أضواء على ثورة الحسين
تأليف
السيِّد محمّد الصدر
مُقدِّمة التحقيق
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أبي القاسم محمد وآله الطيِّبين الطاهرين.
هاهو سماحة آية الله العظمى السيِّد محمد الصدر، يُظهِر لنا جوهرة أُخرى مِن جواهر التأليف، والتي طالما أنعش بها المكتبة الإسلاميَّة.
وهو هنا - كما عوَّدنا في تأليفاته - يأتينا بما هو جديد، في موضوع طالما تناولته أقلام العلماء والمولِّفين، إلاَّ أنَّنا نجد هنا تاليفاً يختلف عمَّا كُتِب - سابقاً - عن الإمام الحسينعليهالسلام
ونهضته؛ فكلُّ ما كُتِب في هذا الموضوع إمَّا أنْ يكون مُرَّكز في ذكر مناقب الحسينعليهالسلام
، أو مناقب أصحابه وذكر شجاعتهم، أو التركيز في ذمِّ أعداء الأمام الحسينعليهالسلام
وفضحهم، واستفراء كلِّ رذيلة ومعصية قاموا بها، أو إثبات لعنهم.
وحتَّى الذين كتبوا وحاولوا التعرُّف على أهداف الحسينعليهالسلام
، والتصدِّي للإجابة على كثير مِن الشُّبهات حول هذه النهضة، لم يكن تأليفهم وإجاباتهم تامَّة أو مُقنعة بشكلٍ كامل.
ولكنَّنا نجد - هنا - أنَّ سماحة المؤلِّف، يتطرَّق إلى أهمِّ موضوع في هذه النهضة المباركة، فيُعرِّفنا بأهداف الحسينعليهالسلام
الحقيقة والممكن احتمالها، مع تخريج الأهداف التي لا ينبغي انتسابها للإمام الحسينعليهالسلام
، والتصدِّي للإجابة على أغلب الأسئلة والشُّبهات، التي يُمكن أنْ تمرَّ على الذهن بأسلوب استدلاليٍّ علميٍّ لا يقبل الشكَّ أو التشكيك. وكذلك يتطرَّق سماحة المؤلِّف إلى موضوع لطالما عانا منه المنبر الحسيني، فيُعطي الطريق الصحيح الذي يجب أنْ يتَّبعه خُطباء المنبر الحسيني؛ لكي لا يقعوا في المحرَّمات مِن حيث لا يشعرون، فكثير مِن الخُطباء
تأخذهم العاطفة أو الميول الدنيويَّة، بحيث يسيرون في طريق لا يُريده الإمام الحسينعليهالسلام
نفسه.
وفي الواقع لا أستطيع أنْ أُصوِّر نفسي بأنَّني قد حقَّقت هذا السِّفر الجليل، الذي كتبه مرجع مِن أكبر مراجع المسلمين ومُفكِّريهم، إلاَّ أنَّي أقول: إنَّ هذا مِن نعم الله سبحانه ومَنِّه عليَّ.
فاعرف - أيُّها القاري الكريم - أيُّ جوهرة بين يديك، فما عليك إلاَّ أنْ تُعطيها قيمتها الحقيقيَّة؛ لتكون الاستفادة تامَّة إنْ شاء الله تعالى.
تنبيه:
أودُّ أنْ أُنبِّه القارئ الكريم، إلى أنَّ أُسلوب سماحة المؤلِّف في الكتابة أُسلوب استدلاليٌّ، خالٍ مِن التعبير الإنشائي المطوَّل، والحشو الزائد في الكتابة؛ لذلك ستجد مادَّة علميَّة مُركَّزة، تحمل بين طيَّاتها مضامين عِدَّة؛ فإذا كنت تُريد الاستفادة التامَّة مِن هذا الكتاب، فلا بُدَّ مِن التركيز أثناء القراءة، وعدم الشرود الذهني، أو القراءة السطحيَّة، وإلاَّ فاتك الشيء الكثير. ففي بعض بحوث هذا الكتاب ستجد أنَّ سماحة المؤلِّف يُقسِّم لك الموضوع، أو يُجيب على عِدَّة مُستويات، وكلُّ مستوى تتفرَّع منه عِدَّة أوجُه، وكلُّ وجه ينقسم إلى عِدَّة نقاط، وهكذا؛ فإذا سرحت في إحدى هذه الانقسامات، أو لم تفهمها بشكل صحيح؛ ضاع عليك المطلب كلُّه، أو لرُبَّما تفهم شيئاً خلاف ما يُريده سماحة المؤلِّف. فإنَّك ستجده يطرح بعض المواضيع ثمَّ يُشكِل عليها، ويرجع فيردُّ هذه الإشكالات؛ فيجب عليك أنْ تُركِّز في مُراد سماحة المؤلِّف، هل هو إثبات هذه الأُطروحة، وتفنيد الإشكالات التي يُمكن أنْ توجَّه إليها؟ أو إبطال هذه الأُطروحة وتأييد الإشكال المحتمل.
ولذلك؛ أنصح بإعادة قراءة الموضوع - بلْ الكتاب بأكمله - لأكثر مِن مرَّة، وهذا الرأي نتج عن تجربة شخصيَّة، فإنَّ تحقيق هذا الكتاب اضطرَّني إلى إعادة
قراءته مَرَّات عِدَّة، وفي كلِّ مَرَّة تُلفت نظري أشياء ومضامين لم أكن مُلتفتاً إليها سابقاً.
وبالفعل، هذا ما حصل مع الطبعة السابقة المحقَّقة لهذا الكتاب؛ فإنَّ المحقِّق في بعض مواضيع الكتاب، قد فهم خلاف ما يُريده سماحة المؤلِّف؛ فغيَّر بعض العبارات الموجودة طِبقاً لما فَهِمَه هو، لا ما أراده سماحة المؤلِّف، فكان مِن الواجب عليه كمُحقِّق أنْ يُركِّز أكثر، فيَفْهم الكتاب والمطالب الموجودة فيه.
ولا أُريد أنْ أتعرَّض إلى الأخطاء الكثيرة، التي أرتكبها هذا المحقِّق، إلاَّ أنَّني أردت - فقط - أنْ أُنبِّه القاري الكريم، إلى الجَدِّ في فَهْم ما يُريده سماحة المؤلِّف والاستفادة التامَّة مِن هذا السِّفر الجليل، ومعرفة القيمة الحقيقية لما بين يديه.
وختاماً، نسأل الله العزيز القدير أنْ يحفظ ويُسدِّد خُطى هذا العالِم الجليل، ويجعله دائم العطاء لخدمة الدين الحنيف، ومذهب آل البيت الأطهار.
والحمد لله ربِّ العالمين أوَّلاً وآخِراً
الفقير إلى الله
كاظم العبادي الناصري - النجف الأشرف
التعريف بالمؤلِّف
نسبُه:
هو السيِّد محمد بن محمد صادق بن محمد مهدي بن إسماعيل، ابن صدر الدين محمد بن صالح بن محمد، ابن إبراهيم شرف الدين (جَدُّ آل شرف الدين) بن زين العابدين، ابن السيِّد نور الدين علي بن السيِّد علي نور الدين (جَدُّ آل نور الدين) بن الحسين بن محمد بن الحسين، ابن علي بن محمد بن تاج الدين أبي الحسن (جَدُّ آل أبي الحسن) بن محمد شمس الدين بن عبد الله، ابن جلال الدين بن أحمد بن حمزة الأصغر بن سعد الله بن حمزة الأكبر، ابن أبي السعادات محمد بن أبي محمد عبد الله، ابن أبي الحرث محمد (جَدُّ آل أبي الحرث) بن أبي الحسن علي، ابن عبد الله أبي طاهر بن أبي الحسن بن أبي الطيِّب طاهر، ابن الحسين القطعي بن موسى بن أبي سبحى (جَدُّ آل أبي سبحة) بن إبراهيم المرتضى، ابن الإمام أبي إبراهيم موسى بن جعفر بن محمد، بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهمالسلام
.
ولادته ونشأته:
ولِدَ سماحة المؤلِّف في ١٧ ربيع الأول سنة ١٣٦٢ هجري، المصادف ٢٣/٣/١٩٤٣، وهو يوم عيد المولد النبوي الشريف. ويُذكر أنَّ أبويه لم يكن عندهم أولاد، وعند ذهابهم إلى الحجِّ وزيارة قبر النبيصلىاللهعليهوآله
توسَّلوا إلى الله بالرسول أنْ يرزقهم الله الولد، وبالفعل استجاب الله دعاء الوالدين الشريفين؛ فولِدَ سماحة المؤلِّف في نفس اليوم الذي ولِدَ فيه الرسولصلىاللهعليهوآله
.
وعاش سماحته في كَنف جَدِّه لأُمِّه، آية الله العظمى الشيخ محمد رضا آل ياسين، وهو مِن المراجع المشهورين، وعاش كذلك في كَنف والده الحُجَّة السيِّد محمد صادق الصدر (رضوان الله عليه)، حيث كان المؤلِّف وحيداً لوالده. وقد نشأ سماحته في بيت علم وفضل، فاكتسب العلم مُنذ صباه بواسطة والده السيِّد محمد صادق الصدر.
وكان لنشأته وتربيته الدينيَّة انعكاس واضح في خُلقه الرفيع، وسماحته وبشاشته وصدره الرحب، الذي يستوعب كلَّ الأسلئة الموجَّهة إليه حتَّى المحرجة منها، وليس عجيباً ذلك، فإنْ هي إلاَّ (كشجرة طيِّبة أصلها ثابت وفرعها في السماء).
دراسته وتدُّرجه العلمي:
بدأ سيِّدنا الدرس الحوزوي في سِنٍّ مُبكِّرة، حيث تعمَّم وهو ابن أحد عشر سنة، مُبتدئاً بدراسة النحو وغيره - كما هو المعتاد حوزويَّاً - على يد والده السيِّد محمد صادق الصدر (رضوان الله عليه)، ثمَّ على يد السيِّد طالب الرفاعي، ثمَّ على يد الشيخ حسن طراد العاملي - أحد علماء الدين في لبنان حالياً - ثمَّ أكمل بقيَّة المقدِّمات على يد السيِّد محمد تقي الحكيم، والشيخ محمد تقي الأيرواني، وقد دخل سماحة المؤلِّف إلى كلِّيَّة الفقه سنة (١٣٧٦ هـ /١٩٥٧ م) دارساً على يد ألمع أساتذتها فقد درس:
١- الفلسفة الإلهيَّة، على يد محمد رضا المظفَّرقدسسره
.
٢- الأصول والفقه المقارن، على يد السيِّد محمد تقي الحكيم (صاحب كتاب الأصول العامَّة للفقه المقارن).
٣- الفقه، على يد الشيخ محمد تقي الأيرواني.
٤- القواعد العربيَّة على يد الشيخ عبد المهدي مطر.
وكان مِن أساتذته في هذه الكلِّيَّة بعض الأساتذة، مِن ذوي الاختصاصات والدراسات غير الحوزويَّة، كالسيِّد عباس الوهاب الكربلائي، مدير اللغة الأنكليزيَّة، والدكتور حاتم الكعبي في علم الاجتماع، والدكتور أحمد حسن الرحيم في علم النفس، والدكتور فاضل حسين في التاريخ.
وقد تخرَّج سماحته مِن كلِّيَّة الفقه، سنة (١٣٨١هـ / ١٩٦٢ م) ضمن الدُّفعة الأُولى مِن خريجي كلِّيَّة الفقه في النجف الأشرف، وكان مِن زُملائه الذين تخرَّجوا معه:
الشيخ الدكتور أحمد الوائلي.
الشيخ مسلم الجابري.
السيِّد عدنان البكَّاء.
السيِّد أحمد زكي الأمين.
السيِّد مصطفى جمال الدين.
الشيخ محمود الكوتراني.
الشيخ أحمد القُبيسي اللبناني.
ثمَّ دخل سيِّدنا مرحلة السطوح العُليا، حيث درس كتاب الكفاية على يد السيِّد محمد باقر الصدرقدسسره
، وبعض كتاب المكاسب على يد السيِّد محمد تقي الحكيم - وقد كان لدراسته على يد هذين العَلمين الأثر الأكبر في صقل موهبته العلميَّة، التي شَهِد بها أساتذته أنفسهم - ثمَّ أكمل دراسة المكاسب على يد الشيخ صدر الباتكوبي، الذي كان مِن مُبرزي الحوزة وفُضلائها.
وبعدها ارتقى سماحة المؤلِّف إلى مدارج البحث الخارج، فحضر بحث الخارج عند:
١- السيِّد محمد باقر الصدرقدسسره
، دورة أُصوليَّة ونصف دورة وكتاب الطهارة.
٢- السيِّد المحقِّق الخوئي، دورة أُصوليَّة كاملة و كتاب الطهارة.
٣- السيِّد أبي أحمد في المكاسب.
٤- السيِّد محسن الحكيم، في كتاب المضاربة.
أمَّا إجازته في الرواية، فقد سُئِل سماحته في أحد الاستفتاءات الموجَّهة إليه، فكان جوابه: أنَّ له إجازة مِن عِدَّة مشايخ أعلاها مِن آية الله مُلاَّ محسن الطهراني الشهير بآقا بزرك صاحب كتاب (الذريعة إلى تصانيف الشيعة)، عن أعلى مشايخه الميرزا حسين النوري، صاحب كتاب (مُستدرك الوسائل)، ومنهم أيضاً والده السيد الحجة محمد صادق الصدر وخاله الشيخ مرتضى آل ياسين وابن عمه آية الله آغا حسين خادم الشريعة والسيِّد عبد الرزَّاق المقرَّم صاحب كتاب (مقتل الحسينعليهالسلام
)، وآية الله السيِّد حسن الخرسان، وآية الله السيِّد عبد الأعلى السبزواري وغيرهم.
وقد أُجيز بالاجتهاد مِن قِبَل أستاذه السيِّد محمد باقر الصدر، في سنة (١٣٩٦ هـ - ١٩٧٧م)، وقد كان عمره آنذاك أربع وثلاثين سنة. ولا بدَّ لنا أنْ نذكر إلى جانب مسيرته العلميَّة وأساتذته في هذه المسيرة، مسيرته في طريق المعرفة الإلهيَّة والعلوم الأخلاقيَّة، وكان أُستاذه في ذلك أحد كسبة النجف الأشرف، الذي يعتبره سماحة المؤلِّف أرقى شخص مُعاصر في هذا المجال، قد تتلمذ على يده لعامين، ثمَّ وافاه الأجلرحمهالله
عام (١٤٠٠ هـ /١٩٨٠م).
وقد يخطر في الذهن: كيف يكون أحد كسبة النجف أُستاذاً لرجل دين، وعَلم مِن الأعلام كسماحة المؤلِّف؟!
وجوابه: إنَّ الحديث يقول:(أخفى الله وليه بين عباده)
فمُقدار الاقتراب إلى الله ليس منوطاً بالعلم فقط، وإنَّما بصلاح النفس وصفائها، وفهمها إلى حقيقة العبوديَّة واندماجها في هذا المعنى، وهذا لا يحصل لكلِّ أحد، ولا يناله إلاَّ مَن ارتضى الله مِن عالِم أو كاسب.
فاستمرَّ سماحته على هذا الطريق الإلهي إلى حدِّ الآن، والذي لا يعرف مُدياته وأسراره العرفانيَّة إلاَّ سماحته، فهو يعتبرها مِن الأسرار التي بينه وبين ربِّه، والتي لا يُمكن البوح بها، وقد لمح إلى ذلك في استفتاء خاصٍّ، حيث قال ما مؤداه:
(إنَّ الله قد أنذر وحذَّر وجعل الحُجَج، ولكلِّ إنسان استجابة مع ذلك تتناسب مع قابليَّاته واستعداداته، فكلما استجاب الإنسان لها استحقَّ المزيد).
مؤلَّفاته:
١- نظرات إسلاميَّة في إعلان حقوق الإنسان... مطبوع
وهو مُناقشة إسلاميَّة للائحة حقوق الإنسان، التي أصدرتها الجمعيَّة التأسيسيَّة، التي تشكَّلت عقيب الثورة الفرنسيَّة ١٧٨٩م.
٢- فلسفة الحَدِّ ومصالحه في الإسلام... مطبوع
٣- أشعَّة مِن عقائد الإسلام... مطبوع، وهو ثلاث بحوث تتكفَّل بعض جوانب أصول الدين.
٤- القانون الإسلامي - وجوده، صعوباته - منهجه... مطبوع
٥- موسوعة الإمام المهدي (عجَّل الله تعالى فرجه) صدر منها لحدِّ الآن:
أ- تاريخ الغيبة الصُّغرى... مطبوع.
ب- تاريخ الغيبة الكُبرى... مطبوع.
ج- تاريخ ما بعد الظهور... مطبوع.
د- اليوم الموعود بين الفكر المادِّي والديني... مطبوع.
والخامس منها مخطوط ومِن الممكن أنْ تصل هذه الموسوعة إلى اثني عشر جزءاً، وقد عبَّر عنها سماحة المؤلِّف في إحدى جلساته: بأنَّها مفتوحة لكلِّ سؤال يأتي للذهن حول مسألة الإمام المهدي (عجَّل الله تعالى فرجه).
وفي الواقع أنَّ هذه الموسوعة قد أغنت المكتبة الإسلاميَّة عموماً والشيعيَّة خصوصاً، بما حوته مِن آراء وإجابات لكثير مِن الأسئلة، التي تدور حول قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله تعالى فرجه) وظهوره، علاوة على ما حوته مِن مُناقشة، ونقد بعض الآراء الموجودة بأُسلوب فريد، يُشعِر بدقَّة وعلميَّة في الطرح، وقد أقرَّ بذلك
وأُعجِب به كلُّ مَن اطَّلع على هذه الموسوعة الضخمة، علماً أنَّ هذه الموسوعة صدرت، وقد كان عمر سماحة المؤلِّف حينئذ (٢٩) عاماً تقريباً. كما يجدر الإشارة إلى المقدِّمة الرئيسيَّة لهذه الموسوعة، فقد كتبها سماحة السيِّد محمد باقر الصدرقدسسره
على شكل بحث موجَز حول الإمام المهدي (عجَّل الله تعالى فرجه)، وقد قال في نهاية هذه المقدِّمة:
(وسأقتصر على هذا الموجَز مِن الأفكار، تاركاً التوسُّع فيها وما يرتبط بها مِن تفاصيل إلى الكتاب القيِّم الذي أمامنا، فإنَّنا بين يدي موسوعة جليلة في الإمام المهدي (عجَّل الله تعالى فرجه)، وضعها أحد أولادنا وتلامذتنا الأعزَّاء، وهو العلاَّمة البحَّاثة السيِّد محمد الصدر (حفظه الله تعالى) وهي موسوعة لم يسبق لها نظير في تاريخ التصنيف الشيعي، حول المهدي (عجَّل الله تعالى فرجه) في إحاطتها وشمولها لقضيَّة الإمام المنتظر مِن كلِّ جوانبها، وفيها مِن سعة الأُفق وطول النفس العلمي، واستيعاب الكثير مِن النُّكات واللفتات؛ ما يُعبِّر عن الجهود الجليلة، التي بذلها المؤلِّف في إنجاز هذه الموسوعة الفريدة. وإنِّي لأحسُّ بالسعادة وأنا أشعر بما تملأه هذه الموسوعة مِن فراغ، وما تُعبِّر عنه مِن فضل ونباهة وألمعيَّة، وأسال المولى سبحانه وتعالى أنْ يُقرَّ عيني به، ويُريني فيه عَلَماً مِن أعلام الدين).
٦- ما وراء الفقه... مطبوع. وهو موسوعة فقهيَّة مؤلَّفة مِن عشرة أجزاء، تحتوي على أسئلة تخصُّ الثقافة الفقهيَّة المعمَّقة. وقد طرح فيها سماحة المؤلِّف آراء تخصُّ المسائل الخلافيَّة بين الفقهاء، بشيء مِن الاستدلال، ومُهمَّته الأساسيَّة في هذا الكتاب شرح أهمِّ موضوعات المسائل في الفقه، مِمَّا لم يتعرَّض له الفقهاء بشيء مِن التفصيل.
٧- فقه الأخلاق... مطبوع في جزءين حاليَّاً. وهو يبحث عن
الأحكام الأخلاقيَّة والمستحبَّات في الفقه. وقد سُئل سماحة المؤلِّف عمَّا احتواه فقه الأخلاق فأجاب: (إنَّه جواهر بين التراب)؛ إشارة لما فيه مِن اللمحات العرفانيَّة العقليَّة، والبُعد الفكري في شرح مضمون العبادات المستحبَّة والواجبة.
٨- فقه الفضاء... مطبوع. اشتمل هذا الكتاب على بحوث شرعيَّة تُعدُّ نادرة وجديدة في ميدان الفقه، حيث خرج بنا سماحة المؤلِّف في هذا الكتاب إلى التكليف الشرعي، خارج نطاق الأرض، وهو نقص كانت تُعاني منه المكتبة الإسلاميَّة، فحاول سماحته في هذا الكتاب أنْ يضع خطوة مِن هذه الخطوات في هذا الطريق.
٩- بحث حول الكذب... مطبوع.
١٠- بحث حول الرجعة... مطبوع.
١١- كلمة في البدء... مطبوع.
١٢- الصراط القويم... مطبوع. وهو رسالة عمليَّة تحتوي على فقه مُتكامل ومُختصر في الفتاوى التي تُفيد المقلِّدين.
١٣- منهج الصالحين... مطبوع. وهو رسالة عمليَّة مُكوَّنة مِن خمسة أجزاء، مُحتوية على فقه فتوائي مُتكامل، يتَّصف بالتفصيل والتعرُّض للمسائل الحديثة، التي لم يتطرَّق إليها الفقهاء السابقون.
١٤- مناسك الحج... مطبوع.
١٥- كتاب الصلاة... مطبوع.
١٦- كتاب الصوم... مطبوع.
١٧- أضواء على ثورة الحسين (عليهالسلام
)... مطبوع.
١٨- مِنَّة المنَّان في الدفاع عن القرآن... مخطوط. وهو مجموعة مِن المحاضرات التي يُلقيها سماحة المؤلِّف على الطلبة في يومي الخميس
والجمعة مِن كلِّ أسبوع، إضافة إلى أيَّام التعطيل الدراسي. ومِمَّا تتميَّز به هذه المحاضرات هو روح التجدُّد والجُرأة في نقد الآراء وتفنيدها، فلقد خرق سماحة المؤلِّف (دامت إفاضاته) عادة المفسِّرين في تفسير القرآن الكريم مِن سورة الفاتحة مُبتدءاً بالعكس - أيْ مِن سورة الناس - وله في اتِّخاذ هذا المنهج رأي سديد، طرحه في بداية البحث التفسيري، حيث قال:
(السبب في ذلك؛ أنَّ مِن عادة المفسِّرين أنْ يرموا بثقلهم كلِّه أو جُلِّه في السور الطوال، التي يبتدئ بها القرآن، حتَّى إذا وصلوا إلى المنتصف أو أكثر تردَّدت عبارة: (كما قلنا فيما سبق)، فلا يُعطون السور الأخيرة حقَّها؛ لأنَّهم أجهدوا أنفسهم في المبتدأ). فاتَّخذ سماحة المؤلِّف هذا النهج مِن باب سَدِّ النقص، الذي مِن الممكن حصوله بسبب ما قلناه، وإشباع آخر القرآن بحثاً وتفسيراً لتكتمل صور التفسير العامَّة، المشكلة مِن مُحاولات المفسِّرين في تفسير القرآن الكريم.
١٩- دورة كاملة في علم الأصول مِن بحث الخارج الاستدلالي، الذي حضره عند السيِّد الخوئيقدسسره
... مخطوط.
٢٠- دوره كاملة في علم الأصول مِن بحث الخارج الاستدلالي، الذي حضره عند السيِّد محمد باقر الصدرقدسسره
... مخطوط.
٢١- مباحث في كتاب الطهارة الاستدلالي في شرح العروة الوثقى، مِن تقريرات السيِّد محمد باقر الصدرقدسسره
... مخطوط.
٢٢- مباحث في كتاب الطهارة الاستدلالي في شرح العروة الوثقى، مِن تقريرات السيِّد الخوئيقدسسره
... مخطوط.
٢٣- بحث المكاسب الاستدلالي... مخطوط. والذي درَّسه السيد أبو
أحمدقدسسره
، وكانت المحاضرات تُلقى باللغة الفارسيَّة، إلاَّ أنَّ سماحة المؤلِّف كان يكتب المطالب كلِّها خلال الدرس بالعربيَّة.
٢٤- اللمعة في أحكام صلاة الجمعة... مخطوط. وهي التقريرات لبحث تفصيلي، عقده في شهر رمضان المبارك المرحوم سماحة الحُجَّة إسماعيل الصدرقدسسره
.
وله عِدَّة مُشاركات - أيضاً - في مَجلاَّت عديدة، كمجلَّة الإيمان، ومجلَّة النجف، ومجلة العرفان اللبنانيَّة ومجلَّة الأضواء وغيرها.
كما له بحوث مُتفرَّقة في الفقه والتفسير، وقواعد اللغة العربيَّة والمقالات الاجتماعيَّة.
والحمد لله على أنْ وفَّقني للاختتام مُصلِّياً ومُسلِّماً على سيِّد الأنام محمد وآله البررة الكرام.
كاظم العبادي الناصري
٢٦ شعبان ١٤١٧
النجف الأشرف
مُقدِّمة الطبعة الأُولى
لا أُريد الآن التعريف بثورة الحسينعليهالسلام
ولا ينبغي لي ذلك، بعد أنْ علم الخالق والمخلوقون بأنَّها غنيَّة عن التعريف بحدودها وصمودها وارتفاعها واتِّساعها. ويكفي أنَّها هي التي صنعت التاريخ ولم يصنعها التاريخ، وهي التي قدَّمت الأُمثولة الكُبرى للتضحية، في سبيل طاعة الله بكلِّ ما يملك الفرد مِن نفس ونفيس.
فالتعريف بها تعريف بالمعرَّف والمعرَّف لا يُعرَّف. وإنَّما يُهمُّني الآن التعريف بهذا الكتاب الذي بين يديك؛ وذلك أنَّ القارئ إنَّما يستطيع أنْ ينال منه الفائدة المطلوبة، إذا اتَّصف بالصفات التي نُشير إليها، وإلاَّ فسوف يكون الإعراض له أولى وأحجى.
أوَّلاً:
أنْ يكون موضوعيَّ التفكير. لم يختر سلفاً اتِّجاهاً مُغايراً، بلْ يُحاول أنْ يُحكِّم عقله الخالص في كلِّ ما يسمع مِن الأُمور، مُطبِّقاً ذلك على الكتاب الكريم والسُّنَّة الشريفة، فإنَّما هي المحكُّ الرئيسي للمسلمين في تشخيص الحقِّ مِن الباطل.
ثانياً:
أنْ يكون للفرد اطِّلاع كافٍ على تاريخ الحسينعليهالسلام
وأصحابه وأهل بيته، قبل وأثناء وبعد واقعة كربلاء؛ فإنَّ سرد هذا التاريخ خارج عن اختصاص هذا الكتاب؛ ومِن هنا تعمَّدت حذفه وتكلَّمت حوله مُعتمداً على الاطِّلاع العامِّ في أذهان القُرَّاء عن ذلك، فإنْ لم يكن القارئ الكريم مُطَّلعاً على هذا التاريخ، فالأفضل له أنْ يُراجع مصادره أوَّلاً، ثمَّ يُراجع هذا الكتاب ثانياً.
ثالثاً:
أنْ يكون للفرد اطِّلاع كافٍ عن أوضاع الخُطباء، المذكّرين بثورة الحسينعليهالسلام
أساليبهم وأقوالهم، فإنِّي أخذت هذا الواقع المعاش، ولو مِن
بعض جوانبه وتكلَّمت حوله، فإنْ لم يكن القارئ قد اطَّلع على ذلك فلتسأل مَن يعرف مِن الآخرين.
رابعاً: أنْ يكون للفرد بعض التساؤلات عن حوادث الطفِّ وتاريخ الحسينعليهالسلام
، ولم يجد عنه جواباً قد دفنه في ذهنه ريثما يحيى مِن جديد، فإنْ كان مِن هذا القبيل، فليقرأ كتابي هذا؛ فإنِّي كرَّسته لأجل هذا الغرض - وهو الجواب على أهمِّ الأسئلة المثارة حول التاريخ الإسلامي الحسيني وأسبابه ونتائجه وتصرُّفات أصحابه - مِن حيث إمكان تصحيح ما صحَّ عنهم وإبطال ما بطل. وينبغي الإلمام سلفاً - كما أشرنا في غضون الكتاب أيضاً إلى العجز عن التعرُّف على الحكمة الحقيقيَّة - لتصرُّفاتهم (رضوان الله عليهم). كما أنَّ المشار إليه في الكتاب هو مجموعة مِن الأسئلة المشهورة في الأذهان، وليس جميع ما قد يخطر في الذهن نظريَّاً عنها؛ مِن حيث إنَّ إثارتها أو الجواب عليها قد يُثير حزازات، أو مُضاعفات نحن في غنىً عنها في ظرف أحوَجٍّ فيه إلى صقل الإيمان، والدعوة إلى وحدة الكلمة بين المسلمين وزرع الأُلفة والحُبِّ بينهم.
وعسى لهذا الجُهد المتواضع أنْ ينال رضى الله عَزَّ وجَلَّ أوَّلاً وأخيراً، ورضا القارئ الكريم، وأنْ يُعفى عمَّا فيه مِن قصور وتقصير.
ولا ينبغي - وأنا في ختام المقدِّمة - أنْ أُهمل الإشارة إلى حاجة هذا الكتاب إلى المصادر، فهو كما يراه القارئ خالٍ منها، مع أنَّه أحوج الناس إليها، وما ذلك إلاَّ لضيق تواجدها وضيق الوقت عن مُراجعتها؛ ومِن هنا أمكننا أنْ ندعو الله عزَّ وجلَّ، أنْ يوفِّر الفرصة لطبعة أُخرى مِن هذا الكتاب تكون هي الكفيلة بالمصادر جميعها، إنَّه ولي كلِّ توفيق
شهر صفر الخير عام ١٤٤١
محمد الصدر
مُقدِّمة الطبعة الثانية
بسم الله الرحمن الرحيم
قبل حوالي سنوات سنحت الفرصة أنْ أتكلَّم خلال عدد مِن المحاضرات عن الحسينعليهالسلام
، وأُدافع عن ثورته بما أوتيت مِن المحاضرات عن الحسينعليهالسلام
، وأُدافع عن ثورته بما أوتيت مِن عزم في إجابة بعض الإشكالات والشُّبهات، التي قد تخطر في الذهن ضدَّ ذلك. فكان هذا نحو مِن حُسن التوفيق بفضل ربِّ العالمين.
وكان مِن حُسن التوفيق - تارةً أُخرى - أنْ سُنحت الفرصة لتسجيل ذلك على الورق في زمن غير بعيد مِن إلقاء تلك المحاضرات، قد لا يعدو أنْ يكون شهراً واحداً - كما هو واضح مِن تاريخ تأليفه - فإنِّي ألقيتها خلال شهر مُحرَّم الحرام، وكتبتها في شهر صفر لنفس السنة، فكانت النتيجة هي هذا الكتاب بطبعته الأُولى.
وكان مِن حُسن التوفيق - ثالثاً - أنَّني بالرغم مِن أنَّني لم أستطع نشره بشكل رسمي - لو صحَّ التعبير -، فإنَّه واجه رغبة عارمة في المجتمع، وفي قلوب المؤمنين فتعدَّدت طبعاته واستنساخاته في داخل العراق وخارجه، وهذا مِن حُسن الظنِّ الذي يُنعم به الله سبحانه على عبده، ويجعله في نفوس إخوانه المؤمنين.
وعلى العادة، في أغلب ما أكتب، وأنا قليل الإمكانيَّات اجتماعيَّاً واقتصاديَّاً وعلميَّاً - أعني قلَّة الكتب والمصادر... - فقد كتبت هذا الكتاب اعتماداً على حافظتي وذهني فقط. في حدود ما تصيَّدت مِن نصوص ومفاهيم خلال
مُراجعاتي العامَّة خلال حياتي العلمية. ولم يكن مِن الممكن في العُجالة إرجاع كلِّ حديث إلى مصدره. ولئن كان عندي شيء قليل مِن الكتب، فإنَّها بلا شكٍّ لا تُسمن ولا تُغني مِن جوع في تخريج هذه المجموعة مِن النصوص؛ ولذا بادرت إلى إصداره بقوَّة قلب خالياً مِن المصادر، واعتذرت عن ذلك في المقدِّمة وتمَّ الأمر.
ولا بأس بذلك، فإنَّ الطريقة القديمة للتأليف كانت على ذلك، وليس بدعاً غير مقبول مِن طُرق التأليف، وإنَّما يستند في واقعة على الوثاقة الشخصيَّة للمؤلِّف، كما كان السلف الصالح يستند إليها، فليكن هذا واحداً منها.
ثمَّ إنَّني فجأة وعلى غير توقُّع استلمت نسخة مليئة بالهوامش والمصادر، قام بها أحد الفضلاء الساكنين في سورياً، كأنَّه أشفق على هذا الكتاب مِن هذا النقص؛ فحاول تبنِّي الموقف جزاه الله خيراً، وهو طبع بتوقيع رمزي له وللمطبعة على ما أعتقد، وإنْ كان بإخراج جيِّد وورق صقيل.
إلاَّ أنَّه قد علَّق عليه بدون أنْ يفهم مقصودي، وأعطى لنفسه الحُرِّيَّة في التصرُّف أكثر مِن اللازم؛ ومِن هنا أعتقد أنَّه بالرغم مِن جُهده فإنَّه لم يكن موفَّقاً في عمله، غير أنَّ نقطه القوَّة فيه هو أنَّه ألفتنا إلى بعض المصادر التي لم تكن تخطر على البال.
وبقي هذا الكتاب مُتأرجحاً مِن حيث المصادر، حتَّى تصدَّى له جناب الأخ المِفضال الشيخ كاظم العبادي الناصري (دام عِزَّه) لخوض غمار هذا البحر الواسع، وتعب عليه تعباً مُتكاملاً، وكان يعرض ما يكتبه عليَّ جزاه الله خيراً. وكان المجموع هو هذا الكتاب الذي بين يديك.
ولم يخلُ تعليقه مِن بعض النواحي مِن بيان بعض الإشكالات - ولو ضمناً - على المؤلِّف، وأنا عرفت ذلك ورضيت به؛ أخذاً بحُرِّيَّة التفكير المحفوظة لدينا في الحوزة العلميَّة الشريفة جيلاً بعد جيل.
وعلى أيِّ حال، فقد كانت نتيجة اعتمادي الكامل على حافظتي وذهني في تأليف الكتاب مُلفتة للنظر في التحقيق الذي قام به، أذكر منها ما يلي:
أوَّلاً:
إنَّ هذه المصادر التي ذكرها قد لا تكون هي نفس المصادر التي أخذتُ الأحاديث والنصوص منها خلال حياتي؛ بدليل أنَّ بعض مصادر الهامش مِمَّا لم يصدف لي الاطِّلاع عليه، ولكنْ لا بأس ما دام الكتاب المذكور مصدراً للنصِّ ولو في الجملة.
ثانياً:
إنَّ النقل يكون أحياناً بالمعنى أو بالمضمون لا باللفظ، لوضوح أنَّ الذاكرة أقرب إلى المعنى منها إلى اللفظ، ولكن لا بأس ما دام المعنى موجوداً. كما يوجد دليل في الشريعة على جواز النقل بالمعنى. وهذا - على أيِّ حال - ما يتَّضح للقارئ خلال استعراضه للكتاب.
ثالثاً:
إنَّه قد يكون بعض النصوص لا توجد في المصادر إطلاقاً، وإنَّما وجد في الذهن، إمَّا باعتبار الحَدَس، وإمَّا باعتبار التصيُّد مِن عدد مِن النصوص أو مِن القواعد العامَّة، وأوضح أمثلة ذلك النصُّ القائل:(دعوا الناس على غفلاتهم)
، فإنِّني بالوجدان لا أعلم أنَّني أخذته مِن كتاب أو مِن مصدر آخر.
رابعاً:
إنَّ الجهة النفسيَّة قد تتدخَّل في النصوص المنقولة، ومِن أوضح أمثلته ما ذكرته خلال الكتاب مِن أنَّ الأمام الحسينعليهالسلام
كان يتمثَّل بأبيات رابعة العدوية، وقد كرَّرته في الكتاب أكثر مِن مَرَّة، وهذا ما سمعته مِن قبل بعض الخُطباء، وارتكز في ذهني بصفته مُناسباً لمقتضى الحال على أيِّ حال.
وقد استشكلوا عليَّ في ذلك باعتبار أنَّ رابعة هذه مُتأخرة عن ذلك العصر - كما هو المشهور مِن تاريخها - فأجبته اعتماداً على ذاكرتي أيضاً: كلاَّ؛ فإنَّها كانت في زمن النبيصلىاللهعليهوآله
والصحابة، إلاَّ أنَّها كانت مُنعزلة عنهم بصفتها امرأة مُتزهِّدة، وإلى الآن أتذكَّر أنِّي وجدت ذلك في بعض المصادر، إلاَّ أنَّني
يتعذَّر عليَّ تذكُّر عنوان ذلك الكتاب.
فهذا مُختصر مِن تاريخ تأليف هذا الكتاب مِن الناحية الاجتماعيَّة والنفسيَّة معاً.
بقي عليَّ أنْ أُشير إلى أنَّ جناب الشيخ الذي حقَّق هذه الطبعة، اعترض على بعض التخريجات للطبعة التي أشرنا إليها، وأنَّه راجع تلك الكتب فعلاً ولم يجد النصَّ، كما أنَّه لم يجدها في مصادر أُخرى.
وتعليقي على ذلك: بإمكان أنْ تكون الطبعة مُختلفة أو إمكان الغفلة أو الخطأ المطبعي وغير ذلك؛ فالأرجح - كما فعلنا الآن - هو ذكر المصدر المذكور في تلك الطبعة مع الإشارة إليها بحرف (ط)؛ ليكون المصدر على عُهدته ولئلاَّ تبقى بعض النصوص بدون مصدر، وتكون النتيجة في ذمَّة المفكِّرين الآخرين.
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على خير خلقه محمد وآله الطاهرين
الثالث مِن شهر رمضان المبارك عام ١٤١٧ للهِجرة.
محمد الصدر
الاعتذار عن الإحاطة التامَّة
نحن عندما ننظر إلى أيِّ أمر مُعقَّد، أو مربوط بالحكمة الإلهيَّة، أو بتصرُّف أحد المعصومين مِن قول أو فعل، أو أحد الراسخين في العلم، فسوف نواجه وعورة في السير وصعوبة في الرؤية، إلى حَدٍّ قد يكون أحياناً أنَّنا نجد الباب مُغلقاً أمامنا تماماً، للصعود الذي نطمع به ونطمح إليه، في هذا السبيل، وذلك بعد ملاحظة الأُمور التالية:
الأمر الأوَّل:
إنَّه تمَّ البرهان في مباحث العقيدة الإسلاميَّة، على أنَّ العلم الإلهي والحكمة الإلهيَّة لا مُتناهيان ومُطلقان ولا حَدَّ لهما، وأنَّ اطِّلاعه جلَّ جلاله على الواقعيَّات على مُختلف المستويات أكيد، وثابت على أوسع نطاق. بلْ كلُّ صفاته الذاتيَّة هكذا جلَّ جلاله وكثير مِن أسمائه، فهو لا مُتناهي العلم والقدرة والحِكمة، والعدل والرحمة، والحياة والوجود، والجود والنعمة، إلى غير ذلك. كما ثبت أنَّ العقل الإنساني مهما تسامى، فهو محدود بحدود لا يُمكنه أنْ يتعدَّاها، كما سنُشير إليه، ومِن البديهي أنَّ المحدود يستحيل أنْ يُدرِك اللاَّ محدود.
إذن؛ فليس للإنسان أنْ يُدرِك العلم الإلهي والحكمة الإلهيَّة كما هي، وإنَّما ينال منهما بقدر استحقاقه وقابليَّته، وبمقدار عطاء الله له، و(العلم نور يقذفه الله في قلب مَن يشاء)
.
الأمر الثاني: إنَّنا نشعر وجداناً بعدم إحاطتنا بالواقعيَّات على واقعها، لا مِن ناحية العقل (النظري) ولا مِن ناحية العقل (العملي)
؛ فإنَّ العقل
____________________
لا شكَّ يُدرك عدداً مِن القضايا كبيراًَ جِدَّاً، بوضوح تامٍّ ووجدان كامل.
ولكنَّه حين يأتي إلى قضايا أُخرى بعدد كبير أيضاً فإنَّه يشكُّ فيها، ولا يستطيع أنْ يُعطي حولها قناعة أو جزماً مُعيَّناً؛ إمَّا لأنَّها غير واضحة لذاتها، أو للشكِّ في تحقُّق موضوعها وموردها، أو لوقوعها موقع التعارض والتزاحم مع قضايا أُخرى، ولعلَّ العقل يجهل المحصَّل أو النتيجة التي ينبغي البتُّ بها بعد التزاحم. ولاشكَّ أنَّنا لو كان عندنا إدراك للواقعيَّات لما تورَّطنا في مثل هذه الشكوك والجَهالات.
الأمر الثالث:
إنَّنا حين نتحدَّث عن أمر تاريخيٍّ كواقعة الحسينعليهالسلام
، فإنَّنا يُمكن أنْ نُتمثِّل بهذا المثال، وهو قولهم:(يرى الحاضر ما لا يرى الغائب)
، ومِن الواضح أنَّهم كانوا حاضرين، ونحن غائبون، وهم مشاهدون ونحن غير مشاهدين. إذن فليس من حقنا أن نعترض على أية واقعة تاريخية لم نشاهدها ولم نُحِطْ بها خُبْراً؛ إذ لعلَّ أهلها والقائمين بحوادثها، قد علموا ما لم يُعلم مِن القرائن والحوادث والعَلاقات، وشخَّصوا التكليف لهم بأنْ يفعلوا كذا أو يتركوه، وليس لنا أنْ نفتح أفواهنا ضِدَّهم بشيء، ونحن غير مُلمِّين بالموضوع مِن جميع جهاته، مع أنَّهم لا شكَّ كمُعاصرين للأحداث ومُلاحظين لها حال وقوعها، أنَّهم مُلمُّون بها مِن جميع جهاتها.
الأمر الرابع:
إنَّ عدداً مِن الأُمور النظريَّة والعلميَّة، مِمَّا يتعذَّر على عقولنا إدراك واقعيَّاتها، يُمكن مِن الناحية المنطقيَّة طرح أفكار محدودة، تحمل مُحتملات معقولة على شكل (أُطروحات)، نُحاول أنْ نجمع القرائن على صحَّتها مِن ناحية، ونَدفع بها الاَستدلال المضادَّ مِن ناحية أُخرى.
إنَّ المشكِّك حين
____________________
يطعن في أيِّ أمر، إنَّما يطعن في حكمة فاعله وصوابه، ويُحاول أنْ يستدلَّ بهذا على ذلك؛ ومِن هنا تأتي الأُطروحة أو تلك لأجل حمل الفاعل على الصحَّة والصواب، وأنَّ فعله قابل للقبول. ومعناه أنَّ الاستدلال الذي أراده الخصم قد فشل؛ إذ بدخول الاحتمال يبطل الاستدلال؛ لأنَّ الاستدلال مِن الناحية المنطقيَّة يحتاج إلى الجزم بنتيجته، وهذه الأُطروحات تُخلخل هذا الجانب وتُطيح به، ومعه يسري الفساد إلى نتيجة الاستدلال نفسها.
وهذا التكوين النظري
، يُمكن تطبيقه على كثير مِن حوادث التاريخ، بالنسبة إلى كثير مِن المعروفين السابقين، وخاصَّة ما إذا كانوا معصومين. بلْ المعصومون أولى بالصحَّة في هذا الصدد، وأؤكِّد مِن حيث قبول أفعالهم وأقوالهم، بعد ثبوت عصمتهم ببرهان ليس الآن محلُّ ذكره؛ فإنْ لم نكن نعرف وجه الحكمة الحقيقية مِن بعض أُمورهم فلا أقلَّ مِن وجود أُطروحة أو أكثر لحملها على الصحَّة. مِمَّا يُبطل الاستدلال والتشكيك ضدَّهم جزماً.
الأمر الخامس:
إنَّ الهدف أو الحكمة مِن كلِّ قول أو فعل وارد عن معصوم أو غيره، لا ينحصر أنْ يكون هدفاً واحداً، بلْ يُمكن أنْ يكون مُتعدِّداً، سواء ما نعلمه مِن الأهداف أم ما نحتمله منها، أم الأهداف التي تكون بالحكمة الإلهيَّة.
والمهمُّ الآن إمكان تعدُّد الأهداف لأيِّ تصرُّف؛ ومِن هنا يُمكن أنْ تتعدَّد الأُطروحات المحتملة، المصحِّحة لتلك التصرُّفات.
الأمر السادس:
إنَّه ثبت في الفلسفة أنَّ أيَّ شيء في الخليقة فإنَّ لوجوده نحواً مِن الحكمة والهدف، أو قُلْ: العلَّة الغائيَّة
، كما يُعبِّرون هناك
____________________
وكلُّ موجود مشمول لذلك، سواء كان أنساناً أم حيواناً أم جماداً أم ملائكة أم غيرها مِن الأُمور. لا يشذُّ عن ذلك حتَّى الأفعال الاختياريَّة للفاعلين المختارين مِن الناس أو غيرهم؛ فإنَّها بالرغم مِن أنَّها اختياريَّة منسوبة لأصحابها، ويستحقُّون عليها المدح أو القدح، إلاَّ أنَّها بصفتها خلقاً مِن خلق الله سبحانه، فهي منسوبة إليه جلَّ جلاله، ومِن ثمَّ يكون إيجادها - طبقاً لتلك القاعدة - ذا حكمة وعلَّة غائيَّة.
ومِن هنا يُمكن القول - أو يثبت الأمر -: إنَّ أيَّ فعل مِن أفعالنا فهو له نحوان مِن المقاصد: نحو يعود إلى الفاعل نفسه، ونحو يعود إلى الخالق جلَّ جلاله. لا يختلف في ذلك فعل الإنسان البسيط عن العظيم، والعالم عن الجاهل، ولا معصوم عن غير المعصوم، وهكذا. فمثلاً، يُمكن القول: إنَّ الحسينعليهالسلام
إنَّما قام بحركته العظيمة، مِن أجل غرضه الشخصي - بينه وبين نفسه - وذلك لأجل قيامه بواجب مِن الواجبات الموكولة إليه والمكلَّف بها تماماً، كما لو صلَّينا صلاة الظهر امتثالاً لأمر الله سبحانه علينا وجوباً مِن ناحية، وطمعاً بالثواب الناتج منها مِن ناحية أُخرى. وقد أمر الله الحسينعليهالسلام
- كما سيأتي شرحه - بهذه الحركة، فهو يمتثل هذا الأمر، مُتوخِّياً الثواب العظيم، والمقامات العُليا التي ذخرها الله سبحانه له، والتي لن ينالها إلاَّ بالشهادة.
ومحلُّ الشاهد - الآن - هو أنَّ التساؤلات عن حركة الحسينعليهالسلام
، إنَّما هو مِن قبيل التساؤلات عن الحكمة الإلهيَّة فيها، وليس عن الأغراض الخاصَّة بالحسينعليهالسلام
منها - كما شرحناه -؛ ومِن هنا يكون الاعتراض عليها - أعني هذه الحركة - والطعن في أهدافها، إنَّما هو طعن بالحكمة الإلهيَّة مُباشرة،
____________________
وليس في أغراض الحسينعليهالسلام
منها؛ لأنَّ أغراضه الشخصيَّة لم تكن - بكلِّ بساطة - إلاَّ الامتثال وتحصيل الثواب شأنه في ذلك شأن أيِّ مؤمن آخر، يمتثل عملاً واجباً أو مُستحبَّاً.
الأمر السابع:
إنَّنا لا ينبغي - ونحن ننظر إلى فهم التاريخ الإسلامي - أنْ ننظر إلى القادة المعصومين (سلام الله عليهم) كقادة دنيويِّين، كما عليه تفكير طبقة مِن الناس، يدَّعون التمسُّك بالفكر الديني، ولكنَّهم مُتأثِّرون بالاتِّجاه المادِّي الدنيوي، فهم يعتبرون المعصومين قادة دنيويِّين كُبراء، بل هُمْ بهذه الصفة خير مِن خير القادة الموجودين خلال العصور كلِّها، في اتِّصافهم بعُمق التفكير وحصافة الرأي وشجاعة التنفيذ ونحو ذلك؛ ومعه يكونون همْ المسؤولون عن أهداف حركاتهم وأقوالهم وأفعالهم، ولا تكون تلك الأُمور منسوبة إلى الحكمة الإلهيَّة بأيِّ حال.
إلاَّ أنَّني أعتبر ذلك خطأ لا يُغتفر، بلْ لا بُدَّ في النظر إليهم كقادة، مِن أخذ كلِّ الأُصول الدينيَّة والعقائد الصحيحة بنظر الاعتبار. وقد ثبت أنَّهم معصومون مُسدَّدون مِن قِبَل الله سبحانه، فالسؤال عن الحكمة لا بُدَّ وأنْ يكون راجعاً إلى الحكمة الإلهيَّة، لا إلى آرائهم الشخصيَّة مَهما كانت مُهمَّة.
وأوضح دليل على ذلك: هو أنَّنا إذا اعتبرناهم قادة دنيويِّين؛ فإنَّنا ينبغي أنْ نعترف بفشهلم في كثير مِن المهمَّات التي قاموا بها فعلاً؛ وتكون كثير مِن أفعالهم خالية مِن الحكمة والمصلحة، بلْ تكون واضحة الفشل مِن الناحية الدنيويَّة. فمثلاً أنَّ الأمام الحسينعليهالسلام
قد خرج إلى الكوفة وبالتالي إلى كربلاء، وهو يعلم أنَّه سوف يموت، وأنَّ عائلته سوف تُسبى، وليس الأمر مُنحصراً به، بلْ يعلم بذلك عدد مُهمٌّ مِن الناس؛ ومِن هنا نصحه المتعدِّدون أنْ
يُعيد النظر في عمله ويستدرك مُهمَّته
، ولكنَّه مع ذلك كان مُهتمَّاً بها مُقبلاً عليها، مهما كانت النتائج. فلو نظرنا إليها نظراً دنيويَّاً لكانت في نظرنا حركة فاشلة تماماً. أو إذا جرَّدنا مِن الأمام الحسينعليهالسلام
قائداً دنيويَّاً كان رأيه خالياً مِن الرُّشد والحكمة، وحاشاه.
إذنْ؛ فالأمر لا بُدَّ عائد إلى الأمر الإلهي والحكمة الإلهيَّة، والله سبحانه يُريد بإيجاد هذه الحركة أهدافاً تعدل هذه التضحيات الجِسام، التي قدَّمها هذا
____________________
____________________
الإمام العظيم (سلام الله عليه)، والإمام نفسه مؤيَّد ومُسَدَّد مِن قِبَل الله سبحانه؛ ومِن هنا استطاع أنْ يعلم بنحو أو آخر بالأمر الإلهي المتوجِّه إليه بإيجاد هذه الحركة. أمَّا بالأمر الموروث إليه مِن قِبَل جَدِّه رسول اللهصلىاللهعليهوآله
. أو بالعلم اللدُّني
، أو التسديد الإلهي الموجود لديه كواحد مِن المعصومينعليهمالسلام
.
وهنا يُمكن أنْ يُستدلَّ ببعض الأدلَّة الدينيَّة على إمكان النظر إلى المعصومينعليهمالسلام
كقادة دنيويِّين، نذكر منها أهمَّها، كما يلي:
الدليل الأوَّل:
قوله تعالى:(
... وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ...
)
، الدالَّة على أنَّ النبيصلىاللهعليهوآله
مأمور بمُشاورة أصحابه في أُموره، وهو إنَّما يحتاج إلى هذه المشاورة بصفته قائداً دنيويَّاً؛ إذ لو كان مؤيَّداً ومُسدَّداً لما احتاج إلى هذه المشاورة.
ثمَّ إنَّه إذا ثبت ذلك للنبيصلىاللهعليهوآله
بنصِّ الآية الكريمة، ثبت في غيره مِن المعصومين بطريق أولى، بصفته خيرهم وأعظمهم.
ويُمكن الجواب على ذلك من وجوه نذكر بعضها:
الجواب الأوَّل:
إنَّنا إذا أمكننا أنْ نُجرِّد مِن أيِّ قائد معصوم قائداً دنيويَّاً، فلا يُمكن أنْ يكون ذلك مُحتملاً في حقِّ النبيصلىاللهعليهوآله
؛ لأنَّ ذلك الاتِّجاه الفكري، إذا حصل تشكيكه في كون سائر المعصومين ذوي تأييد وتسديد إلهيَّين، فإنَّه لا
____________________
يُمكن ذلك في نبي الإسلامصلىاللهعليهوآله
؛ لأنَّ ذلك الاتِّجاه الفكري يعترف بالإسلام، واعترافه هذا معناه الاعتراف بنزول الوحي على النبيصلىاللهعليهوآله
في القرآن وغير القرآن، و لا نعني مِن التسديد الإلهي إلاَّ ذلك. وإذا نفينا ذلك، فمعناه نفي نزول الوحي على النبيصلىاللهعليهوآله
، بصفته قائداً دنيويَّاً كما يعتبرون؛ إذاً، فسوف يكون ذلك كفراً بالإسلام وخروجاً عنه؛ وبالتالي فلا يُمكن أنْ يجتمع الإيمان بالإسلام مع افتراض أنْ يكون النبيصلىاللهعليهوآله
قائداً دنيويَّاً غير مُسدَّد.
ومِن الواضح أنَّ هذه الآية الكريمة - التي ذكرها المستدلُّ - نازلة على النبيصلىاللهعليهوآله
، فإنَّه لا يكون غيره أولى بذلك منه، كما ذكره في الاستدلال.
الجواب الثاني:
إنَّنا يُمكن أنْ نُناقش دلالة الآية على ذلك مِن عِدَّة وجوه: الوجه الأوَّل: إنَّ الآية الكريمة بنفسها دالَّة على أنَّ هؤلاء الذين يكون النبيصلىاللهعليهوآله
مأموراً بمُشاورتهم، هُمْ أُناس واطئون مِن الناحية الثقافيَّة والإيمانيَّة، ومِن الواضح أنَّ مُشاورة مثل هذه الطبقة لا تكون مُنتجة للنتائج العظيمة التي يتوخَّاها المستدلُّ.
ودلالتها على ذلك في عدد مِن فقراتها - كما سنرى - فإنَّه تعالى يقول:(
فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ
)
.
فأوَّلاً:
قوله:(
فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ...
)
، يعني لولا هذه الرحمة المتزايدة، كما استحقاقهم هو الغضب عليهم وانتقاد تصرُّفاتهم والجزع مِن
____________________
مُعاشرتهم.
ثانياً:
قوله:
(
... لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ...
)
، بعنوان أنَّ النبي إذا كان غليظ القلب؛ فسوف يقسو عليهم بالنصيحة والتوجيه؛ إذن فسوف يضيقون به ذرعاً ويتركونه. وهذا الدليل على إيمان مُتدنٍّ؛ إذ لو كان الإيمان عالياً لكان اللازم لهم اتِّباع النبيصلىاللهعليهوآله
على كلِّ حال، حتَّى لو ضرب ظهورهم أو أعناقهم.
