أيّام الرعب
أحمد عبد الله
الفصل الأوّل
صرخ الرجل وهو يسمع بأنّ أحمد حسن البكر هو قائد الانقلاب الجديد:
ها لقد عاد المجرمون، أعادهم الاستعمار؛ لم يجد من يحقق له مصالحه خيراً من هؤلاء البعثيين.
ها هو يأتي بعملائه الّذين جرّبهم سابقاً. إنّ البعثيين جاهزون، جاهزون دائماً، لن يواجه الاستعمار صعوبة في التعامل معهم، إنهم صنيعته. هو من أوجدهم وقوّاهم ورعاهم، لن يخيبوا ظنه كما لم يخيبوه في السابق، سيحققون له ما يريد وأكثر مما يريد، إني أعرفهم، أعرفهم جيداً منذ مجيئهم أول مرة عام ١٩٦٣. لقد كانت مجزرة بحق، مجزرة ما أظن التأريخ شهد مثيلاً لها. سالت الدماء في الشوارع وبين البيوت. كان يوماً لا يستطيع إنسان وصفه، لأنه فوق الوصف؛ لأن الإنسان لم يجرب مثله. لم يبق مكان في المعتقلات فقتلوا المعتقلين. كان الاستعمار يری ويضحك ويشجّع. كان أخي واحداً من المعتقلين، وحين أردت السؤال عنه، هددوني بمثل مصيره. قتلوه وهو في أيديهم، قتلوه في التعذيب، لم يحاكموه، لم يوجّهوا له تهمة؛ لأنهم لا يملكون ضدّه تهمة إلاّ أنه لم يكن بعثيّاً. كان وطنيّاً صادقاً، رفض أن يكون مجرماً مثلهم رغم الترهيب والترغيب. ثم اعتقلوني بعدما قتلوه، لا أعرف لماذا. لا أحد يسأل عنّي لأنه يخشى أن يلقى ما لقيت، ثمانية أشهر في الظلام، لا أرى الشمس إلا دقائق في اليوم. كانوا يربطونني عارياً إلى المروحة ويحركونها، ورأسي إلى الأسفل. لقد ابتكروا أساليب جديدة في التعذيب حين لم تعد تجدي القديمة منها. أساليب لم يسبقهم إليها أحد: قلع الأظافر وقطع الأصابع أصبح من أهون ما يعذّبون به. لقد كنت شاهداً على بعضها في التعذيب. كانوا يقودون المعتقلين ويرونهم ذلك ليرهبوهم. قتلوا عدداً من المعتقلين الّذين تشوهت أجسادهم من التعذيب فلم يريدوا أن يخرجوهم بحالتهم تلك، فقتلوهم. لقد كنت محظوظاً إذ اكتفوا مني بإحدى عينيّ. قال ذلك وهو يزيح النظارات عن عينيه، ثم أضاف: سترون، اذكروا دائماً ما أقوله لکم الآن.
كان السيد (ع.ح) في الخمسين من عمره. لقد عاش مأساة أو جريمة ١٩٦٣ عندما جاء الاستعمار بالبعثيين إلى السلطة أول مرة، بداية ذلك العام، ورأى الجرائم التي ارتكبوها، وكان هو وأخوه من بين ضحاياها. كان يتكلم بحماس وألم، وهو يتكلم في مجموعة من الناس خرجوا بعدما سمعوا أن حزب البعث هو الّذي قام بالانقلاب وأنه عيّن أحمد حسن البكر رئيساً للجمهورية ورئيساً (لمجلس قيادة الثورة).
ولم يكن يقطع كلامه إلا صوت المذيع وهو يعلن قراراً جديداً اتخذته القيادة التي كانت قراراتها تتوالى على امتداد اليوم.
قال آخر من المجموعة: ألا ترى أنك مبالغ فيما تقول؟! ألا يمكن أن يكونوا قد استفادوا من تجربتهم السابقة، وأنهم بدلوا سياستهم، وهم اليوم غيرهم بالأمس؟! ألا يفضل أن تنتظر بعض الوقت قبل أن نصدر حكماً عليهم استناداً إلى الماضي؟!
قال ثالث وقد بدا عليه الغضب مما سمع: كيف يمكن أن يتغيروا؟! هل نحن من السذاجة بالدرجة التي يتصورها السيد... والتفت إلى المتكلم الثاني متسائلا.
هل أنت جاد فيما تقول؟! كيف تغيروا؟! ما الّذي تغير فيهم، وما الّذي غيرهم؟! إنهم هم، لم يتغير فيهم شيء والله، ثم أضاف: هل جاؤوا عن طريق الانتخابات، وهم لا يعترفون بها. هل اختارهم الشعب وجاء بهم. وليس من عدو للشعب غيرهم؟ هل أقروا بجرائمهم السابقة واعتذروا عنها؟! هل اختلفت شعاراتهم وسلوكهم منذ ١٩٦٣ وحتى اليوم؟! من قائدهم؟ أليس هو أحمد حسن البكر رئيس وزراء الانقلاب الأول المشؤوم الّذي ما تزال دمائنا تنزف منه؟! من الّذي قتل الأبرياء وملأ المعتقلات وسبى العوائل وأثكل النساء ويتّم الأطفال؟ أليس هو وعصابته؟! أليسوا هم من فعل هذا؟! أهو أنت؟! أهو أنا؟! إنك تتكلم كأنك لا تعرفهم أو مع من لا يعرفهم! ألم يقتلوا أخاك الصغير الطالب في كلية الطب لأنه رفض أن يطيعهم ويضرب كما أرادوا حين دعوا إلى الاضراب الّذي كان مقدمة لاستيلائهم على السلطة؟ من الّذي نصب المشانق في الشوارع يجر إليها الناس وقد شدت عيونهم وأوثقت أيديهم؟! هل نسيت كل هذا؟! إن كنت نسيت، فنحن والحمد لله لم ننس بعد. كارثة أخرى، أن ننسى الكارثة، أن ننسى ونصدق كلاماً نحن أعرف الناس به وبأصحابه. هؤلاء ذئاب. أرأيت أحداً يأمن الذئب أو يصدقه؟!
وعلا ضحك من أحد أفراد المجموعة وهو يسمع التشبيه. قال: والله لقد أضحكتني حين وصفتهم بالذئاب. أخطأت يا صاحبي، أخطأت كثيراً في هذا الوصف. هل تستطيع الذئاب أن تفعل بعض ما فعلوا؟! هل سمعت أن الذئاب قتلت ألف أو عشرة آلاف أو مائة ألف، وقد قتل هؤلاء أكثر من هذا العدد؟! وليتهم لم يعذبوهم قبل أن يقتلوهم! لقد عذبوهم حتى تمنّى القتل، من لم يقتل منهم.
قال السيد ح.ج: إن الاستعمار لا يريد أن يتركنا. لن يتركنا، وعندنا النفط والموارد والموقع، وكل هذا الإرث التأريخي الحضاري. لو انتهى منا لانتهى من الآخرين واستراح. إنه لا يفكر إلا فينا. نحن الرقم الصعب كما يقال الآن، في هذه المنطقة. هذا هو المخطط: تدمير العراق، وليس كهؤلاء البعثيين من يعتمد عليهم الاستعمار في هذه المهمة. اسمعوا واحفظوا ذلك عني. سنلتقي يوماً قريباً، إن بقينا أحياء، وسأذكركم، خصوصاً أنت يا... والتفت إلى ثاني المتكلمين من المجموعة. تذكر ما قلت جيدا سأحاسبك يوماً عليه.
قال واحد من المجموعة: وماذا سنفعل؟ هل سنكتفي من المجرمين بالسكوت؟! ماذا يجدي حديثنا إن لم يصحبه عمل؟! هل أسهل من الوقوف في زاوية من الطريق والحديث عن المجرمين وماذا ينتظرنا منهم وماذا سنلقى من جرائمهم. هل نريد أن نؤرخ لهم؟! إننا نحن المستهدفون، حياتنا وحياة أهلنا وأطفالنا ماذا سنفعل لدفع هذا الخطر الّذي يتهددنا ويتهدد الوطن كله؟ علينا أن نتهيأ، أن نوحّد جهدنا لرده والانتصار عليه. هذا هو الموقف الواجب الآن. لم يعد مجديا الحديث ولا تذكر الآلام، إلا أن يكون ذلك محفزاً للعمل ودافعاً إليه.
قال السيد ع.ج: والله لو لم تقلها لكنت قد سبقتك إليها. كنت أريد أن أقولها. ماذا سنفعل لحمايتنا وحماية الوطن من أعدائه؟ أنت يا... هل فعل أخوك ما يستحق عليه القتل؟! هل كان مجرماً؟! هل فعل غير أنه رفض التعاون مع المجرمين؟ هل رفض التعاون مع المجرمين، أو مع أي شخص أو جماعة يعتبر جريمة يقتل الإنسان بسببها؟! وأنت الآخر... ماذا فعل أبوك؟! لقد كان رجلاً كبيراً يعمل في السوق نهاره كله، أرادوا منه أن يتبرع لهم بمبلغ من المال فرضوه عليه، فرفض. هذا كل ذنبه. هل فعل غير هذا؟! هل هناك من سبب آخر لقتله غير هذا؟! أقول لكم، وربما للمرة الأخيرة: علينا ألا نكتفي بالكلام، ثم لا شيء بعده. الموضوع أخطر من ذاك، أخطر كثيراً من ذاك. إنه مصيرنا ومصير أبنائنا وأهلنا، ومصير الوطن كله.
ثم ودعهم مسرعاً وهو ينادي: إلى العمل، إلى العمل، فيجيبه الآخرون: إلى العمل، إلى العمل. لن نستسلم للعملاء، لن نخون الوطن.
الفصل الثاني
كان الحكم في العراق خلال الفترة التي سبقت انقلاب ١٩٦٨ يعيش حالة ضعف بيّن، فالرئيس عبد الرحمن محمد عارف الّذي كان رئيساً للجمهورية خلفاً لأخيه عبد السلام، لم يكن بالرجل القادر على مواجهة الظروف الجديدة التي أعقبت هزيمة العرب في حرب ١٩٦٧ وحرب الأيام الستة كما تسمى: هزمت أكبر الدول العربية وفيها - مصر - وهزم عبد الناصر نفسه، بما يمثّل من ثقل سياسي وشخصيّ كبير. هزم الحكم العربي، ومعه الفكر السياسي العربي. كانت كارثة قوية هزّت الداخل العربي وكشفت عن تهافته وضعفه وزيفه.
وفي العراق بدت الساحة السياسية وكأنها معترك لتيارات عديدة متصارعة أو متعادية. كان هناك الحزب الشيوعي، وهو حزب قديم رافق الحياة السياسية العراقية منذ ثلاثينات القرن الماضي أو قبلها، ويرتبط ايديولوجياً وسياسياً بالاتحاد السوفيتي، عدو الغرب التقليدي، ويتخذ مواقفه تبعاً لمواقفه. وهذا الحزب، رغم ما أصابه من ضعف إثر الضربات القوية التي تلقاها بعد انقلاب ١٩٦٣ ما يزال يملك جماهير واسعة ونفوذ لا يستهان به في الأوساط الشعبية وبين الطلاب والمثقفين.
وهناك حزب البعث الّذي اصطنعه الغرب لاستخدامه عند الحاجة.
وهو حزب ينطلق من فكر قومي هجين، يعتمد على الضف ويتبنى سياسة طائفية على صعيد الواقع العملي.
وغير هذا وذاك، هناك الأحزاب والتيارات الدينية الإسلامية التي تستوحي فكر وخطى الإخوان المسلمين في مصر وترتبط بهم.
وهناك، وربما للمرة الأولى، حزب الدعوة الإسلامية، ذو الوجه الشيعي الّذي بدأ يبرز على الساحة، وهو حزب فتي نشط، وسيكون له فيما بعد، شأن كبير في رسم الخارطة السياسية العراقية.
وهناك التذمر في أوساط الشيعة في الوسط والجنوب، في الظلم الّذي يعانونه منذ نشأة ما يسمى بالحكم الوطني، وهو ظلم طال واشتد، مع أن الشيعة، الأكثر عدداً، هم الّذين قاموا بثورة العشرين التي جاءت بحكم أقل أوصافه أنه أهملهم ولم ينصفهم.
وهناك المشكلة القديمة المتجددة: مشكلة الأكراد في الشمال، لا تهدأ إلا لتثور.
وهناك الفساد العام الّذي شمل كل جوانب الحياة العراقية، وما يصحبه وينتج عنه من آثار قد تتعدى مجرد التذمر والشكوى وعدم الرضا.
كان العراق إذن ساحة مفتوحة على كل الاحتمالات. والعراق مفتاح المنطقة، لا يستطيع الغرب أن يتركه للاحتمالات. كان عليه أن يتحرك سريعاً، لا مكان للابطاء، فالاتجاه المعادي للغرب ينمو ويتسع ولا أحد يدري ماذا يحمل المستقبل، وكيف ستتطور الأمور.
وبدأ الغرب يخطط بسرعة: الخارطة السياسية أمامه واضحة. حزب البعث موجود، لن يتعب في التعامل معه، لا شروط عنده ولا مساومة. شرطه الوحيد هو الحكم.
وهيأ الغرب كل ما يجب لتسليمه السلطة: المال والسلاح والمخابرات والإعلام، وجبهة عريضة في الداخل، وجبهة مثلها في الخارج.
وفي صباح ١٧ تموز ١٩٦٨ وبعد ثلاثة أيّام من الاحتفال بثورة ١٤ تموز، أعلن عن الانقلاب دون أن يعلن عن هويته التي تأخرت إلى اليوم التالي خوفاً من انتفاض الناس قبل أن يحكم الحزب قبضته على مراكز القوة والسيطرة، ففي ١٨ تموز ١٩٦٨ أعلنت الإذاعة عن تعيين (الرفيق) أحمد حسن البكر، رئيساً للجمهورية ولمجلس قيادة (الثورة) لتعرف هوية الانقلاب والانقلابيين.
ووجم الناس، وسأل بعضهم بعضا: ما الّذي حصل؟! كيف عاد المجرمون، ولم ننس بعد جرائمهم في ١٩٦٣؟ إنها ليست مما ينسى.
من الّذي عاد بهم؟ إنه الغرب. ليس غير الغرب. ماذا علينا أن نفعل؟ هل نحن في حاجة إلى تجربة أو مجزرة جديدة أخرى؟ هل نستسلم لها دون أن نقاوم ونرد ونستشهد في ساحة معركة قبل أن نقتل ولم نقاوم ولم نرد؟ ما هو موقف الأحزاب والحركات السياسية في العراق؟ ماذا تنتظر للنزول إلى الشارع وحمل السلاح ضد المجرمين المستوحشين؟ أين قواعدها وأنصارها؟ وتتابعت الأمثلة بلا جواب ظلت أسئلة فقط.
لم تكن مواقف الأحزاب والحركات السياسية بمستوى الخطر الّذي كان يهدد العراق، فالحزب الشيوعي، وهو أكبر الأحزاب وأوسعها جماهيراً وأكثرها خبرة وأدقها تنظيما، كان يعاني من انقسام حاد وصراع داخل قياداته ولجانه، حتى بدا وكأنه أجنحة متناحرة متقاتلة وليست حزباً واحداً له رؤية واحدة وسياسة واحدة.
وحين قام البعثيون بانقلابهم ظهر هذا الانقسام واضحا في الموقف منه. لم يكن واحداً. كان بعضهم يرفضون التعاون مع البعثيين، وذكريات ما فعلوه بالشيوعيين وبالشعب العراقي كله ما تزال قريبة مرعبة. ما يزال السواد يلف الأمهات والبنات والأخوات، ولم يعرب البعثيون عن ندمهم أو اعتذارهم عما فعلوه، ولم يستجد ما يبرر الاتفاق معهم، وأيسر ما كان يطلب حينذاك هو التريث والانتظار حتى تتضح نواياهم وأهدافهم بما يمكن من اتخاذ موقف منهم.
وكان بعضهم يميلون إلى التعاون مع البعثيين وإسدال الستار على الماضي وفتح صفحة جديدة معهم، رغم الاغتيالات التي كان ينفذها البعثيون ضد المناضلين الشيوعيين واعتقالهم وإعدامهم، ورغم الهجمات التي كانت تتعرض لها تجمعاتهم ومؤتمراتهم ويروح ضحيتها الكثيرون منهم.
وانتصر الجناح الثاني المؤيد للبعثيين، واتجه الموقف نحو إقامة جبهة معهم، وأعلنت الجبهة بعد ذاك في ٣٠/٧/١٩٧٣، وهي جبهة سيطر فيها البعثيون وضاع الشيوعيون...
هل خدع الشيوعيون أم انهاروا؟!
المهم أن البعثيين استطاعوا أن يستعملوا الحزب، بكل تراثه وتجاربه وعدائه الطويل للبعث، كوسيلة لتنفيذ أغراضهم، ونجحوا. نفذوا إلى داخل الحزب وكشفوا أسراره وعرفوا ما كانوا يريدون معرفته من خطط ونشاط وعلاقات وكوادر. وأبعدوه عن جماهيره التي لم تثق يوماً بالبعثيين وكانت ترفض دائماً أي تقارب معهم. وعلى الصعيد الخارجي استطاع البعثيون أن يوظفوا هذا التقارب مع الحزب الشيوعي في علاقاتهم الدولية، بين دول المنظومة الاشتراكية آنذاك، على الأقل.
هكذا بدأ الانهيار، كانت الجبهة إيذانا بانتهاء الحزب الشيوعي تدريجياً وتخلي الجماهير عنه بعدما تخلى هو عن الجماهير وحالف أعداءها. كان مدافعاً عنها فأصبح شريكاً لمن يقتل المناضلين منها ويعدمهم ويملأ منهم السجون والمعتقلات، غير عابئ بالحزب الشيوعي الّذي يكتفي من كل ذاك بنقد أو احتجاج، ثم ينتهي كل شيء.
أما القوة الكبيرة الثانية المتمثلة بالأكراد، فقد استطاع البعثيون أن يبدؤوا حواراً معهم انتهى باتفاق ١١ آذار ١٩٧٠ الّذي اعترف للأكراد بحكم ذاتي في مناطقهم بالشمال، فوضع حداً، بشكل مؤقت طبعاً، لصراع قديم ما أكثر ما راح فيه من ضحايا وسال من دم، لكنه - و قد أرضى الأكراد وحيّدهم وأبعدهم عن احتمال التحالف أو العمل المشترك مع الحزب الشيوعي أو غيره من القوى الوطنية العراقية - أطلق يد البعثيين في المناطق الأخرى من العراق، لينكلوا آمنين بخصومهم من جميع القوى السياسية، مستعملين ما اعتادوه من أساليب إجرامية لا يمكن أن يقدم عليها غيرهم إلا إذا فقد وصف الإنسان، وأظنهم فقدوه، وأظنهم لم يهتموا يوماً به.
بقيت القوى السياسية الأخرى الأخرى، وهي لا تمثل خطراً حقيقياً على البعثيين، فالديمقراطيون العراقيون، بتيارهم العريض، لا يعرفون حمل السلاح ولا النزول إلى الشارع، وهو ما يخيف البعثيين.
والإسلاميون التقليديون يرفضون العمل مع أية كتلة أو حزب، ولا يريدون الدخول في صراع مع البعثيين.
وأخيراً نجد حزب الدعوة الّذي سينزل إلى ميدان الصراع بقوة ضد البعثيين، وستعانق المشانق أجساد مناضليه، أو يموتون تحت التعذيب في سجون النظام ومعتقلاته.
هكذا بدأ المشهد السياسي على العموم، مع بعض التفاصيل الأخرى التي لا تغير، أو لا تفيد شيئاً مهماً فيه.
بدا وكأن النظام قد اطمأن إلى سيطرته وأمن جانب خصومه. لا متاعب أمامه ولا خطر، ولا شيء مما يخافه ويخشاه.
وبدأت الأيام السود من جديد، و تكررت مأساة ١٩٦٣: قتل وتعذيب وتوالت الأنباء مروعة مذهلة منذ الأيام الأولى، عما يجري في الأماكن التي اتخذها الانقلابيون البعثيون مقاراً لهم: قتل وتعذيب وإرهاب، لا حدود لها ولا وصف، هي سمة الحزب منذ نشأته. لم يتغير ولم يتبدل. جاء لينفي كل ما قيل عن اختلاف في الحزب وسياسته وسلوكه بين عامي ١٩٦٣ و ١٩٦٨. ليس هناك من بعث قديم وبعث جديد كما زعموا. إنه ما زال ذلك البعث أو ذلك المجرم وتوالت الأنباء مروعة مذهلة عما يجري علناً أمام الأنظار، أو سراً وراء الأبواب، في الأماكن التي اتخذها الانقلابيون البعثيون مقاراً لهم هجموا بالرشاشات والسكاكين على اجتماع للشيوعيين، وهم يفاوضونهم في إقامة جبهة معهم، فقتلوا وجرحوا عدداً منهم واعتقلوا آخرين.
وقبل ذاك، وبعد الانقلاب مباشرة، لم يكن قد مضى عليه يوم أو يومان، قتلوا محمد رشيد الجنابي، العقيد المتقاعد الّذي لم يكن يشغل منصباً ولا وظيفة، وهو عند عتبة الباب لم يدخل بعد، أطلقوا عليه النار وهم يضحكون، لم يسألوه ولم يوجهوا له تهمة، ولم يحتاجوا يوماً إليها.
وقتلوا سلمان مهدي التميمي، مدير المدارس الجعفرية، بنفس الطريقة. لا تهمة له إلا أنه مدير للمدارس الجعفرية - الشيعية - وقتلوا عبد الله الناصر، ولم يكن على قائمة المطلوبين. لم يمهلوه أن يثبت أنه غير مطلوب، كانوا معجلين. هناك ضحايا آخرون ينتظرون وعليهم أن يسرعوا. ووصل المسؤول الحزبي ليدور هذا الحوار بينه وبين أعضاء هيئة التحقيق.
قال المسؤول: لماذا قتلتم محمد رشيد والجنابي وسلمان التميمي قبل أن تحققوا معهما وتكشفوا عن نشاطهما وتعرفوا بمن كانا يتصلان وماذا كانا يخططان. لقد تسرعتم في قتلهما، وكان هذا خطأ منكم. كان عليكم، قبل قتلهما، أن تعرفوا كل شيء عن نشاطهما. لقد كانا من العناصر، ولديهما من المعلومات ما يهم الحزب معرفته. كان الحزب في حاجة إلى اعترافاتهما، وأنتم تملكون جميع الوسائل لانتزاع اعترافات الأعداء. جميع وسائل التعذيب هيأها لكم الحزب.
قال أحد أعضاء الهيئة: أيها الرفيق إنك تتكلّم وكأنك لا تعرفهما. والله لو عذبناهما من الليل إلى الصباح، ومن الصباح إلى الليل لما ظفرنا منهما بشيء. لقد كان خطأ - واعتذر أيها الرفيق - أنّا تركناهما حيّين في عام ١٩٦٣. ثم أضاف: إنني أستحق وساماً من الحزب، وسام الوفاء يا رفيقي. هل تعلم أي فضل للجنابي علي؟ لقد أنقذ حياتي مرة، والأعداء يطاردونني، يريدون قتلي، فلم أجد ملجأ أحتمي به غير بيته.
بقيت في البيت لم أخرج منه حتى آمنت. كان يرعاني بنفسه. لكن الحزب فوق كل شيء. هكذا علّمنا. لا عواطف ولا حب ولا وفاء، إلا للحزب.
قال آخر من نفس الهيئة: وأنا؟! كان أبي قد مات وتركني وأمي وعدداً من الأولاد أكبرهم أنا. ولم يكن عندنا من المال ما يقوم بمعيشتنا. كنا نحتاج دائماً، فكان سلمان التميمي هو من يساعدنا. لكم ذهبت إليه فلم يردني. ثم لم يكتفِ فتوسط لي عند بعض معارفه وعيّنني في وظيفة براتب شهري عشت وعاشت عائلتي به - كيف يمكنني أن أواجهه، فأطلقت عليه النار حال دخوله. أظنني أجدر من أي واحد غيري بجائزة الوفاء للحزب. عاش الحزب راعياً أميناً للرسالة الخالدة.
يعرف نفسه، لم يسمحوا له بأن يعلمهم أنه لم يكن يوماً سياسياً، لم يعرف السياسة في أي شكل من أشكالها، ولم يمارسها لا من بعيد ولا من قريب، وإنهم ربما قصدوا غيره، ربما أخطأ الّذين جاؤوا به.
إنني صاحب محل في (الشورجة) تستطيعون أن تسألوا عني، وأنا على استعداد أن أتنازل عن المحل أو أن أتبرع به لمن تشاؤون. أرجوكم لا تفجعوا أطفالي. إنهم ينتظرونني كما ينتظركم أطفالكم. لم أفعل والله شيئاً أستحق عليه القتل ولا ما هو دونه.
قال واحد من هيئة ( التحقيق ): ها لقد اعترفت. قلتها أنت بنفسك، إنك من أعداء الحزب ألست من الشورجة؟! ألا يعني هذا أنك من هؤلاء القوميين الحاقدين على الحزب والثورة؟!
وصاح أحدهم: عاش الحزب والقائد
وردد الآخرون: عاش، عاش، عاش.
وانطلق الرصاص مع الهتاف ليمزق جسد عبد الله الناصر.
الفصل الثالث
السيدة آمنة وزوّار الفجر
كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة فجراً من أحد أيام نيسان ١٩٦٩، حين نهضت السيدة آمنة زوجة السيد علي جواد، على طرق الباب. رددت في نفسها، وهي تتجه إلى السلّم: إنه هو. لن أغضبه ولن ألومه. ربما كان معذوراً، سأسأله لماذا تأخر حتى هذه الساعة ولم يبلغني. كنت قلقاً جداً عليه، لا أدري ماذا سأقول للأطفال لو سألوني عن أبيهم.
واستعادت المرأة ابتسامتها بعد ليلة طويلة سهرت فيها مع القلق والهم، والخواطر المرعبة تتزاحم عليها في استعراض سريع لكل الاحتمالات.
كانت قد سألت عنه أصحابه وزملائه في الدائرة التي يعمل فيها، فأكدوا لها إنهم رأوه وهو يغادر الدائرة بعد انتهاء الدوام، وأنها تفاجئهم بعدم عودته إلى البيت.
كان السيد علي قد انضم إلى مجموعة من أصحابه الشباب الّذين انتظموا في خلايا سرية لمقاومة الإرهاب البعثي الّذي بدأ يقسو ويشتد، ناشراً الذعر في كل مكان من العراق.
قال وهو يوجّه كلامه في أول اجتماع لأفراد خليّتة الّذين تسلّلوا إلى بيت لا يلفت النظر ولا يثير الريبة: لم يعد هناك مجال للانتظار. إننا نتحمّل مسؤولية شعب تنتهك كل حقوقه. لم يبق له المجرمون حرمة. استباحوا كل شيء. إنه يتعرّض اليوم لهجمة وحشية جديدة لم يعرفها إلا مع هؤلاء المجرمين قبل ست سنوات مضت. ليس فينا من نسي، لأنه ليس مما ينسى. من منّا لم ينله إجرامهم؟! إن لم يكن في نفسه، ففي أهله وأقاربه وأصدقائه. إنّ التاريخ لن يغفر لنا إن سكتنا، ولا أولادنا وأحفادنا. إننا نحن معرضون في أية لحظة لأن نكون من الضحايا. نحن أنفسنا أو عوائلنا أو أهلنا. وها قد مرت سبعة أشهر، لم يبق تقريباً بيت في العراق إلا فجع ولا عائلة ولا ابن ولا أم ولا زوجة. حتى النساء، لم تعد لهن حرمة، يؤخذن ويعتقلن، ربما لاغتصابهن في المعتقلات والسجون، أو تهديد ذويهن ومساومتهم.
أظن، علينا أن نحسم خيارنا الآن. كل يوم يمر، يزداد المجرمون عتوّاً وطغياناً، ويزداد الشعب ضعفاً وانكساراً. عار علينا أن ننتظر حتى يسبقنا غيرنا. عار علينا أن ننتظر الشيوخ والعجزة والضعفاء ليدخلوا المعركة، ونحن الشباب نتفرّج نحن أبناء هذا الوطن، وهو ينظر إلينا. إننا في لحظة تاريخية: نعيد إليه ثقته واطمئنانه وبسمته، ونزيح عنه الحزن والسواد. إنه الوطن أيها الأعزّاء. الوطن الّذي يجب أن يبقى. لن نسلّمه ونتخلّى عنه لمجموعة مجرمين عملاء، والوفاء له لن يكون بالكلام داخل البيت. الوفاء له هو بذل الدم دفاعاً عنه. هو في مواجهة أعدائه بشجاعة وعزم وشعور عال بالمسؤولية.
