استخراج المرام من استقصاء الإفحام الجزء 2

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: السيد علي الحسيني الميلاني
مناظرات وردود

اِستخْـراجُ المَـرَامِ مِن استِقصَاءِ الإفْحام

لِلعَلَمِ الحُجَّةِ آيَةِ اللهِ السَّيّد حامِد حُسين اللّكهَنَوي

بُحوُثٌ وَرُدُودٌ

تأليف

السَّيد عَليّ الحُسَينيّ الميلانْيّ

القِسمُ الثَّانِي

التَّفسيرُ وَالمُفَسِّرُونَ وَالصِّحَاحُ السِّتَّةُ وأصحابُها


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الكتاب : استخراج المرام من استقصاء الإفحام ـ ٢

المؤلّف : السيّد علي الحُسيني الميلاني

الطبعة : الأُولى ـ ١٣٨٣ ـ ١٤٢٥

المطبعة : شريعَت ـ قم

الناشر : المؤلّف


الباب الثاني : التفسير والمفسّرون عند أهل السنّة

المدخل

بحثٌ حول تفسير عليّ بن إبراهيم القمّي

اعلم :

إنّ صاحب( منتهى الكلام ) بعد أنّ تكلّم على ( كتاب سُلَيم بن قَيس الهِلالي ) ، تعرّضَ ـ بنفس الأُسلوب ـ لكتاب ( تفسير عليّ بن إبراهيم القمّي ) .

كلام صاحب منتهى الكلام في تفسير القمّي

فزَعَم أنّ هذا التفسير هو في الحقيقة تفسير أهل البيتعليهم‌السلام وكأنّهُ كلام الإمام الباقر والإمام الصادق ،...

وذكر أنّ جامع هذا التفسير هو عليّ بن إبراهيم القمّي ، وأنّ أبا جعفر الكُليني مِن تلامذتِه ـ كما ذكر عُلماء الإماميّة في كتبهم الرجاليّة ويشهد به كتاب الكافي ـ وهو من أصحاب الإمام بخلاف تلميذه الكليني ، فقد كان في أيّام الغيبة ، كما في كُتب الرجال .

ثمّ جَعَل يطعن في الكتاب ومؤلّفِه... فقال : بأنّ جُلّ الروايات فيه هي عن ( أبي الجارود ) ، وهو ـ بلا ريبٍ ـ مُلحدٌ زنديق ملعون على ألسِنَة أئمّة الهدى ، بل لقد لقّبه المعصوم بـ ( الشيطان )... كما لا يخفى على مَن لاحظ كُتُب القوم ، مثل : (تبصرة العوام ) و(تذكرة الأئمّة عليهم‌السلام ) و(منهج المقال )

و(خلاصة الأقوال ) وأمثالها من كُتُب الرجال .

ذكر الفاضل الإسترآبادي نقلاً عن الكشّي : ( الأعمى السُرحوب ـ بالسين المُهملة المضمومة ، والراء والحاء المهملتين والباء المنقّطة تحتها نقطة واحدة بعد الواو ـ مذمومٌ لا شبهة في ذمّه ، سمّي سُرحوباً باسم الشيطان الأعمى يَسكُن البحر .


 ( قال ) : له تفسيرٌ يَنسبه إلى الإمام محمّدٍ الباقر ، وعن أبي بَصير قال أبو عبد اللهعليه‌السلام :( كثير النوا ، وسالم بن أبي حفصة ، وأبو الجارود ، كذّابون مُكذِّبون كُفّار عليهم لعنة الله ) ، قال: قلت : جُعِلت فداك ، كذّابون قد عرفتهم ، فما معنى مكذِّبون ؟ قال :( كذّابون ، يأتوننا فيُخبروننا أنّهم يصدّقوننا وليس كذلك ، ويَسمعون حديثنا فيكذّبون به ) )(١) .

قالوا : وقد كان يقول بإمامةِ زيد ويَنكر إمامة جعفر الصّادقعليه‌السلام ، وهو المؤسّس لفرقة الجاروديّة من الزيديّة...

والشيخ محمّد باقر صاحب البحار ـ وبالرغم من الاستدلال والاستشهاد بروايات تفسير هذا الزنديق ، والأخ الأكبر لشيطان الطاق ـ قد ذَكر ما تقدّم في كتابه ( تذكرة الأئمّة ) وأضاف أنّه قد ارتدّ في آخر عمره وعمي ، فلقّبه الإمام الباقر بـ( سُرحوب ) وهو اسم شيطان يَسكن البحر ، ومذهب أصحابه أنّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد نصّ بالخلافة على عليّ بالصفة لا بالتسمية .

وإذا كان هذا حال علماء الشيعة وكتبهم ، فكيف يجوز لهم الطعن في علماء أهل السنّة والجماعة والتكلّم في مؤلّفاتهم ؟!

الجواب

إنّ أساس الطّعن في ( تفسير القمّي ) هو الطّعن في ( زياد بن المنذر أبي الجارود ) ، لكنّ ما ذَكَره في هذا الرجل مُندفعٌ بوجوه :

ـــــــــــــــــــ

(١) رجال الكشّي : ٢٠٠.


١ ـ كان أبو الجارود في أوّل الأمر مُستقيماً

لقد كان أبو الجارود مستقيم الأمر ، صحيح العقيدة ، ثمّ تغيّر وضلّ ، فمِن أين يَثبُت أنّ رواياته في هذا التفسير كانت في حال التغيّر ؟ بل إنّ كلام الفاضل المجلسي في( اللّوامع ) صريحٌ في أنّ روايات الأصحاب عنه كانت في حال استقامته ، وكذا في رجال( روضة المتّقين ) ، فإنّه قال ما نصّه : ( صنّف الأصل في حال الاستقامة ، وروى أصحابنا عنه ، ثمّ ضلّ ، فاعتبروا أصله كما في غيره من الكَفَرَة )(١) .

هذا وقد ناقش بعض علمائنا في خبر تسمية الإمام الباقرعليه‌السلام له بـ ( السُرحوب ) ، أمّا سنداً فلأنّه مُرسَل ، وأمّا دلالةً فلأنّ زياداً كان مستقيماً على عهد الإمامعليه‌السلام وإنّما تغيَّر بعد وفاته بعدّةٍ سنين فراجع .

المعتبر في قبول الرواية حال الأداء

ثم إنّه قد تقرّر لدى علماء الفريقين ، أنّ المعتبر في قبول الرواية حال الراوي في وقت الأداء ، فإذا كان حاله سليماً في وقت الأداء تُقبل روايته ولو كان قبل ذلك مقدوحاً ، أو خرج بعد ذلك عن الاستقامة... ولأجل التيقّن من هذا الذي ذَكَرته أنْقل كلاماً لأحد أكابر أصحابنا ، وكلاماً لأحد أكابر الأئمّة عند أهل السنّة .

أمّا مِن أصحابنا ، فالشيخ بهاء الدين العاملي المتوفّى سنة ١٠٣١ وهو

ـــــــــــــــــــ

(١) روضة المتّقين للشيخ محمّد تقي المجلسي ١٤ : ٣١٤ .


العالم النحرير الذي جاء مَدحه في ( ريحانة الألباء ) لشهاب الدين الخفاجي ـ وهو شيخ مشايخ وليّ الله والد صاحب التحفة ـ قائلاً : ( لا يَدرك بحر وصفه الإغراق ، ولا تلحقه حَرَكَات الأفكار ولو كان في مضمار الدهر لها السباق ، زيّن عبائره العلوم النقليّة والعقليّة ، ومَلَك بنقد ذهنه الجواهر السنيّة...) (١) .

لقد قال شيخنا البهائي في كتاب( مشرق الشمسَين ) ما نصّه : ( المُعتبرُ حالُ الراوي وقت الأداء لا وقت التحمّل ، فلو تحمّل الحديث طِفلاً أو غير إمامي أو فاسقاً ، ثمّ أدّاه في وقتٍ يُظَنّ أنّه كان مُستجمِعاً فيه لشرائط القَبول قُبِل...)

( قال ) : المُستفاد من تَصفّح كُتُب علمائنا المؤلّفة في السيَر والجرح والتعديل : إنّ أصحابنا الإماميّة ـ رحمهم الله ـ كان اجتنابُهم عن مخالطة مَن كان مِن الشيعة على الحقّ أوّلاً ، ثمّ أُنكر إمامة بعض الأئمّةعليهم‌السلام في أقصى المراتب ، وكانوا يحترزون عن مُجالستهم والتكلّم معهم ، فضلاً عن أخذ الحديث عنهم ، بل كان تظاهرهم بالعداوة لهم أشدّ من تظاهرهم بها للعامّة....

( قال ) : فإذا قَبِل علماؤنا ـ سيّما المتأخّرون منهم ـ روايةً رواها رجلٌ مِن ثقات أصحابنا عن أحد هؤلاء ، وعوّلوا عليها ومالوا إليها وقالوا بصحّتها ، مع علمهم بحاله ، فقبولهم لها وقولهم بصحّتها لا بدّ من ابتنائه على وجهٍ صحيح لا يتطرّق به القدح إليهم ، ولا إلى ذلك الرجل الثقة الراوي عمّن هذا حاله ، كأنْ يكون سُماعه منه قبل عدوله عن الحق وقوله بالوقوف ، أو بعد توبته ورجوعه إلى الحق ، أو أنّ النقل إنّما وقَعَ من أصلِه الذي ألّفه واشتهر عنه قبل الوقف ، أو من كتابه الذي ألّفهُ بعد الوقف ، ولكنّه أخَذَ ذلك الكتاب عن شيوخ أصحابنا

ـــــــــــــــــــ

(١) وتوجد ترجمته في : خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر٣ : ٤٤٠ ـ ٤٤٥ .


الذين عليهم الاعتماد...) ثمّ ذكر أمثلة لذلك ، واستشهد بكلمات أعلام الطائفة (١) .

وأمّا مِن أئمّة السنيّة ، فقال النووي في ( شرح صحيح مسلم ) : ( فصلٌ ـ في حكم المختلط : إذا خَلَط الثقة ـ لاختلال ضبطه بخَرَفٍ أو هَرَمٍ أو لذهاب بصره أو نحو ذلك ـ قُبِل حديث مَن أخذ عنه قَبل الاختلاط ، ولا يُقبَل حديثُ مَن أخذ بعد الاختلاط ، أو شككنا في وقت أخذه ) ، ثمّ ذكَر بعض المُخَلِّطين... ثمّ قال : ( واعلم : أنّ ما كان من هذا القبيل محتجّاً به في الصحيحين ، فهو ممّا عُلِمَ أنّه أُخِذَ قَبل الاختلاط...)(٢) .

وعلى الجملة ، فقد عرفت أنّ رواية أصحابنا عن أبي الجارود كانت قبل ضلالته ، وأنّ المُعتبر في قَبول الرواية هو حال وقت الأداء... فسقط الطّعن في تفسير القمّي ، لكون أبي الجارود في أسانيده .

٢ ـ أبو الجارود من رجال الترمذي

ثمّ إنّ الطعن في ( أبي الجارود ) يُوجِب الطعن في ( صحيح الترمذي ) الذي هو أحَد الصحّاح الستّة عند القوم ، والذي قال مؤلّفه عنه ( مَن كان في بيته هذا الكتاب ، فكأنّما في بيته نبيٌّ يتكلّم )(٣) ، كما لا يخفى على مَن راجع كُتُب الرجال(٤) ، وإليك طرفاً مِن كلماتهم في ذمّه :

( قال ابن معين : كذّاب ، وقال النسائي : متروك ، وقال ابن حبّان : رافضي

ـــــــــــــــــــ

(١) مشرق الشمسين : ٧ ـ ٨ ط مع الحبل المتين له ـ حجري .

(٢) المنهاج ـ شرح صحيح مسلم بن الحجّاج ١: ٣٤ وانظر : تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي ٢: ٣٢٣ ـ ٣٣١.

(٣) تهذيب التهذيب ٩ : ٣٨٩ .

(٤) الكاشف عن أسماء رجال الكُتب الستّة ١ : ٢٨٧ رقم ١٧٢٤ ، تقريب التهذيب ١ : ٢٧٠.


يضع الحديث في المثالِب والفضائل ، وقال الحسين بن موسى النوبختي في كتاب مقالات الشيعة : قال الجاروديّة ـ وهُم أصحاب أبي الجارود زياد بن المنذر ـ : إنّ عليّاً أفضل الخَلْق بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتبرّؤا من أبي بكر وعُمَر ، وزعموا أنّ الإمامة مقصورة في وِلْد فاطمة ، وبعضُهم يرى الرجعة ويُحلّ المتعة ) (١) .

وقال الشهرستاني في( الملل والنحل ) : ( وأمّا أبو الجارود ، فكان يُسمّى سُرحوباً ، سمّاه بذلك أبو جعفر محمّد بن عليّ الباقررضي‌الله‌عنه ، وسُرحوب شيطانٌ أعمى يَسكن البحر )(٢) .

٣ ـ صحّح البيهقي روايته

وقد صحّح الحافظ البيهقي حديث أبي الجارود كما جاء في( السيرة الحلبيّة ) : ( قال ابن كثير في بعض الأحاديث الواردة أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سَمِع الأذان في السماء ليلة المعراج : هذا الحديث ليس كما زعم البيهقي : إنّه صحّح بل هو منكر ، تفرّد به زياد بن المنذر أبو الجارود الذي تُنسَب إليه الفرقة الجاروديّة ، وهو من المتّهمين )(٣) .

٤ ـ رواياته في تفسير شاهي

وقد وردت روايات أبي الجارود في ( تفسير شاهي ) ، كالرواية بتفسير

ـــــــــــــــــــ

(١) تهذيب المال ٩ : ٥١٧ ـ ٥٢٠ .

(٢) الملل والنحل ١ : ١٠٩ .

(٣) السيرة الحلبيّة ٢ : ٣٠٢ باب بدء الأذان ومشروعيّته .


قوله تعالى ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي... ) (١) ، نقلاً عن بعض التفاسير : ( في رواية أبي الجارود ، عن أبي جعفر رضي‌الله‌عنه ، في قوله تعالى : ( قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي... ) يعني نفسه ، ومَن تبعه عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه .

وهذا التفسير من التفاسير المشهورة المعروفة عند أهل السنّة ، وقد ذكره صاحب( التحفة ) وغيره في عِداد تفاسير أهل السنّة المُعتمدة .

٥ ـ رواياته في تفسير ابن شاهين

وللحافظ أبي حفص عُمَر بن أحمد بن شاهين تفسيرٌ كبير ، أكثَرَ فيه الرواية عن أبي الجارود في تفسير الآيات ، بل أورَد فيه كلّ تفسيره.....

وابن شاهين حافظٌ ، واعظٌ ، مفسّرٌ ، ثقةٌ ، صَدُوقٌ ، مُكثرٌ من الحديث... كما بتراجمه...(٢)

قال ابن حَجَر العسقلاني : ( عُمر بن أحمد ، بن عثمان ، بن أحمد ، بن محمّد ، بن أيّوب ، بن ازداد ، بن سراح ، الواعظ ، أبو حفص ابن شاهين وشاهين أحد أجداد جدّه لأُمّه ، ولد سنة ٢٩٧.... رَوى عنه : ابنه عبد الله ، وابن أبي الفوارس ، وهلال الحفّار ، والبرقاني ، والأزهري ، والخلال ، والتنوخي ، والعتيقي ، والجوهري وآخرون .

قال الخطيب : أنا أبو الحسن الهاشمي القاضي قال : قال لنا ابن شاهين : صنّفت ثلاثمِئة وثلاثين مصنّفاً ، منها : التفسير الكبير ألف جزء ، والمسند...

ـــــــــــــــــــ

(١) سورة يوسف : ١٠٨ .

(٢) مرآة الجنان ٢ : ٣٢٠ سنة ٣٨٥ ، الأنساب ـ الشاهيني ٣ : ٤١٢ .


قال : وسمِعت محمّد بن عُمر الداودي يقول : كان ابن شاهين شيخاً ثقة يشبه الشيوخ ، إلاّ أنّه كان لحّاناً ، وكان لا يعرف مِن الفقه قليلاً ولا كثيراً... قال الداودي : وقال لي الدار قطني يوماً : ما أعمى قلب ابن شاهين ! حَمَل إليّ كتابه الذي صنّفه في التفسير ، وسألني أنْ أُصلِح ما أجد فيه مِن الخطأ ، فرأيته وقد نقل تفسير أبي الجارود وفرّقه في الكتاب ، وجعله عن أبي الجارود ، عن زياد بن المنذر ، وإنّما هو عن أبي الجارود زياد بن المنذر .

وقال حمزة السهمي : سمعت الدار قطني يقول : ابن شاهين يُخطئ ويَلحُّ على الخطأ وهو ثقة )(١) .

من غرائب أوهام صاحب منتهى الكلام

ومِن غرائب أوهام صاحب كتاب منتهى الكلام أنّه لمّا كان ـ في كتابٍ آخر له ـ بصدد الطّعن في عليّ بن إبراهيم وتفسيره ، بسبب الرواية عن أبي الجارود فيه ، استند إلى كلام العلاّمة الحلّي في( خلاصة الأقوال ) وقوله فيه : ( أضرّ في وسط عمره ) ، فتوّهم أنّ هذه الكلمة جرحٌ مِن العلامة لأبي الجارود ، ولَم يفهم أنّ معنى الكلمة : كونه ضريراً ـ أي أعمى ـ في وسَط عمره... وهذا ليس بجرحٍ وقدح ، كما هو واضح .

وقد ذَكَر هذا الوصف بترجمة كثير مِن العلماء :

كحمّاد بن زيد ، أحد الأعلام ، المتوفّى سنة ١٧٩.

وأحمد بن يوسف الكواشي المفسّر الفقيه الشافعي ، المتوفّى سنة ٦٨٠ .

وابن كثير الدمشقي صاحب التاريخ والتفسير ، المتوفّى سنة ٧٧٤ .

ـــــــــــــــــــ

(١) لسان الميزان ٤ : ٣٢٧


وصف بعض الأعاظم بـ ( الشيطان )

وأمّا التشنيع على تفسير القمّي : بإخراج روايات مؤمن الطّاق فيه ، فتلكَ شكاةٌ ظاهرٌ عنك عارُها... فإنّ الإماميّة يفتخرون بالرواية عن هذه الشخصيّة العظيمة... كيف ؟ وقد ذكر الحافظ ابن حَجَر : أنّ الإمام الصادقعليه‌السلام كان يقدّمه ويثني عليه(١) .

وليس وصفه بـ ( الشيطان ) بضائره أبَداً... فلقد وُصِف غير واحدٍ مِن الأعلام بهذا الوصف...

فقد ذكروا بترجمة محمّد بن سعد بن أبي وقّاص : ( كان يلقّب ظلّ الشيطان لقصره )(٢) .

وبترجمة عمرو بن سعيد العاص : ( سُمِّي لطيمَ الشيطان )(٣) .

بل ذكر الراغب الأصفهاني في( محاضرات الأُدباء ) : انّه قد مرّ عُمَر بصبيانٍ ـ وفيهم عبد الله بن الزبير ـ فعدا الصبيان ووقف عبد الله بن الزبير ، فقال عُمَر : ولِم لم تذهب مع الصبيان ؟ فقال : يا أمير المؤمنين لم أجْنِ عليك فأخافك ، ولم يكن للطريق ضيق فأوسع عليك فقال : أيّ شيطانٍ يكون هذا ؟

ـــــــــــــــــــ

(١) لسان الميزان ٦ : ٣٧٩/ ضمن ( ٧٨٧٢ ) .

(٢) تقريب التهذيب ٢ : ١٦٣.

(٣) فوات الوفيّات ٣ : ١٦١.


قول بعض عرفائهم :

أشهد أنْ لا إله لكم إلاّ إبليس

وأيّ قُبحٍ في أنْ يُلقّب أحدٌ باسم الشيطان ، وهُم ينقلون عن بعض كِبار عرفائهم ما تقشعرّ منه الجلود ؟

لقد ذكر الشيخ العارف الكبير عبد الوهّاب الشعراني بترجمة أحد كبار عُرفائهم الأخيار ، أنّه جاء يوم الجمعة فسألوه الخطبة فقال : بسم الله ، فطَلَع المنبر ، وحَمِد الله وأثنى عليه ومجّده ، ثمّ قال : ( وأشهد أنْ لا إله لكم إلاّ إبليسعليه‌السلام ) .

فقال الناس : كَفَر .

فسلّ السيف ونزل ، فهرّ بالناس كلّهم .

فجلس عند المنبر إلى أذان العصر ، وما يجرؤ أحدٌ يدخل الجامع...(١) .

نقودٌ أُخرى لكلام الفيض آبادي

وبقيت نقاطٌ أُخرى ننبّه عليها :

أوّلاً : إنّ إسناد الروايات إلى أئمّة الهدىعليهم‌السلام في( تفسير القمّي ) لا يدلُّ بالضرورة على ثبوت صدور تلك الأخبار عنهم ، وإلاّ لزم أنْ يلتزم أهلُ السنّة بقطعيّة صُدور كلّ ما أُسند إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في كُتُبِهم... فلا صاحب( البحار ) ولا صاحب كتاب( الفوائد المدنيّة ) ولا غيرهما مِن علماء الإماميّة يرى صحّة جميع ما جاء في هذا التفسير .

ـــــــــــــــــــ

(١) لواقح الأنوار في طبقات الأخيار ـ ترجمة الشيخ محمّد الخضرمي .


وثانياً : دعوى أنّ ( عليّ بن إبراهيم القمّي ) مِن أصحاب الإمامعليه‌السلام لا دليلَ عليها في كُتب أصحابنا الإماميّة أصلاً .

وثالثاً : دعوى أنّ جُلّ روايات هذا التفسير عن أبي الجارود ، مخالفة للواقع ؛ إذْ أكثر رواياته هي عن غيره من الرواة ، كما لا يخفى على مَن لاحظه بالتفصيل .

ورابعاً : إنّه لا ملازمة بين فساد العقيدة والكذب في الحديث ، وكم من محدّثٍ تكلّموا في عقيدته ، ثُمّ نصّوا على كونه ثقةً في الرّواية...

وخامساً : انتساب كتاب( تذكرة الأئمّة ) غير ثابت .

وسادساً : دعوى أنّ السيخ المجلسي قد استدلّ أو استشهد بروايات تفسير أبي الجارود ، عُهدَتها على مُدّعيها .

وبعـد

فكأنّ هذا الرجل الذي يُحاول الطّعن في( تفسير القمّي ) وسنده ، في غفلةٍ عن حال كُتب أصحابه في التفسير ورواة أخبارها ، فإليكم بعض الكلام في ذلك ، تحت عنوان ( التفسير والمُفسّرون ) عند أهل السنّة :

مقدّمة

كلمات في ذمّ كتبهم التفسيريّة

رُوي عن أحمد بن حنبل كلمة موجزة في التفسير والمفسّرين عند القوم تدلّ على معنىً عظيم ، فقد جاء في( تذكرة الموضوعات ) :


( قال أحمد بن حنبل : ثلاث كُتُب ليس لها أُصول : المغازي ، والملاحم ، والتفسير ) (١) .

وقد ثَقُل هذا الكلام على القوم ، وجعلوا يذكرون له المحامل والتأويلات....

( قال الخطيب : هذا محمولٌ على كُتُبٍ مخصوصةٍ في هذه المعاني الثلاثة غير معتمدٍ عليها ؛ لعدم عدالة ناقليها وزيادة القصّاص فيها )(٢) .

لكنْ لا يخفى عدم صحّة هذا الحمل... على أنّ في كُتب الحديث أيضاً كُتباً غيرَ معتمدٍ عليها لعدم عدالة ناقليها ، فكان عليه أنْ يذكر كتب الحديث كذلك...

وقال السيوطي في( الإتقان ) ناقلاً عن ابن تيميّة في أقسام التفسير :

( وأمّا القسم الذي يُمكن معرفة الصحيح منه ، فهذا موجود كثيراً ولله

ـــــــــــــــــــ

(١) تذكرة الموضوعات : ٨٢ .

(٢) تذكرة الموضوعات : ٨٢ .


الحمد ، وإنْ قال الإمام أحمد : ثلاثةٌ ليس لها أصل : التفسير والملاحم والمغازي ؛ وذلك لأنّ الغالب عليها المراسيل ) (١) .

لكنْ إذا كان الغالب عليها المراسيل ، فما معنى حمد الله على وجودها ؟ !

وكون الغالب عليها المراسيل وجهٌ آخر مِن وجوه الطعن في تفاسيرهم...

لكنّ بعض الأئمّة يصرّحون بأنّ كُتب التفسير عندهم مشحونة بالموضوعات ، فقد قال المناوي في ( فيض القدير ) :

( اجتهدت في تهذيب عَزْوِ الأحاديث إلى مُخرجيها مْن أئمّة الحديث مِن الجوامع والسُنَن والمسانيد ، فلا أعزو إلى شيء منها إلاّ بعد التفتيش عن حاله وحال مُخرجه ، ولا أكتفي بعزوِه إلى مَن ليس مِن أهله وإنْ جلّ ، كعظماء المفسّرين ، قال ابن الكمال : كتب التفسير مشحونة بالأحاديث الموضوعة )(٢) .

بل لقد نصَّ المحدّث شاه ولي الله الدهلوي ، في تفسيره ( الفوز الكبير ) ، بأنّ الأخبار المطوَّلة المرويّة في كُتب التفسير في قصص الأنبياء السابقين ، كلّها منقولة عن علماء أهل الكتاب ، وفي البخاري مرفوعاً : لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم .

وقال شيخهم الأعظم ابن عربي ، في الباب الثاني والسبعين بعد الثلاثمائة ، من( الفتوحات المكيّة ) :

( وفيه علم تنزيه الأنبياء عمّا نَسَب إليهم المفسّرون من الطامّات ممّا لم يجيء في كتاب الله ، وهُم يزعمون أنّهم قد فسّروا كلام الله فيما أخبر به

ـــــــــــــــــــ

(١) الإتقان في علوم القرآن ٤: ٢٠٥.

(٢) فيض القدير في شرح الجامع الصغير ١ : ٢٠ .


عنهم ، نسألُ اللهَ العصمةَ في القول والعمَل ، فلقد جاؤوا في ذلك بأكبر الكبائر ، كمسألة إبراهيم الخليل عليه‌السلام وما نسبوا إليه من الشكّ ، وما نظروا في قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( نحن أولى بالشكّ مِن إبراهيم ، فإنّ إبراهيم ما شكّ في إحياء الموتى ، ولكنْ لمّا علم أنّ لإحياء الموتى وجوهاً مختلفة ، لم يدرِ بأيّ وجهٍ منها يكون إحياء الموتى ، وهو مجبول على طلب العلم ، فعيّن الله له وجهاً مِن تلك الوجوه حتّى سكّنَ الله قلبه ، فعَلِم كيف يُحيي الله الموتى ) .

وكذلك قصّة يوسف ولوط وموسى وداود ومحمّد ، على جميعهم أفضل الصّلاة والسّلام .

وكذلك ما نَسَبُوه في قصّة سليمانعليه‌السلام إلى المَلَكَين .

وكلّ ذلك نقلوه عن اليهود ، واستحلّوا عرض الأنبياء والملائكة بما ذكرته اليهود الذين جرحهم الله تعالى ، وملأوا كُتبهم في تفسير القرآن العزيز بذلك ، وما في ذلك نصٌّ في كتاب الله ولا في سنّة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والله يَعصمنا من غلطات الأفكار والأقوال والأفعال ) .

وأورد الشيخ عبد الوهّاب الشعراني كلام الشيخ ابن عربي المتقدّم ، حيث قال ما نصّه :

( قال الشيخ في الباب الثاني والسبعين وثلاثمائة من الفتوحات المكّيّة : يجب قطعاً تنزيه الأنبياء ممّا نسبه إليهم بعض المفسّرين من الطامّات ، ممّا لم يجيء في كتاب الله ولا سنّة صحيحة ، وهُم يزعمون أنّهم قد فسّروا قصصهم الّتي قصّها الله تعالى علينا .

وكذبوا والله في ذلك ، وجاؤوا فيه بأكبر الكبائر .

وذلك كمسألة إبراهيم الخليل على نبيّنا وعليه الصلاة والسلام ، وما نسبوه إليه مِن وقوع الشكّ بحسب ما يتبادر إلى الأذهان ، وما نظروا في قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( نحن أولى بالشكّ مِن إبراهيم ، وذلك أنّ إبراهيم عليه‌السلام لم يشكّ في إحياء الله تعالى الموتى ، معاذ الله أنْ يشكّ نبيٌّ في مثل ذلك ، وإنّما كان يعلم أنّ لإحياء الموتى طُرُقاً ووجوهاً متعدّدة ، لم يدرِ بأيّ وجهٍ منها يكون إحياء الله تعالى للموتى ، وهو مجبولٌ على طلب الزيادة مِن العِلم ، فعيّن الله تعالى وجهاً مِن تلك الوجوه فسكّن ما كان عنده ، وعَلِم حينئذٍ كيف يحيي الموتى ، فما كان السّؤال إلاّ عن معرفةِ الكيف لا غير ) .


وكذلك القول في قصّة سُليمان وما نسبوه إلى المَلَكين هاروت وماروت .

كلّ ذلك لم يرد في كتابٍ ولا سنّة ، وإنّما ذلك نُقِل عن اليهود ، فاستحلّوا أعراض الأنبياء والملائكة بما ذكروه لهم من جرحهم أنبياء الله تعالى ، وملأوا تفاسيرهم للقرآن مِن ذلك ، فالله يحفظنا وإخواننا مِن غَلَطَات الأفكار والأفعال والأقوال ، آمين ، إنتهى .

وأيضاً ، قال في الباب الرابع والخمسين ومئة : ينبغي للواعظ أنْ يراقب الله تعالى ، في أنبيائه وملائكته ويَستحي مِن الله عزّ وجلّ ، ويتجنّب الطامّات في وعظهِ ، كالقول في ذات الله بالفكر ، والكلام على مقامات الأنبياء عليهم الصّلاة والسلام مِن غير أنْ يكون وارثاً لهم ، فلا يتكلّم قطّ على زلاّتهم بحسب ما يتبادر إلى أذهان الناس بالقياس إلى غيرهم ؛ فإنّ الله تعالى قد أثنى على الأنبياء حُسن الثناء بعد أنْ اصطفاهم مِن جميع خلقه ، فكيف يستحلّ أعراضهم بما ذكره المؤرّخون عن اليهود .

قال : ثمّ إنّ الداهية العُظمى جَعْلُهم ذلك تفسيراً لكلام الله تعالى .

وفي تفسيرهم : قال المفسّرون في قصّة داود أنّه نظر إلى امرأة أُوريا فأعجبته ، فأرسله في غزاة لِيَموت فيأخذها .

وكقولهم في يوسف ـ على نبيّنا وعليه الصلاة والسلام ـ أنّه همّ بالمعصية ، وأنّ الأنبياء لم يُعصَموا عن مثل ذلك .

وكقولهم في قصّة لوط( .. لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ) العجز والبحر ونحو ذلك .

ويعتمدون على تأويلات فاسدة وأحاديث واهية ، نُقِلت عن قومٍ قالوا في الله ما قالوا مِن البهتان والزّور .


فمَن أورَد مثلَ ذلك في مَجلسه مِن الوعّاظ ، مَقَته الله والأنبياء والملائكة ؛ لكونِه جعَل دهليزاً ومهاداً لِمَن في قلبه زيغ يدخل منه إلى ارتكاب المعاصي ، ويحتجّ بما سمِعه منه في حقّ الأنبياء ويقول : إذا كان الأنبياء وقَعوا في مثل ذلك فمَن أكون أنا ، وحاشى الأنبياء كلّهم عن ذلك الذي فهمه هذا الواعظ ، فو الله ، لقد أفسد الواعظ الأُمّة ، وعليه وِزر كلّ مَن كان سَبَباً لاستهانته بما وقع فيه مِن المعاصي ، ولكنّه قد ورد أنّه لا تقوم السّاعة حتّى يصعد الشيطان على كرسي الوعظ ويَعِظ النّاس ، وهؤلاء من جنوده الذين يتقدّمونه )(١) .

ـــــــــــــــــــ

(١) اليواقيت والجواهر ٢ : ٢٣٢ ـ ٢٣٣ .


طبقة الصّحابة

وطبقات المفسّرين عند علمائهم المعتمدين سِت.

فالطبقة الأُولى : الخلفاء والصّحابة .

قال الحافظ جلال الدين السيوطي :

( النوع الثمانون ـ في طبقات المفسّرين :

اشتهر بالتفسير من الصحابة عشرة : الخلفاء الأربعة ، وابن مسعود ، وابن عبّاس ، وأُبَي بن كعب ، وزيد بن ثابت ، وأبو موسى الأشعري ، وعبد الله بن الزبير )(١) .

الخلفاء والتفسير

والظاهر أنّ إدخال الخلفاء الثلاثة في زُمرة المفسّرين من الصحابة ، ليس إلاّ مِن باب التأدّب تجاههم ، والتبرّك بأسمائهم ! لتصريحهم بِنُدرة رواية التفسير عن الثلاثة ، والنادر كالمعدوم ، ففي ( الإتقان ) مثلاً : ( فأمّا الخلفاءُ ، فأكثر من رُوي عنه منهم : عليّ بن أبي طالب ، والرواية عن الثلاثة نزرةٌ جدّاً ) ثمّ قال : ( ولا أحفظ عن أبي بكر في التفسير إلاّ آثاراً قليلة جدّاً ، لا تكاد تتجاوز العشرة )(٢) .

هذا ، وسيأتي عن بعضهم التصريح بقلّة الرواية في التفسير عن

ـــــــــــــــــــ

(١) الإتقان في علوم القرآن ٤ : ٢٣٣ .

(٢) الإتقان في علوم القرآن ٤ : ٢٣٣


أميرِ المؤمنين أيضاً ، حتّى كادت تكون معدومة عندهم ، وإذا كان هذا حال الروايات عن ( أكثر من رُوي عنه منهم ) فما ظنّك بروايات البقيّة ؟

والسبب في قلّة رواية التفسير عن الثلاثة : جهلهم بذلك ، وعدم تعلّم شيء منه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جاء ذلك في ( صحيح البخاري ) عن أبي هُريرة ، فإنّه قال في مقام تبرئة نفسه عن الكذب على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

( إنّ إخواننا مِن المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق ، وإنّ إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم ، وإنّ أبا هُريرة كان يلزم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بشبع بطنه ، ويحضر ما لا يحضرون ، ويحفظ ما لا يحفظون )(١) .

وقد أسمَع ذلك أُبي بن كعب عمر ، حينما اعترض عليه في بعض الآيات ، فاعترف عُمَر بن الخطّاب بجهله واعتذر إليه :

في ( كنز العمّال ) : ( عن ابن جريج عن عمرو بن دينار قال : سمِعت بجالة التميمي قال : وجد عُمَر بن الخطّاب مُصحفاً في حجر غلام فيه : النبيّ أولى بالمؤمنين مِن أنفسهم ، وهو أبوهم فقال : اُحككها يا غلام فقال : والله لا أحكّها وهي في مصحف أُبي بن كعب ، فانطلقوا إلى أُبي ، فقال له أُبي : شغلني القرآن وشغَلَك الصفق بالأسواق ، إذ تعرض رداءك على عنقك بباب ابن العجماء )(٢) .

وفي ( كنز العمّال ) أيضاً : ( عن الحسن : إنّ عُمَر بن الخطّاب ردّ على أُبي

ـــــــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري ١ : ٤٠ كتاب العلم ، باب حفظ العلم .

(٢) كنز العمّال ١٣ : ٢٥٩/ ٣٦٧٦٣


ابن كعب قراءة آيةٍ ، فقال له أُبي : لقد سمعتها من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنتَ يلهيك ـ يا عُمر ـ الصفق بالبقيع فقال عمر : صدَقت ) (١) .

بل لقد اعترف بذلك عُمر نفسه في بعض الموارد ، كالحديث في ( البخاري ) ، في قضيّة خبر أبي موسى في حكم الاستيذان وشهادة أبي سعيد الخدري له ، قال عُمر : ( خفِي عليَّ هذا مِن أمر النبيّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ألهاني الصفق بالأسواق )(٢) .

وفي ( حياة الحيوان ) : ( كان أبو بكر الصدّيق بزّازاً ، وكذلك عثمان وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وكان عُمر دلاّلاً يسعى بين البائع والمشتري )(٣) .

وأمّا عليّعليه‌السلام ، فإنّه وإنْ نصّ السيوطي على أنّه أكثر مَن رُوي عنه التفسير من الخلفاء ، لكنّ بعض المتعصّبين منهم ينفي ذلك ، ويحمله على الأكثريّة الإضافيّة ، ألا ترى المتكلّمين منهم ـ حينما يُريدون الردّ على استدلال أهل الحقّ على أعلميّة الإمام بالقرآن والتفسير ، بانتشار هذا العلم عنه بين المسلمين ـ يُبادرون إلى القول بأنّ ما رُوي عن عليّ ليس إلاّ أخباراً آحاداً ، حتّى أنّ ابن تيميّة يقول بأنّ رواية ابن عبّاس في التفسير عن عليّ ( قليلةٌ جدّاً ، ولم يخرج أصحاب الصحيح شيئاً مِن حديثه عن عليّ )(٤) ويقول : ( وما يُعرف بأيدي المسلمين تفسيرٌ ثابتٌ عن عليّ )(٥) .

بل لقد قال غير واحدٍ منهم : بأنّ كلّ ما رُوي عنهعليه‌السلام فهو مكذوبٌ عليه :

ـــــــــــــــــــ

(١) كنز العمّال ١٣ : ٢٦١/ ٣٦٧٦٦ .

(٢) صحيح البخاري ٣ : ٧٢ كتاب البيوع ، باب الخروج في التجارة .

(٣) حياة الحيوان ١ : ٢٧٥ ( الجزور ) .

(٤) منهاج السنّة ٤ : ٢٤٢ .

(٥) منهاج السنّة ٤ : ٢٤٢ .


قال الذهبي في ( ميزان الاعتدال ) : ( حصين ، عن الشعبي : ما كُذِب على أحدٍ مِن هذهِ الأُمّة ما كُذِب على عليٍّرضي‌الله‌عنه . وقال أيّوب : كان ابن سيرين يَرى أنّ عامّة ما يُروى عن عليٍّ باطل )(١) .

وفي ( البخاري ) : ( وكان ابن سيرين يرى أنّ عامّة ما يُروى عن عليّ الكذب )(٢) .

وعلى هذا... فلِنعطف عنان البحث والكلام نحو سائر الصحابة الأعلام ، الذين ذكرهم السيوطي في الطبقة الأُولى :

ـــــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال ١ : ٤٣٦/ ١٦٢٧ .

(٢) صحيح البخاري ٥ : ٢٤ باب مناقب المهاجرين ـ باب مناقب عليّ بن أبي طالب القرشي الهاشمي أبي الحسنرضي‌الله‌عنه .


عبد الله بن مسعود

فأمّا ابن مسعود ، فهذا ما رَووه أو ذكروه في كُتُبِهم ، ممّا هو مِن القوادح على أُصولهم ، فيه وفي مُصحَفِه ، وما أخرجوا عنه في التفسير .

بين عثمان وابن مسعود

إنّ من ضروريّات التاريخ أنّ عُثمان بن عفّان قد أحرق مصحف ابن مسعود ، فقال علماؤهم دفاعاً عنه وتبريراً لِما فعل :

( إنّه لو بَقيَ مصحفه في أيدي الناس ، لأدّى ذلك إلى فتنةٍ كبيرةٍ في الدين ) ، ثمّ علّلوا ذلك بقولهم : ( كثرة ما فيه مِن الشذوذ المنكرة عند أهل العلم بالقرآن )(١) .

وقال الراغب الإصفهاني في( المحاضرات ) :

( أثبت ابن مسعود في مصحفه : ولو كان لابن آدم واديان مِن ذهب لابتغى إليهما ثالثاً ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التراب ، ويتوب الله على مَن تاب )(٢) .

ـــــــــــــــــــ

(١) تاريخ الخميس ٢ : ٢٧٣ وغيرهما .

(٢) محاضرات الأُدباء ٤ : ٤٣٤ .


وقال :

 ( أثبت ابن مسعود بسم الله في سورة البراءة )(١) .

ومن المعلوم الواضح لدى كلّ أحدٍ : أنّ مَن أدرج في القرآن أدعية القنوت وغيرها ممّا ليس من القرآن ، وكان قرآنه يشتمل على الشذوذ المنكرة عند أهل العلم بالقرآن ، بحيث لو بقي في أيدي الناس لأدّى إلى فتنةٍ كبيرةٍ في الدين ، ولانجرَّ إلى قبائحٍ كثيرةٍ ، وصار المسلمون مختلفين في كتابهم كاختلاف اليهود والنصارى في كتابهم ، ولم يرفع اليد عن كلّ ذلك إلاّ بالسبّ والشتم... كان من المقدوحين والمجروحين...

بل المُستفاد من تتبّع كلمات القوم في المقام أنْ ليس لابن مسعود على أُصولهم من الإيمان والإسلام نصيب ، فضلاً عن الجلالة والسيادة والفضل والسعادة ؛ لأنّه كان مِن المُخالفين لعثمان والمنكرين عليه ، حتّى أنّه كان يدعو عليه على رؤوس الأشهاد :

قال الحلَبي في( السيرة ) :

( وكان الوليد شاعراً ظريفاً شجاعاً كريماً ، يشرب الخمر كلّ ليلة من أوّل الليل إلى الفجر ، فلمّا أذّن المؤذّن لصلاة الفجر ، خرج إلى المسجد وصلّى بأهل الكوفة الصبح أربع ركَعَات ، وصار يقول في ركوعه وسجوده : اشرب واسقني ، ثمّ قاءَ في المحراب ، ثمّ سلّم وقال : هل أزيدكم ؟

فقال له ابن مسعود : لا زادك الله خيراً ولا مَن بعثك إلينا )(٢) .

هذا، وقد نصّ صاحب( التحفة ) على أنْ مَن يطعن في الصهرين ـ يعني : عليّاً وعثمان ـ فهو ليس من أهل الإيمان .

ـــــــــــــــــــ

(١) محاضرات الأُدباء ٤ : ٤٣٤ .

(٢) إنسان العيون = السيرة الحلبيّة ٢ : ٢٨٤ ، وفيه : شرب الخمر ليلةً...


وقال ابن حَجَر في( الصواعق ) في مطاعن عثمان :

( ومنها : أنّه حَبَس عطاء ابن مسعود وأُبَي بن كعب ، ونَفَى أبا ذر إلى الربَذَة ، وأشخص عبادة بن الصّلت مِن الشام إلى المدينة لمّا اشتكاه معاوية ، وهَجَر ابن مسعود ، وقال لابن عوف : إنّك منافق ، وضرب عمّار بن ياسر ، وانتهك حُرمة كعب بن عجرة ، فضربه عشرين سوطاً ونفاه إلى بعض الجبال ، وكذلك حرمة الأشتر النخعي .

وجواب ذلك : أمّا حبْسه لعطاءِ ابن مسعود وهجره له ، فلِما بلغه ممّا يُوجب ذلك ، إلقاءً [إبقاءً] لأُبّهة الولاية )(١) .

فكان قد وقَع مِن ابن مسعود ما استحقّ به حبْس العطاء والهجر ، بل يظهر مِن ذلك أنّه ما كان يعتقد بولاية عثمان وخلافته ، فلو كان يعتقد لَمَا ألقى أُبّهتها !

وقال الفخر الرازي في( نهاية العقول ) :

( قوله : سادساً : ضرب ابن مسعود وعمّاراً وسيّر أبا ذر إلى الربَذَة .

قلنا : كما فعل ذلك ، فقد قيل عن هؤلاء أنّهم أقدموا على أفعالٍ استوجبوا ذلك )(٢) .

ومن الضروري : إنّ الأفعال المستوجبة لضرب أعيان الصحابة وهتك عدولهم ، ليست إلاّ الكبائر المُوبقة والمعاصي المهلكة...


مشكلة الفاتحة والمعوّذتين وطُرق حلّها

ثمّ إنّ ابن مسعود كان لا يرى الفاتحة والمعوّذتين قرآناً ، وهذا ممّا يحزّ في قلوب القوم ، ويجعلهم يضطربون في حلّه .

قال الراغب في فصل بيان ما ادّعي أنّه من القرآن ممّا ليس في المُصحف ، وما ادّعي أنّه ليس منه وهو فيه :

( وأسقط ابن مسعود من مصحفه أُمّ القرآن والمعوّذتين )(١) .

وفي( المسند ) : ( عن عبد الرحمان بن يزيد قال : كان عبد الله يحكّ المعوّذتين مِن مصاحفه ويقول : إنّهما ليستا مِن كتاب الله تبارك وتعالى )(٢) .

وفي( الدرّ المنثور ) : ( أخرج عبد بن حميد ومحمّد بن نصر المروزي في كتاب الصّلاة ، وابن الأنباري في المصاحف ، عن محمّد بن سيرين : إنّ أُبي ابن كعب كان يكتب فاتحة الكتاب والمعوّذتين ، واللّهمّ إيّاك نعبد ، واللّهمّ إنّا نستعينك ، ولم يكتب ابن مسعود شيئاً منهنَّ ، وكتب عثمان بن عفّان فاتحة الكتاب والمعوّذتين )(٣) .

وفي (الدرّ المنثور) أيضاً : ( أخرج عبد بن حميد عن إبراهيم قال : كان عبد الله لا يكتب فاتحة الكتاب في المصحف وقال : لو كتبتها لكتبت في أوّل كلّ شيء )(٤) .

وفي ( تاريخ الخميس ) بعد العبارة المنقولة آنفاً : ( ولحذفه المعوّذتين من

ـــــــــــــــــــ

(١) محاضرات الأُدباء ٤ : ٤٣٤ .

(٢) مسند أحمد بن حنبل ٦ : ١٥٤/ ٢٠٦٨٣ .

(٣) الدرّ المنثور ١ : ١٠. وفيه : إيّاك نستعين ، بدل : اللهمّ إنّا نستعينك .

(٤) الدرّ المنثور ١ : ١٠ .


مصحفه ، مع الشهرة عند الصحابة أنّهما من القرآن ) (١) .

هذا ، وقد قالوا بأنّ إنكار الفاتحة والمعوّذتين كُفر ، فقد جاء في( الإتقان ) :

( قال النووي في شرح المهذّب : أجمَع المسلمون على أنّ المعوّذتين والفاتحة مِن القرآن ، وأنّ مَن جَحَد منها شيئاً كَفَر )(٣) .

وإذا كان ( مَن أنكر شيئاً منها كَفَر ) فقد أنكر ابن مسعود كلّها !!

ومن هنا وقعوا في المشكلة :

قال السيوطي في ( الإتقان ) : ( مِن المشكل على هذا الأصل : ما ذكره الإمام فخر الدين الرازي قال : نُقِل في بعض الكتب القديمة ، أنّ ابن مسعود كان ينكر كون سورة الفاتحة والمعوّذتين من القرآن ، وهو في غاية الصعوبة ؛ لأنّا إنْ قلنا : إنّ النقل المتواتر كان حاصلاً في عصر الصحابة بكون ذلك من القرآن ، فإنكاره يُوجب الكفر ، وإنْ قلنا : لم يكن حاصلاً في ذلك الزمان ، فيلزم أنْ [يكون] القرآن ، ليس بمتواتر في الأصل )(٣) .

وتحيّروا كيف يَخرجون مِن هذهِ العويصة :

١ ـ تكذيب الأخبار

قال في ( الإتقان ) نقلاً عن الرازي بعد ما تقدّم : ( والأغلب على الظنّ أنّ نقل هذا المذهب عن ابن مسعود نقلٌ باطل ، وبهِ يحصل الخلاص عن هذه

ـــــــــــــــــــ

(١) تاريخ الخميس ٢ : ٢٧٣ .

(٢) الإتقان في علوم القرآن ١ : ٢٧١ .

(٣) الإتقان في علوم القرآن ١ : ٢٧٠ ـ ٢٧١ .


العقدة ) (١) .

وهكذا أجاب القاضي أبو بكر والنووي وابن حزم... وزعموا أنّ به يحصل الخلاص عن هذه العقدة ، ولكنْ لات حين مناص ، فقد تعقّب المحقّقون ذلك وتتبّعوا الأخبار به ، ووجدوها صحيحةً ، ولا مَجال لتكذيب الأخبار الصحيحة أبداً..

ففي ( الإتقان ) : ( قال ابن حَجَر في شرح البخاري : قد صحّ عن ابن مسعود إنكار ذلك ، فأخرج أحمد وابن حبّان عنه أنّه كان لا يكتب المعوّذتين في مصحفه وأخرج عبد الله بن أحمد في زيادات المسند ، والطبراني وابن مردويه من طريق الأعمش ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي قال : كان ابن مسعود يحكّ المعوّذتين من مصاحفه ويقول : إنّهما ليستا من كتاب الله .

وأخرج البزّار والطبراني مِن وجه آخر عنه أنّه كان يحكّ المعوّذتين من المصحف ويقول : إنّما أمر النبيّ أن يتعوّذ بهما ، وكان [عبدالله] لا يقرأ بهما .

أسانيدها صحيحة .

قال البزّاز : لم يُتابع ابن مسعود على ذلك أحد من الصحابة وقد صحّ أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قرأ بهما في الصّلاة .

قال ابن حجَر : فقول مَن قال إنّه كذبٌ عليه ، مردود ، والطعن في الروايات الصحيحة بغير مستند لا يُقبل ، بل الروايات صحيحة )(٢) .

فهذا الطريق ـ طريقُ الطعن في هذهِ الروايات ـ لا يفيد .

ـــــــــــــــــــ

(١) الإتقان في علوم القرآن ١ : ٢٧١ .

(٢) الإتقان في علوم القرآن ١ : ٢٧١ ـ ٢٧٢ .


٢ ـ الإبهام

ومنهم مَن سلَك طريقَ الإبهام ، فوضَع بدل كلمة حكّ ابن مسعود وإنكاره الفاتحة والمعوّذتين ، كلمة ( كذا وكذا ) وتخيّل أنّه بذلك يُمكن إخفاء الحقيقة والخروج عن العقدة ، وقد جاء ذلك في ( صحيح البخاري ) حيث قال :

( حدّثنا عليّ بن عبد الله ، حدّثنا سُفيان ، حدّثنا عبدة بن أبي لُبابة ، عن زر ابن حبيش ، وحدّثنا عاصم عن زر قال : سألت أُبيّ بن كعب : يا أبا المنذر ، إنّ أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا ، فقال أُبّي : سألت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال لي :( قل ) ، فقلت : [قال] فنحن نقول كما قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )(١) .

على أنّ في هذا النقل مزيداً مِن الطعن والجرح على ابن مسعود...

وقال ابن حجر في ( فتح الباري ) :

( هكذا وقع هذا اللّفظ مُبهماً ، وكأنّ بعض الرواة أبهمه استعظاماً ، وأظنّ ذلك مِن سفيان ، فإنّ الإسماعيلي أخرجه مِن طريق عبد الجبّار بن العلاء ، عن سُفيان كذلك على الإبهام ، وكنت أظنّ أوّلاً أنّ الذي أبهمه البخاري... )(٢) .

٣ ـ التأويل والحمل

ومنهم مَن سلَك طريق التأويل للأخبار المنقولة عن ابن مسعود :

ـــــــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري ٦ : ٢٢٣ كتاب التفسير ـ سورة قل أعوذ بربّ الناس .

(٢) فتح الباري في شرح صحيح البخاري ٨ : ٦٠٣


قال ابن حجَر في ( فتح الباري ) :

( وقد تأوّل القاضي أبو بكر الباقلاّني في كتاب الانتصار ، وتبعه عياض وغيره ما حكي عن ابن مسعود فقال : لم ينكر ابن مسعود كونهما من القرآن ، وإنّما أنكر إثباتهما في المُصحف ، فإنّه كان يرى أنْ لا يكتب في المصحف شيئاً ، إلاّ إنْ كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أذِن في كتابته فيه ، وكأنّه لم يبلغه الإذن في ذلك قال : فهذا تأويلٌ منه وليس جحداً لكونهما قرآناً وهو تأويل حسن ) .

لكنّه تأويلٌ عجيب وتوجيهٌ غريب ، فأيّ مانعٍ مِن درْج ما هو قرآن في القرآن حتّى لا يجوّز ابن مسعود ذلك ، ويهتمّ بمحوه من المصحف ؟ إنّ مثل هذا التأويل غيرُ مُجدٍ للدفاع عن حرمة ابن مسعود والمحافظة على مقامه...

إنّ هذا التأويل لا يُمكن قبوله أصلاً ، ولذا قال ابن حَجَر بعد العبارة المتقدّمة :

( إلاّ أنّ الرواية الصريحة التي ذكرتها تدفع ذلك حيث جاء فيها : ويقول : إنّهما ليستا مِن كتاب الله ) إلاّ أنّه حاول التأويل لهذه الرواية فقال :

( نعم ، يُمكن حمل لفظ ( كتاب الله ) على ( المُصحف ) فيتمّ التأويل المذكور وقال غير القاضي : لم يكن اختلاف ابن مسعود مع غيره في قرآنيّتهما ، وإنّما كان في صفة من صفاتهما ، انتهى .

وغاية ما في هذا أنّه أبهم ما بيّنه القاضي )(١) .

لكنّ هذا التأويل باطل أيضاً ، إذ لا يساعده لفظ الرواية عند البزّار والطبراني التي أوردها ابن حجر أيضاً ، فإنّها صريحة في أنّ ابن مسعود كان

ـــــــــــــــــــ

(١) فتح الباري في شرح صحيح البخاري ٨ : ٦٠٤ .


يقول بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنّما عوّذ بالمعوّذتين ، ولم يكن يقرأ بهما ، وهذا يدلّ بكلّ وضوح على أنّ ابن مسعود ما كان يرى المعوّذتين قرآناً ، اللّهمّ إلاّ أنْ يزعموا أنّ عدم القراءة بالمعوّذتين لا يثبت عدم كونهما قرآناً ، وحينئذٍ ، فما هو الكلام المعبّر عن ذلك ؟

ومِن هنا نرى أنّ بعض المتكلّمين منهم لمّا لم يتمكّنوا مِن توجيه رأي ابن مسعود ، ولا مِن إنكار ما لاقاه مِن عثمان ، اضطرّ إلى هتك حرمة ابن مسعود وتوهينه... ولم يتعرّض لشيء مِن هذه التأويلات...

وكيف يُمكن تأويل ما اُخرج في ( المسند ) من أنّه ( لقد كان ابن مسعود يرى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعوّذ بهما الحسن والحسين ، ولم يسمعه يقرؤهما في شيء مِن صلواته ، فظنّ أنّهما معوّذتان ، وأصرَّ على ظنّه ، وبالغ في إنكار كونهما من القرآن )(١) ؟

ولذا نرى الحافظ ابن حجَر يتراجع عن كلّ التأويلات ، وقد قال في آخر كلامه السّابق :

( ومَن تأمَّل سياق الطُرق التي أوردتُها للحديث ، استبعَد هذا الجمع ) .

واختار بالآخرة الحمل على عدم تواتر المعوّذتين عند ابن مسعود ، قال :

( قد قال ابن الصبّاغ في الكلام على مانعي الزكاة : وإنّما قاتلهم أبو بكر على منع الزكاة ، ولم يقل إنّهم كفروا بذلك ، وإنّما لم يكفروا ؛ لأنّ الإجماع لم يكن استقر ، قال : ونحن الآن نكفّر مَن جحدها ، وكذلك ما نُقل عن ابن مسعود في المعوّذتين ، يعني : إنّه لم يثبت عنده القطع بذلك ، ثمّ حصل الاتفاق بعد ذلك .

ـــــــــــــــــــ

(١) مسند أحمد بن حنبل ٦: ١٥٤/ ٢٠٦٨٤ .


وقد استشكل هذا الموضع الفخر الرازي فقال : إنْ قلنا : إنّ كونهما مِن القرآن كان متواتراً في عصرِ ابن مسعود ، لزِم تكفير مَن أنكرهما ، وإنْ قلنا : إنّه لم يكن متواتراً ، لزِم أنّ بعض القرآن لم يتواتر قال : وهذه عقدةٌ صعبة .

وأُجيب : باحتمال أنّه كان متواتراً في عصر ابن مسعود ، ولكنْ لم يتواتر عند ابن مسعود ، فانحلّت العقدة بعون الله تعالى )(١) .

إلاّ أنّ هذا الحمل أضعف وأفسد من الكلّ ، وذلك :

أوّلاً : إنّه يُنافي ما رواه القوم ـ كما في ( الاستيعاب ) وغيره ـ مِن أنّ ابن مسعود حضَر العرض الأخير للقرآن الكريم ، وعَلِم ما نُسِخ منه وما بُدّل ، وهذا نصّ ما رواه ابن عبد البر حيث قال :

( روى وكيع وجماعة معه ، عن الأعمش ، عن أبي ظبيان قال : قال لي عبد الله بن عبّاس : أيّ القراءتين تقرأ ؟ قلت : القراءة الأُولى قراءة ابن أُمّ عبد فقال لي : بل هي الآخرة ، إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يعرض القرآن على جبرئيل في كلّ عام مرّةً ، فلمّا كان العام الذي قبض فيه ، عرضه عليه مرّتين ، فحضر ذلك عبد الله ، فعلِم ما نُسِخ مِن ذلك وما بُدّل )(٢) .

وهل من الجائز أن يقال بأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يعرض الموّذتين ، وجبريل أيضاً لم ينبّهه على ذلك ؟!

وثانياً : إذا كان تواتر المعوّذتين ثابتاً عند الصّحابة وغير ثابت عند ابن مسعود فقط ، نقول : إنْ كان سائر الصحابة قد أخبروه بكون المعوّذتين مِن القرآن فلم يقبل منهم ولم يصدّقهم ، أو لم يثبت بخبرهم تواترهما عنده ، لزم

ـــــــــــــــــــ

(١) فتح الباري في شرح صحيح البخاري ٨ : ٦٠٤ .

(٢) الاستيعاب في معرفة الأصحاب ٣ : ٩٩٢/ ١٦٥٩ .


فسق الصّحابة ، بل دلّ ذلك على كونِهم أسوَء حالاً من الكُفّار والفسّاق ؛ لأنّ التواتر يحصل بإخبار الكفّار أيضاً كما بُيِّنَ في محلّه وإنْ كان سائر الصّحابة لم يخبروه بكون المعوّذتين قرآناً ، مع علمهم بأنّه كان يحكّهما مِن المصاحف ـ كما في ( المسند ) : ( عن زر قال : قلت لأُبَي : إنّ أخاك يحكّهما مِن المصحف )، وكما في ( الرياض النضرة ) في مطاعن عثمان : ( وأمّا الخامسة عشر ، وهي إحراق مصحف ابن مسعود ، فليس ذلك ممّا يُعتذر عنه ، بل هو من أكبر المصالح ، فإنّه لو بقيَ في أيدي الناس أدّى ذلك إلى فتنةٍ كبيرةٍ في الدين ؛ لكثرة ما فيه من الشذوذ المنكرة عند أهل العلم بالقرآن ، ولحذفِهِ المعوّذتين من مُصحفه مع الشهرة عند الصحابة أنّهما من القرآن وقال عثمان لمّا عُوتب في ذلك : خشيت الفتنة في القرآن ) (١) ـ فالصّحابة ـ وعلى رأسهم عثمان ـ كلّهم فسّاق!!

وبعد ، فإذا كان ابن مسعود مُنكِراً للمعوّذتين ، فإنّ جميع ما يُشنِّع به المخالفون على أهل الحق ـ لوجود بعض الأخبار الظاهرة في تحريف القرآن ـ القابلة للحمل على المحامل الصحيحة في كُتبِنا ـ يتوجّه على ابن مسعود بالأولويّة القطعيّة ؛ فإنّه ينكر بصراحة سورتين كاملتين ، بل ثلاث سور ، هي المعوّذتان وأُمّ الكتاب ، وهو في نفس الوقت من أعلام الصحابة وأجلاّئهم ، ومن أئمّة القرآن والتفسير وأكابرهم !! بل هو محكومٌ عليه بالكُفر والخروج عن زمرة المسلمين ، وقد جاء في كتاب ( فصول الأحكام ) لعِماد الدين حفيد بُرهان الدين صاحب الهداية(٢) :

ـــــــــــــــــــ

(١) الرياض النضرة في مناقب العشرة ٣ : ٩٩.

(٢) المعروف بكتاب ( فصول العمادي ) كما في ( كشف الظنون ٢ : ١٢٧٠ ) وهو في فروع الحنفيّة وصاحب الهداية هو : برهان الدين المرغيناني المتوفّى سنة ٥٩٣


 ( وبعض المشايخ على أنّه ـ أي مَن زعَم أنّ المعوّذتين ليسَتَا من القرآن ـ يكفر وحكى عن خاله ، الإمام جلال الدين أنّه قد ذكر في آخر تفسير أبي اللّيث حديثاً : مَن زعَم أنّ المعوّذتين ليسَتَا من القرآن فأولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ومثل هذا الوعيد إنّما ورد في حقّ الكفّار دون المؤمنين ) .

وتَلَخّص :

سقوط جميع التأويلات ، وبقاء العقدة العويصة على حالها .

فهذا حال ابن مسعود عند القوم على أُصولهم .

ولعلَّ هذا هو السبب في توقّف عبد الله بن عُمر عن قبول خبر ابن مسعود عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كما في ( صحيح مسلم ) :

( عن أبي رافع ، عن عبد الله بن مسعود : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( ما من نبيٍّ بعَثَه الله في اُمةٍ قبلي ، إلاّ كان له من أُمّته حواريّون وأصحاب ، يأخذون بسنّته ويقتدون بأمره ، ثمّ إنّها تخلف من بعدهم خُلُوف يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون مال لا يُؤمرون ، فمَن جاهدهم بيده فهو مؤمن... وليس وراء ذلك مِن الإيمان حبّة خردل ) .

قال أبو رافع : فحدّثت عبد الله بن عمر ، فأنكره عليَّ ، فقدم ابن مسعود فنزل بقناةٍ ، فاستتبَعَني إليه عبد الله بن عمر يعوده ، فانطلقتُ معه ، فلمّا جلسنا سألتُ ابن مسعود عن هذا الحديث ، فحدّثنيه كما حدّثت ابن عمر ).


عبد الله بن العبّاس

وأمّا الحبر الجليل والمفسّر النبيل عبد الله بن العبّاس ، الذين لقّبوه بـ ( ترجمان القرآن ) ، وقالوا بأنّه عَلِم تأويل القرآن بدعاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كما قال ابن القيّم في ( زاد المعاد ) في الاستدلال على أنّ الخُلْع ليس بطلاق بقوله تعالى :( الطَّلاقُ مَرَّتَانِ... ) الآية : ( وهذا فهْم ترجمان القرآن، الذي دعا له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنْ يعلّمه الله تأويل القرآن، وهي دعوة مُستجابة بلا شك )(١) .

قوله بالمتعة وهي عند جمهورهم حرام

فهو ـ بمقتضى هفَواتهم الشنيعة وخُرافاتهم القبيحة ـ من المجوّزين للحرام ؛ لأنّه كان يقول بحلّيّة المتعة وهي عندهم من السفاح الزنا ، فاستحقّ بذلك أشدّ التشنيعات واتّصف بأقبح العيوب .

هذا ، مضافاً إلى روايتهم في الصحيح ـ وهي مكذوبة يقيناً ـ عن أمير المؤمنينعليه‌السلام أنّه قد زَجَره عن هذا القول ، وحكَم عليه بأنّه رجلٌ تائه(٢) .

ـــــــــــــــــــ

(١) زاد المعاد في هدي خير العباد ٤ : ٣٧ .

(٢) صحيح مسلم ٢ : ١٠٢٧/ ١٤٠٧ كتاب النكاح الباب٣ ، المعجم الأوسط للطبراني ٣ : ١٢٧/ ٢٢٦٥، سنن البيهقي ٧ : ٢٠١ كتاب النكاح ، باب نكاح المتعة ، الناسخ والمنسوخ للنحّاس : ٩٩ .


وعن عبد الله بن الزبير أنّه وصَفَه بالفاجر ، كما روى القاري في ( المرقاة ) :( عن عروة بن الزبير : إنّ عبد الله بن الزبير قام بمكّة فقال : إنّ أُناساً أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يُفتون بالمتعة ، ـ يُعرِّض برجل ـ فناداه فقال : إنّك لَجِلْف جاف ، فلعمري لقد كانت المتعة تُفعَل في عهد إمام المتقين ـ يُريد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ فقال له ابن الزبير : فجرت بنفسك ، فو الله لئن فعلتها لأرجمنَّك بأحجارك. الحديث. رواه النسائي.

ولا تردّد في أنّ ابن عبّاس هو الرجل المُعرَّض به وكان قد كفّ بصَرُه ، فلذا قال ابن الزبير : كما أعمى أبصارهم ، وهذا إنّما كان في حال خلافة ابن الزبير ، وذلك بعد وفاة عليّ ، وقد ثبت أنّه كان مستمرّ القول على جوازها) (١) .

قوله برؤية النبي ربّه

وأيضاً ، فإنّ ابن عبّاس ـ بحسب روايات القوم المكذوبة عليه قطعاً ـ كان من المفترين على الله والرسول ؛ إذ كان يقول بأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد رأى الله ـ سبحانه وتعالى عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً ـ كما جاء في ( صحيح الترمذي ) :

( عن عكرمة عن ابن عبّاس قال : رأى محمّدٌصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ربّه قلت : أليس الله يقول :( لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ... ) ؟ قال : ويحك ، ذاك إذا تجلّى بنورِه الذي هو نورُه ، وقد رأى محمّدٌ ربّه مرّتين هذا حديث حسن غريب )(٢) .

ـــــــــــــــــــ

(١) المرقاة في شرح المشكاة ٦ : ٣١٨/ ٣١٥٨ كتاب النكاح الباب ٣ .

(٢) صحيح الترمذي ٥ : ٣٩٥/ ٣٢٧٩ كتاب تفسير القرآن ، الباب ٥٤ .


بل إنّه كان يُبالغ في هذا الاعتقاد ويصرّ عليه ، حتّى أنّه لمّا سُئل عنه مرّةً جعل يكرّر ذلك ويُؤكّده ، ففي ( عيون الأثر ) : ( في تفسير النقّاش : عن ابن عبّاس أنّه سُئل : هل رأى محمّدٌ ـصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ ربّه ؟ فقال : رآه رآه رآه ، حتّى انقطع صوته )(١) .

إنكار عائشة ذلك

وقد أخرجوا أنّ عائشة قد بالغت في الإنكار على ابن عبّاس ، فقد جاء في ( صحيح الترمذي ) : ( حدّثنا ابن أبي عمر ، نا سفيان ، عن مجالد ، عن الشعبي قال : لقي ابن عبّاس كعباً بعَرَفَة ، فسألهُ عن شيءٍ ، فكبّر حتّى جاوبته الجبال ، فقال ابن عبّاس : إنّا بنو هاشم ، فقال كعب : إنّ الله قسّم رؤيته وكلامه بين محمّدٍ وموسى ، فكلّم موسى مرّتين ، ورآه محمّد مرّتين .

قال مسروق : فدخلتُ على عائشة فقلت : هل رأى محمّدٌ ربّه ؟ فقالتْ : لقد تكلّمتَ بشيء قفّ له شعري قلت : رويداً ، ثمّ قرأتُ( لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) قالت : أين يذهب بك ؟ إنّما هو جبرئيل من أخبرك أنّ محمداً رأى ربّه أو كتم شيئاً ممّا أُمِر به ؟ أو يعلم الخمس التي قال الله تعالى( إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ... ) فقد أعظَم الفرية ، ولكنّه رأى جبرئيل ، ولم يره في صورته إلاّ مرّتين : مرّةً عند سدرة المنتهى ، ومرّةً في جياد ، له ستّ مائة جناح ، قد سدّ الأُفق )(٢)

ـــــــــــــــــــ

(١) عيون الأثر في المغازي والسير ١ : ٢٥٠ .

(٢) صحيح الترمذي ٥ : ٣٩٤/ ٣٢٧٨ كتاب تفسير القرآن ٥٤٥ .


وقد أخرج البخاري ومسلم إنكار عائشة وتكذيبها رؤية النبيّ ربّه(١) .

وفي ( عيون الأثر ) :

( وقد تكلّم العلماء في رؤية النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لربّه ليلة الإسراء ، فرُوي عن مسروق ، عن عائشة أنّها أنكرت أنْ يكون رآه قالت : ومُن زعم أنّ محمداً رأى ربّه فقد أعظم الفرية على الله ، واحتجّت بقوله سبحانه :( لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ... ) (٢) .

وإذا كان ابن عبّاس قد أعظم الفرية على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقد سقَطَت رواياته كلّها عن الاعتبار ، سَواء ما كان منها في الصحاح وفي غيرها من الكتب ، لِما قرّروا في محلّه من أنّ مَن كذب في خبرٍ وجَب إسقاط جميع أخباره :

قال النووي في ( التقريب ) : ( قال السمعاني : من كذب في خبرٍ واحدٍ وجب إسقاط ما تقدّم من حديثه ) .

وكذا قال شارحه السيوطي : ( من كذب في حديثٍ واحدٍ رُدَّ جميع حديثه السابق )(٣) .

تأويل إنكار عائشة

ومن القوم من تجاسر على عائشة ، فزعم أنّ تكذيبها رؤية النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان رأياً منها لا روايةً عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومن

ـــــــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري ٦ : ١٧٥ كتاب التفسير ـ سورة والنجم ، صحيح مسلم ١/ ١٥٩/ ١٧٧ كتاب الإيمان الباب ٧٧ .

(٢) عيون الأثر في المغازي والسير ١ : ٢٥٠.

(٣) تداريب الراوي ـ شرح تقريب النواوي ١ : ٣٣٠ و٣٣٢.


العجائب ذهاب النووي إلى ذلك ، كما في ( المواهب اللدنيّة ) حيثُ قال :

( قال النووي ـ تبعاً لغيره ـ لم تنفِ عائشة وقوع الرؤية بحديثٍ مرفوع ، ولو كان معها لذكرته ، وإنّما اعتمدت الاستنباط على ما ذكرته من ظاهر الآية ، وقد خالفها غيرها من الصحابة ، والصّحابي إذا قال قولاً وخالفه غيره منهم لم يكن ذلك القول حجّة اتفاقاً )(١) .

لكنْ يُبطله أنّ الحديث موجود في صحيح مسلم الذي شرحه النووي، وقد نبّه على ذلك الحافظ ابن حجَر أيضاً، حيث قال في ( فتح الباري ) :

( وجزْمه بأنّ عائشة لم تنفِ الرؤية بحديثٍ مرفوع ، تبع فيه ابن خزيمة ، فإنّه قال في كتاب التوحيد من صحيحه : النفي لا يُوجب علماً ، ولم تحكِ عائشة أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخبرها أنّه لم يرَ ربّه ، وإنّما تأوّلت الآية إنتهى .

وهو عجب ، فقد ثبت ذلك عنها في صحيح مسلم الذي شرحه الشيخ ، فعنده من طريق داود بن أبي هِند ، عن الشعبي ، عن مسروق في الطريق المذكور قال مسروق : وكنت متّكياً فجلست فقلت : ألم يقل الله تعالى :( وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى ) ؟ فقالت : أنا أوّلُ هذه الأُمّة سألَ رسولَ الله عن ذلك ، فقال :( إنّما هو جبرئيل ) .

وأخرجه ابن مردويه من طريق أُخرى عن داود بهذا الإسناد : فقالت : أنا أوّل من سأل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن هذا ، فقلت : يا رسول الله ، هل رأيت ربّك ؟ فقال :( لا ، إنّما رأيت جبريل منهبطاً ) (٢) .

ـــــــــــــــــــ

(١) المواهب اللدنيّة بالمنح المحمّديّة ٢ : ٣٨٩.

(٢) فتح الباري في شرح صحيح البخاري ٨ : ٤٩٣.


أقول :

وإذا كان هذا في صحيح مسلم ، فكيف يقول القائلون منهم برؤيتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ربّه ؟ نعوذ بالله من استيلاء الجهالة والانهماك في الضلالة !

إنكار الصحابة

وأنكر غير عائشة من الصحابة رؤية النبيّ ربّه ، قال في ( تاريخ الخميس ) :

( واختلف أيضاً في رؤية النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ربّه ، فأنكرت عائشةرضي‌الله‌عنه ا... وقال جماعة بقول عائشة ، وهو المشهور عن ابن مسعود ، ومثله عن أبي هريرة في قوله( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) ـ قال : رآه بقلبهِ ولم يرَه بعينه )(٢) .

محاولة الجمع

وقد تكلّف بعض أكابر القوم الجمع بين إثبات ابن عبّاس ـ حسبَما

ـــــــــــــــــــ

(١) تاريخ الخميس ١ : ٣١٣ .

(٢) سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد ٣ : ٦٣ .


يروون ـ وبين إنكار عائشة ، كقول القسطلاني تَبَعاً لابن حجر :

( وعلى هذا ، فيُمكن الجمع بين إثبات ابن عبّاس ونفي عائشة ، بأنْ يُحمل نفيها على رُؤية البصر ، وإثباتُه على رؤية القلب )(١) .

ولا يخفى بطلانه ؛ لأنّ في حديث الترمذي عن عكرمة أنّه اعترض على ابن عبّاس قوله بالمنافاة لقوله تعالى :( لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ ) ، فلو كان ابن عبّاس يُريد بالقلب لأجابه ذلك ، لا بما جاء في الحديث ؛ لأنّ رؤية القلب لا تختصّ بوقتٍ دون وقت .

على أنّ هناك حديثاً صريحاً في إرادته الرؤية بالبصر ، ولأجله استدرك القسطلاني الكلام قائلاً :

( لكنْ روى الطبراني في الأوسط بإسنادِ رجاله رجال الصحيح خلا جهور بن منصور الكوفي ـ وجهور بن منصور قد ذكره ابن حبّان في الثقات ـ عن ابن عبّاس أنّه كان يقول : إنّ محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رأى ربّه مرّتين ، مرّةً ببَصَرِه ومرّةً بفؤاده )(٢) .

وذكر أيضاً : ( جَنَح ابن خزيمة في كتاب التوحيد إلى ترجيح الإثبات ، وأطنَب في الاستدلال بما يطول ذكره ، وحمَل ما ورَد عن ابن عبّاس على أنّ الرؤية وقعت مرّتين ، مرّةً بقلبه ومرّةً بعينه )(٣) .

وكذلك محمّد بن يوسف الشامي ، فإنّه ذكر الجمع المزبور في الثالث من التنبيهات ، ثمّ عدل عنه في الخامس منها حيث قال :

ـــــــــــــــــــ

(١) المواهب اللدنيّة بالمنح المحمّديّة ٢ : ٣٩٣ .

(٢) المواهب اللدنيّة بالمنح المحمّديّة ٢ : ٣٩٣ .

(٣) المواهب اللدنيّة بالمنح المحمّديّة ٢ : ٣٩٣


 ( قال ابن كثير : مَن روى عن ابن عبّاس أنّه رآه ببصره ، فقد أغرب ؛ فإنّه لا يصحّ في ذلك شيء عن الصحابة ، وقول البغوي : وذهب جماعة إلى أنّه رآه بعينه ـ وهو قول أنَس والحسن وعكرمة ـ فيه نظر .

قلت : سبَق البغوي إلى ذلك الإمامُ أبو الحسن الواحدي وقول ابن كثير : إنّه لا يصحّ في ذلك شيءٌ عن الصحابة ، ليس بجيّد ، فقد روى الطبراني بسندٍ صحيح عن ابن عبّاس أنّه كان يقول : نظر محمّدٌ إلى ربّه مرّتين ، مرّةً ببصره ومرّةً بفؤاده )(١) .

وتلخّص : إنّ الجمع المذكور ساقط ، والأحاديث على خلافه .

وممّا يشهد بسقوطه : كلام الزهري ، فإنّه ردّ على عائشة إنكارها على ابن عبّاس ، كما في ( عيون الأثر ) قال :

( وفي تفسير عبد الرزاق : عن معمر ، عن الزهري ، وذكَر إنكار عائشة أنّه رآه فقال الزهري : ليستْ عائشة أعلم عندنا من ابن عبّاس وفي تفسير ابن سلام عن عروة : أنّه كان إذا ذكَر إنكار عائشة يشتدّ ذلك عليه )(٢) .

فلو كان للجمع المذكور أو غيره وجهٌ لما اتّخذ الزهري هذا الموقف .

هذا ، على أنّه لا فرق بين رؤية القلب ورؤية البصر ، إذ ليس المراد من ( رؤية القلب ) هو ( العلم بالله ) ؛ لأنّ هذا يحصل في كلّ وقت ، وليس له وقتٌ مخصوص ، بل المراد هو حصول خلقٍ له في قلبه كما تخلق الرؤية بالعين ، وهذا ما نصّ عليه الشهاب القسطلاني حيث قال :

( ثمّ إنّ المراد برؤية الفؤاد رؤية القلب ، لا مجرّد حصول العلم ؛ لأنّه كان

ـــــــــــــــــــ

(١) سُبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد ٣ : ٦٣ .

(٢) عيون الأثر في المغازي والسير ١ : ٢٥٠ ـ ٢٥١ .


عالماً بالله على الدوام ، بل مراد مَن أثبت له أنّه رآه بقلبه أنّ الرؤية التي حصلت له خُلقت له في قلبه كما تُخلق الرؤية بالعين لغيره ، والرؤية لا يُشترط لها شيءٌ مخصوص عقلاً ، ولو جرت العادة بخلقها في العين ) (١) .

ومحمّد بن يوسف الشامي قال :

( قال الحافظ : المراد برؤية الفؤاد رؤية القلب لا مجرّد حصول العلم ؛ لأنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان عالماً بالله تعالى على الدوام ، بل مراد مَن أثبت له أنّه رآه بقلبه : إنّ الرؤية التي حصلت له خُلقت في قلبه كما تُخلق الرؤية بالعين لغيره .

وزاد صاحب السراج : بخلاف غيره من الأولياء ، فإنّهم إذا أطلقوا الرؤية والمشاهدة لأنفسهم ، فإنّهم إنّما يريدون المعرفة ، فاعلمه فإنّه من الأُمور المهمّة التي يغلط فيها كثير من الناس انتهى .

والرؤية لا يُشترط لها شيءٌ مخصوص عقلاً ، ولو جرت العادة بخلقها في العين قال الواحدي : وعلى القول بأنّه رأى بقلبه جعل الله تعالى بصره في فؤاده ، أو خلق لفؤاده بصراً حتّى رأى ربّه رؤيةً صحيحةً كما يُرى بالعين )(٢) .

والحاصل : إنّه لا يبقى ـ على هذا ـ فرقٌ بين رؤية القلب ورؤية البصر ، وبأيّ وجهٍ تكون دعوى الرؤية بالبصر فريةً عظيمةً ، كذلك دعوى الرؤية بالقلب .

ـــــــــــــــــــ

(١) المواهب اللدنيّة بالمنح المحمّديّة ٢ : ٣٩٣ .

(٢) سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد ٣ : ٦٣


إنكار عائشة على ابن عبّاس في مسائل أُخرى

هذا ، وقد أنكرت عائشة على ابن عبّاس في مسائل أُخرى أيضاً ، ففي ( الصحيحين ) : ( عن عمرة بنت عبد الرحمن : إنّ زياد بن أبي سفيان كَتب إلى عائشة : إنّ عبد الله بن عبّاس قال : مَن أهدى هدْياً حرم عليه ما يحرم على الحاج ، حتّى ينحر هديه ، وقد بعثت بهدي فاكتبي إليّ بأمرك قالت عمرة : قالت عائشة : ليس كما قال ابن عبّاس... )(١) .

قول ابن عبّاس بوقوع الغلط في القرآن

واشتهر عن ابن عبّاس القول بوقوع الخطأ والغلط في القرآن العظيم ، الذي عليه مدار الإيمان وهو أصل الإسلام...

قال السيوطي ـ بعد ذكر بعض الأحاديث الدالّة على وقوع اللّحن في القرآن :

( ويقرب ممّا تقدّم عن عائشة :

ما أخرجه ابن جرير وسعيد بن منصور في سُننه من طريق سعيد بن جُبير ، عن ابن عبّاس في قوله :( حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا... ) قال : إنّما هي خطأ مِن الكاتب ، حتّى تستأذنوا وتسلّموا .

أخرجه ابن أبي حاتم بلفظ : هو ـ فيما أحسب ـ ممّا أخطأ به الكتّاب .

وما أخرجه ابن الأنباري من طريق عكرمة عن ابن عبّاس أنّه قرأ :( أفَلَم

ـــــــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري ، كتاب الحج ، باب من قلّد القلائد بيده صحيح مسلم ، كتاب الحج ، باب استحباب بعث الهدْي إلى الحرم...


يتبيّن الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى النّاس جميعاً ) . فقيل له : إنّها في المصحف : ( أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا.. ) .

قال : أظنّ الكاتب كتبها وهو ناعس .

وما أخرجه سعيد بن منصور ، من طريق سعيد بن جُبير ، عن ابن عبّاس أنّه كان يقول في قوله :( وَقَضَى رَبُّكَ.. ) إنّما هي :ووصّى ربّك ، التزقت الواو بالصاد .

وأخرجه ابن أشته بلفظ : استمدّ الكاتب مداداً كثيراً ، فالتزقت الواو بالصاد .

وأخرج هو مِن طريق الضحاك عن ابن عبّاس أنّه كان يقرأ :ووصّى ربّك ويقول : أمر ربّك ، أنّهما واوان التصقت إحداهما بالصاد .

وأخرج من طريقٍ أُخرى عن الضحّاك أنّه قال : كيف تقوأ هذا الحرف ؟ قال :( وَقَضَى رَبُّكَ.. ) قال : ليس كذلك نقرؤها نحن ولا ابن عبّاس ، إنّما هي :ووصّى ربّك ، كذلك كانت تُقرأ وتُكتب ، فاستمدّ كاتبكم فاحتمل القلم مداداً كثيراً فالتزقت الواو بالصاد ، ثمّ قرأ :( وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ.. ) ، ولو كانت قضاءً من ربّك لم يستطع أحدٌ ردّ قضاء الربّ ، ولكنّه وصيّة أوصى بها العباد .

وما أخرجه سعيد بن منصور وغيره ، من طريق عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عبّاس أنّه كان يقرأ :وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ ضِيَاء ، ويقول : خذوا هذهِ الواو واجعلوها هاهنا( و الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ... ) الآية .

وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق الزبير بن خِرّيت ، عن عكرمة ، عن ابن عبّاس : انزعوا هذهِ الواو فاجعلوها في : الذين يحملون العرش ومن حوله .

وما أخرجه ابن أشتة وابن أبي حاتم من طريق عطا ، عن ابن عبّاس ، في قوله تعالى :( مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ.. ) قال : هي خطأٌ من الكاتب ، هو أعظم من أنْ يكون نوره مثل نور المشكاة ، إنّما هي مثل نور المؤمن من المشكاة )(١) .

ـــــــــــــــــــ

(١) الدر المنثور ٥ : ٦٣٤ ، ٦ : ١٩٧ .


أُبيّ بن كعب

وأمّا أُبيّ بن كعب ، فقد زاد في القرآن الكريم ، وأدخل فيه ما ليس منه ، كما تقدّم سابقاً كما أنّه نقص منه ، إذ وافق ابن مسعود في إنكار المعوّذتين ، كما جاء في كتاب ( فصول الأحكام ) حيث قال :

إنكاره المعوّذتين

( ومَن زعم أنّ المعوّذتين ليستَا من القرآن ، فقد ذُكر في فتاوى أبي الليث أنّه لا يُكفّر ؛ فإنّه روي عن ابن مسعود و أُبيّ بن كعبرضي‌الله‌عنه ما أنّهما ليسَتَا من القرآن ) .

فأُبيّ على هذا القول أيضاً ، وأبو الليث وإنْ كان قد أفتى بعدم الكُفر ، فقد سبق أنّ جماعة مِن الأكابر يكفّرون المُنكِر ، بل تقدّم عن النووي أنّه إجماع المسلمين...

بل إنّ القوم يرَون بأنّ أدنى المخالفة لمصحف عثمان تستوجب الهتك ، والتفسيق ، والتضليل ، والتعزير ، كما وقع بحقِّ ابن شنبوذ :

قال ياقوت الحموي في( معجم الأُدباء ) بترجمة محمّد بن أحمد بن أيّوب بن الصّلت بن شنبوذ :

( حدّث إسماعيل بن عليّ الخطيبي في كتاب التاريخ قال : واشتهر ببغداد أمر رجلٍ يُعرف بابن شنبوذ ، يُقرئ النّاس ، ويُقرَأُ في المحراب بحروفٍ يُخالف فيها المصحف ، فيما يُروى عن عبد الله بن مسعود وأُبي بن كعب وغيرهما ، ممّا كان يقرأ به قبل المصحف الذي جمعه عثمان ، ويتتبّع الشواذ فيَقرأ بها ويُجادل ، حتّى عظم أمره وفحش وأنكره النّاس ، فوجّه السلطان وقبض عليه في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمئة ، وحُمل إلى دار الوزير محمّد ابن مقلة ، واُحضر القضاة والفقهاء والقرّاء ، وناظره الوزير بحضرته فأقام على ما ذكره عنه ونصره ، واستنزله الوزير عن ذلك فأبى أنْ ينزل عنه أو يرجع عمّا يقرأ به من هذهِ الشواذ المنكرة التي تزيد على المصحف العثماني ، فأنكر ذلك جميع من حضر المجلس وأشاروا بعقوبته ومعاملته بما يضطرّه إلى الرجوع ، فأمر بتجريده وإقامته بين الخبّازين ، وأمر بضربه بالدرّة على قفاه ، فضرب نحو العشرة ضرباً شديداً ، فلم يصبر واستغاث وأذعن بالرجوع والتوبة ، فخلّى عنه ) .


( قرأت في كتاب ألّفه القاضي أبو يوسف عبد السَّلام القزويني ، سمّاه :( أفواج القرّاء ) ، قال : كان ابن شنبوذ أحد القرّاء المتنسّكين ، وكان يرجع إلى ورع ، ولكنّه كان يميل إلى الشواذّ ويقرأ بها ، ورُبّما أعلن ببعضها في بعض صلواته التي يجهر فيها بالقراءة ، وسُمع ذلك منه ، وأُنكِر عليه فلم ينته للإنكار .

فقام أبو بكر ابن مجاهد فيه حقّ القيام وأشهر أمره ، رفع حديثه إلى الوزير في ذلك الوقت ، وهو أبو عليّ ابن مقلة ، فأُخذ وضُرب أسواطاً زادت على العشرة ولم تبلغ العشرين ، وحُبس واستتيب فتاب ، وقال : إنّي قد رجعت عمّا كنت أقرأ به ، ولا أُخالف مصحف عثمان ، ولا أقرأ إلاّ بما فيه من القراءة المشهورة .

وكتب عليه بذلك الوزير أبو علي محضراً بما سمع من لفظه ، وأمره أنْ يكتب في آخره بخطّه ، وكان المحضر بخطّ أبي الحسين أحمد بن محمّد بن ميمون ، وكان أبو بكر ابن مجاهد تجرّد في كشفه ومناظرته ، فانتهى أمره إلى أنْ خاف على نفسه من القتل .

وقام أبو أيّوب السمسار في إصلاح أمره ، وسأل الوزير أبا علي أنْ يطلقه وأنْ ينفذه إلى داره مع أعوانه بالليل خيفةً عليه لئلاّ يقتله العامّة ، ففعل ذلك ، ووجّه إلى المدائن سرّاً مدّة شهرين ، ثمّ دخل بيته ببغداد مستخفياً من العامّة )(١) .

مَن كفر بآية من القرآن كفر بكلّه

هذا ، ومقتضى نصوص عبارات القوم وفتاواهم ، وهو كُفر من كَفر بآيةٍ أو بحرفٍ من القرآن الكريم :

قال القاضي عياض في( الشفا ) :

( قال أبو عثمان ابن الحدّاد : جميع من ينتحل التوحيد متّفقون على أنّ الجحد لحرفٍ من التنزيل كُفر وكان أبو العالية إذا قرأ عنده رجلٌ لم يقل له ليس كما قرأت ، ويقول : أمّا أنا فأقرأ كذا ، فبلغ ذلك إبراهيم ، فقال : أراه سمِع أنّه من كفر بحرفٍ منه فقد كفر به كلّه )(٢) .

قال : ( وقال محمّد بن سحنون فيمن قال المعوّذتان ليسَتَا من كتاب الله :

ـــــــــــــــــــ

(١) معجم الأُدباء ١٧ : ١٦٨ ـ ١٧١ / ٥٧ .

(١) الشفا بتعريف حقوق المصطفى ٢ : ٦٤٨ ـ ٦٤٩ .


يضرب عنقه إلاّ أنْ يتوب ) (١) .

وقال الشهاب الخفاجي في( نسيم الرياض ) :

( وقال عبد الله بن مسعودرضي‌الله‌عنه ـ فيما رواه عبد الرزّاق عنه ـ مَن كفر بآيةٍ من القرآن فقد كفر به كلّه ؛ لأنّه تكذيب لقائلها عزّ وجلّ وقال أصبغ ابن الفرج ـ بالجيم ـ المصري ـ : من كذّب ـ بالتشديد ـ ببعض القرآن فقد كذّب به كلّه ، ومن كذّبه كلّه فقد كفر به ، ومن كفر به فقد كفر بالله سبحانه )(٢) .

ـــــــــــــــــــ

(١) الشفا بتعريف حقوق المصطفى ٢ : ٦٤٨ .

(٢) نسيم الرياض بشرح الشفا للقاضي عياض ٤ : ٥٥٩ .


زيد بن ثـابت

وأمّا زيد بن ثابت.. فقد قدح فيه الصحابي أبو حسن المازني الأنصاري ، بدعوته الأنصار يوم الدار لنصرة عثمان بن عفّان ، فخاطبه أبو حسن بآية من القرآن الكريم مفادها الضلال والإضلال...

وقد ترجم الحافظ ابن حجر أبا حسن المازني قائلاً :

( أبو حسن الأنصاري ثمّ المازني ، جدّ يحيى بن عمارة بن أبي حسن ، مشهور بكنيته ، واسمه تميم بن عمرو ، وقيل : ابن عبد عمرو ، وقيل : ابن عبد قيس بن مخرمة بن الحارث بن ثعلبة بن مازن قال ابن السكن : بدري ، له صحبة ، وساق من طريق حسين بن عبد الله الهاشمي ، ثنا عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي حسن ، عن أبيه ، عن جدّه أبي حسن ـ وكان عقبياً بدرياً ـ : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان جالساً ومعه نفر من أصحابه ، فقام رجلُ ونسي نعليه ، فأخذهما آخر فوضعهما تحته ، فجاء الرجل فقال : نعلي ، فقال القوم : ما رأيناهما فقال الرجل : أنا أخذتهما وكنت ألعب ، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( فكيف بروعة المؤمن ) قالها ثلاثاً )(١) .

توصيفه بالضلال والإضلال

وأمّا قضيّته مع زيد بن ثابت ، فقد ذكرها الحافظ ابن عبد البر بترجمته إذ قال :

ـــــــــــــــــــ

(١) الإصابة في معرفة الصحابة ٧ : ٤٣/ ٢٧٢ .


 ( له صحبة ، يُقال : إنّه ممّن شهد العقبة وبدراً وأبو حسن المازني هو القائل لزيد بن ثابت حين قال يوم الدار: يا معشر الأنصار ، كونوا أنصار الله ـ مرّتين ـ فقال له أبو حسن : لا والله ، لا نطيعك فنكون كما قال الله تعالى : ( ..أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا ) ويُقال : بل قال له ذلك : النعمان الزرقي ) (١) .

فكان زيد ودعوته لنصرة عثمان ـ عند هذا الصحابي ـ مصداقاً للآية المباركة :( إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً *خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً *يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا *وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا *رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً ) (٢) .

هذا ، ولا يخفى أنّ القول بكون القائل هو النعمان الزرقي لا يضرّ باستدلالنا ؛ لأنّه أيضاً من معارف الصحابة ، وقد ترجم له في ( الاستيعاب ) وقال بأنّه : ( كان لسان الأنصار وشاعرهم ) ووصفه بأنّه ( كان سيّداً )(٣) .

توصيفه بالجور في الحكم

وعن عمر بن الخطّاب ـ وهو خليفتهم الثاني ، المُدّعى له العصمة كما نَقل الشيخ عبد العلي الأنصاري في( شرح المثنوي ) عن بعضهم ـ أنّه وصَف

ـــــــــــــــــــ

(١) الاستيعاب في معرفة الأصحاب ٤ : ١٦٣٢/ ٢٩١٥ .

(٢) سورة الأحزاب ٣٣ : ٦٤ ـ ٦٨ .

(٣) الاستيعاب في معرفة الأصحاب ٤ : ١٥٠١/ ٢٦١٩ .


زيد بن ثابت بالجور في الحكم ، في خصومةٍ كانت بينه وبين أُبيّ بن كعب فتحاكما إليه :

( عن الشعبي قال : كان بين عُمر وبين أُبيّ بن كعب خصومة ، فقال عُمر : اجعل بيني وبينك رجلاً ، فجعلا بينهما زيد بن ثابت ، فأتَياه ، فقال عمر : أتيناك لتحكم بيننا ، وفي بيته يُؤتى الحكَم.

فلمّا دخلا عليه وسّع له زيد عن صدر فراشه ، فقال : هاهنا يا أمير المؤمنين ، فقال له عمر : هذا أوّل جور جُرتَ في حكمك ، ولكنْ أجلس مع خصمي ، فجلَسا بين يديه ، فادّعى أُبيّ وأنكر عمر ، فقال زيد لأُبي : اُعف أمير المؤمنين من اليمين ، وما كانت لأسألها لأحدٍ غيره ، فحلَف عمر ، ثمّ أقسم لا يدرك زيدٌ القضاء حتّى يكون عمر ورجلٌ من عرَض المسلمين عنده سواء هق كر )(١) أي رواه سعيد بن منصور في سُننه ، والبيهقي في سُننه ، وابن عساكر في تاريخه .

( عن الشعبي قال : تنازع في جداد نخل أُبيّ بن كعب وعمر بن الخطّاب ، فبكي أُبيّ ثمّ قال : أَفي سلطانك يا عمر ؟ ! فقال عمر : اجعل بيني وبينك رجلاً من المسلمين ، قال أُبيّ : زيد ، قال : رضيت .

فانطلقا حتّى دخلا على زيد ، فلمّا رأى زيدٌ عمر تنحّى عن فراشه ، فقال عمر : في بيته يؤتى الحكَم فعرف زيد أنّهما جاءا ليتحاكما إليه ، فقال لأُبيّ : تقصُّ ، فقصّ ، فقال له عمر : تذكّر لعلّك نسيت شيئاً ، فتذكّر ثمّ قصّ ، حتّى قال : ما أذكر شيئاً فقصّ عمر ، قال زيد : بيِّنَتك يا أُبيّ ، فقال : مالي بيّنة ، قال : فاعف [عن] أمير المؤمنين من اليمين ، فقال عمر : لا تعف أمير المؤمنين

ـــــــــــــــــــ

(١) كنز العمّال ٥ : ٨٠٨/ ١٤٤٤٥ .


عن اليمين إنْ رأيتها عليه كر ) (١) .

أقول :

لم يشأ الرواة أنْ ينقلوا الواقعة على ما وقعت عليه كاملةً ، وحاولوا التكتّم على بعض جزئيّاتها المهمّة.. لكنّ الباحث المحقّق قد يعثر على طرفٍ من ذلك في سائر الكتب :

قال الراغب في( المحاضرات ) :

( وكان زيد بن ثابت يقضي لعُمَر بالمدينة ، وتقدَّم إليه عمر مع أُبَيّ في جداد تنازعاه ، فخرج إليهما فقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين ، هاهنا هاهنا ثمّ توجّهت اليمين على عمر ، فقال زيد لأُبيّ : اُعف أمير المؤمنين من اليمين .

فقال له عمر : ما زلت جائراً مُنذ اليوم ! السلام عليك يا أمير المؤمنين ، وهاهنا هاهنا ، واعف أمير المؤمنين !! )(٢) .

ففي هذه الرواية : ( فقال عمر: ما زلت جائراً مُنذ اليوم ) ، وهذه الجملة ممّا تكتَّم عليه القوم...

أ حاديث في ذمّ القاضي الجائر

فكان ( زيد بن ثابت ) قاضياً بالمدينة ، وكان ( جائراً ) كما ذكر عمر ، والأحاديث في ذمِّ القاضي الجائر مستفيضة في كُتب المسلمين :

روى الحافظ المنذري في ( الترغيب والترهيب ) عن أبي سعيد الخدريرضي‌الله‌عنه :

ـــــــــــــــــــ

(١) كنز العمّال ٥ : ٨٣٩/ ١٤٥٢٥ .

(٢) المحاضرات للراغب الأصفهاني ١ : ١٩٤ وجِدادُ النَّحْل : صِرامُه ، وقد جَدَّه يَجُدُّه كتاب العين ٦ : ١٠ ( جد ) .


 ( قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أحبّ الناس إلى الله يوم القيامة ، وأدناهم منه مجلساً إمامٌ عادل ، وأبغض الناس إلى الله تعالى ، وأبعدهم منه مجلساً إمامٌ جائر رواه الترمذي والطبراني في الأوسط مختصراً ، إلاّ أنّه قال : أشدّ النّاس عذاباً يوم القيامة إمامٌ جائر وقال الترمذي : حديثٌ حسنٌ غريب .

وعن عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه أنّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( أفضل النّاس عند الله منزلةً يوم القيامة ، إمامٌ عدلٌ رفيق ، وشرّ عباد الله عند الله منزلةً يوم القيامة ، إمامٌ جائرٌ خِرق ) رواه الطبراني في الأوسط ، من رواية ابن لهيعة ، وحديثه حسن في المتابعات .

عن عبد الله بن مسعودرضي‌الله‌عنه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( إنّ أشدّ أهل النّار عذاباً يوم القيامة ، مَن قَتل نبيّاً أو قتله نبيّ ، وإمامٌ جائر ) رواه الطبراني ، ورواته ثقات ، إلاّ ليث بن أبي سليم ، وفي الصحيح بعضه ، ورواه البزّار بإسنادٍ جيّد إلاّ أنّه قال : وإمام ضلالة .

وعن أبي هريرةرضي‌الله‌عنه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( أربعة يبغضهم الله : البيّاع الحلاّف ، والفتى المختال ، والشيخ الزاني ، والإمامُ الجائر ) . رواه النسائي وابن حبّان في صحيحه ، وهو في مسلم بنحوه إلاّ أنّه قال : وملِكٌ كذّاب وعائلٌ مستكبر .

وروي عن أبي هريرةرضي‌الله‌عنه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( ثلاثة لا يَقبل الله لهم شهادة أنْ لا إله إلاّ الله ) ، فذكر منهم : الإمامُ الجائر رواه الطبراني في الأوسط .

وعن ابن عمررضي‌الله‌عنه ما عن النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( السلطان ظلّ الله في الأرض ، يأوي إليه كلُّ ظلوم من عباده ، فإنْ عدَل كان له الأجر ، وكان على الرعيّة الشكر ، وإنْ جار أو حَافَ أو ظلَم كان عليه الوزر ، وعلى الرعيّة الصبر ، وإذا جارت الولاة قحطت السّماء ، وإذا مُنعت الزكاة هلكت المواشي ، وإذا ظَهَرَ الزنا ظهر الفقر والمسكنة ، وإذا أخفرت الذمّة أُديل الكفّار ) ، أو كلمة نحوها .

عن أبي هريرةرضي‌الله‌عنه ، أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( مَن طلَب قضاء المسلمين حتّى يناله ثمّ غلَب عدلُه جورَه ، فله الجنّة [وإنْ غلََب جورُه عدلَه فله النّار] ) . رواه أبو داود .


وعن ابن بريدة ، عن أبيهرضي‌الله‌عنه ما : أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( القضاة ثلاثة ، قاضيان في النّار وقاضٍ في الجنّة : رجلٌ قضى بغير الحقّ يعلم بذلك فذلك في النّار ، وقاضٍ لا يعلم فأهلك حقوق الناس فهو في النّار ، وقاضٍ قضى بالحق فذلك في الجنّة ) . رواه أبو داود ـ وتقدّم لفظه ـ وابن ماجة والترمذي واللفظ له ، وقال : حديثٌ حسن غريب .

وعن ابن أبي أوفىرضي‌الله‌عنه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( إنّ الله مع القاضي ما لم يجر ، فإذا جار تخلّى عنه ولزِمه الشيطان ) . رواه الترمذي وابن ماجة وابن حبّان في صحيحه ، والحاكم إلاّ أنّه قال : فإذا جار تبرّأ الله منه رووه كلّهم مِن حديث عمران القطّان [وقال الترمذي حديث حسن غريب لا نعرفه إلاّ من حديث عمران القطّان] وقال الحاكم : صحيح الإسناد قال الحافظ : وعمران يأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى )(١) .

ـــــــــــــــــــ

(١) الترغيب والترهيب ٣ : ١٦٧ ـ ١٧٢/ ٧ و٨ و١٠ و١١ و١٣ و١٤ و١٩ و٢٠ و٢١ .


إنّه زاد في القرآن ونقص منه

وهذا ممّا ذكر عمر بن الخطّاب مخاطباً به زيد بن ثابت ، وأخرجه القوم في كُتب الحديث :

( عن زيد بن ثابت : إنّ عمر بن الخطّاب استأذن عليه يوماً ، فأذن له ورأسه في يد جاريةٍ له ترجّله ، فنزع رأسه ، فقال له عمر : دعها ترجّلك ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، لو أرسلت إليّ جئتك فقال عمر : ليس هو بوحي حتّى نزيد فيه أو ننقص ، إنّما هو شيءٌ نراه ، فإنْ رأيته ووافقتني تبعته ، وإلاّ لم يكن عليك فيه شيء فأبى زيد ، فخرج عمر مغضباً )(١) .

فصريح هذا الكلام أنّ زيد بن ثابت زادَ في القرآن ونقّص منه ، وقد ذكر القاضي عياض في ( الشفاء ) ما نصّه :

( قد أجمع المسلمون على أنّ القرآن المتلوّ في جميع أقطار الأرض ، المكتوب في المصحف بأيدي المسلمين ، ممّا جمعه الدفّتان ، من أوّل( الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) إلى آخر( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ) : أنّه كلام الله ووحيه المُنزل على نبيّه محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنّ جميع ما فيه حق ، وأنّ من نقص منه حرفاً قاصداً لذلك أو بدّله بحرفٍ آخر مكانه ، أو زاد فيه حرفاً ممّا لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع الإجماع عليه ، وأجمع على أنّه ليس من القرآن ، عامداً لكلّ هذا ، إنّه كافر )(٢) .

ـــــــــــــــــــ

(١) كنزل العمّال ١١ : ٦٣/ ٣٠٦٣١ .

(٢) الشفا بتعريف حقوق المصطفى ٢ : ٦٤٧


ردّه عمر بن الخطّاب في آيةٍ مع قبوله خزيمة في أُخرى

وكما كان عمر لا يعتمد على زيد ويتكلّم فيه ، كذلك زيد لم يعتمد على عمر وردّه لمّا كان يجمع القرآن ، حيث جاء عمر بآيةٍ ليكتبها فلم يقبل منه ، مع أنّه قبل خزيمة بن ثابت في آيةٍ أُخرى وكتبها ، هذا ، وعمر أفضل ـ عندهم ـ من خزيمة مئة مرّة ، ومع أنّهم يقولون بأنّ خبر مثل عمر بن الخطّاب بوحده مفيدٌ لليقين ، كما ذكر عبد العزيز الدهلوي ، وقد ذكر القصّة الحافظ جلال الدين السيوطي حيث قال :

( قد أخرج ابن أشتة في المصاحف عن الليث بن سعد قال : أوّل مَن جمع القرآن أبو بكر ، وكتبه زيد ، وكان الناس يأتون زيد بن ثابت ، فكان له يكتب آيةً بشاهدي عدل ، وإنّ آخِر سورة براءة لم يوجد إلاّ مع خزيمة بن ثابت فقال : اُكتبوها ، فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جعل شهادته بشهادة رجلين ، فكتب وإنّ عمر أتى بآية الرجم فلم يكتبها ؛ لأنّه كان وحده ).

فكيف قبل شهادة خزيمة ولم يقبل شهادة عمر ؟

وإذا كان خبر عمر مفيداً لليقين ، فالقرآن ناقص .


أبو موسى الأشعري

وأمّا أبو موسى الأشعري ، فهذا طرف من حالاته وأخباره المُسقطة له عن الاعتبار والاعتماد .

انحرافه عن أمير المؤمنين

لقد كان أبو موسى الأشعري من المنحرفين عن أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وهذا من الأُمور الثابتة ، وقد ذكر بترجمته من الكتب المعروفة :

قال ابن عبد البرّ:

( ولم يزل على البصرة إلى صدرٍ من خلافة عثمان ، ثمّ لمّا دفع أهلُ الكوفة سعيد بن العاص ولّوا أبا موسى ، وكتبوا إلى عثمان يسألونه أنْ يولّيه ، فأقرّه ، فلم يزل على الكوفة حتّى قُتل عثمان ، ثمّ كان منه بصفّين وفي التحكيم ما كان ، وكان منحرفاً عن عليّ ؛ لأنّه عزله ولم يستعمله ، وغلبه أهل اليمين في إرساله في التحكيم )(١) .

ترجمة ابن عبد البر

وابن عبد البر ، المتوفّى سنة ٤٦٣ ، من أكابر الحفّاظ المعتمدين ، وتراجمه في كتب القدماء والمتأخّرين تُنبئ عن جلالة شأنه وعظَمة قدره بين العلماء المشهورين :

ـــــــــــــــــــ

(١) الاستيعاب في معرفة الأصحاب ٤ : ١٧٦٣ ـ ١٧٦٤/ ٣١٩٣ .


ترجم له ابن خلّكان ووصفه بـ ( إمام عصره في الحديث والأثر وما يتعلّق بهما ) ثمّ أورد عن أبي الوليد الباجي : ( لم يكن بالأندلس مثل أبي عمر ابن عبد البر في الحديث ) ، وأنّه ( أحفظ أهل المغرب ) ، وعن أبي عليّ الغسّاني ( ابن عبد البر شيخنا... برع براعةً فاق فيها مَن تقدّمه من رجال الأندلس ) ثمّ ذكر بعض تواليفه وعن ابن حزم : ( لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله ، فكيف أحسن منه... ) ؟ (١) .

وقال الذهبي بترجمته ما ملخّصه :

( ابن عبد البر ، الإمام العلاّمة  حافظ المغرب ، شيخ الإسلام ، أبو عمر يوسف بن عبد الله ، صاحب التصانيف الفائقة ، طلب العلم وأدرَك الكبار وطال عمره وعلا سنده ، وتكاثر عليه الطلبة ، فكان فقيهاً عابداً مجتهداً .

قال الحميري : أبو عمر فقيهٌ حافظٌ مكثر... وقال أبو علي الغسّاني :

قلت : كان إماماً ديّناً ، ثقة ، متقناً ، علاّمة ، مُتبحّراً ، صاحب سنّةٍ واتّباع ، ممّن بلغ رتبة الأئمّة المجتهدين .

قال أبو القاسم ابن بشكوال : ابن عبد البر إمام عصره وواحد دهره ، يكنّى أبا عمر .

قال أبو علي ابن سكّرة : سمعت أبا الوليد الباجي يقول... )(٢) .

كلام حذيفة بن اليمان في أبي موسى لانحرافه

وذكر ابن عبد البرّ بترجمة أبي موسى في موضع آخر من كتابه :

ـــــــــــــــــــ

(١) وفيات الأعيان ٧ : ٦٦ ـ ٦٧/ ٨٣٧ .

(٢) سيرة أعلام النبلاء ١٨ : ١٥٣/ ٨٥ .


 ( ولاّه عمر البصرة في حين عزَل المغيرة عنها [فلم يزل عليها] إلى صدرٍ من خلافة عثمان ، فعزله عثمان عنها وولاّها عبد الله بن عامر بن كريز ، فنزل أبو موسى حينئذٍ الكوفة وسكنها ، فلمّا دفع أهل الكوفة سعيد بن العاص ولّوا أبا موسى ، وكتبوا إلى عثمان يسألونه أنْ يولّيه ، فأقرّه عثمان على الكوفة ، إلى أنْ مات ، وعزَله عليّ رضي الله عنها ، فلم يزل واجداً على عليّ حتّى جاء منه ما قال حذيفة ، فقد رُوي فيه لحذيفة كلام كرهت ذكره ، والله يغفر له ثمّ كان من أمره يوم الحكَمَين ما كان ) (١) .

إذنْ ، فقد كان أبو موسى ( منحرفاً ) عن عليّ... و( لم يزل واجداً ) على الإمامعليه‌السلام ... لكنْ ما هو كلام حذيفة فيه الذي ( كره ) ابن عبد البر ذكره ؟ ! وحذيفة صاحب سرّ رسول الله ، وهو الذي كان يعرف المنافقين من الصّحابة ، لاسيّما الذين أرادوا اغتيال النبيّ في العقبة...

عليّ باب حطّة من خرج منه كان كافراً

وفي الحديث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال :( عليٌّ بابُ حطّة ، من دخل منه كان مؤمناً ، ومن خرج منه كان كافراً ) أخرجه الدارقطني عن ابن عبّاس ، وعنه ابن حجَر المكّي في ( الصواعق ) والسيوطي في ( الجامع الصغير )(٢) .

وكذا أخرجه الديلمي عن ابن عمر(٣) .

ـــــــــــــــــــ

(١) الاستيعاب في معرفة الأصحاب ٣ : ٩٨٠/ ١٦٣٩ .

(٢) الصواعق المحرقة ٢ : ٣٦٥ ـ ٣٦٦ ، الجامع الصغير ٢ : ١٧٧/ ٥٥٩٢ .

(٣) فردوس الأخبار ٣ : ٩٠/ ٣٩٩٨ .


كتم كلام حذيفة في أبي موسى

ثمّ إنّ عبد البر كَرِه أنْ يذكر كلام حذيفة بن اليمان في أبي موسى الأشعري ، تستّراً عليه ، إلاّ أنّ ما صرَّح به مِن كونه ( منحرفاً عن عليّ ) وأنّه ( لم يزل واجداً ) على الإمامعليه‌السلام يكفي للتوصّل إلى كلام حذيفة ، فإنّ الباحث اللبيب والمحقّق الخبير يفهم ـ من تلك القرائن ، وبالنظر إلى كون حذيفة عارفا ًبالمنافقين ، وأنّ كلامه مقبولٌ في التعريف بهم ـ أنّ كلام حذيفة ليس إلاّ الإعلان عن كون أبي موسى من المنافقين... وهذا ما كرِه ابن عبد البر التصريح به مخالفةً منه لقوله تعالى :( وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) .

مع أنّ كتابه ( الاستيعاب ) مشتملٌ على فضائح كثير من الأصحاب ، وتكلّم بعضهم في البعض الآخر ، والإفصاح عن مثالبه :

كروايته خطبة عبد الله بن بديل في ذمّ معاوية وهجوه وتضليله...(١)

وكروايته خطبة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وفيها التصريح بأنّ عائشة ، وطلحة ، والزبير ، هم الذين ألّبوا على عثمان وقتلوه..(٢)

وكروايته أنّ معاوية هو الذي دسّ السمّ إلى الإمام الحسن السبطعليه‌السلام (٣) .

وكروايته قتْل معاوية حِجْر بن عدي...(٤) .

إلى غير ذلك من مخازي الصحابة التي تظهر لمَن تتبّع كتاب ( الاستيعاب ) .

ـــــــــــــــــــ

(١) الاستيعاب في معرفة الأصحاب ٣ : ٨٧٣/ ١٤٨١ .

(٢) الاستيعاب في معرفة الأصحاب ـ ترجمة طلحة ـ ٢ : ٧٦٧/ ١٢٨٠ .

(٣) الاستيعاب في معرفة الأصحاب ١ : ٣٨٩/ ٥٥٥ .

(٤) الاستيعاب في معرفة الأصحاب ١ : ٣٢٩/ ٤٨٧ .


