الحسين نبراس الإصلاح العالمي

مِن مُحاضرات:

آية الله الشيخ محمّد سند (حفظه الله)

بقلم: السيِّد علي جلال الشرخات

المقدِّمة:

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين، أبي القاسم محمّد وعلى أهل بيته الطيِّبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم ومُنكري مقاماتهم وفضائلهم إلى قيام يوم الدين..

تَميَّز منهج أهل البيتعليهم‌السلام عن المناهج الإسلاميَّة وغير الإسلاميَّة الأُخرى، في كثير مِن الأُمور، ومِن هذه الأُمور الاعتماد على حُجِّيَّة العقل.

حُجِّية العقل في شرعيَّة عَلاقتك مع الله، ومع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ومع الإمامعليه‌السلام وحتَّى مع مرجعيَّتك الرشيدة.

فقد تميَّز منهجهم (سلام الله عليهم) بالدقَّة البالغة في التحسُّس مِن الشرعيَّة، وكذلك الدقَّة في كلِّ حيثيَّات الإصلاح، مِن بدايته إلى مُنتهاه.. مِن أين جئت؟ وإلى أين تذهب؟ وكيف تصل؟

علَّمنا سيِّد الشهداء (سلام الله عليه) - وهو القائل:(وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنَّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمَّة جَدِّي صلى‌الله‌عليه‌وآله أُريد أنْ آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جَدِّي وأبي علي بن أبي طالب، فمَن قَبِلني بقَبول الحَقِّ فالله أولى بالحَقِّ، ومَن ردَّ عليَّ هذا، أصبِر حتَّى يقضي الله بيني وبين القوم، وهو خير الحاكمين) (١) - أنْ نتحسَّس حول الشرعيَّة في كلِّ حيثيَّاتها، وكذلك نتحسَّس في شرعيَّة البديل، فما الفائدة في بديل يزيد في استفحال الداء في البشريَّة؟!

____________________

١ - عوالم الإمام الحسينعليه‌السلام ص ١٧٩.

وقد تطرَّق إلى هذه المباحث القيِّمة، سماحة آية الله المحقِّق الشيخ محمّد سند (دام ظِلُّه) في مُحاضراته في مأتم رأس رمان في مَملكة البحرين، في نهاية ذي القعدة ١٤٢٥ للعام الهجري.

وقد قارن سماحته (دام ظِلُّه) بين منهج الثورة الحسينيَّة المباركة، وبين المناهج الإسلاميَّة الأُخرى، مثل: منهج الخوارج، ومنهج الزيديَّة، ومنهج السُّنَّة (المهادَنة)، وبيَّن خوائها في قِبال المنهج الحسيني.

وتطرَّق سماحته إلى مُشكلة النُّخبة المثقفة عند أهل السُّنة والجماعة، وربط الإسلام الحنيف بالسلطان وإنْ كان جائراً مثل صدام.

وفي نهاية المحاضرات سُئل سماحته عن مواضيع مُتعدِّدة، وأهمُّها الفتوحات الإسلاميَّة، ودور أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وما في هذا البحث مِن أُمور غامضة وقصاصات تاريخيَّة عجيبة في كشف الدور الحقيقي لأمير المؤمنينعليه‌السلام في الفتوحات الإسلاميَّة.

ولا أنسى أنْ أتقدَّم بالشكر الجزيل والثناء الجميل، إلى الأخ العزيز الشريف محمّد حسين دام توفيقه، على التصحيحات اللغويَّة والنحويَّة والإملائيَّة في كلِّ البحث، وأسأل الله أنْ يوفِّقنا جميعاً لخدمة الدين الحنيف.

علي الشرخات

الأربعاء ٢٤ ذي الحجة ١٤٢٦ هـ

القسم الأوَّل: الحسين نِبراس الإصلاح العالمي

أعوذ بالله السميع العليم مِن الشيطان الغويِّ الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين، محمّد وآل بيته الطيِّبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين..

صلَّى الله عليك يا أبا عبد الله، صلَّى الله عليك يا ابن رسول الله، صلَّى الله عليك وعلى الأرواح التي حلَّت بفِنائك، عليكم منِّي جميعاً سلام الله أبداً ما بقيت وبقي الليل والنهار، وبقي الحسين نِبراساً للبشريَّة.

الشرعيَّة الدوليَّة:

نرى في الظرف الحالي - مِن كلِّ الزوايا - تعطُّشاً ملحوظاً في الساحة البشريَّة أو الساحة الدوليَّة، تِجاه الحسينعليه‌السلام ؛ هناك نداءات للضمير البشري في الشعوب الفقيرة، شعوب العالم الثاني أو الثالث، تجاه طغمة الدول العُظمى، فالسائد في العرف البشري الدولي، أنَّ هناك شرعيَّةً دوليَّةً، وشرعيَّةً مِن نُخب المجتمعات عِبر هياكل الأنظمة، لا يُمكن التمرُّد عليها؛ لأنَّ ذلك يهزُّ السُّلَّم العالميِّ و التعايش المدني، ويهزُّ الرُّقيَّ والتطوُّر البشريِّ، باعتبار أنَّ البشريَّة وصلت إلى مكاسب وثروة علميَّة مُزدهرة، لا يُمكن التفريط بها في ظِلِّ هذا الازدهار البشري، والثروة العلميَّة والثورة التقنيَّة والصناعيَّة والمعلوماتيَّة.. وغيرها، إلاَّ أنَّ الشعوب الفقيرة ترزح وتئنُّ تحت وطأة الطَّغام البشري، قراصنة الأموال في الدول العُظمى، و هذا - في الواقع - ليس مخصوصاً بالشعوب الفقيرة، بلْ إنَّ الشعوب الغنيَّة - أيضاً - ترزح وتئنُّ تحت هذا الكابوس.

في إحصائيَّة نقلتها الأُمَم المتَّحدة - سَمِعْتُها عَبر الإذاعات قبل ثلاث أو أربع سنين تقريباً - ويُمكن مُراجعة المصادر الموثوقة في هذه الإحصائيَّة، جاء أنَّ ثروة ألمانيا تُقارب ٩٠%، يمتلكها ٤% مِن الشعب الألماني فقط، ونفس النسبة بتراوح يسير في الشعب الأمريكي، فبين ٤% و ٣. ٨% مِن الشعب الأمريكي يمتلك أيضاً ٩١% أو ٨٩% مِن الثروة الماليَّة؛ فليس الأمر حسب طبقيَّة الشعوب، إنَّما هناك عِبء يقضُّ كاهل البشريَّة بأكملها، حتَّى الشعوب الغربيَّة، الأمريكيَّة، التي كلَّما أرادت أنْ تصحو، يُسارَع بإعطائها إبراً مُنوُّمة مُخدِّرة، مع أنَّ هناك بشارة في المسير البشري: أنَّ هذه الشعوب رغم الترسانة الإعلاميَّة اليهوديَّة المكبِّلة لها، كما في إحصائيَّة قبل أشهُر، أنَّ أكثر الشعوب الأوروبيَّة - مثلاً - ترفض النهج الإسرائيلي الصهيوني، رغم كلِّ ما قام به في سنين وعقود، بأساليب فتَّاكة، ثقافيَّة و إعلاميَّة؛ لأجل غسيل العقل الأوروبي، لكنَّ قلب الإنسان الأوروبي لا زال ينبض بالفطرة.

المدارس و المناهج الإسلاميَّة:

في ظِلِّ هذه الشرعيَّة الدوليَّة الموجودة، هناك هتافات إسلاميَّة، وغير إسلاميَّة، لتغيير الوضع الدولي الحالي، بالنسبة إلى الأُمَّة الإسلاميَّة، مِن عِدَّة شرائح ومذاهب:

١- المدرسة المخالِفة لأهل البيتعليهم‌السلام التي رُبَّما تطرح أُسلوب الخوارج، و بصريح العبارة: (نموذج القاعدة)، وهذا نموذج في التاريخ الإسلامي على شاكلة الخوارج، يُريد أنْ يَهدم هذا الكيان الفاسد، لكنْ بنهج الخوارج.

٢- نداء آخر مِن الأُمَّة الإسلاميَّة، مِن نُخب الأنظمة والشعوب الإسلاميَّة، يدعو للمهادنة، كما هو أُسلوب جُملة مِن الصحابة والتابعين، الذين هادنوا السقيفة أو هادنوا السلطة الأُمويَّة ونحوها، وأمثلته ونماذجه موجودة في التاريخ، نظير مُبايعة كثير مِن الصحابة وإقرارهم للوضع الموجود.

٣- نماذج أُخرى، كثورة المذهب الزيدي، بغضِّ النظر عن شخص زيد بن عليِّ بن الحسين (رضوان الله تعالى عليه)، المقصود المذهب الزيدي، هذا نموذج آخر، يلتقي في نقاط مُشتركة مع مذهب الخوارج، لكنَّه يختلف عنه في نقاط أُخرى.

٤- شريحة الأُمويِّين، الذين استغلُّوا الوضع السائد، وانقضُّوا عليه، وتسلَّقوا للوصول إلى القِمَّة، وربَّما يُسمُّون بالقاسطين، الناكثين، القاسطين، المارقين...

وهناك نماذج ومناهج أُخرى عاشها العقل الإسلامي في غابر التاريخ.

٥- النموذج الحسيني، والذي يبقى نموذجاً مُتميِّزاً، لا يُمكن أنْ يؤخَذ عليه مأخذ مِن ناحية التفريط في المكاسب البشريَّة، ولا مِن ناحية التفريط في الإنجازات التي تزدهر بها أيُّ ديانة أوْ أيُّ مُجتمع أوْ أيُّ عُرفٍ بشريٍّ، فهو في حين لم يُفرِّط بالمكاسب، لم يُهادِن على المفاسد، واستخدم أُسلوب التغيير بشكل راقٍ، مُحافظ على كلِّ الحُرمات والإنجازات، التي يحترمها البشر وتحترمها الديانات. ورُبَّما أحتاج إلى مؤونة كثيرة في التعرُّض لها في طيَّات الكلام، حول المفارقة بين النهج الحسيني ونهج الخوارج، بين النهج الحسيني والنهج الزيدي، بين النهج الحسيني والنهج السلطوي، نهج السُّنَّة والجماعة.

هناك نداءات إسلاميَّة تُحيي الجماعة الدوليَّة والسُّنَّة البشريَّة، تقول: بأنَّ منهج الصلاح والإصلاح هو أنْ نكون مع سُنَّة البشر وجماعة البشر، وأنَّ الخارج عن جماعة البشر مارق. الأُمَّة الإسلاميَّة الآن انفتحت على البشر، والبشر قد انفتحوا على الأُمَّة الإسلاميَّة، يبقى النهج الحسيني فريداً جِدَّاً مِن نوعه، كأُصول، كمنظومةٍ قانونيَّةٍ، وكمنظومة تغيير، أرشدت إلى عدم الإقرار بالوضع الفاسد، و مُحاولة الإصلاح مِن دون فساد، كان ذلك مِن باب النموذج الفهرسي أذكره؛ لكي أصل إلى المصبِّ الأصلي للبحث.

نهج الحسينعليه‌السلام ونهج الخوارج:

إنَّ التمايز واضح بين نهج الحسينعليه‌السلام ونهج الخوارج. نهج الخوارج، الذي ينتهجه (تنظيم القاعدة) بكلِّ حذافيره؛ لأنَّ هذا التنظيم ابتعد عن مدرسة أهل البيتعليه‌السلام ، مِن أُصولٍ وفكرٍ وقوانين، وعمل بنهج الخوارج في مُقابل ذلك، المذهب الذي ضحَّى بمبادئ كثيرة، مُقابل الوصول إلى شعارٍ وهتك حُرمات كثيرة، وفرَّط في حُرمات كثيرة، زعزع العيش المدني، والسلم الاجتماعي، والأموال والفروج والدماء والأعراض، والأفكار، حتَّى الأفكار الصحيحة رفضها رفضاًَ مُطلقاً، فلاحظوا ذلك في تاريخ الخوارج، صحيح أنَّهم طُلاَّب حَقٍّ، أو شعارهم حَقٌّ، لكنَّها كلمة حَقٍّ يُريدون بها باطلاً مِن حيث لا يشعرون.

التغيير الذي يُريده الكيان البشري المتعطِّش، والحاجة البشريَّة هي إلى نموذج الإمام الحسينعليه‌السلام هي الآن على قدمٍ وساق، وفي أشدِّ ما يُمكن، والكثير مَن رَمَزَ مراحل حركة المهدي (عجَّل الله فرجه الشريف)، هي على شاكلة نهج الحسين (سلام الله عليه)، لكنْ مع تكليله بالظفر والنصر، لا سِيَّما وأنَّ الإمام الحسين كان مُقدَّراً أنْ يكون مهديَّ آل محمّدٍ، إلاَّ أنَّه بدا لله (عَزَّ وجَلَّ).

فانظر في نموذج الخوارج الذين قالوا - كلمة حَقٍّ -: (الوضع الفاسد يجب أنْ يُغيَّر)، لكنَّه لا يجب أنْ يُغيَّر بكلِّ قيمة، بحيث تُنسَف مُقدَّرات المجتمع، تُبرْكنها و تُزلزلها، أهذا هو الهدف وهو الوصول إلى الحَقِّ؟ الحَقُّ هو بناء هذه المقدَّرات، والحِفاظ على هذه الحُرمات، فالدم الإنساني مُحترم ما لم يأتِ موجب لإراقته، وليس مِن منطق الحسين (سلام الله عليه) نسف المدنيِّين الأبرياء بحُجَّة الوصول إلى هدف مُعيَّن.

منهج الإمام الحسينعليه‌السلام ومنهج السُّنَّة (المهادَنة):

في حين أنَّ الإمام الحسينعليه‌السلام لا ينتهج نهج أهل السُّنَّة والجماعة، أهل سُنَّة الوضع الدولي السائد، والشرعيَّة الدوليَّة في النظام السائد مع الجماعة ما دامت الجماعة، ولونُ الجماعة في أيِّ اتِّجاه لنتلوَّن بلونه. أيضاً الحسينعليه‌السلام افترق عن عبد الله بن عمر، فعبد الله بن عمر بايع يزيد وبايع رِجْل الحَجَّاج (١)، واختطَّ ابن عمر نموذجاً لمدرسة أهل السُّنَّة والجماعة.

____________________

١ - تاريخ الكامل لابن الأثير ج٤ ص١٢٤، الفتوح ج٢ ص ٤٨٦.

نهج الحسينعليه‌السلام يختلف، فهو نهج يقول بعدم التفريط في المكاسب البشريَّة، والمقدَّرات البشريَّة، والحُرمات البشريَّة، لكنْ هذا لا يعني الإقرار بالفساد، وكذلك عدم الإقرار بالفساد ورفض الفساد، لا يعني التفريط بالمقدَّرات المنجَزة. نهج الحسين نهج دقيق وصعب جِدَّاً، نهج مُصلح، ولكنَّه إصلاح بمُعادلة وموازين صعبة، بحيث إنَّه رغم تطوُّر الفكر البشري - القانوني الثوري - وحتَّى النُّظم والأعراف، لكنْ - وإلى الآن - لم يُسجِّل لنا النهج البشري نهجاً كنهجهعليه‌السلام .

النهج الذي نهجه سيِّد الشهداء نهجٌ إعجازيٌّ، فسيِّد الشهداء في يوم عاشوراء لم يبدأ بالقتال، ولم يسُدَّ - أصلاً - باب الحوار مع الطرف الآخر. ولو بقوا مع سيِّد الشهداء أشهُراً وسنين لما أغلق باب الحوار معهم، ولما استخدم لُغة العُنف. التقى الحسين (سلام الله عليه) مع الحِرِّ بن يزيد الرياحي، وكان يستطيع أنْ يستأصل جيشه بضربة قاضية ويتَّجه للكوفة، لكنَّه لم يفعل، كما لم يفعل أصحابه، كمسلم بن عقيل، وغيره. يستطيع الكثير أنْ يتجاوز المبادئ والمقرَّارت الشرعيَّة، وينتهز الفُرص مُقابل الدوس على المبادئ، للوصول إلى القدرة.

رفض الحسينعليه‌السلام ذلك؛ لأنَّ هؤلاء الذين في المدرسة الحسينيَّة، روَّاد وطُلاَّب مبدأ، وليسوا طُلاَّب قُدرة، وهذا المبدأ صعب جِدَّاً.

لم يرفض الحسينعليه‌السلام لغة الحوار، لم يرفض لغة التسالم والسِّلم، لكنَّه لم يُقرَّ معهما على الوضع الفاسد، وعلى هذا الخواء العَفن في روح وجسم الأُمَّة الإسلاميَّة. كذلك الوضع الدولي السائد، مِن عدم التفريط بالسِّلم الدولي، عدم التفريط بالتعايش الدولي، عدم التفريط بالحُرمات الدوليَّة والأعراف الدوليَّة الموجودة، يجب ألاَّ يجعلنا ذلك نُهادن الإباحيَّة الجنسيَّة الصريحة، أوْ نقول: بأنّ الرِّبا الذي يُمارِسه بنك مؤسَّسة النقد الدولي صحيح! بلْ فيه إضعاف، وقصم لظهور الشعوب الفقيرة، وهذا التوزيع الغير عادل في قوانين التجارة، وفي قوانين البنك، والاقتصاد، والملاحة، مِمَّا لا يُمكن الرضا به، وكلُّه يصبُّ في حُلقوم الإقطاع الدولي.

