اعلام الهداية - الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: المجمع العالمي لاهل البيت (عليهم السلام)
الإمام الصادق عليه السلام

اسم الكتاب : أعلام الهداية (ج٨) الإمام جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام .

المؤلّف : لجنة التأليف .

الموضوع :كلام وتاريخ .

الناشر : مركز الطباعة والنشر للمجمع العالمي لأهل البيتعليهم‌السلام .

الطبعة : الأولى .

المطبعة : ليلى .

الكمية : ٥٠٠٠ .

تاريخ النشر : ١٤٢٢ هـ .

المجمع العالمي لأهل البيتعليهم‌السلام ـ قم

شابك isbn : ٩٦٤- ٥٦٨٨-٢٤-٨


أهل البيت في القرآن الكريم

( إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرّجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً)

الأحزاب : ٣٣ / ٣٣

أهل البيت في السنّة النبويّة

 ( إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً )

( الصحاح والمسانيد )


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أعطى كلّ شيء خلقه ثم هدى ، ثم الصلاة والسلام على مَن اختارهم هداةً لعباده ، لا سيّما خاتم الأنبياء وسيّد الرسل والأصفياء أبو القاسم المصطفى محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلى آله الميامين النجباء .

لقد خلق الله الإنسان وزوّده بعنصري العقل والإرادة ، فبالعقل يبصر ويكتشف الحقّ ويميّزه عن الباطل ، وبالإرادة يختار ما يراه صالحاً له ومحقّقاً لأغراضه وأهدافه .

وقد جعل الله العقل المميِّز حجّةً له على خلقه ، وأعانه بما أفاض على العقول من معين هدايته ; فإنّه هو الذي علّم الإنسان ما لم يعلم ، وأرشده إلى طريق كماله اللائق به ، وعرّفه الغاية التي خلقه من أجلها ، وجاء به إلى هذه الحياة الدنيا من أجل تحقيقها .

وأوضح القرآن الحكيم بنصوصه الصريحة معالم الهداية الربّانية وآفاقها ومستلزماتها وطرقها ، كما بيّن لنا عللها وأسبابها من جهة ، وأسفر عن ثمارها ونتائجها من جهة أُخرى .

قال تعالى :

( قُلْ إنّ هُدى الله هو الهُدى ) ( الأنعام (٦) : ٧١ ) .

( والله يهدي مَن يشاء إلى صراط مستقيم ) ( البقرة (٢) : ٢١٣ ) .

( والله يقول الحقّ وهو يهدي السبيل ) ( الأحزاب (٣٣) : ٤ ) .

( ومن يعتصم بالله فقد هُدي إلى صراط مستقيم ) ( آل عمران (٣) : ١٠١ ) .

( قل الله يهدي للحقّ أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتَّبع أمّن لا يهدّي إلاّ أن يُهدى فمالكم كيف تحكمون ) ( يونس (١٠) : ٣٥ ) .

( ويرى الذين أُوتوا العلم الذي أُنزل إليك من ربّك هو الحقّ ويهدي إلى صراط العزيز الحميد ) ( سبأ (٣٤) : ٦ ) .

( ومَن أضلّ ممّن اتّبع هواه بغير هدىً من الله ) ( القصص (٢٨) :٥٠ ) .

فالله تعالى هو مصدر الهداية ، وهدايته هي الهداية الحقيقية ، وهو الذي يأخذ بيد الإنسان إلى الصراط المستقيم وإلى الحقّ القويم .


وهذه الحقائق يؤيّدها العلم ويدركها العلماء ويخضعون لها بملء وجودهم .

ولقد أودع الله في فطرة الإنسان النزوع إلى الكمال والجمال ثمّ مَنّ عليه بإرشاده إلى الكمال اللائق به ، وأسبغ عليه نعمة التعرّف على طريق الكمال ، ومن هنا قال تعالى : ( وما خلقتُ الجنَّ والإنسَ إلاّ ليعبدونِ ) ( الذاريات (٥١) : ٥٦ ) وحيث لا تتحقّق العبادة الحقيقية من دون المعرفة ، كانت المعرفة والعبادة طريقاً منحصراً وهدفاً وغايةً موصلةً إلى قمّة الكمال .

وبعد أن زوّد الله الإنسان بطاقتي الغضب والشهوة ليحقّق له وقود الحركة نحو الكمال ، لم يؤمَن عليه من سيطرة الغضب والشهوة ، والهوى الناشئ منهما ، والملازم لهما فمن هنا احتاج الإنسان ـ بالإضافة إلى عقله وسائر أدوات المعرفة ـ إلى ما يضمن له سلامة البصيرة والرؤية ; كي تتمّ عليه الحجّة ، وتكمل نعمة الهداية ، وتتوفّر لديه كلّ الأسباب التي تجعله يختار طريق الخير والسعادة ، أو طريق الشرّ والشقاء بملء إرادته .

ومن هنا اقتضت سُنّة الهداية الربّانية أن يُسند عقل الإنسان عن طريق الوحي الإلهي ، ومن خلال الهداة الذين اختارهم الله لتولِّي مسؤولية هداية العباد ؛ وذلك عن طريق توفير تفاصيل المعرفة وإعطاء الإرشادات اللازمة لكلّ مرافق الحياة .

وقد حمل الأنبياء وأوصياؤهم مشعل الهداية الربّانية منذ فجر التاريخ وعلى مدى العصور والقرون ، ولم يترك الله عباده مهملين دون حجّة هادية وعلم مرشد ونور مُضيء ، كما أفصحت نصوص الوحي ـ مؤيّدةً لدلائل العقل ـ بأنّ الأرض لا تخلو من حجّة لله على خلقه ؛ لئلاّ يكون للناس على الله حجّة ، فالحجّة قبل الخلق ومع الخلق وبعد الخلق ، ولو لم يبق في الأرض إلاّ اثنان لكان أحدهما الحجّة ، وصرّح القرآن ـ بشكل لا يقبل الريب ـ قائلاً : ( إنّما أنت منذر ولكلّ قوم هاد ) ( الرعد (١٣) : ٧ ) .

ويتولّى أنبياء الله ورسله وأوصياؤهم الهداة المهديّون مهمّة الهداية بجميع مراتبها ، والتي تتلخّص في:

١ ـ تلقِّي الوحي بشكل كامل واستيعاب الرسالة الإلهية بصورة دقيقة وهذه المرحلة تتطلّب الاستعداد التام لتلقّي الرسالة ، ومن هنا يكون الاصطفاء الإلهي لرسله شأناً من شؤونه ، كما أفصح بذلك الذكر الحكيم قائلاً : ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) ( الأنعام (٦) : ١٢٤ ) و( الله يجتبي من رسله مَن يشاء ) ( آل عمران (٣) : ١٧٩ ) .


٢ ـ إبلاغ الرسالة الإلهية إلى البشرية ولمَن أُرسلوا إليه ، ويتوقّف الإبلاغ على الكفاءة التامّة التي تتمثّل في ( الاستيعاب والإحاطة اللازمة ) بتفاصيل الرسالة وأهدافها ومتطلّباتها ، و( العصمة ) عن الخطأ والانحراف معاً ، قال تعالى : ( كان الناسُ أُمّةً واحدةً فبعث الله النبيِّين مبشّرين ومنذرين وأنزل معهم الكتابَ بالحقّ ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ) ( البقرة (٢) : ٢١٣ ) .

٣ ـ تكوين أُمّة مؤمنة بالرسالة الإلهية ، وإعدادها لدعم القيادة الهادية من أجل تحقيق أهدافها وتطبيق قوانينها في الحياة ، وقد صرّحت آيات الذكر الحكيم بهذه المهمّة مستخدمةً عنواني التزكية والتعليم ، قال تعالى :( ويزكّيهم ويعلّمهم الكتابَ والحكمة ) ( الجمعة (٦٢) : ٢ ) والتزكية هي التربية باتجاه الكمال اللائق بالإنسان وتتطلّب التربية القدوة الصالحة التي تتمتّع بكلّ عناصر الكمال ، كما قال تعالى : ( لقد كان لكم في رسول الله أُسوة حسنة ) ( الأحزاب (٣٣) : ٢١ ) .

٤ ـ صيانة الرسالة من الزيغ والتحريف والضياع في الفترة المقرّرة لها ، وهذه المهمّة أيضاً تتطلّب الكفاءة العلمية والنفسية ، والتي تسمّى بالعصمة .

٥ ـ العمل لتحقيق أهداف الرسالة المعنوية وتثبيت القيم الأخلاقية في نفوس الأفراد وأركان المجتمعات البشرية ؛ وذلك بتنفيذ الأطروحة الربّانية ، وتطبيق قوانين الدين الحنيف على المجتمع البشري من خلال تأسيس كيان سياسيٍّ يتولّى إدارة شؤون الأمة على أساس الرسالة الربّانية للبشرية ، ويتطلّب التنفيذ قيادةً حكيمةً ، وشجاعةً فائقةً ، وثباتاً كبيراً ، ومعرفةً تامةً بالنفوس وبطبقات المجتمع والتيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية وقوانين الإدارة والتربية وسنن الحياة ، ونلخّصها في الكفاءة العلمية لإدارة دولة عالمية دينية ، هذا فضلاً عن العصمة التي تعبّر عن الكفاءة النفسية التي تصون القيادة

الدينية من كلّ سلوك منحرف أو عمل خاطئ بإمكانه أن يؤثّر تأثيراً سلبيّاً على مسيرة القيادة وانقياد الأمة لها بحيث يتنافى مع أهداف الرسالة وأغراضها .

وقد سلك الأنبياء السابقون وأوصياؤهم المصطفون طريق الهداية الدامي ، واقتحموا سبيل التربية الشاق ، وتحمّلوا في سبيل أداء المهامّ الرسالية كلّ صعب ، وقدّموا في سبيل تحقيق أهداف الرسالات الإلهية كلّ ما يمكن أن يقدّمه الإنسان المتفاني في مبدئه وعقيدته ، ولم يتراجعوا لحظة ، ولم يتلكّأوا طرفة عين .


وقد توّج الله جهودهم وجهادهم المستمرّ على مدى العصور برسالة خاتم الأنبياء محمد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحمّله الأمانة الكبرى ومسؤولية الهداية بجميع مراتبها ، طالباً منه تحقيق أهدافها

وقد خطا الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذا الطريق الوعر خطوات مدهشة ، وحقّق في أقصر فترة زمنية أكبر نتاج ممكن في حساب الدعوات التغييرية والرسالات الثورية ، وكانت حصيلة جهاده وكدحه ليل نهار خلال عقدين من الزمن ما يلي :

١ ـ تقديم رسالة كاملة للبشرية تحتوي على عناصر الديمومة والبقاء .

٢ ـ تزويدها بعناصر تصونها من الزيغ والانحراف .

٣ ـ تكوين أُمة مسلمة تؤمن بالإسلام مبدأً ، وبالرسول قائداً ، وبالشريعة قانوناً للحياة .

٤ ـ تأسيس دولة إسلامية وكيان سياسيٍّ يحمل لواء الإسلام ويطبّق شريعة السماء .

٥ ـ تقديم الوجه المشرق للقيادة الربّانية الحكيمة المتمثّلة في قيادتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ولتحقيق أهداف الرسالة بشكل كامل كان من الضروري :

أ ـ أن تستمرّ القيادة الكفوءة في تطبيق الرسالة وصيانتها من أيدي العابثين الذين يتربّصون بها الدوائر .

ب ـ أن تستمرّ عملية التربية الصحيحة باستمرار الأجيال ، على يد مربٍّ كفوء علمياً ونفسياً حيث يكون قدوة حسنة في الخلق والسلوك كالرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يستوعب الرسالة ويجسّدها في كل حركاته وسكناته .

ومن هنا كان التخطيط الإلهيّ يحتّم على الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إعداد الصفوة من أهل بيته ، والتصريح بأسمائهم وأدوارهم ; لتسلّم مقاليد الحركة النبويّة العظيمة والهداية الربّانية الخالدة بأمر من الله سبحانه ، وصيانة للرسالة الإلهية التي كتب الله لها الخلود من تحريف الجاهلين وكيد الخائنين ، وتربية للأجيال على قيم ومفاهيم الشريعة المباركة التي تولّوا تبيين معالمها وكشف أسرارها وذخائرها على مرّ العصور ، وحتى يرث الله الأرض ومَن عليها .

وتجلّى هذا التخطيط الربّاني في ما نصّ عليه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله :( إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا ، كتاب الله وعترتي ، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ) .

وكان أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم خير مَن عرّفهم النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأمر من الله تعالى لقيادة الأمة من بعده .


إنّ سيرة الأئمّة الاثني عشر من أهل البيتعليهم‌السلام تمثّل المسيرة الواقعية للإسلام بعد عصر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ودراسة حياتهم بشكل مستوعب تكشف لنا عن صورة مستوعبة لحركة الإسلام الأصيل الذي أخذ يشقّ طريقه إلى أعماق الأمة بعد أن أخذت طاقتها الحرارية تتضاءل بعد وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،

فأخذ الأئمة المعصومونعليهم‌السلام يعملون على توعية الأمة وتحريك طاقتها باتجاه إيجاد وتصعيد الوعي الرساليِّ للشريعة ولحركة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وثورته المباركة ، غير خارجين عن مسار السنن الكونية التي تتحكّم في سلوك القيادة والأمة جمعاء .

وتبلورت حياة الأئمّة الراشدين في استمرارهم على نهج الرسول العظيم وانفتاح الأمة عليهم ، والتفاعل معهم كأعلام للهداية ومصابيح لإنارة الدرب للسالكين المؤمنين بقيادتهم ؛ فكانوا هم الأدلاّء على الله وعلى مرضاته ، والمستقرّين في أمر الله ، والتامّين في محبّته ، والذائبين في الشوق إليه ، والسابقين إلى تسلّق قمم الكمال الإنسانيّ المنشود .

وقد حفلت حياتهم بأنواع الجهاد والصبر على طاعة الله وتحمّل جفاء أهل الجفاء حتّى ضربوا أعلى أمثلة الصمود لتنفيذ أحكام الله تعالى ، ثم اختاروا الشهادة مع العِزّ على الحياة مع الذلّ ، حتى فازوا بلقاء الله سبحانه بعد كفاح عظيم وجهاد كبير .

ولا يستطيع المؤرّخون والكتّاب أن يلمّوا بجميع زوايا حياتهم العطرة ويدّعوا دراستها بشكل كامل ؛ ومن هنا فإنّ محاولتنا هذه إنّما هي إعطاء قبسات من حياتهم ، ولقطات من سيرتهم وسلوكهم ومواقفهم التي دوّنها المؤرّخون واستطعنا اكتشافها من خلال مصادر الدراسة والتحقيق ، عسى الله أن ينفع بها إنّه وليّ التوفيق .

إنّ دراستنا لحركة أهل البيتعليهم‌السلام الرسالية تبدأ برسول الإسلام وخاتم الأنبياء محمد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتنتهي بخاتم الأوصياء ، محمد ابن الحسن العسكري المهدي المنتظر عجّل الله تعالى فرجه وأنار الأرض بعدله .


ويختص هذا الكتاب بدراسة حياة الإمام جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام سادس أئمة أهل البيتعليهم‌السلام الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، وهو المعصوم الثامن من أعلام الهداية الربّانية في دين الإسلام وكل مذاهب المسلمين مَدينة إلى علمه وفقهه ، كما أنّ الحضارة الإنسانية في عصرنا هذا ترى نفسها مستظلة بظلال علومه ومعارفه .

ولا بدَّ لنا من ذكر كلمة شكر لكلّ العاملين الذين بذلوا جهداً في إخراج هذا المشروع ، لا سيّما لجنة التأليف بإشراف سماحة السيد منذر الحكيم حفظه الله تعالى .

وأخيراً نسأل الله تعالى أن يوفّقنا لإتمام سائر أجزاء هذه الموسوعة المباركة ، وهو حسبنا نعم المولى ونعم النصير .

 المجمع العالمي لأهل البيتعليهم‌السلام

 قم المقدّسة


الباب الأول :

فيه فصول :

الفصل الأول : الإمام الصادقعليه‌السلام في سطور .

الفصل الثاني : انطباعات عن شخصيتهعليه‌السلام .

الفصل الثالث : مظاهر من شخصيتهعليه‌السلام .


الفصل الأول : الإمام الصادقعليه‌السلام في سطور

الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليه‌السلام سادس الأئمة الأطهار من أهل البيت المعصومين الذين نص الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على خلافتهم من بعده .

ولد في سنة ( ٨٣ ) هجرية وترعرع في ظلال جدّه زين العابدين وأبيه محمّد الباقرعليهم‌السلام وعنهما أخذ علوم الشريعة ومعارف الإسلام فهو يشكّل مع آبائه الطاهرين حلقات نورية متواصلة لا يفصُل بينها غريب أو مجهول ، حتَّى تصل إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ لذا فهو يغترف من معين الوحي ومنبع الحكمة الإلهية .

وبهذا تميّزت مدرسة أهل البيت التي أشاد بناءها الأئمة الأطهار ، ولا سيّما الإمام الباقر والإمام الصادقعليهما‌السلام ؛ فهي مدرسة الرسالة المحمّدية التي حفظت لنا أصالة الإسلام ونقاءه .

وهكذا تبوّأ الإمام الصادق مركز الإمامة الشرعية بعد آبائه الكرام ، وبرز إلى قمّة العلم والمعرفة في عصره مرموقاً مهاباً ؛ فطأطأت له رؤوس العلماء إجلالاً وإكباراً حتَّى عصرنا هذا .

لقد كان عامة المسلمين وعلماؤهم يرون جعفر بن محمّدعليه‌السلام سليل


النبوّة وعميد أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً .

فهو الرمز الشرعي للمعارضة التي قادها أهل بيت الوحيعليهم‌السلام ضد الظلم والطغيان الأموي والعبَّاسي معاً .

كما كان العلماء يرونه بحراً زاخراً وإماماً لا ينازعه أحد في العلم والمعرفة وأستاذاً فذّاً في جميع العلوم التي عرفها أهل عصره والتي لم يعرفوها آنذاك .

لقد عايش الإمام الصادقعليه‌السلام الحكم الأموي مدّة تقارب ( أربعة ) عقود وشاهد الظلم والإرهاب والقسوة التي كانت لبني أمية ضد الأمة الإسلامية بشكل عام ، وضد أهل بيت الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وشيعتهم بشكل خاص .

وكان من الطبيعي ـ بعد ثورة الإمام الحسينعليه‌السلام ـ أن يكون آل البيت هم الطليعة والقيادة المحبوبة لدى الجماهير المسلمة ، ومن هنا بدأت فصائل العباسيين تتحرّك باسم أهل البيت وتدعو إلى الرضا من آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وخلافة ذرّية فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

لقد انسحب الإمام الصادقعليه‌السلام من المواجهة المكشوفة ولم تنطل عليه الشعارات التي كان يستخدمها بنو العباس للوصول إلى الحكم بعد سقوط بني أمية ، بعد أن ازداد ظلمهم وعتوّهم وإرهابهم وتعاظمت نقمة الأمة عليهم .

لقد سقط سلطان بني أمية سنة ( ١٣٢ هـ ) ، ثمّ آلت الخلافة إلى بني العباس فعاصر حكم أبي العباس السفّاح وشطراً من حكم المنصور الدوانيقي بما يقرب من عشر سنوات .

لقد انصرف الإمام الصادقعليه‌السلام عن الصراع السياسي المكشوف إلى بناء الأمة الإسلامية علمياً وفكرياً وعقائدياً وأخلاقياً ، بناءً يضمن سلامة الخط


الإسلامي على المدى البعيد ، بالرغم من استمرار الانحرافات السياسية والفكرية في أوساط المجتمع الإسلامي .

لقد انتشرت الفرق الإسلامية كالمعتزلة والأشاعرة والخوارج والكيسانية والزيدية في عصره ، واشتدّ الصراع بينها ، كما بدأت الزندقة تستفحل وتخترق أجواء المجتمع الإسلامي ؛ فتصدّى الإمام الصادقعليه‌السلام للردّ على الملاحدة من جهة ، وتصدى لمحاكمة الفرق المنحرفة من جهة أخرى .

لقد اهتمّ الإمامعليه‌السلام ببناء الجماعة الصالحة التي تتحمّل مسؤولية تجذير خط أهل البيت في الأمة الإسلامية إلى جانب اهتمامه ببناء جامعة أهل البيت الإسلامية ، وتخريج العلماء في مختلف فنون المعرفة ولا سيّما علماء الشريعة الذين يضمنون للأمة سلامة مسيرتها على مدى المستقبل القريب والبعيد ويزرعون بذور الثورة ضد الطغيان .

ولم يغفل الإمامعليه‌السلام عن تقوية الخط الثوري والجهادي في أوساط الأمة من خلال تأييده لمثل ثورة عمّه زيد بن علي بن الحسينعليهم‌السلام ومَن تلاه من ثوّار البيت العلوي الكرام .

ولم يكن الإمام الصادقعليه‌السلام ليسلم من هذه المحنة ـ محنة الثورة على الظلم العباسي ـ فقد كان المنصور يطارده الخوف من الإمام الصادقعليه‌السلام ويتصوّر أنَّه اليد التي تحرّك كل ثورة ضد حكمه ، ممّا أدّى إلى استدعائه إلى العراق أكثر من مرة وضيّق عليه وأجرى عليه محاكمة يجل الإمام عن مثلها ليشعره بالرقابة والمتابعة ، ثمَّ خلّى سبيله .

بل قد ذكرت بعض المصادر أنّ المنصور قد نوى قتله أكثر من مرَّة إلاّ أنّ الله سبحانه حال بينه وبين ما أراد .


وهكذا عاش الإمام الصادقعليه‌السلام الفترة الأخيرة من حياته ـ وبعد أن استقرّت دعائم الحكم العباسي ـ حياة الاضطراب والإرهاب ، وفي جوٍّ مشحون بالعداء والملاحقة ، إلاّ أنّه استطاع أن يؤدّي رسالته بحكمة وحنكة وقوّة عزم ويفجّر ينابيع العلم والمعرفة ويبني الأمة الإسلامية من داخلها ويربّي العلماء والفقهاء الأمناء على حلاله وحرامه ، ويشيد بناء شيعة أهل البيت الذين يمثّلون الجماعة الصالحة التي عليها تتكئ دعائم الخطّ النبوي لتحقيق مهامّه الرسالية بعد أن عصفت الرياح الجاهلية بالرسالة الخاتمة ، وتصدّى لقيادة الأمة رجال لم يكونوا مؤهّلين لذلك .


الفصل الثاني : انطباعات عن شخصية الإمام الصادقعليه‌السلام

أشاد الإمام الباقرعليه‌السلام أمام أعلام شيعته بفضل ولده الصادقعليه‌السلام قائلاً :هذا خير البريّة (١) .

وأفصح عمّه زيد بن علي عن عظيم شأنه فقال : في كل زمان رجل منّا أهل البيت يحتجّ الله به على خلقه ؛ وحجّة زماننا ابن أخي جعفر لا يضلّ مَن تبعه ولا يهتدي مَن خالفه(٢) .

وقال مالك بن أنس : ما رأت عين ولا سمعت أُذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمّد الصادق علماً وعبادة وورعاً(٣) .

وقال المنصور الدوانيقي مؤبّناً الإمام الصادقعليه‌السلام : إنّ جعفر بن محمّد كان ممّن قال الله فيه :( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) وكان ممّن اصطفى الله وكان من السابقين بالخيرات(٤) .

قال عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي ( ت ٣٢٧ هـ ) : سمعت أبي يقول :

ـــــــــــــــــ

(١) الكافي : ١ / ٣٠٧ .

(٢) المصدر السابق : ٣٠٦ .

(٣) تهذيب التهذيب : ٢ / ١٠٤ .

(٤) تاريخ اليعقوبي : ٣ / ١٧ .


جعفر بن محمّد ثقة لا يُسأل عن مثله .

وقال : سمعت أبا زرعة وسئل عن جعفر بن محمّد عن أبيه ، وسهيل بن أبي صالح عن أبيه ، والعلاء عن أبيه أيّما أصح ؟ قال : لا يقرن جعفر بن محمّد إلى هؤلاء(١) .

وقال أبو حاتم محمّد بن حيّان ( ت ٣٥٤ هـ ) عنه : كان من سادات أهل البيت فقهاً وعلماً وفضلاً(٢) .

وقال أبو عبد الرحمن السلمي ( ٣٢٥ ـ ٤١٢ هـ ) عنه : فاق جميع أقرانه من أهل البيتعليه‌السلام وهو ذو علم غزير وزهد بالغ في الدنيا وورع تام عن الشهوات وأدب كامل في الحكمة(٣) .

وعن صاحب حلية الأولياء ( ت ٤٣٠ هـ ) : ومنهم الإمام الناطق ذو الزمام السابق أبو عبد الله جعفر بن محمّد الصادق ، أقبل على العبادة والخضوع ، وآثر العزلة والخشوع ، ونهى عن الرئاسة والجموع(٤) .

وأضاف الشهرستاني ( ٤٧٩ ـ ٥٤٨ هـ ) على ما قاله السلمي عنه : وقد أقام بالمدينة مدّة يفيد الشيعة المنتمين إليه ويفيض على الموالين له أسرار العلوم ثمَّ دخل العراق وأقام بها مدَّة ، ما تعرّض للإمامة قط ، ولا نازع في الخلافة أحداً(٥) ، ومَن غرق في بحر المعرفة لم يطمع في شط ، ومن تعلّى إلى ذروة الحقيقة لم يخف من حطّ(٦) .

ـــــــــــــــــ

(١) الجرح والتعديل : ٢ / ٤٨٧ .

(٢) الثقات : ٦ / ١٣١ .

(٣) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : ١/٥٨ .

(٤) حلية الأولياء : ١/٧٢ .

(٥) إن كان يقصد بذلك التعرّض الظاهر للإمامة الظاهرة كما يفهم من قول ( ولا نازع في الخلافة ) فهذا صحيح وإلاّ فلا .

(٦) الملل والنحل : ١ / ١٤٧ .


وذكر الخوارزمي ( ت ٥٦٨ هـ ) في مناقب أبي حنيفة أنّه قال : ما رأيت أفقه من جعفر بن محمَّد وقال : لولا السنتان لهلك النعمان مشيراً إلى السنتين اللتين جلس فيهما لأخذ العلم عن الإمام جعفر الصادق(١) .

وقال ابن الجوزي ( ٥١٠ ـ ٥٩٧ هـ ) : جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين كان مشغولاً بالعبادة عن طلب الرئاسة(٢) .

وقال محمّد بن طلحة الشافعي ( ت ٦٥٢ هـ ) عنه : هو من عظماء أهل البيتعليهم‌السلام وساداتهم ، ذو علوم جمّة وعبادة موفورة وأوراد متواصلة وزهادة بيّنة ، وتلاوة كثيرة ، يتتبّع معاني القرآن الكريم ويستخرج من بحره جواهره ويستنتج عجايبه ، ويقسم أوقاته على أنواع الطاعات بحيث يحاسب عليها نفسه ، رؤيته تذكّر الآخرة ، واستماع كلامه يزهّد في الدنيا ، والاقتداء بهديه يورث الجنّة ، نور قسماته شاهد أنّه من سلالة النبوّة ، وطهارة أفعاله تصدع أنّه من ذريّة الرسالة ، نقل عنه الحديث واستفاد منه العلم جماعة من الأئمّة وأعلامهم ، وعدّوا أخذهم عنه منقبة شرّفوا بها وفضيلة اكتسبوها .

وأمّا مناقبه وصفاته فتكاد تفوت عدّ الحاصر ويحار في أنواعها فهم اليقظ الباصر ، حتَّى أنّ من كثرة علومه المفاضة على قلبه من سجال التقوى ، صارت الأحكام التي لا تدرك عللها ، والعلوم التي تقصر الأفهام عن الإحاطة بحكمها ، تضاف إليه وتروى عنه .

وقد قيل إنّ كتاب الجفر الذي بالمغرب ويتوارثه بنو عبد المؤمن هو من كلامهعليه‌السلام ، وإنّ في هذه لمنقبة سنيّة ، ودرجة في مقام الفضائل عليّة ، وهي

ـــــــــــــــــ

(١) مناقب أبي حنيفة : ١ / ١٧٢ ، والتحفة الاثني عشرية : ٨ .

(٢) صفوة الصفوة : ٢/٩٤ .


نبذة يسيرة ممّا نقل عنه(١) .

وفي تهذيب الأسماء ( ٦٣١ ـ ٦٧٦ هـ ) عن عمرو بن أبي المقدام قال : كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمّد علمت أنه من سلالة النبيين(٢) .

وقال ابن خلكان ( ٦٠٨ ـ ٦٨١ هـ ) : جعفر الصادق أحد الأئمة الاثني عشر على مذهب الإمامية وكان من سادات أهل البيت ، ولقّب بالصادق لصدقه في مقالته ، وفضله أشهر من أن يذكر وله كلام في صنعة الكيميا ، والزجر والفال ودُفن بالبقيع في قبر فيه أبوه وجدّه وعمّ جدّه فللّه درّه من قبر ما أكرمه وأشرفه(٣) .

وقال البخاري في فصل الخطاب ( ٧٥٦ ـ ٨٢٢ هـ ) : اتفقوا على جلالة الصادقعليه‌السلام وسيادته(٤) .

وقال ابن الصبّاغ المالكي (٧٨٤ ـ ٨٥٥ هـ ) : نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان ، وانتشر صيته وذكره في سائر البلدان ، ولم ينقل من العلماء عن أحد من أهل بيته ما نقل عنه من الحديث .

وروى عنه جماعة من أعيان الأمة وصّى إليه أبو جعفرعليه‌السلام بالإمامة وغيرها وصيّة ظاهرة ، ونصّ عليها نصّاً جليّاً(٥) .

ـــــــــــــــــ

(١) مطالب السؤول : ٢/٥٦ .

(٢) تهذيب الأسماء : ١ / ١٤٩ .

(٣) وفيات الأعيان : ١ / ٣٢٧ .

(٤) ينابيع المودّة : ٣٨٠ ، وهذا البخاري هو محمد خواجه بارساي .

(٥) الفصول المهمّة : ٢٢٢ .


الفصل الثالث : مظاهر من شخصية الإمام الصادقعليه‌السلام

سعة علمه :

لقد شقّق الإمام الصادقعليه‌السلام العلوم بفكره الثاقب وبصره الدقيق ؛ حتَّى ملأ الدنيا بعلومه ، وهو القائل :( سلوني قبل أن تفقدوني فإنّه لا يحدثكم أحد بعدي بمثل حديثي ) (١) ولم يقل أحد هذه الكلمة سوى جدّه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام .

وأدلىعليه‌السلام بحديث أعرب فيه عن سعة علومه فقال :( والله إنّي لأعلم كتاب الله من أوّله إلى آخره كأنّه في كفّي ، فيه خبر السماء وخبر الأرض ، وخبر ما كان ، وخبر ما هو كائن ، قال الله عزَّ وجلَّ : ( فيه تبيان كل شيء ) (٢) .

وقد كان من مظاهر سعة علمه أنّه قد ارتوى من بحر علومه أربعة آلاف طالب ، وقد أشاعوا العلم والثقافة في جميع الحواضر الإسلامية ونشروا معالم الدين وأحكام الشريعة(٣) .

ـــــــــــــــــ

(١) تأريخ الإسلام للذهبي : ٦/٤٥ ، تذكرة الحفّاظ : ١/١٥٧ ، تهذيب الكمال في أسماء الرجال : ٥/٧٩ .

(٢) أصول الكافي : ١ / ٢٢٩ .

(٣) الإرشاد : ٢/١٧٩ وعنه في إعلام الورى : ٣٢٥ ، ومناقب آل أبي طالب : ٤/٢٤٧ والمعتبر للمحقق الحلي : ٥ .


كرمه وجوده :

لقد كان الإمام الصادقعليه‌السلام من أندى الناس كفّاً ، وكان يجود بما عنده لإنعاش الفقراء والمحرومين ، وقد نقل الرواة بوادر كثيرة من كرمه ، كان من بينها ما يلي :

١ ـ دخل عليه أشجع السلمي فوجده عليلاً ، وبادر أشجع فسأل عن سبب علّته ، فقالعليه‌السلام :تعدّ عن العلّة ، واذكر ما جئت له فقال :

ألبسك الله منه عافية

في نومك المعتري وفي أرقك

يخرج من جسمك السقام

كما أخرج ذلّ السؤال من عنقك

وعرف الإمام حاجته فقال لغلامه :أي شيء معك ؟ فقال : أربعمائة فأمره بإعطائها له(١) .

٢ ـ ودخل عليه المفضل بن رمانة وكان من ثقاة أصحابه ورواته فشكا إليه ضعف حاله ، وسأله الدعاء ، فقالعليه‌السلام لجاريته :هاتِ الكيس الذي وصلنا به أبو جعفر ، فجاءته به ، فقال له :هذا كيس فيه أربعمائة دينار فاستعن به ، فقال المفضل : لا والله جُعلت فداك ما أردت هذا ، ولكن أردت الدعاء ، فقالعليه‌السلام :لا أدع الدعاء لك (٢) .

٣ ـ سأله فقير فأعطاه أربعمائة درهم ، فأخذها الفقير ، وذهب شاكراً ، فقالعليه‌السلام لخادمه :أرجعه ، فقال الخادم : سئلت فأعطيت ، فماذا بعد العطاء ؟ قالعليه‌السلام :قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( خير الصدقة ما أبقت غنى ) ، وإنّا لم نغنه ، فخذ هذا الخاتم فأعطه فقد أعطيت فيه عشرة آلاف درهم ، فإذا احتاج فليبعه بهذه القيمة (٣) .

ـــــــــــــــــ

(١) أمالي الطوسي : ١/٢٨٧ ، مناقب آل أبي طالب : ٤/٢٩٦ .

(٢) اختيار معرفة الرجال للكشي : ٢/ ٤٢٢ ح ٣٢٢ ترجمة مفضل بن قيس بن رمانة .

(٣) الإمام جعفر الصادق ، أحمد مغنية : ٤٧ .


٤ ـ ومن بوادر جوده وسخائه وحبّه للبر والمعروف أنّه كانت له ضيعة قرب المدينة تسمّى ( عين زياد ) ، فيها نخل كثير ، فإذا نضج التمر أمر الوكلاء أن يثلموا في حيطانها الثلم ، ليدخل الناس ويأكلوا من التمر(١) .

وكان يأمر لجيران الضيعة الذين لا يقدرون على المجيء كالشيخ والعجوز والمريض لكل واحد منهم بمدّ من التمر ، وما بقي منهم يأمر بحمله إلى المدينة فيفرّق أكثره على الضعفاء والمستحقين ، وكانت قيمة التمر الذي تنتجه الضيعة أربعة آلاف دينار ، فكان ينفق ثلاثة آلاف منها ، ويبقى له ألف(٢) .

٥ ـ ومن بوادر كرمه أنّه كان يطعم ويكسو حتَّى لم يبق لعياله شيء من كسوة أو طعام(٣) .

ومن كرمه أنّه مرّ به رجل ، وكانعليه‌السلام يتغدّى ، فلم يسلّم الرجل فدعاه الإمام إلى تناول الطعام ، فأنكر عليه بعض الحاضرين ، وقال له : السنّة أن يسلّم ثم يُدعى ، وقد ترك السلام على عمد فقابله الإمامعليه‌السلام ببسمات مليئة بالبشر وقال له :هذا فقه عراقي ، فيه بخل ... (٤) .

صدقاته في السر :

أمّا الصدقات في السر فإنّها من أفضل الأعمال وأحبّها لله ؛ لأنّها من الأعمال الخالصة التي لا يشوبها أي غرض من أغراض الدنيا ، وقد ندب إليها أئمة أهل البيتعليهم‌السلام ، كما أنّها كانت منهجاً لهم ، فكل واحد منهم كان يعول

ـــــــــــــــــ

(١) الإمام جعفر الصادق : ٤٧ .

(٢) المصدر السابق .

(٣) تأريخ الإسلام : ٦/٤٥ ، مرآة الزمان : ٦/١٦٠ ، تهذيب الكمال : ٥/٨٧ .

(٤) حياة الإمام الصادقعليه‌السلام : ١/٦٤ عن نثر الدرر .


جماعة من الفقراء وهم لا يعرفونه وكان الإمام الصادق يقوم في غلس الليل البهيم فيأخذ جراباً فيه الخبز واللحم والدراهم فيحمله على عاتقه ويذهب به إلى أهل الحاجة من فقراء المدينة فيقسمه فيهم ، وهم لا يعرفونه ، وما عرفوه حتَّى مضى إلى الله تعالى فافتقدوا تلك الصلات فعلموا أنّها منه(١) .

ومن صِلاته السرّية ما رواه إسماعيل بن جابر قائلاً : أعطاني أبو عبد اللهعليه‌السلام خمسين ديناراً في صرّة ، وقال لي :ادفعها إلى شخص من بني هاشم ، ولا تعلمه أنّي أعطيتك شيئاً ، فأتيته ودفعتها إليه فقال لي : من أين هذه ؟ فأخبرته أنّها من شخص لا يقبل أن تعرفه ، فقال العلوي : ما يزال هذا الرجل كل حين يبعث بمثل هذا المال ، فنعيش بها إلى قابل ، ولكن لا يصلني جعفر بدرهم مع كثرة ماله(٢) .

تكريمه للضيوف :

ومن بوادر كرمه وسخائه حبّه للضيوف وتكريمه لهم ، وقد كان يشرف على خدمة ضيوفه بنفسه ، كما كان يأتيهم بأشهى الطعام وألذّه ، وأوفره ، ويكرّر عليهم القول وقت الأكل :( أشدّكم حبّاً لنا أكثركم أكلاً عندنا ) .

وكان يأمر في كل يوم بوضع عشر ثبنات من الطعام يتغدى على كل ثبنة عشرة(٣) .

ـــــــــــــــــ

(١) الإمام جعفر الصادق : ٤٧ .

(٢) مجموعة ورام : ٢/٨٢ .

(٣) الثبنات : مفردها ثبنة وهي الوعاء الذي يوضع فيه الطعام.

(٤) الإمام جعفر الصادق : ٤٦ .


تواضعه :

ومن مظاهر شخصيته العظيمة نكرانه للذات وحبّه للتواضع وهو سيد المسلمين ، وإمام الملايين ، وكان من تواضعه أنّه كان يجلس على الحصير(١) ، ويرفض الجلوس على الفرش الفاخرة ، وكان ينكر ويشجب المتكبّرين وحتّى قال ذات مرة لرجل من إحدى القبائل : (مَن سيد هذه القبيلة ؟ فبادر الرجل قائلاً : أنا ، فأنكر الإمامعليه‌السلام ذلك ، وقال له :لو كنت سيدهم ما قلت : أنا . )(٢) .

ومن مصاديق تواضعه ونكراته للذات : أنّ رجلاً من السواد كان يلازمه ، فافتقده فسأل عنه ، فبادر رجل فقال مستهيناً بمَن سأل عنه : إنّه نبطي فردّ عليه الإمام قائلاً :أصل الرجل عقله ، وحسبه دينه ، وكرمه تقواه ، والناس في آدم مستوون فاستحيى الرجل(٣) .

سمو أخلاقه :

كان الإمام الصادقعليه‌السلام على جانب كبير من سمو الأخلاق ، فقد ملك القلوب ، وجذب العواطف بهذه الظاهرة الكريمة التي كانت امتداداً لأخلاق جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي سما على سائر النبيين بمعالي أخلاقه .

وكان من مكارم أخلاق الإمام وسمو ذاته أنّه كان يحسن إلى كل مَن أساء إليه ، وقد روي أنّ رجلاً من الحجّاج توهّم أنّ هميانه قد ضاع منه ، فخرج

ـــــــــــــــــ

(١) النجوم الزاهرة : ٥/١٧٦ .

(٢) الطبقات الكبرى : ١/٣٢ .

(٣) حياة الإمام الصادقعليه‌السلام : ١/٦٦ عن مطالب السؤول .

(٤) الهميان : وهو كيس يجعل فيه ويشد على الوسط وجمعه همايين ، مجمع البحرين : ٦/٣٣٠ .


يفتش عنه فرأى الإمام الصادقعليه‌السلام يصلّي في الجامع النبوي فتعلّق به ، ولم يعرفه ، وقال له : أنت أخذت همياني ؟

فقال له الإمام بعطف ورفق :ما كان فيه ؟

قال : ألف دينار ، فأعطاه الإمام ألف دينار ، ومضى الرجل إلى مكانه فوجد هميانه فعاد إلى الإمام معتذراً منه ، ومعه المال فأبى الإمام قبوله وقال له :شيء خرج من يدي فلا يعود إلي ، فبهر الرجل وسأل عنه ، فقيل له : هذا جعفر الصادق ، وراح الرجل يقول بإعجاب : لا جرم هذا فعال أمثاله(١) .

إنّ شرف الإمامعليه‌السلام الذي لا حدود له هو الذي دفعه إلى تصديق الرجل ودفع المال له .

وقالعليه‌السلام :إنّا أهل بيت مروءتنا العفو عمّن ظلمنا (٢) .

وكان يفيض بأخلاقه الندية على حضّار مجلسه حتَّى قال رجل من العامة : والله ما رأيت مجلساً أنبل من مجالسته(٣) .

صبره :

ومن الصفات البارزة في الإمامعليه‌السلام الصبر وعدم الجزع على ما كان يلاقيه من عظيم المحن والخطوب ، ومن مظاهر صبره أنّه لمّا توفّي ولده إسماعيل الذي كان ملأ العين في أدبه وعلمه وفضله دعاعليه‌السلام جمعاً من أصحابه فقدّم لهم مائدة جعل فيها أفخر الأطعمة وأطيب الألوان ، ولمّا فرغوا من تناول الطعام سأله بعض أصحابه ، فقال له : يا سيدي لا أرى عليك أثراً من

ـــــــــــــــــ

(١) الإمام جعفر الصادق : ٤٨ .

(٢) الخصال : ١١ .

(٣) أصول الكافي : ٢/٦٥٧ .


آثار الحزن على ولدك ؟ فأجابهعليه‌السلام :( وما لي لا أكون كما ترون ، وقد جاء في خبر أصدق الصادقين ـ يعني جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـإلى أصحابه إنّي ميت وإيّاكم ) (١) .

إقباله على العبادة :

أمّا الإقبال على عبادة الله تعالى وطاعته فإنّه من أبرز صفات الإمام ، فقد كان من أعبد الناس لله في عصره ، وقد أخلص في طاعته لله كأعظم ما يكون الإخلاص ، وإليك صورة موجزة عن عباداته :

أ ـ صلاته :

إنّ الصلاة من أفضل العبادات وأهمّها في الإسلام ، وقد أشاد بها الإمام الصادقعليه‌السلام في كثير من أحاديثه :

قائلاًعليه‌السلام :( ما تقرّب العبد إلى الله بعد المعرفة أفضل من الصلاة ) (٢) .

وقالعليه‌السلام :( إنّ أفضل الأعمال عند الله يوم القيامة الصلاة ، وما أحسن مَن عبد توضّأ فأحسن الوضوء ) (٣) .

وقالعليه‌السلام :( الصلاة قربان كل تقي ) (٤) .

وقالعليه‌السلام :( أحبّ الأعمال إلى الله عزَّ وجلَّ الصلاة ، وهي آخر وصايا الأنبياء ، فما أحسن الرجل يغتسل أو يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يتنحّى حيث لا يراه أنيس فيشرف الله عليه وهو راكع أو ساجد ، إنّ العبد إذا سجد فأطال السجود نادى إبليس : يا ويله أطاعوا وعصيت ، وسجدوا وأبيت ) (٥) .

وقال أبو بصير : دخلت على أم حميدة ـ زوجة الإمام الصادقعليه‌السلام ـ

ـــــــــــــــــ

(١) الإمام جعفر الصادق : ٤٩ .

(٢) مجموعة ورام : ٢ / ٨٦ .

(٣) وسائل الشيعة : ٦/٤٣٢ و ٨/١٢٩ .

(٤) المصدر السابق : ٤/٤٣ ـ ٤٤ و ٧/٢٦٢ .

(٥) المصدر السابق : ٣/٢٦ .


أُعزّيها بأبي عبد اللهعليه‌السلام فبكت وبكيت لبكائها ، ثم قالت : يا أبا محمّد لو رأيت أبا عبد الله عند الموت لرأيت عجباً فتح عينيه ثم قال : اجمعوا كل من بيني وبينه قرابة قالت فما تركنا أحداً إلاَّ جمعناه ، فنظر إليهم ثمَّ قال :( إنّ شفاعتنا لا تنال مستخفّاً بالصلاة ) (١) .

ومن الجدير بالذكر أنّ الإمامعليه‌السلام لم يدع نافلة من نوافل الصلاة إلاّ أتى بها بخشوع وإقبال نحو الله .

وكانعليه‌السلام إذا أراد التوجّه إلى الصلاة اصْفَرَّ لونه ، وارتعدت فرائصه خوفاً من الله تعالى ورهبة وخشية منه وقد أثرت عنه مجموعة من الأدعية في حال وضوئه ، وتوجّهه إلى الصلاة وفي قنوته ، وبعد الفراغ من صلاته(٢) .

ب ـ صومه :

إنّ الصوم من العبادات المهمّة في الإسلام ؛ وذلك لما يترتّب عليه من الفوائد الاجتماعية والصحية والأخلاقية ، ( وهو جُنّة من النار ) كما قال الإمام الصادقعليه‌السلام (٣) .

وقد حثّ الإمام الصادقعليه‌السلام الصائم على التحلّي بالأخلاق والآداب التالية ، قالعليه‌السلام :( وإذا صمت فليصم سمعك ، وبصرك ، ولسانك من القبيح والحرام ، ودع المراء ، وأذى الخادم ، وليكن عليك وقار الصيام ، ولا تجعل يوم صومك مثل يوم فطرك سواء ) (٤) .

وكانعليه‌السلام صائماً في أغلب أيامه تقرّباً إلى الله تعالى أمّا شهر رمضان المبارك فكان يستقبله بشوق بالغ ، وقد أثرت عنه بعض الأدعية المهمّة عند رؤيته لهلاله ، كما أثرت عنه بعض الأدعية في سائر أيامه وفي ليالي القدر

ـــــــــــــــــ

(١) المصدر السابق : ٣ / ١٧ .

(٢) راجع الصحيفة الصادقية وهي مجموعة الأدعية المأثورة عن الإمام الصادقعليه‌السلام .

(٣) وسائل الشيعة : ٣ / ٢٩٠ .

(٤) المصدر السابق : ١ / ١٦٥ .


المباركة وفي يوم عيد الأضحى الأغرّ(١) .

ج ـ حجّه :

أمّا الحج فهو بالإضافة إلى قدسيّته فإنّه من أهم المؤتمرات السياسية التي تعقد في العالم الإسلامي ، حيث تعرض فيه أهم المشاكل التي تواجه المسلمين سواء أكانت من الناحية الاقتصادية أم الاجتماعية أو المشاكل السياسية الداخلية والخارجية ، مضافاً إلى أنّه من أهم الروابط التي يعرف بها المسلمون بعضهم بعضاً .

وقد حجّ الإمام الصادقعليه‌السلام مرات متعدّدة والتقى بكثير من الحجّاج المسلمين ، وقد كان المعلم والمرشد لهم على مسائل الحج ، فقد جهد هو وأبوه الإمام محمد الباقرعليهما‌السلام على بيان أحكام الحج بشكل تفصيلي ، وعنهما أخذ الرواة والفقهاء أحكام هذه الفريضة ، ولولاهما لما عرفت مسائل الحج وأحكامه .

وكان الإمام الصادقعليه‌السلام يؤدّي بخضوع وخشوع مراسيم الحج من الطواف ، والوقوف في عرفات ومنى ، وقد روى بكر بن محمد الأزدي فقال : خرجت أطوف ، وإلى جنبي الإمام أبو عبد الله الصادقعليه‌السلام حتَّى فرغ من طوافه ثم مال فصلّى ركعتين بين ركن البيت والحجر ، وسمعته يقول في أثناء سجوده :( سجد وجهي لك تعبّداً ورقّاً ، لا إله إلاّ أنت حقاً حقاً ، الأول قبل كلّ شيء ، والآخر بعد كلّ شيء ، وها أنا ذا بين يديك ، ناصيتي بيدك فاغفر لي إنّه لا يغفر الذنب العظيم غيرك ، فاغفر لي ، فإنّي مقرٌّ بذنوبي على نفسي ، ولا يدفع الذنب العظيم غيرك ) .

ثم رفع رأسه الشريف ، ووجهه كأنّما غُمس في الماء من كثرة البكاء(٢) .

وروى حمّاد بن عثمان فقال : رأيت أبا عبد الله جعفر بن محمد

ـــــــــــــــــ

(١) راجع الصحيفة الصادقية ، باقر شريف القرشي : ٥/١١٩ ـ ١٤٧ .

(٢) قرب الإسناد : ٢٨ .


بالموقف رافعاً يده إلى السماء وكان في موقف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وظاهر كفّيه إلى السماء(١) .

وكانعليه‌السلام إذا خرج من الكعبة المقدّسة يقول :( الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، اللّهمّ لا تجهد بلاءنا ، ولا تشمت بنا أعداءنا ، فإنّك أنت الضار النافع ) (٢) .

وروى حفص بن عمر ـ مؤذن علي بن يقطين ـ فقال : كنا نروي أنه يقف للناس في الحج سنة ( ١٤٠ هـ ) خير الناس ، فحججت في تلك السنة ، فإذا إسماعيل بن عبد الله بن العباس واقف فداخلنا من ذلك غم شديد ، فلم نلبث ، وإذا بالإمام أبي عبد اللهعليه‌السلام واقف على بغلة له ، فرجعت أبشّر أصحابي ، وقلت : هذا خير الناس الذي كنا نرويه(٣) .

وكان من أعظم الخاشعين والداعين في مواقف الحج ، فقد روي أنّ سفيان الثوري قال : والله رأيت جعفر بن محمّدعليه‌السلام ولم أر حاجّاً وقف بالمشاعر ، واجتهد في التضرُّع والابتهال منه ، فلمّا وصل عرفات أخذ من الناس جانباً ، واجتهد في الدعاء في الموقف(٤) .

ـــــــــــــــــ

(١) قرب الإسناد : ٣١ .

(٢) المصدر السابق : ٣

(٣) المصدر السابق : ٩٨ .

(٤) حياة الإمام الصادقعليه‌السلام : ١/٧١ نقلاً عن ضياء العالمين .


الباب الثاني :

فيه فصول :

الفصل الأوّل : نشأة الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام .

الفصل الثاني : مراحل حياة الإمام جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام .

الفصل الثالث : الإمام الصادق في ظلّ جدّه وأبيهعليهم‌السلام .


الفصل الأوّل : نشأة الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام

الأسرة الكريمة :

إنّ أسرة الإمام الصادقعليه‌السلام ، هي أجل وأسمى أسرة في دنيا العرب والإسلام ؛ فإنّها تلك الأسرة التي أنجبت خاتم النبيين وسيد المرسلين محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنجبت أيضاً عظماء الأئمة وأعلام العلماء ، وهي على امتداد التأريخ لا تزال مهوى أفئدة المسلمين ، ومهبط الوحي والإلهام .

من هذه الأسرة التي أغناها الله بفضله ، والقائمة في قلوب المسلمين وعواطفهم تفرّع عملاق هذه الأمة ، ومؤسّس نهضتها الفكرية والعلمية الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليه‌السلام ، وقد ورث من عظماء أسرته جميع خصالهم العظيمة فكان ملء فم الدنيا في صفاته وحركاته .

الأب الكريم :

هو الإمام محمد بن علي الباقرعليه‌السلام سيد الناس لا في عصره ، وإنّما في جميع العصور على امتداد التأريخ علماً وفضلاً وتقوى ، ولم يظهر من أحد في ولد الإمامين الحسن والحسينعليهما‌السلام مَن علم الدين والسنن وعلم القرآن


والسير ، وفنون الأدب والبلاغة مثل ما ظهر منه(١) .

لقد فجّر هذا الإمام العظيم ينابيع العلم والحكمة في الأرض ، وساهم مساهمة إيجابية في تطوير العقل البشري ؛ وذلك بما نشره من مختلف العلوم لقد أزهرت الدنيا بهذا المولود العظيم الذي تفرّع من شجرة النبوّة ودوحة الإمامة ومعدن الحكمة والعلم ، ومن أهل بيت أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً .

الأُم الزكيّة :

هي السيدة المهذّبة الزكية ( أم فروة ) بنت الفقيه القاسم(٢) بن محمّد بن أبي بكر(٣) وكانت من سيدات النساء عفّةً وشرفاً وفضلاً ، فقد تربّت في بيت أبيها وهو من الفضلاء اللامعين في عصره ، كما تلقّت الفقه والمعارف الإسلامية من زوجها الإمام الأعظم محمّد الباقرعليه‌السلام ، وكانت على جانب كبير من الفضل ، حتى أصبحت مرجعاً للسيدات من نساء بلدها وغيره في مهام أمورهن الدينية ، وحسبها فخراً وشرفاً أنّها صارت أُمّاً لأعظم إمام من أئمة المسلمين ، وكانت تعامل في بيتها بإجلال واحترام من قِبل زوجها ، وباقي أفراد العائلة النبوية .

ـــــــــــــــــ

(١) الفصول المهمّة : ١٩٢ .

(٢) أصول الكافي ١/٤٧٢ ، وتاريخ أهل البيت ١٢٢ ، والإرشاد ٢/١٨٠ ،وتذكرة الخواص : ٣٠٦ و٣٠٧ .

(٣) القاسم بن محمد بن أبي بكر كان من الفقهاء الأجلاّء ، وكان عمر بن عبد العزيز يجله كثيراً وقد قال : لو كان لي من الأمر شيء لوليت القاسم بن محمّد الخلافة ، وقد عمّر طويلاً وذهب بصره في آخر عمره ، ولمّا احتضر قال لابنه : سن عليّ التراب سناً ـ أي ضعه عليّ سهلاً ـ وسوّي على قبري ، والحق بأهلك ، وإيّاك أن تقول : كان أبي ، وكانت وفاته بمكان يقال له قديد ، وهو اسم موضع يقع ما بين مكة والمدينة ، راجع ترجمته في صفة الصفوة : ٢/٤٩ ـ ٥٠ والمعارف : ٥٤ ، ومعجم البلدان : ٧ / ٣٨ ، ووفيات الأعيان : ٣ / ٢٢٤ .


ولادة النور :

ولم تمضِ فترة طويلة من زواج السيدة ( أم فروة ) بالإمام محمّد الباقرعليه‌السلام حتَّى حملت ، وعمّت البشرى أفراد الأسرة العلوية ، وتطلّعوا إلى المولود العظيم تطلّعهم لمشرق الشمس ، ولمّا أشرقت الأرض بولادة المولود المبارك سارعت القابلة لتزف البشرى إلى أبيه فلم تجده في البيت ، وإنّما وجدت جدّه الإمام زين العابدينعليه‌السلام ، فهنّأته بالمولود الجديد ، وغمرت الإمام موجات من الفرح والسرور ؛ لأنّه علم أنّ هذا الوليد سيجدّد معالم الدين ، ويحيي سنّة جدّه سيّد المرسلينصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأخبرته القابلة بأنّ له عينين زرقاوين جميلتين ، فتبسّم الإمامعليه‌السلام وقال :إنّه يشبه عيني والدتي (١) .

وبادر الإمام زين العابدينعليه‌السلام إلى الحجرة فتناول حفيده فقبّله ، وأجرى عليه مراسيم الولادة الشرعية ، فأذّن في أُذنه اليمنى ، وأقام في اليسرى .

لقد كانت البداية المشرقة للإمام الصادقعليه‌السلام أن استقبله جدّه الذي هو خير أهل الأرض ، وهمس في أذنه :

( الله أكبر )

( لا إله إلاّ الله )

وقد غذاه بهذه الكلمات التي هي سرّ الوجود لتكون أنشودته في مستقبل حياته .

ـــــــــــــــــ

(١) الإمام الصادق كما عرفه علماء الغرب : ٧٢ .


تاريخ ولادته :

اختلف المؤرّخون في السنة التي وُلد فيها الإمام الصادقعليه‌السلام فمن قائل إنّه وُلد بالمدينة المنوّرة سنة ( ٨٠ هـ )(١) .

وقال آخرون إنّه وُلد سنة ( ٨٣ هـ ) يوم الجمعة أو يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول(٢) .

وقال ثالث إنه وُلد سنة ( ٨٦ هـ )(٣) .

تسميته وألقابه :

أمّا اسمه الشريف فهو ( جعفر ) ونصّ كثير من المؤرّخين على أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الذي سمّاه بهذا الاسم ، ولقّبه بالصادق .

لقد لُقِّب الإمامعليه‌السلام بألقاب عديدة يمثلّ كل منها مظهراً من مظاهر شخصيّته وإليك بعض هذه الألقاب الكريمة :

١ ـ الصادق : لقّبه بذلك جدّه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باعتباره أصدق إنسان في حديثه وكلامه(٤) .

وقيل : إنّ المنصور الدوانيقي الذي هو من ألدّ أعدائه ، هو الذي أضفى عليه هذا اللقب ، والسبب في ذلك : أنّ أبا مسلم الخراساني طلب من الإمام

ـــــــــــــــــ

(١) تأريخ ابن الوردي : ١/٢٦٦ ، الإتحاف بحب الإشراف : ٥٤ ، سرّ السلسلة العلوية لأبي نصر البخاري : ٣٤ ، ينابيع المودة : ٤٥٧ ، تذكرة الحفاظ : ١/١٥٧ ، نور الأبصار للشبلنجي : ١٣٢ ، وفيات الأعيان : ١/١٩١ .

(٢) أصول الكافي : ١/٤٧٢ ، مناقب آل أبي طالب : ٤/٢٨٠ ، أعلام الورى : ٢٧١ وجاء فيه أنّه ولد بالمدينة لثلاث عشر ليلة بقيت من شهر ربيع الأول .

(٣) مناقب آل أبي طالب : ٤/٢٠٨ .

(٤) قال السمعاني في أنسابه : ٣ / ٥٠٧ ، الصادق لقب لجعفر الصادق لصدقه في مقاله .


الصادقعليه‌السلام أن يدلّه على قبر جدّه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام فامتنع ، وأخبره أنّه إنّما يظهر القبر الشريف في أيام رجل هاشمي يقال له أبو جعفر المنصور ، وأخبر أبو مسلم المنصور بذلك في أيام حكومته وهو في الرصافة ببغداد ، ففرح بذلك ، وقال : هذا هو الصادق(١) .

٢ ـ الصابر (٢) : ولقّب بذلك لأنّه صبر على المحن الشاقة والخطوب المريرة التي تجرّعها من خصومه الأمويين والعباسيين .

٣ ـ الفاضل (٣) : لقّب بذلك لأنّه كان أفضل أهل زمانه وأعلمهم لا في شؤون الشريعة فحسب ، وإنّما في جميع العلوم ، فهو الفاضل وغيره المفضول .

٤ ـ الطاهر (٤) : لأنّه أطهر إنسان في عمله وسلوكه واتجاهاته في عصره .

٥ ـ عمود الشرف (٥) : لقد كان الإمامعليه‌السلام عمود الشرف ، وعنوان الفخر والمجد لجميع المسلمين .

٦ ـ القائم (٦) : لأنّه كان قائماً بإحياء دين الله والذب عن شريعة سيد المرسلين .

٧ ـ الكافل (٧) : لأنّه كان كافلاً للفقراء والأيتام والمحرومين ، فقد قام بالإنفاق عليهم وإعالتهم .

ـــــــــــــــــ

(١) موسوعة الإمام الصادق : ١ / ٢٢ .

(٢) تذكرة الخواص ٣٠٧ ، مرآة الزمان : ٥ / ورقة ١٦٦ من مصورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين .

(٣) تاريخ أهل البيت ١٣١ ، وتذكرة الخواص ٣٠٧ .

(٤) مرآة الزمان : ٥ / ورقة ١٦٦ .

(٥) سر السلسلة العلوية : ٣٤ .

(٦) مناقب آل أبي طالب : ٤/٢٨١ .

(٧) المصدر السابق .


٨ ـ المنجي (١) : من الضلالة ، فقد هدى مَن التجأ إليه ، وأنقذ مَن اتصل به .

وهذه بعض ألقابه الكريمة التي تحكي بعض صفاته ، ومعالم شخصيته .

كُناه :

وكنّي الإمام الصادقعليه‌السلام بأبي عبد الله ، وأبي إسماعيل ، وأبي موسى(٢) .

ذكاؤه :

كان الإمام الصادقعليه‌السلام في سنّه المبكّر آية من آيات الذكاء ، فلم يجاريه أحد بمثل سنّه على امتداد التأريخ بهذه الظاهرة التي تدعو إلى الإعجاب والإكبار ، والتي كان منها أنّه كان يحضر دروس أبيه وهو صبي يافع لم يتجاوز عمره الثلاث سنين ، وقد فاق بتلقيه لدروس أبيه جميع تلاميذه من كبار العلماء والرواة ومن الجدير بالذكر أنّ دروس أبيه وبحوثه لم تقتصر لاعلى الفقه والحديث ، وتفسير القرآن الكريم ، وإنّما شملت جميع أنواع العلوم ، وقد ألمَّ بها الإمام الصادقعليه‌السلام أحسن إلمام ويدل على ذلك ما نقله الرواة من أنّ الوليد بن عبد الملك أمر عامله على يثرب عمر بن عبد العزيز بتوسعة المسجد النبوي ، فأنجز عمر قسماً كبيراً منه ، وأعلمه بذلك ، وسافر الوليد إلى يثرب ليطّلع بنفسه على ما أنجزه عمر من أعمال التعمير والتوسيع ، وقد استقبله عمر من مسافة خمسين فرسخاً ، وأعدَّ له استقبالاً رسمياً ، وخرجت أهالي يثرب بجميع طبقاتها لاستقباله والترحيب به ، وبعدما انتهى إلى يثرب دخل إلى الجامع النبوي ليشاهد ما أنجر من أعمال

ـــــــــــــــــ

(١) مناقب آل أبي طالب : ٤/٢٨١ .