قال أحد الحاضرين: وماذا عن الأحزاب؟! هل تخلّت عن المعركة وتركت الساحة للبعثيين؟! إنها قادرة على فعل شيء كبير، على هزيمتهم لو اجتمعت خصوصاً الحزب الشيوعي ذي التجربة الطويلة في النضال والعمل السرّي. والأحزاب الأخرى؟!
قال علي مجيباً السائل، ومجيباً في نفس الوقت، الآخرين الّذين قد يملكون بعض الملاحظات التي يريدون طرحها: لقد تعلّمت ألا أمضي الوقت في الأسئلة، تعلّمت أن أسأل وأجيب، وحين يكون الجواب واضحاً مقنعاً، لا أعود لنفس السؤال، لا أسأله مرة أخرى، لا أكثر من الأسئلة عسى أن أجد في واحد منها عذراً للقعود والاستسلام. سأنطلق منه. هذا هو موقفي دائماً. أمّا عن الأحزاب، فأظنها ستغيّر مواقفها وتحمل السلاح وتنزل إلى ساحة المعركة. لن تنتظر أكثر، والشعب يطالب. ستستجيب لنداء الشعب. ليس أمامها من موقف آخر بديل، إلا إذا ارتضت لنفسها وصفاً لا أحب ذكره الآن. هذا هو رأيي، وعلى كلٍّ فيكفي، بالنسبة لنا، أن نرضي ضمائرنا ونكون أمناء لأنفسنا ومبادئنا ووطننا.
قال ثالث من الحضور: إن الشعب كلّه يغلي ضد هذه العصابات المجرمة، وسيلتحق بكل من يحمل السلاح ضدّهم. هناك ستعيد الأحزاب النظر في مواقفها، وتنضمّ إلى ركب الثوّار. أنا لا أعوّل كثيراً على الأحزاب. كل منها له حساباته وبموجبها يتحرّك. الحزب الشيوعي، وموقفه متأرجح لم يتضح حتى الآن، وحزب الدعوة، وقد سمعت أنه بدأ نشاطه المسلّح ضد السلطة.
قال عبد الله: أمّا أنا فلست متأكداً مما تقولون أريد أن أمنح نفسي فرصة للتفكير، وسأعطي رأيي في وقت آخر. ولم يكن عبد الله أقل كرهاً للبعثيين من أصحابه الآخرين ولا دونهم اندفاعاً وحماساً لخوض المعركة ضدّهم. لقد قتلوا في انقلاب ١٩٦٣ اثنين من إخوانه، لكنه كان لا يريد أن يبدو وكأنه لا رأي له ويتبع الآخرين في آرائهم. هو من هذا الصنف من الناس الّذين يحرصون على أن يكون لهم رأي مستقل، حتى ولو في بعض الجزئيات الّتي لا تأثير لها على الرأي المطروح. يريد أن يشعر بأنه يفعل ما يريده ويؤمن به هو، لا ما يريده الآخرون، رغم اتفاقه معهم في الرأي واقتناعه به وأنه لو لم يسبق إليه لعرضه هو. قال السيد علي: لك ما تريد. سنجتمع بعد غد في وقت غير هذا الوقت، حدّده لهم، لنقرّر بداية العمل وأسلوبه وتوزيع المهام.
وفي الوقت المحدّد انعقد الاجتماع الثاني للخليّة، وكان أول المتكلّمين السيد عبد الله. قال: إنني معكم. لست جباناً ولا خائفاً ولا دونكم في الشعور بمسؤولية الدفاع عن الوطن وعن شرف الإنسان وكرامته. سأكون في الصف الأول بين المقاتلين. اتركوا لي المهمّة الأصعب. أرجو أن أكون جديراً بها. سترون. سأسركم والله.
وقبل أن يعرض السيد علي خطّة العمل، توجّه إلى الحاضرين قائلاً: أيها الأخوة الأعزّاء: لا أريد أن أخدعكم أو أضلّكم. إننا نخوض حرباً مع عدو متوحّش، لا خلق عنده ولا مروءة ولا دين، وما أحسبكم تجهلون هذا. إن القتل هو أهون ما ينتظرنا منه، وسنحمد الله لو خلا من ألوان التعذيب التي عرفناها في انقلاب ١٩٦٣ وفي هذا الانقلاب. فمن وجد في نفسه القدرة على تحمّل هذا، فليقل ومن لا يستطيع فليقل الآن أيضاً.
وارتفعت أصوات مؤمنة واثقة: ما أحلى الشهادة دون الحياة ودون الوطن. لن نترك الساحة لعصابات الفاشست العملاء. لن نسمح لهم بأن يغتالوا حياتنا ويدمّروا وطننا.
وعانق السيد علي، الّذي أصبح الآن قائد الخلية، كلاًّ منهم وشدّ على يده وهو يمسح دموع الفرح التي تساقطت من عينيه، ثم طرح خطّة العمل. وبعد إبداء بعض الملاحظات عليها، أقرّها المجتمعون وأقسموا على تنفيذها، كل بما أوكل اليه.
وكانت هذه الخلية واحدة من خلايا أخرى نشطت في العراق بعد انقلاب ١٩٦٨، وانتظمت عدداً من الشبّان العراقيين الّذين كانوا يتقدون حماساً وعزماً وإخلاصاً في تنفيذ المهمات التي أُنيطت بهم، غير مبالين بما يقدّمون من تضحيات ولا بما يواجهون من أخطار على أيدي هؤلاء الجلاّدين.
لكن هذه الخلايا كانت تعمل منفردة دون أن يكون هناك هيئة أو لجنة مركزية تنسّق نشاطها وتحدّد معها خطط العمل وأولوياته على مستوى العراق وتمدّها بالمعلومات التي تحصل عليها، فضلاً عن الجانب الإعلامي الّذي غاب عنها أو غابت عنه، فلم يسمع العراقيون ولا غير العراقيين شيئاً عن نشاطها إلا نادراً، وهو ما أفقدها أحد أهم عوامل الانتشار والجذب، وحدّ من خطرها على حكم البعث.
وكان جواسيس النظام ومرتزقته قد انتشروا في كل مكان، يرصدون كل حركة ويراقبون كل نشاط ويفتّشون كل بيت يشكّون فيه. الناس كلهم في العراق معرّضون للتفتيش، لا فرق بين واحد وآخر.
وكان السيد علي واحداً ممّن تراقبهم أجهزة البعث. وحين خرج ذلك اليوم من دائرته بعد انتهاء الدوام الرسمي، كان اثنان من أفراد الأمن ينتظرانه عند الباب، وسيارة سوداء بزجاج مظلّل تقف قريباً منهما. تقدّم الاثنان وطلبا منه الذهاب معهما.
- دقائق قليلة يتم فيها سؤالك عن بعض الأمور، ثم تروح إلى البيت، لا شيء مهم في الأمر، مجرّد استفسار بسيط لن يأخذ أكثر من دقائق وتخرج: قالا له ذلك واقتاداه إلى السيارة التي نزل منها اثنان آخران وقد مدّ كل منهما يده إلى مسدّسه النازل من تحت الستره، وكانوا يتركون المسدّس بحيث يراه الناس لإرهابهم.
وانطلقت به السيارة لا يعلم إلى أين. لقد عصبوا عينيه قبل أن تتحرّك، وحين سأل إلى أين يأخذونه، جاءه الجواب، لكمة في وجهه، فكّف، استسلم لقدره، لم يكن يستطيع غير ذاك.
وفجأة توقّفت السيارة ودفع منها ليجد نفسه في مقر الأمن العام.
هناك كان امتحان عسير ينتظره. حاولوا أن يعرفوا منه أسماء الآخرين في الخلية وماذا يخطّطون وبمن يتصلون. أغروه كعادتهم، بأنهم لن يؤذوه إذا تعاون معهم، وقد يكافئونه - لم يتركوا وسيلة لدفعه إلى الاعتراف إلا استعملوها، لكنه رفض، رفض بعناد، بقي شامخاً أمامهم، صغروا في عينيه أكثر، كان يرى أصحابه الذين ائتمنوه وأقسموا معه على صيانة الأمانة وحفظ أسرار الخلية مهما اشتدّت الظروف والضغوط. كان يراهم وقد جيء بهم يدفعهم أوغاد مشوّهون إلى الموت. هل سيكون هو من يخونهم ويخون العهد؟! هل يكون هو من يفجع بهم أهلهم وأطفالهم وعوائلهم؟! لقد جمعه وإياهم واجب نبيل: الدفاع عن الوطن والشرف والأهل، فهل هو على استعداد لخيانة الوطن والشرف والأهل؟! ألم يتوقّع هذا الموقف يوماً؟! ألم يطلب هو نفسه إلى أصحابه في ثاني لقاء له معهم وقبل تبليغهم بمهامهم، أن ينسحب من لا يستطيع النهوض بها؟! ألم يعلمهم بالمخاطر التي تنتظرهم، وأهونها الموت؟! أليس هذا ما كان يطلبه من أصحابه، فهل يكون هو أول من فيها ويتراجع ويخون؟! كم من الثوّار وقفوا قبله مثل موقفه هذا وصمدوا وثبتوا وتحدّوا ليخلّدهم التاريخ، ولا يذكرهم إلا باحترام؟! ليفخر بهم أبناؤهم وزوجاتهم وأهلهم، بل ليفخر بهم الوطن.. والتاريخ؟! ما قيمة أن يعيش الإنسان تافهاً صغيراً لو كتب له أن يعيش؟!
وتداعت أمامه هذه المشاهد متلاحقة مسرعة، وهو يقف أمام المحقّق، فقال بصوت فيه سخرية وكبرياء: لا. لن أعترف. لن أخون رفاقي، لن أخون وطني. لن أخون. افعلوا ما شئتم ها أنا أمامكم. اقتلوني عذّبوني كما تشاؤون، لن تظفروا مني بكلمة واحدة أيها العملاء التافهون.
وتهاوت عليه اللكلمات بقبضات الحديد على كل مكان من جسمه. وسال الدم ليصبغ أرض الغرفة ويصبغ أرض الوطن كلّه.
ولم تكن زوجته تعلم شيئاً عما جرى لزوجها. لم تكن تعلم أن زوجها قد قتله السفاحون المجرمون.
قالت وقد بدأ الخوف يساورها، وهي تسمع الطرق على الباب لم يتوقف: لو كان هو، لماذا يطرق الباب والمفتاح معه؟! هل نسيه؟ إنه كثير النسيان هذه الأيام، مشغول البال، لا أدري لماذا؟!
وقبل أن تصل الباب، كان اثنان قد كسراه. قالا لها بصوت خشن، والمسدّسان في وجهها: هذا هو المجرم، لقد جئناك بجثّته، وعليكم أن تفرحوا لأن الحزب القائد قد خلّصكم من عار هذا الخائن. اسمعي، لن نرحمك ولن نرحم أولادك إذا سمعنا أنّك أقمت مجلس عزاء، أو صدرت منك كلمة ضد الحزب أو الثورة. اعلمي جيداً أن مصير أي منكم لن يختلف عن مصيره.
وأومآ بحذائهما إلى كيس كبير ملقى على الباب، وبقع الدم الكثيرة المنتشرة فيه قد صبغت عتبته: هذا هو الخائن.
ولم يكن الكيس يضم جسد خائن ولا عميل. كان يضم إنساناً، إنساناً مقاوماً شريفاً رفض أن يكون خائناً أو عميلاً. هو السيد علي أحد أبطال المقاومة المجهولين.
الفصل الرابع
مأساة المعلّم محمد
لم يكن السيد محمد من هواة السياسة، ولا ممن يعرفون شيئاً عنها. ولا يحب الحديث فيها. كان ينفر منها ويتجنب دائماً أي مجلس يخوض فيه الحاضرون فيما يعتبره، هو، من السياسة أو قريب منها. كان معلّماً متقاعداً تجاوز الستين من عمره، قضى أكثرها في تدريس مادة الحساب في مدرسة ليست بعيدة عن بيته الواقع في حيٍّ شعبي بسيط من أحياء الكرّادة في بغداد.
كان المقهی القريب من بيته، هو بيته الآخر حين يخرج من البيت. هناك يلتقي ببعض أصدقائه القدامی أو بعض جيرانه. يلعب معهم ( الطاولي ) الّذي يحسنه جيداً، والرهان بينهم دائماً كوب شاي يدفعه الخاسر من الطرفين. فهو لا يترك المقهی بأقل من ثلاثة أو أربعة أكواب من الشاي.
والمعلّم محمد قلّما يتجاوز المقهى إلا لشراء بعض لوازم البيت أو متطلبات الحياة اليومية، فزوجته كبيرة في السن، وابناه الاثنان متزوّجان ويسكنان بعيداً عنه: أحدهما معلّم مثله، والآخر موظّف في إحدى الدوائر الحكومية، وليس عنده غيرهما.
وفي أحد الأيام حين كان يغادر المقهى، وقد حلّ الوقت الّذي يغادره فيه عائداً إلى البيت، همس صاحب المقهى: الحاج - كما يسمّونه - في أذنه: لقد رأيت بعض الوجوه الغريبة قريباً من بيتك، أظنها كانت تراقبه. خذ حذرك، فالحذر مطلوب هذه الأيام، لا أحد يعرف ماذا سيحصل له، وهو خارج من البيت. لا أحد يعرف هل سيعود إلى البيت؟!
قال السيد محمد هازلاً: إذن عليهم أن يراقبوا الحيّ كلّه قبل أن يصلوا إلى بيتي ويراقبونه. أظنهم أذكى من أن يضيعوا وقتهم في مراقبة هذا الّذي لا يعرف غير مقهاك ولا يخرج إلا إليه، أو إلى هذا السوق، وأومأ إلى سوق غير بعيد، لشراء اللحم والخضرة لي ولأم قاسم، زوجته. قال صاحب المقهى الحاج: لقد أخبرتك بما شاهدت، وأتمنى أن أكون مخطئاً، لكن كنت سألوم نفسي، لو حصل لك - أعوذ بالله - شيء من هؤلاء ولم أخبرك بعد أن شاهدت. وحيّى المعلّم السيد محمد وهو يديم النظر وراءه.
كان المعلم أحد الملازمين للمقهى، لا يغيب عنه إلا لأمر مهم.
ومر يوم تبعه آخر ولم يأت كعادته.
وافتقد الحاج صاحبه ( المعلّم ) لكنه علّل غيابه بأنه قد يكون لشغل من هذه الأشغال التي لا تنتهي وتكاد تستنفد وقت الإنسان وطاقته في ظل حكم يخلق هو الأزمات والمشاكل والصعوبات. ألست مثل المعلّم؟! ألسنا كلّنا مثله؟! سأنتظر يوماً أو يومين، وسأعرف أخبار المعلّم.
ومر يومان وأيام قبل أن ينادي الحاج أحد أصحاب المعلّم من لاعبي ( الطاولي ) معه في المقهى.
قال الحاج: هل رأيت المعلّم؟ إنه لم يأت المقهى منذ خرج قبل مدّة غير قصيرة، وليس من عادته أن يغيب مثل هذه المدّة.
قال الآخر: لا والله، لم أره أنا أيضاً، ولقد نبّهتني، وأظن من الواجب أن نذهب للسؤال عنه، فهو صاحبنا. هل تعلم كم كنت أخسر كل يوم في لعب الطاولي معه. لقد كان الرابح دائماً.
قال الحاج: إذن انتظرني حتى أهيّئ نفسي وأكلّف من يجلس مكاني.
سأعود قريباً لنذهب إليه معاً.
وبعد ساعة، كان الاثنان يطرقان الباب على المعلّم.
فتحت أم قاسم الباب والحزن والقلق باديان عليها، وقالت: تفضّلا فأبو قاسم في الصالون وسيسرّه أن يراكما. لقد عاد من سفر شاق لم نصدق حين رأيناه يدخل البيت سالماً.
قال الحاج لصاحبه وهو يدخل: أظن أم قاسم تتحدّث عن سفر آخر. ودخلا.
كان الشحوب والإرهاق ظاهرين على المعلّم وهو يتمدّد على فراش وضعت في طرفه مخدّتان واحدة فوق الأخرى. أراد أن ينهض لتحيّة زائريه فمنعاه. سلّما وجلسا جنبه. سألاه عن أسباب غيابه وقلقهما عليه.
قال وهو يتكلّف الإبتسام: لقد كان ظنّك صادقاً يا حاج. لم يكن ظنّاً ولا تخميناً، بل كان يقيناً.
قال الحاج مستغرباً: ماذا؟! هل فعلوها معك؟! ما لهم ولك؟! ألم يجدوا غيرك؟! ألم يرعوا سنّك وسابق خدمتك؟! بأيّة تهمة أخذوك؟
قال المعلم، وقد استعدل قليلاً في جلسته، وقاسم ابنه إلى جنبه يسرع في طلبات أبيه: بعد رجوعي من المقهى يوم الأربعاء، وأنا أتهيّأ للنوم بعدما تناولت عشائي، طرق علينا الباب. أرادت أم قاسم أن تذهب وتفتح، فمنعتها وذهبت، حين فتحت الباب، استقبلني وجه غريب لم أعرفه من قبل: شخص غليظ كثّ الشعر منكر الملامح، وخلفه على الحائط المقابل، تقف سيارة لم أرَ مَن فيها. قال لي: أنت المعلّم محمد؟ وحين أجبت بـ ( نعم ). قال تفضّل معنا.
قلت: إلى أين؟
قال: لا تخف. سؤال بسيط وتعود إلى البيت، بنفس هذه السيارة، ستأخذك وتعيدك. هذه هي أساليبهم وعباراتهم لا تكاد تختلف. لكن هذا ( البسيط ) لا ينتهي إلا بالموت غالباً أو بما يتمنّى الشخص معه الموت. لقد كلّفني خمسة عشر يوماً لا أعرف ليلاً من نهار، غير إهانة وتعذيب وتخويف.
قلت: أمهلوني إذن حتى أغيّر ملابسي.
قال: ولمَ ذلك؟ قلت لك: الموضوع لن يستغرق وقتاً، ستعود بعد دقائق، فلِمَ الملابس؟ أنا أتعهّد لك بذلك. أتشك فيّ؟!
وصحت لأم قاسم. أخبرتها بأنني ذاهب مع الجماعة، وهذا اصطلاح يعرف العراقيون جيداً، المقصود به، ورجوتها أن تدعو لي، ثم توجّهت معهم. كان هناك في السيارة اثنان آخران. كانت الشوارع نصف مظلمة فلم أتبيّن الطريق. وبعد ما يقارب الساعة، أنزلوني أمام بناية. كان الجو الّذي أحاط بي وما يبعثه في النفس من خوف يمنعني من معرفة المكان الّذي أنا فيه، ومن البناية التي أقف ببابها ودخلت. قال أحد الّذين اقتادوني: هو ذا سيدي، جئنا به، ثم خرج وأغلق الباب وراءه.
كان الرجل الجالس وراء المكتب أسمر اللون مفقود الحاجبين قد نزل شاربه حتى غطّى شفته العليا من كلا طرفيها. وعلى المكتب أمامه مسدّس كبير. وعلى الجدار إلى جانبه لوحة فيها صور لبعض الشباب، أظنهم من الّذين يطلبهم الأمن.
قام الرجل ودنا منّي. أخذ يدور حولي، وهو يمد الصوت باسمي: المعلّم محمد عباس. وقبل أن يكمل الاسم، كانت صفعة قوية قد أدمت وجهي ثم تلتها أخرى، وسقطت أرضاً، فأنا بحكم السن لا أتحمّل مثل هذه الصفعات، ولا دونها، ولا أحسب الشباب يتحمّلونها.
ونادى على اثنين فأنهضاني.
وحين عاد إلى كرسيه، بدأ باستجوابي: هل تعرف بأنك مجرم؟!
ألا تستحي مع هذه السن أن تكون مجرماً؟! ألا تعلم بأنك تخون الحزب والثورة؟! كيف سمحت لنفسك بذلك؟! لم سكت ولا ترد؟! لأنك لا تملك الرد. هل تستطيع أن تنفي ذلك؟!
قلت وأنا أمسح الدم من وجهي: والله إني لا أدري عن أي شيء تتكلّم. لا أدري لماذا جئتم بي إلى هنا. لماذا. أقسم أني لا أدري قال وهو يصوّب إليّ نظرة مرعبة - أعاذكما الله منها -: وتتجاهل أيضا؟!
سأعلمك كيف تجيب الأسئلة. سنستخرج منك الاعترافات، شئت أم أبيت، ستأتي بإرادتك وتعترف بعد أن يأخذك الإخوان في نزهة تسرّك.
ونادى على اثنين ما رأيت والله في حياتي أغلظ ولا أنكر منهما خلقاً وخلقاً، كأنهما لم يخلقا إلا للإرهاب، كنت أرى الشر في عيونهما وفي حركاتهما.
قال وابتسامة صفراء قد ارتسمت في وجهه: خذاه لـ (النزهة)، فربما احتاج إليها. أوصيكما به. تعاملا جيداً معه.
وقاداني إلى دهليز طويل يفضي إلى زنزانة لا منفذ فيها ولا شباك. فتحا بابها المغلق بإحكام ثم دفعاني. كدت أقع على الأرض لولا أن يتلقاني بعض نزلائها.
لم تكن الزنرانة تتجاوز الخمسة أمتار في أربعة لكنهم حشدوا فيها حوالي العشرين شخصاً كما قدّرت، دخل بعضهم في بعض. وهم يجلسون على أرض رطبة لا شيء يقيهم رطوبتها ولا بردها. لا بساط تحتهم ولا حصير، إلا بطانية واحدة يأتي بها الحارس وقت النوم، لكل نزيل، وعلى هذا أن يجعل منها فراشاً وغطاء، ثم يسترجعها الحارس عند الفجر.
لم أستطع النوم طبعاً، فثنيت البطانية وجعلتها تحتي وتلففت بملابسي، ثم استندت إلى الحائط. كانت الهواجس تتقاذفني: ماذا سألقى من هؤلاء المتوحّشين يوم غد. ماذا دبّروا لي. ماذا يريدون مني. لمَ جاؤوا بي إلى هنا. بمَ سأعترف وأنا لا أعرف شيئاً. عن أي اعترافات يتكلّمون. كانت الأسئلة تبقى بلا جواب، والأفكار سوداء مخيفة، كيف هي أم قاسم الآن. أظنها لم تنم من الخوف والقلق، حائرة لا تدري ماذا تفعل. هل أبلغت الأولاد. هل علم الجيران. إلى أين تتوجّه للسؤال عنّي، ولا أحد يعرف مكاني، والسؤال ممنوع، وربما جلب الأذى لصاحبه.
لم أسأل الموجودين في الزنزانة، وكلهم من الشباب، غيري أنا النزيل الجديد. ماذا أقول لهم ولم أعرفهم إلا منذ قليل. يكفيني ما أنا فيه. ثم ما الّذي يضمن لي ألا يكون بينهم واحد من عملاء البعثيين دسّوه ليتعرّف أخبارهم ويكشف أسرارهم ونواياهم في المستقبل إذا خرجوا من هذه الزنزانة أحياء.
كانت الغرفة التي على اليمين تشهد حركة دائبة، داخلون وخارجون، صرخات وتوجّعات يقطعها شتم وسباب لا يحسنه أحد مثل هؤلاء المجرمين، أضع يدي على أذني حتى لا أسمعه.
وبين وقت وآخر يقودون واحداً قد أنهكه التعذيب، أقرب إلى الشبح منه إلى الإنسان، وحين يمرّون قريباً منّا، يسلّطون عليه الضوء لنراه ونرى ما تعرّض له. أسلوب آخر يريدون به إضعاف روح المقاومة لدى الشباب ودفعهم إلى الانهيار والاعتراف، وربما التعاون.
عند الفجر بعد أن استرجع الحارس البطانية، جاء أحدهم وهو يحمل مصباحاً يدوياً (لايت) فتح الباب ودخل، كان قاسي الملامح حاد النظرات. استعرض بمصباحه وجوه النزلاء، ثم سلّطه عليّ. قال: أظنك المعلّم، ضيفنا الجديد، تفضّل معي:
قلت - إلى أين؟
قال: إلى النزهة التي وعدك بها المدير أمس. ألا تحب النزهة؟! هل في الناس من لا يحب النزهة، خصوصاً سياسي مثقف كالمعلّم محمد!! وجرّني خارجاً قبل أن يغلق الباب.
كانت القاعة التي قادني إليها مرعبة: ضوء خافت، وأدوات تعذيب في كل مكان فيها. مراوح وأجهزة كهرباء وكلابات لقلع الأظافر وأخرى لقلع العيون، وأصوات منكرة تخرج من فتحات داخل الجدران، وأفلام عن تعذيب لا يستطيع من هو داخل القاعة أن يتجنب النظر إليها لكثرتها وانتشارها.
كل فلم يصور مشهد تعذيب يختلف عن الآخر
- هذا هو ضيفنا لهذا اليوم. لقد أوصانا به المدير خيراً: قال ذلك لصاحبه الّذي كان يقف وسط القاعة إلى جانب جهاز لم أعرف ما هو إلا بعد ذاك، ثم أضاف، موجّهاً الخطاب لي: والآن يا أستاذ، بأي هذه، وأشار إلى أجهزة التعذيب، تريد أن تبدأ النزهة؟ ونظر إلى المروحة النازلة من السقف: أظنها الأسهل التي تبدأ بها لكي تتدرج بعدها إلى الأصعب. ألم تبدأ مع طلابك بالأسهل..... وأنت تعلّمهم؟! يبدو أن المعلّم سريع النسيان!
قلت: لماذا؟! والله إني لم أفعل شيئاً. والله لم أمارس السياسة يوماً في حياتي ولم أقترب منها. كنت أهرب من أصدقائي إذا سمعتهم يتحدّثون فيها.
قال الثاني، وهو يتصنّع الغضب وبلهجة كلّها تهديد: اسمع، لقد صبرنا عليك طويلاً. لا وقت عندنا نضيّعه معك، فالمجرمون من مثلك كثيرون، وكلّهم يحتاجون إلى النزهة، عليك أن تخلع ملابسك، هكذا تفرض تعاليم النزهة. وخلعت بعض ملابسي الخارجية، ثم توقّفت.
قال: اخلع تماماً، كل ملابسك، ألا تفهم؟! هل نأتي لك بمترجم؟!
ومددت يدي، ثم أعدتها وأنا أرتعش. قلت: سامحوني في هذا، والله للقتل عليّ أهون منه.
وتضرّعت إليهم وأنا أبكي.
قال الأول الّذي جاء بي من الزنزانة: سنسامحك هذه المرة، هذه المرة فقط.
وربطاني إلى مروحة كبيرة تدلّت من سقف القاعة، ورأسي إلى الأسفل، ثم بدآ يديرانها، ويزيدان من سرعة دورانها. صرخت، توسّلت، قذفت كل ما في معدتي. لم أعد أرى ولا أحس ولا أعي شيئاً.
وبعد فترة أوقفا المروحة وأنزلاني.
قال وأنا لا أستطيع أن أقف على الأرض من الدوار والإرهاق ومن المنظر الّذي كنت فيه: لقد كنّا لطيفين معك، فاحمد ربك إنك وقعت بأيدينا. لو كنت مع غيرنا لرأيت ما لم تكن تتصوّر أن تراه.
قلت: جزاكم الله خيراً!
قالا بصوت واحد: والله ما قلتها عن نيّة صادقة.
وأعادني مرافقي الّذي جاء بي، إلى الزنزانة.
كان عدد من النزلاء غائبين لم أسأل عنهم. وبعد وقت قصير بدؤوا يعودون، الواحد تلو الآخر، وآثار التعذيب ظاهرة عليهم: أجساد ترتعش، ودماء وكيّ وضرب في كل موضع منها.
ماذا فعل هؤلاء الشباب ليصنع فيهم كل هذا؟! ما الّذي جاء بهم إلى هنا؟! إنهم ليسوا لصوصاً ولا مجرمين، لم يرتكبوا شيئاً مما يعاقبون عليه.