عدم التسليم بهذا - في ذات الوقت - لا يعني أنْ نُفجِّر الأبرياء، أنْ نَهزَّ السِّلم والأمن الاجتماعي لشعوب دولٍ كثيرة، فكما نقتدي بنهج الحسينعليه‌السلام ، لا نُفرِّط ولا نرفض هذه المنجزات البشريَّة، لا نُقرُّ على الوضع الفاسد العَفن، نتلقَّى حوار الشعوب بالترحاب والإكرام، لكنَّنا لا نتلقَّى مجاري الأوساخ، بلْ يجب أنْ نُعالجها لهم، لا أنْ نتلقَّاها: الإباحة الجنسيَّة، التبذُّل، تفكُّك الأُسرة، سقوط الأخلاق، سقوط الجانب الروحي إلى الجانب المادِّي الجافَّ، الذي يحطم الروح.. لا نقبل بذلك كلِّه، و لا نيأس، كما الحسينعليه‌السلام أبيُّ الضيم، الذي أُجريت معه مُساومات كثيرة، مُساومات تِجاه عرضه وماله وحياته وفَلذات كَبده، لكنَّ الحسين لم يقبل أنْ يتراجع أمام النظام الخاطئ والفساد الذي كان موجوداً، ورفض أنْ يكون مِن وِعَّاظ السلاطين.

يجب علينا أنْ نرفض أنْ نكون مِن وِعَّاظ السلاطين؛ فإنْ كنَّا مِن الذين يُقرُّون و يُقرِّرون هذه السُّلطة - الإقطاع الدولي - نكون حينئذٍ وعَّاظاً للسلاطين، بلْ نرفضهم، ولو خاطرونا بمُقدَّرات كثيرة، ولكنَّنا في حين لا نستخدم لغة العُنف ابتداءً، لُغة الحوار موجودة دائماً، وهنا نصل إلى مَحطِّ البحث في نهج الإمام الحسين (سلام الله عليه).

ظروف الأنبياء و ظروف الخاتم و آله:

لا نعلم في مسيرة الأنبياء، عن أيِّ نبيٍّ مِن الأنبياء، أنَّه سنَّ وبنى وأسَّس مثل هذا الباب في الديانة، مثل الأُمور التي ضخَّها الإمام الحسين (سلام الله عليه) في الوعي البشري، حتَّى أنبياء أُولي العَزم. ولهذا قلنا: إنَّنا نستطيع أنْ نُعبِّر ببرهانٍ قانونيٍّ على فوقيَّة الخمسة أصحاب الكساء، في النهج الذي ضخُّوه في الوعي البشري الدياني على مَن قبلهم مِن الأنبياء و الرُّسل، ففي نموذج النبي إبراهيم - مثلاً - في أهل زمانه خطأ واضح، مُقابل دعوة النبي إبراهيم إلى صواب واضح، لم يكن في الأمر صعوبة كبيرة، عُبدت الأوثان والكواكب، ولم تكن هناك عدالة اجتماعيَّة،

لكنْ وإنْ واجه النبي إبراهيم صعوبات في الفكر فهي أمر سهل، أنْ يُبيِّن النبي إبراهيم للبشريَّة طريق الصواب بين طرق الخطأ والضلال والتعاسة. كذلك النبي نوح، وكذلك النبي موسى، في دعوته لفرعون وقومه. الأمر فيه شيء مِن التعقيد عند النبي عيسى، في الخطوة التي تقدَّم بها مُقابل الدَّجل الديني في السياسة عند علماء اليهود، والأمر أكثر تعقيداً فيما واجهه خاتم الأنبياء؛ ومِن ثَمَّ فالدور الذي قام به خاتم الأنبياء في ظلِّ ظروف مُعقَّدة في التطوُّر البشري، لم يَقُم به نبيٌّ مِن الأنبياء قطُّ؛ لأنَّه واجه شرعيَّة تتوشَّح بها قريش، فتسلَّحت بأنَّها على لون المِلَّة الإبراهيميَّة الحنيفيَّة، وخاطبت سيِّد الأنبياء بأنَّه صبَّأ فتية قريش ومرَّقهم عن الديانة الإبراهيميَّة الحنيفيَّة، وكان لديهم تسلُّح بالشرعيَّة مثل بيت الله الحرام، والكعبة ونحوها، وتسلَّح بكونهم أهل جوار بيت الله، ومِن نَسل إبراهيم الخليل. كانوا يتلبَّسون بألبسة مِن الشرعيَّة، التي قد تُغفِل الطرف الآخر، في ظِلِّ هذا التعقيد، لكنْ ومع ذلك، اختطَّ خاتم الأنبياء هذا النهج، نهج صراط السماء.

وسيِّد الشهداء (سلام الله عليه) مِن بعد أبيه وأخيه، واجه ما هو أكثر تعقيداً؛ لأنَّه كان في ظِلِّ شرعيَّة تُدعي الشرعيَّة الإسلاميَّة، و أنَّها شرعيَّة خاتم الأديان، وأبرز ما بناه سيِّد الشهداء مِمَّا لم يَبنه الأنبياء السابقون - بالطبع غير جَدِّه سيِّد الأنبياء وأبيه سيِّد الأوصياء و أخيه سيِّد الأسباط -، فأبرز شيء بناه سيِّد الشهداء هو إثارة الوعي في التحسُّس والإحساس حول الشرعيَّة. فما المقصود بالشرعيَّة؟

نقول: هذا شرعيُّ أو غير شرعيٍّ، الخروج عن الشرعيَّة السائدة هو أمر لا شرعي، أو أنَّ هذه الشرعيَّة مُتلِّونة بالشرعيَّة، فيجب القضاء عليها بأُسلوب سلمي إلى أنْ يُبيِّن مقدار الزيف ومقدار الصِحَّة فيها.

تحسُّس الشرعيَّة:

أبرز الأُمور التي سنَّها سيِّد الشهداء للقانون الدولي، وللوعي البشري الإنساني، الذي تتعطَّش إليه البشريَّة الآن، هو إثارة الإحساس البشري والتساؤل البشري حول الشرعيَّة، وهو أبرز ما تتعطَّش له البشريَّة أيضاً بالنسبة لمدرسة سيِّد الشهداء ونهجهعليه‌السلام ، وأنَّه يجب على الشعوب إثارة السؤال حول شرعيَّة هذه الشرعيَّة الدوليَّة المزعومة، أنْ تبدأ البشريَّة بالنِقاش وإثارة السؤال حول شرعيَّة هذا النظام الدولي المطروح وهذه القوانين المطروحة التي لا تسمح للشعوب الفقيرة، ولا تسمح للشعوب الغربيَّة المكبَّلة بهذا النظام الإقطاعي الرأسمالي السوقي أيضاً، بأنْ يفتحوا أعيُنهم، أو يوقظوا أسماعهم، بالالتفات إلى كيفيَّة استطاعتهم للتغيُّر، فهم مُكبَّلون، وأيُّ مُنادٍ بالتغيير لهذا النظام السائد، يُقالُ بخروجه عن الشرعيَّة الدوليَّة، وتحوُّله إلى نهج لا شرعي. وهي المشكلة في الإقطاع الدولي الآن، الذي استطاع أنْ يُيئس حركة التغيير البشري، سِيَّما بريادة المسلمين، والخطوة التي نجح فيها مع الأسف، أنَّه قَدَّم نموذجاً إصلاحيَّاً إسلاميَّاً، كنموذج الخوارج، ليقولوا: (انظروا إلى المسلمين، يُريدون التغيير، ولكن بنموذج الخوارج الذي يُفرِّط بكلِّ الحُرمات وبكلِّ المكاسب)، ومِن ثَمَّ تتشوَّه صورة الإسلام لدى شعوب العالم وشعوب الغرب، ويتزعزع أمامهم القول: بأنَّ الحلََّ كامنٌ في دين الإسلام، وفيما يطرحه نظام الإسلام، ورُبَّما هذه مِن أقوى الضربات القاضية، ولكنْ هيهات لهذا الإسلام العملاق، ولصاحب الزمان، أنْ ينكسر.

فإذاً، كان الحَجر الأساس في مدرسة الحسينعليه‌السلام هو إثارة الوعي البشري حول الشرعيَّة، والتساؤل حولها عَمَّا إذا كانت صحيحة أم مُزيَّفة. إذا أردنا أنْ نغوص في هذا الملفِّ وهذا البند، فقد تميَّزت مدرسة أهل البيت في هذا النهج بشكل مُركَّز جِدَّاً، هو التساؤل حول الشرعيَّة، وهذا تَحَدٍّ قانونيٌّ، فلسفيٌّ، تَحَدٍّ بلحاظ علوم الاجتماع، تَحَدٍّ علميٌّ، تاريخيٌّ، أديانيٌّ، تَحَدٍّ إداريٌّ - بحسب علوم الإدارة -، وتَحَدٍّ بحسب علوم مُختلفة. إنَّك لن تجد مذهباً كمذهب أهل البيت، أكثر تحسُّساً حول الشرعيَّة، في تساؤله عن مصدرها وعن وجهة مسارها.. لن تجد في المسيحيَّة، ولا في القانون البشري الجديد، ولا في الأُمَم المتَّحدة، فحتَّى بنود الأُمَم المتَّحدة في مجالاتها المختلفة، لا تُثير في الوعي البشري التساؤل حول الشرعيَّة، بقدر مذهب أهل البيتعليهم‌السلام ؛ لذا فإنَّ بصمات مدرسة ومذهب أهل البيت فريدة جِدَّاً؛ لأنَّه دين السماء، وهو دين الأنبياء الصحيح.

شرعيَّة عَلاقتك مع الله:

يُثير هذا المذهب التساؤل حول الشرعيَّة حتَّى في علاقتك مع الله (سبحانه و تعالى)، كما يقول الصادق مِن آل محمد في كتاب الكافي: بأنَّه حتَّى تسليمنا لله (عَزَّ وجَلَّ) - وهذا الذي تطرحه الحداثويَّة الجديدة، هُمْ يطرحون هذه المدارس، ظَنَّاً منهم أنَّهم يُدركون العقل الإسلامي - حتَّى في عَلاقتك مع الله (عَزَّ وجَلَّ)، قال الإمام الصادقعليه‌السلام :(إنَّ أوَّل الأُمور ومبدأها وقوَّتها وعمارتها التي لا ينتفع شيءٌ إلاَّ به العقل، الذي جعله الله زينة لخلقه ونوراً لهم، فبالعقل عَرف العباد خالقهم، وأنَّهم مَخلوقون، وأنَّه المدبِّر لهم، وأنَّهم المدبَّرون، وأنَّه الباقي وهم الفانون، واستدلُّوا بعقولهم على ما رأوا مِن خَلقه، مِن سمائه وأرضه، وشمسه وقمره، وليلة ونهاره، وبأنَّ له ولهم خالقاً ومُدبِّراً لم يزل ولا يزول، وعرفوا به الحَسَنَ مِن القبيح، وأنَّ الظُّلمة في الجهل، وأنَّ النور في العلم، فهذا ما دلَّهم، عليه العقل) (١) ،

____________________

١ - تكملة الحديث الشريف: (قيل له: فهل يكتفي العباد بالعقل دون غيره؟

قال:(إنَّ العاقل لدلالة عقله الذي جعله الله قوامه وزينته وهدايته، علم أنَّ الله هو الحَقُّ، وأنَّه هو ربُّه، وعلم أنَّ لخالقه مَحبَّة، وأنَّ له كراهيَّة، وأنَّ له طاعة، وأنَّ له معصية، فلم يجد عقله يدلُّه على ذلك، وعلم أنَّه لا يوصل إليه إلاّ بالعلم وطلبه، وأنَّه لا ينتفع بعقله، إنْ لم يُصب ذلك بعلمه، فوجب على العاقل طلب العلم والأدب الذي لا قوام له إلاَّ به) الكافي ج ١ ص ٢٩.

ليس عقلك مُغلقاً، وليس فِكرك أصمَّاً، ولا وجدانك، بلْ يجب أنْ تُحكِّم بني عقلك و صميم قلبك، وهذا غير مطروح في اليهوديَّة و المسيحيَّة المحرفتين طبعاً؛ لأنَّ ما بُعث به الخاتم هو ما بُعث به جميع الأنبياء، فهو دين واحد وإنْ اختلفت الشرائع، بكون التفاصيل الجزئيَّة مُختلفة لكنَّ الأُسس واحدة، والشرعيَّة الدولية المنتهجة والمذاهب الإسلاميَّة الأُخرى، والبوذيَّة والسيخيَّة وغيرها، فَتِّش فيها، ولن تجد ديانة يحملها روَّاد كأئمَّة أهل البيتعليهم‌السلام مُنادين بفتح الفكر والعقل، حتَّى في عَلاقتك مع ربِّك، فضلاً عن عَلاقتك مع نبيِّك.

شرعيَّة علاقتك مع نبيِّك:

لا يعني الاتِّباع والخضوع للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عدم السماح بالمساءلة، فالمساءلة شيء والرفض الأعمى والعناد والتكبُّر شيء آخر، والتساؤل شيء والإباء والرفض النزوي شيء آخر. كلامنا في التساؤل، حتَّى في العَلاقة مع سيِّد الأنبياء، بلْ مع الأنبياء جميعاً، ليس هناك غلق للفكر البشري، فبحث الشرعيَّة مطروح، (مِن أين؟ وكيف؟ وإلى أين؟)، وحتَّى في علاقتنا مع أئمَّتناعليهم‌السلام ، بالنظر إلى سيرة أتباع أهل البيت، لا نراهم عَمياويِّين في اتِّباعهم لأئمَّة أهل البيتعليهم‌السلام .

رصد شعبيٌّ عجيب أوَّلاً لسيِّد الأنبياء، سيِّد الأنبياء الذي أوجد فلسفة تسع زوجات، وهؤلاء التسع زوجات في الواقع، هي عيون خبريَّة لشعوب وقبائل مُختلفة، حول الوضع الداخلي لسيِّد الأنبياء، مِن مصر، ومِن شمال الجزيرة، ومِن وسط الجزيرة، ومِن جنوب الجزيرة، فهؤلاء النساء في الحقيقة قنوات خبريَّة ترصد سيِّد الأنبياء، في حركته حتَّى الداخليَّة، البيتيَّة، وفي صدق مصداقيَّة نبوَّته و سؤدده على الأنبياء في مُمارساته و سلوكه الخفيِّ؛ لأنَّ الإنسان - غالباً - مثل الرؤساء أو عظماء التاريخ، سلوكهم في الظاهر شيء، وسلوكهم في البيت مع الأُسرة شيء آخر، والكثير منهم عِبْر الإعلام شيء، وفي الواقع الخارجي شيء آخر.

له تسع زوجاتصلى‌الله‌عليه‌وآله ! وفي الواقع لا يستطيع الإنسان التوفيق بين الاثنتين والثلاث والأربع، فكيف بالتسع مع سيِّد الأنبياء؟! وكيف لم يختلَّ تدبيره الإداري معهنَّ؟! إنَّ عهده (عليه وآله الصلاة والسلام) إعجاز حتَّى في الإدارة والتدبير.

مع هذه المسؤوليَّات الضخمة الجبَّارة، التي كانت على كاهل سيِّد الأنبياء، مِن إقامة دين جديد، ودعوة الأُمَم المختلفة إلى ديانة الإسلام، وتدبير الدولة الإسلاميَّة، وتربية المجتمع( وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ) (١) ، ومِن جهة تسع زوجات، كيف الوفاق بينهن؟!! هو إعجاز في الإدارة والتدبير، بحيث لم يشهد المسلمون شكاية ولا عَرْكَة داخليَّة أُسريَّة. هو كلُّه مُراقبة وضعها الله (عَزَّ وجَلَّ) ليُقيم الحُجَّة على البشر، عِبر شهودهم تدبير سيِّد الكائنات وإدارته وقيادته وخلقه:( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (٢) .

____________________

١ - سورة الجمعة آية ٢

٢ - سورة القلم آية ٤

شرعيَّة علاقتك مع إمامك:

وكذلك كان شيعة أهل البيت مع أئمَّتهم، فلم يكن إمام مِن الأئمَّة، يقفز على البيِّنات أو الإثباتات العلميَّة، أو التجسُّم العلمي. مدرسة أهل البيت في علاقتها مع أئمَّتها، هي علاقة العقل المفتوح، بالبرهان وعدم التعامي عن البيِّنات. ولم يكن النوَّاب الخاصُّون للحُجَّة (عجَّل الله فرجه الشريف) في الغيبة الصُّغرى، يتسلَّمون هذا المنصب عبثاً، بلْ كان فُقهاء الشيعة وعلماؤهم والشيعة تَرْقَبهم، وترصدهم، في كلِّ خُطوة يخطونها، وقد وثَّقهم الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام ، فلا بُدَّ - قطعاً - أنَّ سند الوثاقة ومُستنداتها باقية معهم.

شرعيَّة علاقتك مع مرجعيَّتك:

تؤهَّل المرجعيَّة الشيعيَّة وفقهاء الشيعة تحت شرائط مُعيَّنة للمرجعيَّة والفقاهة، ولابُدَّ مِن توافر الشرائط لهم استمراراً لبقائهم، فبتعبير أحد المحقِّقين الفُقهاء في الحوزة العلميَّة في قُمْ: (رُبَّما قَلَّ نظيره في مجموعة بشريَّة اجتماعيَّة، أنْ تَرصِد و تُراقِب قيادتها كرصد الطائفة الشيعيَّة لمراجعها، ومِن قبل لأئمَّتها). كلُّ فئات المجتمع ترصده، وتُراقبه، تلتحم معه، وتُباشره، في السَّراء وفي الضراء وفي سلوكه الداخلي أو الخارجي، ثمَّ يؤهَّل لقيادة الطائفة الشيعيَّة، نيابةً عن المعصوم.

