان المفروض هكذا ، وإذاً الجاهلية تُشارك في الحكم في المقام .

ثانياً : وهؤلاء لم يكونوا مهيّئين للحكم ، بقطعِ النظر عن جهة الراسب الجاهلي ، لم يكونوا قد استوعبوا الرسالة الإسلامية استيعاباً كاملاً ؛ لأنّ هؤلاء الصحابة ، تأثّروا بالمحنة ، عاشوا المحنة السياسية للدولة الإسلامية ، المحنة العسكرية للدولة الإسلامية ، الدولة الإسلامية كانت في خِضَمّ الحروب وفي خضم الفِتَن ، وفي المنازعات مع المشركين من ناحية ، ومع اليهود من ناحية أخرى ، ومع سائر القبائل العربية من ناحية ثالثة .

فخضم هذا الصراع العسكري والسياسي ، كان يجعل الصحابة دائماً في دوامة التفكير، في كيفية حماية الدولة ، وفي كيفية الدفاع عنها ، وفي كيفية المساهمة في حروبها ، تعلمون أنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله غزا عشرات الغزَوات في فترةٍ قصيرة ، في عدّة سنَوات عشرات الغزَوات أعم من أنْ تكون وقَع فيها القتال أو لم يقع فيها القتال ، فالحياة كانت حياة قلقة ، حياة صراع عسكري وصراع سياسي مع الأعداء ، ومع المشركين ومع المنافقين من كلّ صوبٍ وحدب ، لم يكن يتوفّر لرسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله الوقت على تدريبهم أو تثقيفهم على مستوى القيادة ، صحيح أنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يُمارس تثقيفاً عالمياً لأجل إيجاد أُمّة واعية تتمتّع بالحد الأدنى من الوعي ، أما أنّه لم يكن هناك تخطيط من قِبَل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ولم يكن هناك تخطيط من قِبَلِهم أيّام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في أنْ

يُثقّفوا أنفسهم ويهيّئوا أنفسهم لكي يتسلّموا الحكم بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولهذا قال عمر بن الخطّاب عندما عجَز عن الفتوى ، أنّه ألهانا أيّام رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله القصف في الأسواق عن تعلّم مثل هذه الأحكام ، ومع هذا هو لم يتهيّأ لمستوى القيادة في المقام ، قلنا بأنّه اشتغل في القصف في الأسواق كما هو يعترف ، دون الشغل بوضع الدولة الإسلامية وظروفها السياسية والعسكرية ، على أيّ حال لم يتهيّأ للقيادة ، من هنا نرى أنّ أبا بكر وعُمر كانا عاجزين عن تحديد ابسط الأحكام الشرعية ؛ لأنّه لم يكن عندهم تثقيف لفترة ما بعد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله .

قلنا في بعض الأيّام السابقة ، أنّ صلاة الميّت التي كان يُمارسها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أمام المسلمين ، وكان يُمارسها في كل يوم ؛ لأنّه في كل يوم أو شهر يموت عدد لا بأس به من المسلمين ، وكان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يصلّي عليهم ، مع هذا اختلف المسلمون بعد هذا ، اختلف هؤلاء القادة بأنّ التكبيرات على صلاة الميت كم عددها ، هذا كلّه يعطي المعنى الاتّكالي ، إنّ هؤلاء كانوا في أيّام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله متّكلين على القائد ، الرائد ، المتوجّه ، الواحد كان يأتي يأتمّ بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لم يخطر على باله في مرّة من المرّات أنْ يحسب هذه التكبيرة الأُولى وهذه الثانية وهذه الثالثة وهذه الرابعة حتى يحسب أنّها خمسة أو أربعة ، هذا معنى الاتكالية ، هذه الاتكالية عاشها هؤلاء الصحابة في عصر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولم يكن المسلمون متهيّئين بعد وفاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله تهيّؤاً فكرياً وعقائدياً لتحمّل أعباء الرسالة .

ثالثاً : إنّ التجربة التي عاشها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لو فرض أنّها هي التي تعطي الإمكانيات الفعلية ، فمن المعلوم أنّ هناك فارقاً كبيراً بين ظروف التجربة في أيّام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله والظروف التي كانت الأُمّة الإسلامية مُقبلة عليها حينئذ ، الأُمة الإسلامية بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كانت مقبلة على تحوّل اجتماعي وسياسي كبير وضخم جداً ؛ لأنّه كان من المفروض تحقيق فكرة المجتمع العالمي ، هذه الفكرة التي دعا إليها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولكنّه لم يحقّقها ؛ لأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى أنْ توفّي لم يمتد نفوذه إلى أكثر من النطاق العربي بالرغم من أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله دعا ملوك العالم ، دعا كسرى وقيصر ، دعا سلطان الحبشة دعا غيرهم إلى