وإذا كان ابن عبد البر يروي تلك الأخبار ويكره رواية كلام حذيفة في أبي موسى الأشعري ؛ فلابدّ وأنّ كلامه فيه أعظم من تلك الكلمات ، التي رواها بتراجم الصحابة عن بعضهم في البعض الآخر...

هذا كلّه ، وقد اشتهر الحديث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في كُتب الفريقين ، في أنّ( بُغضُ عليٍّ نفاق ) ، وعن غير واحدٍ من صحابته :( ما كنّا نعرف المنافقين إلاّ ببغضهم عليّ بن أبي طالب ) وقد رواه ابن عبد البر أيضاً بترجمة الإمامعليه‌السلام وبعد ثبوت انحراف أبي موسى عنه وبغضه له ، لم يبقَ أيّ ريبٍ وشك في كون أبي موسى من المنافقين... ولا تبقى حاجة إلى ذكر الشواهد على ذلك من كتب الحديث والتاريخ .

وإذا كان ابن عبد البر يكره رواية الخبر ، فقد رواه غير واحدٍ من الأعلام ، منهم ابن عساكر في ( تاريخه )(١) بإسناده عن الأعمش عن شقيق قال : ( كنا مع حذيفة جلوساً ، فدخل عبد الله وأبو موسى المسجد ، فقال أحدهما : منافق ثم قال : إنّ أشبه الناس هدياً ودلاًّ وسمتاً برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عبد الله ) .

من مشاهد انحراف أبي موسى عن عليّ

ومع ذلك نتعرّض لبعض الأخبار الشاهدة بانحراف الرجل عن أمير المؤمنين ( عليه الصلاة والسلام ) .

قال الحافظ ابن حجر في ( فتح الباري ) .

( قوله : بعث عليّ عمّار بن ياسر وحسن بن عليّ فقدما علينا الكوفة ، ذكر عمر بن شبة والطبري سبب ذلك بسندهما إلى ابن أبي ليلى قال : كان عليّ

ـــــــــــــــــــ

(١) تاريخ دمشق ٣٢ : ٩٣ ترجمة عبد الله بن قيس وهو أبو موسى الأشعري .


أقرّ أبا موسى على إمرة الكوفة ، فلمّا خرج من المدينة أرسل هاشم بن عتبة بن أبي وقّاص إليه أنْ أنهض من قبلك من المسلمين ، وكن من أعواني إلى الحق ، فاستشار أبو موسى السائب بن مالك الأشعري فقال : اتّبع ما أمرك به .

قال : إنّي لا أرى ذلك ، وأخذ في تخذيل الناس عن النهوض ، فكتب هاشم إلى عليّ بذلك وبعث بكتابه مع حجل بن خليفة الطائي ، فبعث عليٌّ عمّار بن ياسر والحسن بن عليّ يستفزّان النّاس ، وأمّر قرظة بن كعب على الكوفة )(١) .

وقال ابن قتيبة في ( الإمامة والسياسة ) :

( وذكروا أنّ عليّاً لمّا نزل قريباً من الكوفة ، بعث عمّار بن ياسر ومحمّد ابن أبي بكر إلى أبي موسى الأشعري ، وكان أبو موسى عاملاً لعثمان على الكوفة ، فبعثهما عليٌّ إليه وإلى أهل الكوفة يستفزّهم ، فلمّا قدِما عليه ، قام عمّار بن ياسر ومحمّد بن أبي بكر فدعوا ألنّاس إلى النصرة لعليّ ، فلمّا أمسَوا ، دخل رجال من أهل الكوفة على أبي موسى فقالوا : ما ترى ؟ أنخرج مع هذين الرجلين إلى صاحبهما أم لا ؟ فقال أبو موسى : أمّا سبيل الآخرة ففي أنْ تلزموا بيوتكم ، وأمّا سبيل الدّنيا وسبيل النار ، فالخروج مع مَن أتاكم ، فأطاعوه ، فتبطّأ النّاس على عليّ ، وبلغ عمّاراً ومحمّداً ما أشار به أبو موسى على أولئك الرهط ، فأتياه فأغلظا له في القول ، فقال أبو موسى : والله إنّ بيعة عثمان في عنقي وعنق صاحبكما ، ولئن أرادنا للقتال مالنا إلى قتال أحدٍ من سبيل حتّى نفرغ من قَتَلَة عثمان .

ثمّ خرج أبو موسى وصعد المنبر ثمّ قال : أيّها النّاس ! إنّ أصحاب رسول الله الذين صحبوه في المواطن أعلم بالله وبرسوله ممّن لم يصحبه ، وإنّ لكم حقّاً عَلَيّ أُؤدّيه إليكم ، إنّ هذه الفتنة النائم فيها خيرٌ من اليقظان ، والقاعد

ـــــــــــــــــــ

(١) فتح الباري في شرح صحيح البخاري ١٣ : ٤٨ .


خيرٌ من القائم ، والقائم فيها خيرٌ من الساعي ، والسّاعي خيرٌ من الراكب ، فاغمدوا سيوفكم حتّى تنجلي هذه الفتنة ) (١) .

وأخرج البخاري :

( حدّثنا بدل المُحبَّر قال : حدّثنا شعبة قال : أخبرني عمرو قال : سمعت أبا وائل يقول : دخل أبو موسى وأبو مسعود على عمّار ـ حيث بعثه عليّ إلى أهل الكوفة يستنفرهم ـ فقالا : ما رأيناك أتيتَ أمراً أكره عندنا من إسراعك في هذا الأمر منذ أسلمت فقال عمّار : ما رأيت منكما منذ أسلمتما أمراً أكره عندي من إبطائكم عن هذا الأمر ، وكساهما حلّةً حلّة ، ثمّ راحوا إلى المسجد .

حدّثنا عبدان ، عن أبي حمزة ، عن الأعمش ، عن شقيق بن سلمة : كنت جالساً مع أبي مسعود وأبي موسى وعمّار ، فقال أبو مسعود : ما من أصحابك أحدٌ إلاّ لو شئت لقلت فيه ، غيرك ، وما رأيت منك شيئاً منذ صَحِبْتَ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعيَب عندي من استسراعك في هذا الأمر قال عمّار : يا أبا مسعود ، وما رأيت منك ولا من صاحبك هذا شيئاً ، منذ صحبتما النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعيَب عندي من إبطائكما في هذا الأمر فقال أبو مسعود وكان موسراً ـ : يا غلام ! هات حلّتين ، فأعطى إحداهما أبا موسى والأُخرى عمّاراً وقال : روحا فيه إلى الجمعة )(٢) .

وقال الحاكم :

( أخبَرنا عبد الرحمان بن الحسن القاضي بهَمَدان ، حدّثنا إبراهيم بن الحسين ، حدّثنا آدم بن أبي أيَاس ، حدّثنا شعبة ، عن عمرو بن مرّة ، عن أبي

ـــــــــــــــــــ

(١) الإمامة والسياسة ١ : ٦٥ ـ ٦٦ .

(٢) صحيح البخاري ٩ : ٧٠ ـ ٧١ كتاب الفتن .


وائل قال : دخل أبو موسى الأشعري وأبو مسعود البدري على عمّار وهو يستنفر النّاس ، فقالا له : ما رأينا منك أمراً منذ أسلمت أكره عندنا مِن إسراعك في هذا الأمر فقال عمّار : ما رأيت منكما منذ أسلمتما أمراً أكره عندي من إبطائكما عن هذا الأمر ) (١) .

وأخرج أيضاً :

( عن الشعبي قال : لمّا قتل عثمان وبُويع لعليّرضي‌الله‌عنه ما ، خطب أبو موسى وهو على الكوفة ، فنهى النّاس عن القتال والدخول في الفتنة ، فعزله عليٌّ عن الكوفة من ذي قار ، وبعث إليه عمّار بن ياسر والحسن بن عليّ فعزلاه )(٢) .

وفيما فعل أبو موسى من الوقاحة والتجاسر والافتراء والكذب ، ما لا يخفى ، ولا بأس لتوضيح شناعة موقفه بأنْ نقول :

أوّلاً : ذكر المسعودي ـ وعنه سبط ابن الجوزي ـ أنّه لمّا خذّل أبو موسى الناس ، كتب الإمامعليه‌السلام إليه :

( انعزِل عن هذا الأمر مذموماً مدحوراً ، فإنْ لم تفعل ، فقد أمرت من يقطّعك إرباً إرباً ، يا ابن الحائك ، ما هذا أوّل هناتك ، وإنّ لك لهنات وهنات .

ثمّ بعث عليٌّ الحسن وعمّاراً إلى الكوفة ، فالتقاهما أبو موسى ، فقال له الحسن : لم ثبّطت القوم عنّا ؟ فو الله ما أردنا إلاّ الإصلاح فقال : صدقت ، ولكنّي سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول :( ستكون فتنة ، يكون القاعد فيها خيراً من القائم ، والماشي خيراً من الراكب ) فغضب عمّار

ـــــــــــــــــــ

(١) المستدرك على الصحيحين ٣ : ١١٧ .

(٢) المستدرك على الصحيحين ٣ : ١١٧ .


وسبّه ) (١) .

فلقد وصفه الإمامعليه‌السلام بوصف أهل النّار ، قال تعالى :( مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً ) (٢) وقال :( لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَـهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً ) (٣) .

وقال :( ...وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً ) (٤) .

قال في ( تفسير الجلالين ) : ( [مذموماً] ملوماً [مدحوراً] مطروداً عن الرحمة )(٥) .

وفي كتاب ( النهاية في غريب الحديث ) : ( في حديث عرفة : ما مِن يوم إبليس فيه أدحر ولا أدحق منه في يوم عرفة ، الدحر: الدفع بعنف على سبيل الإهانة والإذلال ، والدحق : الطّرد والإبعاد )(٦) .

وفيه :

( وأصل اللّعن : الطرد والإبعاد من الله )(٧) .

وقال الفخر الرازي بتفسير الآية :( مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةََ.. ) :

( قال القفّال رحمه الله : هذه الآية داخلة في معنى قوله :( وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ... ) ومعناه : أنّ الكمال في الدّنيا قسمان ، فمنهم من يريد

ـــــــــــــــــــ

(١) مروج الذهب ٣ : ١٠٤/ ١٦٣٠ ( بنحوه ) تذكرة خواص الأُمّة : ٧٠ .

(٢) سورة الإسراء ١٧ : ١٨ .

(٣) سورة الإسراء ١٧ : ٢٢ .

(٤) سورة الإسراء ١٧ : ٣٩ .

(٥) تفسير الجلالين ط ذيل تفسير البيضاوي ١ : ٥٨١ .

(٦) النهاية في غريب الحديث والأثر ٢ : ١٠٣ ( دحر ) .

(٧) النهاية في غريب الحديث والأثر ٤ : ٢٥٥


بالذي يعمله الدنيا ومنافعها والرياسة فيها ، فهذا يأنف من الانقياد للأنبياء ( عليهم الصلاة والسلام ) ، والدخول في طاعتهم والإجابة لدعوتهم ، إشفاقاً من زوال الرياسة عنه ، فهذا قد جعل طائر نفسه شؤماً ؛ لأنّه في قبضة الله تعالى ، فيُؤتيه الله في الدنيا منها قدَراً لا كما يشاء ذلك الإنسان ، بل كما يشاء الله ، إلاّ أنّ عاقبته جهنّم يُدخله فيها فيصلاها مذموماً ملوماً مدحوراً منفيّاً مطروداً من رحمة الله تعالى .

وفي لفظ هذه الآية فوائد :

الفائدة الأُولى : إنّ العقاب عبارة عن مضرّة مقرونة بالإهانة والذمّ ، بشرط أنْ تكون دائمة وخالية عن شوب المنفعة فقوله :( ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا.. ) إشارة إلى المضرّة العظيمة ، وقوله :( مَذْمُوماً ) إشارة غلى الإهانة والذم ، وقوله :( مَّدْحُوراً ) إشارة إلى البُعد والطرد عن رحمة الله ، وهي تفيد كون تلك المضرّة خالية عن شوب النفع والرحمة ، وتفيد كونها دائمة وخالية عن التبدّل بالراحة والخلاص )(١) .

وقال أبو البركات النسفي بتفسيرها :

( مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء... ) لا ما يشاء( لِمَن نُّرِيدُ ) بدل من له بإعادة الجار ، وهو بدل البعض من الكلّ ، إذ الضمير يرجع إلى من ، أي من كانت العاجل همّه ولم يرد غيرها كالكفرة ، تفضّلنا عليه من منافعها بما نشاء لمن نريد ، فقيّد المعجّل بمشيّته والمعجّل له بإرادته ، وهكذا الحال ، ترى كثيراً من هؤلاء يتمنّون ما يتمنّون ولا يعطون إلاّ بعضاً منه ، وكثيراً منهم يتمنّون ذلك البعض وقد حرموه ، فاجتمع عليهم فقر الدّنيا وفقر الآخرة ، وأمّا

ـــــــــــــــــــ

(١) تفسير الرازي ٢٠ : ١٧٨ .


المؤمن التقي ، فقد اختار غنى الآخرة ، فإنّ أُوتي حظّاً من الدنيا فبها ، وإلاّ فربّما كان الفقر خيراً له ( ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ ) في الآخرة ( يَصْلاهَا ) يدخلها ( مَذْمُوماً ) ممقوتاً ( مَّدْحُوراً ) (١) .

وقال البغوي :

( وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ ) خاطب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذه الآيات ، والمراد منه الأُمّة( فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً ) مطروداً مُبعَداً من كلّ خير )(٢) .

( ثمّ إنّه تعالى ذكر في الآية الأُولى : أنّ الشرك يُوجب أنْ يكون صاحبُه مذموماً مخذولاً ، وذكر في الآية الأخيرة : أنّ الشرك يُوجب أنْ يُلقى صاحبه في جهنّم ملوماً مدحوراً ، فاللّوم والخذلان يحصل في الدنيا ، وإلقاؤه في جهنّم يحصل يوم القيامة .

ويجب علينا أنْ نذكر الفرق بين المذموم والمخذول ، وبين الملوم المدحور فنقول : أمّا الفرق بين المذموم وبين الملوم ، فهو أنّ كونه مذموماً معناه أنْ يُذكر له أنّ الفعل الذي أقدم عليه قبيحٌ ومنكر، فهذا معنى كونه مذموماً ، وإذا ذُكر له ذلك فبعد ذلك يقال له : لمَ فعلت مثل هذا الفعل ؟ وما الذي حملك عليه ؟ وما استفدت من هذا العمل إلاّ إلحاق الضرر بنفسك ، وهذا هو اللّوم ، فثبت أنّ أوّل الأمر هو أنْ يصير مذموماً ، وآخره أنْ يصير

ـــــــــــــــــــ

(١) تفسير النسفي = مدارك التنزيل ١ : ٧٠٩ .

(٢) تفسير البغوي = معالم التنزيل ٣ : ٤٩٧


ملوماً ، وأمّا الفرق بين المخذول وبين المدحور ، فهو أنّ المخذول عبارة عن الضعيف ، يُقال : تخاذلت أعضاؤه أي ضَعُفت ، وأمّا المدحور فهو المطرود ، والطرد عبارة عن الاستخفاف والإهانة ، قال تعالى : ( وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً ) ، فكونه مخذولاً عبارة عن ترك إعانته وتفويضه إلى نفسه ، وكونه مدحوراً عبارة عن إهانته والاستخفاف به ) (١) .

وأيضاً : فقد ورد أنّ الإمامعليه‌السلام قال عن أبي موسى :( هو عندي غير مأمون ، وقد هرب منّي ) قال سبط ابن الجوزي في خبَر قضيّة التحيكم :

( ولمّا فعل معاوية ما فعل قال : نبعث حكماً نرتضي به ، وابعثوا أنتم حكماً ترضون به ، فاختار أهل الشام عمرو بن العاص، وأختار أهل العراق أبا موسى الأشعري ، فقال عليّعليه‌السلام :( لا أرضى به ، وهو عندي غير مأمون ، وقد هرب منّي ، وخذّل النّاس عنّي ، ولكنْ هذا ابن عبّاس ) (٢) .

وكما تكلّم الإمامعليه‌السلام في أبي موسى بما تقدّم ونحوه ، كذلك تكلّم في سعد بن أبي وقّاص ، لتخلّفه عنه وتركه نصرته ، قال الحاكم :

( وأمّا ما ذكر من اعتزال سعد بن أبي وقّاص عن القتال ، فحدّثَناه أبو زكريّا يحيى بن محمّد العنبري ، ثنا إبراهيم بن أبي طالب ، ثنا عليّ بن المنذر ، ثنا ابن فُضيل ، ثنا مسلم الملائي ، عن خيثمة بن عبد الرحمان قال : سمِعت سعد بن مالك ، وقال له رجل : إنّ عليّاً يقع فيك إنّك تخلَّفت عنه ، فقال سعد : والله إنّه لرأيٌ رأيته وأخطأ رأيي ، إنّ عليّ بن أبي طالب أُعطي ثلاثاً ، لأنْ أكون أُعطيت إحداهنّ أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها :

ـــــــــــــــــــ

(١) تفسير الرازي ٢٠ : ٢١٤.

(٢) تذكرة خواص الأُمّة : ٩٣.


لقد قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم غدير خم بعد حمد الله والثناء عليه : ( هل تعلمون أنّي أولى بالمؤمنين ) ؟ قلنا : نعم قال : ( اللّهمّ من كنت مولاه فعليّ مولاه ، والِ من والاه وعادِ من عاداه ) .

وجيء به يوم خير وهو أرمد ما يُبصر ، فقال :( يا رسول الله ، إنّي أرمد ) ، فتفل في عينيه ودعا له ، فلم يرمد حتّى قُتل ، وفتح عليه خيبر .

وأخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عمّه العبّاس وغيره من المسجد ، فقال له العبّاس : تُخرجنا ونحن عصبتك وعمومتك وتُسكن عليّاً ؟ ! فقال :( ما أنا أخرجتكم وأسكنته ، ولكنّ الله أخرجكم وأسكنه ) (١) .

ثانياً : إنّ سبّ عمّار بن ياسر أبا موسى الأشعري دليلٌ آخر على كفر أبي موسى ؛ لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال ـ كما في البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة ـ :( سُباب المسلم فسوق ) (٢) ، فلا يجوز سبّ المسلم على الإطلاق ، فكيف بالصّحابي ، فلو كان لأبي موسى حظّ من الإسلام لَما جاز سبّه أصلاً .

ثالثاً : إنّ ترك أبي موسى نصرة الإمامعليه‌السلام وتخذيله الناس عن القتال معه ونصرته ، يُشمله قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعليّ :( اللّهمّ والِ من والاه وعادِ من عاداه ، وانصر من نصره واخذل من خذله ) ، أخرجه الطبراني عن عمرو بن مرّة وزيد بن أرقم وحبشي بن جنادة مرفوعاً بلفظ :( اللهّم مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه ، اللّهمّ والِ من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر

ـــــــــــــــــــ

(١) المستدرك على الصحيحين ٣: ١١٦ ـ ١١٧ كتاب معرفة الصحابة.

(٢) جامع الاصول ١٠: ٦٧ و٧٦٠/ ٧٥٣٥ و٨٤٣٧.


من نصره ، وأعن من أعانه ) (١) .

وأخرجه الحاكم بإسناده عن جابر بن عبد الله يقول : ( سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم [يقول يوم الحديبيّة] ـ وهو آخذٌ بضبع عليّ بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه ـ وهو يقول :( هذا أميرُ البرَرَة ، [و] قاتل الفجَرَة ، منصورٌ من نصَرَه ، [و] مخذولٌ من خذله ) ثمّ مدّ بها صوته هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يُخرجاه )(٢) .

رابعاً : لقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( إنّي تاركٌ فيكم الثقلين ، ما إنْ تمسّكتم بهما لنْ تضلّوا بعدي ، أحدهما أعظم من الآخر ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي ) وهو حديث صادر عنه قطعاً وقد اعترف بذلك كبار أهل السنّة من القدماء والمتأخّرين ، وحتّى الدهلوي صاحب ( التحفة الاثني عشريّة ) ، وأضاف أنّ كلّ عقيدةٍ أو عملٍ مخالف للثقلين فهو باطل ، ومن أنكرهما فهو ضالٌّ خارج من الدين ، وهذه ترجمة كلامه في الباب الرابع من كتابه :

( واعلم أنّه قد ثبت باتّفاق الفريقين ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( إنّي تاركٌ فيكم الثقلين ، ما إنْ تمسّكتم بهما لنْ تضلّوا بعدي ، أحدهما أعظم مِن الآخر ، كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ) . وقد أفاد أنّ النبيّ قد دلّنا في معالم الدين وأحكام الشرع على هذين الأمرين العظيمين ، فكلّ مذهبٍ خالفهما في الأمور الشرعيّة سُواء في العقيدة أم العمل فهو باطل ولا اعتبار به ، وكلّ مَن أنكرهما

ـــــــــــــــــــ

(١) المعجم الكبير ٤ : ١٧/ ٣٥١٤ ، و٥ : ١٧١/ ٤٩٨٥ .

(٢) المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٢٩ كتاب معرفة الصحابة


فهو ضالّ وخارج من الدّين ) (١) .

ولا شكّ أنّ أبا موسى الأشعري قد خالف الثقلين ، فكان من الخارجين عن الدين والداخلين في زمرة الضالّين الهالكين .

خامساً : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( مثَل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوحٍ ، مَن ركبها نجا ، ومن تخلّف عنها غرق ) ، وهو كذلك من الأحاديث الثابتة الصدور عنه عند الفريقين ، وقد قال الدهلوي في ( التحفة ) ، في مقام الردّ على استدلال أصحابنا بهذا الحديث على الإمامة العامّة والولاية المطلقة ـ لأمير المؤمنينعليه‌السلام ـ ما تعريبه :

( إنّ هذا الحديث لا يدلّ إلاّ على إناطة الفلاح والهداية بحبّهم واتّباعهم ، وأنّ التخلّف عن ذلك مُوجبٌ للهلاك )(٢) .

ومن الواضح : أنّ حال أبي موسى الأشعري ، ليس إلاّ التخلّف عن أهل البيت والمخالفة لهم ، فيكون من الضالّين الهالكين .

سادساً : إنّه لم يكن تخلّف أبي موسى عن أهل البيتعليهم‌السلام ، ومخالفته لهم في ترك النصرة وتخذيل النّاس فقط ، بل تكلّم بكلماتٍ كشَف فيها عن نصبه وعناده لأهل البيت ، بما لا يقبل الحمل والتأويل ، فكان من الهالكين والخاسرين ، وقد اعترف بذلك سائر العلماء من أهل السنّة حتّى المتعصّبون منهم...

سابعاً : لقد عصى أبو موسى أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ومن عصاه فقد عصى رسول الله ، ومن عصى رسول الله فقد عصى الله تعالى... وفي ذلك

ـــــــــــــــــــ

(١) التحفة الاثنا عشريّة ، الباب الرابع : ١٣٠.

(٢) التحفة الاثنا عشريّة ، الباب السابع : ٢١٩.


أحاديث صحيحة عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد أخرج الحاكم بإسناده عن أبي ذر رضي‌الله‌عنه قال : ( قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن أطاع عليّاً فقد أطاعني، ومن عصى عليّاً فقد عصاني ) قال الحاكم : هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يُخرجاه ) (١) .

ثامناً : إنّه قد فارق أبو موسى أمير المؤمنينعليه‌السلام بتركه نصرته والتخلّف عنه ، وقد نصّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على أنّ من فارَق عليّاً فقد فارق الله ورسوله :

أخرج الحاكم بإسناده عن أبي ذررضي‌الله‌عنه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعليّ :( من فارقني فقد فارق الله ، ومن فارقك فقد فارقني ) (٢) .

تاسعاً : إنّ من الواضح أنّ أبا موسى قد آذى بأفعاله وأقواله عليّاً أمير المؤمنين ، وهذا ممّا لا يرتاب فيه مُرتاب ولا يشكّ فيه أحدٌ من أُولي الألباب ، وإيذاء عليّ إيذاء رسول الله ، وإيذاؤه يُوجب الدخول في النّار .

أخرج الحاكم بإسناده عن عمرو بن شاس الأسلمي ، قال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ في حديث ـ :( يا عمرو ، أما والله لقد آذيتني ) .

فقلت : أعوذ بالله أن أُُوذيك يا رسول الله ! قال :( بلى ، من آذى عليّاً فقد آذاني ) قال الحاكم : ( هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يُخرجاه )(٣) .

ـــــــــــــــــــ

(١) المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٢١ كتاب معرفة الصحابة .

(٢) المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٤٦ كتاب معرفة الصحابة .

(٣) المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٢٢ كتاب معرفة الصحابة .


العاشر : لقد خالف أبو موسى رسول الله ، وعصى أوامرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالقتال مع أمير المؤمنين ، في حروبه مع الناكثين والقاسطين والمارقين :

أخرج الحاكم بإسناده : أنّ أبا أيّوب الأنصاري قال في زمان عمر بن الخطّاب : ( أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليّ بن أبي طالب بقتال الناكثين ، والقاسطين ، والمارقين )(١) .

وأخرج عنه أنّه قال :( سمعت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول لعليّ بن أبي طالب :( تُقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ، بالطرقات ، والنهروانات ، وبالسعفات ) ، قال أبو أيّوب : قلت : يا رسول الله ، مع من نقاتل هؤلاء الأقوام ؟ قال :( مع عليّ بن أبي طالب )) (٢) .

وأخرج البغوي عن ابن مسعود قال : ( خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأتى منزل أُمّ سلمة ، فجاء عليّ ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( يا أُمّ سلمة ، هذا ـ والله ـ قاتل القاسطين ، والناكثين والمارقين من بعدي ) (٣) .

وروى المتّقي حديث ابن مسعود المذكور ، عن الحاكم في الأربعين وابن عساكر(٤) .

وروى عن ابن عساكر عن زيد بن عليّ بن الحسين بن علي ، عن أبيه ، عن جدّه عن عليّ قال :( أمرني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقتال الناكثين

ـــــــــــــــــــ

(١) المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٣٩ كتاب معرفة الصحابة .

(٢) المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٤٠ كتاب معرفة الصحابة .

(٣) شرح السنّة ١٦٨/ ٢٠٠٩ كتاب قتال أهل البغي الباب ١ .

(٤) كنزل العمّال ١٣ : ١١٠/ ٣٦٣٦١ .


والمارقين والقاسطين ) (١) .

وأوضح ابن طلحة الشافعي معنى الحديث ـ بعد أنْ رواه عن البغوي عن ابن مسعود ـ بقوله :

( ذكر في هذا الحديث فِرَقاً ثلاثة ً، صرّح بأنّ عليّاًعليه‌السلام يُقاتلهم من بعده ، وهُم الناكثون ، والقاسطون والمارقون ، وهذه الصفات التي ذكرها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد سمّاهم بها ، مُشيراً إلى أنّ وجود كلّ صفةٍ منها في الفرقة المختصّة بها علّةٌ لقتالهم مسلّطة عليه ، وهؤلاء الناكثون هُم الناقضون عقد بيعتهم الموجِبة عليهم الطاعة والمتابعة لإمامهم الذي بايعوه حقّاً ، فإذا نقضوا ذلك وصدفوا عن طاعة إمامهم ، وخرجوا عن حكمه ، وأخذوا في قتاله بغياً وعناداً ، كانوا ناكثين باغين ، فتعيَّن قتالهم ، كما اعتمده طائفة فمن تابع عليّاًعليه‌السلام وبايعه ثمّ نقض عهده وخرج عليه ـ وهم أصحاب واقعة الجمل ـ فقاتلهم عليّعليه‌السلام ، فهم الناكثون... )(٢) .

حديث خاصف النعل

هذا ، وقد وردت عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحاديثٌ كثيرة ـ غير ما ذُكر ـ في كون عليّعليه‌السلام مأموراً بالقتال مع هؤلاء ، ومصيباً في حروبه...

منها :حديث خاصف النعل ... وقد أخرجه من كبار الأئمّة والحفّاظ :

الحاكم في (المستدرك).

ـــــــــــــــــــ

(١) كنز العمّال ١٣ : ١١٢ ـ ١١٣/ ٣٦٣٦٧ .

(٢) مطالب السؤول : ١٠٤ ـ ١٠٥.


والنسائي في ( الخصائص ) .

وابن أبي شيبة في ( المصنّف ) .

وأحمد بن حنبل في ( المسند ) .

وأبو يعلى في ( المسند ) .

وابن حبّان في ( الصحيح ) .

وأبو نعيم في ( حلية الأولياء ) .

والضياء المقدسي في ( المختارة ) .

والذهبي في ( المعجم المختص ) .

والمُحب الطبري في ( الرياض النضرة ) و( ذخائر العقبى ) .

وابن مندة في ( كتاب الصحابة ) .

وابن الأثير في ( اُسد الغابة ) .

والزرندي في (نظم درر السمطين).

والبغوي في ( شرح السنّة ) .

والسيوطي في ( جمع الجوامع ) .

والمتقي في ( كنز العمّال ) .

ومحمّد بن معتمد خان البدخشاني في ( مفتاح النجا ) .

وابن طلحة الشافعي في ( مطالب السئول ) .

ولنذكر نصوص رواياتهم مع الاختصار :

أخرج الحاكم :( عن أبي سعيد الخدري قال : كنّا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فانقطعت نعله ، فتخلّف عليّ ، يصلحها ، فمشى قليلاً ثمّ قال :( إنّ منكم من يُقاتل على تأويل القرآن ، كما قاتلتُ على تنزيله ) ، فاستشرف لها القوم ـ وفيهم أبو بكر وعمر ـ قال أبو بكر : أنا هو ؟

قال :( لا ) ، قال عمر : أنا هو ؟ قال :( لا ، ولكن خاصف النعل ) ـ يعني عليّاً ـ فأتينا فبشّرناه ، فلم يرفع به رأسه ، كأنّه قد كان سمعه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .


هذا حديثٌ صحيح على شرط الشيخين ، ولم يُخرجاه) (١) .

وترجم ابن الأثير ( عبد الرحمان بن بشير ) فأسند عنه قال :

( كنّا جلوساً عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ قال :( ليضربنّكم رجلٌ على تأويل القرآن ، كما ضربتكم على تنزيله ) ، فقال أبو بكر : أنا هو ؟ قال :( لا ) , قال عمر : أنا هو ؟ قال :( لا ، ولكن خاصف النعل ) ، وكان عليّ يخصف نعل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخرجه الثلاثة) (٢) .

وأخرج النسائي بإسناده عن أبي سعيد الخدري قال :

( كنّا جلوساً ننتظر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فخرج إلينا وقد انقطع شسع نعله ، فرمى بها إلى عليّ فقال :( إنّ منكم مَن يُقاتل على تأويل القرآن ، كما قاتلت على تنزيله ) ، فقال أبو بكر : أنا ؟ فقال :( لا ) ، فقال عمر : أنا ؟ فقال :( لا ، ولكن خاصف النعل )) (٣) .

وفي ( المسند ) : ( عن أبي سعيد الخدري : كنّا جلوساً في المسجد ، فخرج علينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعليّ في بيت فاطمة ، فانقطع شسع نعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأعطاه عليّاً يصلحها ، ثمّ جاء فقام علينا فقال... )(٤) .

ـــــــــــــــــــ

(١) المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٢٣ كتاب معرفة الصحابة .

(٢) اُسد الغابة في معرفة الصحابة ٣ : ٣٢٥/ ٣٢٧١ .

(٣) خصائص علي : ٢١٩/ ١٥٦ .

(٤) مسند أحمد بن حنبل ٣ : ٥٠١/ ١١٣٦٤ بنحوه .


وأورد العلاّمة الحلّي هذا الحديث في ( نهج البلاغة ) محتجّاً به ، فقال ابن روزبهان عند الجواب : ( قد صحّ هذا الحديث )(١) .

ورواه الذهبي في ( المعجم المختص ) بترجمة ( عبد الله بن محمّد بن أحمد ابن المطري ) بإسنادٍ فيه جماعة من الأعلام الحفّاظ... ( عن أبي سعيد الخدري قال : خرج علينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ونحن في المسجد في نحو سبعين من أصحابه ، كأنّ على رؤوسنا الطير فقال :( إنّ رجلاً منكم يُقاتل الناس على تأويل القرآن ، كما قاتلتهم على تنزيله ) ، فقال أبو بكر : أنا ؟ فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( هو خاصف النعل بالحجرة ) ، فخرج علينا عليّ من الحجرة وفي يده نعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصلحها أو يخصفها )(٢) .

وهو في ( كنز العمّال ) عن أبي سعيد باللّفظ المذكور : عن ابن أبي شيبة في المصنّف ، وأحمد في المسند ، وأبي يعلى في المسند ، وابن حبّان في الصحيح ، والحاكم في المستدرك ، وأبي نعيم في الحلية ، والضياء في المختارة(٣) .

وكذلك البدخشي ، رواه عن الجماعة والبغوي في شرح السنّة ، عن أبي سعيد الخدري ، وأضاف : ( وأخرج الحافظ أبو علي سعيد بن عثمان ابن السكن البغدادي في صحاحه ، عن الأخضر الأنصاريرضي‌الله‌عنه ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( أنا أُقاتل على تنزيل القرآن ، وعليّ يُقاتل على تأويله ) (٤) .

دلّ هذا الحديث على أنّ قتال أمير المؤمنينعليه‌السلام على تأويل

ـــــــــــــــــــ

(١) اُنظر : دلائل الصدق لنهج الحق ٢ : ٤٢٩ ـ ٤٣٠/١٧ .

(٢) المعجم المختص : ٩١/١٤٣ .

(٣) كنز العمّال ١٣ : ١٠٧ ـ ١٠٨/ ٣٦٣٥١ .

(٤) مفتاح النجا في مناقب آل العبا مخطوط


القرآن بعد حياة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إنّما يُعدّ من المناقب المختصّة به ، ومن خصائصه الجليلة التي قد تمنّاها أبو بكر وعمر وغيرهما من الصحابة... فكيف يجوز لأبي موسى الأشعري أو غيره أنْ يطعن في قتاله عليه‌السلام ، وحروبه التي خاضعها ضدّ الناكثين ، والقاسطين ، والمارقين ؟ وكيف يجوز لأحدٍ أنْ يسعى في حطّ مرتبة هذه الفضيلة والشرف العظيم الذي بشّر به رسول الله ؟ وكيف يجوز التعبير عن هذا القتال بأنّه كان للدنيا ؟

هذا ، ولا يخفى أنّ صاحب ( التحفة ) قد روى هذا الحديث ، وأورده في باب الإمامة ، مع إسقاط تمنّي أبي بكر وعمر ، وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لهما : لا (١) !

الحادي عشر : لقد خالف أبو موسى الأشعري النصوص الصريحة الواردة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أنّ الحقّ مع عليّ ، وأنّه لا يفارقه أبداً .

وقد أخرج هذه الأحاديث كبار الأئمّة الحفّاظ بأسانيدهم ، وقد ذكر البدخشي طرفاً منها في كتابه ( مفتاح النجا في مناقب آل العبا ) حيث قال :

( الفصل الثامن عشر ـ في قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الحق معه .

أخرج الترمذي عن عليّ كرّم الله وجهه قال :( قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : رحم الله عليّاً ، اللّهمّ أدر الحقّ معه حيث دار ) .

وأخرج أبو يعلى والضياء عن أبي سعيدرضي‌الله‌عنه : أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( الحقّ مع ذا ، الحقّ مع ذا ) ؛ يعني عليّا ً.

وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( الحق مع عليّ ، يزول معه حيث ما زال ) .

ـــــــــــــــــــ

(١) التحفة الاثني عشرية : ٢١٩، الباب السابع .


وفي رواية أُخرى عنها : عليّ مع الحقّ والحقّ معه .

وأخرج الطبراني في الكبير ، عن كعب بن عجرةرضي‌الله‌عنه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( يكون بين الناس فُرقةٌ واختلاف ، فيكون هذا وأصحابه على الحق ) ؛ يعني عليّاً .

وأخرج أبو نعيم ، عن أبي ليلى الغفاريرضي‌الله‌عنه ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( سيكون من بعدي فتنة ، فإذا كان ذلك فالزموا عليّ بن أبي طالب ؛ فإنّه الفاروق بين الحقّ والباطل ) .

وأخرج ابن مردويه ، عن عائشة رضي الله عنها: أنّها لمّا عُقر جملها ودخلت داراً بالبصرة ، فقال لها أخوها محمّد : أُنشدك الله ، أتذكرين يوم حدّثتني عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال :( الحقّ لنْ يزال مع عليّ وعليّ مع الحق ، لنْ يختلفا ولنْ يتفرقا ) ؟ قالت : نعم .

وأخرج عن أبي موسى الأشعريرضي‌الله‌عنه قال : أشهد أنّ الحقّ مع عليّ ، ولكن مالت الدنيا بأهلها ، ولقد سمعت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول له :( يا عليّ ، أنت مع الحق ، والحق بعدي معك ) .

وأخرج عن أُمّ سلمة رضي الله عنها قالت : كان عليّ على الحق ، من اتّبعه اتّبع الحق ، ومن تركه ترك الحق ، عهداً معهوداً قبل يومه هذا .

وأخرج عن شهر بن حوشب قال : كنت عند أُمّ سلمة رضي الله عنها فسلّم رجل ، فقيل : من أنت ؟ قال : أنا أبو ثابت مولى أبي ذر قالت : مرحباً بأبي ثابت اُدخل ، فدخل ، فرحّبت به وقالت : أين طار قلبك حين طارت القلوب مطائرها ؟ قال : مع عليّ بن أبي طالب قالت : وُفّقت ، والذي نفس أُمّسلمة بيده لسمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : ( عليٌّ مع القرآن والقرآن مع عليّ ، لنْ يفترقا حتّى يردا على الحوض ) ، ولقد بعثت ابني عمر وابن أخي عبد الله بن أبي أُميّة ، وأمرتهما أنْ يقاتلا مع عليّ من قاتَلَه ، ولولا أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمرنا أنْ نقرّ في حجالنا وفي بيوتنا ، لخرجت حتّى أقف في صفّ عليّ .


وأخرج عن عليّ كرّم الله وجهه قال :( قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا علي ، إنّ الحق ّمعك ، والحقّ على لسانك ، وفي قلبك وبين عينيك ) .

وأخرج عن عبيد الله بن عبد الله الكندي قال : حجّ معاوية ، فأتى المدينة وأصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم متوافرون ، فجلس في حلقةٍ بين عبد الله ابن عبّاس وعبد الله بن عمر ، فضرب بيده على فخذ ابن عبّاس ثمّ قال :

أما كنتُ أحقّ وأولى بالأمر من ابن عمّك ؟

قال ابن عبّاس : وبم ؟

قال : لأنّي ابن عمّ الخليفة المقتول ظلماً .

قال : هذا ـ يعني ابن عمر ـ أولى بالأمر منك ؛ لأنّ أبا هذا قتل قبل ابن عمّك .

قال : فانصاع عن ابن عبّاس وأقبل على سعد ، قال :

وأنت يا سعد ، الذي لم تعرف حقّنا من باطل غيرنا فتكون معنا أو علينا ؟

قال سعد : إنّي لمّا رأيت الظلمة قد غشيت الأرض ، قلت لبعيري هخ ، فأنخته حتّى إذا أسفرت مضيت .

قال : والله لقد قرأت المصحف يوماً بين الدفّتين ما وجدت فيه هخ .

فقال : أمّا إذا أبيت ، فإنّي سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقوللعلي : ( أنت مع الحق والحق معك ) .

قال : لتجيئنّي بمن معك أو لأفعلنّ ؟

قال : أُمّ سلمة .

قال : فقام وقاموا معه ، حتّى دخل على أُمّ سلمة .

قال : فبدأ معاوية فتكلّم فقال : يا أُمّ المؤمنين ، إنّ الكذّابة قد كثُرت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعده ، فلا يزال قائلٌ : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما لم يقُل ، وإنّ سعداً روى حديثاً زعم أنّك سمعته معه .

قالت : ما هو ؟

قال : زعم أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لعليّ :( أنت مع الحق والحق معك ) .

قالت : صدق ، في بيتي قاله .


فأقبل على سعد وقال : الآن ما ألوم ما كنت عندي ، والله لو سمعت هذا من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما زلت خادماً لعليّ حتّى أموت .

وأخرج الطبراني ـ في الأوسط والصغير ـ عن أُمّ سلمة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول :( عليٌّ مع القرآن والقرآن مع عليّ ، لا يفترقان حتّى يردا عليَّ الحوض ) .

وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها ، أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( الحقُّ مع عليّ وعليٌّ مع الحق ، لنْ يفترقا حتّى يردا علَيّ الحوض ) .

وأخرج الديلمي عن عمّار بن ياسر وأبي أيّوبرضي‌الله‌عنه ما ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لعمّار :( يا عمّار ، إنْ رأيت عليّاً قد سلَك وادياً وسلَك النّاس وادياً غيره ، فاسلك مع عليّ ودع النّاس ؛ إنّه لنْ يدلّك على الردَى ، ولنْ يُخرجك من الهدى ) .

وأخرج الحاكم عن أبي ذررضي‌الله‌عنه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( من أطاعني فقد أطاع الله عزّ وجلّ ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومَن أطاع عليّاً فقد أطاعني ، ومَن عصى عليّاً فقد عصاني ) .

وأخرج الطبراني في الكبير عن ابن عمررضي‌الله‌عنه ما قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( مَن فارق عليّاً فارقني ، ومَن فارقني فارق الله ) .


وفي رواية الحاكم عن أبي ذررضي‌الله‌عنه مرفوعاً بلفظ :( مَن فارقك يا عليُّ فقد فارقني ، ومَن فارقني فقد فارق الله ) (١) .

وقال الشيخ عبد الحقّ الدهلوي في ( رجال المشكاة ) :

( ووردت أحاديثٌ كثيرةٌ في حقّانيّتهِ وعدم مفارقته للحق قطعاً .

أخرج الحاكم ـ وصحّحه ـ عن عليّرضي‌الله‌عنه قال :( بعثني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى اليمن ، فقلت : يا رسول الله ، بعثتني [رسولاً] وأنا شابٌّ أقضي بينهم ، ولا أدري ما القضاء ؟ فضرَب في صدري ثمّ قال : اللّهمّ اهدِ قلبه وثبّت لسانه فو الذي فلق الحبّة ماشكَكْتُ في قضاءٍ بين اثنين ) .

وأخرج الحاكم ـ بسندٍ صحيح ـ عن أبي سعيد الخدريرضي‌الله‌عنه ، أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لعليّ :( إنّكَ تُقاتل على تأويلِ القرآن ، كما قاتلتُ على تنزيله ) .

وأخرج الطبراني ـ في الأوسط والصغير ـ عن أمّ سلمة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول :( عليٌّ مع القرآن والقرآن مع عليّ ، لا يفترقان حتّى يردا علَيّ الحوض ) .

ـــــــــــــــــــ

(١) مفتاح النجا في مناقب آل العبا ، الفصل ١٨ ـ مخطوط


وأورد السيوطي في جمع الجوامع ، من رواية الحديث ، عن أنُس قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( أنا وهذا حجّة يوم القيامة ) . يعني عليّاً .

وأورد الطبراني عن سلمان وأبي ذر معاً ، والعقيلي في الضعفاء ، وابن عدي في الكامل عن حذيفة ، أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( إنّ هذا أوّل من آمن بي ، وهو أوّل مَن يُصافحني يوم القيامة ، وهذا الصدّيق الأكبر ، وهذا فاروق هذه الأُمّة ؛ يفرّق بين الحقّ والباطل ، وهذا يعسوب المسلمين ، والمال يعسوب الظالمين ) ؛ قاله لعليّ .

إلى غير ذلك من الأحاديث) .

وقال الدهلوي في( إزالة الخفاء ) :

( أخرج الحاكم عن أبي ذر قال : قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( يا عليّ ، مَن فارقني فقد فارق الله ، ومَن فارقك يا عليّ فقد فارقني ) .

وأخرج الحاكم عن أُمّ سلمة رضي الله عنها : ( سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول :( عليٌّ مع القرآن والقرآن مع عليّ ، لنْ يفترقا حتّى يردا علَيّ الحوض ) .

وأخرج الحاكم عن عليّ قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( رحم الله عليّاً ، اللّهمّ أدر الحقّ معه حيث دار)) (١) .

وفي( كنز العمّال ) :

( تكون بين النّاس فُرقةٌ واختلاف ، فيكون هذا وأصحابه على الحقّ ) .

ـــــــــــــــــــ

(١) إزالة الخفاء في تاريخ الخلفاء ، عن المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٢٤ .


يعني عليّاً عن كعب بن عجرة )(١) .

وفي ( مودّة القربى ) .

عن النبيّ : (أوّل ثلمة في الإسلام مخالفة عليّ ) (٢) .

وفي( الاكتفاء ) لليمَني الوصابي الشافعي :

( فصل فيما جاء من الأخبار أنّ عليّ بن أبي طالب على الحق .

عن أُمّ المؤمنين أُمّ سلمةرضي‌الله‌عنه ا قالت : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( عليٌّ مع القرآن والقرآن مع عليّ ) . أخرجه أبو يعلى في المسند ، والضياء في المختارة .

وعن أبي سعيدرضي‌الله‌عنه ، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( الحقّ مع ذا ، الحق مع ذا ) ، مشيراً إلى عليّ بن أبي طالب أخرجه أبو يعلى في المسند ، والضياء في المختارة .

وعن كعب بن عجرةرضي‌الله‌عنه أنّ رسول الله قال :( سيكون بين يدَي السّاعة فُرقةٌ واختلاف ، فيكون هذا ـ مشيراً إلى عليّ بن أبي طالب ـوأصحابه على الحق ) . أخرجه الطبراني في الكبير.

وعن أبي ليلى الغفاري قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( سيكون بعدي فتنة ، فإذا كان ذلك فالزموا عليّ بن أبي طالب ، فإنّه الفاروق بين الحق والباطل ) . أخرجه أبو نعيم في المعرفة.

وعن ابن عبّاسرضي‌الله‌عنه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعليّ بن أبي طالب :( أما إنّك ستلقى بعدي جهداً قال : في سلامةٍ مِن ديني ؟ قال : نعم ) . أخرجه الحاكم في المستدرك.


وعنه ـ يعني أنّ عليّرضي‌الله‌عنه قال ـ :

( قال لي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لولا أنْ تقول فيك طوائف من أُمتي ما قالت النصارى في المسيح ، لقُلتُ فيك قولاً ، ثمّ لا تمرّ بملأٍ إلاّ أخذوا مِن تراب رجليك وفضل طهورك أو يستشفون بك ، وحسبك أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي ، وإنّك تُبرئ ذمّتي وتُقاتل على سنّتي ، إنّك في الآخرة معي ، وإنّك على الحوض خليفتي ، وإنّك أوّل من يُكسى معي ، وإنّك أوّل مَن يدخل الجنّة من أُمّتي ، وإنّ مُحبّيك على منابر من نورٍ مُبيضّةً وجوههم ، أشفع لهم ويكونوا غداً جيراني ، وإنّ حربك حربي وسلمك سلمي ، وسرّك سرّي وعلانتيك علانيتي ، وأمرك أمري وسريرة صدرك كسريرة صدري ، وإنّ ولدك ولدي ، وأنت مُنجز عداتي ، وإنّ الحقّ معك وعلى لسانك وفي قلبك وبين عينيك ، والإيمان مخالطٌ بلحمك ودمك كما خالط لحمي ودمي ، وإنّه لنْ يرد على الحوض مُبغضٌ لك ، ولا يغيب عنك مُحبّ لك حتّى ترد الحوض معي ) .

قال : فخَرّ عليٌّرضي‌الله‌عنه ساجداً ثمّ قال :( الحمد لله الذي أنعم علَيّ بالإسلام ، وعلّمني القرآن ، وحبّبني إلى خير البريّة خاتم النبيّين وسيّد المرسلين ، إحساناً منه وتفضّلاً ) أخرجه ابن أُسبوع الأندلسي في كتابه الشفاء) (١) .

وقال البدخشي في( نُزل الأبرار ) وقد التزم فيه بالصحّة :

( أخرج أبو علي والضّياء عن أبي سعيدرضي‌الله‌عنه ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

ـــــــــــــــــــ

(١) الاكتفاء في مناقب الخلفاء ـ مخطوط .


قال : ( الحقّ مع ذا ، الحقّ مع ذا ) ، يعني علي بن أبي طالب ) (١) .

وفي ( كنز العمّال ) :

(الحقّ مع ذا ، الحقّ مع ذا ، يعني عليّاً. ع ص عن أبي سعيد )(٢) .

وفي ( مودّة القربى ) :

( عن ابن عبّاسرضي‌الله‌عنه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( يا ابن عبّاس ، عليك بعليّ ، فإنّ الحقّ على لسانه وإنّ النفاق بجانبه ، إنّ هذا قفل الجنّة ومفتاحها ، وقفل النّار ومفتاحها ، به يدخلون الجنّة وبه يدخلون النّار)) (٣) .

وقال الراغب الأصفهاني في( كتاب المحاضرات ) في فضائل سيّدنا أمير المؤمنين ( عليه الصلاة والسلام ) :

( وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( الحقّ مع عليّ وعليّ مع الحقّ ، لنْ يزولا حتّى يردا عليّ الحوض)) (٤) .

وفي ( الصواعق المُحرقة ) :

( الحديث الحادي والعشرون : أخرج الطبراني في الأوسط والصغير ، عن أمّ سلمة قالت : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول :( علي مع القرآن والقرآن مع علي ، لا يفترقان حتّى يردا علَيّ الحوض )) (٥) .

وقال الحاكم النيسابوري :

( أخبرنا أبو بكر محمّد بن عبد الله الحفيد ، حدّثنا أحمد بن محمد بن

ـــــــــــــــــــ

(١) نزل الأبرار بما صحّ من مناقب أهل البيت الأطهار : ٢٤ .

(٢) كنزل العمّال ١١ : ٦٢١/ ٣٣٠١٨ .

(٣) مودّة القربى : ٢٧ ، عنه ينابيع المودّة ٢ : ٣١١ .

(٤) محاضرات الأدباء ٤ : ٤٧٨ .

(٥) الصواعق المحرقة ٢ : ٣٦١ .


نصر ، حدّثنا عمرو بن طلحة القنّاد الثقة المأمون ، حدّثنا عليّ بن هاشم بن البريد ، عن أبيه قال : حدّثني أبو سعيد التّميمي ، عن أبي ثابت مولى أبي ذر قال : كنت مع عليّ ( رضي‌الله‌عنه يوم الجمل ) ، فلمّا رأيت عائشة واقفة دخلني بعض ما يدخل النّاس ، فكشف الله عنّي ذلك عند صلاة الظهر ، فقاتلت مع أمير المؤمنين ، فلمّا فرغ ذهبت إلى المدينة فأتيت أُمّ سلمة فقلت : إنّي والله ما جئت أسأل طعاماً ولا شراباً ولكنّي مولىً لأبي ذر ، فقالت : مرحباً ، فقصَصْتُ عليها قصّتي فقالت : أين كنت حين طارت القلوب مطائرها ؟ قلت : إلى حيث كشف الله ذلك عنّي عند زوال الشمس قالت : أحسنت ، سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : ( عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ ، لنْ يتفرّقا حتّى يردا علّيّ الحوض ) . هذا حديثٌ صحيح الإسناد ، وأبو سعيد التيمي هو عقيصاء ، ثقة مأمون ولم يُخرجاه .

أخبرنا أحمد بن كامل القاضي ، حدّثنا أبو قلابة ، حدّثنا أبو عتاب سهل ابن حمّاد ، حدّثنا المختار بن نافع التميمي ، حدّثنا أبو حيّان التيمي ، عن أبيه عن عليّرضي‌الله‌عنه قال :( قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : رحم الله عليّاً ، اللّهمّ أدر الحقّ معه حيث دار ) . هذا حديثٌ صحيح على شرط مسلم ولم يُخرجاه) (١) .

دلّت هذه الأحاديث المتكثّرة على أنّ الحقّ ما فارق عليّاًعليه‌السلام ولا لحظةً من حياته المباركة ، وأنّ حُروبه كلّها كانت على الحق ، وأنّ من تخلّف عنه فقد فارق الحق وكان على الباطل...

وقد خالف أبو موسى مقتضى هذه الأحاديث طلباً للحطام ومخالفة للإمامعليه‌السلام ، ومن العجب أنّ أبا موسى نفسه أيضاً مِن رواة هذا المعنى عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما تقدّم... فما عذره عند الله ورسوله ممّا صنع ؟ بل الأشنع من ذلك تخذيله الناس عن الإمام ومنعه إيّاهم من نصرته ؟!

ـــــــــــــــــــ

(١) المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٢٤ كتاب معرفة الصحابة .


وأمّا ما اعتذر به من أنّه سمع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول :( ستكون فتنة...) فيُبطله الأحاديث المتقدّمة ، لاسيّما وأنّه من الرواة فيها...

وأيضاً ، فقد أبطله وردّ عليه الصحابي العظيم عمّار بن ياسر ، فيما أخرجه أبو يعلى وابن عساكر ، والمتّقي الهندي عنهما :

( عن أبي مريم قال : سمِعت عمّار بن ياسر يقول : يا أبا موسى ، أُنشدك الله ، ألم تسمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول :( من كذب عليَّ متعمّداً فيتبوّأ مقعده من النّار ) ؟ وأنا سائلك عن حديثٍ ، فإنْ صدقت وإلاّ بعثت عليك من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من يُقررك به ، أُنشدك الله ، أليس إنّما عناك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنت نفسك فقال :( إنّها ستكون فتنة بين أُمتي ، أنت ـ يا أبا موسى ـفيها نائماً خير منك قاعداً ، وقاعداً خيرٌ منك قائماً ، وقائماً خيرٌ منك ماشياً ) ، فخصّك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يعمّ النّاس ؟ فخرج أبو موسى ولم يرد عليه شيئاً ع ، كر ) أي : رواه أبو يعلى وابن عساكر(١) .

ـــــــــــــــــــ

(١) كنز العمّال ١١ : ٢٧٣/ ٣١٤٩٨ .


قصّة التحكيم

وذاك موقف آخر من مواقف بغضه وعناده لأمير المؤمنينعليه‌السلام

وتخلّفه عن الحق ، وسقوطه في دركات الجحيم :

روى سبط ابن الجوزي في قضيّة التحكيم :

( فقال عمرو ـ يعني لأبي موسى ـ قد أردتك أنْ تُبايع معاوية فأبيت ، فهلمّ بنا نخلع عليّاً ومعاوية ، ونجعل الأمر شورى يختار المسلمون من شاؤوا وقيل : إنّ الذي ابتدأ بذلك أبو موسى ، فقال عمرو : نعم ما رأيت ، فأخبر النّاس إنّا قد اتفقنا على أمر فيه صلاح هذه الأُمّة ثمّ قال : يا أبا موسى ، قم فتكلّم فقال أبو موسى : قم أنت فقال : أنت صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولا يسعني الكلام قبلك فقال عبد الله بن عبّاس : ويحك يا عبد الله بن قيس ، والله إنّي لأظنّ ابن النابغة قد خدعتك ـ وكان أبو موسى رجلاً مغفّلاً ـ فقال : إنّا قد اتفقنا ، فقال : أيّها النّاس ، إنّا نظرنا في هذا الأمر ، فلم نرَ أصلح للأُمة من خلْع عليّ ومعاوية ، ونستقبل الأُمّة بهذا الأمر فيولّوا عليهم مَن أحبّوا ، وإنّي قد خلعتهما ، ثمّ تنحّى )(١) .

وفي ( مفتاح النجا ) :

( واتّفق الحكَمَان على أنْ يخلعا عليّاً ، ويختارا للمسلمين خليفةً رضوا به ، وتفرّق النّاس على هذا )(٢) .

وقال اليافعي في( مرآة الجنان ) في وقائع سنة سبع وثلاثين :

( روي أنّه اجتمع في رمضان أبو موسى الأشعري ومَن معه من الوجوه ، وعمرو بن العاص ومَن معه كذلك بدومة الجندل للتحكيم ، فخلا عمرو بأبي موسى وخدعه وقال له : تكلّم قبلي ، فأنت أفضل وأكبر سنّاً منّي ، وأرى أنْ

ـــــــــــــــــــ

(١) تذكرة خواص الأُمّة : ٩٧ .

(٢) مفتاح النجا في مناقب آل العبا ـ مخطوط .


تخلع عليّاً ومعاوية ، ويختار المسلمون لهم رجلاً يجتمعون عليه ، فوافقه على هذا ولم يشعر بخدعه ، فلمّا خرجا وتكلّم أبو موسى وحكم بخلعهما ، قام عمرو بن العاص وقال : أمّا بعد ؛ فإنّ أبا موسى قد خلع عليّاً كما سمعتم ، وقد وافقته على خلعه ، وولّيت معاوية وقيل : إنّهما اتفقا على أنْ يصعد أبو موسى على المنبر ويُنادي : يا معشر المسلمين ، اشهدوا عليَّ أنّي قد خلعت عليّاً مِن الخلافة كما خلعت خاتمي هذا ، ففعل ذلك ، وأخرج خاتمه من أصبعه ورمى به إليهم ) (١) .

وقال عبد الله بن مسلم بن قتيبة في كتاب( الإمامة والسياسة ) :

( ثمّ إنّ عمراً غدا على أبي موسى بالغد وجماعة الشهود فقال: يا أبا موسى، ناشدتك الله تعالى من أحقّ بهذا الأمر، من وفى أو من غدر ؟

قال أبو موسى : من وفى .

قال : ناشدتك بالله ، ما تقول في عثمان ؟

قال أبو موسى: قُتل [عثمان] مظلوماً .

قال عمرو : فما الحكم فيمن قتله ؟

قال أبو موسى : يُقتل بكتاب الله .

قال : فمن يقتله ؟

قال : أولياء عثمان .

قال : فإنّ الله يقول في كتابه العزيز :( وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً ) .

قال : فهل تعلم أنّ معاوية مِن أولياء عثمان ؟

ـــــــــــــــــــ

(١) مرآة الجنان ١ : ٨٦ ـ ٨٧


قال : نعم .

قال عمرو للقوم : اشهدوا .

قال أبو موسى للقوم : اشهدوا على ما يقول عمرو .

ثمّ قال أبو موسى لعمرو : قم يا عمرو ، فقُل وصرّح بما أجمع عليه رأيي ورأيك ، وما اتّفقنا عليه.

فقال عمرو : سبحان الله ! أقوم قبلك ، وقد قدّمك الله قبلي في الإيمان والهجرة ، وأنت وافد أهل اليمن إلى رسول الله ، ووافد رسول الله إليهم ، وبك هداهم الله وعرّفهم شرائع دينه وسنّة نبيّه ، وصاحب مغانم أبي بكر وعُمر ؟ ولكن أنت قم فقل ، ثمّ أقوم فأقول .

فقام أبو موسى ، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : أيّها النّاس ، إنّ خير النّاس للنّاس خيرهم لنفسه ، وإنّي لا أهلك ديني بصلاح غيري ، إنّ هذه الفتنة قد أكلت العرب ، وإنّي [قد] رأيت وعمرو أنْ نخلع عليّاً ومعاوية ، ونجعلها لعبد الله بن عمر ، فإنّه لم يبسط في هذه الحرب يداً ولا لساناً) (١) .

وقال نور الدين عليّ بن محمّد الصبّاغ الفقيه المالكي ـ وترجمته في كتاب( الضوء اللاّمع ) (٢) ـ:

( ولمّا راود عمرو بن العاص أبا موسى على معاوية وعلى ابنه عبد الله فأبى أبو موسى منه ، راود أبو موسى عمراً على تولية الخلافة لعبد الله بن عمررضي‌الله‌عنه ما، فأبى عمرو منه ، ثمّ قال له : هات رأياً غير هذا .

ـــــــــــــــــــ

(١) الإمامة والسياسة : ١٣٦ ـ ١٣٧ .

(٢) الضوء اللامع لأهل القرن التاسع ، المجلّد ٣ : ٢٨٣/ ٩٥٨


فقال أبو موسى: أرى أن نخلع هذين الرجلين ـ يعني عليّاً ومعاوية ـ ونجعل الأمر شورى ، فيختار المسلمون من أحبّوه .

فقال عمرو : الرأي ما رأيت .

فأقبلا على النّاس بوجوههما ، وهم مجتمعون ينظرون ما يتّفقان عليه .

فقال عمرو : تكلّم يا أبا موسى ، وأخبرهم أنّ رأينا اتّفق .

فقال أبو موسى : أيّها النّاس ، إنّ رأينا قد اتّفق على أمر ، نرجو أنْ يصلح الله تعالى به أمر هذه الأُمّة ويلمّ شعثها ويجمع كلمتها .

فقال عمرو : صدق أبو موسى وبرّ فيما قال ، فتقدّم يا أبا موسى فتكلّم .

فقام إليه عبد الله بن عبّاس وقال له : يا أبا موسى ، إنْ كنت وافقته على أمر فقدّمه يتكلّم به قبلك ، فإنّي أخشى من خديعته لك ، وإنّي لا آمن أنْ يكون قد أعطاك الرضا فيما بينك وبينه ، فإذا قمت في النّاس خالفك .

فقال أبو موسى : قد توافقنا وتراضَينا ، وما ثمّ مخالفة أبداً .

وكان أبو موسى رجلاً سليم القلب ، فتقدّم ، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال :

أيّها النّاس! إنّا قد نظرنا في أمر هذه الأُمّة ، فلم نرَ أصلح لأمرها ولا ألمّ لشعثها مِن أمرٍ قد اجتمع رأيي ورأي عمرو عليه ، وهو أنْ نخلع عليّاً ومعاوية ، وتستقبل هذه الأُمّة هذا الأمر بأنفسها ، فيولّوا عليهم من أحبّوا واختاروا ، وإنّي قد خلعت عليّاً ومعاوية ، فاستقبلوا أمركم ، وولّوا عليكم مَن رأيتموه أهلاً لذلك )(١) .

وفي( تاريخ الخميس ) :

( ولمّا سئم الفريقان القتال تداعيا إلى الحكومة ، فرضي عليّ وأهل الكوفة بأبي موسى الأشعري ، ورضي معاوية وأهل الشام بعمرو بن العاص ، فاجتمع الحكَمَان بدومة الجندل ، واتّفقا على أنْ يخلعاهما معاً ، ويختارا

ـــــــــــــــــــ

(١) الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة : ٩٩ ـ ١٠٠ .


للمسلمين خليفة رضوا به ، وقد عيّن للخلافة الحكَمَان يومئذٍ عبد الله بن عمر ابن الخطّاب ، كذا في دول الإسلام ، ثمّ اجتمعا بالنّاس ، وحضر معاوية ولم يحضر عليّ ، فبدأ أبو موسى وخلع عليّاً ، ثمّ قام عمرو وقال : قد خلعت عليّاً كما خلعه ، وأثبتُّ خلافة معاوية ) (١) .

كلام الإمام في أبي موسى بعد التحكيم

أمّا الإمامعليه‌السلام ، فلمّا بلغه ما صنعه أبو موسى خطب قائلاً :

( الحمد لله وإنْ أتى الدهر بالخطب الفادح والحدثان الجليل ، وأشهد أنْ لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله أمّا بعد ، فإنّ المعصية تُورث الحسرة وتعقب الندامة ، وكنت أمرتُكم في هذين الرجلين وفي هذه الحكومة أمري فأبيتم ، ونحلتكم رأيي فما ألويتم ، فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوزن :

أَمَرتُهُم أَمري بِمُنعَرَجِ الِلوى  فلم يَستَبِينُوا الرُشدَ إلاّ ضُحى الغَدِ

أمّا بعد ، فإنّ هذين الرجلين الذين قد اخترتموهما حَكَمَين ، قد نبذا حُكم القرآن وراء ظُهورهما ، وأحيَيا ما أمات القرآن ، واتّبع كلّ واحدٍ منهما هواه بغير هدىً من الله ، فحَكَما بغير حجّة ولا سنّة مضيئة ، واختلفا في حكمهما ، وكلاهما لم يرشدا ، استعدّوا وتأهّبوا للمسير إلى الشام ) (٢) .

وفي رواية عن الشعبي :(... وكلاهما لم يرشدا ، فبرئا من الله ورسوله وصالح المؤمنين ، فاستعدّوا للجهاد...) (٣) .

وكفى بهذا شرفاً لأهل السنّة ، حيث جعلوا هذا الملوم المذموم ،

ـــــــــــــــــــ

(١) تاريخ الخميس ٢ : ٢٧٧ .

(٢) الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة : ١٠١ .

(٣) تذكرة خواصّ الأُمّة في معرفة الأئمّة : ٩٩ .


الخائن الفاسق ، النابذ لحكم القرآن ، المُحيي ما أماته والمُميت ما أحياه ، والتابع لهواه المُردي والتارك لهُداه المُنجي ، والحاكم بغير حجّة ، والقاضي بغير سنّة ، والبريء من الله ورسوله وصالح المؤمنين ، والتابع لإغواء الشيطان الرجيم اللّعين ، إماماً وملجأً وسنداً وكهفاً ومرجعاً ومُعتمَداً !!

وفي كلامٍ لهعليه‌السلام مخاطباً الخوارج :

( أيّها العصابة التي أخرجها عداوةُ المراءة والحجاج ، وصدّهم عن الحقّ اتّباع الهوى واللّجاج ، إنّ أنفسكم الأمّارة بالسوء سوّلت لكم فُراقي لهذهِ الحكومة ، التي أنتم بدأتموها وسألتموها وأنا لها كاره ، وأنبأتكم أنّ القوم إنّما فعلوه مكيدة ، فأبيتم علَيَّ إباء المخالفين ، وعندتم عليَّ عناد العاصين ، حتّى صرفت رأيي إلى رأيكم ، وإنّي معاشرهم ـ والله ـ صغار الهام سُفهاء الأحلام ، فأجمع رؤساؤكم وكبراؤكم أنْ اختاروا رجُلَين ، فأخذنا عليهما أنْ يحكما بالقرآن ولا يتعدّيانه ، فتاها وتركا الحق وهما يبصرانه ، فبيّنوا لنا بم تستحلّون قتالنا والخروج عن جماعتنا ، ثمّ تستعرضون الناس تضربون أعناقهم ، إنّ هذا لهو الخسران المبين ) (١) .

وروى أبو الفرج ابن الجوزي في( تلبيس إبليس ) كتاب الإمام إلى الخوارج :( أمّا بعد ، فإنّ هذين الرجلين اللذين ارتضيا حكَمَين ، قد خالفا كتاب الله واتّبعا أهواءهما ، ونحن على الأمر الأوّل ) (٢) .

ـــــــــــــــــــ

(١) الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة : ١٠٣ .

(٢) تلبيس إبليس : ١٠٨ .


لعن النبيّ أبا موسى الأشعري

وفي حديث أخرجه ابن عساكر بتاريخه :

 ( عن أبي يحيى حكيم قال : كنت جالساً مع عمّار ، فجاء أبو موسى ، فقال : مالي و لك ! قال : ألستُ أخاك ؟

قال : ما أدري ، إلاّ أنّي سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يلعنك ليلة الجمل .

قال : إنّه قد استغفر لي .

قال عمّار : قد شهدت اللّعن ولم أشهد الاستغفار )(١) .

أقول : ومراده من ( ليلة الجمل ) هي ليلة ( العقبة ) ، حيث أراد أبو موسى وأبو بكر وعمر وجماعة معهم اغتيال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بتنفير ناقته ، فعرفهم عمّار وحذيفة ، فقال عمّار في أبي موسى هذه الكلمة ، وقال حذيفة كلمته التي كره ابن عبد البرّ ذكرها ، وقد أوردناها هناك .

ترجمة ابن عساكر

وابن عساكر صاحب( تاريخ دمشق ) المتوفّى سنة ٥٧١ وصفه الذهبي بـ ( الإمام العلاّمة الحافظ الكبير المجوّد ، محدّث الشام ، ثقة الدين ) ثمّ قال : ( كان فهِماً حافظاً متقناً ذكيّاً بصيراً بهذا الشأن ، لا يلحق شأوُه ، ولا يُشقّ غباره ، ولا كان له نظيرٌ في زمانه ) ثمّ أطال الكلام في ترجمته ، وذكر كلمات الأعلام في مدحه وثقته )(٢) .

ثمّ إنّ هذا الحديث ، وإنْ كذّبه ابن عدي وتبعه ابن الجوزي فأدرجه في

ـــــــــــــــــــ

(١) تاريخ دمشق ٣٢ : ٩٣/ ٣٤٦١ .

(٢) سيرة أعلام النبلاء ٢٠ : ٥٥٤ ـ ٥٧١ ، تذكرة الحفّاظ ٤ : ١٣٢٨ ـ ١٣٣٤ ، وتوجد ترجمته في سائر كتب التاريخ والرجال .


 ( الموضوعات ) ، إلاّ أنّ السيوطي ردّ عليهما القول بوضعه ، وأثبت وثاقة راويه ، حيث قال في ( اللآلي المصنوعة ) :

( ابن عدي ، ثنا أحمد بن الحسين الصوفي ، ثنا محمّد بن عليّ بن خلف العطّار ، ثنا حسين الأشقر ، عن قيس بن الربيع ، عن عمران بن ظبيان ، عن حكيم أبي يحيى قال : كنت جالساً مع عمّار ، فجاء أبو موسى ، فقال له عمّار : إنّي سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يلعنك ليلة الجمل قال : إنّه استغفر لي قال عمّار : قد شهدت اللعن ولم أشهد الاستغفار .

موضوع قال ابن عدي : والبلاء من العطّار لا من حسين .

قلت : العطّار وثّقه الخطيب في تاريخه) (١) .

وقال ابن حجر في( لسان الميزان ) بترجمة محمّد بن عليّ العطّار : ( قال الخطيب : قال محمّد بن المنصور : كان ثقةً مأموناً حسن العقل )(٢) .

فثبت كُفر أبي موسى الأشعري على لسان النبيّ الكريم ( صلّى لله عليه وآله وسلّم ) .

وفي حديثٍ آخر أورده الدهلوي في( إزالة الخفا عن سيرة الخلفا ) قال : أخرجه البيهقي :

( عن عليّ قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( إنّ بني إسرائيل اختلفوا ، لم يزل اختلافهم بينهم حتّى بعثوا حكَمَين فضلاّ وأضلاّ وإنّ هذه الأُمّة مختلفة ، فلا يزال اختلافهم بينهم حتّى يبعثوا حكَمَين ضلاّ وضلّ من اتّبعهما )) .

ـــــــــــــــــــ

(١) اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ١: ٤٢٨.

(٢) لسان الميزان ٦ : ٣٥٨/ ٧٨٤٢ .


قنوت علي بالدعاء على أبي موسى في جماعة

هذا ، وقد كان أمير المؤمنينعليه‌السلام يقنت في صلاته بالدعاء على جماعة أبو موسى الأشعري... روى ذلك ابن أبي شيبة ، كما في( كنز العمّال ) :

عن عبد الرحمن بن معقل قال : صلّيت مع عليّ صلاة الغداة ، فقنت فقال في قنوته :( اللّهمّ عليك بمعاوية وأشياعه ، وعمرو بن العاص وأشياعه ،... وعبد الله بن قيس وأشياعه ش ) (١) .

توقّف عمر عن قبول خبر أبي موسى

وقد اشتهر أنّ عمر بن الخطاب توقّف عن قبول خبر أبي موسى في الإستيذان ، وقد استدلّ به العلماء في مبحث خبر الواحد ، ونكتفي هنا بكلام ابن حجر في( فتح الباري ) إذ قال :

( احتجّ مَن ردّ خبر الواحد بتوقّفهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قبول خبر ذي اليدين ، ولا حجّة فيه ؛ لأنّه عارَض علمه ، وكلّ خبرٍ واحدٍ إذا عارض العلم لم يُقبل ، وبتوقّف أبي بكر وعمر في حديثَي المغيرة في الجدّة وفي ميراث الجنين ، حتّى شهد بهما محمّد بن مسلمة ، وبتوقّف عمر في خبر أبي موسى في الاستيذان حتّى شهد له أبو سعيد ، وبتوقّف عائشة في خبر ابن عمر في تعذيب الميّت ببكاء الحي .

وأُجيب : بأنّ ذلك إنّما وقع منهم ، إمّا عند الارتياب كما في قصّة أبيموسى ، فإنّه أورد الخبر عند إنكار عمر عليه ورجوعه بعد الثلاث وتوعّده ، فأراد عمر الاستثبات ، خشية أنْ يكون دفع بذلك عن نفسه ) (٢) .

ـــــــــــــــــــ

(١) فتح الباري في شرح صحيح البخاري ١٣: ١٩٧ ـ ١٩٨ .

(٢) كنز العمّال ٨ : ٨٢/ ٢١٩٨٩ .


تنبيه حول كتاب الإمامة والسياسة(١)

قد يُحاول بعض المكابرين التشكيك في نسبة كتاب( الإمامة والسياسة ) إلى ابن قتيبة ، بُغية التخلّص من استدلال الإماميّة بأخبار هذا الكتاب واحتجاجهم بما رُوي فيه من الحقائق التاريخيّة ، التي طالما حاول المؤرّخون والمحدّثون من كتمها وعدم نقلها .

فكان من اللاّزم علينا التأكيد على أنّ الكتاب المذكور هو من تآليف ابن قتيبة المؤرّخ المعروف والأديب الشهير...

ترجمة ابن قتيبة(٢) .

وهو : أبو محمّد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري ، وقيل : المروزي ، النَّحَوي اللغوي المؤرّخ، صاحب التصانيف الكثيرة المتنوّعة ، والمتوفّى سنة ٢٧٦ عند الأكثر .

قال ابن خلّكان : كان فاضلاً ثقةً .

وكذا قال اليافعي .

وقال الخطيب : كان ثقةً ديّناً فاضلاً .

ـــــــــــــــــــ

(١) موضوع هذا التنبيه موجود في ( عبقات الأنوار ) وفي ( استقصاء الإفحام ) وقد أضفنا إلى ما ذكره السيّد رحمه الله مطالبٌ أُخرى .

(٢) وفيات الأعيان ١ : ٣١٤ ، مرآة الجنان والعبر ـ سنة ٢٧٦ ـ لسان الميزان ٣ : ٣٥٨ ، سيرة أعلام النبلاء ١٠: ٦٢٥، الأنساب : القتيبي ، جامع الأُصول .


وكذا قال ابن الأثير .

وقال الذهبي : صدوق ، ووصفه في موضع آخر بـ( الإمام الورع ) .

وكذا قال ابن حجر .

كتاب الإمامة والسياسة

وهذا الكتاب لابن قتيبة المذكور قطعاً ، فلقد نَقل عنه غير واحدٍ من أعلام أهل السنّة في مختلف القرون في كتبهم ، نصوصاً في موضوعات مختلفة هي موجودة في كتاب (الإمامة والسياسة ) :

١ ـ يقول ابن العربي المالكي المتوفّى سنة ٥٤٣ في كتابه( العواصم من القواصم ) الذي شحنه بُغضاً وحقداً لأهل البيتعليهم‌السلام وعناداً للحق وأهله :

( ومن أشدّ شيء على الناس جاهلٌ عاقل أو مُبتدعٌ محتال فأمّا الجاهل فهو ابن قتيبة ، فلم يُبقِ ولم يذر للصحابة رسماً في كتاب الإمامة والسياسة ، إنْ صحّ جميع ما فيه )(١) .

٢ ـ ويقول أبو الحجاج يوسف بن محمّد البلوي الأندلسي المالكي المتوفّى سنة ٦٠٤(٢) في كتابه( ألف باء ) : ( ذكر ابن قتيبة في الإمامة والسياسة : أنّه لمّا قدم على الحجاج سعيد بن جُبير قال له : ما اسمك ؟ قال : أنا سعيد بن جُبير فقال الحجاج : أنت شقيّ بن كسير قال سعيد : أُمّي أعلم باسمي...)(٣) .

ـــــــــــــــــــ

(١) العواصم من القواصم : ٢٤٨ .

(٢) توجد ترجمته في معجم المؤلّفين ١٣ : ٣٣٠ وذكر كتابه في كشف الظنون ١/ ١٥٠ .

(٣) كتاب الألف باء في المحاضرات : ٤٧٨ .


٣ ـ ويقول تقي الدين الفاسي المكّي المتوفّى سنة ٨٣٢ ، في ذكر الولاة على مكّة المكرّمة : ( ٢٤٥٨ ـ مسلمة بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي أمير مكّة ذكر ولايته عليها ابن قتيبة في الإمامة والسياسة ؛ لأنّه قال : ذكروا أنّ مسلمة بن عبد الملك كان والياً على أهل مكّة ، فبينا هو يخطب على المنبر ، إذ أقبل خالد بن عبد الملك القسري... )(١) .

٤ ـ وكذا يقول عمر بن فهد المكّي المتوفّى سنة ٨٨٥ ، في ذكر الولاة على مكّة كذلك ؛ لأنّه لم يذكر ولاية مسلمة بن عبد الملك عليها غير ابن قتيبة في كتابه ، كما هو ظاهر عبارة التقي الفاسي المتقدّمة ، فقد اعتمد ابن فهد أيضاً على نقل ابن قتيبة في الإمامة والسياسة فقال : ( وقال اعتمد ابن فهد أيضاً على نقل ابن قتيبة في الإمامة والسياسة فقال : ( وقال أبو محمّد عبد الله بن مسلم بن قتيبة في كتاب الإمامة والسياسة : كان مسلمة بن عبد الملك بن مروان والياً على أهل مكّة...)(٢) .

٥ ـ ويقول ابن حجر المكّي صاحب( الصواعق ) متضجّراً من نقل ابن قتيبة في كتاب الإمامة والسياسة ما شجر بين الصحابة بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويعترض عليه ـ تبعاً لابن العربي المالكي ـ روايته لمثل هذه الأُمور :

( مع تآليف صدرت من بعض المتحدّثين كابن قتيبة ، مع جلالته القاضية بأنّه كان ينبغي له أنْ لا يذكر تلك الظواهر ، فإنْ أبى إلاّ أنْ يذكرها ، فليبيّن جريانها على قواعد أهل السنّة... )(٣) .

ـــــــــــــــــــ

(١) العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين ٦ : ٧٢ .

(٢) إتحاف الورى بأخبار أمّ القرى حوادث سنة ٩٣ .

(٣) تطهير الجنان واللسان : ٧٢ .


هذا ، ونقل عن كتاب( الإمامة والسياسة ) مع نسبته إلى ابن قتيبة ، جماعة آخرون من أعلام القوم :

كابن خلدون في : تاريخه المعروف...٢ : ١٦٦ .

وأبي عبد الله محمّد بن علي التوزري المصري في كتابه :( صلة السمط وسمة المرط في الأدب والتاريخ ) (١) ، في الفصل الثاني من الباب ٣٤ .

وشاه سلامة الله البدايوني ـ أحد علماء الهند ـ في كتابه :( معركة الآراء ) : ١٢٦ .

وذكر حيدر علي الفيض آبادي في كتابه : منتهى الكلام في الردّ على الشيعة : أنّهم ـ أي الشيعة ـ يعتمدون على كتاب ( الإمامة والسياسة ) لابن قتيبة اعتمادهم على القرآن الكريم...!!

فنقول : والعياذ بالله من هذا الكلام... فالإماميّة إنّما تستند إلى هذا الكتاب لكونه من مؤلّفات أحد أعلام أهل السنّة المنحرفين عن أهل البيتعليهم‌السلام ، ومن باب الإلزام والاحتجاج ، ولا تقول الشيعة بصحّة كلّ ما فيه من الأخبار ، بل شأنه شأن سائر الكتب ، فيه الحق والباطل ، فكيف يُقاس بالقرآن الكريم الذي( لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ.... ) (٢) .

هذا ، وقد نسب كتاب ( الإمامة والسياسة ) إلى ابن قتيبة ، جلّ المؤلّفين المعاصرين أمثال :

فريد وجدي في : دائرة المعارف .

وعمر رضا كحّالة في : معجم المؤلّفين .

ـــــــــــــــــــ

(١) انظر : معجم المؤلفين ١١ : ٥٧ .

(٢) سورة فصّلت : ٤٢ .


وإلباس سركيس في : معجم المطبوعات العربيّة .

وجرجي زيدان في : تاريخ آداب اللغة العربيّة .

وها هو كتاب ( الإمامة والسياسة ) مطبوع ـ بتحقيق غير واحدٍ من المحقّقين ـ طبعات عديدة في بلاد مختلفة ، قال جرجي زيدان : ومنه نسخ خطيّة في مكتبات باريس لندن .

قلت : ومنه نسخة نفيسة جدّاً ، ترجع إلى القرن الثالث أو الرابع في مكتبة المجلس بطهران .

عبد الله بن الزبير

وأمّا عبد الله بن الزبير ، فقوادحه تفوق الحصر والعدّ ، ونحن نتعرّض لبعضها مع الاختصار...

أوّل شهادة زور في الإسلام

إنّ أوّل ما نذكره مِن مطاعن الرجل وقبائحه : كذبه وإقامته شهادة زورٍ في قضيّة كلاب الحوأب ؛ وذلك أنّه لمّا وصلت عائشة ـ في مسيرها إلى البصرة تقود الجيوش من أجل قتال عليّعليه‌السلام ـ إلى منطقة الحوأب ونبحتها كلابها ، تذكّرت قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأرادت الرجوع إلى الحجاز ، فرأى ابن الزّبير أنّها إنْ رجعت انكسر جيشهم وخسروا المعركة ، فجاء وحلَف بأنّ هذا المكان ليس الحوأب ، وأقام شهوداً على ذلك أيضاً ، فكانت أوّل شهادة زور في الإسلام ، وقد قال رسول الله :( من سَنّ سنّةً سيّئة فعليه وزرها ، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة...) وهكذا انخدعت عائشة وواصلت سيرها ، ووقعت الحرب وأُريقت الدماء وهُتكت الأعراض... كما هو مثبت في كُتب التاريخ...


ونحن نكتفي هنا بإيراد بعض الأخبار في كذب ابن الزبير وشهادته الكاذبة :

قال السمعاني(١) :

( وورد في حديث عصام بن قدامة ، عن عكرمة ، عن ابن عبّاس : أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لنسائه :( ليت شعري أيّتكنّ صاحبة الجمل الأدبب ، وقيل : الأحمر ،تنبحها كلاب الحوأب ) .

وروى إسماعيل بن أبي خالد كذلك ، عن قيس بن أبي حازم عن عائشة : أنّها مرّت بماء ، فنبحتها كلاب الحوأب ، فسألت عن الماء ، فقالوا : هذا ماء الحوأب ، والقصّة في ذلك :

أنّ طلحة والزبير بعد قتل عثمان وبيعة عليّ ، خرجا إلى مكّة ، وكانت عائشة حاجّة تلك السنة ، بسبب اجتماع أهل الفساد والعيث من البلاد بالمدينة لقتل عثمان ، خرجت عائشة هاربة من الفتنة ، فلمّا لحقها طلحة والزبير حملاها إلى البصرة في طلب دم عثمان من عليّرضي‌الله‌عنه ، وكان ابن الزبير عبد الله ابن أُختها أسماء ذات النطاقين ، فلمّا وصلت عائشة رضي الله عنها معهم إلى هذا الماء نبحت الكلاب عليها، فسألت عن الماء واسمه ، فقيل لها : الحوأب ، فتذكّرت قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( أيّتكنّ ينبح عليها كلاب الحوأب ) ، فتوقّفت وعزمت على الرجوع ، فدخل عليها ابن أُختها ابن الزبير وقال : ليس هذا ماء الحوأب ، حتّى قيل أنّه حلَف على ذلك وكفّر عن يمينه والله أعلم ، ويمّمت عائشة إلى البصرة وكانت وقعة الجمل المعروفة ) .

وقال قاضي القضاء محبّ الدين أبو الوليد محمّد بن محمّد بن الشحنة

ـــــــــــــــــــ

(١) قال الذهبي: ( الإمام الحافظ الكبير الأوحد الثقة ، محدّث خراسان ، أبو سعد عبد الكريم... السمعاني...) وأرخ وفاته بسنة ٥٦٢ سير أعلام النبلاء ٢٠ : ٤٥٦ .


الحنفي الحلبي (١) :

( في سنة ست وثلاثين : أرسل عليّ بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه إلى البلاد عمّاله ، فبعث عمارة بن شهاب إلى الكوفة ، وكان من المهاجرين ، وولّى عثمان بن حنيف الأنصاري البصرة ، وعبيد الله بن عبّاس اليمن ، وقيس بن سعد الأنصاري مصر ، وسهل بن حنيف الأنصاري الشام ، فرجع من الطريق لمّا سمِع بعصيان معاوية ، وكذلك عمارة لقيه طلحة بن خويلد الذي كان ادّعى النبوّة في خلافة أبي بكررضي‌الله‌عنه فقال له : إنّ أهل الكوفة لا يستبدلون بأبي موسى الأشعري ، فرجع ، ولمّا وصل عبيد الله إلى اليمن خرج الذي كان بها من قبل عثمان ـ وهو يعلى بن منبّه ـ بما بها من الأموال إلى مكّة ، وصار مع عائشة وطلحة والزبير ، وجمعوا جمعاً عظيماً وقصدوا البصرة ، ولم يوافقهم عبد الله بن عمر ، وأعطى يعلى بن منبّه لعائشة رضي الله عنها جملاً كان اشتراه بمائة دينار اسمه عسكر ، وقيل بثمانين ، وركبته ، ومرّوا بمكان اسمه الحوأب ، فنبحتهم كلابه .

فقالت عائشة : أيّ ماء هذا ؟

فقيل لها : هذا ماء الحوأب ، فصرخت وقالت : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول ـ وعنده نساؤه ـ :( ليت شعري أيّتكنّ تنبحها كلاب الحوأب ) ، ثمّ ضربت عضد بعيره فأناخته وقالت : ردّوني ، فأقاموا يوماً وليلة .

فقال لها عبد الله بن الزبير : إنّه كذب ، ليس هذا ماء الحوأب .

ولم يزل بها وهي تمتنع ، فقال : النجا النجا ، فقد أدرككم عليّ .

ـــــــــــــــــــ

(١) المتوفّى سنة ٨١٥ توجد ترجمته في : الضوء اللامع ١٠: ٣ وشذرات الذهب ٧ : ١١٣ .


فارتحلوا فوصلوا البصرة) (١) .

وقال ابن قتيبة في كتاب ( الإمامة والسياسة ) :

( فلمّا انتهوا إلى ماء الحوأب في بعض الطريق ومعهم عائشة ، نبحها كلاب الحوأب ، فقالت لمحمّد بن طلحة : أيّ ماء هذا ؟ قال : هذا ماء الحوأب فقالت : ما أراني إلاّ راجعة قال : ولِمَ ؟ قالت : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول لنسائه :( كأنّي بإحداكنّ قد نبحها كلاب الحوأب ، وإيّاك أنْ تكوني هي أنت يا حميراء ) ، فقال لها محمّد بن طلحة : تقدّمي ـ رحمك الله ـ ودعي هذا القول .

وأتى عبد الله بن الزبير ، فحلف لها بالله لقد خلّفته أوّل الليل ، وأتاها ببيّنة زور من الأعراب ، فشهدوا بذلك )(٢) .

قبائح ابن الزبير في هذه القصّة

وقد ارتكب ابن الزير في هذه القصّة قبائح عديدة ، تكفي الواحدة منها للعنه والطعن فيه ، فكيف إذا اجتمع الجميع في الواقع واتّسع الفتق على الراقع ؟ :

١ ـ إنّه ارتكب الكذب ، إذ قال لعائشة : إنّ هذا المكان ليس ( الحوأب ) .

٢ ـ وقد حلف على ذلك كاذباً .

٣ ـ وأقام شهود الزور على كذبه .

٤ ـ وجعل يقول : النجاء النجاء ، فقد أدرككم علي .

ـــــــــــــــــــ

(١) روضة المناظر في علم الأوائل والأواخر ، حوادث السنة ٣٦ .

(٢) الإمامة والسياسة : ٦٣ .


٥ ـ وكان السبب في تلك المفسدة الكبيرة التي قاموا بها وأراقوا الدماء فيها .

هذا ، وقد جاء في بعض الأخبار مشاركة طلحة والزبير في إقامة تلك الشهادة الكاذبة والآثمة :

قال سبط ابن الجوزي : قال ابن جرير في تاريخه :

(... فمرَّت على ماء يُقال له الحوأب ، فنبحتها كلابه ، فقالت : ما هذا المكان ؟ فقال لها سائق الجمل العرني : هذا الحوأب ، فاسترجعت وصرخت بأعلى صوتها ، ثمّ ضربت عضد بعيرها فأناخته ، ثمّ قالت : أنا ـ والله ـ صاحبة كلاب الحوأب ، ردّوني إلى حرم الله ورسوله ـ قالتها ثلاثاً ـ .

قال ابن سعد ـ فيما حكاه عن هشام بن محمّد الكلبي ـ استرجَعت وذكرت قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( كيف بك إذا نبحتك كلاب الحوأب ) ؟

فقال لها طلحة والزبير : ما هذا الحوأب ، وقد غلط العرني ثمّ أحضروا خمسين رجلاً فشهدوا معهما على ذلك وحلفوا .

قال الشعبي : فهي أوّل شهادة زور أُقيمت في الإسلام )(١) .

خروجه لقتال الإمامعليه‌السلام

ولا خلاف في أنّ عبد الله بن الزبير مِن الخارجين على الإمام ، والمبادرين لمحاربة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وهذا من أعظم معاصيه وأقبح مخازيه ، وقد أفادت الأحاديث النبويّة الثابتة بأنّ قتال الإمامعليه‌السلام كُفر ؛

ـــــــــــــــــــ

(١) تذكرة خواصّ الأُمّة : ٦٨ وانظر : تاريخ الطبري ٤ : ٤٦٩.


لأنّ قتال المسلم أشنع وأقبح من سبابه ، وإذا كان سبّ أمير المؤمنين كفراً ، فمحاربته وقتاله كفر ، بالأولويّة القطعيّة .

أمّا الدليل على أنّ المحاربة والقتال أشدّ من السب ، فقد أخرج البخاري في كتاب الإيمان بإسناده عن عبد الله : ( إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر ) (١) .

وفي كتاب الفتن بإسناده : ( قال عبد لله : قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر ) (٢) .

وفي كتاب الأدب ، بإسناده عن عبد الله قال : ( قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر ) (٣) .

وقال المنذري في( الترغيب والترهيب ) :( عن ابن مسعودرضي‌الله‌عنه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر ) .

رواه البخاري ، ومسلم ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجة) (٤) .

فقال ابن حجر في شرحه :

( لمّا كان القتال أشدّ من السباب ؛ لأنّه مفضٍ إلى إزهاق الروح ، عبّر عنه بلفظ أشدّ من لفظ الفسق ، وهو الكفر )(٥) .

وأمّا الدليل على أنّ سبّ عليّعليه‌السلام كفر ، فالأحاديث الصحيحة الثابتة :

ـــــــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري ١ : ١٩ كتاب الإيمان ـ باب خوف المؤمن من أنْ يحبط عملُهُ... .

(٢) صحيح البخاري ٩ : ٦٣ كتاب الفتن ـ باب قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( لا ترجعوا بعدي كفّاراً...) .

(٣) صحيح البخاري ٨ : ١٨ كتاب الأدب ، باب ما يُنهى من السّباب واللعن .

(٤) الترغيب والترهيب ٣ : ٤٦٦/ ٢ .

(٥) فتح الباري في شرح صحيح البخاري ١ : ٩٣ .


أخرج الحاكم :

( أخبرنا أحمد بن كامل القاضي ، حدّثنا محمّد بن سعد العوفي ، حدّثنا يحيى بن أبي بكر ، حدّثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبد الله الجدلي قال : دخلت على أُمّ سلمة رضي الله عنها فقالت لي : أيُسبّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيكم ؟ فقلت : معاذ الله أو سبحان الله أو كلمة نحوها .

فقالت : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول :( مَن سبّ عليّاً فقد سبّني ) . هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يُخرجاه .

وقد رواه بكير بن عثمان البجلي ، عن أبي إسحاق بزيادة ألفاظ : حدّثنا أبو جعفر أحمد بن عبيد الحافظ بهمدان ، حدّثنا أحمد بن موسى بن إسحاق التميمي ، حدّثنا جندل بن والق ، حدّثنا بُكير بن عثمان البجلي قال : سمعت أبا إسحاق التميمي يقول : سمعت أبا عبد الله الجدلي يقول : حججت ـ وأنا غلام ـ فمررت بالمدينة ، وإذا الناس عنقٌ واحد فأتبعتهم ، فدخلوا على أُم سلمة زوج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فسمعتها تقول : يا شبث بن ربعي ، فأجابها رجل جلف جاف : لبّيك يا أُمّاه قالت : يُسبّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ناديكم ؟ ! قال : وأنّى ذلك .

قالت : فعليّ بن أبي طالب قال : إنّا لنقول أشياء نريد عرض الدنيا ، قالت : فإنّي سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول :( من سبّ عليّاً فقد سبّني ، ومن سبّني فقد سبّ الله تعالى ) (١) .

وأخرج الحاكم :

( أخرج محمّد بن أحمد بن تميم القنطري ، حدّثنا أبو قلابة الرقاشي ،

ـــــــــــــــــــ

(١) المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٢١ كتاب معرفة الصحابة .


حدّثنا أبو عاصم ، عن عبد الله بن مؤمّل ، حدّثني أبو بكر بن عبيد الله بن أبي مليكة عن أبيه قال : جاء رجلٌ من أهل الشام ، فسبّ عليّاً عند ابن عبّاس ، فحصبهُ ابن عبّاس فقال : يا عدّو الله ، آذيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً ) لو كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيّاً لآذيته هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يُخرجاه ) (١) .

وما ذكره بعض المتكلّمين المتعصّبين في الدفاع عن أصحاب الجمل الناكثين ، من أنّهم ما كانوا يقصدون المحاربة ، ووقوع الحرب كان بلا إرادة من الطرفين ، فإنكار للبداهة ، وتخديع للعلوم ، ويكفينا في هذا المقام كلام ابن عبّاس في جواب ابن الزبير ، وإفحامه له ، وذلك ما رواه ابن عبد ربّه في كتابه( العقد ) حيث قال :

( قال ابن الزبير لعبد الله بن عبّاس : قاتلت أُمّ المؤمنين وحواريَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأفتيت بتزويج المتعة .

فقال : أمّا أُمّ المؤمنين ، فأنت أخرجتها وأبوك وخالك ، وبنا سُمّيت أُمّ المؤمنين ، فكنّا لها خير بنين ، فتجاوز الله عنها وقاتلت أنت وأبوك عليّاً ، فإنْ كان عليٌّ مؤمناً ، فقد ضللتم بقتالكم المؤمنين ، وإنْ كان عليٌّ كافراً فقد بُؤتم بسخطٍ من الله بفراركم من الزحف. وأمّا المتعة فإنّي سمعت عليّ بن أبي طالب يقول :( سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رخّص فيها ، فأفتيت بها ، ثمّ عمر نهى عنها ) . وأوّل مجمر سطع في المتعة مجمر آل الزبير )(٢) .

ـــــــــــــــــــ

(١) المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٢١ ـ ١٢٢ كتاب معرفة الصحابة .

(٢) العقد الفريد ٤ : ٤١٤ .


ترجمة ابن عبد ربّه

وقد ترجم كبار العلماء لابن عبد ربّه الأندلسي ، وأثنوا عليه الثناء الجميل :

قال ابن ماكولا : ( أحمد بن محمّد بن عبد ربّه... أندلسي مشهور بالعلم والأدب والشعر ، وهو صاحب كتاب العقد في الأخبار ، وشعره كثير جدّاً ، وهو مجيد )(١) .

وقال اليافعي : ( كان رأس العلماء المكثرين [من المحفوظات] والإطّلاع على أخبار النّاس )(٢) .

وقال ابن خلّكان : ( كان العلماء المكثرين من المحفوظات والإطّلاع على أخبار الناس ، وصنّف كتابه العقد ، وهو من الكتب الممتعة ، حوى من كلّ شيء )(٣) .

وقال السيوطي : ( قال ابن الفرضي : عالم الأندلس بالأخبار والأشعار وأديبها وشاعرها ، كتب الناس تصنيفه وشعره ، سمع من بقي بن مخلّد وابن وضّاح والخشني مات يوم الأحد لاثنتي عشرة بقيت من جمادى الأُولى ، سنة ٣٢٨ وهو ابن ٨٢ سنة وثمانية أشهر )(٤) .

وقال الذهبي : ( الأديب الإخباري العلاّمة ، مصنّف العقد... )(٥) .

ـــــــــــــــــــ

(١) الإكمال ٦ : ٣٦ .

(٢) مرآة الجنان ٢ : ٢٢٢ حوادث سنة ٣٢٨ .

(٣) وفيات الأعيان ١ : ١١٠/ ٤٦ .

(٤) بغية الوعاة في طبقات اللغويّين والنحاة ١ : ٣٧١/ ٧٢٧ .

(٥) العبر في خبر من غبر ٢ : ٢٩


بل إنّ فساد التأويل المذكور يتّضح من كلام ابن الزبير أيضاً ، إذ لو كان وقوع الحرب غير مقصود من الطرفين ، لَما سأل ابن عبّاس عن السبب لحربه عائشة وأشياعها...

على أنّ هذا السؤال مِن أحسن الشواهد على أنْ لا حياء لابن الزبير ، إذْ يسأل ابن عبّاس عن الدليل على كونه مع أمير المؤمنين ، الذي يدور معه الحقّ حيثما دار !!

كان عمر يرى الزبير وأصحابه مفسدين

ومن كلامٍ لعمر بن الخطّاب مع الزبير أيضاً يتّضح منه أنّ أهل الجمل إنّما خرجوا للإفساد ، وأنّه لا يُوجد أيّ محملٍ صحيح لخروجهم إلى البصرة ضدّ أمير المؤمنينعليه‌السلام :

أخرج الحاكم في (المستدرك ) :( حدّثنا أبو علي الحافظ ، حدّثنا الهيثم ابن خلف الدوري ، حدّثنا إسماعيل بن موسى السدّي ، حدّثنا عبد السلام بن حرب ، حدّثنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، قال : جاء الزبير إلى عمر بن الخطّاب يستأذنه في الغزو ، فقال عمر : اجلس في بيتك ، فقد غزوت مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : فردّد ذلك عليه ، فقال له عمر في الثالثة ـ أو التي تليها ـ اُقعد في بيتك ، فو الله إنّي لأجد بطرف المدينة منك ومن أصحابك أنْ تخرجوا فتفسدوا على أصحاب محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) (١) .

ـــــــــــــــــــ

(١) المستدرك على الصحيحين ٣ : ١١٩ ـ ١٢٠ كتاب معرفة الصحابة .


كلامٌ لابن طلحة الشافعي

وهكذا يبطل الاعتذار لأهل الجمل بوجهٍ من الوجوه ، بما ذكره الفقيه محمّد بن طلحة الشّافعي ، في هذا المقام ، وهذا نصّ كلامه بطوله ضمن بيان وقائع شجاعة أمير المؤمنينعليه‌السلام :

( فمنها : وقعة الجمل ، فإنّ المجتمعين لها رفضوا عليّاًعليه‌السلام ونقضوا بيعته ونكثوا عهده وغدروا به ، وخرجوا عليه ، وجمعوا النّاس لقتاله ، مستخفّين بعقد بيعته التي لزمهم فرض حكمها ، مسفّين إلى إثارة فتنة عامّة باؤوا بإثمها ، لم يرَ إلاّ مقاتلتهم على إسراع نكثهم لبيعته ، ومقابلتهم على الإقلاع عن مكثهم على الوفاء لله تعالى بطاعته .

وكان من الدّاخلين في البيعة أوّلاً ، الملتزمين بها ، ثمّ من المحرّضين ثانياً على نكثها ونقضها ، طلحة والزبير ، فأخرجا عائشة وجمعها ممّن استجاب لهما ، وخرجوا إلى البصرة ، ونصبوا لعليّ حبائل الغوائل وألّبوا عليه مطيعيهم ، من الرامح والنابل ، مظهرين المطالبة بدم عثمانرضي‌الله‌عنه ، مع علمهما في الباطن أنّ عليّاً ليس بالقاتل ، فلمّا رحل من المدينة طالباً إلى البصرة وقرب منها ، كتب إلى طلحة والزبير يقول :

( أمّا بعد ، فقد علمتما أنّي لم أرد النّاس حتّى أرادوني ، ولم أُبايعهم حتّى أكرهوني ، وأنتما ممّن أرادوا بيعتي وبايعوا ، ولم تُبايعا لسلطانٍ غالب ولا لغرضٍ حاضر ، فإنْ كنتما بايعتما طائعين ، فتوبا إلى الله عزّ وجلّ عمّا أنتما عليه ، وإنْ كنتما بايعتما مكرهين فقد جعلتما السبيل عليكما بإظهاركما الطاعة وكتمانكما المعصية وأنت ـ يا زبير ـ فارس قريش ، وأنت ـ يا طلحة ـ شيخ المهاجرين ، ودفعكما هذا الأمر قبل أنْ تدخلا فيه كان أوسع لكما مِن خروجكما منه بعد إقراركما به وأمّا قولكما إنّني قتلت عثمان بن عفّان ، فبيني وبينكما مَن تخلّف عنّي وعنكما مِن أهل المدينة ، ثمّ يُلزم كلّ امرئ بقدر ما احتمل ، وهؤلاء بنو عثمان ـ إنْ قُتل مظلوماً كما تقولان ـ أولياؤه ، وأنتما رجلان من المهجرين ، وقد بايعتماني ونقضتما بيعتي ، وأخرجتما أُمّكما مِن بيتها الذي أمرها الله عز ّوجلّ أنْ تقرّ فيه ، والله حسبكما ، والسّلام .


وكتب إلى عائشة :

أمّا بعد ، فإنّك خرجت مِن بيتك عاصيةً لله تعالى ولرسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، تطلبين أمراً كان عنك موضوعاً ، ثمّ تزعمين أنّك تريدين الإصلاح بين الناس ، فخبّريني ما للناس وقود العساكر ؟ وزعمت أنّك طالبة بدم عثمان ، وعثمان رجل من بني أُميّة ، وأنت امرأة من بني تيم بن مرّة ، ولعمري ، إنّ الذي عرّضك للبلاء وحملك على المعصية لأعظم إليك ذنباً من قتلة عثمان ، وما غضبت حتّى أغضبت ، ولا هِجت حتّى هيّجت ، فاتّقي الله يا عائشة ، وارجعي إلى منزلك ، وأسبلي عليك سترك ، والسّلام ) .

فجاء الجواب إليه :

يا ابن أبي طالب ، جلّ الأمر عن العتاب ، ولنْ ندخل في طاعتك ، فاقض ما أنت قاض ، والسّلام .

ثمّ تراءى الجمعان ، وقرب كلّ من الآخر ، ورأى عليّعليه‌السلام تصميم عزم أولئك على قتاله ، فجمع أصحابه ولم يترك منهم أحداً ، وخطبهم خطبة بليغة منها :

( واعلموا أيّها النّاس ، أنّي تأنّيت هؤلاء القوم وراقبتهم وناشدتهم ، كيما يرجعوا ويرتدعوا ، فلم يفعلوا ولم يستجيبوا ، وقد بعثوا إليّ أنْ أثبت للجلاد وأبرز للطعان ، وقد كنت وما اُهدّد بالحرب ولا أدعى إليها ، وقد أنصف القارّة من راماها ، ولعمري ، لئن أبرقوا وأرعدوا ورأوا نكايتي ، فأنا أبو الحسن الذي فللت حدّهم وفرّقت جماعتهم ، فبذلك القلب ألقى عدوّي وأنا على بيّنةٍ من ربّي لما وعدني من النصر والظفر ، وإنّي لعلى غير شبهةٍ من أمري ، ألا وإنّ الموت لا يفوته المقيم ولا يعجزه الهارب ، ومن لم يُقتل يمت ، وإنّ أفضل الموت القتل ، والذي نفس عليٍّ بيده لألف ضربةٍ بالسيف أهون علَيّ من ميتةٍ على الفراش .

ثمّ رفع يده إلى السّماء وهو يقول :

اللّهمّ ، إنّ طلحة بن عبيد الله أعطاني صفقة يمينه طائعاً ثمّ نكث بيعتي ، اللّهمّ فعاجله ولا تُمهله ، اللّهمّ وإنّ الزبير بن العوّام قطع قرابتي ، ونكث عهدي ، وظاهر عدوّي ، ونصب الحرب لي وهو يعلم أنّه ظالم ، اللّهمّ فاكفنيه كيف شئت وأنّى شئت ) .

ثمّ تقارب النّاس للقتال ، وتعبّؤوا متسلّحين لابسين دروعهم ، متأهّبين لذلك ، هذا كلّه وعليٌّ بين الصفّين عليه قميصٌ ورداء ، وعلى رأسه عمامة سوداء ، وهو راكبٌ على بلغة رسول الله الشهباء ، فلمّا رأى أنّه لم يبقَ إلاّ التصافح بالصّفاح والتناطح بالرماح ، صاح بأعلى صوته :( أين الزبير بن العوّام ، فليخرج إليّ ) ؟


فقال النّاس : يا أمير المؤمنين ! أتخرج إلى الزبير وأنت حاسر ، وهو مدجّج في الحديد ؟!

فقال عليٌّ :( ليس علَيّ منه بأس ) .

ثمّ نادى الثانية :( أين الزبير بن العوّام ، فليخرج إليّ ) .

فخرج إليه الزبير [ وقال : يا علي ، أنا آمن من سيفك ؟

فقال عليٌّ :أنت آمن ].

فدنا منه حتّى واقفه ، فقال له عليٌّ :( يا أبا عبد الله ، ما حملك على ما صنعت ) ؟

فقال الزبير : حملني على ذلك الطلب بدم عثمان .

فقال له :( عليك أنت وصاحبك قتلتموه ، فيجب عليك أنْ تقيد من نفسك .

ولكن أُنشدك الله الذي لا إله إلاّ هو ، الذي أنزل الفرقان على نبيّه محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أما تذكر يوم قال لك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا زبير أتحبُّ عليّاً ؟ قلت : وما يمنعني من حبّه وهو ابن خالي : فقال لك : أمّا أنت فستخرج عليه يوماً وأنت ظالم له ) ؟

فقال الزبير: اللّهمّ بلى قد كان ذلك.

فقال عليٌّ :( فأُنشدك بالله الذي أنزل الفرقان على نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أما تذكر يوم جاء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من عند ابن عوف وأنت معه وهو آخذٌ بيدك ، فاستقبلته أنا فسلّمت عليه ، فضحك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في وجهي وضحكت أنا إليه ، فقلت أنت : لا يدع ابن أبي طالب زهوه أبداً ، فقال لك النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : مهلاً يا زبير ، فليس به زهو ، ولتخرجنّ عليه يوماً وأنت ظالم له ) .

فقال الزبير : اللّهمّ بلى ، ولكن أُنسيت ، فأمّا إذ ذكّرتني ذلك لأنصرفنّ عنك ، ولو ذكرت هذا لما خرجت عليك .


ثمّ رجع الزبير إلى عائشة فقالت : ما ورائك يا أبا عبد الله؟

فقال الزبير : [والله] ورائي أنّني ما وقفت موقفاً قطّ ، ولا شهدت مشهداً في شركٍ ولا إسلام إلاّ ولي فيه بصيرة ، وإنّي اليوم لعلى شكّ مِن أمري ، وما أكاد أبصر موضع قدمي .

ثمّ شقّ الصفوف وخرج من بينهم ، فنزل على قومٍ من بني تميم ، فقام إليه عمرو بن جرموز المجاشعي وضيّفه ، فلمّا نام قام إليه ، فقتله ، فنفذت دعوة عليّ فيه في عاجلته .

وأمّا طلحة ، فجاءه سهم ـ وهو قائم للقتال ـ من مروان ، فقتله .

ثمّ التحم القتال ، واتّصلت الحرب وكثُر القتل والجرح ، ثمّ تقدّم رجل من أصحاب الجمل يُقال له عبد الله ، فجعل يجول بين الصفوف وهو يقول :

أين أبو الحسن ؟ ويرتجز ، فخرج إليه عليٌّعليه‌السلام ، وشدّ عليه بالسيف وضربه ضربةً أسقط بها عاتقه ، فسقط قتيلاً ، فوقف عليه عليٌّ وقال :( قد رأيت أبا الحسن ، فكيف وجدته ) ؟ ثمّ لم يزل القتل يؤجّج ناره والجمل يفنى أنصاره ، حتّى خرج رجلٌ مدجّج في السلاح ، يظهر بأساً ويروم مراساً ، ويعرّض بعليٍّعليه‌السلام حتّى قال :

أضربكم ولو أرى عليّاً

عمّمتُهُ أبيض مشرفياً

فخرج إليه عليٌّعليه‌السلام متنكّراً وحمل عليه ، فضربه ضربةً على وجهه ، فرمى بنصف قحف رأسه ، ثمّ انصرف .

فسمع صائحاً من ورائه ، فالتفت فرأى ابن خلف الخزاعي من أصحاب الجمل ، فقال : هل لك يا عليّ في المبارزة ؟ فقال عليّ :( ما أكره ذلك ، ولكن ويحك يا ابن خلف ، ما راحتك في القتل وقد علمت من أنا ) ؟ فقال له ابن خلف : ذرني يا ابن أبي طالب من مدحك نفسك ، وادن منّي لترى أيّنا يقتل صاحبه ، فثنى عليٌّ عنان فرسه إليهن فبدره ابن خلف بضربةٍ فأخذها عليٌّ في جحطته ، ثمّ عطف عليه بضربةٍ أطار بها يمينه ، ثمّ ثنّى بأُخرى أطار بها قحف رأسه .


ثمّ استعرت الحرب حتّى عُقر الجمل فسقط ، وقد احمرّت البيداء بالدماء وخُذل الجمل وحزبه ، وقامت النوادب بالبصرة على القتلى ، وكان عدّة من قُتل من جند الجمل ستّة عشر ألفاً وسبعمائة وتسعين إنساناً ، وكان جملتهم ثلاثين ألفاً ، فأتى القتل على أكثر من نصفهم ، وقُتِل من أصحاب عليٍّ ألف رجل وسبعون رجلاً ، وكان عدّتهم عشرين ألفاً ، وفي مقابلة عليٍّعليه‌السلام ثلاثين ألفاً بعشرين ومقاتلتهم ، حتّى يقتل منهم أكثر من نصفهم ولم يُقتل من أصحابه غير عُشرهم ، حجّة واضحة تشهد بشجاعته وتسجل بشهامته .

وإذا تأمّل الناظر البصير ، ونظر المتأمّل الخبير فيما صدر من عليٍّ من أقواله وأفعاله ، علم علماً لا يرتاب فيه : أنّهعليه‌السلام يخوض لجج الحروب ، وينغمس في غمرات الموت ، ويُصادم ظباء الصوارم ، ويغمد مصلت سيفه في لباب الكماة ونحور الأبطال ، ولا يحمل لذلك عبأً ولا يُبالي به .

ولمّا انقضت وقعة الجمل ، وندمت عائشة على ما كان ، ورحلت إلى المدينة وسكنت النائرة ، ورحل عليٌّ إلى الكوفة ، قام إليه أبو بُردة بن عوف الأزدي فقال : يا أمير المؤمنين ، أرايت القتلى الذين قُتلوا حول الجمل ، بماذا قُتلوا ؟

فقال علي :( قُتلوا بما قَتلوا من شيعتي وعُمّالي بلا ذنبٍ كان منهم إليهم ، ثمّ صرت إليهم وأمرتهم أنْ يدفعوا إليّ قَتَلَة أصحابي ، فأبَوا علَيّ وقاتلوني ، وفي أعناقهم بيعتي ودماء قريب مِن ألف رجلٍ من أصحابي من المسلمين ، أفي شكٍّ أنت من ذلك يا أخا الأزد ) ؟


فقال : الآن استبان لي خطاؤهم وأنّك أنت المُحقّ المصيب )(١) .

والنقاط المستفادة من هذا الكلام :

١ ـ قوله : ( فإنّ المجتمعين ) ظاهر الدلالة في أنّ أصحاب الجمل قد رفضوا اتّباع الإمامعليه‌السلام ، ونكثوا العهد ونقضوا البيعة معه وغدروه .