أيُّ فئةٍ مِن المجتمعات البشريَّة تُمارس هذا الترشيح والمراقبة، والدراسة والامتحان كما في الشيعة، حتَّى إنَّ الإعلام لا يُنجز ذلك، وهُمْ أشدُّ تحسُّساً، فلديهم قضيَّة المرجعيَّة، بلْ لابُدَّ أنْ يكون إمام الجماعة - كما في شرائط مدرسة أهل البيت - عادلاً، ورجل الدين كذلك، فهو إنْ كان مُنكبَّاً على باب السلطان فهو طالب دنيا، أمَّا إنْ كان مُعرضاً عن باب السلطان الذي هو يأتي إليه، فهو طالب آخرة، ومِن هذا القبيل.

قَلَّ نظير تحسُّس الشرعيَّة في المذاهب غير مذهب أهل البيتعليهم‌السلام ؛ لذلك فالمذاهب الأُخرى تشطب على حُجِّيَّة العقل، مثل مذهب السلفيَّة (الوهابيَّة) أو حتَّى المذاهب الأُخرى، العقل أيضاً يُحاسَب في المذهب الشيعي، بالقلب والوجدان. مُراقبة مصدر الشرعيَّة على مصدر آخر؛ لأنَّ قوى الإنسان المختلفة في التفكير أو في تحديد الرؤية، تُراقِب بعضها البعض برؤية مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام ، و إلاَّ فالعقل الظنِّي أو النظري التجريدي الحدسي التخميني، لا يجعل الإنسان يُسلِّم زمام قيادته لأحد، فإنْ كانت له تجربة - مثلاً - يستخلص منها نظريَّة ظنيَّة، لا يستطيع أنْ يؤسِّس عليها رؤية، وهو نوع مِن التثبُّت في مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام ، فلابُدَّ مِن الإثبات، ولا يُمكن البناء على نظريَّات حدسيَّة مِن دون تثبُّت؛ ولذلك بحث الحُجِّيَّة وعدم الحُجِّيَّة، وبعبارة أُخرى نستطيع أنْ نصل إلى نفس بحث الإمامة والقيادة.

الحساسيَّة حول الإمامة:

يُقال: كثيراً ما تُثيرون - أنتم أتباع مذهب أهل البيت - حساسيَّة حول الإمامة. وفي الواقع إنَّ إثارة الحساسيَّة حول الإمامة هي حول الشرعيَّة، فإذا خَمد في وعي الشيعة هذا التحسُّس تحت عناوين وشعارات مُغفَّلة، اعلموا أنَّ وعينا قد خَمد، والبحث في الإمامة موقع رامز للبحث حول الشرعيَّة.

لا تجعلك مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام مُتعامياً تمشي لا تدري مِن أين جئت وإلى أين تذهب؟ فالتساؤل المطروح دائماً هو: مِن أين؟ وإلى أين؟ وكيف؟ هذا هو الذي نُريده في هذا البحث، إذا أردنا أنْ نكون شيعة للحسين، كيف نوصِّل؟ وكيف نُربِّي المجتمع الدولي والشعوب الدوليَّة برسالة الحسينعليه‌السلام ، وأنْ لا نكون نحن في خطواتنا - و العياذ بالله - أعداءً لسيِّد الشهداء في حركته؟ هو مُنقذ البشريَّة بحركته مِن بُراثن الشرعيَّة المزيَّفة، نتساءل هنا: هل نحن دُعاة لهذه المدرسة؟ أم أنَّنا - والعياذ بالله - نوجد خمود هذه المدرسة؟ هذا ما سنواصل الحديث فيه إنْ شاء الله، مع تكملة البحث والتحسُّس حول الشرعيَّة.

التحسُّس حول شرعيَّة البديل:

مِن الأُمور التي سنَّها سيِّد الشهداء - أيضاً - لجميع البشريَّة مِن أتباع الديانات، التحسُّس حول الشرعيَّة في البديل. رُبَّما هناك خَطٌّ إصلاحي، أو جماعة إصلاحيَّة بشريَّة تُشخِّص الداء في النظام البشري أو النظام الاجتماعي، لكنَّها تغفل عن تشخيص الدواء والعلاج، فتخوض في مُعالجة الداء، وتُنكِب وتُبلي الجسم البشري بداءٍ هو أكثر عيَّاً، فيستفحل داءُ البشريَّة أكثر مِمَّا هو عليه.

إذاً؛ فتشخيص الفساد في النظام البشري، وتشخيص المرض والإحساس بضرورة التغيير، هو بمُفرده ليس كافياً؛ لأنَّ الإنسان يَشرع له أنْ ينتهج خَطَّ الإصلاح الصحيح؛ كي يكون إصلاحاً، لا إفساداً أكثر مِمَّا هو عليه الفساد القائم، وهذا أمر يغفل عنه الكثير مِن الإصلاحيِّين - مع الأسف -.

تميَّز سيِّد الشهداء (سلام الله عليه) عن بقيَّة الإصلاحيِّين في تاريخ البشريَّة، وعمَّن أتى بعده حتَّى يومنا هذا، هو في هذا البُعد مِن التحسُّس في الشرعيَّة. التحسُّس في الشرعيَّة لا يعني فقط التحسُّس مِن شرعيَّة النظام القائم، بلْ إنَّ هناك تحسُّساً لأمر رُبَّما لا يقلُّ خطورة، وربَّما يزيد خطورة عن التحسُّس والتساؤل عن شرعيَّة النظام الذي يعيش فيه البشر، فالتحسُّس وإدراك أهميَّة وخطورة البديل في منطق سيِّد الشهداء ومنطق أهل البيتعليهم‌السلام ، يفوق تشخيص نفس الداء أهميَّةً، وقد عاشت البشريَّة الكثير مِن دُعاة الإصلاح، لكنَّها بُليت بفساد أكبر مِن سابقه.

مِثال على عدم التحسُّس حول البديل:

عاشت البشريَّة في القَرن الأخير دعوات الإصلاح، كالشيوعيَّة والاشتراكيَّة، شخَّصت الداء إجمالاً، فأخبرت بوجود مرض سرطانيٍّ في الرأسماليَّة، في نظام السوق، إلاَّ أنَّها لم تُشخِّص الدواء والعلاج. قد تُشخِّص أنت وجود الداء، ووجود العدوِّ، ووجود ما يجب تغييره في أيِّ بند مِن بنود النظام البشري الحاكم على البشر، أو الحاكم على المجتمع، سواء في أشخاصه التنفيذيِّين أم في نظامه التشريعي، أم في برنامجه القضائي أم أيِّ برنامج آخر، قد يُشخِّص الإنسان إجمالاً وجود الفساد، لكنْ مِن الأهميَّة بمكان، التفكير في رُفقاء الإصلاح، فمَن تُرافِق أنت في نهجك الإصلاحي؟ وأيُّ برنامج تتبنَّى وتتَّخذ بديلاً في الإصلاح؟

أدركت الشيوعيَّة أنَّ هناك إقطاعاً مُدمِّراً للمجتمع، يوجب رزح عموم المجتمع تحت سطوة الإقطاعيِّين وقراصنة المال، لكنَّهم أرادوا أنْ يُعالجوا الداء بما هو أدهى، وهذا الذي حدث؛ فعاشت البشريَّة عقوداً مِن السنين، ورُبَّما قرابة القَرن، ثمَّ تبيَّن لها أنَّ هذا العلاج مُفسد أكثر مِن فساد الرأسماليَّة.

مَرَّ بنا أنَّ الخوارج، وحتَّى النماذج الأُخرى المطالبة بالتغيير، قد لاحظوا بُقعة فساد في النظام الاجتماعي، واستهدفوا إصلاحها بكلِّ حماس، لكنْ بنحو جعلهم يُفرِّطون ببيت البشريَّة، كما أنَّ الإنسان الذي يرى جانباً مِن الحائط يوشك أنْ ينقضَّ، ويُريد أنْ يتداركه، لكنَّه بهوجائيَّة مُعيَّنة يهدم بقيَّة الجدار! فيكون إفساده هذا أكثر مِن إصلاحه، فهو وإنْ سمَّاه إصلاحاً لكنَّه في الواقع إفساد، وأعمى بذلك العين بدل أنْ يُكحِلها.

فإذاً، التحسُّس حول شرعيَّة نفس بنود الإصلاح، ورسميَّة وشرعيَّة الإصلاح البديل أمر مُهمٌّ جِدَّاً، وهذا ما أثاره سيِّد الشهداء في مدرسته ونهجه بشكل مُؤكَّد ومُغلَّظ وبتحسُّس كبير، ومِن ثمَّ كان أعضاء البطولة في حركة سيِّد الشهداء مُتقيدين بالمبادئ، لا يتهاونون ولا يُفرطون في مبدأ مِن مبادئهم؛ لأنَّ هذا البرنامج الإصلاحي لديهم أهمُّ مِن مُجرَّد قلع الفساد، فأنت إنْ قلعت الفساد ووضعت مرضاً أدهى بدلاً عنه، أنكبت بذلك البشريَّة وأنكبت النظام الاجتماعي. لذا نرى مبدأه هذاعليه‌السلام في كلِّ حركاته وسكناته وخطواته، وهذا نهج أبيه سيِّد الأوصياء وجَدِّه مِن قَبلُ سيِّد الأنبياء.

التحسُّس في الشرعيَّة وفي البنود البديلة أمر هامٌّ جِدَّاً، وأهميَّة التفكير في الدواء تفوق أهميَّة التفكير في الداء، كثير منَّا يُفكِّر في الداء، عندما يستهوينا الإصلاح وتغيير ذلك الداء وذلك الفساد، ونتغافل أو نتناسى ونعيش سُبات لذَّة الإصلاح والتغيير السريع دون أنْ نشرع البديل الصالح، المعالج للكلِّ.

قلَّما نرى مدرسة بشريَّة إصلاحيَّة أو خطَّاً إصلاحيَّاً بشريَّاً في دول عديدة تأتي بالبديل الصالح، أو تُفكِّر أو تولِي أهميَّة عظيمة للبديل، تفوق تشخيص الداء، بينما كان هذا نهج سيِّد الشهداء، وفي الواقع هو نهج مدرسة أهل البيت وأتباع مدرسة أهل البيت، فهذا التحسُّس فائق الوجود عندهم، وقد طالعتنا الأحداث الأخيرة بذلك الأمر حتَّى عند شيعة العراق.

موقف المرجعيَّة الدينيَّة وشيعة العراق:

قدَّمت مرجعيَّة العراق وشيعته خلال مُخاض، نماذج عِدَّة نَيِّرة لمدرسة أهل البيتعليهم‌السلام ، عندما بدأ العدوان الأمريكي على العراق مِن جانب، وكان الطاغية صدام مِن الجانب الآخر، فأصبحوا في موقف بين المطرقة و السِندان.

هناك صيحات مِن فِئات إسلاميَّة عديدة، صاحت بالمرجعيَّة الشيعيَّة، ونادت شيعة العراق، مُسائلةً عن موقفهم تجاه هذا العدوان، هذا الاحتلال. ورُبَّما نحن أيضاً - شيعة البحرين - لم نُشخِّص الرؤية التي شخَّصتها المرجعيَّة الشيعيَّة بذلك الوعي، عندما تختلط الأوراق يصعب إبصار الطريق - ذكرنا أنَّ عظمة سيِّد الأنبياء وسيِّد الأوصياء وسيِّدي شباب أهل الجَنَّة كانت؛ لأنَّهم واجهوا تعقيداً في النظام الاجتماعي البشري، ليس نظير الحياة البدائيَّة البشريَّة في زمن النبي إبراهيم ونوح وموسى وعيسى - على نبيِّنا وعلى آله وعليهم السلام - هنا تعقيد، وإلى يومنا يزداد التعقيد أكثر فأكثر، وهذه عظمة الإصلاح الذي سيقوم به مهدي آل محمّدٍ (صلوات الله عليه) - تختلط الأوراق فيصعب عليك تشخيص الدواء - فضلاً عن تشخيص الداء - أين الداء؟ وأين الدواء؟ أين الدواء الشرعي ذو الصلاحيَّة؟

القانونيَّة الطبيَّة للإصلاح:

هتف الكثير بالطعن في موقف شيعة العراق، لكنَّه كان موقفاً ذكيَّاً بين سَبْعَينِ يتصارعان، كان شيعة العراق في جملة مِن مواقفهم، يُدافعون عن حُرمات وطنهم، لكنْ بنحو لا يصبُّ في مصلحة السبع الضاري صدام والبعثيِّين، وهذا تشخيص دقيق، كثير مِن المنظِّرين الإسلاميِّين نادوا: (هيَّا بكم، انضووا تحت راية صدام والبعثيِّين! حتَّى ندفع السبع الأكبر أمريكا - على الأقل -!)، رُبَّما استهوت هذه المقولة بعضاً منَّا أتباع مذهب أهل البيتعليهم‌السلام ، فمِن أجل عدم التضحية بالعراق، لننضوِ تحت راية صدام والبعثيِّين، لكنَّ الموقف الحكيم للمرجعيَّة والشيعة في العراق كان أبصر وأنفذ مِن هذا التحليل؛ لأنَّ المعركة الضروس لم تكن قد حُسمت بعد بين السَّبْعَين، والدخول فيها سيؤدِّي بهم ضحيَّة لسَبْع أو سَبْع آخر؛ لذا فالموقف النموذجيّ والمثاليّ، كان أنْ تواجِه بطريقتك السبع الآخر بعد أنْ تُحسم المعركة بين السَّبْعَين، حين يتفرَّد لك الميدان.

هجوم على الشيعة:

أُطالع لكم بعض الكلمات التي أطلقها البعض، ندَّد فيها بالجمهوريَّة الإسلاميَّة وبحزب الله - فضلاً عن استهدافه الأوَّل للمرجعيَّة الشيعيَّة والشيعة في العراق - لاحظ الكلمات في تحليله، كنموذج على أنَّنا إذا لم نُشخِّص الدواء، فالداء ليس أهميَّة تشخيصه بذي أهميَّة حاسمة. شخَّصنا داء العدوُّ الأمريكي، الذي يُهاجم العراق، والذي أغراه بهذا الطريق هو نفسه النظام الطاغية، في هذه المِحنة والفتنة والدوَّامة، الكثير رأى في نفسه ذا بصيرة سياسيَّة وبصيرة قانونيَّة وبصيرة واعية بالمنطقة، وشخَّص حينئذٍ الوقوف أمام العدوان الأمريكي، هذا أمر مُسلَّم به بالطبع، إنَّما القول - عندما أقف أنا هذا الموقف -: أليس له تداعيات أُخرى؟ ألا يصبُّ في مجرى آخر؟ وما شرعيَّة هذا الموقف؟

لاحظوا بعض التعبيرات التي أقرأها لكم مِن مقالة نُشرت في أماكن كثيرة، يقول - مُخاطباً الشيعة -: (هل كان الحسين مُستعدَّاً للاستعانة بالروم لتحرير بلاد الإسلام مِن ظلم يزيد؟!). ذهب بنا إلى نفس نهج الحسينعليه‌السلام ، فقال: هل يضع الحسينعليه‌السلام هل يضع يده مع الروم لقلع نظام يزيد؟ في الواقع، هذا أحد التساؤلات أو الطعون، التي يُريدون إثارتها حول عليٍّعليه‌السلام أو حول الحسينعليه‌السلام ، فكيف يذهب أمير المؤمنين أو سيِّد الشهداء إلى إصلاح الوضع الداخلي والحال أنَّ الحدود الإسلاميَّة مُهدَّدة؟!

أحد الأُمور التي يُسجِّلونها كمأخذ أو كتساؤل حول أمير المؤمنين وحول سيِّد الشهداء، عن عكوف عليعليه‌السلام على الإصلاح الداخلي، ولم يتوجَّه إلى التوسُّع في الدولة الإسلاميَّة، وإنْ كان كلُّ تخطيط الفتوحات مِن أمير المؤمنينعليه‌السلام في ملفَّات تاريخيَّة وُقِف عليها أخيراً، إلاَّ أنَّ الكلام تَركَّز على نهج أمير المؤمنين في إصلاح الداخل، فلم يعبأ بذريعة التهديد الموجود عند الثغور والحدود الإسلاميَّة، واتَّخذ لها موازنةً أُخرى، تحت هذه الذريعة، حتَّى إنّ البعض مِمَّن حول أمير المؤمنين أشاروا عليه بإبقاء مُعاوية، وبعد ذلك يتَّخذ تدبيراً آخر، مثل هذه الإدارة ومثل هذا التدبير، يراه أمير المؤمنين موجباً نهجاً عَفناً في سُنَّة هذه الأُمَّة الإسلاميَّة؛ لأنَّ أفعالهم سُنَّة (سلام الله عليهم)، فإذا سَنَّ مثل هذه السُّنَّة، ستكون سُنَّة إلى يوم القيامة للتفريط بالمبادئ، ولعدم التشدُّد بمبدئيَّة المبادئ، ولتبرير الغاية نمط الوسيلة.

الإصلاح الداخلي أوَّلاً:

فعكف مِن ثَمَّ على الإصلاح الداخلي، كما هو الحال في نهج الحسين (سلام الله عليه)؛ لأنَّه بالخروج كان سيُدافع عن هيكل قشري لا جسم، أمَّا الفتوحات فكانت فتوحات إزالة الكفر، بلا بديل، فلا يبقى مِن الإسلام شيء إلاَّ رسمه. هلْ البديل هو ما انتهجه الخُلفاء الأوائل مِن التفرقة في العطاء بين العربي وبين غير العربي(١) ، ومنع غير العرب مِن التزوُّج بالعرب، كانت هذه سُنَن الخُلفاء المتقدِّمين، ما هو البديل؟

____________________

١ - راجع مِن حياة الخليفة عمر بن الخطَّاب ص ١٨٠ – ١٨٢.