(٢) المصدر السابق .


التعمير ، وقد رأى الإمام الباقرعليه‌السلام على المنبر ، وهو يلقي محاضرة على تلاميذه فسلّم عليه ، فردّ الإمام السلام عليه ، وتوقّف عن التدريس تكريماً له ، فأصرّ عليه الوليد أن يستمر في تدريسه ، فأجابه إلى ذلك ، وكان موضوع الدرس ( الجغرافيا ) فاستمع الوليد ، وبهر من ذلك ، فسأل الإمام : ( ما هذا العلم ؟ ) .

فأجابه الإمام : إنّه علم يتحدث عن الأرض والسماء ، والشمس والنجوم .

ووقع نظر الوليد على الإمام الصادق ، فسأل عمر بن عبد العزيز : مَن يكون هذا الصبي بين الرجال ؟ .

فبادر عمر قائلاً : إنّه جعفر بن محمّد الباقر ...

وأسرع الوليد قائل : هل هو قادر على فهم الدرس واستيعابه؟ .

فعرفه عمر بما يملكه الصبي من قدرات علمية ، قائلاً : إنّه أذكى مَن يحضر درس الإمام وأكثرهم سؤالاً ونقاشاً .

وبهر الوليد ، فاستدعاه ، فلمّا مثل أمامه بادر قائلاً : ( ما اسمك ؟ ) .

وأجابه الصبي بطلاقة قائلاً :( اسمي جعفر ) .

وأراد الوليد امتحانه ، فقال له : ( أتعلم مَن كان صاحب المنطق ـ أي مؤسّسه ـ ؟ ) .

فأجابه الصبي :( كان أرسطو ملقباً بصاحب المنطق ، لقّبه إيّاه تلامذته ، وأتباعه ) .

ووجه الوليد إليه سؤالاً ثانياً قائلاً : ( من صاحب المعز ؟ ) .

فأنكر عليه الإمام وقال :( ليس هذا اسماً لأحد ، ولكنه اسم لمجموعة من النجوم ، وتسمى ذو الأعنة ) (١) .

واستولت الحيرة والذهول على الوليد ، فلم يدر ما يقول ، وتأمّل كثيراً ليستحضر مسألة أخرى يسأل بها سليل النبوّة ، وحضر في ذهنه السؤال الآتي

ـــــــــــــــــ

(١) هذه المجموعة من النجوم تسمّى في اصطلاح العلم الحديث ( أوريك ) أو ( أريجا ) .


فقال له : ( هل تعلم مَن صاحب السواك ؟ ) .

فأجابه الإمام فور :( هو لقب عبد الله بن مسعود صاحب جدّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) .

ولم يستحضر الوليد مسألة يسأل بها الإمام ، ووجد نفسه عاجزاً أمام هذا العملاق العظيم ، فراح يبدي إكباره وإعجابه بالإمام ، ويرحّب به ، وأمسك بيده ، ودنا من الإمام الباقرعليه‌السلام ، يهنئه بولده قائلاً : إنّ ولدك هذا سيكون علاّمة عصره(١) .

وصدق توسّم الوليد ، فقد أصبح الإمام الصادقعليه‌السلام أعلم علماء عصره على الإطلاق ، بل أعلم علماء الدنيا على امتداد التأريخ ، وليس هناك تعليل مقنع لهذه الظاهرة التي اتصف بها سليل النبوّة في حال طفولته ، إلاَّ القول بما تذهب إليه الشيعة من أنّ الله تعالى منح أئمة أهل البيتعليهم‌السلام العلم والحكمة في جميع أدوار حياتهم كما منح أنبياءه ورسله .

معرفته بجميع اللغات :

وكان في سنّه المبكّر عارفاً بجميع لغات العالم إذ كان يتكلّم مع كل أهل لغة كأنّه واحد منهم وإليك نماذج تشير إلى ذلك :

١ ـ روى يونس بن ظبيان النبطي أنّ الإمام الصادقعليه‌السلام تحدّث معه باللغة النبطية فأخبره عن أول خارجة خرجت على موسى بن عمران ، وعلى المسيح ، وعلى الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام بالنهروان ، وأعقب كلامه بقوله : ( مالح ديربير ماكي مالح ) ومعناه أن ذلك عند قريتك التي هي بالنبطية(٢) .

ـــــــــــــــــ

(١) الإمام الصادق كما عرفه علماء الغرب : ١٠٨ ـ ١١٢ .

(٢) الإمام الصادق كما عرفه علماء الغرب : ٤٨ .


٢ ـ روى عامر بن علي الجامعي ، قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : جُعلت فداك ، إنّا نأكل كل ذبائح أهل الكتاب ، ولا ندري أيسمّون عليها أم لا ؟ فقالعليه‌السلام : إذا سمعتموهم قد سمّوا فكلوا ، أتدري ما يقولون على ذبائحهم ؟

فقلت : لا .

فقرأ شيئاً لم أعرفه ثم قال : بهذا أُمروا .

فقلت : جعلت فداك إن رأيت أن نكتبها .

قالعليه‌السلام : اكتب ( نوح أيوا ادينو بلهيز مالحوا عالم اشرسوا أورصوبنوا (يوسعه) موسق ذعال اسطحو )(١) .

وفي رواية أخرى أنّ النص كالآتي ( باروح أنا ادوناي إيلوهنوا ملخ عولام اشرفدشنوا عبسوتا وسينوانوا على هشخيط ) ومعناه تباركت أنت الله مالك العالمين ، الذي قدّسنا بأوامره ، وأمرنا على الذبح(٢) .

٣ ـ روى أبو بصير قال : كنت عند أبي عبد اللهعليه‌السلام وعنده رجل من أهل خراسان وهو يكلّمه بلسان لا أفهمه(٣) وكانت تلك اللغة التي كان يتحدث بها مع الخراساني هي اللغة الفارسية .

ووفد عليه قوم من أهل خراسان ، فقالعليه‌السلام لهم :( من جمع مالاً يحرسه عذّبه الله على مقداره ) فقالوا له باللغة الفارسية : لا نفهم العربية ، فقالعليه‌السلام لهم : ( هركه درم اندوزد جزايش ذوزخ باشد )(٤) .

٤ ـ روى أبان بن تغلب قال : غدوت من منزلي بالمدينة وأنا أريد أبا عبد الله فلمّا صرت بالباب وجدت قوماً عنده لم أعرفهم ، ولم أر قوماً أحسن زيّاً منهم ، ولا أحسن سيماءً منهم كأنّ الطير على رؤوسهم ، فجعل

ـــــــــــــــــ

(١) الإمام الصادق كما عرفه علماء الغرب : ٤٧ .

(٢) المصدر السابق : ٤٨ .

(٣) الاختصاص : ١٨٣ .

(٤) الإمام الصادق كما عرفه علماء الغرب : ٤٦ .


أبو عبد اللهعليه‌السلام يحدثنا بحديث فخرجنا من عنده ، وقد فهَّم خمسة عشر نفراً ، متفرقي الألسن ، منهم : العربي ، والفارسي ، والنبطي ، والحبشي ، والصقلبي ، فقال العربي : حدثنا بالعربية ، وقال الفارسي : حدثنا بالفارسية ، وقال الحبشي : حدّثنا بالحبشية ، وقال : الصقلبي : حدثنا بالصقلبية ، وأخبرعليه‌السلام بعض أصحابه بأن الحديث واحد ، وقد فسّره لكل قوم بلغتهم(١) .

٥ ـ ودار الحديث بين الإمامعليه‌السلام وبين عمار الساباطي باللغة النبطية فبهر عمار وراح يقول : ( ما رأيت نبطياً أفصح منك بالنبطية ) .

فقالعليه‌السلام له :( يا عمار وبكل لسان ) (٢) .

هيبته ووقاره :

كانت الوجوه تعنو لهيبة الإمام الصادقعليه‌السلام ووقاره ، فقد حاكى هيبة الأنبياء ، وجلالة الأوصياء ، وما رآه أحد إلاَّ هابه إذ كانت تعلوه روحانية الإمامة ، وقداسة الأولياء وكان ابن مسكان وهو من خيار الشيعة وثقاتها لا يدخل عليه شفقة أن لا يوافيه حق إجلاله وتعظيمه ، فكان يسمع ما يحتاج إليه مراحل حياة الإمام جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام من أمور دينه من أصحابه ، ويأبى أن يدخل عليه(٣) .

ـــــــــــــــــ

(١) الإمام الصادق كما عرفه علماء الغرب : ٤٦ ـ ٤٧ .

(٢) الاختصاص : ٢٨٣ .

(٣) الاختصاص : ٢٠٣ .


الفصل الثاني : مراحل حياة الإمام الصادقعليه‌السلام

ولد الإمام جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام في مرحلة ازدهار الدولة الأموية حين ابتعد الخلفاء كثيراً عن طريق الحق وترسّخت صيغة الملك المتوارث .

عاصر جدّه اثنتا عشرة سنة في المدينة وعاش مع أبيه بعد جدّه تسع عشرة سنة نهل خلالها جميع العلوم والمعارف من أبيهعليه‌السلام وفاق الجميع بسعة إدراكه وشدة ذكائه .

وشارك أباه محنة الصبر على تولّي الظالمين والتعرّض للبلاء كما ساهم مع أبيه في نشر العلوم الإسلامية من خلال حلقات الدرس التي أسّسها لكي لا تضيع الرسالة وتندرس معالم الدين .

وتمكّن من أن يواصل بعد أبيهعليه‌السلام خلال مدّة إمامته التي استمرّت أربعاً وثلاثين سنة تربية أجيال عديدة من العلماء والفقهاء الصالحين ممّن ينهج نهج أهل البيتعليهم‌السلام .

وكما عاصر الإمام الصادقعليه‌السلام مرحلة انحطاط الدولة الأموية وأفولها عاصر كذلك ظهور الدولة العباسية التي تعجّلت في ممارسة الظلم بالنسبة لأهل البيتعليهم‌السلام والتعدّي عليهم .


وتمكّن الإمام الصادقعليه‌السلام في هذه الفترة من المعترك السياسي المرير أن يحافظ على كيان المذهب الشيعي واستمرار سلامة الجماعة الصالحة وتنميتها ، تلك الجماعة التي عمل على بنائها وتوسعتها آباؤه الطاهرون .

ومن هنا نقسِّم حياته إلى عصرين متميّزين :

عصر ما قبل التصدّي للإمامة ، وقد عاصر فيه كلاًّ من الوليد بن عبد الملك وسليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز ويزيد بن الوليد وهشام بن عبد الملك .

وعصر ما بعد التصدّي للإمامة .

وينقسم العصر الأول إلى مرحلتين :

المرحلة الأولى : حياته مع جدّه وأبيه ( من سنة ٨٣ إلى سنة ٩٥ هـ )

المرحلة الثانية : حياته مع أبيه الباقرعليه‌السلام (من سنة ٩٥ إلى سنة ١١٤ هـ ) .

وينقسم العصر الثاني إلى مرحلتين أيضاً :

المرحلة الأولى : مرحلة انهيار الدولة الأموية حتَّى سقوطها ( ١١٤ إلى ١٣٢ هـ ) .

والمرحلة الثانية : مرحلة تأسيس الدولة العباسية حتَّى استشهاده ( سنة ١٤٨ هـ ) .

وعاصر في المرحلة الأولى من مرحلتي العصر الثاني كلاًّ من : هشام بن عبد الملك والوليد بن يزيد ثم يزيد بن الوليد المعروف بالناقص ثم أخيه إبراهيم بن الوليد ثم مروان بن محمد الذي عرف بمروان الحمار ، وهو آخر ملوك بني أمية والذي سقطت في عهده هذه الدولة الظالمة بعد أن عاثت في الأرض فساداً .

كما عاصر في المرحلة الثانية كلاًّ من : السفّاح وأبي جعفر المنصور ، حيث استشهد في حكم المنصور العباسي بعد إجراءات قاسية قام بها هذا الحاكم الذي تربّع على كرسي الخلافة باسم أهل البيتعليهم‌السلام .

وسنوافي القارئ الكريم بتفاصيل ما جرى على الإمامعليه‌السلام في هذه المرحلة من حياته الشريفة .


الفصل الثالث : الإمام الصادق في ظل جدّه وأبيهعليهم‌السلام

ملامح عصر الإمام زين العابدين ومواقفه

لقد واجه الإمام زين العابدينعليه‌السلام بعد استشهاد أبيه الحسينعليه‌السلام ما يلي :

١ ـ التعاطف مع أهل البيتعليهم‌السلام تعاطفاً كان يفتقد الوعي ويقتصر على الشعور الإيجابي بالولاء مع خلوّه عن الموقف العملي الجادّ .

٢ ـ ثورات انتقاميّة كانت تتحرّك نحو هدف محدود ، وثورات نفعية مصلحيّة ، ونشوء حركات منافقة ، وظهور وعّاظ السلاطين لإسباغ الشرعية على السلطة القائمة .

٣ ـ بروز ظاهرة الشعور بالإثم عند الأمة بسبب ما ارتكبته من خذلان لأبيه الحسين السبطعليه‌السلام لكن هذا الشعور كما هو معروف كان بلا ترشيد واضح ، والعقليات المدبّرة للثورة على الوضع القائم كانت تفكر بالثأر فحسب وهنا خطط الإمام زين العابدينعليه‌السلام لعمله على مرحلتين أو خطوتين :

الخطوة الأولى : تناول الإمامعليه‌السلام ظاهرة الشعور بالإثم وعمل على ترشيدها بعد أن عمّقها بشكل متواصل عبر تذكيره الأمة بمأساة كربلاء والمظالم التي لحقت بآل البيتعليهم‌السلام وقد استغرق هذا التذكير زمناً طويلاً ،


حيث حاول إعطاء ظاهرة الشعور بالإثم بُعداً فكرياً صحيحاً ليجعل منه أداة دفع وتأثير في عملية البناء والتغيير .

وبعد أن تراكم هذا الشعور شكّل في نهاية الأمر خزيناً داخلياً كانت لا تقوى الأمة أن تصبر عليه طويلاً ، وأصبح الإلحاح على مخرج تعبّر به الأمّة عن ألمها أمراً جدّياً ، حتَّى حدثت الثورة الكبرى وطبيعي أنّ هذا الجو المشحون الذي كان ينبئ بالثورة والإطاحة بالأمويين جعلهم يشددّون الرقابة على الإمام زين العابدينعليه‌السلام باعتباره الرأس المدبّر لهذه المطالبة ولكونه الوريث الشرعي للخلافة بعد أبيه الحسينعليه‌السلام ومن هنا كانت الحكومة الأموية تفسّر أيّ حركة تصدر من الإمامعليه‌السلام على أنّها تمهيد للثورة .

الخطوة الثانية : توزّع نشاط الإمامعليه‌السلام في هذه الخطوة على عدّة اتّجاهات .

الاتجاه الأوّل : قام الإمامعليه‌السلام ببلورة العواطف الهائجة وحاول أن يدفعها باتّجاه الفكر الصحيح ويضع لها الأسس العقائديّة ويجعل منها مقدمة لعملية التغيير التي ينشدها الإمامعليه‌السلام ، وقد تمثّلت في إيجاد الفكر الإسلامي الصحيح الذي طالما تعرّض للتشويه والتحريف ثم إعداد الطليعة الواعية التي تشعر بالمسؤولية وتكون أهلاً لحمل الأمانة الإلهيّة .

الاتّجاه الثاني : تحرّك الإمام زين العابدينعليه‌السلام انطلاقاً من مسؤوليته في حماية الإسلام وبقائه كشريعة دون تحريف وتشويه لمحتواه ضمن عدة نشاطات :

١ ـ النشاط الأول : واجه الإمامعليه‌السلام الحركات الانحرافية والفرق الضالّة والمغالية التي كانت تستهدف الفكر الإسلامي وتعتمد الإسرائيليات والنظريات الهندية واليونانية حول الكون والحياة في فهم القرآن والحديث


الشريف ، وقام بنشر مختلف العلوم والفنون وتبيان الصيغة الصحيحة للعلاقات الاجتماعية والسياسية والأخلاقية التي كان قد أصابها الفساد ، كما يتّضح ذلك بجلاء في رسالته المعروفة برسالة الحقوق ، كما ساهم في حل المشاكل التي كانت تهدّد كرامة الدولة الإسلامية كما يلاحظ ذلك جليّاً فيما حدث في جوابه على رسالة ملك الروم حين هدّد الخليفة بالحصار الاقتصادي(١) .

النشاط الثاني : إنّ الأمويين كانوا قد ضيّقوا على حركة الإمامعليه‌السلام ونشاطه مع الأمة إلاَّ أنّ الإمامعليه‌السلام استخدم الدعاء سلاحاً للارتباط الفكري والمعنوي بها ، وحيث إنّ هذا السلاح لم يستهدف الأمويين مباشرة ، توفّر للإمامعليه‌السلام مجالٌ أوسع لمعالجة الظواهر المرضية والانحرافات الأخلاقية .

الاتّجاه الثالث : التأكيد على أهمية العمل الثوري ومكافحة الظلم والانحراف ، وإيقاد روح الجهاد التي كانت خمدت في الأمة عبر سنوات الانحراف ، كما يتجلّى ذلك في دعائه للمختار الذي طالب بثأر الحسين وكان على اتصال دائم بالإمامعليه‌السلام أثناء ثورته من خلال عمّه محمد ابن الحنفيّة .

الاتّجاه الرابع : لم يكن موقف الإمامعليه‌السلام من الحكّام موقف المواجهة والتحدّي المباشر ; إذ لو كان قد فعل الإمام زين العابدينعليه‌السلام ؛ ذلك لما كان يستطيع أن يحقق ما حققه من مكاسب في الأمة في مجال التربية ، ولما توفّرت أجواء سليمة وفرص واسعة لنشاط الإمام الباقرعليه‌السلام من بعده وللجماعة الصالحة التي ربّاها .

لكن هذا لا يعني أن الإمامعليه‌السلام لم يوضح رأيه في الحكومة فلم يترك

ـــــــــــــــــ

(١) البداية والنهاية : ٩/١٢٢ .


الأمر ملتبساً على شيعته ، بل كانت للإمام زين العابدينعليه‌السلام مواقف مع الحكّام سوف نشير إلى بعض منها ، وكان هدفه منها إعطاء خطّ في التربية والتغيير حفاظاً على الشيعة من الضياع ; إذ لم تكن الجماعة الصالحة على سبيل المواجهة ولكنها كانت كافية في التحصين في تلك المرحلة على مستوى التربية والإعداد وتأسيساً لمستقبل سياسي أفضل .

ونستطيع أن نلاحظ موقف الإمامعليه‌السلام مع السلطة من خلال رسالته الجوابية إلى عبد الملك حين لامَ عبد الملك الإمامعليه‌السلام على زواجه بأمته التي كان قد أعتقها .

إنّ ردّ الإمامعليه‌السلام على عبد الملك كان يتضمّن تحدّياً للخليفة الذي كان يفكرّ بعقلية جاهلية ; فإنّ الإمامعليه‌السلام وضّح فيها الموقف الإسلامي الذي يلغي كل الامتيازات التي وضعتها الجاهلية بقولهعليه‌السلام :( فلا لؤم على امرئ مسلم إنَّما اللؤمُ لؤم الجاهلية ) .

يظهر هذا التحدّي ممَّا جاء في مصادر التأريخ من أن الخليفة الأموي بعد أن قرأها هو وابنه سليمان ، قال الابن : يا أمير المؤمنين لَشدَّ ما فخر عليك علي بن الحسين !! فردّ الخليفة على ابنه قائلاً : ( يا بنيّ لا تَقل ذلك فإنّها ألسن بني هاشم التي تَفلق الصخر وتغرف من بحر ، إنّ عليّ بن الحسين يا بني يرتفع من حيث يتّضع الناس(١) .

وفي هذا الجواب إشارة إلى أنّ المواجهة مع الإمام من قبل الخليفة لا تخدم سلطان بني أمية .

ومن مواقف الإمام زين العابدينعليه‌السلام تجاه السلطة أيضاً موقفه من

ـــــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار : ٤٦/١٦٥ ، والعقد الفريد : ٧/١٢١ .


الزهري ذلك المحدث الذي كان مرتبطاً بالبلاط الأموي ـ فقَد أرسل إليه الإمامعليه‌السلام رسالة قَرعه فيها على شنيع فعله(١) ، وان كان قد علم الإمام بأنّه غارق إلى هامته في موائد السلطان ولهوه ، إلاَّ أنّها رسالة للأجيال .

ومن الأحاديث التي وضعها هذا الرجل دعماً لسياسة بني أمية حينما منعوا حج بيت الله الحرام لمّا كان ابن الزبير مسيطراً على الحرمين الشريفين ما رواه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله : لا تشد الرحال إلاَّ إلى ثلاثة : مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى .

ملامح عصر الإمام محمد الباقرعليه‌السلام

استشهد الإمام زين العابدينعليه‌السلام سنة ( ٩٥ هـ ) في أيام حكم الوليد ابن عبد الملك وتوّلى الإمام محمد بن علي الباقرعليه‌السلام مسؤولية الإمامة بوصية من أبيه حيث أعلن عن إمامته أمام سائر أبنائه وعشيرته حين سلّمه صندوقاً فيه سلاح رسول اللهعليه‌السلام وقال له :( يا محمَّد هذا الصندوق فاذهب به إلى بيتك ، ثم قالعليه‌السلام :أما إنّه لم يكن فيه دينار ولا درهم ولكنه مملوءٌ علم ) (٢) .

إذن فهو صندوق يرمز لمسؤولية القيادة الفكرية والعلمية كما أنّ السلاح يرمز لمسؤولية القيادة الثورية .

وبالرغم من توالي الثورات التي تلت واقعة الطف والتي كان الإمام الباقرعليه‌السلام قد عاصرها جميعاً مع أبيهعليه‌السلام بقي موقف الأعمّ الأغلب من الناس الاستجابة لمنطق السيف الأموي إلى جانب القسم الآخر الذي آمن بأنّ الحكّام الأمويين يمثّلون الخلافة الإسلامية .

ـــــــــــــــــ

(١) تحف العقول : ٢٧٢ ـ ٢٧٧ .

(٢) بصائر الدرجات ٤/٤٤ و٤٨ ، وأصول الكافي ١/٣٠٥ وعنهما في بحار الأنوار : ٤٦/٢٢٩ .


كما أنّه عاصر عمليات الهدم الفكري والتحريف والمسخ الثقافي الذي مارسه الأمويون بحق الرسالة والقيم الإسلامية .

وعند مجيء سليمان بن عبد الملك إلى الحكم بعد وفاة أخيه الوليد بن عبد الملك سنة ( ٩٦ هـ ) أصدر قرارات جديدة استراحت الأمة بسببها قليلاً حيث أمر بالتَنكيل ( بآل ) الحجاج بن يوسف الثقفي وطرد كلّ عمّاله وولاته(١) كما أطلق سراح المسجونين في سجون الحجّاج(٢) .

وفي سنة ( ٩٩ هـ ) تقلّد الحكم الأموي عمر بن عبد العزيز فازدادت الحريّات في مدّة خلافته القصيرة ، كما يراه بعض المؤرّخين ، كما أنّه عالج مشكلة الخراج التي قال عنها بأنّها سنّة خبيثة سنّها عمّال السوء(٣) .

وعامل العلويين معاملة خالف فيها أسلافه فقد جاء في كتابه لعامله على المدينة : ( فأقسم في ولد علي من فاطمة رضوان الله عليهم عشرة آلاف دينار فطالما تخطّتهم حقوقهم )(٤) ورَدَّ فدكاً ـ التي كان قد صادرها الخليفة الأوّل ـ على الإمام الباقرعليه‌السلام (٥) ورفع سبّ الإمام عليّعليه‌السلام الذي كان قد سنّه معاوية(٦) .

أمّا الناحية الفكرية : فتبعاً للتغيّرات السياسية نلمس تطوّراً في الجانب الفكري أيضاً ؛ فقد برزت في هذا الظرف تيارات فكريّة جديدة واتجّه الناس

ـــــــــــــــــ

(١) الكامل ، ابن الأثير : ٤/١٣٨ .

(٢) تاريخ ابن عساكر : ٤/٨٠ .

(٣) الكامل : ٥/٢٩ وتاريخ الطبري : ٨/١٣٩ .

(٤) مروج الذهب : ٣/١٩٤ .

(٥) الكامل : ٤/١٦٤ والمناقب : ٤/٢٠٧ وسفينة البحار : ٢/٣٧٢ .

(٦) انظر الفكر السامي ١/٢٧٦ عن صحيح مسلم ، وتاريخ اليعقوبي ٢/٢٢٣ و٢٣٠ و٢٣٥ و٣٠٥ ، وشرح النهج للمعتزلي ٥/٩٨ تاريخ الخميس : ٢/٣١٧ .


للبحث والدرس وتلقّي المعرفة الإسلامية ورفع المنع الحكومي عن تدوين الحديث النبوي وبدأت تتميّز مدرسة أهل الحديث عن مدرسة أهل الرأي ومال الموالي من غير العرب إلى مدرسة أهل الرأي في الكوفة ، وتزعّم أبو حنيفة هذه المدرسة في حينها ضد مدرسة أهل الحديث في المدينة(١) .

وكنتيجة طبيعية للإخفاق الذي سجّلته الحركات الفكرية ، ظهرت فكرة الاعتزال التي نادى بها ( واصل بن عطاء ) في البصرة عندما اعتزل حلقة درس أستاذه ( الحسن البصري ) وهي تعتبر تعديلاً لفكرة الخوارج التي لم تلقَ رواجاً حينما قالت بكفر مرتكب الكبيرة(٢) ، والمرجئة التي قالت بأنّه لا تضر مع الإيمان معصية(٣) فقال واصل ( مؤسس اتّجاه الاعتزال والمتوفى في ١٣١هـ ) : إنّ صاحب الكبيرة ليس بمؤمن بإطلاق بل هو في منزلة بين منزلتين أي إنّ مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر لكنّه فاسق والفاسق يستحق النار بفسقه(٤) .

هذه صورة مجملة عن الواقع الذي عايشه الإمام الصادقعليه‌السلام خلال مرحلة قيادة أبيه الباقرعليه‌السلام .

متطلّبات عصر الإمام الباقرعليه‌السلام

ونلخّص دور الإمام الباقرعليه‌السلام في ثلاثة خطوط أساسية :

الخط السياسي ، وإكمال بناء الجماعة الصالحة ، وتأسيس جامعة أهل البيتعليه‌السلام العلمية .

ـــــــــــــــــ

(١) ضحى الإسلام لأحمد أمين : ٢/١٧٨ .

(٢) الملل والنحل : ١/١٥٨ .

(٣) تاج العروس ، مادة رجأ .

(٤) الأغاني : ٧ / ١٥ .


١ ـ الخط السياسي للإمام الباقر عليه‌السلام

لقد كان الخيار السياسي للإمام الباقرعليه‌السلام في فترة تصدّيه للإمامة هو الابتعاد عن الصدام والمواجهة مع الأمويين وهذا واضح من خلال تصريحه الذي تضمّن بياناً للجوّ السائد وحالة الأمة ومستوى وعيها آنذاك :( إنْ دَعَوْناهم لم يستجيبوا لنا ) (١) .

كما نجده فيما بعد يستوعب سياسة الانفتاح والاعتدال التي أبداها عمر ابن عبد العزيز ، سواء كان هذا الاعتدال بدافع ذاتي لعلاقته بالإمامعليه‌السلام ، أم بدافع الضغوط الخارجيّة وخوفه من انهيار الدولة الأموية .

إنّ الإمام قد رسم خطّه السياسي في هذه المرحلة بأسلوبين :

الأسلوب الأول : تصريح الإمامعليه‌السلام برأيه حول عمر بن عبد العزيز وحكومته قبل تصدّي عمر للخلافة فعن أبي بصير ، قال : كنت مع أبي جعفر الباقرعليه‌السلام في المسجد ودخل عمر بن عبد العزيز وعليه ثوبان ممصّران متكئاً على مولى له فقالعليه‌السلام :( لَيَلِيَنَّ هذا الغلام [ أي سوف يتولّى السُلطة ]فيظهر العدل ) (٢) .

ولكن الإمامعليه‌السلام قدح في ولايته باعتبار وجود مَن هو أولى منه .

الأسلوب الثاني : أسلوب المراسلة واللقاء فقد روي أنّ عمر بن

ـــــــــــــــــ

(١) الإرشاد ، للشيخ المفيد : ٢٨٤ .

(٢) سفينة البحار : ٢/١٢٧ .


عبد العزيز كرّم الإمام أبا جعفرعليه‌السلام وعظّمه وقد أرسل خلفه فنون ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود وكان من عُبّاد أهل الكوفة فاستجاب له الإمامعليه‌السلام وسافر إلى دمشق فاستقبله عمر استقبالاً رائعاً واحتفى به وجَرَت بينهما أحاديث وبقي الإمام أيّاماً في ضيافته(١) .

ومن المراسلات ما جاء أنّه : كتب عمر للإمامعليه‌السلام بقصد الاختبار فأجابه الإمام برسالة فيها موعظة ونصيحة له(٢) ، ولكن سياسة الابتعاد عن الصدام المباشر لم تمنع الإمام الباقرعليه‌السلام من أن يقف من الأمة بشكل عام ومن الأمويين وهشام بن عبد الملك بشكل خاص موقف التحدّي الفكري والعقائدي والعلمي لبيان الحق المغتصب وكشف ستار الباطل الذي كان قد أسدله الحكّام على الحق ورموزه .

وحين حجّ هشام بن عبد الملك بن مروان سنة من السنين وكان قد حجّ في تلك السنة محمّد بن علي الباقرعليه‌السلام وابنه جعفر ، قال جعفر بن محمدعليه‌السلام في بعض كلامه :( الحمد لله الذي بعث محمّداً نبيّاً وأكرمنا به ، فنحن صفوة الله على خلقه وخيرته من عباده فالسعيد مَن اتّبعنا والشقيّ مَن خالفَنَا ، ومن الناس مَن يقول : إنّه يتولاَّنا وهو يتولّى أعدائنا ومَن يليهم من جلسائهم وأصحابهم ، فهو لم يسمع كلام ربّنا ولم يعمل به ) (٣) .

فبيّنعليه‌السلام مفهوم القيادة الإلهية ومصداقها الحقيقي الذي يمثّلها آنئذ .

وهذا الطرح وان كان فيه نوع مجابهة صريحة للحاكم وما يدور في

ـــــــــــــــــ

(١) تاريخ دمشق : ٥١/٣٨ .

(٢) تاريخ اليعقوبي ٢/٣٠٥ .

(٣) دلائل الإمامة : ١٠٤ ـ ١٠٩ ، بحار الأنوار : ٤٦/٣٠٦ .


أذهان الناس لكنّه لم يكن مغامرة ; لأنّ الظرف كان بحاجة إلى مثل هذا الطرح والتوضيح ، بالرغم من أنّه قد أدّى إلى أن يستدعي هشام الإمامين الباقر والصادقعليهما‌السلام إلى الشام فيما بعد .

٢ ـ إكمال بناء الجماعة الصالحة

لم تكن عملية بناء الجماعة الصالحة وليدة عصر الإمام الباقرعليه‌السلام فقد باشرها الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم لإمام عليعليه‌السلام ، حيث نجد لأشخاص أمثال مالك الأشتر وهاشم المرقال ، ومحمد بن أبي بكر ، وحجر بن عدي ، وميثم التمّار ، وكميل بن زياد ، وعبد الله بن العباس ، دوراً كبيراً في الصراع الذي خاضه الإمام عليعليه‌السلام مع مناوئيه .

واستمرت عملية البناء بشكل فاعل في عصر الإمامين الحسن والحسينعليهما‌السلام ، ثم تقلّص النشاط المباشر في بناء هذه القاعدة وتوسيعها ، ثم استمرّت عملية البناء في العقود الأخيرة من حياة الإمام زين العابدينعليه‌السلام وتكاملت في عصر الإمام الباقرعليه‌السلام حيث سنحت الفرصة له بأن يتحرك نحو تطوير الجماعة الصالحة بتوضيح أهدافها التي تمثّلت في الدفاع عن المجتمع الإسلامي وحفظ الشريعة الإسلامية من التحريف إلى جانب توسيع القاعدة كمّاً مع تطويرها كيفاً .

ونقتصر فيما يلي على بعض ما قام به الإمام الباقرعليه‌السلام من خطوات :

الخطوة الأولى : أخذ الإمامعليه‌السلام يعمّق ويوضّح صفات الجماعة الصالحة الموالية لأهل البيتعليهم‌السلام ودورها في المجتمع ، فقد جاء في وصفه لهذه الجماعة قولهعليه‌السلام :( إنّما شيعتنا ـ شيعة علي ـالمتباذلون في ولايتنا المتحابّون في


مودّتنا ، المتزاورون لإحياء أمرنا ، الذين إذا غضبوا لم يظلموا ، وإذا رضوا لم يسرفوا ، بركة على مَنْ جاوروا ، سلم لمَن خالطوا ) (١) ، وقال أيضاً :( شيعتنا من أطاع الله ) (٢) .

وبهذا أراد الإمامعليه‌السلام أن يرسّخ الكمالات الإنسانية في جانبي الأخلاق والعبادة التي تعرّضت للضياع طيلة سنوات المحنة ، ويوضّح أن الانتماء لخطّ أهل البيتعليهم‌السلام هو بالعمل والتحلّي بهذه الصفات .

الخطوة الثانية : قام الإمامعليه‌السلام ـ بالإضافة إلى توضيح مستوى الروح الإيمانية التي ينبغي أن يتَمتّع بها أفراد الجماعة الصالحة ـ بشحذِ هممها وتربيتها على روح الصبر والمقاومة لكي تمتلك القدرة على مواصلة العمل في سبيل الله ومواجهة التحدّيات المستمرّة وعدم التنازل أمام الإغراءات أو الضغوط الظالمة ، فقد جاء في كلامهعليه‌السلام لرجل حين قال له : والله إنّي لأحبّكم أهل البيت فقالعليه‌السلام :( فاتّخذ للبلاء ، جلباباً ، فو الله إنّه لأسرع إلينا وإلى شيعتنا من السيل في الوادي ، وبنا يبدو البلاء ثم بكم ، وبنا يبدو الرخاء ثم بكم ) (٣) .

هكذا رسم الإمامعليه‌السلام معالم الطريق الشائك أمامه ، إنّه طريق مفروش بالدماء والدموع ، والإمام رائد المسيرة على هذا الطريق يصيبه البلاء أوّلاً قبل أن يصيب شيعتَه .

وقد كان الإمامعليه‌السلام يذكّرهم بمعاناة الشيعة قبل هذا الظرف بقولهعليه‌السلام :( قتلت شيعتنا بكلّ بلدة وقُطِعت الأيدي والأرجل على الظنة وكان مَن يذكر بحبّنا والانقطاع إلينا سُجن ونُهب مالُه وهُدِمَت داره ) (٤) .

ومن الأعمال التي قام بها الإمامعليه‌السلام في بناء الجماعة الصالحة هو إلزام

ـــــــــــــــــ

(١) تحف العقول : ٢٩٥و ٣٠٠ .

(٢) تحف العقول : ٢٩٥و ٣٠٠ .

(٣) بحار الأنوار : ٤٦/٣٦٠ ، وأمالي الشيخ الطوسي : ٩٥ .

(٤) حياة الإمام الحسنعليه‌السلام دراسة وتحليل : ٢/٢٥٧ .


أتباعه وخاصّته بمبدأ التقية ؛ حفاظاً عليهم من القمع والإرهاب والإبادة التي طالما تعرّضوا لها وقد اعتبر هذا المبدأ من الواجبات الشرعية ذات العلاقة بالإيمان ، فكان يوصيِهم بالتقية قائلاً :( التقيّة ديني ودين آبائي ، ومَن لا إيمان له لا تقيّة له ) (١) .

ومن المبادئ التي تتداخل مع التقيّة : كتمان السرّ ، فقد جاء عنهعليه‌السلام في وصيّته لجابر بن يزيد الجعفي في أوّل لقاء له بالإمامعليه‌السلام : أن لا يقول لأحد أنّه من أهالي الكوفة ، وليظهر بمظهر رجل من أهل المدينة وجابر الجعفي هذا قد أصبح فيما بعد صاحب سرّ الإمامعليه‌السلام ، ولشدّة فاعليّته وتأثيره في الأمة أمر هشام بن عبد الملك واليه في الكوفة بأن يأتيه برأس جابر ، لكنّ جابراً قد تظاهر بالجنون قبل أن يصدر الأمر بقتله حسب إرشادات الإمام الباقرعليه‌السلام التي كانت تصله سرّاً ، فقد جاء في كتاب هشام إلى واليه : أن أُنظر رجلاً يقال له جابر بن يزيد الجعفي فاضرب عنقه وابعث إليَّ برأسه .

فالتفت إلى جلسائه فقال لهم : مَن جابر بن يزيد الجعفي ؟ قالوا : أصلحك الله ، كان رجلاً له علم وفضل وحديث وحجّ فجنّ وهو ذا في الرحبة مع الصبيان على القصب يلعب معهم .

قال : فأشرف عليه فإذا هو مع الصبيان يلعب على القصب فقال : الحمد لله الذي عافاني من قتله(٢) .

وكان في هذه المرحلة رجال كتموا تشيّعهم وما رسوا نشاطات مؤثرة في حياة الأمة فكرية وعسكرية وفقهية مع الاحتفاظ بعلاقاتهم ، فمن فقهاء الشيعة : سعيد بن المسيّب ، والقاسم بن محمد ، فقد كانا بارزين بين علماء ذلك العصر

ـــــــــــــــــ

(١) أصول الكافي : ٢/١٧٤ .

(٢) بحار الأنوار : ٤٦/٢٨٢ ، والكافي : ١/٣٩٦ .


في الفقه وغيره إلاَّ أنّه لم تكن لهم صبغة التشيّع الصريح ، فقد شاع عن سعيد بن المسيّب أنّه كان يجيب أحياناً برأي غيره من علماء عصره أو برأي مَن سبقه من الصحابة ؛ مخافة أن يصيبه ما أصاب سعيد بن جبير ويحيى بن أم الطويل وغيرهما ممّن تعرّضوا للقتل والتشريد بسبب تشيّعهم .

وهذا موسى بن نصير من رجالات الكوفة العسكريين وزهّادها المؤمنين ممّن عرف بولائه لأهل البيتعليهم‌السلام هو وأبوه نصير ، ولقد غضب عليه معاوية إذ لم يخرج معه لصفِّين ، وموسى هو الذي فتح الفتوحات العظيمة في بلاد المغرب وكان تحت إمرته مولاه طارق بن زياد وولده عبد العزيز وبسبب تشيّعه غضب عليه سليمان بن عبد الملك وقبل أن يقتله عرّضه لأنواع العذاب فقتل ولده أمامه وألزمه بدفع مبلغ كبير(١) .

وكان لجابر الجعفي وزرارة وأبان بن تغلب وغيرهم دور بالغ في نجاح حركة الإمام الفكريّة ، وأصبحوا ـ فيما بعد ـ النواة لجامعته ، وبقي هؤلاء بعد وفاة الإمام الباقرعليه‌السلام بصحبة ولده الصادقعليه‌السلام ليمارسوا مسؤولياتهم بحجم أكبر كما سيأتي توضيحه .

٣ ـ تأسيس جامعة أهل البيت عليهم‌السلام

جاءت فكرة زرع البذرة الفكرية وتشكيل النواة الأولى لجامعة علمية إسلامية في هذهِ المرحلة كضرورة حضارية لمواجهة التحدّي الحاضر ونسف البنى الفكرية لكل الأطروحات السابقة التي وجدت من ظروف المحنة مناخاً مناسباً لبثّ أفكارها .

كما تأتي ضرورة وجود تيّار فكري يبلور الأفكار الإسلامية الأصيلة

ـــــــــــــــــ

(١) تاريخ اليعقوبي : ٢/٢٩٤ .


ويعبّئ بها ذهن الأمة ويفوّت الفرصة على الظالمين في حالة تبدّل الظروف .

ويمكن تلخيص الأسباب التي شكّلت عاملاً مهمّاً في التهيئة لنجاح هذه الجامعة فيما يلي :

١ ـ لقد عُزلت الأمة عن تبني أفكار الأئمة من أهل البيتعليهم‌السلام وفقههم أكثر من قرن وبقيت تتناقله الخواص في هذه الفترة عن طريق الكتابة والحفظ شفاهاً وبالطرق السرّية .

٢ ـ في هذه الفترة طرحت على العالم الإسلامي تساؤلات فكريّة ومستجدّات كثيرة لم تمتلك الأمة لها حلاًّ بسبب اتّساع البلاد الإسلامية وتبدّل الظروف وحاجات المسلمين .

٣ ـ شعر المسلمون في هذا الظرف بأهمية البحث عن مبدأ فكري يتكفّل حلّ مشكلاتهم ; لأنّ النصّ المحرّف واجتهادات الصحابة أصبح متخلّفاً عن المواكبة ، بل أصبح بنفسه مشكلة أمام المسلم لتعارضه مع العقل والحياة .

٤ ـ في هذا العصر ظهرت مدارس فكرية متطرّفة مثل مدرسة الرأي القائلة بالقياس والاستحسان ، زاعمة أنّ للنصوص التي نقلت عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قليلة(١) لا تفي بالغرض ، الأمر الذي تسرّب فيه العنصر الذاتي للمجتهد ودخل الإنسان بذوقه الخاص إلى التشريع(٢) ، كما ظهرت مدرسة الحديث قِبال

ـــــــــــــــــ

(١) هذا في غير مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام الذين حرصوا على نقل تراث الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وواجهوا منع تدوين السنّة النبوية بالحث على التدوين والنقل والتعليم ؛ لئلاَّ تندرس معالم الدين .

(٢) فقد عرف حسن أبي حنيفة أنّه لم يصح عنده من أحاديث الرسول الفقهية سوى سبعة حشر حديثاً راجع مقدمة ابن خلدون : ٣٧٢ .


مدرسة الرأي والتي عرفت بالجمود على ظاهر النص ولم تتفرّغ لتمييز صحيح النصوص من غيره .

٥ ـ غياب القدوة الحسنة والجماعة الصالحة التي تشكّل مناخاً لنمو الفضيلة وزرع الأمل في نفوس الأمة باتّجاه الأهداف الربّانيّة .

في هذا الظرف الذي ذهب فيه الخوف واستطاع المسلم أن يبحث عن المعرفة وعن حل لمشكلاته الفكرية ، قام الإمام الباقرعليه‌السلام بتشكيل حلقاته العلمية في مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ؛ فكان وجودهعليه‌السلام مركز جذب لقلوب طلاب الحقيقة فالتفّ حوله صحابة أبيه الإمام زين العابدينعليه‌السلام ، وبدأ منذ ذلك الحين بالتركيز على بناء الكادر العلمي آملاً أن يواجه به المشكلات الفكرية التي بدأت تغزو الأمة المسلمة وكان يشكّل هذا الكادر فيما بعد الأرضية اللازمة لمشروع الإمام الصادقعليه‌السلام المرتقب ، فتناول الإمامعليه‌السلام أهمّ المشكلات الفكرية التي كان لها ارتباط وثيق بحياة الناس العقائدية والأخلاقية والسياسية .

وزجّ الإمام بكادره العلمي وسط الأمة بعد أن عبّأه بكل المؤهّلات التي تمكّنهُ من خوض المعركة الفكرية حينما قال لأبان بن تغلب :( اجلس في مسجد المدينة وافت الناس فإنّي أحبّ أن أرى في شيعتي مثلك ) (١) .

وعندما يدرك الأصحاب مغزى هدف الإمام من هذا التوجيه وضرورة الحضور مع الناس ؛ يتصدّى هؤلاء بأنفسهم لمعالجة المشكلات الفكرية وإبطال الشبه عن طريق الحوار والمناظرة حسب الخط الذي رسمه لهم الإمامعليه‌السلام في وقت سابق .

ـــــــــــــــــ

(١) اختيار معرفة الرجال للكشي ٢/٦٢٢ ، ح ٦٠٣ .


قال عبد الرحمن بن الحجاج : كنّا في مجلس أبان بن تغلب فجاء شاب فقال له : يا أبا سعيد أخبرني كم شهد مع علي بن أبي طالب من أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ وأدرك أبان مراده فانبرى قائلاً : كأنّك تريد أن تعرف عليّاً بمَن تبعه من أصحاب رسول الله ؟ فقال هو ذاك .

فأجابه أبان : والله ما عرفنا فضلهم ـ أي الصحابة ـ إلاَّ باتّباعهم إيّاه .

وتعميقاً لهذا التوجيه وبنفس السياق يبادر محبوب أهل البيت ولسانهم مؤمن الطاق ليواجه أفكار حركة الخوارج ويردّ على جرأتها في التشكيك بموقف الإمام عليعليه‌السلام من مسألة التحكيم(١) .

يدخل مؤمن الطاق على بعض زعماء الخوارج في الكوفة فيقول له : أنا على بصيرة من ديني وقد سمعتك تصف العدل فأحببت الدخول معك ، فيقول الخارجي لأصحابه إن دخل هذا معكم نفعكم.

فيقول له مؤمن الطاق : لِمَ تبرّأتم من عليّ بن أبي طالب واستحللتم قتله وقتاله ؟

يجيبه الخارجي : لأنّه حكّم الرجال في دين الله .

فيقول له : وكلَّ من حكّم في دين الله استحللتم قتله ؟

فيجيب الخارجي : نعم .

فيقول له : أخبرني عن الدين الذي جئت أُنظارك به لأدخل معك فيه ، إن غَلَبَتْ حجّتي حجّتك ، من يوقِفُ المخطئ منّا عن خطئه ويحكم للمصيب بصوابه ؟

فيشير الضحّاك إلى رجل من أصحابه ويقول : هذا هو الحكم بيننا .

ـــــــــــــــــ

(١) معجم رجال الحديث : ١/٢١ ـ ٢٢ وتنقيح المقال : ١/٤ .


هنا يتوجّه مؤمن الطاق إلى مَن كان حاضراً من الخوارج ويقول : زعيمكم هذا قد حكّم في دين الله(١) وهكذا يفحمهم بحجّته البالغة ومنطقه القويم .

وقبل أن ننتهي من حياة الإمامعليه‌السلام نشير إلى ثلاث وقائع تاريخية لها صلة بالمرحلة التي سوف يتصدّى لها الإمام الصادقعليه‌السلام .

الواقعة الأولى : إنّ هشام بن عبد الملك هو واحد من الحكّام الأمويين الَّذين نصبوا العداوة لأهل البيت ، بل نراه قد زاد على غيره حتَّى أنّه على أثر الخطبة التي خطبها الإمام الصادقعليه‌السلام في مكة والتي أوضح فيها معنى القيادة ولمَن تكون القيادة ، يأمر هشام فور رجوعه إلى الشام بجلب الإمامين الباقر والصادقعليهما‌السلام إلى دمشق لغرض التنكيل بهما .

وبعد اللقاء بهشام تفوّق الإمام الباقرعليه‌السلام في البلاط الأموي في الحوار الذي أجراه مع هشام ثم حواره مع عالم النصارى في الشام ، يسمح لهما هشام بالرجوع إلى المدينة ولكنّه يأمر أمير ( مدين ) ـ وهي المدينة الواقعة في طريقهما ـ بإيذائهما فقد جاء في رسالته : إنّ ابن أبي تراب الساحر محمّد بن علي وابنه جعفر الكذابين فيما يظهران من الإسلام ، قد وردا عليّ فلمّا صرفتهما إلى يوم الدين مالا إلى القسسين والرهبان ، وتقربّا إليهم بالنصرانية فكرهت النكال لقربهما ، فإذا مرّا بانصرافهما عليكم فليناد في الناس : برئت الذمّة ممّن باعهما وشاراهما وصافحهما وسلّم عليهما ، ورأى أمير المؤمنين قتلهما ودوابّهما وغلمانهما لارتدادهما والسلام(٢) .

ولم يترك هشام الإمام الباقرعليه‌السلام حُرّاً يتحرّك في المدينة ، ولم يسترح

ـــــــــــــــــ

(١) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : ٢/ ٧٢ .

(٢) دلائل الإمامة : ١٠٤ ـ ١٠٩ وبحار الأنوار : ٤٦ ـ ٣٠٦ .


من تواجده في الساحة الإسلامية حتَّى أقدم على قتله غيلةً بالسمّ سنة (١١٤هـ)(١) .

الواقعة الثانية : في هذهِ الفترة تحفّز زيد بن علي بن الحسينعليه‌السلام وصمّم على الثورة ضد هشام بن عبد الملك على أثر تصرّفات الأمويين ، ولا سيّما تصرّف هشام المهين بحق زيد ، والنيل من كرامته ، وما كان يفعله هشام بحق الشيعة بشكل خاص .

لقد دخل زيد على هشام فسلّم عليه بالإمرة فلم يردّ السلام إهانةً له ، بل أغلظ في الكلام ولم يفسح له في المجلس .

فقال زيد : السلام عليك يا أحول ، فإنّك ترى نفسك أهلاً لهذا الاسم فغضب هشام وجرت بينهما محاورة كان نصيب هشام فيها الفشل ، وخرج زيد وهو يقول : ما كره قومٌ حرّ السيوف إلاَّ ذلّوا .

وأمر هشام بردّه وقال له : اُذكر حوائجك ، فقال زيد : أما وأنت ناظر على أمور المسلمين فلا وخرج من عنده وقال : مَن أحبّ الحياة ذلّ(٢) .

ومضى زيد إلى الكوفة ثمّ خطّط للثورة واستشار بذلك الإمام الباقرعليه‌السلام .

قال الإمام الصادقعليه‌السلام :إنّ عمّي أتى أبي فقال إنّي أريد الخروج على هذا الطاغية .

ولمّا أزمع على الخروج أتاه جابر بن يزيد الجعفي فقال له : إنّي سمعت أخاك أبا جعفر يقول :إنّ أخي زيد بن علي خارج ومقتول وهو على الحق فالويل لمَن خذله ، والويل لمَن حاربه ، والويل لمَن يقتله فقال له زيد : يا جابر لم يسعني أن أسكت وقد خولف كتاب الله تعالى

ـــــــــــــــــ

(١) شذرات الذهب : ١/١٤٩ ، تاريخ بن الأثير : ٤/٢١٧ ، طبقات الفقهاء : ٣٦ .

(٢) تاريخ الطبري : حوادث سنة ( ١٢١ ) ، وتاريخ ابن عساكر : ٦ / ٢٢ ـ ٢٣ .


وتحوكم بالجبت والطاغوت(١) .

الواقعة الثالثة : ولمّا قربت وفاة الإمام محمّد الباقرعليه‌السلام دعا بأبي عبد الله جعفر الصادقعليه‌السلام فقال له :إنّ هذه الليلة التي وُعدت فيها ثم سلّم إليه الاسم الأعظم ومواريث الأنبياء والسلاح وقال له :يا أبا عبد الله ، الله الله في الشيعة فقال أبو عبد الله :لا تركتهم يحتاجون إلى أحد ... (٢) .

بهذا العرض ننتهي من تصوير حياة الإمام الصادق مع أبيه لتبدأ مرحلة تصدّيه للإمامة ، وبها يبدأ عصر جديد من العمل والجهاد والإصلاح .

ـــــــــــــــــ

(١) راجع تيسير المطالب : ١٠٨ ـ ١٠٩ .

(٢) إثبات الهداة : ٥/٣٣٠ .


الباب الثالث :

وفيه فصول :

الفصل الأوّل : ملامح عصر الإمام الصادقعليه‌السلام .

الفصل الثاني : دور الإمامعليه‌السلام في تثبيت معالم الرسالة .

الفصل الثالث : دور الإمامعليه‌السلام في بناء الجماعة الصالحة .


الفصل الأول : ملامح عصر الإمام الصادقعليه‌السلام (١١٤ ـ ١٣٢ هـ)

تصدّى الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليه‌السلام لموقع الإمامة بعد أبيه محمد الباقرعليه‌السلام سنة ( ١١٤ هـ ) ؛ فكان مرجعاً في الدين والسياسة والفكر والثقافة للمسلمين عامة ، ولأتباع أهل البيتعليهم‌السلام بشكل خاص .

وهذا الأمر نجده واضحاً في جوابه لأبيه عندما أوصاه بصحابته وخاصّته قال الإمام الصادقعليه‌السلام :لمّا حضرت أبي الوفاة قال : يا جعفر أوصيك بأصحابي خيراً قلت : ( جعلت فداك والله لأدعنّهم والرجل منهم يكون في مصر فلا يسأل أحداً ) (١) .

بهذا المستوى العالي من الإقدام الشجاع أعرب الإمامعليه‌السلام عن نواياه وبرنامجه الذي أعدّه لمستقبل الشيعة في ظل إمامته والخطّة التي تؤهّلهم لأن يكونوا ذلك النموذج السامي في المجتمع الإسلامي حيث يتحرّك كلٌ منهم برؤى واضحة المسار ، بلا فوضى في الاختيار ولا ضلالة في الفكر والسلوك ; لأنّ هذا الإعداد العلمي والثقافي يجعلهم أغنياء عن الأخذ من الغير ، ويرتقي

ـــــــــــــــــ

(١) الإرشاد : ١ / ٤٠ ، وبحار الأنوار : ٤٧ / ١٢ .


بهم إلى مستوى استغنائهم عن سؤال أحد من المسلمين وغير المسلمين ماداموا قد تمسّكوا بالحبل المتصل بالله ، وهو حبل أهل بيت الرسالة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً .

وكان الإمام الباقرعليه‌السلام قبل هذا الوقت قد هيّأ الشيعة وأعدّهم لأخذ معالم الشريعة من الإمام الصادقعليه‌السلام عندما قال : ( إذا افتقدتموني فاقتدوا بهذا فإنّه الإمام والخليفة بعدي وأشار إلى ابنه جعفر )(١) .

وباشر الإمام الصادقعليه‌السلام مسؤولياته بدءاً بالتعريف بإمامته وإثباتها بشكل علمي وعملي .

جاء عن عبد الرحمن بن كثير : إنّ رجلاً دخل المدينة يسأل عن الإمام ، فدلّوه على عبد الله بن الحسن ، فسأله هنيئة ثمّ خرج ، فدلّوه على جعفر بن محمدعليه‌السلام فقصده فلمّا نظر إليه جعفرعليه‌السلام قال :( يا هذا إنّك كنتَ دخلتَ مدينتنا هذه ، تسأل عن الإمام ، فاستقبلك فتية من ولد الحسن فأرشدوك إلى عبد الله بن الحسن ، فسألته هنيئة ثم خرجت ، فإن شئت أخبرتك عمّا سألته ، وما ردّ عليك ثم استقبلك فتية من ولد الحسين ، فقالوا لك : يا هذا إن رأيت أن تلقى جعفر بن محمد فافعل فقال : صدقت كان كما ذكرت) (٢) .

وهكذا أخذ الإمامعليه‌السلام يمارس ألواناً من الأساليب ؛ لئلاّ يضيع أتباع أهل البيت بين القيادات المتعدّدة إلى أن تبلور في الأذهان أنّ الإمام جعفر بن محمدعليه‌السلام هو الرمز الإلهي والقائد الحقيقي للأمة بعد

ـــــــــــــــــ

(١) كفاية الأثر : ٢٥٤ ، وبحار الأنوار : ٤٧ / ١٥ .

(٢) المناقب لابن شهر آشوب : ٣/٣٤٩ ، وبحار الأنوار : ٢٥/١٨٤ ، و : ٤٧/١٢٥ .


أبيه الباقرعليه‌السلام .

واستمرّ الإمام بتعزيز خطواته فتحرّك بأسلوب آخر بغية تعميق العلاقة بينه وبين الوجود الشيعي الذي أعدّ تفاصيله ورسم معالمه الإمام الباقرعليه‌السلام .

ومن هنا نجد الإمام الصادقعليه‌السلام يشحذ هممهم ويثير في نفوسهم الحماس ويخاطب مواطن الخير والقوّة فيها ، مشيراً إلى أنّ الكثرة من الناس قد خذلتهم وجهلت حقّهم ، وإنّ المسلم الذي تحمّل ساعة الشدّة وبقي ملازماً لهم حتَّى صقلته التجارب ولم يستجب للإغراءات لهو جدير بحمل الأمانة ومواصلة الطريق معهم .

ولنقرأ النص الثاني الذي يرتبط بجماعة موالية لأهل البيتعليه‌السلام من الكوفة على الإمام الصادقعليه‌السلام في المدينة بعد استشهاد أبيه قال عبد الله بن الوليد : دخلنا على أبي عبد اللهعليه‌السلام في زمن بني مروان ، فقال ممّن أنتم ؟ قلنا : من الكوفة قال :ما من البلدان أكثر محبّاً لنا من أهل الكوفة ، لا سيّما هذه العصابة (١) ، إنّ الله هداكم لأمر جهله الناس فأحببتمونا وأبغضنا الناس ، وبايعتمونا وخالفنا الناس ، وصدّقتمونا وكذَّبنا الناس ، فأحياكم الله محيانا ، وأماتكم مماتنا (٢) .

وبعد هذا العرض الموجز للمرحلة التي انتهى منها الإمام الباقرعليه‌السلام وبدأها الإمام الصادقعليه‌السلام ، لا بد أن نقف على ملامح عصر الإمام الصادقعليه‌السلام في شتّى النواحي والمجالات .

ـــــــــــــــــ

(١) يقصد الشيعة لأنّها أخص .

(٢) أمالي الشيخ الطوسي : ١ / ١٤٣ ، وبحار الأنوار : ٦٨ / ٢٠ ح٣٤ .


١ ـ الوضع السياسي

لم يكن الوضع السياسي الذي يريد أن يتحرّك في وسطه الإمام الصادقعليه‌السلام قد تبدّل ؛ فهشام بن عبد الملك الذي أقدم على اغتيال الإمام الباقرعليه‌السلام لازال هو الحاكم ، وسياسته مع الإمام الباقرعليه‌السلام وشيعته هي السياسة نفسها ، وهي سياسة قائمة على أساس الحقد الجاهلي وتتلخّص في التشريد والاضطهاد .

إنّ الثائر زيد بن عليعليه‌السلام يكشف لنا عمق المأساة التي كانت تعيشها الأمة آنذاك ، حين تعرّض هذا الثائر العظيم في زمن الإمام الباقرعليه‌السلام لإذلال وتوهين من قِبل هشام باعتباره أحد رجال الشيعة ومن رموزها البارزين .

أخذ زيد يزداد قناعة بضرورة الثورة ضد الأمويين حتى صمّم على ذلك بلا تردّد ، وبدوافع إسلامية خالصة .

وحين ذكر جابر بن يزيد الجعفي رأي أخيه الباقرعليه‌السلام بثورته وسلامة قراره وذكر له أنّه مقتول لا محالة قال زيد لجابر :

يا جابر لم يَسَعن أن أسكت ، وقد خولف كتاب الله وتحوكم بالجبت والطاغوت ، وذلك أنّي شاهدت هشاماً ورجل عنده يسبّ رسول الله فقلت للسابّ : ويلك يا كافر ! أما إنّي لو تمكّنت منك لاختطفتُ روحَك وعجّلتك إلى النار فقال لي هشام : مَه ، جليسنا يا زيد .

قال زيد لجابر : فو الله لو لم يكن إلاَّ أنا ويحيى ابني لخرجت عليه وجاهدته حتَّى أفنى(١) .

ـــــــــــــــــ

(١) حياة الإمام محمّد الباقر ، دراسة وتحليل : ١/٧٢ .


والرواية التالية أيضاً تصوّر لنا حقيقة دوافع زيد ومدى عزمه على مناهضة بني أمية :

فعن محمّد بن عمر بن عليعليه‌السلام قال : كنت مع زيد بن عليعليه‌السلام حين بعث بنا هشام إلى يوسف بن عمر ، فلمّا خرجنا من عنده وسِرنا حتى كنّا بالقادسية قال زيد : اعزلوا متاعي عن أمتعتكم ، فقال له ابنه : ما تريد أن تصنع ؟

قال : أريد أن أرجع إلى الكوفة ، فو الله لو علمت أنّ رضى الله عزَّ وجلَّ عَنّي في أن أقدح ناراً بيدي حتَّى إذا اضطرمت رميتُ نفسي فيها لفعلت ، ولكن ما أعلم شيئاً لله عزَّ وجلَّ عني أفضل من جهاد بني اُميّة(١) .

والتحق مع زيد كثير من الفقهاء والمحدثين والقضاة من أصحاب الإمامين الباقر والصادقعليهما‌السلام (٢) .

وعندما قرّر الثورة ، لم يتجاوز إمام عصره حيث طرح الأمر على الإمام الصادقعليه‌السلام .

قال الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام :سمعت أبي يقول : رحم الله عمّي زيداً لقد استشارني في خروجه ، فقلت لهُ : يا عمّ إن رضيت أن تكون المقتول المصلوب بالكناسة فشأنك (٣) .

وهكذا أقرّ الإمام الصادقعليه‌السلام سلامة قراره كما أخبره بنبأ شهادته .

أمّا توجيهات الإمام الصادقعليه‌السلام للمخلصين من أصحابه حِيال الثورة بشكل عام فكانت من نوع آخر ؛ حيث لا يريد الإمامعليه‌السلام أن يلقي بكلّ ثقل

ـــــــــــــــــ

(١) تيسير المطالب : ١٠٨ ـ ١٠٩ .