الإسلام لأجل توعيتهم بالإسلام ، ولأجل تسجيل أنّ الإسلام مجتمعٌ عالمي ، ويدعو إلى المجتمع العالمي ، الذي لا يُفرَّق فيه بين شعبٍ وشعب وبين قومية وقومية ، بالرغم من هذا لم يتحقّق المجتمع العالمي ، أيّام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله تحقّق مجتمعٌ عربيّ يحمل فكرة العالمية ويقوم على أساس الرسالة ، لا على أساس الفكرة القومية أو القاعدة القومية للرسالة ، هذا المجتمع بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان من المفروض أنْ يُبنى عالمياً ، أنْ يُنشئ المجتمع الإسلامي العالمي ، أنْ يُضَم في مجتمعٍ واحد العرَب والفُرس والتُرك والهُنود وجميع شعوب الأرض ، هذه المهمّة صعبة وعظيمة جداً ، تختلف كلّ الاختلاف عن الظروف الموضوعية للمرحلة الأولى التي عاشها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

هذه المرحلة أو هذه المهمّة تحتاج إلى عقلية رسالية ، ١٠٠%، إلى نزاهة عن كلّ شائب ، وعن كل الانخفاضات الفكرية والعاطفية التي يعيشها الإنسان القبَلي ، أو الإنسان القومي .

عمر أو أبو بكر لنْ يستطيعا أنْ يجعلا من تجربة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ( بالرغم من أنّها كانت تمر في المرحلة البدائية ) أساساً ضامناً قطعياً لصفحة سيرهم في المرحلة الثانية ، في مرحلة إنشاء المجتمع العالمي ، حتى الآن لم يعيشوا المجتمع العالمي إلاّ كفكرة لم تولد إلى النور ، أنّ الناس كلّهم أُسرة ، الناس سواسية كأسنان المشط ، أنْ لا فرق بين عجمي وعربي ، هذا كانوا يسمعونه كفكرة من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لكن لم يكونا يريانه مجسَّداً في المجتمع وفي علاقاتهما ، بحيث إنّ إنساناً أعجمياً وإنساناً عربياً عاشا مجتمعاً واحداً بصورة متكافئة ، وإنّما هي مجرّد فكرة لم يتيسّر لمثل هؤلاء أنْ يحقّقوا هذه الفكرة ، وأنْ يتولّوا تحقيقها في مثل هذه المرحلة الدقيقة من التجربة الإسلامية بطبيعة الحال سوف تحصل هناك انخفاضات فكرية وعاطفية ، تجعلهم دون مستوى تحقيق فكرة المجتمع العالمي ، وقد تكون بذرة صغيرة جداً في عهدٍ ما ، قد تكون هذه البذرة تكبر بعد هذا وتصبح بلاءً كبيراً وشرّاً مستطيراً .

كلّكم تعلمون بأنّ في التاريخ أمثلة كثيرة على هذا ، العمدة على التاريخ في النقل ، إنّ عمر بن الخطاب أعفى نصارى العرب في العراق من الجزية ، العرب الذين كانوا موجودين في العراق أعطوا الجزية ، عاتبوه قالوا : بأنّ

الجزية فيها شأن الذل لا ندفع الجزية فنحن عرب قال لهم : إذن فادفعوا الزكاة ، فأمر بأخذ المال منهم بعنوان الزكاة ! طبعاً لم تكن الزكاة بأصغر من الجزية ؛ لأنّ المشرك يدفع الجزية والمسلم يدفع الزكاة ، غاية الأمر كأنّ الجزية بحسب نفسها علاقة فيها مهانة ، عمر بدّل الجزية بالزكاة ، فآمر بأخذ الزكاة ، هذه البذرة الصغيرة جداً والطفيفة جداً لم تنطبق إلاّ على عشيرة واحدة لا أكثر من عشائر النصارى في العراق ، هذه البذرة على مرّ الزمن تأتي الشرّ المستطير ، لعلّ هذه البذرة هي الأساس في كلّ الشرور التي عاشها المسلمون بعد هذا ، أو التي مُنِيَ بها المسلمون نتيجة للكيانات القومية التي زعزعت بعد هذا الإسلام ، وحطّمت الرسالة الإسلامية ، الكيانات القومية العربية والفارسية والتركية والهندية ، إلى غير ذلك من الكيانات القومية الكافرة التي أُنشئت في العالم الإسلامي ، ولا أُريد أنْ أُصحح هذه النقطة ، لا أدري أنّها صحيحة أو لا ، بل أُريد أنْ أقول بأنّ مهمّة إنشاء مجتمع عالمي ، هذه المهمّة تحتاج إلى قيادة تختلف عن طبيعة الصلاة ، والذوق التي كانت موجودة في هؤلاء الخلفاء....! .