٢ ـ كتابهعليه‌السلام ، إلى طلحة والزبير ، فيه دلالة على أنّ طاعته كانت واجبةً في أعناق القوم .

٣ ـ إنّهما كانا يتّهمان عليّاًعليه‌السلام بقتل عثمان... وهذا كذبٌ عليه .

٤ ـ قول الإمام :( وهؤلاء بنو عثمان...) يفيد ،أوّلاً : أنّ الإمام كان لا يرى عثمان مظلوماً ، وأنّ طلحة والزبير وأمثالهما ليس لهم أنْ يطلبوا بدم عثمانثانياً .

٥ ـ إنّه قد أنّب الرجلين على إخراجهما عائشة من بيتها ؛ لأنّه منافٍ لما أمر به الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٦ ـ وقد دعا عليهما بقوله :( الله حسبكما ) وحسبهما دعاء الإمام عليهما .

٧ ـ وكذا في كتابه إلى عائشة فقد دلّ على أنّ خروجها من بيتها كان معصيةً لله ورسوله ، وأنّه لا مجوّز له أصلاً ، ولا وجه لطلبها بدم عثمان أبداً .

٨ ـ وقد ذكر أنّ ذنب المخرجين لها من بيتها أكبر من ذنب قتل عثمان ،

ـــــــــــــــــــ

(١) مطالب السؤال في مناقب آل الرسول : ١٥٤ ـ ١٥٩


وإذا كان قتلة عثمان كَفَرة ـ كما في ( التحفة الاثنى عشريّة ) وغيرها ـ فالمخرجون لها كفّار بالأولويّة .

٩ ـ وأشار بقوله :( وما غضبت حتّى أغضبت...) إلى أنّها قد أغضبت بفعلها رسول الله ، ومن أغضب رسول الله أغضب الله ، كما في الحديث الشريف عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند الفريقين .

١٠ ـ وقوله :( فاتّقي الله يا عائشة ) ظاهر في ارتكابها أمراً محرّماً ومعصية واضحة .

١١ ـ وقوله لها :( وارجعي إلى منزلك...) دليلٌ صريحٌ على أنّها هاتكة لسترها .

١٢ ـ وما كتبته إلى الإمامعليه‌السلام خروجٌ عن حكم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بوجوب إطاعة أمير المؤمنين والكون معه ، بالأحاديث الصحيحة الثابتة المتّفق عليها ، من حديث الثقلين وغيره... فتكون بمخالفتها لذلك من الضالّين الهالكين...

١٣ ـ وصريح كلام ابن طلحة أنّ أهل الجمل جاؤوا مُصمّمين على قتال الإمام ومحاربته ، فبطَلَ ما تفوّه به صاحب ( التحفة ) وغيره من أنّه لم يقصد الطرفان تسعير نار هذه الحرب .

١٤ ـ والإمامعليه‌السلام خطب القوم ووعظهم ، لعلّهم يرجعون عن ضلالتهم ويقلعون من كفرهم وعنادهم... لكنّهم تمادوا في غيّهم ، وأصرّوا على باطلهم ، فدعا الإمامعليه‌السلام على طلحة والزبير ، وكان دعاؤه عند الله مستجاباً ، فأعقبهما في الدنيا خُسراناً وفي الآخرة عذاباً .

١٥ ـ وقد تبيّن ممّا دار بين الإمام والزبير بن العوّام ، أنّ الزّبير كان يتعلّل بالطلب بدم عثمان ، ويتذرّع بذلك كاذباً ، إذ ذكّرهعليه‌السلام بكلام رسول الله ، ولم يجد مناصاً من الإذعان والرجوع... وبعد هذا التنبّه يأتي هذا السؤال : هل أعلم عائشة وسائر أهل الجمل بما نبّهه الإمامعليه‌السلام به أو لا ؟ فإنْ كان قد أعلمهم بذلك فلم ينفعهم النصح ، كان ذلك دليلاً آخر على كُفرهم ، لمحاربتهم الإمام مع العلم بكونهم ظالمين له ، وإنْ لم يكن أعلمهم بالحق الذي ذكّره الإمام به ، كان من الكاتمين للحقّ المُخفين له .


عبد الله بن الزبير يُحاول إقناع أبيه

ولكن عبد الله بن الزبير حاول إقناع أبيه بالبقاء في المعركة واستمرار المحاربة والمشاركة في البغي والعدوان ، قال سبط ابن الجوزي :

( ثمّ التقوا منتصف جمادى الأُولى من هذه السنة ـ يعني سنة ست وثلاثين ـ فلمّا تراءى الجمعان ، خرج الزبير على فرسٍ وعليه سلاحه ، وخرج طلحة ، فخرج إليهما عليّ ودنا منهما وعليه قبا طاق ، حتّى اختلفت أعنّة خيلهم ، فقال لهما علي :( لعمري لقد أعددتما خيلاً وسلاحاً ، فهل أعددتما عند الله عذراً ؟ فاتّقيا الله ولا تكونا كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً ، ألم أكن أخاكما في دينكما تحرّمان دمي وأحرّم دمكما ؟

فقال طلحة : ألّبت الناس على عثمان .

فقال :لعن الله من ألّب النّاس على عثمان ، وأين أنت يا طلحة ودم عثمان ؟

وأنت يا زبير ، أتذكر يوم مررت مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بني غنم ، فنظر إليّ فضحكصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وضحكتُ إليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقلتَ : لا يدع ابن أبي طالب زهوه ، فقال لك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّه ليس بمزهو ، ولتقاتلنّه وأنت ظالم له .

وفي رواية :أتذكر يوم لقيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بني بياضة وهو راكب على حمار ) ، وذكّره .

فقال الزبير : اللّهمّ نعم ، ولو ذكرت هذا ما خرجت من المدينة ، و والله لا أُقاتلك أبداً .

وفي رواية : فقال الزبير : فما الذي أصنع وقد التقتا حلقتا البطان ، ورجوعي علَيّ عار ؟

فقال له عليٌّ : ارجع بالعار ولا تجمع بين العار والنّار .


فرج الزبير وهو يقول :

اخترت عاراً على نارٍ مؤجّجة

أنّى يقوم لها خلقٌ من الطّين

نادى عليٌّ بأمرٍ لست أجهله

عارٌ لعمرك في الدّنيا وفي الدّين

فقلت حسبك من لوم أبا حسن

فبعض هذا الذي قد قلت يكفيني

وهذا من جملة أبيات الزبير قالها لمّا خرج من العسكر ، وأوّلها :

ترك الأمور التي يخشى عواقبها

لله أجمل في الدنيا وفي الدين

أخال طلحة وسط القوم منجدلاً

ركن الضعيف ومأوى كلّ مسكين

قد كنت أنصره حيناً وينصرني

في النائبات ويرمي من يراميني

حتّى ابتليت بأمرٍ ضاق مصدرُه

فأصبح اليوم ما يعنيه يعنيني

ثمّ انصرف طلحة والزبير ، فقال عليٌّ لأصحابه :( أمّا الزبير فقد أعطى الله عهداً أنْ لا يُقاتلكم ) ، ثمّ عاد الزبير إلى عائشة وقال لها : ما كنت في موطن منذ عقلت عقلي إلاّ وأنا أعرف أمري ، إلاّ هذا .

قالت له : فما تريد أنْ تصنع ؟

قال : أذهب وأدعهم .

فقال له عبد الله ولده : جمعت هذين الفريقين ، حتّى إذا جدّ بعضهم لبعض أردت أنْ تتركهم وتذهب ، أحسست برايات ابن أبي طالب فرأيت الموت الأحمر منها أو من تحتها ، تحملها فتيةٌ أنجاد سيوفهم حداد .

فغضب الزبير وقال : ويحك قد حلفت أنْ لا أُقاتله .

فقال : كفّر عن يمينك .

فدعا غلاماً له يُقال له مكحول فأعتقه .

فقال عبد الرحمان بن سليمان التميمي :

لم أر كاليوم أخا خوان   أعجب من مكفّر الأيمان

بالعتق في معصية الرحمان

وقال آخر :

يعتق مكحولاً لصونِ دينه

كفّارة لله عن يمينه

والنكث قد لاح على جبينه


وفي رواية : إنّ الزبير ـ لمّا قال له ابنه ذلك ـ غضب ، فقال له ابنه : والله لقد فضحتنا فضيحةً لا نغسل منها رؤوسنا أبداً فحمل الزبير حملة منكرة) (١) .

انتهى بقدر الضرورة .

وفي هذه العبارة أيضاً فوائد كثيرة لا تخفى على من تأمّل فيها ، فلا الاعتذار بأنّ الطرفين ما كان قاصدين لاشتعال الحرب ينفع ، ولا الاعتذار للزبير بنسيان ما قاله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم له من قبل...

لكن العجيب جدّا ً: إصرار عبد الله على الحرب ، فإنّه لم يرتدع عنها بما ارتدع به أبوه ، وهو كلام رسول الله الذي ذكّره الإمام به ، بل جعل يؤنّب أباه ويحاول أنْ يعيده إلى القتال ويغريه إلى الحرب .

كلام الإمام في عبد الله بن الزبير

وهكذا كان عبد الله يسعى في البغض والعداء لأمير المؤمنينعليه‌السلام ، حتّى أنّه حاول جاهداً لأنْ يورّط أباه بعد أنْ اختار الانعزال ، واعتراض عليه قائلاً : ( لقد فضحتنا فضيحةً لا نغسل منها رؤوسنا أبداً )...

والذي يظهر من كلام أمير المؤمنينعليه‌السلام ـ المروي في كتب الفريقين ـ أنّ عبد الله هو السبب في مفارقة الزبير لأهل البيتعليهم‌السلام ...

ـــــــــــــــــــ

(١) تذكرة خواصّ الأُمّة في معرفة الأئمّة : ٧١ ـ ٧٢ .


روى سبط ابن الجوزي قال :

( وفي رواية : إنّ عليّاًرضي‌الله‌عنه لمّا التقى بالزبير قال له :( كنّا نعدّك من خيار بني عبد المطّلب ، حتّى بلغ ابنك السوء ففرّق بيننا وبينك ، أليس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لك كذا وكذا ) وذكر الحديث )(١) .

وروى ابن الأثير :

وكان عليٌّ ـرضي‌الله‌عنه ـ يقول :( ما زال الزبير منّا أهل البيت حتّى نشأ له عبد ا لله ) (٢) .

وروى ابن عبد البر :

قال عليّ بن أبي طالب ـرضي‌الله‌عنه ـ :( ما زال الزبير يُعدُّ منّا أهل

ـــــــــــــــــــ

(١) تذكرة خواصّ الأُمّة : ٧٢.

(٢) أُسد الغابة في معرفة الصحابة ٣ : ١٣٩ / ٢٩٤٧ .


البيت حتّى نشأ عبد الله ) (١) .

بين عبد الله بن الزبير والإمام الحسينعليه‌السلام

ومن دلائل حبّه وشدّة عداوته لأهل البيت الأطهار ( عليهم الصلاة والسلام ) : موقفه مع الإمام السبط الشهيد الحسين بن علي في مكّة المكرّمة ، وهذا من القضايا التاريخيّة الثابتة :

قال ابن فهد المكّي في( إتحاف الورى بأخبار أُمّ القرى ) :

( وفيها خرج الحسين بن عليّ بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه من المدينة إلى مكّة ، فلقيه عبد الله بن مطيع فقال : جلت فداك أين تريد ؟ فقال :( فأمّا الآن فمكّة وأمّا بعد ، فإنّي أستخير الله تعالى ) ، قال : خار الله لك وجعلنا فداك ، فإذا أتيت مكّة فإيّاك أنْ تقرب الكوفة فإنّها بلدة مشؤومة ، بها قُتِل أبوك وخُذِل أخوك واغتيل بطعنة كادت تأتي على نفسه ، ألزم الحرم فإنّك سيّد العرب لا يعدل بك أهلُ الحجاز أحداً ، ويتداعى إليك الناس من كلّ جانب ، لا تُفارق الحرم فداك عمّي وخالي ، فو الله لئن هلكت لنُسترقّنّ بعدك .

فأقبل حتّى نزل مكّة وأهلها يختلفون إليه ويأتونه ومن بها من المعتمرين وأهل الآفاق ، وابن الزبير بها قد لزم جانب الكعبة ، فهو قائم يُصلّي عندها عامّة النّهار ويطوف ، ويأتي الحسين فيمن يأتيه ، ولا يزال يشير عليه بالرأي وهو أثقل خلق الله على ابن الزبير ؛ لأنّ أهل الحجاز لا يُبايعونه ما دام الحسين بالبلد .

وأرسل أهل الكوفة الحسين في المسير إليهم ، فلمّا أراد المسير إلى

ـــــــــــــــــــ

(١) الاستيعاب في معرفة الأصحاب ٣ : ٩٠٦/ ١٥٣٥ .


الكوفة أتاه عمر بن عبد الرحمان بن الحارث بن هشام فقال له : إنّي أتيتك لحاجة أُريد ذكرها نصيحة لك ، فإنْ كنت ترى أنّك مُستنصِح قلتها وأدّيت ما علَيّ من الحقّ فيها ، وإنْ ظننت أنّك لا تستنصحني كففت عمّا أُريد .

فقال :( قل ، فو الله ما استغشّك وما أحملنّك بشيءٍ من الهوى ) .

قال له : قد بلغني أنّك تريد العراق ، وإنّي مشفقٌ عليك أنْ تأتي بلداً فيها عمّاله وأُمراؤه ، ومعهم بيوت الأموال ، وإنّما النّاس عبيد الدّنيا والدرهم ، فلا آمن عليك أنْ يُقاتلك من وعدك نصره ومَن أنت أحبّ إليه ممّن يُقاتلك معه .

فقال له الحسين :( جزاك الله خيراً يا ابن عم ، قد علمتُ أنّك مشيت بنصح وتكلّمت بعقل ، ومهما يُقضى من أمر يكن ، أخذتُ برأيك أو تركت ، فأنت عندي أحمدُ مُشير وأنصح ناصح ) .

وأتاه عبد الله بن عبّاس فقال : قد اُرجف النّاس أنّك سائر إلى العراق ، فبيّن لي ما أنت صانع ؟

فقال له :( قد أجمعت السير في أحد يوميّ هذين ، إنْ شاء الله تعالى ) .

فقال له ابن عبّاس : فإنّي أُعيذك بالله من ذلك ، أخبرني أتسير إلى قومٍ قتلوا أميرهم وضبطوا بلادهم ونفوا عدّوهم ، فإنْ كانوا فعلوا فسر إليهم ، وإنْ كانوا إنّما دعوك إليهم ، وأميرهم عليهم قاهرٌ عليهم وعمّاله تجبى بلاده ، فإنّما دعوك إلى الحرب ، ولا آمن عليك أنْ يغرّوك ويكذبوك ويخالفوك ويخذلوك ، ويستنفروا إليك ويكونوا أشدّ النّاس عليك .

فقال الحسين :( إنّي أستخير الله وأنظر ما يكون ) .

فخرج ابن عبّاس .

وأتاه ابن الزبير ، فحدّثه ساعة ثمّ قال : ما أدري ما تركنا هؤلاء القوم


وكفنّا عنهم ، ونحن أبناء المهاجرين وولاة هذا الأمر دونهم ، خبّر ما تريد أن تصنع ؟

فقال الحسين :( لقد حدّثت نفسي بإتيان الكوفة ، ولقد كتب إليّ شيعتي بها وأشراف النّاس ، وأستخير الله تعالى ) .

فقال له ابن الزبير : أمّا لو كان لي بها مثل شيعتك لما عدلت عنها .

ثمّ خشي أنْ يتّهمه فقال : أما إنّك لو أقمت بالحجاز ، ثمّ أردت هذا الأمر هاهنا ، حالفنا عليك وساعدناك وبايعنا لك ونصحنا لك .

فقال له الحسين :( إنّ أبي حدّثني أنّ بها كبشاً يستحلّ حرمتها ، فما أحبّ أنْ أكون أنا ذلك الكبش ) .

قال : فأقم إنْ شئت ، ولك الأمن تُطاع ولا تُعصى .

قال :( ولا أُريد هذا أيضاً ) .

ثمّ إنّهما اخفيا كلامهما ، فالتفت الحسين إلى من هناك وقال :( أتدرون ما يقول ) ؟

قالوا : لا ندري جعلنا الله فداك .

قال إنّه يقول :أقم في هذا المسجد أجمع لك النّاس .

ثمّ قال له الحسين :( والله لأن اُقتل خارجاً منها بشبر أحبُّ إليَّ من أن اُقتل فيها ، ولأنْ اُقتل خارجاً منها بشبرين أحبّ إليّ أن اُقتل خارجاً منها بشبر ، وأيم الله لو كنت في جحر هامّة من هذه الهوامّ لاستخرجوني حتّى يقضوا بي حاجتهم ، والله ليعتدّنّ علَيّ كما اعتدت يهود في السبت ) .

فقام ابن الزبير ، فخرج من عنده .

فقال الحسين :( إنّ هذا ليس شيء من الدنيا أحبّ إليه من أنْ أخرج من الحجاز ، وقد علم أنّ النّاس لا يعدلونه بي ، فودّ أنّي خرجت حتّى يخلو له ) .


فلمّا كان مِن العشي أو من الغداة أتاه ابن عبّاس فقال : يا ابن عمّ ، إنّي أتصبّر ولا أصبر ، إنّي أتخوّف عليك وهذا اليوم الهلاك و الاستيصال ، إنّ أهل العراق قوم غدرٍ ولا تقربنّهم ، أقم بهذا البلد فإنّك سيّد أهل الحجاز ، فإنْ كان أهل العراق يريدونك كما زعموا ، فاكتب إليهم فلينفوا عاملهم وعدوّهم ثمّ أقدم عليهم ، وإنْ أبيت إلاّ أنْ تخرج فسر إلى اليمن ، فإنّ فيها حصوناً وشعباً ، وهي أرض طويلة عريضة ، ولأبيك بها شيعة ، وأنت عن النّاس في عزلة ، فتكتب إلى النّاس، وبُثّ دعاتك ، فإنّي أرجو أنْ يأتيك عند ذلك الذي تحبّ في عافية .

فقال الحسين :( يا ابن عمّ ، إنّي أعلم ـ والله ـ أنّك ناصحٌ مُشفق ، وقد أزمعت وأجمعت السير ) .

فقال له ابن عبّاس : فإنْ كنت سائراً ، فلا تسر بنسائك وصبيتك ، فإنّي خائف أنْ تقتل ، كما قُتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه .

ثمّ قال له ابن عبّاس : لقد أقررت عين ابن الزبير بالخروج من الحجاز ، وهو اليوم لا ينظر إليه أحدٌ معك ، والله الذي لا إله إلاّ هو ، لو أعلم أنّك إذا أخذت بشعري وأخذت بناصيتك حتّى يجتمع علينا النّاس أطعتني وأقمت ، لفعلت ذلك ، ثمّ خرج ابن عبّاس من عنده ، فمرّ بابن الزبير ، فقال : قرّت عينك يا ابن الزبير ، ثمّ قال :

يا لك مِن قنبرةٍ بمعمر

خلا لك الجوّ فبيضي واصفري

ونقّري ما شئت أنْ تنقّري


هذا حسين يخرج إلى العراق ويخلّيك والحجاز ) (١) .

فمن هذا يظهر خبث باطن ابن الزبير ، وشدّة عدائه لأهل البيتعليهم‌السلام ، وإلاّ لكان الإمام الحسينعليه‌السلام أحبّ النّاس إليه ، وبقاؤه في مكّة أقرّ لعينه ، ولكنّه كان بالعكس ، فقد كان الإمام الحسين في مكّة أثقل النّاس إليه ، وكان يقول له بلسانه غير ما كان بقلبه ، ويبدي له خلاف ما يخفي عليه... والإمامعليه‌السلام عارفٌ بواقع أمره وحقيقة سرّه ، وكذلك فهم ابن عبّاس ، حتّى قال للإمام الحسين لمّا عزم على الخروج : لقد أقررت عين ابن الزبير... فلو كان له أدنى حظٍّ من الإيمان وأقلّ قسط من الإيقان لما صار قريرَ العين بمسير الحسين ، بل بكى دماً وذاب ألماً ، وصار قلبه مجروحاً وعينه مقروحاً ، وأطال الحزن والكآبة ومني بالشجى والسآمة ، وهل يسرّ بالفراق إلاّ الشامت الكاشح والمُبغض غير الناصح...

وكان الخبر في رواية الجلال السيوطي في كتاب( تاريخ الخلفاء ) حيث قال :

( فلمّا مات معاوية بايعه ـ يعني يزيد ـ أهل الشام ، ثمّ بعث إلى أهل المدينة مَن يأخذ له البيعة ، فأبى الحسين وابن الزبير أنْ يُبايعاه ، وخرجا من ليلتهما إلى مكّة ؛ فأمّا ابن الزبير فلم يُبايع ولا دعا إلى نفسه ، وأمّا الحسين فكان أهل الكوفة يكتبون إليه ، يدعونه إلى الخروج إليهم زمن معاوية وهو يأبى ، فلمّا بويع يزيد أقام على ما هو مهموماً ، يجمع الإقامة مرّة ويريد المسير إليهم أُخرى .

فأشار عليه ابن الزبير بالخروج .

ـــــــــــــــــــ

(١) إتحاف الورى بأخبار أُمّ القرى ـ حوادث السنة ٦٠ .


وكان ابن عبّاس يقول له : لا تفعل .

وقال له ابن عمر : لا تخرج ، فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خيّره الله بين الدنيا والآخرة ، فاختار الآخرة وإنّك بضعةٌ منه ، ولا تنالها ـ يعني الدنيا ـ واعتنقه وبكى وودّعه ، فكان ابن عمر يقول : غلبنا حسينٌ بالخروج ، ولعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة .

وكلّمه في ذلك أيضاً جابر بن عبد الله وأبو سعيد وأبو واقد الليثي وغيرهم فلم يُطع أحداً منهم .

وصمّم على المسير إلى العراق ، فقال له ابن عبّاس : والله إنّي لأظنّك ستُقتل بين نسائك وبناتك كما قُتل عثمان ، فلم يقبل منه ، فبكى ابن عبّاس وقال : أقررت عين ابن الزبير .


ولمّا رأى ابن عبّاس عبد الله بن الزبير قال له : قد أتى ما أحببت ، هذا الحسين يخرج ويتركك والحجاز ، ثمّ تمثّل :

يا لك من قنبرةٍ بمعمر

خلا لك الجوّ فبيضي واصفري

ونقّري ما شئت أن تنقري ) (١) .

أحاديث في ذمّ بُغض عليّ وأهل البيتعليهم‌السلام

وإذْ ظهر بُغض عبد الله بن الزبير وعداؤه لأمير المؤمنين وأهل البيت الطاهرين ، كان من المناسب إيراد نصوص روايات عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ذمّ بُغض عليّ أمير المؤمنين وأبنائه وأهل البيت ، والمُبغض لهم... عن كتب أهل السنّة وبأسانيدهم :

ـــــــــــــــــــ

(١) تاريخ الخفاء : ١٦٤ ـ ١٦٥ .


 ( أخرج الطبراني عن عليّ كرّم الله وجهه قال : ( إنّ خليلي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : يا عليّ ، إنّك ستقدم على الله وشيعتك راضين مرضيّين ، ويقدم عليه عدوّك غضباناً مقمحين ) ، ثمّ جمع عليٌّ يده إلى عنقه يريهم الإقماح .

وأخرج الدليمي عن ابن عمررضي‌الله‌عنه ما ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( عليّ بن أبي طالب بابُ حطّة فمَن دخل منه كان مؤمناً ، ومِن خرج منه كان كافراً ) .

وأخرج مسلم والترمذي والنسائي عن زر بن حبيش قال: قال عليٌّ كرّم الله وجهه:والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، إنّه لعهد النبي الاُمّي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إليّ أن لا يحبّني إلاّ مؤمن ولا يبغضني إلاّ منافق.

وأخرج أحمد والترمذي ـ وحسّنه ـ عن أُمّ سلمة رضي الله عنها قالت : ( قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لا يحبّ عليّاً منافق ولا يبغضه مؤمن ) .

وفي رواية ابن أبي شيبة عنها بلفظ :( لا يبغض عليّاً مؤمن ولا يحبّه منافق ) .

وعند الطبراني في الكبير عنها :( لا يحبّ عليّاً إلاّ مؤمن ولا يبغضه إلاّ منافق ) .

وأخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري والبزّار والطبراني في الأوسط ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قالا : كنّا نعرف المنافقين ببغضهم عليّاً .

وأخرج الطبراني في الكبير عن سلمانرضي‌الله‌عنه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعليّ :( محبّك محبّي ، ومبغضك مبغضي ) .

وأخرج عبد الرزاق الرسعني عن أنَسرضي‌الله‌عنه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعليّ :( كذب من زعم أنّه يحبّني ويبغضك ) .

وأخرج الطبراني في الكبير عن أُمّ سلمة رضي الله عنها ، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( من أحبّ عليّاً فقد أحبّني ، ومن أحبّني فقد أحبّ الله ، ومَن أبغض عليّاً فقد أبغضني ، ومن أبغضني فقد أبغض الله ) .

وأخرج ابن عدي عن سلمانرضي‌الله‌عنه قال : رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ضرب فخذ عليّ بن أبي طالب وصدره ، وسمعته يقول :( مُحبّك مُحبّي ، ومُبغضك مُبغضي ، ومُبغضي مُبغض الله ) .


وأخرج الحاكم والخطيب عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال : نظر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى عليّ بن أبي طالب فقال :( أنت سيّدٌ في الدنيا والآخرة ، مَن أحبّك فقد أحبّني ، وحبيبي حبيبُ الله ، وعدوّك عدوّي ، وعدوّي عدوّ الله ؛ فالوليل لمن أبغضك بعدي ) .

وأخرج الطبراني في الكبير والحاكم والخطيب عن عمّار بن ياسررضي‌الله‌عنه قال : قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( يا علي ، طوبى لِمَن أحبّك وصدَق فيك ، وويلٌ لِمَن أبغضك وكذب فيك ) .

وأخرج ابن مردويه عن أنَسرضي‌الله‌عنه أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( مَن حسَد عليّاً فقد حسدني ، ومَن حسدني فقد كفر ) .

وأخرج أبو يعلى والبزّار عن سعد بن أبي وقّاصرضي‌الله‌عنه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( من آذى عليّاً فقد آذاني )) (١) .

وفي( مفتاح النجا ) أيضاً :

( وأخرج الحاكم عن جابررضي‌الله‌عنه : أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( عليٌّ إمام البررة وقاتل الفجرة ، منصورٌ من نصره ، مخذولٌ من خذله ) .

ـــــــــــــــــــ

(١) مفتاح النجا في مناقب آل العبا ـ مخطوط .


وأخرج الطبراني في الكبير عن عمرو بن شراحيلرضي‌الله‌عنه أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( اللّهمّ انصر مَن نصر عليّاً ، اللّهمّ أكرم مَن أكرم عليّاً ، اللّهمّ اخذل مَن خذل عليّاً ) .

وأخرج عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( اللّهمّ أعنه وأعن به ، وارحمه وارحم به ، وانصره وانصر به ، اللّهمّ وال مَن والاه وعادِ من عاداه ) ـ يعني عليّاً .

وأخرج عبد الرزاق الرسعني عن عبد الله بن مسعودرضي‌الله‌عنه قال : رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم آخذ بيد علي وهو يقول :( الله وليّي وأنا وليّك ومعادي من عاداك ومسالم من سالمك ) .

واخرج الحافظ أبو بكر أحمد بن عبد الرحمان الجوال الشيرازي في كتاب( ألقاب الرجال ) ، وابن النجّار في تاريخه عن ابن عمر رضي الله عنهما ، أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( اللهمّ اشهد لهم ، اللهمّ قد بلّغت ، هذا أخي وابن عمّي وصهري وأبو ولدي ، اللهمّ كبّ من عاداه في النّار ) .

وأخرج ابن عدي عن جابررضي‌الله‌عنه ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لعليّ :( يا عليّ ، لو أنّ أُمّتي أبغضوك ، لكبّهم الله على مناخرهم في النّار ) .

وأخرج الديلمي عن الحسينرضي‌الله‌عنه عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( لو أنّ عبداً عَبَدَ الله مثل ما أقام نوحٌ في قومه ، وكان له مثل أُُحد ذهباً فأنفقه في سبيل الله ، ومُدَّ في عُمره حتّى يحجّ ألف عام على قدميه ، ثمّ قُتِل مظلوماً بين الصّفا والمروة ، ثمّ لم يُوالِك يا علي ، لم يشمّ رائحة الجنّة ولم يدخلها ) .

وأخرج ابن مردويه عن عطيّة بن سعد قال : دخلنا على جابر بن عبد اللهرضي‌الله‌عنه وهو شيخٌ كبير ، فقنا : أخبرنا عن هذا الرجل عليّ بن أبي طالب .

فرفع حاجبيه ثمّ قال :( ذاك مِن خير البشر فقيل له : ما تقول في رجل يبغض عليّاً ؟ فقال : ما يبغض عليّاً إلاّ كافر ) .

وأخرج عن سالم بن أبي الجعد قال : تذاكروا فضل عليٍّ عند جابر بن عبد اللهرضي‌الله‌عنه ، فقال : وتشكّون فيه ؟ فقال بعض القوم : إنّه أحدث قال :( وما يشكّ فيه إلاّ كافرٌ أو منافق ) .


وأخرج عن عطا قال : سألتُ عائشة عن عليّرضي‌الله‌عنه ما ، فقالت :( ذاك مِن خير البريّة ، ولا يشكّ فيه إلاّ كافر ) .

وأخرج أحمد والبزّار وأبو يعلى وابن عدي والحاكم وأبو نعيم في فضائل الصحابة ، عن عليّ كرّم الله وجهه قال :( دعاني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : إنّ فيك مثلاً مِن عيسى ، أبغضته اليهود حتّى بهتوا أُمّه ، وأحبّته النّصارى حتّى أنزلوه بالمنزل الذي ليس به ، ألا وإنّه يهلك فيّ اثنان : محبّ مفرط يقرظني بما ليس فيّ ، ومُبغضٌ يحمله شنآني على أنْ يبهتني )) (١) .

ومن مساوئه في كتب التاريخ والحديث

وقد ذكر القوم مساوئ أخرى له ، في كتبهم التاريخيّة والحديثيّة ، نورده باختصار :

قال ابن عبد البرّ في( الاستيعاب ) :

( قال عليّ بن زيد الجدعاني : كان عبد الله بن الزبير كثير الصّلاة ، كثير الصّيام ، شديد البأس ، كريم الجدّات والأُمّهات والخالات ، إلاّ أنّه كانت فيه

ـــــــــــــــــــ

(١) مفتاح النجا في مناقب آل العبا ـ مخطوط  


خلال لا تصلح معها الخلافة ؛ لأنّه كان بخيلاً، ضيّق العطاء ، سيّئ الخُلق ، حسوداً ، كثير الخلاف ، أخرج محمّد بن الحنفيّة ، ونفى عبد الله بن عبّاس إلى الطائف ) (١) .

وقال ابن خلّكان في( وفيّات الأعيان ) :

( ولمّا دعا ابن الزبير إلى نفسه وبايعه أهل الحجاز بالخلافة ، دعا عبد الله ابن عبّاس ومحمّد بن الحنفيّة ـ رضي الله عنهما ـ إلى البيعة ، فأبيا ذلك وقالا : لا نُبايعك حتّى تجتمع لك البلاد ويتّفق الناس ، فأساء جوارهم وحصرهم وآذاهم وقال لهما : والله ، لئن لم تُبايعا أحرقتكما بالنّار) (٢) .

وذكر التنوخي في كتاب( الفرج بعد الشدّة ) :

( كتب محمّد بن الحنفيّة إلى عبد الله بن عبّاسرضي‌الله‌عنه ، حين سيّره عبد الله بن الزبير مِن مكّة إلى الطائف كتاباً نسخته :

أمّا بعد ؛ فقد بلغني أنّ عبد الله بن الزبير سيّرك إلى الطائف ، فأحدث الله لك بذلك أجراً وحطّ به عنك وزراً ، يا ابن عم ، إنّما يُبتلى الصالحون ، وتعدّ الكرامة للأخيار ، ولو لم تُؤجر إلاّ فيما تحبّ لقلّ الأجر ، وقد قال الله تعالى :( وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ) الآية ، عزم الله لنا ولك بالصبر على البلاء والشكر على النعماء ، ولا أشمت بنا الأعداء ، والسلام) (٣) .

وقال ابن حجر العسقلاني في كتاب التفسير من( فتح الباري في شرح صحيح البخاري ) :

ـــــــــــــــــــ

(١) الاستيعاب في معرفة الأصحاب ٣ : ٩٠٦/ ١٥٣٥ .

(٢) وفيات الأعيان ٤ : ١٧٢/ ٥٥٩ .

(٣) الفرج بعد الشدّة : ٤٢ .


 ( وكان محمّد بن عليّ بن أبي طالب المعروف بابن الحنفيّة وعبد الله بن عبّاس مُقيمين بمكّة ، مذ قتل الحسين ، فدعاهما ابن الزبير إلى البيعة له فامتنعا وقالا : لا نُبايع حتّى يجتمع الناس على خليفة ، وتبعهما على ذلك جماعة ، فشدّد عليهم ابن الزبير وحصرهم ، فبلغ المختار ، فجهّز إليهم جيشاً ، فأخرجوهما واستأذنوهما في قتال ابن الزبير ، فامتنعا وخرجا إلى الطائف فأقاما بها ، حتّى مات ابن عبّاس سنة ثمان وستّين ، ورحل ابن الحنفيّة بعده إلى جهة رضوى ـ جبل بينبع ـ فأقام هناك ، ثمّ أراد دخول الشام فتوجّه إلى نحو أيله ، فمات في آخر سنة ثلاث أو أوّل سنة أربع وسبعين ، وذلك عقب قتل ابن الزبير ، على الصحيح ، وقيل : عاش إلى سنة ثمانين أو بعد ذلك ، وعند الواقدي أنّه مات بالمدينة سنة إحدى وثمانين ، وزعمت الكيسانيّة أنّه حيٌّ لم يمت ، وأنّه المهدي ، وأنّه لا يموت حتّى يملك الأرض ، في خرافات لهم كثيرة ليس هذا موضعها ، وأنا لخّصت ما ذكرته من طبقات ابن سعد وتاريخ الطبري وغيرهما لبيان المراد .

وروى الفاكهي من طريق سعيد بن محمّد بن جُبير بن مطعم عن أبيه قال : كان ابن عبّاس وابن الحنفيّة بالمدينة ، ثمّ سَكَنا مكّة ، فطلب منهما ابن الزبير البيعة فأبيا حتّى يجتمع النّاس على رجل ، فضيّق عليهما ، فبعثا رسولاً إلى العراق ، فخرج إليهما جيش في أربعة آلاف ، فوجدوهما محصورين وقد اُحضر الحطب فجعل على الباب يخوّفهما بذلك ، فأخرجوهما إلى الطائف ، وذكر ابن سعد أنّ هذه القصّة وقعت بين ابن الزبير وابن عبّاس في سنة ست وستّين) (١) .

ـــــــــــــــــــ

(١) فتح الباري في شرح البخاري ٨ : ٢٦٢ .


رواية موضوعة عن ابن عبّاس في مدح ابن الزبير

هذا ، والعجب أنّهم قد وضعوا عن ابن عبّاس كلاماً في مدح عبد الله بن الزبير ، ورواه البخاري في كتابه المشهور( الصحيح ) حيث قال :

( حدّثني عبد الله بن محمّد ، قال : حدّثني يحيى بن معين قال : حدّثنا حجّاج قال ابن جريح : قال ابن أبي مليكة ـ وكان بينهما شيء ـ فغدوت على ابن عبّاس فقلت : أتريد أنْ تُقاتل ابن الزبير فتحلّ حرم الله ؟ فقال : معاذ الله ، إنّ الله كتب ابن الزبير وبني أُميّة محلّين ، وإنّي والله لا أُحلّه أبداً .

قال : قال الناس بايع لابن الزبير فقلت : وأين بهذا الأمر عنه ، أمّا أبوه فحواري النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ يريد الزبير ـ وأمّا جدّه فصاحب الغار ـ يريد أبا بكر ـ وأُمّه فذات النطاق ، يُريد أسماء ، وأمّا خالته فأُمّ المؤمنين ، يُريد عائشة ، وأمّا عمّته فزوج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يُريد خديجة ، وأمّا عمّة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فجدّته ، يُريد صفيّة ، ثمّ عفيفٌ في الإسلام ، قارئٌ للقرآن ، والله إنْ وصلوني وصلوني مِن قريب ، وإنْ ربوني ربوني أكفّاء كرام ، فآثر التوتيات والآسامات والحميدات ، يُريد : أبطُناً من بني أسد بني تويت وبني أُسامة وبني أسد ، إنّ ابن أبي العاص برز يمشي القدميّة يعني عبد الملك بن مروان ، وإنّه لوى ذنَبه يعني ابن الزبير) (١) .

وفي( فتح الباري ) :

( قوله : قال ابن أبي مليكة : وكان بينهما شيء ، كذا أعاد الضمير بالتثنية على غير مذكور اختصاراً ، ومراده ابن عبّاس وابن الزبير ، وهو صريح في

ـــــــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري ٦ : ٨٣ كتاب التفسير ـ سورة براءة .


الرواية الأُولى .

قوله : محلّين ، أي أنّهم كانوا يبيحون القتال في الحرم ، وإنّما نسب ابن الزبير إلى ذلك ـ وإنْ كان بنو أُميّة هم الذين ابتدؤوه بالقتال وحصروه ، وإنّما بدا منه أوّلاً دفعهم عن نفسه ـ لأنّه بعد أنْ ردّهم الله عنه حصر بني هاشم ليبايعوه ، فشرع فيما يؤذن بإباحته القتال في الحرم ، وكان بعض النّاس يُسمّي ابن الزبير المحلّ لذلك...

قوله : لا أحلّه أبداً ، أي لا أبيح القتال فيه ، وهذا مذهب ابن عبّاس أنّه لا يقاتل في الحرم ولو قوتل فيه .

قوله قال : قال الناس : القائل هو ابن عبّاس ، وناقل ذلك عنه ابن أبي مليكة فهو متّصل ، والمراد بالنّاس من كان من جهة ابن الزبير .

وقوله : بايع ، بصيغة الأمر .

وقوله : وأين بهذا الأمر عنه ، أي الخلافة ، أي ليست بعيدة عنه ، لماله من الشرف بأسلافه الذين ذكرهم ، ثمّ صفته التي أشار إليها بقوله : عفيف في الإسلام قارئ القرآن .

قوله : وإنّه لوى ذنبه ، يعني ابن الزبير ، لوى بتشديد الواو وبتخفيفها أي ثناه ، وكنّى بذلك عن تأخّره وتخلّفه عن معالي الأُمور ، وقيل : كنّى به عن الجبن وإيثار الدعة ، كما تفعل السباع إذا أرادت النوم ، والأوّل أولى .

قال الداودي : المعنى أنّه وقف فلم يتقدّم ولم يتأخّر ، ولا وضع الأشياء مواضعها ، فأدنى الناصح وأقصى الكاشح) (١) .

وكأنّ واضع هذا الكلام قصد أداء شيء من حقوق ابن الزبير عليه من

ـــــــــــــــــــ

(١) فتح الباري في شرح صحيح البخاري ٨ : ٢٦٣ ـ ٢٦٥ .


أجل عدائه لأهل البيتعليهم‌السلام ، وإلاّ ، فإنّ مَن وصفه العلماء بأوصافٍ قالوا إنّه لا تصلح للخلافة ، كيف يصحّ لمثل ابن عبّاس أنْ يراه أهلاً للخلافة ويمدحه بمثل هذا الكلام ؟

ولكنّ واضعه لم يُحسن الوضع ، فإنّ ما جاء في أوّل العبارة من( إنّ الله كتب...) يدلّ على كون ابن الزبير وبني أُميّة سلكوا طريق إحلال الحرم وهتكوا حرمة البيت الحرام ، وأيضاً : فما جاء في آخرها من قوله :( لوى ذنبه ) تهجين لابن الزبير إذ شبّهه بالبهائم ، وهو كناية عن الجبن وإيثار الدعة ، أو كما قال بعض الشرّاح : يريد أنّه لم يتّزن لاكتساب المجد وطلب الحمد ولكنّه زاغ وتنحّى ، أو كما قال غيره : إنّه مَثَل لترك المكارم والإعراض عن المعروف وإيلاء الجميل ، ويجوز أنْ يكون كنايةً عن التخلّف .

بين عائشة وابن الزبير

وقد أساء ابن الزبير الأدب مع عائشة وتطاول عليها ، حتّى نذرت أنْ تهجره ولا تكلّمه أبداً ، وقد أخرج البخاري الخبر في كتاب الأدب من ( الصحيح )(١) .

وقال الحافظ السمهودي في( جواهر العقدين ) :

( وفي الصحيح أيضاً : قول عائشة : عليَّ نذر أنْ لا اُكلّم ابن الزبير أبداً قال ابن عبد البر : التقدير عليَّ نذر إنْ كلّمته انتهى وهو موافق للرواية الأُخرى : لله عليّ نذر إنْ كلّمته ، فالنذر معلَّق على كلامها له ؛ لأنّها نذرت ترك كلامه ، وجعلت الترك قربةً تلزم بالنذر ، وقصّتها في ذلك : أنّها رأت أنّ ابن

ـــــــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري ٨ : ٢٥ كتاب الأدب ـ باب الهجرة...


الزبير قد ارتكب أمراً عظيماً حيث قال : أما والله لتنتهيّن عائشة عن بيع رباعها أو لأحجرنّ عليها ، وكانت لا تمسك شيئاً ممّا جاءها من رزق بل تتصدّق به ، فرأت أنّ قوله ذلك جرأة عليها وتنقيصاً لقدرها ، بنسبتها إلى ارتكاب التبذير الموجب لمنعها من التصرّف ، مع كونها أُمّ المؤمنين وخالته أُخت أُمّه ، ولم يكن أحد عندها في منزلته ، فرأت ذلك منه نوع عقوق ، فجعلت مجازاته ترك مكالمته ) (١) .

ومن الغرائب : احتجاج بعض فقهاء القوم بهذه الزلّة الكبيرة الصّادرة من ابن الزبير ، ولذا بادر ابن حزم إلى التشنيع عليه، فقال في( المحلّى ) :

( وأمّا الرواية عن ابن الزبير فطامّة الأبد ، لا ندري كيف استحلّ مسلم أنْ يحتجّ بخطيئة ووهلة وزلّة كانت من ابن الزبير ، والله تعالى يغفر له ، إذ أراد مثله ـ مع كونه مِن أصاغر الصحابة ـ أنْ يحجر على مثل أُمّ المؤمنين ، التي أثنى الله تعالى عليها أعظم الثناء في نصّ القرآن ، وهو لا يكاد يتجزى منها في الفضل عند الله تعالى ، وهذا خبر رويناه من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عوف بن الإرث ابن أخي عائشة أُمّ المؤمنين لاُمّها : إنّ عائشة أُمّ المؤمنين حدّثت أنّ عبد الله بن الزبير قال في بيعٍ أو عطاءٍ أعطته : لتنتهينّ عائشة أو لأحجرنّ عليها فقالت عائشة : أوَ قال هذا ؟ قالوا : نعم ، فقالت عائشة : هو لله عليَّ نذر أنْ لا اُكلّم ابن الزبير كلمةً أبداً .

ثمّ ذكر الحديث بطوله وتشفّعه إليها وبكاؤه لعبد الرحمان بن الأسود بن عبد يغوث والمسور بن مخرمة الزهريين ، حتّى كلّمته ، وأعتقت في نذرها أنْ لا تكلّمه أربعين رقبة .

قال أبو محمّد : قد بلغت به عائشة رضي الله عنها [من] الإنكار حيث

ـــــــــــــــــــ

(١) جواهر العقدين : ٢١٥ ـ ٢١٦


بلغته، فلا يخلو الأمر من أنْ يكون ابن الزبير أخطأ وأصابت هي وهو كذلك بلا شك ، فلا يحتجّ بقولٍ أخطأ فيه صاحبه ، أو يكون ابن الزبير أصاب وأخطأت هي ، ومعاذ الله من هذا ومن أنْ تكون أُمّ المؤمنين تُوصف بسفهٍ وتستحق أنْ يحجر عليها ، نعوذ بالله من هذا القول فصحّ أنّ ابن الزبير أخطأ في قوله ) (١) .

فمن كلام ابن حزم والسمهودي يفهم أنّ ما صدر من ابن الزبير بحقّ عائشة كان طعناً عظيماً وقدحاً جسيماً ، يمنع منه الكتاب والسنّة ، ويقبّحه العقل ويذمّ عليه العقلاء... فكيف يجوز هذا عندهم وهم لا يجوّزون صدور معشاره من أحدٍ من الشيعة بالنسبة إلى عائشة ؟

محاولة التأويل

ولشدّة قبح ما كان بين ابن الزبير وعائشة ، وأنّه يستوجب الطعن في كليهما أو أحدهما في الأقل ، وهو ما لا يحتمَّل... حاول بعضهم تأويل الخبر ، ففي( الكواكب الدراري ) بشرحه :

( قال ابن بطال : فإنْ قلت : لِمَ هجَرَت عائشة ابن الزبير أكثر مِن ثلاثة أيّام ؟

قلت : معنى الهجرة ترك الكلام عند التلاقي ، وعائشة رضي الله عنها لم تكن تلقاه فتعرض عن السلام عليه ، وإنّما كانت مِن وراء الحجاب ، ولا يدخل عليها أحد إلاّ بالإذن ، فلم يكن ذلك من الهجرة ، ويدلّ عليه لفظ ( يلتقيان فيعرضِ ) إذ لم يكن بينهما لقاء فإعراض .

ـــــــــــــــــــ

(١) المحلّى في الفقه ٨ : ٢٩٢ ـ ٩٢٣ .


ووجه آخر ، وهو : إنّه إنّما ساغ لعائشة ذلك لأنّها أُمّ المؤمنين ، لا سيّما بالنسبة إلى ابن الزبير ، لأنّها خالته ، وذلك الكلام الذي قال في حقّها كان كالعقوق لها ، فهجْرَتها منه كانت تأديباً له ، وهذا من باب إباحة الهجران لمن عصى) (١) .

لكنْ لا يخفى وهن التوجيه الأوّل وسخافته ، وتفوّه هذا العالم النحرير به عجيب ، ولكن العصبيّة والمراء عضال داءٍ ليس له دواء ؛ وذلك لأنّ الهجران ترك الملاقاة ، وقد خصّه ابن بطال بترك السلام عند الملاقاة ، وهذا تأويل عليل وليس عليه دليل ، وكلمة ( يلتقيان فيعرض ) لا دلالة فيها عليه ؛ لأنّها تفريع على الهجران وليست نفس الهجران ؛ لأنّ اللفظ في( البخاري ) هكذا :( إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( لا يحلّ لرجلٍ أنْ يهجر أخاه فوق ثلاث ليال ، فيلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا ، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام )) (٢) .

فالصحيح هو الوجه الثاني فقط .

بل إنّ ألفاظ الخبر عند البخاري شاهدة على بطلان التأويل الأوّل ، فقد جاء فيه ، في قضيّة شفاعة المسور وعبد الرحمان لابن الزبير عند عائشة : ( وطفق المسور وعبد الرحمان يناشدانها إلاّ ما كلّمته وقبلت منه ، ويقولان : إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهى عمّا قد علمت من الهجرة ، فإنّه لا يحلّ لمسلمٍ أنْ يهجر أخاه فوق ثلاث ليال ، فلمّا أكثرا على عائشة من التذكرة والتحريج ، طفقت تذكرهما وتبكي وتقول : إنّي نذرت والنذر شديد ، فلم يزالا بها حتّى

ـــــــــــــــــــ

(١) الكواكب الدراري في شرح البخاري ٢١ : ٢٠٨ ، شرح صحيح البخاري لابن بطّال ٩ : ٢٧٠ .

(٢) صحيح البخاري ٨ : ٢٦ كتاب الأدب ـ باب الهجرة


كلّمت ابن الزبير ) (١)

فلو لم تكن بينهما هجرة لم يكن لهذه التفاصيل معنى .

قوله معاوية لابن الزبير : إنّك لمخالف...

وتكلّم معاوية في عبد الله بن الزبير في حديثٍ كان بينهما ، فقد جاء في( المسند ) :

( حدّثنا عبد الله ، حدّثني أبي ، ثنا محمّد بن جعفر قال : ثنا شعبة عن يزيد ابن أبي زياد قال : سألت عبد الله بن الحارث عن الركعتين بعد العصر ، فقال : كنّا عند معاوية ، فحدّث ابن الزبير عن عائشة رضي الله عنها : إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يصلّيهما ، فأرسل معاوية إلى عائشة ـ وأنا فيهم ـ فسألناها فقالت : لم أسمعه من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولكنْ حدّثتني أُمّ سلمة ، فسألناها فحدّثت أُمّ سلمة : ( إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صلّى الظهر ثمّ أُتي بشيء فجعل يقسّمه حتّى حضرت صلاة العصر ، فقام فصلّى العصر ، ثمّ صلّى بعدها ركعتين ، فلمّا صلاّها قال :( هاتان الركعتان كنت أُصلّيهما بعد الظهر ) ، فقالت أُمّ سلمة : ولقد حدّثتها إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهى عنهما .

قال : فأتيت معاوية فأخبرته بذلك .

فقال ابن الزبير : أليس قد صلاّهما ؟ لا أزال أُصلّيهما .

فقال له معاوية : إنّك لمخالف ، لا تزال تحبّ الخلاف ما بقيت) (٢) .

ـــــــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري ٨ : ٢٥ كتاب الأدب ـ باب الهجرة .

(٢) مسند أحمد بن حنبل ٧ : ٤٣٩ / ٢٦١١١ .


لعن أمير المؤمنينعليه‌السلام ابن الزبير

ومن الطرائف : رواية القوم إنّ عليّاًعليه‌السلام لعن عبد الله بن الزبير ، فقد رواه ابن السمّان في كتاب( الموافقة ) وعنه المحب الطبري في( الرياض النضرة ) .

ولا يخفى أنّ المحبّ الطبري من كبار الأئمّة الحفّاظ ، كما ترجم له الأسنوي في( طبقات الشافعيّة ) (١) وقال الذهبي في( المعجم المختص ) :

( أحمد بن عبد الله بن محمّد ، الإمام الحافظ المفتي ، شيخ الحرم ، ومحبّ الدين أبو العبّاس ، الطبري ، ثمّ المكّي، الشافعي ، مصنّف الأحكام الكبرى ، كان عالماً عاملاً جليل القدر عارفاً بالآثار ، ومن نظر في أحكامه عرف محلّه من العلم والفقه عاش ثمانين سنة ، وكتب إليّ بمرويّاته في سنة ثلاث وسبعين وستّمئة )(٢) .

وهذا نصّ ما رواه المحبّ الطبري في خبر قتل عثمان :

( فبلغ عليّاً وطلحة والزبير وسعداً ومن كان بالمدينة ، فخرجوا وقد ذهبت عقولهم حتّى دخلوا على عثمان ، فوجدوه مقتولاً ، فاسترجعوا ، وقال عليّ لابنيه : كيف قُتل أمير المؤمنين : وأنتما على الباب ؟ ورفع يده فلطم الحسن ، وضرب صدر الحسين ، وشتم محمّد بن طلحة ، ولعن عبد الله بن الزبير ، وخرج عليّ وهو غضبان )(٣) .

ـــــــــــــــــــ

(١) طبقات الشافعية للأسنوي ٢ : ٧٢/ ٧٩٦ .

(٢) المعجم المختص للذهبي : ٢٤/ ٢٠ .

(٣) الرياض النضرة ٣ : ٦٥ ـ ٦٦ .


وإذا كان في هذا الخبر فضيلة لعثمان ، فهو يشتمل على لعن الإمامعليه‌السلام عبد الله بن الزبير... وقد صرّحوا بأنّ اللعن دليل الكفر ؛ لأنّ مرتكب الكبيرة لا يجوز لعنه عندهم كما في( التحفة الاثني عشرية ) بل في( الصواعق ) : ( لا يجوز أنْ يُلعن شخص بخصوصه ، إلاّ إنْ عُلِم موته على الكفر ، كأبي جهلٍ وأبي لهبٍ وأمّا مَن لم يُعلم فيه ذلك فلا يجوز لعنه ، حتّى أنّ الكافر الحيّ المعيَّن لا يجوز لعنه )(١) .

فإذا كان أمير المؤمنين قد لعن ابن الزبير ، فلا ريب في أنّه قد مات على الكفر ، وإلاّ لم يلعنه الإمامعليه‌السلام وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ كما في ( صحيح البخاري ) ـ :( لعن المؤمن كقتله ) (٢) فيشمله الوعيد في الآية :( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً ) (٣) .

وأيضاً : ففي الحديث ما معناه : إنّ اللعن غير السائغ يعود على صاحبه ، روى المتّقي الهندي : ( إذا خرجت اللعنة من فيّ صاحبها نظرت ، فإنْ وجدت مسلكاً في الذي وجّهت إليه وإلاّ عادت إلى الذي خرجت منه هب عن عبد الله .

إنّ العبد إذا لعن شيئاً صعدت اللعنة إلى السماء فتُغلق أبواب السماء دونها ، ثمّ تهبط إلى الأرض فتغلق أبوابها دونها ، ثمّ تأخذ يميناً وشمالاً ، فإذا لم تجد مساغاً رجعت إلى الذي لعن ، إن كان لذلك أهلاً ، وإلاّ رجعت إلى

ـــــــــــــــــــ

(١) الصواعق المحرقة ٢ : ٦٣٧.

(٢) صحيح البخاري ٨ : ١٩ كتاب الأدب ـ باب ما يُنهى من السباب واللعن .

(٣) سورة النساء ٤ : ٩٣


قائلها د عن أبي الدرداء ) (١) .

تحريف الرواية

ومن هنا ، فقد عمد غير واحدٍ من أئمّة القوم إلى تحريف الخبر ، بحذف لفظ ( اللعن ):

قال ابن حبّان في( كتاب الثقات ) :

( وبلغ الخبر عليّ بن أبي طالب وطلحة والزبير وسعداً ، فخرجوا مذهلين كادت عقولهم تذهب ، لعظم الخبر الذي أتاهم، حتّى دخلوا على عثمان، فوجدوه مقتولاً واسترجعوا، وقال علي لابنيه: كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب ؟ قالا: لم نعلم. قال: فرفع يده ولطم الحسن، وضرب صدر الحسين ، وشتم محمّد بن طلحة وعبد الله بن الزبير) (٢) .

وقال السيوطي في( تاريخ الخلفاء ) نقلاً عن ابن عساكر :

( وقال عليٌّ لابنَيه : كيف قُتل عثمان أمير المؤمنين وأنتما على الباب ؟ ورفع يده ، فلطم الحسن وضرب صدر الحسين وشتم محمّد بن طلحة وعبد الله بن الزبير )(٣) .

ومنهم من روى الخبر بزيادة لعن الإمام أمير المؤمنين ولديه ـ والعياذ بالله ـ !! ففي كتاب( الإعلام بسيرة النبيّ عليه‌السلام ) للحافظ الزرندي :

( وخرج عليّ وهو غضبان يسترجع ، يرى أنّ ، طلحة قد أعان على قتله ،

ـــــــــــــــــــ

(١) كنز العمّال ٣ : ٦١٤ / ٨١٦٩ و٨١٧٠ .

(٢) كتاب الثقات ٢ : ٢٦٥ .

(٣) تاريخ الخلفاء : ١٢٧ .


فلقيه طلحة فقال له : مالك يا أبا الحسن ، ضربت الحسن والحسين ؟ قال : عليك وعليهم لعنة الله ، ألا يسؤني ذلك ! يُقتل أمير المؤمنين ، رجل من أصحاب محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يقم عليه بيّنه ولا حجّة ؟! فقال طلحة : لو دفع مروان إليهم لم يُقتل فقال عليّ : لو خرج مروان إليكم لقُتل قبل أنْ يثبت عليه حكومة ) (١) .

لكنّه يشتمل على لعن طلحة أيضاً...

ثمّ عمد بعضهم إلى تحريف هذا اللفظ ، فوضع كلمة ( عليك وكذا وكذا ) بدلاً من كلمة ( لعن ) طلحة !...(٢) .

قول النبيّ لابن الزبير : ويل للناس منك...

ومن الدلائل على سوء حال عبد الله بن الزبير : قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم له ـ في قضيّة ـ :( ويلٌ للناس منك ، وويلٌ لك من الناس ) وذاك ما أخرجه الحكيم الترمذي في كتاب( نوادر الأصول ) قال :

( حدّثنا موسى بن إسماعيل قال : حدّثنا الهند بن القاسم بن عبد الرحمان ابن ماعز قال : سمِعت عامر بن عبد الله بن الزبير : إنّ أباه حدّثه أنّه أتى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يحتجم ، فلمّا فرغ قال :( يا عبد الله ، اذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يراك أحد ) ، فلمّا برز عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عمد إلى الدم فشربه ، فلمّا رجع قال :( يا عبد الله ، ما صنعت بها ) ؟ قال : جعلتها في أخفى مكان ـ ظننت أنّه خاف على الناس ـ قال :( لعلّك شربته ) ؟ قال : نعم ،

ـــــــــــــــــــ

(١) الإعلام بسيرة النبيّعليه‌السلام ـ مخطوط .

(٢) الرياض النضرة في مناقب العشرة المبشّرة ٣ : ٦٦


قال : ( لِمَ شربت الدم ؟ ويلٌ للناس منك ، وويلٌ لك من النّاس ) .

وأخرجه الحاكم في( المستدرك ) بالسند واللّفظ وفي آخره :( ومن أمرك أنْ تشرب الدم ؟ ويلٌ لك من الناس ، وويلٌ للناس منك ) (١) .

فأشارصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى الفتن التي أثارها ابن الزبير في حرب الجمل ، والفتن التي أثارها في أيّام حكومته بمكّة ، وقد ذهبت آلاف النّفوس ضحيّة لطلب ابن الزبير الدنيا والرئاسة ، كما صرَّح بذلك الصحابي الجليل أبو برزة الأنصاري فيما أخرجوه عنه :

كلام أبي برزة في ابن الزبير

قال الحاكم في( المستدرك ) :

( أخبرني الحسن بن حكيم المروزي ، ثنا أبو الموجة ، أنبأ عبدان ، أنبأ عبد الله ، أنبأ عوف ، عن أبي المنهال ، عن أبي برزة الأسلمي رضي الله تعالى عنه قال : إنّ ذلك الذي بالشام ـ يعني مروان ـ والله إنْ يُقاتل إلاّ على الدنيا ، وإنّ ذلك الذي بمكّة ـ يعني ابن الزبير ـ والله إنْ يُقاتل إلاّ على الدنيا ، وإنّ الذين تدعونهم قرّاءكم والله إنْ يُقاتلون إلاّ على الدنيا فقال له أبي : فما تأمرنا إذاً ؟ قال : لا أرى خير النّاس إلاّ... خماص البطون من أموال الناس ، خفاف الظهور من دماءهم) (٢) .

وأبو برزة الأسلمي من الصحابة الذين يذكرونهم بالجهاد وبالورع والديانة ، قال ابن حجر بترجمته في( الإصابة ) :

ـــــــــــــــــــ

(١) المستدرك على الصحيحين ٣ : ٥٥٤ كتاب معرفة الصحابة .

(٢) المستدرك على الصحيحين ٤ : ٤٧٠ كتاب الفتن والملاحم


 ( قال أبو عمرو : كان إسلامه قديماً ، وشهد فتح خيبر وفتح مكّة وحنيناً... وقال ابن سعد : كان من ساكني المدينة ثمّ نزل البصرة وغزا خراسان وقال غيره : شهِد مع عليّ قتال الخوارج بالنهروان وغزا خراسان بعد ذلك ، ويُقال : إنّه شهد صفّين والنهروان مع عليّ روي ذلك من طريق ثعلبة بن أبي برزة عن أبيه ) .

وذكر ابن حجر كلام أبي برزة في ابن الزبير وغيره عن البخاري قال :

( وقال أخرج البخاري في صحيحه : إنّه عاب على مروان وابن الزبير والقرّاء بالبصرة ، لمّا وقع الاختلاف بعد موت يزيد بن معاوية ، فقال في قصّة ذكرها حاصلها : إنّ الجميع إنّما يقاتلون على الدنيا )(١) .

وهذا نصّ الخبر في( صحيح البخاري ) :

( حدّثنا أحمد بن يونس قال : حدّثنا أبو شهاب ، عن عوف ، عن أبي المنهال قال : لمّا كان ابن زياد ومروان بالشام ، ووثب ابن الزبير بمكّة ، ووثب القرّاء بالبصرة ، فانطلقْتُ مع أبي إلى أبي برزة الأسلمي ، حتّى دخلنا عليه في داره وهو جالس في ظلّ عُليّةٍ له من قصب ، فجلسنا إليه ، فأنشأ أبي يستطعمه بالحديث ، فقال : يا أبا برزة ، ألا ترى ما وقع فيه الناس ، فأوّل شيء سمعته تكلّم به : إنّي احتسبت عند الله أنّي أصبحت ساخطاً على أحياء قريش ، إنّكم ـ يا معشر العرب ـ كنتم على الحال الذي علمتم من الذلّة والقلّة والضلالة ، وإنّ الله أنقذكم بالإسلام وبمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حتّى بلغ بكم ما ترون ، وهذه الدنيا التي أفسدت بينكم ، إنّ ذاك الذي بالشام ـ والله ـ إنْ يقاتل إلاّ على الدنيا ، وإنّ ذاك الذي بمكّة ـ والله ـ إنْ يقاتل إلاّ على الدنيا ، وإنّ هؤلاء الذين

ـــــــــــــــــــ

(١) الإصابة في معرفة الصحابة ٦ : ٢٣٧ ـ ٢٣٨/ ٨٧١٠ .


بين أظهركم ـ والله ـ إنْ يقاتلون إلاّ على الدنيا ) (١) .

وفي( فتح الباري ) لابن حجر العسقلاني :

( قوله : إنّ ذاك الذي بالشام ، زاد يزيد بن زريع : يعني مروان وفي رواية سكين : عبد الملك بن مروان ، والأوّل أولى .

قوله : وإنّ ذاك الذي بمكّة زاد يزيد بن زريع : يعني ابن الزبير .

قوله : وإنّ هؤلاء الذين بين أظهركم ، في رواية يزيد بن زريع وابن المبارك نحوه : إنّ الذين حولكم الذين تزعمون أنّهم قرّاؤكم ، وفي رواية سكين وذكر نافع ابن الأزرق وزاد في آخره : فقال أبي : فما تأمرني إذاً ، فإنّي لا أراك تركت أحداً ؟ قال : لا أرى خير الناس اليوم إلاّ عصابة خماص البطون من أموال الناس ، خفاف الظهور من دمائهم) (٢) .

وفي هذا الحديث دلالة على القدح والذمّ لابن الزبير من وجوه :

١ ـ قوله : ( إنّي احتسبت عند الله ) يدلّ على شدّة قبح أفعال ابن الزبير ، بحيث كانت سبباً لسخط أبي برزة وغضبه عليه ، وأنّه كان يطلب بذلك الأجر من الله تعالى... قال ابن حجر بشرحه : ( قوله: إنّي احتسبت عند الله ، في رواية الكشميهني : احتسبت ، وكذا في رواية يزيد بن زريع ومعناه : إنّه يطلب بسخطه على الطوائف المذكورين من الله الأجر على ذلك ؛ لأنّ الحبّ في الله والبغض في الله من الإيمان )(٣) .

وعليه ، فإنّ بغض ابن الزبير من الإيمان ، وموالاته توجب الخروج عنه ،

ـــــــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري ٩ : ٧٢ كتاب الفتن ـ باب إذا قال عند قوم شيئاً ثمّ خرج فقال بخلافه .

(٢) فتح الباري في شرح صحيح البخاري ١٣ : ٦٢ .

(٣) فتح الباري في شرح صحيح البخاري ١٣ : ٦٢


لكون الغضب عليه موجباً للأجر والثواب ، وكذلك بيّن ابن الملقّن الكلمة المذكورة في ( شرح البخاري ) فقال : ( وأمّا قول أبي برزة واحتسابه سخطه على أحياء قريش عند الله تعالى ، فكأنّه قال : اللّهمّ لا أرضى ما صنع قريش من التقاتل على الخلافة فاعلم ذلك من نيّتي ، وأنّي أسخط أفعالهم واستباحتهم للدماء والأموال ، فأراد أنْ يحتسب ما يعتقده من إنكار القتال في الإسلام عند الله أجراً وذخراً ، فإنّه لم يقدر من التغيير عليهم إلاّ بالقول والنيّة التي بها يؤجر الله عباده ) .

٢ ـ قوله : ( وإنّكم يا معشر العرب... ) ظاهرٌ في أنّ ما صنعه ابن الزبير كان محض الضّلال...

٣ ـ قوله : ( والله إنْ يقاتل إلاّ على الدنيا ) نصٌّ لا يقبل أيّ تأويلٍ أو حمل .

ومن الواضح أنّ التقاتل على الدنيا مِن أقبح الفواحش وأفظع المثالب .

وقد ذكر المؤرّخون أنّ أُمّه قالت له : ( إنْ كنت إنّما أردت الدنيا فبئس العبد أنت ، أهلكت نفسك ومن قُتل معك ) .

قال ابن فهد في( إتحاف الورى ) :

( فدخل ـ أي ابن الزبير ـ على أُمّة أسماء بنت أبي بكر الصدّيقرضي‌الله‌عنه فقال : يا أُمّاه ، قد خذلني الناس حتّى ولدي وأهل بيتي ، ولم يبق معي إلاّ اليسير ومَن ليس عنده أكثر من صبر ساعة ، وإنّ خصومي قالوا لي إنْ شئت سلّم نفسك لعبد الملك بن مروان ، يرى فيك رأيه ولك الأمان ، فما رأيك ؟

فقالت له : يا ولدي ! أنت أعلم بنفسك ، إنْ كنت قاتلت لغير الله ، فقد هلكت وأهلكت ، وإنْ كنت قاتلت لله وتعلم أنّك على حقّ وإليه تدعو ، فامض له ، فقد قتل عليه أصحابك ، ولا تمكّن من رقبتك يتعلّب بها غلمان بني أُميّة، وإنْ كنت إنّما أردت الدنيا ، فبئس العبد أنت ، أهلكت نفسك ومن قُتل معك ، وإنْ قلت : كنتُ على حقّ فلمّا وهن أصحابي ضعفت ، فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدين ، كم خلودك في الدنيا ؟ القتل أحسن ، وإنْ قلت : لم يبقَ معي مُعين على القتل ، فلعمري إنّك مغدور ، ولكن شأن الكرام أنْ يموتوا على ما عاشوا عليه .


فقال : يا أُمّاه أخاف إنْ قتلني أهل الشام أنْ يمثّلوا بي ويصلّبوني .

فقالت : أي بني ، إنّ الشاة لا تبالي بالسلخ ، فامض على بصيرتك واستعن بالله تعالى.

فقبّل رأسها وقال : هذا رأيي ) .

٤ ـ قوله : ( لا أرى خير الناس اليوم...) مفهومه أنّ ابن الزبير وأمثاله قد ملأوا بطونهم من أموال الناس ، وباؤوا بغضبٍ من الله ومأواهم جهنّم وبئس المصير

كلمات الحفّاظ بشرح كلام أبي برزة

ثمّ إنّ علماء القوم ـ بالرَّغم من تأوّلهم للأحاديث القادحة في الصّحابة دفاعاً عنهم ـ لم يتمكّنوا مِن تأويل كلام أبي برزة ولو بالتمحّل ، بل أيّدوا بشرحه دلالته على الذمّ والقدح لابن الزّبير ، كما عرفت من كلمات ابن حجر والملقّن .

وقال ابن حجر بشرحه :

( وفيه : استشارة أهل العلم والدين عند نزول الفتن ، وبذل العالم


النصيحة لمن يستشيره وفيه : الاكتفاء في إنكار المنكر بالقول ولو في غيبة مَن ينكر عليه ، ليتّعظ مَن يسمعه فيحذر من الوقوع فيه ) (١) .

وقال ابن الملقّن بشرحه :

( وأمّا يمينه : أنّ الذي بالشام ما يقاتل إلاّ على الدنيا ، وهو عبد الملك ، فوجّهه أنّه كان يُريد أنْ يأخذ بسيرة عثمان والحسن وأمّا يمينه على الذي بمكّة ، يعني ابن الزبير ، فإنّه لمّا وثب بمكّة ـ بعد أنْ دخل فيما دخل فيه المسلمون ـ جعله نكثاً وحرصاً على الدنيا وهو في هذه أقوى رأياً منه في الأُولى ، وكذا القرّاء بالبصرة ؛ لأنّه كان لا يرى الفتنة في الإسلام أصلاً ، وكان يرى أنْ يترك صاحب الأمر حقّه لِمَن نازعه فيه ؛ لأنّه مأجور في ذلك ممدوحٌ بالإيثار على نفسه ، وكان يُريد من المقاتل أنْ لا يقتحم النّار في قيامه وتفريقه الجماعة وتشتيت الكلمة ، ولا يكون سبباً لسفك الدماء واستباحة الحرام ، أخذاً بقول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النّار ، فلم يرَ القتال البتّة وخشي أنْ يقول في ابن الزبير شيئاً ؛ لأنّه كان من العبادة بمكان ، وممّا عيّر عليه في خلافته أنّه استأثر بشيءٍ من مال الله ) .

وما قاله ابن الملقّن في آخر كلامه من أنّ أبي برزة ( خشي أنْ يقول في ابن الزبير شيئاً ) واضحٌ ما فيه ، لأنّ أبا برزة يقسم قائلاً بأنّ ابن الزبير ما يقاتل إلاّ على الدنيا... وفي هذا الكلام كلُّ شيء ، لأنّ القتال على الدنيا أمّ الخبائث والشرور وأصل الفسق والفجور ، فكيف يُقال أنّه لم يقل فيه شيئاً ؟! وأيّ فائدةٍ مع هذا لكثرة العبادة ؟

ـــــــــــــــــــ

(١) فتح الباري في شرح صحيح البخاري ١٣ : ٦٢ .


تكلّم ابن عمر في ابن الزبير

وتكلّم ابن عمر أيضاً في ابن الزبير وبما لا يحتمل التأويل كذلك ، فقد أخرج الحاكم بإسناده :

( عن نافع عن ابن عمر أنّه قال لرجلٍ يسأله عن القتال مع الحجاج أو مع ابن الزبير ؟ فقال له ابن عمر : مع أيّ الفريقين قاتلت فقُتلت ، ففي لظى ) قال الحاكم : ( هذا حديثٌ صحيح على شرط الشيخين ولم يُخرجاه )(١) .

ومن المعلوم أنّه إذا كان من يُقتل مع ابن الزبير في لظى ، فابن الزبير نفسه فيها بطريقٍ أولى ، مع أنّه قد قُتل في نفس هذه المعركة التي حكم عبد الله ابن عمر على من قُتل فيها بما حكم... هذا مضافاً إلى هتكه حرمة الحرم ، ولأجل ذلك تكلّم فيه ابن عمر أيضاً ، فيما رواه الحكيم الترمذي حيث قال :

( حدّثنا إبراهيم بن المستمر الهذلي قال : حدّثني عبد الرحمان بن سليمان ابن غياث أبو زيد قال : سمعت أبي يذكر عن أبيه قال : صحبت ابن عمر من مكّة إلى المدينة ، فقال لنافع : لا تمر بي على المصلوب ـ يعني ابن الزبير ـ .

قال : فما فجئه في جوف الليل إلاّ أنْ صكّ محمله جذعه ، فجلس يمسح عينيه ثمّ قال : يرحمك الله يا أبا خبيب ، إنْ كنت وإنْ كنت ، ولقد سمعت أباك الزبير يقول : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( مَن يعمل سوءاُ يُجزَ به ، في الدنيا أو في الآخرة ) ، فإنْ يك هذا بذاك فهه فهه .

قال أبو عبد الله : فأمّا في التنزيل فقد أجمله فقال : فـ( مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ) ودخل فيه البَرّ والفاجر ، والولي والعدو ، والمؤمن والكافر ، ثمّ ميّز رسول

ـــــــــــــــــــ

(١) المستدرك على الصحيحين ٤ : ٤٧١ كتاب الفتن والملاحم .


الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذا الحديث بين المواطنين فقال : ( يُجزَ به في الدنيا وفي الآخرة ) ، كأنّه أخبر بأنْ يجزي بذلك السوء في أحد الموطنَين ، إمّا في الدنيا وإمّا في الآخرة ، وليس يُجمع عليك الجزاء في الموطنَين .

ألا ترى أنّ ابن عمر قال : فإنْ يك هذا بذاك فهه فهه ، معناه أنّه قاتل في حرم الله ، وأحدَث حدثاً عظيماً فيها ، حتّى أحرق البيت ورمي الحجر الأسود بالمنجنيق ، فانصدع حتّى ضبب بالفضّة ، فهو إلى يومنا كذلك ، وسمع للبيت أنين آه آه ، وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم فتح مكّة :( إنّها لم تحلّ لأحدٍ قبلي ولا تحلّ لأحدٍ بعدي ، وإنّما حلّت لي ساعة من نهار ، وإنّها حُرمت يوم خلقت السماوات والأرض ) .

ولمّا رأى ابن عمر فعله ، ثمّ رآه مقتولاً مصلوباً ، ذكر قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( مَن يَعمل سوء يُجز به ) ، ثُمّ قال : إنْ يك هذا القتل بذاك الذي فعله فهه ، أي كأنّه جوزي بذلك السوء من هذا القتل والصلب) (١) .

هذا ، وقد رَوَوا عن ابن عمر عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إخباره عن صنع عبد الله ، مع التعبير عن ذلك بـ ( الإلحاد ) :

( يلحد رجلٌ مِن قريش بمكّة ، يُقال له عبد الله ، عليه شطر عذاب العالم ) ، طب عن ابن عمر .

( إنّه سيلحدُ في الحرم رجلٌ مِن قريش ، لو تُوزَن ذنوبه بذنوب الثقلين لرجحت ) . حم ك عن ابن عمر .

( يحلّها ويحلّ به رجلٌ من قريش ، لو وُزِنت ذنوبه بذنوب الثقلين لوَزَنتها ) حم عن ابن عمر .

ـــــــــــــــــــ

(١) نوادر الأصول ٢ : ١٦ وقد اُسقط منه : ( قال أبو عبد الله...) .


 ( يلحد بمكّة كبش ـ أي سيّد ـ من قريش اسمه عبد الله ، عليه مثل أوزار نصف الناس ) حم عن عثمان .

( يلحد رجل من قريش بمكّة ، يكون عليه نصف عذاب العالم ) ، حم

عن عثمان ورجال الحديثين ثقات(١) .

بل لقد رَوَوا أنّ ابن عمر قد ذكّر ابن الزبير بقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذا ، وحذّره من أنْ يكون الملحد القرشي هو :

في( جمع الجوامع ) للسيوطي عن ابن أبي شيبة :

( عن إسحاق بن سعيد ، عن أبيه قال : أتى عبد الله بن عمر عبد الله بن الزبير ، فقال لابن الزبير : إياك والإلحاد في حرم الله ، فإنّي سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول :( إنّه سيلحد فيه رجلٌ مِن قريش ، لو أنّ ذنوبه تُوزَن بذنوب الثقلين لرجحت عليه ) ، فانظر لا تكونه ش ) .

فكان هذا رأي عبد الله بن عمر في ابن الزبير... وبذلك صرّح الحجّاج عند أسماء أُمّ ابن الزبير، إذ قال لها ـ كما في( السيرة الحلبيّة ) ـ :

( رأيت كيف نصر الله الحق وأظهر أنّ ابنك ألحد في هذا البيت ، وقد قال تعالى :( وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) وقد أذاقه الله ذلك العذاب الأليم )(٢) .

وقال في( إتّحاد الورى ) :

( سنة ستٍّ وستّين : فيها دعا عبد الله بن الزبير محمّد ابن الحنفيّة ومن معه من أهل بيته ، وسبعة عشَرَ رجلاً مِن وجوه أهل الكوفة ، منهم أبو الطفيل

ـــــــــــــــــــ

(١) كنز العمّال ١٢ : ٢٠٨ ـ ٢٠٩/ ٣٤٦٩١ ـ ٣٤٦٩٥ : وبعضه عن ابن عمرو .

(٢) إنسان العيون = السيرة الحلبيّة ١ : ١٧٥.


عامر بن واثلة الصحابي ، ليُبايعوه ، فامتنعوا وقالوا : لا نُبايع حتّى تجتمع الأُمّة .

فأكثر ابن الزبير الوقيعة في ابن الحنفيّة وذمّه ، فأغلظ له عبد الله بن هاني الكندي وقال : لئن لم يضرّك إلاّ تركنا بيعتك ، لا يضرّك شيء ، وإنّ صاحبنا يقول : لو بايعني الأُمّة كلّها غير سعد مولى معاوية قتلته ، وإنّما عرّض بذكر سعد ؛ لأنّ ابن الزبير أرسل إليه فقتله ، فسبّه عبد الله وسبّ أصحابه وأخرجهم من عنده ، فأخبروا ابن الحنفيّة بما كان منهم ، فأمرهم بالصبر ولم يلحّ عليهم ابن الزبير .

فلمّا استولى المختار على الكوفة ، وصارت الشيعة تدعو لابن الحنفيّة ، خاف ابن الزبير أنْ يتداعى النّاس إلى الرماية ، فحينئذٍ ألحّ على ابن الحنفيّة وعلى أصحابه على البيعة له ، فحبسهم بزمزم وتوعّدهم بالقتل والإحراق ، وأعطى الله عهداً إنْ لم يُبايعوه ينفذ فيهم ما توعّدهم به ، وضرب لهم في ذلك أجلاً .

فأشار بعض مَن كان مع ابن الحنفيّة عليه ، أنْ يبعث إلى المختار وإلى مَن بالكوفة رسولاً يُعلمهم حالهم وحال مَن معهم ، وما كان توعّدهم به ابن الزبير ، فوجد ثلاثة نفر مِن أهل الكوفة حين نامَ الحرس على باب زمزم ، وكتب معهم إلى المختار وأهل الكوفة ؛ يُعلمهم حاله وحال من معه وما توعّدهم به ابن الزبير من القتل والتحريق بالنّار ، ويطلب منهم النجدة ، ويسألهم أنْ لا يخذلوه كما خذلوا الحسين وأهل بيته .

فقدموا على المختار ، فدفعوا إليه الكتاب ، فنادى في الناس ، فقرأ عليهم الكتاب .

( إلى أنْ قال في إتحاف الورى ) : فوجّه ـ يعني المختار ـ أبا عبد الله الجدلي في سبعين راكباً من أهل القوّة ، ووجّه ظبيان بن عمارة أخا بني تميم ومعه أربعمئة ، وبعث معه لابن الحنفيّة أربعمئة درهم ، وسيّر أبا المعتمر في مئة ، وهاني بن قيس في مئة ، وعُمير بن طارق في أربعين ، ويونُس بن عمران في أربعين ، وكتب إلى محمّد بن عليّ مع أبي الطفيل عامر ومحمّد بن قيس بتوجيه الجند إليه .


وخرج النّاس أثرهم في أثر بعض ، وجاء أبو عبد الله الجدلي حتّى نزل ذات عرق في سبعين راكباً ، فأقام بها حتّى أتاه عمير ويونس في ثمانين راكباً ، فبلغوا مئة وخمسين رجلاً ، فسار بهم حتّى دخلوا المسجد الحرام ومعهم الكافركوبات وهم ينادون : يا لثارات الحسين ، حتّى انتهوا إلى زمزم ، وقد أعدّ ابن الزبير الحطب ليحرقهم ، وكان قد بقي مِن الأجَل يومان ، فطردوا الحرس وكسروا أعواد زمزم ودخلوا على ابن الحنفيّة فقالوا : خلّ بيننا وبين عدوّ الله ابن الزبير .

فقال لهم : إنّي لا أستحلّ القتال في حرم الله .

فقال ابن الزبير: واعجباً لهذه الخشبية ، ينعون حسيناً كأنّي أنا قتلته ، والله لو قدرت على قتلته لقتلتهم .

وإنّما قيل لهم خشبيّة ؛ لأنّهم وصلوا إلى مكّة وبأيديهم الخشب ، كراهة إشهار السيوف في الحرم .

وقيل : لأنّهم أخذوا الحطب الذي أعدّه ابن الزبير .

وقال ابن الزبير : أيَحسبون أنّي اُخلّي سبيلهم دون أنْ أُبايع ويُبايعون .

فقال أبو عبد الله الجدلي : أي وربّ الكعبة والمقام وربّ الحلّ والحرام ، لتخلّينّ سبيلهم أو لنجالدنّك بأسيافنا جلاداً يرتاب منه المبطلون .

فقال ابن الزبير : هل أنتم ـ والله ـ إلاّ أكلة رأس ، لو أذنت لأصحابي ما مضت ساعة حتّى تُقطف رؤوسكم .

فقال له قيس بن مالك : أما والله إنّي لأرجو إذ رِمت ذلك ، أنْ يرسل إليك قبل أنْ ترى ما تحب.

فكفّ ابن الحنفيّة أصحابه وحذّرهم الفتنة .

ثمّ قدم أبو المعتر في مائة ، وهاني بن قيس في مائة، وظبيان بن عمارة في مائتين ومعه المال، حتّى دخلوا المسجد الحرام فكبّروا وقالوا : يا لثارات الحسين .

فلمّا رآهم ابن الزبير خافهم .

فخرج محمّد بن الحنفيّة ومن معه إلى شعب عليّ ، وهم يسبّون ابن الزبير ويستأذنون محمّد بن الحنفيّة فيه ، فيأبى عليهم ، واجتمع مع محمّد في الشعب أربعة آلاف رجل ، فقسّم بينهم ذلك المال .


ويقال : إنّ ابن الزبير أرسل إلى ابن عبّاس وابن الحنفيّة أنْ يُبايعا ، فقالا : حتّى يجتمع النّاس على إمام ثمّ نُبايع فإنّك في فتنة ، فعظم الأمر بينهما وغضب من ذلك ، وحبس ابن الحنفيّة في زمزم ، وضيّق على ابن عبّاس في منزله ، وأراد إحراقهما ، فأرسل المختار جيشاً كما تقدّم .

( إلى أنْ قال في إتحاف الورى ) : سنة سبعٌ وستّين ، فيها حجّ بالنّاس عبد الله بن الزبيررضي‌الله‌عنه ، وفيها أو في التي بعدها ـ بعد أنْ قُتل المختار بالكوفة ـ استوسقت البلاد لابن الزبير ، وتضعضع حال ابن الحنفيّة وأصحابه واحتاجوا ، فأرسل ابن الزبير أخاه عروة إلى ابن الحنفيّة أنْ أدخل في بيعتي وإلاّ نابذتك .

الصفحة ١٧١

فقال ابن الحنفيّة: بؤساً لأخيك ، ما ألحّه فيما أسخط الله تعالى ، وأغفله عن ذات الله عزّ وجلّ .

وقال لأصحابه : إنّ ابن الزبير يُريد أنْ يثور بنا ، وقد أذنت لمن أحبّ الانصراف عنّا ، فإنّه لا ذمام عليه ولا لوم ، فإنّي مقيم حتّى يفتح الله بيني وبين ابن الزبير وهو خير الفاتحين .

فقام إليه أبو عبد الله الجدلي وغيره ، فأعلموه أنّهم غير مُفارقيه .

وبلغ خبره عبد الملك بن مروان ، فكتب إليه يُعلمه أنّه إنْ قدم عليه أحسن مقدمه ، وأنّه ينزل أيّ الشام أراد ، حتّى يستقيم أمر النّاس .

فخرج ابن الحنفيّة وأصحابه إلى الشام .

( إلى أنْ قال في إتحاف الورى ) : فارتحل ابن الحنفيّة إلى مكّة ، ونزل شعب آل أبي طالب ، فأرسل إليه ابن الزبير يأمره بالرحيل عليه ، وكتب إلى أخيه مصعب ابن الزبير يأمره : أنْ يُسيّر نساءَ مَن معَ ابن الحنفيّة ، فسيّر نساء منهنّ امرأة أبي الطفيل عامر بن واثلة ، فجاءت حتّى قدمت عليه .


فقال أبو الطفيل :

وإنْ يك سيّرها مُصعب

فإنّي إلى مصعب متعب

أقودُ الكتيبةَ مستلماً

كأنّي أخو عرّة أجرب

وهي عدّة أبيات .

وألحّ ابن الزبير على ابن الحنفيّة بالانتقال عن مكّة ، فاستأذنه أصحابه في قتال ابن الزبير فلم يأذن لهم وقال : اللّهمّ ألبس ابن الزبير لباس الذلّ والخوف ، وسلّط عليه وعلى أشياعه مَن يسومهم الذي يسوم النّاس ، ثمّ صار إلى الطائف .

فدخل ابن عبّاس على ابن الزبير ، فأغلظ له وجرى بينهما كلام ، وخرج ابن عبّاس أيضاً فلحق بالطائف ، وأرسل ابنه عليّاً إلى عبد الملك بالشام وقال : لأن يربّني بنو عمّي أحبّ إليّ من أنْ يربّني رجلٌ مِن بني أسد ـ يعني ببني عمّه بني أُميّة ـ لأنّهم جميعهم مِن وِلد عبد مناف ، ويعني برجلٍ مِن بني أسد ابن الزبير ، فإنّه من بني أسد بن عبد العزّى بن قصي )(١) .

ـــــــــــــــــــ

(١) إتحاف الورى بأخبار أُمّ القرى ـ حوادث السنة ٦٦ .


ثمّ قال السيوطي في ( الإتقان ) :

( وقد ورد عن جماعةٍ من الصحابة غير هؤلاء اليسير من التفسير .

كأنَس ، وأبي هريرة ، وابن عمر ، وجابر ، وأبي موسى الأشعري .

وورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص أشياء تتعلّق بالقصص وأخبار الفتن والآخرة وما أشبهها ، بأنْ يكون ممّا تحمّله عن أهل الكتاب ، كالذي ورد عنه في قوله تعالى :( فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ ) )(١) .

أقول :

إنّه وإنْ كان يكفي معرفة أحوال الصحابة المذكورين ، وهُم الذين رَوَوا عنهم الكثير مِن التفسير ، لمعرفة شأن تفاسيرهم وقيمة رواياتهم وأخبارهم في التفسير ، لكنّا نتعرّض لحال هؤلاء ـ الذي رَوَوا عنهم السير ـ أيضاً ولو بإيجاز ، فنقول :

ـــــــــــــــــــ

(١) الإتقان في علوم القرآن ٤ : ٢٤٠ .


أنس بن مالك

أمّا أنَس بن مالك ، فهذه عدّةٌ من مطاعنه المُسقطة له عن العدالة ، والمُوجبة له العار والخسران وعذاب النيران :

كتمانه الشهادة

فمنها : كتمانه الشهادة بحديث الغدير ، مع أنّ الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ناشده به ، وطلب منه الشهادة ، ودعا عليه لمّا كتم ، فقد ذكر السيّد جمال الدين المحدّث الشيرازي في كتاب( الأربعين في فضائل أمير المؤمنين ) في بيان تواتر حديث الغدير :

( ورواه زر بن حبيش فقال : خرج عليّعليه‌السلام من القصر ، فاستقبله ركبان متقلّدي السيف ، عليهم العمائم ، حديثي عهد بسفر فقالوا : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ، السلام عليك يا مولانا .

فقال عليّعليه‌السلام بعدما ردّ السلام :( مَن هاهنا مِن أصحاب رسول الله ) ؟

فقام اثنا عشر رجلاً منهم : خلد بن زيد أبو أيّوب الأنصاري ، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ، وثابت بن قيس بن شماس ، وعمّار بن ياسر ، وأبو الهيثم بن التّيهان ، وهاشم بن عتبة بن أبي وقّاص ، وحبيب بن بديل بن ورقاء ، فشهدوا أنّهم سمعوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم غدير خم يقول :( مَن كُنت مولاه فعليٌّ مولاه ) الحديث .

فقال عليّ لأنَس بن مالك والبرّاء بن عازب :( ما منعكما أنْ تقوما فتشهدا ، فقد سمِعتُما كما سمع القوم ) ؟

فقال :( اللّهمّ إنْ كانا كتماها معاندةً فأبلهما ) ؛ فأمّا البرّاء فعمي ، فكان يُسأل عن منزله فيقول : كيف يرشد مَن أدركته الدعوة ، وأمّا أنس فقد برصَت قدماه ، وقيل : لمّا استشهده عليّعليه‌السلام على قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( مَن كُنت مولاه فعليٌّ مولاه ) واعتذر بالنسيان فقال :( اللّهمّ إنْ كان كاذباً فأبلهِ ببياضٍ لا تواريه العمامة ) ، فبرص وجهه ، فسدل بعد ذلك برقعاً على وجهه ) .


تحريف الحديث

وقد حرّف بعض علمائهم هذا الحديث ، فوضع بدل الاسم الصريح كلمة ( رجل ) تستّراً على أنَس بن مالك ، وخَجَلاً ممّا كان منه... فقد روى أبو نعيم الحافظ في( حلية الأولياء ) :

( حدّثنا سليمان بن أحمد ، ثنا أحمد بن إبراهيم بن كيسان ، ثنا إسماعيل ابن عمرو البجلي ، ثنا مسعر بن كدام ، عن طلحة بن مصرف ، عن عُميرة بن سعد قال : شهِدْت عليّاً على المنبر ناشداً أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وفيهم أبو سعيد وأبو هريرة وأنَس بن مالك ، وهم حول المنبر وعليّ على المنبر ، وحول المنبر اثنا عشر رجلاً هؤلاء منهم ، فقال عليّ : نشدتّكم بالله ، هل سمعتم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول :( مَن كُنت مولاه فعليٌّ مولاه ) ؟

فقاموا كلّهم فقالوا : اللّهمّ نعم ، وقعد رجل ، فقال :( ما منعك أنْ تقوم ) ؟

قال : يا أمير المؤمنين ، كبرت ونسيت .

فقال :( اللّهمّ إنْ كان كاذباً فاضربه ببلاءٍ حسن ) .

قال : فما مات حتّى رأينا بين عينيه نكتةً بيضاء لا تواريها العمامة .

غريبٌ مِن حديث طلحة ، تفرّد به مسعر عنه مطوّلاً ، ورواه ابن عائشة عن إسماعيل مثله ، ورواه الأجلح وهاني بن أيّوب عن طلحة مختصراً) (١) .

ـــــــــــــــــــ

(١) حلية الأولياء ٥ : ٢٧/ ٢٩٣ .


الكذب

ومنها : أنّه قد كذَب في قضيّة الطائر المشويّ المشهورة ، وفي بعض الروايات : إنّه قد تكرّر ذلك منه :

قال الحاكم في( المستدرك ) في الحديث :

( فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( يا أنَس ، اُنظر من على الباب ؟ فقلت : اللّهمّ اجعله رجلاً مِن الأنصار ، فذهب فإذا عليٌّ بالباب ، فقلت : إنّ رسول الله على حاجة ) )(١) .

وفي( كنز العمّال ) :

( عن عمرو بن دينار ، عن أنَس قال : كنت مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بستان ، فأُهدي لنا طائر مشويّ ، فقال : اللّهمّ ائتني بأحبّ الخلق إليك ، فجاء عليّ بن أبي طالب ، فقلت : رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مشغول ، فرجع ، ثمّ جاء بعد ساعة ودقّ الباب ، ورددته مثل ذلك ، ثمّ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( يا أنَس ، افتح له ، فطالما رددته ) .

فقلت : يا رسول الله ، كنت أطمع أنْ يكون رجلاً مِن الأنصار فدخل عليّ بن أبي طالب فأكل معه من الطير ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( المرء يحبّ قومه ) . كر وابن النجار )(٢) .

حضوره عند ابن زياد وهو ينكت ثنايا أبي عبد الله

ومنها : إنّه كان حاضراً عند عًُبيد الله بن زياد لمّا أُتي برأس الإمام أبي عبد الله الحسين الشهيد ، فجعل ينكت ثناياه ويقرعها بالقضيب ، قال

ـــــــــــــــــــ

(١) المستدرك على الصحيحين : ٣ : ١٣٢ كتاب معرفة الصحابة .

(٢) كنز العمّال ١٣ : ١٦٧/ ٣٦٥٠


البخاري :

( عن أنَس بن مالك قال : أُتي عُبيد الله بن زياد برأس الحسينعليه‌السلام ، فجُعل في طست ، فجَعل يَنكت وقال في حسنه شيئاً ، فقال أنَس : كان أشبههم برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكان مخضوباً بالوسمة )(١) .

فقال العيني في ( عمدة القاري ) :

( قال سبط ابن الجوزي : أما كان لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على أنَس من الحقوق أنْ ينكر على ابن زياد فعله ويقبّح له ما وقع منه ، مِن قَرع ثنايا الحسين بالقضيب ، كما فعل زيد بن أرقم )(٢) .

طعن أبي حنيفة فيه

وأنَس بن مالك كان مطعوناً عند إمامهم الأعظم أبي حنيفة ، ذكر ذلك الزندويستي الحنفي ـ ومِن أكابر علماء القوم ، وصفه الكفوي في( كتائبه ) بأنّه : ( كان إماماً فقيهاً ورعاً )(٣) وترجم له عبد القادر في( طبقاته ) (٤) ـ حيث قال :

( رُوي عن أبي حنيفةرضي‌الله‌عنه أنّه سُئل فقيل له : إذا قلت قولاً ، وكان كتاب الله تعالى يُخالف قولك ؟ قال : أترك قولي بكتاب الله تعالى ، فقيل : إذا كان خبر الرسول يُخالف قولك ؟ قال : أترك قولي بخبر الرسول ، فقيل : إذا كان قول الصحابة يُخالف قولك ؟ فقال : أترك قولي بقول الصحابي ، فقيل له : إذا كان قول التابعين يُخالف قولك ؟ قال : إذا كان التابعي رجلاً فأنا رجل .

ـــــــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري ٥ : ٣٢ ـ ٣٣ كتاب المناقب ـ باب مناقب الحسن والحسين ( رضي الله عنهما ) .

(٢) عمدة القاري في شرح صحيح البخاري ١٦ : ٢٤١ وفيه : لكن الفحل ، بدل : كما فعل .

(٣) كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار ـ مخطوط .

(٤) وذكره صاحب هديّة العارفين ١ : ٣٠٧ وأرّخ وفاته بحدود سنة ٤٠٠ .


ثمّ قال : أترك قولي بجميع قول الصحابة إلاّ ثلاثة منهم : أبو هريرة ، وأنَس ابن مالك ، وسمرة بن جندب .

قال الفقيه أبو جعفر الهندواني رحمه الله : إنّما لم يترك قوله بقول هؤلاء الثلاثة لأنّهم مطعونون )(١) .

( وقد روى محمّد بن سليمان الكفوي في( كتائب الأعلام ) كلام أبي حنيفة حيث قال ـ بعد نقل كلام الصدر الشهيد في بيان وجه ترك أبي حنيفة أنَس بن مالك وأبا هريرة وعدم تقليدهما ـ : وأمّا سمرة فما وجدت في نسختي ثمّ ظفرت في روضة الزندويستي في الباب السابع والتسعين في فضل الصحابة قال فيه :

وتقليد الصحابة يجوز أم لا ؟ قال علماؤنا : في ظاهر الأُصول يجوز ، وأقاويل جميع الصحابة حجّة نعمل بها ، حتّى روي عن أبي حنيفة أنّه سُئل فقيل له : إذا قلت قولاً وكتاب الله يُخالف قولك ؟ قال : أترك قولي بكتاب الله ، وقول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقيل : إذا كان قول الصّحابة يُخالف قولك ؟ قال : أترك قولي بقول الصحابة ، فقيل : إذا كان قول التابعين يُخالف قولك ؟ قال : هُم رجال ونحن رجال .

ثمّ قال أبو حنيفة رحمه الله : أترك قولي بقول الصحابة ، إلاّ بقول ثلاثة منهم : أبو هُريرة ، وأنَس بن مالك ، وسمرة بن جندب .

قال الفقيه أبو جعفر الهندواني: وإنّما لم يترك قوله بقول هؤلاء الثلاثة، لأنّهم مطعونون )(٢) .

وأيضاً : قال الكفوي في ( كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب نعمان المختار ) :

ـــــــــــــــــــ

(١) روضة العلماء ، ذكره له صاحب كشف الظنون ١ : ٩٢٨ .

(٢) كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار ـ مخطوط .


 ( قال الصدر الشهيد أيضاً : عن أبي حنيفة روايتان :

الأوّل : أنّه قال أُقلّد مَن كان مِن القضاة المفتين مِن الصحابة ؛ لقوله : اقتدوا باللذين مِن بعدي أبي بكر وعمر ، وقد اجتمع في حقّهما القضاء والفتوى ، فمن كان بمثابتهما مثل : عثمان وعليّ والعبادلة الثلاثة وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل ، وغيرهم ممّن كان في معناهم ، فأُقلدهم ولا أستجيز خلافهم برأيي ، وخرج عن هذا جماعة منهم : أبو أمامه وسهل بن سعد الساعدي ، وأبو حميد الساعدي ، والبرّاء ابن عازب وغيرهم .

والثاني : قال : أُقلّد جميع الحصابة ، ولا أستجيز خلافهم برأيي إلاّ ثلاثة نفر : أنَس بن مالك ، وأبو هريرة ، وسمرة بن جندب .

فقيل له في ذلك .

فقال : أمّا أنَس فقد بلغني أنّه اختلط عقله في آخر عمره ، وكان يستفتي من علقمة ، وأنا لا أُقلّد علقمة ، فكيف أُقلّد من يستفتي من علقمة ؟ )(١) .

كان يلبس الحرير

ومنها : إنّه كان يلبس الحرير كما في( الطبقات ) :

( عن عبد السلام بن شداد قال : رأيت على أنَس عمامةً حرير وجُبّة خزّ ومطرف خزّ .

فقالوا : مالك تنهانا عن الحرير وتلبسه أنت ؟

فقال : إنّ أُمراءنا يكسوناها ، فنحبّ أنْ يروه علينا )(٢) .

هذا ، وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما في ( صحيح البخاري ) :

ـــــــــــــــــــ

(١) كتائب أعلام الأخبار من فقهاء مذهب النعمان المختار ـ مخطوط .

(٢) الطبقات الكبرى ٧ : ٢٣ ـ ٢٤ ، وفي نسخة ( الخز ) بدل ( الحرير ) .


 ( عن أبي ذبيان خليفة بن كعب قال : سمعت ابن الزبير يقول : سمعت عمر يقول : قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة )(١) .

وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( قال : إنّما يلبس الحرير في الدنيا مَن لا خلاق له في الآخرة )(٢) .

تقصيره الصّلاة وتركه الصّيام مدّة سنتين

ومنها : أنّه لمّا ولّي سابور من قِبل الحجّاج ، بقي مدّة سنتين يقصّر الصلاة ، ولا يصوم شهر رمضان ، معتذراً بأنّه لا يدري مدّة بقائه هناك ، ومتى يعزل ؟

روى ذلك أبو هلال العسكري في كتاب( الأوائل ) الذي ترجم له العلماء وأثنوا عليه واعتمدوا على إخباراته... قال السيوطي في( بغية الوعاة ) :

( الحسن بن عبد الله بن سهل... كان موصوفاً بالعلم والفقه ، والغالب عليه الأدب والشعر ، وكان يتبزّز احترازاً من الطمع والدناءة ، روى عنه أبو سعد السمّان وغيره... له من التصانيف : كتاب صناعتي النظم والنثر ، مفيد جداً ، والتلخيص في اللغة ، جمهرة الأمثال ، شرح الحماسة ، مَن احتكم من الخلفاء إلى القضاء ، لحن الخاصّة ، الأوائل... قال ياقوت : لم يبلغني شيء في وفاته ، إلاّ أنّه فرغ مِن إملاء الأوائل يوم الأربعاء لعشرٍ خَلَت مِن شعبان سنة ٣٩٥)(٣) .

ـــــــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري ٧ : ١٩٤ كتاب اللباس ـ باب لبس الحرير...

(٢) صحيح البخاري ٧ : ١٩٤ كتاب اللباس ـ باب لبس الحرير...

(٣) بغية الوعاة في طبقات اللغويّين والنحاة ١ : ٥٠٦/ ١٠٤٦ .


أبو هريرة

وأمّا أبو هريرة ، فقوادحه ومطاعنه الشنيعة كثيرة ، فمنها :

مولاته عدوّ عليّ

إنّه كان من المنحرفين عن أمير المؤمنين ، ومن المؤيّدين لمعاوية رئيس الفئة الباغية ، حتّى لقد ذكّره الأصبع بن نباتة بذلك ، فلم يقل إلاّ : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، فقد روى سبط ابن الجوزي في( تذكرته ) أنّه :

( قال أصبغ : فقلت له : يا معاوية ، لا تعتل بقتلة عثمان ، فإنّك لا تطلب إلاّ المُلك والسلطان ، ولو أردت نصرته [حيّاً] لفعلت ، ولكنّك تربّصت به وتقاعدت عنه لتجعل ذلك سبباً إلى الدنيا ، فغضب ، فأردت أزيده فقلت : يا أبا هريرة ، أنت صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، اُقسم عليك بالله الذي لا إله إلاّ هو وبحقّ رسوله ، هل سمعت رسول الله يقول يوم غدير خم في حقّ أمير المؤمنين :( من كنت مولاه فعليٌّ مولاه ) ؟

فقال : إي والله لقد سمعته يقول ذلك .

قال : فقلت : فإذن أنت يا أبا هريرة ، واليت عدوّه وعاديت وليّه ، فتنفّس أبو هريرة وقال : إنّا لله وإنّا إليه راجعون .

فتغيّر وجه معاوية وقال : يا هذا ، كفّ عن كلامك ، فلا تستطيع أنْ تخدع أهل الشام عن الطلب بدم عثمان ، فإنّه قُتل مظلوماً...)(١) .

ـــــــــــــــــــ

(١) تذكرة الخواص من الأُمّة : ٨٣ ـ ٨٤ .


لعب القمار والشطرنج

وذكروا أنّه كان يلعب بالشطرنج ، وكان يُقامر... ففي( حياة الحيوان ) ـ في كلام له عن الشطرنج ـ :

( ورَوى الصعلوكي تجويزه عن عمر بن الخطّاب وأبي هريرة... والمروي عن أبي هريرة مِن أنّ اللعب به مشهورٌ في كتب الفقه )(١) .

وقال ابن الأثير :

( وفي حديث بعضهم قال : رأيت أبا هريرة يلعب السّدر ـ السدر لعبة يُقامر بها ـ وتُكسر سينها وتضم ، وهي فارسية معربة [عن ( سه در )] ، يعني ثلاثة أبواب )(٢) .

وفي( مجمع البحار ) : ( وحديث : رأيت أبا هريرة يلعب السّدر...)(٣) .

وقد نصَّ علماء القوم على حرمة اللعب بالشطرنج ، ونسب ابن تيميّة القول بالحرمة إلى جمهور العلماء ، قال :

( مذهب جمهور العلماء أنّ الشطرنج حرام ، وقد ثبت عن عليّ بن أبي طالب مرّ بقومٍ يلعبون الشطرنج فقال : ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ، وكذلك النهي عنها معروف عن أبي موسى وابن عبّاس وابن عمر وغيرهم من الصحابة وتنازعوا في أنّ أيّهما أشدّ تحريماً : الشطرنج أو النرد ؟ فقال مالك : الشطرنج أشدّ من النرد ، وهذا منقول عن ابن عمر ؛ وهذا لأنّها

ـــــــــــــــــــ

(١) حياة الحيوان ( العقرب ) ٢ : ٦٢ .

(٢) النهاية في غريب الحديث ٢ : ٣٥٤ ( سدر ) .

(٣) مجمع البحار ( سدر ) .


تشغل القلب بالفكر الذي يصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة أكثر من النرد وقال أبو حنيفة وأحمد : النرد أشد )(١) .

أبو هريرة في نظر الصحابة

وقد كان أبو هريرة متّهماً بالكذب والاختلاق على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند الصحابة ، وعلى رأسهم أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وكان عمر وعثمان وعائشة أيضاً مِن الطاعنين عليه ، قال ابن قتيبة ـ في بحثٍ له مع بعضهم :

( فأمّا طعنه على أبي هريرة بتكذيب عمر وعثمان وعليّ وعائشة له ، فإنّ أبا هريرة صحب رسول الله نحواً من ثلاثِ سنينٍ ، وأكثر الرواية عنه ، وعمَّر بعده نحواً مِن خمسين سنة ، وكانت وفاته سنة تسعٍ وخمسين... فلمّا أتى من الرواية عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما لم يأتِ بمثله من صحبه من أجلّة أصحابه والسابقين الأوّلين إليه ، اتّهموه وأنكروا عليه وقالوا : كيف سمعت هذا وحدك ؟ ومن سمعه معك ؟ وكانت عائشة أشدّهم إنكاراً عليه لتطاول الأيّام بها وبه ، وكان عُمر أيضاً شديداً على مَن أكثر الرواية )(٢) .

والمؤيّدات لما أفاده ابن قتيبة في كُتب القوم كثيرة ، ومن ذلك : قولالشمس الخلخالي بشرح الحديث عن أبي هريرة :

( قوله : إنّكم تقولون ـ الخطاب للصحابة ـ : أكثر أبو هريرة عن النبيّ .

أي : أكثر الرواية عنهعليه‌السلام ، والله الموعد ، أي : لقاء الله موعدنا يعني مرجعنا .

ـــــــــــــــــــ

(١) منهاج السنّة ٣ : ٤٣٧ ـ ٤٣٨ .

(٢) تأويل مختلف الحديث : ٤١ .


يعني به يوم القيامة ، فيظهر عنده صدق الصادق وكذب الكاذب لا محالة ؛ لأنّ الأسرار تنكشف هنالك )(١) .

فالقائلون والمتكلّمون في إكثار أبي هريرة هم ( الصحابة ) وقد كانوا يتّهمونه بالكذب ، وفي يوم القيامة يظهر الصادق والكاذب !

وقول القاري في( المرقاة ) بشرحه كذلك :

( وعنه ـ أي عن أبي هريرة ـ قال : إنّكم ، أي معشر التابعين ، وقيل : الخطاب مع الصحابة المتأخّرين ، تقولون : أكثر أبو هريرة ، أي الرواية عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والله الموعد ، أي موعدنا ، فيظهر عنده صدق الصادق وكذب الكاذب ؛ لأنّ الأسرار تنكشف هنالك .

وقال الطّيبي : أي : لقاء الله الموعد ، أي موعدنا يوم القيامة ، فهو يُحاسبني على ما أزيد أو أنقص ، لا سيّما على رسول الله ، وقد قال :( مَن كذب عليَّ متعمّداً فليتبوّء مقعده من النّار ) )(٢) .

والحاصل : إنّ الصّحابة والتابعين كانوا يكذّبون أبا هريرة ، ولا يصدّقونه في روايته ، ولا يعتمدون عليه ولا يأخذون بها ، كما سيأتي عن عائشة .

وفي( الجمع بين الصحيحين ) عن أبي رزين قال :

( خرج إلينا أبو هريرة ، فضرب بيده على جبهته فقال : ألا إنّكم تحدّثون أنّي أكذب على رسول الله...)(٣) .

وفي هذا دليلٌ واضح على أنّه كان في نظر القوم مفترياً على رسول الله...

ـــــــــــــــــــ

(١) المفاتيح في شرح المصابيح ـ مخطوط .

(٢) المرقاة في شرح المشكاة ٥ : ٤٥٨ .

(٣) الجمع بين الصحيحين ٣ : ١٢٣ / ٢٣٣٣ .


وأمّا ما أشار إليه ابن قتيبة مِن ردود عائشة عليه ، وأنّه قد طال ذلك بينهما ، فإنّ موارد ردّها عليه كثيرة، يجدها المتتبّع في كتب القوم .

تكذيب عائشة أبا هريرة

من ذلك : حديثه عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( قال : مَن لَم يوتر فلا صلاة له ، فبلغ ذلك عائشة فقالت : [و] مَن سمع هذا من أبي القاسم ؟ [والله] ما بعُد العهد وما نسيت ،...)(١) .

ومن ذلك : حديثه في شرّ الثلاثة :

( ولمّا سمعَتْ أبا هريرة يروي أنّ ولد الزنا شرّ الثلاثة قالت : كيف يصحّ هذا ؟ وقد قال الله تعالى :( ... وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى... ) (٢) .

( وروي أنّ عائشة قالت لابن أُختها : ألا تعجب مِن كثرة رواية هذا الرجل ، ورسول الله حدّث بأحاديث لو عدّها عادٌّ لأحصاها )(٣) .

وهذا الحديث أبطله ابن عمر أيضاً ، والغالب على الظنّ أنّهم يُريدون بذلك الحماية عن أسلافهم وأكابرهم... فلا تغفل!! ففي( كنز العمّال ) :

( عن ميمون بن مهران : إنّه شهد ابن عمر صلّى على ولد الزنا ، فقيل له : إنّ أبا هريرة لم يصلّ عليه وقال : هو شرّ الثلاثة ، فقال ابن عمر : هو خير الثلاثة )(٤) .

ومن ذلك : حديثه إذ استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمسنّ يده في

ـــــــــــــــــــ

(١) المعجم الأوسط ٤ : ٣٩٣/ ٤٠١٢ .

(٢) سورة الأنعام ٦ : ١٢٤ .

(٣) الأُصول لشمس الأئمّة السرخسي ١ : ٣٤٠ ـ ٣٤١ .

(٤) كنز العمّال ٥ : ٤٦١/ ١٣٦١٧ و١١ : ٨٥/ ٣٠٧١٦ .


الإناء ، فقد أبطلته عائشة ووافقها ابن عبّاس(١) .

ومن ذلك : حديثه في المشي في خفٍّ واحد ، فقد روى ابن أبي شيبة ، عن ابن عيينة ، عن عبد الرحمان بن القاسم ، عن أبيه : ( إنّ عائشة كانت تمشي في خفٍّ واحدٍ وتقول : لأُخيفنَّ أبا هريرة )(٢) .

فإنّ هذا تكذيب منها لأبي هريرة ، ولا معنى له سوى ذلك ؛ لأنّه قد ادّعى سماع النهي عن المشي في خفٍّ واحدٍ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقد جاء في( الجمع بين ا لصحيحين ) :

( عن أبي هريرة : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( لا يمشي أحدكم في نعلٍ واحدٍ ، لينعلهما أو ليخلعهما جميعاً ) . وفي رواية القعنبي : ليحفهما جميعاً أو لينعلهما جميعاً .

وأخرجه مسلم من حديث الأعمش عن أبي رزين قال : خرج إلينا أبو هريرة ، فضرب بيده إلى جبهته فقال : ألا إنّكم تحدّثون ، أنّي أكذب على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لتهتدوا وأضل ، ألا وإنّي أشهد لسمعت رسول الله يقول : إذا انقطع شِسْع أحدكم فلا يمشي في الأُخرى حتّى يصلحها )(٣) .

فهو يؤكّد على أنّه قد سمع من رسول الله ذلك... وقد كذّبته عائشة ؛ لأنّ من قال سمعته يقول كذا وكذا لا يتطرَّق إليه إلاّ التكذيب ، وهذا ما نصّ عليه ابن القيّم حيث قال : ( ومعلومٌ قطعاً ، أنّ تطرّق التكذيب إلى مَن قال سمعته يقول كذا أو أنّه لم يسمعه ، فإنّ هذا لا يتطرّق إليه إلاّ التكذيب ، بخلاف

ـــــــــــــــــــ

(١) شرح العضدي على مختصر ابن الحاجب ١ : ١٨٤ .

(٢) المصنّف لابن أبي شيبة ٨ : ٢٢٩/ ٤٩٨٢ الباب ٨٤٦ .

(٣) الجمع بين الصحيحين ٣ : ١٢٣/ ٢٣٣٣ .


خبر مَن أخبر عمّا ظنّه من فعله وكان واهماً ، فإنّه لا يُنسب إلى الكذب ، وقد نزّه الله عليّاً وأنَساً والبَراء وحفصة عن أنْ يقول : سمعناه يقول كذا ولم يسمعوه )(١) .

