الإمام جعفر الصادق

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: المستشار عبد الحليم الجندي
الإمام الصادق عليه السلام

الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام

تأليف:

المستشار عبدالحليم الجندي


تقديم

بسم اللّه الرحمن الرحيم

كان من المنطق أن يظهر هذا الكتاب قبل - أو مع - كتابنا (أبي حنيفة بطل الحرية والتسامح في الإسلام (سنة ١٩٤٥) م أو كتاب (مالك بن أنس). فلقد تتلمذ أبوحنيفة ومالك للإمام الصادق، وتأثرا كثيرا به، سواء في الفقه أو في الطريقة. ومالك شيخ الشافعي. والشافعي يدلي إلى أبناء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأسباب من العلم والدم. وقد تتلمذ له أحمد بن حنبل سنوات عشرة. فهؤلاء أئمة أهل السنة الأربعة، تلاميذ مباشرون أو غير مباشرين للإمام الصادق.

غير أن تعاقب الأئمة الأربعة لأهل السنة. وتقارب مذاهبهم في تعبيرها عن فقه «أهل السنة»، دفعا إلى وجه آخر. فظهرت كتبنا عنهم بين سنتي ١٩٤٥ ، ١٩٧٠ للميلاد.

وإلى ذلك فقد تأكد في كتابنا «توحيد الأمة العربية» (سنة ١٩٦٥) أن «وحدة القاعدة القانونية» هي الطريقة المثلى لربط المسلمين، في شتى أقطارهم، بتشريع إسلامي شامل. تضؤل دونه التشريعات المعاصرة في الغرب أو في الشرق. والفقه « الشيعي » واحد من النهرين اللذين تسقى منهما حضارة أهل الإسلام. وإليه لجأ الشارع المصري في هذا القرن لإجراء إصلاحات ذات بال في نظم الأسرة المصرية.

والإمام جعفر الصادق يقف شامخا في قمة فقه أهل بيت النبي عليه الصلاة والسلام. هو في الفقه إمام. وحياته للمسلمين إمام. والمسلمون اليوم يلتمسون في كنوزهم الذاتية مصادر أصيلة للنهضة؛ مسلمة غير مخلطة ولا مستوردة.

هو الإمام الوحيد من «أهل البيت» الذي أتيحت له إمامة دامت أكثر من ثلث قرن، تمحض فيها مجلسه للعلم، دون أن يمد عينيه إلى السلطة في أيدي الملوك. وبهذا التخصص سلم الأمة مفاتح العلم النبوي. ومنه يبدأ التأصيل الواضح لمنهج علمي عام للفكر الإسلامي، نقلته أمم الغرب فبلغت به مبالغها الحالية. وعمل به بين يديه، ثم أعلنه، تلميذه جابر بن حيان أول كيمائي كما تبايع له «أوروبة الحديثة»، وهو «منهج التجربة والاستخلاص»، أي الاعتبار بالواقع وتحكيم العقل، مع النزاهة العلمية.


فالإمام الصادق هو فاتح العالم الفكري الجديد، بالمنهج العقلاني والتجريبي، كأصحاب الكشوف الذين فتحوا أرض اللّه لعباده فدخلوها آمنين.

والإمام الصادق هو الإمام الوحيد في التاريخ الإسلامي، والعالم الوحيد في التاريخ العالمي، الذي قامت على أسس مبادئه «الدينية والفقهية» والاجتماعية والاقتصادية » دول عظمى.

ومصر تذكر منها أكبر دولة عرفها التاريخ فيها من عهد الفراعنة - الدولة الفاطمية - التي امتد سلطانها من المحيط الأطلسي إلى برزخ السويس. ولولا هزيمة جيوشها أمام الأتراك لخفقت أعلامها على جبال الهملايا في وسط آسيا.

والعالم كله مدين لها بمدينة القاهرة.

والمسلمون يدينون لها بالجامع الأزهر، الذي حفظ القرآن والسنة واللغة العربية، وعلومها كافة. ويدينون لتعاليم الإمام بقيام دولة كبيرة في إيران. ومجتمع عظيم بالعراق. ومعاهد علمية يتصدرها النجف الأشرف، وشعوب قوية في الهند وباكستان واليمن وأفغانستان ووسط آسيا ولبنان وسورية وكثير سواها.

وهو الإمام الذي علم بالمواقف التي وقفها، قدر ما علم بالمبادئ التي أرساها. فالمواقف أعمال. وهي أعلى صوتا من الأقوال. ولقد يعدل الموقف الواحد جهاد عمر كامل، أو مهمة حياة رجل.

وهو، بمكانه من «أهل البيت»، وحقه في الخلافة، وإمامته للفقهاء بلا استثناء، كان غرضا يطلبه أعظم خلفاء بني العباس ليضيفه إلى قوائم القتلى من صناديد القواد، أو الشهداء من «أهل البيت». وكان درسا من السماء أن يسيطر الإمام على الميزان إذ يلتقيان، فيضعف الطالب عن المطلوب، ويرتفع الإمام الصادق بالخليفة القاتل إلى مستوى الحاكم العادل.

والمستقبليون الذين يتكلمون اليوم عن الأخذ بأسباب النهضة العلمية، كمثل السياسين الذين لا يرون النهضة بالغة شأوها إلا أن تكون شاملة لأمور الدين والدنيا - هؤلاء وأولاء، بحاجة إلى أن يظهروا على حياة الإمام الصادق، ليروا مقدار ما تفلح الدعوة الصادقة بالمبادئ الصحيحة، والخطط المنجحة، في إقامة دول، ومجتمعات، قوامها الدين والعلم والعدل والاقتصاد العصري.


وكمثلهم دعاة الإصلاح الذين يمثلهم الشيخ عبد المجيد سليم شيخ الأزهر في النصف الأول من هذا القرن عندما قال: « إن الأمم ليست بكثرة أفرادها وعديدها ولكن بروحها وإيمانها وخلقها. ولعمري إن سبيل ذلك لهو العلم » - وقال « إن كل إصلاح لا يقوم على أساس تقوية الروح الديني في الأمة لا بقاء له. ولا خير فيه. وإذا قلت الروح الديني فإنما أريد الأخذ العملي بالشريعة عن إيمان وثقة. لا أن نكتفي بما ينص عليه الدستور من أن دين الدولة هو الإسلام. ثم نكون في أكثر أحوالنا وتشريعاتنا وأخلاقنا على خلاف ما يأمر به الإسلام وينهى عنه الإسلام».

واللّه نحمد: لقد غيرت مصر في سنة ١٩٧١ دستورها الذي أشار الشيخ إليه. ونصت على أن «الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع» وهي دعوة صادقة لتقوم القوانين المطبقة جميعا على أساس الشريعة.

وبعد: فالكتاب الحالي يبلغ غرضه إذا كان صوتا يدعو إلى الوحدة. والمسلمون تجمعهم أصول فكرية واحدة، وإن اختلفت الفروع أو تعددت الآراء. وفي تعدد الآراء ثراء. ولما عرض تلميذ لأحمد بن حنبل تسمية كتاب له «كتاب الاختلاف» قال له «سمه كتاب السعة».

ألا: وإنه لا صلاح للمسلمين والعرب اليوم في مواجهة التحدي العالمي إلا بالوحدة.

والعالم الغربي الذي تهز الأفكار المادية والإلحادية عقائده، ويزعزع الرعب النووي اطمئنانه، بحاجة إلى مبادئ الإسلام، وعرض شريعته علميا، كهيئة ما عرضها الإمام الصادق على الملاحدة في عصره فكانوا يسلمون. وكمثل ما علم تلاميذه ومعاصريه قواعد العلم والفقه والاقتصاد التي تكفل للمسلمين النماء الفكري والاجتماعي والاقتصادي.


والعالم الغربي، الذي يحسب للعالم الإسلامي حساب الطاقة التي خزنتها السماء في الأرض الإسلامية، التي جعلها اللّه مقرا لبيته العتيق، وحساب المعادن التي تعكس الأقمار الصناعية لمعانها وإشراقها كلما صورت أرض العرب، هذا العالم الغربي الذي جمعته الحروب الصليبية في مقابلة العالم الإسلامي، والذي خططت حدوده الحالية حروب ومعاهدات دينية، وازدهرت قاراته الجديدة بعد هجرات تجري في جذورها النوازع الدينية، هذا العالم الغربي جدير بأن يواجهه المسلمون كالبنيان المرصوص، لا كهيئة الحجارة المتناثرة، قد بعثرتها في مهاب الرياح الأربعة أمم غلبت عليها بالقوة، من الخارج، وبالتخلف الاجتماعي والعسكري والاختلاف الديني في الداخل.

والمسلمون اليوم لا يتنازعون سلطة كما كان الأقدمون منهم يتنازعون من أجل السلطة. وإنما يتنازع غيرهم السلطة عليهم.

وهم اليوم لا يتقاسمون القوة وإنما يتقاسمون الضعف المادي، في حين يختزنون القيم العليا للتقدم، والقوى التي تحصى وتعد. فحيثما ابتغوا الوسيلة وجدوا نصر اللّه.

ويوم توجد فينا إرادة الانتصار سننتصر.

واللّه متم نوره.

حياة الإمام تنقسم في ترجمتها قسمين: الأول عن الرجل، والثاني عن علمه. وعلى ذلك وردت الصورة التي صورنا فيها هذه الحياة في قسمين. كل منهما في ثلاثة أبواب.

القسم الأول: يدور حول ظهور الإسلام وتألق «علي» وأولاده من «فاطمة الزهراء» في الصدارة من الأشخاص والأحداث، والبيئة التي نتج فيها الإمام الصادق. فتعاونت على إعداده ظروف الوفاء، أو العداء، لأهل البيت، لتهيئ منه إماما خصيصته تعليم العلم الذي تلقاه عن جديه، وطريقته الأسوة الحسنة في أعمال حياته، وتحمل التبعات حيث تزوغ الأبصار.


والقسم الثاني: من الكتاب يعرض تصور المؤلف للعلم الذي علمه الإمام، والمدرسة التي أنتجته، والمنهج العلمي، العالمي، الذي أخذ به العلماء الدينيون والفقهيون، والرياضيون، والفلكيون والكيمائيون وعلماء الطبيعة الإسلاميون، ونقله عنهم رياضيو العصور الوسيطة في أوربة، ليصير «منهج التجربة والاستخلاص» الذي يعمل به الفكر المعاصر، بعد إذ ترجم من العربية في جنوب فرنسا واسبانيا وصقلية وسواها من جامعات أوروبة، وسبق إلى التنويه به «روجير بيكون» ثم نسب إلى «فرنسيس بيكون» بعد ثلاثة قرون - وكذلك المنهج السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي أقام الدول العظمى والمجتمعات الإسلامية التي يباهي بها المسلمون في العصر الوسيط وفي العصور الحديثة.

وفي هذا القسم باب أخير تبدو فيه عدالة التاريخ مصححة لانحراف الأعداء وافتياتهم على أبناء علي. كما يظهر فيه نصر اللّه للمسلمين إذ يتحدون.

واللّه نسأل أن يقينا الزلل.


القسم الأول

الباب الأول: ظهور الاسلام

الباب الثاني: بين السلطان والامام

الباب الثالث : امام المسلمين

الباب الأول : ظهور الإسلام

«لأعطين الراية غدا رجلا يحب اللّه ورسوله ويحبه اللّه ورسوله. ليس بفرار. يفتح اللّه عز وجل على يديه»

«حديث شريف»

ظهور الإسلام

الإمام جعفر الصادق نتاج قرن كامل من العظائم. يحني لها الوجود البشري هاماته. ويدين بحضاراته. على رأسها نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام. وفيها بطولات الإمام علي إلى جوار النبي، وأثرها في ظهور الإسلام، ومشاركته في إبان خلافة الخلفاء الراشدين الثلاثة الذين سبقوه. وآيات نبوغه وتبريزه في السياسة والإدارة والقضاء والفقه والتشريع والبيان العربي والعلم بوجه عام. وإجلال جميع المسلمين لمكانته والتفاف شيعته حوله وتفضيلهم له على سائر الخلفاء الراشدين. ثم قيام الفتنة في أخريات خلافة عثمان واغتياله وبيعة المسلمين لعلي، وخروج معاوية عليهم بأهل الشام، وقيام الحرب بين أمير المؤمنين وبين جيش معاوية، وخروج الخوارج واغتيال علي، والبيعة لابنه الحسن. ثم تصالح الحسن ومعاوية حقناء للدماء. واستقرار الأمور للأخير نحو عشرين عاما.

ولما آلت الأمور إلى ابنه يزيد استفتح حكمه بمذبحة كربلاء، حيث استشهد الحسين بن علي أبو الشهداء. وأعقبتها وقعة الحرة، حيث سفك دم الصحابة والتابعين، ثم ضربت جيوشه الكعبة بالمنجنيق ومات وجيوشه تضرب الكعبة. فتولى بعده ابنه معاوية، فتنازل عن الخلافة. وولى بنو أمية مروان بن الحكم وتتابع بعده بنوه.


أما أبناء الحسين فتتابعوا على حمل هموم المسلمين وإعلاء كلمة الدين والقيام في الأمة مقام جدهم الإمام «علي بن أبي طالب» والنهوض بتبعات الإمامة بتوفيق اللّه سبحانه: من علي بن الحسين (زين العابدين) إلى ابنه الإمام (الباقر) إلى حفيده الإمام (الصادق)

والإشارات السريعة، إلى كل أولئك، مع الوجازة المفروضة، موضوع الفصلين الأول والثاني في هذا الباب. وفيهما مدخل الكتاب.

الفصل الأول : أخو النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

«أنت أخي وصاحبي»

«حديث شريف»

أخو النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

أول من آمن باللّه ورسوله أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، وأبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب. واختلف في الأول منهما. والأكثرون يقولون عليا. واختلفوا في سن علي يومئذ. قال ابن إسحق إن عليا أول من آمن باللّه وصدق رسول اللّه، وهو ابن عشر سنين يومئذ.

لكن حسان بن ثابت، وطائفة، قالوا إن أبا بكر هو الأول.

وروى ابن إسحق كيف أسلم علي بن أبي طالب بعد إسلام خديجة وصلاتها مع النبي بيوم واحد. إذ جاء فوجدهما يصليان. فقال علي: يا محمد ما هذا ؟

فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «دين اللّه الذي اصطفى لنفسه وبعث به رسله. فأدعوك إلى عبادة اللّه وكفر باللات والعزى».

فقال علي: هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم. فلست بقاض أمرا حتى أحدث أبا طالب. فكره رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يفشى عليه سره قبل أن يستعلن أمره.

فقال له «يا علي إن لم تسلم فاكتم». فمكث على تلك الليلة. ثم إن اللّه أوقع في قلبه الإسلام. فأصبح غاديا إلى رسول اللّه حتى جاءه فقال: ماذا عرضت علي يا محمد ؟

فقال «تشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له. وتكفر باللات والعزى. وتبرأ من الأنداد». ففعل علي وأسلم. ومكث علي يأتيه سرا خوفا من أبي طالب. وكان مما أنعم اللّه به على علي أنه ربي في حجر رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل الإسلام.


ومن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وخديجة - أول مسلمين - ولدت فاطمة الزهراء. ومن أبنائها ومن أبناء علي وأبي بكر الصديق، أي من أبناء نبي الإسلام، والمسلمين الثلاثة الأولين، ولد جعفر بن محمد: الإمام الصادق.

وبدعوة أبي بكر أسلم خمسة من العشرة الذين بشرهم رسول اللّه بالجنة ومات وهو عنهم راض: عثمان بن عفان والزبير بن العوام وطلحة ابن عبيد اللّه وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص. وهؤلاء الخمسة هم أهل الشورى، الذين جعل عمر الخلافة فيهم وفي «علي بن أبي طالب»، ليختاروا واحدا منهم فيبايعه المسلمون.

فعلي بن أبي طالب يجيء دائما في صدارة أهل الإسلام.

وأبوه وأمه في الصدارة كذلك:

لقد كفل أبوه محمدا ابن أخيه عبد اللّه وهو ابن ثماني سنين. وخرج به إلى الشام وهو ابن اثنتى عشرة. وهو الذي مثله في الزواج من أم المؤمنين خديجة. ولما ماتت فاطمة بنت أسد، أم علي، نزل النبي في لحدها وألبسها قميصه -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - وقال (لم يكن أحد أبربي بعد أبي طالب منها).

وجزى النبي صنيعهما في علي. إذ كفله وهو ابن ست سنين، ثم جعله سابقا في الإسلام. فلما كان النبي يعبد اللّه في غار حراء كان علي يعبد اللّه وهو صبي مميز. ثم بسق الفرع وسمق في جوار أخيه(١) ومربيه وعلى عين أبيه.

وفي سنة سبع من المبعث تآمرت قريش على قتل الرسول. وأبى قومه بنو هاشم وظاهرهم بنو عمهم «المطلب بن عبد مناف». فأجمع المشركون من قريش على إخراجهم من مكة إلى الشعب. فخرجوا مؤمنهم وكافرهم. فلما عرفت قريش أن رسول اللّه قد منعه قومه أجمعت ألا تدخل إليهم شيئا، وقطعت عنهم الأسواق ثلاث سنين.

___________________

(١) العرب تسمى ابن العم الشقيق أخا.


وكان «أبو طالب» يأمر رسول اللّه أن يأتي فراشه كل ليلة، حتى يراه من أراد به شراً. فإذا نام الناس أمر أحد بنيه أو إخوته أو بني عمه، فاضطجع على فراش الرسول. وأمره أن يرقد على بعض فرشهم فيرقد عليها. حتى إذا أكملوا ثلاث سنين أخبر اللّه رسوله أن العهد الذي تعاهدته قريش في صحيفة علقوها بالكعبة قد أكلته الأرضة. ولحست باقي الصحيفة. فخرجوا من الشعب إلى قريش. وأنبأ أبوطالب قريشا أن الصحيفة قد أكلت، وأسماءهم قد لحست، كما أخبره ابن أخيه، وأنبأهم أنه وأهله سيحمونه عن آخرهم.

وذات يوم سأل النبي أهله: أيكم يواليني في الدنيا والآخرة ؟ - وعلي جالس - فسكتوا. وقال علي: أنا أواليك في الدنيا والآخرة. فكانت هذه أول موالاة من النبي لعلي.

ولما حضرت الوفاة أبا طالب في السنة العاشرة من المبعث عن بضع وثمانين، جمع إليه وجوه قريش فقال بين ما قال (. وإني أوصيكم بمحمد فإنه الأمين في قريش والصديق للعرب وهو الجامع لكل ما وصيتكم به وقد جاءنا بأمر قبله الجنان وأنكره اللسان مخافة الشنآن . يا معشر قريش كونوا له ولاة ...).

والنبي يقول (ما زالت قريش كاعة حتى مات عمي أبو طالب).

وماتت خديجة بعد أبي طالب بأيام أو أشهر أو أكثر. وأذن اللّه للرسول في الهجرة إلى المدينة. وكان قد أمر أصحابه بالهجرة إلى الحبشة ثم إلى المدينة. ولم يبق فيها إلى جواره إلا أبا بكر وعليا. والأول هو الصديق والثاني هو «الفدائي الأول».

فلقد رأت قريش ذلك فأجمعت على قتل النبي فبيتوه ورصدوه طول ليلهم ليقتلوه إذا خرج. فأمر عليا أن ينام على فراشه. ودعا ربه أن يعمى على قريش أثره، وخرج وقد غشى أبناءها النوم. فلما أصبحوا خرج علي عليهم وقال: ليس في الدار ديار. فعلموا أن رسول اللّه نجا.

وكان «الفدائي الأول» قد شارف العشرين من العمر. استبقاه الرسول لأمر يتعلق بحياة الرسول. ليضحي من أجله بحياته. وسلمت الحياتان لأن الأولى حياة الإسلام، ولأنّ الثانية سوف تفديها وتحرسها مرة إثر أخرى.


اخو النبي:

أقام علي بمكة أياما ليرد فيها ودائع كانت عند الرسول. ثم لحق به في المدينة. فنزل معه بقباء، حيث أقام رسول اللّه مسجدها ثم خرج إلى دور أخواله بني عدي بن النجار فأقام بها أشهرا بنى فيها مسجده. وآخى بين تسعين من المهاجرين والأنصار على الحق والمساواة والتوارث. حتى نزل قوله تعالى (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض).

أما «أبو بكر» فآخى بينه وبين خارجة بن زيد. وأما « عمر » فآخى بينه وبين عتبان بن مالك وأما «عثمان» فآخى بينه وبين أوس بن ثابت (أخي حسان).

أما «علي». فآخى بينه وبين نفسهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . بل هو قال له: «أنت أخي وصاحبي». وفي ذلك رواية ابن عباس أن عليا كان يقول (واللّه إني لأخو رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ووليه). وهذه هي المؤاخاة الثانية. فالأولى كانت بمكة.

ثم خرج المسلمون ليوم « بدر »، فدفع رسول اللّه الراية إلى علي. وراية أخرى لرجل من الأنصار. فهذه أولى معارك الإسلام وكبراها. وفعل علي الأفاعيل بالعدو: قتل من المشركين بيده أربعة. وقيل خمسة. وقيل ستة: أكثرهم من أهل معاوية بن أبي سفيان. وهو ما يزال بين المشركين. ثم قدم الرسول فلذة كبده «لبطل بدر». فبنى بفاطمة الزهراء وهي في الثامنة عشرة(١) .

___________________

(١) روى جميع بن عمير التيمي قال (دخلت مع عمي على عائشة فسألت: أي الناس كان أحب إلى رسول اللّه ؟ قالت فاطمة. قيل من الرجال؟ قالت زوجها. أن كان ما علمت صواما قواما) وفي مسند الإمام أحمد عن علي أنّه قال: دخل علي رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنا نائم، فاستسقى الحسن أو الحسين فقام النبي إلى شاة لنا بكئ (قليلة اللبن) فحلبها فدرت فجاء الحسن فنحاه النبي فقالت فاطمة: يا رسول اللّه. كأنه أحبهما قال لا ولكنه استسقى قبله. ثم قال (أنا واياك وهذين، وهذا الراقد، في مكان واحد يوم القيامة).

توفيت بعد رسول اللّه بستة أشهر وقيل ثلاثة. وقيل بسبعين يوما عن تسع وعشرين سنة أو ثلاثين.


روى ابن الأثير في أسد الغابة (أخبرنا . عن الحارث عن علي فقال: خطب أبو بكر وعمر - يعني فاطمة - إلى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فأبى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليهما. فقال عمر: أنت لها يا علي. فقلت: ما لي من شيء إلا درعي أرهنها. فزوجه رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاطمة. فلما بلغ ذلك فاطمة بكت. قال: فدخل عليها رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: مالك تبكين يا فاطمة فو اللّه لقد أنكحتك أكثرهم علما وأفضلهم خلقا وأولهم سلما).

أما العلم والحلم والسلم فهي التي احتاج فيها علي - وهو في فتاء السن - إلى الشهادة بها من النبي لدى زهراء النبي.

وأما ميادين الوغى فقد شهدت له فيها رايات « بدر ». وستشهد له فيها الرايات الأخر:

في يوم أحد - أخطر معارك الإسلام - كان علي في الحرس، إلى جوار النبي، حين أصيب النبي في المعركة. وكان طبيعيا أن يصاب علي بستة عشر ضربة، كل ضربة تلزمه الأرض. وكما يقول سعيد بن المسيب سيد التابعين (فما كان يرفعه إلا جبريلعليه‌السلام ) فلما اشتد الخطب، وقتل حامل الراية - مصعب بن عمير - دفع الرسول الراية لعلي . فقتل علي يومذاك واحدا وقيل ثلاثة مشركين.

وفي يوم الخندق أزفت الآزفة حيث تيمم المشركون مكانا ضيقا فاقتحموه بخيلهم. فخرج لهم علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين، حتى أخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموا منها. وكان عمرو بن عبدود - فارس العرب - يريد أن يعرف مكانه يوم الخندق. فنادى من فوق الخيل: هل من مبارز ؟ فبرز له علي. قال له عمرو: ما أحب أن أقتلك لما بيني وبين أبيك . وأصر علي ونزل عمرو عن فرسه. وتجاولا. فما انجلى النقع حتى قتله علي. وفر أصحاب الثغرة بخيولهم منهزمين.


وفي غزوة بني قريظة كانت له راية المسلمين:

وفي صلح الحديبية كان «كاتب» صحيفة الصلح علي بن أبي طالب يملي عليه رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فذلك كان أيمن صلح عرفه التاريخ البشري. فلقد أصبح الذين أسلموا بعده وقبل فتح مكة، أكثر ممن أسلموا قبله. وبه حفظت دماء الذين بايعوا تحت الشجرة، ليظهر الإسلام على أعدائه وييسر فتح مكة.

وفي غزوة خيبر فتح اللّه على المسلمين حصنا واستعصى اثنان على أبي بكر وعمر. فقال عليه الصلاة والسلام: «لأعطين الراية غدا رجلا يحب اللّه ورسوله ويحبه اللّه ورسوله. ليس بفرار. يفتح اللّه عز وجل على يديه». ولما أصبح دعا عليا وقال: «خذ الراية وامض حتى يفتح اللّه عليك».

وحمى الوطيس. وسقط ترس علي. فتناول بابا وترس به نفسه. ولم يزل يقاتل حتى فتح اللّه عليه.

وصدق أبو بكر بعد سنين في وصف علي عندما حدث المسلمين عن علي وعمر: إن عليا إذا اعترضته عقبة حاول اقتحامها. فإما كسرته أو كسرها. أما عمر فإنه إذا صادفته عقبة دار لها.

وحمى اللّه فضائل الإسلام على يد علي. فلم يره أحد في موقف المنكسر. ولما استشهد في دفاعه عن هذه الفضائل، كان الإسلام ينتصر.

وفي يوم حنين أعجبت المسلمين كثرتهم. فكادوا ينهزمون. وثبت الرسول. وقتل علي صاحب راية المشركين وأخذها منه، وكر المسلمون عليهم فهزموهم بإذن اللّه.

ولما قتل خالد بني خزيمة خطأ وسباهم - وهم مسلمون - بعث الرسول عليا فوداهم ورد إليهم أموالهم وقال لهم: انظروا إن فقدتم عقالا لأدينه. فبهذا أمرني رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .


وفي السنة التاسعة خرج رسول اللّه إلى تبوك واستعمل عليا على المدينة فسأل علي النبي في ذلك فأجابه (إنما خلفتك لما تركت ورائي. فارجع فاخلفني في أهلي، وأهلك. فأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ..) فكان تخليفه عن هذه الغزوة تقديما له. إذ وضعه موضع هرون من «موسى»عليه‌السلام . أي في منزلة أخ الرسول من الرسول.

وتتابع التقديم. إذ نزلت عشر آيات من صدر سورة «براءة» من عهد كل مشرك لم يسلم أن يدخل مسجد الحرام بعد هذا العام. فقالوا للرسول: ابعث بها إلى أبي بكر - وكان على الناس في حج البيت الحرام - فقال عليه الصلاة والسلام «لا يؤديها عني إلا رجل من أهل بيتي» وبعث عليا على ناقتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأدرك أبابكر في الطريق. فسأله أبو بكر هل جاء أميرا أو مأمورا ؟ قال علي: بل مأمورا. فهو قد جاء بغرض خاص بتبليغ القرآن. أما إمارة الحاج فكانت لأبي بكر.

وفي كتب السنن أن النبي بعد عودته من حجة الوداع نزل بغدير خم وأعلن أنه يترك القرآن و«عترته» للمسلمين ثم أخذ بيد علي ودعا ربه «اللهم وال من والاه وعاد من عاداه»

وكان للرسول «كتابه» «والمنفذون» لأمره و «المفتون» في حياته - ثقة من اللّه والرسول في شجاعتهم وحكمتهم وسداد رأيهم - وفي كل صفة، وكل طائفة، كان علي. فامتاز بهذه الخصيصة التي تحوي جماع خصائص أصحاب النبي.

- فكتاب النبي. أبي بن كعب وأبو بكر وعمر وعثمان و «علي» وزيد بن ثابت ومعاوية بن أبي سفيان وحنظلة بن الربيع.

- والمنفذون لأحكامه (ومنها ضرب الأعناق بين يدي النبي). «علي» والزبير ومحمد بن مسلمة

- والمفتون في عهده: أبو بكر وعمر وعثمان و «علي» وأبي بن كعب وابن مسعود ومعاذ بن جبل وعمار بن ياسر وزيد بن ثابت وسلمان و أبو الدرداء وأبو موسى الأشعري.


ولما بعث النبي عليه الصلاة والسلام عليا إلى اليمن قال علي (يا رسول اللّه تبعثني إلى اليمن ويسألونني عن القضاء ولا علم لي به). فضرب النبي بيده على صدره ثم قال «اللهم ثبت لسانه واهد قلبه» قال علي (فوالذي خلق الحبة وبرأ النسمة ما شككت في قضاء بين اثنين بعد). وهي خصيصة يدرك جلال اليقين فيها من ولي القضاء.

بين الخلفاء الراشدين:

صعدت روح رسول اللّه إلى الرفيق الأعلى وعلي بطل جيوشه غير منازع. وكان قد دربه على القضاء والإفتاء. فهاتان الوظيفتان هما أسمى عمل في الدول. وبخاصة في الدولة المسلمة، حيث الحفاظ على الشريعة وإدارة الدول وسياسة الأمم واستقرار النظم واطمئنان الجماعة واجبات دينية. والإفتاء يعدل التشريع في أيامنا هذه. والقضاء هو توزيع العدالة. والعدل صفة اللّه سبحانه.

لقد بعثه إلى اليمن. فقضى. وله قضاء مشهور عرض على النبي فاستحسنه. وله السؤال المشهور يومذاك إذ سأل: أكون كالسكة المحماة أو الشاهد يرى ما لا يراه الغائب ؟ فأجابه عليه الصلاة والسلام «بل الشاهد يرى ما لا يراه الغائب». فدل بذلك على تفويضه في أن يجتهد، وأن يعمل بمقاصد الشريعة . وكان أيامئذ في عنفوان شبابه. فلم يفارقه الاجتهاد العظيم للأمة في كل مناسبة تقتضي الاجتهاد.

وبالتربية النبوية في القضاء والإفتاء. نفذ علي إلى صميم الفكر التشريعي في الأمة. أي صميم شريعة الإسلام. فاحتاج أبو بكر وعمر إليه في جوارهما ليشير عليهما ويقضي ويفتى.

أما فتاواه التشريعية فستبقى مثلا أعلى للفكر الإسلامي في سياسة الدولة وسياسة الناس.

إذا اشتهر عمر بأنه المجتهد الأكبر من كثرة ما واجه من ظروف طارئة على الدولة المنتصرة في الشرق والغرب، ومن طول ما حكم وهو خليفة، واتساع ما فتح من الفتوح، واختلاف من أسلم من أهل البلاد المفتوحة، فعلي كان يصحح الكثير للمجتهد الأكبر. وفي ذلك الحجة القاطعة على أنه في أسمى وظائف الفكر، وهما التشريع والقضاء، كان بدوره مجتهداً أكبر.


إليك قليلا من الأمثال، تخيرناها، من أمور معلمة في الدين والفقه والسياسة:

- منع عمر تدوين الحديث - مخافة أن يخلط القرآن بشيء - وبهذا أبطأ التدوين عند أهل السنة قرنا بتمامه. وانفتحت أبواب للجرح والتعديل وللوضع، وللضياع. أما علي فدون من أول يوم مات فيه الرسول. ولعله إذ دون صار مرجع الصحابة بما فيهم عمر.

وهذا الاتجاه العلمي للتدوين، يؤازره اتجاه ديني، وفقهي، وسياسي، واقتصادي، لتوزيع الحقوق.

- قال عمر للناس يوما: ما ترون في فضل فضل عندنا من هذا المال (مال الصدقة) قالوا يا أمير المؤمنين. قد شغلناك عن أهلك وضيعتك فهو لك. فالتفت إلى علي وقال ما تقول؟ قال قد أشاور عليك. قال عمر: قل.

قال علي: لم تجعل يقينك ظنا ؟. أتذكر حين بعثك رسول اللّه -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - ساعيا فأتيت العباس بن المطلب، فمنعك صدقته. فقلت لي: انطلق إلى رسول اللّه -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - فوجدناه خاثرا. فرجعنا ثم غدونا عليه. فوجدناه طيب النفس فأخبرناه بالذي صنع .

فقال لك: أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه ؟ وذكرنا الذي كان من طيب نفسه في اليوم التالي فقال: اما انكما أتيتماني اليوم وكان عندي من الصدقة ديناران. فكان الذي رأيتماه من خثوري له. وأتيتماني اليوم وقد وجهتهما غداً (صباح اليوم) فذاك الذي رأيتما من طيب نفسي.

- ودعا عمر امرأة فأجهضت ما في بطنها بفزعها فاستشار في الدية.

فقال له عثمان وعبد الرحمن: لا عليك. إنما أنت مؤدب.

وقال علي: إن كانا قد اجتهدا فقد أخطآ. وإن لم يجتهدا فقد غشاك. أرى عليك الدية.

فقال عمر: عزمت عليك ألا تبرح حتى تفرضها على بني عدي . وهذه الفتوى تعتبر تقدما تحاول أن تبلغه الحضارة المعاصرة، ولا تكاد.


- ورأى عمر ذات يوم رجلا مع امرأة على معصية. فاستشار في أن يقضى بعلمه أم لابد من شهادة غيره؟

قال علي (يأتي بأربعة شهداء أو يجلد حد القذف شأنه في ذلك شأن سائر المسلمين).

- ولما فتح المسلمون الأمصار طلب الفاتحون لأنفسهم أربعة أخماس الأراضي المفتوحة أخذا بظاهر الآية. فاستشار عمر الصحابة. فاختلفوا. لكن عليا كان من الرأي الذي أخذ به عمر، وهو إبقاء الأرض في أيدي أصحابها وتكليفهم الخراج تسد من حصيلته حاجات الدفاع عن الأمة والإنفاق على المحتاجين.

وفي بقاء الأرض في أيدي أصحابها بقاء لهم أو لمن يجيئون بعدهم وأثر هذه الفتوى في نشر الإسلام يذكر ويشكر.

- وعلى صاحب الرأي الشهير بتضمين الصناع ما يتلفونه إلا أن يثبتوا أنه من عمل غيرهم بعد إذ كانوا لا يضمنون لأن يدهم يد الأمين. لكن الزمان تغير فاقتضى تغير الناس التضمين. وفي ذلك قول علي: لا يصلح الناس إلا ذاك. وهذا مضرب المثل على العمل بقصد الشارع من حفظ مصالح المسلمين وتوخي المصلحة الإسلامية حيث تكون.

- ورفعت إلى عمر قضية رجل قتلته امرأة وخليلها. فتردد هل يقتل الكثيرين بالواحد ؟ قال علي أرأيت لو أن نفرا اشتركوا في سرقة جزور هذا عضوا وهذا عضوا. أكنت قاطعهم ؟ قال نعم. قال علي: فكذلك.

فكتب عمر إلى عامله أن: اقتلهما فو اللّه لو اشترك أهل صنعاء كلهم لقتلتهم.

- وجيء عمر يوما بأمرة زنت وأقرت فأمر برجمها. لكن عليا قال: لعل بها عذرا. ثم سألها: ما حملك على ما فعلت ؟ قالت: كان لي خليط وفي إبله ماء ولبن. ولم يك في إبلي ماء ولا لبن. وظمئت واستسقيته فأبى ان يسقيني حتى أعطيه نفسي. فأبيت عليه ثلاثا. فلما ظمئت وظننت نفسي ستخرج أعطيته الذي أراد فسقاني. قال علي: اللّه أكبر (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه. إن اللّه غفور رحيم).

- لقد كان عمر على الحق إذ أمر ألا يفتى أحد بالمسجد وعلي حاضر. فجعل القضاء وقفا عليه في ساحة القضاء.


- وكان يقول اللهم لا تنزل بي شديدة إلا وأبو الحسن إلى جنبي.(١)

بل يحيل سائليه على علي. ويجيب أذينة العبدي إذ يسأله: من أين أعتمر؟ إيت علي بن أبي طالب فاسأله.

بل يقول: لولا علي لهلك عمر.

- ولعلي عهده المشهور إلى الأشتر النخعي(٢) إذ ولاه مصر. فهو دستور سياسي وديني وعالمي يضؤل دونه كل العهود، بما فيه من شمول وتفصيل لقواعد الحكم الصالح. وإليه يرجع كل من أراد نجاحا للحكم بصلاح الدنيا والدين.

والمصريون - مسلمين ومسيحيين - يحفظون قوله فيه لواليه (واشعر قلبك الرحمة بهم والمحبة لهم. واللطف بهم. ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم. فإنهم: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل وتعرض لهم العلل).

___________________

(١) لا يتسع المقام في هذا الباب إلا لبعض أمثال:

- قاضاه خصم إلى عمر وناداه عمر: قم يا أبا الحسن. ولاحظ عمر أنه تألم فسأله. فقال (تألمت إذ كنيتني ولم تكن خصمي فلم تسو بيننا).

- وقاضاه يهودي - وهو خليفة - في درع - ولم تكن للخليفة بينة. فقضى القاضي ضده، فأسلم اليهودي لما رأى من العدل.

- وأودع قرشيان مائة دينار - لدى قرشية على ألا تدفعها لأحدهما دون الآخر. ولبثا حولا ثم جاء أحدهما وادعى أن الآخر مات. فدفعت إليه المال. ثم جاءها الآخر فأخبرته. فترافعا إلى علي. وعرف علي أن الرجلين مكرا بها. فقال للرجل: أليس قلتما لها لا تدفعي لواحد دون صاحبه؟ قال بلى. قال اذهب فجئ بصاحبك. فذهب ولم يرجع.

وهذه اللفتات المرتجلة تصدر عن وحدة فكرية في أمور الإثبات والإجراءات وإدارة الجلسات وهي دلائل متضافرة على اقتدار مقطوع القرين « لعقل قضائي » أجمع الصحابة العظماء على أنه أقضاهم.

(٢) الأشتر أول من عبر التعبير الشهير في شأن معاوية حين سئل: أشهد معاوية بدرا ؟ فأجاب: نعم من الجانب الآخر (أي جانب المشركين).


- وعلي هو الذي يضبط فحوى الشرع ويرفعه إلى مقامه الحق في تعريفه للفقيه فيقول للمسلمين (الا أنبئكم بالفقيه، حق الفقيه ؟ من لم يقنط الناس من رحمة اللّه ولم يرخص لهم في معاصي اللّه. ولم يؤمنهم من مكر اللّه).

كان منذ شبابه الذي أنضجته أحداث النزال والطعان في الميدان - أعبد الناس وأكثرهم في عبادته جمعا مع اللّه. لا يقطع صلاته والسهام تقع بين يديه يمينا وشمالا. يربط على بطنه من الجوع في حين يتصدق بأربعة آلاف درهم، وعليه إزار غليظ اشتراه بخمسة دراهم. أما قوته فمن دقيق الشعير. يأخذ قبضة فيضعها في الماء فيصب عليها قدحا فيشربه . وفي يده كل مال المسلمين

ولما أصهر عمر إليه في «أم كلثوم» كان يتوسل إلى الآخرة بلحمة النسب. فلقد كان يقول: (لقد أعطى علي بن أبي طالب ثلاث خصال كل خصلة منها أحب إلي من حمر النعم: تزويجه فاطمة بنت رسول اللّه،صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وسكناه المسجد مع رسول اللّه. يحل فيه ما يحل له).

ولم يبرح عمر المدينة في خلافته الا استخلف عليا عليها. فلقد كان ذلك سنة عنده. أليس صاحبهما -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - كان يستخلفه، إذا برح المدينة ؟.

وعلي «باب مدينة العلم». يقول الرسول عليه الصلاة والسلام «أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأت بابه».

وهو «إمام البلاغة». يجيء معاوية رجل من الكذبة فيقول له: جئتك من عند أعيا الناس - يقصد عليا - فيجيب معاوية، وهو أعدى الناس لعلي، (ويحك فو اللّه ما سن الفصاحة للناس غيره). كيف لا ؟ وبلاغته من بلاغة النبي . مذ كان فكره من فكره، وكان قد رباه فأحسن تأديبه، حتى ليعيا بلغاء العرب عن فهم المعنى النبوي ويراه على بادي الرأي.

شكا العباس من مرداس للنبي قسمه من الفيء بقوله:

أتجعل نهبي ونهب العبيـ

د كنهب عيينة والأقرع


(والعبيد فرس الشاعر. وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس من المؤلفة قلوبهم).

(قال عليه الصلاة والسلام: «يا علي اقطع لسانه»

فأخذه علي ومضى.

قال العباس: أقاطع أنت لساني يا أبا الحسن؟

قال علي: إني لممض فيك ما أمر .

ثم مضى به إلى إبل الصدقة وقال له: خذ ما أحببت.

ومن «نهج بلاغته» يسقي بلغاء العربية وحكماء الإسلام. ومن تعليمه وضع النحو العربي(١) . ووضع النحو بتعليم علي يذكر بالمكانة الخاصة لعلي

___________________

(١) روى الأنباري في تاريخ الأدباء أن سبب وضع علي كرم اللّه وجهه لهذا العلم ما روى أبو الأسود الدؤلي (٦٧) حيث قال: دخلت على أمير المؤمنين علي فوجدت في يده رقعة فقلت ما هذه يا أمير المؤمنين فقال: إني تأملت كلام العرب فوجدته قد فسد بمخالطة هذه الحمراء (يعني الأعاجم) فأردت أن أضع شيئا يرجعون إليه ثم ألقى إلي الرقعة ومكتوب فيها (الكلام كله اسم وفعل وحرف فالاسم ما أنبأ عن المسمى والفعل ما أنبئ به والحرف ما أفاد معنى) وقال لي انح هذا النحو وأضف إليه ما وقع عليك وأعلم يا أبا الأسود أن الأسماء ثلاثة.. ظاهر ومضمر واسم لا ظاهر ولا مضمر. وإنما يتفاضل الناس يا أبا الأسود فيما ليس بظاهر ولا مضمر (أراد بذلك الاسم المبهم) قال ثم وضعت بابي العطف والنعت ثم بابي التعجب والاستفهام إلى أن وصلت إلى باب إن وأخواتها فكتبتها ما خلا «لكن» فلما عرضتها على أمير المؤمنينعليه‌السلام أمرني بضم لكن اليها. وكلما وضعت بابا من أبواب النحو عرضته عليه إلى أن حصلت ما فيه الكفاية. فقال ما أحسن هذا النحو الذي نحوت فلذا سمى النحو). وان المرء ليلاحظ أن هذا الفتح العظيم في العلم كان من اهتماماته وهو أمير المؤمنين، ليس لديه يوم واحد خلا من معركة أو استعداد لمعركة. وأن أبا الأسود هو واضع علامات الإعراب في المصحف في أواخر الكلمات بصبغ يخالف لون المداد الذي كتب به المصحف. فجعل علامة الفتح نقطة فوق الحرف. والضم نقطة إلى جانبه والكسر نقطة في أسفله والتنوين مع الحركة نقطتين ثم وضع نصر بن عاصم (٨٩) تلميذ أبي الأسود النقط والشكل لأوائل لكلمات وأواسطها ثم جاء الخليل بن أحمد(١٧٥) فشارك في إتمام بقية الإعجام . والخليل شيعي كأبى الأسود. وهو واضع علم العروض وصاحب المعجم الأول وواضح النحو على أساس القياس.

فاللغة العربية مدينة لعلي وتلاميذ علي. وكمثلها البلاغة العربية.

وعلى معدود من خطباء التاريخ العالمي بخطبه والمناسبات التي دعت اليها.


في علوم الإسلام. فالنحو العربي هو الذي حفظ العربية. لغة القرآن. وهو امر أصولي للغه، كأصول الفقه. وسنرى موقفه المبدع فيها. وكذلك كانت مواقف علي بعد ظهور الإسلام، وفي خلافة سابقيه، تتصدى للأساسيات في الإسلام.

لقد كان أطول الراشدين حياة في الإسلام مما يظهر أثره عميقا، عمق الحوادث والعلوم وأثرها في الإسلام، وطويلا لطول المدة التي حييها في المراكز الأولى منذ ظهور الإسلام.

وربما أجمل القول في مكان علي بين المسلمين قول ابن عباس:

(لعلي أربع خصال ليست لأحد غيره: هو أول عربي أو أعجمي صلى مع رسول اللّه -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - وهو الذي كان لواؤه معه يوم الزحف. وهو الذي صبر معه يوم فر غيره. وهو الذي غسله فأدخله قبره).

أما عن العلم فيقول ابن عباس (إذا ثبت لنا الشيء عن علي لم نعدل إلى غيره) واما عن العدل فيقول ابن مسعود معلم الكوفة وسادس المسلمين «كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة علي».

من أجل هذا وكثير غيره، صح عند الشيعة أن النبي أفضى إليه بظاهر الشريعة وخافيها. وأنه أفضى بها إلى من خلفه.

وليس يملك أحد أن يفاضل بين الخلفاء الراشدين الأربعة الا باجتهادات تحتمل الخطأ والصواب. لقد بايعهم المسلمون بيعة صحيحة. وبايع علي الثلاثة السابقين عليه. فكانت بيعته شهادة لهم وله. فلهم جميعا مكانة الراشدين التي بوأهم اللّه إياها في الزمن الذي أراده.

ومن الحكمة أن ندرأ أسباب المراء والشحناء، فننتهي عن المفاضلة بين السابقين الأولين إلا لحاجة. وأولى الناس بذلك الصحابة الذين أمرنا بالاستغفار لهم، وألا نجعل في قلوبنا غلا لهم.

ولئن فاضل «الأشعري والغزالي» وبعض المتكلمين، بين الخلفاء الراشدين، فرتبوهم على حسب ترتيب استخلافهم، فربما كان الأرجح أن مجيء علي في آخر الخلفاء الأربعة تنحصر دلالته في أن اللّه تعالى أجاءه إلى حيث كان دوره - لا مرتبته - هو الرابع. وللّه الحكمة البالغة.


وعلي في كثير من الأمور هو الأوحد: فالنبي هو الذي رباه. وآخاه. وأعده للعظائم فصنعها. وعهد إليه في تبليغ آي القرآن . وهي جميعا «خصوصيات» لا يرقى رقيه فيها أحد. أما ما لم يشركه فيه بشر فهو ما أجمعت عليه كتب الشيعة وشاركها فيه كثيرون من علماء أهل السنة منذ القرون الأولى - كالمسعودي والحاكم والكنجي - حتى القرون الحديثة - كالألوسي، وهو أن عليا ولد بالكعبة.

وإذا كان للصديق مكان (الصديقية) فلعلي قوله عليه الصلاة والسلام (علي مني وأنا منه).

وإذا كانت لعمر مكانة الفاروق، فعمر نفسه كان يتمنى لو كان له واحدة من ثلاثة من خصال علي.

وإذا كان عثمان ذا النورين بإصهاره إلى النبي في زوجتين لعثمان. فعلي - وحده - صاحب النسب، والعقب، الباقي من رسول اللّه.

لقد كان الحسن والحسين يسميان الرسول أباهما. كما كان الرسول يسميهما ابنيه طول حياته. ولم يناديا عليا بأنه أبوهما إلا بعد أن انتقل إلى الرفيق الأعلى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

الشيعة:

لعلي - على ما رأينا - من فضل اللّه ما سلمه الجميع له وتؤثره من جرائه الشيعة، منذ القرن الأول، أي جيل الصحابة، ثم تلاحق عليه الجيلان التاليان. وهي الأجيال الثلاثة المفضلة بقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (خير القرون قرني - جيلي - ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)، وتوالت على تكريمه به جماعة المسلمين إلا من ظلم. وهو موقعه الخاص من النبي ومن علوم الإسلام: إذ تتفرع عنه فروع النسب من أهل البيت. وتنبع منه بحار شتى للمعرفة تسقى منها المذاهب كافة. وفيها المتصوفة والمعتزلة، وتفيد منها العلوم كافة، ومنها العبادات والمعاملات والحرب والسلم والسياسة والاقتصاد والإدارة. فتطبع بطابعه العلوم الإسلامية عند الشيعة، وتظهر آثاره في علوم أهل السنة.

«والشيعة» كلمة قرآنية (وإن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم).


والتشيع لعلي مكانة للفوز تقررت بالسنة - روى السيوطي عن جابر بن عبد اللّه قال: كنا عند النبي فأقبل علي فقال النبي (والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة).

وعن ابن عباس قال: لما نزلت (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات) قال رسول اللّه لعلي (هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين).

وعن أم سلمة - رضي اللّه عنها - أن النبي قال لعلي (أنت وأصحابك في الجنة)

وفي نهاية ابن الأثير ما نصه في مادة (لواقح) (وفي حديث علي قال له النبي ستقدم على اللّه أنت «وشيعتك» راضين مرضيين ويقدم عليك عدوك غضابا مقمحين).

والزمخشري يروي في ربيع الأبرار حديث النبي عن (شيعة ولدك) وهو يتحدث إلى علي. وفي مسند أحمد بن حنبل وخصائص النسائي كثير في الدلالة على شيعة علي.

ويخصص المسلمون «الشيعة» بأنهم هم التابعون والمقتدون والمتميزون باتباعهم واقتدائهم الكامل بالامام علي والأئمة من بنيه.

وربما كان تعريف ابن حزم للشيعة جامعا مانعا. فهو يقول (من وافق الشيعة في أن عليا «أفضل» الخلق بعد رسول اللّه و «أحقهم» بالإمامة وولده من بعده. فهو شيعي، وإن خالفهم فيما عدا ذلك فيما اختلف فيه المسلمون. فإن خالفهم فيما ذكرنا فليس شيعيا).


ظهر تفضيل الشيعة لعلي على جميع الصحابة بمجرد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، إذ دعت إلى ذلك دواع سياسية. فقد اجتمع المهاجرون والأنصار - وعلي مشغول بتجهيز رسول اللّه لقبره - فبايعوا أبا بكر باقتراح عمر. وثقل على بطل الإسلام علي أن يمضي الصحابة الأمور دونه، وثقل على الزهراء(١)

___________________

(١) لم يورث الخليفة الزهراء من أبيها. وقصد إليها مع عمر يذكران لها حديث الرسول في حرمانها من ميراثها. قال الصديق: إني سمعتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول (نحن معاشر الأنبياء لا نورث) ثم قال الصديق: واللّه إن قرابة رسول اللّه أحب الي من قرابتي. وإنك أحب الي من عائشة (بنته).

قالت: أرأيتكما إن حدثتكما حديثا عن رسول اللّه تعرفانه وتعملان به ؟

قالا: نعم.

قالت: ألم تسمعا قول الرسول (رضا فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من سخطي).

قالا: سمعنا.

قالت:إني أشهد اللّه أنكما أسخطتماني. وما أرضيتماني. ولئن لقيت رسول اللّه لأشكونكما إليه . وخرجا يبكيان. فلقد كانت تبكي.

ولقد كانت للّه لا للدنيا دموع الزهراء والصديق والفاروق

وأهل السنة ينحون نحوهما في تفسير الحديث النبوي.

والشيعة لا يتسامحون في حرمان الزهراء ميراثها.

ومن الغلاة في الخصومة للشيخين من يقولون إن عمر كان سبب البيعة لأبي بكر يوم السقيفة إذ قال له امدد يدك أبايعك. وإن أبا بكر كان مصدر البيعة لعمر يوم استخلفه ليصرفا الأمر عن علي، مع أن البيعة كانت عامة من الأمة.

وأهل السنة على أن الصحابة اجتهدوا للمسلمين، وأن عليا أيدهم في اجتهادهم إذ بايع، بل تبع رأي عمر فيما بعد لما جعل (عمر) الأمر شورى في الستة. ثم كان أصدق المسلمين في طاعة عثمان.


على «شيعة علي» من صحابة الرسول. كما رأى البعض أحقية علي بالخلافة(١) .

ولكن عليا لم يلبث أن كمل اجماع المسلمين بالبيعة للصديق، وجمل خلافة الصديق بالمشاركة والمشورة، وتحمل في خلافة الفاروق أعباء في أخطر شئون الدولة والدين والناس والخليفة.

لقد كان كله شجاعة نفس وسداد رأي يوم الردة. قالت عائشة رضي اللّه عنها (خرج أبى يوم الردة شاهرا سيفه راكبا راحلته. فجاء علي رضي اللّه عنه فأخذ بزمام راحلته وقال: أقول لك ما قال لك رسول اللّه -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - يوم أحد (شم سيفك لا تفجعنا بموتك. فو اللّه إن أصبنا بك لا يكون للإسلام بعدك نظام أبدا).

___________________

(١) ومنذئذ كانت لعلي شيعته. قال أبان بن تغلب « قلت لجعفر بن محمد (الصادق) جعلت فداك. هل كان أحد من أصحاب رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنكر على أبي بكر فعله؟ قال نعم: اثنا عشر رجلا. من المهاجرين: خالد بن سعيد بن العاص وسلمان الفارسي وأبوذر الغفاري، والمقداد بن الأسود وعمار بن ياسر وبريدة الأسلمي. ومن الأنصار: أبو الهيثم بن التيهان. وسهل وعثمان ابنا حنيف. وخزيمة بن ثابت وأبي بن كعب. وأبو أيوب الأنصاري.


ولقد كان كله شجاعة فكر ، وبراعة فقه ، يوم استشاره عمر في غزو الفرس بنفسه و كرر «أخو النبي» نصحه في بلاغة معلمة وأسانيد تترى لكنه لم يذكر (السابقة) لعمر كما صنع مع أبي بكر. فالصديق هو إمام (الاتباع) الذي بلغ به مراتبه. اما عمر فهو «يجتهد» ويتبع. وعند علي من (الاتباع) و (الاجتهاد) ما يروي الشيخين معاً:

قال لعمر بين ما قال: «إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة. وهو دين اللّه الذي أظهره . ومكان القيم بالأمر مكان النظام من الخرز يجمعه ويضمه. فإذا انقطع النظام تفرق الخرز وذهب ثم لم يجتمع بحذافيره أبدا. والعرب اليوم وإن كانوا قليلا فهم كثيرون بالإسلام عزيزون بالاجتماع. فكن قطبا واستدر الرحى بالعرب. وأصلهم دونك نار الحرب. إنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها حتى يكون ما تدع من الفورات أهم إليك مما بين يديك. إن الأعاجم إن ينظروا إليك غدا يقولون هذا أصل العرب فإن قطعتموه استرحتم، فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك ومطمعهم فيك .»

فلنلاحظ هذه الخطة المتعددة الغايات بالحركة الواحدة: أن يبقى قطبا للرحى، وان يستديرها بالعرب، وأن يجعلهم يحاربون العدو بدلا من الخليفة. وأن يحميهم من تنازعهم ولم يكن قد مضى على توبة بعضهم من الردة الا شهور. ولنلاحظ ذلك الاحتياط في الحرب حتى لا يجد العدو الخليفة غرضا قريبا في متناوله يستميت في إصابته.

ولنلاحظ تشبيه الخليفة بنظام العقد الذي يمسكه أن ينتثر.

ولنلاحظ الوجازة، والنصاعة، والبلاغة «العلوية»، ومستواها في لسان العرب.

ولما قبل الصديق والفاروق نصيحته في الحالين وضعته النصيحتان في موضعه معهما ومن المسلمين - وهو في صدر شبابه - في الصدارة.

ولا ينال من هذه العبقرية في وضع الخطط، ما سيصيبه والمسلمين معه، يوم يستحبون الدعة، بعد ربع قرن عندما آلت إليه المقاليد، وجاء إلى الوجود جيل جديد، فعلت الفتن فيه أفاعيلها. فأتاحت لعلي بدلا من إنفاذ خططه، أن يلقى خطبه الخالدة التي تعتبر مصادر للبلاغة العربية والحكمة السياسة والفلسفية على مر الزمان. فتخص الامام بمقام بين خطباء التاريخ لا يرقى إليه أحد.