ثالثاً:
قوله:(
... فَاعْفُ عَنْهُمْ...
)
، الدالُّ على أنَّهم مُذنبون في حقِّه، يحتاجون إلى العفو عنهم.
رابعاً:
قوله:(
... وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ...
)
، الدالُّ أنَّهم مُذنبون أمام الله سبحانه، يحتاجون إلى استغفار.
وهذا هو فرقه عن الوجه السابق. وبالعفو عنهم والاستغفار لهم سوف تزداد رحمة النبيصلىاللهعليهوآله
وعطفه عليهم. وبالتالي؛ فإنَّ الأحجى والأرجح بهصلىاللهعليهوآله
أنْ لا يُعامهلم حسب استحقاقهم بالعدل، بلْ حسب مُقتضيات الرحمة الإلهيَّة، فإنَّ ذلك أفضل للمصلحة العامَّة.
وعلى أيِّ حال، فمُشاورتهم وهم بهذا المستوى المتدنِّي، لا يُنتج نتائج القيادة النبويَّة، ولا يكون مُطابقاً للحكمة الحقيقيَّة على أيِّ حال. ومِن هنا لا يكون قوله:
(
... فَإِذَا عَزَمْتَ...
)
، يعني نتيجة للمشاورة معهم، بلْ نتيجة للأسباب الحقيقيَّة لذلك العزم بما فيها الوحي الإلهي.
الوجه الثاني:
للجواب على الاستدلال بالآية الكريمة: إنَّ قوله تعالى:
(
... وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ...
)
ليس بمعنى المشاورة الحقيقيَّة، التي يُريد أنْ يفهمها المستدلُّ، بلْ هي شكل مِن أشكال التخطيط السلوكي، يجعله الله سبحانه للنبيصلىاللهعليهوآله
بقوله تعالى:(
... فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي
الأَمْرِ...
)
؛ لكي ينال النبيصلىاللهعليهوآله
مصالح عامَّة عديدة، يُمكن أنْ نفهم منها ما يلي:
أوَّلاً:
أنْ يهديهم بسلوك الرحمة والشفقة معهم.
ثانياً:
أنْ يكفي شرَّ ذي الشرِّ منهم.
ثالثاً:
أنَّ مُشاورتهم نحو مِن الاختبار والامتحان لهم؛ ليرى النبيصلىاللهعليهوآله
عمليَّاً أنَّهم ناصحون له في الآراء التي سيُبدونها والاقتراحات التي يقولونها أم لا.
رابعاً:
أنَّ مُشاورتهم نحو مِن التدريب لهم على هذا الأُسلوب، حين يكونون هُمْ مُحتاجون إلى مُشاورة غيرهم، فلا ينبغي أنْ يتكبَّروا عن ذلك بعد أنْ كان نبيهمصلىاللهعليهوآله
يتَّخذ هذا الأُسلوب بنفسه.
وهُمْ لا شكَّ أنَّهم مُحتاجون إلى المشاورة في تاريخ حياتهم الطويل؛ لأنَّهم ليسوا معصومين، وقد يُصبحون موجودين في زمان ومكان خالٍ مِن معصوم، يُمكنهم الاهتداء برأيه والاستعانة بتسديده، كما كانوا يعتمدون على النبيصلىاللهعليهوآله
. الوجه الثالث: إنَّ هذا الأمر في هذه الآية الكريمة، يُمكن أنْ يكون وارداً بعنوان:(إيَّاك أعني فاسمعي يا جاره)
، يعني أنْ يكون المخاطب بها النبيصلىاللهعليهوآله
والمراد غيره، وعندنا عدد مِن الموارد القرآنيَّة، على هذا النحو كقوله تعالى:
(
عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ
____________________
الذِّكْرَى
)
. إلى آخر المورد. وكقوله تعالى:(
وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ
)
. إلى غير ذلك مِن الموارد.
الوجه الرابع:
إنَّنا لو تنزَّلنا عن قبول الوجوه السابقة، فمعنى ذلك: أنَّ ظاهر القرآن الكريم دالٌّ على حاجة النبيصلىاللهعليهوآله
إلى مُشاورة غيره مِن البشر، وليس مؤيَّداً ولا مُسدَّدا بالوحي الإلهي والحكمة الإلهيَّة؛ فيكون هذا الظهور غير مُحتمل دينيَّاً على الإطلاق، وكلُّ ظهور قرآني أو غيره يُنافي القواعد العامَّة العقليَّة أو النقليَّة، فإنَّه يسقط عن الحُجيَّة، ولا بُدَّ مِن تأويله بحيث يوافق تلك القواعد، فإنَّنا إذا تنزَّلنا وقَبِلنا في حقِّ أيِّ معصوم أنَّه قائد دنيويٌّ، فلا يُمكن ذلك بالنسبة إلى النبيصلىاللهعليهوآله
قائد الإسلام، والقول بذلك خروج عن دينه الحنيف.
وبهذا ينتهي الحديث عن الاستدلال بالآية الكريمة.
الدليل الثاني:
لا بُدَّ أنْ نحمل القائد المعصوم على أنَّه قائد دنيوي، وأنَّنا مُكلَّفون بعرض محاسن الدين الإسلامي للكفَّار والفسَّاق والدنيويِّين عموماً - لو صحَّ التعبير - ومِن الواضح أنَّ هذه الطبقات لا تؤمن بالمعصوم معصوماً، بلْ غاية ما يُستطاع إقناعهم به هو كونه قائداً دنيويَّاً فَذَّاً حكمياً رشيداً ناجحاً في قيادته، فإذا توقَّف عرض محاسن الإسلام عليهم على هذا النحو مِن التفكير، أصبح صحيحاً ومُتعيِّناً.
____________________
وجواب هذا الدليل:
إنَّ الصحيح - رغم كلِّ ذلك - ليس هو ذلك. فإنَّ هؤلاء غير المتديِّنين بالإسلام، والمشار إليهم في الدليل يُمكن تقسيمهم إلى عِدَّة أقسام في حدود ما ينفعنا في المقام.
القسم الأول:
أنْ يكون الفرد دنيويَّاً، ولكنَّه موافق لنا في المذهب، فلا يحتاج إلاَّ إلى تفهيمه بحقيقة عقيدته وصفات قادته في صدر الإسلام.
القسم الثاني:
أنْ يكون الفرد دنيويَّاً، ولكنَّه يتَّخذ أيَّ مذهب آخر مِن مذاهب الإسلام الرئيسيَّة، فيتمُّ تفهيمه بالحقيقة عن طريق عرض التواريخ الواردة إلينا مِن جميع علماء وقادة الإسلام الأوائل؛ مِن حيث إنَّ كلَّ المذاهب تعتقد بالضرورة لقادتها كرامات ومُعجزات وتأييدات إلهيَّة ونحو ذلك، مِمَّا يكاد أنْ يكون بالغاً حَدَّ التواتر، فالأمر ليس خاصَّاً بمذهب دون مذهب، بلْ هو أمر مُتَّفق عليه بين سائر المذاهب؛ فحيث إنَّ كلَّ المذاهب تعتقد به، فلا ضير على أيِّ مذهب أنْ يعتقد به.
القسم الثالث:
أنْ يكون الفرد دنيويَّاً، ولكنَّه يعتنق ديناً آخر غير الإسلام، وأهمُّه النصرانيَّة واليهوديَّة، فمثل ذلك يتمُّ تفهيمه بالحقيقة عن طريق عرض التواريخ الواردة في دينه نفسه عن قادته الأوائل؛ مِن حيث إنَّ دينه قائم على ذلك، بلْ كلُّ الأديان قائمة عليه، وهو أمر مُتسالم بينها، على أنَّ جميع الأنبياء والأولياء وأضرابهم أصحاب مُعجزات وكرامات وإلهامات وتسديدات، فلا ضير على أيِّ شخصٍ إذا اعتقد ذلك في قادة دينه. وهذه التوراة وهذا الإنجيل الموجودان طافحان بذلك في عشرات - بلْ مئات - المواضع منها. كما هو واضح لمن يراجعها.
والنسخ منها مُتوفِّرة في كلِّ العالم بلُغات عديدة والرجوع إليها سهل. مِمَّا يوفِّر علينا مُهمَّة الاستشهاد السريع على ذلك، بلْ الأمر يتعدَّى النصرانيَّة واليهوديَّة إلى غيرها مِن الأديان،
كالبوذيَّة والهندوسيَّة والسيك وغيرهم، فإنَّهم جميعاً يؤمنون لقادتهم - بشكل وآخر - حياة مليئة بالكرامات والتسديدات، ومِن ثمَّ فهم ليسوا مِن قبيل البشر الاعتياديِّين على أيِّ حال.
القسم الرابع:
أنْ يكون الفرد دنيويَّاً، ولكنَّه مُلحد لا يعتقد أيَّ دين. فمثل هذا الفرد أو هذا المستوى لا يُمكن البدء معه بالتفاصيل، بلْ لا بُدَّ مِن البدء معه بالبُرهان على أصل العقيدة؛ لنصل معه بالتدريج إلى التفاصيل.
وإذا تمَّ كلُّ ذلك؛ لم يبقَ دليل على إمكان التنزُّل عن الاعتقاد بالعصمة لقادتنا المعصومينعليهمالسلام
، وكذلك ثبوت التأييد والتسديد الإلهي لهم.
كما ثبت وجوده بالدليل، وليس هنا محلُّ تفصيله.
إذاً؛ مُقتضى الأدب الإسلامي الواجب أمامهم، هو التسليم لأقوالهم وأفعالهم بالحكمة. وأنَّها مُطابقة للصواب والحكمة الإلهيَّة. والتوقيع لهم على ورقة بيضاء - كما يُعبِّرون - ليكتبوا فيها ما يشاءون.
وهذا مِن مداليل وجوب التسليم المأمور به في الآية الكريمة. وهو قوله تعالى:(
إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً
)
.
وإذا ثبت لنا بنصِّ القرآن الكريم عن النبيصلىاللهعليهوآله
أنَّه(
لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ...
)
وأنَّ(
... الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ...
)
مع أنَّه خير الخلق وأفضلهم وأولاهم بالولاية.
وقد نصَّ القرآن الكريم على الإطراء عليه ووصفه بأوصاف عالية
____________________
جدَّاً، فهي في العديد مِن آياته،
كقوله:(
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
)
.
وقوله:(
وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى *
إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى
)
.
وقوله:(
... سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ...
)
.
وقوله:(
مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ
)
.
وقوله:(
... أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ...
)
.
وقوله:(
مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ...
)
.
إلى غير ذلك.
فمَن تكون له هذه المزايا العظيمة وغيرها، مِمَّا نعرف أو لا نعرف؛ يستحقُّ - حسب فهمنا - أنْ يكون الأمر بيده.
ومع ذلك، فإنَّ الله سبحانه ينصُّ على نفي ذلك:(
لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ...
)
، وإذا كان خير الخلق كذلك فغيره أولى بذلك.
إذاً، فليس شيء مِن تصرُّفات المعصومينعليهمالسلام
مِمَّا يرتبط بالمصالح العامَّة، مؤكل إليهم ولا ناتجاً عن رأيهم، وإنَّما هو وارد إليهم مِن الحكمة الإلهيَّة، إمَّا عن طريق جَدِّهم النبيصلىاللهعليهوآله
أو عن طريق التسديد الإلهي الخاص بأي واحد منهم.
____________________
تعارض الروايات
هناك إشكال موجود في عدد مِن الأذهان، يُفيد الجواب عليه بصدد المعنى الذي تحدَّثنا عنه، يحسن عرضه ومُحاولة الجواب عليه.
فإنَّه قد يخطر في الذهن: إنَّ الروايات مُتعارضة في نسبة التأييد والتسديد إلى المعصومين (سلام الله عليهم)، فبينما عدد مِن الروايات تنصُّ على وجوده، كالمضامين التالية:
قولهم:(إنَّ الإمام إذا أراد أنْ يعلم شيئاً أعلمه الله تعالى به)
.
وقولهم:(إنَّنا نزداد في كلِّ جمعة، ولولا ذلك لنَفِذَ ما عندنا)
.
وقولهم:(إنَّ الأعمال تُعرض على الإمام
عليهالسلام
في كلِّ عام في ليلة القدر)
.
وقولهم:(إنَّ العلم على أقسام: خطور في البال وقرع في السمع ونكت في القلب)
.
وإنَّما يتحدَّثون عمَّن هو دون النبيصلىاللهعليهوآله
للتسالم على نزول الوحي عليه، فلا حاجة له إلى كل ذلك.
وإذا تمَّ ذلك إجمالاً لغيره كان المعصومون أولى به مِن غيرهم، ويندرج في ذلك قول النبيصلىاللهعليهوآله
لعليٍّعليهالسلام
:
____________________
(إنَّك ترى ما أرى وتسمع ما أسمع)
.
وقوله - أيضاً -:(يا علي ما عرف الله إلاَّ أنا وأنت)
إلى غير ذلك مِن ألسنة الروايات.
في حين يوجد في بعض الروايات ما يدلُّ على ضدِّه، إمَّا بمضمون قول الإمامعليهالسلام
:(إنَّني رُبَّما بحثت عن الجارية فلم أجدها، مع أنَّها في الغرفة المجاورة)
، وأمَّا بمضمون قوله:(لم أدَّع ولم يدَّع أحد مِن آبائي أنَّنا نعلم الغيب)
.
وفي مثل ذلك: قد يقول المستشكل: إنَّ الروايات هنا مُتعارضة، والروايات المتعارضة تسقط عن الحُجِّيَّة. وإذا سقطت عن الحُجِّيَّة لم يبقَ دليل على وجود الإلهام والتسديد للمعصومينعليهمالسلام
غير النبيصلىاللهعليهوآله
؛ لأنَّ الطائفة الدالَّة على ذلك تكون قد سقطت بالمعارضة.
ويُمكن الجواب على ذلك بعِدَّة وجوه نذكر أهمَّها:
الجواب الأوَّل: إنَّ مضمون الطائفة الثانية الدالَّة على حِيرة الأمامعليهالسلام
في البحث عن الجارية ونحو ذلك، إنَّما يكون في الحكمة الإلهيَّة لدفع احتمال الربوبيَّة عنهمعليهمالسلام
؛ لأنَّ مَن تكون له مُميِّزات عُليا ومُهمَّة، لا شكَّ أنَّ الناس بالتدريج قد تعتقد به الربوبيَّة.
وهذا ما حصل فعلاً في التاريخ لعدد مِن الناس كعليٍّعليهالسلام
، وبوذا والمسيح وغيرهم، وهذا ما لا يُريد الله حدوثه وسريانه في المجتمع رحمة بالناس عن الضلال والجهل.
فمِن هنا تحصل هذه الحوادث البسيطة أمام الناس؛ لكي يندفع احتمال
____________________
الربويَّة بوضوح وبالحسِّ وبالعَيان. وهذا لا يعني أنَّهم أُناس عاديُّون، بلْ يبقى مضمون الطائفة الأُولى مِن الأخبار - الدالَّة على التسديد لهم - قائماً.
الجواب الثاني:
إنَّ مضمون الطائفة الثانية الدالَّ على حيرة الأمامعليهالسلام
في البحث عن الجارية ونحوها، يكون في الحكمة الإلهيَّة، لإثبات السيطرة الإلهيَّة والقهر الإلهي على المعصومين؛ لكي يفهم الناس أجمعون أنَّ هذه المميِّزات، التي دلَّت عليها الطائفة الأُولى وغيرها، إنَّما هي هبات مِن الله سبحانه وليس قائمة بهم ذاتاً، فالله هو الذي شرَّفهم وطهَّرهم، وعلَّمهم واجتباهم وهداهم، وعظَّهم وسدَّدهم وعصمهم، إلى غير ذلك مِن الصفات.
ولو انقطعوا عن العطاء الإلهي طَرفة عين، أو أُوكلوا إلى أنفسهم طَرفة عين؛ لكان بالإمكان انقطاع كلِّ هذا العطاء الإلهي؛ ولذا ورد عن الإمام:(اللَّهمَّ لا تكلني إلى نفسي طَرفة عين أبداً ولا أقلَّ مِن ذلك ولا أكثر يا ربَّ العالمين)
.
فلأجل إثبات السيطرة الإلهيَّة والتحسُّس بالعطاء الإلهي باستمرار، يكون مضمون الطائفة الثانية مِن الأخبار. حتَّى يكون محسوساً أنَّ الإمام مَهما كان عظيماً، فإنَّه إذا أوكِل إلى نفسه فسوف يحتار في مكان الجارية ولم يستطع أنْ يجدها. والأمر في كلِّ شيء هكذا أيضاً.
الجواب الثالث:
إنَّ المعصومينعليهمالسلام
- عموماً - بما فيهم النبيصلىاللهعليهوآله
وغيره لهم عالمان: عالم الظاهر الذي يُعايشون به الناس، وعالم الباطن الذي يتَّصلون عن طريقه بالله سبحانه، ويأخذون منه التسديد والتأييد. ومِن الممكن القول: إنَّ لكلٍّ مِن هذين العالمين قوانينه وقواعده الخاصَّة به، وإنَّ كلَّاً مِن هذين العالمين يؤثِّر ويشتغل بالاستقلال عن العالم الثاني؛ ومِن هنا كانت
____________________
الطائفة الأُولى مِن الروايات، وهي الدالَّة على الإلهام والتسديد، تعبيراً عن العالم الباطن لهمعليهمالسلام
، والطائفة الثانية الدالَّة على حيرة الإمام في البحث عن الجارية، تعبيراً عن العالم الظاهر لهمعليهمالسلام
؛ فتكون كلتا الطائفتين صادقة في حَقِّهم عليهم السلام.
إلاَّ أنَّ هذا الجواب بالذات لا ينبغي المبالغة في نتائجه؛ لأنَّنا لو أخذناه على سعته للزم منه: أنَّهمعليهمالسلام
لا يستعملون الإلهام الباطني في علاقاتهم الظاهريَّة على الإطلاق، وهذا غير صحيح بكلِّ تأكيد. ومِن موارد النقض على ذلك تصريح الأمام الحسينعليهالسلام
بمقتله قبل خروجه إلى العراق
، إلى غير ذلك الكثير منهم (سلام الله عليهم).
نعم، يُمكن أنْ يكون ذلك مُبرِّراً لبعض الأُمور فقط، كالذي ورد في الطائفة الثانية مِن المضمون، وكذلك يصلح أنْ يكون أحد التفاسير لإقبالهم (سلام الله عليهم) على الموت عن اختيار وطواعية، فقد يكون بعنوان غفلتهم عن نتائج ذلك المخطَّط؛ أخذاً بجانب الظاهر مِن الحياة الدنيا.
على أنَّ لذلك عِدَّة مُبرِّرات أُخرى، قد نتعرَّض لها في مُستقبل هذا البحث.
هذا، وأمَّا نفيهم (سلام الله عليهم) عن أنفسهم تلقِّي الوحي
. المراد به أحد أُمور:
الأمر الأوَّل:
التقيَّة في مُقابل الإرجاف بذلك مِن قبل المغرضين.
الأمر الثاني:
إنَّ المنفي في الرواية هو عدم ادِّعاء ذلك. وهو لا ينفي وجوده الواقعي لهم.
____________________
الأمر الثالث:
إنَّ المنفيَّ عن الرواية هو الوحي الخاصُّ بالنبوَّة
؛ إذ لا إشكال بنزول الوحي على شكل آخر على عدد مِن الخَلف منهم إنسان وحيوان، كأمِّ موسى ومريم بنت عمران والنحل
وغيرهم، بنصِّ القرآن الكريم؛ فليس غريباً أنْ ينزل الوحي، بسبب رحمة الله ونعمته، على أعاظم الخَلق عند الله سبحانه، بما فيهم المعصومون (سلام الله عليهم).
____________________
(
)
(
)
(
)
(
)
(
)
أصحاب المعصومين
قد يخطر في الذهن السؤال، عمَّا إذا كان أصحاب المعصومين (رضوان الله عليهم)، وبعض الخاصَّة مِن أقاربهم، كالعباس بن علي، ومسلم بن عقيل، وحبيب بن مظاهر الأسدي
وأضرابهم، أيضاً يُمكن حمل أقوالهم وأفعالهم على الصحَّة والحكمة، كالمعصومين (سلام الله عليهم)، مع أنَّه لا مُلازمة في ذلك؛ للاحتمال الراجح - بلْ المتعيِّن - أنَّ للعصمة دخلاً في الإلهام والتوجيه لهمعليهمالسلام
، وهي غير مُتوفِّرة في أصحابهم (عليهم الرضوان)؛ فلا يكون الدليل السابق شاملاً لهم. فإنْ كانت النتيجة صحيحة - أعني: مُطابقة أعمالهم للحكمة - فلا بُدَّ أنْ يكون ذلك بدليل آخر، لا بنفس الدليل السابق.
وجواب ذلك: إنَّ الدليل على ذلك مُتوفِّر في عدد مِن خاصَّة أصحاب الأئمَّة (سلام الله عليهم)؛ وذلك لعِدَّة وجوه:
الوجه الأوَّل:
إنَّ مثل هؤلاء الخاصَّة معصومون بالعصمة غير الواجبة،
____________________
كما أنَّ الأئمَّة معصومون بالعصمة الواجبة، فإنَّ العصمة على قسمين:
القسم الأوَّل:
العصمة الواجبة، وهي التي دلَّ الدليل العقلي على ثبوتها بالضرورة للأنبياء وأوصيائهمعليهمالسلام
. كما هو مبحوث في العقائد الإسلاميَّة. وهذه المرتبة عطاء مِن قِبَل الله إليهم، لا ينالها غيرهم ولا يُمكن أنْ يكون الدليل عليها دليلاً على غيرهم أيضاً.
القسم الثاني:
العصمة غير الواجبة، وهي مرتبة عالية جِدَّاً مِن العدالة، والانصياع لأوامر الله سبحانه ونواهيه، بحيث يكون احتمال صدور الذنب عن الفرد المتَّصف بها نادراً أو مُنعدماً؛ لمدى الملكة الراسخة لديه والقوَّة المانعة عن الذنوب فيه.
وفكرتها نفس الفكرة السابقة؛ لأنَّ معناها واحد مِن الناحية المنطقيَّة، إلاَّ أنَّها تُفرَّق عنها ببعض الفروق:
أوَّلاً:
عدم شمول البرهان على العصمة الواجبة للعصمة الأُخرى.
ثانيا:
عدم شمول العصمة الواجبة للخطأ و النسيان بخلاف الأُخرى.
ثالثاً:
مُلازمة العصمة الواجبة مع درجة عالية مِن العلم بخلاف الأُخرى؛ فإنَّها قد تحصل لغير العالم كما تحصل للعالم.
رابعاً:
انحصار عدد أفراد المعصومين بالعصمة الواجبة بالأنبياء والأوصياء. وأمَّا العصمة الأُخرى فبابها مفتوح لكلِّ البشر، في أنْ يسيروا في مُقدِّماتها وأسبابها حتَّى ينالوها، وليست الرحمة الإلهيَّة خاصَّة بقوم دون قوم.
إذا عرفنا ذلك؛ أمكننا القول بكلِّ تأكيد: إنَّ عدداً مِن أصحاب الأئمَّةعليهمالسلام
معصومون بالعصمة غير الواجبة هذه؛ ومعه يتعيَّن حمل أقوالهم وأفعالهم على العصمة والحكمة، شأنهم في ذلك شأن أيِّ معصوم.
الوجه الثاني:
إنَّ أمثال هؤلاء الأصحاب والمقرَّبين للأئمَّة (عليهم
السلام)، قد ربَّاهم المعصومونعليهمالسلام
، وكانوا تحت رعايتهم وتوجيههم، وأمرهم ونهيهم ردحاً طويلاً مِن الزمن، إلى حدٍّ يُستطاع القول: إنَّهم فهموا الاتِّجاه المعمَّق والارتكازي - لو صحَّ التعبير - للمعصومين (سلام الله عليهم)؛ ومِن هنا كان باستطاعتهم أنْ يُطبِّقوا هذا الاتِّجاه في كلِّ أقوالهم وأفعالهم.
كما يُستطاع القول: إنَّ الأصحاب (رضوان الله عليهم) تلقُّوا مِن الأئمَّةعليهمالسلام
توجيهات وقواعد عامَّة في السلوك والتصرُّف، أكثر مِمَّا هو مُعلَن بين الناس بكثير؛ بحيث استطاعوا أنْ يُطبِّقوا هذه القواعد طيلة حياتهم.
الوجه الثالث:
إنَّ هؤلاء مِن خاصَّة الأصحاب همْ مِن الراسخين في العلم، وقد أصبحوا كذلك لكثرة ما سمعوا، ورووا عن المعصومينعليهمالسلام
ابتداءً بالنبيصلىاللهعليهوآله
وانتهاء بالأئمَّةعليهمالسلام
، مِن حقائق الشريعة ودقائقها وأفكارها.
وقد يخطر في البال:
أنَّ عنوان(
... الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ...
)
خاصٌّ بقسم مِن الناس، ولا يُمكن أنْ يشمل قسماً آخر، فهو خاصٌّ إمَّا بالأئمَّة المعصومينعليهمالسلام
أو بمَن هو معصوم بالعصمة الواجبة، بما فيهم الأنبياءعليهمالسلام
. وأمَّا شمول هذا العنوان لغيرهم فهو محلُّ إشكال، وخاصَّة بعد أنْ ورد في بعض الروايات
تفسيره بأحد هذين المعنيين.
وجوابه:
إنَّ أخصَّ الناس مِمَّن يُمكن اتِّصافه بهذه الصفة، هُمْ المعصومون عامَّة والأئمَّة خاصَّة، وهُمْ القدر المتيقَّن مِن هذا العنوان - أعني: الراسخين في العلم - وهُمْ فعلاً كذلك. ولا يُمكن أنْ يُضاهيهم بدرجتهم أحد؛ ومِن هنا ورد التفسير في ذلك
إلاَّ أنَّ هذا لا يُنافي أنْ يكون الباب مفتوحاً لكثيرين في أنَّ
____________________
يتَّصفوا بهذه الصفة، بعد أنْ يصلوا إلى درجات عالية مِن طهارة النفس والإخلاص واليقين.
وإنَّ أهمَّ وأخصَّ مَن يُمكن أنْ يتَّصف بذلك همْ أصحاب الأئمَّةعليهمالسلام
، مِمَّن تربُّوا على أيديهم وانصاعوا إلى توجيهاتهم.
فإذا تمَّ لنا ذلك؛ أمكننا أنْ نُعقِّب عليه ما يتَّصف به الراسخون بالعلم مِن مزايا وصفات تفوق غيرهم، بما لا يُقاس ولا يعرفه الناس، بما فيه الاطِّلاع على مراتب مِن تفسير وتأويل القرآن الكريم. وكذلك الاطِّلاع على كثير مِن واقعيَّات الأُمور، التي لا يعرفها إلاَّ الخاصَّة مِن الخلق، وإنَّما نحن نعترَّض ونستشكل لمدى جهلنا بهذه المراتب العُليا، ولمدى قصورنا وتقصيرنا لا أكثر ولا أقلَّ.
الوجه الرابع:
إنَّ هؤلاء مِن خاصَّة أصحاب الأئمَّةعليهمالسلام
مِن (المقرَّبين)، بعد أنْ نلتفت إلى أنَّ سورة الواقعة مِن القران الكريم، قسَّمت البشر إلى ثلاثة أقسام لا تزيد و لا تنقص، هم:
أوَّلاً:
أصحاب الشمال
أو أصحاب المشئمة
وهُمْ أصحاب النار هُمْ فيها خالدون.
ثانياً:
أصحاب اليمين
.
ثالثاً:
المقرَّبون
.
إذاً؛ فالأخيار مِن الناس، غير (أصحاب الشمال) على قسمين: أصحاب يمين، ومُقرَّبون.
وهذان القسمان يختلفان كثيراً في الدرجات عند الله سبحانه، إلى
____________________
حَدٍّ يُستطاع القول: إنَّ العوالم التي يعيشونها في الجنان بعد هذه الحياة ليس مِن جنس واحد، بلْ هي مِن جنسين مُختلفين تماماً، ولا يُمكن إيضاح تفاصيله في هذه العُجالة. ويكفي أنْ نُشير إلى أنَّ الجنَّة الموصوفة في ظاهر القرآن الكريم، والتي يطمع بها سائر الناس، إنَّما هي جنَّة أصحاب اليمين، وأمَّا جنَّات المقرَّبين فهي شي آخر ومِن جنس مُختلف لا يُشبه ذاك على الإطلاق.
وينبغي الالتفات إلى أنَّ الباب بالرحمة الإلهيَّة مفتوح لكلِّ أحد، في أنْ يُصبح مِن أصحاب اليمين، أو المقرَّبين، بمُقدار ما أدَّى مِن عمل، وبمُقدار ما يُطيق مِن قواه العقليَّة والنفسيَّة والروحيَّة، ونحو ذلك مِن الأُمور.
فإذا تمَّ لنا ذلك أمكننا بكلِّ تأكيد أنْ نقول: إنَّ خاصَّة أصحاب الأئمَّةعليهمالسلام
، همْ فعلاً مِن المقرَّبين، وليسوا فقط مِن أصحاب اليمين.
ومَن كان مِن المقرَّبين كان - مِن المهمين - المسددَّين مِن قِبَل الله سبحانه جزماً بنصِّ القرآن، ومثاله نزول الوحي على مريم بنت عمران
وآسية بنت مُزاحم
زوجة فرعون، وأُمُّ موسى
، والعبد الصالح
، وكلُّهم ليسوا مِن الأنبياء ولا المرسلين.
وإذا ثبت كون خاصَّة أصحاب الأئمَّةعليهمالسلام
الراسخين في العلم ومِن المقرَّبين، فلا عجب في اتِّصافهم بأوصاف تفوق غيرهم بمراتب، مثل قولهصلىاللهعليهوآله
:(سلمان مِنَّا أهل البيت)
وقوله:(ما أقلَّت الغبراء وما أضلَّت
____________________
الخضراء ذي لهجة أصدق مِن أبي ذَرٍّ)
، وما ورد مِن أنَّ حذيفة
وميثم التَّمار
وحبيب بن مُظاهر كان لديهم علوم خاصَّة، قد نُسمِّيها:
____________________
____________________
رضياللهعنه
عليهالسلام
عليهالسلام
عليهالسلام
رضياللهعنه
صلىاللهعليهوآله
عليهالسلام
عليهالسلام
عليهالسلام
علم المنايا والبلايا، أو علم ما كان وما يكون، أو علم الجفر ونحو ذلك. ومثله ما ورد: أنَّ عليَّاًعليهالسلام
قال لابنه العباسعليهالسلام
وهو صغير:(قُلْ: واحد)
. فقال: واحد. فقال له:(قُلْ: اثنين)
. فرفض
؛ لأنَّهعليهالسلام
يجد الوجود الإلهي والنور الإلهي هو الواحد الأحد، ولا شيء غيره.
إذاً؛ فلا يوجد اثنان ليقول: اثنين. وهذا كان ثابتاً له في صغره، فكيف يُصبح؟ وماذا ينال مِن مدارج اليقين في كبره؟. إلى غير ذلك مِن الروايات.
الوجه الخامس:
إنَّ التصرُّفات المهمَّة، التي ترتبط بالمصالح العامَّة وبالحكمة الإلهيَّة في تدبير المجتمع وتسبيب أسبابه، هي دائماً محلُّ عناية الله
____________________
سبحانه وتدبيره، وكلُّ شيء يتوقَّف على ذلك فهو حاصل لا محالة بقدرة الله سبحانه، وكلُّ مانع يمنع عنه فهو مُنتفٍ بقدرته أيضاً، لكنْ مع حفظ ظاهر الأسباب والمسبَّبات المعهودة بطبيعة الحال. والمقصود صدق ما ورد مِن (ان لله غايات وبدايات ونهايات في أفعاله جل جلاله)
، وأنَّ الأُمور تسير كنظام الخرز يتبع بعضها بعضاً؛ الأمر الذي يُنتج أنَّ ما يُريده الله سبحانه في البشر حاصل لا محالة. و لا يستطيع أحد على الإطلاق تغييره، وإنْ خطر في ذهنه كونه مؤثِّراً أو فاعلاً لشيء مِن الأشياء، قلَّ أو كثر مِن هذه الجهة أو أيِّ جهةٍ أُخرى.
فإذا تمَّ لنا ذلك: أمكننا القول: بأنَّ تصرُّفات الأئمَّة (سلام الله عليهم) وأصحابهم لا شكَّ مُندرجة في هذا النظام الإلهي العام، ومؤثِّرة في سير التاريخ البشري عامَّة والإسلامي خاصَّة؛ وحيث عرفنا أنَّ كلََّ ما يُريده الله سبحانه في هذا التاريخ، فإنَّه لا بُدَّ مِن حدوثه، يعني حتَّى لو توقَّف على أيِّ سبب خارق للطبيعة؛ ومِن المستطاع القول - عندئد -: إنَّ الإلهام والتوجيه الإلهيَّين لهؤلاء ضروريٌّ في هذه المرحلة مِن التاريخ، بلْ في كلِّ مرحلة منه، بلْ ليس مِن الضروري في الفرد أنْ يعلم كونه موجَّهاً ومُسدَّداً مِن قبل الله سبحانه، بلْ قد يكون كذلك مِن حيث لا يعلم لمدى أهميَّة تأثيره في المصالح العامَّة والتاريخ الإسلامي أو العالم.
ولا شكَّ أنَّنا نستطع إبراز بعض النقاط لأصحاب الأئمَّةعليهمالسلام
، لإيضاح مدى تأثير أعمالهم وأقوالهم في التاريخ القريب والبعيد:
النقطة الأُولى:
كونهم منسوبين إلى الأئمَّةعليهمالسلام
مع أنَّ تأثير الأئمَّة أنفسهم في التاريخ أوضح مِن أنْ يخفى، وقد يكون ذلك عن طريق
____________________
أصحابهم. بلْ كثيراً ما يكون ذلك.
النقطة الثانية:
كون الدين الإسلامي في صدر الإسلام كان محصوراً في منطقة محدودة، وغير مُنتشر في بقاع عديدة مِن العالم مِمَّا بلغه بعد ذلك.
النقطة الثالثة:
قوَّة الأعداء المتربِّصين بالدين وأهل الدين، بالمكر والحيلة والغيلة، مِن الداخل ومِن الخارج على السواء.
النقطة الرابعة:
الإعداد لظهور المهديعليهالسلام
في آخر الزمان؛ فإنَّ نجاح حركته إذ يُريد أنْ يملأ الأرض قِسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً
.
وكما هي وظيفته الإلهيَّة في ذلك.
أقول:
نجاحها يتوقَّف على أسباب، وتلك الأسباب ينبغي أنْ يعدَّها الله قبله، وهو جلَّ جلاله فاعل ذلك لا محالة؛ لأنَّ ظهور المهديعليهالسلام
وعد والله لا يُخلف الميعاد.
وقد يخطر في الذهن: إنَّه يكفي الإعداد للظهور في العشر السنوات الأخيرة السابقة عليه في علم الله سبحانه.
قلنا: كلاَّ، فإنَّ الحال في هذه العشر سنوات أيضاً تحتاج إلى سبب، وسببه يحصل في العشر السنوات التي قبلها، وهكذا إلى أنْ يصل إلى عصر صدر الإسلام، ويتَّصل بالأئمَّة المعصومينعليهمالسلام
وأصحابهم. بلْ يتَّصل بما قبل الإسلام مُنذ نزول آدمعليهالسلام
فما بعده؛ لأنَّ ذلك كلَّه نظام واحد مُتَّصل ومُتسلسل، يتبع بعضه بعضاً في الحكمة الإلهيَّة كنظام الخرز.
الوجه السادس:
إنَّ ما ذكرناه مِن الوجوه السابقة قد يُناقش في عمومها لكلِّ أصحاب الأئمَّة، أو قُلْ: لكلِّ تصرُّفاتهم، وإنْ كان الوضع السابق يجعلها شاملة على أيِّ حال. ولكنَّ المقصود الآن: أنَّ بعض التصرُّفات مِن بعض
____________________
أصحابهم غير الخاصَّة منهم، يُمكن أنْ تكون على خطأ، أو قابلة للمناقشة بشكل وآخر. وليس بالضرورة أنْ تكون الأقوال والأفعال والتصرُّفات الموجودة في ذلك الحين، ضروريَّة الحمل على الصحَّة، ويكون التاريخ مسؤولاً عن تصحيحها، بلْ يُمكن نقدها واعتبارها باطلاً فعلاً، وتحميل مسؤوليَّتها على أصحابها - سواء اعتبرناهم معذورين فعلاً عنها غفلةً أو جهلاً أم غير معذورين - باعتبار التفاتهم إليها وتعمُّدهم لها. وهذا يكون موكولاً إلى الباحث التاريخي، ولا حاجة الآن إلى تسمية أحد بهذا الصدد.
إلقاء النفس في التَّهلُكة
ينبغي لنا، ونحن بصدد الحديث عن حركة الحسينعليهالسلام
وثورته، أنْ نتصدَّى للجواب عن بعض الأسئلة الرئيسيَّة بهذا الصدد، ومِن أهمِّها ما قد يرد على بعض الألسن مِن أنَّ الحسينعليهالسلام
ألقى نفسه في التَّهلُكة، وإلقاء النفس في التهلُكة حرام بنصِّ القرآن
.
وهذا لا وجه لا يخصُّ الإمام الحسينعليهالسلام
، وإنْ كان فيه أوضح باعتبار القرائن المتوفِّرة الواضحة، التي تدلُّ على مقتله لو سار في هذا الطريق، وعدم إمكانه الحصول على الانتصار العسكري المباشر، ولكنَّها أيضاً شُبهة موجودة بالنسبة للأئمَّة الآخرينعليهمالسلام
؛ مِن حيث سيرهم في طريق الموت في حين أنَّهم يعلمون بحصوله - كما هو المبرهن عليه والوارد عندنا في حقهم
- وقد حصَّلنا فكرة كافية عن إحاطة علومهم فيما سبق.
إذاً؛ فهم يعلمون بحصول هذه الوفاة في هذا الطريق، فلماذا ساروا فيه؟! سواء كان المراد الأمام الحسين أم غيره مِن المعصومين. وهل السير في ذلك إلاَّ السير في طريق التهلُكة المحرَّمة بنصِّ القرآن الكريم؟!
ويُمكن الجواب على ذلك بعِدَّة وجوه نذكر أهمَّها:
الوجه الأوَّل:
إنَّه يُمكن القول: إنِّ الآية الكريمة:(
... وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ
____________________
إِلَى التَّهْلُكَةِ...
)
، خاصَّة غير عامَّة، فإنَّ خصوصها وعمومها إنَّما هو ناشئ مِن المخاطب فيها في قوله:(
... وَلاَ تُلْقُواْ...
)
، والمخاطب فيها غير مُحدَّد.
وأوضح المصاديق الأُخرى مِن القرآن الكريم لذلك قوله تعالى:(
وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً
)
؛ فإنَّ المخاطب فيها غير مُحدَّد، وإذا لم يكن مُحدَّداً لم يكن عمومها أكيداً، كما يَفهم سائر الناس.
وقد يُستشكل:
أنَّ الظاهر هو العموم، وأنَّ الضمير يعود إلى سائر المسلمين. بما فيهم الأئمَّةعليهمالسلام
.
وجوابه:
أنَّ هذا صحيح لو خُلِّي وطبعه، إلاَّ أنَّه توجد في الآية التي نتحدَّث عنها قرائن صارفة عن كون الخطاب للمعصومين (سلام الله عليهم).
فإنَّه تعالى يقول:(
وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
)
، ومِن الواضح أنَّ الأمرين الأوَّل والأخير:(
وَأَنفِقُواْ...
)
و(
... أَحْسِنُوَاْ...
)
خاصٌّ بغير الأئمَّةعليهمالسلام
بلْ بغير المعصومين وغير الراسخين في العلم عموماً؛ لأنَّ أمثال هذه المستويات العُليا مِن الإدراك لا تحتاجه، وإنَّما يُعتبَر بالنسبة إليهم مِن توضيح الواضحات، بلْ يكون الخطاب هذه الأُمور قبيحاً، وحاشا لله وكلامه مِن القبح. إذاً؛ فالمخاطب غيرهم (سلام الله عليهم).
إذاً؛ فقد وقع النهي عن التهلُكة في سياق الخطاب لغيرهمعليهمالسلام
فنعرف مِن وحدة السياق - وهي قرينة عُرفيَّة مبحوثة في علم الأُصول -: أنَّ النهي عن التهلُكة، غير شامل لهم أيضاً. ومعه لا يُمكن القول: بأنَّ القرآن الكريم نصَّ عليهم بعدم إلقاء النفس في التهلُكة - كما يُريد
____________________
المستشكِل أنْ يقول -.
الوجه الثاني:
إنَّه بعد أنْ ثبت أنَّ المعصومينعليهمالسلام
مُسدَّدون بالإلهام مِن قبل الله سبحانه؛ إذ يكون عندهم نوعاً مِن التكاليف: ظاهريَّة وباطنيَّة. أمَّا الظاهرية، فهي الموافقة لظاهر الشريعة والمعلَنة بين الناس. وأمَّا الباطنيَّة، فهي التعاليم التي يعرفونها بالإلهام، فإذا تعارض الأمران: الظاهري والباطني، كان الباطني أهمَّ كما هو أخصُّ أيضاً؛ فيتقيَّد إطلاق الآية الكريمة - لو تمَّ - بغير هذا المورد. فلا يكون هذا المورد على المعصوم حراماً، بلْ يكون واجباً بمُقتضى الإلهام الإلهي الثابت لديه. فيتقدَّم نحوه بخطوات ثابتة مُمْتثلاً أمر الله سبحانه، وراجياً ثوابه الجزيل ببذل النفس في هذا السبيل. وهذا الأمر لا يختلف فيه الإمام الحسينعليهالسلام
عن غيره مِن المعصومينعليهمالسلام
.
الوجه الثالث:
إنَّه مِن الممكن أنْ لا يُراد مِن (التهلُكة) المنهيِّ عنها في الآية الكريمة... التهلُكة الدنيويَّة، بمعنى تحمُّل الموت أو المصاعب العظيمة، كما يُريد الناس أنْ يفهموا منها. بلْ يُراد منها الهلاك المعنوي، وهو الكفر وإلقاء النفس في الباطل والعصيان والانحراف، وهو أمر منهيٌّ عنه بضرورة الدين.
وبتعبير آخر:
إنَّ المراد مِن التهلُكة ليس هو التهلُكة الدنيويَّة، بلْ التهلُكة الأُخرويَّة، وهو التسبيب إلى الوقوع في جهنَّم بالذنوب والباطل، ولا أقلَّ مِن احتمال ذلك، بلْ مِن الواضح أنَّ التعاليم الأُخرى الموجودة في سياقها - كما سمعنا فيما سبق - هي مِن الطاعات، إذاً؛ فتكون قرينة مُحتملة، على أنَّ المراد مِن هذا النهي: التحذير عن ترك الطاعات والوقوع في المعاصي
.
____________________
وإذا تمَّ ذلك: لم يكن في الآية أيُّ دليل على ما يُريد الناس أو يميل إليه المستدلُّ، بلْ تكون بعيدة عن ذلك كلَّ البُعد.
الوجه الرابع:
إنَّنا لو تنزَّلنا جدلاً عن الوجوه السابقة، وقلنا: بحرمة التهلُكة، فإنَّها إنَّما تحرُم ما دام صدق العنوان موجوداً، أو قلْ: إذا كان العرف يوافق على أنَّها تهلُكة فعلاً. وأمَّا إذا لم تكن كذلك خرجت عن موضوع التهلُكة فلم تُصبح مُحرَّمة. ولا شكَّ أنَّ المفهوم - عرفاً وعقلائيَّاً - أنَّ التهلُكة إنَّما تكون كذلك، والصعوبة إنَّما تكون صعوبة، فيما إذا كانت بدون عوض أو بدل، فلو مرَّ الإنسان بصعوبة بليغة مِن دون نتيجة صالحة لتعويضها كان ذلك (تهلُكة). وأمَّا إذا كانت نتائجها حسنة فليست تهلُكة بأيِّ حال.
ونحن نرى الناس كلَّهم - تقريباً بلْ تحديداً - يُضحُّون مُختلف التضحيات في سبيل نتائج أفضل ى، سواء مِن ناحية الأرباح الاقتصاديَّة أم المصالح الاجتماعيَّة أم النتائج السياسية أم الثمرات العلميَّة أم أيِّ حقل مِن حقول هذه الدنيا الوسيعة، فإنَّه يحتاج إلى تضحية قبل الوصول إلى نتائج. ومِن الواضح أنَّ هذه النتائج ما دامت مُستهدفة لم يعتبرها الناس تهلُكة أو خسارة، بلْ يعتبرونها ربحاً وفيراً، ورزقاً كثيراً؛ لأنَّها مُقدَّمات لها، على أيِّ حال.
فإذا طبَّقنا ذلك على حركة الحسينعليهالسلام
أمكننا مُلاحظتها مع
____________________
نتائجها بكلِّ تأكيد، سواء النتائج المطلوب تحقُّقها منها في الدنيا أم المطلوب تحقُّقها في الآخرة؛ فإنَّها نتائج كبيرة ومُهمَّة جِدَّاً، ولعلَّنا في المستقبل القريب لهذا البحث سنحمل فكرة كافية عن ذلك. وليس مِن حقِّنا أصلاً أنْ نُلاحظ هذه الحركة مُنفصلة عن النتائج، خاصَّة بعد أنْ نعلم علم اليقين أنَّ الحسينعليهالسلام
إنَّما أرادها لذلك، وأنَّ الله سبحانه إنَّما أرادها منه لذلك. إذاً؛ فتسعيرها الواقعي وإعطاؤها قيمتها الحقيقيَّة، إنَّما تكون مع مُلاحظة نتائجها لا محالة.
ومِن الواضح - عقلاً وعرفاً وعقلائيَّاً - أنَّنا إذا لاحظناها مع نتائجها لم تكن (تهلُكة) بأيِّ حال، بلْ كانت تضحية بسيطة - مهما كانت مريرة - في سبيل نتائج عظيمة ومقامات عُليا في الدنيا والآخرة،لا تخطر على بال ولم يعرفها مخلوق، ويكون الأمر بالرغم مِن أهمِّيَّته القُصوى، بمنزلة التضحية بالمصلحة الخاصَّة في سبيل المصلحة العامَّة، وفي مثل ذلك لا يكون حقُّ أحد الإرجاف بأنَّها (تهلُكة). فإذا لم تكن تهلُكة لم تكن مشمولة لحكم التحريم في الآية الكريمة.
الوجه الخامس:
إنَّه لا يُحتمَل فقهاً وشرعاً في الدين الإسلامي أنْ تكون كلُّ تهلُكة مُحرَّمة، بلْ الآية الكريمة إنْ وجِد لها إطلاق وشمول، فهي مُخصَّصة بكثير مِن الموارد؛ مِمَّا يجب فيه إلقاء النفس في المصاعب الشديدة أو القتل، أو يُستحب كالجهاد بقسميه الهجومي والدفاعي، ومثل كلمة الحقِّ عند سلطان جائر
، ومثل تسليم المجرم نفسه إلى القضاء الشرعي؛ ليُقام عليه الحدُّ الذي قد يؤدِّي به إلى الموت كالرجم والجَلْد والقطع وغيرها. وكلُّها جزماً مِن مصاديق التهلُكة بالمعنى العام، ولكنَّها واجبة حيناً ومُستحبَّة أحياناً.
إذاً؛ فليس كلُّ تهلُكة مُحرَّمة، فكما أصبحت الأُمور المذكورة جائزة
____________________
ومُستثناة مِن عموم الآية الكريمة، فلتكُن ثورة الحسينعليهالسلام
كذلك.
وما يُمكن أنْ يكون دليلاً على الاستثناء أحد ثلاث أُمور مُتصوَّرة، أصبحت سبباً لقناعة الأمام الحسينعليهالسلام
بحركته:
الأمر الأوَّل:
الإلهام الذي يأمره بالخروج في هذا السبيل أمراً وجوبيَّاً
.
الأمر الثاني:
إنَّه تلقَّى الوجوب عن جَدِّه نبي الإسلامصلىاللهعليهوآله
.
الأمر الثالث:
إنَّه رأى مصلحة عامَّة واضحة الصحَّة وبعيدة المدى، بحيث يكون سلوك هذا السبيل مِن قبيل التضحية بالأُمور الخاصَّة مِن أجل المصالح العامَّة.
بقيَّة الحديث عن التهلُكة
وإذا تمَّ لنا - كما حصل فعلاً مِمَّا قلناه - تأويل الآية بالشكل المعقول، الذي يصرفها عن محلِّ الكلام ومورد الإشكال؛ إذاً سوف لن يكون سير الحسينعليهالسلام
في هذا السبيل، وسير غيره مِن المعصومينعليهمالسلام
في طريق موتهم لا يكون أمراً مُحرَّماً، بلْ هو جائز يختاره برضاه وطيب نفسه مِن أجل رضاء الله عزَّ وجلَّ، والنتائج المطلوبة في المستقبل، ولكنَّنا مع ذلك نعرض في ما يلي الوجوه الأُخرى لتفسير ذلك مِمَّا قيل أو يُمكن أنْ يُقال في هذا الصدد.
____________________
الوجه الأوَّل:
النظر إلى المعصومعليهالسلام
كقائد دنيويٍّ، ومِن المعلوم أنَّ القائد الدنيويَّ قد لا يلتفت، أو لا يتأكَّد مِن وقوعه في الموت في هذا الصدد الذي هو فيه، وإنَّما يأتيه سبب الموت على حين غرَّة. غير أنَّ هذا الوجه غير تامٍّ لأكثر مِن جواب.
أوَّلاً:
المنع عن النظر إليهم كقوَّاد دنيوين، بعد كلِّ الذي برهنَّا عليه مِن كونهم مُسدَّدين مُلهمين مِن قبل الله سبحانه وتعالى.
ثانياً:
إنَّنا حتَّى لو نظرنا إلى التسبيب الطبيعي، فإنَّه كثيراً ما يكون مِن الراجح جِدَّاً حصول الموت في الطُّرق التي سلكها الأئمَّة في التسبيب لموتهم.
وأوضح مصاديق ذلك حركة الحسينعليهالسلام
؛ إذ كان هو يعلم بموته، وكذلك عدد مِمَّن ناقشه في سيره وأراد صرف رأيه عنه
، كان مِمَّن يُرجِّح حصول مثل هذه الكارثة التي حصلت له.
ومعه فمِن سُخْف القول: إنَّ الإمامعليهالسلام
لم يكن مُلتفتاً إلى ذلك أو مُحتملاً له سلفاً؛ وإلاَّ فقد أنزلناه إلى مرتبة وضيعة مِن التفكير.
الوجه الثاني:
ما هو المشهور بين بعض المفكِّرين في الدين، مِن أنَّ المعصوم وإنْ كان بحسب طبعه الأوَّل معصوماً عن الخطأ والنسيان، إلاَّ أنَّه في تلك الواقعة، يعني: حين يُريد الله سبحانه التسبيب إلى موته يجعله ناسياً أو جاهلاً بالنتائج، فيذهب في هذا الطريق وهو لا يعلم
.
أقول:
وهذا الوجه إنَّما يكون حراماً إذا كان عمديَّاً. وأمَّا إذا كان عن جهل أو نسيان، فلا يكون مُحرَّماً. لاستحالة تكليف الناسي والجاهل
____________________
مادام بهذه الصفة، والمفروض أنَّ هذه الصفة تلازم المعصومعليهالسلام
إلى حين تورُّطه في الحادث.
إلاَّ أنَّ هذا الوجه - أيضاً - ليس بصحيح؛ لأنَّه منقوض بما دلَّ مِن الروايات الواردة عنهمعليهمالسلام
، على علمهم بحصول الموت لدى السير في هذا الطريق قبل التورُّط فيه، كالذي ورد عن الحسينعليهالسلام
حين يقول:(كأنِّي بأوصالي تُقطِّعها عُسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأن منِّي أكراشاً جوفاً وأجربه سُغباً، لا محيص عن يوم خُطَّ بالقلم، رضى الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفِّينا أجور الصابرين)
.
ثمَّ قال في نفس الخُطبة:(... فمَن كان باذلاً فينا مُهجته موطِّناً على لقاء الله نفسه؛ فليرحل معنا؛ فإنِّي راحل مُصبِّحاً إنْ شاء الله تعالى)
.
وكلُّ ذلك واضح الدلالة في علمهعليهالسلام
، بموته وموت كلِّ أصحابه (سلام الله عليهم أجمعين).
وكذلك الإمام الرضاعليهالسلام
، حين مشى بطريق الموت؛ فإنَّه قال فيما قال لأبي الصلت الهروي
:(... فإنْ أنا خرجت إليك وأنا مكشوف الرأس
____________________
فكلِّمني، وإنْ خرجت إليك مُقنَّع الرأس فلا تُكلِّمني)
. فحين خرج إليه مقنع الرأس هابه أبو الصلت أن يتكلم معه
، مُضافاً إلى الرواية التي تقول: فقال له: إلى أين أنت ذاهب - يا ابن رسول الله -؟ فقال:(إلى حيث أرسلتني)
.
إذاً؛ فهو يعلم أنَّه أرسله إلى الموت، ولم تكن إلى ذلك الحين دلالة طبيعيَّة أو عرفيَّة دالَّة على ذلك.
الوجه الثالث:
إنَّ المعصومعليهالسلام
يعلم بتكليف شرعي مِن الله عزَّ وجلَّ، بالإلهام أو بالرواية عن جَدِّه النبيصلىاللهعليهوآله
، تكليفاً وجوبيَّاً أو استحبابيَّاً بالسير في هذا الطريق - طريق الموت -. فهو بذلك يؤدِّي امتثاله لذلك التكليف الوجوبي أو الاستحبابي قُربة إلى الله تعالى، ورجاء لرضاء الله سبحانه وثوابه. تماماً كالعبد المؤمن الاعتيادي حين يُصلِّي، أو يصوم أو يحجُّ أو يتعبَّد عبادة واجبة أو مُستحبَّة. وهذا أحسن الوجوه التي عرفناها للجواب على مثل هذا السؤال على تقدير دلالة الآية الكريم على حُرمة التهلُكة. وقد عرفنا فيما سبق عدم دلالتها على ذلك إطلاقاً.
____________________
رضى الله رضانا أهل البيت
سمعنا الإمام الحسينعليهالسلام
فيما سبق في الخُطبة المرويَّة عنه أنَّه قال:(رضى الله رضانا أهل البيت)
. فنزيد هنا إعطاء فكرة كافية عن ذلك، فإنْ فهم هذه الجملة يحتوي على تقسيمين:
التقسيم الأوَّل:
النظر إلى معنى الرضى في هذا الجملة، فإنَّنا تارة نفهم نفس الرضى بصفته عاطفة نفسيَّة محبوبة، وأُخرى نفهم منها: الأمر المرضي، يعني: الذي يتعلَّق به الرضى كما هو المتعارف عرفاً التعبير عنه بذلك ولو مجازاً.
التقسيم الثاني:
النظر إلى ما هو المتبدأ والخبر في هذه الجملة، فإنَّه قد يكون (رضى الله...) مُبتدأ و (رضانا) خبر، كما هو مُقتضى الترتيب اللفظي لهذه الجملة. كما أنَّه قد يكون العكس صحيحاً، وهو أنْ يكون (رضا الله) خبراً مُقدَّماً و (رضانا) مُبتداً مُؤخَّراً.