منع الخليفة الثاني غير العرب مِن الدخول للمدينة المنوَّرة؟! والتفرقة في الضمان الاجتماعي والكفالة الاجتماعيَّة بين القرشي وغير القرشي، وبين المهاجر وغير المهاجر؟! كانت الطبقيَّة على قَدمٍ وساق، وهي الطبقيَّة ذاتها التي كانت في الجاهليَّة، عادت مَرَّة أُخرى تحت راية التشهُّد بالشهادتين، وهي خاوية مِن بنود الشهادتين وبرنامجها. لم يُفكِّروا في البديل: (لماذا ندعو الأُمَم؟ وللدخول في ماذا؟ وما هو البديل؟)، بلْ نظروا إلى القِشر فقط! ليست الخُطوة التي تخطوها هي المهمَّة فقط، إنَّما المهمُّ ما يترتَّب على هذه الخُطوة، وإنْ كانت خُطوة إصلاحيَّة، فما الذي يترتَّب عليها؟ ولدى أهل البيت تحسُّس شديد مِن ذلك. لذا نُجيب هذا المهاجم بهذا الجواب.

دمج مصير الإسلام بالسُّلطان:

مِن ضمن تعبيراته: (نحروا العراق مِن أجل أنْ ينحروا صدام.. ورفضوا كون العراق هو صدام وصدام هو العراق). هذا دمج بين مصير الإسلام والسلطان، وهو الداء الأعظم الذي وقعت فيه المذاهب الإسلاميَّة الأُخرى، وتميزت به مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام ، بعدم ربط مصير السلطان بمصير الإسلام، وكذلك نقول: بعدم ربط مصير السِّلم البشري بمصير الأُمَم المتَّحدة، أو مصير السِّلم والتطوُّر البشري بمصير القوى العُظمى في العالم، فالتفكيك بين هذه المغالطات في الفكر الإصلاحي القانوني البشري أمر ضروري، وهذا ما لا يكاد يعيه غير مذهب أهل البيت، ببصيرة نافذة طبعاً، فسيِّد الشهداء قام للتفكيك بين مصير الإسلام ومصير السلطة القائمة.

المشكلة في النُّخبة المثقَّفة الإسلاميَّة:

مُشكلة الأُمَّة الإسلاميَّة ليست مُشكلة فساد الحُكم فحسب، إنَّما المشكلة في وجود البديل عنهم. هي إحدى المشاكل المهمَّة بالطبع، وليس هذا تبريراً لبقاء الفساد في إدارة الحُكم، لكنَّنا إنْ كنَّا نُريد أنْ نستبدل بما هو أدهى، فهي مُشكلة.

وليست هذه دعوة لدعم لليأس عن الإصلاح، وإنَّما يجب أنْ يكون تفكيرنا مُنصبَّاً في بديل، بدرجات فائقة عميقة علميَّة، أكثر مِن تفكيرنا في الداء فقط. فمثل هذا القائل الذي يتصدَّر، تنظيم إسلامي عريق، مِن تنشئة الشيعة طبعاً، فتنشئة إخوان المسلمين شيعيَّة الأصل، لأنَّهم مِن حسن البنَّا، مِن رعيل محمد رشيد رضا، ومحمد رشيد رضا مِن رعيل محمد عبده، ومحمد عبده مِن تلاميذ أسد الدين جمال الدين الأفغاني، وكذلك الحال في حزب التحرير الذي تأسَّس في الدول العربيَّة. هذه الحركات الإصلاحيَّة هي في الواقع مِن إشعاع الشيعة، وإشعاع مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام ، حتَّى الحَجر الفلسطيني الذي يُرمى على إسرائيل لا يخلو مِن تأثُّر مِن إشعاعات شيعة جنوب لبنان، وشيعة إيران.

الإشعاعات الإصلاحيَّة هي دوماً مِن مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام ، لكنْ لننظُر إلى البديل، هذا يقود تيَّاراً إصلاحيَّاً وله تداعياته على الدول الأُخرى، له هذا التفكير، الذي يربط مصير السلطة بمصير الإسلام، ومصير البلاد بمصير السلطة. أحقٌّ هذا التعبير الذي يُعبِّر به؟ ولسنا في محلِّ نبزٍ بالألقاب، فنحن بعيدون عن هذا، لكنْ أيُّ سُنَّة هذه؟ هل هي السُّنَّة النبويَّة أم سُنَّة السلطان أم سُنَّة الخلافة؟ وأيُّ جماعة؟ فالمجتمع الدولي الآن جماعة! إنَّ الجماعة هُمْ مَن كانوا مع الحَقِّ، وإنْ قلُّوا، وليست الجماعة هي الكثرة، وإلا فالعُرف الدولي السائد الآن هو الكَثرة الكاثرة، وأكثر مِن المسلمين.

ليست السُّنَّة هي الجماعة والإجماع، إنَّما السُّنَّة سُنَّة الحَقِّ، سُنَّة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله و أهل بيتهعليهم‌السلام ، و بعبارة أُخرى، البرنامج الصحيح البديل، لا التعارف الموجود والرضى بالوضع السائد، ومعنى هذا، إنْ قلنا: (سُنَّة الجماعة)، فيعني ذلك الإقرار بالوضع السائد!

فالمشكلة عندهم - إلى الآن - أنَّهم يخلطون في وعيهم وتفكيرهم السياسي، بين مصير الدين والأُمَّة ومصير السلطان، ويعتقدون أنَّ مصير الأُمَّة ونجاتها حلقة في عُنق السلطان. هذا خطأ، إلى الآن، مع أنَّ هذه حركات تحرُّريَّة تُنادي بالإصلاح.

نُصرة السُّلطان عندهم مِن نُصرة الإسلام:

تعبير آخر للقائل المعترض يقول: (ولو كان العراق أعزَّ عليهم مِن أحقادهم على صدام...)، ويوظف بهذا الدفاع عن الإسلام والوطن لنُصرة السلطان الجائر، ولا يُفكِّك بين الأوراق! هذا الذي يتحسَّس منه في نهج الحسينعليه‌السلام . أنت تُريد تُصلح، وتُريد أنْ تصدَّ العدوَّ الأمريكي بما يصبُّ في بقاء هذا الوحش الكاسر الجاثم على صدر الأُمَّة؛ ليخلق لها مقابر جماعيَّة كثيرة؟! وما الفرق بينهما إذاً؟ أهو فرق بالاسم والرسوم فقط؟ أنَّ الحكومة الإسلاميَّة الجديدة مدعومة مِن هؤلاء المسيحيُّون وبينما البعثيُّون يتشدَّقون باسم الإسلام، والنحر ونهر الدماء على قدم ٍ وساقٍ جارٍ! ما الفرق؟!

هو يتبنَّى التفرقة فرق، وهو رائد خَطٍّ إصلاحي في الأُمَّة الإسلاميَّة، ويتشدَّق بأنَّه مِن مُنظِّري الإصلاح في الأُمَّة الإسلاميَّة وللبشر، يقول: (لو كان الإسلام أعزَّ عليهم مِن أحقادهم على صدام، لدافعوا عن صدام!)، فربط مصير الإسلام والأُمَّة بالوضع السائد! والوضع السائد: لا تُحرِّك ساكناً.

كيف تتبنَّون ريادة والدعوة إلى الإصلاح البشري في النظام القائم؟! إنْ كان منطقكم هو هذا؟! فلتتبنُّوا - إذاً - أنَّ الوضع الدولي لا يُمكن تغييره! وليس التغيير بالأُسلوب الهمجي الذي يستخدمه مِن في نهج الخوارج – كما مَرَّ بنا –، وإنَّما هو بالنهج السليم.

مِن ضمن عباراته الأُخرى، وأُحاول ذِكرها؛ لأنَّ عِدَّة فضائيَّات ومجلاَّت تشدَّقت بها، لنُبيِّن كيف أنَّهم لا يتحسَّسون تِجاه الشرعيَّة في كلِّ بنودها، وذكرنا أنَّ سيِّد الشهداء سَنَّ للبشريَّة ولأتباع الديانات السماويَّة، أنَّ التحسُّس في شرعيَّة البديل يجب أنْ يكون أكثر مِن التحسُّس حول شرعيَّة الوضع القائم السائد، الغير شرعي فرضاً. تعبيره: (فليَحيَ العراق ولينجُ شعبه وأرضه مِن المعاهدات المكبَّلة، حتَّى لو عاش صدام!)، هل حياة الإسلام بحياة صدام والبعثيِّين والأنظمة السائدة؟! ثمَّ لماذا تخصيص التحسُّس الآن بالوجود الأمريكي في العراق، وهو نفسه موجود في بُلدان عربيَّة أُخرى بنفس الكثافة؟! أم أنَّ التحسُّس هو مِن جانب العراق فقط؟! بغضِّ النظر عن هذه النوازع الطائفيَّة الموجودة. مع أنَّه لا حياة للإسلام مع عيش السلطان الجائر، وهذا ما لا يستطيعون هُمْ أنْ يُفكِّكوه، وهذا ما يُركِّز عليه سيِّد الشهداء، حياة الوضع البشري حتَّى السائد، ليس بحياة هذه القوى العُظمى، فالقوى العُظمى هي مصدر السرطان البشري.

الإسلام عندهم هو صدام:

ومِن تعبيراته: (تمريغ شعار الإسلام العظيم في الوحل المشين، وإنَّ الإسلام عملاق، لا يليق أنْ يحمله إلاَّ عمالقة!)، فيجعل هذا الوسام لصدام! ويتشدَّق بعبارات غير مُلتفت إلى أوسمتها، لمن يُقلِّدها وفي عُنق مَن يضعها. يقول: إنَّ الإسلام عظيم، فكيف نُمرِّغه في الوحل المشين؟! ثمَّ يدعو لإبقاء كيان صدام ليحمل عَملقة الإسلام! مُشكلتهم أنَّهم لا يُفكِّكون هذه الأفكار! ينظرون بعين واحدة لا بعينين، وإلى زاوية واحدة لا إلى زاويتين، وينظرون إلى الداء دون الدواء، كالخطأ الذي وقع فيه الخوارج. فالمؤاخذة على النهج الإصلاحي عند الخوارج هو أنَّهم ينظرون إلى فقرة ويتركون بقيَّة الفَقرات، وهذا الخطر، وهذا الإفراط، وهذه الحِدَّة في منهج التفكير هو الخطأ، أنْ ننظر إلى جانب ونترك الجوانب الأُخرى.

يقول أيضاً: (لماذا لا تُدين المراجع الدينيَّة والسلطة المنبثقة عن الثورة في إيران دخول إسلاميِّين إلى الفِراش الأميركي في العراق، وأنَّ هذا مسيرة الضلال البيِّن، وأنَّ الأُمَّة لن تجتمع على ضلال، وسيسقط كلُّ ضالٍّ مُضلٍّ لا هادٍ ولا مهدي)، إذا كان الأمر هكذا، فالفِرش والبُسط موجودة في دول عربيَّة كثيرة، لماذا لا يُدينها هذا القائل؟ أمْ أنَّ لها مُبرِّراً لوجود سلطان هناك، وليس لها ذلك في العراق؟!!

موقف مُشرِّف آخر للمرجعيَّة الشيعيّة في العراق:

هناك تجربة أُخرى مُهمَّة مَرَّت بها المرجعيَّة الشيعيَّة والشيعة في العراق، وقد خرجوا مِن هذين الامتحانين الصعبين، بنموذج وخطوات مِن مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام ، فائقة - إنصافاً -، ومصيريَّة. قضيَّة مواجهة الاحتلال الآن، لا بما يصبُّ مع تسلُّط هذه الفئة القليلة العاتية البعثيَّة، إنَّما أُسلوب مُعالجة الدواء لهذا الداء هو آخر، عندما تتَّخذ أُسلوب الدواء لمعالجة داءٍ ما. يجب أنْ تعرف ما إنْ كان هذا الدواء لك أمْ هو لغيرك، وما إنْ كان هذا الدواء دواءً أم أنَّه فيه زيادةً للمرض. أوَ ليس الذي جلب الأمريكيِّين إلى العراق هو النظام العراقي السابق؟ ليُعيدوا أفراد وبُنية النظام السابق مَرَّة أُخرى؛ كي يكون على العراق - بلْ على الأُمَّة الإسلاميَّة - وبالاً أشدَّ وأعظم! كذلك قضيَّة عدم الانزلاق إلى الفتنة الطائفيَّة، ورباطة الجأش والصفح عند الانتقام رغم الجراح الدامية المستمرَّة.

إنَّ رشادة خُطوات المرجعيَّة الشيعيَّة والشيعة في العراق - إنصافاً، ولا أقول: العصمة إلاّ للمهدي (عجَّل الله فرجه)، في بنودها وفي خطواتها وحركاتها - وهذا درس مُصغَّر استفادته المرجعيَّة الشيعيَّة والشيعة في العراق مِن تعاليم أهل البيتعليهم‌السلام بذكاء وبصيرة فائقة نافذة، وهذا هو المهمُّ.

أنْ أُندِّد بإسرائيل أمرٌ، وأنْ أعضد كياناً آخرَ كبديل هو أمرٌ آخر.

كيف نكون مُبشِّرين لنهج سيِّد الشهداء:

مُلخَّص الحديث، هو أنَّنا إذا أردنا أنْ نكون دُعاةً مُبشرين لنهج سيِّد الشهداء، ولمدرسة أهل البيت، طبعاً نهج سيِّد الشهداءعليه‌السلام ونهج أهل البيتعليهم‌السلام فيه عطاء عظيم للبشريَّة، لكنْ مَن الذي يوصل هذا العطاء وهذه الثروة التي صارت البشريَّة في أمسِّ الحاجة لها، ومَن الذي يوصل هذه المحاسن؟.

عهد أمير المؤمنين لمالك الأشتر والأُمَم المتَّحدة:

يخطر في الذهن مِن باب المِثال، عهد أمير المؤمنينعليه‌السلام لمالك الأشتر في نهج البلاغة. (كوفي عنان) مسيحيٌّ غير عربيٍّ - و لست بصدد مدحه - قبل ثلاث سنين، وأمام مجلس الأُمم المتَّحدة العامِّ والجمعيَّة العامَّة، قال: (أنا أقترح أنْ يكون عهد علي بن أبي طالب لمالك الأشتر أحد مصادر التشريع الدولي؛ لأنَّ فيه فقرة هزَّتني إلى الأعماق:(الناس... إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ) ، يجب أنْ تضع كلُّ مُنظَّمة حقوقيَّة هذا الشعار كيافطة.)، ما الذي ربط كوفي عنان بعليِّ بن أبي طالبعليه‌السلام ؟! ليس الدين ولا العرق ولا اللون... ما الذي ربطه بعليٍّ؟! إنَّما ربطه بأمير المؤمنين إعجاز تشريع أهل البيتعليهم‌السلام ، ولم نوصِل له نحن هذا المطلب.

ومِن باب الشيء بالشيء يُذكر أقول: إنَّ أهل البيتعليهم‌السلام لا يقتصرون على جُهد الشيعة، ولا على جُهد المسلمين في نشر نورهم، فلهم أساليبهم الخاصَّة، لكنَّ كلامنا هذا هو حول مسؤوليَّتنا نحن تِجاه هذا المنهج العظيم، وهذه المدرسة العظيمة. وبعد مضي سنة، يُصرُّ كوفي عنان على التصويت في الأروقة الحقوقيَّة للأُمم المتَّحدة على هذا العهد بعد مدارسة في لجان الأُمم المتَّحدة الحقوقيَّة والقانونيَّة. وقد صوَّتت أكثريَّة الدول على أنْ يكون عهد أمير المؤمنين هو أحد مصادر التشريع الدولي، وتمَّ التصويت بعد ذلك على جُملة مِن العهود في نهج البلاغة، لتكون كمصدر في التشريع الدولي.

الفاتيكان والصحيفة السجاديَّة:

إحدى المؤسَّسات القديمة جِدَّاً في قُمْ المقدَّسة، يرأسها(السيِّد مُجتبى لاري) ، معروف في مدينة لار، ومؤسَّسته مؤسَّسة تبليغيَّة شيعيَّة مُنذ ثلاثين أو أربعين سنة. أرسل إلى بابا الفاتيكان، الصحيفة السجاديَّة باللُّغة الإيطاليَّة، ليس هذا البابا الموجود، ولا الذي قبله، بلْ الثالث الذي قبله، وقد شاهدتُ بنفسي جواب الفاتيكان على هذه الرسالة، وعاتبت السيِّد، بقولي له: إنَّ عليك مسؤوليَّة أنْ تنشر هذه الرسالة على أوسع نطاق مُمكن. مختومة مِن قِبَل مكتب الفاتيكان، ويعترف فيها البابا بقوله: (إنْ الزخَّ الروحي والمعنوي و العرفاني الذي عند إمامكم السجاد، هو أكثر مِمَّا نَجده عند نبيِّنا النبي عيسى)، و قلتُ لهذا السيِّد: أنت مسؤول في قِبال السجادعليه‌السلام يوم القيامة، وأمام أئمَّة أهل البيتعليهم‌السلام ، عن نشر هذه الرسالة بسُرعة. هذه الرسالة عنده مُنذ سنين، وهي مختومة وموثَّقة رسميَّاً.

الفاتيكان و الإمام الحسينعليه‌السلام :

أحد الأُخوة ينقل عن سفير الجمهوريَّة الإسلاميَّة في الفاتيكان(السيِّد هادي خسرو شاهي) ، عندما كان سفيراً في الفاتيكان، دخل مكتبة الفاتيكان، بأجنحتها المتعدِّدة، فرأى جناحاً حول الحسين، وفيه كلُّ الكتب التي كُتبت حول سيِّد الشهداء بكلِّ اللُّغات، فاستغرب!