عهد الصديق لعمر فكان عهده له فتحا من الفتوح على أبي بكر والأمة، منذ كان عمر كأبى بكر مطلوبين للأحداث، ولم يكن لدى المسلمين ساعة ليشتوروا، فأرواح الشهداء تساقط في الميادين، في الشرق والشمال، بالعراق والشام، لقضيء العالم بأنوار الإسلام.

ولا يمكن أن يرد على الذهن أن أبا بكر، في عهده لعمر، فكر لحظة واحدة تفكير بعض قريش في أن تصرف الخلافة عن بني هاشم، مخافة أن تبقى وراثة فيهم، فلا تنال قريش حظوظها من السلطة. فإنما كانت هذه الفئة في فكرها ظالمة لنفسها ولبني هاشم، بمثل ما قد طالما ظلمت الصديق والفاروق معاً.

فلقد عهد الفاروق لعلي بين الستة الذين عهد إليهم أن يختاروا للمسلمين من يبايعونه. وهو القائل عن علي (لو ولوه لحملهم على الجادة). وكان الجميع يعلمون أن الخلافة دائرة بينه وبين عثمان . ولم يشأ عمر أن يحمل مسئولية الاختيار - وهو طعين - وكانت المشورة ممكنة، لا خطرة، كما كانت عند وفاة أبي بكر.

ولما جاء دور علي - وهو طعين - لم يفكر في أن يعهد لواحد من بني هاشم. بل قيل له (إن فقدناك - ولا نفقدك - هل نبايع الحسن ؟) فأجاب (لا آمركم ولا أنهاكم. أنتم أبصر). وترك الأمر شورى للمسلمين.

وكذلك ليس من الدقة أن يستنتج من تقدير عمر لعلي، أو لأهل البيت، أو لأم كلثوم بنت علي - وهي تحت جناح عمر - أن عمر كان يتمنى شيئا خاصا لعلي في صدد الخلافة. فلقد كان عمر ينظر لمصلحة المسلمين أجمعين، يوم عهد إلى الستة أن يختاروا واحدا منهم يبايعه المسلمون .

كان عمر ينظر لمصلحة المسلمين يوم دون الديوان. فدعا الأخ الأكبر لعلي، عقيل بن أبي طالب، ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم، وقال لهم: «اكتبوا الناس على قدر منازلهم» فكتبوهم مبتدئين ببني هاشم ثم ببني تيم - قبيلة أبي بكر - ثم بني عدي - قبيلة عمر - فقال (وددت أنه هكذا. ولكن ابدأوا بقرابة النبي -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - الأقرب فالأقرب حتى تضعوا عمر حيث وضعه اللّه).


ويوم فضل بعض الناس في العطاء جزاء ما قدموا للإسلام. فلما ذكر له صنيع أبي بكر يوم رفض التفضيل وقال «إنما أسلموا للّه. ووجب أجرهم عليه. يوفيهم ذلك في الآخرة. وإنما هذه الدنيا بلاغ» أجاب عمر (لا أجعل من قاتل رسول اللّه كمن قاتل معه .)

ويوم فضل أهل بدر على من عداهم. ثم جعل الباقين درجات. ومع ذلك قدم الأذنين من رسول اللّه دون نظر إلى جهاد أو سابقة إسلام. ففرض للعباس - عم النبي - اثنى عشر ألف درهم. ولأخته صفية عمة النبي وعلي - ستة آلاف . ولكل واحدة من زوجات النبي عشرة آلاف. وميز عائشة لمحبة رسول اللّه إياها فجعل لها اثنى عشر ألفا.

ويوم فضل الحسن والحسين إذ فرض لكل واحد شهد بدرا خمسة آلاف، ولأبنائهم ألفين ألفين، الا الحسن والحسين ابنى علي من فاطمة الزهراء ألحقهما بفريضة أبيهما لقرابتهما من رسول اللّه. ففرض لكل منهما خمسة آلاف . حتى أسامة بن زيد بن حارثة - مولى الرسول - فرض له أربعة آلاف. وأجاب ابنه عبد اللّه - فقيه المسلمين ومحدثهم - إذ راجعه قائلا (فرضت لي ثلاثة ولأسامة أربعة. وقد شهدت ما لم يشهد أسامة) فقال لابنه (زدته لأنه كان أحب إلى رسول اللّه منك. ولأن أباه كان أحب إلى رسول اللّه من أبيك).

وعبد اللّه أخ شقيق لحفصة أم المؤمنين.

ولما فرض لعمر بن أم سلمة - أم المؤمنين - أربعة آلاف، وكان من شيعة علي، استعتب البعض الخليفة لحداثته فأجاب (فليأتني الذي استعتب بأم مثل أم سلمة أعتبه).

وأم المؤمنين أم سلمة أعلى الأصوات في الدفاع عن علي.


ولقد كان عمر صادقا يوم عدل إلى رأي أبي بكر وقال (لئن بقيت إلى العام المقبل لألحقن آخر الناس بأولهم ولأجعلنهم رجلا واحدا)(١) .

وجرى قضاء اللّه بأن يطعن أبو لؤلؤة المجوسي عمر في المسجد فبعث عمر إلى قوم كانوا يجلسون بين منبر الرسول وقبره من يقول لهم: يقول لكم عمر أنشدكم اللّه. أكان ذلك عن رضا ؟ فتلكأ قوم. فقال علي «وددنا أنا زدنا في عمره من أعمارنا» - هكذا أصاب البعض الحصر. وواتت عليا الإجابة المواسية. وهي يقين عند عمر.

أوصى عمر أن تكون الخلافة لواحد من الستة الذين مات النبي وهو عنهم راض. ثم اختاره اللّه إلى جواره. واجتمع أصحاب الشورى وأدار المداولات عبد الرحمن بن عوف، مذ أعلن أنه لن يكون له في الخلافة أرب. واستجوب الناس حتى استيقن من تحقيقاته أن لكل من علي وعثمان مؤيدين في جماعة المسلمين - فرقى المنبر وجلس مجلس النبي، وأخذ بيد علي وقال هل أنت مبايعي على كتاب اللّه وسنة رسوله وفعل أبي بكر وعمر ؟

___________________

(١) ربما أوضح أن المال - بالنسبة للصحابة رضوان اللّه عليهم - لم يكن وسيلة للثراء وإنما كان حقا لهم يجيء من بيت المال، لينفقوه في وجوهه، ومساعدة المحتاجين، أن أم المؤمنين زينب بنت جحش تصدقت بالمال كله. وتمنت أن تموت قبل أن يحول الحول. فاستجاب لها ربها فكانت أسرع زوجات الرسول لحوقا به. وأن أم المؤمنين عائشة لم ترض أن تنماز عن أمهات المؤمنين. وأن أموالهن كانت تجري إلى المسلمين.

وروى الطبراني وأبو نعيم عن خزيمة بن أوس قال: قدمت على النبي يوم تبوك فسمعته يقول هذه الحيرة قد رفعت إلي. وإنكم ستفتحونها. وهذه الشيماء بنت فضيل الأزدي على بغلة سوداء معتجرة بخمار أسود - فقلت يا رسول اللّه. إن نحن دخلنا الحيرة فوجدناها على هذه الصفة فهي لي؟ فقال عليه الصلاة والسلام (هي لك). فأقبلنا مع خالد نريد الحيرة فلما دخلناها كان أول من تلقانا الشيماء على بغلة سوداء معتجرة بخمار أسود فتعلقت بها وقلت: هذه وهبها رسول اللّه لي. فطلب مني خالد البينة. فأتيته بها. فسلمها لي. ونزل إلينا أخوها عبد المسيح فقال لي أتبيعنيها ؟ قلت. نعم. قال احتكم. قلت لا أبيعها بأقل من ألف درهم. فدفعها. فقيللي لو قلت مائة ألف لدفعها قلت: لا أحسب مالا أكثر من ألف درهم.

قال الطبراني: وبلغني أن البينة كانت محمد بن مسلمة وعبد اللّه بن عمر.


قال علي: اللهم لا. ولكني أحاول من ذلك جهدي وطاقتي.

فأرسل عبد الرحمن يده وقال: هلم إلي يا عثمان. فأخذ بيده وقال: هل أنت مبايعي على كتاب اللّه وسنة رسوله وفعل أبي بكر وعمر. قال عثمان: اللهم نعم .

قال عبد الرحمن: اللهم اشهد . اللهم اشهد . وبايع عبد الرحمن عثمان. وقام الناس فبايعوا . وفيهم علي بن أبي طالب.

وظاهر أن فيصل التفرقة بين الجوابين هو قول علي: أحاول جهدي وطاقتي. وهو جواب رجل طالما حاول جهده وطاقته للنبي. ولأبي بكر وعمر. كما صنع أبو بكر وعمر، وكما سيصنع علي في خلافته وسيصنع عثمان في خلافته. فلا عليه إن أجاب ذلك الجواب الفقهي، الصادق، من كل وجه. لكن السماء لم ترد أن يرضي ذلك الجواب عبد الرحمن، لتكون الخلافة يومئذ لعثمان بن عفان، باختيار من المسلمين، في حدود ما قدرته السماء. وكان في المسلمين يومئذ شبه إجماع على أن الخلافة آيلة إلى علي بحكم سنه.

الفصل الثاني : أبو الشهداء

«هذان ابناي وابنا بنتي»

«اللهم إني أحبهما. فأحبهما. وأحب من أحبهما».

(حديث شريف)

هما ريحانتاي من الدنيا

(حديث شريف)

أبو الشهداء

مضت سنوات ست على عثمان في الخلافة وهو راض مرضي يحدر إلى الثمانين أو منها، أعقبتها ست أخرى. منها أربعة تتناهى إلى سمعه فيها وشوشة الشكوى من كل صوب. ومنها اثنتان يتعالى فيهما تشويش المشوشين ممن لا يصبرون. ومراجعة الذين يتحملون المسؤلية معه: غاضبه عبد الرحمن بن عوف الذي اختاره للمسلمين. وغضب هو على عبد اللّه بن مسعود وعلى أبي ذر - أصدق الناس لهجة - وعلى عمار بن ياسر، الذي واعده الرسول وأباه وأمه على الجنة. وهذان الأخيران، منذ انفجر فجر الإسلام، شيعة علي.


أما ابن مسعود فهو القائل يوم اختيار عثمان: بايعنا أفضلنا ولم نأل. وأما عبد الرحمن فقد أوصى لعثمان بين أهل بدر. ولما مات أخذ نصيبه.

ونفى عثمان أبا ذر من المدينة إلى الربذة(١) أو نفى أبوذر نفسه، احتجاجا على ما صار إليه أمر معاوية وعثمان.

في هذه الفترة الأخيرة اجتمع الناس فتذاكروا الأحداث، وكلفوا عليا أن يكلم عثمان كما روى الطبري في أحداث سنة ٣٤. وعلي وعثمان صهران للرسول: الأول في زهراء الرسول والثاني في ابنتي الرسول. والرسول يقول وهو يزوجه (لو كن عشرا لزوجتهن عثمان). ونصح على عثمان أغلى النصيحة، وأجابه عثمان بمبرراته في تعيين الولاة من أهله، ومما قال: «إن معاوية عينه عمر». قال علي: «لكنه كان أخوف له من خادمه يرفأ».

واستمر الناس في ضيقهم بالأمور، حتى إذا كان الموسم حج الولاة فجمعهم عثمان للمشورة فكانوا = معاوية بن أبي سفيان (الشام)

___________________

(١) قرية على مبعدة ثلاثة أيام من المدينة.


وسعيد بن العاص (الكوفة) وكلاهما ابن عم لعثمان(١) . وعبد اللّه بن سعد ابن أبي سرح (مصر) وهو أخو عثمان من الرضاع. وعبد اللّه بن عامر (البصرة) وهو ابن خال عثمان(٢) . فلما انصرفوا إلى أقاليمهم رد أهل الكوفة سعيد بن العاص، وطلبوا أن يتولى عليهم أبو موسى الأشعري، فولاه عثمان. وأرسل المصريون في سنة ٣٥ وفداً للعمرة يناظرون عثمان في سياسة ولاته. وكان علي ومحمد بن مسلمة رسولي السلام بين الخليفة وبين الناس(٣) .

وانضم بعض أهل المدينة إلى الناقدين في نقدهم. وعنفوا على عثمان بالمسجد. فقنع بالبقاء في داره. وأحاط القوم بالدار.

وأقبل بعض بني أمية يحرسونها، لكن الحراسة الحق كانت حراسة أبناء الصحابة: الحسن بن علي، والحسين بن علي. وعبد اللّه بن عمر ومحمد ابن طلحة وعلى إمرتهم عبد اللّه بن الزبير إذ عينه الخليفة. وأمر الرجال ألا يحاربوا أحدا. ولم يخرج الخليفة للحج وأمر عليه عبد اللّه بن العباس.

___________________

(١) كان أبو سفيان إحدى تبعات معاوية، أرسل معه من دمشق أموالا وأغلالا إلى عمر ليظهره على الأغلال التي كان أسارى المسلمين مقيدين بها في حصون الروم. فلما رجع أبو سفيان إلى المدينة ذهب إلى عمر بالأغلال ولم يذهب بالمال. فسأله عمر: أين المال؟ قال: كان علينا دين ومئونة. ولنا في بيت المال حق. فإذا أخرجت لنا شيئا ؟ قال عمر: اطرحوه في القيود حتى يأتي بالمال . فأرسل أبو سفيان فجاء بالمال.

(٢) عبد شمس أخو هاشم جد النبي. وهما ابنا عبد مناف. ولعبد شمس بنون: منهم حبيب جد عبد اللّه بن عامر.

ومنهم أمية أبو حرب والد أبي سفيان، والد معاوية.

ومنهم أبو العاص وله أبناء منهم عفان أبو عثمان. والحكم أبو مروان. ومروان كاتب عثمان.

ومنهم أبو عمرو وله أبناء منهم أبو معيط جد الوليد بن عقبة الذي حده عثمان للخمر، وهو وال له. ومنهم العاص أبو سعيد أحد ولاة عثمان.

ومنهم أبو العيص جد عتاب بن أسيد عامل النبي على مكة. حيث ولى النبي أعداءه السابقين ولم يول أهله.

(٣) راجع مالك بن أنس إمام دار الهجرة للمؤلف حيث تفصيل أكثر للخلاف بين أهل المدينة وعثمان.


ولم يقدم للحج أحد من ولاة عثمان هذا العام، فلم يكن ذلك مفهوما لأحد، الا أن يكون تقصيراً من الولاة . وليس في المدينة جند. فهي كما يقول الرسول (حرم آمن). وإنما الجند في الأقاليم وبخاصة في الشام حيث معاوية.

ولما تلا ابن عباس خطاب الخليفة على الحجيج لم يخفوا لنصرته .

وأصبح عثمان صائما غداة ليلة، وبقي يحدث الحرس ألا يقاتلوا، حتى أقبل الثوار وقتلوه.

اجتمع أصحاب الرسول بعد مقتل عثمان يشتورون، وفيهم طلحة بن عبيد اللّه والزبير بن العوام، فأتوا عليا وقالوا : لابد للناس من إمام فقال لهم والضيق يغلب على نفسه (لا حاجة لي في أمركم. فمن اخترتم رضيت به) قالوا ما نختار غيرك. وألحوا. وهو يرفض ويقول: (لأن أكون وزيرا خير من أن أكون أميرا). قالوا: واللّه ما نحن منصرفين عنك حتى نبايعك.

ولما رأى إلحاح القوم خرج إلى المسجد وبايعه الناس. فصعد المنبر وقال (أيها الناس. عن ملأ وأذن. إن هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إلا من أمرتم. وقد افترقنا أمس على أمر، وكنت كارها لأمركم، فأبيتم إلا أن أكون عليكم. ألا وإنه ليس لي دونكم إلا مفاتيح أموالكم معي. وليس لي أن آخذ درهما دونكم).

وفرق أمير المؤمنين عماله في الأمصار، وتوقف بعض الناس في بعض الأمصار، فجمع رجلي شوراه، طلحة والزبير، فقال (إن الأمر الذي كنت أحذركم قد وقع، وافترق المسلمون وسأمسك الأمر ما استمسك. فإذا لم أجد بدا فآخر الدواء الكي. وكتب إلى الأمصار فأجمعت الطاعة إلا معاوية ابن أبي سفيان بالشام، حبس رسول أمير المؤمنين إليه ثلاثة أشهر، ثم بعث برده يصدره بقوله: من معاوية إلى علي. كأنه ند له بل طالبه فيه بدم عثمان. كأنما علي هو الذي قتله وكأنما معاوية صاحب دمه وهو واحد من تاركيه بالمدينة، للثوار، بلا نجدة وعبأ معاوية جيشه لقتال علي.


وفيما كان علي يتجهز لقتال معاوية أتاه الخبر أن طلحة والزبير قد نقضا البيعة وأنهما، ومعهما أم المؤمنين عائشة وأهل مكة، خالفوه، وخرجوا عليه، قاصدين إلى البصرة. فهد للحرب. وكانت وقعة الجمل حيث انتصر، وذكر يومذاك الزبير بقول النبي للزبير (لتقاتلنه وأنت ظالم له) فترك الزبير حربه. وندم طلحة قبل أن يستشهد.

ثم رجع أمير المؤمنين يسوي حسابه مع جيش الشام بقيادة معاوية، وتلاقى الجيشان في صفين(١) وفيها استشهد عمار بن ياسر، وهو في التسعين من العمر. وفيه قول الرسول (تقتلك الفئة الباغية). وهو حكم على جيش معاوية.

أما أمير المؤمنين يومئذ ففيه يقول ابن عباس جوابا لرجل سأله أكان علي يباشر القتال في صفين؟ (واللّه ما رأيت رجلا أطرح لنفسه في متلفة مثل علي، رضي اللّه تعالى عنه. ولقد كنت أراه يخرج حاسرا عن رأسه بيده السيف إلى الرجل الدارع فيقتله).

تراءت بشريات النصر للبطل الذي تعود النصر. فرفع جيش الشام المصاحف على أسنة الرماح طالبين تحكيم كتاب الله بينهم، فأبى علي أن يحارب والمصاحف مرفوعة. وتمت خدعة التحكيم باختيار معاوية عمرو بن العاص حكما يمثله، واختيار أصحاب علي أبا موسى الأشعري، وخديعة عمرو لأبي موسى. إذ راوده على أن يخلع كل منهما صاحبه ويتركا الأمر للمسلمين يختارون من يشاءون. فقبل - ثم قدم عمرو أبا موسى فخلع صاحبه. فلما جاء دور عمرو ثبت صاحبه . .

وخرج من أصحاب علي جماعة لقبوله التحكيم فيما هو حق له. فحاربهم وانتصر عليهم في «النهروان» وأطلق عليهم المسلمون اسم «الخوارج».

وأخذ يعبئ جنده لمنازلة جيش الشام، وبدا على جنده آثار التعب من القتال، وعلى جيش معاوية آثار شرائه للرجال. وانقسم المسلمون فهذا حزب علي. وهذا حزب معاوية والذين عاصروا الإسلام منذ ظهوره، كالذين درسوه والذين صدقوا فيه ، يفهمون المرارة في قول أمير المؤمنين (نزلني الدهر حتى قيل علي ومعاوية).

___________________

(١) شهد صفين مع علي ألفان وثمانمائة من الصحابة . منهم سبعة وثمانون من أهل بدر وتسعمائة من الأنصار ومن بايعوا بيعة الرضوان.


رضي اللّه عن أمير المؤمنين و أرضاه فما كان ذلك ليقع إلا في آخر الزمان الذي قدره اللّه للخلفاء الراشدين(١) ، وفي آخر الأيام التي قدرها اللّه لحياته

لقد طعنه عبد الرحمن بن ملجم في السابع عشر من رمضان سنة ٤٠، باتفاق بينه وبين زميلين من «الخوارج» أن يقتلوا عليا ومعاوية وعمراً. فأصيب معاوية في عجزه. ولم يصب عمرو إذ لم يخرج للصلاة وأناب نائبا عنه فقتل.

___________________

(١) أما أهل السنة فيمثل رأيهم إمام أهل السنة أحمد بن حنبل إذ سئل من الخلفاء؟ وأجاب، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي اللّه عنهم. قال: السائل فمعاوية ؟ قال أحمد (لم يكن أحد أحق بالخلافة في زمن علي من علي. ورحم اللّه معاوية). ولما ذكر عنده سير عائشة مع طلحة والزبير قال: فكرت في طلحة والزبير، أهما كانا يريدان أعدل من علي بن أبي طالب ؟ رضوان اللّه عليهم أجمعين - وجاءه يوما جماعة فأكثروا القول وأطالوه في خلافة علي فرفع إليهم رأسه وقال: إن الخلافة لم تزين عليا ولكن عليا زينها.

ومثل الشافعي رأي المسلمين عندما قال رجل (ما نفر الناس من علي إلا لأنه كان لا يبالي بأحد) فبهته الشافعي بقوله (كان له أربع خصال لا تكون واحدة منها لإنسان إلا ويحق به ألا يبالي بأحد: أنه كان زاهدا. والزاهد لا يبالي بالدنيا وأهلها. وكان عالما. والعالم لا يبالي بأحد. وكان شجاعا. والشجاع لا يبالي بأحد. وكان شريفا. والشريف لا يبالي بأحد).

وأما الخوارج على جيشه فكانوا ثمانية آلاف دعاهم ليزيل شبهتهم. فأبوا أن يجيئوه إلا أن يقر بالكفر على نفسه ثم يتوب، فحاربهم ونصره اللّه عليهم. ثم حاربوا الأمويين والعباسيين. ومع تكفيرهم الكثيرين من جمهور المسلمين بدعوى التهاون في الدين فالمسلمون لا يكفرونهم لأنهم متأولون. وأمير المؤمنين علي يعلم المسلمين ذلك بقوله عنهم: «إخواننا بغوا علينا».

وفقه علي في معاملة العدو وفي الحرب عنوان على علم الإمام وحلمه. فهما من علم النبي وحلمه.

إذا كانت هند بنت عتبة (أم معاوية) مثلت بجثة أسد الإسلام حمزة يوم أحد، وقال النبي يومذاك (ما وقفت موقفاً قط أغيظ لي من هذا) فلما جاءه يوم فتح مكة « وحشي » قاتل حمزة اكتفى بقوله (ويحك غيب عني وجهك). وقال يومذاك لهند بنت عتبة، آكلة الأكباد، (مرحبا بك). وقال للأعداء (أنتم الطلقاء)، فلقد صنع علي صنيعه «يوم الجمل» عند ما ظفر بابن الزبير فاكتفى بأن قال له (لا أرينك بعد اليوم) وظفر بسعيد بن العاص فأعرض عنه. وظفر بأهل البصرة فصفح الصفح الجميل.


أمر معاوية بالرجل فقتل. وأمر عمرو برجله فقتل. لكن أمير المؤمنين أمر باستبقاء قاتله قائلا - وهو الطعين المشرف - إنه إذا عاش فهو ولي دمه. وإذا مات فإنه ينهى عن المثلة. ليعلم الناس الدين، كمثل ما علم العالم جميعه «قوانين الحرب والسلام» في حروبه في «الجمل» سنة ٣٥، و «صفين» سنة ٣٦، و«النهروان» سنة ٣٧. فتداولتها المذاهب الأربعة لتقدمها هدية من فقه الإسلام للقوانين المعاصرة.

ومات أمير المؤمنين بعد يومين عن ٦٥ أو ٦٣ عاما، وأربعة أعوام وتسعة أشهر ويوم واحد في خلافة كلها معارك.

ولما مات لم يوجد بخزائنه إلا ستمائة درهم استبقاها ليشتري بها خادما. بل - وكما لخص حياته سفيان الثوري - (ما بنى لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة وإن كان ليؤتى بحبوته في جراب). الحبوة الخراج.

وكما يقول محمد بن كعب القرظي (سمعت علي بن أبي طالب يقول: لقد رأيتني وأنا أربط الحجر على بطني من الجوع وإن صدقتي لتبلغ اليوم أربعة آلاف دينار)

ولما قال معاوية لضرار من ضمرة: صف لي عليا، قال فيما قال:

كان بعيد المدى، شديد القوى. يقول فصلا. ويحكم عدلا. يتفجر العلم من جوانبه. وتنطق الحكمة من لسانه. يستوحش من الدنيا وزهرتها. ويستأنس بالليل ووحدته. وكان - واللّه - غزير الدمعة، طويل الفكرة يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن. وكان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه. ويبتدئنا إذا أتيناه . ونحن - واللّه - مع تقريبه لنا ودنوه هنا لا نكلمه هيبة له. لا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله . يبكي بكاء الحزين ويقول: يا دنيا إلي تعرضت أم إلي تشوفت. فهيهات، هيهات. غري غيري).

بايع المسلمون الحسن بن علي أميراً للمؤمنين. فخرج بجيش قوامه أربعون ألفا للقاء جيش معاوية. وتخاذل جنده كهيئة تخاذل الجند بين يدي أبيه. وجرت البرد بينه وبين معاوية فأحدث بينه وبين معاوية صلحا بعد خلافة دامت ستة أشهر وخمسة أيام (لعل اللّه أن يصلح به بين فئتين من المسلمين). فذلك قول جده عليه الصلاة والسلام.


ودخل المتصالحان الكوفة. فسمى البعض عامهما هذا عام الجماعة. وأسماه الجاحظ (عام فرقة وقهر وجبرية وغلبة).

حدث الشعبي قال: شهدت خطبة الحسن رضي اللّه عنه حين صالح معاوية وخلع نفسه فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال (أما بعد فإن أكيس الكيس التقي. وإن هذا الأمر الذي اختلفت أنا ومعاوية فيه، إن كان له فهو أحق به مني، وإن كان لي فقد تركته إرادة لإصلاح الأمة وحقن دماء المسلمين. وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين).

ورجع الحسن إلى المدينة. وعوتب على صلحه فقال (اخترث ثلاثا على ثلاث. الجماعة على الفرقة وحقن الدماء على سفكها والعار على النار).

وليس بغير هذا يتكلم الحسن. فلقد كان رجل عبادة وسلام للناس. خرج من ماله مرتين. وقاسم اللّه ماله ثلاث مرات. وحج عشرين حجة ماشيا من المدينة إلى مكة.

وفي ربيع الأول سنة ٤٩ هـ شعر بالسم يسرى في جسده لتبدأ به سلسلة أئمة أهل البيت الذين يموتون مسمومين على أيدي بني أمية وبني العباس. فأوصى للحسين. وقال: (إذا مت فادفني مع جدي ما وجدت لذلك سبيلا).

لكن مروان بن الحكم والي معاوية على المدينة منع من تنفيذ الوصية، فدفن الحسن بالبقيع. وسيدفن معه في قبره أئمة أهل البيت الرابع والخامس والسادس. فأكرم به قبرا: فيه أميرالمؤمنين الحسن، وعلي زين العابدين - بن الحسين - وابنه محمد الباقر وابن الباقر: «جعفر الصادق».

لما مات الحسن كبر أهل الشام: فقالت فاختة بنت قريظة لمعاوية. أعلى موت ابن فاطمة تكبر؟ قال: ما كبرت شماتة بموته ولكن استراح قلبي.

وقال له ابن عباس: واللّه يا معاوية لا تسد حفرته حفرتك ولا يزيد عمره في عمرك .

وطلب معاوية البيعة لنفسه من محمد بن مسلمة الفدائي الثاني من أصحاب الرسول -


إذ علي الفدائي الأول(١) - فقال له (لعمري يا معاوية

___________________

(١) أول عمل فدائي في الإسلام قام به علي ليلة نام في فراش النبي.

ومحمد بن مسلمة هو الرجل الثاني في هذه المدرسة. سمع الرسول يقول - في المدينة - من لكعب ابن الأشرف فإنه قد آذى اللّه ورسوله - وكان كعب يؤذي المسلمين بهجائه ويحرض قريشا عليهم - فقام محمد بن مسلمة فقال: يا رسول اللّه أتحب أن أقتله؟ قال نعم. قال: فأذن لي أن أقول شيئا (مما يتقرب به إلى كعب وهو بحسب الظاهر طعن في الإسلام) قال النبي: قل ما بدا لك - فأتاه محمد بن مسلمة في نفر من الأنصار منهم أبو نائلة أخو كعب من الرضاع.

قال ابن مسلمة: يا كعب إن هذا الرجل (يعني النبي) قد عنانا بالصدقات وإني قد أتيتك استسلفك. قال كعب: واللّه لتملنه. قال ابن مسلمة: إنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه حتى ننظر ما يكون من شأنه. وقد أردنا أن تسلفنا وسقا أو وسقين. قال: فأرهنوني نساءكم. قال ابن مسلمة: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب. قال: فأرهنوني أبناءكم. قال ابن مسلمة: كيف نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم فيقال رهن بوسق أو وسقين. نرهنك السلاح. فقبل... وتواعدوا على الليل حتى جاءوه فنزل إليهم من حصنه فضربوه بأسيافهم فقتلوه. وكان ابن مسلمة. يسمى « فارس رسول اللّه ». كان على رأس مائة فارس يسبقون المسلمين طلائع لهم يوم الحديبية. واستخلفه الرسول على المدينة عندما سار بجيش العسرة ليرد الروم إلى تخوم شبه الجزيرة بعد فتح مكة. وكان سعد بن أبي وقاص بطل القادسية وفاتح العراق، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، ومنهم الراشدون الأربعة. والرسول يقول عنه هذا خالي. فليأت كل فتى بخاله وقد دعا له الرسول بالاستجابة لدعائه: فكان الكل يخشى أن يدعو عليه. لكن عمر بلغه أن سعد بن أبي وقاص بنى لنفسه قصرا وجعل عليه حاجبا فبعث إليه محمد بن مسلمة ليحرق عليه القصر وكتب إلى سعد يقول: (بلغني أنك بنيت قصرا اتخذته حصنا ويسمى بيت سعد . وجعلت بينك وبين الناس بابا. فليس بقصرك. ولكنه قصر الخبال) وصنع محمد بن مسلمة - وعاد بسعد وبالشاكين إلى عمر. فضن عمر بسعد عليهم ورفض أن يعيده إلى بلدهم . وقال لعثمان إني لم أعزله عن خيانة. ووضعه بين الستة أصحاب الشورى.

ولما دارت المكاتبات بين عمر وعمرو بن العاص. فاتح مصر - بعث إليه محمد بن مسلمة وكتب إليه يقول (إنه قد فشت لك فاشية من متاع ورقيق وآنية وحيوان لم تكن لك حين وليت مصر) وأجاب عمرو إن أرضنا أرض زرع وشجر ونحن نصيب فضلا عما نحتاج لنفقتنا. ورد عمر (إني خبرت من عمال السوء ما كفى وكتابك إلى كتاب من أقلقه الأخذ بالحق. وقد سؤت بك ظنا. ووجهت إليك محمد بن مسلمة ليقاسمك مالك. فأطلعه طلعك. وأخرج إليه ما يطالبك. وأعفه من الغلظة. فقد برح الخلفاء).

فقاسم محمد عمرا. وعمرو يقول متوجعا (إن زمانا عاملنا فيه ابن حنتمة (أم عمر) هذه المعاملة لزمان سوء. لقد كان العاص يلبس الخز بكفاف الديباج) قال محمد (: لولا زمان ابن حنتمة هذا الذي تكره ألفيت معتقلا عنزا بفناء بيتك) قال عمرو (أنشدك اللّه لا تخبر عمر بقولي فإن المجالس بالأمانة) قال محمد (لا أذكر شيئا مما جرى وعمر حي).


ما طلبت إلا الدنيا ولا اتبعت إلا الهوى. ولئن كنت نصرت عثمان ميتا لقد خذلته حيا. ونحن ومن قبلنا من المهاجرين والأنصار أولى بالصواب).

ولما دخل سعد بن أبي وقاص على معاوية قال: السلام عليك أيها الملك. قال معاوية: ما كان عليك يا أبا إسحق إن قلت أمير المؤمنين ؟

كتب معاوية إلى عماله بنسخة واحدة (انظروا من قامت عليه البينة أنه يحب عليا وأهل بيته فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه) وأمر من يأتمرون بأمره ألا يرووا أحاديث فضائل علي وشيعته، ثم تمادى، فكلف ولاته أن يلعنوا عليا و من أحبه على المنابر فكتبت إليه أم المؤمنين أم سلمة تقول (إنكم تلعنون اللّه و رسوله على منابركم لأنكم تلعنون عليا و من أحبه وأشهد أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أحبه).

ولما دانت الدنيا لمعاوية قيل له: قد بلغت ما بلغت. فلو كففت عن الرجل؟ فقال (لا واللّه حتى يربو عليها الصغير ويهرم الكبير) ولو عاش بضع سنين بعد عام موته لشهد انهيار دولته وانتهاء أسرته - أما الذين جاءوا بعده فسيشهدون صعود الشمس في السماء معلنة حق علي، مؤذنة بظهور أهل بيت النبي .

جعل معاوية الخلافة ميراثا لابنه يزيد، بالسيف على رؤوس أبناء الصحابة جهرة، وبالرعب في قلوب المستضعفين، وبالرشى في جيوب الآخرين.

أما الحسين بن علي فلم يستدرج ولم يستضعف وأبى وأن يبايع ليزيد.

وأما عبد الرحمن بن أبي بكر فقال لمعاوية كلمته الخالدة في خلافته وخلافة ابنه ومن جاءوا بعده : إنهم جعلوها (هرقلية كلما مات هرقل قام هرقل).

وعبد الرحمن بن أبي بكر هو جد « جعفر الصادق » من ناحية أمه وأمها. أما الحسين فجده من ناحية أبيه.

كان رأى محمد بن مسلمة وسعد بن أبي وقاص أن معاوية، صاحب ملك . ولكن ملك معاوية كان بصلح مشروط. فلما خرج على الشروط، أمسى حقا لكل مجتهد أن يقول فيه باجتهاده، في المرة الأولى والمرة الآخرة.

ولقد قال أمير المؤمنين على قوله فيه. وكشف اللّه لحكمة الإمام وجه الحق فيما صار إليه أمر معاوية وأمور المسلمين. فحسبنا وحسبه قول علي فيه - وقد أسلفناه - بل قول النبي لعمار عن جيش معاوية «تقتلك الفئة الباغية».


أما عمرو فلأئمة السنة فيه ما يكفيه. وحسبه قول الشافعي فيه، حول أساطين جامعه، حيث راح الشافعي يروي بعد قرن ونصف قرن في (جامع عمرو) بفسطاط مصر، دخول ابن عباس على عمرو، وهو ابن بضع وثمانين، وقول عمرو: أصبحت وقد ضيعت من ديني كثيرا وأصلحت من دنياي قليلا، فلو كان الذي أصلحت هو الذي أفسدت والذي أفسدت هو الذي أصلحت لقد فزت . فعظني بعظة انتفع بها يا ابن عباس. قال ابن عباس: هيهات . قال عمرو: ابن بضع وثمانين وتقنطني من رحمة اللّه ثم رفع يديه وقال: اللهم إن ابن عباس يقنطني من رحمتك. فخذ مني حتى ترضى.

قال ابن عباس: هيهات يا أبا عبد اللّه. تأخذ جديدا وتعطى خلقا.

قال: من لي منك يا ابن عباس. ما أرسل كلمة إلا أرسلت نقيضها والمسلمون يتناقلون قول الشافعي في جامع عمرو عن عمرو: قدم ابن عمامة على عمرو فألفاه صائما وقد أحضر إخوانه طعاما. وصلى صلاة فأتقنها. ثم أتى بمال فأمر بتفريقه. قال ابن عمامة: يا أبا عبد اللّه واتاك مال أنت به أحق من غيرك ففرقته. بم ذاك يا أبا عبد اللّه ؟ قال: ويحك يا ابن عمامة فلو كانت الدنيا مع الدين أخذناها وإياه. ولو كانت تنحاز عن الباطل أخذناها وتركناه. فلما رأينا ذلك كذلك خلطنا عملا صالحا وآخر سيئا عسى أن يرحمنا اللّه.


وسمع العالم الشافعي في جامع عمرو يهتز تحتانا إلى أبناء علي في الحجاز فينشد:

يا راكبا قف بالمحصب من منى

واهتف بقاعد خيفها والناهض

إن كان رفضاً حب آل محمد

فليشهد الثقلان أني رافضي

ريحانة النبي في كربلاء:

انتهى عصر معاوية بعد خلافة طالت تسعة عشر عاما وثلاثة أشهر وخمسة أيام(١) ليبدأ عصر يزيد (٦١ - ٦٤) فكان أفسد حكم. وقع فيه أفظع ظلم، وأعمق جرح في قلوب أهل الإسلام. أنهاه اللّه بإنهاء عمره وانقطاع عقبه وعقب أبيه من سجل الدولة التي سعيا لها كل ذلك المسعى.

___________________

(١) بنو أمية: معاوية(٤١ - ٦٠ (يزيد) ٦٠ - ٦٤ (معاوية بن يزيد) ثلاثة أشهر في سنة ٦٤).

بنو مروان: مدة الخلافة:

مروان بن الحكم ٦٤ - ٦٥

عبد الملك بن مروان ٦٤ - ٨٦

الوليد بن عبد ٨٦ - ٩٦

سليمان بن عبد الملك ٩٦ - ٩٩

عمر بن عبد العزيز بن مروان ٩٩ - ١٠١

يزيد بن عبد الملك ١٠١ - ١٠٥

هشام بن عبد الملك ١٠٥ - ١٢٥

الوليد بن يزيد بن عبد الملك ١٢٥ - ١٢٦

يزيد بن الوليد بن عبد الملك ١٢٦

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك ١٢٦

مروان بن محمد بن مروان ١٢٧ - ١٣٢ هـ أو ٧٥٠ م.


وسيخلفه ابنه معاوية بن يزيد. فيعلن أنه وأهله لا يستحقون الخلافة. ويعتزل بعد نحو أشهر ثلاثة. فكان اعتزاله من تلقاء نفسه وعباراته. وهو يعتزل، شهادتين بالفعل وبالقول، من نفس بني أمية، بأنهم جائرون.

أنهى يزيد سنوات حكمه بتجريد جيش على المدينة يسفك دمها، وينتهك حرمها، في وقعة الحرة سنة ٦٣. ليقتل فيها ثمانين من صحابة الرسول. فلم يبق بعدهم على ظهر الأرض بدري واحد وقتل من قريش والأنصار ثمانمائة ومن الموالي والتابعين وسائر الناس عشرة آلاف، ثم لفظ آخر أنفاسه وجيشه يحاصر الكعبة بعد أن أحرقها وأي نهاية لبشر أفظع من هذه النهاية بل أي نهاية لدولة أبلغ في الدلالة على غضب السماء عليها

فما كان حرق الكعبة ولا قتل الصحابة وتذبيح الآلاف إلا تتابعا للأحداث التي بدأ بها السنوات الثلاثة. وختاما طبيعيا للبداية المفظعة لحكمه. وجزاء له ولدولته. ينزله بها وبنفسه.

لقد استفتح حكمه بجريمة كربلاء في يوم عاشوراء في العاشر من المحرم سنة ٦١. فوقع فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، مثله أو قريبا منه، من استشهاد أبي الشهداء: الحسين بن علي الذي دعا له النبي (اللهم إني أحبه. فأحب من يحبه)، والذي عظمه الخلفاء الراشدون والناس جميعا على مدار العصور. وهو القدوة في عطائه وعبادته وتواضعه وشجاعته في كل موقف: في «الجمل» و«صفين» و «النهروان» إلى جوار أمير المؤمنين علي وفي غزو أفريقية. وخراسان. وجرجان. والقسطنطينية. متصدا جيوش المسلمين في عهد معاوية.

كان بقية الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وكانت آمال الأمة فيه آمالها في بقية الرسول.

وكان أبعد الناس عن أن يستخلف على المسلمين يزيد يزيد الصقور، يزيد الخمور كما لقبه معاصروه. فلم يكن أحد ليأمل شيئا من عهد يزيد، إلا دنيا يصيبها أو أموالا يجمعها. ولذلك رفض الحسين أن يبايعه.


ودعا أهل الكوفة الحسين إليهم فبعث قبله مسلما ابن عمه عقيل. وخرج في أثره. فقتل عبيد اللّه بن زياد والي الكوفة مسلماً. وتخاذل أهل الكوفة عن نصرة الحسين. فمضى حتى بلغ (كربلاء) على مبعدة خمسة وعشرين ميلا من الكوفة وفي ركبه ثمانية عشر رجلا من أهل بيته وستون من شيعته.

هنالك لقيهم جيش عبيد اللّه بن زياد، على رأسه عمر بن سعد والي عبيد اللّه على الري، فأعلن لهم الحسين أنه لا يريد الحرب، وخيرهم بين ثلاث (أن تتركوني ألحق بيزيد. أو أن أعود من حيث جئت. أو أمضي إلى بعض ثغور المسلمين فأقيم فيها) ورفض ابن زياد إلا أن ينزل الحسين على حكمه، أي أن يستسلم ليصير أسيرا لابن زياد ويزيد ليصنعا فيه ما صنعاه بأهل المدينة، بعد عامين، من استرقاق الرجال والنساء.

وحاول ابن بنت رسول اللّه أن يسير بأهله في أرض اللّه الواسعة، فسدت الجيوش أمامه كل مخرج، وانقضت عليه سهام الآلاف وسيوفهم، وهو يحارب كالأسد. وتسيل جراحات جسمه وهو في السابعة والخمسين حتى استشهد(١) واستشهد رجال أهل البيت جميعا.

___________________

(١) وكان المحرض على قتل الحسين وأهل البيت شمر بن ذي الجوشن رقيب ابن زياد على قائد الجيش. أما قاتل الحسين فالتاث عقله، وحمل الرأس الكريم إلى فسطاط القائد فصاح في وجهه - وهو مراقب من شمر بن ذي الجوشن - أشهد أنك مجنون. وحذفه بقضيب. فلقد كان المجنون يصيح والرأس في يده:

أوقر ركابي فضة وذهبا

فقد قتلت السيد المحجبا

قتلت خير الناس أما وابا

وخيرهم إذ ينسبون نسباً


والرجال الستون الذين يتألف منهم ركبه، إلا غلاما مريضا عاجزا أن يتحرك هو ابنه زين العابدين (علي بن الحسين) وساق المجرمون الحريم. وجهز عبيد اللّه بن زياد، زينب بنت علي(١) وهذا الابن الوحيد الباقي من ذرية النبي، ومن معهما من الحريم، مع الرأس التي طالما مسح عليها، وقبل فاها، رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إلى يزيد بن معاوية في دمشق.

وأعاد يزيد الوفد إلى المدينة.

إن في إنسانية البشر قابلية للفساد كهيئة قابلية المواد للهبوط إلى الأرض بقانون الجاذبية. والإسلام لذلك يرفع الناس إلى أعلى، إذ يدفع الأنفس إلى ما هو أقوم، بالعبادة اليومية على مدار الليل والنهار، وتطهير النفس على مدار العمر.

ومن الفساد ما يستغلظ فيحوج إصلاحه إلى آية من السماء مثل كسوف الشمس وخسوف القمر. وفي استشهاد أبي الشهداء آية من الآيات.

___________________

(١) اشتركت السيدة زينب أخت الحسين من أبيه وأمه معه في المعركة. وكان أثرها في مصير أهل البيت عظيما.

كانت زوجا لابن عمها عبد اللّه بن جعفر وكان قد أذن لها في الخروج مع الحسين فكانت تمرض المصابين في الصفوف أثناء القتال. ولقد هم شمر بن ذي الجوشن بقتل زين العابدين، فاحتضنته لتقتل معه، فانصرف المجرم مذموما مدحورا. ولما انتهت المعركة اقتيدت بين الأسرى إلى ابن زياد في الكوفة وإلى يزيد في دمشق ومعها زين العابدين تكلؤه بعناية اللّه على يديها لينجب، فيتسلسل منه أئمة أهل البيت الاثنا عشر، بل كل نسل الحسين من الرجال. وكانت مثال الشجاعة والبلاغة العلويتين في وجه ابن زياد ويزيد.

ولما أعيد الأسرى إلى المدينة أمر يزيد بإبعادها إلى مصر فسارت إليها، فاستقبلها أهل مصر في بلدة بلبيس على مبعدة عشرات الأميال من الفسطاط، وعلى رأس مستقبليها أمير مصر «مسلمة بن مخلد» فعاشت في مصر عاما. ثم ماتت سنة ٦٢. وقبرها في الحى المعروف باسمها وهو من أقدم أحياء القاهرة. وعلى مقربة منها حي السيدة نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن. جاءت إلى مصر مع زوجها في المائة الثانية للهجرة ولقيها الامام الشافعي ولما مات حملت جنازته إليها فصلت عليها وقالت (رحم اللّه الشافعي. إنه كان يحسن الوضوء) ويحمل اسم السيدة نفيسة حي معروف بالقاهرة، كما يحمل اسم « الحسين » المسجد الأشهر بالقاهرة والحي الذي يمجد عاصمة مصر وتتعالى فيه معاهد الجامع الأزهر وغيره من آثار الدولة الفاطمية والدولة الأيوبية ودولتي المماليك.


كانت كربلاء قارعة رجت الأرض رجا بعيد الإسلام غضا في الأنفس، بما كان فيها من التصميم والإجماع على الاستشهاد في سبيله لقد انقضى بين يوم وفاة النبي وبين كربلاء خمسون عاما، كانت ضرورية لتدهور إحساس بعض الرجال في أجيال، تدهورا كافيا ليقتلوا ابن نبيهم وهم يصلون عليه وعلى آله الذين يقتلونهم

وحسب هؤلاء المجرمين حكما عليهم أن يقول لهم كبيرهم «يزيد ابن معاوية» وعيناه تدمعان: «قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين» .

وإنما أطلق الروع دموعه، وأنطق الفزع لسانه، بقالة رياء. فلقد كرر جنده يوم «الحرة» ما فعلوه، منذ عامين، في كربلاء. كما صنعوه مرة ثالثة إذ قذفوا الكعبة بالمنجنيق من أعلى جبل أبى قبيس. فالجريمة الأولى تدفع إلى الثانية، فالثالثة وغيرها. والجرائم يصنعها المجرمون، وتصنع المجرمين.

ويبقى هذا الرياء من يزيد، صيحة استهزاء بقوم باعوا أنفسهم للشياطين. لقاء متاع قليل، لا يلبث أن يزول. قد لا يرضى عنه من ارتكب لأجله، لكنه مأخوذ به، ولو لم يرض عنه. فالقائد الظالم مسئول عما يقع من جنده. فما يظلمون إلا بظلمه، إن لم يظلموا بأمر صريح منه.

قالوا: كان الحسين يستطيع بالمداوره أو المناورة أن يكسب الزمن، أو يستطيع بالاستسلام أن يكسب الحياة، لكنه الذي قال فيه وفي أمه وأبيه وجده، إقبال(١) :

هي بنت من هي زوج من هي أم من

من ذا يداني في الفخار أباها

ومن قبله رفض أبوه رأي المغيرة بن شعبة أن يكسب الزمن بترك معاوية على الشام حتى يبايع. فلم يقبل علي أن يناور أو يكسب الزمن.

___________________

(١) الشاعر محمد إقبال. شاعر الهند وباكستان.


وناور المغيرة فصار عاملا لمعاوية.

الحق أن الحسين قدم للمسلمين الذين تعاقبوا في آثاره على مدار الزمان، حجة بالغة من أهل بيت الرسول، إذ ينفردون في التاريخ بهذه الخصيصة التي لم يماثلهم، أو يقاربهم، فيها أهل بيت آخر في تاريخ الإنسانية: الاستشهاد في سبيل هداية البشر لما هو أقوم. وهي بعض خصائص الرسل.

منح الاستشهاد اسما لكربلاء. وخلد الأسماء التي تساقط أصحابها كالكواكب المنتثرة من السماء فوق الصحراء، لا لتنكدر، ولكن لتقدم للبشر درس الدفاع عن الحق. من فئة قليلة، واثقة في الحق سبحانه، لا تهمها أرواحها، وإنما يهمها العمل الصالح في ذاته.ولا تنظر إلى الساعة التي هي فيها، وإنما تمد أبصارها إلى مستقبل الإنسانية كله، لترتفع بالدنيا إلى مستوى أفكار الأئمة.

ولقد صدق الحسين المسلمين في كل موقف وقفه. وكان عند وصية أبيه له ولأخيه الحسن وهو يجود بأنفاسه الأخيرة (أوصيكما بتقوى اللّه ولا تبغيا الدنيا وإن بغتكما) فلم يبتغ الدنيا واشترى بها الآخرة . فأمس يقول (إني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما).

وشملت السماء ابن النبي في كربلاء بمزيد من التأييد بمعان جليلة من جلال الإسلام ، نختار منها هنا واقعة منه وواقعة من عدوه : في الأولى أخذ إخذ أبيه فسقى جيش العدو من العين التي نزل عندها ولم يحرم الماء قاتليه(١) . وفي الأخرى ترك قائدان من القواد جيش ابن زياد، في وطيس المعركة، إلى الجماعة العزلاء حول الحسين، ليستشهدوا في الدفاع عن سيد الشهداء، بين رجاله الذين ماتوا عن آخرهم، وهم عليمون أنهم يخوضون معركة، خاسرة بكل المقاييس التي يتقايس بها المتحاربون، مظفرة بمقاييس المؤمنين.

___________________

(١) وتعلم عليهما صلاح الدين في حربه مع الصليبين يوم أرسل طيبه إلى الملك رتشارد قلب الأسد قائد الصليبيين.

وأين من قواعد الحرب الإسلامية قواعدها عند الأوربيين. إن ابقراط أبا الطب اليوناني الذي ورثت أوربة قسمه الأشهر يقسمه كل طبيب قبل أداء واجبه بالنزاهة والأمانة وعدم التعصب - لكن أبقراط علم الأوربين درسا آخر حين رفض أن يعالج مرضى الطاعون في الجيش الفارسي قائلا إن شرفه يمنعه من معالجة عدو لبلاده


و لو عاش هؤلاء الشهداء العظماء ، سنوات أو أشهراً أخرى ، لماتوا كما يموت الآخرون لكنهم ماتوا شهداء «كربلاء»، ليحيوا في ضمير الزمان كله أمثالا للحق، وعناوين على عظمة الإسلام.

كانت كربلاء رسالة من ابن النبي للمسلمين: هي الأولى من نوعها بما تحتويه من دروس. لا تحصى، فحسبنا أن نشير إلى البعض منها. وفي الدرس الواحد جماع دروس:

وأول الدروس يتعلق بالحق ذاته. وفي الحق أعظم الدروس: أن لا يقر أحد الباطل. وأن يقدم في سبيل ذلك نفسه، وأن يكون قدوة. وألا يهاب المكثورون كثرة الظلمة. فالأمم تبقى بالمقاومة ولا تصيبها الهزيمة إن فقدت معركة، ما دامت فيها إرادة النصر، يسعى إيمانها بين يديها لتبلغ غرضها كله، إن لم يكن من فورها، فمرحلة بعد مرحلة .

وأول من تعلم على الحسين بن علي درس سنة ٦١ كان عبد اللّه ابن الزبير باستشهاده بمكة بعد أعوام عشرة، وهو مكثور بجند عبد الملك ابن مروان بعد إذ حرقوا الكعبة، كما حرقها جند يزيد بن معاوية.

وتعلم عمر بن عبد العزيز وعلم المسلمين - في مدة خلافته - أن الكلام أو الصياح، ليس الأداة المثلى للإصلاح، وإنما المواقف هي التي تهز وجدان الشعوب، فكان له أعظم المواقف إذ بدأ بنفسه وأهله فضحى فكانت فيه الأسوة الحسنة. وكلل اللّه سعيه في أقصر مدة: ثلاثين شهرا كانت كافية لإصلاح دولة أدماها نحو قرن من الفساد، ولإستاد أمة تنتظر القدوة من حكامها فلا تجدها.


والدرس الثاني: يتعلق بجزاء السماء وبمصاير الطغاة وطرائقهم: إنهم يحسبون الدنيا تدوم ولا تدور، ولا يدركون أن (الدهر بالإنسان دوارى)، كما يقول الشاعر العربي. وتركبهم شياطين الشهوة فيخالون أنهم يمسكون كرة الأرض في قبضتهم. يصطعنون أسباب الوثوب على أعدائهم من حين لآخر، ويتحينون الفرص المواتية، ويختلقون الأعذار الزيوف، ليقطعوا دابر العدو. وكلما جد جيل جدت لهم الأعذار ولم تغنهم النذر فالذي حاوله فريق معاوية. مع علي في صفين ولم يظفر به - من إفناء شيعة علي أو من الإطاحة بأخصامه بالسم من الوجود - قد أتاحته ليزيد فرصة في كربلاء.

وللطغيان طبيعة ومنهج. ومن طبيعته أن يعمى ويصم. فلا ينظر ولا يسمع إلا ذاته وأصواته. وأما المنهج فهو الغيلة. مرة واحدة إن أمكنه، وإلا فوثبة وثبة. ولكل واحدة ما بعدها.

والذي قارفه يزيد ليس مجرد سقطة وإنما كانت أم السقطات. فمن بعد كربلاء كانت وقعة الحرة، ثم كان حريق الكعبة . في سنوات ثلاثة متعاقبة. فحق عليها جزاء السماء فأوردته حتفه . والسماء تملي للظالم، حتى إذا أخذته لم تفلته.

والدرس الثالث: يتعلق بأهل البيت أنفسهم.

١ - فهم العترة الطاهرة. يدخلون الجنة مع جدهم، بعملهم، فلا يعملون إلا العمل الأصلح. والذي صنعوه في كربلاء هو الذي كان يصنعه جداهم. والذي صنعه أصحابهم معهم هو الذي كان يصنعه الصحابة - وأعظم به وبهم صنيعا وصناعا. فما هو إلا صفحات جديدة يضيفونها إلى السيرة العطرة.

٢ - وهم مثل جميع المسلمين، إن لم يكن قبل جميع المسلمين، مطالبون بالجهاد والتضحية وليس فضلهم ليسقط التكليف عنهم. كما يزعم بعض المتصوفة عن رجال من المتصوفين.

وهذا درس للمتواكلين الذين لا يقبل الإسلام تواكلهم.


٣ - وهم يبلغون الذروة فيما يعملون: إذا حاربوا ماتوا شهداء، ولم يعطوا الدنية أو يستسلموا. لأن للمسلمين فيهم، كما كان لهم في جدهم، الأسوة الحسنة. وفي بيتهم سمقت المبادئ الكبرى. فمنهم يطلب البلاء الممتاز. ومن هذا كان صغارهم، كالكبار منهم، أبطالا يستشهدون ولا يتراجعون.

لقد أذن الحسين لصحبه في أن يعودوا تحت جنح الليل ويدعوه وحده يواجه مصيره، فلم يقبل ذلك واحد منهم. ولم يرجف المرجفون من خصومهم، حتى اليوم، بأن واحدا منهم قد تردد. بل قال له ابنه زين العابدين، وهو مريض طريح على الثرى لا يقدر على الحركة، (ألسنا على الحق) قال (بلى واللّه الذي يرجع إليه العباد) قال الفتى (فإذن لي نبالي).

والدرس الرابع: يدور حول وحدة العمل الصالح. وفيه يجتمع الحق والحقيقة في المبدأ والمنتهى وما بينهما. فإذا كانت الحقيقة أن أبناء الرسول رجال سلم وعلم وقيادة، فهم لا يدارءون وراء هذه الحقيقة، فيقعدون عن الجهاد - جنودا - للحق، أو يكتفون دونه بالعلم إذا دعا الداعي إلى الجهاد، أو يوصون بالسلم حيث الحرب واجبة لإعلاء كلمة اللّه، بل يستمسكون بالحق ويضعون الحقيقة كلها في خدمته.