وإذا لاحظنا كلا التقسيمين، كانت الاحتمالات أربعة بضرب اثنين في اثنين، ولكلٍّ مِن هذه المحتملات معناها المهمُّ.
ويُمكن أنْ نُعطي فيما يلي بعض الأمثلة لذلك في الفُهوم التالية:
الفَهم الأوَّل:
أنْ يكون الرضى بمعنى الأمر المرضي، ويكون (رضى الله) في هذه الجملة هو المبتدأ؛ فيكون المعنى: أنَّ الأمر الذي يرضاه الله عزَّ وجلَّ نرضاه نحن أهل البيت. وهذا هو الفَهم الاعتيادي والمناسب مع السياق في هذه الخُطبة، مِن حيث إنَّهعليهالسلام
يُعبِّر عن رضاه بمقتله لأنَّه أمر مرضيٌّ لله
____________________
عزَّ وجلَّ.
الفَهم الثاني:
أنْ يكون الرضى بمعنى الأمر المرضي، ويكون (رضى الله) في هذه الجملة خبراً مُقدَّماً. فيكون المعنى: أنَّ الأمر الذي نرضاه نحن أهل البيت يرضاه الله عزَّ وجلَّ. أو قُلْ: هو مرضيٌّ لله عزَّ وجلَّ بدوره.
وهذا أمر صحيح وعلى القاعدة، مُطابق لما ورد عنهمعليهمالسلام
بمضمون:(إنَّنا أعطينا الله ما يُريد فأعطانا ما نُريد)
، فتكون تلك الجملة بمعنى الفقرة الثانية مِن هذه الجملة، كما هو واضح للقارئ اللبيب.
الفَهم الثالث:
أنْ يكون المراد بالرضى معناه المطابقي، وليس الأمر المرضي. ويكون (رضى الله) في هذه الجملة مُبتدأ. وليس خبراً مُقدَّماً.
فيكون المعنى:
أنَّ رضى الله سبحانه هو رضى أهل البيتعليهمالسلام
. وهذا صحيح أيضاً ومُطابق للقاعدة. إلاَّ أنَّ الفلاسفة والمتكلِّمين المسلمين قالوا: إنَّه ورد في الكتاب الكريم والسُّنَّة الشريفة، نسبت كثير مِن الأُمور إلى الله سبحانه كالرضى والغضب، والحُبِّ والبُغض، والكِره والإرادة وغير ذلك مِن الصفات
. مع أنَّه قد ثبت في مودر آخر، أنَّ الله تعالى ليس مَحلَّاً للحوادث
، ويستحيل فيه ذلك: وكلُّ هذه الأُمور مِن قبيل العواطف
____________________
المتجدِّدة، التي تستحيل على ذات الله سبحانه. فكيف صحَّ نسبتها إليه سبحانه في الكتاب والسنة؟!
وقد أجاب الفلاسفة والمتكلِّمون بعِدَّة أجوبة عن ذلك، كان مِن أهمِّها: أنَّه جلَّ جلاله يجعل هذه العواطف المتجدِّدة في نفوس أوليائه وأنبيائه وأصفيائه، فإذا علمنا أنَّ أهل البيت هُمْ أولياء الله وأصفيائه، إذاً؛ فيصدق: أنَّ رضى الله رضاهم أهل البيت؛ لأنَّ رضى الله - كما قال الفلاسفة - ليس قائماً بذاته جلَّ جلاله، بلْ قائم بذواتهم (سلام الله عليهم).
لماذا لم يعمل الحسينعليهالسلام
بالتقيَّة؟
لا شكَّ أنَّ التقيَّة واجبة عندنا بنصِّ القرآن الكريم والسُّنَّة الشريفة وإجماع علمائنا. أمَّا القرآن الكريم، ففي أكثر مِن آية واحدة كقوله تعالى:(
... إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً...
)
. وأمَّا السُّنَّة الشريفة فأكثر مِن نصٍّ كقولهعليهالسلام
:(التقيَّة ديني ودين آبائي)
. وقولهعليهالسلام
:(لا دين لمن لا تقيَّة له)
. وقولهعليهالسلام
:(التقيَّة درع المؤمن الحصينة)
وغير ذلك. وأمَّا الإجماع فهو واضح لمن استعرض فتاوى علمائنا، بلْ الحكم يُعتبر مِن ضروريَّات المذهب.
إذاً؛ فالتقيَّة واجبة. وهذا ما حدى بالمعصومينعليهمالسلام
جميعاً العمل بها إلاَّ الحسينعليهالسلام
، فلماذا لم يعمل بها هذا الإمام الجليل؟! إذ مِن الواضح أنَّ أحداً مِن المعصومين غيره لم يتحرَّك مثل حركته، بلْ كانت الثورات مُتعدِّدة، والحروب في داخل البلاد الإسلاميَّة وخارجها موجودة، وهم مُعرضون عنها لا يُشاركون بأيِّ شيء منها، حتَّى لو كان الثوَّار والمحاربون مِن أبناء عمومتهم كذريَّة الحسن أو الحسين، الذين تحرَّكوا خلال العهدين الأُموي والعباسي بكثرة، عَدَّ منهم في (مقاتل الطالبيِّين) عشرات، إلاَّ أنَّ المعصومين (سلام الله عليهم). لم يكونوا مِن بينهم بأيِّ حال مِن الأحوال، بل كانوا
____________________
يسلكون سلوكاً مُغايراً لذلك تماماُ عملاً بالتقيَّة الواجبة، التي يحسُّون بضرورتها التشريعيَّة والواقعيَّة (عليهم سلام الله)، لا يُستثنى مِن ذلك إلاَّ واحد مُعيَّن منهم، هو الإمام الحسينعليهالسلام
في حركته العظيمة. فلماذا كان ذلك؟!
والأسباب المتصوَّرة لذلك عِدَّة أُمور مُحتملة، وإنْ لم تكن كلُّها صحيحة، إلاَّ أنَّنا نذكر الأُمور التي قد تخطر على بال القارئ الاعتيادي أيضاً:
الأمر الأوَّل:
إنَّ الأخبار الدالَّة على وجوب التقيَّة لم تكن صادرة في زمن الحسينعليهالسلام
؛ لأنَّها إنَّما صدرت عن الإمامين الصادقينعليهمالسلام
، وهما عاشا بعد واقعة كربلاء بحوالي قرن مِن الزمن، وإذا لم تكن هذه الأخبار موجودة، فلا دليل على وجوب التقيَّة يوم حركة الحسينعليهالسلام
؛ ومِن هنا لم يعمل بها.
إلاَّ أنَّ هذا الوجه غير صحيح لأكثر مِن جواب واحد:
أوَّلاً:
إنَّ هذه الأخبار المشار إليها تدلُّنا على حُكم واقعي ثابت في الشريعة، يعلم به المعصومون جميعاً (سلام الله عليهم) بما فيهم الحسينعليهالسلام
؛ فإنَّهم - جميعاً - عالمون بجميع أحكام الشريعة المقدَّسة.
ثانياً:
إنَّ الآيات الكريمة دالَّة على ذلك أيضاً، وقد كانت موجودة ومقروءة في زمن الحسينعليهالسلام
.
الأمر الثاني:
إنَّ الحسينعليهالسلام
كسائر المعصومينعليهمالسلام
، عمل بالتقيَّة ردحاً طويلاً في حياته، وإنَّما ترك العمل بها مِن ناحية واحدة فقط، هي الناحية التي أدَّت إلى مقتله في واقعة الطَّفِّ، وهي رفض الطلب الصادر مِن قِبَل الحاكم الأُموي بالبيعة له
وتهديده بكلِّ بلاء إذا لم يُبايع، الأمر الذي استوجب صمودهعليهالسلام
ضِدَّ هذا المعنى حتَّى الموت.
____________________
الأمر الثالث:
إنَّ الأدلَّة في الكتاب والسُّنَّة على مشروعيَّة التقيَّة، ليست دالَّة على الإلزام والوجوب، بلْ على الجواز على ما سنرى.
أو - بتعبير آخر -: إنَّ العمل بالتقيَّة رخصة لا عزيمة؛ ومِن هنا يُمكن القول: إنَّ الإمام الحسينعليهالسلام
كان مُخيَّراً يومئذ بين العمل بالتقيَّة وبين تركها، ولم يكن يُحبُّ العمل بالتقيَّة في حَقِّه، وما دام مُخيَّراً فقد اختار الجانب الأفضل في نظره، وهو فعلاً الأفضل في الدنيا والأفضل في الآخرة، وهو نيله للشهادة بعد صموده ضِدَّ الانحراف والظلم والظلال.
ومِن هنا - أيضاً - كان عمل أصحاب الأئمَّة والمعصومين عموماً، مع العلم أنَّهم كانوا عارفين بالأحكام مُتفهِّمين للشريعة مُرتفعين في درجات الإيمان.
فعمار بن ياسر
عَمِل بالتقيَّة حين طلب منه مُشركو قريش الطعن
____________________
بالإسلام ونبيِّ الإسلام. وبتلك المناسبة نزلت الآية الكريمة
. في حين أنَّ عدداً مِن الآخرين تركوا العمل بها، ودفعوا حياتهم في سبيل ذلك: كميثم التمَّار، وسعيد بن جبير
، وحجر بن عدي
، وزيد بن علي
____________________
الشهيد
وغيرهم.
ولو كانت التقيَّة واجبة إلزاماً لكان حال هؤلاء وغيرهم على باطل، مع العلم أنَّهم لا شكَّ على حقٍّ؛ لأنَّهم مُتَّفقهون بالأحكام الإسلاميَّة جزماً. ولاشكَّ أنَّها - مع ذلك - مشروعة؛ فيتعيَّن أنْ تكون مشروعة بنحو التخيير لا بنحو الإلزام.
ومِمَّا دلَّ على ذلك ما روي عن رجلين مِن أهل الكوفة أُخِذا. فقيل لهما: ابريا مِن أمير المؤمنينعليهالسلام
. فبرئ واحد منهما وآبى الآخر. فخُلِّي سبيل الذي برئ. وقُتِل الآخر. فقال الإمام الباقرعليهالسلام
:(أمَّا الذي برئ فرجل فقيه في دينه، وأمَّا الذي لم يبرأ فرجل تعجَّل إلى الجنَّة)
.
____________________
ولذا يُمكن القول: بأنَّه لم يثبت أنَّ ترك التقيَّة حرام، إلاَّ قوله في أحدى الروايات:(التقيَّة ديني ودين آبائي)
و(لا دين لمن لا تقيَّة له)
.
وهي لا شكَّ دالَّة على الإلزام. إلاَّ أنَّها ساقطة بالمعارضة مع الروايات الدالَّة على الرخصة، كالرواية السابقة
، فيبقى حُكم التقيَّة على التخيير.
والآيات الكريمة أيضاً غير دالَّة على الإلزام، منها قوله تعالى:(
لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ
)
.
وقوله تعالى:(
مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
)
.
وفي كلتا الآيتين يُعتبَر حًكم التقيَّة استثناء مِن أمر حرام وهو: موالاة الكافرين في الآية الأُولى، والكفر في الآية الثانية. والاستثناء مِن مورد الحضر أو الحُرمة لا يدلُّ على أكثر مِن الجواز، وذلك كما قال الفقهاء حول قول تعالى:(
... وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ...
)
، فإنَّ حكم الصيد في استثناء مِن جانب حُرمته في حال الإحرام مع احتمال استمراره بعده؛ فيكون دالَّاً على مُجرَّد الجواز.
نعم، قد تكون التقيَّة واجبة إلزاماً، فيما إذا توقَّف عليها هدف اجتماعيٌّ عامٌّ مُهمٌّ، كالمحافظة على بَيضة الإسلام، إلاَّ أنَّه لم يكن الأمر يومئد هكذا، بلْ
____________________
بالعكس على ما سوف نعرف، فإنَّ حفظ الإسلام يومئذ كان مُتوقِّفاً على التضحية لا على التقيَّة.
الأمر الرابع:
مِن أسباب ترك الإمام الحسينعليهالسلام
للعمل بالتقيَّة: إنَّنا حتَّى لو تنزَّلنا عمَّا قلناه في الأمر الثالث، وفرضنا التقيَّة إلزاميَّة. إلاَّ أنَّ هذا الحكم بالإلزام ساقط بالمزاحمة مع الأهمِّ، إذ مِن الواضح مِن سياق الآيات أنَّ الأمر بالتقيَّة إنَّما هو في موارد فرديَّة مُتفرِّقة، والإمام الحسينعليهالسلام
واجه قضايا عامَّة تقتضي ترك التقيَّة والعمل بالتضحية:
أهمُّها: الطلب منه بمُبايعة الحاكم الأُموي - يومئذ - يزيد بن مُعاوية
.
وهو ما يترتَّب عليه نتائج وخيمة بالغة في الأهمِّيَّة، قد تؤدِّي إلى اندراس الإسلام الحقيقي، مُنذ عصره إلى يوم القيامة.
ومِن القضايا العامَّة المهمَّة التي واجهها (سلام الله عليه) طلب أهل الكوفة لمبايعتهم له وولايته الفعليَّة عليهم
. وهو حُكم عامٌّ ومُهمٌّ شرعاً ومُتقدِّم على حُكم التقيَّة.
وكلا الأمرين لم يواجهه أحد مِن أولاده المعصومين التسعةعليهمالسلام
؛ ومِن هنا كان عملهم بالتقيَّة مُتعيِّناً، ومِن الممكن القول: إنَّهم لو واجهوا ما واجهه الحسينعليهالسلام
لكان ردَّ فعلهم كردِّ فعله تماماً.
الأمر الخامس:
إنَّ الحسينعليهالسلام
عَلِم - علماً طبيعيَّاً أو إلهاميَّاً - أنَّه سوف يموت على كلِّ حال حتَّى في مكَّة، فضلاً عن غيرها مِن بلاد الله؛ ولذا ورد عنه:(أنَّهم سوف يقتلوني حتَّى لو وجدوني مُتعلِّقاً بأستار الكعبة)
____________________
ومَن يكون حاله هو العلم اليقين بموته، يرتفع عنه حُكم التقيَّة مِن قاتله، وله أنْ يفعل ما يشاء. تصوَّر شخصاً محكوماً عليه بالإعدام، وسوف يصعد عمَّا قليل على خشبة المشنقة، فعندئذ تهون الدنيا في نظره، ويُمكنه أنْ يفعل أو يقول ما يشاء تجاه جلاَّديه؛ لأنَّهم سوف لن يزيدوا على قتله على أيَّ حال.
فعلى ذلك كان حال الإمام الحسينعليهالسلام
، ومعه فضَّل أنْ يموت بهذا الشكل عن أنْ يموت خامل الذِّكر مُحوَّطاً بالذلة والنسيان.
إلاَّ أنَّ هذا الوجه بمُجرَّده لا يتمُّ؛ لأنَّهعليهالسلام
لو كان قد قَبِل بالمباعية لكفُّوا عن العزم على قتله، وهذا واضح لديه ولدى غيره.
إذاً؛ فالعلم بموته إنَّما بصفته رافضاً للمبايعة صامداً ضدَّها. إذاً فيرجع هذا الوجه إلى وجه آخر مِمَّا ذكرناه كالوجه الرابع السابق.
الأمر السادس:
إنَّ حُكم التقيَّة وإنْ كان نافذ المفعول عليهعليهالسلام
وغيره مِن البشر، إلاَّ أنَّه مُخصَّص في حقِّهعليهالسلام
فهو خارج عن حكمها بالتخصيص والاستثناء. وقد ثبت لديه التخصص، إمَّا بالإلهام، وأمَّا بالرواية عن جَدِّه رسول اللهصلىاللهعليهوآله
؛ ولذا لم تكن التقيَّة في حقِّه واجبة ولا تركها عليه حراماً.
وربَّما عُدَّ مِن الأدلَّة في هذا الصدد، ما ورد مِن بكاء النبيصلىاللهعليهوآله
على مقتل الحسينعليهالسلام
يوم ميلاده
، لعلمه المسبق بذلك، وهو ما يُستفاد
____________________
منه جواز حركته واحترام ثورته؛ فيكون مُخصِّصاً لما دلَّ على حُرمة التقيَّة لو وجد.
وهذا الوجه أكيد الصحَّة، لو تمَّ بالدليل كون التقيَّة عزيمة لا رُخصة، وهو الوجه الذي يشمل أهله وأصحابه وأهل بيته، الذين رافقوه في حركته وآزروه في ثورته؛ فإنَّ التقيَّة إنْ كانت واجبة في حقِّهم أساساً، فهي لم تكن واجبة عندئذ، بلْ مُستثناة عنهم بأمر إمامهم الحسين نفسه؛ حيث أوجب عليهم المسير معه والقتل بين يديه
، بلْ التقيَّة لم تكن واجبة مِن هذه الناحية على أيِّ واحد مِن البشر على الإطلاق؛ تمسُّكاً بما ورد عنه (سلام الله عليه):(مَن سمع واعيتنا ولم ينصرنا اكبَّه الله في النار)
.
وهو دالٌّ بوضوح على لزوم نصره ووجوب ترك التقيَّة مِن هذه الناحية، وكذلك ما ورد عنه أنَّه قالعليهالسلام
حيث بقي وحيداً بعد مقتل أصحابه وأهل بيته:(هل مِن ناصر ينصرنا وهل مِن ذابٍّ عن حرم رسول الله)
، وسنذكر بعونه تعالى أنَّ هذا إنَّما قال الحسينعليهالسلام
لأجل إقامة الحُجَّة
____________________
على الآخرين.
كما يشمل أهله وأصحابه (رضوان الله عليهم) وجوه أُخرى لترك التقيَّة مِمَّا سبق، كالأمر الثالث الذي ذكرناه وهو كونها تخيريَّة وليس إلزاميَّة، والأمر الثاني والأمر الرابع، فراجع.
والسرُّ في سقوط التقيَّة، كما أشرنا عن جميع البشر في ذلك العصر، مِن هذه الجهة، لا ينبغي أنْ يكون خافياً وحاصله: إنَّ الناس لو كانوا قد استجابوا بكثرة وزخم حقيقيَّين، وإذا كانت أعداد مُهمَّة منهم قد أدركت مصالحها الواقعيَّة في نصر الحسينعليهالسلام
لتحقُّق النصر العسكري له فعلاً، ولفشل عدوِّه الأُموي الظالم.
بلْ في المستطاع القول: بأنَّه مع حُسن التأييد يكون زعيماً فعليَّاً على كلِّ بلاد الإسلام، فيحكمها بالعدل وبشريعة جَدِّه رسول الله، غير أنَّ المجتمع في ذلك الحين كان مُتخاذلاً جاهلاً، ولله في خلقه شؤون.
حدود أهداف الحسينعليهالسلام
حينما نُريد أنْ نتحدَّث عن أهداف الحسينعليهالسلام
في ثورته، فإنَّما نتحدَّث - كما أسلفنا - في حدود فَهمنا ومدى إدراكنا، وهو البعيد عن فَهم الواقعيَّات والمحجوب أساساً عن الوصول إلى تلك المستويات، فنحن نتحدَّث عن أقصى ما نُدركه مِن أمر منطقيٍّ ومعقول، كأُطروحة مقبولة ومُحتملة في هذا الصدد، وليس كشيء قطعيٍّ وناجز، ونحن نعلم أنَّ ما خفي علينا مِن الحقِّ أكثر مِمَّا اتَّضح لنا بكثير. وخاصَّة ونحن نعرف - كما سبق أيضاً - بأنَّ أقوال المعصومين وأفعالهم مُطابقة للحكمة الإلهيَّة ومُساوقة للعلم الإلهي؛ لما لهم مِن التأييد والتسديد منه جلَّ جلاله؛ ومِن المعلوم أنَّ الحكمة والعلم الإلهيَّين غير محدودين، ونحن محدودون (ولا يُمكن للمحدود أنْ يُدرك اللاَّ محدود).
ولو تنزَّلنا عن ذلك جدلاً، أمكننا القول: بأنَّ الواحد مِن المعصومينعليهالسلام
هو أفضل مِن أفضل واحد مِن البشر رأيناه أو سمعنا عنه، في جميع المستويات وعلى أيِّ صعيد، والفرد مهما أوتي مِن قوَّة تفكير وحِدَّة ذكاء فهو أدنى منهم بمراتب عظيمة، ومِن المعلوم أنَّ الأدنى لا يُمكن أنْ يُدرك جميع ما لدى الأعلى، ولا يُمكن أنْ يفهم مُستواه إلاَّ إذا كان مُساوياً له.
خُذْ إليك مثلاً: إنَّ الطفل الدارس في المدارس الابتدائيَّة - أو مَن هو على شاكلته هل - يصحُّ أنْ نتصوَّر أنْ يفهم الرياضيَّات المعمّقة والفلسفة المحقَّقة، أو علوم الفيزياء أو الكيمياء المفصَّلة. وهكذا مُستوى أيِّ واحد منَّا تِجاه أيِّ واحد مِن المعصومينعليهمالسلام
؛ اذاً، فالتعرُّف على كلِّ حقيقتهم وأهدافهم إنْ لم يكن مُحالاً، فهو بمنزلة المحال.
ولكنْ في حدود ما نفهم، فإنَّنا حين نُريد أنْ نطرح بعض الأفكار عن أهداف الإمام الحسينعليهالسلام
في ثورته، فتلك الأفكار لابُدَّ أنْ تكون حاوية على عدد مِن الشروط لابُدَّ منها، ولا يُمكن أنْ تكون أفكارنا جُزافيَّة أو مُطلقة.
الشرط الأوَّل:
أنْ يكون الشيء الذي نتصوَّره هدفاً للإمام الحسينعليهالسلام
أمراً مرضيَّاً لله عزَّ وجلَّ، لا تشوبه شائبة عصيان أو أنْ يكون مرجوحاً في الشريعة المقدَّسة، بما في ذلك حُبُّ الدنيا وطلب المال والجاه والسيطرة المنفصلة عن الأمر الإلهي والتكليف الشرعي.
الشرط الثاني:
أنْ يكون الهدف الذي نتصوَّره مُناسباً مع حال الحسينعليهالسلام
وشأنه، لا أنْ يكون هدفاً مُوقَّتاً أو مُتدنِّياً أو ضئيلاً؛ فإنَّ ذلك مِمَّا لا يصحُّ له وجود هذه التضحية الكبيرة، التي أقامها الحسينعليهالسلام
وعاناها، فإنَّها عندئذ لا تكون معقولة ولا عقلانيَّة، وإنَّما لابُدَّ أنْ يكون الهدف مُعمَّقاً وواسعاً وأكيداً وشديداً، بحيث يسع كلَّ هذه التضحيات.
الشرط الثالث:
أنْ يكون أمراً مُتحقِّقاً، أما في الحال أو في الاستقبال، ولا يجوز أنْ نطرح له هدفاً فاشلاً وغير مُتحقِّق أو غير قابل للتحقُّق؛ فإنَّه خلاف الحكمة الإلهيَّة، ولا يُمكن أنْ ننسب ما هو فاشل وعاطل إلى الحكمة اللاَّ مُتناهية.
مثال ذلك:
إنَّ الإمام الحسينعليهالسلام
لو كان قد استهدف النصر العسكري العاجل، أو إزالة حكم بني أُميَّة، أو مُمارسة الحُكم في المجتمع فعلاً، فهذا ونحوه مِن الأهداف القطعيَّة الفشل، لأنَّها لم تحدث ولم يكن مِن الممكن أنْ تحدث؛ إذاً فهو ليس بأمر مُستهدَف، وإنْ تخيَّله بعض مِن المفكِّرين أو عدد منهم، إلاَّ أنَّه لا شكَّ في بطلانه؛ لأنَّ هدفهعليهالسلام
راجع إلى أهداف
الحكمة الإلهيَّة، ومثل هذه الأهداف لا يُمكن أنْ تكون فاشلة؛ لأنَّ الله تعالى كما هو حكيم هو قادر، فهو يستطيع أنْ يُنفِّذ ما في حكمته بكلِّ تقدير، فلو استهدف الله سبحانه هدفاً لحصل، وحيث إنَّه لم يحصل فهو - إذاً - غير مُستهدف.
الشرط الرابع:
إنَّه يُمكن أنْ يُقال: إنَّ مِن شروط فهم أهدافهعليهالسلام
أنْ يكون مذكوراً في كلامه؛ لأنَّنا إنَّما نعلم بالأُمور مِن أصحابها، وأهل الحلِّ والعقد فيها. وقديماً قال الشاعر:
وأهل البيت أدرى بالذي فيه.
وليس لنا أنْ نُضيف مِن عندنا شيئاً، وإنَّما نسمع منه (سلام الله عليه) مثل قوله:(... إنَّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمَّة جَدِّي رسول الله
صلىاللهعليهوآله
أُريد ان آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر)
، بعد أنْ وصف المجتمع بضُعف الدين وقلَّة الالتزام بالتعاليم:(... ولم يَبقَ منها إلاَّ صُبابة كصُبابة الإناء وخِسَّة عَيش كالمرعى الوبيل، ألا ترون أنَّ الحقَّ لا يُعمل به وأنَّ الباطل لا يُتناهى عنه)
.
فالغرض مِن هذا العرض، هو أنَّ الهدف إنْ كان مذكوراً في كلامه (سلام الله عليه) أخذنا به، وإنْ لم يكن قد ذكره أعرضنا عنه، ولم نعتبره هدفاً حقيقيَّاً له.
إلاَّ أنَّ هذا الشرط غير صحيح؛ لعِدَّة أجوبة يُمكن أنْ تورد ضِدَّه:
الجواب الأوَّل:
ضعف الروايات الناقلة لكلامه (سلام الله عليه)، إذاً فلم يردنا عن طريق صحيح بيان أهدافه (سلام الله عليه)، فلو اشترطنا ذلك لم يكن لنا طريق إلى معرفة الأهداف إطلاقاً.
الجواب الثاني:
أنَّ هناك قانوناً عرفيَّاً وشرعيَّاً، مُتَّبعاً في التفاهُم بين جميع الناس - وإنْ لم يكن يلتفت إليه الكثيرون بصراحة - وهو قانون:(كلِّم الناس
____________________
على قدر عقولهم)
، والحسينعليهالسلام
لا شكَّ أنَّ المجتمع في ذلك الحين لم يكن يُطيق فهم واستيعاب أهدافه الحقيقيَّة مِن حركته؛ لأنَّه كان حديث عهد بالدين وبشريعة سيِّد المرسلين، ولم يكن المجتمع يومئذ تربَّى بالمقدار المطلوب، وإنَّما كان فهمه للدين بسيطاً وتطبيقه للتعاليم قليلاً، ما عدا نفر يسير مِن الناس؛ وبالتالي لم تكن هذه الألف وحوالي النصف مِن السنين، قد مرَّت وأثَّرت في تربية المجتمع وتكامل فهمه العقلي والنفسي تكاملاً مُعتدَّاً به، وكلَّما مرَّت السنين أكثر كان هذا التكامل أكثر لا محالة.
فإذا لم يكن بيان أهدافه مُمكناً عندئذ، فخير له أنْ يطويها في نفسه وأنْ يكتمها عن غيره، وإنَّما يقول للآخرين بمُقدار ما هو مُمكن فقط، مِمَّا لا يكون هو الهدف الحقيقي لحركتهعليهالسلام
، ولا أقلَّ مِن احتمال ذلك، الأمر الذي يسقط به هذا الشرط الرابع.
الجواب الثالث على هذا الشرط:
إنَّ هناك بعض الأعمال يُعتبر التصريح بأهدافها إفساداً لها، وتكون عندئذ عقيمة وغير مُنتجة، وهذا أحد التأويلات المهمَّة لما ورد(استعينوا على أُموركم بالكِتمان)
.
وما ورد:(مِن أنَّ التصريح بالشيء قبل إنجازه موجب لإفساده)
.
وهذا المعنى ظاهر للعيان بالتجربة، في كثير مِن الأُمور الشخصيَّة والعامَّة؛ إذاً فمِن المحتمل أنْ يكون تصريح الحسينعليهالسلام
بأهدافه قبل حركته، مُفسد لها مُخرِّب لنتائجها؛ ومِن هنا سيكون المتعيِّن عليه كِتمان ما يُريده والصمت عمَّا
____________________
يستهدفه حِفظاً للنتائج مِن الضياع؛ إذ مِن المؤسف حقَّاً وجِدَّاً، وجود حركة مُهمَّة مِن هذا القبيل، التي قام بها (سلام الله عليه) وتضحية ضخمة على هذا الغِرار، ومع ذلك لا تكون مُنتجة ولا نافعة؛ إذاً فمِن الضروري أنْ تُكتم أهدافه الحقيقيَّة في سبيل صحَّتها وإنتاجها.
إذن؛ فهذا الشرط الرابع، وهو أنْ نتوقَّع سماع الأهداف منهعليهالسلام
ليس بصحيح، وهذا بخلاف ما سوف نذكره بعون الله تعالى مِن الأهداف، فإنَّها إنَّما تأتي بعد إنجاز حركته ووجودها وإلقائها، بلْ بعد حصول عدد مُعتدٍّ به مِن نتائجها، وإنَّما يختصُّ ما قلنا بالتصريح بالهدف قبل الحركة لا بعدها.
الأهداف المحتملة للحسينعليهالسلام
ما يُحتمل أنْ يكون هدفاً للإمام الحسينعليهالسلام
في حدود تفكيرنا وإدراكنا، كما يلي. نذكرها جميعاً لنرى ما هو صحيح منها، وما هو قابل للمناقشة، بعد الالتفات إلى أنَّنا نفينا - خلال الحديث السابق عن الشروط - عدداً مِن الأهداف التي قد تخطر في الذهن، كالانتصار العسكري المباشر أو مُباشرة الحُكم فعلاً ونحو ذلك؛ لأنَّها لم تكن جامعة للشرائط؛ إذاً فهي ليست هدفاً للحسينعليهالسلام
في حركته.
إذاً؛ فينبغي أنْ نُعرض عنها الآن، ونذكر غيرها مِمَّا يدور في الحُسبان.
الهدف الأوَّل:
أنْ لا يُبايع الحاكم الأُموي يومئذ كما طُلِب منه؛ فإنهعليهالسلام
رفض ذلك بكلِّ قوَّة وصمود، كما ورد عنه أنَّه قال:(... ومثلي لا يُبايع مثله...)
، فقد تحمَّل القتل وهذه التضحيات الجِسام في سبيل ترك هذه البيعة الدنيئة.
وقد يُناقش هذا الهدف بعِدَّة مُناقشات، يحسن بنا أنْ نذكر المهمَّ منها، لكي يتكامل فهمنا لهذا الهدف في نفس الوقت مِن خلال الحديث:
المناقشة الأُولى:
إنَّه كان يُمكنه (سلام الله عليه) تجنُّب كلا الأمرين: المبايعة والتضحية معاً، فلماذا اختار التضحية مع إمكانه تجنُّبها؟!
غير أنَّ هذه المناقشة بمُجرَّدها غير تامَّة؛ للوضوح التاريخي مِن أنَّهعليهالسلام
كان مُكرهاً على أحد أمرين: المبايعة أو الشهادة
، ولم يكن في
____________________
مُستطاعه طبيعيَّاً أنْ يتجنَّبهما معاً؛ لمدى الضغط العظيم الذي وجَّهته الدولة يومئذ عليه - طبعاً - للمبايعة، وتهديداً بالموت إنْ تركها.
ويدلُّ على هذا الأمر مُضافاً إلى وضوحه التاريخي، الارتكاز العامِّ لفهم الدولة الأُمويَّة يومئذ، وكذلك ما فعل يزيد بن مُعاوية بسائر مُعارضيه مِن المحاربة والتنكيل، ولم يكن الحسينعليهالسلام
ببِدع مِن ذلك، كما يُعبِّرون.
ويدلُّ عليه - أيضاً - ما ورد عنهعليهالسلام
مٍن قوله:(ألا وإنَّ الدَّعيَّ...
بن الدَّعي قد رَكَزَ اثنتين: بين السلِّة
والذِّلَّة، وهيهات مِنَّا الذِّلَّة يأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون...)
.
والدَّعي بن الدعي هو الحاكم الأُموي.
والسِّلَّة هو سلُّ السيف للقتل، والمراد به التهديد بالقتل.
والذِّلَّة هو المبايعة والدخول تحت السيطرة الأُمويَّة. وقوله: وهيهات منَّا الذِّلَّة، يعني هيهات منَّا المبايعة كما يُريد الحاكم الأُموي. كما قال في الخُطبة نفسها:(... أنْ نؤثر بيعة اللئام على مصارع الكرام)
كما يدلُّ على ذلك ما ورد مِن أنَّ الحُكم القائم يومئذ دسَّ في مَكَّة أربعين مِن العُتاة وبثَّهم ما بين الناس، وأوصاهم أنْ يقتلوا الحسينعليهالسلام
حيث وجدوه، ولو كان مُتعلِّقاً بأستار الكعبة، وقد علم الحسينعليهالسلام
ذلك؛ ومِن هنا خرج مِن مَكَّة قاصداً كربلاء؛ لكي لا يكون مقتولاً داخل الحرم المكِّي، الذي جعله الله آمنا وحرَّم فيه كلَّ أشكال إهراق
____________________
الدم حتَّى الصيد
؛ فكَرِهعليهالسلام
أنْ يكون سبباً لهتك هذا الحَرَم المقدَّس.
إذاً؛ فلم يكن مُستطيعاً أنْ يتجنَّب كلا الأمرين: البيعة والتضحية معاً، بلْ كان مُكرهاً على أنْ يقبل بأحدهما.وقد اختار لنفسه أعلاهما وأشرفهما وهو التضحية.
المناقشة الثانية:
إنَّ هذا الهدف إنَّما هو هدفه الشخصي مِن حركته، ونحن نُريد التعرُّف على ما يكون مُحتملاً مِن أهداف الحكمة الإلهيَّة في ذلك.
وقد أشرنا في مُقدِّمات هذا البحث، إلى ثبوت كلا هذين النحوين مِن الأهداف، غير أنَّ هذه المناقشة أيضاً لا تتمُّ لعِدَّة وجوه، نذكر المهمَّ منها:
أوَّلاً:
إنَّ انقسام الأهداف - كما ذكرنا - وإنْ كان صحيحاً، غير أنَّ الباحث أو المفكِّر، كما يطمح أنْ يتعرَّف على الهدف الثابت في الحكمة الإلهيَّة، يطمح أيضاً أنْ يتعرَّف على الهدف الشخصي سواء بسواء.
فالقول باختصاص الطموح بأحد النوعين مِن الأهداف، دون الثاني قول بلا موجب.
إذاً؛ فحتَّى لو كان عدم المبايعة هدفاً شخصيَّاً، فنحن يحسن بنا أنْ نلتفت إليه ونأخذه بنظر الاعتبار.
ثانياً:
إنَّ عدم المبايعة هنا - كما هو هدف شخصيٌّ للحسينعليهالسلام
- هو هدف للحكمة الإلهيَّة أيضاً. وأوضح سبيل إلى إيضاحه، أنْ نقيس الأمر بحصول المبايعة، فكم سوف يحصل مِن المفاسد بوجودها؟ وكيف يتغيَّر الدين الخالص؟ ويبقى مُتغيِّراً فاسداً - وحاشاه - إلى يوم القيامة، وهذا بكلِّ تأكيد خلاف الحكمة الإلهيَّة؛ إذاً فوجود البيعة مُخالفاً للحكمة الإلهيَّة؛ فيكون
____________________
عدمها موافقاً لها لا مُحالة
المناقشة الثالثة
لهذا الهدف:
إنَّه هدف وقتي منوط لا محالة بحياة الإمام الحسين (عليهالسلام
). كما هو منوط بحياة الحاكم الأُموي؛ لوضوح أنَّه لا معنى للمبايعة لدى موت أحدهما، ونحن إنَّما نُريد الاطِّلاع على الأهداف الدائميَّة لا الأهداف الوقتيَّة. غير أنَّ هذه المناقشة غير صحيحة، ونورد عليها ما يُشبه الوجهين اللذين أوردناهما على المناقشة السابقة.
أوَّلاً:
إنَّ هذا الهدف وإنْ سلَّمنا أنَّه هدف وقتيٌّ، إلاَّ أنَّ اختصاص تعرُّف الباحث أو المفكِّر بالأهداف الدائمة وغير الوقتيَّة بلا موجب، بلْ نحن نُريد التعرُّف على كلا الشكلين مِن الأهداف.
ثانياً:
إنَّ هذا الهدف وإنْ كان منوطاً بحياة هذين الشخصين، إلاَّ أنَّه - مع ذلك - ليس وقتيَّاً بلْ مُستمرَّ، ولنا أنْ نقيس ذلك إلى صورة حصول المبايعة، فكما أنَّ المفاسد مع حصول المبايعة سوف لن تكون وقتيَّة بكلِّ تأكيد، كذلك المصالح والأهداف الناتجة عن ترك المبايعة سوف لن تكون وقتيَّة، ويكفي بها أنْ تكون تخلُّصاً ودفعاً لتلك المفاسد المستمرَّة؛ إذاً فهي أهداف مُستمرَّة.
المناقشة الرابعة لهذا الهدف:
إنَّ الإمام الحسينعليهالسلام
لم يكن مُضطرَّاً أو مُكرهاً على هذين الأمرين: البيعة أو التضحية. بلْ كان يُمكنه أنْ يتجنَّبهما معاً - كما قلنا في المناقشة الأُولى - ولكنَّنا قلنا هناك: إنَّه يُمكنه أنْ يتجنَّبهما وهو مُرتاح في بلده، ولم يكن هذا صحيح كما عرفناه.
أما هنا فنقول:
إنَّه كان يُمكنه أنْ يخرج إلى بلاد بعيدة لا تنالها يد الأُمويِّين، كاليمن أو الهند أو الأفغان أو غيرها؛ لينجو مِن القتل والبيعة معاً.
خاصَّة، وإنَّ الدول في ذلك الحين لم تكن تملك إمكانيَّات الدول الحاضرة، ولم
يكن في استطاعتها الحرب في الأماكن البعيدة، وقد ورد عن بعض ناصحيه - والمشفقين عليه مِن الخروج -
هذا المعنى، فلماذا لم يفعل؟!
وجواب ذلك يتمُّ في وجوه نذكر أهمَّها:
أوَّلاً:
إنَّ ما قاله المستشكل مِن ضعف الدول القديمة وإنْ كان صحيحاً إجمالاً، إلاَّ أنَّه ليس صحيحاً تماماً؛ إذ يكفي أنْ نتصوَّر كيف سار الفتح الإسلامي في ذلك القَرن الأوَّل نفسه، بلْ قبل مقتل الحسينعليهالسلام
إلى العراق وإيران، وسوريا وفلسطين ومصر، وأذلَّ الجبابرة والقياصرة والأكاسرة، فكيف حصل ذلك إلاَّ باستعداد تامٍّ ومعنويَّات عالية؟!
كما يكفي أنْ نتذكَّر كيف خاض الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام
قبل مقتل الحسين بمُدَّة طويلة حروباً مُروِّعة كصِفِّين والنهروان. أمَّا عن الحديث عن حروب الجاهليَّة السابقة على الإسلام فحدِّث و لا حرج.
إذاً؛ فالناس في ذلك الحين، كانوا مُقاتلين شجعاناً، ومُتدرِّبين على تحمُّل أنواع المصاعب في سبيل ما يطمحون إليه مِن الأهداف، أو ما يُؤمَرون به مِن الأغراض.
إذاً؛ فمِن المحتمل جِدَّاً، بلْ السائغ تماماً، أنْ نتصوَّر أنَّ الحسينعليهالسلام
أينما ذهب فسوف يُرسل الحاكم الأُموي خلفه جيشاً عرمرماً
للقضاء عليه وقتله، أو أنْ يدسَّ إليه مَن يقتله غيلة أينما وجده، وليس كلُّ ذلك على المفسدين ببعيد.
إذاً؛ فهذا التخيير بين (السِّلَّة والذلَّة) أو البيعة والتضحية، كانعليهالسلام
مُكرهاً عليه في كلِّ وجه الأرض المنظور يومئذ بكلِّ تأكيد، ولم يُمكن النجاة منه على أيِّ حال.
____________________
ثانياً:
إنَّ الأمام الحسينعليهالسلام
لو ذهب بعيداً، لأرجف عنه أعداؤه أنَّه ذهب مُنهزماً عن المواجهة وفارَّاً مِن الملاقاة، ولوصفوه بكلِّ عظيمة، والأعلام يومئذ وفي كلِّ يوم على استعداد لذلك على أيِّ حال، وهذا ما لا يُريده لنفسه بعد أنْ كان يعيش مِن نقطة قوَّة وبروز في المجتمع بصفته سِبط الرسولصلىاللهعليهوآله
وابنه، وسيِّد شباب أهل الجنَّة، والإمام المفترض الطاعة لطائفة مِن المسلمين.
كيف، ونحن نجد أعداءه قد أرجفوا ضدَّه، بالرغم مِن تضحيته وصبره وصموده؛ فكيف كان عليه الحال لو اختار الاحتمال الآخر. وإنْ كان يُدرك أنَّ فيه بعض المصالح.
على أيِّ حال، يكفي أنَّ هذا الإرجاف عندئذ يستطيع أنْ يُسيطر في المجتمع الجاهل، وأنْ يسلب بعض نقاط القوَّة، التي كان يعيشها الحسينعليهالسلام
فقد لا يكون عندئذ ناجحاً في عمله، حتَّى لو ذهب إلى مكان بعيد.
ثالثاً:
إنَّنا لا ينبغي أنْ نتوقَّع أنْ يذهب الحسينعليهالسلام
إلى أيِّ نقطة مِن العالم كيف كانت؛ ولذا لم يذكر له الذين ناقشوه على الخروج إلاَّ منطقة واحدة هي اليمن، وقالو له: (إنَّ فيها شيعة لأبيك)
؛ لأنَّ أباه أمير المؤمنينعليهالسلام
ذهب إلى اليمن بأمر النبيصلىاللهعليهوآله
ردحاً مِن الزمن ورآه اليمنيُّون وأحبُّوه.
أمَّا ذهابه إلى مناطق أُخرى، فغير معقول إطلاقاً، إمَّا لكونهم ضدَّ الحسينعليهالسلام
كما حصل في الكوفة وكربلاء، وإمَّا لأنَّهم غير مُسلمين أساساً، وإمَّا لأنَّهم غير عرب أساساً، يتعذَّر العيش معهم لاختلاف لُغتهم، وإمَّا لأنَّهم مُتخلفون حضاريَّاً، بحيث يضيع وجوده بينهم وينقطع خبره عن الآخرين، وكلُّ
____________________
ذلك غير معقول ولا يُريده الحسين لنفسه.
وأُكرِّر الآن: أنَّ المكان الوحيد البعيد الذي كان مُناسباً نسبياً، لم يكن إلاَّ اليمن، وهو الوحيد الذي ذكروه له، إلاَّ أنَّه رفضه، وكان رفضه بحسب فهمنا مُعتمداً على الوجهين الأوَّلين، اللذين قلناهما قبل قليل لهذه المناقشة فراجع وفكِّر، مُضافاً إلى أُمور أُخرى تعرفها مِن أجوبة المناقشات السابقة.
وحيث لم تتمَّ مُناقشة واحدة لهذا الهدف الحسيني الجليل؛ إذاً يتعيَّن الأخذ به، وهو ترك البيعة ليزيد بن مُعاوية، واختيار التضحية عليه، فإذا تمَّ هدف آخر فيما يلي، كان نوراً على نور، وإلاَّ ففي هذا الهدف الكفاية.
الهدف الثاني:
الممكن لحركة الحسينعليهالسلام
الامتثال لأمر الله سبحانه وتعالى إيَّاه بها، ذلك الأمر المعروف لديه - إمَّا بالإلهام أو بالرواية عن جَدِّه النبيصلىاللهعليهوآله
- وكان يطلب ثواب الله وجزاءه الأُخروي على ذلك تماماً، كما يفعل أيُّ مؤمن حين يؤدِّي أيَّ واجب دينيٍّ، كالصلاة أو الصوم أو الحجِّ.
ويدلُّ على ذلك:
ما ورد عن جَدِّهصلىاللهعليهوآله
أنَّه قال له في المنام:(يا بني، إنَّه لا بُدَّ لك مِن الشهادة، وإنَّ لك درجات عند الله عزَّ وجلَّ لن تنالها إلاَّ بالشهادة)
، كما يدلُّ عليه ما ورد: أنَّه بعد مقتلهعليهالسلام
وضعت أُخته الحوراء زينب (سلام الله عليها) يديها تحت جسده الطاهر وقالت: (اللَّهمَّ، تقبَّل منَّا هذا القُربان)
؛ لوضوح أنَّ القَبول إنَّما يكون لعمل مِن أعمال الامتثال والطاعة.
وهذا الهدف صحيح بكلِّ تأكيد، كما أنَّه بكل تأكيد هدف شخصيٌّ
____________________
له، وليس مِن أهداف الحكمة الإلهيَّة في حركته؛ فإنَّ الحكمة الإلهيَّة وإنْ كانت تُريد امتثاله وطاعته (سلام الله عليه)، إلاَّ أنَّ هذا مِمَّا يعود إليه لا أنَّه يعود على غيره، والأهداف التي نتحدَّث عنها إنَّما هي الأهداف التي تعود إلى غيره بالنفع. مِمَّا قلنا: إنَّه مِن أهداف الحكمة الإلهيَّة مِن حركته - في حدود ما نستطيع تعقُّله - إلاَّ أنَّنا قلنا - في نفس الوقت -: إنَّ الطموح غير خاصٍّ بالأهداف العامَّة، بلْ تشمل الأهداف الخاصَّة أيضاً. مُضافاً إلى إمكان أنْ يُقال بكلِّ تأكيد - أيضاً -: إنَّ عدم انتفاع الآخرين مِن هذا الهدف غير صحيح إطلاقاً، لا في الدنيا ولا في الآخرة. أمَّا في الدنيا؛ فلما سنذكره مِن الأهداف الآتية: مِن أنَّ حركته أوجبت هداية الناس، وتعريفهم أهميَّة الدين، ولزوم التضحية له عند الحاجة بالنفس والأهل والمال والوُلِد، وأنَّ طاعة الله سبحانه لازمة على كلِّ حال. وأمَّا في الآخرة؛ فلأنَّهعليهالسلام
أصبح واسع الشفاعة يوم القيامة، أكثر مِن أيِّ واحد مِن المعصومين الآخرين (سلام الله عليهم). كما ثبت في محلِّه، ووردت عليه بعض النصوص
، ولم يكن لينال هذه المنزلة لولا تلك المقامات والدرجات التي حصلت له بالشهادة نفسها.
إذاً؛ فالأمر كما يعود إليه يعود إلى غيره، والرحمة الإلهيَّة عامَّة للجميع.
الهدف الثالث:
الذي قد يخطر في بعض الأذهان لحركة الحسينعليهالسلام
هو الانتصار العسكري المباشر، أو قلْ: إزالة الحُكم الأُموي فوريَّاً.
وهذا مِمَّا سبق أنْ أشرنا إلى نفيه خلال حديثنا عن الشروط السابقة
، ولكنَّنا نذكره الآن لأنَّ عدداً مِن الناس بما فيهم بعض المفكِّرين قد يتصوَّرونه.
وقد يُستدلُّ عليه بما ورد مِن أنَّه قيل لمسلم بن عقيل (سلام الله عليه) حين تألَّب عليه الأعداء في الكوفة:إنَّ الذي يطلب ما تطلب لا يبكي إذا نزل به ما
____________________
نزل بك
.
إذاً؛ فهو يطلب السيطرة على الحُكم - أعني: من الناحية الدينيَّة - ويُدافع عن هذا الهدف ضمن دفاع الحسينعليهالسلام
لأنَّه رسوله إلى الكوفة.
غير أنَّ صحَّة هذا الهدف تتوقَّف على أُمور، لو تمَّ أيُّ واحد منها أمكن قبوله، وإلاَّ فلا.
الأمر الأوَّل:
أنْ نتصوَّر الإمام الحسين قائداً دنيويَّاً، قد تخفى عليه بعض النتائج، وأنَّ عدم سيطرته الفعليَّة على الحُكم أمر لم يكن يتوقَّعها أوَّل الأمر، ثمَّ أصبح مغلوباً على أمره مُتورِّطاً في فعله.
وقد سبق أنْ ناقشنا ذلك مُفصَّلاً، وعلمنا أنَّهعليهالسلام
عالم بالنتائج قبل حدوثها - أمَّا بالإلهام أو بالرواية عن جَدِّهصلىاللهعليهوآله
- ومِن هنا؛ فمِن غير المعقول أنْ نُجرِّد منه قائداً دنيويَّاً مَهما كان عبقريَّاً.
الأمر الثاني:
أنْ يكون هذا الهدف الذي يُقال أو أيُّ هدف يُقال، جامعاً للشرائط؛ لأنَّه ينقص منه شرط واحد وهو التحقُّق فعلاً، فإنَّ هذا الهدف لم يتحقَّق أصلاً قطعاً، فلا ينبغي أنْ نعتبره هدفاً كما سبق أنْ برهنَّا عليه هناك.
الأمر الثالث:
أنْ نفهم مِن التاريخ أنَّ انتصار الحسين وفوزه المباشر على أعدائه أمر مُحتمل، وأنَّ احتماله وارد ومعقول، بحيث يكون استهدافه أمراً معقولاً، وأمَّا إذا كان في نفسه أمراً غير مُحتمل، كما يعرفه جماعة مِن حُذَّاق المجتمع ومُفكِّريه - بما فيهم الذين ناقشوه في الخروج إلى الجهاد
- إذاً، فلا يكون استهداف مثل هذا الهدف معقولاً عُرفاً وعقلائيَّاً وسياسيَّاً، فضلاً عن الالتفات إلى العلم الإلهي والحكمة الإلهيَّة.
الهدف الرابع:
المحتمل لحركة الإمام الحسينعليهالسلام
____________________
فضح بني أُميَّة ومَن كان على شاكلتهم مِن يومه إلى يوم القيامة، بأنَّهم ليسوا فقط ظالمين لأنفسهم بينهم وبين الله سبحانه، بلْ ولا ظالمين للناس في حُكمهم غير العادل فحسب، وإنَّما الأمر أكثر مِن ذلك، فإنَّهم على استعداد أنْ يقتلوا الرجال والأطفال وأنْ يسبوا النساء وأنْ يقتلوا خير الخلق الموجودين على وجه الأرض؛ مِن أجل التمسُّك بالحُكم أو الكرسي، وهذا معناه أنَّهم مُستعدُّون أنْ يقتلوا أيَّ إنسان أو أيَّ عدد مِن الناس - مهما كثر عدده أو كثرت أهميَّته في سبيل، ذلك كما أنَّ معناه عدم وجود عاطفة الإنسانيَّة في قلوبهم على الإطلاق، كما أنَّ معناه أنَّهم على استعداد أنْ يفعلوا أيَّ مُنكر آخر مِمَّا يرتبط بالملك أو لا يرتبط، بعد أنْ انسلخوا تماماً عن الإنسانيَّة وعن الورع وعن المحارم.
وهذا الهدف صحيح وواقعي، وقد حصل فعلاً على إثْرِ واقعة كربلاء مُباشرة، ولا زال ساري المفعول وسيبقى إلى يوم القيامة ضِدَّ بني أُميَّة الحُكَّام السابقين، وضِدَّ أضرابهم مِن الظالمين مِن البشر إلى قيام يوم الدين.
ومِن هنا؛ فإنِّي أعتقد أنَّ هذا الحاكم الأُموي قد أخطأ خطأً كبيراً، حين سوَّد صحيفة أعماله بأُمور كثيرة و مُنكرات فضيعة جِدَّاً، وأوجب سوء ظنِّ الناس والتاريخ به وبعشيرته وأمثاله باستمرار، مُضافاً إلى غضب الله سبحانه؛ وذلك أنَّه فعل ثلاثة أُمور مُهمَّة مُضافاً إلى مُنكراته الشخصيَّة، أهمُّها قتل الحسينعليهالسلام
وجيشه في كربلاء والتنكيل تنكيلاً فضيعاً
، مُضافاً إلى رمي الكعبة بالمجانيق، وكان بمنزلة القصف المدفعي في زماننا؛ إذ يُشعلون النار في بعض المواد ويقذفونها بعيداً على العدوِّ بواسطة الآلة القاذفة، التي تُسمَّى بالمِنجنيق، وقد بقيت الكعبة المشرفَّة تحت هذا القصف المركز أيَّاماً بلياليها
.
____________________
هذا مُضافاً إلى واقعة الحَرَّة، بقيادة مسلم بن عقبة، الذي أباح المدينة المنوَّرة ثلاثة أيَّام كاملة، قتلاً ونهباً وسلباً واعتداءً على الأموال والنساء والأطفال، بشكل لم يسبق له مَثيلاً
.
____________________
الهدف الخامس:
المحتمل لثورة الحسينعليهالسلام
، هو طلب الإصلاح أو مُحاولة الإصلاح في الأُمَّة المسلمة، أُمَّة جده رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، وهذا هو الذي روي عنهعليهالسلام
حين يقول:(... لم أخرج أشِراً ولا بطِراً ولا ظالماً، وإنَّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمَّة جَدِّي رسول الله
صلىاللهعليهوآله
أُريد أنْ آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر)
، وذلك حين رأى سلام الله عليه أنَّ الدين قد تغيَّر عن القلوب وأنَّ المعروف لا يُعمل به وأنْ المنكر لا يُتناهى عنه، وأنَّه لم يبقَ منه صُبابة إلاَّ كصُبابة الإناء، أو خساسة عيش
____________________
صلىاللهعليهوآله
كالمرعى الوبيل، كما يُستفاد مِن الكلام المروي
عنه (سلام الله عليه).
وهذا هدف مُحترم جِدَّاً، وكان الحسين (عليهالسلام
) أهلاً له، إلاَّ أنَّني أعتقد أنَّ الإصلاح المقصود على قسمين: إصلاح يحصل منه مُباشرة قبل مقتله، وإصلاح يحصل مِن المجتمع بعد مقتله وبسبب شهادته. وهو أيضاً إصلاح منسوب إليه، ويُمكن أنْ يكون قد تعمَّده واستهدفه.
أمَّا الإصلاح المباشر في حياته، فهو لا يُحتمل أنْ يكون هدفاً؛ لأنَّه فاقد لأحد الشرائط السابقة - وهو عدم التحقُّق في المجتمع - وقد كرَّرنا أنَّ الأمر الذي لم يتحقَّق لا يُمكن أنْ يكون هدفاً.
وقد يخطر في البال:
أنَّ الإصلاح المباشر قد حصل خلال الخُطب والأقوال، التي قيلت مِن قِبَل الحسين نفسه وأصحابه وأهل بيته قبل مقتله، وهذه تكفي للمشاركة بالإصلاح مُشاركة فعليَّة وفعَّالة.
وجواب ذلك:
أنَّ الخُطب والأقوال قد حصلت فعلاً، إلاَّ أنَّها كانت مُكرَّسة كلَّها لأجل الحديث عن حركة الحسين وشرح أبعادها والدفاع عنها؛ ومعه فلا تكون هي الإصلاح المعهود والموعود، وإنَّما المتوقَّع هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جوانب الدين عامَّة وفي فروعه كافَّة. وهو مِمَّا لم يحصل على الإطلاق؛ لأنَّ الأجل لم يُمهلهعليهالسلام
وأصحابه للقيام بهذه المهمَّة الشريفة الموعودة.