فتساءل مُتعجِّباً لمدير المكتبة، فأجابه: (إننا رأينا في الحسين عنصراً تبشيريَّاً عجيباً وجذَّاباً، غير موجود لدينا في طريقة التبشير، فحاولنا دراسة شخصيَّة الحسين، والدراسات قائمة عليها). يؤكِّد أنَّ هذا الجناح موجود، ومَن أراد التأكُّد فليزُر مكتبة الفاتيكان بأجنحتها المختلفة.

انتشار الثقافة المهدويَّة:

الثقافة المهدويَّة أيضاً آخذة في الانتشار والتشبُّع في العالم، وأستحضر الآن ما يذكره الخبير الأمني الاستراتيجي(فرانسوا توال) الذي ألَّف كتاباً باسم (الجغرافيا السياسيَّة للشيعة Shia Geo-Political)، لم يتجاوز السنة تقريباً، وهو مِن الخُبراء الكبار في الأمن الاستراتيجي الفرنسي. يتحدَّث عن الشيعة ويقول:

(إنَّ مُرادهم مِن الغيبة هي خَفاء الإمام المهدي، في كيفيَّة حركته السياسيَّة؛ لأنَّ الخفاء أكبر عامل قوَّة يؤمِّن حيويَّة النشاط وحيويَّة الحركة وحيويَّة التدبير).

هذا الخبير الأمني يفهم معنى شفرة الغيبة في علم الأمن، ويقول عن العدالة المهدويَّة التي يُنادي بها الشيعة:(أنا أُهيب بالساسة العالميِّين والمراقبين الدوليِّين، بأنَّ هذه النظريَّة وهذه العقيدة مُرشَّحة أنْ تنتشر بين شعوب العالم بين ليلة وضُحاها، وتعتنقها المجتمعات المختلفة، وبأشدِّ مِمَّا انتشرت الشيوعيَّة والاشتراكيَّة؛ لأنَّ هذه النظريَّة مُتكاملة، لا تضع مِيَزاً للعِرق ولا القوميَّة...، وهي أنشودة الأمل البشري الآن؛ فمِن اللازم على هؤلاء المراقبين والساسة أنْ يتعرَّفوا على هذه النظريَّة وهذه العقيدة بعُمق، وأنْ يتعاملوا معها بحَذر؛ لأنَّها مُرشَّحة لذلك).

ويقول فيما يقول:(إنَّنا لا يُمكن أنْ نواجه مذهب التشيُّع عِبر الفلسفات الغربيَّة، وعِبر الإنتاج الحداثوي - الهيرمونطيقي - الغربي؛ لأنَّ هذا المذهب يجمع بين ثوابت الدين وبين استيعاب كلِّ مُتغيِّر و اعتماد الوحي في الفهم والعقل، ونبذ ما هو طالح فيه ورسم وإقامة ما هو صالح، ومِن ثَمَّ فإنَّ عُمق فكر المذهب الشيعي ليس على النحو الذي نتصوُّر أنْ نُهاجمه مِن خلال فلسفة أو فكر مُعيَّن؛ لأنَّ فيه قابليَّة استيعاب كبيرة للمتغيِّرات، فهو يجمع بين هذه الثوابت الدينيَّة وبين تحكيم العقل في قراءة كلِّ المستجَّدات والمتغيِّرات، لنبذ كلِّ ما هو سيِّء منها وإقامة ما هو صالح).

فمذهب أهل البيتعليهم‌السلام آخذ في الانتشار، وإنَّ الله (عَزَّ وجلَّ) حتَّم أنَّ هذا المنهج الصائب هو الذي يسود البشريَّة، تمهيداً للحُجَّة (عجَّل الله فرجه)، لكنَّ الكلام في ما هي مسؤوليَّتنا ودورنا في هذا الموقع.

علينا تجسيد أخلاق أهل البيتعليهم‌السلام في عاشوراء:

إذا كان الموسم عاشوراء، فلابُدَّ أنْ نُجسِّد البطولة في الأخلاق؛ لأنَّ أعضاء ملحمة كربلاء، كانت لهم بطولة في الأخلاق، قبل أنْ تكون لهم بطولة في الفروسيَّة والشجاعة. هل نُقيم نحن مراسم عاشوراء بهذه النموذجيَّة؟ يجب أنْ نكون قُدوة(... دُعاة للناس بغير ألسنتكم، ليروا منكم الورع والاجتهاد والصلاة والخير، فإنَّ ذلك داعية) (١) ؛ لأنَّ هذا الدين، دين عملاق وقَيِّم وعظيم، فمَن الذي يَحمله للبشريَّة؟

____________________

١ - الكافي ج ٢ ص٧٨.

نحن نعيش الآن في عصر الإغراءات الشديدة، وإنْ كنَّا نُريد أنْ نكون بمُستوى المسؤوليَّة، وبمُستوى العصر، بمُستوى هذه الحِقبة البشريَّة، بمُستوى هذه الرسالة العظيمة في هذه الحِقبة، التي هي أصعب الحِقب، الموطِّئة للإصلاح الشامل، إنْ كنَّا نُريد أنْ نكون فائزين، علينا خلق إرادة قويَّة لدينا، مُقابل الإغراء الشديد، نحتاج إلى رياضة روحيَّة شديدة، وإلاَّ كان المصيد هو الانزلاق أمام الإغراء، وبدل أنْ نكون دُعاة إلى أهل البيتعليهم‌السلام ، نُسبب النفور عن مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام . والحال أنَّهمعليهم‌السلام خاطبونا، أنْ نتدارس فكرهم ونستنير ببصائرهم، ونتحمَّل هذا الفكر بخَلقِنا مِن أنفسنا نماذج أُمثوليَّة؛ لنجذب الناس بدل أنْ نبعدهم عن مذهب أهل البيتعليهم‌السلام .

فالمفروض في موسم عاشوراء أنْ نعيش حالة مثاليَّة روحيَّة فائقة جِدَّاً، بجانب تعايشنا حالة الحُزن والبُكاء ومُدارسة المدرسة الحسينيَّة، لكنَّنا لابُدَّ أنْ نتشدَّد في الجهات الأخلاقيَّة أيضاً؛ لكي يكون انجذاب الآخرين إلى المرسم الحسيني وإلى المهرجان الحسيني كبير، ولا يكون رُعاة ضيوف الاستقبال مُنفرين، وإنْ شاء الله هذا هو المأمول مِن الجميع، أنْ نُجسِّم أخلاقيَّات كربلاء، وأخلاقيَّات سيِّد الشهداء، الذي يتشدَّد في الصغيرة والكبيرة مِن المبادئ. هذا مسلم بن عقيل، وهذا أبو الفضل العباس، وهذا عليُّ الأكبر، نماذج قِمَم روحيَّة في الأخلاق في كلِّ خُطواتهم، وحتَّى في حالة اضطراب الوضع العسكري والروحي والنفسي، لا يفقدون الأخلاقيَّات.

لاحظ شدَّة المِحنة، وشِدَّة الزلزال والبُركان، عندما كان مسلم بن عقيل مُهدَّداً في نفسه وفي مسيرة سيِّد الشهداء، لكنَّه لم يتناسَ المبدأ، فـ(الإسلام قيّد الفتك) (١) ! ولم يُبرِّر لنفسه بأنَّه: الآن في بُركان، وفي هذه الحالة يدوس على المبادئ! هذا يحتاج إلى تنمية عظيمة؛ لكي نكون كنموذج سفير الحسينعليه‌السلام ، سفير هذه المدرسة. آتني بدُعاة إصلاحيِّين كهكذا نماذج، يعيش الزلزال ولا يفقد توازنه ومبادئه وأخلاقيَّاته! والنماذج كثيرة في كربلاء؛ ليُخاطبوا الوجدان البشري، فأنتم أيُّها الإصلاحيُّون إذا فُتنتم بالإصلاح والتغيير، لا تفقدوا الأخلاقيَّات، لا تفقدوا الشعارات ولا تفقدوا المبادئ.

____________________

١ - مقتل الحسينعليه‌السلام ص ٣٣.

إذا أردنا أنْ نلبس السواد - إنْ شاء الله نُوصل ركبنا بركب سيِّد الشهداء - يجب حين ذاك أنْ نعيش هذه الأخلاقيَّات في ظِلِّ هذا الجوِّ؛ لكي نكون دُعاةً للمدرسة الحسينيَّة، بدل أنْ نكون مُعوِّقين.

ولا نجسد هكذا أخلاق سيِّد الشهداء، ولا ندعو بسلوكنا القاصر إلى نهج سيِّد الشهداء، ومجيئنا إلى المراسم الدينيَّة الحسينيَّة لإقامتها وإقامة العزاء لجذب الناس، لا لتنفيرهم وتعكير صفو صورة سيِّد الشهداء؛ فيجب على ذلك أنْ نكون بقدر المسؤوليَّة.

وصلَّى الله على محمد وآله الطيِّبين الطاهرين..

القسم الثاني: أسئلة و أجوبة الأسئلة بعد الندوة العلميَّة:

تميُّز حركة سيِّد الشهداء:

السؤال:

تميَّز الإمام الحسينعليه‌السلام عن غيره مِن الأئمَّة، بأنَّ حركته ارتبطت بمواجهة مُباشرة مع السُّلطات الحاكمة، فهل هي حالة استثنائيَّة؟ أم هو ظرف تاريخيٌّ خاصٌّ فرِض على الإمام الحسين (سلام الله عليه) القيام بهذا العمل؟

الجواب:

في الواقع، مواجهة إصلاح السُّلطة في النظام الاجتماعي، لم يكن حالة استثنائية عند الأئمَّةعليهم‌السلام ، ولا مِن قَبلهم عند جَدِّهم سيِّد الأنبياء، بلْ هي حالة ديمومية؛ لأنَّ الدين هو الذي يأتي لإدارة وتدبير البشر في ظِلِّ نظامهم الاجتماعي المعيشي، وتلاؤمه مع مسيرهم في العوالم الأُخرى، فالإنسان ذو أبعاد مُختلفة، والإنسان ذو طبقات مُختلفة، فقيادة النظام الاجتماعي دنياً وعوالم أُخرى، بدناً وروحاً، هو الهَمُّ والغَمُّ الذي حُمّل على عاتق النبيّ وأهل بيتهعليهم‌السلام ؛ وبالتالي فإنَّ مواجهة السُّلطة بأشكال وأساليب مُختلفة، وإصلاح سُلطة البشر، هو هَمُّ الأنبياء، والمحور الأصلي في مسيرة النبي وأهل بيتهعليهم‌السلام .

نعم، الأُسلوب الخاصُّ، والشكل الخاصُّ الذي قام به سيِّد الشهداء هو بنحو مُتميِّز، عمَّا قام به بقيَّة الأئمَّةعليهم‌السلام .

الخنوع أو المواجهة عند المدارس الإسلاميَّة الأُخرى:

السؤال:

كيف يوازن بين المنهجين المطروحين عند أهل السُّنَّة، بين الخنوع والذِّلِّ بين يدي السلطان، والمواجهة المسلحة ضِدَّ الحاكم؟

الجواب:

هذه الموازنة المعقَّدة هي التي قام أهل البيتعليهم‌السلام وبالذات سيِّد الشهداء، في ظلِّ جدليَّة تتجاذب مع المجتمع والإنسان وعقله وفكره، أنْ لا يُفرِّط في المكاسب، وأنْ لا يُهادن في المفاسد، وكيف يُحافظ و يوازن بين دفع المفاسد والإبقاء والادِّخار للمكاسب، هذا هو الأُسلوب المتميِّز لسيِّد الشهداء، أنَّه حاول ألاَّ يقرَّ الفساد والخطأ والوضع العَفن، في حين لم يُفرِّط بالمنجزات الصحيحة في الواقع السائد، فلا إفراط ولا تفريط.

يرى البعض - على ضوء ذلك - أنَّ سيِّد الشهداء تصرَّف بأُسلوب ساخن، وأنَّ الإمام الحسن تصرَّف بأُسلوب بارد، وفي الواقع، إنَّ أسلوب سيِّد الشهداء وأُسلوب الإمام الحسنعليهما‌السلام ، يجتمعان وأسلوب أبيهما سيِّد الأوصياء وجَدِّهما سيِّد الأنبياء.. كان أُسلوب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في مَكَّة لثلاث عشرة سنة أُسلوب الهُدنة، وكذلك في المدينة، فهناك فرق بين نهج النبي والوصي والسبطين وبين نهج الخلفاء في الفتوحات - طبعاً هذا شيء مُختلف - أو نهج السُّلطة الأُمويَّة أو السلطة العباسيَّة.

نهج الأربعة أصحاب الكساء نهج مُتميِّز خاصٌّ، فالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كانت له دعوات للأُمم في الدخول والانطواء تحت دين الله (عَزَّ وجَلَّ)، فهم بطوعانيَّة انجذابهم إلى النموذج الإسلامي يدخلون، أمَّا حرب مؤتة أو غيرها، فكلُّها حروب وقائيَّة؛ لأنَّ المشركين أرادوا أنْ يباغتوا المسلمين والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ومِن ثمَّ أعدَّ لهم الجيش في تبوك أو في مَكَّة أو غيرهم، وكذلك انظر إلى الخلفية التاريخيَّة لبدر وأُحد والأحزاب وحُنين.. وغيرها، التي رُصدت في حروب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله هو بمنطق العرف القانوني كحروب وقائيَّة، وكذلك الحال في سيِّد الشهداء، في حين تميَّز منهجه بالدم، وتميَّز بالتضحية، مِن دون أنْ يُبادر بهدر دم الطرف الآخر، وإنَّما يُضحِّي بدمه وكلِّ مُقدراته (سلام الله عليه)، في مُقابل عدم الرضوخ للوضع الفاسد.

راية ضلال:

السؤال:

كيف نفهم هذه الرواية فهماً صحيحاً:(كلُّ راية تخرج قبل قيام الإمام المهدي عليه‌السلام فهي راية ضلال) ؟(١) .

____________________

١ - الكافي ج ٨ ص ٢٩٥، الوسائل ج ١٥ ص ٥٢، غيبة النعماني ص ١١١، البحار ج٥٢ ص١٤٢.

الجواب:

هذه الرواية هي ضمن مجموعة روايات عديدة، ومفادها في قراءتي الخاصَّة، لا يعني الدعوة إلى الخمول والجمود، أو عدم مُحاولة تغيير المنكر الاجتماعي أو السياسي.. وغيره، إنَّما مصبُّ هذه الرواية ومثيلها مِن الروايات، أمران:

الأمر الأوَّل: أيُّ قيادة في الطائفة الشيعيَّة، تُريد أنْ تقوم بهيكل سياسيٍّ أو شرعيٍّ، لا يُمكن أنْ تتسنَّم كلَّ صلاحيَّات الإمام المعصوم، نعم تقوم بإقامة الحكومة، كما ذكر ذلك الفُقهاء الأقدمون، وإدارة المجتمع الشيعي والطائفة والدولة الشيعيَّة، أو الدولة الإسلاميَّة، لكنَّ صلاحيَّتها في الدولة ليست كصلاحيَّات الإمام المعصوم، في التشريع وفي التنفيذ وفي القضاء.. وبعبارة أُخرى كالصلاحيَّات المفتوحة للمعصوم. المعصوم هو مصدر الشرعيَّة، وليس ذلك للفُقهاء، إنَّما هم حُفَّاظ على ما هو فوقهم مِن تراث أهل البيت، هذا أمرٌ تُريد أنْ تُثيره الروايات؛ كي لا يُختطَّ في الحركات التغييريَّة الشيعيَّة أنْ تخرج عن نهج الأئمَّة الاثني عشر، فتُصبح زيديَّة أو تُصبح إسماعيليَّة أو ما شابه ذلك، هذا مطمح ترومه وتُشير إليه الروايات.

لذلك يفهمنا أبناء المذاهب الإسلاميَّة الأُخرى بشكل خاطئ، فيظنُّون أنَّ الفُقهاء عندما شيَّدوا نظام الجمهوريَّة الإسلاميَّة، قد تخلُّوا عن شرطيَّة العصمة، هذا خطأ في قراءة مسار الشيعة، فالإمامة والعصمة لا يُمكن رفع اليد عنها، نعم نقول: إنَّ النظام البشري لا يُمكن أنْ يقوده إلاَّ معصوم، فالذي يُدير البشريَّة بشكل خفيٍّ الآن هو المهدي (عجَّل الله فرجه) مع شبكته الخفيَّة، لا مع مجموعات الدجل والاحتيال، التي تدَّعي السفارة، مهزلة استعماريَّة إنكليزيَّة معروفة، كلامنا في ما هو واقع الأبدال والأوتاد والنُّقباء وعِبْرهم هو (سلام الله عليه) يُدير البشريَّة والنظام البشري.

وهناك مِن الآيات القرآنيَّة الصريحة في ذلك، أنَّ وظيفة المعصوم، كعلي بن أبي طالب، والذي يُقال: بقعوده خمساً وعشرين سنة في البيت، هي مقولة خاطئة! بلْ هو يُدير البشريَّة. إبراهيم لم يتسلَّم في العلن سلطة رسميَّة، لكنَّه في الخفاء، بيده أزمَّة إدارة أنظمة البشريَّة - بشكل سريٍّ -، كما هو موجود الآن، كما أنَّ القوى التي تُدير البشريَّة حالياً قوى خفيَّة أكثر مِن كونها قوى علنيَّة رسميَّة.