ولتكنْ هذه الإفادة من ابن القيّم منك على ذكر ، فإنّها تفيد فائدةً عظيمةً في مواقع شتّى ، ثبت فيها ردّ بعض الصحابة على بعض فيما رووه من الأحاديث ، وادّعوا سماعه من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ومن ذلك : حديثه : الشؤم في ثلاثة... إذ كذّبته عائشة وغضبت على أبي هريرة بشدّة ، قال أبو زرعة ولي الدين العراقي في( شرح الأحكام ) :

( الثالثة : اختلف النّاس في هذا الحديث على أقوال ، أحدها : إنكاره ، وإنّه عليه الصّلاة والسّلام إنّما حكاه عن معتقد أهل الجاهليّة رواه ابن عبد البر في التمهيد عن عائشة رضي الله عنها ، أنّها أخبرت أنّ أبا هريرةرضي‌الله‌عنه يحدّث بذلك عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فطارت شقّة منها في السماء وشقّه في الأرض ، ثمّ قالت :كذب والذي أنزل الفرقان على أبي القاسم ، من حدّث عنه بهذا ؟ ولكنْ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يقول :( كان أهل الجاهليّة يقولون : الطيرة في المرأة والدّار والدّابّة ) ، ثمّ قرأت عائشة :( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) .

فانظروا معاشر المتسنّنين ـ صانكم الله من التعصّب المُهين ـ إلى أمّكم الصدّيقة ، التي ترون أنّ خاتم النبيّين صلوات الله وسلامه عليه وأله أجمعين ،

ـــــــــــــــــــ

(١) زاد المعاد في هدي خير العباد ١ : ١٨٥ ما جاء عنه في الحج والعمرة ، فصلٌ في أعذار الذين وهموا في صفة حجّته .


قد أمر صحابته ـ فضلاً عن غيرهم ـ بأنْ يأخذوا عنها شطر الدين ، وتزعمون أنّ الفاسق عنها والمُعرّض بها والطاعن عليها من الهالكين المعاندين والخاسرين الجاحدين ، كيف ألقت جلباب الاستتار والخفاء عن انهماك أبي هريرة في الكذِب والافتراء ، حيث أبانت أنّه قد افترى على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حديث أهل الجاهليّة الفجّار، وعزى إليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما هو من مقولات الكفّار وترّهات الأشرار، وصرّحت رافعةً عقيرتها بأنّه كذَب ، وهل بعد ذلك التصريح الصريح مجالٌ لريبةِ مرتاب ، أو فسحة لتأويل معاند كّذاب ؟ لا ، بل لو طاروا إلى السماء وغاروا في الغبراء ، وقاموا وقعدوا ، وتفيّروا وتربّدوا ، لما وجدوا حيل ، ولما ألفوا إلى الخلاص وسيلة ، وما زادهم التعمّق والتفكّر إلاّ انزعاجاً ، وما أورثهم الجدّ والجهد في التبرئة إلاّ اختلاجاً .

وهذا الحديث رواه ابن قتيبة أيضاً ، قال :

( حدّثني محمّد بن يحيى القطيعي قال : حدّثنا عبد الأعلى ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن أبي حسّان الأعرج : إنّ رجلين دخلا على عائشة رضي الله عنها فقالا : إنّ أبا هريرة يحدّث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : إنّما الطيرة في المرأة والدابّة والدار ، فطارت شققاً ثمّ قالت : كذب والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ، من حدّث بهذا عن رسول الله ؟ إنّما قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( كان أهل الجاهليّة يقولون : إنّ الطيرة في الدابّة والمرأة والدار ) ، ثمّ قرأت( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا... ) (١) .

ـــــــــــــــــــ

(١) تأويل مختلف الحديث : ٩٨ .


تحريف معنى الحديث

ومنهم مَن تأوّل هذا الحديث تأويلاً عجيباً ، وحرّفه تحريفاً معنويّاً ، إذ حمل ( الكذب ) على ( الغلط ) ، فقد قال أبو زرعة بعد العبارة السابقة : ( قال ابن عبد البر : و( كذب ) في كلامها بمعنى ( غلط ) وهو مردود بوجوه :

الأوّل : إنّه لم يأت له بشاهدٍ من الكتاب والسنّة ، وكلمات الفصحاء ، وأئمّة اللغة الثقات .

والثاني : إنّه خلاف المتبادر من لفظ ( الكَذِب ) ، فلو ثبت استعماله بمعنى ( الغلط ) فهو مجاز .

والثالث : إنّه خلاف السّياق ؛ لأنّ ( الغلط ) من المجتهد مأجور عليه ، فضلاً عن أنْ يستوجب الغضب والسّخط ، لكنّ عائشة لمّا سمعت هذا عن أبي هريرة طارت شقّة منها في السماء وشقّة في الأرض ، وهذا لا يتناسب مع ( الخطأ ) و( الغلط ) الذي لم تخلُ منه عائشة أيضاً .

وفي( فتح الباري ) :

( روى أحمد وابن خزيمة والحاكم من طريق قتادة عن أبي حسان : إنّ رجلين من بني عامر دخلا على عائشة فقالا : إنّ أبا هريرة قال : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :الطيرة في الفرَس والمرأة والدار ، فغضبت غضباً شديداً وقالت : ما قاله ، وإنّما قال :( إنّ أهل الجاهليّة كانوا يتطيّرون من ذلك ) (١) .

ـــــــــــــــــــ

(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٦: ٤٧.


تكذيب عمر أبا هريرة

وعمر بن الخطّاب أيضاً ممّن كذّب أبا هريرة ، بل أوعده وهدّده ، قال السرخسي في كتاب( الأُصول ) :

( ولمّا بلغ عمر أنّ أبا هريرة يروي ما لا يعرف قال : لتكفّنّ عن هذا أو لألحقنّك بجبال دوس )(١) .

وفي( كنز العمّال ) :

( عن السائب بن يزيد قال : سمعت عمر بن الخطّاب يقول لأبي هريرة : لتتركنّ الحديث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو لألحقنّك بأرض دوس .

وقال لكعب : لتتركنّ الحديث أو لألحقنّك بأرض القردة كر )(٢) .

فلو لم يكن أبو هريرة يستحقُّ هذا التهديد والتحقير لكان عمر ظالماً جائراً ، ولو كان أبو هريرة صادقاً في إخباراته ورواياته عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لكان عمر مانعاً من إشاعة أقوال النبيّ وإرشاداته وأحكام الشّريعة وآدابها... وهذا ما لا تحتمله نفوس القوم .

عزله عن البحرين وهتكه

وأيضاً ، فقد عزله عن البحرين ، ونسبه إلى السرقة ، وهتك ناموسه وفضحه على رؤوس الأشهاد... قال الزمخشري في( الفائق ) :

( أبو هريرة : استعمله عمر على البحرين ، فلمّا قدم عليه قال له : يا عدوّ

ـــــــــــــــــــ

(١) الأُصول للسرخي ١ : ٣٤١ .

(٢) كنز العمّال ١٠ : ٢٩١/ ٢٩٤٧٢ .


الله وعدوّ رسوله ، سرقت من مال الله ؟! فقال : لست بعدوّ الله ولا عدوّ رسوله ، ولكنّي عدوّ من عاداهما ، وما سرقت ولكنّها سهام اجتمعت ونتاج خيل. فأخذ منه عشرة آلاف درهم ، فألقاها في بيت المال ، ثمّ دعاه إلى العمل فأبى ، فقال عمر : فإنّ يوسف قد سأل العمل ، فقال : إنّ يوسف منّي بريء وأنا منه براء ، وأخاف ثلاثاً واثنتين .

قال : أفلا تقول خمساً ؟ قال : أخاف أنْ أقول بغير حكم ، وأقضي بغير علم ، وأخاف أنْ يضرب ظهري ، ويشتم عرضي ، وأنْ يؤخذ مالي )(١) .

فكان أبو هريرة ـ في رأي عمر ـ يستحقّ العزل والإهانة والهتك ومصادرة الأموال ، حتّى خاطبه بـ( عدوّ الله وعدوّ رسوله ) ، ومن كان هذا حاله في نظر خليفتهم ، يكون أهلاً لأنْ يؤخذ منه معالم الدين من التفسير وغيره ؟

أبو هريرة عند أبي حنيفة

وكان أبو هريرة مطعوناً عند أبي حنيفة أيضاً ، كما جاء في( روضة العلماء ) في بيان وجه ترك أبي حنيفة روايات أبي هريرة وسمرة وأنَس ، حيث قال نقلاً عن أبي جعفر الهندواني :

( أمّا أبو هريرة ، فإنّه روى عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : مَن أصبح جنباً فلا صوم له ، قالت عائشة رضي الله عنها : أخطأ أبو هريرة ؛ لأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يصبح جنباً من غير احتلام، ثمّ يتمّ صومه وذلك في رمضان ، قال أبو هريرة : هي أعلم ، كنت سمعته من الفضل بن

ـــــــــــــــــــ

(١) الفائق في غريب الحديث ١ : ١٠٢ .


عبّاس ، والفضل كان يومئذٍ ميّتاً، فقد أحال خبره إلى الميّت، فصار مطعوناً )(١) .

وأورده الكفوي في( كتائب الأعلام ) كذلك...

وفيه ـ نقلاً عن الصدر الشهيد ـ في وجه عدم تقليد أبي حنيفة أبا هريرة :

( وأمّا أبو هريرة ، كان يروي كلّ ما بلغه وسمع ، من غير تأمّل في المعنى )(٢) .

أبو هريرة عند عيسى بن أبان

وفي( روضة العلماء ) أيضاً :

( وقال عيسى بن أبان : أُقلّد أقاويل جميع الصحابة إلاّ ثلاثة منه : أبو هريرة ووابصة بن معبد وأبو سنابل بن بعل )(٣) .

فلماذا يخالف الحنفيّة اليوم إمامهم في آرائه وفتاواه(٤) ؟ مع أنّ المستفاد مِن الكتب اتّباع السابقين منهم له في الطعن في أبي هريرة، ففي( المحلّى ) في مسألة الخيار :

( وأمّا احتجاج أبي حنيفة بحديث المصراة ، فطامّة من طوامّ الدهر ، وهو أوّل مُخالف له وزارٍ عليه وطاعن فيه ، ومخالف كلّ ما فيه ، فمرّةً يجعله ذو التورّع منهم منسوخاً بتحريم الربا ، وكذبوا في ذلك ، ما للربا هاهنا مدخل ، ومرّةً يجعلونه كذباً ويعرّضون بأبي هريرة ، والله تعالى يخزيهم [يجزيهم] بذلك في الدنيا والأُخرى ، وهم أهل الكذب لا الفاضل البرّ أبو هريرة رضي الله

ـــــــــــــــــــ

(١) روضة العلماء ـ مخطوط .

(٢) كتائب أعلام الأخيار ـ مخطوط .

(٣) روضة العلماء ـ مخطوط .

(٤) وهو : فقيه العراق ، تلميذ محمد بن الحسن ، وقاضي البصرة ، توفي سنة ٢٢١ كذا في سير أعلام النبلاء ١٠ : ٤٤٠ ، وتوجد ترجمته في تاريخ بغداد ١١ : ١٥٧ والجواهر المضيّة في طبقات الحنفيّة ١ : ٤٠١ وغيرهما .


عنه وعن جميع الصحابة ، وكبّ الطاعن على أحدٍ منهم لوجهه ومنخريه )(١) .

فإنّ ظاهر هذا الكلام متابعة الحنفيّة لإمامهم في رأيه حول أبي هريرة ، حتّى دعا عليهم ابن حزم وتكلّم فيهم...

ويُستفاد ذلك أيضاً مِن كلام الفخر الرازي في رسالته في( مناقب الشافعي ) إذ قال :

( وأمّا أصحاب الرأي ، فإنّ أمرهم في باب الخبر والقياس عجيب ، فتارةً يرجّحون القياس على الخبر ، وتارةً بالعكس ، أمّا الأوّل فهو إنّ مذهبنا أنّ التصرية سبب مثبت للردّ ، وعندهم ليس كذلك ودليلنا : ما اُخرج في الصحيحين عن أبي هريرة...

واعلم أنّ الخصوم لمّا لم يجدوا لهذا الخبر تأويلاً البتّة ـ بسبب أنّه مفسّر في محل ّالخلاف ـ اضطرّوا إلى أن يطعنوا في أبي هريرة وقالوا: إنّه كان متساهلاً في الرواية، وما كان فقيهاً...)) .

فإنّ المراد من أصحاب الرأي هم الحنفيّة كما هو واضح .

ويُستفاد أيضاً من كلام ابن حجر في( فتح الباري ) :

( قال الحنابلة : واعتذر الحنفيّة عن الأخذ بحديث المصراة بأعذار شتّى ، فمنهم من طعن في الحديث ، لكونه من رواية أبي هريرة، ولم يكن كابن مسعود وغيره من فقهاء الصّحابة، فلا يؤخذ بما رواه مخالفاً للقياس الجلي، وهو كلام آذى قائله به نفسه، وفي حكايته غنىً عن تكلّف الردّ عليه... وقال ابن السمعاني في الإصطلام : التعرّض إلى جانب الصحابة علامة على خذلان

ـــــــــــــــــــ

(١) المحلّى في الفقه ٨ : ٣٧٢ .


فاعله، بل هو بدعة وضلالة... )(١) .

أبو هريرة عند محمّد بن الحسن

وأبو هريرة مطعون عند محمّد بن الحسن الشيباني أيضاً ، قال ابن حزم في( المحلّى ) في مسألة أحقّيّة البائع بالمتاع إذا أفلس :

( روينا مِن طريق أبي عبيد أنّه ناظر في هذه المسألة محمّد بن الحسن ، فلم يجد عنده أكثر من أنْ قال : هذا من حديث أبي هريرة .

قال أبو علي : نعم ، هو ـ والله ـ من حديث أبي هريرة البرّ الصّادق ، لا من حديث مثل محمّد بن الحسن الذي قيل لعبد الله بن المبارك : من أفقه أبو يوسف أو محمّد بن الحسن ؟ فقال : قل : أيّهما أكذب )(٢) .

ـــــــــــــــــــ

(١) فتح الباري ٤ : ٢٩٠ كتاب البيوع .

(٢) المحلّى في الفقه ٨ : ١٧٨ ـ ١٧٩.


عبد الله بن عمر

وأمّا عبد الله بن عمر ، فإنّ مَن يقرأ سيرته يشهد بكونه مِن المنحرفين عن أمير المؤمنين وأهل البيت الطّاهرينعليهم‌السلام وله مساوئ غير ذلك .

إباؤه عن البيعة لأمير المؤمنين

فأوّل ما يجده هو امتناعه عن البيعة لأمير المؤمنينعليه‌السلام بعد مقتل عثمان بن عفّان ، وقد بايعه جمهور المسلمين إلاّ من شذّ ، وقد جاء في الأخبار أنّ بعضهم قد ندم بعد ذلك ، ولات حين مندم ! ومِن هؤلاء عبد الله بن عمر... فإنّه روى ابن عبد البر وابن الأثير وغيرهما بترجمته بأسانيدهم ، عن حبيب بن أبي ثابت وعن غيره قال : ( قال ابن عمر حين حضره الموت : ما أجد في نفسي مِن الدنيا إلاّ أنّي لم أُقاتل الفئة الباغية مع عليّ )(١) .

وقد نصّ ابن حجر في( فتح الباري ) على إباء ابن عمر عن البيعة مع الإمامعليه‌السلام ، وستسمع عبارته .

وقال سبط ابن الجوزي في( تذكرة خواصّ الأُمّة ) :

( قال ابن جرير : وممّن امتنع من بيعته : حسّان بن ثابت ، وأبو سعيد الخدري ، والنعمان بن بشير ، ورافع بن خديج ، في آخرين وفي زيد بن ثابت ومحمّد بن مسلمة خلاف ، وقال غير ابن جرير : لم يُبايعه قدامة بن مظعون

ـــــــــــــــــــ

(١) الاستيعاب ٣ : ٩٥٣ .


وعبد الله بن سلام والمغيرة بن شعبة وعبد الله بن عمر وسعد وصهيب وزيد بن ثابت وأُسامة بن زيد وكعب بن مالك وهرب قوم إلى الشام وهؤلاء يسمّون العثمانيّة )(١) .

بيعته ليزيد بن معاوية

لكن ابن عمر بايع يزيد بن معاوية ، كما في كتابَي ( البخاري ) و( مسلم )(٢) وغيرهما من مصادر الحديث والتاريخ... بل لقد دافع عن ذلك وحمل أهله وولده والناس على البيعة ، وإذا ثبت أنّه قد بايع ليزيد ، فقد ثبت كفره بلا ريب ؛ لأنّ الرضا بإمامٍ باطلٍ كفر ، كما نصّ عليه أئمّة القوم... قال أبو شكور محمّد بن عبد السعيد الكشفي الحنفي في( التمهيد في بيان التوحيد ) :

( ثمّ كلّ سؤال من جهة الخصم يكون مردوداً ؛ لموافقة عليّ لأبي بكر ، لأنّه وإنْ لم يُبايعه فسكت ولم يُخالفه ، وقد بيّنا أنّه بايعه بدليل ما ذكرنا ، ولو لم يصحّ خلافة أبي بكر لا يكون إماماً حقّاً ، لكان لا يجوز السكوت به والإغماض عنه ؛ لأنّ من رضي بإمامٍ باطلٍ فإنّه يكفر ) .

هذا ، وقد دافع بعض علماء الهند عن ابن عمر ، بحمل بيعته ليزيد على التقيّة والاضطرار ، لكنّهم غفلوا عمّا شنّع به أكابر طائفتهم على أهل الحق للقول بالتقيّة والعمل بها... لا سيّما في مقابلة القول بأنّ بيعة أمير المؤمنين وأصحابه مع المشايخ كانت عن تقيّةٍ واضطرار، فكيف يصحّ مع هذا حمل

ـــــــــــــــــــ

(١) تذكرة خواصّ الأُمّة : ٦١ .

(٢) صحيح البخاري ٩ : ٧٢ كتاب الفتن ـ باب إذا قال عند قوم شيئاً ثمّ خرج فقال بخلافه ، صحيح مسلم ٣ : ١٤٧٨/ ١٨٥١ كتاب الإمارة الباب ١٣ .


بيعة ابن عمر مع يزيد على التقيّة ؟

وممّا يشهد بعدم كون بيعة عبد الله بن عمر هذه عن تقيّة : تعجّب الزهري من ذلك ، فيما رواه عنه سبط ابن الجوزي حيث قال : ( قال الزهري : والعجب أنّ عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقّاص لم يُبايعا عليّاً ، وبايعا يزيد ابن معاوية )(١) .

ومن هنا ، نجد أنّ بعض علماء الهند لمّا رأى ركاكة هذا العذر ، التجأ إلى إنكار البيعة مِن أصلها... لكنّ بيعته له الأُمور الثابتة غير القابلة للنفي والإنكار... كما أنّ موقفه من أهل المدينة وخلعهم يزيد بن معاوية مشهور ثابت .

قال ابن الملقّن في( شرح البخاري ) :

( بابٌ : إذا قال عند قوم شيئاً ثم خرج فقال بخلافه : الشرح : معنى الترجمة إنّما هو في خلْع أهل المدينة ليزيد بن معاوية ، ورجوعهم عن بيعته وما قالوا له ، وقالوا بغير حضرته خلاف ما قالوا بحضرته ، وذلك أنّ ابن عمر بايعه فقال عنده بالطاعة بخلافته ، ثمّ خشِي على بنيه وحشمه النكث مع أهل المدينة ، حيث نكثوا بيعة يزيد ، فوعظهم وجمعهم وأخبرهم أنّ النكث أعظم الغدر )(٢) .

وقال ابن حجر بشرحه :

( ووقع عند الإسماعيلي من طُرق مؤمّل بن إسماعيل ، عن حمّاد بن زيد ، في أوّله من الزيادة ، عن نافع : أنّ معاوية أراد ابن عمر على أنْ يُبايع

ـــــــــــــــــــ

(١) تذكرة خواص الأُمّة : ٦١ .

(٢) شرح صحيح البخاري ـ كتاب الفتن ، باب : إذا قال عند قوم شيئاً...


ليزيد ، فأبى وقال : لا أُبايع لأميرين ، فأرسل إليه معاوية بمئة ألف درهم فأخذها ، فدّس إليه رجلاً فقال له : ما يمنعك أنْ تُبايع ؟ فقال إنّ ذاك لذاك ، يعني عطاء ذلك المال لأجل وقوع المبايعة ، إنّ ديني عندي إذاً لرخيص ، فلمّا مات معاوية كتب ابن عمر إلى يزيد ببيعته ، فلمّا خلع أهل المدينة ، فذكره...)(١) .

وقال ابن حجر في ( باب ما كان من أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يُواسي بعضهم بعضاً في الزراعة والثمرة ) من كتاب المزارعة في شرح حديث نافع : ( إنّ ابن عمر كان يكري مزارعه على عهد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان ، وصدراً من إمارة معاوية ) :

( قوله : وصدراً من إمارة معاوية ، أي خلافته ، وإنّما لم يذكر ابن عمر خلافة عليّ ؛ لأنّه لم يُبايعه ، لوقوع الاختلاف عليه ، كما هو مشهور في صحيح الأخبار ، وكان رأي ابن عمر أنْ لا يُبايع لِمن لم يجتمع عليه الناس ، ولهذا لم يُبايع أيضاً لابن الزبير ولا لعبد الملك ، في حال اختلافهما ، وبايع ليزيد بن معاوية ، ثمّ لعبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير )(٢) .

وقال الشهاب القسطلاني :

( عن نافع مولى ابن عمر أنّه قال : لمّا خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية ، وكان ابن عمر لمّا مات معاوية كتب إلى يزيد ببيعته...)(٣) .

ثمّ إنّهم رَوَوا عن ابن عمر أنّه مدح يزيد في جمعٍ مِن خلفائهم وقال :

ـــــــــــــــــــ

(١) فتح الباري في شرح صحيح البخاري ١٣ : ٥٩ .

(٢) فتح الباري في شرح صحيح البخاري ٥ : ١٩ .

(٣) إرشاد الساري في شرح صحيح البخّاري ١٠ : ١٩٩ .


 ( كلّهم صالح لا يوجد مثله )... ومن رواته السيوطي في( تاريخ الخلفاء ) وهذه عبارته :

( أخرج ابن عساكر عن عبد الله بن عمر قال : أبو بكر الصدّيق أصبتم اسمه ، عُمر الفاروق قرنٌ من حديد أصبتم اسمه ، ابن عفّان ذو النّورين قُتل مظلوماً يُؤتى كفلين من الرّحمة ، معاوية وابنه مَلِكا الأرض المقدّسة ، والسّفاح وسلام ومنصور وجابر والمهدي والأمين وأمير العصب ، كلّهم من بني كعب ابن لؤي ، كلّهم صالح لا يوجد مثله .

قال الذهبي : له طُرق عن ابن عمر ، ولم يرفعه أحد )(١) .

فمن العجيب جدّاً ، أنْ يمتنع ابن عمر عن البيعة لأمير المؤمنين ، ثمّ يُبايع يزيد ويمدحه بمثل هذا الكلام ؟

بل إنّه كان لا يربّع بالإمامعليه‌السلام ، كما هو ظاهر الحديث المتقدّم وصريح الحديث في( كنز العمّال ) قال :

( عن عبد الله بن عمر قال : يكون على هذه الأُمّة اثنا عشر خليفة : أبو بكر الصدّيق أصبتم اسمه ، عمر الفاروق قرن من حديد أصبتم اسمه، عثمان بن عفّان ذو النّورين قتل مظلوماً أُوتي كفلين من الرحمة ، ملك الأرض المقدّسة معاوية وابنه ، ثمّ يكون السفّاح والمنصور وجابر والأمين وسلام وأمير العصب ، لا يُرى مثله ولا يدرى مثله ، كلّهم من بني كعب بن لؤي... ) .

هذا، ولا يخفى أنّه في بعض نسخ ( الكتابين المذكورين ) نقل هذا الكلام عن ( عبد الله بن عمرو ) بدلاً عن ( عبد الله بن عمر )(٢) ، وسواء كان قائل

ـــــــــــــــــــ

(١) تاريخ الخلفاء : ١٦٧ ـ ١٦٨ .

(٢) كنز العمّال ١١ : ٢٥٢/ ٣١٤٢١ .


هذا الكلام ابن عمر أو ابن عمرو بن العاص أو كلاهما، فإنّه يدلُّ على كفر قائله وضلاله .

ابن عمر في نظر عائشة

وقد أكثرت عائشة من الردّ على عبد الله بن عمر ، وأبطلت قوله في مسائل عديدة ، فقد أخرج مسلم في ( الصحيح ) قال :

( حدّثني هارون بن عبد الله ، أخبرنا محمّد بن بكر البرساني ، أخبرنا ابن جريج قال : سمعت عطاء يخبر قال : أخبرني عروة بن الزبير قال : كنت أنا وابن عُمر مُستندين إلى حجرة عائشة ، وإنّا لنسمع ضربها بالسواك تستن .

قال : فقلت : يا أبا عبد الرحمان ! اعتمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في رجب ؟

قال : نعم .

فقلت لعائشة : يا أُمّتاه ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمان ؟

قالت : وما يقول ؟

قلت : يقول : اعتمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في رجب .

فقالتْ : يغفر الله لأبي عبد الرحمان ، لعمري ما اعتمر في رجب ، وما اعتمر مِن عمرة إلاّ وإنّه لَمَعه .

قال : وابن عمر يسمع ، فما قال لا ولا نعم ، سكت )(١) .

وقال ابن القيّم في( زاد المعاد ) :

( أمّا عذر مَن قال : اعتمر في رجب ، فحديث عبد الله بن عمر : أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

ـــــــــــــــــــ

(١) صحيح مسلم بن الحجاج ٢ : ٩١٦/ ١٢٥٥ كتاب الحج الباب ٣٥ .


 اعتمر في رجب ، متّفقٌ عليه ، وقد غلّطته عائشة وغيرها كما في الصحيحين عن مجاهد قال : دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد ، فإذا عبد الله بن عمر جالس إلى حجرة عائشة ، وإذا ناس يصلّون في المسجد صلاة الضّحى ، قال : فسألناه عن صلاتهم ، فقال : بدعة ، قلنا له : كم اعتمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قال : أربعاً ، إحداهنّ في رجب فكرهنا أنْ نردّ عليه .

قال: وسمعنا استنان عائشة أمّ المؤمنين في الحجرة ، فقال عروة : يا اُمة أو يا أُمّ المؤمنين ! ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمان ؟

قالت : ما يقول ؟

قال : يقول : إنّ رسول الله اعتمر أربع عُمَر ، إحداهنّ في رجب .

قالت: يرحم الله أبا عبد الرحمان، ما اعتمر [رسول الله] عمرة قط إلاّ وهو شاهد ، وما اعتمر في رجب قط وكذلك قال أنَس وابن عبّاس أنّ عمره كلّها كانت في ذي القعدة ، وهذا هو الصواب )(١) .

وفي( صحيح البخاري ) :

( عن مجاهد قال : دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد ، فإذا عبد الله بن عمر جالس إلى حجرة عائشة ، وإذا ناس يصلّون في المسجد صلاة الضّحى .

قال : فسألناه عن صلاتهم ؟ فقال : بدعة ، ثمّ قال له : كم اعتمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قال : أربع ، إحداهنّ في رجب ، فكرهنا أنْ نردّ عليه .

قال : وسمعنا استنان عائشة أُمّ المؤمنين في الحجرة ، فقال عروة : يا أُمّاه ! يا أُمّ المؤمنين ! ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمان ؟

قالت : ما يقول ؟

ـــــــــــــــــــ

(١) زاد المعاد في هدي خير العباد ١ : ١٨٣ ـ ١٨٤


قال : يقول : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اعتمر أربع عمرات ، إحداهنّ في رجب .

قالت : يرحم الله أبا عبد الرحمان، ما اعتمر عمرةً إلاّ وهو شاهده ، وما اعتمر في رجب قط )(١) .

وأخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن أبي مليكة :

( قال : توفّيت ابنة لعثمانرضي‌الله‌عنه بمكّة ، وجئنا لنشهدها ، وحضرها ابن عمر وابن عبّاس رضي الله عنهم... فقال عبد الله بن عمر لعمرو بن عثمان : ألا تنهى عن البكاء ، فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( إنّ الميّت ليعذّب ببكاء أهله عليه ) .

فقال ابن عبّاس رضي الله عنهما : قد كان عمر يقول بعض ذلك... فذكرت ذلك لعائشة فقالت : رحم الله عمر ، والله ما حدّث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنّ الله ليعذّب المؤمن ببكاء أهله عليه ، ولكن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( إنّ الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه ) .

قال : وقالت عائشة : حسبكم القرآن( ... وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى... ) .

قال ابن أبي مليكة : والله ما قال ابن عمر شيئاً )(٢) .

وأخرج الطبراني عن موسى بن طلحة :

( قال : بلغ عائشة أنّ ابن عمر يقول : موت الفجأة سخطة على المؤمنين .

فقالت [عائشة] : يغفر الله لابن عمر ، إنّما قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

ـــــــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري ٣ : ٣ أبواب العُمرة ـ باب كم اعتمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

(٢) صحيح البخاري ٢ : ١٠١ كتاب الجنائز ـ باب قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يُعذّب الميّت ببعض بكاء أهله عليه ، صحيح مسلم ٢ : ٦٤١/ ٩٢٨ كتاب الجنائز الباب ٩ .


: موت الفجأة تخفيفٌ على المؤمنين وسخطة على الكافرين )(١) .

وأخرج أحمد ، عن يحيى بن عبد الرحمان، عن ابن عمر ، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

(الشهر تسع وعشرون ) ، فذكروا ذلك لعائشة ، فقالت : يرحم الله أبا عبد الرحمن ، إنّما قال الشهر لم ترد يكون تسعاً وعشرين )(٢) .

وأخرج البخاري عن ابن عمر :

( إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :إنّ بلالاً يؤذّن بليل ، فكلوا واشربوا حتّى يؤذّن ابن أُمّ مكتوم )(٣) .

والبيهقي ، عن عروة ، عن عائشة :

( قالت : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ ابن أُمّ مكتوم رجلٌ أعمى ، فإذا أذّن فكلوا واشربوا حتّى يؤذّن بلال ، وكان بلال يبصر الفجر ، وكانت عائشة تقول غلط ابن عمر )(٤) .

فقال ابن حجر بشرحه :

( جاء عن عائشة أيضاً أنّها كانت تنكر حديث ابن عمر وتقول : إنّه غلط ، أخرج ذلك البيهقي ، من طريق الدراودي ، عن هشام ، عن أبيه عنها ، فذكر الحديث وزاد : قالت عائشة : وكان بلال يبصر الفجر قال : وكانت عائشة تقول : غلط ابن عمر )(٥) .

ـــــــــــــــــــ

(١) المعجم الأوسط ٣ : ٤٠٢/ ٣١٥٠ .

(٢) مسند أ؛مد بن حنبل ٧ : ٧٧/ ٢٣٧٢٦ .

(٣) صحيح البخاري ٣ : ٢٢٥ كتاب الشهادات ـ باب شهادة الأعمى .

(٤) سنن البيهقي ١ : ٣٨٢ .

(٥) فتح الباري ٢ : ٨١ .


ابن عمر عند سائر الصّحابة

وهكذا ، فقد ردّ عليه سائر الصحابة أقواله وأبطلوا آرائه ، قال السيوطي في كتاب( الإتقان في علوم القرآن ) :

( وإنْ عبّر واحدٌ بقوله : نزلت في كذا ، وصرّح الآخر بذكر سبب خلافه ، فهو المعتمد وذاك استنباط ، مثاله : ما أخرجه البخاري عن ابن عمر قال : أُنزلت( نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ... ) في إتيان النساء في أدبارهنّ ، وتقدّم عن جابر التصريح بذكر سبب خلافه ، فالمعتمد حديث جابر ؛ لأنّه نقل ، وقول ابن عمر استنباط منه ، وقد وهّمه فيه ابن عبّاس ، وذكر مثل حديث جابر ، كما أخرجه أبو داود والحاكم )(١) .

ـــــــــــــــــــ

(١) الإتقان في علوم القرآن ١ : ١١٧


عبد الله بن عمرو بن العاص

وأمّا عبد الله بن عمرو بن العاص ، فتفسيره كان ( ممّا يحمله عن أهل الكتاب ) كما نصَّ عليه السيوطي ، وهذا يكفي للدلالة على عدم الاعتبار بتفسيره .

وتوضيح ذلك : أنّه ذكروا أنّه قد حصل في حرب اليرموك على كتب لأهل الكتاب ، فكان ينقل عنها الأخبار الإسترائيليّات ويحدّث بها ، ولذا قسّموا الصحابي إلى مَن أخذ عن الإسرائيليّات ومَن لم يأخذ ، قال القاري :

( الذي عرف بالنظر في الإسرائيليّات ، أي مِن كتب بني إسرائيل أو مِن أفواههم... كعبد الله بن سلام وكعبد الله بن عمرو بن العاص ، فإنّه كان حصل له في وقعة اليرموك كتب كثيرة من أهل الكتاب ، وكان يُخبر بما فيها مِن الأُمور المغيَّبة ، حتّى كان بعض أصحاب رسول الله ربّما قال : حدِّثْنا عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولا تحدّثنا من الصحيفة ذكره السخاوي)(١) .

وقال اللقاني في( الوطر مِن نزهة النظر ) :

((مثال الصحابي الذي لم يأخذ ع الإسرائيليّات : أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ .

ومثال من أخذ : عبد الله بن سلام ، وقيل : عبد الله بن عمرو بن العاص ، فإنّه لمّا فتح الشام ، أخذ حمل بعير من كتب أهل الكتاب وكان يحدّث منها ، فلذا اتّقاه الناس فقلَّ حديثه ، وإنْ كان أكثر حديثاً مِن أبي هريرة باعترافه ،

ـــــــــــــــــــ

(١) شرح شرح نخبة الفكر : ٥٤٩ .


والمراد بها قصص بني إسرائيل وما جاء في كتبهم ) .

وعلى الجملة ، فالرجل ممّن يُتّقى حديثه... فلا حاجة إلى ذكر سائر مطاعنه... ومع ذلك نذكر شيئاً منها :

خروجه لقتال الإمام في صفّين

ومن أعظم معاصيه ، بل من أكبر الأدلّة على كفره : خروجه لحرب أمير المؤمنينعليه‌السلام في صفّين ، ثمّ إنشاؤه الأشعار في التبجّح والافتخار بذلك !

فقد أخرج الحاكم في( المستدرك ) قال :

( قال له أبوه يوم صفّين : أخرج فقاتل قال : يا أبتاه ، أتأمرني أنْ أخرج فأُقاتل ، وقد كان من عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما قد سمعت ، قال : أُنشدك بالله ، أتعلم أنّ ما كان من عهد رسول الله إليك أنّه أخذ بيدك فوضعها في يدي فقال : أطع أباك عمرو بن العاص ؟ قال : نعم ، قال : فإنّي آمرك أنْ تقاتل ، قال : فخرج يُقاتل ، فلمّا وضعت الحرب ، قال عبد الله :

لو شهدت جمل مقامي ومشهدي

بصفّين يوم شاب منها الذوائب

عشيّة جاء أهل العراق كأنّهم

سحاب ربيع زعزعته الجنائب

إذا قلت قد ولّوا سراعاً ثبتت لنا

كتائب منم وارجحنّت كتائب

فقالوا لنا إنّا نرى أن تبايعوا

عليّاً فقلنا بل نرى أنْ تضاربوا)

وقال ابن الأثير في( أُسد الغابة ) :

( وكانت معه راية أبيه يوم اليرموك ، وشهد معه أيضاً صفّين ، وكان على

ـــــــــــــــــــ

(١) المستدرك على الصحيحين ٣ : ٥٢٧ كتاب معرفة الصحابة .


الميمنة ، قال له أبوه : يا عبد الله ، اُخرج فقاتل .

فقال : يا أبتاه أتأمرني أنْ أخرج فأُقاتل ، وقد سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعهد إليِّ ما عهد ؟ قال : إنّي أُنشدك الله يا عبد الله ، ألم يكن آخر ما عهد إليك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنْ أخذَ بيدك ووضعها في يدي وقال :( أطع أباك ) ؟

قال : اللّهمّ بلى .

قال : فإنّي أعزم عليك أنْ تخرج فتقاتل .

فخرج وتقلّد سيفين .

وندم بعد ذلك ، فكان يقول : مالي ولصفّين ، مالي ولقتال المسلمين ، لوددت أنّي متُّ قبله بعشرين سنة )(١) .

قالوا : ولمّا عرض عمرو بن العاص على أبي موسى ابنه عبد الله بن عمرو ، قال أبو موسى : ( قد غمست يده في هذه الفتنة ، ولا يكون ذلك )(٢) .

هذا ، وقد نصّ بعض علماء القوم على أنّ محاربة الإمام أمير المؤمنين من أعظم الكبائر(٣) .

تكذيب معاوية روايته

والعجب أنّه مع ذلك ، يكذّب معاوية في روايةٍ رواها ، ويحذّر الناس من أن يقبلوها، فقد روى البخاري في ( الصحيح ) :

ـــــــــــــــــــ

(١) أُسد الغابة في معرفة الصحابة ٣ : ٢٤٦/ ٣٠٩٠ .

(٢) الفصول المهمّة : ٩٩ ، تذكرة خواصّ الأُمّة في معرفة الأئمّة : ٩٧ .

(٣) التحفة الاثنا عشريّة : ٣٨٨


 ( عن الزهري قال : كان محمّد بن جُبير بن مطعمٍ يحدّث أنّه بلغ معاوية ـ وهو عنده في وفدٍ مِن قريش ـ أنّ عبد الله بن عمرو بن العاص يحدّث أنّه سيكون ملك من قحطان .

فغضب معاوية ، فقام فأثنى على الله بما هو أهله ثمّ قال :

أمّا بعد ، فإنّه بلغني أنّ رجالاً منكم يتحدّثون أحاديث ليست في كتاب الله ، لا تؤثر عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأولئك جهّالكم ، فإيّاكم والأماني التي تضلّ أهلها ، فإنّي سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول :( إنّ هذا الأمر في قريش ، لا يعاديهم أحد إلاّ كبّه الله على وجهه ما أقاموا الدين ) )(١) .

أقول :

فهذا مجمل أحوال المفسّرين عند القوم من الصحابة .

وإذا ثبت جرحهم ، فلا حاجة إلى التكلّم في أحوال أئمّة التفسير منهم في سائر الطبقات ، كما هو واضح .

ومع ذلك ننتقل إلى طبقة التابعين...

ـــــــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري ٤ : ٢١٧ ـ ٢١٨ كتاب المناقب ـ باب مناقب قريش .


طبقة التابعين

قال السيوطي :

( ومن ذلك طبقة التابعين .

قال ابن تيميّة : أعلم الناس بالتفسير أهل مكة ؛ لأنّهم أصحاب ابن عبّاس ، كمجاهد وعطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عبّاس وسعيد بن جُبير وطاووس وغيرهم وكذلك في الكوفة أصحاب ابن مسعود ، وعلماء أهل المدينة في التفسير مثل زيد بن أسلم ، الذي أخذ عنه ابنه عبد الرحمان ابن زيد ، ومالك بن أنَس .

فمن المبرّزين منهم : مجاهد ، قال الفضل بن ميمون : سمعت مجاهداً يقول : عرضت القرآن على ابن عبّاس ثلاثين مرّة .

وعنه أيضاً قال : عرضت المصحف على ابن عبّاس ثلاث عرضات ، أقف عند كلّ آية منه وأسأله عنها ، فيم نزلت وكيف كانت .

وقال خصيف : كان أعلمهم بالتفسير مجاهد .

وقال الثوري : إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به .

وقال ابن تيميّة : ولهذا يعتمد على تفسيره الشافعي والبخاري وغيرهما من أهل العلم .

قلت : وغالب ما أورده الفريابي في تفسيره منه ، وما أورده فيه عن ابن عبّاس أو غيره قليل جدّاً.

ومنهم : سعيد بن جُبير ، قال سفيان الثوري : خذوا التفسير عن أربعة :

عن سعيد بن جُبير ، ومجاهد ، وعكرمة ، والضحاك .

وقال قتادة : كان أعلم التابعين أربعة : كان عطاء بن أبي رباح أعلمهم بالمناسك ، وكان سعيد بن جُبير أعلمهم بالتفسير، وكان عكرمة أعلمهم بالسيَر ، وكان الحسن أعلمهم بالحلال والحرام .

ومنهم : عكرمة مولى ابن عبّاس ، قال الشعبي : ما بقي أحد أعلم بكتاب الله مِن عكرمة وقال سماك بن حرب : سمعت عكرمة يقول : لقد فسّرت ما بين اللّوحين ، وقال عكرمة : كان ابن عبّاس يجعل في رجلي الكبل ، ويعلّمني القرآن والسنن ، وأخرج ابن أبي حاتم عن سماك قال : قال عكرمة : كلّ شيء أُحدّثكم في القرآن فهو عن ابن عبّاس .


ومنهم : الحسن البصري ، وعطاء بن أبي رباح ، وعطاء بن أبي سلمة الخُراساني ، ومحمّد بن كعب القرظي ، وأبو العالية، والضحاك بن مزاحم، وعطيّة العوفي ، وقتادة ، وزيد بن أسلم ، ومرّة الهمداني ، وأبو مالك .

ويليهم : الربيع بن أنَس ، وعبد الرحمان بن زيد بن أسلم ، في آخرين .

فهؤلاء قدماء المفسّرين ، وغالب أقوالهم تلقّوها عن الصحابة )(١) .

ـــــــــــــــــــ

(١) الإتقان في علوم القرآن ٤ : ٢٤٠ ـ ٢٤٢ .


مجاهـد

أمّا مجاهد ، الذي عرفته كما نقل السيوطي ، بل نص الذهبي في( ميزان الاعتدال ) على إجماعهم على إمامته وصحّة الاحتجاج به ، وأنّه أحد الأعلام الأثبات ، ونقل الشيخ عبد الحق الدهلوي بترجمته في( رجال المشكاة ) عنه قوله : ( كان ابن عُمَر يأخذ لي في الركاب ويسوّي عليَّ ثيابي )

تفسيره من أهل الكتاب

فقد أورده الذهبي في( ميزان الاعتدال ) ، وذكر أنّ ابن حبّان أدرجه في الضعفاء ، قال : ( قال أبو بكر ابن عيّاش : قلت للأعمش : ما بال تفسير مجاهد مخالف ، أو شيء نحوه ؟ قال : أخذها من أهل الكتاب )(١)

اشتماله على المنكرات الشديدة

قال الذهبي :

( ومَن أنكر ما جاء عن مجاهد في التفسير ، في قوله :( ...عَسَى أَن يَبْعَثَكَ

ـــــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال ٣ : ٤٣٩/ ٧٠٧٢ .


رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً ) قال : يجلسه معه على العرش )(١) .

فيا سبحان الله !! هذا حال تفسير أعلم التابعين بعلم التفسير ، والتفسير الذي عرض على ابن عبّاس ثلاثين مرّة !! وإذا كان هذا حاله فما ظنّك بسائر تفاسيرهم ؟

نسبته المعصية إلى يوسفعليه‌السلام

وقال الرّازي في ( تفسيره ) في قصّة يوسفعليه‌السلام :

( وأمّا الذين نسبوا المعصية إلى يوسفعليه‌السلام ، فقد ذكروا في تفسير ذلك البرهان أُموراً :

الأوّل : قالوا : إنّ المرأة قامت إلى صنم مكلّل بالدرّ والياقوت في زاوية البيت فسترته بثوب ، فقال يوسف : لِمَ فعلت ذلك ؟ قالت : أستحيي من آلهي أنْ يراني على معصية ، فقال يوسف : أتستحين مِن صنم لا يعقل ولا يسمع ، ولا أستحيي مِن إلهي القائم على كلّ نفسٍ بما كسبت ، فو الله لا أفعل ذلك أبداً قالوا : فهذا هو البرهان .

الثاني : نقلوا عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّه تمثّل له يعقوب ، فرآه عاضّاً على أصابعه ويقول له : أتعمل عمل الفجّار وأنت مكتوب في زمرة الأنبياء ؟ قالوا : فاستحيى منه ، وهو قول عكرمة ومجاهد والحسن وسعيد بن جُبير ومقاتل وقتادة والضحّاك وابن سيرين .

قال سعيد بن جُبير : تمثّل له يعقوب ، فضرب في صدره ، فخرجت شهوته من أنامله... )(٢) .

ـــــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال ٣ : ٤٣٩/ ٧٠٧٢ .

(٢) تفسير الرازي ١٨ : ١٢٠ .


وقد نصّ الرازي على أنّ مَن نسب المعصية إلى يوسف فهو شرّ من إبليس ؛ لأنّه ـ بعد أنْ ذكر شهادة الله ، وشهادة من شهد ببراءة يوسف ، وكذا إقرار إبليس بذلك ـ قال :

( وعند هذا نقول : هؤلاء الجهّال الذين نسبوا إلى يوسفعليه‌السلام هذه الفضيحة ، إنْ كانوا مِن أتباع دين الله تعالى ، فليقبلوا شهادة الله تعالى على طهارته ، وإنْ كانوا مِن أتباع إبليس وجنوده ، فليقبلوا شهادة إبليس على طهارته ، ولعلّهم يقولون : كنّا في أوّل الأمر تلامذة إبليس ، إلى أنْ تخرّجنا عليه ، فزدنا عليه في السفاهة... )(١) .

ـــــــــــــــــــ

(١) تفسير الرازي ١٨ : ١١٧ .


عكرمة مولى ابن عبّاس

وأمّا عكرمة ، فإنّهم وإنْ ذكروا له محامد كثيرة ومناقب عالية ، حتّى نقلوا عن الشعبي : ما بقي أحدٌ أعلم بكتاب الله من عكرمة(١) .

وعن سعيد بن جُبير : أنّ عكرمة أعلم منه(٢) .

وعن البخاري وأبي حاتم وغيرهما : أنّه ثقة .

بل رَوَوا عن يحيى بن معين قوله : ( إذا رأيت إنساناً يقع في عكرمة وفي حمّاد بن سلمة ، فاتّهمه على الإسلام )(٣) .

بل عن شهر بن حوشب : ( عكرمة حَبْرُ هذه الأُمّة )(٤) .

هو من أعلام الخوارج

لكنّ الرجل مِن أعلام الخوارج وكبار النواصب ، وهذا ثابتٌ مشهور عنه وممّا لا ريبَ فيه لأحد ، وقد نصَّ على ذلك من الأئمّة أمثال : يحيى بن بُكير ، ومصعب الزبيري ، وعطاء ، وابن المديني ، وأحمد ، والحاكم ، وأبي بكر الجعابي ، والرياشي ، والذهبي ، وابن خلّكان ، وياقوت ، والكرماني... وغيرهم ممّن

ـــــــــــــــــــ

(١) الإتقان في علوم القرآن ٤ : ٢٤١ .

(٢) رجال المشكاة للشيخ عبد الحق الدهلوي ـ ترجمة عكرمة .

(٣) تاريخ مدينة دمشق ٤١ : ١٠٣/ ٤٧٤٣ ، تهذيب الكمال ٧ : ٢٦٣/ ١٤٨٢ ، سير أعلام النبلاء ٥ : ٣١/ ٩ .

(٤) ميزان الاعتدال ٣ : ٩٣/ ٥٧١٦ .


يطول المقام بذكرهم .

قوادحه كما في ميزان الاعتدال

وله قوادح ومعائب كثيرة أيضاً، ونحن نكتفي بإيراد ترجمته في( ميزان الاعتدال ) ، لاشتمالها على طرفٍ من كلمات الأئمّة في ذمّه والطعن فيه :

( عفّان : ثنا وهيب ، قال : شهدت يحيى بن سعيد الأنصاري وأيّوب ، فذكرا عكرمة فقال يحيى : كذّاب ، وقال أيّوب : لم يكن [بكذّاب] .

جرير بن يزيد عن يزيد ، بن أبي زياد ، عن عبد الله بن الحرث قال : دخلت على عليّ بن عبد الله ، فإذا عكرمة في وثاق عند باب الحش ، فقلت له : ألا تتّق الله ؟ فقال : إنّ هذا الخبيث يكذب على أبي .

ويُروى عن ابن المسيّب أنّه كذّب عكرمة .

الخصيب بن ناصح : ثنا خالد بن خداش : شهدت حمّاد بن زيد ـ في آخر يوم مات فيه ـ فقال : أُحدّثكم بحديث لم أُحدّث به قط ؛ لأنّي أكره أنْ ألقى الله ولم اُحدّث به ، سمعت أيّوب يحدّث عن عكرمة قال : إنّما أنزل الله متشابه القرآن ليضلّ به .

قلت : ما أسوءها عبارة بل أخبثها ، بل أنزله ليهدي به ، وليضلّ به الفاسقين .

فطر بن خليفة : قلت لعطاء : إنّ عكرمة يقول : قال ابن عبّاس : سبق الكتاب الخفّين ، فقال : كذب عكرمة ، سمعت ابن عبّاس يقول : لا بأس بمسح الخفّين وإنْ دخلت الغائط قال عطاء : والله إنْ كان بعضهم ليرى أنّ المسح على القدمين يجزي .

إبراهيم بن ميسرة ، عن طاووس قال : لو أنّ مولى عبد الله بن عبّاس اتّقى الله وكفّ مِن حديثه ، لشدّت إليه المطايا .

مسلم بن إبراهيم : ثنا الصلت أبو شعيب قال : سألت محمّد بن سيرين عن عكرمة فقال : ما يسوءني أنْ يكون مِن أهل الجنّة ، ولكنّه كذّاب .

إبراهيم بن المنذر : ثنا هشام بن عبد الله المخزومي ، سمعت ابن أبي ذئب يقول : رأيت عكرمة وكان غير ثقة .

قال محمّد بن سعد : كان عكرمة كثير العلم والحديث ، بحراً من البحور ، وليس يحتجّ بحديثه ، ويتكلّم النّاس فيه .


وقال مطرف بن عبد الله : سمعت مالكاً يكره أنْ يذكر عكرمة ، ولا يرى أنْ يروى عنه .

قال أحمد بن حنبل : ما علمت أنّ مالكاً حدّث بشيء لعكرمة ، إلاّ في الرجل يطأ امرأته قبل الزيارة ، رواه عن ثور عن عكرمة .

أحمد بن أبي خيثمة قال : رأيت في كتاب علي ابن المديني : سمعت يحيى بن سعيد يقول : حدّثوني ـ والله ـ عن أيّوب أنّه ذكر له أنّ عكرمة لا يُحسن الصلاة ، فقال أيّوب : وكان يصلّي ؟

الفضل السيناني عن رجلٍ قال : رأيت عكرمة قد أقيمُ قائماً في لعب النرد .

يزيد بن هارون : قدم عكرمة البصرة ، فأتاه أيّوب ويونس وسليمان التيمي فسمع صوت غناء فقال : اُسكتوا ، ثمّ قال : قاتله الله ، لقد أجاد فأمّا يونس وسليمان فما عادا إليه .

عمرو بن خالد بمصر : حدّثنا خلاّد بن سليمان الحضرمي ، عن خالد بن أبي عمران قال : كنّا بالمغرب وعندنا عكرمة في وقت الموسم فقال : وددت أنّ بيدي حربة فأعترض بها مَن شهد الموسم يميناً وشمالاً .

ابن المديني : عن يعقوب الحضرمي ، عن جدّه قال : وقف عكرمة على باب المسجد فقال : ما فيه إلاّ كافر قال : وكان يرى رأي الأباضيّة .

يحيى بن بكير ، قال : قدم عكرمة مصر وهو يُريد المغرب ، قال : فالخوارج الذين هم بالمغرب عنه أخذوا .

قال ابن المديني : كان يرى رأي نجدة الحروي .

وقال مصعب الزبيري : كان عكرمة يرى رأي الخوارج ، وادّعى على ابن عبّاس أنّه كان يرى رأي الخوارج .

خالد بن يزيد [نِزَار] ثنا عمر بن قيس ، عن عطاء بن أبي رباح : أنّ عكرمة كان أباضيّاً.


أبو طالب : سمعت أحمد بن حنبل يقول : كان عكرمة من أعلم النّاس ، ولكنّه كان يرى رأي الصفريّة، ولم يدَع موضعاً إلاّ خرج إليه : خراسان والشام واليمن ومصر وإفريقيّة ، كان يأتي الأُمراء فيطلب جوائزهم ، وأتى الجند إلى طاووس فأعطاه ناقة .

وقال مصعب الزبيري : كان عكرمة يرى رأي الخوارج ، فطلبه مُتَولّي المدينة ، فتغيّب عند داود بن الحصين حتّى مات عنده .

وروى سليمان بن معبد السنجي قال : مات عكرمة وكثير عزّة في يوم ، فشهد النّاس جنازة كثير ، وتركوا جنازة عكرمة .

وقال عبد العزيز الدراوردي : مات عكرمة وكثير عزّة في يوم ، فما شهدهما إلاّ سودان المدينة .

إسماعيل بن أبي أُويس ، عن مالك ، عن أبيه قال: أُتي بجنازة عكرمة مولى ابن عبّاس وكثير عزّة بعد العصر ، فما علمت أنّ أحداً من أهل المسجد حلّ حبوته إليهما .

قال جماعة : مات سنة خمس ومِئة .

وقال الهيثم وغيره : سنة ست .

وقال جماعة : سنة سبع ومِئة .


عن ابن المسيّب أنّه قال لمولاه برد : لا تكذب علَيّ كما كذب عكرمة على ابن عبّاس )(١) .

قوادحه كما في معجم الأُدباء

وقال ياقوت الحموي بترجمة عكرمة من( معجم الأُدباء ) :

( ومات ـ فيما قرأت بخط الصولي من كتاب البلاذري ـ سنة خمس ومئة ، وقيل ست ومئة ، وهو ابن ثمانين سنة .

قال : وكان موته وموت كثير عزّة في يوم واحد ، فوُضعا جميعاً وصُلّي عليهما ، وكان كثير شيعيّاً وعكرمة يرى رأي الخوارج ، ذكره الحاكم أبو عبدا لله محمّد بن عبد الله البيّع في تاريخ نيسابور .

وذكر القاضي أبو بكر محمّد بن عمر الجعابي ـ في كتاب الموالي ـ عن ابن الكلبي قال : وعكرمة هلك بالمغرب ، وكان قد دخل في رأي الحروريّة الخوارج ، فخرج يدعو بالمغرب إلى الحروريّة .

أبو علي الأهوازي قال : لمّا توفّي عبد الله بن عبّاس ، كان عكرمة عبداً مملوكاً ، فباعه عليّ بن عبد الله بن عبّاس من خالد بن يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار ، فأتى عكرمة عليّاً فقال له : ما خير لك ، أتبيع علم أبيك ، فاستقال

ـــــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال ٣ : ٩٤ ـ ٩٧/ ٥٧١٦ .


خالداً فأقاله وأعتقه ، وكان يرى رأي الخوارج ويميل إلى استماع الغناء ، وقيل عنه : إنّه كان يكذب على مولاه .

وقال عبد الله بن الحارث : دخلت على عليّ بن عبد الله بن عبّاس ، وعكرمة موثّق على باب الكنيف ، فقلت : أتفعلون هذا بمولاكم ؟ فقال : إنّ هذا يكذب على أبي .

وقد قال ابن المسيّب لمولاه : لا تكذب علَيّ كما كذب عكرمة على ابن عبّاس .

وقال يزيد بن هارون : قدم عكرمة مولى ابن عبّاس البصرة ، فأتاه أيّوب السختياني وسليمان التيمي ويونس بن عبيد ، فينا هو يحدّثهم إذ سمع غناء ، فقال عكرمة : اُسكتوا ، فتسمّع ثمّ قال : قاتله الله فلقد أجاد ، أو قال : ما أجود ما قال ، فأمّا سليمان ويونس فلم يعودا إليه ، وعاد إليه أيّوب ، فقال : يزيد بن هارون : لقد أحسن أيّوب .

الرياشي : عن الأصمعي ، عن نافع المدني قال : مات كثير الشاعر وعكرمة في يوم واحد .

قال الرياشي : فحدّثنا ابن سلام : أنّ النّاس كانوا في جنازة كثير ؛ لأنّ عكرمة كان يرى رأي الخوارج ، وتطلّبه بعض الولاة ، فتغيّب عند داود بن الحصين حتّى مات عنده سنة سبع ومئة في أيّام هشام بن عبد الملك ، وهو يومئذٍ ابن ثمانين سنة .

حمّاد بن زائدة : ثنا عثمان بن مرّة قلت للقاسم : إنّ عكرمة مولى ابن عبّاس قال : ثنا ابن عبّاس أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهى عن المُزفّت والمُقّيَّر والدِباء والحَنْثَم والجِرَار ، فقال : يا ابن أخي ، إنّ عكرمة كذّاب ، يحدّث غدوةً حديثاً يُخالفه عشيّاً .

يحيى بن بكير : سمعت ابن عم يقول لنافع : اتّق الله ـ ويحك يا نافع ـ ولا تكذب علَيّ كما كذب عكرمة على ابن عبّاس .

يزيد بن أبي زياد [عن عبد الله بن الحارث] قال : دخلت على عليّ بن عبد الله بن عبّاس ، وعكرمة مقيّدٌ على باب الحش ، قلت : ما لهذا كذا ؟ قال : إنّه يكذب ) انتهى بالاختصار(١) .

ـــــــــــــــــــ

(١) معجم الأُدباء ٢ : ١٨٢ ـ ١٩٠ / ٤٦ .


الحسنُ البصري

وأمّا الحسن ، فمِن أشهر الأئمّة وكبار الفقهاء والمحدّثين عندهم ، وقد وصَفوه بأعلى المناقب وأجلّ الفضائل ، كما لا يخفى على من راجع( تهذيب الكمال ) و( تهذيب التهذيب ) وغيرهما من كتب التراجم والرجال .

هو مِن القدريّة

لكنّه ـ بناءً على أُصولهم ـ محكومٌ عليه بالكفر ؛ لأنّه كان لا يرى الشرّ بقدرٍ من الله ، ومن قال بهذه المقالة فهو عندهم كافر... قال الذهبي في ( تذهيب التهذيب ) :

( روى معمر عن قتادة عن الحسن قال : الخير بقدر والشرّ ليس بقدر .

قلت : هذه اللّفظة أبلغ ما نقل عن الحسن في القدر )(١) .

ذم القدريّة في روايات القوم

ولا بأس بإيراد طرفٍ من الروايات الواردة في ذمّ القدريّة :

أخرج الترمذي :

( عن عكرمة عن ابن عبّاس قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( صنفان مِن أُمّتي ليس لهما في الإسلام نصيب : المُرجئة ، والقدريّة ) وفي الباب

ـــــــــــــــــــ

(١) تذهيب التهذيب ـ تهذيب التهذيب ٢ : ٢٣٦ .


عن عمر وابن عمر ورافع بن خديج هذا حديثٌ حسنٌ غريب )(١) .

وأخرج أبو داود :

( عن ابن عمر ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( القدريّة مجوسُ هذه الأُمّة ؛ إنْ مرضوا فلا تعودوهم ، وإنْ ماتوا فلا تشهدوهم ) (٢) .

وأخرج أيضاً :

( عن حذيفة قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لكلّ اُمّة مجوس ، ومجوس هذه الأُمّة الذين يقولون لا قدر ؛ من مات منهم فلا تشهدوا جنازته ، ومَن مرض منهم فلا تعودوهم ، وهُم شيعة الدجّال ، وحقّ على الله أنْ يلحقهم بالدجّال ) (٣) .

وفي( التمهيد في بيان التوحيد ) :

( روي : إنّ رجلاً دخل على عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه وقال : أخبرني عن القدر .

فقال له :( طريقٌ مظلم فلا تسلكه ) ، فسكت ساعة ، ثمّ قال له : أخبرني عن القدر ، فقال :( بحر عميقٌ لا تَلِجْهُ ) .

فسكت ساعة ، ثمّ قال له : أخبرني عن القدر ، فقال :( سرّ الله فلا تُفشِه ) .

فسكت ساعة ، ثمّ قال : أخبرني عن القدر .

ـــــــــــــــــــ

(١) صحيح الترمذي ٤ : ٤٥٤/ ٢١٤٩ كتاب القدر الباب ١٣ .

(٢) سنن أبي داود ٥ : ٤٦/ ٤٦٩١ كتاب السنة الباب ١٧ .

(٣) سنن أبي داود ٥ : ٤٦/ ٤٦٩٢ كتاب السنة الباب ١٧ .


فبدأ عليّرضي‌الله‌عنه بالسؤال ، فقال له :( أخبرني مشيّتك مع مشيّة الله ، أو دون مشيّة الله ) ؟

فتحيّر الرجل ، فقال لعليّ : قل أنت .

فقال له :( إنْ قلت : بأنّ مشيّتي مع مشيّة الله تعالى ، فقد ادّعيت المشاركة مع الله تعالى ، وإنْ قلت : بأنّ مشيّتي دون مشيّة الله ، فقد ادّعيت الإلوهيّة ، فعلمت أنّ مشيّتك تحت مشيّة الله ) .

فقال الرجل : تبت إلى الله ، وقام

فقال عليّرضي‌الله‌عنه لأصحابه :( قوموا وصافحوه ، فإنّه الآن أسلم ) .

ففي هذا دليلٌ على أنّ مَن أنكر القدر يصير كافراً ؛ ولأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( القدريّة مجوس هذه الأُمة ؛ إن مرضوا فلا تعودوهم ، وإنْ ماتوا فلا تشيّعوا جنائزهم ، أولئك هم شيعة الدجّال ، وحقّ على الله أنْ يلحقهم بالدجّال ، ولأنّهم أنكروا النصّ ، لأنّ الله تعالى قال : ( وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ... ) ) .

وجاء فيه أيضاً :

( فإن قال : بأنّ الله تعالى لم يخلُق الشر والكفر وذلك مخلوق غير الله ، فقد أثبت صانعاً وخالقاً غير الله ، فيكون مُشركاً بالله تعالى ويكون كافراً ، وإنْ قال : بأنّ الشرّ مخلوق الله تعالى بدون إرادته ومشيّته ، فقد اعتقد بأنّ الله تعالى مجبورٌ مكرهٌ في تخليقه ، وهذا كفر ؛ فثبت أنّ الكلّ بمشيّة الله وبإرادته وقضاءه وقدره ، ومَن أنكر القدر فهو كافر بالله العظيم )(١) .

ـــــــــــــــــــ

(١) التمهيد في بيان التوحيد : ٢٤ .


وقال النووي في( المنهاج ) :

( قال الإمام ـ يعني إمام الحرمين ـ في كتاب الإرشاد في أُصول الدين : وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( القدريّة مجوس هذه الأُمّة ، شبّههم بهم لتقسيمهم الخير والشرّ في حكم الإدارة كما قسمت المجوس ، فصرفت الخير إلى يَزدَان والشر إلى أهرِمَن ، ولا خفاء باختصاص هذا الحديث بالقدريّة )(١) .

وفي( كنزر العمّال ) :

(( إنّ الله عزّ وجلّ لم يبعث نبيّاً قبلي ، إلاّ كان في أُمّته مِن بعده مرجئة وقدريّة يشوّشون عليه أمر أُمّته من بعده ، ألا إنّ الله عزّ وجلّ لعن المرجئة والقدريّة على لسان سبعين نبيّاً ، ألا وإنّ أُمّتي لأُمّةٌ مرحومةٌ لا عذاب عليها في الآخرة ، وإنّما عذابها في الدنيا ، ألا إنّ صنفين مِن أُمتي لا يدخلون الجنّة : المرجئة والقدريّة ) . ابن عساكر عن معاذ :

( صنفان من أُمّتي لعنهم الله على لسان سبعين نبيّاً : القدريّة والمرجئة الذين يقولون : الإيمان إقرارٌ ليس فيه عمل ) . الديلمي عن حذيفة )(٢) .

دفاع الذهبي عن الحسن البصري

ومن لطائف الأٌمور : محاولة الذهبي للدفاع عن الحسن ، بدعوى أنّه لمّا حوقق على القول بالقدر تبرّأ من ذلك ، قال الذهبي :

( الحسن بن يسار مولى الأنصار ، سيّد التابعين في زمانه بالبصرة ، كان

ـــــــــــــــــــ

(١) شرح صحيح مسلم ١ : ١٥٤ كتاب الإيمان ـ إثبات القَدر .

(٢) كنز العمّال ١ : ١٣٥/ ٦٣٥ و٦٣٦ .


ثقة في نفسه ، حجّةً ، رأساً في العلم والعمل ، عظيم القدر ، وقد بدت منه هفوة في القدر لم يقصدها لذاتها ، فتكلّموا ، فما ألتفت إلى كلامهم ؛ لأنّه لمّا حوقق عليها تبرّأ منها )(١) .

لكنْ ما معنى ( لم يقصدها لذاتها ) ؟ ألم يكن كلامه ظاهراً في معناه الذي فهمه القوم منه فتكلّموا فيه ؟ إنّ ما يقوله الذهبي دعوى بلا دليل ، بل هو مجرّد تخرّص وتخمين ، بل هو أشبه بهذيان المجانين ، ويكذّبه كلامه هو حيث قال بعد العبارة السابقة :

( قال حمّاد بن زيد عن أيّوب قال : كذب على الحسن ضربان مِن الناس : قومٌ رأيهم القدر لينفقوه في الناس بالحسن ، وقوم في صدورهم بغضٌ له ، وأنا نازلته في القدر غير مرّة حتّى خوّفته بالسلطان ، فقال : لا أعود فيه بعد اليوم .

وقال أيّوب : ولا أعلم أحداً يستطيع أنْ يعيب الحسن إلاّ به ، وأدركت الحسن ـ والله ـ ما يقوله )(٣) .

وإذا كان الحسن يُنازله الرجال في القدر غير مرّة ، ولا يرجع عن القول به إلاّ بعد التخويف بالسلطان ، فما معنى أنّه لم يكن قاصداً لما تفوَّه ؟

وما ذكره الذهبي في الدفاع عنه مِن أنّه قد تاب عن المقالة المذكورة ورجع عنها ، لا يرفع الإشكال ؛ لأنّ الحسن من القائلين بالتقيّة إلى يوم القيامة ، كما رواه البخاري عنه في( الصحيح ) (٣) ، وأهل السنّة يقولون بعدم قبول التوبة ممّن يقول بالتقيّة .

ـــــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال ١ : ٥٢٧/ ١٩٦٨ .

(٢) تذهيب التهذيب .

(٣) صحيح البخاري ٩ : ٢٥ كتاب الإكراه .


كان الحسن مدلّساً

وكان الحسن البصري يكثر التدليس في الحديث ، نصَّ على ذلك الذهبي(١) .

وقال ابن حجر في( التقريب ) :

( وكان يرسل كثيراً ويدلّس قال البزّار : كان يروي عن جماعةٍ لم يسمع منهم ، فيتجوّز ويقول : حدّثنا وخطبنا ، يعني قومه الذين حدّثوا وخطبوا بالبصرة )(٢) .

وفي( تهذيب التهذيب ) :

( قال ابن المديني : سمعت يحيى ـ يعني القطان ـ وقيل له : كان الحسن يقول : سمعت عمران بن حصين قال : أمّا عن نفسه فلا وقال ابن المديني وأبو حاتم : لم يسمع منه ، وليس يصحّ ذلك من وجهٍ مثبت )(٣) .

هذا ، وقد نصّ ابن حجر في( شرح نخبة الفكر ) على أنّ التدليس بصيغةٍ صريحة كذب(٤) ، وقد أوضح القاري في ( شرحه ) المراد من الصيغة الصريحة فقال : ( وهي لفظة أخبرني أو حدّثني أو سمعته )(٥) .

وذكر ابن الجوزي أنّ التدليس في تلبيس إبليس ، حيث قال في كتاب( تلبيس إبليس ) :

ـــــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال ١ : ٥٢٧/ ١٠٦٨ .

(٢) تقريب التهذيب ١ : ١٦٦/ ١٣٥٧ .

(٣) تهذيب التهذيب ٢ : ٢٣٤/ ٤٨٨ .

(٤) شرح نخبة الفكر : ٨٢ .

(٥) شرح شرح نخبة الفكر : ٤١٩ .


 ( ومن تلبيس إبليس على علماء المحدّثين : رواية الحديث الموضوع من غير أنْ يبيّنوا أنّه موضوع ، وهذه جناية منهم على الشرع ، ومقصودهم تنفيق أحاديثهم وكثرة رواياتهم ، وقد قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) : من روى عنّي حديثاً يرى أنّه كذب فهو أحد الكاذبين ، ومن هذا الفن تدليسهم في الرواية ، فتارة يقول أحدهم : فلان عن فلان ، أو قال فلان عن فلان ، يوهم أنّه سمع منه ولم يسمع ، وهذا قبيح ؛ لأنّه يجعل المنقطع في مرتبة المتصّل )(١) .

وقال النووي في( شرح مسلم ) :

( التدليس قسمان : أحدهما : أنْ يروي عمّن عاصره ما لم يسمع منه ، موهماً سماعة قائلاً : قال فلان أو عن أو نحوه وربّما يسقط شيخه أو أسقط غيره لكونه ضعيفاً أو صغيراً ، تحسيناً لصورة الحديث ، وهذا القسم مكروه جدّاً ، ذمّة أكثر العلماء ، وكان شعبة من أشدّهم ذمّاً له ، وظاهر كلامه أنّه حرام وتحريمه ظاهر ، فإنّه يوهم الاحتجاج بما لا يجوز الاحتجاج به ، ويتسبّب أيضاً إلى إسقاط العمل بروايات نفسه ، مع ما فيه من الغرور ، ثمّ إنّ مفسدته دائمة ، وبعض هذا يكفي في التحريم ، فكيف باجتماع هذه الأُمور )(٢) .

لعبه بالشطرنج

وكان الحسن البصري يلعب بالشطرنج(٣) ، وقد ثبت في الأخبار أنّ اللاّعب بالشطرنج ملعون ، إلى غير هذا من الأحاديث الواردة في تحريمه

ـــــــــــــــــــ

(١) تلبيس إبليس : ١٣٦ ـ ١٣٧.

(٢) المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجّاج ١ : ٣٣.

(٣) حياة الحيوان ٢ : ٦٢ ( العقرب ) .


وتحريم اللّعب به والنظر إليه...

نسبته المعصية إلى يوسفعليه‌السلام

وهو ممّن نسب المعصية إلى يوسفعليه‌السلام ، كما عرفت من كلام الرازي ، وعرفت أيضاً ما في هذه النسبة من كلامه .

فساد مذهبه يوجب الحكم بكفره

وعلى الإجمال ، فقد كان هذا الرجل منحرفاً في العقيدة حتّى قالوا بكفره ، وممّن نصَّ على ذلك عبد العزيز البخاري في( كشف الأسرار ) حيث قال :

( كثير مِن أصحاب الحديث قبلوا رواية سلفنا ، كالحسن وقتادة وعمرو بن عبيد ، مع علمهم بمذهبهم وإكفارهم من يقول بقولهم ، وقد نصّوا على ذلك )(١) .

ـــــــــــــــــــ

(١) كشف الأسرار ـ شرح أُصول البزودي ٣ : ٢٧ .


عطاء بن أبي رباح

وأمّا عطاء ، فيكفيه فضلاً وفخراً : كونه شيخ الإمام الأعظم وما قاله أبو حنيفة في حقّه .

قال الذهبي في( ميزان الاعتدال ) :

( عطاء بن أبي رباح ، سيّد التابعين علماً وعملاً وإتقاناً في زمانه بمكّة ، روى عن عائشة وأبي هريرة والكبار ، وعاش تسعين سنة أو أزيد ، وكان حجةً ، إماماً ، كبير الشأن ، أخذ عنه أبو حنيفة وقال : ما رأيت مثله )(١) .

لعبه بالشطرنج

لكنّه كان يلعب بالشّطرنج ، كما في( حياة الحيوان ) (٢) . وقبائح الشطرنج كثيرة جدّاً ، ولنذكر بعض ذلك فيما يلي من كتاب( كنز العمّال ) :

( ملعونٌ مَن لعب بالشطرنج ، والناظر إليها كالآكل لحم الخنزير ) عبدان وأبو موسى وابن حزم عن حبة بن مسلم .

( ملعونٌ مَن لعب بالشطرنج ) الديلمي عن أنَس .

( إذا مررتم بهؤلاء الذين يلعبون بهذه الأزلام ، والشطرنج ، والنرد وما كان مِن هذه ، فلا تسلّموا عليهم ، وإنْ سلّموا عليكم فلا تردّوا عليهم ) الديلمي عن

ـــــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال ٣ : ٧٠/ ٥٦٤٠ .

(٢) حياة الحيوان ٢ : ٦٢ .


أبي هريرة .

( ألا إنّ أصحاب الشاه في النار ، الذين يقولون قتلت والله شاهك الديلمي عن ابن عبّاس .

إنّ الله تعالى ينظر في كلّ يوم ثلاثمائة وستّين نظرة، لا ينظر فيها إلى صاحب الشاه ، يعني الشطرنج الديلمي عن واثلة .

( إنّ لله تبارك لوحاً ينظر فيه في كلّ يوم ثلاثمئة وستّين نظرة ، يرحم بها عباده ، ليس لأهل الشاه فيها نصيب الخرائطي في مساوي الأخلاق عن واثلة ) .

( عن عليّ :( النرد والشطرنج من الميسر ) ) ش وابن المنذر وابن أبي حاتم ق .

( من لعب بالميسر ثمّ قام يصلّي ، فمثله مثل الذي يتوضّأ بالقيح ودم الخنزير ، فيقول الله : لا يقبل له صلاة ) طب عن أبي عبد الرحمان الخطمي .

( عن عليّ ، أنّه مرّ على قوم يلعبون بالشطرنج ، فوثب عليهم فقال :( أما والله لغير هذا خُلِقتم ، ولولا أنْ تكون سنّة لضربت بها وجوهكم ) ) ق كر .

( عن عليّ : إنّه مرّ على قومٍ يلعبون الشطرنج فقال :( ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ، لأنْ يمسّ أحدكم جمراً حتّى يطفى خيرٌ له من أنْ يمسّها ) ش وعبد ابن حميد وابن أبي الدنيا في ذمّ الملاهي وابن المنذر وابن أبي حاتم ق .

( عن عليّ قال :( لا نسلّم على أصحاب النردشير والشطرنج ) . كر .


( يأتي على الناس زمانٌ يلعبون بها ، ولا يلعب بها إلاّ كلّ جبّار ، والجبّار في النّار ـ يعني الشطرنج ـ ولا يوقّر فيه الكبير ولا يرحم فيه الصغير ، يقتل بعضهم بعضاً على الدنيا ، قلوبهم قلوب الأعاجم وألسنتهم ألسنة العرب ، لايعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً ، يمشي الصالح فيهم مستخفّاً ، أولئك شرار خلق الله ، لا يَنظر الله إليهم يوم القيامة ) الديلمي عن أنَس (١) .

هذا ، وقد ذهب إلى حرمة الشّطرنج كافّة الأئمّة الأربعة ، كما نصَّ على ذلك صاحب( الصواقع ) في فصل المكائد حيث قال :

( الثلاثون والمئة : طعن أهل السنّة بأنّهم يجوّزون اللّعب بالشطرنج ، فإنّه ينخدع به أمرقعان ، وهو افتراء ، فإنّ اللّعب بالشطرنج حرام عند أبي حنيفة ومالك وأحمد على الصحيح ، وورد في حرمته أحاديث وآثار ، وعند الشافعي في القول الأوّل مكروه ، بشرط عدم إخراج الصّلوات عن وقتها ، وإخلال تحفّظ الواجبات بواسطة الاشتغال به ، وأنْ يخلو عن القمار ، وأنْ لا يصير سبباً للنزاع والكذب ، وأنْ لا يكون أسبابه مصوّرةً بصورة الحيوانات ، فإنْ فقد شيء من هذه الشروط صار حراماً ، وبالإصرار يصير كبيرةً كذا في الإحياء ،. وقد صحّ عن الشافعي أنّه رجع إلى قول الأئمّة الثلاثة ، نصّ عليه الإمام أبو حامد الغزالي ، واللّعب كلّه حرام عند أهل السنّة... )(٢) .

فظهر من هناك أنّ عطاء بن أبي رباح كان بعيداً عن الفضل والصّلاح ، محروماً عن الرشد والفلاح ، منحازاً عن حيازة مغانم الأرباح ، منهمكاً في الضلال والفسق والطلاح ، حيث جوّز ما يلعن على مرتكبه بالغداء والرواح .

تركه النهي عن المنكر

ومن قوادحه : إنّه لم ينكر على خالد بن عبد الله القسري بدعته في مكّة

ـــــــــــــــــــ

(١) كنز العمّال ١٥ : ٢١٥ ـ ٢٢٦ .

(٢) الصواقع الموبقة ـ مخطوط .


المكرّمة ، فقد جاء في كتاب( إتحاف الورى ) ما نصّه :

( وقد فعل خالد بن عبد الله القسري بمكّة المشرّفة أفعالاً من غير معرفةٍ للسنّة التي فعل فيها ، فأحببت ذكر ذلك هنا ، لئلاّ يخلو منه هذا الكتاب .

فمن ذلك : إنّ النّاس كانوا يقومون شهر رمضان في أعلى المسجد ، تركز حربة خلف المقام بربوة ، فيصلّي الإمام خلف الحربة والناس وراءه ، فمن أراد صلّى مع الإمام ، ومن أراد طاف وركع خلف المقام فلمّا ولّي خالد ابن عبد الله القسري بمكّة لعبد الملك بن مروان وحضر شهر رمضان ، أمر خالد الأئمّة أنْ يتقدّموا فيصلّوا خلف المقام ، وأراد الصفوف حول الكعبة ، وذلك أنّ النّاس ضاق عليهم أعلا المسجد ، فأرادهم حول الكعبة ، فقيل له : يمتنع بذلك الناس من الطواف ،

قال : فأنا آمرهم يطوفون بين كلّ ترويحتين بطواف سبعاً ، فأمرهم ففعلوا بين كلّ ترويحتين ، فقيل له : فإنّه يكون في مؤخّر الكعبة وجوانبها من لا يعلم بانقضاء طواف الطائفين من فصل وغيره ، فيتهيّأ للصلاة ، فأمر عبيد الكعبة أنْ يكبّروا حول الكعبة ويرفعوا أصواتهم في الطواف بالتكبير ، فإذا بلغوا الركن الأسود في الطواف السادس سكتوا ، فيكون ذلك إعلاماً للنّاس أنّ الطواف على انقضاء ، فيتهيّأ من الحَجر ومن في جوانب المسجد من مصلٍّ وغيره ، فيخفّف صلاته ، ثمّ يعود الطائفون للتكبير حتّى يفرغوا من السبع ، ثمّ يقوم منادٍ فينادي : الصلاة رحمكم الله ، ولا تنقضي صلاتهم حتّى يطلع الفجر ، وكان على جبل أبي قبيس يرقب طلوع الفجر للمتسحرين ، فإذا بان له نادى : أمسكوا رحمكم الله .


وكان عطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار ونظراؤهم من العلماءيحضرون ذلك، فلا ينكرونه ) (١) .

كان يأخذ من كلّ أحدٍ ويروي المرسلات

قالوا : وكان عطاء بن أبي رباح متساهلاً في الرواية ، يأخذ من كلّ أحدٍ ، ويروي المراسيل ، حتّى تكلّم فيه بعض الأئمّة ، ففي( تدريب الراوي ) :

( تكلّم الحاكم على مراسيل سعيد فقط دون سائر مَن ذُكر معه ، ونحن نذكر ذلك ، فمراسيل عطاء قال ابن المديني : كان عطاء يأخذ من كل ّضرب ، مُرسلات مجاهد أحبّ إليّ من مرسلاته بكثير ، وقال أحمد بن حنبل : مرسلات سعيد بن المسيّب أصحّ المُرسلات ، ومرسلات إبراهيم النخعي لا بأس بها ، ولا في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن وعطاء بن أبي رباح ؛ فإنّهما كانا يأخذان من كلِّ أحد )(٢) .

وفي( ميزان الاعتدال ) :

( قال يحيى القطان : مرسلات مجاهد أحبّ إلينا من مرسلات عطاء بكثير ، كان عطاء يأخذ من كلّ ضرب وقال أحمد : ليس في المرسل أضعف من مرسل الحسن وعطاء ، كانا يأخذان عن كلّ أحد )(٣) .

بل لقد تركه بعض الأئمّة الكبار ، وإنْ حاول الذهبي حمل الترك على معنىً آخر ، ففي ( ميزان الاعتدال ) :

( روى محمّد بن عبد الرحيم عن عليّ بن المديني قال : كان عطاء بأخرة

ـــــــــــــــــــ

(١) إتحاف الورى بأخبار أُمّ القرى ـ حوادث السنة : ٩٣.

(٢) تدريب الراوي ـ شرح تقريب النواوي ١ : ٢٠٣ ـ ٢٠٤ .

(٣) ميزان الاعتدال ٣ : ٧٠/ ٥٦٤٠ .


قد تركه ابن جريج وقيس بن سعد .

قلت : لم يَعْنِ الترك الإصلاحي ، بل عنى أنّهما بطّلا الكتابة عنه ، وإلاّ فعطاء ثبت رضي )(١) .

لكنّه حمل بارد جدّاً ؛ لأنّ المتبادر مِن الترك في مثل هذه المواضع هو الترك الإصلاحي ، وهو عدم كونه أهلاً لأنْ يُروى عنه .

ـــــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال ٣ : ٧٠/ ٥٦٤٠ .


عطاء بن أبي سلمة الخراساني

وأمّا عطاء بن أبي سلمة الخراساني ، الذي ذكره السيوطي ـ بعد عطاء بن أبي رباح ـ ، فلم أجده في الكتب الرجاليّة ، نعم ، لا يبعد أنْ يكون مراده عطاء ابن أبي مسلم الخراساني ، فإنّه على ما في( فتح الباري ) وغيره كان له مصنَّف في التفسير ، وقد وثّقه غير واحدٍ من الأعلام .

لكنْ في( ميزان الاعتدال ) في ترجمته :

( وذكره العُقيلي في الضعفاء ، متشبّثاً بهذه الحكاية التي رواها حمّاد بن زيد عن أيّوب ، حدّثني القاسم بن عاصم ، قلت لسعيد بن المسيّب : إنّ عطاء الخراساني حدّثني عنك أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر الذي واقع أهله في رمضان بكفّارة الظهار فقال : كذب ، ما حدّثته ، إنّما بلغني أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال له : تصدّق تصدّق .

وقد ذكر البخاري عطاء الخراساني في الضعفاء ، فروى له هذا عن سليمان بن حرب عن حمّاد .

أحمد بن حنبل : ثنا عفّان ، ثنا همام ، أنا قتادة : أنّ محمّداً وعوناً حدّثاه أنّهما قالا لسعيد : إنّ عطاء الخراساني حدّثنا عنك في الذي وقع بأهله في رمضان ، فأمره النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنْ يعتق رقبة ، فقال : كذب عطاء ، إنّما قال له : تصدّق تصدّق .

وقال ابن حبّان في الضعفاء : أصله من بلخ ، وعداده في البصريّين ، وإنّما قيل له الخراساني ؛ لأنّه دخل خراسان وأقام بها مدّة طويلة ثمّ رجع إلى العراق ، فنسب إلى خراسان ، وكان من خيار عباد الله ، غير أنّه كان رديّ الحفظ ، كثير الوهم ، يخطئ ولا يعلم ، فيحمل عنه ، فلمّا كثُر ذلك في روايته بطل الاحتجاج به ) .


( قال الترمذي في كتاب العلل : قال محمّد يعني البخاري : ما أعرف لمالك رجلاً يروي عنه يستحقّ أن يترك حديثه، غير عطاء الخراساني قلت : ما شأنه ؟ قال : عامّة أحاديثه مقلوبة )(١) .

وهذا أيضاً رأي السمعاني فيه ، حيث قال :

( وكان من خيار عباد الله ، غير أنّه كان رديّ الحفظ ، كثير الوهم ، يخطئ ولا يعلم فحمل عنه ، فلمّا كثر ذلك في روايته بطل الاحتجاج به )(٢) .

ـــــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال ٣ : ٧٤ ـ ٧٥/ ٥٦٤٢ .

(٢) الأنساب ٢ : ٣٣٧ ( الخراساني ) .


أبو العالية

وأمّا أبو العالية ، الذي جاء بترجمته من ( رجال المشكاة ) للدهلوي :

( قالت حفصة بنت سيرين : سمعته يقول : قرأت القرآن على عمر ثلاث مرّات ، وزهد في الدنيا ، وحجَّ خمساً وستّين حجّة )(١) .

وفي( مرآة الجنان ) :

( أبو العالية ، رفيع بن مهران الرياحي ، مولاهم ، البصري ، المقرئ المفسّر ، وقد دخل على أبي بكر ، وقرأ القرآن على أُبي قال أبو العالية : كان ابن عبّاس يرفعني على السرير وقريش أسفل ، وقال أبو بكر ابن أبي داود : ليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقرآن مِن أبي العالية ، وبعده سعيد بن جُبير )(٢) .

وكذا في( تدريب الراوي ) (٣) ، فقد أورده في( الميزان ) وقال :

( قال ابن عدي : تُكلّم فيه من أجل حديث الضحك في الصّلاة )(٤) ، بل عن الشافعي أنّه تكلّم في حديثه كلّه وقال :

( حديث أبي العالية الرياحي رياح )(٥) .

ـــــــــــــــــــ

(١) تحصيل الكمال في أسماء الرجال رجال المشكاة ، للشيخ عبد الحق الدهلوي .

(٢) مرآة الجنان ١ : ١٤٧ السنة ٩٣ .

(٣) انظر تدريب الراوي ٢ : ٤٠٠ .

(٤) ميزان الاعتدال ٤ : ٥٤٣/ ١٠٣٤٤ .

(٥) ميزان الاعتدال ٢ : ٥٤/ ٢٧٩٠ .


وهذا الكلام ـ وإنْ حاول الذهبي تأويله ـ يدلُّ على سقوط كافّة روايات الرجل وعدم اعتباره عند الشافعي ، ولذا قال السمعاني : ( كان الشافعي سيّئ الرأي فيه وفي رواياته )(١) .

وفي( رسالة ترجيح مذهب الشافعي ) للفخر الرازي :

( استدلّوا على ضعف حرام بن عثمان بقول الشافعي : حديثُ حرامٍ كاسمهِ حرامٌ ، وحديث الرياحي رياح ، ومَن رَوى عن أبي جابر البياضي بيّض الله عينيه ، ولمّا ثبت أنّ العلماء رجعوا إلى فتواه في الجرح والتعديل ، علمنا أنّ تقدّمه في علم الحديث كان معروفاً مسلّماً فيما بين النّاس ) .

وتكلّم ابن سيرين أيضاً في أبي العالية ، بما لا يقبل الحمل والتأويل ، فقد جاء في( العناية ) بعد ما يرونه عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الحديث :( لا وضوء على من نام قائماً أو قاعداً ) :

( فإنْ قيل : هذا الحديث غير صحيح ؛ لأنّ مداره على أبي العالية ، وهو ضعيف عند النقَلَة ، رُوي عن ابن سيرين أنّه قال : حدّث عمّن شئت إلاّ عن أبي العالية ، فإنّه لا يُبالي عمّن أخذ ، أي : لا يُبالي أنْ يروي عن كلّ أحد...)(٢) .

ـــــــــــــــــــ

(١) الأنساب ٣ : ١١١ الرياحي .

(٢) العناية في شرح الهداية ١ : ٤٤ ط هامش فتح القدير .


الضحّاك بن مزاحم

وأمّا الضحاك بن مزاحم ، فإنّهم وإنْ وثّقوه ، وذكروا له مناقب كما في( مرآة الجنان ) و( ميزان الاعتدال ) وغيرهما من كتب الرجال(١) .

لكنْ عن يحيى بن سعيد القطّان ـ الذي كان رأساً في الجرح والتعديل ـ أنّه ضعّفه .

قال في( الميزان ) :

( قال يحيى بن سعيد : الضحاك ضعيفٌ عندنا... وكذا ابن عدي فإنّه قال : الضحّاك بن مزاحم إنّما عُرف بالتفسير ، وأمّا رواياته عن ابن عبّاس وأبي هريرة وجميع من روى عنه ، ففي ذلك كلّه نظر )(٢) .

وكذا شعبة ، ففي( الكاشف ) :

( وقال شعبة : كان عندنا ضعيفاً )(٣) .

بل السيوطي نفسه نقل عن ابن الجوزي تضعيفه وأقرّه على ذلك ، كما في( اللآلي المصنوعة ) في نزول قوله تعالى :( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً... ) الآية : ( الضحاك ضعيف ، ولم يَسمع مِن ابن عبّاس ) .

ـــــــــــــــــــ

(١) مرآة الجنان ١ : ١٦٩ السنة ١٠٢ ، ميزان الاعتدال ٢ : ٣٢٥/ ٣٩٤٢ ، تهذيب التهذيب ٤ : ٣٩٧/ ٧٩٤ .

(٢) ميزان الاعتدال ٢ : ٣٢٦/ ٣٩٤٢ .

(٣) الكاشف ٢ : ٣٦/ ٢٤٥٨ .


عطيّة بن سعد العوفي

وأمّا عطيّة ، فإنّه وإنْ ذكره السيوطي في عداد قدماء المفسّرين ، إلاّ أنّ نَقَدَة الحديث والرجال قد تكلّموا فيه ، ويكفي إيراد كلام الذهبي بترجمته من( ميزان الاعتدال ) فإنّه قال :

( عطيّة بن سعد العوفي الكوفي ، تابعي شهير ، ضعيف ، عن ابن عبّاس وأبي سعيد وابن عمر ، وعنه : مسعر وحجاج بن أرطاة وطائفة وابنه الحسن .

قال أبو حاتم : يكتب حديثه ، ضعيف ، وقال سالم المرادي : كان عطيّة يتشيّع ، وقال ابن معين : صالح ، وقال أحمد : ضعيف الحديث ، وكان هُشيم يتكلّم في عطيّة .

وروى ابن المديني عن يحيى قال : عطيّة وأبو هارون وبشر بن حرب عندي سواء ، وقال أحمد : بلغني أنّ عطيّة كان يأتي الكلبي فيأخذ منه التفسير ، وكان يكنّيه بأبي سعيد فيقول : قال أبو سعيد ، قلت : يعني يُوهم أنّه الخدري .

وقال النسائي وجماعة : ضعيف )(١) .

بل ادّعى ابن الجوزي الإجماع على تضعيفه في كتاب( الموضوعات ) (٢) .

ـــــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال ٣ : ٧٩ ـ ٨٠/ ٥٦٦٧.

(٢) الموضوعات ١ : ١١٤ باب عظمة الله عزّ وجل .


قتادة

وأمّا قتادة ، فإنّه وإنْ وُصف بـ ( الحافظ أحد الأئمّة الأعلام )(١) وأنّه ( ثقةٌ ثَبتٌ )(٢) وذُكر بتراجمه مناقبٌ كثيرة(٣) بل قيل أنّهم أجمعوا على جلالته وتوثيقه وحفظه وإتقانه وفضله(٤) ...

كان يتّهم بالقدر

لكنّ المحقّقين النقَدَة منهم لم يستحيوا مِن قول الحق وإظهار الحقيقة ، فقالوا : كان يتّهم بالقدر ، وقد عرفت أنّه الكفر والضلال عندهم ، وأضاف بعضهم أنّه كان حاطب ليلٍ ، وهو من عبائر التضعيف والقدح... قال الذهبي :

( كان قتادة يتّهم بالقدر .

وقال ابن المديني : قلت ليحيى بن سعيد : إنّ عبد الرحمان يقول : أترك [كلّ] من كان رأساً في بدعة يدعو إليها .

قال: كيف يصنع بقتادة وابن أبي رواد وعمر بن ذر، وذكر قوماً ، ثمّ قال يحيى : إنْ ترك هذا الضرب ترك ناساً كثيراً .

ـــــــــــــــــــ

(١) فيض القدير ١ : ١٥٦.

(٢) تقريب التهذيب ٢ : ١٣٠/ ٦١٩٩ .

(٣) تهذيب الكمال ٢٣ : ٤٩٨/ ٤٨٤٨ ، مرآة الجنان ١ : ١٩٧ السنة ١١٧ تهذيب التهذيب ٨ : ٣١٥/ ٦٣٧ .

(٤) تهذيب الأسماء واللغات ٢ : ٥٧/ ٦٦ .


كان كحاطب ليل

وقال جرير بن عبد الحميد عن مغيرة عن الشعبي قيل له : هل رأيت قتادة ؟ قال : نعم رأيته كحاطب ليل .

وقال سفيان بن عيينة : قال الشعبي لقتادة : حاطب ليل قال سفيان : قال لي عبد الكريم الجزري : ما حاطب ليل ؟ قلت : إلاّ أنْ ، تخبرني قال : هو الرجل يخرج في الليل يحتطب ، فتقع يده على أفعى فتقتله هذا مثل ضرب لطالب العلم ، إنّ طالب العلم إذا حمل من العلم ما لا يطيقه قتله علمه، كما قتل الأفعى حاطب ليل )(١) .

كان يدلّس

والذهبي نسب إليه التدليس أيضاً حيث قال في( الميزان ) :

( قتادة بن دعامة السدوسي ، حافظٌ ثقةٌ ثبتٌ ، لكنّه مدلّس ورُمي بالقدر ، قاله يحيى بن معين ، ومع هذا فاحتجّ به أصحاب الصحاح ، لا سيّما إذا قال حدّثنا. مات كهلاً )(٢) .

وقال ابن خلكان :

( قال معمر : سألت أبا عمرو بن العلاء عن قوله تعالى :( وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ) فلم يجبني ، فقلت : إنّي سمعت قتادة يقول : مُطيقين ، فسكت ، فقلت له : ما تقول يا أبا عمرو ؟ فقال : حسبك قتادة ، فلولا كلامه في القدر ـ وقد قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا ذكر القدر فأمسكوا ـ لما عدلت به أحداً من أهل

ـــــــــــــــــــ

(١) انظر سير أعلام النبلاء ٥ : ٢٧٨ و٢٧٢/ ١٣٢ .

(٢) ميزان الاعتدال ٣ : ٣٨٥/ ٦٨٦٤ .


دهره )(١) .

قصّة أبي حنيفة معه

هذا، وقد جاء في( تاريخ بغداد ) ما نصّه :

( ودخل قتادة الكوفة ونزل في دار أبي بردة ، فخرج يوماً ـ وقد اجتمع إليه خلق كثير ـ فقال قتادة : والله الذي لا إله إلاّ هو ، ما سألني اليوم أحد عن الحلال والحرام إلاّ أجبته .

فقام إليه أبو حنيفة فقال : يا أبا الخطّاب ! ما تقول في رجل غاب عن أهله أعواماً ، فظنّت امرأته أنّ زوجها مات ، فتزوّجت ، ثمّ رجع زوجها الأوّل ، ما تقول في صداقها ؟ وقال لأصحابه الذين اجتمعوا إليه : لئن حدّث بحديث ليكذبّن ، ولئن قال برأيه ليخطئنّ .

فقال قتادة : ويحك ! أوقعت هذه المسألة ؟

قال : لا.

قال : فلم تسألني عمّا لم يقع ؟

قال أبو حنيفة : إنّا نستعدّ للبلاء قبل نزوله ، فإذا وقع عرفنا الدخول فيه والخروج منه .

[فقال] قتادة : والله لا أُحدّثكم بشيء من الحلال والحرام ، سلوني عن التفسير .

فقام إليه أبو حنيفة فقال له : يا أبا الخطّاب ! ما تقول في قوله تعالى:( قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) ؟

ـــــــــــــــــــ

(١) وفيات الأعيان ٤ : ٨٥/ ٥٤١ .


قال : نعم ، هذا آصف بن برخيا بن سمعيا كاتب سليمان بن داود ، كان يعرف اسم الله الأعظم .

فقال أبو حنيفة : وهل كان يعرف الاسم سليمان ؟

قال : لا .

قال : فيجوز أنْ يكون في زمن نبيّ مَن هو أعلم من النبيّ ؟

قال قتادة : والله لا أُحدّثكم بشيء مِن التفسير ، سلوني عمّا اختلف فيه العلماء .

قال : فقام إليه أبو حنيفة فقال : يا أبا الخطّاب ! أمؤمنٌ أنت ؟

قال : أرجو .

قال : ولِمَ ؟

قال : يقول إبراهيمعليه‌السلام :( وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ) .

فقال أبو حنيفة : هلاّ قلت كما قال إبراهيمعليه‌السلام :( قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى ) فهلاّ قلت : بلى ؟

قال : فقام قتادة مغضباً ودخل الدّار ، وحلف أنْ لا يُحدّثهم )(١) .

ـــــــــــــــــــ

(١) تاريخ بغداد ١٣ : ٣٤٨ ـ ٣٤٩/ ٧٢٩٧.


زيد بن أسلم

وأمّا زيد بن أسلم ، فيكفي عن ذكر مناقبه كما في( تهذيب الأسماء ) (١) كونه مولى عمر بن الخطّاب ؛ لأنّ هذه العلقة ـ كما ذكر الدهلوي في( التحفة ) ـ توجب الاتّحاد بين المالك والمولى في العقيدة والطريقة .

والأهم مِن ذلك دعواهم حضور الإمام عليّ بن الحسين السجّادعليه‌السلام عنده للاستفادة ، حتّى قيل له : ( غفر الله لك ، أنت سيّد النّاس وأفضلهمْ ، تذهب إلى زيد بن أسلم وهو مولى فتجلس معه ؟ ) فقال : ( ينبغي للعلم أنْ يبتغى حيث هو ) !! قالوا: ( وكان يتخطّى حلق قومه حتّى يأتي زيد بن أسلم فيجلس عنده ويقول : إنّما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه ) .

هكذا في( تحصيل الكمال في أسماء الرجال ) (٢) .

وأعوذ بالله من هذا البهتان الذي افتراه أهل الضّلال ، تنقيصاً من شأن الإمامعليه‌السلام .

كما لا يخفى على أولي الأبصار والأفهام...

لكن ابن عدي أدرج زيداً في كتاب( الكامل ) (٣) الذي صنّفه في أسماء الضعفاء ، وهو كما قال المناوي في( فيض القدير ) :

ـــــــــــــــــــ

(١) تهذيب الأسماء واللغات ١ : ٢٠٠/ ١٨٥ .

(٢) تحصيل الكمال في أسماء رجال المشكاة للشيخ عبد الحق الدهلوي ـ ترجمة زيد بن أسلم .

(٣) الكامل في ضعفاء الرجال ٤ : ١٦٣/ ٧٠٤ .


 ( أصلٌ مِن الأُصول المعوّل عليها المرجوع إليها ، طابق اسمه معناه ، ووافَق لفظه فحواه ، مِن عينه انتجع المنتجعون ، وبشهادته حكم الحاكمون ، وإلى ما قاله رَجَع المتقدّمون والمتأخّرون )(١) .

وهذا ما أزعج الذهبي فقال :

( زيد بن أسلم مولى عُمر ، تناكد ابن عدي بذكره في الكامل ، فإنّه ثقةٌ حجّة ، فروى عن حمّاد بن زيد قال : قدمت المدينة وهم يتكلّمون في زيد بن أسلم ، فقال لي عبيد الله بن عمر : ما نعلم به بأساً إلاّ أنّه يُفسّر القرآن برأيه )(٢) .

فقد اعترض الذهبي على ابن عدي ذكره في الضعفاء ، إلاّ أنّه أضاف إلى ذلك ( تكلّم أهل المدينة في زيد بن أسلم ) ، وروى عن عبيد الله بن عمر أنّه ( كان يفسّر القرآن برأيه ) ، وهذا يكفي لسقوط تفسيره عن الاعتبار ، وقد أخرج الترمذي .

( عن سعيد بن جُبير عن ابن عبّاس عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( اتّقوا الحديث عنّي إلاّ ما علمتم ، فمن كذب علَيّ متعمّداً فليتبوّء مقعدهُ من النّار ، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوّء مقعده من النّار ) هذا حديث حسن)(٣) .

ـــــــــــــــــــ

(١) فيض القدير في شرح الجامع الصغير ١ : ٢٨ ـ ٢٩ .

(٢) ميزان الاعتدال ٢ : ٩٨/ ٢٩٨٩ .

(٣) صحيح الترمذي ٥ : ١٩٩/ ٢٩٥١ كتاب تفسير القرآن الباب ١ .


مُرّة بن شراحيل

وأمّا مرّة بن شراحيل ، فلا يجوز الاعتماد عليه والأخذ بتفسيره ؛ لأنّه كان مِن المعاندين ، لأمير المؤمنينعليه‌السلام في حربه ضدّ الناكثين... قال أبو نعيم :

( حدّثنا عبد الله بن محمّد قال : ثنا أحمد بن الحسين قال : ثنا أحمد بن إبراهيم الدروقي قال : حدّثني عبد الرحمان بن غزوان قال : ثنا محمّد بن طلحة ابن مصرف عن زبيد الأيامي قال : قيل لمُرّة بن شراحيل : ألا تلحق بعليّ بصفّين ؟ قال : إنّ عليّاً سبقني بخير أعماله ، بدرٍ وذواتها ، وأنا أكره أنْ أشركه فيما هان فيه )(١) .

ـــــــــــــــــــ

(١) حلية الأولياء ٤ : ١٦٣/ ٢٦٩ .


عبد الرحمان بن زيد بن أسلم

وأمّا عبد الرحمان بن زيد بن أسلم ، فقد أورده الذهبي في( الميزان ) فقال :

( عبد الرحمان بن زيد بن أسلم العمري مولاهم المدني ، أخو عبد الله وأُسامة .

قال أبو يعلى الموصلي : سمعت يحيى بن معين يقول : بنو زيد بن أسلم ليسوا بشيء ، وروى عثمان الدارمي عن يحيى : ضعيف ، وقال أحمد : عبد الله ثقةٌ ، والآخران ضعيفان )(١) .

وفي( الكاشف ) : ( ضعفّوه له تفسير )(٢) .

وفي( حاشية الكاشف ) :

( قال البخاري وأبو حاتم : ضعّفه ابن المديني جدّاً وقال : أولاد زيد بن أسلم كلّهم ضعيف وأمثلهم عبد الله ، وقال النسائي : ضعيفٌ ، وقال يحيى : ليس بشيء ، وقال أحمد : ضعيف )(٣) .

وقال ابن حجر: ( ضعيف )(٤) .

وقال ابن القيّم في( زاد المعاد ) : ( قال الترمذي : ليس في ولد زيد بن أسلم ثقة ) .

ـــــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال ٢ : ٥٦٤/ ٤٨٦٨ .

(٢) الكاشف عن أسماء رجال الكتب الستّة ٢ : ١٦٠/ ٣٢٢٨ .

(٣) حاشية الكاشف ـ مخطوط .

(٤) تقريب التهذيب ١ : ٤٤٨/ ٤٣١٢


الطبقة الثالثة

قال السيوطي :

ثمّ بعد هذه الطبقة ، اُلّفت تفاسير تجمع أقوال الصحابة والتابعين ، كتفسير سفيا بن عيينة ، ووكيع بن الجرّاح ، وشعبة بن الحجّاج ، ويزيد بن هارون ، وعبد الرزّاق ، وآدم بن أبي أياس ، وإسحاق بن راهويه ، وروح بن عبادة ، وعدب بن حميد ، وسُنيد ، وأبي بكر بن أبي شيبة ، وآخرين(١)

أقول :

وتفاسير هذه الطبقة أيضاً مقدوحةٌ مطعونٌ فيها ، وكتب الرجال بجوارح أصحابها مشحونة ، وإليك أحوال بعضهم :

ـــــــــــــــــــ

(١) الإتقان في علوم القرآن ٤ : ٢٤٢ .


سفيان بن عيينة

أمّا سفيان بن عيينة ، فقد ذكروا :

كان يدلّس

إنّه كان يدلّس... قال القاري في( شرح شرح نخبة الفكر ) :

( قال الشيخ شمس الدين محمّد الجزري : التدليس قسمان : تدليس الإسناد ، وتدليس الشيوخ أمّا تدليس الإسناد ، فهو أنْ يروي عمّن لَقِيه أو عاصره ما لم يسمعه منه ، موهماً أنّه سمعه منه ، ولا يقول : أخبرنا وما في معناه ، بل يقول : قال فلان ، أو عن فلان ، أو إنّ فلاناً قال ، وما أشبه ذلك ، ثمّ قد يكون بينهما واحد ، وقد يكون أكثر ، وربّما وربّما لم يسقط المدلّس شيخه ، لكن يسقط من بعده رجلاً ضعيفاً أو صغير السنّ ، يحسّن الحديث بذلك وكان الأعمش والثوري وابن عيينة وابن إسحاق وغيرهم يفعلون هذا النوع ، ومن ذلك ما حكى ابن خشرم : كنّا يوماً عند سفيان بن عيينة فقال : عن الزهري ،... فقيل له : حدّثك الزهري ؟ فسكت ، ثمّ قال : قال الزهري ، فقيل له : سمعته من الزهري ؟ فقال : حدّثني عبد الرزّاق ، عن معمر ، عن الزهري )(١) .

ـــــــــــــــــــ

(١) شرح شرح نخبة الفكر : ٤٢٠ .


من كلماتهم في ذمّ التدليس

هذا ، وقد نقلنا سابقاً كلمات بعض أعلام القوم في ذمّ التدليس وتقبيحه وتحريمه ، وعن شعبة : أنّه أشدّ من الزنا وأخو الكذب ، قال السيوطي في أقسام التدليس :

( وأمّا القسم الأوّل فمكروه جدّاً ، ذمّه أكثر العلماء ، وبالغ شعبة في ذمّه فقال : لأنْ أزني أحبُّ إليَّ من أنْ أُدلّس وقال : التدليس أخو الكذب )(١) .

وأمّا قول ابن الصلاح من أنّ هذا إفراط ، محمولٌ على الزجر والتنفير مِن التدليس ، كما نقله السيوطي ، ففيه : إنّه إنْ أراد صرف كلام شعبة عن ظهوره في حرمة التدليس ، فلا سبيل إليه أصلاً ، وقد تقدّم تصريح النووي بحرمته ، وتقدّم أنّه من تلبيس إبليس كما نصّ عليه ابن الجوزي ، على أنّ جماعةً من المحدّثين ذهبوا إلى أنّ ارتكاب التدليس ـ ولو كان مرّةً واحدة ـ يوجب الجرح وتُردّ به الرواية ، كما في( تدريب الراوي ) حيث قال :

( ثمّ قال فريقُ منهم ، من أهل الحديث والفقهاء : مَن عرف به صار مجروحاً مردود الرواية مطلقاً وإنْ بيّن السماع )(٢) .

ومراده من ( مطلقاً ) هو عدم الفرق بين التدليس مرّةً أو أكثر ، وهذا ما نصَّ عليه شرّاح( نخبة الفكر ) .

وقال ابن جماعة الكناني في( المنهل الروي ) :

( النوع الرابع : التدليس ، وهو قسمان : تدليس الإسناد وتدليس الشيوخ .

ـــــــــــــــــــ

(١) تدريب الراوي ـ شرح تقريب النواوي ١ : ٢٢٨ .

(٢) تدريب الراوي ـ شرح تقريب النواوي ١ : ٢٢٩ .


الأوّل : تدليس الإسناد ، وهو أنْ يروي عمّن لَقِيه أو عاصره ما لم يسمعه منه ، مُوهماً أنّه سمعه منه ، ولا يقول أخبرنا وما في معناه ونحوه ، بل يقول : قال فلان أو عن فلان أو إنّ فلاناً قال ، وشبه ذلك ، ثمّ قد يكون بينهما واحد ، وقد يكون أكثر .

وهذا القسم من التدليس مكروهٌ جدّاً ، وفاعله مذموم عند أكثر العلماء ، ومَن عرف به مجروح عند قومٍ لا تُقبل روايته ، بيّن السماع أو لم يُبيّنه )(١) .

وتلخّص : إنّ سفيان بن عيينة عند هذا الفريق من الفقهاء والمحدّثين مجروحٌ مردودُ الرواية ، وعند الأكثر مذمومٌ مطعونٌ فيه .

اختلط في آخر عمره

ثمّ إنّه قد اختلط في أواخر حياته ، كما نصّ عليه علماء الرجال ، قال الذهبي :

( روى محمّد بن عبد الله بن عمّار الموصلي ، عن يحيى بن سعيد القطّان قال : أشهد أنّ سفيان بن عيينة اختلط سنة ١٩٧ ، فمن سمع منه فيها فسماعه لا شيء ) .

ثمّ انبرى الذهبي للدفاع عن روايات القوم عن سفيان ، مستبعداً كلام القطّان ، ومغلّطاً الموصلي في نقله ـ وقد قال الزهري في حقّه : صدوقٌ ثقة صاحب حديث(٢) ـ فقال :

ـــــــــــــــــــ

(١) المنهل الروي في علم أُصول حديث النبيّ : ٧٢ .

(٢) ميزان الاعتدال ـ ترجمة محمّد بن عبد الله بن عمّار ٣ : ٥٩٦/ ٧٧٥٣ وفيه : قال النسائي : ثقةٌ صاحب حديث .


 ( قلت : سمع منه فيها محمّد بن عاصم صاحب ذاك الجزء العالي ، ويغلب على ظنّي أنّ سائر شيوخ الأئمّة الستّة سمعوا منه قبل سنة سبع ، فأمّا سنة ثمانٍ وتسعين ففيها مات ولم يلقه أحد فيها ؛ لأنّه توفّي [بمكّة] قبل قدوم الحاجّ بأربعة أشهر ، وأنا أستبعد هذا الكلام من القطّان وأعدّه غلطاً من ابن عمّار ، فإنّ القطّان مات في صفَر مِن سنة ثمانٍ وتسعين وقت قدوم الحاج ، ووقت تحدّثهم عن أخبار الحجاز ، فمتى تمكّن يحيى بن سعيد أنْ يسمع اختلاط سفيان ثمّ يشهد عليه بذلك ، والموت قد نزل به ، فلعلّه بلغه ذلك في أثناء سنة سبع ، مع أنّ يحيى متعنّت جدّاً في الرجال ، وسفيان ثقة مطلقاً ، والله أعلم )(١) .

لكنْ كيف يجتمع هذا التهجّم على يحيى بن سعيد القطّان مع تلك المناقب الجليلة ، والدرجات الرفيعة التي يذكرونها له في العلم والورع والإتقان ، حتّى قال أحمد بن حنبل : ( ما رأيت مثله في كلّ أحواله ) ؟

ـــــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال ـ ترجمة سفيان بن عيينة ٢ : ١٧٠ ـ ١٧١/ ٣٣٢٧ .


وكيع بن الجرّاح

وأمّا وكيع بن الجرّاح... والذي قال اليافعي في حوادث سنة ١٩٧ :

( وفيها توفّي الإمام العالم أبو سفيان وكيع بن الجراح روى عن الأعمش ، قال أحمد : ما رأيت أوعى للعلم ولا أحفظ من وكيع... وقال يحيى ابن أكثم : صحبت وكيعاً ، وكان يصوم الدهر ، ويختم القرآن كلّ ليلة ، وقال أحمد : ما رأت عيني مثل وكيع )(١) .

له قوادح

وقد ذكرت له قوادح ، وتكلّم فيه بعض الأكابر منهم ، ومن هنا ، فقد أورده الذهبي في( الميزان ) فقال :

( قال ابن المديني : كان وكيع يلحن ، ولو حدّثت بألفاظه لكانت عجباً ، كان يقول : ثنا شعبي عن عيشة ، وسُئل أحمد بن حنبل : إذا اختلف وكيع وعبد الرحمان ابن مهدي بقولِ مَن نأخذ ؟ فقال : عبد الرحمان يُوافق أكثر وخاصّةً في سفيان ، وعبد الرحمان يَسلم منه السلف ويجتنب شرب المُسكر ، وكان لا يرى أنْ تُزرع أرضُ الفرات قال ابن المديني فيالتهذيب : وكيع كان فيه تشيّعٌ قليل قال ابن حنبل : سمعت يحيى بن معين يقول : رأيت عند مروان بن معاوية لوحاً فيه فلان كذا وفلان رافضي ، ووكيع رافضي ، فقلت له :

ـــــــــــــــــــ

(١) مرآة الجنان ١ : ٣٥٠ ـ ٣٥١ .