وإنَّما الذي حصل هو الهداية والرعاية للبشر - دينيَّاً ومعنويَّاً وإنسانيَّاً وأُخرويَّاً - بمقتله وشهادته (سلام الله عليه)؛ إذ أعطى المثال الأعظم للتضحية الضخمة بهذا الصدد، فكان النبراس الأفضل الذي يُضيء للأجيال طريقهم باستمرار، وإلى يوم القيامة.
____________________
ونستطيع أنْ نؤكِّد أنَّ هذا الإصلاح هو الذي كان مقصوداً للحسينعليهالسلام
ومُستهدفاً له، وإنْ لم يُصرِّح به تماماً آخذاً بقانون:(كَلِّم الناس على قدر عقولهم)
، وهو هدف جليل وصحيح ولا غُبار عليه.
الهدف السادس:
المحتمل للحسينعليهالسلام
في حركته، هو الاستجابة لأهل الكوفة، حين طلبوا منه القدوم عليهم، وأخذْ البيعة منهم ومُمارسة الحُكم بينهم، وقالوا:(وإنَّما تُقدِم على جُند لك مُجنَّدة)
. فأجابهم بالموافقة وعزم على المسير إليهم، إلاَّ أنَّه لم يوفَّق للوصول إلى الكوفة، حيث اجتمع عليه الجيش المعادي في كربلاء وتمَّ الإجهاز على حركته هناك.
وهذه الاستجابة وإنْ كانت صحيحة بحسب الحُكم الظاهري في الشريعة.
إذ يجب (سلام الله عليه) أنْ يستجيب لمثل هذا الطلب الجليل، ولكنَّنا مع ذلك لا نعتبره هدفاً حقيقاً للحركة، وإنَّما هي استجابة لا بُدَّ منها لسدِّ الألسنة وقطع المعاذير مِن ناحية، والتكلُّم مع الناس على قدر عقولهم، وأمَّا لو لاحظنا الأمر أعمق مِن ذلك بقليل لوجدنا عِدَّة إشكالات ترد على هذا الهدف.
أوَّلاً:
لأنَّنا نعلم أنَّهعليهالسلام
يعلم أنَّ أهل الكوفة يومئذ كاذبون عن الإعراب عن موالاتهم ومُبايعتهم، وإنَّما هُمْ فسقة ومُنافقون.
ولا يتوقَّف الاطِّلاع على هذا الأمر على الإلهام أو التسديد الإلهي، وإنْ كان هذا صحيحاً في نفسه، إلاَّ أنَّه أيضاً كان واضحاً لكثير مِن الناس - يومئذ - بما فيهم الذين ناقشوه في خروجه، وقالوا - له في ما قالوا -: (إنَّ أهل الكوفة قد غدروا بأبيك وأخيك؛ فمِن الحريِّ أنْ يغدروا بك، وإنَّما الأفضل أنْ تذهب إلى
____________________
اليمن، فإنَّ فيها شيعة لأبيك)
، ويُمكن أنْ يكون هناك حصيناً ضِدَّ الأعداء آمناً مِن شرور الزمان، فمِن هذه الناحية لا يُحتمل في حقِّه أنَّه كان موافقاً حقيقة على الأمر، أو أنْ يكون مُصدِّقاً لهذا الخبر، بالرغم مِن أهمِّيَّته
ثانياً:
إنَّه بشَّر بمقتله قبل خروجه أكثر مِن مرَّة، وقد سبق أنْ ذكرنا ما يدلُّ على ذلك مِمَّا روي عنه (سلام الله عليه).
إذاً؛ فقد كان يعلم بالنتيجة قبل حصولها، بمعنى أنَّه يعلم بعدم وصوله إلى الكوفة، ولا مُبايعتهم له ولا نصرتهم إيَّاه، بلْ يعلم مُحاربتهم له ومقتله على أيديهم، فإنَّهم قالوا له: (... قلوبنا معك وسيوفنا عليك)
.
ثالثاً:
إنَّه هدف لم يحصل، وقد سبق - أنْ تحدَّثنا في الشرائط - أنَّ كلَّ هدف لم يحصل فهو ليس هدفاً حقيقيَّاً.
رابعاً:
إنَّهعليهالسلام
علم وهو في الطريق إلى العراق بغدر أهل الكوفة، وقتلهم لمسلم بن عقيل وارتدادهم عن بيعته، وهذا يستلزم بوضوح سقوط تكليفه الشرعي عن الاستمرار بالذهاب إليهم، والهِمَّة في الوصول لهم.
فإنْ قيل:
إنَّ الأمر كذلك، غير أنَّ الحُرَّ الرياحي جَعْجَع به، ومنعه عن المسير إلى حيث يُريد، وعن الرجوع إلى المدينة المنوَّرة؛ وذلك سبَّب إلى وقوع الكارثة المروِّعة في كربلاء، ولولا ذلك لأمكنهعليهالسلام
الرجوع إلى المدينة أو الذهاب إلى أيِّ مكان آخر، بعد أنْ سقط تكليفه الشرعي بالذهاب إلى الكوفة، كما عرفنا.
إلاَّ أنَّ جواب ذلك:
إنَّ في مثل هذا التفكير جَهلاً بالتاريخ الإسلامي كما وصل إلينا؛ فإنَّ الحسينعليهالسلام
علم بمقتل مسلم بن عقيل وغدر أهل
____________________
الكوفة، حين كان ركبهُ في منطقة تُسمَّى(زَرود)
ولم يُفكِّر بالرجوع يومئذٍ، بلْ استمرَّ في المسير، وهذا معناه أنَّه استمرَّ بالمسير رغم سقوط تكليفه الشرعي المشار إليه في هذا الهدف؛ وذلك مِن أجل هدفٍ آخر أعمق وأهمّ منه، ولم يكن قد التقى بالحُرِّ الرياحي
يومئذٍ، وإنَّما التقى به بعد ذلك في منطقة تُسمَّى(شَراف)
، وعندئذٍ عَرض عليه العودة إلى المدينة المنوّرة، آنذاك كان أهل الكوفة قد بدّلوا رأيهم به وأعرَضوا عنه، فَمنعهُ الحرّ الرياحي عن الرجوع، وذَكرَ لهُ أنّه مأمور بمصاحبتهِ حتّى يُدخله على عُبيد الله بن زياد في الكوفة
.
إذاً، فهناك فترة زمنيّة كافية لم يُحدِّد التاريخ مقدارها، لعلّها أسبوع أو أكثر أو أقل، كان يمكن للإمام الحسينعليهالسلام
أن يعود بركبهِ إلى المدينة، وعندئذٍ لم يكن يلتقي بالحرّ ولا يُجعجع به؛ وإنّما كان سلام الله عليه طالباً للشهادة على كلّ حال.
____________________
اللهمّ إلاّ أن يُقال: إنّهعليهالسلام
أدركَ بوضوح بعد أن أُخبرَ بغدر الكوفة ببيعته أنّهُ لا يستطيع أن ينجو وهو في هذه المنطقة بالذات من بلاد الله، وبهذا يختلف حاله عن حاله وهو في مكّة أو المدينة، فإنّه كان يستطيع أن يذهب من هناك إلى اليمن مثلاً، في حين لا يستطيع الآن أن يفعل شيئاً بحسب القانون الطبيعي؛ لأنّه أصبحَ بمنزلة المحاصَر بجيوش بني أُميّة، وإن لم يكن كذلك فعلاً، إلاّ أنّ الرجوع يحتاج إلى زمنٍ طويل نسبيّاً، الأمرُ الذي يستلزم أنّهم يُدركونه أينما وجدوه.
وهنا ينتج:
أنّه سلام الله عليه كان يائساً من الحياة، وتحدّثنا فيما سبقَ أنّ اليائس من الحياة يختلف تكليفه الشرعي عن غيره، ويستطيع أن يختار الموتة التي يتمنّاها لنفسه إن كان في مقدوره ذلك، وكان في مقدوره سلام الله عليه ذلك، فاختار لنفسه.
الهدفُ السابع:
المحتمل لحركة الحسينعليهالسلام
، إعطاء الأمثولة للدين الحنيف القويم، وأنّه يستحقّ هذا المقدار العظيم من التضحية والفداء في سبيل الله وفي سبيل إقامة الأحكام الإسلاميّة والشعائر الدينيّة.
وينبغي هنا أن نُلاحظ أنّ الأمر إنّما هو مربوط بالله سبحانه قبل أن يكون مربوطاً بشيء آخر؛ لأنّ الدين على عَظمته إنّما اكتسبَ الأهميّة لأنّه أمر الله ونهيه، والرسول إنّما اكتسبَ الأهميّة لأنّه رسول الله، والمعصومون إنّما حَصَلوا عليها؛ لأنّهم أولياء الله، إذاً فالأمر مربوط بالله مباشرة وليس بغيره من قريبٍ ولا بعيد، وهو الذي يستحقّ الفداء في الحقيقة، وإن كان هو في غِنى عن العالَمين، ولذا وردَ في تفسير قوله تعالى:(
وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ
)
، يعني الحسينعليهالسلام
، وهو لم يفدِ إسماعيل الذبيح سلام الله عليه، كما هو ظاهر السياق، بل وقعَ السياق في سبيل الله وفي طريق توحيد الله وطاعته،
____________________
وهو نفس الطريق الذي ضحّى من أجله إسماعيلعليهالسلام
، وبُعث فيه الأنبياء وأُرسلت الكتب السماويّة وحَصَل ما حصل.
وفي هذا السبيل، قال الحسينعليهالسلام
:(هوّنَ ما نزلَ بي أنّه بعين الله)
.
كما قيل إنّه حين سقط جريحاً لا يستطيع أن يواصل القتال، كان يُردِّد قول رابعة العدويّة:
تركتُ الخلقَ طُرّاً في هواكا
|
|
وأيتمتُ العيال لكي أراكا
|
ولو قطّعتَني في الحُبّ إرباً
|
|
لما مَالَ الفؤاد إلى سواكا
|
____________________
____________________
____________________
وفي هذا السبيل، أيضاً رويَ عن زينب العقيلة بنت عليّ أمير المؤمنينعليهالسلام
، أنّها بعد المقتل وضَعت يديها تحت الجثمان وقالت:(اللهمّ تَقبّل مِنّا هذا القربان)
، وفي بعض الروايات:(هذا القربان القليل)
، يعني: القليل مهما كان شريفاً وعظيماً أمام عَظمة الله اللامتناهية وأمام استحقاقه اللامتناهي للتضحية والفداء، يبقى قليلاً.
إذاً فالمسألةُ الأهمّ من كلّ شيء هي: أهميّة التوجّه إلى الله والتضحية في سبيله، وتطبيق طاعته والحصول على رضوانه بكلّ صورة مهما كانت الوسائط ومهما كانت النتائج، وهذا هدفٌ صحيح قد تحقّق فعلاً، وقد عَرَفت الأجيال ذلك بكلّ وضوح.
وقد يخطر في البال عن قول زينب سلام الله عليها:(اللهمّ تقبّل منّا هذا القربان)
، أنّ قولها (منّا) ليس بصحيح؛ لأنّه وإن كان قرباناً عظيماً إلاّ أنّه إنّما قدّمهُ الحسين نفسه، وليس لأحدٍ آخر أن يُقدّمه، بل لا معنى لذلك؛
____________________
لأنّ التضحية الحقيقيّة والألم الحقيقي لم يتحمّله غيره ولم يشعر به غيره، فما تفسير كلامها سلام الله عليها؟
جوابُ ذلك:
إنّ التضحية العظيمة من هذا القبيل، أو أيّة تضحية أخرى مهمّة، لا تكون ذات مستوى واحد، بل على مستويات متعدّدة؛ لأنّ انطباعها في نفس صاحبها وفي نفوس الآخرين يكون متعدّداً لا محالة، وفي حدود ما نستطيع أن نستفيد منه هنا من المستويات نذكر ثلاثة منها:
المستوى الأوّل:
التضحية بمعنى تحمّل الألم والجروح والقتل والصبر عليه طواعية، وهذا المستوى خاصّ بصاحب التضحية، ولا يمكن أن يكون شاملاً لغيره كما قال السائل.
المستوى الثاني:
التضحية بمعنى الإعانة لصاحب التضحية بكلّ ما يمكن من جهدٍ وجهاد، وتحمّل كلّ بلاء في سبيله، مضافاً إلى تحمّل فراقه كشخص محبوب أُسريّاً ودينيّاً واجتماعيّاً، وتحمّل الحرمان عن فوائده وتوجيهاته ولطفه.
وهذا المستوى خاصّ بمَن كان مع الحسينعليهالسلام
، من الركب المعاوِن له في الحياة والموافِق له في الأهداف، فإنّهم رجالاً ونساءً وشيباً وشُبّاناً، أتعَبوا أنفسهم في سبيله تماماً، وتحمّلوا شظفَ
العيش وبلاء الدنيا لأجل رضاه الذي يكون سبباً لرضاء الله عزّ وجل، كما قال:(رضا الله رضانا أهل البيت)
، ومن هذه الناحية وعلى هذا المستوى كانت التضحية تشملهم، فكأنّهم هم اللذين رفعوا الحسينعليهالسلام
قرباناً لله عزّ وجل.
ولا شكّ أنّ العقيلة زينب سلام الله عليها بنت عليعليهالسلام
، من ذلك الرَكب المضّحي في سبيل الحسينعليهالسلام
، ولعلّها أهمّ النساء الموجودات فيه على الإطلاق.
____________________
ومن هنا صحّ لها أن تدعو وتقول:(اللهمّ تقبّل منّا هذا القربان)
.
المستوى الثالث:
الموافقة مع الحسينعليهالسلام
نفسيّاً وقلبيّاً وعاطفيّاً، وبالتالي الموافقة الحقيقيّة على عَمل الحسينعليهالسلام
وتضحيته، وعلى هدف الحسينعليهالسلام
ورسالته، حتّى أنّ الفرد المحبّ له يحسّ كأنّه أعطى قطعة من قلبه أو كبده، وأنّها قُتلت فعلاً بمقتل الحسينعليهالسلام
، وأنّهُ - أعني المحبّ - وإن كان حيّاً يُرزق في هذه الدنيا وفي كلّ جيل، إلاّ أنّ التضحية تضحيّته والعمل عمله.
ويكفينا من ذلك ما وردَ:(إنّما الأعمال بالنيّات ولكلّ امرئ ما نوى)
،(إنّ نيّة المؤمن خيرٌ من عَمله)
، وما ورد:(إنّ الراضي بفعل قوم كفاعله)
، وما وردَ:(إنّ الفرد يُحشر مع مَن يُحبّ)
، إلى غير ذلك من المضامين التي تجعل التضحية التي قام بها الحسينعليهالسلام
، منتشرة فعلاً لدى كلّ محبّيه والمتعاطفين معه على مدى الأجيال، وإنّ كلّ واحدٍ منهم يستطيع أن يقول:
اللهمّ تَقبّل منّا هذا القربان، وليس العقيلة زينب فقط.
وقد يخطر في البال
في حدود هذه التضحيات المشار إليها: أنّ الأجيال كلّها يجب أن تكون مثل الحسينعليهالسلام
في تضحيّته الجسيمة وفعلته الكريمة.
____________________
فتضحّي بالنفس والنفيس في سبيل الأهداف التي قُتل لأجلها الحسينعليهالسلام
.
وجوابُ ذلك:
إنّ الأمر ليس كذلك باستمرار، وإنّما قد يحصل ذلك أحياناً قليلة، ولا يحصل ذلك أحياناً كثيرة، وكلّ فردٍ يجب أن يَحسب حساب تكليفه الشرعي أمام الله عزّ وجل، ونشير فيما يلي أنّ التكليف الشرعي كثيراً ما لا يقتضي ذلك، على عدّة مستويات:
المستوى الأوّل:
إنّ التضحية التي أرادها الحسينعليهالسلام
واستهدفَ حصولها - وقد حَصلت فعلاً - هي من الأهميّة والعظمة بحيث لا تكون مقدورة لأحد إطلاقاً، وإنْ زَعم الزاعم لنفسه أنّه يتحمّلها، إلاّ أنّه يَخدع نفسه لا محالة، يكفي في ذلك أنّه (سلام الله عليه) معصوم، وأعمال المعصومين بلا شكّ فوق طاقة الأفراد الاعتياديين مهما تصاعدوا في درجات الإيمان والإخلاص.
ومن هذا القبيل: ما قالهُ أمير المؤمنينعليهالسلام
عن زهده:(ألا وإنّكم لا تقدرونَ على ذلك ولكن أعينوني
- يعني على أنفسكم الأمّارة بالسوء -بورعٍ واجتهاد.
..... إلى آخر ما قالهُ)
.
المستوى الثاني:
إنّه لو كانت تضحيات الحسينعليهالسلام
واجبة على الأجيال بعده، لكانَ أولى مَن يقوم بها أولاده المعصومونعليهمالسلام
، مع العلم أنّه لم يفعل ذلك ولا واحد منهم.
إذاً، فلماذا يجب أن يكون تكليفنا في الأجيال المتأخّرة مثل تكليفه ولا يكون مثل تكليف وعمل أولاده، مع أنّهم جميعاً معصومون، يكفي أنّنا يمكن أن نأخذ بعمل العدد الأكثر من المعصومين وهو الهدوء وليس الثورة، فإنّ أولادهُ المعصومين تسعة وهو واحد.
المستوى الثالث:
إنّ الأصوب والأحجى لكلّ جيل: هو أن يَنظر إلى تكليفه الشرعي أمام الله سبحانه،
____________________
هل هو التضحية أو التقيّة؟ ولا شكّ أنّ التكليف الغالب في عصورنا هذه، عصور الغيبة الكبرى هو: التقيّة وليس التضحية؛ لمدى تألّب الأعداء وترصّدهم في العالَم ضدّنا من كلّ صوبٍ وحَدب، بدون وجود طاقة فعليّة عند ذوي الإخلاص لمقابلتهم ومضادّتهم، ومَن تخيّل هذه القابليّة، فهو متوهِّم سوف يُثبت لهُ الدهر أعني بالتجربة وهمّته، والأفضل لهُ هو العمل بالتكليف الفعلي، وهو التقيّة المنتجة لحفظ أهل الحقّ من الهلاك المحقّق في أيّ نقطة من نقاط هذا العالَم المعروف.
الهدف الثامن:
المحتَمل لحركة الحسينعليهالسلام
، ما يذكرهُ بعض الناس، أو طبقة من الناس: من أنّ الحسينعليهالسلام
قُتل من أجل إقامة المأتم عليه والبكاء عليه، فإنّها من الشعائر الدينيّة المهمّة، التي توجِب هداية الكثير من الباطل إلى الحقّ.
ويمكن أن يُستدلّ على ذلك بما وردَ عن النبيصلىاللهعليهوآله
:(إنّ لولَدي الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تخمُد إلى يوم القيامة)
، وهذه الحرارة أمرٌ وجداني قائم فعلاً يحسّ بها الفرد المحبّ للحسين في قلبه، وهي التي تدفعهُ إلى التعب في هذا الطريق.
ونتكلّم عن هذا الهدف ضمن المستويات التالية:
المستوى الأوّل:
إنّه ينبغي أن يكون واضحاً أنّ هذا الهدف بمجرّده لا يصلح أن يكون هدفاً لكلّ تلك التضحيات التي قام بها الحسينعليهالسلام
، إلاّ إذا اندرجت تحت عنوان أهمّ وأعمّ، وهو طاعة الله سبحانه، أو هداية الناس، أو الأجيال لهذه الطاعة، أو التضحية في سبيل عقيدة التوحيد، كما أسلفنا ونحو ذلك، ممّا تكون الشعائر والمآتم مصداقاً لها وتطبيقاً لها، وليس النظر إليها نظراً مستقلاً عن غيرها.
____________________
وهذا ما سيتّضح أكثر من المستويات التالية بعونه سبحانه.
المستوى الثاني:
إنّني أعتقدُ أنّ الله سبحانه جَعل بإزاء تضحية الحسينعليهالسلام
نوعين مهمّين من الثواب لا نوعاً واحداً،أحدهما:
الثواب الأخروي
، وهو المشار إليه بقول النبيصلىاللهعليهوآله
في الرواية:(إنّ لك في الجنّة لدرجات لن تنالها إلاّ بالشهادة)
.
وثانيهما:
الثواب الدنيوي
: وهي عدّة أمور يسّرها الله سبحانه وتعالى خلال الأعوام والأجيال المتأخّرة عن مقتله (سلام الله عليه)، وأعتقدُ أنّه جلّ جلاله إنّما يسّرها لمصلحة الأجيال، وإلاّ فإنّ الحسينعليهالسلام
أجَلّ مِن أن تنالهُ الفائدة منها بقليلٍ ولا بكثير، وإن كنّا نقول: إنّها تصلح أن تكون جزاءً له على التضحية لمدى أهميّتها البالغة كما سنعرف، إلاّ أنّها دنيويّة أي حاصلة في الدنيا، والحسينعليهالسلام
لم يقصد في تضحيته أيّ شيء من أمور الدنيا ممّا قلّ أو كثُر يقيناً، وإنّما حَصلت لأجل مصلحة هداية الآخرين لا أكثر، ونستطيع أن نعدّ منها الأمور التالية:
الأمرُ الأوّل:
إنّ الإمامة في ذريّته لا في ذريّة الحسن أخيهعليهالسلام
.
الأمرُ الثاني:
حُسن الظنّ به خلال الأجيال ابتداء من قاتليه أنفسهم إلى الأجيال المتأخّرة عنه إلى يوم القيامة، حتّى في ضمائر الأعداء وغير المسلمين، ولذا نسمع قاتلهُ يقول للحاكم الأموي بعد انتهاء الواقعة على ما ورد:
املأ ركابي فضّةً أو ذَهباً
|
|
إنّي قتلتُ السيّد المحجّبا
|
قتلتُ خيرَ الناس أُمّاً وأباً
____________________
____________________
عليهالسلام
____________________
الأمرُ الثالث:
تأثير تضحيتهُ الجسيمة في هداية الناس وتكاملهم إيماناً، كلّ حسب استحقاقه، في أيّ مكانٍ وزمان وجِد الفرد إلى يوم القيامة، ومهما كانت نقطة بدايته، حتّى لو كان كافراً، بل حتّى لو كان معانداً أحياناً.
الأمرُ الرابع:
هذه الحرارة التي في قلوب المؤمنين من محبّيه، والتي أشرنا إليها فيما سبق، والتي أوجَبت تزايد ذكراه وتزايد اللوعة على ما أدّاه من تضحيات وما عاناه من بلاء.
الأمرُ الخامس:
إنّ ذِكر أيّ معصوم غير الحَسنعليهالسلام
بما فيهم النبيصلىاللهعليهوآله
وعليعليهالسلام
، في أيّ مجلسٍ من مجالس محبّيه، وفي أيّ مناسبة للحديث سواء كانت مأتماً، أو خطبة، أو موعظة أو غيرها؛ فإنّها لا تكاد تكون تامّة ولا مُرضية للقلوب ما لم تقترن بذكر الحسينعليهالسلام
، والتألّم لمصابه.
الأمرُ السادس:
البكاء عليه لدى محبّيه جيلاً بعد جيل وإقامته المآتم والشعائر عليه (سلام الله عليه)، وهذا هو الذي ذَكرهُ بعض الناس كهدفٍ مستقل كما ذكرنا، وهو إنّما يصحّ كنتيجة طبيعيّة وفّقَ الله سبحانه وتعالى محبّيه إليها لأجل مصلحتهم وهدايتهم، وسنتكلّم عنها في المستوى الآتي من الحديث بعونه سبحانه لنفهمها بشكلٍ واضح.
المستوى الثالث:
الحديث عن البكاء عليه وإقامة المآتم لذكرى مُصابه، وهنا ينبغي لنا أن نقول: إنّ في قضيّة الحسينعليهالسلام
جانبَين مهمّين لا يكاد أحدهما أن يكون أقلّ أهميّة من الآخر:
الجانبُ الأوّل:
جانب النعمة والرحمة، بهذا التوفيق الإلهي العظيم للحسينعليهالسلام
وأصحابه وأهل بيته، بهذه المقامات وهذا الثواب الجزيل والعطاء الهني، وهذا الجانب يقتضي الفرح والاستبشار لا الحُزن والتألّم، بل كلّما كان البلاء الدُنيوي أكثر، كان الثواب الأخروي والتقرّب الإلهي أكثر، فيكون الاستبشار أكثر.
وهذا ما وردَ عن أصحابه المقاتلينَ معهُ أنّه قال أحدهم:(عمّا قليل سنُعانق الحوَر العين)
.
وقال آخر:(ليس بيننا وبين الجنّة إلاّ أن يميل علينا هؤلاء بأسيافهم)
، وهم يَعلمون أنّهم سيُعانون الجَرح والقتل والبلاء الصارم، ومن ذلك قول الشاعر يصف العبّاسعليهالسلام
أخو الحسين، وقد حاربَ معه وأبلى بلاءً حسناً وعظيماً قال الشاعر:
عَبَست وجوهُ القوم خوفَ الموت
|
|
والعبّاسُ فيهم ضاحكٌ يتبسّم
|
ومنه قول عليّ بن الحسين الأكبر فيما وردَ عنه:(لا نُبالي أوَقَعنا على الموت أم وقَعَ الموت علينا)
، يعني: ما دُمنا على الحقّ كما ورد في أوّل الرواية، وعدم المبالاة يعني عدم الحُزن والتألّم لهذا البلاء النازل، وإنّما هو الصبر بإيمانٍ والجلد بيقين، بل الاستبشار برحمة الله ورضوانه.
وإذا كان غير المعصومين يحسّ بذلك، فكيف بالمعصومين ومنهم الحسين نفسه، وإذا كان أصحابه وذووه ممّن هو تحت ذلك البلاء العظيم نفسه، لا يشعرون بالحُزن والألم النفسي بل بالاستبشار، فكيف ينبغي أن يكون حال مَن سواهم من الناس من مُحبّين وأولياء.
الجانبُ الثاني:
جانبُ الحُزن والألم لِمَا أصاب الحسينعليهالسلام
وأهل بيته وأصحابه ونسائه من: بلاءٍ، وقتلٍ، وتشريد، وسبي، وإذلال، وهي حادثة بمجموعها تُعتبر أعظم ما وقعَ من البلاء الدُنيوي على أيّ مجموعة أخرى من
____________________
البشر خلال التاريخ البشري الطويل، ومن هنا كان ردّ فعلها المأساوي أعظم وأجلّ من كلّ حادثةٍ أخرى في العالَم مُماثلة أو غير مُماثلة، ومن هنا قال الشاعر عنها:
وفجائعُ الأيّام تبقى مُدةً
|
|
وتزول وهي إلى القيامة باقية
|
وكلا هذين الجانبين المشار إليهما ناجزان فعلاً في حادثة الحسينعليهالسلام
، ويحتوي كلّ منهما على نقطة قوّة ونقطة ضُعف، ينبغي أن نلاحظهما لكي نعرف القيمة الحقيقيّة لكلّ منهما أوّلاً، ولماذا اختيرَ الجانب الثاني المأساوي في هذا الصدد؟
ولكلٍّ نقطةٍ قوّة في أحدهما يُقابله نقطة ضعف في الجانب الآخر.
فنقطةُ القوّة في الجانب الأوّل:
هي كونه جانباً أُخرويّاً محضاً، تُقابلهُ النقطة في الجانب الآخر، وهو كونه جانباً دنيويّاً؛ لوضوح أنّ البلاء الذي عاناه الحسينعليهالسلام
ومَن معه، بلاءٌ دنيوي خالص لا يشوبه بلاء أخروي إطلاقاً، بل لهُ في الآخرة أعلى المقامات وأرفع الدرجات.
ونقطةُ القوّة في الجانب الثاني:
كونهُ سبباً لتربية المجتمع تربية صالحة ومؤكّدة أكثر من الجانب الأوّل بكثير، ذلك المجتمع المتربّي في حالته الاعتياديّة على العواطف الشخصيّة والأُسريّة والدنيويّة عموماً، إذاً فمن المصلحة توجيه هذه العواطف إلى وجهة صالحة ومربّية، فكما يبكي المؤمن على وَلده أو والديه، فليبكِ على الحسينعليهالسلام
وأصحابه؛ لينال في الآخرة ثواباً ويُقيم للدين شعاراً.
____________________
ومن هنا يكون توجيه البكاء والحزن للمؤمنين نحو الدين ونتائجه الطيّبة، أكثر بكثير ممّا يوجبهُ الفرح والاستبشار المشار إليه في الجانب الأوّل.
مضافاً إلى أنّ الفهم العام لأيّ شيء بما فيها واقعة الحسينعليهالسلام
، إنّما هو ظاهرها الدُنيوي وليس واقعها الأخروي، فكان من الأفضل توجيه الناس إلى ما يفهمون والاستفادة لهم بمقدار ما يدركون.
ومن هنا وردَ عن الشريعة المقدّسة وقادتها الأوائل بشكلٍ متواتر لا يقبل الشك، الحثّ على البكاء على الحسين وحادثته المروِّعة
، وكان الطعنُ في ذلك ومناقشته بقصدٍ مُخلص أو مُغرض ناشئ من خطأ فاحش لا يُغتفر.
فمن أمثلة ما ورد: أنّ النبيصلىاللهعليهوآله
بكى على الحسينعليهالسلام
عند ولادته
، وأنّ أمير المؤمنينعليهالسلام
ذَكر واقعة الطف، وأنّه نظرَ إلى كفّي ولدهُ العبّاسعليهالسلام
، وتنبّأ بأنّهما يُقطعان في تلك الواقعة
، وأنّ الإمام الحسنعليهالسلام
حين كان على فراش الموت مسموماً سمعَ أخاه الحسين يبكي عليه، فقال له:(أتبكي عليّ أم أنا أبكي عليك، لا يوم كيومك يا أبا عبد الله، فإنّ لك يوماً أعظم من هذا اليوم)
.
____________________
عليهالسلام
عليهالسلام
وأمّا الإمام زين العابدين عليّ بن الحسينعليهالسلام
، فقد أصبحَ أحد الخمسة البكّائين من البشر، وهم:آدم، ويعقوب، ويوسف، والزهراء، وهو،
سلام الله عليهم أجمعين؛ وذلك لكثرة بكائه على أبيه سلام الله عليه، في زمنٍ صعب كان يعيشه من حال المطاردة والتقية، فكان لا يمكنه الدعوة إلى حقّ أبيه وإعلان الاهتمام به إلاّ بالبكاء، ومن هنا كان من البكّائين، حتّى كان يخلط طعامه وشرابه بالدموع
.
وأمّا قصيدة دعبل (رحمة الله عليه) التي قرأها على الإمام الرضاعليهالسلام
، فبكى لها، وجَمَع العَلَويات خلف الستر؛ لكي يسمعنَ ويبكينَ
فهي رواية أشهر من أن تُذكر، وفيها يقول دعبل:
أفاطمُ لو خِلتِ الحُسين مُجدّلاً
|
|
وقد ماتَ عطشاناً بشطِّ فُرات
|
إذن لَلَطمتِ الخدّ فاطم عندهُ
|
|
وأجريتِ دَمع العين في الوَجَناتِ
|
____________________
وحَسبُ فهمي أنّه لمدى تأثير البكاء في النفوس أوّلاً، وفي الإعلام ثانياً، وفي التربية ثالثاً، حَصَلت هناك من المعصومين (سلام الله عليهم) عدّة أمور ممّا اقتضى التركيز عليها:
منها:
أنّه بكى رسول اللهصلىاللهعليهوآله
بعد موت أولاده، كما وردَ عنه أنّه قال:(يَحزن القلب، وتدمعُ العين، ولا نقول ما يُسخِط الربّ)
.
ومنها:
أنّ الإمام الباقرعليهالسلام
كما وردَ، أوصى بمالٍ يُصرف من ثُلثه في نوادب يندُبنَهُ في عرفة عند الحج، عشر سنوات
.
ومنها:
أنّ نساء الحسينعليهالسلام
من قريبات وبعيدات، بقينَ على حالة الحزن والبكاء المتواصل وترك الراحة والهدوء عدّة سنوات، حتّى حَصَلت حركة
____________________
____________________
المختار الثقفي
الذي حاولَ قتل المعتدين من قَتَلة الحسينعليهالسلام
وأصحابه في الطف
.
ومنها:
أنّ الدعاء الموسوم بالندبة
، إنّما هو إشعار للنفس بالحزن العميق لغيبة الإمام المهديعليهالسلام
، فلماذا الحُزن إن كان في غيبته حكمة إلهيّة وتسبّب لانتصاره يوم ظهوره؟ وما ذلك إلاّ لأنّ البكاء شكل من أشكال التربية، وشكل من أشكال الإعلام.
ولنسمع فيما يلي فَقرات من دعاء الندبة هذا؛ لنجد التركيز فيه على الحُزن العميق:(ليتَ شِعري أين استقرّت بكَ النوى؟
بل أيّ أرضٍ تَقلّك أو ثرى؟ أبرضوى أو غيرها أم ذي طوى؟
، عزيزٌ عليّ أن أرى الخلق ولا تُرى، ولا أسمعُ لك حسيساً ولا نجوى، عزيزٌ عليّ أن تُحيط بكَ دونيَ البلوى
____________________
ولا ينالُك منّي ضجيجٌ ولا شكوى هل من معُين فأُطيل معهُ العويل والبكاء؟ هل من جزوعٍ فأُساعدُ جَزعهُ إذا خلا؟... هل قَذيت عينٌ فساعَدتها عيني على القذى؟ هل إليك يا بن أحمدٍ سبيل فتلقى؟ هل يتّصل يومنا منك بغدهِ فنحظى إلخ)
هذا، وسيأتي مزيد إيضاح وتفصيل حول هذه الفكرة بعون الله تعالى.
____________________
أسئلةٌ حول شَخص الحُسينعليهالسلام
نُثير فيما يلي عدداً من الأسئلة عن بعض الجوانب العامّة من واقعة كربلاء، ممّا يرتبط بشخص الحسينعليهالسلام
جهد الإمكان، بصفتهِ الشخص الرئيسي والأهمّ هناك، وكذلك بصفتهِ الشخص الوحيد المعصوم المطلّع على الواقعيّات فيهم، نُثير هذه الأسئلة لكي نستفيد من أجوبتها تاريخيّاً ومعنويّاً:
السؤالُ الأوّل:
لا شكّ أنّ الإمام الحسينعليهالسلام
، قد حصلَ تاريخيّاً أنّه بعد أن قُتلَ أصحابه وأهل بيته بقى وحيداً فريداً بين الأعداء، لا يجد له ناصراً ولا مُعينا
، فهل شعرَ بذلك من الناحية المعنويّة؟
جوابهُ:
النفي بطبيعة الحال؛ لأنّه يشعُر أنّهُ مع الله جلّ جلاله ومَن كان مع الله كان الله معهُ، وقال تعالى:(
إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ
)
، وقال تعالى:(
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ
)
، وما دامَ الحسينعليهالسلام
مع الله سبحانه، إذاً لا يهمّهُ أن يكون أحد من الخلق معهُ على الإطلاق.
وقد يخطر في البال:
إنّ هذا الذي قلناه ينافي ما ورد عنهُعليهالسلام
أنّه قال في ذلك الحال:(هل من ناصرٍ ينصُرنا؟ هل من مُعينٍ يُعيننا؟ هل من ذابٍّ يذبّ عن حُرَم رسول الله
صلىاللهعليهوآله
)
، وهذا يدلّ على أنّه طلبَ النُصرة من الآخرين على أيّ حالٍ، وهذا هو الفهم العام بكلّ تأكيد لهذه العبارة، من كلّ مَن جَعلَ الدنيا مبلغ علمهُ وأقصى همّه وغاية تفكيره.
____________________
وهو لا شكّ يحتوي على سوء فهمٍ فضيع لهذه العبارة، فإنّ الحسينعليهالسلام
إنّما قالها لا لأجل نفسه، وحاشاهُ أن ينظر إلى غير الله عزّ وجل، وهو الذي قيل إنّه استشهدَ ببعض الأبيات ممّا سمعناهُ فيما سبق:
تركتُ الخلقَ طُرّاً في هواكا
|
|
وأيتمتُ العيال لكي أراكا
|
ولو قطّعتَنني في الحُبّ إرباً
|
|
لما مالَ الفؤاد إلى سواكا
|
والمهمّ أنّ هذا الأمر شَعرَ به عددٌ لا يُستهان به من الناس طول التاريخ، ممّن لا يتّصف بالعصمة فكيف حال المعصوم نفسه، وإنّما نتخيّلُ نحنُ غير ذلك؛ لأنّنا لا نفهم مستوى المعصوم، ولا يخطر في بالنا ما يمكن أن يكون عليه تجاه الله عزّ وجل، وإنّما طَلبُ الناصر من قِبَلهعليهالسلام
كان لفائدة الآخرين بلا شكّ، ولكنّه اتخذ تلك الحالة سبيلاً للنطق بتلك التعبيرات، حتّى لا يضع كلّ موعظة في غير محلّها ولكي يتكلّم مع الناس على قدر عقولهم.
وما يمكن أن يُتصوّر من فوائد لهذه الجملة، عدّة أمور:
الأمرُ الأوّل:
طلبُ الناصر ممّن يولَد ويوجد خلال الأجيال، ليكون مُحبّاً للحسينعليهالسلام
، سائراً في طريقه، مُضحيّاً في سبيل دينه بمقدار ما يقتضيه حاله، وكلّ مَن كان كذلك في أيّ زمانٍ ومكان فقد أجاب الحسينعليهالسلام
للنُصرة.
الأمرُ الثاني:
طلبُ الناصر من البشر الموجودين في ذلك العصر، وتذكيرهم بمسؤوليّتهم الكبرى المباشرة في الذبّ عن إمامهم المعصومعليهالسلام
أمام الله عزّ وجل، وذلك يكون موازياً لمضمون ما وردَ من أنّ:(مَن سَمعَ واعيتنا ولم ينصُرنا أكبّه الله على مَنخرَيه في النار)
.
____________________
الأمر الثالث:
طَلبُ الناصر من الجيش المعادي الواقف أمامه في ذلك الحين؛ وذلك لنتيجتين: لأنّهم كلّهم حين يسمعون ذلك فإمّا أن يستجيب منهم أحد أولا، فإن لم يستجب كان هذا النداء حُجّة عليه وقهراً له في الآخرة، وتركيزاً لأهميّة عقابه، وإن استجاب بعضهم كان ذلك النداء رحمةً له وسبباً لتوبته وهدايته، كما تابَ الحرّ الرياحي رضوان الله عليه ساعتئذ، وأثّر هذا النداء في نفسه تأثيره الصحيح
.
ويكفينا أن نتصوّر:
لو أنّ عدداً مهمّاً من الجيش المعادي قد التحقَ بالحسينعليهالسلام
، أو التحقَ الجيش كلّه، كيف سيكون حال التاريخ الإسلامي عندئذٍ؟ ولكنّهم على أيّ حال لم يكونوا يستحقّون التوبة ولا الرجوع عن الحوبة (قبّحهم الله).
ولا ينبغي أن يخطر على البال: أنّه من خطل القول طلبُ النصرة من الأعداء مباشرة، ولم يحصل مثل ذلك خلال التاريخ البشري.
وجوابهُ:
إنّ ذلك مُنطلِق من عدّة أُسس، ولا يمكن أن تكون موجودة في غير الحسينعليهالسلام
:
الأساسُ الأوّل:
إنّهم جميعاً يعلمونَ شأنهُ العظيم وقُربه إلى الرسولصلىاللهعليهوآله
، وفاطمة الزهراء، وإنّه سيّد شباب أهل الجنّة وغير ذلك ممّا لا يخفاهم أجمعين.
الأساسُ الثاني:
إنّ التعاليم العسكريّة في ذلك الحين لم تكن مُتزمّتة وصارمة ودقيقة مثلَ ما عليه هذا اليوم، بل كان كلّ فردٍ من الجيش لهُ رأيهُ وتفكيره وتصرّفه كشخصٍ اعتيادي تماماً.
____________________
ومن هنا أمكنَ للحسينعليهالسلام
أن يتكلّم معهم كأفرادٍ أو كبشرٍ بغضّ النظر عن موقفهم العسكري.
الأساسُ الثالث:
إنّ عامّة هؤلاء الموجودين ضدّه ليسوا أعداءً له بأشخاصهم، بل العدوّ الحقيقي ليس إلاّ الحاكم الأموي، ثُمّ المأمورون الأساسيّون في الجيش: كعُبيد الله بن زياد الذي كان حاكم الكوفة يومئذ، وعُمر بن سعد الذي كان القائد العام للجيش المعادي للحسينعليهالسلام
وأضرابهم.
أمّا الباقون، فهم مجلوبون بأسبابٍ عديدة: أهمّها الخوف والطمع وليسوا أعداءً حقيقيين، ولذا قال قائلهم:(قلوبُنا معك وسيوفنا عليك)
، ولذا صحّ للإمام الحسينعليهالسلام
طلب النُصرة منهم لأجل مصلحتهم لعلّهم يتوبون أو يذّكرون.
السؤالُ الثاني:
هل كان الإمام الحسينعليهالسلام
يُدافع عن عصبيّة أو عنصريّة من: عشيرة، أو جنس، أو لغة، أو غير ذلك، أو كان يختصّ دفاعه إلى جانب الدين الحنيف؟
ولعلّ هناك من محبّيه وأعدائه على السواء، مَن يعتقد أنّه كان يدافع عن عنصريّة أو قَبليّة، وحاشاه، ومن هنا جاء أمثال قول الشاعر:
قوّضي
يا خيام عَليا نزار
|
|
فلقد قوّض العماد الرفيع
|
واملئي العين يا أُميّة نوماً
|
|
فحسينٌ على الصعيد صَريع
|
وهو واضحٌ بأنّ الحرب كان بين(نزار)
المتمثّل بالحسينعليهالسلام
، و(أُميّة)
المتمثّل بيزيد بن معاوية.
____________________
إذاً، فالحربُ قبليّة وعنصريّة وليست دينيّة.
ونلاحظ مع شديد الأسف: أنّ هذا الشاعر يشعر أنّه مُحبّ للحسين، وأنّه مُدافع عن قضيّته، وأنّه ممّن يُثير الأسى من أجله، هكذا بالباطل تماماً مع شديد الأسف، فالبكاء ينبغي أن يكون على اعتقاد هذا الشاعر قبل أن يكون على مقتل الحسينعليهالسلام
، مع أنّه لا يوجد على الإطلاق في التصريحات التي قالها الحسينعليهالسلام
وأصحابه قبل الواقعة أو فيها، ما يدلّ على ذلك أو ما يُشمّ منهُ ذلك من قريبٍ أو بعيد، يكفينا الآن أنّنا نتحدّى أيّ واحدٍ من البشر أن يأتينا بنقلٍ موثوق واحد عنهم رضوان الله عليهم، دالٌ على ثبوت هذه العصبيّة في نفوسهم، فإذا لم يأتنا أحد بذلك كفى ذلك حُجّة على ما نقول.
وأمّا في هذه العُجالة، فينبغي أن نستدلّ ببعض النصوص الدالّة على أنّ الدفاع كان عن الدين وعن شريعة سيّد المرسلينصلىاللهعليهوآله
.
مضافاً إلى وضوح هذه الفكرة، وهي: أنّهم لو كانوا يدافعون عن عصبيّة أو قَبليّة، لما كانت لهم جنّة، ولذَهبوا إلى النار جميعاً، ولما أيّدهم وبكى من أجلهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، وأمير المؤمنين، وفاطمة الزهراء، وزين العابدين، والإمام الرضا وغيرهم من أولياء الله، فتأييدهم لهم دليلٌ قطعي على صحّة هدفهم وقصدهم في شهادتهم تلك، مضافاً إلى ما ننقل الآن من بعض تصريحاتهم:
أنشدَ الحسينعليهالسلام
خلال بعض حَملاته:
أنا الحُسينُ بن علي
|
|
آليتُ أن لا أنثَني
|
أحمي عيالات أبي
|
|
أمضي على دين النبي
|
وحمايتهُ للعيال على القاعدة؛ لأنّه مسؤول عن حمايتهم من الأعداء ما دام حيّاً، وهم: نساء، وأطفال عُزّل،
____________________
وليس هذا من باب التعصّب، وأنشدَ عليّ بن الحسين الأكبر في بعض حَملاته ضدّ الأعداء:
أنا عليّ بن الحسين بن علي
|
|
نحنُ وبيت الله أولى بالنبي
|
واللهُ لا يحكمُ فينا ابنُ الدَعي
|
|
أطعنُكم بالرُمح حتّى ينثني
|
أضربُكم بالسيف أحمي عن أبي
|
|
ضربَ غُلامٍ هاشميٍّ عَلوي
|
وكونهُ هاشميّاً لا يعني كونها قضيّة يجب الدفاع عنها؛ وإنّما الهاشميّون متّصفون بصفات خاصّة محجوبة عن غيرهم، كالعزّة الاجتماعيّة والشجاعة والخبرة في فنون الحرب.
كما أنشدَ العبّاس بن عليّ عدّة مرّات في حَملاته ضدّ الأعداء منها قوله:
لا أرهبُ الموت إذا الموت زَقا
|
|
حتّى أواري في المصاليت
لقى
|
نفسي لنفس المصطفى الطُهر وِقا
|
|
إنّي أنا العبّاس أغدو بالسِقا
|
و أخافُ الموت يوم الملتقى
وقولهُ بعد قَطع يمينه:
والله إن قَطعتموا يميني
|
|
إنّي أُحامي أبداً عن ديني
|
وعن إمامٍ صادق اليقين
|
|
نجل النبيّ الطاهر الأمين
|
____________________
وقولهُ بعد قطع يده اليسرى:
يا نفسُ لا تَخشي من الكُفّار
|
|
وابشري برحمةِ الجبّارِ
|
مع النبيّ المصطفى المختار
|
|
قد قَطعوا ببَغيهم يَساري
|
فاصلِهم يا ربّ حرّ النار
وقولهُ سلام الله عليه عند إعراضه عن شُرب الماء:
يا نفسُ من بعد الحسين هوني
|
|
وبعدهُ لا كنتِ أن تكوني
|
هذا حسينٌ واردَ المنون
|
|
وتشربينَ باردَ المعينِ
|
تالله ما هذا فعالُ ديني
وخَطب زُهير بن القَين
رضوان الله عليه، وهو أحد مُبرزي أصحاب الحسينعليهالسلام
، وقال في خطبته:(إنّ الله ابتلانا وإيّاكم بذريّة نبيّه محمّد
صلىاللهعليهوآله
لينظر ما نحن وأنتم عاملون، إنّا نَدعوكم إلى نصرهم وخُذلان الطاغية يزيد وعُبيد الله بن زياد)
.
وخَطب بُرير بن خضير
رضوان الله عليه أيضاً فقال:(يا معشر الناس، إنّ الله بعثَ محمّداً بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله وسراجاً منيراً، وهذا ماءُ الفرات تقع به خنازير السواد وكلابه،
____________________
____________________
وقد حيلَ بينهُ وبين ابن بنت رسول الله
صلىاللهعليهوآله
أفجزاءُ محمّد هذا
؟
وخَطبَ الحُرّ الرياحي بعد توبتهِ مخاطباً الجيش المعادي، وقال فيما قال:(يا أهل الكوفة، لأمِّكم الهَبل والعَبْر
،إذ دعوتُم هذا العبد الصالح حتّى إذا أتاكم أسلمتموه، وزَعمتم أنّكم قاتلوا أنفسكم دونه، ثُمّ عَدوتُم عليه لتقتلوه إلخ)
.
وأنشدَ وهب بن عبد الله بن خُباب الكلبي
خلال حَملته بأبياتٍ يقول فيها:
____________________
إنّي زعيمٌ لكِ أمّ وهب
|
|
بالطعنِ فيهم تارةً والضَرب
|
ضربَ غلامٍ موقنٍ بالربّ
|
|
حتّى يَذوق القوم مرّ الحرب
|
وأنشدَ حبيب بن مظاهر رضوان الله عليه في مثل ذلك، وهو من مُبرزي أصحاب الحسينعليهالسلام
:
إنّي حبيب وأبي مظاهر
|
|
فارس هيجاء
وحرب تسعر
|
أنتُم أعدُّ عدّة وأكثر
|
|
ونحنُ أوفى منكم وأصبر
|
ونحنُ أعلى حدّة وأظهر
|
|
حقّاً وأتقى منكم وأعذر
|
____________________
وأنشدَ نافع بن هلال الجَملي
في مثل ذلك، وهو أيضاً من مُبرزيهم:
إنّ الغلام اليمني الجَملي
|
|
ديني على دين حسين وعلي
|
أن أُقتل اليوم فهذا أملي
|
|
وذاك رأيي وأُلاقي عملي
|
____________________
وأنشدَ جون
مولى أبي ذر الغفاري وهو عبد أسود:
كيف يرى الكفّار ضرب الأسود
|
|
بالسيف ضرباً عن بني محمّد
|
أذبُّ عنهم باللسان واليد
|
|
أرجو به الجنّة يوم المورد
|
وأنشدَ عمرو بن جنادة
في مثل ذلك:
أميري حُسينٌ ونِعمَ الأمير
|
|
سرور فؤاد البشير النذير
|
عليٌّ وفاطمة والداه
|
|
فهل تعلمونَ لهُ من نظير
|
لهُ طلعةٌ مثل شمس الضُحى
|
|
لهُ غُرّة
مثل بدر منير
|
____________________
وأنشدَ الحجّاج بن مسروق الجعفي
:
أقدِم حسين هادياً مهديّاً
|
|
اليوم ألقى جدّك النبيّا
|
ثُمّ أباكَ ذا الندى
عليّا
|
|
ذاكَ الذي نعرفهُ الوصيّا
|
إلى غير ذلك من النصوص، وفيما نقلناهُ الكفاية لوضوح الفكرة، وهو تسالم الحسينعليهالسلام
وأصحابه على خدمة الدين ونصر سيّد المرسلين.
____________________
هذا، وينبغي أن نلتفت إلى أنّ مَقصد هذا المعسكر الشريف وإن كان كذلك، إلاّ أنّ مقصد المعسكر المعادي لا نُبرّؤهُ من كلّ عنوانٍ زائف وقصدٍ دنيوي هزيل، بما فيها العصبيّة والعنصريّة والتعصّب الأعمى، حتّى لعلّ المعاندين منهم كانوا ينظرون إلى الحسينعليهالسلام
بهذه الصفة وحاشاه.
السؤالُ الثالث:
من الأسئلة العامّة حول الحسينعليهالسلام
: هل حَصل للحسين وأصحابه الذلّ والمهانة في واقعة كربلاء؟
هناك بلا شكّ مَن يعتقد ذلك على أيّ حالٍ، ومنه جاء قول الشاعر:
ويصيح وا ذلاّه أين عشيرتي
|
|
وسُراة قومي أين أهل ودادي
|
وحاشاهُ (سلام الله عليه) وليس هذا إلاّ من الكذب على المعصومين (سلام الله عليهم)، فيكون من أشدّ المحرّمات، بل هو لا ينوي ذلك في قلبه فضلاً عن أن يقوله أو أن يصيح به، كما يَزعم هذا الشاعر. وفي مقابله قول الشاعر:
فأبى أن يعيش إلاّ عزيزاً
|
|
أو تجلّي الكفاح وهو صريع
|
بل القول بالذّلة مُخالف للقرآن الكريم الذي يقول:(
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
)
، والحسينعليهالسلام
كان في زمانه ولا زال إماماً وأَولَى المؤمنين بصفات الإيمان، ومن هنا جاء قولهعليهالسلام
في بعض خُطبه ذاكراً طلب الحاكم الأموي للبيعة:(ألا إنّ الدّعي ابن الدّعي قد رَكز بين اثنتين: بين السِلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة يأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون، وحُجورٍ طابت وأرحامٍ طهُرت على أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام)
.
____________________
وهو واضحٌ جدّاً بالاعتزاز بالإيمان والصمود في جانب الحقّ، وليس هذا من التكبّر الباطل في شيء، وإنّما هو الاعتزاز بالله ورسوله، حسبُنا أن نسمع قوله:(مَن أراد عزّاً بلا عشيرة، وهيبة من غير سلطان، وغنى من غير مال، وطاعة من غير بذل، فليتحوّل من ذلّ معصيته إلى عزّ طاعته؛ فإنّهُ يجد ذلك)
.
وكذلك قوله:(فأولياؤه بعزّته يعتزّون)
، وليس لهم كبرياء مستقلّة عن كبرياء الله عزّ وجل، ولا شكّ أنّ الحُسين وأصحابه من خيرة مَن يكون مصداقاً وتطبيقاً لهذه النصوص.
بل هو العزيز في الدنيا والآخرة، أمّا في الدنيا فلصموده وصبره، وأمّا في الآخرة فللمقامات العُليا التي ينالها بالشهادة.
نعم، لا شكّ أنّ المعسكر المعادي وقادته أرادوا إذلاله وحاولوا إهانته، وهذا أكيد، إلاّ أنّ شيئاً من ذلك لم يحصل؛ لأنّ الذلّة الحقيقيّة إنّما تحصل لو حَصلت المبايعة للحاكم الأموي والخضوع له، تلك هي الذلّة التي تجنّبها الحسينعليهالسلام
بكلّ جهده وضحّى ضدّها بنفسه، وأمّا الصمود في ساحة القتال فلن يكون ذلّة، لا في نظر أصدقائه، ولا في نظر أعدائه، ولا في نظر ربّه جلّ جلاله.
وهنا قد يخطر في البال:
أنّ قوله تعالى:(
وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ
)
دالٌ على حصول الذلّة لجيش النبيّصلىاللهعليهوآله
في واقعة بدر.
____________________
وإذا صحّ وصف جيش النبيّصلىاللهعليهوآله
بذلك صحّ وصف غيره بطريق أولى، فلماذا نتحاشى عن وصف الحسين وجيشه بالذلّة؟
وجوابهُ:
أنّ الآية الكريمة غير دالّة أصلاً على ثبوت الذلّة بمعنى المهانة للنبيصلىاللهعليهوآله
وجيشه، ولو دلّت على ذلك لوجبَ تأويلها بما يناسب الحال، شأنها في ذلك شأن الظواهر القرآنيّة التي دلّ الدليل على عدم إمكان التعبّد بمظاهرها، وذلك من وجوه:
الوجهُ الأوّل:
إنّ المنظور هو الذلّة بالمعنى العرفي، يعني أنّ الانطباع هو ذلك بغضّ النظر عن الإحساس به، وذلك مثل قوله تعالى:
(
وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ
)
، وهذا تعبيرٌ عن انطباع معيّن يمكن التعبير عنه بالذلّة مجازاً، بعد النظر إلى قلّة المسلمين وضعفهم تجاه عدد الكفّار وعدّتهم وجبروتهم.
الوجهُ الثاني:
إنّ المنظور في الآية الكريمة هو الذلّة لولا العناية الإلهيّة، وبالاستقلال عنها، وإلاّ فمن غير المحتمل حصول الذلّة مع وجود تلك العناية، ولا شكّ أنّ تلك العناية موجودة باستمرارٍ مع طرف الحقّ، سواء كان الرسولصلىاللهعليهوآله
، أو الحسينعليهالسلام
، أو أيّ شخصٍ آخر مهم دينيّاً أو إلهيّاً.
الوجهُ الثالث:
إنّ الآية الكريمة وإن صرّحت بالذلّة، إلاّ أنّها لم تُصرِّح بمَن يكونون أذلاّء أمامهُ، فلو تصوّرنا أنّهم أذلاّء أمام الأعداء، لوردَ الإشكال، ولكن يمكن أن نفهم أنّ المراد كونهم أذلاّء أمامَ الله عزّ وجل، ونجعل التبشير بالنصر كقرينة متّصلة على ذلك يعني: أنّه جلّ جلالهُ إنّما نَصرهم؛ لأنّهم كانوا أذلاّء أمامهُ وخاشعين له ومتوسّلين به.