والحق والحقيقة والعمل الصالح كل لا ينقسم. والأهداف العظيمة لا يبلغها الناس إلا باعمال عظيمة ووسائل سليمة.

والدرس الخامس درس في الواجب وأدائه في كل الظروف. وإن وهم المطالب به أنه غير مجد عليه أو على غيره - فهو لم يصبح واجبا إلا لأن التكليف به يحقق المصلحة العامة أو الخاصة، إن حالة وإن مؤجلة، منظورة أو غير منظورة. وهو قد أصبح واجبا لأنه فضيلة وإذا لم يكن مجديا في لحظة، أو لرجل، ففي القيام به خير للناس، وللدنيا، في الظرف ذاته أو في ظروف أخرى.


والظروف غير المواتية لا تجعل الفضائل غير مواتية. فالفضائل مواتية أبدا، مطلوبة دائما.

وإذا كانت القدرة شرط التكليف والرخص متروكاً تقديرها للرجال، فبالمعاناة أو التضحية ينسلخ الأقوياء من مسلاخ الضعفة. ويخلع الناس على العظماء وصف العظمة.

وما المعاناة والتضحية إلا محاولات للثبات في وجه الخطر، أو لاقتحامه. فهي درجات فضل وأدوات تقدم في معترك الوجود الإنساني. تضيف إلى تياره المتدفق أسباب طهر ونقاء، وأساليب بقاء، منظورة للكثيرين، وإن عمى عنها آخرون.

والدرس السادس: يتعلق بوظيفة التاريخ. فهو يصحح العوج ويصوب الانحراف، بالاستقامة على الجادة، خضوعا للعدل. وهو قانون السماء.

إن الغلام المريض الذي بقى في خيمة أبيه يوم كربلاء (زين العابدين) سيحيا ثلاثة وثلاثين عاما حتى عام ٩٤، لتتسلسل في عقبه ذرية ترفع أعلام الإسلام عالية في ضمائر البشر. في حين أن الطاغية الذي يرسل النار والدمار على البيت العتيق بالحجاز وعلى أهل البيت، في صحراء العراق، سيزول ملكه - هو - وينقطع دابره - هو - بعد ثلاث سنين بتنازل من ابنه عن ذلك الملك. لينقطع اسم معاوية بن أبي سفيان، ويزيد بن معاوية، من سجل الحوادث. وتخلد آثار أهل البيت ما تعاقب الجديدان، آية من السماء على أن دولة القتلة لم تعش. وأن دولة القتلى ستعيش أبدا. وأن دولة الظلم لا تبقى بمقاييس الزمن إلا ساعة أو هنية - أما دولة العدل فتبقى إلى قيام الساعة. وأنه تعالى صادق الوعد (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن اللّه واللّه مع الصابرين).

وما أكثر ما كانت الغلبة ببقاء أسباب الانتصار، يتحقق بها النصر في مكان آخر أو زمان آخر، بقوم يحبهم اللّه فينصرهم مهما كان عددهم، ويحبونه فيجودون بأرواحهم.


والدرس السابع: درس في مبلغ ما تنجح الاستقامة ويفلح الإخلاص: فإذا كان أقرب الخطوط إلى الهدف هو الخط المستقيم وإن كان ترسمه أشد رهقا، فإن استشهاد أبي الشهداء كان الأساس السليم لقيام الصرح العظيم الذي جمع بين عمله وبين اسمه فصيرهما مبدأ. يحدث أثره في عمارة الدنيا وإصلاح الجماعة، في شكل قيام دولة، أو غلبة مذهب، أو وجود قدوة، أو ازدهار أمل، في بعث منتظر.

بهذا دارت الأفكار الدينية والمذاهب الفقهية للشيعة، سواء الإمامي منها، أو الاسماعيلي، أو الزيدي. في آفاق الحسين العالية. وبلغت أوجها في الفقه العملي القدير على التطور وفق حاجات البشر، في العبادات والمعاملات والأخلاق والنهج العلمي.

واستمسك المسلمون عموما والشيعة خصوصا، بالحسين وآله وأبنائه، واقتدوا ببطولاتهم، ومقولاتهم، فاستخرجوا منها أصولا زخارة. وبنوا عليها فروعا في الدين والاقتصاد والسياسة والاجتماع، لتقيم نظما سياسية وعلمية وفكرية واقتصادية متكاملة، هي كالنهر العظيم يجري إلى جوار النهر الذي يسبح في تياره أهل السنة.

والنهران يتجاريان، كأنهما البحران يلتقيان، على أصول الإسلام، ويعملان - كل على شاكلته - في تدعيم مبادئه.

وفي استشهاد علي بطعنة خارجي ركبته الشياطين، وفي ظلم معاوية وقومه له، حيا وميتا، وفي استشهاد الحسين وبنيه، وبني أخيه، ومن كانوا معه من الشهداء الذين ذكرناهم، والذين سنذكر البعض منهم، على أيدي الكثيرين ممن سنرى فظائعهم بعد، نمت وترعرعت عقيدة أهل الإسلام.

١ - أن عليا قبل التضحية دائما، في جوار النبي، وبعده، هو وبنوه. وأنهم ضربوا الأمثال من أنفسهم، لا بمجرد النصيحة أو الفصاحة أو السياسة، ولكن بالدم الذي يتكلم، فتكون له بلاغة الشهادة بين يدي اللّه سبحانه. فأصبحوا عنوانا على العدل المفتقد،والأمل المنتظر، وبابا للرجاء في عدل السماء، لتتدارك المسلمين برحمتها ومغفرتها.


٢ - أن المسلمين يضيفون إلى حساب الحسين، من حساب بني أمية وعمالهم وسفاحيهم، إذ أرادوا السلطة والمال وشفاء صدور قوم مبطلين. فقطعوا صلتهم باللّه يوم قطعوا رأس ابن بنت رسول اللّه. وفي حين يتراءى قتلة أمير المؤمنين علي «خوارج» كما تضافرت الأمة على وصفهم. أو «بغاة» كما سماهم أمير المؤمنين نفسه، إذ لم يخرجوا عليه إلا لفهم مخالف من أجل الدين، يتدلى قتلة الحسين إلى أدنى درك في جهنم، سفاحين أجراء. وتتعالى بطولات الحسين قدر ما تتعمق الحسرة من أجل استشهاده. فتبرز في إجماع المسلمين عليه بطلا، وفي الفكر الشيعي، حيث يضاف جهاده إلى الوصية له بالإمامة.

فهذا يوم للحسين وحده. ناله بحقه. وفيه سند لإمامة الأئمة من أبنائه: علي زين العابدين. فمحمد الباقر. فجعفر الصادق. فالباقين من الأئمة.

ظلت شجرة العدل، والعلم، والأمل، تسقى بدماء الشهداء كلما رأت السماء مصلحة للأمة. فلم تلبث الكوفة بعد نحو عام واحد من وقعة الحرة أو ثلاثة أعوام من يوم كربلاء أن هز ضميرها تقصيرها. فقامت من الفور حركة التوابين سنة ٦٤(١) بين أهل الكوفة الندامى على ما فرط منهم من تقصير. فقتلوا قتلة الحسين وقواد جيش عبيد اللّه ابن زياد. ولم تنته الندامة بقتل المختار بن عبيد زعيم التوابين سنة ٦٧،

___________________

(١) تزعمها المختار بن عبيد اللّه الثقفي قائد عمر لفتح العراق. وكان المختار بن عبيد اللّه ممن قدموا مع مسلم بن عقيل رسول الحسين إلى الكوفة فحبس ثم شفع له صهره عبد اللّه بن عمر فقبل ابن زياد الشفاعة فيه إذ لم يخف خطره. ولما خرج المختار أعلن أنه يحارب باسم محمد بن الحنفية (أخى الحسين لأبيه) ثأراً لدم الحسين. وانتصر المختار على جيوش بني أمية. ثم قتله مصعب بن الزبير سنة ٦٧. وأعلنت عليه حرب الدعايات فاتهموه بادعاء النبوة وأن من اتباعه من ينتظرون رجعته.


بل توالت الحروب على دولة بني مروان، بقيام دولة عبد اللّه بن الزبير، وخروج الخوارج، وقيام الفتن، ومنها فتنة ابن الأشعث وقد انضم إليها العلماء. وخروج زيد بن علي زين العابدين، وخذلان أهل الكوفة له سنة ١٢١ كما خذلوا جده سنة ٦١. فاستشهد زيد ومثل برأسه(١) الخليفة هشام بن عبد الملك، ثم استشهد ابنه يحيى سنة ١٢٥.

وكان جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين شجرة باسقة تترعرع في كل ورقة من أوراقها خصيصة من خصائص أهل البيت في عصر جديد للعلم. تعاونت فيه أجيال ثلاثة متتابعة منه ومن أبيه وجده.

ولما استمسك بإمامته وقنع بمنصبه التعليمي، علا قدره في أعين طلاب السلطة. وأمنوا جانبه. واتخذوا من زهده فيها شهادة لهم ضد من ينازعونهم.

لكنه كان الغرض الذي تنجذب إليه الأنظار: فهو يمثل العقيدة الدينية التي يقاس بفضائلها عمل الحكام في الإسلام، وما يتبعه من رضى العامة عنهم، أو سخطها عليهم.

وهو - بوجه خاص - حجر الزاوية من صرح (أهل البيت) ترنو إليه أبصار الذين يدعون الخلافة بدعوى أنهم من «أهل البيت».

وهو مقيم في المدينة، العاصمة الأولة، والدائمة، للإسلام، يتحلق فيها المتفقهة، حول علماء الإسلام في مسجد الرسول، يحملون بأيديهم مصابيح السنة، أو يعلنون شرعية الحكومة أو عدمها، وحسن السيرة أو فسادها، وإقرار أهل العلم أو إنكارهم. وهي أمور أساسية، تحرص عليها الدولة العادلة، وتتجنب الاتهام بمخالفتها أي دولة.

___________________

(١) لم تمض أعوام حتى دالت دولة بني مروان، ونبش العباسيون قبور معاوية وابنه يزيد وعبد الملك بن مروان فلم يجدوا فيها ما يصنعون فيه مثلة. أما قبر هشام فوجدوا فيه جثة هشام لم تبل بعد، فصنعوا فيها أكثر مما صنع برأس زيد. إذ أمر السفاح بضربها بالسياط وصلبها وحرقها وتذريتها في الهواء.


وإذا كانت دمشق قد أدارت ظهرها لمدينة الرسول، أو كانت بغداد قد فتحت أبوابها على العالم، وأوصدتها دون أهل المدينة، فالمسلمون يأتون إلى مدينة الرسول كل عام، خفافا وعلى كل ضامر، إذ يحجون إلى البيت العتيق بمكة، ويزورون قبر الرسول ويشهدون آثاره في المدينة.

وإذا كان الخليفة المنصور يقول عن نفسه: «إنما أنا سلطان اللّه في الأرض» فهو يحس وطأة «سلطان الدين والعلم» في المدينة، حيث إمام المسلمين غير منازع «جعفر بن محمد» الذي يصفه الناس - وأبو جعفر المنصور في طليعتهم - «بالصادق».

ومن أوصافه كذلك: «الطاهر» و «الفاضل» و «الصابر».

الباب الثاني : بين السلطان والإمام

«السلطان كراكب الأسد»

«يهابه الناس، وهو لمركوبه أهيب»

أفلاطون

مقدمة:

آلت الخلافة إلى بني العباس سنة ١٣٢ وكان «السفاح» أول خلفائهم، ثم مات فخلفه أبو جعفر المنصور، ليبقى في الخلافة اثنين وعشرين عاما(١٣٦ - ١٥٨) وطد فيها أركان الدولة العباسية، وأخضع الخارجين عليها في كل أرجاء «الإمبراطورية» فهي لم تعد دولة دينية كما دعوا لها منذ بثوا دعاتهم من فاتحة القرن. ولم تصر «للرضا من آل محمد» كما كانوا يدعون. بل غصبوا حق أبناء علي، كما كان بنو علي عند قيامها عاجزين عن تولي السلطة. وكان أحقهم بها - وهو جعفر بن محمد - عازفا عنها، عارفا أن مهمة حياته هي تعليم المسلمين.


وجرت الأمور مجراها الطبيعي للغالبين على السلطة، يطوون أضالعهم على الخوف والحقد والحذر. ويشرعون أسلحتهم في كل مكان للدفاع عن دولتهم. وكان ذوو القربى في طليعة الأعداء. فاستعرت الشحناء بين الأقرباء. ثم سالت الدماء. وجعفر الصادق، بعزوفه واستعلائه، بعيد عن المذابح. لكن بعده عنها، لا يقيه بطش خليفة حذر، متنمر، تدعوه إلى المواجهة الشرسة ما توسوس له هواجسه مخافة أهل البيت وشيعتهم. وكان توفيق السماء حليف الإمام في مواجهاته، وإن بقيت الدولة على حذرها، تنزل بأهل البيت العذاب والاسترهاب والحبس والقتل للخلاص منهم - مع التظاهر بالعدل فيهم، حتى تقطع دابرهم.

الفصل الأول : بين السلطان والإمام

«إنما أنا سلطان اللّه في الأرض»

(أبو جعفر المنصور)

أهل البيت

اختلف أهل التأويل في صدد أهل البيت»، وهم يفسرون قوله تعالى في سورة الأحزاب (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا، وإن كنتن تردن اللّه ورسوله والدار الآخرة فإن اللّه أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما) ثم يوجه الخطاب في الآيات ٣١ ، ٣٢ ، ٣٣ ، ٣٤ ، - وفي الأخيرتين يقول - لنساء النبي - (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى. وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن اللّه ورسوله. إنما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا. واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات اللّه والحكمة إن اللّه كان لطيفا خبيرا).


وإذ كان التطهير هو الدرجة العليا للبشر. والاختصاص به بين المسلمين يجعل لأهل البيت حقوقا وامتيازات تؤهل لإمامة الدين، وإمامة الدنيا، أي خلافة الدين والدنيا، وكان ثمة سنن مروية في تفضيل علي وبنيه وجعلهم من الأمة مجعل الأوصياء أو الأئمة وهذا شأن لا يسلمه بنو أمية، ولا بنو مروان، ولا بنو العباس، ولا كثير من قريش، فقد ذهب الفقهاء عموما، والمفسرون خصوصا، مذاهب شتى في تعريف أهل البيت، يمكن تحصيلها فما يلي:

١ - قال الشيعة: إن أهل البيت هم رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين. يؤيدهم في ذلك حديث أم سلمة أم المؤمنين أن النبي أجلس الأربعة حوله على كساء له وضعه فوق رءوسهم وأومأ بيده اليمنى إلى ربه ثم قال (اللهم هؤلاء أهل البيت. فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا).

وعن أم سلمة أن الآية نزلت والرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بيتها وإنها عندئذ كانت على باب البيت فقالت: أنا يا رسول اللّه من أهل البيت ؟ وأنه قال (وإنك إلى خير وأنت من أزواج النبي) وعنها أنها قالت: يا رسول اللّه أدخلني معهم. وأنه قال (إنك من أهلي).

٢ - وقال البعض: بل عنى اللّه بذلك أزواج النبي. والحجة في ذلك توجيه الخطاب إليهن. ونقلوا ذلك عن ابن عباس، تلميذ علي، وشيعته، وعامله - وذهبوا إلى أن « البيت » أريد به مساكن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٣ - وقال فريق: بل إن (أهل النبي) هم أهل بيته. ولو كان أهل البيت هم زوجاته فقط لكان النص (ليذهب عنكن الرجس) لا (عنكم) كما هو النص في الآية. فدخل في ذلك رجال. وأهل النبي - بدلالة السنن التي أشرنا إلى بعضها - هم فاطمة وعلي والحسن والحسين ويؤيد ذلك قول الآية (ويطهركم). وهذا يوافق الرأي الأول.

٤ - وإذا دخل الرجال فهم - كما قال فريق آخر - بنو هاشم. والبيت يراد به بيت النسب. فيدخل في ذلك أعمام النبي، وفيهم بنو العباس وبنو أبي طالب.


٥ - ويتوسع محيي الدين بن عربي(٥٦٠) - في الفتوحات المكية - فيدخل «الفارسي» في أهل البيت. إذ الرسول يقول (سلمان منا أهل البيت) ويضيف ابن عربي أن جميع ما يصدر عن أهل البيت معفو عنهم فيه. فهم مطهرون بالنص. معصومون. وإن توجهت عليهم الأحكام الشرعية. ويذكر البعض قول الرسول (سألت ربي أن لا يدخل النار أحدا من أهل بيتي فأعطانا ذلك) وقوله يا فاطمة. تدرين لم سميت فاطمة؟ فقال علي لم سميت؟ قال عليه الصلاة والسلام (إن اللّه عز وجل قد فطمها وذريتها من النار يوم القيامة)

٦ - وفريق يرى أن أبناء علي من الزهراء هم الذرية المقصودة في سورة الطور حيث قوله - جل ثناؤه (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء) ورووا عن ابن عباس أن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: (إن اللّه ليرفع ذرية المؤمن إليه في درجته).

وبهذا ترتفع ذرية النبي - وهي ذرية علي من الزهراء - فتلتحق بالنبي. وهذا المعنى تفيده الآية ٢٣ من سورة الرعد (جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم) فأهل البيت ذرية داخلة الجنة مع جدها عليه الصلاة والسلام.

٧ - وهذا فريق يوسع فيشمل ذوي القربى، وتشمل آل محمد، بقوله تعالى في سورة الشورى: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى).

وقال قوم إن للنبي قرابة في كل بطن من بطون قريش، وإن كان أخص القرابة هم الذرية.

وظاهر أن كل هذه الأفراق على أن ذرية علي من فاطمة من أهل البيت، وأن الخلاف فيما عدا ذلك، فيرجح البعض أن القرآن والسنة الشارحة يجعلان أهل البيت هم ذرية النبي من علي وفاطمة، وهما، ومعهما أمهات المؤمنين رضوان اللّه عليهن.

لكن الشيعة يقولون قولا واحدا: إن الذرية وحدها وعليا وفاطمة هم أهل البيت ، بدلالات شتى من الحديث ثابت منها أن النبي طفق ستة أشهر - بعد نزول آية التطهير - يمر وقت صلاة الفجر على بيت فاطمة فينادي (الصلاة يا أهل البيت. إنما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا). فهذا نص. وأنص منه حديث أم سلمة. إذ أفصح عنهم. واستبعد سواهم.


وفي بعض الروايات أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أدخل عليا وفاطمة وابنيهما تحت الكساء ثم جعل يقول «اللهم إليك لا إلى النار وأنا وأهل بيتي. اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي - وفي رواية وحامتي - اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا).

وسيظل وصف أهل البيت قضية بين بني العباس وبني علي. فهو من مسوغات الخلافة واستمرار الرضى عنها. سأل الرشيد يوما الإمام موسى الكاظم بن جعفر الصادق: بم قلتم نحن ذرية رسول اللّه وأنتم بنو علي؟ قال: قال تعالى: (ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى) وليس لعيسى أب، وإنما ألحق بذرية الأنبياء من قبل أمه. وكذلك ألحقنا بالنبي أمنا فاطمة. وزيادة على ذلك قال عز وجل (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة اللّه على الكاذبين) ولم يدع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند مباهلة النصارى غير علي وفاطمة والحسن والحسين.

ولم يكن لوصف أهل البيت كبير خطر، في دنيا الملوك من بني أمية، فلقد غلبوا أهل البيت على أمرهم جهارا نهارا، برماحهم، واستقرار الأمور لهم - لكن الدولة في عهد بني العباس قامت على شعار الدعوة «للرضا من آل محمد» دون تسمية أحد بذاته.

ولما أقبلت جيوش خراسان يقودها أبو مسلم الخراساني، بالدولة الجديدة، بعد ربع قرن من الإعداد السري، كان مقدمها استجابة لهذا الشعار.

كتب أبو مسلم الخراساني أيامئذ إلى الإمام جعفر الصادق (إني قد أظهرت الكلمة ودعوت الناس عن بني أمية إلى موالاة «أهل البيت». فإن رغبت فلا مزيد عليك) وأجاب جعفر الصادق معلنا فلسفته (ما أنت من رجالي. ولا الزمان زماني).(١)

___________________

(١) خرج عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب على بني مروان سنة ١٢٧ في الري بخراسان ثم استسلم لأبي مسلم بعد إذ ظفر الأخير بجيوش بني مروان. وكتب إليه يستعطفه بقوله (من الأسير بين يديه بلا ذنب إليه ولا خلاف عليه. فان الناس من حوضك رواء ونحن منه ظماء رزقنا اللّه منك التحنن فإنك أمين مستودع ورائد مصطنع. والسلام عليكم ورحمة اللّه) ولم يطلقه أبو مسلم. بل أورده حتفه. وقيل سمه.


وفي الوقت ذاته بعد أبو سلمة الخلال - الملقب بوزير آل محمد، والذي سيصبح وزيرا للسفاح أول خلفاء بني العباس - إلى جعفر الصادق، وعبد اللّه بن . «الحسن»، وعمرو الأشرف، من أبناء علي، مع رجل من موالي أبي سلمة قائلا له: إن أجاب جعفر فلا تذهب إلى غيره، وإن لم يجب فاقصد إلى عبد اللّه. فإن أجاب فأبطل كتاب عمرو. وذهب الرسول إلى جعفر فقال: مالي ولأبي سلمة، وهو شيعة لغيري. ووضع الكتاب في النار حتى احترق - وأبى أن يقرأه. قال الرسول: ألا تجيبه ؟ قال: قد رأيت الجواب.

ثم مضى الرسول إلى عبد اللّه. فقرأ الكتاب. وقصد إلى جعفر الصادق ينبئه بورود الكتاب إليه من شيعته بخراسان. قال الصادق له: ومتى كان لك شيعة بخراسان؟ أأنت وجهت أبا مسلم إليهم ؟ هل تعرف أحدا منهم باسمه ؟ فكيف يكونون شيعتك وهم لا يعرفونك وأنت لا تعرفهم

قال عبد اللّه: كأن هذا الكلام منك لشيء؟

قال الصادق: قد علم اللّه أني أوجب النصح على نفسي لكل مسلم. فكيف أدخره عنك؟ فلا تمن نفسك فإن الدولة ستتم لهؤلاء.

وذات يوم دخل على جعفر الصادق سدير الصيرفي قال: يا أبا عبد اللّه. ما يسعك القعود. قال لم ؟ قال لكثرة أنصارك . مائة ألف. مائتي ألف. فتساءل الإمام عن عدد المخلصين منهم. وأبدى زهدا وبصرا بالعواقب.

والحق أن زين العابدين وابنه وحفيده وبنيهم لم يتجهوا إلى أن تكون لهم «دولة». ومن ذلك قول الكاظم لهشام بن الحكم (يا هشام كما تركوا لكم الحكمة اتركوا لهم الدنيا).

ولما خرج زيد بن زين العابدين على هشام كان خروجه ثورة طارئة. والمنهج الزيدي غير منهج الإمام جعفر. وثورة زيد لم يسبقها إعداد بل استجاب لأهل الكوفة فخذلوه كما خذلوا جده. وإنما الذي فكر ودبر وأنفذ الدعاة، وتابع الدعوة، هم بنو العباس.

وإبراهيم الإمام يكتب إلى واحد من دعاته في خراسان (. وإن استطعت ألا تبقي في خراسان من يتكلم العربية فافعل) وهو تعطش للدم في سبيل السلطة، وسفك لدماء العرب خاصة، لا يقول به واحد من الأئمة.


وكان بنو هاشم قد اجتمعوا قبل ذلك بالأبواء - مكان في أعلى المدينة - والقدور تغلي في خراسان، والجو يزخر بالنذر، فعلى الذين يرسلون الدعاة إلى خراسان، والذين تجري الدعوة لهم، أن يتدارسوا أمورهم، ليعرفوا لمن تؤول الأمور. فمثل فرع العباس بن عبد المطلب عم النبي إبراهيم الإمام (بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس)، وأخوه أبو جعفر (المنصور). وعمهما صالح بن علي. ومثل فرع بني علي بن أبي طالب، عبد اللّه بن الحسن (بن الحسن بن علي) وابناه محمد وإبراهيم. ومحمد بن عبد اللّه بن . عثمان ابن عفان (لأن أمه من بني الحسن بن علي) وهو أخو عبد اللّه لأمه.

وأجمع الفرعان على «محمد بن عبد اللّه بن الحسن» الملقب بالنفس الزكية لورعه الكامل وعلمه المشهود به. بل قد تحمس له أبو جعفر، وكان يومئذ يلبس قباء أصفر. ولما حج محمد لقى أبا جعفر فبايعه مرة أخرى. بالمسجد الحرام ذاته.وأمسك أبو جعفر بركابه يومذاك وراح يقول للناس: هذا مهدينا أهل البيت.

وإذ لم يكن لبيت الحسين ممثل في اجتماع يوم الأبواء بعث عبد اللّه بن الحسن إلى كبيرهم جعفر بن محمد فحضر واعترض على بيعة محمد بن عبد اللّه.

قال: لا تفعلوا. فإن هذا الأمر لم يأت بعد. لا ندعك وأنت شيخنا ونبايع ابنك. وفي رواية أخرى أنه أضاف: إن كنت ترى أن ابنك هذا هو المهدي فليس به. وإن كنت إنما تريد أن تخرجه غضبا للّه وليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. فإنا واللّه لا ندعك وأنت شيخنا ونبايع ابنك(١) .

فغضب عبد اللّه وقال: لقد علمت خلاف ما تقول. ولكن يحملك على هذا الحسد لابني(٢) .

قال جعفر: واللّه ماذاك يحملني. ولكن هذا وأخوته وأبناؤهم دونكم . إنها واللّه ما هي إليك ولكن لهم. وإن ابنيك لمقتولان. ثم نهض وتوكأ على يد عبد العزيز بن عمران الزهري فقال: «أرأيت صاحب القباء الأصفر» - «أبا جعفر» - قال نعم: قال: فإنا واللّه نجده يقتله. قال عبد العزيز: أيقتل محمدا؟ قال نعم.

___________________

(١) وليس في نص الروايتين بيعة من جعفر الصادق لعبد اللّه أو لابنه محمد، كما وهم البعض، وإنما فيهما تفضيل للأب على الابن مع رفض البيعة.

(٢) وفي رواية أخرى أنه أضاف (وواللّه ما أطلعك اللّه على غيبه).


قال عبد العزيز: فيما بعد (فقلت في نفسي حسده ورب الكعبة) ثم قال عبد العزيز: ثم واللّه ما خرجت من الدنيا حتى رأيته قتلهما (محمد وأباه).

قال: فلما قال جعفر ذلك انفض القوم فافترقوا ولم يجتمعوا بعدها. وتبعه أبو جعفر وعبد الصمد (من أعمام أبي جعفر) فقالا: يا أبا عبد اللّه (جعفر الصادق) أتقول هذا؟ قال نعم. أقوله واللّه وأعلمه .

قالوا: كان أبو جعفر يسميه الصادق لصدق نبوءته.

وقالوا: دعا محمد عمرو بن عبيد زعيم المعتزلة لمبايعته فاعتل عليه وقال لا أبايع أحدا حتى أختبر عدله.

ولقد ظل أبو جعفر المنصور يذكر هذا لعمرو.

وكان جعفر الصادق إذا رأى محمد بن عبد اللّه بعد ذلك تغرغرت عيناه وقال: بنفسي هو . إن الناس ليقولون إنه المهدي. وإنه لمقتول. ليس في «كتاب علي» من خلفاء هذه الأمة .

بايع أبو سلمة الخلال للسفاح. ولم يبايع لأبي جعفر، الأخ الأكبر، لأن أمه كانت أم ولد بربرية تدعى سلامة. وبدأ حكم بني العباس في سنة ١٣٢.

وأذيع في الملأ أن محمد بن علي - أبا السفاح - موصى له بوصية من «أبي هاشم» عبد اللّه بن محمد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب، إذ أحس عبد اللّه أثر السم الذي سقاه دسيس من الخليفة سليمان بن عبد الملك بن مروان (٩٨) فمال في الطريق إلى حيث مات عند محمد « بالحميمة ». وثمة من يعتقد أن الإمامة قد انتقلت بعد استشهاد الحسين إلى أخيه محمد بن الحنفية (أمه خولة بنت جعفر من بني حنيفة).

وهذه الوصية تغني بني العباس عن الخلاف مع أبناء علي، في أن يكون العباسيون من أهل البيت أو لا يكونون.

بهذا صير بنو العباس محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس إماما. فلما مات آلت الإمامة إلى ابنه إبراهيم فنودي بأنه «ابراهيم الإمام». فلما قتل ابراهيم بايعوا للسفاح سنة ١٣٢.


بين ابناء علي وبني العباس

قضى «السفاح» على الأحياء من بني أمية، وبني مروان. فاستحق في التاريخ لقبه. وأدار وجهه للإخرين. فسأل عبد اللّه بن الحسن عن ابنه محمد (النفس الزكية) وأخيه إبراهيم، فلما علم باختفائهما سكت عن الطلب حينا. ثم عاجله أجله. وولى أبو جعفر سنة ١٣٦. وألح في طلبهما، فأعجزاه هربا.

وللأقرباء، أو الأصدقاء، أولية في سورة السلطة إذا عريت من خشية اللّه. وأولى الناس بالفتكة البكر منها: الأقرباء إذا خيف أن يصيروا أعداء، والأصدقاء الذين يحتمل أن يقدروا على الإيذاء . فالأولون يغري السلطان بهم الحسد أو الحقد أو الخوف من جانبه، لما يعرفون من دخائل يخشاها. أو لما يتضح لهم من عورات، أو فيهم من مطامع. أو استخفاف بالسلطان، الذي رأوه وهو سوقة، أو مطالبة السلطان لهم بإعطائه حقه، أو أكثر من حقه. والآخرون أحرى بالخوف والحذر، سدا لذريعة الوثوب وافتراض الفرص. أو شغلا لهم بأنفسهم، أو معالجة من السلطان لما يكابده من الشجن أو الفزع من جراء الحكم، أو من العجز أو الجشع أو ضيق الصدر أو الأفق وكالسلطان أعوانه. ولا يتوازن في سدة السلطة الا القليلون. وقل ما يتوازنون. وللإمام الصادق في ذلك مقولة معلمة (إذا كان لك صديق فولي ولاية فأصبته على العشر مما كان لك عليه قبل ولايته فليس بصديق سوء).

قيل لأبي جعفر «لقد هجمت بالعقوبة حتى كأنك لم تسمع بالعفو» فقال: (لأن بني مروان لم تبل رممهم بعد. ونحن بين قوم قد رأونا بالأمس سوقة ونحن اليوم خلفاء، فليس تتمهد هيبتنا فى نفوسهم إلا بنسيان العفو واستعمال العقوبة).

وصاحب السلطة كراكب الأسد - على ما قال أفلاطون - يهابه الناس وهو لمركوبه أهيب.

لهذا أخذ بنو العباس أبناء علي، أخذ ظلوم غشوم، وبطشوا، وغدروا بمن حذروهم من أنصارهم وذويهم، كعبد اللّه بن علي عم المنصور. وأبي مسلم الخراساني قائدهم. وأبي سلمة الخلال وزيرهم، بمثل ما غدروا باعدائهم بعد أن أمنوهم.


ولما أعطى أبو جعفر المنصور محمد بن عبد اللّه أمانا كتب إليه محمد ساخرا (أي أماناتك هو؟ أأمان ابن هبيرة، أو أمان عمك عبد اللّه أو أمان أبي مسلم) . فقد أعطى أبو جعفر عهودا للكل، وقتل الأول والثالث ولم يكن قد قتل الثاني بعد. لكنه كان قد حبسه من سبع سنين ليقتله بعد أن يقتل محمد بن عبد اللّه بن الحسن ذاته. فصير خلافته، كالمسبعة، لا يأمن فيها الصديق، أو العدو، أو الصياد، أو الفريسة

وزاد ضراوة أبي جعفر على أقربائه أن لواحد منهم في عنقه بيعة، على ملأ منهم. كانت حرية أن تمنعهم وتمنعه، لولا ما للشهوة من خدر يطيح بالتوازن، فسولت له نفسه أن يتخلص من البيعة بالخلاص ممن بايعه، وإن كان من قبل يمسك بركابه. بل طوعت له شهوته أن يتخلص ممن قد يشهد ضده حتى لا يراه الناس أو يسمعوه يحكي لهم ما قد رأى وقد سمع:

قال يعقوب بن عربي: (سمعت أبا جعفر يقول في أيام بني أمية ما في آل محمد أعلم بدين اللّه ولا أحق بولاية الأمر من محمد بن عبد اللّه. وبايع له وكان يعرفني بصحبته ، والخروج معه . فلما قتل حبسني عشرين سنة).

طلب أبو جعفر من عبد اللّه بن الحسن ابنيه محمدا وإبراهيم. فأنكر مكانهما، فتقاولا. وأغلظ كل لصاحبه، وانصرف الخليفة من المدينة. فبث الجواسيس يأتونه من كل مكان بأخبار بني الحسن.

وفي سنة ١٤٠ قصد أبو جعفر للحج فنزل بالمدينة. ودعا عبد اللّه بن الحسن وطالبه بولديه.

وكانا يأتيان أباهما معتمين في هيئة الأعراب فيستأذنانه في الخروج فيقول «لا تعجلا حتى تملكا. إن منعكما أن تعيشا كريمين فلا يمنعكما أن تموتا كريمين».

ولما لم ينل أبو جعفر منالا انصرف من المدينة وأمر بحبس عبد اللّه، وأهل بيته، فبقوا في السجن ثلاث سنين في دار مروان - دار الإمارة في حكم بني أمية - حتى إذا كانت سنة ١٤٤ ولى أبو جعفر المنصور رباح بن عثمان عاملا على المدينة.

وحج في العام ذاته فتلقاه عامله بالربذة فرده إلى المدينة لإشخاص عبد اللّه ابن الحسن وأهل بيته - بما فيهم محمد بن عبد اللّه . بن عثمان - شاهد البيعة يوم الأبواء - فكانوا خمسة عشر أخذوا في محامل إلى الربذة. ونظر الإمام الصادق إليهم وعيناه تهملان حتى


جرت دموعه على لحيته. واقتيدوا إلى الربذة في الأغلال. ومزقت السياط جسد (محمد بن عبد اللّه . بن عثمان) حتى إذا خرج أبو جعفر في محمل، ناداه عبد اللّه بن الحسن قائلا: يا أبا جعفر. واللّه ما هكذا فعلنا بأسراكم يوم بدر . فلوى أبو جعفر رأسه كبرا ولم يعرج. وحمل أهل البيت تلقاء النجف. حتى إذا دخلوا الكوفة حبسوا في قصر كان لابن هبيرة في شرقي الكوفة . وهدم عليهم البيت بعد ستين يوما. فمات الذين لم يموتوا في أثنائها. ودفن الجميع تحت الأنقاض. وشيخهم عبد اللّه في الخامسة والسبعين

وخرج محمد بن عبد اللّه لليلتين بقينا من جمادي سنة ١٤٥ فاستولى على المدينة. وخرجت المدينة بأسرها مع محمد. فكان في جيشه علماؤها الفحول. فيهم ابن هرمز شيخ مالك. وابن عجلان، وابن أبي سبرة، وعبد اللّه بن عمر العمري. ومصعب بن ثابت الزبيري. اما مالك فاكتفى في الحرب بفتياه أن بيعة المنصور كانت مكرهة، ومن أجلها أصابه ما أصابه(١) من والي أبى جعفر وابن عمه سنة ١٤٦.

وخرج مع محمد موسى وعبد اللّه ابنا الإمام جعفر الصادق.

وقصد جعفر الصادق إلى محمد في مجلس حربه قال: أتحب أن يصطلم أهل بيتك (يستأصل) قال ما أحب ذلك. قال: فإن رأيت أن تأذن لي، فإنك تعرف علتي. قال محمد: قد أذنت لك. ومضى جعفر الصادق: فالتفت محمد إلى ابني جعفر وقال لهما: الحقا بأبيكما فقد أذنت لكما. والتفت جعفر فقال: ارجعا فما كنت لأبخل بنفسي وبكما. فحاربا مع محمد أعظم حرب، وكان لعبد اللّه بلاء ممتاز.

ووجه المنصور إلى المدينة جيشا بقيادة ابن عمه، وولى عهده، عيسى بن موسى.

وفي غرة رمضان خرج إبراهيم أخو محمد واستولى على أكثر من مكان في إقليم البصرة - ثم استشهد محمد في ١٤ من رمضان سنة ١٤٥ هـ واستشهد إبراهيم(٢) عند باخمري لخمس بقين من ذي القعدة. وأرسلت رأسه إلى أبي جعفر المنصور، فطوف بها في الآفاق.

___________________

(١) مالك بن أنس - عبد الحليم الجندي - طبعة دار المعارف ص ٢٣٨ حيث تفصيل الواقعة

(٢) كان صاحب فقه وأدب. سأل عن صاحب له فقيل تركناه يريد أن يموت فضحك قوم: فقال: لقد ضحكتم منها عربية قال عز وجل (فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه). يعني يكاد أن ينقض. فوثب أبو عمرو بن العلاء فقبل رأسه وقال (لا نزال واللّه بخير ما دام مثلك فينا) وأبو عمرو من أئمة اللغة الأولين.


واستولى عيسى بن موسى على عين أبي زياد، ضيعة جعفر الصادق التي يقتات منها، ويشرك في ثمرها أهل المدينة.

وسنرى المنصور بعد عامين من انتصار عيسى بن موسى يخلعه من ولاية العهد، ويولي ابنه المهدي سنة ١٤٧. وكان قد حبس عمه عبد اللّه بن علي من سنة ١٣٨ في دار لتخر عليه فيموت سنة ١٤٧

وعبد اللّه عمه وقائده المنتصر على آخر ملوك بني أمية يوم الزاب. لكنه خرج عليه، فأرسل إليه جيشا بقيادة أبي مسلم الخراساني، ولجأ عبد اللّه إلى أخويه سليمان وعيسى فأخذا له عهدا على المنصور كتبه «ابن المقفع» وفيه (ومتى غدر أمير المؤمنين بعمه فنساؤه طوالق. ودوابه حبس. وعبيده أحرار. والمسلمون في حل من بيعته) فأما «أبو مسلم» فسيدعوه أبو جعفر إلى قصره بعد أمان يعطيه إياه ثم يخرج عليه عبيده فيقتلونه أمامه.

وأما عبد اللّه بن المقفع فسيقتله والي أبي جعفر سنة ١٤٢. فيشفي صدر أبي جعفر.

روى الإمام الصادق ما كان بعد أن هدأت الأحوال. قال: (لما قتل إبراهيم بن عبد اللّه بباخمري (حسرنا عن المدينة - ولم يترك فينا محتلم حتى قدمنا الكوفة. فمكثنا فيها شهرا نتوقع القتل. ثم خرج إلينا الربيع الحاجب فقال: أين هؤلاء العلوية؟ أدخلوا على أمير المؤمنين رجلين منكم من ذوي الحجى. فدخلنا إليه أنا والحسن بن زيد فلما دخلنا عليه قال أأنت الذي تعلم الغيب؟. قلت: لا يعلم الغيب إلا اللّه. قال: أنت الذي يجبى إليه هذا الخراج؟ قلت: إليك يجبى - يا أمير المؤمنين - الخراج. قال: أتدرون لم دعوتكم؟ قلت: لا. قال: أردت أن أهدم رباعكم وأروع قلوبكم وأعقر نخلكم. وأترككم بالسراة لا يقربكم أحد من أهل الحجاز وأهل العراق. فإنهم لكم مفسدة.

قلت له: يا أمير المؤمنين إن سليمان أعطى فشكر. وان أيوب ابتلى فصبر. وان يوسف ظلم فغفر. وأنت من ذلك النسل.

فتبسم. وقال: أعد علي ما قلت. فأعدت، فقال: مثلك فليكن زعيم القوم وقد عفوت عنكم ووهبت لكم جرم أهل البصرة. حدثني الحديث الذي حدثتني عن أبيك عن آبائه عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قلت: حدثني أبي عن آبائه عن علي عن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وآله: صلة الرحم تعمر الديار وتطيل الأعمار وإن كانوا كفارا. قال: ليس هذا.


قلت: حدثني أبي . عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: الأرحام معلقة بالعرش تنادي: اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني. قال: ليس هذا.

قلت: حدثني أبي. أن اللّه عز وجل يقول: أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن بتها بتته. قال ليس هذا الحديث.

قلت: حدثني أبي . أن ملكا من الملوك كان في الأرض كان بقى من عمره ثلاث سنين فوصل رحمه، فجعلها اللّه ثلاثين سنة.

قال: هذا الحديث أردت. أي البلاد أحب إليك؟ فو اللّه لأصلن رحمي إليكم.

قلنا المدينة. فسرحنا إلى المدينة. وكفى اللّه مؤنته).

في هذا اللقاء دليل على ما يخشاه من بنى علي، ومن الصادق بالذات. فما يخشاه من بنى علي هو فتنة الناس إذ يجتمعون إليهم. أما ما ينعاه على الصادق - وهو الوحيد الباقي ممن يمكن أن يجتمع بنو علي، والناس، حولهم - فلقد كان خليقا أن تطيب به نفسه لما فيه من مصلحة له. وهو الادعاء على الصادق بأنه يعلم الغيب. فإنه لم يبايع لأحد يوم الأبواء. بل ذكر أنها (الخلافة) ستكون لصاحب القباء الأصفر وهو أبو جعفر.

لكن الصادق كان حاسما في رده عليه بأنه لا يعلم الغيب إلا اللّه.

وكان مما يخشاه أن يجبى إلى الصادق خراج بعض الرعية، مما يعطي للإمام، وكان الصادق في ذلك حاسما أيضاً. إذ أعلن أن الخراج لا يجبى إلا لأبي جعفر، لأنه أمير المؤمنين. قال: إليك يجبى - يا أمير المؤمنين - الخراج وجعل تسليم بإمارة المؤمنين يسبق كلمة الخراج، فهذه العبارة بيعة بتمامها. والخراج حق من بويع له.

وكان انتقال أبي جعفر من استجوابهم إلى إخبارهم بأسباب دعوتهم، نقلة من الغضب إلى غيره. ومن الاستجواب إلى الوعيد، وإلى الاستعلاء.

لكن الصادق نقله من عالم الكبرياء المظلم، إلى آيات اللّه التي تطمئن لها القلوب. فجعله - دون أن يشعر - مقارنا في موقفه بمواقف الأنبياء، لعله يهتدي بهم. وذكره كلام ربه جل وعلا. وذكره الشكر والصبر والمغفرة. وذيل ذلك كله بأنه من نسل الذين يغفرون ويشكرون ويصبرون.


بهذا أمكن الرجل الذي قد قلبه من الصخر أن يبتسم. بل أقبل يسأل أن يتعلم. فحدثه الإمام الأحاديث، واحدا بعد واحد، حتى وقف منها عند حديث طول العمر. فلقد كان يرجو أن يطول عمر دولته، التي يخسر من أجلها في كل يوم آخرته، إلا أن يغفر اللّه له . فظن أنه بهذا الحديث يجد أمانا لنفسه، أو تخفيفا لما تكابده. وعندئذ ظهر ضعف نفسه، وجلال شأن المعلم الذي يتعلم عليه.

ولم يكد الإمام يأخذ زمام الكلام حتى راح يعلمه درسا من الدروس في البداء: وهو أن القضاء الذي يتوقف على الشرط يتحقق عند وقوع الشرط. فهذا ملك وصل رحمه فطالت عمره من ثلاث إلى ثلاثين، - وكان أبو جعفر ملكا - ولكم طالت العمر على ملك بنيه وحفدته. فلقد كان كل خلفاء بني العباس بعده منهم، ملكوا خمسة قرون، حتى دمر الظلم دولتهم.

إنما كان أبو جعفر يتداول الإمام الصادق بحذر خليق بما للصادق من كرامة عند اللّه والناس. وهو صاحب أكبر مدرسة شهدتها حواضر الإسلام في ذلك الزمان: المدينة ومكة والكوفة وبغداد والفسطاط .

وكان في الستين من العمر، يروى عنه الآلاف حديث النبي وفقه الصادق وأبيه وأجداده.

والذين يحسنون الظن بالمنصور لا يتصورون حلمه يطيش فيفقد الأمة الإمام الذي لا ينازعه ملكه. وربما جاز للذين لا يحسنون الظن، أن يخالوه يحسب حسابا للأعداد التي لا تحصى من تابعي الإمام. وقد كان أبو جعفر يحسب حساب العلماء.

ومن بطش الحكام بالعلماء ما يدمر الدول.

ومن فداء الأتباع ما يستهان فيه بعرين الأسد. لقد اقتحم الفدائيون من أتباع سنان (شيخ الجبل) خيمة صلاح الدين وهو في عسكره ليصيبوه بخناجرهم في وجهه.

ظاهر من حديث الإمام أنه حدثه في صلة ذوي الأرحام، وإن كانوا كفارا. فما أحراهم بالصلة إن كانوا غير ذلك. ويظهر مما يرويه الطبري أن أبا جعفر كان يود أيامئذ لو نسى الناس ما كان من أهل البيت في حقه. وما كان منه في حقهم.


روى الطبري: لما أتى المنصور برأس إبراهيم بن عبد اللّه وضعه بين يديه وجلس مجلسا عاما وأذن للناس. فكان الداخل يدخل فيسلم ويتناول إبراهيم فيسيء القول فيه. ويذكر منه القبيح التماسا لرضى أبي جعفر، وأبو جعفر ممسك متغير لونه. حتى دخل جعفر بن حنظلة البهراني فسلم ثم قال (عظم اللّه أجرك يا أمير المؤمنين في ابن عمك وغفر له ما فرط فيه من حقك) فاصفر لون أبي جعفر وأقبل عليه فقال: أبا خالد. مرحبا وأهلا. فعلم الناس أن ذلك قد وقع منه. فدخلوا فقالوا مثل ما قاله جعفر بن حنظلة.

وربما دل على ذلك الميل ما يرويه عيسى بن رؤبة: لما جيء برأس إبراهيم فوضع بين يدي أبي جعفر بكى. حتى رأيت دموعه على خدي إبراهيم. ثم قال: أما واللّه إن كنت لهذا لكارها. لكنك ابتليت بي وابتليت بك.

ولقد ترك أبو جعفر الذين تواروا عنه ممن خرجوا مع محمد وإبراهيم، ومنهم الحسين بن زيد. وكان الحسين قد تربى في بيت جعفر الصادق بعد قتل زيد. وكان يسمى «ذا الدمعة الكبيرة» لكثرة بكائه على أبيه وأخيه يحيى. ولم يسائل أبو جعفر ولدي جعفر الصادق عبد اللّه وموسى» وقد خرجا مع محمد. وترك علماء المدينة. وترك عيسى بن زيد إذ توارى عنه. ولما قيل له من حرسه أو من المنافقين: ألا تطلبه ؟ قال لا. واللّه لا أطلب منهم رجلا بعد محمد وإبراهيم: أنا أجعل لهم ذكرا؟

ومن ناحية أخرى ففقه الإمام الصادق يعلم الناس طاعة الإمام العادل. والصادق هو القائل. (لا يستغني أهل بلدة عن ثلاثة يفزع إليهم في أمر دنياهم وآخرتهم. فقيه عالم ورع. وأمير خير مطاع. وطبيب بصير ثقة، فإن عدموا ذلك كانوا همجا).

وهو فقه في طاعة الخليفة العادل أو الأمير الخير. وأبو جعفر يتمنى أن يظهر في الناس كذلك.

والصادق يقول - ولا نحسبه يقصد إلا أبا جعفر وأبناء عمه - (ما تثبت الدنيا إلا على بني العم المتعاطفين بالبر المتعلقين بالأدب المجتمعين على التناصر). فهذه يد ممدودة بالسلام من الإمام. ودرس للرعية لتسلم العنان لأمير خير. وما أحرى أبي جعفر أن يكونه.

وفي سنة ١٤٧ عزم المنصور وهو راجع من موسم الحج أن يسير الإمام الصادق من المدينة إلى العراق فاستعفاه الإمام فلم يعفه وحمله معه. ولكن الصادق كان يقبل عليه بمقدار فليست دنيا أبي جعفر لتجدر بالمقاربة.


وفي ذات يوم أرسل إلى الصادق. لماذا لا تغشانا كما يغشانا سائر الناس فأجابه (ما عندنا ما نخافك عليه ولا عندك من الآخرة ما نرجوك له. ولا أنت في نعمة فنهنيك عليها. ولا نعدها نقمة فنعزيك عليها. فلم نغشاك)؟ ويجيب أبو جعفر: تصحبنا لتنصحنا ويجيب الإمام (من أراد الدنيا فلا ينصحك ومن أراد الآخرة فلا يصحبك) فالذي يريد الدنيا يسير في ركب صاحبها فلا يقول كلمة للّه. والذي يريد الآخرة يعتزل مجالس رجل يعجزه عمله ويعميه أمله عن طريق الآخرة.

وصدق «جعفر الصادق» ولم يكذب أبو جعفر المنصور

فلقد كان أحوج الناس إلى النصيحة. وكانت صحبة الصادق له أمانا من النار.

دخل عليه سفيان الثوري يوما فقال له: اتق اللّه فقد ملأت الأرض ظلما وجورا فطأطأ رأسه وقال: ارفع حاجتك.. قال سفيان: حج عمر فقال للخازن كم أنفقنا من بيت المال قال: بضعة عشر درهما. وأرى هنا أموالا لا تطيق الجمال حملها .

وخرج سفيان.

ولما راجع المنصور كاتبه ليقتل سفيان قال له (اسكت يا أنوك (أحمق). فما بقى على الأرض من يستحي منه غير «مالك» وسفيان)(١) وإذا كان هذان الإمامان اللذان ليس في الأرض غيرهما، تلميذين في مجلس الإمام الصادق. يلتمسان علمه ويترسمان هديه. فما أحوج الخليفة إلى أن يقارب مجلس الصادق بأن يدعوه إلى مجلسه.

___________________

(١) يروي مالك أنه استدعاه فدخل فوجد عنده ابن أبي ذؤيب(١٥٩) والقاضي ابن سمعان فسأل مالكا عن حكمه (حكم المنصور) هو عدل أم جور؟ فاستعفاه مالك من الجواب. فسأل ابن سمعان عن حكمه فأثنى عليه. فسأل ابن أبي ذؤيب فأجاب: أنت واللّه عندي شر الرجال استأثرت بمال اللّه ورسوله وسهم ذوي القربى واليتامى والمساكين وأهلكت الضعيف وأتعبت القوي. وأمسكت أموالهم. فما حجتك غدا بين يدي اللّه) قال المنصور: ويحك. ما تقول: قال: رأيت أسيافاً وإنما هو الموت ولابد منه. عاجله خير من آجله.

قال مالك. ثم خرجا وجلست. فقال المنصور: أجد رائحة الحنوط عليك؟ قلت أجل لما نمى إليك عني ما نمي وجاءني رسولك ظننت أنه القتل . قال: أو ما تراني أسعى في أود الإسلام وإعزاز الدين عائذا باللّه . يا أبا عبد اللّه انصرف إلى مصرك راشدا مهديا. وإن احببت ما عندنا فنحن ممن لا يؤثر عليك أحدا. قلت إن يجبرني على ذلك أمير المؤمنين فسمعا وطاعة وان يخيرني اخترت العافية . قال انصرف إلى أهلك معافى مكلوءا. =


= فلما أصبحنا أمر بصرر دنانير في كل صرة خمسة آلاف درهم ثم دعا برجل من شرطته فقال له: تدفع إلى كل رجل منهم صرة. أما مالك إن أخذها فبسبيله. وإن ردها عليك فلا جناح عليه. وإن كان ابن سمعان ردها، فأتني برأسه وان أخذها فهي عافيته. وإن أخذها ابن أبي ذؤيب فأتني برأسه وإن ردها عليك فسبيله.

قال مالك: أما ابن سمعان فأخذها وسلم. وأما ابن أبي ذؤيب فردها وسلم. وأما أنا فكنت واللّه محتاجا إليها فأخذتها. ثم رحل أبو جعفر متوجها إلى العراق.

وروى مالك أنه استدعاه يوماً وعبيد اللّه بن طاووس بن كيسان. وكان طاووس فقيه اليمن حتى مات في سنة ١٠٦ (طاووس بن كيسان تلميذ ابن عباس جد أبي جعفر) قال أبو جعفر: حدثني حديث أبيك. قال عبيد اللّه حدثني أبي أن أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل أشركه اللّه في سلطانه فأدخل عليه الجور في حكمه. قال مالك فضممت ثيابي خوفاً من أن يصيبني دمه . فقال المنصور ناولني هذه الدواة . ثلاث مرات. فلم يفعل. قال أبو جعفر لم لا تناولني؟ قال أخاف أن تكتب بها معصية فأكون قد شاركتك فيها. قال: قوما عني. ذلك ما كنا نبغي. قال مالك فما زلت أعرف لابن طاووس فضله منذ ذلك اليوم.

ويروي الإمام الشافعي حول أساطين جامع عمرو عن عمه محمد بن علي بن شافع مثل ذلك. عندما قال له ابن أبي ذؤيب أخذت المال من غير حله وجعلته في غير أهله وأن المنصور رد عليه بقوله واللّه لولا أنا لأخذت أبناء الفرس والروم والديلم هذا المكان منك فو اللّه لولا أني أعلم أنك صادق لقتلتك.

أما عمرو بن عبيد فكان أبو جعفر المنصور يستقيله بالترحاب وينشد في نزاهته الشعر (كلكم يمشي رويد. كلكم طالب صيد غير عمرو بن عبيد) وهو زعيم المعتزلة الذين يطلقون ألسنتهم في الملوك والصحابة. دخل عليه فقال له (إن اللّه أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك ببعضها واذكر ليلة تتمخص عن يوم لا ليلة بعده) قال الربيع بن يونس حاجب المنصور: يا عمرو غممت أمير المؤمنين. قال عمرو للمنصور (إن هذا صحبك عشرين سنة لم ير لك عليه أن ينصحك يوماً واحداً. وما عمل وراء بابك بشيء من كتاب اللّه ولا سنة نبيه) قال أبو جعفر المنصور: فما أصنع قلت لك خاتمي في يدك فتعال وأصحابك فاكفني. قال عمرو: لا. أدعنا بعد لك، تسخ أنفسنا بعونك، ببابك ألف مظلمة اردد منها شيئا نعلم أنك صادق. ولما مات عمرو كان أول واحد من الرعية، وآخر واحد، ينظم في رثائه الخليفة شعراً. ومن أبياته:

وإذا الرجال تنازعوا في شبهة

وصل الحديث بحجة وبيان

ولو ان هذا الدهر أبقى صالحا

أبقى لنا عمراً أبا عثمان

والجاحظ من تعصبه لزعيمه يقول فيه (إن عبادته تفي بعبادة عامة الفقهاء والمحدثين).

وستبقى صلة المعتزلة بالدولة العباسية طويلا بعد وفاة عمرو وأبي جعفر لأن المعتزلة يمدون إلى بني العباس سببا علميا وسببا سياسا قالوا: إن واصلا (وهو زعيمهم مع أخي زوجته عمرو ابن عبيد) أخذ أصوله عن أبي هاشم (٩٨) عبد اللّه بن محمد بن الحنفية - بن علي بن أبي طالب وكان أبو هاشم قدريا مثلهم - ينفي القدر - ويضيفون أن محمد بن علي من عبد اللّه بن عباس تعلم على أبي هاشم وتلقى منه الوصية بالإمامة بعده - دون بني علي بن أبي طالب - عندما أحس أبو هاشم بدنو أجله إذ دس السم إليه سليمان بن عبد الملك.


الحق أن أبا جعفر كان من فزعه من الآخرة وحاجته إلى رضى الرعية صادق الرغبة في التقرب إلى العلماء، ومن أجل ذلك كان يرضى منهم ما يصك مسامعه من النقد وإن كان لا يستجيب له.