وكيعٌ خيرٌ منك قال : منّي ؟ قلت : نعم ، فما قال لي شيئاً ، ولو قال شيئاً لوثب عليه أصحاب الحديث ، فبلغ ذلك وكيعاً فقال : يحيى صاحبنا )(١) .

وإنّما نُسِب إلى الرفض ؛ لأنّه كان يتكلّم في عثمان ولا يترحّم عليه ، ففي ترجمة الحسن بن صالح من(ميزان الاعتدال) وغيره :

( قال وكيع : هو عندي إمام ، فقيل : إنّه لا يترحّم على عثمان فقال : أفتترحّم أنت على الحجّاج )(٢) .

ـــــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال ٤ : ٣٣٦/ ٩٣٥٦ .

(٢) ميزان الاعتدال ـ ترجمة الحسن بن صالح ١ : ٤٩٩/ ١٨٦٩ .


عبد الرزّاق بن همّام

وأمّا عبد الرزّاق بن همّام... فقد ذكرت له المناقب العظيمة والفضائل الجليلة في مختلف الكتب ، نكتفي منها بما جاء في( مرآة الجنان ) حيث قال اليافعي في حوادث السنة ٢١١ :

( وفي السنة المذكورة : توفي الحافظ العلاّمة المرتحل إليه من الآفاق ، الشيخ الإمام عبد الرزّاق بن همّام ، اليمني الصنعاني الحميري ، صاحب المصنّفات ، عن ستٍّ وثمانين سنة روى عنك مَعْمَر وابن جريج والأوزاعي وطبقتهم ، ورحل إليه الأئمّة إلى اليمين قيل : ما رحل النّاس إلى أحدٍ بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مثل ما رحلوا إليه ، وروى عنه خلائق من أئمّة الإسلام ، منهم : الإمام سفيان بن عيينة ، والإمام يحيى بن معين ، وإسحاق بن راهويه ، وعليّ بن المديني ، ومحمود بن غيلان )(١) .

وفي( ميزان الاعتدال ) :

( [ع] عبد الرزّاق بن همّام بن نافع ، الإمام ، أبو بكر ، الحميري مولاهم ، الصنعاني ، أحد الأعلام الثقات ولد سنة ١٢٦ ، وطلب العلم وهو ابن عشرين سنة فقال : جالست مَعمَر بن راشد سبع سنين ، وقدِم الشام بتجارةٍ فحجّ ، وسمِع من ابن جريج ، وعبيد الله بن عُمر ، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند ، وثور بن يزيد ، والأوزاعي وخلق ، وكَتب شيئاً كثيراً ، وصنّف الجامع الكبير ، وهو خزانة

ـــــــــــــــــــ

(١) مرآة الجنان ٢ : ٤٠ .


علم ، ورحل النّاس إليه : أحمد ، وإسحاق ، ويحيى ، والذهلي ، والرمادي وعبد )(١) .

ومع هذا كلّه ، فقد تكلّم فيه بعض الأئمّة واتّهمه غيره بالكذب !

قال الذهبي :

( أبو زرعة عبيد الله : حدّثنا عبد الله المسندي قال : ودّعت ابن عيينة فقلت : أُريد عبد الرزّاق ، قال : أخاف أنْ يكون من الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا .

العقيلي : حدّثني أحمد بن دكين [زُكير] الحضرمي ، ثنا محمّد بن إسحاق بن يزيد البصري ، سمعت مخلّد الشعيري يقول : نت عند عبد الرزاق، فذكر رجل معاوية، فقال : لا تقذر مجلسنا بذكر ولد أبي سفيان .

محمّد بن عثمان الثقفي الصري قال : لمّا قدم العبّاس بن عبد العظيم من صنعاء ، من عند عبد الرزّاق ، أتيناه فقال لنا ونحن جماعة : ألست قد تجشّمت الخروج إلى عبد الرزّاق ورحلت إليه وأقمت عنده ؟ والذي لا إله إلاّ هو : إنّ عبد الرزّاق كذّاب...)(٢) .

ـــــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال ٢ : ٦٠٩/ ٥٠٤٤ .

(٢) ميزان الاعتدال ٢ : ٦١٠ ـ ٦١١ / ٥٠٤٤ .


إسحاق بن راهويه

وأمّا إسحاق بن راهويه... فإنّه وإنْ كان من الأئمّة الأعلام والمحدّثين العظام ، لكنّه تغيّر في آخر عمره واختلط قال في( الميزان ) :

( قال أبو عبيد الله الآجري : سمعت أبا داود يقول : إسحاق بن راهويه تغيّر قبل أنْ يموت بخمسة أشهر ، وسمعت منه في تلك الأيّام فرُميت به ) .

قال :

( وذكر لشيخنا أبي الحجّاج حديث فقال : قيل : إسحاق اختلط في آخر عمره )(١) .

ـــــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال ١ : ١٨٣/ ٧٣٣ .


روح بن عبادة

وأمّا روح بن عبادة ، وقد أثنى عليه جماعة من الأكابر كما في( تذهيب التهذيب ) حيث قال :

( روح بن عبادة بن العلاء بن حسّان القيسي أبو محمّد البصري ، أحد الحفّاظ والرؤساء ، عن حسين المعلّم وابن عون ووَهِشَامِ بْنِ حَسَّانَ وحاتم بن أبي صغيرة وزكريّا بن إسحاق وابن جريج وعوف الأعرابي وخلقٌ كثير ، وعنه : أحمد وابن راهويه وإسحاق الكوسج وإبراهيم الجوزجاني وعدب بن حميد وأبو بكر الصاغاني ويحيى بن أبي طالب ، وخلائق مِن آخرهم الكديمي .

قال الكديمي : سمعت عليّ بن المديني يقول : نظرت لروح بن عبادة في أكثر من مئة ألف حديث ، كتبت منها عشرة آلاف .

قال يعقوب بن شيبة : كان روح أحد مَن تحمّل الحمالات ، وكان سريّاً مريّاً كثير الحديث جدّاً ، صدوقاً ، سمعت عليّ بن عبد الله يقول : مِن المحدّثين قومٌ لا يزالوا في الحديث... فطلبوا ثمّ صنّفوا ثمّ حدّثوا ، منهم روح بن عبادة .

وقال ابن معين : صدوق )(١) .

وقال ابن حجر :

( ثقةٌ فاضل ، له تصانيف )(٢) .

ـــــــــــــــــــ

(١) تذهيب التهذيب وانظر تهذيب التهذيب ٣ : ٢٥٣/ ٥٤٩ .

(٢) تقريب التهذيب ١ : ٢٤٩/ ٢١٤٣ .


فإنّ القواريري تكلّم فيه وأنكر عليه جملةً مِن أحاديثه .

وقال أبو حاتم : لا يحتجّ به .

وقال النسائي : ليس بقويّ .

وطعن فيه جماعة من الأئمّة قال الذهبي في( الميزان ) :

( روح بن عبادة بن العلاء بن حسّان البصري ، القيسي ، ثقةٌ مشهور، حافظ ، من علماء أهل البصرة عن حسين المعلّم وابن عون وخلقٌ ، وعنه : أحمد وعبد بن حميد وأبو بكر الصاغاني وخلق.

وروى الكديمي عن ابن المديني قال : نظرت لروح في أكثر من مئة ألف حديث ، كتبت منها عشرةَ آلاف .

وقال ابن معين وغيره : صدوق ، وتكلّم فيه القواريري بلا حجّة .

وقال ابن المديني : ذكر عبد الرحمان روح بن عبادة فقلت : لا تفعل ، فإنّ هاهنا قوماً يحملون كلامك ، فقال : أستغفر الله ، ثمّ دخل فتوضّأ ، يذهب إلى أنّ الغيبة تنقض الوضوء .

وقيل : إنّ عبد الرحمان تكلّم فيه ، لكونه وهم في إسناد ، فلا ضير ، وقال يعقوب بن شيبة : قال محمّد بن عمر : قال يحيى بن معين : هذا القواريري يحدّث عن عشرين شيخاً من الكذّابين ، ثمّ يقول : لا اُحدّث عن روح ، ثمّ قال يعقوب : وسمعتُ عفّان لا يرضى أمر روح بن عبادة ، ثمّ بلغني عنه أنّه قوّاه ، وقال أحمد بن الفرات : طعن على روح اثنا عشر رجلاً ، فلم ينفذ قولهم فيه .

وروى الكتاني عن أبي حاتم قال : لا يحتجّ به .

وقالس في العلل وفي الكنى : روح ليس بالقوي .

قلت : نعم ، عبد الرحمان بن مهدي أقوى منه ، وأمّا هو فصدوقٌ صاحب حديث ، وقال يعقوب بن شيبة : كان روح أحد مَن يتحمّل الحمالات ، وكان سرياً مريّاً ، صدوقاً ، كثير الحديث جدّاً ، وقال ابن المديني : لم يزل روح في الحديث منذ نشأ .

قال عليّ : وكان ابن مهدي يطعن على روح وينكر عليه أحاديث ابن أبي ذئب عن الزهري مسائل ، فلمّا قدمت على معن أخرجها لي وقال : هي عند بصري لكم ، سمعها معنا ، فأتيت عبد الرحمان فأخبرته فأحسبه قال : استحلّه لي .


قال يعقوب بن شيبة : سمعت [عن] عفّان [أنّه] لا يرضى أمر روح بن عبادة ، وقال أبو عبيد الآجري : سمعت أبا داود يقول : أكثر ما أنكر القواريري على روح تسعمئة حديث ، حدّث بها عن مالك سماعاً ، مات روح سنة خمس ومئتين )(١) .

عبد بن حميد

وأمّا عبد بن حُميد ، فإنّ فضائله ومكارمه مذكورة في( تذكرة الحفّاظ ) وغيره من الكتب(٢) .

لكنّ ابن تيميّة وأتباعه لا يرتضونه، لأنّه روى نزول قوله تعالى:( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ ... ) الآية ، في أمير المؤمنين ( عليه الصّلاة والسّلام ) ، كما في( الدرّ المنثور ) بتفسيرها :

( أخرج عبد الرزّاق وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عبّاس في قوله :( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ ) الآية قال : نزلت في عليّ ابن أبي طالب )(٣) .

فقال ابن تيميّة :

( أجمع أهل العلم بالنقل على أنّها لم تنزل في عليّ بخصوصه ) ، ثمّ قال :

( وأمّا أهل العلم الكبار أصحاب التفسير ، كمحمّد بن جرير الطبري ، وبقيّ بن مخلد ، وابن أبي حاتم ، وأبي بكر ابن المنذر ، وعبد الرحمان بن إبراهيم وأمثالهم ، فلم يذكروا فيها مثل هذه الموضوعات ، دع من هو أعلم منهم مثل : أحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، بل لا يذكر مثل هذا عبد بن حميد ولا

ـــــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال ٢ : ٥٨ ـ ٦٠/ ٢٨٠٢ .

(٢) تذكرة الحفّاظ ٢ : ٨٩/ ٥٥١ .

(٣) الدر المنثور ٣ : ١٠٥ .


عبد الرزّاق ، مع أنّ عبد الرزّاق كان يميل إلى التشيّع ، ويروي كثيراً من فضائل عليّ ، وإنْ كانت ضعيفة ، لكنّه أجلّ قدراً من أنْ يروي مثل هذا الكذب الظاهر )(١) .

ومفهوم هذا الكلام أنّ ( عبد بن حميد ) ليس من أهل العلم الكبار أصحاب التفسير ، بل ليس من صغارهم ؛ لأنّ إخراج مثل هذا الحديث ليس مِن شأن العلماء... لكن ابن تيميّة في هذا الكلام ينكر أنْ يكون ابن جرير مثلاً من رواة هذا الحديث ، سبحانك اللّهم هذا بهتانٌ عظيم... فقد عرفت من كلام السيوطي روايته ، وكذا رواية ابن أبي حاتم...

سُنيد بن داود

وأمّا سُنيد ، فإنّه وإنْ ذكره ابن حبّان في الثقات ، وقال ابن أبي حاتم : صدوق ، لكنْ تكلّم فيه غير واحدٍ من الأئمّة الأعلام .

قال الذهبي في( الميزان ) :

( سنيد بن داود المصيصي المحتسب ، واسمه الحسين ، عن حمّاد بن زيد وهشيم والطبقة ، حافظٌ له تفسير ، وله مَا ينكر .

أنبأنا ابن علان ، أنا الكندي ، عن القزّاز ، أنا الخطيب ، أنا ابن شاذان ، ثنا أبو سهل القطّان ، ثنا عبد الكريم بن الهيثم ، ثنا سُنيد ، نا فرج بن فضالة عن، معاوية بن صالح ، عن نافع قال : سرت مع ابن عمر فقال : طلعت الحمراء ؟ قلت : لا ، ثمّ قلت : قد طلعت ، فقال : لا مرحباً بها ولا أهلاً ، قلت : سبحان الله نجم سامع مطيع ، قال : ما قلت إلاّ ما سمعت من رسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( أنّ الملائكة قالت : يا ربّ ! كيف صبرك على بني آدم ؟ قال : إنّي ابتليتهم وعافيتكم قالوا : لو كنّا مكانهم ما عصيناك قال : فاختاروا ملكين منكم ، فاختاروا هاروت وماروت ، فنزلا ، فألقى الله عليهما الشهوة ، فجاءت امرأة يُقال لها الزهرة..... ) ، وذكر الحديث بطوله .

روى عنه أبو زرعة والأثرم وجماعة صدّقه أبو حاتم .

وقال أبو داود : ولم يكن بذاك .

ـــــــــــــــــــ

(١) منهاج السنّة ٤ : ٥ ـ ٦ ، باختلافٍ يسير في بعض الألفاظ .


وقال النسائي : الحسين بن داود ليس بثقة .

توفّي سُنيد سنة ستٍّ وعشرين ومئتين )(١) .

وقال ابن حجر :

( ضعيف ، مع إمامته ومعرفته ، لكونه كان يلقين حجّاج بن محمّد شيخه )(٢) .

بل إنّ السيوطي ذكر في( اللآلي المصنوعة ) تضعيف أبي داود والنسائي له ، نقلاً عن كتاب الموضوعات لابن الجوزي .

ـــــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال ٢ : ٢٣٦/ ٣٥٦٧ .

(٢) تقريب التهذيب ١ : ٣٢٣/ ٢٩٢٥ .


ابن أبي شيبة

وأمّا أبو بكر ابن أبي شيبة ، فمناقبه وفضائله أشهر من أنْ تُذكر ، وأكثر من أنْ تُحصر ، قال المناوي في(فيض القدير) :

( ابن أبي شيبة ، الحافظ الثبت العديم النظير ، عبد الله بن محمّد بن أبي شيبة العبْسي الكوفي ، صاحب المسند والأحكام والتفسير وغيرها... وعنه : الشيخان وأبو داود وابن ماجة وخلقٌ )(١) .

لكنّه لمّا روى تهديد عُمر بن الخطّاب فاطمة الزهراء بنت رسول الله وبضعته ، الصدّيقة الطاهرة ، بإحراق بتيها بمن فيه ، فقد قدح فيه وجرحه ابن روزبهان وبعض المتعصّبين من أمثاله .

أقول :

هذا بعض الكلام على أئمّة التفسير الذين ذكرهم السيوطي .

وقد رأينا من اللازم التعرّض لحالِ جمعٍ آخر من أئمّة التفسير من الطبقة الثانية والطبقة الثالثة ، الذين لم يذكرهم السيوطي ، تتميماً للبحث وتكميلاً للمرام...

ـــــــــــــــــــ

(١) فيض القدير في شرح الجامع الصغير ١ : ٢٧ .


ابن شهاب الزّهري

فمنهم: الزّهري... وصفه الشيخ عبد الحقّ الدهلوي في كتاب( تحصيل الكمال في أسماء الرجال ) بـ ( الإمام ، أحد الفقهاء والمحدّثين ، والعلماء الأعلام من التابعين بالمدينة ، المُشار إليه في فنون الشريعة )(١) وإليه نَسب الأعور الواسطي تفسير أهل السنّة ، نافياً رجوعهم في تفسير القرآن إلى أمير المؤمنين(٢) ...

إلاّ أنْ الدهلوي قال بعد ذلك بترجمته :

( ويُقال : إنّه قد ابتلي بصحبة الأُمراء بقلّة الديانة ، لضرورات عرضت له ، وكان أقرانه من العلماء والزهّاد يأخذون عليه وينكرون ذلك منه ، وكان يقول : أنا شريكٌ في خيرهم دون شرّهم ، فيقولون : ألا ترى ما هم فيه وتسكت ؟ ) .

وهنا يُناسب أنْ نورد كلام ابن الجوزي في ذمّ صحبة الأُمراء والسّلاطين ، فإنّه قال في( تلبيس إبليس ) :

( ومن تلبيس إبليس على الفقهاء : مخالطتهم للأُمراء والسلاطين ، ومداهنتهم وترك الإنكار عليهم ، مع القدرة على ذلك ، وربّما رخّصوا لهم ما لا رخصة فيه ، لنالوا من دنياهم ، فيقع بذلك الفساد لثلاثة : الأوّل : الأمير ، فيقول : لولا أنّي على صوابٍ لأنكر عليَّ الفيه ، وكيف لا أكون مصيباً وهو يأكل من

ـــــــــــــــــــ

(١) تحصيل الكمال = رجال المشكاة .

(٢) رسالة الأعور الواسطين ـ مخطوط .


مالي ؟ والثاني : العامّي ، فإنّه يقول : لا بأس بهذا الأمير ولا بماله ولا بأفعاله ، فإنّ فلاناً الفقيه لا يزال عنده والثالث: الفقيه ، يفسد دينه بذلك )(١) .

وقال الغزالي في( إحياء العلوم ) في علامات علماء الآخرة :

( ومنها : أنْ يكون منقبضاً عن السلاطين ، فلا يدخل عليهم البتّة ، ما دام يجد إلى الفرار عنهم سبيلاً ، بل ينبغي أنْ يحترز من مخالطتهم وإنْ جاؤوا إليه ، فإنّ الدنيا حلوةٌ خضرة وزمامها بأيدي السلاطين ، والمُخالط لهم لا يخلو عن تكلّف في طلب مرضاتهم واستمالة قلوبهم ، مع أنّهم ظَلَمة ، ويجب على كلّ متديّن الإنكار عليهم وتضييق صدورهم بإظهار ظلمهم وتقبيح فعلهم ، فالداخل عليهم إمّا أنْ يلتفت إلى تجهلهم ، فيزدري نعمة الله عليه ، أو يسكت عن الإنكار عليهم فيكون مداهناً لهم ، أو يتكلّف في كلامه كلاماً لمرضاتهم وتحسين أحوالهم ، وذلك هو البهت الصريح ، أو يطمع في أنْ ينال من دنياهم ، وذلك هو السحت ، وسيأتي في كتاب الحلال والحرام ما يجوز أنْ يُؤخذ من أموال السلاطين وما لا يجوز من الإدرار والجوائز وغيرها .

وعلى الجملة ، فمخالطتهم مفتاح الشرّ ، وعلماء الآخرة طريقتهم الاحتياط ، وقد قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( من بدى جفا ، يعني من سكن البادية جفا ، ومن اتّبع الصيد غفل ، ومن أتى السلطان افتتن ) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( سيكون عليهم أُمراء تعرفون منه وتنكرون ، فمن أنكر فقد برئ ، ومن كره فقد سلِم ، ولكن من رضي وتابع أبعده الله تعالى ) . قيل : أفلا نقاتلهم ؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لا ، ما صلّوا ) .

وقال سفيان : في جهنّم وادٌ لا يسكنه إلاّ القرّاء الزائرون للملوك .

ـــــــــــــــــــ

(١) تلبيس إبليس : ١٤٠ ، مع بعض الاختلاف في الألفاظ .


وقال حذيفةرضي‌الله‌عنه : إيّاكم ومواقف الفتن. قيل: وما هي ؟ قال : أبواب الأُمراء ، يدخل أحدكم على الأمير ، فيصدّقه بالكذب ويقول له ما ليس فيه .

وقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( العلماء أُمناء الرسل على عباد الله تعالى ، ما لم يُخالطوا السلطان ، فإذا فعلوا ذلك فقد خانوا الرُسُل ، فاحذروهم واعتزلوهم ) .

وقيل للأعمش : قد أحيَيت العلم لكثرة مَن يأخذه عنك ، فقال : لا تعجلوا ، ثلثٌ يموتون قبل الإدراك ، وثلثٌ يلزمون أبواب السلاطين فهم شرّ الخلق ، والثلث الباقي لا يفلح منهم إلاّ القليل .

ولذلك قال سعيد بن المسيّب : إذا رأيتم العالم يغشى الأُمراء فاحترزوا منه ، فإنّه لصّ .

وقال الأوزاعي : ما من شيء أبغض إلى الله عزّ وجلّ من عالم يزور عاملاً ، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( شرار العلماء الذين يأتون الأُمراء ، وخيار الأُمراء الذين يأتون العلماء ) ، وقال مكحول الدمشقي : من تعلّم القرآن وتفقّه في الدين ثمّ أصحب السلطان تملّقاً إليه وطمعاً في يديه ، خاض في بحرٍ من نارِ جهنّم بعدد خُطاه .

وقال سحنون : ما أقبح بالعالم أنْ يؤتى إلى مجلسه فلا يوجد فيُسئل عنه فيقال : إنّه عند الأمير .

قال : وكنت أسمع أنّه يُقال : إذا رأيتم العالم يحبّ الدنيا فاتّهموه على دينكم ، حتّى جرّبت ذلك ، إذ ما دخلت قطّ على السلطان إلاّ ما رأيت نفسي بعد الخروج ، وأنتم تعلمون وترون ما ألقاه به من الغلظة والفظاظة وكثرة المخالفة لهواه ، ولوددت أنْ أنجو من الدخول كفافاً ، مع أنّي لا آخذ منه شيئاً ولا أشرب لهم شربة ماء .

قال : وزماننا هذا شرٌّ من علماء بني إسرائيل ، يخبرون السلطان بالرّخص وبما يُوافق هواه ، ولو أخبروه بالذي عليه وفيه نجاته لاستثقلهم ، فكره دخولهم عليه ، وكان ذلك نجاةً لهم عند ربّهم .


وقال الحسن : كان فيمن كان قبلكم رجلٌ له قِدمٌ في الإسلام وصحبةً لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ قال عبد الله بن المبارك : عنى به سعد بن أبي وقّاصرضي‌الله‌عنه ـ وكان يغشى السلاطين ، فقعد عنهم ، فقال له بنوه : يأتي هؤلاء مَن ليس هو مثلك في الصحبة والقِدم في الإسلام ، فلو أتيتهم فقال : بني ! إنّ الدنيا جيفة وقد أحاط بها قومٌ ، والله لئن استطعت لا أُشاركهم فيها قالوا : يا أبانا ! إذاً تهلك هزلاً ، قال : يا بني ! لأنْ أموت مؤمناً مهزولاً ، أحبّ إليّ من أنْ أموت منافقاً سميناً .

قال الحسن رحمه الله تعالى : خصمهم والله ، إذ علِم أنّ التراب يأكل اللّحم والسمن دون الإيمان ، وفي هذا إشارة إلى أنّ الدخول على السلطان لا يَسلم فيه أحدٌ من النفاق البتّة ، وهو مضادٌّ للإيمان.

وقال أبو ذر لسلمة : يا سلمة ، لا تغشَ أبواب السلاطين ، فإنّك لا تصيب مِن دنياهم شيئاً ، إلاّ أصابوا مِن دينك أفضل منه .

وهذه فتنةٌ عظيمة للعلماء وذريعةٌ صعبة للشيطان عليهم ، لا سيّما مَن له لهجة مقبولة وكلامٌ حلو ، إذ لا يزال الشيطان يلقي إليه أنّ في وعظك لهم ودخولك عليهم ما يزجرهم عن الظلم ويقيم شعائر الشرع ، إلى أنْ يُخيّل إليه أنّ الدخول عليهم مِن الدين ، ثمّ إذا دخل لم يلبث أنْ يتلطّف في الكلام ويداهن ، ويخوض في الثناء والإطراء ، وفيه هلاك الدين .

وكان يُقال : العلماء إذا علموا عملوا ، فإذا عملوا شغلوا ، فإذا شغلوا فقدوا ، فإذا فقدوا طلبوا ، فإذا طلبوا هربوا .

وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن رحمهما الله تعالى : أمّا بعد ؛ فأشر علَيّ بأقوامٍ أستعين بهم على أمر الله تعالى فكتب إليه : أمّا أهل الدين فلن يُريدوك ، وأمّا أهل الدنيا فلنْ تريدهم ، ولكن عليك بالأشراف ، فإنّهم يصونون شرفهم أنْ يدنّسوه بالخيانة .


هذا في عمر بن عبد العزيز ، وكان أزهد أهل زمانه ، فإذا كان شرط أهل الدين الهرب منه ، فكيف يَستتب طلب غيره ومخالطته ، ولم يزل السلف العلماء مثل الحسن ، والثوري ، وابن المبارك ، والفضيل ، وإبراهيم بن أدهم ، ويوسف بن أسباط يتكلّمون في علماء الدنيا من أهل مكّة والشام ، إمّا لميلهم إلى الدّنيا أو لمخالطتهم السلاطين ، حتّى قال بعضهم لو قيل : مَن أحمق الناس ، لأخذت بيد القاضي وقلت : هذا )(١) .

جُويبِر بن سعيد

ومنهم : جُوبير بن سعيد ، وهو من رجال ابن ماجة ، ومن أئمّة التفسيري عندهم .

قال الذهبي بترجمته من( ميزان الاعتدال ) :

( جُويبِر بن سعيد ، أبو القاسم الأزدي البلخي ، المفسّر ، صاحب الضحّاك : قال ابن معين : ليس بشيء ، وقال الجوزجاني : لا يشتغل به ، وقال النسائي والدارقطني وغيرهما : متروك الحديث .

قلت : له عن أنَس شيء ، وروى عنه حمّاد بن زيد بن أسلم وابن المبارك ويزيد بن هارون وطائفة .

أبو مالك : عن جُويبر ، عن الضحّاك ، عن ابن عبّاس مرفوعاً قال : تجب الصّلاة على الغلام إذا عقل والصّوم إذا أطاق .

ويُروى عن جُويبِر عن الضحّاك عن ابن عبّاس حديث : من اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء لم يَرمد أبداً .

قال أبو قدامة السرخسي : قال يحيى القطّان : تساهلوا في أخذ التفسير عن قومٍ لا يثقونهم في الحديث ، ثمّ ذكر ليث بن أبي سليم وجُويبراً والضحّاك ومحمّد بن السائب وقال : هؤلاء لا يحمد حديثهم ، ويكتب التفسير عنهم )(٢) .

ـــــــــــــــــــ

(١) إحياء علوم الدين ١ : ٦٨ ـ ٦٩ .

(٢) ميزان الاعتدال ١ : ٤٢٧/ ١٥٩٣ .


وفي( تقريب التهذيب ) :

( ضعيف جدّاً )(١) .

أبو صالح باذام

ومنهم : أبو صالح باذام ، وهو من رجال السنن الأربعة ، وذكروا له فضائل .

ولكن أورده الذهبي في( ميزان الإعتدال ) ونقل الكلمات في قدحه وجرحه فقال ما نصّه :

( باذام أبو صالح ، تابعي ، ضعّفه البخاري ، وقال النسائي : باذام ليس بثقة ، وقال ابن معين : ليس به بأس ، وقال ابن عدي : عامّة ما يرويه تفسير .

قلت : روى عن مولاته أُم هاني وأخيها عليّ وأبي هريرة وعنه : مالك بن مغول وسفيان الثوري وابن أُخته عمّار بن محمّد ، وقال يحيى القطّان : لم أر أحداً مِن أصحابنا ترك أبا صالح مولى أُم هاني ، وقال محمّد بن قيس عن حبيب بن أبي ثابت : كنّا نسمّي أبا صالح باذام مولى أُم هاني دروغزن ، وقال زكريّا بن أبي زائدة : كان الشعبي يمرّ بأبي صالح فيأخذ بأُذنه فيهزّها ويقول : ويلك ، تفسّر القرآن وأنت لا تحفظ القرآن ؟ !

وقال إسماعيل بن أبي خالد : كان أبو صالح يكذب ، فما سألته عن شيء إلاّ فسّره لي ، وروى ابن إدريس عن الأعمش قال : كنّا نأتي مجاهداً فنمرّ على أبي صالح وعنده بضعَةَ عشر غلاماً ما نرى أنّ عنده شيئاً .

ابن المديني : سمعت يحيى بن سعيد يذكر عن سفيان قال : قال الكلبي قال لي أبو صالح : كلّ ما حدّثتك كذب .

ـــــــــــــــــــ

(١) تقريب التهذيب ١ : ١٣٩/ ١٠٨٩ .


وروى مفضّل بن مهلهل عن مغيرة قال : إنّما كان أبو صالح صاحب الكلبي يعلّم الصبيان ، وضعّف تفسيره ، وقال ابن معين : إذ روى عنه الكلبي فليس بشيء وقال عبد الحق في أحكامه : ضعيف جدّاً ، فأنكر هذه العبارة عليه أبو الحسن ابن القطّان )(١) .

وفي( الميزان ) أيضاً :

( أبو صالح مولى أُمّ هاني ، اسمه باذام ، تركه ابن مهدي وقوّاه غيره ، وقال أبو أحمد الحاكم : ليس بالقويّ عندهم ، وانتصر له يحيى القطّان وقال : لم أرَ أحداً من أصحابنا تركه ، وما سمعنا أحداً يقول فيه شيئاً )(٢) .

ليث بن أبي سليم

ومنهم : ليث بن أبي سليم ، وقد وصفه بعضُهم بمحامدٍ كثيرة ومناقبٍ غزيرة ، لكنَّ غير واحدٍ مِن أعلامهم تكلّم فيه وجرحه ، فقد قال الذهبي في( ميزان الإعتدال ) :

( ليث بن أبي سليم الكوفي الليثي ، أحد العلماء .

قال أحمد : مضطربُ الحديث لكن حدّث عنه الناس ، وقال يحيى والنسائي : ضعيف ، وقال ابن معين أيضاً : لا بأس به ، وقال ابن حبّان : اختلط في آخر عمره ، وقال الدارقطني : كان صاحب سنّة ، إنّما أنكروا عليه الجمع بين عطاء وطاوس ومجاهد حسب ، وقال عبد الوارث : كان من أوعية العلم ، وقال أبو بكر ابن عيّاش : كان ليث مِن أكثر النّاس صلاةً وصياماً .

قلت : حدّث عنه شعبة وابن عليّة وأبو معاوية والنّاس ، وقال ابن إدريس : ما جلست إلى ليث إلاّ سمعت منه ما لم أسمع منه ، وقال عبد الله بن أحمد : حدّثنا أبي قال : ما رأيت يحيى بن سعيد أسوأ رأياً في أحد منه في ليث ومحمّد بن إسحاق وهمام ، لا يستطيع أحدٌ أنْ يراجعه فيهم .

ـــــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال ١ : ٢٩٦/ ١١٢١ .

(٢) ميزان الاعتدال ٤ : ٥٣٨/ ١٠٣٠٢ .


وقال ابن معين : ليث أضعف من عطاء بن السائب )(١) .

وفي( تذهيب التهذيب ) :

( قال عبد الله بن أحمد بن حنبل : سمعت أبي يقول : ليث بن أبي سليم مضطرب الحديث ، ولكن حدّث عنه النّاس ، وقال أيضاً : سمعت أبي يقول : ما رأيت يحيى بن سعيد أسوأ رأياً في أحدٍ في ليث ومحمّد بن إسحاق وهمام ، لا يستطيع أحد أنْ يراجعه فيهم ، وقال أيضاً : سمعت عثمان بن أبي شيبة قال : سألت جريراً عن ليث ، وعن عطاء بن السائب ، وعن يزيد بن أبي زياد فقال : كان يزيد أحسنهم استقامةً في الحديث ، ثمّ عطاء وكان ليث أكثر تخليطاً .

قال عبد الله : وسألت أبي عن هذا فقال : أقول كما قال جرير ، وقال أيضاً : قلت ليحيى بن معين : ليث بن أبي سليب أضعف مِن يزيد ابن أبي زياد وعطاء بن السائب ؟ قال : نعم ، وقال لي يحيى مرّة أُخرى : ليث أضعف مِن يزيد بن أبي زياد ، ويزيد فوقه في الحديث .

وقال معاوية بن صالح : عن يحيى بن معين : ليث بن أبي سليم ضعيف إلاّ أنّه يكتب حديثه ، وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري : حدّثنا يحيى بن معين ، عن يحيى بن سعيد القطّان أنّه كان لا يُحدّث عن ليث بن أبي سليم ، وقال عليّ بن المديني : سمعت يحيى يقول : مجالد أحبّ إليّ من ليث وحجّاج بن أرطاة .

وقال أيضاً : قلت لسفيان : إنّ ليث روى عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جدّه رأى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتوضّأ ، فأنكر ذلك سفيان ، وعجب منه أنْ يكون جدّه طلحة لقي النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقال أبو معمر القطيعي : كان ابن عيينة يضعّف ليث بن أبي سليم .

وقال عليّ بن محمّد الطنافسي : سألت وكيعاً عن حديث من حديث ليث بن أبي سليم ، فقال : ليث كان سيفاً لا يسعى ليثاً .

وقال محمّد بن خلف التيمي عن قبيصة قال شعبة لليث بن أبي سليم : أنّى اجتمع لك عطاء وطاوس ومجاهد ؟ فقال : إذ أبوك يضرب بالخف ليلة عرسه .

ـــــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال ٣ : ٤٢٠ ـ ٤٢١/ ٦٩٩٧ .


قال قبيصة : فقال رجل كان جالساً لسفيان : فما زال شعبة بغضاً لليث منذ يومئذ ، وقال ـ أي عبد الرحمان بن أبي حاتم ـ : سمعت أبي وأبا زرعة يقولان : ليث لا يشتغل به ، هو مضطرب الحديث ، وقال أيضاً : سمعت أبا زرعة يقول : ليث بن أبي سليم ليّن الحديث ، لا يقوم به الحجّة عند أهل العلم بالحديث )(١) .

عبد الله بن أبي نجيح

ومنهم : عبد الله بن أبي نجيح ، وقد قال الذهبي بأنّه من الأئمّة الثقات ، وعن ابن المديني كونه من المحدّثين الأثبات... لكن البخاري نسب إليه القول بالقدَر ، وعن ابن المديني الجزم بكونه مِن القدريّة ، قال الذهبي :

( عبد الله بن أبي نجيح المكّي صاحب التفسير ، أخذ عن مجاهد وعطاء ، وهو من الأئمّة الثقات ، وقال يحيى القطّان : لم يسمع التفسير كلّه من مجاهد ، بل كلّه عن القاسم بن أبي بزّة ، وقال العقيلي : ثنا آدم بن موسى : سمعت البخاري قال : عبد الله بن أبي نجيح كان يُتّهم بالاعتزال والقدَر .

وقال ابن المديني : كان يرى الاعتزال ، وقال أحمد : أفسدوه بآخره وكان جالس عمرو بن عبيد ، وقال عليّ : سمعت القطّان يقول : ابن أبي نجيح من رؤوس الدعاة ، وقال ابن المديني أيضاً : أمّا الحديث فهو فيه ثقة ، وأمّا الرأي ، فكان قدريّاً معتزليّاً ، وقد ذكره الجوزجاني فيمن رمي بالقدر هو وزكريّا بن إسحاق وشبل بن عباد وابن أبي ذئب وسيف بن سليمان )(٢) .

ـــــــــــــــــــ

(١) تذهيب التهذيب. تهذيب التهذيب ٨ : ٤١٨ .

(٢) ميزان الاعتدال ٢ : ٥١٥/ ٤٦٥١ .


هذا، وقد ذكر في( الميزان ) نقلاً عن النسائي أنّه كان يدلّس .

وكذا في( تقريب التهذيب ) (١) .

وقد تقدّم بعض الكلام في ذمّ القدريّة وذمّ التدليس ، ولا نعيد .

عيسى بن ميمون

ومنهم : عيسى بن ميمون ، الذي وثّقوه ، ولكنْ قالوا : إلاّ أنّه يرى القدر .

ففي( ميزان الإعتدال ) :

( عيسى بن ميمون ، أبو موسى المكّي ، الجرشي المعروف بابن دايه ، له تفسير صغير ، أخذ عن مجاهد وقيس بن سعد وابن أبي نجيح روى عنه ابن عيينة وأبو عاصم ، وقرأ القرآن عن ابن كثير وثّقه أبو حاتم وأبو داود وزاد : إلاّ أنّه يرى القدر ، وقال ابن معين : ليس به بأس )(٢) .

ـــــــــــــــــــ

(١) انظر تقريب التهذيب ١ : ٤٢٧/ ٤٠٦١ .

(٢) ميزان الاعتدال ٣ : ٣٢٧/ ٦٦١٩ .


مقاتل بن حيّان

ومنهم : مقاتل بن حيّان ، وقد وثّقه غير واحدٍ مِن الأئمّة ، لكنْ نسَبه بعضهم إلى الكذِب ، وحاول الذهبي تبرئته ، وقال بعضهم : لا أحتجُّ به ، وهذا نصُّ ما جاء في( الميزان ) :

( مقاتل بن حيّان ، أو بسطام البلخي ، الخراساني الخرّاز ، أحد الأعلام روى عن الضحّاك ومجاهد وعكرمة والشعبي وشهر بن حوشب وخلقُ ، وعنه : ابن المبارك وبكير بن معروف وعيسى غنجار وآخرون ، وروى عنه مِن شيوخه علقمة بن مرثد ، وذلك في صحيح مسلم .

وكان عابداً كبير القدر صاحب سنّةٍ وصدق ، هرَب أيّام أبي مسلم الخراساني إلى كابل ، ودعا خلقاً إلى الإسلام فأسلموا .

وثّقه يحيى بن معين وأبو داود وغيرهما ، وقال النسائي : ليس به بأس ، وقال أبو الفتح الأزدي : سكتوا عنه ، ثمّ ذكر أبو الفتح عن وكيع أنّه قال : يُنسب إلى الكذِب ، كذا قال أبو الفتح ، وأحسبه التَبَس عليه مقاتل بن حيّان بمقاتل بن سليمان ، فابن حيّان صدوقٌ قويّ الحديث ، والذي كذّبه وكيع فابن سليمان .

ثمّ قال أبو الفتح : ثنا أبو يعلى الموصلي ، ثنا عثمان بن أبي شيبة ، عن حميد الرؤاسي ، عن الحسن بن صالح ، عن هارون أبي محمّد ، عن مقاتل ، عن قتادة ، عن أنَس مرفوعاً قال : قلب القرآن يس ، فمن قرأها كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرّات .

قلت : الظاهر أنّه مقاتل بن سليمان ، وقد جاء توثيق يحيى بن معين لابن حيّان مِن وجوه عنه .

وقال فيه الدارقطني : صالح الحديث .

نعم ، أمّا ابن خزيمة فقال : لا أحتجّ بمقاتل بن حيّان .

قلت : مات قبل الخمسين ومئة فيما أرى )(١) .

ـــــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال ٤ : ١٧١ ـ ١٧٢/ ٨٧٣٩ .


مقاتل بن سليمان

ومنهم : مقاتل بن سليمان ، الذي قيل : إنّ النّاس كلّهم عيال عليه في التفسير ، ووصَفه الأعلام بالأوصاف الجليلة(١) .

لكنّ تفسيره مشحونٌ بالأخبار المصنوعة والآثار الموضوعة ، بل إنّه مُتّخذ مِن اليهود والنصارى .

وكان هو مِن المشبّهة الذين يُشبّهون الباري تعالى بالمخلوقين ، ومنهم مَن نسبه إلى الكذِب... وقد جاء التصريح بهذهِ الأضاليل في تراجمه على لسان الأكابر ، ففي( ميزان الاعتدال ) ما نصّه :

( قال أبو حنيفة : أفرط جهم في نفي التشبيه حتّى قال إنّه تعالى ليس بشيء ، وأفرط مقاتل ـ يعني في الإثبات ـ حتّى جعله مثل خلقه ، وقال وكيع : كان كذّاباً ، وقال البخاري : قال سفيان بن عيينة : سمعت مقاتلاً يقول : إنْ لم يخرج الدجّال في سنة خمسين ومئة فاعلموا أنّي كذّاب ، وقال الجوزَجاني : كان دجّالاً جسوراً ، وقال ابن حبّان : كان يأخذ عن اليهود والنصارى مِن علم القرآن الذي يُوافق كُتبهم ، وكان يشبّه الربّ بالمخلوق ، وكان يكذِب في الحديث .

ـــــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال ٤ : ١٧٣/ ٨٧٤١ .


وقال أبو معاذ الفضل بن خالد المروزي : سمِعت خارجة بن مصعب يقول : لم أستحلّ دمَ يهوديّ ، ولو وجدْتّ مقاتل بن سليمان خلوةً لشقَقَتُ بطنه )(١) .

وفي( تنزيه الشريعة ) :

( مقاتل بن سليمان البلخي المفسّر : كذّاب ، وهو من المعروفين بوضع الحديث )(٢) .

وفي( تاريخ بغداد ) :

( قال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي : أخرجَت خراسان ثلاثةً لم يكن لهم في الدنيا نظير ـ يعني في البِدعة والكذِب ـ : جهم بن صفوان ، وعمر بن صبيح ، ومقاتل بن سليمان .

وروى أبو يوسف أنّه قال : بخراسان صنفان ، ما على الأرض أبغض إليَّ منهما : المقاتليّة ، والجهميّة )(٣) .

فهذا حال من كلّ النّاس عيال عليه في التفسير ، وهذا حال تفسيره...

ـــــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال ٤ : ١٧٣ ـ ١٧٥/ ٨٧٤١ .

(٢) تنزيه الشريعة الغرّاء ١ : ١١٩ .

(٣) تاريخ بغداد ١٣ : ١٦٤/ ٧١٤٣ .


السدّي الكبير

ومنهم : السدّي الكبير ، أخرج عنه مسلم والأربعة ، وأثنى عليه العلماء وعلى تفسيره :

وقال السيوطي :

( قال أبو بكر ابن أبي إدريس : ليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقرآن من أبي العالية ، وبعده سعيد بن جُبير ، وبعده السدّي ، وبعده سفيان الثوري )(١) .

وقال اليافعي :

( الإمام السدّي المُفسّر الكوفي المشهور )(٢) ، وقال الذهبي : ( قال ابن عدي : هو عندي مستقيمُ الحديث ، صدوق )(٣) .

وقال السمعاني :

( والمشهور بهذه النسبة : إسماعيل بن عبد الرحمان بن أبي ذئب وقيل : ابن أبي كريمة السدّي الأعور ، مولى زينب بنت قيس بن مخرمة ، من بني عبد مناف ، حجازي الأصل ، سكن الكوفة ، يروي عن أنَس بن مالكرضي‌الله‌عنه وعبد خير وأبي صالح ، وقد رأى ابن عمر رضي الله عنهما ، وهو السدّيُّ

ـــــــــــــــــــ

(١) تدريب الراوي ٢ : ٤٠٠ .

(٢) مرآة الجنان ١ : ٢١١ السنة ١٢٧ .

(٣) تذهيب التهذيب تهذيب التهذيب ١ : ٢٧٣ .


الكبير ، ثقةٌ مأمون .

روى عنه : الثوري وشعبة وزائدة وسماك بن حرب وإسماعيل بن أبي خالد وسليمان التيمي .

ومات سنة سبع وعشرين ومئة ، في إمارة ابن هبيرة .

وكان إسماعيل بن أبي خالد يقول : السدّي أعلم بالقرآن من الشعبي .

قال أبو بكر أحمد بن موسى بن مردَويه الحافظ : إسماعيل بن عبد الرحمان السدّي ، يُكنّى أبا محمّد ، صاحب التفسير ، وإنّما سُمّي السدّي لأنّه نزل بالسدّة ، وكان أبوه مِن كِبار أهل أصبهان ، توفّي سنة سبع وعشرين ومئة ، في ولاية بني مروان .

روى عن أنَس بن مالك ، وأدرك جماعة من أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، منهم : سعد بن أبي وقّاص ، وأبو سعيد الخدري ، وابن عمر ، وأبو هريرة ، وابن عبّاس .

حدّث عنه : الثوري وشعبة وأبو عوانة والحسن بن صالح .

قال ابن أبي حاتم : إسماعيل بن عبد الرحمان السدّي الأعور ، مولى زينب بنت قيس بن مخرمة ، أصله حجازي ، يُعدّ في الكوفيّين ، وكان شريك يقول : ما ندمت على رجلٍ لقيتَه أنْ لا أكون كتبتُ كلّ شيء لَفظَ به ، إلاّ السدّي .

قال يحيى بن سعيد : ما سمعت أحداً يذكر السدّي إلاّ بخير ، وما تركه أحد )(١) .

وفي( الإتقان ) نقلاً عن الحليمي فيالإرشاد :

ـــــــــــــــــــ

(١) الأنساب ٣ : ٢٣٨ ـ ٢٣٩ .


 ( وتفسير إسماعيل السدّي يُورده بأسانيد إلى ابن مسعود وابن عبّاس ، وروى عن السدّي الأئمّة مثل : الثوري وشعبة ، لكن التفسير الذي جَمَعه رواه عنه أسباط بن نصر ، وأسباط لم يتّفقوا عليه ، غير أنّ أمثل التفاسير تفسير السدّي )(١) .

ومع ذلك كلّه... فإليك بعض الكلمات في جرحِه والطعن عليه في كُتبهم :

ففي( الميزان ) :

( إسماعيل بن عبد الرحمان بن أبي كريمة ، السدّي ، الكوفي ، عن أنَس وعبد الله البهيّ وجماعة ، وعنه : الثوري وأبو بكر ابن عيّاش وخلق ورأى أبا هريرة .

قال يحيى بن القطّان : لا بأس به ، وقال أحمد : ثقة ، وقال ابن معين : في حديثه ضَعف ، وقال أبو حاتم : لا يُحتجّ به ، وقال ابن عدي : هو عندي صدوق ، وروى شريك عن سَلْم بن عبد الرحمان قال : مرّ إبراهيم النخعي بالسدّي وهو يُفسّر لهم القرآن فقال : أمّا إنّه يُفسّر تفسير القوم .

قال عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت : سمعت الشعبي وقيل له إنّ إسماعيل السدّي قد أُعطيَ حظّاً من علمِ القرآن ، فقال : قد أُعطي حظّاً مِن جهلٍ بالقرآن .

وقال الفلاّس عن ابن مهدي : ضعيف .

ـــــــــــــــــــ

(١) الإتقان في علوم القرآن ٤ : ٢٣٨ .


وقال الجوجاني عن مُعتمر عن ليث قال : كان بالكوفة كذّابان ، فمات أحدهما : السدّي والكلبي )(١) .

وفي( الكاشف ) :

( قال أبو حاتم : لا يُحتجّ به )(٢) .

وفي هامشه للبدخشي : ( قال السعدي : هو كذّاب شتّام ، وقال أبو زرعة : ليّن )(٣) .

ـــــــــــــــــــ

(١) ميزان الإعتدال ١ : ٢٣٦ ـ ٢٣٧/ ٩٠٧ .

(٢) الكاشف عن أسماء رجال الكتب الستّة ١ : ٧٩/ ٣٩٤ .

(٣) الحاشية على الكاشف ـ مخطوط .


محمّد بن السّائب الكلْبي

ومنهم : محمّد بن السائب الكلبي ( صاحب التفسير وعلم النسب ، كان إماماً في هذين العلمين )(١) .

وأخرج عنه الترمذي وغيره مِن كبار الأعلام(٢) .

وقال ابن عدي :

( وللكلبي غير ما ذكرت أحاديثٌ صالحة ، خاصّة عن أبي صالح ، وهو معروف بالتفسير ، وليس لأحدٍ تفسير أطول منه ولا أشبع منه ، وبعده مقاتل بن سليمان ، إلاّ أنّ الكلبي يُفضِّل على مقاتل بن سليمان ، لما قيل في مقاتل مِن المذاهب الرديّة .

وحدّث عن الكلبي الثوري وشعبة ، وإنْ كانا حدّثنا عنه بالشيء اليسير غير المسند ، وحدّث عنه : ابن عيينة وحمّاد بن سلمة وهشيم وغيرهم من ثقات الناس ، ورضوه في التفسير... )(٣) .

( وقال الحسن بن عثمان القاضي : وجدت العلم بالعراق والحجاز ثلاثة : علم أبي حنيفة وتفسير الكلْبي ومغازي محمّد بن إسحاق )(٤) .

وقال البزدوي :

ـــــــــــــــــــ

(١) وفيات الأعيان ٤ : ٣٠٩/ ٦٣٤ .

(٢) تهذيب التهذيب ٩ : ١٥٧ .

(٣) تهذيب الكمال ٢٥ : ٢٥١ ـ ٢٥٢/ ٥٢٣٤ .

(٤) تاريخ بغداد ١٣ : ٣٤٧/ ٧٢٩٧ .


 ( ليس من اتّهم بوجهٍ مّا يسقط به كلّ حديثه ، مثل الكلبي وأمثاله... )(١) .

فقال شارحه بشرح هذه الجملة :

( قوله : مثل الكلبي : هو أبو سعيد محمّد بن السائب الكلبي صاحب التفسير ويُقال له أبو النضر أيضاً ، طعنوا فيه بأنّه يروي تفسير كلّ آية عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتُسمّى زوائد الكلبي ، وبأنّه روى حديثاً عند الحجّاج ، فسأله عمّن يرويه ، فقال : عن الحسن بن عليّ ( رضي الله عنهما ) ، فلمّا خرج قيل له : هل سمعت ذلك من الحسن ؟ فقال : لا ، ولكنّي رويت عن الحسن غيظاً له .

وذَكر في الأنساب أنّ الثوري ومحمّد بن إسحاق يرويان عنه ويقولان : حدّثنا أبو النضر، حتّى لا يعرف .

قال : وكان الكلبي سبائيّاً من أصحاب عبد الله بن سبأ ، مِن أولئك الّذين يقولون : إنّ عليّاً لم يمت ، وأنّه راجعٌ إلى الدنيا قبل قيام السّاعة ، فيملؤها عدلاً كما مُلِئت جوراً ، وإذا رأوا سحابة قالوا : أمير المؤمنين فيها ، والرعد صوته ، والبرق سوطه ، حتّى تبرّأ واحدٌ منهم وقال :

ومِن قَومٍ إذا ذَكَروا عليّاً

يصلّون الصّلاة على السحابِ

مات الكلبي سنة ستٍّ وأربعين ومئة .

وأمثاله : مثل عطاء بن السائب وربيعة بن عبد الرحمان وسعيد بن أبي عروبة وغيرهم ، اختلطت عقولهم فلم تُقبل رواياتهم التي بعد الاختلاط ، وقُبلت الروايات التي قبله .

فإنْ قيل : ما نُقل عن الكلبي يوجب الطعن عامّاً ، فينبغي أنْ لا تُقبل

ـــــــــــــــــــ

(١) أُصول الفقه ( متن كشف الأسرار ) ٣ : ٧٢ .


رواياته جميعاً .

قلنا : إنّما يُوجب ذلك إذا ثبت ما نقلوا عنه بطريقِ القطع ، فأمّا إذا اتّهم به ، فلا يثبت حكمه في غير موضع التهمة ، وينبغي أنْ لا يثبت في موضع التهمة أيضاً ، إلاّ أنّ ذلك يورث شبهةً في الثبوت ، وبالشبهةِ تُرَدُّ الحجّة وينتفي ترجّح الصدق في الخبر ، فلذلك لم يثبت .

أو معناه ليس كلّ مَن اتّهم بوجهٍ ساقطُ الحديث ، مثل الكلبي وعبد الله بن لهيعة والحسن بن عمارة وسفيان الثوري وغيرهم ، فإنّه قد طعن في كلّ واحدٍ منهم بوجه ، ولكن علوّ درجتهم في الدّين وتقدّم رتبتهم في العلم والورع ، منع مِن قبول ذلك الطعن في حقّهم ومِن ردّ حديثهم به ، إذ لو رُدّ حديثُ أمثال هؤلاء بطعنِ كلّ أحد ، انقطع طريق الرواية واندرسَ الإخبار ، إذ لم يُوجد بعد الأنبياءعليهم‌السلام مَن لا يُوجد فيه أدنى شيء ممّا يجرح ، إلاّ مَن شاء الله تعالى ، فلِذلك لم يُلتَفت إلى مثل هذا الطعن ، فيُحمل على أحسن الوجوه ، وهو قصد الصيانة كما ذكر )(١) .

وقال القاضي العامري في كتاب( الناسخ والمنسوخ ) :

( قد خرّجتُ هذا من التفاسير التي سمعتها مِن الأئمّة رحمهم الله ، منها ما سمعت مِن الأستاذ الإمام أبي إسحاق إبراهيم بن محمّد الإسفرايني رحمه الله ، مثل تفسير مقاتل بن سليمان والحلَبي والكلْبي... ولم أعتمد إلاّ بما صحّ عندي بتواتر واستفاضة ، أو رُوي في الصحاح بغير طعنِ الطاعنٍ ، والله الموفّق لذلك )(٢) .

لكن العجب ، أنّ أئمّة القوم يطعنون في الكلْبي وتفسيره ، فمنهم مَن

ـــــــــــــــــــ

(١) كشف الأسرار ـ شرح أُصول البزدوي ٣ : ٧٢ ـ ٧٣ .

(٢) الناسخ والمنسوخ للقاضي العامري ـ مقدّمة الكتاب .


يقول هو كاذب ، ومنهم مَن ينادي بضلالته وإلحاده ، ومنهم مَن يحرّم أنْ يُنظر في تفسيره...

قال الذهبي في( ميزان الإعتدال ) :

( قال أحمد بن زهير لأحمد بن حنبل : يحلّ النظر في تفسر الكلْبي ؟ قال : لا .

عبّاس عن ابن معين قال : الكلْبي ليس بثقة ، وقال الجوزجاني وغيره : كذّاب ، وقال الدارقطني وجماعة : متروك ، وقال ابن حبّان : مذهبه في الدين ووضوح الكذِب فيه ، أظهر مِن أنْ يحتاج إلى الإغراق في وصفه )(١) .

وفي( تذكرة الموضوعات ) :

( قد قال أحمد في تفسير الكلْبي : مِن أوّله إلى آخره كذب ، لا يحلُّ النظر فيه )(٢) .

عليّ بن أبي طلحة

ومنهم : عليّ بن أبي طلحة ، وهو مِن رواة تفسير ابن عبّاس ، ووصَف السيوطي نسخته بالجودة ، وأورد كلاماً لأحمد في الاعتماد عليه .

قال في( الإتقان ) :

( وقد ورد عن ابن عبّاس في التفسير ما لا يُحصى كثرةً ، وفيه رواياتٌ وطرقٌ مختلفة ، فمن جيّدها طريق عليّ بن أبي طلحة الهاشمي عنه .

قال أحمد بن حنبل : بمصر صحيفة في التفسير ، رواها عليّ بن أبي طلحة ، لو رحَل رجلٌ فيها إلى مصر قاصداً ما كان كثيراً أسنده أبو جعفر النحاس في ناسخه.

ـــــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال ٣ : ٥٥٨ ـ ٥٥٩/ ٧٥٧٤ .

(٢) تذكرة الموضوعات : ٨٢ .


قال ابن حجر : وهذه النسخة كانت عند أبي صالح كاتب الليث، رواها عن معاوية بن صالح ، عن عليّ بن أبي طلحة ، عن ابن عبّاس ، وهي عند البخاري عن أبي صالح، وقد اعتمد عليها في صحيحه كثيراً ، فيما يعلّقه عن ابن عبّاس ، وأخرج منها ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر كثيراً ، بوسائط بينهم وبين أبي صالح )(١) .

لكنّ المشكلة هي :

أوّلاً : إنّ في إسناد هذه النسخة إرسالاً ؛ لأنّ ابن أبي طلحة لم يسمع من ابن عبّاس ، قال في( الإتقان ) :

ـــــــــــــــــــ

(١) الإتقان في علوم القرآن ٤ : ٢٣٧ .


 ( وقال قومٌ : لم يسمع ابن أبي طلحة من ابن عبّاس التفسير ، إنّما أخذه عن مجاهد أو سعيد بن جُبير )(١) .

لكنّ ابن حجر يحاول دفع هذا الإشكال ، قال السيوطي :

( قال ابن حجر : بعد أنْ عرفت الواسطة وهو ثقةٌ ، فلا ضير في ذلك )(٢) .

وثانياً : إنّ الرجل مطعون في وثاقته ، ففي( ميزان الإعتدال ) للذهبي :

( عليّ بن أبي طلحة ، عن مجاهد وأبي الوداك وراشد بن سعد ، وأخذ تفسير ابن عبّاس عن مُجاهد ، فلم يذكر مجاهداً ، بل أرسله عن ابن عبّاس .

قال أحمد بن محمّد بن عيسى في تاريخ حمص : اسم أبيه سالم بن مخارق ، فأعتقه العبّاس ، ومات عليّ سنة ثلاث وأربعين ومئة ، وقال أحمد بن حنبل : له أشياء مُنكرات ، وقال أبو داود : كان يرى السيف ، وقال النسائي : ليس به بأس .

قلت : حدّث عنه معاوية بن صالح وسُفيان الثوري ، عداده في أهل حمص ، قال دحيم : لم يَسمع عليّ بن أبي طلحة التفسير من ابن عبّاس .

قلت : روى معاوية بن صالح عنه ، عن ابن عبّاس تفسيراً كبيراً ممتعاً )(٣) .

وفي( حاشية الكاشف ) :

( قال يعوب بن سفيان : ضعيفُ الحديث ، يعني عليّ بن أبي طلحة )(٤) .

ـــــــــــــــــــ

(١) الإتقان في علوم القرآن ٤ : ٢٣٧ .

(٢) الإتقان في علوم القرآن ٤ : ٢٣٧ .

(٣) ميزان الاعتدال ٣ : ١٣٤/ ٥٨٧٠ .

(٤) حاشية الكاشف ـ مخطوط .


وثالثاً : إنّ هذه النسخة يرويها أبو صالح عن معاوية بن صالح ، وهو أيضاً مجروحٌ جدّاً ، قال في( الميزان ) :

( معاوية بن صالح الحضرمي الحمصي ، قاضي الأندلس ، أبو عمرو ، روى عن مكحول والكبار ، وعنه : ابن وهب وعبد الرحمان بن مهدي وأبو صالح وطائفة وثّقه أحمد وأبو زرعة وغيرهما .

وكان يحيى القطّان يتعنّت ولا يرضاه ، وقال أبو حاتم : لا يُحتجّ به ، ولذا لم يُخرّج له البخاري ، وليّنه ابن معين... )(١) .

ورابعاً : إنّ أبا صالح ـ كاتب الليث ـ أيضاً غير صالح قال في( الميزان ) :

( عبد الله بن صالح بن محمّد بن مسلم الجهني المصري ، أبو صالح ، كاتب الليث بن سعد على أمواله ، هو صاحب حديث وعلم مكثر ، وله مناكير ، حدّث عن معاوية بن صالح والليث وموسى بن عليّ وخلقٌ ، وعنه شيخه الليث وابن وهب وابن معين وأحمد بن الفرات ، والناس .

قال عبد الملك بن شعيب بن الليث : ثقةٌ مأمون ، سمع من جدّي حديثه ، وقال أبو حاتم : سمعت محمّد بن عبد الله بن عبد الحكم وسُئل عن أبي صالح فقال : تسألني عن أقرب رجلٍ إلى الليث ، لزِمه سفَراً وحضَراً ، وكان يخلو معه كثيراً ، لا يُنكر لمثله أنْ يكون قد سمع منه كثرةَ ما أخرج عن الليث .

وقال أبو حاتم : سمعت ابن معين يقول : أقلّ أحواله أنْ يكون قرأ هذهِ الكُتب على الليث وأجازها له ، ويُمكن أنْ يكون ابن أبي ذئب كتب إليه بهذا الدرج .

ـــــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال ٤ : ١٣٥/ ٨٦٢٤ .


قال : وسمعت أحمد بن صالح يقول : لا أعلم أحداً روى عن الليث عن ابن أبي ذئب إلاّ أبو صالح.

وقال أحمد بن حنبل : كان أوّل أمره مُتماسكاً ثمّ فسد بآخره ، يَروي عن ليث عن ابن أبي ذئب ، ولم يسمع الليث من ابن أبي ذئب شيئاً .

وقال أبو حاتم : هو صدوقٌ أمينٌ ما علِمته ، وقال أبو زرعة : لم يكن عندي ممّن يتعمّد الكذب ، وكان حسنُ الحديث ، وقال أبو حاتم : أخرج أحاديثَ في آخر عمره أنكروها عليه ، يرى أنّها ممّا افتعل خالد بن نجيح ، وكان أبو صالح يصحبه ، وكان سليم الناحية ، لم يكن وزن أبي صالح الكذب ، كان رجلاً صالحاً ، وقال أحمد بن محمّد [بن] الحجّاج بن رشدين : سمعت أحمد بن صالح يقول : متّهمٌ ليس بشيء ـ يعني الحمراوي عبد الله بن صالح ـ ، وسمعت أحمد بن صالح يقول في عبد الله بن صالح ، فأجروا عليه كلمةً أُخرى .

وقال ابن عبد الحكم : سمعت أبي عبد الله يقول ما لا أُحصي وقد قيل له : إنّ يحيى بن بكير يقول في أبي صالح شيئاً ، فقال : قل له : هل حدّثك الليث قطّ إلاّ وأبو صالح عنده ، وقد كان يخرج معه إلى الأسفار وهو كاتبه ، فتنكر أنْ يكون عنده ما ليس عند غيره .

وقال سعيد بن منصور : كلّمني يحيى بن معين قال : أحبّ أنْ تمسك عن عبد الله بن صالح، فقلت: لا أمسك عنه وأنا أعلم النّاس به ، إنّما كان كاتباً للضِياع .

وقال أحمد : كتب إليّ ـ وأنا بحمص ـ يسألني الزيارة .

قال الفضل بن محمّد الشعراني : إنّي ما رأيت أبا صالح إلاّ وهو يُحدّث أو يُسبّح .

قال صالح جَزَرة : كان ابن معين يوثّقه ، وهو عندي يكذِب في الحديث ، وقال النسائي : ليس بثقةٍ ، يحيى بن بكير أحبّ إلينا منه ، وقال ابن المديني : لا أروي عنه شيئاً ، وقال ابن حبّان : كان في نفسه صدوقاً ، إنّما وقعَت المناكير في حديثه من قِبل جارٍ له ، فسمعتُ ابن خزيمة يقول : كان له جار ، كان بينه وبينه عداوة ، كان يضع الحديث على شيخ أبي صالح ويكتبه بخطٍّ يشبه خطَّ عبد الله ويرميه في داره بين كتبه ، فيتوهّم عبد الله أنّه خطّه فيُحدّث به .

وقال ابن عدي : هو عندي مستقيمُ الحديث ، إلاّ أنّه يقع في أسانيده ومتونه غلطٌ ولا يتعمّد .


قلت : وقد روى عنه البخاري في الصحيح على الصحيح ، ولكنّه يدلّسه فيقول : ثنا عبد الله ولا ينسبه وهو هو، نعم علّق البخاري حديثاً فقال فيه : قال الليث بن سعد : حدّثني جعفر بن ربيعة ، ثمّ قال في آخر الحديث : حدّثني عبد الله بن صالح ، ثنا الليث ، فذكره ، ولكن هذا عند ابن حمويه السرخسي دون صاحبيه .

وفي الجملة ؛ ما هو بدون نعيم بن حمّاد ، ولا إسماعيل بن أبي أُويس ، ولا سويد بن سعيد ، وحديثهم في الصحيحين ، ولكلّ منهم مناكير تغتفر في كثرة ما روى ، وبعضها منكر واهٍ ، وبعضها غريبٌ محتمل .

وقد قامت القيامة على عبد الله بن صالح بهذا الخبر الذي قال : حدّثنانافع بن يزيد ، عن زهرة بن معبد ، عن سعيد بن المسيّب ، عن جابر، مرفوعاً : ( إنّ الله اختار أصحابي على العالمين ، سوى النبيّين والمرسلين ، واختار مِن أصحابي أربعة : أبا بكر ، وعُمر ، وعثمان ، وعليّاً ، فجعلهم خيرَ أصحابي ، وفي أصحابي كلّهم خير ) .

قال سعيد بن عمرو ، عن أبي زرعة : بُلي أبو صالح بخالد بن نجيح ، في حديث زهرة بن معبد عن سعيد ، وليس له أصل .

قلت : قد رواه أبو العبّاس محمّد بن أحمد الأثرم... )(١) .

ـــــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال ٢ : ٤٤٠ ـ ٤٤٢/ ٤٣٨٣ .


سعيد بن بشير

ومنهم : سعيد بن بشير، صاحب قتادة ، من رجال السنن الأربعة ، وهذه ترجمته في( الميزان ) :

( سعيد بن بشير ، صاحب قتادة ، سكن دمشق ، وحدّث عن قتادة والزهري وجماعة ، وعنه : أبو مسهر وأبو الجماهر ويحيى الوحاظي ، قال أبو مسهر : لم يكن في بلدنا أحفظ منه ، وهو مُنكَر الحديث ، وقال أبو حاتم : محلّه الصّدق ، وقال البخاري : يتكلّمون في حفظه ، وقال بقيّة : سألت شعبة عنه فقال : ذاك صدوق اللّسان ، وقال عثمان عن ابن معين : ضعيف .

وقال عبّاس عن ابن معين : ليس بشيء ، وقال الفلاّس : حدّثنا عنه ابن مهدي ثمّ تركه ، وقال النسائي : ضعيف ، وقال ابن الجوزي : قد وثّقه شعبة ودحيم ، وقال ابن عيينة : حدّثنا سعيد بن بشير وكان حافظاً ، وقال أبو زرعة النصري : قلت لأبي الجماهر : كان سعيد بن بشير قدريّاً ؟ قال : معاذَ الله ، وسمعت أبا مسهر يقول : أتيتُ سعيداً أنا ومحمّد بن شعيب فقال : والله لا أقول إنّ الله يُقدّر الشر ويعذّب عليه ، ثمّ قال : أستغفر الله ، أردتُّ الخير فوقعت في الشرّ ) .

( قال يعقوب الفسوي : سألت أبا مسهر عن سعيد بن بشير فقال : لم يكن في جندنا أحفظ منه ، وهو ضعيفٌ ، مُنكَر الحديث وقال ابن نمير : يروي عن قتادة المُنكرات .

وذكره أبو زرعة في الضعفاء وقال : لا يحتجّ به ، وكذا قال أبو حاتم ) .

( ولسعيد تفسير رواه عنه الوليد .

قال ابن عدي : لا أرى بما يَروي بأساً ، ولعلّه يهم ويغلط .

وله عند أهل دمشق تصانيف ، رأيت له تفسيراً مصنّفاً ، والغالب عليه الصدّق .

قيل : ماتَ سنة ثمانٍ وستّين ومئة )(١) .

ـــــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال ٢ : ١٢٨ ـ ١٣٠/ ٣١٤٣ .


الفريابي

ومنهم : الفريابي... فإنّه وإنْ مُدِح ووثِّق ، كما في( الوافي بالوفيات ) حيث قال :

( محمّد بن يوسف بن واقد ، أبو عبد الله الفريابي ، ولد سنة ١٢٠ ، كان عالماً زاهداً ورِعاً ، من الطبقة السادسة ، قال : رأيتُ في المنام أنّي دخلت كرْماً فيه عِنب ، فأكلت من عنبه كلّه إلاّ الأبيض ، فقصَصْتُ رؤياي على سُفيان الثوري فقال : تُصيب مِن العلوم كلّها ، إلاّ الفرائض فإنّها جوهر العلم ، كما أنّ العِنب الأبيض جوهر العنب ، وكان كما قال .

روى عن الثوري وغيره وروى عنه الإمام أحمد وغيره قال البخاري : كان الفريابي مِن أفضل أهل زمانه ، وكان ثقة صدوقاً مجاب الدعوة ، توفّي سنة اثنتي عشرة أو ثلاث عشرة ومئتين )(١) .

ومع هذا ، فقد أورده الذهبي في( الميزان ) ، وحكى عن يحيى بن معين أنّه حكم على بعض أحاديثه بالبطلان ، وعن العجلي أنّ الفريابي أخطأ في مئةٍ وخمسينَ حديثاً(٢) .

ـــــــــــــــــــ

(١) الوافي بالوفيات ٥ : ٢٤٣/ ٢٣١٠ .

(٢) ميزان الاعتدال ٤ : ٧١ ـ ٧٢/ ٨٣٤٠ .


عثمان بن أبي شيبة

ومنهم : عثمان بن أبي شيبة .

قال اليافعي في( تاريخه ) :

( الحافظ عثمان بن أبي شيبة العبْسي الكوفي ، وكان أسنّ مِن أخيه أبي بكر رحل وطوّف ، وصنّف التفسير والمسند ، وحضر مجلسه ثلاثونَ ألفاً )(١) .

وقال الذهبي في( الميزان ) :

( خ م د ق ـ عثمان بن أبي شيبة ، أبو الحسن ، أحد أئمّة الحديث الأعلام ، كأخيه أبي بكر )(٢) .

ومع ذلك ، فقد تُكلّم فيه مِن جهات ، قال في( الميزان ) :

( قال عبد الله : وقلت لأبي : حدّثنا عثمان ، ثنا جرير ، عن شيبة بن نعامة ، عن فاطمة بنت حسين بن عليّ ، عن فاطمة الكبرى ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( لكلّ بني أب عُصبةٌ ينتمون إليه ، إلاّ وِلد فاطمة ، أنا عُصبتهم ) .

وقلت له : حدّثنا عثمان ، ثنا أبو خالد الأحمر ، عن ثور بن يزيد ، عن أبي الزبير ، عن جابر عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( تسليم الرجل بأصبع واحد ، يشير بها فعل اليهود ) .

فأنكر أبي هذه الأحاديث مع أحاديث من هذا النحو، أنكرها جدّاً، وقال:

ـــــــــــــــــــ

(١) مرآة الجنان ٢ : ٩٢ السنة ٢٣٩ .

(٢) ميزان الاعتدال ٣ : ٣٥/ ٥٥١٨ .


هذه موضوعة أو كأنّها موضوعة .

وقال أبي : أبو بكر أخوه ، أحبّ إليّ مِن عثمان ، فقلت : إنّ يحيى بن معين يقول : إنّ عثمان أحبّ إليّ ، فقال أبي : لا .

ورواها أبو عليّ ابن الصواف ، عن عبد الله ، عن أبيه وزاد فقال : ما كان أخوه أبو بكر يُطَنِّف نفسه لشيء مِن هذه الأحاديث ، نسأل الله السلامة .

وقال : كنّا نراه يتوهّم هذه الأحاديث )(١) .

( قال يحيى : ثقةٌ مأمون قلت : إلاّ أنّ عثمان كان لا يحفظ القرآن فيما قيل ، فقال أحمد بن كامل : ثنا الحسن بن الحباب : أنّ عثمان بن أبي شيبة قرأ عليهم في التفسير :( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ ) قالها : ألف لام ميم )(٢) .

( قلت : لعلّه سبْق لسان ، وإلاّ فقطعاً كان يحفظ سورة الفيل ، وهذا تفسيره قد حمله النّاس عنه )(٣) .

وقال السيوطي في( تدريب الراوي ) :

( أورد الدارقطني في كتاب التصحيف كلّ تصحيفٍِ وقعَ للعلماء ، حتّى في القرآن ، من ذلك ما رواه أنّ عثمان بن أبي شيبة قرأ على أصحابه في التفسير : (وجعل السفينة في رجل أخيه فقيل له : إنّما هو( جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ) . فقال : أنا وأخي أبو بكر لا نقرأ لعاصم قال : وقرأ عليهم في التفسير

ـــــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال ٣ : ٣٦/ ٥٥١٨ .

(٢) ميزان الاعتدال ٣ : ٣٧/ ٥٥١٨ .

(٣) ميزان الاعتدال ٣ : ٣٧/ ٥٥١٨ .


  ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ) قال : ا ل م كأوّل البقرة )(١) .

وفي( الميزان ) :

( قال الخطيب في جامعة : لم يحكِ عن أحد مِن المحدّثين مِن التصحيف في القرآن الكريم ، أكثر ممّا حكي عن عثمان بن أبي شيبة ، ثمّ ساق بسنده عن إسماعيل بن محمّد التستري : سمعت عمثان بن أبي شيبة يقرأ( فإنْ لم يصبها وابل فظل ) وقرأ مرّة( من الخوارج مكلّبين ) .

وقال أحمد بن كامل القاضي : ثنا أبو الشيخ الأصبهاني محمّد بن الحسن قال : قرأ علينا عثمان بن أبي شيبة( بطشتم خبّازين ) .

وقال محمّد بن عبيد الله بن المنادي : قال لنا عثمان بن أبي شيبة :( ن وَالْقَلَمِ ) أيّ سورة هو ؟

وقال مطين : قرأ عثمان بن أبي شيبة( فضرب لهم سنور له ناب ) فردّوا عليه فقال : قراءة حمزة عندنا بدعة .

وقال يحيى بن محمّد بن كاس النخعي : ثنا إبراهيم بن عبد الله الخصّاف قال : قرأ علينا عثمان بن أبي شيبة تفسيره فقال :( جعل السفينة في رجل أخيه ) فقيل : إنّما هو ( السِّقَايَةَ ) فقال : أنا وأخي لا نقرأ لعاصم )(٢) .

وكما حمل الذهبي خطأ عثمان في سورة الفيل على سبقِ اللّسان ، حاول حمل تصحيفاته على المزاح والدعابة ! فقال : ( قلت : فكأنّه كان صاحب دعابة ، ولعلّه تاب وأناب )... لكن الدعابة في ألفاظ القرآن تُوجب الفسق ، ولذا قال ( لعلّه تاب

ـــــــــــــــــــ

(١) تدريب الراوي ٢ : ١٧٥ ـ النوع السادس والثلاثون .

(٢) ميزان الاعتدال ٣ : ٣٧/ ٥٥١٨ .


وأناب ) ، وهل يكفي ( لعلّ ) لو كان ذلك منه ( دعابة ) ؟

والألطف مِن ذلك تمنّيه موت إسحاق مِن أجل الشهرة والرئاسة ، قال في( الميزان ) :

( قال إبراهيم بن أبي طالب الحافظ : دخلت عليه فقال لي : إلى متى لا يموت إسحاق ؟ فقلت : شيخٌ مثلك يتمنّى موت شيخٍ مثله ؟ !

فقال : دعني ، فلو مات لصفا لي جوّي )(١) .

الطبقة الرابعة

قال السيوطي :

( وبعدهم : ابن جرير الطبري ، وكتابه أجلّ التفاسير وأعظمها ، ثمّ ابن أبي حاتم ، وابن ماجة ، والحاكم ، وابن مَرْدَوَيه ، وأبو الشيخ ابن حيّان ، وابن المُنذر ، في آخرين .

وكلّها مسندة إلى الصحابة وأتباعهم ، وليس فيها غير ذلك ، إلاّ ابن جرير ، فإنّه يتعرّض لتوجيه الأقوال وترجيح بعضها على بعض ، والإعراب والاستنباط ، فهو يفوقها بذلك )(٢) .

أقـول :

إنّ أفضل وأشرف تفاسير هذهِ الطبقة :

ـــــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال ٣ : ٣٨/ ٥٥١٨ .

(٢) الإتقان في علوم القرآن ٤ : ٢٤٢ .


تفسير ابن جرير الطَبَري

كما قال السيوطي ، بل لقد ادّعى الإجماع على ذلك ، حيث قال :

( فإنْ قلْت : فأيّ التفاسير ترشد إليه ، وتأمر الناظر أنْ يعوّل عليه ؟

قلت : تفسير الإمام أبي جعفر محمّد بن جرير الطبري ، الذي أجمع العلماء والمفسّرون على أنّه لم يُؤلَّف في التفسير مثله )(١) .

وقال النووي : ( له التاريخ المشهور ، وكتابٌ في التفسير لم يُصنِّف أحدٌ مثله )(٢) .

وقال ياقوت الحموي نقلاً عن الخطيب : ( وله الكتابُ المشهور في تاريخ الأُمم والملوك ، وكتابٌ في تفسير القرآن لم يصنِّف أحدٌ مثله )(٣) .

قال ياقوت : ( ومِن كتبه : الكتاب المسمّى جامعُ البيان عن تأويل آي القرآن .

قال أبو بكر ابن كامل : أملى علينا مِن كتاب التفسير مئةً وخمسينَ آية ، ثمّ خرجه بعد ذلك إلى آخر القرآن فقرأه علينا ، وذلك في سنة سبعين ومِئتين ، واشتهر الكتاب وارتفع ذكره وأبو العبّاس أحمد بن يحيى ثعلب

ـــــــــــــــــــ

(١) الإتقان في علوم القرآن ٤ : ٢٤٤ .

(٢) تهذيب الأسماء واللغات ١ : ٧٨/ ٨ .

(٣) معجم الأُدباء ١٨ : ٤١/ ١٧ .


وأبو العبّاس محمّد بن يزيد المبرد يَحْيَيان ، ولأهل الإعراب والمعاني معقلان ، وكان أيضاً في الوقت غيرهما مثل : أبي جعفر الرستمي ، وأبي الحسن ابن كيسان ، والمفضّل بن سلمة ، والجعد وأبي إسحاق الزجّاج ، وغيرهم من النحويّين من فرسان هذا الشأن ، وحمل هذا الكتاب مشرقاً ومغرباً ، وقرأه كلّ مَن كان في وقته مِن العلماء ، وكلّ فضّله وقدّمه .

قال أبو جعفر : حدّثني به نفسي وأنا صبي .

قال أبو جعفر : استخرت الله تعالى في عمل كتاب التفسير ، وسألته العون على ما نويته ثلاث سنين قبل أنْ أعمله ، فأعانني .

وقال أبو محمّد عبد الله بن أحمد بن جعفر الفرغاني : أخبرني شيخ من جِسْرِ ابن عفيف قال : رأيت في النوم كأنّي في مجلس أبي جعفر والنّاس يقرؤون عليه كتاب التفسير ، فسمعت هاتفاً بين السماء والأرض يقول : مَن أراد أنْ يسمع القرآن كما اُنزل فليسمع هذا الكتاب .

ولم يتعرّض ـ أي الطبري ـ لتفسيرٍ غيرَ موثوقٍ به ، فإنّه لم يُدخل في كتابه شيئاً عن كتاب محمّد بن السائب الكلْبي ، ولا مقاتل بن سليمان ، ولا محمّد بن عمر الواقدي ؛ لأنّهم عنده أظنّاء )(١) .

وقال السمعاني في( الأنساب ) :

( قال أبو حامد الإسفرائيني : لو سافر رجلٌ إلى الصِّين ، حتّى يحصل له كتاب تفسير محمّد بن جرير ، لم يكن ذلك كثيراً )(٢) .

وأمّا محمّد بن جرير الطبري نفسه ، فتوجد مكارمه ومحامده في الكتب

ـــــــــــــــــــ

(١) معجم الأدباء ١٨ : ٦١ ـ ٦٥/ ١٧ .

(٢) الأنساب ٤ : ٤٦ .


التالية :

تذكرة الحفّاظ ٢ : ٧١٠ ـ ٧١٦ .

طبقات الشافعيّة للسبكي ٣ : ١٢٠ ـ ١٢٨ .

طبقات الحفّاظ : ٣٠٧ ـ ٣٠٨ .

وفيَات الأعيان ٤ : ١٩١ ـ ١٩٢.

مرآة الجنان ٢ : ٢٦٠.

تاريخ بغداد ٢ : ١٦٢ ـ ١٦٩.

تهذيب الأسماء واللغات ١ : ٧٨ ـ ٧٩ .

سير أعلام النُبَلاء ١٤ : ٢٦٧ ـ ٢٨٢

وغيرها مِن كتب التاريخ وتراجم الرّجال .

قال ياقوت الحمَوي في( معجم الأُدباء ) نقلاً عن الخطيب :

( كان أحد أئمّة العلماء ، يحكم بقوله ، ويرجع إلى رأيه ، لمعرفته وفضله ، وكان قد جمع مِن العلوم ما لم يُشاركهُ فيه أحدٌ مِن أهل عصره ، وكان حافظاً لكتاب الله عزّ وجلّ ، عارفاً بالقراءات ، بصيراً بالمعاني ، فقيهاً بأحكام القرآن ، عالماً بالسُنن وطُرقها ، وصحيحها وسقيمها ، وناسخها ومنسوخها ، عارفاً بأقوال الصحابة والتابعين ومِن بعدهم مِن المخالفين في الأحكام ومسائل الحلال والحرام ، عارفاً بأيّام الناس وأخبارهم ، وله الكتاب المشهور في تاريخ الأُمم والملوك ، وكتاب في تفسير القرآن لم يصنِّف أحدٌ مثله ، وكتابٌ سمّاه تهذيب الآثار لم أرَ سواه في معناه ، لم يتمّه .

قال ابن خزيمة ـ لمّا لاحظ تفسير ابن جرير ـ : ما أعلم على أديم الأرض أعلم مِن ابن جرير .


قال أبو محمّد بن عبد العزيز بن محمّد الطبري : كان أبو جعفر مِن الفضل والعلم والذكاء والحفظ على ما لا يجهله أحد ؛ لجمعه مِن علوم الإسلام ما لم نعلمه اجتمع لأحدٍ مِن هذه الأُمة ، ولا ظهر مِن كتب المصنّفين وانتشر مِن كتب المؤلّفين ما انتشر له ، وكان راجحاً في علوم القرآن والقراءات ، وعلم التاريخ مِن الرسُل والخلفاء والملوك واختلاف الفقهاء مع الرواية لذلك ، على ما في كتابه البسيط والتهذيب وأحكام القراءات ، مِن غير تعويل على المناولات والإجازات ، ولا على ما قيل في الأقوال ، بل يذكر ذلك بالأسانيد المشهورة .

كان كالقاري الذي لا يعرف إلاّ القرآن ، وكالمحدّث الذي لا يعرف إلاّ الحديث ، وكالفقيه الذي لا يعرف إلاّ الفقه ، وكالنحوي الذي لا يعرف إلاّ النحو ، وكالحاسب الذي لا يعرف إلاّ الحساب ، وكان عاملاً بالعبادات ، جامعاً للعلوم ، وإذا جمعت بين كتبه وكتب غيره وجدت لكتبه فضلاً على غيرها )(١) .

أقـول :

وإذا كان الطبري بهذه المنزلة ، فلماذا يسقط كلامه عن الاعتبار إذا احتجَّ به أصحابنا في موردٍ ويُتكلَّم فيه ؟

لقد احتجّ العلاّمة الحلّي برواية الطبري تهديد عمر بن الخطّاب فاطمة الزهراء الطاهرةعليها‌السلام بإحراق بيتها ، فقال ابن روزبهان في جوابه :

( ومِن أسمج ما افتراه الروافض هذا الخبر ـ وهو إحراق عمر بيت فاطمة ـ وما ذُكر أنّ الطبري ذكره في التاريخ ، فالطبري من الروافض مشهورٌ بالتشيّع ، حتّى أنّ علماء بغداد هجروه ، لغوّه في الرفض والتعصّب ، وهجروا كُتبه

ـــــــــــــــــــ

(١) معجم الأدباء ١٨ : ٤١ ـ ٤٣ و٥٩ و٦١/ ١٧ .


ورواياته وأخباره .

وكلّ مَن نقل هذا الخبر فلا يُشك أنّه رافضيٌّ متعصّب ، يُريد إبداء القَدْح والطعن على الأصحاب ؛ لأنّ العاقل المؤمن الخبير بأخبار السلَف ظاهرٌ عليه أنّ هذا الخبر كذِبٌ صراح وافتراءٌ بيّن ، لا يكون أقبح منه ولا أبعد مِن أطوار السلَف )(١) .

وإذا كان الطبري مِن الروافض ، شمله كلّ ما ذكره ابن تيميّة وغيره للروافض ، من القبائح والمثالب التي تفوق الحصر وتتجاوز حدّ الشرح والتبيين...

هذا ، وقد سبقه إلى الاتّهام بالتشيّع الفخر الرازي في كتابه( نهاية العقول ) في الكلام على النصّ على إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

( الثالث : إنّ هذا النص لو كان كذباً لما دعا إلى روايته إلاّ الهوى ، فكان ينبغي أنْ لا يرويه مَن لا يهوى مُقتضاه ، وقد رواه أصحاب الحديث كابن جرير الطبري ، وليس هو من الإماميّة ، فبطل أنْ يكون كذباً ) .

فأجاب الرَّازي أوّلاً بأنّ الطبري لم يروِ هذا النص ثمّ قال :

( ثمّ إنّ سلّمنا أنّه ذكره ، فلعلّه رواه قبل أنْ تثبت عنده صحّة هذا الحديث ، فإنّ مِن المحدّثين مَن يروي كلّ غثٍّ وسمين .

ثمّ إنْ سلّمنا ذلك ، فلا نسلّم أنّه ما كان متّهماً بالتشيّع )(٢) .

فكان ابن جرير الطبري صاحب التفسير والتاريخ ممّن يروي الغثّ

ـــــــــــــــــــ

(١) ورد القول في دلائل الصدق ٣ : ٧٩ .

(٢) نهاية العقول ـ مخطوط .


والسمين ، وكان متّهماً بالتشيّع...!!

هذا ، ومِن العجائب تناقض ابن تيميّة تجاه ابن جرير وتفسيره ، فإنّه لمّا لم يخرج ابن جرير حديث نزول آية الولاية في أمير المؤمنينعليه‌السلام ، جعل ابن تيميّة يمدحه ويمدح تفسيره ، وينصُّ على خلوّه من الموضوعات(١) ، حتّى إذا رأى أنّه قد روى بتفسير آية الإنذار نصّ النبيّ على أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام ، بالإمامة والخلافة والولاية مِن بعده... جعل يذّم تفسير ابن جرير ومؤلِّفه بشدّةٍ...!!(٢) .

ـــــــــــــــــــ

(١) منهاج السنّة ٤ : ٥ .

(٢) منهاج السنّة ٤ : ١٢٨ .


تفسير ابن أبي حاتم

المحدّث الحافظ ، الفقيه ، المفسّر ، الرجالي ، الذي ترجم له ابن قاضي شهبة في( طبقات الشافعيّة ) فقال :

( عبد الرحمان بن محمّد بن إدريس ، أبو محمّد ، ابن أبي حاتم ، الحنظلي الرّازي ، أحد الأئمّة في الحديث والتفسير والعبادة والزهد والصلاح ، حافظ ابن حافظ ، أخذ عن أبيه وعن أبي زرعة ، وصنّف الكُتب المهمّة ، كالتفسير الجليل المقدار ، في أربع مجلّدات ، غالبه آثار مُسندة... )(١) .

وفي( فوات الوفيات ) :

( قال أبو عليّ الخليلي : كان يُعدّ من الأبدال ، وقد أثنى عليه جماعة بالزهد والورع التام والعلم والعمل )(٢) .

وذكر السيوطي في( اللآلي المصنوعة ) بعد حديث تكليم الله موسى :

( وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ، وقد التزم أنْ يخرّج فيه أصحّ ما ورد ، ولم يخرّج فيه حديثاً موضوعاً ألبتّة )(٣) .

وفي( الإتقان ) بعد ذكر تفسير السدّي:

( ولم يورد منه ابن أبي حاتم شيئاً ؛ لأنّه التزم أنْ يخرّج أصحّ ما ورد )(٤) .

ـــــــــــــــــــ

(١) طبقات الشافعيّة ١ : ١١١/ ٥٨ .

(٢) فوات الوفيات ٢ : ٢٨٨/ ٢٥٧ .

(٣) اللآلي المصنوعة ١ : ١٢ .

(٤) الإتقان في علوم القرآن ٤ : ٢٣٨ .


لكنّ ابن تيميّة يقول ـ في الجواب عن الاستدلال بالحديث الوارد بذيل الآية :( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) الذي رواه ابن أبي حاتم أيضاً ، كما في( الدرّ المنثور ) (١) ـ :

( والجواب مِن وجوه :

الأوّل : المطالبة بصحّة النقل ، وما ادّعاه مِن نقل النّاس كافّة ، مِن أظهر الكذِب عند أهل العلم بالحديث ، فإنّ هذا الحديث ليس في شيء من كتب المسلمين التي يستفيدون منها علم النقل ، لا في الكتب الصحاح ولا في المسانيد والسُنن والمغازي والتفسير التي يذكر فيها الإسناد الذي يحتجّ به .

وإذا كان في بعض كتب التفسير التي ينقل فيها الصحيح والضعيف ، مثل تفسير الثعلبي والواحدي والبغَوي ، بل وابن جرير وابن أبي حاتم ، لم يكن مجرّد رواية واحدٍ مِن هؤلاء دليلاً على صحّته باتّفاق أهل العلم ، فإنّه إذا عرف أنّ تلك المنقولات فيها صحيحٌ وضعيف ، فلابدّ من بيان أنّ هذا المنقول مِن قسم الصحيح دون الضعيف ، وهذا الحديث غايته أنْ يوجد في بعض كتب التفسير التي فيها الغثّ والسمين ، بل وفيها أحاديثٌ كثيرةٌ موضوعةٌ مكذوبة ، مع أنّ كتب التفسير التي يوجد فيها هذا مثل تفسير ابن جرير وابن أبي حاتم والثعلَبي والبغَوي يَنقل فيها بالأسانيد الصحيحة ما يُناقض هذا ) .

وقال :

(الثالث : إنّ هذا الحديث كذِبٌ موضوع عند أهل المعرفة بالحديث ، فما مِن عالم يعرف الحديث إلاّ وهو يعلم أنّ هذا كذِبٌ موضوع ، وهذا لم يروِه أحدٌ منهم في الكتب التي يُرجع إليها في المنقولات ؛ لأنّ أدنى مَن له معرفة

ـــــــــــــــــــ

(١) الدر المنثور ٦ : ٣٢٧ ـ ٣٢٨ .


بالحديث يعلم أنّ هذا كذِب )(١) .

وعلى هذا ، فإنّ جميع المدائح المذكورة لابن أبي حاتم وتفسيره تذهب أدراج الرّياح .

هذا بالنسبة إلى تفسيره .

وأمّا بالنسبة إلى كتابه في الجرح والتعديل ، فقد ذكر ابن الجوزي في( تلبيس إبليس ) ما نصّه :

( وبالإسناد عن أبي الحسن عليّ بن محمّد البخاري يقول : سمعت محمّد ابن الفضل العبّاسي يقول : كنّا عند عبد الرحمان بن أبي حاتم وهو يقرأ علينا كتاب الجرْح والتعديل ، فدخل عليه يوسف بن الحسين الرّازي فقال : يا أبا محمّد ، ما هذا الذي تقرؤه على الناس ؟ فقال : كتابٌ صنّفته في الجرح والتعديل .

فقال : وما الجرح والتعديل ؟ فقال : أظهر أحوال أهل العلم مَن كان منهم ثقةٌ أو غير ثقة فقال له يوسف بن الحسين : استحييت لك يا أبا محمّد مِن هؤلاء القوم ، قد حطّوا رواحلهم في الجنّة منذ مئة سنة ومِئتي سنة ، تذكرهم وتغتابهم على أديم الأرض ، فبكى عبد الرحمان وقال : يا أبا يعقوب لو سمعت هذه الكلمة قبل تصنيفي هذا الكتاب لم أُصنّفه )(٢) .

ولكنّ هذا الكلام يدلّ على جهل ابن أبي حاتم وعدم فهمه ، لِلِزوم المفسدة العظيمة في الدين والشريعة لولا الجرْح والتعديل للرجال... ولذا قال ابن الجوزي :

( قلت : عفا الله عن ابن أبي حاتم ، فإنّه لو كان فقيهاً لردّ عليه كما ردّ إمام

ـــــــــــــــــــ

(١) منهاج السنة ٤ : ١٢٨ ـ ١٢٩ .

(٢) تلبيس إبليس : ٣٧٩ .


القوم في الجنّة أحمد على أبي تراب ، ولولا الجرح والتعديل من أين كان يعرف الصحيح من الباطل ، ثمّ كون القوم في الجنّة لا يمنع أنْ نذكرهم بما فيهم ، وتسمية ذلك غيبة حديث سوء ثمّ مَن لا يدري الجرح والتعديل ما هو كيف يذكر كلامه ؟ )(١) .

ـــــــــــــــــــ

(١) تلبيس إبليس : ٣٧٩ باختلافٍ في النص .


تفسير الحاكم النّيسابوري

الذي قال عنه المناوي في( فيض القدير ) :

( قال السبكي : اتّفق العلماء على أنّه مِن أعظم الأئمّة الذين حفظ الله بهم الدين )(١) .

وقال ابن قاضي شهبة :

( وقد أطنب عبد الغافر في مدحه وذكر فضائله وفوائده ومحاسنه ـ إلى أنْ قال : ـ مضى إلى رحمة الله تعالى ولم يخلّف بعده مثله )(٢) .

وقال ابن الأثير في وصف منزلته في علم الحديث : ( كان عالماً بهذا الفن ، خبيراً بغوامضه ، عارفاً بأسراره )(٣) .

إلاّ أنّه لروايته بعض مناقب أمير المؤمنينعليه‌السلام ، تكلّم فيه بعض أكابر القوم ، قال الذهبي في( الميزان ) :

( وقد قال ابن طاهر : سألت أبا إسماعيل عبد الله الأنصاري عن الحاكم أبي عبد الله فقال : إمام في الحديث ، رافضي خبيث )(٤) .

بل إنّ الفضل ابن روزبهان اتّخذ اتّهامه بالتشيّع ذريعةً للردّ على الإماميّة حين قال :

( وذكر الإمام الحاكم أبو عبد الله النيسابوري ، المحدّث الكبير والحافظ المتقن الفاضل النحرير ، في كتاب معرفة علو الحديث ، بإسناده عن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمّد الصادق ( عليه وعلى آبائه السلام ) أنّه قال : أبو بكر الصدّيق جدّي ، وهل يسبُّ أحد آبائه ، لا قدّمني الله إنْ لا أُقدّمه .

وقد اشتهر بين المحدّثين والعلماء : أنّ الحاكم أبا عبد الله المذكور كان مائلاً إلى التشيّع ) .

ـــــــــــــــــــ

(١) فيض القدير شرح الجامع الصغير ١ : ٢٦ .

(٢) طبقات الشافعية ١ : ١٩٤/ ١٥٣ .

(٣) جامع الأُصول ـ ترجمة الحاكم النيسابوري .

(٤) ميزان الاعتدال ٣ : ٦٠٨/ ٧٨٠٤ .


تفسير ابن ماجة

وأمّا تفسير ابن ماجة القزويني ، فمن الرّجال الذين روى عنهم فيه :

عيسى بن قرطاس الكوفي : قال ابن حجر في( تقريب التهذيب ) :

( عيسى بن قرطاس الكوفي ، متروك ، وقد كذَّّبه الساجي ، مِن السادسة )(١) .

محمّد بن عبد الله الأنصاري : قال الذهبي :

( قال العقيلي : مُنكرُ الحديث .

وقال ابن حبّان : مُنكر الحديث جدّاً .

وقال ابن طاهر : كذّاب ، وله طامّات )(٢) .

وقال ابن حجر : ( كذّبوه )(٣) .

نوح بن درّاج : قال ابن حجر : ( متروك ، وقد كذّبه ابن معين )(٤) .

وقال الذهبي : ( قال النسائي وغيره : ضعيف .

وقال أبو داود : كذّاب يضع الحديث )(٥) .

نوح بن أبي مريم : وستعرفه .

ـــــــــــــــــــ

(١) تقريب التهذيب ٢ : ١٠٧/ ٥٩٨٣ .

(٢) ميزان الاعتدال ٣ : ٥٩٨/ ٧٧٦٤ .

(٣) تقريب التهذيب ٢ : ١٨٦/ ٦٧٦٣ .

(٤) تقريب التهذيب ٢ : ٣١٣/ ٨١١٢ .

(٥) ميزان الاعتدال ٤ : ٢٧٦/ ٩١٣٣ .


تفسير ابن مردويه

وأمّا تفسير ابن مردويه ، فقد نصّ المولوي عبد العزيز الدهلوي صاحب التحفة الاثني عشريّة في رسالته في( أُصول الحديث ) بأنّه من التفاسير المشهورة ، إلاّ أنّه أورده في عداد كتب الطبقة الرابعة ، مُصرّحاً بأنّ أحاديث هذه الكتب ليست بقابلةٍ للاعتماد ، للدلالة على عقيدةٍ أو حكم .

كما أنّ ابن الجوزي قد حكم بالوضع على أحاديث كثيرة في هذا التفسير .

تفسير ابن المنذر

الذي جاء في( طبقات الشافعيّة ) لابن قاضي شهبة بترجمته :

( محمّد بن إبراهيم بن المنذر ، أبو بكر النيسابوري ، الفقيه ، نزيل مكّة ، أحد الأئمّة الأعلام ، وممّن يُقتدى بنقله في الحلال والحرام ، صنّف كتباً معتبرةً عند أئمّة الإسلام ، منها... التفسير وغير ذلك ، وكان مجتهداً لا يقلّد أحداً )(١) .

لكنْ في( ميزان الاعتدال ) ما نصّه :

( قال مسلمة بن قاسم الأندلسي : كان لا يُحسن الحديث : ثمّ نسب إلى العقيلي : إنّه كان يحمل عليه وينسبه إلى الكذِب ، وكان يروي عن الربيع بن سليمان عن الشافعي ، ولم يرَ الربيع ولا سمِع منه ، وذكر غير ذلك توفّي سنة ٣١٨ ، ولا عبرة بقول مسلمة فيه ، وأمّا العقيلي فكلامه مِن قبيل كلام الأقران بعضهم في بعض ، مع أنّه لم يذكره في كتاب الضعفاء له )(٢) .

ـــــــــــــــــــ

(١) طبقات الشافعيّة ١ : ٩٨/ ٤٤ .

(٢) ميزان الاعتدال ٣ : ٤٥٠ ـ ٤٥١/ ٧١٢٣ .


تفسير بن أبي داود السجستاني

الذي ذكر الذّهبي مناقبه فقال :

( قد كان أبو بكر مِن كبار الحفّاظ والأئمّة الأعلام ، حتّى قال الخطيب : سمعت الحافظ أبا محمّد الخلاّل يقول : كان أبو بكر أحفظ مِن أبيه أبي داود .

وروى ابن شاهين عن أبي بكر أنّه كتب في شهر عن أبي سعيد الأشج ثلاثين ألفاً .

وقال أبو بكر النقّاش والعهدة عليه : سمعت أبا بكر ابن أبي داود يقول : إنّ تفسيره فيه مِئة ألف وعشرون ألف حديث .

قلت : ولد سنة ثلاثين ومئتين ، ورحل به أبوه ، فلقي الكبار وسمع عيسى ابن حمّاد صاحب الليث بن سعد وطبقته ، وانفرد عن طائفة .

قال أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن شاذان : ذهب أبو بكر إلى سجستان فاجتمعوا عليه وسألوه أنْ يحدّثهم فقال : ليس معي كتاب ، فقالوا : ابن أبي داود وكتاب ؟ قال : فأثاروني فأمليت عليهم مِن حفظي ثلاثين ألفَ حديث ، فلمّا قدِمت بغداد قال البغداديّون : لعبت بأهل سجستان ثمّ فيّجوا فيجاً اكتروه بستّة دنانير ليكتب لهم النسخة ، فكتب ، وجيء بها فعرضت على الحفّاظ فخطّأوني في ستّة أحاديث منها ثلاثة رويتها كما سمعت .

وقال الحافظ أبو عليّ النيسابوري : سمعت ابن أبي داود يقول : حدّثت بأصبهان مِن حفظي بستّةٍ وثلاثين ألفَ حديث ، ألزموني الوهم في سبعةأحاديث ، فلمّا رجعت وجدت في كتابي منها خمسة على ما حدّثتهم ) (١) .

لكنّ ابن أبي داود مجروحٌ ومقدوحٌ بقوادحٍ عظيمة كالنصْب والكذِب ، حتّى أنّهم نقلوا عن أبيه ـ أبي داود صاحب السُنن ـ اتّهامه بالكذِب... وقد أورده الذهبي في( الميزان ) فقال :

( عبد الله بن سليمان بن الأشعث السجستاني ، أبو بكر ، الحافظ الثقة ، صاحب التصانيف ، وثّقه الدار قطني فقال : ثقةٌ إلاّ أنّه كان كثير الخطأ في الكلام على الحديث .

ـــــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال ٢ : ٤٣٥/ ٤٣٦٨ .


وذكره ابن عدِي وقال : لولا ما شرطنا وإلاّ لما ذكرته ـ إلى أنْ قال : ـ وهو معروف بالطلب ، وعامّة ما كتب مع أبيه وهو مقبول عند أصحاب الحديث وأمّا كلام أبيه فيه فلا أدري أيش تبيّن له منه .

ثنا عليّ بن عبد الله الداهري ، سمعت أحمد بن محمّد بن عمرو كركرة ، سمعت عليّ بن الحسين بن الجنيد ، سمعت أبا داود يقول : ابني عبد الله كذّاب .

قال ابن صاعد : كفانا ما قال أبوه فيه .

ثمّ قال ابن عدي : سمعت موسى بن القاسم الأشيب يقول : حدّثني أبو بكر يقول : سمعت إبراهيم الأصبهاني يقول : أبو بكر ابن أبي داود كذّاب .

وسمعت أبا القاسم البغوي وقد كتب إليه أبو بكر ابن أبي داود يسأله عن لفظ حديث لجدّه ، فلمّا قرأ رقعته قال : أنت ـ والله ـ عندي منسلخٌ من العلم .

وسمعت عبدان ، سمعت أبا داود السجستاني يقول : مِن البلاء أنّ عبد الله يُطلب للقضاء .

وسمعت محمّد بن الضحّاك بن عمرو بن أبي عاصم يقول : أشهد على محمّد بن يحيى بن مندة بين يدي الله أنّه قال : أشهد على أبي بكر ابن أبي داود بين يدي الله تعالى أنّه قال : روى الزهري عن عروة قال : حفيت أظافير فلان ، من كثرة ما كان يتسلّق على أزواج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قلت : هذا لم يسنده أبو بكر إلى الزهري ، فهو منقطع ، ثمّ لا يسمع قول الأعداء بعضهم في بعض ، ولقد كاد أنْ يضرب عنق عبد الله لكونه حكى هذا ، فشدّ منه محمّد بن عبد الله بن حفص الهمداني وخلّصه من أمير أصبهان أبي ليلى ، وكان انتدب له بعض العَلَويّة خصماً ، ونسب إلى عبد الله المقالة ، وأقام الشهادة عليه ابن مندة المذكور ومحمّد بن عبّاس الأخرم وأحمد بن علي الجارود ، فأمر أبو ليلى بقتله ، فأتى الهمداني وجرح الشهود...) .

وأيضاً في( الميزان ) :

( قلت : كان ـ أي عبد الله بن سليمان ـ قويّ النفس ، وقع [فتنة] بينه وبين ابن صاعد وبين ابن جرير ، نسأل الله العافية .


قال ابن شاهين : أراد الوزير عليّ بن عيسى أنْ يصلح بين أبي بكر ابن أبي داود وابن صاعد ، فجمعهما وحضر القاضي أبو عمر ، فقال الوزير لأبي بكر : أبو محمّد ابن صاعد أكبر منك فلو قمت إليه فقال : لا أفعل فقال له : أنت شيخٌ زيف قال أبو بكر : الشيخُ الزيف الكذّاب على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال الوزير : مَن الكذّاب على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قال أبو بكر : هذا ، ثمّ قال إنّي أذّل لأجلِ رزقٍ يصل إليّ على يدك ، والله لا أخذت مِن يدك شيئاً أبداً ، وعليَّ مِئة بدنة إنْ أخذت منك شيئاً ، فكان المقتدر بعد يزن رزقه بيده ويبعثه على يد خادم .

وقال محمّد بن عبد الله القطّان : كانت عند محمّد بن جرير فقال رجل :

ابن أبي داود يقرأ على النّاس فضائل عليّرضي‌الله‌عنه فقال ابن جرير : تكبيرةٌ مِن حارس .قلت : وقد قام ابن أبي داود وأصحابه ـ وكانوا خلقاً كثيراً ـ على ابن جرير ونسبوه إلى بدعة اللّفظ ، فصنّف الرجل معتقداً حسناً سمعناه ، تنصّل فيه ممّا قيل عنه وتألّم لذلك) (١) .

هذا ، وقد ذمّه ابن الجوزي على روايته الخبر الطويل الموضوع في فضائل السّور وفرَّقه عليها ، مع علمه بوضعه وبطلانه ! قال :

( وإنّما عجبت مِن أبي بكر ابن أبي داود ، كيف فرّقه على كتابه الذي صنّفه في فضائل القرآن وهو يعلم أنّه حديثٌ محال ؟! ولكنْ شره جمهور المحدّثين ، فإنّ من عادتهم تنفيق حديثهم ولو بالبواطيل ، وهذا قبيحٌ منهم ؛ لأنّه قد صحَّ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال :( مَن حدّث عنّي حديثاً يرى أنّه كذِب ، فهو أحدُ الكاذبين ) (٢) .

وقد أورد السيوطي كلام ابن الجوزي هذا مع إسقاط الجملة الأخيرة منه التي فيها ذمّ لجمهور المحدّثين...(٣) .

فكان ابن أبي داود مطعوناً عند ابن الجوزي والسيوطي أيضاً .

وحرمة رواية الحديث الموضوع ـ مع العلم بوضعه ـ ممّا استفاض فيه الحديث النبوي واتّفق عليه العلماء .

ـــــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال ٢ : ٤٣٣ ـ ٤٣٥/ ٤٣٦٨ .

(٢) كتاب الموضوعات ١ : ٢٤٠ .

(٣) اللآلي المصنوعة ١ : ٢٢٨ .


تفسير أبي بكر النقّاش

وهو مِن مشاهير مفسّريهم ، وقد اعتمد على تفسيره علماؤهم ، حتّى أنّ صاحب( التحفة ) رجّح روايته في نزول آية الولاية ، في المهاجرين والأنصار على رواية الثعلبي نزولها في أمير المؤمنينعليه‌السلام (١) .

وقال السيوطي في( اللآلي المصنوعة ) :

( وأمّا النقّاش ، فهو أحد العلماء بالقراءات ، وأحد الأئمّة في التفسير ، قال الذهبي : صار شيخ المُقرين في عصره ، على ضعفٍ فيه ، أثنى عليه أبو عمرو الداني ، وحدّث بمناكير ) .

واعتمد السبكي على توثيق أبي عمرو الداني ، قال :

( محمّد بن الحسن بن محمّد بن زياد بن هارون بن جعفر بن سند ، أبو بكر النقّاش ، الموصلي ثمّ البغدادي ، الإمام في القراءة والتفسير وكثير من العلوم... وثّقه أبو عمرو الداني وقبله وزكّاه... )(٢) .

لكنّ تكلّمهم فيه وفي تفسيره كثير :

قال السمعاني :

( ذكر طلحة بن محمّد بن جعفر النقّاشَ فقال : كان يكذب في الحديث والغالب عليه القصص .

ـــــــــــــــــــ

(١) التحفة الاثنا عشريّة : ١٩٨ .

(٢) طبقات الشافعيّة ٣ : ١٤٥ ـ ١٤٦/ ١٢٩ .


وسُئل أبو بكر البرقاني عن النقّاش فقال : كلّ حديثه منكر .

وقال البرقاني وذكر تفسير النقّاش فقال : ليس فيه حديثٌ صحيح .

وكان هبة الله الطبري اللالكائي يقول : تفسير النقّاش ذلك إشفاء الصدور ليس بشفاء الصدور )(١) .

وأورد الذهبي الكلمات المذكورة في( الميزان ) (٢) وفيه أيضاً :

( محمّد بن الحسن ، روى عنه إسحاق بن محمّد السيوطي أحاديث مختلفة في فضل معاوية ، لعلّه النقّاش صاحب التفسير ، فإنّه كذّاب )(٣) .

وكذا في( لسان الميزان ) (٤) و( وفيات الأعيان ) (٥) .

ـــــــــــــــــــ

(١) الأنساب ٥ : ٥١٧ ـ ٥١٨ ( النقّاش ) .

(٢) ميزان الاعتدال ٣ : ٥٢٠/ ٧٤٠٤ .

(٣) ميزان الاعتدال ٣ : ٥١٦/ ٧٣٩٠ .

(٤) لسان الميزان ٦ : ٤٥/ ٧٢٨٨ .

(٥) وفيات الأعيان ٤: ٢٩٨/ ٦٢٧ .


طبقة المتأخّرين

قال السيوطي بعد الطبقات الأربع :

( ثمّ ألّف في التفسير خلائق ، فاختصروا الأسانيد ونقلوا الأقوال بَتْراً ، فدخل مِن هنا الدخيل والتبس الصحيحُ بالعليل ، ثمّ صار كلّ مَن يسنح له قول يورده ، ومَن يخطر بباله شيءٌ يعتمده ، ثمّ ينقل ذلك عنه مَن يجيء بعده ظانّاً أنّ له أصلاً غير مُلتفتٍ إلى تحرير ما ورد عن السلف الصالح ، ومَن يرجع إليهم في التفسير ، حتّى رأيت مَن حكى في قوله تعالى :( غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ) نحو عشر أقوال ، وتفسيرها باليهود والنصارى هو الوارد عن النبيّ وجميع الصحابة والتابعين وأتباعهم ، حتّى قال ابن أبي حاتم : لا أعلم في ذلك اختلافاً بين المفسّرين ) .

ثمّ قال : بعد الطبقات الخمس :

( ثمّ صنّف بعد ذلك قومٌ برعوا في علومٍ ، فكان كلٌّ منهم يقتصر في تفسيره على الفنِّ الذي يغلب عليه .

فالنحوي تراه ليس له همٌّ إلاّ الإعراب وتكثير الأوجه المحتملة فيه ، ونقل قواعد النحو ومسائله وفروعه وخلافيّاته ، كالزجّاج والواحدي في البسيط ، وأبي حيّان في البحر والنهر...

وصاحب العلوم العقليّة ، خصوصاً الإمام فخر الدين قد ملأ تفسيره بأقوال الحكماء والفلاسفة وشبهها ، وخرج مِن شيءٍ إلى شيء حتّى يقضي الناظر العجب مِن عدم مطابقة المورد للآية ، وقال أبو حيّان في البحر : جمع الإمام الرّازي في تفسيره أشياءً كثيرةً طويلة لا حاجة بها في علم التفسير ، ولذلك قال بعض العلماء : فيه كلّ شيء إلاّ التفسير.

والمُبتدِع ليس له قصد إلاّ تحريف الآيات وتسويتها على مذهبه الفاسد ، بحيث أنّه متى لاح له شاردةٌ مِن بعيد اقتنصها أو وجد موضعاً له فيه أدنى مجال ، سارع إليه )(١) .

أقـول :

والآن ، فلننظر في أحوال هذه الطبقة من المفسّرين :

ـــــــــــــــــــ

(١) الإتقان في علوم القرآن ٤ : ٢٤٢ ـ ٢٤٣ .


الزجّاج

فأمّا الزجّاج ، وتراجمه موجودةٌ في وفيات الأعيان ، ومرآة الجنان ، وتاريخ بغداد ، والوافي بالوفيات ، وبغية الوعاة(١) وغيرها...

فقد ذكروا عنه قصّةً فيها الاعتراف بالخيانة والكذب طمعاً في حطام الدنيا ، وذلك ( أنّ القاسم بن عبيد الله ، كان قد وعده أنّه إنْ صار وزيراً أنْ يعطي الزجّاج عشرين ألف ، فلمّا أصبح وزيراً قال للزجّاج : ( أجلِس النّاس وخذ رقاعهم في الحوائج الكبار ، واستجعل عليها ولا تمتنع مِن مسألتي في شيء إلى أنْ يحصل لك القدر ) قال الزجّاج :

( ففعلت ذلك ، وكنت أعرض عليه كلّ يومٍ رقاعاً لي فيها ، وربّما قال لي : كم ضمن لك على هذا ؟ فأقول : كذا وكذا ، فيقول لي : غبنت ، هذا يساوي كذا وكذا ، ارجع فاستزده ، فأُراجع القوم واُماكسهم فيزيدونني ، حتّى أبلغ الحدّ الذي رسمه ، فحصّلت عشرين ألف دينار فأكثر في مدّة ، فقال لي بعد شهورٍ : حصل مال النذر ؟ فقلت : لا ، وجعل يسألني في كلّ شهر هل حصل ؟ فأقول : لا ، خوفاً مِن انقطاع الكسب ، إلى أنْ سألني يوماً فاستحييت مِن الكذِب المتّصل فقلت : قد حصل ببركة الوزير )(٢) .