____________________
إذاً، فالآية الكريمة لا تدلّ بحالٍ على تحقق الذلّة الفعليّة لطرف الحقّ أينما كان، ولو دلّت على ذلك لتعارَضت مع الآيات الأخرى جزماً، كقوله تعالى:(
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
)
، فتكون هذه الآيات أَولَى بالصحّة، ويكون من الواجب تأويل تلك الآية الكريمة، وإذا تنزّلنا جَدلاً عن التأويل، أمكنَ تساقط دلالتها مع دلالة الآيات الأخرى، ومعهُ لا يبقى دليل على وجود الذلّة.
السؤالُ الرابع: هل اهتمّ الإمام الحسينعليهالسلام
بعياله؟
هذا ما يؤكِّد عليه الخطباء الحسينيّون كثيراً، ولكنّني أعتقد أنّه أمر لا ينبغي المبالغة فيه إطلاقاً، بل يجب أخذهُ من أقلّ زاوية وأضيق نطاق.
فإنّهعليهالسلام
لو أرادَ الاهتمام الحقيقي بعياله كما يعتني أهل الدنيا بعوائلهم ويحرصون عليه، إذاً لكانَ الأَولَى به أن يعمل أحد أمور:
أوّلاً:
أن يُبايع الحاكم الأموي لينال الدنيا وأموالها وزخارفها ويرتاح هو وأهله وعياله فيها خير راحة، بغضّ النظر عن الآخرة، أعوذ بالله من ذلك.
ثانياً:
إن كان هو يريد عدم البيعة فليخرج بهم إلى اليمن أو غيرها من بلاد الله، ليكونوا سُعداء مرتاحين هناك.
ثالثاً:
إن كان لا يريد ذلك فليتحمّل القتل في المدينة المنوّرة، ولا حاجة إلى أن يخرج إلى العراق، لكي يكون هو المقتول ولا يكون على عياله بأس، وقد وردَ عنه:(إنّ القوم إنّما يطلبونني، ولو أصابوني لذُهلوا عن طلب غيري)
.
رابعاً:
إن كان يريد الخروج إلى الكوفة، فليَدَع عياله في المدينة مرتاحين في طيب العيش، حتّى يصل إليهم تارةً أخرى، أو يصل إليهم خبر مقتله.
____________________
وهنا قد يخطر بالبال:
أنّهُ أخذَ عيالهُ معه لأجل قيامهنّ بالخَدَمات الاعتياديّة في الأسرة: كتقديم الطعام، وغَسل الثياب.
وجوابهُ:
إنّ هذا من خطل القول؛ فإنّ هذه المهمّة ممكن أن تكون موكولة إلى بعض الرجال المرافقين له، كما يمكن استئجار نساء اعتياديّات يقُمنَ بها، ولا تكون هذه المهمّة مبرِّراً لاصطحاب النساء الجليلات معهُ كزوجاته، وبناته، وأخته، وغيرهنّ من الهاشميات.
إذاً، فتعريضهُ لهنّ للتعب والسهر أوّلاً، وللسبي ثانياً؛ إطاعة لله عزّ وجل حين قال:(شاءَ الله أن يراهنّ سبايا على أقتاب المطايا)
.
ولكثيرٍ من المصاعب الأخرى، دليلٌ صريح على أنّهُعليهالسلام
لم يهتمّ بهم الاهتمام الدنيوي المتوقّع من أيّ واحد من أهل الدنيا، أمّا أنّهُعليهالسلام
لماذا أخذَ عيالهُ معه؟ فهذا ما سنُجيب عليه في سؤالٍ آت.
نعم، ينحصر الاهتمام بالعيال بمقدار الضرورة، وقد فعلَ ذلك سلام الله عليه؛ وذلك أنّه هو المسؤول الحقيقي والرئيسي عنهم أمام الله سبحانه، فلا يمكنهُ التخلّي عن وظيفته الشرعيّة تجاههم، وذلك في عدّة أمور:
الأمرُ الأوّل:
حمايةُ العيال عن الأعداء ما دام حيّاً، ولذا وردَ عنه:
أحمي عيالات أبي
|
|
أمضي على دين النبي
|
وقد وردَ عنه أيضاً مُخاطباً الجيش المعادي:(أنا الذي أُقاتلكم وتقاتلوني والنساء ليس عليهنّ جُناح، فامنَعوا جهّالكم وعُتاتكم عن التعرّض لحَرَمي ما دُمتُ حيّاً)
، إذاً فهو عمليّاً كان يُفديهم بنفسه.
الأمرُ الثاني:
الاعتناء بشؤونهم بعد وفاته.
____________________
ومن هنا وردَ أنّهُ أوصى إلى أخته الحوراء زينب بنت أمير المؤمنينعليهالسلام
أن تقوم بهذه المهمّة، حين كان ولدهُ الإمام السجّادعليهالسلام
لا يستطيع أن يقوم بشيء
، وقد قامت سلام الله عليها بمهمّتها خير قيام.
الأمرُ الثالث:
العناية الدينيّة بهم في الدنيا والآخرة، وخاصّة وهو يعلم أنّهم مُقبلون على بلاءٍ لا يكادون يطيقونه، وهو حالهم بعد مقتلهعليهالسلام
ومن هنا وردت بعض التعليمات عنه، ولعلّ لهُ تعليمات كثيرة لم تُنقل في التاريخ، فمن ذلك قولهعليهالسلام
:( يا أخيّة، أُقسِم عليكِ فأبري قَسَمي لا تخمشي عليّ وجهاً، ولا تشقّي عليّ جيباً، ولا تَدعي بعدي بالويل والثبور إذا أنا هلكتُ)
.
وهذا، ومع ذلك يبقى السؤال المهم عن العيال، وهو إنّهعليهالسلام
لماذا أخذهم معه؟ أو قل: لماذا شاء الله أن يراهنّ سبايا على أقتاب المطايا؟ كما ورد عنهعليهالسلام
، وهذا ما نجيب عليه ضمن السؤال الآتي:
السؤالُ الخامس: لماذا أخذ عيالهُ معه؟
وجوابهُ:
إنّنا في حدود تصوّرنا الممكن لنا، يمكننا أن نحدِّد ونُعدّد عدّة مصالحة حقيقيّة ومهمّة لذلك، نوجزها فيما يلي:
أوّلاً:
إنّهُ أخذَهم امتثالاً لأمر الله سبحانه؛ لأنّه هو الذي أمرَه بذلك.
وهذا صحيح أكيداً، ومن شواهد تلك العبارة الواردة:(شاء الله أن يراهنّ سبايا)
، ولكنّنا إذا أردنا الغرض من الحكمة الإلهيّة في ذلك، وإنّ الله سبحانه لماذا أمرهُ بذلك، لم نجد في هذا السبب وجهاً كافياً، فنعود إلى الوجوه الأخرى التالية.
____________________
ثانياً:
إنّه أخذهم معهُ ليشاركوه في نيل الثواب العظيم المذخور لشهداء كربلاء، كلّ منهم بمقدار استحقاقه، فلماذا يكون الثواب حكراً على الرجال دون النساء، ولماذا يكون له منه حصّة الأسد ويُحرم الباقون، بل الثواب ينبغي أن يوزّع على أوسع نطاق ممكن؟ وهكذا كان.
ثالثاً:
إنّهم جاءوا معهُ بطلبٍ منهم، وقد استجابَ لطلبهم فأخذهم معه.
وقد جاء هذا الطلب حُبّاً لهُ وشوقاً إليه واستيحاشاً من فراقه، وليس كلّ ذلك أمراً دنيوياً فحسب، بل هو كذلك بصفته إمامهم وقائدهم ووليّ الله بينهم، مضافاً إلى توقّعهم نيل الثواب معه، كما أشرنا في الوجه السابق.
رابعاً:
إنّهم جاءوا معهُ أو إنّه أخذَهم معه، بحسب الحكمة الإلهيّة ليُكملوا ثورة الحسين بعد مقتله، كما حصلَ ذلك على أفضل وجه، وذلك بأن يكونوا ناطقين أمامَ المجتمع بأهداف الحسين وأهميّة مقتله والإزراء بأعدائه، ويمارسوا الإعلام الواسع حينما لا يكون الرجال قادرين على ذلك بعد موتهم واستئصالهم.
وهذا الإعلام كان ضروريّاً للمجتمع تماماً، وإلاّ لذَهبت حركة الحسينعليهالسلام
في طيّ النسيان والكتمان، ولما أثّرت أثرها البليغ في مستقبل الدهر، فكان من الضروري في الحكمة الإلهيّة وجود النساء معهُ لكي يُعبّرنَ عن الحسين ويُدافعنَ عنه بعد مقتله، ومن هنا(شاء الله أن يراهنّ سبايا)
؛ لأنّ هذا السبي دليل عملي قاطع على فضاضة أعدائهم وما يتّصفون به من القسوة واللؤم وعدم العناية بالدين، وهذا وحدهُ يكفي للإعلام إلى مصلحة الحسينعليهالسلام
فضلاً عن غيره.
وهذا التعريف المتأخِّر عن ثورة الحسينعليهالسلام
ليس لأجل مصلحة الحسين نفسه، ولا لمصلحة أصحابه المستشهدين معه؛ لأنّهم نالوا بالشهادة ما رزقهم الله جلّ جلاله من المقامات العالية في الدار الآخرة، وإنّما هذا الإعلام أرادهُ الله سبحانه لأجل الناس وهداية المجتمع، فما يقال: من أنّه إكمال لثورة الحسينعليهالسلام
يراد به الجانب الظاهري في الدنيا، لا الجانب الباطني في الآخرة.
وهذا التعريف كما يصلح أن يكون تبكيتاً
وفضحاً لأعداء الحسينعليهالسلام
في كلّ جيل، ورَدعاً عن التفكير في مثل هذه الجريمة النكراء لكلّ حاكمٍ ظالم على مدى التاريخ، كذلك يصلح لهداية الناس نحو الحسين، وبالتالي نحو دين الله عزّ وجل، ونحو أهداف الحسين الإلهيّة، وبالتالي نحو طاعة الله عزّ وجل والتربية الصالحة في إطاعة الدين وعصيان الشهوات والتمرّد على كلّ ظلمٍ وفساد، سواء كان في المجتمع أو في النفس الأمّارة بالسوء.
فهذا هو الجواب على السؤال الرئيسي الرابع: هل اهتمّ الحسينعليهالسلام
بعياله؟
السؤال السادس: هل اغتمَّ الحسينعليهالسلام
وحَزنَ لوقوع هذا البلاء العظيم عليه وعلى أهل بيته وأصحابه؟
لعلّ من الواضح الجواب بالنفي؛ لعدّة اعتبارات:
منها:
إنّ الحُزن والبكاء فيه إشعار بالاعتراض على الله سبحانه وحاشاه.
ومنها:
ما ذكرناه فيما سبق من أنّ للشهادة في سبيل الله جانبان: أهمّهما الاستبشار برحمة الله ولطفه، واستشهدنا على ذلك بعدّة نصوص سابقة.
وأمّا الحُزن والبكاء المطلوب من مُحبّي الحسينعليهالسلام
في الشريعة؛ فلأنّ تكليفهعليهالسلام
يختلف عن تكليفنا، وتقديره غير تقديرنا، ونظرهُ إلى الأمر غير نظرنا.
____________________
أمّا البكاء والحزن، فهو لنا لأجل تربيتنا دينيّاً وثوابنا أخرويّاً، وأمّا الاستبشار، فلهُ ولأصحابه لأجل الشعور بالسعادة بنِعَم الله ورحمته.
وكلّما ازدادَ البلاء كان أكثر نعمة ورحمة كما سُئلصلىاللهعليهوآله
: مَن أشدّ الناس بلاءً في الدنيا؟ قال:(النبيّون، ثُمّ الأمثل فالأمثل)
، ووردَ ما مضمونه أنّه: لولا إلحاح المؤمنين على الله في طلب الرزق، لَنَقلهم من الحالة التي هم فيها إلى حالٍ أضيَق منها
، لمدى ما يريد أن يعطيه من الثواب إلى غير ذلك من النصوص.
ومن علامات ما قلناه:
ما وردَ عن عليّ بن الحسين الأكبر أنّه قال لأبيه الحسينعليهالسلام
وهو في الرمق الأخير:(هذا جدّي رسول الله
صلىاللهعليهوآله
قد سقاني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأُ بعدها أبداً)
.
ومن دلائل ذلك:
أنّه وردَ عن العديد من الناس في التاريخ، أنّهم كانوا يدعون الله عزّ وجل للحصول على الشهادة، ثمّ يشكرونه حين يجدون أنفسهم عندها، فكيف الحال في الحسين وأصحابه وأهل بيته ومقدار إدراكهم لذلك.
ومن دلائل ذلك أيضاً:
ما وردَ عن أنّهعليهالسلام
كشفَ لأصحابه وأهل بيته - بعد أن اختبرهم وأحرز إخلاصهم - وأراهم مواقعهم في الجنّة ليلة مقتلهم
، فهشّت نفوسهم إليها ورَغبت بها، فكانوا فَرحين مستبشرين لذلك، وهذا معنى ما سمعناهُ من قول أحدهم:(ليس بيننا وبين أن نُعانق الحور العين إلاّ أن يَميل علينا هؤلاء بأسيافهم)
.
____________________
وقد يخطر في الذهن:
أنّ البكاء ليس دائماً على أمور الدنيا، بل له مبرِّرات عديدة ممّا هو صحيح دينيّاً، نذكر منها ما يلي:
أوّلاً: البكاء من الذنوب.
ثانياً: البكاء شوقاً إلى الثواب.
ثالثاً: البكاء خوفاً من العقاب.
رابعاً: البكاء لأجل قلّة الصبر على البلاء.
خامساً: البكاء لأجل إقامة الحجّة على الخصوم.
فمن هنا يمكن أن يكون بعض هذه الأسباب موجوداً لدى الحسينعليهالسلام
وأصحابه.
جوابهُ:
أمّا الأسباب الثلاثة الأولى فهي خارجة عن محلّ كلامنا هذا؛ لأنّنا نتكلّم عن البكاء الناتج بسب الواقعة نفسها، وأمّا البكاء لأجل قلّة الصبر فهو غير صحيح للحسينعليهالسلام
؛ لأنّه معصوم، وأمّا غيره فلعدّة أمور منها:
أوّلاً:
قال تعالى:(
لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا
)
، إذاً فالبلاء أو أيّ شيء آخر لا يكون إلاّ بمقدار التحمّل، ويستحيل أن يكون أكثر من ذلك، بمشيئة الله سبحانه.
ثانياً:
الاستبشار الذي ذكرناهُ وكرّرنا الحديث عنه، فإنّه ممّا يُقوّي العزيمة ويشدّ الهمّة ويمنع الانهيار، فلا يكون لقلّة الصبر مورد بالنسبة لهم، ليسبِّب لهم البكاء.
وأمّا السبب الأخير: وهو إقامة الحدّة على الأعداء، فهو صحيح، إلاّ أنّه ليس من وظيفة الشهداء أنفسهم؛ وإنّما هي وظيفة مَن بقيَ منهم ومن ذويهم ونسائهم، لكي يكشفوا للعالَم الخارجي عن أهميّة الأمر وعَظمة قضيّة الحسينعليهالسلام
.
____________________
مضافاً إلى أنّ الأسلوب الوحيد لإقامة الحجّة ليس هو البكاء، بل ليس هو الأسلوب الأفضل؛ وإنّما الأسلوب الأفضل هو الكلام والإفهام، والبكاء أسلوب صامت وسلبي مهما كان مؤثراً، نعم، حين لا يكون الكلام ممكناً يكون أسلوب البكاء لإقامة الحجّة متعيّناً، وهو ما فَعلتهُ فاطمة الزهراء سلام الله عليها بعد أبيها، وفَعلتهُ زينب بنت علي (عليه وعليها السلام) بعد أخيها الحسين وأصحابه، وفعلهُ الإمام السجّادعليهالسلام
بعد أبيه، إلى غير ذلك من الموارد.
وأمّا لماذا كان الكلام متعذِّراً أو صعباً بالنسبة لهؤلاء، فهذا ما لا ينبغي أن نطيل الكلام فيه الآن.
يا ليتَنا كنّا مَعكم
هناك عبارة يُكرِّرها خطباء المنبر الحسيني حتّى أصبحت متعارفة وتقليديّة وهي قولهم:يا ليتنا كنّا معكم فنفوزَ فوزاً عظيماً
.
والخطاب - بصيغة الحال - للحسينعليهالسلام
وأصحابه، وأودُ الآن بمناسبة حديثي عن هؤلاء العظماء أن أتعرّض إلى معنى هذه العبارة؛ فإنّ في ذلك: عبرة أوّلاً، وموعظة ثانياً، وتربية للخطباء ثالثاً، لعلّهم يأخذون ما سوف أقول بنظر الاعتبار.
واللفظ الذي هو الأهمّ والأشدّ تركيزاً في هذه الجملة هو(معكم)
؛ فإنّ المعيّة قد تكون: مكانيّة، وقد تكون زمانيّة، وقد تكون معنويّة؛ فإنّ المتكلّم بهذه الجملة مرّة يتمنّى أن يكون مع شهداء كربلاء في الزمان والمكان المعينيّن اللذين كانوا فيهما، وأخرى يتمنّى أن يكون معهم معنويّاً.
والأداةُ(ليت)
للتمنّي، والمشهور في علوم العربيّة أنّ التمنّي لا يكون إلاّ للمستحيل، ويوردون كشاهدٍ على ذلك قول الشاعر:
ألا ليتَ الشبابَ يعود يوماً
|
|
فأُخبرهُ بما فعلَ المشيب
|
وسناقش ذلك بعد قليل ونعود إلى الحديث عن (المعيّة).
____________________
عليهالسلام
عليهالسلام
أمّا تمنّي الفرد للكون معهم في نفس الزمان والمكان الذي كانوا فيه، فيُراد عادة تمنّي الحصول على الشهادة معهم لكي يفوز فوزاً عظيماً، وهو أمرٌ جليل ولطيف في حدّ نفسه إلاّ أنّه قابل للمناقشة من أكثر من جهة:
الجهةُ الأولى:
أنّ تمنّي العود إلى الماضي من تمنّي المستحيل طبيعيّاً، وتمنّي المستحيل مستحيل، أو قل: إنّه لا يتصوّره ولا يقتنع به إلاّ مَن خولِط في عقله، وليس من تمنّي الأسوياء ما كان مستحيلاً.
الجهةُ الثانية:
إنّ مجرّد وجود الفرد هناك في الماضي - لو تمّ له - لا يعني كونه يفوز بالشهادة أو يفوز فوزاً عظيماً، بعد أن نأخذ بنظر الاعتبار هذه النفوس الضعيفة الأمّارة بالسوء المعتادة على الترف والضيق من مصاعب الحياة.
ومن الواضح أنّ حركة الحسينعليهالسلام
كلّها مصاعب وبلاء وضيق من الناحية الظاهريّة أو الدنيويّة، ومن هنا لا يكون من المؤكّد أنّ الفرد إذا كان موجوداً في ذلك الزمان والمكان أن يكون ناصراً للحسينعليهالسلام
، بل لعلّه يكون في الجيش المعادي تحت إمرة عبيد الله بن زياد؛ لأجل الحصول على المال أو الشهرة أو دفع الشرّ والتهديد، تماماً كما مالَ أهل الكوفة إليه بعد إعطائهم الولاء للحسينعليهالسلام
ومسلم بن عقيلعليهالسلام
، ومن أجل شيء من الطمع والخوف.
وإذا كان الفرد أحسن نفساً و أكثر ثقافة، فلا أقلّ من أن ينهزم من المعسكر، فلا يكون مع مُعادي الحسين، كما لا يكون مع الحسين نفسه، تماماً كما ورد عن أبي هريرة أنّه قال:(الصلاة خلف عليّ أتم، وطعام معاوية أدسم، والوقوف على التل أسلم)
، وإذا لم يكن مع الحسينعليهالسلام
فسوف يحصل:
أوّلاً:
إنّه لن ينال الشهادة ولن يفوز فوزاً عظيماً.
____________________
وثانياً:
إنّه سينال اللعنة الأبديّة طبقاً لقولهعليهالسلام
:(مَن سمعَ واعيتنا ولم ينصرنا، أكبّه الله على مَنخريه في النار)
.
وعلى أيّ حالٍ، فمن أين يأتي التأكّد على أنّ الفرد إذا كان في ذلك الزمان وذلك المكان مع الحسينعليهالسلام
، لفازَ فوزاً عظيماً، بل لعلّه يَخسر خسراناً مبيناً، كما ألمعنا قبل قليل؛ لأنّ مجرّد المصاحبة في المكان لا يعني أكثر من ذلك.
وقد يُستدلّ على أنّ المطلوب من أيّ فردٍ مُحبّ للحسين، يَحسن به أن يتمنّى ذلك، فيستدلّ عليه بالشعر المنسوب إلى الحسينعليهالسلام
:
شيعتي ما إن شربتم عذبَ ماءٍ فاذكُروني
|
|
أو سَمعتم بقتيلٍ أو جريحٍ فاندِبوني
|
فأنا السبطُ الذي من دون جُرمٍ قتلوني
|
|
وبجُرد الخيل بعد القتل عَمداً سَحقوني
|
فقد تمنّى الحسينعليهالسلام
أن يكون معهُ شيعته يوم عاشوراء، وهو المطلوب، وجواب ذلك من عّدة وجوه منها:
الوجه الأوّل:
إنّ هذا الشِعر ليس للحسينعليهالسلام
قطعاً، بل هو ممّا قيل على لسانه قطعاً، وأدلّ دليل على ذلك: أن يَذكر فيه مقتلهُ وما حدثَ بعد مقتله، وهو ما لا يمكن أن يكون من قوله سلام الله عليه، وفي ما سمعناه ما يشير إلى ذلك.
مضافاً إلى قوله:وبجُرد الخيل بعد القتل ظلماً سَحقوني
،
إلى غير ذلك.
____________________
إذاً، فهذا الشعر إنّما قاله الشاعر بعد أن سمعَ قول الخطباء(يا ليتنا كنّا معكم)
، فأحبّ أن يكون هذا التمنّي صادراً عن الحسينعليهالسلام
أيضاً، إذاً فلا يكون لهذا الشعر قيمة إثبات تاريخيّة أكثر من هذه الجملة التي يُكرّرها الخطباء.
الوجه الثاني:
إنّ مثل هذا التمنّي لو كان صادراً عن الحسينعليهالسلام
أو محبّيه، فإنّما يراد به تمنّي الاجتماع معنويّاً - كما سوف نذكر - لا ماديّاً، أو تمنّي الاجتماع ماديّاً ومعنويّاً حتّى يتمّ الأمر، وإلاّ فمن الواضح - كما أسلفنا - أنّ الاجتماع المادّي في الزمان والمكان وحده لا يكفي.
وأمّا المعيّة المعنويّة:
وهي الاتّحاد في الهدف والمحبّة والإيمان، فقد يُستشكل فيه من حيث إنّ (ليت) إنّما تأتي للتمنّي المستحيل على ما هو المشهور كما أسلفنا، ومن الواضح أنّ المعيّة المعنويّة ليست مستحيلة، بل بابها مفتوح لكلّ والج وواسع بسعة رحمة الله سبحانه، فينال منها كلّ فردٍ حسب استحقاقه، فمن هنا ناسبَ أن تُستعمل (ليت) للمستحيل، وهو الكون المادّي معهم لا المعنوي.
وجواب ذلك:
إنّ اختصاص التمنّي بالمستحيل غير صحيح تماماً وإن ذهبَ إليه المشهور؛ وذلك لعدّة وجوه منها:
أوّلاً:
ما أشرنا إليه فيما سبق من أنّ تمنّي المستحيل مستحيل، إلاّ من المجانين ومَن خُولطوا في عقولهم، أو إنّه يتحدّث حديثاً مجازيّاً بعيداً عن الواقع تماماً، كبيت الشعر الذي استشهدوا به(ألا ليتَ الشباب يعود يوماً).
ثانياً:
إنّ التمنّي وأضرابه من موارد ما يسمّى في علوم البلاغة بالإنشاء: كالاستفهام، والترجّي، وهي حالات نفسيّة وجدانيّة محسوسة في النفس تختلف في معانيها ومداليلها، فالترجّي المدلول عليه بالأداة (لعلّ) إنّما يعني مجرّد الاحتمال كقولنا: لعلّ فلاناً عادَ من سفره، أو لعلّي أُسافر غداً.
وأمّا التمنّي فهو: إرادة حصول شيء في المستقبل والرغبة فيه كقولنا: ليتني أُسافر غداً، أي أحبُّ ذلك وأرغبُ به، ولا ربطَ له بمجرّد الاحتمال.
فالتمنّي والترجّي أمران مختلفان تماماً، كما لا ربطَ لهُ بالأمور المستحيلة بل يستحيل أن يتعلّق التمنّي بالمستحيل.
ثالثاً:
إنّ في القرآن الكريم موارد استُعملت فيها الأداة (ليت) فيما هو ممكن وليس بمستحيل، وظاهر القرآن حُجّة على كلّ مَن يناقش في ذلك، كقوله تعالى:(
يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً
)
، مع العلم أنّ الموت في أيّ وقتٍ ممكن بقدرة الله سبحانه، وقوله تعالى:(
وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً
)
، يعني: ميّتاً قد زالت معالِم قبره، وهو أمر ممكن على أيّ حال.
بل حتّى ما يبدو مستحيلاً من الاستعمالات كقوله تعالى:(
يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ
)
، وقوله تعالى:(
يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا
)
ونحوها، إنّما تكون مستحيلة باعتبار النظام الإلهي للخلق، لا باعتبار قدرة الله على انجاز ما يتمنّونهُ إلاّ أنّه لا يُنجّزه؛ لأنّهم لا يستحقّون ذلك.
ومحلّ الشاهد من كلّ ذلك:
أنّ التمنّي للممكن أمرٌ ممكن، فإذا عَرفنا أن المعيّة المعنويّة مع أصحاب الحسينعليهالسلام
أمر ممكن في أيّ مكانٍ وزمان؛
____________________
لأنّها تُعبّر عن المعيّة القلبيّة والفكريّة، وهي المعيّة الأهم والألزم، فإذا كانت ممكنة كان تمنّيها ممكناً، ويمكن أن يقصدها الفرد حين يقول: يا ليتنا كنّا معكم فنفوز فوزاً عظيماً، والحقُّ أنّ المعيّة المعنويّة توجِب الفوز العظيم بلا إشكال.
ولكنْ يحسن بنا أن نلتفت إلى أنّ هذا التعبير وارد في القرآن عن قول فردٍ فاسق، أو مُتدنّي الإيمان وقليل اليقين؛ لأنّه سبحانه يقول:(
وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيداً * وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً
)
.
إذاً فتكرار هذا المضمون من قِبَل الفرد لا يكاد يكون معقولاً؛ لأنّه سيعتبر نفسه مُتدنّي الإيمان أو قليل اليقين، وهذا لا يكون إلاّ مع الغفلة عن المضمون الحقيقي للعبارة كما هو الأغلب، أو لأجل كسر النفس والوقيعة فيها، كما هو شأن الزُهّاد والسالكين.
كما ينبغي أن نلتفت إلى أمرٍ أهمّ حول الآية الكريمة وهو: إنّه سبحانه يقول:(
وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ الله لَيَقُولَنَّ....
الخ)
، وهذا يعني - بالنسبة إلى الأفراد الاعتياديين، بغضّ النظر عن المعاني التي أسلفناها - أمران:
الأمرُ الأوّل:
إنّ الحسينعليهالسلام
أصابهُ فضلٌ من الله بالشهادة، والفرد يتمنّى أن ينال من هذا الفضل، وقد سبقَ أن قلنا: إنّ هذا الفضل من دواعي الاستبشار لا من دواعي البكاء، مع العلم أنّهم يجعلونهُ مُقدّمة للبكاء كما هو المعهود أكيداً، ومعهُ فلا يكون وضعه في هذا الموضع مناسباً.
____________________
الأمرُ الثاني:
إنّ الفضل الذي نالهُ الحسين وأصحابه من الله سبحانه ليس مجانيّاً ولا يمكن أن يكون كذلك، ولذا وردَ:(إنّ لك في الجنّة درجات لن تنالها إلاّ بالشهادة)
، فقد دفعَ الحسينعليهالسلام
تحمّلهُ لأنواع البلاء الدنيوي، بما فيه نفسه ونفوس أهل بيته وأصحابه فداءً لذلك الفضل العظيم، فهل سيكون الفرد على استعداد حقّاً في المشاركة مع الحسينعليهالسلام
في بلائه، كما هو على استعداد أن يشاركه في جزائه، أم يتمنّى الفرد أن يحصل على ثواب الحسينعليهالسلام
مجاناً، مع أنّ الحسينعليهالسلام
نفسه وهو المعصوم لم يحصل عليه إلاّ بالثمن الغالي، إنّ هذا من سُخف القول حقّاً!
كما يحسن بنا أن نتساءل في هذا الصدد: إنّنا لماذا نتمنّى أن نكون مع الحسين خاصّة لنفوز فوزاً عظيماً، مع أنّ الآية الكريمة مطلقة من هذه الناحية، بل هي خاصّة بالرسولصلىاللهعليهوآله
، والكون معه أيضاً فوز عظيم بلا إشكال، فهل نتمنّى ذلك أو نتمنّى الكون مع أمير المؤمنين أو أحد الأئمّة المعصومين، وإنّ لنا إماماً حيّاً مسؤولاً عنّا فعلاً ونحن مسؤولون عنه أيضاً، فهل نتمنّى أن نكون معه، وليتَ شِعري؛ فإنّ الكون مع إمامنا الحيّ ليس سهلاً على الإطلاق، بل هو امتحان عسير وبلاء كبير ويحتاج إلى إيمان عظيم وتسليم جسيم، يكفينا ما ورد:(ما هذا الذي تمدّون إليه أعينكم، وهل هو إلاّ لبس الخشن وأكل الجَشب)
، وفي خبرٍ آخر:(وهل هو إلاّ السيف والموت تحت ظلّ السيوف)
.
____________________
فإنّه (سلام الله عليه) يُطبّق الإسلام كما طبّقهُ رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، ولن يكون ذلك في مصلحة أهل الدنيا ومُتّبعي الشهوات والمعتادين على اللّذات، بل سيكون هذا العدل المطلق اقتصاديّاً واجتماعيّاً وثقافيّاً ونفسيّاً وعقليّاً ودنيويّاً وأخرويّاً، وهذا لا محالة يكون على الفرد الاعتيادي - كما قلنا - امتحاناً عسيراً وبلاءاً كبيراً، إذاً فالتمنّي للكون مع إمامنا الحيّ ليس سهلاً بأيّ معنىً قصدناه.
ولكن - مع ذلك - فقد يُحسن الخطباء صُنعاً حين يخصّون الحسينعليهالسلام
بالذِكر لأمرين أو أكثر:
الأمرُ الأوّل:
إنّ الحديث في المجلس عنه والمأتم المنعقد، لهُعليهالسلام
.
الأمر الثاني:
إنّ الحديث في المجلس وإن لم يكن عنه (سلام الله عليه)، بل عن غيره من المعصومينعليهمالسلام
، إلاّ أنّه لابدّ من ذكره خلال الحديث، وإلاّ لم تطمئنّ النفس ولم يهدأ الخاطر ولم يتمّ الاستحباب الشرعي الكامل.
الأمر الثالث:
إنّ شفاعة الحسينعليهالسلام
أوسع من غيره من المعصومينعليهمالسلام
جميعاً، كما وردَ
، ووردَ أنّ عدداً من المعصومين لا يصل إليهم إلاّ الخاصّة كعليعليهالسلام
، والرضاعليهالسلام
، والمهديعليهالسلام
، في حين يصل إلى الحسينعليهالسلام
الخاصّة والعامّة، فهو يشفع للجميع وزياراتهم لديه مقبولة، وشفاعتهُ واسعة يوم القيامة.
إلاّ أنّنا مع ذلك ينبغي أن نتوخّى أن نضمّ إلى هذا الأمر الشعور على مستويين:
المستوى الأوّل:
إنّ شفاعة الحسينعليهالسلام
لن تكون عامّة بالمعنى الكامل، بل بشرطها وشروطها، كما وردَ في الخبر، تماماً كما قال الإمام الرضاعليهالسلام
في حديث سلسلة الذهب:
____________________
(لا إله إلاّ الله حِصني ومَن دخل حِصني أمِنَ من عذابي،
ثمّ قال:بشرطها وشروطها وأنا من شروطها)
.
المستوى الثاني:
أن لا نفهم من سعة شفاعة الحسينعليهالسلام
سعتها دنيويّاً، بل سعتها أخرويّاً، ولكن وجِد العديد ممّن يقول: إنّ سُفرة الحسينعليهالسلام
أوسع، ويريد به الأرباح الماديّة المجلوبة بسبب ذكره (سلام الله عليه) أكثر من الأرباح المجلوبة بسبب ذكر غيره.
وهذا وإن كان صحيحاً عمليّاً وداخلاً ضمن النِعَم الإلهيّة على الحسين ومُحبّي الحسينعليهالسلام
، إلاّ أنّ المطلوب أخلاقيّاً هو عدم النظر إلى حطام الدنيا مهما كان مهمّاً، وقَصر النظر على ثواب الآخرة.
ومن الواضح أخلاقيّاً ودينيّاً أنّ مَن قَصدَ الدنيا وحدها، أو مَن قصدَ الدنيا والآخرة معاً، فليس له الثواب في الآخرة إطلاقاً، وإنّما يأخذ الثواب مَن خصّ قصدهُ في الآخرة تماماً.
وهذا لا يعني عدم جواز الأجرة على ذكرهعليهالسلام
، وخاصّةً ممّن كان عمله ذلك ورزقه متوقّفاً عليه؛ وإنّما يعني أن يَسقط هذا عن نظر الاعتبار في نيّته، و يجعلهُ بمنزلة الرزق صدفة أو تفضّلاً من الله عزّ وجل، وليس بإزاء مأتم الحسينعليهالسلام
بأيّ حالٍ من الأحوال.
____________________
رواةُ واقعة الطف
أعتقدُ أنّ الرواة الأوائل أو المباشرين لحادثة الطف، منحصرون في الأقسام التالية، فينبغي أن ننظر إلى وَثاقتهم من ناحية، وإلى مقدار شرحهم للحوادث ونحو ذلك من الخصائص:
القسمُ الأوّل:
الأئمّة المعصومونعليهمالسلام
المتأخّرون عن الحسينعليهالسلام
، وخاصّةً الثلاثة الذين كانوا بعده بالمباشرة وهم: الإمام السجّاد، والإمام الباقر، والإمام الصادقعليهمالسلام
؛ فإنّ لهؤلاء قسطاً من ذِكر واقعة الطف.
إلاّ أنّني أعتقد أنّنا - مع ذلك - لا نستطيع أن نأخذ عنهم التفاصيل كما نريدها؛ لأنّهمعليهمالسلام
كانوا يتحدّثون بمقدار ما تقتضي المصلحة في زمانهم، فكانوا يركّزون على الجانب المعنوي لواقعة الطف والدفاع عن قضيّة الحسينعليهالسلام
، و لا يكون همّهم رواية أو نقل الحوادث، إلاّ ما جاء عَرَضاً خلال الحديث، إذاً فلا ينبغي أن نتوقّع سَماع حديثهم عن التفاصيل الكثيرة التي نريدها.
القسمُ الثاني:
النساء من ذراري الحسينعليهالسلام
وأصحابه بعد عودتهنّ إلى المدينة المنوّرة، فإنّهن لم يُصَبن بسوء وبقينَ أحياء بعد مقتل رجالهنّ، ورجعنَ إلى محلّ سكنهنّ، فمن الممكن لهنّ أن يتحدّثنَ عمّا رأينهُ عن تلك التفاصيل، وتُعتبر كلّ واحدة منهنّ كشاهد حال حاضر للواقعة.
إلاّ أنّنا لا ينبغي أن نُبالغ في ذلك؛ لأمرين على الأقل:
الأمرُ الأوّل:
حاصل لدى وجود الواقعة نفسها في كربلاء؛ وذلك لأنّ النساء كنّ موجودات في الخيام، ولسنَ مُشرفات على الواقعة ولا مُتابعات للحوادث، ولا يعرفنَ أشخاص الرجال الأجانب بأسمائهم، فمن هذه الناحية ستكون فكرتهنّ عن التفاصيل غائمة ومُجملة لا محالة.
الأمرُ الثاني:
حاصل لدى وجودهنّ في المدينة المنوّرة، حيث كانت المصلحة الدينيّة والاجتماعيّة تقتضي إقامة المزيد من المآتم على واقعة الطف، وإظهار المزيد من الحزن البكاء على مَن قُتل فيها، إذاً فقد انشغَلت النساء بمهمتهنّ المقدّسة تلك، ولم تجد إحداهنّ الفرصة الكافية لرواية التفاصيل.
القسمُ الثالث:
الأطفال القلائل الذين نجوا من واقعة الطف، واستطاعوا الهرب منها:كأحمد بن مسلم بن عقيل
، أو عادوا مع النساء:كالحسن المثنّى
وغيرهم
، فإنّهم أصبحوا كباراً بالتدريج، فمن الممكن لهم عندئذٍ أن يَرووا ما رأوا وما سمعوا.
إلاّ أنّنا مع ذلك لا ينبغي أن نبالغ في إمكان أخذ التفاصيل من هؤلاء تاريخيّاً؛ لعدّة أمور لعلّها تندرج في أمرين:
الأمرُ الأوّل:
حالهم في واقعة الطف نفسها، فإنّهم:
١- كانوا محجوزين في الخيام مع النساء ولا يشاهِدون التفاصيل.
____________________
٢- لا يعرفون أسماء الرجال الموالين والمعادين لكي يرووا تفاصيل أعمالهم.
٣- إنّ فهمهم الطفولي يومئذٍ لم يكن يساعد على الاستيعاب، وكان عُمر أحدهم يومئذٍ قد لا يزيد عن خمس سنوات بالمعدّل، ولم يكونوا بمعصومين لكي نقول: إنّ الفهم منهم لا يختلف باختلاف سِني العمر.
الأمرُ الثاني:
إنّني لا أعتقدُ أنّهم مذكورون في أسناد الروايات الناقلة للتفاصيل عن واقعة الطف إلاّ نادراً، ولو كان الرواة المتأخّرون نسبيّاً قد سَمعوا منهم لذَكروهم في السند، اللهمّ إلاّ أن يقال: إنّ الحذف من السند كان لداعي التقيّة يومئذٍ؛ فإنّ نقلَ قصّة الحسينعليهالسلام
كان مورداً للتقيّة المكثّفة والصعبة في زمن الأمويين الذين قتلوه ورضوا بمقتله، بل الأمر كذلك في زمن أكثر الخلفاء العبّاسيين أيضاً.
القسمُ الرابع:
الأعداء الذين حاربوا الحسينعليهالسلام
فعلاً في واقعة كربلاء، وكانوا حاضرين خلالها، ولكنّهم نجوا من الموت ورجعوا إلى بلداهم فأمكنهم أن ينقلوا القصّة ويسمع منهم الناس عنها الشيء الكثير.
ويُروى:
إنّ المختار الثقفي حينَ أعلن الأخذ بثأر الحسينعليهالسلام
، كان يقبض على أعدائه واحداً واحداً، فيسأله عمّا فعلهُ في واقعة الطف، فيقتلهُ بالشكل الذي قَتلَ به الشهداء هناك
، فقد حصلَ من ناحية الأعداء روايات تفصيليّة عن حوادث كربلاء، وهناك أخبار أخرى من غير هذا الأسلوب رويت عن:حميد بن مسلم، وزيد بن أرقم،
وغيرهما.
فهل نستطيع أن نعتبر هذه الأخبار عنهم هي من أخبار الثقاة، مع أنّنا نعلم أنّهم أشدّ الناس فسقاً وعناداً ضدّ الإمام المعصوم، بل ضدّ الله ورسوله أيضاً، فإذا لم يكن الخبر خبر ثقة فكيف يمكننا الأخذ به؟
____________________
وقد يخطر في البال هنا:
إنّ هذا الشخص أو غيره من الأعداء حين يروي شيئاً من الحوادث إنّما يقرّ على نفسه بالجريمة، وإقرار العقلاء على أنفسهم جائز، فمن الممكن الأخذ بخبره من هذه الجهة.
إلاّ أنّ هذا غير صحيح لعدّة أسباب أو وجوه:
الوجهُ الأوّل:
إنّ قاعدة إقرار العقلاء إنّما تَجعل الخبر معتبراً بالنسبة إلى العقوبة للمتكلّم به، أو تحميله مسؤوليّته بشكلٍ وآخر، ولا تَجعل الخبر مُعتبراً بمعنى كونه مشهوداً له بالصحّة بشكل مطلق.
الوجهُ الثاني:
إنّ هذا الشخص أو ذاك ممّن كان في معسكر الأعداء، قد لا يروي الحادثة عن نفسه، وإن تكلّم عن نفسه أعني عمّا قاله وفعلهُ في كربلاء، إلاّ أنّه يروي ذلك مدافعاً عن نفسه، يعني يريد أن يثبت أنّه قد رَحم الآخرين وتعطّف عليهم في الوقت الذي شدّد عليهم غيره، وهذا شامل لعدد من النقول الواردة، ومعه لا تكون إقراراً حتّى نُثبت حجيّتها بقاعدة الإقرار.
إذاً، ينتج أنه ينبغي الحذر كثيراً حين نسمع من أو عن أمثال هؤلاء الأعداء أخبارهم عن واقعة كربلاء، ومن المؤكّد أن أخبارهم ليست أخبار ثقاة بل هو خبر ضعيف، باصطلاح أهل الحديث؛ لأنّها رواية فاسق ومُعاند للحقّ ومَن الذي يقول بحجيّة الخبر الضعيف؟
الرواةُ المتأخّرون
لكنّ الذي يُهوّن الخَطب أنّنا نأخذ التفاصيل من كُتب علمائنا الموثوقين الأجلاّء:كالشيخ المفيد في الإرشاد
،والشيخ الإربلّي في كشف الغمّة
،وأبي مَخنف
،والخوارزمي في مقاتلهم،والشيخ التُستري في كتابه عن الحسين
عليهالسلام
وأضرابهم.
إلاّ أنّنا مع ذلك ينبغي أن نكون حَذرين في النقل لعدّة أمور:
الأمرُ الأوّل:
إنّ كثيراً ممّا نَقلوا من الروايات هي ضعيفة السند ومرسلة، وعلى كلّ تقدير لا يمكن الآخذ بها فقهيّاً.
وقد يخطر في البال:
إنّ هؤلاء العلماء هم الذين تكفّلوا صحّتها على عاتقهم، فهي معتبرة وصحيحة في نظرهم، وهذا يكفي في النقل وإن كانت مرسلة أو ضعيفة بالنسبة إلينا.
وجوابهُ:
بالنفي طبعاً، يعني لا يكفي ذلك؛ لأنّ صحّتها التي يعتقدون بها إنّما هي صحّة اجتهاديّة وحدسيّة، وليست حسيّة لتكون حجّة على الآخرين، أو قل على الأجيال المتأخّرة، كما هو مبحوث عنه في علم الأصول.
الأمرُ الثاني:
إنّه ينبغي التأكّد من نسبة الكتاب إلى مؤلّفه فقد يكون كلّه مُنتحلاً أو بعضه، أو يكون مزيداً عليه أو محذوفاً منه وغير ذلك من الاحتمالات، وإذا وردَ الاحتمال بطل الاستدلال، ولعلّ أهمّ وأوضح ما هو مشكوك بالنسبة إلى مؤلّفه هو مقتل أبي مخنف، وهو ممّا يَعتمد عليه الناس كثيراً، وأبو مَخنف رجل صالح وموثّق، إلاّ أنّ نسبة كتابه إليه مشكوكة.
الأمرُ الثالث:
إنّه ينبغي التأكّد أنّ النقل في الكتاب إنّما هو بنحو الرواية لا بنحو الحدس؛ فإنّه وجِد خلال التأريخ مَن كَتبَ عن واقعة الطف من زاوية الحَدس والكشف العرفاني لا بنحو الرواية، وحاولَ فهمها من وجهة نظره تلك، وهذا هو الذي يبدو من الشيخ التستري في كتابه(الخصائص الحسينيّة)
حيث يقول مثلاً:
(إنّ الحسين
عليهالسلام
حَصلت له حالة الاحتضار ثلاث مرّات)
، فإنّ هذا إن صحّ، فقد أخذهُ بالكشف العرفاني بلا رواية؛ فإنّه لا توجد أيّة رواية بذلك، وهكذا كثير من التفاصيل.
ومن المعلوم في الأصول: إنّ هذه الحدوس والكشوف إن كانت حجّة، فهي حجّة على صاحبها بصفته عالِماً بصحّتها، ولا يمكن أن تكون حجّة على غيره مع احتماله لتوهّم الآخر وانفعاله، ومن ثمّ فقد لا يكون ما قاله مطابقاً للواقع، إلاّ أن يحصل لنا أو لأيّ شخصٍ العلم بالمطابقة، أو حسن الظنّ بالقائل بحيث يُعلم أنّ كشوفه الوجدانيّة دائمة المطابقة للواقع، ومن أين لنا ذلك؟
مجوّزات النَقل شرعاً
وما يمكن أن يكون مُجوّزاً للنقل شرعاً عن المعصومين (سلام الله عليهم) من الروايات، في واقعة كربلاء أو غيرها عدّة أمور:
الأمرُ الأوّل:
صحّة السَند؛ فإنّ السند وهو مجموعة الرواة الناقلون له إن كانوا كلّهم ثقاة جازَ الإخبار به، وتكفل مسؤوليّته أمامَ الله سبحانه.
الأمرُ الثاني:
نسبة القول إلى صاحبه، بعد العلم بانتساب الكتاب إليه، فنقول: قال فلان أو روى فلان كذا، أو نقول: رويَ أو قيل، أو نقول: قال أرباب المقاتل أو المؤلّفون في واقعة كربلاء ونحو ذلك ...
وبذلك تخرج عن العهدة أمام المعصومينعليهمالسلام
، وتكون صادقاً في قولك؛ لأنّ هذا الذي نقلتَ عن كتابه قد قال ذلك فعلاً، لكن هذا مشروط بشرطين:
١- أن يكون الأمر مرويّاً عن كتابٍ ما، وأمّا إذا لم يكن مرويّاً إطلاقاً وأنت تقول عنه: رويَ كذا، فهذا غير جائز بل هو الكذب نفسه.
٢- أن يكون الكتاب صحيح النسبة إلى مؤلّفه، وإلاّ فسيكون نسبة القول إلى مؤلّفه نسبة كاذبة، فأنتَ تَكذب على المؤلِّف وإن لم تَكذب على المعصومينعليهالسلام
.
الأمرُ الثالث:
من مجوّزات النقل المشهورة بين الخطباء والشعراء الحسينيّين:النقل بلسان الحال
، فكأنّهم يرون أنّ الحديث يكون صادقاً مع التقيّد بهذا المعنى، ومن هنا أباحَ الشعراء لأنفسهم إضافة أقوال وأفعال كثيرة جدّاً إلى واقعة الطف،
بعنوان أنّها بلسان الحال لا بلسان المقال.
وهذا ليس خطأ كلّه، بل يُحمل جانباً من الصواب من الناحية الفقهيّة؛ فإنّ النقل بالمعنى عن الروايات جائز إن كانت الرواية بدورها مُحرَزة الصحّة، كما أنّ النقل بلسان الحال جائز إذا أحرزنا أنّ حال المتكلّم في تلك الساعة على ذلك، إلاّ أنّنا مع ذلك ينبغي أن نكون على حذرٍ شديد من هذه الناحية، لعدّة وجوه:
الوجهُ الأوّل:
إنّنا لا نستطيع أن نعلم حالهم رضوان الله عليهم، لا الحسينعليهالسلام
، ولا أصحابه، ولا نساءه، ولا أيّ واحدٍ هناك منهم؛ لأنّهم أعلى وأجلّ من أن نعلم ما يدور في خواطرهم وما تُخفيه سرائرهم، في حين أنّنا بعيدون عنهم زمناً ومكاناً وثقافة ومستوى، وغير ذلك، إذاً فنحن جاهلون بحالهم لا أنّنا عالمون به لنستطيع التعبير عنه بأيّ حالٍ من الأحوال، وإنّما يجوز الحديث بلسان الحال مع إحراز المطابقة للواقع، وأنّى لنا ذلك؟
الوجهُ الثاني:
إنّ ما يكون بلسان الحال إنّما هو الأقوال لا الأفعال، فلو تنزّلنا جَدلاً عن الوجه الأوّل أو تمّ لدينا ذلك الوجه، فإنّما يجوز النقل بلسان الحال في الأقوال وحدها، أمّا نقل الأفعال والتلفيق فيها بعنوان كونها بلسان الحال، فهذا لا معنى له ولا بيان له.
الوجهُ الثالث:
إنّنا لو تنزّلنا جَدلاً عن الوجه الأوّل أو تمّ لنا ذلك الوجه، فإنّه يتمّ بمعنى أنّ الحالة العامّة التي كانوا فيها معلومة لنا إجمالاً.
وأمّا التفاصيل فمن غير المحتمل أن ننال منها شيئاً، فمثلاً ما الذي خطرَ في ذهن الحسينعليهالسلام
حين أخذَ رضيعه معه ليسقيه الماء، أو في أيّة حادثة معيّنة أخرى؟ هذا متعذّر فهمه تماماً في حدود البُعد الزمني والثقافي والإيماني عنهعليهالسلام
.
وفي صدد النقل بلسان الحال يمكن أن نذكر مَنشأين لجواز النقل بهذا الشكل، فإن تمّ أخذنا به، وإن لم يتم أعرَضنا عنه:
المنشأ الأوّل:
ما وردنا من الروايات عن واقعة كربلاء، فإنّها تدلّنا على الحال الذي كانوا فيه، فنستطيع أن نتحدّث زيادة على ذلك في حدود الحال الذي فهمناه من تلك الروايات.
وجوابهُ:
أوّلاً:
إنّ الرواية ينبغي أن تكون صحيحة ومعتبرة سنداً، لكي يمكننا استكشاف الحال من خلالها.
ثانياً:
إنّ المفروض أنّنا نتحدّث عن أقوال وأفعال زائدة عمّا هو المروي؛ لأنّه بلسان الحال، فلا نستطيع أن نقول: (رويَ ذلك) لنكون صادقين؛ لأنه لم يُروَ إطلاقاً.
ثالثاً:
إنّ المفروض أحياناً أنّنا نروي حوادث وأقوالاً غير متشابهة على الإطلاق عمّا هو مروي ووارد، لا في الروايات الصحيحة ولا الضعيفة، فكيف يتمّ لنا ذلك شرعاً وهل هو إلاّ من الكذب الصريح؟
المنشأ الثاني:
لجواز النقل بلسان الحال، العُرف، فما كان يناسب من الناحية العرفيّة أن يكون حالهم عليه، جازَ التعبير عنه، وما لا يناسب ذلك لم يجز التعبير عنه، واتباع العرف أمر جائز عرفاً وحجّة كما ثبتَ في علم الأصول.
إلاّ أنّ هذا غير صحيح لعدّة مناقشات تَرد عليه:
أوّلاً:
إنّ العرف إنّما تَثبت حجيّته في علم الأصول في موارد معيّنة لا يمكن تعدّيها، ولا قياس غيرها عليها، وهي حجيّة الظواهر المأخوذ بها عرفاً وحجيّة المعاملات المتعارفة في العرف.
وأمّا الكذب والكلام الزائد، فهو وإن كان عرفاً سائراً، إلاّ أنّه منهي عنه قطعاً في الشريعة ومُحرّم أكيداً.
ثانياً:
إنّ العرف إنّما يكون حجّة في ما يناسب حال العرف ومستواه.
وأمّا ما كان خارجاً عن حال العرف كالأمور الرياضيّة والفلسفيّة، فلا سبيل للعرف إليها، ونحن نعلم أنّ حال أولئك الأبطال الأفذاذ أعلى من أن يفهمه العرف، فالتنزّل بمستواهم إلى درجة العرف الشائع ظلمٌ لهم لا محالة.
ثالثاً:
إنّ لسان الحال أصبح مبرّراً لدى البعض إلى نقل كثير من التفاصيل الكاذبة، وهذا أمرٌ خارج عن هذا الدليل لو تمّ، بعد التنزّل عن الوجهين السابقين جَدلاً، فإنّه إنّما يُثبت إمكان البكاء والتضجّر واللطم ونحو ذلك، لا أنّه يُثبت جواز الكذب والدسّ بطبيعة الحال.
الأمرُ الرابع:
من مُجوّزات النقل المحتملة عن حوادث كربلاء: ما وردَ بنحو القاعدة العامّة حيث تقول:(قولوا فينا ما شئتم ونزهّونا عن الربوبيّة)
.
وتقريبُ الاستدلال بها للنقل:
وهو التمسّك بإطلاق قوله(ما شئتم)
؛ فإنّ الفرد قد يشاء أن ينقل الأمور غير المرويّة أو غير المناسبة مع الحال وغير ذلك، ومقتضى إطلاق القاعدة جواز ذلك كلّه، إلاّ أنّ هذا غير صحيح بكلّ تأكيد لعدّة وجوه:
الوجهُ الأوّل:
إنّ مثل هذه الرواية غير تامّة سنداً، ومعهُ لا تكون ثابتة أصلاً، فالاستدلال بها - كما هو المشهور بينهم - غير جائز.
الوجهُ الثاني:
إنّها مخدوشة في الدلالة أو التعبير وهو قوله فيها:(ونزّهونا عن الربوبيّة)،
في حين أنّ الربوبيّة كمال وعَظمة، والتنزيه إنّما يكون عن النقص والخسّة والرذيلة، فهذا إنّما يدلّ على ضعف سندها وعدم ورودها إطلاقاً.
____________________
ويمكن أن يكون المتكلّم بها قد قال:(ونزّلونا عن الربوبيّة)
، فَنقلها الراوي بالهاء وهو قوله:(نزّهونا)
، إلاّ أنّ هذا الاعتذار لا يجعلها تامّة سَنداً.
الوجهُ الثالث:
إنّ التمسّك بإطلاقها على سَعته غير مُحتمل فمثلاً: هل يمكن أن يشمل قوله:(قولوا فينا ما شئتم)
القول السيئ من القدح والشتم ونحوه، إنّ هذا غير محتمل طبعاً، إذاً فالمراد: ما شئتم ممّا هو مناسب مع شأننا، ومن الواضح أنّ كثيراً ممّا نقول عنهم بلسان الحال ليس مناسباً مع شأنهم.
الوجهُ الرابع:
إنّ قوله فيها(ما شئتم)
يراد به الأوصاف الإجماليّة: ككونهم علماء، أو عظماء، وغير ذلك، ولا يراد بها التفاصيل من نقل الأقوال والأفعال الكاذبة عنه، وإن كانت مناسبة لشأنهم، فضلاً عمّا إذا لم تكن، والمفروض إلى الحديث عن لسان الحال أنّه يكون بالتفاصيل لا بالإجمال.
الوجهُ الخامس:
في المعنى الأصلي الذي أفهمهُ من هذه الرواية: وهو أنّ فهمَنا لا يكون له أيّ ارتباط للنقل بالمعنى من قريب أو بعيد، والمعنى الذي أفهمهُ كما يلي:(قولوا فينا ما شئتم من المدائح، أو من صفات الكمال والجلال؛ فإنّكم لا تصلون إلى الواقع الذي اختارهُ الله لنا، وستكون كلّ من مدائحكم وأوصافكم دون مستوانا الواقعي)
.