لمَ يتحملون كل هذا العذاب الّذي لم أطق ساعة منه؟! ما الّذي يدفعهم إلى مواجهة الأخطار والتضحية براحتهم وأمنهم وأمن عوائلهم... وربما بحياتهم، وهذا ليس مجرّد احتمال. لابد أن قضية كبيرة يحملونها وتستحق في نظرهم أن يضحّوا بكل شيء لتحقيقها. إنّ وراءهم أمهات وآباء وأطفالاً، لبعضهم على الأقل. كيف تركوا كل هؤلاء وارتضوا حياة الاعتقال والتعذيب وما بعدهما.
ها هم أمامي يبتسمون كأنهم جاؤوا من حفلة عرس، يسخرون من الجلادين، إنهم أكبر منهم في نفوسهم... وفي نفوس الجلادين، وهذا ما يزيد حقد هؤلاء عليهم وكرههم لهم.
يشعرون بأنهم صغار تافهون فيثأرون لأنفسهم بتشديد العذاب على هؤلاء الشباب.
دارت كل هذه الأفكار في رأس المعلّم وهو ينقل نظره بينهم، وقد أسند رأسه إلى حائط الزنزانة.
في فجر اليوم التالي، عاد مرافقي: مسؤول التعذيب ليقودني إلى نفس القاعة. لا أدري لماذا هي نفسها، فقاعات التعذيب كثيرة عندهم، وكلها مجهّزة بأحدث ما بلغته التكنولوجيا الحديثه من وسائل التعذيب.
قال لصاحبه ونحن ندخل: المعلم محمد. ماذا سنضيّفه اليوم؟
قال الثاني: لن يكون نفس ما ذاق أمس، مشيراً إلى جهاز قريب منه بدأ بتشغيله.
طلبا منّي أن أخلع ملابسي، وحين أبطأت أسرعا برفعها وتركا سروالي. أجلساني على كرسي ثم شدّا جسمي كلّه: ظهري ويدي ورجلي حتى لا أستطيع أن أتحرّك أو أميل. وبعد أن أحكما شدّي واطمئنا إلى دقّة عملهما! أمسك أحدهما بمكوى كهربائي يتصل بزر في مكان من الجدار، ودنا مني، ضغط الآخر على الزر، وبدأ حامل الكرسي يختار ما يريد من ظهري العاري. صرخت توجّعت. لكنهما كانا يضحكان أكثر كلما تألّمت وصرخت أكثر. لم أعد أطيق. طلبت منهم أن يرحموني ويخفّفوا عذابي بأن يقتلوني مرةً واحدة: أسهل عليهم وعليّ.
قال أحدهما وقد أوقفا عمل المكوى: أظن من الأفضل أن نتوقّف، فقد يموت قبل أن ننتزع الإعتراف منه. لا أريد أن يموت في أيدينا كما مات ذاك اللعين... قبل يومين.
مات تحت التعذيب دون أن يعترف. كم كان قوياً عليه اللعنة!!
سنكتفي منه اليوم بهذا القدر، وسيضطر إلى الإعتراف غداً أو بعد غد، لن يستطيع المقاومة أكثر.
وتكرّرت زيارات المعلّم للقاعة. لم يبق في جسمه مكان سالم من التعذيب، بالكيّ أو اللكم أو الضرب، ومدّ يديه وكشف عن ظهره يريهما ما فيه من آثار الكي.
قال الحاج وهو يرى آثار التعذيب: والله لو لم أر لما صدقتك، والله ما أظن الوحوش تفعل ما فعلوا. من قال إن الوحوش شرّ منهم أو أنهم خير من الوحوش؟!
أمضى المعلم محمد خمسة عشر يوماً بين الزنزانة والقاعة، قبل أن يأتيه، صباح اليوم الخامس عشر، واحد من رجال الأمن لم يره من قبل. قال: أيكم المعلّم محمد، وما كان يجهل المعلّم، وهو يتميّز عن الآخرين من نزلاء الزنزانة.
- أنا هو: قال المعلّم ذلك ثم ردّد كمن يتكلّم مع نفسه؟ تعذيب جديد! والله لم يبق مكان له. ألم تكفكم خمسة عشر يوماً في تعذيب متقاعد قارب السبعين؟!
قال رجل الأمن: البس ملابسك وتعال معي فالمدير يريد أن يراك.
وأسرع المعلّم في ارتداء ملابسه، وخرج. لم يجره رجل الأمن ولم يوثق يديه، ولم يكن الإتجاه إلى القاعة اللعينة كما هي العادة منذ دخل مديرية الأمن.
وبعد لحظات كان المعلم يدخل غرفة المدير.
قال المدير: تفضّل اجلس.
لم يصدّق المعلّم أنّ الكلام موجّه إليه، التفت يميناً ويساراً فلعل المدير يكلّم غيره، ثم جلس. كان يراوح بين جنبيه، لا يستطع أن يبقى على جانب من أثر التعذيب.
قال المدير: لقد علمنا اليوم بأنّك لم تكن المطلوب وأنّ خطأ وقع معك، وهذا ما يحدث أحياناً وأنت تعرف ذاك، فأعداء الحزب والثورة كثيرون، والأسماء تتشابه. المهم أنك لم تتعرض لأي أذى خلال إقامتك عندنا، وأنّ الإخوان كانوا لطيفين معك. ما أظنك ستنقل عنا إلاّ ما رأيت من معاملة طيبة.
قال المعلم: أفضل معاملة والله.
قال المدير ساخراً من كلامه ومن جواب المعلّم: سيوصلك أحد الأخوان إلى البيت.
قال المعلّم: لا حاجة لذلك. أعرف الطريق. سآخذ أي تكسي لا أريد أن أكلّفكم - شكراً لكم.
ومرّت أيام بعد ذاك ولم يأت المعلّم إلى المقهى، كما كان منتظراً.
وسأل الحاج صاحب المقهى عن المعلّم: لقد مضت مدّة غير قصيرة على زيارتنا له بعد خروجه من الأمن، ولم أره في المقهى. ما الّذي جرى له، هل أعادوه إلى الأمن مرة أخرى؟!
كان المعلّم قد شغله عن المقهى أمر آخر هذه المرة... لقد التحق بقوى المقاومة.
الفصل الخامس
أبو طبر - الشبح الّذي أرعب بغداد
هوجم في الليل بيت في زيّونة وقتل جميع أهله.
وجدت عائلة مذبوحة ظهر اليوم في الصالحية.
قتل عروسان في شارع فلسطين بعد أيام من زواجهما.
وجدت جثة امرأة في الوزيرية، وأخرى في السعدون.
كانت هذه الأخبار تنتشر بين سكّان بغداد بسرعة غريبة، حاملة الذعر والخوف والحيرة. كل يوم خبر عن جريمة أو جرائم جديدة لا ينتهي الناس من سماعها، إلاّ ليسمعوا أخباراً عن جرائم غيرها، أسوأ وأبشع منها، يتناقلونها بتفاصيل مرعبة. لا يلتقي اثنان إلا سأل أحدهما الآخر عن الجديد من الضحايا.
لا حديث للناس إلا عن هذا الّذي يهاجمهم في بيوتهم وهو يحمل معه أداة القتل: آلة كبيرة حادّة هي (الطبر) إنه أبو طبر، هكذا صار اسمه عند الناس، يختار ضحاياه في الليل على الأغلب، أو في النهار عندما تهدأ الحركة. ينزل من السطح أو يدخل من النافذة أو يكسر الباب. قادر على كل شيء ولا يحول دونه شيء. يقتل بسرعة فائقة، لا يفلت منه أحد إلاّ بمعجزة. يضرب في الرأس أكثر ما يضرب، وضربته قاتلة. لا يطلب مالاً ولا فدية. القتل هو ما يريد. يقتل الشيخ والمرأة والطفل! لا فرق عنده. عاشق للقتل وسفك الدم. شبح يطوف، يطوف بغداد: كل يوم في مكان، لا أحد يدري من يأتي، ولا أحد يدري إن كان سيصبح حيّاً أو لا.
بدأ الناس يتخيّلون، يقسمون أنهم رأوه. يصفونه: طويل، مخيف، ضخم، أسمر، ملثّم، ينادي الضحية باسمه: صور يصنعها خيال مرعوب. هذا هو المشهد في بغداد التي بدت قلقة متوترة، شلل شبه كامل. ما يشغل الإنسان فيها، هو الحفاظ على حياته من هذا الّذي يجهل كل شيء عنه إلا ما يترك من ضحايا.
الناس لا ينامون إلا جماعات بعد التأكد من إقفال كل الأبواب، ثم وضع مصدات وموانع خلفها من الداخل لعلها تستطيع، إذا دفعت وحركت، أن تنبّه السكّان فيسرعوا إلى الفرار بأنفسهم، لا إلى المقاومة التي لا تجدي.
الأمهات مذعورات لا يتركن أطفالهن، والأطفال ملتصقون بأمهاتهم، خائفين مذعورين، لا سبيل لحمايتهم وحمايتهن من هذا الوحش إلا انشغاله بقتل آخرين، أسبق منهم على لائحة القتل.
كل جار يتفق مع جاره على إشارة يرسلها إليه إذا هاجم أبو طبر. تركوا النوم في الغرف. كلهم الآن ينامون في السطوح: يكلّم بعضهم بعضاً، وينبّه بعضهم بعضاً لأيّة حركة يشك فيها.
وسكّان كل حي وكل شارع يتناوبون الحراسة والتفتيش، وهم مزوّدون بكافة أنواع السلاح الّذي أصبح السلعة الأروج. الناس يبحثون عن السلاح، يشترونه بأي ثمن.
صاح السيد سمير، وهو أردني يعمل في إحدى المنظمات الدولية ببغداد، ويقيم مع زوجته وطفلتيه في شارع ١٨ في الداودي: أرى شيئاً يتحرّك على السطح، وها هو يقترب مني: صاح بأعلى صوته ليسمع الجيران الساهر بعضهم في حراسات بانتظار أية حركة أو إشارة، وردت طلقة في منتصف الليل تحمل الإنذار، تبعها على الفور دوي إطلاق كثيف من الشارع ومن البيوت القريبة. وخرج الناس: بعضهم اتجهوا إلى السطح بأسلحتهم، وبقي البعض يحيطون بالبيت ويدورون حوله. فتّشوا البيت زاوية زاوية، لكنهم لم يجدوا شيئاً. كان خيال مدخنة قد امتد على الحائط، صورة الخوف وكأنه رجل، ثم أضاف إليه آلة القتل ( الطبر ) وشغل الناس، ونسي النظام أوخف التفكير فيه. لم يعلموا في غالبيتهم أنّ هذا الّذي شغلهم وأسهرهم وأقلقهم في الليل والنهار، هو أيضاً جريمة من جرائم النظام.
لا أحد يفكّر الآن في انعدام المواد الغذائية. ولا أحد يفكر في الفساد والرشوة. ولا أحد يفكر في السجون والمعتقلات التي ملأها مفكرون ومثقفون ومناضلون وأشخاص آخرون، وكل ذنبهم أنّهم يرفضون فكر البعث أو يرفضون الانتماء إليه.
هكذا بدأت اللعبة: كان العمل قد جرى منذ تولّي البعث الحكم في العراق، على أن يجمع طلاب المدارس الابتدائية في ساحة المدرسة في صفوف منتظمة صباح كل خميس قبل أن يذهبوا إلى قاعات الدرس، ويقوم أحد أفراد الهيئة التعليمية - مصلحة بعثية في الغالب - بإطلاق رصاصة أو أكثر من مسدّس في يده، إيذاناً ببدء فعالية الخميس، ثم يردّد شعار الحزب وأهدافه وسط التلاميذ الّذين عليهم أن يعيدوا بصوت عال وبحماس، ما قاله المعلّم أو المعلّمة، قبل أن يذهبوا إلى قاعات الدرس التي سيتلقون فيها أيضاً دروساً في فكر البعث وتأريخه ونضاله!
وفي أحد أيّام الخميس من شهر نيسان ١٩٧٣، وبعدما انتهت المعلّمة البعثية - وقد أصبح أكثر معلّمي المدارس الابتدائية بعثيين - من الفعّالية الصباحية لترديد التلاميذ شعار الحزب وأهدافه، التفتت إلى هؤلاء لتقول لهم: لقد هوجم جيراننا ليلة البارحة وقتلوا جميعهم. لم يعرف القاتل ولا أسباب القتل. يظن أنها عصابة تحترف القتل، وسمعت أن عائلة أخرى قتلت في ليلة سابقة. عليكم أن تحذروا وتحذّروا أهاليكم، انتبهوا جيداً. تأكّدوا من إغلاق الأبواب قبل النوم.
وبعد أشهر طويلة مثقلة بالحزن والقلق والعذاب، ارتفع صوت المذيع ينبّه المستمعين إلى خبر مهم سيعلن عليهم، خبر سار انتظروه طويلاً - كرّر هذا مرات عديدة قبل أن يعلن أن الجهات المسؤولة الساهرة على أمن الوطن والمواطنين، الراعية لمصالحهم، المنبثقة عنهم، برعاية الحزب القائد، قد تمكّنت بهمّة الأبطال، من إلقاء القبض على هذا الّذي روّع العراقيين وسلبهم الراحة والأمن، وسيقدم إلى المحاكمة لينال جزاء ما اقترفته يداه بحق أبناء الشعب!!!
نظر أحد المستمعين في وجه آخر من الّذين تجمّعوا، يريدون أن يعرفوا الخبر: أكانت هذه اللعبة ضرورية؟! لقد دفع الشعب ثمنها باهضاً. دفع ثمنها وثمن غيرها مما سبقها ومما سيلحقها. قال هذا بصوت خفيض، ثم أخذ طريقه ومضى.
الفصل السادس
اجتماع طارئ لقيادة حزب البعث - مجزرة (خان النّص)
دعي أعضاء القيادة القطرية لحزب البعث لاجتماع طارئ يعقد في بغداد لمناقشة أمر خطير لم يعلن عنه.
وبعد ثلاث ساعات كان الاجتماع قد عقد في جلسة استثنائية كما سميت. دخل أحمد حسن البكر قاعة الاجتماع يصحبه صدام حسين، وهما يتصنعان القلق والغضب.
بدأ أحمد حسن البكر الكلام قائلاً: لقد وردت أنباء مؤكّدة: أنّ عدداً من المتآمرين من أعداء الحزب والثورة يتهيؤون الآن لبدء عملياتهم الخيانية بالزحف من النجف إلى كربلاء بحجّة الزيارة. ومن هناك يعلنون العصيان.
وربما التحق بهم غيرهم من الوسط والجنوب، وربما زحفوا على بغداد. إنّ هذا تمرّد واضح على السلطة الشرعية وخطر كبير على الأمن القومي لن يسمح به الحزب، تحت أية ذريعة وأية حجة، حتى لو كانت زيارة الحسين. الآن أفهم لماذا كان الخليفة العباسي الأمين يحارب الزيارة ويقتل كل من جيء به وهو يريد زيارة الحسين.
وقد جمعناكم لنناقش الأمر واتخاذ قرار حاسم يقضي على المؤامرة في مهدها، وبشكل لا يسمح لها بأن تتكرّر في المستقبل. قرار حاسم حازم يجعل من هذه الزيارة ذكرى من ذكريات الماضي، ويمنع من يفكّر فيها مستقبلاً. نريد عقوبة رادعة للعملاء من خونة الشعب والمتآمرين على مصالحه. قال هذا وهو يستعرض وجوه المجتمعين بخبث وبنظرات حادّة، متظاهراً بالخوف من خطر يهدّد العراق، عليهم أن يتخذوا القرار الواجب، لمنعه والحيلولة دون وقوعه.
ثم جلس إلى جانب صدام.
طلب أحد المجتمعين الكلام. قال: أظن الرفيق قصد المتوكّل، فالمتوكّل لا الأمين، هو من كان يقتل زوّار الحسين.
قال البكر: ليتهم كانوا كلهم يقتلون الزوّار! ليتهم فعلوا ذلك، فلم تصلنا هذه العادة المناقضة لفكر الحزب والثورة.
قال آخر من المجتمعين: وماذا في زيارة الحسين من خطر أو تهديد للأمن القومي؟! لقد كانوا يزورون الحسين من عهود بعيدة، منذ استشهد الحسين. لم يمنع القتل من الزيارة، ولم نسمع قبل اليوم أنّ الزيارة والزوّار مثّلوا خطراً على الأمن أو المصلحة الوطنية، حتى في عهدنا منذ تسلّمنا السلطة قبل ست سنوات. ما الّذي جرى ليتبدّل الموقف من الزيارة بهذا الشكل؟! كيف، كيف تحوّلت إلى خطر ومؤامرة وخيانة!! أرجو من الرفيق أن يوضح ذلك أمام الرفاق الحاضرين، لكي يكون القرار، حين نتخذه، مبرراً وعن بيّنة واقتناع نستطيع أن ندافع عنه أمام كوادر حزبنا وأنصاره لو سئلنا.
وسارع صدام للرد، لم ينتظر البكر أن يجيب، قال وهو يضرب الأرض بقدميه: انظروا، لقد جرّه أصله - الشيعي - إلى ما نسمع. ها هو أحد الرفاق يتعامى عن الخطر ويدافع عن المجرمين والخونة. إنّ الحزم هو السبيل الوحيد للحفاظ على الثورة ومكتسباتها. على القيادة المجتمعة الآن أن تحسم الأمر وتتخذ القرار الّذي يردع من يريدون التلاعب بأمن المواطنين ومن يقف وراءهم ويدعمهم. علينا أن نستبق الأمور، لا أن ننتظر إلى أن تقع. يبدو أنّ طائفية الرفيق أقوى من بعثيّته.
وسرعان ما سحب (الرفيق) ملاحظته أو سؤاله، وطلب شطب كلامه من محضر الاجتماع ثم أعلن: أنا أول الموافقين على وأد هذا الخطر والقضاء عليه بكل الوسائل، والانتهاء، وإلى الأبد، من هذه الفتنة التي يحملها الزوّار. الحزب فوق الأديان والمذاهب، وفوق الانتماءات، وحتى فوق العواطف التي يجب إلغاؤها لصالح الحزب والثورة. الحزب هو الدين الجديد الّذي علينا الإيمان به والدفاع عنه. لا دين معه ولا دين بعده.
قال أحد الّذين سمعوا كلام الرفيق، هامساً في أذن صاحبه: ما أسرع ما سحب الرفيق ملاحظته، ثم لم يكتف، لقد زايد كثيراً، ولم يكن في حاجة إلى الأقل من ذاك.
قال الثاني: إنّه الخوف يا صاحبي. هو لم يعترض، وهذا من حقّه، ولم يقل شيئاً يؤاخذ عليه. مجرّد ملاحظة أو استفسار. هكذا تبنى الأحزاب؟! على الخوف، حتى في أعلى المستويات؟! لا يستطيع الواحد أن يبدي ملاحظة. ألم يكن رفيقنا قادراً على أن يقول للبكر ولصدام: والله ما مثلكما من قدّم طائفيته وأخّر بعثيته. ما مثلكما من رفع شعار الطائفية وقوّاها ومكّنها. لقد جعلتما من الحزب مؤسسة لا يتقدم فيها إلاّ من كان من طائفتكما، وليس الآخرون إلاّ أدوات للتنفيذ فقط، ولخداع هؤلاء الجاهزين لأن ينخدعوا.
واتخذ القرار بالإجماع.
واتجهت قوّات مسلّحة من مختلف الصنوف إلى طريق النجف - كربلاء، تثير الرعب والخوف وتنشر القتل والدماء.
فما هو هذا الخطر الّذي يتحدث عنه أحمد حسن البكر وصدام حسين والّذي ذهبت لقمعه، دبابات ومدرعات ومدافع ورشاشات وجنود ومغاوير بخوذ فولاذية، تسبقهم وتستطلع لهم، طيّارات تجوب أجواء المنطقة؟!
نحن الآن في أواسط شهر صفر من عام ١٩٧٤ أي أن زيارة الأربعين المهمّة جداً عند الشيعة، ستحل بعد أيّام.
وقد اعتاد الشيعة أن يقصدوا كربلاء، لإحياء هذه الزيارة التي تقع في العشرين من صفر. ومن كان من سكّان المناطق القريبة من كربلاء، ذهب سيراً على الأقدام.
وزيارة الأربعين يمارسها المسلمون الشيعة، وقد يشاركهم غيرهم فيها، منذ زمن طويل، لم يعترضهم أحد ولم يمنعهم عنها أحد، وهي لا تحمل هدفاً سياسيّاً وليس فيها ما يهدّد الأمن والاستقرار. هي زيارة للحسين، كانت تجري في عهود مختلفة أو متعاقبة، دون أن يكون لهذا الاختلاف أو العداء شأن فيها ودون أن يكون لها شأن فيه.
والنجف لا تبعد عن كربلاء الاّ مسافة لا تتجاوز الثمانين كيلو متر، فهي ليست بعيدة، خصوصاً إذا عرفنا أن هناك ثلاث محطات كبيرة يستطيع الزائر أن يأكل ويستريح أو ينام فيها، ثم يستأنف سيره متى شاء.
وحلّ موعد الزيارة. وتهيأ عدد من النجفيين، كما اعتادوا في كل عام، للزيارة.
وبدأوا سيرهم قاصدين كربلاء. كانوا من أعمار مختلفة، فيهم الشيخ والشاب، وفيهم الرجل والمرأة، لا يريدون إلا الزيارة. لقد نشؤوا ونشأت أجيال طويلة عليها. إنهم يحبّون الحسين ويريدون أن يجدّدوا العهد بأنّهم ما يزالون أوفياء له.
لم يفكروا، لم يخطر في ذهن أي منهم، ولا من سواهم، وهم يتجهون إلى كربلاء، في زيارة الحسين، أن يكون هذا، وفي النصف الثاني من القرن العشرين، سبباً لاستباحة دمائهم.
ماذا فعلوا! إنهم عراقيون. لم يرتكبوا جرماً، ولم يفعلوا ما يمكن أن يحاسبوا عليه، لا بالقتل ولا بما هو دونه. إنّ العقوبات للمجرمين، وليس أبعد عن الجريمة والمجرمين منهم، إنّهم مؤمنون صادقو الايمان، جاؤوا ليؤدّوا فرضاً واجباً لإمامهم صاحب أعظم ملحمة في تاريخ الإنسان، إنّ الإنسانية كلها تشاركهم هذا الحب، ولو استطاعت أن تشاركهم السير إلى كربلاء لفعلت. لكن هذا لم يكن في أذهان البعثيين. كان عكسه تماماً. كان النقيض له هو ما يفكّر فيه البعثيون. كان حقدهم وكرههم للحسين يزداد كلما ازداد حب الناس له وتعلّقهم به وإقبالهم على زيارة مرقده.
قال أحد هؤلاء البعثيين لمجرم آخر من حزبه: ماذا سنفعل بهذا الحسين؟! نستطيع أن نحطّم كل أعدائنا إلاّ الحسين. ما يزال الحسين، وسيبقى، يرعبنا ويرعب غيرنا. ما يزال يلهب النفوس والأفكار، إنّه ثورة دائمة.
قال الآخر: وأنا والله لا أدري لكم تساءلت! لكم حاولت أن أجد جواباً لتساؤلي فلم أفلح! إنّه الخطر الّذي لا خطر علينا مثله. ألا ترى إلى هؤلاء الشيعة، ما أوفاهم لأئمّتهم: ما أظنني رأيت ولا سمعت بمثل هذا الوفاء.
قال الأوّل، وهو يحاول أن ينهي الحديث: والله لو كان لنا أئمّة مثل أئمتهم، لما كنا دون الشيعة في الوفاء لهم.
حين وصل الزوّار إلى موضع قريب من منتصف الطريق بين النجف وكربلاء، بدأت الدبابات والمدافع والرشاشات تتسابق من كل اتّجاه لتحصد أرواح هؤلاء، وأصوات كريهة مسعورة متوحشه ترتفع من أبواق في أماكن مختلفة من (ساحة المعركة) تطالب بسحق الخونة العملاء من أعداء الحزب والثورة، وعدم الإبقاء على واحد منهم.
وانجلت ( المعركة ) عن جثث وأشلاء وأوصال مقطّعة قد انتشرت في الأرض. كان بعض الأطفال في أحضان أمهاتهم، فاختلطت أشلاء الأم بأشلاء الطفل، وسال الدم، لا تدري من أيّ منهما، وإن كان دم الإنسان لا تمييز فيه.
ومن نجا ولم يقتل في الساحة، لم ينج من المشنقة التي عُلّق عليها الكثيرون. لقد كان يوماً حزيناً قلّ مثله على امتداد التاريخ، قتل فيه أبرياء، لشهوة القتل من عصابات لا تملك إلاّ القتل، سلاحاً وحيداً لبقائها.
وسأل الناس...
وسألوا عن موقف الحزب الشيوعي من المجزرة.
وردّد واحد وهو يطرق برأسه كانّه يستحيي من الجواب: لقد برروا القتل، بل باركوه. كان همهم أن يلتمسوا الأعذار للمجرمين. لقد تحوّل الحزب إلى مجرد تابع رخيص للبعثيين، يدافع عنهم ويسترضيهم ويبرّر جرائمهم. لقد انتهى حزب الجماهير إلى حزب لأعدائهم. أسفاً على الحزب وعلى تراثه وشهدائه!
الفصل السابع
الشيخ عارف البصري - فرزدق وجرير
وحوار الفكر
في ركن من أركان أحد المقاهي التي تمتد على شارع الرشيد، كان السيد... يجلس إلى جانب صديقه...... الّذي التقاه بعد أيّام لم يره فيها. قال وهو يأخذ رشفة من كوب الشاي أمامه، وصوته لا يسمعه إلا صاحبه: ما لك يا صاحبي؟ أراك مغتماً حزيناً وقد كنا لا نضحك الاّ حين تكون بيننا؟! هل نسيت نكاتك وحكاياتك! والله إنّي لأذكرها كلها، وأذكر أين سمعتها منك. هل تعلم أنّ الله وهبك قدرةً نادرةً في جعل الحكاية العادية، نكتة لا يستطيع من يسمعها إلاّ أن يضحك ويغرق في الضحك؟! إنّها موهبة حقّاً، لا يملكها إلاّ قلة من الناس وهبهم الله ما وهبك، ولو تأخرت قليلاً، لأسرعت المسارح في البحث عنك وطلبك، ولكنت الآن نجماً من نجوم المسرح ليس مكانك هنا في هذا المقهى. لقد حاولت مرة أن أروي حكاية سمعتها منك وضحكت لها كثيراً، لكن ضحكت من نفسي وأنا أفسدها، والمستمعون ينتظرون موضع النكتة فيها، فقطعتها قبل أن يطلب هؤلاء قطعها. لقد كنت سارقاً أو مقلداً فاشلاً.
قال الآخر: والله إنّها لفضيلة للإنسان أن لا يحسن السرقة وأن يفشل حين يحاولها، هذا يعني أنّك لم تعرف السرقة ولم تجرّبها، وحين حاولتها، فشلت.
ضحك الأوّل وقال: إنّه خير عزاء لي. لقد كنت ألوم نفسي أني لا أحسن نقل حكاية أضحكتني وقتها، وأضحكتني زمناً طويلاً بعدها، كلما تذكرتها. لقد كنا في مقهى قرب جسر الأحرار ( مود ) من جانب الكرخ. كان الوقت عصراً، وكان معنا (م ح ف) و (ح ج ش).
قال الثاني: وقد بدت آثار حزن عليه وهو يتذكر أياماً حلوة في الماضي: ذلك زمان لن يعود، حين كان الإنسان يستطيع أن يضحك. أما الآن، في زمن هذه العصابة من الذئاب فلا. لا أنا قادر أن أروي نكتة، ولا أنت قادر أن تضحك. لقد غاب الضحك يا صديقي. حلّ محلّه الحزن والألم، تقاسيه أو يقاسيه أخوك أو صديقك. لا أحد الآن يضحك. الحزن هو المشترك بين الناس. استبدلنا بالضحك، المعتقلات والسجون. ينام الناس خائفين ويصبحون خائفين. لا أدري من أي جنس من الوحوش، هؤلاء البعثيون! لقد أحسن الغرب اختيارهم، والله لو فتّش دهراً لما وجد خيراً منهم لتحقيق مصالحه. ثم أضاف، والغضب والحزن في صوته: هل سمعت بإعدام الشيخ عارف البصري ورفاقه؟! لقد أحزنني جداً نبأ إعدامهم. إنّه نذير شؤم وإرهاب لن يقف عند حد، لن يقف أبداً. لقد سبقته نذر طويلة لمن كان يعتبر.