طلب ذلك من صديقه عمرو بن عبيد، والمعافري(١) ، فاعتزلاه لكثرة الظلم على بابه كما قالا له. وهز ضميره ابن أبي ذؤيب وتوعده بجهنم. وكمثله صنع ابن طاووس فقبل استعفاء الصديقين. وأقر صدق ابن أبي ذؤيب(٢) فقال له: لولا أنني أعلم أنك صادق لقطعت عنقك، كما ارتاح لابن طاووس مع رفضه أن يطيعه مخافة أن تؤدى طاعته إلى المشاركة في معصية.

ولقد رفض أبو حنيفة أن يجلس للقضاء في دولته بحجة الخوف من أن يظلم الناس إرضاء لحاشية يحب أبو جعفر أن يكرمها. وما إكرام الحاشية إلا الحكم لمصلحتها فيما ترتكب من مظالم، لحساب صاحب السلطان أو نتيجة إغضائه. وهذا رد فقهي من إمام أهل الرأي يتضمن التنديد بأبي جعفر وصحبته.

وصحبة الظالم وجه مشاركة في الحكم، وربما في الظلم، بتوطيد الأمور للظالم أو بتمكينه أن يبلغ غرضه، أو تقديم مصلحته على مصلحة المحكومين. وفيها شهادة له في الناس. فهي شركة خاسرة في الدنيا والآخرة.

___________________

(١) لما استخلف أبو جعفر قصد إليه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم المعافري قادماً من القيروان وكان زميلا له في عهد الطلب، فعرض عليه المقام ببغداد. وقال له كيف رأيت ما وراء بابنا؟ فأجابه: رأيت ظلما فاشيا وأمرا قبيحاً. قال: لعله فيما بعد من بابي. فأجابه: بل كلما قربت استفحل الأمر وغلظ. قال: ما يمنعك أن ترفع ذلك إلينا وقولك مقبول عندنا؟ فأجابه: رأيت السلطان سوقا. وإنما يرفع إلى كل سوق ما ينفق فيها. قال: كأنك كرهت صحبتنا؟ فأجابه: ما يدرك المال والشرف إلا من صحبتكم. ولكني تركت عجوزاً. وإني أحب مطالعتها.

(٢) يفضل أحمد بن حنبل ابن أبي ذؤيب على مالك لمجاهرته بالحق في وجه أبي جعفر. وتقدير الشافعي لابن أبي ذؤيب يتراءى في رأي تلميذه أحمد. وفي رواية الشافعي عن عمه في صدده. أما تقدير مالك فكان عن مشاهدة أو مشاركة.


والإمام الصادق هو القائل (أيما مؤمن قدم مؤمنا إلى قاض أو سلطان جائر، فقضى عليه بغير حكم اللّه، فقد شركه في الإثم) وعلي يقول (فاك خيانة أن تكون أمينا للخونة)

وذات يوم دخل زياد الفندي على الصادق فقال له: وليت لهؤلاء؟ - يقصد أصحاب السلطان - قال: نعم. لي مروة وليس وراء ظهري مال. وإنما أواسي إخواني من عمل السلطان. فقال (يا زياد. أما إذ كنت فاعلا، فإذا دعتك نفسك إلى ظلم الناس عند القدرة على ذلك فاذكر قدرة اللّه عز وجل على عقوبتك وذهاب ما أتيت إليهم عنهم، وبقاء ما أتيت إلى نفسك عليك).

وفي واحد من اللقاءات يقول الصادق لأبي جعفر (لقد بلغت ثلاثة وستين، وفيها مات أبى وجدي) ليعلن له الاستخفاف بالموت الذي يتهدد الناس به، وأن الإمامين اللذين قضيا - زين العابدين والباقر - لم يعمرا أكثر مما عمر، ولكل أجل كتاب. فماذا يهاب؟ إنه يطلق إعلانه بلغة عالية، وفي هدوء قادر على أن يطفئ جذوة رجل خصم. وفي توكل على اللّه يبلغه مأمنه. فهو إذا واجهه واجهه واللّه معه.

أرسل إليه أبو جعفر ذات يوم رزام بن قيس يدعوه للقائه، ففصلا عن المدينة، حتى بلغا النجف فنزل جعفر عن راحلته فأسبغ الوضوء وصلى ركعتين ثم رفع يديه وهو يقول: (اللهم بك أستفتح، وبك أستنجح، وبمحمد عبدك ورسولك أتوسل. اللهم سهل حزونته وذلل لي صعوبته وأعطني من الخير أكثر مما أرجو واصرف عني من الشر أكثر مما أخاف).

ثم ركب راحلته حتى إذا بلغا قصر المنصور، أعلم المنصور بمكانه. فلم يحجبه قليلا أو كثيرا، بل تفتحت الأبواب. ورفعت الستر. فلما قرب من المنصور قام إليه فتلقاه. وأخذ بيده وما شاه. حتى انتهى به إلى مجلسه. ثم أقبل عليه يسأله عن حاله.

وذات يوم عزم المنصور على حاجبه الربيع بن يونس أن يدعوه، وكانت تبرق في أساريره بوارق الخطر. فلما خرج من اللقاء بسلام سأل الربيع الإمام الصادق عن الدعاء الذي دعا به ربه فأكرمه اللّه في لقاء المنصور. فأخبره به. فالصادق يستحضر رضى بارئ السماء في كل آونة وتعينه السماء.


ومع ذلك السلام الذي نشده الصادق وعلمه، يروي الطبري أن المنصور لما عزم الحج - في آخر أيامه - دعا ريطة بنت أبي العباس زوج المهدي، وكان زوجها بالري، فأوصاها بما شاء ودفع إليها مفاتيح غرفة بها خزانته، وأمرها ألا تسلمها إلى المهدي إلا عندما يجيء نبأ موت المنصور. فلما مات ذهبت ريطة والمهدي ففتحا الغرفة فإذا بقتلى من بني علي في آذانهم رقاع. فيها أنسابهم. وهم بين شيوخ وشباب وأطفال. فلما رأى المهدي ذلك ارتاع. فحفرت لهم مقبرة دفنوا فيها ثم بنى عليها دكانا.

لم يكن المنصور يكتفي بأن يقول مقالة لويس الرابع عشر بعد ثمانية قرون «أنا الدولة». ذلك المقال الذي نبذه واستهجنه الساسة والمؤرخون في الشرق والغرب، بل كان المنصور يدعى دعوى أبعد وأشد. كان يخطب فيقول: «إنما أنا سلطان اللّه في الأرض» فيجمع في يده ما عجز عنه الأباطرة والبابوات جميعا فإنما تقاسم الإمبراطور والكنيسة الأشياء، في القرن التاسع للميلاد، فصار لقيصر ملك الأرض وللكنيسة مملكة السماء. أما أبو جعفر المنصور فادعى في الأرض سلطان السماء. وأي شيء يستبعد على صاحب هذه الدعوى

وأبو جعفر - مع ذلك - ليس إلا واحد من المستبدين الذين يزخر ثبت التاريخ بخطاياهم أو ضحاياهم.

إليك مثلا واحدا من تاريخ الدولة التي تلقى إليها الديمقراطية الغربية مقاليدها: لقد أرسل (هنري الأول) ملك إنجلترا فرسانه يقتلون (توماس) بيكت رئيس أساقفة لندن من أجل خلافه معه في ولاية العهد لابنه في الثلث الأخير من القرن الثاني عشر. وفي الثلث الأول من القرن السادس عشر بعث (هنري الثامن) ملك إنجلترا (توماس) ولزي رئيس أساقفة يورك إلى السجن ريثما يصدر عليه حكم الإعدام فمات قبل أن يعدم. ثم أرسل إلى المقصلة (توماس) مور كبير قضاته من أجل خلافهما له في زواجه وطلاقه.

ولقد كان فزع المنصور من أجل دولته حريا أي يخرجه عن الاتزان فيستحوذ عليه الشيطان، لولا إمساك الإمام الصادق بالأعنة كلها كلما لقيه، فكان يضعه في موضع النصفة.


والذين يهابون لقاء الملوك ضعفاء عن إخفاء دخائلهم، من البغض أو الحسد أو الخوف. والذين ليس في قلوبهم من ذلك شيء يشجعون. أما الأئمة فاللّه معهم. وهو حسبهم . وأين من هذا الذي معه مالك الأرض والسماء، ملوك دولة أو إقليم

من أجل ذلك يشجع الرجال الصدق إذ يستشهدون. ومن أجله نظر الصادق إلى أبي جعفر في شجاعة وصدق. فكان يلزمه القصد والنصفة.

ولا عجب إذا كان أبو جعفر في دخيلة نفسه، يريد ليحفظ ظاهر الأمر في وقار من لا يسفك الدم، إلا بقدر. والصادق حجة له في ثبات حكمه، مذ كان لا يرى بيعة غيره.

وأبو جعفر عليم بما يجري في ملكه: وهو من مطالع حكمه يستعمل العسس في كل اتجاه. فلم يلبث سنين حتى أصبح يعلم بكاء بنت مالك ابن أنس من الجوع في داخل الدار، وهي وأبوها يكتمانه إلا على اللّه سبحانه

وأبو جعفر هو القائل عن أوتاد حكمه: ما أحوجني إلى أن يكون على بابي أربعة نفر لا يكون على بابي أعف منهم. وهم أركان الدولة لا يصلح الملك إلا بهم. أما أحدهم فقاض لا تأخذه في اللّه لومة لائم. والآخر صاحب شرطة ينصف الضعيف من القوي. والثالث صاحب خراج يستقصي ولا يظلم الرعية. ثم عض على إصبعه السبابة ثلاث مرات يقول: آه آه قيل ما هو يا أمير المؤمنين قال: صاحب بريد يكتب خبر هؤلاء على الصحة.

الفصل الثاني : الرجلان

«يا بني: إن الذين حولنا لو يعلمون عن علي ما نعلم تفرقوا عنا إلى أولاده».

عبد العزيز بن مروان

الرجلان

الحق أن الاختلاف كان شديدا بين الإمام جعفر الصادق وبين الخليفة أبي جعفر المنصور: في طبيعتهما وطريقتهما وغاياتهما.


هذا صاحب سلطان. فيه شركاء متشاكسون، تركبه هموم الدنيا، وتلبس جلده شياطينها. يترابع لينحني الناس له، ويجمع دنياهم في قبضته. شحيح النفس منقبض اليد، «دوانيقي»، يحسب بالدرهم والدانق(١) تبدو منه صعقات السلطان عند الفزع. وتحوله مطامعه من الدماثة إلى الشراسة. فلا يطمئن له أحد. أقام دولته على أشلاء الأعداء، وفزع الأقرباء، وجماجم أهل البيت. في خزائنه

أما الإمام فرجل سلم لكل رجل: يتواضع ليرفع الناس كلهم، ولا تستعبده الدنيا قيد أنملة. يعطي ولا يأخذ. ويحيي أنفس الناس، بالعطاء المسماح من العلم، والجاه، والمال. (ما قال لا قط إلا في تشهده). فهكذا كان أبوه وجده.

والحق كذلك أن المنصور - بنجاحه في إقامة أكبر دولة في التاريخ الوسيط - يعتبر واحدا من ثلاثة لا يعرف لهم التاريخ الإسلامي رابعا. ولا ينزل بهم التاريخ العالمي عن أعظم المؤسسين للدول.

أولهم معاوية بن أبي سفيان، وثانيهم عبد الملك بن مروان. مصايرهم متشاكلة. ووسائلهم متشابهة، وخصامهم لأهل البيت أساس دولتهم. ونجاحهم في دنيا السلطة مقطوع القرين:

بدأوا علماء، وانتهوا ملوكا كالملوك الأعاجم والإسلام فضل من اللّه، يسخر لخدمته من يشاء. ولو مال عن الجادة رجل، فإنما يخذل نفسه ولا يصيب الإسلام بسوء.

لقد أخطأ معاوية في إقامة دولته وفي حربه. وكان لزاما أن يقوده خطؤه إلى أن يجعل الدولة. «هرقلية كلما مات هرقل قام هرقل» فيكون ابنه يزيد أشأم وألأم خلف لسلف. لكن أحدا لا يتنازع في أن دولته - وإن لم تمثل دولة الدين - قد انتشرت في البر والبحر ونشرت الإسلام وجاهد في غزواتها الصحابة وبنوهم والعلماء والفقهاء، بل غزا وجاهد فيها بين جيوش المسلمين أبو الشهداء، الحسين بن علي، في فتح أفريقية وغزو جرجان وطبرستان والقسطنطنية.

___________________

(١) الدانق سدس درهم.


ومعاوية هو الذي مهد لدولة ابن عمه مروان بن الحكم.

وعبد الملك بن مروان هو المؤسس الحقيقي للدولة المروانية التي أينعت فروعها بالأندلس وأبقت الإسلام في أوربة ثمانمائة عام، لتهيئ للحضارة الحديثة أن تنطلق من جامعات الأندلس وجوامعها. وهو عم عمر بن عبد العزيز وصهره.

وعمر: خامس الراشدين في مدة خلافته. الذي كتب لعامله على المدينة يوم ولى الخلافة: اقسم في ولد فاطمة رضوان اللّه عليهم عشرة آلاف دينار فقد طالما تخطتهم حقوقهم. وقال معلنا حق علي وباطل بني أمية ومروان (كان أبي(١) إذا خطب فنال من علي تلجلج. فقلت يا أبت إنك تمضي في خطبتك فإذا أتيت على ذكر علي عرفت منك تقصيرا؟) قال: أو فطنت إلى ذلك؟ يا بني إن الذين حولنا لو يعلمون من علي ما نعلم تفرقوا عنا إلى أولاده .).

لكن أبا جعفر كان أثقل الثلاثة حملا. إذا كان معاوية وعبد الملك قد سبقاه ففصلا بين الدين والدولة فجزءا نظرية الدولة الإسلامية، وكان هو قد سار على الدرب الذي اختطاه، إن المعارك التي خاضها من أجل دولته كانت أوسع مدى.

ففزعه من أبي مسلم وجنده لم يكن إلا رجع الصدى لصوت يتصايح في آفاق حياته، وأعماق ذاته: أنهم سرقوا الدولة من أبناء علي. ومن هنا خوفه المستمر من انتقاض أهل خراسان الذين جاءوا لمبايعة «الرضا من آل محمد». وأهل البيت أولى منه في أنظار الذين جاءوا به وبأخيه إلى السلطة.

___________________

(١) عبد العزيز بن مروان بن الحكم، عينه عبد الملك على مصر وأفريقية. وهو الذي بنى مدينة حلوان ضاحية الفسطاط - القاهرة. وفيها عاش عمر بن عبد العزيز زمانا. وجيوش أفريقية هي التي فتحت الأندلس بقيادة طارق بن زياد وموسى بن نصير.


وخوفه من أعضاء بيته أشد. فلقد كان عمه عبد اللّه بن علي قائد جيش الشام، لكنه خرج عليه، وأخمد فتنته أبو مسلم الخراساني، حتى إذا استسلم - على عهد - حبسه أبو جعفر ليقتله بعد زمن من قتله أبا مسلم ذاته. وكذلك غدر بعيسى بن موسى الذي انتصر على محمد وإبراهيم فسلبه حقه في ولاية العهد، وولى ابنه المهدي عهده. فكان غدره كهيئة ما غدر عبد الملك بعمرو بن سعيد الأشدق في ولاية العهد، قائلا: (ما اجتمع فحلان في شول إلا أخرج أحدهما صاحبه)

وما كان نقض معاوية عهده مع الحسن بن علي، إلا درس المعلم الأول للرجلين: أن يستعملا الزمن. وأن ينتهزا الفرص. وأن يحركا الحوادث بدهاء: وأن يقطفا الثمر: ثمرة ثمرة. وأبو جعفر لا يتردد في إعلان التشابه بينهم وفي تعطشه للدم. فيعلن في الناس أن (الملوك ثلاثة: معاوية وكفاه زيادة. وعبد الملك وكفاه حجاجه. وأنا. ولا كفاة لي)

كأنما لم يكن فيما سفكه كفاية. فكان يريد أن يسفك له دما أكثر سفاحون أصغر

الواقع أن أزمات أبي جعفر كانت آخذة بخناقه من كل صوب. فهي في نفسه، وفي بيته، وفي دولته، وفي صلته بالأمة: أن كانت القوة العسكرية التي أجاءته إلى الحكم، قد تخلت عنه بل حملت السلاح ضده. وكانت القوة الفكرية التي قامت عليها الدولة، قد صار أصحابها فرائس له. وكانت القوة العصبية، قوة أسرته، تترنح بخروج عمه عبد اللّه وقتله. وبمغامراته للاستئثار لبنيه بالخلافة دون سائر أهله.

فإذا كان ثمة من أحبه، فإن حبهم كان أقبح من البغض، مذ كانوا يؤلهونه، فيكفرون أنفسهم ويفضحونه، بل كادوا يقتلونه، يوم أحاط الراوندية بقصره فلم يمكنه اللّه منهم إلا بمساعدة عدو كان يطلب رأسه، هو معن بن زائدة الشيباني. وكان معن حريا أن يقتله في وطيس المعركة. حتى الذي أنجاه كان عدوا له

وفي سنة ١٤٥ انتفضت خراسان فقتلت جيوشه من أهلها سبعين ألفا وأسرت بضعة عشر ألفا.

ولم يكن شغله بالجيوش المحاربة في المشرق أو في جزيرة العرب أهم أشغاله. ففي افريقية خرج عليه محمد بن الأشعث والى افريقية، فجرد عليه جيشا بقيادة الأغلب بن سالم، وسيقتل الأغلب بعد سنين سنة ١٥٠. ولم ينهزم الخوارج إلا بعد أن خاضوا ثلثمائة وخمسة وسبعين وقعة وأمام جيش قوامه خمسون ألفا.


كل أولئك وهو من شح نفسه، ومن اصطحاب جماجم أهل البيت في خزائنه، في أمر مريج. يحسب أن كل صيحة عليه هي العدو: وأن كل خروج عليه يدعو الجميع ليخرجوا. وهم على خروج قادرون.

مع كل ذلك نجح أبو جعفر بالحذر والغدر ومعاجلة الخصوم. فاستبقى دولته لتكون أطول الدول الإسلامية عمرا. وأبعدها في الحضارة العالمية أثرا.

لكن التاريخ - وقانونه الاستقامة - وطبيعة الأشياء - وقانونها (لكل فعل رد فعل، مساو له في المقدار، ومضاد له في الاتجاه) - لم يتركا أبناءه وحفدته دون عقاب. وكأنما كان طول عمر دولته تطويلا للعقاب عليهم وتكثيرا لمن ينزل بهم.

كان من لوازم السلطة أو علامات عدم الثقة بالنفس أو بالغير أن تتراءى من أبي جعفر في لقائه لأهل البيت أو التعامل معهم نزعات المستوفز الحذر، أو مظاهر الاستعلاء عند مواجهة الأعداء، أو من يضعهم في مواضع الأعداء. لكن الإمام «الصادق» كان يمسك بالزمام فيرد الخليفة دائما إلى حيث يطلب الموعظة، أو العلم.

ومن إمساك الزمام في أحد هذه اللقاءات إمساك الخليفة ذاته أن يميل على أهل البيت. فيقول له (لا تقبل في رحمك وأهل الرعاية من أهل بيتك من حرم اللّه عليه الجنة وجعل مأواه النار. فإن النمام شاهد زور وشريك إبليس في الإغراء بين الناس. فقد قال اللّه تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) ونحن أنصار وأعوان. وللملك دعائم وأركان، ما أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، وأمضيت في الرعية أحكام القرآن، وأرغمت بطاعتك اللّه أنف الشيطان. وإن كان يجب عليك في سعة فهمك وكثرة علمك ومعرفتك بآداب اللّه أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك. فإن الكافي ليس بالواصل. إنما الواصل من إذا قطعته رحمه وصلها. فصل رحمك يزد اللّه في عمرك، ويخفف عنك الحساب يوم حشرك).

ويقول المنصور: قد صفحت عنك لقدرك. وتجاوزت عنك لصدقك. فحدثني عن نفسي بحديث أتعظ به ويكون لي زاجر صدق عن الموبقات.

وبهذا السؤال انتشل المنصور نفسه من موقع قاطع الرحم، إلى موضع المواسي لذوي القرابة، ومكانة طالب الموعظة، فأدلى بها إليه الإمام.


قال (عليك بالحلم فإنه ركن العلم. واملك نفسك عند أسباب القدرة. فإنك إن تفعل ما قدرت عليه كنت كمن شفى غيظا وداوى حقدا، وأحب أن يذكر بالصولة. وأعلم أنك إن عاقبت مستحقا لم يكن غاية ما توصف به إلا العدل. والحال التي توجب الشكر أفضل من الحال التي توجب الصبر).

تلك آداب اللّه، وأسباب الحكم الصالح، وملاك السيطرة للحاكم المسلم على قلوب الرعية.

وظاهر أن أبا جعفر كان يتظاهر بالاستعلاء إذ يدعى الصفح، وليس لديه تهمة. ولو كانت عنده تهمة للصادق لما طلب الموعظة إليه.

وللملوك سماعات، أو أبواق دعايات، منتشرة في الرعية، تلتقط موجات الرضا والغضب، والهدوء والقلق، وتبث نظائرها، حسب الحاجة. والنمامون كثر، كالفراشات التي تدور حول النور، تلتمس الدفء أو الظهور. ولأبي جعفر جهاز لا يني عن استعماله ليروع خصومه، أو ليجعلهم في قبضة يده.

فلقد يدس من أجهزته دسيسا بعد دسيس على بني الحسن، والحسين، مثل أن يدعو ابن مهاجر ذات يوم فيقول له: خذ هذا المال وإيت المدينة والق عبد اللّه بن الحسن وجعفر بن محمد (الصادق) وأهل بيتهم وقل لهم إني رجل من خراسان من شيعتكم وقد وجهوا إليكم هذا المال. فادفع إلى كل واحد منهم على هذا الشرط. كذا وكذا. فإذا قبض المال فقل إني رسول. وأحب أن تكون معي خطوطكم بقبض ما قبضتموه مني . وذهب ابن مهاجر. فلما رجع قال له أبو جعفر ما وراءك؟ قال: أتيت القوم وهذه خطوطهم ما خلا جعفر بن محمد. قال لي يا هذا: اتق اللّه ولا تغرن أهل بيت محمد. فإنهم قريبو العهد بدولة بني مروان. وكلهم محتاج. فقلت وما ذاك أصلحك اللّه. فقال ادن مني. فدنوت فأخبرني بجميع ما جرى بيني. وبينك كأنه ثالثنا.

قال المنصور: يا ابن مهاجر إنه ليس من أهل بيت نبوة إلا وفيهم محدث. وإن جعفر بن محمد محدثنا اليوم.

فالصادق يكشف للمنصور ودسيسه، حقائق يعلمونها، وينبههما على ألا يورطا أهل البيت من جراء حاجاتهم. يريد لأهله السلامة. وللخليفة الاستقامة، وللأمة الطمأنينة. وفي كل ذلك خير لأبي جعفر المنصور.


ولقد كان المنصور - نفسه - يجعل الصادق حجة من حججه، وإذا فاخر أهل البيت فاخرهم به كتب إليه محمد بن عبد اللّه (النفس الزكية) يدعوه ليبايعه، وعيره بأمهات العباسيين لأنهن أمهات ولد. وأم المنصور بربرية تدعى سلامة، يتردد اسمها على ألسنة الذين فاخروه. فتولى المنصور كبره في الرد على محمد. ولم يدع الفرصة تفوته ليستفيد حجة من مكانة الإمام الصادق. قال فيما قال (وما ولد فيكم بعد وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أفضل من علي بن الحسين زين العابدين. وهو لأم ولد. ولهو خير من جدك حسن ابن حسن. وما كان فيكم بعده مثل محمد بن علي الباقر وجدته أم ولد، ولهو خير من أبيك. ولا مثل ابنه جعفر. وجدته أم ولد، وهو خير منك).

وغض المنصور طرفه عن أن أم الولد في شجرة الباقر « شاة زنان » بنت كسرى ملك الفرس. وأين منها - بعد إذا أسلمت - سلامة

على أن اللقاءات - أو الاحتكاكات - بين الرجلين لا تتوقف.

فهذان قطبان. لكل منهما عالمه. وهما ضدان لهما مستويان. والشرف فيهما لرجل الدين والزهد والعلم. والملوك أحوج إلى العلماء من العلماء إلى الملوك.

وأبو جعفر حريص غدر، يسلط على الصادق من وقت لآخر، وفي مكان بعد آخر، وجوها من التهديد لشخصه والاتهام لولائه والإزراء بعلمه.

يقول له ذات يوم في لقاء له بالكوفة: أنت يا جعفر ما تدع حسدك وبغيك وفسادك على أهل البيت من بني العباس. وما يزيدك اللّه بذلك إلا شدة حسد ونكد، وما تبلغ به ما تقدره. فيجيبه الصادق: (واللّه ما فعلت شيئا من ذلك. ولقد كنت في ولاية بني أمية - وأنت تعلم أنهم أعدى الخلق لنا ولكم، وأنه لا حق لهم في هذا الأمر - فو اللّه ما بغيت عليهم ولا بلغهم عني شيء مع جفائهم الذي كان لي. وكيف أصنع هذا الآن. وأنت ابن عمي. وأمس الخلق بي رحما. وأكثر عطاء وبرا فكيف أفعل هذا) والصادق بهذا يسجل للخليفة بره. ويقدر له أولية ذوي الأرحام عنده في البر بهم، ويقرر له حقه في الخلافة. وليس للمنصور فوق ذلك طلبات وبهذا يستل الضغن من صدره، ليدعه في ميدانه الذي يسره اللّه له.


ومع ذلك يعاد المشهد في بغداد، بعد سنة ١٤٥، فيستحضره المنصور لمواجهة جديدة.

يقول له: يا جعفر. ما هذه الأموال التي يجبيها لك المعلى بن خنيس؟

قال الصادق: معاذ اللّه ما كان من ذلك شيء.

قال المنصور: تحلف على براءتك بالطلاق والعتاق.

قال الصادق: نعم أحلف باللّه ما كان من ذلك شيء.

قال المنصور: بل تحلف بالطلاق والعتاق.

قال الصادق: ألا ترضى بيميني: اللّه الذي لا إله إلا هو

قال أبو جعفر: لا تتفقه علي.

قال الصادق: وأين يذهب الفقه مني ؟

قال المنصور: دع عنك هذا فإني أجمع الساعة بينك وبين الرجل الذي رفع عنك هذا حتى يواجهك.

فأتوه بالرجل .

قال الصادق: تحلف أيها الرجل أن الذي رفعته صحيح؟ قال: نعم. ثم بدأ باليمين: قال واللّه الذي لا إله إلا هو الغالب الحي القيوم.

قال الصادق: لا تعجل في يمينك فإني استحلفك. قال أبو جعفر: ما أنكرت من هذه اليمين؟

قال الصادق: إن اللّه تعالى حي كريم إذا أثنى عليه عبده لا يعاجله بالعقوبة. ولكن قل أيها الرجل: أبرأ إلى اللّه من حوله وقوته. وألجأ إلى حولي وقوتي. إني لصادق بر فيما أقول.

قال المنصور للرجل: احلف بما استحلفك به أبو عبد اللّه.

قال راوي الخبر: فحلف الرجل. فلم يتم الكلام حتى خر ميتا. فارتعدت فرائص المنصور. وقال للصادق: سر من عندي إلى حرم جدك إن اخترت ذلك. وإن اخترت المقام عندنا لم نأل جهدا في إكرامك. فو اللّه لا قبلت بعدها قول أحد أبداً.


وأين يذهب الفقه من إمام المسلمين، وهو الذي يوجه اليمين، ومن حقه صياغتها وفي الصيغة ما ذكر المفتري بعظم افترائه، وبالخالق سبحانه (ومن أظلم ممن افترى على اللّه كذبا). ومن الإنساني، ومن جلال مقام الإمام عند اللّه والناس، أن يخر صريعا من يفتري على اللّه وعلى الإمام، في مجلس الخليفة.

بهذه الآية هدى جبار السموات جباراً على الأرض لا يطأطئ رأسه. فإذا حركها عندما يناوشه الذباب سأل حضاره كالمستنكر: لم خلق اللّه الذباب. وكان الصادق حاضراً يوما فأجاب: ليذل اللّه به الجبابرة.

ولئن كان في وجود الذباب في المجلس تذكرة للجبابرة، ففي سقوط المفتري على الإمام بين أيديهم آية ما بعدها آية.

وكما يضمن أبو جعفر طاعة الإمام بالبغتات يصطعنها من حين لآخر، لا يتورع عن محاولة إفحام الإمام، بين علماء العصر، أو تسخير أعظم علماء العراق، لينصب منه شركاء يوقع فيه الإمام وليس هوى أبي جعفر مع أي منهما. ولا بأس عنده إذا أعجز كل منهما، أو أحدهما، صاحبه.

وإن المرء ليلمس خساسة الحيل الظاهرة من أبي جعفر، باتخاذ العلم والفقه أداة للشر المدبر، وعظماء العلماء وسائل للإساءة للمسالمين الذين يأمن جانبهم. فلنقس عليها فظاعة تدابيره السرية لمن يخشى العواقب منهم، ولندرك جلالة الحق إذ ينتصر على الحيلة، وجلجلة الحقيقة إذ تظهرها وسيلة أريد بها طمس معالمها، ومكانة الإمام الصادق في العلم إذ يتواضع أمامه العظماء من الفقهاء، في مجلس علمي يسيطر عليه خليفة عالم:

أقدم المنصور الإمام الصادق من المدينة إلى العراق وبعث إلى أبي حنيفة فقال له: إن الناس قد افتتنوا بجعفر. فهيئ له المسائل الشداد.


ويقول أبو حنيفة عن لقائه بعد ذلك (بعث إلي أبو جعفر وهو بالحيرة فأتيته. فدخلت عليه وجعفر بن محمد جالس عن يمينه. فلما أبصرت به دخلتني من الهيبة لجعفر بن محمد الصادق ما لم يدخلني لأبي جعفر فسلمت عليه، فأومأ إلى فجلست. ثم التفت إليه فقال: يا أبا عبد اللّه هذا أبو حنيفة. قال جعفر: إنه قد أتانا. ثم التفت إلي المنصور وقال: يا أبا حنيفة ألق على أبي عبد اللّه (الصادق) مسائلك. فجعلت ألقي عليه فيجيبني فيقول: أنتم تقولون كذا. وأهل المدينة يقولون كذا. ونحن نقول كذا. فربما تابعهم. وربما خالفنا جميعا. حتى أتيت على أربعين مسألة). .

ولقد قال أبو حنيفة في مقام آخر (ألسنا روينا أن أعلم للناس أعلمهم باختلاف الناس).

وإنما يقصد أبو حنيفة باختلاف الناس الاجتهاد الفقهي للمقارنة بين مذاهب المجتهدين . فأبو حنيفة - وهو الإمام الأعظم عند أهل السنة - يقرر أن الإمام الصادق أعلم الناس باختلاف الناس في المدينة حيث علم المحدثين، وفي الكوفة حيث علم أهل الرأي. وكانتا قد بلغتا أوجهما، على أيدي أبي حنيفة ومالك. وهما التلميذان في مجالس الإمام الصادق. وكمثلهما كان إمام العراق الآخر سفيان الثوري.

وأبو حنيفة أكبر سنا من جعفر الصادق. ولد قبله بأعوام وسيموت بعده. وكان أبو حنيفة كما قال مالك لو حدثك أن السارية من ذهب لقام بحجته.

والجاحظ كبير النقدة يقول بعد مائة عام (جعفر بن محمد الذي ملأ الدنيا علمه وفقهه ويقال إن أبا حنيفة من تلاميذه وكذلك سفيان الثوري. وحسبك بهما في هذا الباب).

والجاحظ يذكر تلاميذ العراق. ولو ذكر تلاميذ المدينة لما نسي مالك بن أنس.


بلغ الإمام الصادق بمسالمته للمنصور بعض آماله لأهل بيته، بقية أيام حياته، بل طوال خلافة أبي جعفر المنصور. فكان ميمون النقيبة بالسلام الذي نشده، والأمان الذي دعا له، وأطال زمانه. ومنع كثيراً من الطغيان الذي طالما شكاه أبوه، على ما سيروي ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة - (ثم لم نزل أهل البيت نستذل ونستضام، ونقصى ونمتهن، ونحرم ونقتل. ولا نأمن على دمائنا ودماء أوليائنا. ووجد الكاذبون والجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعا . فحدثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة ورووا عنا ما لم نقله وما لم نفعله ليبغضونا إلى الناس. وكان عظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن. فقتلت شيعتنا بكل بلدة. وقطعت الأيدي والأرجل على الظنة. ومن يذكر بحبنا والانقطاع إلينا سجن أو نهب ماله أو هدمت داره. ثم لم يزل البلاء يزداد إلى زمان عبيد اللّه بن زياد قاتل الحسين. ثم جاء الحجاج(١) فقتلهم كل قتلة وأخذهم بكل ظنة وتهمة. حتى أن الرجل يقال له زنديق أحب إليه من أن يقال شيعة علي).

وفي عصر الباقر كان الحسن البصري(١١٠) الجسور (قاضي عمر بن عبد العزيز وشيخه الذي لا يهاب الخلفاء) إذا روى عن أمير المؤمنين علي قال (قال أبو زينب) ليخفى الاسم الذي لا خفاء له

بل كان الشعبي(١٠٤) شيخ المحدثين بالعراق يقول (ماذا لقينا من آل علي إذا أحببناهم قتلنا وإذا أبغضناهم دخلنا النار).

وكان طبيعيا في دولة « هرقلية » أن يكون همها الملك لا الدين، تعاقب من تتوهم خطره عليها وتترك من تزندق، أن تزداد الاستهانة بالدين في مقابل السلام الذي تنشده الدولة، والبلهنية التي يؤثرها دعاة الدعة. بدأ ذلك من عهد معاوية وسيستمر استمرار فساد الدولة. وستستبقيه لتصرف الناس عن الاهتمام بأهل بيت النبي، أو توقع بهم لفرطات تفرط من أحدهم، أو تعزي كذبا إليهم، منتهزة للفرص حينا، أو مفتعلة لها في أغلب الأحيان.

___________________

(١) أطلق الخليفة سليمان بن عبد الملك من سجون الحجاج في يوم واحد ثمانين ألفا. منهم ثلاثون ألفا بغير ذنب. ومنهم ثلاثون ألف امرأة.


كانت الأوامر تصدر من بغداد إلى أرجاء الامبراطورية التي تدين لبني العباس، ومنها مصر، أن (لا يقبل علوي ضيعة. ولا يسافر من الفسطاط إلى طرف من أطرافها. وأن يمنعوا من اتخاذ العبيد إلا العبد الواحد (والرقيق يومذاك قوة العمل) وإن كانت بين العلوي وبين أحد خصومة فلا يقبل قول العلوي. ويقبل قول خصمه بدون بينة)

وكانوا يسفرون من الأطراف إلى العاصمة ليكونوا تحت الرقابة. بل أمر الرشيد أن يضمن العلويون بعضهم بعضا. وكانوا يعرضون على السلطان كل يوم، فمن غاب عوقب . وكأن « أهل بيت النبي » جالية من العدو أو شرذمة من المشبوهين.

ولقد كان يكفي للحيطة أقل القليل من حاكم يريد أن يطمئن. وإنما كان ذلك الكيد سياسة إبادة مستمرة، يشترك في تنفيذها الخلفاء، والأشياع الظلمة، تدفع الثائرين إلى أن يثوروا، فيؤخذوا بثوراتهم، أو يؤخذ غيرهم بجرائر تنسب إليهم، أما سياسة أهل البيت فواضحة من شعار أبناء علي في كلمة مسلم بن عقيل (إنا أهل بيت نكره الغدر) قالهاعندما عرض عليه البعض قتل عبيد اللّه بن زياد في إحدى زياراته. فنجا ابن زياد بهذا الشعار ليقتل مسلما فيما بعد. أما شعار حاشية معاوية فكان (إن للّه جنودا من عسل) يقصدون دس السم إلى أعدائهم فيه.

ولقد طالما استعمل الطغاة السم في أهل البيت في القرون التالية. فإن لم يكن سم في خفاء فالقتل جهرة. ومن الروايات أن أئمة أهل البيت - الاثني عشر - ماتوا مسمومين ما عدا أمير المؤمنين عليا وأبا الشهداء الحسين - ماتا شهيدين.

في أيام الخليفة الهادي (سنة ١٦٩) كان أهل بيت النبي في المدينة يستعرضون كل يوم لكل واحد منهم كفيل من نسيب أو قريب. بل ولى عليهم واحد من ذرية عمر بن الخطاب هو عبد العزيز بن عبد اللّه. فولى بدوره على أهل البيت رجلا يقال له عيسى الحائك. فحبسهم الحائك في المقصورة. فثارت لأجلهم المدينة إذ ثاروا، وكسرت السجون وأخرج المسجونون، وبويع للحسين بن علي بن الحسن. فبقي واحداً وعشرين يوما بالمدينة ثم ارتحل إلى مكة فأقام بها إلى زمن الحج.


وكرر التاريخ نفسه في خروج الحسين ومن معه من أهل المدينة إذ جاءه الإمام موسى الكاظم يستقيله من الخروج معه، كما صنع أبوه مع النفس الزكية (محمد بن عبد اللّه). قال الكاظم للحسين (أحب أن تجعلني في حل من تخلفي عنك) قال أنت في سعة قال الكاظم (أنت مقتول . وعند اللّه عز وجل أحتسبكم من عصبة..).

وجهز الهادي جيشاً لاقاه حيث استشهد في موقع يقال له (فخ) ومعه كثير من العلويين. وحملت رأس (الحسين شهيد فخ) إلى القائد العباسي بالبشرى مع رءوس مائة آخرين.

واستعرض القائد الرءوس بالمدينة فقال الإمام الكاظم عندما عرضوا رأس الحسين (إنا للّه وإنا إليه راجعون. مضى واللّه مسلما. صالحا. صواما قواما آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر. ما كان في أهل بيته مثله).

وكان مع الحسين يحيى بن عبد اللّه بن الحسن (أخي محمد وإبراهيم، وإدريس أبناء عبد اللّه بن الحسن) فلما انتهت المعركة استتر، ثم ظهر، فخرج على الرشيد في بلاد الديلم، ووجه إليه الرشيد جيشاً بقيادة الفضل بن برمك حتى استسلم بعهد مكتوب. ومع ذلك استفتى الرشيد العلماء لقتله، فأبى ذلك محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة وصاح: ماذا تصنع لو كان محاربا وولى كان آمنا.

لكن الرشيد وجد من علماء السوء من أفتاه بقتله، وكان هو أقدر على النفاق السياسي من مفتيه. أخذ من المفتي ما يملكه، ليصنع هو ما يقدر عليه . فسجن يحيى وضيق عليه الخناق حتى مات في سجنه، كمثل ما سيموت في سجن الرشيد الإمام موسى الكاظم ويشهد الرشيد الناس عليه، ليبرئ نفسه من تهمة اغتياله.

أما الأخ الرابع إدريس فأفلت هارباً إلى مصر، ثم إلى المغرب، وقيل دس إليه الرشيد هناك من سمه. فأسس ابنه دولة الأدارسة.


وسيموت في حبس الرشيد كذلك عبد اللّه بن الحسن (الأفطس). قتله جعفر بن برمك وزير الرشيد. وسيموت في حبسه محمد بن يحيى بن محمد بن عبد اللّه بن الحسن، والعباس بن محمد بن عبد اللّه، وكذلك الحسين ابن . عبد اللّه بن جعفر(١) .

وفي عهد المأمون وجه إلى جماعة من آل أبي طالب. فحملوا إليه في مرو عاصمة خراسان وفيهم الإمام علي الرضا (بن الكاظم بن الصادق) فخاطبه في أن يكون ولي عهده. فأبى. فتهدده بقوله. (إن عمر جعل الشورى في ستة آخرهم جدك. وقال من خالف فاضربوا عنقه. ولابد من قبول ذلك) فقبل. وبايع له المأمون والعباس بن المأمون.

ثم دعاه المأمون للخطبة فأوجز، وكأنه يتوقع وجازة أيامه. فاكتفى بعد أن حمد اللّه بقوله (إن لنا عليكم حقا برسول اللّه صلى اللّه عليه وآله. ولكم علينا حق فإذا أديتم إلينا ذلك وجب علينا الحق لكم). لكنه مات بعد قليل في ظروف مبهمة لا يستبعد منها دس السم كما تؤكد الشيعة، فموت علي الرضا كان حلا لإشكالات بني العباس سواء من يحبون المأمون، أو الكارهين للرضا، أو للمأمون ذاته(٢) .

ولا نستطرد للسرد. فليس في تاريخ البشرية، كلها، أسرة شردت وجردت، وذاقت العذاب والاسترهاب، مثل أهل بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

___________________

(١) وتستمر عجلات الطغيان في الدوران. وتتوالى مقاتل الطالبين توالي الخلفاء العباسيين - ففي بدء عهد المأمون يقتل بالعراق: الحسن بن الحسين بن زيد عند قنطرة الكوفة مع أبي السرايا. والحسن بن اسحق بن علي في وقعة السوس مع أبي السرايا. ومحمد بن الحسن بن الحسين يقتل باليمن في أيام أبي السرايا وعلي بن عبد اللّه بن محمد يقتل باليمن في أيام أبي السرايا ومحمد بن إبراهيم بن إسماعيل (وهو ابن طباطبا) الخارج مع أبي السرايا سنة ١٩٩ مطالبين بالبيعة (للرضا من آل محمد). وقد انهزموا بجيش هرثمة بن أعين قائد المأمون سنة ٢٠٠. وقتلى العلويين على يد هذا الجيش كثيرون.

(٢) وفي عهد المعتصم خرج محمد بن القاسم . بن علي بالطالقان فقبض عليه عبد اللّه بن طاهر وبعث به إلى الخليفة. وحبس المعتصم عبد اللّه بن الحسن . بن جعفر حتى مات في مخبئه. فلما جاء الواثق أمن العلويون بضع سنين. إذ جمعوا ثم حبسوا، عن الانطلاق خارج العاصمة سامرا، فتطامنوا وأطمأنت السلطة. ثم هبت عليهم في أيام المتوكل ريح عاتية من جنون الفزع. =


= فلقد أزال قبر الحسين وحرثه حتى لا يزار. وشتت شمل شيعته وفرقهم في النواحي. فمنهم من حبسوا ومنهم من تواروا حتى ماتوا في مهربهم - وتناقل الناس أشعاراً منسوبة إلى ابن السكيت عالم النحو الكبير، وكان يعلم ولدي المتوكل. وفي هذه الأشعار:

تاللّه إن كانت أمية قد أتت

قتل ابن بنت نبيها مظلوما

فلقد أتاه بنو أبيه بمثله

هذا لعمرك قبره مهدوما

أسفوا على ألا يكونوا شاركوا

في قتله فتتبعوه رميما

وربما أراد المتوكل أن يتيقن من صدور هذا الشعر أو من ولاء العالم حين سأله:

أيهما أحسن: ولداي (المؤيد والمعتز) أم الحسن والحسين ؟ . ولم يرضه جوابه. فأمر بقتله فقتلوه. ولم يلبث المتوكل إلا قليلا حتى قتله ابنه « المنتصر » في مؤامرة

وإنما كانت فظاعة الجريمة الأخيرة قصاصاً عجلت به السماء لمقتل عالم آثر الصدق.

ولم يصلح للعلويين بال إلا أشهرا بعد مصرع المتوكل. ليعود البطش بهم إلى عنفوانه في أيام المستعين. فمنهم من خرج وخرج الناس معه، كيحى بن عمر خرج فقتل. ومنهم من خرج ولم يخرج الناس معه، فحبس ليموت سنة ٢٧١. وهو الحسن بن محمد المعروف بالحرون. ومنهم محمد بن جعفر خرج وحبس حتى مات في سامراء ليتتابع سجل الشهداء.


بدأ بهم تاريخ الإسلام مجده. واستمر فيهم بعبرته وعظمتها. قدم أبوهم للبشرية أسباب خلاصها بكتاب اللّه وسنة الرسول. وقدم أهل بيته أرواحهم في سبيل القيم التي نزل بها القرآن وجاءت بها السنة. كانت مصابيحهم تتحطم لكن شعلتهم لا تنطفئ، لتخلد الجهاد والاستشهاد والإرشاد، بالمثل العالي الذي كانوه، والضوء الذي لم تمنع الموانع من انتشاره ، وعلم فيه أبناء النبي أمته بعض علومه : أن الاستشهاد حياة ، للمستشهدين وللأحياء جميعا(١) .

___________________

(١) نقف عن السرد، عند أبيات لابن الرومي(٣٢١ - ٣٨٤) من جيميته في رثاء يحيى بن عمر بعد مقتله إذ خرج على بني العباس في القرن الرابع من جراء ظلمهم:

أمامك فانظر أي نهجيك تنهج

طريقان شتى. مستقيم وأعوج

أكل أوان للنبي محمد

قتيل زكى بالدماء مضرج ؟

بني المصطفى كم يأكل الناس شلوكم

لبلواكمو عما قليل مفرج

أبعد المسمى بالحسين شهيدكم

تضاء مصابيح السماء فتسرج؟

أيحى العلاء لهفي لذكراك لهفة

يباشر مكواها الفؤاد فينفج

لمن تستجد الأرض بعدك زينة

فتصبح في أثوابها تتبرج ؟

سلام وريحان وروح ورحمة

عليك ومحدود من الظل سجسج

الا أيها المستبشرون بيومه

أظلت عليكم غمة لا تفرج

نظار لكم أن يرجع الحق راجع

إلى أهله يوما فتشجوا كما شجوا

غررتم إذا صدقتمو أن حالة

تدوم لكم. والدهر لونان. أخرج

أبى اللّه إلا أن يطيبوا وتخبثوا

وأن يسبقوا بالصالحات ويفلجوا

لعل قلوبا قد أطلتم غليلها

ستظفر منكم بالشفاء فتثلج


الباب الثالث : إمام المسلمين

أنت يا جعفر فوق الـ

مدح والمدح عناء

جاز حد المدح من

قد ولدته الأنبياء

 (عبد اللّه بن المبارك)

امام المسلمين

قامت الدولة الإسلامية بالمدينة المنورة حيث طبق الدين أكمل تطبيق. فلم تكن العاصمة المناسبة لدول ثلاثة أقامها أصحابها من أجل خلافة الدنيا لا خلافة الدين.

والمدينة هي المقر الأمثل لأهل بيت الرسول حيث يرتبطون بكل أثر فيها وترتبط بهم المعاني التي خلد بها الإسلام، وانتصر المسلمون.

والسنة هي الشجرة المباركة وفروعها. في ثمرها اليانع رحمة ويسر ومعرفة. وفي ظلالها الوارفة مودة وإيلاف وتواصل. ومن هذه العناصر نتج الفكر الرفيع للمجتمع العظيم، يسقى من القرآن ويحيا به.

وبالقرآن والسنة، والفكر الرفيع والفقه المحيط، اعتصم أهل البيت في المدينة. فاختصم وإياهم خلفاء الدول الثلاثة الأموية والمروانية والعباسية، وولاتهم على المدينة. لكنها ظلت مدرسة السنة والفقه. وتتابع فيها أئمة أهل البيت: زين العابدين، والباقر، والصادق.

والفصل الثاني من الباب الحالي مداره مجلس إمام المسلمين جعفر الصادق، وأمثال لما يجري فيه من أقوال، ومن يشرف بالانتهاء إليه من رجال، ليسوا كسائر الرجال. فهم أئمة الفكر الإسلامي جميعه. من سنن وفقه، وزهد وكلام، وعلوم تطبيقية. منذ القرن الثاني للهجرة حتى يرث اللّه الأرض ومن عليها.


الفصل الأول : في المدينة المنورة

«اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك. وإنه دعاك لمكة. وإني أدعوك «للمدينة» بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه».

(حديث شريف)

في المدينة المنورة

ولي مروان بن الحكم إمرة المدينة لمعاوية سنة ٤٢. وكان مروان طلبة الثوار على عثمان. لو تسلموه لما قتلوا الخليفة - كما قيل - وكان مروان يبحث لنفسه في الفتنة عن مكان. ومن أجل ذلك رمى معاوية المدينة به، أو رماه بها، من فور ولايته للسلطة. وهو ابن عمه وابن عم عثمان. كان معاوية يصرفه عن الإمرة ثم يعيده. وآثر مروان وأهله الإقامة بالمدينة، في الحالين، على الذهاب إلى دمشق عاصمة بني أمية، حيث الصدارة لغيره. وحسن صلاته بأهل المدينة. فلما وقعت مجزرة كربلاء كانت عواطفه مع أهل بلدته. ثم أجاءته الرياح إلى حيث نصبه أهله خليفة سنة ٦٤ بعد اعتزال معاوية ابن يزيد. ثم خلف مروان ابنه عبد الملك لتبقى خلافته عشرين عاما من سنة ٦٦ إلى سنة ٨٦. وفي عبد الملك يقول عبد اللّه بن عمر: إن لمروان ابنا فقيها فاسألوه. لكنه بعد الخلافة صار ظلوما غشوما: أدخل عليه الأسرى ذات يوم فأمر بضرب أعناقهم - دون استجواب فقال له رجل من أهل الشام كان يعرفه أيام تنسكه - لقد أقست الخلافة قلبك. وكنت رءوفاً فأجاب: كلا. ولكن أقساه الضغن بعد الضغن.

كان يستنكر ضرب جيوش يزيد بن معاوية للكعبة سنة ٦٣ في حصار مكة، حتى إذا ولى الخلافة ضربها الحجاج له في سنة ٧٣ ولما سئل الحسن البصري أن يقول قوله في عبد الملك بن مروان أجاب: ماذا أقول في رجل، الحجاج إحدى سيئاته ولم يتمهد الملك لابنه الوليد إلا بعد عشرين عاما من حكم عبد الملك. فلقد بويع لابن الزبير بمكة سنة ٦٤ من أهل الحجاز والعراق ومصر، فدارت رحى الحرب، واستمرت بيعة العراق لابن الزبير حتى سنة ٧١ عندما قتل جند عبد الملك مصعب بن الزبير، وهدموا قصر الخلافة الزبيرية بالكوفة. وفي العام التالي استرجع « المدينة » لعبد الملك طارق ابن عمر، وفي سنة ٧٣ قتل عبد اللّه بن الزبير، واستسلم للحجاج أهل « مكة ».


وفي حياة الإمام جعفر كان على إمرة المدينة أبان بن عثمان حتى سنة ٨٢ حين عزله عبد الملك بهشام بن إسماعيل، الذي ضرب سعيد بن المسيب سنة ٨٥ من جراء رفضه بيعة الوليد وسليمان ابني عبد الملك، وطاف به في المدينة.

ثم عزل الوليد هشاما بعمر بن عبد العزيز سنة ٨٧. وعمر زوج أخته وهو زوج أخت عمر. والأربعة حفدة مروان.

وأمر الوليد عمر أن يوقف هشاما للناس أمام دار مروان ، و لكل عنده مظلمة فمر الناس به يلمزونه ويغمزونه. فصاحب المعروف لا يقع و إن وقع وجد متكأ و كان هشام من كثرة ما أساء إلى علي بن الحسين (زين العابدين) يقول: ما أخاف إلا من علي زين العابدين - فلو أزري به زين العابدين لحق عليه الدمار من العابدين ومن العامة - لكن زين العابدين ومواليه وخاصته مروا به لا يتعرضون له بكلمة. فلما مروا وسلم هشام، صاح: اللّه يعلم حيث يجعل رسالته.

ورد عمر بن عبد العزيز لأهل البيت فدكا. وكان النبي قد أعطاها لفاطمة الزهراء ولم يورثها أبو بكر وعمر لها. فكان اجتهاد عمر بن عبد العزيز خلافا في الفقه مع أبي بكر ومع جده عمر بن الخطاب.

ومنع عمر الشعار الأموي الآثم. وهو سب علي. وزاد إنصافا فاستعاض عنه شعاراً تبدو فيه معاني التوبة النصوح والاستغفار من الذنوب، وهو الآية الكريمة (ربنا اغفر لنا. ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان). وكان معاوية قد استحدث نظام القصص ليثني القصاص على الخلفاء من بني أمية و يزينوا للناس حالهم فأمرهم عمر أن يقصروا الثناء (على المؤمنين).

وفي عمر يقول أحمد بن حنبل «ليس أحد من التابعين قوله حجة إلا عمر ابن عبد العزيز» ويخاطبه كثير، وهو من شعراء الشيعة، بقوله:

وليت ولم تسبب عليا ولم تخف

مريبا ولم تقبل مقالة مجرم

وصدقت بالقول الفعال مع الذي

أتيت فأمسى راضيا كل مسلم


وفي العام التالي لولاية عمر على المدينة حج الوليد، وبدا له أن يأمر بتوسعة المسجد، لتدخل فيه حجرات أمهات المؤمنين وبيت علي، الذي أذن له به النبي، في حين ردم أبواب سائر الصحابة. فنصح الناس الخليفة أن يعود إلى مقر الملك في دمشق ويصدر أوامره منها بتوسيع المساجد عامة في مكة والمدينة وبيت المقدس، وأن يبني مسجداً بدمشق، وبهذا يتحقق غرضه دون أن يلومه الناس. فرجع إلى دمشق وأصدر منها أوامره.

وشق الأمر على أهل المدينة وتظاهروا عليه طالبين ترك (الحجرات) كما تركها صاحب الشريعة. فأصر الوليد وأنفذ، لتنفيذ أمره، بعثة من العمال من بلاد الروم.

قال خبيب بن عبد اللّه بن الزبير لعمر (نشدتك اللّه يا عمر أن تذهب بآية من آيات اللّه تقول (إن الذين ينادونك من وراء « الحجرات » أكثرهم لا يعقلون) . وطعن في بني أمية، وبلغ خبره الوليد بدمشق فأمر بجلده. فجلد. ومضى زمن ومات خبيب. فكان عمر يقول كلما بشره بالجنة أحد: (كيف. وخبيب على الطريق).

وفي سنة ٩١ حج الوليد فزار المسجد، وخطب على منبر الرسول قاعدا في كبرياء. فنفر الفقهاء. وترضى السادات. فاستفز الفقراء.

وكان عمر يؤوى، بالمدينة، من يتهددهم بطش الحجاج في العراق. لكن الوليد ولى الحجاج على الحج سنة ٩٢، فاستعفاه عمر من مرور الطاغية بمدينة الرسول، فقبل.

ولم يكن عدل عمر مانعا، بل ربما صار مقتضيا، أن يعزله الوليد بعثمان ابن حيان المري سنة ٩٣، فأنزل الوالي الجديد النكال بالعلماء، ومنهم ناسك المدينة محمد بن المنكدر فقيه بني تميم قبيلة أبي بكر وأخوال جعفر الصادق، وقذف أهل المدينة من فوق المنبر بقوله (أيها الناس إنا وجدناكم أهل غش لأمير المؤمنين في قديم الدهر وحديثه).

وامتدت يد البطش إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري (وجده عمرو عامل الرسول)، فأمر بحلق لحيته لولا أن عزل الخليفة الجديد (سليمان بن عبد الملك) عثمان بأبي بكر ذاته سنة ٩٦. وبقي أبو بكر أميراً على المدينة حتى سنة ١٠١. واجتمع له القضاء والإمرة عليها في خلافة عمر بن عبد العزيز.

ولما عزله يزيد بن عبد الملك بعد وفاة عمر، بعبد الرحمن بن الضحاك بن قيس عذب الوالي الجديد أبا بكر. فلما عزل عبد الرحمن سنة ١٠٤، حاقت البأساء والضراء بعبد الرحمن، حتى صار يلتمس الصدقة من سوء حاله.