رابعاً : أنّ الشعور بالظلم في نفس الخلفاء ، يقيض التوسّع في الإضرار ، الخلفاء كانوا يشعرون بأنّهم ظلموا علياً ، وأنّهم غصبوا علياً ، وأنّهم تعدّوا على حقّ عليّ المنصوص عليه من قِبَل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

نعم لعلّهم لم يكونوا يشعرون بأنّهم أساؤا إلى الإسلام بهذا الترتيب ، بحيث إنّ عملهم سوف يؤدّي إلى هدم الكيان الإسلامي ، لعلّهم لم يكونوا يشعرون ، لعلّهم لم يكن لهم دقّة نظر وفهم منطق الأحداث ، ومنطق التاريخ ، لم يكونوا يقدّرون بعد ستّين سنة من وفاة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنْ يشرب الخمر خليفة المسلمين في بيته وفي قصره ، لعلّهم لا يستطيعون أنْ يفسّروا هذا التفسير ، لكنهم على أيّ حال كانوا يشعرون بأنّهم غصبوا علياً ، وأنّهم اخذوا حقّ عليّ ، ولهذا قالوا في تبرير ذلك بينهم وبين أنفسهم ، أرادوا أنْ يبرّروا ، وظهر هذا السبيل على كلماتهم أنّ عمر ، خليفة المسلمين قال : بأنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله حاول أنْ يولّي علياً ، أنْ يرشّح علياً لكنّي أنا منعته ، احتياطاً

للإسلام ، وحرصاً على مصلحة الإسلام ، كل هذه التبريرات تبريرات نفسية إزاء وخز الضمير في نفوسهم ، هذه التبريرات أنتجت انحرافاً خطيراً وأنتجت أنّه لا يلزم التقيّد بما يقوله رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، هذا المبدأ تبلوَر في نفوسهم بالتدريج كتبرير للدفاع عن العملية التي قاموا بها ، للدفاع عن الذنب الذي كان موجوداً في نفوسهم .

وحينما قام هذا المبدأ انفتحت كلّ البدَع والانحرافات ، بعد هذا لم يرَ عمر بن الخطّاب مانعاً أنْ يقول : متعتان كانتا على عهد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله أُحرّمهما وأُعاقب عليهما ، لم يرَ مانعاً من هذا بعد أنْ عاش مدّة من الزمن ، الشعور بالذنب ، وحلّ هذا التناقض في المبدأ ، بعد هذا انفتح باب البدع وباب حمل الشعارات الجزئية الهستيرية الغير الصحيحة ، فهذه الأُمور الأربعة تجعل حتمية انحراف التجربة بعد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله على أساس تولّي غير أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام قيادة هذه الأُمّة ....

١٣ - دور الأئمّةعليهم‌السلام

أُريد في هذا الحديث ، أنْ اعبّر عن اتجاه معيّن من دراسة حياة الأئمّة ، وسوف لنْ يتّسع الحديث في حدود هذه الفرصة أنْ نرسم اتجاهاً معيّناً ، وإنّما كل ما أُحاوله ، هو إثارة التفكير حول هذا الاتجاه ، وإعطاء بعض الملامح العامّة عن حياة الأئمّةعليهم‌السلام .

وهذا الاتجاه الذي أُريد أنْ أتحدّث إليكم عنه هو الذي يتناول حياة كل إمام ، ويدرس تاريخه على أساس النظرة الكلية ، بدلاً عن النظرة الجزئية ، أي ينظر إلى الأئمّةعليهم‌السلام ككل مترابط ويدرس هذا الكل ، ويكشف ملامحه العامّة ، وأهدافه المشتركة ، ومزاجه الأصيل ، ويتفهّم الترابط بين خطواته ، وبالتالي الدور الذي مارسه الأئمّة جميعاً في الحياة الإسلامية .

ولا أُريد بهذا أنْ لا ندرس حياة الأئمّةعليهم‌السلام على أساس النظرة الجزئية ، دراسة كل إمام بصورة مستقلّة ، بل إن هذه الدراسة الجزئية نفسها ضرورية لانجاز دراسة شاملة كاملة ملائمة ككل ؛ إذ لا بدّ لنا أوّلاً أنْ ندرس الأئمّة بصورة مجزّئة تستوعب إلى أوسع مدى ممكن حياة كل إمام ، بكل ما تزخر به من ملامح وأهداف ونشاط ، حتى نتمكّن بعد هذا أنْ ندرسه ككل ونستخلص الدور المشترك للائمّةعليهم‌السلام جميعاً ، وما يعبرون عنه من ملامح وأهداف وترابط .