قال الأوّل: لقد سمعت الخبر أمس يردّده المذيع بصوت عال، وهو يهنّىء الشعب العراقي بإعدام الخونة والعملاء من أعدائه! كان يضحك وهو يعلن النبأ.
قال الثاني: لم أكن يوماً كما تعلم بعيدا من فكر الشيخ عارف. لم يخل لقاء لنا من نقاش، هادئ تارة، وحاد أخرى. كنت أختلف معه في الكثير من القضايا. على أني كنت سعيداً بالاتّفاق كما كنت سعيداً، ربما أكثر، بالاختلاف، إنّه الفكر يتحاور، فيتفق ويختلف، وهل كان الإنسان سيتقدم، لو أنّ الناس كلهم كانوا من فكر واحد. لكنّي أرفض بشكل مطلق، مطلق، وكرّر اللفظ، أن يكون اختلاف الرأي جريمةً، ما بقي في حدود اختلاف الرأي، ولقد كان الشيخ عارف كذلك، لم يتجاوز ذلك يوماً؛ لأنّه صاحب فكر، وصاحب الفكر سلاحه فكره، لا يحتاج إلى سلاح غيره، وما أمضاه من سلاح.
اختلفت مع الشيخ عارف، لكن كنت أحترمه. ليس مطلوباً منك أن تفكّر كالآخرين، لكن عليك ألاّ تطلب من الآخرين بأن يفكّروا مثلك. لقد كان الشيخ عارف ورفاقه، ثروةً فكريةً. كانوا أصحاب عقيدة وإيمان بها وإخلاص لها، دافعوا عنها كما يدافع المؤمن الصادق الإيمان عن عقيدته. كانوا أبطالاً، لم يتخاذلوا ولم يجبنوا ولم يتراجعوا. كانوا في مستوى القضية التي يحملونها. قتلهم المجرمون. قتل الفكر من لا فكر له، من عدم الفكر وعادى الفكر. قتلهم المجرمون الّذين سيقتلوننا. لقد حكموا على الشعب العراقي كلّه بالإعدام: شنقاً أو تعذيباً أو تجويعاً أو تهجيراً أو إرهاباً وتخويفاً. يريدون أن يجعلوا من حكمهم الفاشي المتخلّف هذا، واقعاً، علينا أن نكيّف أنفسنا للتعايش معه والرضا به، لا نقد ولا رفض ولا ثورة، ولا فكر يمهّد ويغذّي النقد والرفض والثورة.
قال الأول: لم أرك مدحت فكر حزب الدعوة كما مدحته الآن.
قال الثاني: أنا لم أمدح ولم أذم. لست الفرزدق ولا جريراً، أنا أتّفق وأختلف. هذا هو شأن الفكر حين يناقش الفكر. حزب الدعوة يحمل فكراً. فهل تجد غريباً أن أختلف معه؟! هذا الّذي تتفق معه دائماً سيكون نسخة منك أو تكون نسخة منه، ولا أريد هذا وأرفض ذاك. قلت لك: إنّي قد أتفق وقد أختلف، وربما كان اختلافي أكثر، لكني أعترف وبكل صدق، أني أجد فكراً أستطيع القول إني أختلف معه. قد يكون الحق بجانبه وقد يكون بجانبي. قد يكون مصيباً وقد أكون. إنّ الأفكار يا صاحبي تتحرك، وتتباين النظرة إليها والحكم عليها باختلاف ظروف الزمان والمكان. هذا هو شأن الفكر دائماً، لا الجنون والتخلّف والإجرام الّذي يسمّى فكراً.
وفي جميع الحالات، فأنا لا أستطيع إلاّ أن أحترم وأكبر هذا الّذي يدافع عن الفكر الّذي يحمله. ليس مهمّاً ماذا يكون موقفي منه ومن فكره.
قال الأوّل: ألا ترى أنّ صوتك بدأ يعلو ولا آمن أن يكون في المقهى من يسمعنا وسيبعث بتقريره عنّا، فالمقهى كما تعلم، لا يخلو من عيون النظام وجواسيسه، والتقارير جاهزة، وأصحاب التقارير جاهزون، فهم المحترفون الموظفون، ومنهم المتبرعون، وهؤلاء الأخطر. إنّ الجواسيس يملؤون العراق اليوم. آه ماذا فعل المجرمون بالعراق!! لقد حوّلوه إلى دولة بوليسية، يموت فيها الإنسان بسطر يكتبه مجرم.
قال الثاني: هذا أهون ما أفكّر فيه. إنّ ما أريده وأفكّر فيه غير هذا وأكبر من هذا. أرجو أن يكون لي قريباً موقف أرتضيه لنفسي ولوطني. سأطلب لك الثأر يا وطني من هؤلاء المجرمين. سأطلب الثأر، لك ولشهدائك، ستشرق قريباً شمسك، ستعود البسمة لأطفالك.
قال الأول: لقد أقلقتني والله. ماذا تعتزم أن تفعل؟! إنّ كلامك يشير إلى شيء خطير، هل تريد أن...
وقبل أن يكمل، قال الثاني: إلى أي مكان أستطيع أن أحمل السلاح وأحارب هؤلاء المجرمين. هذا سر أريدك أن تحتفظ به الآن.
قال الأول: وهل تترك أهلك وأولادك؟!
قال الأول: إنّما أحارب من أجلهم، حتى لا يحيوا أذلاء مقهورين. وهل الّذين يحملون السلاح الآن لا أهل لهم ولا أولاد؟! إذن لن يحاربهم أحد. إذن ستبادون في ظلمهم واستباحتهم لنا. سأكتب لك. ستصلك أخباري. أظن الأهوار منطقة سياحية جميلة. لكم أنا مشتاق إلى قصبها وبرديّها، فأصولي البصريّة ما تزال قويّة تجرّني إليها.
ثم شدّ على يد صاحبه والّذي كان يردّد وراءه: لا تنس الرسائل، أخبارك دائماً.
الفصل الثامن
الحزب الشيوعي العراقي - الجبهة مع البعثيين
١٠ آب ١٩٧٨
الرفيق العزيز
(... ولا أدري يا رفيقي ما هي الأسباب التي تقف وراء إصرار قيادة الحزب الشيوعي على الاستمرار بالعمل مع البعثيين. أنا لا أستطيع أن أفهم، ولا أن أجد تبريراً لهذا الموقف من أية زاوية نظرت إليه ويشاركني الرأي الكثيرون من الرفاق. وكنت قد تسائلت قبل عدة سنوات ومنذ بدأ الحديث عن جبهة مع البعث: ما هي جدوى دخولنا معهم في جبهة عمل مشترك؟ كيف تدخل السجن برضاك، ومفتاح السجن بيد عدوّك، وقد سلّمته سلاحك، وسلاحه معه، يتحكّم فيك كما يريد، ولا تملك من أمرك شيئاً!
لقد انتظرت طويلاً أن يعود الحزب إلى ثوريّته وأهدافه النبيلة، أهداف الجماهير التي عشنا لها وناضلنا في سبيل تحقيقها، لكن الأيام والسنين مضت، والحزب - وأقصد القيادة طبعاً - ما يزداد إلاّ تخاذلاً واستسلاماً للبعثيين، لم يعد شريكاً، ولم يكن يوماً. تحوّل إلى مجرّد تابع لهم، يفعل كل شيء ليرضيهم. حتى ثوابته الفكرية لم تعد عنده ثوابت. لقد تغاضى عنها أو حرّفها لكي يرضي البعثيين ويبرّر موقفه منهم. لا أدري إلى أين يتجه الحزب في ظل هذه القيادة.
وبعد نقاش طويل مع النفس ومع الآخرين، ومراجعة للأحداث التي مرت خلال السنوات العشر السابقة، واقتناعي التام بأن الحزب يسير في طريق آخر، طريق لا علاقة له مطلقاً بالحزب الشيوعي، بل مناقض له، بالسير مع البعثيين أو خلفهم، وهم الّذين يرفضهم ويرفض العمل معهم، حتى الأحزاب التقليدية، وبأن قراره هذا هو قرار نهائي لا أمل في أن يعدل عنه، بعد فشل كل المحاولات لثنيه. رأيتني مضطراً أن أنسحب من الحزب الّذي آمنت به وأمضيت سنين طويلة من عمري فيه. كنت سعيداً بالعمل في صفوف مناضلية الّذين أحببتهم واحترمتهم، وشاركتهم حمل المهمات الّتي كنا نكلّف بها. وأظنك غير بعيد عن هذا. كنت أجرأنا وأشدّنا حماساً واندفاعاً.
أعذرك الآن وأنا أذكر يوم جئت تخبرني بأنّك قررت الانسحاب. لكم حاولت أن أمنعك. لكم اختلفت معك. وها أنا اليوم أخطو الخطوة التي لمتك عليها. إنّ الصراع مع الضمير يا رفيقي هو أقسى أنواع الصراع، إنّه الصراع الأشد، ما أقل من ينجح فيه!
تحيةً لك يا رفيقي العزيز، وتحيةً لجميع الرفاق الّذين ما يزالون يعيشون على البعد، فكر الحزب، قوةً وإبداعاً ونضالاً. إنّهم المستقبل والأمل.
الرفيق
غانم
كانت هذه الرسالة تعكس حالة الإحباط التي سيطرت على مناضلي الحزب الشيوعي وهم يرون تروّي حزبهم واستسلام قيادته لعصابة البعثيين.
والأمثلة التي طرقها، وهي في الواقع سؤال واحد، بقيت حتى اليوم دون جواب.
ما الّذي دفع الحزب الشيوعي، مع ما يملك من جماهير وثقل وماضٍ وكل عناصر القوة، إلى الإشتراك في جبهة واحدة مع البعثيين؟! أهو الخوف منهم؟! أهو حب السلطة وإغراؤها والرغبة فيها؟! أهو تغيّر طرأ على فكر البعث وسلوكه؟! أهو...؟! وتستطيع أن تطرح أكثر من سؤال، وقد طرح أكثر من سؤال.
منذ بدأ الحديث عن جبهة مع البعثيين، بدأ الإنكار على الحزب الشيوعي، وبدأ التساؤل، وبدأ استعراض الماضي القريب والبعيد.
واستغرب العراقيون قيام الجبهة، وكانوا يستغربون ما هو دونها.
وربما كان البعثيون أنفسهم أكثر استغراباً من الآخرين، فما كان أشدّ عداءً للحزب الشيوعي ولا أقسى على الشيوعيين، ولا أشدّ تعذيباً وتنكيلاً وقتلاً ومطاردةً لهم من هؤلاء البعثيين. كان هذا فكر البعث، وكان هذا سلوكه، لم يتبدل ولم يتغيّر بعد ١٩٦٣ ولا بعد ١٩٦٨.
قال أحد عمّال شركة الزيوت ممّن أصيبوا في إضراب تشرين الثاني من عام ١٩٦٨ لآخر منهم، وهو يسمع الحديث عن جبهة مع البعثيين: هل صحيح ما يدور الآن عن اتّجاه الحزب للدخول في جبهة مع البعثيين؟! هل يمكن هذا؟! لقد كثر الحديث عنه هذه الأيّام. هل سمعت أنت شيئاً؟ إنّ هذا الحديث يقلقني ويحزنني.
قال الثاني: والله ليس لديّ شيء محدّد. لقد سمعته كما سمعته أنت، لكنّي لا أستطع تصديقه، فما أظن الحزب نسي جرائم البعثيين، معه قبل غيره، ما أظنه سيخاطر بماضيه وحاضره ومستقبله، ومستقبل الجماهير التي وضعت ثقتها فيه، وائتمنته على مصالحها وآمالها، بالدخول في جبهة مع حزب فاشي مجرم.
عاد الأول ليقول، وكأنّه يريد أن يطمئن نفسه: ما أظنّها إلاّ إشاعات ينشرها أعداء الحزب. ربما البعثيون أنفسهم من ينشرها ويذيعها، لتلميع صورتهم وتشويه صورة الحزب. كيف يمكن لشيوعيّ أن يأمن بعثيّاً في عمل على هذا المستوى!! والله لو أمنت الذئب، لم آمن البعثي. هل تذكر كيف هجموا علينا في إضرابنا بعد فترة قصيرة من استيلائهم على الحكم؟! ما الّذي فعلناه غير أنّنا مارسنا حقّنا الطبيعي في الإضراب؟! كيف يعبّر العمّال أمثالنا عن مطالبهم، إذا لم تسمع؟! هل ارتكبنا جريمةً؟! هل قتلنا أو سرقنا أحداً؟!
هل تذكر هجومهم علينا بالرشاشات والسكاكين. لقد رأيت الرفيق (ك) وقد أصابته إحدى الطلقات في صدره، فسقط ودمه ينزف. والرفيق (ف) الذّي أصيب في أكثر من موضع من جسمه. لقد مزّقوه، ثم تناولته السكاكين حتى بعد سقوطه. لقد جرى الدم غزيراً يومها: من لم يقتل جرح أو اعتقل، قلّ منّا الّذين سلموا.
قال الثاني: واحتفال ساحة السباع في ٧/١١/١٩٦٨؟! لقد تحوّل إلى معركة من طرف واحد ما الّذي غاظهم منه؟! ما الّذي أثارهم؟! كيف هجموا علينا ونحن نحتفل؟! أي ضير في أن يحتفل الإنسان، لا يؤذي أحداً ولا يهتف ضد أحد ولا يحرّض على أحد؟! إنّه احتفال في مناسبة عالمية يحتفل بها الملايين من العمّال وغيرهم في كل أنحاء العالم، لا العراق وحده. أكان رفع الشعارات والهتاف ضد الرأسماليّة، هو الّذي أثار حزب البعث العربي (الاشتراكي)؟!
قال الأوّل: والله لقد تعبت من التفكير. لا أريد أن أصدق. أتمنّى أن يكون ما أسمع مجرّد إشاعة يقف وراءها أعداء الحزب. لكن الأخبار لا تنقطع، كلها تشير إلى اتجاه نحو إقامة الجبهة. هناك نشاط كبير، واجتماعات ولقاءات متواصلة بين قياديين في الحزب وبين آخرين بعثيين، وما أحسب كل هذا عبثاً. إنّي لأظن... ثم قطع كلامه وضحك قائلاً: لا، لا. لا تحمل كلامي محمل الجد. إنّي أبالغ أحياناً في سوء الظن. لا يمكن أن يبلغ الأمر بالرفاق حد الدخول في جبهة مع البعثيين. إنّه لن يكون عند ذاك خطأ. سيكون جريمةً. لا، لا. لا أصدق. لا يمكن.
ومرت سنتان أو أكثر على هذا الحديث، وأعلن عن قيام الجبهة. وعند الغداء في مطعم الشركة ظهر اليوم التالي لإعلانها، التقى صاحبانا كما اعتادا أن يلتقيا كل يوم في وجبة الغداء. كان كل منهما ينظر في وجه الآخر صامتاً قبل أن يقول أحدهما، والاثنان في شبه ذهول: أتذكر ما قلناه قبل سنتين؟ إنّي لأذكره الآن جيداً قال ذاك، وعلى شفتيه ابتسامة مرّة، ثم أضاف: ها هو قد تحقّق ما كنّا نستبعده ونحن نتناقش فيه طويلاً، كل يوم تقريباً. لم تصدقنّي فيه، بل لم أصدّق نفسي وأنا أسمع ما كان يدور من كلام عن جبهة مع البعثيين. لقد كان شيئاً لا يصدّق. ما الّذي جرى حتى يقبل الحزب الشيوعي: أعرف الناس بالبعثيين، أن يدخل في جبهة سياسيه واحدة معهم؟! هل نسي شباط ١٩٦٣ وانقلابهم الأسود؟! هل نسي قيادته وكوادره الّذين قتلوهم بوحشيّة قلّ نظيرها؟! هل نسي الحرس القومي وما فعلوه؟! هل نسي الدماء التي جرت في كل حيّ وشارع من بغداد وغير بغداد؟! هل نسي الكاظميّة والصالحيّة و (عگد الكراد)؟!(١)
ولتترك ذلك الانقلاب ومآسيه. فما الّذي تغيّر من سلوك البعثيين في انقلابهم الجديد هذا؟! هل نسي الحزب مجزرة إضراب العمّال في شركة الزيوت؟! وهل نسي بعدها مجزرة ساحة السباع؟! هل نسي القتل اليومي لأعضاء الحزب وكوادره ومناصريه. ليس ذلك ممّا ينسى.
____________________
(١) هذه مناطق في بغداد شهدت معارك عنيفة بين الشيوعيين ومعهم قوى المقاومة الوطنية الأخرى وبين البعثيين والعصابات الفاشيّة وأجهزة الأمن والمخابرات.
قال الآخر: وما العمل الآن؟ ماذا علينا وماذا نستطيع أن نفعل؟! لا سبيل إلى إلغاء الجبهة في ظل القيادة الحالية، وهي التي عقدتها.
قال الأوّل: لكن القيادة لم تكن جميع أعضائها مع الجبهة. لقد كانت الأغلبية في التصويت الأول ضد الجبهة ( ثمانية مقابل سبعة ) لكن ( الجبهويين ) فازوا حين انتقل واحد من المعارضين إلى صفّهم. إذن فازوا، وقامت الجبهة بزيادة صوت واحد أضيف إليهم، لا أحد يعلم كيف أضيف. أرى أن نجمع أكبر عدد من الرافضين للجبهة، ثم يتم الضغط بعد ذاك على القيادة. وسيدعمنا طبعاً الأعضاء الّذين كانوا في الأصل ضدها.
واتّفق الاثنان على ذلك قبل أن يفترقا ويعود كل منهما إلى عمله في الشركة.
بقي الحزب الشيوعي على تعاونه مع البعثيين، رغم تضاؤل دوره الّذي اقتصر على مجرّد لقاءات متفرقة يعرض الحزب فيها شكاواه من تعرّض أعضائه لعمليات قتل ومطاردات ومضايقات يوميّة. لم يعد له دور ولم يعد البعثيون يريدون أن يكون له دور. لقد استنفدوه وانتهت مهمّته.
وكانت الصفقه الأخيرة والخطيرة التي تلقّاها الحزب، هي إعدام أكثر من ثلاثين من عناصره خلال شهر مايس من عام ١٩٧٨.
وبقيت رسالة الرفيق دون جواب.
الفصل التاسع
رمت السيدة بتول بنفسها على بقايا جسم مزّقه الرصاص، وهي تصيح بصوت لم يعد يسعفها: لماذا قتلوك؟! ماذا فعلت؟! هل بعثوك ليقتلوك هناك، بعيداً في الشمال؟! أهذه مكافأتهم لك؟! ألم يكفهم ما قتلوا حتى الآن من شباب ورجال ونساء؟! ألم يملّوا منظر الدم؟! أتراهم جاؤوا لقتل العراقيين؟!
وكان صوت السيدة بتول قد بدأ يضعف وهي تبكي زوجها السيد عبد الحسين الدخيلي، وقريباً منها وقفت صبيتان هما فاطمة وزينب، في العاشرة والثامنة من العمر. كانت عيونهما التي أغرقها الدمع، تدور بين الأم وبين الأب الممدد على الأرض، صامتتين لا تقولان شيئاً. الحزن على وجهيهما البريئين الشاحبين، تتساءلان: لن نرى أبانا بعد اليوم. كنا سعيدتين، ونحن نتلقّاه عائداً إلى البيت. كان يحملنا على صدره، أو يأخذنا في حضنه. لن نراه. ثم تعتنق إحداهما الأخرى، تريد أن تواسيها أو تطلب منها أن تواسيها. لقد فرّقهما الموت عن أبيهما، فرّقهما إلى الأبد. لن يعود الفرح إلى البيت، ثم تنظران إلى الجسد الممدد: ربما هذه آخر مرة نراه فيها، سيحملونه عما قريب إلى مثواه الأخير، إلى القبر.
وأمهما الحزينة الثكلى لن تعود البسمة إلى وجهها. سيلفّ الحزن البيت كله. لقد غاب عنه من كان يبعث البسمة فيه. إنّه الحزن المقيم. لن تلاطفهما ولن تضحك معهما كما كانت. ليس قليلاً ما حصل لها. لقد كان السيد عبد الحسين، الزوج والأب والأخ. فقدته فجأة. لم يتمرّض، لم تعالجه، لم تتوقّع موته. غادرها بالأمس في مهمّة، قال إنّه سيعود غداً، وسيحمل بعض الهدايا إلى البنات من الشمال، فالشمال غنيّ بفواكهه وأثماره التي لا توجد في غيره من مناطق العراق. لكنّه لم يعد إلاّ في كفن... ثم سقطت جنب الجسد الممدد - لم يكن السيد عبد الحسين يعلم أنّ الجهاز الّذي ربطه رجال صدام على بطنه هو حزام ناسف، سيقتله في كل حال، قتل أم لم يقتل، من أريد به قتله. قالوا له حين سألهم مستغرباً عنه:
إنّه جهاز لتسجيل الأحاديث والآراء والحوارات التي يطرحها الجانب الكردي أثناء التفاوض، فربما نسيت أو نسي بعضها أو أسيء نقلها وروايتها بعدما تعودون - سالمين - إلى بغداد فالقيادة حريصة على أن تسمع بشكل دقيق وجهة نظر (الإخوة) الأكراد وتصوّرهم لحل الأزمة التي ستناقشونها معهم كما لو أنّها هي التي كانت تناقشهم هناك. إنّكم تعرفون خطورة الموضوع ودقّته. إنّ القيادة تثق فيكم وفي إخلاصكم وقدرتكم على إنجاح هذه المهمّة الوطنية التي اختارتكم لها، اصغوا جيداً لما يقول الملا مصطفى. حاولوا ألاّ يفوتكم شيء من كلامه. والتفت إلى السيد عبد الحسين: خصوصاً أنت سيّدنا، لا تبتعد عن الملا. فليكن المسجّل دائماً قريباً منه.
وقبل السيد هذا التبرير الّذي بدا له منطقيّاً، مع شعور بالنشوة للإطراء. قال في نفسه: أظنني ظلمتهم وأنا أشك فيهم. يبدو أنّهم على حق، فهذا الجهاز لا يمكن أن يخطئ، إنّه مسجّل أمين لا يغفل ولا ينسى، ونحن مهما اجتهدنا وحرصنا، فقد نخطئ، وقد ننسى شيئاً مما دار، خصوصاً ونحن لا نعلم متى نعود، فقد نضطر إلى البقاء، أياماً طويلة تبعاً لطبيعة المفاوضات، وقد يكون هذا الّذي نسيناه أو أخطأنا في نقله شيئاً مهماً في نظر القيادة لرسم صورة الحل الّذي تراه للمشكلة التي ذهبنا من أجلها.
والمشكلة الكردية هي من أطول وأعقد المشاكل في تاريخ العراق الحديث، لا تخمد يوماً إلاّ لتثور في يوم آخر. وكانت على امتداد أجيال، مصدر قلق للعراق واستنزافاً لطاقاته، ودماً لا ينقطع جريانه. عهود وحكومات عديدة ومختلفة تعاقبت على العراق، وهذه المشكلة تبحث عن حل، وكلّما طال عليها الزمن، تعقّدت وتعقّد حلّها أكثر.
والأكراد قوميّةٌ مستقلةٌ مختلفةٌ عن القومية العربية. حدودها في العراق معروفةٌ، تكاد تكون منفصلةً، في منطقة جبليّة من شماله. ومطلبهم المرفوع دائماً هو الحكم الذاتي، وهو حق لهم مشروع، ليس هناك من ينكره أو ينازع فيه إلاّ أن يكون من هؤلاء المتعصّبين الّذين لا يعترفون بأيّ حق، لا للأكراد ولا لغيرهم من العراقيين.
وكان من الممكن حل هذه المشكلة، كما حلّت مشكلات أخرى مماثلة في دول غير العراق، لو وجد نظام سياسي يملك الحكمة والشجاعة، ويقبل بشكل صريح وصادق منح الحكم الذاتي للأكراد بكل ما تقتضيه من حقوق وصلاحيّات.
لكن الحل غاب بغياب الحكمة والشجاعة وبقيت المشكلة تتفاقم مع طول الزمان عليها. وزاد من تعقيدها وصعوبة حلّها، وجود العامل الأجنبي الّذي لا يريد للعراق أن يهدأ ويستقر، ويسعى دائماً لإبقائه قلقاً مضطرباً حتى يجد المنفذ للتدخل في شؤونه. ثم هناك الحذر والاحتراس وانعدام الثقة، وخوف بعض من بعض، وشك بعض في بعض، بفعل التباعد وانقطاع الاتّصال وطول الوقت الّذي لازم هذه المشكلة دون حل.
والحكومة الوحيدة التي حاولت، ولا يعرف على وجه الدقّة، أسباب الفشل فيما حاولت، هي حكومة الزعيم عبد الكريم قاسم. سارت في طريق الحل خطوات جادّة أسعدت غالبية العراقيين، لكنّها انتهت إلى الفشل كما انتهت سابقاتها.
وتوالت ثورات الشعب الكردي منذ العهد الملكي، والشعار هو الشعار، والهدف هو الهدف: الحكم الذاتي.
وكان الجواب نفس الجواب: تسيير الجيش للقتال وفرض الحل، وهو جواب غبيّ حين يتعلّق الأمر بشعب يطالب بحق له.
وتوالت المعارك. وتوالى سقوط الضحايا من الشباب، الخزين الدائم حين تثور المعارك وينشب القتال.
ودفع العراقيون الثمن، غالياً، من دمهم، في غير سبب ولا داع، لا دفاعاً عن نفس، ولا عن وطن، وهم يقاتلون أبناء الوطن واستمر القتال أو التهيّؤ للقتال، مع ما يجرّه ذلك من كوارث على كل صعيد.
وحين استولى البعثيون على السلطة في تموز من عام ١٩٦٨، كان أمامهم قوّتان كبيرتان: الأكراد والحزب الشيوعي (وأرجئ الحديث عن القوّة الثالثة - حزب الدعوة) التي سيكون لها دور خطير فيما بعد.
ولم يكن البعثيون قادرين على مواجهة هاتين القوّتين مجتمعتين، فعملوا على الإنفراد بكل منهما، والاتّفاق معها بعيداً عن الثانية.
وبدأت المفاوضات مع الأكراد. استمرت فترةً طويلة قبل أن تنتهي بإعلان ١١ آذار ١٩٧٠.
ولم يكن صدام جاداً ولا صادقاً في موضوع الحكم الذاتي. كان يحمل فكراً شوفينيّاً متطرفاً لا يعترف بأي حق للأكراد، ولا يخفي العداء لهم، ربّما أكثر من غيره من البعثيين، أراد أن يستريح مؤقّتاً من جبهة الأكراد التي تنذر بالاستقلال: ضحك في سرّه وهو يوقّع الاتّفاق:
- ستعرفون قريباً أيها الأكراد أيّة مسرحيّة تلعبونها. ستعرفون صدام كما لم تعرفوه. ستندمون على ما جنيتم على أنفسكم، وعلى نفسها جنت براقش.
كان صدام قد هيّأ جيشه للانقضاض على الأكراد بعد أن يكونوا قد أمنوا واطمأنّوا، واستبعدوا احتمالات الحرب بتوقيع الاتفاق. كما استمال عدداً من رجالهم للتعاون معه، وكأنّهم الممثّلون الحقيقيون للأكراد.
لكن هاتين الخطّتين لم يحملا لصدام الرضا والراحة كما يريد، وليست نتائجهما بالمضمونة. كان يفكّر بشيء آخر إلى جانب هاتين أو قبلهما. كان يخطط لعمل آخر. عليه أن يضرب القيادة الكرديّة ويتخلّص منها. هذا الملا مصطفى البرزاني، قائدها الّذي يكرهه صدام ولا يطيق ذكر اسمه. إنّه يفكّر في قتله. سيكون سعيداً لو قتل، وسيكون أسعد لو قتل ومعه عدد من القيادة الكرديّة.
صحيح أنّ الثورة لا تختزل برجل، لكن الثورة ستتأثر كثيراً بقتل الزعيم الّذي اجتمع على قيادته كل المقاتلين الأكراد تقريباً، الزعيم الّذي قاد الثورة زمناً طويلاً حتى أصبح جزءاً منها وأصبحت جزءاً منه، إنّه الآن الرمز، والرمز في بلداننا الشرقية ما يزال يلعب دوره الكبير. تتجسّد فيه آمال الشعوب وتطلعاتها.