وإذا تصاعدنا نحن في الأوصاف لا نصل إلى صفتهم الحقيقيّة، فضلاً عن أنّنا يمكن أن نتعدّاهم إلاّ إذا ذَكرنا لهم الربوبيّة؛ فإنّها غير ثابتة في حقّهم، فمثلاً نقول: إنّهم مؤمنون، ثمّ نقول: إنّهم ورعون، ثمّ نقول: إنّهم متّقون، ثمّ نقول: إنّهم علماء، ثمّ نقول: إنّهم راسخون في العلم، ثمّ نقول: إنّهم أولياء، ثمّ نقول: إنّهم كأنبياء بني إسرائيل أو أفضل منهم، كلّ ذلك ونحن لم نصل إلى حقائقهم ومستوياتهم الواقعيّة.
الأمرُ الخامس:
من مجوّزات النقل المحتملة عن واقعة كربلاء:
ما ورد بنحو القاعدة العامّة:(مَن بكى على الحسين أو أبكى أو تباكى، وجَبت له الجنّة)
.
وتقريبُ الاستدلال بها:
هو التمسّك بإطلاقها لكلّ قولٍ أو فعل صار سبباً للبكاء على الحسينعليهالسلام
وأصحابه، فإنّه يكون سَبباً لدخول الجنّة أو وجوبها للفرد سواء كان مطابقاً للواقع أو لم يكن.
وهذا المضمون وإن كان مطابقاً للقاعدة؛ لأنّ مَن بكى أو أبكى أو تباكى بإخلاصٍ لله سبحانه وتعالى
وللحسينعليهالسلام
، فإنّه يستحقّ الثواب الجزيل بلا إشكال، إلاّ أنّ التمسّك بإطلاقها المفروض إنّما يتمّ بغضّ النظر عن المناقشات التالية، وتلك المناقشات تَردّ عليها كرواية منقولة كما هو المشهور، لا كمضمون مشهود على صحّته.
أوّلاً:
ضُعف سَند هذه الرواية، فلا تكون معتبرة.
ثانياً:
إنّ متعلّق البكاء لم يُذكر في هذه العبارة، ومعه يكون من الواضح أنّه ليس كلّ أهداف البكاء مشروعة، أو لا ثواب عليها على الأقل.
____________________
أو قل: لا تجب لهُ الجنّة بكلّ تأكيد، كمَن بكى للدنيا أو لمصيبة عاطفيّة ونحوها، إذاً فالأمر مقيّد بالبكاء المرضيّ لله عزّ وجل.
ثالثاً:
إنّ متعلّق البكاء لم يُذكر في هذه العبارة، حتّى الصالح منه يعني لم يقل: إنّ البكاء من أجل الحسينعليهالسلام
- كما يفهم المشهور - أو من خوف الله عزّ وجل، أو شوقاً إلى الثواب، أو أيّ شيء آخر، ومن هنا لا دليل على اختصاصه بالحسينعليهالسلام
.
رابعاً:
إنّ وجوب الجنّة بل مطلق الثواب، لا يكون إلاّ بحفظ الشرائط الأخرى الضروريّة في الدين؛ لوضوح عدم شمولها للكفّار والفَسَقة وأضرابهم، إذاً فيكون المعنى:(مَن أضافَ إلى حسناته البكاء، وجَبت له الجنّة)
، ومن الواضح أنّها لم تقل ذلك بوضوح، إذاً فيبقى إطلاقها غير ثابت.
خامساً:
إنّ وجوب دخول الجنّة غير مُحرز لأيّ إنسان غير معصوم، ما لم يَمت مرضيّاً لله عزّ وجل، وأمّا لو زالت حسناته بظلمٍ أو سوء ونحوه، لم يستحقّ الجنّة بكلّ تأكيد، والشاهد على ذلك قوله تعالى:(
وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً
)
، والسيّئات قد تذهب بالحَسنات، كما أنّ الحَسنات قد تذهب بالسيّئات.
ومعهُ فيكون المعنى:(مَن داومَ على الطاعة طول حياته مع البكاء، وجَبت لهُ الجنّة)
، ومن الواضح أنّه لم يقل ذلك، كلّ ما في الأمر أنّ التمسك بإطلاقها مُشكل.
سادساً:
الإخلاص في العمل لم تنصّ عليه الرواية، وهو البكاء في سبيل الله من دون عجب ولا رياء، فلو بكى الفرد على أمواته أو على مصاعب الدنيا، لم يستحقّ الجنّة فضلاً عن أنّها تجب له، لكنّنا ينبغي أن نُفصّل الحديث في البكاء على الأموات بعنوانٍ مستقل.
____________________
البكاءُ على الأموات
وليس المراد البكاء على الأموات حقيقة، بل البكاء الذي يكون في الظاهر على الحسينعليهالسلام
، وفي القصد الواقعي على الأموات، فهل يكون الفرد عليه مستحقّاً للثواب أم لا؟ وقد عرفنا قبل قليل عدم استحقاقه للثواب لا محالة؛ لعدم وجود الإخلاص والقصد القربي لديه، ولكن وردت في ذلك رواية من حيث إنّ الراوي يسأل الإمامعليهالسلام
بما مضمونه: إنّني أبكي على الحسينعليهالسلام
فأتذكّر أمواتي فأبكي عليهم، فأجابهُ بما مضمونه:(نعم، ابكِ ولو على أمواتك)
.
وهذه الرواية أيضاً غير معتبرة السند، ومعهُ يبقى الأمر على القاعدة الأوّليّة وهي عدم وجود الثواب، إلاّ في بعض الموارد التي نشير إليها فيما بعد.
وإن كانت الرواية معتبرة السند، فقد تمّ المطلب، يعني أنّنا نأخذ بمحتواها: وهو وجود الاستحباب حتّى في هذه الصورة، وهي البكاء على الأموات، ما دام الظاهر هو البكاء على الحسينعليهالسلام
، والأمر غير خاصّ بواحدٍ معيّن بطبيعة الحال، فقد يبكي ألف من الموجودين على أمواتهم بهذه الصورة، وهذا ما يدلّ على أنّ الشارع المقدّس - لو صحّت الرواية - يريد حفظ الظاهر أو الصورة الظاهريّة لبكاء الناس، وإن كان قصدهم مختلفاً، وهذا ليس جزافاً، بل فيه فوائد وحِكم ومصالح حقيقيّة، يمكن أن نُدرك منها ما يلي:
أوّلاً:
حفظُ تسلسل الشعائر الدينيّة واستمرارها.
ثانياً:
إثبات وجود هذه الشعائر أمام مَن لا يؤمن بها أو لا يُنجزّها.
____________________
ثالثاً:
الإسعاد في البكاء للآخرين؛ لأنّهم لا يعلمون أنّي أبكي على أمواتي، بل يتخيّلون أنّي أبكي على الحسينعليهالسلام
بحرارة؛ لأنّ البكاء فيه إسعاد وهو انتقال أو عدوى العاطفة من فردٍ إلى آخر، والإسعاد في البكاء معنى لغوي مأخوذ من السعادة؛ لأنّ الباكي يشعر براحة وسعادة حين يجد نفسه بين الباكين من أجله.
رابعاً:
التربية النفسيّة من الناحية الدينيّة للفرد نفسه وللآخرين أيضاً، فإنّه إذا قصدَ اليوم البكاء على أمواته، فسوف يقصد غداً البكاء على الحسينعليهالسلام
، بمعنى أنّ الدافع المتدنّي سوف يتقلّص في نفسه حتّى يزول.
ومن هنا نعرف ما أشرنا إليه: من أنّ الفرد يمكن أن يحصل على الثواب، حتّى لو بكى على أمواته، إن كان القصد الظاهري هو البكاء على الحسينعليهالسلام
، لكن بشرط أن يقصد هذه الأمور الصحيحة التي ذكرناها الآن ونحوها، لا أن يكون البكاء متمحّضاً للأموات حقيقة.
نعود الآن إلى ما كنّا فيه من تعداد الوجوه المحتملة المجوّزة للنقل عن حوادث كربلاء المقدّسة، وقد سبقَ أن ذكرنا منها خمسة أمور:
الأمرُ السادس:
من مجوّزات النقل المحتملة: جواز قول الشِعر في حادثة الطف بلا إشكال، وهذا ممّا عليه السيرة المتشرّعة في مذهبنا من زمن الأئمّة المعصومينعليهمالسلام
وإلى الآن فالسيرة قطعيّة الصحّة، والشِعر عن الحسينعليهالسلام
قطعي الجواز، بل قطعي الاستحباب، بل لعلّ فيه الوجوب الكفائي إذا شحّ مُعيّنه في مكانٍ أو زمانٍ معيّن.
ومن المعلوم أنّ الشرع يحتوي على: المجاز، والمبالغة، والتورية، والمعاني العاطفيّة والخياليّة وغير ذلك كثير، وهذا ما يدلّ على جواز أن ننسب إلى موضوع القصيدة - بما فيها حوادث كربلاء - ما نشاء من خلال القصيدة نفسها، سواء كان وارداً في رواية معتبرة أو غير معتبرة، أو غير وارد على الإطلاق.
إلاّ أنّ هذا الوجه قابل للمناقشة في عدّة أمور:
أوّلاً:
إنّه لو تمّ لاختصّ بالشِعر ولا يمكن أن يشمل النثر؛ لأن النثر خالٍ عرفاً وعادة عن الخيالات المستعملة في الشِعر، وهذا الوجه لو تمّ فإنّما يجيز تلك الخيالات دون غيرها.
ثانياً:
إنّ الخيالات والمبالغات ليست من نوع الكذب عرفاً وعقلائيّاً، إذاً فالتعميم من جواز ذلك إلى جواز الكذب والدسّ في الشعر غير صحيح تماماً.
ثالثاً:
إنّ السيرة كما ثبتَ في علم الأصول دليلٌ لا إطلاق له ولا لسان له، يؤخذ منه بالقدر المتيقّن، والقدر المتيقّن هنا: هو الشِعر الخالي من الكذب والدسّ فيكون جائزاً، ولا يمكن التعميم بدليل السيرة إلى غيره.
وقد يخطر في البال:
أنّ السيرة الموروثة عندنا هي على وجود الكذب في الشِعر بهذا الصدد، وهي سيرة مُمضاة من قِبل الأئمّة المعصومينعليهمالسلام
.
فمن ذلك قول دعبل الخزاعي (عليه الرحمة) أمام الإمام الرضاعليهالسلام
:
أفاطمُ لو خِلتِ الحسين مُجدّلاً
|
|
وقد ماتَ عطشاناً بشطّ فُراتِ
|
إذن للَطمتِ الخدّ فاطم عندهُ
|
|
وأجرَيتِ دمعَ العين في الوَجناتِ
|
____________________
فقد أثبتَ اللطمَ والبكاء لفاطمة الزهراءعليهاالسلام
، مع أنّهُ غير متحقّق جَزماً؛ لأنّ الزهراءعليهاالسلام
لم تكن موجودة في الدنيا لدى مقتل وَلدها الحسينعليهالسلام
، مع ذلك فقد سَمعها الإمام الرضاعليهالسلام
ولم يعترض عليها.
وجواب ذلك يكون على مستويين:
المستوى الأوّل:
ما قالهُ علماء المنطق من أنّ القضيّة الشرطيّة تصدق حتّى مع كِذب طرفيها، وأوضح مثال له: إنّ قولنا: إذا طَلعت الشمس فالنهار موجود، يصدُق في الليل كما يصدق في النهار، ولا يتوقّف على طلوع الشمس فعلاً، أو وجود النهار فعلاً، بل يكفي في صِدق الشرطيّة صدق الملازمة والتوقّف ما بين فعل الشرط وفعل الجزاء، وهو في المثال توقّف وجود النهار على طلوع الشمس.
ومن الواضح أنّ هذين البيتين لدعبل الخزاعي إنّما هو قضيّة شرطيّة، وليست فعليّة أو واقعيّة، فلا يدلّ على أنّ الزهراء قد بَكت فعلاً أو لطمت؛ وإنّما قال:(لو خِلتِ الحسين)
، و(لو)
حرفٌ من حروف الشرط فتكون قضيّة شرطيّة، فيمكن أن تصدق مع كِذب طرفيها كما سبق في المثال.
المستوى الثاني:
إنّه قد يخطر في البال أنّنا قلنا في المستوى الأوّل الذي انتهينا منهُ، أنّ القضيّة الشرطيّة تصدق بصدق الملازمة وإن كانت موجودة في مثل قولنا: إذا طَلعت الشمس فالنهار موجود، إلاّ أنّها غير موجودة في قول دعبل:(أفاطمُ لو خِلتِ الحسين مُجدّلاً)
، ولا أقلّ من الشكّ في ذلك؛ لأنّنا لا نعلم أنّ الزهراءعليهاالسلام
ماذا سيكون ردّ فعلها إذا عَلمت بمقتل ولدها، وخاصّة بعد أن أشرنا فيما سبقَ من أنّ قضيّة الإمام الحسينعليهالسلام
فيها جانبان:الاستبشار، والحُزن
. ولا شكّ أنّ الحُزن أقرب إلى المضمون الدنيوي، وإن كانت لهُ نتائج دينيّة كما سبق، كما لا شكّ أنّ الاستبشار أقرب إلى المضمون الأخروي أو الواقعي.
ومن المعلوم أنّ الزهراء (سلام الله عليها) تكون في الآخرة مُطّلعة على الواقعيّات،
ومع الاطّلاع على الواقعيّات، فمن الممكن أن يكون ردّ فعلها هو الاستبشار لا الحزن، فكيف يقول دعبل الخزاعي هذين البيتين؟ نُعيدهما لكي يطّلع القارئ الكريم مجدّداً:
أفاطمُ لو خِلتِ الحسين مُجدّلاً
|
|
وقد ماتَ عطشاناً بشطّ فُراتِ
|
إذن للَطمتِ الخدّ فاطم عندهُ
|
|
وأجرَيتِ دمعَ العين في الوَجناتِ
|
فإذا التفتنا والحال هذه إلى أنّ الإمام الرضاعليهالسلام
قد أقرّ عمل دعبل وباركهُ، إذاً فمن الممكن القول: إنّ أمثال ذلك من جِنس الكذب، وهو عَرض ما هو مُحتمل باعتبار أنّه يقين فيكون جائزاً بإقرار الإمامعليهالسلام
.
وجوابُ ذلك من عدّة وجوه نَذكر المهمّ منها:
وهو أنّ دِعبل الخزاعي - حيث قال هذين البيتين وأضرَابهما - إنّما يُعبّر عن مستواه في الإيمان واليقين، ومقتضى مستواه: هو أن يُفهِم الزهراء (سلام الله عليها) بهذا المقدار لا أكثر، ومن الصعب عليه أن يلتفت إلى ما ذكرناه من احتمال الاستبشار برحمة الله عزّ وجل، والإمامُ الرضاعليهالسلام
لم يجد مصلحة في تنبيهه على ذلك، إذ لعلّها من الحقائق التي يصعب عليه تحمّلها، فمن الأفضل استمرار غفلتهُ عنها، طبقاً لقانون:(دَعوا الناس على غَفلاتهم)
، أو قانون:(كلِّموا الناس على قَدر عقولهم)
.
ومن هنا يتّضح:
أنّه ليس كلّ إقرار من قِبل الأئمّة سلام الله عليهم حُجّة في إثبات الصحّة، بل يُشترط في الإقرار إمكان المناقشة فيه والنهي عنه، فإذا لم يَنهِ وهو يُمكنه النهي، إذاً يدلّ ذلك على الإقرار، وأمّا إذا لم يُمكنه النهي على الإطلاق، إذاً فسوف لن يكون سكوتهُ دالاً على الإقرار.
____________________
وموردنا من هذا القبيل؛ لأنّ دعبل لم يكن يتحمّل إيضاح الفكرة له، وخاصّةً أنّ الإمامعليهالسلام
لا يجد في ذلك مَفسدة دينيّة؛ لأنّ الأعمّ الأغلب من الناس إنّما هُم بمنزلة دعبل أو دون مستواه، فلا يكون من المنافي مع مستواهم أن يسمعوا أبياته.
إذاً، فليس في هذه الرواية - لو تمّت سَنداً - أيّ إقرار على قول ما خالفَ الواقع من الحوادث أو الأقوال أو الأفعال، لا في الشِعر ولا في النَثر.
وهنا ينبغي أن نلتفت إلى أنّ الحُزن الحقيقي، إنّما هو على أهل الدنيا وأهل الشر وأهل العِناد، على اعتبار أنّهم اختاروا لأنفسهم الغفلة والشرّ والعناد، وقد رويَ أنّ الإمام الحسينعليهالسلام
بكى على أعدائه في كربلاء
، باعتبار أنّهم اجتمعوا ضدّ إمامهم ومولاهم الحقيقي وعَرّضوا أنفسهم لهذه الجرائم النكراء.
وأمّا تصوّرهعليهالسلام
عن شهادته والبلاء الذي مرّ عليه: فهو الاستبشار والفرح بحُرمة الله ونعمته جلّ جلاله، كما أنّ الحُزن يكون على أولئك المشمولين لقولهعليهالسلام
:(مَن سمعَ واعيتنا ولم ينصُرنا أكبّه الله على مَنخريه في النار)
، وهذا هو بكاء الأبوّة الواقعيّة حين يحسّ الأب بتمرّد أولاده عليه، والواقع أنّ تمرّدهم ليس ضدّه بل ضدّ ربّهم من ناحية، وضدّ أنفسهم من ناحية أخرى، فتكون المصيبة عليهم منهم أكبر؛ لأنّه لن يُعاقَب إلاّ فاعل الجريمة.
وقد يخطر في البال:
إنّ هذا البلاء في كربلاء أصبحَ - بحسب ما شرحناه - سبباً للاستبشار وللبكاء في نفس الوقت في نفس الحسينعليهالسلام
، وهذا تناقض غير معقول، فلابدّ أن يكون للمسألة تفسير آخر.
وجوابُ ذلك:
إنّ هذا البلاء بنفسه له جانبان أو نظرتان أو لحاظان:
____________________
الجانب الأوّل:
جانب نسبته إلى فاعليه وهم الجيش المعادي، وهو بهذا الاعتبار موجِب للحزن والبكاء من الناحية الدينيّة، للأسف الشديد على وجود هذا العصيان والطغيان من قِبل أفراد الجيش المعادي.
الجانب الثاني:
جانب نسبته إلى المظلومين بهذا البلاء وهم الحسينعليهالسلام
وأصحابه، وهو الجانب المسبِّب لفيض رحمة الله ونعمته، وهو الموجِب للاستبشار.
ومن اعتبارٍ آخر يمكن أن نقول: إنّ لهذا البلاء - كأيّ بلاءٍ آخر - نسبتان: نسبة إلى الخالق ونسبة إلى المخلوق، باعتبار أنّ أفعالنا الاختياريّة كلّها لها هاتين النسبتين، فالفاعل المباشر المختار لها هو الواحد البشري، والفاعل الخالق لها بصفتها أحد أفراد الكون المخلوق هو الله سبحانه، إذاً فالنسبتان ثابتتان لكلّ الأفعال الاختياريّة بما فيها المظالم والبلاء الذي يُنزله الظالمون بالمظلومين، ومنه البلاء الواقع على جيش الحقّ في كربلاء، فمن زاوية نسبته إلى فاعليه البشريّين وهم الجيش المعادي تترتّب عدّة نتائج، منها:
أوّلاً:
كونهم يتحمّلون مسؤوليّته الأخلاقيّة والقانونيّة في الدنيا والآخرة، وهم بهذا الاعتبار يكون لهم عقاب الدنيا والآخرة.
ثانياً:
جانب الحزن والبكاء عليهم أسفاً على توريط أنفسهم على ذلك، وتزايد عصيانهم لله سبحانه، ومن زاوية نسبة هذا البلاء إلى الله عزّ وجل تترتّب عدّة نتائج منها:
أوّلاً:
وجوب التسليم والرضا بقضاء الله وقدره بإيجاده للبلاء، ومن هنا ورد عنه (سلام الله عليه):(رضا الله رضانا أهل البيت)
، وقد سبقَ تفسيره.
____________________
ثانياً:
إنّ هذا البلاء مهما كان كثيراً، فهو أقلّ من استحقاق الله سبحانه للطاعة، وأقلّ من استحقاق النفس للقهر، ومن هنا وردَ عنه (سلام الله عليه):(هوّنَ ما نزلَ بي أنّه بعينِ الله)
.
ثالثاً:
الاستبشار بوجود نعمة الله وثوابه، الذي يُعتبر هذا البلاء على عظمته مقدّمة أو سبباً بسيطاً بالنسبة إليه.
____________________
تألّبُ الناس ضدّه
إنّ ممّا يُبالغ في التأكيد عليه الخطباء الحسينيّون، لأجل الزيادة في المصيبة وحشد العواطف هو: التأكيد على تألّب الناس ضدّ الحسينعليهالسلام
، حتّى أنّ أفراد القبائل - وهي مئات الألوف - قد خَرجت كلّها لحرب الحسينعليهالسلام
، ولبعض الخطباء سياق كلامي خاصّ يُعدِّد فيه رايات القبائل التي أقبلَت للحرب، فيعدِّد أسماء خمسة عشر قبيلة أو أكثر من الساكنين في الكوفة وجنوب العراق:كتميم، وفزارة، وبجيلة، ومذحج، وربيعة، وطي، وأسد، وبني فلان، وبني فلان
..... كما ورَدَنا في التاريخ أنّ سوق الحدّادين في الكوفة بقيَ مشتغلاً ليلاً ونهاراً أيّاماً متطاولة قد تبلغ شهراً أو أكثر، لإصلاح السيوف والرماح والسهام والنبال، مُقدّمة للخروج لحرب الحسينعليهالسلام
.
كما ورَدنا: أنّ الناس الخارجين في هذا السبيل، كانوا من الكثرة بحيث لم يستطيعوا أن يجدوا وسائط النقل من الجمال والأفراس والحمير حتّى رَكبوا البقر والثيران
، ثمّ يستشهد الخطباء بقول الشاعر:
بجحافلٍ في الطف أوّلها
|
|
وأخيرها بالشام متّصل
|
وهذا المفهوم الشعري يناسب أن تكون آلاف الكيلومترات بين كربلاء والشام (وهي منطقة دمشق الآن)
، وهي ليست في الحدود الشرقيّة لسوريا بل على الحدود الغربية لها، وهي الحدود مع لبنان.
والمسافة بينهما تُقدّر بحوالي ألفي كيلومتر، فإذا كانت كلّها مملوءة بالجيش المعادي كخطّ طويل مُحتشد في هذا البر المتطاوِل، فكم سوف يكون عدد أفراده؟
____________________
إنّ الكيلومتر الواحد الممتدّ لن يكفي في امتلائه بالناس ألف إنسان بطبيعة الحال، بل لن يكفي ضِعف هذا العدد، ولكنّنا لو اقتصرنا على ألف لكان المجموع مليونين من الناس على أقلّ تقدير، وقد يصل الرقم إلى أربعة ملايين، مع أنّ أعلى رقم مُحتمل للجيش المعادي للحسينعليهالسلام
هو مئة وعشرون ألفاً
.
____________________
صحيحٌ أنّ هذا الرقم بالنسبة إلى جيوش الدول في العالَم المعاصر بسيط جدّاً، وقد استطاعت الدول أن تبلغ الملايين في تعداد أفراد جيوشها، لكنّ هذا لا ينطبق على إمكانيّات الدول السابقة، ولا على أسلحتها، ولا على وسائط نقلها، وخاصّةً بعد أن كان النظام القديم هو الخروج الاختياري للفرد أوّلاً، وتَحمّل مسؤوليّته الاقتصاديّة والعناية بأموره وأسلحته بنفسه ثانياً، ولا دخلَ للقيادة في ذلك حتّى التدريب على الأسلحة لم يكن، فكيف يمكن أن تحصل الأعداد الضخمة من الجيوش؟
فإذا أخذنا بنظر الاعتبار طريقة القتال القديمة، وقد كانت كلّها بالسلاح الأبيض - كما هو المصطلح اليوم - هذه طريقة تُعتبر لحدّ الآن مؤلمة ألماً شديداً، وليس في النفوس الهمّة الكافية لتحمّلها، ولا شكّ أنّ الناس يُفضلّون الراحة على التورّط في الحروب مهما كانت، فضلاً عن قتال شخصٍ مُحقّ جليل القدر كالإمام الحسينعليهالسلام
، على أنّه توجد فيما يخصّ الحسينعليهالسلام
عدّة نقاط تصلح كقرائن واضحة على عدم تألّب الناس عليه إلى الحدّ الذي يتصوّره الآخرون:
النقطة الأولى:
كون الحسينعليهالسلام
معروف بالنسبة إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، وفاطمة الزهراءعليهاالسلام
، وأمير المؤمنينعليهالسلام
، كما هو معروف بالعلم والصلاح، سواء من قِبل مَن يؤمن بإمامته أو مَن لا يؤمن.
النقطة الثانية:
إنّه اجتمعَ إليه في جيشه أُناس معروفون بالصلاح والأهميّة:كحبيب بن مظاهر الأسدي، ومسلم بن عوسجة
، وبُرير بن خضير،
وغيرهم كثير، فمَن كان غافلاً عن أهميّة الحسينعليهالسلام
- باعتباره عاشَ أغلب حياته في الحجاز بعيداً عن الكوفة - فلا أقلّ من أن يتعرّف على أمثال هؤلاء من أصحابه رضوان الله عليهم.
النقطة الثالثة:
الخُطَب والمواعظ التي صدرت من الحسينعليهالسلام
وأصحابه وأهل بيته إلى الجيش المعادي قبل التحام الحرب؛ فإنّها وإن لم تؤثّر في توبة هذا الجيش أو تفرّقهم أو التحاقهم بمعسكر الحسينعليهالسلام
، ولكنّها لا شكّ أثّرت على أقلّ تقدير في تحريك بعض عواطفهم إليه: كالشَفَقة دنيويّاً، والتعرّف على مستواه دينيّاً، وهذا أمر يقتضي فتور الهمّة في ممارسة حربه وضربه محالة.
____________________
النقطة الرابعة:
قولهم للحسينعليهالسلام
:(قلوبُنا معك وسيوفنا عليك)
، وهذا معناه: أنّ السيوف وإن كانت عليه ظاهراً، إلاّ أنّ القلوب معهُ واقعاً فمن غير المحتمل أن توجد لهم همّة حقيقيّة لحربه.
النقطة الخامسة:
ما وردَ في التاريخ عنه شخصيّاً: أنّ أفراد الجيش المعادي كانوا يتحامون عن قتله
، و لا يريد كلّ منهم أن يكون هو البادئ بالضرب ضدّه، ومن دلائل ذلك: أنّه وردَ عن أصحابه أنّهم التحموا في مبارزات مفردة مع الأعداء، مع أنّه لم يرِد ضدّ الحسينعليهالسلام
ذلك أصلاً، بل كان يكتفي بالهجوم على الجيش ككلّ، وهم يفرّون من بين يديه فرار المِعزى إذا شدّ فيها الذئب، كما وردَ مثاله في التاريخ
.
النقطة السادسة:
ما وردَ من بعض أفراد الجيش المعادي، بل ربّما عددٍ منهم، كانوا يُشفقون على الحسين وأصحابه، حتّى أنّ عمر بن سعد - وهو قائد الجيش كلّه - شوهِدَ والدموع تنزل من عينيه أكثر من مرّة
.
وممّا يَدعم ذلك:
ما وردَ من أنّ الحسينعليهالسلام
حين أخذَ ولدهُ الرضيع ليطلب لهُ الماء، اختلفَ العسكر في شأنه فقال بعضهم:إن كان ذنبٌ للكبار فما ذنبُ الصغار
، وقال البعض:لا تُبقوا لأهل هذا البيت باقية
.
إذاً، فليسوا كلّهم على رأيٍ واحد، وكان يوجد فيهم مَن هو مستعدّ للمناقشة، وإن لم يكن يظنّ أنّ الأمر سوف يؤول بالحسين وأصحابه إلى هذه الدرجة من البلاء.
____________________
النقطة السابعة:
إنّ أهل الكوفة وضواحيها يومئذٍ، ممّا لا دليل تاريخيّاً على كثرتهم بهذا المقدار الوفير، ولعلّ مجموع أفرادهم من رجال ونساء وأطفال لم يكن يتجاوز المئة ألف أو المئة والعشرين، فكيف يخرج من المئة وعشرين مئة وعشرون؟ وهل يخرجون كلّهم من نساء وأطفال وشيوخ وعَجَزة، مع العلم أنّهم يقولون: إنّهم مئة وعشرون ألف مُحارب، وليسوا من هذا القبيل، وهل يمكن أن نقول: إنّ الكوفة خَلَت تماماً من الرجال في ذلك الحين، ولم يبقَ مَن يحرس البيوت ويقوم بشؤونها؟
فإذا ضَممنا إلى هذا الاستبعاد أمراً آخر: وهو أنّ كثيراً من أهل الكوفة، كان يمكنهم عدم تسليم أنفسهم للحرب ضدّ الحسينعليهالسلام
: إمّا بالجلوس في داره عدّة أيّام، أو بالسفر خارج الكوفة عدّة أيّام، أو بالتعلّل بالمرض، أو بحاجة العائلة إليه، أو بوجود مريض لديه، أو غير ذلك كثير، وعَلمنا مع ذلك: أنّهم كانوا يتحامون عن حربه وضربه، إذاً فكم من النسبة بقيت ممّن يمكن أن يخرج من أهل الكوفة فعلاً لحرب الحسينعليهالسلام
؟
النقطة الثامنة:
إنّ من جملة ما أوجبَ تجمّع الجيش: هو أنّ أمير الكوفة يومئذٍ عبيد الله بن زياد، وعدَ بمضاعفة العطاء للأفراد الخارجين في هذا الجيش، أو أنّه وعدَ بزيادة كلّ فردٍ منهم عشرة دنانير
ذهبيّة في ذلك الحين، على اختلاف النقل التاريخي.
ونحن إذا أخذنا بأضعف الاحتمالات وأقلّها: وهو أن يكون الجيش ثلاثين ألف وأنّ العطاء عشرة لكلّ فردٍ، فستكون الدنانير الموزّعة ثلاثمائة ألف دينار ذهبي، فهل كان عبيد الله بن زياد يملك هذا المقدار من الدنانير؟
____________________
مضافاً إلى ما يحتاجهُ هو وتحتاجه قيادة الجيش المعادي الذاهب إلى كربلاء منها، مع العلم أنّ النقد بالأساس في تلك العهود كان قليلاً والمسكوك منه يكاد يكون نادراً، فمن أين حصلت هذه الألوف من الدنانير الذهبيّة؟
وهنا يخطر في البال:
أنّ الناس اكتفوا بمجرّد الوعد وإن لم يقبضوا المال، وكان هذا كافياً لحثّهم على الخروج إلى الحرب.
وجوابُ ذلك من وجوه أهمّها:
إنّ الفرد المحارب يحتاج إلى المال لخروجه، ويحتاج إلى المال لعائلته الباقية في المدينة، ويحتاج المال لسلاحه، وحاله الاقتصادي الخاص به لا يساعد في الأعمّ الأغلب من التخلّي عن ذلك.
إذاً، فاكتفاؤهم بالوعد أمر مستبعد، فإذا ضَممنا إلى ذلك عِلمهم بقلّة النقد أساساً، وصعوبة توزيعه من قِبل عُبيد الله بن زياد - كما أشرنا - لم يبقَ لهم أيّ دافعٍ حقيقي للتصديق بهذا الوعد الزائف.
النقطة التاسعة:
ولعلّها الأهمّ وإن جعلناها في المؤخّرة من هذه النقاط: هي أنّ الكوفة بلد أمير المؤمنينعليهالسلام
، والد الحسينعليهالسلام
قبل سنوات قليلة من ذلك الحين، وأغلبهم جدّاً قد شاهدَ ذلك الإمام وسمعَ خُطبه ومواعظه سلام الله عليه، وشاهدَ وَلده الإمام الحسنعليهالسلام
وسمعَ منه، بل وشاهدَ الإمام الحسينعليهالسلام
نفسه في مُقتبل عمره، ولم يعرفوا منهم إلاّ الخير والصلاح، بل ما هو أفضل كما هو معلوم، فمن أين يأتي هذا الحقد المتزايد والتألّب المكثّف على الإمام الحسينعليهالسلام
فجأة وبدون سابق إنذار كما يعبّرون، لمجرّد أنّ عُبيد الله بن زياد أمرَ بالزيادة الماليّة القليلة؟
صحيح أنّ الكوفة أو أنّ سكّانها لم يكونوا مُجمعين على الولاء لأمير المؤمنينعليهالسلام
، بل كان فيها اتّجاهات مختلفة حتّى من الدهريّة والخوارج وغيرهم، إلاّ أنّ الذي يُفيدنا في المقام أمور:
أوّلاً:
إنّ الأغلب من سكّانها كان وما زال موالياً لأمير المؤمنينعليهالسلام
.
ثانياً:
إنّ الاتّجاهات الأخرى في الكوفة تُمثّل جاليّات قليلة جدّاً.
ثالثاً:
إنّ هناك عدد من نفوس الأفراد تُشكّك - على الأقل - في جواز حرب الحسين أمام الله سبحانه، وإن لم تجزم بحرمته وهذا يكفي.
وصحيحٌ أنّ الكوفة غَدرت بأبيه وأخيه، كما قالوا للحسينعليهالسلام
حين أرادوا إرجاع نظره عن السفر إليها، إلاّ أنّ هذا هو الظاهر الذي فعلهُ الأشرار وهم القلّة منهم، وهذا لا ينافي وجود مَن يواليه فعلاً أو يتورّع أمام الله سبحانه وتعالى عن حربه.
وصحيحٌ أنّ الحسينعليهالسلام
لو وصلَ إلى الكوفة فعلاً - وهي تحت حُكم عبيد الله بن زياد - لم يستطع أن يجد أحداً يبايعه، إلاّ أنّ هذا لا يُنتج معنى الإخلاص لابن زياد من قِبل الجميع، بل ينتج أنّ الناس كانوا يومئذٍ في خوف ورعب من إظهار الولاء للحسينعليهالسلام
، وهذا لا يعني بكلّ وضوح استعداهم لحمل السيف ضدّه، أو قل: لحمله بهذه السعة وبهذه المرارة والقسوة.
النقطة العاشرة:
جهود رسول الحسينعليهالسلام
إلى الكوفة، مسلم بن عقيل رضوان الله عليه، فإنّه أخذَ البيعة على نطاق واسع وألّب العواطف باتّجاه الحسينعليهالسلام
، وأبلى في ذلك بلاءً حسناً وسمعَ الناس مواعظه وخطبه، وقرأوا الكتاب الذي كان معه من الحسينعليهالسلام
، حتّى أثمرَت جهوده بإرسال الكتب إليهعليهالسلام
للوفود إليهم والورود عليهم، وقالوا في كتابهم الأخير:(فأقبِل يا بن رسول الله، إنّما تَقبِل على جُندٍ لك مجنّدة والسلام)
.
____________________
وبحسب ما هو المعروف من نظام النفوس أو القلوب - لو صحّ التعبير - أنّها لا يمكن أن تنقلب من هذه الصداقة الحميمة إلى العداوة القاسية بين عشيّة وضُحاها، بدون أن ترى الحسينعليهالسلام
، أو أن تسمع منه شرّاً أو ترى منه ضرراً وحاشاه.
وقد يخطر في الذهن:
إذاً فكيف قُتل الحسينعليهالسلام
؟ إذ لو تمّ ما قلناه، إذاً لم يخرج إلى قتاله أحد إلاّ شرذِمة قليلة قابلة للسيطرة عليهم أو صدّهم بكلّ سهولة، ولم يحتج الأمر إلى تلك المظالم والآثام.
وجواب ذلك:
أنّ الجيش المعادي للحسينعليهالسلام
، في حدود ما نحتاج إليه من فكرة الآن، يمكن تقسيمه إلى قسمين:
القسمُ الأوّل:
وهو الأغلب أو الأغلب جدّاً، وهم الواردون مع الأعداء خوفاً أو طمَعاً أو إحراجاً، أو نحو ذلك من المصاعب الدنيويّة، مع كونهم يتورّعون بقليلٍ أو بكثير عن ضرب معسكر الحسينعليهالسلام
، إلاّ تحت ضغطٍ مماثل من قِبل قادتهم، وربّما كان بعضهم إذا تلقّى الأمر بالهجوم مع جماعة يجول بفرسه هنا وهناك، باعتبار أنّه متصدي للهجوم ولكنّه لا يَضرب، أو يَضرب بالأقلّ المجزي، أو لا يَضرب إلاّ تحت الإحراج الشديد
.
ولا ينبغي أن يخطر في البال:
أنّ هؤلاء وأمثالهم ناجون من العقوبة الأخرويّة، وأنّهم أخيار أو إبرار، كلاّ ثمّ كلاّ، يكفي أنّهم يقفون موقفاً مُعادياً للحسينعليهالسلام
ويشاركون في ترويع أصحابه وأهل بيته، وينصرون أعداءه ويكونون مشمولين لقولهعليهالسلام
:(مَن سمعَ واعيتنا ولم ينصُرنا، أكبّهُ الله على منخرَيه في النار)
، وهم وإن لم يحاربوا الحسينعليهالسلام
حقيقة، إلاّ أنّهم لم ينصروه بكلّ تأكيد.
____________________
والمهمّ الآن:
أنّ هذا القسم من الناس هو الذي كان يُشكّل الجمهور الغفير من الجيش المعادي، وأنّ هذا المستوى من التفكير لديهم هو الذي أدّى إلى احتشاد الجمهور ضدّ الحسينعليهالسلام
.
القسم الثاني:
وهم المعاندون ضدّ الحسينعليهالسلام
والحاقدون عليه، وهم قلّة موجودة في الكوفة فعلاً، ولا شكّ أنّهم استغلّوا الموقف للخروج، كما لا شكّ أنّ ابن زياد استغلّهم للقتال، كما أنّهم بلا شكّ يُشكّلون جماعة مهمّة وقابلة للتأثير الكبير في المجتمع الكوفي وما حوله، سواء حال جَمع الجيش أو حال القتال، ممّا يشكّل في كربلاء عدداً معتدّاً به من المحاربين، وهو الذي أوجبَ الانتصار العسكري بالمعنى المباشر للجيش المعادي للإمام الحسينعليهالسلام
.
توصياتٌ عامّة للخُطباء
يحسُن بنا قبل الدخول في التفاصيل الآتية أن نلمّ إلمامة، بما ينبغي أن يكون عليه حال الخطباء الحسينيّين، لكي يتطوّروا إلى الأفضل في الدنيا والآخرة، وبذلك يُحرزون خير الدارين وكلّ ما تقرّ به العين.
والنصائح العامّة تنقسم إلى قسمين: منها ما يرتبط بالمسؤوليّة الدينيّة العامّة، ومنها ما يرتبط بواقعة الحسينعليهالسلام
، ونحن فيما يلي ذاكرون بعون الله الأهمّ ممّا يخطر على البال من كلا القسمين:
أوّلاً:
البدء بالخطبة بـ(بسم الله الرحمن الرحيم)،
لا بشيء آخر حتّى لو كان ذاكراً للحسينعليهالسلام
، فإنّ كل ّكلام لا يبدأ ببسم الله فهو أبتر، وبالبسملة يمكن للخطيب أن يُعاذ في خطبته من الشيطان وأن يُؤيَّد برحمة الرحمان.
ثانياً:
الموعظة والإرشاد؛ فإنّه من الضروريات والواجبات في هذا المجتمع وفي كلّ مجتمع، وفي هذا الزمان وفي كلّ زمان، لكي تصل الموعظة إلى أهلها ويستفيد منها أكبر عدد ممكن، سواء كانت الموعظة مرتبطة بقضايا الحسينعليهالسلام
أم لا؟ فإنّ في تلك القضايا من العِبر والمواعظ ما لا حدّ لهُ، فضلاً عن غيرها.
ثالثاً:
عدم إيذاء أحد من الناس أو من الطوائف في كلام الخطباء، وهو معنى (التقيّة) فإنّها واجبة على كلّ حال، ما لم يكن الأمر خارجاً عن موردها، يعني أن يَحرز الفرد أنّ كلامه سالم النتيجة.
رابعاً:
التورّع عن نسبة الأقوال والأفعال إلى المعصومينعليهمالسلام
وغيرهم كذباً؛ فإنّ الكذب على المعصومين من أعظم الكبائر، والكذب على غيرهم كبيرة، سواء على الأشخاص التاريخيّين، أو على مؤلّفي المصادر، أو على أيّ مؤمنٍ ومؤمنة، وأوضح أسلوب يتّخذه في هذا الصدد أن يقول: (قيل)، أو (روي)، أو (يقال)، ونحو ذلك حتّى لا ينبغي له ذكر أحد من أسماء المؤلّفين، ما لم يَحرز باليقين وجوده في كتابه وصحّة انتساب الكتاب إليه باليقين أو بدليلٍ معتبر.
خامساً:
أن يتوّرع من نسبة الأقوال والأفعال إلى المعصومينعليهمالسلام
وغيرهم، باعتبار لسان الحال، شعراً كان ما يقوله الخطيب أم نثراً، فصيحاً كان الكلام أم دارجاً، ما لم يَعلم أو يطمئنّ بأنّ لسان حالهم هو كذلك فعلاً، وقد ناقشنا ذلك مفصّلاً فيما سبق، فراجع.
سادساً:
أن يتوّرع الخطيب عن ذِكر الأمور النظريّة والتاريخيّة أو غيرها، ممّا قد يُثير شُبهات حول الأمور الاعتقاديّة في أذهان السامعين، ويكون هو قاصراً أو عاجزاً عن ردّها ومناقشتها أو غافلاً عن ذلك، بل يجب عليه أن يختار ما سيقوله بدقّة وإحكام، وإلاّ فسوف يكون هو المسؤول عن عمله، فيقع في الحرام من حيث يعلم أو لا يعلم.
وينبغي أن يلتفت إلى أنّ هذا ممّا لا يُفرّق فيه بين أن يكون مرتبطاً بحوادث الحسينعليهالسلام
أو غير مرتبط، أو كان مُسلّم الصحّة في اعتقادهم أو غير مُسلّم.
سابعاً:
أن يحاول الخطيب سترَ ما سترهُ الله سبحانه وتعالى من الأمور، فلا يُصرّح بأمورٍ قد حَدثت خلال الحرب أو القتل، قد توجِب ذلّة أو مهانة المقتول، أو ما يسمّى في عرفنا (بالبهذلة)، فيسكت عن كلّ شي يوجِب بهذلة المؤمنين الموجودين يومئذٍ، بل كلّ المؤمنين في كلّ جيل، وخاصّة الحسينعليهالسلام
ونسائه وأصحابه وأهل بيته.
وهنا ينبغي أن نلتفت إلى أمرين:
الأمرُ الأوّل:
إنّ هذا الذي قلناه الآن غير ما سبق أن نفيناه من وجود الذلّة للحسينعليهالسلام
وأنصاره؛ فإنّهم لم يمرّوا في الذلّة بكلّ تأكيد، ولكنّ المقتولين مرّوا بالذلّة بكلّ تأكيد، وهذا ما تعمّده الأعداء وما يكون طبيعيّاً وجوده عند الحرب، إلاّ أنّ ستره واجب، والتصريح به حرام.
الأمرُ الثاني:
إنّ هذا الذي قلناه غير ما سبقَ من حرمة نسبة الأقوال والأفعال إلى المعصومين وغيرهم كذباً، بمعنى أنّ الخطيب حتّى لو كان عالِماً بالحال، أو متأكّداً منه، أو قامت عنده الحجّة الشرعيّة لديه، فإنّه أيضاً لا يجوز عليه أن يفتح فَمه بالأمور التي توجب مهانتهم رضوان الله عليهم.
ثامناً:
أن لا يروي الخطيب أموراً مستحيلة بحسب القانون الطبيعي حتّى وإن ثَبتت بطريقٍ معتبر؛ لأنّها على أيّ حالٍ ستكون صعبة التحمّل على السامعين، ولعلّ أوضح أمثلة ذلك: ما يذكرهُ بعض الخطباء عن عليّ بن الحسين الأكبر (سلام الله عليه)، أنّه حين ضُرب على رأسه بالعمود تناثرَ مُخّه، وفي بعض المصادر أنّه سالَ مُخّه على كتفيه، ثمّ يقول الخطباء: إنّه في آخر رَمق من حياته دعا أباه الحسينعليهالسلام
، فبادرَ بالذهاب إليه فأخبرهُ قائلاً:
(هذا جدّي رسول الله صلىاللهعليهوآله قد سقاني شُربة لا أظمأُ بعدها أبداً)
.
مع العلم اليقين أنّ مَن تناثرَ مُخّه، فهو ميّت لا محالة، ولا يستطيع الكلام ولا بكلمة واحدة، فضلاً عن انتظار مدّة إلى أن يصل إليه أبوه؛ فإنّ تَلف المخ طبيّاً يعني الوفاة،
____________________
وعدم إمكان استمرار الحياة بكلّ تأكيد، فيكون ما يقوله الخطباء من كلامٍ بعد ذلك مُمتنعاً بحسب القانون الطبيعي، إلاّ أنّ يقول: إنّ مُخّه لم يتناثر ولم يسل على كتفيه، عندئذٍ تكون له فرصة الكلام.
وقد يخطر في البال أمران:
الأمرُ الأوّل:
إنّ هذا وأمثاله يمكن أن يحصل بنحو المعجزة؛ فإنّه وإن كان خارقاً للناموس الطبيعي، إلاّ أنّ كلّ معجزة خارقة له بطبيعة الحال، فليكن هذا منها.
وجواب ذلك:
إنّنا بحسب ما نفهم، فإنّ واقعة كربلاء بكلّ تفاصيلها ليست قائمة على شيء من المعجزات، وإلاّ لم يكن الإمام الحسينعليهالسلام
في حاجة إلى الحرب، وإلى تحمّل هذا البلاء الدنيوي العظيم، بل كان يمكن بدعاء واحدٍ لله عزّ وجل أن يقتل كلّ أعدائه، وأن يعود إلى المدينة بأسلوب طيّ الأرض، أو أن يُسخّر الجنّ، أو الملائكة في القتال، أو أن يَصرف قلوب أو أذهان أعدائه عن مقاتلته أو قتله إلى غير ذلك من احتمالات السلامة، ولعلّنا نبحث هذا الأمر بمزيدٍ من التفاصيل حين تسنح الفرصة إليه قريباً.
الأمرُ الثاني:
إنّه من المروي، بل المؤكّد حصول بعض المعجزات في ساحة كربلاء يومئذٍ، حين يوجد شخص أو أكثر، وربّما مُتعدّدون دعا عليهم الحسينعليهالسلام
، فحصلَ فيه حادث مروّع:كالموت حَرقاً، أو غرقاً
، أو غير ذلك، وإذا أمكنت المعجزة هناك مرّة أمكنت مرّات.
____________________
وجواب ذلك على مستويين:
المستوى الأوّل:
إنّ المروي من أمثال هذه الحوادث قد حَدثت بأسباب طبيعيّة، مهما كانت ضعيفة، فهي وإن كانت استجابةً لدعاء الحسينعليهالسلام
ومن أقسام المعجزة، إلاّ أنّ الله سبحانه لم يشأ أن تَحدث فجأة وبدون سبب، وإذا عُرف السَبب زالَ العَجَب.
المستوى الثاني:
إنّنا لو تنازلنا عن المستوى الأوّل وفرضناها معجزات ناجزة، فيمكننا أن نلتفت إلى أنّ المعجزات على قسمين في حدود ما نستهدفه الآن:
القسم الأوّل:
معجزات قد تحصل لإقامة الحجّة على المعسكر المعادي، لجلب الانتباه إلى أنّ الحقّ إلى جانب الحسينعليهالسلام
وأصحابه، وتركيز ذلك في أذهانهم، فإنّني أعتقدُ أنّهم لم يكونوا يحتاجون إلى ذلك في موقفهم أمام الله سبحانه، لوضوح ذلك للمعادين وغيرهم، ولكن قد تقتضي الحكمة الإلهيّة الزيادة في ذلك التركيز واثبات ذلك حسيّاً أمامهم؛ لإمكان أن يرجع بعضهم إلى التوبة، وإن لم يرجع لها فسوف يشعر بضخامة عمله ووخامة عاقبته، وهذا ما يندرج في إجابة دعاء الحسينعليهالسلام
في بعض الأفراد، كما سبق.
القسم الثاني:
معجزات لا ربطَ لها بإقامة الحجّة على المعسكر المعادي، بل لعلّ الحكمة تقتضي عدم تحقّقها؛ ليكون البلاء الدنيوي الواقع على معسكر الحسينعليهالسلام
أشدّ، لتكون المقامات لهم أعلى، والثواب أجزل، ورضاء الله سبحانه وتعالى أفضل.
تاسعاً:
من الأمور التي ننصح بها الخطيب الحسيني أيّاً كان:
أن يحاول برمجة مصادره جهد الإمكان في قالب موحّد ومنسجم، وليس متنافراً ومتناقضاً من ناحية، ولا متباعداً ومتناثراً من ناحية، بل يذكر أموراً متقاربة تاريخيّاً منسجمة نظريّاً، ويبذل أقصى إمكانه فيه.
عاشراً:
أن يَدع ما أمكن التفلسف في الحوادث، أعني التعرّض إلى الحُكم والأسباب التي اقتضتها، ما لم يَحرز في نفسه الإصابة لذلك، وإلاّ فليدع ذلك إلى أهله، وهو خيرٌ له في الدنيا والآخرة من أن يكلّف نفسه ما لا يُطيق، أو أن يُكلّف السامعين ما لا يطيقون، فقد تثبُت الشُبهة في أذهانهم ويكون الخطيب عاجزاً عن ردّها، أو عن إقناع السامعين بالرد، فيتورّط بالحرام من حيث لا يعلم، وليس ذلك فقط، أعني فيما يخصّ كربلاء، أو حركة الحسينعليهالسلام
، بل كلّ أمور الشريعة على هذا الغرار، فلا ينبغي لأيّ فردٍ التعدّي إلى التفلسف فيها ما لم يَحرز في نفسه الأهليّة والقدرة، وإلاّ فمن الأولى لهُ إيكال عِلمها إلى الله سبحانه:(
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا
)
.
ومن أمثلة ذلك:
ما سمعتهُ شخصيّاً من بعض الخطباء، حيث كان يُحلّل معنى ما ورد:(لا عَدوى في الإسلام)
، ولم يكن يُفلح في ذلك، وسمعتُ من بعضهم أيضاً: أنّه كان يُحلّل قول رسول اللهصلىاللهعليهوآله
لعليعليهالسلام
، على ما هو مروي في نهج البلاغة:(يا علي، إنّك ترى ما أرى وتسمعُ ما أسمع)
.
____________________
وكلاهما كان عاجزاً عن الوصول إلى حقيقة المعنى، فلو كانا قد تعرّضا إلى ما ينفع الناس من أمورهم الخاصّة والعامّة، لكانَ خيراً لهم وأحسن تأويلاً.
الحادي عشَر:
أن يدع الخطيب التشكيك فيما تسالم العامّة - أعني جمهور الناس - على صحّته، فضلاً عن إنكاره بصراحة؛ فإنّه ينبغي أن يستهدف هدايتهم وتوجيههم نحو الطاعة والعقيدة، ومن الواضح أنّهم إذا وجدوا مثل هذا التشكيك في كلامه سوف ينتقدونه وسيسقط من أنظارهم، فيسبّب ذلك عدم سماعهم لمواعظه وإرشاده، أو بُعده عنهم، أو مقاطعتهم له عمليّاً.
ومن هذا القبيل:
ما طرَقَ سَمعي من أنّ شخصاً معروفاً في هذا العصر، طبعَ كتاباً عن الحسينعليهالسلام
، حاولَ فيه بوضوح أن يبرهن على أنّه (سلام الله عليه) لم يكن يعلم بمقتله قبل حصوله، فسقطَ الكتاب والمؤلِّف عن أعين الناس، كما هو أهلٌ له فعلاً، لو صحّ النقل
.
الثاني عشر:
أن لا يَنسب الخطيب الحسيني وغيره إلى غير المعصومين من المؤمنين - فضلاً عن المعصومينعليهمالسلام
- الوقوع في الحرام، قلّ ذلك أم كثُر؛ فإنّ غير المعصومين وإن كان يمكن ذلك في حقّهم، إلاّ أنّه مع ذلك يجب السكوت عن مثله:
أوّلاً:
لأنّهم علماء عظماء من تربية الأئمّة المعصومينعليهمالسلام
.
ثانياً:
لأنّ نسبة المحرّم إليهم لم يَثبت بطريقٍ معتبر لو وجِد، فيكون ذكرهُ من الكذب الحرام.
ثالثاً:
لو تنزّلنا وفَرضنا ثبوته بدليلٍ معتبر، فالسترُ على فاعله أولى وأفضل.
رابعاً:
لو تنزّلنا عن كلّ ذلك، فلا أقلّ من عدم تحمّل الجمهور لمثل هذه الروايات،
____________________
ممّا يحصل رد فعلٍ غير مناسب لديهم، فإمّا أن يسقط الخطيب من أنظارهم، وإمّا أن يتجرّأوا على الحرام، بعنوان: أنّ أصحاب الأئمّةعليهمالسلام
، كانوا يعملون الحرام فلماذا لا نعمله، وتكون الخطيئة في النتيجة في ذمّة الخطيب الناقل للرواية.
ويحسن بنا الآن أن نذكر لهذا الأمر مثالين يخطران على البال؛ لأجل التدليل بهما أوّلاً، ولأجل التعرّض إلى فلسفتهما وأسبابهما ثانياً:
المثال الأوّل:
قولهُ عن نساء الحسينعليهالسلام
في وصف حالهنّ بعد مقتله، وذلك في زيارة الناحية:(فخرجنَ من الخدور ناشرات الشعور، على الخدود لاطمات، وللوجوه سافرات، وبالعويل داعيات، وبعد العزّ مُذلّلات، وإلى مصرعك مُبادرات)
.
حيث إنّ الظاهر الأوّلي لقوله: ناشرات الشعور، كونهنّ كذلك أمامَ الرجال الأجانب من المعسكر المعادي، وهو ممّا لا شكّ في حُرمته في الشريعة المقدّسة، فيكون ذكرهُ من نسبة المحرّم إلى نساء الحسينعليهالسلام
.
وجوابُ ذلك من وجوه:
الوجهُ الأوّل:
ضعف هذه الرواية سنداً، فهي لا تقوم كدليلٍ معتبر على أيّ شيء فيها، فينتفي الأمر من أصله.
الوجه الثاني:
لو تنزّلنا وفرضناها معتبرة، فالدليل إنّما يكون معتبراً في حدود ما يمكن تصديقه والأخذ به من المعاني والأفكار، وأمّا ما لا يمكن فيه ذلك فلا يكون الدليل معتبراً أو حجّة فيه، فإذا نَسَبت أيّة رواية إلى هؤلاء الأجلاّء أيّ محرّم - والعياذ بالله - كانت هي الساقطة عن الحجيّة، لا أنّ التصديق بمضمونها يكون ممكناً، وليست هذه الرواية ببدَعٍ عن ظواهر القرآن الكريم، حيث ثبتَ في علم الأصول أنّها إنّما تكون حجّة، إذا لم تكن منافية للدليل القطعي.