وإذا قمنا بدراسة أحوال الأئمةعليهم‌السلام على هذين المستويين ، فسوف نواجه على المستوى الأول اختلافاً في الحالات ، وتبايناً في السلوك وتناقضاً من الناحية الشخصية بين الأدوار التي مارسها الأئمةعليهم‌السلام .

فالحسن مثلاً هادَن معاوية ، بينما حارب الحسين يزيد حتى قُتل ، وحياة السجّاد قائمة على الدعاء بينما كانت حياة الباقر قائمة على الحديث والفقه ، وهكذا .

وأمّا على المستوى الثاني ، حينما نحاول اكتشاف الخصائص العامّة والأدوار

المشتركة بالأئمّةعليهم‌السلام ككل ، فسوف تزول كلّ تلك الخلافات والاختلافات والتناقضات ؛ لأنّها تبدو على هذا المستوى مجرّد تعابير مختلفة عن حقيقة واحدة ، وإنّما اختلف التعبير عنها وفقاً لاختلاف الظروف والملابسات التي مرّ بها كل إمام ، وعاشتها القضية الإسلامية والشيعة منحصرة على الظروف والملابسات التي مرّت بالرسالة في عهد إمامٍ آخر ، ويمكننا عن طريق دراسة الأئمةعليهم‌السلام على أساس النظرة الكلية أنْ نخرج بنتائج أزخر من مجموع النتائج التي تتمخّض عنها الدراسات الجزئية ؛ لأنّنا سوف نكشف الترابط بين أعمالهم ، وسوف نتّخذ مثالاً لتوضيح الفكرة .

فنحن نقرأ في حياة الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، أنّه جمَع الصحابة في خلافته واستشهدهم على نصوص الإمامة ، وشهِد بذلك عدد كبير من التابعين ، وطلَب منهم أنْ يُحدّثوا بنصوص النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في عليّ وأهل البيتعليهم‌السلام ، ونقرأ في حياة الإمام الباقرعليه‌السلام أنّه قام بنفس العملية واستشهد التابعين وتابعي التابعين .

وحين ندرس الأئمّة ككل ونربط بين هذه النشاطات ، وبعضها ببعض ونلاحظ أنّ العمليات وضِعت على مدى ثلاثة أجيال ، نجد أنفسنا أمام تخطيط مترابط يكمل بعضه بعضاً ، ويستهدف الحفاظ على تواتر النصوص عبر أجيال عديدة حتى تصبح في مستوى الوضوح والاشتهار ، تتحدّى كل مؤامرات الإخفاء والتحديد .

وفي عقيدتي ، أنّ وجود دور مشترك مارسه الأئمّة جميعاً ، ليس مجرّد افتراض نبحث عن مبرراته التاريخية ، وإنّما هو ممّا تفرضه العقيدة نفسها وفكرة الإمامة بالذات ؛ لأنّ الإمامة واحدة في الجميع بمسؤولياتها وشروطها ، فيجب أنْ تنعكس انعكاساً واحداً في شروط الأئمّةعليهم‌السلام وأدوارهم مهما اختلفت أدوارها الطارئة بسبب الظروف والملابسات ، ويجب أنْ يشكل الأئمّة بمجموعهم وحدة مترابطة الأجزاء ، ليواصل كلُّ جزءٍ من تلك الوحدة الدور للجزء الآخر ويكمله .

الدور المشترك للائمّةعليهم‌السلام :

هذا هو السؤال كلّه الذي يقتبس على ضوء ما تقدم وقد لا نحتاج إلى شيء من البحث لكي نتّفق بسرعة على نوعية الدور المشترك الذي أُسند إلى الأئمّةعليهم‌السلام في تخطيط الرسالة .