المقصود: إنَّنا في رؤيتنا الشيعيَّة لا نتخلَّى - أبداً - عن المعصوم الذي تُحفَظ به البشريَّة، و ما الفُقهاء إلاَّ وكلاء ونوَّاب ورؤساء مُحافظات له، والمحور الأصلي هو المعصوم. فقراءة المذاهب الإسلاميَّة الأُخرى لمسار الشيعة، مثلاً تجربة إيران كجمهوريَّة إسلاميَّة، قراءتهم لها خاطئة، فلا يعني تشييد النظام الإسلامي أنَّنا تخلَّينا عن العصمة، بلْ على العكس، إنَّا نحن في ظِلِّ العصمة. هذه نكتة مُهمَّة؛ ولذلك - ولله الحمد - شيعة إيران تحت ظِلِّ الفقهاء، لم يُصبحوا فرقة شيعيَّة جديدة، مثل الزيديَّة أو الوافقة وغيرهم؛ لأنَّهم يلتفتون إلى معنى قيادة الفقهاء تحت ظلِّ العصمة، ومِن ثمَّ يستمرُّون على النهج الاثني عشري.

الأمر الثاني: نُكتة أُخرى إعجازيَّة، تُشير لها هذه الروايات - وتختلف قراءتي لهذه الروايات عن قراءة جماعات عديدة مِن الفقهاء -، قراءة أُخرى ألمسها في هذه الروايات تُريد أنْ تُشيد بنُكتة مُعيَّنة وهو ضمان التسديد والنجاح في الأُسلوب التوعوي و الإرشادي التثقيفي العملي والتربوي الإصلاحي، وأنَّكم في التأثير على المدِّ الاجتماعي والتغيير الاجتماعي، ليس مِن الضروري أنْ تكشفوا أوراقكم على العَلن. فمِن باب المثال - الذي يضرب مِن جِهة ولا يُقاس به مِن كلِّ جِهة - الصهيونيَّة هدَّ الله أركانها ليست قوَّتها على البشريَّة الآن في إسرائيل، مع أنَّ صندوق النقد الدولي بيدها، والمصرف الدولي بيدها، والشركات النفطيَّة العملاقة بيدها، وشركات الأسلحة بيدها، وشركات وكالات الإعلام الضخمة التي تُهيمن على كلِّ الفضائيَّات بيدها، فأيُّ قطَّاع عامٍّ بشريٍّ رأسماليٍّ مُسيطر هو بيدها، وهم لم يصلوا إليها أبداً عِبر دولة رسميَّة، إنَّما عِبر العمل تحت السطح.

هذه الروايات تُريد أنْ تُشير إلى هذا المطلب: أنَّ العمل - وليس الجمود و الخمول - إنَّما العمل تحت السطح يضمن الأمان في نجاح العمل، نعم قد تأتي ظروف استثنائيَّة شبيهة بنهج الحسينعليه‌السلام ، ولابُدَّ حينها أنْ يكون العمل فوق السطح، مِثل انتصار الثورة الإسلاميَّة في إيران، لكنْ كبرنامج عامٍّ، العمل تحت السطح مضمون السلامة ومضمون النجاح؛ لأنَّ الخفاء يفقد العدو الاستهداف أو العلم بالخفايا والنوايا وأهداف البرامج. وهذه قراءة أُخرى أيضاً لهذه الروايات.

التشابه بين منهج الزيديَّة ومنهج الخوارج:

السؤال:

ذكرتم أنَّ هناك تشابُهاً بين ثورة زيد بن علي وبين الخوارج، أرجو توضيح التشابه بينهما.

الجواب:

نفس شخص زيد بن علي له شأن خاصٌّ، وأمر مَن يُحيط بزيد بن علي أو استمرَّ على نهجه هو أمر آخر، يجب أنْ نُفكِّك الأوراق والحساب، فقد وصف الإمام الرضاعليه‌السلام زيداً الشهيد بأنَّه كان عالماً مِن علماء آل محمد، ولكنَّ مَن كان يُحيط بزيد، أو مَن خَلَف زيد بن عليٍّ في هذا المسار، نعم يوجد هناك أوجه اشتراك بينهم وبين الخوارج.

ففي حين تصحيح جملة مِن خطوات زيد بن علي ونهجه والإنجازات التي صنعها، تنشأ بعض المؤاخذات مِن المعصومين حول رشادة البرنامج الذي قام به زيد، فلو استرشد بالمعصومين أكثر، لرُبَّما أُهِّلَ لنجاح أكبر - وعلى أيِّ حال - مُحاسبة نفس زيد وخطواته وإيجابيَّة نهجه، يختلف عن مُحاسبة مَن يُحيط به، أو عن مَن خلفه في هذا النهج.

فالكلام - إذاً - في مَن خلفه، أيْ نهج المذهب الزيدي بعبارة أُخرى، فجهات الاشتراك بينهم وبين الخوارج هي:

١ - أنَّ التغيير لابُدَّ أنْ يكون بابتداء الأُسلوب الساخن المفرط، هذا أمر مُشترك - تقريباً - بين النهج الزيدي ونهج الخوارج، أنَّه إذا استتمَّت الشرائط، فالأُسلوب الساخن هو الذي يبتدئ ويتمُّ اعتماده، والأُسلوب الساخن إذا ابتدأ رُبَّما يُفرَّط في الكثير مِن المقدَّرات الصحيحة، أو الحُرمات الصحيحة، أو الإنجازات الاجتماعيَّة الصحيحة، هذه جِهة اشتراك موجودة بين النهج الزيدي ونهج الخوارج.

٢ - جهة اشتراك أُخرى بين المذهب الزيدي ومذهب الخوارج، هو في عدم الحساسيَّة اللازمة الشديدة حول الشرعيَّة، كما هو الحال في الخوارج، بينما نرى تحسُّسهم حول السلطة السياسيَّة فقط، فلا تحسُّس حول مصدر التشريع، ومِن المفروض أنَّ الشرعيَّة في مصدر التشريع لها حسَّاسيَّة بالغة، وأنَّهم مِن أين يستقون شرعهم؟ كما أنَّ الأمر كذلك بالنسبة لأفراد بعض الحركات الإسلاميَّة: مِن أين يستقون أوامرهم وفقههم السياسي، التنظيمي، العسكري؟ فليس كلُّ مَن تزيَّى بالشكل الإسلامي المتنسِّك هو مصدر لشرعيَّة!

وفي النهج الزيدي - مع الأسف - قد أخفقوا في هذه النقطة، بابتعادهم عن أهل البيتعليهم‌السلام فأصبحوا لا يتحسَّسون كثيراً حول مصدر الشرعيَّة أو التشريع أو السلطة التشريعيَّة، وإنَّما تحسُّسهم هو حول السلطة السياسيَّة، دون شرعيَّة السلطة التشريعيَّة.

٣ - جهة اشتراك أُخرى في المذهب الزيدي مع الخوارج، أنَّهم لا يتقيَّدون بالعصمة، وعندما نتقيَّد نحن بالعصمة، نتقيَّد بالأنموذجيَّة، بلْ ينبوع الأنموذجيَّة المرتبط بالسماء.

حقوق الإنسان وثورة الإمام الحسينعليه‌السلام :

السؤال:

شعار حقوق الإنسان هو شعار دولي الآن، أين نجد ذلك في ثورة الحسينعليه‌السلام وحركته الرساليَّة؟

الجواب:

مِن الأُمور البارزة جِدَّاً في الشعار الذي حمله سيِّد الشهداء، في خُطبه في مَكَّة، وفي طريقه إلى كربلاء، وفي كربلاء، هو المناداة بحقوق المسلمين في مُقابل طغيان طغمة على رقابهم، بلْ إنَّنا وجدنا في تعامل سيِّد الشهداء عِدَّة فقرات، تنمُّ عن أنَّه يُطالب أوَّلاً بتثبيت الحقوق الإنسانيَّة على صعيد فطري إنساني، قبل أنْ يُطالب بتثبيت الحقوق الإسلاميَّة، فخاطبهم:(إنْ لم يكن لكم دين، فكونوا أحراراً في دنياكم) ، فيجب ألاَّ يستعبدكم أحد ويطغى عليكم ويستأثر عليكم، هذا خطاب فطريٌّ إنساني قبل أنْ يكون إسلاميَّاً. وحتَّى في خطابه الإسلامي (سلام الله عليه)، لم يقل:(إنِّي خرجت للإصلاح في شيعة أبي) ، وإنَّما قال:(في أُمَّة جَدِّي) ، فنهجه هكذا، أمر بالمعروف ونهي عن المنكر. والواضح في بنود وخطاب سيِّد الشهداء، في جملة مِن النصوص الواردة عنه (سلام الله عليه)، والشعارات التي حملها، وأراد أنْ يبني وعي الناس عليها، هي في البدء حقوق إنسانيَّة قبل أنْ تكون حقوقاً إسلاميَّة، و قد استعرضنا ذلك مِن قَبل.

ذكر السياسة في اللطم:

السؤال:

ما هو رأيكم في ذكر السياسة في العزاء؟

الجواب:

ذكر السياسة في العزاء هو على نمطين: فنمط ضروريٌّ واجب، ونمط غير مُستحسن.

ربَّما يُنادي الكثيرون بفصل السياسة عن الشعائر الحسينيَّة، بهدف التركيز وتمركز العزاء حول سيِّد الشهداء في نيَّاتهم وقصدهم، لكنَّهم مِن جانب قد يُقْصون الحسين - مِن حيث لا يلتفتون - إلى جِهة مُعيَّنة، وكذلك الذين يُريدون أنْ يُركِّزوا على الجانب السياسي في العزاء يهدفون إلى مُعايشة مدرسة أهل البيت في الوضع الراهن، لكنَّهم - أيضاً - يُقْصون سيَّد الشهداء مِن جانب قد لا يلتفتون إليه.

إذاً، هناك جنبة إيجابيَّة عند الجانبين، ويجب أنْ تُصلح الجنبة السلبيَّة عند الطرفين، فإنِّي إذا أردت أنْ أُركِّز على أهل البيتعليهم‌السلام ، لا يصحُّ أنْ أُقصي أهل البيت عن الاقتداء بهم في وضعي الراهن، ولا أكون بذلك قد أحييت ذكر أهل البيت، إنَّما في الواقع، أقصيتهم مِن حيث لا أشعر؛ لأنَّني هكذا أجعل أهل البيت بمعزل عن الوضع الراهن والوضع السائد، بكوني لا أقتبس مِن أهل البيتعليهم‌السلام شيئاً، فأعزلهم وأُخمد ذكرهم - والعياذ بالله -.

كذلك لو أتيت بالوضع الراهن دون التركيز على قبسات مِن أهل البيت، بمُجرَّد الحديث على الوضع الراهن وانتقادي له، والأفكار المطروحة ضمن ما يُردَّد في العزاء، أو حتَّى في خطابة الخطيب الحسيني، فأكون هنا - أيضاً - قد أقصيت وعزلت أهل البيتعليهم‌السلام عن الوضع الراهن. الحلُّ الأمثل هو أنْ أستعرض الوضع الراهن، وآتي بحلوله مِن مواقف سيِّد الشهداء، كالمرهم والدواء للداء الموجود في الوضع الحالي.

أذكر بعض الشعراء في القديم مِمَّن لديهم ثقافة وذكاء لطيف، فيأتي بالمشكلة التي يعيشها المؤمنون في هذا البلد، ثمَّ يأتي بموقف لسيِّد الشهداء أو للعقيلة أو لأبي الفضل العباس، ويضرب في الصميم - كما يُقال -، وهذا ذكاء ووعي أدبيٌّ، بحيث نقتدي بأهل البيت، ونقتبس مِن أهل البيت حلولاً لمشاكلنا الراهنة، مِن دون أنْ نجعل نماذج لغير أهل البيت، نماذج للوضع الراهن، فنُركِّز ونجعل المحور وقطب الرحى هُمْ أهل البيت، ونتعايش معهم في معيشتنا، ونحيا بحياتهم في حياتنا الراهنة، فإنَّنا إذا حيينا في حياتنا الراهنة ولم نحيَ بلون حياة أهل البيت، نكون قد عزلنا أهل البيت، وإنْ حاولنا أنْ نحيا حياة أهل البيت في شكلها المأثور فقط، مِن دون أنْ نسحبها إلى تبيان رؤى مِن مواقفهم ومِن كلماتهم للوضع الراهن، فأرى مِن كلا الجانبين إفراطاً وتفريطاً.

إذا أردنا أنْ نأتمَّ بأهل البيتعليهم‌السلام يجب علينا أنْ نعيش معهم في عيشتنا الراهنة، لا أنْ نعزل الوضع الراهن عن أهل البيت، و لا نعزل أهل البيت عن الوضع الراهن، ولا أنْ نجعل أمثولة الحلول للوضع الراهن، أمثلة لغير أهل البيتعليهم‌السلام .

يحتاج هذا بالطبع إلى براعة أدبيَّة، وعلم ثقافي عند الخطيب أو الشاعر، بحيث يقتبس مِن مواقف أهل البيت وكلمات أهل البيت حلولاً في الصميم، وبالتعبير الدارج (نغزة) أو (كناية) كنماذج لاستلال حلول لمواقف ومُشكلات الوضع الراهن مِن أهل البيتعليهم‌السلام .

دور أمير المؤمنينعليه‌السلام في الفُتوحات:

السؤال:

ما هي الملفَّات التي تُدلِّل على أنَّ أمير المؤمنينعليه‌السلام هو المخطِّط للفتوحات الإسلاميَّة لتوسعة الرقعة الجغرافيَّة في عهد مَن سبقه مِن خُلفاء ثلاثة؟ مع العلم أنَّ الكثير مِن الباحثين كانوا يَعيبون عليهم الاهتمام بالفتوحات الخارجيَّة دون الاعتناء بالداخل، وحتَّى سماحتكم بيَّنتم في طيِّ كلامكم أفضليَّة الاهتمام بالداخل أكثر مِن التوسعة الجغرافيَّة للإسلام، أرجو التوضيح.

الجواب:

طبعاً ملفُّ الفتوحات ملفٌّ قديم شائك وَعْرٌ، خطر في الثقافة الإسلاميَّة، وفي الرؤية الإسلاميَّة، وفي العلوم الإسلاميَّة، وفي النظرة الإسلاميَّة.

ما جذبني إلى الخوض في هذا الملفِّ، كانت ندوة في الحوزة العلميَّة، بيني وبين أحد نجوم الثقافة في إيران، مِن مجلَّة واسعة الانتشار في إيران وخارج إيران، حول بحث مواقف أمير المؤمنينعليه‌السلام ، والرؤية المعاصرة لها، ثمَّ أُقيمت ندوة بيني وبينه في الحوزة العلميَّة في قُمْ المقدَّسة، برعاية الحوزة العلميَّة وجامعة المدرِّسين وغيرهما، وكان الحضور مِن تيَّارات مُختلفة.

فصار تجاذب الحديث لساعتين، رجعت بعدها إلى البحث، وحاولت أنْ أخوض في هذا الملفِّ أكثر، مع أنَّه كانت لي إجابات كثيرة ومُداولات فيه، وأصبح لدينا نوع مِن الموسم أو الانعكاس الثقافي الشديد المتجاذب، الذي أثرى الساحة الفكريَّة.

حينها - سبحان الله - وقعت عيني على رواية لأمير المؤمنينعليه‌السلام في شرح ابن أبي الحديد لنهج البلاغة، أنَّ أمير المؤمنين يتعجَّب مِن قريش؛ لأنَّها تنسب الفتوحات لأُمرائها، مع أنَّ الفتوحات مِن تخطيطهعليه‌السلام ، لكنَّ الجيل الذي كان يَعرف أنَّ هذه مِن تخطيطه ذهب، وجاء جيل جديد لا يدري.

والعبارة لأمير المؤمنينعليه‌السلام :(.. ثمَّ فتح الله عليها الفتوح، فأثرت بعد الفاقة، وتموَّلت بعد الجُهد والمَخمصة، فحسن في عيونها مِن الإسلام ما كان سَمجاً، وثبت في قلوب كثير منها مِن الدين ما كان مُضطرباً، وقالت: لولا أنَّه حَقٌّ لما كان كذا، ثمَّ نَسبت تلك الفتوح إلى آراء ولاتها، وحُسْن تدبير الأُمراء القائمين بها، فتأكَّد عند الناس نباهة قوم وخمول آخرين، فكنَّا نحن مِمَّن خمل ذكره، وخَبت ناره، وانقطع صوته وصيته، حتَّى أكل الدهر علينا وشرب، ومضت السنون والأحقاب بما فيها، ومات كثير مِمَّن يَعرف، ونشأ كثير مِمَّن لا يعرف. وما عسى أنْ يكون الولد لو كان!...) (١) .

____________________

١ - شرح نهج البلاغة ج ٢٠ ص ٢٩٨.

هذه العبارة استوقفتني، فأمير المؤمنين يُصرِّح هذا الشيء، وهو عين اليقين وحقُّ اليقين؛ لذا يجب أنْ نبحث في الملفِّ. فعدتُّ لكتاب الطبري في التاريخ، وكتاب الفتوحات لابن أعثم، ومصادر تاريخيَّة عديدة، فوجدت هذه الحقيقة بشكل عجيب، لكنَّها مُقصَّصة مُبعثرة، مثل اللوحة الكبيرة التي تُمثِّل الحقيقة، يأتي الذين يُعتِّمون على الحقيقة، يَقصُّون الحقيقة قَصاصات، ويُبعثرونها في الكُتب، وعندما تجمعها، ترى الحقيقة جليَّة.

وأقمت بحثاً مُفصَّلاً ووجدت ملفَّاً كاملاً(١) حتَّى إنَّ الكثير مِن المحقِّقين قالوا لي: (الطريق وعر وخطر، لا تدخل فيه، وكثير مِن علمائنا الكبار، الفقهاء والمؤرِّخين والمفسِّرين لم يخوضوا فيه)، فقلت لهم: إنِّي أخوضه - إنْ شاء الله - بكلِّ عزيمة، ببركات أمير المؤمنينعليه‌السلام .