وفي سنة ١٠٦ تولى إبراهيم بن هشام بن إسماعيل - وهو خال الخليفة هشام بن عبد الملك - فبقي إبراهيم واليا إلى سنة ١١٤. ثم عزل بخالد ابن عبد الملك بن الحارث بن أبي العاص، فبقيت له الإمرة حتى سنة ١١٨.

وخطب خالد على منبر الرسول، فانتقص أولاد الرسول وأباهم عليا. فقام إليه داود بن قيس فبرك على ركبتيه وقال: كذبت كذبت. حتى حيل بينهما. ثم عزل بمحمد بن هشام بن اسماعيل أخي إبراهيم فبقى حتى سنة ١٢٥.

وكما ولى محمد وإبراهيم ابنا هشام، لخؤلتهما لهشام بن عبد الملك، ولي الوليد ابن يزيد إمرة المدينة « خاله » محمد بن يوسف الثقفي. وأمره أن يعذبهما، وأن يقيمهما للناس، وأن يبعث بهما إلى والي العراق ليذيقهما الهوان حتى يموتا من العذاب. ففعل. وبقي حتى سنة ١٢٦ فعزل بعبد العزيز بن عمر ابن عبد العزيز ليبقي ثلاث سنوات حتى سنة ١٢٩، فيحل محله عبد الواحد ابن سليمان بن عبد الملك.

وفي ولاية عبد الواحد كانت شمس بني أمية في الغروب: لقد طرد الحارث بن سريج عاملهم نصر بن سيار من أقصى الشرق في مرو - وأقبل أبو حمزة « الخارجي » يخرجهم من قلب الإسلام في المدينة سنة ١٣٠ بعد وقعة قديد. وفيها قتل من أهل المدينة خلق كثير. وهرب عبد الواحد.

وسفر إلى أبي حمزة، وهو على أبواب المدينة، السفراء: شيخ بني هاشم عبد اللّه بن الحسن، ومحمد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان، وكان محسوبا مع بني هاشم لما يجمعه بهم من رحم، وعبد الرحمن بن القاسم ابن محمد بن أبي بكر خال الإمام جعفر، وعبد اللّه بن عمر بن . عمر، ومعهم ربيعة الرأي شيخ مالك بن أنس، في رجال آخرين. فعامل أبو حمزة الوفد معاملة الخوارج للصحابة: عبس وبسر في وجه الأولين حفيدي علي وعثمان. وبشر في وجه الثالث والرابع - حفيدي الشيخين: أبي بكر وعمر. وقال لهما: واللّه ما جئنا إلا لنسير بسيرة أبويكما.

قال شيخ بني هاشم واللّه ما جئناك لتفضل بين آبائنا. ولكن بعثنا إليك الأمير برسالة. وهذا ربيعة يخبرك بها..

أقام أبو حمزة بالمدينة ثلاثة أشهر ثم خرج لقتال جند الشام فانهزم .


ثم جاءت دولة بني العباس. وتولى إمرة المدينة للسفاح عمه داود بن علي فقام فخطب فقال: أيها الناس أغركم الإمهال حتى حسبتموه الإهمال ؟ .

والسيف مشهر:

حتى يبيد قبيلة فقبيلة

ويعض كل مثقف بالهام

ويقمن ربات الخدور حواسرا

يمسحن عرض ذوائب الأيتام

لكن اللّه عاجله بعد ثلاثة أشهر فلقى حتفه - وولى بعده زياد بن عبد اللّه بن المدان خال السفاح.

وأحاط السفاح ببني أمية: دعاهم، ومنحهم الأمان، حتى إذا اجتمعوا به أعمل رجاله السيوف فيهم. وكانوا نيفا وثمانين رجلا. وفي سنة ١٣٣ قتل عماله من أشياعهم ثلاثين ألفا بالشام. واستدعى عبد اللّه بن علي، أخو داود، وقائد جيش الشام، الإمام الأوزاعي إمام الشام إلى عسكره فسأله: ما تقول في بني أمية؟

قال: لقد كانت بينك وبينهم عهود. وكان ينبغي أن تفوا بها.

قال: ويحك. اجعلني وإياهم لا عهد بيننا.

يقول الأوزاعي (فأجهشت نفسي وكرهت القتل. فذكرت مقامي بين يدي اللّه فقلت (دماؤهم عليك حرام) فانتفخت عيناه وأوداجه وقال: ويحك لم؟ قلت (قال رسول اللّه: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بثلاث: ثيب زان ونفس بنفس وتارك دينه. قال: ويحك أو ليس الأمر لنا ديانة؟ أليس رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أوصى لعلي؟ فسكت . وجعلت أتوقع رأسي يسقط . وقال أخرجوه فخرجت).

وروى عبد اللّه بن علي رماحه من الدم بما لم يسمع التاريخ بمثله. حتى إذا ولي أبو جعفر المنصور(١٣٦ - ١٥٨) - عزل زياد بن عبد اللّه بن المدان عن المدينة بمحمد بن خالد القسري. وأمر بحمل زياد بن عبد اللّه إلى العراق مكبلا بالحديد.

ثم عزل محمد بن خالد وولى مكانه رباح بن عثمان بن حيان سنة ١٤١. وهو ابن عم مسلم بن عقبة (الذي يسميه البعض مجرم بن عقبة - فهو قائد الجيش الذي دمر المدينة وارتكب الفظائع في معركة الحرة سنة ٦٣) ففاخر الناس بنقائصه قال: أنا الأفعي بن الأفعي أنا ابن عثمان بن حيان وابن عم مسلم بن عقبة المبيد خضراءكم المفني رجالكم. فوثب عليه الناس فحصبوه بالحصى ورموه بالحجارة.


وفي إمرته اقتحم الجند منازل أهل البيت فأخرجوا منها رجالهم إلى السجون. ومرت مواكب أهل البيت في شوارع المدينة وهم في الأصفاد، هزلهم العذاب والأيام الشداد، ثم سيقوا إلى الكوفة، ليودعوا السجن حيث حبسوا - كما يقول المسعودي في مروج الذهب - في سرداب تحت الأرض لا يعرفون الليل من النهار حتى مات أكثرهم، ثم خر عليهم، ليموت تحت أنقاضه الأحياء منهم، ويدفن الذين سبقوهم إلى الموت دون أن يعني بهم أحد.

وبقي رباح حتى خرج محمد بن عبد اللّه (النفس الزكية) على المنصور وقبض الخارجون على رباح وأدخلوه سجن المدينة هو وأخاه.

ولما انتهت الحرب عين المنصور على المدينة عبد اللّه بن الربيع الحارثي فبقي حتى سنة ١٤٧ ثم عزل. فولى مكانه جعفر بن سليمان بن سليمان ابن علي بن عبد اللّه بن عباس، فبقي واليا حتى سنة ١٤٩. وهو الذي أمر بضرب مالك بن أنس حتى انخلعت كتفه وطافوا به في المدينة.

وفي ولاية جعفر بن سليمان مات الإمام الصادق.

بهذه الوجازة العجلى لأمر الولاة في نحو قرن من الحكم الأموي والمرواني والعباسي للمدينة، عاش فيه الإمام الصادق، تتكشف أمور حسبنا أن ننبه على بعضها الآن:

١ - ففي حكم بني مروان، لم يكن لأهل البيت، بخاصة، مشكلة مع الدولة. وإنما كانت المشكلة لأهل المدينة عامة مع العاصمة. أما خروج زيد بن علي زين العابدين سنة ١٢١ وابنه يحيى سنة ١٢٥.(١)

___________________

(١) ادعى خالد بن عبد اللّه القسري مالا قبل زيد وأبناء الصحابة. فدعاهم الخليفة هشام ابن عبد الملك إلى العاصمة وسألهم فأنكروا مزاعمه. فأعادهم إلى واليه على العراق يوسف بن عمر ليستحلفهم. وقيل إن هشاما لم يرد السلام على زيد فأغلظ له زيد في الكلام. وكان زيد في الذروة من فقهاء العصر - ولما رجعوا إلى الكوفة استحلفهم يوسف فحلفوا. لكنه أبقاهم محبوسين في انتظار رأي هشام. فأمره بإخلاء سبيلهم فخرج زيد من الحبس قاصداً القادسية. واجتمع إليه شيعة الكوفة وطلبوا إليه الخروج على الخليفة وتعهدوا بنصره. فخرج إليهم، فجمعوا له أربعة آلاف رجل ثم انفضوا من حوله. فحارب حرب الأبطال حتى استشهد سنة ١٢١. فكان منهم معه ما كان من آبائهم مع جده أي (فعلوها حسينية) كما قال.

ثم خرج ابنه يحيى فقتل سنة ١٢٥.


فكان في أواخر بني مروان. وكذلك كان خروج عبد اللّه بن معاوية ابن عبد اللّه بن جعفر سنة ١٢٧، بعد عامين من استشهاد يحيى بن زيد. ولقد سلم عبد اللّه نفسه لأبي مسلم الخراساني بعد أن انهزم نصر بن سيار والي خراسان لبني مروان. فقضى أبو مسلم عليه بعد أن استسلم.

بهذا يمكن القول إن زين العابدين وابنه محمدا الباقر عاشا أكثر من نصف قرن في سلام مع السلطة. وبهذا السلام تبوءآ الذروة من الاحترام والطمأنينة اللذين يمهدان للعلم أن ينتشر، وللقدوة الصالحة أن يشيع هداها، كالشعاع ينشر النور في المدينة ويحمل الدفء إلى الأفئدة الوافدة من شتى الأقطار.

٢ - كان الأمراء على المدينة إما أقرباء للخلفاء في دمشق والأنبار والكوفة، وإما صنائع لهم. لكنهم كانوا - عدا عمر بن عبد العزيز - مستضعفين من الجميع، يعزلون، ويقامون للناس، ليتخذوهم سخريا أو ينكلوا بهم.

وفي أواخر أيام بني مروان سخر الناس منهم علانية، واشتجروا معهم، إذا مسوا أمير المؤمنين عليا بسوء.

وكان عبد الملك قد أوصى عامله على المدينة بقوله (جنبني دماء بني هاشم فإني رأيت آل حرب لما تهجموا عليهم لم ينصروا) - وهو الباطش، الذي تولى له بالعراق الحجاج، وبخراسان المهلب بن أبي صفرة، وبمصر هشام بن إسماعيل وابنه عبد اللّه، وباليمن محمد أخو الحجاج، وبالجزيرة محمد بن مروان (أخو عبد الملك). وكل من هؤلاء ظالم فاتك.

ولما سئل عبد اللّه بن المبارك: أبو مسلم خير أم الحجاج؟ أجاب (لا أقول أبو مسلم خير من أحد، لكن الحجاج شر منه)

٣ - أما في عهد العباسيين - أبناء العمومة - فقد هبت على بني علي ريح صرصر، من الطغيان المدمر، لتنزل بهم وبأحفاد الصحابة والتابعين الفزع الأكبر، كهيئة ما صنع بنو أمية في كربلاء والحرة. وطبائع الطغيان واحدة.


اهل المدينة

غاضبت دمشق العراق والحجاز أيام صيرها معاوية حاضرة بني أمية. وتابعته على ذلك دولة بني مروان. لكن المدينة بلدة طيبة وشعب كريم. وثب أهلها بالأمويين بعد كربلاء ثم تركوهم يجلون عنها، على موثق من أهلها، ألا يدلوا جند يزيد على عوراتها. وجلا الأمويون إلى الشام إلا زوج مروان بن الحكم، عائشة بنت عثمان بن عفان، توجهت إلى الطائف في حماية «علي زين العابدين».

والمدينة واحة في قفر، والرزق نزر في الصحاري الساخنة، إلا ما يرد إلى الناس من تجارة أو عطاء، متقطع كسحائب الصحراء، يجري، ويجف، حسب الشهوات، في دمشق. وأهل البيت تجيئهم حقوقهم في بيت المال أو لا تجيء، لكنهم ينفقون المال خفية وعلانية - ولو كان بهم خصاصة - فعلي زين العابدين مصدر من مصادر الرزق المجهولة للناس، لا يعرف إلا بعد أن يموت، فيتفقد الناس المصدر فيعرفونه. وكذلك أبناؤه، يتزعمهم الباقر. وهو القائل: إن استطعت ألا تقابل أحدا إلا ولك الفضل عليه فافعل.

أما ابن عمهم عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب فكان وثيق العرى بالخلفاء. سأله يزيد بن معاوية يوما كم عطاؤك؟ قال ألف ألف درهم. قال يزيد: قد أضعفناها لك. قال ابن جعفر. فداك أبي وأمي. وما قلتها لأحد قبلك. فضاعف يزيد عطاءه مرة ثانية.

ولما خرج عبد اللّه من المجلس، قال جلساء يزيد: تعطي رجلا واحدا اربعة آلاف ألف درهم قال: ويحكم إني أعطيتها أهل المدينة أجمعين. فما يده فيها إلا عارية.

والحق أن الفقراء كان لهم في أمواله حق معلوم، فكانوا يستدينون في انتظار ورود عطاء عبد اللّه بن جعفر من العاصمة.

وكان الخلفاء يحجرون على شباب قريش أن يبرحوا الحجاز إلا بإذن فأمسى سجنا واسعا لمن فيه منهم. وازداد أهله انعزالا وارتباطا فتراحموا، وتصاهروا، لتصير المدينة مجتمعا مقطوع القرين، نرى فيه: « سكينة بنت الحسين » يبني بها « مصعب بن الزبير » ثم يبني بضرة لها « عائشة بنت طلحة ». أي أطراف يوم الجمل تجتمع في بيت واحد.


وإليك أطرافا أخرى في أختها فاطمة: ولدتها أم إسحق بنت طلحة. وتزوجها عبد اللّه بن عمرو بن عثمان بن عفان. ويرزقان محمدا. وله بنت من خديجة بنت عثمان بن عروة بن الزبير تدعى حفصة. وأم عروة أسماء بنت أبي بكر. فهؤلاء: رسول اللّه وخمسة من العشرة المبشرين بالجنة علي وأبو بكر وعثمان وطلحة والزبير يجتمعون في حفصة

أما الإمام جعفر الصادق فآية من الآيات.

جده لأبيه زين العابدين. وزين العابدين وسالم بن عبد اللّه بن عمر والقاسم بن محمد بن أبي بكر أولاد خالات ثلاثة. هن بنات كسرى يزدجرد.

وأبوه الباقر ولدته لزين العابدين بنت عمه فاطمة بنت الحسن.

وأمه أم فروة بنت «القاسم» بن محمد بن أبي بكر. وقد تزوج أمير المؤمنين علي أم محمد، أسماء بنت عميس، بعد موت أبي بكر. فصار ربيبة، وترعرع في كنفه حتى شهد معه الجمل. وكان على الرجالة. وشهد معه صفين. وولاه مصر حتى قتلته جيوش معاوية في مصر.

وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر عم القاسم وشقيق عائشة. شهد اليمامة مع خالد. وقتل محكم اليمامة في الحصن فاقتحمه المسلمون. وبعث إليه معاوية بمائة ألف درهم فردها وقال لا أبيع ديني بدنياي.

وعبد الرحمن هو القائل وهو يرفض البيعة ليزيد (جعلتموها هرقلية كلما مات هرقل قام هرقل).

فجعفر قد ولده النبي عليه الصلاة والسلام مرتين. وعلي مرتين، والصديق مرتين، ليدل بهذا المجد الذي ينفرد به في الدنيا على أنه نسيج وحده.

ومن الناحية الأخرى ولده كسرى مرتين. ليدل الدنيا - من أعلى مواقعها - على أن الإسلام للموالي والعرب. فذلك هو الدين الذي جاء به رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . والذي دافع من أجله عن المساواة بين المسلمين، كافة، أمير المؤمنين علي.

هكذا وحدت المدينة مجتمعها. ورفعت أبناء الصحابة إلى أعلى مقام. وأهل البيت إلى صدارة المجتمع، يمدون أنسابهم إلى هاماته وأسبابهم إلى طبقاته.


وذات يوم أصهر الحجاج إلى عبد اللّه بن جعفر في بنته أم كلثوم. فأبرد إليه الخليفة عبد الملك ليسوغ أباها المهر ويعجل طلاقها، لأنه تجاوز قدره. وهي حجة ظاهرة، قد تخفى حجة حقيقية، إذا كان يخشى أن يمد الحجاج بسبب إلى أسرة قد يشمله هداها، أو يأسره الإخلاص لها، أو يبعده عن أن يكون - بجمعه - لعبد الملك، وبقسوته على من عداه.

لكن العلم ظل الخصيصة الكبرى «للمدينة». ففيها وضعت القواعد العامة لتطبيق المبادئ الإلهية التي بعثت بها السماء آخر رسلها لإصلاح البشر. ووضعت أسس الدولة ومبادئ الجماعة وانتشر الدين، في القارات الثلاثة المعروفة. لتقدم الحضارة الإسلامية، سياسة وإدارة، وتشريعا، دوليا ومدنيا وجنائيا، واقتصاديا، وقواعد علمية، وعلوما تطبيقية ورياضية، لم تشهدها القرون قبل. وستبني عليها الحضارات جميعا. فتكون مجازا للبشرية من جهالات القرون الأولى، إلى حضارات العصور الحديثة العلمية والاقتصادية والتشريعية والاجتماعية.

ولما انقضى عهد الرسالة والراشدين الأربعة، تابعت عاصمة الإسلام، وإن لم تعد عاصمة الدولة، رسالتها بالفقه. وهو في الحضارة الإسلامية كحجارة الأساس في البنيان: أن كانت منه قواعد الفكر الإسلامي كافة، وكانت الحرية الفكرية لحمته وسداه، والفضيلة الإنسانية مبدأه ومنتهاه. وفيه صلاح الناس، والتخفيف عليهم، وفتح أبواب الرجاء لهم، وتمكينهم من التطور لملاحقة حاجات الأعصر، بأداته « الديناميكية » - المحركة - نحو التقدم، وهي اجتهاد الرأي.

وفي أهل البيت كان النبي مدينة العلم وعلي بابها، وريحانتا الرسول من الدنيا الإمام « الحسن » والإمام «الحسين» يمثلون الجيل الأول. وفي الجيل الثاني كان السجاد - من كثرة السجود - أو زين العابدين - من كمال عبادته - وابناه الإمام الباقر وزيد. وكان لزيد مذهبه.

أما الجيل الثالث من القرون المفضلة فقد تراءى فيه للمسلمين جعفر ابن محمد، الصادق، بدر تمام، لجيل كان ختام أجيال.


وأما من عدا أهل البيت فقد نهض عنهم الصحابة وأبناؤهم وأحفادهم بعبء العلم نهضة جديرة بدين يجعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة. فاشتهرت بينهم أما المؤمنين عائشة وأم سلمة، وزينب بنت أبي سلمة. والعبادلة الأربعة أبناء العباس، وعمر، والزبير وعمرو، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وبنته حفصة وعروة بن الزبير ابن أخت عائشة، وابن أخيها القاسم بن محمد بن أبي بكر، وراويتها عمرة بنت عبد الرحمن، وهؤلاء الثلاثة أعلم الناس بحديث عائشة، وسالم بن عبد اللّه بن عمر وسعيد بن المسيب وخارجة بن زيد وعبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود، وأبو بكر بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار، وتعلم عليهم جيل جديد: فيه محمد بن شهاب الزهري وأبوبكر بن محمد بن عمرو بن حزم، ومحمد بن المنكدر، ومحمد وعبد اللّه ابنا أبي بكر بن حزم، وربيعة الرأي، وهؤلاء مشيخة مالك بن أنس.

ومالك يعاصر في النصف الثاني من القرن الثاني نهاية الأجيال المفضلة.

ثم هو شيخ المدرسة التي نجب فيها محمد بن إدريس الشافعي وتلميذه أحمد بن حنبل.

ولقد طالما زاحم التلاميذ أشياخهم في العلم وإن لم يزاحموهم في مكانتهم عند اللّه والناس.

ومن المدينة انطلق الفقه الإسلامي إلى العراق، حيث أقام عبد اللّه بن مسعود زمانا معلما ووزيرا كما سماه عمر، وتعلم عليه تلاميذه وتلاميذ علي، كعبيدة، وعلقمة، والحارث. وعن طريق علقمة تعلمت مدرسة النخعيين يتقدمها الأسود وعبد الرحمن، ويتوسط عقدها إبراهيم ابن يزيد شيخ حماد بن أبي سليمان.

وفي حلقة حماد بالكوفة قضى أبو حنيفة عشرين عاما يتعلم، ليصبح علما على مدرسة الرأي والقياس الذي قعد قواعده الشافعي فانتشر في كل فروع العلم الإسلامي.

وهوى أبي حنيفة مع أبناء علي معروف، وصلة فكره بزعماء أهل البيت واضحة، وإن مذهبه ليقارب المذهب الزيدي أكثر مما يقارب المذهب الحنفي غيره من مذاهب أهل السنة كما قيل.


ولقد استشهد زيد - بن زين العابدين - سنة ١٢١. وفي ذلك العهد جلس أبو حنيفة مجلس حماد بن أبي سليمان بعد وفاته. وشرع يدون بعض مذهبه وكثيرا من الفروع. ثم مكن أبو يوسف للمذهب بتولية زملائه القضاء، ليلزموا الناس به، ثم نشره محمد بن الحسن بتدوينه في كتبه الشهيرة.

وتدوين الفقه في كتاب «المجموع» قد سبق به زيد مدرسة أبي حنيفة. ولعل أبا حنيفة تعلم تدوين الفقه عليه - بل إن الجميع قد قلدوا فيه صنيع أهل البيت أنفسهم. ولديهم الكتب فيها العلم، أحاديث وفقها، يتعلمونه كابرا عن كابر.

فالحجاز والعراق قد تضامنا في إنتاج الفقه. لتتابعهما بعد ذلك شتى الحواضر، في الفسطاط ودمشق وقرطبة والقيروان، وفي المغرب وفي المشرق، وفي الإندلس، ووسط آسيا.

وظاهر من هذا التأريخ أمور:

١ - أن المذاهب الفقهية جميعا بما فيها المذاهب الباقية إلى اليوم لأهل السنة، يتصدرها في الظهور مذهب أهل البيت على يد زيد بن علي زين العابدين. وكذلك يسبق « المذهب الزيدي » مذهب الإمام جعفر الصادق، الذي تبعه الأئمة من نسله، وصار يسمى مذهب (الإمامية). فالصادق صار إماما بموت أبيه الباقر في العقد الثاني من المائة الثانية، ثم كانت وفاته بعد استشهاد عمه زيد سنة ١٢١ بسبعة وعشرين عاما سنة ١٤٨.

أما أبو حنيفة فمات في سجن أبي جعفر المنصور سنة ١٥٠. وأما مالك فمات بعد أبي حنيفة بتسعة وعشرين عاما سنة ١٧٩. والشافعي مات بعد أبي حنيفة بأربعة وخمسين عاما سنة ٢٠٤. ولحق بهم ابن حنبل سنة ٢٤١. وأصحاب المذاهب الأخرى بين معاصرين لهم أو لاحقين.

٢ - أن الإمام « جعفر » كما سنرى، ينهى عن استعمال القياس كمثل ما يرفضه فقهاء المدينة عموما والمحدثون خصوصا. وهم زعماء الفقه في المائة الأولى.

وسنرى بعد أن نهى « الصادق » عن القياس لا يعارض الاجتهاد، بل إنه ليأمر به، ويبلغ بمنهاجه في الاجتهاد ما يبلغه سواه.

وسنرى أن منهاجه في الاعتبار والاستخلاص هو منهج الفكر الإسلامي، نقله عنه الفكر العالمي.


٣ - أن البيئة التي عاش فيها أهل البيت ستين عاما بعد مجزرة كربلاء، كانت منجبة، بظهور العلم والعلماء من الرجال والنساء. فشاركت المرأة في العلم من عهد أمهات المؤمنين. ووجدت الفقيهات في جيل التابعين وتابعي التابعين من أهل السنة، فتصدرت نساء أهل البيت سكينة بنت الحسين(١١٧) رضي اللّه عنهما. وكانت برزة، تساجل فحول الشعراء، بل الفقهاء.

وهي بهذه المساجلات إمام في استعمال الحرية الشخصية والفكرية(١) تعلم المسلمين والمسلمات، أن المرأة نصف الناس، وأن إظهار مواهبها، وصقلها وتنميتها، خير للنصف الذي هو المرأة، وخير للنصف الآخر. ومن المساواة بينهما تقررت للمرأة حقوقها كاملة، وسلم لها بالحرية الفكرية التي قد تفهم من كلمات الإمام علي بن أبي طالب يوم لقي عائشة، في إثر انتصاره يوم الجمل، فقال لها: غفر اللّه لك. قالت: ولك وما استغفر لها إلا لخطأ منها في الاجتهاد رآه.

___________________

(١) زارها الفرزدق بالمدينة. فقالت له: من أشعر الناس؟ قال أنا. قالت: بل جرير حيث يقول . فعاد لها في الغداة بشعر جديد يسوغ له قصب السبق. قالت بل جرير حيث يقول . وكذلك صنعت في اليوم الثالث إذ عاد بجديد.

ووقفت يوما على عروة بن أذينة شيخ مالك بن أنس فقالت له: أنت الذي يقال له الرجل الصالح وأنت تقول:

إذا وجدت أوار الحب في كبدي

عمدت نحو سقاء القوم أبترد

هبني بردت ببرد الماء ظاهره

فمن لنا على الأحشاء تتقد

قال نعم.

قالت: وأنت القائل:

قالت وابثثتها وجدي وبحت به

قد كنت عندي تحب الستر فاستتر

ألست تبصر من حولي ؟ فقلت لها

غطى هواك وما ألقي على بصري

قال نعم:

فالتفتت إلى جوار، كن حولها، وقالت: هن حرائر إذا كان خرج هذا من قلب سليم قط.


وإذا كان النصفان يجتهدان ويجاهدان، فالأمة كلها في حالة تقدم، أو محاولة تقدم - والاجتهاد في ذاته تقدم - بالعلم أو السعي إليه. وهو بعض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبهما وبالتقوى (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون باللّه).

٤ - وفي الهدأة الوقور في هذه البيئة ازدهر العلم. على النحو الذي كان حريا بالمدينة، وبأهل البيت، من حفظ لحديث الرسول وتريث في النظر والمناظرة، وتلبث في إبداء الآراء، لما فيها من شبهة المخاطرة، وصدق في خدمة حديث النبي بالعمل به وتعليم الناس إياه.

وإنما اشتعلت الثورات، وشققت الفلسفات، في العراق. ففيها تعاقبت ثورات التوابين، والخوارج، والخارجين - كابن الزبير وابن الأشعث والآخرين - ومن غليان المراجل هنالك أحدثت المبادئ الهدامة أو الغلواء أو الخصومات آثارها، كمثل ما نسب إلى عبد اللّه بن سبأ أو غيره من عقائد الغلاة الذين تبرأ منهم الشيعة، كما تبرأ الإمام علي ممن ألهوه، فحرقهم بالنار.

لكن آراء الغلاة وأعداء الإسلام لم تكن تكاد تفد على المدينة حتى تخرج منها واهنة أو محطمة.

ففي جوها النقي، تفتحت أبواب بيت النبي، وتخرج في علومها الأئمة.

(زين العابدين) ٣٨ - ٩٤

تعاظم بيت زين العابدين في عدد أفراده يوما بعد يوم، وقدم « السجاد » لنا ابنه « الباقر »، ثم قدم الباقر ابنه «الصادق». فكانوا مثلا عليا في العزوف عن السلطة والانصراف إلى تعليم الناس العلم الصحيح والعمل الصالح والأسوة الحسنة.

روى عن جابر بن عبد اللّه وابن عمر إلى جوار روايته علم أهل البيت وحديثهم عن أبيه الحسين وأم المؤمنين أم سلمة. وسمع ابن عباس. ليروي عنه فيما بعد ابناه عبد اللّه والباقر وخلق كثير. ورأى بعيني المريض العاجز عن الاستشهاد، مصاير أبيه العظيم، وإخوته وأعمامه وأولادهم يوم كربلاء.


وتجلت فيه الفضائل المنبثقة من الورع والرحمة: يصلي للّه في اليوم والليلة ألف ركعة. ولهذا سمي «السجاد». إذا توضأ اصفر لونه وإذا قام أرعد من الفرق. ولما سألوه قال: أتدرون من أريد أن أقف بين يديه ومن أناجي ؟

ومع تألق عبد اللّه بن جعفر بالمدينة، وهو الصحابي الذي يحرص الخلفاء في دمشق على مرضاته، وتفريق عبد اللّه عطاءه الجزل في فقراء المدينة، واستشهاد ابنين له يوم الحرة، وثالث في كربلاء، ومع أنه زوج بنت علي، عمة زين العابدين، مع هذا كله كان زين العابدين يحتل مكانه في الصدارة، ويحمل وصفه بجدارة.

وفي ذلك نص يروى عن مالك بن أنس قال: (سمي زين العابدين لعبادته).

علمته المحنة والورع الحكمة وحسن الخطاب، فكان في باكورة حياته على علم عظم. قال له يزيد يوم أدخل عليه - مريضا - مع نساء أهل البيت الناجيات من كربلاء - أبوك الذي قطع رحمي وجهل حقي ونازعني سلطاني فصنع اللّه به ما قد رأيت. قال زين العابدين (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها)

قال يزيد: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم).

قال زين العابدين: (هذا في حق من ظلم لا من ظلم(١) ).

تتابع على الكذب ولاة الشام والأمصار من عهد معاوية يشتمون عليا بأمر بني أمية، فكان يبقي من كذبهم شيء في عقول العامة، أو الصبية الذين لا يعلمون.

___________________

(١) ولما جيء بزين العابدين في أسرى كربلاء أقيم على درج دمشق. فقال له رجل من أهل الشام: الحمد للّه الذي قتلكم واستأصلكم وقطع قرن الفتنة. قال زين العابدين: قرأت القرآن؟ قال الرجل: نعم. قال: قرأت الـ . حم؟ قال الرجل نعم. قال: أما قرأت (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) قال الرجل: فإنكم إياهم؟ قال نعم. ويقصد الإمام الآية ٢٣ من سورة الشورى (ذلك الذي يبشر اللّه عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات. قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن اللّه غفور شكور) وأول آيات سورة الشورى (حم).


كان عبيد اللّه بن مسعود من فقهاء المدينة السبعة. وكان معلم عمر ابن عبد العزيز وهو صبي أودعه أبوه أخواله - بني عدي قوم عمر ابن الخطاب - بالمدينة. فسمع يوما شتم علي. فقال لعمر: يا بني. متى علمت أن اللّه غضب على أهل بدر؟ قال الصبي: وهل كان علي في بدر؟ قال عبيد اللّه: وهل كانت بدر كلها إلا لعلي

فلما ولي عمر الخلافة أبطل شتم أهل البيت. ورد إليهم حقوقهم. وقال رجل من أنصار الأمويين بالشام: دخلت المدينة فرأيت رجلا راكبا على بغلة لم أر أحسن وجها ولا ثوبا ولا سمتا ولا دابة منه. فسألت فقيل هذا علي بن الحسين بن علي. فأتيته - وقد امتلأ قلبي له بغضا - فقلت له: أنت ابن علي بن أبي طالب؟ قال: أنا ابن ابنه. فقلت: بك وبأبيك أسب عليا. فلما انقضى كلامي قال: أحسبك غريبا ؟. مل بنا إلى الدار فان احتجت منزلا أنزلناك. أو إلى مال واسيناك. أو إلى حاجة عاوناك على قضائها. فانصرفت من عنده، وما على الأرض أحد أحب إلي منه.

ويروى أنه احترق البيت الذي هو فيه وهو قائم يصلي. فلما انصرف (من الصلاة) قيل له ما بالك لم تنصرف حين اشتعلت النار؟ قال: اشتغلت عن هذه النار بالنار الأخرى.

وأنه لما حج وأراد أن يلبي أرعد. واصفر وخر مغشيا عليه. فلما أفاق سئل فقال: إني لأخشى أن أقول لبيك اللهم لبيك. فيقول: لا لبيك ولا سعديك - فشجعوه حتى لبي. فغشي عليه حتى خر عن راحلته . وكان يرحل من المدينة إلى مكة فلا يقرع راحلته مرة واحدة

يقول الأصمعي (لم يكن للحسين رضي اللّه عنه عقب إلا من ابنه زين العابدين. ولم يكن لزين العابدين نسل إلا من ابنة عمه الحسن، فجميع الحسينيين من نسله).

أما أكبر صدقته فبالليل. يقول: (صدقة الليل تطفئ غضب الرب). ومع عظم مكانه كان إذا دخل المسجد تخطى الرقاب حتى يجلس في حلقة زيد بن أسلم، إذا كان هنالك. فيقول له نافع بن جبير بن مطعم: أنت سيد الناس. تأتي تتخطى خلق اللّه وأهل العلم من قريش حتى تجلس مع هذا العبد الأسود؟ فيجيب (إنما يجلس الرجل حيث ينتفع. وإن العلم يطلب حيث كان).


ولقد كان يريد أن يجلس إلى سعيد بن جبير وقيل له ماذا تصنع بلقاء سعيد؟ فأجاب (أريد أن أسأله عن أشياء ينفعنا اللّه بها)(١)

وزين العابدين لا ينسى أن النبي أمر زيد بن حارثة - وكان مولى النبي - على جعفر بن أبي طالب وجعل له القيادة، فإن قتل كانت لجعفر، فإن قتل كانت للصحابي عبد اللّه بن رواحة.

وزين العابدين بهذا يضع السوابق لأهل البيت ليتعلموا العلم المقارن من فقه المسلمين كافة. ولذلك سيجلس ابنه الباقر إلى نافع مولى ابن عمر. وسيجلس حفيده الصادق إلى عكرمة(١٠٣) مولى ابن عباس وإلى عطاء بن أبي رباح(١١٤) مولى قريش، يجلس في المسجد الحرام مجلس ابن عباس. كما يجلس الصادق إلى عبد اللّه بن أبي رافع مولى أمير المؤمنين علي.

فإذا جلس زين العابدين في المسجد جلس بين القبر والمنبر، وانعقدت حلقة كحلقة أبيه في روضة كرياض الجنة، يقول عنها القائل (إذا دخلت مسجد رسول اللّه فرأيت حلقة كأن على رءوسهم الطير فتلك حلقة أبي عبد اللّه مؤتزرا إلى أنصاف ساقيه).

ولقد يتحدث مع سليمان بن يسار(١٠٧) مولى أم المؤمنين ميمونة إلى ارتفاع الضحى. فإذا أرادا أن يقوما قرأ عليهما عبد اللّه بن أبي سلمة سورة، فإذا فرغ عبد اللّه من التلاوة دعوا اللّه سبحانه.

___________________

(١) وهو بهذا يعلم الجميع أن العلم شرف يسعي إليه الشرفاء. ولو كانوا قمة الشرف. والنبي رسالته التعليم. ومن ذلك كان تنافس أبناء الصحابة على أن يتعلموا العلم وأن يعلموه وكانت المشقة واقتحام المخاطر والفلوات لتحصيله وإنفاقه في الناس. يستوي في ذلك من لا مال عنده كابن حنبل ومن عنده الأموال كيحيى بن معين، كان عنده مليون درهم أنفقها في تحصيل الحديث. أو كابن حزم، قال له أبو الوليد الباجي - عالم المالكية: أنا أعظم منك همة في طلب العلم. أنت طلبته وأنت تعان عليه. تسهر بمشكاة الذهب. وأنا طلبته وأنا أسهر بقنديل السوق. وأجابه ابن حزم: أنت طلبته في حال فاقة تريد تبديلها لمثل حالي. وأنا طلبته في حين ما تعلمه وما ذكرته. لا أرجو إلا علو القدر في الدنيا والآخرة .


ولقد يدخل ابن شهاب الزهري(١٢٤) وصحبه فيسأله فيم كنتم ؟ فيجيبه أنهم كانوا يتذاكرون الصوم وأنهم لم يروه واجبا إلا في رمضان فيقول السجاد: الصوم على أربعين وجها. ثم يشرحها له وجها وجها. فمنها ما يجب. ومنها ما هو بالخيار أو الإباحة. إلخ.

وفي علمه يقول محمد بن سعد. صاحب الطبقات (كان زين العابدين ثقة مأمونا كثير الحديث عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . عالما. ولم يكن من أهل البيت مثله) ويقول الزهري (ما رأيت أفقه من زين العابدين لولا أنه قليل الحديث)

وهذه الشهادة بالفقه من شيخ مالك بن أنس تعلن رأى جيل التابعين.

بل إن الزهري يعلن مكانة زين العابدين بين كل الأحياء بقوله (ما رأيت قرشيا أفضل منه). قصد إليه يوما، ونفسه تكاد تبسل من ذنب ألم به. فرده الإمام إلى صميم الإسلام قال (قنوطك من رحمة اللّه التي وسعت كل شيء أعظم من ذنبك).

والشافعي الذي يقول في ابن شهاب الزهري (لولا الزهري لذهبت السنن من المدينة) يضع زين العابدين في أعلى مكان. فيعده أعلم أهل المدينة.

كان كثير البكاء من يوم كربلاء. فقيل له في ذلك فقال (إن يعقوبعليه‌السلام بكى حتى ابيضت عيناه من الحزن على يوسف - ولم يتحقق موت يوسف - وقد رأيت بضعة عشر رجلا من أهلي يذبحون في غداة واحدة).


وربما فسر لنا هذا المقال بعض أسباب انصرافه إلى تعليم المسلمين دينهم، لصلاح دنياهم، وإجماع المسلمين على إجلاله(١) .

وفي سنة ٩٤، سنة الفقهاء، مات جمع من فقهاء المدينة، عروة ابن الزبير، والسعيدان: ابن جبير وابن المسيب. وأبو بكر بن عبد الرحمن. وارتفعت فيها أو في سنة ٩٥ روح زين العابدين إلى الرفيق الأعلى. مخلفا أربعة عشر ولدا منهم عشرة رجال كبيرهم محمد، أبو جعفر، المكنى بالباقر، وفيهم زيد بن علي.

___________________

(١) حج هشام بن عبد الملك في خلافة أبيه - فرأى رجلا ينجفل الناس إليه، ويفسحون في الطواف له، في حين لا يحفل الناس بابن الخليفة، فسأل من هذا؟ وسمع الفرزدق السؤال. فأنشد ميميمته الطويلة المشهورة في الأدب العربي ومما جاء فيها:

هذا ابن خير عباد اللّه كلهم

هذا التقي النقي الطاهر العلم

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته

والبيت يعرفه والحل والحرم

إذا رأته قريش قال قائلها

إلى مكارم هذا ينتهي الكرم

ينمى إلى ذروة العز التي قصرت

عن نيلها عرب الإسلام والعجم

يغضي حياء ويغضى من مهابته

فلا يكلم إلا حين يبتسم

هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله

بجده أنبياء اللّه قد ختموا

اللّه شرفه قدراً وعظمه

جرى بذاك له في لوحه القلم

وليس قولك من هذا بضائره

العرب تعرف من أنكرت والعجم

ما قال « لا » قط إلا في تشهده

لولا التشهد كانت لاؤه نعم

من معشر حبهم دين. وبغضهم

كفر. وقربهم منجى ومعتصم

من يعرف اللّه يعرف أولية ذا

فالدين من بيت هذا ناله الأمم

وغضب هشام وأرسل زين العابدين للفرزدق أربعة آلاف درهم، ردها الفرزدق قائلا: إنما مدحتك بما أنت أهله وردها الإمام قائلا: إنا أهل بيت إذا وهبنا شيئا لا نستعيده.


(الباقر) ٥٧ - ١١٤

انصرف الإمام محمد الباقر للعلم بكله. فهذا أول دروس أبيه له. بقر العلم أي تبحر فيه. فسمي الباقر.

روى علم أبيه وجديه الحسين والحسن وجد أبيه - علي - وجادل عبد اللّه بن عباس.

وعنه روى بقايا الصحابة والتابعين. وكان يقصد الحسن البصري ونافعا مولى ابن عمر.

سأل سائل عبد اللّه بن عمر في مسجد الرسول فأشار إلى حيث يجلس الباقر وقال (اذهب إلى هذا الغلام وسله وأعلمني عما يجيبك) فلما عاد إليه بالجواب قال (إنهم أهل بيت مفهمون)

وروى عنه الفطاحل: أخوه زيد وابنه جعفر الصادق. ثم الأوزاعي إمام الشام. وابن جريج إمام مكة. وأبو حنيفة. وعبد اللّه بن أبي بكر ابن حزم شيخ مالك إمام المدينة. وحجاج بن أرطاة(١٤٥) ومكحول ابن راشد. وعمرو بن دينار(١١٥). ويحيى بن كثير(١٢٩). والزهري(١٢٤)، وربيعة الرأي(١٣٦). شيخا مالك. والأعمش(١٤٨) والقاسم بن محمد بن أبي بكر(١٠٦) وابان بن تغلب(١٤١) وجابر الجعفي(١٢٨) وزرارة بن أعين(١٥٠) والثلاثة الأخيرون من كبار علماء الشيعة ورواة ابنه جعفر الصادق.

يقول محمد بن المنكدر - شيخ مالك بن أنس - في الباقر (ما كنت أرى أن مثل علي بن الحسين يدع خلفا يقاربه في الفضل حتى رأيت ابنه محمداً الباقر).

وما هو في سجاياه إلا خليفة « السجاد ». يطوف بالبيت فيركع، ويسجد، فإذا مكان سجوده قد بلله الدمع .

يقول عنه الحسن البصري: (ذلك الذي يشبه كلامه كلام الأنبياء).


عايش الباقر أباه زماناً طويلا، ولم يمتحن محنة أبيه في كربلاء، أو محنة أخيه زيد إذ أخرجه أهل الكوفة وخذلوه، ولم تعتور حياته الامتحانات المتعاقبة التي اعتورت حياة ابنه - الإمام الصادق - أو خلافات بني عمومته - أبناء الحسن - أو الإرهاب الفكري أو الفعلي من الخليفة المنصور - فأتيح للباقر أن يبلور اتجاه أهل البيت - من نسل الحسين - إلى العلم والتعليم، ويبرز فيه العناية بفقه العبادات والمعاملات. وكثر ترديد اسمه مصاحبا لاسم ابنه الإمام الصادق في كتب الفقه الشيعي. وإليه يرجع أصحاب الكلام في العقائد الشيعية، وكثير من الفقه المستنبط من القرآن والسنة.

روى عنه جابر الجعفي أكثر من خمسين ألف حديث وروى عنه محمد بن مسلم ثلاثين ألفا. وكان عبد الملك بن مروان يعرف له حقه، وهو في صدر شبابه، في حياة أبيه.

إليك أمثالا لفكره في السياسة والفقه والتفسير:

- روى الكسائي: دخلت على الرشيد فقال: هل علمت أول من سن الكتابة على الذهب والفضة؟ قلت عبد الملك بن مروان. قال ما السبب؟

قلت لا أعرف:

قال: كانت القراطيس للروم وكان أكثر من بمصر على دينهم. وكانت تطرز (أبا وابنا وروحا) وتخرج من مصر تدور في الآفاق. فأمر عبد العزيز - وكان عامله على مصر - بإبطال ذلك. وأن تطرز بصورة التوحيد. مشهداً اللّه ألا إله إلا هو . فلما وصلت القراطيس إلى ملك الروم كتب إلى عبد الملك إن لم يرد هذا الطراز على ما كان عليه فسينقش على القراطيس شتم النبي. فاستشار عبد الملك، فلم يجد عند أحد رأيا، فاستشار الباقر.

فقال له: لا يعظم عليك هذا الأمر من جهتين. الأولى: أن اللّه عز وجل لم يكن ليطلق ما تهدد به صاحب الروم. والثانية أن تتهدد من يتعامل بغير دنانيرك. فلما علم ملك الروم أن دنانيره سيبطل التعامل بها إن حوت شتما، كف عما تهدد به.

- وفي الاحتكار ورفع الأسعار. يقول في مسجد الرسول: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله « أيما رجل اشترى طعاما فكبسه أربعين صباحا، يريد غلاء المسلمين، ثم باعه فتصدق بثمنه، لم يكن كفارة لما صنع ».


- واليمين عند الشيعة لا تنعقد إلا قسما باللّه وأسمائه الحسنى وصفاته الدالة عليه صراحة)، فمن حلف بغيرها لا يحنث إذا لم يفعل. سئل الباقر عن قوله تعالى (والليل إذا يغشى) (والنجم إذا هوى) وما إلى ذلك فأجاب: إن اللّه عز وجل أن يقسم بما شاء من خلقه وليس لخلقه أن يقسموا إلا به.

- وسئل: أبا الناس حاجة إلى الإمام؟ فأجاب: أجل. ليرفع العذاب عن أهل الأرض. وذكر قوله تعالى (وما كان اللّه ليعذبهم وأنت فيهم).

تعاقب على الخلافة في حياة الباقر أربعة من أبناء عبد الملك وزوج ابنته عمر بن عبد العزيز - خامس الراشدين في مدة خلافته - وكان عمر يتردد على الامام الباقر يستنصحه. والباقر يوصيه بالمسلمين أجمعين - فيقول له بين ما يقول (أوصيك أن تتخذ صغير المسلمين ولدا. وأوسطهم أخا. وأكبرهم أبا. فارحم ولدك. وصل أخاك. وبر والدك. فإذا صنعت معروفا فربه) أي تعهده.

وكان نشر التشيع لأهل البيت همه. قال سعد الإسكافي: قلت لأبي جعفر الباقر (اني أجلس فأقص وأذكر حقكم وفضائلكم) قال: (وددت لو أن على كل ثلاثين ذراعا قاصا مثلك).

وحج هشام بن عبد الملك في أيام ملكه(١٠٥ - ١٢٥) فرأى الباقر بالمسجد يعلم الناس في مهابة وجلال، تعاليم الإسلام وآدابه وفرائضه وأحكامه والناس خشع في مجلسه. وغلبت هشاما غريزة المعاجزة لأهل البيت. فبعث إليه من يسأله: ما طعام الناس وشرابهم يوم المحشر؟ وأجابه الباقر بآيات الكتاب الكريم. واستطرد في تعليمه وتعليم من أرسله.

وسمعه الحجيج - عامئذ - يقول للناس (الحمد للّه الذي بعث محمدا بالحق نبياً وأكرمنا به. فنحن صفوة الناس من خلقه وخيرته من عباده وخلفائه. فالسعيد من تبعنا. والشقي من عادانا).

ورجع هشام إلى عاصمته . فأرسل في دعوة الباقر، وابنه الصادق، إلى قصبة الملك في دمشق.


يقول الصادق: (فلما وردنا دمشق حجبنا ثلاثا. ثم أدخلنا في اليوم الرابع) . وكأنما أراد هشام أن يظهرهما على أنه إذا لم تكن له مكانة في جوار البيت العتيق ومسجد الرسول أو كانت الكرامة كلها، في الحج الأكبر، لأهل البيت، فإن له بيتا في دمشق وحجابا ومواعيد.

والباقر، كالأئمة من أبنائه، يفضلون عليا على سائر الصحابة. لكنهم لا يبرءون من الشيخين:

يقول لجابر الجعفي (يا جابر بلغني أن قوما بالعراق يزعمون أنهم يحبوننا ويتناولون أبا بكر وعمر رضي اللّه عنهما. ويزعمون أني أمرتهم بذلك. فأبلغهم أني إلى اللّه منهم بريء. والذي نفس محمد بيده لو وليت لتقربت إلى اللّه بدمائهم. لا نالتني شفاعة محمد أبداً إن لم أكن أستغفر لهما وأترحم عليهما).

وهو لا يترحم عليهما فحسب. ولكنه يأمر تلميذه بأن يتولاهما. وأن يبرأ من أعدائهما. يقول لتلميذه سالم (يا سالم. تولهما. وابرأ من عدوهما. فإنهما كانا إمامي هدى رضي اللّه عنهما). بل إنه يتخذ عمل أبي بكر حجة في الفقه: سئل عن حلية السيف فجوزها، قال (لا بأس به قد حلى أبو بكر الصديق رضى اللّه عنه سيفه).

قال السائل: وتقول الصديق؟ فوثب وثبة واستقبل القبلة ثم قال (نعم الصديق. فمن لم يقل الصديق فلا صدق اللّه له قولا في الدنيا والآخرة).

وفي سنة ١١٤ اختاره اللّه إلى جواره لتبدأ إمامة ابنه جعفر الصادق.


الفصل الثاني : إمام المسلمين

(إن اللّه أراد منا شيئاً وأراد بنا شيئاً. فما أراده بنا طواه عنا. وما أراده منا أظهره لنا. فما بالنا نشتغل بما أراده بنا عما أراده منا).

(الإمام الصادق)

إمام المسلمين

ولد الإمام الصادق في السابع عشر من ربيع الأول سنة ٨٢ على قول، أو غرة رجب. وفي أقوال أخرى أنه ولد سنة ٨٠ أو سنة ٨٣. وتتابع بعده أبناء الباقر، ولهذا يكنى الباقر أبا جعفر. أما أخوه الشقيق فعبد اللّه.

وأما أولاد الصادق فإسماعيل وعبد اللّه - وبه يكنى أبا عبد اللّه - وأم فروة من زوجته فاطمة بنت الحسين.. بن الحسين بن علي، وموسى (الكاظم) واسحق ومحمد. وأمهم أم ولد، تدعى حميدة. والعباس وعلي وأسماء من أمهات متفرقات.

واسم جعفر في بيت زين العابدين مذكر بأول الشهداء من بيت أبي طالب. فعلي هو الثاني فيه. والحسين هو الثالث.

أما الأول فجعفر بن أبي طالب قائد جيش مؤته وشهيدها، الطيار في الجنة، وذو الجناحين. كما وصفه رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - وكما روى البخاري ومسلم: قال له رسول اللّه (أنت أشبهت خلقي وخلقي).

وهو أول زوج لأسماء بنت عميس(١) جدة أم فروة أم: جعفر الصادق.

ولقد مر بنا كيف ولده رسول اللّه مرتين، وعلي مرتين، والصديق مرتين، ليدل التاريخ على أنه نسيج وحده. وأن كسرى يزجرد ملك الفرس قد ولده مرتين. ليدل على أن الإسلام للموالي والعرب.

___________________

(١) يقال عن أمها « هند » أكرم الناس أحماء: أما أسماء فزوج جعفر ولها منه عبد اللّه. وزوج أبي بكر ولها منه محمد. وزوج علي ولها منه يحيى. أما أخواتها فميمونة أم المؤمنين ولبابة زوج العباس عم النبي وجدة خلفاء الدولة العباسية. وسلمى زوج حمزة بطل أحد وشهيدها وعم النبي. وأم الفضل الكبرى (أخت أسماء لأمها) أم خالد بن الوليد. وهكذا تتصل بأسماء بنت عميس أسماء هي أحرف الهجاء في تاريخ الإسلام: النبي وعميه وابني عمه والصديق وسيف الإسلام خالد.


فالباقر - وهو من هو - أكفأ الناس لأم فروة(١) المنحدرة من صلب أبي بكر أول الخلفاء الراشدين، والقاسم بن محمد(٢) الذي يرشحه للخلافة عمر بن عبد العزيز - خامس الخلفاء الراشدين.

وكأنما سلم الباقر ابنه شعار حياته في مقولتين صيرتاه ربانيا من كل وجه. الأولى (شيعتنا من أطاع اللّه) والثانية (إن اللّه خبأ رضاه في طاعته. فلا تحقرن من الطاعات شيئاً فلعل رضاه فيه. وخبأ سخطه في معصيته. فلا تحقرن من معصية شيئاً فلعل سخطه فيه وخبأ أولياءه في خلقه فلا تحقرن أحداً فلعله ذلك الولي).

تلقى الصادق من أبيه كل ما وعاه قلبه وقرأ كل ما حوته كتبه. واستمع إلى علماء العصر. وانتفع بعلوم جده لأمه القاسم بن محمد بن أبي بكر(١٠٦) وكان مثلا عاليا للأمة وواحداً من الأعمدة السبعة المسلمين «علماء المدينة السبعة»(٣) . يعلن عمر بن عبد العزيز أنه «لو لا خوف الفتنة من بني أمية لاستخلفه على الأمة» ويوصي عمر عماله أن يكتبوا السنن من عنده. فهذا رجل له ورع عمر بن عبد العزيز، وعنده كل علم المدينة، وإنه ليستطيع أن يقول - من صلة على الوثقى بأبيه محمد بن أبي بكر - إنه أوثق أهل بيته صلة برسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبأول من تبعه، عليا كان أو أبا بكر بل بهما معا.

___________________

(١) حجت أم فروة متنكرة فاستلمت الحجر بيدها اليسرى فقال لها رجل لا يعرفها: يا أمة اللّه أخطأت السنة فأجابت يا هذا إنا عن علمك لأغنياء.

(٢) وللقاسم وأبيه أكبر الصلات بأم المؤمنين عائشة. إذ ضمته إليها بعد مقتل أبيه محمد، على أيدي جند معاوية. ومحمد ربيب علي. سيره معها بعد وقعة الجمل إلى المدينة في كوكبة من النساء في ملابس الرجال. وكان تسيير أخيها معها كرامة يحفظ بها أخو الرسول أم المؤمنين.

وفي بيت عائشة سقي القاسم علمها الذي أراد عمر بن عبد العزيز تدوينه عن طريقه، وعمر خليفة، حتى لا يضيع علم المدينة. فكتب بذلك إلى قاضيه وواليه على المدينة أبي بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم.

وسنرى الإمام جعفر الصادق يروي عن خاله عبد الرحمن بن القاسم وعن عروة بن الزبير (ابن أسماء أخت عائشة). وعروة من كبار رواتها ورواة الصحابة.

(٣) يقول فيه يحيى بن سعيد(١٤٣) تلميذ فقهاء المدينة السبعة (ما أدركنا بالمدينة أحدا نفضله على القاسم) وابن حنبل يقول في يحيى (أثبت الناس).


وعندما نذكر أن القاسم بن محمد ظل مصدراً للعلم حتى شارف الصادق ربع القرن من حياته، وأن الصادق شهد حلقات عكرمة مولى ابن عباس،(١٠٤) وعطاء بن أبي رباح، بمكة حيث كان يجلس ابن عباس، وأن أوامر الولاة في الموسم كانت (لا يفتي الناس إلا عطاء)، كما شهد بالمدينة حلقة عبد اللّه بن أبي رافع - مولى أمير المؤمنين علي - الذي أملى علي عليه كتابه إلى معاوية ، وحلق خاله عبد الرحمن بن القاسم، وعروة بن الزبير (٩٤) الراوية عن خالته عائشة، ومحمد بن المنكدر(١٣٠) شيخ مالك، فليس علينا أن نحاول البحث عما تلقاه جعفر بن محمد الصادق في صباه.

ولقد كان علم أهل البيت حسبه - فكيف إذا اجتمع إليه علوم هؤلاء، ليملأ بالفقه الشيعي وبالفقه المقارن مدينة الرسول، من يوم مات أبوه وهو بعد في ثلاثيناته.

والصبي من « أهل البيت » لا ينفق صباه في «عمل لا شيء» فذلك هو اللهو. أو في «عدم عمل شيء». فهذا هو الفراغ . وعلى الأجيال المتعاقبة منهم تبعات في تعاقب الإمامة. لا تدع لهم محيصا عن الإحاطة الكاملة بما لدى غيرهم من علم، فوق علمهم وما هو إلا القرآن والسنة والسيرة. والقرآن كما يقول ابن عباس «في بيتهم نزل». والسنة من بيتهم صدرت. والسيرة سيرتهم.

واللغة طريق ذلك كله، وهي بعد حصيلته. وإنك لتدرك منزلة جعفر بن محمد في البيان العربي من تداوله للتفسير في اقتدار على تخريج المعاني لا قرين له. وسنراه غداً عمدته النصوص في الفقه والدين، يستخرج منها أعمق المعاني بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة، شأن أمراء البيان. ومن تكن النصوص عمدته الأولى، فالبلاغة عدته الكبرى.