فكلّنا يعلم أنّ الرسالة الإسلامية ، بوصفها رسالة عقائدية ، قد خطّطت لحماية نفسها من الانحراف ، وضمان نجاح التجربة خلال تطبيقها على مرّ الزمن ، فأوكل أمر صيانة التجربة وتحويلها وتوجيهها سياسياً إلى الأئمّةعليهم‌السلام بوصفهم أشخاصاً عقائديّين ، بلغوا في مستواهم العقائدي درجة العصمة من الانحراف والزلَل والخطأ ، غير أنّنا حينما نحاول أنْ نحدّد الدور المشترك الذي مارسه الأئمّةعليهم‌السلام ككل في تاريخهم المجيد ، لا نعني هذا الدور الخيالي من تزعم التجربة الإسلامية ؛ لأنّنا نعلم أنّ الأحداث المؤلمة وقعت بعد وفاة النبيّ الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله وأُقصي الأئمّة عن القيام بدورهم القيادي في تزعّم التجربة ، وسلّمت مقاليد الرسالة ومسؤولية تطبيقها إلى أشخاص آخرين ، انحرف معهم التخطيط واشتدّ الانحراف على مرّ الزمن ، وإنّما نريد بالدور المشترك من تاريخ الأئمّةعليهم‌السلام ، الموقف العام الذي وقفوه في خضَمّ الأحداث والمشاكل التي اكتنفت الرسالة بعد انحراف التجربة واقصائهم عن مناصبهم .

وهنا نجد تصوّراً شائعاً لدى كثيرين من الناس ، الذين احتاجوا أنْ يقيّموا الأئمّة بوصفهم أُناساً مظلومين فقط قد أُقصوا عن مركز القيادة ، وذاقوا بسبب ذلك ألوان الاضطهاد والحرمان ، فهؤلاء الناس يعتقدون ، أنّ دور الأئمّة في حياتهم ، كان دوراً سلبياً على الأغلب ، نتيجة لإِقصائهم عن مجال الحكم ، فحالهم حال من يملك داراً فيغصب منه ، وينحصر أمله في إمكان استرجاعها ، وهذا التفكير بالرغم من أنّه خاطئ ، فإنّه يُعتبر خطأ من الناحية العملية وأنّه يحبّب إلى الإنسان السلبية والانكماش والابتعاد عن مشاكل الأُمّة ومجالات قيادتها ، ولهذا أعتقد ضرورة أنْ نثبت خطأ ذلك التفكير ، وندرس حياة الأئمّة على أساس نظرة كلّية لتتبيّن ايجابيتهم الرسالية على طول الخط ، ودورهم المشترك الفعال في حفظ الرسالة وحمايتها .

إنّ الأئمّةعليهم‌السلام بالرغم من إقصائهم عن مجال الحكم ، كانوا يتحمّلون باستمرار مسؤوليتهم والحفاظ على الرسالة وعلى التجربة الإسلامية وتحصينها ضدّ التردّي إلى الهاوية ، هاوية الانحراف والانزلاق عن مبادئها وقيمها .

فكلّما كان الانحراف يقوى ويشتد ، وينذر بخطر التردّي إلى الهاوية ، كان الأئمّةعليهم‌السلام يتّخذون التدابير اللازمة ضدّ ذلك ، وكلّما وقع في التجربة الإسلامية والعقيدة من المحنة والمشكلة ، وعجَزت الزعامات المنحرفة من علاجها بحكم عدم كفاءتها ، بادر الأئمّةعليهم‌السلام إلى تقويم الحل ، ووقاية الأُمّة من الأخطار التي كانت تحدّدها بكلمة مختصرة ، كان الأئمّةعليهم‌السلام يحافظون على المقياس العقائدي والرسالي في المجتمع الإسلامي ، ويحافظون على أنْ لا يحبط إلى درجة تُشكّل خطراً ماحقاً .

وهذا يقدّر ممارستهم جميعاً دوراً إيجابياً فعّالاً في حماية العقيدة ، وتبنّي مصالح الرسالة والأُمّة ، وتمثَّل هذا الدور الايجابي ، في إيقاف الحاكم عن المزيد من الانحراف كما عبّر الإمامعليه‌السلام حين صعد عمر بن الخطّاب المنبر ، وتساءل عن ردّ الفعل لو صرف الناس عمّا يعرفون إلى ما ينكرون ، فردّ عليه الإمامعليه‌السلام بكل وضوح وصراحة : إذن لقوّمناك بسيوفنا ، وتمثّل في إيقاف الزعامة المنحرفة إذ أصبحت تشكّل خطراً ماحقاً ولو عن طريق الاصطدام المسلّح ، والشهادة في سبيل كشف زيفها وسلب تخطيطها كما صنَع الإمامعليه‌السلام الحسين مع يزيد في مجابهة المشاكل التي تهدّد كرامة الدولة الإسلامية ، وتعجز الزعامات المنحرفة عن حلّها كما في المشكلة التي أشار إليها ملك الروم ، إلى عبد الملك بن مروان ، إذ عجز عبد الملك عن الجواب ، فبادر الإمام السجادعليه‌السلام وأجاب بالشكل الذي يحفظ للدولة كرامتها وللأُمة الإسلامية هيبتها ، وتمثّل أيضاً ، في إنقاذ الدولة الإسلامية من تحدّي الكافرين الذين هدّدوا سيادتها ، كالذي واجهه هشام من الروم وعجَز عن الرد عليه ، فكان الإمام الباقرعليه‌السلام في مستوى الردّ على هذا التحدّي فخطّط للاستقلال النقدي .