وكانت الأمور قد تأزّمت مع الأكراد بعد أن بدأ الجانب البعثي يتخلّص من التزامة ويسوّف في تنفيذها أو يفرغها من مضمونها.
ها هي الفرصة سانحة الآن: وفد يتوجّه إلى كردستان لمقابلة القيادة الكردية وعلى رأسها البرزاني نفسه، والوفد يضم، عدداً من رجال الدين، والشيعة على وجه الخصوص، وهذا ما يسمح له بشيء من حريّة الحركة وسعة الاتصالات دون رقابة شديدة. سيستطيع صدام إذن أن ينفّذ ما يريد من خلال هذا الوفد. سينتهي من البرزاني، ومن أي قياديّ كردي يكون معه حين يفجر الحزام.
- ما أروعك يا صدام وأذكاك! هذا ما لا يستطيع الملا أن ينجو منه؛ لأنّه لا يستطيع أن يفكّر فيه. ما أدهاك وأدهى خططك: ردّد صدام ذلك في نفسه، وهو ينادي مدير أمنه ناظم كزار.
- متى سيسافر الوفد يا ناظم؟ هل أنت مطمئن إلى الخطة؟ عليك أن تشرف بنفسك عليها وعلى جميع تفاصيلها. متى سأسمع الخبر؟ أريد أن أسمعه قريباً.
قال ناظم: غداً صباحاً سيسافر الوفد. لقد أشرفت بنفسي على كل شيء واخترت السيد عبد الحسين الدخيلي ليكون حامل الحزام، فهو رجل دين وسيّد وشيعيّ ولا موضع للشك فيه. سنقول للدخيلي إنّه جهاز لتسجيل المفاوضات التي ستدور بينهم وبين الأكراد حين يلتقونهم. لن ينجو أبو إدريس هذه المرة. ونجا البرزاني نجا بمحض الصدفة. وعاد السيد عبد الحسين إلى بغداد، لكن في كفن. لقد مزّقه المسجل الّذي كان يحمله.
الفصل العاشر
لم يكن اللقاء مناسباً للأحاديث السياسيّة، فهما لم يلتقيا منذ زمن طويل. لقد أبعدتهما الحياة عن بعضهما، وفي الأحاديث الأخرى، وهي كثيرة بعد هذا الفراق، ما يشغل وقت اللقاء مهما طال، لكن العراقيين، وأظنهم الوحيدين في هذا، لا يستطيعون، حين يلتقون، إلاّ أن يتحدثوا في السياسة، إلاّ أن تكون السياسة محور حديثهم، فتراهم لا يبتعدون عنها إلاّ ليسرعوا في العودة إليها، فكأنهم يندمون أن يمضوا بعض الوقت في غير حديثها. هذا إلى أن حدثاً كبيراً كان يهز المنطقة في بدايات عام ١٩٧٩ هزّاً عنيفاً. لقد اقتلعت ثورة ( الكاسيتات ) كما أطلق على الثورة الإيرانية، أعتى نظام فيها، فكانت هذه الثورة موضوع الحديث في أي لقاء يجمع اثنين من العراقيين. بل إنّ العراقي لا يحتاج في الحديث عنها إلى من يشاركه فيه. كان هو يطرح الأمثلة ثم يجيب عنها، ولم يكن العراقيون في الحقيقة وحدهم، المهتمّين بهذا الأمر وإن كانوا الأكثر اهتماماً والأكثر تأثّراً به. لقد كانت المنطقة كلها تنتظر وتترقّب وتتابع.
كان فاضل وحسين صديقين منذ الصبا، ربط أحدهما إلى الآخر، قرب السكن وتقارب العمر والمدرسة الواحدة. أنهيا الدراسة المتوسطة والإعداديّة معاً في النجف. ثم جاءا إلى بغداد. دخل الاثنان كلية الحقوق في بغداد. وبعد التخرّج، عاد فاضل إلى النجف ليمتهن المحاماة، وعمل حسين في وزارة المالية، وتدرّج في وظائفها حتى أصبح مديراً عاماً فيها.
وذهبت بهما الحياة مذاهبها بعد التخرّج: الأوّل محام في النجف، مع المحاكم والدعاوى والموكّلين، والثاني مع الوظيفة والترفيعات والعلاوات، ولم يلتقيا إلاّ مرات قليلة أو معدودة منذ أكملا دراستهما، وفي يوم من أيّام الخميس من شهر نيسان ١٩٧٩، وقبل أن ينتهي الدوام رنّ جرس التلفون في غرفة حسين الّذي كان يتابع ملفّاً ضخماً من ملفات الوزارة يريد أن ينتهي منه قبل نهاية الأسبوع وبداية أسبوع جديد. قال المتحدّث على الطرف الثاني من الخط: إنّه فاضل وقد جاء اليوم إلى بغداد في دعوى أمام إحدى محاكمها، وسيعود ظهراً إلى النجف، وأراد أن يسلّم عليه. إنّه توّاق إلى رؤيته وسماع أخباره. لقد مضى زمن طويل دون أن يراه.
ولم يكن حسين بأقل شوقاً، كان سعيداً جداً بلقائه، ودعاه إلى الغداء سويّاً في مطعم الواحة القريب من المصرف التجاري العراقي، في الساعة الثانية ظهراً، حين يكون الاثنان قد فرغا من عملهما.
وحاول فاضل أن يعتذر لكن حسين رفض كل عذر بشكل قاطع. قال: إنّها فرصةٌ كان ينتظرها منذ زمن بعيد، ولن يفرّط فيها ولن يتنازل عنها، وقد منحت له. إنّه في غاية الشوق إليه والحديث معه ولن يقبل أيّ عذر.
ورغم أنّ العراقيين، والعرب عموماً لا يلتزمون بالموعد ولا يهتمون به، فقد حرص الصديقان ألاّ يضيعا دقيقةً واحدة من اللقاء. كانا قد سبقا إلى المطعم قبل الثانية. كان الشوق يستعجل كلاًّ منهما للقاء الآخر. لقد مضى وقت طويل لم يلتقيا فيه، وكانا لا يفترقان في الماضي.
وحين أخذا مجلسيهما، تناول حسين قائمة الطعام الموضوعة على المائدة واختار منها ما اعتاد العراقيون أن يطلبون في الغداء عندما يتناولونه خارج البيت، ومع أحد الضيوف، ثم قال وهو يستعيد ذكريات قديمة بدت له حلوة سعيدة، رغم أنّها لم تكن كذلك قبل أن تتحوّل إلى ذكريات: ما أسرع هذا الزمان يا صاحبي! أتراه كان دائماً سريعاً كهذا، أم كنّا نحن لا نشعر به. إنّ الزمان ليسرع بنا، ساخراً منا، ونحن نلهث وراءه، نتوسّل إليه أن يرفق بنا، أن يتوقف قليلاً، لعل عندنا ما نريد أن نقوله له. أتذكر؟ كنّا نستعجل السنين، نتمنّى، لو استطعنا أن نعيدها ونتجاوزها. كانت بطيئة ونحن معجلون؟! والآن...؟! هل تغيّر الزمن أم تغيّرنا؟! إني لأذكر حتى تفاصيل حياتنا، حتى الكلمات التي تداولناها وأماكنها، كانت الذاكرة آنذاك فتيّة قويّة.
قال فاضل ضاحكاً: وهل تشكو ذاكرتك الآن؟! ألا يعني تذكّرك ما مرّ عليه أكثر من خمسين عاماً، إنّ ذاكرتك ما تزال إلى اليوم قوية، لم تضعف ولم يوهنها الزمان؟! ما هذا الزمان يا عزيزي؟! هو هذا الّذي ينضج الثمرة ثم يقتلها.
هو هذا الّذي يبعد القريب ويقرّب البعيد. هو هذا الّذي يعطيك ما تريد ثم يسلبه منك. هل أشكره على العطاء أم أذمّه على الاسترداد؟!
قال حسين وهو يعود إلى حديث الذاكرة: كم تمنيّت أن تكون ذاكرتي كما تقول! لقد ذهبت يا عزيزي. ذهب بها هذا الزمان الّذي تتحدّث عنه. هذا الّذي يعطيك ما تريد ثم يسلبه منك. الذاكرة؟! هل تعلم أنّي أنسى اليوم ما سمعت بالأمس، وسأنسى غداً ما سمعت اليوم. وما تسمع منّي الآن، إن هو إلاّ استمرارية ذاكرة كانت قويّة، هو عمل ممتد لذاكرة قديمة قوية. ولكن دعنا من هذا. ماذا عندك من أخبار السياسة؟ يبدو أننا بانتظار أخبار دسمة، وهذا ما يبحث عنه الإعلام ويجعل سوقه رائجة، سوقه الكذب والتضليل والإثارة. ماذا فعل الإعلام، هذا الخطر الجديد، إنّه أخطر من جيش كامل، بل من جيوش.
قال فاضل وهو يعدّل وضع نظارتيه: أظنّك تريد الحديث عن الثورة الإيرانيّة: هذا الحدث الّذي يهز المنطقة ويشغل الناس اليوم، وربما لزمن طويل قادم.
قال حسين. أترى الناس يسألون هنا عن غير الثورة الإيرانيّة، هذه الأيام؟! إنّه الحدث الأكبر في المنطقة، وقد يكون كذلك في العالم. وبقدر ما يتعلّق الأمر بنا، فأظننا المعنيين به والمتأثرين بنتائجه أكثر من غيرنا، إنّ المنطقة كلها ستتأثر به وبنتائجه.
قال فاضل يبدو لي يا صاحبي أنّ كل شيء قد انتهى. قال ذلك بلهجة الواثق، ثم أضاف: لقد انتصرت الثورة، مشدداً على اللفظ، وعلى الأميركان أن يعترفوا بهزيمتهم ولا يكرروا تجربة فيتنام. إنّ الفشل يجب ألاّ يكرّر، والتجربة درس قد يكون ضرورياً إن استطاع أن يحصّنك ويدفع عنك مخاطر تجربة أخرى.
تجارب الحروب يا عزيزي أقسى التجارب، وهي تعني خسارة الأرواح والأموال، وهدر فرص للتقدّم ستكون مشلولةً أو معطّلة. لقد رحل الشاه، رجلهم في المنطقة. لم يعد إلاّ ذكرى مقيتة للطغيان والاسبتداد الّذي ما أسرع ما ينهار عند أول مواجهة مع الشعب حين يصمّم على استراد حقّه. لقد كان نموذجاً حقيراً لهؤلاء الحكّام الذين فرضوا على شعوبهم المقهورة بقوة الخارج وعملاء الداخل. ما أظن الغرب قادراً على أن يفعل اليوم ما فعله في بداية الخمسينات مع ثورة الدكتور مصدّق. هل تذكر؟! فر الشاه تحت غضب الجماهير وثورتهم. لكنّ الغرب ما لبث أن التّف على الثورة، بانقلاب قاده من الداخل أحد رجالهم: الجنرال زاهدي. لم تكن الثورة قد تمكّنت بعد من ترسيخ وجودها، فقضي عليها بوحشيّة.
قتل الكثيرون من قادتها أو أعدموا، واعتقل زعيمها الدكتور مصدّق. كانت ثورةً عظيمةً. لم تكن انقلاباً عسكرياً كما حصل قبلها وبعدها في دول المنطقة. أيام مشرقة من أيام الشعوب، حين تنهض وتبحث عن ذاتها من خلال الثورة على الحاضر البائس، سيسجّلها التأريخ، وسيحفظ لها مكانها بين ثورات الشعوب، رغم النهاية المأساويّة التي انتهت إليها. لقد تآمروا عليها وقتلوها فتيّةً. أرادوا أن يستريحوا منها. كانت أكبر مما ظنوا. بقيت حيّةً في النفوس لتلهب فيما بعد، ثورات وانتفاضات مزلزلةً، في إيران وغير إيران.
قال حسين وهو يتابع بانتباه ( محاضرة ) صديقه التي ليس مكانها المطعم: على أية حال لست متفقاً تماماً معك، فأرى أنّ الحكم على الأحداث الجارية الآن في إيران ما يزال مبكراً. ما أظن الأميركان سيعترفون بهزيمتهم فيها.
سيبقون يحاولون ويحاولون، حتى بعد رحيل الشاه. أميركا كما تعلم قوةٌ عظمى، أو حتى أكون أدقّ، هي الأولى بين أعظم قوّتين في العالم. إن فشلت في معركة اليوم، فهذا لا يعني أنّها استسلمت. إنّ لها من قوّتها العسكرية ونفوذها السياسي وقواعدها المنتشرة في كل أنحاء العالم وقدرتها على تحريك جماعاتها، ما قد يزعزع البلد الّذي تستهدفه، خارجيّاً: عقوبات ومقاطعة وإعلام واتهامات. وداخلياً: فتنٌ واضطرابات ومؤامرات ومشاكل في الأمن والاقتصاد. عملاؤها في كل مكان. ولولا هؤلاء العملاء، وبعضهم مسؤولون كبار في دولتهم، وبعضهم دول، بملوكها وحكامها ورؤسائها، لما كان لأميركا كل هذا النفوذ، وكل هذه السيطرة التي تمتلكها الآن. إنّ أميركا تسيطر بعملائها أكثر مما تسيطر بجيوشها؛ إنّهم الّذين يهيؤون لها أسباب التدخّل.
نظر فاضل إلى ساعته ثم قال وهو ينهض. أظن الوقت قد تأخّر، وعليّ أن أعود، لقد مضى دون أن أشعر، مضى سريعاً كما هو، حين نريده أن يبطئ في لحظات سعيدة نحاول أن نغتنمها قبل أن تصبح ذكريات. لكم كان يسرّني أن أبقى أكثر، لكي لا أريد أن أسير في الليل. أنت تعرف طريق النجف، المهمل منذ جاء البعثيّون إلى الحكم. عقد تقدّم، وتقدمت النجف معه، إلى الخلف كثيراً! ألا يكفي أنّه طريق النجف؟! لم أره والله يوماً أسوأ منه في عهد هؤلاء، أهملوه تماماً كأنّهم يتعمّدون أن تزداد الحوادث فيه. يريدون الموت لمن يسير فيه. يريدون أن يقطعوا المدينة عن الناس فلا يصل إليها أحد، فالموت يترصده في أي مكان في الطريق. إنّ أهل النجف يسمّونه طريق الموت. هل تعلم كم من الناس يموتون في هذا الطريق كل يوم؟!
ونهض حسين في أثره وهو يقول: أبعد اللهُ السياسة؛ إنّها تلاحقنا أينما نكون. لقد أفسدت لقاءنا هذا بعد فراق طويل. ليكن لقاؤنا القادم خالصاً لنا، لا سياسة فيه ولا طريق الموت.
قال فاضل، وهل نستطيع؟! ليتنا نستطيع يا صاحبي.
وردّد الاثنان: ليتنا نستطيع، وهما يودّع أحدهما الآخر ويتفقان على موعد قريب.
الفصل الحادي عشر
كان حسين مغتبطاً بادي السرور حين دخل البيت. لقد التقى بأحد أعزّ صديقين له، بعد فراق طويل. كان صديقه الثاني في ذلك الوقت، دبلوماسياً في السنغال بأفريقيا.
قالت له زوجته وهي تستقبله: أظنّك سعيداً الآن، أرى آثار السعادة والارتياح ظاهرةً عليك. لقد استعدتما ذكريات الشباب وأيام الدراسة وأزقّة النجف وملا سلمان وصالح الجعفري، ثم أضافت ضاحكةً، وربما حب قديم لم تخبرني به، لكن إيّاك أن تقول لي، إنّكما أضعتما الوقت في حديث السياسة.
قال: والله لست مخطئة وأنت تذكرين السياسة، لقد كانت حاضرة. لا أدري ما الّذي جاء بها. إنّها في ظروفنا الحالية، المحطة المركزية في التفكير، ننطلق منها لنعود إليها. من يريد السفر ومن يعود منه. كأنّها ملتقى طرق لا يستطيع المسافر إلاّ أن يمر به، ويتوقّف عنده، طويلاً أو قصيراً، لا يهم. ولكن ما عندكم أنتم؟! كيف الأولاد؟! كيف علي؟! هل أنهى واجباته؟! أين هو الآن؟!
قالت زوجته: سأناديه لك. إنّه مضطرب منذ عاد اليوم من المدرسة. لقد تعبت معه. ربّما استطعت أن تفهم سبب اضطرابه وتطمئنه.
قال: ما به؟! ماذا حصل له؟! هل تعرّض لمكروه في المدرسة؟! هل تشاجر مع زميل له؟! هل أخذ نتيجته في امتحان التاريخ، وكانت سيّئةً؟!
قالت: لا. لا شيء من ذاك.
قال: ماذا إذن؟
وفي هذه الأثناء، دخل علي، كان مرتبكاً بعض الشيء. إنّه طالب في المدرسة الابتدائية يتميّز بين طلاب الصف، ومحل إعجاب أساتذته.
قال له أبوه وهو يتلقاه بابتسامة الأب لابنه: ها كيف الدراسة يا علي؟ هل أخذتم نتائج الامتحان في التاريخ؟
قال: لا. لم تعد لنا المعلّمة أوراق الامتحان ولم تخبرنا النتائج.
قال الأب: ماذا بك؟ أمك تقول إنّك قلق حزين منذ عدت من المدرسة. لم تجلس مع إخوتك وأمّك ولم تضحك كما اعتدت. فماذا بك؟ ما يحزنك؟
قال علي بصوت متقطّع، ودمعات صغيرة قد سالت على خديّه: دخل علينا مرشد الصف في الحصّة الأولى، وبدأ يسأل الطلاب واحداً واحداً: هل تحب الحزب؟
نعم أحبّه: قال كل منّا وهو يرد على السؤال.
وهل أنت منتم إليه؟
لا.
هل تريد أن تنتمي للحزب؟ وكان معه أحد البعثيين من خارج المدرسة: رجل غليظ أسمرٌ كثّ الشاربين، بقميص مفتوح وبنطلون من دون سترة، ومعه أوراق طلب بالانتماء. كنا نحير، لا ندري ما نفعل، لا نستطيع أن نقول إنّنا لا نحب الحزب. وإذا قلنا: نحبّه، قال، لماذا لا تنتمي إلى الحزب ما دمت تحبّه.
وحين وصل الدور إليّ، كان الرجل الغليظ ينظر إليّ بعينين تتقدان غضباً. خفت فقلت أنتمي.
وقدّم لي ورقةً كتبت في ذيلها ووقّعت. وقّع طلاب الصف كلّهم. ومع توقيع آخر طالب، صفّق الجميع وهتفوا لطلائع البعث.
لقد خوّفوني وأجبروني. لماذا يفعلون هذا يا بابا؟! هل ارتكبت خطأً؟ هل تسامحني؟! لقد وقّعت، ووقّعنا جميعاً، لم يكن أمامنا إلاّ أن نقبل ونوقّع. هذا هو سبب قلقي وحزني، فأنا أكره هذه العصابة. لقد سمعت الكثير عن جرائمهم. ألم يكن عمّي وابن خالتي من ضحاياهم؟! وابتسام، بنت جارنا عمو كريم، لا أحد يعرف عنها شيئاً حتى الآن، منذ أن جرّوها من باب بيتها؟! كيف أحبّهم وأنتمي لحزبهم لولا الخوف؟! أهو حزب، هذا الّذي لا ينتمي إليه الناس الاّ بالخوف والإرهاب، خصوصاً نحن الصغار!
- أي أسلوب خبيث في استدراج الطلاب الصغار؟! قال الأب ذلك في نفسه وهو يستحضر بما تعرّض له قبل أسبوع. لم يكن مختلفاً كثيراً عما تعرّض له ابنه، مع فارق السن. في ذلك اليوم أرسل المدير في طلبه، وهو لم يلق الوزير إلا مرةً واحدة منذ أن عيّن وزيراً للماليّة. فكّر ( ما الّذي يدعوه - الوزير - إلى طلبي؟! قد يكون شيئاً يخص الوزارة، أو عملي فيها - الأمور كثيرة، ومن حق الوزير أن يستدعي أيّ موظف في وزارته ويسأله عما يخص عمله ) لكنّه لم يفكر مطلقاً في السبب الحقيقي وراء استدعائه.
وحين دخل مكتب السكرتارية، لم يتأخر ولم ينتظر كما هو شأن الّذين يطلبون مقابلة الوزير. قال مدير المكتب وهو يسبقه إلى فتح الباب:
إنّ الوزير في انتظاره. وعندما حاول أن يستفسر منه، كان الباب قد فتح وكان الوزير أمامه.
ورحّب به الوزير على غير عادته مع موظفي وزارته، خصوصاً من غير البعثيين، ثم أمر له بكوب شايّ بعد أن سأله عما يفضّل أن يشرب. قال، وهو يبدأ الحديث معه: إنّي معجب بحرصك وجدّك في عملك، وقد أردت أن أشكرك، فلا بدّ أن يشكر الموظف الحريص الجاد، على حرصه وجدّه.
قال حسين: إنّه واجب ولا يشكر الإنسان على واجب يقوم به. إنّ الوظيفة والموظف وجدا لخدمة الناس وتسهيل أمورهم، وليس في هذا فضلٌ، لا لي ولا لغيري.
وعاد الوزير ليقول: لست وحدي الّذي يشكرك، وإنّما الحزب أيضاً. وقد كلّفني أن أقدم لك شكره. وبهذه المناسبة، فإن أبواب الحزب مفتوحةٌ أمامك، وهو يرحّب بانضمامك إليه. إنّه يرحّب بكل العناصر الخيّرة المؤمنة بخط الحزب وفكره. وأنت تعرف أفضل من غيرك، كم قدّم الحزب من تضحيات لتحقيق أهداف الأمّة العربيّة والشعب العراقي. كم من الرفاق المناضلين. لقد تحمّل الحزب عبء النضال طوال عقود، والرفيقان البكر وصدام هما اليوم أصل الجماهير العربية في الوحدة والحريّة والاشتراكيّة. هذا ما لا يختلف فيه اثنان. سيكون المستقبل واسعاً أمامك، وأنت جدير بأن تشغل منصباً أعلى، سيّما وأنّ ترفيعك على الأبواب. من يدري، لعلك ستشغل منصب وكيل الوزارة الشاغر الآن. قال ذلك وهو يبتسم في وجه حسين، يريد أن يعرف مدى استجابته لما عرض عليه.
ضحك حسين في سرّه وردّد: الآن عرفت لماذا استدعيتني. لا والله. لن أدخل الشرك. لن أكون مجرماً ولن أنضم لعصابة المجرمين. أأكثر من تأخير التوقيع أو النقل أو الإحالة على التقاعد؟! لقد ضحّى الآخرون بأكثر من هذا، بالأرواح والأمن والاستقرار، وأين تقع تضحيتي من تضحياتهم؟! أين تأخير الترفيع أو النقل مما يتعرض له المناضلون، وهم يرون الموت كل ساعة ويتمنّونه ليريحهم من التعذيب الّذي لا يحسنه مجرم كما يحسنه هؤلاء البعثيون؟! أهذا هو تهديدك:
أن أترك الترفيع أو العلاوة، حتى النقل والإحاله على التقاعد، أو أن أكون مجرماً، ما أسهل الخيار! لقد قبلت التهديد، قبلت التحدي، ما شئت فافعل؛ قبلت.
كان حسين قد ارتاح حين حسم خياره، وأظنّه كان قد حسمه قبل ذلك اليوم. قال للوزير الّذي كان يغريه ويطمّعه وينتظر ردّاً إيجابيّاً منه: أنت تعرف يا سيادة الوزير، أنّي قد بلغت أو تجاوزت الخمسين من عمري، ولم أنضم في حياتي لأي حزب، ولا أريد أن أنضم لأي حزب.
قال الوزير: لكنّه حزب البعث، حزب الأمّة وجماهيرها. ليس كباقي الأحزاب.
قال حسين: أنا لا أنكر ذلك أنا أحترم الحزب وأقدّره، لكني بكل بساطة، لا أريد أن أرتبط بأيّ حزب، فأنت تعرف أنّ الدوام في الوظيفة يأخذ أغلب الوقت، وما بقي منه، فإنه حق للعائلة والأولاد، وزيارات بعض الأقارب والأصدقاء، أو القراءة، إذا فضل شيء بعد ذاك.
قال الوزير وهو يحاول أن يسدّ المنافذ على حسين: وأيّ منا لا عائلة له ولا أولاد؟! أليس للبكر عائلةٌ وأولاد؟! أليس للرفيق صدام عائلةٌ وأولاد؟! لا، لا. هذا العذر مردودٌ ولا أقبله منك، بل إنّه تهرّب غير مقبول.
قال حسين: إنّ الانتماء لأيّ حزب تترتّب عليه التزامات، وأنا في هذه الظروف لا أستطيع أن أنفّذ هذه الالتزامات ولا أفي بها، مع اعتزازي بثقتكم الشخصية وثقة الحزب. لعل ظروفي ستسمح لي بالانتماء مستقبلاً، سيسعدني ذلك يا سيادة الوزير.
قال الوزير بعدما تبين الجد في رفض حسين الانتماء للحزب: على كلٍّ، فكّر فيما قلت لك. تذكّر أنّهم سيدرسون ملفّك بعد أيام، واحتمالات النقل أو عدم الترفيع أو... واردة لا تعتب عليّ. ستكون أنت المسؤول لو حصل شيء منها. قال ذلك وهو يغمزه بنظرة فيها التهديد وفيها الوعيد. ثم أعلن انتهاء المقابلة.
كان حسين يستحضر هذه المقابلة في ذهنه، منصرفاً عن الآخرين، حين قطع عليه ابنه علي تفكيره قائلاً: بابا! هؤلاء الّذين يقتلون ويعذّبون، هل يقال عنهم، بشر كما يقال عنا نحن الذين لا نقتل ولا نؤذي ولا نعذّب.
وكان جواب الأب قبلةً على جبين علي، قبل أن يذهب إلى سريره لينام.
الفصل الثاني عشر
ثنائي البكر - صدام
لم يكن صدام التكريتي - وهكذا كان اسمه - معروفاً لدى العراقيين إلاّ كواحد من أفراد العصابة التي حاولت اغتيال عبد الكريم قاسم في شارع الرشيد خريف عام ١٩٥٩.
وحتى بين هؤلاء، لم يكن هو زعيمهم ولا المتقدّم فيها.
وحين قام انقلاب ١٩٦٨ برز اسم صدام وأخذ يتردد على مسامع الناس، لكنّه كان واحداً من بين آخرين تتردد أسماؤهم.
كان صدام من تكريت: مدينة أحمد حسن البكر أيضاً، الّذي أعلن عنه كقائد للإنقلاب. وكان هذا بدون شك من أسباب تقدّمه وتجاوزه لأقرانه من البعثيين.
ولم يكن صدام من بيت من بيوت تكريت المدينة الصغيرة الواقعة في شمال بغداد، في الطريق الذاهب إلى الموصل، والتي كانت تابعة لسامراء فأصبحت في زمن البعث، مركز المحافظة تحمل اسم صلاح الدين، وتتبعها مدن كثيرة منها سامراء نفسها.
وكان صدام يعاني من الفقر والحرمان في طفولته وصباه. لكنّه كان يعاني في داخله مما هو أكثر وأخطر عند العراقيين آنذاك: عقدة الأهل التي يهتمون بها ويمنحونها الكثير من تفكيرهم، وقد يختلق بعضهم نسباً واسماً له يستدبل به نسبه واسمه، إن استطاع وربّما كانت هذه العقدة، عقدة الأهل، وراء حقد صدام على كل من ينتمي إلى بيت رفيع أو أسرة كريمة، حرم هو منها.
وظلّت هذه العقدة تلاحقه وتحكم تصرفاته، حتى بعدما أصبح القائد والرئيس والزعيم الّذي لا ينازعه أحدٌ في سلطانه. لكم ضحك العراقيون، وهم يرونه ويرون ابنيه، خصوصاً عدي، في زيّ الشيوخ والزعماء، يقلدونهم في لهجتهم وسلوكهم وحركاتهم. إنّهم يعرفون جيداً من يكون صدام والبيئة التي نشأ فيها. يعرفون جيداً أنّ أمه اضطرت للزواج من رجل آخر بعد أبيه، حارس في إحدى المدارس الابتدائية، لتجد من يتكفّل بها وبابنها صدام.