____________________

١ - راجع حلقات سلسلة عدالة الصحابة التي في مجلة تراثنا، وموجودة في الانترنت في موقع رافد التابع لمرجعيَّة آية الله العظمى السيِّد علي السيستاني دام ظلُّه، وقد طُبعت مُؤخَّراً هذه الحلقات في كتاب باسم (عدالة الصحابة) لسماحة الأُستاذ آية الله الشيخ محمد سند دام ظِلُّه.

فعزلت بين حيثيَّات ثلاث أذكرها لاحقاً بالترتيب، إحدى هذه الحيثيَّات أصل التخطيط، فأصعب الدول في الإدارة دولة الحرب؛ لأنَّه لابُدَّ للدولة أنْ تُدير الوضع الداخلي وتُدير الفعاليَّة الحربيَّة في الخارج، فالوضع صعب جِدَّاً ومُتكهرب، مَن يقوم بهذا العبء؟

فوجدت أنَّ تخطيط دولة الحرب في نصوص الكتب التاريخيَّة للمذاهب الإسلاميَّة، هو بشكل مُبعثر، مُعتَّم عليه، لكنَّ يأبى الله إلاَّ أنْ يُظهر هذه الصفحة الذهبيَّة مِن كتاب أمير المؤمنين (سلام الله عليه). وجدت أنَّ التخطيط لدولة الحرب لم يكن لولا أمير المؤمنين، حتَّى ما يُسمونه بحروب الرِّدَّة هناك نصوص تاريخيَّة عثرت عليها، وأبلغت الكثير مِن المحقِّقين في الحوزة العلميَّة في قُمْ المقدَّسة، وألقيتها في ندوات أُخرى وفي أندية علميَّة أُخرى بشكل مُسلسل، وفي قُمْ المقدَّسة بشكل حلقات، وجدت أنَّ التخطيط لدولة الحرب كلِّه لعلي بن أبي طالبعليه‌السلام ، ووجدت عظمة علي بن أبي طالب في هذه الصفحة مِن حياته، التي استهوتني أكثر مِن صفحات أُخرى لعلي بن أبي طالب؛ لأنَّه قام بعمل جبَّار عَلِم أنَّه لن يُنسَب له، ما هذا الإخلاص! أنْ تعلم بأنَّ هذا العمل الجبَّار العظيم سوف لن ينسبه لك التاريخ المظلم وهذه الأقلام المظلمة المكمَّكمة، ومع ذلك تعمله بينك وبين الله؛ لأجل تشييد صَرْح الدين والإسلام! ووجدت أنَّ هذا ليس عند علي بن أبي طالب فقط، إنَّما عند الحسن والحسين وبقيَّة الأئمَّة، والمهدي صاحب العصر والزمان، كلُّهم لهم أدوار خفيَّة عظيمة، غير معلومة - في العلن - أنَّها لهم.

في المعركة التي مع الأكاسرة الفرس، معركتان مُهمَّتان مصيريَّتان (القادسيَّة ونهاوند) نصوص تاريخيَّة عجيبة، تُدلِّل على أنَّه عندما عبَّأت القوميَّات المختلفة - مِن ملوك الفرس والترك وغيرهم مِن الأكاسرة، سِيَّما في نهاوند - خُطَّةً لطرد المسلمين، واسترجاع العراق كلِّه (البصرة والكوفة) والانقضاض حتَّى على المدينة المنوَّرة. ونصُّ العبارة التاريخيَّة يقول: إنَّه لما جاء البريد إلى الخليفة الثاني بأنَّ كسرى عنده هذا التخطيط، وقد استعان بملوك مِن دول الجوار الكثيرة، ولهم ضربة قاضية، أخذت أسنان الخليفة الثاني تصطكُّ وسُمع أطيط أسنانه مِن في المسجد مِن الخوف، وقال أشيروا عليٍّ.. فقام فلان وفلان وفلان مِن الأسماء المطنطِنة، كلٌّ يُبدي برنامجاً هزيلاً، إلى أنْ خاطب هو عليَّاً - في مصادرهم هم وليس في مصادرنا(١) -:(يا أبا الحسن، لم لا تُشير بشيء كما أشار غيرك؟) فقام أمير المؤمنين بتبيين برنامجه الداخلي لدولة الحرب وبرنامج النصر. عجيبٌ تعتيمهم! لكنَّ القَصاصات كلَّها موجودة. قال له بعدها:(مَن أُعيِّن قائداً؟) حتَّى الخطوات التفصيليَّة، لم يكتفِ بالخطوط العامَّة مِن عليِّ بن أبي طالب، وطالبه بخطوط وصفحات تفصيليَّة في البرنامج، وأخذ أمير المؤمنين يُتابع المعركة، وهو في المدينة المنوَّرة في أثناء خوضها.

____________________

١ - ابن أعثم ج ٢ ص ٢٩٥.

وأنتم تسمعون في كتب السُّنَّة أنَّ جيش المسلمين في نهاوند سمعوا صوت عمر:(يا سارية الجبل!) هذه القِصَّة لها حقيقة، وحقيقتها يذكرها السيِّد هاشم التوبلاني البحراني، هذا السيِّد العظيم والعالم الجهبذ، يذكر هذه الرواية في كتابه مدينة المعاجز، ويذكر قصاصاتها التاريخيَّة مِن كُتب القوم، أنَّه في أثناء المعركة حدث خطأ عسكريٌّ مُعيَّن كاد يستأصل جيش المسلمين؛ لأنَّ لديهم جيوشاً عظيمة، ١٥٠ ألفاً بجميع الوسائل الحربيَّة القويَّة، بينما جيوش المسلمين كانت ٣٠ ألفاً تقريباً، أين ٣٠ ألفاً مِن ١٥٠ ألف!!! وأين العُدَّة هنا مِن العُدَّة هناك!!!

عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: كنَّا بين يدي أمير المؤمنينعليه‌السلام في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذ دخل عمر بن الخطَّاب، فلمَّا جلس قال للجماعة:إنَّ لنا سِرَّاً فخفِّفوا رحمكم الله. فتهيَّزت وجوهنا وقلنا له: ما هكذا كان يفعل بنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ! ولقد كان يأتمننا على سِرِّه، فما بالك أنت لما وليت أُمور المسلمين تستَّرت بنقاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟! فقال: للناس أسرار لا يُمكن إعلانها بين الناس، فقمنا مُغضبين وخلا بأمير المؤمنينعليه‌السلام مليَّاً، ثمَّ قاما مِن مجلسهما حتَّى رقيا منبر رسول الله جميعاً.

فقلنا: الله أكبر، أترى ابن حَنتمة رجع عن طغيانه وغيِّه ورقى المنبر مع أمير المؤمنينعليه‌السلام ليخلع نفسه ويُثبته له؟!

فرأينا أمير المؤمنينعليه‌السلام وقد مسح بيده على وجهه، ورأينا عمر يرتعد ويقول: لا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله العليِّ العظيم، ثمَّ صاح ملء صوته: يا سارية الجبل الجبل، ثمَّ لم يلبث إلى أنْ قَبَّل صدر أمير المؤمنين ونزلا وهو ضاحك، وأمير المؤمنينعليه‌السلام يقول له:(يا عمر، افعل ما زعمت أنَّك فاعله وإنْ كان لا عهد لك ولا وفاء) ، فقال له: أمهلني يا أبا الحسن حتَّى أنظر ما يردُّ مِن خبر سارية وهل ما رأيته صحيح أم لا؟

فقال له أمير المؤمنينعليه‌السلام :(ويحك! إذا صحَّ ووردت أخباره عليك بتصديق ما عاينت ورأيت، وأنَّهم قد سمعوا صوتك ولجأوا إلى الجبل كما رأيت، هل أنت مُسلِّم ما ضَمنت؟) ، قال: لا يا أبا الحسن، ولكنِّي أُضيف هذا إلى ما رأيت منك ومِن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله والله يفعل ما يشاء ويختار.

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام :(يا عمر، إنَّ الذي تقول أنت وحزبك الظالمون إنَّه سحر وكهانة، إنَّه ليس منهما!)، فقال له عمر: يا أبا الحسن، ذلك قول مَن مضى والأمر فينا في هذا الوقت، ونحن أولى بتصديقكم في أعمالكم وما نراه إلاَّ مِن عجائبكم إلاَّ أنَّ الملك عَقيم.

فخرج أمير المؤمنينعليه‌السلام فلقيناه، فقلنا له: يا أمير المؤمنين ما هذه الآية العظيمة وهذا الخطاب الذي قد سمعناه؟

فقال أمير المؤمنين:(هل علمتم أوَّله؟) .

فقلنا: ما علمناه يا أمير المؤمنين، ولا نعلمه إلا منك.

فقال:(إنَّ هذا ابن الخطاب قال لي: إنَّه حزين القلب، باكي العين على جيوشه التي في فتح الجبل في نواحي نهاوند، فإنَّه يُحبُّ أنْ يعلم صحَّة أخبارهم وكيف هم مع ما دُفِعوا إليه مِن كثرة جيوش الجبل، وأنَّ عمرو بن معد يكرب قُتل ودُفِن بنهاوند، وقد ضعف جيشه وانحلَّ بقتل عمرو، فقلت له: ويحك يا عمر! تزعم أنَّك الخليفة في الأرض والقائم مقام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأنت لا تعلم ما وراء أذنك، وتحت قدمك، والإمام يرى الأرض ومَن فيها ولا يخفى عليه مِن أعمالهم شيء، فقال: يا أبا الحسن، فأنت بهذه الصورة، فأيُّ شيء خبر سارية الساعة؟ وأين هو ومَن معه وكيف صورتهم؟

فقلت له: يا بن الخطَّاب، إنْ قلت لك لم تصدقني، ولكنِّي أُريك جيشك وأصحابك وسارية، وقد كمُن لهم جيوش الجبل في واد قفر، بعيد الأقطار، كثير الأشجار، فإنْ سار جيشك إليهم يسيراً أحاطوا به فقُتل أوَّل جيشك وآخره، فقال لي: يا أبا الحسن، فما لهم مِن ملجأ منهم ولا مخرج مِن ذلك الوادي، فقلت: بلى، لو لحقوا إلى الجبل الذي إلى الوادي؛ لسلموا وملكوا جيش الجبل، فقلق وأخذ بيدي وقال: الله الله يا أبا الحسن في جيوش المسلمين، إمَّا أنْ ترينَّهم كما ذكرت، أو تُحذِّرهم إنْ قدرت، ولك ما تشاء، ولو خلع نفسي مِن الخلافة هذا الأمر وأردُّه إليك.

فأخذت عليه عهد الله وميثاقه - إنْ رقيت به المنبر، وكشفت له عن بصره، وأريته جيشه في الوادي، وإنَّه يصيح عليهم فيسمعون منه ويلجأون إلى الجبل فيَسلمون ويظفرون فيه - أنْ يخلع نفسه مِن الخلافة ويُسلِّم حَقِّي إليَّ، فقلت له: قُمْ يا شقيُّ، فوالله لا وفيت بهذا العهد والميثاق، كما لم تفِ لله ولرسوله ولي بما أخذناه عليك مِن العهد والميثاق والبيعة في جميع المواطن.

فقال لي: بلى والله، فقلت له: ستعلم أنَّك مِن الكاذبين، ورقوت المنبر ودعوت بدعوات وسألت الله أنْ يُريه ما قلت له، ومسحت بيدي على عينيه، وقلت له وكُشف عنه غطاؤه ونظر إلى سارية وسائر الجيش وجيش الجبل، وما بقي إلاَّ الهزيمة لجيشه وقلت: صِحْ يا عمر إنْ شئت، قال: وأُسمِع؟ قلت له: وتُسمع، وتُنادي بصوتك إليهم، فصاح الصيحة التي سمعتموها (يا سارية الجبل الجبل)، فسمعوا صوته ولجأوا إلى الجبل، فسلَّموا وظفروا ونزل ضاحكاً كما رأيتموه، وخاطبته وخاطبني بما قد سمعتم) .

قال جابر: فآمنَّا وصدَّقنا وشكَّ آخرون، إلى أنْ ورد البريد بحكاية ما حكاه أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ورآه عمر ونادى بأعلى صوته، فكان أكثر العوامِّ المتمرِّدين وابن الخطَّاب جعلوا هذا الحديث له مَنقبة، والله ما كان إلا مَثلبة..)(١) .

كان ليحتاج إلى رادارات و فضائيَّات، ويحتاج إلى فاكس سريع، بلْ يحتاج إلى أقمار صناعيَّة تُغطِّي أرض المعركة! وهذا كلُّه قام به علي بن أبي طالبعليه‌السلام بالعلم اللدُني، وقصاصات حقائق الفتوحات موجودة في كُتب التاريخ التي كتبوها هم! لكنَّها مُبعثرة، وجمعناها بحمد الله كنُبذه وكعيِّنة لمشروع علمي يستقصي البحث عسى الله تعالى يُقيِّض له ذوي الهِمَم لإنجازه.

____________________

١ - مدينة المعاجز ج ٢ ص ١٤-١٨.

في معركة اليرموك، في مُحاربة المسلمين الإمبراطوريَّة الروميَّة، كان عِدَّة الجيش الرومي (القياصرة) ٤٠٠ ألف جنديٍّ، وكان المسلمون ٤٠ ألفاً، أيْ عشرة أضعاف عددهم! عُدَّة أولئك كيف مِن عُدَّة هؤلاء.

كيف صنع خالد بن الوليد سيف الله - كما يدَّعون - وكيف صنع أبو عُبيدة بن الجرَّاح، ومِن وراء الجُند: هند وأبو سفيان!

تُنادي هند بنفس أشعارها في أُحِد:

نحن بنات طارق

نمشي على النمارق

إنْ تُقبلوا نُعانق

أو تُدبروا نُفارق

هذا الشعر مُتضمِّن لمعاني الخنا! ولا أُريد أنْ أُترجم في هذا المحفل الشريف هذه الكلمات!

فكانت هند تُنشد نفس الأشعار، وبيت أبي سفيان كان على صلة بالروم، فهي تُخاطب ذاك الطرف: (نحن طابور خامس)، وهم يذكرون ذلك في مثل تاريخ الطبري وغيره، إنْ كان حامي جيش المسلمين هكذا فكيف ينتصر؟!

وقد حار خالد بن الوليد – كما في نصوصهم التاريخيَّة – وأبو عبيدة، في أمر الخُطَّة الحربيَّة والعمل فيها. فجاء بطل عليٍّ، مالك الأشتر، تلميذ عليِّ الذي يُعبِّئ عليَّ بن أبي طالب بالبرنامج، فقال: اتركوا قيادة الجيش لي، وهنا بدأ نجم مالك الأشتر يسطع في العالم الإسلامي، وهو جندي مِن جنود علي. وقائد جيش الروم هو رئيس الوزراء الرومي واسمه هامان، الذي كان قائداً حربيَّاً باسلاً وداهيةً سياسيَّةً عجيبة، فاجتمعت فيه الخصلتين.

ففوَّض أبو عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد في اليرموك قيادة الجيش لمالك الأشتر، فقام مالك بالخطوة مُقابل هذا الجيش الجبَّار، الخُطوة التي أحجم عنها خالد بن الوليد الذي يسمُّونه سيف الله المسلول! وانكفأ أبو عبيدة أيضاً، فخرج مالك الأشتر: ادعوا قيادة الجيش للمبارزة.

لاحظ البرنامج الذي أودعه له أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)، صارع هذا الرئيس فلم يقتله، ولو قتله لرُبَّما لم تنجح الخُطَّة، ضربه ضربة على عاتقه، فلا هو ميِّت ولا هو حي! فأخذ يفرُّ فراراً مِن المعركة، وسبَّب هزيمة نفسيَّة للجيش الرومي كلِّه، وهنا يكمن عنصر الذكاء. وبفضل الله، كُتب النصر للمسلمين في أكبر معركة خاضوها، وهي اليرموك، بتدبير علي بن أبي طالب (سلام الله عليه) وبتنفيذ مالك الأشتر(١) .

____________________

١ - راجع كتب الفتوح لابن أعثم و تاريخ اليعقوبي و البلاذري في معركة اليرموك.

نذكر لكم هذه النُّكتة بعد جمع القصاصات، حتَّى إنَّني دعوت الكثير مِن المحقِّقين لكتابة موسوعة؛ لأنَّ هذه الصفحة مطمورة في كتاب عليعليه‌السلام ، صفحة ذهبيَّة مُشرقة، وكتاب عليٍّ كلُّه صفحات مُشرقة ذهبيَّة، ذكرت أنَّه يجب أنْ نُميِّز بين ثلاث حيثيَّات:

١- الحيثيَّة الأُولى: أصل تخطيط الفتوحات، هذه مسؤوليَّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، التي مهَّد لها قبل عليٍّ، وأعطاهم البرنامج في كيفيَّة توسعة رقعة الإسلام، في حياته مُنذ حرب الخندق، عندما كانوا يضربون الخندق، فأعطاهم الخُطَّة لكنَّهم لم يعوها، ثمَّ ساءلوا أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام في كيفيَّة تنفيذها وتفاصيلها، وكلُّها موجودة في كتب التاريخ. فأصل التخطيط مسؤوليَّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأمير المؤمنينعليه‌السلام مِن بعده.

٢- الحيثيَّة الثانية: أمَّا التنفيذ اللاَّ أخلاقي، الهوجائي الذي استُبيحت فيه الدماء والفروج والأموال، الكثير مِن المستشرقين يُندِّدون بالفتوحات مِن هذه النقطة، فهناك ستار مُظلم – والعياذ بالله – بسبب الفتوحات، وبسبب ما مُورِس مِن لا أخلاقيَّات مذكورة في مصادر القوم(١) ، والمستشرقون لم يأتوا بها مِن أنفسهم، بلْ أتو بها مِن كُتب القوم.