ـــــــــــــــــــ

(١) وفيات الأعيان ١ : ٤٩/ ١٣ ، مرآة الجنان ٢ : ١٩٨ السنة ٣١١ ، تاريخ بغداد ٦ : ٨٩/ ٣١٢٦ ، الوافي بالوفيات ٥ : ٣٤٧/ ٢٤٢٦، بغية الوعاة ١ : ٤١١/ ٨٢٥ .

(٢) بغية الوعاة ١ : ٤١١ ـ ٤١٢/ ٨٢٥ .


أبو حيّان الأندلسي

وأمّا أثير الدين أبو حيّان الأندلسي ، فترجمته في طبقات السبكي ، والوافي بالوفيات ، وبغية الوعاة ، والدرر الكامنة ، وفوات الوفيات وغيرها(١) .

لكنّ أبا حيّان كان يتكلّم في ابن تيميّة ويتهجّم عليه ويرميه بكلّ سوء(٢) وهذا مِن نقائصه ، وهو يوجب الحطّ له من المحبّين لابن تيميّة...

وأبو حيّان ـ كما في( بغية الوعاة ) ـ : ( كان يفتخر بالبخل ، كما يفتخر الناس بالكرم )(٣) وهذه رذيلة عظيمة لا يخفى قُبحها على أحد !!

ومن معايبه ما ذكره الصفدي في( الوافي ) قال :

( كان الشيخ تقيّ الدين قد نزل عن تدريس مدرسة لولده ـ نسيت أنا المدرسة واسم ابنه ـ فلمّا حضر الشيخ أثير الدين درس قاضي القضاة تقيّ الدين ابن بنت الأعز ، قرأ آيةً تفسيرها درْس ذلك اليوم وهي قوله تعالى :( قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ ... ) الآية ، فبرز أبو حيّان بين الحلقة وقال : يا مولانا قاضي القضاة ، قدّموا أولادهم ، قدّموا أولادهم ، يكرّر ذلك فقال قاضي القضاة : ما معنى هذا ؟ قال ابن دقيق العيد : نزل لولده فلان عن تدريس المدرسة الفلانيّة ، فنقل المجلس إلى تقيّ الدين ابن دقيق العيد فقال : أمّا أبو

ـــــــــــــــــــ

(١) طبقات السبكي ٩ : ٢٧٦/ ١٣٣٦ ، الوافي بالوفيات ٥ : ٢٦٧/ ٢٣٤٥، بغية الوعاة ١ : ٢٨/ ٥١٦ ، الدرر الكامنة ٤ : ٣٠٢/ ٨٣٢ ، فوات الوفيات ٤ : ٧١/ ٥٠٦ .

(٢) الدرر الكامنة ٤ : ٣٠٨/ ٨٣٢ .

(٣) بغية الوعاة ١ : ٢٨٢/ ٥١٦ .


حيّان فقيه دعابة أهل الأندلس ومُجونَهم ، وأمّا أنت يا قاضي القضاة ، يُبدَّل القرآن في حضرتك وما تنكر هذا الأمر .

فما كان عن قليل حتّى عزل ابن بنت الأعز من القضاء ابن دقيق العيد ، وكان إذا خلا شيء من الوظائف التي تليق بالشيخ أثير الدين أبي حيّان يقول الناس : هذه لأبي حيّان يخرجها الشيخ تقيّ الدين لغيره .

فهذا هو السبب الموجب لحطّ أبي حيّان وشناعته عليه...) .

وأمّا الفخر الرّازي ، فإنّه وإنْ كان من العلماء الأعلام وتفسيره في غاية الشهرة ، لكنّ السّيوطي تكلّم عليه ، ونقل بعض الكلام فيه ، في( الإتقان ) .

أمّا الذهبي ، فقد قال في( الميزان ) :

( الفخر ابن الخطيب ، صاحب التصانيف ، رأس في الذكاء والعقليّات ، لكنّه عريّ من الآثار ، وله تشكيكات على مسائل من دعائم الدين تُورث حيرة نسأل الله أنْ يثبّت الإيمان في قلوبنا ، وله كتاب السرّ المكتوم في مخاطبة النجوم ، سحرٌ صريح ، فلعلّه تاب مِن تأليفه إنْ شاء الله )(١) .

وابن تيميّة ذكر الرّازي في عداد الجبْريّة ، وهذه عبارته :

( ثمّ المثبتون للصّفات ، منهم : مَن يثبت الصّفات المعلومة بالسمع كما يثبت الصفات المعلومة بالعقل ، وهذا قولُ أهل السنّة الخاصّة : أهل الحديث ومَن وافقهم ، وهو قولُ أئمّة الفقهاء وقول أئمّة الكلام مِن أهل الإثبات ، كأبي محمّد بن كلاب ، وأبي العبّاس القلانسي ، وأبي الحسن الأشعري ، وأبي عبد الله ابن مجاهد ، وأبي الحسن الطبري ، والقاضي أبي بكر الباقلاّني ، ولم يختلف في ذلك قول الأشعري وقدماء أصحابه ، لكن المتأخّرين مِن أتباعه كأبي المعالي وغيره لا يثبتون إلاّ الصّفات العقليّة .

وأمّا الجبريّة ، فمنهم مَن ينفيها ومنهم من يتوقّف فيها ، كالرّازي

ـــــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال ٣ : ٣٤٠/ ٦٦٨٦ .


والآمدي وغيرهما ، ونُفاة الصفات الجبريّة ، منهم مِن يتأوّل نصوصها ، ومنهم من يُفوّض معناها إلى الله )(١) .

وجاء ابن حجر في( لسان الميزان ) وفصّل الكلام حول الرّازي بعد كلام الذهبي ، وهذه عبارته :

( الفخر ابن الخطيب صاحب التصانيف ، رأسٌ في الذكاء والعقليّات لكنّه عريّ من الآثار ، وله تشكيكات على مسائل من دعائم الدين تُورث حيرة ، نسأل الله أنْ يثبّت الإيمان في قلوبنا ، وله كتاب السرّ المكتوم في مخاطبة النجوم ، سحرٌ صريح ، فلعلّه تاب مِن تأليفه إن شاء الله ، إنتهى .

وقد عاب التاج السبكي على المصنّف ذكره هذا الرجل في هذا الكتاب وقال : إنّه ليس مِن الرواة ، وقد تبرّأ المصنّف من الهوى والعصبيّة في هذا الكتاب ، فكيف ذكر هذا وأمثاله ممّن لا رواية لهم كالسيف الآمدي ، ثمّ اعتذر عنه بأنّه يرى أنّ القدْح في هؤلاء مِن الديانة ، وهذا بعينه التعصّب في المعتقد ، والفخر كان من أئمّة الأُصول ، وكتبه في الأصلَين شهيرةٌ سائرة ، وله ما يُقبل وما يُرَد ، وقد ترجم له جماعة من الكبار بما ملخّصه:

أنّه ولِد سنة ٥٤٣ وأشتغل على والده ، وكان من تلامذة البغوي ، ثمّ اشتغل على الكمال السمناني ، وتمهّر في عدّة علوم ، وعقد مجلس الوعظ ، وكان إذا وعَظ يحصل له وجدٌ زائد ، ثمّ أقبل على التصنيف ، فصنّف : التفسير الكبير ، والمحصول في أُصول الفقه ، والمعالم ، والمطالب العالية ، والأربعين ، والخمسين ، والملخّص ، والمباحث المشرقيّة ، وطريقةٌ في الخلاف ، ومناقب الشافعي .

وكان في أوّل أمره فقيراً ، ثمّ اتّفق أنّه صاهَر تاجراً متموّلاً وله ولدَان

ـــــــــــــــــــ

(١) منهاج السنّة ٢ : ٢٢٢ ـ ٢٢٣ .


فزوّجهما ابنتيه ، ومات التاجر ، فتقلّب الفخر في ذلك المال وصار مِن رؤساء ذك الزّمان ، يقوم على رأسه خمسون مملوكاً بمناطق الذهب وحُلّل الوشي ؛ قاله ابن الرسب في تاريخه قال : وكانت له أوراد مِن صلاة وصيام لا يخلّ بها ، وكان مع تبحّره في الأُصول يقول : من التزم دين العجائز فهو الفائز ، وكان يُعاب بإيراد الشبه الشديد ويقصّر في حلّها ) .

( وقد ذكره ابن دحية بمدحٍ وذمّ ، وذكره أبو شامة فحكى عنه أشياء رديّة ، وكانت وفاته بهراة ، يوم عيد الفطر سنة ستٍّ وستمئة .

ورأيت في الإكسير في علم التفسير للنجم الطوفي ما ملخّصه : ما رأيت في التفاسير ، أجمع لغالب علم التفسير من القرطبي ، ومن تفسير الإمام فخر الدين ، إلاّ أنّه كثير العيوب ، فحدّثني شرف الدين النصيبي عن شيخه سراج الدين السرمياحي المصري ، أنّه صنّف كتاب المآخذ في مجلّدين ، بيّن فيهما ما في تفسر الفخر من الزيف والبَهرَج ، وكان ينقم عليه كثيراً ويقول : يورد شبه المخالفين في المذهب ، والدين على غاية ما يكون من التحقيق...

قال الطوفي : ولعَمري إنّ هذا دأبه في كتبه الكلاميّة والحكميّة حتّى اتّهمه بعض النّاس ، ولكنّه خلاف ظاهر حاله ؛ لأنّه لو كان اختار قولاً أو مذهباً ما كان عنده مَن يَخاف منه حتّى يتستّر عنه ، ولعلّ سببه أنّه كان يستفرغ قِواه في تقرير دليل الخصم ، فإذا انتهى إلى تقرير دليل نفسه لا يبقى عنده شيء مِن القوى ، ولا شكّ أنّ القوى النفسانيّة تابعة للقوى البدنيّة ، وقد صرّح في مقدّمة نهاية العقول أنّه يقرّر مذهب خصمه تقريراً ، لو أراد خصمه أنْ يقرّره لم يقدر على الزيادة على ذلك .


وذكر ابن خليل السكوني في كتابه الرد على الكشّاف : أنّ ابن الخطيب قال في كتبه في الأُصول : أنّ مذهب الجبر هو الصحيح ، وقال بصحّة بقاء الأعراض وبنفي صفات الله الحقيقيّة ، ويزعم أنّها مجرّد نسبٍ وإضافات كقول الفلاسفة ، وسلك طريق أرسطو في دليل التمانع ، ونقل عن تلميذه التاج الأرموي أنّه نصر كلامه ، فهجره أهل مصر وهمّوا به فاستتر ، ونقلوا عنه أنّه قال : عندي كذا وكذا مئةُ شبهةٍ على القول بحدوث العالم ، ومنها ما قاله شيخه ابن الخطيب في آخر الأربعين ، والمتكلّم يستدلّ على القِدم بوجوب تأخّر الفعل ولزوم أوليّته ، والفيلسوف يستدلّ على قِدمه باستحالة تعطّل الفاعل عن أفعاله .

وقال في شرح الأسماء الحسنى : أنّ من أَخَّرَ عقاب الجاني مع عِلمه بأنّه سيعاقبه فهو الحقود وقد تعقّب بأنّ الحقود من أخّر مع العجز ، أمّا مع القدرة فهو الحكيم ، والحقود إنّما في حقّ المخلوقين دون الخالق بالإجماع .

ثمّ أسند عن ابن الطبّاخ : أنّ الفخر كان شيعيّاً ، يقدّم محبّة أهل البيت كمحبّة الشيعة ، حتّى قال في بعض تصانيفه : وكان عليّ شجاعاً بخلاف غيره ، وعابَ عليه تسميته لتفسيره( مفاتيح الغيب ) ، ولمختصره في المنطق بـ( الآيات البيّنات ) ، وتقريره لتلامذته في وصفه : بأنّه الإمام المجتبى ، أُستاذ الدنيا ، أفضل العالم ، فخر ابن آدم ، حجّة الله على الخلق ، صدر صدور العرب والعجم هذا آخر كلامه )(١) انتهى .

وقال الشيخ عبد الوهّاب الشعراني في( إرشاد الطالبين إلى مراتب العلماء الكاملين ) :
( وقد طلب الشيخ فخر الدين الرّازي الطريق إلى الله تعالى ، فقال له الشيخ نجم الدين الكبرى : لا تطيق مفارقة صنمك الذي هو علمك ، فقال : يا

ـــــــــــــــــــ

(١) لسان الميزان ٥ : ٤٣٠ ـ ٤٣٥/ ٦٥٧١ .


سيّدي ، لابدّ إْن شاء الله تعالى ، فأدخله الشيخ الخلوة وسلبه جميع ما معه مِن العلوم ، فصاح في الخلوة بأعلى صوته : لا أُطيق فأخرجه وقال : أعجبني صدقك وعدم نفاقك ) .

أبو عبد الرحمان السّلَمي

أقـول :

ومن أعلام المفسّرين عند القوم : أبو عبد الرحمان السلَمي ، وهو مِن كبار مشايخ الصوفيّة ، قال اليافعي بترجمته :

( الشيخ الكبير ، العارف بالله الشهير ، الحافظ أبو عبد الرحمان محمّد بن الحسين بن موسى النيسابوري السلَمي الصوفي ، صحب جدّه أبا عمرو بن نجيد ، وسمع الأصم وطبقته ، وصنّف التفسير والتاريخ وغير ذلك ، وبلغت مصنّفاته مئة .

وقال الخطيب : قدر أبي عبد الرحمان عند أهل بلده جليل )(١) .

وفي( الأنساب ) :

( صاحب التصانيف للصوفيّة التي لم يسبق إليها ، وكان مُكثراً مِن الحديث )(٢) .

وقال عبد الغافر في( تاريخ نيسابور ) :

( شيخ الطريقة في وقته ، الموفّق في جمع علوم الحقائق ومعرفة طريق التصوّف ،.. وقد ورث التصوّف عن أبيه وجدّه ، وجمع مِن الكتب ما لم يسبق إلى ترتيبه )(٣) .

ـــــــــــــــــــ

(١) مرآة الجنان ٣ : ٢١ السنة ٤١٢ .

(٢) الأنساب ٣ : ٢٧٩ .

(٣) المنتخب من السياق لتاريخ نيسابور : ١٩/ ٤ .


وقال أبو نعيم في( الحلية ) :

( ومنهم : ذو الصيام والقيام ، مُقري الأئمّة والأعلام مدى السّنين والأعوام ، في التعبّد لبيب وفي التعليم أريب ، أبو عبد الرحمان السلَمي )(١) .

فالعجب كلّ العجب !! أنْ يكون هذا الصّوفيّ المتعبّد والعارف الكبير ، كذّاباً مفترياً يضع الحديث على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال ابن الجوزي في( تلبيس إبليس ) في حال الصوفيّة :

( وما زال إبليس يخطبهم بفنون البدع ، حتّى جعلوا لأنفسهم سنناً ، وجاء أبو عبد الرحمان السّلَمي فصنّف لهم كتاب السنن ، وجمع لهم حقائق التفسير ، فذكر عنهم فيه العجب في تفسيرهم القرآن بما يقع لهم ، مِن غير إسناد ذلك إلى أصلٍ من أُصول العلم ، وإنّما حملوه على مذاهبهم ، والعجب مِن ورعهم في الطعام وانبساطهم في القرآن ، وقد أخبرنا أبو منصور بن عبد الرحمان القزّاز قال : أخبرنا أبو بكر الخطيب قال : قال لي محمّد بن يوسف القطّان النيسابوري : كان أبو عبد الرحمان السلَمي غير ثقة ، ولم يكن سمِع مِن الأصم إلاّ شيئاً يسيراً ، فلمّا مات الحاكم أبو عبد الله ابن البيّع ، حدّث عن الأصم بتاريخ يحيى بن معين وبأشياءٍ كثيرةٍ سواه ، وكان يضع للصوفيّة الأحاديث )(٢) .

وقال المناوي :

( نقل الذهبي وغيره عن الخطيب عن القطّان : إنّه كان يضع للصوفيّة وفي اللسان كأصله إنّه ليس بعمدة )(٣) .

ـــــــــــــــــــ

(١) حلية الأولياء ٤ : ١٩١/ ٢٧٥ .

(٢) تلبيس إبليس ١٨٨ ـ ١٨٩ .

(٣) فيض القدير ـ شرح الجامع الصغير ١ : ١٨٩ .


وفي( الميزان ) :

( محمّد بن الحسين أبو عبد الرحمان السلَمي النيسابوري ، شيخ الصوفيّة وصاحب تاريخهم وطبَقَاتهم وتفسيرهم تكلّموا فيه وليس بعمدة روى عن الأصم وطبقته ، عني بالحديث ورجاله ، وسأل الدارقطني .

قال الخطيب : قال لي : محمّد بن يوسف القطّان كان يضع الأحاديث للصوفيّة )(١) .

وقال السبكي عن الذهبي أنّه قال : ( له كتابٌ سمّاه حقائق التفسير ، ليته لم يصنِّفه ، فإنّه تحريفٌ وقرمطةٌ )(٢) .

وقال السيوطي في( الإتقان ) :

( قال ابن الصلاح في فتاويه : وجدت عن الإمام أبي الحسن الواحدي المفسّر أنّه قال : صنّف أبو عبد الرحمان السلَمي [شيخ القشيري] حقائق التفسير ، فإنْ كان قد اعتقد أنّ ذلك تفسير فقد كفر )(٣) .

وفي( منهاج السنّة ) في غير موضع :

إنّ ما ينقل في كتاب حقائق التفسير عن الإمام جعفر الصادق عامّته كذب عليه .

ـــــــــــــــــــ

(١) ميزا الاعتدال ٣ : ٥٢٣/ ٧٤١٩ .

(٢) طبقات الشافعيّة ٤ : ١٤٧/ ٣٢٠ .

(٣) الإتقان في علوم القرآن ٤ : ٢٢٣ .


الباب الثالث : الصِّحاح الستّة

مقـدّمة

الصحّاح عند أهل السنّة

أعلم أنّ الصحاح الستّة عند أكثر أهل السنّة هي الموطّأ وكتب : البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي ، إلاّ أنّها ليست في مرتبةٍ واحدة ، فقد ذكر الشاه وليّ الله الدهلوي في كتاب( حجّة الله البالغة ) : أنّ الطبقة الأُولى من كتب الحديث هي : الموطّأ وصحيح البخاري وصحيح مسلم ، ولعلّ أصحّها هو الموطّأ ، والطبقة الثانية هي : جامع الترمذي وسُنن أبي داود وسُنن النسائي ، فإنّ هذه وإنْ لم تكن في مرتبة الصحيحين إلاّ أنّها قريبة منها .

ولم يجعل صاحب( جامع الأُصول ) كتاب ابن ماجة في عِداد الصّحاح ، وإنّما جعل الموطّأ منها ، قال الشيخ عبد العزيز الدهلوي في رسالته في( أصول الحديث ) : ( والحق معه ) ، ثمّ نقل عن والده ولي الله أنّ( مسند أحمد ) أيضاً في هذه المرتبة ، لكونه أصلاً في معرفة الصحيح مِن السقيم ، وبه يُعرف ماله أصل عمّا ليس له أصل .

وعلى كلّ حالٍ ، فلا خلاف في تقدّم كتاب البخاري ومسلم على سائر كتبهم الحديثيّة .

قدح الفيض آبادي في الصحيحين .

وينبغي ـ قبل الورود في تحقيق حال الصحيحين وصاحبيهما مِن كلمات أعلام القوم ـ أنْ نذكر رأي ( المخاطب ) نفسه فيهما ، وذلك : أنّه لمّا أُلزم ببعض

الأحاديث المخرَّجة في الكتابين ، اضطرّ في كتابه( إزالة الغين ) إلى تكذيبها والطعن فيهما .

فكذّب حديث( إيتوني بدواةٍ وقرطاس ) وحكى عن الآمدي في مسنده القول بأنّ حديث القرطاس لا أساس له .


وكذّب حديث( فدك ) ونقل عن أبي السعادات ابن الأثير قوله في مقدّمة( جامع الأُصول ) في ذكر المجروحين : ( ومنهم : قومٌ وضعوا الحديث لهوىً يدعون الناس إليه ، فمنهم مَن تاب عنه وأقرّ على نفسه ، قال شيخ مِن شيوخ الخوارج بعد أنْ تاب : إنّ هذه الأحاديث دِين ، فانظروا ممّن تأخذون دينكم ، فإنّا كنّا إذا هوينا أمراً صيّرناه حديثاً .

وقال أبو العيناء : وضعت أنا والجاحظ حديثَ فدك ، وأدخلناه على الشيوخ ببغداد ، فقبلوه، إلاّ ابن أبي شيبة العلوي ، فإنّه قال : لا يشبه آخر هذا الحديث أوّله ، وأبى أنْ يقبله...) .

فأين صارت دعوى إجماع الأُمّة على صحّة ما في الكتابين ؟ وأين راحت تلك الفضائل والمناقب التي يزعمونها لهما ، والخرافات التي يلفّقونها لصاحبيهما ؟ وأين ذهبت شدّة احتياط البخاري لدى كتابة الأحاديث وتدوين صحيحه ، حتّى أنّه لم يخرّج فيه شيئاً عن صادق أهل البيتعليه‌السلام !! مع روايته عن الكذّابين والنواصب والخوارج : كإسحاق بن سُويد ، وحريز بن عثمان ، وعمران بن حطّان ، وحصين بن نمير ، وعبد الله بن سالم ، وعكرمة مولى ابن عبّاس ، وقيس بن أبي حازم ، ووليد بن كثير ، وأمثالهم ، كما لا يخفى على ناظر( ميزان الاعتدال ) وغيره من كتب الرجال ؟ !

عجيبٌ أمر هؤلاء !!

إذا أرادوا تصحيح أحاديث هذين الكتابين والاستدلال بها أمام الإماميّة ، بالغوا في مدحهما حتّى كفّروا مَن تكلّم فيهما وهوّن أمرهما ، قال شاه وليّ الله في كتاب( حجة الله البالغة ) :

( وأمّا الصحيحان ، فقد اتّفق المحدّثون على أنّ جميع ما فيهما مِن المتّصل المرفوع صحيحٌ بالقطع ، وأنّهما متواتران إلى مصنّفهما ، وأنّه كلّ مَن يهوّن أمرهما فهو مُبتدِع متّبِع غير سبيل المؤمنين ) .

وحتّى وضعوا ما يدلّ على جلالتهما وعظمتهما على لسان النبيّ الصادق الأمينصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم !! لقد جاء في( الدر الثمين في مبشّرات النبيّ الأمين ) لشاه وليّ الله الدهلوي .


( الحديث الثالث والثلاثون : أخبرني الشيخ أبو طاهر قال : أخبرنا الشيخ أحمد النخلي قال : أخبرنا شيخنا السيّد السند أحمد بن عبد القادر قال : أخبرنا الشيخ جمال القيرواني ، عن شيخه الشيخ يحيى الخطّاب المالكي قال : أخبرنا عمّي الشيخ برَكَات الخطّاب ، عن والده ، عن جدّه الشيخ محمّد بن عبد الرحمان الخطّاب شارح مختصر الخليل قال :

مشينا مع شيخنا العارف بالله تعالى الشيخ عبد المعطي التونسي لزيارة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلمّا قربنا من الروضة الشريفة ترجّلنا ، فجعل الشيخ عبد المعطي يمشي خطوات ويقف ، حتّى وقف تجاه القبر الشريف ، فتكلّم بكلامٍ لم نفهمه ، فلمّا انصرفنا سألناه عن وقَفَاته فقال : كنت أطلب الإذن مِن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في القدوم عليه ، فإذا قال لي أقدم قدمت ساعة ، ثمّ وقفت وهكذا حتّى وصلت إليه فقلت : يا رسول الله ، أكلّما روى البخاري عنك صحيح ؟

فقال : صحيح فقلت له : أرويه عنك يا رسول الله ؟

قال : أروه عنّي .

وقد أجاز الشيخ عبد المعطي نفعنا الله تعالى به الشيخ محمّد الخطّاب أنْ يرويه عنه ، وهكذا كلّ واحد أجاز من بعده ، وأجاز السيّد أحمد بن عبد القادر النخلي أنْ يرويه عنه بهذا السند ، وأجاز النخلي لأبي طاهر ، وأجاز أبو طاهر لنا .

ووجدت هذا الحديث بخطّ الشيخ عبد الحقّ الدهلوي بإسنادٍ له عن الشيخ عبد المعطي بمعناه ، وفيه : فلمّا فرغ مِن الزيارة وما يتعلّق بها ، سأله أنْ يروي عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صحيح البخاري وصحيح مسلم ، فسمع الإجازة من النبيّ ، فذكر صحيح مسلم أيضاً ) .

كما ذكروا مناماتٍ فيها أمَر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بدراسة كتاب البخاري ،!! فراجع( مقدّمة فتح الباري ) (١) .

ثمّ إنّه قد نصّ بعضهم على أنّ أحاديث الكتابين هي الدليل عندهم على أنَّ فرقتهم هي الفرقة الناجية في القيامة ، يقول المناوي بشرح حديث : ( افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة... ) :

ـــــــــــــــــــ

(١) هدي الساري ـ مقدمة فتح الباري : ٥ .


 ( فإنْ قيل : ما وثوقك بأنّ تلك الفرقة الناجية هي أهل السنّة والجماعة ، مع أنّ كلّ واحدٍ مِن الفِرَق يزعم أنّه هي دون غيره ؟

قلنا : ليس ذلك بالإدّعاء والتشبّث باستعمال الوهم القاصر والقول الزاعم ، بل بالنقل عن جهابذة أهل الصنعة ، وأئمّة الحديث الذين جمعوا صِحاح الأحاديث في أمر المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأحواله وأفعالهوحَرَكاته وسَكَناته ، وأحوال الصحب والتابعين ، كالشيخين وغيرهما من الثقات المشاهير ، الذين اتّفق أهل المشرق والمغرب على صحّة ما في كتبهم.....) (١) .

فكان المدرك لكون أهل السنّة هم الفرقة الناجية ما رواه الشيخان البخاري ومسلم ، في كتابيهما المعروفين بالصحيحين...

وإذا سقط الكتابان عن الاعتبار ، لاشتمالهما على الأخبار الموضوعة والمكذوبة ، بطل دعواهم على كونهم الفرقة الناجية ، وانهدم أساس مذهبهم ، وتلك هي الكارثة العظيمة...

وبعد :

فهذا بعض الكلام على الكتب المذكورة وأصحابها :

ـــــــــــــــــــ

(١) فيض القدير ـ شرح الجامع الصغير ٢ : ٢٠ ـ ٢١ .


صحيح البخاري

أما صحيح البخاري ، فإنّ أوّل شيء نذكره حوله ، هو أنّ أبا زرعة وأبا حاتم الرّازيين قد تركا البخاري ومنعا مِن الرواية عنه والأخذ منه .

ترك أبي زرعة وأبي حاتم البخاري

ففي( طبقات السبكي ) عن تقيّ الدين ابن دقيق العيد أنّه قال : ( أعراض المسلمين حفرةٌ مِن حُفَر النار ، وقَف على شفيرها طائفتان مِن الناس : المحدّثون والحكّام ) فقال السبكي :

( قلت : ومِن أمثلته قول بعضهم في البخاري : تركه أبو زرعة وأبو حاتم مِن أجل مسألة اللفظ فيا لله وللمسلمين ! أيجوز لأحدٍ أنْ يقول : البخاري متروك ؟ وهو حامل لواء الصناعة ، ومقدَّم أهل السنّة والجماعة )(١) .

وأورد الذهبي البخاريّ في كتاب( الضعفاء والمتروكين ) ، فقال المناوي متضجّراً مِن ذلك :

( زين الأُمّة ، افتخار الأئمّة ، صاحب أصحّ الكتب بعد القرآن ، صاحب ذيل الفضل على ممرّ الزمان ، الذي قال فيه إمام الأئمّة ابن خزيمة : ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث منه ، وقال بعضهم : إنّه آية مِن آيات الله يمشي على وجه الأرض .

قال الذهبي : كان مِن أفراد العالم مع الدين والورع والمتانة .

ـــــــــــــــــــ

(١) طبقات الشافعيّة ٢ : ٢٣٠ ، سير أعلام النبلاء ١٢ : ٤٦٢ .


هذا كلامه في الكاشف ومع ذلك غلب عليه الغض مِن أهل السنّة ، فقال في كتاب الضعفاء والمتروكين : ما سلِم من الكلام ، لأجل مسألة اللّفظ ، تركه لأجلها الرازيّان .

هذه عبارته ، وأستغفر الله تعالى ، نسأل الله تعالى السلامة ، ونعوذ به مِن الخذلان )(١) .

وقال في( ميزان الاعتدال ) بترجمة عليّ بن المديني :

( عليّ بن عبد الله بن جعفر بن الحسن ، الحافظ ، أحد الأعلام الأثبات وحافظ العصر.

ذكره العقيلي في كتاب الضعفاء فبئس ما صنع فقال : جنح إلى ابن أبي دؤاد والجهميّة ، وحديثه مستقيم إنْ شاء الله ، قال لي عبد الله بن أحمد : كان أبي حدّثنا عنه ، ثمّ أمسك عن اسمه وكان يقول حدّثنا رجلٌ ، ثمّ ترك حديثه بعد ذلك .

قلت : بل حديثه عنه في مسنده .

وقد تركه إبراهيم الحربي ، وذلك لميله إلى أحمد بن أبي دؤاد ، فقد كان مُحسناً إليه.

وكذا امتنع مِن الرواية عنه في صحيحه لهذا المعنى ، كما امتنع أبو زرعة وأبو حاتم من الرواية عن تلميذه محمّد لأجل مسالة اللّفظ .

وقال عبد الرحمان ابن أبي حاتم : كان أبو زرعة ترك الرواية عنه مِن أجل ما كان منه في المحنة...)(٢) .

ـــــــــــــــــــ

(١) فيض القدير ـ شرح الجامع الصغير ١ : ٢٤ .

(٢) ميزان الاعتدال ٥ : ١٦٧ / ٥٨٨٠ .


ترجمة أبي زرعة الرازي

وأبو زرعة الرّازي ، المتوفّى سنة ٢٦٤ ، مِن أعلام أئمّة القوم :

قال الذهبي : ( م ت س ق ـ عبيد الله بن عبد الكريم ، أبو زرعة الرّازي ، الحافظ ، أحد الأعلام ، عن أبي نعيم والقعنبي وقبيصة وطبقتهم في الآفاق وعنه : م ت س ق ، وأبو عوانة ، ومحمّد بن الحسين ، والقطّان ، وأُمم .

قال ابن راهويه : كلّ حديثٍ لا يعرفه أبو زرعة فليس له أصل .

مناقبه تطول )(١) .

وقال ابن حجر : ( م ت س ق ـ عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ ، أبو زرعة الرّازي ، إمامٌ ، حافظٌ ، ثقةٌ ، مشهورٌ ، من الحادية عشرة )(٢) .

وقال اليافعي : ( الحافظ ، أحد الأئمّة الأعلام... قال أبو حاتم : لم يخلّف بعده مثله ، علماً وفقهاً وصيانةً وصدقاً ، وهذا ممّا لا يرتاب فيه ، ولا أعلم مِن المشرق والمغرب مَن كان يفهم هذا الشأن مثله وقال إسحاق بن راهويه : كلّ حديث لا يحفظه أبو زرعة ليس له أصل )(٣) .

وقال الخطيب البغدادي : ( عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ ، أبو زرعة الرازي... كان إماماً ربّانيّاً متقناً حافظاً مُكثراً صادقاً قدِم بغداد غير مرّة ، وجالَس أحمد بن حنبل وذاكره وحدّث ، فروى عنه من البغداديّين : إبراهيم بن إسحاق الحربي ، وعبد الله بن أحمد بن حنبل ، وقاسم بن زكريّا

ـــــــــــــــــــ

(١) الكاشف ٢ : ٢٢٣ / ٣٦٠٧ .

(٢) تقريب التهذيب ١ : ٤٩٧ / ٤٨٥٠ .

(٣) مرآة الجنان ٢ : ١٣١ .


المطرز... حدّثني الأزهري ، حدّثنا عبيد الله بن محمّد العكبري قال : سمعت أحمد بن سلمان قال : سمعت عبد الله بن أحمد بن حنْبل قال : لمّا ورد علينا أبو زرعة نزل عندنا ، فقال لي أبي : يا بنيّ ، قد اعتضت بنوافلي مذاكرة هذا الشيخ .

أخبرني إبراهيم بن عمر البرمكي : حدّثنا عبيد الله بن محمّد بن محمّد ابن حمدان العكبري ، حدّثنا أبو حفص عُمر بن محمّد بن رجاء قال : سمعت عبد الله ابن أحمد بن حنبل يقول : لمّا قدِم أبو زرعة نزل عند أبي ، فكان كثير المذاكرة له ، فسمعت أبي يوماً يقول : ما صلّيت غير الفرض ، استأثرت بمذاكرة أبي زرعة على نوافلي .

أخبرني محمّد بن أحمد بن يعقوب ، أخبرنا محمّد بن نعيم الضبي ، حدّثنا أحمد بن الحسين القاضي عن بعض شيوخه قال : سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول : قلت لأبي : يا أبتِ مَنِ الحفّاظ ؟ قال : يا بني ، شبابٌ كانوا عندنا مِن أهل خراسان وقد تفرّقوا ، قلت : مَن هُم يا أبتِ ؟ قال : محمّد ابن إسماعيل ذاك البخاري ، وعبيد الله بن عبد الكريم ذاك الرّازي ، وعبد الله بن عبد الرحمان ذاك السمرقندي ، والحسن بن شجاع ذاك البلخي أخبرني محمّد بن عليّ المُقرئ ، أخبرنا أبو مسلم ابن مهران ، أخبرنا عبد المؤمن بن خلف النسفي قال : سمعت أبا عليّ صالح بن محمّد يقول : سمعت أبا زرعة يقول : كتبت عن رجلين مِئتي ألف حديث ، كتبت عن إبراهيم الفرّاء مِئة ألف حديث ، وعن ابن أبي شيبة عبد الله مِئة ألف حديث .

أخبرني أبو زرعة روح بن محمّد الرّازي ـ إجازة شافهني بها ـ أخبرنا عليّ ابن محمّد بن عمر القصّار ، حدّثنا عبد الرحمان بن أبي حاتم قال : قلت لأبي زرعة : تحزر ما كتبت عن إبراهيم بن موسى مِئة ألف ؟ قال : مِئة ألف كثير ، قلت : فخمسين ألفاً ؟ قال : نعم ، وستّين ألفاً ، وسبعين ألفاً أخبرني مِن عدّ كتاب الوضوء والصلاة فبلغ ثمانية عشر ألف حديث .

أخبرنا أبو بكر البرقاني قال : قال محمّد بن العبّاس العصمي ، حدّثنا يعقوب ابن إسحاق بن محمود الفقيه قال : حدّثنا صالح بن محمّد الأسدي قال : حدّثني سلمة بن شبيب ، حدّثني الحسن بن محمّد بن أعيَن ، حدّثنا زهير بن معاوية قال : حدّثتنا أُمّ عمرو بنت شمر قالت : سمعت سويد بن غفلة يقرأ( وعيسٌ عين ) يريد حور عين .


قال صالح : ألقيت هذا على أبي زرعة فبقي مُتعجّباً ، وقال : أنا أحفظ في القراءات عشرة آلاف حديث ، قلت : فتحفظ هذا ؟ قال : لا .

أخبرنا أبو القاسم رضوان بن محمّد بن الحسن الدينوري : حدّثنا أبو عليّ حمد بن عبد الله الأصبهاني قال : سمعت أبا عبد الله عمر بن محمّد بن إسحاق العطّار يقول : سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول : سمعت أبي يقول : ما جاوَز الجسر أفقه من إسحاق بن راهويه ، ولا أحفظ مِن أبي زرعة .

حدّثنا أبو طالب يحيى بن عليّ بن الطيّب الدسكري ـ لفظاً بحلوان ـ أخبرنا أبو بكر ابن المُقرئ ـ بأصبهان ـ حدّثنا عبد الله بن محمّد بن جعفر القزويني ـ بمصر ـ قال : سمعت أبا حفص عمر بن مقلاص يقول : كان أبو زرعة هاهنا عندنا بمصر ـ سنة تسع وعشرين ومِئتين ـ إذا فرغ مِن سماع ابن بكير وعمرو بن خالد والشيوخ ، اجتمع إليه أصحاب الحديث ، فيُملي عليهم وهو ابن سبع وعشرين سنة .

وقال عبد الله : سمعت يزيد بن عبد الصمد يقول : قدِم علنيا أبو زرعة الرّازي سنة ثمانٍ وعشرون فما رأينا مثله ، وكنّا نجلس إليه ، فلمّا أراد الخروج قلت له : يا أبا زرعة ، اجعلني خليفتك في هذه الحلقة ، قال : فقال لي : قد جعلتك .

قال عبد الله : سمعت محمّد بن عوف يقول : قدِم علينا أبو زرعة فما ندري ممّا يتعجّب منه ؟ ! ممّا وهب الله له مِن الصيانة والمعرفة ، مع الفهم الواسع قال محمّد : قال لي أبو زرعة : ولِدْتُ سنة مِئتين .

أخبرنا أبو زرعة الرازي ـ إجازة ـ أخبرنا عليّ بن محمّد بن عمر القصار حدّثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم قال : سمعت أبا زرعة يقول : أردت الخروج من مصر ، فجئت لأُودّع يحيى بن عبد الله بن بكير فقلت: تأمر بشيء ؟ فقال : أخلف الله علينا بخير.

أخبرنا عليّ بن محمّد المقرئ: أخبرنا صالح بن أحمد بن محمّد الهمذاني الحافظ، أخبرنا عبد الرحمن بن حمدان المرزبان، قال: قال أبو حاتم الرازي: إذا رأيت الرازي وغيره يبغض أبا زرعة فاعلم أنّه مبتدع.


أخبرنا أبو سعد الماليني ـ قراءة ـ حدّثنا عبد الله ابن عدي الحافظ قال : سمعت محمّد بن إبراهيم المُقرئ يقول : سمعت فضلك الصائغ يقول : دخلت المدينة ، فصرت الى باب أبي مصعب ، فخرج إليّ شيخ مخضوب ـ وكنت أنا ناعساً فحرّكني ـ فقال : يا مردريك ، من أين أنت ؟ لأيّ شيء تنام ؟ فقلت : أصلحك الله ، مِن الريّ ، مِن بعض شاكردي أبي زرعة ، فقال : تركت أبا زرعة وجئتني ؟ ! لقيت مالك بن أنَس وغيره ، فما رأت عيناني مثله .

وقال أيضاً : سمعت فضلك الصائغ يقول : دخلت على الربيع بمصر ، فقال لي : من أين أنت ؟ قلت : من أهل الري ـ أصلحك الله ـ من بعض شاكردي أبو زرعة فقال : تركت أبا زرعة وجئتني ؟ ! إنّ أبا زرعة آية ، وإنّ الله إذا جعل إنساناً آية أبان مِن شكله حتّى لا يكون له ثان .

حدّثنا أبو طالب الدسكري ، أنبأنا أبو بكر ابن المُقرئ ، حدّثنا عبد الله بن محمّد بن جعفر القزويني قاضي الرملة ـ بمصر ـ قال : سمعت يونس بن عبد الأعلى سنة تسعٍ وخمسين ومِئتين يقول ـ وذكر أبا زرعة الرّازي ـ فقال : أبو زرعة آية ، وإذا أراد الله أنْ يجعل عبداً مِن عباده آية جعله .

أخبرنا أبو سعد الماليني ، أخبرنا عبد الله ابن عدي ، أخبرنا أحمد بن محمّد بن سعيد قال : حدّثني الحضرمي قال : سمعت أبا بكر ابن أبي شيبة، وقيل ل : مَن أحفظ مَن رأيت ؟ قال : ما رأيت أحداً أحفظ مِن أبي زرعة الرّازي .

كتب إليّ أبو حاتم أحمد بن الحسن بن محمّد بن خاموش الواعظ ـ من الري ، بخطّه ـ قال : سمعت أحمد بن الحسن بن محمّد العطّار ، يذكر عن محمّد بن أحمد بن جعفر الصيرفي ، حدّثنا أبو جعفر أحمد بن محمّد بن سليمان التستري قال : سمعت أبا زرعة يقول : إنّ في بيتي ما كتبته منذ خمسين سنة ، ولم أُطالعه منذ كتبته ، وإنّي أعلم في أيّ كتابٍ هو ، في أيّ ورقةٍ هو ، في أيّ صفحةٍ هو، في أيّ سطرٍ هو .

قال : وسمعت أبا زرعة يقول : ما سمِعَت أُذني شيئاً مِن العلم إلاّ وعاه قلبي ، وإنّي كنت أمشي في سوق بغداد فأسمع من الغرف صوت المغنّيات ، فأضع أصبعي في أُذني مخافة أنْ يعيه قلبي .


أخبرني أبو بكر أحمد بن محمّد بن عبد الواحد المروذي ، حدّثنا محمّد ابن عبد الله بن محمّد الحافظ ـ بنيسابور ـ قال : سمعت أبا حامد أحمد بن محمّد المُقرئ الفقيه الواعظ يقول : سمعت أبا العبّاس محمّد بن إسحاق الثقفي يقول : لمّا انصرف قتيبة بن سعيد إلى الري ، سألوه أنْ يحدّثهم فامتنع وقال : أُحدّثكم بعد أنْ حضر مجالسي أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وعليّ بن المديني، وأبو بكر ابن أبي شيبة ، وأبو خيثمة ؟ ! قالوا له : فإنّ عندنا غلاماً يسرد كلّ ما حدّثت به مجلساً مجلساً ، قم يا أبا زرعة ، فقام أبو زرعة ، فسرد كلّ ما حدّث به قتيبة ، فحدّثهم قتيبة .

حدّثنا محمّد بن يوسف القطّان النيسابوري ـ لفظاً ـ أخبرنا محمّد بن عبد الله بن محمّد بن حمدَويه الحافظ قال : سمعت أبا جعفر محمد بن أحمد الرّازي يقول : سمعت أبا عبد الله محمّد بن مسلم بن وارة يقول : كنت عند إسحاق بن إبراهيم بنيسابور ، فقال رجلٌ مِن أهلِ العراق : سمعت أحمد بن حنبل يقول : صحّ مِن الحديث سبعمِئة ألف حديث وكسر ، وهذا الفتى : ـ يعني أبا زرعة ـ قد حفظ ستمِئة ألف .

أخبرنا أبو سعد الماليني ، حدّثنا عبد الله بن عدي قال : سمِعت الحسن ابن عثمان التستري يقول : كلّ حديثٍ لا يعرفه أبو زرعة الرّازي ليس له أصل .

حدّثني أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن علّي السوذرجاني ـ لفظاً ، بأصبهان ـ وأبو طالب يحيى بن عليّ بن الطيّب الدسكري ـ لفظاً ، بحلوان ـ قال يحيى حدّثنا ، وقال الآخر : أنبأنا أبو بكر ابن المُقرئ ، حدّثنا عبد الله بن محمّد بن جعفر القزويني ـ بمصر ـ قال سمعت محمّد بن إسحاق الصاغاني يقول ـ في حديث ذكره مِن حديث الكوفة فقال : هذا أفادنيه أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم ، فقال له بعض مَن حضر : يا أبا بكر ، أبو زرعة مِن أولئك الحفّاظ الذين رأيتهم ؟ وذكر جماعة من الحفّاظ ، منهم الفلاس .

فقال : أبو زرعة أعلاهم ؛ لأنّه جمَع الحفظ مع التقوى والورع ، وهو يشبه بأبي عبد الله أحمد بن حنبل.


أخبرنا أبو نعيم الحافظ : حدّثنا الحسن بن محمّد الزعفراني ، حدّثنا أحمد بن محمّد بن عمر ، حدّثنا أبو بكر ابن بحر ، حدّثنا محمّد بن الهيثم بن عليّ النسوي ، قال : لمّا أن قدِم حمدون البرذعي على أبي زرعة لكتابة الحديث، دخل عليه فرأى في داره أواني وفرشاً كثيراً ، قال : وكان ذلك لأخيه، فهمّ أنْ يرجع ولا يكتب عنه ، فلمّا كان من اللّيل رأى كأنّه على شط بركة، ورأى ظلّ شخص في الماء، فقال : أنت الذي زهدت في أبي زرعة ؟ ! أعلمت أنّ أحمد بن حنبل كان من الأبدال ، فلمّا أنْ مات أبدل الله مكانه أبا زرعة .

أخبرنا الماليني : أخبرنا عبد الله بن عيدي ، حدّثنا أحمد بن محمّد بن سليمان القطّان، حدّثنا أبو حاتم الرّازي، حدّثني أبو زرعة عبدي الله بن عبد الكريم بن يزيد القرشي ، وما خلّف بعده مثله علماً وفهماً ، وصيانةً وحذقاً ، وهذا ما لا يُرتاب فيه ، ولا أعلم مِن المشرق والمغرب مَن كان يفهم من هذا الشأن مثله ، ولقد كان من هذا الأمر بسبيل .

وقال ابن عدي : سمعت عبد الملك بن محمّد يقول : سمعت ابن خراش يقول : كان بيني وبين أبي زرعة موعد أنْ أُبكّر عليه فأُذاكره ، فبكّرت فمررت بأبي حاتم وهو قاعدٌ وحده ، فدعاني فأجلسني معه يُذاكرني حتّى أصبح النهار ، فقلت له : بيني وبين أبي زرعة موعد ، فجئت إلى أبي زرعة والناس عليه منكبّون ، فقال لي : تأخّرت عن الموعد ؟ قلت : بكّرت فمررت بهذا المستوحش فدعاني فرَحِمته لِوحدته ، وهو أعلا إسناداً منك ، وضربت أنت بالدست أو كما قال .

أخبرنا أبو منصور محمّد بن عيسى بن عبد العزيز البزّاز ـ بهمذان ـ حدّثنا صالح بن أحمد بن محمّد الحافظ قال : سمعت القاسم بن أبي صالح يقول : سمعت أبا حاتم الرّازي يقول : أبو زرعة إمام.

أخبرنا البرقاني : أخبرنا عليّ بن عمر الدارقطني ، أخبرنا الحسن بن رشيق ، حدّثنا عبد الكريم بن أبي عبد الرحمان النسائي عن أبيه ، ثمّ حدّثني الصوري ، أخبرنا الخصيب بن عبد الله قال : ناولني عبد الكريم ـ وكتب لي بخطّه ـ قال : سمعت أبي يقول : عبيد الله بن عبد الكريم أبو زرعة الرّازي ثقةٌ.


أخبرنا الماليني : أخبرنا عبد الله بن عدي قال : سمعت أبا يعلى الموصلي يقول : ما سمعنا بذكرِ أحدٍ في الحفظ إلاّ كان اسمه أكثر مِن رؤيته ، إلاّ أبو زرعة الرّازي ، فإنّ مشاهدته كانت أعم من اسمه ، وكان قد جمع حفظ الأبواب ، والشيوخ ، والتفسير ، وغير ذلك ، وكتبنا بانتخابه بواسط ستّة آلاف .

أخبرنا هناد بن هارون النسفي : أخبرنا محمّد بن أحمد بن محمّد بن سليمان الحافظ ـ ببخارى ـ أخبرنا أبو الأزهر ناصر بن محمّد بن النضر الأسدي ـ بكرمينية ـ قال سمعت أبا يعلى أحمد بن عليّ بن المثنّى يقول : رحلْتُ إلى البصرة لِلِقاء المشايخ أبي الربيع ، الزهراني ، وهدبة بن خالد ، وسائر المشايخ ، فبينا نحن قُعود في السفينة ، إذا أنا برجلٍ يسأل رجلاً فقال : ما تقول ـ رحمك الله ـ في رجلٍ حلف بطلاق امرأته ثلاثاً أنّك تحفظ مِئة ألف حديث ؟ فأطرق رأسه مليّاً ثمّ رفع فقال : اذهب يا هذا وأنت بارٌّ في يمينك ، ولا تعد إلى مثل هذا ، فقلت من الرجل ؟ فقيل لي : أبو زرعة الرّازي ، كان ينحدر معنا إلى البصرة .

أخبرنا الماليني : حدّثنا عبد الله بن عدي قال : سمعت أبي عدي بنعبد الله يقول : كنت بالري ـ وأنا غلام في البزّازين ـ فحلف رجلٌ بطلاقِ امرأته أنّ أبا زرعة يحفظ مِئة ألف حديث ، فذهب قومٌ إلى أبي زرعة بسبب هذا الرجل هل طلّقت امرأته أم لا ؟ فذهبْت معهم ، فذكر لأبي زرعة ما ذكر الرجل ، فقال : ما حمله على ذلك ؟ فقيل له :


قد جرى الآن منه ذلك ، فقال أبو زرعة : قل له يمسك امرأته... ) (١) .

ترجمة أبي حاتم الرّازي

وكذلك أبو حاتم الرّازي المتوفّى سنة ٢٧٧ :

قال الذهبي : ( محمّد بن إدريس أبو حاتم الرّازي ، الحافظ ، سمع الأنصاري وعبيد الله بن موسى.

وعنه : د ، س ، ووَلَده عبد الرحمان بن أبي حاتم ، والمحاملي قال موسى بن إسحاق الأنصاري : ما رأيت أحفظ منه مات في شعبان سنة ٢٧٧ )(٢) .

وقال السمعاني : ( إمامُ عصره والمرجوع إليه في مشكلات الحديث ، مِن مشاهير العلماء المذكورين ، الموصوفين بالفضل والحفظ والرحلة ، ولقي العلماء )(٣) .

وقال ابن حجر: ( د ، س ، ق محمّد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران الحنظلي ، أبو حاتم الرّازي ، الحافظ الكبير ، أحد الأئمّة.... روى عنه : أبو داود والنسائي وابن ماجة في التفسير... وقال الحاكم أبو أحمد في الكنى : أبو

ـــــــــــــــــــ

(١) تاريخ بغداد ١٠ / ٣٢٦ ـ ٣٣٧ .

(٢) الكاشف ٣ : ٦ / ٤٧٦١ .

(٣) الأنساب ٢ : ٢٧٩ .


حاتم محمّد بن إدريس ، روى عنه : محمد بن إسماعيل الجعفي وابنه عبد الرحمان... ورفيقه أبو زرعة... وآخرون .

قال أبو بكر الخلال : أبو حاتم إمامٌ في الحديث ، روى عن أحمد مسائلَ كثيرةٌ وقعت إلينا متفرّقة ، كلّها غريب .

وقال ابن خراش : كان مِن أهل الأمانة والمعرفة .

وقال النسائي : ثقةٌ .

وقال اللاّلكائي : كان إماماً ، عالماً بالحديث ، حافظاً له ، متقناً متثبّتاً .

وقال الخطيب : كان أحد الأئمّة الحفّاظ الأثبات ، مشهوراً بالعلم ، مذكوراً بالفضل... مات بالري ٢٧٧ )(١) .

تكلّم الذهلي في البخاري

وممّن تكلّم في البخاري مِن الأئمّة الأعلام : محمّد بن يحيى الذهلي ، فقد قدح فيه وطعن ، وبدّعه في الدين ، ومنع من الكتابة عنه والحضور عنده ، قال السبكي بترجمة البخاري :

( قال أبو حامد ابن الشرقي : رأيت البخاري في جنازة سعيد بن مروان والذهلي يسأله عن الأسماء والكنى والعِلل ، ويمرّ فيه البخاري مثل السهم ، فما أتى على هذا شهر حتّى قال الذهلي : ألا مَن يختلف إلى مجلسه فلا يأتنا ، فإنّهم كتبوا إلينا من بغداد أنّه تكلّم في اللّفظ ، ونهيناه فلم ينته ، فلا تقربوه .

قلت : كان البخاري ـ على ما رُوي وسنحكي ما فيه ـ ممّن قال : لفظي بالقرآن مخلوقٌ ، وقال محمّد بن يحيى الذهلي : مَن زَعم أنّ لفظي بالقرآن مخلوقٌ فهو مُبتَدِع لا يُجالَس ولا يُكلَّم ، ومَن زعم أنّ القرآن مخلوقٌ فقد كفر ) .

ـــــــــــــــــــ

(١) تهذيب التهذيب ٩ : ٢٨ ـ ٣٠ .


وقال ابن حجر : ( قال أبو حامد ابن الشرقي : سمعت محمّد بن يحيى الذهلي يقول : القرآن كلامُ الله غير مخلوق ، ومَن زعم لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدِع لا يُجالَس ولا يُكلَّم ، ومَن ذهب بعد هذا إلى محمّد بن إسماعيل فاتّهموه ، فإنّه لا يحضر مجلسه إلاّ مَن كان على مذهبه )(١) .

نقد دفاع القوم عن البخاري

ثمّ إنّ القوم حاولوا تخليص البخاري مِن هذه الورطة ، فأتعبوا أنفسهم وجهدوا كثيراً... فقد جاء في كتاب( الطبقات ) بعد ما تقدَّم :

( وإنّما أراد محمّد بن يحيى ـ والعِلم عند الله ـ ما أراده أحمد بن حنبل كما قدّمناه في ترجمة الكرابيسي ، مِن النّهي عن الخوض في هذا ، فلم يرد مخالفة البخاري ، وإنْ خالفه وزعم أنّ لفظه الخارج مِن بين شفة المحدّثين قديم ، فقد باء بإثمٍ عظيم ، والظنّ به خلاف ذلك ، وإنّما أراد هو وأحمد وغيرهما مِن الأئمّة النهي عن الخوض في مسائل الكلام ، وكلام البخاري عندنا محمولٌ على ذكر ذلك عند الاحتياج إليه ، فالكلام عند الاحتياج واجب ، والسكوت عنه عند عدم الاحتياج سنّة .

فافهم ذلك ودع خرافات المؤرّخين ، واضرب صفحاً عن تمويهات الضالّين ، الذين يظنّون أنّهم مُحدّثون وأنّهم عند السنّة واقفون ، وهُم عنها مبعدون .

وكيف يظنّ بالبخاري أنّه يذهب إلى شيء مِن أقوال المعتزلة ، وقد صحّ عنه فيما رواه الفربري وغيره أنّه قال : إنّي لأستجهل مَن لا يكفّر الجهميّة ، ولا يرتاب المنصف في أنّ محمّد بن يحيى الذهلي لحقته الحسد التي لم يسلم منها إلاّ أهل العصمة ، وقد سأل بعضهم البخاري عمّا بينه وبين محمّد بن يحيى فقال البخاري : كم يعتري محمّد بن يحيى الحسد في العلم ، والعلم رزقُ الله يعطيه مَن يشاء ، ولقد أطرف البخاري وأبان عن عظيم ذكائه حيث قال ـ وقد قال له أبو عمرو الخفّاف أنّ الناس خاضوا في قولك : لفظي بالقرآن مخلوقٌ ـ يا أبا عمرو، أحفظ ما أقول لك ، مَن زعم مِن أهل نيسابور وقومس والري وهمدان ، وبغداد والكوفة والبصرة ، ومكّة والمدينة : أنّي قلت لفظي بالقرآن مخلوقٌ ، فهو كذّاب ، فإنّي لم أقله ، إلاّ أنّي قلت : أفعال العباد مخلوقة .

ـــــــــــــــــــ

(١) هدي الساري : ٤٩٢ .


قلت : تأمّل كلامه ما أذكاه ! ومعناه ـ والعلم عند الله ـ إنّي لم أقل لفظي بالقرآن مخلوق ، لأنّ الكلام في هذا خوض في مسائل الكلام وصفات الله التي لا ينبغي الخوض فيها إلاّ للضرورة ، ولكنّي قلت أفعال العباد مخلوقة ، وهو قاعدة مغنية عن تخصيص هذه المسألة بالذكر ، فإنّ كلّ عاقلٍ يعلم أنّ لفظنا مِن جملةِ أفعالنا ، وأفعالنا مخلوقة ، فألفاظنا مخلوقة .

ولقد أفصح بهذا المعنى في رواية أُخرى صحيحة عنه ، رواها حاتم بن أحمد الكيدري فقال : سمعت مسلم بن الحجّاج ، فذكر الحكاية وفيها : أنّ رجلاً قام إلى البخاري فسأله عن اللّفظ بالقرآن فقال : أفعالنا مخلوقةٌ وألفاظنا من أفعالنا ، وفي الحكاية : أنّه وقع بين القوم إذ ذاك اختلاف على البخاري ، فقال بعضهم : قال لفظي بالقرآن مخلوقٌ ، وقال آخرون : لم يقل .

قلت : فلم يكن الإنكار إلاّ على مَن تكلّم في القرآن ، فالحاصل ما قدّمناه في ترجمة الكرابيسي ، من أنّ أحمد بن حنبل وغيره من السادات الموفّقين ، نهوا عن الكلام في القرآن جملةً ، وإنْ لم يُخالفوا في مسألة اللفظ فيما نظنّه فيهم إجلالاً لهم وفهماً مِن كلامهم في غير رواية ، ودفعاً لمحلّهم عن قول لا يشهد له معقول ولا منقول ، وهو أنّ الكرابيسي والبخاري وغيرهما مِن الأئمّة الموفّقين أيضاً أفصحوا بأنّ لفظهم مخلوقٌ لمّا احتاجوا إلى الإفصاح ، هذا إنْ ثبت عنهم الإفصاح بهذا ، وإلاّ فقد نقلنا لك قول البخاري أنّ مَن نقل عنه هذا فقد كذِب عليه .


فإنْ قلت : إذا كان حقّاً لِمَ لا يفصح به ، قلت : سبحان الله ، قد أنبأناك أنّ السرّ فيه في الخوض في علم الكلام ، خشية أنْ يَجُرَّ الكلام فيه إلى ما لا ينبغي ، وليس كلّ علمٍ يُفصح به ، فاحفظ ما نُلقيه إليك واشدد عليه يدَيك ، ويعجبني ما أنشد الغزالي في منهاج العابدين لبعض أهل البيت(١) :

إِنّي لأَكتُم مِن عِلمي جَواهِرَهُ كي

لا يَرى الحقُّ ذي جَهلٍ فَيَفتَنِنا

يا رُبَّ جَوهَرِ عِلمٍ لَو أَبوحُ بِهِ

لقيلَ لي أَنتَ مِمَّن يَعبدُ الوَثَنا

وَلاسَتَحَلَّ رِجالٌ صَالِحُون دَمي

يَرَونَ أَقبَحَ ما يَأتونَهُ حَسَنا

وَقَد تَقَدَّمَ في هَذا أَبو حَسَنٍ

إِلى الحُسَينِ وَوَصّى قَلبَهُ الحَسنا

أقـول :

لكن كلام السبكي مُتهافت وركيك ، ألا ترى أنّه يُبادر إلى إنكار وقوع الخلاف بين الذهلي والبخاري ، ثمّ يرجع فيرمي الذهلي بالحسد للبخاري ، ثمّ تارةً يؤيّد القول بخلق التلفّظ بالقرآن ، وأُخرى ينكر أنْ يكون البخاري قائلاً بذلك !!

والحاصل : أنّه قد ذكر ثلاثة وجوه في الدفاع عن البخاري .

أحدها : عدم الخلاف بين الذهلي والبخاري في المسألة .

والثاني : إنّ ما قال الذهلي في البخاري ليس إلاّ عن الحسد له .

والثالث : إنّه لم يثبت عن البخاري القول بأنّ لفظي بالقرآن مخلوق .

ـــــــــــــــــــ

(١) منهاج العابدين : ٥ نسبه للإمام زين العابدينعليه‌السلام .


لكن الأوّل واضح البطلان ، ولا سبيل لحمل كلام الذهلي في البخاري على أنّه إنّما كان نهياً عن الخوض في علم الكلام ، وكيف يقول هذا ؟ وهو ينقل عن الذهلي تكفير البخاري والردّ عليه والتكلّم فيه والمنع من الذهاب إليه والحضور عنده ؟ وكيف يدّعي عدم وقوع الخلاف ؟ وقد جاء في كتابه قبل هذا : ( قصّته مع محمّد بن يحيى الذهلي ) فقال : ( قال الحسن بن محمّد بن جابر : قال لنا الذهلي لمّا ورد البخاري بنيسابور : اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح فاستمعوا منه ، فذهب الناس إليه واقبلوا على السماع منه ، حتّى ظهر الخلل في مجلس الذهلي ، فحسده بعد ذلك وتكلّم فيه... )(١) .

وذكر ابن حجر في مقدّمة شرح البخاري : ( ذكر ما وقع بينه وبين الذهلي في مسألة اللّفظ ، وما حصل له مِن المحنة بسبب ذلك وبراءته ممّا نسب إليه ) فقال :

( قال الحاكم أبو عبد الله في تاريخه : قدِم البخاري بنيسابور سنة خمسٍ وثلاثين ، فأقام بها مدّة يحدّث على الدوام ، قال : سمعت محمّد بن حازم البزّار يقول : سمعت الحسن بن محمّد بن جابر يقول : سمعت محمّد بن يحيى يقول : اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح العالم فاسمعوا منه .

قال : فذهب الناس إليه واقبلوا على السماع منه ، حتّى ظهر الخلل في مجلس محمّد بن يحيى .

قال : فتكلّم فيه بعد ذلك ) .

قال : ( وقال أبو أحمد ابن عدي : ذكر لي جماعة مِن المشايخ : أنّ محمّد ابن إسماعيل لمّا ورد نيسابور واجتمع الناس عنده ، حسده بعض شيوخ الوقت ، فقال لأصحاب الحديث : إنّ محمّد بن إسماعيل يقول : لفظي بالقرآن مخلوقٌ ، فلمّا حضر المجلس قام إليه رجلٌ فقال : يا أبا عبد الله ، ما تقول في اللّفظ بالقرآن ، مخلوقٌ هو أو غير مخلوق ؟ فأعرض عنه البخاري ولم يُجِبه ثلاثاً ، فألحّ عليه ، فقال البخاري : القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق ، وأفعال العباد مخلوقة ، والامتحان بدعة ، فشغب الرجل وقال : قد قال لفظي بالقرآن مخلوق ) قال : ( وقال الحاكم : لمّا وقع بين البخاري وبين محمّد بن يحيى في مسألة اللّفظ ، انقطع الناس عن البخاري إلاّ مسلم بن الحجّاج وأحمد بن مسلمة فقال الذهلي : ألا مَن قال باللّفظ فلا يحضرنا مجلسنا ) .

ـــــــــــــــــــ

(١) طبقات الشافعيّة للسبكي ٢ : ٢٢٨ .


قال : ( قال الحاكم أبو عبد الله : سمعت محمّد بن صالح بن هاني يقول : سمعت أحمد بن مسلمة النيسابوري يقول : دخلت على البخاري فقلت : يا أبا عبد الله ، إنّ هذا الرجل مقبولٌ بخراسان خصوصاً في هذه المدينة ، وقد لجّ في هذا الأمر حتّى لا يقدر أحد أنْ يكلّمه ، فما ترى ؟ قال : فقبض على لحيته وقال :( .. وأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ) ، اللّهمّ إنّك تعلم أنّي لم أرد المقام بنيسابور أشراً ولا بطراً ولا طلباً للرياسة ، وإنّما أبَت نفسي الرجوع إلى الوطن لغَلَبة المخالفين ، وقد قصدني هذا الرجل حسَداً لِمَا آتاني الله ثمّ قال لي : يا أبا أحمد ، إنّي خارج غداً لتتخلّصوا مِن حديثه لأجلي ) .

وقال الحاكم أيضاً عن الحافظ أبي عبد الله ابن الأخرم قال : ( لمّا قام مسلم بن الحجّاج وأحمد بن مسلمة مِن مجلس محمّد بن يحيى بسببالبخاري قال الذهلي : لا يُساكنني هذا الرجل في البلد ، فخشي البخاري وسافر (١) .

وكيف يجتمع القول بعدم وقوع الخلاف مع دعوى حسد الذهلي للبخاري ؟

لكنّ دعوى الحسد أيضاً لا تحلّ المشكلة ، ولا تنفعهم بل تضرّهم ، لأُمور :

ترجمة الذهلي

الأوّل : جلالة قدر الذهلي وعظمته كما بتراجمه ، فقد ذكروا أنّه مِن مشايخ البخاري وأبي داود والترمذي وابن ماجة والنسائي وآخرين من كبار الأئمّة ، وأنّ ابن أبي داود لقّبه بـ ( أمير المؤمنين في الحديث ) :

قال الذهبي : ( وعنه : خ والأربعة وابن خزيمة وأبو عوانة وأبو علي الميداني ، ولا يكاد البخاري يفصح باسمه لِما وقَع بينهما قال ابن أبي داود : حدّثنا محمّد بن يحيى ، وكان أمير المؤمنين في الحديث .

وقال أبو حاتم : هو إمامُ أهل زمانه توفّي ٢٥٨ وله ستّ وثمانون )(٢) .

وقال السمعاني : ( إمام أهل نيسابور في عصره ، ورئيس العلماء ومقدّمهم )(٣) .

وقال الصفدي : ( الإمام الذهلي ، مولاهم ، النيسابوري ، الحافظ ، سمع مِن خلقٍ كثير ، روى عنه الجماعة خلا مسلم ، قال : ارتحلت ثلاث رحلات

ـــــــــــــــــــ

(١) هدي الساري = مقدّمة فتح الباري : ٤٩٢ .

(٢) الكاشف ٣ : ٨٨ / ٥٢٧٤ .

(٣) الأنساب ٣ : ١٨١ .


وأنفقت مِئةً وخمسين ألفا ً. قال النسائي : ثقةٌ مأمون قال أبو عمرو أحمد بن نصر الخفاف : رأيت محمّد بن يحيى في المنام فقلت : ما فعل الله بك ؟ قال : غفر لي قلت : ما فُعِل بحديثك ؟ قال : كُتِب بماء الذهب ورُفِع في عِلّيّين )(١) .

فهذ مقامات الذهلي ومنازله كما يقولون ، فكيف يصدّق مع هذا رميه بالحسد للبخاري ، وأنّ كلّ ما قاله فيه مِن التكفير وغيره هو عن الحسد له ؟ اللّهمّ إلاّ أنْ يلتجأ المدافعون عن البخاري إلى تكذيب هؤلاء المادحين للذهلي ، وهذه شناعةٌ عظيمة وداهيةٌ كبيرة بلا ارتياب ، فإنّه مصداق الهرب مِن المطر والوقوف تحت الميزاب !!

الأمر الثاني :

إنّ هذا الوجه ـ المُبطل للوجه السابق ـ لا ينفع القوم بل يضرّهم ؛ لأنّه إذا ثبت حسد الذهلي ـ كما ذكر السبكي ونصَّ عليه البخاري ـ وأنّه كان مِن أجل الرياسة وحبّ الدنيا ، توجّه الطعن إلى البخاري مرّةً أُخرى ، وصار دليلاً آخر على عدم احتياطه وتورّعه في الرواية والفتيا ؛ لأنّ الأُمور التي حكاها الحاكم والسبكي وابن حجر العسقلاني مثبتة ، لكون الذهلي فاسقاً ضالاًّ لا يجوز الأخذ منه والرواية عنه ، لكنّ البخاري قد أخرج عنه في صحيحه كما في( تهذيب الكمال ) (٢) و( تهذيب التهذيب) (٣) و( تقريب التهذيب ) (٤) و( الكاشف ) (٥) وغيرهما .

ـــــــــــــــــــ

(١) الوافي بالوفيات ٥ : ١٨٦ / ٢٢٣٥ .

(٢) تهذيب الكمال ٢٦ : ٦٢٢ / ٥٦٨٦ .

(٣) تهذيب التهذيب ٩ : ٤٥٢ / ٨٤٣ .

(٤) تقريب التهذيب ٢ : ٢٢٦ / ٧١٩٣ .

(٥) الكاشف ٣ : ٨٨ / ٥٢٧٤ .


وكيف جاز له أنْ يُخرج عنه في كتابه الذي لم يُخرج فيه عن الإمام أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام ؟

ومِن الطرائف أنْ يلتزم بالرواية عنه ، وإخراجها في كتابه ولو مع عدم التصريح باسمه ؟!

إنّه إنْ كان ثقةٌ يصلح للرواية عنه ، فالإخراج عنه مع إخفاء اسمه حسدٌ له مِن البخاري ، وإنْ كان مِن المجروحين عنده ، فالإخراج عنه بهذه الكيفيّة خيانةٌ وتدليس !!

الأمر الثالث :

إنّه إذا ثبت حسدُ الذهلي للبخاري وقدحه تضليله إيّاه ، وذمّ البخاري للذهلي وتكلّمه فيه ، توجّه إلى أهل السنّة ما أورده الشاه عبد العزيز الدهلوي في( التحفة الاثني عشريّة ) بعنوان الطعن على أهل الحق ، مِن وجود التكاذب والتحاسد بين قدماء الأصحاب وردّ بعضهم على البعض ، كتأليف هشام بن الحكم كتاباً في الردّ على هشام بن سالم الجواليقي ومؤمن الطاق .

يقول الدهلوي : ( والعجب ، إنّ قدماء الإماميّة وقدوتهم ، الذين تنتهي إليهم سلاسل أسانيد أهل الأخبار منهم ، كهشام بن الحكم ، وهشام بن سالم الجواليقي ، وصاحب الطاق ، قد وقع بينهم أشدّ التكاذب والتحاسد ، وكانوا يكذِّبون بعضهم بعضاً في الروايات الواقعة بينهم ، عن الأئمّة الثلاثة السجّاد والباقر والصادقعليهم‌السلام ويضلّلون ويكفّرون فيما بينهم ، كما أنّ لهشام ابن الحكم كتاباً في الردّ على الجواليقي وصاحب الطاق ذكر ذلك النجاشي ، فسقط جميع أخبارهم عن حيّز الاعتبار وتساقط بالتعارض )(١) .

ـــــــــــــــــــ

(١) التحفة الاثني عشريّة : ١١٨ الباب الرابع .


لكنّ المناظرة وردّ البعض على البعض في المسائل العلميّة أمرٌ ، والإهانة والتكذيب بل التضليل والتكفير أمرٌ آخر ، فهشام بن الحكم وضع كتاباً في الردّ على هشام بن سالم في مسالة اختلفا فيها ، أمّا ما كان بين الذهلي والبخاري فهو الحسد والتضليل والتكفير، كما هو صريح عبارات القوم ، وهو الذي ينتهي إلى سقوط أخبارهم عن حيّز الاعتبار وتساقطها بالتعارض .

وأمّا إنكار السبكي أنْ يكون البخاري قائلاً : لفظي بالقرآن مخلوق ، فليس إلاّ مكابرةً منه ؛ لأنّه بنفسه قد حكى ذلك عن البخاري ، كما أنّ ابن حجرٍ أيضاً رواه ، قال السبكي :

( قال محمّد بن يوسف الفربري : سمعت محمّد بن إسماعيل يقول : وأمّا أفعال العباد مخلوقة ، فقد ثنا عليّ بن عبد الله ، ثنا مروان بن معاوية ، ثنا أبو مالك ، عن ربعي ، عن حذيفة قال : قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( إنّ الله يصنع كلّ صانع وصنعته ) .

وسمعت عبيد الله بن سعيد ، سمعت يحيى بن سعيد يقول : ما زلت أسمع أصحابنا يقولون أفعال العباد مخلوقة .

قال البخاري : حركاتهم وأصواتهم و أكسابهم وكتابتهم مخلوقة ، فأمّا القرآن المتلو المُثبت في المصاحف ، المسطور المكتوب المُوعى في القلوب ، فهو كلام الله ليس بمخلوق .

قال الله تعالى :( بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ..... ) .

وقال : يُقال فلانٌ حسنُ القراءة ورديُّ القراءة ، ولا يُقال حسنُ القرآن ولا رديّ القرآن ، وإنّما ينسب إلى العباد القراءة ؛ لأنّ القرآن كلام الربّ والقراءة فعل العبد ، وليس لأحدٍ أنْ يشرع في أمر بغير علم ، كما زعم بعضهم أنّ القرآن بألفاظنا وألفاظنا


به ، شيء واحد ، والتلاوة هي المتلو ، والقراءة هي المقروء...)(١) .

وقال ابن حجر في( مقدمة فتح الباري ) :

( قال حاتم بن أحمد بن محمود : سمعت مسلم بن الحجّاج يقول : لمّا قدِم محمّد بن إسماعيل نيسابور ، ما رأيت عالماً ولا والياً فعَل به أهل نيسابور ما فعلوا به ، فاستقبلوه مِن مرحلتين من البلد أو ثلاث ، فقال محمّد بن يحيى الذهلي في مجلسه : مَن أراد أنْ يستقبل محمّد بن إسماعيل غداً فليستقبله ، فإنّي أستقبله ، فاستقبله محمّد بن يحيى وعامّة علماء نيسابور ، فدخل البلد .

فقال محمّد بن يحيى : لا تسألوه مِن شيء مِن الكلام ، فإنْ أجاب بخلاف ما نحن عليه وقع بيننا وبينه ، وشمت بنا كلّ أباضيّ وجهميّ ومرجئ بخراسان ، فازدحم الناس على محمّد بن إسماعيل حتّى امتلأت الدار والسطوح ، فلمّا كان اليوم الثاني أو الثالث مِن يوم قدومه ، قام إليه رجلٌ فسأله عن اللّفظ بالقرآن ، فقال : أفعالنا مخلوقةٌ وألفاظنا من أفعالنا ، فقال : فوقع بين الناس اختلاف ؛ فقال بعضهم : قال لفظي بالقرآن مخلوق ، وقال بعضهم : لم يقل ، فوقع بينهم في ذلك اختلاف حتّى قام بعضهم إلى بعض قال : فاجتمع أهل الدار فأخرجوهم )(٢)

وأيضاً قال ابن حجر : ( قال الحاكم : حدّثنا أبو بكر ابن أبي الهيثم ، ثنا الفربري قال : سمع محمّد بن إسماعيل يقول : أمّا أفعال العباد مخلوقة ، فقد حدّثنا عليّ ابن عبد الله ، ثنا مروان بن معاوية ، ثنا أبو مالك عن ربعي ، عن حذيفة قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( إنّ الله يصنع كلّ صانع وصنعته ) .

ـــــــــــــــــــ

(١) طبقات الشافعيّة ٢ : ٣٢٨ ـ ٢٢٩ .

(٢) هدي الساري : ٤٩١ .


قال : وسمعت عبيد الله بن سعيد ـ يعني أبا قدامة السرخسي ـ سمعت يحيى ابن سعي يقول : لا زلت أسع أصحابنا يقولون إنّ أفعال العباد مخلوقة وقال محمّد بن إسماعيل : حركاتهم وأصواتهم وأكسابهم وكتابتهم مخلوقة ، فأمّا القرآن المبين المكتوب في المصاحف الموعى في القلوب ، فهو كلام الله تعالى غير مخلوق( بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ... ) (١) .

وأمّا ما ذكره أخيراً في مقام الدفاع عن البخاري ، وأنّه ( ليس كلّ علمٍ يُفصح به ) فهو اعتراف بجواز التقيّة واستعمالها ، فلماذا يرمون أهل الحقّ ـ المستعملين التقيّة مِن حكّام الجور وعملائهم ـ بأنواع التُهم ؟ ويسمّون ( التقيّة ) بـ ( النفاق ) ؟

وعلى الجملة ، فإنّ قول البخاري بمقالة ( لفظي بالقرآن مخلوق ) وتضليل الذهلي إيّاه بهذا السبب ، أمرٌ ثابت لا ريب فيه ، وكذلك سائر علماء القوم ، يكفّرون مَن قال بذلك .

وهذا الذهبي ينصّ في غير موضع مِن تاريخه على أنّ هذه المقالة هي مذهب الجهميّة .

والعجب أنّ السبكي ينقل عن الذهبي هذا الكلام ـ بترجمة الحسين الكرابيسي ـ ويضطرب أمامه أشدّ الاضطراب .

قال السبكي : ( وممّا يدلّك أيضاً على ما نقوله ، وأنّ السلف لا ينكرون أنّ لفظنا حادثٌ ، وأنّ سكوتهم إنّما هو عن الكلام في ذلك ، لا عن اعتقاده : أنّ الرواة رَوَوا أنّ الحسين بلَغَه كلام أحمد فيه فقال : لأقولنّ مقالةً حتّى يقول

ـــــــــــــــــــ

(١) هدي الساري : ٤٩١ .


أحمد بخلافها فيُكفّر ، فقال : لفظي بالقرآن مخلوقٌ ، وهذه الحكاية قد ذكرها كثير مِن الحنابلة ، وذكرها شيخنا الذهبي في ترجمة الإمام أحمد وفي ترجمة الكرابيسي ، فانظر إلى قول الكرابيسي فيها إنّ مخالفها يُكفّر ، والإمام أحمد ـ فيما نعتقده ـ لم يخالفها ، وإنّما أنكر أنْ يتكلّم في ذلك .

فإذا تأمّلت ما سطرناه ، ونظرت قول شيخنا في غير موضعٍ من تاريخه ، إنّ مسألة اللفظ ممّا يرجع إلى قولِ جهم ، عرفت أنّ الرجل لا يدري في هذه المضائق ما يقول ، وقد أكثر هو وأصحابه من ذك جهم بن صفوان ، وليس قصدهم إلاّ جعل الأشاعرة ـ الذين قدر الله لقدرهم أنْ يكون مرفوعاً ، ولزومهم للسنّة أنْ يكون مجزوماً به ومقطوعا ـ فرقةً جهميّة .

واعلم أنّ جهماً شرٌّ مِن المعتزلة ـ كما يدريه مَن ينظر الملل والنحل ويعرف عقائد الفِرَق ـ بل هو شرّ مِن القائلين بها ؛ لمشاركته إيّاهم فيما قالوه وزيادته عليهم بطامّات ، فما كفى الذهبي أنْ يشير إلى اعتقاد ما يتبرّأ العقلاء عن قوله ، من قدم الألفاظ الجارية على لسانه ، حتّى ينسب هذه العقيدة إلى مثل الإمام أحمد بن حنبل وغيره مِن السّادات ، ويدّعي أنّ المُخالف فيها يرجع إلى قول جهم ، فليته درى ما يقول ، والله يغفر لنا وله ، ويتجاوز عمّن كان السبب في خوض مثل الذهبي في مسائل هذا الكلام ، وإنّه ليعزّ عليّ الكلام في ذلك .

ولكن كيف يسعنا السكوت ؟ وقد ملأ شيخنا تاريخه بهذه العظائم التي لو وقف عليها العاميّ لأضلّته ضلالاً مبيناً ، ولقد يعلم الله منّي كراهيّة الإزراء لشيخنا ، فإنّه مُفيدنا ومعلّمنا ، وهذا النور اليسير الحديثي الذي عرفناه منه استفدناه ، ولكن أرى أنّ التنبيه على ذلك حتمٌ لازمٌ في الدين )(١) .

ـــــــــــــــــــ

(١) طبقات الشافعيّة ٢ : ١١٨ ـ ١٢٠ .


قول البخاري بخلق الإيمان

وكما قال البخاري بخلق التلفّظ بالقرآن ، كذلك قال بخلق الإيمان ، وهو كفرٌ عند الجمهور وخاصةً الحنفيّة منهم ، يقول صاحب كتاب( الفصول والأحكام ) وهو حفيد صاحب( الهداية ) ما هذا نصّه :

( مَن قال بخلق القرآن فهو كافر ، وكذا مَن قال بخلق الإيمان فهو كافر ورُوي عن بعض السلف أنّه روى عن أبي حنيفة : إنّ الإيمان غير مخلوق وسئل الشيخ الإمام أبو بكر محمّد بن الفضل عن الصّلاة خلف مَن يقول بخلق الإيمان قال : لا تصلّوا خلفه وذكر أبو سهل بن عبد الله ـ وهو أبو سهل الكبير ـ عن كثير مِن السلف : إنْ من قال : القرآن مخلوقٌ فهو كافر ، ومن قال : الإيمان مخلوقٌ فهو كافر .

وحُكي أنّه وقعَت هذه المسألة بفرغانة ، فأُتي بمَحضر منها إلى أئمّة بخارى ، فكتب فيه الشيخ الإمام أبو بكر ابن حامد ، والشيخ الإمام أبو حفص الزاهد ، والشيخ الإمام أبو بكر الإسماعيلي : إنّ الإيمان غير مخلوق ، ومَن قال بخلقه فهو كافر .

وقد خرج كثير مِن الناس مِن بخارى ، منهم محمّد بن إسماعيل صاحب الجامع ، بسبب قولهم : الإيمان مخلوق ) .

ترجمة صاحب الفصول

وصاحب كتاب( الفصول والأحكام ) من العلماء الأعلام المرموقين بين الفقهاء الحنفيّة ، وقد ترجم له الكفوي حيث قال : ( الشيخ الإمام أبو الفتح زين الدين ، صاحب الفصول العادية ، عبد الرحيم بن أبي بكر عماد الدين بن برهان الدين صاحب الهداية عليّ بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني المرغيناني الرشداني .

تفقّه على أبيه عماد الدين ابن صاحب الهداية ، وعلى صاحب مطلع المعاني حسام الدين العلياري ، تلميذ الشيخ الإمام مجد الدين المفتي صاحب الفصول محمّد بن محمود الأسروشني ، وهو تلميذ القاضي الإمام ظهير الدين الحسن بن عليّ المرغيناني ، وهو أخذ العلم عن برهان الدين عبد العزيز بن عمر ابن مازه ، عن شمس الأئمّة السرخسي ، عن


شمس الأئمّة الحلواي ، عن أبي عليّ النسفي ، عن أبي بكر محمّد بن الفضل ، عن الأُستاذ عبد الله السندمولي ، عن أبي عبد الله بن أبي حفص الكبير ، عن محمّد ، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى .

رأيت في آخر فصوله : يقول جالب هذه الخصائل النفيسة ، وكاتب هذه المسائل الأنيسة ، أبو الفتح بن أبي بكر بن عليّ بن أبي بكر بن عبد الجليل المرغيناني نسباً ، والسمرقندي منشأً ، بعد تقديم الحمد لله والصلاة على محمّد عبده ونبيّه ، والثناء عليه وعلى آله في صباح كلّ يوم وعشيّة إلى آخر كلامه .

ثمّ قال : نجزت كتابته في أواخر شعبان سنة إحدى وخمسين وستّمئة )(١) .

تصريح ابن دحية بانحراف البخاري عن أهل البيت

وقد كان ما لاقاه البخاري من الإهانة والتضليل ، من كبار الأئمّة ، كأبيزرعة وأبي حاتم والذهلي وأئمّة بخارى ، جزاءً لانحرافه عن أمير المؤمنين وأهل البيت الطاهرين عليهم‌السلام ، وإزرائه لهم وكتمانه فضائلهم ومناقبهم في دار الدنيا ، الأمر الذي صرَّح به العلاّمة ذو النسبين ابن دحية في كتاب ( شرح أسماء النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) حيث قال :

( ترجم البخاري في صحيحه في وسط المغازي ما هذا نصّه : بعث عليّ ابن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجّة الوداع : حدّثني أحمد بن عثمان قال : ثنا شريح بن مسلمة قال : ثنا إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق قال : حدّثني أبي ، عن أبي إسحاق سمعت البراء : بعثنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع خالد بن الوليد إلى اليم ، ثمّ بعث عليّاً بعد ذلك مكانه فقال : مر أصحاب خالد ، مَن شاء منهم أن يُعقّب معك فليُعَقِّب ، ومَن شاء فليقبل ، فكنت ممّن عَقَّب معه قال : فغنمت أَوَاقي ذات عدد .

ـــــــــــــــــــ

(١) كتائب أعلام أخبار من فقهاء مذهب النعمان المختار ـ مخطوط .


حدّثني محمّد بن بشار قال : ثنا روح بن عبادة قال : ثنا عليّ بن سويد ابن منجوق ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه قال : بعث النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليّاً إلى خالد ليقبض الخمس ، وكنت أبغض عليّاً ، وقد اغتسل ، فقلت لخالد : ألا ترى إلى هذا ، فلمّا قدمنا إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذكرت له ذلك ، فقال :( يا بريدة ، أتبغض عليّاً )؟ فقلت : نعم قال :( لا تبغضه ، فإنّ له في الخمس أكثر من ذلك ) .

قال ذو النسبين رحمه الله :

أورده البخاري ناقصاً مُبتّراً كما ترى ، وهي عادته في إيراد الأحاديث التي مِن هذا القبيل ، وما ذاك إلاّ لسوء رأيه في التنكّب عن هذه السبيل .

وأورده الإمام أحمد بن حنبل كاملاً محقّقاً ، إلى طريق الصحّة فيه موفّقاً ، فقال فيما حدّثني القاضي العدل ، بقيّة مشايخ العراق ، تاج الدين أبو الفتح محمّد بن أحمد بن المندائي ـ قراءة عليه ، بواسط العراق ـ بحقّ سماعه على الثقة الرئيس أبي القاسم ابن الحصين ، بحقّ سماعه على الثقة الواعظ أبي عليّ الحسين ابن المذهب ، بحق سماعه على الثقة أبي بكر أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي ، بحقّ سماعه مِن الإمام أبي عبد الرحمان عبد الله ، بحق سماعه على أبيه إمام أهل السنّة أبي عبد الله أحمد بن حنبل قال : ثنا يحيى بن سعيد ، ثنا عبد الجليل قال : انتهيت إلى حلقةٍ فيها أبو مِجلَز وابنا بريدة ، فقال عبد الله ابن بريدة : أبغضتُ عليّاً بغضاً لم أبغضه أحداً قط .

قال : وأحببت رجلاً لم أُحبّه إلاّ على بغضه عليّاً قال : بعث ذلك الرجل على خيل فصحبته ، وما أصحبه إلاّ على بغضه عليّاً قال : فأصبنا سبياً قال : فكتب إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ابعث علينا مَنْ يخمّسه قال : فبعث إلينا عليّاً ، وفي السبي وصيفة هي أفضل مَن في السبي ، قال : فخمّس وقسّم ، فخرج ورأسه يقطر ، فقلنا : يا أبا الحسن ، ما هذا ؟ قال : ألم ترَوا إلى الوصيفة التي كانت في السبي ، فإنّي قسّمت وخمّست فصارت في الخُمس ، ثمّ صارت في أهل بيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ صارت في آل عليّ ووقعْت بها .


قال : فكتب الرجل إلى نبيّ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قلت : ابعثني ، فبعثني مصدّقاً قال : فجعلت اقرأ الكتاب وأقول : صدَق صدَق ، فأمسَك يدي والكتاب قال :( أتبغض عليّاً )؟ قال : قلت : نعم قال :( فلا تبغضه ، وإنْ كنت تحبّه فازدد لهُ حبّاً ، فو الذي نفس محمّدٍ بيده ، لنصيب آل عليّ في الخُمس أفضل مِن وصيفة ) . قال : فما كان مِن الناس أحد بعد قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحبّ إليّ مِن عليّ .

قال عبد الله : فو الذي لا إله غيره ، ما بيني وبين النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

في هذا الحديث غير أبي بريدة )(١) .

وقال ابن دحية في موضعٍ آخر من كتابه المذكور ، بعد نقل حديثٍ عن مسلم :

( بدأنا بما أورده مسلم ؛ لأنّه أورده بكماله ، وقطّعه البخاري وأسقط منه على عادته كما ترى ، وهو ممّا عِيب عليه في تصنيفه على ما جرى ، ولا سيّما إسقاطه لذكر عليّرضي‌الله‌عنه ) .

ترجمة أبي الخطّاب ابن دحية

ولا يخفى أنّ أبا الخطّاب ابن دحية مِن أكبر علماء القوم وأشهر حفّاظهم .

قال ابن خلّكان بترجمته :

( أبو الخطّاب عُمر بن الحسن بن عليّ بن محمّد بن الجميل بن فَرَح بن خلف بن قَومِس بن مُزْلال بن مَلاّل بن بدر بن دِحْية بن فروة الكلبي ، المعروف بذي النسَبَين ، الأندلسي البلنسي الحافظ نقلتُ نسبَه على هذه الصّورة من خطّه .

كان يذكر أنّ أُمّه : أمة الرحمان بنت أبي عبد الله بن أبي البسام موسى بن عبد الله بن الحسين بن جعفر بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ( رضي الله عنهم ) ، فلهذا كان يكتب بخطّه : ذو النّسبين بين دحية والحسين ، وكان يكتب أيضاً سبط أبي البسام ، إشارة إلى ذلك .

ـــــــــــــــــــ

(١) المستكفى في أسماء النبيّ المصطفى ـ مخطوط .


وكان أبو الخطّاب المذكور مِن أعيان العلماء ومشاهير الفضلاء ، مُتقناً لِعلم الحديث النبويّ وما يتعلّق به ، عارفاً بالنحو واللغة وأيّام العرب وأشعارها ، أكثرَ بطلب الحديث في أكثر بلاد الأندلس الإسلاميّة ، ولَقِي بها علماءها ومشائخها ، ثمّ رحل منها إلى برّ العدوة ، ودخل مراكش واجتمع بفضلائها ، ثمّ ارتحل إلى افريقيّة ومنها إلى الديار المصريّة ، ثمّ إلى الشام والشرق وإلى العراق .

وسمع ببغداد مِن بعض أصحاب ابن الحصين ، وسمع بواسط من أبي الفتح محمّد بن أحمد بن المندائي ، ودخل إلى عراق العجم وخراسان وما والاها ومازندران ، كلّ ذلك في طلب الحديث والاجتماع بأئمّة الحديث ، وأخذ عنهم ، وهو في تلك الحال يُؤخذ عنه ويُستفاد منه ، وسمِع بأصبهان مِن أبي جعفر الصيدلاني ، وبنيسابور مِن منصور ابن عبد المنعم الفراوي )(١) .

وقال السيوطي في( بغية الوعاة ) :

( عمر بن الحسن بن عليّ بن محمّد بن الجميل بن فرح بن دحية الكلْبي الأندلسي البلنسي الحافظ ، أبو الخطّاب ، كان من أعيان العلماء ومشاهير الفضلاء ، متقناً لِعِلْم الحديث وما يتعلّق به ، عارفاً بالنحو واللغة وأيّام العرب وأشعارها ، سمِع الحديث ورحل ، وله بنى الكامل دار الحديث الكامليّة بالقاهرة ، وجعله شيخاً ، حدّث عنه ابن الصلاح وغيره ، ومات ليلة الثلاثاء رابع عشر ربيع الأوّل سنة ثلاثٍ وثلاثينَ وستّمِئة )(٢) .

وقال في كتابه( حسن المحاضرة ) :

ـــــــــــــــــــ

(١) وفيات الأعيان ٣ : ٤٤٨ ـ ٤٥٠ / ٤٩٧ .

(٢) بغية الوعاة في طبقات اللغويّين والنّحاة ٢ : ٢١٨ / ١٨٣٢ .


 ( ابن دحية ، الإمام العلاّمة الحافظ الكبير ، أبو الخطّاب ، عمر بن الحسن الأندلسي البلنسي ، كان بصيراً بالحديث متقناً به ، له حظٌّ وافرٌ مِن اللغة ومشاركة في العربيّة ، له تصانيف ، توطّن مصر وأدّب الملك الكامل ، ودرّس بدار الحديث الكامليّة ، مات أربع عشرة ربيع الأوّل سنة ثلاثٍ وثلاثينَ وستّمِئة )(١) .

موقف البخاري من حديث الغدير وكلمات الأعلام فيه

ومن غرائب تعصّبات البخاري : طعنه في حديث الغدير المروي عن أكثر من مِئة صحابي ، والبالغ أضعاف شروط التواتر ، والمصرَّح بتواتره مِن قبل الأئمّة الثقات المتبحّرين في الحديث عند أهل السنّة ، كما لا يخفى على مَن اقتطف الأزهار من( الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة ) ، واستفاد مِن( الفوائد المتكاثرة في الأخبار المتواترة ) وكلاهما للحافظ السيوطي ، أو راجع( شرح الجامع الصغير ) لنور الدين العزيزي ، أو (شرح الجامع الصغير ) للمناوي ، أو( المرقاة ) لعليّ القاري ، أو( الأربعين في مناقب أمير المؤمنين ) لجمال الدين المحدّث الشيرازي ، أو( السيف المسلول ) لثناء الله تلميذ وليّ الله والد صاحب التحفة ، أو( أسنى المطالب ) لابن الجزري ، وغيرَ هذهِ الكتب .

قال ابن تيميّة ـ في حديث الغدير ـ: ( وأمّا قوله : مَن كُنت مولاه فعليٌّ مولاه ، فليس في الصحاح ، لكنْ ممّا رواه العلماء ، وتنازع الناس في صحّته ، فنُقِل عن البخاري وإبراهيم الحربي وطائفة مِن أهل العلم أنّهم طعنوا فيه

ـــــــــــــــــــ

(١) حسن المحاضرة بمحاسن مصر والقاهرة ١ : ٢٠١ .


وضعّفوه )(١) .

اللّهمّ إلاّ أنْ يكون قد طعن في بعض طرقه ، فنسب إليه ابن تيميّة الطعن في أصله...!!

فإنْ كان البخاري قد طعن في أصل حديث الغدير ، فقد نصَّ غيرَ واحدٍ مِن أعلام القوم على عدم الاعتبار بكلام مَن طعن فيه كائناً مَن كان... يقول البدخشي : ( هذا حديثٌ صحيحٌ مشهور ، ولم يتكلَّم في صحّته إلاّ مُتعصِّبٌ جاحدٌ لا اعتبار بقوله ، فإنّ الحديث كثيرُ الطُرق جداً ، وقد استوعبها ابن عقدة في كتابٍ مفرد ، وقد نصَّ الذهبي على كثيرٍ مِِِِِِِِِِن طرقه بالصحّة ، ورواه من الصحابة عددٌ كثير )(٢) .

وكذلك نسب الحافظ ابن الجزري مُنكِر حديث الغدير إلى الجهل والعصبيّة(٣) .

ترجمة ابن الجزري

وابن الجزري الشافعي ، حافظٌ شهير ، وله تآليف معتمدة ، وقد أثنى العلماء عليه وعلى كتبه :

فقد ترجم له ابن حجر ووصفه بالحافظ الإمام المُقرئ ، وقال : ( انتهت إليه رئاسة علم القراءات في الممالك ، وكان قديماً صنّف الحصن الحصين في الأدعية ، وله به أهل اليمن واستكثروا منه... وكانت عنايته بالقراءات أكثر ،

ـــــــــــــــــــ

(١) منهاج السنة ٤ : ١٣٦ .

(٢) نزل الأبرار بما صحَّ من مناقب أهل البيت الأطهار : ٢١ .

(٣) أسنى المطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب : ٤٨ .


فجمع ذيل طبقات القرّاء للذهبي وأجاد فيه ، ونظم قصيدةً في قرائة الثلاثة ، وجمع النشر في القراءات العشر... وكان يلقّب في بلاده : الإمام الأعظم... وبالملة ، فإنّه كان عديم النظير ، طائر الصيت ، انتفع الناس بكُتبه وسارت في الآفاق مسير الشمس )(١) .

وترجم له السخاوي ترجمةً مطوّلة ، فذكر مشايخه في مختلف العلوم ، وأنّه قد أذن له غير واحدٍ بالإفتاء والتدريس والإقراء ، وأنّه ولي مشيخة الإقراء بالعادليّة ثمّ مشيخة دار الحديث الأشرفية... وهكذا ذكر أسفاره إلى البلاد المختلفة ، وأورد طرفاً من أخباره فيها... ثمّ ذكر تصانيفه ووصفها بكونها مفيدةً ، ومنها( أسنى المطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب ) .

قال : وقد ذكره الطاووسي في مشيخته وقال : إنّه تفرّد بعلوّ الرواية وحفظ الأحاديث والجرح والتعديل ومعرفة الرواة المتقدّمين والمتأخّرين... ثمّ ذكر السخاوي كلام ابن حجر في حقّه... )(٢) .

هذا ، وقد توفي ابن الجزري سنة ٨٣٣ .

استرابة البخاري في بعض حديث الإمام الصادقعليه‌السلام !!

ومِن أمارات بُغض البخاري لأهل بيتِ النبوّة وانحرافه عنهم : عدم إخراجه عن الإمام الصادقعليه‌السلام في كتابه ، بل استرابته في بعض حديثه ، والعياذ بالله !!

قال ابن تيميّة في كلامٍ له عن الإمامعليه‌السلام :

ـــــــــــــــــــ

(١) إنباء الغمر بأبناء العمر ٣ : ٤٦٧ .

(٢) الضوء اللامع لأهل القرن التاسع ٩ : ٢٥٥ ـ ٢٦٠ .


 ( فهؤلاء الأئمّة الأربعة ليس منهم مَن أخذ عن جعفر شيئاً مِن قواعد الفقه ، لكنْ روَوا عنه الأحاديث كما روَوا عن غيره ، وأحاديث غيره أضعاف أحاديثه ، وليس بين حديث الزهري وحديثه نسبة ، لا في القوّة ولا في الكثرة ، وقد استراب البخاري في بعض حديثه لمّا بلغه عن يحيى بن سعيد القطّان فيه كلام ، فلم يخرج له ، ويمتنع أنْ يكون حفظه للحديث كحفظ مَن يحتجّ بهم البخاري )(١) .

فانظر إلى كلام هذا الناصب العنيد ، كيف يطعن في الإمام العظيم استناداً إلى القطّان والبخاري ، مع أنّ علمائهم الكبار ، مِن السّابقين واللاّحقين ، يقولون بضرورة حبّ أهل البيت واحترامهم والإقتداء بهم والأخذ منهم ، وحتّى أنّهم ينزّهون أهل السنّة مِن بغض أهل البيت ، ويبرءون ممّن اعترض علهيم أو تكلّم فيهم أو أعرض عنهم ، ويجعلون نسبة هذه الأُمور إلى أهل السنّة من تعصّبات الإماميّة ضدّهم، يقول الكابلي في تعداد تعصّبات الشيعة :

( التاسع عشر : إنّ أهل السنّة أفرطوا في بُغض أهل البيت ، ذكر ذلك ابن شهر آشوب وكثير مِن علمائهم ، ولقَّبوهم بالنواصب ، وهو كذبٌ صرد وعصبيّةٌ ظاهره ، فإنّهم يقولون إنّ الله تعالى أوجب محبّة أهل بيت نبيّه على جميع بريّته ، ولا يُؤمن أحدٌ حتّى يكون عترة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحبّ إليه مِن نفسه ، ويَروُون في ذلك أحاديث منها ، ما رواه البيهقي وأبو الشيخ والديلمي : أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( لا يُؤمن أحدٌ حتّى أكون أحبُّ إليه مِن نفسه ، ويكون عترتي أحبّ إليه من نفسه ) .

وأخرج الترمذي والحاكم عن ابن عبّاسرضي‌الله‌عنه أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

ـــــــــــــــــــ

(١) منهاج السنّة ٧ : ٥٣٣ .


قال :( أحبّوا أهل بيتي بحبّي ) .

إلى غير ذلك من الأخبار .

ويقولون : مَن ترك المودّة في أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقد خانه ، وقد قال الله تعالى : ( لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ... ) ، ومَن كره أهل بيته فقد كرههصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولقد أجاد مَن أفاد :

فَلا تَعدِل بأهلِ البَيتِ خَلْقاً

فأهلُ البيتِ هُم أهلُ السعادة

فبُغضُهم مِن الإنسانِ خُسرٌ

حقيقيٌّ وحُبّهُم عبادة

ويوجبون الصّلاة عليهم في الصلوات قال الشيخ الجليل فريد الدين أحمد بن محمّد النيسابوري رحمه الله : مَن آمن بمحمّدٍ ولم يُؤمن بأهل بيته فليس بمؤمن ، أجمع العلماء والعرفاء على ذلك ولم ينكره أحد )(١) .

أقـول :

فلو كانوا صادقين في قولهم ( مَن آمن بمحمّدٍ ولم يُؤمن بأهلِ بيته فليس بمؤمن ) ، وأنّه قد ( أجمع العلماء والعرفاء على ذلك ولم ينكره أحد ) ، فما ظنّهم بالقطّان والبخاري وابن تيميّة وأمثالهم ؟

وقد ذكر الشاه عبد العزيز الدهلوي ـ في الكلام على حديث :مَثُلُ أهل بيتي كسفينة نوح... ـ : إنّ هذا الحديث يفيد بأنّ الفلاح والهداية منوطٌ بحبّ أهل البيت واتّباعهم ، وأنّ التخلّف عن ذلك موجبٌ للهلاك ، ثمّ زعم أنّ هذا المعنى يختصُّ بأهل السنّة(٢) !!

فإنْ كان صادقاً فيما يقول : فما رأيه فيمن تكلّم في الإمام أبي عبد الله الصّادقعليه‌السلام ؟

هذا ، ولا يتوهّمنّ أحدٌ أنّ تكلّم القطّان والبخاري وأتباعهما في الإمام ليس عن بُغض له وعناد ، وإنّما هو تحقيقٌ في العلم واحتياطٌ في الدين ، فإنّه توهّم فاسد جدّاً ، فإنّه لو لم يكن ما ذكره ابن تيميّة انحرافاً وبُغضاً وعناداً ، فأين العِناد والعداوة والبغض ؟ وبماذا يكون ؟ ومَن المنحرف عنهم والمتعصّب ضدّهم والناصب لهم ؟

ـــــــــــــــــــ

(١) الصواقع الموبقة ـ مخطوط .

(٢) التحفة الاثني عشريّة : ٢١٩ .


وهل شدّة الاحتياط والتورّع أدّت إلى أخذ روايات عكرمة الضالّ المُضلّ والناصب المقيت ، وطرح أخبار الإمام الصادق وغيره من أئمّة أهل البيت ؟

وكيف يُقبل هذا الاعتذار للبخاري ؟! وكيف يُعتذر له بذلك ؟ وقد أخرج عن الذهلي ـ مع ما كان بينهما مِن الطعن المُوجب للفسق ـ ومع التدليس في اسمه ، ولم يخرج عن الإمام الصادق ؟!

ولو كان لمثل هذا الاعتذار مجالٌ لَما قال ابن تيميّة : ( ويمتنع أنْ يكون حفظه للحديث كحفظِ مَن يحتجّ بهم البخاري ) !!

طعن القطّان في الإمام الصادق !!

هذا ، وطعن القطّان في الإمام الصّادقعليه‌السلام مذكورٌ في سائر الكتب الرجاليّة ، وهو في جملتين إحداهما : ( في نفسي منه شيء ) والأُخرى : ( مجالد أحبّ إليّ منه ) !!

قال الذهبي : ( جعفر بن محمّد الصادق أبو عبد الله ، وأُمّه أُمّ فروة بنت القاسم بن محمّد ، وأُمّها أسماء بنت عبد الرحمان بن أبي بكر ، فكان يقول :

ولّدني الصديق مرّتين سمع أباه والقاسم وعطاء وعنه : شعبة والقطّان وقال : في نفسي منه شيء... )(١) .

وقال : ( جعفر بن محمّد بن عليّ ، ثقةٌ ، لم يخرج له البخاري ، وقد وثّقه يحيى بن معين وابن عدي ، وأمّا القطّان فقال : مجالد أحبّ إليّ منه )(٢) .

ترجمة مجالد بن سعيد

هذا ، والحال أنّ مجالد بن سعيد قد طَعَن فيه كثيرٌ من أئمّة القوم :

قال الذهبي : ( مجالد بن سعيد بن عُمير الهمداني ، مشهور ، صاحبُ حديثٍ على لينٍ فيه روى عن قيس بن أبي حازم والشعبي وعنه : يحيى القطّان وأبو أُسامة وجماعة .

ـــــــــــــــــــ

(١) الكاشف ١ : ١٣٩ / ٨٠٧ .

(٢) المغني في الضعفاء ١ : ٢١١ / ١١٥٦ .


قال ابن معين وغيره : لا يحتجّ به ، وقال أحمد : يرفع كثيراً ممّا لا يرفعه الناس ، ليس بشيء وقال النسائي : ليس بالقويّ ، وذكر الأشج : إنّه شيعي ، وقال الدارقطني : ضعيف وقال البخاري : كان يحيى بن سعيد يُضعّفه ، وكان ابن مهدي لا يروي عنه ، وقال الفلاّس : سمعت يحيى بن سعيد يقول : لو شئت أنْ يجعلها لي مجالد كلّها عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله فعل وقيل لخاله الطحّان : دخلتَ الكوفة فلم لم تكتب عن مجالد ؟ قال : لأنّه كان طويل اللّحية ، قلت : مَن أنكر ما له عن الشعبي عن مسروق عن عائشة مرفوعاً : لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضّة )(١) .

فانظر مَن هذا الذي قدّمه القطّان على الإمام الصّادقعليه‌السلام ؟ وأحكم على القطّان والبخاري وأضرابهما بما يقتضيه الدين والعدل ؟

موقف الذهبي

والذهبي ، وإنْ وثّق الإمامعليه‌السلام ، لكنّه لم يرد على تعصّبات القطّان والبخاري ضد الإمام ، بل بالعكس ، فقد أورده في كتابه( الميزان ) لتكلّمهما فيه ، حيثُ قال : ( جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين الهاشمي ، أبو عبد الله ، أحد الأئمّة الأعلام ، بَرٌّ، صادقٌ ، كبير الشأن ، لم يحتجّ به البخاري ، قال يحيى بن سعيد : مجالد أحبّ إليّ منه ، في نفسي منه شيء ، وقال مصعب بن عبد الله عن الدراوردي قال : لم يروِ مالك عن جعفر حتّى ظهر أمر بني العبّاس ، قال مصعب بن عبد الله : كان مالك لا يروي عن جعفر حتّى يضمّه إلى أحد وقال أحمد بن سعيد بن أبي مريم : سمعت يحيى يقول : كنت لا أسأل يحيى بن سعيد عن حديث جعفر بن محمّد ، فقال لي : لم لا تسألني عن حديث جعفر ؟ قلت : لا أُريده ، فقال لي : إنْ كان يحفظ فحديث أبيه المسند )(٢) .

هذا ، في الوقت الذي بنى في كتابه هذا على أنْ لا يذكر فيه مَن قدح فيه البخاري وابن عدي ، من الصحابة والأئمّة في الفروع... كما صرّح بذلك في مقدّمة الكتاب حيث قال : ( أمّا بعد ، هدانا الله وسدّدنا ووفّقنا لطاعته ، فهذا كتابٌ جليلٌ مبسوط ، في إيضاح نَقَلة العلم النبويّ وحمَلَة الآثار ، ألّفته بعد كتابي المنعوت بالمُغني ،

ـــــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال ٦ : ٢٣ / ٧٠٧٦ .

(٢) ميزان الاعتدال ٢ : ١٤٣ / ١٥٢١ .


وطوّلت فيه العبارة ، وفيه أسماء عدّة مِن الرواة زائداً على من في المغني ، زدت معظمهم من الكتاب الحافل المذيّل عل الكامل لابن عدي .

وقد ألّف الحفّاظ مصنّفات جمّة في الجرح التعديل ما بين اختصار وتطويل ، فأوّل من جمع كلامه في ذلك : الإمام الذي قال فيه أحمد بن حنبل : ما رأيت بعيني مثل يحيى بن سعيد القطّان ، وتكلّم في ذلك بعده تلامذته : يحيى بن معين ، وعليّ بن المديني ، وأحمد بن حنبل ، وعمرو بن عليّ الفلاّس ، وأبو خيثمة ، وتلامذتهم : كأبي زرعة ، وأبي حاتم ، والبخاري ، ومسلم ، وأبي إسحاق الجوزجاني السعدي ، وخلق .

ومِن بعدهم مثل : النسائي ، وابن خزيمة ، والترمذي ، والدولابي ، والعقيلي ، وله مصنّفٌ مفيدٌ في معرفة الضعفاء ، ولأبي حاتم ابن حبّان كتابٌ كبيرٌ عندي في ذلك ، ولأبي أحمد ابن عدي كتابُ الكامل هو أكمل الكتب وأجلّها في ذلك ، وكتاب أبي الفتح الأزدي ، وكتاب أبي محمّد ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل والضعفاء ، وللدارقطني في الضعفاء ، وللحاكم وغير ذلك ، وقد ذيّل ابن طاهر المقدسي على الكامل لابن عدي بكتابٍ لم أره ، وصنّف أبو الفرج بان الجوزي كتاباً كبيراً في ذلك ، كنت اختصرته أوّلاً ثمّ ذيّلت عليه ذيلاً بعد ذيل .

والساعة ، فقد استخرت الله عزّ وجلّ في عمل هذا المصنّف ، ورتّبته على حروف المعجم حتّى في الآباء ليقرب تناوله ، ورمزت على اسم الرجل من أخرج له في كتابه مِن الأئمّة الستّة : البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي والترمذي وابن ماجة ، برموزهم السائرة ، فإن اجتمعوا على إخراج رجل فالرمز (ع) ، وإنْ اتفق عليه أرباب السنن الأربعة فالرمز (غ) .

وفيه من تُكُلّم فيه مع ثقته وجلالته بأدنى لين وبأقلّ تجريح ، فلولا أنّابن عدي أو غيره مِن مؤلّفي كتب الجرح ذكروا ذلك الشخص لما ذكرته لثقته ، ولم أر من الرأي أنْ أحذف اسم أحد ممّن له ذكر بتليينٍ مّا في كتب الأئمّة المذكورين ، خوفاً من أنْ يُتَعَقَّب عليّ ، إلاّ أنّي ذكرته لضعفٍ فيه عندي ، إلاّ ما كان في كتب البخاري وابن عدي وغيرهما من الصّحابة ، فإنّي أسقطتهم لجلالة الصحابة رضي الله عنهم ، ولا أذكرهم في


هذا المصنّف ، فإنّ الضعف إنّما جاء مِن جهة الرواة إليهم ، وكذا لا أذكر في كتابي مِن الأئمّة المتبوعين في الفروع أحداً ، لجلالتهم في الإسلام وعظمتهم في النفوس ، فإنْ ذكرت أحداً منهم فأذكره على الإنصاف ، وما يضرّه ذلك عند الله ولا عند الناس ، إذ إنّما يضرّ بالإنسان الكذِب ، والإصرار على كثرة الخطأ ، والتجرّي على تدليس الباطل فإنّه خيانة ، والمرءُ المسلم يطبع على كلّ شيء إلاّ الخيانة والكذِب ) (١) .

أفهل كان شأن الإمامعليه‌السلام أقلّ مِن شأن عمرو بن العاص وبسر ابن أرطاة وأمثالهما مِن فَسَقَة الصحابة؟

أفهل كان شأن الشافعي وغيره أجلّ مِن شأن الإمام الصّادق ؟

لكنّه التعصّب والنّصب... والعياذ بالله...

ترجمة القطّان

ثمّ انظر إلى تراجم القطّان وكلماتهم في مدحه والثناء عليه ، والمبالغة في تعظيمه وتبجيله :

قال السمعاني : ( القطّان ـ بفتح القاف وتشديد الطاء المهملة في آخرها نون ، هذه النسبة إلى بيع القطن ، والمشهور بها هو : أبو سعيد يحيى بن

ـــــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال ١ : ١١٣ .


سعيد بن فروخ الأحول القطّان ، مولى بني تميم ، مِن أئمّة أهل البصرة ، يروي عن يحي بن سعيد الأنصاري وهشام بن عروة ، روى عنه أهلُ العراق ، ماتَ يوم الأحد سنة ثمانٍ وتسعين ومِئة ، وكان إذا قيل له في علّته يعافيك الله قال : أحبّه إليّ أحبّه إلى الله عزّ وجلّ ، وكان مِن سادات أهل زمانه حفظاً ووَرَعاً وعقلاً وفهماً وفضلاً وديناً وعلماً ، وهو الذي مهّد لأهل العراق رسم الحديث ، وأمعن في البحث عن الثقات وترك الضعفاء ، ومنه تعلّم علمَ الحديث أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعليّ ابن المديني .