(٢) راجع كتاب زيد الشهيد للسيد عبد الرزاق المقرّم حيث تجد قائمة بأسماء الشخصيات التي شاركت مع زيد في ثورته .

(٣) الكناسة اسم محلّة بالكوفة مسند أخبار الرضاعليه‌السلام : ٢/٥٠٥ .


وجوده في معركة واحدة .

فعن أبي بكر الحضرمي أنّه قال : ذكرنا أمر زيد وخروجه عند أبي عبد اللهعليه‌السلام فقال :( عمّي مقتول إن خرج قُتِل ، فقرّوا في بيوتكم ، فو الله ما عليكم بأس ) ، فقال رجل من القوم : إن شاء الله(١) .

زيد يعلن الثورة

وجمع زيد بن علي الأنصار والدعاة فأعلن ثورته والتحق به عدد غفير .

لكن المتتبّع للوضع السياسي والأخلاقي لتلك المرحلة ، يرى أنّ الاضطراب العقائدي والأخلاقي كان سمة من سمات ذلك العصر بالرغم من وجود قناعة كانت تعيشها الأمة وهي التذمّر من بني أمية وجورهم من جهة وتوجّههم إلى أنّ البديل السياسي المرتقب هو الخط العلوي الذي كافح الظلم وتحمّل ألوان العذاب من الحكم الأموي المنحرف لكنّ هاتين القناعتين ـ كما سترى ـ لا تفيان بكامل الشروط الموضوعية لنجاح الثورة .

غير أنّ الثورة على مستوى حاجة مسيرة الأمة تعتبر ضرورة اجتماعية وسياسية لئلاّ تتنازل الأمة مطلقاً للظالمين عن حقوقها وشخصيّتها ولتحافظ على هويّتها الإسلامية من حيث الحيوية والحساسية ضد الباطل بشكل عام .

من هنا كان العمل الثوري مفيداً للأمة وإن لم تنجح الثورة على المدى القريب وهكذا نجد الإمامعليه‌السلام مع علمه بنتائج الثورة يعمّق هذا المفهوم في

ـــــــــــــــــ

(١) كشف الغمة : ٢/١٩٨ ـ ١٩٩ ، بحار الأنوار : ٤٧/١٤٨ .


نفوس الشيعة ويدعم الثّوار كما سنرى .

لقد فَجَّر زيد ثورته وحقَّق نصراً حاسماً ضد الأمويين بعد أن خاض حرباً طاحنة كادت أن تنتهي لصالح زيد لولا وقوع الفتنة في صفوف أتباعه حيث احتال عليه بعض مَن كان يهوى هشاماً فدخلوا عليه وقالوا : ما تقول في أبي بكر وعمر ؟ فقال زيد : رحم الله أبا بكر وعمر صاحبي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم قال : أين كنتم قبل اليوم ؟

لقد كان الغرض من إلقاء السؤال في ذلك الموقف الحرج وفي ساحة الحرب هو أحد أمرين وفي كليهما نجاح تلك الخدعة وتحقيق تلك المؤامرة ، فإما أن يتبرّأ زيد من الشيخين فيكون حينئذ أقوى لقتل زيد ; لأنّه يسيء القول في الشيخين وتلك وسيلة اتّخذها الأمويون ومن بعدهم للقضاء على خصومهم وإمّا أن لا يتبرأ ممّن ظلم أهل البيت حقّهم فيكون جوابه على أيّ حال سبباً لإيجاد الخلاف بين أصحابه .

وبالفعل نجحت المؤامرة وتفرّق أهل الغدر وذوو الأطماع وكانت هذه الحيلة من الوالي يوسف بن عمر أقوى سلاح لجأ إليه ، كما أغرى بعض جواسيسه بالأموال ليتعرّف على أصحاب زيد(١) .

وخُذِل زيد وتفرق جيشه حتَّى قال : أراها حسينية وبعد قَتله حملت جثته وصلبت بالكناسة بالكوفة(٢) وذلك في سنة ( ١٢١ هـ ) .

ـــــــــــــــــ

(١) تاريخ الأمم والملوك : ٨/٢٧٧ .

(٢) النزاع والتخاصم للمقريزي : ٣١ ، وأنساب الأشراف : ٣ / ٤٣٩ و ٤٤٦ .


موقف الإمام الصادقعليه‌السلام من ثورة زيد

يقول مهزم الأسدي دخلت على الإمام الصادقعليه‌السلام فقال :يا مهزم ما فعل زيد ؟ قال : قلت : صلب ، قال :أين ؟ قلت : في كناسة بني أسد قال :أنت رأيته مصلوباً في كناسة بني أسد ؟ قال : قلت : نعم ، فبكى حتَّى بكت النساء خلف الستور(١) .

نجد الإمام الصادقعليه‌السلام عليه‌السلام في مواقف متعدّدة يتبنّى الدفاع عن عمّه زيد ويتَرحّم عليه ويوضح منطلقاته وأهدافه ويرسّخ في النفوس مفهوماً إسلامياً عن ثورته حيث يعتبر هذه الثورة جزءاً من حركة الإمامعليه‌السلام وليس حدثاً خارجاً عنها ، كما نجده يردّ على الإعلام المضادّ للثورة ضمن عدّة مواقف وتصريحات :

١ ـ يقول الفضيل بن يسار : بعد قتل زيد ذهبت إلى المدينة لألتقي بالإمام الصادقعليه‌السلام وأخبره بنتائج الثورة ، وبعد أن التقيته وسمع منّي ما دار في المعركة قال :يا فضيل شهدت مع عمّي قتال أهل الشام ؟ قلت : نعم قال :فكم قتلتَ منهم ؟ قلتُ : ستّة قال :فلعلّك شاكٌّ في دمائهم ؟ قال : فقلت : لو كنت شاكّاً ما قتلتهم ثمّ قال : سمعته يقول :أشركني الله في تلك الدماء ، مضى واللهِ زيدٌ عمّي وأصحابه شهداء ، مثل ما مضى عليه عليٌّ بن أبي طالب وأصحابه )(٢) .

٢ ـ يقول عبد الرحمن بن سيّابه : دفع إليَّ أبو عبد الله الصادقعليه‌السلام ألف دينار وأمرني أن أقسّمها في عيال مَن أصيب مع زيد بن علي بن الحسينعليهما‌السلام ، فقسّمتها فأصاب عبد الله أخا الفضيل الرسّان أربعة

ـــــــــــــــــ

(١) أمالي الطوسي : ٢/٢٨٤ .

(٢) أمالي الصدوق : ٢٨٦ .الصفحة


دنانير(١) .

هكذا كان الإمامعليه‌السلام يتابع ثورة عمّه زيد ويتحمّل نتائجها وأعباءها وتكشف لنا الروايتان عن مستوى العلاقة القائمة بين الإمامعليه‌السلام والشيعة الثائرين عندما يأمر أحدهم بإحصاء عوائل الشهداء وتوزيع المال عليهم .

٣ ـ أمر الإمامعليه‌السلام شيعته بدفن زيد ؛ لأنّ الأمويين كانوا قد علّقوه على أعواد المشانق ، قال سليمان بن خالد : سألني الإمام الصادقعليه‌السلام فقال : ما دعاكم إلى الموضع الذي وضعتم فيه زيداً ؟ قلت : خصال ثلاثة : أمّا إحداهنّ فقلّة مَن تخلّف معنا(٢) إنّما كنا ثمانية نفر ، أمّا الأخرى فالذي تخوّفنا من الصبح أن يفضحنا ، وأمّا الثالثة فإنّه كان مضجعه الذي كان سبق إليه ، فقال : كم إلى الفرات من الموضع الذي وضعتموه فيه ؟ قلت : قذفة حجر فقال : سبحان الله أفلا كنتم أوقرتموه حديداً وقذفتموه في الفرات وكان أفضل ؟(٣) .

الإمامعليه‌السلام وهشام بن عبد الملك

في هذا الجو المشحون بتزاحم الإرادات وحدوث تمرّد على الحكومة هنا وهناك ، خصوصاً بعد ثورة زيدرحمه‌الله والإمام الصادقعليه‌السلام مشغول بترتيب أوضاعه الرساليّة ، والتهم تثار ضدّ الشيعة تارةً بالخروج على السلطان ، وأخرى بالزندقة وجواز سبّ الخلفاء ، يدخل هشام إلى المدينة ويستقبله بنو العباس بالشكوى على الإمام الصادقعليه‌السلام بأنّه أخذ تركات ماهر الخصي دوننا هنا يخطب أبو عبد الله الصادقعليه‌السلام فيقول :كان أبوكم طليقنا وعتيقنا وأسلم كارهاً تحت سيوفنا ، لم يهاجر إلى الله ورسوله هجرة قط فقطع الله ولايته منّا بقوله : ( والَّذين آمنوا ولم

ـــــــــــــــــ

(١) أمالي الصدوق : ٢٧٥ .

(٢) أي من أتباع زيد فإنّ بعضهم قتل وبعضهم هرب .

(٣) الكافي : ٨ / ٢٥٠ ـ ٢٥١ ح٣٥١ .


يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء ) (١) ثم قال :هذا مولى لنا مات فحزنا تراثه ، إذ كان مولانا ، ولأنّا ولد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأُمّنا فاطمة أحرزت ميراثه (٢) .

وبعد موت هشام بن عبد الملك تولّى الخلافة الوليد بن يزيد سنة (١٢٥ هـ) وكان يسمّى بالفاسق ؛ إذ لم يكن في بني أمية أكثر إدماناً للشراب والسماع ولا أشد مجوناً وتهتّكاً واستخفافاً بأمر الأمة منه ، حتَّى أنّه واقع جارية له وهو سكران وجاءه المؤذّنون يؤذنونه بالصلاة فحلف أن لا يصلّي إلاَّ هي ، فلبست ثيابه ، وصلّت بالمسلمين وهي جنب وسكرانة .

وكان قد اصطنع بِركة من الخمر ، فكان إذا طرب ألقَى نفسه فيها وكان يشرب منها حتَّى يبين النقص في أطرافه(٣) .

وممّا كان من فسقه أنّه نكح أمهات أولاد أبيه ، وتفاءل يوماً بالمصحف الكريم فخرجت الآية :( واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد ) فمزّق المصحف وأنشأ يقول :

أتوعد كلّ جبارٍ عنيد

فها أنا ذاك جبّار عنيد

إذا ما جئت ربّك يوم حشر

فقل يا ربّ مزّقني الوليد(٤)

وقد تمادى في الغيّ حتّى قال له هشام : ويحك والله ما أدري أعلى دين الإسلام أنتَ أم لا ؟!

بداية الانفلات

لم تكن هذه اللحظات التأريخية من حياة الأمة التي بدأت فيها بالمطالبة

ـــــــــــــــــ

(١) الأنفال : ٨ / ٧٢ .

(٢) المناقب لأبن شهر آشوب : ١/٣٢١ ، وبحار الأنوار : ٤٧/١٧٦ ح٢٢ .

(٣) حياة الحيوان : ١/٧٢ .

(٤) مروج الذهب : ٣/٢١٦ .


بإزاحة بني أمية من مركز الحكم لتتحقّق بشكل عفوي ، وإنّما جاءت نتيجةً لفعاليات ثوريّة بدأت من ثورة الإمام الحسينعليه‌السلام ، واستمرّت حتَّى ثورة زيد التي أطاحت بهيبة هشام بن عبد الملك الأموي وطغيانه .

وفي هذا الظرف كتب عامل الوليد بن يزيد في خراسان : بتردّي الأوضاع وحدوث ثورات فأجابه : إنّي مشغول بالعريض ومعبد وابن أبي عائشة ، وهم المغنّون الَّذين كان قد أحضرهم عنده(١) .

وقد صرّح الإمام الصادقعليه‌السلام بعاقبة هذا الانحدار والتردّي والتمّرد على حرمات الله قائلاً :( إنّ الله عزَّ ذكره ، أذن في هلاك بني أمية بعد إحراقهم زيداً بسبعة أيّام ) (٢) .

وكان الوليد هو الذي أمر بإنزال جثمان زيد الشهيد ـ بعد أن بقي أربع سنوات على أعواد المشانق ـ وأمر بإحراقه وكان تشديد الحراسة من السلطة على جثمان زيد ـ خشية إنزاله من قِبَل العلويين ـ دليلاً على وجود فعّاليات منظمة ضد الحكم القائم ، وقد كان الإمام الصادقعليه‌السلام يعاتب الشيعة على عدم تصدّيهم لإنزال جثمان زيد الشهيد .

وعندما اشتدّت المعارضة كتب الوليد إلى عامله في الكوفة يوسف بن عمر : خُذ عجل أهل العراق فأنزله جذعة ( يعني زيد بن عليعليه‌السلام ) وأحرقه بالنار ثم أنسفه في اليمّ .

ونفّذ يوسف ما أمره سيّده فأحرق جسد زيد بن علي ورماه في نهر الفرات(٣) .

ـــــــــــــــــ

(١) تاريخ الإسلام للذهبي : ٥/١٧٨ .

(٢) الكافي : ٨/١٦١ ، وتفسير العياشي : ١/٣٢٥ .

(٣) الطبري : ٨ / ١٢٢ ، وابن الأثير : ٥ / ١٢٧ ، وتاريخ اليعقوبي : ٢ / ٣٩١ .


الإمام الصادقعليه‌السلام يشيد بثورة عمّه زيد

كانت السلطة الحاكمة عندما تريد الانتقام من خصومها تلقي عليهم تهماً مستهجنة في نظر عامة الناس ، مثل شق عصا المسلمين ، وتهمة الزندقة ؛ لتكون مسوّغاً لاستباحة دمائهم وتحشيد البسطاء من الناس عليهم .

ومن هنا قالوا بأنّ ثورة زيد بن عليعليه‌السلام هي خروج على سلطان زمانه (هشام بن عبد الملك) المفروضة طاعته من قِبل الله ! لأهداف كان يريدها زيد لنفسه .

وهذا الاتهام قد ردّ عليه الإمام الصادقعليه‌السلام وحاربه حين قال :لا تقولوا خرج زيد ، فإنّ زيداً كان عالماً صدوقاً ولم يدْعُكم إلى نفسه ، إنّما دعاكم إلى الرضا من آل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولو ظفر لَوَفى بما دعاكم إليه ، إنّما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه (١) .

وحدث حوار بين يحيى بن زيد ورجل شيعي وكان الرجل يستفهم عن موقف زيد من يحيى بن زيد قال الرجل : قلت : يا بن رسول الله إنّ أباك قد ادّعى الإمامة وخرج مجاهداً ، وقد جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيمن ادّعى الإمامة كاذباً ! فقال : مَه يا عبد الله إنّ أبي كان أعقل من أنْ يدّعي ما ليس له بحق ، وإنمّا قال : أدعوكم إلى الرضا من آل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) عنى بذلك ابن عمّي جعفراً قلت : فهو اليوم صاحب الأمر ؟ قال : نعم هو أفقه بني هاشم(٢) .

مقتل يحيى بن زيد

وفي أيام الوليد بن يزيد قُتل يحيى بن زيد أيضاً ، وذلك أنّ يحيى خرج من الكوفة بعد مقتل أبيه وتوجّه إلى خراسان ، فسار إلى الري ، ومنها أتى

ـــــــــــــــــ

(١) الحور العين : ١٨٨ .

(٢) مستطرفات السرائر : ٣/٥٥٠ فما بعدها .


سرخس ، ثم خرج ونزل بلخ على الحريش بن عبد الرحمن الشيباني ولم يزل عنده حتّى هلك هشام وولي الوليد(١) .

وكتب والي الكوفة إلى نصر بن سيار يخبره بأنّ يحيى بن زيد موجود في منزل الحريش ، وهنا طلب نصر من الحريش بأن يسلّم إليه يحيى ، فردّ الحريش على الوالي نصر بن سيّار قائلاً : لا علم لي به ولهذا السبب ضُرب الحريش ستمائة سوط ثم قال الحريش : والله لو أنّه تحتَ قدميّ ما رفعتهما(٢) .

وبقيت أجهزة النظام تراقبه ، وجرت بعد ذلك حوادث يطول ذكرها ، وأخيراً أرسل نصر جيشاً يُقدّر بعشرة آلاف فارس وكان يحيى في سبعين رجلاً ، وفي المعركة الأخيرة أُصيب يحيى بسهم في جبهته فقُتل وقتل أصحابه ـ رضوان الله عليهم ـ عن آخرهم وأخذوا رأس يحيى وسلبوه قميصه(٣) وكان ذلك في سنة (١٢٥ هـ) وصُلب جسده الشريف بالجوزجان ، ولم يزل مصلوباً حتَّى ظهر أبو مسلم الخراساني فأنزله وصلّى عليه ودفنه(٤) .

وفي سنة ( ١٢٦ هـ ) قُتل الوليد بن يزيد من قِبل الأمويين أنفسهم وتوّلى الخلافة من بعده يزيد بن الوليد بن عبد الملك وفي هذه الفترة حدثت فوضى سياسيّة لم تُشهد من قبل حيث تحرّك كل مَن كان له أدنى طمع في الرئاسة ; لأنّ الأمّة في هذا الظرف كانت مستعدة لأن تستجيب لأيّ لافتة تدّعي العدالة ، وتريد الانتقام من الأمويين ، فكانت تتقبل هذه الدعوات بلا فحص ولا تدقيق ؛ ولهذا ظهرت في هذا الظرف مذاهب سياسية شتّى !

ـــــــــــــــــ

(١) زيد بن علي ، للسيد عبد الرزاق المقرم : ١٧٦ .

(٢) الكامل لأبن الأثير : ٥/١٢٧ .

(٣) المصدر السابق .

(٤) المصدر السابق : ٥ / ١٢٧ .


وهذا الواقع السياسي لم يمكن مسكه ولا السيطرة عليه وتكريسه باتّجاه واحد من قِبل الإمامعليه‌السلام .

من هنا نجد أنّ موقفهعليه‌السلام من هذا الوضع كان موقف المصلح المرشد حيث نراه تارة يحذّر من الاندفاع وراء أهل المذاهب الأخرى ، وتارة يدعو للموقف الثوري لكن للّذي يعتمد العقيدة الصحيحة إن وجد .

فالإمامعليه‌السلام محيط بتفاصيل واقعه ; لأنّه كان على رأس حركة لم تكن وليدة الساعة ، وإن جاءت كردّ فعل للواقع المنحرف ولا تخفى عليه حركة التيارات الطارئة في هذا الظرف ولا الأطماع التي تحرّك رؤساءها .

فهو إذن يعلم جيداً ما كان يستتر خلف هذه اللافتات من نوايا وأهداف كشعار بني العباس الذي خدعوا به الأمة ، من هنا حذّر الإمامعليه‌السلام من الانسياق وراء تلك الدعوات ، وأكّد ضرورة الالتزام بالقيم والمبادئ المفقودة ، وأعطى ملامح الخط السياسي الذي كان ينسجم مع المرحلة ، لكن ليس على حساب العمل الجهادي الذي يستهدف الأمويين ، وهذا ما شاهدناه من خلال مواقفهعليه‌السلام من ثورة زيد ودعمه لها .

موقف الإمامعليه‌السلام إزاء الأحداث السياسية

ويمكن تلخيص الموقف السياسي الذي خطّه الإمامعليه‌السلام إزاء الأحداث ، وإزاء العروض التي تقدّمت بها جماعات موالية وأخرى متعاطفة في نقطتين :

الأولى : موقفه من العروض التي تقدّمت بها فئات مختلفة من الأمة .

الثانية : تأكيده على الموقف المبدئي وتحذير الشيعة من الموقف الانفعالي والانجراف وراء الأحداث .


موقف الإمامعليه‌السلام من العروض التي قُدّمت له

العرض الأوّل : روي عن عبد الحميد بن أبي الديلم أنّه قال : كنت عند أبي عبد اللهعليه‌السلام فأتاه كتاب عبد السلام بن عبد الرحمن بن نعيم ، وكتاب الفيض بن المختار وسليمان بن خالد يخبرونه أنّ الكوفة شاغرة(١) برجلها وأنّه إن أمَرَهُم أن يأخذوها أخذوها فلمّا قرأعليه‌السلام كتابهم رمى به ، ثمّ قال :ما أنا لهؤلاء بإمام ، أما علموا أنّ صاحبهم السفياني ؟ (٢) .

العرض الثاني : هو الذي تقدّم به جماعة من منطقة خراسان إلى الإمام الصادقعليه‌السلام ولم يكن في الحقيقة عرضاً من أجل الثورة ودعوة الناس لمبايعة الإمامعليه‌السلام ، وإنّما كان استفساراً حول الدعوة التي قد أشاعها شخص كان قد جاء من الكوفة وادّعى أنّه يمثّل الإمام وهو رسوله إليهم .

لنستمع إلى كلام راوي الحدث ـ الحارث بن حصيرة الازدي ـ حيث قال : قدم رجل من أهل الكوفة إلى خراسان فدعا الناس إلى ولاية جعفر بن محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ففرقة أطاعته وأجابت ، وفرقة جحدت وأنكرت ، وفرقة ورعت ووقفت قال : فخرج من كلّ فرقة رجل فدخلوا على أبي عبد اللهعليه‌السلام ـ وقد كان في بعض القوم جارية فخلا بها الرجل الذي كان يعرف بالورع ووقع عليها ـ فلمّا دخلنا على أبي عبد اللهعليه‌السلام وكان الرجل الذي خلا بالجارية هو المتكلّم فقال لأبي عبد اللهعليه‌السلام : أصلحك الله قدم علينا رجل من أهل الكوفة فدعا الناس إلى طاعتك وولايتك فأجاب قوم ، وأنكر قوم ، وورع

ـــــــــــــــــ

(١) شاغرة : شغر البلد شغوراً : إذا خلى من حافظ يمنعه .

(٢) اختيار معرفة الرجال : ٢ / ٦٤١ / ح٦٦٢ ، بحار الأنوار : ٤٧ / ٣٥١ .


قوم ووقفوا قال :فمن أيّ الثلاث أنت ؟ قال : أنا من الفرقة التي ورعت ووقفت قال :فأين كان ورعك ليلة كذا وكذا ؟ قال : فارتاب الرجل(١) .

العرض الثالث : أوضح الإمام الصادقعليه‌السلام سياسته في هذه المرحلة أمام حشد من معارضي الأمويين وأشار بشكل غير مباشر إلى الخلل العقائدي والفكري والأهداف التي كان يسعى لها بعض عناصر المعارضة نلاحظ ذلك فيما روي أنّ عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء وغيرهم من كبار المعتزلة التقوا بالإمام الصادقعليه‌السلام وطرحوا عليه فكرة القيام بالثورة والاستيلاء على الحكم ، وطلبوا منه التأييد لهم والانضمام معهم .

هنا لم يجب الإمام على نفس السؤال ولم يلبّ طلبهم وإنّما عالج مسألة أخرى هي أهمّ من الاستجابة لطلبهم مستخدماً نفس الطريقة السابقة ; فإنّ العمل المسلّح لا ينفع إذا كانت نوازع الثائرين لا تختلف عن مباني نوازع الأمويين في الحكم ؛ ولهذا شخّص الإمامعليه‌السلام لهؤلاء الداء الذي سبّب تلك العواقب المظلمة والانحرافات التي ألمّت بالمجتمع الإسلامي .

والحدث كما يرويه لنا عبد الكريم بن عتبة الهاشمي هو كما يلي :

قال : كنت عند أبي عبد اللهعليه‌السلام بمكة إذ دخل عليه أُناس من المعتزلة فيهم : عمرو بن عبيد ، وواصل بن عطاء ، وحفص بن سالم ، وأُناس من رؤسائهم ، وذلك حين قُتل الوليد بن يزيد واختلف أهل الشام بينهم ، فتكلّموا فأكثروا ، وخطبوا فأطالوا ، فقال لهم أبو عبد الله جعفر بن محمدعليه‌السلام :إنّكم قد أكثرتم عليَّ فأطلتم ، فأسندوا أمركم إلى رجل منكم ، فليتكلّم بحجّتكم وليوجز فأسندوا أمرهم إلى عمرو بن عبيد ، فأبلغ وأطال فكان فيما قال : قتل أهل الشام خليفتهم ، وضرب الله بعضهم ببعض وتشتّت أمرهم ، فنظرنا فوجدنا رجلاً له دين وعقل ومروّة ،

ـــــــــــــــــ

(١) بصائر الدرجات : ٢٦٤ / ح ٥ ، وبحار الأنوار : ٤٧ / ٧٢ .


ومعدن للخلافة ، وهو محمد بن عبد الله بن الحسن ، فأردنا أن نجتمع معه فنبايعه ، ثم نظهر أمرنا معه ، وندعوا الناس إليه ، فمَن بايعه كنّا معه ، وكان منّا ، ومن اعتزلنا كففنا عنه ، ومَن نصب لنا جاهدناه ونصبنا له على بغيه ، ونردّه إلى الحق وأهله ، وقد أحببنا أن نعرض ذلك عليك فإنّه لا غنى بنا عن مثلك ، لفضلك وكثرة شيعتك .

فلمّا فرغ ، قال أبو عبد اللهعليه‌السلام :أكلّكم على مثل ما قال عمرو ؟ قالوا : نعم .

فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واحتجّ عليهم بحجج ثم أقبل على عمرو ، وقال :اتّق الله يا عمرو ، وأنتم أيها الرهط ، فاتّقوا الله ، فإنّ أبي حدّثني وكان خير أهل الأرض وأعلمهم بكتاب الله وسنّة رسوله : أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ( مَن ضرب الناس بسيفه ودعاهم إلى نفسه ، وفي المسلمين مَن هو أعلم منه فهو ضال متكلّف ) (١) .

فهؤلاء مع اعترافهم بفضل الإمامعليه‌السلام وتقدّمه على مَن سواه كيف كانوا يفكّرون في مبايعة غيره ويتوقّعون تأييد الإمامعليه‌السلام لهم ؟! وقد دعاهم إلى أمر معقول ومشروع فلا بدّ لهم من إعادة النظر فيما يريدون الإقدام عليه .

الإمامعليه‌السلام يحذّر الشيعة من المواقف الانفعالية

ولإيضاح هذه النقطة نطالع بعض النماذج التالية :

النموذج الأوّل : ويتضمّن تأكيد الإمامعليه‌السلام على التثبّت والتحقيق وعدم التسرّع في الاستجابة لكل مَن يرفع شعار الثورة حتى ، ولو كان هذا الشعار هو شعار أهل البيتعليهم‌السلام ; لأنّ الإنسان إن لم يتثبّت لكان هو الخاسر ولكانت الخسارة عظيمة جداً ; لأنّه سوف يخسر الحياة التي سيحاسب على صغيرها

ـــــــــــــــــ

(١) الكافي : ٢ / ١١٨ ، و ٥ / ٢٣ ، بحار الأنوار : ٤٧ / ٢١٣ ـ ٢١٦ ح٢ و ٣ .


وكبيرها وسوف لا ينفعه الندم والتوبة إن قتل ; لا على بيّنة أو دليل قوي .

وفي هذا خير تحذير من الاختراقات السياسية التي كانت تحاول توظيف الوجود الشيعي لصالحها وتدّعي بأنّ لها صلة بالإمام لكنّها في الحقيقة كانت تريد الاستغفال .

لنقرأ ما جاء عن عيص بن القاسم حين قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول :عليكم بتقوى الله وحده لا شريك له ، انظروا لأنفسكم فو الله إنّ الرجل ليكون له الغنم فيها الراعي ، فإذا وجد رجلاً هو أعلم بغنمه من الّذي هو فيها ، يخرجه ويجيء بذلك الرجل الذي هو أعلم بغنمه من الذي كان فيها ، والله لو كانت لأحدكم نفسان يقاتل بواحدة يجرّب بها ثم كانت الأخرى باقية فعمل على ما قد استبان لها ولكن له نفس واحدة إذا ذهبت ، فقد والله ذهبت التوبة ، فأنتم أحق أن تختاروا لأنفسكم إن أتاكم آت منّا فانظروا على أي شيء تخرجون (١) .

النموذج الثاني : وفيه يشير الإمامعليه‌السلام إلى أنّ المرحلة أحوج ما تكون إلى النماذج الصالحة والقدوة الحسنة لترفد المجتمع بسلوكها الصالح وفكرها الصائب .

فعن عمر بن أبان قال : سمعت أبا عبد الله يقول :( يا معشر الشيعة إنكم نُسِبْتُم إلينا ، كونوا لنا زيناً ولا تكونوا علينا شيناً ، ما يمنعكم أن تكونوا مثل أصحاب علي رضوان الله عليه في الناس ؟! إن كان الرجل منهم ليكون في القبيلة ، فيكون إمامهم ومؤذّنهم ، وصاحب أماناتهم وودائعهم عُودوا مَرضاهم ، واشهَدوا جنائزهم وصَلّوا في مساجِدِهم ولا يسبقوكم إلى خير ، فأنتم ـ والله ـ أحقّ منهم به ) (٢) .

ـــــــــــــــــ

(١) الكافي : ٨ / ٢٦٤ .

(٢) مشكاة الأنوار : ٦٧ ، والكافي : ٢ / ٢٩٣ ، ووسائل الشيعة : ١ / ٥٢ .


٢ ـ الوضع الفكري

إنّ الظواهر الفكرية والعقائدية السائدة في عصر الإمام الصادقعليه‌السلام ـ مثل : الزندقة ، الغلّو ، والاعتزال ، والجبر ، والرأي ، وما نتج عنها من ظهور صيغ جديدة لفهم الرسالة في مجال الفقه وتفسير الحديث والقرآن الكريم ـ لم تكن وليدة الظرف الّذي عاصره الإمام ولم تأتي بالمصادفة ، وإنّما يعود وجودها إلى ذلك المنهج الّذي خطّه الأمويون ومَن سبقهم من الخلفاء الذين اجتنبوا منهج أهل البيتعليهم‌السلام وسلكوا طريقاً آخر طيلة عشرة عقود أو أكثر ، فعكس للأجيال صورة مزيّفة عن الدين لا يتجاوز كونه أداة موجهة بيد الحكّام يحمون به سلطانهم ويوظّفونه حسب ما تتطلّبه سياستهم ، ضد المستضعفين حين أصبح المسلم آنذاك لا يرى إلاّ الصورة المقيتة عن الدين ؛ ولهذا كانت الزندقة ردّة فعل لهذا الانحراف بعد تلاعب الحكّام بالدين ، وقد لقيت رواجاً في هذا الوسط الديني المضطرب والمليء بالمفاهيم الخاطئة .

إنّ اضطراب الموازين والقيم قد أدّى إلى التشكيك حتى في السُنّة النبوية ، بل في فهم الكتاب الإلهي العظيم والركون إلى الرأي والاستحسان والتجاوز عن مداليل النصوص المأثورة بلا قانون علمي قويم .

فإذا أردنا أن نحاكم الأفكار المنحرفة التي انتشرت في عصر الإمام الصادقعليه‌السلام كان علينا أن نعرف الخلفيات التي انتهت بالأمة إلى هذا الاضطراب .

من هنا نتناول مفردات من المنهج الأموي التحريفي ودوره التخريبي


في فهم القرآن والسنّة وحوادث التاريخ ، مقتصرين على ذكر بعض النماذج في كل مجال .

تحريف مصادر التشريع والتاريخ :

أ ـ التحريف في مجال تفسير القرآن الكريم

كان التعامل مع النص القرآني وتفسيره يعتمد الرأي أو الروايات الإسرائيلية ، ويوظّف لصالح سياسة الخليفة ، ومن الأمثلة على ذلك :

١ ـ استخدم المجبّرة النصوص القرآنية لتأييد نظريتهم مثل قوله تعالى :( والله خلقكم وما تعملون ) (١) ، زاعمين أنّ القرآن يدلّ على أنّ الله يجبر العباد على أعمالهم ...

٢ ـ أمّا عقيدة التجسيم التي بُنيت على التعامل مع القرآن على أساس الجمود على ظواهر النصوص ، فلا تتجاوز المعنى الحرفي للفظ حتى أخذت تصرّح بأنّ لله يداً ووجهاً محتجّة بقوله تعالى :( يد الله فوق أيديهم ) (٢) ، وقوله :( ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام ) (٣) وقالوا بالرؤية البصرية لله تعالى استناداً إلى قوله تعالى :( وجوه يؤمئذٍ ناضرة إلى ربّها ناظرة ) (٤) .

واعتماد هذه التفاسير والقصص الإسرائيلية في تفسير الآيات المباركة هو السبب في هذه الصور المشوّهة فقد جاء في تفسير القرطبي عن كعب الأحبار أنّه قال : لمّا خلق الله العرش قال العرش : لم يخلق الله أعظم منّي واهتزّ

ـــــــــــــــــ

(١) الصافات : ٩٦ .

(٢) الفتح : ١٠ .

(٣) الرحمن : ٢٧ .

(٤) القيامة : ٢٢ ـ ٢٣ .


تعاظماً فطوّقه الله تعالى بحيّة لها سبعون ألف جناح ، في كل جناح سبعون ألف ريشة ، في كل ريشة سبعون ألف وجه ، في كل وجه سبعون ألف فم ، في كل فم سبعون ألف لسان يخرج من أفواهها كل يوم من التسبيح عدد قطر المطر ، لا عدد ورق الشجر ، وعدد الحصى والثرى ، وعدد أيام الدنيا وعدد الملائكة أجمعين ، والتوت الحيّة على العرش ، فالعرش إلى نصف الحيّة وهي ملتوية عليه فتواضع عند ذلك(١) .

وقال معاوية لكعب أنت تقول : إنّ ذا القرنين كان يربط خيله بالثريّا ؟ فقال له كعب : إن كنت قلت ذلك فإنّ الله قال :( وآتيناه من كل شيء سبباً ) (٢) .

هذا هو التراث الحديثي والتفسيري والتأريخي المخلوط بالإسرائيليات وافتراءات الوضّاعين خدمة للحكّام وقد دوّن هذا التراث بعد قرن من وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد رفع الحظر عمر بن عبد العزيز واعتمدت مدرسة الحديث اعتماداً مطلقاً على ما روي بدون تحكيم العقل حتى قالوا : إنّ السنة تنسخ القرآن والقرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن ، أمّا مَنْ يقول بأنّا نعرض الأحاديث على القرآن فهذا من أقوال الزنادقة كما يزعمون !(٣) .

ومن هنا نقف على بعض أسباب نشوء الانحرافات الفكرية وانتشارها بسرعة في المجتمع الإسلامي مثل الجبر والزندقة والغلو ، ونشير إلى كل منها تباعاً .

ب ـ التحريف في مجال الحديث النبوي الشريف :

١ ـ جاء في صحيح الترمذي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال لمعاوية : اللّهمّ

ـــــــــــــــــ

(١) الجامع لأحكام القرآن : ١٥ / ٢٨٢ .

(٢) تفسير القرآن العظيم لابن كثير : ٣ / ١٠٦ .

(٣) بحوث في الملل والنحل ، جعفر السبحاني : ١/١٢٩ .


اجعله هادياً مهدياً وأهد به(١) .

٢ ـ وعن عمير بن سعيد قال : لا تذكروا معاوية إلاّ بخير فإنّي سمعت رسول الله يقول : اللّهم أهد به ؟(٢) .

٣ ـ وروى أحمد وأبو داود والبغوي والطبراني وغيرهم أن النبيّ قال : ( عليكم بالشام فإنّها خيرة الله من أرضه ، يجتبي إليها خيرته من عباده ، إنّ الله قد توكل بالشام وأهله )(٣) .

٤ ـ وعن كعب الأحبار : أنّ النبيّ قال : أهل الشام سيف من سيوف الله ينتقم الله بهم ممّن عصاه(٤) .

٥ ـ روي عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : ( وصاحب سرّي معاوية بن أبي سفيان )(٥) .

٦ ـ وقيل إنّ ابن أبي العوجاء ( وهو أحد الزنادقة ) لمّا أُخذ لتضرب عنقه قال : وضعت فيكم أربعة آلاف حديث ، أُحرّم فيها الحلال وأحلّ الحرام(٦) .

ج ـ التحريف في المجال التاريخي

حاولت مجموعة من الروايات الموضوعة أن ترسم لنا شخصية الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بصورة هزيلة ومتناقضة في سلوكها ، منها :

ـــــــــــــــــ

(١) صحيح الترمذي : ٥ / ٦٨٧ ، باب مناقب معاوية .

(٢) كنز العمّال : ١٤ / ١٤٩ .

(٣) المصدر السابق .

(٤) أضواء على السنّة المحمّدية : ١٢٩ .

(٥) تطهير الجنان واللسان : ١٧ .

(٦) الموضوعات لابن الجوزي ، تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان : ١/٣٧ .


١ ـ أنّ النبيّ كان يستمع إلى الجواري يغنّين ويضربن الدفوف .

٢ ـ أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يحمل زوجته عائشة على عاتقه لتنظر إلى لعب السودان وخدّه على خدّها .

٣ ـ أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد عشق زوجة ابنه بالتبنيّ بعد أن رآها بصورة مثيرة !(١) .

الاتجاهات الفكرية المنحرفة

١ ـ الجبر : عندما دعت الحاجة لصياغة علم الكلام والفقه والتفسير رجع المنظّرون لهذه الأفكار إلى التراث الحديثي الذي قد يبدو منه الجبر من قِبل الله للعباد فاستخدموه لخدمة الأمويين تثبيتاً لدعائم سلطانهم فروّجوا عقيدة أنّ الجبر التي تعني نفي الفعل حقيقة عن العبد وإضافته إلى الربّ تعالى ، فكل ما يصدر من العبد من خير أو شر ينسب إلى الله سبحانه ، ويقولون إنّه ليس لنا صُنع ، أي لسنا مخيّرين بل نسير بإرادة الله ومشيئته فإذا شاء الله أن نصلّي صلّينا وإذا شاء أن نشرب الخمر شربناها واستدلوا على ذلك بآيات قرآنية منها قوله تعالى :( وما تشاؤون إلاّ أن يشاء الله ) (٢) وقوله تعالى :( فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً ) (٣) ومن الواضح أنّ المعتنق لهذه العقيدة يسمح لنفسه بارتكاب كل جريمة ومعصية من ترك الواجبات وانتهاك المحرّمات مثل شرب الخمر وارتكاب الزنا والسرقة

ـــــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري : ١ / ١٦٩ ، وصحيح مسلم باب صلاة العيدين : ٢ / ٦٠٧ ، ومسند أحمد : ٦ / ٣٨ .

(٢) الإنسان : ٧٦ / ٣٠ .

(٣) الأنعام : ٦ / ١٢٥ .


والقتل ثم يقول شاء الله أن أسرق فسرقت ، وشاء الله أن أزني فزنيت ؛ وبهذا لا يكون للإنسان كسب ولا إرادة ولا اختيار ولا تصرّف فيما وهبه الله من نعمة العقل ، فكيف يكون له مطمع في ثواب أو خوف من عقاب(١) .

٢ ـ الزندقة : ومن الأفكار التي ظهرت في عصر الإمام الصادقعليه‌السلام فكرة الإلحاد والزندقة ، ولا يستغرب أحد من نشوء هذه الفكرة المنحرفة في العالم الإسلامي وهو عالم التوحيد الخالص وإبّان قوته وفي وقت تتطلع سائر الأمم للرسالة الإسلامية الخاتمة .

إنّ الظلم والفساد الذي أشاعه الأمويون في كل ميادين الحياة كان هو السبب في ظهور هذه الأفكار المناقضة للفكر الإسلامي .

عن حماد بن عثمان قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : تظهر الزنادقة سنة ثمانية وعشرين ومئة لأنّي نظرت في مصحف فاطمةعليها‌السلام (٢) .

كان السؤال والمناقشة للفكر الذي يتبنّاهُ الحكام ذنباً لا يغتفر وعلى الإنسان أن يسمع ولا يفكر أمّا الخلافة الإسلامية فتبلورت في طواغيت بني أمية وفراعنة بني العباس هذا الفساد الذي عمّ ميادين الفكر والسلوك شجّع ظهور الفكر الإلحادي كرفض للواقع الفاسد .

ومن هنا نشاهد ابن أبي العوجاء يعقد حلقاته الفكرية لغرض التشكيك في التوحيد وفي مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيث كان ينكر أصل الوجود ويقول : إنّ الوجود بدأ بإهمال وكان الجعد بن درهم ممعناً في الكفر ومبتدعاً ومتفانياً

ـــــــــــــــــ

(١) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : ٢ / ١٢٢ .

(٢) بصائر الدرجات : ١٧٢ ، وبحار الأنوار : ٢٦ / ١٢٣ وإثبات الهداة : ٥ / ١٧٥ .


في الزندقة وكان يعلن الإلحاد(١) ومن بدعه أنّه جعل في قارورة تُراباً وماءً فاستحال دوداً وهواماً فقال لأصحابه : إنّي خلقت ذلك لأنّي كنت سبب كونه وبلغ ذلك الإمام الصادقعليه‌السلام فردّه بأبلغ البرهان قائلاً :( إن كان خلقه فليقل كم هو ؟ وكم الذكران منه والإناث ؟ وكم وزن كل واحدة منهنّ ؟ وليأمر الذي يسعى إلى هذا الوجه أن يرجع إلى غيره ) (٢) .

٣ ـ الاعتزال : لقد تطرّف الخوارج والمرجئة في حكم مرتكب الكبيرة ، بعد تعارض التراث الحديثي والتفسيري مع العقل ، ثم عجزت الثقافة التي جمدت على ظواهر الحديث والقرآن من الإجابة على الأسئلة التي فرضتها حالة الانفتاح على الحضارات الأخرى ومن هنا تبلورت أفكار المعتزلة تلبية لحاجة التطوّر المدني في البلاد الإسلامية وكثرة الاستفهامات التي كانت تثيرها الحركات الإلحادية فظهرت في هذا العصر فكرة الاعتزال التي رفضت الاعتماد على الحديث بشكل مطلق وهاجمت أهل الحديث لتعطيلهم العقل ، وتكفيرهم كل مَن يبحث ويناقش .

الخط السياسي للاعتزال : كان الاعتزال مسانداً للحكم القائم في تلك العصور ، وقد خدم سياسة الحكّام عندما أخذ يهاجم المقدسات في ضمير الأمة وتفكيرها ؛ وذلك حين أقرّ المعتزلة بأنّ الإمامة والخلافة تتمّ للمفضول ويجوز تقديمه على الفاضل ، وبهذا استدلّوا على شرعيّة خلافة الأمويين والعباسيين .

قال أحمد أمين : إنّ جرأة المعتزلة في نقد الرجال هو بمثابة تأييد قوي

ـــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال : ١ / ٣٩٩ ، لسان الميزان : ٢ / ١٠٥ .

(٢) أمالي المرتضى : ١ / ٢٨٤ .


للأمويين ؛ لأنّ نقد الخصوم ووضعهم موضع التحليل وتحكّم العقل في الحكم عليهم أو لهم يزيل على الأقل فكرة تقديس عليعليه‌السلام التي كانت شائعة عند جماهير الناس(١) .

ولذا نالوا التأييد المطلق والدعم الشامل من قِبل الأمويين وبعد انهيار الحكم الأموي انضمّوا إلى الحكم العباسي فكانوا من أجهزته وأعوانه ، وكان المنصور يُكبر عَمْرو بن عبيد أحد كبار المعتزلة(٢) .

أمّا علاقتهم مع الشيعة فكانت في غاية من الخصومة وترى الشيعة أنّ الاعتزال فكر طارئ على الإسلام ؛ لأنّ تقديم المفضول على الفاضل معناه الخروج عن منطق الحق وإماتة المواهب والقدرات فضلاً عن أنّ هذا الاتجاه يُعارض القرآن الكريم الذي يقول :( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) (٣) .

إنّ الكوارث التي عانتها الأمة على مدى تأريخها بعد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تعود إلى تقديم المفضول على الفاضل ، ولولا ذلك لسار الفاضل بالأمة سيراً سجُحاً ولأوردهم منهلاً رويّاً تطفح ضفتاه كما تنبّأت بذلك بضعة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاطمة الزهراءعليها‌السلام في خطابها المبكّر بعد تسنّم أبي بكر الخلافة والتربّع على منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعزل علي بن أبي طالبعليه‌السلام عن هذا الموقع الريادي الذي عيّنه فيه رسول الإسلام .

٤ ـ حركة الغلاة : تعتبر حركة الغلاة في نظر المؤرّخين من أخطر الحركات هدماً

ـــــــــــــــــ

(١) فجر الإسلام : ٢٩٥ .

(٢) تاريخ بغداد : ٤ / ١٤٨ ـ ١٥٠ .

(٣) الزمر : ٣٩ / ٩ .


وضرراً للمجتمع الإسلامي آنذاك ؛ لأنّها حركة سياسية عقائدية قد استهدفت ضرب الإسلام من الداخل ، كما أنّ دراسة هذهِ الحركة من قِبل المؤرّخين لا زالت غامضة حتى اليوم ; إذ لم تدوّن أفكار هذهِ الحركة بأقلام دعاتها .

وحركة الغلاة لم تدم طويلاً ؛ لأنّها ظهرت على المسرح السياسي ثم اختفت بسرعة وقد حاصرها الإمام الصادقعليه‌السلام حيث أدرك خطورتها فأعلن البراءة منها ومن مبادئها ولعن دعاتها كأبي الخطاب وحذّر الناس من أهدافها الخبيثة .

لقد نشطت هذه الحركة في أواخر الحكم الأموي فبثّ أبو الخطاب أفكاره بسريّة في مدينة الكوفة في الوقت الذي كانت تموج بها التيارات السياسية ، والدعوة العباسية ناشطة في شق طريقها إلى النجاح وكان اختيار أبي الخطاب للكوفة لعلمه بأنّها قاعدة لتجمع الموالين لأهل البيتعليهم‌السلام ؛ وبهذا يمكن تشويه هذه القاعدة الواعية وضرب أتباع أهل البيت عن هذا الطريق .

قال أبو عباس البغوي : دخلنا على فثيون النصراني وكان في دار الروم بالجانب الغربي ، فجرى الحديث إلى أن سألته عن ابن كلاب فقال فثيون : رحم الله عبد الله ( ابن كلاب ) كان يجيئني فيجلس إلى تلك الزاوية ـ وأشار إلى ناحية من البيعة وهي الكنيسة ـ وعني أخذ هذا القول ، ولو عاش لنصّرنا المسلمين(١) ـ أي لجعلناهم نصارى .

إنّ ظهور الروحاني بالجسد الجسماني أمرٌ لا ينكره عاقل : أمّا في جانب الخير ، فكظهور جبرئيلعليه‌السلام ببعض الأشخاص ، والتصوير بصورة أعرابي ، والتمثّل بصورة البشر .

ـــــــــــــــــ

(١) الفهرست لابن النديم : ٢٥٥ ـ ٢٥٦ .


وأمّا في جانب الشر ، فكظهور الشيطان بصورة إنسان ، حتى يعمل الشر بصورته وظهور الجن بصورة بشر حتى يتكلّم بلسانه فكذلك يقال : إنّ الله تعالى ظهر بصورة أشخاص ولمّا لم يكن بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شخص أفضل من علي (رضي الله عنه) وبعده أولاده المخصوصون وهم خير البرية فظهر الحق بصورتهم ونطق بلسانهم وأخذ بأيديهم فعن هذا أطلقوا اسم الإلهية عليهم !! وإنّما أثبتوا هذا الاختصاص ( لعلي ) (رضي الله عنه) دون غيره لأنّه كان مخصوصاً بتأييد إلهي من عند الله تعالى فيما يتعلّق بباطن الأسرار(١) .

ثم زعم أبو الخطاب أنّ الأئمة أنبياء ثم آلهة ! وقال بإلهية جعفر بن محمد ! وإلهية آبائه (رضي الله عنهم) وهم أبناء الله وأحباؤه ! والإلهية نور في النبوّة والنبوّة نور في الإمامة ، ولا يخلو العالم من هذه الآثار والأنوار وزعم أنّ جعفراً هو الإله في زمانه !! وليس هو المحسوس الذي يرونه ! ولكن لما نزل إلى هذا العالم لبس تلك الصورة فرآه الناس فيه(٢) !

هذه هي أهم الاتجاهات الفكرية المنحرفة التي كانت قد راجت في عصر الإمام الصادقعليه‌السلام ، وسوف نتابع مواقف الإمامعليه‌السلام منها وأساليبه في كيفية التعامل معها بغية معالجة هذا الداء الذي أخذ يستشري في المجتمع الإسلامي آنذاك .

ـــــــــــــــــ

(١) الملل والنحل للشهرستاني : ١/١٦٨ .

(٢) الملل والنحل للشهرستاني : ١/١٥٩ .


الفصل الثاني : متطلّبات عصر الإمام الصادقعليه‌السلام

بعد الوقوف على مظاهر الفساد والانحراف التي عمّت ميادين الحياة في عصر الإمام الصادقعليه‌السلام نستطيع أن ندرك عمق المأساة التي كان الإمامعليه‌السلام قد واكبها منذُ نشأته حتى هذا التاريخ .

وفي هذا الظرف الذي خفّت فيه المراقبة بسبب ضعف الدولة الأموية ، ووجد الإمامعليه‌السلام أنّ جانباً كبيراً من الإسلام قد أُقصي عن واقع الحياة ، وأنّ قيم الجاهلية قد عادت تظهر للوجود ، وأنّ الصيغ الغريبة عن الدين أخذت تدخل في فهم القرآن والسنّة الشريفة وتسبّبت في تغيير مضمون الرسالة وجوهرها ، لاحظ أنّ الأمر أخذ يزداد تفاقماً في أواخر العهد الأموي الذي نمت فيه مدارس فكرية وتيارات سياسية بعيدة عن الإسلام ، وكان يرىعليه‌السلام أنّ الأكثرية الساحقة من الأمة قد ركنت إلى الطمع بسبب ما شاهدته من صور الظلم والتعسّف الذي قد ارتكب بحق كل مَن كان يعترض على سياسة الحكّام المنحرفين عن الدين كل هذه الأمور قد لاحظها الإمامعليه‌السلام بدقّة وبدأ يعالجها بكل أناة لنقرأ معاً حوار سدير الصيرفي مع الإمامعليه‌السلام :

قال سدير الصيرفي : دخلت على أبي عبد اللهعليه‌السلام فقلت له : والله


ما يسعك القعود فقال :ولِم يا سدير ؟ قلت : لكثرة مواليك وشيعتك وأنصارك ، والله لو كان لأمير المؤمنينعليه‌السلام ما لك من الشيعة والأنصار والموالي ما طمع فيه تيم ولا عديّ .

فقال :يا سدير وكم عسى أن يكونوا ؟ قلت : مائة ألف قال :مائة ألف ! قلت : نعم ، ومائتي ألف ؟ فقال :ومائتي ألف ؟ قلت : نعم ، ونصف الدنيا قال : فسكت عنّي ثم قال :يخفّ عليك أن تبلغ معنا إلى ينبع (١) ؟ قلت : نعم فأمر بحمار وبغل أن يسرجا ، فبادرت ، فركبت الحمار فقال :يا سدير ، أترى ، انزل بنا نصلّي ، ثم قال :هذه أرض سبخة لا تجوز الصلاة فيها فسرنا حتى صرنا إلى أرض حمراء ، ونظر إلى غلام يرعى جداء(٢) .

فقالوالله يا سدير لو كان لي شيعة بعدد هذه الجداء ما وسعني القعود ونزلنا وصلّينا فلمّا فرغنا من الصلاة عطفت على الجداء ، فعددتها فاذا هي سبعة عشر ! )(٣) .

فالإمامعليه‌السلام إزاء هذا الواقع المملوء بالفساد والضياع قد وجد أنّ الأمر أحوج ما يكون إلى إيجاد تيّار إسلامي أصيل يحمل قيم الرسالة التي جاء بها الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولابدّ أيضاً أن يتم عزل الأمة عن الحكومات الظالمة لئلاّ تكون مرتعاً لمظالمها ، فعن طريق غرس القيم الإسلامية وإيجاد تيّار فاعل يساهم في اجتثاث المظالم أو تقليلها يمكن التحرّك لإصلاح الواقع الفاسد حيث إنّه قد يرغم الولاة على العدل استجابة لإرادة قطّاع كبير من

ـــــــــــــــــ

(١) يَنبع حصن له عيون ونخيل وزروع بطريق حاج مصر .

(٢) الجدي : من أولاد المعز .

(٣) الكافي : ٢ / ٢٤٢ ، وبحار الأنوار : ٤٧/٣٧٢ .


الأمة حينما يرفض هذا القطاع الكبير الاستبداد ويدعو إلى العدل بوعي إسلامي عميق .

لقد تخلّى الإمام الصادقعليه‌السلام عن ممارسة العمل المسلح ضد الحكّام المنحرفين بشكل مباشر ، وكان موقفه هذا تعبيراً واقعياً عن اختلاف صيغ العمل السياسي التي تحدّدها الظروف الموضوعية وإدراكاً عميقاً لطبيعة العمل التغييري .

فالإمامعليه‌السلام حاول أن ينشر قيمه ومفاهيمه دعوته بعيداً عن التصريحات السياسية الثورية ، واتّجه نحو بناء تيّار شعبي عامّ في الأمة كما ركّز على بناء الجماعة الصالحة الممثّلة لخط أهل البيتعليهم‌السلام والإشراف عليها وتنظيم أساليب عملها في مواجهة الانحراف المستشري بحيث يجعلها كتلة مترابطة في العمل والتغيير وإعداد أرضية صالحة تؤدّي إلى قلب الواقع الفاسد على المدى القريب أو البعيد .

وقد استهدف الإمامعليه‌السلام في نشاطه الرسالي لونين من الانحراف :

اللون الأول : الانحراف السياسي المتمثّل في زعامة الدولة ، واللون الثاني : الانحراف العقائدي والفكري والأخلاقي ، ثم الانحراف السياسي عند الأمة .

كما اتّجه الإمامعليه‌السلام في حركته التغييرية الشاملة إلى حقلين مهمّين :

أحدهما : الانفتاح العام والشامل على طوائف الأمة واتجاهاتها السياسية والفكرية .

ثانيهما : مواصلة بناء جامعة أهل ألبيتعليهم‌السلام العلمية .

وكلا الحقلين يعتبران من حقول النشاط العام ، وسوف نبحثه في هذا


الفصل من هذا الباب .

وأمّا حقل النشاط الخاص بمحاوره المتعدّدة فيتلخّص في إكمال بناء الجماعة الصالحة وهذا ما سوف نبحثه في الفصل الثالث من هذا الباب .

الانفتاح على الاتجاهات الفكرية والسياسية

ويقع البحث في هذا الحقل ضمن عدّة محاور :

١ ـ المحور العقائدي السياسي :

وفي هذا المحور ركّز الإمام على عدّة نشاطات :

النشاط الأوّل : التثقيف على عدم شرعيّة الحكومات الجائرة ورتّب على ذلك تحريم الرجوع إليها لحل النزاع والخصومات كما ورد عنه :( إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور ، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم فإنّي قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه ) (١) .

وقال أيضاً :( أيّما مؤمن قدّم مؤمناً في خصومة إلى قاضٍ أو سلطان جائر فقضى عليه بغير حكم الله فقد شركه في الإثم ) (٢) .

وعن أبي بصير عنهعليه‌السلام قال :( أيّما رجل كان بينه وبين أخ له ممارات في حق فدعاه إلى رجل من إخوانه ليحكم بينه وبينه فأبى إلاّ أن يرافعه إلى هؤلاء ، كان بمنزلة الذين قال الله عزّ وجل : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ

ـــــــــــــــــ

(١) وسائل الشيعة ١٨ : ٤ .

(٢) المصدر السابق : ١٨ / ٢ .


قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ) ) (١) .

وعن عمر بن حنظلة قال : سألت أبا عبد الله عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاء أيحل ذلك ؟ فقال :مَن تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنّما تحاكم إلى طاغوت وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً وإن كان حقه ثابتاً ؛ لأنّه أخذه بحكم الطاغوت ، وقد أمر الله أن يكفر به قال الله تعالى : ( يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ) (٢) .

وفي توجيه آخر حرّم أيضاً التعاون مع الأنظمة الجائرة فمن توصياته بهذا الخصوص ، قولهعليه‌السلام :( إنّ أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتى يحكم الله بين العباد ) (٣) .

وقالعليه‌السلام :لا تُعِنْهم ـ أي حكام الجور ـعلى بناء مسجد (٤) .

وقالعليه‌السلام لبعض أصحابه :( يا عذافر نُبّئت أنّك تعامل أبا أيوب والربيع فما حالك إذا نودي بك في أعوان الظلمة ؟ ! ) (٥) .

وعن علي بن حمزة ، قال كان لي صديق من كتّاب بني أمية فقال لي : استأذن لي على أبي عبد اللهعليه‌السلام فاستأذنت له ، فلمّا دخل سلّم وجلس ، ثم قال : جعلت فداك إنّي كنت في ديوان هؤلاء القوم فأصبت من دنياهم مالاً كثيراً ، وأغمضت في مطالبه .

فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام لو أنّ بني أمية لم يجدوا مَن يكتب لهم ، ويجبي لهم

ـــــــــــــــــ

(١) النساء : ٤ / ٦٠ .

(٢) النساء : ٤/٦٠ ، وسائل الشيعة : ٢٧/١٣ .

(٣) وسائل الشيعة : ١٧/١٧٩ ح ٦ .

(٤) المصدر السابق : ١٧/١٨٠ .

(٥) المصدر السابق : ١٧/١٧٨ .


الفيء (١) ويقاتل عنهم ، ويشهد جماعتهم ، لما سلبونا حقّنا ، ولو تركهم الناس وما في أيديهم ، ما وجدوا شيئاً إلاّ وقع في أيديهم . فقال الفتى : جعلت فداك فهل لي من مخرج منه ؟

قال :إن قلت لك تفعل ؟ قال : أفعل ، قال :اخرج من جميع ما كسبت في دواوينهم ، فمَن عرفت منهم رددت عليه ماله ، ومَن لم تعرف تصدّقت به (٢) .

النشاط الثاني : مارس فيه التثقيف على الصيغة السياسية السليمة من خلال تبيان موقع الولاية المغصوب واستخدم الخطاب القرآني في هذا المجال الذي حاولت فيه المدارس الفكرية الأخرى تجميد النص بحدود الظاهر فقد علّقعليه‌السلام على قوله تعالى :( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (٣) .

إنّ الله عزّ وجلّ اتخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتخذه نبيّاً ، وأنّ الله اتّخذه نبيّاً قبل أن يتّخذه رسولاً وان الله اتّخذه رسولاً قبل أن يتخذه خليلاً ، وأنّ الله اتخذه خليلاً قبل أن يتخذه إماماً ، فلمّا جمع له الأشياء قال :( إنّي جاعلك للناس إماماً ) .

قالعليه‌السلام :( فَمن عِظَمِها ـ أي الإمامة ـفي عين إبراهيم عليه‌السلام قال : ومن ذرّيتي ؟ قال : لا ينال عهدي الظالمين ، قال : لا يكون السفيه إمام التقي ) (٤) .

كما فسّرعليه‌السلام قوله تعالى :( صبغة الله ومَن أحسن من الله صبغة ونحن

ـــــــــــــــــ

(١) الفيء : الخراج .

(٢) المناقب لابن شهر اشوب : ٣/٣٦٥ ، بحار الأنوار : ٤٧/١٣٨ ، والكافي : ٥/١٠٦ .

(٣)البقرة : ٢ / ١٢٤ .

(٤) الميزان : ١/٢٧٦ .


له عابدون ) (١) بأنّ الصبغة هي الإسلام(٢) وفي قول آخر عنهعليه‌السلام بأنّ الصبغة هي صبغ المؤمنين بالولاية ، يعني الولاية لإمام الحق أمير المؤمنينعليه‌السلام في الميثاق(٣) .

وعلّق العلاّمة الطباطبائي على ذلك بقوله : وهو من باطن الآية(٤) .

كما نجدهعليه‌السلام يتحدث عن الإمام أمير المؤمنين ويذكّر الناس بحديث الغدير ، ذلك الحدث السياسي الخطير في حياه الأمة ، ويذكّرهم به لئلاّ يتعرّض هذا الحدث للنسيان والإلغاء قال في حق عليعليه‌السلام ( المدعو له بالولاية المثبت له الإمامة يوم غديم خم ، بقول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا : بلى قال :فمَن كنت مولاه فعلي مولاه ، اللّهمّ والِ مَن والاه ، وعاد مَن عاداه ، وانصر مَن نصره ، واخذل مَن خذله ، وأعن مَن أعانه (٥) .

وعندما التقى وفد من المعتزلة في مستوى رفيع ضمّ أعلامهم ورؤوسهم فكان من بينهم : عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء وحفص بن سالم ، وذلك بعد قتل الوليد واختلاف أهل الشام ، وقد أجمع رأي المعتزلة على محمد بن الحسن للخلافة الإسلامية ، وبعد أن اسندوا أمرهم في الرأي إلى زعيمهم الروحي عمرو بن عبيد ودار حوار طويل بينه وبين الإمام خاطبه الإمام قائلاً :يا عمرو لو أنّ الأمة قلّدتك أمرها فملكته بغير قتال ، ولا مؤنة فقيل لك : ولِّها مَن شئت ، مَن كنت تولّي ؟

ـــــــــــــــــ

(١) البقرة : ٢/١٣٨ .

(٢) تفسير الصافي : ١/١٧٦ .

(٣) تفسير العياشي : ١/٦٢ .

(٤)الميزان : ١/٣١٥ .

(٥) عوالم العلوم والمعارف : ١٥/٣ ـ (٢٧٠ ـ ٢٧١) وراجع أيضاً شواهد التنزيل : ١/١٨٧ والدر المنثور : ٢/٢٩٨ وفتح القدير : ٣/٥٧ وروح المعاني : ٦/١٦٨ .