ولئن لم يتميز الأطفال أو الصبية في بيت زين العابدين والباقر بخصوصيات تكبر وتنمو فتبرز إذ هم شيوخ وأئمة، إن بيت زين العابدين ذاته كان «خصوصية» في مجتمع الإسلام. فيه المثل الأعلى من العلم المحيط والورع الكامل والتفرغ للخدمة العامة، وتعلق القلوب به، واتجاه الأبصار تلقاءه. على هذا درج بيت زين العابدين، مع الاستمرار والاستقرار. فلم يعكر الصفوفيه غير مصرع زيد في سنة ١٢١، بعد إذ خذله أهل الكوفة في مخرجه، فمصرع ابنه يحيى. وحمل الصادق الأمانة في ذوي رحمه - منذ صار إماما بوفاة الباقر سنة ١١٤ - فكان يحنو على الأحياء من أبناء عمه زيد، ويأسو جراحات من سقط أباؤهم في الحرب من رجال زيد، فبعث ألف دينار فرقت في ورثتهم.


وليس أحد بحاجة في ترجمة أئمة أهل البيت ليسترسل في وصف خصال من يرث أخلاق الأنبياء ويعلمها.

فلنستحضر، ونحن في بيت النبي، ما كان يصنعه النبي، ولنتيقن أن الإمام الصادق كان يحاول أن يصنع نظيره. ولنستحضر فعال علي وزهراء النبي، والحسن والحسين، وزين العابدين، والباقر. فهي أصول يتلقاها الخلف عن السلف، ليعملوا بها، ثم يعلموا بها.

وربما أجزأ في هذا المقام ذكر أمثال عادية من الحوادث اليومية تصور صميم «الشخصية». وفيما نذكره دلايل على كثير لم نذكره.

فحياة الإمام مدرسة وتطبيقاتها. والعمر أيام تتكرر. والحياة جماع أعمال يدل بعضها على البعض الآخر. ومنها الجزئي الذي يستنبط منه الكلي. وكثيراً ما كان العمل الواحد (رد فعل) عفوي أو فوري، صادراً عن عدة قواعد يجري عليها العقل أو الشعور أو السليقة أو الطريقة - فردود الأفعال شهادات عيان بدخائل الإنسان.

١ - مات بين يدي الإمام ولد صغير فبكى وقال « سبحانك ربي لئن أخذت لقد أبقيت. ولئن ابتليت لقد عافيت».

وحمله إلى النساء. وعزم عليهن ألا يصرخن. وقال « سبحان من يقبض أولادنا ولا نزداد له إلا حبا. إنا قوم نسأل اللّه ما نحب فيعطينا. فإذا نزل ما نكره فيمن نحب رضينا».

فأي قلب، في اطمئنانه واتزانه، كمثل ذلك الذي يفيض بالشكر، حيث يغيض الصبر عند الغير.

٢ - ونهى أهل بيته عن الصعود - فدخل يوما فإذا جارية من جواريه تربي بعض ولده، قد صعدت السلم، والصبي معها. فلما نظرت الإمام ارتعدت لعصيانها وسقط الصبي من يدها. فمات. فخرج الصادق متغير اللون. فسئل عن ذلك فقال (ما تغير لوني لموت الصبي. وإنما تغير لوني لما أدخلت على الجارية من الرعب) ثم قال لها بعد ذلك (أنت حرة لوجه اللّه. لا بأس عليك).


فهذا أمر واحد عادي، تبعته وقائع ثلاثة غير عادية، أعقبها من الإمام تصرفات لا تصدر إلا عن الإمام. في كل واحدة منها أنواع فضائل. تبدأ باحترام إنسانية الإنسان. وتنتهي بعطاء، دونه كل عطاء، يختمه بالكلمة الطيبة - لا بأس - ويبدؤه بأعلى القيم الإنسانية. إذ يمنحها حريتها.

٣ - وذهب مرة يعزى أحد المصابين بفقد ولده. وانقطع في الطريق شسع نعله، فتناوله من رجله ومشى حافيا. فخلع ابن يعفور شسع نعله وقدمه له. فأعرض عنه كهيئة المغضب وقال لا. فصاحب المصيبة أولى بالصبر عليها .

فالإمام لا يلقي متاعبه على من دونه. بل يتحمل الأذى ليتعلم الناس وجوب العمل، ولزوم التحمل. وليعلم الكبراء أنهم كبراء بما يضربونه من المثل. وليدرك الجميع أن الصبر على المصيبة شطر الإيمان. وأحق الناس به من أتيحت الفرصة له.

٤ - وذات يوم دعا للطعام عابر سبيل لم يقرئه السلام. فراجعه حضاره متسائلين بين يديه: أليست السنة أن يسلم الرجل أولا، ثم يدعى للطعام؟ فأجاب الإمام «هذا فقه عراقي فيه بخل».

ففقه الإمام «علوي» يبدأ بالعطاء. وعملي فيه مبادرة. واجتماعي يسعى به المعطي إلى الآخذ. وإسلامي، إنساني، كله كرامة.

لقد ولد في دار شعارها البدار، بالعطاء مع الإخفاء. حتى الصدقة يقول فيها الباقر «أعط ولا تسم. ولا تذل المؤمن».

وفي ذلك السنة . وسنرى تطبيقات شتى من الإمام لهذا الفقه في المنهج الاقتصادي .

٥ - وصحا رجل من الحاج فلم يجد هميانه (الكمر الذي يلفه المحرم حول بطنه وفيه نفقته من النقود) فخرج فوجد الإمام الصادق يصلي فتعلق به وهو يقول: أنت أخذت همياني.

قال الصادق كم كان فيه؟ قال: ألف دينار. فأعطاه ألف دينار.

ومضى الرجل فوجد هميانه فرجع يعتذر ويرد ألف دينار. فأبى الصادق أن يأخذها وقال: شيء خرج من يدي فلا يعود.


قال الرجل لمن حوله: من هذا ؟.

قالوا: جعفر الصادق. قال: لا جرم هذا فعال مثله.

فإمام المسلمين لا ينعزل عنهم، فلا ينماز منهم، حتى ليخطئ الجاهلون منهم في شخصه. فيعرض عن الجاهلين. ويخف ليخفف كرب المكروب، لا يحزنه وهمه أو اتهامه، وإنما تحزنه همومه. فيشركه فيها بالصنيع النابه مرة إثر أخرى.

والناس أسمع للصوت الذي لا صرير له. وأبصر بالإخلاص الذي لا يتصايح صاحبه به. والأفضال أفعال تدرك آثارها الحواس الخمسة.

ولا نستطرد في السرد. ففي كل واقعة سلفت « عدسة » صغيرة تريك العالم الكبير الذي وراءها، من مناقب كالنجوم وإن كان أصحابها من البشر. هذه سماء تسعى على الأرض. وهؤلاء بقية النبي عليه الصلاة والسلام، يعيشون في الدنيا.

مجالس العلم

شهد الإمام الصادق انحدار الناس بعد عصر الخلفاء الراشدين، ورأى بعين الصبى المأمول من أهل بيت الرسول ما صنعه عمر بن عبد العزيز في خلافته بين سنتي ٩٨، ١٠١ إذ أعاد الدين غضا في نحو من ثلاثين شهرا، وأثبت للدنيا، أن (المدة) كما سمي الناس خلافته، كانت كافية لتعيد الناس إلى الإسلام الصحيح عندما يوجد خليفة صادق العزم، يتخذ الخلافة - كما قال - سبيلا إلى الجنة.

وكان بعض الصالحين يستعجلون عمر ليصنع كل ما صنع في أول يوم ولي الخلافة. قال له ابنه عبد الملك، (يا أبت ما بالك لا تنفذ الأمور، فو اللّه لا أبالي في الحق لو غلت بي القدور) لكن عمر كان يتأتى للأمور في رفق وأناة وإصرار. قال (لا تعجل يا بني إن اللّه تعالى ذم الخمر مرتين، وحرمها في الثالثة. وإني أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة، فيدفعوه جملة، فتكون فتنة). وبهذا قدر على أن يرد المظالم وأغنى اللّه الناس على يديه. فأصبح عمر لا يجد فقراء يوزع المال عليهم. في المدينة أو في القرية.


لكن الإمام «الصادق» تعلم من حياة الخليفة الصادق العزم: أن إصلاحاته لم تؤت ثمارها بعد مماته، إذ دمرها الخلفاء الذين جاءوا بعده، وتتابع الباقون يدمرون.

وشهد الإمام الصادق مقدم بني العباس وكيف ناقضوا شعارات دولتهم وحكموا حكم جاهلية.

هكذا رأى رأي العيان أن صلاح الأمر لا يكون بتولي السلطة، أو بمجرد إصلاحها مدة قصيرة أو طويلة وكل عمر قصيرة. وإنما الصلاح في إصلاح الأمة. فكيفما تكونوا يولى عليكم. ولكل أمة الحكومة التي تستحقها واستيقنت نفسه الصواب فيما صنعه أبوه وجده، وهو أن يعلموا الأمة. فإذا تعلمت صلحت فلم يستضعفها حكامها. وهي عندئذ تأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر وتشركهم تبعاتهم. فالأمة القوية لا تظلم حكامها ولا يظلمونها.

وبشعار الثقة باللّه سبحانه (اللّه وليي وعصمتي من خلقه) وبنقش الخاتم الذي يعلن مصدر قوته (ما شاء اللّه. لا قوة إلا باللّه. استغفر اللّه) قصد إلى مجلس العلم، في مسجد النبي أو في داره، يستعمل البعد المكاني، حيث يجلس للتعليم في مدينة الرسول، والبعد الزماني، فهو تابعي يعيش في جيل التابعين وتابعي التابعين، والبعد الثالث وهو ارتفاع نسبه إلى النبي وعلي.

أما البعد الرابع فعمق علمه وعلم أبيه وجده.

في هذا المجلس المهيب بالمدينة أو بالكوفة، يجلس رجل ربعة. ليس بالطويل ولا بالقصير. أزهر له لمعان كالسراج. يسعى نوره بين يديه. رقيق البشرة، أسود الشعر جعده، أشم الأنف. أنزع قد انحسر الشعر عن جبينه فبدا مزهرا، له إشراق. وعلى خده خال أسود - المسلمون أيامئذ أحوج إليه ليعلمهم، منهم إليه ليحكمهم . كل ما يحيط به يوحى بالرجاء في فضل اللّه. فلما طعن في السن زاد جلالا وسناء وإحياء للأمل.

يلبس الملابس التي عناها جده عليه الصلاة والسلام حينما قال (كلوا واشربوا والبسوا في غير سرف ولا مخيلة.).


رآه سفيان الثوري وعليه جبة خز دكناء فقال: يا ابن رسول اللّه ما هذا لباسك فقال (يا ثوري. لبسنا هذا للّه، ثم كشف عن جبة صوف يلبسها، وقال: ولبسنا هذا لكم).

كان جده علي يختار الخشن من الألبسة . ويلح الجوع عليه فيعلل معدته بقرص شعير. يخيط نعله إن لم يكن مشغولا، أو يتركه لمن يخيطه بأجر إذا انشغل. لكن الزمان يتغير فيغير الصادق ليظهر أثر النعمة. ويقول للناس (إذا أنعم اللّه على عبده بنعمة أحب أن يراها عليه لأن اللّه جميل يحب الجمال).

ويقول (إن اللّه يحب الجمال والتجمل. ويكره البؤس والتباؤس ..) والنظافة من الإيمان. فيها الكرامة والسلامة للنفس وللأسرة وللمدينة. فعلى المرء كما يقول الإمام (أن ينظف ثوبه ويطيب ريحه ويجصص داره ويكنس أفنيته).

وذات يوم رآه «عباد بن كثير البصري» في الطواف فقال له: تلبس هذه الثياب في هذا الموضع وأنت في المكان الذي أنت فيه من علي؟ فأجاب كما يروي الإمام نفسه (فقلت: فرقبي - نسبه إلى «فرقب» حيث تصنع ثياب كتان أبيض - اشتريته بدينار. وقد كان علي في زمن يستقيم له ما لبس فيه. ولو لبس مثل ذلك اللباس في زماننا لقال الناس: هذا مرائي مثل «عباد» ..)

قيل له يوما: كان أبوك وكان . فما لهذه الثياب المروية (حرير مرو) فأجاب: ويلك فمن (حرم زينة اللّه التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق)؟

وإنك لترى آثار النعمة على مالك وأبي حنيفة، وإجابات مشتقة بدقة من هذه الإجابات، في ردود الرجلين بشأن ملابسهما وأنعم اللّه عليهما - وكان كلاهما لباسا - فالمذموم من الثياب ما فيه خيلاء. والمحمود ما كان إظهارا لنعمة اللّه على عبده. حتى تلميذه العظيم الثالث سفيان الثوري - وهو إمام الزهد والورع والحديث والفقه - قد انتفع بدروس الإمام في الملبس فأمسى يقول: الزهد في الدنيا هو بقصر الأمل. ليس بأكل الخشن ولا بلبس الغليظ. ازهد في الدنيا ثم نم. لا لك ولا عليك. إن الرجل ليكون عنده المال وهو زاهد في الدنيا. وإن الرجل ليكون فقيرا وهو راغب فيها.


وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يلبس ما تيسر من الصوف تارة ومن القطن تارة ومن الكتان تارة. وكانت مخدته من أدم حشوها ليف نخل. ولما قال له رجل يا رسول اللّه أنا أحب أن يكون ثوبي حسنا ونعلي حسنة. أفمن الكبر ذاك؟ قال (لا. إن اللّه جميل يحب الجمال. الكبر بطر الحق وغمط الناس).

ولم يعب الصحابة بعضهم على بعض الملابس من أعلى وأدنى. لا يعيب صاحب الخز على صاحب الصوف ولا صاحب الصوف يعيب على صاحب الخز.

في هذا المجلس تتلمذ للإمام جعفر وروى عنه - كما يقول أرباب الإحصاءات - أربعة ألاف من الرواة وكتب عنه أربعمائة كاتب. كلهم يقول: قال جعفر بن محمد.

فأي مجلس كان ذلك المجلس تتراءى فيه اشياء من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . بعضها مادي يجري في أصلاب رجل بعد رجل. وبعضه معنوي يتراءى في معانيه وفحوى مقولاته، لكل هؤلاء.

ليس بالمجلس لجاجة ولا حجاج عقيم. يقول للتلامذة (من عرف شيئا قل كلامه فيه. وإنما سمي البليغ بليغا لأنه يبلغ حاجته بأدنى سعيه).

إذا سأل سائل عن خلافات الصحابة أجاب (علمها عند ربي في كتاب. لا يضل ربي ولا ينسى).

يهتدي بهديه الكبراء في الامتناع عن الجواب في خلاف الصحابة. يقول أحمد بن حنبل إذ يسأل عما كان بين الصحابة: كان بينهم شيء اللّه أعلم به. ومع ذلك يعجب ويتساءل عن طلحة والزبير: أكانا يريدان أعدل من علي؟ ولا يضيع الحق في المجلس: سمع أن أحد الولاة نال من أمير المؤمنين علي . فوقف الصادق فقال (ألا أنبئكم بأعلى الناس ميزانا يوم القيامة وأبينهم خسرانا؟ من باع آخرته لغيره. وهذا هو الفاسق).

وعرف الناس الفاسق الذي باع آخرته لمن يشتهون أن يقدح لهم في علي بن أبي طالب.

والمقياس عند صاحب المجلس هو الإخلاص للّه والرسول. يقول ويروي عن آبائه عن أمير المؤمنين علي (قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا قول إلا بعمل ولا قول ولا عمل إلا بنية. ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بإصابة السنة).


والقاعدة هي المساواة بين الناس، مساواة فطرية - مهما اختلفت العقائد والأجناس - يقول (الناس في آدم مستوون). حتى عبدة النار يقول فيهم: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب».

وللنساء والبنات عنده المكانة العالية. قياما بوصية جده بالنساء في آخر خطبه عليه الصلاة والسلام - روى الجارود بن المنذر: قال لي أبو عبد اللّه الصادق «بلغني أن لك ابنة فتسخطها. ما عليك منها؟ ريحانة تشمها. قد كفيت رزقها. وقد كان رسول اللّه أبا بنات».

وأي مثل في الإسلام كمثل رسول اللّه. وأي نعمة أن يكون للمرء ريحانة أو رياحين وأي فضل كفضل البنات يكفي رزقهن اللّه يقول الصادق (إن إبراهيم سأل ربه ابنة تبكيه وتندبه بعد موته) لينبه على بقاء الوفاء في أفئدة البنات بعد الممات.

ومن الدروس الأولية في هذا المجلس تعليم الناس أن يسعوا لعمارة الدنيا بالعمل للرزق، ومجانبة الخلائق الفاقرة بالتواكل، أو البطالة. وبهذا المبدأ أصبح المجتمع الشيعي مجتمع العاملين، وبلغ حظه - حيثما كان - من النماء، والاستغناء، والانتفاع بما منحه اللّه للبشر من مواهب، وأتاح لهم من وسائل.

جاء مجلس الإمام يوما جماعة من الزهاد يريدون منه إظهار التقشف والزهد الكامل. فقال لهم:

(حدثني أبي أن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: ابدأ بمن تعول. الأدنى فالأدنى . هذا ما نطق به الكتاب ردا لقولكم . قال العزيز الحكيم (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما). أفلا ترون أن اللّه تعالى قال غير ما أراكم تدعونني إليه؟ . فنهاهم عن الإسراف ونهاهم عن التقتير. فلا يعطي جميع ما عنده ثم يدعو اللّه أن يرزقه فلا يستجيب له. للحديث الذي جاء عن النبي (إن أصنافا من أمتي لا يستجاب دعاؤهم: رجل يدعو على والديه. ورجل يدعو على غريم ذهب له بمال فلم يكتب عليه ولم يشهد عليه. ورجل يدعو على زوجته وقد جعل اللّه تخلية سبيلها بيده. ورجل يقعد


في بيته ويقول رب ارزقني، ولا يطلب الرزق، فيقول اللّه عز وجل: يا عبدي ألم أجعل لك السبيل إلى الطلب . ألم أرزقك رزقا واسعا؟ فهلا اقتصدت كما أمرتك ولم تسرف فيه وقد نهيتك عن الإسراف. ورجل يدعوني في قطيعة رحم .) ثم علم اللّه عز وجل كيف ينفق فقال (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا) فهذه أحاديث رسول اللّه يصدقها الكتاب. والكتاب يصدقه أهله من المؤمنين . وفيهم سلمان الفارسي وأبو ذر رضي اللّه عنهما:

فأما سلمان فكان إذا أخذ عطاءه رفع منه قوته حتى يحضر عطاؤه من قابل. فقيل له: يا أبا عبد اللّه أنت في زهدك تصنع هذا وأنت لا تدري لعلك تموت اليوم أو غداً؟ فكان جوابه أنه قال: ترجون لي البقاء وقد خفتم علي الفناء. أما علمتم أن النفس قد تلتاث على صاحبها ما لم يكن لها من العيش ما تعتمد عليه. فإذا أحرزت معيشتها اطمأنت.

وأما أبو ذر فكانت له نويقات وشويهات يحلبها، ويذبح منها إذا اشتهى اللحم، أو نزل به الضيف . ومن أزهد من هؤلاء وقد قال فيهما رسول اللّه ما قال . ولم يبلغا من الزهد أن صارا لا يملكان شيئا البتة كما تأمرون الناس بإلقاء أمتعتهم وشيئهم . ويؤثرون على أنفسهم وعيالهم . .)

فالإمام يريد مجتمعا عاملا، متواصلا، فيه قصد وجد. فبهذا يعين اللّه من يعين نفسه من عباده.

التلاميذ الأئمة

كان سفيان الثوري إمام العصر في الورع والسنن والفقه، للعراق كافة. وكانت له في مجابهة الخليفة مواقف لا يمل الحديث فيها. وكان كثيرون من رواد المجلس كسفيان مكانة في المسلمين: منهم عمرو بن عبيد الذي نشأت على يديه فرقة المعتزلة، وأبو حنيفة، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ترب أبي حنيفة، وإمام المدينة مالك بن أنس.

وأبو حنيفة هو الإمام الأعظم لأهل السنة. ومالك أكبر من تلقى عليه الشافعي علما. وأطولهم في تعليمه زمانا. والشافعي شيخ أحمد بن حنبل.


وكمثلهم كان المحدثون العظماء: يحيى بن سعيد محدث المدينة وابن جريج وابن عيينة محدثا مكة. وابن عيينة هو المعلم الأول للشافعي في الحديث.

فلندع للأئمة وصف مكانهم من الإمام - وفيه وصف مجالس علمه:

يقول مالك بن أنس (كنت أرى جعفر بن محمد. وكان كثير الدعابة والتبسم. فإذا ذكر عنده النبي اخضر واصفر. ولقد اختلفت إليه زمانا فما كنت آراه إلا على ثلاث خصال. إما مصليا وإما قائما وإما يقرأ القرآن. وما رأيته يحدث عن رسول اللّه إلا على الطهارة. ولا يتكلم فيما لا يعنيه. وكان من العلماء والعباد والزهاد الذين يخشون اللّه. وما رأيته قط إلا ويخرج وسادة من تحته ويجعلها تحتي).

وفي مقولة أخرى يضيف مالك (وكان كثير الحديث، طيب المجالسة، كثير الفوائد، إذا قال (قال رسول اللّه) اخضر مرة واصفر أخرى حتى ينكره من يعرفه. ولقد حججت معه سنة فلما استوت به راحلته عند الإحرام، كلما هم بالتلبية انقطع الصوت في حلقه، وكاد أن يخر عن راحلته. فقلت: يا ابن رسول اللّه. أو لابد لك أن تقول قال: كيف أجرؤ أن أقول لبيك وأخشى أن يقول اللّه عز وجل: لا لبيك ولا سعديك) .

وإنا لنذكر ما كان يصنعه جده زين العابدين في هذا المقام.

وأصبح مالك إذا ذكر النبي اصفر لونه. فإذا تساءل جلساؤه قال: لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم على ما ترون. ويذكر لهم حال ابن المنكدر(١) ثم يعقب بحال جعفر.

___________________

(١) محمد بن المنكدر(١٣٠) من معادن الصدق بالمدينة وأشياخ مالك، من بني تيم قبيلة أبي بكر، وهم مشهورون بالرقة والورع. وهم أجداد الإمام جعفر - كان لا يسأل ابن المنكدر أحد عن حديث إلا بكى. ومالك يقول (كنت إذا وجدت من نفسي قسوة آتي ابن المنكدر فأنظر إليه نظرة فأبغض نفسي أياما).

وابن المنكدر يقول (كابدت نفسي في ذلك أربعين عاما حتى استقامت). وكان من بني المنكدر إخوة ثلاثة فقهاء: محمد وأبوبكر وعمر أبناء المنكدر.


إنما كان مالك يجد ريح الرسول في مجلس ابن بنته . ويحس، أو يكاد يلمس، شيئاً مادياً، يتسلسل من الجد لحفيده، وأشياء غير مادية تملك اللب والقلب: فالرؤية متعة والسماع نعمة. والجوار - مجرد الجوار - تأديب وتربيب . وفي كل أولئك طرائق قاصدة إلى الجنة.

وصاحب المجلس طهر كله. لا يتحدث عن جده إلا على الطهارة. يقول (الوضوء شطر الإيمان) ومن أجل ذلك لم يعد الوضوء عنده أو في مذهبه، مجرد وسيلة لغيره - أي للصلاة - بل أمسى مستحبا لذاته كالصلاة المستحبة. يتهيأ به المتوضئ لدخول المساجد، وقراءة القرآن، بل الزوجان ليلة زفافهما، والمسافر إلى أهله . والقاضي ليجلس للقضاء، والإمام الذي يفتي أو يعلم.

وما هو بدع أن يشغف به مالك - وهو الأموي بهواه - فإنما هو حب الرسول وأهل بيته. فحبهم إيمان. وما كان تعبير مالك إلا حبا، وهو - بعد - التلميذ النجيب لفقهاء بني تيم (قبيلة أبي بكر) سواء كانوا من مواليهم - كربيعة الرأي - أو من أنفسهم كمحمد بن المنكدر، أو أمهم منهم، كالإمام جعفر.

وأبو بكر الصديق يقف في قمة التاريخ العلمي لمصادر مالك باتباعه واجتهاده وأبنائه وبني تيم .

تعلم مالك الكثير من السلوك على الإمام جعفر فكان إذا حدث لا يحدث إلا على الطهارة. ويحمى مجلسه ممن يخرجونه عن قصده. كما يكرم تلامذته. بل صار إماما لليسر الذي تتمثل فيه خصائص المدينة. وأمسى عنوانا على العلم: فإذا خاصم السلطة خاصمها من أجل النزاهة العلمية فحسب. وفي منهجه الاحتفال الكامل بالواقع. وفي طريقته العمل للرزق، حتى لا يحتاج لأحد، مما يعبر عن اقتداء كامل بالإمام الصادق.

وكهيئة الإمام الصادق، لم يجار فقهاء العراق في قولهم أرأيت أرأيت. أي افتراض الفروض واستباق الحوادث وإبداء الرأي فيما لم يحدث حتى سماهم خصومهم (الأرأيتيين).


ومن رضا الإمام عن التلميذ كان «الصادق» يشير بإتيان حلقة مالك. روى عنوان البصري أنه كان يختلف إلى الإمام جعفر يتعلم عليه فغاب الإمام عن المدينة فاختلف إلى مالك سنتين ثم عاد الصادق فعاد عنوان إلى مجلسه. فنصحه أن يجلس إلى مالك.

ولقد يدخل الإمام المسجد - فيقدم إليه تلميذ من تلاميذه ابن أبي ليلى(١) (١٤٨) قاضي الكوفة. فيقول الإمام: أنت ابن أبي ليلى القاضي؟ ويجيب: نعم. فينبهه الإمام على جلال خطر القضاء بقوله: (.. تأخذ مال هذا وتعطيه هذا. وتفرق بين المرء وزوجه لا تخاف في ذلك أحدا . فما تقول إذا جيء بأرض من فضة وسماء من فضة ثم أخذ رسول اللّه بيدك فأوقفك بين يدي ربك فقال: يا ربي هذا قضى بغير ما قضيت).

واصفر وجه ابن أبي ليلى مثل الزعفران. لكنه خرج من المسجد مزودا بزاد من خشية اللّه زوده به ابن رسول اللّه.

ولما سئل مرة: أكنت تاركا قولا أو قضاء لرأي أحد؟ أجاب: لا. إلا لرجل واحد. هو جعفر بن محمد الصادق.

وابن أبي ليلى قاضي بني أمية وبني العباس. وهم أعداء الإمام.

في هذا المجلس بالمدينة ، أو بالكوفة في إحدى قدمات الإمام جعفر إلى العراق ، دخل أئمة الكوفة مجتمعين : أبو حنيفة و ابن أبي ليلى و ابن شبرمة(١٤٤) على الإمام جعفر فجعل الصادق ينبه أبا حنيفة مكتشف أداة «القياس»، على خطرها في حضور العالمين الآخرين. وفي مواجهة هذين يقول الإمام الصادق لأبي حنيفة: «اتق اللّه ولا تقس الدين برأيك».

___________________

(١) أول من تعلم عليه أبو يوسف صاحب أبي حنيفة هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى. وفي الخلاف بينه وبين أبي حنيفة وضع أبو يوسف كتابه الشهير اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى. وكثيراً ما رجح فيه آراءه. ومن ذلك أخذه برأيه في قضية رفعت على الخليفة الهادي أمامه و بهذا دفع الخليفة لصاحب الحق حقه (راجع أبو حنيفة بطل الحرية والتسامح للمؤلف. ص ١٠٠ طبعة المجلس الأعلى للشئون الاسلامية).


واقفا وهو في مجلس الدرس، فقال (يا ابن رسول اللّه - لو شعرت بك أول ما وقفت ما رآني اللّه أقعد وأنت قائم) ليشهد اللّه على دخيلة نفسه أنها لا تقبل الجلوس والإمام قائم.

وأبو حنيفة (٨٠ - ١٥٠) أكبر عمرا من الإمام الصادق.

ولقد يكون أبو حنيفة في حلقته بالكوفة أو في المدينة فيقف عليها الإمام الصادق، ولا تقع عليه عين أبي حنيفة، فإذا لمحته عيناه هب أبو حنيفة لكن الصادق يشد أزره بعبارات مشجعة. فيقول له (اجلس يا أبا حنيفة فعلى هذا أدركت آبائي) يريد بذلك إعظام مجالس العلم. ووقوف الجميع. وجلوس الأستاذ.

انقطع أبو حنيفة إلى مجالس الإمام طوال عامين قضاهما بالمدينة، وفيهما يقول (لولا العامان لهلك النعمان) - وكان لا يخاطب صاحب المجلس إلا بقوله « جعلت فداك يا ابن بنت رسول اللّه ».

ولقد يتحدى الإمام الصادق في مجلسه أبا حنيفة ليختبر رأي صاحب الرأي فيسأل: ما تقول في محرم كسر رباعية الظبي. ويجيب أبو حنيفة: يا ابن رسول اللّه لا أعلم ما فيه. فيقول له الإمام الصادق: أنت تتداهى. أو لا تعلم أن الظبي لا تكون له رباعية . وإنما سكت أبو حنيفة لأنه لم يعلم كما قال، أو لأنه يمتنع عن أن يصحح للإمام السؤال. وما كان أعظم أدب أبي حنيفة بين نظرائه. فما بالك به بين يدي الإمام.

فإذا جاء ابن شبرمة وحده يسأل عما لم يقع - كدأب تلاميذ أبي حنيفة ومدرسة الكوفة - لم يتردد الإمام في دفعه، بالحسنى:

ذهب إليه ذات يوم يسأله عن القسامة في الدم فأجابه بما صنع النبي. فقال ابن شبرمة: أرأيت لو أن النبي لم يصنع هذا، كيف كان القول فيه؟ فأجابه: أما ما صنع النبي فقد أخبرتك به. وأما ما لم يصنع فلا علم لي به.

والصادق عليم بالاختلاف بين آراء الفقهاء، أي بعلم المدينة وعلم الشام وعلم الكوفة، وهو يروي عشرات الآلاف من الأحاديث، في حين كانت قلة ما سلمه أهل العراق من الحديث آفة علمائه، حتى صوبهم الشافعي في نهاية القرن، بالقوة التي لا نزاع فيها لخبر الواحد، وبوضع قواعد القياس.


والحسن بن زياد اللؤلؤي يعلن رأي صاحبه في إحاطة الإمام الصادق فيقول (سمعت أبا حنيفة وقد سئل من أفقه الناس ممن رأيت فقال: جعفر ابن محمد).

ولما استفتي أبو حنيفة في رجل أوصى « للإمام »، بإطلاق الوصف، قال انها لجعفر بن محمد. فهذا إعلان لتفرده بالإمامة في عصره .

ولم تكن السنتان اللتان حيي بسببهما النعمان بن ثابت (أبو حنيفة) ولم يهلك، إلا تكملة لسنين سابقة كان يتدارس فيها فقه الشيعة. ومن ذلك كان يشد أزر زيد بن علي في خروجه على هشام بن عبد الملك. وقيل مال إلى محمد وإبراهيم (ولدي عبد اللّه بن الحسن) في خروجهما على المنصور. وأن قد جاءته امرأة تقول إن ابنها يريد الخروج مع هذا الرجل - في إبان خروج إبراهيم - وأنا أمنعه. فقال لها لا تمنعيه.

ويروي أبو الفرج الأصفهاني عن أبي إسحق الفزاري: جئت إلى أبي حنيفة فقلت له: أما اتقيت اللّه. أفتيت أخي بالخروج مع إبراهيم حتى قتل فقال (قتل أخيك حيث قتل، يعدل قتله لو قتل يوم بدر. وشهادته مع إبراهيم خير له من الحياة).

ولئن كان مجداً لمالك أن يكون أكبر أشياخ الشافعي، أو مجداً للشافعي أن يكون أكبر أساتذة ابن حنبل، أو مجداً للتلميذين أن يتلمذا لشيخيهما هذين، إن التلمذة للإمام الصادق قد سربلت بالمجد فقه المذاهب الأربعة لأهل السنة. أما الإمام الصادق فمجده لا يقبل الزيادة ولا النقصان. فالإمام مبلغ للناس، كافة، علم جده عليه الصلاة والسلام. والإمامة مرتبته. وتلمذة أئمة السنة له تشوف منهم لمقاربة صاحب المرتبة.

لقد يجيء للمناظرة عمرو بن عبيد(١٤٤) زعيم المعتزلة، الذي لم يضحك أبو حنيفة طول حياته بعد أن قال له عمرو إذ ضحك مرة في إبان مناظرته: بافتي تتكلم في مسألة من مسائل العلم وتضحك؟، والذي يبلغ من وقاره أن يراه الرائي فيحسبه أقبل من دفن والديه. فإذا انتهى الكلام قال عمرو للإمام (هلك من سلبكم تراثكم ونازعكم في الفضل والعلم).


ويجيء إمام خراسان عبد اللّه بن المبارك، وهو إمام فقه، وبطل معارك. تلمذ للإمام زمانا، ولأبي حنيفة، فتعلم ما جعله يخفي بطولاته في الفتوح «لأن من صنعها لأجله - سبحانه - مطلع عليها(١) ». وفي الإمام جعفر شعره الذي ورد فيه:

أنت يا جعفر فوق الـ

مدح. والمدح عناء

إنما الأشراف أرض

ولهم أنت سماء

جاز حد المدح من

قد ولدته الأنبياء

فإذا كان الصادق في مواجهة مع المنصور، حيث القواد والعلماء يجلسون على مبعدة منه، فإن مجلس الإمام عن يمينه . حتى ولو دعاه يخوفه. فلقد طالما انتهت اللقاءات بالموعظة يلقيها الإمام من حديث رسول اللّه، ولحديث رسول اللّه شرف المجلس، ولابن رسول اللّه شرف من رسول اللّه.

ولو جلس الصادق على مبعدة أو مقربة من الخليفة، لكان الشرف حيث يجلس. وربما قربه الخليفة ليلتمس لنفسه القربى إلى الناس في الدنيا، ويوم لا تملك نفس لنفس شيئا، وعندما تلتمس الشفاعة.

وأبو جعفر المنصور يقر بمكانه من العلم والتقوى مع ضيق صدره بمكانته في الأمة. يقول (هذا الشجى المعترض في حلقي أعلم أهل زمانه. وإنه ممن يريد الآخرة لا الدنيا).

___________________

(١) استعصى على المسلمين حصن من حصون الروم. فتصدى له فارس ملثم فاقتحمه وتتابع وراءه المسلمون واختفى الفارس في الجند. ولما سئل ابن المبارك فيما بعد، عن إخفاء نفسه، قال (لأن من صنعت ذلك لأجله - سبحانه - مطلع عليه).

وخرج إلى الحج فمر بأمرأة رآها تخرج غرابا ميتا من حيث ألقى به. فسألها فقالت إنها وزوجها لا يجدان ما يطعمانه. فقال لوكيله : كم معك من نفقة الحج؟ قال: ألف دينار قال: (عد منها عشرين تكفي للعودة إلى مرو (عاصمة خراسان) وأعطها الباقي. فهذا أفضل من حجنا هذا العام). ورجع ولم يحج.

وكان الرشيد بالرقة يوما وأقبل عليها ابن المبارك. فانجفل الناس خلفه ورأته أم ولد الرشيد فقالت: هذا واللّه الملك. لا ملك هارون الذي يجمع الناس بشرطه وأعوان.

ولما مات ابن المبارك جلس الرشيد فتقبل العزاء فيه.


ومن نص الإقرار ما يدل على أن مجلس «الصادق» للعلم، لم يكن ليسلم من مراقبة أعوان السلطان، وصاحب المجلس شجى معترض في حلقه. وهو قد ينبئ عن أن الفرصة متاحة للإمام ليلقى دروسه، مع الحيطة الواجبة، حتى لا يغص الخليفة بريقه مما ينقل إليه، وإن كان المؤكد أن مجرد وجود الإمام كان فيه الشجى المعترض.

كل العلوم

والمجلس مورد عذب كثير الزحام - لكل فيه ما يغنيه - فالإمام في مجلسه الرفيع يروي السنة عن آبائه. وما يقوله يجري عند الشيعة مجرى الأصول. فإذا أبدى الرأي في واقعة معينة جعله الشيعة مجعل السنة والتزموها باعتبارها نصا عنه.

أما أهل السنة فيأخذونه مأخذ اجتهاد الأئمة.

واللسان العربي علم العلوم. وإمام المسلمين إمام في البلاغة العربية، عبر عن أسلوبه أبو عمرو بن العلاء حين قال عن أساليب العربية (العرب تطيل ليسمع منها وتوجز ليحفظ عنها).

وعند الصادق لكل مقام مقال. يسهب ويستطرد كما ستقرأ، بعد، أو يوجز ليحفظ عنه ويتذوق منه، بحروف لها جرس في الأذن ونغم في الفم. كأن يقول: (لا تصل فيما خف أو شف). وكلاهما كاشف.

ويجري على لسانه الشعر الرفيع مثل الذي يرويه عنه سفيان الثوري:

لا اليسر يطرؤنا يوما فيبطرنا

ولا لأزمة دهر نظهر الجزعا

إن سرنا الدهر لم نبهج لصحته

أو ساءنا الدهر لم نظهر له الهلعا

مثل النجوم على مضمار أولنا

إذا تغيب نجم، آخر طلعا

أو مثل قوله جوابا لسفيان إذ يسأل: يا ابن رسول اللّه لم اعتزلت الناس؟

قال « يا سفيان قد فسد الزمان وتغير الإخوان فرأيت الانفراد أسكن للفؤاد » وأنشد:

ذهب الوفاء ذهاب أمس الذاهب

والناس بين مخاتل وموارب

يفشون بينهم المودة والصفا

وقلوبهم محشوة بعقارب


ومثل قوله:

فلا تجزع وإن أعسرت يوما

فقد أيسرت في زمن طويل

ولا تيأس فإن اليأس كفر

لعل اللّه يغني عن قليل

ولا تظن بربك ظن سوء

فإن اللّه أولى بالجميل

ومثل قوله:

لا تجزعن من المداد فإنه

عطر الرجال وحلية الآداب

فإذا جاءه المناظرون من كل فج عميق، أو التلاميذ الفقهاء، يمثلون أقطار الإسلام، ويجادلون في الأصول أو الفروع، فهو البحر لا تنزفه الدلاء. يروي العقول ويشفي الصدور.

فالديصاني، رغيم فرقة ملحدة، وصاحب الإهليلجة طبيب هندي. وعبد الكريم بن أبي العوجاء(١) عربي ملحد. وعبد الملك مصري يتزندق. وعمرو بن عبيد شيخ المعتزلة. وأبو حنيفة إمام الكوفة، ومالك إمام المدينة، وسفيان الثوري، وغيرهم. كل هؤلاء تملأ مجادلاته معهم الكتب، ولا يضيق صدرا بجدالهم. بل يضرب الأمثال، بمسلكه معهم واتساع صدره لهم، على الحرية الفكرية التي يتيحها الإمام للناس في مجلسه، ليفهموا العلم، أو ليؤمنوا عن فهم، دون إكراه أو إعنات، وعلى سعة الخلاف الفقهي لكل اتجاهات المسلمين. وعلى اليسر والرحمة في الشريعة. فكل هذه أسباب لنشر الإسلام وخلود فقهه.

___________________

(١) عبد الكريم بن أبي العوجاء هو خال معن بن زائدة الشيباني أحد قواد بني مروان، وكبير من كبار الولاة لأبي جعفر. وهو الذي أنقذ أبا جعفر من الموت يوم الراوندية وأبلى - وأهله بنو شيبان أعظم البلاء في الدفاع عن بني العباس. ولما قدم ابن أبي العوجاء للقتل للزندقة سنة ١٦١ قال (لن يقتلوني. لقد وضعت أربعة آلاف حديث أحللت فيها الحرام وحرمت الحلال) لكن علماء الجرح والتعديل فطنوا إليها جميعا واستبعدوها .


يقول ابن المقفع - و هو متهم بالمجوسية أو بالزيغ على الأقل - إذ يؤمئ إلى « الصادق » في موضع الطواف (هذا الخلق ما منهم أحد أوجب له بالإنسانية إلا ذلك الشيخ الجالس).

ويذهب ابن أبي العوجاء ليناظره فتعتريه سكتة. فيسأله الإمام: ما يمنعك من الكلام؟ فيقول: (إجلالا لك. ومهابة منك. وما ينطق لساني بين يديك. فإني شاهدت العلماء وناظرت المتكلمين فما تداخلني من هيبة أحد منهم ما تداخلني من هيبتك).

رآه الإمام مرة بالحرم فقال له: ما جاء بك؟ قال: عادة الجسد وسنة البلد. ولنبصر ما الناس فيه من الجنون والحلق ورمي الحجارة. قال الصادق: أنت بعد على عتوك وضلالك يا عبد الكريم؟ فذهب يتكلم. فقال الإمام: لا جدال في الحج. ونفض رداءه من يده وقال: إن يكن الأمر كما تقول، وليس كما نقول، نجونا ونجوت. وإن يكن الأمر كما نقول، وليس كما تقول، نجونا وهلكت. وأي صبر في حرية الفكر كمثل هذا الصبر من الإمام الصادق؟ وحيث تؤدى المناسك

وإنما ترك الإمام رجلا ملحدا سيقتل - بعد - في إلحاده سنة ١٦١.

وإذا لم يأخذ الملحدين بالشدة، فتحا لأبواب الهداية لهم، فهو صارم في صدد المغالين في علي، أو فيه. ليكفهم عن غلوائهم. ومنهم بيان بن سمعان التميمي. كان يعتقد ألوهية علي والحسن والحسين ثم محمد بن الحنفية، ثم ابنه أبي هاشم. بل زعموا أنه قال إنه - بيانا - المراد بقوله تعالى (هذا بيان للناس). وادعى المغيرة بن سعيد الانتماء إلى الباقر، وصار يؤله عليا ثم جعفر الصادق، ويكفر أبا بكر وعمر ومن لم يوال عليا.

وكذلك كان بشار الشعيري.

يقول جعفر الصادق لمرازم: « تقربوا إلى اللّه فإنكم فساق كفار مشركون » ويقول له « إذا قدمت الكوفة فأت بشار الشعيري وقل له يا كافر يا فاسق أنا بريء منك ».

دخل عليه بشار يوما فصاح به « اخرج عني لعنك اللّه. واللّه لا يظلني وإياك سقف أبدا » فلما خرج قال :«ويحه. ما صغر اللّه أحد تصغير هذا الفاجر. واللّه إني عبد اللّه وابن أمته».


ويقول عن المغيرة بن سعيد (لعن اللّه المغيرة بن سعيد. لعن اللّه يهودية كان يختلف إليها يتعلم منها الشعر والشعبذة والمخاريق. فو اللّه ما نحن إلا عبيد، خلقنا اللّه واصطفانا، ما نقدر على ضرر ولا نفع إلا بقدرته . ولعن اللّه من قال فينا ما لا نقول في أنفسنا).

ويقول: (من قال إننا أنبياء فعليه لعنة اللّه ومن شك في ذلك فعليه لعنة اللّه).

وينبه الأذهان على دسائس خصوم الشيعة بالاختلاق عليهم فيقول (إنا أهل بيت صادقون لا نعدم من يكذب علينا عند الناس. يريد أن يسقط صدقنا بكذبه علينا).

ويقول الخيثمة (أبلغ شيعتنا أننا لا نغني من اللّه شيئا. وأنه لا ينال ما عند اللّه إلا بالعمل. وأن أعظم الناس يوم القيامة حسرة من وصف عدلا ثم خالفه إلى غيره .)

وهي مقولات لا تترك مجالا لدعاوي المغالين في جعفر الصادق وآبائه وبنيه من الأئمة. وتنفي عنه ما ادعوه من علم الغيب. فلا يعلم الغيب إلا اللّه. كما تجعل الأئمة مجعل البشر، وهي آراء أبيه وجده.

سأل سائل جده زين العابدين: متى يبعث علي؟ فأجاب (يبعث - واللّه - يوم القيامة. وتهمه نفسه) أي أنه يحاسب يوم الحساب كما يحاسب غيره.

وأما تعبير الأحلام فالصادق يرى أنها (لو كانت كلها تصدق كان الناس كلهم أنبياء، ولو كانت كلها تكذب لم يكن فيها منفعة، بل كانت فضلا لا معنى لها. فكانت تصدق أحيانا لينتفع بها الناس في مصلحة يهتدى لها، أو مضرة يحذر منها. وتكذب كثيرا لئلا يعتمد عليها كل الاعتماد).

فرؤى الأنبياء حقائق من هدى النبوة. أما رؤى الآخرين فأصداء أفكار تتحرك في باطنهم. منها ما يصدقه الواقع ومنها ما يكذبه.

روى هشام بن الحكم: كان بمصر زنديق يبلغه عن أبي عبد اللّه (الإمام الصادق) أشياء. فخرج إلى المدينة ليناظره فلم يصادفه وقيل له إنه خارج بمكة. فخرج إلى مكة، ونحن مع أبي عبد اللّه، فصادفنا في الطواف. وكان اسمه عبد الملك. وكنيته أبو عبد اللّه. فضرب كتفه كتف أبي عبد اللّه . فقال له أبو عبد اللّه . فمن هذا الملك الذي أنت عبده. من ملوك الأرض أو من ملوك السماء؟ وأخبرني عن ابنك عبد إلاه السماء أم عبد إلاه الأرض. قل ما شئت تخصم . إذا فرغت من الطواف فائتنا.


فلما فرغ أتاه الزنديق فقعد بين يديه . قال أبو عبد اللّه: أيها الرجل: ليس لمن لا يعلم حجة على من يعلم. ولا حجة للجاهل . يا أخا مصر إن الذين يذهبون إليه ويظنون أنه الدهر، إن كان الدهر يذهب بهم لم لا يردهم؟ وإن كان يردهم لم لا يذهب بهم ؟ - يا أخا مصر لم السماء مرفوعة والأرض موضوعة؟ لم لا تنحدر السماء على الأرض؟ لم لا تنحدر الأرض فوق طبقاتها؟ ولا يتماسكان ولا يتماسك من عليها ؟ قال الزنديق أمسكهما اللّه ربهما وسيدهما . فآمن الزنديق .

فقال: اجعلني من تلامذتك . فقال: يا هشام بن الحكم. خذه إليك. فعلمه هشام. فسار يعلم أهل الشام وأهل مصر الإيمان .

ويروى هشام (أن زعيم الديصانية وفد على مجلس الإمام فقال له: دلني على معبودي ولا تسألني عن اسمي. فإذا غلام له صغير في كفه بيضة يلعب بها . فقال: يا ديصاني. هذا حصن مكنون له جلد غليظ. وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق. وتحت الجلد الرقيق ذهبة مائعة وفضة ذائبة . فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضة الذائبة. ولا الفضة الذائبة تختلط بالذهبة المائعة. فهي على حالها. لم يخرج بها مصلح فيخبر عن صلاحها. ولا دخل فيها مفسد فيخبر عن فسادها. ولا يدري أللذكر خلقت أم للأنثى. تنفلق عن مثل ألوان الطواويس. أو لا ترى لها مدبرا؟

فأطرق الديصاني ثم قال أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له. وأن محمدا عبده ورسوله. وأنك إمام وحجة من اللّه على خلقه. وأنا تائب مما كنت فيه).

قصد إليه في مجلسه ذات يوم نفر من المعتزلة يطلبون إليه بيعة « محمد بن عبد اللّه » النفس الزكية. فطلب إليهم أن يختاروا واحدا منهم ليناظره. فاختاروا زعيم المعتزلة عمرو بن عبيد. وظاهر أن تاريخ ذلك المجلس كان معاصرا لرفض الإمام الصادق أن يبايع يوم الأبواء قبل قيام الدولة العباسية سنة ١٣٣. فلقد كان عمرو بن عبيد من أنصارها. له صلة خاصة بالمنصور، واشتهر عنه أنه لم يبايع محمدا وقال إنه لم يختبر عدله، وربما كان ذلك المجلس في إثر مقتل الوليد ابن يزيد سنة ١٢٦، أو فترة الحروب الأخيرة لبني مروان، التي قامت على أثرها الدولة العباسية.


قال عمرو: قتل أهل الشام خليفتهم وضرب اللّه بعضهم بقلوب بعض وشتت أمرهم، فنظرنا فوجدنا رجلا له دين وعقل ومروءة وهو محمد بن عبد اللّه بن الحسن. فأردنا أن نجتمع معه فنابيعه . وقد أحببنا أن نعرض ذلك عليك. فإنه لا غناء لنا عنك لفضلك.

قال الصادق: إنا نسخط إذا عصى اللّه. فإذا أطيع اللّه رضينا. أخبرني يا عمرو: لو أن الأمة قلدتك أمرها فملكته بغير قتال ولا مؤنة فقيل لك ولها من شئت. من كنت تولي؟

قال عمرو: كنت أجعلها شورى بين المسلمين.

قال الصادق: بين كلهم؟ قال نعم. قال قريش وغيرهم؟ قال عمرو: العرب والعجم.

قال الصادق: يا عمرو: أتتولى أبا بكر وعمر أم تتبرأ منهما؟ قال أتولاهما.قال الصادق: يا عمرو إن كنت رجلا تتبرأ منهما فإنه يجوز الخلاف عليهما. وإن كنت تتولاهما فقد خالفتهما. فقد عمد عمر إلى أبي بكر فبايعه ولم يشاور أحدا. ثم ردها أبو بكر عليه ولم يشاور أحدا. ثم جعلها عمر شورى بين ستة فأخرج منها الأنصار. ثم أوصى الناس بشيء. وما أراك ترضى به أنت ولا أصحابك.

قال عمرو: وما صنع؟

قال الصادق: أمر صهيبا أن يصلي بالناس ثلاثة أيام. وأن يتشاور أولئك الستة ليس فيهم أحد سواهم الا ابن عمر يشاورونه وليس له من الأمر شيء. وأوصى من بحضرته من المهاجرين والأنصار إن مضت الثلاثة ولم يفرغوا ولم يبايعوا أن يضرب أعناق الستة. وإن اجتمع أربعة قبل أن يمضى ثلاثة أيام وخالف اثنان أن يضرب أعناق الاثنين. أفترضون بهذا فيما تجعلون من الشورى في المسلمين؟.

قال: لا.

قال الصادق: أرأيت لو بايعت صاحبك الذي تدعو إليه ثم اجتمعت لكم الأمة ولم يختلف منهم رجلان. أفمضيتم إلى المشركين؟

قال: نعم.

قال الصادق: فتفعلون ماذا؟

قال عمرو: ندعوهم إلى الإسلام فإن أبوا دعوناهم إلى الجزية.

قال الصادق: فإن كانوا مجوسا وعبدة النار والبهائم وليسوا أهل الكتاب؟ قال عمرو: سواء .


وبعد محاورة في شأن الجزية والصدقات أقبل على عمرو والناس وقال (اتق اللّه يا عمرو. وأنتم أيها الرهط فاتقوا اللّه. فإن أبي حدثني وكان خير أهل الأرض وأعلم بكتاب اللّه وسنة رسول اللّه أن رسول اللّه قال (ومن ضرب بسيفه ودعاهم إلى نفسه وفي المسلمين من هو أعلم منه فهو ضال متكلف).

مع القرآن

كان جده علي يقول (سلوني عن كتاب اللّه. فو اللّه ما من آية إلا أنا أعلم بليل نزلت أم بنهار، في سهل نزلت أم في جبل) فلقد كان دائماً إلى جوار الرسول. وهو باب مدينة العلم. والإمام جعفر يصدر من المنبع ذاته.

يقول مثل جده علي «كان أصحاب محمد يقرأ أحدهم القرآن في شهر أو أقل. إن القرآن لا يقرأ هذرمة ولكن يرتل ترتيلا. وإذا مررت بآية فيها ذكر الجنة فقف عندها وأسأل اللّه تعالى. وإذا مررت بآية فيها ذكر النار فقف عندها وتعوذ باللّه من النار».

للقرآن عنده المقام الأول. يسأل عمن يؤم القوم فيجيب (أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: يتقدم القوم أقرؤهم للقرآن. فإن كانوا في القراءة سواء فأقدمهم هجرة. فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سنا. وإن كانوا في السن سواء فأعلمهم بالسنة، وأفقههم في الدين. ولا يتقدمن أحد الرجل في منزله. وصاحب السلطان في سلطانه).

ونصوص القرآن حاضرة كما أراد أن يدلي بحجة. وهو في قمة البلاغة العربية تسعفة اللغة. لا يلجأ إلى التأويل بديلا من التفسير. فهو في فهم النصوص أنفذ بصيرة. لم يعلم له تفسير نوقض فيه. والتفسير بتخريج مجازات


القرآن لا يقدر عليه الا البلغاء(١) . ومن القرآن ينبثق فقه الإمام في كل باب:

- يسأله سائل عن قوله تعالى (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا. ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) فيجيب: من أخرجها من هدى إلى ضلال فقد - واللّه - قتلها.

- ويجيئه زنديق يسأله عن تفسير قوله تعالى (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع. فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة) وقوله تعالى في آخر السورة (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل) فيفحم الإمام الزنديق فيقول: «أما قوله فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة فإنما عنى النفقة. وأما قوله ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء و لو حرصتم فإنما عنى المودة فإنه لا يقدر أحد أن يعدل بين امرأتين في المودة).

- ويقول عن الرزق الذي يحض اللّه على الإنفاق منه (و مما رزقناهم ينفقون) فيفسرها «ومما علمناهم يبثون» فالعلم رزق. وإذاعته إنفاق واجب.

- ومن تعبيره عن حجية القرآن أبدا يسأله السائل: لم صار الشعر والخطب يمل ما أعيد منهما والقرآن لا يمل؟ فيجيب:) لأن القرآن حجة على أهل العصر الثاني كما هو حجة على أهل العصر الأول. فكل طائفة تراه عصرا جديدا. ولأن كل امرئ في نفسه، متى أعاده وفكر فيه، تلقى منه في كل مدة علوما غضة. وليس هذا كله في الشعر والخطب)(٢) .

___________________

(١) في القرآن مجاز كثير مثل عرض الأمانة على السموات والأرض، يفسرها بعض العلماء أنها الطاعة. ومثل يد اللّه فوق أيديهم يفسرها البعض بأنها القدرة - و هؤلاء المخرجون يبدأون من أن (اللّه ليس كمثله شيء) والآخذون بالتأويل يبدأون من ذلك المبدأ ثم يؤولون الآيات المتشابهة على أساس الآيات المحكمة. كقوله تعالى (إلى ربها ناظرة) يفسرونها على أساس قوله (لا تدركه الأبصار) فيكون المقصود الرضى عنها.

وللمؤولين تفاسير كثيرة ألقى كثير منها في غياهب الإهمال وبخاصة تفاسير المعتزلة، بقى منها الكشاف للزمخشري الفقيه الحنفي، وللبلاغة العربية فيه أعظم مكان .

(٢) يروي الشاطبي - في كتابه الاعتصام - ما يوضح حاجة العصور كافة لهدى القرآن: رووا للأوزاعي(١٥٧) قول أحد الصحابة بعد موت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بزمان: (لو خرج رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما عرف شيئاً مما كان عليه هو وأصحابه إلا الصلاة) فقال الأوزاعي: فكيف لو كان اليوم؟ . كان ذلك في منتصف القرن الثاني للهجرة وفيه تابعو التابعين - فكيف الأمر فيما تلاه من قرون وقرون.