وتمثّل الدور الإيجابي في تلك المعارضة العميقة التي كان الأئمّةعليهم‌السلام يواجهون بها الزعامات المنحرفة بإرادةٍ سليمة لا تلين ، وقوّة نفسية صامدة لا تتزعزع .

فإذن ، هذه المعارضة ، بالرغم من أنّها اتخذت مظهراً سلبياً بدلاً عن مظهر الاصطدام الايجابي ، والمقابلة المسلحة ، غير أنّ المعارضة حتى بصيغتها السلبية كانت عمَلاً ايجابياً عظيماً في حماية الإسلام والحفاظ على مُثُله وقيمه ؛ لأنّ انحراف الزعامات القائمة ، كان يعكس الوجه المشوّه للرسالة ، فكان لابدّ للقادة من أهل البيتعليهم‌السلام ، أنْ يعكسوا الوجه النقي المشرق والمشرف لها ، وأنْ يؤكّدوا عملياً بالاستمرار المطابق بين الرسالة والحكم الواقع ، وهكذا خرج الإسلام على مستوى النظرية سليماً من الانحراف ، وإنْ تشوّهت معالم التطبيق ، ويمكنني أنْ أُؤكّد بهذا الصدد مثالاً جزئياً ، ولكنّه يعبّر عن مدى الجهود التي بذلها الأئمّةعليهم‌السلام في سبيل الحصول على هذا المكسب ، مكسب خروج الإسلام على المستوى النظري سليماً من الانحراف ، تصوّروا أنّ الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام قد هدّ السجن صحّته ، وأذاب جسمه ، حتى أصبح حين يسجد لربّه كالثوب المطروح على وجه الأرض ، فيدخل عليه رسول الزعامة المنحرفة فيقول له : إنّ الخليفة يعتذر إليك ، ويأمر بإطلاق سراحك ، على أنْ تزوره وتعتذر إليه وتطلب رضاه ، فيشمخ الإمامعليه‌السلام ويجيب بالنفي بكلّ صراحة ، يتحمّل مرارة الكأس لا لشيء إلاّ لكي لا يحقّق للزعامة المنحرفة هدفَها من أنْ يبارك خطّها ، فتعكس معالم التشويه من التطبيق المنحرف على الرسالة نفسها .

وتمثَّل الدور الايجابي بالأئمّةعليهم‌السلام ، في تحويل الأُمّة العقائدية بشخصيّتها الرسالية والفكرية من ناحية.. ومقاومة التيّارات الفكرية التي تشكّل خطراً على الرسالة وضربها في بدايات تكونها من ناحية أُخرى ...

والإمامعليه‌السلام في علمه المحيط المستوعب ، بما يجعله قادراً على الإحساس بهذه البدايات الخطرة ، وتقديراً لأهميّتها ومضاعفاتها والتخطيط للقضاء عليها ، وقد يُمكن أنْ يفسّر على هذا الضوء ، اهتمام الإمام العسكريعليه‌السلام وهو في المدينة بمشروع كتاب يضعه الكندي وهو في العراق ، حول متناقضات القرآن إذ اتصل به عن طريق بعض المنتسبين إلى مدرسته ، وأحبَط محاولته ، وأقنع مدرسة الكندي بأنّها على خطأ .

الايجابية تنكشف في علاقات الأئمّة بالأُمّة .

في الواقع أنّ حياة الأئمّة ، ذاكرة كلّها للشواهد الايجابية ، الدور المشترك الذي كانوا يمارسونه ، من ذلك علاقات الأئمّة بالأُمّة والزعامة الجماهيرية الواسعة النطاق ، الذي كان إمام أهل البيت يتمتّع بها على طول الخط ، فلأنّ هذه الزعامة لم يكن إمام أهل البيت يحصل عليها صدفة ، أو على أساس مجرّد الانتماء إلى الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل على أساس العطاء للدور الايجابي الذي يمارسه الإمام في الأُمّة ، بالرغم من إقصائه عن منصب الحكم .