____________________
وأمّا إذا كانت منافية له، لم تكن حجّة كقوله تعالى:(
يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
)
، أو قوله تعالى:(
عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى
)
، بعد قيام الدليل العقلي القطعي على استحالة ثبوت مثل هذه الأمور للذات الإلهيّة المقدّسة.
الوجهُ الثالث:
أنّ النساء كنّ مدهوشات وحائرات الفكر وغير شاعرات بواقعهنّ، لمدى الحُزن والأسى الذي تَملَكهنّ وسيطر عليهنّ لمقتل الحسينعليهالسلام
وأصحابه، فإذا كُنّ قد خرجنَ أمام الرجال الأجانب، فهنّ غير ملتفتات إلى واقعهنّ وغافلات عن الحكم الشرعي أو قل: ناسيات له، فلا يكون الحكم فعليّاً أو مُنجّزاً في حقّهنّ أو قل: إنّهن معذورات بالنسبة إليه، وهذا الوجه له درجة من الوجاهة، بعد التنزّل عن الوجهين السابقين، وهو المشهور بين الناس، ولعلّه هو المقصود في الزيارة لو كانت معتبرة سنداً، إلاّ أنّه مع ذلك لا يخلو من استبعادٍ لأمرين نذكرهما مع إحالة القناعة بهما إلى وجدان القارئ اللبيب:
الأمرُ الأوّل:
إنّ النساء كنّ كثيرات كعشرة أو أكثر، ولم تكن واحدة أو اثنتين مثلاً، فإذا أمكنَ سيطرة الحزن بشدّة على واحدة أو اثنتين ونحو ذلك، لم يكن ذلك في الجميع باستمرار أو قل طيلة الوقت، فلا أقلّ من أنّ واحدة أو أكثر تلتفت لحالهنّ فيجب عليها تنبيههنّ على ذلك ويتمّ الأمر.
الأمر الثاني:
إنّه يُستبعد جدّاً أن يكون مقتضى الحكمة الإلهيّة ذلك؛ لأنّ الحسينعليهالسلام
وأصحابه قُتلوا في سبيل الله والدين، فمن الصعب أو من السخف أن نتصوّر أنّ في التقدير الإلهي أن يصدر العصيان الصريح، والمنظر القبيح من نسائه الأشدّ ارتباطاً به من بعد مقتله مباشرة.
____________________
الوجه الرابع:
للجواب على هذه الرواية: إنّه لم يقل في الرواية: ناشرات الشعور أمام الرجال الأجانب، أم أمام الأعداء ونحو ذلك، بل من الواضح أنّهن ناشرات الشعور فقط، وهذا من الممكن بل المتعيّن أن يكون ضمن التعاليم الدينيّة أو الحجاب الإسلامي، فإذا ضَممنا إلى ذلك هذه الفكرة، وهي: إنّ النساء في الشرق كنّ و لازلنَ، قد ورثنَ الأمر عن الأجيال السابقة ورأيناه عَياناًَ، وهو اعتياد النساء في حالة الحزن والمصيبة على الالتزام بنشر شعورهنّ وإرسالها وذلك لأمرين:
أحدهما:
أنّ ذلك بنفسه علامة الحزن والحِداد.
وثانيهما:
أنّ ذلك ناشئ من إعراضها عن الزينة حزناً، أو من ضيق نفسها عن التمشّط أساساً، إمّا حقيقةً، أو أنّ المرأة تريد أن تُظهر ذلك أمام الآخرين، أو أن تكون في هذا الحال كغيرها من النساء؛ فإنّ التزام النساء بعادات بعضهنّ البعض ممّا هو واضحٌ ومُسلّم.
فإذا ضَممنا هذه الفكرة إلى ما سبقَ أمكننا أن نقول: إنّ نساء الحسينعليهالسلام
ناشرات الشعور، حِداداً على هذا المصاب الجَلل، وحزناً وإظهاراً لزيادة المصاب، وليس في الأمر ولا في الرواية بالمرّة أنّهنّ كنّ ناشرات الشعور أمام الرجال الأجانب، بل كنّ كذلك في مجتمعهنّ الخاصّ، أعني النساء أمام بعضهنّ البعض.
فإن قال قائل:
إنّ هذا الوجه مُحتمل وليس أكيداً، قلنا: إنّه بعد التنزّل عن كلّ ما سبق ممّا يقتضي كونه أكيداً، فإنّ مجرّد الاحتمال هنا يكفينا، كأطروحة موهِنة للاستدلال بهذه الرواية ضدّ نساء الحسينعليهالسلام
، أو قيامهنّ بالمحرّمات، وإذا دَخلَ الاحتمال بطلَ الاستدلال.
المثال الثاني:
لِمَا رويَ من قضايا الحسينعليهالسلام
، ممّا يكون ظاهره العمل بشيءٍ من المحرّمات، مع التعرّض إلى جوابه:
ما وردَ في تاريخ مسلم بن عقيل (سلام الله عليه): من أنّه حين أُخذَ مكتوفاً إلى عُبيد الله بن زياد، رأى قُلّة
ماء بارد فقال:اسقوني منها
، فقال له بعضهم: انظر إليها ما أبرَدها، لن تذوق منها حتّى تذوق الحميم، إلى أن تقول القصّة: إنّه صُبّ لهُ في قدح ماء وقرّبه إلى فمه لكي يشربه، فامتلأ القدح دَماً؛ لأنّه كان قد حَصلت له ضربة على شَفته العليا ووصلت إلى أسنانه فسكبَ الماء، فملؤوه لهُ مرّة أخرى، فامتلأ القدح دماً فسكبه، فلمّا كانت الثالثة قال:لو كان من الرزق المقسوم لشربتهُ
.
ففي هذه الحادثة يمكن أن نلاحظ كملاحظة أوّليّة: عدم مشروعيّة مطالبة مسلم بن عقيلعليهالسلام
بالماء؛ لأنّه لا يخلو إمّا أن يكون ملتفتاً إلى جرحه الذي في فَمه أم لا، والجَرح لم يكن مضت عليه مدّة طويلة، ولعلّه كان ينزف لحدّ الآن.
أمّا عدم التفاته إليه فهذا مُستبعد جدّاً، باعتبار الدم الذي ينزف، وإن لم يكن له دم كان الألم موجوداً، ومن الصحيح أنّه (سلام الله عليه) يتحمّله ويصبر عليه، إلاّ أنّ ذلك لا يعني نسيانه، بحيث يستطيع أن يأكل أو يشرب كأيّ إنسانٍ اعتيادي.
فإذا كان ملتفتاً إلى الجَرح، فلماذا طلبَ الماء وهو يعلم سَلفاً باختلاطه بالدم؛ لأنّ الدم وإن لم يكن ينزف بشدّة، ولكنّه إذا شربَ الماء فسوف يدخل الماء في الجرح ويحدث نزف جديد يقيناً، فهذا فيه احتمالان باطلان لإتمام الاستشكال ومُحتمل ثالث صحيح للجواب عليه:
____________________
أمّا الاحتمالان الباطلان فهما:
الأوّل:
أن يكون مسلم بن عقيلعليهالسلام
مستعدّاً لشرب الماء المختلط بالدم بالرغم من نجاسته، وهذا باطلٌ؛ لأنّه حرام أوّلاً، وينصّ التاريخ على تركه وإراقة الماء ثلاث مرّات ثانياً.
الثاني:
تبذير الماء بحيث كان كلّما امتلأ دَماً أراقهُ، وخاصّة في المرّة الثالثة حيث كان من المعلوم حصول نفس النتيجة، وهذا الاحتمال باطل أيضاً؛ لأنّه وإن كان تبذيراً إلاّ أنّه ليس بمحرّم على مسلم بن عقيل في ذلك المورد، لوجود المصلحة فيه - على ما سيأتي - ولكن لو صحّ أحد هذين الاحتمالين لتمّ الاستشكال، ولم يبقَ عندنا من جواب إلاّ الطعن بسند هذه القصّة نفسها، واحتمال كونها مكذوبة أساساً أو تأكيد ذلك؛ لأنّنا نَجلّ مسلم بن عقيل عن مثل هذا الإسفاف.
ولكنّ الاحتمال الثالث والأخير يصلح جواباً على الإشكال أساساً: وهو أنّنا ينبغي أن نلتفت إلى أنّ طلبهُ للماء كان في أوّل دخوله على عبيد الله بن زياد، فأراد أن يبرهن له عمليّاً وحسيّاً على حاله السيّئة دنيويّاً والبلاء الحاصل عليه قبل القبض عليه وشدّ وثاقه، فهو مُتعب جدّاً وعطشان جدّاً ومجروح جَرحاً بليغاً، مضافاً إلى كونه أسيراً ومكتوفاً، ولئن كان في شرب الماء نوع من الراحة لهُ، فهو قد أصبحَ بحالٍ بحيث لا يستطيع أن يشرب الماء ليرتاح حتّى بهذا المقدار، كلّ هذا فَهَمهُ عُبيد الله بن زياد من تنفيذ طلبه ومحاولته لشرب الماء، بل أكثر من ذلك وهو: أنّ الجرح بليغ إلى درجة لا يؤمَل معه انقطاع الدم حتّى في الصبّة الثالثة للماء.
وهذا الذي أشرنا إليه: من أنّ المصلحة تقتضي وجود هذه الصّبة فلا تكون تبذيراً، فقد كان طلبهُ بيان عملي لشرح حاله لا أكثر، وبهذا يندفع الإشكال السابق جملةً وتفصيلاً.
مُسلم بن عقيل في الكوفة
حيث تحدّثنا عن مسلم بن عقيل ويُعتبر الحديث عنه حديثاً عن أوّل قضايا الحسينعليهالسلام
تقريباً، أودُّ بهذه المناسبة أن أعرض عدّة أفكار، أعرضها في العناوين التالية:
الأخوّة
حين أرسل الإمام الحسينعليهالسلام
مسلم بن عقيل إلى الكوفة، كتبَ معهُ كتاباً يُعرّفه لأهلها ويصفهُ بأنّه:(أخي وابن عمّي، وثقتي من أهل بيتي، والمفضّل عندي)
، فهذه عدّة صفات:
أمّا كونهُ ابن عمّه:
فهو تعبير عن قرابته فعلاً؛ لأنّ عليّاً وعقيل (سلام الله عليهما) أخوان شقيقان، وهما أبوا الحسين ومسلم.
وأمّا كونهُ أخاه:
فهو على ما أعتقد أهمّ هذه الصفات على الإطلاق؛ لأنّه لم يكن أخاً شقيقاً حقيقة ولا غير شقيق، فلابدّ من حَمله على أحد معنيين: إمّا المعنى المجازي، أو المعنى المعنوي، ولا تنافي بينهما؛ لأنّه في الظاهر أخ مجازي وفي الباطن أخ معنوي.
وفي هذا الصدد ينبغي أن نلتفت إلى أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله
حين آخى بين أفراد المهاجرين والأنصار وترك عليّاًعليهالسلام
، شكى إليه علي بأنّه لم يُعيّن له أخاً؟ فقال:(جَعلتك أخاً لنفسي)
، ومن هنا وردَ تشريفه بهذه الصفة بأنّه المخصوص بالأخوّة، يعني مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، وهذه ليست أخوّة مجازيّة بل أخوّة معنويّة وحقيقية على المستوى الإلهي.
____________________
ومحلّ الشاهد من ذلك أنّنا نسأل:
لماذا نحمل أخوّة رسول اللهصلىاللهعليهوآله
على الأخوّة المعنويّة، ولا نحمل أخوّة الحسين على نفس المضمون، فإمّا أن نحملهما معاً على عالَم المجاز، وإمّا أن نحملهما معاً على عالَم المعنى، و لا يحقّ لنا أن نحمل بعضها هكذا وبعضها هكذا؟
وحيث تعيّن أن تكون أخوّة عليعليهالسلام
لرسول اللهصلىاللهعليهوآله
معنوية، كذلك ينبغي أن تكون أخوّة مسلم بن عقيل للحسينعليهالسلام
معنوية، كلّ ما في الأمر أنّ الفرق بين الأخوّتين: هو الفرق بين الشخصين أعني عليّاً ومسلماً من ناحية، ورسول اللهصلىاللهعليهوآله
والحسين من ناحية ثانية، فهذه الأخوّة أدنى من تلك الأخوّة؛ لأنّها تختلف عنها باختلاف الحسين عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، ولكنّها مع ذلك شريفة وعظيمة جدّاً، بحيث لا تُقاس معها أيّ أخوّة أخرى في البشريّة.
هذا، وأمّا قوله:(ثقتي من أهل بيتي)
فهو واضح المعنى، غير أنّ فيه جهتين من الحديث لابدّ من خوضهما:
الجهة الأولى:
أنّ الوثاقة لا مَحالة تختلف، فهناك الثقة، وهناك الأوثق، وهناك الأوثق منه، وهكذا.
أمّا كلام الإمام الحسينعليهالسلام
، فيدلّ على أنّ مسلم بن عقيل (سلام الله عليه) ثقة للإمام المعصومعليهالسلام
، وهذه أعلى أشكال الوثاقة بعد العصمة.
الجهة الثانية:
أنّه قد يقع السؤال: أنّ في العبارة دلالة أو إشعاراً بأنّه أوثق من غيره من الهاشميّين(من أهل بيتي)
، ولا يوجد مَن هو في مستواه، مع أنّ فيهم الكثيرين ممّن يعدلونهُ في الوثاقة:كالعبّاس بن علي، وعليّ بن الحسين الأكبر، والقاسم بن الحسين السبط، فضلاً عن الإمام السجّاد عليّ بن الحسين (عليه وعليهما السلام)
، وهو الإمام المعصوم بعد الحسينعليهالسلام
؟
وجواب ذلك على مستويين:
المستوى الأوّل:
إنّ قوله:(ثقتي من أهل بيتي)
، لا دلالة فيه على أنّ ثقاتهعليهالسلام
منحصرون فيه، وإنّ غيره ليس من ثقاته، أو أدنى منه في وثاقته؛ فإنّ هذه الاستفادة وأمثالها تسمّى في علم الأصول من مفهوم الوصف، وهو باطل على ما هو المبرهن عليه هناك؛ فإنّك لو وصفتَ شخصاً كريماً لم يكن معناه أنّ الآخرين ليسوا كُرماء، أو لا يوجد كريم غيره، وخاصّة إذا فَصَلنا نقطة بين الصفتين: أعني(ثقتي)
من ناحية، و(من أهل بيتي)
من ناحية أخرى؛ فإنّ هذا المعنى يكون واضح جدّاً، ولا دليل على ارتباطهما من هذه الناحية.
وعلى أيّ حال، فلو كان ظاهر العبارة ذلك، لابدّ من حَرفها عن ظاهرها وتأويلها؛ لأنّ الظاهر إنّما يكون حجّة مع عدم قيام الدليل على بطلانه، ومن العلوم بالضرورة أنّ مثل هذا الظاهر - بعد التنزّل جَدلاً عمّا قلناه - يكون غير مُحتمل الصحّة.
هذا، وكلّ هذه المستويات من الكلام يمكن أن نقولها في الصفة الأخرى، وهي قوله:(والمفضّل عندي)
، فراجع وتأمّل، مضافاً إلى أنّها رواية غير معتبرة السند.
وأمّا قياسه - أعني مسلم بن عقيلعليهالسلام
بالإمام المعصومعليهالسلام
- فهو غير مُحتمل أصلاً في ضمير المؤمنين ووجدانهم، وإنّما مراد الحسينعليهالسلام
لو أراد تفضيله على الآخرين، فإنّما يريد غير المعصومين منهم بطبيعة الحال.
المستوى الثاني:
أن ننظر إلى أنّ الحسينعليهالسلام
لماذا اختار مسلماً بالذات للسفارة عنه في الكوفة، مع أنّ أهل بيته عديدون، فإذا أجبنا - كما سنسمع بعد قليل - أنّه هو الوحيد الصالح منهم للسفارة، أمكننا عندئذٍ أن نفهم من العبارة أنّه(ثقتي من أهل بيتي، والمفضّل عندي):
ممّن هو صالح لهذه السفارة والمهمّة، وعندئذٍ لا بأس أن يكون هو الوحيد الموصوف بها.
وعلينا الآن استعراض بعض الموانع المحتملة التي كانت تحول دون إرسال غيره في هذه المهمّة:
أوّلاً:
كان هناك جماعة لا يناسبهم العمر اجتماعيّاً للقيام بهذه المهمّة مهما كانوا علماء حكماء؛ لأنّهم كانوا شبّاناً صغاراً:كالقاسم بن الحسن، والإمام السجّاد
عليهالسلام
، وكذلك عليّ بن الحسين الأكبر
على بعض الروايات
.
ثانياً:
كان هناك أكثر من واحد يتّصف بالعوق المانع عن أداء المهمّة: كالعمى في عبد الله بن جعفر بن أبي طالبعليهالسلام
، والضُعف العام عن الحرب، أو ضُعف الذراعين عن الضرب، كما وردَ عن محمّد بن الحنفية وهو ابن عليّ بن أبي طالبعليهالسلام
.
ثالثاً:
يبدو أنّ الإمام الحسينعليهالسلام
تجنّبَ عن عمدٍ إيكال المهمّة إلى أولاد عليعليهالسلام
وأحفاده، بل أخرَجها عن هذه العائلة تماماً، والوجه الذي يبدو من ذلك - بغضّ النظر عمّا يأتي -: هو إجلال هذه العائلة عن مهمّةٍ أدنى منها، ويمكن لكثيرين من غيرهم القيام بها، وسيكون مسلم بن عقيل هو خير مَن يكون من خارج الأسرة.
رابعاً:
ما يذكرهُ عدد من الخطباء: من أنّ الحسينعليهالسلام
حين حَجبَ المهمّة، أو مَنعها عن أخيه العبّاسعليهالسلام
، وابنه الأكبر وأضرابهم، إنّما ذَخرها بذلك لنيل الشهادة معه في كربلاء، وهو مقام أسمى وأعظم؛ فإنّ مسلم بن عقيلعليهالسلام
وإن كان من شهداء الحسينعليهالسلام
، إلاّ أنّ الشهادة بين يدي الحسين وسمعه وبصره، ولأجل الدفاع المباشر عنه مهمّة أعلى وأصفى وأقدس أمام الله عزّ وجل، وهذا على أيّ حال مربوط بالعلم الإلهامي الذي يُعرِّفه الإمام الحسينعليهالسلام
من قضاء الله وقَدَره.
____________________
احتلالُ الكوفة
قد يخطر على البال السؤال:
أنّ مسلم بن عقيل لماذا لم يحتل الكوفة احتلالاً عسكريّاً ويسيطر على الحكم فيها، وخاصّة بعد أن تمّ لديه مبايعة اثني عشر ألفاً من أنصاره
، وقد كانوا وَعَدوه أو وعَدوا الحسينعليهالسلام
- في بعض كتبهم إليه - أن يطردوا النعمان بن بشير، حاكم الكوفة ممثّلاً عن الحاكم الأموي، وقالوا:
(ثمّ إنّه ليس علينا إمام غيرك، فأقبِل لعلّ الله يجمعنا بك على الحقّ، والنعمان بن بشير في قصر الإمارة ولسنا نجتمع معه في جمعة ولا جماعة ولا عيد، ولو بَلَغنا إقبالك إلينا، أخرجناه حتّى نُلحقه بالشام إن شاء الله تعالى)
.
وواضحٌ: أنّ إقبال مُمثّل الحسين ورسوله عليهم، كإقبال الحسين نفسه، فلماذا لم يفعلوا ذلك، ويتسبّبوا في أخذ زمام السلطة من قِبل مسلم بن عقيلعليهالسلام
؟
والجوابُ على ذلك - بغضّ النظر عمّا قلناه في مقدّمات هذا البحث من أنّ عقولنا قد تقصر عن نيل الواقعيات أوّلاً، وأنّ هؤلاء العظماء عند الله كأمثال مسلم بن عقيل ممّن لهم التأييد والتسديد من الله سبحانه ثانياً، ومعهُ ينسدّ السؤال عن ذلك وغيره - يمكن بأمور:
الأمر الأوّل:
إنّ مسلم بن عقيل (سلام الله عليه) لم يكن مُخوّلاً من قِبل الحسينعليهالسلام
بالحرب، ولا باستلام الحكم في الكوفة؛ وإنّما كان مخوّلاً فقط لاستكشاف الحال في الكوفة وإرسال الخبر إلى الحسينعليهالسلام
،
____________________
ومن المعلوم أنّ السيطرة على الكوفة تحتاج إلى قتال، وهو ممّا لم يأذن به الحسينعليهالسلام
.
فإنّ نصّ جواب الحسينعليهالسلام
يقول:(أمّا بعد، فقد فهمتُ كلّ الذي اقتصَصتم وذَكرتم، ومقالة جُلّكم: إنّه ليس علينا إمام فأقبِل لعلّ الله يجمعنا بك على الهدى والحقّ، وأنا باعثٌ لكم بأخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل، وأمرتهُ أن يكتب إليّ بحالكم وأمركم ورأيكم، فإن كتبَ إليّ أنّه قد اجتمعَ رأي مَلأكم وذوي الحِجى منكم على مثل ما قدّمت به رُسلكم وتواترت به كتبكم، أقدِم إليكم وشيكاً إن شاء الله)
إلى آخر ما قال، وهو خالٍ من التخويل بالحرب، كما هو واضح.
الأمر الثاني:
إنّ استلام حكم الكوفة من قِبل مسلم بن عقيل إن كان بدون حرب - كما يُشعر به كتاب أهلها الذي سمعناه حين يقولون عن حاكمها: (أخرجناهُ وألحقناه بالشام) هكذا بكلّ سهولة - لهانَ الأمر، بل أمكنَ القول شرعاً، بأنّه تجب السيطرة على الكوفة عندئذٍ، إلاّ أنّ الأمر لم يكن كذلك جزماً، لعدّة أمور منها:
أوّلاً:
وجود المنافين والمعاندين في الكوفة بمقدار معتدٍّ به، وهم بلا شكّ مستعدّون للوقوف ضدّ هذا الاتّجاه، سواء بالحرب لمنعه أو بالتآمر لإفشاله وإسقاطه لو تمّ، ومن هنا يصعب حصول الأمر بالنجاح التام والمستمر.
ثانياً:
إنّ حاكم الكوفة يومئذٍ(النعمان بن بشير)
، وإن كان حسب ما وردَ في التاريخ: أنّه كان رجلاً متخاذلاً مشكّكاً يحبّ العافية، ويُفضّل الراحة والسلامة
، ولكنّه مع ذلك ورد أنّه خَطبَ وهدّد الكوفيين بأنّ استعمالهم للسلاح ضدّه،
____________________
يعني استعماله ضدّهم، ولن يستطيعوا أن يزيلوه بسهولة؛ وإنّما لابدّ من أن تنشب الحرب بينهم، وسيستعين في نفس الوقت بالمعاندين والمنافقين والفسقة الذين هم على استعداد لمعونته جزماً.
ونسمعهُ يقول في خطبته:(إنّي لا أقاتل مَن لم يقاتلني، ولا أثب على مَن لا يثِب عليّ..... ولكنّكم إن أبديتم صفحتكم ونكثتم بيعتكم وخالفتم إمامكم
(يعني الحاكم الأموي)،
فو الذي لا إله غيره لأضربنكم بسيفي ما ثبتَ قائمه بيدي، ولو لم يكن لي منكم ناصر ولا مُعين، أمّا إنّي أرجو أن يكون مَن يعرف الحقّ منكم أكثر ممّن يُرديه الباطل)
، إلى آخر ما قاله، وهذا يعني عدّة أمور:
أوّلاً:
مناجزتهم الحرب إذا هم حاربوا.
ثانياً:
إعطاء الحريّة لهم في أن يفعلوا ما يشاءون ضمن التصرّف السلمي غير القائم على السلاح، وأعتقدُ أنّ هذا من النِعم الإلهيّة على مسلم بن عقيل وأنصاره استطاعوا فيه أن يُثبتوا وجودهم تامّاً.
ويكفينا تقييماً للحالة، لو استطعنا المقايسة بينها وبين ما أصبحَ عليه الحال عند حُكم عُبيد الله بن زياد، الذي عيّنه الحاكم الأموي بعد النعمان بن بشير.
ثالثاً:
المسؤوليّة الأخلاقيّة تجاه النعمان بن بشير هذا، من حيث إنّه كفّ عنهم شرّه، فاللازم أن يكفّوا عنه شرّهم، وإذا لم يحاربوه، لم يمكنهم عزلهُ والسيطرة على الحكم، وعلى أيّ حالٍ فقد استطاع النعمان بن بشير بذلك أن يبقى هو الحاكم ما دام غير معزول من قِبل سيّده الأصلي الحاكم الأموي.
الأمر الثالث:
إنّ مسلم بن عقيلعليهالسلام
شعرَ أنّ قيام حرب واسعة في داخل المجتمع الإسلامي الجديد، الذي لم يكن قد تجاوز قَرنهُ الأوّل، سوف يكون كارثة على الإسلام كلّه،
____________________
وسيُقتل من المسلمين عامّة ومن المخلِصين خاصّة العدد الكثير، وسيفتح ثغرة وفرصة لأعداء الإسلام من الخارج والداخل للسيطرة على المجتمع سيطرة كاملة ومحكمة.
إذاً، فقد اقتنعَ مسلم بكلا الأمرين وهما:تعذّر السيطرة سلميّاً على الكوفة، والآخر: عدم المصلحة في السيطرة عليها عسكريّاً
،
إذاً فلا ضرورة إلى تلك السيطرة حتّى لو كان مسموحاً له من قِبل الحسينعليهالسلام
بها ما لم يكن مأموراً بها، وهو جَزماً لم يكن كذلك.
الأمر الرابع:
إنّ هناك أمراً قلّما يأخذهُ عامّة الناس بنظر الاعتبار، وهو:التناسل البشري
، يعني احتمال ولادة مؤمن من مؤمن، أو من كافر، أو منافق، غير أنّ هذا ممّا يؤخذ في الحكمة الإلهيّة جَزماً، فيكون من الحكمة المحافظة على بعض النفوس، لكي يوجد من ذراريها ولو بعد جيلٍ أو أجيال، جماعة من المؤمنين الذين يعبدون الله وينصرون دين الله بإخلاص، وإذا كانت أيّ حربٍ مانعة عن ذلك - والحرب بطبيعتها مانعة عن ذلك - إذاً فمن الضروري عدم وقوعها.
وهناك وجهٌ آخر مهم ذكرنا أُسسه في كتابنا(اليوم الموعود)
، إلاّ أنّ إيضاحه الكامل يتوقّف على ذِكر تلك الأسس فيطول المقام بنا، ومن هنا يكون الأحجى الإعراض عن ذلك مؤقّتاً.
اغتيالُ ابن زياد
يقول لنا المؤرّخون ما مضمونهُ باختصار:
إنّ شُريك بن عبد الله الحارثي ومسلم بن عقيل، كانا معاً نازلين في دار هانئ بن عروة المذحجي
، فتمرّض شريك واشتدّ به المرض، فعلم بذلك عُبيد الله بن زياد حاكم الكوفة يومئذٍ، وكان له معهُ رفاقة، فأرسلَ إليه أنّه سيعوده في دار هانئ، وقبل مجيء ابن زياد تواطأ شريك مع مسلم على أن يغتال ابن زياد عند مجيئه، فلمّا كان من العشي أقبلَ ابن زياد وتخفّى مسلم في إحدى الغُرف كأنّه يستعدّ لاغتياله، ولكنّ هانئ اعترضهُ قائلاً:(إنّي لا أُحبّ أن يُقتل في داري)
.
والمهمّ: أنّ مسلماً لم يقبل لقتل ابن زياد وخرجَ ابن زياد سالماً، فخرج مسلم من مكانه.
فقال له شريك: ما مَنعك من قتله؟ قال:خصلتان: أمّا إحداهما: فكراهة هانئ أن يُقتل في داره، وأمّا الأخرى: فحديث حدّثنيه الناس عن النبي
صلىاللهعليهوآله
:
(إنّ الإيمان قيّد الفتك، ولا يَفتك مؤمن)
.
فقال هانئ: أمَا والله، لو قتلتهُ لقتلتَ فاسقاً فاجراً كافراً غادراً، ولكن كرهتُ أن يُقتل في داري
.
____________________
عليهالسلام
صلىاللهعليهوآله
،
عليهالسلام
صلىاللهعليهوآله
فمن هنا قد يخطر في البال:
السؤال عن السبب الذي حَدا بمسلم بن عقيل على أن لا يقتل عبيد الله بن زياد، بعد أن أصبحَ كاللقمة السائغة بيده، وهو يَعلم أنّه عدوّه وعدوّ الحسينعليهالسلام
وعدوّ الله عزّ وجل، وإنّ قتلهُ مهمّ جدّاً في إمكان السيطرة على المجتمع في الكوفة، وتفريق القيادة من المنافقين الذين جَمعهم ابن زياد وتركيزها بيد أهل الحقّ.
والجواب على ذلك يكون من وجوه:
الوجه الأوّل:
كراهة هانئ بن عروة أن يُقتل عبيد الله بن زياد في داره، ومسلم بن عقيل كان ضيفاً لدى هانئ، وكان ولا يزال يخدمه بالسمع والبصر ويؤدّي لمسلم أيّ مصلحة عامّة أو خاصّة، فإذا فعلَ في داره ما يكرهه حَصلت عدّة مضاعفات:
أوّلاً:
الإحراج أمام هانئ نفسه أخلاقيّاً؛ فإنّ مقتضى المسؤوليّة الأخلاقيّة أن لا يفعل في داره ما لا يُحب، وخاصّة وهو بهذه الصفة العظيمة في الانتصار له.
ثانياً:
تحريم تصرّفه في الدار بعد ذلك، لو كان قد فعلَ ما يكرههُ صاحبها، ممّا يضطرّه للانتقال إلى دار شخص آخر، وقد لا يجد شخصاً جامعاً للشرائط المتوفرة في هانئ، أو قل: لا يجد له مثيلاً في سكّان الكوفة.
ثالثاً:
إحراج موقف هانئ من حصول هذا القتل في داره، الأمر الذي أثار في نفسه هذه الكراهة؛ فإنّه كان رئيساً لقبيلة مذحج، ولهُ اتصالات ومجاملات ومصالح في مختلف أوساط المجتمع، فإذا قُتل ابن زياد في داره كان ذلك إحراجاً لهُ أمام شريحة مهمّة في المجتمع، وهذا ما يكرهه، ولا يريد مسلم بن عقيل إثارة هذا الإحراج أمامه، وتفكير هانئ بهذا الشكل، تفكيرٌ على المستوى الدنيوي، ولكنّه قائم على أيّ حال.
وهو بطبيعة الحال، لا يَدرك ما ندركه أو نحتمله نحن الآن بعد ألف سنة وحوالي النصف من ذلك التاريخ، من وجود مصلحة عامّة في قتله، بحيث تجب عليه التضحية في سبيلها بكلّ غالٍ وعزيز، وإذا كان غافلاً عن ذلك - وهو غير معصوم على أيّ حال - فالله سبحانه يعذر الغافل.
الوجه الثاني:
لعدم اغتيال ابن زياد: ما ذكرهُ مسلم نفسه حسب الرواية(إنّ الإيمان قيّد الفتك، ولا يفتك مؤمن)
.
إلاّ أنّ هذا بمجرّده لا يتمّ، إلاّ أن يرجع معناه إلى الوجه الآتي؛ وذلك لأنّ هذا الخبر يحتاج إلى الصحّة سَنداً ودلالة، أمّا السند، فيظهر حصول مسلم عليه مرسلاً غير موثوق؛ لأنّه عبّر عن أنّه حديث حدّثنيه الناس عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، الأمر الذي يدلّ على أن يجهل راويه، أو لا يوثّقه على أقلّ تقدير.
وأمّا من ناحية الدلالة، فهذا الأمر الذي كان عازماً عليه هو الغيلة أو الاغتيال، وليس الفتك فإنّه وإن كان قد يَرد في اللغة بهذا المعنى أيضاً، إلاّ أنّ لهُ معانٍ أخرى كالشجاعة بحيث لا يهاب أحداً، والاستقلال بالرأي عن الآخرين وغير ذلك
، فلا يتعيّن أن يكون المراد من الخبر ذلك.
مضافاً إلى أنّ الاعتماد على خبرٍ من هذا القبيل، بل حتّى ولو كان صحيحاً، في دفع مصلحة عامّة في قتله، أو جلب مفسدة عامّة في حياته، كما قد حصلَ فعلاً، غير صحيح جزماً وغير مرضيّ لله عزّ وجل، ما لم يعِد الأمر إلى وجوه أخرى، أو إلى الوجه الآتي الذي سنذكره الآن.
الوجه الثالث:
الأخلاقيّة في العلاقات مع الآخرين، الأصدقاء منهم والأعداء سِلماً كانت العلاقة أم حرباً أم قتلاً، ومن جملة الأسس الأخلاقيّة التي التزمَ بها المسلمون ونَصحت بها تعاليم الإسلام عدم البدء بالحرب والضرب، وإنّما يكون أهل الحقّ هم ثاني الضاربين لو صحّ التعبير، ليكون موقفهم أمام الله والناس هو الدفاع فقط، وكان ولازال النبيّصلىاللهعليهوآله
هو نبيّ الرحمة، وليس من مقتضى الرحمة البدء بالهجوم، حتّى أنّ الحسينعليهالسلام
في ساحة كربلاء العسكرية التزمَ بذلك، وهذه مصلحة أخلاقيّة جليلة في الحرب والقتل والقتال،
____________________
ذات تأثير عام في إحسان الظنّ بالمعسكر المحقّ وجلب القلوب نحوه، وهي مصلحة عامّة تعدل الكثير من المصالح العام الأخرى التي قد ندركها ممّا تكون مصالح وقتيّة وإن كانت صحيحة، في حين أنّ هذه القاعدة الأخلاقية دائمة الصحّة جيلاً بعد جيل.
فإذا عرفنا ذلك، استطعنا تقييم وتمييز موقف ابن عقيل من ابن زياد، من حيث إنّ ابن زياد لم يكن محارباً في ذلك الحين ولا ناوياً لقتل أحد، إذاً، فهو لم يبدأ بالقتال ولم ينوِ السوء، فلا يجوز بَدؤه به أو نية السوء ضدّه؛ لأنّه خلاف القاعدة الأخلاقية المشار إليها.
الوجه الرابع:
ما ذكرناه فيما سبق: من كون مسلم بن عقيلعليهالسلام
مُسدّداً مُلهماً، ولا أقلّ من احتمال ذلك، إذاً فيمكن أن يكون قد واجه نهياً عن قتل عُبيد الله بن زياد، كما يُحتمل أن يكون هذا النهي مأخوذاً عنده من الحسينعليهالسلام
، أو من جدّه النبيّصلىاللهعليهوآله
بخصوص هذه الواقعة أو ما يشملها، فيجب عليه الامتثال، وقد سبقَ أن قلنا في أمثال ذلك: إنّ مجرّد الاحتمال يكفينا؛ لأنّه إذا دخلَ الاحتمال بطل الاستدلال، يعني يفسد السؤال عن إعراضهعليهالسلام
عن اغتيال ابن زياد، وإنّ ذلك كان على خلاف المصلحة أو السياسة العامّة.
الوجه الخامس:
ما أشرنا إليه أو إلى مثله، من أحد الوجوه التي قلناها في نفي سيطرة مسلم بن عقيل على الكوفة، وهو اقتضاء الحكمة الإلهيّة الإبقاء على بعض الفاسقين والكافرين، من أجل ميلاد بعض المؤمنين من ذراريهم ولو في جيلٍ متأخّر، ولو عدّة مئات من السنين أو أكثر، فليكن ابن زياد كذلك.
وهذا لا يتوقف على علم مسلم بن عقيل أو التفاته إلى ذلك، بل إمّا أن يكون ملتفتاً، وإمّا أنّ الله سبحانه صَرَفه عن قتله لهذه الجهة، والاحتمال في ذلك يكفينا لقطع الاستدلال المعاكس، كما كرّرنا في أمثاله.
الوجه السادس:
ما ذكرناه أيضاً هناك من الأمر المربوط بكتابنا(اليوم الموعود)
، فإنّه أيضاً من الأمور المربوطة بتلك الأسس، فراجع.
السيطرةُ على الكوفة مؤخّراً
إذ قد يخطر على البال:
أنّ مسلم بن عقيل (سلام الله عليه)، ما دام لم يسيطر على الكوفة في زمن النعمان بن بشير ولم يقتل عبيد الله بن زياد، فلا أقلّ من أن يحاول السيطرة على الكوفة عندما أصبح ابن زياد حاكماً عليها، إذ كان الشرّ قليلاً وغير واضح في زمن ابن بشير، في حين أصبحَ واضحاً في زمن عبيد الله بن زياد، ومن هنا كانت السيطرة على الكوفة أرجح جدّاً من ذلك الزمن السابق، فلماذا لم يفعل ذلك مسلم؟
وجوابُ ذلك:
إنّه يمكن القول بورود جميع الأجوبة التي قلناها فيما سبق عن سيطرة مسلم بن عقيل في الماضي (يعني في عهد النعمان بن بشير)، كلّها تأتي عن سيطرته الآن، مع زيادات معتدّ بها كما سنذكر، ويكفينا أن نلتفت إلى أنّ زيادة الشرّ تقتضي زيادة الصعوبة في السيطرة، الأمر الذي يجرّ إلى أمورٍ غير محمودة كما سنرى، وهذه الصعوبة تتمثّل في أمور:
الأمرُ الأوّل:
الزيادة في الضيق لجانب مسلم بن عقيل أعني في الحرّية العامّة، وإعطاء الجانب الأفضل والتحرّك الأشمل لأعدائه.
الأمرُ الثاني:
وجود تجسّس دقيق وكامل على كلّ أقوال وأفعال ابن عقيل وأصحابه، ويمكن أن تكون العيون كثيرة، غير أنّ التاريخ ينصّ على واحدٍ بعينه يسمّى(معقل)
، استطاع الوصول بدهاء إلى الدار التي يرتادها مسلم وأصحابه، فكان أوّل داخل وآخر خارج بعنوان كونه مؤيِّداً لهم، وينقل كلّ ما سمعه ورآه إلى عبيد الله بن زياد.
الأمرُ الثالث:
السرّية والتكتّم التي تعمّدها جانب مسلم بن عقيل وأصحابه، بغضّ النظر عن التجسّس المشار إليه، ومع التكتّم المتعمّد يصعب جدّاً وضع برنامج واضح وواسع لأجل السيطرة على المجتمع، كما يتوقّع السائل أن يكون.
الأمرُ الرابع:
إمكان التشكيك في العدّة والعدد اللذَين يمكن لابن عقيل أن يجمعهما في ذلك المجتمع؛ فإنّ أفراد الناس هناك لم يكونوا معتادين على الحرب ومصاعبها وويلاتها، وإنّما استطاع عبيد الله بن زياد أن يجمع منهم جيشاً ضخماً بعد التفكير بعدّة خطط ماكرة، اكتسبها بصفته مُمثّلاً للدولة الحاكمة لا أكثر، وهذا ما لا يستطيع طبعاً مسلم بن عقيل توفيره للناس بصفته معارِضاً للدولة، فيكون احتمال حصوله على الجيش الكافي في العدّة والعدد احتمالاً غير قوي، وحسبُنا أن ننظر إلى أهمّ الأفكار التي حاولَ عبيد الله بن زياد بثّها في المجتمع صدقاً أو كذباً ليستقطب الناس إلى جانبه:
أوّلاً:
التهديد العسكري، حيث زعمَ لهم أنّ هناك جيشاً مُقبلاً عليهم من الشام ضخم جدّاً، يريد استئصالهم إن هم عصوا الدولة.
ثانياً:
التهديد الشخصي بالسجن والضرب، بل والقتل أيضاً.
ثالثاً:
التهديد الاقتصادي بالمقاطعة مع كلّ معارِض.
رابعاً:
الطمع، بإضافة مبلغ من المال إلى راتب كلّ واحد يكون إلى جانبه، ويخرج في حرب الحسينعليهالسلام
،
ويُنقل ذلك تاريخيّاً على شكلين: أشهرهما:إضافة عشرة دنانير ذهبية إلى أيّ فرد
، والآخر:مضاعفة الراتب الذي يصله
.
خامساً:
الإحراج الاجتماعي عن طريق العلاقات والصداقات المبثوثة في تلك المدينة المنكوبة.
وكلّ هذه الأمور قائمة ضدّ مسلم بن عقيل، ومن المتعذّر أن يكون مثلها إلى جانبه، سوى التضحية في الرضوخ للحقّ لا أكثر، وهو ممّا يقلّ العاملون به في أيّ مجتمع، وخاصّة تحت ظروف من ذلك القبيل.
وقد بادرَ عبيد الله بن زياد إلى تغيير كفّة المجتمع إلى جانبه بمجرّد وروده، وألقى في الناس خطبة تتكفّل بيان تلك التهديدات والأطماع، مع بثّ شرطته وأنصاره بين الناس، لأجل الطمع والتخويف والإحراج، ممّا أنتجَ ما ينقلهُ بعض الخطباء الحسينيّين من أنّ الأم أصبحت تأتي إلى ابنها، والزوجة إلى زوجها، والبنت إلى أبيها، والأخ إلى أخيه، فيحذرّونهم مغبّة مناصرة مسلم ويقال لهم:
(مالَكَ والدخول بين السلاطين)
، ويأخذون بيده ويُرجعونهُ إلى بيته، ومهما يكن في هذا النقل التاريخي من المبالغة إن أخذناه على سعته، كما سبقَ أن قلنا: إنّ الكوفة والمجتمع الكوفي لا يمكن أن ينقلب تماماً من الولاء إلى العداء بين عشيّة وضحاها، وقد أقمنا على ذلك ما يكفي من القرائن والدلائل، إلاّ أنّه من الممكن أن يكون قد حدثَ مثل هذا التخذيل فعلاً على نطاق ضيّق قلّ أو كثُر؛ فإنّه على أيّ حال مُضر بجانب مسلم بن عقيل، ويُضاعف عليه الصعوبة والبلاء.
مَعقل
يقول المؤرّخون:
إنّ مَعقلاً حين أراد التجسّس لابن زياد، أقبلَ إلى المسجد، فرأى مسلم بن عوسجة يُصلّي فيه فسألَ عنه؟ فقيل له: هذا يبايع للحسين بن علي، فجاءه وجلس إلى جانبه، حتّى إذا فرغَ من صلاته سلّم عليه وأظهرَ لهُ أنّه رجل من أهل الشام، وأنّه مولى لذي الكلاع الحميري، وممّن أنعمَ الله عليه بحبّ أهل البيت وحُبّ مَن أحبّهم وتباكى له، وقال له: إنّ عنده ثلاثة آلاف درهم يريد بها لقاء رجل من أهل البيت، بَلَغه أنّه قدمَ إلى الكوفة يبايع لابن بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، فقبلَ منهُ مسلم بن عوسجة وأخذ منه البيعة على يده فوراً.
ثمّ أخذهُ إلى مسلم بن عقيل، فأخذَ عليه البيعة والمواثيق المغلّظة ليناصحنّ وليكتمنّ، فأعطاهُ(مَعقل)
من ذلك ما رضي به، ثمّ أمرَ مسلم أبا ثمامة الصائدي
بقبض المال منه، وكان قد عيّنه مسلم لقبض الأموال من الناس وتجهيزهم بما يحتاجونه من السلاح والعتاد، وظلّ معقل يختلف إلى دار هانئ كلّ صباحٍ ومساء، فهو أوّل داخل وآخر خارج، فينطلق بجميع الأخبار والأسرار، فيقرؤها في أُذن ابن زياد
، ممّا أدى في النتيجة إلى فشل مهمّة هذه الجماعة المحقّة وتفرّقها عن مسلم بن عقيل.
فهنا قد يرد السؤال عن السبب في انخداع مسلم بن عوسجة ومسلم بن عقيل وأصحابهما، بهذا الرجل المعيّن ضدّهم،
____________________
عليهالسلام
ولئن كان مسلم بن عوسجة رجلاً اعتيادياً، مهما كان عالي الإيمان، فإنّ مسلم بن عقيل (سلام الله عليه)، قد أثبتنا له أنّه مؤيّد ومُسدّد بالإلهام، فكيف لم يلتفت إلى ذلك؟!
وجواب ذلك يكون على عدّة مستويات:
المستوى الأوّل:
إنّ هذا موجود في قضاء الله وقدره، وكلّما كان ذلك، فلابدّ من حدوثه، ومطابق للحكمة الإلهيّة، سواء عَلمنا بسببه أو جهلنا.
المستوى الثاني:
مستوى مَن نعلم أو نحتمل عدم تسديده وتأييده بالإلهام المباشر - لو صحّ التعبير - وهم أصحاب مسلم بن عقيل سواه، فمن الواضح أنّ العادة في تلك الأجيال، وهي عادة استمرّت مئات وآلاف السنين، حتّى لم تكن كتابة وأوراق تدلّ على الشخصيّة، كما في الدول الحاليّة، فكان الناس يسألون الفرد عن اسمه وانتسابه، ويُصدّقون منه ذلك على السجيّة والعادة المتّبعة، وواضحٌ أنّه لو كذَبَ أيّ شخص في اسمه أو نَسبه، فسوف يقع في أنواع من المصاعب اجتماعياً واقتصادياً، أو يُحتمل وقوعه في ذلك على بعض التقادير، فكان الناس يُصَدَّقون في أقوالهم تلك، وكانوا يُصدِّقون أقوال الآخرين في ذلك، وليس أصحاب مسلم بن عقيل سلام الله عليه وعليهم إلاّ جماعة من ذلك المجتمع المعتاد على ذلك.
فإذا انضمّ إلى ذلك حُسن الظاهر والملاينة والمسايسة، فقط أصبحَ الفرد ناجحاً في الامتحان أو الاختبار الاجتماعي، وانتهى الأمر.
المستوى الثالث:
مستوى النظر إلى المواثيق المغلّظة التي أخذها مسلم بن عقيل وأصحابه على(معقل)
، وقد أعطاهم من نفسه ما يريدون، ولم يكونوا يتصوّرون أنّ شخصاً ما من المسلمين يمكن أن يحيف بالعهد، أو يحيف باليمين،
وإنّما قيام العلاقات بين الأفراد والمجتمعات كانت ولا زالت على شرف الالتزام بالعهود، وإلاّ كان الفرد ساقطاً بالمرّة أمام الله والناس، ولم يكن يخطر على البال أنّ هذا الإنسان من الساقطين وبهذه الدرجة.
وهنا ينبغي أن نلتفت إلى ما وردَ في تفسير قوله تعالى عن قول إبليس:
(
مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ
)
، من أنّ آدم وزوجته لم يتصوّرا شخصاً يُقسم بالله كذباً، يعني أنهّما حين سمعا إبليس يُقسم بالله سبحانه صدّقاه وأكلا من الشجرة.
أقول:
فكذلك الحال في مسلم وأصحابه من حيث إنّ العهد مُلزم في الدنيا، واليمين مُلزم في الآخرة، فماذا بقيَ ممّا يكون أن يفعلوه أمامه؟
المستوى الرابع:
إنّ مُسلماً وأضرابه من خاصّة أصحاب المعصومينعليهمالسلام
، وإن قلنا بأنّهم مؤيّدون ومسدّدون بالإلهام، إلاّ أنّ ذلك ممّا لا ينبغي أن يؤخذ على أوسع نطاق:
أوّلاً:
لأنّهم ليسوا معصومين بالعصمة الواجبة، كما يُعبّر عنها في (علم الكلام)، والمعصوم بالعصمة الواجبة يكون معصوماً من الخطأ والنسيان، مضافاً إلى عصمته من الذنوب والمحرّمات، بخلاف المعصوم بالعصمة غير الواجبة، فإنّه يكون معصوماً من الذنوب لا من الخطأ والنسيان.
ثانياً:
إنّ الإلهام والتسديد إلى أمثال هؤلاء يختلف في السعة والضيق أو القلّة والكثرة، ينالُ منه كلّ منهم بمقدار قابليّته واستحقاقه وعمله وغير ذلك من الأسباب، وليس بالضرورة أن يناله بشكلٍ مطلق ومستمرّ، إذاً فمن الجائز أن يُحجب الإلهام والتسديد عن الفرد حيناً أو أحياناً، بمقدار ما تقتضي الحكمة الإلهيّة ذلك.
وهناك مستويات أخرى للجواب لا حاجة إلى الدخول في تفاصيلها.
____________________
تفرّقُ الناس عنه
ولعلّ السؤال الأخير الذي يمكن عَرضهُ في هذا الصدد: ما قالهُ بعض الأذكياء لبعض العلماء عمّا رويَ في التاريخ، من أنّ مسلم بن عقيل تفرّق عنه أصحابه كلّهم في يومٍ واحد أو عشيّة واحدة، حتّى أصبحَ يتلدّد في أزقّة الكوفة في ظلام الليل لا يجد مَن يؤويه
، مع العلم أنّ من الكوفيين مَن هم على درجة عالية من الإخلاص للحقّ المتمثّل في مسلم بن عقيل والحسينعليهماالسلام
أمثال:حبيب بن مظاهر، ومسلم بن عوسجة،
وآخرين، بدليل أنّ هذين المذكورَين قد استشهدا مع الحسين في كربلاء، إذاً فإخلاصهم مُحرز فلماذا تفرّقوا عن مسلم في تلك الليلة وتركوه وحيداً حائراً؟
وقد أجاب ذلك العالِم:
بأنّهم أعدّوا أنفسهم للشهادة بين يدي الحسينعليهالسلام
، أقول: وهذا وحدهُ لا يكفي للإقناع؛ لأنّ حادثة الحسينعليهالسلام
كانت في ضمير المستقبل بالنسبة إليهم، ولم يكونوا يعلمون من حصولها شيئاً، فكيف نتعقّل كونهم استهدفوها بصراحة؟
ولكنّ تفصيل الجواب أن يقال:
إنّ المخلِصين الكاملين كانوا قلّة لا يستطيعون وحدهم الدفاع عن مسلم بن عقيل، ولا حفظ حياته وحياتهم.
فلمّا رأوا فشل الحركة وتفرّق الجيش عنه، لم يشعروا بوجوب المحافظة على حياته شرعاً، لليقين بكونه مقتولاً لا محالة، حتّى ولو كانوا هم إلى جنبه بل سيقتلون معه أيضاً، إذاً فمسؤوليّة الدفاع عنه والحفاظ عليه ساقطة عنهم يقيناً، إذاً فخيرٌ لهم أن يحافظوا على حياتهم، وهم كوفيون يَعرفون المدينة وطبيعة سكّانها، وهو غريب جديد العهد بهذا المجتمع.
____________________
وأمّا سببُ محافظتهم على أنفسهم، فلا ينبغي الإشكال فيه في الدنيا والآخرة.
أمّا في الدنيا فواضح؛ لصعوبة تعريض النفس للقتل، وخاصّةً إذا كان بلا موجب وبشكل غير مُنتج كما عَرفنا.
وأمّا في الآخرة (أعني في التكليف الشرعي في الدين)؛ فلأنّ بقاءهم خيرٌ من موتهم، لاحتمال أن يُفيدوا المجتمع بقليلٍ أو بكثير، وأن لا يُخلو الساحة بالمرّة لعُبيد الله بن زياد وجماعته يفعلون ما يشاءون، دون وازعٍ من دين، أو ضمير، أو رقيب، أو حسيب.
مضافاً إلى احتمال تأييدهم للحسينعليهالسلام
؛ فإنّهم كانوا عالِمين بأنّه مُقبل عليهم وقريب الوصول إليهم، بالرغم من طول السفر وبُعد الشقّة، إذاً فلعلّهم يستطيعون رؤيته، أو معونته، أو نصرته، أو امتثال أوامره، صحيحٌ أنّهم لم يكونوا يعلمون بحادثة كربلاء كما وقعت؛ لأنّها لم تكن قد وقعت، إلاّ أنّ نصرتهم للإمام الحسينعليهالسلام
إجمالاً - ولقاءه وامتثال أوامره أيّاً كانت - هذا ممّا كان هؤلاء الخاصّة يستهدفونهُ بصراحة ووضوح، فإن بقيَ الحسين وانتصرَ بقوا معه، وإن قُتل قُتلوا معه، وعلى أيّ حال فينبغي لهم في التكليف الشرعي الذي يعرفونه، أن يحافظوا على حياتهم الآن ليطبّقوا مثل هذا التكليف في المستقبل عند لقاء الحسينعليهالسلام
.
بقيَ السؤال الذي يخطر في الذهن:
وهو أنّ مسلم بن عقيلعليهالسلام
لماذا بقيَ مُتلدِّداً في أزقّة الكوفة، وقد كان من الأفضل له أن يلتجئ إلى بيت أحد الثقاة من أصحابه، أو أن يخرج إلى البرّ ويلتحق بالأعراب فلا يعرفهُ أحد.
والجواب عن ذلك يكون على مستويات:
المستوى الأوّل:
إنّ مسلم بن عقيل (سلام الله عليه) رجلٌ غريب في الكوفة، لا يعرف بيوتها ولا طُرقاتها، وقد كان أصحابه يقصدونه من منازلهم وهو لا يعلم أين تقع منازلهم، ولم يكن خلال هذه المدّة التي عاشَ فيها في الكوفة متيّسراً لهُ المشي في الطُرقات والتعرّف على البيوت؛ لأنّه كان بمنزلة القائد، فلابدّ لهُ من البقاء في مركزه، وإنّما يشتغل له الأتباع فقط.
المستوى الثاني:
إنّ مسلم بن عقيل (سلام الله عليه) أدركَ لا محالة ما التفتنا إليه قبل قليل، من تفرّق خاصّته عنه، وأدركَ سبب ذلك، وهذا السبب ممّا ينبغي أن يحترمه تجاههم، مضافاً إلى إدراكه كراهتهم البقاء معه في ذلك الحين، وكان إذا أراد متابعتهم فسوف يعمل ما يكرهونه ويدخل بيوتهم عنوة عنهم، ويبقى فيها فيكون حراماً عليه.
المستوى الثالث:
إنّه لا يوجد في ذلك الحين من أصحابه مَن يستطيع حمايته على الإطلاق؛ لأنّ بعضهم كان قد سُجن:كهاني بن عروة، والمختار بن عبيدة الثقفي،
وآخرون، إذاً فدُورُهم مُغلقة في وجهه، وهم منكوبون قبل نكبته، وبعضهم مراقَب ومطارَد، وليس أسهل على الحكّام من أن يجدوا مسلماً في بيت أحد أصحابه، فإنّها أرجح الاحتمالات لوجوده، بخلاف ما إذا تخفّى في محلّ غير مُلفت للنظر كما فعل.
المستوى الرابع:
إنّ خروجه بالبرّ لم يكن مُنجياً له؛ لأنّه لم يكن يملك فرساً، أو أيّة دابة في ذلك الحين، وإنّما كان يمشي راجلاً في الطُرقات ومتعباً بعد يومٍ حافل بالنشاط والحركة.
إذاً، فحتّى لو خرجَ إلى البرّ فسوف لن يستطيع أن يبتعد كثيراً، حتّى يطلع الصبح وسوف يَدركه أعداؤه لا محالة، بل سوف يُقبض عليه عاجلاً؛ لأنّ ابن زياد جَعلَ في المدينة وأطرافها عيوناً ساهرة تراقب الحال باستمرار، فما أسهل ما يقع مسلم بن عقيل بيد أحد هؤلاء أو جماعة منهم، إذاً فما فعلهُ (سلام الله عليه) كان أفضل الاحتمالات وهو: الالتجاء إلى محلّ غير مُلفت للنظر على الإطلاق، عسى الله أن يكتب لهُ فيه الخير.