- ويقول المفضل: قلت؛ أخبرني عن قول اللّه عز وجل (وجعلها باقية في عقبه) قال: (يعني بذلك الإمامة) جعلها في عقب الحسين إلى يوم القيامة) فقلت فكيف صارت الإمامة في ولد الحسين دون ولد الحسن وهما جميعا ولدا رسول اللّه -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - وسبطاه وسيدا شباب أهل الجنة؟ فقال: إن موسى وهارون كانا نبيين مرسلين أخوين فجعل اللّه النبوة في صلب هارون دون صلب موسى. ولم يكن لأحد أن يقول لم فعل اللّه ذلك. فإن الإمامة خلافة اللّه عز وجل جعلها في صلب الحسين دون صلب الحسن لأن اللّه هو الحكيم في أفعاله. لا يسأل عن فعله وهم يسألون.

- ويعلن الامام رأيه بوجوب الإمامة. فيسأله السائل عن منزلة الأئمة. ومن يشبهون؟ فيقول: كصاحب موسى وذي القرنين. كانا عالمين. ولم يكونا نبيين(١) .

- وفي قوله تعالى (يمحو اللّه ما يشاء ويثبت) يقول الإمام « وهل يمحو اللّه إلا ما كان ثابتا. وهل يثبت اللّه إلا ما لم يكن » ويقول (لو علم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه) وإنما يقصد استجابة اللّه لدعاء العباد. وفي ذلك قوله (ما عظم اللّه بشيء مثل البداء).

___________________

(١) يحدد الصادق الإمامة بتشبيه قرآني يفسر وجوبها، إذ يسأل عن حديث الرسول «من مات وليس له إمام فميتته ميتة جاهلية» هل هي ميتة كفر؟ فيجب «ميتة ضلال» - وكذلك يحدد جده زين العابدين معنى العصمة بحد قرآني إذ يسأل عن معني المعصوم فيقول (هو من اعتصم بحبل اللّه المتين أي القرآن. فلا يفترق الإمام عن القرآن إلى يوم القيامة فالإمام يهدي الناس إلى القرآن والقرآن يهدي الناس إلى الإمام بقوله تعالى (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ..)

ويلاحظ أن الذي فتق الكلام في الإمامة وفصل وأصل فيها هم تلاميذ الإمام. وربما بدأ الكلام فيها في عهده كما يقول المستشرق رونالدسن. أما التعريفات الوافية فتنسب إلى الإمام الرضا(٢٠٢) حفيد الإمام الصادق يقول الإمام الرضا (الامامة منزلة الأنبياء. ووراثة الأوصياء. الإمامة خلافة اللّه وخلافة الرسول. والإمامة زمام الدين ونظام المسلمين وصلاح الدنيا وعز المؤمنين) والماوردي من فقهاء أهل السنة يحدد غرضها فيقول (الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا).


- ويسأله عمرو بن عبيد عن الكبائر « من كتاب اللّه ». فيسردها، ويضع في جوار كل كبيرة النص عليها من الكتاب العزيز فهي:

الشرك: (إن اللّه لا يغفر أن يشرك به).

اليأس من روح اللّه: (لا ييأس من روح اللّه الا القوم الكافرون).

عقوق الوالدين: (وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا)

قتل النفس: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها)

قذف المحصنات: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة)

أكل مال اليتيم: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً).

أكل الربا: (الذين يأكلون الربا لا يقومون الا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس).

الفرار من الزحف: (ومن يولهم يومئذ دبره الا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من اللّه ومأواه جهنم وبئس المصير).

السحر: (ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق)

الزنا: (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا).

اليمين الغموس: (إن الذين يشترون بعهد اللّه وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم اللّه ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم).

الغلول: (ومن يغلل يأت مما غل يوم القيامة).

منع الزكاة: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل اللّه فبشرهم بعذاب أليم).

كتمان الشهادة: (ومن يكتمها فإنه آثم قلبه).

شهادة الزور: (والذين لا يشهدون الزور).

نقض العهد وقطيعة الرحم: « الذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر اللّه به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون).


كفران النعمة: (ولئن كفرتم إن عذابي لشديد).

بخس الكيل: (ويل للمطففين).

وترك الصلاة: (....) واللواط: (....) وقول الزور: (....) وشرب الخمر: (....) والبدعة: (....)

- ومن علم الامام جعفر بالقرآن أخذ القراءات عليه حمزة بن حبيب التيمي. وفيها مد وإطالة وسكت على الساكن قبل الهمز.

- وفي صفات اللّه يقول الإمام لعبد الملك بن أعين (تعالى اللّه الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. تعالى عما يصفه الواصفون المشبهون للّه بخلقه . إن المذهب الصحيح في التوحيد ما نزل به القرآن من صفات اللّه عز وجل فانف عن اللّه تعالى البطلان والتشبيه فلا نفي ولا تشبيه . هو اللّه الثابت الموجود).

ويقول لمن سأله هل رأى رسول اللّه ربه (نعم لقد رآه بقلبه - أما ربنا جل جلاله فلا تدركه أبصار الناظرين ولا تحيط به أسماع السامعين).

وسأله الأعمش - شيخ المحدثين - عن مكان اللّه فقال: (لو كان في مكان لكان محدثا). ولما سئل عن استوائه على العرش قال: (إنه يعني أنه لا شيء أقرب إليه من شيء).

سئل عن قوله تعالى (وسع كرسيه السموات والأرض) فقال (العرش في وجه هو جملة الخلق والكرسي وعاؤه. وفي وجه آخر هو العلم الذي أطلع اللّه عليه أنبياءه ورسوله وحججه. والكرسي هو العلم الذي لم يطلع عليه أحدا من أنبيائه ورسوله وحججه).

وسئل عن قوله تعالى: (وكان عرشه على الماء) وقول البعض إن العرش كان على الماء والرب فوقه؟ فأجاب (كذبوا من زعم هذا فقد صير اللّه محمولا، ووصفه بصفة المخلوق ولزمه أن الشيء الذي يحمله أقوى منه).

وواضح من ذلك نهي الإمام عن التجسيد والتشبيه وتصحيحه أفهام تلاميذه. كيوم جاءه يونس بن ظبيان يقول إن هشام بن الحكم يقول قولا عظيما .

يزعم أن اللّه تعالى جسم قال الإمام (ويله أما علم أن الجسم محدود متناه. فإذا احتمل الحد احتمل الزيادة والنقصان. فإذا احتمل الزيادة والنقصان كان مخلوقا).


- وواضح منحى الإمام في الاحتجاج بنظام الكون، ونظام الجسم الإنساني، وبالعقل وهو درس من جده علي يلفت إلى بديع صنع المبدع جل جلاله. وفي ذلك قول علي:

أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر؟

يجيء الإمام رجل من أهل مصر أوصى أخوه للكعبة بجارية مغنية فارهة كانت له فقيل له ادفعها إلى بني شيبة (وفيهم سدانة الكعبة). واختلف الناس في أداء الوصية. وأخيرا أشاروا عليه أن يأتي الإمام. قال الإمام (إن الكعبة لا تأكل ولا تشرب وما أهدى إليها فهو لزوارها. فبع الجارية وناد: هل من محتاج؟ فإذا أتوك فسل عنهم وأعطهم).

- ويسأل عن القضاء والقدر فيجيب (هو أمر بين أمرين: لا جبر ولا تفويض)(١) ويحسم القضية بين الجبرية والقدرية فيقول (ما من قبض ولا بسط إلا للّه فيه مشيئة ورضاء وابتلاء).

يسأل عن الجبر والتفويض: جعلت فداك. أجبر اللّه العباد على المعاصي؟ فيجيب: اللّه أعدل من أن يجبرهم على المعاصي ثم يعذبهم عليها. فيقول السائل: جعلت فداك ففوض إليهم؟ فيجيبه لو فوض إليهم لم يحصرهم بالأمر والنهي. فيقول السائل جعلت فداك فبينهما منزلة؟ فيجيب (نعم. ما بين السماء والأرض).

___________________

(١) الجبر أن الإنسان مجبر على أعماله. والتفويض أن الإنسان مخير فيها. وهما نظريتان لمفكرين كانوا أحياء في بدايات حياة الامام - قال بالجبر الجعد بن درهم متأثرا بقول بيان ابن سمعان. وقال بالتفويض غيلان الدمشقي ومعبد الجهني - وقد قتل الأربعة. الأولان قتلهما خالد بن عبد اللّه القسري والي بني أمية. والأخيران قتل الأول منهما هشام بن عبد الملك. أما معبد فقتله الحجاج لخروجه عليه في فتنة ابن الأشعث. وتابع جهم بن صفوان الجعد. وقد قتله سالم بن أحوز المازني بمرو في أواخر أيام بني أمية.

وفي حياة الامام الصادق ازدهرت نظرية الإرجاء إلى اللّه، حتى يكون يوم الحساب، فيحاسب الناس على عملهم مع وجوب قيامهم بالعمل الصالح. قال بها سعيد بن جبير وحماد ابن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة. ومقاتل بن سليمان - وهو من السابقين الأولين في التفسير - وهؤلاء مرجئة السنة. أما مرجئة البدعة فيرجئون الحساب ولا يوجبون العمل الصالح.

والأولون يقولون إن اللّه يعاقب مرتكب الكبيرة لكنه قد يغفرها ولا يكفره الناس في الحياة الدنيا لذلك الأمل.


وفي مجلس آخر يسأله السائل: وما أمر بين أمرين؟ فيجيب (مثل ذلك رجل رأيته على معصية فنهيته فلم ينته. فتركته. ففعل تلك المعصية. فليس، حيث لم يقبل منك فتركته، كنت أنت الذي أمرته بالمعصية).

ويقول لسائل آخر (قال رسول اللّه -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - من زعم أن اللّه يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على اللّه. ومن زعم أن الخير والشر بغير مشيئة اللّه فقد أخرج اللّه من سلطانه. ومن زعم أن المعاصي بغير قوة اللّه فقد كذب على اللّه. ومن كذب على اللّه أدخله النار).

ويقول (إن اللّه أراد منا شيئاً. وأراد بنا شيئاً. وما أراده منا أظهره لنا. فما بالنا نشتغل بما أراده بنا عما أراده منا)

مع اهل الكوفة وابي حنيفة

ولقد يقول له قائل: إن لي جارا يزعم أنك تبرأ من أبي بكر وعمر فيجيب: برئ اللّه من جارك. واللّه إني لأرجو أن ينفعني اللّه بقرابتي من أبي بكر.

أو يسأله السؤال ذاته سالم بن أبي حفصة فيجيب بما أجاب أبوه الباقر (يا سالم تولهما وابرأ من عدوهما. فإنهما كانا إمامي هدى رضى اللّه عنهما).

يقول سالم قال لي جعفر (أيسب الرجل جده؟ أبوبكر جدي. لا نالتني شفاعة محمد يوم القيامة إن لم أكن أتولاهما وأبرأ من عدوهما).

ولقد كان لجده زين العابدين ابن أسماه عمر. وكان زين العابدين يترحم على أبي بكر وعمر وعثمان.

ويقول أبو حنيفة (استأذنت عليه فحجبني. وجاء قوم من أهل الكوفة استأذنوا لهم فدخلت معهم. فلما صرت عنده قلت:

يا ابن رسول اللّه لو أرسلت إلى أهل الكوفة فنهيتهم أن يشتموا أصحاب رسول اللّه -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ - فإني تركت فيها أكثر من عشرة آلاف يشتمونهم.

فقال: لا يقبلون مني.


فقلت: ومن لا يقبل منك وأنت ابن رسول اللّه؟

فقال الصادق: أنت أول من لا يقبل مني. دخلت بغير إذني. وجلست بغير أمري. وتكلمت بغير رأيي. وقد بلغني أنك تقول بالقياس.

فقلت: نعم أقول به.

فقال: ويحك يا نعمان أول من قاس إبليس حين أمر بالسجود لآدم فأبى وقال: خلقتني من نار وخلقته من طين. أيهما أكبر يا نعمان القتل أم الزنا؟ قلت القتل.

قال: فلم جعل اللّه في القتل شاهدين وفي الزنا أربعة؟ أيقاس لك هذا؟ قلت لا. قال: فأيهما أكبر البول أو المني. قلت البول.

قال: فلماذا أمر في البول بالوضوء وأمر في المني بالغسل. أيقاس لك هذا؟

قلت: لا. قال أيهما أكبر الصلاة أم الصوم؟

قلت: الصلاة. قال: فلم وجب على الحائض أن تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ أيقاس ذلك؟ قلت لا.

قال: فأيهما أضعف المرأة أم الرجل قلت المرأة.

قال: فلم جعل اللّه للرجل سهمين في الميراث وللمرأة سهما؟ أيقاس ذلك؟

قلت: لا.

قال: وقد بلغني أنك تقرأ أية من كتاب اللّه (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم): أنه الطعام الطيب والماء البارد في اليوم الصائف.

قلت: نعم.

قال: لو دعاك رجل وأطعمك وسقاك ماء باردا، ثم امتن عليك. ما كنت تنسبه إليه؟ قلت: البخل. قال: أفبخل علينا؟ قلت فما هو:


قال حبنا أهل البيت)(١) .

___________________

(١) يلاحظ أن مدرسة المحدثين ضائقة الصدر بالقياس. ومدرسة المدينة، وعلى رأسها مالك، تقدح في أهل العراق لكثرة إبداء الآراء باستعمال القياس.

ولئن كان لنا أن نلاحظ تأثر أبي حنيفة الكامل بمنهج الامام الصادق في الاعتبار بالآيات الدالة على الحقائق(أبو حنيفة - بطل الحرية والتسامح في الإسلام للمؤلف صفحة ١٧٨ طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية) أو تأثر مالك بمنهج الامام الصادق في عدم المجازفة بالرأي (مالك ابن أنس للمؤلف صفحة ٧٦ وما بعدها طبعة دار المعارف) إننا نقطع كذلك بأثره في النهي عن القياس. فلقد نفع النهي القياسين أنفسهم فضبطوا القياس وتحروا كل الدقة فيه ليتفادوا المجازفة ثم جاء الشافعي فأصله وقعده. وهو القائل «والاجتهاد والقياس».

يقول الفخر الرازي «العجيب أن أبا حنيفة كان تعويله على القياس وخصومه يذمونه بسبب كثرة القياسات. ولم ينقل عنه ولا عن أحد من أصحابه أنه صنف في إثبات القياس ورقة. ولا أنه ذكر في تقريره شبهة. فضلا عن حجة. ولا أنه أجاب عن دلائل خصومه في إنكار القياس بل أول من قال في هذه المسألة وأورد فيها الدلائل هو الشافعي». فأبو حنيفة استعمل القياس والشافعي استعمله وأصله وقعد القواعد للعاملين به.

ولقد أفاد الشيعة كثرة ما آل إليهم من السنة ونصوص الحديث فلم يلجأوا للقياس، كما كانت قواعدهم الأخرى كافية لبلوغ غرضهم. ومن أسباب الإقبال على القياس في العراق قلة ما سلموه من نصوص السنة. وانما اتسع فقه أحمد بن حنبل بكثرة السنن التي جمعها واعتمد أصحابه عليها - مع تعويله على أصل الصحابة فزاد مصادر الفقه أصلا بتمامه. والقياس الذي يلجأ اليه المجتهدون من أهل السنة. هو إلحاق أمر لم يرد في حكمه نص أو إجماع بأمر ورد في حكمه نص أو اجماع لاشتراكهما في المعنى الذي شرع هذا الحكم من أجله فثمة أركان أربعة: الأصل وهو النص والفرع وهو الأمر الذي لم يرد في حكمه نص.

والمعنى: الذي من أجله شرع الحكم. والمطلوب وهو الحكم.

وهم يضعون للقياس شروطا:

١ - أن يكون حكم الأصل ثابتا بنص في الكتاب أو السنة أو الاجماع.

٢ - أن يكون لحكم الأصل علة يدركها العقل. فمن الاحكام ما هو تنفيذي لا يجوز القياس فيه. كتحديد عدد الركعات. ومقدار الأنصباء في الأموال التي تجب فيها الزكاة. وتحديد عدد الطواف حول الكعبة. فهذه مقدرات لا يقاس عليها لأن العقل لا يدرك عليه مقاديرها.

وجميع الأحكام إلا قليلا منها، كالتي سبق، يمكن للعقل إدراك المعاني التي شرعت الأحكام لأجلها.

٣ - أن يتساوى الفرع والأصل في المعني الذى شرع حكم الأصل من أجله. وإلا كان القياس فيه مع الفارق. وأن يكون المعنى ظاهرا. لأنه معرف للحكم الخفي والخفي لا يعرف الخفي.

٤ - أن لا يكون في الفرع نص أو إجماع يدل على حكم يخالف القياس.

٥ - أن لا يكون حكم الأصل خصوصية من الخصوصيات كاختصاص الرسول بزواج من زدن على الأربع. واختصاص خزيمة بأن تعدل شهادته رجلين وأن لا تكون العلة قاصرة على الأصل لا يمكن تعدية حكمها إلى الفرع. وبالقياس أمكن أهل السنة البناء على النصوص واستعمال العلل في تحقيق مقاصد الشارع.


والمسلمون يرفعون أبا حنيفة إلى مكانته العليا بين كبار المجادلين من أهل الإسلام، ولا يجدونه ساكتا في يوم من الأيام، كهيئة ما كان في ذلك المقام.

فأما تفسير القرآن بما ينفي البخل عن المعطي جل شأنه فحجة الصادق فيه لا راد لها. واما حجاجه بعدم طاعة أهل الكوفة فظاهر لأبي حنيفة، إمام الكوفة في الفقه والأدب الديني والاجتماعي، الذي دخل وجلس وتكلم، دون أن يطيع، ثلاث مرات.

اما أسئلته عن القياس فقد وضعت القياس موضع التهمة. ولم يحر أبو حنيفة جوابا، وهو المقتدر. ولو سأل الصادق أبا حنيفة عن حكمة كل حكم لأجاب وأضاف: أن كل ذلك ليس يمنع القياس عنده. وربما كان أبو حنيفة يومذاك كهيئته يوم سكت عن الرد بأن الظبي لا تكون له رباعية، مخافة أن يظن به ظان أنه يريد ردا على الإمام، في حين أنه قد جاء إلى مجلسه ليتعلم. أو إجلالا منه لمقام الإمام وهو بين يديه. فذلك أدب الأئمة الذي جعل الشافعي وهو يصلي عند قبر أبي حنيفة لا يرفع يديه ويقول : (أدباً مع هذا الإمام أن أظهر خلافه بحضرته).

طعم أبو حنيفة يوما مع الإمام الصادق - فرفع الإمام يده حمدا للّه ثم قال: اللهم هذا منك ومن رسولك. قال أبو حنيفة: يا أبا عبد اللّه أجعلت مع الله شريكا؟ قال الإمام: إن اللّه يقول في كتابه (وما نقموا إلا أن أغناهم اللّه ورسوله من فضله) فقال أبو حنيفة « لكأني ما قرأتها قط في كتاب ولا سمعتها إلا في هذا الموقف.

ولقد دخل عليه سفيان الثوري وفيه قول القائل (ما رأيت الغنى أذل منه في مجلس الثوري ولا الفقير أعز منه في مجلس الثورى). والذين يجلون ورع الإمام أحمد بن حنبل يشبهونه فيه بسفيان الثوري. وسفيان الثوري يسمى (أمير المؤمنين في الحديث). وحسبه أن يكون من تلاميذه في الحديث ابن جريح إمام مكة والأوزاعي إمام الشام ومالك بن أنس إمام المدينة، وابن اسحق امام المحدثين في السيرة. وهو فوق كل ذلك إمام عامل. رمى كتاب المهدي له في دجلة - وفيه توليته للقضاء - وهرب من السلطان فولى شريكا بدله.


وكان سفيان كثير المغاضبة للخلفاء - ولهذا كثر ما كان الخليفة يطلب دمه، وكان يختفي عن عيونه.

يستأذن سفيان على الإمام. فلا يرفض الإذن بل يدخله ليعلن له أن ظهوره في المجلس العلمي، وهو مختف، أمر غير سائغ. صيانة للمجلس العلمي من أن يكون مجلس المطلوبين، وحماية للمطلوب ذاته. وحفظا لعلاقة الإمام بالخليفة. ومع ذلك لا يضن الإمام عليه بالحكمة.

يقول ابن أبي حازم: (كنت عند جعفر الصادق يوما وإذا بسفيان الثوري بالباب فقال: إيذن لي. فدخل. فقال له جعفر: إنك رجل يطلبك السلطان في بعض الأحيان. ونحضر عنده وأنا أتقي السلطان. فاخرج عني غير مطرود.

قال سفيان: «حدثني حديثا أسمعه وأقوم».

قال الإمام (حدثني أبي عن جدي عن أبيه عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال (من أنعم اللّه عليه نعمة فليحمد اللّه. ومن استبطأ الرزق فليستغفر اللّه، ومن حزنه أمر فليقل: لا حول ولا قوة إلا باللّه)

طلب إليه سفيان يوما أن يعظه. فقال: يا سفيان لا مروءة لكذوب ولا أخ لملول. ولا راحة لحسود. ولا سؤدد لسيئ الخلق). فقال سفيان زدني. قال (يا سفيان ثق باللّه تكن مؤمنا. وارض بما قسم اللّه تكن غنيا. وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما. ولا تصحب الفاجر يعلمك فجوره. وشاور في أمرك الذين يخشون اللّه عز وجل). فاستزاده سفيان فقال (من أراد عزا بغير عشيرة، وغنى بغير مال، فلينتقل من ذل معصية اللّه إلى عز طاعته).

فإذا أوصى زرارة عندما ولي القضاء، ذكره حساب السماء، قال (إنه إذا كان يوم القيامة وجمع اللّه الخلائق سألهم عما عهد إليهم ولم يسألهم عما قضى عليهم) فالقضاء أمانة اللّه. وإذا كان القاضي يجري عليه قضاء اللّه فهو مسئول عما يجري به قضاؤه على غيره.


ويوصي الإمام ابنه موسى الكاظم فيقول:

(يا بني. من رضي بما قسمه اللّه له استغنى. ومن مد عينه إلى ما في يد غيره مات فقيرا. ومن لم يرض بما قسمه اللّه له اتهم اللّه في قضائه. ومن استصغر زلة نفسه استعظم زلة غيره.

يا بني: من كشف حجاب غيره انكشفت عورات بيته. ومن سل سيف البغي قتل به. ومن احتفر لأخيه بئرا سقط فيها. ومن داخل السفهاء حقر. ومن خالط العلماء وقر. ومن دخل مداخل السوء اتهم.

يا بني: إياك أن تزرى بالرجال فيزرى بك. وإياك والدخول فيما لا يعنيك فتذل لذلك.

يا بني قل الحق لك أو عليك.

يا بني: كن لكتاب اللّه تاليا وللإسلام فاشيا وبالمعروف آمرا وعن المنكر ناهيا. ولمن قطعك واصلا. ولمن سكت عنك مبتدئا. ولمن سألك معطيا. وإياك والنميمة. فإنها تزرع الشحناء في قلوب الرجال. وإياك والتعرض لعيوب الناس فمنزلة المتعرض لعيوب الناس بمنزلة الهدف).


وتصبح هذه الوصية تراثا للأئمة بعده. فيعلن الإمام الثامن (علي الرضا) أنه (ما ترك هذه الوصية إلى أن توفى) ولقد يفد على المجلس الكميت - شاعر أهل البيت - كما كان يدخل على زين العابدين(١) والإمام يعرف انبعاث الشاعر. ويخشى عليه من الخيال الصادق في تصوير ظلم يعانيه أهل البيت. وشعر الكميت من أسير الشعر في الأدب العربي - والبرد تنقل للخليفة الخبء من أي شيء - فيستأذن الكميت الإمام قائلا: جعلت فداك. ألا أنشدك؟ فينبهه الإمام قائلا: «إنها أيام عظام».

فيقول الكميت عن القصيدة: إنها فيكم. ويقول الإمام: هات فينشده قصيدته التي مطلعها:

ألا هل عم في رأيه متأمل

وهل مدبر بعد الإساءة مقبل

___________________

(١) دخل الكميت على زين العابدين فأنشده قصيدته التي مطلعها:

من لقلب متيم مستهام

غير ما صبوة ولا أحلام

وقال الإمام: ثوابك نعجز عنه لكن اللّه لا يعجز عن مكأفاتك. اللهم اغفر للكميت. ثم قسط على نفسه وعلى أهله أربعمائة ألف درهم. أعطاه القسط الأول. قائلا: خذ يا أبا المستهل. قال الكميت لو وصلتني بدانق كان شرفا لي ولكن إن أحببت أن تحسن إلي فادفع لي بعض ثيابك، التي تلي جسمك أتبرك بها. فنزع ثيابه ودفعها إليه كلها ثم قال: اللهم إن الكميت جاد في آل رسولك وذرية نبيك بنفسه حين ضن الناس. وأظهر ما كتمه غيره من الحق فأحيه سعيدا. وأمته شهيدا. وأره الجزاء عاجلا وأجزل له المثوبة آجلا. فإنا قد عجزنا عن مكافأته - قال الكميت فيما بعد: فما زلت أعرف بركات دعائه.

ولئن كان عطاء الشعراء جوائز تشجيع لهم، إن تقسيط العطاء آية سخاء في التشجيع، وارتباط طويل بالمودة بين من قرض الشعر وبين من أجازه.

وتعجيل العطاء بالاستدانة درس تعلمه زين العابدين على جده -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - كان يمكث شهرا ما يستوقد نارا، إن هو إلا التمر واللبن. ومع ذلك لا يرد أحدا يسأله، بل يعطيه إذا كان عنده وإلا وعده. وذات يوم جاءه رجل. فقال عليه الصلاة والسلام «ما عندي شيء. ابتع علي فإذا جاء شيء قضيناه». قال عمر: يا رسول اللّه ما كلفك اللّه ما لا تقدر عليه. فكره ما قال عمر. وقال رجل من الأنصار: يا رسول اللّه أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالا. فتبسمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وقال «بهذا أمرت».


إلى أن قال:

كلام النبيين الهداة كلامنا

وأفعال أهل الجاهلية تفعل

رضينا بدنيا لا نريد فراقها

على أننا فيها نموت ونقتل

ونحن بها مستمسكون كأنها

لنا جنة مما نخاف ونعقل

فكثر البكاء وارتفعت الأصوات إلى أن قال:

كأن حسينا والبهاليل حوله

لأسيافهم ما يختلى المتبقل

فلم أر مخذولا أجل مصيبة

وأوجب منه نصرة حين يخذل

فرفع جعفر الصادق يديه وقال: اللهم اغفر للكميت ما قدم وما أخر. وما أسر وما أعلن. وأعطه حتى يرضى. ثم أعطاه ألف دينار وكسوة.

قال الكميت: واللّه ما أحببتكم للدنيا، ولو أردتها لأتيت من هي لديه، ولكني أحببتكم للآخرة. فأما الثياب التي أصابت أجسامكم فإني أقبلها لبركتها. أما المال فلا أقبله

المذهب الجعفري

أخرج الحاكم في تاريخه بالإسناد إلى أبي بكر عن رسول اللّه قال (من كتب علي علما أو حديثا لم يزل يكتب له الأجر ما بقى ذلك العلم أو الحديث).

وأجمع أبو بكر أيام خلافته على تدوين الحديث فجمع خمسمائة حديث فبات ليلته يتقلب كثيرا. قالت عائشة. فغمني تقلبه. فلما أصبح قال لي: «أي بنية هلمي الأحاديث التي عندك» فجئت بها فأحرقها.

وعن الزهري عن عروة أن عمر أراد أن يكتب السنن فاستفتى أصحاب رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأشاروا عليه أن يكتبها. فطفق عمر يستخير اللّه فيها شهرا ثم أصبح يوما فقال (إني كنت أريد أن أكتب السنن. وإني ذكرت قوما قبلكم كتبوا كتبا فأكبوا عليها وتركوا كتاب اللّه. وإني واللّه لا أشوب كتاب اللّه بشيء أبدا).


لكن عليا دون. وخلف في شيعته طريقة (التدوين). فلقد كان على ثقة من طريقته. وهو الذي يقول فيه الرسول (علي مع القرآن والقرآن مع علي ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض) وعنه قال الرسول (يا معشر قريش. واللّه ليبعثن اللّه عليكم رجلا منكم امتحن اللّه قلبه للإيمان فيضربكم على الدين قال أبو بكر: أنا هو يا رسول اللّه؟ قال لا. قال عمر: أنا هو يا رسول اللّه؟ قال لا. ولكن ذلك الذي يخصف النعل).

وكان علي يخصف نعلا للنبي عند ذلك.

وبالتدوين الفقهي استقر المذهب في صدور الحفظة والنقلة، من علي إلى بنيه، فبنيهم، وبخاصة زين العابدين وزيد والباقر والصادق. ثم عملت مجالس الإمام الصادق في نشره كمثل عمل التدوين في استقراره. وأدرك الأئمة الذين تلمذوا له وتلاميذهم أمورا ترفع مجلس الصادق فوق المجالس، سواء مجالس أهل السنة أو «أهل البيت» منها:

١ - أن الذي يلقى هذا العلم إمام موصى إليه «باسمه» من أبيه. وبهذا ينماز من عمه زيد بن علي صاحب المذهب الزيدي ومن غيره من الشيعة.

٢ - أن هذا الإمام يقف بين العلماء جميعا في مكان خاص. فالسنة عند الشيعة بعد موته تثبت عن طريقة - إلا ما ندر - فعنه يروى آلاف، وعنهم جاءت الأحاديث المروية في كتبهم.

٣ - أن الآراء الفقهية في أصول الدين وأصول الفقه وفروع المعاملات والعبادات سيراها اللاحقون منسوبة إليه. وربما اقترن به أبوه الباقر، أو أشير إلى رأي جده، السجاد، لكن نبع العلم منه هو الأشهر والأكثر.

وإذا لم يعرف التاريخ إماما في السنن من درجته أو إماما في الفقه من مرتبته. فالتاريخ - كذلك - لا يعرف إماما اجتمعت له الإمامتان مثله،

٤ - أنه الإمام الذي يوثقه أئمة المسلمين جميعا. ويستوي في ذلك من أهل السنة أئمة الرأي فهم تلاميذه، وأئمة الحديث فهو في القمة منهم.


وروايته للحديث يوثقها واضع الأساس العلمي لقبول الحديث «الشافعي»، وعلماء الجرح والتعديل كيحي بي معين وأبي حاتم والذهبي وابن حنبل والآخرين. وتتردد في كتب الصحاح أحاديثه. كما يبايعه إمام أهل البيت الذي سبق بفرقة عظيمة وفقه خالد، عمه زيد بن علي زين العابدين، صاحب «المذهب الزيدي». ويضعه موضع الإمامة فيقول (في كل زمان رجل من أهل البيت يحتج به اللّه على خلقه وحجة زماننا ابن أخي جعفر لا يضل من كان من شيعته ولا يهتدي من خالفه).

٥ - أن هذا الإمام هو أول وآخر واحد من صلب آبائه وأجداده من اللّه عليه بهذه الفرصة: أواخر الدولة المروانية المشغولة عنه بتثبيت دعائمها المهتزة، وأوائل عهد الدولة العباسية، التي تمد إليه بسبب، من السلام أو الخصام، وآصرة من النسب، تخدمانه أو تخدمانها - وهي ترفع شعار أهل البيت والدفاع عن الدين - وبهذا أتيحت له حرية الجلوس لكل الناس، والتدريس لكل العلوم، وأن تسيل الأباطح بأعناق المطي إليه من بقاع العالم، في حقبة ممتازة من التاريخ العالمي والإسلامي.

٦ - أنه الإمام الذي طمأن الخلفاء (الملوك) في الدولتين، وكانوا سفاحين غلاظ الأكباد. فهو كما يقول الشهرستاني وأبو نعيم في الملل والنحل وحلية الأولياء (ما تعرض للإمامة قط ولا نازع في الخلافة أحدا. ومن غرق في بحر المعرفة لم يطمع في شط. ومن تعلى إلى ذروة الحقيقة لم يخف من حط)

٧ - أنه الإمام الذي أتيح له على مدار ثلث قرن من الزمان بعد موت أبيه سنة ١١٤ أن يكون « الإمام ». فامتد به عصر سلام، ضروري لنشر العلم، باطمئنان طالبه، وواهبه، والدولة التي ينتشر في رعاياها.

هذه العناصر التي لم تجتمع لواحد من آبائه أو أبنائه جميعا، هي التي سوغت لمن تبع فقهه من الشيعة أن يطلقوا على مذهبه المذهب (الجعفري). وما هو في صميمه إلا «مذهب علي». وإنما تحول السماء بركاتها لبعض الأسماء في شكل حظوظ. وكان الإمام جعفر الصادق جديرا بنعمة السماء قدر ما صدق وكافح في خدمة الإسلام. وما كان علي بحاجة إلى ما يخلد اسمه. فالإسلام في أعظم أيامه يقترن باسم علي، قدر ما اقترن اسم علي بالنبي وبيت النبي.


والمذهب يحمل اسم جعفر بأنه صاحب مدرسة سقيت منه السنة الصحيحة، ومصادر الفقه العظيم، والمنهاج السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي نهجه تابعوه، وروى ذلك كله الآلاف. وروى عنهم أمثالهم.

وفي الجدود، بمعنى الحظوظ، جد وجد، لكنها ليست خبط عشواء: فاسم أمريكا قد خلد اسم أمريجو قسبوتشي، لأن أمريجو قسبوتشي كان كاشفا حقيقيا لبعض شواطئها سنة ١٤٩٩.

ولم يغمط حظ الكاشف الثاني حق كرستوفر كولمبس، الكاشف الأول لها في سنة ١٤٩٣. فاسم كولومبوس ما يزال يجري على كل لسان على أنه كاشف العالم الحديث.

والتاريخ - كله - يقدمه على قسبوتشي.

ولسنا في مقام مقارنات برجال، فعلي وجعفر فوق المقارنات، بما قدموا للعالم كله - وسيطه وحديثه - من عناصر الحضارة، التي نقلت العالم من جهالات العصور القديمة وظلمات العصور الوسطى، إلى الحضارة المعاصرة، على عجلات التقدم، يحركها العلم الصحيح، والاجتهاد الذي لا يتوقف.

وكسب الأمم من علم الأئمة. كاقتران أسماء أصحاب الكشوف بكشوفهم وأرباب الابتكارات بفتوحهم، ليس صدفة. ولا محض جزاء. وإنما هو توفيق من اللّه للإنسانية وللناس، لتكريم أمم، ورجال، فتحوا أرض اللّه لعباده. أو مكنوهم من أنعم السماء، أو سنن الأنبياء، ليشجع الشجعان، ويستمر ضوء الفكر الإنساني في إشراقه. حفزا للعزائم وظهورا للعلم.

ومنذ القرن الميلادي الماضي يطلق العلماء أسماء الرجال الذين يسروا للناس أسرار الطبيعة على مقاييس الطبيعة: الوات نسبة إلى Watt والفرد نسبة إلى Faraday والأمبير نسبة إلى Ampere والفولت نسبة إلى Volta والأهم نسبة إلى Ohm والميجاهرتز نسبة لهزتز Hertz ورونتجن نسبة إلى Rontigen. وهم إنجليزيان وفرنسي وإيطالي وثلاثة من الألمان.


وأين تجربة أو تجارب أو كشف أو كشوف من شريعة بتمامها، وإمام في الصدر من أئمتها، وطأ نصوصها، وأصل أصولها، وقعد القواعد لها، وأقام عليها دولا باقية بقاء الزمان، ومجتمعات خالده بخلود الإسلام، ينسب المذهب فيها إلى صاحبه، فيكون المذهب «الجعفري» أو المذهب «الإمامي» المنسوب إلى الإمام جعفر وإلى القول «بإمامة الأئمة الاثنى عشر».

القسم الثاني

الباب الرابع : المدرسة الكبرى

الباب الخامس : المنهج العلمي

الباب السادس : الى الرفيق الأعلى

الباب الرابع : المدرسة الكبرى

يا أهل بيت رسول اللّه حبكمو

فرض من اللّه في القرآن أنزله

كفاكمو من عظيم القدر منزلة

من لم يصل عليكم لا صلاة له

 (الشافعي)

في هذا الباب محاولة لرسم خطوط تقريبية للبنيان العظيم لفكر الشيعة الجعفرية (الاثنا عشرية أو الإمامية) الذي كان الإمام الصادق في طليعة بناته، والذي يحمل اسمه، وإن شاركت في رفع صرحه مدرسة كاملة من السابقين عليه، والآخذين إخذه، من تلاميذه وتلاميذهم، بدأت بالنبي عليه الصلاة والسلام، مدينة العلم، وعلي بابها. وتتابع فيها الصحابة العظماء، والتابعون وتابعو التابعين. وفي الأجيال الثلاثة الإمام علي والحسن والحسين ثم زين العابدين فالباقر فالصادق.

ثم تلمذ للإمام الصادق فريق المخضرمين ممن تعلموا على أبيه أو أبيه وجده، ومن الشباب الذين تعاونت قرائحهم في تفتيق الكلام في العقيدة، وتشقيق المعاني في الفقه، ليصبحوا للذين جاءوا بعدهم، حتى اليوم، علامات على الطريق.


وفي مشيخة هذه المدرسة ورد الفصل الأول.

والفصل الثاني يتناول أموراً أساسية في فكر المدرسة، دون حصر لتفاصيله أو تطرق للاختلاف عليه بينهم وبين أهل السنة، أو بينهم وبين فرقهم، حتى لا نخرج من إطار الصورة التي نحاول رسمها، وتنقيتها مما تبرأ منه الشيعة، وتقع التبعات فيه على الغلاة المطرودين.

وقد خصصنا بالبيان في هذا الفصل مسألتين أصوليتين، لكل منهما أثر في الفقه، سواء أكان فقه معاملات أم فقه عبادات - فبدأنا «بالحديث» وشروط قبوله وثنينا «بالإمامة». وأضفنا كلمات عن مسائل خلافية بين المذهب الجعفري وبين غيره من المذاهب التي تتقاسم أهل السنة. تخيرناها من شتى مناحي التفكير الفقهي، لتتم أبعاد الصورة للقارئ، ويزداد جانبها الخلفي جلاء: أن الدين واحد عند أهل السنة والشيعة.

الفصل الأول : المدرسة الكبرى

ماذا لقينا من أبناء علي. إذا أحببناهم قتلنا وإذا عاديناهم دخلنا النار.

(الشعبي)

المدرسة الكبرى

أخذ الفروع والأصول عن الإمام جعفر جمع غفير من ثقات الشيعة، ورووا لمن ذلك بعدهم على سبيل التواتر القطعي ورواه هؤلاء، لمن خلفوهم قرنا بعد قرن فالصادق يروي علم من قبله، ويروي الأئمة من أبنائه علمه. كما يرويه تلامذته فهو الحلقة التي تتوسط السلسة، أو العروة الوثقى بين كتب آبائه وبين ما كتب بعده «الإمامية» .

المصحف الخاص أو كتاب الأصول

آلى أمير المؤمنين على نفسه بعد الفراغ من تجهيز الرسول صلى الله عليه وآله، ألا يرتدي إلا للصلاة أو يجمع القرآن فجمعه مرتبا على حسب النزول. وأشار إلى عامه وخاصه. ومطلقه ومقيده. ومحكمه ومتشابهه. وناسخه. ومنسوخه. وعزائمه ورخصه. وسننه وآدابه. ونبه على أسباب النزول فيه .


ومن جلال شأن هذا الكتاب قال فيه محمد بن سيرين (لو أصبت هذا الكتاب كان فيه العلم) فهو كما يظهر من محتوياته مصحف خاص وكتاب أصول من صنع علي .

والجامعة: كتاب طوله سبعون ذراعاً من إملاء النبي وخط علي. فيه ما يحتاجه الناس من حلال وحرام وغيره، حتى ليصل في التفصيل إلى أرش الخدش. (التعويض عنه). وقد وصفها بذلك الباقر والصادق. وشهدها عندهما الثقات من أصحابهما ومنهم أبو بصير. قال الصادق (أما والله عندنا مالا نحتاج إلى أحد. والناس يحتاجون إلينا. إن عندنا الكتاب بإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخط علي بيده. صحيفة طولها سبعون ذراعاً. فيها كل حلال وحرام) .

وقال (إن الجامعة لم تدع لأحد كلاما. فيها الحلال والحرام. إن أصحاب القياس طلبوا العلم بالقياس فلم يزدهم من الحق إلا بعداً. وإن دين الله لا يصاب بالقياس) .

قالوا: سميت الجامعة. والصحيفة. وكتاب علي. والصحيفة العتيقة.

كان أمير المؤمنين يخطب الناس فيقول (والله ما عندنا كتاب نقرؤه عليكم إلا كتاب الله تعالى وهذه الصحيفة - وكانت معلقة بسيفه- أخذتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله) .

ولقد دعا الخليفة أبو جعفر المنصور بكتاب علي هذا، فجاء به الإمام الصادق وقرأ فيه أن النساء ليس لهن من عقار الرجل، إذا توفي عنهن، شيء. وقال أبو جعفر: هذا والله خط علي وإملاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأبو جعفر من العلماء كما قال عنه مالك إمام المدينة، وكما أقر له الجاحظ كبير النقدة. فهو قد يقسم لأنه قرأ كتابه قبل ذلك لعلي، أو لأن لديه من العلم. ما يعرفه أنها بإملاء النبي .

وكتاب الديات: وهو يغطي ما يسمى في الفقه المعاصر «المسؤولية المدنية» عن الفعل الضار بالجسم. أورد محتوياته ابن سعد في كتابه المعروف بالجامع. وروى عنه أحمد بن حنبل في المسند الأعظم. وذكره البخاري ومسلم. ورويا عنه .


مصحف فاطمة

ومن التراث العلمي عند الشيعة ما يسمى مصحف فاطمة.

حدثوا عن الصادق إذ سئل عنه (أن فاطمة مكثت بعد رسول الله خمسة وسبعين يوما وكان قد دخلها حزن على أبيها. وكان جبريل يأتيها فيحسن عزاءها ويطيب نفسها. ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها. وكان علي يكتب ذلك. فهذا مصحف فاطمة) .

فليس هذا مصحفا بالمعنى الخاص بكتاب الله تعالى وإنما هو أحد المدونات .

التدوين

يروي «الصدوق» في الأمالي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال (المؤمن من إذا مات ترك ورقة واحدة عليها علم تكون تلك الورقة يوم القيامة ستراً بينه وبين النار) .

وفي حياة النبي أو حياة علي، اقتدت بعلي شيعته في التدوين. أو قل: هديت لتنفيذ أمر الرسول.

يقول ابن شهر اشوب:

(أول من صنف في الإسلام علي بن أبي طالب. ثم سلمان الفارسي ثم أبوذر). والاثنان شيعة علي.

والسيوطي يروي أن علياً والحسن بن علي ممن أباحوا كتابة العلم بين الصحابة وفعلوها .

وألف أبو رافع مولى الرسول، وصاحب بيت مال علي بالكوفة، كتاب السنن والأحكام والقضايا. يقول موسى بن عبد الله بن الحسن: سأل أبي رجل عن التشهد فقال أبي: هات كتاب أبي رافع. فأخرجه فأملاه علينا.

أما علي بن رافع فكتب كتاباً في فنون الفقه على مذهب أهل البيت- أي آراء علي بن أبي طالب- وكانوا يعظمون شأن هذا الكتاب ويحملون شيعتهم عليه.

ومن الشيعة زيد الجهضمي. حارب مع علي وألف كتاباً يحوي خطبه. ومنهم ربيعة بن سميع له كتاب في زكاة النعم. ومنهم عبد الله بن الحر الفارسي. له لمعة في الحديث جمعها في عهد رسول الله.


ومنهم الأصبغ بن نباته صاحب علي. روى عنه عهده إلى الأشتر النخعي. ووصيته إلى أبنه محمد بن الحنفية.

ومنهم سليم بن قيس الهلالي صاحب أمير المؤمنين، له كتاب في الإمامة، وله مكانة عليا في المذهب من حيث الأصول.

وذات يوم كان الحكم بن عيينة عند الباقر يسأله فقال: يا بني قم فأحضر كتاب علي. فأحضر كتابا مدرجا عظيما ففتحه. وجعل ينظر حتى أخرج المسألة، وقال: هذا خط علي وإملاء رسول الله. وأقبل على الحكم وقال (اذهب أنت وسلمة والمقداد حيث شئتم يمينا وشمالا. فوالله لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبريل).

ومن قبل الإمام الباقر وجدت عند الإمام زين العابدين الصحيفة المسماة الصحيفة الكاملة. وعن زين العابدين آلت إلى الشيعة رسائل عدة منها رسالة الحقوق. ورسالة إلى ابن شهاب الزهري(١) .

وكذلك ألف عمرو بن أبي المقدام جامعا في الفقه يرويه عن الإمام زين العابدين.

فلما صارت الإمامة للصادق حض على تدوين العلم أيا كان موضوعه، دينيا أو دنيويا، فقه عبادات أو معاملات أو علوماً تطبيقية. وكان يقول (القلب يتكل على الكتابة) .

وكان يملي على تلاميذه. ويجيئهم بالدواة والقرطاس. ويقول «اكتبوا فإنكم لا تحفظون حتى تكتبوا».

ويلتمس سفيان الثوري إليه أن يحدثه بحديث خطبة الرسول بمسجد الخيف. ويرجوه ليأمر له بقرطاس ودواة ليثبته، فيأمر له، ثم يمليه (بسم الله الرحمن الرحيم. خطبة رسول الله في مسجد الخيف. نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها. وبلغها من لم تبلغه. يا أيها الناس: ليبلغ الشاهد منكم الغائب. فرب حامل فقه ليس بفقيه. ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) .

___________________

(١) وفي العصر ذاته كان سعيد بن المسيب أول فقهاء المدينة السبعة يخاف أن يكتب عنه العلم. جاءه رجل فسأله عن شيء فأملاه عليه. ثم سأله عن رأيه فأجابه. وكانوا من كثرة افتائه يسمونه سعيد بن المسيب الجرئ. فكتب الرجل. فقال جلساء سعيد: أتكتب يا أبا محمد؟ فقال سعيد للرجل ناولنيها. فناوله الصحيفة فخرقها.


وكتب عبد الله الحلبي كتابا عرضه على «الصادق» فصححه واستحسنه. وسنرى حفيدة الإمام العسكري يعرض عليه يونس بن عبد الرحمن كتاب (يوم وليلة) فيصححه ويأمر بالعمل به.

ولما غاب «المهدي» في النصف الثاني من القرن الثالث أحوجت «الغيبة» إلى الرجوع للمدونات التي تزخر بها خزائن الشيعة. إذ لم يكن لديهم إمام ظاهر يسألونه. وكثرت الكتابة عندهم في القرن الرابع.

كان أول المستفيدين بالتدوين الباكر أولئك الذين يلوذون بالأئمة من أهل البيت فيتعلمون شفاها أو تحريرا، أي من فم لفم أو بالكتابة.

فما تناقلته كتب الشيعة من الحديث، هو التراث النبوي- في صميمه- بلغ الشيعة في يسر طوع لعلمهم الازدهار. في حين لم يجمع أهل السنة هذا التراث إلا بعد أن انكب عليه علماؤهم قرنا ونصف قرن حتى حصلوا ما دونوه في المدونات الأولى. ثم ظلوا قرونا أخرى، يجوبون الفيافي والقفار في كل الأمصار، فتطابقت السنة- في مجموعها- عند هؤلاء وأولاء، إلا أموراً لا تتصل بأصل الدين، وخلافات في الفروع ليست بدعا في الأمة.

وربما كان اختلاف مذاهب أهل السنة فيما بينهم وبين أنفسهم أكثر ظهوراً في بعض المسائل من خلافهم فيها مع فقهاء الشيعة.

وإذا لاحظنا أن من الرواة من قيل إنه روى عشرات الآلاف من الحديث عن الإمام، تجلت كفاية التراث الموثوق به عند الشيعة لحاجات الأمة .

وإذا لاحظنا توثيق الشافعي ومالك وأبي حنيفة ويحيى بن معين وأبي حاتم والذهبي للإمام الصادق- وهم واضعو شروط المحدثين وقواعد قبول الرواية وصحة السند- فمن الحق التقرير بأن حسبنا أن نقتصر على التفتيش عن رواة السنة عن الإمام الصادق.

والشيعة يكفيهم أن يصلوا بالحديث إلى الإمام. لا يطلبون إسناداً قبل الإمام جعفر. بل لا يطلبون إسنادا قبل الأئمة عموماً. لأن الإمام بين أن يكون يروي عن الإمام الذي أوصى له، وبين أن يكون قرأ الحديث في كتب آبائه- إلى ذلك فإن ما يقوله سنة عندهم. فهو ممحص من كل وجه. فليست روايته للحديث مجرد شهادة به، بل هي إعلان لصحته.


وإذا كان ما رواه الصادق، رواية الباقر ورواية السجاد عن الحسين عن الحسن أو عن علي عن النبي، فهذا يصحح الحديث على كل منهج فالثلاثة الأخيرون من الصحابة المقدمين يروون عن صاحب الرسالة، إذ يروي الحسن والحسين عن علي عنه.

ولا مرية كان منهج علي ومن تابعه في التدوين خيراً كبيراً للمسلمين، منع المساوئ المنسوبة إلى بعض الروايات، وأقفل الباب دون افتراء الزنادقة.

والوضاعين. فالسبق في التدوين فضيلة الشيعة. ولما أجمع العلماء بعد زمان طويل على الالتجاء إليه كانوا يسلمون بهذه الفضيلة- بالإجماع - لعلي وبنيه.

والسنة شارحة للكتاب العزيز. وهو مكتوب بإملاء صاحب الرسالة. فهي كمثله حقيقة بالكتابة إنما كان المحدثون من أهل السنة في القرون الأولى مضطرين لسماع لفظ الحديث من الأشياخ، أو عرضه عليهم، لأن السنن لم تكن مدونة. فكانت الرحلة إلى أقطار العالم لتلقي الحديث على العلماء وسيلتهم الأكيدة. ولم يغير ذلك النظر انتشار التدوين في نهاية القرن الثاني ومنتصف الثالث، وكثرة الحديث المدون في المسانيد والمجاميع والصحاح التي الفت بعد تلك الفترة، ومنها مسند أحمد بن حنبل(٢٤١) حوى ثلاثين الفا دون المكرر. اختارها من ثلاثة أرباع مليون جمعها من أفواه العلماء من أقصى الأرض وأدناها، وحدث بها تلاميذه لينقلوها إلى الأجيال التالية.

وكان في أواخر أيامه يستوثق لنفسه فيروي للناس الحديث ويطلب المسند يقرأ فيه.

ثم جاءت أجيال تأخذ الحديث من الصحف الموثوق بصحة صدورها من صاحبها دون أن يرتحل إليه. وهذا ما أطلقوا عليه الوجادة- (لفظ مولد من «وجد» غير مسموع من العرب) يقولون: وجدنا بخط فلان. وفي القرن الرابع اعتبر ابن يونس الصفدي(٣٤٧) إماما حافظا للحديث وإن لم يرحل.

قلنا في كتابنا (أحمد بن حنبل إمام أهل السنة)(١) (والبعض من المحدثين لم يكونوا يروون عن الإمام جعفر الصادق لأنه يحدث بما قرأه في الكتب سئل أبوبكر بن عياش وهو من أول أشياخ أحمد «لماذا لم تسمع من جعفر وقد أدركته؟ قال سألناه عما يحدث من الأحاديث أشيء

___________________

(١) الطبعة الأولى- طبعة المجلس الأعلى للشئون الاسلامية القاهرة- ص ٢٦١ .


سمعته؟ قال لا. لكنها رواية رويناها عن أبائنا» ..).. وعقبنا ذلك بقولنا (والشافعي(١) ويحيى بن معين(٢) متفقان على توثيقه. وهو شيخ مالك وليس بعد هؤلاء أدلة على جواز طريقة الإمام جعفر مع علمه الضخم في كل باب) .

وفي كتابنا (الإمام الشافعي)(٣) أجملنا الكلام عن موضع الإمام من الإسلام كله في كلمات (الإمام جعفر... يمثل صميم الإسلام.. يجتمع في نسبه النبي عليه الصلاة والسلام وأبوبكر وعلي. وهو إمام في الدين والفقه وبحر في العلوم الطبيعية) .

وهذا البحر، والقطعة من الإسلام والمسلمين الثلاثة الأولين- بل الأربعة الأولين وفيهم أم المؤمنين خديجة- إمام يهتدى بهديه واجتهاده أئمة أهل السنة كافة. أما الشيعة الإمامية، فقول الإمام المعصوم يجري عندهم مجرى قول النبي من كونه حجة على العباد. ولقد توسع علماؤهم في اصطلاح السنة إلى ما يشمل «قول كل واحد من المعصومين وفعله وتقريره» فالأئمة المعصومون ليسوا، بهذه المثابة، من قبيل رواة السنن، بل هم منصوبون من الله تعالى، على لسان النبي، لتبليغ الأحكام عن طريق الإلهام، كالنبي بطريق الوحي إليه، وهو خاص به، أو عن طريق التلقي من المعصوم الذي يسبق.

أما فعل المعصوم فدليل على الإباحة. وأما تركه فدليل على عدم الوجوب .

___________________

(١) يذكر ابن النديم في الفهرست (وكان الشافعي شديدا في التشيع. ذكر له رجل يوما مسألة فأجاب فيها. فقال له خالفت علي بن أبي طالب رضي الله عنه. فقال له أثبت لي هذا عن علي بن أبي طالب حتى أضع خدي على التراب وأقول قد أخطأت وأرجع عن قولي إلى قوله)

وحضر الشافعي ذات يوم مجلسا لأحد الطالبين فقال (لا أتكلم في مجلس يحضره أحدهم. هم أحق بالكلام ولهم الرياسة والفضل)

(٢) يقول فيه أحمد بن حنبل (كل حديث لا يعرفه يحيى بن معين فليس بحديث) وهو من آباء علوم الحديث. ومؤلفاته مراجع فيها- وهي علوم أوصلها الحاكم النيسابوري إلى اثنين وخمسين علما وأوصلها النووي إلى خمسة وستين.

(٣) الامام الشافعي ناصر السنة وواضح الأصول- الطبعة الثانية ص ١٧١ طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية .


وتآليف الإمام الصادق كثيرة منها رسالة في شرائع الدين. ووصاياه للإمام الكاظم. ورسالة في الغنائم ووجوب الخمس، وتوحيد المفضل، وكتاب الأهليلجة، وكتاب الشريعة، وكتاب مفتاح الحقيقة، ورسالة إلى أصحابه، ورسالة إلى أصحاب الرأي والقياس. ورسالة لمحمد ابن النعمان. وأخرى لعبد الله بن جندب. ورسالة في وجوه المعايش للعباد. ووجوه إخراج الأموال. ورسالة في احتجاجه على الصوفية فيما ينهون عنه من طلب الرزق، ورسالة حكم قصيرة .

والرسالتان الأخيرتان عملان أساسيان في الاقتصاد والاجتماع، يدلان على منهاج الإمام في صلاح الدنيا بالعمل والعبادة معا.

وثمة الرسائل العلمية المقترنة بجابر بن حيان.

أما كتاب الجفر المنسوب إلى الإمام الصادق- فيقول عنه ابن خلدون (٧٣٢-٨٠٦) (١٣٣٢-١٤٠٦) (واعلم أن كتاب الجفر كان أصله أن هارون بن سعيد البجلي- وهو رأس الزيدية- كان له كتاب يرويه عن جعفر الصادق وفيه علم ما سيقع لأهل البيت على العموم ولبعض الأشخاص منهم على الخصوص. وقع ذلك لجعفر ونظائره من رجالاتهم على طريق الكرامة والكشف الذي يقع لمثلهم. وكان مكتوبا عند جعفر في جلد ثور صغير فرواه عنه هارون البجلي وكتبه وسماه الجفر باسم الجلد الذي كتب عليه. لأن الجفر في اللغة هو الصغير. وصار هذا الاسم علما على الكتاب عندهم. وكان فيه تفسير القرآن وما في باطنه من غرائب المعاني مروية عن جعفر الصادق. وهذا الكتاب لم تتصل روايته ولا عرف عينه. وإنما يظهر منه شواذ من الكلمات لا يصحبها دليل. ولو صح السند إلى جعفر الصادق لكان نعم المستند من نفسه أو من رجال قومه. فهم أهل الكرامات. وقد صح عنه أنه كان يحذر بعض قرابته بوقائع تكون لهم فتصبح كما يقول).