وبادر عمرو فقال : أجعلها شورى بين المسلمين .

قال :بين كلّهم ؟ قال : نعم قال :بين فقهائهم وخيارهم ؟ قال :نعم قال :قريش وغيرهم ؟ قال : قال له : العرب والعجم ؟

قالعليه‌السلام :أخبرني يا عمرو أتتولّى أبا بكر وعمر أو تتبرّأ منهما ؟ قال : أتولاّها .

فقال له الإمامعليه‌السلام :يا عمرو إن كنت رجلاً تتبرّأ منهما فإنّه يجوز لك الخلاف عليهما ، وأنت كنت تتولاّهما فقد خالفتهما فقد عهد عمر إلى أبي بكر فبايعه ، ولم يشاور أحداً ، ثم ردّها أبو بكر عليه ولم يشاور أحداً ، ثم جعلها عمر شورى بين ستة ، فأخرج منها الأنصار غير أولئك الستة من قريش ، ثم أوصى الناس فيهم ـ أي في الستة الذين انتخبهم ـبشيء ما أراك ترضى أنت ولا أصحابك به .

وسأل عمرو الإمامعليه‌السلام عما صنع عمر قائلاً : ما صنع ؟

قال الإمامعليه‌السلام :أمر صهيباً أن يصلّي بالناس ثلاثة أيام ، وأن يتشاور أولئك الستّة ليس فيهم أحد سواهم إلاّ ابن عمر ، ويشاورونه ، وليس له من الأمر شيء ، وأوصى مَن كان بحضرته من المهاجرين والأنصار إن مضت ثلاثة أيّام ولم يفرغوا ويبايعوا ، أن تُضرب أعناق الستة جميعاً وإن اجتمع أربعة قبل أن يمضي ثلاثة أيّام وخالف اثنان أن يضرب أعناق الاثنين أفترضون بذا فيما تجعلون من الشورى بين المسلمين ؟ (١) .

ـــــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار ٤٧/٢١٣ ـ ٢١٦ ، والاحتجاج ٢/١١٨ ـ ١٢٢ .


٢ ـ المحور الثقافي والفكري :

أ ـ مواجهة التيّارات الإلحادية :

ومن الخطوات التي خطاها الإمامعليه‌السلام هي مواجهة الأفكار الإلحادية ـ سابقة الذكر ـ حيث ناقشها بعدّة أساليب حتى استفرغ محتواها ووقف أمام تحقيقها لأهدافها .

نختار نماذج من تحرّك الإمام ونشاطه في هذا المجال .

١ ـ جرت بين الإمام وأحد أقطاب حركة الكفر والإلحاد ( أبو شاكر الديصاني ) عدّة مناظرات أفحمه الإمام فيها ، وأبطل مزاعمه الواهية ، وكان من بينها المناظرة التي وجّه فيها أبو شاكر السؤال التالي للإمامعليه‌السلام : قائلاً : ما الدليل على أنّ لك صانعاً ؟

فأجابه الإمامعليه‌السلام :( وجدت نفسي لا تخلو من إحدى جهتين : إمّا أن أكون صنعتها أنا أو صنعها غيري فإن كنت صنعتها فلا أخلو من أحد معنيين : إمّا أن أكون صنعتها وكانت موجودة فقد استغنيت بوجودها عن صنعتها ، وإن كانت معدومة فإنّك تعلم أنّ المعدوم لا يحدث شيئاً ، فقد ثبت المعنى الثالث : أنّ لي صانعاً وهو ربّ العالمين ) (١) .

٢ ـ دخل الديصاني على الإمام الصادقعليه‌السلام فقال له : يا جعفر بن محمد دُلّني على معبودي . وكان إلى جانب الإمام غلام بيده بيضة فأخذها منه ، وقال له :( يا ديصاني هذا حصن مكنون له جلد غليظ وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق ، وتحت الجلد الرقيق ذهبة مائعة وفضة ذائبة فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضة الذائبة ولا الفضة الذائبة تختلط بالذهبة المائعة ، فهي على حالها لم يخرج منها خارج مصلح فيخبر عن

ـــــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار : ٣/٥٠ عن التوحيد للصدوق .


صلاحها ، ولا دخل فيها داخل مفسد فيخبر عن فسادها ، لا يدرى للذكر خُلقت أم للانثى ، تنفلق عن مثل ألوان الطواويس ، أترى لها مدبّراً ؟ ) .

وأطرق الديصاني مليّاً إلى الأرض ، وأعلن التوبة والبراءة ممّا قاله(١) .

٣ ـ ووفد زنديق آخر على الإمامعليه‌السلام وهو من الزنادقة البارزين في عصر الإمام الصادقعليه‌السلام وقد قدّم للإمام عدّة مسائل حسّاسة فأجاب عنها الإمامعليه‌السلام نذكر بعضاً منها :

١ ـ سأله : كيف يعبد اللهَ الخلقُ ولم يروه ؟

فأجابهعليه‌السلام :( رأته القلوب بنور الإيمان ، وأثبتته العقول بيقظتها إثبات العيان ، وأبصرته الأبصار بما رأته من حسن التركيب وإحكام التأليف ، ثم الرسل وآياتها ، والكتب ومحكماتها ، واقتصرت العلماء على ما رأت من عظمته دون رؤيته ) (٢) .

ويتضمّن جواب الإمامعليه‌السلام بعض الأدلة الوجدانية على وجود الخالق من خلقه للمجرّات في الفضاء والتي لا تعتمد على شيء سوى قدرة الله تعالى .

ثم إنّ العقول الواعية والقلوب المطمئنّة بالإيمان هي التي ترى الله بما تبصره من بدائع مخلوقاته ؛ إذ الأثر يدلّ على المؤثّر والمعلول يدلّ على علّته .

٢ ـ وسأله : من أين أثبت أنبياءَ ورسلاً ؟

فأجابعليه‌السلام :( إنّا لمّا أثبتنا أنّ لنا خالقاً ، صانعاً ، متعالياً عنّا ، وعن جميع ما خلق وكان ذلك الصانع حكيماً ، لم يجز أن يشاهده خلقه ، ولا أن يلامسوه ولا أن يباشرهم ويباشروه ، ويحاجّهم ويحاجّوه ، ثبت أنّ له سفراء في خلقه ، وعباد يدلّونهم على مصالحهم

ـــــــــــــــــ

(١) أصول الكافي : ١ / ٨٠ ، والاحتجاج : ٢ / ٧١ ـ ٧٢ .

(٢) الاحتجاج : ٢/٧٧ .


ومنافعهم ، وما به بقاؤهم ، وفي تركه فناؤهم فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه ، وثبت عند ذلك أنّ له معبّرين هم أنبياء الله وصفوته من خلقه ، حكماء مؤدّبين بالحكمة مبعوثين عنه ، مشاركين للناس في أحوالهم على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب ، مؤيّدين من عند الحكيم العليم بالحكمة والدلائل والبراهين والشواهد من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، فلا تخلو الأرض من حجّة يكون معه علمٌ يدلّ على صدق مقال الرسول ووجود عدالته .

وأضاف الإمام الصادقعليه‌السلام قائلاً :( نحن نزعم أنّ الأرض لا تخلو من حجّة ولا تكون الحجة إلاّ من عقب الأنبياء وما بعث الله نبياً قطّ من غير نسل الأنبياء ؛ وذلك أن الله شرع لبني آدم طريقاً منيراً ، وأخرج من آدم نسلاً طاهراً طيّباً ، أخرج منه الأنبياء والرسل ، هم صفوة الله وخلص الجوهر ، طهروا في الأصلاب ، وحفظوا في الأرحام ، لم يصبهم سفاح الجاهلية ولا شاب أنسابهم ؛ لأنّ الله عزّ وجلّ جعلهم في موضع لا يكون أعلى درجة وشرفاً منه ، فمَن كان خازن علم الله ، وأمين غيبه ، ومستودع سرّه ، وحجّته على خلقه ، وترجمانه ولسانه لا يكون إلاّ بهذه الصفة ، فالحجّة لا تكون إلاّ من نسلهم ، يقوم مقام النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الخلق بالعلم الذي عنده وورثه عن الرسول ، إن جحده الناس سكت ، وكان بقاء ما عليه الناس قليلاً ممّا في أيديهم من علم الرسول على اختلاف منهم فيه ، قد أقاموا بينهم الرأي والقياس ، وإنّهم إن أقرّوا به وأطاعوه وأخذوا عنه ظهر العدل ، وذهب الاختلاف والتشاجر ، واستوى الأمر ، وأبان الدين ، وغلب على الشك اليقين ، ولا يكاد أن يقرّ الناس به ، ولا يطيعوا له ، أو يحفظوا له بعد فقد الرسول ، وما مضى رسول ولا نبيّ قط لم تختلف أُمّته من بعده ) .

٣ ـ وسأله : ما يصنع بالحجّة إذا كان بهذهِ الصفة ؟

فأجابهعليه‌السلام :( يُقتدى به ، ويخرج عنه الشيء بعد الشيء ، مكانه منفعة الخلق ،


وصلاحهم فإن أحدثوا في دين الله شيئاً أعلمهم ، وإن زادوا فيه أخبرهم ، وإن نقصوا منه شيئاً أفادهم ) (١) .

وبهذا المستوى من الحوار وعمقه يستمرّ الإمامعليه‌السلام في أجوبته العملاقة حتى تصل الأسئلة والأجوبة إلى خمسة وتسعين(٢) ، ونظراً لسعتها اقتصرنا على الثلاث الأول منها .

ب ـ مواجهة تيّار الغلوّ

لقد كان موقف الإمام الصادقعليه‌السلام من تيّار الغلوّ وحركة الغلاة حازماً وصارماً ، فقال لسدير :( يا سدير سمعي وبصري وشعري وبشري ولحمي ودمي من هؤلاء براء ، برئ الله منهم ورسوله ، ما هؤلاء على ديني ودين آبائي ، والله لا يجمعني وإيّاهم يوم إلاّ وهو عليهم ساخط ) (٣) .

وقال ميسرة : ذكرت أبا الخطّاب عند أبي عبد اللهعليه‌السلام وكان متّكئاً فرفع إصبعه إلى السماء ثم قال :( على أبي الخطّاب لعنة الله والملائكة والناس أجمعين فأشهد بالله أنّه كافر فاسق مشرك ، وأنّه يحشر مع فرعون في أشدّ العذاب غدوّاً وعشيّاً ، ثم قال :والله والله إنّي لأنفس على أجساد أصيبت معه النار ) (٤) .

وقال عيسى بن أبي منصور : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول ـ وقد ذكر أبا الخطّاب ـ :( اللّهمّ العن أبا الخطّاب فإنّه خوّفني قائماً وقاعداً وعلى فراشي اللّهمّ

ـــــــــــــــــ

(١) الاحتجاج للطبرسي : ٢/٧٧ ـ ٧٨ .

(٢) الاحتجاج : ٢/٧٧ ـ ١٠٠ عن يونس بن ظبيان وعبد الدين سنان ، ولم يسمّيا الزنديق ولم يرويا توبته !

(٣) أصول الكافي : ١ / ٢٦٩ .

(٤) اختيار معرفة الرجال للكشي : ٢٦٩ ح ٥٢٤ .


أذقه حر الحديد ) (١) .

وكان موقفهعليه‌السلام صلباً أمام هذه الطائفة الخطيرة على الإسلام ، وما كان ليستريح طرفة عين حتى أحبط مؤامرتها وما ضمّته من الحقد اليهودي ودسائسه التأريخية على الإسلام ، ولو كان قد تراخى وفتر عنها لحظة لكانت تقصم ظهر التشيّع .

ونلمس في الروايتين التاليتين حرقة الإمام وألمه الشديد ومخافته من تأثير هذه الدعوة الضالّة على الأمة وشعارها المزيّف بحبّها لأهل البيتعليهم‌السلام ، فعن عنبسة بن مصعب قال : قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام : ( أي شيء سمعت من أبي الخطاب ؟ ) قلت : سمعته يقول : إنّك وضعت يدك على صدره وقلت له : عه ولا تنس وأنت تعلم الغيب وأنّك قلت هو عيبة علمنا وموضع سرّنا أمين على أحيائنا وأمواتنا .

فقال الإمام الصادق :( لا والله ما مسّ شيء من جسدي جسده ، وأما قوله إنّي قلت : إنّي أعلم الغيب فو الله الذي لا إله إلاّ هو ما أعلم الغيب (٢) ولا آجرني الله في أمواتي ولا بارك لي في أحبّائي إن كنت قلت له ! وأمّا قوله إنّي قلت : هو عيبة علمنا وموضع سرّنا وأمين على أحيائنا وأمواتنا فلا آجرني الله في أمواتي ولا بارك لي في أحيائي إن كنت قلت له من هذا شيئاً من هذا قط ) (٣) .

وقال الإمامعليه‌السلام لمرازم :( قل للغالية توبوا إلى الله فإنّكم فسّاق كفّار مشركون ) .

ـــــــــــــــــ

(١) اختيار معرفة الرجل : ٢٩٠ ح ٥٠٩ وعنه في عوالم العلوم والمعارف : ٢٠/٢ ح ١١٥١ .

(٢) والإمامعليه‌السلام هنا في مقام نفي العلم بالغيب الاستقلالي الذي يدّعيه الغلاة ، لا العلم بالغيب الممنوح للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولهم منه سبحانه .

(٣) اختيار معرفة الرجال للكشي : ٢٩٢ ح ٥١٥ وعنه في الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : ٢ / ٣٧٥ .


وقالعليه‌السلام له : (إذا قدمت الكوفة فأت بشار الشعيري وقل له : يقول لك جعفر بن محمد : يا كافر يا فاسق أنا بريء منك قال : مرازم فلمّا دخلت الكوفة قلت له : يقول لك جعفر بن محمد : يا كافر يا فاسق يا مشرك أنا بريء منك قال بشار : وقد ذكرني سيدي ؟! قلت : نعم ذكرك بهذا قال : جزاك الله خير )(١) .

لاحظ الخبث وطول الأناة وعمق التخطيط حيث يذهب هذا الخبيث ليلتقي بالإمامعليه‌السلام بعد كل الذي سمعه ولمّا دخل بشار الشعيري على الإمامعليه‌السلام قال له :( اُخرج عني لعنك الله ، والله لا يظلّني وإيّاك سقف أبداً ) فلمّا خرج ، قالعليه‌السلام :( ويله ما صغر الله أحداً تصغير هذا الفاجر ، إنّه شيطان خرج ليغوي أصحابي وشيعتي فاحذروه ، وليبلّغ الشاهدُ الغائب إني عبد الله وابن أمته ضمّتني الأصلاب والأرحام وإنّي لميّت ومبعوث ثم مسؤول ) (٢) .

ج ـ طرح المنهج الصحيح لفهم الشريعة :

إنّ الإمام الصادقعليه‌السلام في الوقت الذي كان يواجه هذه التيارات الإلحادية الخطيرة على الأمة كان مشغولاً أيضاً بمواجهة التيّارات التي تتبنّى المناهج الفقهية التي تتنافى مع روح التشريع الإسلامي ، والتي تكمن خطورتها في كونها تعرّض الدين إلى المحق الداخلي والتغيير في محتواه ، من هنا كان الإمامعليه‌السلام ينهى أصحابه عن العمل بها حتّى قال لأبان :( يا أبان ! إنّ السُنة إذا قيست محق الدين ) (٣) .

وكان للإمام نشاط واسع لإثبات بطلان هذه المناهج وبيان عدم شرعيّتها .

ـــــــــــــــــ

(١) اختيار معرفة الرجال للكشي : ٣٩٨ ح ٧٤٤ وعنه في الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : ٢/٣٧٥ .

(٢) المصدر السابق : ٤٠٠ ح ٧٤٦ وعنه في الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : ١/٢٣٥ .

(٣) بحار الأنوار : ١٠٤/٤٠٥ عن المحاسن للبرقي .


لقد كان أبو حنيفة يتبنّى مذهب القياس ويعمل به كمصدر من مصادر التشريع في استنباط الأحكام ، لكنّ الإمامعليه‌السلام كان ينكر عليه ذلك ويبيّن له بطلان مذهبه .

وإليك بعض المحاورات التي جرت بينه وبين الإمامعليه‌السلام :

ذكروا أنّه وفد ابن شبرمة مع أبي حنيفة على الإمام الصادقعليه‌السلام فقال لابن شبرمة :( مَن هذا الذي معك ؟ )

فأجابه قائلاً : رجل له بصر ، ونفاذ في أمر الدين .

فقال لهعليه‌السلام :(لعله الذي يقيس أمر الدين برأيه ؟ ) فأجابه : نعم .

والتفت الإمامعليه‌السلام إلى أبي حنيفة قائلاً له :( ما اسمك ؟ ) فقال : النعمان .

فسألهعليه‌السلام :( يا نعمان ! هل قست رأسك ؟ )

فأجابه : كيف أقيس رأسي ؟ .

فقال لهعليه‌السلام :ما أراك تحسن شيئاً هل علمت ما الملوحة في العينين ؟ والمرارة في الأذنين ، والبرودة في المنخرين والعذوبة في الشفتين ؟

فبهر أبو حنيفة وأنكر معرفة ذلك ووجّه الإمام إليه السؤال التالي :(هل علمت كلمة أوّلها كفر ، وآخرها إيمان ؟ ) فقال : لا .

والتمس أبو حنيفة من الإمام أن يوضّح له هذه الأمور فقال لهعليه‌السلام :( أخبرني أبي عن جدّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : إنّ الله تعالى بفضله ومنّه جعل لابن آدم الملوحة في العينين ليلتقطا ما يقع فيهما من القذى ، وجعل المرارة في الأذنين حجاباً من الدوابّ فإذا دخلت الرأس دابّة ، والتمست إلى الدماغ ، فإن ذاقت المرارة التمست الخروج ، وجعل الله البرودة في المنخرين يستنشق بهما الريح ولولا ذلك لانتن الدماغ ، وجعل العذوبة في الشفتين ليجد لذة استطعام كل شيء ) .


والتفت أبو حنيفة إلى الإمامعليه‌السلام قائلاً : أخبرني عن الكلمة التي أوّلها كفر وآخرها إيمان ؟

فقال لهعليه‌السلام :( إنّ العبد إذا قال : لا إله فقد كفر فإذا قال إلاّ الله فهو الإيمان) .

وأقبل الإمام على أبي حنيفة ينهاه عن العمل بالقياس حيث قال له :(يا نعمان حدثني أبي عن جدّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : أوّل مَن قاس أمر الدين برأيه إبليس ، قال له الله تعالى : اسجد لآدم فقال : ( أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) ) (١) .

والتقى أبو حنيفة مرّة أخرى بالإمام الصادقعليه‌السلام فقال له الإمام :( ما تقول في محرم كسر رباعيّة ظبي ؟ ) .

فأجابه أبو حنيفة : يا بن رسول الله ما أعلم ما فيه .

فقال لهعليه‌السلام :( ألا تعلم أنّ الظبي لا تكون له رباعيّة ، وهو ثني أبداً ؟! ) (٢) .

ثم التقى أبو حنيفة مرّة ثالثة بالإمام الصادق ، وسأله الإمامعليه‌السلام عن بعض المسائل ، فلم يجبه عنها .

وكان من بين ما سأله الإمام هو :( أيّهما أعظم عند الله القتل أو الزنا ؟ ) فأجاب : بل القتل .

فقالعليه‌السلام :(كيف رضي في القتل بشاهدين ، ولم يرضَ في الزنا إلاّ بأربعة ؟ )

وهنا لم يمتلك أبو حنيفة جواباً حيث ردّ الإمام قياسه بشكل واضح .

ثم وجّه الإمامعليه‌السلام إلى أبي حنيفة السؤال التالي :( الصلاة أفضل أم الصيام ؟ ) فقال : بل الصلاة أفضل .

ـــــــــــــــــ

(١) أصول الكافي : ١/٥٨ ح ٢٠ وعنه في بحار الأنوار : ٤٧/٢٢٦ ح ١٦ .

(٢) مرآة الجنان : ١ / ٣٠٤ ، ونزهة الجليس : ٢ / ٥٧ .


فقال الإمامعليه‌السلام :( فيجب ـ على قياس قولك ـ على الحائض قضاء ما فاتها من الصلاة في حال حيضها دون الصيام ، وقد أوجب الله تعالى قضاء الصوم دون الصلاة ؟! ) .

وبهذا أراد الإمام أن يثبت لأبي حنيفة أنّ الدين لا يُدرك بالقياس والاستحسان ثم أخذ الإمام يركّز على بطلان مسلكه القياسي فوجّه له سؤالاً آخر هو :(البول أقذر أم المني ؟ ) فقال له : البول أقذر .

فقال الإمامعليه‌السلام :(يجب على قياسك أن يجب الغسل من البول ; لأنّه أقذر ، دون المنيّ ، وقد أوجب الله تعالى الغسل من المني دون البول) .

ثم استأنف الإمامعليه‌السلام حديثه في الردّ عليه قائلاً :(ما ترى في رجل كان له عبد فتزوّج ، وزوّج عبده في ليلة واحدة فدخلا بامرأتيهما في ليلة واحدة ، ثم سافرا وجعلا امرأتيهما في بيت واحد وولدتا غلامين فسقط البيت عليهم فقتلت المرأتان ، وبقي الغلامان أيّهما في رأيك المالك ؟ وأيّهما المملوك ؟ وأيّهما الوارث ؟ وأيّهما الموروث ؟ ) .

وهنا أيضاً صرّح أبو حنيفة بعجزه قائلاً : إنّما أنا صاحب حدود .

وهنا وجّه إليه الإمام السؤال التالي :(ما ترى في رجل أعمى فقأ عين صحيح ، وقطع يد رجل كيف يقام عليهما الحدّ ؟ ) .

واعترف مرة أخرى بعجزه فقال : أنا رجل عالم بمباعث الأنبياء ...

وهنا وجّه له الإمام السؤال التالي :(أخبرني عن قول الله لموسى وهارون حين بعثهما إلى فرعون ( لعلّه يتذكّر أو يخشى ) (١) ـولعلّ منك شكّ ؟ ) فقال : نعم فقال له الإمامعليه‌السلام :( وكذلك من الله شكّ إذ قال : لعلّه ؟!) فقال : لا علم لي .

وأخذ الإمام باستفراغ كل ما في ذهن أبي حنيفة من القياس قائلاً له :

ـــــــــــــــــ

(١) طه (٢٠) : ٤٤ .


تزعم أنّك تفتي بكتاب الله ، ولست ممّن ورثه ، وتزعم أنّك صاحب قياس ، وأوّل مَن قاس إبليس لعنه الله ولم يُبنَ دينُ الإسلام على القياس وتزعم أنّك صاحب رأي ، وكان الرأي من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صواباً ومن دونه خطأ ؛ لأنّ الله تعالى قال : ( فاحكم بينهم بما أراك الله ) ولم يقل ذلك لغيره ، وتزعم أنّك صاحب حدود ، ومَن أُنزلت عليه أولى بعلمها منك ، وتزعم أنّك عالم بمباعث الأنبياء ، وخاتم الأنبياء أعلم بمباعثهم منك .

لولا أن يقال دخل على ابن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلم يسأله عن شيء ما سألتك عن شيء ، فقس إن كنت مقيساً .

وهنا قال أبو حنيفة للإمامعليه‌السلام : لا أتكلم بالرأي والقياس في دين الله بعد هذا المجلس .

وأجابه الإمامعليه‌السلام :( كلاّ إنّ حبّ الرئاسة غير تاركك كما لم يترك من كان قبلك ) (١) .

وهكذا وقف الإمامعليه‌السلام موقفاً لا هوادة فيه ضدّ هذه التوجّهات الخطيرة على الإسلام ؛ فكثّف من نشاطه حولها ولاحق العناصر التي كانت تتبنّى هذه الأفكار الدخيلة ليغيّر من قناعاتها .

ونجد للإمامعليه‌السلام موقفاً مع ابن أبي ليلى وهو القاضي الرسمي للحكومة الأموية ، وكان يفتي بالرأي قبل أبي حنيفة وقد قابل الإمام الصادقعليه‌السلام وكان معه سعيد بن أبي الخضيب فقالعليه‌السلام :( مَن هذا الذي معك ؟ ) قال سعيد : ابن أبي ليلى قاضي المسلمين .

فسأله الإمامعليه‌السلام قائلاً :( تأخذ مال هذا فتعطيه هذا وتفرّق بين المرء وزوجه ولا تخاف في هذا أحداً ؟! ) قال : نعم .

ـــــــــــــــــ

(١) الاحتجاج للطبرسي : ٢ / ١١٠ ـ ١١٧ .


قال :( بأيّ شيء تقضي ؟ ) قال : بما بلغني عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعن أبي بكر وعمر ) .

قال :فبلغك أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : (أقضاكم عليّ بعدي؟ ) قال : نعم قال :( كيف تقضي بغير قضاء علي ، وقد بلغك هذا ؟ )

وهكذا عرف ابن أبي ليلى أنّه قد جانب الحق فيما حكم وأفتى به .

ثم قال له الإمامعليه‌السلام :( التمس مثلاً لنفسك ، فو الله لا أكلّمك من رأسي كلمة أبداً ) (١) .

وقال نوح بن درّاج(٢) لابن أبي ليلى : أكنت تاركاً قولاً قلته أو قضاء قضيته لقول أحد ؟ قال : لا ، إلاّ رجل واحد ، قلت : مَنْ هو ؟ قال : جعفر بن محمدعليه‌السلام (٣) .

د ـ مواجهة التحريف والاستغلال السياسي للقرآن ومفاهيمه :

قام الإمام الصادقعليه‌السلام بحماية القرآن وصيانته من عملية التوظيف السياسي ، التي تجعل النص القرآني خادماً لأغراض سياسيّة مشبوهة ، تحاول إسباغ طابع شرعي على الحكم الظالم وشلّ روح الثورة وإطفاء روح المقاومة في نفوس الأمة وبالتالي إسقاط شرعيّة القوى الرافضة لهذهِ النظم الظالمة ؛ حتى قيل في تفسير قوله تعالى :( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ

ـــــــــــــــــ

(١) الاحتجاج : ٢ / ١٠٢ .

(٢) نوح بن درّاج من أصحاب الإمام الصادقعليه‌السلام / تنقيح المقال : ٣ / ٢٧٥ وابن أبي ليلى هو محمد بن عبد الرحمن مفتي الكوفة وقاضيها ، راجع سير أعلام النبلاء : ٦ / ٣١٠ .

(٣) حلية الأولياء : ٣ / ١٩٣ .


الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ ) (١) .

( أنّها قد نزلت في علي بن أبي طالب )عليه‌السلام (٢) .

كما زيّف الإمامعليه‌السلام النظرة الجامدة للنصّ القرآني والتي تحاول تعطيله عن المواكبة للواقع المتغيّر والمتطوّر وحبسه في حدود الظاهر ، ولم يسمح بالتأويل الباطني الفاسد كما قاوم بعنف التفسير الذي يعتمد الرأي بعيداً عن الأحاديث الصحيحة الواردة عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيته المعصومينعليهم‌السلام .

قالعليه‌السلام :( مَن فسّر القرآن برأيه إن أصاب لم يؤجر ، وإن أخطأ كان إثمه عليه ) (٣) .

قالعليه‌السلام :( الراسخون في العلم أمير المؤمنين والأئمّة من بعده ) (٤) ، وقال أيضاً :( نحن الراسخون في العلم ونحن نعلم تأويله ) (٥) وجاء عن زيد بن معاوية ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام في تفسير قول الله عزّ وجلّ :( وما يعلم تأويله إلاّ الله والراسخون في العلم ) (٦) ،( فرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أفضل الراسخين في العلم قد علّمه الله عزّ وجلّ جميع ما أنزل عليه من التنزيل والتأويل ، وما كان الله لينزل عليه شيئاً لم يعلمه تأويله وأوصياؤه من بعده يعلمونه كلّه ) (٧) .

وجاء عنهعليه‌السلام في تفسير قوله تعالى :( بل هو آيات بيّنات في صدور

ـــــــــــــــــ

(١) البقرة (٢) : ٢٠٤ ـ ٢٠٥ .

(٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٤ / ٧٣ عن أبي جعفر الاسكافي : ٢٤٠ .

(٣) تفسير العياشي : ١ / ١٧ وعنه في تفسير الصافي : ١ / ٢١ .

(٤) أصول الكافي : ١ / ٢١٣ .

(٥) المصدر السابق .

(٦) آل عمران (٣) : ٧ .

(٧) أصول الكافي : ١ / ٢١٣ .


الّذين أوتوا العلم ) (١) أنّهم(هم الأئمّة ) (٢) .

ودخل عليه الحسن بن صالح بن حي فقال له : يا بن رسول الله ! ما تقول في قوله تعالى :( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) (٣) ؟ مَن أولو الأمر الذين أمر الله بطاعتهم ؟ قال :( العلماء ) .

فلمّا خرجوا قال الحسن : ما صنعنا ! ألا سألناه مَن هؤلاء العلماء ؟!

فرجعوا إليه ، فسألوه فقال :( الأئمة منّا أهل البيت ) (٤) .

لقد ثبّتعليه‌السلام بأن فهم القرآن لا يتمّ إلاّ بالرجوع الى ما جاء عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيتهعليهم‌السلام لأنه يضمن الفهم الصحيح لنصوص القرآن الكريم .

كما أنّه فتح آفاقاً جديدة لفهم القرآن وعلومه وأحكامه فحدّد المحكم والمتشابه والتأويل والتفسير والمطلق والمقيّد والجري والانطباق إلى غيرها من شؤون القرآن الكريم .

٣ ـ المحور الروحي والأخلاقي

لاحظ الإمام الصادقعليه‌السلام تأثير موجات الانحراف الفكري والسياسي على الأمة ومدى إفسادها لعقول الناس ، وما لعبته سياسة الأمويين من خلق أجواء ملائمة لطغيان النزعات الإلحادية والقبلية حتى عمّ الانفلات

ـــــــــــــــــ

(١) العنكبوت (٢٩) : ٤٩ .

(٢) تفسير الصافي : ١ / ١٢ .

(٣) النساء (٤) : ٥٩ .

(٤) بحار الأنوار : ٤٧/٢٩ .


الأخلاقي ، كما كثر في زمانهعليه‌السلام رفع شعار الورع والتقوى كل ذلك أفقد الأمة قيمها وأبعدها عن الأخلاق التي أمر بها الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأرادها لأُمّته .

من هنا كان دور الإمامعليه‌السلام وتوجّهه الروحي والأخلاقي مع الأمة في عدّة أبعاد :

البعد الأوّل : كونهعليه‌السلام القدوة الصالحة والمثال الواقعي الذي تتجسّد في شخصه أخلاق الرسالة ; ممّا يكون موقعاً لإشعاع الفضيلة ونموّها ، ويكشف من جانب آخر زيف الأنانيّة ونزعات الذات .

البعد الثاني : تقديم مجموعة من الوصايا والرسائل والتوجيهات التربويّة والأخلاقية التي عالج من خلالها الخواء الروحي والانحراف الأخلاقي الذي نما في سنوات الانحراف .

أمّا في البعد الأول فنجد الإمامعليه‌السلام كان يدعو الناس إلى الفضيلة برفق ولين ويجادلهم بالتي هي أحسن ، وكان يسمح للسائلين بطرح أسئلتهم مهما كانت وكان يوضّح لهم ما كان غامضاً عليهم.

كما كان لا يقبل من مقرّبيه أن يتشدّدوا بدعوتهم حيث كان يقول لهم :( لأحملنّ ذنوب سفهائكم على علمائكم ، ما يمنعكم إذا بلغكم عن الرجل منكم ما تكرهون ، وما يدخل به الأذى علينا ، أن تأتوه فتؤنّبوه وتعذلوه وتقولوا له قولاً بليغاً ) فقال له بعض أصحابه إذاً لا يقبلون منّا ، قال :اهجروهم واجتنبوا مجالسهم (١) .

فالإمام هنا يوصي العالم من أصحابه أن لا يتخلّى عن رسالته في إرشاد الإنسان الجاهل المنتمي إلى مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام بحجّة تماديه وجرأته بارتكاب المخالفات ممّا يعكس الوجه السلبي لاتّباع الإمام فيؤذي دعاة

ـــــــــــــــــ

(١) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : ٣ / ٢٩١ .


الإصلاح .

ففي نظر الإمامعليه‌السلام لا يجوز تركه وإهماله إلاّ بعد اليأس من إصلاحه وإزالة الشك من ذهنه .

البعد الثالث : وكان يحرص على شدّ أواصر المجتمع الإسلامي وإشاعة الفضيلة بين الناس ليقضي على العداوة والبغضاء ، فكانعليه‌السلام يدفع إلى بعض أصحابه من ماله ليصلح بين المتخاصمين على شيء من حطام الدنيا من أجل القضاء على المقاطعة والهجران ؛ لئلاّ يدفعهم التخاصم إلى الترافع لحكّام الجور والذي كان قد نهىعليه‌السلام عنه .

قال سعيد بن بيان : مرّ بنا المفضّل بن عمر وأنا وختني نتشاجر في ميراث ، فوقف علينا ساعة ثم قال لنا : تعالوا إلى المنزل ، فأتيناه فأصلح بيننا بأربعمائة درهم فدفعها إلينا من عنده حتّى إذا استوثق كل واحد منّا من صاحبه قال المفضّل : أما إنّها ليست من مالي ، ولكنّ أبا عبد اللهعليه‌السلام أمرني إذا تنازع رجلان من أصحابنا في شيء أن أصلح بينهما وأفتديهما من ماله ، فهذا من مال أبي عبد اللهعليه‌السلام (١) .

وهذا الأسلوب يأتي كخطوة عمليّة ترفد ذاك التوجيه الذي تضمّن حرمة الترافع إلى حكّام الجور .

وكانعليه‌السلام يحثّهم على صلة الرحم ومن حسن سيرته ومكارم أخلاقه أنّه كان يصل مَن قطعه ويعفو عمّن أساء إليه ، كما ورد أنّه وقع بينه وبين عبد الله بن الحسن كلام ، فأغلظ عبد الله في القول ثم افترقا وذهبا إلى المسجد فالتقيا على الباب فقال الصادقعليه‌السلام لعبد الله بن الحسن :كيف أمسيت يا أبا

ـــــــــــــــــ

(١) أصول الكافي : ٢ / ٢٠٩ .


محمد ؟ فقال عبد الله : ـ بخير ( كما يقول المغضب ) ـ قال الصادقعليه‌السلام :( يا أبا محمد أما علمت أنّ صلة الرحم تخفّف الحساب؟ ) ! ثمّ تلى قوله تعالى :( والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربّهم ويخافون سوء الحساب ) (١) فقال عبد الله : فلا تراني بعدها قاطعاً رحم(٢) فكان يصل رحمه ويبذل لهم النصح ، كما كان يصل الفقراء في اللّيل سرّاً وهم لا يعرفونه .

قال هشام بن الحكمرحمه‌الله كان أبو عبد الله إذا أعتم وذهب الليل شطره ، أخذ جراباً فيه خبز ولحم ودراهم فحمله على عنقه ثمّ ذهب إلى أهل الحاجة من أهل المدينة فقسّمه فيهم وهم لا يعرفونه ، وما عرفوه حتى مضى إلى الله تعالى(٣) .

وقال مصادف : كنت مع أبي عبد اللهعليه‌السلام ما بين مكة والمدينة فمررنا على رجل في أصل شجرة وقد ألقى بنفسه ، فقالعليه‌السلام :( مل بنا إلى هذا الرجل فإنّي أخاف أن يكون قد أصابه العطش ) فملنا إليه فإذا هو رجل من النصارى طويل الشعر ، فسأله الإمامعليه‌السلام :أعطشان أنت ؟ فقال : نعم ، فقال الإمامعليه‌السلام :( انزل يا مصادف فاسقه ) فنزلت وسقيته ثم ركبت وسرنا فقلت له : هذا نصراني ، أفنتصدّق على نصراني ؟ فقال :( نعم ، إذا كانوا بمثل هذه الحالة ) (٤) .

وكان يرىعليه‌السلام أنّ الإعراض عن المؤمن المحتاج للمساعدة استخفاف به ، والاستخفاف بالمؤمن استخفاف بهمعليهم‌السلام ، فقد كان عنده جماعة من أصحابه فقال لهم :( ما لكم تستخفّون بنا ؟! ) فقام إليه رجل من أهل

ـــــــــــــــــ

(١) الرعد (١٣) : ٢١ .

(٢) كشف الغمّة : ٢/٣٧٥ عن الجنابذي ، وعنه في بحار الأنوار : ٤٧/٢٧٤ .

(٣) بحار الأنوار : ٤٧/٣٨ عن فروع الكافي : ٤/٨ .

(٤) وسائل الشيعة : ٦ / ٢٨٥ الحديث ٣ .


خراسان فقال : معاذ الله أن نستخفّ بك أو شيء من أمرك ! فقالعليه‌السلام :( إنّك أحد مَن استخفّ بي ) .

فقال الرجل : معاذ الله أن أستخفّ بك !! فقال لهعليه‌السلام :( ويحك ألم تسمع فلاناً ونحن بقرب الجحفة وهو يقول لك : احملني قدر ميل فقد والله أعييت فو الله ما رفعتَ له رأساً ، لقد استخففت به ومَن استخفّ بمؤمن فينا استخفّ وضيّع حرمة الله عزّ وجلّ ) (١) .

أمّا البعد الثاني : فكما قلنا كان يتمثّل في مجموعة الوصايا والرسائل والمناظرات والتوجيهات التي عالج الإمامعليه‌السلام من خلالها الإخفاق الروحي الذي كانت الأمة قد تعرّضت لإيصالها إلى المستوى الإيماني الذي كانت تريده الرسالة .

فقد خاطبعليه‌السلام شيعته وأصحابه قائلاً :( فإنّ الرجل منكم إذا ورع في دينه ، وصدق الحديث ، وأدّى الأمانة ، وحسن خلقه مع الناس ، قيل : هذا جعفري ، فيسرّني ذلك ، ويدخل عليّ منه السرور وقيل : هذا أدب جعفر ، وإذا كان على غير ذلك دخل عليَّ بلاؤه ، وعاره وقيل : هذا أدب جعفر ) (٢) .

وأراد الإمامعليه‌السلام أن يعزّز في نفوسهم صحّة مذهبهم باعتباره يمثّل الخط الإلهي ، فانتقد من جانب الاتّجاهات المنحرفة عن خطّ الرسالة وفتح لشيعته آفاقاً توجيهيّة قائلاً :( أما والله ما أحد من الناس أحبّ إليّ منكم وإنّ الناس قد سلكوا سُبلاً شتّى فمنهم مَن أخذ برأيه ، ومنهم مَن اتّبع هواه ، ومنهم مَن اتبع الرواية ، وإنّكم أخذتم بأمر له أصل فعليكم بالورع والاجتهاد واشهدوا الجنائز ، وعودوا المرضى ، واحضروا مع قومكم في مساجدهم للصلاة ، أما يستحي الرجل أن يعرف جاره حقّه ،

ـــــــــــــــــ

(١) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : ٢ / ٢٩٦ .

(٢) أصول الكافي : ٢/٦٣٦ وعنه في وسائل الشيعة : ١٢/٥ ح ٢ ، نهج السعادة : ٨/٣٢ .


ولا يعرف حقّ جاره ) (١) .

كما أوصى أحد أصحابه بأن لا ينتقدوا مَن هو ضعيف الإيمان من بينهم ، بل يجب شدّ أزره وتقويم ضعفه مادام قد اختار طريق الحقّ ؛ وذلك كما في قولهعليه‌السلام :( يا ابن جندب لا تقل في المذنبين من أهل دعوتكم إلاّ خيراً ، واستكينوا إلى الله في توفيقهم ، وسلوا التوبة لهم ، فكل مَن قصدنا ووالانا ، ولم يوال عدوّنا ، وقال ما يعلم وسكت عمّا لا يعلم أو أشكل عليه فهو في الجنة ) (٢) وتجد الإمام يغرس في أصحابه صفة التواضع التي من علاماتها السلام على كل مَن يلقاه فإنّ ذلك يتمّ عن سلامة النفس ، واعتبر من التواضع ترك المناقشة العقيمة خصوصاً في المسائل العلمية فيما إذا كانت تنطلق من الشعور بالتفوّق ، واعتبر أيضاً من علامات التواضع أن لا يحب الشخص بأن يمتدح على ما يتمتّع به من علم وأدب وتقوى فإنّ حبّه لذلك حبّ للظهور والعظمة وليس من التواضع في شيء .

قالعليه‌السلام :( من التواضع أن ترضى بالمجلس دون المجلس وأن تسلّم على مَن تلقى وأن تترك المراء وإن كنت محقّاً ، ولا تحب أن تحمد على التقوى ) (٣) .

وكانعليه‌السلام يوصي أصحابه بالتسليم للحق في الحوار أو النقد وعدم التأثر بالعصبية للقوم أو العشيرة أو المذهب فيكون الانحياز حائلاً دون سماع الحقيقة التي هي شعار أهل البيتعليهم‌السلام فقال :( المُسلّم للحق أوّل ما يصل إلى الله ) (٤) .

ـــــــــــــــــ

(١) أصول الكافي : ٨/١٤٦ ح ١٢١ وعنه ألف حديث في المؤمن ، للشيخ هادي النجفي .

(٢) تحف العقول : وصيّتهعليه‌السلام لعبد الله بن جندب :٣٠٢ .

(٣) الحكم الجعفرية : ٣٥ .

(٤) المصدر السابق : ٦٠ .


البعد الرابع : ومن الأمور التربوية التي أكّدها الإمامعليه‌السلام في نفوس أصحابه ـ ليكونوا بالمستوى المطلوب من النضج والسلامة في التفكير ولئلاّ تكون مشاريعهم وتخطيطاتهم عرضة للفساد ـ هي الدعوة إلى التثبّت في الأمور .

قالعليه‌السلام :( مع التثبّت تكون السلامة ، ومع العجلة تكون الندامة ، ومَن ابتدأ بعمل في غير وقته كان بلوغه في غير حينه ) (١) .

مواصلة بناء جامعة أهل البيت الإسلامية

لقد واصل الإمام الصادقعليه‌السلام تطويره للمدرسة التي أسّسها الأئمةعليهم‌السلام من قبله ، وانتقل بها إلى آفاق أرحب فاستقطبت الجماهير من مختلف البلاد الإسلامية ؛ لأنّها قد لبّت الرغبة في نفوسهم وسعت لملء الفراغ الذي كانت تعانيه الأمة آنذاك .

خصائص جامعة أهل البيتعليهم‌السلام

١ ـ من مميّزات مدرسة الإمام الصادقعليه‌السلام واختلافها عن باقي المدارس أنّها لم تنغلق في المعرفة على خصوص العناصر الموالية فحسب ، وإنّما انفتحت لتضمّ طلاّب العلم من مختلف الاتّجاهات ، فهذا أبو حنيفة الذي كان يخالف منهج الإمامعليه‌السلام حيث سلك في القياس مسلكاً استوجب شدّة الإنكار عليه وعلى أصحابه ، وهو الذي أطلق على مؤمن الطاق اسم شيطان الطاق ، كان ممّن يختلف إلى الإمام الصادقعليه‌السلام ويسأله عن كثير من المسائل

ـــــــــــــــــ

(١) الحكم الجعفرية : ٦٠ .


وقد روى عن الإمام الصادقعليه‌السلام وحدّث عنه واتّصل به في المدينة مدّة من الزمن ، وناصر زيد بن علي وساهم في الدعوة إلى الخروج معه ، وكان يقول : ضاها خروج زيد خروج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم بدر(١) .

٢ ـ انفتحت مدرسة الإمامعليه‌السلام على مختلف فروع المعرفة الإسلامية والإنسانية ، فاهتمّت بالقرآن والسنّة والفقه والتأريخ والأصول والعقيدة والكلام والفلسفة الإسلامية ، كما اهتمّت بعلوم أخرى مثل : علم الفلك ، والطبّ ، والحيوان ، والنبات ، والكيمياء ، والفيزياء .

٣ ـ لم تتّخذ مدرسة الإمام طابع الانتماء إلى الدولة الأموية أو العباسية ، ولم تتلوّث بسياسة الحاكمين ولم تكن أداة لخدمة الحكّام ، بل رأت الأمة أنّ هذه المدرسة هي التي تحقّق لها تطلّعاتها ; إذ كانت ترى على رأسها وريث النبوّة وعملاق الفكر المحمّدي الإمام أبا عبد الله الصادقعليه‌السلام المعروف بمواقفه واستقامته حتى لقّب بالصادق لسموّ أخلاقه وعدم مساومته وخضوعه لسياسة الحكّام المنحرفين .

من هنا شكّلت مدرسته حصناً سياسياً وفكريّاً يلوذ به طلاّب الحقيقة ومَن كان يشعر بالمسؤولية ويريد التخلّص من التيه الذي خلّفته التيارات الفكرية والسياسية المتضاربة في أهدافها ومساراتها .

٤ ـ وتميّزت أيضاً جامعة الإمام الصادقعليه‌السلام بمنهجها السليم وعمقها الفكري ، ولم تكن أطروحتها في الإعداد العلمي مبتنية على حشو الذهن ، وإنّما كانت تعتمد الفكر والتعمّق والأصالة ونموّ الكفاءات العلمية ، وتعتبرها أُسساً مهمّة في المنهج العلمي والتربوي .

ـــــــــــــــــ

(١) حياة الإمام محمد الباقر : ١ / ٧٥ .


٥ ـ أنتجت هذه الجامعة رموزاً للعلم والتقوى والاستقامة ، وعرفت بالعطاء العلمي والديني للأمة وبما أبدعته في تخصّصاتها العلمية ، وما حققته من إنجازات على صعيد الدعوة والإصلاح بين الناس ، وأصبح الانتساب إلى مدرسة الإمامعليه‌السلام عليه‌السلام مفخرة للمنتسب ، كما ناهز عدد طلاّبها الأربعة آلاف طالب .

٦ ـ واتّسعت هذه المدرسة ـ فيما بعد ـ وشكّلت عدّة فروع لها في الكوفة ، والبصرة ، وقم ، ومصر .

٧ ـ إنّ الإمامعليه‌السلام لم يجعل من جامعته العلمية والجهد المبذول فيها نشاطاً منفصلاً عن حركته التغييرية وانشطته الأخرى ، بل كانت جزءاً من برنامجه الإصلاحي ؛ لأنّها كانت تساهم بحقّ في خلق المناخ المناسب لبناء الفرد الصالح ، وكانت امتداداً واعياً ومؤثّراً في المسيرة العامّة للأمة ، فضلاً عن النتائج السياسية الايجابية الخاصّة ، حيث نجد الكادر العلمي الحاضر في مدرسة الإمامعليه‌السلام هو نفسه الذي يحضر في نشاطات الإمام الخاصّة .

٨ ـ تميّزت مدرسة الإمام الصادقعليه‌السلام بالارتباط المباشر بمصادر التشريع والمعرفة وهما الكتاب الكريم والسنّة النبوية الشريفة بنحو لا مثيل له .

ومن هنا حرص الإمام الصادقعليه‌السلام على أن يحقّق من خلال مدرسته إنجازاً بخصوص تدوين الحديث والحفاظ على مضمونه ، بعد أن كان الحديث قد تعرّض في وقت سابق للضياع والتحريف والتوظيف السياسي المنحرف ، بسبب المنع من تدوينه ولم يستجب الأئمّة المعصومونعليهم‌السلام لقرار المنع بالرغم من كل الشعارات التي رُفعت لتجعل الهدف من حظر


تدوين الحديث هو الحفاظ على القرآن وسلامته من التحريف .

بينما كان الهدف البعيد من منع تدوين الحديث هو تغييب الحديث النبوي الذي كان يؤكّد ربط الأمة بأهل البيتعليهم‌السلام فاستهدف الحكّام صرف الناس عن أهل البيتعليهم‌السلام ; لأنّ الحديث حين كان يؤكّد الارتباط بهم كان يحول بينهم وبين الانسياق وراء كلّ ناعق سياسي أو حاكم جائر .

يقول الإمام الصادقعليه‌السلام :( أما والله إنّ عندنا ما لا نحتاج إلى أحد والناس يحتاجون إلينا إنّ عندنا الكتاب بإملاء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وخطّه علي بيده صحيفة طولها سبعون ذراعاً فيها كل حلال وحرام ) (١) .

وجاء عنهعليه‌السلام أنّه قال :( علمنا غابر ومزبور ونكت في القلوب ونقر في الأسماع ، وإن عندنا الجفر الأحمر ، والجفر الأبيض ، ومصحف فاطمة عليها‌السلام وإن عندنا الجامعة فيها جميع ما يحتاج الناس إليه ) (٢) .

٩ ـ وتميّزت أيضاً مدرسة الإمامعليه‌السلام بالاهتمام بالتدوين بشكل عام ، بل ومدارسة العلم لإنمائه وإثرائه .

فكانعليه‌السلام يأمر طلاّبه بالكتابة ويؤكّد لهم ضرورة التدوين والكتابة كما تجد ذلك في قولهعليه‌السلام :( احتفظوا بكتبكم فإنّكم سوف تحتاجون إليها ) (٣) .

وكان يشيّد بنشاط زرارة الحديثي إذ كان يقول :( رحم الله زرارة بن أعين لولا زرارة لاندرست أحاديث أبي ) .

ـــــــــــــــــ

(١) بصائر الدرجات : ١٤٩ .

(٢) الإرشاد : ٢/١٨٦ وعنه في مناقب آل أبي طالب : ٤/٣٩٦ ، والاحتجاج : ٢/١٣٤ ، وبحار الأنوار : ٤٧/٢٦ وزادوا فيه : فسئل عن تفسير هذا الكلام فقال : أمّا الغابر فالعلم بما يكون .

(٣) الكافي : ١ / ٥٢ .


وقال فيه وفي جماعة من أصحابه منهم أبو بصير ، ومحمد بن مسلم ، وبريد العجلي :( لولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا الفقه ، هؤلاء حفّاظ الدين وأُمناء أبي عليه‌السلام على حلاله وحرامه وهم السابقون إلينا في الدنيا والآخرة ) (١) .

وكان يأمر طلاّبه أيضاً بالتدارس والمباحثة فقد قال للمفضّل بن عمر :( اكتب وبثّ علمك في إخوانك ، فإنْ متّ فأورث كتبك بنيك ، فإنّه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنسون فيه إلاّ بكتبهم ) (٢) .

وعلى هذا الأساس اهتمّ أصحابه بكتابة الأحاديث وتدوينها حتى تألّفت واجتمعت الأصول الأربعمائة المعروفة(٣) ، والتي شكّلت المجاميع الحديثية الأولى عند الشيعة الإمامية .

١٠ ـ وممّا تميزّت به مدرسة الإمام الصادقعليه‌السلام هو إنماء الفكر الإسلامي وتطويره من خلال التخصّص العلمي في مختلف فروع المعرفة الإسلامية ، وسوف نشير إلى هذه الميزة بالتفصيل .

التخصّص العلمي في مدرسة الإمامعليه‌السلام

والتفت الإمام في تلك المرحلة لأهمّية الاختصاص ودوره في إنماء الفكر الإسلامي وتطويره ، وقدرته في استيعاب الطاقات الكثيرة الوافدة على مدرسته ، وبالتخصّص تتنوّع عطاءاته ، فيكون الإبداع أعمق نتاجاً وأكثر احتواءً ؛ لذا وجّه الإمامعليه‌السلام طلاّبه نحو التخصّصات العلمية ، وتصدّى بنفسه

ـــــــــــــــــ

(١) وسائل الشيعة : ٨ / ٥٧ ـ ٥٩ .

(٢) أصول الكافي : ١ / ٥٢ .

(٣) وسائل الشيعة : ١٨ / ٥٧ ـ ٥٩ .


للإشراف ، فكان يعالج الإشكالات التي تستجد ، ويدفع مسيرة الحركة العلمية إلى الأمام ولا يمكن في هذا البحث أن نستوعب كل هذه التخصّصات وإنّما نقتصر على ذكر بعض النماذج فيما يأتي :

أ ـ في الطب : سُئل الإمام عن جسم الإنسان فقالعليه‌السلام :( إنّ الله خلق الإنسان على اثني عشر وصلاً وعلى مائتين وثمانية وأربعين عظماً ، وعلى ثلاثمائة وستين عرقاً ، فالعروق هي التي تسقي الجسد كلّه ، والعظام تمسكه واللحم يمسك العظام والعصب تمسك اللحم ، وجعل في يديه اثنين وثمانين عظماً في كل يد إحدى وأربعين عظماً ، منها في كفّه خمسة وثلاثون عظماً وفي ساعده اثنان ، وفي عضده واحد ، وفي كتفه ثلاثة ، فذلك إحدى وأربعون ، وكذلك في الأخرى ، وفي رجله ثلاثة وأربعون عظماً ، منها في قدمه خمسة وثلاثون عظماً وفي ساقه اثنان ، وفي ركبتيه ثلاثة ، وفي فخذه واحد وفي وركه اثنان وكذلك في الأخرى ، وفي صلبه ثماني عشر فقارة وفي كل واحد من جنبيه تسعة أضلاع ، وفي وقصته ثمانية وفي رأسه ستة وثلاثون عظماً ، وفي فيه ثماني وعشرون عظماً أو اثنان وثلاثون عظماً ) (١) .

يقول الشيخ ميرزا محمد الخليلي : ولعمري إنّ هذا الحصر والتعداد هو عين ما ذكره المشرّحون في هذا العصر ، لم يزيدوا ولم ينقصوا(٢) .

وشرح الإمام الصادقعليه‌السلام كيفية دوران الدم في الجسم ولأول مرّة في حديثه مع المفضّل بن عمر ، وقد سبق بذلك العالم ( هارفي ) الذي عرف بأنّه مكتشف الدورة الدموية .

قالعليه‌السلام :( فكّر يا مفضّل في وصول الغذاء إلى البدن وما فيه من التدبير ، فإنّ

ـــــــــــــــــ

(١) المناقب : ٤ / ٢٥٦ ، وبحار الأنوار : ١٤ / ٤٨٠

(٢) طب الإمام الصادقعليه‌السلام : ٣ .


الطعام يصير إلى المعدة فتطبخه ، وتبعث بصفوه إلى الكبد في عروق رقاق واشجة بينها ، قد جعلت كالمصفى للغذاء ، لكيلا يصل إلى الكبد منه شيء فينكأها ؛ وذلك أنّ الكبد رقيقة لا تحتمل العنف ، ثم إنّ الكبد تقبله فيستحيل فيها بلطف التدبير دماً ، فينفذ في البدن كلّه ، في مجار مهيّأة لذلك بمنزلة المجاري التي تهيّأ للماء حتى يطّرد في الأرض كلّها وينفذ ما يخرج منه من الخبث والفضول إلى مغايض أعدّت لذلك فما كان منه من جنس المرّة الصفراء جرى إلى المرارة ، وما كان من جنس السوداء جرى إلى الطحال ، وما كان من جنس البلّة والرطوبة جرى إلى المثانة ؛ فتأمّل حكمة التدبير في تركيب البدن ، ووضع هذه الأعضاء منه موضعها ، وإعداد هذه الأوعية فيه لتحمل تلك الفضول لئلاّ تنتشر في البدن فتسقمه وتنهكه ، فتبارك مَن أحسن التقدير وأحكم التدبير ) (١) .

ب ـ في الوقاية الصحية : حذّر الإمام من الأمراض المعدية وأوصى بعدم الاختلاط بالمصابين بمثل مرض الجذام حيث قال فيه :( لا يكلّم الرجل مجذوماً إلاّ أن يكون بينهما قدر ذراع ) (٢) ، وقد جاء في الطب الحديث أنّ ميكروب الجذام ينتشر في الهواء حول المصاب أكثر من مسافة متر .

وقالعليه‌السلام أيضاً :( كُلّ داء من التخمة ) (٣) .

وقالعليه‌السلام :( اغسلوا أيديكم قبل الطعام وبعده ) (٤) فإنّ غسل اليدين قبل الطعام تعقيم من الجراثيم المحتملة والغسل بعد الطعام يعدّ من النظافة .

ج ـ علم الحيوان : قالعليه‌السلام في مملكة النمل :( انظر إلى النمل واحتشاده في

ـــــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار : ٣/٥٧ عن كتاب التوحيد للمفضل بن عمر الجعفي .

(٢) وسائل الشيعة : ٢ / ٢٠٨ .

(٣) بحار الأنوار : ٦٣/٣٣٦ .

(٤) المصدر السابق : ٦٣/٣٥٦ .


جمع القوت وإعداده فإنّك ترى الجماعة منها إذا نقلت الحبّ الى زبيته (١) بمنزلة جماعة من الناس ينقلون الطعام أو غيره ، بل للنمل في ذلك من الجد والتشمير ما ليس للناس مثله أما تراهم يتعاونون على النقل كما يتعاون الناس على العمل ، ثم يعمدون إلى الحب فيقطعونه لكيلا ينبت فيفسد عليهم (٢) فإن أصابه ندى أخرجوه فنشروه حتى يجف ثم لا يتخذ النمل الزبية إلاّ في نشر من الأرض كيلا يفيض السيل فيغرقها ، وكل هذا منه بلا عقل ، ولا رويّة بل خلقة خلق عليها لمصلحة من الله عزّ وجلّ (٣) .

وتكلّم الإمام أيضاً في كل من علوم : النبات ، والفلك ، والكيمياء ، والفيزياء ، والعلاجات النباتية(٤) ، كما تكلّم في الفلسفة والكلام ومباحث الإمامة والسياسة والمعرفة والفقه وأصوله والحديث والتفسير والتأريخ .

وتخصّص من طلاّب الإمامعليه‌السلام في مباحث الكلام كلٌّ من : هشام بن الحكم ، وهشام بن سالم ، ومؤمن الطاق ، ومحمد بن عبد الله الطيّار ، وقيس الماهر ، وغيرهم .

وتخصّص في الفقه وأُصوله وتفسير القرآن الكريم : زرارة بن أعين ، ومحمد بن مسلم ، وجميل بن درّاج ، وبريد بن معاوية ، وإسحاق بن عمّار وعبد الله الحلبي ، وأبو بصير ، وأبان بن تغلب ، والفضيل بن يسار ، وأبو حنيفة ، ومالك بن أنس ، ومحمد بن الحسن الشيباني ، وسفيان بن عيينه ، ويحيى بن سعيد ، وسفيان الثوري .

ـــــــــــــــــ

(١) الزبية ـ بضم فسكون ـ الزابية لا يعلوها ماء ، جمعها زبى .

(٢) إذا خشي النمل من الحبّة المدخرة أن تنبت في الأرض فلقتها نصفين ، وقد تفلق بعض الحبوب كحب الكزبرة إلى أربعة أقسام ؛ لأنّ نصف الكزبرة أيضاً ينبت .

(٣) التوحيد للمفضل : ٦٦ ، وبحار الأنوار : ٣/ ٦١ و ٦٢ / ١٠٢ .

(٤) راجع حياة الإمام الصادق للشيخ باقر شريف القرشي : ٢/٢٨٩ وما بعدها .


كما تخصّص في الكيمياء : جابر بن حيّان الكوفي .

وتخصّص في حكمة الوجود : المفضّل بن عمر الذي أملى عليه الإمام الصادقعليه‌السلام كتابه الشهير المعروف ( بتوحيد المفضّل ) .

ونشط طلاّب الإمام في نتاجاتهم كلٌّ حسب اختصاصه في التأليف والمناظرة ، يدل على ذلك ما جمعه السيد حسن الصدر عن مؤلّفات الشيعة في هذه الفترة وقد ذكر أنّها وصلت إلى ستة آلاف وستمائة كتاب(١) .

وبرز في المناظرة : هشام بن الحكم ، وكان الإمام الصادقعليه‌السلام مسروراً بمناظرات هشام وحين استمع مناظراته مع زعيم المعتزلة ـ عمرو بن عبيد ـ وأخبره بانتصاره عليه قال له الإمامعليه‌السلام :يا هشام مَن علّمك هذا ؟ قال : يا بن رسول الله جرى على لساني قال الإمامعليه‌السلام :( هذا والله مكتوب في صحف إبراهيم وموسى ) (٢) .

ومن الأهداف الكُبرى التي خطّط لها الإمامعليه‌السلام في مدرسته إلى جانب الاختصاصات الأخرى هو تنشيط حركة الاجتهاد الفقهي الخاص إلى جانب التفقّه في الدين بشكل عام .

من هنا نجد تأصيل منهج الاجتهاد الفقهي واستنباط أحكام الشريعة ، قد تمثّل في الرسائل العلميّة التي دوّنها أصحابه في خصوص أصول الفقه وفي الفقه والحديث والتي تميّزت بالاعتماد على مدرسة أهل بيت الوحيعليهم‌السلام واتّخاذها أساساً للفقه والإفتاء دون الرأي والاستحسان .

قالعليه‌السلام :( حديثي حديث أبي ، وحديث أبي حديث جدّي ، وحديث جدّي

ـــــــــــــــــ

(١) تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام : ٢٨٨ .

(٢) راجع الاحتجاج : ٢ / ١٢٥ ـ ١٢٨ .


حديث الحسين ، وحديث الحسين حديث الحسن ، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين ، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وحديث رسول الله قول الله عزّ وجلّ ) (١) .

وقالعليه‌السلام :( إنّا لو كنّا نفتي الناس برأينا وهوانا لكنّا من الهالكين ولكنّا نفتيهم بآثار من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأصول علم عندنا نتوارثها كابر عن كابر ، نكنزها كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضّتهم ) (٢) .

وقد تكفّلت كتب أصول الفقه بيان قواعد استنباط الأحكام ومناهجها وكيفية التعامل مع الأحاديث المدوّنة في عامة موسوعات الحديث وأُصوله .