المستوى الخامس:
إنّه قد يقع السؤال عن إمكانه النجاة بالمعجزة، أو طيّ الأرض ونحو ذلك، وقد ناقشنا ذلك فيما سبق، والتفتنا إلى أنّه لم يكن في الحكمة الإلهيّة حصول المعجزات لنصرة أهل الحق، بل يبقى الأمر مطابقاً للقانون الطبيعي باستمرار، وإلاّ لم تكن أيّة حاجة إلى أيّ حربٍ خاضها رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، أو أمير المؤمنين، أو الحسينعليهمالسلام
، أو أيّ شخصٍ آخر.
تألّبُ الناس ضدّه
وكما نفينا فيما سبق إمكان المبالغة في تألّب الناس ضدّ الحسينعليهالسلام
، كذلك ننفي هنا المبالغة في تألّب الناس ضدّ مسلم بن عقيل (سلام الله عليه)؛ وذلك أنّ مقتضى كلام الخطباء الحسينيين عنه: أنّهعليهالسلام
جَمع الناس في أحد الأيّام كجيش محارِب وزوّدهم بالأسلحة، وأمّر عليهم الأمراء والقوّاد، ونادى بشعار المسلمين يوم بدر:(يا منصور، أمِت أمت)
.
واجتمعت إليه الكوفة برمّتها، حتّى إذا كان المساء نفسه تفرّقوا عنه، حتّى بقيَ وحده يتلدّد في أزقّة الكوفة، فلمّا كان الصباح نفسه تألّبوا جميعاً ضدّه وقاتلوه، حتّى النساء والأطفال كانوا يرمونه من السطوح بالحجارة، ويشعلون النار في أطناب القصب ويرمونها عليه.
وهذه (خريطة) ذهنية غير معقولة، ولئن كان يمكن حصولها في مدّة طويلة، فلا يمكن حصولها في مدّة قصيرة في عشيّة واحدة، فلئن كان يمكن تفرّق الناس عنه لمدى الضغط والمكر الذي مارسه ابن زياد وأصحابه، غير أنّه لا يمكن تألّبهم ضدّه إلى هذه الدرجة، فإذا عَلمنا أنّه كان يحارب وحده حين هجموا عليه في الدار، بقصد إلقاء القبض عليه،
____________________
إذاً لم يكن الحاكم في حاجة إلى جيش عَرمرم ضدّه مهما كان شجاعاً ومقاتلاً بارعاً، ويكفي أن يجد ابن زياد من أصحابه عدّة مئات يكفونه المؤونة، بدون حاجة إلى أن نتصوّر إلى أنّ الكوفة كلّها قد انقلبت ضدّه في عشيّة واحدة.
وقد نظرتُ في المصادر التاريخيّة فوجدتُ أنّ الرمي من سطوح المنازل ضدّ مسلم بن عقيل، مذكورٌ فعلاً
، إلاّ أنّ هذا لا يعني أنّ الشعب كلّه فعل ذلك؛ وذلك:
أوّلاً:
إنّه لا وجود لذكر النساء والأطفال الفاعلين لذلك.
ثانياً:
إنّنا لو سلّمنا ذلك، فإنّما هم شَرذِمة من عوائل أعدائه.
ثالثاً:
إنّ أصحاب بعض البيوت من أعدائه من الرجال فعلوا ذلك.
رابعاً:
إنّ الجيش المعادي له الذي أرسلهُ ابن زياد للقبض عليه، وجدَ من الحيَل للسيطرة عليه أن يدخل البيوت عَنوة ويرميه البعض من السطوح بالحجارة والنار، فإذا كان ذلك محتملاً، والاحتمال مبطل للاستدلال، فلماذا نفترض ما هو مُستبعد في نفسه، وهو انقلاب الشعب كلّه ضدّه في عشيّة وضُحاها.
____________________
تأسيسهُ للجيش
سَمعنا قبل قليل ما نقلهُ التاريخ من تأسيسه (سلام الله عليه) - في أيّامه الأخيرة من حياته، ومن وجوده في الكوفة - جيشاً مهمّاً أمّر عليه القادة ونادى بشعار رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، وأصبحَ هو القائد العام له، ولكنّهم تفرّقوا عنه بسبب مكر أعدائه.
والمهمّ الآن أنّه قد يخطر في الذهن سؤالان:
الأوّل:
إنّه لماذا أراد تأسيس الجيش مع أنّنا عرفنا فيما سبق أنّه غير مخوّل بذلك، وإنّ نصّ الرسالة التي أرسلها الإمام الحسينعليهالسلام
معه لا تساعد على ذلك؟
الثاني:
إنّه لماذا لم يحتل بهذا الجيش قصر الإمارة في نفس اليوم ويقضي على عبيد الله بن زياد ويستلم الحكم، ولقد كان ذلك أفضل بكلّ تأكيد له وللحسينعليهالسلام
وللدين عموماً، من هذا التأخير الذي حَصل والذي أدّى إلى فشل تلك المهمّة؟
أمّا السؤال الأوّل، فيمكن أن يجاب عنه بعدّة مستويات:
المستوى الأوّل:
إنّ تأسيس هذا الجيش لمجرّد الدفاع عن الوضع الذي كان فيه مسلم بن عقيلعليهالسلام
وأصحابه - أو قل: إنّه محاولة لإرجاع الوضع المرتبك الذي استطاع ابن زياد زرعهُ ضدّه، إلى أوّل حالة من حرّية التحرّك والكلام - لم يكن فيه بأس على الإطلاق؛ لأنّه لا يستلزم إهراق أيّ دم.
المستوى الثاني:
إنّ تأسيس الجيش والسيطرة على الحكم في الكوفة وإن لم يكن مذكوراً في كتاب الحسينعليهالسلام
، غير أنّ مسلم بن عقيل ضمناً مخوّل لا محالة بأن يفعل في الكوفة كلّ ما يرى فيه المصلحة والإصلاح، فإن وجدَ في حال الكوفة ومن حال أصحابه إمكان أو وجوب تأسيس مثل هذا الجيش، لم يكن فيه بأس، حتّى لو استلزمَ الحرب وإراقة الدماء، لكنّنا سبقَ أن قلنا: إنّ مسلماً (سلام الله عليه) كان يتجنّب ذلك جهد الإمكان، لكي لا يكون مسؤولاً أمام الله سبحانه في التسبيب لضرب المجتمع بعضه بعضاً وهو جديد عهد بالإسلام، وقد فعل ذلك إلى آخر لحظات حياته.
مضافاً إلى أنّنا يحسن أن نلتفت إلى أنّه إذا كان قاصداً للسيطرة على الحكم، فالمظنون جدّاً أنّها سوف تتمّ بدون إراقة دماء على الإطلاق، أو بدماء قليلة جدّاً، لإمكان السيطرة على قصر الإمارة بسهولة وسرعة مع نجاح الجيش العقيلي وانضباطه.
المستوى الثالث:
إنّ تأسيس هذا الجيش، ليس لكلّ ما ذكرناه، بل لاستقبال الحسينعليهالسلام
به حين يرِد الكوفة، فَيرِد على جيش منظّم ومن نقطة قوّة عالية وكافية، وهذا سبب محترم جدّاً لانتصاره وسيطرته على العراق كلّه لو شاء الله لهُ الاستمرار.
ومسلمعليهالسلام
وإن لم يصرِّح بذلك لأحدٍ، لكنّه من الأرجح جدّاً أن يكون قد احتملَ ذلك، وإذا تمّ لهُ الجيش لم يكن في الإدارة المعادية له في الكوفة أيّة أهميّة عملية وهي ضعيفة عندئذٍ، بل يمكن السيطرة عليها لحظة ورود الحسينعليهالسلام
، أو قبل ذلك لو اقتضت المصلحة ذلك.
وأمّا الجواب على السؤال الثاني:
فلعلّ نفس إثارة السؤال يُعتبر هَذراً وسُخفاً، وإن كان طالما خطرَ في عددٍ من الأذهان، لوضوح أنّ العمل الجادّ والحقيقي يكاد أن يكون مستحيلاً في اليوم الأوّل، حين لم يكن الجيش مرتّباً ولا مضبوطاً لحد الآن، وإنّما يُعتبر اليوم الأوّل جَمعاً للأفراد وتسجيلاً لهم في هذا الجيش.
وينصّ التاريخ أنّ الكوفة بقيت خلال ذلك اليوم في حركة ولغط طيلة ذلك اليوم
، وليس هناك من هدفٍ لهم إلاّ التجمّع وتطبيق الشعار الذي قاله مسلم بن عقيل (سلام الله عليه)، وأمّا مسلم نفسه فمعَ استمرار هذا الارتباك واللغط وكثرة الحركة، فمن المتعذّر عليه إصدار الأمر باحتلال قصر الإمارة بهذه السرعة والسهولة، ولعلّ فيه أو في خارجه مَن يحارب إلى جانبه فيصل الأمر إلى ما لا تُحمد عُقباه.
ونحن لو التفتنا إلى تفرّق الناس عن مسلمعليهالسلام
لمجرّد التهديد والخديعة،
____________________
فكيف لا يكون تفرّقهم عنه إذا دخلوا تحت ضغط الحرب الحقيقية، وهذا أمرٌ لا يفوت إدراكه لمسلمعليهالسلام
وقد عاشرهم هذا الردح من الزمن.
إذاً فتأسيسه للجيش ليس للحرب الفعلية؛ وإنّما للدفاع الفعلي، أو قل للاطمئنان الفعلي ودَفع مكر الأعداء عنه أوّلاً، وانتظار دخول الإمام الحسينعليهالسلام
إلى الكوفة ثانياً، ثمّ يكون هو المتكفّل بما يفعل ويأمر بعد أن ساعدهُ مسلمعليهالسلام
بتأليب القلوب والنفوس إلى جانبه، غير أنّ كلّ ذلك أو غير ذلك، ممّا لا يَذعن له أعداؤه بطبيعة الحال، ومن هنا تسبّب ابن زياد إلى إفشال هذه المهمّة على كلّ حال.
أسئلةٌ حول واقعة الطف
بعد أن انتهينا من المهمّ من موارد ومقدّمات واقعة الطف - لو صحّ التعبير - فلنا الآن أن نلتفت إلى الواقعة نفسها؛ لنسمع ما قد يُثار حولها من استفهامات يمكننا أن نعرضها في الجهات التالية:
الجهة الأولى:
إنّه وردَ في التاريخ أنّ الحسينعليهالسلام
جَمع أصحابه ليلة اليوم العاشر من المحرّم، وأذِنَ لهم بالانفصال عنه والتفرّق في البلدان لكي ينجوا من القتل، وقال فيما قال:(ألا وإنّي لأظنّ يومنا من هؤلاء الأعداء غداً، ألا وإنّي قد أذنتُ لكم جميعاً، فانطلقوا في حِلٍّ ليس عليكم منّي حرج ولا ذمام، وهذا الليل قد غَشيكم فاتّخذوهُ جَمَلاً، ثمّ ليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، وتفرّقوا في سواد هذا الليل، وذَروني وهؤلاء القوم؛ فإنّهم لا يريدون غيري، ولو أصابوني لذُهلوا عن طلب غيري)
، فرفضوا ولم يتفرّقوا، فهنا قد تَرد عدّة أسئلة:
إحداها:
لماذا أذِن لهم بالتفرّق عنه مع حاجته إليهم في الدفاع عنه؟
ثانيها:
لماذا لم يتفرّقوا عنه، وماذا كان هدفهم في ذلك؟
ثالثها:
إنّهم كان يجب عليهم أن يهربوا؛ لأنّ التعرّض للقتل حرام، فلماذا لم يفعلوا؟
أمّا عن السؤال الأوّل:
فأوّل خطوة ينبغي اتخاذها بهذا الصدد هو: نفي ما زَعمه السائل من أنّ الحسينعليهالسلام
كان محتاجاً إلى أصحابه في الدفاع عنه، بل لم يكن من حاجة إلى ذلك أصلاً؛ لأنّه يعلم أنّه مقتول لا محالة، ولم يكن في وضعٍ يؤهّله للنجاة طبيعياً بكلّ صورة، ولم يكن كلّ أصحابه بالعدد الكافي للدفاع عنه، وإنّما يدور الأمر بين مقتله وحده أو قتله مع أصحابه، أمّا التسبيب إلى نجاته فهو غير محتمل إطلاقاً.
____________________
وقد كان ذلك غير محتمل في زمنٍ سابق حال وجوده في الحجاز، أو حين بَلَغه خبر مقتل مسلم بن عقيل وهو في الطريق، أو حين جعجعَ به الحرّ الرياحي، ففي مثل وقته هذا وقد تجهّز عليه الجيش كلّه، يكون العلم بالنتيجة أولى وروداً وأوضح ثبوتاً، هذا مضافاً إلى ما حصلَ فعلاً تاريخيّاً: وهو أنّ أصحابه صَمدوا معه وحاربوا إلى جنبه، ومع ذلك لم يدفعوا عنه القتل وهذا كان معلوماً سَلفاً، وقد ثبتَ بالتجربة صدقه.
فإذا انتفت حاجتهُ إليهم عمليّاً لم يكن هناك إشكال شرعي في الإذن لهم بالتفرّق، و لا يجب عليه الاحتفاظ بهم؛ لأنّهم سوف لن يسعفوه بشيء.
بل الأمر قد يكون بالعكس: وهو أنّه (عليه الصلاة والسلام) قد يحسّ بتكليفه الشرعي بلزوم أمرهم بالانصراف، إنقاذاً لهم من الموت الذي يمكن أن يكونوا في غنىً عنه، مضافاً إلى جهة أخرى وهي: الحفاظ على النفوس، يعني الحفاظ على جماعة من المؤمنين الذين يصلحون للدعوة إلى قضية الحسينعليهالسلام
وهداية الناس، وقد قامعليهالسلام
بهذه المهمّة، ومن هنا قد يتخيّل الفرد أنّه يجب عليهم أن يتفرّقوا لأجل إحراز هذه النتائج، وسيأتي الكلام عنه.
إلاّ أنّ الحقيقة أنّ المقصد الرئيسي - حسب ما نفهم - لم يكن هو ذلك، بل كان لأجل اختبار هِممهم في نصره وفي السير في سبيل الشهادة، وتحصيل طاعة الله ورضاه سبحانه من هذه الناحية، ومن هنا يمكن أن يقعوا تحت طائلة نفسية قوية في التضاد، أو في الشعور المتضاد في ضرورة البقاء وضرورة الذهاب، إلاّ أنّهم مع ذلك لم يفكّروا طرفة عينٍ في الذهاب،
بل أدركوا بكلّ وضوح ضرورة البقاء مع الحسين ونيل الشهادة بين يديه، جزاهم الله خير جزاء المحسنين، وبذلك صاروا أفضل الشهداء على الإطلاق
.
فهذا هو مختصر الكلام في الجواب عن السؤال الأوّل.
____________________
عليهالسلام
صلىاللهعليهوآله
عليهالسلام
عليهالسلام
عليهمالسلام
عليهالسلام
صلىاللهعليهوآله
____________________
صلىاللهعليهوآله
____________________
عليهالسلام
____________________
وأمّا السؤال الثاني:
وهو عن سبب التحاقهم به وعدم تفرّقهم عنه - بالرغم ممّا سبقَ قبل قليل من احتمال وجوب ذلك في ذِممهم - فجواب ذلك يتمّ على عدّة مستويات نذكر منها:
المستوى الأوّل:
إنّ المهمّ في نظر المؤمن ليس هو النظر إلى التكليف الشرعي بالذات، بل إلى رضاء الله عزّ وجل، وإنّما يكون تطبيق التكليف وطاعته مقدّمة لذلك وأسلوباً لتحصيله، فإذا أحرزَ الفرد أنّ هناك منبعاً لرضا الله عزّ وجل أفضل وأهم وأعلى من مجرّد تطبيق بعض الأحكام، كما أحرز أصحاب الحسينعليهالسلام
، كان لهم بل لزمهم اختيار الأفضل والمحلّ الأعلى لا محالة.
المستوى الثاني:
إمكان المناقشة في ذينك التكليفين اللزوميين اللذين أشرنا إليهما فيما سبق، وذلك بالقول إنّهما كانا ساقطَين تماماً عن ذمّة هؤلاء الجماعة الناصرين للحسينعليهالسلام
، بالرغم من أنّ مقتضى القواعد المعروفة ثبوتها في كثيرٍ من الموارد الأخرى.
أمّا التكليف الشرعي بهداية الناس والدفاع الكلامي عن قضية الحسين خاصّة والدين عامّة؛ فلأنّ ذلك كلّه لم يكن يتوقّف عليهم ولا يستند إليهم،
بل هم يعرفون وجود ناس آخرين على قدر الحاجة متفرّقين في البلدان يمكن أن يقوموا بهذه المهام، ومن المعلوم أنّه مع وجود ما يكفي للحاجة يكون التكليف الإلزامي الكفائي ساقطاً عن الآخرين.
وأمّا الجواب على السؤال الثالث
- وهو المحافظة على النفس وحرمة إلقاء النفس في التهلكة، أو قل وجوب الهرب عن مثل هذا السبب: فلا شكّ أنّهم عَلموا بجواز البقاء مع الحسينعليهالسلام
، حتّى لو أذنَ لهم بالتفرّق؛ فإنّه لم يأذن لهم إلزاماً، وإنّما أذِن لهم جوازاً للقتل، وإذا عرفوا منه - وهو آمرهم وإمامهم ومصدر شريعتهم - جواز البقاء والتعرّض للقتل، إذاً فقد سقطَ تكليفهم بذلك أمامَ الله عزّ وجل، فلم يبقَ أمامهم إلاّ البقاء وتحصيل المقامات العليا التي ينالونها بالشهادة.
المستوى الثالث:
مستوى الامتحان أو التمحيص الذي مرّوا به وأحسّوا به.
وقد أسلفنا أنّه من الواضح أنّ المقصود الرئيسي للحسينعليهالسلام
في الإذن لأصحابه بالانصراف: هو امتحان درجة همّتهم في نَصره واستعدادهم للفداء دونه، ومن هنا وردَ في الرواية:(ولقد بَلوتهم، فلم أجدُ فيهم إلاّ الأشوس الأقعس يستأنسون بالمنيّة دوني استئناس الطفل إلى محالب أمّه)
.
فهذه هي نتيجة التمحيص والامتحان وهي نتيجة ناجحة، ولو كانوا قد قالوا غير ذلك لفشلوا في نظر الحسينعليهالسلام
، ولم يؤدّوا تكليفهم الكامل أمام الله وأمام إمامهم ومصدر شريعتهم، والظاهر أنّ فيما ذكرناه الكفاية عن الدخول في المزيد من التفصيل.
____________________
الجهة الثانية:
قالوا في تاريخ واقعة الحسينعليهالسلام
: إنّ العبّاسعليهالسلام
حين ذهبَ ليملأ القربة بالماء، وحاربَ أعداءه إلى أن وصلَ إلى ضفّة النهر، قالوا: ثمّ اغترفَ غرفة من الماء وأدناها من فمه ليشرب، ثمّ رمى بها من يده وقال:
يا نفسُ من بعد الحسين هوني
|
|
وبعدهُ لا كنتِ أن تكوني
|
هذا الحسين وارد المنون
|
|
وتشربينَ بارد المعينِ
|
تالله ما هذا فعالُ ديني
فقد يخطر في البال السؤال عمّا إذا كان الأولى بالعبّاسعليهالسلام
شُرب الماء، للتقوّي على الأعداء، ومن ثَمّ نصرة الحسينعليهالسلام
، ومن ثمّ نصرة الدين أساساً؟
إلاّ أنّه ينبغي أن يكون الجواب واضحاً بعد كلّ الذي سبقَ أن عرفناه؛ وذلك على عدّة مستويات، نذكر منها:
المستوى الأوّل:
إنّه لم يكن يوجد أيّ سبب في ذلك الحين ممّا يؤدي إلى نجاة الحسينعليهالسلام
من القتل، فحتّى لو شَرب العبّاس الماء بالمقدار الذي يحتاجه جسمه أو أكثر، وتشجّع وقاتلَ أكثر ممّا قاتل، فإنّه لم يكن بالممكن أن ينجو هو ولا أخوه الحسينعليهالسلام
من القتل، بل السبب لقتلهم موجود ومتحكّم لا محالة.
المستوى الثاني:
إنّه وجدَ من الخيانة لأخيه وذويه أن يكون ريّاناً بالماء وهم عطاشا، وهذا ما يُصرّح به التاريخ
، وقد نطقَ به الشعر الذي نقلناه عنه بصراحة، وهو أدب إسلامي عالي أمام الله سبحانه، ومن هنا قال:(تالله ما هذا فعال ديني)
.
____________________
المستوى الثالث:
إنّه شعرَ بتكليفه في ذلك الحين بوجوب الإعراض عن شُرب الماء وأطاع تكليفه ذاك، وهذا الشعور يكون بأحد أساليب: إمّا بالإلهام، أو بالرواية عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، أو عن فاطمة الزهراءعليهاالسلام
، كما نُقل في بعض الروايات
.
المستوى الرابع:
إنّهعليهالسلام
أراد أن يموت عطشاناً عَمداً أمام الله سبحانه؛ لأنّ ذلك أكثر أجراً وأعلى مقاماً، ومن هذا القبيل ما رويَ عن أبيه أمير المؤمنينعليهالسلام
عندما دُعي إلى مأدبة، فأكلَ ثلاث لقم فقط ثمّ سحبَ يده، فقال له ابن عبّاس: هلاّ أكلتَ يا أمير المؤمنين؟ فقال:(إن هي إلاّ ثلاث وأريد أن ألقى ربّي خميصاً)
.َ
إذاً فكان أمير المؤمنين يريد أن يلقى الله جوعاناً، فكذلك ابنه العبّاس يريد أن يلقى الله عطشاناً.
وينبغي أن نلتفت أنّ المستوى الأوّل هو الأهمّ فقهيّاً، وهو الذي فتحَ الباب للعبّاسعليهالسلام
إلى أحد المستويات الثلاثة الأخرى؛ لوضوح أنّ شرب الماء لو كان سبباً للنجاة كان واجباً، ولا تقوم أمامه المستويات الأخرى إطلاقاً، إلاّ أنّنا عرفنا أنّه لا يُحتمل فيه ذلك.
الجهة الثالثة:
إنّه نقلَ إلينا التاريخ: أنّ عليّ بن الحسين الأكبرعليهالسلام
خرجَ إلى الحرب فترةً من النهار ثمّ رجعَ إلى الحسينعليهالسلام
فقال:(يا أبه، العطش قد قَتلني وثِقل الحديد قد أجهدَني، فهل إلى شُربة ماء من سبيل أتقوّى بها على الأعداء)
،
____________________
فبكى الحسينعليهالسلام
وقال:(واغوثاه، من أين آتي لك بالماء، قاتِل قليلاً فما أسرع ما تلقى جدّك رسول الله، فيسقيك بكأسه الأوفى شُربة لا تظمأ بعدها أبداً)
.
ورويَ أنّ الحسينعليهمالسلام
قال له:(يا بُني هات لسانك،
فأخذَ لسانه فمصّه ودفعَ إليه خاتمه الشريف: وقال له:يا بُني أمسكهُ في فَمك وارجع إلى قتال عدوّك)
.
أقول:
وفي النتيجة أنّه لم يَدفع له شربة ماء، فقد يُثار السؤال عن السبب في ذلك وخاصّة عن استعمال المعجزة في هذا الصدد؟
وجوابُ ذلك على عدّة مستويات نذكر منها:
المستوى الأوّل:
ما يشبه ما ذكرناه في المستوى الرابع من الحديث عن العبّاسعليهالسلام
: من أنّ المصلحة عند الله عزّ وجل تقتضي أن يستشهد عطشاناً هكذا أراد له أبوه، وهكذا أراد لنفسه، وقيل: لغرضٍ من أبيه.
المستوى الثاني:
إنّ المستوى الطبيعي أو السبب الطبيعي كان متعذّراً تماماً، ولذا قال الحسينعليهالسلام
في الرواية:(واغوثاه، من أين آتي لك بالماء؟).
وأمّا مستوى المعجزة: فقد سبقَ أكثر من مرّة أنّ أسلوب الإسلام من عصر النبيصلىاللهعليهوآله
فما بعده، لم يكن قائماً على ذلك(
لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ
)
، ولا شكّ أنّ أسلوب المعجزة يختلف عن ذلك.
المستوى الثالث:
ما تقولهُ الرواية من أنّه مدّ لهُ لسانه وأعطاه خاتمهُ، وكلّنا نعرف أنّ اللُعاب يمكن أن يتحلّب مع وجود شيء في الفم، فيشعر الفرد بشيء من الارتواء، ويُساعده ذلك على تحمّل الحرب.
____________________
الجهة الرابعة:
قالوا - كما في بعض المقاتل عن رضيع للحسينعليهالسلام
-: (ثمّ أتى به نحو القوم يطلب له الماء، وقال:(إن لم ترحموني، فارحَموا هذا الطفل)
، فاختلفَ العسكر فيما بينهم، فقال بعض:إنّ كان ذنبٌ للكبار فما ذنب الصغار
، وقال آخرون:لا تُبقوا لأهل هذا البيت باقية
،
وكادت الفتنة أن تقع بينهم، فصاح ابن سعد في حرملة بن كاهل:اقطع نزاع القوم
، قال: فوضعتُ السهم في كبد القوس، وقلت: أللوالد أم للولد؟ قال: بل الولد، فرميتهُ وهو في حِجر أبيه فذبحته من الوريد إلى الوريد، فتلقّى الحسين الدم بكفّه ورمى به نحو السماء)
.
فقد يخطر في الذهن:
إنّه لماذا أخذَ الحسين رضيعه إلى جانب الأعداء؟ مع أنّه من الواضح حصول قتله على أيديهم، وهو أمر لا يخفى على الحسينعليهالسلام
، حتّى بالتسبيب الطبيعي فضلاً عن العلم الإلهامي، ويمكن الجواب على ذلك على عدّة مستويات نذكر منها:
المستوى الأوّل:
إقامة الحجّة على الأعداء، وفضحهم في النتيجة، إذ يثبت بالحسّ والعيان قتلهم للأطفال والعُزّل، وهو أمرٌ يثبت على عدّة مستويات منها: أمام أفراد الجيش المعادي نفسه، ومنها: أمام الجيل المعاصر للحسينعليهالسلام
، ومنها: أمام الأجيال المتأخّرة عنه، ودلالة ذلك: ما سمعناه عن المؤرّخين من وقوع الخلاف بين أفراد الجيش المعادي، فقال بعض المنصفين منهم:(إذا كان ذنبٌ للكبار فما ذنب الصغار)
، وقال بعض المعاندين:(لا تُبقوا لأهل هذا البيت باقية)
، فقد حصلَ التمحيص والامتحان آنيّاً، فضلاً عن إقامة الحجّة في المدى القريب والبعيد.
____________________
وينبغي أن نلتفت أيضاً:
إلى أنّ هذا المستوى من التفكير يقتضي التسليم بأنّ الحسينعليهالسلام
رأى أنّ إقامة الحجّة أمام الأعداء، ذو مصلحة أكيدة حتّى لو فدى في سبيلها ولدهُ الرضيع، وهذا أمرٌ مقنع وجداناً؛ لأنّ ما حصل من فضيحة هؤلاء لم يكن له مثيل.
المستوى الثاني:
إنّ الحسينعليهالسلام
أراد التضحية بولده أمام الله سبحانه قبل موته واستشهاده، ومثلهُ ما رويَ عن العبّاسعليهالسلام
، حيث قال لأخوته الذين كانوا معه في واقعة الطف:(تقدّموا يا بَني أمّي لكي أحتسِبكم أمامَ الله سبحانه)
، فهو يَعتبر استشهاد أخوته عملاً وطاعة له شخصياً، ففي مثل ذلك فكّر الحسينعليهالسلام
.
المستوى الثالث:
إنّ الإمام الحسينعليهالسلام
نفّذ قضاء الله وقدره الذي يعلمه بالإلهام أو بالرواية، والذي لم يكن منه بُدّ، بل كان واجباً عليه تنفيذه كوجوب صلاة الظهر علينا، وقد ضحّى به امتثالاً لأمر الله سبحانه وتسليماً لقضائه.
ومن هنا وردَ عن لسانه:(شاء الله أن يراهنّ سبايا)
، وعن طفله:(شاء الله أن يراه مذبوحاً)،
والمشيئة إمّا أن تكون تكوينية يعني من القضاء والقدر، أو تشريعية يعني التكليف والوجوب، وهي على كلا التقديرين محبوبة لأهل الله سبحانه ومنهم الحسينعليهالسلام
، وهناك مستويات أخرى من الوجوب لا حاجة إلى التطويل بها.
الجهة الخامسة:
رويَ أنّه كان من جملة أساليب المحاربة ضدّ الحسينعليهالسلام
بعد مقتل أصحابه وأهل بيته: أنّه رماهُ أحد القوم بسهم محدّد مسموم له ثلاث شُعب وقعَ على صدره، وفي بعض الروايات: وقعَ على قلبه، فأخذَ السهم فأخرجه من قفاه فانبعث الدم كالميزاب)
.
____________________
فهنا قد يحصل سؤالان:
السؤال الأوّل:
كيف يمكن أن يكون للسهم ثلاث شُعب وهذا غير معهود في التاريخ، بل لا يصلح مثل ذلك للرمي كسائر السهام؟
والسؤال الثاني:
عن إخراجه من قفاه، وهل يمكن ذلك؟ وإذا أمكنَ فهو يؤدّي إلى الوفاة فوراً، مع أنّ هذا لم يحصل؟
أمّا الجواب عن السؤال الأوّل:
فبعد تسليم صحّة سند الرواية، لا نجد أنّها تشير إلى أنّ الشُعب الثلاث متساوية في الارتفاع أم لا، ولا أنّها قد أصابت جميعاً صدر الحسينعليهالسلام
، بل من الممكن أنّه يكون لهُ رأس واحد كبير ورأسان أصغر منه، والتأثير الأساسي - سواء في الرمي أو في الإصابة - للكبير دون الصغيرين؛ وإنّما تأثيرهما جانبي أو قليل ولا يمنعان الرامي من الرمي، ولا السهم من الانطلاق، مضافاً إلى أنّه من المحتمل أن تكون الشُعب الثلاث من خلف النبلة لا من أمامها.
وأمّا الجواب عن السؤال الثاني:
بعد تسليم صحّة سند الرواية أيضاً، احتمال أن يكون الضمير في قولنا: أخرجهُ من قفاه، يعني السهم، أي: سَحبَ السهم من قفاه، وهو أمرٌ اعتيادي وما لابدّ من وقوعه، لو كان في الفرد جرأة على سحب السهام من جسمه، وإنّما تدفّق الدم بكثرة باعتبار كثرة انغراسه في جسم الحسينعليهالسلام
ووجود شُعب فيه.
هذا، مضافاً إلى أنّ الضمير المشار إليه إذا رجع إلى الحسينعليهالسلام
، أمكن القول بأنّ السهم لم يقع في وسط صدره، بل في أحد جانبيه نسبياً.
ومن هنا لم يكن إخراجه من القفا مستلزماً لتشقّق القلب أو إحدى الرئتين، لتحدث الوفاة السريعة.
وأمّا عدم تأثير السمّ فيه سريعاً، مع أنّه وردنا في التاريخ كون السهم مسموماً
كما سمعنا؛ فإنّ ذلك يُعزى إلى تدفّق الدم بكثرة، الأمر الذي أوجبَ خروج المواد السامّة مع الدم بعد سحب السهم نفسه.
هذا، وفي كلّ ذلك فإنّ الاحتمال مُبطل للاستدلال وقاطع للسؤال، ولا نحتاج إلى الجزم أو التأكيد على أحد الوجوه بالذات.
الجهة السادسة:
ورَدَنا في التاريخ: (أنّه بعد أن حاربَ الحسينعليهالسلام
أعداءه وسقط على الأرض، أمرَ قائد الجيش المعادي جماعة منهم أن يركبوا الخيول ويدوسوا بحوافرها جسد الحسينعليهالسلام
، فانتدبَ لهُ عشرة من الفوارس، فداسوا جسد الحسين بخيولهم حتّى رضّوا ظهره وصدره)
.
وقد سمعتُ شخصاً مَن يستشكل على ذلك بما مؤدّاه: (إنّني راكب مُجيد للخيل وأعرف طبائعها، فهي تقفز القفزة الطويلة وتتحاشى في طريقها العوائق، ومن المعلوم أنّ جسد الإنسان مهما يكن ضخماً لا يُعدّ عائقاً مهمّاً عن سير الفرس، ممّا يُسبّب استبعاد أن يتعمّد الفرس وضع حوافره على جسد الإنسان، بل سوف يتجنّبه لا محالة).
مضافاً إلى سؤالين آخرين لا يخلوان من أهمية:
السؤال الأوّل:
إنّ الخيل لو داست الجسد الشريف أو جسد أي إنسان، فسوف لن تؤثّر فيه أثراً يُذكر لصلابة لحمه وقوّة عظمه.
والسؤال الثاني:
إنّ المتوقّع أن تتحامى الخيل وتتجنّب عن عمد الدوس على الجسد الشريف وتعصي راكبيها، وإن كانت حيوانات؛ لأنّ الجسد الشريف من وضوح الأهمية والعظمة بحيث لا يخفى حتّى على الحيوانات، وخاصّةً لحيوان ذكي كالفرس، أو لأنّ هذه مهانة لا ينبغي أن يريدها الله عزّ وجل لوليّه الجليلعليهالسلام
، فلابدّ أن يَصرف هذه الحيوانات عند عملها هذا على كلّ حال.
____________________
أمّا الجواب عن السؤال الأوّل
- وهو الرئيسي الذي عرضناه في هذه الجهة، وهو عن تجنّب الفرس الدوس على جسد إنسان، بل نراها تطفر فوقه لا محالة -: وهذا صحيح لو نظرنا إلى طبيعة الفرس في الظروف الاعتيادية، أو قل: إذا نظرنا إلى السير الاعتيادي للفرس، إلاّ أنّ هذا النظام سوف يختلّ بكلّ وضوح لو أراد راكبها على أن يكون فارساً ماهراً، بأن يأمرها أو يقهرها على أن تدوس على أيّ شيء، فهي سوف تفعل لا محالة.
وهذا واضح لا ينبغي الشكّ فيه، ومعه ينسدّ ذلك السؤال تماماً بل يبدو سُخفه وضِعته.
وأمّا السؤال الثاني:
وقد كان عن صلابة الجسد بحيث لا يمكن أن تؤثر فيه الخيل، فهو أسخف من سابقه؛ لأنّنا إن تحدّثنا عن اليدين والرجلين، كان لهذا السؤال قسطٌ من الوجاهة، وأمّا لو تحدّثنا عن الجسد نفسه، أو ما يسمّى بالجذع طبياً - وهو المتكوّن من الصدر والبطن - فلا وجه للسؤال أصلاً.
وأمّا السؤال الثالث:
وهو عن تجنّب الحيوان فعل ذلك هيبة للحسينعليهالسلام
وإجلالاً؟
فجوابهُ:
إنّ هذا إنّما يكون بالمعجزة دون غيرها، وقد كرّرنا عدم إمكان وقوعها في مثل ذلك، وإذا أراد الله سبحانه مزيد البلاء لمزيد الثواب للحسينعليهالسلام
، ففي قدرته جلّ جلاله أن يحجب هيبة الحسين وعظمته عن هؤلاء الحيوانات، ويدعها تعمل على المستوى الطبيعي، ومن المعلوم أيضاً أنّ الله عزّ وجل حين يريد المزيد من البلاء، فإنّ جزءاً مهمّاً منه سيكون هو تحمّل المهانة لا محالة، وهذا لا ينافي ما قلناه في أوّل هذا البحث من أنّ الحسينعليهالسلام
لم يجد الذلّة،
ولم يمرّ بها على الإطلاق؛ لأنّ غاية ما يثبت هنا: هو أنّ الأعداء أرادوا له الذلّة، وهذا أمرٌ أكيد لا نستبعده عنهم، أمّا وقوعها حقيقة عليه أو وقوعه فيها، فهذا ما نحاشيه سلام الله عليه؛ فإنّ(
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
)
.
الجهة السابعة:
قالوا: (وأقبلَ فرس الحسين بعد سقوطهعليهالسلام
عنه، يدور حوله ويُلطّخ عُرفه وناصيته بدمه، فصاحَ ابن سعد بقومه:دونَكم الفرس؛ فإنّه من جياد خيل رسول الله
،
فأحاطت به الخيل، فجعلَ يضرب برجليه حتّى قتلَ رجالاً وأفراساً كثيرة، فقال ابن سعد:دعوهُ ننظر ما يصنع
،
فلمّا أمنَ الطلب، أقبلَ نحو الحسينعليهالسلام
، فأخذَ يمرِّغ ناصيته بدمه ويشمّه ويصهل صهيلاً عالياً، ثمّ توجّه إلى المخيّم بذلك الصهيل الحزين)
، وفي بعض الأخبار المنقولة أنّه:(ضربَ رأسه بعمود الخيمة حتّى مات)
.
فقد يقع السؤال:
عن إمكان إدراكه وتشخيصه للموقف بغضّ النظر عن حصول المعجزة، وهو حيوان وليس بإنسان بطبيعة الحال.
وجواب ذلك:
إنّنا إن أخذنا بفكرة المعجزة، أمكنَ القول بأنّ معاشرة المعصومين (سلام الله عليهم) من قِبل الإنسان والحيوان معاً، مؤثّرة في تكامله وفهمه، كلّ واحدٍ بمقداره واستحقاقه واستعداده، أمّا كيفيّة تقبّل ذلك بالنسبة إلى الحيوان، فهو أمر غير واضح؛ لأنّ مستوى فهم الحيوانات أمر غير واضح بدوره، إلاّ أنّ عدم وضوحه لا يعني عدم ثبوته ولو بنحو الاحتمال القاطع للاستدلال.
____________________
وإن لم نأخذ بفكرة المعجزة، فمن الأكيد أنّ الفرس من أذكى الحيوانات وأرقاها، وهي عند علماء الحيوان تأتي بعد القرد مباشرة وخاصّة الأفراس العربية الأصيلة، وقد كان فرس الحسينعليهالسلام
واحداً منها، فهي تَعرف صاحبها وتحبّه، وتعرف ذويه وتصبر على ما ينوبها في سبيله من جوعٍ أو عطش، وتحسّ بإكرام صاحبها لها وغير ذلك من الأمور، فليس عَجباً أن يفعل فرس الحسينعليهالسلام
ذلك، نعم، يبقى قتله لنفسه منوطاً بفكرة المعجزة أو بصحّة الرواية.
الجهة الثامنة:
(نقلَ التاريخ عن زيد بن أرقم وهو أحد الصحابة - وقد كان يومئذٍ بالشام - أنّه سمعَ رأس الحسينعليهالسلام
يتلو قوله تعالى:(
أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً
)
، فقال زيد بن أرقم:سيدي، رأسك أعجب وأغرب)
.
فهل نُصدِّق هذه الرواية أو نستبعدها باعتبار أنّه من المستحيل طبيعياً أن ينطق الموتى مطلقاً، أو قل: أن ينطق الرأس وهو متصل بصاحبه، فضلاً عمّا إذا كان مقطوعاً، فضلاً عمّا إذا كان مرّ على قطعه رَدح من الزمن؟
إلاّ أنّ هذا الاستبعاد في غير محلّه؛ لعدّة مستويات من التفكير نذكر منها:
المستوى الأوّل:
إنّه من الواضح أنّ مثل هذه الروايات لا ينبغي أن نعرضها أمام القانون الطبيعي؛ لأنّها قائمة على خصوص المعجزة، وليس لها من القانون الطبيعي أيّ نصيب، وإذا حَدثت المعجزة أمكنَ ذلك وغيره، وبالمعجزة نطقَ رأسان في البشرية المعروفة هما:رأس يحيى بن زكريا
عليهماالسلام
، ورأس الحسين
عليهالسلام
.
المستوى الثاني:
إنّ نُطق الرأس؛ إنّما كان لإقامة الحجّة على أهل الشام الذين كانوا يجهلون شأن الحسين وإمامته وصدق قضيته، بل كان الحكّام لديهم يغرسون في أذهانهم أنّ هذا الموكب لسبايا غير مسلمين من الروم،
____________________
أو الزنج، أو الديلم، أو القبط ونحو ذلك، وكان لابدّ لهذا الجانب - أعني لموكب الحسينعليهالسلام
- أن يُثبّت صِدق قضيّته، وفي الواقع أنّهم لم يُقصّروا في ذلك بعد أن تكلّم الإمام زين العابدين وزينب بنت عليعليهماالسلام
وآخرون، وحَدثت له عدّة مآتم في الشام فورياً.
ومحلّ الشاهد الآن:
أنّ الحسين نفسه شاركَ في هذه الحملة الواسعة للهداية والإعلام، وذلك بقراءته القرآن وهو فوق رأس رمح طويل، كانت مشاركته أوكد من كلّ المشاركات؛ لأنّه الشخص الرئيسي والأهمّ أوّلاً، ولأنّ مشاركته اعجازية ثانياً، وهاتان الصفتان لم تحصل لأيّ من المشاركين الآخرين في معسكر الحسينعليهالسلام
وإن عَلا شأنهم.
المستوى الثالث:
إنّي شخصياً كنتُ موجوداً في ليلة من الليالي قبل خمس وعشرين سنة تقريباً، في جلسة من جلسات تحضير الأرواح، وقد خطرَ لي أن أسأل إحداها قائلاً:هل تكلّم رأس الحسين
عليهالسلام
؟
وكان في حسباني أن تقول: نعم، أم لا، فكان من العَجب أنّها قالت:تكلّم سبع مرّات
، فقلنا: لعلّه تكلّم بهذا المقدار ولم يُنقل من التاريخ إلينا، وإذا أمكنَ ذلك مرّة أمكنَ مرّات عديدة وليس في قدرة الله بمستغرَب.
وحصلتُ على كتاب بعد خمس وعشرين سنة بعنوان(الحسين في الفكر المسيحي)
تأليف(أنطوان بارا)
:
وهو مسيحي مُنصف مَجّدَ الحسين ورثى لهُ، وقارنَ شهادتهُ بما يعتقدونه من مقتل المسيح وشهادته، وإذا بي أجد في هذا الكتاب النقول التاريخية عن كلام رأس الحسينعليهالسلام
، فأحصيتُها فإذا بها سبعة، كما سمعتُ من تلك الروح قبل خمس وعشرين سنة، ورُبّ صدفة خيرٌ من ميعاد.
وأودُّ فيما يلي أن أنقل عبارة المؤلِّف، وما أجادهُ من التعب في نقل الجانب التاريخي الإسلامي الناطق بتاريخ رأس الحسين الناطق (سلام الله عليه)، وسأقوم بترقيمها تنبيهاً للقارئ على عددها، بالرغم أنّها من المصدر الذي أنقل عنه غير مرقّمة، ولعلّ المؤلِّف لم يلتفت إلى أنّها سبعة موارد أو إلى أهميّة كونها سبعة، قال:
١- ولما حُمل الرأس الشريف إلى دمشق ونُصب في مواضع الصيارفة، وهناك لغط المارّة وضوضاء المتعاملين، فأراد سيّد الشهداء توجيه النفوس نحوه ليسمعوا عضاتهُ، فتنحنحَ الرأس تنحنحاً عالياً، فاتّجهت إليه الناس واعترتهم الدهشة، حيث لم يسمعوا رأساً مقطوعاً يتنحنح قبل يوم الحسينعليهالسلام
، فعندها قرأ سورة الكهف إلى قوله تعالى:(
إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى
)
.
٢- وصُلب على شجرةٍ، فاجتمع الناس حولها ينظرون إلى النور الساطع فأخذَ يقرأ:(
وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ
)
.
٣- وقال هلال بن معاوية رأيت رُجلاً يحمل رأس الحسينعليهالسلام
والرأس يخاطبه:(فرّقتَ بين رأسي وبَدني)
، فرفعَ السوط وأخذَ يضرب الرأس حتّى سكت.
٤- ويُحدّث ابن وكيدة: أنّه سمعَ الرأس يقرأ سورة الكهف فشكّ في أنّه صوته أو غيره، فتركَعليهالسلام
القراءة والتفتَ إليه يُخاطبه:(يا بن وكيدة، أما عَلمتَ أنّا معشر الأئمّة أحياءٌ عند ربّهم يُرزقون)
.
٥- عَزم ابن وكيدة على أن يَسرق الرأس ويدفنهُ، وإذا الخطاب من الرأس الشريف:(يا بن وكيدة، ليس إلى ذلك من سبيل، إنّ سَفكهم دمي أعظم عند الله من تسييري على الرمح، فَذَرهم فسوف يعلمون أنّ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يُسحبون).
____________________
٦- وقال المنهال بن عمرو: رأيتُ رأس الحسين بدمشق على رمح وأمامه رجل يقرأ سورة الكهف، حتّى إذا بلغَ إلى قوله تعالى:(
أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً
)
، نطقَ الرأس بلسانٍ فصيح:
(أعجَبُ من أصحاب الكهف قَتلي وحَملي)
.
٧- ولما أمرَ يزيد بقتل رسول مَلك الروم، حيث أنكرَ عليه فعلته، نطقَ الرأس الشريف بصوتٍ رفيع:(لا حولَ ولا قوّة إلاّ بالله)
.
أقول:
وقد أخرجها المؤلِّف من مصادرها، وذكرها في هامش كتابه هذا، فراجِعه
.
وينبغي هنا أن نلتفت إلى أنّ كثرة النقل يسمّى بالاصطلاحبالاستفاضة
، فلو كان النقل مقصوراً على رواية زيد بن أرقم التي هي أشهرها، لأمكنَ مناقشتها أو التشكيك فيها، ولكن ليس إلى ذلك من سبيل بعد الذي سمعناه من كثرة النقل، وكان فيما نقلَ عنه المؤلِّف المذكور كُتبت من كلا الفريقين.
____________________
بقي أن نشير إلى ما ذكرناه في نهاية السؤال نفسه، من طول المدّة على الرأس الشريف وسيره من كربلاء إلى دمشق تحت حرارة الشمس، فهل يعني هذا تغيّره، أو تبديل معالمه، أو تعذّر نطقه؟ كلاّ، بطبيعة الحال إذا التفتنا لأمرين:
أحدهما:
إنّ المعجزة لا يختلف فيها طول المدّة وقصرها، بل ولا انحفاظ الصورة وعدمها، وإن كان من الواضح أنّ رأس الحسينعليهالسلام
كان باقياً على الشكل الذي قُطع فيه لم يتغيّر إطلاقاً، وهذا ما نعرفه فيما يلي.
وثانيهما:
إنّنا نعرف بوضوح في الدين: أنّ أجساد الأفراد الذين يكونون في درجة عالية من الإيمان قابلة للبقاء والاستمرار، بدون أن تبلى، أو تتفسّخ، أو تحصل منها روائح نتنة ونحو ذلك، بل يبقى الجسد نظيفاً طريّاً كأنّه ماتَ من ساعته، وهو أمرٌ متواتر ومحسوس في كثير من الموارد.
ومحلّ الشاهد الآن:
أنّ هذا لا يُفرّق فيه بين المدفون وغير المدفون، وهذا هو الذي يُفسّر حفظ الأجساد لشهداء كربلاء، وقد بَقيت قبل الدفن ثلاثة أيّام كاملة تحت الشمس، فلم تُصب بسوء، ويفسّر أيضاً حفظ الرؤوس وقد ساروا بها على الرماح من كربلاء إلى الكوفة إلى دمشق، في الفصل القائض الشديد الحرّ، فلم تُصب بسوء.
وهذا من جملة الأمور العديدة التي كانت سبباً لإقامة الحجّة على كلّ الجيل المعاصر لقتل الحسينعليهالسلام
، بل والأجيال المتأخّرة عنه وخاصّة أولئك الأعداء الذين قطعوا الرؤوس بكلّ قسوة، ولم تكن عندهم إنسانية، وحَملوها على الرماح وسيّروها كلّ هذا السير الطويل.
بل الأمر يمكن أن يسير فيه خطوة أخرى:
وهو الجزم بأنّ هؤلاء الأعداء كانوا يعلمون لدى قطعهم الرؤوس - لأوّل مرّة وعزمهم على حملها وتسييرها - أنّها غير قابلة للتغيير والتعفّن، وإلاّ فمن الواضح جدّاً أنّ الرؤوس الاعتيادية سوف لن تعيش تحت الشمس بشكلٍ سليم أكثر من نهار واحد، ثمّ يكون لها رائحة نتنة غير قابلة للتحمّل بالنسبة إلى حامل الرأس ولا من حوله، وهذا ما ينبغي أن يكون معلوماً لهم سَلفاً، ومع ذلك عَزموا على قطعها وتسييرها، الأمر الذي يدلّ على علمهم بأنّ قضية الحسينعليهالسلام
على حقّ وأنّه وأصحابه من الأولياء، وأنّ أعداءه على خطأ وباطل بما فيهم هم الذين قطعوا الرؤوس.
ولا غرابة في ذلك حين نسمع قوله تعالى:(
وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً
)
، وقول بعض أعداءه له:(قلوبنا معك وسيوفنا عليك)
، الأمرُ الذي يبرهن أنّهم كانوا يعيشون انشطاراً في الشخصية، وهذا هو الذي يجعل موقفهم أمام الله سبحانه أشّد مسؤولية وأعظم عقوبة.
فهذه ثمان جهات لأهمّ الأسئلة التي قد قد تُثار حول واقعة الطف وما بعدها، وأحسبُ أنّ الأمور الأخرى فيها لا تحتاج إلى توضيح، وإنّما يحتاج القارئ الكريم بالنسبة إليها إلى اطّلاع؛ لكي يجد مواطن العظمة والجهاد والصبر للحسين وأصحابه سلام الله عليهم أجمعين.
حُرّر بتاريخ ١٩/٢/١٤١٤ هـ
النجف / محمّد الصدر
____________________
الفهرس
مُقدِّمة التحقيق. ٣
تنبيه: ٤
التعريف بالمؤلِّف.. ٦
نسبُه: ٦
ولادته ونشأته: ٦
دراسته وتدُّرجه العلمي: ٧
مؤلَّفاته: ١٠
مُقدِّمة الطبعة الأُولى. ١٥
مُقدِّمة الطبعة الثانية ١٧
الاعتذار عن الإحاطة التامَّة ٢١
الدليل الأوَّل: ٢٨
ويُمكن الجواب على ذلك من وجوه نذكر بعضها: ٢٨
الدليل الثاني: ٣٢
وجواب هذا الدليل: ٣٣
تعارض الروايات.. ٣٧
الوجه الأوَّل: ٤٢
الوجه الثاني: ٤٣
الوجه الثالث: ٤٤
الوجه الرابع: ٤٥
الوجه الخامس: ٤٩
الوجه السادس: ٥١
إلقاء النفس في التَّهلُكة ٥٣
بقيَّة الحديث عن التهلُكة ٥٨
الوجه الأوَّل: ٥٩
الوجه الثاني: ٥٩
التقسيم الأوَّل: ٦٢
التقسيم الثاني: ٦٢
الأمر الأوَّل: ٦٦
الأمر الثاني: ٦٧
الأمر الثالث: ٦٨
الأمر الرابع: ٧٢
الأمر الخامس: ٧٢
الأمر السادس: ٧٣
الهدف الأوَّل: ٨١
الهدف الثاني: ٨٧
الهدف الثالث: ٨٨
الهدف الرابع: ٨٩
الهدف الخامس: ٩٢
الهدف السادس: ٩٤
الهدفُ السابع: ٩٧
الهدف الثامن: ١٠٥
يا ليتَنا كنّا مَعكم. ١٤٣
الجهةُ الأولى: ١٤٤
الجهةُ الثانية: ١٤٤
رواةُ واقعة الطف.. ١٥٢
القسمُ الأوّل: ١٥٢
القسمُ الثاني: ١٥٢
القسمُ الثالث: ١٥٣
القسمُ الرابع: ١٥٤
الرواةُ المتأخّرون. ١٥٦
الأمرُ الأوّل: ١٥٦
الأمرُ الثاني: ١٥٦
الأمرُ الثالث: ١٥٦
مجوّزات النَقل شرعاً ١٥٨
الأمرُ الأوّل: ١٥٨
الأمرُ الثاني: ١٥٨
الأمرُ الثالث: ١٥٨
الأمرُ الرابع: ١٦١
الأمرُ الخامس: ١٦٣
البكاءُ على الأموات.. ١٦٦
الأمرُ السادس: ١٦٧
تألّبُ الناس ضدّه ١٧٤
النقطة الأولى: ١٧٧
النقطة الثانية: ١٧٧
النقطة الثالثة: ١٧٧
النقطة الرابعة: ١٧٨
النقطة الخامسة: ١٧٨
النقطة السادسة: ١٧٨
النقطة السابعة: ١٧٩
النقطة الثامنة: ١٧٩
النقطة التاسعة: ١٨٠
النقطة العاشرة: ١٨١
توصياتٌ عامّة للخُطباء ١٨٤
أوّلاً: ١٨٤
ثانياً: ١٨٤
ثالثاً: ١٨٤
رابعاً: ١٨٥
خامساً: ١٨٥
سادساً: ١٨٥
سابعاً: ١٨٥
ثامناً: ١٨٦
تاسعاً: ١٨٩
عاشراً: ١٨٩
الحادي عشَر: ١٩٠
الثاني عشر: ١٩٠
مُسلم بن عقيل في الكوفة ١٩٦
الأخوّة ١٩٦
احتلالُ الكوفة ٢٠٠
الأمر الأوّل: ٢٠٠
الأمر الثاني: ٢٠١
الأمر الثالث: ٢٠٢
الأمر الرابع: ٢٠٣
اغتيالُ ابن زياد ٢٠٤
الوجه الأوّل: ٢٠٥
الوجه الثاني: ٢٠٦
الوجه الثالث: ٢٠٦
الوجه الرابع: ٢٠٧
الوجه الخامس: ٢٠٧
الوجه السادس: ٢٠٧
السيطرةُ على الكوفة مؤخّراً ٢٠٨
الأمرُ الأوّل: ٢٠٨
الأمرُ الثاني: ٢٠٨
الأمرُ الثالث: ٢٠٩
الأمرُ الرابع: ٢٠٩
مَعقل. ٢١١
المستوى الأوّل: ٢١٢
المستوى الثاني: ٢١٢
المستوى الثالث: ٢١٢
المستوى الرابع: ٢١٣
تفرّقُ الناس عنه ٢١٤
المستوى الأوّل: ٢١٥
المستوى الثاني: ٢١٦
المستوى الثالث: ٢١٦
المستوى الرابع: ٢١٦
المستوى الخامس: ٢١٦
تألّبُ الناس ضدّه ٢١٧
أوّلاً: ٢١٨
ثانياً: ٢١٨
ثالثاً: ٢١٨
رابعاً: ٢١٨
تأسيسهُ للجيش.. ٢١٩
الأوّل: ٢١٩
الثاني: ٢١٩
أسئلةٌ حول واقعة الطف.. ٢٢٢
الجهة الأولى: ٢٢٢
الجهة الثانية: ٢٣٠
الجهة الثالثة: ٢٣١
الجهة الرابعة: ٢٣٣
الجهة الخامسة: ٢٣٤
الجهة السادسة: ٢٣٦
الجهة السابعة: ٢٣٨
الجهة الثامنة: ٢٣٩
|