فإنّ الأُمّة لا تمنح على الأغلب الزعامة مجّاناً ، ولا يملك الفرد قيادتها وميل قلوبها من دون عطاء سخي منه تستنصره الأمة في مختلف عباداتها ، تستفيد منه في حلّ مشكلاتها والحفاظ على رسالتها ، إنّ تلك الزعامة الواسعة التي كانت نتيجة لإيجابية الأئمّةعليهم‌السلام في الحياة الإسلامية ، هي التي جعلت عليّ بن أبي طالب المثَل الأعلى للثوّار الذين قضوا على عثمان بن عفّان وهي التي كانت تتمثّل بمختلف العلاقات التي عاشها الأئمّةعليهم‌السلام مع الأُمّة .

انظروا إلى الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام كيف يقول لهارون الرشيد : أنت إمام الأجسام وأنا إمام القلوب ، انظروا إلى عبد اللّه بن الحسن ، حين أراد أنْ يأخذ البيعة لابنه محمّد ، كيف يقول للإمام الصادقعليه‌السلام مرتبكاً : إنّك إذا أجبت لم يختلف عن ابني أحد من أصحابك ولم يختلف عليه اثنان من قريش ولا من غيرهم ، ولاحظوا مدى ثقة الأُمّة بقيادة أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام نتيجة لما يعيشونه من دور إيجابي من حماية الإسلام ومصالح الأُمّة ، لاحظوا المناسبة الشهيرة التي أنشَد فيها الفرزدق قصيدته في الإمام السجّادعليه‌السلام ، كيف أنّ هيبة الحكم وجلال السلطان ، لم يستطيعا أنْ يشقّا لهشام طريقاً لاستلام الحجَر ، بين الجموع المحتشدة من أفراد الأُمّة في موسم الحج ، بينما استطاعت زعامة أهل البيتعليهم‌السلام ، أنْ تكهرب تلك الجماهير في لحظة ، وهي تحسّ بمقدم الإمام القائد ، فتشق الطريق بين يديه نحو الحجَر ، ولاحظوا قصة الهجوم الشيعي الهائل الذي تعرّض له قصر المأمون ، نتيجة لإغضاب الإمام الرضاعليه‌السلام ، فلم يكن مناص من الالتجاء إلى الإمام لحمايته من غضب الأُمّة ، وقال له الإمامعليه‌السلام :( اتقِ اللّه في أُمة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله وما ولّي لك من

هذا الأمر وخصّك به ، إنّك قد ضيّعت أُمور المسلمين ، وتعرّضت في ذلك إلى غيرك ليحكم بغير حكم اللّه سُبحانه وتعالى ).

إنّ كل هذه النماذج والمظاهر للزعامة الشيعية التي عاشها أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام على طول الخط تبرهن على إيجابيّتهم ، وشعور الأُمّة بدورهم الفعال في حماية الرسالة ، الإيجابية تنكشف في علاقات الأئمة بالحكام ويمكننا أنْ نتطرّق لزاوية جديدة ، لنصل إلى نفس هذا النتيجة من زاوية علاقات الزعامات المنحرفة من أمام أهل البيتعليهم‌السلام على طول الخط ، فإنّ هذه العلاقات كانت تقوم على أساس الخوف الشديد من نشاط الأئمةعليهم‌السلام ، ودورهم في الحياة الإسلامية ، حتى يصل الخوف لدى الزعامات المنحرفة أحياناً إلى درجة الرعب ، وكان محصول ذلك الاستمرار بتطويق أمام ذلك الوقت ووضع رقابة محكمة عليه ، ومحاولة فصله عن قواعده الشعبية ، ثمّ التآمر على حياته ووفاته شهيداً ، بقصد التخلّص من خطره ، فهل كان من الصدفة أو لمجرّد تسلية ، أنْ تتّخذ الزعامات المنحرفة كلّ هذه الإجراءات تجاه أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام ، بالرغم من أنّها تكلّفها ثمناً باهظاً من سمعتها وكرامتها ، أو كان ذلك نتيجة شعور الحكّام المنحرفين ، بخطورة الدور الايجابي الذي يمارسه الأئمّة ؟ وإلاّ فلماذا كل هذا القتل والتشريد والسجن والتبعيد ، هل كان الأئمّة يُحاولون تسلّم الحكم .