ولم يتميّز صدام بذكاء خارق، ولم يكن في حاجة إليه، وهو يلتحق بحزب البعث، لكنّه كان الأعنف في عصابة لا يقوم فكرها إلاّ على العنف، والأكثر دمويّةً في حزب لا ينهض إلاّ على الجماجم والدم، كما يعلن نشيده الّذي يردده البعثيّون.
وسرعان ما صعد صدام إلى المواجهة متخطيّاً كل الّذين كان من الممكن أن ينافسوه أو يتجاوزوه، بعد أن أحكم سيطرته على الأجهزة المتنفذّة في الحزب، سيّما الأمنيّة منها. قتل البعض وخوّف البعض وتآمر على البعض. لم يعد له من منافس داخل الحزب، فلم يأت عام ١٩٧٥ حتى كان صدام نائباً لرئيس الجمهوريّة ورجل الحزب القوي والموجّه لسياساته في الداخل والخارج.
لم يبق أمامه إلاّ أحمد حسن البكر مجرّداً من كل عناصر القوّة. كان صدام يتّخذ القرارات، ومهمّة البكر التوقيع عليها لتصدر باسمه من حيث الشكل، وإذا كان في هذه القرارات ما يثير الناس أو يغضبهم، أسرع جهاز صدام الإعلاميّ الضخم إلى الاستفادة من هذه الفرصة وإلقاء التهمة على البكر وتشويه صورته.
كأنّ يداً خبيثة كانت ترفع به إلى الواجهة...
أصبح البكر مجرّد لوحة تقرأ فيها تأريخ الانقلاب أو ديكوراً بلغة هذه الأيّام. كان مراقباً في كل نشاطه، حتى داخل بيته، فاللاقطات المنتشرة في كل أنحاء البيت والمكتب تنقل لصدام كل ما يتفّوه به البكر مع أهله أو من بقي من أصحابه حين يلتقي بهم.
انتهى الرجل الّذي ولد في تكريت عام ١٩١٤ ووصل رتبة عميد في الجيش العراقي وأصبح رئيس الوزراء في انقلاب ١٩٦٣، والّذي حنث باليمين الّذي أقسم عليه يوماً لعبد السلام عارف بأنّه لن يشارك في أيّ عمل سياسي يقوم به حزب البعث
وبدأ صدام العمل لإزاحة البكر نهائيّاً عن المسرح السياسي. لقد أستنفده تماماً ولم يعد بحاجة إليهم حتى من الناحية الشكليّة، وربّما العكس.
واقتربت أيام تموز: موعد الاحتفالات بذكرى ثورة الرابع عشر منه للشعب العراقي و١٧ منه للبعثيين. واتسع الهمس وانتشر: أنّ صدام سيتولى رئاسة الجمهوية بدلاً من البكر.
وفي مساء ١٦ تموز من عام ١٩٧٩ أعلن عن تخلّي أحمد حسن البكر عن رئاسة الجمهوريّة وتولّي صدام حسين لها.
وختمت صفحة لتفتح صفحة كانت مفتوحةً لمن يقرأ صفحات الكتاب جيداً.
- إذن لم يكن فاضل مخطئاً حين تنبأ بأنّ صدام سيصبح رئيساً للجمهورية في مستقبل قريب قد لا يتعدى تموز القادم: قال حسين ذلك، وهو يتذكر اللقاء الأخير الّذي جمعه إلى فاضل وتناولا فيه مسار الأحداث في العراق.
وتوقعات الاثنين بشأنها، وتأكيد فاضل على دور صدام في المرحلة القريبة القادمة.
وكان حسين يستبعد حصول ما ذهب إليه فاضل - قال، وهو يحاوره في هذا الموضوع: وما الّذي يدعو صدام إلى ذلك، وكل شيء في يده الآن؟! ما الّذي يعوزه! إنّه الرئيس الفعلي. ولا تنس أنّ البكر هو الّذي احتضن صدام وقدمّه ودعمه في وجه خصوم كثيرين كانوا أقرب إلى المكان الّذي يشغله صدام اليوم. وإلى كل ذاك فما يزال البكر يتمتّع بشيء من القوة والنفوذ في أوساط بعثيّة قد ترفض تولّي صدام السلطة، وقد تبعد أكثر فتعلن تمردها على القيادة الجديدة. أليس هذا وارداً؟! ألا تتفق معي فيه؟! ألا يمكن أن يؤدّي هذا إلى إنشقاق الحزب وإضعافه، وربّما نهايته؟!
قال فاضل: إنّي أتحدث عن عصابة وحوش، من يملك أنياباً أقوى ومخالب أطول يفترس الآخر، وأظن صدام هو من يمتلكها الآن.
ثم إنّك تنسى العامل الخارجي وكأنه غير موجود، مع أنّه في رأس المعادلة، أترى الغرب غافلاً عما يجري في المنطقة، وأكثر نفطه يأتي منها؟! لِمَ إذن كل هذه القوات وكل هذه القواعد المنتشرة في المنطقة وحولها؟! وكل هؤلاء الملوك والرؤساء والمشايخ في أواخر القرن العشرين؟!
وهذا الحدث الجديد ذو العشر درجات على مقياس رختر؟! أحسب آثاره ستمتد بعيداً، بعيداً جداً في المكان والزمان. هل يترك الغرب ثورة الخميني لتمتد وتتسع، وهي تعلن عداءها الصريح له وتحرّض عليه وتدعو لمحاربته وإخراجه؟!
قال حسين: وما علاقة صدام بهذا؟! أنا أتحدّث عن صدام والبكر وحزب البعث وصراع السلطة، وأنت تتحدّث عن الغرب وإيران وعشر درجات على مقياس رختر!
قال فاضل: اسمع يا عزيزي. المسألة واضحةٌ في نظري. الغرب لن يترك ثورة الخميني، إنّه يعدّ العدة لضربها وهزيمتها قبل أن تقوى وتترسخ في إيران، وقبل أن تنتقل إلى غير إيران. عليه أن يحارب الثورة الإيرانيّة ويتخلّص منها لكن لا يريد أن يدخل هو طرفاً في الحرب. لقد جرى ذلك قبل اليوم فكانت النتائج كارثيّةً عليه، عسكرياً واقتصاديّاً وسياسيّاً. إنّه يفتّش عمّن يحارب الخميني بالنيابة. هل سمعت بهذا الاصطلاح: الحرب بالنيابة؟! أظنّه اصطلاحاً جديداً يدخل القاموس السياسي، إنّك تراه الآن في أفغانستان: مقاتلين وسلاحاً وأموالاً.
من المهيّأ لحرب النيابة ضد الخميني؟ من القادر عليها؟ فتّش عن الدول القريبة من إيران. لن تجد غير دول صغيرة أو فقيرة أو مشغولة هي الأخرى بمشاكل في داخلها أو مع جيرانها. العراق هو الوحيد المهيّأ، بجيشه وسلاحه وإمكانيّاته. أظنّك عرفت الآن سرّ ما يجري في العراق. إنّهم يعدّون صدام منذ بدأت تلوح بوادر انتصار ثورة الخميني في إيران وقرب رحيل الشاه. صدام هو رجلهم الّذي ادخروه لمثل هذا اليوم. إنّه طموح ودموي وطائفيّ، وهذا هو الرجل المثالي لتحقيق أهدافهم والثأر من الخميني. يريد أن يلعب دور البطل القومي في المنطقة، وقد خلت من البطل. لن يسأل عن عدد القتلى، لن يكونوا من بين من يحسب على كل حال.
وفي الخيار بينه وبين البكر لقيادة الحرب ضد إيران، فقد وقع الخيار عليه لأسباب كثيرة منها ما ذكرت، ومنها ما لست في حاجة إلى ذكره؛ لأنّه معروف، فهل عرفت يا صديقي العزيز العلاقة بين صدام والبكر وإيران ومقياس رختر؟! إننّي لا أعلم الغيب، ذلك لا يعلمه إلاّ الله، لكنّي أقرأ فقط، أقرأ جيداً، وأيّ واحد آخر سيصل إلى النتيجة التي وصلت إليها، لو أنّه حاول أن يقرأ جيداً، وستكشف الأيام صدق ما أقول.
قال حسين وهو يستحضر مرةً أخرى ذلك اللقاء: والله لقد كشفت الأيّام صدق ما قلت يا عزيزي فاضل.
الفصل الثالث عشر
صدام، البداية، تجهيز المؤامرة
وتصفية الخصوم
لم يكن الحاج علي وهو يذهب إلى فراشه، وقد حان وقت نومه، يفكّر أن خبراً مروّعاً ينتظره فجر تلك الليلة. لقد مرّ اليوم ولا جديد فيه مما يقلق أكثر من أيّام أخرى سابقة كلها قلق وألم وحزن، منذ جاء البعث عام ١٩٦٨، ثم خصوصاً، منذ أصبح صدام رئيس الجمهورية. لكن الساعات القليلة القادمة ستحمل له خبراً سيّئاً شديد الوقع عليه، ففي حوالي الرابعة من فجر أحد أيّام أيلول ١٩٧٩ رنّ التليفون في بيته، وقام الحاج متثاقلاً ما يزال النوم في عينيه. ردّد، وهو يتّجه إلى التلفون: كالعادة، سيقول إنّه أخطأ الرقم ويعتذر، كم أصبح مزعجاً، هذا التلفون! ليتني أستطيع أن أغلقه قبل النوم. ولكن كيف؟! أليس من الممكن أن يحصل ما يستوجب إخباري، وما لا يحتمل التأخير؟!
ولم يكن في الرقم خطأ هذه المرّة، ولم يعتذر من كان على الطرف الثاني من الخط. كان صوتاً جافّاً قاسياً يقول: (لقد رمينا جثّة الخائن عبد الواحد أمام بيته).
وحين أراد الحاج علي أن يستفسر أكثر عن الموضوع، كان التلفون قد أغلق، وشخص يسبّ الخونة وأهلهم ومن يتصل بهم.
كانت الصدمة قويةً على الحاج، فلبس ما وجده أمامه من ملابسه، وأسرع إلى بيت عبد الواحد الّذي لا يبعد عنه كثيراً.
كان عبد الواحد قريباً له، من نفس قبيلته، وتربطه به علاقة قويّة حتى أنّ عبد الواحد كان شبه مقيم في بيته، ينام فيه ويستقبل أصحابه فيه قبل أن ينتقل إلى بيته الجديد الّذي أكمل بناءه منذ قريب.
كان الدم ما يزال ينزف والجسم لم يبرد بعد، حين وصل الحاج ليراه ملقى في الشارع قريباً من باب البيت.
نظر الحاج إلى الجثّة واستعاد صورة عبد الواحد الشاب الّذي يفيض حيويّةً ورجولةً وشهامةً ( كان بعثيّاً وهذا في ذاته خطأ كبير، لكن ما الّذي فعله كبعثيّ ليستحق عليه القتل في نظر رئيس عصابة البعثييّن الآن. لقد منحه صدام قبل يوم واحد من اعتقاله درجةً عسكريّةً أعلى من درجة ( عقيد ) على أن يرفعه في اليوم التالي إلى رتبة قائد فرقة ).
كان صدام حين تقلّد رئاسة الجمهورية بعد البكر، يفكر كثيراً في هؤلاء القيادييّن البعثييّن ويخشاهم، فهم غير مقتنعين بصدام، لا يثقون فيه ولا يأمنون غدره، ثم إنّ الكثيرين منهم أحقّ منه برئاسة الجمهوريّة، لم يكن أقدمهم في الانضمام إلى الحزب ولا أكفأهم ولا أقربهم إلى كوادر الحزب ومنتسبيه. ولو أنّ انتخابات جرت لمنصب رئاسة الجمهورية لكان غيره الّذي سيتولاها.
كان صدام يعرف ذاك جيّداً ولا يغفل عن التفكير فيه، فحين قرر أن يحتلّ مكان البكر في رئاسة الجمهورية، قرّر في نفس الوقت أن يتخلّص من كل خصومه البعثييّن ويصفّيهم ليتفرّغ لخصوم آخرين. ذلك هو السبيل الوحيد لكي يحكم مطمئناً دون خوف ولا قلق ولا هواجس، وذلك ما يفعله كل دكتاتور مغتصب عندما يستولي على الحكم. أوّل ما يفعله هو التخلّص من رفاقه وشركائه القدامى الذيّن يعرفهم ويعرفونه، يعرفون كل شيء عنه، وسيبقون ينظرون إليه ويتعاملون معه كما كانوا في السابق، وهذا ما لا يتحمّله الدكتاتور، وهو يقفز إلى الحكم يريد أن يبدأ حكماً هو موسّسه وبانيه وسيّده، وحده. هو وحده، لا شركاء له فيه. سيأتي بأشخاص يدينون له. لم يكونوا شيئاً فاصطفاهم ورفعهم، هو، لا أشخاص كانوا معه، في مستواه أو أعلى منه. هؤلاء لا يدينون له بشيء، وربّما نظروا إليه كغاصب لحقٍّ هم أولى به، الحاكم الجديد يخاف هؤلاء ولا يطمئن إليهم ويخشى دائماً إتّفاقهم عليه ورفضهم طاعته، أو عدم إذعانهم لما يريد. وهذا الحاكم يرفض دائماً أن يكون لأحد دالّة عليه، ويحرص دائماً على أن يكون ماضيه مجهولاً، لا يعرفه الناس، سيّما إذا لم يكن هذا الماضي ممّا يعتزّ به الإنسان أو يستطيع أن يتكئ عليه في الميدان السياسي الّذي يخوضه.
هذا ما كان يقلق صدام ويشغل فكره، ولكن كيف عليه أن يفعل؟ ما السبيل إلى التخلّص من هؤلاء البعثييّن المنافسين بضربة واحدة، وهم كثيرون ولا يجمعهم مكان واحد، لا في العراق ولا في خارج العراق.
وانتهى إلى الحل، ماذا لو دعاهم إلى مؤتمر عام يعقد في بغداد بحجّة البحث في مسائل خطيرة تستوجب البحث. سيجمعهم في مكان واحد، والباقي معروف.
وهنا أطلق صدام ضحكةً عاليةً كأنّه يعلن انتصاره، لنفسه: هذه هي اللّعبة والله لن يخرج أحدٌ منكم إلاّ للقتل أو للسجن الّذي يتم فيه القتل. لن يخرج أحدٌ منكم، لن يسلم أحدٌ؛ إنّها نهايتكم. سأريحكم من صدام، وسيستريح منكم، إلى الأبد، إلى الأبد، وبئس المصير.
وبدأت الإجراءات اللازمة لعقد المؤتمر. وطارت الدّعوات إلى ( الرفاق ) لحضوره.
كان رئيس جهاز الأمن الخاص بصدام قد انتقى عدداً من بين أفراده ممّن يعرفهم ويثق بهم ثقةً مطلقةً، وأوكل إلى كل واحد منهم دوره الّذي حدّده له بشكل دقيق.
وجاء الموعد ودخل ( الرفاق ) إلى مكان الاجتماع. وحين تأكّد المسؤول عنه أنّه لم يبق أحدٌ من المدعويين لم يدخل، أغلقت جميع الأبواب، ووقف خلفها من الداخل ومن الخارج حرس مدجّجون امتدّ بعضهم إلى الشوارع الفرعيّة المؤديّة إلى مكان الاجتماع ليمنعوا الوصول إليه.
الجو يشير إلى شيء غير طبيعيّ سيتفجّر قريباً، الوجوه متوترةٌ وإشارات مبهمة تصدر من بعض المنتشرين في القاعة يفهمها آخرون منهم.
الرفاق المدعوون يسألون عن القضايا التي جاؤوا لبحثها فتقابلهم ضحكات هستيريّة ساخرة، وأفرادٌ من حرس صدام يروحون ويجيؤون يستعرضون الحاضرين بنظرات مخيفة.
سأل أحد المدعوييّن آخر إلى جنبه، وهو يهمس في أذنه: لقد وقعنا يا رفيقي. لم نحسب أمورنا جيداً. غفلنا عن صدام الّذي نعرفه جيداً، نعرفه منذ زمن طويل.
قال الآخر: انتهى كل شيء الآن. كانت المؤامرة أكبر منّا. لم يعد بيدنا شيء، ولم يعد اللوم نافعاً، لكن اللوم يقع على من كان في بغداد من رفاقنا كان عليهم أن يعرفوا، وهم قريبون من مسرح التآمر. كان عليهم أن يعرفوا.
قال الأوّل، وهو يتلفّت يميناً وشمالاً، وإلى الأمام والخلف: الحق معك. عرفنا المؤامرة بعدما سقطنا فيها، ولن نخرج، لم يأت بنا صدام ليتركنا نخرج، وأضاف: إنّي أسخر من نفسي وأنا أتلفّت يميناً وشمالاً حتى لا يسمعوا كلامي. وهذا الزر الّذي أمامي؟! وأومأ على زرٍّ في الكرسي الّذي يجلس عليه، لِمَ وضع هنا؟! وفي كرسيك مثله. ثم سكت لحظةً قبل أن يقول بصوت مستسلم: لقد انتهى كل شيء، حتى الخوف لا محل له الآن. إنّي أسخر من خوفي. ماذا يجدي عليّ الآن؟! كان ذلك نافعاً حين كنّا ما نزال في خارجه - مشيراً إلى المكان الّذي حشدوا فيه - قبل أن نساق بفعلتنا إليه.
وبدأ صدام الاجتماع، لا ليطرح قضايا للبحث، ولكن ليعلن الكشف عن (مؤامرة خطيرة، كان على وشك أن ينفذّها رفاق الأمس، هؤلاء الّذين تجدونهم الآن بيننا في هذا المكان لقد أرادوا أن يهدموا حزبكم الّذي شيدتموه بدمائكم وتضحياتكم وشهدائكم) قال ذلك، وكأنه يستثير عواطف الحاضرين بهذه العبارات التي تنتهي بـ ( كاف ) المخاطب.
وصرخ واحدٌ من وسط القاعة ( الموت للمتآمرين ). لقد كان أحد أفراد جهاز الأمن الخاص لصدام، وهذا كان دوره.
وارتفع صوت آخر ( لا ترحمهم أيّها الرفيق صدام. لا ترحم الخونة العملاء ).
واختلطت الأصوات وتعاقبت من كل أرجاء القاعة: ( الموت للمتآمرين ) أقل ما تطالب به.
وتسابق الحاضرون من جمع أكبر عدد من أوصاف الخيانة والعمالة والغدر، وتشابكت أيديهم، كلّها تتجه إلى هؤلاء الرفاق السابقين الّذين استغلوا عطف صدام وتسامحه فتمادوا في إجرامهم لشق الحزب وتدميره. ( لا عفو بعد اليوم يا صدام. لا تسامح ولا رحمة. الموت للمجرمين عملاء الأجنبي - وهي تهمة تلصق بمن لا تهمة ضدّه ).
هكذا كانت الهتافات تهزّ القاعة... وتصدر الحكم.
وخلف منضدة كبيرة في صدر القاعة، كان يقف صدام وهو يتصنّع الحزن، وبين مرة وأخرى يخرج منديله يمسح دموعه أمام جموع الحاضرين الّذين اتّجهت أنظارهم إليه. كان يحرص على أن يظهر وكأنه لا يريد أن يتدخّل فيما يقرّره أعضاء الحزب. وليس هو إلاّ واحداً منهم، آلمه ما آلمهم. لا يفرض عليهم رأياً ولا يتخذ موقفاً خلافاً لما يتخذون من موقف في ضوء نظام الحزب وقناعتهم إزاء هذه الخيانة العظمى التي تعرّض لها الحزب وجوداً ونضالاً وتاريخاً.
هكذا ظهر مؤلّف ومخرج وبطل المسرحيّة، وهو يدلي ببعض الملاحظات خلال العرض، متألّماً حزيناً؛ لأن رفاقه ارتكبوا ( خيانة عظمى ) ضد الحزب، كان يؤكد في كل ما يقول على لفظ ( الخيانة ) التي يريد أن يثبّتها عليهم كواقعة حقيقية أمام الحاضرين من كوادر الحزب، في الاجتماع وخارج الاجتماع.
وسيق الرفاق، كل من ينادى باسمه، يسرع جماعة من جهاز الأمن لإخراجه موثقاً، إلى مكان مجهول ومصير هو الآخر مجهول.
ونصل إلى ختام المسرحيّة. لقد أراد صدام ألاّ يكون معروفاً كنهاية الأفلام المصرية القديمة. رأى أن تختلف الأحكام في العلن فلا تكون كلها بالإعدام، حتى لا تفقد المسرحيّة عناصر إثارتها، ولا تقرأ خاتمتها من بدايتها.
وأعلنت الأحكام: بعضها بالإعدام وبعضها بالسجن الّذي تختلف صوره. ولم يخرج من السجن إلا من كان صدام قد زجّ به ابتداء بين المتّهمين، ليخرجه فيما بعد بضمان ولائه، أو لإبعاد التهمة عن الأحكام وإضفاء شيء من الشرعية عليها.
ونعود إلى عبد الواحد الّذي بدأنا به حديثنا. لقد كان عبد الواحد بعثيّاً قديماً وعسكرياً شجاعاً. قاد أول دبابة دخلت بغداد في انقلاب ١٩٦٨، وليته لم يكن كذلك، وهذا ما خوّف صدام وزمرته منه. كان على خلاف دائم معهم، يعتقد أنّ هناك حزباً لا عصابة.
واتُّهم بالمؤامرة طبعاً، وحُكم عليه بالسجن سبع سنوات. لكنه لم يخرج من السجن. كانت نهايته هي بداية حديثنا: جثّة على باب بيتٍ صدر الحكم بمصادرته بعد قتل صاحبه.
الفصل الرابع عشر
فاضل وحسين... ومحمود البعيد!
كانوا ثلاثة، من مدينة واحدة هي النجف، ودخلوا كلية واحدة هي الحقوق، و تخرجوا في سنة واحدة هي ١٩٥٢.
واستمروا أصدقاء، بعد التخرّج كما كانوا قبله، يفترقون ويلتقون، كما يشاء الزمان، لا كما يشاؤون، لكن عواطفهم نحو بعضهم وحبّهم لبعضهم لم يفارقهم ولم يضعف، كان دائماً معهم، هو نفسه ذلك الحب القديم.
سبق الحديث عن اثنين منهم، فاضل وحسين، أما الثالث محمود، فقد سافر إلى فرنسا لإكمال دراسته، وبعد عودته التحق بالسلك الدبلوماسي بوزارة الخارجية، ثم التدريس في جامعة بغداد، قبل أن يعود ثانيةً إلى وزارة الخارجية ينتقل في وظائفها من بلد إلى بلد، وكانت داكار - السنغال آخر محطّة له في العمل الدبلوماسي، فقد عاد بعدها إلى بغداد ليطلب إحالته على التقاعد.
وفي آخر لقاء بين فاضل وحسين، كان الحديث يدور بين عدة مواضيع ليست بعيدة عن السياسة، لكن أضيف إليها هذه المرة، حديث جديد قديم عن صديقهما محمود الّذي ابتعد عنهما منذ عاد إلى الدبلوماسية عام ١٩٧٠.
قال حسين وهو يبدأ الحديث مع فاضل: لك عندي خبر يسرّك كما سرّني، سيسرّك جداً.
وقبل أن يكشف حسين عن خبره، قاطعه فاضل بلهجة متشائمة: وهل هناك ما يسر من الأخبار بفضل البعث والبعثيين؟! لم يعد شيء من ذاك يا صاحبي، كل شيء، لكن الأسوأ أنّ كل شيء يسير نحو الأسوأ. إنّ الأمور تتجه إلى المجهول، أو إلى المعلوم، إلى الخطر الّذي أراه مقبلاً علينا، أو إننّا نحثّ الخطى إليه تحت قيادة الرئيس الفارس صدام!! إنّ تحركات مريبة تتتابع على الساحة السياسيّة منذ استيلائه، أو لأكن أدق، منذ الإتيان به رئيساً للجمهورية دون أيّة كفاءة أو امتياز إلاّ أنّه الأكثر دمويةً بين الدمويين، والأكثر حقداً على العراقيين والعراق، وأنّه على استعداد لتدميره دون تردد أو سؤال. ما أروعه من امتياز! ألا ترى معي أنّ ما يجري الآن كلّه مخيف وينذر بشرٍّ كبير، وأنّ علينا أن نواجهه، علينا جميعاً، ما دمنا نستطيع أن نفعل ذلك، قبل أن يقوى أكثر ونضعف نحن أكثر، ويكون الثمن أكثر من مضاعف.
قال حسين وهو ينظر بتململ إلى فاضل: لقد أبعدتني عن الخبر الّذي كنت أريد إبلاغه إليك، قتلته قبل أن يخرج من فمي وتعرف ما هو. مالك؟! أنا لا ألقاك إلاّ نادراً، وحين ألقاك، لا يكون حديثك إلاّ همّاً وحزناً تضيفه إلى همّي وحزني. والله إني لأستغرب حالك الآن، لقد كنت المتفائل دائماً بيننا، نحن الثلاثة حين كان محمود معنا. أتراني المقصود بكلامك؟! ماذا عليّ أن أفعل صحيح أن الأخبار كلها سيّئةٌ، لكننّا محاصرون في الداخل وفي الخارج، بين إرهاب البعث وإرهاب داعميه على الحدود وفيما وراءها. ماذا تريد أن أفعل؟! هل عليّ أن أموت أو أنتحر حتى ترضى؟! هل في هذا ما يخيف البعثيين أو يقلقهم؟! أنا شخصياً لم أُخلق للمقاومة والقتال.
لم أحمل السلاح يوماً ولم أحارب. لا أنكر هذا ولم أنكره يوماً. لكل واحد منّا يا صديقي العزيز قدراته وطاقاته وهو أعرف بها. لكنني لم أكن يوماً بعثيّاً. لقد كرهتهم واحتقرتهم، فكراً وسلوكاً، منذ ابتلانا الغرب بهم. إنّ المقاومة والمقاومين موجودون، والعراق زاخر بهم، إنّهم النجوم التي تضيء سماءه، دون أن تغيب في يوم ولا ساعة، ليسوا كهذه النجوم، إنّهم يضيؤون في الليل وفي النهار... ولقد تساءلت طويلاً إن كنت أعذر نفسي بعدم الإلتحاق
بفصائل المقاومة وحمل السلاح معهم. كنت ألوم نفسي، أكتفي باللوم، وأحياناً أتساءل: هل من الأفضل أن أحمل السلاح وأنضّم إلى المقاتلين. لم يغب هذا عنّي، لكن ربما قبض عليّ، وهو أقرب الاحتمالات للمقاوم، وأنا أعرف نفسي، لا أستطيع احتمال التعذيب، وقد تخونني قواي وأنهار، وقد أعترف بأسرار أودعنيها المقاتلون وائتمنوني عليها، أو عرفتها بحكم عملي معهم. سأكون سبباً في إلحاق الأذى بالمقاومة والمقاومين. فهل الأفضل أن أنضّم إليهم، وهذا الاحتمال قائم، أم ابقى كما أنا باق الآن، أحارب البعثيين بما تيسّر لي من وسائل، بعيداً عن الانضمام العلني للمقاومة، وليسعني عذرهم إن لم أنفعهم كما ينبغي، وبين الواحد وبين المائة تسع وتسعون درجة. كلها إيجابية باختلاف الدرجات.
ستضحك من هذا المتخاذل الّذي يفتّش عن مبررات لتخاذله، ولا والله لا أفتّش عن مبررات، ولم أفتّش عنها يوماً، لكنّي أعرف من نفسي ما قد يجهله الآخرون.
أنت يا عزيزي فاضل أجرأ منّي وأقوى، ولا أنكر ذاك، أعرفك منذ كنّا في الاعداديّة، وأنت أول المتظاهرين، وإحدى قائمتي اللافتة تمسك بها يداك، وصوتك يعلو بالتقدّم ورصّ الصفوف. آه ما أحلى تلك الأيام! كم هي قريبة بحساب الذكريات، وإن كانت بعيدة بحساب السنين! لقد كنت دائماً مشاركاً في المظاهرات، لم أتخلف عن واحدة منها.
لكن دوري كان يقتصر على المشاركة. لم يكن كدورك وأنت تقود. أعترف بذلك. ألا يقال إن الاعتراف بالخطأ فضيلة؟ فاعتبر موقفي الآن خطأ، اعتبره ما شئت، واعتبر اعترافي وإقراري بالعجز فضيلةً لي.