وعلّم طلاّبه كيفية استنباط الأحكام من مصادر التشريع ، كما علّمهم كيفية التعامل مع الأحاديث المتعارضة ، قالعليه‌السلام فيما عارض القرآن :( ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف ) (٣) ، وقال أيضاً :( إنّ على كل حق حقيقة ، وعلى كل صواب نوراً ، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه ) (٤) .

وفي حالة تعارض الأحاديث فيما بينها قالعليه‌السلام :( إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتاب الله أو من قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإلاّ فالّذي جاءكم به أولى به ) (٥) .

وقالعليه‌السلام :( إنّما علينا أن نلقي إليكم الأصول وعليكم أن تفرّعوا ) (٦) .

ـــــــــــــــــ

(١) أصول الكافي : ١ / ٥٣ ـ ٥٨ .

(٢) بصائر الدرجات : ٣٠٠ .

(٣) الوسائل : ١٨ / ٧٨ .

(٤) أصول الكافي : ١ / ٦٩ .

(٥) المصدر السابق .

(٦) بحار الأنوار : ٢/٢٤٥ ح ٥٣ .


الفصل الثالث : دور الإمام الصادقعليه‌السلام في بناء الجماعة الصالحة

لقد تحدّثنا عن طبيعة الظروف السياسية وتناقضاتها والمظاهر الحياتية المضطربة ، والدور التخريبي الذي لعبته التيارات الفكرية والسياسية المنحرفة في ضمير الأمة وفكرها وثقافتها وعلى رأس هذا المدّ المنحرف كانت سياسة الأمويين الظالمة التي استمرّت لزمن طويل نسبياً .

كما تحدّثنا عن خطّ الإمامعليه‌السلام ومنهجه الإصلاحي العام مع الأمة ، حيث كانت الجامعة العلمية إحدى حلقات منهجه الإصلاحي الشامل .

ولم يقتصر نشاط الإمامعليه‌السلام على بناء الجامعة العلمية وغيرها من الأنشطة العامة ; لأنّه كان يدرك جيداً أنّ هدفه الكبير هو الحفاظ على الإسلام الذي سوف يتعرّض للتعطيل إذا اقتصر على ذلك ولم يستهدف المحتوى الداخلي للأفراد ، ولم يسع لبناء الشخصيّات الصالحة التي تمدّ الساحة الإسلامية العامّة بعوامل القوّة والبقاء والحفاظ على الأمة والدفاع عن مقدّساتها .


الهدف من إيجاد الجماعة الصالحة

من هنا كان تحرّك الإمام نحو بناء الجماعة الصالحة بهدف تغيير المجتمع الإسلامي وفق أطروحة أهل البيتعليهم‌السلام ; لأنّ وجود مثل هذا التيّار المتماسك يوفّر جملة من المكاسب والمنافع والأهداف التي كان يسعى الإمامعليه‌السلام لتحقيقها في حركته الرساليّة .

إنّ الجماعة الصالحة تحقّق ديمومة خط أهل البيتعليهم‌السلام حيث يشكّل وجودها خطوة عملية باتّجاه مشروعهم الكبير .

ونلخّص فيما يلي بعض النقاط التي يُحققها وجود هذه الجماعة الصالحة(١) .

١ ـ المحافظة على المجتمع الإسلامي

إنّ وجود هذا الخط في وسط الأمة سوف يوسّع من دائرة الأفراد الصالحين والواعين وكلّما اتّسعت هذه الدائرة كان الإمامعليه‌السلام أكثر اقتداراً على التغيير وإدارة العمل السياسي الذي يخوضه مع الحكّام .

ويمثّل هذا الخط القوّة التي تقف بوجه التحدّي الفكري والأخلاقي الذي واجهه العالم الإسلامي حينذاك ، وقد كان من المشهود تأريخيّاً ما لهذه الجماعة الصالحة من دور فعّال ومتميّز في تزييف البنى الفكريّة والسياسية

ـــــــــــــــــ

(١) راجع للتفصيل : السيد محمد باقر الحكيم / دور أهل البيتعليهم‌السلام في بناء الجماعة الصالحة ، الجزء الأوّل .


التي تعتمدها الفرق الضالّة من خلال مطارحاتهم ومناقشاتهم مع أقطاب تلك الفرق كالزنادقة والمجبّرة والمرجئة وغيرها .

وامتاز أصحاب الإمام الصادقعليه‌السلام عن غيرهم بالمواقف الشجاعة والتمسّك بالمثل والقيم العليا وعدم المداهنة وعدم الركون لإغراءات السلاطين ، وتحمّلوا ـ جرّاء التزامهم بالقيم المُثلى ـ شتّى ألوان القمع والاضطهاد ، وكان لمواقفهم الشجاعة الأثر الكبير في ثبات ومقاومة المجتمع الإسلامي أمام موجات الانحراف .

لقد كان الإمام الصادقعليه‌السلام يطلب من شيعته أن يكون كلٌّ منهم القدوة والمثل الأعلى في الوسط الذي يعيش فيه ، فقد روي عن زيد الشحّام أنّه قال : قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام :( اقرأ على مَن ترى أنّه يطيعني منهم ويأخذ بقولي السلام ، وأوصيكم بتقوى الله عزّ وجلّ والورع في دينكم ، والاجتهاد لله وصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وطول السجود ، وحسن الجوار ، فبهذا جاء محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأدّوا الأمانة إلى مَن ائتمنكم عليها برَّاً أو فاجراً ، فإنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يأمر بأداء الخيط والمخيط ، صِلوا عشائركم واشهدوا جنائزهم وعودوا مرضاهم وأدّوا حقوقهم فإنّ الرجل منكم إذا ورع في دينه وصدق الحديث وأدّى الأمانة وحَسن خُلقه مع الناس ، قيل : هذا جعفريّ ) (١) .

وكان الإمامعليه‌السلام يأمر شيعته بالاهتمام بوحدة الصف الإسلامي والانفتاح على المذاهب الأخرى ، وترسيخ روح التعايش والمحبّة وتأكيد التماسك بين الجماعات الإسلامية ؛ فنجده يحرّضهم على التضامن والتكافل والوفاء بالعهود مع باقي المسلمين ، قالعليه‌السلام :( عليكم بالصلاة في المساجد وحسن الجوار للناس وإقامة الشهادة وحضور الجنائز ، إنّه لا بدّ لكم من الناس ، إنّ أحداً لا

ـــــــــــــــــ

(١) وسائل الشيعة : ١٢/٥ ح٢ عن أصول الكافي : ٢/٤٦٤ ح ٥ .


يستغني عن الناس في حياته ، والناس لابدّ لبعضهم من بعض ) (١) .

وكانعليه‌السلام يطرح للشيعة الأفق الإسلامي الرحيب في السلوك ليتحرّكوا باتّجاهه ، وأن لا يكتفوا بالمستويات الدانية مخافة أن تهزّهم ريح التحدّي والإغراء فيصف الشيعة لهم قائلاً :( فإنّ أبي حدّثني أنّ شيعتنا أهل البيت كانوا خيار مَن كانوا منهم : إن كان فقيه كان منهم ، وإن كان مؤذّن كان منهم ، وإن كان إمام كان منهم ، وإن كان كافل يتيم كان منهم ، وإن كان صاحب أمانة كان منهم ، وإن كان صاحب وديعة كان منهم ، وكذلك كونوا ، حبّبونا إلى الناس ولا تبغّضونا إليهم ) (٢) .

٢ ـ الحفاظ على الشريعة الإسلامية

وقف الإمام الصادقعليه‌السلام ضدّ حملات التشويه التي أرادت أن تعصف بالشريعة الإسلامية وتعرّضها للانحراف الذي أصاب الشرايع الأخرى من خلال دخول أفكار غريبة عن الشريعة بين أتباعها ، واستخدام أدوات جديدة لفهم الشريعة كالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة .

ونتيجة للمستوى العلمي الرفيع الذي كان يتمتّع به أصحاب الإمام وشيعته لم تصبح مسألة الإفتاء والاستنباط خاضعة لمصلحة السلاطين وأهوائهم أو منسجمة مع متبنّياتهم الفكرية ، بل بقي الفهم الصحيح للكتاب والسُنّة مستقلاً عن تلك المؤثّرات وبعيداً عن استخدام تلك الأدوات الدخيلة على التشريع وعندما استخدمت الجماعات الأخرى تلك الأدوات الاجتهادية أدّت هذه الجرأة إلى آثار سلبيَّة ممّا اضطرّها إلى أن تلجأ إلى

ـــــــــــــــــ

(١) وسائل الشيعة : ١٢/٦ ح٥ عن الكافي : ٢/٤٦٤ ح١ .

(٢) مشكاة الأنوار : ١٤٦ ، وبحار الأنوار : ٧٤ / ١٦٢ .


غلق باب الاجتهاد ، وكان هذا القرار قد ترك هو الآخر آثاراً سلبية في المجتمع الإسلامي ؛ لعدم قدرتها على معالجة التطوّرات الجديدة التي كانت تواجهها البلاد الإسلامية فيما بعد .

لقد أكّد الإمام الصادقعليه‌السلام قضية مهمّة واعتبرها رصيداً مهمّاً لفهم النصوص وتبيينها والاستنباط منها وتلك هي ملكة التقوى والعدالة التي لابدّ للفقيه أن يتمتّع بها ليكون حارساً أميناً للشريعة ، والأمة التي تريد تطبيقها في الحياة .

والعدالة عند الإمامعليه‌السلام شرط في كثير من الممارسات الحياتية فهي شرط في إمام الجماعة وفي شهود الطلاق وفي القاضي والحاكم والوالي .

وهذه المزيّة لها دور كبير في حفظ الشريعة وحفظ النصوص الإسلامية بحيث تميز هذه المدرسة عن غيرها كما أنّ أصحاب الإمامعليه‌السلام لم يتعاملوا مع النصوص الواردة عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمةعليهم‌السلام كما تعاملوا مع النص القرآني القطعي الصدور ، بل تناولوها بالدراسة والنقد والتحليل ؛ لأنّ الراوي قد لا يكون معصوماً عندهم بالرغم من إيمانهم بعصمة الإمام المروي عنه .

٣ ـ المطالبة بالحكم الإسلامي

إنّ القيادة السياسية حق مشروع للأئمة المعصومين من أهل البيتعليهم‌السلام وفق النصوص الإسلامية الثابتة عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والتي تواترت عند مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام .

ومن هنا كانت القيادة السياسية التي تولّت الحكم بعد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم


مباشرة لا تحمل الصفة الشرعيّة بالرغم من نزول المسلمين عند إرادتها وعدم مواجهتها بالعنف ، فضلاً عن الحكّام الأمويين والعباسيين الذين عاصرهم الإمام الصادقعليه‌السلام حيث مارسوا شتّى الطرق لإبعاد الإمامعليه‌السلام وآبائه الكرام عن هذا الموقع الريادي .

والإمامعليه‌السلام كان يرى ضرورة العمل من أجل إيجاد الكيان الإسلامي الصحيح والمطلوب وذلك من خلال وجود المجتمع الإسلامي الصالح الذي يؤمن بالقيادة الشرعية الحقيقية المتمثّلة في الأئمة من أهل البيتعليهم‌السلام .

وهكذا كان الإمامعليه‌السلام يلفت النظر إلى ضرورة وجود هذه القاعدة الصالحة حين كان يجيب على التساؤلات التي كانت تدور في نفوس أصحابه كجوابه لسدير الصيرفي حيث جاء فيه بأنّ المطالبة بالحكم وإعلان الثورة المسلحة يعتمد الجماعة الصالحة التي تطيع وتضحّي وتتحمّل مسؤولية التغيير وتكون لها القدرة على التصدّي لكل عوامل الانحراف .

وهكذا تبدو أهمية السعي لتكوين وترشيد حركة الجماعة الصالحة في هذه المرحلة من حياة الإمامعليه‌السلام وتوسيع رقعتها في أرجاء العالم الإسلامي .

وسوف ندرس هذا التكوين وتكامل البناء من ثلاثة جوانب ، هي :

أ ـ البناء الجهادي .

ب ـ البناء الروحي .

ج ـ البناء الاجتماعي .


الدور الخاص للإمام الصادقعليه‌السلام في بناء الجماعة الصالحة

أ : البناء الجهادي

لقد كان عطاء الثورة الحسينية كبيراً جدّاً حيث أرجعت هذه الثورة الخالدة الأمة الإسلامية إلى مستوى التصدّي للثورة على الحكّام المنحرفين ، واستطاعت الأمة المسلمة بفضل هذه الثورة المباركة أن تتجاوز الهالة المزيّفة التي صنعها الأمويون لإضفاء طابع من الشرعية على سلطانهم ، وهذا الوعي الثوري والعمل الجهادي الذي شكّلته الأمة خلال عدّة عقود قد يأخذ بالهبوط إذا لم يقترن بعوامل البقاء والاستمرار والتكامل .

من هنا نجد الإمام الصادقعليه‌السلام قد تحرّك نحو صياغة العمل الثوري والجهادي ورسم هيكليّته ، وبالتالي تجذيره في النفوس ويبدو هذا واضحاً من خلال موقفه من ثورة عمّه زيد بن عليعليه‌السلام حيث صرّح قائلاً :( أَشْرَكَني الله في تلك الدماء مضى والله زيد عمّي وأصحابه شهداء مثل ما مضى عليه علي بن أبي طالب وأصحابه ) (١) .

وهذا الموقف منهعليه‌السلام يعطي الشرعية لثورة زيد ، ويرسم للجماعة الصالحة طموحات الإمامعليه‌السلام ، ويجعلها تعيش الهمّ الجهادي والثوري الذي يريده الإمام للقاعدة الصالحة التي تستطيع أن تسير بها نحو الأهداف المنشودة للقيادة الربّانية المتمثّلة في الإمام الصادقعليه‌السلام .

فالجماعة الصالحة هي ذلك النموذج الفاضل الذي يعدّه الإمامعليه‌السلام لمهمّة الإصلاح في المجتمع ، وهذه الجماعة هي التي سوف تتحمّل مسؤولية

ـــــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار : ٤٦ / ١٧١ .


الثورة الكبرى المرتقبة .

ومن هنا كان ترسيخ مبادئ وأهداف ومعالم وحيويّة الثورة الحسينية في نفوس الجماعة الصالحة من خطوات الإمام الكبيرة في هذا الصدد .

ترسيخ مبادئ وأهداف ومعالم الثورة الحسينية

لقد ربط الإمام الصادقعليه‌السلام العواطف باتّجاه مبادئ الثورة الحسينية وأهدافها ليكون الرفض ومقاومة الظلم مستنداً إلى الوعي الصحيح والتوجيه المنطقي ؛ لذا نجد خطابات الإمامعليه‌السلام واهتماماته لم تقتصر على الإثارات الفكرية والتوجيهات الوعظية نحو الثورة ، وإنّما استندت إلى أساليب تعبويّة وتحشيد جماهيريّ يعبّر بممارسته وحضوره عن الانتماء لخط الحسينعليه‌السلام .

ومن أساليبه بهذا الخصوص تأكيده على جملة من الوسائل مثل الزيارة والمجالس الحسينية والبكاء ونتكلّم عن كلٍّ منها بإيجاز :

١ ـ الزيارة : اعتبر الإمام الصادقعليه‌السلام زيارة قبر جدّه الحسينعليه‌السلام من الحقوق اللازمة والتي يجب على كل مسلم الاهتمام بها ويلزم الخروج من عهدتها .

قالعليه‌السلام :( لو أنّ أحدكم حجّ دهره ثم لم يزر الحسين بن علي عليه‌السلام لكان تاركاً حقّاً من حقوق رسوله ; لأنّ حقّ الحسين عليه‌السلام فريضة من الله عزّ وجلّ واجبة على كل مسلم ) (١) .

ـــــــــــــــــ

(١) كتاب المزار للشيخ المفيد : ٣٧ .


وقالعليه‌السلام :( مَن سرّه أن يكون على موائد النور يوم القيامة فليكن من زوّار الحسين بن علي عليه‌السلام ) (١) .

وقال عبد الله بن سنان : دخلت على سيدي أبي عبد الله جعفر بن محمدعليهما‌السلام في يوم عاشوراء فلقيته كاسف اللون ظاهر الحزن ودموعه تنحدر من عينيه كاللؤلؤ المتساقط فقلت : يا بن رسول الله ، مِمَّ بكاؤك ؟ لا أبكى الله عينيك فقال لي :أوَ في غفلة أنت ؟ أما علمت أنّ الحسين بن علي عليه‌السلام أُصيب في مثل هذا اليوم ؟

قلت : يا سيدي فما قولك في صومه ؟ فقال لي :( صمه من غير تبييت وافطره من غير تشميت ، ولا تجعله يوم صوم كملاً ، وليكن إفطارك بعد صلاة العصر بساعة على شربة من ماء فإنّه في مثل ذلك الوقت من ذلك اليوم تجلّت الهيجاء عن آل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وانكشفت الملحمة عنهم وفي الأرض منهم ثلاثون صريعاً في مواليهم يعزّ على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مصرعهم ، ولو كان في الدنيا يومئذ حيّاً لكان صلوات الله عليه وآله هو المعزّى بهم .

يا عبد الله بن سنان إنّ أفضل ما تأتي به في هذا اليوم أن تعمد إلى ثياب طاهرة فتلبسها وتتسلّب . قلت : وما التسلّب ؟قال عليه‌السلام : تحلل أزرارك وتكشف عن ذراعيك كهيئة أصحاب المصايب ثم تخرج إلى أرض مقفرة أو مكان لا يراك به أحد أو تعمد إلى منزل لك خال ، أو في خلوة منذ حين يرتفع النهار ، فتصلّي أربع ركعات تحسن ركوعها وسجودها وتسلّم بين كلّ ركعتين تقرأ في الركعة الأولى سورة الحمد و ( قل يا ايها الكافرون ) وفي الثانية الحمد و ( قل هو الله أحد ) ثم تصلّي ركعتين تقرأ في الركعة الأولى الحمد وسورة الأحزاب ، وفي الثانية الحمد وسورة ( اذا جاءك المنافقون ) أو ما

ـــــــــــــــــ

(١) كامل الزيارات لابن قولويه باب : ٤٣ / ١٢١ .


تيسّر من القرآن .

ثم تسلّم وتحوّل وجهك نحو قبر الحسين عليه‌السلام ومضجعه فتمثّل لنفسك مصرعه ومَن كان معه من ولده وأهله وتسلّم وتصلّي عليه وتلعن قاتليه فتبرأ من أفعالهم ، يرفع الله عزّ وجل لك بذلك في الجنّة من الدرجات ويحطّ عنك السيئات .

ثم تسعى من الموضع الذي أنت فيه إن كان صحراء أو فضاء أو أي شيء كان خطوات ، تقول في ذلك : إنّا لله وإنّا إليه راجعون رضاً بقضائه وتسليماً لأمره ، وليكن عليك في ذلك الكآبة والحزن وأكثر من ذكر الله سبحانه والاسترجاع في ذلك .

فإذا فرغت من سعيك وفعلك هذا فقف في موضعك الذي صلّيت فيه ثم قل : اللّهمّ عذِّب الفجرة الذين شاقّوا رسولك وحاربوا أولياءك وعبدوا غيرك واستحلّوا محارمك ، والعن القادة والأتباع ومَن كان منهم فخبّ وأوْضَعَ معهم أو رضي بفعلهم لعناً كثيراً ، اللّهمّ وعجّل فرج آل محمد واجعل صلواتك عليهم واستنقذهم من أيدي المنافقين والمضلّين ، والكفرة الجاحدين وافتح لهم فتحاً يسيراً وأتح لهم رَوْحاً وفرجاً قريباً ، واجعل لهم من لدنك على عدوّك وعدوّهم سلطاناً نصيراً ) (١) .

هكذا كان الإمام الصادقعليه‌السلام يؤكّد مبادئ الثورة عن طريق الزيارة لتكون الزيارة خطّاً ثقافياً يُساهم في التربية وتمييز الجماعة الصالحة عن غيرها ، ويكون الحضور الدائم حول قبر الحسينعليه‌السلام بهذا المستوى العالي من الفهم والانتماء كدعوة للآخرين في أن يلتحقوا به وينضمّوا إلى أفكاره ومبادئه .

على أنّ الحضور الدائم حول القبر يتمتّع بالخزين العاطفي المتّكئ على

ـــــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار : ١٠١ / ٣٠٣ ـ ٣٠٦ .


أساس فكري ، وهذا بطبيعته يشكّل قاعدة للعمل الثوري الذي يعتمد المطالبة الواعية بإرجاع الحقوق المسلوبة من أهل البيتعليهم‌السلام وهذه الحقيقة كان يدركها الأمويون والعباسيون ؛ ولهذا وقفوا بوجه هذا المدّ المدروس وحالوا دون الزيارة بكلّ شكل ممكن .

٢ ـ المجالس الحسينية : ومن الخطوات التي تحرّك الإمام الصادقعليه‌السلام من خلالها من أجل صياغة العمل الثوري والجهادي وتربية الجماعة الصالحة على ضوئه هي قضية الرثاء التي حفظتها المجالس الحسينية ، فقد أكّدعليه‌السلام على رثاء الإمام الحسينعليه‌السلام كأسلوب من أساليب التربية والتحريك العاطفي لغرض ربط الأمة بالثورة الحسينية .

وكان الإمامعليه‌السلام يعقد هذه المجالس الخاصة لهذه الغاية والتي كان يطرح فيها إلى جانب الرثاء رُؤى وثقافة أهل البيتعليهم‌السلام العقائدية والأخلاقية والتربوية والسياسية لتكون أداة محفّزة لبثّ الوعي والعاطفة المبدئيّة .

قالعليه‌السلام لأبي هارون المكفوف :يا أبا هارون أنشدني في الحسين عليه‌السلام قال فأنشدته ، فبكى فقال :أنشدني كما تنشدون يعني بالرقّة قال فأنشدته :

اُمرُرْ على جَدَثِ الحُسَين

فَقُلْ لأعظُمه الزَكِيّه

قال : فبكى ثم قال :زِدني ، قال : فأنشدته القصيدة الأخرى ، قال : فبكى وسمعت البكاء من خلف الستر قال : فلمّا فرغت قال لي :( يا أبا هارون مَن أنشد في الحسين عليه‌السلام شعراً فبكى وأبكى عشراً كتبت له الجنّة ، ومَن أنشد في الحسين عليه‌السلام شعراً فبكى وأبكى خمسة كتبت له الجنّة ، ومَن أنشد في الحسين عليه‌السلام شعراً


فبكى وأبكى واحداً كتبت له الجنّة ) (١) .

وكان يؤكّد إحياء الذكرى كما نلاحظ ذلك في قولهعليه‌السلام لفضيل :( يا فضيل تجلسون وتتحدّثون ؟ ) قلت : نعم سيدي قال :( يا فضيل هذه المجالس أُحبّها ، أحْيُوا أمرنا رحم الله امرءاً أحيا أمرنا ) (٢) .

٣ ـ البكاء : ومن الأساليب التي اتّخذها الإمام الصادقعليه‌السلام لتركيز الخط الثوري وتأجيج روح الجهاد في نفوس خاصّته وشيعته هي تعميق وتعميم ظاهرة البكاء على الإمام الحسينعليه‌السلام ؛ لأنّ البكاء يساهم في الربط العاطفي مع صاحب الثورة وأهدافه ويهيئ الذهن والنفس لتبنّي أفكار الثورة ويمنح الفرد المسلم الحرارة العاطفية التي تدفع بالفكرة نحو الممارسة والتطبيق ورفض الظلم واستمرار روح المواجهة والحصول على روح الاستشهاد .

كما يشكّل البكاء وسيلة إعلامية سياسيّة هادئة وسلميّة عبّر بها الشيعي عن المآسي والمظالم التي انتابته وحلّت بأُئمته ولا سيّما إذا كانت الظروف لا تسمح بالأنشطة الأخرى .

ولا يعبّر هذا البكاء عن حالة من الانهيار والضعف والاستسلام لإرادة الظالمين ، كما لا تشكّل إحياء هذه الذكرى والبكاء فيها وسيلة للتهرّب من الذنوب والحصول على صكوك الغفران كما يحلو للبعض أن يقول : إنّ الحسين قد قدّم دمه الطاهر لأجل براءة الشيعة من النار وإعفائهم من تبعات الآثام والخطايا التي يرتكبونها تشبّهاً بالنصارى الذين أباحوا لأنفسهم اقتراف الخطايا ; لأنّ المسيحعليه‌السلام كما يزعمون قد تكفّل بصلبه محو

ـــــــــــــــــ

(١) كامل الزيارات لابن قولويه : باب ٣٣ /١٠٤ .

(٢) واقعة الطف لبحر العلوم : ٥٢ .


خطاياهم .

فالبكاء الذي أكّده الإمامعليه‌السلام وتمارسه الشيعة لا يحمل واحداً من هذه العناوين ، بل هو تلك الحرارة التي تضخّ في الفكرة روح العمل وتخرجها من حيّز السكون إلى حيّز الحركة فقد جاء عنهعليه‌السلام :( إنّ البكاء والجزع مكروه للعبد في كلّ ما جزع ما خلا البكاء والجزع على الحسين بن علي عليه‌السلام فإنّه فيه مأجور ) (١) .

ب : البناء الروحي والإيماني

لقد تعرّض الواقع الإيماني والروحي في زمن الإمام الصادقعليه‌السلام إلى الخواء والذبول وبروز الأنانية وفصل الإيمان عن الأنشطة الحياتية الأخرى وإعطائه صورة مشوّهة ، وقد جاء ذلك بسبب عبث التيارات الفكرية التي استندت إلى دعم السلاطين والتي كانت تؤمن هي الأخرى أيضاً بلزوم طاعة الحاكم الأموي والعباسي ; تبريراً لدعمها للخط الحاكم .

من هنا بذل الإمام نشاطاً واسعاً لاستعادة الإيمان وبناء الذات وسموّها وفق الخط القرآني وترشيح قواعد إيمانية رصينة ، والانطلاق بالإيمان إلى آفاق أرحب وأوسع بدل التقوقع والنظرة الأحادية المجزّئة للدّين ; لأنّ الإيمان بهذا المعنى يمنح المؤمن القوّة في اقتحام الميادين الصعبة وتحمّل المسؤوليات ويمدّه بالنشاط والحيوية في مواصلة العمل والجهاد .

ونقتصر فيما يلي على بعض الأنشطة التي رسّخ الإمام عن طريقها الإيمان في نفوس أصحابه وخاصّته .

ـــــــــــــــــ

(١) كامل الزيارات لابن قولويه : باب ٣٣ .


١ـ حذّر الإمام من تكوين علاقات إيمانية مع مَن كانوا يسمّون بالعلماء ـ الذين انتشروا في زمانه ـ ومنع من الاقتداء بهم ؛ لأنّ ما يتحقق من خلال التعاطف معهم والمحبة لهم من دون معرفة لواقعهم النفسي والأخلاقي يكفي لبناء صرح إيماني خاطئ ومنحرف ; فإنّ العلم الذي يتمتّع به هؤلاء إنّما يكون كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءاً .

والإمامعليه‌السلام يشير إلى أنّ هذا النوع من العلاقة ينتهي إلى فساد العلاقة مع الله والابتعاد عنه سبحانه ، قالعليه‌السلام :( أوحى الله إلى داود عليه‌السلام : لا تجعل بيني وبينك عالماً مفتوناً بالدنيا فيصدّك عن طريق محبّتي ; فإنّ أولئك قطّاع طريق عبادي المريدين ، إنّ أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع حلاوة مناجاتي من قلوبهم ) (١) .

٢ ـ ومن الأمور التي صحّحها الإمامعليه‌السلام ونبّه عليها أصحابه هو مفهوم الإيمان ومعناه ، فحاول أن يبلور صورته الصحيحة ويكشف عنه الإبهام في نفوس أصحابه ؛ وذلك عن طريق تشخيص صفات المؤمن فإنّ المؤمن هو ذلك الإنسان الذي يعكس المفهوم الإلهي بصورته الشاملة للحياة ، وليس هو ذلك النموذج المستسلم في حياته الفاقد لإرادته والذي يطمع فيه أهل السياسة لاستثمار طاقاته باتّجاه مصالحهم .

ولهذا نرى الإمامعليه‌السلام يشير إلى مسألة مهمّة تستبطن بعداً اجتماعياً وسياسيّاً ينبغي للمؤمن أن يعيها ويتحرّك بموجبها ، حين قالعليه‌السلام :( إنّ الله فوّض إلى المؤمن أمره كلّه ، ولم يفوّض إليه أن يكون ذليلاً ، أما تسمع الله تعالى يقول : ( ولله العِزّة ولرسوله وللمؤمنين ) (٢) فالمؤمن يكون عزيزاً ولا يكون ذليلاً ) .

ـــــــــــــــــ

(١) الكافي : ١ / ٤٦ ، وعلل الشرائع : ٣٩٤ ح١٣ ، وبحار الأنوار : ٢ / ١٠٧ .

(٢) المنافقون (٦٣) : ٨ .


ثم قالعليه‌السلام :( المؤمن أعز من الجبل ، والجبل يستقل منه بالمعاول ، والمؤمن لا يستقلّ من دينه بشيء ) (١) .

٣ ـ كما بيّن الإمامعليه‌السلام أنّ القلب الخالي من مخافة الله ـ التي هي معيار الكمال والقوّة لقلب المؤمن ـ ليس بشيء ، فالقلب المملوء خوفاً من الله الكبير المتعال تتصاغر عنده سائر القوى مثل قوّة السلطان وقوّة المال وكل قوّة بشرية ، والقلب الذي لا يستشعر الرقابة الإلهية ويتغافل عن هيمنتها يكون ضعيفاً وساقطاً مهما بدا قوياً وعظيماً إنّ هذا النمط من العلاقة السلبية مع الله يؤدّي إلى اهتزاز الذات وقلقها وهزيمتها أمام التحدّيات الصادرة من تلك القوى المخلوقة الضعيفة أمام قدرة الله وعظمته وجبروته .

عن الهيثم بن واقد قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول :( مَن خاف الله أخاف الله منه كل شيء ومَن لم يخف الله أخافه الله من كلّ شيء ) (٢) .

٤ ـ ومن جملة تنبيهاته للشيعة أنّه قد حذّر من الثرثرة في الكلام وأمرهم بضبط اللسان وأشار إلى خطورة الكلام وما يترتّب عليه من آثار سيئة وآثام تضرّ بالإيمان كما حذّر أيضاً من الاستجابة لهوى النفس قائلاً :( إن كان الشؤم في شيء فهو في اللسان ، فاخزنوا ألسنتكم كما تخزنون أموالكم ، واحذروا أهواءكم كما تحذرون أعداءكم فليس أقتل للرجال من اتّباع الهوى وحصائد ألسنتهم ) (٣) .

٥ ـ كما لفت الإمام أنظار شيعته إلى أن لا يتجاهل أحدهم الإشاعات التي يطلقها الخصوم ضد أصحابه فقد تكون مصيبة وصحيحة ، ولتكن مدعاة

ـــــــــــــــــ

(١) تهذيب الأحكام : ٦ / ١٧٩ .

(٢) الكافي : ٢ / ٦٨ .

(٣) وسائل الشيعة : ٨ / ٥٣٤ .


لمراجعة النفس قالعليه‌السلام :( مَن لم يبال ما قال وما قيل فيه فهو شرك الشيطان ، ومَن لم يبال أن يراه الناس مسيئاً فهو شرك الشيطان ) (١) .

مظاهر عمق الإيمان

لقد أعطى الإمامعليه‌السلام للشيعة علائم ومؤشّرات واضحة تكشف عن عمق التديّن وعن مدى صحّته وسلامته ، فإنّ الإيمان أمر باطني ولكن له آثاره ومظاهره التي تكشف عنه ولا معنى لإيمان بلا عطاء ولا ثبات ولا قدرة على المواجهة .

فالمؤمن ذلك النموذج الذي يبرز تديّنه عندما يوضع على المحك ويعرَّض للمصاعب ولا ينثني أمام المغريات ولا يستجيب لمخطّطات أهل الباطل .

وقد هاجم الإمامعليه‌السلام تلك الشريحة التي تنتسب إلى التشيّع وهي تمارس أخلاقيات مرفوضة في نظر الإمام ، وأوضح بأنّ الإيمان كُلٌّ لا يتجزّأ بصفة دون أخرى مشيراً إلى أهمّية الاقتداء بالأئمةعليهم‌السلام قائلاً :( إنّما ينجو مَن أطال الصمت عن الفحشاء ، وصبر في دولة الباطل على الأذى ، أولئك النجباء الأصفياء الأولياء حقّاً وهم المؤمنون ، إنّ أبغضكم إليَّ المترأسون (٢) المشاؤون بالنمائم ، الحسدة لإخوانهم ليسوا منّي ولا أنا منهم إنّما أوليائي الذّين سلّموا لأمرنا واتبعوا آثارنا واقتدوا بنا في كل أمورنا ) (٣) .

ـــــــــــــــــ

(١) وسائل الشيعة : ١١ / ٢٧٣ ح١٠ ، عن مَن لا يحضره الفقيه : ٤ / ٤١٧ .

(٢) أي طلاّب الرئاسة .

(٣) تحف العقول : ٣٠٧ ، وعنه في بحار الأنوار : ٧٨ / ٢٨٦ .


كما نجد الإمامعليه‌السلام يعطي ضابطة سلوكية تكشف بدورها عن مستوى التديّن وعمقه في النفس قائلاً :( إذا رأيتم العبد يتفقّد الذنوب من الناس ، ناسياً لذنبه فاعلموا أنّه قد مكر به ) (١) .

القدوة الحسنة

ومن الوسائل التي استخدمها الإمامعليه‌السلام في منهجه التغييري وبنائه للمجمتع الفاضل هو اهتمامه وتركيزه على النموذج الشيعي الذي يشكّل القدوة الحسنة في سلوكه ليكون عنصراً مؤثراً ومحفّزاً للخير ومشجّعاً لنمو الفضيلة في داخل المجتمع وقد بذل الإمامعليه‌السلام جهداً منقطع النظير في تربيته وإعداده للنموذج القدوة وقد سلّحه بمختلف العلوم وأحاطه بجملة من الوصايا والتوجيهات العلمية والأخلاقية .

واستطاع الإمام بطاقاته الإلهية أن يصنع عدداً كبيراً من هؤلاء الذين أصبحوا فيما بعد قادةً ومناراً تهوي إليهم القلوب لتنهل من علومهم ، وبقي اسمهم مخلّداً في التأريخ يتناقل المسلمون مآثرهم جيلاً بعد جيل .

ونقتصر فيما يلي على بعض التوجيهات بهذا الصدد :

١ ـ جاء عنهعليه‌السلام فيما يخص العبادة التي يتميّز بها الشيعي وعلاقته بالله أنه قال :( امتحنوا شيعتنا عند مواقيت الصلاة ، كيف محافظتهم عليها ، وإلى أسرارنا كيف حفظهم لها عند عدوّنا ، وإلى أموالهم كيف مواساتهم لإخوانهم فيها ) (٢) .

٢ ـ عن محمد بن عجلان قال كنت مع أبي عبد اللهعليه‌السلام فدخل رجل

ـــــــــــــــــ

(١) تحف العقول : ٣٦٤ ، وبحار الأنوار : ٧٨ / ٢٤٦ .

(٢) وسائل الشيعة : ٣ / ٨٣ ، وبحار الأنوار : ٦٨ / ١٤٩ عن قرب الإسناد : ٥٢ .


فسلّم ، فسأله ،( كيف من خلّفت من إخوانك ؟ ) فأحسن الثناء وزكى وأطرى ، فقال له :( كيف عيادة أغنيائهم لفقرائهم ؟ ) قال : قليلة قال :( كيف مواصلة أغنيائهم لفقرائهم في ذات أيديهم ؟ ) فقال : إنّك تذكر أخلاقاً ما هي فيمَن عندنا قالعليه‌السلام :( فكيف يزعم هؤلاء أنّهم لنا شيعة ؟ ) (١) .

لقد أكّد الإمامعليه‌السلام أهميّة القدوة الحسنة في المجتمع قال المفضّل : قال أبو عبد الله وأنا معه :( يا مفضّل ! كم أصحابك ؟ ) فقلت قليل فلمّا انصرفت إلى الكوفة ، أقبلت عليَّ الشيعة ، فمزّقوني كل ممزق ، يأكلون لحمي ، ويشتمون عرضي ، حتى أنّ بعضهم استقبلني فوثب في وجهي ، وبعضهم قعد لي في سكك الكوفة يريد ضربي ، ورموني بكلّ بهتان حتى بلغ ذلك أبا عبد اللهعليه‌السلام ، فلمّا رجعت إليه في السنة الثانية ، كان أوّل مااستقبلني به بعد تسليمه عليّ أن قال :يا مفضّل : ما هذا الذّي بلغني أنّ هؤلاء يقولون لك وفيك ؟ قلت : وما عليّ من قولهم ، قال :( أجل بل ذلك عليهم ، أيغضبون ؟! بؤس لهم إنّك قلت إنّ أصحابك قليل ، لا والله ما هم لنا شيعة ، ولو كانوا لنا شيعة ما غضبوا من قولك وما اشمأزّوا منه لقد وصف الله شيعتنا بغير ما هم عليه ، وما شيعة جعفر إلاّ مَن كفَّ لسانه ، وعمل لخالقه ورجا سيّده ، وخاف الله حق خيفته ويحهم !! أفيهم مَن قد صار كالحنايا من كثرة الصلاة ، أو قد صار كالتائه من شدّة الخوف ، أو كالضرير من الخشوع أو كالضني (٢) من الصيام ، أوكالأخرس من طول صمت وسكوت ؟! أو هل فيهم مَن قد أدأب ليله من طول القيام ، وأدأب نهاره من الصيام ، أو منع نفسه لذّات الدنيا ونعيمها خوفاً من الله وشوقاً إلينا أهل البيت ؟! أنّى يكونون لنا شيعة وإنّهم ليخاصمون عدوّنا فينا حتّى يزيدوهم

ـــــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار : ٦٨ / ١٦٨ ح٢٧ عن صفات الشيعة للصدوق : ١٦٦ .

(٢) ضنى ضناء : اشتدّ مرضه حتى نحل جسمه .


عداوةً ، وإنّهم ليهرّون هرير الكلب ويطمعون طمع الغراب أما إنّي لو لا أنّني أتخّوف عليهم أن أغريهم بك ، لأمرتك أن تدخل بيتك وتغلق بابك ثم لا تنظر إليهم ما بقيت ، ولكن إن جاؤوك فاقبل منهم ; فإنّ الله قد جعلهم حجّة على أنفسهم واحتجّ بهم على غيرهم .

لا تغرّنكم الدنيا وما ترون فيها من نعيمها وزهرتها وبهجتها وملكها فإنّها لا تصلح لكم ، فو الله ما صلحت لأهلها ) (١) .

ج : البناء الاجتماعي

رسم الإمام الصادقعليه‌السلام الخط العام للعلاقات الاجتماعية للجماعة الصالحة ، وبيّن نظامها ووضع الأسس والقواعد المبدئية لهذا النظام ورسّخها في نفوسهم ؛ ليتمكّن الفرد الصالح من العيش في المجتمع وفي الظروف الصعبة ، ويمتلك القدرة في مواجهة المخططات التي تسعى لتفتيت مثل البناء الذي يهدف له الإمام وهو النظام الاجتماعي الذي خطط له الإمام ، وأمدّه بعناصر البقاء والاستمرار ليمتدّ بجذوره في أوساط الأمة .

الانفتاح على الأُمّة

لقد أكّد الإمامعليه‌السلام على محور مهمّ يمدّ الجماعة الصالحة بالقدرة والانتشار هو محور الانفتاح على الأمة وعدم الانغلاق على أنفسهم ، وقد حثّ الإمام شيعته على توسيع علاقاتهم مع الناس وشجّعهم على الإكثار من الأصحاب والأصدقاء فقد جاء عنهعليه‌السلام :( أكثروا من الأصدقاء في الدنيا فإنّهم

ـــــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار : ٧٨ / ٣٨٣ ، عن تحف العقول : ٣٨٥ .


ينفعون في الدنيا والآخرة ، أمّا في الدنيا فحوائج يقومون بها وأمّا في الآخرة فإنّ أهل جهنّم قالوا مالنا من شافعين ولا صديق حميم ) (١) .

وجاء عنه أيضاً :( استكثروا من الإخوان فإنّ لكل مؤمن دعوة مستجابة ) .

وقال :( استكثروا من الإخوان فأنّ لكل مؤمن شفاعة ) (٢) كما أكّد الإمامعليه‌السلام على مواصلة هذا الانفتاح وشدّه بآداب وأخلاق تدعو للتلاحم والتعاطف بين المؤمنين فقال :( التواصل بين الإخوان في الحضر التزاور والتواصل في السفر المكاتبة ) (٣) .

وقالعليه‌السلام :( إنّ العبد ليخرج إلى أخيه في الله ليزوره فما يرجع حتى يغفر له ذنوبه وتقضى له حوائج الدنيا والآخرة (٤) ومن الآداب والأخلاق التي تصبّ في رافد التواصل الاجتماعي هو المصافحة التي حثّ الإمامعليه‌السلام عليها فقال :( تصافحوا فإنّها تذهب بالسخيمة ) (٥) .

وقال أيضا :( مصافحة المؤمن بألف حسنة ) (٦) .

وقالعليه‌السلام في التعانق :( إنّ المؤمنين إذا اعتنقا غمرتهما الرحمة ، فإذا التزما لا يريدان بذلك إلاّ وجه الله ولا يريدان غرضاً من أغراض الدنيا قيل لهما : مغفور لكما ، فاستأنفا ، فإذا أقبلا على المسألة قالت الملائكة بعضها لبعض تنحّوا عنهما فإنّ لهما سرّاً وقد ستر الله عليهما ، قال إسحاق : فقلت : جعلت فداك فلا يكتب عليهما لفظهما

ـــــــــــــــــ

(١) وسائل الشيعة : ٧ / ٤٠٧ .

(٢) وسائل الشيعة : ٨ / ٤٠٨ .

(٣) تحف العقول : ٣٥٨ ، بحار الأنوار : ٧٨ / ٢٤٠ .

(٤) مشكاة الأنوار : ٢٠٩ .

(٥) الكافي : ٢ / ١٨٣ ، وتحف العقول : ٣٦ ، وبحار الأنوار : ٧٨ / ٢٤٣ .

(٦) مشكاة الأنوار : ٢٠٣ .


وقد قال الله عزّ وجل :( ما يلفظ من قولٍ إلاّ لديه رقيب عتيد ) ؟!(١) قال : فتنفّس أبو عبد الله الصعداءعليه‌السلام ثمّ بكى حتى أخضلت دموعه لحيته وقال :يا إسحاق : إنّ الله تبارك وتعالى إنّما أمر الملائكة أن تعتزل عن المؤمنين إذا التقيا إجلالاً لهما ، وإنّه وإن كانت الملائكة لا تكتب لفظهما ولا تعرف كلامهما فإنّه يعرفه ويحفظه عليهما عالم السر وأخفى ) (٢) .

تأكيد علاقة الأُخوّة :

كان الإمامعليه‌السلام يعمّق ويجذّر علاقة الأُخوّة في الله ، ويضع لها التوجيهات المناسبة التي تزيد في التلاحم والتفاهم ، فمنها ما قالهعليه‌السلام لخيثمة :( أبلغ موالينا السلام وأوصهم بتقوى الله والعمل الصالح وأن يعود صحيحهم مريضهم وليعد غنيهم على فقيرهم ، وأن يشهد جنازة ميّتهم ، وأن يتلاقوا في بيوتهم وأن يتفاوضوا علم الدين فإنّ ذلك حياة لأمرنا رحم الله عبداً أحيى أمرنا ) (٣) .

وقالعليه‌السلام في المواساة بين المؤمنين :( تقرّبوا إلى الله تعالى بمواساة إخوانكم ) (٤) .

قال محمّد بن مسلم : أتاني رجل من أهل الجبل فدخلت معه على أبي عبد الله فقال له حين الوداع أوصني فقالعليه‌السلام :( أُوصيك بتقوى الله وبرّ أخيك المسلم ، وأحب له ما تحب لنفسك واكره له ما تكره لنفسك ، وإن سألك فأعطه وإن كفّ عنك فأعرض عليه ، لا تملّه خيراً فإنّه لا يملّك وكن له عضداً فإنّه لك عضد ، وإن وجد عليك

ـــــــــــــــــ

(١) سورة ق (٥٠) : ١٨ .

(٢) الكافي : ٢ / ١٨٤ بحار الأنوار : ٧٦ / ٣٥ وسائل الشيعة : ٨ / ٥٦٣ .

(٣) وسائل الشيعة : ٨ / ٤٠٠ .

(٤) الخصال : ٨ وبحار الأنوار ٧٤ / ٣٩١ .


فلا تفارقه حتى تحلّ سخيمته (١) وإن غاب فاحفظه في غيبته ، وإن شهد فاكنفه وأعضده ووازره ، وأكرمه ولاطِفه فإنّه منك وأنت منه ) (٢) .

وقالعليه‌السلام مبيّناً صفة الأُخوّة في الله قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( ستّ خصال مَن كُنّ فيه كان بين يدي الله عزّ وجلّ وعن يمين الله . فقال له ابن يعفور : وما هنّ جُعلت فداك ؟ قال :يحب المرء المسلم لأخيه ما يحب لأعزّ أهله ، ويكره المرء المسلم لأخيه ما يكره لأعزّ أهله ويناصحه الولاية ( إلى أن قال )إذا كان منه بتلك المنزلة بثّه همّه ففرح لفرحه إن هو فرح ، وحزن لحزنه إن هو حزن وإن كان عنده ما يفرج عنه فرّج عنه إلاّ دعا له ) (٣) .

كما نجده يحذّر من بعض التصرّفات التي من شأنها أن تفسد العلاقة ، فقد قالعليه‌السلام لابن النعمان :( إن أردت أن يصفو لك ودّ أخيك فلا تمازحنّه ولا تمارينه ولا تباهينّه ، ولا تشارنه ، ولا تطلع صديقك من سرّك إلاّ على ما لو اطّلع عليه عدوّك لم يضرّك ، فإنّ الصديق قد يكون عدوّك يوماً ) (٤) .

كما حذّرعليه‌السلام من المجاملة على حساب المبدأ والتعاطف مع الخصوم فقال :( مَن قعد إلى سابّ أولياء الله فقد عصى الله ومَن كظم غيضاً فيما لا يقدر على إمضائه كان معنا في السنام الأعلى ) (٥) .

وقال أيضاً :( مَن جالس لنا عائباً ، أو مدح لنا قالياً أو واصل لنا قاطعاً ، أو قطع لنا واصلاً ، أو والى لنا عدواً ، أو عادى لنا وليّاً فقد كفر بالذي أنزل السبع المثاني

ـــــــــــــــــ

(١) السخيمة : الحقد والضغينة حتى تسل سخيمته والسل الانتزاع والإخراج في رفق .

(٢) وسائل الشيعة : ٨ / ٥٤٩ .

(٣) وسائل الشيعة : ٨/٥٤٢ .

(٤) الكافي : ١ / ١٦٥ ، وبحار الأنوار : ٧٨ / ٢٨٦ .

(٥) المصدر السابق .


والقرآن العظيم ) (١) .

وحذّر أيضاً من مرض الانقباض والشحناء مع الإخوان والمراء والخصومة فقالعليه‌السلام : قال أمير المؤمنينعليه‌السلام :( إيّاكم والمراء والخصومة فإنّهما يمرضان القلوب على الإخوان وينبت عليهما النفاق ) (٢) .

موقف الإمامعليه‌السلام من الهجران والمقاطعة

وندّد الإمامعليه‌السلام بظاهرة المقاطعة بين المؤمنين قائلاً :( لا يفترق رجلان على الهجران إلاّ استوجب أحدهما البراءة واللعنة ، وربّما استحق ذلك كلاهما فقال له معتّب : جعلني الله فداك ، هذا الظالم فما بال المظلوم ؟ قال :لأنّه لا يدعو أخاه إلى صلته ولا يتغامس ( يتغافل )له عن كلامه ، سمعت أبي يقول : إذا تنازع اثنان ، فعازّ أحدهما الآخر فليرجع المظلوم على صاحبه حتى يقول لصاحبه : أي أخي أنا الظالم ، حتى يقطع الهجران فيما بينه وبين صاحبه فإنّ الله تبارك وتعالى حكم عدل يأخذ للمظلوم من الظالم ) (٣) .

الخطّ التربوي للإمام الصادقعليه‌السلام

لم تكن علاقة الإمام الصادقعليه‌السلام مع جماعته وأصحابه من الناحية التربوية قائمة على أساس الوعظ والإرشاد العام من دون تشخيص لمستويات وواقع سامعيه فكرياً وروحياً وما يحتاجون إليه ، بل كانعليه‌السلام يستهدف البناء

ـــــــــــــــــ

(١) الأمالي للصدوق : ٥٥ وبحار الأنوار : ٢٧/٢٢ ، وسائل الشيعة : ١١/٥٠٦ .

(٢) وسائل الشيعة : ٨/٤٠٦ ، باب كراهة الانقباض من الناس .

(٣) الكافي : ٢/٣٤٤ / ح١ وبحار الأنوار : ٧٥/١٨٤ ، وسائل الشيعة : ٨/٥٨٤ .


الخاص ، ويميّز بينهم ويزقّ لهم الفكرة التربوية التي تحرّكهم نحو الواقع ليكونوا على استعداد تام لتحمّل مسؤولية إصلاح الأمة فكان يزوّدهم بالأُسس والقواعد التربوية الميدانية التي تؤهلهم لتجاوز الضغوط النفسية والاقتصادية ويمتلكوا الأمل الإلهي في تحقيق أهدافهم .

ونشير إلى بعض ما رفد به الإمام أصحابه من توجيهات ضمن عدّة نقاط :

النقطة الأولى : في الدعوة والإصلاح

قالعليه‌السلام :( إنّما يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر مَن كانت فيه ثلاث خصال : عالم بما يأمر ، عالم بما ينهى عادل فيما يأمر ، عادل فيما ينهى ، رفيق بما يأمر ، رفيق بما ينهى ) (١) .

واعتبر الإمامعليه‌السلام النقد البنّاء سبباً لسدّ الفراغ والضعف الذي يصيب الأفراد عادةً ، فقالعليه‌السلام :( أحبّ إخواني إليَّ مَن أهدى إليَّ عيوبي ) (٢) .

وقالعليه‌السلام :( إذا بلغك عن أخيك ما تكره ، فاطلب له العذر إلى سبعين عذراً فإنْ لم تجد له عذراً ، فقل لنفسك لعلّ له عذراً لا نعرفه ) (٣) .

النقطة الثانية : التعامل التربوي في مجال العلم والتعلّم

أكّد الإمام الصادقعليه‌السلام على الخطورة التي تترتّب على الرسالة العلمية إذا انفكت عن قاعدتها الأخلاقية وَوُظِّفَ العلم لأغراض دنيوية وما ينجم عنه من تشويه لهذه الرسالة المقدّسة وقد لعب هذا الفصل بين العلم وقاعدته

ـــــــــــــــــ

(١) تحف العقول : ٣٥٨ ، وبحار الأنوار : ٧٨/٢٤٠ .

(٢) تحف العقول : ٣٦٦ ، وبحار الأنوار : ٧٨/٢٤٩ .

(٣) إحقاق الحق : ١٢/٢٧٩ ، والمشروع الرويّ : ١/٣٥ .


الأخلاقية دوراً سلبياً حيث أنتج ظاهرة وعّاظ السلاطين التي وظّفت الدين لمصلحة السلطان ، من هنا حذّر الإمامعليه‌السلام من هذه الظاهرة ضمن تصنيفه لطلبة العلم قائلاً :( طلبة العلم ثلاثة فاعرفوهم بأعيانهم وصفاتهم : صنف يطلبه للجهل والمراء ، وصنف يطلبه للاستطالة والختل ، وصنف يطلبه للفقه والعقل.

فصاحب الجهل والمراء ، مؤذ ممار متعرّض للمقال في أندية الرجال بتذاكر العلم وصفة الحلم قد تسربل بالخشوع وتخلّى من الورع ، فدقّ الله من هذا خيشومه وقطع منه حيزومه .

وصاحب الاستطالة والختل ، ذو خبّ وملق يستطيل على مثله من أشباهه ويتواضع للأغنياء من دونه ، فهو لحلوائهم هاضم ، ولدينه حاطم ، فأعمى الله على هذا خبره ، وقطع من آثار العلماء أثره .

وصاحب الفقه والعقل ، ذو كآبة وحزن وسهر ، قد تحنّك في برنسه ، وقام الليل في حندسه ، يعمل ويخشى وجلاً داعياً مشفقاً ، مقبلاً على شأنه ، عارفاً بأهل زمانه ، مستوحشاً من أوثق إخوانه فشدّ الله من هذا أركانه ، وأعطاه يوم القيامة أمانه ) (١) .

النقطة الثالثة : الضابطة التربوية للتصدّي والقيادة

وضع الإمامعليه‌السلام قاعدة أخلاقية عامة وضابطة يتعامل بها المؤمن ويطبّقها في كل ميادين الحياة ، وبها تنمو الفضيلة ، وتكون أيضاً سبباً للتنافس الصحيح والبنّاء والتفاضل المبدئي وبغياب هذه القاعدة واستبدالها بمقاييس مناقضة لها سوف يتقدّم المفضول على الفاضل وتضيع القيم وتهدر الطاقات ، قالعليه‌السلام :( مَن دعا الناس إلى نفسه ، وفيهم مَن هو أعلم منه ، فهو مبتدع ضالّ ) (٢) .

ـــــــــــــــــ

(١) الكافي : ١/٤٩ ، وبحار الأنوار : ٨٣ / ١٩٥ .

(٢) تحف العقول : ٣٧٥ ، وبحار الأنوار : ٧٨/٢٥٩ .


النقطة الرابعة : المحنة والقدرة على المقاومة

لقد عبّأ الإمام الصادقعليه‌السلام شيعته وعاهدهم في أكثر من مرّة قائلاً : إنّ الانتماء لخطّه سوف يترتّب عليه من الاضطهاد والابتلاء ما لا يطيقه أحد إلاّ مَن اختاره الله سبحانه ، كما أنّ التشيّع لا يستحقه إلاّ أولئك الذين لديهم الاستعداد للتضحية العالية وتحمّل البلاء وهذا أسلوب إلهي استخدمه الله مع أوليائه ، فعن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام عندما ذكر عنده البلاء وما يخص به المؤمن قال :سئل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مَن أشد الناس بلاءاً في الدنيا ؟ فقال : ( النبيون ثم الأمثل فالأمثل ، ويُبتلى المؤمن بعد على قدر إيمانه وحسن أعماله فمَن صحّ إيمانه وحسن عمله اشتدّ بلاؤه ، ومَن سخف إيمانه وضعف عمله قلّ بلاؤه ) (١) .

وروى الحسين بن علوان عن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام أنّه قال وعنده سدير :( إنّ الله إذا أحبّ عبداً غتّه بالبلاء غتّاً ) (٢) .

وقالعليه‌السلام :( قد عجز مَن لم يعد لكل بلاءٍ صبراً ، ولكل نعمة شكراً ، ولكل عسر يُسراً ، اصبر نفسك عند كل بلية ورزية في ولد أو في مال ، فإنّ الله إنّما يقبض عاريته وهبته وليبلو شكرك وصبرك ) (٣) .

وقالعليه‌السلام :( إنّا لنصبر ، وإنّ شيعتنا لأصبر منّا ، قال الراوي فاستعظمت ذلك ، فقلت : كيف يكون شيعتكم أصبر منكم ؟! فقالعليه‌السلام :إنّا لنصبر على ما نعلم ، وأنتم تصبرون على ما لا تعلمون ) (٤) .

ـــــــــــــــــ

(١) وسائل الشيعة : ٢/٩٠٦ .

(٢) المصدر السابق : ٢/٩٠٨ .

(٣) تحف العقول : ٣٦١ ، وبحار الأنوار : ٦٧/٢١٦ .

(٤) مشكاة الأنوار : ٢٧٤ .


الباب الرابع :

فيه فصول :

الفصل الأول : نهاية الحكم الأموي وبداية الحكم العبّاسي .

الفصل الثاني : حكومة المنصور واستشهاد الإمام الصادقعليه‌السلام .

الفصل الثالث : من تراث الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام .


الفصل الأول : نهاية الحكم الأموي وبداية الحكم العبّاسي

١ ـ المستجدّات السياسية

لقد تداعا النظام الأموي في هذه المرحلة التاريخية من حياته بعد أن فقد في نظر الأمة كلّ مبرّراته الحضارية ، عقائدية كانت أو سياسية ، ولم يبقَ في قبضته سوى منطق السيف الذي هو آخر مواطن القوّة التي كان يدير بها شؤون البلاد .

وحتى هذا المنطق لم يدم طويلاً أمام إرادة الأمة رغم صرامة آخر ملوك الأمويين (مروان) المعروف في حسمه .

لقد استحكمت قناعة الأمة وآمنت بضرورة التخلّص من الطغيان الأموي ، ولم يبق بعد شيءٌ بيد وعّاظ السلاطين ليرتشوا به ويدافعوا عن وجه الاستبداد الأموي الكالح فيوظّفوا القرآن والحديث لصالح مملكته ولزوم طاعة الأمة لحكّامها ؛ حيث تراكمت في ذهن الأمة وضميرها تلك المظالم التي ارتُكبت بحق ذريّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بدءاً بسمّ معاوية للإمام الحسنعليه‌السلام وسبّه الإمام علي أخي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وابن عمّه وزوج ابنته وجعل السبّ سُنّةً ، ثم قتل الحسين بن علي ريحانة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيته وخيرة أصحابه


بأمر يزيد وعمّاله ، وأخذه البيعة من أهل المدينة في واقعة الحَرّة الأليمة على أنّهم عبيد له بعد أن أباحها لجيشه ثلاثة أيام .

وقول عبد الملك بن مروان :( مَن أوصاني بتقوى الله ضُربت عنقه ) (١) وقتل الطاغية هشام لزيد بن عليعليه‌السلام وصلبه وحرق جثمانه الشريف .

وفساد الولاة الأمويين بالإضافة إلى جبايتهم الضرائب الظالمة ، وشقّ صف وحدة الأمة الإسلامية وتمزيقها إلى طوائف بإشاعتهم للروح القبلية حيث فرّقوا بالعطاء واستعبدوا الشعوب غير العربية .

وهكذا ظهرت إلى سطح الساحة الفكرية والفقهية آراء لا ترى أية شرعية للنظام الأموي وعبّرت عن ذلك في وسط الأمة وأصبح مدح العلويين أمراً تتناقله الناس رغم سلبية موقف السلطة منهم ، بعد أن كان الخوف يمنعهم من التعبير عن رأيهم .

وهكذا استعدت الأمة بفعل تراكم الظلم الأموي ؛ لأنّ تتقبّل أي بديل من شأنه أن ينقذها من الكابوس الأموي ، لعلّها تنعم بشيء من العدل والمساواة .

وهذا الجو قد شجّع على ظهور اتجاهات وادّعاءات سياسية تحرض الأمة وتدعوها إلى الانضمام تحت رايتها تحقيقاً لأطماعها في الخلافة ، كما تطلّعت الأمة للمنقذ باحثة عن أخباره بشغف وأخذت فكرة المهدي المنتظر تشقّ طريقها في أوساط الأمة المظلومة .

ومن جانب آخر اتّسع خط الإمامعليه‌السلام وامتدّ وكثرت أنصاره واستلهمت الأمة ثقافته حيث إنّه قد أثّر في عقلها وقراراتها ، ليس على

ـــــــــــــــــ

(١) تاريخ الخلفاء للسيوطي : ٢١٩ .


المستوى الخاص الذي يحضى برعاية الإمام فحسب ، أو في دوائر محدودة ، بل أصبح له وجود في مختلف البلاد الإسلامية وتألّق الإمام الصادقعليه‌السلام ودخل صيته في كل بيت حتى أصبح مرجعاً روحياً تهوى إليه القلوب من كل مكان وتلوذ به لحل مشكلاتها الفكرية والعقائدية والسياسية .

ولم يكن هذا الامتداد منحصراً بين عموم الناس وسوادها بل كان الإمامعليه‌السلام مرجعاً لعلمائها وموئلاً لساستها ، فهذا سفيان الثوري يقول : دخلت على الإمام الصادقعليه‌السلام فقلت له : أوصني بوصيّة أحفظها من بعدك قال :( وتحفظ يا سفيان ؟ قلت : أجل يا بن رسول الله قال :يا سفيان لا مروّة لكذوب ولا راحة لحسود ولا إخاء لملول ولا خلّة لمختال ولا سؤدد لسيّء الخلق ) (١) .

ودخل عليه مرة أخرى يطلب منه المزيد من التعاليم فقالعليه‌السلام :( يا سفيان الوقوف عند كل شبهة خير من الاقتحام في الهلكة ، وترك حديث لم تروه أفضل من روايتك حديثاً لم تحصه ، إنّ على كل حقّ حقيقة وعلى كلّ صواب نوراً ما وافق كتاب الله فخذوه وما خالفه فدعوه ) (٢) وكانت لسفيان الثوري لقاءات أخرى مع الإمامعليه‌السلام ، بل كانت علاقته به علاقة التلميذ بأستاذه .

وكان من جملة العلماء الذين يدخلون على الإمام للاستفادة منه : حفص بن غياث وهو أحد أعلام عصره وأحد المحدثين في وقته فكان يطلب من الإمامعليه‌السلام أن يرشده ويوصيه فقال له الإمامعليه‌السلام :( إن قدرتم أن لا تعرفوا فافعلوا ، وما عليك أن لم يثن الناس عليك ـ إلى أن قال ـ :إن قدرت أن لا تخرج من بيتك

ـــــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار : ٧٨/٢٦١ .