ذكر عمرو بن عليّ الفلاّس أنّ يحيى بن سعيد القطّان كان يختم القرآن كلّ يوم وليلة ، ويدعو لألف إنسان ، ثمّ يخرج بعد العصر فيحدّث الناس ، وكان يروي عن سميّه يحيى بن سعيد الأنصاري ، وهشام بن عروة ، والأعمش ، وابن جريج ، والثوري ، وشعبة ، ومالك ، في آخرين وكان يقول : لزمت شعبة عشرين سنة ، فما كنت أرجع مِن عنده إلاّ بثلاثةِ أحاديث وعشرة أكثرما كنت أسمع منه في كلّ يوم وقال يحيى بن معين : أقام يحيى بن سعيد عشرين سنة يختم القرآن في كلّ ليلة ، ولم يفته الزوال في المسجد أربعين سنة ، وما رُئي يطلب جماعةً قط )(١) .

وقال النووي :

( يحيى بن سعيد القطّان هو : أبو سعيد يحيى بن سعيد بن فروخ التميمي مولاهم البصري ، القطّان ، الإمام ، من تابعي التابعين ، سمع : يحيى بن سعيد الأنصاري وحنظلة بن أبي سفيان وابن عجلان وسيف بن سليمان وهشام بن حسام ، وابن جري وسعيد بن عروبة وابن أبي ذئب والثوري وابن

ـــــــــــــــــــ

(١) الأنساب ٤ : ٥١٩ .


عيينة ، ومالاً ومسعراً وشعبة وخلائق .

وروى عنه : الثوري ، وابن عيينة ، وشعبة ، وابن مهدي ، وعفّان ، وأحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وعليّ بن المديني ، وإسحاق بن راهويه ، وأبو عبيد القاسم بن سلاّم ، وأبو خيثمة ، وأبو بكر ابن أبي شيبة ، ومسدد ، وعبيد الله بن عمر القواريري ، وعمرو بن عليّ ، وابن مثنّى ، وابن بشّار ، وخلائق مِن الأئمّة وغيرهم .

واتفقوا على إمامته وجلالته ، ووفور حفظه وعلمه وصلاحه .

قال أحمد بن حنبل : ما رأيت مثل يحيى القطّان في كلّ أحواله ، وقال يحيى بن معين : أقام يحيى القطّان عشرين سنة يختم القرآن في كلّ يومٍ وليلة ، ولم يفته الزوال في المسجد أربعين سنة ، وما رُئي يطلب جماعةً قط ، يعني ما فاتته فيحتاج إلى طلبها ـ وقال أحمد بن حنبل : يحيى القطّان إليه المنتهى في التثبّت بالبصرة، وهو أثبت مِن وكيع وابن مهدي وأبي نعيم ويزدي بن هارون ، وقد روى عن خمسين شيخاً ممّن روى عنهم سفيان وقال : لم يكن في زمان يحيى مثله .

وقال أبو زرعة : هو من الثقات الحفّاظ ، وقال يحيى بن معين : قال لي عبد الرحمان بن مهدي : لا ترى بعينك مثل يحيى بن القطّان ، وقال ابن منجويه : كان يحيى القطّان مِن سادات أهل زمانه ورعاً وحفظاً وفهماً وفضلاً وديناً وعلماً ، وهو الذي مهّد لأهل العراق رسم الحديث وأمعن في البحث عن الثقات وترك الضعفاء وقال بندار : كتب عبد الرحمان بن مهدي عن يحيى عن يحيى القطّان ثلاثين ألفاً وحفظها ، قال زهير : رأيت يحيى القطّان بعد وفاته ، عليه قميص ، مكتوب بين كتفيه :بسم الله الرحمن الرحيم ، براءة ليحيى بن سعيد من النار .


قال ابن سعد : توفّي يحيى القطّان في صفَر سنة ثمانٍ وتسعين ومِئة ، وكان مولده سنة عشرين ومئة )(١) .

وقال الذهبي :

( يحيى بن سعيد بن فروخ ، الحافظ الكبير ، أبو سعيد التميمي مولاهم البصري القطّان ، عن : عروة وحميد والأعمش ، وعنه : أحمد وعليّ ويحيى قال أحمد : ما رأيت مثله وقال بندار : إمام أهل زمانه يحيى القطّان ، واختلفت إليه عشرين سنة فما أظن أنّه عصى الله قط ، ولِد القطّان ١٢٠ ومات ١٩٨ في صفر ، وكان رأساً في العلم والعمل )(٢) .

وقال محمّد بن حبّان :

( يحيى بن سعيد بن فروخ القطّان مولى بني تميم ، كنيته أبو سعيد ، الأحول ، مِن أهل البصرة ، يروي عن يحيى بن سعيد الأنصاري وهشام بن عروة ، روى عنه أهل العراق ، ماتَ يوم الأحد يوم الثاني عشر مِن صَفر سنة ثمان وسبعين ومِئة ، وكان إذا قيل له في علّته يعافيك الله قال : أحبّه إليّ أحبّه إلى الله جلّ وعلا ، وصلّى عليه إسماعيل بن جعفر بن سليمان بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس ، وهو أمير البصرة ، وكان مِن سادات أهل زمانه حفظاً وورعاً وعقلاً وفهماً وفضلاً وديناً وعلماً ، وهو الذي مهّد لأهل العراق رسم الحديث وأمعن في البحث عن الثقات ، وترْك الضعفاء ، ومنه تعلّم علْم الحديث أحمد ابن حنبل ويحي بن معين ، وعليّ بن المديني وسائر شيوخنا .

حدّثني محمّد ابن الليث الورّاق قال : سمعت عبد الله بن جعفر بن الزبرقان يقول : سمعت عمرو بن عليّ الفلاّس يقول : كان يحيى بن سعيد القطّان يختم القرآن كلّ يوم

ـــــــــــــــــــ

(١) تهذيب الأسماء واللغات ٢ : ١٥٤ / ٢٤٣ .

(٢) الكاشف ٣ : ٢٤٣ / ٦٢٥٨ .


وليلة ، ويدعو لألفِ إنسان ، ثمّ يخرج بعد العصر فيحدّث الناس )(١) .

وقال اليافعي :

( الإمام أبو سعيد يحيى بن سعيد القطّان البصري الحافظ ، أحد الأعلام قال بندار : اختلفتُ إليه عشرين سنة فما أظنّ أنّه عصى الله قط قال أحمد بن حنبل : ما رأيت مثله وقال ابن معين : أقام يحيى القطّان عشرين سنة يختم في كلّ ليلة ، ولم يفته الزوال في المسجد أربعين سنة )(٢) .

وقال عبد الحق الدهلوي :

( يحيى بن سعيد القطّان ، بفتح القاف وتشديد الطاء المهملة ، أبو سعيد ، الأحول التميمي ، مولى بني تميم ، ويُقال ليس لأحدٍ عليه ولاء ، البصري ، إمامٌ كبير ، ثقةٌ حافظٌ عالم ، عارفٌُ بالحديث ، مشهور مكثر ، وكان رأساً في العلم والعمل .

وقال ابن المديني : ما رأيت أعلم بالرجال منه ولا أعلم بصواب الحديث والخطأ من ابن مهدي ، فإذا اجتمعا على ترك حديثِ رجلٍ تُرِك حديثُه ، وإذا حدّث عنه أحدهُما حُدِّث عنه ، وقال مرّة : لم أرَ أحداً أثبت من القطّان .

وقال ابن معين : قال ابن مهدي : لا ترى عينك مثل يحيى القطّان وقال أحمد : ما رأيت مثله وقال بندار : إمامُ أهل زمانه يحيى القطّان ، واختلفت إليه عشرين سنة فما أظنّ أنّه عصى الله قط وقال ابن سعد : كان ثقةً مأموماً رفيعاً حجّة وقال العجلي : بصريٌّ ثقةٌ نقيُّ الحديث ، كان لا يحدّث إلاّ عن ثقة وقال أبو حاتم : ثقةٌ حافظ وقال أبو زرعة : من الثقات الحفّاظ وقال النسائي : ثقة ثبت مرضي وقال أبو بكر ابن منجويه : كان من سادات أهل زمانه حفظاً

ـــــــــــــــــــ

(١) كتاب الثقات ٧ : ٦١١ .

(٢) مرآة الجنان ١ : ٣٥٢ .


وورعاً وفهماً وفضلاً وديناً وعلماً ، وهو الذي مهّد لأهل العراق رَسْم الحديث ، وأمعَن في البحث عن الثقات وترك الضعفاء ، ولِد سنة عشرين ومِئة ، ومات في صفَر سنة ثمانٍ وتسعين ومِئة روى عن : هشام بن عروة و عبد الله بن عمر العمري ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، والأعمش والثوري وشعبة ومالك وغيرهم من الأئمّة .

وروى عنه : عبد الرحمان بن مهدي وأحمد بن حنبل وعليّ ابن المديني ومسدّد ويحيى بن معين ومحمّد بن المثنّى...)(١) .

أقول :

ومن هذه العبارات وأمثالها في مدح القطّان ـ مع علم قائليها بمقالته في الإمام الصادق ( عليه الصلاة والسلام ) ـ تعرف مواقف القوم مِن أئمّة أهل البيت ، فلا يُقبل دفاع بعض الناس عن أهل السنّة ، وأسفهم بأنّهم مُحبّون لأهل البيت ومحترمون لهم ومستمسكون بهم...

قصة كتاب العلل لابن المديني

وممّا يُذكَر في مقام الطعن في البخاري وورعه وأمانته وثقته : قصّته مع كتاب شيخه ابن المديني في العلل :

قال مسلمة بن قاسم في ( تاريخه ) ـ على ما نقل عنه(٢) ـ : ( وسبب تأليف البخاري الكتاب الصحيح ، أنّ عليّ بن المديني ألّف كتاب العلل ، وكان ضنيناً به لا يخرجه إلى أحد ، ولا يحدّث به ، لشرفه وعظم خطره وكثرة فائدته ، فغاب عليّ ابن المديني في بعض حوائجه ، فأتى البخاري إلى بعض بنيه ،

ـــــــــــــــــــ

(١) رجال المشكاة = تحصيل الكمال ـ ترجمة القطّان .

(٢) انظر ترجمته في لسان الميزان ٦ : ٤٣ .


فبذل له مِئة دينار على أنْ يخرج له كتاب العِلل ، ليراه ويكون عنده ثلاثة أيّام ، ففتنه المال وأخذ منه مِئة دينار ، ثمّ تلطّف مع أُمّه فأخرجت الكتاب ، فدفعه إليه وأخذ عليه العهود والمواثيق أنْ لا يحبسه عنه أكثر مِن الأمد الذي ذكر ، فأخذ البخاري الكتاب ـ وكان مِئة جزء ـ فدفعه إلى مِئة من الورّاقين ، وأعطى كلّ رجلٍ منهم ديناراً على نسخه ومقابلته في يومٍ وليلة ، فكتبوا له الديوان في يومٍ وليلة وقُوبل ، ثمّ صرفه إلى ولد عليّ بن المديني وقال : إنّما نظرت إلى شيء فيه .

وانصرف عليّ بن المديني فلم يعلم بالخبر ، ثمّ ذهب البخاري فعكف على الكتاب شهوراً واستحفظه ، وكان كثير الملازمة لابن المديني ، وكان ابن المديني يعقد يوماً لأصحاب الحديث ، يتكلّم في عِلَله وطرفه ، فلمّا أتاه البخاري بعد مدّة قال له : ما حبسك عنّا ؟ قال : شغلٌ عرض لي ، ثمّ جعل عليٌّ يلقي الأحاديث ويسألهم عن عِلَلها ، فيبادر البخاري بالجواب بنصّ كلام عليٍّ في كتابه ، فعجب لذلك ثمّ قال له : مِن أين علمت هذا ، هذا قولٌ منصوص ، والله ما أعلم أحداً في زماني يعلم هذا العِلم غيري .

فرجع إلى منزله كئيباً حزيناً ، وعَلِم أنّ البخاري خدَع أهله بالمال حتّى أباحوا له الكتاب ، ولم يزَل مغموماً بذلك ، ولم يلبث إلاّ يسيراً حتّى مات ، واستغنى البخاري عن مُجالسة عليّ والتفقّه عنده بذلك الكتاب ، وخرج إلى خراسان ، وتفقّه بالكتاب ، ووضَع الكتاب الصحيح والتواريخ ، فعظم شأنه وعلا ذكره ، وهو أوّل مَن وضع في الإسلام كتاب الصحيح ، فصار الناس له تبعاً ، وبكتابه يقتدي العلماء في تأليف الصحيح ) .

يفيد هذا النص أنّ البخاري كان السبب في موت شيخه عليّ بن المديني ، لتصرّفه في كتاب العِلل الذي وضعه شيخه ، بعد أخذه مِن أهله بالحيلة والخديعة والمكر والكذب...


طعن مسلم فيمن قال بمقالة البخاري

هذا ، وقد صرّح مسلم بن الحجّاج بالطعن والتشنيع على بعض الأقوال وأصحابها في باب رواية الحديث ونقله ، والحال أنّ البخاري مِن القائلين بذلك القول ، وهذا نصّ كلام مسلم في باب ما تصحّ به رواية الرواة بعضهم عن بعض ، والتنبيه على مَن غلط في ذلك :

( وقد تكلّم بعضٌ منتحلي الحديث مِن أهل عصرنا في تصحيح الأسانيد وتسقيمها ، بقول لو ضربنا عن حكايته وذكر فساده صفحاً ، لكان رأياً متيناً ومذهباً صحيحاً ، إذ الإعراض عن القول المطرح أحرى لإماتته وإخمال ذكر قائله ، وأجدر أنْ لا يكون ذلك تنبيهاً للجهّال عليه ، غير أنّا لمّا تخوّفنا مِن شرور العواقب واغترار الجهلة بمحدثات الأُمور ، وإسراعهم إلى اعتقاد خطأ المخطئين والأقوال الساقطة عند العلماء ، رأينا الكشف عن فساد قوله ورَدّ مقالته بقدر ما يليق بها مِن الردّ ، أجدى على الأنام وأحمد للعاقبة إنْ شاء الله .

وزعم القائل الذي افتتحنا الكلام على الحكاية عن قوله والإخبار عن سوء رويّته : أنّ كلّ إسنادٍ لحديثٍ فيه فلان عن فلان ، وقد أحاط العلم بأنّهما قد كانا في عصرٍ واحد ، وجائز أنْ يكون الحديث الذي روى الراوي عمّن روى عنه قد سمِعه منه وشافهه به ، غير أنّه لا نعلم له منه سُماعاً ، ولم نجد في شيء مِن الروايات أنّهما التقيا قط أو تشافها بحديث ، أنّ الحجّة لا تقوم عنده بكلّ خبر جاء هذا المجيء ، حتّى يكون عنده العلم بأنّهما قد اجتمعا من دهرهما مرّة فصاعداً أو تشافها بالحديث بينهما ، أو يرد خبر فيه بيان اجتماعهما وتلاقيهما مرّة مِن دهرهما فما فوقها ، فإنْ لم يكن عنده علمُ ذلك ، ولم تأتِ به روايةٌ صحيحةٌ تخبِر أنّ هذا الراوي عن صاحبه قد لقِيه مرّة وسمع منه شيئاً ، لم يكن في نقله الخبر عمّن روى عنه عِلم ذلك والأمر كما وصفنا حجّة ، وكان الخبر عنده موقوفاً ، حتّى يرد عليه سماعه منه لشيءٍ مِن الحديث ، قلّ أو كثُر في رواية مثل ما ورد .

وهذا القول ـ يرحمك الله ـ في الطعن في الأسانيد قولٌ مُخترَع مُستحدَث غير مسبوق صاحبه إليه ، ولا مساعد له من أهل العلم عليه ، وذلك أنّ القول الشائع المتّفق


عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديماً وحديثاً : أنّ كلّ رجلٍ ثقة روى عن مثله حديثاً ، وجائز ممكن له لقاؤه والسماع منه لكونهما جميعاً كانا في عصرٍ واحد ـ وإنْ لم يأتِ في خبرٍ قط أنّهما اجتمعا ولا تشافها بكلام ـ فالرواية ثابتة والحجّة بها لازمة ، إلاّ أنْ يكون هناك دلالة بيّنة أنّ هذا الراوي لم يلقَ مَن روى عنه ، أو لم يسمع منه شيئاً ، فأمّا والأمر مبهمٌ على الإمكان الذي فسّرنا ، فالرواية على السماع أبداً حتّى تكون الدلالة التي بيّنّا .

فيُقال لمخترع هذا القول الذي وصفنا مقالته أو للذابّ عنه ، قد أعطيت في جملة قولك أنّ خبر الواحد الثقة عن الواحد الثقة حجّةٌ يلزم به العمل ، ثمّ أدخلت فيه الشرط بعد ، فقلت حتّى نعلم أنّهما قد كانا التقيا مرّةً فصاعداً أو سمع منه شيئاً ، فهل تجد هذا الشرط الذي اشترطته عن أحدٍ يلزم قوله ، وإلاّ فهلمّ دليلاً على ما زعمت ، فإنْ ادّعى قول أحدٍ من علماء السلَف بما زعم من إدخال الشريطة في تثبيت الخبر طُولب به ، ولنْ يجد هو ولا غيره إلى إيجاده سبيلاً ) .

وأيضاً قال : ( وكان هذا القول الذي أحدثه القائل الذي حكيناه في توهينالحديث بالعلّة التي وصف ، أقلّ مِن أنْ يُعرّج عليه ويُثار ذكره ، إذ كان قولاً مُحدثاً وكلاماً خلفاً ، لم يقُله أحدٌ من أهل العلم سلَف ، ويستنكره من بعدهم خلَف ، فلا حاجة بنا في ردّه بأكثر ممّا شرحنا ، إذا كان قدر المقالة وقائلها القدر الذي وصفناه ، والله المستعان على دفع ما خالف مذهب العلماء ، وعليه التكلان ) (١) .

وقال النووي في شرح هذا الكلام :

( حاصل هذا الباب أنّ مسلماً ـ رحمه الله ـ ادّعى إجماع العلماء قديماً وحديثاً على أنّ المعنعن ـ وهو الذي فيه عن فلان ـ محمولٌ على الاتّصال والسماع ، إذا أمكن لقاء مَن أُضيفت العنعنة إليهم بعضهم بعضاً ، يعني مع براءتهم من التدليس ، ونقل مسلم عن بعض أهل عصره أنّه قال لا يقوم الحجّة بها ، ولا الحمل على الاتّصال ، حتّى يثبت أنّهما التقيا في عمرهما مرّة فأكثر ، ولا يكفي إمكان تلاقيهما .

ـــــــــــــــــــ

(١) صحيح مسلم ١ : ٣٥ .


قال مسلم : وهذا قولٌ ساقطٌ مخترعٌ مستحدث ، لم يسبق قائله إليه ولا مساعد له من أهل العلم عليه ، وأنّ القول به بدعة باطلة ، وأطنب مسلم في الشناعة على قائله ، واحتجّ مسلم بكلام مختصره : إنّ المُعنعن عند أهل العلم محمولٌ على الاتّصال ، إذا ثبت التلاقي مع احتمال الإرسال ، فكذا إذا أمكن التلاقي ، وهذا الذي صار إليه مسلم قد أنكره المحقّقون وقالوا : هذا الذي صار إليه مسلم ضعيف ، والذي ردّه هو المختار الصحيح الذي عليه أئمّة هذا الفن ، مثل عليّ بن المديني ، والبخاري وغيرهما )(١) .

أحاديثٌ باطلة في كتاب البخاري

وكما تكلّمنا باختصارٍ عن البخاري ، فلنتكلّم في كتابه الموصوف بالصحيح ، على ضوء أقوال كبار أئمّة الحديث ، مقتصرين على طعنهم وقدحهم في عدّةٍ من أحاديثه :

حديث خِطبة عائشة

( فمنها ) الحديث في خطبة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عائشة وقول أبي بكر له : ( إنّما أنا أخوك ) ، وهذا نصّه :

( عن عروة : إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خطَب عائشة ، فقال له أبو بكر : إنّما أنا أخوك ، فقال :( أنت أخي في دين الله وكتابه ، وهي لي حلال ) (٢) .

قال ابن حجَر عن الحافظ مغلطاي : ( في صحّة هذا الحديث نظر ؛ لأنّ الخلّة لأبي بكر إنّما كانت بالمدينة ، وخِطبة عائشة كانت بمكّة ، فكيف يلتئم قوله : إنّما أنا أخوك.

وأيضاً : فالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما باشر الخطبة بنفسه ، كما أخرجه ابن أبي عاصم ، مِن طريق يحيى بن عبد الرحمان بن حاطب ، عن عائشة : إنّ النبيّ أرسل خولة بنت حكيم إلى أبي بكر يخطب عائشة ، فقال لها أبو بكر :

ـــــــــــــــــــ

(١) المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجّاج ١ : ١٢٧ ـ ١٢٨ .

(٢) صحيح البخاري ٧ : ٨ .


وهل تصلح له ، إنّما هي بنت أخيه ؟ فرجعَت فذكرت ذلك للنبيّ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ارجعي فقولي له : أنت أخي في الإسلام وابنتك تصلح لي فأتت أبا بكر فذكرت ذلك له ، فقال : ادعي رسول الله ، فجاء فأنكحه )(١) .

حديث شفاعة إبراهيم لآزر

( ومنها ) الحديث في شفاعة سيّدنا إبراهيمعليه‌السلام لآزر في يوم القيامة .

وهذا الافتراء ذكره البخاري على حسب ديدنه في غير موضعٍ من كتابه السقيم ، وفيه غاية الإزراء بشأن إبراهيم على نبيّنا وآله وعليه سلام الرب الرحيم ، كما لا يخفى على مَن له ذهن مستقيم ، حيث أثبتوا له في ذلكأوّلاً : مخالفة أمر الله تعالى وثانياً : إصراره على المخالفة والمجادلة حيث لم ينته ـ بناءً على افتراءهم ـ لمّا نهى الله عن الاستغفار له في دار الدنيا ، وثالثا : مخالفته للدلائل العقليّة الدالّة على المنع مِن الاستغفار للمشركين ،ورابعاً : الخطأ والغفلة في ظنّ أنّ تعذيب الكافر خزيٌ له بل خزيٌ أعظم ، وأيّ خزي أعظم من هذا ؟ فإنّ ذلك ممّا لا يتخيّله مَن له أدنى عقل ودراية ، فضلاً عن النبيّ المعصوم المبعوث للهداية ، وخامساً : للجهل بالمراد مِن وعده تعالى بأن لا يخزيه .

وهذه هي ألفاظ الحديث في كتاب التفسير :

( حدّثا إسماعيل قال : حدّثنا أخي ، عن ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هُريرة ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :يلقى إبراهيم أباه فيقول : يا رب ، إنّك وعدتني ألاّ تخزني يوم يُبعثون ، فيقول الله :إنّي حرّمت

ـــــــــــــــــــ

(١) فتح الباري ـ شرح صحيح البخاري ٩ : ١٠١ .


الجنّة على الكافرين )(١) .

وفي رواية أُخرى ( فيقول : يا رب ، إنّك وعدتني أنْ لا تخزني يوم يُبعثون ، فأيّ خزيٍ أُخزى مِن أبي الأبعد )(٢) .

قال الفخر الرّازي : ( وأمّا قوله تعالى :( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ.... ) ففيه مسائل : المسألة الأُولى : في تعلّق هذه الآية بما قبلها وجوه :

الأوّل : إنّ المقصود منه أنْ لا يتوهّم إنسان أنّه تعالى منع محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من بعض ما أذن لإبراهيمعليه‌السلام فيه .

والثاني : أنْ يُقال : إنّا ذكرنا في سبب اتّصال هذه الآية بما قبلها المبالغة في إيجاب الانقطاع عن الكفّار أحيائهم وأمواتهم ، ثمّ بيّن تعالى أنّ هذا الحكم غير مختصّ بدين محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فتكون المبالغة في تقرير وجوب الانقطاع كانت مشروعة أيضاً في دين إبراهيمعليه‌السلام ، فتكون المبالغة في تقرير وجوب المقاطعة والمباينة من الكفّار أكمل وأقوى .

الثالث : إنّه تعالى وصَف إبراهيم في هذه الآية بكونه حليماً أي قليل الغضب ، وبكونه أوّاهاً ، أي كثير التوجّع والتفجّع عند نزول المضار بالناس ، والمقصود أنّ مِن كان موصوفاً بهذه الصفة ، كان ميل قلبه إلى الاستغفار لأبيه شديد ، وكأنّه قيل : إنّ إبراهيم مع جلالة قدره ، ومع كونه موصوفاً بالأوّاهيّة والحليميّة ، منعه الله مِن الاستغفار لأبيه الكافر ، فلأن يكون غيره ممنوعاً من هذا المعنى كان أولى )(٣) .

ـــــــــــــــــــ

(١) صحي البخاري ٦ : ٢٠٢ كتاب التفسير ، سورة الشعراء .

(٢) صحيح البخاري ٤ : ٢٧٧ ـ ٢٧٨ كتاب أحاديث الأنبياء .

(٣) تفسير الرازي ١٦ : ٢١٠ .


وعلى الجملة ، فإنّه ـ بعد العلم بأنّ إبراهيمعليه‌السلام كان ممنوعاً مِن ذا الاستغفار ، وأنّه قد تبرّء منه ـ لا يستريب مسلمٌ في أنّ حديث البخاري موضوع !

ومع قطع النظر عن هذا ، فإنّ الدلائل العقليّة أيضاً قائمة على منع الاستغفار للمشركين ، كما قال الرّازي :

( قوله تعالى :( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ ) يحتمل أنْ يكون المعنى : ما ينبغي لهم ذلك فيكون كالوصف ، وأنْ يكون معناه ليس لهم ذلك على معنى النهي .

فالأوّل معناه : أنّ النبوّة والإيمان يمنع من استغفار المشركين ، والثاني معناه : لا يستغفروا ، والأمران متقاربان .

وسبب هذا المنع ما ذكره الله تعالى في قوله :( ....مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ) .

وأيضاً : قال :( إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ.... ) والمعنى : أنّه تعالى لمّا أخبر عنهم أنّه يدخلهم النّار فطلب الغفران لهم ، جارِ مجرى طلَب أنْ يخلف الله وعده ووعيده وإنّه لا يجوز ، وأيضاً : لمّا سبق قضاء الله تعالى بأنّه يعذّبهم ، فلو طلبوا غفرانه لصاروا مردودين ، وذلك يوجب نقصان درجة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحطّ مرتبته .

وأيضاً : إنّه تعالى قال :( ...ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ... ) وقال :( ...أأَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ) ، فهذا الاستغفار يوجب دخول الخلف في أحد هذين النصّين وأنّه لا يجوز )(١) .

وعلى الجملة ، فإنّ هذا الحديث موضوعٌ باطل ، ولا سبيل إلى إصلاحه بوجهٍ مِن الوجوه .

ولعلّه لذا اضطرّ بعضهم إلى التصرّف في لفظه ، بوضع كلمة ( رجل )

ـــــــــــــــــــ

(١) تفسير الرّازي ١٦ : ٢٠٩ .


مكان اسم سيّدنا إبراهيمعليه‌السلام ، ما في( فتح الباري ) : ( وفي رواية أيّوب : يلقى رجلٌ أباه يوم القيامة فيقول له : أيّ ابنٍ كنت لك ؟ فيقول : خيرُ ابن ، فيقول : هل أنت مطيعي اليوم ؟ فيقول : نعم ، فيقول : خذ بأزرتي ، فيأخذ بأزرته ، ثمّ ينطلق حتّى يأتي ربّه... )(١) .

ولكنْ لا مناص من الاعتراف ببطلانه... كما عن الحافظ الإسماعيلي وغيره .

قال ابن حجر : ( وقد استشكل الإسماعيلي هذا الحديث مِن أصله ، وطعن في صحّته ، فقال بعد أنْ أخره : هذا حديثٌ في صحّته نظر ، مِن جهة أنّ إبراهيم عالِمٌ أنّ الله لا يُخلف الميعاد ، فكيف يجعل ما بأبيه خزياً له مع علمه بذلك ؟

وقال غيره : هذا الحديث مخالفٌ لظاهر قوله تعالى :( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ.... ) (٢) .

وأمّا محاول ابن حر تأويل هذا الحديث وتوجيهه بقوله :

( والجواب عن ذلك : أنّ أهل التفسير اختلفوا في الوقت الذي تبرّأ إبراهيم فيه من أبيه.

فقيل : كان ذلك في حياة الدنيا لمّا مات آزر مشركاً وهذا الوجه أخرجه الطبري مِن طريق حبيب بن أبي ثابت ، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عبّاس ، وإسناده صحيح ، وفي رواية : فلمّا مات لم يستغفر له ، ومِن طريق علي بن أب طلحة عن ابن عبّاس نحوه قال : استغفر له ما كان حيّاً ، فلمّا مات أمسك ، وأورد أيضاً مِن طريق مجاهد وقتادة وعُمر بن دينار نحو ذلك .

ـــــــــــــــــــ

(١) فتح الباري ـ شرح صحيح البخاري ٨ : ٤٠٥ .

(٢) فتح الباري ٨ : ٤٠٦ .


وقيل : إنّما تبرّأ منه يوم القيامة لمّا أيس منه حين مُسخ ، على ما صرّح به في رواية ابن المنذر التي أشرت إليها ، وهذا أخرجه الطبري أيضاً من طريق عبد الملك بن أبي سليمان ، سمعت سعيد بن جُبير يقول : إنّ إبراهيم يقول يوم القيامة : ربّ والدي ، ربّ والدي ، فإذا كانت الثالثة أخذ بيده فيلتفت إليه وهو غضبان فيتبرّ منه ، ومن طريق عبدي بن عمير قال : يقول إبراهيم لأبيه : إنّي كنت آمرك في الدنيا فتعيني ، ولست تاركك اليوم ، فخذ بحقوتي ، فيأخذ بضبعيه فيمسخ ضبعاً ، فإذا رآه إبراهيم مسخ تبرّء منه .

ويمكن المع بين القولين : بأنّه تبرّء منه لمّا مات مشركاً ، فترك الاستغفار ، لكن لمّا رآه يوم القيامة أدركته الرأفة والرقّة فسأل فيه ، فلا رآه مُسخ يئس منه حينئذ ، وتبرّأ منه تبرّياً أبديّاً .

وقيل: إنّ إبراهيم لم يتيقّن موته على الكفر ، لجواز أنْ يكون آمن في نفسه ولم يطلع إبراهيم على ذلك ، ويكون وقت تبريته منه بعد الحالة التي وقعت في هذا الحديث )(١) .

فسقوطها واضح لدى كلّ عاقلٍ فضلاً عن الفاضل .

لأنّ حاصل الجواب الأوّل هو بيان الاختلاف في وقت تبرّي إبراهيم مِن آزر ، وأيّ ربطٍ لهذا بأصل الإشكال ؟ اللّهمّ إلاّ أنْ يُريد ابن حجَر أنّه بناءً على القول بكون التبرّي في يوم القيامة ، فلا منافاة بين ذلك وبين الآية المباركة( وَمَا كَانَ... ) ، لكنّه وجهٌ سخيف جدّاً ، وذلك لأنّه :

أوّلاً : تأويلٌ للآية( ...فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ.... ) الظاهرة في وقوع ذلك في الزمان الماضي ، ورفع اليد عن الظاهر بلا دليلٍ ممنوعٌ ، كما هو معلوم .

وثانياً : إذا كان التبرّي في دار الدنيا ، كما هو مفاد رواياتٍ متعدّدة ، وقد صحّح ابن حجر نفسُه بعضها ، فالتنافي بين الشفاعة والآية المباركة لازمٌ لا محالة .

وثالثاً : على فرض ثبوت الاختلاف في وقت التبرّي ، ورجحان القول الثاني على الأوّل ، يندفع الإشكال المنقول عن غير الإسماعيلي ، أمّا إشكال الإسماعيلي فلا يندفع بما ذكر .

ورابعاً : حمل التبرّي على يوم القيامة ، يوجب الاختلاف في سياق الآية المباركة ؛ لأنّ الغرض من ذكر القصّة إفادة أنّ إبراهيمعليه‌السلام قد مُنع من الاستغفار لأهل

ـــــــــــــــــــ

(١) فتح الباري ٨ : ٤٠٦ .


الشرك ، وأنّه قد تبرّأ من أبيه مع كونه أوّاهاً حليماً ، فيكون غيره من سائر المؤمنين ممنوعاً من ذلك بالأولويّة.. وهذا ما فهمه الفخر الرّازي أيضاً إذ قال :

( اعلم أنّه تعالى إنّما وصفه بهذين الوصفين في هذا المقام ؛ لأنّه تعالى وصفه بشدّةِ الرقّة والشفقة والخوف والوجَل ، ومَن كان كذلك فإنّه تعظم رقّته على أبيه وأولاده ، فبيّن تعالى أنّه مع هذه العادة تبرّ مِن أبيه وغلظ قلبه عليه ، لما ظهر له إصراره على الكفر ، فإنّهم بهذا المعنى أولى ، ولذلك وصفه أيضاً بأنّه حليم ؛ لأنّ أحد أسباب الحِلم رقّة القلب وشدّة العطف ؛ لأنّ المرء إذا كان حاله هكذا اشتدّ حلمه عن الغضب )(١) .

وعلى هذا ، فلو كان المراد التبرّي في الآخرة ، فأين تكون أولويّة أُمّة الإسلام بذلك ؟

هذا ، وكأنّ ابن حجر عالم بضعف هذا الجواب ، فاضطرّ إلى أنْ يقول : ( ولا يُمكن الجواب... ) لكنّه غير مطمئن بهذا الجواب ، ولذا ذكره بلفظ ( يُمكن ) .

كما أنّ السيوطي قد اقتصر على هذا الجواب إذ قال في كتاب( التوشيح ) : ( واستشكل سؤال إبراهيم ذلك مع علمه بأنّه تعالى لا يُخلف الميعاد ، في إدخال الكافرين النار وأُجيب : بأنّه لمّا رآه أدركته الرأفة والرقّة ، فلم يستطع إلاّ أنْ يسأل فيه )(٢) .

لكن هذا الجواب ـ في الحقيقة ـ التزامٌ بالإشكال ؛ لأنّه بيان للداعي إلى الاستغفار ، وهو الرحمة والرأفة ، فيعود الإشكال بأنّه كيف تحقّقت منه هذه الرأفة وصدرت هذه الرحمة ، مع علمه بعدم الجواز والحرمة ؟ اللّهمّ إلاّ أنْ يقولوا : بأنّ الرحمة والرأفة تُجوّز طلب ما لا يجوز ، وهذا بديهي البطلان وضحكة للصبيان ، لا يقول به عاقلٌ بل جاهلٌ فضلاً عن فاضل ! وأمّا قول ابن حجر : ( وقيل : إنّ إبراهيم... ) .

فإنْ أراد مِن ذكره بيان ضعفه ، فلا كلام فيه... وإنْ أراد دفع الإشكال به ، فهو يُنافي الأخبار الصحيحة الواردة في عِلم سيّدنا إبراهيم بموت آزر على الكفر ، وقد أورد ابن حجر بعضها ، وفي( الدر المنثور ) :

( أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ( ..فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ.. ) (٣) حين مات وعلم أنّ التوبة قد انقطعت منه .

ـــــــــــــــــــ

(١) تفسير الرّازي ١٦ : ٢١١ .

(٢) التوشيح في شرح الصحيح ٤ : ٢٥٠ .

(٣) سورة التوبة ٩ : ١١٤ .


وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وأبو بكر الشافعي في فوائده والضياء في المختارة ، عن ابن عبّاس قال : لم يزل إبراهيم يستغفر لأبيه حتّى مات( ...فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ.... ) يقول : لمّا مات على كفره )(١) .

حديث الصلاة على ابن أبي سلول

( ومنها ) ما أخرجه ـ مسلم أيضاً ـ في كتاب التفسير : ( عن ابن عمر قال : لمّا توفّي عبد الله بن أُبيّ ، جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فسأله أنْ يعطيه قميصه يُكفِّن فيه أباه ، فأعطاه ، ثمّ سأله أنْ يصلّي عليه .

فقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليصلّي عليه .

فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله فقال : يا رسول الله ، تصلّي عليه وقد نهاك ربّك أنْ تصلّي عليه ؟

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( إنّما خيّرني الله فقال : ( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً.... ) ) وسأزيده على السبعين .

قال : إنّه منافق !

قال : فصلّى عليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قال : فأنزل الله( وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ

ـــــــــــــــــــ

(١) الدر المنثور ٤ : ٣٠٠ .


قَبْرِهِ .. ) (١) .

وهذا الحديث ـ الذي وضعوه فضيلةً لعمر بن الخطّاب ـ مكذوبٌ حتماً وموضوعٌ قطعاً وقد نصّ ـ والحمد لله ـ على ذلك غير واحدٍ من أئمّة القوم :

كالغزالي بعد ذكر أخبار : ( هذا مزيّف ، فإنّ هذه الوقائع لو جمعت ونقلت دفعةً واحدةً لم تُورث العلم ، ولي ذلك كوقائع حاتم وعليّ مع كثرتها .

على أنّ ما نقل في آية الاستغفار كذِب قطعاً ، إذ الغرض منه التناهي في تحقيق اليأس مَن المغفرة ، فلا يظنّ برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذهول عنه )(٢) .

وكالباقلاّني وإمام الحرمين في جماعةٍ ، كما ذكر شرّاح البخاري :

قال القسطلاني : ( وقد استشكل فهم التخيير من الآية على كثير ، وسبق جواب الزمخشري عن ذلك ، وقال صاحب الانتصاف : مفهوم الآية زلّت فيه الأقدام ، حتّى أنكر القاضي أبو بكر الباقلاّني صحّة الحديث وقال : لا يجوز أنْ يقبل هذا ، ولا يصحّ أنّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قاله .

وقال إمام الحرمين في مختصره : هذا الحديث غير مخرّج في الصحيح وقال في البرهان : لا يصحّحه أهل الحديث وقال الغزالي في المستصفى : الأظهر أنّ هذا الخبر غير صحيح وقال الداودي الشارح : هذا الحديث غير محفوظ ، وهذا عجيب... )(٣) .

ـــــــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري ٦ : ١٣١ .

(٢) المنخول في علم الأُصول : ٢١٢ .

(٣) إرشاد الساري إلى صحيح البخاري ٧ : ١٥٥ .


وقال ابن حجر : ( قال ابن المنير : مفهوم الآية زلّت فيه الأقدام ، حتّى أنكر القاضي أبو بكر صحّة الحديث وقال : لا يجوز أنْ يقبل هذا ولا يصحّ أنّ الرسول قاله انتهى .

ولفظ القاضي أبي بكر الباقلاّني في التقريب : هذا الحديث مِن أخبار الآحاد التي لا يُعلم ثبوتها ، وقال إمامُ الحرمين في مختصره : هذا الحديث غير مُخرّج في الصحيح ، وقال في البرهان : لا يصحّحه أهلُ الحديث ، وقال الغزالي في المستصفى : الأظهر أنّ هذا الخبر غير صحيح ، وقال الداودي الشارح : هذا الحديث غير محفوظ )(١) .

حديث : كذِب إبراهيم ثلاث كِذبات

( ومنها ) ما أُخرج في الكتابين من أنّ إبراهيمعليه‌السلام كذَب ثلاث كذبات ، ففي( الجمع بين الصحيحين ) :

( عن محمّد عن أبي هريرة : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( لم يكذِب إبراهيم النبيّ قط ، إلاّ ثلاث كِذبات ، ثنتين في ذات الله : قوله : ( إِنِّي سَقِيمٌ ) وقوله : ( بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا ) ، وواحدة في شأن سارة ، فإنّه قدِم أرض جبّار ومعه سارة ـ وكانت أحسن الناس ـ فقال لها : إنّ هذا الجبّار إنْ يعلم أنّك امرأتي يغلبني عليك ، فإنْ سألك فأخبريه أنّك أُختي في الإسلام ) (٢) .

وقد تكلّم الفخر الرّازي على هذا الحديث وأبطله ، وعبَّر عن رواته بالحشويّة ، فانظر إلى نصّ كلامه حيث قال :

( واعلم أنّ بعض الحشويّة روى عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال :

ـــــــــــــــــــ

(١) فتح الباري ـ شرح صحيح البخاري ٨ : ٢٧٢ .

(٢) الجمع بين الصحيحين ٣ : ١٨٤ / ٢٤١٥ .


 ( ما كذب إبراهيم إلاّ ثلاث كذبات ) .

فقلت : الأولى أنْ لا يقبل مثل هذه الأخبار .

فقال ـ على طريق الاستنكار ـ : إنْ لم نقبله لزمَنا تكذيب الرواة .

فقلت له : يا مسكين ، إنْ قبلناه لزمنا الحُكم بتكذيب إبراهيمعليه‌السلام ، وإنْ رددناه لزمنا الحكم بتكذيب الرواة ، ولا شكّ أنّ صَون إبراهيم عن الكذِب أولى مِن صون طائفة من المجاهيل عن الكذِب )(١) .

هذا ، وقد أورد عمر بن عادل كلام الرّازي هذا وارتضاه(٢) .

حديث : أنّ نبيّاً أحرق بيت النمل

( ومنها ) ما أخرجه البخاري مِن أنّ نبيّاً من الأنبياء أحرق بيت النمل بسبب أنّ نملةً لدغته ! قال :

( حدّثنا إسماعيل ، ثني مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : نزل نبيّ من الأنبياء تحت شجرة ، فلدغته نملة ، فأمر بجهازه فأُخرج من تحتها ، ثمّ أمر ببيتها فأُحرِق بالنار ، فأوحى الله إليه : فهلاّ نملة واحدة !! )(٣) .

ويكفي في إبطال هذا الحديث كلام الفخر الرّازي ، الذي أورده الشاه عبد العزيز الدهلوي واستحسنه وارتضاه حيث قال : ( وللإمام فخر الدين الرّازي في هذا المقام كلام يصدّقه العقل ، ويقع في القلب إذ قال : إنّ الروافض عندي

ـــــــــــــــــــ

(١) تفسير الرّازي ٢٦ : ١٤٨ .

(٢) اللباب في علوم الكتاب ١٦ : ٣٢٤ .

(٣) صحيح البخاري ٤ : ٢٦٢ ، كتاب بدء الخلق .


أقلّ عقلاً وفهماً من نملة سليمان ؛ لأنّ النملة قد خاطبت رفيقاتها قائلةً :( يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) فهي قد علمت أنّ جنود سليمان قد أثّرت فيهم المعاشرة معه فكانوا مهذّبين ببركة صحبته ، حتّى أنّهم لا يحطّمون النمل عن علمٍ وعمد ، ولا يظلمون الضعيف عن قصدٍ ، لكنّ الروافض لم يفهموا أنّ صحبة النبيّ الخاتم ـ وهو أفضل الأنبياء ـ تؤثّر في صحابته الملازمين له على الدّوام ، فلا يرتكبون الخيانة والشرّ ، فكيف ينسبون إليهم الظلم لبنت رسول الله وصهره وولده ، وإحراق بيتهم عليهم ، والاستيلاء على أموالهم ، وإيذائهم بشتّى أنوا الأذى ؟ )(١) .

وذلك : لأنّ البخاري وسائر مَن يقول بصحّة هذا الحديث سيكونون أقلّ فهماً مِن النملة ؛ لأنّهم بتصديقهم هذا الحديث يجوّزون الظلم على النبيّ المعصوم !!

حديث أمر النبيّ بالأكل ممّا لم يذكر اسم الله عليه

( ومنها ) ما أخرجه البخاري في كتاب الذبائح قال :

( حدّثنا معلّى بن أسد ، حدّثنا عبد العزيز بن المختار قال : حدّثنا موسى بن عقبة قال : أخبرني سالم أنّه سمِع عبد الله يحدّث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنّه لقي زيد بن عمرو بن فضيل بأسفل بلدح ـ وذاك قبل أنْ ينزل على رسول الله الوحي ـ فقدّم إليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سُفرةً فيها لحم ، فأبى أنْ يأكل منها ، ثمّ قال : إنّي لا آكل ممّا تذبحون على أنصباكم ، ولا

ـــــــــــــــــــ

(١) مختصر التحفة الاثنا عشريّة : ١٩٣ ـ باب الإمامة .


نأكل إلاّ ممّا ذكر اسم الله عليه )(١) .

فهل يشكّ المسلم في كذب هذا الحديث ؟

والعجب مِن واضعه ، فلم يستح أنْ ينسب إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر الرجل بالأكل ممّا لم يذكر اسم الله عليه ، في حين ينسب إلى الرجل الإباء عن الأكل ممّا لم يذكر اسم الله عليه ، فيكون أورع وأفضل من النبيّ ، والعياذ بالله ؟! وكيف يصدّقون بمثل هذا على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حين يبذلون كلّ جهودهم لتبرئه أبي بكر مِن شرب الخمر قبل التحريم ، ويكذّبون الخبر في ذلك، ويقولون : قد أعاذ الله الصدّيقين من فعل الخنا وأقوال أهله وإنْ كان قبل التحريم ، كما في ( نوادر الأصول ) للحكيم الترمذي وسيجيء عن قريب ؟ ألم يكن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الصدّيقين ؟

تصرّف بعضهم في لفظ الحديث !

لكنّ ابن روزبهان التجأ إلى الكذب والافتراء على العلاّمة الحلّي ، واضطرّ إلى وضع تتمّةٍ لهذا الحديث الموضوع ، وذلك أنّه قال في الجواب عن كلام العلاّمة الحليّ :

( أقول : مِن غرائب ما يستدلّ به على ترك أمانة هذا الرجل وعدم الاعتماد والوثوق على نقله : رواية هذا الحديث ، فقد روى بعض الحديث ليستدلّ به على مطلوبه وهو الطعن في رواية الصحاح ، وما ذكر تمامه ، وتمام الحديث : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا قال زيد بن عمرو بن نفيل

ـــــــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري ٧ : ١٦٥ .


هذا الكلام قال : وإنّا أيضاً لا نأكل مِن ذبيحتهم وممّا لم يذكر عليه اسم الله تعالى ، فأكلا معاً .

وهذا الرجل لم يذكر هذه التتمّة ليتمكّن من الطعن في الرواية نسأل الله العصمة مِن التعصّب فإنّه بئس الضجيع )(١) .

أقول :

لكنَّ هذا الذي وصَف به العلاّمة الحلّي يرجع إليه ، وهو المتّصف به ؛ لأنّ الحديث في كتاب الذبائح من( صحيح البخاري ) كما تقدّم ، وهكذا نقله العلاّمة الحلّي ، ومن شاء فليراجع أصل كتاب البخاري !!

وقد أخرج البخاري هذا الحديث الموضوع في كتاب المناقب ، وليس فيه التتمّة التي زعمها ابن روزبهان ، وهذه عبارته : ( باب حديث زيد بن عمرو ابن نفيل ، حدّثني محمّد بن أبي بكر قال : حدّثنا سالم بن عبد الله بن عمر : إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح ، قبل أنْ ينزل على النبيّ الوحي ، فقدّمت إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سفرة فأبى أنْ يأكل منها ، ثمّ قال زيد : إنّي لست آكل ممّا تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلاّ ما ذكر اسم الله عليه ، وإنّ زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول : الشاة خلقها الله ، وأنزل لها مِن السماء الماء وأنبت لها مِن الأرض ، ثمّ تذبحونها على غير اسم الله ، إنكاراً لذلك وإعظاماً له )(٢) .

فقد تبيّن أنّ العلاّمة الحلّي رحمه الله لم يخن في نقل الحديث ، فلم يزد عليه ولم يحذف منه شيئاً ، بل ابن روزوبهان قد كذب في دعوى التتمّة ،

ـــــــــــــــــــ

(١) إبطال الباطل ـ مخطوط .

(٢) صحيح البخاري ٥ : ١٢٤.


لغرض الدفاع عن البخاري وكتابه ، فحقّ أنْ يقال في جوابه : إنّ من غرائب ما يستدلّ به على ترك أمانة هذا الرجل وعدم الاعتماد والوثوق على نقله : رواية تتمّة مخترعة لهذا الحديث ، وقد اخترعها ليستدلّ بها على مطلوبه وهو دفع الطعن في رواية الصحاح ، نسأل الله العصمة من التعصّب فإنّه بئس الضجيع .

وظهر أيضاً : أنّهم يحاولون التغطية على شناعة بعض أحاديثهم بالزيادة فيه أو النقيصة عنه ، على حسب ما عرض لهم من ضيق الخناق .

وكما تصرّف ابن روزبهان في الحديث بدعوى الزيادة كما تقدّم ، فقد تصرّف محمّد بن يوسف الصالحي الدمشقي في لفظه بشكلٍ آخر ، فقد قال في( سبُل الهدى والرشاد ) :

( روى البخاري والبيهقي من طريق موسى بن عقبة ، عن سالم بن عبد الله ابن عمر عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لقي زيد ابن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح ، قبل أنْ ينزل عليه الوحي ، فقدّمت إلى رسول الله سفرة فيها لحم ، فأبى أن يأكل منها ، ثمّ قال لزيد : إنّي لست آكل ممّا تذبحون على أنصباكم ، ولا آكل إلاّ ما ذكر اسم الله عليه ، وإنّ زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول : الشاة خلقها الله تعالى وأنزل لها من السماء الماء وأنبت لها من الأرض ، ثمّ تذبحونها على غير اسم الله تعالى ، إنكاراً لذلك وإعظاماً له )(١) .

لقد التفت هذا الرجل إلى شناعة لفظ هذا الحديث ، فلم يجد بُدّاً من أنْ يضيف اللاّم الجارة إلى لفظ زيد ، فصارت الجملة : ( ثمّ قال لزيد ) ليكون رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو فاعل ( قال ) ، وتكون جملة : ( إنّي لست

ـــــــــــــــــــ

(١) سبُل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد ٢ : ١٨٢ .


آكل ) مقول قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ... والحال أنّ لفظ البخاري في كتاب المناقب من ( صحيحه ) خالٍ من اللام والجملة هي : ( ثمّ قال زيد ) فكان زيد الفاعل للفعل ( قال ) وهو القائل : ( إنّي لست آكل ) !

وأمّا الضمير في ( أبى ) وإنْ احتمل ـ في رواية كتاب المناقب ـ عوده إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لكنّه غير مُحتمل في لفظ رواية كتاب الذبائح ؛ لأنّ الحدث هناك بلفظ ( فقدّم ) ـ وكذلك هو في رواية الجرجاني والإسماعيلي كما سيأتي ـ وعليه ، فلا يكون الضمير في ( أبى ) عائداً على النبيّ ، بل يعود إلى زيد...

وسيأتي أنّ أحمد بن حنبل وغيره مِن الأئمّة ينسبون أكل ذبيحة الأنصاب في هذه القصّة إلى نفس رسول الله... فيكون الضمير في ( أبى ) في حديث كتاب المناقب أيضاً عائداً على ( زيد ) ؛ لأنّ الحديث يفسّر بعضه بعضاً .

ومن هنا ، فقد أسند ابن حجر والزركشي والسهيلي والقسطلاني وغيرهم من شرّاح الحديث الفعل ( أبى ) إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ...

والحاصل : إنّ القضية واحدة ، والحديث واحد ، فما لا يكون رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الفاعل لِلَفظ ( أبى ) في حديث كتاب الذبائح ، كذلك لا يكون هو الفاعل له في لفظ كتاب المناقب... وإلاّ لزِم تكذيب حديث كتاب الذبائح بحديث كتاب المناقب ، فيكون الإشكال أقوى والإفحام آكد .

توجيه البعض معنى الحديث

وكيف كان ، فلا دلالة في حديث البخاري على إباء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الأكل من ذبيحة الأصنام ، ولذا اعترض ابن حجَر على ابن بطّال لمّا ادّعى ذلك ، وردّ عليه بعدم الوقوف على ذلك في روايةٍ من روايات القصّة... وهذا نصّ كلام ابن حجَر بشرح الحديث في كتاب المناقب :

( قوله : فقدّمت بضم القاف قوله : إلى النبيّ ، كذا الأكثر ، وفي رواية الجرجاني : فقدّم إليه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سفرة قال عياض : الصّواب الأوّل قلت : رواية الإسماعيلي توافق رواية الجرجاني ، ولذا أخرجه الزبير بن بكار والفاكهي وغيرهما .


وقال ابن بطّال : كانت السفرة لقريش ، قدّموها للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأبى أنْ يأكل منها ، فقدّمها النبيّ لزيد بن عمرو بن نفيل ، فأبى أنْ يأكل منها ، وقال مخاطباً لقريش الذين قدّموها أوّلاً : إنّا لا نأكل ما ذبح على أنصابكم انتهى .

وما قاله يحتمل ، ولكنْ لا أدري من أين له الجزم بذلك ؟ فإنّي لم أقف عليه في روايةٍ ، وقد تبعه ابن المنير في ذلك )(١) .

أقول :

لقد أجاد ابن حجر في الرّ على ابن بطّال ، لكنّ قوله ( وما قاله يحتمل ) باطل جدّاً ، فقد نقل ابن حجَر ـ كما سيأتي ـ عن أكابر الأئمّة تصريحهم بأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ والعياذ بالله ـ قد أكل من ذبيحة الأصنام ، ودعا زيداً إلى الأكل منها ، فأبى زيد عن ذلك... فلا أساس لقول ابن بطّال من الصحّة أصلاً .

على أنّ عبارة ابن بطّال صريحة في أنّ النبيّ ـ بعد أنْ أبى عن الأكل من تلك الذبيحة ، دعا زيداً إلى الأكل منها وهذا من القبح والشناعة بمكان ، إذ كيف يحتمل أنّ النبيّ ـ مع ما عليه من الصيانة والأمانة والأخلاق الكريمة والأوصاف الحميدة ـ يأبى عن أمرٍ ثمّ يدعو غيره إليه بلا ضرورة ، فيواجه بالإباء ويُجاب بما يقتضي الطعن والملامة ؟ كلاّ وحاشا ، لا يُجوّز ذلك ذو دينٍ وعقل...

التزام بعضهم بمفاده الباطل

إلاّ أنّ أكثر المحقّقين منهم لم يسلكوا سبيل الخيانة والتحريف ، كما صنع ابن روزبهان وصاحب سُبل الهدى ، بل استحوذ عليهم حبّ البخاري ، فصدّقوا بأكاذيبه وافتراءاته ، وسلّموا لغرائب مجعولاته وهفَواته ، فترى الدّاودي يذهب إلى أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يأكل مِن ذبائح المشركين ، لكونه جاهلاً بحرمة الأكل منها ، أمّا زيد فقد علِم بذلك فلم يأكل !! قال ابن حجَر :

ـــــــــــــــــــ

(١) فتح الباري ـ رح صحيح البخاري ٧ : ١١٢ .


 ( قال الداودي : كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل البعث يجانب المشركين في عباداتهم ، ولكنْ لم يكن يعلم ما يتعلَّق بأمر الذبائح ، وكان زيد قد علم ذلك من أهل الكتاب الذين لقيهم )(١) .

فكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ والعياذ بالله ـ يأكل من ذبائح أهل الكتاب عن جهلٍ بحكمها ، وقد علم بذلك أهل الكتاب ، وتعلّمه منهم زيد بن عمرو ، ولم يأكل... فانظر كيف يطعن في رسول الله ويحطّ عليه ؟ وكيف يجوّز المؤمن الدّين في حقّ الرسول الأمين ، المؤيّد بالتأييد الإلهي والمسدّد بالمدد الربّاني ، أنْ يجهل حكماً مِن الأحكام الشرعيّة ، ويرتكب شيئاً من المحرّمات الإلهيّة ، ويدعو غيره لارتكابه ؟

تكلّفات الآخرين في حلّ العقدة

ومن القوم مَن يأبى تكذيب حديث البخاري ، ويستحيي من الإلتزام بمدلوله ومعناه الظاهر بل الصريح فيه ، فأُشكل عليه الأمر ، وجعل يتكلَّف للخروج من المأزق !

قال السهيلي ـ بعد نقل حديث البخاري في كتاب الذبائح ـ :

( وفيه سؤال : يقال : كيف وفّق الله زيداً إلى ترك أكل ما ذُبح على النصُب وما لم يُذكَر اسم الله عليه ، ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان أولى بهذه الفضيلة في الجاهليّة ، لِما ثبت مِن عصمة الله له ؟

فالجواب من وجهين :

أحدهما : إنّه ليس في الحديث حين لقيه ببلدح ، فقدّمت إليه السفرة ، إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أكل منها ، وإنّما في الحديث إنّ زيداً قال حين قدّمت إليه السفرة : لا آكل ممّا لم يذكر اسم الله عليه .

الجواب الثاني : إنّ زيداً إنّما فعل ذلك برأيٍ رآه لا بشرعٍ مُتقدّم ، وإنّما تقّدم شرع إبراهيم بتحريم الميتة لا بتحريم ما ذُبح لغير الله ، وإنّما نزل تحريم ذلك في الإسلام ، وبعض الأُصوليّين يقولون : الأشياء قبل ورود الشرع على الإباحة .

ـــــــــــــــــــ

(١) فتح الباري ـ شرح صحيح البخاري ٧ : ١١٣ .


فإن قلنا : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يأكل ممّا ذبح على النصُب ، فإنّما فعل أمراً مُباحاً وإنْ كان لا يأكل منها ، فلا إشكال ، وإنْ قلنا أيضاً : إنّها ليست على الإباحة ولا على التحريم ، وهو الصحيح ، فالذبائح خاصّة لها أصلٌ في تحليل الشرع المتقدّم ، فالشاة والبعير ونحو ذلك ممّا أحلّهالله تعالى في دين مَن كان قبلنا ، ولم يقدح في ذلك التحليل المتقدّم ما ابتدعوه ، حتّى جاء الإسلام وأنزل الله سبحانه : ( وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ.... ) ، ألا ترى كيف بقيت ذبائح أهل الكتاب على أصل التحليل بالشرع المتقدّم ، ولم يقدح في التحليل ما أحدثوه من الكفر وعبادة الصلبان ، فكذلك كان ما ذبحه أهل الأوثان محلّلاً بالشرع المتقدّم حتّى خصّه القرآن بالتحريم ) (١) .

أقول :

وهذا الكلام في غاية السخافة والركّة ، فإنّ مناط الإشكال ليس على مجرّد أكل ذبيحة الأصنام ، بل إنّ تجويز أكلها ودعوة الغير إلى ذلك قبيحٌ جدّاً ، فحصر الإشكال في الأكل دليلٌ على عدم التدبّر وقلّة التأمّل ، وكيف يُصدّق العاقل الديّن أنْ لا يتنزّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عمّا تنزّه منه زيد ، وهو المعصوم بالعصمة الإلهيّة ـ بالإجماع القطعي ـ وأعقل الناس طُرّاً بلا خلاف :

قال القاضي عياض : ( وأمّا وفور عقله ، وذكاء لبّه ، وقوّة حواسّه ، وفصاحة لسانه ، واعتدال حركاته ، وحسن شمائله ، فلا مِرية أنّه كان أعقل الناس وأذكاهم ، ومَن تأمّل تدبيره أمر بواطن الخلْق وظواهرهم وسياسة العامّة والخاصّة ، مع عجيب شمائله وبديع سيره ـ فضلاً عمّا أفاضه مِن العلم وقدّره الشرع ، دون تعلّمٍ سَبَقَ ولا ممارسةٍ تقدّمت ولا مطالعة للكتب منه ـ لم يَمْتَرِ في رجحان عقله وثقوب فهمه لأوّل بديهة ، وهذا ما لا يحتاج إلى تقريرٍ لتحقّقه .

ـــــــــــــــــــ

(١) الروض الأنف ٢: ٣٦٠ ـ ٣٦٣.


وقد قال وهب بن مُنبِّه : قرأت في أحد وسبعين كتاباً ، فوجدت فيجميعها أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أرجح الناس عقلاً وأفضلهم رأياً وفي رواية أُخرى : فوجدت في جميعها أنّ الله تعالى لم يعطِ جميع الناس مِن بدء الدنيا إلى انقضائها مِن العقل في جنب عقله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إلاّ كحبّة رملٍ من رمال الدنيا ) (١) .

فأيّ عاقلٍِ يقبل كلام السهيلي في حقّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، مع هذا المقام في العصمة والعقل والسداد ؟

على أنّ أكابر القوم وأئمّتهم يصرّحون بأكل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مِن ذبيحة الأصنام بالفعل .

يقول ابن حجَر : ( وقد وقع في حديث سعيد بن زيد الذي قدّمته ، وهو عند أحمد : فكان زيد يقول : عذت بما عاذ إبراهيم ، ثمّ يخرّ ساجداً للكعبة ، قال : فمرّ بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وزيد بن حارثة وهما يأكلان من سفرةٍ لهما ، فدعياه ، قال : يا ابن أخي لا آكل ممّا ذُبح على النُصب ، قال : فما رُؤي النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يأكل ممّا ذُبح على النُصب من يومه ذلك .

وفي حديث زيد بن حارثة عند أبي يعلى والبزار وغيرهما قال : خرجت مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوماً من مكّة وهو مردفي ، فذبحنا شاةً على بعض الأنصاب ، فأنضجناها ، فلقينا زيد بن عمرو ، فذكر الحديث مطوّلاً وفيه : فقال زيد : إنّي لا آكل ممّا لم يُذكر اسم الله عليه )(٢) .

فهذا حديث أحمد وغيره مِن الأئمّة الأعلام... فأيّ فائدةٍ في كلام السهيلي ؟

ـــــــــــــــــــ

(١) الشفا بتعريف حقوق المصطفى ١ : ١٦١ ـ ١٦٢ .

(٢) فتح الباري ـ شرح صحيح البخاري ٧ : ١١٣ .


على أنّ ما ادّعاه ، مِن عدم حرمة أكل ما ذُبِح لغير الله في شريعة سيّدنا إبراهيمعليه‌السلام ، فكذِبٌ صِرف ، لكنّ القوم يرتكبونه ، حمايةً لأسلافهم وخرافاتهم !!

وقد كان مِن فضل الله أنْ ردّ الزركشي دعوى السهيلي هذه ، ونصَّ على حرمة ما ذُبِح لغير الله في الشرعيّة الإبراهيميّة ، إذ قال في( التنقيح ) بشرح الحديث مِن كتاب المناقب :

( فقدّمت له سفرة ، فأبى أنْ يأكل .

إنْ قيل : كان نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أولى بهذه الفضيلة .

قلنا : ليس في الحديث أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أكل مِن السّفرة .

وأجاب السهيلي : بأنّ زيداً إنّما قال ذلك برأيٍ منه ، لا بشرعٍ متقدّم ، وفي شرع إبراهيم تحريم الميتة لا تحريم ما ذُبِح لغير الله ، وإنّما نزل تحريم ذلك في الإسلام .

وهذا الذي قاله ضعيف ، بل كان في شريعة الخليل تحريم ما ذُبِح لغير الله ، وقد كان عدوّ الأصنام ، والله تعالى يقول :( ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً .... ) (١) )(٢) .

فالحمد لله على أنْ جرت كلمة الحقّ هذه على لسان الزركشي ، وظهر أنّ دعوى السهيلي كذِبٌ وبهتانٌ مبين ، قصد به الحماية على أسلافه الضالّين .

وجاء الخطّابي فسلك مسلكاً آخر... ذكره ابن حجَر حيث قال : ( قوله : على أنصابكم بالمهملة ، جمع نُصُب بضمّتين ، وهي أحجار

ـــــــــــــــــــ

(١) سورة النحل ١٩ : ١٢٣ .

(٢) التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح ٢ : ٧٩٧ .


كانت حول الكعبة يذبحون عليها للأصنام .

قال الخطابي: كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يأكل ممّا يذبحون عليها للأصنام ، ويأكل ما عدا ذلك ، وإنْ كانوا لا يذكرون اسم الله عليه ؛ لأنّ الشرع لم يكن نزل بعد ، بل لم ينزل الشرع بمنع أكل ما لم يذكر اسم الله عليه إلاّ بعد البعث بمدّة طويلة )(١) .

أقول :

لكنّ هذا الكلام شعري خطابي ، ولا يرفع الإشكال عن حديث البخاري ؛ لأنّه صريح في أنّ اللّحم الذي أمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم زيداً بالأكل منه كان مذبوحاً على النُصُب ، حتّى أنّ زيداً قال للنبيّ : إنّي لست آكل ممّا تذبحون على أنصابكم ومن هنا أورد الخباري ، هذا الحديث في كتاب الذبائح ، باب ما ذبح على النصب والأصنام .

وأيضاً ، فما أخرجه أحمد والبزار وأبو يعلى ، ونقله ابن حجر العسقلاني ، صريح في أنّ ذلك اللّحم كان مذبوحاً على النُصُب .

على أنّ القول بأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يأكل ممّا لم يذكر اسم الله عليه ، باطلٌ كذلك ، لما تقدَّم في كلام الزركشي مِن تحريم ما ذبح لغير الله في شريعة سيّدنا الخليلعليه‌السلام ، فكيف ينسب ذلك إلى رسول الله ؟

فظهر أنّ كلام الخطابي أيضاً ضرب في بارد الحديد ، لا ينفع أصلاً في الخلاص عن الإشكال الشديد ، وكيف يجوّز ذو عقلٍ وفهمٍ سديد أنّ البشير النذير أكل مِما ذُبِح على غير اسم الملك الحميد ؟ فالله يعصمنا بفضله مِن اتّباع الشيطان المريد .

ـــــــــــــــــــ

(١) فتح الباري ٧ : ١١٢ ـ ١١٣ .


حديث نفي توريث الأنبياء

( ومنها ) ما أخرجه البخاري ، وهذه ألفاظه في كتاب الفرائض :

( حدّثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة : إنّ أزواج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين توفّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أردْن أنْ يبعثْن عثمان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهنّ ، فقالت عائشة : أليس قد قال رسول الله :لا نورّث ، ما تركناه صدقة )(١) .

وقد بيّن علماؤنا الأعلام في كتبهم المبسوطة أنّ هذا موضوع(٢) ، وقد وضعوه لأنْ يحرموا بضعة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ممّا ترك ، فراجع كتاب ( تشييد المطاعن ) وغيره ويكفي في تكذيبه أنّ عليّاًعليه‌السلام ردّ عليه في كلامٍ له مع أبي بكر ، وأثبت مخالفته لكتاب الله :

قال ابن سعد : ( أخبرنا محمّد بن عمر ، حدّثني هشام بن سعد ، عن عبّاس بن عبد الله بن معبد ، عن أبي جعفر قال : جاءت فاطمة إلى أبي بكر تطلب ميراثها، وجاء العبّاس بن عبد المطّلب يطلب ميراثه ، وجاء معهما عليّ ، فقال أبو بكر : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لا نورّث ، ما تركنا صدقة ) ،

ـــــــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري ٨ : ٢٦٦.

(٢) بل لقد أجرى الله هذه الحقيقة على لسان أحد الأئمة الحفّاظ منهم ، وهو الحافظ ابن خراش ، المتوفّى سنة ٢٨٣ ، وقد ذكر ذلك عنه الحافظ الذهبي بترجمته من كتاب تذكرة الحفّاظ ٢ : ٦٨٤ / ٧٠٥ : ( قال ابن عدي : سمعت عبدان يقول : قلت لابن خراش : حديثُ ما تركنا صدقة ؟ قال : باطل ، اتّهم مالك بن أوس بالكذِب ) .

وكذا الحافظ ابن حجر بترجمته من لسان الميزان ٣ : ٥٠٩ : ( وقال عبدان : قلت لابن خراش : حديث : لا نورّث ما تركنا صدقة ؟ باطلٌ قلت : مَن تتّهم به ؟ قال : مالك بن أوس ) .


وما كان النبيّ يعول فعليَّ فقال عليّ : ( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ) (١) وقال زكريّا :( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) (٢) قال أبو بكر: هو هكذا، وأنت تعلم مثل ما أعلم فقال عليّ : هذا كتاب الله ينطق فسكتوا وانصرفوا )(٢) .

حديث مجادلة الإمام مع النبي في صلاة الليل

( ومنها ) ما أخرجه البخاري ، على ما في كتاب( التحفة ) للدهلوي ، حيث جاء فيه :

( روى البخاري ـ الذي هو أصحّ الكتب عند أهل السنّة بعد القرآن ـ بطرقٍ متعدّدة أنّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذهبَ إلى بيت الأمير والبتول ليلةً وأيقظهما من مضجعهما ، وأمرهما بصلاة التهجّد مؤكَّداً ، فقال الأمير : ( والله ما نصلّي إلاّ ما كتب الله علينا ، أي الصّلاة المفروضة ، وإنّما أنفسنا بيد الله ) يعني : لو وفّقنا الله لصلاة التهجّد لصلّينا فرجع النبيّ وهو يضرب على فخذيه ويقول :( ...وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً ) )(٤) .

وإنْ ذا لمن أقبح الافتراءات وأشنع الأكاذيب ، أيّاً كان واضعه وراويه ، لكنّ القوم لا يستحيون ، وبه وبمثله يحتجّون ؟

فهل يصدِّق أحدٌ إباء أمير المؤمنينعليه‌السلام عن قيام الليل ، والصلاة لله نافلةً ، مع ما هو عليه من العبادة والعبوديّة لله عزّ وجل ؟

وهل يصدَّق مجادلته مع رسول الله في دعوته إيّاه إلى القيام والصّلاة ،

ـــــــــــــــــــ

(١) سورة النمل ٢٧ : ١٦ .

(٢) سورة مريم ١٩ : ٦ .

(٣) الطبقات الكبرى ٢ : ٣١٥ .

(٤) مختصر التحفة الاثني عشريّة : ٢٨١ ، وانظر التحفة الاثني عشريّة : ٢٨٦ .


مع ما كان عليه مِن كثرة إطاعته له في كلّ شيء ؟

وهل يصدَّق أنْ يستدلّ أمام النبيّ كاستدلال أهل الجبر ؟

إنْ هذا إلاّ مِن وضْع النواصب المبغضين للنبيّ والوصيّ ، ولا يصدِّق به إلاّ مَن كان على شاكلتهم!!

إنّك لن تجد أحداً من آحاد المؤمنين يُؤمر بالصلاة فيأبى بهذه الشدّة ويقول : ( والله لا نصلّي إلاّ ما كتب الله لنا ) ، لا سيّما والآمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ لأنّ مثل هذا الكلام معه ـ وفي قِبال دعوته إلى الصلاة والعبادة ـ استخفاف به وبأمره ، وهذا ما لا يصدره مِن أحدٍ من سائر المؤمنين ، فكيف بمولانا عليّعليه‌السلام ، الممتثل لأوامر رسول الله ، والتابع له في كلّ شيء ، والذي كان أعبد الناس بعده؟

يقول ابن أبي الحديد المعتزلي الحنفي عن عبادتهعليه‌السلام :

( وأمّا العبادة ، فكان أعبد الناس وأكثرهم صلاةً وصوماً ، ومنه تعلّم الناس صلاة الليل وملازمة الأوراد وقيام النافلة ، وما ظنّك برجلٍ يبلغ مِن محافظته على وِرده أنْ يُبسط له نطع بين الصفّين ليلة الهرير ، فيصلّي عليه ورده والسهام تقع بين يديه ، وتمرّ على صماخَيه يميناً وشمالاً فلا يرتاع لذلك ، ولا يقوم حتّى يفرغ من وظيفته ، وما ظنّك برجلٍ كانت جبهته كثفنة البعير لطول سجوده !

وأنت إذا تأمّلت دعواته ومناجاته ، ووقفت على ما فيها من تعظيم الله سبحانه وإجلاله ، وما يتضمّنه من الخضوع لهيبته ، والخشوع لعزّته والاستحذاء له ، عرفت ما ينطوي عليه من الإخلاص ، وفهمت من أيّ قلبٍ خرجت ، وعلى أيّ لسانٍ جرت .


وقيل لعليّ بن الحسينعليه‌السلام ـ وكان الغاية في العبادة ـ : أين عبادتك من عبادة جدّك ؟ قال : عبادتي عند عبادة جدّي كعبادة جدّي عن عبادة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١) .

ويقول الشيخ محمّد بن طلحة الشافعي :

( الفصل السابع : في عبادته وزهده وورعه : أمّا عبادتهعليه‌السلام ، فاعلم سلَك الله بنا وبك سبيل السعادة : أنّ حقيقة العبادة هي الطاعة ؛ فكلّ مَن أطاع الله تعالى ، وقام بامتثال الأوامر واجتناب المناهي فهو عبّاد ، ولمّا كانت متعلّقات الأوامر الصادرة من الله تعالى على لسان نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كانت العبادة بحسب ذلك متنوّعة ، فمنها الصلاة ومنها الصدقة ومنها الصيام إلى غيرها من الأنواع ، وكلّ ذلك كانعليه‌السلام قائماً فيه ، مُقبلاً عليه مسارعاً إليه متحلّياً به ، حتّى أدرك بمسارعته إلى طاعة الله ورسوله ما فات غيره ، فإنّه مع بين الصلاة والصدقة ، فتصدّق وهو راكع في صلاته ، فجمع بينهما في وقت واحد ، حتّى أنزل الله تعالى فيه قرآناً يتلى إلى يوم القيامة ) .

وقال بعد ذكر قصّة الصدقة ونزول الآية( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ... ) في أنهعليه‌السلام ، وذكر تفرّدهعليه‌السلام بالعمل بآية النجوى ، ونزول( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ.... ) في حقّه :

( اعلم أنّ أنواع العبادة كثيرة ، وكان عليّعليه‌السلام جامعاً لجميعها ، فإنّ مَن تيقّن حقيقة الآخرة بأحوالها وتحقّق شدائد أهوالها ، وأنّ كلّ نفس عند مردّها ومآلها تلزم بواب سؤالها ، وتجثو بين يدي خالقها لجدالها ، وتجازى على ما أسلفته من أعمالها ، إمّا بنعيمها وإمّا بنكالها ، خليقٌ أنْ يكون عن ساق

ـــــــــــــــــــ

(١) شرح نهج البلاغة ١ / ٢٧ .


جدّه في عبادته مشمّراً ، وأنْ يجعل وقته على اكتساب طاعات ربّه متوفّراً ، فإنّه لا يقر في العبادة إلاّ من فقد اليقين ولم يكن من المتّقين، وقد كان عليّ منطوياً على يقين لا غاية لمداه ولا نهاية لمنتهاه ، وقد صرّح بذلك تصريحاً مبيّناً فقال : لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً ، فكانت عبادته إلى الغية القصوى تبعاً ليقينه ، وطاعته في الذروة العليا لمتانة دينه ) .

وقال أيضاً بعد ذكر طائفة من الروايات الأخبار :

( فهذهِ الوقائع والقضايا المفصّلة ـ التي أسفَر له فجر نهارها وأبدر لديه قمر شعارها ، وظهر عليه سرُّ آثارها وانتشر عنه خبر أسارها ـ شاهدةٌ له أنّه في العبادة ابن جلاها وفارع ذروة عُلاها ، وضارب في أعشارها بمعلاها ، وراكب مِن مطيّتها غارب مطاها ، قد صدعت منطوقها ومفهومها ، بأنّه قد حوى مقامات العابدين حتّى حلّ مقام الإمامة ، واتّصف بسِمات الزاهدين ، فبيده زمام الزعامة ، فتحلّى بالأمانة والعبادة والمحبّة والزهد والورع والمعرفة والتوكّل والخوف والرجاء والصبر والشكر والرضا والخشية .

فهو ذو إخباتٍ وتفكّر ، ونُسكٍ وتدبّر ، وتهجّدٍ وتذكّر ، وتأوّهٍ وتحسّر ، وأذكارٍ وأوراد وإصدارٍ وإيراد ، فكابد من أنواع العبادات ووظائف الطّاعات ما لا يكاد الأقوياء ينهضون بحمل أعبائه ، إلى أنْ نزل القرآن الكريم بمدحته ، وأسفَر بالثناء عليه من التنزيل وجه صحّته ، حتّى نقل الواحديرضي‌الله‌عنه في تفسره ، يرفعه بسنده إلى ابن عبّاسرضي‌الله‌عنه قال : إنّ عليّ ابن أبي طالب تملّك أربعة دراهم ، فتصدّق بدرهمٍ ليلاً ، وبدرهمٍ نهاراً، وبدرهمٍ سرّاً ، وبدرهمٍ علانيةً ، فنزلت فيه قوله تعالى :( الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) ومن تأمّل ما قصَصْناه مِن الوقائع والقضايا ، وتدبّر ألفاظها ومعانيها ، وجَدها صادعة بالشهادة له بهذهِ المقدّمات ، جامعة فيه ما فصّله القلم من الصفات ، وكفاه شرفاً إنزال الله عزّ وجلّ مدحه في السوَر والآيات ، وإنّها تُتلى بألسنة الأُمّة إلى يوم القيامة في وظائف الصلاة .


هذه المزايا بعض ما جلى بها

وجنى مِن الخيرات والبركات

وله وظائفٌ طاعةُ أورادها

معمورةُ الآناء والأوقاتِ

بعبادةٍ وزهادةٍ وتورّعٍ

وتخشّعٍ وتدرّعِ الإخباتِ

وتقلقلٍ وتوكّلٍ وتفكّرٍ

وتدبّرٍ وتذكّرٍ المثلاتِ

وإذا الظلام سجى يُناجي ربّه

مُتضرّعاً بالذكرِ والدعواتِ

يعنو له بخضوعِ قلبٍ خاشعٍ

وهموعِ طرفٍ مُسبل العبراتِ

عِلمٌ علَت درجاتُه وفضائلٌ

شرُفت معارجها على الشُرُفاتِ

ومناقبٌ نطقت بها آيُ الكتابِ

وحسبُها إنْ جاءَ شاهدُها مِن الآياتِ(١)

قال : ( ونُقل أنّ معاوية قال بعد موت عليّ لضِرار بن صرد : صِف لي عليّاً فقال : أوَ تعفني ؟ قال : بل صِفه .

ـــــــــــــــــــ

(١) مطالب السؤول : ١٣٧ .


قال : أوَ تعفني ؟ قال : لا أعفيك قال : أمّا إذا لا بدّ فأقول ما أعلمه منه :

كان ـ والله ـ بعيد المدى ، شديد القِوى ، يقول فصلاً ، ويحكُم عدْلاً ، يتفجّر العِلم من جوانبه ، وتنطُق الحكمة مِن نواحيه ، يستوحِش مِن الدنيا وزهرتها ، ويَستأنِس بالليل وظلمته ، كان ـ والله ـ غزير الدمعة ، طويل الفكرة ، يقلّب كفّيه ، ويُخاطب نفسه ، يعجبه من اللّباس ما خشِن ، ومِن الطعام ما جَشب ، كان ـ والله كأحدِنا ، يُجيبنا إذا سألناه ، ويبتدينا إذا أتيناه ، ويأتينا إذا دعوناه ، ونحن والله مع تقريبه لنا وقربه منّا ، لا نكلّمه هيبةً ولا نبتديه عظمةً ، إنْ تبسّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم ، يُعظِّم أهل الدين ، ويحبّ المساكين ، لا يطمع القويّ في باطله ، ولا ييأس الضعيفُ من عدله ، فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه ، وقد أرخى الليل سجوفه وغارت نجومه ، وقد مثُل في محرابه قابضاً على لحيته ، يتَمَلْمَل تَمَلْمُل السليم ويبكي بكاء الحزين ، وكأنّي أسمعه ويقول : يا دنيا يا دنيا ، أبِي تعرّضت أم إليّ تشوّقت ! هيهات هيهات ، غرّي غيري ، قد بتتّك ثلاثاً لا رجعة لي فيك ، فعمرُك قصير وعيشُك حقير وخطَرُك كثير ، آهٍ من قلّة الزاد وبُعد السفر ووحشة الطريق قال :

فذُرفت دموع معاوية على لحْيَته ، فلم يملكها وهو ينشفها بكُمّه ، وقد أخفق القوم بالبكاء .

فقال معاوية : رحم الله أبا الحسن ، كان ـ والله ـ كذلك فكيف حزنك عليه يا ضرار ؟

قال : حزنُ مَن ذُبِح ولدُها في حِجرها ، فلا ترقَ عبرتُها ولا يسكن حزنُها )(١) .

وعلى الجملة ، فلا يُمكن وصف زهد الإمام في دار الدنيا ، وعبادته لله تبارك وتعالى ، ولا يُمكن لأحدٍ إنكار ذلك ، بل حتّى أعداؤه يعترفون ، وليت أتباع معاوية اعترفوا كما اعترف ، ولم يوافقوا على الحديث الموضوع المختلق !

وأمّا ما في الحديث ، مِن نسبة التمسّك بشبه الجبريّة إلى الإمامعليه‌السلام ، فإنّها أقبح وأشنع مِن نسبة الإباء عن الصّلاة عليه ؛ لأنّ التمسّك بالقدر

ـــــــــــــــــــ

(١) مطالب السؤول : ١٣١ ـ ١٣٢ .


عند مُثبتيه في غاية الشناعة ، ونسبة ذلك إلى أمير المؤمنين كُفرٌ وضَلال... وإليك جملة مِن عبارات ابن تيميّة في بطلان الاحتجاج بالقدر :

( الاحتجاج بالقدر حجّةٌ باطلةٌ داحضة باتّفاق كلّ ذي عقلٍ ودين مِن جميع العالمين ، والمُحتج به لا يقبل مِن غيره مثل هذه الحجّة ، إذا احتجّ بها في ظلمٍ أتاه وترَك ما يجب عليه مِن حقوقه ، بل يطلب منه ما لهُ عليه ويُعاقبه على عداوتِه ، وإنّما هي من جنس شبه السوفسطائيّة التي تعرض في العلوم ، فكما أنّك تعلم فسادها بالضرورة وإنْ كانت تعرض لكثير من الناس ، حتّى قد يشكّ في وجود نفسه وغير ذلك من المعارف الضروريّة ، فكذلك هذا يعرض في الأعمال حتّى يظنّ أنّها شبهةٌ في إسقاط الصدق والعدل الواجب وغير ذلك ، وإباحة الكذِب والظلم وغير ذلك .

ولكن تعلم القلوب بالضرورة أنّ هذه شبهةٌ باطلة ، وهذه لا يقبلها أحدٌ عن التحقيق ، ولا يحتجّ بها أحدٌ إلاّ مع عدم علمه بالحجّة بما فعله ، فإذا كان مع علمه بأنّ فعله هو المصلحة وهو المأمور ، وهو بالذي ينبغي فعله ، لم يحتجّ بالقدر ، وكذلك إذا كان معه علمٌ بأنّ الذي لم يفعله ليس عليه أنْ يفعله ، أو ليس بمصلحة ، أو ليس هو مأموراً به ، لم يحتجّ بالقدر ، بل إذا كان متّبعا لهواه بغير علم احتجّ بالقدر ، ولهذا لمّا قال المشركون :( ..لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ... ) قال الله تعالى :( هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ* قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ) .

فإنّ هؤلاء المشركين يعلمون بفطرتهم وعقولهم ـ أنّ هذه الحجّةَ داحضةٌ وباطلة ، فإنّ أحدهم لو ظلم الآخر في ماله ، أو فرج امرأته ، أو قتل ولَده ، أو كان مُصرّاً على الظلم ، فنهاه الناس عن ذلك فقال : لو شاء الله لم أفعل هذا ،لم يقبلوا هذه الحجّة ، وهو لا يقبلها مِن غيره ، وإنّما يحتجّ بها المُحتج دفعاً للّوم بلا وجه ، فقال الله لهم : ( هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ) بأنّ هذا السؤال مِن أمرِ الله ، وأنّه مصلحةٌ ينبغي أنْ يفعل ( إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ ) تحرزون وتفترون .


فعمدتكم في نفس الأمر طلبكم وحرصكم ، ليس عمدتكم في نفس الأمر كون الله شاء ذلك وقدّره ، فإنّ مردّ المشيّة والقدرة لا تكون عُُمدةً لأحدٍ في الفعل ، ولا حجّةً لأحدٍ على أحد ، ولا عُذراً لأحد ، والناس كلّهم مشتركون في القدر ، فلو كان هذا حجةً وعمدة ، لم يحصل فرقٌ بين العادل والعالم ، والصادق والكاذب ، والعالم والجاهل ، والبرّ والفاجر ، فلم يكن فرق بين ما يُصلِح الناس من الأعمال وما يُفسدهم ، وما ينفعهم وما يضرّهم .

وهؤلاء المشركون المحتجّون بالقدر على ترك ما أرسل الله به رُسَله مِن توحيده والإيمان به ، لو احتجّ بعضهم على بعض في سقوط حقوقه ومخالفة أمره لم يقبله منه ، بل كان هؤلاء المشركون يذمّ بعضهم بعضاً على فعل ما يرَونه تركاً لحقّه أو ظلماً ، فلمّا جاءهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يدعوهم إلى حقّ الله على عباده وطاعة أمره احتجّوا بالقدر ، فصاروا يحتجّون بالقدر على ترك حقّ ربّهم ، ومخالفة أمره بما لا يقبلونه ممّن ترك حقَّهم وخالف أمرَهم )(١) .

وله كلامٌ آخرٌ طويلٌ في تقبيح الاحتجاج بالقدر وإبطاله ، ثمّ إنّه في آخر الكلام ، ـ لنصبه وعداوته لأمير المؤمنينعليه‌السلام ـ يَنْسِب القدر إليه ، ويتعرّض للخبر الموضوع عليه ، وهذه عبارته :

ـــــــــــــــــــ

(١) منهاج السنّة ٢ : ٣ ـ ٥ .


 ( ثمّ نعلم إنّ هذه الحجّة باطلة بصريح العقل عند كلّ أحد مع الإيمان بالقدر ، وبطلان هذه الحجّة لا يقتضي التكذيب بالقدر ، وذلك أنّ بني آدم مفطورون على احتياجهم إلى جلب المنفعة ودفع المضرّة ، ولا يعيشون ولا يصلح لهم دنيا ولا دين إلاّ بذلك ، فلا بدّ أنْ يأتمروا بما فيه تحيل منافعهم ودفع مضارّهم ، سَواء بُعِث إليهم رسول أم لم يَبعث ، لكن علمهم بالمنافع والمضار بحسب عقولهم وقصودهم ، والرسُل صلوات الله عليهم بُعثوا بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها ، فأتباع الرسُل أكمل الناس في ذلك ، والمكذّبون للرُسُل انعكس الأمر في حقّهم ، فصاروا يتّبعون المفاسد ويعطّلون المصالح ، فهم شرّ الناس ، ولا بدّ لهم مع ذلك مِن أُمورٍ يجتلبونها وأُمورٍ يجتنبونها ، وأنْ يدافعوا جميعاً ما يضرّهم مِن الظلم والفواحش ونحو ذلك .

فلو ظلم بعضُهم بعضاً في دمه وماله وحرمته ، فطلب المظلوم الاقتصاص والعقوبة ، لم يقبل أحدٌ مِن ذوي العقول احتجاجه بالقدر ، ولو قال : اعذروني فإنّ هذا كان مقدّراً عليّ ، لقالوا : وأنت لو فُعِل بك ذلك فاحتجّ عليك ظالمك بالقدر لم تقبل منه ، وقبول هذه الحجّة تُوجب الفساد الذي لا صلاح معه ، وإنْ كان الاحتجاج بالقدر مردوداً في فطر جميع الناس وعقولهم ، مع أنّ جماهير الناس مقرّون بالقدر ، فعُلِم أنّ الإقرار بالقدر لا يُنافي دفع الاحتجاج به ، بل لا بدّ مِن الإيمان به ولا بدّ من ردّ الاحتجاج به .

ولمّا كان الجدل ينقسم إلى حقٍّ وباطل ، وكان مِن لغة العرب أنّ الجنس إذا انقسم إلى نوعين أحدهما أشرف مِن الآخر ، خصّوا الأشرف باسم الخاص وعبّروا عن الآخر باسم العام ، كما في لفظ الجائز العام والخاص والمباح العام والخاص ، وذوي الأرحام العام والخاص ، ولفظ الجواز العام والخاص ، ويطلقون لفظ الحيوان على غير الناطق ، لاختصاص الناطق باسم الإنسان ، غلوا في لفظ الكلام والجدل ، فلذلك يقولون فلان صاحب كلام ومتكلّم إذا كان يتكلّم بلا علم ، ولهذا ذمّ السلف أهل الكلام والكلام ، وكذلك الجدل إذا لم يكن الكلام بحجّة صحيحة لم يكن إلاّ جدلاً محضاً .


والاحتجاج بالقدر من هذا الباب ، كما في الصحيح : عن عليّرضي‌الله‌عنه قال :( طرقني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفاطمة فقال : ألا تقومان تصلّيان ؟ فقلت : يا رسول الله ، إنّما أنفسنا بيد الله ، إنْ شاء أنْ يبعثنا بعثنا قال :فولّى وهو يقول : ( ...وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً ) ) ، فإنّه لمّا أمرهم بقيام اللّيل فاعتلّ عليّ بالقدر وأنّه لو شاء الله لأيقظنا ، عَلِم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّ هذا ليس فيه إلاّ مجرّد الجدل الذي ليس بحقّ ، فقال :( وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً ) (١) .

وإذا كان التمسّك والاحتجاج بالقدر بهذه المثابة مِن القبح ، فإنّ نسبة ذلك إلى الإمام عليه الصلاة والسلام ، لا يكون إلاّ عن النصب والعناد له ، ولا يصدّق به أحدٌ من ذَوي الفهم والعقل ، فضلا عن أهل الإيمان والإيقان .

بل لقد ذكر ابن تيميّة في موضع آخر مِن كتابه ، أنّ مَن يحتجُّ بالقدر فهو شرٌّ من اليهود والنصارى... إلى غير ذلك ، وهذا نصّ كلامه .

( وهذا السؤال ـ أعني لزوم إفحام الأنبياء في جواب الكفّار ـ إنّما يتوجّه على من يسوّغ الاحتجاج بالقدر ، ويقيم عذر نفسه أو غيره إذا عصى بأنّ هذا مقدّر ، على أنّ شهود الحقيقة الكونيّة ـ وهؤلاء كثيرون في الناس ، وفيهم مَن يدّعي أنّه مِن الخاصّة العارفين أهلَ التوحيد ، الذين فَنوا في توحيد الربوبيّة ـ يقولون : إنّ العارف إذا فنى في شهود توحيد الربوبيّة لم يستحسن حسنه ولم يستقبح قبحه ، وهذا الضرب كثيرٌ في متأخّري الشيوخ النسّاك والصوفيّة والفقراء ، بل في الفقهاء والأُمراء والعامّة ، ولا ريب أنّ هؤلاء شرٌّ مِن الشيعة والمعتزلة الذين يقرّون بالأمر والنهي وينكرون القدر .

وبمثل هؤلاء طال لسان المعتزلة والشيعة في المنتسبين إلى السنّة ، فإنّ مَن أقرّ بالأمر والنهي والوعد والوعيد وفعل الواجبات وترَك المحرّمات ، ولم يقُل أنّ الله خلَق أفعال العباد ، ولا يقدر على ذلك ولا شاء المعاصي ، هو قد قصد تعظيم الأمر وتنزيه الله تعالى عن الظلم وإقامة حجّة الله على نفسه ، لكن ضاق عَطْنه فلم يخيّل الجمع بين قدرة الله التامّة ، وبين المشيّة العامّة وخلقه الشامل ، بين عدله وحكمته وأمره ونهيه ووعده ووعيده ، فجعل لله الحمد ولم يجعل له تمام الملك .

ـــــــــــــــــــ

(١) منهاج السنّة ٢ : ١٣ ـ ١٥ .


والذين أثبتوا قدرته ومشيّته وخلقه ، وعارضوا بذلك يجعل له تمام الملك ، والذين أثبتوا قدرته ومشيّته وخلقه ، وعارضوا بذلك أمره ونهيه ووعده ووعيده شرّ من اليهود والنصارى ، كما قال هذا المصنّف ، فإنّ قولهم يقتضي إفحام الرُسُل ، ونحن إنّما نرد من أقوال هذا وغيره ما كان باطلاً ، وأمّا الحقّ فعلينا أنْ نقبله من كلّ قائل ، وليس لأحدٍ أن يرد بدعة ببدعة ولا يقابل باطلاً بدعة ، وإنْ كان أولئك يشبهون المجوس ، فهؤلاء يشبهون المشركين المكذّبين للرسل الذين قالوا( لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ ) وقد كان في أواخر عصر الصحابة رضي الله تعال عنهم جماعة من هؤلاء القدريّة ، وأمّا المحتجّون بالقدر على الأمر ، فلا يعرف لهم طائفة من طوائف المسلمين معروفة ، وإنّما كثروا في المتأخّرين )(١) .

حديث خطبة بنت أبي جهل

( ومنها ) ما أخرجه البخاري : من أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام خطب بنت أبي جهل على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وفي حياة الصدّيقة الطاهرة... في قضيّة موضوعة مكذوبّةٍ... قال :

( حدّثنا أبو اليمان ، أنا شعيب ، عن الزهري ، ثني عليّ بن حسين : أنّ المِسْوَر بن مخرمة قال : إنّ عليّاً خطب بنت أبي جهل ، فسمعَت بذلك فاطمة ، فأتت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالت :( يزعم قومك أنّك لا تغضب لبناتك ، وهذا عليٌّ ناكحٌ بنت أبي جهل ) فقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فسمعته حين تشهد يقول :( أمّا بعد ، فإنّي أنكحت أبا العاص ابن الربيع فحدّثني وصدقني ، وإنّ فاطمة بضعةٌ منّي ، وإنّي أكره أنْ يسوءها ، والله لا يجتمع بنت رسول الله وبنت عدوّ الله عند رجل ) . فترك عليُّ الخطبة )(٢) .

فإنّ هذا الحديث فيه ذمٌّ ومنقصة ، ولا يصدِّق به مؤمنٌ أبداً ، وكيف يُمكن صدوره مِن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد كان يعلن منذ بدء الإسلام إلى ساعة وفاته عن فضائل أمير المؤمنين ومناقبه ويشيعها بين الناس ؟

ـــــــــــــــــــ

(١) منهاج السنّة ٢ : ١١ ـ ١٢ .

(٢) صحيح البخاري ٥ : ٩٥ و ٤ : ١٨٥ .


وقد اعترف بعض أئمّة القوم بدلالته على الذمّ ، فهذا ابن حجَر يقول بشرحه : ( ولا أزال أتعجّب مِن المِسْوَر كيف بالغ في [تغضيبه] لعليّ بنالحسين ، حتّى قال إنّه أودع عنده السيف ، لا يُمكّن أحداً منه حتّى تزهق روحه ، رعايةً لكونه ابن فاطمة ، ولم يراع خاطره في أنّ ظاهر سياق الحديث غضاضةٌ على عليّ بن الحسين ، لما فيه مِن إيهام غضّ مِن جدّه عليّ بن أبي طالب ، حيث أقدم عل خطبة بنت أبي جهل على فاطمة ، حتّى اقتضى من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ذلك من الإنكار ما وقع ) (١) .

وقد ذكر الدهلوي صاحب( التحفة ) خبر الكلام الذي دار بين أبي حنيفة والأعمش حول هذا الحديث ، وقول أبي حنيفة للأعمش بأنّ نقل هذا الحديث مِن سوء الأدب(٢) .

فكيف يُصدّق بأنّ الإمام السجّادعليه‌السلام قد روى هذا الحديث وسكت عليه ؟(٣)

حديث شأن نزول :( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ... )

( ومنها ) ما أخرجه البخاري : مِن قصّة أصحاب النبيّ مع أصحاب عبد الله ابن أُبيّ ، الذي كان رئيس المنافقين بعد تظاهره بالإسلام ، ونزول الآية( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا... ) في القصّة ، وهذه ألفاظه في كتاب الصلح :

( حدّثنا مسدّد ، ثنا معتمر قال : سمعت أُبيّ أنّ أنَسَاً قال : قيل للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لو أتيت عبد الله بن أُبيّ ، فانطلق إليه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وركب حماراً ، فانطلق المسلمون يمشون معه ، وهي أرض سبخة ، فلمّا أتاه

ـــــــــــــــــــ

(١) فتح الباري ٧ : ٦٩ ، ٦ : ١٦٢ ، ٩ : ٢٦٨ ـ ٢٦٩ .

(٢) التحفة الاثني عشريّة : ٣٥٥ .

(٣) وفي هذا الموضوع رسالة مطبوعة ضمن ( الرسائل العشر في الأحاديث الموضوعة ) تأليف السيّد علي الحسيني الميلاني ، فليرجع إلهيا مَن شاء التفصيل .


النبيّ قال : إليك عنّي ، والله لقد آذاني نتن حمارك ، فقال رجلٌ من الأنصار منهم : والله لحمار رسول الله أطيب ريحاً منك ، فغضب لعبد الله رجلٌ مِن قومه ، فشتما ، فغضب لكلّ واحدٍ منهما أصحابُه ، فكان بينهما ضربٌ بالجريد والأيدي والنعال ، فبلغنا أنّها نزلت( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا..... ) (١) .

فإنّ القول بنزول الآية المباركة في هذه القضيّة كذِبٌ قطعاً ؛ لأنّ هذه القضيّة قد وقعت قبل الإسلام الظاهري للرجل ، ولو كانت بعده فلا ريب في كفره وضلاله وكذا أصحابه ، لقوله لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( إليك عنّي ، والله لقد آذاني نتن حمارك ) فكيف يسمّيه الله وأصحابه بـ ( المؤمنين ) ؟

ومن هنا قال ابن بطال : ( يستحيل نزولها في قصّة... ) كما قال الزركشي في( التنقيح ) في شرحه :

( فبلغنا أنّها نزلت( وَإِنْ طَائِفَتَانِ.. ) قال ابن بطّال : يستحيل نزولها في قصّة عبد الله بن أُبيّ وأصحابه ؛ لأنّ أصحاب عبد الله ليسوا بمؤمنين ، وقد تعصّبوا له بعد الإسلام في قصّة الإفك ، وقد رواه البخاري في كتاب الاستيذان عن أُسامة بن زيد رضي الله عنهما : إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرّ في مجلسٍ فيه أخلاط مِن المشركين والمسلمين وعَبَدَة الأوثان واليهود ، وفيهم عبد الله بن أُبي ، فذكر الحديث ، فدلّ على أنّ الآية لم تنزل فيه ، وإنّما نزلت في قومٍ من الأوس والخزرج ، اختلفوا في حقٍّ ، فاقتتلوا بالعصيّ والنعال )(٢) .

ومن الطرائف محاولة ابن حجر الردّ على كلام ابن بطّال بقوله :

ـــــــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري ٤ : ١٩ .

(٢) التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح ٢ : ٥٩٦ .


 ( وقد استشكل ابن بطّال نزول الآية المذكورة وهي قوله تعالى :( وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا... ) (١) في هذه القصّة، لأنّ المخاصمة وقعت بين من كان مع النبيّ من الصحابة وبين عبد الله بن أُبي ، وكانوا إذ ذاك كفّاراً ، فكيف ينزل فيهم( وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ... ) ولا سيّما إن كانت قصّة أنْ وأُسامة متّحدة ، فإنّ في رواية أُسامة : فاستبَّ المسلمون والمشركون .

قلت: يمكن أن يحمل على التغليب، مع أنّ فيها إشكالاً من جهة أُخرى ، وهي : إنّ حديث أُسامة صريح في أنّ ذلك كان قبل وقعة بدر وقبل أنْ يسلم عبد الله بن أُبي وأصحابه، والآية المذكورة في الحجرات ونزولها متأخّر جدّاً وقت مجيء الوفود، لكنّه يحتمل أنْ يكون آية الإصلاح نزلت قديماً، فيندفع الإشكال )(٢) .

أقول :

إنّ الحمل على التغليب بلا دليل من الكتاب أو السنّة غير مقبول ، ولعلّه ملتفت إلى ضعفه فقال : ( يمكن...) .

خبر عدم تفضيل الإمام على الصّحابة بعد الخلفاء

( ومنها ) ما أخره البخاري في مناقب عثمان :

( عن ابن عمر قال : كنّا في زمن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا نعدل بأبي بكر أحداً ، ثمّ عمر ، ثمّ عثمان ، ثمّ نترك أصحاب النبيّ لا نفاضل بينهم )(٣) .

ـــــــــــــــــــ

(١) سورة الحجرات ٤٩ : ٩ .

(٢) فتح الباري في شرح صحيح البخاري ٥ : ٢٢٨

(٣) صحيح البخاري ٥ : ٨٢ .


لكنّ الأدلّة القاطعة والبراهين الساطعة على أفضليّة أمير المؤمنينعليه‌السلام مِن الشيخين ـ فضلاً عن الثالث ـ كثيرةٌ جدّاً ، غير أنّ واضع هذه الفِرية لم تسمح له نفسه الدنيّة لأنْ يقول بأفضليّته عمّن سوى الثلاثة ، فزعم المساواة بينه وبين معاوية وعمرو بن العاص وأمثالهما... والعياذ بالله .

وما أكثر الأحاديث والأخبار في بطلان هذه الفِرية وسقوطها ، حتّى مِن طُرق أهل السنّة وأسانيدهم... ومن هنا ، فقد بالغ ابن عبد البرّ في ردّ الخبر ، ونقل كلام ابن معين في إبطاله ، فقال ما نصّه :

( أخبرنا محمّد بن زكريّا ويحيى بن عبد الرحمان وعبد الرحمان بن يحيى قالوا : حدّثنا أحمد بن سعي بن حزم ، ثنا أحمد بن خالد ، ثنا مروان بن عبد الملك قال : سمعت هارون بن إسحاق يقول : سمعت يحيى بن معين يقول : مَن قال : أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ ، وعرف لعليّ سابقته وفضله ، فهو صاحب سنّة فذكر له هؤلاء الذين يقولون : أبو بكر وعمر وعثمان ثمّ يسكتون ، فتكلَّم فيهم بكلامٍ غليظ. وكان يحيى بن معين يقول: أبو بكر وعمرو وعلي وعثمان.

قال أبو عمرو : من قال بحديث ابن عمر : كنّا نقول على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أبو بكر ثم عمر ثمّ عثمان ثمّ نسكت ، يعني لا نفاضل ، وهو الذي أنكر ابن معين وتكلّم فيه بكلامٍ غليظ ؛ لأنّ القائل بذلك قد قال بخلاف ما اجتمع عليه أهل السنّة من السلف والخلف من أهل الفقه والأثر : إنّ عليّاً أفضل الناس بعد عثمان ، هذا ممّا لم يختلفوا فيه ، وإنّما اختلفوا أيّهما أفضل عليّ أو عثمان ، واختلف السّلف أيضاً في تفضيل علي وأبي بكر .

وفي إجماع الجميع الذي وصفنا دليل على أنّ حديث ابن عمر وهمغليظ، وأنّه لا يصحّ معناه وإنْ كان إسناده صحيحاً ، ويلزم مَن قال به أنْ يقول بحديث جابر وأبي


سعيد: كنّا نبيع أُمّهات الأولاد على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهم لا يقولون بذلك فقد ناقضوا ، وبالله التوفيق ) (١) .

حديث أخذ الأجر على كتاب الله

( ومنها ) ما أخرجه البخاري في كتاب الطب :

( حدّثنا سيدان بن مضارب أبو محمّد الباهلي قال : حدّثنا أبو معشر يوسف بن يزيد البراء قال : حدّثني عبيد الله بن الأخنس أبو مالك ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عبّاس : إنّ نفراً مِن أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرّوا بماءٍ فيهم لديغ أو سليم ، فعرض لهم رجلٌ من أهل السماء فقال : هل فيكم مِن راق ؟ إنّ في الماء رجلاً لديغاً أو سليماً ، فانطلق رجلٌ منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء ، فبَرأ ، فجاء بالشاء إلى أصحابه ، فكرهوا ذلك قالوا : أخذت على كتاب الله أجراً ، حتّى قدموا المدينة فقالوا : يا رسول الله ، أخذ على كتاب الله أجراً ! فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

( إنّ أحقّ ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله ) (٢) .

وهذا الحديث أورده أبو الفرج ابن الجوزي برواية عائشة في كتاب( الموضوعات ) (٣) .

ـــــــــــــــــــ

(١) الاستيعاب في معرفة الأصحاب ٣ : ١١١٦ .

(٢) صحيح البخاري ٧ : ٢٤١ .

(٣) كتاب الموضوعات ١ : ٢٢٩ .


حديث أسباط في الاستسقاء

( ومنها ) ما أخره ـ بعد رواية ابن مسعود ـ في استسقاء الكفّار : عن مسروق قال :

( أتيت ابن مسعود فقال : إنّ قريشاً أبطؤوا عن الإسلام ، فدعا عليم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأخذتهم سنة حتّى هلكوا فيا ، وأكلوا الميتة والع ؟ ام ، فجاء أبو سفيان فقال : يا محمد ، جئت تأمر بصلة الرحم ، وإنّ قومك قد هلكوا ، فادع الله ، فقرأ :( فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ ) الآية ثمّ عاوا إلى كفرهم ، فذلك قوله تعالى :( يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى ) يوم بدر ـ :

وزاد أسباط عن منصور : فدعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فسقوا الغيث ، فأطبقت عليهم سبعاً ، وشكا الناس كثرة المطر فقال :

( اللّهمّ حوالينا ولا علنيا ) ، فانحدرت السحابة عن رأسه ، فسقوا الناس حولهم )(١) .

وقد تكلّم الأئمّة في هذه الزيادة :

قال العيني : ( واعترض على البخاري بزيادة أسباط هذا .

فقال الداودي : أدخل قصّة المدينة في قصّة قريش وهو غلط .

وقال أبو عبد الملك : الذي زاده أسباط وهمٌ واختلاط ؛ لأنّه ركّب سند عبد الله بن مسعود على متن حديث أنَس بن مالك ، وهو قوله : فدعا رسول الله فسقوا الغيث إلى آخره .

وكذا قال الحافظ شرف الدين الدمياطي وقال : حديث عبد الله بن مسعود كان بمكّة ، وليس فيه هذا .

ـــــــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري ٢ : ٧٤ ـ ٧٥ .


العجب من البخاري كيف أورد هذا وكان مخالفاً لما رواه الثقات ؟

وقد ساعد بعضهم البخاري بقوله : لا مانع أنْ يقع ذلك مرّتين .

وفيه نظر لا يخفى .

وقال الكرماني : فإنْ قلت : قصّة قريش والتماس أبي سفيان كانت في مكّة لا في المدينة قلت : القصة مكيّة ، إلاّ القدر الذي زاد أسباط ، فإنّه وقع في المدينة )(١) .

حديث تكثر لكم الأحاديث من بعدي

( ومنها ) حديث نصّ التفتازاني على إيراد البخاري إيّاه في صحيحه ، وقد طعن فيه المحدّثون ، وقال يحيى بن معين بأنّه حديث وضعته الزنادقة ، وهو قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( تكثر لكم الأحاديث مِن بعدي ، فإذا رُوي لكم حديث فاعرضوه على كتاب الله ) ذكر ذلك كلّه التفتازاني في( التلويح ـ شرح التوضيح ) في كلامٍ له حيث قال :

( قوله : وإنّما يرد خبر الواحد في معارضة الكتاب ؛ لأنّه مقدّم لكونه قطعيّاً متواتر النظم لا شبهة في متنه ولا في سنده ، لكنّ الخلاف إنّما هو في عمومات الكتاب وظواهرها ، فمن يجعلها ظنّيّة يعتبر بخبر الواحد ، إذا كان على شرائطه عملاً بالدليلين ، ومن يجعل العام قطعيّاً ، فلا يعمل بخبر الواحد في معارضته ، ضرورة أنّ الظنّي يضمحلّ بالقطعي ، فلا ينسخ الكتاب به ولا يزاد عليه أيضاً ؛ لأنّه بمنزلة النسخ .

واستدلّ على ذلك بقولهعليه‌السلام :( تكثر لكم الأحاديث من بعدي ، فإذا روي لكم حديث فاعرضوه على كتاب الله ، فما وافق كتاب الله فاقبلوه وما خالفه فردّوه ) .

وأُجيب : بأنّه خبر واحد قد خصّ منه البعض ، أعني المتواتر والمشهور ، فلا يكون قطعيّاً ، فكيف يثبت به مسألة الأُصول ؟ على أنّه ممّا يُخالف عموم قوله تعالى :( ..وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ... ) .

قد طعن فيه المحدّثون بأنّ في رواته يزيد بن ربيعة ، وهو مجهول ، وترك في إسناده واسطة بين الأشعب وثوبان فيكون منقطعاً .

ـــــــــــــــــــ

(١) عمدة القاري في شرح صحيح البخاري ٧ : ٢٧ ـ ٢٩ .


وذكر يحيى بن معين : إنّه حديث وضعته الزنادقة .

وإيراد البخاري إيّاه في صحيحه لا ينافي الانقطاع أو كون أحد رواته غير معروفٍ بالرواية )(١) .

حديث تحريم المعازف

( ومنها ) حديث رواه ابن حزم عن البخاري وحكم بوضعه ، قال :

( ومن طريق البخاري : قال هشام بن عمّار، نا صدقة بن خالد ، نا عبد الرحمان بن يزيد بن جابر ، نا عطيّة بن قيس الكلابي ، نا عبد الرحمان بن غنم الأشعري ، حدّثني أبو عامر أبو مالك الأشعري ـ ووالله ما كذبني ـ إنّه سمِع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول :( ليكوننَّ من أُمّتي قوم يستحلّون الحرير والخمر والمعازف ) .

ـــــــــــــــــــ

(١) التلويح في شرح التوضيح ٢ : ٢١ .


وهذا منقطع ، لم يتّصل ما بين البخاري وصدقة بن خالد ، ولا يصحّ فيهذا الباب شيء أبداً ، وكلّ ما فيه فموضوع ) (١) .

حديث المؤمن لا يزني حين يزني

( ومنها ) ما أخرجه البخاري في كتاب الأشربة قال :

( حدّثنا أحمد بن صالح قال : ثنا ابن وهب قال : أخبرني يونس ، عن ابن شهاب قال : سمِعت أبا سلمة عن عبد الرحمان وابن المسيّب يقولان : قال أبو هريرة : إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ( المؤمن لا يزني حين يزني ، وهو مؤمن )(٢) .

وهذا الحديث كذَّبه أبو حنيفة ، كما في كتاب( العالم والمتعلّم ) (٣) ، فقد جاء فيه :

( قال المتعلّم : ما قولك في أُناسٍ رَوَوا أنّ المؤمن إذا زنى خُلِع الإيمانُ من رأسه كما يُخلَع القميص ، ثمّ إذا تاب أعاد الله إيمانه ، أتشكّ في قولهم أو تصدّقهم ؟ فإنْ صدّقت قولهم دخلت في قول الخوارج ، وإنْ شككت في قولهم شكَكْت في قول الخوارج ورجعت عن العدل الذي وصفت ، وإنْ كذّبت قولهم الذي قالوا : كذّبت بقول النبيّعليه‌السلام ، فإنّهم رَوَوا عن رجالٍ شتّى حتّى انتهى به إلى رسول اللهعليه‌السلام .

قال العالم : كذَب هؤلاء ، ولا يكون تكذيبي هؤلاء وردّي عليهم تكذيباً للنبيّعليه‌السلام ، إنّما يكون التكذيب لقول النبيّعليه‌السلام أنْ يقول الرجل

ـــــــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري ٧ : ١٩٣ .

(٢) صحيح البخاري ٧ : ١٩٠ .

(٣) هذا الكتاب لأبي حنيفة ، والمقصود من ( العالم ) أبو حنيفة ، ومن ( المتعلّم ) تلميذه : أبو مطيع البلخي وهو راوي الكتاب .


أنا مكذّبٌ للنبيّعليه‌السلام ، وأمّا إذا قال أنا مؤمنٌ بكلّ شيء تكلّم به النبيّعليه‌السلام ، غير أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يتكلّم بالجور ولم يُخالف القرآن ، فهذا مِن التصديق بالنبيّ وبالقرآن وتنزيهٌ له من الخلاف على القرآن ، ولو خالف النبيّعليه‌السلام القرآن وتقوّل على الله ، لم يدعه تبارك وتعالى حتّى يأخذه باليمين ويقطع منه الوتين ، كما قال تعالى في القرآن ، ونبيّ الله لا يُخالف كتاب الله ، ومُخالف كتاب الله لا يكون نبيّ الله .

وهذا الذي رووه خلاف القرآن ، ألا ترى إلى قوله تعالى :( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي... ) (١) ثمّ قال( وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ... ) (٢) ولم يعن به من اليهود ولا من النصارى ، ولكن عنى به من المسلمين .