قال فاضل بهدوئه المعهود: ومن قال إنّك مخطئٌ وإنّي ألومك؟! من قال لك؟! أنت تعرف الخوارج طبعاً: هذه الفرقة الدموية التي أرعبت المسلمين زمناً غير قصير وأسالت دماءهم وقتلت حتى الأطفال، ثم لم تكتف فبقرت بطون الحوامل من النساء وقتلت الأجنّة، وأمهاتهم قبلهم. لم يرحموا شيخاً ولا طفلاً ولا عجوزاً... حكم عام بالقتل على كل من لم يكن معهم. لقد كانوا شجعاناً، لكنّهم كانوا متوحّشين ومتخلّفين. هؤلاء الخوارج، بينهم فرقةٌ اسمها القعدة، أي الذيّن يقعدون عن القتال ولا يشاركون فيه، مع أنّهم من الخوارج، عقيدةً وفكراً. وأضاف ضاحكاً: هل تريد أن أسمّيك من اليوم قعيدي.
قال حسين: أتذكر حديث الخوارج وتنسى حديث النبّي: ( من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ) وأنا أرضى بأضعف الإيمان، وإن كنت أظن أنّي أستحق شيئاً أكثر منه. أرضى به ما دمت، لم أخرج من دائرة الكره للبعث والبعثييّن إلى الرضا والقبول أو المشاركة، وإن لم أحمل السلاح ضدّهم. يكفيني هذا من نفسي حتى الآن، وأرجو أن يكون لي موقف آخر، ولا أعدك به؛ لأنّي غير واثق منه.
قال فاضل، وكأنه تذكّر: ألم تقل لي أن عندك خبراً سارّاً، فأين هو؟! لم تخبرني به، أنسيت؟!
قال حسين: وهل تركت لي فرصةً حتى أخبرك؟! كأنك لا تريد أن تسمع خبراً سارّاً، أو كأنّ لك عداء مع الأخبار السارّة. لقد وأدت خبري كما كان العرب يئدون البنات. لكنّهم كانوا يئدونها بعد ولادتها، وأنت وأدت خبري قبل ولادته، قبل أن يخرج من فمي.
قال فاضل: منذ كم أصبحت مهتمّاً بتاريخ العرب؟! عهدي بك أبعد الناس عنه. هل أصابك محمود بعدواه قبل أن يسافر؟ ليته معنا لكم أنا مشتاق إليه؟! هل عندك شيء من أخباره؟ أين هو الآن؟ هل تذكر؟ كانت غرفته قبل غرفتينا في عمارة الشطب، بعدما جاء للسكن معنا في نفس العمارة، إثر تعرّضه لحادث سرقة، عندما كان يسكن في الوزيرية في بيت مستقل، لقد سرقته خادمته.
قال حسين: وهذا هو الخبر السار الّذي كنت أريد أن أعلمك به: إنه في الطريق إلى بغداد. لقد طلب النقل والإحالة على التقاعد. هذا ما سمعته قبل يومين من أحد أفراد عائلته. ربّما يكون هنا خلال أسبوعين أو أقل. سأتصل بك طبعاً حين أتأكّد من موعد وصوله. سنلتقي، سنستعيد ذكرياتنا وأيّامنا الحلوة الجميلة. ما أحلاها من ذكريات وأيّام! ستكون الدعوة خاصةً بنا الثلاثة، لا رابع فيها. أنت وأنا وهو. سنتحدّث كما نشاء، في الماضي والحاضر... والمستقبل! لن نفسد أوّل لقاءنا بحديث المجرمين. عندنا وقت طويل للحديث عنهم.
الفصل الخامس عشر
أوّل لقاء الثلاثة
كان اللّقاء عاطفيّاً حارّاً، تبادلوا فيه العناق والدموع، لم يصدّقوا أنّهم مع بعضهم من جديد. انطلقت عواطفهم كما شاءت، لم يخبّوها ولم يكتموها. كأنّهم كانوا يحملون همّاً فأرادوا أن يتخفّفوا منه بعد طول حمل.
كان محمود يغالب دموعه وهو يعانق فاضل مرّةً وحسين أخرى ليعود إلى فاضل. لم يكن يصدّق نفسه. سنين لم يجتمعوا ثلاثتهم. حتى فاضل وحسين، غلبهما البكاء والدموع مع أنّهما كانا يلتقيان أحياناً؛ لكأن هذا اللقاء ذكّرهما بماض بعيد حين كان الثلاثة شبانّاً يعيشون معاً، لا يفترقون إلاّ عند النوم، وأحياناً تضمّهم غرفةٌ واحدة في النوم.
سكت الثلاثة لحظات قبل أن يقطع الصمت حسين، وهو يوجّه الكلام لمحمود: ماذا تنوي أن تعمل بعد التقاعد؟ ألم تفكّر في شيء؟
قال محمود: لا أدري، لا شيء محدداً حتى الآن. كل الّذي أعلمه أنّني قدّمت طلباً لإحالتي على التقاعد، وأرجو ألاّ يتأخّر الجواب بالموافقة عند ذاك سأفكّر جديّاً. لست تاجراً كما تعلم، ولم أكن يوماً. ليس أمامي غير المحاماة أعود إليها بعد سنين طويلة على تركي لها منذ الخمسينات.
قال حسين: ولماذا استعجلت التقاعد، وأظنك تملك حوالي الخمس عشرة سنة في الوظيفة، والعمل في وزارة الخارجيّة مما يعشقه الآخرون؟
قال محمود: والله لقد مللت الوظيفة، بل كرهتها، وما أتعس الإنسان حين يكره عمله. إنّ الوظيفة يا صاحبي، ولا استثني الوظيفة في الخارجيّة، شلل للفكر وقتل للروح، روتين يومي بائس مقيت، يسلبك الشعور بجمال الحياة. تخرج في ساعة وتعود في ساعة، وأنت بينهما، تفكّر في الثاني حين تكون في الأوّل، وفي الأوّل، حين تكون في الثاني. حتى الأحلام لا تخرج عن دائرة الوظيفة: الوزير والمدير العام وأوّل الشهر وآخر الشهر والعلاوة والترفيع. يستعجل الإنسان عمره، ثم لا يخرج إلاّ على عكاز بعدما استنفدت قوّته ولم يبق منها ما يصلح لشيء. هذا في غير عهد البعثييّن، فكيف في عهدهم؟!
قال حسين: إذن حسمت خيارك باتّجاه المحاماة.
قال محمود: ليس ذلك خياراً لأحسمه. ليس خياراً حين لا يملك الإنسان حريّة الاختيار ولا يكون أمامه إلاّ طريق واحدٌ عليه أن يسلكه. ماذا يبقى من الاختيار؟! ثم أضاف ضاحكاً: لقد أصبحت أشعريّاً من حيث لا أدري.(١)
قال فاضل وهو يشارك في الحوار: إنّ ألسنة السوء تتناولك بما لا يرضي. لقد دخلت قبل أيّام في معركة حامية وأنا أسمع من يتّهمك بأنك لم تعد أحمد الّذي يعهد، كما قال، وبأنّك تخلّيت عن قيمك السابقة التي عرفت بها، وأصبحت مسايراً للبعثييّن، وربّما أكثر!
قال محمود وكأنه استفزّ بما لم يتوقّع: ولماذا؟! ماذا فعلت لأستحق هذه التّهمة؟! ألأنّي عملت في وزارة الخارجيّة. أنتما تعلمان أن أوّل وظيفة شغلتها كانت في وزارة الخارجيّة عام ١٩٥٨ بعدما رجعت من فرنسا، وقبل أن أذهب إلى جامعة بغداد. فإن كانت الخارجيّة أفضل من الجامعة، فإنّها وظيفتي السابقة، عدت إليها بنفس درجتي وبنفس راتبي، لم يتفضّل عليّ أحد بشيء في الدرجة أو الراتب. وإن كانت الجامعة أفضل من الخارجيّة فقد نزلوا بي عن حقّي وحاربوني فيه. وعلى كلٍّ فقد عيّن عددٌ من أساتذة الجامعة ممن تعرفانهم، سفراء، فهل تحوّلوا بعثييّن؟!
قال حسين وهو يعود إلى الكلام: وهل الدوائر الأخرى أفضل حالاً من وزارة الخارجية؟! وما الفرق بين وظيفة في الخارجية ووظيفة في غيرها؟! هل القضاء: القضاء، وهو أخطر وأعلى سلطة في العراق، وفي غير العراق، يتمتّع بالنزاهة والحياد والاستقلال؟!
هل يختلف عن أيّة دائرة أخرى؟! ثمّ التفت إلى فاضل قائلاً: والمحاماة نفسها، القضاء الواقف كما يعبّرون، ماذا بقي منها ومن قوّتها ومبادئها التي كانت دائماً تفخر بها وتعتّز؟! ألم تكن تشكو لي، كلّما لقيتني، مما تعانية أنت شخصياً، من فساد المحاماة حين فسد القضاء؟!
____________________
(١) أتباع أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، ينكرون حريّة الإنسان في أعماله ويعتقدون أنه مجبر عليها ولا خيار له فيما يقوم به من أعمال.
ووزارة الماليّة، هذه التي أعمل فيها، لعلّها تشكو الفساد أكثر من الوزارات الأخرى، وأنا أتكلّم هنا عن دراية واطلاع، فأنا موظّف فيها منذ زمن طويل، قبل أن يلحقها الفساد في زمن البعثيين. ربّما كانت الخارجيّة، الأقل فساداً بين الوزارات. لقد أفسدوا يا صاحبي كل شيء. أفسدوا الإنسان نفسه. بدؤوا بالإنسان كقيم ومبادئ وأخلاق. وما بقي سيأتي وحده. لن يكون إلاّ نتائج علينا أن نتوقّعها، وسنخطئ إذا لم نتوقّعها. لكن هل علينا أن نترك وظائفنا لنجوع نحن وعوائلنا؟! بِمَ سنضرّ البعثييّن لو تركنا وظائفنا؟! والله سيسرّهم ذاك ويسعدهم وسيسمح لهم بأن يفسدوا أكثر. المهمّ أن نكون نحن محصّنين في وظائفنا، ألاّ يصل الفساد إلينا، أن نبقى محافظين على قيمنا ومثلنا؛ حينذاك سنكون نافعين للناس، وسيعرفون من هو صالح ومن هو شرّ. لن نخلي الساحة للبعثييّن. وقد نستطيع، من مواقعنا، أن نسهم في المعركة ضدّهم، أو يكون لنا دور في أي جهد للإطاحة بهم. أنا لست من الرأي الّذي يقول بترك الوظيفة احتجاجاً على الحكم أو رفضاً له. تركنا لوظائفنا سيكون إفراغاً للميدان من العناصر النظيفة. سيكون جريمةً في حق الشعب والوطن، وهديةً نقدّمها لأعدائه.
وعاد محمود للحديث قائلاً: هل تعلمان بأنّ البعثيين ساوموني أكثر من مرة بأن أكون سفيراً مقابل الانتماء لحزب البعث فرفضت. فعلوا ذلك معي في اليونان، ثم فعلوه معي في تركيا. كان ذلك بحضور زوجتي، فرفضت وقلت، إن أصررتم فهذه استقالتي، ثم أضفت: لقد رفضت قبل اثني عشر عاماً، عرضاً خيراً من عرضكم. عرض عليّ عبد السلام عارف الوزارة على ١٩٦٥ فرفضت. كان اللّقاء كما أذكر في فندق بغداد، أكبر فنادق بغداد في ذلك الوقت. أمهلوني يومين للرّد، وكان أبي مريضاً عندنا، وطرحت الأمر عليه فرفض بشكل قاطع. قال لي: إنّه هو المقصود وراء طلب تعييني وزيراً. كان يراد أن يغير موقفه من عبد السلام عن طريق استيزار ابنه: مساومة لأبي، وأنتما تعرفان جيداً هذا الأمر. لقد حدّثتكما عنه كما أذكر، في لقاء جمعنا بعده بأيّام قليلة. ثم مضى قائلاً:
هل قرأتما يوماً كلمةً لي أو مقالاً أو شيئاً مما يكتبه بعض الناس هذه الأيّام في مدح البعث أو قائده؟! أكان صعباً عليّ، مع كثرة المناسبات، أن أكتب شيئاً، أي شيء، وأنتما تعلمان أن ليس ذلك صعباً عليّ، وقد فعله الكثيرون غيري، لو كنت كما يزعمون مسايراً للبعثييّن أو... ربّما أكثر؟!
ألا تعلمان كم تحمّل أبي بسبب موقفه من البعث والبعثييّن؟!
إنّ البعض يتهمني لأنه لا يعرف حقيقة موقفي، وربّما كان معذوراً، خصوصاً في هذا الوقت الّذي كثر فيه الحديث والمحدّثون، وكثر المتّهمون، وكثر الانتهازيون والمتعاونون والطامعون والتافهون لكنّي لا أعذر من يعرفني، ومن كان قريباً مني، ومن عشت معه وعاش معي.
وحسناً فعلت يا فاضل، فقد كنت غافلاً، وقد أبقى غافلاً عن دفع تهمة لا تلحق بي وحدي، وإنّما تلحق بأهلي وعائلتي وأولادي من بعدي.
قال حسين؟ وهو يتّجه بكلامه لفاضل: ماذا كنت ستفعل يا فاضل لولم نتّفق؟! لقد رجوتك ألاّ تفسد أول لقاء لنا بالحديث عن البعث والبعثيين والمجرمين؟! وها أنت تخالف ما اتّفقنا عليه.
قال فاضل: أكنت أحرص على محمود ومصلحته؟! لقد قلت له الحقيقة ليعرف موقف الناس ورأيهم. لم أقل إنّهم اتّهموه، ولكن هناك بعض من ارتابوا أو تحيّروا أو أسفوا، لم يجدوا جواباً يرتاحون إليه، وها هو الجواب نملكه الآن ونحتج به.
قال حسين: إذن لنبدأ حديثاً جديداً.
وبدأ الثلاثة حديثاً جديداً، بعيداً عن الجريمة والمجرمين.
الفصل السادس عشر
في الطريق إلى الحرب
مقتل الصدر: محمد باقر وبنت الهدى
كان صدام قلقاً ثائر الأعصاب خلال الأشهر الأولى من عام ١٩٨٠. والمقرّبون منه يتجنّبون الاتّصال به إلاّ مضطرين، فردود أفعاله غير معروفة ولا مأمونة، لا يعلمون ما ينتظرهم منه، كلّ الاحتمالات واردةٌ، وكلّ واحد يهنّئ نفسه إذا انتهى اليوم دون أن يلقاه.
وكان حين يريد أن ينام أو يظهر في اجتماع عام، يتناول بعض الحبوب المهدّئة قبل النوم أو قبل موعد الاجتماع، فلا يرى منه المشاهدون إلاّ صدام القوي الواثق المخيف، لكنّ القريبين منه يعرفون غير هذا، يعرفونه مهموماً دائم التفكير شارد الذهن، يطلب منهم الشيء، ثم لا يلبث أن يطلب إلغاءه أو نقيضه.
قال أحد كوادر الحزب لآخر من أصحابه: ما الّذي يقلق السيد الرئيس هذه الأيام؟! لِمَ هذا الحزن في وجهه رغم جهده في أن يحجبه عن الأنظار؟! ما الّذي يهمّه ويشغل باله؟! المؤامرة؟! وقد رتّبنا فصولها كما شاء، وقتلنا الذيّن اتهمناهم بتدبيرها، إعداماً أو قتلاً في السجون. كل الذين أردنا قتلهم قتلناهم. والذيّن يحوم حولهم أي شك، أبعدناهم وأخضعناهم لمراقبة صارمة، حتى في بيوتهم. والأجهزة الحسّاسة في الدولة، من مدنيّة وعسكرية، أوكلناها إلى من نثق بهم من الرفاق. ماذا بقي ممّا يقلق أو يفكّر فيه؟! الحزب الشيوعي؟! لقد أنهيناه ونزعنا ثقة الجماهير عنه، ولم نعد في خوف منه. الأحزاب القوميّة؟! ضحك على الناس أم علينا؟! ما أظنهم يستطيعون أن يملؤوا غرفة في قاعة، ليسوا إلاّ لافتات تجدها على أبواب بعض المباني، ولا شيء وراء ذاك. هذا على صعيد الداخل. أمّا مع الخارج، فأنت تعلم أنّنا سوّينا خلافاتنا مع الدول العربية، ونحن نعيش شهر عسل سيطول بفضل الخطر الّذي تحمله إليهم الثورة الإسلامية في إيران، وليس غيرنا من يواجهه ويصدّه نيابةً عنهم. ألسنا حرّاس البوّابة الشرقيّة وحماتها كما يردّدون؟! ولكن قل لي، هل تظنّهم صادقين في شعورهم نحونا؟! إني أشك كثيراً في ذلك. لم نكون نحن وحدنا حماة البوابة الشرقية للأمّة العربية، أو حتى أكون منصفاً، لمشايخ الخليج؟! لِمَ لا يتولّون هم حراسة هذه
البوابّة في وجه إيران التي يبدو أنه لم يعد لهم من عدو سواها؟! ما لهم يحرضوننا ويدفعون بنا إلى الموت، وأميركا موجودة عندهم ولن تتخلّى عن حمايتهم؟! هل تتخلّى أميركا عن نفط الخليج؟! هل تسمح بتهديده، حتى من دول الخليج نفسها التي ينبع النفط في أراضيها؟!
قال الآخر: أتريد الحقّ يا صاحبي؟
قال الأول: وما يمنعك أن تقوله، ونحن وحدنا، ولا أحدٌ يسمعنا أو يرانا؟!
قال الثاني: لم يجدوا مغفّلين مثلنا. أنا لا أحمّلهم الذنب ولا ألومهم، وهم يرون من يتبرّع بالموت دونهم. لِمَ يرفضون؟! هل سمعت أنّ أحداً رفض التبرّع بالموت دونه؟! ماذا تكلّفهم كلمة أو حديث يشيدون فيه بحماة البوّابة والساهرين على الحدود والذائدين عن الحمى، وكلمات مشابهة أخرى تجدها في أيّ قاموس، لا تعني شيئاً ولا تكلّف شيئاً.
قال الأول: ولكننا لسنا نحن الّذين سنقاتل الخميني وإيران. دماء غيرنا من العراقييّن، ستسيل. من الجنوب ومن الشمال. هؤلاء هم الّذين سيدفعون فاتورة الحرب. ستسيل دماؤهم، لا دماؤنا. لن تصيبنا الحرب إلاّ من بعيد. أمّا الّذين يحترقون بنارها، فأنت تعرفهم: أسلوب مبتكر نتخلّص به من أعدائنا في الداخل وأعدائنا في إيران. ويخرج قائدنا بطلاً قوميّاً للعرب، لا كالأبطال، لا كعبد الناصر الّذي أسقطته هزيمة ١٩٦٧ أليس هذا كسباً كبيراً للقائد وللحزب، بدماء غيرنا؟!
قال الثاني: لقد كان هؤلاء الّذين تشير إليهم، وقود الحرب دائماً، حتّى التّي نشبت خارج العراق. عليهم الموت ولنا الاسم والإعلان. إنّهم بضاعتنا التي نتاجر بها.
قال الأول: لنعد إلى حديثنا الّذي بدأناه عن قلق السيد الرئيس. هل ترى من سبب له بعدما حطّمنا كل القوى المعادية، وليس في الساحة الآن من لاعب غيرنا كما تعلم؟! أهناك قوّةٌ أو قوى أخرى غير التي ذكرتها تستحق أن تقلقه؟!
قال الثاني: نعم. نسيت الأهم من بينها يا صاحبي.
قال الأول مستغرباً: الأهم! الأهم من كل ما ذكرت! ما هو؟! ماذا بقي من القوى السياسيّة المؤثّرة التي تقلق السيد الرئيس وتشغل باله؟! لقد حطّمناها كلّها، نعم كلّها، ولم يبق منها ما يستحق الذكر.
قال الثاني وهو يديم النظر في وجه صاحبه: هذا العدو الجديد الّذي يتمتّع بكل عناصر القوّة والنفوذ، لقد أغفلته، وأغفلناه كلّنا، وهو الّذي يقلق السيد الرئيس كما أظن. حطّمنا الآخرين وبقي هو يزداد قوّةً، كلّما ازددنا بطشاً كأنه يتحدّانا. ألم أقل إنّك نسيت الأهم، في نظري على الأقل؟!
قال الأول: عن أي عدّو تتكلّم؟! الخميني؟! إذن ماذا نفعل الآن؟! كم كل هذه الاستعدادات؟! إننّا نتهيّأ ونهيّئ كل شيء لحربه. سنهزمه قريباً، وسنأتي به إلى بغداد أسيراً، إن لم يقتل هناك. إنّ الخميني هو عدّونا الأوّل.
قال الثاني ضاحكاً بل عدّوهم الأوّل: عدوّ مشايخ الخليج وعدو الغرب.
سنحقّق لهم ما عجزوا مجتمعين عن تحقيقه، سيعترفون كلهم لفضلنا عليهم، لكن مالك تأخذني يميناً ويساراً ولا تذكر اسم هذا العدو الّذي تراه أخطر وأهم من جميع الآخرين؟! قل لي وأرحني. فمنذ التقينا وأنت تتحدّث عن عدّو دون أن تذكر اسمه. أهو لغزٌ، أم تريد أن تختبر معرفتي؟!
قال الثاني: لا والله، لا هذا ولا ذاك. أنا أتكلّم عن هذا المدّ الشيعي الّذي يمثّله ويقوده حزب الدعوة. يبدو أنّنا غفلنا عنه ولم نحسب حسابه جيداً. شغلنا بالآخرين وتركناه - إنه العدو الحقيقي الّذي يهدّدنا. فحزب الدّعوة لا يقوم على مواقف تقليديّه فرديّة ما أسرع ما كنّا نلتف عليها ونتجاوزها. بشكل أو بآخر. خطورة هذا الحزب أنّه يقوم على تنظيم سرّي متماسك ليس من السهل اختراقه، وعلى فكر يحمله شباب مستعدّون للتضحية. وقد رأينا الكثيرين منهم: صمدوا وواجهوا الموت بشجاعة وثبات قلّ نظيرهما، صعدوا المشانق وتحملّوا التعذيب، وأيّ تعذيب! تعذيبنا نحن، الّذي لم تكن بعيداً عنه، والذي لا يتحمّله إلاّ من كان لا يهاب الموت من هؤلاء المؤمنين أصحاب القضايا الكبيرة الّذين لا يرون الموت إلاّ شهادةً وسعادةً. لقد سالت دماؤهم في التعذيب أكثر ممّا سالت في المواجهة، ولم يتخلّوا ولم يجبنوا.
قال الأول: وكيف تقول، غفلنا؟! وهل أكثر من الّذين قتلنا منهم، سرّاً وعلناً؟! ماذا تريدنا أن نفعل؟!
قال الثاني: وهذا ما يخيف أكثر، وأظن هذا وراء ما تراه من قلق السيد الرئيس وهمّه وتفكيره.
قال الأول: وما الحل في رأيك؟! إنّ القيادة لم تغفل يوماً ولم تقصّر، خلافاً لرأيك، في مطاردة هذا الحزب ورصد نشاطه وملاحقة حاملي فكره في الداخل وفي الخارج. أأكثر من أن يصدر مجلس قيادة الثورة قراراً يقضي بإعدام كل منتم لحزب الدعوة، لا عند صدور القرار أو بعده فقط، بل حتى من كان منتمياً له في السابق، في أيّ يوم من حياته. هل تعلم بأنّنا أوّل دولة في التاريخ تعاقب على أفعال قبل صدور القانون الّذي يعتبرها جريمةً ويعاقب عليها؟! والله إنه امتياز لحزبنا لم يسبقه إليه أحدٌ. مبدعٌ والله، أنت يا حزب البعث!! من يستطيع أن يبلغ في تفكيره ما بلغت؟! هذا هو جزاء الخونة والعملاء. ليت القرار شمل عوائلهم أيضاً، ولم يقتصر عليهم وحدهم.
قال الثاني: لا تقلق يا عزيزي، سينال هؤلاء، جزاءهم كما تتمنّى، لكن دون نصّ قانونيّ مكتوب. ألا تعرف أن عندنا نصوصاً مكتوبة، ونصوصاً أخرى، أكثر منها، غير مكتوبة، ننفّذها عند الحاجة إليها. ولولا هذه النصوص لأفلت الكثيرون من المجرمين.
قال الأوّل: أرى أنّ هذه النصوص - أقصد غير المكتوبة - هي التي يجب أن نعطيها الأولوية في التعامل مع المجرمين أعداء الشعب، لا النصوص المكتوبة التي قد تقيّد حريّتنا وتمنعنا من التصرّف بما نراه مناسباً من العقوبات.
ضحك الثاني وقال: هذه هي العدالة الثوريّة التي يمثّلها حزبنا: حزب الوحدة والحرية والاشتراكيّة.
ومرت لحظات قبل أن يستأنف الحديث قائلاً: لكن! ثم توقّف بعدها وكأنه لا يريد الاستمرار.
قال الأوّل: لكن! لكن ماذا؟! لِم سكت؟! هل عدت إلى طريقتك في الحديث معي، لا تفصح عمّا تريد إلاّ بعد إلحاح؟! هل عليّ أن أكون عالماً بالغيب عندما أتحدّث معك؟!
قال الثاني: مالك ولطريقتي في الحديث وعلم الغيب؟! هلاّ صبرت قليلاً لتعرف ما أردت أن أقول؟! أردت أن أقول: إنّ كل الاجراءات التي اتخذناها والتي سنتخذها من قتل وتعذيب وإرهاب وتفتيش وغيرها بحقّ هذا الحزب والمنتمين إليه، لن تكون مجديةً ما لم نتخلّص من كبيرهم: هذا الساحر المقيم في النجف. وكل حديث آخر، مع وجوده، سيكون ضرباً من العبث لا فائدة منه. نحن أو هو. هذه هي المعادلة، لا تحتمل الساحة الاثنين معاً. علينا أن نعجّل في القضاء عليه قبل أن يقضي علينا.
قال الأول: أظنك تتحدّث عن محمد باقر الصدر؟
قال الثاني: ومن غيره وغير أتباعه، من يستطيع أن يقلق السيد الرئيس؟! إنّه محمد باقر الصدر: هذا الرجل النحيف الجسم الهادئ الصوت الّذي يقيم مع أخته في بيت صغير من إحدى أحياء النجف القديمة. إنّ مظهره لا يشير إلى حالة استثنائية، لكن في الواقع مجموعة قوى فكرية وروحية فريدة، لا قوةً واحدةً. ما زاره وفدٌ من الوفود العربيّة والأجنبية إلاّ خرج ذاهلاً مدهوشاً. يتكلّم في الفلسفة كما يتكلّم في الفقه، ويؤلّف في الاقتصاد كما يؤلّف في الشريعة. إنّه عالم من المواهب والطاقات. هل تعلم أنّه خطر في ذهني أن أزوره وأحضر مجلسه متنكّراً، لولا خوفي من أن أكشف!
قال الأول: والأخطر من ذاك أنّه ليس مجرّد مفكّر، لكنّه قائدٌ ومخطّطٌ على الصعيد العملي والميداني. إنّ فكره في انتشار وتوسّع، وأتباعه يتزايدون في العراق وفي غير العراق. إنه قائد لثورة ستهزّ العالم الشيعي كلّه، وربّما العالم الإسلامي كلّه. وما أظننا إلاّ سنخسر المعركة ضدّه، إن لم نبادر، وبسرعة إلى محاصرته وقطعه عن الاتصال بالعالم الخارجي ومنع أنصاره من الوصول إليه أو حضور دروسه أو تلقّي توجيهاته. قبل أن نتخلّص من الخميني، علينا أن نتخلّص من الصدر: هذا العدو الّذي يعيش معك على أرض واحدة، ولا تدري متى ينقض عليك. لكنّي أتساءل أحياناً: كيف استطاع أن يبلغ ما بلغ من مرتبة عالية، وهو بعد في هذه السن. إنّه كما أسمع لم يتجاوز الخامسة والأربعين أو دونها.
قال الثاني: حين يكون الحديث عن المواهب، فعلينا أن نترك السن. الموهبة لا تعرف السن يا عزيزي، ولا تعترف به.
قال الأول بعد لحظة صمت، وكأنه يتردّد في طرح السؤال: ولكن لِمَ لا أجد بين صفوفنا شيئاً من هذه المواهب؟! لماذا تعادينا المواهب أو نعاديها؟! ألم يخطر في ذهنك هذا السؤال؟! آه، لعن الله المواهب وأصحاب المواهب، ما لنا ولهم؟! سيفسدون حزبنا ويجرّدونه من قوّته. من الأفضل ألاّ نفكّر في هذا السؤال. إنه خيانة للحزب يا صاحبي.