(٢) أصول الكافي : ١/٦٩ ح١ وتاريخ اليعقوبي : ٢/٣٨١ وعن الكافي في بحار الأنوار : ٢/١٦٥ والإمام الصادق والمذاهب الأربعة : ٢/٣٢٢ .


فافعل فإنّ عليك في خروجك أن لا تغتاب ، ولا تكذب ولا تحسد ، ولا ترائي ، ولا تداهن ) .

وكان أبو حنيفة يغتنم الفرص ليحضر عند الإمام ويستمع منه ، وكان يقول بحق الإمامعليه‌السلام : ما رأيت أفقه من جعفر بن محمدعليه‌السلام .

وكان مالك بن أنس ممّن يحضر عند الإمامعليه‌السلام ليتأدّب بآدابه ويهتدي بهديه فكان يقول : ما رأت عين ولا سمعت أُذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد الصادق علماً وعبادة وورعاً وقال : اختلفت إلى جعفر بن محمد زماناً فما كنت أراه إلاّ على إحدى ثلاث خصال إمّا مصلّياً وإمّا صائماً وإمّا يقرأ القرآن ، وما رأيته قط يحدّث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلاّ على طهارة ، ولا يتكلّم بما لا يعنيه ، وكان من العلماء العبّاد والزهاد الذين يخشون الله(١) .

وشهد المنصور بحقّه وهو ألدّ أعدائه قائلاً : إنّ جعفر بن محمد كان ممّن قال الله فيه( ثم أورَثْنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ) وكان ممّن اصطفى الله وكان من السابقين بالخيرات(٢) .

ولم يكن الإمام مرجعاً للعلماء والفقهاء والمحدّثين وقائداً للنهضة الفكرية والعلمية في زمانه فحسب ، بل كان مرجعاً للساسة والثوّار حيث كان الزعيم الحقيقي للخط العلوي الثائر ، حيث نجد زيداً الشهيد بن علي بن الحسينعليهما‌السلام يرجع إليه في قضية الثورة ، كما كان زيد يقول بحق الإمامعليه‌السلام في كل زمان رجل منّا أهل البيت يحتج الله به على خلقه ، وحجّة زماننا ابن أخي جعفر لا يضل مَن تبعه ولا يهتدي مَن خالفه(٣) .

ـــــــــــــــــ

(١) مالك بن أنس للخولي : ٩٤ ، وكتاب مالك ، محمد أبو زهرة : ٢٨ .

(٢) تاريخ اليعقوبي : ٢/٣٨٣ وقد أخذ هذا عن الصادقعليه‌السلام نفسه ، كما عنه في مناقب آل أبي طالب : ٤/١٤٢ .

(٣) المناقب لابن شهرآشوب : ٤/٢٩٩ .


ولم يكن الإمام جزءاً منفصلاً عن الثورة فقد كان يدعم الثورة بالمال والدعاء والتحريض والتوجيه كما مرّ في البحوث السابقة(١) ، أمّا العلويون من آل الحسن أمثال عبد الله بن الحسن وعمر الأشرف بن الإمام زين العابدين فهم كانوا يرجعون إليه ويستشيرونه في مسائل حياتهم ، ولم يتجاوزه أحد في الأعمال المسلّحة والنشاطات الثورية .

من هنا فإنّ القناعة السائدة آنذاك في أوساط الأمة هي أنّ البديل للحكم الأموي هو الخط الذي يتزعّمه الإمامعليه‌السلام وهذه الحقيقة لم يمكن تغافلها ، كما سوف يتضح أنّ أهم قادة الحركة العباسية ورؤساؤها والمدبّرون لها أو قادتها العسكريون كانوا يعتقدون في قرارة أنفسهم بأنّ الإمامعليه‌السلام هو الأولى من غيره ، وصاحب القوّة والقدرة والحنكة في إدارة الثورة وقيادتها ; وذلك لطاقاته الإلهية وثقله الشعبي ، ولهذا فاتحه بالمبايعة كخليفة كلاًّ من : أبي سلمة الخلاّل وأبي مسلم الخراساني ، وقد ألحّ عليه بعض أصحابه أيضاً مؤكّداً ضرورة إعلان الثورة .

والجدير بالانتباه أنّ الإمامعليه‌السلام لم يتبوّأ هذا الموقع المقدّس من القلوب بسبب المعادلات السياسية الآنية ، فإنّ الأحداث والظروف المختلفة هي التي كانت قد خلقت هذا الجوّ وأكّدت بأن يكون الإمامعليه‌السلام لا غيره في هذا الموقع ويصبح هو البديل اللائق سياسيّاً وفكريّاً والخليفة الشرعي للمسلمين بدل الحكم الأموي الظالم .

وإنّ العمل الدؤوب والمنهج الإصلاحي الذي خطّه الإمامعليه‌السلام ومَن سبقه من أئمة أهل البيتعليهم‌السلام ، وبناء الأجيال الطليعية أدّى إلى ارتفاع هذا

ـــــــــــــــــ

(١) راجع ص : ٧٩ ـ ٨٠ حول موقف الإمام الصادق من ثورة زيد .


الوعي عند الأمة وخلق منعطفاً تاريخياً في حياة الأمة ممّا أدّى إلى أن تنعم الأمة بالثروة الفكرية التي خلفتها تلك الفترة الذهبية لنا .

وكان الإمامعليه‌السلام في هذا الظرف الحسّاس يراقب التحركات السلبية التي تحاول العبث بمسار الأمة والأخذ بها إلى مطبّات انحرافية جديدة ، من هنا أصدر جملة من التوجيهات لأصحابه والتزم الحياد إزاء العروض السياسية الكاذبة التي تقدّم بها بعض الثوّار ; وذلك لمعرفته بالدوافع والمطامع التي كانت تحرّكهم .

وكان من تلك الاتجاهات التي تحرّكت لإقناع الناس بضرورة الثورة على الأمويين بهدف الاستحواذ على الخلافة وتفويت الفرصة على منافسيهم الاتجاه العبّاسي .

٢ ـ الحركة العبّاسيّة ( النشأة والأساليب )

سبقت الإشارة إلى النواة الأولى التي دفعت ببني العبّاس إلى أن يطمعوا في الخلافة ويمنّوا أنفسهم بها .

وقد مرّ فيما ذكرنا(١) أنّ أبا هاشم كان من رجالات أهل البيت البارزين ، وكان هشام بن عبد الملك يحذرّه ; لوجود لياقات علمية وسياسية عنده تؤهّله للقيادة ، فحاول هشام اغتياله ولمّا أحس أبو هاشم بالمكيدة ضدّه احترز من ذلك فأوصى إلى محمد بن علي بن عبد الله بن العبّاس بإدارة أتباعه في مقاومة الأمويين سنة ( ٩٩ هـ ) وكانت هذه الوصية هي بذرة الطمع التي حركت

ـــــــــــــــــ

(١) راجع البحث الذي مرّ تحت عنوان ( بداية الانفلات ) في الصفحة ٨٢ من هذا الكتاب .


محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ممّا جعلته يشعر بأنّه القائد والخليفة مستقبلاً .

وكانت الفرصة سانحة في ذلك الوقت بالتبليغ لشخصه ، لذا شرع في بثّ الدعاة إلى خراسان سرّاً لهذا الغرض واستمرّ بدعوته إلى أن مات سنة ( ١٢٥ هـ ) وترك من بعده أولاده ، وهم : إبراهيم الإمام ، والسفّاح ، والمنصور(١) ويبدو أنّ إبراهيم الإمام هو الذي كان يخطّط لقيام دولة عبّاسية ؛ لأنّه الأكثر دهاءً وحنكة وتخطيطاً من أخويه كما سيتضح ذلك .

نشط إبراهيم بالدعوة وأخذ يتحدّث بأهمّية الثورة وإنقاذ المنكوبين ، وشارك البسطاء من الناس آلامهم وأخذ يعطف على المظلومين ويلعن الظالمين وانتشر دعاة إبراهيم في بلاد خراسان وكان لهم الأثر الكبير هناك وكان منهم : زياد مولى همدان ، وحرب بن قيس ، وسليمان بن كثير ، ومالك بن الهيثم وغيرهم ، وقد تعرّض الدعاة العباسيون للقتل في سبيل دعوتهم ومثّل ببعضهم وحُبس البعض الآخر(٢) ، وكان في طليعة الدعاة نشاطاً وقوّة ودهاءً أبو مسلم الخراساني(٣) .

وتضمّن المنهج السياسي العبّاسي ـ لتضليل الأمة ـ عدّة أساليب كانت منسجمة مع الواقع ومقبولة عند الناس ; لذا لقيت الدعوة استجابة سريعة وانضم المحرومون والمضطهدون إليها .

ونشير إلى بعض هذه الأساليب فيما يلي :

ـــــــــــــــــ

(١) الآداب السلطانية : ١٢٧ .

(٢) تاريخ ابن الساعي : ٣ .

(٣) تاريخ اليعقوبي : ٢/٣٤٠ ـ ٣٤٤ .


الأُسلوب الأوّل :

حرّك العباسيون العواطف بقوّة وحاولوا إقناع الناس بأنّ الهدف من دعوتهم هو الانتصار لأهل البيتعليهم‌السلام الذين تعرّضوا للظلم والاضطهاد وأريقت دماؤهم في سبيل الحق ، وركّز العباسيون بين صفوف دعاتهم بأنّ الهدف المركزي من دعوتهم هو رجوع الخلافة المغتصبة إلى أهلها ؛ ولهذا تفاعل الناس مع شعار ( الرضي من آل محمد ) ووجدوا في هذا الشعار ضالّتهم .

وكان يعتقد الدعاة أنّ هذه الدعوة تنبئ بظهور عهد جديد يضمن لهم حقوقهم كما عرفوه من عدالة عليعليه‌السلام وقد حقّق هذا الشعار نجاحاً باهراً ، خصوصاً في البلاد التي كانت قد لاقت البؤس والحرمان ، وكانت تترقّب ظهور الحق على يد أهل بيت النبوّة .

وكانت ثقافتهم السياسية التي يروّج لها دعاتهم بين الناس تأتي على شكل تساؤلات ، منها : ( هل فيكم أحد يشك أنّ الله عزّ وجلّ بعث محمداً واصطفاه ؟ فيقولون : لا ، فيقال : أفتشكّون أنّ الله أنزل عليه كتابه فيه حلاله وحرامه وشرائعه ؟ فيقولون : لا ، فيقال : أفتظنّون خلفه عند غير عترته وأهل بيته ؟ فيقولون : لا ، فيقال : أفتشكّون أنّ أهل البيت هم معدن العلم وأصحاب ميراث رسول الله الذي علمه الله ؟ فيقال : لا ...(١) .

بهذه الإثارات العامّة التي لا تعيّن المصداق وتكتفي بالإيحاء وتتّكئ

ـــــــــــــــــ

(١) الكامل لابن الأثير : ٥/٣٦٢ .


على الغموض حصلوا على مكاسب جماهيرية هائلة حتى من غير المسلمين وكان هذا الأسلوب يشكّل سرقة لجهود الأئمةعليهم‌السلام حيث يوظّفونها لمصالحهم في الأوساط غير الواعية لطبيعة الصراع .

الأُسلوب الثاني :

ومن الأساليب التي سلكها الدعاة العباسيون ونفذوا من خلالها إلى أوساط الأمة النبوءات الغيبية التي كانت تكشف عن أحداث المستقبل ، وكان لهذا الأسلوب الماكر الأثر الكبير في كسب البسطاء واندفاع المتحمّسين للدعوة وانضمامهم إليها اعتقاداً منهم بصحّة ما يدعون إليه ، فمن تلك النبوءات الغيبية التي أشاعوها في ذلك الحين أنّ (ع) ابن (ع) سيقتل (م) ابن (م) ، ثمّ تأوّلوا أنّ المراد بالأوّل هو عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس والثاني هو مروان بن محمد بن مروان ، كما ادّعوا ـ أيضاً حسب زعمهم ـ أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يبشّر بدولة هاشمية على أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لعمّه العباس : إنّها تكون في ولدك .

ومن تلك الدعايات التي كانت تريد إضفاء الشرعية على دعوتهم هو زعمهم بأنّ لديهم كتباً تؤكّد انتقال الخلافة إلى بني العباس لكن لا يجوز إخراجها وكشفها لكل الناس وإنّما يطّلع عليها النقباء من خواصّهم وهذا الأسلوب كان قد زاد الدعاة تقديساً لدعوتهم كما أنّها قد زادتهم اندفاعاً لها(١) .

الأُسلوب الثالث :

واستخدموا أسلوباً لم يكن مألوفاً من قبل وهو في غاية من الدهاء السياسي ، حيث استطاعوا بواسطته أن يكسبوا الجولة ويوظّفوا الجهود والقناعات المختلفة نحو هدف واحد وهو أنّهم كانوا يتشدّدون في إخفاء اسم الخليفة الذي يدعون إليه ، من هنا التزموا بكتمان أمره ووعدوا الناس بأنّ

ـــــــــــــــــ

(١) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ، أسد حيدر : ٢/٣٠٩ .


الخليفة لا يمكن إظهار اسمه إلاّ بعد زوال سلطان الأمويين حيث يعلق اسمه الذي تعرفه القوّاد والنقباء(١) .

الأُسلوب الرابع :

ومن الأساليب التي استخدمها العباسيون في دعوتهم هو لبس السواد ، حيث كانوا يرمزون به إلى محاربة الظالمين وإظهار الحزن والتألّم لأهل البيتعليهم‌السلام والشهداء الذين لحقوا بهم .

وهكذا قامت الدعوة العباسية باسمهم للانتقام من الأمويين وتركيزاً لهذا الشعار الذي كان له وقع بالغ في النفوس ، أرسل إبراهيم الإمام لواءً يُدعى الظل أو السحاب على رمح طويل ، طوله ثلاثة عشر ذراعاً ، وكتب إلى أبي مسلم : إنّي قد بعثت إليك براية النصر(٢) وقد تأوّلوا الظل أو السحاب فقالوا : إنّ السحاب يطبق الأرض وكما أنّ الأرض لا تخلو من الظل كذلك لا تخلو من خليفة عبّاسي(٣) ، وأنّ ذلك يمثّل لواء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ لأنّهم ذكروا أنّ لواءه في حروبه وغزواته كان أسوداً .

وبعد أن حقّق العباسيون بدهاء إبراهيم الامام وأبيه من قبل وأنصاره في خراسان تقدّماً مشهوداً وكثرت أنصارهم هناك وشكّلوا مجاميع منظّمة تدعو لهم ، وتأكّدوا من نجاح أساليبهم في تضليل الناس وأنّها قد ترسّخت في نفوس دعاتهم ، حينئذٍ تحرّكوا خطوة نحو منافسيهم الحقيقيين وهم أهل البيتعليهم‌السلام فإنّهم الذين كان العباسيون يخشونهم أشدّ خشية ; لأنّ دعوتهم لم تحقّق أي

ـــــــــــــــــ

(١) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : ٢ / ٣٠٩ .

(٢) الطبري : ٩ / ٨٢ .

(٣) الطبري : ٩ / ٨٥والكامل لابن الأثير : ٥ / ١٧٠ .


نجاح إلاّ بواسطة الشعارات التي كانت باسم أهل البيتعليهم‌السلام ؛ إذ حالة عزل الخط العلوي وتجاهله في بداية الأمر سوف تحبط مخططاتهم بأجمعها ، ومن هنا لجأ العباسيون إلى عقد اجتماع موسع يضم الطرف العباسي والعلوي بهدف احتواء الخط العلوي وزجّه في المعترك السياسي والإيحاء للجماهير الإسلامية بأنّ البيت العلوي وراء هذا النشاط الثوري .

وكان إبراهيم الإمام يعلم وعشيرته من بني العباس ، بأنّ الصادقعليه‌السلام يدرك جيّداً على ماذا تسير الأمور وما هو الهدف من هذا التخطيط ، وليس بمقدورهم احتواء الإمام وتوظيف جهده وزجّه ضمن مخطّطهم ، وسوف لن يستجيب فيما لو دُعي للحضور في الاجتماع المزمع عقده ؛ لذا عمدوا إلى شقّ الصفّ العلوي وإغراء آل الحسن بأن تكون الخلافة لهم .

اجتماع الأبواء

وكان الهدف من عقد هذا الاجتماع الصوري بالإضافة إلى الهدف الذي ذكر أعلاه تهيئة الأجواء الودية وإشاعة روح المحبّة والوئام بينهم وبين العلويين وتطميناً لخواطرهم ، وعلى أقل تقدير جعلهم محايدين في هذا الصراع ، ليتمّ لهم ما يهدفون إليه ويحشدوا ما استطاعوا من قوّة لصالحهم .

من هنا اجتمعوا في منطقة الأبواء ـ التي تقع بين مكة والمدينة ـ ودعوا كبار العلويين والعباسيين ، فحضر كل من : إبراهيم الإمام والسفاح والمنصور وصالح ابن علي وعبد الله بن الحسن وابناه محمد ذي النفس الزكية وإبراهيم وغيرهم .


وقام صالح بن علي خطيباً فقال : قد علمتم أنّكم الذين تمدّ الناس أعينهم إليهم ، وقد جمعكم الله في هذا الموضع ، فاعقدوا بيعة لرجل منكم تعطونه إيّاها من أنفسكم وتواثقوا على ذلك حتى يفتح الله وهو خير الفاتحين .

ثم قام عبد الله بن الحسن فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : قد علمتم أنّ ابني هذا هو المهدي فهلمّوا لنبايعه .

فقال أبو جعفر المنصور : لأي شيء تخدعون أنفسكم ؟ والله لقد علمتم ما الناس إلى أحد أصور(١) أعناقاً ، ولا أسرع إجابة منهم إلى هذا الفتى ـ يريد به محمد بن عبد الله ـ قالوا قد ـ والله ـ صدقت إن هذا لهو الذي نعلم فبايعوا جميعاً محمّداً ، ومسح على يده كل من : إبراهيم الإمام والسفّاح والمنصور وكل مَن حضر الاجتماع(٢) .

وبعد أن أنهى مؤتمرهم أعماله بتعيين محمد بن عبد الله بن الحسن خليفة للمسلمين ، أرسلوا إلى الإمام الصادقعليه‌السلام فجاء الإمام وقال : (لماذا اجتمعتم ؟ قالوا : أن نبايع محمد بن عبد الله ، فهو المهدي ) .

قال الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام :لا تفعلوا فإنّ الأمر لم يأت بعد ، وهو ليس بالمهديّ ، فقال عبد الله ـ ردّاً على الإمامعليه‌السلام ـ : يحملك على هذا الحسد لابني ! فأجابه الإمامعليه‌السلام :والله لا يحملني ذلك ولكن هذا وإخوته وأبناءهم دونكم وضرب بيده على ظهر أبي العباس ، ثم قال لعبد الله :ما هي إليك ولا إلى ابنيك ، ولكنّها لبني العباس ، وإنّ ابنيك لمقتولان ، ثم نهضعليه‌السلام وقال :إنّ صاحب الرداء الأصفر ـ يقصد بذلك أبا جعفر ـيقتله .

ـــــــــــــــــ

(١) أصور : أميل .

(٢) مقاتل الطالبيين : ٢٥٦ ، وإعلام الورى : ١/٥٢٧ ، وكشف الغمّة : ٢/٣٨٦ .


قال عبد العزيز : والله ما خرجت من الدنيا حتى رأيته قتله وانفضّ القوم ، فقال أبو جعفر المنصور للإمام جعفر الصادقعليه‌السلام : تتمّ الخلافة لي ؟ فقال :نعم أقوله حقّاً )(١) .

تحرّك العبّاسيين بعد المؤتمر

بعد أن حقّق المؤتمر غرضه وأنِسَ الحاضرون بقراره الكاذب نشط إبراهيم الإمام في الاتجاه الآخر ليواصل عمله بشكل مستقل عن أعضاء المؤتمر فأصدر عدّة قرارات سرّية كعادته منها : أنّه كتب إلى شيعته في الكوفة وخراسان : إنّي قد أمّرت أبا مسلم بأمري فاسمعوا له وأطيعوا ، قد أمّرته على خراسان ، وما غلب عليه كان ذلك سنة ( ١٢٨ هـ ) وكان أبو مسلم لا يتجاوز عمره التسعة عشر سنة ووصفوه بأنّه كان يقظاً فاتكاً غادراً لا يعرف الرحمة ولا الرأفة ، وكان ماهراً في حياكة الدسائس .

ودهش الجميع لتعيين أبي مسلم في هذا المنصب الخطير نظراً لحداثة سنّه وقلّة تجاربه ، وأبى جمع من الدعاة طاعته والانصياع لأوامره إلاّ أنّ إبراهيم الإمام ألزمهم السمع والطاعة(٢) وأقدم أبو مسلم فيما بعد على إعدام جميع من عارض اختياره لقيادة هذه المنطقة .

أمّا ما هو الخط الذي سوف يتحرّك بموجبه أبو مسلم لإعلان ثورته هناك ؟ فقد جاء هذا الخط في وصيّة إبراهيم الإمام له عندما قال : يا عبد الرحمن إنّك منّا أهل البيت فاحفظ وصيّتي ، انظر هذا الحي من اليمن

ـــــــــــــــــ

(١) مقاتل الطالبيين : ٢٥٦ ، الخرائج والجرائح : ٢ / ٧٦٥ ، وعنه في بحار الأنوار : ٤٧ / ١٢٠ : ٢٥٦ .

(٢) الكامل في التاريخ : ٤ / ١٩٥ ، وتاريخ ابن الساعي : ٣ .


فأكرمهم ، وحلّ بين ظهرانيهم ، فإنّ الله لا يتم هذا الأمر إلاّ بهم ، وانظر هذا الحي من ربيعه فاتهمهم في أمرهم ، وانظر هذا الحي من مضر فإنّهم العدو القريب الدار ، فاقتل مَن شككت في أمره ومَن وقع في نفسك منه شيء ، وإن شئت أن لا تدع بخراسان مَن يتكلّم العربية فافعل ، فأيّما غلام بلغ خمسة أشبار فاقتله(١) وهذه الوصيّة تلخّص السياسة العباسية مع المسلمين .

وقد أثّر أبو مسلم الخراساني في الناس لتعاطفه معهم حيث كان يتمتّع بصفات تؤهّله لهذا الموقع ، فهو خافض الصوت فصيح بالعربية والفارسية ، حلو المنطق راوية للشعر ، لم يُر ضاحكاً ولا مازحاً إلاّ في وقته ، ولا يكاد يُقَطّب في شيء من أحواله ، تأتيه الفتوحات العظام فلا يظهر عليه أثر السرور ، وتنزل به الحوادث الفادحة فلا يُرى مكتئباً وعندما سُئل إبراهيم الإمام عن أهلية أبي مسلم قال : إنّي قد جرّبت هذا الأصبهاني ، وعرفت ظاهره وباطنه فوجدته حَجَر الأرض(٢) .

وكان محبوباً حتى عند غير المسلمين حيث نجد دهاقين المجوس اندفعوا إلى اتّباعه وأظهروا الإسلام على يديه ، كما استجاب للدعوة الإسلامية عدد كبير من أهل الآراء الخارجة عن الإسلام ، كل ذلك للظلم والجور الذي لحق بهم من الولاة الأمويين ، وبسبب ما شاهدوه من العطف من أبي مسلم الخراساني ؛ ولذا كان الكثير منهم يعتبرونه وحده الإمام ، واعتقدوا أنّه أحد أعقاب زرادشت الذي ينتظر المجوس ظهوره ، حتى أنّهم لم يعتقدوا بموت أبي مسلم بل كانوا ينتظرون رجعته(٣) .

ـــــــــــــــــ

(١) الكامل في التاريخ : ٤ / ٢٩٥ .

(٢) وفيات الأعيان : ٣ / ١٤٥ .

(٣) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : ٢ / ٣١١ .


ومن جانب آخر أنّه هو الذي أنزل جثمان يحيى بن زيد وصلّى عليه ودفنه ، وبعد أن تقلّد المنصب كقائد عام للعسكر توجّه من فوره لخراسان ليقود الجماهير التي تنتظر الأوامر منه ، وكانت متحمّسة قبل هذا الحين للحرب مع الأمويين فخطب بالدعاة قائلاً : أشعروا قلوبكم الجرأة فإنّها من أسباب الظفر ، وأكثروا من ذكر الضغائن ، فإنّها تبعث على الإقدام ، وألزموا الطاعة فإنّها حصن المحارب(١) .

وفجّر الثورة هناك ، وكان يبذر الشقاق بين جنود الأمويين ليحصل الانقسام بينهم وقد استفاد بذلك ونجح في مهمّته ، وقد انجفل الناس من هرات والطالقان ومرو وبلخ وتوافروا جميعاً مسودين الثياب وأنصاف الخشب التي كانت معهم(٢) .

وباشر أبو مسلم إبادة الأبرياء فقتل ـ فيما ينقل المؤرّخون ـ ستمائة ألف عربي بالسيف صبراً عدا مَن قتل في الحرب(٣) .

وتقدّمت جيوش أبي مسلم ـ بعد أن هزمت ولاة الأمويين في خراسان ـ نحو العراق وهي كالموج تخفق عليها الرايات السود فاحتلّت العراق بدون مقاومة تُذكر وبهذا أُعلن الحكم العباسي على يد أبي مسلم الخراساني في الكوفة سنة ( ١٣٢ هـ ) .

والجدير بالذكر أنّه قبل أن يدخل أبو مسلم الخراساني الكوفة حدث هناك أمران ينبغي الالتفات إليهما :

ـــــــــــــــــ

(١) حياة الإمام موسى بن جعفر : ١ / ٣٢٦ .

(٢) حياة الحيوان ، الدينوري : ٣٦٠ .

(٣) حياة الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام : ١ / ٣٢٦ .


الأمر الأول : في سنة ( ١٣١ هـ ) بعد إعلان أبي مسلم الخراساني الثورة في خراسان ، وقبل دخوله الكوفة أُلقي القبض على إبراهيم الإمام ـ الرأس المدبّر للثورة ـ من قِبل الخليفة الأموي مروان وحبسه في حرّان ثم قتله بعد ذلك في نفس التاريخ ؛ وبهذا الحدث تعرّضت الحركة العباسية لانتكاسة كبرى .

الأمر الثاني : خاف أبو العباس السفّاح وأبو جعفر المنصور وجماعة فهربوا إلى الكوفة لوجود قاعدة من الدعاة العباسيين فيها وعلى رأسهم أبو سلمة الخلاّل الذي كان يضاهي أبا مسلم في الدهاء والنشاط وكان يُعرف بوزير آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأخلى لهم داراً وتولّى خدمتهم بنفسه وتكتّم على أمرهم .

ولعلّ أبا سلمة الخلاّل كان يريد من خلال هذا الإجراء صرف الخلافة لآل علي ولكنّه غلب على أمره حتى فاجأته جيوش أبي مسلم الخراساني إلى الكوفة وظهر أمر بني العباس فأخرجوا السفّاح إلى المسجد وبايعوه يوم الجمعة ١٢ ربيع الأول سنة ( ١٣٢ هـ ) .

واستقبلت الكوفة بيعة السفّاح بكثير من القلق ؛ لأنّها كانت تترقّب بفارغ الصبر حكومة العلويين حسب الشعارات المرفوعة ليبسطوا الأمن والرخاء .

أمّا الأوساط الواعية في الكوفة ، بل في كل أنحاء العالم الإسلامي ، فقد شجبت البيعة للسفّاح وأفتى الفقهاء في يثرب بعدم شرعيّتها(١) .

وبعد ذلك أخذوا به إلى المسجد لغرض الصلاة والخطبة لكنّه

ـــــــــــــــــ

(١) تاريخ الامم والملوك : ٩ / ١٢٤ ، وتاريخ ابن قتيبة : ١٢٨ ، والطقطقي : ١٢٧ .


حُصِر وخطب مكانه عمّه داود ثمّ امتلك الجرأة فخطب وكان من جملة ما قاله في خطابه :

يا أهل الكوفة أنتم محل محبّتنا ، ومنزل مودّتنا ، أنتم الذين لم تتغيّروا عن ذلك ، ولم يثنكم عنه تحامل أهل الجور عليكم ، حتى أدركتم زماننا ، وأتاكم الله بدولتنا ، فأنتم أسعد الناس بنا ، وأكرمهم علينا ، وقد زدتكم في أعطياتكم مائة درهم ، فأنا السفّاح المبيح ، والثائر المنيح(١) .

ثمّ أرسل قوّاته بقيادة عبد الله بن علي لقتال مروان بن محمد بن مروان الحمار ولاحقته الجيوش العباسية من بلدة إلى أخرى حتى حاصرته في مصر في قرية يقال لها ( بوصير ) وقُتل هناك شرّ قتلة(٢) .

٣ ـ موقف الإمامعليه‌السلام من الأحداث

التزم الإمام الصادقعليه‌السلام إزاء المستجدّات السياسية في هذه المرحلة موقف الحياد لكنّه من جانب آخر واصل العمل في نهجه السابق ، وأخذ يتحرّك بقوّة ويوسّع من دائرة الأفراد الصالحين في المجتمع ؛ تحقيقاً لهدفه الذي خطّه قبل هذا الوقت وحفاظاً على جهده في بناء الإنسان .

ومن هذا المنطلق أصدر جملة من التوصيات لشيعته التي كان من شأنها أن تجنّبهم الدخول في المعادلات السياسية المتغيّرة التي تؤدّي بنتيجتها إلى استنزاف الوجود الشيعي في نظر الإمامعليه‌السلام محذّراً من أساليب العنف والمواجهة كخيار لهذه المرحلة .

ـــــــــــــــــ

(١) الكامل في التاريخ : ٥/٤١٣ .

(٢) اليعقوبي : ٢/٣٤٦ وابن جرير وابن الأثير في الكامل في التاريخ : ٥/٤٢٦ .


فعن أبي بصير قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول :( اتقوا الله وعليكم بالطاعة لأئمتكم ، قولوا ما يقولون ، واصمتوا عمّا صمتوا ، فإنّكم في سلطان من قال الله تعالى : ( وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ) (١) ـ يعني بذلك ولد العباس ـفاتقوا الله فأنّكم في هدنة ، صلّوا في عشائرهم واشهدوا جنائزهم ، وأدّوا الأمانة إليهم ) (٢) .

ويمكن بلورة سيرة الإمامعليه‌السلام ومنهجه السياسي ـ مع الأطراف الطامعة بالحكم ، أو العباسيين الّذين يرون في الإمام الصادقعليه‌السلام وخطّه خطراً حقيقياً على سلطانهم ـ من خلال المواقف التالية :

موقف الإمامعليه‌السلام من عرض أبي سلمة الخلاّل

لقد أدرك أبو سلمة الخلاّل أحد الدعاة العباسيين النشطين في الكوفة والذي لعب دوراً متميّزاً في نجاح الدعوة العباسية وتكثير أنصارها في الكوفة ؛ وذلك لما امتاز به من لياقة وعلم ودهاء ، وثراء حيث أنفق من ماله الخاص على رجال الدعوة العباسية ، وكانت له علاقة خاصة واتصالات مستمرّة مع إبراهيم الإمام ، وأدرك بعد موت إبراهيم الإمام بأنّ الأمور تسير على خلاف ما كان يطمح إليه أو لعلّه كان قد تغيّر هواه واستجدّ في نفسه شيء ، ولاحظ أنّ مستقبل الخلافة سيكون إلى أبي العباس أو المنصور وهما غير جديرين بالخلافة أو لطمعه بالسلطة ، نراه يكتب للعلويين وفي مقدّمتهم الإمام الصادقعليه‌السلام بأنّه يريد البيعة لهم .

لكنّنا لا نفهم من رسالة ـ أبي سلمة ـ للإمامعليه‌السلام بأنّها رسالة ندم أو

ـــــــــــــــــ

(١) إبراهيم (١٤) : ٤٦ .

(٢) الكافي : ٨ / ٢١٠ .


اعتراض على النهج العباسي وخديعتهم للعلويين أو إدانة أساليبهم في الاستيلاء على السلطة .

نعم ، إنّ الّذي نجده عند مشهور المؤرّخين(١) هو أنّ أبا سلمة الخلال أراد نقل الخلافة إلى العلويين ولم يوفّق لذلك .

ونجد في جواب الإمامعليه‌السلام على رسالة أبي سلمة : أنّ الإمامعليه‌السلام قد رفض العرض لا بسبب كون الظروف قلقة وغير مؤاتية فحسب ، بل كان الرفض يشمل أبا سلمة نفسه حيث قال :( مالي ولأبي سلمة وهو شيعة لغيري ) (٢) .

وأكّد الإمامعليه‌السلام رفضه القاطع عندما قام بحرق الرسالة التي بعثها له أبو سلمة جواباً لأبي سلمة:

قال المسعودي : كاتب أبو سلمة الخلاّل ثلاثة من أعيان العلويين وهم جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام وعمر الأشرف بن زين العابدين ، وعبد الله المحض ، وأرسل الكتب مع رجل من مواليهم يسمى محمد بن عبد الرحمن ابن أسلم مولىً لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال أبو سلمة للرسول : العجل العجل فلا تكونن كواقد عاد وقال له : اقصد أولاً جعفر بن محمد الصادق فإن أجاب فأبطل الكتابين الآخرين ، وإن لم يجب فالق عبد الله المحض فإن أجاب فأبطل كتاب عمر وإن لم يجب فالق عمر .

فذهب الرسول إلى جعفر بن محمد أولاً ، ودفع إليه كتاب أبي سلمة فقال الإمامعليه‌السلام :( مالي ولأبي سلمة وهو شيعة لغيري ؟! فقال له الرجل : اقرأ الكتاب ، فقال لخادمه :ادن السراج منّي ، فأدناه ، فوضع الكتاب على

ـــــــــــــــــ

(١) تاريخ الأمم والملوك : ٩ / ١٢٤ وابن قتيبة : ١٢٨ ، والطقطقي : ١٢٧ .

(٢) مروج الذهب : ٣ / ٢٥٤ ، والآداب السلطانية : ١٣٧ .


النار حتى احترق ، فقال الرسول : ألا تجبه ؟ قالعليه‌السلام :قد رأيت الجواب عرّف صاحبك بما رأيت ) (١)

موقف الإمام الصادقعليه‌السلام من العلويين

أمّا العلويون الذين خدعهم العباسيون في اجتماع الأبواء قبل انتصار العباسيين وبايعوا في حينه محمد بن عبد الله كخليفة للمسلمين ، فقد استجاب عبد الله بن الحسن أيضاً للعرض الذي تقدم به أبو سلمة وجاء للإمام الصادق مسروراً يبشّره بهذا العرض .

قال المسعودي : فخرج الرسول من عند الإمام الصادق وأتى عبد الله بن الحسن ، ودفع إليه الكتاب وقرأه وابتهج ، فلمّا كان غد ذلك اليوم الذي وصل إليه فيه الكتاب ركب عبد الله حتى أتى منزل أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام فلمّا رآه أبو عبد الله أكبر مجيئه ، وقال : يا أبا محمد ( وهي كنية عبد الله المحض ) أمر ما أتى بك ؟ قال : نعم هو أجل من أن يوصف ، فقال له : وما هو يا أبا محمد ؟

قال : هذا كتاب أبي سلمة يدعوني للخلافة ، وقد قدمت عليه شيعتنا من أهل خراسان ، فقال له أبو عبد الله : يا أبا محمد ومتى كان أهل خراسان شيعة لك ؟ أنت بعثت أبا مسلم إلى خراسان؟ وأنت أمرتهم بلبس السواد ؟ هؤلاء الذين قدموا العراق أنت كنت سبب قدومهم أو وجّهت فيهم ؟ وهل تعرف منهم أحداً ؟

فنازعه عبد الله بن الحسن الكلام إلى أن قال : إنّما يريد القوم ابني محمداً لأنّه مهدي هذه الأمة .

فقال أبو عبد الله جعفر الصادق :( ما هو مهدي هذه الأمة ولئن شهر سيفه

ـــــــــــــــــ

(١) مروج الذهب : ٣ / ٢٥٤ .


ليقتلن ) .

فقال عبد الله : كان هذا الكلام منك لشيء .

فقال الصادقعليه‌السلام :( قد علم الله أنّي أوجب النصيحة على نفسي لكل مسلم ، فكيف أدّخره عنك فلا تمنّ نفسك الأباطيل ، فإنّ هذه الدولة ستتمّ لهؤلاء وقد جاءني مثل الكتاب الذي جاءك ) (١) .

نهاية أبي سلمة الخلاّل

ولم يخف أمر أبي سلمة الخلال على العباسيين فقد أحاطوه بالجواسيس التي تسجّل جميع حركاته وأعماله وترفعها إلى العباسيين ، فاتفق السفّاح وأخوه المنصور على أن يخرج المنصور لزيارة أبي مسلم ويحدّثه بأمر أبي سلمة ، ويطلب منه القيام باغتياله ، فخرج المنصور ، والتقى بأبي مسلم ، وعرض عليه أمر أبي سلمة فقال ، أبو مسلم : أفعلها أبو سلمة ؟ أنا أكفيكموه ؟ ثم دعا أحد قوّاده ( مرار بن أنس الضبي ) ، وقال له : انطلق إلى الكوفة فاقتل أبا سلمة حيث لقيته فسار إلى الكوفة مع جماعة من جنوده وكان أبو سلمة يسمر عند السفّاح الذي تظاهر بإعلان العفو والرضا عنه ، واختفى مرار مع جماعته في طريق أبي سلمة فلمّا خرج من عند السفّاح بادر إلى قتله ، وأشاعوا في الصباح : أنّ الخوارج هي التي قتلته(٢) .

ـــــــــــــــــ

(١) مروج الذهب : ٣ / ٢٥٤ ، ٢٥٥ ونحوه في اليعقوبي : ٢/٣٤٩ ، والآداب السلطانية : ١٣٧ ونحوه الحلبي في مناقب آل أبي طالب : ٤/٢٤٩ عن ابن كادش العكبري في مقاتل العصابة العلوية .

(٢) اليعقوبي : ٢/٣٥٤ وتاريخ الأمم والملوك ، أحداث سنة ( ١٣٢ ) قتل أبو سلمة في الخامس عشر من شهر رجب بعد هزيمة مروان بشهر واحد .


موقف الإمامعليه‌السلام من عرض أبي مسلم

أمّا أبو مسلم الخراساني الذي قاد الانقلاب على الأمويين في خراسان ، وتمّ تأسيس الدولة العباسية على يديه نجده في الأشهر الأولى من انتصار العبّاسيين وإعلان البيعة لأبي العباس السفاح بالكوفة يكتب للإمام الصادقعليه‌السلام رسالة يريد بها البيعة للإمامعليه‌السلام فقد جاء فيها : إنّي قد أظهرت الكلمة ، ودعوت الناس عن موالاة بني أُميّة إلى موالاة أهل البيت فإن رغبت فلا مزيد عليك(١) .

لا شك أنّ أبا مسلم الخراساني المعروف بولائه وإخلاصه للعباسيين وهو صنيعتهم حينما تصدر رسالة من عنده بهذه اللهجة تعتبر مفاجأة ولابد أن تتأثّر بعوامل طارئة قد غيّرت من قناعاته ، سواء كانت تلك العوامل ذاتية أو موضوعية وإلاّ فما هي الجهة التي تربطه بالإمامعليه‌السلام ؟

لم يحدثنا التاريخ عن أي علاقة بينه وبين الإمامعليه‌السلام عقائدياً أو سياسياً سوى لقاء واحد لم يتم فيه التعارف بينهما أو التفاهم نعم كان الإمامعليه‌السلام قد عَرِفه وذكر اسمه ومستقبله السياسي قبل إعلان العباسيين ثورتهم(٢) .

أمّا موقف الإمام من عرض أبي مسلم الخراساني فيمكن معرفته من جواب الإمام على الرسالة فقد جاء في جوابهعليه‌السلام ( ما أنت من رجالي ولا الزمان

ـــــــــــــــــ

(١) الملل والنحل للشهرستاني : ١ / ٢٤١ ، وفي روضة الكافي : ٢٢٩ جوابه لرسول أبي مسلم بكتابه إليه وعنه في بحار الأنوار : ٤٧/٢٩٧ .

(٢) إعلام الورى : ٢/٥٢٨ وعنه في مناقب آل أبي طالب : ٤/٢٥٩ وبحار الأنوار : ٤٧/٢٧٤ ح١٥ .


زماني ) (١) .

كلمات مختصرة ومعبّرة عن تفسير الإمام للمرحلة وتشخيصه لأبي مسلم ; لأنّ أبا مسلم لم يكن من تربية الإمام ، ولا من الملتزمين بمذهبه ، فهو قبل أيام قد سفك من الدماء البريئة ما لا يُحصى وقيل لعبد الله بن المبارك : أبو مسلم خير أو الحجاج ؟ قال : لا أقول إنّ أبا مسلم كان خيراً من أحد ولكنّ الحجاج كان شرّاً منه(٢) وكان لا يعرف أحداً من خط أهل البيت ومواليهم ; إذ كانت علاقته محصورة بدائرة ضيّقة كما قد حددها له مولاه إبراهيم الإمام عندما أمره أن لا يخالف سليمان بن كثير ، فكان أبو مسلم يختلف ما بين إبراهيم وسليمان(٣) .

كما نجده بعد مقتل إبراهيم الإمام الذي كان يدعو له يتحوّل بولائه لأبي العباس السفّاح ومن بعده لأبي جعفر المنصور ، علماً أنّ العلاقة كانت بينه وبين المنصور سيئة وكان أبو مسلم يستصغر المنصور أيام حكومة السفّاح(٤) إلاّ أنّ المنصور ثأر لنفسه أيام حكومته فقتله شرّ قتلة .

أمّا المرحلة التي سادها الاضطراب فلم تكن في نظر الإمامعليه‌السلام وتقديره صالحة لتقبّل أطروحته إذ قال له :عليه‌السلام ( ولا الزمان زماني ) (٥) .

٤ ـ منهج الإمامعليه‌السلام في هذه المرحلة

قد أملت الظروف السياسية الساخنة وساهمت في إيجاد بعض

ـــــــــــــــــ

(١) الملل والنحل للشهرستاني : ١ / ١٤٢ .

(٢) وفيات الأعيان : ٣ / ١٤٥ وتاريخ مختصر الدول لابن العبري : ١٢١ : سُئل بعضهم ...

(٣) وفيات الأعيان : ٣/١٤٥ .

(٤) تاريخ اليعقوبي : ٢ / ٣٦٧ والمسعودي : ٣/٢٩١ وتاريخ مختصر الدول : ١٢١ .

(٥) الملل والنحل للشهرستاني : ١/١٥٤ ، تاريخ اليعقوبي : ٢/٣٤٩ .


التصوّرات والإرهاصات عند أصحاب الإمامعليه‌السلام أُسوة بباقي الناس ، وقد لاحظ هؤلاء بأنّ الظرف مناسب لتفجير الوضع واستلام الحكم لضخامة ما كانوا يشاهدونه من شعبية الإمام وكثرة الناس التي تواليه جاءت التصوّرات والتساؤلات عن ضرورة الثورة عند ما ورد إلى الإمام كتاب أبي مسلم الخراساني ، فعن الفضل الكاتب قال كنت عند أبي عبد اللهعليه‌السلام فأتاه كتاب أبي مسلم فقالعليه‌السلام :ليس لكتابك جواب أُخرج عنّا ـ وقد مرّ جواب الإمام على العرض الذي تقدّم به أبو مسلم ـ فجعلنا يُسار بعضنا بعضاً فقال :( أيّ شيء تسارُّون يا فضل ؟ إنّ الله عزّ ذكره لا يعجل لعجلة العباد ، ولإزالة جبل عن موضعه أيسر من زوال ملك لم ينقض أجله ) ثم قال : إنّ فلان بن فلان ، حتى بلغ السابع من ولد فلان .

قلت : فما العلامة فيما بيننا وبينك جُلعتُ فداك ؟ قال :( لا تبرح الأرض يا فضل حتى يخرج السفياني ، فإذا خرج السفياني فأجيبوا إلينا ـ يقولها ثلاثاً ـوهو من المحتوم ) (١) .

وينقل المعلّى بأنّه جاء إلى الإمام بكتب كثيرة من شيعته تطالبه بالنهوض(٢) وقد مرّ جواب الإمامعليه‌السلام في البحوث السابقة بما حاصله أنّ الكثرة المزعومة وذلك العدد الذي لا يستهان به لهو أحوج إلى الإخلاص ورسوخ العقيدة في النفوس فلا يمكن للإمام أن يخوض المعركة بالطريقة التي يفكّر بها فضل الكاتب أو سهل الخراساني وغيرهم ، فإنّ المغامرة من هذا النوع والدخول في اللعب السياسية استغلالاً للظرف سيؤول إلى نتائج لم يدركها هؤلاء إذ تشكّل تجربة كأداء تعطّل المخطّط الإلهي الذي التزمه الإمامعليه‌السلام حتى في حالة نجاح الإمامعليه‌السلام وتسلّمه مقاليد الحكم .

ـــــــــــــــــ

(١) روضة الكافي : ٢٢٩ وعنه في بحار الأنوار : ٤٧ / ٢٩٧ ، وسائل الشيعة : ١١ / ٣٧ .

(٢) الكافي : ٨ / ٢٧٤ .


التصعيد العبّاسي وموقف الإمامعليه‌السلام

وبعد أن تولّى أبو العباس السفّاح الحكم وصار أوّل حاكم عبّاسي قام بتعيين الولاة في البلاد الإسلامية ، فعيّن عمّه داود بن علي بن العباس والياً على يثرب ومكة واليمن وقد خطب داود أوّل تولّيه المنصب خطاباً في أهالي المدينة وتضمّن خطابه التهديد والوعيد بالقتل والتشريد قائلاً : أيّها الناس أغرّكم الإمهال حتى حسبتموه الإهمال ، هيهات منكم ، وكيف بكم ؟ والسوط في كفّي والسيف مشهر .

حتى يبيد قبيلة فقبيلة

ويعض كل مثقّف بالهامِ

ويقمن ربات الخدور حواسراً

يمسحن عرض ذوائب الأيتامِ(١)

وكان تعيين داود بن علي عم السفّاح والياً على المدينة له الأثر السلبي على حركة الإمام الصادقعليه‌السلام فقد بادر هذا الأحمق بمواجهة الإمام عن طريق اعتقال مولى الإمام ( المعلّى بن خنيس ) والتحقيق معه لغرض انتزاع أسماء الشيعة وقد امتنع هذا المخلص وصمّم على الشهادة ولم يذكر أي اسم حتى استشهد .

عن أبي بصير قال : فلمّا ولي داود المدينة ، دعا المعلّى وسأله عن شيعة أبي عبد اللهعليه‌السلام فكتمه ، فقال اتكتمني !؟ أما إنّك إن كتمتني قتلتك .

فقال المعلى : أبالقتل تهدّدني ؟! والله لو كانوا تحت قدمي ما رفعت قدمي عنهم ، وإن أنت قتلتني لتسعدني ولتشقين ، فلمّا أراد قتله ، قال المعلّى أخرجني إلى الناس ، فإنّ لي أشياء كثيرة ، حتى أشهد بذلك .

ـــــــــــــــــ

(١) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : ١ / ١٣٩ .


فأخرجه إلى السوق ، فلمّا اجتمع الناس ، قال : أيّها الناس ، اشهدوا أنّ ما تركت من مال عين ، أو دين ، أو أمة ، أو عبد ، أو دار ، أو قليل أو كثير ، فهو لجعفر بن محمدعليه‌السلام . فقُتل(١) .

لقد تألّم الإمام الصادقعليه‌السلام كثيراً لمقتل المُعلّى بن خنيس ، ولمّا التقى الإمامعليه‌السلام بداود بن علي بن العباس قال له :قتلت قيّمي في مالي وعيالي ، ثم قال لأدعونّ الله عليك قال داود : اصنع ما شئت .

فلما جنّ الليل قالعليه‌السلام :( اللّهم ارمه بسهم من سهامك فأفلق به قلبه ) فأصبح وقد مات داود والناس يهنّئونه بموته(٢) .

لقد أدرك الإمام الصادقعليه‌السلام أنّ الظرف ينبئ بالخطر ، وأنّ الحاضر يحمل في داخله كثيراً من التعقيدات والمشاكل التي سوف يلقاها عن قريب ، لكن الوقت لازال فيه متسع من النشاط والتحرّك ويمكن للإمامعليه‌السلام أن يثبت ما بقي من منهجه ويرسّخه في ذهن الأمة ويمدّها بالآفاق الرسالية التي تحصنها في المستقبل ; لأنّ العباسيين الآن مشغولون بملاحقة الأمويين ؛ لذا نجدهعليه‌السلام لم يصطدم مع داود بن علي بسبب قتله للمعلّى بالطرق المتوقّعة ولم يعلنها ثورة ، كما لم ينسحب للمنطق الذي أبداه داود في تصعيده الموقف مع الإمام ، والذي كان يستهدف جهد الإمام وحركته ، بل قابله بمنطق أقوى يعجز من مثل داود أن يواجهه به .

إنّ لجوء الإمامعليه‌السلام إلى الدعاء سوف يدرك العباسيون من خلاله أنّ الإمام لا يريد المواجهة العسكرية ، لكن مثل هذه الأعمال لا تثنيه عن

ـــــــــــــــــ

(١) اختيار معرفة الرجال للكشي : ٣٧٧ ح ٧٠٨ و ٧١٣ وعنه في المناقب لابن شهر آشوب : ٣ / ٣٥٢ ، وبحار الأنوار : ٤٧ / ١٢٩ .

(٢) الكافي : ٢ / ٥١٣ والخرائج والجرائح : ٢ / ٦١١ ، وبحار الأنوار : ٤٧ / ٢٠٩ .


مواصلة نشاطه ومن فوائد دعاء الإمام أنّه كان يستبطن إيحاءاً لهم بأنّ الإمامعليه‌السلام لا يمتلك تلك القوّة التي تمكّنه من أن يقوم بعمل عسكري ـ مثلاً ـ يهدّد به كيانهم ، وهذا التصوّر الناشئ من هذا الموقف يُطمئن العباسيين ويتيح للإمامعليه‌السلام فرصاً جديدة من النشاط .

ثم نجد الإمامعليه‌السلام بعد أن أنهى مشكلة المعلّى بن خنيس بالطريقة التي مرّت وتفادى المواجهة ، يسافر إلى الكوفة التي يكثر فيها أنصاره وشيعته ولعلم الإمام بأنّ السفّاح ليس بمقدوره مواجهة الإمام في الوقت الحاضر ، وليس من صالح سياسته المستفيدة من اسم الإمامعليه‌السلام هذه المواجهة ، بل نجد السفّاح لا يفكّر حتى في مواجهة بني الحسن الذين وصلته عنهم معلومات تفيد أنّهم يخطّطون للثورة .

وبعد أن وصل الإمام إلى الكوفة قام ببعض النشاطات ، منها :

أنّ الإمامعليه‌السلام أوضح لخواصّ الشيعة بأنّ الحكومة الجديدة لم تختلف عن سابقتها ، لأنّ البعض من الشيعة كان قد التبس عليه الأمر وظنّ أنّ العلاقة بين الإمام وبني العباس طيّبة ؛ لذا طلب بعض الخواصّ من الإمام أن يتوسّط له ليكون موظّفاً في حكومة بني العباس .

ولمّا امتنع الإمام عن إجابته ظنّ بأنّ الإمام منعه مخافة أن توقعه الوظيفة في الظلم ؛ لذا قال : فانصرفت إلى منزلي ، ففكّرت فقلت : ما أحسبه منعني إلاّ مخافة أن أظلم أو أجور ، والله لآتينّه ولأعطينّه الطلاق والعتاق والأيمان المغلّظة أن لا أظلم أحداً ولا أجور ولأعدلنّ .

قال : فأتيته فقلت : جُعلت فداك إنّي فكّرت في إبائك ( امتناعك ) عليَّ فظننت أنّك إنّما منعتني وكرهت ذلك مخافة أن أجور أو أظلم وإنّ كلّ امرأة لي طالق ، وكل مملوك لي حُرّ عليَّ وعليَّ إن ظلمت أحداً أو جرت عليه ، وإن


لم أعدل .

فقال :كيف قلت ؟ قال : فأعدت عليه الأيمان ، فرفع رأسه إلى السماء فقال :( تناول السماء أيسر عليك من ذلك !! ) (١) .

ثم نجد الإمام الصادقعليه‌السلام يؤكّد بأنّ لقب ( أمير المؤمنين ) خاصّ بالإمام عليعليه‌السلام ولا يجوز إطلاقه على غيره حتى من ولده الأئمةعليهم‌السلام فكيف بمَن هو ظالم لهم .

جاء في كتاب مناقب آل أبي طالب : لم يجوّز أصحابنا أن يطلق هذا اللفظ لغيره ( أي لغير الإمام علي ) من الأئمةعليهم‌السلام ) .

وقال رجل للصادقعليه‌السلام : يا أمير المؤمنين قال :( مَه ، فإنّه لا يرضى بهذهِ التسمية أحد إلاّ ابتُلي ببلاء أبي جهل ) (٢) .

ثم نجد للإمام توصيات كثيرة تحرّم التعاون مع الظلمة والتحاكم إليهم لكن لا يمكن تحديد زمنها .

لقد كان موقف الإمام من الحكومتين واحداً قالعليه‌السلام :( لا تعنهم ـ أي حكّام الجور ـعلى بناء مسجد ) (٣) .

وكان يقول لبعض أصحابه :( يا عذافر ! نبّئت أنّك تعامل أبا أيوب والربيع ، فما حالك إذا نودي بك في أعوان الظلمة ؟! ) (٤) .

وكان حضور الإمام الصادقعليه‌السلام في الحيرة ـ المدينة القريبة من الكوفة ـ قد لفت أنظار الأمة جميعاً واتجهت الناس حوله لتنهل من علومه وتستفيد

ـــــــــــــــــ

(١) الكافي ٥/١٠٧

(٢) مناقب آل أبي طالب : ٣ / ٦٧ .

(٣) وسائل الشيعة : ٦/١٣٠ .

(٤) وسائل الشيعة : ٦ / ١٢٨ .


من توصياته وتوجيهاته حتى قال محمد بن معروف الهلالي : مضيت إلى الحيرة إلى جعفر بن محمد فما كان لي من حيلة من كثرة الناس فلمّا كان اليوم الرابع رآني ، فأدناني(١) .

وهذا الحشد الجماهيري الكبير الذي يؤمن بأهليّة الإمام وأعلميّته والتفافه المستمر حول الإمام قد دفع بالحكومة العباسية إلى أن تحدّ من هذه الظاهرة لكنّ الإمامعليه‌السلام وانطلاقاً من محافظته على مسيرة الأمة ودفاعاً عن الإسلام ؛ نجده قد مارس مع السفّاح أسلوباً مرناً فعن حذيفة بن منصور قال : كنت عند أبي عبد اللهعليه‌السلام بالحيرة ، فأتاه رسول أبي العباس السفّاح الخليفة يدعوه فدعى بممطر أحد وجهيه أسود والآخر أبيض ، فلبسه ، ثم قال أبو عبد اللهعليه‌السلام :( أما إنّي ألبسه ، وأنا أعلم أنّه لباس أهل النار ) (٢) .

وجاء عن رجل قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام :( دخلت على أبي العبّاس بالحيرة فقال : يا أبا عبد الله ما تقول في الصيّام اليوم ؟ فقلت : ذاك إلى الإمام إن صمت صمنا وإن أفطرت أفطرنا فقال : يا غلام عليَّ بالمائدة فأكلت معه وأنا أعلم والله إنّه من شهر رمضان فكان إفطاري يوماً وقضاؤه أيسر عليَّ من أن يضرب عنقي ولا يُعبد الله ) (٣) .

ومن جانب آخر قد انتقد الإمام القتل الجماعي للأمويين ، وطلب من السفّاح الكفّ عن قتلهم بعدما أخذ الملك من أيديهم ودهش السفّاح وتعجّب من موقف الإمام تجاه ألدّ أعدائه الذين صبّوا على أهل البيتعليهم‌السلام ألوان الظلم ؛ لأنّ الإمام لا ينطلق من العصبية الجاهلية وروح التشفّي(٤) .

ـــــــــــــــــ

(١) فرحة الغري : ٥٩

(٢) الكافي : ٦ / ٤٤٩ ، وبحار الأنوار : ٤٧ / ٤٥ .

(٣) الكافي : ٤ / ٨٣ .

(٤) حياة الإمام جعفر الصادق : ٧ / ٨٠ .


وانعكست إجراءات العباسيين للحدّ من ظاهرة الالتفاف حول الإمام والاستفادة من علومه ، فقد روى هارون بن خارجة ، فقال : كان رجل من أصحابنا طلّق امرأته ثلاثاً فسأل أصحابنا ، فقالوا : ليس بشيء ، فقالت امرأته لا أرضى حتى تسأل أبا عبد اللهعليه‌السلام وكان في الحيرة إذ ذلك أيام أبي العباس السفّاح قال : فذهبت إلى الحيرة ولم أقدر على كلامه ؛ إذ منع الخليفة الناس من الدخول على أبي عبد الله وأنا أنظر كيف ألتمس لقاءه فإذا سواديّ(١) عليه جبّة صوف يبيع خياراً ، فقلت له : بكم خيارك هذا كلّه ؟ قال بدرهم ، فأعطيته درهماً ، وقلت له أعطيني جبّتك هذه ، فأخذتها ولبستها وناديت : مَنْ يشتري خياراً ؟ ودنوت منه ! فإذا غلام من ناحية ينادي يا صاحب الخيار ! فقال لي لمّا دنوت منه : ما أجود ما احتلت إلى حاجتك ؟

قلت : إني ابتليت : فطلّقت أهلي في دفعة ثلاثاً ، فسألت أصحابنا فقالوا : ليس بشيء ، وإنّ المرأة قالت : لا أرضى حتى تسأل أبا عبد اللهعليه‌السلام فقال :( ارجع إلى أهلك فليس عليك شيء ) (٢) .

لقد لاحظ الإمام الصادقعليه‌السلام الدهاء العبّاسي وقدراته السياسية التي حقّق بها نصراً حاسماً على خصومه الأمويين ، وعلم بأنّ المعركة سوف تنتقل إليه وإلى أصحابه باعتبارهم الثقل الأكبر والخطر الداخلي الحقيقي الذي يخشاه العبّاسيون ، كما لاحظعليه‌السلام أنّ القاعدة الشعبية الكبيرة التي تؤيّده سوف تكون سبباً لانهيار حركته إذا لم تزوّد بتعاليم جديدة خصوصاً للجماعة الصالحة ؛ لأنّ سعة دائرة الأنصار تسمح بدخول الأدعياء والمنتفعين الذين يحسبون للظرف السياسي ومستقبله .

ـــــــــــــــــ

(١) سواديّ : نسبة إلى العراق الذي سُمّي بأرض السواد أو إلى اسوادية قرية بالكوفة .

(٢) الخرائج والجرائح : ٢ / ٦٤٢ ، وبحار الأنوار : ٤٧ / ١٧١ .


وقد صنّف الإمامعليه‌السلام جمهوره قائلاً :( افترق الناس فينا على ثلاث فرق ، فرقة أحبّونا انتظار قائمنا ليصيبوا دنيانا ) ، وهذا هو الانتماء السياسي ـ وليس هو الانتماء القلبي ـ للتشيّع والذي يطمع أصحابه للمواقع السياسية فيه مستقبلاً ، أمّا نشاط هؤلاء فيقول عنه الإمام :( فقالوا وحفظوا كلامنا وقصّروا عن فعلنا فسيحشرهم الله إلى النار ) .

ويشير الإمامعليه‌السلام إلى الفرقة الثانية التي تؤيّد حركة الإمام وتحبّه لكنّها تستهدف المنافع الدنيوية من هذا التأييد .

قالعليه‌السلام :( أحبّونا واسمعوا كلامنا ولم يقصّروا عن فعلنا ) هذه هي حركتهم ونشاطهم ، أمّا هدفهم فيقول الإمامعليه‌السلام :ليستأكلوا الناس بنا فيملأ الله بطونهم ناراً ويسلّط عليهم الجوع والعطش .

وأخيراً يشير الإمام إلى الفرقة المخلصة قائلاً :( وفرفة أحبّونا وحفظوا قولنا ، وأطاعوا أمرنا ، لم يخالفوا فعلنا فأولئك منا ونحن منهم ) (١) .

فالمستقبل ينذر بمعركة شرسة تريد استئصال حركة الإمامعليه‌السلام من الجذور ، قد بدأها داود بن علي ، ومن علائمها التضييق على الإمام في الحيرة ، فلابدّ للإمام أن ينشط باتجاه تثقيف الشيعة بمبادئ تكون كفيلة بالحفاظ عليهم وتمكّنهم من مواصلة العمل البنّاء والتعايش مع الأمة بسلام ـ كمبدأ التقيّة وكتمان السرّ ـ وتفوّت على الظالمين نواياهم كما أنّ الالتزام بها يحافظ على صحّة المعتقدات والأحكام الشرعية ؛ لذا نجده وهو في معرض تربيته للخواصّ يقول :( رحم الله عبداً سمع بمكنون علمنا فدفنه تحت قدميه والله إنّي لأعلم بشراركم من البيطار (٢) بالدواب ، شراركم الذين لا يقرأون القرآن

ـــــــــــــــــ

(١) تحف العقول : ٥١٤ ، وبحار الأنوار : ٧٨ / ٣٨٠ .

(٢) البيطار : في الأصل معرّب بهدار بالفارسية أي الصحّة ، ولكنّه اختصّ في العربية بطبّ الحيوان انظر بديع اللغة ، والمعرّب من لغة العرب للجواليقي .


إلاّ هجراً (١) ولا يأتون الصلاة إلاّ دبراً ولا يحفظون ألسنتهم ، إعلم أنّ الحسن بن علي عليه‌السلام لما طعن ، واختلف الناس عليه ، سلّم الأمر لمعاوية فسلّمت عليه الشيعة : عليك السلام يا مذل المؤمنين فقال عليه‌السلام : ما أنا بمذلّ المؤمنين ، ولكنّي معزّ المؤمنين إنّي لما رأيتكم ليس بكم عليهم قوّة ، سلّمت الأمر لأبقى أنا وأنتم بين أظهرهم كما عاب العالم السفينة لتبقى لأصحابها ، وكذلك نفسي وأنتم لنبقي بينهم ) (٢) .

فالإمامعليه‌السلام يضرب المثل بالإمام الحسن المجتبىعليه‌السلام الذي مارس التقية بأسلوب دفاعي مع معاوية لغرض مواصلة العمل ، فلم يصالح الإمام على أساس المبادئ والأحكام بل كان من أجلها ومن أجل إبراز هوية شيعة الإمام والاعتراف بحقوقهم المغصوبة ولتفتح لهم مجالاً واسعاً للتبليغ .

من هنا جاءت مهمّة تثبيت هذه المبادئ وتربية الشيعة عليها ووجوب العمل بها ليس لأنّها مبادئ تخصّ نخبة من الناس وإنّما باعتبارها مبادئ إسلامية عامّة ومشروعة حسب النصوص الثابتة في القرآن والسنّة لكن الظروف السيئة حالت دون إظهارها وأساءت فهمها ؛ لأنّها لا تخدم الحكّام وتعارض سياستهم .

يصف الإمامعليه‌السلام دور التقية في الجمع ذاك قائلاً :( اتقوا على دينكم وأحيوه بالتقيّة فإنّه لا إيمان لمَن لا تقيّة له إنّما أنتم من الناس كالنحل في الطير ، ولو أنّ الطير يعلم ما في أجواف النحل ما بقي منها شيء إلاّ أكلته ، ولو أنّ الناس علموا ما في أجوافكم أنّكم تحبّونا أهل البيت لأكلوكم بألسنتهم ، ولنحلوكم بالسرّ والعلانية ، رحم الله عبداً منكم كان على ولايتنا (٣) .

ـــــــــــــــــ

(١) هَجَرَ : تباعد ويقال هجر الفحل : ترك الضراب .

(٢) تحف العقول : ٣٠٧ ، والبحار : ٧٨ / ٢٨٦ .

(٣) وسائل الشيعة : ١١ / ٤٦١ .


وبعد أن ثبّت الإمام هذا المبدأ بوصايا وتوجيهات متعدّدة ، أتبعه بنشاطات تربوية مخافة أن يساء فهمه أثناء التطبيق ، فحذّرعليه‌السلام من أن تكون التقيّة في مورد من موارد تطبيقها سبباً إلى التهاون والضعف والجبن والاستسلام وخذلان المؤمنين وتضييع الشريعة وأحكامها ، قالعليه‌السلام :( لم تبق الأرض إلاّ وفيها منّا عالم ، فإذا بلغت التقيّة الدم فلا تقيّة وأيم الله لو دعيتم لتنصرونا قلتم لا نفعل إنّما نتّقي !! ولكانت التقيّة أحبّ إليكم من آبائكم وأمهاتكم ، ولو قد قام القائم ما احتاج إلى مسألتكم عن ذلك ، ولأقام في كثير منكم من أهل النفاق حدّ الله ) (١) .

ومن وسائله التربوية لترشيد هذا المبدأ الحسّاس في مجال العلاقات بين المؤمنين حذراً من أن تؤدّي التقيّة إلى التفكيك بينهم ، نقرأ رواية إسحاق بن عمّار الصيرفي ، قال : دخلت على أبي عبد اللهعليه‌السلام وكنت تركت التسليم على أصحابنا في مسجد الكوفة وذلك لتقيّة علينا فيها شديدة ، فقال لي أبو عبد الله :( يا إسحاق متى أحدثت هذا الجفاء لإخوانك ! تمرُّ بهم فلا تسلّم عليهم ؟! )

فقلت له : ذلك لتقيّة كنت فيها .

فقال :( ليس عليك في التقيّة ترك السلام ، وإنّما عليك في التقيّة الإذاعة إنّ المؤمن ليمرُّ بالمؤمنين فيسلّم عليهم فتردّ الملائكة : سلام عليك ورحمة الله وبركاته ) (٢) .

كما أكّد الإمام الصادقعليه‌السلام على ضرورة كتمان السرّ وجعله مرتبطاً بالإيمان والعقيدة وذمّ إفشاء السرّ وإذاعته بين الناس حتى قالعليه‌السلام :( إنّ المذيع ليس كقاتلنا بسيفه بل هو أعظم وزراً ، بل هو أعظم وزراً ، بل هو أعظم وزراً ) (٣) كما أثنى على الذي يكتم السر بقولهعليه‌السلام ( رحم الله قوماً كانوا سراجاً ومناراً ، كانوا

ـــــــــــــــــ

(١) وسائل الشيعة : ١١ / ٤٨٣ .

(٢) كشف الغمّة : ٢ / ١٩٧ .

(٣) تحف العقول : ٢٣٨ وعنه في بحار الأنوار : ٧٨ / ٢٨٨ .


دعاة إلينا بأعمالهم ، ومجهود طاقتهم ، ليس كمَن يذيع أسرارنا ) (١) .

وشدّد الإمام على أهميّة الكتمان وبيّن أبعاده وعلاقته برسالة الإمام ودوره في نجاحها بعكس الإفشاء وإذاعة الأسرار التي سبّبت عرقلة المسيرة وإضاعة فرص النجاح وتأخير النصر قائلاً لابن النعمان :( إنّ العالم لا يقدر أن يخبرك بكل ما يعلم ; لأنّه سرّ الله الذي أسرّه جبرئيل عليه‌السلام وأسرّه جبرئيل عليه‌السلام إلى محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأسرّه محمد إلى علي وأسرّه علي إلى الحسن وأسرّه الحسن إلى الحسين وأسرّه الحسين إلى علي وأسرّه علي إلى محمد وأسرّه محمد إلى مَن أسرّه ، فلا تعجلوا فو الله لقد قرب هذا الأمر ـ ثلاث مرات ـفأذعتموه ، فأخّره الله ، والله مالكم سرّ إلاّ وعدوّكم أعلم به منكم ) (٢) .

الحضور في أجهزة السلطة

ومن الخطوات التي تحرّك نحوها الإمام الصادقعليه‌السلام في هذه المرحلة وأسّس لها عملياً هي الحضور المحدود في أجهزة السلطة لغرض الحفاظ على المسيرة الإسلامية من التحريف والدفاع عنها عن طريق رصد المعلومات والمخطّطات والمواقف التي يفكّر بها الحكّام بواسطة هذا النشاط ؛ ليتسنّى للإمام دفع الأخطار وإحباط المؤامرات ثم يوفّر هذا النشاط للإمام ردّ المظالم والقيام ببعض الخدمات للمحرومين ؛ ولهذا نجد الإمامعليه‌السلام يصدر رسالة شفوية لبعض الشيعة تتضمّن توجيهات وتحذيرات للعاملين في هذا الميدان ردّاً على رسالة شيعي يطلب من الإمام توضيحاً لهذه المهمّة إذ جاء فيها : وحاجتي أن تهدي إليّ من تبصيرك على مداراة هذا السلطان وتدبير أمري

ـــــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار : ٧٨ / ٢٨٠ عن تحف العقول : ٢٢١ .

(٢) تحف العقول : ٢٢٨ وعنه في بحار الأنوار : ٧٨/٢٨٩ .


كحاجتي إلى دعائك لي .

فقالعليه‌السلام لرسوله :قل له ، احذر أن يعرفك السلطان : بالطعن عليه في اختيار الكفاة وإن أخطأ في اختيارهم أو مصافات مَن يباعد منهم ، وإن قربت الأواصر (١) بينك وبينه ، فإنّ الأُولى تغريه (٢) بك والأخرى توحشه ، ولكن تتوسّط في الحالين ، واكتف بعيب مَن اصطُفوا له والإمساك عن تقريظهم عنده ومخالفة مَن أقصوا بالتنائي عن تقريبهم وإذا كدت فتأنّ في مكايدتك ... إلى أن قال :فلا تبلغ بك نصيحة السلطان أن تعادي له حاشيته وخاصّته فإنّ ذلك ليس من حقّه عليك ، ولكن الأقصى لحقه والأدعى إليك للسلامة أن تستصلحهم جهدك ... (٣) .

وقد برز هذا النشاط بشكل ملحوظ زمن الإمام الكاظمعليه‌السلام بينما نجد الإمام الصادقعليه‌السلام قد حذّر كثيراً وحرّم على شيعته التعاون مع الظالمين والاشتراك في أجهزتهم حفاظاً على الوجود الإسلامي من الضياع والتحريف فقد جاء عنهعليه‌السلام ( لا تعنهم ـ حكّام الجور ـعلى بناء المسجد ) (٤) وقال لبعض أصحابه :( يا عذافر نبّئت أنّك تحامل أبا أيّوب والربيع فما حالك إذا نودي بك في أعوان الظلمة ؟! ) (٥) .

الإمام الصادق يرسّخ الاعتقاد بالإمام المهديعليه‌السلام

من المبادئ التي سعى الإمام الصادقعليه‌السلام لترسيخها في نفوس الشيعة وضمن الدور المشترك الذي مارسه الأئمةعليهم‌السلام من قبله هي مسألة القيادة

ـــــــــــــــــ

(١) بمعنى العهود .

(٢) غري بالشيء : أولع به ولزمه .

(٣) نزهة الناظر : ١١٤ ، ومستدرك الوسائل : ١٢ / ١٨٨ .

(٤) وسائل الشيعة : ١٧/١٨٠ ح٨ عن تهذيب الأحكام للطوسي .

(٥) المصدر السابق : ١٧/١٧٨ ح٣ عن الكافي .


العالميّة المهدويّة التي تمثّل الامتداد الشرعي لقيادة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ لأنّها العقيدة التي تجسّد طموحات الأنبياء والأئمة حسب التفسير الإسلامي للتأريخ الذي يؤكّد بأنّ وراثة الأرض سوف تكون للصالحين من عباده قال تعالى :( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذّكر أنّ الأرض يرثها عبادي الصالحون ) (١) .

وترسيخ فكرة الإمام المهدي وتربية الشيعة على الاعتقاد الدائم بها تمنح الإنسان الشيعي الثائر روح الأمل الذي لا يتوقّف والقدرة على الصمود والمصابرة وعدم التنازل للباطل ، فكان الإمام الصادقعليه‌السلام يقول :( إذا قام القائم المهدي لا تبقى أرض إلاّ نودي فيها شهادة أن لا اله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله ) (٢) .

وبالإيمان بقضية الإمام المهديعليه‌السلام يشعر الإنسان المسلم إلى جانب الدعم الغيبي بأنّ أهدافه التي سعى لإيجادها سوف تتحقّق وأن النصر حليفه مهما طال الزمن ، فقد سأل عبد الله بن عطاء المكّي الإمام الصادقعليه‌السلام عن سيرة المهدي كيف تكون ؟ قال :( يصنع كما صنع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يهدم ما كان قبله كما هدم رسول الله أمر الجاهلية ، ويستأنف الإسلام جديد ) (٣) .

وبهذه الحقيقة التأريخية يزداد الشيعي اعتقاداً بأنّ جهده سوف يكون جزءاً من الحركة الإلهيّة بجهوده المستمرّة سوف يقترب من الهدف المنشود ويرى الاضطهاد الذي يتعرّض له الشيعة والمسلمون سيزول حتماً حين ينتقم أصحاب الحق ممّن ظلمهم وتعمّ العدالة وجه الأرض جميعاً .

ـــــــــــــــــ

(١) الأنبياء (٢١) : ١٠٥ .

(٢) بحار الأنوار : ٥٢ / ٣٤٠ .

(٣) المصدر السابق : ٥٢ / ٣٥٢ .


الفصل الثاني : حكومة المنصور واستشهاد الإمام الصادقعليه‌السلام

المنصور والتضييق على الإمام الصادقعليه‌السلام

حين تولّى الحكم أبو جعفر المنصور بعد أخيه أبي العباس السفّاح سنة ( ١٣٦ هـ ) عبّر عن مكنون حقده على الإمام الصادقعليه‌السلام وصحبه من العلويين وغيرهم ، وقال عنه المؤرّخون : وكان المنصور خدّاعاً لا يتردّد في سفك الدماء وكان سادراً في بطشه مستهتراً في فتكه(١) .

ووصفه ابن هبيرة وهو أحد معاصريه بقوله : ما رأيت رجلاً في حرب أو سلم أمكر ولا أنكر ولا أشدّ تيقّظاً من المنصور(٢) .

لقد بادر المنصور إلى قتل أبي مسلم الخراساني الذي كان يبغضه ، وأبو مسلم هو القائد الأوّل للانقلاب العبّاسي ، وذلك بعد أن أعدّ له المنصور مكيدة وأغراه بالمجيء إلى بغداد وجرّده من جميع مناصبه العسكرية .

ولمّا دخل أبو مسلم الخراساني على المنصور قابله بقساوة بالغة وأخذ يعدّد عليه أعماله وأبو مسلم يعتذر عن ذلك .

ثمّ صفّق المنصور عالياً حسب الاتّفاق مع حرّاسه لتكون الصفقة بمثابة

ـــــــــــــــــ

(١) الكامل في التأريخ : ٤ / ٣٥٥ .

(٢) تأريخ اليعقوبي : ٢ / ٣٩٩ .


ساعة الصفر ، فدخل الحرّاس وبأيديهم السيوف فقال : أبو مسلم للمنصور متوسّلاً استبقني لعدوّك فصاح به : وأيّ عدو أعدى لي منك ؟!

وبمثل هذا الأسلوب أيضاً قد غدر بعمّه عبد الله بن علي حيث أرسل عليه بعد أن أعطاه الأمان ثم قتله بعد ذلك(١) .

أمّا مخطّطه الخبيث ضدّ الإمام الصادقعليه‌السلام ونهضته الإسلاميّة بشكل عام فقد أخذ ثلاثة اتّجاهات :

الاتّجاه الأوّل :

اتّخذ المنصور في هذا الاتّجاه أُسلوباً مرناً محاولاً فيه الاستفادة من جهد الإمامعليه‌السلام واحتوائه ضمن سياسة الخلافة العباسية فقد كتب إليه : ( لم لا تغشانا كما يغشانا سائر الناس ؟

فأجابه الإمامعليه‌السلام :( ليس لنا ما نخافك ولا عندك من أمر الآخرة ما نرجوك له ، ولا أنت في نعمة فنهنّئك بها ولا تراها نقمة فنعزّيك بها ، فما نصنع عنك !؟ ) .

فكتب إليه : تصحبنا لتنصحنا .

فأجابهعليه‌السلام :( مَن أراد الدنيا لا ينصحك ، ومَن أراد الآخرة لا يصحبك ) .

قال : المنصور : والله لقد ميّز عندي منازل الناس ، مَن يريد الدنيا ممّن يريد الآخرة وإنّه ممّن يريد الآخرة لا الدنيا(٢) .

ومن أساليب المنصور مع الإمامعليه‌السلام في هذا الاتّجاه ما جاء عن عبد الوهّاب عن أبيه حيث قال :

بعث أبو جعفر المنصور إلى أبي عبد الله جعفر بن محمّدعليه‌السلام وأمر

ـــــــــــــــــ

(١) تاريخ اليعقوبي : ٢/٣٦٩ وتاريخ الأمم والملوك : ٦ / ٢٦٦ .

(٢) كشف الغمّة : ٢/٤٢٠ عن تذكرة ابن حمدون ، وعنه في بحار الأنوار : ٤٧ / ١٨٤ .


بفرش فطرحت له إلى جانبه ، فأجلسه عليها ثم قال عليّ بمحمد ، عليَّ بالمهدي فأقبل المنصور على جعفرعليه‌السلام فقال : يا أبا عبد الله حديث حدّثتنيه في صلة الرحم ، اذكره ، يسمعه المهدي .

قال :( نعم ، حدّثني أبي ، عن أبيه ، عن جدّه عن علي عليه‌السلام قال ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ الرجل ليصل رحمه وقد بقي من عمره ثلاث سنين ، فيصيرها الله عزّ وجّل ثلاثين سنة ، ويقطعها وقد بقي من عمره ثلاثون سنة ، فيصيّرها الله ثلاث سنين ) ثم تلاعليه‌السلام :( يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ) (١) .

قال : هذا حسن يا أبا عبد الله ، وليس إيّاه أردت ، قال أبو عبد اللهعليه‌السلام :( نعم حدّثني أبي عن أبيه عن جدّه عن عليّ عليه‌السلام قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : صلة الرحم تعمّر الديار وتزيد في الأعمار وإن كان أهلها غير أخيار ) .

قال هذا حسن يا أبا عبد الله ، وليس هذا أردت .

فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام :( نعم حدّثني أبي عن أبيه عن جدّه عن علي عليه‌السلام قال ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صلة الرحم تهوّن الحساب وتقي ميتة السوء ) .

قال المنصور : نعم إيّاه أردت(٢) .

إنّ السلاطين يخافون الموت ، فالإمامعليه‌السلام ركّز على هذه الناحية وربطها بصلة الرحم لتعالج الحقد والكيد الذي يشغل ذهن المنصور ضدّ الإمام والعلويين من أهل بيته ؛ لذا أكّدعليه‌السلام عن طريق الأحاديث بأنّ طول العمر يرتبط بصلة الرحم .

ـــــــــــــــــ

(١) الرعد (١٣) : ٣٩ .

(٢) أمالي ابن الشيخ : ٤٨٠ ح١٠٤٩ وعنه في بحار الأنوار : ٤٧ / ١٦٣ ، والبرهان : ٢ / ٢٩٩ .


الاتّجاه الثاني :

كما تحرّك المنصور بقوّة نحو الإمامعليه‌السلام عن طريق نشر عيونه وجواسيسه التي كانت تراقب حركة الإمام الصادق وترصد نشاطاته لتزوّده بآخر المعلومات ، ليتّخذ منها مسوّغاً للنيل من الإمامعليه‌السلام والتضييق على حركته التي كان يرى فيها المنصور خطراً حقيقياً على سلطانه وبالتالي تمهّد له تلك التقارير أن يصوغ ما يريده من الاتّهامات لأجل أن يتخذها ذريعة في قتله وقد تضمّن هذا الاتّجاه جملة من الأساليب .

الأسلوب الأول : عن رزام بن مسلم مولى خالد القسري قال : بعثني أبو جعفر المنصور إلى المدينة ، وأمرني إذا دخلت المدينة أن أفضّ الكتاب الّذي دفعه إليّ وأعمل بما فيه ; قال : فما شعرت إلاّ بركب قد طلعوا عليَّ حين قربت من المدينة ، وإذا رجل قد صار إلى جانبي ، فقال : يا رزام اتق الله ، ولا تشرك في دم آل محمّد قال : فأنكرت ذلك فقال لي : دعاك صاحبك نصف الليل ، وخاط رقعة في جانب قباك ، وأمرك إذا صرت إلى المدينة ، تفضّها وتعمل بما فيها .

قال : فرميت بنفسي من المحمل ، وقبّلت رجليه ، وقلت : ظننت أنّ ذلك صاحبي وأنت يا سيّدي صاحبي ، فما أصنع ؟ قال : ارجع إليه ، واذهب بين يديه وتعال ، فإنّه رجل نسّاء ، وقد أُنسي ذلك ، فليس يسألك عنه ، قال :


فرجعت إليه ، فلم يسألني عن شيء ، فقلت صدق مولاي(١) .

وعن مهاجر بن عمار الخزاعي ، قال : بعثني أبو الدوانيق إلى المدينة ، وبعث معي بمال كثير ، وأمرني أن أتضرّع لأهل هذا البيت ، وأتحفّظ مقالتهم ، قال : فلزمت الزاوية التي ممّا يلي القبلة ، فلم أكن أتنحّى منها في وقت الصلاة ، لا في ليل ولا في نهار .

قال : وأقبلت أطرح إلى السؤال الذين حول القبر الدارهم ومن هو فوقهم الشيء بعد الشيء حتى ناولت شباباً من بني الحسن ومشيخة (منهم) حتى ألفوني وألفتهم في السّر .

قال : وكنت كلّما دنوت من أبي عبد اللهعليه‌السلام يُلاطفني ويكرمني حتى إذا كان يوماً من الأيام ـ بعد ما نلت حاجتي ممّن كنت أريد من بني الحسن وغيرهم ـ دنوت من أبي عبد اللهعليه‌السلام وهو يُصلّي ، فلمّا قضى صلاته ، التفت إليّ وقال :

تعال يا مهاجر ! ـ ولم أكن أتسمّى ( باسمي ) ولا أتكنّى بكنيتي ـ فقال :قل لصاحبك : يقول لك جعفر : ( كان أهل بيتك إلى غير هذا أحوج منهم إلى هذا ، تجيء إلى قوم شباب محتاجين فتدسّ إليهم ، فلعلّ أحدهم يتكلّم بكلمة تستحلُّ بها سفك دمه ، فلو بررتهم ووصلتهم ( وأنلتهم )وأغنيتهم ، كانوا إلى هذا أحوج ممّا تريد منهم ) .

قال : فلمّا أتيت أبا الدوانيق ، قلت له : جئتك من عند ساحر ، كذّاب كاهن كان من أمره كذا وكذا فقال : صدق والله لقد كانوا إلى غير هذا أحوج ، وإيّاك أن يسمع هذا الكلام منك إنسان(٢) .

ـــــــــــــــــ

(١) دلائل الإمامة : ١٢٩ ، ومدينة المعاجز : ٣٦٤ ، وإثبات الهداة : ٥ / ٤٥٦ .

(٢) الخرائج والجرائح : ٢ / ٦٤٦ ، وبحار الأنوار : ٤٧ / ١٧٢ .


الأسلوب الثاني : ومن أساليبه باتّجاه سياسة التضييق التي فرضها على الإمامعليه‌السلام محاولة تسليط الضوء على بعض الشخصيّات ليجعل منها بدائل علميّة تغطّي على الإمام وتؤيّد سياسته ، وتساهم من جانب آخر في تضعيف القدسية والانجذاب الجماهيري نحو الإمام ، وتؤدّي بالنتيجة إلى شق وحدة التيّار الإسلامي الذي يقرّ بزعامة الإمامعليه‌السلام وأعلميّته وإيجاد الفرقة والاختلاف .

وقد نجح المنصور بهذه الخطوة فكسب البعض من طلاّب الإمامعليه‌السلام حين أحاطهم بهالة من الاحترام والتقدير وخلق منهم وجوداً قِبال مذهب الإمام ونهجه الإسلامي الأصيل .

ذكر أبو القاسم البغّار في مسند أبي حنيفة فقال : قال الحسن بن زياد سمعت أبا حنيفة وقد سُئل : مَن أفقه مَن رأيت ؟ قال جعفر بن محمد ، لمّا أقدمه المنصور بعث إليّ ، فقال يا أبا حنيفة ! إنّ الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد فهيّئ له من مسائلك الشداد .

فهيّأت له أربعين مسألة ، ثم بعث إليَّ أبو جعفر وهو بالحيرة فأتيته .

فدخلت عليه ، وجعفر جالس عن يمينه ، فلمّا بصرت به دخلني من الهيبة لجعفر ما لم يدخل لأبي جعفر ، فسلّمت عليه ، فأومى إليّ فجلست ، ثم التفت إليه ، فقال :

يا أبا عبد الله : هذا أبو حنيفة ، قال : نعم أعرفه ثم التفت إليّ فقال : يا أبا حنيفة ألق على أبي عبد اللهعليه‌السلام من مسائلك .

فجعلت ألقي عليه فيجيبني ، فيقول : ( أنتم تقولون كذا ، وأهل المدينة


يقولون كذا ونحن نقول كذا ) فربّما تابعنا ، وربّما تابعهم ، وربّما خالفنا جميعاً حتى أتيت على الأربعين مسألة ، فما أخلّ منها بشيء ثم قال أبو حنيفة : أليس إنّ أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس؟!(١) .

الأسلوب الثالث : لقد كانت سياسة الإمامعليه‌السلام إزاء حكومة المنصور ذات طابع غير ثوري ، وإنّما سلك الإمام نفس نهجه السابق في التغيير والإصلاح ، وقد أوحى للمنصور في وقت سابق بأنه لم يكن بصدد التخطيط للثورة ضدّه بل صرّح له في أكثر من مرة بذلك ، إلاّ أنّ المنصور لم يطمئن لعدم تحرّك الإمام وثورته التغييرية ؛ وذلك بسبب ما كان يشاهده من كثرة مؤيّديه .

يحدثنا الإمام الصادقعليه‌السلام عن الشكوك والتساؤلات التي أثارها المنصور بوجه الإمام عند لقائه به كما في النصّ التالي :

عن حمران قال : ( قال أبو عبد اللهعليه‌السلام وبعد ذكر هؤلاء عنده وسوء حال الشيعة عندهم فقال : ( إنّي سرت مع أبي جعفر المنصور وهو في موكبه ، وهو على فرس وبين يديه خيل ومن خلفه خيل ، وأنا على حمار إلى جانبه ، فقال لي :

يا أبا عبد الله ! قد كان ينبغي لك أن تفرح بما أعطانا الله من القوّة وفتح لنا من العزّ ، ولا تخبر الناس أنّك أحق بهذا الأمر منّا وأهل بيتك ، فتغرينا بك وبهم .

قال : فقلت : ( ومن رفع هذا إليك عنّي فقد كذب ) فقال : أتحلف على ما تقول ؟

قال : فقلت : ( إنّ الناس سحرة يحبّون أن يفسدوا قلبك عليّ ، فلا تمكنّهم من

ـــــــــــــــــ

(١) سير أعلام النبلاء : ٩ / ٥٤٣ ومناقب آل أبي طالب : ٤/٢٧٧ عن مسند أبي حنيفة لأبي القاسم البغار .


سمعك ، فأنا إليك أحوج منك إلينا ) .

فقال لي : تذكر يوم سألتك هل لنا ملك ؟ فقلت : نعم طويل عريض شديد ، فلا تزالون في مهلة من أمركم وفسحة في دنياكم حتى تصيبوا منّا دماً حراماً في شهر حرام في بلد حرام !

فعرفت أنّه قد حفظ الحديث ، فقلت : لعلّ الله ( عزّ وجّل ) أن يكفيك ، فإني لم أخصك بهذا ، وإنما هو حديث رؤيته ، ثم لعلّ غيرك من أهل بيتك يتولّى ذلك ، فسكت عنيّ(١) .

الاتّجاه الثالث :

واستخدم المنصور مع الإمامعليه‌السلام أيضاً سياسة الاستدعاء والمقابلة المصحوبة بالتهم والافتراءات ، أو الاستدعاءات الفارغة من أيّ سؤال ، محاولاً عن طريق هذه السياسة شلّ حركة الإمام وجعله تحت ضوء رقابة أجهزته ليطمئنّ المنصور من خطر الإمام ، كما استخدم بعض الأساليب التي من شأنها أن تنال من كرامة الإمامعليه‌السلام ، فمن أساليبه بهذا الاتّجاه :

١ ـ ما جاء عن بشير النبّال أنّه قال : كنت على الصفا وأبو عبد اللهعليه‌السلام قائم عليها إذ انحدر وانحدرت معه ، وأقبل أبو الدوانيق على حمارته ، ومعه جنده على خيل وعلى إبل ، فزاحموا أبا عبد اللهعليه‌السلام حتى خفت عليه من خيلهم وأقبلت أقيه بنفسي وأكون بينهم وبينه ، قال : فقلت في نفسي : يا رب عبدك وخير خلقك في أرضك ، وهؤلاء شرّ من الكلاب قد كانوا يفتنونه !

ـــــــــــــــــ

(١) روضة الكافي : ٣١ حديث الصادق مع المنصور في موكبه ، وعنه في بحار الأنوار : ٥٢ / ٢٥٥ ، واثبات الهداة : ٥ / ٣٥١ .


قال : فالتفت إليّ وقال : ( يا بشير ! قلت : لبيك قال : ارفع طرفك لتنظر ) .

قال : فإذا ـ والله ـ واقية من الله أعظم ممّا عسيت أن أصفه .

قال فقال : يا بشير ! إنّا أُعطينا ما ترى ، ولكنّا أُمرنا أن نصبر ، فصبرنا )(١) .

٢ ـ ما جاء عن المفضل بن عمر أنّه قال : إنّ المنصور قد كان هَمّ بقتل أبي عبد اللهعليه‌السلام غير مرّة ، فكان إذا بعث إليه ودعاه ليقتله ، فإذا نظر إليه هابه ولم يقتله ، غير أنّه منع الناس عنه ، ومنعه من القعود للناس ، واستقصى عليه أشدّ الاستقصاء حتى أنّه كان يقع لأحدهم مسألة في دينه ، في نكاح أو طلاق أو غير ذلك فلا يكون علم ذلك عندهم ، ولا يصلون إليه ، فيعتزل الرجل أهله .

فشقّ ذلك على شيعته وصعب عليهم ، حتى ألقى الله عزّ وجلّ في روع المنصور أن يسأل الصادقعليه‌السلام ليتحفه بشيء من عنده ، لا يكون لأحد مثله ، فبعث إليه بمخصرة(٢) كانت للنبيعليه‌السلام طولها ذراع ، ففرح بها فرحاً شديداً ، وأمر أن تشق له أربعة أرباع ، وقسّمها في أربعة مواضع.

ثم قال له : ماجزاؤك عندي إلاّ أن أُطلق لك ، وتفشي علمك لشيعتك ، ولا أتعرّض لك ، ولا لهم ، فاقعد غير مُحتشم ، وافت الناس ، ولا تكن في بلد أنا فيه ، ففشى العلم عن الصادقعليه‌السلام (٣) .

٣ ـ وعن عبد الله بن أبي ليلى ، قال : كنت بالربذة مع المنصور ، وكان قد وجّه إلى أبي عبد اللهعليه‌السلام فأُتي به ، وبعث إليّ المنصور فدعاني ، فلمّا انتهيت إلى الباب سمعته يقول : عجلّوا عليّ به قتلني الله إن لم أقتله ، سقى الله الأرض

ـــــــــــــــــ

(١) الأصول الستة عشر : ١٠٠ ، وإثبات الهداة : ٥ / ٤٦٥ .

(٢) المخصرة : شيء كالسوط ما يتوكّأ عليه كالعصا .

(٣) المناقب لابن شهر آشوب : ٤/٢٥٩ وعنه في بحار الأنوار : ٤٧ / ١٨٠ .


من دمي إن لم أسق الأرض من دمه .

فسألت الحاجب من يعني ؟ قال : جعفر بن محمدعليه‌السلام فإذا هو قد أُتي به مع عدّة جلاوزة(١) ، فلمّا انتهى إلى باب ـ قبل أن يرفع الستر ـ رأيته قد تململت شفتاه عند رفع الستر ، فدخل .

فلمّا نظر إليه المنصور قال : مرحباً يا بن عمّ ، مرحباً يا بن رسول الله فما زال يرفعه حتى أجلسه على وسادته ، ثم دعا بالطعام ، فرفعت رأسي ، وأقبلت أنظر إليه ، وجعل يلقمه جيّداً بارداً ، وقضى حوائجه ، وأمره بالانصراف .

فلمّا خرج ، قلت له : قد عرفت موالاتي لك ، وما قد ابتليت به في دخولي عليهم ، وقد سمعت كلام الرجل وما كان يقول ، فلمّا صرت إلى الباب رأيتك قد تململت شفتاك ، وما أشك أنّه شيء قلته ، ورأيت ما صنع بك ، فإن رأيت أن تعلّمني ذلك ، فأقوله إذا دخلت عليه .

قال : نعم ، قلت :( ما شاء الله ، ما شاء الله ، لا يأتي بالخير إلاّ الله ، ما شاء الله ، ما شاء الله ، لا يصرف السوء إلاّ الله ) (٢) .

تحرّك العلويين نحو الثورة

بعد أن تأكّد المنصور عن طريق المعلومات التي كانت تصله من جواسيسه بأنّ السادة الحسنيين يخطّطون للثورة عليه ، انتظر المنصور موسم الحجّ فلمّا حان الموسم سافر هو وحاشيته إلى بيت الله الحرام ، وبعد انتهائه من

ـــــــــــــــــ

(١) الجلاوزة : جمع الجلواز معرّب من الفارسية : گلوبازاى المفتوح الجيب كناية عن الشرطيّ المستعد لتنفيذ الأوامر .

(٢) كشف الغمّة : ٢/٤٠٧ عن الدلائل للحميري ، وعنه في بحار الأنوار : ٤٧ / ١٨٣ .


مناسك الحجّ رجع إلى يثرب وقد صحب معه عقبة بن مسلم الجاسوس الذي عيّنه المنصور لمراقبة تحرّك آل الحسن وكان قد أوصاه قبل سفره فقال له :إذا لقيني بنو الحسن وفيهم عبد الله فأنا مكرمه ورافع محمله وداع بالغذاء فإذا فرغنا من طعامنا فلحظتك فامتثل بين يديه فإنه سيصرف عنك بصره ، فاستدر حتى ترمز ظهره بإبهام رجلك حتى يملأ عينه منك .

ولمّا انتهى المنصور إلى يثرب استقبله السادة الحسنيّون وفيهم عبد الله ابن الحسن ، فأجلسه المنصور إلى جانبه ودعا بالغذاء فأصابوا منه فقام عقبة ، ونفّذ ما عهد إليه المنصور ، وجلس أمامه ففزع منه عبد الله وقال للمنصور : أقلني أقالك الله ...

فصاح به : لا أقالني الله إن أقلتك(١) .

وأمر أن يكبّل بالحديد ويزجّ في السجن فكبّل مع جماعة من العلويين وحُبس في بيت مروان .

وأرادوا من عبد الله أن يخبر بمكان ولديه : محمد ذي النفس الزكيّة وأخيه إبراهيم وإن لم يخبر بمكانهما فسوف يتعرّض للانتقام والقتل .

وقد عبّر عبد الله عن عمق هذه المأساة للحسن بن زيد قائلاً : يا بن أخي ، والله لبليّتي أعظم من بليّة إبراهيمعليه‌السلام ; إن الله عزّ وجلّ أمر إبراهيم أن يذبّح ابنه ، وهو لله طاعة ، فقال إبراهيم :( إنّ هذا لهو البلاء المبين ) (٢) وإنّكم جئتموني في أن آتي بابني هذا الرجل فيقتلهما وهو لله جّل وعزّ معصية(٣) .

ـــــــــــــــــ

(١) الكامل في التاريخ : ٤/٣٧١ .

(٢) الصافات (٣٧) : ١٠٦ .

(٣) مقاتل الطالبيين : ١٩١ ـ ١٩٤ تحقيق السيد أحمد صقر .


وبقي السادة الحسنيّون في السجن لمدّة ثلاث سنين ، وفي سنة ( ١٤٢ هـ ) سافر المنصور مرّة أخرى إلى الحجّ لغرض تدارك الوضع في المدينة والوقوف أمام التصعيد الثوري هناك ، وبعد أن أنهى مناسكه اتّجه نحو الربذة التي تبعد ثلاثة أميال عن المدينة وبعد وصوله إليها أمر بإشخاص السادة الحسنيين ومَن معهم من العلويين إليه ، وقد تكفّل عقبة بن مسلم بعملية إخراجهم من السجن والسير بهم نحو الربذة .

وبعد إخراجهم من السجن وضع الحديد في أيديهم وجيء بهم إلى مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيث ازدحم الناس عليهم وهم بين باكٍ ومتأسّف والشرطة تشتمهم وقد طلبت من الناس أن يشتموهم .

لكنّ الذي حدث كان على العكس من ذلك إذ أخذ الناس يسبّون عقبة بن مسلم والمنصور ويترحّمون على العلويين(١) .

موقف الإمامعليه‌السلام من آل الحسن

وكتب الإمام الصادقعليه‌السلام إلى عبد الله بن الحسن رسالة يعزّيه فيها ويُصبّرهُ على المصاب الذي جرى عليه وعلى أصحابه .

عن إسحاق بن عمّار الصيرفي أنّه قال : إنّ أبا عبد الله جعفر بن محمدعليه‌السلام كتب إلى عبد الله بن الحسن حين حمل هو وأهل بيته ، يعزّيه عمّا صار إليه :( بسم الله الرحمن الرحيم ، إلى الخلف الصالح ، والذريّة الطيّبة من ولد أخيه وابن عمّه : أمّا بعد : فلئن كنت قد تفرّدت أنت وأهل بيتك ـ ممّن حُمل معك ـ بما أصابكم ، ما انفردت ـ بالحزن والغيظ والكآبة ، وأليم وجع القلب ـ دوني ولقد نالني من ذلك من

ـــــــــــــــــ

(١) مقاتل الطالبيين : ٢١٩ ـ ٢٢٠ .


الجزع والقلق ، وحرّ المصيبة مثل ما نالك ولكن رجعت الى ما أمر الله ـ جلّ جلاله ـ به المتقين من الصبر ، وحُسن العزاء ، حين يقول لنبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( واصبر لحكم ربك فإنّك بأعيننا ) (١) . وحين يقول : ( فاصبر لحكم ربّك ولا تكن كصاحب الحوت ) (٢) إلى أن قال :( واعلم أي عمّ وابن عمّ إن الله ـ جلّ جلاله ـ لم يُبال بضرّ الدنيا لوليه ساعة قط ولا شيء أحبّ إليه من الضرر والجهد والأذى مع الصبر وإنّه تعالى لم يُبال بنعم الدنيا لعدوّه ساعة قط ولولا ذلك ما كان أعداؤه يقتلون أولياءه ويخوّفونهم ويمنعونهم وأعداؤه آمنون مطمئنّون عالون ظاهرون ، ولولا ذلك لما قتل زكريا واحتجب يحيى ظلماً وعدواناً في بغيّ من البغايا ، ولولا ذلك لما قتل جدّك علي بن أبي طالب عليه‌السلام لمّا قام بأمر الله ـ جلّ وعزّ ـ ظلماً ، وعمّك الحسين بن فاطمة اضطهاداً وعدواناً ) (٣) .

واعترف المنصور بسياسته الغاشمة ضدّ العلويين القائمة على القتل والإبادة لذريّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيث يقول : قتلت من ذرّية فاطمة ألفاً أو يزيدون وتركت سيّدهم ومولاهم جعفر بن محمد(٤) .

ثورة محمد بن عبد الله ( ذي النفس الزكيّة )

إنّ محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي الملقّب بذي النفس الزكيّة قد رشّح باتّفاق الهاشميين للخلافة ، وكان المنصور يسير بخدمته ويسوّي عليه ثيابه ويمسك له دابته تقرّباً إليه ، وقد بايعه مع أخيه السفّاح مرّتين وبعد اختلاس العبّاسيين للحكم واستبدادهم وشياع ظلمهم تألّم محمد

ـــــــــــــــــ

(١) الطور (٥٢) : ٤٨ .

(٢) القلم (٦٨) : ٤٨ .

(٣) إقبال الأعمال : ٥٧٨ ، وبحار الأنوار : ٤٧ / ٢٩٨ .

(٤) الأدب في ظل التشيّع لعبد الله نعمة : ٦٣ ، نقلاً عن شرح القصيدة الشافية لأبي فراس : ١٦١ .


فأخذ يدعو الناس إلى نفسه فاستجاب له الناس وظلّ مختفياً مع أخيه إبراهيم ، وقد انتشرت دعاتهم في البلاد الإسلامية داعية المسلمين إلى بيعة محمد هذا .

ولمّا انتهت الأنباء بشهادة عبد الله وسائر السادة الذين كانوا معه إلى محمد ; أعلن محمّد ثورته في المدينة وبايعه الناس وحتى الفقهاء منهم وقد استبشروا ببيعته ، وحينما انتشر الأمر سارع أهالي اليمن ومكّة إلى بيعته وقام خطيباً فيهم فقال :

أمّا بعد : أيّها الناس فإنّه كان من أمر هذا الطاغية عدوّ الله أبي جعفر ما لم يخف عليكم من بنائه القبّة الخضراء التي بناها معانداً لله في ملكه تصغيراً للكعبة الحرام ، وإنّما أُخذ فرعون حين قال : أنا ربكم الأعلى ، وإنّ أحق الناس بالقيام بهذا الدين أبناء المهاجرين والأنصار المواسين .

اللّهمّ إنّهم قد أحلّوا حرامك وحرّموا حلالك وآمنوا مَن أخفت وأخافوا مَن آمنت ، اللّهمّ فاحصهم عدداً ، واقتلهم بدداً ولا تغادر منهم أحداً(١) .

ولمّا علم المنصور بالثورة وجّه جيشاً يقدّر بأربعة آلاف فارس بقيادة عيسى بن موسى ، وبعد أن اندلعت الحرب بين الفريقين ، خارج المدينة ، رغبة من محمد وحفاظاً على سكّانها من عبث جيش المنصور وأُصيب محمد بن عبد الله بجراح خطيرة بسبب تفرّق جنده ، وبرك إلى الأرض ، فبادر الأثيم حميد بن قحطبة فاحتزّ رأسه الشريف(٢) .

ـــــــــــــــــ

(١) تاريخ الأمم والملوك : ٦ / ١٨٨ ـ ١٨٩ .

(٢) اليعقوبي : ٢/٣٧٦ والمسعودي : ٣/٢٩٤ ـ ٢٩٦ وعن الطبري في الكامل في التاريخ : ٥/٥٤٩ .


موقف الإمامعليه‌السلام من الثورة :

لقد حذّر الإمام الصادقعليه‌السلام عبد الله بن الحسن من الترويج لابنه محمّد على أساس أنّه المهدي لهذه الأمة ، وأخبرعليه‌السلام بمستقبل الأحداث ونبّه على أنّها ستنتهي باستشهاد محمد وأخيه إبراهيم ، وأنّ الخلافة بعد أبي العباس السفّاح ستكون للمنصور العباسي .

وحينما سُئلعليه‌السلام عن محمد بن عبد الله ودعوته قبل أن يعلن محمد ثورته أجابعليه‌السلام : ( إنّ عندي كتابين فيها اسم كل نبي وكل ملك يملك ، لا والله ما محمد بن عبد الله في أحدهما )(١) .

ولمّا ثار محمد بن عبد الله ( ذي النفس الزكيّة ) ترك الإمام الصادقعليه‌السلام المدينة ، وذهب إلى أرض له بالفُرع ، فلم يزل هناك مقيماً حتى قُتل محمّد فلمّا قُتل واطمأنّ الناس وأمنوا رجع إلى المدينة(٢) .

الإمام الصادق يهيّئ الخط الشيعي للمواصلة

لقد كانت الفترة الأخيرة من حياة الإمام الصادقعليه‌السلام مع حكومة المنصور فترة تشدّد ومراقبة لحركة الإمام ، تخلّلتها محاولات اغتيال عديدة ، لكنّ الإمامعليه‌السلام علم أنّ المنصور قد صمّم على قتله ؛ ولهذا مارس جملة من الأنشطة ليهيّئ فيها الخط الشيعي لمواصلة الطريق من بعده .

ـــــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار : ٢٦ / ١١٥عن بصائر الدرجات : ١٦٩ .

(٢) كشف الغمّة : ٢ / ١٦٢ ، عنه في بحار الأنوار : ٤٧ /٥ .


النشاط الأوّل : حاول الإمام الصادقعليه‌السلام أن يجعل من الصف الشيعي صفّاً متماسكاً في عمله ونشاطه ، وركّز على قيادة الإمام الكاظمعليه‌السلام من بعده فيما لو تعرّض لعملية قتل من قِبل المنصور وقد قطع الطريق أمام المنتفعين والأدعياء الذين كانوا يتربّصون الفرص ; لأنّ إسماعيل ابن الإمام الصادقعليه‌السلام الذي كان قد توفّي في هذه الفترة كان يصلح كفكرة لتفتيت الصفّ الشيعي باعتباره الابن التقي الأكبر للإمامعليه‌السلام .

والغريب أنّا نجد ـ رغم التأكيدات المتكرّرة ـ والحزن الذي أبداه الإمامعليه‌السلام والتصريح الذي أبداه أمام حشد كبير من أعيان الشيعة بأنّ إسماعيل قد توفّي ودفن استغلال بعضهم لقضية إسماعيل وزعمهم بأنّ الإمامة تقع في إسماعيل وأنّه حيّ وقد خرج في البصرة وشاهده بعض الناس .

وهنا يقوم الإمام الصادقعليه‌السلام بجملة من الخطوات لمعالجة هذه المشكلة التي سوف تُفتّت الصفّ الشيعي من بعده .

١ ـ قال زرارة بن أعين : دعا الإمام الصادقعليه‌السلام داود بن كثير الرقي ، وحمران بن أعين ، وأبا بصير ، ودخل عليه المفضّل بن عمر وأتى بجماعة حتى صاروا ثلاثين رجلاً فقال :( يا داود اكشف عن وجه إسماعيل ) ، فكشف عن وجهه ، فقال :( تأمّله يا داود ، فانظره أحيّ هو أم ميّت ؟ ) فقال : بل هو ميّت فجعل يعرّضه على رجل رجل حتى أتى على أخرهم فقال :( اللّهمّ اشهد ) ثم أمر بغسله وتجهيزه .

ثم قال : (يا مفضّل احسر عن وجهه ، فحسر عن وجهه ) ، فقال :( أحيّ هو أم ميت ؟ انظروه أجمعكم ) فقال : بل هو يا سيّدنا ميّت .

فقال :( شهدتم بذلك وتحقّقتموه ) ؟ قالوا : نعم ، وقد تعجّبوا من فعله .

فقال :( اللّهمّ اشهد عليهم ) ثم حمل إلى قبره ، فلمّا وضع في لحده ، قال :

( يا مفضل ، اكشف عن وجهه ) فكشف ، فقال للجماعة :( انظروا أحيّ هو أم


ميّت ؟ ) فقالوا : بل ميّت ، يا وليّ الله .

فقال :( اللّهمّ اشهد فإنّه سيرتاب المبطلون ( يريدون أن يطفئوا نور الله ) ) ـ ثم أومى إلى موسىعليه‌السلام وقال :( والله مُتمّ نوره ولو كره الكافرون ) .

ثم حثّوا عليه التراب ، ثم أعاد علينا القول فقال :( الميّت المكفّن المدفون في هذا اللحد مَن هو ؟ ) قلنا : إسماعيل ولدك .

فقال :( اللّهمّ اشهد ) ثم أخذ بيد موسى فقال :( هو حق ، والحق معه ومنه ، إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها ) (١) .

٢ ـ قال عنبسة العابد : لمّا مات إسماعيل بن جعفر بن محمدعليهما‌السلام وفرغنا من جنازته ، جلس الصادقعليه‌السلام وجلسنا حوله وهو مطرق ، ثم رفع رأسه فقال :

( أيّها الناس : إنّ هذه الدنيا دار فراق ، ودار التواء لا دار استواء ، على أنّ فراق المألوف حرقة لا تدفع ، ولوعة لا تردّ ، وإنّما يتفاضل الناس بحسن العزاء وصحّة الفكر ، فمَن لم يشكل أخاه شكله أخوه ، ومَن لم يقدم ولداً هو المقدم دون الولد ) ، ثم تمثّل بقول أبي خراش الهذلي يرثي أخاه :

ولا تحسبي أنّي تناسيت عهده

ولكنّ صبري يا أُميم جميل(٢)

٣ ـ قال إسحاق بن عمار : وصف إسماعيل أخي لأبي عبد اللهعليه‌السلام دينه واعتقاده فقال : إنّي أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله وأنّكم ـ ووصفهم يعني الأئمة ـ واحداً واحداً حتى انتهى إلى أبي عبد الله ثم قال : وإسماعيل من بعدك ! قال :( أمّا إسماعيل فلا ) (٣) .

ـــــــــــــــــــــــــ

(١) المناقب لابن شهر آشوب : ١/٣٢٧ عن الصدوق وعنه في بحار الأنوار : ٤٧ / ٢٥٣

(٢) كمال الدين : ٧٢ ، ٧٣ وأمالي الصدوق : ١٩٧ وعنهما في بحار الأنوار : ٤٧ / ٢٤٥ .

(٣) الغيبة للنعماني : ٢٢٤ ، وعنه في بحار الأنوار : ٤٧ / ٢٦١ .


النشاط الثاني : رغم الحرب الباردة التي كانت بين المنصور والإمام الصادقعليه‌السلام نلاحظ أنّ الإمام قد مارس بعض الأدوار مع السلطة لغرض الحفاظ على الأمة وسلامة مسيرتها وإبقاء روح الرفض قائمة في نفوسها ، مخافة أن تسبّب ممارسات المنصور حالة من الانكسار للشيعة حين الاستجابة لمخطّطاته .

١ ـ قال أبو جعفر المنصور للإمام الصادقعليه‌السلام : إنّي قد عزمت على أن أخرّب المدينة ولا أدع فيها نافخ ضرمة .

فقال :( يا أمير المؤمنين ! لا أجد بُدّاً من النصاحة لك ، فاقبلها إن شئت أو لا ) .

ثم قالعليه‌السلام :( إنّه قد مضى لك ثلاثة أسلاف : أيوب عليه‌السلام ابتلي فصبر ، وسليمان عليه‌السلام أُعطي فشكر ، ويوسف عليه‌السلام قدر فغفر فاقتد بأيّهم شئت ) قال : قد عفوت(١) .

٢ ـ قال عبد الله بن سليمان التميمي : لمّا قُتل محمد وإبراهيم ابنا عبد الله ابن الحسن صار إلى المدينة رجل يقال له شبّة عقال ، ولاّه المنصور على أهلها ، فلمّا قدمها وحضرت الجمعة صار إلى المسجد فرقى المنبر وحمد الله وأثنى عليه ثم قال :

أمّا بعد فإنّ علي بن أبي طالب شقّ عصا المسلمين ، وحارب المؤمنين ، وأراد الأمر لنفسه ، ومنعه أهله فحرّمه الله عليه وأماته بغصّته وهؤلاء ولده يتبعون أثره في الفساد وطلب الأمر بغير استحقاق له ، فهم في نواحي الأرض مقتولون ، وبالدماء مضرّجون .

ـــــــــــــــــ

(١) أمالي الطوسي : ٥٠ ح ٦٦ وعنه في بحار الأنوار : ٤٧/١٨٤ وانظر مناقب آل أبي طالب : ٤/٢٥١ ، كشف الغمّة : ٢/٤٢٠ .


قال : فعظم هذا الكلام منه على الناس ، ولم يجسر أحد منهم أن ينطق بحرف فقام إليه رجل عليه إزار قومسي سخين فقال :ونحن نحمد الله ونصلّي على محمد خاتم النبيين وسيد المرسلين وعلى رسل الله وأنبيائه أجمعين أمّا ما قلت من خير فنحن أهله ، وما قلت من سوء فأنت وصاحبك به أولى وأحرى يا مَن ركب غير راحلته وأكل غير زاده ، ارجع مأزوراً .

ثم أقبل على الناس ، فقال :ألا آتينّكم بأخفّ الناس ميزاناً يوم القيامة ، وأبينهم خسراناً ؟ : من باع آخرته بدنيا غيره ، وهو هذا الفاسق .

فأسكت الناس ، وخرج الوالي من المسجد ولم ينطق بحرف .

فسألت عن الرجل : فقيل لي : هذا جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالبعليهم‌السلام (١) .

النشاط الثالث : وهو نشاط الإمام الصادقعليه‌السلام الخاص مع الشيعة في هذا الظرف العصيب وأساليب الاتّصال معهم .

وقد ذكرنا في البحوث السابقة أن الإمام قد ركّز على مبادئ إسلامية وممارسات إصلاحية في نفوس شيعته ، مثل التقيّة ، وكتمان السر ، والعلاقة بالثورة الحسينية لتحافظ هذه المبادئ والممارسات على الوجود الشيعي وتقيه من الضربات والمخطّطات الخارجية .

والرواية التالية تصوّر لنا نشاط الإمام السري مع صحبه في هذهِ الفترة .

روي أنّ الوليد بن صبيح قال : كنّا عند أبي عبد اللهعليه‌السلام في ليلة إذ طرق الباب طارق ، فقال للجارية : انظري من هذا ؟

ـــــــــــــــــ

(١) أمالي الشيخ الطوسي : ٦٦ ، وبحار الأنوار : ٤٧ / ١٦٥ وحلية الأبرار : ٢ / ٢١٥ .


فخرجت ثم دخلت فقالت : هذا عمّك عبد الله بن عليعليه‌السلام فقال : أدخليه وقال لنا : ادخلوا البيت فدخلنا بيتاً ، فسمعنا منه حسّاً ، ظننّا أن الداخل بعض نسائه ، فلصق بعضنا ببعض ، فلما دخل أقبل على أبي عبد اللهعليه‌السلام فلم يدع شيئاً من القبيح إلاّ قاله في أبي عبد اللهعليه‌السلام ثم خرج وخرجنا ، فأقبل يحدّثنا من الموضع الذي قطع كلامه .

فقال بعضنا : لقد استقبلك هذا بشيء ما ظننّا أنّ أحداً يستقبل به أحداً ، حتى لقد همّ بعضنا أن يخرج إليه فيوقع به .

فقالعليه‌السلام مه ، لا تدخلوا فيما بيننا .

فلمّا مضى من الليل ما مضى ، طرق الباب طارق فقال للجارية : انظري مَن هذا ؟ فخرجت ، ثم عادت ، فقالت : هذا عمّك عبد الله بن عليعليه‌السلام فقال لنا : عودوا إلى مواضعكم ، ثم أذن له .

فدخل بشهيق ونحيب وبكاء وهو يقول : يا بن أخي ، اغفر لي غفر الله لك ، اصفح عنّي صفح الله عنك .

فقال :غفر الله لك يا عمّ ، ما الّذي أحوجك إلى هذا ؟

قال : إنّي لمّا أويت إلى فراشي أتاني رجلان أسودان فشدّا وثاقي ، ثم قال أحدهما للآخر : انطلق به إلى النار : فانطلق بي ، فمررت برسول الله فقلت : يا رسول الله ، لا أعود فأمره فخلّى عنّي ، وأنّي لأجد ألم الوثاق .

فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام : أوص .

قال : بم أوصي ؟ ما لي مال ، وإن لي عيالاً كثيرة وعليّ دين .

فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام :دينك عليّ ، وعيالك عيالي ، فأوص .

فما خرجنا من المدينة حتى مات ، وضمّ أبو عبد اللهعليه‌السلام عياله إليه ،


وقضى دينه ، وزوّج ابنه ابنته(١) .

وأغلب الظن أنّ نشاط الإمام الصادقعليه‌السلام من هذا النوع قد تركّز أيام المنصور لكثرة الجواسيس والعيون التي كانت ترصد حركة الإمامعليه‌السلام ممّا دفع بالإمام إلى أن يلجأ إلى عقد الاجتماعات في بيته سرّاً لغرض مواصلة دوره الإلهي مع الأمة عن طريق توجيه النخبة الصالحة التي وُفّقت لهذا الدور .

محاصرة الإمامعليه‌السلام قُبيل استشهاده

صعّد المنصور من تضييقه على الإمام الصادقعليه‌السلام ، ومهّد لقتله .

فقد روى الفضل بن الربيع عن أبيه ، فقال : دعاني المنصور ، فقال : إنّ جعفر بن محمد يلحد في سلطاني ، قتلني الله إن لم أقتله فأتيته ، فقلت : أجب أمير المؤمنين فتطهّر ولبس ثياباً جدداً .

فأقبلت به ، فاستأذنت له فقال : أدخله ، قتلني الله إن لم أقتله .

فلمّا نظر إليه مقبلاً ، قام من مجلسه فتلقّاه وقال : مرحباً بالتقيّ الساحة ، البريء من الدغل والخيانة ، أخي وابن عمّي .

فأقعده على سريره ، وأقبل عليه بوجهه ، وسأله عن حاله ، ثم قال :

سلني حاجتك ، فقالعليه‌السلام :أهل مكّة والمدينة قد تأخّر عطاؤهم ، فتأمر لهم به .

قال : أفعل ، ثم قال : يا جارية ! ائتني بالتحفة فأتته بمدهن زجاج ، فيه غالية ، فغلّفه بيده وانصرف فأتبعته ، فقلت :

ـــــــــــــــــ

(١) الخرائج والجرائح : ٢ / ٦١٩ وعنه في بحار الأنوار : ٤٧ / ٩٦ ، وإثبات الهداة : ٥ / ٤١٠ ح ١٤٣ .


يابن رسول الله ! أتيت بك ولا أشك أنّه قاتلك ، فكان منه ما رأيت ، وقد رأيتك تحرك شفتيك بشيء عند الدخول ، فما هو ؟

قال : قلت :( اللّهمّ احرسني بعينك التي لا تنام ، واكنفني بركنك الذي لا يرام ، واحفظني بقدرتك عليّ ، ولا تهلكني وأنت رجائي ) (١) .

ولم يكن هذا الاستدعاء للإمام من قِبل المنصور هو الاستدعاء الأوّل من نوعه بل إنّه قد أرسل عليه عدّة مرات وفي كل منها أراد قتله(٢) .

لقد صور لنا الإمام الصادقعليه‌السلام عمق المأساة التي كان يعانيها في هذا الظرف بالذات والأذى الّذي كان المنصور يصبه عليه ، حتى قالعليه‌السلام ـ كما ينقله لنا عنبسة ـ قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول :( أشكو إلى الله وحدتي وتقلقلي من أهل المدينة حتى تقدّموا (٣) وأراكم أسرّ بكم ، فليت هذا الطاغية أذن لي فاتّخذت قصراً في الطائف فسكنته ، وأسكنتكم معي ، وأضمن له أن لا يجيء من ناحيتنا مكروه أبداً ) (٤) .

الإمام الصادقعليه‌السلام في ذمّة الخلود

وتتابعت المحن على سليل النبوّة وعملاق الفكر الإسلامي ـ الإمام الصادقعليه‌السلام ـ في عهد المنصور الدوانيقي ـ فقد رأى ما قاساه العلويون وشيعتهم من ضروب المحن والبلاء ، وما كابده هو بالذات من صنوف

ـــــــــــــــــ

(١) سير أعلام النبلاء : ٦ / ٢٦٦ ، ملحقات إحقاق الحق : ١٩ / ٥١٣ ، والفرج بعد الشدّة : ٧٠ عن التذكرة لابن الجوزي : ٣٠٨ ، ٣٠٩ مسنداً .

(٢) الكافي : ٢/٥٥٩ و ٦/٤٤٥ وعنه في الخرائج والجرائح : ٢ / ١٩٥ وتاريخ مدينة دمشق : ١٩ / ٥١٦ .

(٣) الموالون لأهل البيت أو خاصة الإمام .

(٤) الكافي : ٨ / ٢١٥ ورجال الكشي : ٣٦٥ وبحار الأنوار : ٤٧ / ٨٥ .


الإرهاق والتنكيل ، فقد كان الطاغية يستدعيه بين فترة وأخرى ، ويقابله بالشتم والتهديد ولم يحترم مركزه العلمي ، وشيخوخته ، وانصرافه عن الدنيا إلى العبادة ، وإشاعة العلم ، ولم يحفل الطاغيه بذلك كلّه ، فقد كان الإمام شبحاً مخيفاً له ونعرض ـ بإيجاز ـ للشؤون الأخيرة من حياة الإمام ووفاته .

وأعلن الإمام الصادقعليه‌السلام للناس بدنوّ الأجل المحتوم منه ، وان لقاءه بربّه لقريب ، وإليك بعض ما أخبر به :

أ ـ قال شهاب بن عبد ربّه : قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام :كيف بك إذا نعاني إليك محمد بن سليمان ؟ قال : فلا والله ما عرفت محمد بن سليمان مَن هو فكنت يوماً بالبصرة عند محمد بن سليمان ، وهو والي البصرة إذ ألقى إليّ كتاباً ، وقال لي : يا شهاب ، عظّم الله أجرك وأجرنا في إمامك جعفر بن محمد قال : فذكرت الكلام فخنقتني العبرة(١) .

ب ـ أخبر الإمامعليه‌السلام المنصور بدنوّ أجله لمّا أراد الطاغية أن يقتله فقد قال له :ارفق فو الله لقلّ ما أصحبك . ثم انصرف عنه ، فقال المنصور لعيسى بن علي : قم اسأله ، أبي أم به ؟ ـ وكان يعني الوفاة ـ .

فلحقه عيسى ، وأخبره بمقالة المنصور ، فقالعليه‌السلام :لا بل بي (٢) .

وتحقّق ما تنبّأ به الإمامعليه‌السلام فلم تمضِ فترة يسيرة من الزمن حتى وافته المنيّة .

كان الإمام الصادقعليه‌السلام شجي يعترض في حلق الطاغية الدوانيقي ، فقد ضاق ذرعاً منه ، وقد حكى ذلك لصديقه وصاحب سرّه محمد بن عبد الله

ـــــــــــــــــ

(١) اختيار معرفة الرجال : ٤١٤ ح٧٨١ ودلائل الإمامة : ١٣٨ وإعلام الورى : ١/٥٢٢ ، ٥٢٣ ومناقب آل أبي طالب : ٤/٢٤٢ .

(٢) مهج الدعوات : ٢٣١ .


الاسكندري .

يقول محمد : دخلت على المنصور فرأيته مغتمّاً ، فقلت له : ما هذه الفكرة ؟

فقال : يا محمد لقد هلك من أولاد فاطمةعليها‌السلام مقدار مائة ويزيدون ـ وهؤلاء كلّهم كانوا قد قتلهم المنصور ـ وبقي سيّدهم وإمامهم .

فقلت : مَن ذلك ؟

فقال : جعفر بن محمد الصادق .

وحاول محمد أن يصرفه عنه ، فقال له : إنّه رجل أنحلته العبادة ، واشتغل بالله عن طلب الملك والخلافة .

ولم يرتض المنصور مقالته فردّ عليه : يا محمد قد علمتُ أنّك تقول به ، وبإمامته ولكنّ الملك عقيم(١) .

وأخذ الطاغية يضيّق على الإمام ، وأحاط داره بالعيون وهم يسجّلون كل بادرة تصدر من الإمام ، ويرفعونها له ، وقد حكى الإمامعليه‌السلام ما كان يعانيه من الضيق ، حتى قال :( عزّت السلامة ، حتى لقد خفي مطلبها ، فإن تكن في شيء فيوشك أن تكون في الخمول ، فإن طلبت في الخمول فلم توجد فيوشك أن تكون في الصمت ، والسعيد مَن وجد في نفسه خلوة يشتغل بها ) (٢) .

لقد صمّم على اغتياله(٣) غير حافل بالعار والنار ، فدسّ إليه سمّاً فاتكاً على يد عامله فسقاه به ، ولمّا تناوله الإمامعليه‌السلام تقطّعت أمعاؤه وأخذ يعاني الآلام القاسية ، وأيقن بأنّ النهاية الأخيرة من حياته قد دنت منه .

ـــــــــــــــــ

(١) مهج الدعوات : ٢٤٧ .

(٢) حياة الإمام موسى بن جعفر : ١/٤١٢ .

(٣) نور الأبصار : ١٣٣ ، الإتحاف بحب الأشراف : ٥٤ ، سبائك الذهب : ٧٢ .


ولمّا شعر الإمامعليه‌السلام بدنوّ الأجل المحتوم منه أوصى بعدّة وصايا كان من بينها ما يلي :

أ ـ إنّه أوصى للحسن بن علي المعروف بالأفطس بسبعين ديناراً ، فقال له شخص : أتعطي رجلاً حمل عليك بالشفرة ؟ فقالعليه‌السلام له :ويحك ما تقرأ القرآن؟! : ( وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ ) (١) .

لقد أخلص الإمامعليه‌السلام كأعظم ما يكون الإخلاص للدين العظيم ، وآمن بجميع قيمه وأهدافه ، وابتعد عن العواطف والأهواء ، فقد أوصى بالبرّ لهذا الرجل الذي رام قتله ؛ لأنّ في الإحسان إليه صلة للرحم التي أوصى الله بها .

ب ـ إنّه أوصى بوصاياه الخاصّة ، وعهد بأمره أمام الناس إلى خمسة أشخاص : وهم المنصور الدوانيقي ، ومحمد بن سليمان ، وعبد الله ، وولده الإمام موسى ، وحميدة زوجته .

وإنّما أوصى بذلك خوفاً على ولده الإمام الكاظمعليه‌السلام من السلطة الجائرة ، وقد تبيّن ذلك بوضوح بعد وفاته ، فقد كتب المنصور إلى عامله على يثرب ، بقتل وصي الإمام ، فكتب إليه : إنّه أوصى إلى خمسة ، وهو أحدهم ، فأجابه المنصور : ليس إلى قتل هؤلاء من سبيل(٢) .

ج ـ إنّه أوصى بجميع وصاياه إلى ولده الإمام الكاظمعليه‌السلام وأوصاه بتجهيزه وغسله وتكفينه ، والصلاة عليه ، كما نصبه إماماً من بعده ، ووجّه خواصّ شيعته إليه وأمرهم بلزوم طاعته .

ـــــــــــــــــ

(١) الغيبة للطوسي : ١٩٧ ، بحار الأنوار : ٤٧/٢٧٦ .

(٢) الكافي : ١ / ٣١٠ وانظر مناقب آل أبي طالب : ٤/٣٤٥ .


د ـ إنّه دعا السيّدة حميدة زوجته ، وأمرها بإحضار جماعة من جيرانه ، ومواليه ، فلمّا حضروا عنده قال لهم :( إنّ شفاعتنا لا تنال مستخفّاً بالصلاة ) (١) .

وأخذ الموت يدنو سريعاً من سليل النبوّة ، ورائد النهضة الفكرية في الإسلام ، وفي اللحظات الأخيرة من حياته أخذ يوصي أهل بيته بمكارم الأخلاق ومحاسن الصفات ، ويحذّرهم من مخالفة أوامر الله وأحكامه ، كما أخذ يقرأ سوراً وآيات من القرآن الكريم ، ثم ألقى النظرة الأخيرة على ولده الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام ، وفاضت روحه الزكيّة إلى بارئها .

لقد كان استشهاد الإمام من الأحداث الخطيرة التي مُني بها العالم الإسلامي في ذلك العصر ، فقد اهتزّت لهوله جميع أرجائه ، وارتفعت الصيحة من بيوت الهاشميين وغيرهم ، وهرعت الناس نحو دار الإمام وهم ما بين واجم ونائح على فقد الراحل العظيم الذي كان ملاذاً ومفزعاً لجميع المسلمين .

وقام الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام ، وهو مكلوم القلب ، فأخذ في تجهيز جثمان أبيه ، فغسل الجسد الطاهر ، وكفّنه بثوبين شطويين(٢) كان يحرم فيهما ، وفي قميص وعمامة كانت لجدّه الإمام زين العابدينعليه‌السلام ، ولفّه ببرد اشتراه الإمام موسىعليه‌السلام بأربعين ديناراً وبعد الفراغ من تجهيزه صلّى عليه الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام وقد ائتم به مئات المسلمين .

وحمل الجثمان المقدّس على أطراف الأنامل تحت هالة من التكبير ، وقد غرق الناس بالبكاء وهم يذكرون فضل الإمام وعائدته على هذه الأمة بما بثّه من الطاقات العلمية التي شملت جميع أنواع العلم ، وجيء بالجثمان العظيم

ـــــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار : ٤٧/٢ عن عقاب الأعمال للصدوق : ٢٧٢ ط طهران ـ الصدوق .

(٢) شطويين : مفرده شطا إحدى قرى مصر .


إلى البقيع المقدّس ، فدُفن في مقرّه الأخير بجوار جدّه الإمام زين العابدين وأبيه الإمام محمد الباقرعليهما‌السلام وقد واروا معه العلم والحلم ، وكل ما يسمو به هذا الكائن الحيّ من بني الإنسان(١) .

ويناسب أن نختم الكلام عن الإمام الصادقعليه‌السلام برثائه على لسان أحد أصحابه وهو أبي هريرة العجلي بقوله :

أقول وقد راحوا به يحملونه

على كاهل من حامليه وعاتق

أتدرون ماذا تحملون إلى الثرى

ثبيراً ثوى من رأس علياء شاهق

غداة حثى الحاثون فوق ضريحه

تراباً ، وأول كان فوق المفارق(٢)

ـــــــــــــــــ

(١) عصر الإمام الصادق ، باقر شريف القرشي : ١٦٧ ـ ١٧٠ .

(٢) مقتضب الأثر في النصّ على الأئمة الاثني عشر ، للجوهري : ٥٢ .


الفصل الثالث : تراث الإمام الصادقعليه‌السلام

إنّ الحقبة الزمنية التي نشط فيها الإمام الصادقعليه‌السلام لإرساء دعائم منهج أهل البيتعليهم‌السلام ورسم خطوطه التفصيلية تبلغ ثلاثة عقود ونصف عقد تقريباً .

وقد تميّزت بأنّها كانت تعاصر نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية وهي فترة ضعف الدولتين سياسيّاً ، وبالتالي كانت فرصة متميّزة وفريدة لنشر الوعي والثقافة الإسلامية الأصيلة وقد عرف أتباع أهل البيتعليهم‌السلام بأنّهم أتباع وشيعة جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام ، ووسم الشيعي بأنّه جعفري ; ولهذا الوسام دلالته التأريخية ومغزاه الثقافي .

من هنا نعرف السرّ في عظمة التراث الذي خلّفه لنا الإمام الصادقعليه‌السلام ومدى سعته وثرائه في جانبي الكمّ والكيف معاً ، إلى جانب كثرة مَن تتلمذ على يدي الإمام أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام ممّن حمل تراثه ورواه إلى الأجيال المتعاقبة وبهذا الصدد ينقل لنا الشيخ المظفّر جملة من الإشادات والتصاريح التي أدلى بها كبار رواة أهل السنّة وعلمائهم بفضل الإمام الصادق ورجوع أئمّة المذاهب وأهل الحديث إليه ، وإليك بيانها .

( كان رواة أبي عبد اللهعليه‌السلام أربعة آلاف أو يزيدون كما أشرنا إليه غير


مرّة ، قال الشيخ المفيد طاب ثراه في الإرشاد : فإنّ أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه من الثقات على اختلافهم في الآراء والمقامات ، فكانوا أربعة آلاف رجل(١) وذكر ابن شهر آشوب أنّ الجامع لهم ابن عقدة ، وزاد غيره أن ابن عقدة ذكر لكلّ واحد منهم رواية ، وأشار إلى عددهم الطبرسي في إعلام الورى ، والمحقق الحلّي في المعتبر ، وذكر أسماءهم الشيخ الطوسي طاب رمسه في كتاب الرجال .

ولا يزيده كثرة الرواة عنه رفعة وجلالة قدر ، وإنّما يزداد الرواة فضلاً وعلوّ شأن بالرواية عنه ، نعم إنّما يكشف هذا عن علوّ شأنه في العلم وانعقاد الخناصر على فضله من طلاّب العلم والفضيلة على اختلافهم في المقالات والنِحل .

أعلام السنّة الذين أخذوا عن الإمام الصادقعليه‌السلام :

أخذ عنه عدّة من أعلام السنّة وأئمّتهم ، وما كان أخذهم عنه كما يأخذ التلميذ عن الأستاذ ، بل لم يأخذوا عنه إلاّ وهم متّفقون على إمامته وجلالته وسيادته ، كما يقول الشيخ سليمان في الينابيع ، والنووي في تهذيب الأسماء واللغات ، بل عدّوا أخذهم عنه منقبة شُرّفوا بها ، وفضيلة اكتسبوها كما يقول الشافعي في مطالب السؤل ، ونحن أولاء نورد لك شطراً من أولئك الأعلام .

أبو حنيفة : منهم أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي من الموالي وأصله من كابل وُلد بالكوفة ، وبها نشأ ودرس ، وكانت له فيها حوزة وانتقل إلى بغداد وبها مات عام ١٥٠ ، وقبره بها معروف ، وهو أحد المذاهب الأربعة عند أهل السنّة ، وحاله أشهر من أن يُذكر .

وأخذه عن الصادقعليه‌السلام معروف ، وممّن ذكر ذلك الشبلنجي في نور

ـــــــــــــــــ

(١) الإرشاد للمفيد : ٢٧١ .


الأبصار ، وابن حجر في الصواعق ، والشيخ سليمان في الينابيع ، وابن الصبّاغ في الفصول ، إلى غير هؤلاء ، وقال الآلوسي في مختصر التحفة الاثني عشرية (ص٨) : وهذا أبو حنيفة وهو وبين أهل السنّة كان يفتخر ويقول بأفصح لسان : ( لولا السنتان لهلك النعمان ) يريد السنتين اللتين صحب فيها ـ لأخذ العلم ـ الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام .

مالك بن أنس : ومنهم مالك بن أنس المدني أحد المذاهب الأربعة أيضاً ، قال ابن النديم في الفهرست : هو ابن أبي عامر من حمير وعداده في بني تيم بن مرّة من قريش ، وحمل به ثلاث سنين ، وقال : وسعى به إلى جعفر بن سليمان العبّاسي وكان والي المدينة فقيل له : إنّه لا يرى إيمان بيعتكم فدعى به وجرّده وضربه أسواطاً ومدّده فانخلع كتفه وتوفّي عام (١٧٩ هـ ) عن (٨٤) سنة ، وذكر مثله ابن خلكان .

وأخذه عن أبي عبد اللهعليه‌السلام معلوم مشهور ، وممّن أشار إلى ذلك النووي في التهذيب ، والشبلنجي في نور الأبصار ، والسبط في التذكرة ، والشافعي في المطالب ، وابن حجر في الصواعق ، والشيخ سليمان في الينابيع ، وأبو نعيم في الحلية ، وابن الصبّاغ في الفصول ، إلى ما سوى هؤلاء .

سفيان الثوري : ومنهم سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي ، ورد بغداد عدّة مرّات ، وروى عن الصادقعليه‌السلام جملة أشياء ، وأوصاه الصادق بأمور ثمينة مرّت في الوصايا ، وناظر الصادق في الزهد كما سلف ، وارتحل إلى البصرة وبها مات (١٦١ هـ ) ، وولادته في نيّف وتسعين ، قيل شهد وقعة زيد الشهيد وكان في شرطة هشام بن عبد الملك .


جاء أخذه عن الصادقعليه‌السلام في التهذيب ، ونور الأبصار ، والتذكرة ، والمطالب ، والصواعق ، والينابيع ، والحلية ، والفصول المهمّة ، وغيرها ، وذكره الرجاليون من الشيعة في رجالهعليه‌السلام .

سفيان بن عيينة : ومنهم سفيان بن عيينة بن أبي عمران الكوفي المكّي ولد بالكوفة عام (١٠٧ هـ ) ومات بمكّة عام (١٩٨ هـ ) ، ودخل الكوفة وهو شاب على عهد أبي حنيفة .

ذكر أخذه عن الصادقعليه‌السلام في التهذيب ، ونور الأبصار ، والمطالب ، والصواعق ، والينابيع ، والحلية ، والفصول ، وما سواها ، وذكر ذلك الرجاليون من الشيعة أيضاً .

يحيى بن سعيد الأنصاري : ومنهم يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري من بني النجّار تابعي ، كان قاضياً للمنصور في المدينة ، ثم قاضي القضاة ، مات بالهاشميّة عام (١٤٣ هـ ) .

انظر المصادر المتقدّمة في روايته عن الصادقعليه‌السلام وما عداها كما ذكر ذلك الرجاليّون من الشيعة.

ابن جريح : ومنهم عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح المكّي ، سمع جمعاً كثيراً من العلماء ، وكان من علماء العامّة ، الذين يرون حلّيّة المتعة كما رأى حلّيّتها آخرون منهم ، وجاء في طريق الصدوق في باب ما يُقبل من الدعاوى بغير بيّنة ، وجاء في الكافي في باب ما أحلّ الله من المتعة سؤال أحدهم من الصادقعليه‌السلام عن المتعة فقال :( الق عبد الملك بن جريح فاسأله عنها فإنّ عنده منها علماً ) ، فأتاه فأملى عليه شيئاً كثيراً عن المتعة وحلّيّتها .

وقال ابن خلكان : عبد الملك أحد العلماء المشهورين ، وكانت ولادته


سنة (٨٠ هـ) وقدم بغداد على أبي جعفر المنصور ، وتوفي سنة (١٤٩ هـ) وقيل (١٥٠ هـ) ، وقيل (١٥١ هـ) .

وذكرت المصادر السابقة أخذه عن الصادقعليه‌السلام ، كما ذكرته رجال الشيعة .

القطّان : ومنهم أبو سعيد يحيى بن سعيد القطّان البصري ، كان من أئمة الحديث بل عُدّ محدّث زمانه ، واحتجّ به أصحاب الصحاح الستة وغيرهم ، توفي عام (١٩٨ هـ) ، وحكي عن ابن قتيبة عداده في رجال الشيعة ، ولكن الشيعة لا تعرفه من رجالها .

ذكره في رجال الصادقعليه‌السلام التهذيب ، والينابيع ، وغيرهما من السنّة ، والشيخ ، وابن داود ، والنجاشي ، وغيرهم من الشيعة .

محمّد بن إسحاق : ومنهم محمّد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي والسير ، ومدنيّ سكن مكّة ، أثنى عليه ابن خلكان كثيراً ، وكان بينه وبين مالك عداء ، فكان كلّ منهما يطعن في الآخر ، قدم الحيرة على المنصور فكتب له المغازي .

وقدم بغداد وبها مات عام (١٥١ هـ) على المشهور ، ذكر أخذه عن الصادقعليه‌السلام في التهذيب ، والينابيع ، وغيرهما من السنّة ، والشيخ في رجاله ، والعلاّمة في الخلاصة ، والكشي في رجاله ، وغيرهم من الشيعة .

شعبة بن الحجّاج : ومنهم شعبة بن الحجّاج الأزدي كان من أئمة السنّة وأعلامهم وكان يفتي بالخروج مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن ، وقيل كان


ممّن خرج من أصحاب الحديث مع إبراهيم بن عبد الله .

وعدّه في أصحاب الصادقعليه‌السلام جماعة من السنّة منهم : صاحب التهذيب ، والصواعق ، والحلية ، والينابيع ، والفصول ، والتذكرة وغيرها ، وذكرته كتب الشيعة في رجاله أيضاً .

أيوب السجستاني : ومنهم أيوب بن أبي تميمة السجستاني البصري ، وقيل السختياني ، والأول أشهر ، مولى عمّار بن ياسر وعدّوه في كبار الفقهاء التابعين ، مات عام (١٣١ هـ) بالطاعون بالبصرة عن (٦٥ هـ) سنة .

عدّه في رجال الصادقعليه‌السلام في نور الأبصار ، والتذكرة ، والمطالب ، والصواعق ، والحلية ، والفصول ، وغيرها ، وذكرته كتب رجال الشيعة في أصحابه أيضاً .

وهؤلاء بعض مَن نسبوه إلى تلمذة الصادقعليه‌السلام من أعلام السنّة وفقهائهم البارزين ، وقد عدّوا غير هؤلاء فيهم أيضاً ، انظر في ذلك حلية الأولياء ، على أنّ غير أبي نعيم أشار إلى غير هؤلاء بقوله وغيرهم ، أو ما سوى ذلك ممّا يؤدّي هذا المفاد )(١) (٢) .

إنّ الحضارة الإنسانية اليوم ـ بما فيها الحضارة الأوربية ـ مدينة إلى تراث الإمام الصادقعليه‌السلام بشكل خاص ، باعتبار عنايته الفائقة بجملة من العلوم الطبيعية التي لاحظنا نماذج منها خلال بحوث هذا الكتاب .

ـــــــــــــــــ

(١) الإمام الصادقعليه‌السلام ، محمد حسين المظفر : ١٢٧ ـ ١٣٠ .

(٢) ورغم اعترافات علماء أهل السنّة وإشاداتهم بالإمام الصادقعليه‌السلام وأنّ أئمة مذاهبهم وكبار علمائهم قد تتلمذوا على يديه ونقلت الرواة ما يملأ الخافقين من الأحاديث ، نجد البخاري الذي يروي للخوارج والفسّاق والمجاهيل لم يرو عن الإمام جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام ولا حديثاً واحداً .


إنّ التراث الذي جمعه علماء مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام والذي رووه عن الإمام الصادقعليه‌السلام يفوق تراث كلّ واحد من المعصومين من حيث الكمّ ومن حيث الاهتمام بشتّى العلوم الإنسانية والطبيعية جميعاً .

وقد وقفنا على شيء من اهتماماته الواسعة في بحوث سبقت في هذا الكتاب ، مثل : جامعة أهل البيتعليهم‌السلام والجماعة الصالحة وإتماماً للفائدة واتّساقاً مع سائر أجزاء هذه الموسوعة سوف نلمّ بطرف آخر من رواياته وتراثه في شتّى فروع المعرفة الإسلامية .

مصادر المعرفة وآثارها

١ ـ عن علي بن الحكم ، عن هشام ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال :( لمّا خلق الله العقل استنطقه ، ثم قال له : أقبل فأقبل ، فقال له : أدبر فأدبر ، فقال : وعزّتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحبُّ إليّ منك ، بك آخذ ، وبك أعطي وعليك أثيب ) (١) .

٢ ـ عن عبد الله بن سنان قال : سألت أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادقعليهما‌السلام فقلت : الملائكة أفضل أم بنو آدم ؟ فقال :( قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام : إنّ الله ركّب (٢) في الملائكة عقلاً بلا شهوة ، وركّب في البهائم شهوة بلا عقل ، وركّب في بني آدم كلتيهما ، فمَن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة ومَن غلب شهوته عقله فهو شرّ من البهائم ) (٣) .

٣ ـ عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال :( حجّة الله على العباد

ـــــــــــــــــ

(١) المحاسن : ١/١٩٢ ، كتاب مصابيح الظلم ، باب ١ ، باب العقل ، ح ٧ .

(٢) ركّب : أي خلق .

(٣) علل الشرائع : ١/٤ ، باب ٦ .


النبيّ ، والحجّة فيما بين العباد وبين الله العقل ) (١) .

الأنبياء والأئمّة

١ ـ عن أبي حمزة الثمالي ، قال أبو عبد اللهعليه‌السلام :( إيّاك والرياسة وإيّاك أن تطأ أعقاب الرجال ـ إلى أن قال ـ : إيّاك أن تنصب رجلاً دون الحجّة ، فتصدقه في كل ما قال ) (٢) .

٢ ـ عن الفضيل ، قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن قول الله عزّ وجل :( إنّما أنت منذر ولكل قوم هاد ) ؟ فقال :( كل إمام هادٍ للقرن الذي هو فيهم ) (٣) .

٣ ـ عن عمّار الساباطي ، قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الإمام ، يعلم الغيب ؟ قال :( لا ولكن إذا أراد أن يعلم الشيء ، أعلمه الله ذلك ) (٤) .

٤ ـ وعن بريدة بن معاوية ، عن أحدهماعليهما‌السلام ، في قول الله عزّ وجل( وما يعلم تأويله إلاّ الله والراسخون في العلم ) ،( فرسول الله أفضل الراسخين في العلم قد علّمه الله جميع ما أنزل عليه من التنزيل والتأويل ، وما كان الله لينزل عليه شيئاً لم يعلّمه تأويله ، وأوصياؤه من بعده يعلمونه كلّه ، إلى أن قال : والقرآن خاص وعام ومحكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ ، فالراسخون في العلم يعلمونه ) (٥) .

الإسلام والإيمان

١ ـ عن جميل بن صالح ، قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام أخبرني عن

ـــــــــــــــــ

(١) الكافي : ١/٢٥ ، كتاب العقل والجهل : ٢٢ .

(٢) معاني الأخبار : ١/١٦٤ ، باب معنى وطء أعقاب الرجال .

(٣) الكافي : ١/١٩١ ، كتاب الحجّة ، باب أنّ الأئمةعليهم‌السلام هم الهداة ، ح ١ .

(٤) الكافي : ١/٢٥٧ ، كتاب الحجّة ، باب نادر فيه ذكر الغيب ، ح ٤ .

(٥) الكافي : ١/٢١٣ ، كتاب الحجّة باب أنّ الراسخين في العلم هم الأئمةعليهم‌السلام ، ح ٢ .


الإسلام والإيمان ، أهما مختلفان ؟ قال :( إنّ الإيمان يشارك الإسلام ، والإسلام لا يشارك الإيمان ، فقلت : فصفهما لي قال :( الإسلام شهادة أن لا إله إلاّ الله والتصديق برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، به حقنت الدماء وعليه جرت المناكح والمواريث وعلى ظاهره جماعة الناس ، والإيمان الهدى وما ثبت في القلوب من صفة الإسلام وما ظهر من العمل ، والإيمان أرفع من الإسلام بدرجة ) (١) .

٢ ـ عن عبد الرحيم القصير ، قال كتبت مع عبد الملك بن أعين إلى أبي عبد اللهعليه‌السلام : أسأله عن الإيمان ما هو ؟ فكتبعليه‌السلام إليّ مع عبد الملك بن أعين :( سألت يرحمك الله عن الإيمان ، والإيمان هو الإقرار باللسان وعقد في القلب وعمل بالأركان والإيمان بعضه من بعض ، وهو دار ، وكذلك الإسلام دار ، والكفر دار ، فقد يكون العبد مسلماً قبل أن يكون مؤمناً ، ولا يكون مؤمناً حتى يكون مسلماً ، فالإسلام قبل الإيمان وهو يشارك الإسلام ) (٢) .

٣ ـ عن عبد الله بن مسكان ، عن بعض أصحابه ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : قلت له : ما الإسلام ؟ قال :( دين الله ، اسمه الإسلام وهو دين الله قبل أن تكونوا حيث كنتم وبعد أن تكونوا ، فمَن أقرّ بدين الله فهو مسلم ، ومَن عمل بما أمر الله عزّ وجل فهو مؤمن ) (٣) .

ـــــــــــــــــ

(١) الكافي : ٢/٢٥ ، كتاب الإيمان والكفر باب أنّ الإيمان يشارك الإسلام ، ح ١ .

(٢) الكافي : ٢/٢٧ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب أن الإسلام قبل الإيمان ، ح ١ .

(٣) الكافي : ٢/٣٨ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب ٣٠ ، باب أنّ الإيمان مبثوث لجوارح البدن كلّها ، ح ٤ .


التفقّه في الدين

١ ـ عن عبد الرحمن بن زيد عن أبيه عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال :( قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : طلب العلم فريضة على كل مسلم ، ألا وأنّ الله يحب بغاة العلم ) (١) .

٢ ـ عن أبي جعفر الأحول عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال :( لا يسع الناس حتّى يسألوا ويتفقّهوا ويعرفوا إمامهم ويسعهم أن يأخذوا بما يقول وإن كان تقيّة ) (٢) .

٣ ـ عن جميل ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سمعته يقول :( يغدو الناس على ثلاثة أصناف : عالم ومتعلّم وغثاء ، فنحن العلماء وشيعتنا المتعلّمون وسائر الناس غثاء ) (٣) .

٤ ـ عن أبي البختري ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : ( إنّ العلماء ورثة الأنبياء ، وذاك أنّ الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً ، وإنّما ورثوا أحاديث من أحاديثهم ، فمَن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظّاً وافراً ، فانظروا علمكم هذا عمّن تأخذونه فإنّ فينا أهل البيت في كل خلف عدولاً ، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين )(٤) .

مصادر التشريع الإسلامي

١ ـ عن حمّاد ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سمعته يقول :( ما من شيء إلاّ وفيه كتاب أو سنّة ) (٥) .

٢ ـ عن مُرازم عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال :( إنّ الله تبارك وتعالى أنزل في القرآن تبيان كل شيء ، حتى والله ما ترك الله شيئاً يحتاج إليه العباد ، حتى لا يستطيع عبد أن يقول : لو

ـــــــــــــــــ

(١) الكافي : ١/٣٠ ، كتاب فضل العلم الباب ١ ، باب فرض العلم ، ح ١ .

(٢) الكافي : ١/٤٠ ، كتاب فضل العلم ، الباب ٩ باب سؤال العالم وتذاكره ، ح ٤ .

(٣) الكافي : ١/٣٤ ، كتاب فضل العلم ، الباب ٣ ، باب أصناف الناس ، الحديث ٤ .

(٤) الكافي : ١/٣٢ ، كتاب فضل العلم ، الباب ٢ ، باب فضل العلماء ، الحديث ٢ .

(٥) الكافي : ١/٥٩ ، كتاب فضل العلم ، الباب ٢٠ ، باب الرد إلى الكتاب ، ح ٤ .


كان هذا أنزل في القرآن ، إلاّ وقد أنزل الله فيه ) (١) .

٣ ـ عن المعلّى بن خنيس قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام :( ما من أمر يختلف فيه اثنان ، إلاّ وله أصل في كتاب الله ولكن لا تبلغه عقول الرجال )(٢) .

علم الأئمّةعليهم‌السلام

١ ـ عن عبد الأعلى بن أعين قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول :( قد ولدني (٣) رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنا أعلم كتاب الله وفيه بدء الخلق وما هو كائن إلى يوم القيامة وفيه خبر السماء والأرض ، وخبر الجنّة ، وخبر النار ، وخبر ما كان وما هو كائن ، أعلم ذلك كأنّي انظر إلى كفّي ، إنّ الله يقول : ( فيه تبيان كل شيء ) ) (٤) .

٢ ـ عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في حديث ، قال :( علّم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليّاً عليه‌السلام ألف باب ، يفتح كل باب منها ألف باب ، إلى أن قال : فإنّ عندنا الجامعة ، صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإملائه من فلق فيه (٥) وخطّ علي عليه‌السلام بيمينه ، فيها كل حلال وحرام وكلّ شيء يحتاج إليه الناس حتى الأرش في الخدش ، وضرب بيده ، إليّ فقال لي :تأذن لي يا أبا محمّد ؟ قال : قلت : جُعلت فداك ، إنّما أنا لك ، فاصنع ما شئت ، قال : فغمزني بيده ثم قال :حتى أرش هذا ـ كأنّه مغضب ـ) (٦) .

٣ ـ عن الحسين بن أبي العلاء قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول :( إنّ

ـــــــــــــــــ

(١) الكافي : ١/٥٩ ، كتاب فضل العلم ، الباب ٢٠ ، باب الرد إلى الكتاب ، ح ١ .

(٢) المصدر السابق : ١/٦٠ ، ح ٦ .

(٣) أي حصلني .

(٤) الكافي : ١/٦١ ، كتاب فضل العلم ، الباب ٢٠ ، باب الردّ إلى الكتاب ، الحديث ٨ .

(٥) أي من شق فمه .

(٦) الكافي : ١/٢٣٨ ، كتاب الحجّة ، باب فيه ذكر الصحيفة ، ح ١ .


عندي الجفر الأبيض ) ، قال : قلت : فأيّ شيء فيه ؟ قال :( زبور داود ، وتوراة موسى ، وإنجيل عيسى ، وصحف إبراهيم والحلال والحرام ، ومصحف فاطمة ، ما أزعم أن فيه قرآن (١) وفيه ما يحتاج الناس إلينا ، ولا نحتاج إلى أحد حتى فيه الجلدة ، ونصف الجلدة ، وربع الجلدة ، وأرش الخدش ) (٢) .

المناهج المنحرفة

١ ـ قال الصادقعليه‌السلام :( دع القياس والرأي وما قال قوم في دين الله ليس له برهان ) (٣) .

٢ ـ عن أبي شيبة الخراساني قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام ، يقول :( إنّ أصحاب المقاييس طلبوا العلم بالمقاييس ، فلم تزدهم المقاييس من الحق إلاّ بعداً ، وإنّ دين الله لا يصاب بالمقاييس ) (٤) .

٣ ـ وجاء في رسالة له إلى أصحاب الرأي والمقاييس :( وقالوا لا شيء إلاّ ما أدركته عقولنا وأدركته ألبابنا ، فولاّهم الله ما تولّوا وأهملهم وخذلهم ، حتى صاروا عبدة أنفسهم من حيث لا يعلمون ، ولو كان الله رضي منهم ارتياءهم واجتهادهم في ذلك ، لم يبعث الله إليهم رسولاً فاصلاً لما بينهم ولا زاجراً عن وصفهم ) (٥) .

٤ ـ وفي وصيّة المفضّل بن عمر ، قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام ، يقول :( مَن شكّ أو ظنّ فأقام على أحدهما ، فقد حبط عمله ، أنّ حجّة الله هي الحجّة الواضحة ) (٦) .

ـــــــــــــــــ

(١) يعني : لا أقول فيه قرآناً ، بل في الجفر علم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة .

(٢) الكافي : ١/٢٤٠ ، كتاب الحجة ، باب فيه ذكر الصحيفة ، الحديث ٣ .

(٣) علل الشرائع : ١/٨٨ ، الباب ٨١ ، باب علّة المرارة في الأُذنين ، ح ٤ .

(٤) الوسائل عن الكافي : ٢٧/٤٣ ، القضاء ، باب ٦ ، من أبواب صفات القاضي ح ١٨ .

(٥) المحاسن : ١/٢٠٩ ، كتاب مصابيح الظلم ، الباب ٧ ، ح ٧٦ .

(٦) الكافي : ٢/٤٠٠ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الشّكّ ، ح ٨ .


٥ ـ عن مسعدة بن صدقة ، عن جعفر بن محمدعليه‌السلام ، عن آبائهعليهم‌السلام ، قال :( قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إيّاكم والظنّ فإنّ الظنّ أكذب الكذب ) (١) .

نماذج من الفهم الخاطئ

١ ـ عن عبد المؤمن الأنصاري ، قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : إنّ قوماً يروون عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال :( اختلاف أُمّتي رحمة ، فقال :( صدقوا ) ، فقلت : إن كان اختلافهم رحمة فاجتماعهم عذاب ! فقال :( ليس حيث تذهب وذهبوا ، إنّما أراد ، قول الله عزّ وجل : ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة) الآيةفأمرهم أن ينفروا الى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيتعلّموا ، ثم يرجعوا إلى قومهم فيعلّموهم ، إنّما أراد اختلافهم من البلدان لا اختلافاً في دين الله ، إنّما الدين واحد ، إنّما الدين واحد ) (٢) .

٢ ـ عن إسماعيل بن مخلّد السراج ، قال : خرجت هذه الرسالة من أبي عبد اللهعليه‌السلام إلى أصحابه وذكر الرسالة ، إلى أن قال : ( وقد عهد إليهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل موته فقالوا : نحن بعد ما قبض الله عزّ وجل رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يسعنا أن نأخذ بما اجتمع عليه رأي الناس بعد قبض الله رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبعد عهده الذي عَهده إلينا وأمرنا به ، مخالفاً لله ولرسوله ، فما أحد أجرأ على الله ولا أبين ضلالة ممّن أخذ بذلك وزعم أنّ ذلك يسعه ) إلى أن قال :

( وكما أنّه لم يكن لأحد من الناس مع محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يأخذ بهواه ولا رأيه ولا مقاييسه خلافاً لأمر محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كذلك لم يكن لأحد بعد محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يأخذ بهواه ولا رأيه ولا مقاييسه ) ، ثم قال :( واتبعوا آثار رسول الله وسنّته فخذوا بها ولا تتّبعوا أهواءكم ورأيكم ، فإنّ أضلّ الناس عند الله مَن اتّبع هواه ورأيه بغير هدىً من الله ) .

ـــــــــــــــــ

(١) قرب الإسناد : ٢٩ ، الأحاديث المتفرقة ، ح ٩٤ .

(٢) معاني الأخبار : ١٥٧/١ في معنى قوله اختلاف أُمّتي رحمة ، والآية في التوبة : ١٢٢ .


وقال :( أيّتها العصابة ، عليكم بآثار رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسنّته ، وآثار الأئمة الهداة من أهل بيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من بعده وسنّتهم ، فإنّه مَن أخذ بذلك فقد اهتدى ومَن ترك ذلك ورغب عنه ضلّ ) وذكر الرسالة بطولها(١) .

منهج التفقه في الدين

١ ـ عن هشام بن سالم ، قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : ما حقّ الله على خلقه ؟ قال :( أن يقولوا ما يعلمون ويكفّوا عمّا لا يعلمون ، فإذا فعلوا ذلك فقد أدّوا إلى الله حقّه ) (٢) .

٢ ـ عن هشام بن سالم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال :( إنّما علينا أن نلقي إليكم الأصول وعليكم التفريع ) (٣) .

٣ ـ عن ابن مسكان ، عن حبيب قال : قال لنا أبو عبد اللهعليه‌السلام :( ما أحد أحبّ إليَّ منكم ، إنّ الناس سلكوا سبلاً شتّى (٤) منهم مَن أخذ بهواه ، ومنهم مَن أخذ برأيه وإنّكم أخذتم بأمر له أصل ) (٥) .

٤ ـ عن هشام ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : قيل له : روى عنكم أنّ الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجال ؟ فقال :( ما كان الله ليخاطب خلقه بما لا يعقلون ) (٦) .

ـــــــــــــــــ

(١) روضة الكافي : ٨/٢ ، كتاب الروضة ، رسالة أبي عبد الله ، ح ١ .

(٢) المحاسن : ١/٢٠٤ ، كتاب مصابيح الظلم ، الباب ٤ ، حق الله عزّ وجلّ في خلقه ، الحديث ٥٣ .

(٣) السرائر : ٣/٥٧٥ ، ما استطرفه من جامع البزنطي .

(٤) شتّى : أي متفرّقاً .

(٥) المحاسن : ١/٢٥٤ كتاب الصفوة والنور والرحمة ، باب ٢٣ ، باب الأهواء ، ح ٨٨ ، ط المجمع العالمي لأهل البيتعليهم‌السلام .

(٦) الوسائل : ١٧/١٦٧ ، الباب ٣٥ ، من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ١٣ .


٥ ـ عن عمر بن حنظلة قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث ، فقال :( ينظران مَن كان منكم ممّن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً ، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً ، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه ، فإنّما استخفّ بحكم الله وعلينا ردّ ، والرادّ علينا الرادّ على الله وهو على حدّ الشرك بالله ) (١) .

وعن عمر بن حنظلة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في الحديث السابق قال : قلت : فإن كان كل واحد منهما اختار رجلاً من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما ، فاختلفا فيما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم .

فقالعليه‌السلام :الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر .

فقلت : فإنّهما عدلان مرضيّان عند أصحابنا لا يفضّل واحد منهما على صاحبه ؟

فقالعليه‌السلام :ينظر إلى ما كان من روايتهما عنّا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه من أصحابك فيؤخذ به من حكمنا ، ويترك الشاذّ الذي ليس بمشهور عند أصحابك فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه ، قلت : فإن كان الخبران عنكم مشهورين ، قد رواهما الثقات عنكم ؟

قالعليه‌السلام :ينظر ، فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنّة وخالف العامّة فيؤخذ به ، ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنّة ووافق العامّة .

قلت : جعلت فداك ، أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنّة ، ووجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامّة والآخر مخالفاً لهم ، بأيّ

ـــــــــــــــــ

(١) مَن لا يحضره الفقيه : ٣/٨ ، القضايا والأحكام ، باب الاتفاق على عدلين في الحكومة ، ح ٣٢٣٣ .


الخبرين يؤخذ ؟

فقالعليه‌السلام :ما خالف العامّة ففيه الرشاد .

فقلت : جُعلت فداك ، فإن وافقهما الخبران جميع ؟ قال :ينظر إلى ما هم إليه أميل ، حكّامهم وقضاتهم فيترك ويؤخذ بالآخر .

قلت : فإن وافق حكامهم الخبرين جميع ؟ قال :إذا كان ذلك ، فارجئه حتى تلقى إمامك (١) ، فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات )(٢) .

قواعد فقهيّة عامّة

١ ـ عن موسى بن بكر ، قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام ، الرجل يغمى عليه يوماً أو يومين أو الثلاثة أو الأربعة أو أكثر من ذلك ، كم يقضي من صلاته ؟ قال :( ألا أخبرك بما يجمع لك هذه الأشياء كلّها ؟ كلّما غلب الله عليه من أمر فالله أعذر لعبده ) (٣) .

٢ ـ عن محمد بن علي بن الحسين قال : قال الصادقعليه‌السلام :( كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي ) (٤) .

٣ ـ عن داود بن فرقد قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول :( أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا ، إنّ الكلمة لتنصرف على وجوه ، فلو شاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء ولا يكذب ) (٥) .

٤ ـ عن أبي إسحاق الأرجاني رفعه قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام :( أتدري لم أُمرتم بالأخذ بخلاف ما تقول العامّة ؟ فقلت : لا أدري ، فقال :إنّ عليّ عليه‌السلام لم يكن يدين

ـــــــــــــــــ

(١) إلى أن تلقى إمام زمانك .

(٢) الكافي : ١/٦٧ ، كتاب فضل العلم ، باب اختلاف الحديث ، الحديث ١٠ .

(٣) الخصال : ٢/٦٤٤ ، أبواب ما بعد الألف ، ح ٢٤ .

(٤) الفقيه : ١/٣١٧ ، باب وصف الصلاة القنوت واستحبابه ، الحديث ٩٣٧ .

(٥) معاني الأخبار : ١/١ ، الباب ١ .


الله بدين إلاّ خالف عليه الأُمّة إلى غيره ، إرادة لإبطال أمره وكانوا يسألون المؤمنين عليه‌السلام عن الشيء الذي لا يعلمونه فإذا أفتاهم جعلوا له ضدّاً من عندهم ليلبسوا على الناس ) (١) .

٥ ـ عن منصور بن حازم قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام :( الناس مأمورون ومنهيّون ومَن كان له عذّر ، عذره الله ) (٢) .

٦ ـ عن أبي بصير قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن المريض هل تمسك له المرأة شيئاً فيسجد عليه ؟ قال :( لا ، إلاّ أن يكون مضطّراً ليس عنده غيرها وليس شيء ممّا حرّم الله إلاّ وقد أحلّه لمَن اضطرّ إليه ) (٣) .

٧ ـ عن هشام بن سالم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال :( الله أكرم من أن يكلّف الناس ما لا يطيقون والله أعزّ من أن يكون في سلطانه ما لا يريد ) (٤) .

٨ ـ عن عبد الأعلى مولى آل سام قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : عثرت ، فانقطع ظفري فجعلت على إصبعي مرارة فكيف أصنع بالوضوء ؟ فقال :( تعرف هذا وأشباهه من كتاب الله ، قال الله تعالى : ( ما جعل عليكم في الدين من حرج ) امسح عليه ) (٥) .

٩ ـ عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال :( كل شيء فيه حلال وحرام ، فهو لك حلال ، حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه ) (٦) .

١٠ ـ عن معاوية بن عمار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين فرغ من طوافه وركعتيه ، قال :( ابدءوا بما بدأ الله عزّ وجلّ به من إتيان الصفا ، إنّ الله

ـــــــــــــــــ

(١) علل الشرائع : ٢/٥٣١ ، الباب ٣١٥ ، العلّة التي من أجلها يجب الأخذ بخلاف ، الحديث ١ .

(٢) المحاسن : ١/٢٤٥ ، كتاب مصابيح الظلم ، الباب ٢٦ ، باب الأمر والنهي ، الحديث ٢٤٢ .

(٣) التهذيب : ٣/١٧٧ ، الباب ١٤ ، باب صلاة الغريق والمتوحّل والمضطرب بغير ذلك ، الحديث ١ .

(٤) الكافي : ١/١٦٠ ، كتاب التوحيد ، باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين ، الحديث ١٤ .

(٥) التهذيب : ١/٣٦٣ ، الباب ١٦ ، باب في صفة الوضوء والفرض منه ، الحديث ٢٧ .

(٦) مَن لا يحضره الفقيه : ٣/٣٤١ ، باب الذبائح والمآكل ، ح ٤٢٠٨ .


يقول :( إنّ الصفا والمروة من شعائر الله ) ) (١) .

١١ ـ عن زكريا بن يحيى ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال :( ما حجب الله علمه عن العباد ، فهو موضوع عنهم ) (٢) .

١٢ ـ عن حريز ، عن زرارة ، قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الحلال والحرام ؟ فقال :( حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة ، وحرامه حرام إلى يوم القيامة ، لا يكون غيره ولا يجيء غيره ) (٣) .

نماذج من فقه الإمام الصادقعليه‌السلام

١ ـ عن ابن أُذينة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : قال :( ما تروي هذه الناصبة ؟ فقلت : جعلت فداك في ماذا ؟ فقال :في أذانهم وركوعهم وسجودهم ، فقلت : إنّهم يقولون : إنّ أُبيّ بن كعب رآه في النوم ، فقال :كذبوا ، فإنّ دين الله اعزّ من أن يرى في النوم ) (٤) .

٢ ـ عن عيص بن القاسم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال :( إذا خرج الرجل في شهر رمضان مسافراً أفطر ، وقال :إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خرج من المدينة إلى مكّة في شهر رمضان ومعه الناس وفيهم المشاة ، فلمّا انتهى إلى كراع الغميم (٥) دعا بقدح من ماء فيما بين الظهر والعصر ، فشربه وأفطر ثم أفطر الناس معه وتمّ ناس على صومهم ، فسمّاهم العصاة وإنّما يؤخذ بآخر أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) (٦) .

ـــــــــــــــــ

(١) التهذيب : ٥/١٤٥ ، الباب ١٠ ، الحديث ٦ .

(٢) التوحيد : ٤١٣/٩ ، الباب ٦٤ ، باب التعريف والبيان والحجّة والهداية .

(٣) الكافي : ١/٥٨ ، كتاب فضل العلم باب البدع والرأي والمقاييس ، ح ١٩ .

(٤) الكافي : ٣/٤٨٢ ، كتاب الصلاة ، باب النوادر .

(٥) وهي على ثلاثة أميال من المدينة .

(٦) الكافي : ٤/١٢٧ ، كتاب الصيام ، باب كراهية الصوم في السفر ، ح ٥ .


٣ ـ قال الصادقعليه‌السلام :( خلق الله الماء طهوراً لا ينجّسه شيء إلاّ ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه ) .

٤ ـ قال الصادقعليه‌السلام :( إذا كان الماء قدر كرّ ، لم ينجّسه شيء ) .

٥ ـ قالعليه‌السلام :( اغسل ثوبك من بول كلّ ما لا يؤكل لحمه ) .

٦ ـ قال الصادقعليه‌السلام :( إذا نامت العين والأُذن والقلب وجب الوضوء ) ، قيل : فإن حرّك إلى جنبه شيء ولم يعلم به ، قال :( لا حتى يستيقن أنّه قد نام حتى يجيء من ذلك أمر بيّن ، وإلاّ فإنّه على يقين من وضوئه ، ولا تنقض اليقين أبداً بالشك وإنّما تنقضه بيقين آخر ) .

٧ ـ وقالعليه‌السلام :( لا ينقض الوضوء إلاّ حدث والنوم حدث ) .

٨ ـ قال أبو عبد اللهعليه‌السلام :( إن سمعت الأذان وأنت على الخلا ، فقل مثل ما يقول المؤذّن ولا تَدَع ذكر الله في تلك الحال ؛ لأنّ ذكر الله حسن على كلّ حال ) .

٩ ـ وقالعليه‌السلام :( إذا شككت في شيء من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكك بشيء ، إنّما الشك إذا كنت في شيء لم تجزه ) .

١٠ ـ وسُئل أبو عبد اللهعليه‌السلام عن الجنب يجلس في المساجد ؟ قال :( لا ، ولكن يمرّ فيها كلّها ، إلاّ المسجد الحرام ومسجد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) .

١١ ـ قال الصادقعليه‌السلام :( صلِّ على مَن مات من أهل القبلة وحسابه على الله ) .

١٢ ـ قال الصّادقعليه‌السلام :( كلّ ما جعل على القبر من غير تراب القبر (١) فهو ثقل على الميّت ) .

١٣ ـ قال رجل للصادقعليه‌السلام : إنّي أُعير الذمّي ثوبي وأنا أعلم أنّه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير ، فيردّه عليّ فأغسله قبل أن أُصلّي فيه ؟ فقال أبو

ـــــــــــــــــ

(١) وسائل الشيعة : ج٢ أبواب الدفن ، الباب ٣٦ ( باب أنّه يكره أن يوضع على القبر من غير ترابه ) .


عبد اللهعليه‌السلام :( صلّ فيه ولا تغسله ، من أجل أنّك أعرته إيّاه وهو طاهر ولم تستيقن أنّه قد نجّسه ، فلا بأس أن تصلّي فيه حتى تستيقن أنّه نجّسه ) .

١٤ ـ وقال الصادقعليه‌السلام :( لكلّ صلاة وقتان وأوّل الوقت أفضلهم ) .

١٥ ـ قال الصادقعليه‌السلام :( إنّما النافلة بمنزلة الهديّة ، متى ما أتا بها قبلت ) .

١٦ ـ قالعليه‌السلام :( السجود لا يجوز إلاّ على الأرض أو على ما أنبتت الأرض إلاّ ما أكل أو لبس ) .

١٧ ـ وقالعليه‌السلام :( مَن صلّى الصلوات الخمس جماعة ، فظُنوا به كلّ خير ) (١) .

١٨ ـ سُئل الصادقعليه‌السلام عن القراءة خلف الإمام ؟ فقال :( لا ، إنّ الإمام ضامن للقراءة وليس يضمن الإمام صلاة الذين خلفه إنّما يضمن القراءة ) .

١٩ ـ وقال الصادقعليه‌السلام :( ما فرض الله على هذه الأمة شيئاً أشدّ عليهم من الزكاة وفيها تهلك عامّتهم ) .

٢٠ ـ وقال الصادقعليه‌السلام :( ما ضاع مال في برّ ولا بحر إلاّ بتضييع الزكاة ولا يصاد من الطير إلاّ ما ضيّع تسبيحه ) .

٢١ ـ وقالعليه‌السلام :( إنّما فرض الله الصيام ليستوي به الغني والفقير ) .

٢٢ ـ قالعليه‌السلام :( لا صيام في السفر إلاّ الثلاثة أيام التي قال الله في الحجّ ) (٢) .

٢٣ ـ وقال الصادقعليه‌السلام :( إذا جئت بصوم شهر رمضان لم تسأل عن صوم ) .

٢٤ ـ وقالعليه‌السلام :( إنّ صوم شهر رمضان لم يفرض الله صيامه على أحد من الأمم قبلنا ) .

٢٥ ـ وسُئل عن قوله تعالى :( كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من

ـــــــــــــــــ

(١) وسائل الشيعة : ج٥ كتاب الصلاة ، أبواب صلاة الجماعة ، الباب ١ ( باب تأكّد استحبابها في الفرائض وعدم وجوبها فيما عدا الجمعة والعيدين ) .

(٢) وسائل الشيعة : أبواب مَن يصح منه الصوم ، الباب ١١ ( باب عدم جواز صوم شهر من الواجب في السفر إلاّ النذر المعيّن سفراً وحضراً وثلاثة أيام ) .


قبلكم ) ؟ قال :( إنّما فرض الله صيام شهر رمضان على الأنبياء دون الأمم ففضّل به هذه الأمة فجعل صيامه فرضاً على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلى أُمّته ) .

٢٦ ـ وقيل للصادقعليه‌السلام : ليلة القدر كانت أو تكون في كلّ عام ؟ فقال :( لو رفعت ليلة القدر ، لرفع القرآن ) .

٢٧ ـ قال الصادقعليه‌السلام :( لو ترك الناس الحجّ لما نوظروا العذاب ) .

٢٨ ـ وقالعليه‌السلام :( لا يزال الدين قائماً ما قامت الكعبة ) .

٢٩ ـ وقال الصادقعليه‌السلام :( لو أنّ الناس تركوا الحج لكان على الوالي أن يجبرهم على ذلك وعلى المقام عنده ، ولو تركوا زيارة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان على الوالي أن يجبرهم على ذلك وعلى المقام عنده ، فإن لم يكن لهم مال أنفق عليهم من بيت مال المسلمين ) .

٣٠ ـ وقال الصادقعليه‌السلام :( المعتمر يعتمر في أيّ شهور السنة ، وأفضل العمرة عمرة رجب ) .

٣١ ـ قال الصادقعليه‌السلام :( كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يستلم الحجر في كلّ طواف فريضة ونافلة ) .

نماذج من مواعظ الإمام الصادقعليه‌السلام

١ ـ قالعليه‌السلام :( ليس منّا ولا كرامة مَن كان في مصر فيه مائة ألف أو يزيدون وفيهم مَن هو أورع منه ) .

٢ ـ قال الصادقعليه‌السلام :( أيّما أهل بيت أعطوا حظّهم (١) من الرفق فقد وسّع الله عليهم في الرزق ، والرفق في تقدير المعيشة خير من السعة في المال ، والرفق لا يعجز عنه شيء ، والتبذير لا يبقى معه شيء ، إنّ الله عزّ وجلّ رفيق يحب الرفق ) .

ـــــــــــــــــ

(١) وسائل الشيعة : كتاب الجهاد ، أبواب جهاد النفس وما يناسبه ، الباب ٢٧ ( باب استحباب الرفق في الأمور ) الجديد ، ١٥/٢٧٠ / ٥ [٢٠٤٤٩ ] ; القديم ، ١١ : ٢٠٦ / ٥ .


٣ ـ قال الصادقعليه‌السلام لرجل :( أوصيك إذا أنت هممت بأمر فتدبّر عاقبته ، فإن يك رشداً فأمضه وإن يك غيّاً فانته عنه ) .

٤ ـ وقال الصادقعليه‌السلام :( ليس من عِرق يضرب ولا نكبة ولا صداع ولا مرض إلاّ بذنب وما يعفو الله أكثر ) .

٥ ـ وقالعليه‌السلام :( إنّ الذنب يحرم العبد الرزق ) .

وقال الصادقعليه‌السلام :( لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار ) .

٦ ـ قال الصادقعليه‌السلام :( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان على مَن أمكنه ذلك ولم يخف على نفسه ولا على أصحابه ) .

٧ ـ قالعليه‌السلام :( مَن شهد أمراً فكرهه ، كان كمَن غاب عنه ، ومَن غاب عن أمر فرضيه ، كان كمَن شهده ) .

٨ ـ قال الصادقعليه‌السلام :( إنّ الله فوّض إلى المؤمن كلّ شيء إلاّ إذلال نفسه ) .

٩ ـ وقالعليه‌السلام :( لا ينبغي للمؤمن أن يذلّ نفسه ) ، قيل : كيف يذل نفسه ؟ قال :( يتعرّض لما لا يطيق ) .

١٠ ـ قال الصادقعليه‌السلام :( لا يتكلّم الرجل بكلمة حق فيؤخذ بها إلاّ كان له مثل أجر مَن أخذ بها ، ولا يتكلّم بكلمة ضلال يؤخذ بها إلاّ كان عليه مثل وزر مَن أخذ بها ) .

١١ ـ وقالعليه‌السلام :( المسلمون عند شروطهم ، إلاّ كل شرط خالف كتاب الله ، فلا يجوز ) .

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين


الفهرست

أهل البيت في القرآن الكريم. ٢

أهل البيت في السنّة النبويّة ٢

الباب الأول : ٩

فيه فصول : ٩

الفصل الأول : الإمام الصادق عليه‌السلام في سطور ٩

الفصل الثاني : انطباعات عن شخصيته عليه‌السلام ٩

الفصل الثالث : مظاهر من شخصيته عليه‌السلام ٩

الفصل الأول : الإمام الصادق عليه‌السلام في سطور ١٠

الفصل الثاني : انطباعات عن شخصية الإمام الصادق عليه‌السلام.... ١٤

الفصل الثالث : مظاهر من شخصية الإمام الصادق عليه‌السلام.... ١٨

سعة علمه : ١٨

كرمه وجوده : ١٩

صدقاته في السر : ٢٠

تكريمه للضيوف : ٢١

تواضعه : ٢٢

سمو أخلاقه : ٢٢

صبره : ٢٣

إقباله على العبادة : ٢٤

الباب الثاني : ٢٨

فيه فصول : ٢٨

الفصل الأوّل : نشأة الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام ٢٨

الفصل الثاني : مراحل حياة الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه‌السلام ٢٨

الفصل الثالث : الإمام الصادق في ظلّ جدّه وأبيه عليهم‌السلام ٢٨

الفصل الأوّل : نشأة الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام.... ٢٩

الأسرة الكريمة : ٢٩


الأب الكريم : ٢٩

الأُم الزكيّة : ٣٠

ولادة النور : ٣١

تاريخ ولادته : ٣٢

تسميته وألقابه : ٣٢

كُناه : ٣٤

ذكاؤه : ٣٤

معرفته بجميع اللغات : ٣٦

هيبته ووقاره : ٣٨

الفصل الثاني : مراحل حياة الإمام الصادق عليه‌السلام.... ٣٩

الفصل الثالث : الإمام الصادق في ظل جدّه وأبيه عليهم‌السلام.... ٤١

ملامح عصر الإمام زين العابدين ومواقفه ٤١

ملامح عصر الإمام محمد الباقر عليه‌السلام.... ٤٥

متطلّبات عصر الإمام الباقر عليه‌السلام.... ٤٧

الباب الثالث : ٦٠

وفيه فصول : ٦٠

الفصل الأوّل : ملامح عصر الإمام الصادق عليه‌السلام ٦٠

الفصل الثاني : دور الإمام عليه‌السلام في تثبيت معالم الرسالة ٦٠

الفصل الثالث : دور الإمام عليه‌السلام في بناء الجماعة الصالحة ٦٠

الفصل الأول : ملامح عصر الإمام الصادق عليه‌السلام (١١٤ ـ ١٣٢ هـ) ٦١

١ ـ الوضع السياسي. ٦٤

زيد يعلن الثورة ٦٦

موقف الإمام الصادق عليه‌السلام من ثورة زيد. ٦٨

الإمام عليه‌السلام وهشام بن عبد الملك.. ٦٩

بداية الانفلات.. ٧٠

الإمام الصادق عليه‌السلام يشيد بثورة عمّه زيد. ٧٢


مقتل يحيى بن زيد. ٧٢

موقف الإمام عليه‌السلام إزاء الأحداث السياسية ٧٤

موقف الإمام عليه‌السلام من العروض التي قُدّمت له ٧٥

الإمام عليه‌السلام يحذّر الشيعة من المواقف الانفعالية ٧٧

٢ ـ الوضع الفكري. ٧٩

تحريف مصادر التشريع والتاريخ : ٨٠

الاتجاهات الفكرية المنحرفة ٨٣

الفصل الثاني : متطلّبات عصر الإمام الصادق عليه‌السلام.... ٨٩

الانفتاح على الاتجاهات الفكرية والسياسية ٩٢

٣ ـ المحور الروحي والأخلاقي. ١٠٩

مواصلة بناء جامعة أهل البيت الإسلامية ١١٥

خصائص جامعة أهل البيت عليهم‌السلام.... ١١٥

التخصّص العلمي في مدرسة الإمام عليه‌السلام.... ١١٩

الفصل الثالث : دور الإمام الصادق عليه‌السلام في بناء الجماعة الصالحة ١٢٥

الهدف من إيجاد الجماعة الصالحة ١٢٦

الدور الخاص للإمام الصادق عليه‌السلام في بناء الجماعة الصالحة ١٣١

أ : البناء الجهادي. ١٣١

ترسيخ مبادئ وأهداف ومعالم الثورة الحسينية ١٣٢

ب : البناء الروحي والإيماني. ١٣٧

مظاهر عمق الإيمان. ١٤٠

القدوة الحسنة ١٤١

ج : البناء الاجتماعي. ١٤٣

الانفتاح على الأُمّة ١٤٣

تأكيد علاقة الأُخوّة : ١٤٥

موقف الإمام عليه‌السلام من الهجران والمقاطعة ١٤٧

الخطّ التربوي للإمام الصادق عليه‌السلام.... ١٤٧


الباب الرابع : ١٥١

فيه فصول : ١٥١

الفصل الأول : نهاية الحكم الأموي وبداية الحكم العبّاسي ١٥١

الفصل الثاني : حكومة المنصور واستشهاد الإمام الصادق عليه‌السلام ١٥١

الفصل الثالث : من تراث الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام ١٥١

الفصل الأول : نهاية الحكم الأموي وبداية الحكم العبّاسي. ١٥٢

١ ـ المستجدّات السياسية ١٥٢

٢ ـ الحركة العبّاسيّة ( النشأة والأساليب ) ١٥٧

اجتماع الأبواء ١٦٢

تحرّك العبّاسيين بعد المؤتمر ١٦٤

٣ ـ موقف الإمام عليه‌السلام من الأحداث.. ١٦٨

موقف الإمام عليه‌السلام من عرض أبي سلمة الخلاّل. ١٦٩

موقف الإمام الصادق عليه‌السلام من العلويين. ١٧١

نهاية أبي سلمة الخلاّل. ١٧٢

موقف الإمام عليه‌السلام من عرض أبي مسلم. ١٧٣

٤ ـ منهج الإمام عليه‌السلام في هذه المرحلة ١٧٤

التصعيد العبّاسي وموقف الإمام عليه‌السلام.... ١٧٦

الحضور في أجهزة السلطة ١٨٥

الإمام الصادق يرسّخ الاعتقاد بالإمام المهدي عليه‌السلام.... ١٨٦

الفصل الثاني : حكومة المنصور واستشهاد الإمام الصادق عليه‌السلام.... ١٨٨

المنصور والتضييق على الإمام الصادق عليه‌السلام.... ١٨٨

تحرّك العلويين نحو الثورة ١٩٧

موقف الإمام عليه‌السلام من آل الحسن. ١٩٩

ثورة محمد بن عبد الله ( ذي النفس الزكيّة ) ٢٠٠


موقف الإمام عليه‌السلام من الثورة : ٢٠٢

الإمام الصادق يهيّئ الخط الشيعي للمواصلة ٢٠٢

محاصرة الإمام عليه‌السلام قُبيل استشهاده ٢٠٨

الإمام الصادق عليه‌السلام في ذمّة الخلود ٢٠٩

الفصل الثالث : تراث الإمام الصادق عليه‌السلام.... ٢١٥

أعلام السنّة الذين أخذوا عن الإمام الصادق عليه‌السلام : ٢١٦

مصادر المعرفة وآثارها ٢٢١

الأنبياء والأئمّة ٢٢٢

الإسلام والإيمان. ٢٢٢

التفقّه في الدين. ٢٢٤

مصادر التشريع الإسلامي. ٢٢٤

علم الأئمّة عليهم‌السلام.... ٢٢٥

المناهج المنحرفة ٢٢٦

نماذج من الفهم الخاطئ. ٢٢٧

منهج التفقه في الدين. ٢٢٨

قواعد فقهيّة عامّة ٢٣٠

نماذج من فقه الإمام الصادق عليه‌السلام.... ٢٣٢

نماذج من مواعظ الإمام الصادق عليه‌السلام.... ٢٣٥


اعلام الهداية - الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)

اعلام الهداية - الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: المجمع العالمي لاهل البيت (عليهم السلام)
الناشر: المجمع العالمي لاهل البيت (ع)
تصنيف: الإمام الصادق عليه السلام
الصفحات: 241