فردّي على كلّ رجلٍ يحدّث عن النبيّعليه‌السلام بخلاف القرآن ، ليس ردّاً على النبيّ ولا تكذيباً له ، ولكن ردّاً على مَن يحدّث عن النبيّعليه‌السلام بالباطل ، والتهمة دخلت عليه لا على نبيّ الله ، وكلّ شيء تكلّم به النبيّعليه‌السلام سمعنا به أو لم نسمعه ، فعلى الرأس والعين ، قد آمنّا به ونشهد أنّه كما قال النبيّعليه‌السلام ، ونشهد أيضاً على النبيّعليه‌السلام أنّه لم يأمر بشيء نهى الله عنه يُخالف أمر الله تعالى ، ولم يقطع شيئاً وصَلَه الله تعالى ولا وصَف أمراً وصف الله تعالى ذلك الأمر بِخلاف ما وصَفَه النبيّعليه‌السلام ، ونشهد أنّه كان موافقاً لله عزّ وجلّ في جميع الأُمور ، لم يبتدع ولم يتقوّل غير ما قال الله تعالى ، ولا كان من التكلّفين ، ولذلك قال الله تعالى :( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ

ـــــــــــــــــــ

(١) سورة النور ٢٤ : ٢ .

(٢) سورة النساء ٤ : ١٦ .


فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ) (١) .

حديث شريك في الإسراء

( ومنها ) حديث البخاري عن شريك في إسراء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهذا لفظه :

( حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله قال : حدّثني سليمان ، عن شريك بن عبد الله ، أنّه قال : سمعت أنَس بن مالك يقول : ليلة أُسريَ برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مِن مسجد الكعبة ، إنّه جاءه ثلاثة نفر ، قبل أنْ يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام فقال أوّلهم : أيّهم هو ؟ فقال أوسطهم : هو خيرهم .

فقال آخرهم : خذوا خيرهم ، فكانت تلك الليلة ، فلم يرهم حتّى أتوه ليلة أُخرى فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه ، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم ، فلم يكلّموه حتّى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم ، فتولاّه منهم جبرئيل ، فشقّ جبرئيل ما بين نحره إلى لبّته حتّى فرغ من صدره وجوفه ، فغسله من ماء زمزم بيده حتّى أنقى جوفه ، ثمّ أُتي بطست من ذهب فيه نور من ذهب مَحْشُوٌّا إيماناً وحكمة ، فحشا به صدره ولغاديده ـ يعني عروق حلقه ـ ثم أطبقه ، ثمّ عرج به إلى السماء الدنيا ، فضرب باباً من أبوابها ، فناداه أهل السماء : مَن هذا ؟ فقال جبرئيل : قالوا : ومَن معك ؟ قال : معي محمّد ، قالوا : وقد بعث ؟ قال : نعم ، قالوا : فمرحباً به... )(٢) .

وأخرجه مسلم قال : ( حدّثنا هارون بن سعيد الأيلي ، ثنا ابن وهب ، قال :

ـــــــــــــــــــ

(١) سور النساء ٤ : ٨٠ .

(٢) صحيح البخاري ٩ : ٢٦٥ كتاب التوحيد .


أخبرني سليمان ـ وهو ابن بلال ـ قال : حدّثني شريك بن عبد الله بن أبي نمر قال : سمعت أنَس بن مالك ، يحدّثنا عن ليلة أُسري برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من مسجد الكعبة : أنّه جاءه ثلاثة نفر قبل أنْ يُوحى إليه ، وهو نائم في المسجد الحرام وساق الحديث بقصّته نحو حديث ثابت البناني ، وقدّم فيه شيئاً وأخّر وزاد ونقص )(١) .

قال النووي بشرحه :

( قوله : وذلك قبل أنْ يُوحى إليه وهو غلطٌ لم يُوافق عليه ، فإنّ الإسراء أقلّ ما قيل فيه أنّه كان بعد مبعثه بخمسة عشر شهراً ، وقال الحربي : كان ليلة سبع وعشرين مِن شهر ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة وقال الزهري : كان ذلك بعد مبعثه بخمس سنين وقال ابن إسحاق : أُسري به وقد فشا الإسلام بمكّة والقبائل .

وأشبه هذه الأقوال قول الزهري وابن إسحاق ، إذ لم يختلفوا أنّ خديجة صلّت معه بعد فرض الصلاة عليه ، ولا خلاف في أنّها توفّيت قبل الهجرة بمدّةٍ قيل بثلاث سنين وقيل بخمس .

ومنها : إنّ العلماء مجمعون على أنّ فرض الصّلاة كان ليلة الإسراء ، فكيف يكون هذا قبل أنْ يُوحى إليه ؟

وأمّا قوله ـ في رواية شريك ـ : وهو نائم ، وفي رواية أُخرى : بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان ، فقد يحتجّ به من يجعلها رؤيا نوم ، ولا حجّة فيه ، إذْ قد يكون ذلك حالة أوّل وصول الملَك إليه ، وليس في الحديث ما يدلّ على كونه نائماً في القصّة كلّها .

ـــــــــــــــــــ

(١) صحيح مسلم ١ : ١٤٨ / ٢٦٢ باب بدء الوحي من كتاب الإيمان .


هذا كلام القاضي ، وهذا الذي قاله في رواية شريك وأنّ أهل العلم أنكروها ، قد قاله غيره .

وقد ذكر البخاري رواية شريك هذه عن أنَس في كتاب التوحيد من صحيحه ، وأتى بالحديث مطوّلاً .

قال الحافظ عبد الحق في كتابه الجمع بين الصحيحين ـ بعد ذكر هذه الرواية ـ هذا الحديث بهذا اللفظ مِن رواية شريك بن أبي نمر عن أنَس ، وقد زاد فيه زيادةً مجهولةً ، وأتى فيه بألفاظٍ غير معروفة وقد روى حديث الإسراء جماعة من الحفّاظ المتقنين والأئمّة المشهورين ، كابن شهاب وثابت البناني وقتادة ـ يعني عن أنَس ـ فلم يأتِ أحدٌ منهم بما أتى به شريك ، وشريك ليس بالحافظ عند أهل الحديث .

قال : والأحاديث التي تقدّمت قبل هذا هي المعوّل عليها هذا كلام الحافظ عبد الحق )(١) .

وقال الكرماني بشرحه :

( قال النووي : جاء في رواية شريك أوهام أنكرها العلماء ، من ملّتها : أنّه قال : ذلك قبل أنْ يوحى إليه ، وهو غلطٌ لم يُوافق عليه وأيضاً : العلماء أجمعوا على أنّ فرض الصلاة كان ليلة الإسراء ، فكيف يكون قبل الوحي ؟

أقول : وقول جبرئيل في جواب بوّاب السماء إذ قال : أبعث ؟ نعم ، صريح في أنّه كان بعده)(٢) .

وقال ابن قيّم الجوزيّة :

( فصلٌ ـ قال الزهري : عرج بروح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى

ـــــــــــــــــــ

(١) المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجّاج ، باب بدء الوحي ، المجلّد ١ ج٢ : ٢٠٩ ـ ٢١٠ .

(٢) الكواكب الدراري في شرح البخاري ٢٥ : ٢٠٤ .


بيت المقدِس وإلى السماء قبل خروجه إلى المدينة بسنةٍ ، وقال ابن عبد البرّ وغيره : كان بين الإسراء والهجرة سنة وشهران انتهى .

وكان الإسراء مرّةً واحدةً وقيل : مرّة يقظة ومرّةً مناماً ، وأربابُ هذا القول كأنّهم أرادوا أنْ يجمعوا بين حديث شريك وقوله ثمّ استيقظت ، وبين سائر الروايات ، ومنهم من قال : بل كان هذا مرّتين ، مرّةً قبل الوحي ، لقوله في حديث شريك : وذلك قبل أنْ يوحى إليه ، ومرّةً بعد الوحي ، كما دلّت عليه سائر الأحاديث ، ومنهم مَن قال : بل ثلاثِ مرّات ، مرّةً قبل الوحي ومرّتين بعده .

وكلّ هذا خبط ، وهذه طريقة ضعفاء الظاهريّة مِن أرباب النقل الذين إذا رأوا في القصّة لفظةً تُخالف سياق بعض الروايات جعلوه مرّةً أُخرى ، فكلّما اختلفت عليهم الروايات عدّدوا الوقائع .

والصواب الذي عليه أئمّة النقل : أنّ الإسراء كان مرّةً واحدةً بمكّة بعد البعثة .

ويا عجباً لهؤلاء الذين زعموا أنّه مراراً كيف ساغ لهم أنْ يظنّوا أنّه في كلّ مرّة تفرض عليه الصلاة خمسين ، ثمّ يتردّد بين ربّه وبين موسى حتّى تصير خمساً ثمّ يقول : أمضيت فريضتي وخفّفت عن عبادي ، ثمّ يعيدها في المرّة الثانية إلى خمسين ، ثمّ يحطّها عشراً عشراً.

وقد غلّط الحفّاظ شريكاً في ألفاظٍ مِن حديث الإسراء ، ومسلم أورد المسند منه ثمّ قال : فقدّم وأخّر وزاد ونقّص ، ولم يورد الحديث فأجاد رحمه الله )(١) .

ـــــــــــــــــــ

(١) زاد المعاد في هدي خير العباد ٣ : ٤١ ـ ٤٢ فصلٌ في المعراج النبويّ .


صحيح مسلم

وأمّا مسلم بن الحجّاج... فإنّه ـ كما قالوا ـ كان يرتكب الغمز بالرجال الصادقين الثقات عندهم بلا حجّة ، ومِن ذلك ما كان منه في ( إبراهيم بن عبد الله السعدي ) قال الذهبي : ( إبراهيم بن عبد الله السعدي النيسابوري ، صدوقٌ ، له عن يزيد بن هارون ونحوه .

قال أبو عبد الله الحاكم : كان يستخفُّ بمسلم ، فغمزه مسلم بلا حجّة )(١) .

ولا ريب أنّ هذا يضرّ بعدالة مسلم ويمنع مِن الاعتماد عليه وعلى رواياته في كتابه ، ولذا قال ابن الجوزي : ( ومِن تلبيس إبليس على أصحاب الحديث : قدح بعضهم في بعض ، طلباً للتشفّي ، ويخرجون ذلك مخرج الجرح والتعديل الذي استعملت قدماء هذه الأُمّة للذبّ عن الشرع )(٢) .

أبو زرعة الرّازي وصحيح مسلم

هذا ، وقد اشتهر بين الأعلام طعن الإمام أبي زرعة الرّازي وتكلّمه في كتاب مسلم بن الحجّاج ، ففي ترجمة أحمد بن عيسى المصري من( التهذيب ) و( الميزان ) : ( قد قال سعيد البردعي : شهدت أبا زرعة ذُكر عنده صحيح مسلم فقال : هؤلاء قومٌ أرادوا التقدّم قبل أوانه ، فعملوا شيئاً يتسوّقون به )(٣) .

وقال أبو الفضل الأدفوي في( الإمتاع ) : ( وكان أبو زرعة يذمّ وضِع كتاب مسلم ويقول : كيف تسمّيه الصحيح وفيه فلان وفلان ؟ فذكر جماعة ) .

ـــــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال ١ : ٤٤ .

(٢) تلبيس إبليس : ١٣٥ .

(٣) ميزان الاعتدال ١ : ١٢٦ .


الموضوعات في صحيح مسلم

وبعد الوقوف على طرفٍ من أسباب القدح في مسلم بن الحجّاج ، وعلى طعن من مثل أبي زرعة في كتابه عموماً ، فلا بدّ من إيراد بعض أحاديثه الموضوعة والباطلة :

حديث الضحضاح

فمن أحاديثه الموضوعة والمكذوبة : حديثه في أنّ أبا طالب في ضحضاحٍ من النار ، قال : ( حدّثنا عبيد الله بن عمر القواريري ، ومحمّد بن أبي بكر المقدمي ، ومحمّد بن عبد الملك الأموي قالوا : حدّثنا أبو عوانة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل ، عن العبّاس بن عبد المطّلب أنّه قال : يا رسول الله ، هل نفعت أبا طالب بشيءٍ ، فإنّه كان يحوطك ويغضب لك ؟ قال : نعم ، هو في ضحضاحٍ من نار ، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار )(١) .

وهذه الأحاديث التي أخرجها البخاري ومسلم كلّها موضوعةٌ مُفتراة ، قد وُضِعت للطعن في أمير المؤمنينعليه‌السلام والتنقيص في شأنه ، ولأجل رفع شأن أبي بكر بن أبي فحافة...

إنّه ليكفي لتكذيب ما رَوَوه في موت سيّدنا أبي طالب على الكفر : ما

رواه ابن سعد في الطبقات قال : ( حدّثني الواقدي قال : قال عليّ : لمّا توفّي أبو طالب أخبرت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فبكى بكاءً شديداً ، ثمّ قال :

( اذهب فاغسله وكفّنه وواره ، غفر الله له ورحمه ) .

فقال له العبّاس : يا رسول الله ، إنّك ترجو له ؟

فقال :( إي والله إنّي لأرجو له ) .

ـــــــــــــــــــ

(١) صحيح مسلم ١ : ١٣٤ كتاب الإيمان ـ باب شفاعة النبيّ لأبي طالب .


وجعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يستغفر له أيّاماً لا يخرج مِن بيته .

وقال الواقدي : قال ابن عبّاس : عارض رسول الله جنازة عمّه أبي طالب وقال :( وصلتك رحم وجزاك الله خيراً ) (١) .

هذا ، وقد أجمع أهل البيتعليهم‌السلام على إيمان سيّدنا أبي طالب ، وإجماعهم حجّة قطعيّة كما تَقرّر في محلّه ، وقد ذكر علماء السنّة إجماعهم على ذلك ، ففي( روضة الأحباب ) عن ابن الأثير في( جامع الأُصول ) قوله : ( زعم أهل البيت أنّ أبا طالب مات مسلماً ، والله أعلم بصحّته ) .

على أنّ أهل السنّة يدّعون المتابعة لأهل البيت والانقياد لهم ، كما جاء في كتبهم ، بشرح ( حديث الثقلين ) وبذيل حديث( مثل أهل بيتي كسفينة نوح ) ، فإنْ كانوا صادقين في دعواهم تلك ، فلا محالة لا يخالفون أهل البيت في إجماعهم على إيمان أبي طالبعليه‌السلام .

على أنّ أحاديث مسلم في هذا الباب متناقضة متهافتة ، إذ الحديث المذكور يدلّ على أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد شفع له قبل القيامة وأخرجه بالفعل من غمرات العذاب إلى ضحضاحٍ من نارٍ ، وحديث أبي سعيد

صريحٌ في عدم وقوع الشفاعة في حقّه وأنّ عذابه لم يخفّف بل إنّ النبيّ يرجو أنْ تناله شفاعته في يوم القيامة وتنفعه في خروجه مِن الدركات السافلة إلى الضحضاح... فكان بعض تلك الأحاديث صريحاً في وقوع تخفيف العذاب عن أبي طالب بالفعل وبعض صريحاً في عدم حصول التخفيف ، فتهافتا وتناقضا بكلّ وضوح .

ـــــــــــــــــــ

(١) الطبقات الكبرى ١ : ١٢٣ ـ ١٢٤ .


الحديث الدالّ على تعيين أبي بكر للخلافة !!

ومن ذلك : حديثه المتضمّن تعيين النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبا بكر للخلافة من بعده ، وهو حديث موضوع مفترى قطعاً قال في كتاب المناقب :

((حدّثني عبيد الله بن سعيد، حدّثا يزيد بن هارون، أخبرنا إبراهيم بن سعد، حدّثنا صالح بن كيسان ، عن الزهري ، عن عروة عن عائشة ـ ري الله عنها ـ قالت: قال لي رسول الله في مرضه : أُدعي لي أبا بكر أباك وأخاك حتّى أكتب كتاباً ، فإنّي أخاف أن يتمنَّ متمنٍّ ويقول القائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلاّ أبا بكر )(١) .

وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضاً ، ولفظه في كتاب المرضى :

( لقد هممت أو أردت أنْ أرسل إلى أبي بكر وابنه واعهد أنْ يقول القائلون أو يتمنّى المتمنّون ، ثمّ قلت : يأبى الله ويدفع المؤمنون ، أو يدفع الله ويأبى المؤمنون )(٢) .

ـــــــــــــــــــ

(١) صحيح مسلم ٤ : ١٨٥٧ / ٢٣٨٧ .

(٢) صحيح البخاري ٧ : ٢١٨ .


وهذا الحديث الذي قال النووي بشرحه: ( في هذا الحديث دلالة ظاهرة لفضل أبي بكر الصدّيقرضي‌الله‌عنه ، وإخبار منهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما سيقع في المستقبل بعد وفاته ، وأنّ المسلمين يأبون عقد الخلافة لغيره )(١) .

ظاهر الكذب والبطلان ، لاتّفاق القوم أنفسهم على أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم ينصّ على أبي بكر بالخلافة ، ولو كان مثل هذا الكلام صادراً منه حقّاً لما احتجّوا بالأباطيل الواهيات ، ولما وقعت الاختلافات والنزاعات...

ولقد نصّ النووي ـ بشرح حديث : من كان رسول الله مستخلفاً لو استخلفه ؟ ـ : على أنّ ( فيه دلالة لأهل السنّة أنّ خلافة أبي بكر ليست بنصٍ مِن النبيّ على خلافته صريحاً ، بل أجمعت الصحابة على عقد الخلافة له وتقديمه بفضله ، ولو كان هناك نصّ عليه ، أو على غيره لم يقع المنازعة من الأنصار وغيرهم أوّلاً ، ولذَكر حافظُ النص ما معه ، ولرَجعوا ، ولكنْ تنازعوا أوّلاً ولم يكن هناك نص ، ثمّ اتفقوا على أبي بكر واستقرّ الأمر .

وأمّا ما تدّعيه الشيعة مِن النص على عليّ والوصيّة إليه ، فباطل لا أصل له باتّفاق المسلمين ، والاتفاق على بطلان دعواهم في زمن عليّ ، وأوّل مَن كذّبهم عليّ بقوله : ما عندنا إلاّ ما في هذه الصحيفة )(٢) .

فتراه يستدلّ بما كان في السقيفة ، ولو كان ما أورد مسلم صحيحاً لما احتاج إلى ذلك !!

وعلى الجملة ، فإنّ هذا الحديث لو صحّ لاستدلّ به القوم على إمامة أبي بكر ولم يقولوا بعدم النصّ على خلافته ، ولم يتشبّثوا بالخرافات والأباطيل

ـــــــــــــــــــ

(١) شرح مسلم للنووي ١٥ : ١٥٥ .

(٢) شرح مسلم للنووي ١٥ : ١٥٤ ـ ١٥٥ .


الأُخرى ، فإنّه حتّى لو كان وارداً مورد الإخبار عن الغيب ، لكان الاستدلال به دون غيره أولى وأحرى...

وقد نصّ أبو السعادات ابن الأثير أيضاً على عدم النصّ على أبي بكر حيث قال : ( ولا يصدَّق الشيعة بنقل النص على إمامة عليّ ( كرّم الله وجهه ) والبكريّة على إمامة أبي بكررضي‌الله‌عنه ؛ لأنّ هذا وضعه الآحاد أوّلاً وأفشوه ، ثمّ كثر الناقلون في عصره وبعده من الأعصار ، فلذلك لم يحصل التصديق )(١) .

فوا أسفاه على البخاري ومسلم ، إذْ أُشرب في قلوبهما حبّ الشيخين ، فنقلا مثل هذه الأكاذيب والخرافات ، التي نصّ أئمّتهم على كونها من افتراءات البكريّة وأخبارهم الموضوعات .

حديث أنّ عمر أوّل مَن أمر بالأذان

ومن ذلك : ما أخرجه مسلم في كتاب الصّلاة ، باب بدء الأذان :

( حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال : جدّثنا محمّد بن بكر ، ح وحدّثنا محمّد بن رافع قال : حدّثنا عبد الرزّاق قال : أخبرنا ابن جريج ، ح وحدّثني هارون ابن عبد الله ـ واللفظ له ـ قال : حدّثنا حجّاج بن محمّد قال : قال ابن جريج : أخبرني نافع مولى ابن عمر ، عن عبد الله بن عمر أنّه قال : كان المسلمون حين قدِموا المدينة يجتمعون فيتحيّنون الصّلوات ، وليس ينادي بها أحد ، فتكلّموا يوماً في ذلك ، فقال بعضهم : اتّخذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى ، وقال بعضهم : قرناً مثل قرن اليهود ، فقال عمر : أو لا تبعثون منادياً

ـــــــــــــــــــ

(١) جامع الأُصول ١ : ١٢١ .


ينادي بالصّلاة قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( يا بلال ، قم فنادِ بالصّلاة ) (١) .

وهذا حديثٌ موضوع ، وضعه مَن يسعى وراء جعل المناقب لعمر بن الخطّاب ، وهو ينافي ما وضعوه في الأذان مِن أنّ تشريعه كان برؤيا رآها رجلٌ مِن الأنصار ، كما في سُنُن أبي داود وغيره .

على أنّ الحقّ ما روي عن أمير المؤمنينعليه‌السلام مِن أنّ تشريع الأذان كان في ليلة الإسراء ، وقد أذّن جبرئيل في بيت المقدّس ، وما سواه فمن وضع الملحدين .

حديثان متناقضان في موضع صلاة النبيّ الظهر في حجّة الوداع

ومن ذلك : حديثان متناقضان أخرجهما مسلم ، وأخرج البخاري أحدهما ، في موضع صلاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الظهر يوم النحر في حجّة الوداع ، فأخرج عن عائشة وجابر أنّه صلاّها بمكّة ، وأخرج هو والبخاري عن ابن عمر أنّه صلاّها بمنى ، قال القاري في كتابه في( الرجال ) : ( قال ابن حزم في هاتين الروايتين : إحداهما كذب بلا شك ) .

وقد اختلف القوم في تعيين الصِدق مِن الكِذب منهما ، وقد شرح ابن القيّم اختلافهم في المقام حيث قال : ( فصلٌ : ثمّ رجع إلى منى ، واختلف أين صلّى الظهر يومئذ ، ففي الصحيحين عن ابن عمر أنّه أفاض يوم النحر ثمّ رجع فصلّى الظهر بمنى ، وفي صحيح مسلم عن جابر أنّه صلّى الظهر بمكّة ، وكذلك قالت عائشة ، واختلف في ترجيح أحد هذين القولين على الآخر ، فقال أبو

ـــــــــــــــــــ

(١) صحيح مسلم ١ : ٢٨٥ .


محمّد ابن حزم : قول عائشة وجابر أولى ، وتبعه على هذا جماعة ورجّحوا هذا القول بوجوه :

أحدها : إن راويه اثنان ، وهما أولى من الواحدالثاني : أنّ عايشة أخصّ الناس به ، ولها من القرب والاختصاص والمزيّة ما ليس لغيرها .

الثالث : أنّ سياق جابر لحجّة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أوّلها إلى آخرها أتمّ سياق ، وقد حفظ القصّة وضبطها حتّى ضبط جزئيّاتها ، حتّى ضبط منها أمراً لا يتعلّق بالمناسك ، وهو نزول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليلة جمع الطريق ، فقضى حاجته عند الشعب ثمّ توضّأ وضوءاً خفيفاً ، فمَن ضبط هذا القدر فهو يضبط مكان صلاته يوم النحر بطريقٍ أولى .

الرابع : إنّ حجّة الوداع كانت في آذار ، وهي تساوي الليل والنهار ، وقد خرج من مزدلفة قبل طلوع الشمس إلى منى وخطب بها الناس ، ونحر بُدْناً عظيمةَ وقسمها ، وطبخ له مِن لحمها وأكل منه ، ورمى الجمرة وحلق رأسه وتطيّب وخطب ثمّ أفاض ، فطاف وشرب من ماء زمزم ومِن نبيذ السقاية ووقف عليهم وهم يسقون ، وهذه أعمال يبدو في الأظهر أنّها لا تنقضي في مقدار يُمكن معه الرجوع إلى منى بحيث يدرك وقت الظهر في فصل آذار .

الخامس : إنّ هذين الحديثين جاريان مجرى الناقل والمبقي ، فإنّ عادتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كانت في حجّته صلاته في منزله الذي هو نازل فيه بالمسلمين ، فجرى ابن عمر على العادة ، وضبط جابر وعائشة الأمر الذي هو خارج عن عادته ، فهو أولى بأنْ يكون هو المحفوظ .


ورجحت طائفة أُخرى قول ابن عمر لوجوه :

أحدها : أنّه لو صلّى الظهر بمكّة لم يُصَلِّ أصحابه بمنى وحداناً ولا زرافات ، بل لم يكن لهم بُدٌّ مِن الصلاة خلف إمامٍ يكون نائباً عنه ، ولم ينقل هذا أحدٌ قطّ ، ولم يقل أحدٌ أنّه استناب مَن يُصلّي بهم ، ولولا علمه أنّه يرجع إليهم فيصلّي بهم لقال : إنْ حضرَت الصّلاة ولستُ عندكم فليصلّ بكم فلان ، وحيث لم يقع هذا ولا هذا ، ولا صلّى الصحابة هناك وحداناً قطعاً ، ولا كان مِن عادتهم إذا اجتمعوا أنْ يصلّوا عزين ، علم أنّهم صلّوا معه على عادتهم.

الثاني : إنّه لو صلّى بمكّة ، لكان خلفه بعضُ أهل البلد وهو مقيم ، وكان يأمرهم أنْ يتمّوا صلاتهم ، ولنقل أنّهم قاموا فأتمّوا بعد سلامه صلاتهم ، وحيث لم ينقل هذا ولا هذا بل هو معلوم الانتفاء قطعاً ، عُلِم أنّه لم يُصلّ قطعاً حينئذٍ بمكّة .

وما نقله بعض من لا عِلم له أنّه قال : ( يا أهل مكّة ، أتمّوا صلاتكم فإنّا قوم سفر ) ، فإنّما قاله عام الفتح لا في حجّته .

الثالث : إنّه من المعلوم أنّه لمّا طاف ركَع ركعتيّ الطواف ، ومعلومٌ أنّ كثيراً من المسلمين كانوا خلفه يقتدون به في أفعاله ومناسكه ، فلعلّه لمّا ركَع ركعتيّ الطواف والناس خلفه يقتدون به ، ظنّ الظانّ أنّها صلاة الظهر ، ولا سيّما إذا كان ذلك في وقت الظهر ، وهذا الوهم لا يُمكن دفع احتماله ، بخلاف صلاته بمنى فإنّها لا تحتمل غير الفرض .

الرابع : إنّه لا يحفظ عنه في حجّه أنّه صلّى الفرض بجوفِ مكّة ، بل إنّما كان يصلّي بمنزله بالمسلمين مدّة مقامه ، كان يصلّي بهم أين نزلوا ، لا يصلّي في مكان آخر غير المنزل العام .

الخامس : إنّ حديث ابن عمر متّفق عليه ، وإنّ حديث جابر مِن أفراد مسلم ، فحديث ابن عمر أصحّ منه ، وكذلك هو في إسناده ، فإنّ راويه أحفظ وأشهر وأنفق ، فأين يقع حاتم بن إسماعيل من عبيد الله ؟ وأين يقع جعفر من حفظ نافع ؟


السادس : إنّ حديث عائشة قد اضطربت في وقت طوافه ، فروي عنها على ثلاثة أوجه : أحدها : أنّه طاف نهاراً ، الثاني : أنّه أخّر الطواف إلى الليل ، الثالث : أنّه أفاض مِن آخر يومه فلم يضبط فيه وقت الإفاضة ، ولا مكان الصّلاة ، بخلاف حديث ابن عمر .

السابع : إنّ حديث ابن عمر أصحّ منه بلا نزاع ، فإنّ حديث عائشة مِن رواية محمّد بن إسحاق ، عن عبد الرحمان بن القاسم ، عن أبيه عنها ، وابن إسحاق مختلف في الاحتجاج به ، ولم يصرّح بالسماع بل عنعنه ، فكيف يقدم على قول عبيد الله حدّثني نافع عن ابن عمر ؟

الثامن : إنّ حديث عائشة ليس بالبيّن إنّه صلّى الظهر بمكّة ، فإنّ لفظه هكذا : أفاض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في آخر يوم صلّى الظهر ثمّ رجع إلى منى ، فمكث فيها ليالي أيّام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس ، كلّ جمرة بسبعِ حَصَيَات ، فأين دلالة هذا الحديث الصريحة على أنّه صلّى الظهر يومئذٍ بمكّة ؟ وأين هذا في صريح الدلالة إلى قول ابن عمر أفاض يوم النحر ثمّ صلّى الظهر بمنى راجعاً ؟ وأين حديث اتّفق أصحاب الصحيح على إخراجه إلى حديث اختلف في الاحتجاج به ؟ والله أعلم )(١) .

حديثٌ في أوّل ما نزل من القرآن

ومن ذلك : ما أخرجه في أنّ أوّل ما نزل من القرآن :( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) ، وقد صرّح النووي بأنّه ضعيفٌ ، بل باطل... قال ولي الدين أبو زرعة أحمد بن زين الدين عبد الرحيم العراقي في شرح حديث بدء الوحي من ( شرح الأحكام الصغرى ) : ( فيه دلالةٌ واضحة على أنّ أوّل ما نزل من القرآن :( اقْرَأْ ) .

ـــــــــــــــــــ

(١) زاد المعاد ٢ : ٢٨٠ كيفيّة حجّة الوداع .


وقد صحّ ذلك عن عائشة ، ورُوي عن أبي موسى الأشعري وعبيد بن عمير ، قال النووي : وهو الصواب الذي عليه الجماهير مِن السلف والخلف وفيه قولان آخران : أحدهما إنّ أوّل ما نزل :( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله وأبي سلمة بن عبد الرحمان ، قال النووي : وهو ضعيفٌ بل باطل...) .

حديثٌ في فضائل أبي سفيان

ومِن ذلك : ما أخرجه في فضائل أبي سفيان وهذه عبارته :

( حدّثنا عبّاس بن عبد العظيم العنبري وأحمد بن جعفر المعقري قالا : حدّثنا النضر ـ وهو ابن محمّد اليمامي ـ قال : حدّثنا عكرمة ، حدّثنا أبو زميل ، حدّثني ابن عبّاس قال : كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يُقاعدونه ، فقال لنبيّ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا نبي الله ، ثلاث أعطنيهنّ ، قال :نعم ، قال : عندي أحسن العرب وأجمله أُمّ حبيبة بنت أبي سفيان أُزوّجكها قال :نعم ، قال : معاوية تجعله كاتباً بين يدك ، قال :نعم ، قال : وتؤمّرني حتّى أُقاتل الكفّار كما كنت أُقاتل المسلمين .

قال :نعم . قال أبو زميل : ولولا أنّه طلب ذلك من النبيّ ما أعطاه ذلك ؛ لأنّه لم يكن يُسأل شيئاً إلاّ قال : نعم )(١) .

قال في( زاد المعاد ) :

( وأمّا حديث عكرمة بن عمّار: عن أبي زميل ، عن ابن عبّاس : إنّ أبا سفيان قال للنبيّ...

فهذا الحديث غلطٌ ظاهر لا خفاء به .

قال أبو محمّد ابن حزم : وهو موضوع بلا شك ، كذّبه عكرمة بن عمّار .

قال ابن الجوزي ـ في هذا الحديث ـ : هو وهمٌ مِن بعض الرواة ، لا شكّ فيه ولا تردّد .

ـــــــــــــــــــ

(١) صحيح مسلم ٤ : ١٩٤٥ / ٢٥٠١ .


وقد اتّهموا به عكرمة بن عمّار ؛ لأنّ أهل التواريخ أجمعوا على أنّ أُمّ حبيبة كانت تحت عبيد الله بن جحش ، ولدت له ، وهاجر بها وهما مسلمان إلى أرض الحبشة ، ثمّ تنصّر وثبتت أُمّ حبيبة على إسلامها ، فبعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى النجاشي يخطبها عليه ، فزوّجه إيّاها وأصدقها عن رسول الله صداقاً ، وذلك في سنة سبع من الهجرة ، وجاء أبو سفيان في زمن الهدنة ودخل عليها فثنت فراش رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى لا يجلس عليه .

ولا خلاف أنّ أبا سفيان ومعاوية أسلما في فتح مكّة سنة ثمان .

وأيضاً : في هذا الحديث : إنّه قال له : وتؤمّرني حتّى أُقاتل الكفّار كما كنت أُقاتل المسلمين فقال : نعم .

ولا يعرف أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمّر أبا سفيان البتّة )(١) .

من كلمات الأئمّة في الكتابين

وعلى الجملة ، فإنّ الأحاديث الموضوعة والباطلة في كتاب مسلم كثيرة مثل كتاب البخاري ، وقد أوردنا طرفاً منها ونكتفي بها .

ومن هنا ، فقد قال الملاّ عليّ القاري في كتاب( الرجال ) ما نصّه :

( وقد وقع منه ـ أيّ من مسلم ـ أشياء لا تقوى عند المعارضة ، فقد وضع الحافظ الرشيد العطّار كتاباً على الأحاديث المقطوعة ، وبيّنها الشيخ محيي الدين النووي في أوّل شرح مسلم .

وما يقوله الناس : إنّ مَن روى له الشيخان فقد جاز القنطرة ، هذا أيضاً مِن التجاهل والتساهل .

فقد روى مسلم في كتابه عن الليث عن أبي مسلم وغيره من الضعفاء .

فيقولون إنّما روى عنهم في كتابه للاعتبار والشواهد والمتابعات .

وهذا لا يقوى ؛ لأنّ الحفّاظ قالوا : الاعتبار أُمور يتعرّفون بها حال الحديث وكتاب مسلم التزم فيه الصحّة ، فكيف يتعرّف حال الحديث فالذي فيه بطريق ضعيفة .

ـــــــــــــــــــ

(١) زاد المعاد في هدي خير العباد ١ : ١١٠ .


وقال الحافظ : أبو الزبير محمّد بن مسلم المكّي يدلّس في حديث جابر ، فما يصفه بالعنعنة لا يقبل ، وقد ذكر ابن حزم وعبد الحقّ عن الليث بن سعد أنّه قال لأبي الزبير : علّم لي على أحاديث سمعتها من جابر حتّى أسمعها منك ، فعلَّم لي على أحاديث أظنّ أنّها سبعة عشر حديثاً فسمعتها منه قال الحافظ : فما كان من طريق الليث عن أبي الزبير عن جابر فصحيح .

وفي مسلم عن طريق الليث من أبي الزبير عن جابر بالعنعنة أحاديث .

وقد روى أيضاً ، في كتابه عن جابر وابن عمر في حجّة الوداع ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم توجّه إلى مكّة يوم النحر ، فطاف طواف الإفاضة ثمّ رجع فصلّى الظهر بمنى ، فيوجّهون ويقولون : أعادها لبيان الجواز ، وغير ذلك من التأويلات ، ولهذا قال ابن حزم في هاتين الروايتين أحدهما كذِب بلا شكّ .

وروى مسلم أيضاً حديث الإسراء فيه : وذلك قبل أنْ يُوحى إليه ، وقد تكلّم الحفّاظ في هذه اللّفظة وبيّنوا ضعفها .

وقد روى مسلم أيضاً : خلق الله التربة يوم السبت واتّفق الناس على أنّ السبت لم يقع فيه خلق ، وأنّ ابتداء الخلْق يوم الأحد .

وقد روى مسلم عن أبي سفيان أنّه قال للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا أسلم : يا رسول الله ، أعطني ثلاثاً : تزوّج ابنتي أُمّ حبيبة ، وابني معاوية أجعله كاتباً ، وأمّرني أنْ أُقاتل الكفّار كما قاتلت المسلمين ، فأعطاه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما سأله .

والحديث معروف مشهور ، وفي هذا مِن الوهم ما لا يُحصى ، فأُمّ حبيبة تزوّجها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهي بالحبشة ، وأصدقها النجاشي أربعمِئة دينار وحضر وخطب وأطعم ، والقصّة مشهورة ، وأبو سفيان وابنه معاوية إنّما أسلما عام الفتح وبين الهجرة إلى الحبشة والفتح عدّة سنين ، والجمهور على أنّها تزوّجها سنة ستّ ، وقيل سبْع ، وأسلم أبو سفيان عام الفتح سنة ثمان منٍ الهجرة ، وأمّا إمارة أبي سفيان فقد قال الحفّاظ أنّه لا يعرفونها .


فيجيبون بأجوبة غير طائلة ، فيقولون في إنكاح ابنته : إعتقد أنّ نكاحها بغير إذنه لا يجوز وهو حديث عهد بالكفر ، فأراد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تجديد النكاح ، ويذكرون عن الزبير بن بكّار عن الزبير بن بكّار بأسانيدٍ ضعيفة أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمّره في بعض الغزوات ، وهذا لا يعرفه الأثبات .

وقد قال الحافظ : إنّ مسلماً لمّا وضَعَ كتابه الصحيح عرضه على أبي زرعة ، فأنكر عليه وتَغَيّظ وقال : سمَّيْتَه الصحيح وجعلته سُلَّماً لأهل البِدَع وغيرهم ) .

وقال ابن تيميّة :

( والمواضع المنتقدة غالبها في مسلم ، وقد انتصر طائفة لهما ـ يعني للبخاري ومسلم ـ فيها ، وطائفة قَوّت قول المنتقد ، والصحيح التفصيل ، فإنّ فيهما مواضعَ منتقدة بلا ريب مثل حديث : خلَق الله التربة يوم السبت ، وحديث : صلاة الكسوف بثلاث ركوعات وأكثر )(١) .

وقال كمال الدين أبو الفضل الأدفوي في( الإمتاع في أحكام السماع ) :

( ثمّ أقول : إنّ الأُمّة تلقّت كلّ حديثٍ صحيح وحسن بالقبول وعملت به عند عدم العارض ، وحينئذٍ لا يختصّ بالصحيحين ، وقد تلقّت الأُمّة الكُتب الخمسة أو الستّة بالقبول ، وأطلق عليها جماعة اسم الصحيح ، ورجّح بعضهم بعضها على كتاب مسلم وغيره .

قال أبو سليمان أحمد الخطابي : كتاب السُنن لأبي داود كتابٌ شريف لم يصنّف في الدين كتابٌ مثله ، وقد رُزِق مِن الناس القبول كافّة ، فصار حكَماً بين فِرق العلماء وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم ، وكتاب السُنن أحسن وضعاً وأكثر فقهاً من كتب البخاري ومسلم .

وقال الحافظ أبو الفضل محمّد بن طاهر المقدسي : سمِعت الإمام أبا الفضل عبد الله بن محمّد الأنصاري بهراة يقول ـ وقد جرى بين يديه ذكر أبي عيسى الترمذي وكتابه فقال ـ : كتابه عندي أنفع مِن كتاب البخاري ومسلم .

ـــــــــــــــــــ

(١) منهاج السنّة ٧ : ٢١٥ وانظر ٥ : ١٠١ .


وقال الإمام أبو القاسم سعد بن عليّ الزنجاني : إنّ لأبي عبد الرحمان النسائي شرطاً في الرجال أشدّ مِن شرط البخاري ومسلم وقال أبو زرعة الرّازي لمّا عرض عليه ابن ماجة السُنن ( كتابه ) : أظنّ إنْ وقع هذا في أيدي الناس تعطّلت هذه الجوامع كلّها ، أو قال أكثرها .

ووراء هذا بحث آخر وهو : إنّ قول الشيخ أبي عمرو ابن الصلاح : إنّ الأُمّة تلقّت الكتابين بالقبول .

إنْ أراد كلّ الأُمّة ، فلا يخفى فساد ذلك ، إذ الكتابان إنّما صُنِّفا في المئة الثالثة بعد عصر الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ، وأئمّة المذاهب المتّبعة ورُؤوس حفّاظ الأخبار ونقّاد الآثار ، المتكلّمين في الطُرق والرجال المُمَيّزين بين الصحيح والسقيم .

وإنْ أراد بالأُمّة الذين وجدوا بعد الكتابين ، فهم بعض الأُمّة ، فلا يستقيم له دليله الذي قرّره مِن تلقّي الأُمّة وثبوت العصمة لهم ، والظاهريّة إنّما يعتنون بإجماع الصحابة خاصّة ، والشيعة لا تعتدّ بالكتابين وطعنت فيهما ، وقد اختلف في اعتبار قولهم في الإجماع وانعقاده .

ثمّ ، إنْ أراد كلّ حديث فيهما تُلقّي بالقبول مِن الناس كافّة ، فغير مستقيم ، فقد تكلّم جماع مِن الحفّاظ في أحاديث فيهما .

فتكلّم الدارقطني في أحاديث وعلّلها .

وتكلّم ابن حزم في أحاديث ، كحديث شريك في الإسراء قال : إنّه خلط .

ووقع في الصحيحين أحاديث متعارضة لا يُمكن الجمع بينهما ، والقطع لا يقع التعارض فيه .

وقد اتّفق البخاري ومسلم على إخراج حديث محمّد بن بشّار بندار ، وأكثرا مِن الاحتجاج بحديثه ، وتكلّم فيه غير واحدٍ من الحفّاظ وأئمّة الجرح والتعديل ونُسِب إلى الكذِب ، وحلّ عمرو بن عليّ الفلاّس شيخ البخاري أنّ بنداراً يكذب في حديثه عن يحيى ، وتكلّم فيه أبو موسى ، وقال عليّ بن المديني في الحديث الذي رواه في السجود : هذا كذِب ، وكان يحيى لا يعبأ به ويستضعفه ، وكان القواريري لا يرضاه .

وأكثرا مِن حديث عبد الرزّاق والاحتجاج به ، وتُكُلِّم فيه ونُسِب إلى الكذِب .

وأخرج مسلم لأسباط بن نصر ، وتكلّم فيه أبو زرعة وغيره .


وأخرج أيضاً عن سمّاك بن حرب وأكثر عنه ، وتكلّم فيه غير واحد ، وقال الإمام أحمد بن حنبل ، هو مضطرب الحديث ، وضعّفه أمير المؤمنين في حديث شعبة وسفيان الثوري ، وقال يعقوب بن شيبة : لم يكن من المتثبّتين وقال النسائي : في حديثه ضعف قال شعبة : كان سمّاك يقول في التفسير : عكرمة ولو شئت لقلت له ابن عبّاس لقاله وقال ابن المبارك : سمّاك ضعيفٌ في الحديث ، وضعّفه ابن حزم وقال : كان يُلَقَّن فَيَتَلَقَّنُ .

وكان أبو زرعة يذمّ وضع كتاب مسلم ويقول : كيف تسمّيه الصحيح وفيه فلان وفلان ؟ فذكر جماعة .

وأمثال ذلك تستغرق أوراقاً .

فتلك الأحاديث عندهما ولم يتلقّوها بالقبول .

وإنْ أراد غالب ما فيهما ، سلِم مِن ذلك ولم يبقَ له حجّة ) .

وقال الشيخ عبد القادر القرشي :

( فائدة ـ حديث أبي حميد السّاعدي في صفة صلاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، في مسلمٍ وغيره ، يشتمل على أنواعٍ منها : التورّك في الجلسة الثانية ، ضعّفه الطحاوي ، لمجيئه في بعض الطُرق عن رجل ، عن أبي حميد ، قال الطحاوي : فهذا مُنقطع على أصل مخالفينا ، وهُم يردّون الحديث بأقلّ مِن هذا .

قلت : ولا يحنّق علنيا لمجيئه في مسلم ، وقد وقع في مسلم أشياء لا تقوى عند الاصطلاح ، فقد وضع الحافظ الرّشيد العطّار على الأحاديث المقطوعة المخرّجة في مسلم كتاباً سمّاه بـ( غرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقَع في مسلم من الأحاديث المقطوعة ) ، سمعته على شيخنا أبي إسحاق إبراهيم بن محمّد بن عبد الله الطاهري سنة اثنتي عشر وسبعمئة ، بسماعه من مصنّفه الحافظ رشيد الدين ، بقراءة الشيخ فخر الدين أبي عمرو عثمان المقابلي ، وبيّنها الشيخ محيي الدين في أوّل شرح مسلم .

وما يقوله الناس : إنّ مَن روى له الشيخان فقد جاز القنطرة ، هذا أيضاً مِن التحنّق ولا يقوى ، فقد روى مسلم في كتابه عن ليث عن أبي مسلم وغيره من الضعفاء ، فيقولون : إنّما روى في كتابه للاعتبار والشواهد والمتابعات ، وهذا لا يقوى ؛ لأنّ الحفّاظ قالوا : الاعتبار والشواهد والمتابعات والاعتبارات ، أُمورٌ يتعرّفون بها حال الحديث ، وكتاب مسلم التزم فيه الصحّة ، فكيف يتعرّف حال الحديث الذي فيه بطريق ضعيفة .


واعلم أنّ ( عن ) مقتضية للانقطاع عند أهل الحديث ، ووقع في مسلم والبخاري مِن هذا النوع شيء كثير ، فيقولون على سبيل التحنّق : ما كان من هذا النوع في غير الصحيحين فمنقطع ، وما كان في الصحيحين فمحمول على الاتّصال .

وروى مسلم في كتابه ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، أحاديثَ كثيرة بالعنعنة وقال الحافظ : أبو الزبير محمّد بن مسلم بن مسلم بن تدرس المكّي يدلّس في حديث جابر ، فما كان يصفه بالعنعنة لا يقبل ، وقد ذكر ابن حزْم وعبد الحقّ عن الليث بن سعد أنّه قال لأبي الزبير: علّم لي أحاديث سمعتها مِن جابر حتّى أسمعها منك ، فعلّم لي أحاديث أظنّ أنّها سبعة عشر حديثاً فسمعتها منه ، قال الحافظ : فما كان مِن طريق الليث عن أبي الزبير عن جابر ، صحيح .

وقد روى مسلم في كتابه أيضاً ، عن جابر وابن عمر ، في حجّة الوداع ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم توجّه إلى مكّة يوم النحر ، وطاف طواف الإفاضة ثمّ رجع فصلّى الظهر بمنى ، فيتحنّقون ويقولون : أعادها لبيان الجواز ، وغير ذلك مِن التأويلات ، ولهذا قال ابن حزم في هاتين الروايتين : إحداهما كذِبٌ بلا شك .

وروى مسلم أيضاً حديث الإسراء وفيه : ( وذلك قبل أن يوحى إليه ) وقد تكلّم الحفّاظ في هذه اللّفظة وبيّنوا ضعفها .

وروى مسلم أيضاً : ( خلق الله التّربة يوم السبت ) ، واتّفق الناس على أنّ يوم السبت لم يقع فيه خلْق .

وروى مسلم عن أبي سفيان أنّه قال للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا أسلم : ( يا رسول الله ، أعطني ثلاثاً ، تزوّج ابنتي أُمّ حبيبة ، وابني معاوية اجعله كاتباً ، وأمّرني أنْ أُقاتل الكفّار كما قاتلت المسلمين ، فأعطاه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والحديث معروف مشهور ، وفي هذا من الوهم ما لا يخفى ، فأُمّ حبيبة تزوّجها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهي بالحبشة وأصدقها النجاشي عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أربعمِئة دينار ، وحضر وخطب وأطعم ، والقصّة مشهورة ، وأبو سفيان إنّما أسلم عام الفتح ، وبين الهجرة والحبشة والفتح عدّة سنين ، ومعاوية كان كاتباً للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مِن قبل ، وأمّا إمارة أبي سفيان فقد قال الحافظ : إنّهم لا يعرفونها .


فيجيبون على سبيل التحنّق بأجوبة غير طائلة ، فيقولون في نكاح ابنته : اعتقد أنّ نكاحها بغير إذنه لا يجوز وهو حديث عهد بكفر ، فأراد من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تجديد النكاح ، ويذكرون عن الزبير بن بكار بأسانيد ضعيفة ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمّره في بعض الغزوات ، وهذا لا يعرف .

وما حملهم على هذا كلّه إلاّ بعض التعصّب ، وقد قال الحافظ : إنّ مسلماً لمّا وضع كتابه الصحيح عرضه على أبي زرعة الرّازي فأنكر عليه وقال : سمّيته الصحيح ، فجعلتَ سلّماً لأهل البِدع وغيرهم ، فإذا روى لهم المخالف حديثاً يقولون هذا ليس في صحيح مسلم فرحم الله تعالى أبا زرعة فقد نطق بالصواب فقد وقع هذا .

وما ذكرت ذلك كلّه إلاّ أنّه وقع بيني وبين بعض المخالفين بحث في مسألة التورّك ، فذكر لي حديث أبي حميد المذكور أوّلاً ، فأجبته بتضعيف الطحاوي ، فما تلفّظ وقال : مسلم يصحّح والطحاوي يضعّف ، والله تعالى يغفر لنا وله ، آمين )(١) .

ترجمة عبد القادر القرشي

ترجم له الحافظ السيوطي بقوله : ( عبد القادر بن محمّد بن محمّد بن نصر الله بن سالم ، محيي الدين أبو محمّد بن أبي الوفا القرشي ، درّس [وأفتى] وصنّف ، شرح معاني الآثار ، وطَبَقَات الحنفيّة ، وشرح الخلاصة ، وتخريج أحاديث الهداية ، وغير ذلك ولِد سنة ستٍّ وسبعين وستّمِئة ، ومات في ربيع الأوّل سنة خمسٍ وسبعين وسبعمِئة )(٢) .

وقال محمود بن سليمان الكفوي بترجمته : ( المولى الفاضل والنحرير الكامل عبد القادر ، كان عالماً فاضلاً ، جامعاً للعلوم ، له مجموعات وتصانيف ، وتواريخ ومحاضرات وتواليف... )(٣) .

ـــــــــــــــــــ

(١) الجواهر المضيّة في طبقات الحنفيّة ٢ : ٤٢٨ ـ ٤٣٠ .

(٢) حسن المحاضرة في محاسن مصر والقاهرة ١ : ٤٧١ .

(٣) كتائب أعلام الأخيار مِن فقهاء مذهب النعمان المختار للكفوي ـ مخطوط ـ وله ترجمة في الدرر الكامنة ٢ : ٣٩٢ وشذرات الذهب ٦ : ٢٣٨، وتاج التراجم : ٢٨ ، وغيرها أيضاً .


صحيح الترمذي

أمّا صحيح الترمذي الذي مدحوه وأثنوا عليه ، وجعلوه قريباً من الصحيحين في الصحّة والاعتبار ، ووصفوه بأنّه أحسن الكتب وأكثرها فائدة... كما قال ابن الأثير بترجمة الترمذي : ( وله تصانيف كثرة في علم الحديث ، وهذا كتابه الصحيح أحسن الكُتب وأكثرها فائدة ، وأحسنها ترتيباً وأقلّها تكراراً ، وفيه ما ليس في غيره مِن ذكر المذاهب ووجوه الاستدلال ، وتبيين أنواع الحديث من الصحيح والحسن والغريب ، وفيه جرحٌ وتعديل ، وفي آخره كتاب العلل ، قد جَمَع فيه فوائدٌ حسنة لا يخفى قدرها على مَن وقف عليها .

قال الترمذي رحمه الله : صنّفت هذا الكتاب ، فعرضته على علماء الحجاز فرضوا به ، وعرضته على علماء خراسان فرضوا به ، ومَن كان في بيته هذا الكتاب فكأنّما في بيته نبيّ يتكلّم )(١) .

وقال القاري في ( مجمع الوسائل ـ شرح الشمائل ) : ( هو أحد أئمّة عصره وأجلّة حفّاظ دهره ، قيل : ولِد أكمه ، سمع خلقاً كثيراً مِن العلماء الأعلام وحفّاظ مشايخ الإسلام ، مثل قُتيبة بن سعيد ، والبخاري ، والدارمي ، ونظرائهم ، وجامعه دالٌّ على اتّساع حفظه ووفور علمه ، كأنّه كافٍ للمجتهد وشافٍ للمقلّد .

ونُقل عن الشيخ عبد الله الأنصاري أنّه قال : جامع الترمذي عندي أنفع من كتابي البخاري ومسلم .

ومن مناقبه أنّ الإمام البخاري روى عنه حديثاً واحداً خارج الصحيح .

وأعلى ما وقع له في الجامع حديث ثلاثي الإسناد ، وهو قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( يأتي على الناس زمانٌ ، الصابر على دينه كالقابض على الجمر ) .

ـــــــــــــــــــ

(١) جامع الأُصول ١ : ١٩٤.


الموضوعات في صحيح الترمذي

ولكنّ هذا الكتاب الذي وصفوه بهذه الأوصاف وشبّهوه بنبيٍّ يتكلّم... قالوا : فيه موضوعات كثيرة...

قال الحافظ ابن دحية ـ في كلامٍ له على الحدث في أنّ نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أكرم وِلْد آدم على ربّه ـ قال : ( أخرجه الترمذي في جامعه الكبير ، في باب أبواب المناقب ، عن رسول الله ، وقد تقدّم بعض أسانيدي إليه .

قال : ثنا الحسين بن يزيد الكوفي... هذا حديثٌ حسنٌ غريب .

قال ذو النسبين ـ رحمه الله ـ : الحسِن ما دون الصحيح ، ممّا لا تنتهي رواته إلى درجة العدالة لا وتنحطّ إلى درجة الفسق وقال الترمذي في آخر كتابه : وما ذكرنا في هذا الكتاب حديثٌ حسنٌ فإنّما أردنا حُسن إسناده عندنا ، كلّ حديث يُروى ، لا يكون في إسناده ممّن يُتّهم بالكذِب ولا يكون الحديث شاذّاً ويُروى من غير وجه نحو ذلك ، فهو عندنا حديثٌ حسن ، وما ذكر في هذا الكتاب حديثٌ غريب ، فإنّ أهل الحديث يستغربون الحديث لمعان ، رُبّ حديث يكون غريباً لا يُروى إلاّ من وجهٍ واحد .

ثمّ تمادى في شرح ذلك ووجوهه .

وقد ذكرت في كتابي المسمّى بـ( العلم المشهور ) أحاديث كثيرة ، أوردها أبو عيسى في كتابه هذا ، عن قومٍ كذّابين وحسّنها ، وهي موضوعة ولا يصحّ أنْ تكون مرفوعة ، فليرجع الناظر إليه فيما انتقدته عليه )(١) .

وقال ابن تيمية بعد حديثٍ في مناقبِ أمير المؤمنينعليه‌السلام :

( والترمذي قد ذكر أحاديث مُتعدّدة في فضائله ، وفيها ما هو ضعيفٌ بل موضوعٌ )(٢) .

ـــــــــــــــــــ

(١) شرح أسماء النبيّ = المستكفى ـ مخطوط .

(٢) منهاج السنّة ٥ : ٥١١ .


هذا ، ونحن ذاكرون هنا بعض الأحاديث الموضوعة :

حديثٌ فيه بعث أبي بكر بلالاً مع النبيّ إلى الشام

فمن أحاديثه المكذوبة والباطلة : ما رواه في قضيّة سفر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى الشام مع رجالٍ مِن قريش ، وأنّ أبا بكر بعث معه بلالاً ، وهذه عبارته : ( حدّثنا الفضل بن سهل أبو العبّاس البغدادي ، نا عبد الرحمان بن غزوان ، أنا يونس بن أبي إسحاق ، عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري عن أبيه قال : خرج أبو طالب إلى الشام ، وخرج معه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أشياخٍ من قريش ، فلمّا أشرفوا على الراهب هبَط فحلّوا رحالهم ، فخرج إليهم الراهب ـ وكانوا قبل ذلك يمرّون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت ـ قال : فهم يحلّون رحالهم ـ فجعل يتخلّلهم الراهب حتّى جاء فأخذ بيد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : هذا سيّد العالمين ، هذا رسول ربّ العالمين يبعثه الله رحمة للعالمين .

فقال له أشياخٌ من قريش : ما علمك ؟

فقال : إنّكم حين أشرفتهم مِن العقبة لم يبقَ حجَر ولا شجَر إلاّ خرّ ساجداً ، ولا يسجدان إلاّ لنبيّ ، وإنّي أعرفه بخاتم النبوّة أسفل مِن غضروف كتفه مثل التفّاحة .

ثمّ رجع فصنع لهم طعاماً ، فلمّا أتاهم به فكان هو في رعية الإبل فقال : أرسلوا إليه ، فأقبل وعليه غمامة تُظِلُّه ، فلمّا دنا من القوم وجدَهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة ، فلمّا جلس مال فيء الشجرة عليه فقال : أُنظروا إلى فيء الشجرة مال عليه .

قال : بينما هو قائم عليهم وهو يُناشدهم أنْ لا يذهبوا به إلى الروم ، فإنّ الروم إنْ رأوه عرفوه بالصفة فيقتلونه ، فالتفت فإذا بسبعةٍ قد أقبلوا مِن الروم فاستقبلهم فقال : ما جاء بكم ؟ قالوا : جئنا أنّ هذا النبيّ خارجٌ في هذا الشهر ، فلم يبقَ طريقٌ إلاّ بعث إليه بأُناس ، وإنّا قد أُخبرنا خبره بعثنا إلى طريقك هذا ، فقال : هل خلفكم أحدٌ هو خيرٌ منكم ؟ قالوا : إنّما اخترنا خيرةً لك لطريقك .

قال : أفرأيتم أمراً أراد الله أنْ يقضيه هل يستطيع أحدٌ من الناس ردّه ؟ قالوا : لا قال : فبايعوه وأقاموا معه قال : أُنشدكم بالله أيّكم وليّه ؟ قالوا : أبو طالب فلم يزل يناشده حتّى ردّه أبو طالب ، وبعث معه أبو بكر بلالاً ، وزوّده الراهب من الكعك والزيت .


قال أبو عيسى : هذا حديثٌ حسنٌ غريب لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه )(١) .

فقد نصّ كبار الأئمّة على أنّه حديثٌ موضوع :

قال الذهبي ـ بترجمة عبد الرحمان بن غزوان ـ : ( قلت : أنكر ماله حديثه عن يونس بن أبي إسحاق ، عن أبي بكر بن أبي موسى ، في سفَر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ وهو مُراهق ـ مع أبي طالب إلى الشام وقصّة بحيرا ، وممّا يدلّعلى أنّه باطلٌ قوله : وردّه أبو طالب وبعث معه أبو بكر بلالاً ، وبلال لم يكن بعد خلق ، وأبو بكر كان صبيّاً ) (٢) .

وقال ابن القيّم : ( فلمّا بلغ اثني عشر سنة خرَج به عمّه إلى الشام ، وقيل : كان تِسع سنين ، وفي هذه الخرجة رآه بحيرا الراهب وأمر عمّه أنْ لا يقدِم به إلى الشام خوفاً عليه مِن اليهود ، فبعثه عمّه مع بعض غلمانه إلى المدينة ، ووقَع في كتاب الترمذي وغيره : إنّه بعث معه أبو بكر بلالاً ، وهو مِن الغلط الواضح ، فإنّ بلالاً إذْ ذاك لعلّه لم يكن موجوداً ، وإنْ كان فلم يكن معه عمّه ولا مع أبي بكر )(٣) .

وقال محمّد بن يوسف الشامي : ( تنبيهات : الأوّل : وقع في حديث أبي موسى عند الترمذي : فلم يزل بحيرا يناشد جدّه حتّى ردّه ، وبعث معه أبو بكر بلالاً .

قال الحافظ شرف الدين الدمياطي ـ وتبعه في المورد والعيون ـ في قوله : وأرسل معه أبو بكر بلالاً نكارة ، وأبو بكر حينئذٍ لم يبلغ العشر سنين ، فإنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أسنّ مِن أبي بكر بأزيد مِن عامين ، وقد قدّمنا ما كان سنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين سافر هذه السفرة .

وأيضاً : فإنّ بلالاً لم ينتقل لأبي بكر إلاّ بعد ذلك بأكثر مِن ثلاثين عاماً ، فإنّه كان لبني خلف الجمحيين ، وعندما عُذِّب في الإسلام اشتراه أبو بكر رحمةً له واستنقاذاً له من أيديهم ، وسيأتي بيان ذلك .

وذكر نحو ذلك الحافظ في الإصابة وزاد : أنّ هذا اللفظ مقتطع من حديثٍ آخر أُدرج في هذا الحديث .

ـــــــــــــــــــ

(١) صحيح الترمذي ٥ : ٥٩٠ / ٣٦٢٠ .

(٢) ميزان الاعتدال ٤ : ٣٠٦ / ٤٩٣٩ .

(٣) زاد المعاد ١ : ٧٦ ـ ٧٧ .


وفي الجملة هو وهم من أحد رواته .

وروى ابن مندة بسندٍ ضعيف عن ابن عبّاس قال : إنّ أبا بكر صحِب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة ، والنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ابن عشرين سنة ، وهُم يُريدون الشام في تجارة ، حتّى إذا نزل منزلاً فيه سدرة فقعد في ظلّها ، ومضى أبو بكر إلى راهب يُقال له بحيرا يسأله عن شيء ، فقال له : مَن الرجل الذي في ظلّ السّدرة ؟ فقال له : محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب .

فقال له : هذا والله نبيّ هذه الأُمّة ، ما استظلّ تحتها بعد عيسى بن مريم إلاّ محمّد ، وذكر الحديث .

قال الحافظ : فهذا ـ إنْ صحّ ـ يُحتمل أنْ يكون في سفرةٍ أُخرى بعد سفرة أبي طالب .

وذكر نحوه فيالزهر وزاد : وقول ابن دحية يُمكن أنْ يكون أبو بكر استأجر بلالاً حينئذ ، أو يكون أُميّة بن خلف بعثه ، غير جيّد لأمرين : أحدهما : إنّ أبا بكر لم يكن معهم ولا كان في سنّ مَن يملك ، وذكر نحو ما سبق في سنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ ذاك ، ثانيهما : إنّ بلالاً كان أصغر مِن أبي بكر ، فلا يتّجه ما قاله بحال )(١) .

وقال الدياربكري بعد ذكر هذا الحديث : ( وفي حياة الحيوان : قال الحافظ الدمياطي : وفي الحديث وهْمٌ في قوله : وبعث معه أبو بكر بلالاً ، إذ لم يكونا معه ولم يكن بلال أسلم ، ولا ملَكه أبو بكر ، بل كان أبو بكر حينئذٍ لم يبلُغ عشر سنين ، ولم يملك أبو بكر بلالاً ، إلاّ بعد ذلك بأكثر من ثلاثين ، وكذا ضعّفه الذهبي .

ـــــــــــــــــــ

(١) سبُل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد ٢ : ١٤٤ .


قال ابن حجَر : رجال هذا الحديث ثقات ، وليس فيه مُنكِر سوى قوله : وبعث معه أبو بكر... )(١) .

وقال ابن سيّد الناس : ( قلت : ليس في إسناد هذا الحديث إلاّ مَن خرّج له في الصحيح ، وعبد الرحمان بن غزوان ـ أبو نوح لقبه قراد ـ انفرد به البخاري ، ويونُس بن أبي إسحاق انفرد به مسلم .

ومع ذلك ففيه نكارة ، وهي إرسال أبي بكر مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بلالاً ، وكيف ؟ وأبو بكر حينئذٍ لم يبلغ العشر سنين ، فإنّ النبيّ أسنّ مِن أبي بكر بأزيد من عامين ، وكانت للنبيّ يومئذٍ تسعةُ أعوام على ما قاله أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري وغيره ، أو اثنا عشر عاماً على ما قاله آخرون .

وأيضاً : فإنّ بلالاً لم ينتقل لأبي بكر إلاّ بعد ذلك بأكثر من ثلاثين عاماً ، فإنّه كان لبني خلف الجمحيين ، وعندما عُذِّب في الله على الإسلام اشتراه أبو بكر استنقاذاً له من أيديه ، وخبَره بذلك مشهور )(٢) .

حديث الائتمام بأبي بكر!!

ومِن ذلك : الحديث في فضل أبي بكر ، وهذه ألفاظ الترمذي : ( حدّثنا نصر بن عبد الرحمان الكوفي ، نا أحمد بن بشير ، عن عيسى بن ميمون الأنصاري ، عن القاسم بن محمّد ، عن عائشة قالت : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لا ينبغي لقومٍ فيهم أبو بكر ، أنْ يؤمّهم غيره ) هذا حديثٌ

ـــــــــــــــــــ

(١) تاريخ الخميس ١ : ٢٥٨ ـ ٢٥٩ .

(٢) عيون الأثر في المغازي والسير ١ : ١٠٨ .


غريب )(١) .

وقد أدرج ابن الجوزي هذا الحديث في الموضوعات إذ قال : ( الحديثُ الثالث عشر ـ أخبرنا محمّد بن عبد الباقي... حدّثنا أحمد بن بشير قال : حدّثنا عيسى بن ميمون ، عن القاسم بن محمّد ، عن عائشة... قال المصنّف : هذا حديثٌ موضوعٌ على رسول الله أمّا عيسى فقال : البخاري مُنكر الحديث وقال ابن حبّان : لا يحتجّ بروايته وأمّا أحمد بن بشير ، فقال يحيى : هو متروك )(٢) .

حديث إعزاز الله الإسلام بعمر بن الخطّاب !

ومن ذلك : روايته : ( حدّثنا محمّد بن بشار ومحمّد بن رافع قالا : نا أبو عامر العقدي ، نا خارجة بن عبد الله الأنصاري ، عن نافع ، عن ابن عمر : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( اللهمّ أعزّ الإسلام بأحبّ هذين الرجلين إليك : بأبي جهل ، أو بعمر بن الخطّاب ) قال : وكان أحبّهما إليه عمر هذا حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ غريب من حديث ابن عمر )(٣) .

وهذا الحديث كذّبته عائشة .

قال الحلبي : ( ثمّ قالوا : يا ابن الخطّاب ، إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دعا فقال :( اللّهمّ أعزّ الإسلام بأحبّ هذين الرجلين بأبي جهل وعمر بن الخطّاب ) ، وفي رواية : بعمر مِن غير ذكر أبي جهل وعن عائشة إنّها قالت : إنّما

ـــــــــــــــــــ

(١) صحيح الترمذي ٥ : ٦١٤ / ٣٦٧٣ .

(٢) كتاب الموضوعات ١ : ٣١٨ .

(٣) صحيح الترمذي ٥ : ٦١٧ / ٣٦٨١ .


قال رسول الله :( اللّهمّ أعزّ عمر بالإسلام ) ؛ لأنّ الإسلام يُعِزّ ولا يُعَز )(١) .

وقال السيوطي : ( ذكر أبو بكر التاريخي عن عكرمة أنّه سُئل عن حديث : اللّهمّ أيّد الإسلام ، فقال : معاذ ال له ، دين الإسلام أعزّ من ذلك ، ولكنه قال : أعزّ عمر بالدين أو أبا جهل )(٢) .

حديث عدم صلاة النبيّ على مَن مات مُبغضاً لعثمان !!

ومن ذلك : حديثه كما في( التحفة الاثني عشريّة ) حيث قال : ( روى الترمذي أنّه أُتِي بجنازةٍ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلم يصلّ عليه وقال :( إنه كان يبغض عثمان ، فأبغضه الله ) (٣) .

وقد أورده ابن الجوزي في كتاب الموضوعات ، حيث قال : ( الحديث الثاني : أخبرنا محمّد بن عبد الملك بن خيرون قال : أخبرنا إسماعيل بن مسعدة قال : أخبرنا حمزة بن يوسف قال : أنا أبو أحمد ابن عدي قال : حدّثنا عبد الكريم بن إبراهيم بن حيّان قال : ثنا الليث بن الحارث البخاري قال : حدّثنا عثمان بن زفر قال : حدّثنا محمّد بن زياد ، عن محمّد بن عجلان ، عن أبي الزبير ، عن جابر : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أُتي بجنازة رجل ، فلم يصلّ عليها ، فقيل له : يا رسول الله ، ما رأيناك تركت الصلاة على أحدٍ إلاّ هذا قال: إنّه كان يبغض عثمان ، أبغضه الله عزّ وجلّ .

طريق آخر : أخبرنا علي بن عبيد الله الزاغوني قال : أنا عليّ بن أحمد بن

ـــــــــــــــــــ

(١) السيرة الحلبيّة ١ : ٣٣٠ .

(٢) كتاب الموضوعات ١ : ٣٣٢ .

(٣) التحفة الاثني عشريّة عن سُنن الترمذي ٥ : ٥٨٨ كتاب المناقب ، باب مناقب عثمان بن عفّان .


البندار قال : أنبأنا عبيد الله بن محمّد الفقيه قال : ثنا أبو بكر أحمد بن هشام الأنماطي قال : ثنا يحيى بن أبي طالب قال : ثنا أحمد بن عمران الأخنسي قال : ثنا محمّد بن زياد قال : حدّثنا محمّد بن عجلان ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : توفّي رجلٌ من الأنصار ، فأتينا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأخبرناه بجنازته ، فلم يُصلّ عليه فدفناه ، ثمّ رجعنا فقلنا قد دفنّاه يرحمه الله ، فلم يترحّم عليه ، فقلنا : يا رسول الله ، ما أخبرناك بميّتٍ إلاّ صلّيت عليه وترحّمت عليه ، فما بال هذا ؟ قال : إنّه كان يبغض عثمان ، أبغضه الله .

قال المصنّف : الطريقان على محمّد بن زياد ، قال أحمد بن حنبل : هو كذّابٌ خبيثٌ يضع الحديث .

وقال يحيى : كذّاب خبيث وقال السعدي والدارقطني : كذّاب وقال البخاري والنسائي والفلاس وأبو حاتم الرّازي : متروكُ الحديث وقال ابن حبّان : كان يضع الحديث على الثقات ، لا يحلّ ذكره في الكتب إلاّ على وجه القدح فيه )(١) .

حديث نزول( لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ... ) الآية

ومن ذلك : الحديث الموضوع المُفترى على أمير المؤمنين وسيّد الوصيّين وإمام المتّقين... وهذه عبارة الترمذي : ( حدّثنا عبد بن حميد ، نا عبد الرحمان بن مسعد ، عن أبي جعفر الرّازي ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي عبد الرحمان السلمي ، عن عليّ بن أبي طالب قال : ( صنع لنا عبد الرحمان بن عوف طعاماً ، فدعانا وسقانا الخمر ، فأخذَتْ الخمر منّا ، وحضَرَتْ الصلاة فقدموني فقرأت)( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ* لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ) ونحن نعبد ما

ـــــــــــــــــــ

(١) كتاب الموضوعات ١: ٣٣٣.


تعبدون فأنزل الله :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ.... ) ، هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيح(١) .

وإنّ بطلان هذا البهتان واضحٌ من جهات :

١ ـ إنّه يلزم بناءً على هذا الحديث المكذوب ، أنْ يكون أمير المؤمنين ـ والعياذ بالله ـ مُرتكباً لشرب الخمر بعد نزول تحريمه في الكتاب ؛ لأنّ تحريمه نازلٌ قبل نزول الآية( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ... ) التي زعم المفتري نزولها في هذه القضيّة ، ولو أنّ المتعصّبين لا يقولون بعصمة مولانا أمير المؤمنين ، فإنّهم يقولون بعدالته ولو لساناً ، فكيف يُمكنهم تصديق هذا البهتان ؟

أمّا أنّ تحريم الخمر كان قبل نزول الآية المذكورة ، فلا يخفى على المُتتبّعين ؛ لأنّ العلماء ينصّون على نزول الآية :ر يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ... ) قبل( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ... ) الآية... فقد جاء بتفسير النسفي ما نصّه :

( نزل في الخمر أربَع آيات ، نزل بمكّة : ( وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً ) وكان المسلمون يشربونّها وهي لهم حلال ، ثمّ إنّ عمر ونفراً من الصحابة قالوا : يا رسول الله ، أفتنا في الخمر فإنّها مذهبة للعقل مسلبة للمال فنزل :( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ) فشربها قومٌ وتركها آخرون ، ثمّ دعا عبد الرحمان بن عوف جماعةً فشربوا وسكروا ، فأمَّ بعضهم فقرأ :( قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون ) ، فنزل :( لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى ) فقلَّ مَن يشربها ، ثمّ دعا عتبان بن مالك جماعةً ، فلمّا سكروا منها تخاصموا وتضاربوا ، فقال عمر : اللّهمّ بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً فنزل :( إِنَّمَا الْخَمْرُ

ـــــــــــــــــــ

(١) صحيح الترمذي ٥ : ٢٣٨ / ٣٠٢٦ .


وَالْمَيْسِرُ ) ـ إلى قوله ـ ( فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ ) فقال عمر : انتهينا يا ربّ )(١) .

وقال الجصّاص في بيان دلالة :( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ... ) الآية على حرمة الخمر : ( باب تحريم الخمر ، قال الله تعالى :( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا... ) ، وهذه الآية قد اقتضت تحريم الخمر ، لو لم يرد غيرها في تحريمها لكانت كافيةً مُغْنية ، وذلك لقوله :( قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ) ، والإثم كلّه محرَّم بقوله تعالى :( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ... ) ، فأخبر أنّ الإثم محرَّم ، ولم يقتصر على إخباره بأنّ فيهما إثماً حتّى وصفه بأنّه كبير ، تأكيداً لحظرهما .

وقوله( مَنَافِعُ لِلنَّاسِ ) لا دلالة فيه على إباحتها ؛ لأنّ المراد منافع الدنيا ، وأنّ في سائر المحرّمات منافع لمرتكبيها في دنياهم ، إلاّ أنّ تلك المنافع لا تفي بضررها مِن العقاب المستحق بارتكابها ، فذِكْره لمنافعها غير دالّ لإباحتها ، لا سيّما وقد أكّد حظرها بقولهِ في سياق الآية( وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ) يعني : إنّ ما يستحقّ بهما من العقاب أعظم من النفع العاجل الذي يبتغى منهما) (٢) .

٢ ـ لقد روى الحاكم هذا الخبر بإسنادٍ له مِن طريق أحمد عن أبي عبد الرحمان السلمي ، عن عليّعليه‌السلام ، وفيه : أنّ الذي أمّهم وقرأ كذلك هو عبد الرحمان بن عوف ، فنزلت الآية ، قال في المستدرك :

( حدّثنا أبو عبد الله محمّد بن يعقوب الحافظ ، ثنا عليّ بن الحسن ، ثنا عبد الله بن الوليد ، ثنا سفيان ، حدّثنا أبو زكريّا يحيى بن محمّد العنبري ، ثنا

ـــــــــــــــــــ

(١) تفسير النسفي ١ : ١٢٠ ـ ١٢١ .

(٢) أحكام القرآن ١ : ٣٢٢ .


أبو عبد الله البوشنجي ، ثنا أحمد بن حنبل ، ثنا وكيع ، ثنا سفيان ، عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمان السلمي عن عليّرضي‌الله‌عنه قال : دعانا رجل مِن الأنصار قبل أنْ تحرم الخمر ، فتقدّم عبد الرحمن بن عوف فصلّى بهم المغرب فقرأ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) فالتبس عليه فيها فنزلت :( لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى ) هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يُخرجاه )(١) .

فانظر كيف حرّف النواصب هذا الحديث ، ووضعوا اسم أمير المؤمنين في مكان عبد الرحمان؟

٣ ـ إنّه حتّى لو كانت القصّة قبل تحريم الخمر ، فلا ريب في كونِها مفتراة ؛ لأنّ شرب الخمر كان قبيحاً عند أهل العقل والدّين ، كما أنّ جعفر بن أبي طالب لم يشربه قط ، لا في الجاهليّة ولا في الإسلام ، قال : ( لأنّي رأيتها تذهب العقول ، وكنت إلى زيادة العقل أحوج مِن نقصانه ) .

فهل يعقل أنْ يدرك جعفر هذهِ الحقيقة ولا يدركها أمير المؤمنين ، وهو أفضل وأعقل وأفهم من جعفر بالقطع واليقين ؟

وقد ذُكر مثل ذلك عن قصي ، كما في( السيرة الحلبيّة ) قال : ( ولمّا احتضر قال لأولاده : اجتنبوا الخمرة ، فإنّها تصلح الأبدان وتفسد الأذهان )(٢) .

وقال صاحب( المستطرف ) في الخمر :

( وممّن تركها في الجاهليّة : عبد الله بن جدعان ، وكان جواداً مِن سادات قريش ، وذلك أنّه شرب مع أُميّة بن الصّلت الثقفي ، فضربه على عينه ،

ـــــــــــــــــــ

(١) المستدرك على الصحيحين ٤ : ١٤٢ .

(٢) السيرة الحلبيّة ١ : ١٣ .


فأصبحت عين أُميّة مخضرّةً يخاف عليها الذهاب ، فقال له عبد الله : ما بال عينك ؟ فسكت ، فألحّ عليه ، فقال : ألست ضاربها بالأمس ؟ فقال : أو بلغ منّي الشراب ما أبلغ معه إلى هذا ؟ لا أشربها بعد اليوم ، ثمّ دفع له عشرة دراهم وقال : الخمر عليّ حرامٌ ، لا أذوقها بعد اليوم أبداً .

وممّن حرّمها في الجاهليّة أيضاً : قيس بن عاصم ، وذلك أنّه سكر ذات ليلة فقام لابنته أو لأُخته ، فهربت منه ، فلمّا أصبح سأل عنها فقيل له : أو ما علمت ما صنعت البارحة ، فأُخبر القصّة ، فحرّم الخمر على نفسه .

وممّن حرّمها في الجاهليّة أيضاً : العبّاس بن مرداس ، وقيس بن عاصم ؛ وذلك أنّ قيساً شرب ذات ليلة ، فجعل يتناول القمر ويقول : والله لا أبرح حتّى أنزله ، ثمّ يثب الوثبة بعد الوثبة ويقع على وجهه ، فلمّا أصبح وأفاق قال : مالي هكذا ، فأخبروه بالقصّة ، فقال : والله لا أشربها أبداً وقيل للعبّاس بن مرداس : لم تركت الشراب وهو يزيد في سماحتك ؟ فقال : أكره أنْ أصبح سيّد قومي وأُمسي سفيههم) (١) .

٤ ـ إنّه قد صرّح الإمام عليه‌السلام باجتنابه الخمر مطلقاً ، فيما رواه الحافظ ابن شهر آشوب السروي (٢) عن تفسير القطّان ، عن عمر بن حمران ، عن سعيد ، عن قتادة عن الحسن البصري قال :

اجتمع عثمان بن مظعون ، وأبو طلحة ، وأبو عبيدة ، ومعاذ بن جبل ، وسهيل ابن بيضاء ، وأبو دجانة في منزل سعد بن أبي وقّاص ، فأكلوا شيئاً ، ثمّ قدّم إليهم شيئاً من الفضيخ ، فقام عليّ وخرج من بينهم ، فقال عثمان في ذلك ، فقال عليّ :( لعن الله الخمر ، والله لا أشرب شيئاً يذهب بعقلي ، ويضحك بي من رآني ، وأُزوّج كريمتي مَن لا أُريد ) ، وخَرج مِن بينهم فأتى المسجد ، وهبط جبرئيل بهذه الآية :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ) يعني هؤلاء الذين اجتمعوا في منزل سعد( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ... ) الآية .

ـــــــــــــــــــ

(١) المستظرف من كلّ فنّ مستطرف ٢ : ٢٦١ .

(٢) هو : محمّد بن عليّ بن شهر آشوب ، أبو جعفر السروي المتوفّى سنة ٥٨٨ ، ترجم له الصفدي ( الوافي بالوفيات ٤ : ١٦٤) قال : ( أحد شيوخ الشيعة ، حفظ أكثر القرآن وله ثمانِ سنين ، وبلغ النهاية في أُصول الشيعة ، كان يرحل إليه من البلاد ، ثمّ تقدّم في علم القرآن والغريب والنحو ، ووعظ على المنبر أيّام المقتفي ببغداد فأعجبه وخلع عليه ، وكان بهيّ المنظر حسن الوجه والشيبة ، صدوقُ اللهجة مليح المُحاورة ، واسع العلم ، كثير الخشوع والعبادة والتهجّد ، لا يكون إلاّ على وضوء ) .


فقال عليّ : تبّاً لهما ، والله يا رسول الله ، لقد كان بصري فيها نافذاً منذ كنت صغيراً قال الحسن :( والله الذي لا إله إلاّ هو ، ما شربها قبل تحريمها ولا ساعة قط ) (١) .

٥ ـ لقد سعى القوم سعياً حثيثاً وراء تبرئة أبي بكر وتنزيهه من شرب الخمر ، ولو قبل التحريم ، حتّى قال الحكيم الترمذي في كتاب( نوادر الأُصول ) : ( من الحديث الذي تنكره القلوب : حديثٌ رَووه عن عوف ، عن أبي القموص قال : شرب أبو بكر الخمر ـ يعني مِن قبل نزول تحريمها ـ فقعد ينوح على قتلى بدر وهو يقول :

تحيّي بالسلامة أُمّ بكر

وهل لك بعد رهطك من سلام

ذريني أصطبح يا أُمّ بكر

رأيت الموت نقّب عن هشام

فنقب عن أبيك وكان قرماً

من الأشرافِ شرّاب المدام

وودّ بنو المغيرة لو فدوه

بألفٍ من رجال أو سوام

كأنّي بالطوي طوي بدر

من الفتيان والخيل الكرام

فبلغ ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فخرج يجرّ ثوبه من الفزع حتّى أتاه ، فدفع عليه شيئاً في يديه ، فقال أبو بكر : أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسول الله ، فأُنزلت( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ... ) الآية.

وزاد غيره في الأبيات :

يخبرنا رسول الله بأن سنحيى

فكيف حياة أصلاء وهام

ـــــــــــــــــــ

(١) مناقب آل أبي طالب ٢ : ٢٠٣ ـ ٢٠٤ .


فهذا منكر من القول والفعل ، وقد أعاذ الله الصدّيقين من فعل الخنا وأقوال أهله ، وإنْ كان قبل التحريم... )(١) .

أقول : فكيف يَنسب الترمذي هذا الفعل الشنيع إلى أفضل الصدّيقين وإمام المتقين؟

وفي( الرياض النضرة ) : ( عن أبي العالية الرياحي قال : قيل لأبي بكر في مجمع من أصحاب رسول الله : هل شربت الخمر في الجاهليّة ؟ قال : أعوذ بالله ، فقيل : ولِمَ ؟ قال : كنت أصون عرضي وأحفظ مالي ، فمَن شرب الخمر كان مضيّعاً في عرضه ومروّته ، فبلغ ذلك النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال :( صدق أبو بكر ـ مرّتين ) . أخرجه الدارمي )(٢) .

ومن هذا أيضاً يظهر شناعة الفِرية التي افتراها الترمذي...

أقول : لكنّ الحقيقة هي أنّ هؤلاء كانوا يشربون الخمر ، فلمّا رأى المتعصّبون لهم ذلك ، عمدوا إلى نِسبة الشرب إلى أمير المؤمنين حمايةً لهم وتغطيةً على مساويهم ، وهذا هو السبب الأصلي لوضع حديث الترمذي...

لقد خرج البزّار وابن مردويه والفاكهي وغيرهم خبر شرب أبي بكر ، واضطرّ ابن حجَر للاعتراف بثبوت الخبر... قال البخاري : ( حدّثنا إسماعيل بن عبد الله قال : حدّثني مالك بن أنَس ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنَس بن مالك قال : كنت أسقي أبا عبيدة وأبا طلحة وأُبي بن كعب من فضيخ زهو وتمر ، فجاءهم آتٍ فقال : إنّ الخمر قد حُرمت ، فقال أبو طلحة : قم يا أنَس فأهرِقْها ، فأهرَقَتها .

ـــــــــــــــــــ

(١) نوادر الأُصول ، وقد حذفته الأيدي الأثيمة لكونه ممّا تنكره القلوب !!

(٢) الرياض النضرة في مناقب العشرة ١ : ٢٠١ .


حدّثنا مسدّد قال : حدّثنا معتمر عن أبيه قال : سمِعت أنَساً قال : كنت قائماً على الحيّ أسقيهم عمومتي ، وأنا أصغرهم ، الفضيخ ، فقيل : حُرمت الخمر ، فقالوا : أكفأها ، فكفأناها .

قلت لأنَس : ما شرابهم ؟ قال : رطب وبسر فقال أبو بكر بن أنَس : وكانت خمرهم ، فلم ينكر أنَس ) .

فقال ابن حجَر بشرح الحديث الأوّل ما نصّه :

( قوله : كنت أسقي أبا عُبيدة هو ابن الجرّاح ، وأمّا أبو طلحة هو زيد بن سهل زوج أُمّ سليم أُمّ أنَس وأُبيّ بن كعب كذا اقتصر في هذه الرواية على هؤلاء الثلاثة ، فأما أبو طلحة ، فلكون القصّة كانت في منزله كما مضى في التفسير مِن طريق ثابت عن أنَس : كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة وأمّا أبو عبيدة فلأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم آخى بينه وبين أبي طلحة ، كما أخرجه مسلم من وجه آخر عن أنَس ، وأمّا أُبي بن كعب ، فكان كبير الأنصار وعالِمهم .

ووقع في رواية عبد العزيز بن صهيب عن أنَس في تفسير المائدة : إنّي لقائم أسقي أبا طلحة وفلاناً وفلاناً ، كذا وقع بالإبهام .

وسمّى في رواية مسلم منهم أبا أيّوب .

وسيأتي ـ بعد أبواب ـ مِن رواية هشام عن قتادة عن أنَس : إنّي لأسقي أبا طلحة وأبا دجانة وسهيل بن بيضاء وأبو دجانة بضمّ المهملة وتخفيف الجيم وبعد الألف نون اسمه سمّاك بن خَرَشَة بمعجمتين بينهما راء مفتوحات .

ولمسلم من طريق سعيد عن قتادة نحوه ، وسمّى فيهم معاذ بن جبل .

ولأحمد عن يحيى القطّان ، عن حميد عن أنَس : كنت أسقي أبا عُبيدة ، وأُبيّ بن كعب ، وسُهيل بن بيضاء ، ونَفَراً من الصحابة عند أبي طلحة .

ووقع عند عبد الرزّاق عن معمر عن ثابت وقتادة وغيرهما عن أنس: أنّ القوم كانوا أحد عشر رجلاً.


وقد حصل مِن الطُرق التي أوردتها تسميةُ سبعةٍ منهم ، وأنّهم هُم في رواية سليمان التيمي عن أنَس ، وهي في هذا الباب ولفظه : كنت قائماً على الحيّ أسقيهم عمومتي ، موضع خفضٍ على البدل من قوله الحيّ ، وأطلق عليهم عمومته ؛ لأنّهم كانوا أسنّ منه ، ولأنّ أكثرهم من الأنصار .

ومن المستغربات ما أورده ابن مردويه في تفسيره ، من طريق عيسى بن طهمان عن أنَس : أنّ أبا بكر وعمر كانا فيهم ، وهو مُنكَرٌ مع نظافة سنده ، وما أظنّه إلاّ غلطاً .

وقد أخرج أبو نعيم في الحلية ، في ترجمة شعبة ، من حديث عائشة قالت : حرّم أبو بكر الخمر على نفسه ، فلم يشربها في جاهليّةٍ ولا إسلام .

ويُحتمل ـ إنْ كان محفوظاً ـ أنْ يكون أبو بكر وعُمر زارا أبا طلحة في ذلك اليوم ولم يشربا معهم .

ثمّ وجدت عند البزّار من وجهٍ آخر عن أنَس قال : كنت ساقي القوم ، وكان في القوم رجلٌ يُقال له أبو بكر ، فلمّا شرب قال : تحيي بالسلامة أُمّ بكر... الأبيات .

فدخل علينا رجلٌ من المسلمين فقال : قد نزل تحريم الخمر ، الحديث .

وأبو بكر هذا يُقال له ابن شعوب فظنّ بعضهم أنّه أبو بكر الصدّيق وليس كذلك ، لكن قرينة ذكر عمر تدلّ على عدم الغلط في وصف الصدّيق ، وفي كتاب مكّة للفاكهي من طريقٍ مُرسل ما يشدّ ذلك .

فحصلنا على تسمية عشر ، وقد قدّمت في غزوة بدر من المغازي ترجمة أبي بكر بن شعوب المذكور )(١) .

وقد علم ممّا رواه ابن حجَر شرب عمر أيضاً.

وفي( المستطرف ) في الباب الرابع والسّبعين ، في ذمّ الخمر وتحريمه : ( أنزل الله تعالى في الخمر ثلاث آيات .

ـــــــــــــــــــ

(١) فتح الباري ـ شرح صحيح البخاري ١٠ : ٣٠ ـ ٣١ .


الأُولى قوله تعالى : ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا.... ) فكان في المسلمين مِن شاربٍ ومن تاركٍ ، إلى أنْ شربها رجلٌ ودخل في الصلاة فهجر ، فنزل قوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى.... ) ، فشربها مَن شربها من المسلمين وتركها مَن تركها ، حتّى شرِبها عمر ، فأخذ بلحى بعيرٍ فشجّ به رأس عبد الرحمان بن عوف ، ثمّ قعد ينوح على قتلى بدر بشعر الأسود بن يعفر ، وهو :

وكاين بالقليب قليب بدر

من الفتيان والشرب الكرام

أيوعدني ابن كبشة أن سنحيى

وكيف حياة أصداء وهام

أيعجز أنْ يردّ الموت عنّي

وينشرني إذا بليت عظامي

ألا من مبلغ الرحمان عنّي

بأنّي تاركٌ شهر الصيام

فقل لله يمنعني شرابي

وقل لله يمنعني طعامي

فبلغ ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فخرج مغضباً يجرّ رداءه ، فرفع شيئاً كان في يده ، فضربه به ، فقال : أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله ، فأنزل الله تعالى :( إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) .

فقال عمر : انتهينا انتهينا )(١) .

هذا، وقد نصّ الجصّاص على دلالة الآية( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ... ) على التحريم ، وعلى أنّ عمر كان يعلم بدلالتها على الحرمة، حيث قال في( أحكام القرآن ) :

( قوله :( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ) قال : الميسر هو القمار ، كان الرجل في الجاهليّة يخاطر على أهله وماله. قال: وقوله: ( لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ) ، قال : كانوا لا يشربونها عند الصلاة فإذا صلّوا العشاء شربوها فقابلوا بعضهم بعضاً وتكلّموا بما لا يرضى الله ، فأنزل الله عزّ وجلّ :( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ ) . قال : فالميسر القمار ، والأنصاب الأوثان ، والأزلام القداح كانا يستقسمون بها .

ـــــــــــــــــــ

(١) المُستطرف مِن كلّ فنّ مستظرف ٢ : ٢٦٠ .


قال : وحدّثنا أبو عبيد قال : حدّثنا عبد الرحمان بن مهدي ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن أبي ميسرة قال : قال عمر : اللهمّ بيّن لنا في الخمر ،فنزلت : ( لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ) فقال : اللّهمّ بيّن لنا في الخمر ، فنزلت : ( قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ) فقال : اللّهمّ بيّن لنا في الخمر ، فنزلت : ( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ـ إلى قوله ـ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ ) فقال عمر : انتهينا ، إنّها تُذهِب المال وتُذهِب العقل .

قال : وحدّثنا أبو عبيد قال : حدّثنا هشيم قال : أخبرنا المغيرة عن أبي رزين قال : شربت الخمر بعد الآية التي في البقرة وبعد الآية التي في النساء ، فكانوا يشربونها حتّى يحضر الصلاة فإذا حضرت تركوها ، ثمّ حرمت في المائدة في قوله : ( فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ ) فانتهى القوم عنها فلم يعودوا فيها .

فمن الناس من يظنّ أنّ قوله : ( قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ) ، لم يدلّ على التحريم ؛ لأنّه لو كان دالاًّ لما شربوه ، ولما أقرّهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولما سأل عمر البيان بعده ، وليس هذا كذلك عندنا ، لأنّه جائز أن يكونوا تأوّلوا في قوله :( وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ) جواز استباحة منافعها بأنّ الإثم مقصورٌ على بعض الأحوال دون بعض ، فإنّما ذهبوا عن حكم الآية بالتأويل .

أمّا قوله : إنّها لو كانت حراماً لما أقرّهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على شربها ، فإنّه ليس في شيء مِن الأخبار علم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بشربها ولا إقرارهم بعد علمه ، وأمّا سؤال عمر بياناً بعد نزول هذه الآية ، فإنّه كان للتأويل فيه مساغ ، وقد علم هو وجه دلالتها على التحريم ، ولكنّه سأل بياناً يزول معه احتمال التأويل ، فأنزل الله تعالى :

( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ) الآية(١) .

وقال الزمخشري في( ربيع الأبرار ) :

ـــــــــــــــــــ

(١) أحكام القرآن للجصّاص ١ : ٣٢٢ ـ ٣٢٤ .


 ( أنزل الله سبحانه وتعالى في الخمر ثلاث آيات ، أوّلها :( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ) فكان المسلمون بين شاربٍ وتارك ، إلى أنْ شرِبها رجلٌ ودخل في صلاته فهَجَر ، فنزلت : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى ) ، فشربها مَن شربها من المسلمين ، حتّى شرِبها عُمر بن الخطّاب ، فأخذ بلحى بعير فشجّ رأس عبد الرحمان بن عوف ، ثمّ قعد ينوح على قتلى بدر بشعر الأسود بن يعفر :

وكاين بالقليب قليب بدر...) .

فذكر الزمخشري الشعر كلّه ، وأنّه بلغ ذلك رسول الله... فأنزل الله : ( إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ... ) .

فقال عمر: انتهينا انتهينا )(١) .

فعلم أنّ الآية :( يَسْأَلُونَكَ... ) دالّة عل التحريم ، وأنّ عمر شرب بعد نزولها وهو عالم بدلالتها على ذلك...

والخمر كانت محرّمةً في سائر الشرائع أيضاً ، كما روى الفقيه أبو الليث السمر قندي في كتابه( تنبيه الغافلين ) :

( عن عطاء بن يَسار ، إنّ رجلاً سأل كعب الأحبار : هل حرّمت الخمر في التوراة ؟ قال : نعم ، هذه الآية :

 ( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ... ) مكتوبةٌ في التوراة : إنّما أُنزل بالحقّ ليذهب الباطل ويبطل اللعب والدفّ والمزامير وهو الرقص ، والخمر وهي مرّة ، أي فتنةٌ لشاربها ، أقسم الله بعزّته وجلاله لِمَن انتهكها ، أي ذاقها واستعملها في الدنيا لأعطشنّه يوم القيامة ، ومَن تركها بعد ما حرّمتها ، إلاّ سقيته إيّاها في حظيرة القدس قيل : وما حظيرة القدس ؟ قال الله تعالى : القدس وحظيرته الجنّة ) .

ـــــــــــــــــــ

(١) ربيع الأبرار ٤ : ٥١ وما بعدها .


وأيضاً : روى عن أُويس بن سمعان أنّه قال للنبيّ : ( والذي بعثك بالحقّ نبيّاً ، إنّي لأجد في التوراة أنّ الخمر محرّمة خمساً وعشرين مرّة ، وويلٌ لشارب الخمر ، وحقّ على الله أنْ لا يشربها عبدٌ مِن عبيده في الدنيا ، إلاّ سقاه الله تعالى مِن طينة الخبال ) .

وأيضاً : روى عن عائشة ، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال :( مَن أطعم شارب الخمر لُقمة سلّط الله على جسده حيّةً وعقرباً ، ومَن قضى له حاجةً فقد أعان على هدم الإسلام ، ومَن أقرضه قرضاً فقد أعان على قتلِ مؤمن ، ومَن جالسه حشره الله يوم القيامةِ أعمى لا حجّة له ، ومَن شرب الخمر لا تزوّجوه فإنْ مرض فلا تعودوا ، فو الذي بعثني بالحقّ نبيّاً ، إنّه ما يشرب الخمر إلاّ ملعونٌ في التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ، ومَن شرب الخمر فقد كفر بجميع ما أنزل الله تعالى على أنبيائه ، ولا يستحلّ الخمر إلاّ كافر ، ومن استحلّ الخمر فأنا بريءٌ منه في الدنيا والآخرة ) (١) .

وقال الحاكم : ( حدّثنا عليّ بن جمشاد العدل ، ثنا عُبيد بن شريك ، ثنا سعيد بن مريم ، أنبأ الدراوردي ، حدّثني داود بن صالح ، عن سالم بن عبد الله ابن عمر ، عن أبيه ، أنّ أبا بكر الصدّيق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما أو ناساً من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جلسوا بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فذكروا أعظم الكبائر ، فلم يكن عندهم فيها علمٌ ينتهون إليه ، فأرسلوني إلى عبد الله بن عمر وأسأله عن ذلك ، فأخبرني أنّ أعظم الكبائر شرب الخمر فأخبرتهم فأنكروا ذلك ووثبوا إليه جميعاً في داره

ـــــــــــــــــــ

(١) تنبيه الغافلين : ١٤٨ .


فأخبرهم أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : إنّ ملكاً من ملك بني إسرائيل أخذ رجلاً فخيّره : بين أنْ يشرب الخمر ، أو يقتل نفساً أو يزني ، أو يأكل لحم الخنزير ، أو يقتلوه إنْ أبى ، فاختار أنْ يشرب الخمر ، وإنّه لمّا شرب لم يمتنع من شيء أراد منه...)(١) .

هذا ، وما اكتفى القوم بنسبة شرب الخمر إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام ، بل نسبوا ذلك إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيضاً ـ والعياذ بالله ـ جاء ذلك في كتاب ( مدارج النبوّة ) للشيخ عبد الحقّ الدهلوي ، في كلامٍ له حول ( مسجد الفضيخ ) بالمدينة المنوّرة ، وهو مسجد ردّ الشمس ، فقال في بيان سبب تسميته بالاسم المذكور :

( وأخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عمر : أنّه قد أُتي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذا الموضع بكوزٍ فيه فضيخ فشربه ، فسمّي بمسجد الفضيخ لذلك )(٢) .

ونعوذ بالله من هذا الكذِب الصريح ، والبهتان القبيح ، والافتراء الفضيح ...

فانظر إلى هؤلاء القوم ، كيف يحاولون صيانة أئمّتهم وحمايتهم من المعائب والمثالب ، حتّى لا يمنعهم ذلك من نسبة شنائعهم وفظائعهم إلى النبيّ والوصيّ... ؟ ...

ثمّ ألجأهم ذلك إلى الفتيا بجواز شرب الخمر للتقوّي... قال سعد بن عيسى بن أميرخان المُفتي في( حاشية العناية ) :

( ومن أصحابنا مَن قال : إذا كان الرجل صالحاً في أُموره ، تغلب حسناته سيّئاته ، ولا يعرف بالكذِب ولا شيءٍ من الكبائر ، غير أنّه يشرب الخمر أحياناً ، لصحّة البدن والتقوّي لا للتلهّي ، يكون عدلاً ، وعامّة مشايخنا على أنّه لا يكون عدلاً ؛ لأنّ شرب الخمر يكون كبيرةً محضة وإنْ كانت للتداوي ) .

ـــــــــــــــــــ

(١) المستدرك على الصحيحين ٤ : ١٤٧ .

(٢) مدارج النبوّة : ٨٢ .


الفهرست

الباب الثاني : التفسير والمفسّرون عند أهل السنّة ٣

المدخل. ٣

بحثٌ حول تفسير عليّ بن إبراهيم القمّي. ٣

اعلم : ٣

كلام صاحب منتهى الكلام في تفسير القمّي. ٣

المعتبر في قبول الرواية حال الأداء ٥

من غرائب أوهام صاحب منتهى الكلام ١٠

وصف بعض الأعاظم بـ ( الشيطان ) ١١

قول بعض عرفائهم : ١٢

نقودٌ أُخرى لكلام الفيض آبادي. ١٢

مقدّمة ١٣

كلمات في ذمّ كتبهم التفسيريّة ١٣

طبقة الصّحابة ١٩

الخلفاء والتفسير ١٩

عبد الله بن مسعود ٢٣

بين عثمان وابن مسعود ٢٣

مشكلة الفاتحة والمعوّذتين وطُرق حلّها ٢٦

عبد الله بن العبّاس.. ٣٥

قوله بالمتعة وهي عند جمهورهم حرام ٣٥

قوله برؤية النبي ربّه ٣٦

إنكار عائشة ذلك.. ٣٧

تأويل إنكار عائشة ٣٨

إنكار الصحابة ٤٠

محاولة الجمع. ٤٠


إنكار عائشة على ابن عبّاس في مسائل أُخرى. ٤٤

قول ابن عبّاس بوقوع الغلط في القرآن. ٤٤

أُبيّ بن كعب.. ٤٦

إنكاره المعوّذتين. ٤٦

مَن كفر بآية من القرآن كفر بكلّه ٤٧

زيد بن ثـابت.. ٤٩

توصيفه بالضلال والإضلال. ٤٩

توصيفه بالجور في الحكم. ٥٠

أحاديث في ذمّ القاضي الجائر ٥٢

إنّه زاد في القرآن ونقص منه ٥٥

ردّه عمر بن الخطّاب في آيةٍ مع قبوله خزيمة في أُخرى  ٥٦

أبو موسى الأشعري. ٥٧

انحرافه عن أمير المؤمنين. ٥٧

ترجمة ابن عبد البر ٥٧

كلام حذيفة بن اليمان في أبي موسى لانحرافه ٥٨

عليّ باب حطّة من خرج منه كان كافراً ٥٩

كتم كلام حذيفة في أبي موسى. ٦٠

من مشاهد انحراف أبي موسى عن عليّ. ٦١

حديث خاصف النعل. ٧٤

قصّة التحكيم. ٨٩

كلام الإمام في أبي موسى بعد التحكيم. ٩٣

لعن النبيّ أبا موسى الأشعري. ٩٥

ترجمة ابن عساكر ٩٥

قنوت علي بالدعاء على أبي موسى في جماعة ٩٧

توقّف عمر عن قبول خبر أبي موسى. ٩٧


تنبيه حول كتاب الإمامة والسياسة(١) ٩٨

ترجمة ابن قتيبة(٢) ٩٨

كتاب الإمامة والسياسة ٩٩

عبد الله بن الزبير ١٠٢

أوّل شهادة زور في الإسلام ١٠٢

قبائح ابن الزبير في هذه القصّة ١٠٥

خروجه لقتال الإمام عليه‌السلام.... ١٠٦

ترجمة ابن عبد ربّه ١١٠

كان عمر يرى الزبير وأصحابه مفسدين. ١١١

كلامٌ لابن طلحة الشافعي. ١١٢

عبد الله بن الزبير يُحاول إقناع أبيه ١١٩

كلام الإمام في عبد الله بن الزبير ١٢١

بين عبد الله بن الزبير والإمام الحسين عليه‌السلام.... ١٢٣

ومن مساوئه في كتب التاريخ والحديث.. ١٣٣

رواية موضوعة عن ابن عبّاس في مدح ابن الزبير ١٣٦

بين عائشة وابن الزبير ١٣٨

محاولة التأويل. ١٤٠

قوله معاوية لابن الزبير : إنّك لمخالف... ١٤٢

لعن أمير المؤمنين عليه‌السلام ابن الزبير ١٤٣

تحريف الرواية ١٤٥

قول النبيّ لابن الزبير : ويل للناس منك... ١٤٦

كلام أبي برزة في ابن الزبير ١٤٧

كلمات الحفّاظ بشرح كلام أبي برزة ١٥١

تكلّم ابن عمر في ابن الزبير ١٥٣

ثمّ قال السيوطي في ( الإتقان ) : ١٦٠


أنس بن مالك.. ١٦١

كتمانه الشهادة ١٦١

تحريف الحديث.. ١٦٢

الكذب.. ١٦٣

حضوره عند ابن زياد وهو ينكت ثنايا أبي عبد الله  ١٦٣

طعن أبي حنيفة فيه ١٦٤

كان يلبس الحرير ١٦٦

تقصيره الصّلاة وتركه الصّيام مدّة سنتين. ١٦٧

أبو هريرة ١٦٨

مولاته عدوّ عليّ. ١٦٨

لعب القمار والشطرنج. ١٦٩

أبو هريرة في نظر الصحابة ١٧٠

تكذيب عائشة أبا هريرة ١٧٢

تحريف معنى الحديث.. ١٧٦

تكذيب عمر أبا هريرة ١٧٧

عزله عن البحرين وهتكه ١٧٧

أبو هريرة عند أبي حنيفة ١٧٨

أبو هريرة عند عيسى بن أبان. ١٧٩

أبو هريرة عند محمّد بن الحسن. ١٨١

عبد الله بن عمر ١٨٢

إباؤه عن البيعة لأمير المؤمنين. ١٨٢

بيعته ليزيد بن معاوية ١٨٣

ابن عمر في نظر عائشة ١٨٧

ابن عمر عند سائر الصّحابة ١٩١

خروجه لقتال الإمام في صفّين. ١٩٣


تكذيب معاوية روايته ١٩٤

طبقة التابعين. ١٩٦

مجاهـد. ١٩٨

تفسيره من أهل الكتاب.. ١٩٨

اشتماله على المنكرات الشديدة ١٩٨

نسبته المعصية إلى يوسف عليه‌السلام.... ١٩٩

عكرمة مولى ابن عبّاس.. ٢٠١

هو من أعلام الخوارج. ٢٠١

قوادحه كما في ميزان الاعتدال. ٢٠٢

قوادحه كما في معجم الأُدباء ٢٠٥

الحسنُ البصري. ٢٠٧

هو مِن القدريّة ٢٠٧

ذم القدريّة في روايات القوم ٢٠٧

دفاع الذهبي عن الحسن البصري. ٢١٠

كان الحسن مدلّساً ٢١٢

لعبه بالشطرنج. ٢١٣

نسبته المعصية إلى يوسف عليه‌السلام.... ٢١٤

فساد مذهبه يوجب الحكم بكفره ٢١٤

عطاء بن أبي رباح. ٢١٥

لعبه بالشطرنج. ٢١٥

تركه النهي عن المنكر ٢١٧

كان يأخذ من كلّ أحدٍ ويروي المرسلات.. ٢١٩

عطاء بن أبي سلمة الخراساني. ٢٢١

أبو العالية ٢٢٣

الضحّاك بن مزاحم. ٢٢٥


عطيّة بن سعد العوفي. ٢٢٦

قتادة ٢٢٧

كان يتّهم بالقدر ٢٢٧

كان كحاطب ليل. ٢٢٨

كان يدلّس.. ٢٢٨

قصّة أبي حنيفة معه ٢٢٩

زيد بن أسلم. ٢٣١

مُرّة بن شراحيل. ٢٣٣

عبد الرحمان بن زيد بن أسلم. ٢٣٤

الطبقة الثالثة ٢٣٥

سفيان بن عيينة ٢٣٦

كان يدلّس.. ٢٣٦

من كلماتهم في ذمّ التدليس.. ٢٣٧

اختلط في آخر عمره ٢٣٨

وكيع بن الجرّاح. ٢٤٠

له قوادح. ٢٤٠

عبد الرزّاق بن همّام ٢٤٢

إسحاق بن راهويه ٢٤٤

روح بن عبادة ٢٤٥

عبد بن حميد. ٢٤٧

سُنيد بن داود ٢٤٨

ابن أبي شيبة ٢٥٠

ابن شهاب الزّهري. ٢٥١

جُويبِر بن سعيد. ٢٥٥

أبو صالح باذام ٢٥٦


ليث بن أبي سليم. ٢٥٧

عبد الله بن أبي نجيح. ٢٥٩

عيسى بن ميمون. ٢٦٠

مقاتل بن حيّان. ٢٦١

مقاتل بن سليمان. ٢٦٢

السدّي الكبير ٢٦٤

محمّد بن السّائب الكلْبي. ٢٦٨

عليّ بن أبي طلحة ٢٧١

سعيد بن بشير ٢٧٧

الفريابي. ٢٧٨

عثمان بن أبي شيبة ٢٧٩

الطبقة الرابعة ٢٨٢

تفسير ابن جرير الطَبَري. ٢٨٣

تفسير ابن أبي حاتم. ٢٨٩

تفسير الحاكم النّيسابوري. ٢٩٣

تفسير ابن ماجة ٢٩٤

تفسير ابن مردويه ٢٩٥

تفسير ابن المنذر ٢٩٥

تفسير بن أبي داود السجستاني. ٢٩٦

تفسير أبي بكر النقّاش.. ٢٩٩

طبقة المتأخّرين. ٣٠١

الزجّاج. ٣٠٢

أبو حيّان الأندلسي. ٣٠٣

أبو عبد الرحمان السّلَمي. ٣٠٨

الباب الثالث : الصِّحاح الستّة ٣١١


مقـدّمة ٣١١

الصحّاح عند أهل السنّة ٣١١

قدح الفيض آبادي في الصحيحين ٣١١

صحيح البخاري. ٣١٥

ترك أبي زرعة وأبي حاتم البخاري. ٣١٥

ترجمة أبي زرعة الرازي. ٣١٧

ترجمة أبي حاتم الرّازي. ٣٢٤

تكلّم الذهلي في البخاري. ٣٢٥

نقد دفاع القوم عن البخاري. ٣٢٦

ترجمة الذهلي. ٣٣٠

قول البخاري بخلق الإيمان. ٣٣٧

ترجمة صاحب الفصول. ٣٣٧

تصريح ابن دحية بانحراف البخاري عن أهل البيت   ٣٣٨

ترجمة أبي الخطّاب ابن دحية ٣٤٠

موقف البخاري من حديث الغدير وكلمات الأعلام فيه ٣٤٢

ترجمة ابن الجزري. ٣٤٣

استرابة البخاري في بعض حديث الإمام الصادق عليه‌السلام !! ٣٤٤

طعن القطّان في الإمام الصادق !! ٣٤٧

ترجمة مجالد بن سعيد. ٣٤٧

موقف الذهبي. ٣٤٨

ترجمة القطّان. ٣٥٠

قصة كتاب العلل لابن المديني. ٣٥٥

طعن مسلم فيمن قال بمقالة البخاري. ٣٥٧

أحاديثٌ باطلة في كتاب البخاري. ٣٥٩

حديث خِطبة عائشة ٣٥٩


حديث شفاعة إبراهيم لآزر ٣٦٠

حديث الصلاة على ابن أبي سلول. ٣٦٦

حديث : كذِب إبراهيم ثلاث كِذبات.. ٣٦٨

حديث : أنّ نبيّاً أحرق بيت النمل. ٣٦٩

حديث أمر النبيّ بالأكل ممّا لم يذكر اسم الله عليه ٣٧٠

تصرّف بعضهم في لفظ الحديث ! ٣٧١

توجيه البعض معنى الحديث.. ٣٧٤

التزام بعضهم بمفاده الباطل. ٣٧٥

تكلّفات الآخرين في حلّ العقدة ٣٧٦

حديث نفي توريث الأنبياء ٣٨١

حديث مجادلة الإمام مع النبي في صلاة الليل  ٣٨٢

حديث خطبة بنت أبي جهل. ٣٩٢

حديث شأن نزول : (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ...)   ٣٩٣

خبر عدم تفضيل الإمام على الصّحابة بعد الخلفاء ٣٩٥

حديث أخذ الأجر على كتاب الله. ٣٩٧

حديث أسباط في الاستسقاء ٣٩٨

حديث تكثر لكم الأحاديث من بعدي. ٣٩٩

حديث تحريم المعازف.. ٤٠٠

حديث المؤمن لا يزني حين يزني. ٤٠١

حديث شريك في الإسراء ٤٠٣

صحيح مسلم. ٤٠٧

أبو زرعة الرّازي وصحيح مسلم. ٤٠٧

الموضوعات في صحيح مسلم. ٤٠٨

حديث الضحضاح. ٤٠٨

الحديث الدالّ على تعيين أبي بكر للخلافة !! ٤١٠


حديث أنّ عمر أوّل مَن أمر بالأذان. ٤١٢

حديثان متناقضان في موضع صلاة النبيّ الظهر في حجّة الوداع  ٤١٣

حديثٌ في أوّل ما نزل من القرآن. ٤١٦

حديثٌ في فضائل أبي سفيان. ٤١٧

من كلمات الأئمّة في الكتابين. ٤١٨

ترجمة عبد القادر القرشي. ٤٢٤

الموضوعات في صحيح الترمذي. ٤٢٦

حديثٌ فيه بعث أبي بكر بلالاً مع النبيّ إلى الشام ٤٢٧

حديث الائتمام بأبي بكر!! ٤٣٠

حديث إعزاز الله الإسلام بعمر بن الخطّاب ! ٤٣١

حديث عدم صلاة النبيّ على مَن مات مُبغضاً لعثمان !! ٤٣٢

حديث نزول (لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ...) الآية ٤٣٣


استخراج المرام من استقصاء الإفحام الجزء ٢

استخراج المرام من استقصاء الإفحام

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: السيد علي الحسيني الميلاني
تصنيف: مناظرات وردود
الصفحات: 456