قال الثاني: أنت الّذي سألت وأجبت، لا أنا. ما أفكر فيه وما جرنّي ولم أجد حتى الآن جواباً مقنعاً له، هو أمر آخر: لماذا أفرجت القيادة عن الصدر بعدما اعتقلته أول مرة؟! كيف تعتقل أخطر أعدائها ثم تطلق سراحه ليعود إلى نشاطه؟! هذا ما لم أفهمه. كم حاولت أن أجد جواباً يرضيني فأخفقت!
قال الأول: وأي شيء في هذا لم تفهمه؟! لو أن القيادة أعدمته حين اعتقلته في المرّة الأولى، لكانت ردود الفعل عنيفةً جداً، وربّما تطوّرت بشكل لا يسمح للقيادة بالسيطرة عليها، وربما كنّا دخلنا في معركة مفتوحة على كل الاحتمالات وتشمل العراق كله، وقد لا ينتهي بالضرورة لصالحنا، مع ما للصدر، كما نعلم، من قوى شعبيّة مؤيّدة كبيرة. ولهذا جاءت الأوامر من القيادة بالإفراج عنه وإطلاق سراحه ليبدو الأمر في حدود ما هو اعتيادي ومقبول؛ كأنّ القيادة لم تكن تنوي أصلاً من وراء إحضاره - ولم يقولوا اعتقاله - إلاّ لاستيضاح بعض الأمور، ثمّ إعادته إلى بيته بعد معرفة موقفه بشأنها، دون أي مساس بشخصه. فلو اعتقل مرةً أخرى، وسيعتقل قريباً كما اعتقد، فسيكون النبأ أخف وقعاً على أنصاره وجماهيره، ظانين أنّ هذا الاعتقال لن يختلف عن سابقه، وسيعود الصدر بعد يوم أو أيام. ومع الوقت، ستبرد الجماهير ولن يكون سهلاً استثارتهم من جديد ودفعهم إلى الشوارع، ستكون ردود فعلهم قد استنفدت وحماسهم قد خفّ، والكثير من قواعد الصدر وأتباعه قد انكشفوا واعتقلوا، ونكون نحن قد أمنّا الخطر وتجاوزناه، وربحنا المعركة مع الصدر. خطةٌ محكمةٌ ما أظنّها من صنع جماعتنا، ألست متّفقاً معي في هذا؟!
قال الثاني: لو كنت تضمن لي أنّ الأمور تسير كما رسمتها أنت، لاتّفقت معك، ولكنّ من قال إنّها ستكون كذلك؟!
قال الأول، وبدأ كأنه واثق مما يقول: سترى، سيحصل هذا قريباً، ولن يحصل غير هذا.
قال الثاني: كم أتمنى أن تسير الأمور كما تقول، لقد أتعبنا هذا الصدر، ولن نكون في أمن وراحة ما دام موجوداً. إنّ وجوده كاف لأن يشعل في أنصاره روح المقاومة والتحدّي، ويمنحهم طاقة هائلة من القوّة والعزم. ولكن حتى ذلك اليوم سنبقى مهدّدين.
قال الأول: لن يكون بعيداً هذا اليوم. سنقضي عليه وعلى أخته بنت الهدى: هذه التي أصبحت مصدر متاعب إضافيّة، كأنّ أخاها لا يكفي وحده، فجاءت هي لتقوم بضمّ النساء إلى حركة أخيها وعقد الندوات لهنّ، وتدريسهنّ وتنظيمهنّ في حلقات وخلايا قويّة نشطة تنتشر في كل مكان على امتداد العراق للتحريض على الحزب والدعوة إلى محاربته. إنّ بنت الهدى تقود الآن حركة نسويّة خطيرة تتّسع مع الأيّام، وهي تتمتّع بميزات أخيها... ساحر وساحرة! إنّ أجهزة الحزب المختصة لا تخفي قلقها من نشاطها، وهي تراقبها بنفس الدّقة التي تراقب بها أخاها. لكن المشكلة مع هذا التنظيم النسوي أعقد من المشكلة مع أي تنظيم آخر بعيد عن المرأة ولا علاقة له بها. فالتعامل مع المرأة في العراق، وأنت تعلم هذا جيداً، في غاية الحساسيّة. تستطيع أن تعتقل الرجل وأنت آمن أو شبه آمن، لكن عليك أن تحسب ألف حساب قبل أن تعتقل امرأة، حتى لو كانت متهمةً وتملك الأدلة ضدّها. إنّ العراقي الّذي لم ينضم إلى حزب الدعوة - وأنا هنا أتكلم عن حزب الدعوة - سينضم إلى هذا الحزب أو يجد نفسه قريباً منه. وفي جميع الأحوال، سيحارب معه لا دفاعاً عنه ولا إيماناً بفكره، بل دفاعاً عن المرأة، خصوصاً إذا كانت من أهله: أخته أو بنته أو زوجته، فالعراقي قد يتساهل مع أي شيء إلاّ فيما يخصّ المرأة حين تتعرّض لما يعتبره إهانةً أو اعتداء عليها. وهنا الخطر الكبير. ثم أضاف بلهجة فيها غلظةٌ وجفاء، بنت الهدى لن يتركها القائد لن يسمح القائد بزينب أخرى. لن يسمح لبنت الهدى بأن ترفع راية المقاومة ضد حكمه. وكانت بنت الهدى هي التي أثارت الناس وحرضّتهم وألهبت عواطفهم عند اعتقال أخيها في المرّة الأولى ولن يتكرر ذلك.
ستموت مع أخيها، موت الاثنين قريب، قريب جداً.
قال الثاني: أنت تتحدّث يا صاحبي وكأنّي لا أعرف الحزب ولست من كوادره القدماء، ربما أقدم منك. حديثك هذا مع غيري، وعن غير حزبنا، فالأمر سواء عنده، لا فرق بين رجل وامرأة وطفل وعجوز، لا حرمة لأحد عندنا، لن يغفر للمرأة ولن يخفّف من عقوبتها أنّها امرأةٌ، ولن يغفر للطفل ويخفّف من عقوبته أنه طفل. عدلٌ مطلقٌ يشمل الجميع ويتساوى فيه الجميع! قال ذلك، وانفرجت شفتاه عن ابتسامة فيها خبثٌ وسخريّةٌ.
كانا قد بلغا هذا الموضع من الحديث عندما أعلن عن اجتماع للقيادة سينعقد بعد قليل. فغادرا المكان دون أن يغادر الصدر لسانيهما.
الفصل السابع عشر
في الطريق إلى الحرب
مرّت بضعة أيام قبل أن يلتقي مجدداً، الاثنان اللذان تابعنا حوارهما في الفصل السابق. لم يقولا شيئاً، ولم يكونا في حاجة إلى قول شيء. كان الحديث في عيونهما وعلى شفاههما: لقد قُتل الصدر، هو وأخته بنت الهدى.
كان ذلك إيذاناً ببدء مرحلة جديدة قاسية شديدة على العراق والعراقييّن ودخل العراق في المجهول، وتسارعت الأحداث بعد ذاك، متوازيةً، تتزاحم على الساحة العراقية.
وكانت اللعبة أكبر من صدام وحزبه، الغرب كلّه يدير اللعبة، وصدام أصغر اللاعبين فيها، ينفّذ الدور الّذي حدّده له من يملكون تحديد الأدوار وتحديد منفّذيها.
كل شيء يشير إلى شرق العراق. هناك سيكون مسرح اللعبة مع إيران، الأحاديث والأغاني والإعلام والقادسيّة يتردّد ذكرها في كل مناسبة، وبدون مناسبة، والمجوس وكسرى في المدارس، والطلاّب ينشدون أناشيد الحرب. وفي باصات النقل والمقاهي والشوارع، لا حديث للناس إلاّ حديث الحرب، يتبادلونه بصوت عالٍ أحياناً، وخفيفٍ أحياناً.
الحرب مع الخميني قادمةٌ، قريبةٌ، لا بدّ منها وعلينا أن نتزوّد بالحاجات الضرورية واليومية قبل أن تختفي من الأسواق، أو يعمد التجّار إلى رفع أسعارها. قال ذلك واحد من ركّاب أحد باصات النقل لآخر يجلس إلى جنبه في نفس المقعد.
قال الآخر: ولماذا ( لا بدّ منها )؟! ما لنا وللحرب؟! ألا يكفينا الّذي نحن فيه؟! ألسنا منذ سنين في حرب مع الغلاء ومع الظلم ومع الإرهاب؟! إنّ الحرب يا عزيزي ليست لعبةً، اسألني أنا، فقد جرّبتها وعشتها. سنتمنى يا عزيزي ما نحن فيه الآن، على قسوته، حين تنشب الحرب. سيقتل الشباب، وربما الكبار أمثالي. ستتحول المدن العامرة التي تعب الإنسان في بنائها، إلى خرائب كبيرة، ستجفّ الحياة، ولن تزدهر ولن تنشط إلاّ صناعة الموت. إنّ الحرب أشأم ما عرفته البشرية في تاريخها. كم من طفل فقد أباه وزوجة ثكلت زوجها وأمّ وأب فُجعا بأولادهما؟! كم من المواهب، كان من الممكن أن تسهم في تطوّر البشرية وتحقيق السعادة لها، أخذتها الحروب وحرمت البشرية من إبداعها! لن يكون في الحرب منتصرٌ،
حتّى من يبدو كذلك. كم دفع المنتصر ثمن انتصاره؟! أرأيت انتصاراً بلا ثمن؟! المجرمون يخلقون المشكلات، ثم يخلّفون الحروب لحلّها. الحرب ليست لعبةً. الحرب جريمةٌ، جريمةٌ كبرى. قال ذلك قبل أن ينزل من الباص.
وكانت الزيارات السرّية والعلنيّة بين بغداد والخارج، خصوصاً السعودية، تتوالى، ولا موضوع لها إلاّ الخميني: العدو الّذي يجب إنهاؤه. العروبة في خطر منه، والإسلام في خطر، والسلام والاستقرار في خطر أيضاً. الحياة كلها أصبحت في خطر من الخميني!
والأجواء في العراق هي الأجواء التي تسبق الحرب، ولم يعد يفصلنا عنها إلاّ الإعلان الرسمي الّذي لا يعرف الناس متى سيسمعونه، لكنّهم متأكّدون أنه لن يتأخّر طويلاً.
واستغلّ صدام هذه الأجواء لتنفيذ مخطّط مجرم طالما فكّر فيه بانتظار الوقت المناسب لتنفيذه.
كان صدام بحكم نشأته، يكره الوسط والجنوب أي الأغلبيّة التي يتألّف منها العراق، ويتمنّى لو استطاع القضاء عليها.
وها هي الفرصة قد تهيّأت له دون جهد، لن يواجه حرجاً ولا صعوبة. الحرب تسهّل كل ما أراد. كل شيء جاهز الآن: الإعلام بيده، والقوّة بيده، والأمن بيده، والتهمة جاهزة أيضاً بيده: تأمين الجبهة الداخلية من الأعداء يعني الأغلبية الشيعيّة.
كان صدام يفكّر هكذا: سيتخلّص من بعضهم بالتسفير، ومن بعضهم، خصوصاً الشباب، بالقتل في الحرب التي سيخوضها مع الخميني. سيكون هؤلاء في جبهاتها الأمامية. ثم بعد ذاك، تغيير التركيبة السكانيّة للعراق، لعرب غير شيعة يأتي بهم من مختلف الدول العربيّة لإسكانهم في الوسط والجنوب، وسيدعمهم بالمال والنفوذ، وبقوة السلاح إذا لزم الأمر. ويستمر الضغط على من بقي في العراق من الشيعة. سيهاجر من يهاجر ويترك العراق. ومن بقي سيفرض عليه تغيير مذهبه، وإلاّ فإنه سيكون عرضةً للتهجير واستباحة دمه وماله وأمنه. كل العقوبات واردةٌ، لا عقوبة ممتنعة أو محرّمة. وأصدر صدام أوامره بالتسفير.
وانطلقت حملة بربريّة مسعورة، بدأت بالأكراد، ثم ما أسرع أن اتسعت لتشمل مكوّنات كاملة للشعب العراقي في الوسط والجنوب، والحجّة حماية الجبهة الداخلية من أعداء الوطن!
لم يعد أحدٌ آمناً. لم يعد أحدٌ يعرف متى سيغادر منزله إلى غير عودة. سفر سيطول، وليس هو من أراده ورغب فيه.
كانت كل البيوت عرضةً للهجوم عليها في كل وقت، وإن كان الوقت المفضّل هو ما بعد منتصف الليل. لا تدق الأبواب ولا ينبّه الساكنون، بل تكسر الأبواب وتقتحم البيوت ويقبض على ساكنيها ثم يجرّون جرّاً، وهم في ملابس النوم ما يزالون يحلمون لم يفيقوا بعد، ويدفعون إلى سيارات أحكم غلقها، تنطلق بهم بعد أن يحتجز الشباب القادرون على حمل السلاح منهم. لا يعرفون إلى أين هم ذاهبون، العيون معصوبةٌ والأيدي قد أثقلها القيد. بيوتهم وأموالهم ستصادر. يسرق الزائرون من أفراد الأمن ما يستطيعون منها، ويذهب الباقي إلى الجهات الأعلى.
وكانت الدول العربية المجاورة ذات الأنظمة الطائفيّة تحرّض صدام وتدفعه إلى ذاك، لا لإضعاف الشيعة فقط، وهذا وحده كافٍ، بل لتصفية القضيّة الفلسطينية أو مابقي منها، في أهمّ وجوهها: عودة اللاجئين. إنّها قد تحرجهم رغم أنّ شيئاً لا يحرجهم، وقد باعوا القضيّة الفلسطينية بكل وجوهها منذ زمن طويل.
يحرج من يستحيي: قال ذلك أحد العراقيين ممن سمعوا بالمخطط الخبيث، وهم قد فقدوا الحياء، لا قطرة منه في وجوههم ولا في أجسادهم. لقد استراحوا من حيث تعب الكرام.
وكان الاتّفاق قد تمّ مع صدام على إسكان اللاجئين الفلسطينيين في وسط وجنوب العراق، في أماكن الشيعة الّذين سيسفّرون حين يفرغ العراق منهم بعد الانتصار في الحرب ضد الخميني.
تلك كانت ثاني الخطوات في الطريق إلى الحرب.
الفصل الثامن عشر
مأساة الفيلييّن
لم يكن صباح الأول من نيسان ١٩٨٠ وهو يطالع العراقيين، مشرقاً ولا ضاحكاً، لم يحمل كذبته التي اعتاد الناس أن يتوقّعوها فيه. كان على العكس هذه المرة، صادقاً جادّاً مرعباً في صدقه، هو وباقي أيام شهر نيسان، وشهور وسنين أخرى، لقد حمل مأساةً إنسانيةً جديدةً لجزء كبير من الشعب العراقي، هم الأكراد الفيليّة الّذين كتب عليهم أن يواجهوا امتحاناً عسيراً خلال تلك السنة وما بعدها، من قبل نظام صدام الدموي.
والأكراد الفيليّون هم جزء من الشعب العراقي، قدماء فيه، قدم الآخرين من سكانه. وهم أكراد من حيث القوميّة، وشيعةٌ من حيث المذهب، وينتشرون في الوسط والجنوب حيث يقيم الشيعة في العراق وينتشرون.
وهم قومٌ طيّبون مسالمون، لم يعرفوا الضعف يوماً، يعمل أغلبهم في ميدان التجارة أو ما له علاقة بها.
وكان صدام الفاشي المتعصّب لا يطيق الأكراد ولا الشيعة، فكيف بمن جمع الاثنين: خطرٌ لا يتسامح فيه ولا يسكت عليه.
وحين بدأت أصوات الحرب تتعالى، والعراق يتّجه بسرعة إليها. بدأت التحذيرات تتعالى من الرتل الخامس والخوف على الجبهة الداخلية من التخريب، ومعها بدأ حديث أعداء الوطن من عملاء الخميني يرتفع أكثر ويتّسع أكثر في الصحف والتلفزيون، وفي اللقاءات والندوات: صفّوا الأعداء في الداخل أوّلاً. لا تسمحوا للعملاء بتخريب الجبهة الداخلية. راقبوهم جيّداً. تابعوا تحرّكهم. لا تأخذكم بهم رحمةً ولا عطف. الأعداء أعداء الداخل أولاً.
وكانت قائمة الأعداء طويلةً، يحتلّ الفيليّون أقسامها الأولى ويملأ الأخرى هيآت وأحزاب وأفراد آخرون، كلّهم من الشيعة طبعاً.
وفي ليلة من نيسان عام ١٩٨٠ كان الألوف من أفراد المخابرات الصدامية يطوفون المناطق والأحياء التي يقطنها الفيليّون، ويجمعونهم، رجالاً ونساءً وشيوخاً وأطفالاً. يسوقونهم بخشونة بعدما يفتّشون البيوت ويتأكّدون من خلوّها وثم يرمونهم خارج بيوتهم ليدفعهم آخرون من المخابرات إلى سيارات كبيرة تنتظرهم عند الأبواب. كانوا يقتلعونهم من أسرتهم بوحشية لا نظير لها، الطفل قبل الأمّ أو بعدها، والزوج لا ينتظر زوجته، والشيخ يعجلونه أن يرتدي ملابسه فيضربونه إذا تأخر قليلاً، يتبارون، وهم يدفعونهم، في إهانتهم وتوجيه أقسى التهم إليهم، تشارك ألسنتهم أيديهم في إهانتهم وإيذائهم.
وقبل الفجر، كانت تجمع البضاعة المؤلّفة من بضع عوائل من الفيليّة، ثم تحشر في سيارات كبيرة محكمة الإغلاق، ليس فيها مقاعد للجلوس، تندفع بهم في اتّجاه الحدود الإيرانية. الأيدي مقيّدة والعيون تتبادل نظرات حزينة حاسرة.
لماذا جئتم بنا؟! لماذا تقيدوننا؟! إلى أين تذهبون بنا؟! ما الّذي فعلناه؟! وهؤلاء الأطفال والنساء؟! ماذا بهم، إن كنّا نحن مذنبين؟! فسأل أحدهم، فما انتهى من سؤاله حتى جاءه الجواب: ضربة في الرأس من المسدّس الضخم الّذي يحمله عنصر المخابرات، سقط على إثرها الرجل المكبّل اليدين، ودمه يصبغ أرض السيارة. صرخت بنته، فأسكتتها ضربةٌ أخرى على وجهها.
وفي السيارات، كانت الألفاظ البذيئة الفاحشة توجّه للنساء تصحبها حركات وإشارات أكثر فحشاً. كانت البنت تغطّي وجهها أو تلوذ بأمّها مذعورة، فالرجال لا يستطيعون أن يحموهنّ وقد أوثقت أيديهم، والسلاح مصوّب إلى رؤوسهم. إنّهم يغمضون أعينهم الدامعة حتى لا تلاقي عيون نسائهم الدامعة، وكأنها تتوسّل إليهم وتستغيث بهم، منظرٌ ما تصوّرته إلاّ رأيت جسمي كلّه يهتزّ.
امتحان حقير لرجال لم يعرفوا الرجولة يوماً. يستعرضون قوّتهم أمام من لا يملك الدفاع عن نفسه وأهله.
بعد ثماني ساعات من السير المتصل، توقّف رتل السيارات في أرض صحراء، وصرخ واحدٌ من مقدمّة الرتل: إنّ على الّذين في السيارات أن ينزلوا سريعاً. هذا هو آخر الطريق عليهم أن يدبّروا أمورهم منذ الآن سنتركهم هنا.
وأنزل أطفال ونساء وشيوخ، كانوا يدفعون من السيارات فيسقطون أرضاً، يمسح الدم هذا وينفض التراب ذاك.
وحين استدار الرتل للعودة، لم ينسوا أن يودّعوا ضيوفهم بأقسى الألفاظ وأقبحها.
الوقت ظهر والأرض غريبةٌ على هؤلاء البؤساء لا يعرفون سالكها ولا اتّجاههم فيها. صحراءٌ لا معالم فيها تهدي السائرين وترشدهم، إلاّ أن يكونوا من مكان تلك المنطقة. والشوك ينتشر هنا وهناك لا يستطيع السائر أن يتجنّبه، لقد أرهقهم طول الطريق في سيارات كبيرة خشنة، وهاهم يعانون عذاب الصحراء بعد عذاب المخابرات.
ليس معهم ماء ولا طعام. لم يكن عندهم علمٌ بهذا السفر فلم يتزوّدوا بشيء منهما، أو ربما أراد بعضهم فمنعته المخابرات.
وبدأ الأطفال يتضوّرون من الجوع والعطش. إنهم أطفال لا يحتملون الجوع والعطش ولا يصبرون عليهما، لكن ماذا بيد الكبار، وليسوا أقلّ شعوراً بالجوع والعطش. ماذا سيقولون للأطفال الّذين بدأوا يتساقطون من الضعف والإعياء؟! هل ينفع ما يقولون لهم؟! ماذا يفهم الأطفال من لغة الكبار: الخوف على الجبهة الداخلية والرتل الخامس والخميني؟!
قالت زينب وهي تتطلّع إلى أمّها بوجه شاحب وعينين ذابلتين إنّي جائعةٌ يا أمّي. هل من شيء آكله؟! لِمَ لم تحملي معك شيئاً؟! ألست جائعةٌ مثلي؟! هل أخذوا طعامنا معهم، أولئك الذين ركبوا معنا في السيارات وكانوا يحملون المسدّسات. لماذا يحملون المسدّسات؟! أخوفاً منّا؟! إننا لا نحمل شيئاً.
ردّت الأم وهي تحاول أن تعيد الطمأنينة لابنتها، بابتسامة تتكلّفها: ستأكلين قريباً يا حبيبتي. سنصل قريباً، وهي لا تعلم أين هي ولا إلى أين تتّجه.
وغير بعيد عنهما كانت عاتكة الأكبر قليلاً من زينب تسأل أمّها: ماما ما الطابور الخامس؟! لقد سمعت الضابط الّذي كان معنا في السيارة يقول، إنّنا طابور خامس. ماذا يعني الطابور الخامس، ماما؟
قالت الأم: لا أدري بالضبط يا بنتي.
أظنّهم يعنون أننّا جواسيس. لقد سمعتهم يقولون ذلك عنّا، وهم يأخذوننا إلى السيارات فجر اليوم. لقد حكموا علينا قبل أن يحاكمونا.
وعادت عاتكة لتسأل مستغرية: ألسنا عراقيين؟! ألم نولد في العراق، أنا وأنت، وأبي وجدّي قبلنا؟!
قالت الأم: أجل يا ابنتي: لكننا لا نحمل الجنسية العثمانية. هذه هي تهمتنا.
قالت عاتكة: وهل العثمانيون عرب أو عراقيون؟! أليس العثمانيون أمّة أخرى غير العرب؟! فلِم هذا الامتياز لهم وحدهم؟!
قالت الأم وقد بدأت تضيق بأسئلة ابنتها: ماذا فعل بنا يزيد عليه لعنة الله: كل هذا العذاب منه.
وانتبهت عاتكة إلى هذا الخطأ الّذي ورد في جواب أمّها، وهي تعرف أن يزيد قد مات منذ بعيد، فقالت: ماما سمعتك تذكرين يزيد. أليس يزيد قد مات منذ زمن طويل؟
قالت الأم: إنّ يزيد الشخص قد مات وولّى كما تعرفنين، لكن يزيد الظلم والجريمة موجود في كل زمان، إنّه صدام، يزيد العصر هذا ما قصدته.
ولماذا خلق الله الظلم وصداماً؟! ألم يكن قادراً على ألاّ يخلقهما؟! ألم يكن من الأفضل ألاّ يخلقهما؟! قالت عاتكة ذلك وكأنّها تنتظر الجواب.
وتظاهرت الأم بأنّها لم تسمع السؤال فقالت: انظري يا عاتكة، ماذا هناك؟ إني أرى بعض أصحابنا مجتمعين في ذاك المكان، وآخرين يسرعون نحوهم، ربما حصل شيء لا سمح الله، فلنذهب إلى هناك لنعرف الأمر.
كان الحاج أبو سعيد، الرجل الّذي تجاوز السبعين ويشكو من عدّة أمراض قد أتعبه الطريق، وأتعبه أكثر هذا المصير المجهول الّذي يتّجهون إليه، هو وهؤلاء النساء من رجال ونساء وأطفال. لقد بدأ الإعياء واضحاً عليه وحالته تسوء بسرعة. لم يعد يستطيع المشي إلاّ مستنداً إلى أحد أصحابه، خطواته صارت بطيئة ثقيلة، لا يسير قليلاً حتى يسقط. وصوته يرتعش لا يكاد يسمع. كل شيء يسير إلى تدهور خطير في حالته الصحيّة.
قال للّذين معه: أحسّ أني بلغت النهاية، سأفارقكم هنا، ربما مت بعد قليل، أوصيكم بعائلتي فلم يبق لها من يرعاها ويقود أمرها بعدي، لا تفارقوها ولتكن موضع رعايتكم، خصوصاً تلك الصغيرة آمنة: حفيدتي التي فقدت أبويها في سجون صدام. إنها لم تفارقني ولم أفارقها بعدهما. ومرت لحظات ساد فيها سكون عميق لا يكون إلا عند انتظار الموت. كان الحاضرون يديرون وجوههم ليبكوا كما يريدون. كل ما يحيط بهم يثير البكاء.
سيودعون بعد قليل أبا سعيد هذا الرجل الطيّب الّذي كان يشجّعهم ويخفّف عنهم ويضحك معهم رغم ما يعانيه.
وحين أحسّ أبو سعيد الموت، توجّه نحو العراق وهو يقول: لا، لن ينتزعونا من أرضنا. نحن أهل هذه الأرض. نحن أهل العراق. لن تنتزعوا العراق منّا ولن تنتزعونا من العراق. سيعيش العراق فينا. سنعود إليه نحن أو أبناؤنا أو أحفادنا، طال الزمن أو قصر، ثم أغمض عينيه.
كان المشهد حزيناً، أبكى الجميع، لم يملكوا دموعهم. لقد كان الحاج أبو سعيد رجلاً طيّباً ميّالاً إلى الخير، محسناً إلى الجميع بماله وأخلاقه، طالما انتفع به الناس. قتلوا ولديه ولم يتركوا له إلاّ آمنة. يرى فيها أباها - ابنه الكبير وذكرياته وأيام سعادته - إنّها حفيدته الوحيدة التي لم يبق لها صدام من يعطف عليها. بكت طويلاً قبل أن تفارق القبر، وبكوا معها.
بعد ثلاث وعشرين سنة، تحقّقت أحلام أبي سعيد، عاد الّذين سفّرهم صدام إلى العراق. لم يستطع المجرمون أن ينتزعوا العراق منهم أو ينتزعوهم من العراق، وحين عادوا لم يجدوا صدام ولا المجرمين؛ لقد أسقطهم العراقيون... إلى الأبد.
الفهرس
الفصل الأوّل. ٢
الفصل الثاني. ٦
الفصل الثالث: السيدة آمنة وزوّار الفجر ١٢
الفصل الرابع: مأساة المعلّم محمد. ١٨
الفصل الخامس: أبو طبر - الشبح الّذي أرعب بغداد ٢٧
الفصل السادس: اجتماع طارئ لقيادة حزب البعث - مجزرة (خان النّص) ٣٠
الفصل السابع: الشيخ عارف البصري - فرزدق وجرير وحوار الفكر ٣٥
الفصل الثامن: الحزب الشيوعي العراقي - الجبهة مع البعثيين ٣٩
الفصل التاسع. ٤٤
الفصل العاشر ٤٩
الفصل الحادي عشر ٥٤
الفصل الثاني عشر: ثنائي البكر - صدام ٥٩
الفصل الثالث عشر: صدام، البداية، تجهيز المؤامرة وتصفية الخصوم ٦٣
الفصل الرابع عشر: فاضل وحسين... ومحمود البعيد! ٦٨
الفصل الخامس عشر: أوّل لقاء الثلاثة ٧٢
الفصل السادس عشر: في الطريق إلى الحرب مقتل الصدر: محمد باقر وبنت الهدى ٧٦
الفصل السابع عشر: في الطريق إلى الحرب.. ٨٤
الفصل الثامن عشر: مأساة الفيلييّن. ٨٧