قد يتبادر إلى الذهن هذا السؤال : وهو أنّ إيجابية الأئمّةعليهم‌السلام ، هل كانت تصل إلى مستوى العمل لتسلّم زمام الحكم من الزعامات المنحرفة ، أو تقتصر على حماية الإسلام والرسالة الإسلامية ومصالح الأمة من التردّي إلى الهاوية وتفاقم الانحراف ؟

وجواب ذلك : يحتاج إلى توسّع في الحديث يضيق عنه المجال هنا ، غير أنّ الفكرة الأساسية للجواب المستخلص من بعض النصوص والأحاديث المتعدّدة ، أنّ الأئمّةعليهم‌السلام لم يكونوا يرون الظهور بالسيف ، والانتصار المسلح آنياً ، كافياً لإقامة دعائم الحكم على يد الإمام ، أنّ إقامة هذا الحكم وترسيخه ، لا يتوقّفان في نظرهم ، على مجرّد تهيئة حملة عسكرية ، بل يتوقّف

قبل ذلك على إعداد جيش عقائدي ، يؤمن بالإمام وعصمته إيماناً مطلقاً ، ويعيش أهدافه الكبيرة ويدعم تخطيطه في مجال الحكم ، ويحرس ما يحقّقه للأُمّة من مصالح ، وكلّكم تعرفون قصد الخراساني الذي جاء إلى الإمام الصادقعليه‌السلام ، يعرض عليه تبنّي حركة الثوّار الخراسانيين ، فأجّل جوابه ، ثمّ أمره بدخول النار فرفَض ، وجاء أبو بصير ، فأمره بذلك ، فسارع إلى الامتثال ، فالتفت الإمام إلى ثوّار خراسان وقال : لو كان بينكم أربعون مثل هذا لخرجتُ لهم .

وعلى هذا الأساس تسلّم أمير المؤمنين زِمام الحكم ، في وقتٍ توفّر فيه ذاك الجيش العقائدي متمثّلاً في الصفوة المختارة من المهاجرين والأنصار والتابعين .

عرفنا أنّ الدور المشترك الذي كان الأئمّةعليهم‌السلام يُمارسونه في الحياة الإسلامية ، كدورٍ لإيقاف المزيد من الانحراف ، وإمساك المقياس عن التردّي إلى الحضيض ، والهبوط إلى الهاوية غير أنّ هذا في الحقيقة ، يُعبّر عن بعض ملامح الدور المشترك ، وهناك جانب آخر في هذا الدور المشترك لم نشر إليه حتى الآن ، وهو جانب رعاية الشيعة ، بوصفهم الكتلة المؤمنة بالإمامعليه‌السلام ، والإشراف عليها بوصفها المجموعة المرتبطة به والتخطيط لسلوكها وحمايتها ، وتنمية وعيها ، وإسعافها بكل الأساليب التي تساعد على صمودها في خضم المِحَن ، وارتفاعها إلى مستوى الحاجة الإصلاحية ، إلى جيش عقائدي وطبَقة واعية ، ولدينا عدد كبير من الشواهد في حياة الأئمّةعليهم‌السلام ، على أنّهم كانوا يباشرون نشاطاً واسعاً في سبيل الإشراف على الكتلة المرتبطة بهم والمؤمنة بإمامتهم ، حتى إنّ الإشراف كان يصل أحياناً إلى درجة تنظيم أساليب الحل للخلافات الشخصية بين أفراد الكتلة ، ورصد الأموال لها ، كما يحدّث بذلك المعلّى بن خنيس ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام .

وعلى هذا الأساس ، يمكننا أنْ نفهم عدداً من النصوص عن الأئمّةعليهم‌السلام ، بوصفها تعليم أساليب الجماعة التي يشرفون على سلوكها ، وقد تختلف هذه الأساليب باختلاف ظروف الشيعة والملابسات التي يمرون بها .

هذه نقاط أحببت إثارتها عن دراسات الأئمّة .

وختاماً أرجو أنْ يكون هذا منطلقاً للباقين في حياة أهل البيتعليهم‌السلام ، وابتهل إلى اللّه أنْ يجعلنا من التابعين والسائرين على خطاهم .

الفهرست

موقف الإمام علي عليه‌السلام السياسي بعد تسلّمه زمام الحكم -١-  ٥

موقف الإمام علي عليه‌السلام السياسي بعد تسلّمه زمام الحكم -٢-  ١٩

٣ - التغيير والتجديد في النبوّة ٣٣

٤ - مضاعفات وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.... ٤٥

٥ - دور الأئمّة عليهم‌السلام بعد وفاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله.... ٥٧

٦ - بداية الانحراف وبعض المشاكل التي واجهت أمير المؤمنين عليه‌السلام     ٧٣

(٧) ٨٧

٨ - ممارسة أئمّة المرحلة الأولى للصراع السياسي  ٩٩

٩ - تولّي أمير المؤمنين زعامة المسلمين. ١٠٣

١٠ - ثلاثة أئمّة ١١٥

١١ - بداية الانحراف.. ١٢٧

١٢ - دور الأئمّة عليهم‌السلام تجاه هذا التسَلسُل. ١٣١

١٣ - دور الأئمّة عليهم‌السلام.... ١٤١