____________________

١ - نذكر مثالين عن ذلك، ومَن شاء التوسُّع عليه بكتب الفتوحات:

١. لما فَّتح بعض المسلمين بعض مُدن فارس كسوس (يقصد مدينة شوشتر الآن) اختصم أهل الكوفة وأهل البصرة، حتَّى كاد أنْ يقع بينهم شيء مِن المكروه. الفتوح ج١ ص ٢٨٦.

٢. ثمَّ نازع رجل مِن عنز - اسمه ضبة بن محزن العنزي - أبا موسى الأشعري في الغنائم، فأرسله إلى عمر بن الخطاب، لكنَّ عمر عنَّف العنزي، مِن دون أنْ يسأله سبب المنازعة، التي بينه وبين الأشعري، فغضب العنزي وأراد الإنصاف، فسأل عمر العنزي عن السبب، فقال العنزي: إنَّ أبا موسى اختار ستِّين غُلاماً مِن أبناء الدهاقين، فاتَّخذهم لنفسه غُلماناً وخدماً، وله جارية يُقال لها: عقيلة، وهي بالغة الجمال، يُغدِّيها بجَفنة ملآنة عراقاً – يعني غنماً - و يُعشِّيها بمثل ذلك، وليس منَّا يقدر على ذلك، وله خاتمان يختم بهما، فميزان يَكتال به لنفسه ويكيل بالآخر لغيره – يعني ينصف الغنائم نصفاً له ونصفاً لغيره – وأنَّه يمنع مِن غنيمة هرمز بدعوى إعطائهم الأمان ضِدَّ اللصوص، وقد تكرَّرت هذه الدعوة مِن أبي موسى الأشعري في عِدَّة مُدن، فاخبر عمر أبا موسى وسائله عن ذلك، ومع ذلك أبقاه عمر على عمله.

وأخذ عمر عقيلة منه بثمنها، وكانت عند عمر في بيته إلى أنْ قُتل عنها.

الفتوح لابن أعثم ج ٢ ص ٢٨٨-٢٨٩.

لا نؤيِّد المستشرقين فهم يكيدون للإسلام، لكنْ مِن الذي مهَّد ووطَّأ لهم هذه المكيدة للإسلام، لتشويه الإسلام والقول: بأنَّ الإسلام دين سيف انتشر على الدماء؟ ليست سياسة أهل البيتعليهم‌السلام هذه السياسة، حتَّى في توسعة الرقعة، فحروب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كلُّها دفاعيَّة، ليست دفاعيَّة بالمصطلح الفقهي، إنَّما بالمصطلح القانوني البشري. كما في معركة بدر، لم يكن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هو الذي بدأ الحرب، هم أغاروا على أموال المسلمين في مَكَّة، بلْ أغاروا حتَّى على المدينة، مِن ثمَّ ذهب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كي يقتصَّ ويسترجع أمواله، إلى قافلة أبي سفيان، فأتوا لحرب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله . وكذا في أُحد والخندق والأحزاب وحنين، مِن الواضح أنَّهم أتوا فيها للحرب، وكلُّ حروب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كانت دفاعيَّة.

أمير المؤمنين في الجمل لم يبدأ بالحرب، وفي صِفِّين لم يبدأ بالحرب، وفي النهروان لم يبدأ بالحرب، بلْ وضع دائماً جِسر الحوار، ودعوة أهل البيت دائماً، دعوة الفكر والمنطق والحوار. سيِّد الشهداء في كربلاء – كما مَرَّ بنا – لم يبدأ هو بالحرب، فقد كان يُشدِّد ويؤكِّد على لُغة الحوار وقام بعدد مِن الخُطب.

كان الطرف الآخر في عنجهيَّة عمياويَّة، وكان سيِّد الشهداء فاتحاً لباب الخطاب والحوار، فلغة أهل البيتعليهم‌السلام ، ليست لغة العُنف، بلْ هي لغة النموذج الأمثل، جذب النور الأمثل لبقيَّة الأُمم لدين الإسلام. لكنَّ هذه الفتوحات وما مُورِس مِن لا أخلاقيَّات بهدف التمتُّع بالجنس الآخر والأموال والليالي الحمراء، هي أمر آخر، وهذه هي الحيثيَّة الثانية.

يذكر المرحوم الشهيد محمد باقر الصدر في كتابه (فدك)، نقلاً عن العلاَّمة الأميني في الغدير(٢) ، قائمة أموال وثروات الصحابة التسعة المبشَّرين وغيرهم مِن الصحابة، ومقادر اكتنازهم الثروة مِن الفُتوحات، هل هذه العدالة التي يُطالب بها الإسلام؟!

٣- الحيثيَّة الثالثة: هي التي أشرنا إليها النظام البديل، (والبديل ما هو؟) هل البديل فقط أذان يحمل شعائر الإسلام؟ أم طقوس الجماعة؟ هل هذا هو البديل؟ أم أنَّ البديل عدالة حقيقيَّة؟

إذاً؛ ففي الفتوحات ثلاث فصول لا نخلط بينها، ورُبَّما أكون أوَّل مَن فرز هذه الفصول، وقد يكون هناك مِن قوافل فقهاء وعلماء الشيعة مَن قام بذلك، ونحن نتعلَّم على فِتات جهودهم، لكنَّنا لم نقف - إلى الآن - على مَن فصَّل في الفتوحات هذه الفصول الثلاثة، أصل تدبير و تخطيط الفتوحات أمر، وتنفيذها اللاَّ أخلاقي أمر آخر، والبديل الذي استُبدل كبديل خاوٍ عَفن، ولو تحت لباس الإسلام، أمر آخر.

و صلى الله على محمد وآله الطيبيِّن الطاهرين.

____________________

٢ - قال الأستاذ آية الله الشيخ محمد سند (دام ظِلُّه) في كتابه (عدالة الصحابة) ص١٣٢: (قال العلاَّمة الأميني (الغدير ٨ / ٢٨٢ - ٢٨٨) في جَرْدِه لثروات عِدَّة مِن الأسماء:

منهم: سعد بن أبي وقَّاص ; قال ابن سعد: ترك سعد يوم مات مئتي ألف وخمسين ألف درهم، ومات في قصره بالعقيق.

وقال المسعودي: بنى داره بالعقيق، فرفع سَمكها ووسَّع فضائها، وجعل أعلاها شرفات. (الطَّبقات الكُبرى - لابن سعد - ٣ / ١٠٥، مروج الذهب ١ / ٤٣٤).

ومنهم: زيد بن ثابت ; قال المسعودي: خلَّف مِن الذهب والفضَّة ما كان يُكسر بالفؤوس، غير ما خلَّف مِن الأموال والضياع بقيمة مئة ألف دينار (مروج الذهب ١ / ٤٣٤).

ومنهم: عبد الرحمان بن عوف الزهري ; قال ابن سعد: ترك عبد الرحمان ألف بعير وثلاثة آلاف شاة ومئة فرس ترعى بالبقيع، وكان يزرع بالجرف على عشرين ناضحاً، وقال: وكان في ما خلَّفه ذهب قُطِّع بالفؤوس حتَّى مَجلت أيدي الرجال منه، وترك أربع نسوة فأصاب كلُّ امرأة ثمانون ألفاً.

____________________

وقال المسعودي: ابتنى داره ووسَّعها، وكان على مربطه مئة فرس، وله ألف بعير، وعشرة آلاف مِن الغنم، وبلغ بعد وفاته ثُمن ماله أربعة وثمانين ألفاً (الطبقات الكُبرى - لابن سعد - ٣ / ٩٦، مروج الذهب ١ / ٤٣٤، تاريخ اليعقوبي ٢ / ١٤٦، صفة الصفوة - لابن الجوزي - ١ / ١٣٨، الرياض النضرة - لمحبِّ الدين الطبري - ٢ / ٢٩١).

ومنهم: يعلى بن أُميَّة، خلَّف خمسمئة ألف دينار، وديوناً على الناس، وعقارات وغير ذلك مِن التركة ما قيمته مئة ألف دينار (مروج الذهب ١ / ٤٣٤).

ومنهم: طلحة بن عبيد الله التيمي، ابتنى داراً بالكوفة تُعرف بالكناس بدار الطلحتين، وكانت غلَّته مِن العراق كلَّ يوم ألف دينار، وقيل: أكثر مِن ذلك، وله بناحية سراة أكثر مِمَّا ذُكِر، وشيَّد داراً بالمدينة وبناها بالآجر والجِصِّ والساج..

وعن محمَّد بن إبراهيم، قال: كان طلحة يغلُّ بالعراق ما بين أربعمئة ألف إلى خمسمئة ألف، ويغلُّ بالسراة عشرة آلاف دينار أو أكثر أو أقلّ.

وقال سفيان بن عيينة: كان غلَّته كلَّ يوم ألف وافياً. والوافي وزنه وزن الدينار.

وعن موسى بن طلحة: إنَّه ترك ألفي ألف درهم ومئتي ألف درهم ومئتي ألف دينار، وكان ماله قد اغتيل.

وعن إبراهيم بن محمّد بن طلحة: كان قيمة ما ترك طلحة مِن العقار والأموال، وما ترك مِن الناض ثلاثين ألف ألف درهم، ترك مِن العين ألفي ألف ومئتي ألف درهم ومئتي ألف دينار والباقي عروض.

وعن عمرو بن العاص: إنَّ طلحة ترك مئة بهار في كلِّ بهار ثلاثة قناطير ذهب، وسمعت أنَّ البهار: جلد ثور، وفي لفظ ابن عبد ربَّه مِن حديث الخشني: وجدوا في تركته ثلاثمئة بهار مِن ذهب وفضَّة.

وقال ابن الجوزي: خلَّف طلحة ثلاثمئة جمل ذهباً.

وأخرج البلاذري مِن طريق موسى بن طلحة، قال: أعطى عثمان طلحة في خلافته مئتي ألف دينار، وقال عثمان: ويلي على ابن الحضرميَّة (يعني طلحة) أعطيته كذا وكذا بهاراً ذهباً وهو يروم دمي يُحرِّض على نفسي (الطبقات الكُبرى - لابن سعد - ٣ / ١٥٨، أنساب الأشراف ٥ / ٧، مروج الذهب ١ / ٤٣٤، العقد الفريد ٢ / ٢٧٩، الرياض النضرة ٢ / ٣٥٨، دول الإسلام - للذهبي - ١ / ١٨، الخلاصة - للخررجي -: ١٥٢).

ومنهم: الزبير بن العوَّام، خلَّف - كما في صحيح البخاري - إحدى عشرة داراً بالمدينة، ودارين بالبصرة، وداراً بالكوفة، وداراً بمصر، وكان له أربع نسوة فأصاب كلُّ امرأة بعد رفع الثلث ألف ألف ومئتي ألف.

قال البخاري: فجميع ماله خمسون ألف ألف ومئتا ألف.

____________________

وقال ابن الهائم: بلْ الصواب أنَّ جميع ماله حسبما فُرِض: تسعة وخمسون ألف ألف وثمانمئة ألف (صحيح البخاري - كتاب الجهاد / باب بركة الغازي في ماله ٥ / ٢١، ذكره شرُّاح الصحيح: فتح الباري، إرشاد الساري، عمدة القاري، شذرات الذهب ١ / ٤٣، وفي تاريخ ابن كثير ٧ / ٢٤٩ قيَّدها بالدرهم.

ولاحظ: الطبقات الكُبرى - لابن سعد - ٣ / ٧٧، ومروج الذهب ١ / ٤٣٤).

ومنهم: عثمان بن عفَّان، قال محمّد بن ربيعة: رأيت على عثمان مطرف خزٍّ ثمنه مئة دينار، فقال: هذا لنائلة كسوتها إيَّاه، فأنا ألبسه أسرُّها به..

وقال أبو عامر سليم: رأيت على عثمان بُرداً ثمنه مئة دينار.

قال البلاذري: كان في بيت المال بالمدينة سفط فيه حليٌّ وجواهر، فأخذ منه عثمان ما حلَّى به بعض أهله، فأظهر الناس الطعن عليه في ذلك وكلَّموه فيه بكلام شديد.. وجاء إليه أبو موسى بكيلة ذهب وفضَّة فقسَّمها بين نسائه وبناته، وأنفق أكثر بيت المال في عمارة ضياعه ودوره.

وقال ابن سعد: كان لعثمان عند خازنه يوم قُتل ثلاثون ألف ألف درهم وخمسمئة ألف درهم، وخمسون ومئة ألف دينار، فانتُهبت وذهبت.. وترك ألف بعير بالربذة وصدقات ببراديس وخيبر ووادي القرى قيمة مئتي ألف دينار.

وقال المسعودي: بنى في المدينة داراً وشيَّدها بالجَعر والكِلس، وجعل أبوابها مِن الساج والعرعر، واقتنى أموالاً وجناناً وعيوناً بالمدينة.

وذكر عبد الله بن عتبة: إنَّ عثمان يوم قُتل كان عند خازنه مِن المال خمسون ومئة ألف دينار وألف ألف درهم، وقيمة ضياعه بوادي القُرى وحُنين وغيرهما مئة ألف دينار، وخلَّف خيلاً كثيراً وإبلاً.

وقال الذهبي: كان قد صار له أموال عظيمةرضي‌الله‌عنه ، وله ألف مملوك (الطبقات الكُبرى - لابن سعد - ٣ / ٤٠ و ص ٥٣، أنساب الأشراف ٣ / ٤، الاستيعاب - في ترجمة عثمان - ٢ / ٤٧٦، الصواعق المحرقة: ٦٨، السيرة الحلبيَّة ٢ / ٨٧، مروج الذهب ١ / ٤٣٣، دول الإسلام ١ / ١٢).

مصادر البحث:

١- القرآن الكريم.

٢- التاريخ الكامل - ابن الأثير.

٣- الكافي الشريف - الشيخ الكُلينيقدس‌سره .

٤- وسائل الشيعة - الحُرِّ العامليقدس‌سره .

٥- الغَيبة - الشيخ النعمانيقدس‌سره .

٦- البحار - الشيخ المجلسيقدس‌سره .

٧- شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد المعتزلي.

٨- الفتوح - ابن أعثم.

٩- مدينة المعاجز - السيد هاشم البحرانيقدس‌سره .

١٠- تاريخ اليعقوبي - أحمد بن أبي يعقوب.

١١- أنساب الأشراف - البلاذري.

١٢- عدالة الصحابة - آية الله شيخ محمد سند (دام ظلُّه).

١٣- عوالم الإمام الحسينعليه‌السلام - الشيخ عبد الله البحراني.

١٤- مِن حياة الخليفة عمر بن الخطاب - عبد الرحمان أحمد البكري.

الفهرست المحتويات

المقدِّمة: ٣

القسم الأوَّل: الحسين نِبراس الإصلاح العالمي. ٧

الشرعيَّة الدوليَّة: ٨

المدارس و المناهج الإسلاميَّة: ١١

نهج الحسين عليه‌السلام ونهج الخوارج: ١٤

منهج الإمام الحسين عليه‌السلام ومنهج السُّنَّة (المهادَنة): ١٦

ظروف الأنبياء و ظروف الخاتم و آله: ٢٠

تحسُّس الشرعيَّة: ٢٣

شرعيَّة عَلاقتك مع الله: ٢٥

شرعيَّة علاقتك مع نبيِّك: ٢٧

شرعيَّة علاقتك مع إمامك: ٣٠

شرعيَّة علاقتك مع مرجعيَّتك: ٣١

الحساسيَّة حول الإمامة: ٣٣

التحسُّس حول شرعيَّة البديل: ٣٤

مِثال على عدم التحسُّس حول البديل: ٣٦

موقف المرجعيَّة الدينيَّة وشيعة العراق: ٣٩

القانونيَّة الطبيَّة للإصلاح: ٤٠

هجوم على الشيعة: ٤١

الإصلاح الداخلي أوَّلاً: ٤٤

دمج مصير الإسلام بالسُّلطان: ٤٦

المشكلة في النُّخبة المثقَّفة الإسلاميَّة: ٤٧

نُصرة السُّلطان عندهم مِن نُصرة الإسلام: ٤٩

الإسلام عندهم هو صدام: ٥٢

موقف مُشرِّف آخر للمرجعيَّة الشيعيّة في العراق: ٥٣

كيف نكون مُبشِّرين لنهج سيِّد الشهداء: ٥٥

عهد أمير المؤمنين لمالك الأشتر والأُمَم المتَّحدة: ٥٦

الفاتيكان والصحيفة السجاديَّة: ٥٨

الفاتيكان و الإمام الحسين عليه‌السلام: ٥٩

انتشار الثقافة المهدويَّة: ٦٠

علينا تجسيد أخلاق أهل البيت عليهم‌السلام في عاشوراء: ٦٢

القسم الثاني: أسئلة و أجوبة الأسئلة بعد الندوة العلميَّة: ٦٧

تميُّز حركة سيِّد الشهداء: ٦٧

الخنوع أو المواجهة عند المدارس الإسلاميَّة الأُخرى: ٦٩

راية ضلال: ٧٢

التشابه بين منهج الزيديَّة ومنهج الخوارج: ٧٨

حقوق الإنسان وثورة الإمام الحسين عليه‌السلام: ٨٢

ذكر السياسة في اللطم: ٨٣

دور أمير المؤمنين عليه‌السلام في الفُتوحات: ٨٧

مصادر البحث: ١١١

مؤلف: آية الله الشيخ محمد سند (حفظه الله)
صفحات: