الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) دراسة تحليلية

مؤلف: مركز الرسالة
الإمام علي بن الحسين عليه السلام





بسم الله الرحمن الرحيم

مقدِّمة المركز

الحمدُ لله ربِّ العالمين ، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين

وبعد في رحاب النبي العظيمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والاَئمة الطاهرينعليهم‌السلام نعيش أروع معالم الكمال البشري ، وأسمى آيات العظمة الاِنسانية ، ونتابع سلسلة من المواقف التي تحمل في ذاتها كل مبررات البقاء والخلود ، معالم طريق ، ومنارات هدى ، وبيّنات مجد لا يضاهى ذلك إذا ما وقفنا عند تلك المعالم وهذه المنارات والبينات كما ينبغي ، مرسلين النظر في أطرافها ، باعثين سفراء العقول والضمائر بين ثناياها وفي أعماقها وقفة الدارس المتأمل ، والناظر المستلهم ، وهذا عين ما أردناه من هذه السلسلة الخاصة في دراسة سير المعصومينعليهم‌السلام ولعل أول ما نلمحه من نظرة كلية الى سيرهم الغنية بالعطاء هو انّ كل واحدٍ منهمعليهم‌السلام قد تميّز بواحدةٍ من الخصال أو أكثر ، صبغت أيامه ، وربّما تراثه أيضاً بصبغتها المميزة ، مع ما نلاحظه من خطوط التلاقي الوفيرة ، والتكامل التاريخي المتجسّد في سيرة واحدة تمتد قرنين ونصف القرن ، منذ فجر الرسالة وحتى غياب المعصوم الرابع عشر.

فإذا كان لون الشهادة هو الغالب على سيرة الحسينعليه‌السلام ونهضة الدين العارمة المتنقلة بين السجون مع موسى الكاظمعليه‌السلام وظاهرة الإمامة المبكرة مع الجواد والهادي والمهديعليهم‌السلام ، فثمة حلقات تاريخية شاخصة المعالم تجمع سير العظماء الخمسة مع من سبقهم ، ومن هو بينهم من هداة البشرعليهم‌السلام .

وفي حياة خامس الاَئمة ، زين العابدينعليه‌السلام ، سنرى ظاهرة جديدة ، ربّما في تاريخ عظماء البشر على الاِطلاق ، ظاهرة السبك الحكمي الدقيق لكل مبادىء الاِسلام من أركان وتعاليم ، من الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومفاتح التغيير الاِجتماعي ، ومفاتح الثورة على الظالمين ، ومبادىء حقوق الاِنسان ، سبكها كلها في لغة الدعاء والابتهال المقروء والمحمول ، بعد أن كانت من أخطر الممنوعات


في عصره لو اتخذت لونها المباشر.

ومع هذا التمييز الواضح والكبير فإنّ ظاهرة التواصل والامتداد في المسؤوليات والمهمات بينه وبين آبائه الطاهرين ، انتهاءً بسيد الكائنات محمد المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هي المحور الثابت في حياته وسيرتهعليه‌السلام .

وكم هو مناسب أن نلمح بعض وجوه الشبه بين ظروف حياته الخاصة وبين بعض خصائص جده أمير المؤمنين عليٍّعليه‌السلام ؛ فقد عاش عليٌّعليه‌السلام ما يزيد بقليل على ربع القرن في كنف المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصحبته ، وأقل بقليل من هذا عاش عليٌّ الثاني زين العابدين مع عمّه الحسن وأبيه الحسين سبطي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وابتدأ عليٌّ الاَول محنته بغياب حبيبه المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وابتدأ عليٌّ الثاني محنته بغياب أبيه سيد الشهداء سبط المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعاش عليٌّ الاَول جلالة الصبر وذروة حكمة العظماء وهو يرى من هم دونه يتناوبون الخلافة ، ومثل هذا عاشه عليٌّ الثاني منذ رحيل والده الشهيد وترك عليٌّ الاَول أعظم دروس الحكمة والمقاطع الشاهدة على التاريخ في أروع بيان ، جُمع بعضه في « نهج البلاغة » ، كما ترك عليٌّ الثاني حكمته ودروسه الشاهدة على التاريخ في صحيفته السجادية المنسوجة في أروع بيان.

وفي هذا كله ، وبينه ، مشاهد حيّة ، وعطاءات خالدة ، ومواقف فذّة ، حرية بجهد جاد في الدراسة والتحليل.

ولقد وقف إصدرانا هذا وقفة موفقة مع كثير من تلك الحلقات والمشاهد ، في دراسة جادّة نرجو أنّها قد قدمت ما هو جديد ومفيد في التعرف على سيرة هذا الرجل العظيم ..

والله من وراء القصد وهو الهادي الى سواء السبيل.

مركز الرسالة


المقدِّمة

دأب معظم الكتّاب والباحثين الذين كتبوا عن سيرة أئمة أهل البيتعليهم‌السلام على عدم تجاوز النسق التقليدي في العرض التأريخي لحياة كل واحد منهم ، والذي يستهل عادة بذكر يوم ولادته وأسمائه وكناه ومناقبه ومعاجزه وكراماته ونحوها ، انتهاءً بوفاته وقليل منهم من يدون مقاطع وأحداثاً أكثر إثارة في حياتهم الاجتماعية والسياسية.

هذا مع عموم أئمة أهل البيتعليهم‌السلام أما حين نأتي على دراسة حياة الإمام السجاد زين العابدينعليه‌السلام فسنرى الرزيّة أعظم والكارثة أدهى وأمرّ ؛ إذ إنّ هذا الإمام ـ كما هو معروف ـ عاش أقسى وأشدّ ما يعانيه إنسان معارض وهو يرى بأُم عينيه مشاهد وفصول واقعة كربلاء الرهيبة ويبقى يحمل ذكرياتها في ضميره ووجدانه ، الاَمر الذي دفع السلطات إلى أن تحصي عليه أنفاسه وتراقب حركاته وسكناته ، وفي مقطع زمني بغيض أقلّ ما قيل فيه إنّ الناس بعد مصرع والده الإمام الحسينعليه‌السلام « ارتدوا جميعاً إلاّ ثلاثة »(١) .

وذلك تعبير عن هول الصدمة التي عصفت بمشاعر الاُمّة وهي ترى ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسيد شباب أهل الجنة مع أصحابه وبنيه مجزّرين كالاَضاحي في رمضاء كربلاء ، لا يسلم منهم أحد إلاّ رجل واحد مريض ، اختزنته المشيئة الاِلهية ليبقى شاهداً على العصر وحجّة على

__________________

(١) عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال : « ارتدّ الناس بعد قتل الحسينعليه‌السلام إلاّ ثلاثة ، وهم أبو خالد الكابلي ، ويحيى ابن أم الطويل ، وجبير بن مطعم ، ثم قال : ثم إنّ الناس لحقوا وكثروا » ، راجع : رجال الكشي ، ترجمة ابن أم الطويل.


العباد لاستكمال فصول « الابتلاء » ؛ بل الغضب الاِلهي الذي عمّ أهل الدنيا بعد تلك الواقعة السوداء التي لطخت وجه التاريخ.

نقول ، إنّ « التاريخ الاَسود » الذي كتبته السلطة الاَموية الحاكمة ، لم يبق للمؤرخين من سيرة هذا الإمام العظيم إلاّ النزر القليل ، فضلاً عن التحريف المتعمد لتشويه صورته والتعتيم على مواقفه وسيرته ووفق الطريقة التي تخدم السلطة الحاكمة ، وتبرّر للحكام عزلته أو اعتزاله ، بل تفسّر ذلك وتبرره على أنّه الموقف السليم من الحكم ، الاَمر الذي سار عليه الكتّاب والمؤرخون في تفسيرهم الظاهري لاعتزاله ، بل عزله وإقصائه(١) .

ولكن ، ومع كل هذا التغييب المتعمّد أو هذا التعسف الظالم بحق الإمام السجادعليه‌السلام ، إلاّ أن مواقفه وكلماته وسيرته تحدّت حجب الزمن وركام التاريخ وغبار المدوّنات الظالمة ، وتركت لنا منه سفراً خالداً يجدر بالكتّاب والباحثين المعاصرين أن يقرأوه أو يدرسوه قراءة متأنية أُخرى ، أو دراسة تحليلية جديدة تتناسب مع موقعه باعتباره الرمز الاَول في معارضة سلبية قُتل كافة رجالها في معركة غير متكافئة ، أقعده المرض عن خوضها وبقي يُقاتل وحده ، بطريقةٍ أقلّ ما يقال فيها أنّها كانت أقسى من ساعة مواجهة كان يمكن أن يستشهد فيها مع اخوته وأبيه وأصحاب أبيه ويتخلص من أيام ضيم وسنيّ ألم وعقود حصار ، وملاحقة مرّة جعلت منه رمزاً منغّصاً ، وهاجساً مرعباً لسلطة الباطل ، ووجهاً لوجه أمام قوم غلاظ نزع الله من قلوبهم الرحمة ، فراحوا يعدّون عليه أنفاسه ويلجأون إلى شتى الوسائل لاِنهائه والاجهاز عليه وإلحاقه بمن سبقه من سلالة هذا البيت الطاهر الكريم

__________________

(١) راجع : نظرية الإمامة / صبحي الصالح : ٣٤٩ ، وحياة الإمام علي بن الحسينعليه‌السلام : ٣٢٠ ، وثورة زيد / ناجي حسن : ٣٠ ـ ٣١ ، والفكر الشيعي والنزاعات الصوفية / الشيبي : ١٧. والصلة بين التصوف والتشيع : ١٠٤ و ١٠٧.


إذن ، من هذا المنطلق سنحاول في بحثنا هذا أن نقترب من هذا الإمام العظيم باعتباره حركة في الواقع وتجسيداً للمثال ، وقدوة حسنة ، ونموذجاً حركياً عاش على الاَرض وتحرك مع الناس وأنزل المفاهيم السماوية مصاديق متحركة تمشي على أقدامها في الاَسواق ومع الفقراء والعبيد وعوامّ الناس ، لتؤكد للجميع أنّ الإمام شعار وشعور ، مفاهيم ومصاديق ، أقوال وأفعال ، موعظة وسلوك ، توجيه وممارسة ، يواسي الفقير ، وينتصر للمظلوم ، ويصفح عن المسيء ، يعدل بين المتخاصمين ، ويدعو على الظالمين ، ويدعو للمظلومين ، يبكي نبلاً ، ويتهجّد صدقاً ، وينشج حزناً ، ويقرأ القرآن اعتقاداً وتصديقاً ، ويرتّله إيماناً ويقيناً ، ويعمل به أخلاقاً وسلوكاً ، فلسفة وعرفاناً ، نظرية وتطبيقاً ...

ولعلّ ما أردنا إثباته بل تأكيده في هذه الدراسة التحليلية الموجزة للاِمام السجادعليه‌السلام هو هذا وليس أكثر ، مؤكدين أيضاً أن الخلود ليس من نصيب الحاكم صاحب السلطة والصولجان مهما تماهى مع ذاته في كتابة تأريخه وأغدق على شعرائه وكتّاب دواوينه ، وإنّما المجد والخلود يكون عادةً من نصيب المعارض الصادق ، وإن كان ملاحقاً أو سجيناً أو شهيداً ولو بعد حين.

وحين نقول إنّ عظمة ( البيان ) جاءت في القرآن الكريم بعد عظمة ( خلق الاِنسان )( الرحمنُ * خلقَ الاِنسان * علّمه البيان ) ، فإنّ بيان الإمام السجادعليه‌السلام كان بياناً ما بعده بيان ، وامتداداً لبيان جدّه أمير المؤمنينعليه‌السلام الذي عُدّ دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق ، فضلاً عن كونه إنساناً لا كالناس ، بل لم يترك له الناس في زمانه دوراً إلاّ أن يكون محوراً لتذكيرهم بربهم ، يكبح تهالكهم على الدنيا وتهافتهم عليها حين يرونه قد اصفر وجهه(١) عند وضوئه وقبل الوقوف بين يدي ربه وكفاه

__________________

(١) الصواق المحرقة : ٣٠٢.


فخراً وعزاً أنّه كان أول الذين صبروا وصمدوا وواجهوا ورابطوا ، وكان عنواناً عريضاً للمعارض الذي لا يستكين ، والباكي الذي فجّر بالدموع دماً ، والداعي الذي فتّت بدعائه الجلمود رقّة وعطفاً ، والناهض الذي يُرعب الاَعداء بصمته وهيبته وسكوته ، ورفيق العبيد الذي يحصي عليه خصومه كلماته مع عبيده ، ويحصون عليه أنفاسه ، وطلعاته الليلية التي يحمل فيها جرابه ليطرق أبواب المحتاجين ويعطيهم مما أعطاه الله سرّاً ...

هذا هو زين العابدين الذي سنقرأه دراسة وتأمّلاً وتحليلاً ، وليس سرداً استعراضياً أو حكاية أو معجزة أو قصة ، أو سيرة تاريخية ، مع كامل اعتزازنا بمن قرأه هكذا من المؤلفين والمؤرخين والكتّاب ، فلكل كاتبٍ قارىء ، ولكلِّ زهرة نكهة ...

وقد تمت هذه الدارسة في ستة فصول :

الاَول تناول ـ تحت عنوان ( الإمام السجادعليه‌السلام في سطور ) ـ المحطات الاساسية في حياته الشريفة والتأشير صوب الاَدوار الرئيسية التي جسّدها في حياته.

وتناول الفصل الثاني ظاهرة البكاء عند الإمام السجادعليه‌السلام بالدراسة والتحليل.

واختص الفصل الثالث بدراسة ظاهرتي العبادة والدعاء عندهعليه‌السلام .

وتركز الفصل الرابع حول فلسفة الإمامعليه‌السلام في الانفاق وتحرير العبيد.

ولوقفة متأنية في ( رسالة الحقوق ) أفردنا الفصل الخامس.

أمّا الختام فكان في خلاصة الجهاد السياسي للاِمام السجادعليه‌السلام ، وهو موضوع الفصل السادس والاَخير.

والله تعالى من وراء القصد ، عليه توكّلنا ، وإليه أنبنا ، إنّه نعم المولى ونعم النصير


الفصل الأول

الإمام السجادعليه‌السلام في سطور

الشخصية :

ولد الإمام زين العابدين علي بن الحسينعليهما‌السلام في السنة الثامنة والثلاثين للهجرة النبوية الشريفة في شهر شعبان ، واختلف المؤرخون في يوم ولادته ومكانها ، فبعضهم قال : إنّه ولد في الكوفة(١) ، فيما قال آخرون إن ولادته كانت في يثرب(٢) .

وقد عُرف بين المؤرخين والمحدّثين بابن الخيرتين ؛ لاَنّ أباه هو الحسين بن علي بن أبي طالبعليهما‌السلام ، وأمّه من بنات ملك الفرس كسرى ، أُسرت في إحدى الحروب وعُرض عليها الزواج فاختارت الإمام الحسينعليه‌السلام فتزوجها تكريماً لها.

وجاء في ( ربيع الاَبرار ) للزمخشري : أنّ لله في عباده خيرتان : فخيرته من العرب بنو هاشم ، وخيرته من العجم فارس(٣) ، وفي ذلك قال أبو الاَسود الدؤلي :

وإنّ وليداً بين كسرى وهاشمٍ

لأكرمُ من نيطت عليه التمائمُ

 __________________

(١) شذرات الذهب ١ : ١٠٤.

(٢) الفصول المهمة / ابن الصباغ المالكي : ١٨٧.

(٣) ربيع الأبرار ١ : ٣٣٤ / ٧٣.


استمرت إمامته أربعةً وثلاثين سنة ، عاصر فيها مُلك يزيد بن معاوية ، ومروان بن الحكم ، وعبدالملك بن مروان ، وتوفي مسموماً ـ حسب أكثر الروايات التاريخية ـ في عهد الوليد بن عبدالملك بن مروان(١) ، وذلك في النصف الاَول من شهر محرم الحرام سنة خمس وتسعين للهجرة ، وقيل قبل ذلك أو بعده بقليل ...

عاش حوالي سبعاً وخمسين عاماً ، قضى بضع سنين منها في كنف جدّه علي بن أبي طالبعليه‌السلام ثم نشأ في مدرسة عمّه الحسن وأبيه الحسينعليهما‌السلام سبطي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، واستقى علومه من هذه المصادر الطاهرة.

برز على الصعيد العلمي والديني ، إماماً في الدين ومناراً في العلم ، ومرجعاً ومثلاً أعلى في الورع والعبادة والتقوى حتى سلّم المسلمون جميعاً في عصره بأنّه أفقه أهل زمانه وأورعهم وأتقاهم فقال الزهري ، وهو من معاصريه : « ما رأيتُ قرشياً أفضل منه » ، وقال سعيد بن المسيّب وهو من معاصريه أيضاً : « ما رأيت قط أفضل من علي بن الحسين » ، وقال الإمام مالك : « سمي زين العابدين لكثرة عبادته » ، وقال سفيان بن عيينة « ما رأيت هاشمياً أفضل من زين العابدين ولا أفقه منه » ، وعدّه الشافعي أنّه : « أفقه أهل المدينة ».

وقد اعترف بهذه الحقيقة حكام عصره من بني أمية أنفسهم ، رغم ما بينه وبينهم من عداوة وخصومة ، فقال له عبدالملك بن مروان يوماً : « لقد أوتيت من العلم والدين والورع مالم يؤته أحد مثلك قبلك إلاّ من مضى

__________________

(١) الاتحاف بحب الأشراف / عبدالله الشبراوي الشافعي : ١٤٣ ، دار الذخائر للمطبوعات.


من سلفك » ، ووصفه عمر بن عبدالعزيز بأنّه : « سراج الدنيا وجمال الاِسلام »(١) .

وحين اصطدم عبدالملك بن مروان بملك الروم وتماحكا حول مسألة النقود ، لم يجد الاَول مفزعاً ومُعيناً إلاّ الإمام زين العابدينعليه‌السلام ، فهرع إليه يستعينه على إنقاذ المسلمين من ورطتهم ، فوضع له الإمام اُطروحة متكاملة للنقد الاِسلامي(٢) ، وأنقذ المسلمين من إذلال الروم ، ولعلّ آثار هذه الاُطروحة والعمل بالنقد ما زالت لحدّ اليوم.

من أشهر ألقابه : زين العابدين ، والسجاد ، وذو الثفنات ، والبكّاء ، والعابد ، وأشهرها الاَول ...

جاء في المرويات عن محمد بن شهاب الزهري أنّه كان يقول : « يقوم يوم القيامة منادٍ ينادي : ليقم سيد العابدين في زمانه ، فيقوم علي ابن الحسين ».

وجاء في ( تذكرة الخواص ) لابن الجوزي ، أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الذي سماه بهذا الاسم(٣) ، وكذلك حسب الروايات الشيعية في تسمية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لاَئمة أهل البيت الاثني عشر المعروفينعليهم‌السلام .

وجاء في تسميته بذي الثفنات ، أنّ الإمام الباقرعليه‌السلام قال : «كان لابي في موضع سجوده آثار ثابتة وكان يقطعها في كلِّ سنة من طول سجوده وكثرته ... »(٤) .

__________________

(١) تاريخ اليعقوبي ٢ : ٣٠٣ ـ ٣٠٥.

(٢) المصدر السابق : ٨.

(٣) تذكرة الخواص : ٢٩١.

(٤) المناقب ٤ : ١٨٠ ـ ١٨١.


ويروي الرواة عن سبب تسميته ( البكّاء ) عن الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام أنّه قال : « بكى جدي علي بن الحسينعليه‌السلام على أبيه عشرين سنة ، ما وضع خلالها بين يديه طعام أو ماء إلاّ بكى ، فقال له أحد مواليه يوماً : جُعلت فداك يا ابن رسول الله ، إنّي أخاف أن تكون من الهالكين ، فقال : إنّما أشكو بثّي وحزني إلى الله ، وأعلم ما لا تعلمون ....

وقال له مولىً آخر في يوم آخر : « أما آن لحزنك أن ينقضي ولبكائك أن يقلّ؟ فقالعليه‌السلام : ويحك ، إنّ يعقوب النبي كان له اثنا عشر ولداً ، فغيّب الله واحداً منهم ، فابيضت عيناه عليه من كثرة البكاء واحدودب ظهره وأنا نظرتُ إلى أبي وإخوتي وعمومتي وسبعة عشر شاباً من بني عمومتي مجزرين أمامي كالاضاحي ونظرت إلى عمّاتي وأخواتي هائمات في البراري وقد أحاط بهنّ أهل الكوفة وهنّ يستغثن ويندبن قتلاهن ».

وجاء عن أبي عبدالله الصادقعليه‌السلام أيضاً أنّه قال : «البكاؤون خمسة آدم ويعقوب ، ويوسف ، وفاطمة بنت محمد ، وعلي بن الحسين ».

وتحدّث المؤرخون عن بكائهعليه‌السلام الكثير الكثير ، حتى قيل أنّه ما رأى جزاراً يذبح شاة حتى يدنو منه ويسأله هل سقاها ماءً وحين يقال له نعم ، يبكي ويقول : «لقد ذُبح أبو عبدالله عطشاناً ».

وما يجيئه ضيفٌ ويسأله عن ميّت له ، هل غسّله وكفّنه؟ ويكون الجواب ، نعم هذا واجب يا ابن رسول الله ، حتى يبكي ويقول : «لقد قُتل والدي غريباً وبقي ثلاثة أيام تصهره الشمس بلا غُسل ولا كفن ... ».

وهكذا حتى كاد يفجّر ببكائه وأسئلته وتعليقاته تلك ، كل معاني الغضب المقدّس في نفوس الاَحرار والثوار ويستنهضهم بشكل مباشر أو غير مباشر للثورة على الظلم والظالمين ، والتمرّد على أعداء الدين الذين


يستبيحون الحرمات ، ويهتكون المقدّسات ، ويستهترون بالقيم والمبادىء والحدود ...

نعم ، لقد هزّ الإمام السجاد بتلك الدموع عروش الاَمويين وزلزل حكمهم ، ونغّص عليهم دنياهم التي باعوها بدينهم وآخرتهم ، والتي لم يحفظوا فيها لاَهل بيت النبي حرمة ، ولا رعوا لهم فيها إلاً ولا ذمة فكان الذي كان وصار الذي سنقرأ بعض تفاصيله في الصفحات القليلة التالية ...

المحطات الرئيسية في حياة الإمام السجادعليه‌السلام :

في قراءة سريعة لسيرة الإمام السجادعليه‌السلام لا يسع القارئ إلاّ أن يتوقف أمام البداية والمرتكز اللذين وسما شخصيتهعليه‌السلام وجعلاه يُسجّل أسطع صفحات النضال في مسيرته المستقبلية اللاحقة ...

ويمكن اعتبار حضوره في كربلاء ومواقفه في الشام ، وتخطيطه في المدينة بعد عودته إليها هي المحطات الثلاثة التي تؤشر الاَبعاد الحقيقية التي بلورت شخصيته الجهادية في قابل الاَيام والسنين ، فضلاً عن محطته الرئيسية في بيت العصمة والطهارة الذي نشأ وعاش وترعرع فيه وخاصة مع جدّه الإمام علي وأبيه الحسين وعمّيه الحسن والعباسعليهم‌السلام .

وعند التأمل في هذه المحطات الثلاث ، نكتشف أنّ جهاد الإمام السجّادعليه‌السلام ودوره في تأصيل القيم التي من أجلها استشهد جده وأبوه وعمّاه ، لم تكن لتُرسم بقعقعة السيوف وصليلها فقط ، وإنّما بكشف الحقائق التي تمّ تزويرها أو التعتيم عليها بعد مصرع أبيه وبعد أن وضعت الحرب أوزارها ، وتوقّف صهيل خيولها وهجع ضجيج عساكرها وصخب مقاتليها


المحطة الاُولى : في كربلاء :

تؤكد المصادر التاريخية أنّ الإمام السجادعليه‌السلام كان حاضراً في كربلاء إذ شهد واقعة الطفّ بجزئياتها وتفاصيلها وجميع مشاهدها المروّعة ، وكان شاهداً عليها ومؤرخاً لها ، ولعلّه يُعتبر أصدق وأهم مراجعها على الاِطلاق ..

ولقد ورد في بعض النصوص التأريخية المعتبرة عن أهل البيتعليهم‌السلام في ذكر أسماء من حضر مع الإمام الحسينعليه‌السلام ، أنّ الإمام السجادعليه‌السلام قد قاتل في ذلك اليوم وقد جُرح ..

وكان ممّا ورد في هذا السياق ما نصه : « وكان علي بن الحسين عليلاً ، وارتُثَّ يومئذٍ ، وقد حضر بعض القتال ، فدفع الله عنه وأُخِذ مع النساء »(١) .

ومع وضوح هذا النص ، فإنّ كلمة ( ارتُثَّ ) هذه تدلُّ على اشتراكه في القتال ، لاَنّها تُقال لمن حُمل من المعركة بعد أن قاتل وأُثخن بالجراح ، فأُخرج من أرضها وبه رمق ، كما يقول اللغويون ، أو أصحاب فقه اللغة(٢) .

إلاّ أن المؤكد في معظم المصادر التاريخية ، أو المتفق عليه فيها أنه كان يوم كربلاء مريضاً أو موعوكاً(٣) وللحدّ الذي لا يستطيع الوقوف على

__________________

(١) جهاد الإمام السجاد / محمد رضا الحسيني الجلالي : ٥١ عن كتاب « تسمية من قتل مع الحسينعليه‌السلام من أهل بيته وأخوته وشيعته » الذي جمعه المحدّث الزيدي الفضيل بن الزبير ، الأسدي ، الرسّان ، الكوفي من أصحاب الإمامين الباقر والصادقعليهما‌السلام ، والكتاب مذكور في الأمالي الخميسية للمرشد بالله ١ : ١٧٠ ـ ١٧٣. والحدائق الوردية / المهلبي ١ : ١٢٠.

(٢) لاحظ كلمة ( رثث ) في كتب اللغة. اُنظر المغرب للمطرزي ١ : ١٨٤. والقاموس ١ : ١٦٧. ولسان العرب ٤ : ٤٥٧.

(٣) الارشاد / المفيد : ٢٣١. وشرح الأخبار ٣ : ٢٥٠. وسير أعلام النبلاء ٤ : ٤٨٦. وأشار ابن


قدميه ، أو لا تحمله قدماه ، كما تقول الروايات.

فقد جاء في تاريخ اليعقوبي ـ المجلد الثاني ، ما نصه : ( روي عن علي ابن الحسينعليه‌السلام أنّه قال : «إنّي لجالسٌ في العشية التي قُتل فيها أبي الحسين بن علي ، في صبيحتها وعمّتي زينب تمرّضني ، إذ دخل أبي وهو يقول :

يا دهرُ أفٍّ لك من خليلِ

كم لك في الاِشراق والاَصيلِ

من طالبٍ وصاحبٍ قتيلِ

والدهر لا يقنع بالبديلِ

وإنّما الاَمر إلى الجليلِ

وكلّ حيٍّ سالكُ السبيلِ

 ففهمتُ ما قال وعرفتُ ما أراد ، وخنقتني عبرتي ، ورددتُ دمعتي ، وعرفتُ أنّ البلاء قد نزل بنا. فأمّا عمّتي زينب فإنّها لمّا سمعت ما سمعت ، والنساء من شأنهنّ الرقّة والجزع ، لم تملك أن وثبت تجرّ ثوبها حاسرة وهي تقول : واثكلاه ، ليت الموت أعدمني الحياة ، فقال لها الحسين : يا أختي اتّقي الله ، فإنّ الموت نازل لا محالة ، فلطمت وجهها وشقّت جيبها وخرّت مغشياً عليها ، وصاحت واويلاه واثكلاه ، فتقدّم إليها وصبّ على وجهها الماء وقال : يا أختاه : تعزّي بعزاء الله ، فإنّ لي ولكلِّ مسلم ومسلمة اُسوة برسول الله ثمّ قال : إنّي أُقسم عليك ، فأبرّي قسمي ، لا تشقّي عليَّ جيباً ، ولا تخمشي عليَّ وجهاً ، ولا تدعي عليَّ بالويل والثبور. ثمّ جاء حتى

__________________

سعد في تاريخه أيضاً قائلاً : كان علي بن الحسين مع أبيه بطف كربلاء وعمره إذ ذاك ثلاث وعشرون سنة ، لكنه كان مريضاً ملقى على فراشه ، قد نهكته العلّة والمرض. ولما قتل والده ، قال الشمر بن ذي الجوشن : اقتلوا هذا الغلام فقال بعض اصحابه : سبحان الله ، تقتلون فتىً مريضاً لم يُقاتل فتركوه » ، راجع كتاب الاتحاف بحب الأشراف / الشيخ عبدالله بن محمد بن عامر الشبراوي الشافعي : ١٤٣ دار الذخائر للمطبوعات.


أجلسها عندي ، فإنّي لمريض مدنف ، وخرج إلى أصحابه ... »(١) .

ثمّ راحعليه‌السلام يشرح قصّة مصرع والدهعليه‌السلام وأصحابه وبنيه وأهل بيته ويؤرّخ مواقفهم وملاحمهم البطولية الخالدة بأصدق ما يكون المؤرخ ، وأدقّ ما يسجل التاريخ ...

إذن ، كان الإمام الحسين برحلته من الحجاز إلى العراق ، وكلماته كلّها ، ومصرعه الدامي ومشاهد البطولة والفداء ، كلّها مخزونة في وجدان وضمير الإمام السجاد وهو يسمعه يقول يوماً : «كأني بأوصالي هذه تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء » ، ويسمعه يقول في يوم آخر : «من رأى منكم سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله ولم يغيّر عليه بقول أو فعل كان حقاً على الله أن يدخله مدخله » ، ويسمعه يقول في يوم ثالث ورابع : «والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقرُّ لكم إقرار العبيد » «إنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاّ برماً » « الموت أولى من ركوب العار ، والعار أولى من دخول النار » فيما يسمع إخوته وأبناء عمومته وأصحاب أبيه ينشدون في حومة الوغى ويهتفون :

* إذا لم يكن من الموتِ بدٌّ

فمن العار أن تموت جبانا

* أنا علي بن الحسين بن علي

نحن وأيم الله أولى بالنبي

أطعنكم بالرمح حتى ينثني

أضربكم بالسيف أحمي عن أبي

ضرب غلامٍ علوي هاشمي

والله لا يحكم فينا ابن الدعي

* سأمضي وما بالموت عارٌ على الفتى

إذا ما نوى خيراً وجاهد مسلما

 __________________

(١) تاريخ اليعقوبي ٢ : ٢٤٣ ـ ٢٤٤ ، دار صادر ـ بيروت.


وواسى الرجال الصالحين بنفسه

وفارق مثبوراً وخالف مجرما

فإن عشتُ لم أندم وإن متُّ لم أُلم

كفى بك ذلاًّ أن تعيش وتُرغما

 كلّ ذلك وغيره كثير يختزنه الإمام السجاد ويطوي عليه قلبه وضلوعه ، إذ لم يتسنَّ له أن يبذل مهجته ، لجرحٍ أصابه ، فأخرجه من المعركة ، أو مرضٍ شديد أقعده عن المساهمة فيها ، فيحمل تلك المشاهد والكلمات ليصبح بعد ذلك ناطقاً رسمياً بما شاهده واطّلع عليه ، ويكون المرجع الرئيس المُنتدب لاِتمام المهمة التي استشهد من أجلها أبوه الإمام الحسينعليه‌السلام ، والتي لم تنته باستشهاده ، بل إنّها بدأت بعد ذلك مباشرة فعلاً.

وحين نقول ذلك ونؤكد أن مصرع الإمام الحسينعليه‌السلام هو الحدث التاريخي الاَكبر الذي أدى إلى بلورة الاتجاه الصحيح في الاِسلام ، وقاد ثورته التصحيحية فعلاً ، فان دور الإمام السجادعليه‌السلام يأتي الاَكثر تجلياً في ريادة مشروع هذه الثورة واستكمال فصولها وتجلية مفرداتها وشرح أبعادها ورسم المعالم الحقيقية للخط الاِسلامي المحمدي الاَصيل.

المحطة الثانية : في الكوفة والشام :

نعم ، في معسكر الاَعداء ، وفي أسر الخصوم ، في الكوفة ومجلس أميرها ، وفي الشام وأمام مليكها والتي لا يقل الموقف البطولي فيها عن ميدان الوغى وحومة الصراع ، يستحضر الإمام السجادعليه‌السلام مصارع إخوته وأبناء عمومته ، فيقف شامخاً في قصر الاِمارة بالكوفة مع عمّته زينب


وهما يحملان بلاغة علي وعنفوان الحسين وعزّة العباس ، ليقولا بكلام عربي فصيح ومواجهة كلامية حادّة بينهما وبين الطاغية عبيد الله بن زياد ، قولاً لا يمكن أن يقوله ثائر مغلوب منكسر في مثل موقعهما وموقفهما وأمام هذا الطاغية الذي مازال يقطر سيفه من دماء المجزّرين في رمضاء كربلاء من أهل بيت النبوة ..

يلتفت ابن زياد لزينب وهي جالسة حزينة منكسرة وقد صدّت بوجهها عنه فيقول : « من هذه الجالسة؟ » فلا تكلّمه ، ويكرّر فلا تكلّمه ، فيعيد ثالثة وهي مصرّة لا تكلّمه ، حتى يقول بعض إمائها : « هذه زينب بنت فاطمة ».

فقال لها ابن زياد : « الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم ، وأكذب أُحدوثتكم ».

فتقولعليها‌السلام : «الحمدُ لله الذي أكرمنا بمحمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وطهّرنا تطهيراً ، لا كما تقول ( أنت ) ، وإنّما يُفتضح الفاسق ، ويكذّب الفاجر ، وهو غيرنا يا ابن مرجانة .. ».

فقال : « فكيف رأيت صنع الله بأهل بيتكِ؟ » ، قالت : «قوم كُتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم فتختصمون عنده .. » فغضب بن زياد ( واستشاط ) وقال : « قد شفى الله غيظي من طاغيتك والعصاة المردة من أهل بيتك » ، فبكت وقالت : «لعمري لقد قتلت كهلي ، وأبرتَ أهلي ، وقطعت فرعي ، واجتثثت أصلي ، فإن يُشفك هذا فقد اشتفيتَ ... »(١) .

__________________

(١) جميع هذه النصوص وردت في كتاب « الكامل في التاريخ ، ابن الاثير ٣ : ٤٥ » وفيها


ثمّ يلتفت ابن زياد إلى عليّ بن الحسين ويقول : « ما اسمك؟ » قال «علي بن الحسين » قال : « ألم يقتل الله علي بن الحسين؟ » فسكت ، فقال : « مالك لا تتكلم؟ » قال : «كان لي أخ يُقال له علي قتله الناس »!!

فقال ابن زياد : « إنّ الله قتله » فسكت الإمامعليه‌السلام .

قال : « مالك لا تتكلم؟ » فقال الإمام علي بن الحسينعليه‌السلام : «الله يتوفى الاَنفس حين موتها وما كان لنفسٍ أن تموت إلاّ بإذن الله ... ».

ثم غضب ابن زياد فأراد قتله على جرأته وتجاسره على الطاغية بتلك الاَجوبة ، فتشبّثت به عمّته زينب وتعلّقت به ، وقالت لابن زياد : «يا ابن زياد ، حسبُك منّا ما أخذت ، أما رويتَ من دمائنا؟ وهل أبقيت مِنّا أحداً؟ أسألك الله ـ إن كنت مؤمناً ـ إن قتلته لمّا تقتلني معه .. ».

وقال الإمامعليه‌السلام لابن زياد : «يا ابن زياد ، إن كانت بينك وبينهنّ قرابة فابعث معهنّ رجلاً تقيّاً يصحبهنّ بصحبة الإسلام ... »(١) .

أمّا في الشام وحيث الدور الاِعلامي أكثر تأثيراً من قعقعة السيوف وطعن الرماح مع ما يستبطن من فضح وكشف واحتمال تصفية وقتل ، يقف الإمام السجادعليه‌السلام في مجلس يزيد ويلتمس الاِذن بالحديث فيُسمح له ، فينبري بعد أن يحمد الله ويثني عليه مسفّهاً الدعاوى الاَموية التي حاولت تشويه نهضة أبيه ، وتزييف أهداف ثورته ، قائلاً :

«يا معشر الناس : فمن عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا أُعرّفه

__________________

إضافة خلاصتها : « فقال لها ـ ابن زياد ـ هذه شجاعة لعمري لقد كان أبوك شجاعاً. فقالت ما للمرأة والشجاعة ». وجاءت كلمة ( سجّاعة ) بدل كلمة ( شجاعة ) ، وكلمة ( سجّاعاً ) بدل كلمة ( شجاعاً ) في مصنفات الشيخ المفيد البغدادي ١١ : ١٦ طبعة المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد.

(١) الكامل في التاريخ ٣ : ٤٣٥.


نفسي ، أنا ابن مكّة ومِنى ، أنا ابن مروة والصفا ، أنا ابن محمد المصطفى أنا ابن من علا فاستعلى ، فجاز سدرة المنتهى ، وكان من ربّه قاب قوسين أو أدنى ، أنا ابن من صلّى بملائكة السماء مثنى مثنى ، أنا ابن من أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الاَقصى ، أنا ابن علي المرتضى ، أنا ابن فاطمة الزهراء ، أنا ابن خديجة الكبرى ، أنا ابن المقتول ظلماً ، أنا ابن المجزور الرأس من القفا ، أنا ابن العطشان حتى قضى ، أنا ابن صريع كربلاء ، أنا ابن مسلوب العمامة والرداء ، أنا ابن من بكت عليه ملائكة السماء ، أنا ابن من ناحت عليه الجنّ في الاَرض والطير في الهواء ، أنا ابن من رأسه على السنان يُهدى ، أنا ابن من حرمه من العراق إلى الشام تُسبى أيُّها الناس إنّ الله تعالى ـ وله الحمد ـ ابتلانا أهل البيت ببلاء حسن ، حيث جعل راية الهدى والتُقى فينا ، وجعل راية الضلالة والردى في غيرنا ... »(١) .

وهكذا حتى عمّ المجلس النحيب والبكاء ـ كما تقول الروايات التأريخية ـ فكشف مالم يكشف وفضح ما تمّ التكتّم عليه أو يُراد له ذلك ، فذكّر الناس أولاً بنسبه الشريف واتصاله بالاِسلام ونبي الاِسلام ، وأشار إلى العديد من الحوادث التأريخية والجنايات التي ارتكبها جيش الاَمويين باسم الاِسلام وتجاوزت حدود الدين وتعاليمه المعروفة ، كالتمثيل بالقتلى مثلاً : «أنا ابن المجزور الرأس من القفا » ، والوحشية في التعامل مع الخصم : «أنا ابن العطشان حتى قضى » والتطاول على حرمة بيت النبوة ، وبنات المصطفى والمرتضى اللواتي «من العراق إلى الشام تُسبى » وأكثر من كل ذلك وبصريح القول والعبارة : «أنا ابن المقتول ظُلماً »

__________________

(١) مناقب آل أبي طالب / ابن شهر آشوب المازندراني ٤ : ١٨٢.


وهكذا ممّا أدى إلى بكاء ونحيب الحاضرين وإشعارهم بالاِثم والذنب الكبيرين اللذين ارتُكبا بحقِّ الاِسلام ووريثه ، وكيف إن الاِسلام الذي يزعمه الامويون اليوم مجسّداً برمزه الماثل أمامهم أصبح أسيراً يُساق مع عمّاته وخالاته من بلد إلى بلد ، ورأس ابن الزهراء أبيه أمامهنّ «على السنان يُهدى » ...

إنّه ، باختصار شديد ، وبهذه الخطبة الموجزة أصبح الرمز الذي يقود مسيرة الاِحياء ـ إحياء هذا الدين المضيّع ـ الذي شوّهته السلطة الاَموية وحكمت أو تحكّمت باسمه فتراهعليه‌السلام حين أراد يزيد أن يقطع حديثه بالآذان للصلاة ، يُعلِّق على صوت المؤذن الذي يقول : « أشهد أن محمداً رسول الله » بقوله : «يا يزيد! هذا جدي أم جدّك؟ فإن قلت جدك فقد كذبت! وإن قلت جدي ، فلمَ قتلتَ أبي وسبيت حرمه وسبيتني؟! » ، ثمّ قال مخاطباً الناس : «أيُّها الناس ، هل فيكم من أبوه وجده رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ » فعلت الاَصوات بالبكاء.

وقام إليه رجل من شيعته يُقال له : المنهال بن عمرو الطائي ، وفي رواية مكحول صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيسأله : « كيف أمسيتَ يا ابن رسول الله؟ ».

فيستثمر الإمام السجادعليه‌السلام هذا السؤال فيروح مندّداً بالعصابة التي حرّفت دين النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويضع أُولى العناوين العريضة في هذه المسيرة التبليغية الاِعلامية التي قادت وتقود مسيرة الاِحياء العظيمة هذه ، برائدها الوحيد الحيّ الباقي ، مؤكداً على الفرعونية الجديدة التي تتحكّم باسم الدين مستنهضاً همم الرجال ، مقرّعاً ضمائرهم ، مناشداً غيرتهم على دين عظيم ضيّعوه بالتواطؤ مع هذه العصابة الضالة المضلّة ، فيجيب


سائله بقولٍ موجز بليغ :

«ويحك كيف أمسيت؟ أمسينا فيكم كهيئة بني إسرائيل في آل فرعون ، يذبّحون أبناءهم ويستحيون نساءهم ، وأمست العرب تفتخر على العجم بأنّ محمداً منها ، وأمسى آل محمد مقهورين مخذولين ، فإلى الله نشكو كثرة عدّونا ، وتفرّق ذات بيننا ، وتظاهر الاَعداء علينا ... »(١) .

وهكذا تبرز وثائقية هذا الطرح الاِعلامي البليغ ، ويتجلّى دور الإمام السجادعليه‌السلام في قيادة مشروع الاِحياء وثورة التصحيح ، ومن هذه المحطة تبدأ رحلة الاَلف ميل مسافة وعمقاً من الشام إلى المدينة ، ليستأنف الإمامعليه‌السلام مهمته الرسالية في استكمال هذا المشروع وريادة هذه الثورة.

المحطة الثالثة : في المدينة المنوّرة :

١ ـ دوره العلمي.

ليس الحديث عن الدور العلمي للاِمام السجادعليه‌السلام مما تجمعه السطور ، أو تفي بالتعبير عنه ؛ ولكن حسبها أنّها تأتي بمعالم تفصح بعض إفصاح عن ذلك الدور وما كان يتمتع به صاحبه من منزلة.

لقد عاش الإمام زين العابدينعليه‌السلام في المدينة المنورة ، حاضرة الاِسلام الاُولى ، ومهد العلوم والعلماء ، في وقت كانت تحتضن فيه ثلّة من علماء الصحابة ، مع كبار علماء التابعين ، فكان بشهادة أكابر أبناء طبقته والتابعين لهم ، الاَعلم والاَفقه والاَوثق ، بلا ترديد.

فقد كان الزهري يقول : ( ما كان أكثر مجالستي مع علي بن الحسين ، وما رأيت أحداً كان أفقه منه ). وممن عرف هذا الاَمر وحدّث به الفقيه

__________________

(١) مناقب ابن شهر آشوب ٤ : ١٨٢.


سفيان بن عيينة(١) .

وبمثل هذا كان يقول الشافعي محتجاً بعلي بن الحسينعليه‌السلام على انه كان ( أفقه أهل المدينة )(٢) . وبمثله كان يقول معاصر الإمام السجادعليه‌السلام أبو حازم المدني(٣) ، وغيرهم كثير.

هذا وقد كانت مدرسته تعجّ بكبار أهل العلم من حاضرة العلم الاُولى في بلاد الاِسلام ، يحملون عنه العلم والاَدب ، وينقلون عنه الحديث ومن بين هؤلاء ، كما أحصاهم الذهبي : أولاده أبو جعفر محمد ( الباقرعليه‌السلام ) وعمر ، وزيد ، وعبدالله ، والزهري ، وعمرو بن دينار ، والحكم ابن عُتيبة ، وزيد بن أسلم ، ويحيى بن سعيد ، وأبو الزناد ، وعلي بن جدعان ، ومسلم البطين ، وحبيب بن أبي ثابت ، وعاصم بن عبيدالله ، وعاصم بن عمر ابن قتادة بن النعمان ، وأبوه عمر بن قتادة ، والقعقاع بن حكيم ، وأبو الاَسود يتيم عروة ، وهشام بن عروة بن الزبير ، وأبو الزبير المكّي ، وأبو حازم الاَعرج ، وعبدالله بن مسلم بن هرمز ، ومحمد بن الفرات التميمي ، والمنهال بن عمرو ، وخلق سواهم وقد حدّث عنه أبو سلمة وطاووس ، وهما من طبقته(٤) ، غير هؤلاء رجال من خاصة شيعته من كبار أهل العلم ، منهم : أبان بن تغلب ، وأبو حمزة الثمالي ، وغيرهم كثير(٥) .

هذا الجمع الغفير وغيرهم ممن وصف بالخلق الكثير أخذوا عنهعليه‌السلام

__________________

(١) سير أعلام النبلاء ٤ : ٣٨٩. ومختصر تاريخ دمشق ١٧ : ٢٤٠.

(٢) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد ١٥ : ٢٧٤.

(٣) سير أعلام النبلاء ٤ : ٣٩٤.

(٤) سير أعلام النبلاء ٤ : ٣٨٧.

(٥) راجع : رجال الشيخ الطوسي ـ باب أصحاب علي بن الحسينعليه‌السلام .


علوم الشريعة من تفسير القرآن الكريم والعلم بمحكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه وأحكامه وآدابه ، والسُنّة النبوية الشريفة روايةً وتدويناً في عصر كانت ما تزال كتابة الحديث فيه تتأثر بما سلف من سياسة المنع من التدوين ، السياسة التي اخترقها أئمة أهل البيتعليهم‌السلام فكتب عنهم تلامذتهم والرواة عنهم الشيء الكثير ، إلى أحكام الشريعة ، حلالها وحرامها وآدابها ، إلى فضيلة الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر في عهد عمدت فيه السياسة على تعطيل الكثير من الاَحكام وتبديل بعض السنن وإحياء بعض البدع ، إلى الجهر في نصرة المظلوم وضرورة الردّ على الظالم وكشف أساليبه الظالمة للناس.

كما تأدبوا على يديه في مجالسه بآداب الاِسلام التي شحنها في أدعيته التي اشتهرت وانتشرت في عهده حتى أصبحت تشكّل لوحدها ظاهرة جديدة في تبني اسلوب روحي متين ، ليس لاِحياء القلوب وشدّها إلى الله تعالى وحسب ؛ بل إلى إحياء معالم الشريعة وحدودها وآدابها الاَدعية التي حفظ المشهور جداً منها في الصحيفة المعروفة بـ « الصحيفة السجادية » نسبة إليه حيث عرفعليه‌السلام بالسجاد.

والاَثر المحفوظ عنهعليه‌السلام في كلِّ هذه الميادين أثر عظيم يجمع أسفاراً جليلة ، تتضمن سائر علوم الشريعة الاِسلامية.

وغير ذلك فقد سجّل الإمامعليه‌السلام سبقاً علمياً وتاريخياً في رسالة تعد من مفاخر الاِسلام وتراثه العلمي ، ألا وهي « رسالة الحقوق » الرسالة الخالدة المحفوظة بهذا العنوان ، والتي استوعبت جلّ الحقوق التي لا يستغني الاِنسان عن معرفتها ، ولا يستغني المجتمع عن احيائها والعمل بها ، لاَجل أن يكون مجتمعاً إسلامياً حيّاً بحق ، كما أرادت له الشريعة السمحة.


ومن ناحية أُخرى فقد ظهرت في عهدهعليه‌السلام مقولات عقيدية تبنتها فرق إسلامية وتمحورت حولها واتخذت منها مناهج خاصة في فهم عقائد الاِسلام وتوجيه أحكامه ، كعقيدتي الجبر والارجاء اللتين روّج لهما الامويون تبريراً لوجودهم في السلطة لمشروعهم السياسي ، وعقيدتي التشبيه والتعطيل في الصفات اللتين اتخذتهما فرق متناقضة بذرائع مختلفة.

وإزاء هذه الاتجاهات وقف الإمامعليه‌السلام موقفه الواضح والمنسجم مع منهجه في التعليم والدفاع عن مبادىء الشريعة ، فضمّن أقواله الحكيمة وأدعيته المشتهرة نصوصاً تجتث تلك المقولات من جذورها ، من ذلك موقفه مع عبيد الله بن زياد يوم أُدخل عليه في قصر الاِمارة وعُرض عليه فقال له : من أنت؟

فقالعليه‌السلام : «أنا علي بن الحسين ».

فقال : أليس قد قتل الله علي بن الحسين؟

فقال له الإمامعليه‌السلام : «قد كان لي أخ يسمى علياً قتله الناس ».

فقال له ابن زياد : بل الله قتله.

فقال الإمامعليه‌السلام : «( الله يتوفى الاَنفس حين موتها ) (١) »(٢) .

وكذا موقفه الآخر مع يزيد بن معاوية عند دخوله عليه مع أخواته وعمّاته في الشام.

قال يزيد : يا بن حسين ، أبوك قطع رحمي وجهل حقّي ، ونازعني سلطاني ، فصنع الله به ما قد رأيت.

__________________

(١) سورة الزمر : ٣٩ / ٤٢.

(٢) الإرشاد / الشيخ المفيد ٢ : ١١٦.


فقال الإمام علي بن الحسينعليه‌السلام : «( ما أصاب من مصيبة في الاَرض ولا في أنفسكم إلاّ في كتاب من قبل أن نَّبرأها إن ذلك على الله يسير ) (١) »(٢) .

أو ما رواه الطبرسي في الاحتجاج عن ثقاة الرواة وعدولهم ، قال : أنه لما أُدخل علي بن الحسين زين العابدينعليه‌السلام في جملة من حُمل إلى الشام سبايا من أولاد الحسين بن عليعليه‌السلام وأهاليه على يزيد ـ لعنه الله ـ قال له يا علي! الحمدُ لله الذي قتل أباك!

قال الإمامعليه‌السلام : «قتل أبي الناس ».

قال يزيد : الحمد لله الذي قتله فكفانيه.

قال الإمامعليه‌السلام : «على من قتل أبي لعنة الله ، أفتراني لعنت الله عزّ وجلّ؟ »(٣) .

أما موقفهعليه‌السلام من المشبّهة والمجسّمة فنجده قد اتّخذ شكل دعاء ، كما في دعائه في التوحيد إذ يقول : «إلهي بدت قدرتك ولم تبد هيئة جلالك شبهوك وأنا بريء يا إلهي من الذين بالتشبيه طلبوك ، ليس كمثلك شيء فتعاليت يا إلهي عمّا به المشبهون نعتوك »(٤) .

ولم يدع الإمامعليه‌السلام مناسبة تمر إلاّ وأوضح العقيدة الحقّة التي عليها أهل البيتعليهم‌السلام ، وهي تنزيه الباري جلَّ شأنه وتعظيمه ، وذلك ما تجده شاخصاً في دعائه الاَول والثاني من الصحيفة حينما يحمد الله عزَّ وجلّ ويثني عليه بأجلّ الصفات وأنزهها.

__________________

(١) سورة الحديد : ٥٧ / ٢٢.

(٢) الإرشاد ٢ : ١٢٠.

(٣) الاحتجاج ٢ : ١٣٢.

(٤) الصحيفة السجادية الكاملة : ٢٢ الدعاء رقم (٣).


٢ ـ دوره في بلورة المعارضة السياسية.

المؤسف في قراءات ودراسات الكثير من المؤرخين والمحللين السياسيين هو ارتباكهم وعدم دقّتهم في تحديد أدوار أئمة أهل البيتعليهم‌السلام وتفكيك مدرستهم الفكرية والسياسية في تعاملهم مع السلطات ، وكذلك عدم قدرة هؤلاء المحللين على إدراك حكمة تنوّع تلك الاَدوار وفلسفتها وعدم استيعاب حرص الاَئمة على الاحتفاظ بوحدة هدفهم في المحافظة على الاِسلام عقيدةً وشريعةً ، نظريةً ومنهاجاً.

يأخذ بعض هؤلاء المحللين دور الاِمام الحسنعليه‌السلام مثلاً في صلحه مع معاوية ، ويقومون بتفكيكه بعيداً عن ظروفه وأهدافه ، فيُظهرونه ( سلام الله عليه ) مصالحاً مساوماً متنازلاً قد رضي بانصاف الحلول مؤيداً ومبايعاً ، بعيدين عن الاِنصاف والحقّ طبعاً ، وبعيدين عن الدراسة التحليلية المتأنية التي تضفي على البحث العلمي رصانته وموضوعيته ، وللحدِّ الذي يسفّ البعض فيصفه ـعليه‌السلام ـ بأنّه مذلّ المؤمنين ـ كما خاطبه أحد أعوانه يوماً ـ متناسين رأي أبيه فيه في صفين حين قال : «إملكوا عني هذا الغلام ، لشدّة مراسه في الحرب والقتال » ومتجاهلين موقفه هو نفسه ـ سلام الله عليه ـ حين خاطب جيشه قائلاً : «ألا إنّ معاوية دعانا لاَمر ( يقصد الصلح )ليس فيه عزّ ولا نصفة ، فإن أردتم الموت رددناه عليه ، وحاكمناه إلى الله تعالى بظبا السيوف ، وإن أردتم الحياة الدنيا ، قبلنا وأخذنا لكم الرضا ... » فإذا بالناس من كل جانب ومكان يهتفون ويصرخون ويولولون : « البقية البقية »!!(١) .

فتجرّع ـ سلام الله عليه ـ مرارة ذلك الوصف وقساوة تلك التهمة على

__________________

(١) الكامل في التاريخ / ابن الاَثير ٣ : ٢٠٤ ، ٢١٧.


أن يحملهم على ما يكرهون فيُقال فيه أنّه قتلهم أو قاتل بهم على المُلك ، فضلاً عن حرصه على حقن دماء شيعته بعد أن تأكد لديه نكوص جيشه وتخاذل قادته وانهيار جنوده.

وكما تهلهل مثل هذا التحليل مع الاِمام الحسنعليه‌السلام ، كان قد تهلهل مع أبيهعليه‌السلام حين إتُّهم أنّه لم يكن سياسياً فذّاً ؛ إذ لم يتراجع خطوة إلى الوراء من أجل خطوتين إلى الاَمام ـ كما يقول السياسيون الذرائعيون اليوم ـ فيهادن معاوية ثم ينقضّ عليه غدراً ، كما هو شأن الاَخير وطبعه.

وحين يصل الدور إلى الاِمام الرضاعليه‌السلام أيضاً ترى بعضهم يحاسبه على قبوله بولاية العهد ، فيما حاسبه آخرون على عدم قبوله لها في البداية ، فاتهموه بالتفريط بدماء شيعته عبر إصراره على الرفض ـ حسب زعمهم ـ.

وهكذا مع الاِمامين الباقر والصادقعليهما‌السلام اللذين انصرفا إلى العلم وترسيخ العقيدة ، ولم يرفعوا السيف لمواجهة طواغيت زمانهم ، وكأن المؤرخين لم ينظروا إلى أئمة أهل البيتعليهم‌السلام ، إلاّ من زاوية واحدة أو بُعدٍ واحد ، فجاءت دراساتهم وتحليلاتهم عرجاء تمشي على رجلٍ واحدة ، أو عوراء تنظر بعينٍ واحدة ..

أما موقف الاِمام السجاد ـ موضوع البحث ـ من الثورة والجهاد فكان هو الآخر عُرضة لهذا التحليل الشاطح الذي وضع أُسسه صنفان من الناس :

صنف يحب الدعة والاسترخاء فيروح يُفسِّر موقفهعليه‌السلام دعةً واسترخاءً للتغطية على فشله هو وهزيمته ونكوصه.

وصنفٌ يهوى الثورة والتمرد فيتحامل على الاِمام جسارة أو تجرؤاً فيتّهمه بحبّ الدعة والاسترخاء زوراً وإفكاً.

وهذا يعني أن كلاًّ من هذين الصنفين ـ إذا أحسنّا الظن بهما ـ لم يضع


نفسه في مكانه ، وإنّما درس القضية أو قرأها من خارج الظرفين الزماني والمكاني ، وراح يسبح في فضاء هذا الاِمام العظيم ولكن كمن يطير بلا جناح ، أو كمن يتعلّم السباحة على حصير ...

فبعضهم يزعم أنّه اعتزل السياسة والتصدّي بعد فجيعته بوالده وإخوته ، وغدر الغادرين من أهل زمانه ، فاكتفى بالتضرّع والدعاء(١) .

وبعضهم يحلّل إنّه آثر الدعاء والبكاء على غيرهما ؛ لاَنّهما أيسر مؤونةً وأقلُّ كلفةً من المواجهة والنزال وحزِّ الرؤوس وجزِّ الرقاب(٢) .

وبعضهم يقول إنّه آثر الدعة والراحة طمعاً بهما بعد أن رأى ما رأى من هول المصائب التي حلّت باخوته وأهل بيته في مجزرة كربلاء ...

ويشطح صنف آخر أكثر من هؤلاء جميعاً فيزعم أنّه صالح وساوم السلطة ونأى بنفسه بعيداً عن الثورات الشيعية التي تفجّرت في زمانه ؛ بل تبرأ منها في السرِّ والعلن(٣) ـ حسب زعمهم ـ ومن هنا فإنّه أخذ على أيدي هؤلاء الثوار وخذلهم وتنصّل من مسؤوليته تجاه ثوراتهم ، وما إلى ذلك من هذه الدراسات المبتورة والتحليلات الشوهاء ...

فلنتوقف قليلاً أمام هذه المزاعم وندرسها بموضوعية وتأنٍ بعيداً عن لغة البُعد الواحد والنظرة الاَحادية والتحليل الجاهز ، وباختصار شديد طبعاً ، آملين ألاّ نكون في هذا البحث الموجز مختزلين أو قافزين على ظهر التاريخ والمؤرخين

__________________

(١) راجع جهاد الشيعة / الدكتورة الليثي : ٢٩.

(٢) حياة علي بن الحسينعليه‌السلام / كاظم جواد السبتي : ٣٢٠. ونظرية الاِمامة / صبحي الصالح ٣٤٩.

(٣) ثورة زيد / ناجي الحسن : ٣٠ ـ ٣١. وجهاد الشيعة / الدكتورة الليثي.


المرحلة المنعطف :

بالتأكيد أنّ مرحلة الاِمام السجادعليه‌السلام يمكن أن تسجّل منعطفاً مهماً بين مرحلتين فاصلتين في عمل أئمة أهل البيتعليهم‌السلام :

الاُولى : : مرحلة التصدّي والصراع السياسي والمواجهة العسكرية ضدّ المنحرفين والمحرّفين من الفاسقين والمارقين والناكثين ، وقبلهم الكفرة والمنافقين وأعداء الدين الواضحين ...

الثانية : مرحلة المعارضة السياسية الصامتة ، أو الرفض المسؤول الواضح للانحراف ، أمام الضبابية والزيف الملفّع بالدين ، وبعد ذلك بناء القاعدة الشعبية والجماعة الواعية التي تتحمّل عبء الرسالة لمواجهة الانحراف والتحريف اللذين غرقت أو استُغرقت فيهما الحالة الدينية تحت شعارات الاِسلام نفسها ويافطات الآيات القرآنية والاَحاديث النبوية ..

ومن هنا ، وحين تختلط المفاهيم ، وتهتزّ القيم وترتجّ المقاييس لابدّ من وقفةٍ متأنيةٍ تتيح للاُمّة أن تلتقط أنفاسها ، وتتأمل في ماضيها وتدرس حاضرها لعلّها تضع بعض الخطوات الصحيحة على سُلِّم مستقبلها الآتي ..

تأسيساً على ذلك ، كان أمام الاِمام زين العابدينعليه‌السلام أن يُلفت الاَنظار إلى امور كثيرة اختلط حابلها بنابلها ، وكان عليه أن يجذّر أمور اُخرى في عقول وضمائر الجماعة المؤمنة التي يُراد لها أن تحفظ الاِسلام عقيدةً ونظاماً ، شريعةً ومنهاجاً ، وليس شعاراً وسوقاً ، أو تجارة واستهلاكاً ومن هذه الاُمور ما يلي :

١ ـ تركيز ثورة الاِمام الحسينعليه‌السلام في ضمائر الناس باعتباره خرج لطلب الاِصلاح في أُمّة جدّه فعلاً ، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر ، داعياً


لتحكيم دين الله ، ولم يخرج ( أشراً ولا بطراً ) ، بل لم يخرج على إمرة ( أمير المؤمنين يزيد!! ) ولم ينوِ تمزيق الصف المسلم أو تفريق جماعة المسلمين ، وبالتالي فإنّه قُتل بسيف أعداء الدين ، وليس ( بسيف جدّه ) كما كان يروّج الاعلام الرسمي آنذاك ، وبعض المؤرخين المتخلفين اليوم(١) .

أي كان على الاِمام زين العابدينعليه‌السلام أن يفضح الشرعية المزيفة التي تقنّع بها الحكم الاَموي ، ويكشف زيف شعاراته الاِسلامية العريضة ومزاعم انتمائه للنبي والوحي والرسالة الاِسلامية ، وبالتالي يوضح معالم الاِسلام المحمدي الاَصيل والفرق بينه وبين الاِسلام المدّعى الملفّع بتلكم الشعارات والعناوين واللافتات ..

٢ ـ بناء الجماعة الواعية ، أو كما تُسمى القاعدة الجماهيرية الشعبية ، المؤهّلة لحفظ الرسالة وحدودها بعيداً عن الزيف والتزييف وسياسة تسطيح الوعي التي غطّت مساحات عريضة من الجمهور المسلم بحيث أضحت تلك الجماهير لا تفرّق بين المفاهيم ومصاديقها ، أو بين الشعارات المرفوعة وضرورة تبنيها ، أو بين الاَصيل والطارىء ، الاَمر الذي يُسبّب الفتنة فعلاً أو يُشعلها ، ويحجب الرؤية الواضحة عن النفوس البريئة التي تتأثر بالشعار ولا تغوص في أعماق الاُمور ...

٣ ـ تعميق مفهوم الاِمامة والولاية في الجماعة الخاصة بعد أن اهتزّت

__________________

(١) ابن تيمية ، حياته ، عقائده / صائب عبدالحميد : ٣٩٠ ، الطبعة الثانية.

حيثُ يقول ابن تيمية بالحرف الواحد : ولم يكن في خروجه مصلحة لا في دين ولا في دنيا ، وكان في خروجه وقتله من الفساد مالم يكن يحصل لو قعد في بلده.

وراجع : منهاج السُنّة / ابن تيمية ٢ : ٢٤١.

وذهب أبو بكر العربي المالكي في ( العواصم من القواصم ) إلى نحو هذا الرأي.


لدى العامّة تحت ضغط الاِعلام المزيف وأبواقه المأجورة ، ومن ثمّ توضيح الخرق الفاضح الذي تمَّ خلاله فصل المرجعية الفكرية عن المرجعية السياسية أو الاجتماعية ، وبالاَحرى فصل الدين عن السياسة ، وإبقاء مقاليد الاُمور بيد الصبيان والغلمان ، يعبثون بمقدرات البلاد والعباد.

٤ ـ العمل بدقّة في مقطع زمني بالغ الحساسية ، يحسب على الاِمام حركاته وسكناته ، ويعدّ عليه أنفاسه وكلماته من جهة ، وموازنة ذلك مع عمل إعلامي وتبليغي بالغ الصعوبة والتعقيد لكشف المعالم الحقيقية للدين ، بعيداً عن عيون السلطة ورقابتها وأزلامها وجواسيسها المنتشرين في كل زاوية وزقاق ، من جهة اُخرى ...

القتال على جبهات متعددة :

ومن هنا كان على الاِمام أن يقاتل على جبهات متعددة ويستخدم لغات متعددة في آن واحد ، وهذا أشقّ ما يتحمله أي زعيم سياسي أو قائد ديني يريد مواصلة مسيرته وتركيز خطّه في خندقين متقابلين :

خندق العمل السري ، وخندق الساحة العلنية المكشوفة التي تتربص به الفرص ، وتحسب عليه الكلمات ، وربما تسعى لاستدراجه والايقاع به وإبعاده عن أصحابه أو إبعادهم عنه ، وخاصة الخلّص المؤثرين فيهم ، لئلاّ يتأثروا به ويحملوا رسالته وإشعاعاته ودفين أسراره وتحركاته وأهدافه ..

أمام هذا المأزق ، وحيث لم يبقَ في مدينة الرسول ومكة «أكثر من


عشرين رجلاً يحبوننا أهل البيت » كما قال الاِمام زين العابدينعليه‌السلام (١) ، ولم يبقَ من خيار أمام الاِمام إلاّ التحرك بحذر وتؤدة ، ربما لا يُفهمان حتى من قبل بعض المخلصين الذين يريدون أو يرغبون موقفاً علنياً صريحاً تجاه تحركاتهم التي تُحسب عليه ولا تحسب عليهم باعتباره الرمز والمحور وهو المتهم بأنه المحرّك لكلِّ تيار معارض أو متململ ضد السلطة والحاكم.

وبذلك فإنّه أوحى للسلطة بأنه ابتعد تماماً عن العمل السياسي وانصرف للتعبّد والدعاء ، وهو من ناحية اُخرى يسعى إلى تركيز المفهوم الاِمامي الذي أُولى أولوياته مواجهة الظالم بعد الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر ...

وهنا حار المؤرخون فعلاً في تشخيص موقف الاِمام من حركات المعارضة وخاصة تلك التي اشتعلت قريباً منه ، أو تلك التي رفعت شعارات شيعية مثل ثورة التوابين بقيادة سليمان بن صُرد الخزاعي ، أو ثورة المختار وشعارها المعروف : « يالثارات الحسين »!!

فمن قائلٍ إنّهعليه‌السلام تبرّأ من ثورة المختار مثلاً ، إلى قائل إنّه حينما جيء له برأس عبيدالله بن زياد ورأس عمر بن سعد وببعض قتلة الحسين ، خرّ ساجداً لله قائلاً : «الحمدُ لله الذي أدرك ثأري من أعدائي ، وجزى الله المختار خيراً »(٢) .

ومنهم من قال إنّه لم يُجب على رسالة المختار ورفض دعوته ببيعته لهعليه‌السلام ، وإن ذلك من حقّه ، لكون المختار لم يَستَشِرْه في تحركه أو حركته

__________________

(١) الاِمام السجادعليه‌السلام / حسين باقر : ٦٣.

(٢) رجال الكشي : ١٢٧ / ٢٠٣ عن عمر بن علي بن الحسين. ومناقب آل أبي طالب ٤ : ١٥٧.


وإنّه كان بعيداً عنه ولم يكن الاِمام يعرف مكنون توجهاته ونواياه ، إلى قائل : إنّ المختار لم يتحرك إلاّ تحت إشارته وتلقّي الضوء الاَخضر منه ، وهكذا بين مشرّق ومغرّب ويمين ويسار.

أمام هذه المفارقات أو المفترقات لابدّ من القول أن الطريق الاَفضل لاَن يستكمل الاِمام كافة أهدافه ، كان عليه توزيع الاَدوار وعدم الانجرار إلى لعبة السياسة القذرة ، والاحتفاظ بالقدر المعقول من حلقاتها التي يستفيد منها القائد ، ولكن لا أن يقع في مستنقعها الآسن ، فتحسب عليه بعض شطحاتها والتواءاتها وتجاوزاتها ...

هذه الموازنة الدقيقة أو المعادلة الصعبة ، لم يكن من السهل على الاِمام السجادعليه‌السلام عبورها أو تمريرها ، لاسيّما وانه كان يمارس عمله تحت الاَضواء وفي الهواء الطلق وتحت رقابة العيون والجواسيس من جهة ، وبالتالي فلا ينبغي أن يوحي للسلطة أنّه معارض يبغي الحكم والسلطة ، ولكنه من جهة اُخرى يريد التأكيد على أنّه وصي ووريث ذلك الاِمام العظيم الذي ستبقى حرقة قتله تلتهب في نفس كلِّ شريف عرفه وعايشه وعاشره ، فضلاً عن كونه نجله وولده والمفجوع الاَول بقتله والمسؤول عن الثأر له ومواصلة طريقه ، فضلاً عن أنّه حامل رسالته ومؤدي أماناته وامتداده والاِمام المستخلف من بعده على البلاد والعباد ...

هكذا كان الاِمام السجاد يحيا ، وهكذا كانت تمر أيام حياته وساعاته غصّة بعد غصّة ، وألماً بعد ألم ، والمهمة تكبر وتكبر ، وعليه إتمام المشوار وإكمال الشوط إلى النهاية.

فهو من جهة لا يريد المغامرة بتركةٍ ثقيلة عليه أداؤها في تبليغ الرسالة وحمل الاَمانة وبلورة أحكام الدين التي سفّهها حكام بني أمية وجعلوها


مهزلة وحكاية ، ومن جهة اُخرى يريد تحريك أجواء الصراع ضد الظالمين واستثمار فضاءاته الحرّة لتطويق مساعي الحكام الاَمويين في الالتفاف على جريمتهم في تحريف الدين وخبثهم في احتواء غضب الاُمّة المقدس ضد قتلة الاِمام الحسينعليه‌السلام وأصحاب الحسين.

ومن جهة ثالثة : لا يريد أن يُتّهم أنه اعتزل التصدي تشبثاً بالحياة وحرصاً على حطامها ، بل انه كان يسعى إلى تسفيه تلك التهمة باعتباره أزهد الناس في حياة نتنة ( اغتالت حسين السبط واختارت يزيداً ) ...

وفوق ذلك كلّه أنّهعليه‌السلام لم يرد أن يعطي للمتقاعسين والمتخاذلين عذراً آخر لتبرير قعودهم وغدرهم واحتمائهم بعزلته وانطوائه ، أي اتخاذ ذلك ذريعةً وغطاءً لنكوصهم وجبنهم وتهافتهم على الدنيا وملذّاتها ، وبالتالي مواصلة طريق الانحراف الذي كانعليه‌السلام أصدق الناس في محاربته ، وأمضاهم في مناجزته ومناوءته ...

الحصيلة :

كانت حصيلة هذا العمل الدؤوب والمنهج الحكيم ، والموازنة الدقيقة ، وبعد أن كان الناس قد ( ارتدوا إلاّ ثلاثة ) و ( لم يبقَ في المدينة ومكة أكثر من عشرين شخصاً محباً لاَهل البيت ) ـ كما ذكرنا ـ ، وبعد انقطاع مفتعل موهم عن مسرح الاَحداث ، واستثمار موفّق لظروف الزمان والمكان ـ كما سيأتي ذكره ـ كانت الحصيلة أن استطاع الاِمام السجّادعليه‌السلام وعدد قليل من المخلصين الذين تظافرت جهودهم على نصرته أن يحقق نتائج قياسية ويترك آثاراً عظيمة لا يقدر على تحقيقها أي زعيم أو قائد يمرُّ بظروفه وتعقيدات المقطع الزمني الحساس الذي عاشه أو تفاعل معه


أو انفعل فيه.

وكان من هذه الآثار الاَرقام التالية :

* ( كان القرّاء لا يخرجون إلى مكة حتى يخرج علي بن الحسين ، ومعه ألف راكب ).

* ( كان القوم لا يخرجون من مكة حتى يخرج علي بن الحسين سيد العابدين ).

* ( قال الزهري : نعم لقيته وما لقيت أحداً أفضل منه ، والله ما علمتُ له صديقاً في السرِّ ، ولا عدّواً في العلانية ، فقيل : وكيف ذلك؟ قال : لاَني لم أرَ أحداً وإن كان يحبه إلاّ وهو لشدّة معرفته بفضله يحسده ، ولا رأيت أحداً وإن كان يبغضه إلاّ وهو لشدّة مداراته له يداريه )(١) .

* ( حج هشام بن عبدالملك فلم يقدر على استلام الحجر الاَسود ، من شدّة الزحام فنُصب له منبر فجلس إذ أقبل علي بن الحسينعليه‌السلام وعليه إزار ورداء ، فجعل يطوف ، فإذا بلغ موضع الحجر تنحّى الناس حتى يستلمه هيبة له وإجلالاً ) الاَمر الذي أزعج هشام ، فسأل متجاهلاً له : من هذا؟ فكان جواب الفرزدق في قصيدته المعروفة التي دفع ضريبتها بعد فترة وجاء فيها :

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته

والبيت يعرفه والحلُّ والحرمُ

هذا ابن خير عباد الله كلُّهم

هذا التقي النقي الطاهر العلمُ

__________________

(١) بحار الاَنوار / المجلسي ٤٦ : باب ٥ ـ ٢١ ، معلوم أن الزهري من علماء الدولة ويبدو أن تحليله للحب والكراهية هنا قد جنح في مالا يمكن تفسيره إلاّ بمعنىً آخر لا نرى ضرورة للتفصيل فيه ، لكونه لم يخرج إلاّ من موقف الزهري من الاِمامعليه‌السلام ، والزاوية التي كان ينظر إليه من خلالها


إذا رأته قريش قال قائلها

إلى مناقب هذا ينتهي الكرمُ

وليس قولك من هذا؟ بضائره

العُرب تعرفُ من أنكرت والعجمُ(١)

* ( وقال القرشي لابن المسيّب : ثم غاب عني فترة حتى أتيتُ مكة ، فإذا بحلقة مستديرة ، فاطلعتُ لاَنظر فإذا صاحبي فسألت عنه ، فقيل : هو زين العابدين )(٢) .

* أثناء ثورة المدينة التي تفجّرت ردّاً على مجون الاَمويين وقتلهم لآل بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فزع مروان كأشدّ ما يكون الفزع مع عياله إلى بيت الاِمام زين العابدين ؛ لاَنّ الثورة كانت تستهدفه ، فضمّ الاِمام نساء الاَمويين إلى حرمه ، وقيل أنّه كفل أربعمائة امرأة مع أولادهن وضمهنّ إلى عياله حتى قالت واحدة منهنّ : إنّها ما رأت في دار أبيها من الراحة والعيش الكريم مثل ما رأته في دار الاِمام علي بن الحسينعليهما‌السلام (٣) .

* وصفه عمر بن عبدالعزيز قائلاً : ( إنّه سراج الدنيا وجمال الاِسلام )(٤) .

* و ( لمّا مات شهد جنازته البرّ والفاجر وأثنى عليه الصالح والطالح ، وانهال الناس يتبعونه حتى وضعت الجنازة )(٥) .

__________________

(١) رجال الكشي : ١٢٩ ـ ١٣٠ / ٢٠٧.

(٢) بحار الاَنوار ٤٦ : باب ٥ ـ ٧٨.

(٣) الاِمام زين العابدين / أحمد فهمي : ٦٤.

(٤) مقدمة الصحيفة السجادية / السيد محمد باقر الصدر : ٦.

(٥) رجال الكشي : ١١٧ ـ ١١٨ / ١٨٨ عن سعيد بن المسيّب.



الفصل الثاني

ظاهرة البكاء عند الاِمام زين العابدينعليه‌السلام

بين البكاء والتباكي :

بين البكاء والتباكي الهادفين خيط رفيع لا يمكن تجليته واكتناه فلسفته إلاّ بفهم الهدف من البكاء أولاً ، والتباكي ثانياً.

فإذا كان الهدف من البكاء هو تربية النفوس وتجلية الصدأ الذي يرين عليها جرّاء زحمة الحياة وقساوة العيش ، ومن ثم توجيه البكاء إعلامياً للتأثير على الناس كشكل من أشكال العمل السياسي أو الرسالي الهادف النبيل ، يأتي هنا ممدوحاً ومندوباً ، وهو غير الجزع والضعف والنفاق والرياء الذي له أهداف هابطة اُخرى.

أي أنّه في الدائرة الاُولى عاطفة نبيلة يمكن أن تنتزع من الاِنسان دواعي قسوة القلب وغلظته وشدّته ، وتحيله أكثر شفافية وسماحة ورقّة من جهة ، وهو عمل تربوي لتوجيه النفوس وتربيتها وتهذيب مشاعرها وأحاسيسها من جهة اُخرى.

وهك ذا التباكي هو الآخر ، إمّا أن يكون تمثيلاً أجوف لا هدف وراءه ولاجدوى منه ولا طائل ، وإمّا أن يكون مواساةً للباكي في صدق بكائه وتصديق انفعاله وتفاعله مع حدث ما أو مصيبة ما ، أو يكون مشاركةً إنسانية ووجدانية تواسي المبكى عليه في عظمة تضحيته ونبل إقدامه


وهيبة موقفه ، وبالتالي فإنّ الدائرة الاُولى غير الثانية بالتأكيد ..

ومن هنا نلمس الفرق بين الندبة المعروفة :

ويصيح واذلاّه أين عشيرتي

وسراة قومي أين أهل ودادي

وبين الاُخرى التي تفجّر الدموع دماً :

لا تطلبوا قبر الحسين بشرق أرضٍ أو بغربِ

فدعوا الجميع وعرجّوا فمشهده بقلبي

 تفسير ظاهرة البكاء عند الاِمامعليه‌السلام :

وكما ارتبك بعض المؤرخين في تفسير دور الاِمام السجادعليه‌السلام في ريادة مشروع المعارضة للسلطة الاَموية ، وأخفقوا في تفسير مواقفه الدقيقة لبلورة الاتجاه المناهض لها ، ارتبك بعضهم الآخر في تفسير ظاهرة البكاء المعروفة لديه ، وراحوا يشرّقون حولها ويغرّبون أيضاً ..

نعم ، اتجه بعضهم إلى تحليل الظاهرة على أنها فجيعة ولدٍ بأبيه وأخوته فقط ، وبالتالي فانها لا تعدو كونها عاطفةً جياشةً لا يمكن التحكّم بانفجارها وتدفّقها في لحظات الانفعال الوجداني الذي لا يُكبح فيما اعتبرها آخرون أُسلوباً سياسياً ذكياً لاستنهاض الناس وتذكيرهم بالظلامة الكبيرة التي لحقت بأهل بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وبين هذا التفسير وذاك ، راح المؤرخون يحلّلون ويكتبون ويبحثون ، وكلّ من زاويته أو فهمه للبكاء والتباكي ، فمن حزين مفجوع ينفّس ببكائه عن غصّة وألم دفينين لا يستطيع منهما فكاكاً ، إلى بكّاءٍ متباكٍ ينوي ببكائه وتباكيه إذكاء نار الغضب المقدس ضد الظالمين الذين تجرأوا على ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأصحابه والصفوة من خيرة خلق الله بعد


النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ..

ومن هنا فلا يستطيع المؤرخ أو المحلل السياسي تفسير ظاهرة البكاء لدى الاِمام السجاد تفسيراً علمياً رصيناً إلاّ من خلال دراسة الظروف التي عاشهاعليه‌السلام والفضاء الاِعلامي والسياسي الذي كان يتنفّس فيه ، وإلاّ شطّ به التحليل بين أقصى اليمين وأقصى اليسار ، وجنح في تفسير هذه الظاهرة وفق ظروف اُخرى ، ربما نفسية أو اجتماعية ، أو سياسية ، هي في الحقيقة ، غير تلك التي يجب أن تفسّر من خلالها أو على ضوئها ...

فحين نفهم مثلاً أنّ طائفةً كبيرةً من الناس كانت تجهل الدواعي والاَسباب التي دفعت الاِمام الحسينعليه‌السلام لخوض تلك المعركة غير المتكافئة ، يمكن أن نمسك بخيط واحد من خيوط التفسير العلمي لبكاء الاِمام السجادعليه‌السلام .

وحين ندرك أن الاِعلام الاَموي كان يفسّر خروج الاِمام الحسينعليه‌السلام ضد الطاغية يزيد بأنّه صراع على السلطة ، وأنه بخروجه إنّما شقّ عصا الطاعة وفرّق الجماعة ، وأن الصراع بين الحسين ويزيد إنّما هو صراع شخصي تفجّر بين عائلتين أو بيتين يعتدُّ كل منهما بتأريخه وأمجاده ، وهما البيت الاُموي والبيت الهاشمي ، ويعتقد كلّ منهما بوراثته لتراث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، تكون الكارثة أكبر والرزيّة أدهى على الاِمام السجادعليه‌السلام ، لاَنّه سيواجه صعوبة بالغة في توضيح هذا المشتبك المؤلم ، ولو عِبر الدموع الغزيرة والنحيب المتواصل الذي أصبح إحدى خصال نفسه الزكية ، وطابعاً لروحه الطاهرة.

ولما كان إعلام السلطة آنذاك هو الحاكم والمهيمن على عقول الناس وأفكارهم ، وللحدِّ الذي يواجه به أحدهم الاِمام الحسينعليه‌السلام


قائلاً ( ياحسين ألا تتقي الله : تخرج من الجماعة وتفرّق بين هذه الاُمة )(١) .

وأكثر من ذلك حين يواجه المرء نداءات تخرج من هنا وهناك في أرض المعركة ، تقول ( الزموا طاعتكم ولا ترتابوا في قتل من مرَقَ من الدين وخالف إمام المسلمين ) وفي رواية اُخرى ( أمير المؤمنين )(٢) .

وحين يسمع عفوية ذلك الشيخ الكبير الذي لا يعرف من الامور شيئاً ، فراح يواجه السبايا عند دخولهم الشام بقوله : ( الحمدُ لله الذي أهلككم وقتلكم وأراح البلاد من رجالكم وأمكنَ منكم أمير المؤمنين يزيد )(٣) .

تكون الرزية أكبر على الاِمام السجادعليه‌السلام ، ويكون نشيجه هو المتنفّس الوحيد للتعبير عن الاَلم والمرارة ، وهو تحت مخالب اللئام وصليل سيوفهم وقعقعة رماحهم.

المواجهة أو الصبر :

في هذا الجو الاِعلامي الماكر ، ومن هذا الفضاء الملبّد بكل تهويمات التضليل ، والتكتم والتعتيم على أعظم ثائر وأعظم ثورة أرادت أن تعيد الحق إلى نصابه ، وتستنهض الضمائر الميّتة وبتضحية قلّ نظيرها في التاريخ البشري انتصاراً للدين المضيّع والحدود المستباحة ، كان على الاِمام السجاد أن ينتهج أحد خيارين :

__________________

(١) راجع : تاريخ الطبري ٤ : ٢٨٩ ، والقول هذا منسوب إلى يحيى بن سعيد الذي أرسله أمير مكة لاِرجاع الحسين وثنيه عن التوجه إلى العراق.

(٢) تاريخ الطبري ٤ : ٣٣١.

(٣) الاِمام السجاد / حسين باقر : ١٠٢.


الاَول : هو المواجهة العلنية الصريحة ، والتنديد المباشر باجراءات السلطة الحاكمة وفضحها ، أي إقدامهعليه‌السلام على عملية استشهادية اُخرى تلحقه بأبيه وإخوته ، لا تكلّف خصومه أكثر من ضربة سيفٍ واحدة لايتردّد عن القيام بها جلواز واحد من جلاوزة السلطة يتقرب بها إلى الاَمير ، دون أن يرفّ له جفن أو يحاكمه ضمير ، وفي أُمّة ميتة لم يبقَ فيها للدم حرمة ولا للتضحية معنى أو صدى وبالتالي إيقاف أو إنهاء الدور الرسالي المهمّ الذي يسعى الاِمام السجادعليه‌السلام إلى تحقيقه من خلال كشف تلك الغيوم وتبديدها ...

والثاني : هو الصبر على ذلك الضيم أو الحيف الذي شمله مع عمّته العقيلة زينبعليها‌السلام وتمرير المرحلة بالعضّ على الجرح بنيّة مواصلة مراحل الكشف المطلوبة في كل عملية تغييرية يُراد لها أن تعيد الاُمّة المضللة إلى وعيها ، أو تعيد الوعي إلى الاُمّة المغلوبة على أمرها ، المسلوبة إرادتها المغيّب ضميرها ، وفي ذلك الهوس الاِعلامي الصاخب ، والمناخ السياسي الملوّث.

من هنا كان على الاِمام أن يختار طريقاً أو منهجاً يحقّق له هذا الهدف الكبير دون المساومة على مبادئه أو التفريط بها ، أو القفز عليها ، فاختار طريق البكاء أولاً ، ثم طريق الدعاء الذي سنأتي على ذكره في الفصل اللاحق إن شاء الله.

ماذا حقق البكاء؟

وعن طريق البكاء هذا المشفوع بالدعاء طبعاً ، استطاع الاِمامعليه‌السلام أن يحقق الاَغراض التالية :


١ ـ تقريع أو استنهاض الضمير النابض في الاُمّة والذي لم يمت بعد ، أي مخاطبة الفطرة السليمة ، من خلال دموع ساخنة ونشيج صادق لايمكن تفسيره ببساطة على أنّه مجرد عواطف فائرة على فجيعةٍ مرّت وكارثة حلّت ، لا سيّما وانه من إمام يعرف أكثر من غيره القضاء والقدر وحتمية الموت وطوارق السُنن ...

٢ ـ استثمار جميع المواقف والمناسبات التي تُذكّر الناس بالجريمة الكبرى التي ارتكبت بحق سبط النبي وسيد شباب أهل الجنة ، وعبر بكاء حارّ صادق يتفجّر أمام قصاب مثلاً يذبح شاته فيسقيها ماءً قبل ذبحها ـ كما مرَّ ـ أو أمام ضيف فقد عزيزاً فغسّله وكفّنه ـ كما ذكرنا ـ أو على مائدة إفطار يُقدّم فيها الماء للعطاشى والضامئين ويكون شعارها مثلاً :

«شيعتي ما إن شربتم عذب ماءٍ فاذكروني

أو سمعتم بذبيح أو قتيل فاندبوني»!

وغير ذلك مما كان يذكّر بتجاوز الحدود ، وقساوة القلوب ، أي قلوب القتلة التي كانت كالحجارة أو أشدُّ قسوة ، وهذا يعني تركيز الشعور بالاِثم الكبير الذي ارتكب في طفوف كربلاء والذي صار عنوانه : «اللهمَّ العن أُمّة قتلتك ، والعن أُمّة ظلمتك ، والعن أُمّة شايعت وبايعت على قتلك ، والعن أُمّة سمعت بذلك فرضيت به »!!

٣ ـ إيهام السلطة الحاكمة وعيونها وأزلامها ومرتزقتها أنّ المفجوع ليس لديه إلاّ البكاء ، وأنّه ليس عملاً جُرمياً يبرّر للسلطة اتخاذ إجراءٍ قمعي لمواجهته ، فكيف إذا كان المفجوع باكياً فعلاً وليس متباكياً ، كما هو حال الاِمامعليه‌السلام !!

٤ ـ وحين تختلط دموع البكاء مع تراب قبر المتوفّى ، وهو ما كان يفعله


الاِمام حين كان يُطيل سجوده وبكاءه على التراب الذي احتفظ به من ثرى قبر والده ومسحه بخاتمه الذي أصرّ على لبسه والمحافظة عليه مع الشعار المنقوش عليه والذي كان يرددهعليه‌السلام : «خزي وشقي قاتل الحسين بن علي »(١) ، تكون رسالة البكاء أكثر تعبيراً وأمضى أثراً في إذكاء الوجدان المعذّب والضمير الحي وتفجيرهما ضد الظلم والظالمين.

٥ ـ أما حين يمتزج البكاء مع الدعاء ، الذي سنأتي على ذكره ، وتتكامل لوحة الرفض المقدّس عبر العاطفة والفكر ، وعبر العقل والقلب ، يكون الهدف من البكاء أكثر تجليّاً وسطوعاً ، وهذا ما كان يُلاحظ عند الاِمامعليه‌السلام وهو يخرُّ ساجداً على حجارة خشنة في الصحراء يوماً ويشهق شهيقاً مرّاً مردّداً : «لا إله إلاّ الله حقاً حقّا لا إله إلاّ الله تعبّداً ورقّا لا إله إلاّ الله إيماناً وصدقا .. » ثمّ يرفع رأسه وإذا بلحيته ووجهه مخضبان بدموع عينيه ، فيقول له أحد أصحابه : أما آن لحزنك أن ينقضي ، ولبكائك أن يقلّ؟! ويأتيه الجواب المارّ الذكر ، ليكون دالّة معبّرة عن حزنٍ ليس كمثله حزن ، وبكاء ليس كمثله بكاء ...

إنّه بوضوحٍ كاملٍ حزنٌ على رمزٍ مقدّس بكت عليه أهل الاَرض وملائكة السماء ، وليس حزن ولدٍ على أبيه قط ، وإنه حزنٌ على فجيعةٍ بدين ، أي أنّه حزن على دين مضيّع صيّره الصبيان لعبةً يعبث بها غلمان بني أمية ، ودمية تتلاقفها أكفُّ أحفاد أبناء الطلقاء ...

إنّه باختصار شديد ، رسالة صامتة شديدة اللهجة ، ودموع حرّى ناطقة ، وبيان صارخ مشحون بعواطف البكاء النبيلة ممزوجة بثرى تراب طاهر ، مشفوعاً بتأوّهات خالصة أرادت وتريد أن تواجه الظالم بأفصح

__________________

(١) الكافي ٦ : ٤٧٤ / ٦ ، عيون اخبار الرضا ٢ : ٥٦.


ما يكون التعبير عن الرفض والغضب المقدّس وأقدس ما يكون الاِفصاح عن الثورة والتمرّد.

إنّه سلاح ماضٍ لكشف الجرم الكبير وفضحه والدعوة لقطع اليد التي نفّذته ، وأمام من؟ وبدموع من؟

بدموع الثائر المفجوع الذي لم يستطع الاستشهاد في اليوم العظيم ، لمرضٍ أقعده ، وعلَّة ما كان يستطيع الوقوف على قدميه بسببها ، فشاءت إرادة الله أن تحتفظ به ليكشف خيوط الجريمة الكبرى وهو يبكي وينشج ويقول :

وهنّ المنايا أي وادٍ سلكته

عليها طريقي أو عليّ طريقها

وكلاً ألاقي نكبةً وفيجعةً

وكأس مرارّات ذعافاً أذوقها(١)

ثم يختتمها بدعاء دامع حزين : «يا نفس حتّامَ إلى الدنيا سكونك؟ وإلى عمارتها ركونك؟ أما اعتبرت بمن مضى من أسلافك؟ ومن وارته الاَرض من أُلاّفك؟ ومن فجعتِ به من إخوانك؟ ونُقل إلى الثرى من أقرانك؟ فحتّامَ إلى الدنيا إقبالك ، وبشهواتها اشتغالك وقد رأيتِ انقلاب أهل الشهوات ، وعاينتِ ما حلَّ بها من المصيبات ... »(٢) .

نعم ، إنّه البكاء الهادف ، والنشيج المدوّي ، والدموع الناطقة ، إنه

__________________

(١) من ندبة طويلة لهعليه‌السلام انظر الصحيفة الخامسة السجادية للسيد محسن الاَمين دعاء (١٠٩). والبحار / المجلسي ٧٨ : ١٥٤. وينابيع المودّة / الحافظ القندوزي الحنفي : ٢٧٣. وكشف الغمة / الاربلي ٢ : ٣٠٩.

(٢) البلد الاَمين / الكفعمي : ٣٢٠. والصحيفة ٤ : ٢٩.


رسالة صامتة شديدة اللهجة صارخة الاحتجاج ، محبوكة المتن ، متينة السند إنّه بكاء أفقه أهل زمانه وأعلمهم وأورعهم وأتقاهم ، حفيد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وابن سبطه ، المفجوع بقتله ، الشاهد على دمه ، حامل رسالته ومبلّغ أمانته ووصيه ووريثه والداعي إلى حقّه إنّه بكاء علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهم‌السلام .



الفصل الثالث

ظاهرتا العبادة والدعاء عند الامامعليه‌السلام

التفسير المبتور للظاهرتين :

لم يكن تفسير المؤرخين لظاهرتي العبادة والدعاء للاِمام زين العابدينعليه‌السلام بأوفر حظاً من تفسيرهم لظاهرة البكاء المارّة الذكر ؛ إذ اقتصر بعضهم على تفسيرهما بكونهما حالة من الاعتزال والانكسار النفسي الذي يحلُّ عادة بالمصدومين والمفجوعين بسبب هول الصدمة أو الفجيعة التي مرّوا بها أو مرّت بهم ...

ويفسرها آخرون بأنّها نوع من العزاء والسلوى والتصوّف ، حيث ينكفىء أصحابها على أنفسهم في طقوس خاصة وانزواء واعتكاف لا علاقة له بالناس والمجتمع وهمومهم وآلامهم ...

وبين هذين التفسيرين المتيسّرين اللذين يمران على الاُمور بظواهرها ولا يغوصان في أعماقها ، يأتي تفسير مبتور ثالث يؤكد أنّ دعاء الامام وعبادته لم يكونا يتعديان مناقبية مثالية علوية عظيمة ، وفضيلة وكرامة من فضائل وكرامات أهل هذا البيت الطاهر ، وحيث ينظر إلى المنقبة والكرامة على أنّها أسمى ما يمكن أن يوصف بها الاِنسان المغيّر في زمن التداعيات السياسية والصراع الفكري والحضاري ..

ولئن كان في هذا التفسير بعض حق ولكنه ليس الحق كلّه ، لاسيّما وإن


ما ينتظر من أمثال الامام السجادعليه‌السلام هو أكبر من المناقبية والفضيلة والكرامة ، وإنّما العمل والجهاد والكفاح لمواصلة مشروع تغييري يكون أهل البيتعليهم‌السلام أجدر الناس وأولاهم بتبنّيه وتنفيذه في ظلمة ذلك الواقع الفاسد ...

نعود ونذكّر بالاَسباب والظروف التي أملت على الامام السجاد هذا النوع من السلوك في فترة كان المجتمع الاِسلامي الممزّق أحوج ما يكون إلى التأمل والمراجعة وإعادة النظر بعيداً عن ضجيج السياسة الصاخب وأزلامها المسطحين المستهترين.

فماذا ترى الامام فاعلاً وهو يعيش أجواء كابوس خانق من الظلم والتعسف والاضطهاد يحمل لواءه عبدالملك بن مروان ، وخلفه ولاة قساة غلاظ كالحجاج وخالد القسري وبشير بن مروان ، يتوّجهم طاغية جبّار مستهتر لا يتردّد أن يمسك بالقرآن الكريم ويمزّقه ويخاطبه مهدداً :

تهدّدني بجبارٍ عنيد

وها أنا ذاك جبار عنيدُ

إذا لاقيت ربك يوم حشرٍ

فقل ياربّ مزّقني الوليدُ

 وهذا يعني أن الامامعليه‌السلام عاصر الفترة الاُولى من حكم يزيد الاَموي بكامل عنفها واستهتارها ، أعقبتها تسع سنين من الاضطرابات والفوضى والصراع على السلطة بين الاَمويين والزبيريين ، وما رافقها من ثورات شيعية وقتل وقتال لم تترك أحداً إلاّ وناشته رذاذة أو شظية من شظايا تلك المرحلة الفظّة وصراعاتها ودمويتها وارتجاج المقاييس والقيم في فضائها العابث الصاخب


طريقان لا ثالث لهما :

ومن هنا كان أمام الامامعليه‌السلام أحد طريقين : إمّا الاحتراق بهوس تلك الصراعات والضياع في خضمّ اصطكاك سيوف رجالها المتنافسين المتصارعين على الجاه والسلطة والمال.

وإمّا الابتعاد عن ذلك الهوس السياسي والصخب الدموي لحين انجلاء الغبرة ، والنأي بعيداً عن ذلك بالانشغال ببلورة الفكر الاِسلامي المغيّر وإعداد النخبة الصالحة التي تذكّر بالصفوة المجزّرة من آل بيت المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التي لم يبقَ منها أحد سوى هذا العبد الصالح المقصي البكّاء الحزين ...

اختار الامام الطريق الثاني بالتأكيد ، وراح يعدّ العدّة لاعداد المجموعة الصالحة المؤهّلة لحمل رسالة جدّه المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تلك الاجواء العابثة الملبّدة ، وكان عليه أن يُشعر السلطة الظالمة قبل غيرها ، أنه ابتعد عن معترك الصراع السياسي ، واعتزل الحياة العامّة ، منشغلاً بعبادة ربّه ، منصرفاً عن مشاغل الدنيا ومتاعبها فكان ( أن ضربَ له بيتاً من الشعر خارج المدينة وتفرّغ فيه للعبادة والابتهال )(١) .

الهدف الحقيقي :

ومن ذلك المكان النائي ، ومن تلك الخيمة المتواضعة وبهذا السلوك أو المنهج استطاع الامام تحقيق الاَهداف التالية :

١ ـ إشعار الناس والمجتمع أن العمل السياسي ليس هو وحده الكفيل بتشكيل النخبة المغيّرة القادرة على قيادة المشروع الاِسلامي المغيّب من

__________________

(١) الإمام زين العابدين / عبد الرزاق المقرّم : ٤٢.


قبل السلطات الظالمة ، وخاصة في زمن ارتجاج المقاييس واهتزاز الثوابت لدى القاعدة الجماهيرية الشعبية التي يعوّل عليها تنفيذ عملية التغيير المطلوبة هذه ...

٢ ـ ترسيخ أو بناء مفهوم جديد للعلاقة مع الله تعالى عبر الدعاء والمناجاة ، وإملاء الفراغ الروحي الناشئ عن حالات الاِحباط وخيبة الاَمل التي خلّفتها سياسة دموية عابثة تلفّعت بشعارات الاِسلام ، ولكنّها لم تنتج إلاّ الهوس والسعار ، والركض وراء الشهوات والملذّات وزوايا المتعة والمجون ، إذ نسمعه يناجي ربه قائلاً : «الهي ، كم من نعمة انعمت بها عليّ قلّ لك عندها شكري ، وكم من بليّة ابتليتني بها قلّ لك عندها صبري ، وكم من معصيةٍ أتيتها فسترتها ولم تفضحني ، فيا من قلَّ شكري عند نعمه فلم يحرمني ، ويا من قلّ صبري عند بلائه فلم يخذلني ، ويا من رآني على المعاصي فلم يفضحني .. »(١) .

وليس تعبيره باصفرارهعليه‌السلام عند وضوئه وحين يقف بين يدي ربّه وقوله : «أتدرون بين يدي من سأقف ومن سأناجي » إلاّ إشارة دقيقة وصادقة على هذا التواصل ، أو تعبيراً متيناً عن هذا الشدّ الرسالي العظيم ...

ومثل ذلك قوله وهو متعلّق بأستار الكعبة ليلاً : «إلهي نامت العيون ، وعلت النجوم ، وأنت الملك الحي القيوم ، غلقت الملوك أبوابها ، وأقامت عليها حراسها ، وبابك مفتوح للسائلين إلى أن ينشد قائلاً :

يامن يجيب دعا المضطرِّ في الظُلم

يا كاشف الضرّ والبلوى مع السقمِ

 __________________

(١) مناقب آل أبي طالب ٤ : ١٧٨.


قد نام وفدك حول البيت قاطبةً

وأنت وحدك يا قيّوم لم تنمِ

أدعوك ربّ دعاءً قد أمرت به

فارحم بكائي بحقّ البيت والحرمِ

إن كان عفوك لا يرجوه ذو سرف

فمن يجود على العاصين بالنعمِ(١)

٣ ـ تذكير الناس بالله تعالى واليوم الآخر ، وإيجاد بدائل لسعادة روحية غيّبها الصراع المادي والسياسي للسلطة الحاكمة ، وخلق أجواء حميمة لعلاقات صادقة وصفاء روحي قائم على الحبّ في الله والبغض في الله ...

فنجده يجسّد ذلك الشعور في دعائه لجيرانه ومواليه ، وإخوانه العارفين بحقّه فيقول : «اللهمّ صلِّ على محمد وآله واجعلني اللهمّ أجزي بالاِحسان مسيئهم ، وأعرض بالتجاوز عن ظالمهم ، واستعمل حسن الظن في كافّتهم ، وأتولى بالبر عامتهم ، وأغض بصري عنهم عفة ، وألين جانبي لهم تواضعاً ، وأرقّ على أهل البلاء منهم رحمة ، وأسرّ لهم بالغيب مودة ، وأحبُّ بقاء النعمة عندهم نصحاً ، وأوجب لهم ما أوجب لحامّتي وأرعى لهم ما أرعى لخاصتي »(٢) .

وهذا يعني أن السعادة الروحية يمكن أن تكون أعمق من السعادة المادّية ، وأن التنافس المحموم على المادّة يمكن تعويضه بسعادة روحية حميمة تقوم على العلاقات الدافئة الحبيبة بين الاِخوان المتحابين في الله

__________________

(١) مناقب آل أبي طالب ٤ : ١٦٣ عن الاصمعي اللغوي النحوي صاحب النوادر والملح ، عن الكنى والألقاب ٢ : ٣٧ ـ ٤٠.

(٢) الصحيفة السجادية الجامعة : ١٣١ دعاء رقم (٦٥).


والمتآخين في حبّ الله ، وبعيداً عن مخالب التنافس المادي وأنيابه وسُعاره ...

٤ ـ تسفيه أحلام الحكام الاَمويين والتنديد بتكالبهم وتسابقهم على ملذّات الدنيا ، عبر إشعارهم بأن السعادة والكرامة لا يتأتّيان دائماً عبر المال والجاه والسلطة ، وإنّما عبر الزهد والسموّ والترفّع على الدنيا وحطامها ، بل إنّ السعادة الروحية أركز وأمتن ، وأجلّ في نفوس أهلها من السعادة المادية المعروفة.

سأل عبدالملك يوماً الامامعليه‌السلام عن تواصل عبادته وكثرة انشغاله بها ، فأجابهعليه‌السلام قائلاً : «ولولا أن لاهلي عليّ حقاً ، ولسائر الناس من خاصتهم وعامتهم عليّ حقوقاً ، لا يسعني إلاّ القيام بها حسب الوسع والطاقة حتى أؤديها ، لرميتُ بطرفي إلى السماء ، وبقلبي إلى الله ، ثمّ لا أردّهما حتى يقضي الله على نفسي وهو خير الحاكمين .. » مذكّراً بحديث جدّه المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين سُئل عن كثرة عبادته وقد غفر الله له من ذنبه ما تقدّم منه وما تأخر ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أفلا أكون عبداً شكوراً؟ »! وقيل : إنّ عبدالملك بكى وأبكى من كان معه ...

فضلاً عن إشعار أزلام السلطة أو إيهامهم بأنّه لا يعارضهم ولا يبغي غائلة بهم ، علّهم يخففون عنه عيون الشرطة والمرتزقة والمأجورين ...

ولا نرى أنفسنا مبالغين حين نقول : إنّ ( زبور آل محمد ) جاء مجموعة متماسكة من ذرى رفيعة ينتقل عبرها الداعي من عالم مادي رمادي مظلم إلى عالم معنوي مشرق نوراني شفاف ، يستلهم القارىء من كلماتها وألفاظها ومعانيها ونصوصها آفاقاً جديدة في المعرفة والعرفان ، حتى ليُخيل للمرء أنّها كتلةً نورانية مشعّة تنبعث عنها طاقة هائلة من معانٍ


وإشراقات يفجّرها الامام ببيانه وبلاغته وصدق مناجاته ، ويحشدها حشداً على امتداد أدعية الصحيفة وكلماتها وهو يقول : «إلهي اسكنتنا داراً حفرتَ لنا فيها حُفَر مكْرِها ، وعلّقتنا بأيدي المنايا في حبائل غدرها ، فإليك نلتجىء من مكائد خدعها ، وبك نعتصم من الاغترار بزخارف زينتها ، فإنّها المهلكة طلاّبها ، المُتلفة حُلاّلها ، المحشوّة بالآفات ، المشحونة بالنكبات إلهي فزهّدنا فيها وسلّمنا منها بتوفيقك وعصمتك ، وانزع عنا جلابيب مخالفتك ، وتولّ أمورنا بحسن كفايتك .. ».

٥ ـ كان لابدّ للامام وهو يرى انتشار وباء التكالب على الدنيا وشهواتها ، وانتشار ظواهر التحللّ والميوعة والفساد ، أن يبحث عن لقاح مضاد نافع لكبح تيار الانحلال هذا ، وتعليم الناس أنّ الدنيا ليست كلّ شيء وإنّما وراءها يوم آخر غيّبته السياسة ، وأنّ ذلك اليوم هو خير وأبقى لمن ألقى السمع وهو شهيد ، فكانعليه‌السلام يقتنص الفرصة تلو الفرصة لتأكيد هذا المعنى في نفوس الناس.

روي عن الامام الباقرعليه‌السلام واصفاً عبادة أبيه أنّه قال :

«لم يذكر أبي نعمة لله إلاّ سجد ، ولا قرأ آية فيها سجدة إلاّ سجد ، ولا دفع الله عنه سوء إلاّ سجد ، ولا فرغ من صلاة إلاّ سجد ، ولا وفّق لاصلاح بين اثنين إلاّ سجد .. »(١) .

ويُروى عنهعليه‌السلام أنّه حين كان يخرج مع الناس في بعض المنازل كان يصلّي ويسبّح في سجوده ، ويبكي حتى تبتلّ لحيته بدموع عينيه وهو يقول : «يامن تُحلُّ به عُقد المكاره ، ويا من يُفتأ به حدّ الشدائد ، ويا من يُلتمس منه المخرج إلى روح الفرج. ذلّت لقدرتك الصعاب ، وتسبّبت بلطفك

__________________

(١) معاني الأخبار / الصدوق : ٢٤.


الاَسباب ، وجرى بقدرتك القضاء ، ومضت على إرادتك الاَشياء ، فهي بمشيئتك دون قولك مؤتمرة ، وبإرادتك دون نهيك منزجرة ، أنت المدعو للمهمّات ، وأنت المفزع في الملمّات ، لا يندفع منها إلاّ ما دفعت ، ولا ينكشف منها إلاّ ما كشفت ... »(١) .

وغير ذلك من تضرّع ومناجاة وتبتّل ، كانت لها أكبر الآثار في شدّ الناس بالله تعالى وتذكيرهم بعظمته وجبروته ، وتحذيرهم من الكفر به وتجاوز حدوده خاصة إذا كان مثالها مصداقاً عملياً للدعاء الصادق أو التبتّل الطاهر الذي لا يرجو صاحبه بدعائه وتبتّله ومناجاته إلاّ رضا الله تعالى وتحكيم دينه في دنيا الناس ، رأفةً بهم وحبّاً لهم ، وامتثالاً لقوله عزَّ من قائل :( فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فاذن لمن شئت منهم واستغفر لهم ان الله غفور رحيم ) (٢) .

مضامين دعائهعليه‌السلام :

وحتى دعائهعليه‌السلام لم يسلم هو الآخر من النقد والتجريح من قبل السفهاء والمسطّحين ، فبعد أن اعتبره بعضهم إعتزالاً سلبياً ، وانكفاءً وابتعاداً عن هموم الناس وآلامهم ، راح آخرون يؤكدون على الجانب العرفاني فيه فقط ، ناسين أو متناسين أن دعاءهعليه‌السلام كان في معظمه رسالة مفتوحة ، إلى الناس كل الناس ، بثّ لهم فيها شجونه وأهدافه ورسالته وعلى كلِّ الاطر والاصعدة ، وعلى طريقة ( إياك أعني واسمعي يا جارة ) ...

ولعلنا من قراءة سريعة لسطور وكلمات أدعيته المأثورة نكتشف سِفراً

__________________

(١) الصحيفة السجادية / الإمام زين العابدين دعاء (٧).

(٢) سورة النور : ٢٤ / ٦٢.


خالداً ـ سنأتي على ذكر بعض تفاصيله لاحقاً ـ من التربية والتهذيب والتصدّي والدعوة إلى الاِصلاح والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة حدود الله واستحضار قيم الدين وتفعيل مضامينه وبثّ الروح في مواعظه وإرشاداته.

ولم يُخطئ من وصف ( الصحيفة السجادية ) للامام زين العابدينعليه‌السلام بأنّها ( زبور آل محمد ) ، ولم يُجانب الصواب كثيراً من قرأ الامام السجاد من زاوية التهجّد والعرفان وعلاقتهعليه‌السلام مع السماء فقط ، فلعلهعليه‌السلام أراد بتلك الاَدعية ـ كما قلنا ـ كبح الانجرار الهابط إلى وحل الاَرض وطينها ، والوقوف أمام التيار المادي الجارف الذي روّجه وعزف عليه وأشاعه الاِعلام الاَموي المتلفّع بشعارات الدين زوراً وإفكاً ...

ومن قراءة سريعة في هذه « الصحيفة الخالدة » يكتشف المرء عمق العلاقة بين الامام زين العابدين وربّه ، وكيف انه غاص في أعماق النفس الانسانية ، وراح يشدّ حبلها بحبل السماء الذي قطعته السياسة الاموية ، ومزّقت أوصاله تداعياتها ، وانحطاط رجالها وتهافتهم على الدنيا وحطامها ..

نعم ، استطاع الامام السجادعليه‌السلام بهذا الاتجاه وبسبب الاَجواء الخانقة التي أشرنا إليها تلميحاً أن يترك لنا سفراً خالداً في المناجاة والتبتّل والابتهال ، فأعاد موازنة العقل مع القلب ، والفكر مع الروح ، واستطاع بصدقه ودموعه وشجونه ولوعته أن يرسم لنا لوحةً صادقةً عن العرفان الهادف ، والتصوف الصادق ، والاتصال المسؤول الذي يهفو إلى السماء ولا ينسى الاَرض ، ويسأل الله سعادة أهل الآخرة ، ولا ينسى شقاء أهل الدنيا ، ويطلب رضا الخالق فيما يناشد ضمائر المخلوقين


نعم ، جاءت أدعية الامام زين العابدينعليه‌السلام لمواجهة موجات الرخاء والهبوط التي تعرّض لها المجتمع الاسلامي في بداية الحكم الاموي ، فقامعليه‌السلام بما امتلكه من بلاغة فريدة وقدرة فائقة على استخدام اللغة ، وذهنية ربانية تفتّقت عن أعذب المعاني وأروعها في تصوير صلة الانسان بخالقه وهيامه به ، وانشداده بالمبدأ والمعاد ، فأوجد من خلال الدعاء فضاءً روحياً عظيماً لابناء المجتمع الاِسلامي استطاع بواسطته تثبيت الانسان المسلم وشدّه بالسماء وخاصة حين تعصف به المغريات وتجرّه إلى الارض.

فكانعليه‌السلام يخطب الناس في مجلسه كل جمعة ، يعضهم ويزهّدهم في الدنيا ، وهو سيد الزاهدين ، ويُرغّبهم في الآخرة وهو أشدّ الراغبين ، ويقرع أسماعهم بتلك اللوحات الفنيّة البالغة التأثير التي مثّلت بحق العبودية الخالصة لله تعالى ، فضلاً عن كونها عملاً اجتماعياً عظيماً فرضته ضرورة المرحلة التي كان يمرّ بها ، حتى أضحت تلك الادعية تراثاً ربانياً فريداً للسالكين طريق الله ، ومصدر عطاء وهداية لكلِّ من ينشد الحق ويرغب في معرفة الله حقّ معرفته ، إضافة إلى كونها دروس أخلاق وتهذيب ، سيظل أهل الدنيا ينهلون من معينها العذب ما دام هناك صراع بين قوى الخير وقوى الشرّ ، أو بين مثابات الهدى ومعسكرات الضلال ...

وهكذا نسمعهعليه‌السلام في فصاحته وبيانه وبلاغته ، له في كل صباح ومساء دعاء ، وله في المهمّات دعاء ، وفي الاعترافات والظلامات دعاء ، وعند المرض والعافية دعاء ، وعند الشدّة والفزع دعاء ، وعند ذكر الموت وسماع الرعد والرهبة دعاء ، وفي استقبال شهر رمضان المبارك وتوديعه دعاء ، وعند ختم القرآن ويوم عرفة وأيام الاسبوع دعاء ودعاء ، وهكذا


في كل موقف وموطن وفي كلِّ نبضة قلب ورمشة جفن ، وكأنه قطعة من كيانٍ وجزءٍ من كلِّ ، لا ينقطع ولا يكلّ ولا يملّ ، حتى يقول :

« يا إلهي لو بكيت إليك حتى تسقط أشفار عيني ، وانتحبتُ حتى ينقطع صوتي ، وقمت لك حتى تنتثر قدماي ، وركعتُ لك حتى ينخلع صلبي ، وسجدتُ لك حتى تتفقأ حدقتاي ، وأكلتُ تراب الارض طول عمري ، وشربتُ ماء الرماد آخر دهري ، وذكرتك في خلال ذلك حتى يكلُّ لساني ، ثم لم أرفع طرفي إلى آفاق السماء استحياءً منك ، ما استوجبت بذلك محو سيئة واحدة من سيئاتي ...

فارحم يا ربِّ طول تضرّعي وشدة مسكنتي وسوء موقفي ، واستعملني بالطاعة ، وارزقني حُسن الاِنابة ، وطهرني بالتوبة ، وأيّدني بالعصمة ، واستصلحني بالعافية ، وأذقني حلاوة المغفرة ، واجعلني طليق عفوك ، وعتيق رحمتك ، واكتب لي أماناً من سخطك ، وبشرني بذلك في العاجل دون الآجل ، إنّك تفعل ما تشاء وتحكم ما تريد ، وإنك على كلِّ شيء قدير ».

إذن ، وباختصار شديد وبكلمات أكثر تفصيلاً يمكن القول ان الصحيفة السجادية التي تركها الامام زين العابدينعليه‌السلام جاءت لتشكّل مساحة منهجية رائدة وكبيرة ، بكبر القضية التي انتُدب لها أولاً ، وبحجم دورهعليه‌السلام في ريادة هذه القضية وتوجيهها وتعميقها في نفوس الناس ثانياً.

نعم ، جاءت هذه الصحيفة لتكون شوطاً آخر من أشواط الجهاد الذي قطع مشواره المرّ الطويل هذا الامام العظيم في تبيئة المفهوم الاِسلامي ـ كما يقولون اليوم ـ وتأصيل جذوره في الاُمّة والمجتمع بعدما انكمش دوره في دائرة القوالب المشوّهة التي صاغها الاَمويون ، وداسوا القيم


العظيمة التي جاء من أجلها بل لاَجلها النبي المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، واستشهد لاَجلها سيد الشهداءعليه‌السلام .

جاء الامام السجاد في صحيفته هذه ليمزج العاطفة بالوجدان ، والقلب بالعقل ، ويحمل الجميع إلى الحقيقة الاِلهية المتعالية بلا رتوش أو أصباغ أو قوالب يتماهى معها أدعياء هذه الحقيقة فيستغرقون ويُغرقون الناس معهم في مفاهيم غائمة لا مصاديق لها ، أو يغوصون في عبارات سائبة عائمة لا تستقر في قعر ولا تركن إلى حصنٍ منيع.

ونكتفي بالاِشارة ، والاِشارة فقط إلى بعض مضامين دعائه التي لم تحلّق في السماء فقط ، وإنّما نزلت إلى الاَرض تقارع الظالمين وتنتصر للمظلومين ، تستنهض الهمم وتدعو لتحكيم دين الله ، ولم تكتفِ ، بل لم تجنح إلى « التهويمات » التي يطير فيها بعض المتصوفين ممن لا علاقة لهم بالناس ، ولا وشيجة لهم مع أُمّة أو مجتمع ...

وسنتناول فيما يلي ثلاثة مضامين تناولها الامامعليه‌السلام وسعى إلى ترسيخها في أذهان الاُمّة ، وقد تمثّلت في العقائد والاَخلاق وأخيراً المضمون العبادي الذي يعطي العبادة دورها الفعّال والحيوي في إحياء المجتمع وتزكيته ، وهذه تُعدُّ من أهم ركائز المجتمع الاِسلامي :

١ ـ المضامين العقائدية :

ولعلَّ أول ما يطالعنا في هذا السفر الخالد هو قدرة الامام زين العابدينعليه‌السلام الفائقة على تجسيد العلاقة بين العبد وربّه ، أو بين الخالق والمخلوق ، وباسلوب أدبي رفيع ومناجاة عذبة صادقة يصدق أن يُقال فيها ما قيل في أقوال جدّه علي بن أبي طالبعليه‌السلام أنّها تحت كلام الخالق


وفوق كلام المخلوق فعلاً ..

لنستمع قليلاً إلى بعض ما جاء في هذه الاَدعية : «الحمدُ لله الذي خلق الليل والنهار بقوته ، وميّز بينهما بقدرته ، وجعل لكلِّ واحدٍ منهما حدّاً محدوداً وأمداً ممدوداً اللهمَّ فلك الحمدُ على ما فلقت لنا من الاِصباح ، ومتّعتنا به من ضوء النهار ، وبصّرتنا فيه من مطالب الاَقوات ، ووقيتنا فيه من طوارق الآفات ... ».

ويرسم الامام لنا لوحةً اُخرى عن عظمة الخالق سبحانه ، وكيف أنّه جلَّ وعلا أكبر ، ولكنّه أكبر من كلِّ كبير ، وليس أكبر من كلِّ صغير ، وأنّه عزَّ وجلَّ أعلى ، ولكنّه أعلى من كلِّ عالٍ أو متعال وليس أعلى من كلِّ مسكين واطىء ضعيف ...

فيقولعليه‌السلام : «الحمدُ لله الذي تجلّى للقلوب بالعظمة ، واحتجب عن الاَبصار بالعزة ، واقتدر على الاَشياء بالقدرة ، فلا الاَبصار تثبُت لرؤيته ، ولا الاَوهام تبلغ كنه عظمته. تجبّر بالعظمة والكبرياء ، وتعطّف بالعز والبر والجلال ، وتقدّس بالحُسن والجمال ، وتمجّد بالفخر والبهاء ، وتهلل بالمجد والآلاء ، واستخلص بالنور والضياء. خالق لا نظير له ، وواحد لا ندّ له ، وماجد لا ضدّ له ، وصمد لا كفو له ، وإله لا ثاني له ، وفاطر لا شريك له ورازق لا معين له ، والاَول بلا زوال ، والدائم بلا فناء ، والقائم بلا عناء والباقي بلا نهاية ، والمبدئ بلا أمد ، والصانع بلا ظهير ، والرب بلا شريك ليس له حدّ في مكان ، ولا غاية في زمان ، لم يزل ولا يزول ولن يزال ، كذلك أبداً هو الاِله الحي القيوم الدائم القديم .. »(١) .

أما توحيد الباري جلّ وعلا فإنّ الامامعليه‌السلام يصبّه في قالب دعاء يوجّه

__________________

(١) الصحيفة السجادية الجامعة : ٢١ و ٢٥ / الدعاء ٢ و ٧.


من خلاله الاِنسان بهدوء وبساطة إلى وحدانية الله تبارك وتعالى من خلال استقراء ظواهر طبيعية حسيّة هي مع الاِنسان في وجوده ، يحملها معه في كلِّ آن ، ولا يستغني عنها لحظة ..

فيقول في ذلك : «إلهي بدت قدرتك ولم تبدُ هيئة جلالك ، فجهلوك وقدّروك بالتقدير على غير ما أنت به ، شبهوك وأنا بريء يا إلهي من الذين بالتشبيه طلبوك ، ليس كمثلك شيء إلهي ولم يدركوك ، وظاهر ما بهم من نعمة دليلهم عليك لو عرفوك ، وفي خلقك يا إلهي مندوحة عن أن ينالوك بل ساووك بخلقك ، فمن ثمَّ لم يعرفوك ، واتخذوا بعض آياتك ربّاً ، فبذلك وصفوك ، فتعاليت يا إلهي عمّا به المشبّهون نعتوك »(١) .

٢ ـ المضامين الاَخلاقية :

لاشكّ أن المتدبّر في أدعية الصحيفة السجادية سوف يجد آثاراً واضحة تتركها مجمل أدعيتهعليه‌السلام على طبيعة سلوكه بشكل عام. فإنّهعليه‌السلام قد ضرب أروع الاَمثلة في الخلق الاِسلامي الرفيع ، وجسّد الشخصية الاِسلامية المثالية ..

وهكذا سعىعليه‌السلام إلى الارتفاع بالنفس المؤمنة في مدارج الكمال عبر بلورة المفاهيم الاَخلاقية التربوية من خلال نسجهما بشكل دعاء فيه من الضراعة والخشوع لله تعالى واستمداد العون منه في شحذ النفس بالتعلق بأخلاق السماء ، والتعالي عن كل وضيع ، والارتفاع عن كلِّ دنيء.

ولقد أرسى الامامعليه‌السلام عبر أدعيته في مختلف مظانها مناهج التغيير الذاتي ، بمحاكاته العقل والوجدان الاِنساني وتربيتهما رسالياً ، وهذه

__________________

(١) الصحيفة السجادية الجامعة : ٢٢ دعاء (٣).


مهمة الاَنبياء والمصلحين الاِلهيين الكبار ، فهي إلى جانب شدّ الاِنسان وربطه بالسماء ، تجعله في الاَرض بؤرة خير ورحمة ، شديد البأس في ذات الله لا يرضى بظلم ، ولا يرضخ إلى باطل ، قوي العزيمة ، وإنّك لتلمس هذا المنهج بين ثنايا دعائهعليه‌السلام في مكارم الاَخلاق ومرضي الاَفعال ..

ففي هذا الدعاء ـ مثلاً ـ نلتقي بقولهعليه‌السلام وهو ينشدُّ إلى أعماق الاَرض ، بقدر انشداده إلى آفاق السماء ، ويغوص في عمق الاِنسان فيما هو غارق في عمق العرفان ، فنسمعه يقول : «وأجرِ للناس على يدي الخير ، ولا تمحقه بالمنّ ، وهب لي معالي الاَخلاق ، واعصمني من الفخر. اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد ولا ترفعني في الناس درجة إلاّ حططتني عند نفسي مثلها ، ولا تُحدث لي عزّاً ظاهراً إلاّ أحدثت لي ذلّةً باطنةً عند نفسي بقدرها ».

فالكلمات التي يعرضها الامام السجادعليه‌السلام هنا ـ كما في غيرها ـ تعبّر تعبيراً دقيقاً عن منهج سلوكي عظيم غارقٍ في الشفافية والروح من جهة ، ومستغرقٍ في الفكر والواقع من جهة اُخرى ، فكما أنّه ارتباط عاطفي شديد الصلة متين الانشداد بربِّ العزّة تبارك وتعالى ، ولكنّه من زاوية اُخرى عميق الغوص في الجانب التربوي والاَخلاقي والمعرفي الذي لايكتفي صاحبه خلاله بالعرفان المجرّد و ( تهويماته ) الجميلة ، بل يسحبه إلى الواقع المعاش بكلِّ تفاصيله وخيوطه ونسيجه المعقّد.

«ولا ترفعني في الناس درجة إلاّ حططتني عند نفسي مثلها » وهذه أسمى وأرفع سبل تربية الذات ، ودحض الاَنا ، وتجاوز الكبر ، والاِجهاز على كل أشكال الغرور والهوى والغطرسة الذاتية.


وبكلمة اُخرى استطاع الامام السجادعليه‌السلام بهذه العبارة أن يواجه بُعدين ، كلّ منهما سيف ذو حدّين : بُعد الذات التي هي ألدُّ أعداء المرء(١) من جهة ، وهي كرامته وكبرياؤه وعزّته من جهة اُخرى ، وبُعدُ الناس الذين هم ميزان العلاقة ومعيار إنسانية الاِنسان من جانبٍ ، وهم الهمج الرعاع الذين يصعب إرضاؤهم وربما يستحيل(٢) من جانب آخر ...

وهذا يعني أنّه لم يختفِ أو يحاول الاختفاء ، وراء النص ، كما يفعل الكثيرون ، ولم يحاول التخلّق بأخلاقٍ عالية ربما يكون شعارها النص ومضمونها المخاتلة به والتماهي معه ، وإنّما أراد أن يكون شعاره وخلقه ، نصّه ومضمونه ، متوازنين لا تطغى فيه كفّة على اُخرى ، ولا زعم على واقع ، أو واقع على ادّعاء.

وهكذا ، ومن هذا النص وغيره ، وكما يقول بعض المحللين لشخصية الامام السجّادعليه‌السلام ، إنّه استطاع في الظروف العصيبة التي عاشهاعليه‌السلام أن يوظّف كل الجهود الممكنة وفي منهج إحيائي حركي لتعميم الثقافة الاِسلامية المطلوبة ، وإشاعة التفكير الاِسلامي السليم ، أي عبر الدعوة للتفكير الصحيح من خلال الدعاء الذي ورد في هذه الصحيفة التي تنوّعت أبعاده وتعددت آفاقه ليشكل بمجموعه منهجاً كاملاً يأخذ طابع المدرسة الشاملة والثقافة الشمولية المتكاملة التي تملأ كل الفراغات وتغطي كل الثغرات في جسم المجتمع الاِسلامي والنموذج المسلم.

فهو ، من جانب ، يغوص في أعماق النفس الاِنسانية مدغدغاً أدقّ نوازعها محلحلاً بواطنها ومكنوناتها ، كابحاً لشططها وطيشها وشطحاتها

__________________

(١) كما روي في الحديث الشريف : « ألدُّ أعداء المرء نفسه التي بين جنبيه ».

(٢) ( رضا الناس غايةٌ لا تدرك ).


«لا ترفعني إلاّ حططتني ... » وهو من جانب آخر يسعى إلى توضيح وتيسير المفاهيم الاِسلامية العامّة ، وبالتالي استيعاب حاجات الفرد المؤمن المادية والروحية ، وصولاً لاحتواء متطلبات المجتمع المسلم المادية والروحية أيضاً ، وبدون ابتسار أو تعسف أو اختزال ..

وهكذا في العشرات بل المئات من المقطوعات المأثورة والبيانات الصريحة التي تعبّر عن اندكاكه بهموم الاُمّة ولوعته في مناشدة الضمائر الحيّة لمقارعة أهل الظلم والجور أياً كانوا وحيثما وجدوا.

فمما روي عنهعليه‌السلام قوله : «يامن اتقيتم سلطان الاَرض ، ألا تتقون سلطان السماء؟ يامن أرهبكم عذاب الدنيا ، ألا ترهبون عذاب الآخرة ، إذ الاغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون؟ ».

«أتخشون ملكاً تعصونه مرّة ولا تخشون ملك الملوك ، وأنتم في كلِّ يوم له عاصون؟ ».

«اللهمَّ من تهيأ وتعبأ واستعد لوفادة إلى مخلوق رجاء رفده ونوافله وطلب نيله وجائزته ، فإليك يامولاي كانت اليوم تهيئتي وتعبئتي وإعدادي واستعدادي رجاء عفوك ورفدك وطلب نيلك وجائزتك ... »(١) .

٣ ـ المضمون العبادي :

ومما يؤكد حرص الامام على إنزال الدعاء من السماء إلى الاَرض ، وشدّه بين واجبات الاِنسان على الاَرض وتطلّعه نحو السماء ، إنّه لم ينفكّ يدعو إلى التواصل والجمع بينهما من أجل توفير الحالة الدينية

__________________

(١) الصحيفة السجادية الكاملة ، دعاؤه يوم الاَضحى ويوم الجمعة.


المسؤولة ، وتعبئة الاُمّة لحفظ هذا التواصل وإذكاء جذوته وإبقائه في نفوس الناس ...

فلا يكاد المرء يستمع إلى مواعظه إلاّ ويستشعر نكهتها التربوية والاجتماعية والسياسية ، ودورها في تهذيب النفوس وتنقيتها ، فهي من جانب تدعو إلى التسامي والترفّع ، ومن جانب آخر إلى التصدّي للظالمين والثورة عليهم ، وتؤكد كذلك على مسؤولية الاِنسان في هذه الحياة الدنيا ودوره فيها الاَمر الذي يعطي العبادة دورها في إحياء المجتمع والفرد من خلال فتح الاَبواب إلى مضامينها وأهدافها التي قد لا يدركها إلاّ القليل ممن تذوّق روح الشريعة الاِسلامية وأبصر أبعادها.

يقولعليه‌السلام وعلى سبيل المثال لا الحصر :

١ ـ «أصبحت مطلوباً بثمان : الله يطالبني بالفرائض ، والنبي بالسُنّة ، والعيال بالقوت ، والنفس بالشهوة ، والشيطان باتّباعه ، والحافظان بصدق العمل ، وملك الموت بالروح ، والقبر بالجسد فأنا بين هذه الخصال مطلوب ... »(١) .

٢ ـ «أيُّها المؤمنون لا يفتننكم الطواغيت وأتباعهم من أهل الرغبة في الدنيا ، المائلون إليها ، المفتونون بها ، المقبلون عليها ، احذروا ما حذّركم الله منها ، وازهدوا في ما زهّدكم الله فيه منها ، ولا تركنوا إلى مافي هذه الدنيا ركون من أعدّها داراً وتوهّمها قراراً ... »(٢) .

٣ ـ وقالعليه‌السلام واصفاً أهل الدنيا ، مصنّفاً لهم : «الناس في زماننا ستّ طبقات : أُسد وذئاب وثعالب وكلاب وخنازير وشياه : فأما الاُسد فملوك

__________________

(١) أمالي ابن الشيخ : ٤١٠.

(٢) تحف العقول : ٢٥٢.


أهل الدنيا ، يحبّ كلّ واحدٍ منهم أن يَغلِب ولا يُغلَب ، وأما الذئاب فتُجّاركم يذمّون إذا اشتروا ، ويمدحون إذا باعوا ، وأما الثعالب فهؤلاء الذين يأكلون بأديانهم ، ولا يكون في قلوبهم ما يصفون بألسنتهم ، وأما الكلاب فيهرّون على الناس بألسنتهم ، فيكرمهم الناس من شرّها ، وأما الخنازير فهؤلاء المخنّثون وأشباههم لا يُدعون إلى فاحشةٍ إلاّ أجابوا ، أما الشياه فهم المؤمنون الذين تجزّ شعورهم ، وتؤكل لحومهم ، وتُكسر عظامهم ... ».

ثمّ يتساءل متوجّعاً متألماً مشفقاً على المؤمنين : «فكيف تصنع الشاة بين أسد وذئب وثعلب وكلب وخنزير ... »(١) .

ويقول مخاطباً أصحابه وشيعته :

٤ ـ «أيُّها الناس ، اتقوا الله ، واعلموا أنكم إليه راجعون ، فتجد كلّ نفسٍ ما عملت من خيرٍ محضراً ويحذّركم الله نفسه ويحك ابن آدم ، إن أجلك أسرع شيء إليك ، ويوشك أن يدركك ، فكأنك قد أوفيت أجلك ، وقد قبض الملك روحك ، وصُيّرت إلى قبرك وحيداً فان كنت عارفاً بدينك متّبعاً للصادقين ، موالياً لاَولياء الله ، لقّنك الله حجتك ، وأنطق لسانك بالصواب ، فأحسنت الجواب ، وبُشّرت بالجنّة والرضوان من الله ، واستقبلتك الملائكة بالروح والريحان ، وإن لم تكن كذلك تلجلج لسانك ، ودُحضت حجتك ، وعييت عن الجواب وبُشرت بالنار ، واستقبلتك ملائكة العذاب بنُزُلٍ من حميم ، وتصلية جحيم .. »(٢) .

ولعلّ أروع مادوّنه الامام السجاد في معرفة النفس الاِنسانية وسبره

__________________

(١) الخصال للشيخ محمد بن علي الصدوق : أبواب السنة ، الحديث الاَخير فيها.

(٢) تحف العقول : ٢٤٩ ـ ٢٥٢. وأمالي الطوسي : ٣٠١. وروضة الكافي : ١٦٠. وأمالي الصدوق : ٣٥٦.


أغوارها وتفريقه بين زيفها وصدقها ، وكشفه الفاصلة بين الواقع والادعاء ، والظاهر والباطن ، هو المقطوعة البليغة التالية :

٥ ـ «إذا رأيتم الرجل قد حسُنَ سمتُه وهديه ، وتمادى في منطقه وتخاضع في حركاته ، فرويداً لا يغرنكم ، فما أكثر من يعجزه تناول الدنيا وركوب الحرام فيها ، لضعف بنيته ومهانته وجبن قلبه ، فنصبَ الدين فخاً له ، فهو لا يزال يُختل الناس بظاهره ، فإنّ تمكن من حرام اقتحمه ، وإذا وجدتموه يعفّ عن المال الحرام فرويداً لا يغرّنّكم ، فإنّ شهوات الخلق مختلفة ، فما أكثر من يتأبّى من الحرام وإن كثر ، ويحمل نفسه على شوهاء قبيحة ، فيأتي منها محرماً ، فإذا رأيتموه كذلك ، فرويداً حتى لا يغرّنّكم عقده وعقله ، فما أكثر من ترك ذلك أجمع ثمّ لا يرجع إلى عقل متين ، فيكون ما يفسده بجهله أكثر مما يصلحه بعقله فإذا وجدتم عقله متيناً فرويداً لا يغرنكم حتى تنظروا أيكون هواه على عقله ، أم يكون عقله على هواه؟ وكيف محبته للرياسة الباطلة وزهده فيها؟ فإنّ في الناس من يترك الدنيا للدنيا ، ويرى لذّة الرياسة الباطلة أفضل من رياسة الاموال والنعم المباحة المحللة ، فيترك ذلك أجمع طلباً للرياسة ، حتى إذا قيل له اتق الله أخذته العزّة بالاثم فحسبه جهنم وبئس المهاد فهو يحلّ ما حرم الله ، ويحرم ما أحلَّ الله لا يبالي ما فات من دينه إذا سلمت له الرياسة التي قد شقي من أجلها ، فاولئك الذين غضب الله عليهم ولعنهم وأعدّ لهم عذاباً أليما ... »(١) .

هكذا كان الامامعليه‌السلام في تشخيصه لنوازع وزوايا النفس البشرية المعتمة وهكذا كان دعاؤه وعبادته ومواعظه غوص بارع في العمق ،

__________________

(١) تنبيه الخواطر : ٣١٦. والاحتجاج ٢ : ١٧٥.


وتضميد هادىء للجرح ، اشارة دقيقة مركّزة هنا ، واسترسال هادف هناك ، ينتزع أدقّ الاشواك ، ويداعب أغلظ الاوتار ، ويقطع الطريق على أكثر المرائين قدرةً على التمثيل والتنطّع والرياء



الفصل الرابع

فلسفة الإمامعليه‌السلام في الانفاق وتحرير العبيد

كان الرقّ نظاماً متّبعاً قبل الاِسلام وجاء الاِسلام لعلاجه واجتثاثه( فلا اقتحم العقبة * وما أدراك ما العقبة * فكُ رقبة ) (١) ، كما أنّه كان نتيجة طبيعية للفتوحات الاِسلامية ووقوع الآلاف من أبناء البلدان المفتوحة أسرى بأيدي المسلمين ، الاَمر الذي لابدّ منه لمساومة حكّام البلدان الاُخرى على تحرير أسرى المسلمين فضلاً عن كونه حالة طبيعية في الوسط الاجتماعي آنذاك ...

فقد قيل إن الزبير بن العوّام مثلاً كان يملك ألف عبد وألف أمة(٢) ، وإن عملية فتح واحدة للمسلمين ، كان فيها نصيب الدولة الاِسلامية من العبيد ستين ألفاً ، وإن امرأة واحدة من المسلمين اشترت خمسمائة عبد(٣) ، إذ كان العبد الواحد يُباع أحياناً بقبضة من فلفل المطبخ(٤) .

ولما كان هؤلاء العبيد يشكّلون شريحة اجتماعية مهمة يُنظر إليها نظرة ازدراء ودونية طبعاً ، وكان معظمهم لا يستطيع التمرد على سيده بحكم

__________________

(١) سورة البلد : ٩٠ / ١٣.

(٢) فجر الاِسلام / أحمد أمين : ٩٠.

(٣) الاِمامة والسياسة : ١٣٧ فصل الفتوحات ـ القسم الثاني ـ السجاد.

(٤) الاِمامة والسياسة ، فتح الاندلس وشمال أفريقيا


النظام الاجتماعي القائم ، ولا يجد بدّاً من العمل معه أوله مقابل لقيمات يسدُّ بها رمقه ، أو أمانٍ يحفظ له حياته ، من خلال انتمائه لهذا البيت أو هذا الرجل ، كان على الاِمام زين العابدين أن يتعامل مع الظاهرة من موقع المسؤولية ؛ إذ عليه أولاً أن يُعاملهم كبشر لا يختلفون عن غيرهم في طموحاتهم وتطلعاتهم وآمالهم ، وأيضاً في تطلعاته هوعليه‌السلام لكسب ودّهم وتربيتهم وزرع القيم الرسالية في نفوسهم ...

وحين كان الواحد من هؤلاء يُخاطب بكلمة « يا عبدي ويا أمتي » كانعليه‌السلام يخاطبهم « يا فتاي ويا فتاتي » ؛ إذ كان يرى فيهم رصيداً اجتماعياً مؤثراً لنشر الاِسلام وقيمه وتعاليمه ...

هدف الاِمامعليه‌السلام من التعامل مع الظاهرة :

ومن هنا كان رأي الاِمام أن يتعامل معهم وفق الاُسس التالية :

١ ـ التأكيد على قيم الاِسلام في نظرته إلى البشر بأنهم جميعاً لآدم وآدم من تراب( يا أيُّها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأُنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ) وأن : «الناس سواسية كأسنان المشط » وأنه «لا فرق بين عربي وأعجمي إلاّ بالتقوى » و «لا فضل لابن البيضاء على ابن السوداء إلاّ بالحق » وأن « الناس صنفان : إمّا أخ لك في الدين ، أو نظير لك في الخلق » ، وبالتالي فإنّ على الاِمامعليه‌السلام تجسيد هذه المثل النبيلة في التعامل مع أولئك العبيد ورعايتهم وتربيتهم وأخيراً تحريرهم ، أي عتقهم ، وبثّهم في ربوع العالم الاِسلامي لاَداء الاَمانة وتبليغ الرسالة ...

٢ ـ تربية المسلمين وحثّهم على إنهاء هذه الظاهرة غير الممدوحة عبر تشجيعهم على شراء العبيد وعتقهم ، وكل ذلك بعد تأكيده على عدم


التعالي عليهم ومعاملتهم معاملة إنسانية ، أي بآدمية ورفق كما هو شأن القيم الاِسلامية في النظر إلى الضعيف أو المستضعف ممّن لا مال لديه ولا أهل ولا عشيرة ..

٣ ـ السعي إلى زجِّ هؤلاء العبيد في المجتمع من خلال تبنّيهم ورعاية شؤونهم واحتضانهم واجتثاث عقدة النقص من نفوسهم ، وكذلك اجتثاث جذور الفوقية والعرقية من نفوس أسيادهم بغية استثمار المؤهلين منهم في الوسط الاجتماعي كقادة ومربين ومبلّغين ، فضلاً عن هدف الاِمام العظيم لمواجهة الحالة العنصرية التي أوجدتها السياسة الاَموية في التفريق بين العرب والموالي أو تفضيل العرب على غيرهم ، باعتبارهم ( مادة الاِسلام ) كما زعموا ، أو زعم بعضهم.

وهكذا فقد أوجد الاِمام السجادعليه‌السلام تشكيلاً أو وجوداً اجتماعياً مؤثراً ، كان يحترم الاِمام ويكنّ له كل ألوان التقدير والاِعتزاز والحبّ ، وخاصة حين تأتي تفاصيل تلك المعاملة الاَخوية من السموِّ والمثالية مابقي يُذكر على امتداد الدهور والاَزمان ..

التربية العالية والخلق الرفيع :

كانعليه‌السلام يُعامل عبيده كأخوة وأصدقاء وأبناء ، وكان يجالسهم ويؤاكلهم ويمازحهم ويزوّجهم ، ويزرع فيهم الثقة والاعتزاز بالنفس وبالدين.

ومن مصاديق ذلك قصته مع خادمه الذي استعجل بشواء جاء به إليه لضيوفه ، وسقوط سفود الشواء على رأس طفل له وقتله في الحال ، وحين رأى الاِمام تغيُّر حال الغلام واضطرابه عاجله بقوله : «لا عليك إنّك لم


تتعمّد قتله ، وأنت حرّ لوجه الله » وأخذ في جهاز ولده ودفنه(١) ، فإنّها قصة تعبّر عن تسامٍ رفيع ومناقبية عظيمة راحت حكاية للاجيال.

وقصته الاُخرى مع جارية له كانت تحمل له إبريقاً ، إذ سقط الابريق من يدها ليشجّ وجه الامام ويسيل دمه ، وحين اضطربت ، معتذرة إليه قائلة( والكاظمين الغيظ ) قال لها : « كظمتُ غيظي » فقالت :( والعافين عن الناس ) قال : « عفا الله عنك » فقالت :( والله يحب المحسنين ) قال « أنتِ حرّة لوجه الله »(٢) .

هذه القصة هي الاُخرى جاءت في سياق هذه التربية الرسالية الهادفة لذلك الغرض النبيل ، وهو تعليم الناس دين الله وأخلاق الاِسلام ، والتثقيف بثقافة القرآن.

أقول : إنّ هذه التربية السامية والخلق الرفيع كانا يسريان في نفوس عبيد الامام وإمائه ، بحيث صارعليه‌السلام يوماً إلى بستان له كان بعهدة أو تحت حراسة أحد غلمانه ، ذهب الامام إلى ذلك البستان يحمل معه طعاماً للحارس ، فأعطى الامام الطعام للغلام وتنحّى جانباً يراقب من بعيد ، كان للغلام كلب واقف قريباً منه والغلام يأكل والكلب ناظر إليه ، وحين شاهده راح يأكل لقمةً ويعطيه لقمة حتى انتهى من طعامه ، وحين فاجأه الامام أن الطعام كان له وليس لكلبه ، جاء جوابه : ( والله يا ابن رسول الله إني استحييت أن آكل أمامه وهو دالع لسانه ينظر إلى الطعام ولا أشاركه أو يشاركني ). هذا مع الكلب ، فكيف مع الناس!! وروايات وحكايا ومواقف كثيرة اُخرى من هذا القبيل

__________________

(١) بحار الاَنوار ٤٦ : باب ٥ ـ ٨١.

(٢) سيرة الائمة الاثني عشر / هاشم معروف الحسني : ١٥٥.


وكما كانعليه‌السلام يرتعد من خشية الله أثناء عبادته إذ كان يصفّر وجهه إذا توضّأ للصلاة ـ كما يذكر الرواة ـ وهو يقول : «أتدرون من سأُناجي بعد قليل وأمام من؟ وبين يدي من سأقف؟! »(١) .

وكما يُروى عن حريق شبّ يوماً في داره وحين قيل له : النار النار يا ابن رسول الله ، لم يكترث حتى أُطفئت فقيل له : ما الذي ألهاك عن النار؟ قال : «ألهتني النار الكبرى »(٢) .

أقول : كما كان الامام كذلك في تجسيده لخشية الله وذوبانه في حبّ ربِّ العباد ، كان تجسيده لحبّه لعبيده ورفقه بهم بعيداً عن التمظهر والافتعال والادّعاء أو الرياء ...

تذكر الروايات أنهعليه‌السلام تفقّد يوماً ضيعةً له ، فوجد أنّه أصابها فساد كبير بسبب إهمال غلامه لها وعدم اكتراثه لرعايتها ، فغضب لذلك وقرع المولى بسوط كان في يده وما أن استرجع حتى ندم على قرعه الغلام ، فاعتذر منه وأعطى السوط للغلام ليقتصّ منه ، فأبى الغلام ، بل راح يقبّل يد الامام ، فقال لهعليه‌السلام : «أما إذا أبيت ، فالضيعة صدقة عليك ، وأعطاها إياه ... »(٣) .

وضرب يوماً غلاماً تباطأ في عملٍ أرسله لاِنجازه ، فقال له الغلام تبعثني في حاجتك ثم تضربني! فبكى الامام وقال له في الحال «يا بني اذهب إلى قبر رسول الله فصلِّ ركعتين ثم قُل : اللهمّ اغفر لعلي

__________________

(١) سيرة الائمة الاثني عشر : ١٦٠.

(٢) مختصر تأريخ دمشق ١٧ : ٣٣٦ / ١٣٤. وسير أعلام النبلاء ٤ : ٣٩١ ـ ٣٩٢ / ١٥٧. ومناقب آل أبي طالب ٤ : ١٤٧ ـ ١٤٨.

(٣) البحار ٤٦ : باب ٥ ـ ٨٥.


بن الحسين خطيئته يوم الدين » ثمّ قال : «اذهب أنت حرٌّ لوجه الله .. »(١) .

ومثل ذلك الكثير الكثير ، ولم يكن الاِمام بهذه المواقف أو المناقبية الفريدة ، يريد تسجيل لوحات استهلاكية للتشدّق والرياء ، ولم يكن يرغب في تدوينها للتسويق السياسي والتجارة ، وإنّما كانت سجيّته هكذا ، بل كانت أخلاقه ملكة لم يستطع أكثر أعدائه خصومةً له ، تسجيلها عليه على أنها نوازع خاصة لاَهداف مبيّتة يرغب في تسويقها من أجل اكتساب السمعة أو الشهرة أو توسيع دائرة المعجبين والمحبين ، كما يفعل الكثيرون.

ولعلَّ ( صدقة السر ) المنسوبة لهعليه‌السلام تجسيدٌ مثاليٌ رائعٌ لهذه الملكة الخالدة والسجية العظيمة ، فكان يسمى ( صاحب الجراب ) ؛ إذ كان يقصد بجرابه فقراء المسلمين ليلاً ملثماً ، فيقرع أبوابهم باباً باباً ليضع ما يضعه أمامها في جوف الليل من طعام أو صرّة مال ، ولم يكن ليعرف المسلمون ( صاحب الجراب ) هذا حتى ماتعليه‌السلام حيث كشف بعض خواصه كلمته الخالدة : «إنّ صدقة السرّ ، أو صدقة الليل تطفىء غضب الرب » لتبقى شعاراً خالداً يندّد بالمرائين وتجار السياسة وعشّاق الوجاهة والرئاسة وشُرّاء الذمم والاَصوات ..

منقبة اُخرى ، بل مناقبية اُخرى ، تكشف هذه السجية في شخصيته ، خلاصتها أنهعليه‌السلام كان يحصي على عبيده أخطاءهم في شهر رمضان ، ويسجّل ذلك عليهم دون علمهم ، ودون أن يعاقبهم أو يُقرّعهم أو يحاسبهم حتى إذا جاء عيد الفطر جمعهم ، وأخذ يذكّرهم بأخطائهم وذنوبهم أثناء الشهر الكريم مع تحديد الوقت والخطأ الذي ارتكبه كلّ

__________________

(١) البحار ٤٦ : باب ٥ ـ ٥٩.


منهم ، وحين يتذكّر المخطيء منهم فعلته أو خطأه ويعترف بذنبه ، يعفو عنه ويطلب منه أن يدعو له بالمغفرة والعتق من النار كما عفا هو عنه أو عنهم ، ثمّ يعتقه أو يعتقهم أحراراً لوجه الله وهو يردّد وهم جميعاً يرددون معه وبصوت ودعاء ملائكي حزين : « ربّنا أمرتنا أن نعفو عمن ظلمنا وقد عفونا كما أمرت ، فاعفُ عنا ربنا وأمرتنا ألاّ نردّ سائلاً عن أبوابنا وقد أتيناك سُؤّالاً ومساكين ، وقد أنخنا بفنائك وببابك نطلب نائلك ومعروفك وعطائك ، فامنُن بذلك علينا ولا تخيّبنا ..

نسألك اللهمَّ بالمخزون من أسمائك وبما وارته الحجب من بهائك إلاّ رحمت هذه النفس الجزوعة وهذه الرّمّة الهلوعة التي لا تستطيع حرّ شمسك ، فكيف تستطيع حرّ نارك ، والتي لا تستطيع صوت رعدك ، فكيف تستطيع صوت غضبك ».

ثم يُقبلعليه‌السلام على عبيده فيقول لهم : «قد عفوتُ عنكم ، فهل عفوتم عنّي مما كان مني إليكم من سوء ملكي؟ فإنّي مليك سوءٍ ، لئيم ظالم ، مملوك لمليك كريم جواد عادل محسن متفضّل .. ».

فيقولون : قد عفونا عنك يا سيدنا وما أسأتَ فيقول لهم قولوا : «اللهمَّ أعفُ عن علي بن الحسين كما عفا عنا ، فاعتقه من النار كما أعتق رقابنا من الرقِّ ... ».

ثم يقول : «اللهمَّ تولّني في جيراني بإقامة سنّتك والاخذ بمحاسن أدبك في إرفاق ضعيفهم وسدّ خلّتهم ، وتعهد قادمهم ، وعيادة مريضهم ، وهداية مسترشدهم ، ومناصحة مستشيرهم ، وكتمان أسرارهم ، وستر عوراتهم ، ونصرة مظلومهم ، وحُسن مواساتهم بالماعون ، والعود عليهم بالجدّة والاَفضال وإعطائهم ما يجب لهم قبل السؤال .. ».


وهكذا ، مما لا عدّ له ولا حصر في إحصاء زوايا النفس الاِنسانية والتنقيب عن مكنوناتها النبيلة في حبّ الآخرين والرفق بهم والعطف عليهم و ( مواساتهم بالماعون ) ـ لاحظ الدقة ـ ونُصحهم والانتصار لمظلومهم وتعهّد قادمهم وما ذكره وردّده ومازالت تذكره وتردده الاَجيال جيلاً بعد جيل رغم تعاقب الدهور والعصور ..

وأكثر من ذلك ، أنهعليه‌السلام كان يعجبه أن يحضر طعامه اليتامى والاضرّاء والزمنى ( أي أصحاب العاهات المزمنة ) والمساكين الذين لا حيلة لهم ، وكان يناولهم الطعام بيده محبّاً مشفقاً متودداً ، أما من كان له عيال ، فكان يحمل له من طعامه إلى عياله ، وإذا أتاه سائل يسأله كان يجيب : «مرحباً بمن يحمل زادي إلى الآخرة »(١) ، مذكّراً بمقولة جدّته الزهراءعليها‌السلام ومجسّداً لمواقفها العظيمة مع من كان يطرق بابها من الفقراء ، فلا تردّهم ، رغم حاجتها وحاجة أطفالها ، بل كانت تقول : «كيف أردُّ الخير وقد طرق بابي ، أو نزل ببابي »(٢) .

سياسة الاِنفاق :

أما عن الانفاق فلم يكنعليه‌السلام يفكك بين الروح والمادة ، وبين الحقوق والواجبات ، وبين متطلبات الجسم وتحليقات الروح ، بل كان يجسّد المثال الاروع في الانفاق من خير ما يحب المرء ، وكان دائماً يردد كلام الله جلَّ وعلا :( لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون ) (٣) .

__________________

(١) المجالس السنية ٥ : ٤٢٢.

(٢) بحار الاَنوار ٤٣ : ٧٣.

(٣) سورة آل عمران : ٣ / ٩٢.


فكان يهدي أفخر ثيابه للمحتاجين والمعوزين(١) ، وكان يحمل جرابه ـ كما ذكرنا ـ ملثّماً في جوف الليل يوزّع المال والطعام على الفقراء والمساكين وذوي العسر والفاقة من يتامى وأرامل المسلمين. وكان يسمى ( صاحب الجراب )(٢) ـ كما مرّ ـ.

وجاء في رواية أحمد بن حنبل والصدوق عن الامام الباقرعليه‌السلام أنّه كان يعول مائة بيت في المدينة(٣) .

ويقول أبو نعيم في حلية الاولياء : ( كانت بيوتٌ في المدينة تعيش من صدقات علي بن الحسين ، وبعضها لا تدري من أين تعيش ، فلمّا مات علي بن الحسين فقدوا ما كان يأتيهم ، فعلموا بأنّه هو الذي كان يعيلهم. وقال بعضهم : ما فقدنا صدقة السرّ حتى فقدنا علي بن الحسين )(٤) .

وينقل أبو جعفر الصدوق ، في « علل الشرائع » ، عن سفيان بن عيينة ( رأى الزهري عليّاً بن الحسين في ليلة باردة مطيرة وعلى ظهره دقيق وحطب وهو يمشي فقال له : يا ابن رسول الله : ما هذا؟

قال : «أريدُ سفراً أعدُّ له زاداً أحمله إلى موضعٍ حريز » ، فقال الزهري : فهذا غلامي يحمله عنك ، فأبى ، فقال : أنا أحمله عنك. فقال : «لكني لا أرفع عن نفسي عما يُنجيني في سفري ويُحسن ورودي على ما سأرِد عليه ، سألتك بالله لمّا مضيت في حاجتك وتركتني! »(٥) !!

ويروي الزهري أيضاً : ( لما مات زين العابدين فغسّلوه وجدوا على

__________________

(١) المحاسن : ٣٩٦. والبحار ٤٦ : ٧٢.

(٢) مناقب آل أبي طالب / المازندراني ٤ : ١٥٣.

(٣) سيرة الائمة الاثني عشر / هاشم معروف الحسني : ١٥٨.

(٤) سيرة الائمة الاَثني عشر : ١٥٩.

(٥) مناقب آل أبي طالب ٤ : ١٥٤.


ظهره محل « أي علامة » فبلغني أنّه كان يستقي لضعفة جيرانه بالليل. وقيل : وجدوا على ظهره مثل ركب الابل ممّا كان يحمله على ظهره إلى منازل الفقراء )(١) .

وكان يفسّر إهداء ثيابه لفقراء المسلمين ، أن ذلك يُسرهم ويؤثّر في نفوسهم ، وحين يُسئل لمَ لا تبيعها وتتصدّق بثمنها؟ يجيب : «إنّي أكره أن أبيع ثوباً صلّيتُ فيه »(٢) .

وهذا يعني أنهعليه‌السلام كان يعتقد أن من سيرتدي ثوبه هذا سيكون مسروراً وحافظاً لودّ الاِمام المحسن ، « والناس عبيد الاِحسان » كما يقولون ، مجسداً رؤية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «تهادوا تحابوا » كما في الحديث الشريف ، فضلاً عن كونه عملاً تربوياً يتجاوز حدود المواساة الاَخلاقية والروحية التي تكتفي فقط بالكلمات والمشاعر ولغة العواطف ولا تتعداها بل أكثر من ذلك أنّهعليه‌السلام كان لا يكتفي بمساعدة الفقراء ، بل كان يُقبّل أيديهم قبل أن يناولهم الصدقة(٣) مذكراً مرة أُخرى بمقولته المشهورة : «مرحباً بمن يحمل زادي إلى الآخرة ».

وعن زهده في الحياة الدنيا وترفعه على حطامها ومتاعها وزخرفها ، تشير كل تفاصيل حياتهعليه‌السلام انّه كان أزهد أهل زمانه وأورعهم وأتقاهم ..

ينقل عبدالله بن المبارك أنّه شاهد الاِمام في موسم الحج وهو يسير بلا زاد ولا راحلة. قال : فقلت له : مع من قطعت البرّ؟! قال : «مع البار ». فقلت : يا ولدي وأين زادك وراحلتك؟! فأجاب : «زادي تقواي ،

__________________

(١) المصدر السابق : ١٥٤.

(٢) البحار ٤٦ : باب ٥ ـ ٧٧.

(٣) المصدر السابق.


وراحلتي رجلاي ، وقصدي مولاي ».

وينقل رواة سيرته أنّه قضى معظم أيام حياته صائماً ، وقد سُئلت جاريته عن عبادته ، فأجابت : ( ما قدمتُ له طعاماً في نهار قط ، وقد أحبّ الصوم وحثّ عليه ، وكان يقول : «إنّ الله تعالى وكّل ملائكة بالصائمين .. »(١) .

وهذا يعني أنّهعليه‌السلام لم يحاول ترسيخ القيم والمبادىء عبر الاَدعية والمواعظ وتصدير الشعارات كما يفعل محترفو السياسة وتجّارها ، وإنّما كان يقرن القول بالفعل ، والشعار بالسلوك ، وكان في إنفاقه هذا يؤكد زهده بالمال وعدم اكتراثه به ، وأنه إنّما كان ينفقه باعتباره مال الله وهو مستخلف عليه ليس إلاّ ، وإنّه بتأكيده على تفقّد الاَرامل واليتامى والفقراء إنّما أراد أن يفضح أولئك الذين يتشدّقون بشعارات الاِسلام ويتلفّعون بأحاديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهم أبعد الناس عن تطبيقها أو تجسيدها على أرض الواقع ، فضلاً عمّا كان يضمره في الاستخفاف بعلماء السوء وفقهاء السلاطين الذي وصفهم القول المأثور : «إنّهم يُزهّدون الناس في الدنيا ولا يزهدون ، ويرغّبونهم في الآخرة ولا يرغبون ، يُقرّبون الاَغنياء ويُبعّدون الفقراء »(٢) .

وباختصار شديد ، أنّهعليه‌السلام بإنفاقه وزهده كان مثال القائد العظيم الذي لا يرفع شعارات الحفاة والجياع للتجارة والاستهلاك والتسويق السياسي ، وإنّما كان يقرن ذلك بالترجمة والسلوك ، وهذا جزء من رسالته التي ادّخره

__________________

(١) حياة الاِمام زين العابدين / باقر شريف القرشي : ٢٠٣.

(٢) العقد الفريد ٢ : ٢٢٧ ، طبعة دار الكتاب ـ بيروت ١٤٠٣ هـ. والقول منسوب للسيد المسيحعليه‌السلام .


الله تعالى لها لكشف الادعياء والمزيفين والمبرقعين بالقدسية ، وخاصة حمَلة الشعارات وقرّاء القرآن المحترفين ، وتجار الدين الذين يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً ، والذين باع الكثيرون منهم دينهم بدنياهم ، بل باع بعضهم دينهم بدنيا غيرهم ، وكانوا مثلاً سيئاً لاُولئك المتزلَّفين النفعيين الانتهازيين الذين قيل فيهم : ( إنّهم حاربوا قلوبهم من أجل بطونهم ، وحاربوا ربّهم من أجل واليهم ).


الفصل الخامس

رسالة الحقوق

الاِعلان الاَول لحقوق الاِنسان في العالم

رسالة الحقوق محاكمة المفاهيم بالمصاديق

لا نظن أننا منحازين حين نقول إن تجربة الاِسلام الاُولى ، أي تجربة الصدر الاَول للاِسلام في زمن النبي وعهد الاِمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، كانت التجربة الاَروع في تاريخ البشرية من حيث سيادة العدالة الاجتماعية وتكريس حقّ الاِنسان في الحياة الحرة الكريمة ، ونقل المجتمع البشري من ظلمات الجهل والجاهلية إلى نور الحق والعدل ...

ورغم أن هذه التجربة لم يُكتب لها الاستمرار طويلاً بحكم طبيعة البشر في تغليب مصالحهم على مبادئهم ، وبحكم الاِنحراف عن خط الرسالة الاَصيل ، إلاّ أنّها كانت ولا زالت وستظلّ التجربة الاَمثل لمن يحاكم المفاهيم في ظلّ المصاديق ، ويحاكم النظرية على أساس التطبيق ...

وحين يُقال إنّ إصلاح أية نظرية أو فكرة لا يمكن إقراره عبر اليافطات والشعارات التي ترفعها ، وإنّما بإمكانية تطبيقها على أرض الواقع ، يمكن القول أيضاً إن تجربة الاِسلام الاُولى تلك ، كانت بحق تجربة المصاديق


الاُولى التي لم يستطع أي مؤرخ التنكّر لها مهما جنح أو تحامل أو تحيّز.

ومن أجمل مصاديق هذه التجربة ، بل أصدق رجالها الذين زاوجوا بجدارة بين المفهوم والمصداق ، والقول والفعل ، هو الاِمام زين العابدينعليه‌السلام الذي جاء امتداداً حقيقياً لمدرسة النبي المصطفى محمد بن عبداللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومدرسة جدّه علي بن أبي طالبعليه‌السلام صوت العدالة الانسانية وبقي نموذجاً شاهداً ، وبقيّة صالحة من أبيه الحسين بن عليعليهما‌السلام ، الذي قدّم لرسالته ودينه مالم يقدمه إنسان على وجه الاَرض في عمق إيمانه وصدق تضحيته وإخلاص نيّته ونبل سلوكه وإبائه وشهامته ورساليته ..

وحين نقول المصاديق ، أو تجربة المصاديق ، فاننا نعني أنّ مصداقها الاَول والاَكثر تجلياً وسطوعاً ، وعلى المستويين النظري والتطبيقي ، هو شخصية واضع هذه التجربة أو رائدها وزعيمها ، وهو موضوع بحثنا الاِمام زين العابدينعليه‌السلام .

ولمّا كنا استعرضنا بعض تفاصيل حياة هذا الرجل العظيم في بعض مصاديقها العملية ، واكتشفنا ظهراً محدودباً يتفقد الاَرامل واليتامى في جوف الليل ، يحمل المؤن والمساعدات لمن لا معيل لهم ولا كفيل ، وهو أفقه أهل زمانه وأكثرهم علماً وورعاً ومعروفية ، ثم رأينا على محياه دموعاً ساخنة تجري بغزارة لتأكيد الانفعال الصادق الطاهر مع المضطهدين والمعذّبين ، مشفوعة بيقينٍ ثابت برجاء ثواب الله ، واعتقاد راسخ بآخرة باقية أفضل من أولى فانية ، وإن غيبتها السياسة ومترفوها وتجارها.

من هنا لم يبق إلاّ أن نقول وبلا تردّد ، أن هذا المصداق أنشأ وأسس


وأصّل مدرسة نموذجية فريدة تهتم بالفعل قبل القول ، وبالتجسيد قبل التنظير ، وبالانفعال الصادق قبل التفاعل والتفعيل والشعارات الكاذبة.

ومع ذلك يمكن القول أن أعظم ما وصلت إليه البشرية اليوم هو ترسيخ مبادىء حقوق الاِنسان ، ونشر ثقافة الحقوق ، وأدب الحقوق ، وإن بقيت الفاصلة شاسعة بين الواقع والادّعاء ، إلاّ أن الجهد البشري استطاع مشكوراً طبعاً أن يعمّم هذه الثقافة ويدعو إلى تطبيقها على الاَمم والشعوب ، ويؤسس لذلك وعبر عشرات الاعلانات العالمية لحقوق الاِنسان وعشرات المؤتمرات التي تدعو الاِنسان وتناشده احترام أخيه الاِنسان والاعتراف بحقه في الحياة الحرة الكريمة ...

ولمّا مررنا مروراً سريعاً على ما سمّاه البعض ( زبور آل محمد ) أي الصحيفة السجادية للاِمام السجادعليه‌السلام ، وقرأنا عمق العلاقة التي حاول رسمها أو شدّها هذا الاِمام العظيم بين الاِنسان وربه ، فاننا نمرّ الآن مروراً سريعاً أيضاً على البعد الآخر الذي حاول الاِمام ترسيخه عبر نظرية حقوقية متكاملة ، أو رسالة حقوقية يمكن اعتبارها بحقّ ديباجة لكلِّ وثائق وإعلانات حقوق الاِنسان في العالم ، وإن كانت جاءت قبل هذه الوثائق العالمية بأكثر من ألف عام ...

أي إنهعليه‌السلام كان موفّقاً هنا أيضاً ، حين لم يكتفِ برسم معالم العلاقة وحدودها بين الاِنسان وربه ، وإنّما راح يُنظّر للعلاقة المهمة الاُخرى بين الاِنسان وأخيه الاِنسان ، ويضع مواد قانونية يمكن اعتبارها بحق أيضاً أجمل وأعظم وأمتن ما كُتب حول الحقوق ورسالات الحقوق وثقافة الحقوق.


تأسيساً على ذلك ، يمكننا القول إن رسالة الحقوق التي كتبها لنا الاِمام زين العابدين هي أول إعلان إسلامي بل عالمي لحقوق الاِنسان ، كما ثُبّت قبل ألف وأربعمائة سنة ، وقبل أن يعرف العالم إعلانات واتفاقيات ومبادىء الحقوق بهذه النظرة الشمولية الرائدة ...

مع رسالة الحقوق :

فلنمرّ مروراً سريعاً ، إذن ، على رسالة الحقوق للاِمام زين العابدينعليه‌السلام بديباجتها النظرية البليغة التي لم تفصل بين السماء والاَرض كما تفعل إعلانات حقوق الاِنسان العالمية اليوم ، بل راحت تؤكد على تغيير المحتوى الداخلي للاِنسان الذي به ومنه تنطلق إرادات التغيير نحو عالم أفضل وأكمل.

يقول الاِمام زين العابدينعليه‌السلام في ديباجته لرسالة الحقوق هذه «إعلم ، رحمك الله ، أنّ لله عزَّ وجلَّ عليك حقوقاً محيطة بك في كلِّ حركة تحركتها أو سكنة سكنتها أو منزلة نزلتها وأكبر حقوق الله عليك ما أوجبه لنفسه تبارك وتعالى ، وما أوجبه عليك لنفسك من قرنك إلى قدمك على اختلاف جوارحك ، ثمّ حقوق أئمتك وحقوق رعيتك وحقوق رحمك ، فأوجب عليك حق أمّك وحقّ أبيك ، ثمّ حقّ ولدك وحقّ أخيك ، ثمّ الاَقرب فالاَقرب ... ».

بعدها راح الاِمام يُعدّد هذه الحقوق حقاً حقاً ، ليفصّلها بعدئذٍ بدقّة وموضوعية وعمق ، وكان مما قالهعليه‌السلام في إحصاء هذه الحقوق : «ومنها حقّ غريمك الذي تطالبه ، وحقّ غريمك الذي يُطالبك ، ثمّ حقّ خليطك ،


ثمّ حقّ خصمك المدّعي عليك ، ثمّ حقّ خصمك الذي تدّعي عليه ، ثمّ حقّ مستشيرك وحقّ المشير عليك ، ثمّ حقّ مستنصحك وحقّ الناصح لك ، ثمّ حقّ من هو أكبر منك ، وحقّ من هو أصغر منك ، ثم حقّ سائلك وحقّ من سألته ، ثمّ حقّ أهل ملّتك عامّة ، ثمّ حقّ أهل الذمّة ، ثمّ الحقوق الجارية بقدر علل الاَحوال وتصرّف الاَسباب ». ثمّ يفصلها واحداً بعد الآخر بشكل محكم ودقيق ..

وهكذا ومن أول كلمة ، أو التفاتة ، وبلا مزايدات إعلامية ، نلاحظ أن الاِمام السجادعليه‌السلام أكّد على حق الله الذي هو ما أوجبه الخالق على الناس من قيم عظيمة ومُثل نبيلة ، لم يحاولعليه‌السلام الدخول في تفاصيلها وفرض وصايته على تحديدها ، كما يفعل بعض من يدّعون الوصاية على الناس والحديث نيابة عن المطلق ، ولسبب بسيط ومعلوم طبعاً أنّ حقّ الله على العباد جاء واضحاً صريحاً بسيطاً في كتب الله وسيرة أنبيائه ورسله وتعاليمهم التي دعت إلى التحلّي بالاخلاق الفاضلة والقيم الرفيعة التي جُبلت عليها الفطرة البشرية السليمة ، وبلا مماهاة أو مماحكات أو التواءات ، كالصدق والاَمانة والحياء والوفاء والانتصار للمظلوم ومخاصمة الظالم ومساعدة المحتاج ، وإغاثة الملهوف ، والمعاملة الطيبة وصدق الحديث وبرّ الوالدين والرفق بالضعيف والجار وما إلى ذلك.

وكما هو حقّ اللهّ المدوّن في كتابه وسُنّة أنبيائه ، جاء حقّ النفس على صاحبها ، ثمّ حقوق الآخرين فرداً فرداً ، ليكون الاِمامعليه‌السلام أفضل تجسيد لها ، والاِنصهار بها ، وبلا مدّعيات أو شعارات ـ كما قلنا ـ قد تُفرِّغ المفاهيم من روعتها ، وتُسفِّه المصاديق العظيمة وتستخفّ بها.

لنمر مروراً سريعاً أيضاً على مقتطفات من بعض هذه الحقوق كما


وردت على لسان الاِمام زين العابدينعليه‌السلام ، تاركين تفاصيلها لمن يريد أو يرغب التفصيل في رسالة الحقوق المعروفة للاِمام.

حقوق الرعية والراعي :

يبدأ الاِمامعليه‌السلام بتأكيد الحق الاَكبر والاَول الذي يؤسس لبقية الحقوق ويؤدي لها ، وهو حق الرعية على الراعي ، أي حق الاُمّة على القائد ، أو حق المحكوم على الحاكم ، وهذا الحق طبعاً هو موضوع ابتلاء الاُمم والشعوب على امتداد العصور والاَزمان ، فيقولعليه‌السلام مخاطباً الحاكم «فإنّما حقوق رعيتك بالسلطان : فأن تعلم ، أنك إنّما استرعيتهم بفضل قوتك عليهم ، وإنّ الله إنّما أحلّهم محلّ الرعية لك ضعفهم وذلّهم ، فما أولى من كفاكه ضعفه وذلّه حتى صيّره لك رعية ، وصيّر حكمك عليه نافذاً ، لايمتنع منك بعزّة ولا قوة ، ولا ينتصر في تعاظمه منك إلاّ بالله ، بالرحمة والحياطة والاَناة ، وما أولاك إذا ما عرفت ما أعطاك الله من فضل هذه العزّة والقوّة التي قهرت بها أن تكون لله شاكراً ، ومن شكر الله أعطاه فيما أنعم عليه ... ».

ثم يفصّل هذه الحقوق وكأنه امتداد أصيل لجده الاِمام علي بن أبي طالبعليه‌السلام الذي ترك عهده لمالك الاَشتر وثيقة خالدة اعترف ويعترف بها كل القادة والزعماء التأريخيين ومازالوا ، وكيف أنها صارت منهجاً علمياً رصيناً في سياسة الحاكم لرعيته ورفقه بها وتعامله معها.

وبعد أن يحدد الاِمام زين العابدينعليه‌السلام حقوق المحكوم على الحاكم ، يتوقف عند حقوق الحاكم على المحكوم ، فيعطي كل ذي حق حقه ، بلا


مواربة أو تحيّز أو مساومة ، فيقول مخاطباً المحكوم هذه المرّة : «فأما حق سائسك بالسلطان ، فأن تعلم أنك جُعلت له فتنة وأنه مبتلى بك ، بما جعل عليك من السلطان ، وأن تُخلص له في النصيحة ، وأن لا تُماحكه ، وقد بسطت يده عليك ، فتكون سبب هلاك نفسك وهلاكه ، وتذلّل وتلّطف لاِعطائه من الرضا ما يكفّه عنك ولا يضرّ بدينك ، وتستعين عليه في ذلك بالله ، ولا تعازّه ولا تعانده ، فإنّك إن فعلت ذلك عققته وعققت نفسك ، فعرضتها لمكروهه ، وعرّضته للهلكة فيك وكُنتَ خليقاً أن تكون معيناً له على نفسك وشريكاً له في ما أتى إليك ».

بهذه الموازنة الدقيقة يضع الاِمام زين العابدينعليه‌السلام معايير الحقوق بين الراعي والرعية ، فلا يُسرف الراعي في استخدام رعيته التي بايعته وعاضدته وساندته ، فيذلها ويمتهنها ، ويحوّلها إلى قطيع وخول تكبّراً واستهتاراً ، وفي نفس الوقت لا تُسرف الرعيّة في الدلال والتغنّج على الوالي فتعانده وتتعزّز عليه وتماحكه وتجادله فتُهلكه وتهلك معه ، وإنّما أن يعرف كلّ ذي حق حقّه ، ويعرف كلّ حدوده وواجباته ومسؤولياته لتجاوز المحن وعبور المطبّات واحتواء الفتن ..

ولعلك تلاحظ الدقة والبلاغة والايجاز في تعبيرهعليه‌السلام حين يقول «وتلطّف لاِعطائه ـ للسلطان ـ من الرضا ما يكفّه عنك ( ولكن ) لا يضرّ بدينك .. »!

حقوق الرحم :

وبهذه المتانة والدقة والاِيجاز ، ينتقل الاِمام السجادعليه‌السلام ليُسجّل حقوق


الآخرين ، الواحد تلو الآخر ويضع كل نقطة على حرفها ، محركاً كوامن النفوس مستنهضاً الفطرة السليمة بلا مساومة أو مداورة أو مماهاة فيقول في حق الرحم مثلاً :

حق الاُم :

«وأما حق الرحم فحق أمك أن تعلم أنّها حملتك حيث لا يحمل أحدٌ أحداً ، وأطعمتك من ثمرة قلبها مالا يطعم أحد أحداً ، وأنّها وقَتْكَ بسمعها وبصرها وبيدها ورجلها وشعرها وبشرها وجميع جوارحها ، مستبشرةً فرحة لما فيه مكروهها وألمها وثقلها وغمّها حتى دفعتك عنها يد القدرة ، وأخرجتك إلى الاَرض ، فرَضِيتْ أن تشبع وهي تجوع ، وتكسوك وتعرى ، وترويك وتضمى ، وتُظلك وتضحى .. ».

إلى أن يقولعليه‌السلام : «وتنعّمك ببؤسها ، وتلذّذك بالنوم بأرقها كان بطنها لك وعاء ، وحجرها لك حواء ، وثديها لك سقاء ، ونفسها لك وقاء ، تباشر حرّ الدنيا وبردها لك ودونك ، فتشكرها على قدر ذلك ، ولا تقدر عليه إلاّ بعون الله وتوفيقه .. ».

حق الاَب :

« ... وأما حق أبيك فأن تعلم أنّه أصلك ، وأنت فرعه ، وأنّك لولاه لم تكن ، فمهما رأيت في نفسك مما يعجبك ، فاعلم أن أباك أصل النعمة عليك فيه ، واحمد الله واشكره على قدر ذلك ... ».


حق الولد :

«وأما حق ولدك ، فأن تعلم أنّه منك ، ومضافٌ إليك في عاجل الدنيا بخيره وشرّه ، وأنك مسؤول عما ولّيته من حسن الاَدب والدلالة على ربّه ، والمعونة له على طاعته فيك وفي نفسك ، فمثابٌ على ذلك ومعاقب ، فاعمل في أمره عمل المتزين بحسن أثره عليه في عاجل الدنيا ، المعذّر إلى ربِّه فيما بينك وبينه بحسن القيام عليه والاَخذ له منه ».

حق الاَخ :

« ... وأما حق أخيك ، فأن تعلم أنّه يدك التي تبسطها ، وظهرك الذي تلتجىء إليه ، وعزّك الذي تعتمد عليه ، وقوّتك التي تصول بها ، فلا تتخذه سلاحاً على معصية الله ، ولا عدّة للظلم لخلق الله ، ولا تدع نصرته على نفسه ، ومعونته على عدوه ، والحؤول بينه وبين شياطينه وتأدية النصيحة إليه والاِقبال عليه في الله ، فإن انقاد لربّه وأحسن الاِجابة ، وإلاّ فليكن الله آثر عندك وأكرم عليك منه ».

بهذه الدقة والايجاز يستمر الاِمام السجادعليه‌السلام يسجّل حقوق الرحم ، وكأنّه يغوص في أعماق النفس الاِنسانية ، ليستلّ منها أسمى ما فيها من النوازع والعواطف النبيلة ، ويجتثّ منها أخبث ما فيها من أحابيل الشرّ ودوافع الشيطان ..

فتراه في العبارة الاَخيرة ، مثلاً ، يفكك بين حقين يتنازعان الاِنسان في أغلب الاَحيان ، ويدفعانه لاتخاذ أحدهما قبل الآخر ، وهما حق الاَخ وحق الله ، فإذا كان ثمة خياران لا ثالث لهما : إمّا أخوك الذي هو «يدك


الذي تبسطها ، وظهرك الذي تلتجىء إليه ، وعزك الذي تعتمد عليه ، وقوتك التي تصول بها » وإمّا ربك ودينك ومبادئك ، فهنا يكون الحق المرّ أو الخيار المرّ هذا الاَخ أم ذاك الربّ؟!!

أي هل يتخذ من أخيه سلاحاً وقوة لمعصية الله ، أم يتخذ من الله معيناً فيزهد في حق أخيه وهذا هو الخانق الذي يجد الاِنسان نفسه محشوراً فيه في أغلب الاَحيان وخاصة إذا كان في موقع السلطة ، عشيرته التي ينتمي إليها ، أم مبادؤه التي رفعها شعاراً وهوية وانتساباً ونال بها تلك السلطة؟! قرابته التي يعيش في عزّها ومنعتها ، أم قيمه التي تدعوه للمواجهة أحياناً وربما التضحية بهذا الاَخ أو تلك العشيرة أو ذلك الانتساب؟!!

وبكلمة اُخرى ، أين يجب أن يقف الاِنسان لحظة الصدام بين المبادئ والمصالح؟ وأيُّهما أجدر بالاتّباع؟ حدود الدين مع مافيها من تضحية بالعاجل على حساب الآجل ، أم قيم العشيرة والحزب والقومية مع مافيها من مصالح ومنافع عاجلة ولكن على حساب الآخرة ونعيمها؟!

هذا هو المفترق الذي يحار فيه أغلب الرجال مهما أوتوا من قوة وعزيمة ، وهذا هو الخيار الذي يدعو الاِمام لاتخاذه بلا تردّد ، وقد اتخذهعليه‌السلام قولاً وفعلاً في العشرات من المواقف وحيث أعطى لله كل مالديه ، وأصرّ أن يعيش محاصراً مطارداً ملاحقاً مقصياً عن موقعه مهضوماً حقه ، لا معين له إلاّ الله ، ولا عشيرة إلاّ حدود الله وقيمه وتعاليمه(١) .

__________________

(١) راجع قولتهعليه‌السلام المارة الذكر في كتاب ( الإمام السجاد / حسين باقر : ٦٣ ) والتي جاء فيها


ومع هذا وذاك ، لم يفُت الاِمامعليه‌السلام أن يؤكد معونتك لاَخيك ونصرته بقولهعليه‌السلام : « ولا تدع نصرته على نفسه » أي حاول الحيلولة بينه وبين شيطانه أو شياطينه ـ على حد قولهعليه‌السلام ـ بأداء النصح ، والتماس العذر سعياً حثيثاً لاستيعابه ، وتشبثاً كريماً للرفق به والعطف عليه ، من أجل احتوائه وعدم التفريط به حتى يتأسى منه ، وإلاّ «فليكن الله آثر عندك ، وأكرم عليك منه »!!!

حق الغريم :

وينتقل الاِمام إلى حقّ آخر لا يقلّ إحراجاً عن سابقاته في لحظة الخيارات الصعبة ، وبين أن يقسو أو يُقسى عليه ، فيقول في حق الغريم مثلاً : « ... وأما حق الغريم المطالب لك ، فإن كنتَ موسراً أوفيته ، وكفيته وأغنيته ولا تردّه وتمطله ، فإن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ( مطل الغني ظلم ) ، وإن كنت معسراً أرضيته بحسن القول ، وطلبت إليه طلباً جميلاً ورددته عن نفسك ردّاً لطيفاً ، ولا تجمع عليه ذهاب ماله وسوء معاملته ، فإن ذلك لؤم .. ».

وهكذا يقترب الاِمامعليه‌السلام لتفعيل هذا الحق بمجسٍّ حساس جداً لآلة الفكر البشري ، وكأنّه يحرك كوامن الفطرة البشرية السليمة ، يستنطق الذات في طريقة تعاملها مع الآخر طالباً كان أو مطلوباً ...

حق الخصم :

أما التعامل مع الخصم ، فيأتي الاِمام السجادعليه‌السلام هنا أكثر دقّة وحساسية ،

__________________

ما نصّه : « لم يبق في مدينة الرسول ومكّة أكثر من عشرين رجلاً يحبوننا أهل البيت ».


لما لهذا البُعد من آثار اجتماعية مهمة يجب الالتفات إليها والنظر أو التحديق فيها من زوايا متعدّدة فيقولعليه‌السلام : « وأما حق المدّعي عليك ، فإن كان ما يدّعي عليك حقاً لم تنفسخ في صحبته ، ولم تعمل في إبطال دعوته ، وكنت خصم نفسك له والحاكم عليها ، والشاهد له بحقه ، دون شهادة الشهود ، فإنّ ذلك حق الله عليك ، وإن كان ما يدّعيه باطلاً ، رفقت به وردعته وناشدته بدينه ، وكسرت حدّته عنك بذكر الله ، لاَنّ لفظة السوء تبعث الشرّ ، ولفظة الخير مقمعة للشر ..

وأما حق المدّعى عليه ، فان كان ما تدّعيه حقّاً أجملت في مقاولته ، فان للدعوى غلظة في سمع المدّعى عليه ، وقصدت قصد حجتك بالرفق ، وأمهل المهلة ، وأبين البيان ، وألطف اللطف ، ولا تتشاغل عن حجتك بمنازعته بالقيل والقال ، فتذهب عنك حجتك ، ولا يكون لك في ذلك دَرَك ».

حقوق اُخرى :

ويستمر الاِمامعليه‌السلام في تفصيل رسالة الحقوق هذه ، فيشير إلى حق المشير وحق المستشير ، وحق الناصح والمستنصح ، وحق الصغير على الكبير ، وحق الكبير على الصغير ، وحق السائل وحق المسؤول ، وحق من سرّك ، وحق من ساءك القضاء على يديه ، وهكذا حتى يحس القارئ لهذه الرسالة القانونية ، أنّه غارق في مدوّنات دستورية بالغة التركيز والدقة ، فلاجملة مضافة ولا حرف زائد ، ولا سجع ممل ، ولا إنشاء غائم ، مستلاًّ


كل ذلك من القرآن الكريم والحديث الشريف والسُنّة النبوية المطهّرة ...

ولم يفُت الاِمامعليه‌السلام في خاتمة رسالته ، أن يحدّد حقوق أهل الذمّة مذكّراً بحديث جدّه أمير المؤمنينعليه‌السلام : «الناس صنفان : إمّا أخ لك في الدين ، أو نظير لكَ في الخلق ... »(١) ، فيقولعليه‌السلام : «وأما حق أهل الذمّة فالحكم فيهم أن تقبل منهم ما قبل الله ، وتفي بما جعل الله لهم في ذمته وعهده ، وتكِلهم إليه في ما طلبوا من أنفسهم ، وتحكم فيهم بما حكم الله به على نفسك في ما جرى بينك وبينهم من معاملة ... ».

إلى أن يقول : «وأن تقبل منهم ما قبل الله عزَّ وجلَّ منهم ، ولا تظلمهم ما وفّوا لله عزَّ وجلَّ بعهده ».

وهذا يعني أنّ المقياس الاَول والاَخير في تحديد الحق بينك وبين الآخرين هو حدود الله ، فلا مجال للاَهواء والمصالح والمتغيّرات ، ولا أغطية ومجاملات وعلاقات على حساب اللياقات ـ كما يقولون ـ ولا ( حق فيتو ) يتوارى خلفه أصحاب المصالح والاَهواء ، ولا عبارات مطّاطة وتوظيف نصوص تكيل الاَمور بمكيالين وتزنها بميزانين ..

كلمة اُخرى في رسالة الاِمامعليه‌السلام :

مسألة اُخرى مهمة في رسالة الحقوق هذه ، أنّها توجهت إلى النفس الاِنسانية مباشرة وراحت تعالج أدقّ التفاصيل التي تعتمل في سريرة الفرد ودخيلته ، أي ليس كما جاء في الاِعلانات العالمية المعاصرة لحقوق

__________________

(١) نهج البلاغة ٣ : ٨٣ ـ ١٠٢.


الاِنسان ، حيث تدور المواد القانونية في دائرة الاُمّة والمجتمع دون الاِلتفات إلى دور الفرد في صناعة هذه المقدمة الضرورية لوضع المواد القانونية موضع التنفيذ ...

وهذا يعني أن مواد الاِعلان العالمي لحقوق الاِنسان التي دُوّنت في وثيقته الصادرة في ١٠ كانون أول ١٩٤٨ م ، والتي اعتُبرت أفضل وثيقة عالمية تصدر في هذا السياق بحق ، جاءت لتؤكد على أن ( الناس متساوون في الكرامة والحقوق ، وأنّهم وهبوا عقلاً وضميراً ، وعليهم أن يُعاملوا بعضهم بروح المودّة والمساواة والاِخاء )(١) .

كما أكدت المادة الثانية على مساواة الناس في الحريات ( دون أي تمييز في الجنس أو اللون أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو المولد أو الاَصل الوطني أو الاجتماعي )(٢) .

ونصّت المواد الثالثة والرابعة والخامسة على حق الفرد في الحياة الحرة والاَمن الشخصي ، وعدم جواز الرق والتجارة فيه ، ورفض التعذيب وأيّة معاملة قاسية أو وحشية تحطّ من كرامة الاِنسان وهكذا في جميع مواد الاِعلان العالمي التي شملت حق التجنّس وحق الهجرة وحق اللجوء وحق الضمان الاجتماعي وحق التعلّم وحق الضمير ..

إنّ هذه الحقوق التي أقرّتها الاُسرة الدولية ، ووقّعتها كل حكومات العالم آنذاك ، لم توضع موضع التنفيذ ، إن لم نقل تمّ تجاوزها في عموم دول العالم وإنّها بقيت حبراً على ورق ، لاَنّها لم تشدّ الاِنسان إلى خالقه

__________________

(١) الاِعلان العالمي لحقوق الاِنسان ـ الصادر في ١٠ كانون أول ١٩٤٨ م ـ المادة الاُولى.

(٢) المصدر السابق ، المادة الثانية.


أولاً ، ولاَنّها جاءت من فوق الاِنسان وليس من داخله ، ولاَنّها اهتمت بالطرح المفاهيمي دون التأكيد على المصاديق ، وأكدت على الحكومات والشعوب دون النظر إلى الفرد والنفس البشرية ، أي عكس ماقاله أو فعله الاِمام زين العابدينعليه‌السلام صاحب رسالة الحقوق هذه ، الذي اهتم بسريرة الاِنسان ودخيلته ، وعلاقته مع ربّه ، وصولاً إلى عملية التغيير الكبرى في إطار الاُمّة والمجتمع ...

فهوعليه‌السلام حين يقول مثلاً : «إنّ أفضل الجهاد عفّة البطن والفرج » فإنّما يدعو إلى ترسيخ أعظم القيم في النفوس ، أي إلى تهذيب هاتين الشهوتين اللتين بسببهما تُعلن الحروب وتنشب المعارك وتُرفع رايات الاقتتال على مستوى الاَفراد والشعوب ...

وهو حين يؤكد على حقوق أهل الذمة وأن ( يُقبَل منهم ما قبله الله عزَّ وجلّ ) ويمارس ذلك واقعاً وسلوكاً ، فانما يدعو إلى احترام الاِنسان مهما كانت ديانته ومعتقداته وبعيداً عن الشعارات التي يرفعها الحكام وأدعياء حقوق الاِنسان للاستهلاك والتسويق السياسي بكل صوره وألوانه المحلي والعالمي ، القطري والاِقليمي ، القومي والوطني.

ومن جانب آخر ، فإنّهعليه‌السلام حين يجسّد الحلم والتواضع والعفو وحب العلم والعلماء بمصاديق عملية واضحة ، مقروءة ومرئية ومسموعة ، فإنّما يقصد من وراء ذلك ، وضع اللوائح القانونية والمواعظ والشعارات والتوجيهات موضع التنفيذ ، وإلاّ فلا قيمة لتسويد عشرات الصفحات ، أو كتابة مئات الاِعلانات ما دامت باقية حبيسة المدوّنات وأسيرة الاَراشيف المغبرة التي لا وجود لها على أرض الواقع


فهو حين يرحّب بالشباب الواعي مثلاً مخاطباً إياهم : «مرحباً بودائع العلم يوشك إذ أنتم صغار قوم أن تكونوا كبار آخرين »(١) ، فإنّما يريد التأكيد على دور الشباب في صناعة المستقبل ودور العلم في تطور الشعوب ..

وهكذا في قوله : «كلكم سيصير حديثاً ، فمن استطاع أن يكون حديثاً حسناً فليفعل »(٢) .

أما عن حلمه وصفحه عن خصومه وتجسيده لمقولة جدّهعليه‌السلام «أفضل العفو ، العفو عند المقدرة » فإنّ قصة صفحه عن غريمه مروان بن الحكم وكيفية لجوئه عنده مع حريمه ونسائه مستنجداً ، لائذاً ، دخيلاً ، هارباً من غضب أهل المدينة الذين طردوا عامل يزيد عليها في ثورتهم المعروفة ومطاردتهم لبني أُميّة ، جاءت هي الاُخرى لتؤكد أن هذا الرجل يعيش في قلوب الناس وليس على جماجمهم وأشلائهم ، كما يعيش الجبابرة والسلاطين وحكام الجور.

وهكذا جاءت قصته مع ذاك الذي حاول استفزازه بكلمات جارحة بذيئة ، وتجاهل الاِمام له ، وردّ ذلك الوغد البذىء : ( إياك أعني ) وردّ الاِمام عليه : «وعنك أعرض »(٣) مع قدرته على تأديبه لو شاء ..

وكذلك قصته مع الآخر الذي افترى عليه وبالغ في سبّه ، وردّهعليه‌السلام «إن كنّا كما قلت غفر الله لنا ، أو ( نستغفر الله ) ، وإن لم نكن كذلك غفر الله

__________________

(١) تاريخ اليعقوبي ٣ : ٣٧.

(٢) تاريخ اليعقوبي ٣ : ٣٧.

(٣) البداية والنهاية ٩ : ١٠٥.


لك »(١) !!

كل هذه الاُمور والمواقف واللفتات العملية الدقيقة وعشرات مثلها ، هي التي خلّدت الاِمام زين العابدين وجعلته في مصافّ أعظم الاَئمة والمصلحين وزعماء التاريخ ، وإنّها هي التي هيأت له من أسباب الخلود مالم تهيئه لمناوئيه ومعاصريه من الحكام الاَمويين الذين تحكّموا بالرقاب دون المشاعر ، وركّزوا على الشعار دون الواقع ، فصاروا عاراً على التاريخ ولعنة للاَجيال ...

نعم ، جاءت مواقف الاِمام حاكمة على نظرياته وليس العكس ، وجاءت مصاديقه ترافع مفاهيمه وليس العكس ، وهكذا جاءت دموعه الحرّى ناطقة عن إيمانه وصبره وفجيعته ، كما جاء حزنه الصامت مفصحاً عن ثورته ورفضه وتمرده.

لقد جسّدعليه‌السلام بحق نظرية أبيه في طلب الاِصلاح في أُمّة جدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وجاء امتداداً صادقاً لتلك التضحية الخالدة التي كانت وستظل غرّة على جبين الزمان ، مادام هناك صراع بين الحق والباطل ، أو بين السماحة واللؤم ، أو بين النقص والكمال ، أو القبح والجمال ...

فلولا القبح ما عُرف الجمالُ

ولولا النقص ما عُرف الكمالُ

( والباقيات الصالحات خيرٌ عند ربّك ثواباً وخيرٌ مردّاً ) (٢) .

__________________

(١) الكامل للمبرد ٣ : ٨٠٥.

(٢) سورة مريم : ١٩ / ٧٦.



الفصل السادس

خلاصة الجهاد السياسي عند الاِمام السجادعليه‌السلام

ينبغي القول فعلاً إنّ الجهاد بالنفس هو أفضل أنواع الجهاد ، وأن الجود بالنفس هو أغلى غاية الجودِ ـ كما يقولون ـ ولكن هذه المقولات أو هذا الفهم ربما يصير كلمة حق يُراد بها باطل عند بعض الناس ، فيبخس هذا البعض على غيرهم من الناس جهادهم ( الاَكبر ) وهو جهاد النفس وليس الجهاد بالنفس ـ كما نص على ذلك قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ ، في تعريفه للجهادين الاَصغر والاَكبر ، ويستكثرون على الذين لم يتسنّ لهم خوض المعارك ، جهادهم هذا وصبرهم وصمودهم وثباتهم على طريق الحق ، ويتهمونهم أنهم متخاذلون ناكصون منكفئون لاقدر لهم ولا قيمة ولاخلاق ، ناسين أو متناسين مثلاً أنّ كلمة حق أمام سلطان جائر هي أفضل الجهاد ، وأن الجهاد بالمال يتقدم في كثير من الاَحيان على الجهاد بالنفس في محكم كتاب الله العزيز(١) وأن مطبات الجهاد السياسي

__________________

(١)( الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله ) سورة التوبة : ٩ / ٢٠.( لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم ) سورة التوبة : ٩ / ٨٨.( انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم


أحياناً أصعب وأعقد من لحظات المواجهة الساخنة الواضحة مع الاَعداء ، وخاصة إذا كان رمز هذا النوع من الجهاد مطالباً بحقن دماء شيعته أو حفظ بقيتهم أو تدبير دورهم في مواجهة طاغوت لئيم لا يعرف قلبه الرحمة ولا يهمّه أن يُجهز عليهم جميعاً دون أن يرفّ له جفن إذا ماهمسوا ضده بقول أو انبروا له بفعل أو عمل ...

هذا الخانق المؤلم بين الخيارين : خيار الاستشهاد والتضحية ، أو خيار الصبر والتقية ، هو الذي وجد الاِمام السجاد نفسه مضطراً إليه بعد أن أنجاه الله تعالى من موت أكيد مع إخوته وأبناء عمومته بسبب المرض الذي أقعده عن حمل السلاح في يوم الطفوف ، وهو الخيار المرّ الذي اضطرّعليه‌السلام لسلوكه لاستكمال الدور الرسالي الذي انتُدب له ـ كما مرَّ ذكره ـ.

ولا نريد هنا تلخيص ما قدمناه في الفصل الاَوّل من بحثنا الموجز هذا حول دور الاِمام السجادعليه‌السلام ، في ترسيخ القيم وكشف الشرعية المزيّفة لاَدعياء الدين وفضح مدّعياتهم ، وسعيه الحثيث لتشكيل الجماعة الصالحة التي أخذت على عاتقها إتمام المهمة الرسالية التي لابدّ من وجود حيّ لاِتمامها أو مواصلتها ...

نعم ، إنّ دين الله يمكن أن ينهض به المعارض الشريف حتى لو لم يستلم سلطة أو يستلم حكماً ، مادام قد فهم دوره وأتقن أداءه وأجاد تأديته ، وربما يكون هذا الدور قد فهم من قراءة فصول هذا الكتاب وبعض

__________________

في سبيل الله ) سورة التوبة : ٩ / ٤١.( إنّ الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض ) سورة الاَنفال : ٧ / ٧٢.


إشاراته وتلميحاته وإثاراته.

وإذا أردنا أن نضيف شيئاً جديداً ، فإنّه لا يعدو أكثر من قراءة شبه متأنية لبعض مواقف الاِمام السجادعليه‌السلام من الظالمين وأعوانهم ، وكذلك مواقفه من بعض الحركات الشيعية التي تفجّرت في زمانه ، وكيف انتقل من مرحلة التقية المؤلمة إلى مرحلة المواجهة الساخنة ، لا سيّما بعد أن استنفذ دوره التبليغي الصامت ، وارتأى أنّه لابدّ أن ينتقل من المرحلة السلبية السرية الصامتة إلى مرحلة الاِعلان الاقتحامي الواضح ، خاصة وإنّه أدرك أن خصومه قاتلوه لا محالة ، وأنهم لم يعودوا يستطيعون الصبر عليه ، والتغاضي عن دوره في تأليب الاُمّة ضدهم وتحشيد غضبها وإثارة سخطها.

خيمة خارج المدينة :

لعلّ أول موقف سياسي حكيم كان على الاِمامعليه‌السلام أن يتخذه بعد عودته إلى المدينة ، وبعد أيام من مشاعر الحداد والنحيب التي أجّجها في نفوس أهلها ، والتي قدّرعليه‌السلام أنّها لم تتعدّ أن تكون حالات عاطفية صادقة ، تفجّرت بسبب شعورهم بالاِثم جرّاء عدم خروجهم مع الحسينعليه‌السلام ونصرته أولاً ، وفجيعتهم بمصرع ابن بنت نبيهم ثانياً ، هو أن ينأى بعيداً عن الناس الذين أدرك ضعفهم وخواءهم في لحظات المواجهة الساخنة مع الاَعداء ، فاتخذ خيمةً في البادية ، واستظلّ ببيتٍ من بيوت الشعر في فيافيها مع مجموعةٍ من عياله وأهل بيته وخلص شيعته.


نعم ، اتخذ الاِمام السجادعليه‌السلام هذا الموقف ليعمّق الشعور بالذنب لدى أهل المدينة الذين خذلوا أباه ، واكتفوا بالبكاء أو التباكي معه حين عودته أولاً ، ولكي يتحاشى الاصطدام بالحكّام الاَمويين الذين سيستهدفونه حتماً إذا أحسوا منه أي بادرةٍ أو همسةٍ للتحريض ضد حكمهم ثانياً ، ( فبقي خارج المدينة من سنة ٦١ هـ إلى نهاية سنة ٦٣ هـ وكان يسير من البادية بمقامه إلى العراق زائراً لاَبيه وجدهعليهما‌السلام ولا يُشعر بذلك من فعله )(١) .

وفعلاً ، وحين أحسّ الاَمويون بتململ أهل المدينة جاءت واقعة الحرّة المعروفة التي استباح فيها مسلم بن عقبة هذه المدينة ، وأباح فيها القتل والسبي والاعتداء الوحشي ، وكأن أول ( قصاص ) غيبي حلّ بأهلها الذين لم يفعلوا شيئاً حين توديع الحسينعليه‌السلام ، إلاّ أن رمقوه بعيون منكسرة وقلوب متألمة لا تغني ساعة الموت عن الحق شيئاً ، قد جاء على يدي من سُمّي ( مُسرف بن عقبة ) هذا أو ( مجرم بن عقبة ) ، ويؤكد الشيخ المفيد في إرشاده ، أنّ مسرف بن عقبة هذا كان في بدايته لا يريد إلاّ قتل علي بن الحسينعليه‌السلام ، وحين لم يجد لقتله حجّة ، اكتفى أن أباح المدينة ثلاثة أيام بأمر يزيد ، وقد انفضّت فيها ألف عذراء ، وولد مئات الاَبناء لا يُعرف آباؤهم ، وكان من بينهن بنات ونساء صحابة(٢) .

نعم ، اتخذ الاِمام السجادعليه‌السلام تلك الخيمة النائية مأوىً له ، ولم يجد

__________________

(١) راجع فرحة الغري / ابن طاووس : ٤٣. والاِمام زين العابدين / المقرم : ٤٢.

(٢) راجع : دلائل البيهقي ٦ : ٤٧٥. والارشاد / المفيد : ٢٩٢. ويقول اليعقوبي في تاريخه : إنّ هذا المجرم ( أباح حرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى ولدت الاَبكار لا يُعرف من أولدهنّ ) تاريخ اليعقوبي ٢ : ٢٥٠.


هذا ( المسرف ) سبباً للاِجهاز على الاِمامعليه‌السلام وأهل بيته ، بل صار الاِمام ملاذاً لمن التحق به من المؤمنين هرباً من ( إسراف ) الجيش الاَموي ووحشيته وبربريته. وكان ممن لاذ به من الاَمويين عائلة مروان بن الحكم وزوجته عائشة بنت عثمان بن عفان ـ كما مرَّ ذكره ـ وأكثر من أربعمائة مُنافية ( من آل عبد مناف ) كانعليه‌السلام يعولهُنّ إلى أن تفرّق الجيش(١) .

وهذا يعني أنّ الاِمام السجادعليه‌السلام أيقن أن أهل المدينة كانوا لا يحملون تجاهه إلاّ عواطف مفجوعة وشعور عميق بالذنب إن لم نقل مواساة كاذبة يمكن أن تتبدد في أول لحظة من لحظات الخطر أو المواجهة مع الموت ، كما حصل مع أبيهعليه‌السلام حين كانت قلوب الناس معه وسيوفهم عليه ...

ولذلك حين جاؤوه مبايعين يقولون : ( فمرنا بأمرك ، فإنّا حرب لحربك ، وسلمٌ لسلمك ) وغير ذلك ، قال لهم : «هيهات ومسألتي ألاّ تكونوا لنا ولا علينا » وأخذ عليهم عهداً أن يأخذوا جانب الحياد فقط ... (٢) .

الموقف من الحركات الثورية :

من هذا المكان النائي ، ومن هذه العزلة الهادفة ، راح الاِمام السجادعليه‌السلام يبني الجماعة الصالحة ، ويرصد عن كثب أنباء الطلائع التي كانت تخرج بين فترة وأُخرى لتقويض الحكم الاَموي ومناجزة الطغاة من ولاتهم وكشف

__________________

(١) أيام العرب في الاِسلام : ٤٢٤ هامش رقم (١).

(٢) راجع : الاحتجاج / الطبرسي : ٣٠٦. واللهوف / ابن طاووس : ٦ ، ٦٧.


زيفهم ، لا سيّما تلك الثورات التي رفعت شعارات الثأر للاِمام الحسينعليه‌السلام ، وإن كان بقي بعيداً عن بعضها ؛ إذ لم يردعليه‌السلام أن يتحمّل مسؤولية الدماء التي ستُراق فيها بغير حق أولاً ، ولعدم تنسيق رجالها معه ثانياً ، وعدم وضوح منطلقاتها وأهدافها ، والتمثيل الذي ينفَّذ بقتلاها ثالثاً ورابعاً ...

ولعلّ ثورة التوابين بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي ، وكذلك ثورة المختار ، كانتا أبرز الاَمثلة على تعضيد الاِمام سرّاً لمثل هذه الحركات ، ولو بدرجة من الدرجات ، رغم أنّه لم يعلن ارتباطه المباشر معها ، ولكنه ترك الاَمر لعمّه محمد بن الحنفية لكي يتعامل مع روادها بحكمة ودقّة ، مشيراً إليه باختصار : «يا عم ، لو أن عبداً تعصّب لنا أهل البيت ، لوجب على الناس مؤازرته ، وقد أوليتُك هذا الأمر ، فأصنع ما شئت .. »(١) .

ويُشير العديد من المؤرخين أنّه ( لما أرسل المختار برؤوس قتلة الاِمام الحسينعليه‌السلام وأولاده وأصحابه إلى الاِمام ، خرّ الاِمام ساجداً ودعا له وجزّاه خيراً )(٢) .

أما ما ينقله بعض المؤرخين من سلبية موقف الاِمام السجاد من المختار وثورته فإنّه يمكن أن يُقرأ من ثلاثة أبعاد :

الأول : هو محاولة هؤلاء المؤرخين تشويه تلك الثورة التي أدخلت السرور على بنات المصطفى ونساء الرسالة(٣) ، وإن جنحت في بعض

__________________

(١) المختار الثقفي / أحمد الدجيلي : ٥٩. وراجع : مناقب آل أبي طالب ٤ : ١٥٧.

(٢) رجال الكشي : ١٢٥ ـ ١٢٧. وشرح الاَخبار ٣ : ٢٧٠. وتاريخ اليعقوبي ٢ : ٢٥٩.

(٣) جاء في تاريخ اليعقوبي ٢ : ٢٥٩ ما نصّه : ( وروى بعضهم أن علي بن الحسين لم يُرَ ضاحكاً


مقاطعها انفعالاً وشططاً.

الثاني : هو قيام الاِمام السجادعليه‌السلام بأداء دور كان لابدّ له أن يؤديه ، لكي يُبعد عن أذهان الاَمويين المتربصين به ارتباطه بهذا الثائر العظيم ، وبالتالي تبرير استهدافه وقتله من قبلهم ، أو السماح لهم بتسويغ هذا الفعل ، أي منحهم التبرير لذلك ، قبل إتمام أهدافه واستكمال المهمة التي يريد أن يأتي إلى آخر مشوارها أو آخر شوطٍ فيها.

الثالث : عدم تحمّلهعليه‌السلام مسؤولية الاِسراف في القتل الذي يُرافق الثورات الانتقامية أو الثأرية عادةً ، وخاصة تلك البعيدة عنه ، والتي لم ينسّق رجالها معه لا في الاِعداد ولا في التنفيذ ...

ومن هنا كان موقفه المعروف من المختار حين جزّاه خيراً من جهة ، ولكنه رفض استلام أمواله أو قبول بيعته من جهة اُخرى ، كما تقول الروايات التاريخية(١) .

وهذا ما أراد تثبيته فعلاً من مواقف في ثورات اُخرى ، كان لا ينبغي أن تحسب عليه مقاطع الحرق والتعذيب وقطع الرؤوس والتمثيل بالاَجساد والشماتة ، وما إلى ذلك.

__________________

يوماً قط منذ قُتل أبوه إلاّ في ذلك اليوم ، وأنّه كان له إبل تحمل الفاكهة من الشام ، فلما أتى برأس عبيدالله بن زياد أمر بتلك الفاكهة ، ففرّقت في أهل المدينة ، وامتشطت نساء رسول الله واختضبن ، وما امتشطت امرأة ولا اختضبت منذ قتل الحسين بن علي ) ويضيف المصدر نفسه في نفس الصفحة : ( أنّ المختار تتبع قتلة الحسين ، فقتل منهم خلقاً عظيماً ، حتى لم يبقَ منهم أحد ، وقُتل عمر بن سعد وغيره ، وحُرّق بالنار ، وعذّب بأصناف العذاب ).

(١) مناقب آل أبي طالب ٤ : ١٥٧. ومروج الذهب ٣ : ٨٣. ورجال الكشي : ١٢٦ رقم ٢٠٠.


الموقف من الظالمين :

موقفه من عبدالملك وهشام :

بعد أن رسّخ الاِمام السجادعليه‌السلام موقعه في قاعدته الشعبية ، وبعد أن عُرف إماماً عادلاً ورعاً تقياً نقياً ، يعرف الدين وحدوده ، وأصوله وفروعه ، ويقف وجهاً لوجه لمقارعة مغتصبي الخلافة والولاية والاِمامة من الاَمويين وأزلامهم وحين شعر أنّهم سيقتلونه لا محالة ، إثر اتساع قاعدته وشهرته وظهور أمره ، صار لزاماً عليه أن يُشهر عداءه و ( يُظهر علمه ) في مقارعتهم ومواجهتهم وكشف زيفهم وأحابيلهم وبكلمة اُخرى ، يقلّص دائرة التقيّة التي اتّسعت له سنين طويلة للامتداد اُفقاً وعمقاً في الوسط الجماهيري ، ولم يبق أمامه إلاّ اقتحام المحظور والمتهيب والمسكوت عنه في هذا الوسط المهزوم المغلوب على أمره ، المضلّل بالخطاب الاِعلامي الاَموي الموجّه الضاغط ...

رأى الاِمامعليه‌السلام أن الخطوة الاُولى التي عليه تقحّمها رغم وعورتها وخطورتها هو كسر هيبة الحكام الاَمويين وتهشيم هالتهم التي صنعوها بشراستهم وفرعونيتهم ودعاواهم العريضة بالانتساب إلى الاِسلام ونبي الاِسلام ...

فقد روي أن عبدالملك بن مروان كان يطوف بالبيت العتيق ، وعلي بن الحسين يطوف أمامه غير ملتفت إليه ، أو لا يلتفت إليه. فقال عبد الملك من هذا الذي يطوف بين أيدينا؟ ولا يلتفت إلينا؟ فقيل له : إنّه علي بن الحسين.

فجلس عبدالملك مكانه غاضباً وقال : ردّوه إليَّ فردّوه ، فقال له : يا


علي بن الحسين ، إنّي لستُ قاتل أبيك! فما يمنعك من السير إلينا؟!

فأجابهعليه‌السلام : «إنّ قاتل أبي أفسد ـ بما فعله ـ دنياه عليه ، وأفسد أبي عليه آخرته. فإن أحببت أن تكون هو فكن .. »(١) .

ويبدو من هذه السطور أن الاِمام كان مقاطعاً عبدالملك ، أو أن مقاطعته ليست مجرّد عزلة أو مقاطعة عابرة ، وإنّما مقصودة ومتعمّدة ، وتعبّر عن موقف سياسي وإعراض متعمّد مع سبق الاِصرار ، ولعلّها أظهر أشكال الجهاد السياسي واتخاذ الموقف السياسي في حدود المعروف أو المسموح به في ذلك العهد ...

كما أن قول عبدالملك : ( إنّي لست قاتل أبيك ) يتضمّن الغلظة ويوحي بالتهديد والتوّعد والاِرهاب. فيما كان ردّ الاِمام : «إن أحببت أن تكون هو فكن » يعبّر عن تحدٍّ سافر لسلطة خليفة متجبّر لا يمنعه فعل أي شيء ، بما في ذلك القتل وسفك الدم ، وفي ذلك دليل قاطع على أنّ الاِمامعليه‌السلام لم يكن في هذه المرحلة ذلك الوديع الموادع ، المنعزل عن الدنيا ، المشغول بالدعاء والعبادة ، البكّاء الحزين ، وإنّما المواجه ، المنازل ، الشديد ، القاطع ، المقاطع ، المتحدي ، العنيف الذي لا يخشى الاِرهاب ولا يرهبه استخدام الطغاة عصاهم الغليظة ، أو تلويحهم بهراوات الاِهانة أو التصفية أو الموت ...

وهكذا كان موقفهعليه‌السلام مع عبدالملك هذا في قصة سيف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الموجود عنده ، والذي حاول عبدالملك استفزاز الاِمامعليه‌السلام بطلب ذلك السيف أو استيهابه منه أو أخذه منه ، لما فيه من رمزية يمكن

__________________

(١) بحار الاَنوار ٤٦ : ١٢٠. وإثبات الهداة / الحر العاملي ٣ : ١٥.


أن يوظّفها الحاكم الظالم إلى شرعيته المزيفة ، فأبى الاِمامعليه‌السلام إعطاء السيف ، فكتب إليه عبدالملك يهدّده بأن يقطع رزقه من بيت المال فأجاب الاِمامعليه‌السلام : «أما بعد فإنّ الله تعالى ضمن للمتقين المخرج من حيث يكرهون ، والرزق من حيث لا يحتسبون ، وقال جلّ ذكره : ( إن الله لا يحبُّ كل خوّان كفور ) ، ثم قال :فاُنظر أيّنا أولى بهذه الآية؟ »(١) .

ويظهر من رفض الاِمام إعطاء السيف ، وتوظيفه لهذه الآية الكريمة ، وقوله : ( أيّنا أولى بها )! واستصغاره لتهديد الخليفة بقطع رزقه من بيت المال واستهانته بطلبه ، أن القطيعة بالغ حدّها بين الطرفين ، وأن المواجهة في أقصاها ، وأن كلمة الحجاج الثقفي الذي كتب إلى عبدالملك ما نصه ( إنّ أردت أن يثبت ملكك ، فاقتل علي بن الحسين )(٢) ، إنّما تعبّر تعبيراً دقيقاً هي الاُخرى ، عن شدّة المواجهة وعمق الاَزمة وخطورة الموقف.

كان هذا إذن موقف الاِمامعليه‌السلام مع عبدالملك بن مروان أو بعض مواقفه ، وهكذا كان موقفهعليه‌السلام مع هشام بن عبدالملك ، في قضية الحجر الاَسود المارّة الذكر ، وكيف أن الاَمويين سجنوا الفرزدق على قصيدة شعرية اعتبروها إهانة لمقام الخلافة ، فيما سارع الاِمام السجادعليه‌السلام للاتصال بالفرزدق وهو في السجن ، ووصله بشيء رمزي من المال تعضيداً له على موقفه ، ومكافأة لموقفه الشجاع ذاك ، وتعبيراً عن مواساةٍ واضحة المقاصد والاَهداف في العرف السياسي السائد

__________________

(١) اُنظر المناقب / ابن شهرآشوب ٤ : ٣٠٢. وبحار الاَنوار ٤٦ : ٩٥. والآية من سورة الحج٢٢ / ٣٨.

(٢) بحار الاَنوار ٤٦ : ٢٨.


الموقف من أعوان الظلمة :

إن الطواغيت ليس بإمكانهم الوصول إلى مآربهم إذا لم يجدوا أعواناً لهم يعينونهم على ما يقومون به من مظالم ومآثم ولعلَّ من السذاجة بمكان إلقاء اللوم على عاتق شخص واحد توضع على مشجبه أو شماعته كل الجرائم والجنايات التي ترتكب بحق الاُمم والشعوب ، وإغضاء الطرف عن الدائرة المحيطة به ، الملتفة حوله ، بدءاً بولاته وقادته العسكريين ، مروراً بإعلامييه وأبواقه وفقهائه ووعاظ سلطته ، وانتهاءً بهذا المطرب أو ذاك الشاعر اللذين لا ينفكان ينشدان لنظامه الظالم ويروّجان له ويخففان جرائمه ويأخذان على أيدي من يحاول التعريض به أو الحديث عن جرائمه ...

ولعلّ الزيارة الشهيرة المعروفة بزيارة « عرفة » الخاصّة بالاِمام الحسينعليه‌السلام التي جاء نصّها : « ... فلعن الله أمةً قتلتك ، ولعن الله أمةً ظلمتك ، ولعن الله أمةً سمعت بذلك فرضت به .. » تعبّر بشكل واضح وصريح عن هذه النقطة المهمة ، أي على ضرورة تحميل الاُمّة مسؤولية حرب الحسينعليه‌السلام ومناهضته وتكثير سواد خصومه.

هذا الخيط الرابط بين الطاغية وبين أعوانه ، استطاع الاِمام السجادعليه‌السلام تشخيصه بدقّة ، وتأكيده والطرق عليه أي إن موالاة الجائر تعتبر كبيرة من الكبائر لما تنطوي عليه من تمكين واضح له لدرس الحق وإحياء الباطل وإظهار الظلم والجور ، وإبطال الكتب ، وقتل الاَنبياء والمؤمنين ، وهدم المساجد وتبديل السُنّة وتغيير شرائع الله وتعاليم دينه ..

فكانت الخطوة الثانية هي : تنبيه الاَمّة على أنّ أيّ تعامل مع الحكام


وأية مساعدة لهم ، حتّى في أبسط الاَمور وأدنى الاَشياء يعتبر تقويةً لحكومتهم ، ومشاركةً لهم في جناياتهم لاَنّ تقديم أيّ خدمةٍ لهم وإن كانت ضئيلة جدّاً يكون ـ بقدره ـ تمكيناً ومعاضدةً لهم ، فراحعليه‌السلام يؤكد على لعن ( من لاق لهم دواة ، أو قطّ لهم قلماً ، أو خاط لهم ثوباً ، أو ناولهم عصاً ) ، بل حرّم العمل معهم ومعونتهم والكسب معهم(١) .

اعتمد الاِمام السجادعليه‌السلام هذه القاعدة الاِسلامية ، وجعلها ركيزة مهمة في مقاومة النظام الفاسد ، وحاول تجريده من سلاح الوعّاظ المحيطين به ، أو عصابات المتزلّفين المتملّقين الذين تمرّر السلطة الظالمة مشاريعها من خلال ملقهم وتزلّفهم وتلميعهم لاجراءات هذه السلطة لدى العوام والسذّج والبسطاء ...

وكان الاِمام السجاد كثيراً ما يقول : «العامل بالظلم والمعين له ، والراضي به شركاء ثلاثة »(٢) .

وكانعليه‌السلام يحذّر الناس من التورّط في أعمال الظلمة ، ولو بتكثير سوادهم والتواجد في مجالسهم ومصاحبتهم ، لاَنّ الظالم لايريد من الصالح فعلاً الاستفادة من صلاحه أو الاقتداء به ، وإنّما يحاول توريطه في جرائمه وآثامه أو توظيفه لتحقيق مفاسده ومشاريعه فكانعليه‌السلام يقول « ... ولا يقول رجل في رجل من الخير مالا يعلم ، إلاّ أوشك أن يقول فيه من الشرّ مالا يعلم ، ولا اصطحب اثنان على غير طاعة الله إلاّ أوشك أن يتفرّقا على

__________________

(١) تحف العقول : ٣٣٢.

(٢) راجع : بلاغة علي بن الحسين عن الاثني عشرية / العاملي : ٢٢٤.


غير طاعة الله ... »(١) .

قد يتصوّر بعض الناس من ذوي المكانة في المجتمع أنّ اصطحاب أولئك الحكّام الظالمين لا يضرّ شيئاً ، وإنّما يفيد خدمة أو تقديم خدمة للطرفين : للظالم بتخفيف ظلمه والحدّ من سُعاره ، ولاَعوان الصالح وأصحابه ليكفيهم شرّه ويدفع عنهم وعن إخوانهم ضرره ، وما دروا ، أو غاب عنهم ، خبث الظالم باستغلال صلاحهم وأسمائهم وسمعتهم في تنفيذ ما لا يرضي الله ، وتمريره على البسطاء من الناس والتغرير بهم وربما راحوا يستعملون كلمات الملاطفة والتبجيل المقنّع لهذا الظالم أو ذاك ، متوهّمين أن في بعض ذلك تصحيحاً لتصرفاته وتقليص هوسه ، متناسين براءة الناس وانخداعهم به عبر إسباغ الشرعية على أفعاله من قبل هؤلاء وذلك بالتقرّب إليه أو القرب منه ، وما يجرّ ذلك من ارتجاج قيم ونسف مقاييس واهتزاز ثوابت ومعايير.

ولعلّ أكثر مواقف الاِمامعليه‌السلام وضوحاً في مساعيه لسلخ الوعّاظ عن حاشية الحاكم الظالم هو موقفهعليه‌السلام من الزهري الذي أكسبه الاَمويون شهرة عظيمة ، وروّجوا له كثيراً ، حيث شدّد هو والعلماء الصالحون النكير عليه لقربه من بني أمية والسكوت عن جرائمهم وشنائعهم ، ففيما كان هو يبرّر صحبته لهم بقوله : ( أنا شريك في خيرهم دون شرهم ). كان العلماء يردّون عليه بقولهم : ( ألا ترى ماهم فيه فتسكت؟! )(٢) . فيسكت ولا يحير جواباً.

__________________

(١) تاريخ دمشق ( الحديث ١٢٨ ) ومختصره لابن منظور ١٧ : ٢٤.

(٢) لاحظ وفيات الاَعيان / ابن خلّكان ٣ : ٣٧١.


ومن حوارات الاِمام الساخنة مع بعض أعوان الظلمة ردّه على الزهري هذا الذي قال للاِمام يوماً : ( كان معاوية يُسكته الحلم ، ويُنطقه العلم )!! فقال الاِمام : «كذبت يا زهري ، كان يُسكته الحصر ، وينطقه البطَر »(١) .

وأكثر من ذلك تقريعه الزهري وعروة بن الزبير وهما جالسان في مسجد المدينة ينالان من الاِمام عليعليه‌السلام ، فبلغه ذلك ، فجاء حتى وقف عليهما ، فقال : «أما أنت يا عروة فإنّ أبي حاكم أباك الى الله ، فحكم لاَبي على أبيك! وأما أنت يا زهري فلو كنت بمكة لاَريتك كِيرَ أبيك »(٢) .

ولنا مع الزهري هذا وموقف الاِمام منه ، الجولة الاَخيرة في هذا البحث الموجز المقتضب فإلى حين يأتي هذا المشوار ، وما أخفاه أو يخفيه في سطوره وكلماته ودقّة معانيه وعباراته نقف عند كلمات الاِمام السجادعليه‌السلام التي يوجهها من محرابه دروساً يستنير بها المظلومون ، وسهاماً في نحور الظالمين.

«اللهمّ إنّ الظَلَمة جحدوا آياتك ، وكفروا بكتابك ، وكذّبوا رسلك واستنكفوا عن عبادتك ، ورغبوا عن ملّة خليلك ، وبدّلوا ما جاء به رسولك ، وشرّعوا غير دينك ، واقتدوا بغير هداك ، واستنّوا بغير سنّتك ، وتعدّوا حدودك ، وتعاونوا على إطفاء نورك ، وصدّوا عن سبيلك ، وكفروا نعماءك ، ولم يذكروا آلاءك ، وأمنوا مكرك ، وقست قلوبهم عن ذكرك ، واجترأوا على معصيتك ، ولم يخافوا مقتك ، ولم يحذروا بأسك واغترّوا بنعمتك ... ».

ويواصلعليه‌السلام بيانه السياسي العبادي الغاضب هذا ، مستنهضاً متمرداً

__________________

(١) الاعتصام ٢ : ٢٥٧. ونزهة الناظر : ٤٣.

(٢) شرح نهج البلاغة ٤ : ١٠٢.


ثائراً ليقول :

«اللهمّ إنّهم اتخذوا دينك دغلاً ، ومالك دولاً ، وعبادك خولاً اللهمّ افتِتْ أعضادهم واقهر جبابرتهم ، واجعل الدائرة عليهم ، وأقضض بنيانهم ، وخالف بين كلمتهم ، وفرّق جمعهم ، وشتّت شملهم ، واجعل بأسهم بينهم ، وابعث عليهم عذاباً من فوقهم ، ومن تحت أرجلهم ، واسفك بأيدي المؤمنين دماءهم ، وأورث المؤمنين أرضهم وديارهم وأموالهم ... ».

إلى أن يقولعليه‌السلام شارحاً ، موضّحاً ، مفصّلاً :

«اللهمّ إنّهم اشتروا بآياتك ثمناً قليلاً ، وعتوا عتوّاً كبيراً اللهمّ إنّهم أضاعوا الصلوات واتّبعوا الشهوات اللهمّ ضلّل أعمالهم ، واقطع رجاءهم ، وادْحَضْ حجتهم ، واستدرجهم من حيث لا يعلمون ، وآتهم بالعذاب من حيث لا يشعرون ، وأنزل بساحتهم ما يحذرون ، وحاسبهم حساباً شديداً ، وعذّبهم عذاباً نكراً ، واجعل عاقبة أمرهم خُسراً ... »(١) .

وهكذا ، في كلِّ كلمة ثورة ، وفي كلِّ عبارة لوحة ، وفي كلِّ جملة بيان وإيضاح للثوار والاَحرار والشرفاء.

وليس كما تقول تلك الكاتبة الجامعية التي أكّدت : « أنّ الشيعة بمصرع الحسين افتقدت الزعيم الذي يكون محوراً لجماعتهم وتنظيمهم والذي يقودهم إلى تحقيق تعاليمهم ومبادئهم ، وانصرف الاِمام علي زين العابدين عن السياسة إلى الدين وعبادة الله عزَّ وجلّ وأصبح للشيعة زعيماً روحياً ولكنه لم يكن الثائر السياسي الذي يتزعم جماعة الشيعة »

__________________

(١) الاقبال / السيد بن طاووس : ٤٥. والصحيفة الخامسة السجادية : ٤٠٥.


إلى أن تقول : « وحاول المختار بن أبي عبيدة الثقفي أن ينتزع علياً من حياة التعبّد والاشتغال بالعلم إلى ميادين السياسة دون جدوى »(١) .

كتاب الاِمام السجادعليه‌السلام إلى الزهري :

حين أوغل الزهري في دائرة الحكم الاَموي الغاشم ، والتحق ببلاط السلطة بالكامل ، وحين لم يبق أمام الاِمام بدّ من كشف الزيف في هذه المواقف ونفاقيتها ونفعيتها ، ورغم ماقد يكلفه هذا الكشف من ضريبة ربما تكون باهضة إلاّ أن الاِمام كتب إلى الزهري كتاباً ضمّنه أدّق الخيوط سياسةً وعمقاً ، ورواه العامة والخاصة ، ونقله العديد من المؤرخين وكتّاب السير بفروق بسيطة.

قال الغزالي ما نصه : ( إنّ هذه الرسالة كُتبت إلى الزهري لما خالط السلطان )(٢) ، كما رواها ابن شعبة(٣) وآخرون وفيما يلي بعض نصوص هذه الوثيقة السياسية السجادية التاريخية الدقيقة ، نتركها بلا تعليق أولاً ، ثم نتبعها بشيء من التعليق فيما بعد :

« ... أما بعد كفانا الله وإياك من الفتن ، ورحمك من النار ، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك بها أن يرحمك ، فقد أثقلتك نعم الله بما أصحَّ من بدنك ، وأطال من عمرك ، وقامت عليك حججه الله بما حمّلك من كتابه ، وفقّهك من دينه ، وعرّفك من سُنّة نبيه محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فرضي لك في

__________________

(١) د. سميرة الليثي / جهاد الشيعة : ٢٩.

(٢) إحياء علوم الدين / الغزالي ٢ : ١٤٣. والمحجة البيضاء في إحياء الاَحياء ٣ : ٢٦٠.

(٣) تحف العقول : ٢٧٤. والمحجة البيضاء ٣ : ٢٦٠.


كلِّ نعمة أنعم بها عليك ، وفي كلِّ حجّة احتج بها عليك ..

فانظر أي رجل تكون غداً إذا وقفت بين يدي الله! فسألك عن نعمه عليك ، كيف رعيتها؟ وعن حججه عليك ، كيف قضيتها؟!

ولا تحسبنَّ الله قابلاً منك بالتعذير ، ولا راضياً منك بالتقصير! هيهات هيهات! ليس كذلك إنّه أخذ على العلماء في كتابه إذ قال :( لتبيننه للناس ولا تكتمونه ) (١) .

واعلم أن أدنى ما كتمت ، وأخفّ ما احتملت أن آنست وحشة الظالم ، وسهلت له طريق الغيّ بدنوّك منه حين دنوت ، وإجابتك له حين دُعيت.

فما أخوفني أن تبوء بإثمك غداً مع الخونة ، وأن تُسأل عما أخذتَ بإعانتك على ظلم الظلمة! إنّك أخذتَ ماليس لك ممن أعطاك ، ودنوت ممن لم يردّ على أحد حقاً ، ولم تردّ باطلاً حين أدناك ، وأحببت من حادّ الله ».

ثم يتساءل الاِمام السجادعليه‌السلام مستنكراً مستفهماً دقيقاً حين يقول « أوليس بدعائهم إياك حين دعوك جعلوك قطباً أداروا بك رحى مظالمهم ، وجسراً يعبرون عليك إلى بلاياهم ، وسلّماً إلى ضلالتهم » لاحظ ويواصلعليه‌السلام رسالته هذه قائلاً : « داعياً إلى غيّهم ، سالكاً سبيلهم ، يدخلون بك الشك على العلماء ، ويقتادون بك قلوب الجهال إليهم ..

فما أقلَّ ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك ، وما أيسر ما عمّروا لك! فكيف ماخرّبوا عليك ، فانظر لنفسك ، فإنّه لا ينظر إليها غيرك وحاسبها

__________________

(١) سورة آل عمران : ٣ / ١٨٧.


حساب رجل مسؤول انظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيراً وكبيراً؟

فما أخوفني أن تكون كما قال الله في كتابه :( فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب ، يأخذون عرض هذا الاَدنى ويقولون سيغفر لنا ) (١) !

بعدها يروح الاِمام السجادعليه‌السلام يحذّره الله والآخرة ، ويذكّره بما ينبغي أن يتذّكره ، أو يذكّر به فيقول : « إنّك لست في دار مقام ، أنت في دار قد آذنت برحيل طوبى لمن كان في الدنيا على وجل ، يا بؤس من يموت وتبقى ذنوبه من بعده. إحذر فقد نُبئت ، وبادر فقد اُجّلت. إنّك تُعامل من لايجهل ، وإن الذي يحفظ عليك لا يغفل. تجهّز فقد دنا منك سفر بعيد ، وداو دينك فقد دخله سقم شديد ...

ولا تحسب أني أردتُ توبيخك وتعنيفك وتعييرك ، لكني أردت أن يُنعش الله ما فات من رأيك ، ويردّ إليك ما عزب من دينك ، وذكرت قول الله تعالى :( وذكّر فإنّ الذكرى تنفع المؤمنين ) .

أغفلت ذكر من مضى من أسنانك وأقرانك ، وبقيت بعدهم كقرن أعضب اُنظر : هل إبتلوا بمثل ما ابتُليت به؟ أم هل وقعوا في مثل ما وقعت فيه؟ أم هل تراهم ذكرتَ خيراً أهملوه؟ وعلمت شيئاً جهلوه؟

بل حظيت بما حلَّ من حالك في صدور العامّة ، وكلفهم بك ، إذ صاروا يقتدون برأيك ، ويعملون بأمرك ، إن أحللت أحلّوا ، وإن حرّمت حرّموا ، وليس ذلك عندك ، ولكن أظهرهم عليك رغبتهم فيما لديك ذهاب علمائهم ، وغلبة الجهل عليك وعليهم ، وحبّ الرئاسة ، وطلب الدنيا منك

__________________

(١) سورة آل عمران : ٣ / ١٦٨.


ومنهم.

أما ترى ما أنت فيه من الجهل والغرّة؟ وما الناس فيه من البلاء والفتنة؟! قد ابتليتهم ، وفتنتهم بالشغل عن مكاسبهم مما رأوا ، فتاقت نفوسهم إلى أن يبلغوا من العلم ما بلغت ، أو يدركوا به مثل الذي أدركت ، فوقعوا منك في بحر لا يُدرك عمقه وفي بلاء لا يقدر قدره ، فالله لنا ولك ، وهو المستعان ».

بعد ذلك يروح الاِمام السجاد محذّراً منذراً ، مذكّراً منبّهاً ، ينتقل من الدنيا إلى الآخرة ومن الاَرض إلى السماء ، ومن الغيب إلى الواقع ومن الواقع إلى الغيب ، لا تفوته إشارة إلاّ لمّح لها ولا يترك فراغاً إلاّ ملأه ، فيقول : « أما بعد فأعرض عن كل ما أنت فيه حتى تلتحق بالصالحين الذين دُفنوا في أسمالهم ، لاصقةً بطونهم بظهورهم ، ليس بينهم وبين الله حجاب ، ولا تفتنهم الدنيا ولا يُفتنون بها.

فإن كانت الدنيا تبلغ من مثلك هذا المبلغ ، مع كبر سنّك ورسوخ علمك ، وحضور أجلك ، فكيف يسلم الحدث في سنّه؟ الجاهل في علمه؟ المأفون في رأيه؟ المدخول في عقله؟! على من المعوّل؟ وعند من المستعتب؟ نشكو إلى الله بثّنا ، وما نرى فيك! ونحتسب عند الله مصيبتنا بك ...

فاُنظر : كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيراً وكبيراً ..! وكيف إعظامك لمن جعلك بدينه في الناس جميلاً! وكيف صيانتك لكسوة من جعلك بكسوته في الناس ستيراً!! وكيف قربك أو بعدك ممن أمرك ان تكون منه قريباً ذليلاً!!

مالك لا تنتبه من نعستك؟ وتستقيل من عثرتك؟ فتقول : والله ما قمت لله


مقاماً واحداً أحييت به له ديناً! أو أمّتُ له فيه باطلاً!! أفهذا شكرك من استحملك؟! ما أخوفني أن تكون كما قال الله تعالى في كتابه : ( أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيّاً ) (١) استحملك كتابه ، واستودعك علمه ، فأضعتهما! فنحمد الله الذي عافانا مما ابتلاك به! والسلام (٢) .

وهكذا يتّضح من سطور هذه الرسالة وحروفها وكلماتها ، أنّ الاِمام السجادعليه‌السلام دخل في مواجهة مكشوفة مع السلطة الحاكمة ، عبر تنديده العلني هذا بأحد رموزها ، المقربين من بلاطها ، أي عبر تحذيره وإنذاره وتوبيخه وتأنيبه له : «مالك لا تنتبه من نعستك؟ ولا تستقيل من عثرتك؟ » «أما ترى ما أنت فيه من الجهل والغرّة؟ وما الناس فيه من البلاء والفتنة؟ ».

إذن ، وبايجاز جليّ وواضح ، وكلمات ساطعة صادحة ، كشف الاِمام ، من خلال هذه الرسالة ، كل الخيوط المخفية التي يتستر بها وعّاظ السلاطين عادة ، للتعتيم على نفعيتهم ووصوليتهم ولصوصيتهم(٣) .

__________________

(١) سورة مريم : ١٩ / ٥٩.

(٢) وردت الرسالة في تحف العقول : ٢٧٤ ـ ٢٧٧. ورواها الحائري في بلاغة علي بن الحسينعليه‌السلام : ١٢٢ ـ ١٢٦. ورواها المقرّم في الاِمام زين العابدين : ١٥٤ ـ ١٥٩. ورواها الغزالي في إحياء علوم الدين ٢ : ١٤٣.

(٣) جاء في كتاب « الكشكول » المعروف لبهاء الدين العاملي ما نصه : ( إذا رأيت العالم يلازم السلطان فاعلم أنه لص. وإياك أن تُخدع بما يقال إنّه يردّ مظلمة أو يدافع عن مظلوم ، فان هذه خدعة ابليس اتخذها فخّاً والعلماء سلّما ً ) راجع كتاب الفقيه والسلطان / د. وجيه كوثراني : ١٥٥.


«لقد سهّلت له طريق الغيّ بدنوّك منه ، وأنك سوف تُسأل عمّا أخذت بإعانتك على ظلم الظلمة » الذين « جعلوك قطباً أداروا بك رحى مظالمهم ، وجسراً يعبرون عليك إلى بلاياهم وسلّماً إلى ضلالتهم »! وغير ذلك مما يعدّ وثيقة سياسية دقيقة جداً ومعبّرة جداً لكلِّ من يحاول تبرير قربه من الظلمة أو إدعائه إصلاحهم بوعظه وإرشاده ونصائحه ...

ولعلّ الموقف من أعوان الظلمة هذا هو أدّق الخيوط في نسيج التعامل السياسي الذي ينبغي غزله أو السير فيه بدّقة وحذر متناهيين ...

ولذلك نرى الاِمام يدعو لاَهل الثغور في دعائه المعروف « دعاء الثغور » تارة ، قبال عدوّ مشترك تنكمش لتحدّيه الجزئيات أمام الكليات ، فيما نراه يندّد بحكام الثغور وأعوانهم وظلمهم وتعسفهم تارة اُخرى في الدائرة الاَضيق ، أو ما يُسمى في المصطلح الحديث « النقد داخل البيت » وبهذا الاسلوب المندد المقرع : «والله ما قمت له مقاماً واحداً أحييت به له ديناً ، أو أمتّ له فيه باطلاً »!

فمن هذه المداخلات ، إذن ، ومن هذه الخيوط الدقيقة تجب دراسة الاِمام السجاد وقراءة مواقفه قبل الحكم له أو عليهعليه‌السلام . ومن هذه القراءة يمكن أن تُفهم منطلقات الاِمام وأهدافه في سكوته أو كلامه ، وفي عزلته أو تصديه وفي صمته أو ثورته ، لاسيّما وهو القائل في ردّه على من يقول ( إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب ) «لكلِّ واحد منهما آفات ، وإذا سلما من الآفات فالكلام أفضل من السكوت » وأضاف : «لاَنّ الله عزَّ وجلّ ، ما بعث الاَنبياء ، والاَوصياء بالسكوت ، وإنما بعثهم بالكلام ، ولا استُحقت الجنة بالسكوت ولا استُوجبت ولاية الله بالسكوت ، ولا توقيت النار بالسكوت! ».


وأكثر من ذلك : «إنّك تصف فضل السكوت بالكلام ، ولست تصف فضل الكلام بالسكوت .. »(١) وتلك هي الحكمة البالغة والبيان البليغ ..

فسلام على الاِمام السجاد ساكتاً ومتكلماً ، وسلام عليه معتزلاً ومتصدياً ، وسلام عليه داعياً لاَهل الثغور ومندداً بظلمهم وجورهم وتعسفهم ، وسلام عليه مصفحاً متغافلاً عن عبد من عبيدالله سبَّه وشتمه ، ومعنّفاً مقرّعاً لواعظ من وعّاظ السلاطين جعل من نفسه جسراً لبلايا سلاطينه ، وسلّماً لضلالهم وغواياتهم

__________________

(١) الإحتجاج / الطبرسي : ٣١٥.


المحتويات

مقدِّمة المركز............................................................... ٥

المقدِّمة..................................................................... ٧

الفصل الأول.............................................................. ١١

الإمام السجاد عليه‌السلام في سطور.............................................. ١١

الشخصية :............................................................. ١١

المحطات الرئيسية في حياة الإمام السجاد عليه‌السلام :.............................. ١٥

المحطة الاُولى : في كربلاء :................................................. ١٦

المحطة الثانية : في الكوفة والشام :.......................................... ١٩

المحطة الثالثة : في المدينة المنوّرة :............................................ ٢٤

١ ـ دوره العلمي........................................................ ٢٤

٢ ـ دوره في بلورة المعارضة السياسية....................................... ٢٩

المرحلة المنعطف :......................................................... ٣٢

القتال على جبهات متعددة :.............................................. ٣٤

الحصيلة :............................................................... ٣٧

الفصل الثاني.............................................................. ٤١

ظاهرة البكاء عند الاِمام زين العابدين عليه‌السلام................................... ٤١

بين البكاء والتباكي :..................................................... ٤١

تفسير ظاهرة البكاء عند الاِمام عليه‌السلام :...................................... ٤٢

المواجهة أو الصبر :....................................................... ٤٤

ماذا حقق البكاء؟........................................................ ٤٥

الفصل الثالث............................................................. ٥١

ظاهرتا العبادة والدعاء عند الامام عليه‌السلام...................................... ٥١

التفسير المبتور للظاهرتين :................................................. ٥١

طريقان لا ثالث لهما :.................................................... ٥٣


الهدف الحقيقي :......................................................... ٥٣

مضامين دعائه عليه‌السلام :.................................................... ٥٨

١ ـ المضامين العقائدية :................................................... ٦٢

٢ ـ المضامين الاَخلاقية :.................................................. ٦٤

٣ ـ المضمون العبادي :.................................................... ٦٧

الفصل الرابع.............................................................. ٧٣

فلسفة الإمام عليه‌السلام في الانفاق وتحرير العبيد................................. ٧٣

هدف الاِمام عليه‌السلام من التعامل مع الظاهرة :.................................. ٧٤

التربية العالية والخلق الرفيع :................................................ ٧٥

سياسة الاِنفاق :......................................................... ٨٠

الفصل الخامس............................................................ ٨٥

رسالة الحقوق............................................................. ٨٥

رسالة الحقوق محاكمة المفاهيم بالمصاديق.................................. ٨٥

مع رسالة الحقوق :....................................................... ٨٨

حقوق الرعية والراعي :.................................................... ٩٠

حقوق الرحم :........................................................... ٩١

حق الاُم :............................................................ ٩٢

حق الاَب :........................................................... ٩٢

حق الولد :........................................................... ٩٣

حق الاَخ :........................................................... ٩٣

حق الغريم :.............................................................. ٩٥

حق الخصم :............................................................ ٩٥

حقوق اُخرى :........................................................... ٩٦

كلمة اُخرى في رسالة الاِمام عليه‌السلام :......................................... ٩٧


الفصل السادس.......................................................... ١٠٣

خلاصة الجهاد السياسي عند الاِمام السجاد عليه‌السلام.......................... ١٠٣

خيمة خارج المدينة :.................................................... ١٠٥

الموقف من الحركات الثورية :.............................................. ١٠٧

الموقف من الظالمين :.................................................... ١١٠

موقفه من عبدالملك وهشام :........................................... ١١٠

الموقف من أعوان الظلمة :............................................... ١١٣

كتاب الاِمام السجاد عليه‌السلام إلى الزهري :................................... ١١٨

المحتويات.............................................................. ١٢٥


الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) دراسة تحليلية

الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) دراسة تحليلية

مؤلف: مركز الرسالة
الناشر: مركز الرسالة
تصنيف: الإمام علي بن الحسين عليه السلام
الصفحات: 127