والروايات متضافرة على أن الجفر غير (الجامعة) والبعض يقول إن الجفر من مؤلفات علي أملاه النبي(١) .

وهو جفران: الأبيض وهو وعاء من أدم فيه علوم الأنبياء والوصيين والذين مضوا من علماء بني اسرائيل. والأحمر فيه علم الحوادث والحروب.

كان تلاميذ الصادق مدونين كباراً، فلقد عاشوا في عصر نهضة علمية كبرى أعجب بها العالم، تبارت فيها يراعات المدونين. ودارت عجلات التدوين كهيئة ما دارت عجلات الطباعة عند ظهور المطبعة. بدأها عمر بن عبد العزيز على رأس القرن إذ أمر بتدوين السنة. وتابعها علماء الأمة من أهل السنة .

ومن بعد وفاة الصادق في عام ١٤٨ دون أربعة آلاف من التلاميذ في كل علومه، ومن جملتها ما يسمى (الأصول الأربعمائة). وهي أربعمائة مصنف لأربعمائة مصنف من فتاوى الصادق. وعليها مدار العلم والعمل من بعده. وخير ما جمع منها كتب أربعة هي مرجع الإمامية في أصولهم وفروعهم إلى اليوم. وهي «الكافي» «ومن لايحضره الفقيه» «والتهذيب» «والاستبصار» .

والكافي- للكليني أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني(٣٢٩-أعظمها وأقومها، وأحسنها وأتقنها. فيه ١٦١٩٠ حديثا ألفه الكليني في عشرين سنة.

وأما كتاب من لا يحضره الفقيه، فوضعه ابن بابويه القمي- محمد بن

___________________

(١) يقول ابن قتيبة عن الجفر في «أدب الكاتب» إن الامام الصادق كتبه، وإن فيه كل ما يحتاجونه إلى يوم القيامة.

وإلى هذا الجفر، واحتوائه على كل شيء، يشير أبو علاء المعري في شعره:

لقد عجبوا لآل البيت لما

أتاهم علمهم في جلد جفر

فمرآة المنجم وهي صغرى

تريه كل عامرة وقفر

وربما نسبوا من أجل ذلك إلى الامام علوم كشف الغيب أو النجامة.


علي بن موسى بن بابويه القمي(١) الملقب (بالصدوق) - (دخل بغداد سنة ٣٥٠ ومات بالري سنة ٣٨١). وفيه ٥٩٦٣ حديثا. وهذا الكتاب أهم مؤلفاته مع أنه ألف ثلاثمائة كتاب.

وأما «التهذيب» «والاستبصار» فوضعهما بعد نحو قرن محمد بن الحسن ابن علي الطوسي(٤٦٠) الملقب (شيخ الطائفة). وكان فقيها في مذهبي الشيعة وأهل السنة.

وفي التهذيب ١٣٥٩٠ حديثا وفي الاستبصار ٥٥١١ حديثا.

دخل الطوسي بغداد سنة ٤٠٨ واستقر بها في أيام الشيخ المفيد. محمد بن النعمان(٣٣٦-٤١١) صاحب شرح عقائد الصدوق وأوائل المقالات ونحو مائتي مؤلف.

وتلمذ الطوسي بعد موت الشيخ المفيد للشريف المرتضى فنجب في مدرسة الشرف، وفي «دار العلم» التي أنشأها، وكان يجري عليه اثني عشر ديناراً في الشهر طوال ملازمته له حتى وفاة المرتضى. وانتفع بكتب المرتضى والكتب التي حوتها مكتبته. فألف في كل علوم الإسلام. واجتهد الاجتهاد المطلق. فكان حجة في فقه الشيعة والسنة.

ومن أجل آثاره تدريسه في مجالسه، وأماليه «بالنجف الأشرف» في جوار مشهد أمير المؤمنين علي. وبهذا افتتح عصر العلم بالنجف الأشرف فصار صنواً للأزهر الأغر -الذي أقامته دولة من دول الشيعة- والمعهدان هما اللذان حفظا علوم الإسلام.

فالطوسي، والشريفان الرضي والمرتضى، والشيخان المفيد والصدوق، والكليني، قد وصلوا ما انقطع من التأليف منذ عصر الإمام الصادق حتى منتصف القرن الخامس، ليستمر التيار في التدفق.

والشريفان في مدرسة جدهما صفوان. أبوهما أبو أحمد الموسوي (نسبة إلى جده الإمام موسى الكاظم). وفيه قول ابن أبي الحديد شارح نهج البلاغة

___________________

(١) نسبة إلى مدينة قم في ايران وهي أقدم المدن التي بدأ فيها الشيعة الإمامية في ايران وقد نشأت على أيدي جماعة من الناجين من جيش ابن الأشعث (٨٣).


للشريف الرضي: كان أبوه أبو أحمد جليل القدر عظيم المنزلة في دولة بني العباس وبني بويه. ولقب «بالطاهر ذي المناقب» ولقبه أبو نصر بن بويه «بالطاهر الأوحد» ولي نقابة الطالبيين عدة دفعات. كما ولي النظر في المظالم. وحج بالناس مراراً على الموسم .

عاش أبو أحمد طوال القرن الرابع(٣٠٤-٤٠٠) وكان يستخلف على الحج ولديه «الرضي»«والمرتضى» .

والشريف الرضي(٣٥٨-٤٠٦) هو شاعر العربية الشهير. وجامع «نهج البلاغة» الأشهر، من خطب أميرالمؤمنبن علي. تولى نقابة (الطالبيين) في حياة أبيه ومن بعده. وتولى النيابة عن الخليفة العباسي.

فهذه ولاية ينفرد بها في التاريخ، تجمع بين نقابة الطالبيين وبين نيابة الخلافة السنية .

وللشريف الرضي تآليف عظيمة في تفسير القرآن منها تلخيص البيان في معجزات القرآن حقائق التأويل ومتشابه التنزيل معاني القرآن. كذلك له مجازات الآثار النبوية خصائص الأئمة.

أما الشريف المرتضى(٤٣٦) فيقول عنه الثعالبي في «يتيمة الدهر»- وهما متعاصران- «انتهت الرياسة اليوم ببغداد إلى المرتضى في المجد والشرف والعلم والأدب والفضل والكرم. وله شعر نهاية في الحسن. ومؤلفاته كثيرة. منها أمالي المرتضى - الشافي - تنزيه الأنبياء - المسائل الموصلية الأولة - مسائل أهل الموصل الثانية - مسائل أهل موصل الثالثة - المسائل الديلمية - المسائل الطرابلسية الأخيرة - المسائل الحلبية الأولة - المسائل الجرجانية - المسائل الصيداوية - وتآليف أخرى كبيرة في الفقه والقياس ورفضه. وقد شرح تلميذه الطوسي أكثر من مؤلف له» .

ومن أعظم آثاره إنشاء «دار العلم» ببغداد ورصده الأموال عليها وإجراؤه العطاء على التلاميذ وإطعامهم وإسكانهم. وكان يتبع «دار العلم» هذه مكتبته التي تحوي أكثر من ثمانين ألف مجلد.

وحسبه أن يكون الطوسي من تلاميذه.

وفي آثار هذا السلف العظيم تتابع ركب العلماء والمؤلفين الفحول يخلدون فقه الإسلام.


مشيخة العلماء

كان مع الكتب التي آلت عن علي ومعاصريه، مؤلفات كبيرة أو صغيرة، وضعها من جاءوا بعده، وسير لهذا الثبت الضخم من شيعته من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين. فهذا هو التراث التاريخي للشهداء وأشياع الشهداء. لا تكف الأمة عن ترديده، جهرة وخفية، يتصدرهم الصحابة العظماء، وإليك بعض الأسماء:

سلمان الفارسي (والذي يطلق عليه سلمان المحمدي). وأبو ذر (أصدق الناس لهجة). وعمار الذي (تقتله الفئة الباغية) هو في التسعين يحارب مع علي. والعباس بن عبد المطلب. وأبو أيوب الأنصاري. والمقداد بن الأسود الكندي الذي قال لعلي يوم بيعة السقيفة (إن أمرتني ضربت بسيفي وإن أمرتني كففت)، قال: (اكفف). وخزيمة ذو الشهادتين. وأبو التيهان. وعبد الله والفضل ابنا العباس. وبلال بن رباح. وهاشم بن عتبة المرقال. وابان وخالد ابنا سعيد بن العاص. وأبي بن كعب سيد القراء. وأنس بن الحرث بن نبيه. وعثمان وسهل ابنا حنيف. وبريدة. وحذيفة. وقيس بن سعد بن عبادة رئيس الأنصار. وهند بن أبي هالة - أمه أم سلمة أم المؤمنين - وجعد بن هبيرة المخزومي - أمه أم هاني بنت أبي طالب - وجابر ابن عبد الله الأنصاري.

وسيجري في آثاره الصحابة التابعون لهم وتابعو التابعين. فيضيفون إلى التراث العظيم آثار رجال عظماء منهم، من أشياع علي، الأحنف بن قيس. سويد بن غفلة. الحكم بن عيينة. سالم بن أبي الجعد. علي بن أبي الجعد: السعيدان. ابن جبير وابن المسيب(١) يحيى بن نظير العدواني.

الخليل بن أحمد الفراهيدي مؤسس علم العروض. أبو مسلم معاذ بن مسلم الهراء مؤسس علم الصرف.

___________________

(١) سعيد بن جبير هو الشهيد الوحيد الذي قتل من الرعب قاتله! سأله الحجاج وهو يقدمه للقتل: أي قتلة تشاء ؟ فأجابه : «اختر أنت فالقصاص أمامك». ذلك أن القصاص قتل بقتل. فكان الحجاج بعد استشهاد سعيد يهب من نومه فزعا وهو يقول: مالي ولسعيد بن جبير!! ثم مات بعده بشهر. مات في رمضان وسعيد في شعبان سنة ٩٥. ورفض ابن المسيب أن يبايع لولدي عبد الملك بن مروان - الوليد وسليمان - وتمسك برأيه فأخذوه ليقتلوه، ثم اكتفوا بضربه بالسياط وجردوه من ثيابه وطافوا به .

ورفض أن يزوج بنته للوليد بن عبد الملك، وهو ولي عهد عبد الملك، وآثر أن يزوجها تلميذا فقيراً من تلاميذه.


وفي مدرسة التابعين هذه برز أبو هاشم (عبد الله بن محمد بن الحنفية ابن أمير المؤمنين). وأبو هاشم أول من تكلم في علم الكلام. ومن بعده نشأت مدرسة المعتزلة يتزعمها واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد. وبأبي هاشم تبدأ مدرسة المتكلمين من الشيعة.

ومن جيل التابعين هشام بن محمد بن السائب الكلبي وأبو مخنف الأزدي المؤرخان.

ويتوالى موكب العلم العظيم من عهد علي. وتتعالى أصوات الدعاة العظاء للمذهب الشيعي، كالنابغة الجعدي: شهد صفين مع أمير المؤمنين، وله فيها أشعاره المشهورة، وكان معه عروة بن زيد الخيل، ولبيد بن ربيعة، وكعب بن زهير صاحب قصيدة «بانت سعاد». ومن بعدهم: الفرزدق، وكثيرعزة من شعراء القرن الأول، ثم الكميت، وقيس بن ذريح، والسيد الحميري، ودعبل الخزاعي، وأبو تمام، والبحتري، وديك الجن، والحسين بن الضحاك وابن الرومي، والأشجع السلمي(١) ...

___________________

(١) من الطبيعي أن يكون كثرة الشعراء شيعة. فالشعر ضمير الجماعة وصوتها الصداح. والضمير الاسلامي كله، يثقله أو يعذبه، أو يهيج قرائحه، ما أصاب أهل البيت من ظلم الدول. ويخفف عنه ما يعقده حول أهل البيت من أمل لهم وله .

وكلما أحس الشعب ظلما طلب الرجاء والاقتداء بأبناء النبي صلى الله عليه وسلم- وبهذا انضاف إلى الثبت الحافل السابق ذكره: ابن هانئ الأندلسي. ومهيار الديلمي. وأبو فراس الحمداني. والناشئ الصغير. والناشئ الكبير. وكشاجم. وأبو بكر الخوارزمي. والبديع الهمذاني. والطغرائي. والسري الرفا. وعمارة اليمني.

بل أصبح ثناء على الشاعر أن يقال (يترفض في شعره) أي يتشيع، وللمتنبئ وأبي العلاء شعر شيعي .

وأما أشراف العلويين فمنهم الشريف الرضي والشريف المرتضى. وكان الشريف علي الجماني يقول (أنا شاعر وأبي شاعر وجدي شاعر) ومنهم الشريف الشجري.

بل كان من الأمويين متشيعون: ابان بن سعيد بن العاص وخالد بن سعيد بن العاص وعمر بن عبد العزيز. وعبد الرحمن أخو مروان بن الحكم. ومروان بن محمد السروجي الذي يقول :

يا بني هاشم بن عبد مناف

أنا منكمو بكل مكان

ولئن كنت من أمية إني

لبريء منهمو إلى الرحمن

وأبو الفرج الأصفهاني(٢٨٤-٣٥٦) جده السابع مروان بن محمد آخر خلفاء بني مروان. وأبو الفرج صاحب «الأغاني» «ومقاتل الطالبين» ومن العباسيين شيعة: المأمون، والمعتضد، وأحمد بن الموفق. ومن الأيوبيين كان الأفضل بن صلاح الدين. ومن الفلاسفة متشيعون: الكندي فيلسوف العرب(٢٤٦) والفارابي(٣٣٩) وابن سينا(٤٢٨) ومن الورزاء المشهورين : أبو سلمة الخلال - قتله السفاح - ويعقوب بن داود. حبسه المهدي وأفرج عنه الرشيد - والفضل والحسن ابنا سهل - قتل المأمون الأول وأصهر إلى الثاني ليستل سخيمته. وبنو طاهر الخزاعي ووزراء المأمون. وأبو دلف العجلي والصاحب بن عباد الخ .


وعلم أهل البيت علم كل الأمة. فأمير المؤمنين علي في قمة السند عند الجميع من سنة وشيعة. لكن الذين ينقلون عنه - من الشيعة أو أهل السنة - محل تفاوت.

فالشيعة لا يقبلون كلمة ممن حارب عليا أو ظلمه من الصحابة أو التابعين. وأهل السنة، مع اختلافهم من ناحية شروط الرواية والراوين، لا يقبل بعضهم ما لا يصل إليه بطريقته، ويتشكك بعضهم في بعض ما يرويه الشيعة لأمور تتعلق بالسند أو بالمتن أو براويه من الشيعة.

وفي أسناد الشيعة فحول - بكل المقاييس في العدالة والنزاهة والعلم تتردد أساؤهم عالية في «كتب الحديث» والصحاح، التي يقوم عليها العلم عند أهل السنة - والحق أن «جوهر الحديث النبوي» واحد عند هؤلاء وأولاء، مع تعدد الطرق .

ومن هؤلاء:

- الحارث بن عبد الله الهمداني (٦٥) صاحب أمير المؤمنين علي وخاصته. حديثه في كتب السنن الأربعة: قال ابن سيرين «كان من أصحاب ابن مسعود خمسة يؤخذ عنهم أدركت أربعة منهم وفاتني الحارث، فلم أره. وكان يفضل عليهم وكان أحسنهم. ويختلف في هؤلاء أيهم أفضل: علقمة ومسروق وعبيدة» .

- علقمة بن قيس النخعي (٦٢) عم الأسود وأخويه أبناء يزيد. كان من أولياء آل محمد. والشهرستاني يعده من الشيعة فهو قد شهد صفين مع أمير المؤمنين. واستشهد فيها أخوه أبي. وخضب علقمة سيفه من دماء الخوارج. ولم يزل عدوا لمعاوية حتى مات. ومكانة علقمة عند أهل السنة من المسلمات: كان عنده كل علم ابن مسعود .

وفي بيت علقمة نشأت مدرسة النخعيين. وفيها نجب إبراهيم بن يزيد واسطة العقد في فقه العراق

- ظالم بن عمرو قاضي البصرة لعلي (أبو الأسود الدؤلي)(٦٩). احتج به أصحاب الصحاح الستة. وهو واضع علم النحو. ومكان النحو من اللغة، ومكانة اللغة من القرآن والسنة وكل علوم الأمة، يضعان ابا الأسود في أعلى مكان.

- عبد الله بن شداد بن الهاد (٨١). أمه سلمى بنت عميس أخت أسماء أم عبد الله بن جعفر ومحمد بن أبي بكر ويحيى بن علي.


وهو أخو عمارة بن حمزة لأمه. وحمزة بطل أحد وشهيدها.

روى عن علي وأمي المؤمنين عائشة وميمونة. خرج مع القراء أيام ثورة ابن الأشعث فقتل يوم دجيل. أحتج بحديثه أصحاب الصحاح وسائر الأئمة أصحاب المسانيد.

- سليمان بن صرد الخزاعي (٦٥) كبير الشيعة في عصره. وبطل من أبطال صفين. يحتج به المحدثون. وحديثه عن رسول الله بلا واسطة، أو بواسطة الصحابي جبير بن مطعم، موجود في صحيحي البخاري ومسلم. وحديثه في غيرهما كثير.

وهو أمير التوابين الخارجين للثأر لدم الحسين. وكانوا أربعة آلاف ساروا إلى عبيد الله بن زياد وهو في سبعين ألفا، فتلاقوا في موضع يقال له «عين الوردة» حيث استشهد سليمان عن ثلاثة وتسعين عاما وهو يحارب جيش عبيد الله بن زياد.

أما عبيد الله بن زياد فقتله إبراهيم بن الأشتر النخعي بيده .

- صعصعة بن صوحان العبدي: أسلم في عهد النبي ولم يره. وهو من مشاهير خطباء العربية الذين خلدت بلاغتهم، فهو تلميذ في مدرسة أمير المؤمنين. شهد معه «الجمل» ومعه أخواه زيد وسيحان. وكانت الراية بيد سيحان يوم ذاك، فقتل، فأخذها زيد فقتل، فأخذها صعصعة وانتصر. ثم شهد صفين مع أمير المؤمنين .

روى عن علي وابن عباس. ونفاه المغيرة بن شعبة والي العراق بأمر معاوية، إلى الجزيرة في البحرين فمات- احتج به النسائي.

- عمرو بن وائلة - أبو الطفيل -(١١٠) كان صاحب راية المختار ابن عبيد الثقفي. وهو آخر الصحابة موتا. قدم على معاوية يوماً فقال له:

كيف وجدك على خليلك أبي الحسن؟ (يقصد أمير المؤمنين عليا) فأجاب: كوجد أم موسى على موسى. وأشكو إلى الله التقصير. قال معاوية: كنت فيمن حصر عثمان؟ قال لا ولكن فيمن حضره. قال معاوية: فما منعك من نصره.

قال: فما منعك أنت من نصر عثمان؟ كنت في أهل الشام وكلهم تابع لك فيما تريد.

قال معاوية: أو ما ترى طلبي لدمه نصرة له؟ قال إنك لكما قال أبو جعف:

لألفينك بعد الموت تطلبني

وفي حياتي ما زودتني زادا

وحديثه في صحيح مسلم. روى عن رسول الله وعن علي وابن مسعود وحذيفة بن اليمان وحذيفة بن سعد وابن عباس وعمر ومعاذ .


- إبراهيم بن يزيد النخعي (٩٥) أبوه يزيد بن عمرو بن الأسود النخعي. وأخواله الأسود وإبراهيم وعبد الرحمن ابناء يزيد بن قيس يؤلفون - مع علقمة بن قيس - مدرسة النخعيين. وابن قتيبة يعتبر إبراهيم من الشيعة .

وروايته في الصحيحين وعنه يروي حماد بن أبي سليمان. وعن حماد يروي أبوحنيفة.

ومن فحول القرن الثاني كثيرون نختار منهم بعض الأسماء:

- عطية العوفي(١١١) كان أبوه من أصحاب علي وعلي هو الذي أعطاه اسمه. ضربه الحجاج ٤٠٠ سوطا لامتناعه عن سب علي (وجد الجلد مائة!) له ذرية نبلاء من الشيعة.منهم الحسين بن الحسن بن عطية الذي ولي القضاء.

يحتج به أبو داود والترمذي.

- جابر بن يزيد الجعفي(١٢٧) قالوا إنه كان يؤمن بالرجعة. وأحاديثه في مسلم وروى عنه النسائي والترمذي وأبو داود وأخذ عنه شعبة. ومن أجل قولهم عنه ووثاقته يروي ابن عبد الحكم عن الشافعي «أن سفيان (بن عيينة) قال لشعبة : لئن تكلمت في جابر لأتكلمن فيك» .

- شعبة بن الحجاج(١٦٠) أول من فتش بالعراق عن أمر المحدثين .

- عبد الرزاق بن همام(٢١٠) شيخ أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وإسحق بن راهوية سئل يحيى، وهو أستاذ الجرح والتعديل، عن الرواية عن عبد الرزاق مع تشيعه. فقال : لو أرتد عن الإسلام ما تركنا حديثه.

وكان عبد الرزاق يتكلم في عثمان. وذكر أمامه معاوية مرة فقال: لا تقذروا مجالسنا بذكر ولد أبي سفيان(١)

___________________

(١) سأل الترمذي أحمد بن حنبل عن عائشة والزبير وطلحة فأجاب: «من أنا حتى أقول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! كان بينهم شيء الله أعلم به» فأحمد لا يسيغ قدحا في الصحابة لورعه. وهم بأعمالهم وآرائهم أصل من أصوله حتى أنه ليبعث إلى يحيى بن معين يقول له: هو ذا تكثر الحديث عن عبد الله بن موسى العبسي وقد سمعته تناول معاوية. وقد أكثر الحديث عنه. فقال يحيى للرسول (إقرأ على أبي عبد الله أحمد بن حنبل السلام وقل له: أنا وأنت سمعنا عبد الرزاق (بن همام) يتناول عثمان بن عفان. فاترك الحديث عنه فإن عثمان أفضل من معاوية) .

ولم يترك أحمد حديث عبد الرزاق.


- الأعمش - سليمان بن مهران الأسدي الكوفي -(١٤٨) يحتج به أصحاب الصحاح الستة. ويروي عنه شعبة وجرير والسفيانان (الثوري إمام الكوفة وابن عيينة إمام المدينة). بعث إليه هشام بن عبد الملك ليكتب له مناقب عثمان ومساوئ علي.فأخذ القرطاس وأدخلها في فم شاة وقال للرسول: قل له هذا جوابه. قال الرسول : لقد أقسم أن يقتلني إن لم آت بجوابك. فكتب (أما بعد، فلو كان لعثمان مناقب أهل الأرض ما نفعتك، ولو كان لعلي مساوئ أهل الأرض ما ضرتك. فعليك بخويصة نفسك. والسلام).

- ابن لهيعة(١٧٤) قاضي مصر. يقول عنه سفيان «عند ابن لهيعة الأصول وعندنا الفروع»

- شريك بن عبد الله النخعي القاضي(١٧٧). كان يقول «علي خير البشر فمن أبى فقد كفر». سأله الخليفة المهدي يوماً : ماذا تقول في علي بن أبي طالب؟ قال: ما قال فيه جداك العباس وعبد الله. قال وما قالا؟ قال شريك: أما العباس فمات وعلي عنده أفضل الصحابة. وكان يرى المسلمين يسألونه عما ينزل من النوازل. وما احتاج هو إلى أحد حتى لحق بالله. وأما عبد الله فإنه كان يضرب بين يديه بسيفين. وكان في حروبه سيفا


منيعا وقائدا مطاعا. فلو كانت إمامته على جور كان أول من يقعد عنها أبوك لعلمه وفقهه في أحكام الله. ولم يمض طويل وقت حتى عزل شريك(١) .

___________________

(١) ربما كان في هذه الفترة الحرجة ما قيل من أنه دخل يوما على المهدي. فقال المهدي: علي بالسيف والنطع.قال شريك: ولم يا أمير المؤمنين؟قال المهدي: رايتك في منامي كانك تطأ بساطي وأنت معرض عني. فقصصت رؤياي على من عبرها فقال لي: يظهر لك طاعته ويضمر معصيته. قال شريك: والله ما رؤياك برؤيا ابراهيم الخليل. ولا معبرك بيوسفعليه‌السلام . أفبالأحلام الكاذبة تضرب أعناق المؤمنين؟ فاستحى المهدي وقال: اخرج عني وأبعده.

وكان الحقد على أمير المؤمنين علي غذاء يوميا على موائد بني العباس. لا تخلو منه واحدة حتى ولو كانت مائدة لخليفة يتشيع هو المأمون. أنبأه عمه ابراهيم بن المهدي- وكان شديد الانحراف عن علي - أنه رأى في المقام عليا فمشيا حتى جاءا قنطرة فتقدم لعبورها فأمسكه ابراهيم وقال: أنت تدعي هذا الأمر بامرأة (يقصد أمر الخلافة وفاطمة الزهراء وأن عليا يتقدم بزواجه منها) فما رأيت له بلاغة في الجواب ما زادني على أن قال : سلاما سلاما .

فنهره المأمون على ما افتضح من عقله الباطن في صورة حلم. قال:

لقد أجابك أبلغ الجواب. عرفك أنك جاهل لا يجاب مثلك قال الله تعالى : (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما).

ولقد نهره أحمد بن أبي داود مرة أخرى إذ لم يتوقر في مجلس القضاء، فقال له (يا ابراهيم إذا نازعت في مجلس الحكم بحضرتنا أمرءا فلا أعلمن أنك رفعت عليه صوتا ولا أشرت بيد. وليكن قصدك أمما. وريحك ساكنة. وكلامك معتدلا. ووف مجالس الخليفة حقها من التوقير والتعظيم) .

وكان مغنيا يعربد.نصبه أهله خليفة لمدة عامين في ثورة على المأمون. ثم عفا عنه المأمون بعد أن ضبطوه يحاول الفرار في ثياب امرأة.


- خالد بن مخلد القطواني(٢١٣) شيخ البخاري. قال عنه أبو داود.

صدوق ولكن يتشيع!

- هشيم بن بشير أول أشياخ أحمد بن حنبل المحدثين(١٦٣) .

- عبد الله بن موسى العبسي(٢٦٣) من مشايخ البخاري.

- معروف الكرخي(٢٠٠) زعيم الصوفية.

وصف ابن حنبل معروفاً لابنه عندما سأله : هل عنده علم؟ فقال : كان عنده رأس الأمر كله. تقوى الله.

التلاميذ من الشيعة

صنف الحافظ أبو العباس بن عقدة كتابا جمع فيه رجال الصادق ورواة حديثه وأنهاهم إلى أربعة آلاف. وكتب من أجوبته أربعمائة مصنف.

وإنما أمكنه من ذلك أنقطاعه المخلص للتعليم عامة وتعليم السنن والفقه والتفسير خاصة، للشيعة ولغيرهم.

كان الرواة من تلامذته ومن غيرهم - كما يقول اليعقوبي - يروون عنه فيقولون: قال (العالم).

وكثيرا ما جلس في مجلس الإمام المخضرمون إلى جوار الجيل الجديد من المتفقهة، ومن الأولين قيس الماصر، وأبان بن تغلب، ومؤمن الطاق.

وكثير ما درب التلاميذ بين يديه ليصنعوا على عينيه:

يفد على المدينة وافد من الشام فيعدوا إلى المجلس يناقشهم في «وجوب تنصيب الإمام» فيتجارون في جداله حتى يسلم لهم. ثم يعلق الإمام الصادق على طريقتهم أو قدرتهم. فيقول لحمران بن أعين «تجري الكلام على الأثر فتصيب» ثم يلتفت لهشام بن سالم فيقول له «تريد الأثر ولا تعرفه» ويلتفت إلى الأحول (الطاقي) ويقول «قياس رواغ تكسر باطلا بباطل. لكن باطلك أظهر» ويقول لقيس الماصر «تتكلم وأقرب ما تكون إلى الخبر عن رسول الله أنت والأحول قفازان حاذقان» وأخيرا يقول لهشام بن الحكم «يا هشام: لا تكاد تقع. تلوي رجليك. إذا هممت بالأرض طرت. مثلك يكلم الناس. فاتق الزلة..».


ولقد يلاحظ المرء من ذلك تعدد طرقهم وتفاوت علمهم ونفاذ بصر الإمام إلى خصائصهم، ودوره في تصويب وتدريب كل منهم. وهو لا يتركهم دون تشجيع: يشير إلى زرارة بن أعين وبريد العجلي وأبي بصير المرادي ومحمد بن مسلم فيقول : (لولا هؤلاء لانقطعت آثار النبوة واندرست). وكان في أسرة زرارة الحفاظ المدققون يتصدرهم تلميذا الإمام، الحسن والحسين ابنا زرارة. والإمام يهب الأسرة جلال الذكرى في التاريخ فيقول: (لولا أسرة زرارة ونظرائه لانقطعت أحاديث أبي).

وهو إذ يثني على أسرة زرارة، يشجع النظراء، وربما لا يتركهم الإمام دون تضييف :

فالمستشرق رونلدسن يصور بعض مجالس الإمام مع تلاميذه فيقول ما تعريبه (ومن الوصف الذي نقرؤه عن إكرام جعفر الصادق ضيوفه في بستانه الجميل في المدينة، واستقباله الناس على اختلاف مذاهبهم، يظهر لنا أنه كانت له مدرسة شبه سقراطية.وقد ساهم تلاميذه مساهمة عظمى في تقدم علمي الفقه والكلام. وصار اثنان من تلامذته وهما (أبوحنيفة ومالك) فيما بعد من أصحاب المذاهب الفقهية. وأفتوا بالمدينة أن اليمين التي أعطيت في بيعة المنصور لا تعتبر، ما دامت أعطيت بالإكراه. ويروى أن تلميذا آخر من تلامذته وهو «واصل بن عطاء» رئيس المعتزلة جاء بنظريات في الجدل مما أدى إلى إخراجه من حلقة تدريس الإمام جعفر وكان «جابر بن حيان» الكيماوي الشهير من تلامذته أيضا).

اليك بعض الأسماء :

«أبان بن تغلب»(١٤١) تلميذ زين العابدين والباقر والصادق.

قال له الباقر (اجلس في المسجد وأفت الناس. فأنا أحب أن يرى في شيعتي مثلك) وقال له الصادق : (ناظر أهل المدينة فأنا أحب ان يكون مثلك من رواتي ورجالي).

كان إذا دخل على الصادق عانقه وأمر بوسادة تثنى له، وأقبل عليه بكله، ولما مات قال: أما والله لقد أوجع قلبي موت أبان.


روى عن الصادق ثلاثين الف حديث. وهو - بهذه المثابة - شاهد على التعاقب والاستمرار والشمول في علم أهل البيت. يعرف الشيعة بأنهم (الذين إذا اختلف الناس أخذوا بقول علي وإذا اختلف الناس عن علي أخذوا بقول جعفر بن محمد) فهو القائل في جعفر بن محمد (ما سألته عن شيء إلا قال: قال رسول الله)

كان إذا جلس بالمسجد تقوضت إليه الحلق. وأخليت له سارية النبي. فيجيئه الناس يسألونه فيجيئهم بمختلف الأقوال. ثم يذكر قول أهل البيت ويورد حججه. ومن أجل هذا المنهج في التدريس كان الصادق يوصي التلاميذ بأن يعبوا من منابعه؛ يقول لأبان بن عثمان: إيت أبان فإنه سمع عني ثلاثين ألف حديث فاروها عنه. فهو لا يتردد في تفضيله حتى ليجعله طبقة بينه وبين سميه في الرواية عنه.

وقد احتج بحديثه مسلم بن الحجاج في صحيحه وأصحاب السنن الأربعة وروى عنه سفيان بن عيينة شيخ الشافعي. وله كتب شتى منها كتاب في الأصول.

- ثابت بن دينار(١٥٠) -أبو حمزة الثمالي- تلميذ الصادق والسدي المفسر. يقول فيه الرضا حفيد الصادق : أبو حمزة في زمانه كلقمان في زمانه.

استشهد بنوه الثلاثة حمزة ونوح ومنصور في خروجهم مع زيد بن علي- روى عنه الترمذي.

- «مؤمن الطاق» - كما يسميه الشيعة - نسبة إلى «طاق المحامل» حيث كان متجره. أو «شيطان الطاق» كما يسميه فقهاء السنة: هو محمد بن علي بن النعمان الأحول. ويقال ان أبا حنيفة هو الذي لقبه بشيطان الطاق لمناظرة جرت بين الخوارج وبينه أمام أبي حنيفة. والراجح أن خصومه سموه كذلك لعبقريته. أما الإمام الصادق فيناديه بعبارة بارعة يرضاها الجميع «ياطاقي» أو يقول «صاحب الطاق»

كان مناظرا لا يشق له غبار. رآه تلميذ آخر يناظر، وأهل المدينة يضيقون بمناظرته حتى قطعوا آراءه، وهو لا ينكف عن الجدل. فنبهه على أن الإمام ينهاهم عن الكلام. فالتفت إليه وقال: أو أمرك أن تقول لي؟ قال لا. ولكنه أمرني أن لا أكلم أحدا. قال: اذهب فأطعه فيما أمرك.


وسمع الصادق بالواقعة، من التلميذ، فتبسم. بل هو قال له: إن صاحب الطاق يكلم الناس فيطير. أما أنت إن قصوك لن تطير.

ويروى أنه ناظر زيد بن علي في إمامة الإمام الصادق .

كان أبوحنيفة يتهمه بالرجعة. وهو يتهم أباحنيفة بالقول بالتناسخ. تلاقيا بالسوق يوما ومع صاحب الطاق ثوب يبيعه. قال أبوحنيفة أتبيعه إلى حين رجعة؟ قال: إن أعطيتني كفيلا أن لا تمسخ قردا .

ولما مات الإمام الصادق قال له أبوحنيفة: مات إمامك. فأجابه: لكن إمامك لا يموت إلا يوم القيامة. إمامك إبليس!

وله كتاب في مناظراته لأبي حنيفة.

-أبان بن عثمان بن أحمر البجلي. يروي عن الصادق ثم عن الكاظم، وله مؤلفات شتى، وذكره ابن حيان في الثقات.

وهو على رأس الستة الذين أجمع الشيعة على تصحيح ما يصح عنهم والإقرار بالفقه لهم. وهم: أبان. وجميل بن دراج. وعبد الله ابن مسكان. وعبد الله بن بكير. وحماد بن عيسى. وحماد بن عثمان.

- هشام بن الحكم :(١٧٩) نشأ بالكوفة ودخل بغداد للتجارة واستقر بها. ولزم الإمام الصادق ثم صار خصيصا بالإمام الكاظم يقول عنه ابن النديم: هو من جلة أصحاب جعفر. وهو من متكلمي الشيعة ممن فتقوا الكلام في «الإمامة»

عمل مدة من الزمان قيما بمجالس الكلام عند يحيى بن برمك وزير الرشيد.

وكان أول أمره من أصحاب جهم بن صفوان ثم انتقل إلى القول بالإمامة في شبابه فكان الصادق يدعو له (لا تزال مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك).

ونفذ هشام إلى المعتزلة من خلال (النظام). وظل أثره قويا في غير المعتزلة حتى ظهر المذهب الأشعري .


وهشام هو الذي يقول: ما رأيت مثل مخالفينا عمدوا إلى من ولاه الله من سمائه فعزلوه وإلى من عزله الله من سمائه فولوه (يقصد تبليغ علي سورة براءة بدلا من أبي بكر. وقول جبريل للرسول : لا يؤديها عنك إلا أنت أو رجل منك) كان إذا قصد إفحام معارضيه لم يثبت أمامه رجل سمعه الرشيد في بعض مجالس يحيى بن برمك وكان يحضرها من وراء الستر فقال: «إن لسان هشام أوقع في نفوس الناس من ألف سيف» .

ولما فتك الرشيد بالبرامكة طلب هشاما فاختفى. فأخذ به خلقا كثيرا ثم أطلقهم بعد أن مات هشام مستترا.

ولم تكن مجالس المناظرات خالية من الخطر. يسأل هشاما سائل ذات يوم (أما علمت أن عليا نازع العباس (جد الرشيد) - إلى أبي بكر؟ فأيهما كان الظالم لصاحبه؟ - قال هشام فيما بعد «قلت في نفسي إن قلت العباس بلغ ذلك الرشيد، وإن قلت عليا ناقضت نفسي» - قال هشام: لم يكن فيهما ظالم. قال السائل أفيختصم اثنان ..وهما محقان!! قال هشام: نعم اختصم الملكان إلى داود، وليس فيهما ظالم. وإنما أرادا أن ينبهاه. كذلك اختصم هذان إلى أبي بكر ليعلماه ظلمه). فهو ينجو من المزالق، ويكرم الرجلين، ويفضل عليا على أبي بكر.

ومن وصية الإمام الصادق له قوله: (يا هشام من أراد الغنى بلا مال، وراحة القلب من الحسد، والسلامة في الدين، فليفزع إلى الله في مسألته إن كل له عقل. فمن عقل قنع بما يكفيه. ومن قنع استغنى. ومن لم يقنع لم يدرك الغنى أبدا يا هشام كما تركوا لكم الحكمة اتركوا لهم الدنيا العاقل لا يحدث من يخاف تكذيبه. إن الزرع ينبت في السهل من أحب الدنيا ذهب خوف الآخرة من قلبه) .

وكان يحذره من التشبيه والتجسيم، وقد كانت تبلغه عنه زلات في هذا الشأن. ومع ذلك لا يكف عن تشجيعه. فيستعيده رواية ما وقع منه مع عمرو بن عبيد زعيم المعتزلة. ويستحي هشام فيقول له الإمام: «إذا أمرتكم بشيء فافعلوا». فيقول هشام:

(بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد وجلوسه في مسجد البصرة فعظم ذلك علي. فخرجت إليه ودخلت البصرة يوم الجمعة وأتيت


المسجد، وإذا بحلقة عظيمة فيها عمرو والناس يسألونه فقعدت في آخر القوم على ركبتي. ثم قلت: أيها العالم إني رجل غريب تأذن لي في مسألة قلت : ألك عين؟ قال نعم فقلت الك أنف؟ ألك لسان؟ ألك أذن؟ قال نعم. قلت ألك قلب؟ قال نعم. قلت فما تصنع به؟ قال أميز به كل ما ورد على هذه الجوارح والحواس قلت: أوليس في هذه الجوارح غنى عن القلب. قال لا. قلت لابد من القلب وإلا لم تستيقن الجوارح؟ قال نعم. فقلت : يا أبا مروان والله تعالى لم يزل جوارحك حتى جعل لها إماما يصحح لها الصحيح وتتيقن به مما شكت فيه. ويترك هذا الخلق كلهم في حيرتهم وشكهم واختلافهم لا يقيم لهم إماما يردون إليه شكهم وحيرتهم. ويقيم لك إماما لجوارحك ترد إليه شكك وحيرتك؟ فسكت ثم التفت إلي وقال: أنت هشام بن الحكم) ..

فضحك الإمام وقال: من علمك هذا ؟ قال شيء أخذته منك قال: (هذا والله مكتوب في صحف إبراهيم وموسى) .

وظاهر أن طريقته كانت طريقة الإمام في استعمال المحسوسات والاعتبار بها في الإثبات واستعمال العقل بنزاهة في الاستدلال. وسنعرض لها فيما بعد .

بلغت مؤلفات هشام سبعة عشر مؤلفا منها كتاب «الإمامة» كتاب الوصية والرد على من يطلبها.وكتاب الحكمين.

«جابر بن حيان» - أول من استحق في التاريخ لقب كيميائي، كما تسميه أوربة المعاصرة. وهو الذييشير إليه الرازي(٢٤٠-٣٢٠) - جالينوس العرب- فيقول (استاذنا أبو موسى جابر بن حيان). والمؤرخون - إلا بعضا من غير المسلمين - متفقون على تلمذته للإمام. وعلى صلته أو تأثره به في العلم والعقيدة. وأكثرهم على أنه صار بعد موت الإمام من الشيعة الإسماعيلية. يقول في كتابه الحاصل (ليس في العالم شيء إلا وفيه من جميع الأشياء. والله لقد وبخني سيدي (يقصد الإمام الصادق) على عملي فقال: والله يا جابر لولا أني أعلم أن هذا العلم لا يأخذه عنك إلا من يستأهله وأعلم علما يقينا أنه مثلك، لأمرتك بإبطال هذه الكتب من العلم) .

وكانت كتب رياضة وكيمياء تسبق العصور بجدتها قيل إنه أخذ علمه عن خالد بن يزيد ثم أخذ عن الإمام جعفر.


وهو يشير إلى الإمام دائماً بقوله «سيدي». ويحلف به. ويعتبره مصدر الإلهام له .

يقول في مقدمة كتابه الأحجار (وحق سيدي لولا أن هذه الكتب باسم سيدي - صلوات الله عليه - لما وصلت إلى حرف من ذلك إلى الأبد).

ذكر له المستشرق كراوس k raus ناشر كتبه في العصر الحديث أربعين مؤلفا. وأضاف ابن النديم في القرن الرابع للهجرة عشرين كتابا أخرى. وينقل ابن النديم قوله (ألفت ثلثمائة كتاب في الفلسفة وألفا وثلثمائة رسالة في صنايع مجموعة، وآلات الحرب، ثم ألفت في الطب كتابا عظيما ثم ألفت كتبا صغارا وكبارا، وألفت في الطب نحو خمسمائة كتاب. ثم ألفت في المنطق على رأي أرستطاليس. ثم ألفت كتاب الزيج أيضا نحو ثلاثمائة ورقة. ثم ألفت كتابا في الزهد والمواعظ. وألفت كتبا في العزايم كثيرة وحسنة وألفت في الأشياء التي يعمل بخواصها كتبا كثيرة. ثم ألفت بعد ذلك نحو خمسمائة كتاب نقضا على الفلاسفة. ثم ألفت كتابا في الصنعة يعرف بكتب الملك. وكتابا يعرف بالرياض).

وتلاميذ الصادق، المشهورون، فيما عدا من سلف ذكرهم، من كبار أهل السنة أشياخ للفقهاء في جميع المذاهب منهم: سفيان بن عيينة. وسعيد ابن سالم القداح. وإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى. وعبد العزيز الدراوردي. وقد روى الشافعي عن كل هؤلاء. وجرير بن عبد الحميد، وإبراهيم بن طهمان، وعاصم بن عمر.. بن عمر بن الخطاب.. وأبو عاصم النبيل(٢١٢) شيخ أحمد بن حنبل. وأبو عاصم آخر تلاميذ الصادق وفاة، وقد روى عنه كتابا. والكسائي عالم اللغة، وعبد العزيز بن عبد الله الماجشون زميل مالك في الفتيا في موسم الحج، وعبد العزيز بن عمران.. بن عبد الرحمن بن عوف وابن جريج إمام مكة.والفضيل بن عياض. والقاسم بن معن. وحفص بن غياث والثلاثة أصحاب أبي حنيفة، ومنصور بن المعتمر. ومسلم بن خالد الزنجي شيخ الشافعي بمكة. ويحيى بن سعيد القطان.

وإنما أحدثت السياسة الخلافات بين فقهاء السنة والشيعة فأنتجت وجوها لخلافات فقهية وحديثية. فوجدنا للشيعة رواة ليسوا من رواة الكتب التي يتداولها أهل السنة ومنها الصحاح الستة المشهورة. فالشيعة لا يقبلون أحاديث من حاربوا عليا أو أخطأوا في حقه.


ومن الناحية الأخرى وجدنا في بعض كتب الحديث لأهل السنة، أوصافا للرواة من الشيعة، تتضح منها جذور هذه الخلافات.

وإليك بعض أمثال:

- كان الشعبي- شيخ المحدثين بالكوفة على رأس المائة الأولى - يكذب الحارث الهمداني، صاحب علي، فيسلط الله على الشيعي ثقات أثباتا من الرواة يستخفون به

- وأبان بن تغلب نجبة مدرسة السجاد والباقر والصادق. يقول فيه الحافظ السعدي: زائغ مجاهر. ويقول فيه الجوزجاني: زائغ مذموم المذهب. ويقول عنه الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال (شيعي جلد. ولكنه صدوق. فلنأخذ صدقه وعليه بدعته).

- وعلى هذا النحو تجد خالد بن مخلد القطواني(٢١٣) ، وهو من مشايخ البخاري، يقول عنه ابن سعد إنه كان مفرطا في التشيع. ويقول عنه أبو داود: «صدوق» لكنه يتشيع.

- وتجد تليد بن سليمان يقول فيه أبو داود - تلميذ أحمد - رافضي يشتم أبابكر وعمر. فلنا «صدقه» وعليه «بدعته». لكن ابن حنبل يأخذ عنه. وحسب الرجل شهادة ابن حنبل.

- وجعفر بن سليمان يقول فيه ابن عدي (أرجو أنه لا بأس به) ، في حين أن أحمد بن حنبل عندما يقال له إن سليمان بن حرب يقول لا تكتبوا حديث جعفر بن سليمان، يرد أحمد (لم يكن ينهى عنه إنما كان جعفر يتشيع) فيبين سبب ظلم سليمان له.

- ولقد تجد الرواية يقول بالرجعة، فيضعفه يحيى بن معين، أستاذ الجرح والتعديل وزميل أحمد بن حنبل، لكنك تجد عبد الرزاق بن همام يقول بالرجعة ومع ذلك يروي عنه الأعمش وسفيان وشعبة وابن حنبل ويحيى نفسه وسفيان بن عيينة شيخ المحدثين بمكة وأستاذ الشافعي. وأحمد ابن حنبل صاحب المسند الأعظم .

- أو تجد زبيد بن الحارث، يقول فيه الجوزجاني (كان ممن لا يحمد الناس مذاهبهم). ويضيف (احتملهم الناس لصدق ألسنتهم في الحديث) لذلك يحتج به أصحاب الصحاح وأرباب السنن، وكمثلهم الشعبي وإبراهيم ابن يزيد النخعي.


والحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب يقول في الجوزجاني (وأما الجوزجاني فلا عبرة بحطه على الكوفيين فالتشيع في عرف الأقدمين هو ..أن عليا كان مصيبا في حروبه وأن مخالفه مخطئ. مع عدم تقديم الشيخين. وربما اعتقد بعضهم أن عليا أفضل الخلق بعد رسول الله وإذا كان معتقد ذلك ورعا دينا، صادقا، مجتهداً، فلا ترد روايته) .

وهذا هو الذي جعل روايات الرواة الذين ذكرناهم، وأمثالهم، تتردد في كتب الصحاح والسنن.

هكذا كان انقسام الأمة نقمة على العلم. وكان الوقوف على أبواب السلاطين نقمة أخرى. والوسائل طيعة، من ترهيب وترغيب وبث للعيون والأرصاد، وبخاصة على الشيعة. مما أورث هؤلاء العمل بالتقية. والتقية أو الحذر يوجبان الانطواء أو التباعد.

وفي عصر الخلافة العباسية كان «مذهب السلطان» مذهب أبي حنيفة في المشرق، ومذهب مالك بإفريقية في المغرب، في حين كانت المعتزلة تتزعم التجديد وتلتصق بالخلفاء. وكان -الشافعية- كإمامهم – أساتيذ جدل، وكمثلهم كان أهل الظاهر أتباع داود، وقد بدأ شافعيا. وأما المحدثون فقد كانوا يمثلون السلف والدفاع عن السنة.

وكانت خلافات المتفقهة سمة العصر، ومثلهم المالكية.

وفي القرن الرابع الهجري جاب المقدسي(٣٨٠) العالم الإسلامي، فذكر أن أهل الأندلس كانوا إذا وقعوا على معتزلي أو شيعي قتلوه، ثم وصف تناحر الوسط العلمي في عصره بعبارات حادة، قال (قلما رأيت في بغداد من فقهاء أبي حنيفة إلا رأيت أربعا: الرياسة، مع لباقة فيها، والحفظ، والخشية، والورع. وفي أصحاب مالك أربعا: النقل والبلادة والديانة والسنة. وفي أصحاب الشافعي: النظر والشغب والمروءة والحمق- وفي أصحاب داود: الكبر والحدة والكلام واليسار: وفي الشيعة البغضة، والفتنة، واليسار، والصيت).

أما الصفتان الأوليان اللتان يصف بهما الشيعة فمردهما إلى التمسك بمقدساتهم وعلومهم في مواجهة المتعصبين الذين لا يكفون عن التناؤش معهم من قريب أو بعيد وأما الصيت، فأي صيت في الأمة أبعد من صيت أهل البيت أو محبيهم! وأما اليسار فمرده إلى فتوح الله عليهم، بالعلم الذي طالما علمهم الإمام جعفر الصادق، في «منهج كامل في الاقتصاد»، سنعرض له فيما بعد.


الفصل الثاني : الدرس الكبير

لكل نبي وصي ووارث. وإن وصيي ووارثي علي بن أبي طالب

(حديث شريف)

الدرس الكبير

أحدث انقسام الأمة بفعل بني أمية أثره في الفقه وليس كلام بعض المسلمين في أفراد من الصحابة إلا أثر من آثار هذا الانقسام. ومن الطبيعي ألا تمتنع الألسنة عما لم تمتنع عنه الأسلحة. وأن تستمر معارك الكلام وإن توقفت رحى الحرب.

شق أهل الشام عصا الطاعة لأمير المؤمنين منذ استخلف. وانتهت يوم «وقعة الجمل» فتنة عمياء فيومئذ قال محمد بن الحنفية وهو يحمل الراية: هذه والله الفتنة الكاملة العمياء. وناداه أمير المؤمنين (هل عندك في جيش، مقدمه أبوك، شيء !) .

ونفر البطل للقاء أهل الشام في صفين. ورفع جيش معاوية المصاحف. ثم كانت خدعة التحكيم وخروج الخوارج وهزيمتهم. لكنهم ظلوا يمثلون التعصب العميق لفكر لم يتمرس بالسياسة وتبعات القيادة وحقن الدماء. فلاموا عليا لقبوله التحكيم مع معاوية(١) . وعندئذ لم يوالوا عليا ولا من والاه- لكن الدولة لم تؤل إليهم، ولهذا قل أثرهم في الاتجاه العام للأمة.

وأنما الذي أحدث أثره العظيم في الأمة خلاف معاوية. إذ ولي الحكم وألزم ولاته بالطعن في علي. والتنكيل بمن والاه.ونظرت العامة إلى مصلحتها العاجلة في توقي الشرور من السلطة. ونظر المتفقهون - ومعهم جمهور الأمة- جبارين. فقل عدد الشيعة أو توارى بعضهم تقية، كما قل اتصال أهل البيت بالعامة وفقهاء الجمهور. واستمسك الشيعة بفقههم وروايات الأحاديث من أئمتهم أو عن أئمتهم.

___________________

(١) كفروا عليا لقبوله التحكيم ورأوا أن الخلافة لابد لها من بيعة الجمهور. وأنها لا تنحصر في بيت معين وبرئوا من علي وعثمان ومعاوية. الأول لقبوله التحكيم والثاني لمخالفة سياسة الشيخين أبي بكر وعمر والثالث لاستيلائه على الأمر بالقوة يأخذون بظاهر العبارة من القرآن. ولا يأخذون من السنة إلا ما يرويه من يتولونهم. وعمدتهم في ذلك الأحاديث المروية على عهد الشيخين. وكل من تعدى حدود الله عندهم فاسق. ولذلك عدوا أشياع معاوية والذين لم يتبرءوا من علي وعثمان - وهؤلاء جمهور الأمة - خارجين على الإسلام واستحلوا مالهم وقتلهم، وبهذا نفر الناس منهم .


بفقه طابعه الشمول، أنزل الخلفاء الراشدين الأربعة منازلهم. وسبحت ثلة منهم بزوارق السلطة خوفا أو طمعا. ورأى البعض إرجاء إبداء الآراء. وبطش بنوا أمية

ولما قتل معاوية حجر بن عدي، لغضب الصحابي الجليل من القدح في أهل البيت، كان معاوية يقتل استقلال الآراء عن السلطة ثم كانت البطشة الكبرى بأهل البيت في كربلاء (سنة ٦١) متابعة من يزيد لأبيه في حماية «العرش» الأموي بغير حساب. ثم صفت وقعة الحرة (٦٣) جيل الصحابة من المهاجرين والأنصار.

وفصلت حروب المختار بن عبيد بين أشياع السلطة وبين علي من جديد - ولم تكن حرب ابن الزبير مع أهل الكوفة، ولا حربهم لبني مروان، الا أسبابا جديدة لانكماش الشيعة. والحجاج - والي عبد الملك بن مروان - مصلت سيفه وكمثله الولاة بعده .

في أخريات هذا العهد كان زين العابدين قد ملأ الأفق بورعه وعلمه وسخائه، حتى مات. وبزغ نجم الباقر في سماء المدينة، وأعقبه الصادق، ليبدأ إمامة مهّد لها أبوه. ومكّن لهم أن ينشروا العلم، الانصراف عن السياسة أو المطالبة بالحكم، فأشرق الفجر الجديد .

لكن خروج زيد بن علي، ثم هجوم الخوارج على المدينة، ثم هزيمتهم، ثم هزيمة بني مروان أمام العباسيين، ثم فتكات العابسين بأبناء علي، وقد تضاءلت بالنسبة لها صعقات الأمويين، كل أولئك زاد القطيعة بين أصحاب السلطة وبين أهل البيت، والانطواء من الشيعة على أنفسهم، والانفصال بين معظم الرواة من أهل السنة وبينهم:

فرأينا عامر بن شراحبيل الشعبي(١٠٤) شيخ المحدثين في العراق وقاضي بني مروان يقول: «ماذا لقينا من آل علي إذا أحببناهم قتلنا وإن عاديناهم دخلنا النار».

ومن كثرة ما عمل للخفاء، صار دربا على معاملة الأمراء: سأله الحجاج كم عطاءك قال ألفين: فاستدرك الحجاج وقال: ويحك كم عطاؤك؟ قال ألفان. قال لم لحنت؟ قال: لما لحن الأمير لحنت. ولما عرب أعربت..

وسمعنا الحسن البصري(١١٠) الجسور، أذ يروي عن علي، يقول: «قال أبو زينب» - ولما سأله ابن عياش (ما هذا الذي يقال عنك إنك قلته في علي؟) أجاب (يا ابن أخي أحقن دمي من هؤلاء الجبابرة لولا ذلك لسالت بي أعشب) .

ولما تقطعت بين الشيعة وغيرهم الأسباب، اضمحلت، أو قلت، المشاركة العلمية، وصار هنالك عالمان فقيهان متقاطعان.


ولم يكن غريبا في هذه القطيعة أن تقل رواية أهل السنة عن أهل البيت. أو أن نرى مالك بن أنس - في المدينة ذاتها - يسال عن سبب ندرة الرواية منه عن علي وابن عباس فيجيب: لم يكونا ببلدي. (يقصد أن عليا كان بالكوفة وابن عباس بمكة) أو نراه يقتصر، فيما يرويه عن الإمام الصادق، على أحاديث قليلة جداً في الموطأ، وفيه نحو من ألف حديث(١)

ولما قال البخاري بعد أكثر من مائة عام من قيام الدولة العباسية - عن صحيحه (ما وضعت فيه إلا الصحيح. وما تركت من الصحيح أكثر)،

___________________

(١) من أدلة وحدة العلم أو التقارب فيه حديث، من هذه القلة، هو حديث اليمين مع الشاهد وهي مسألة أريق فيها مداد كثير لفقهاء أهل السنة جاء في الموطأ رواية محمد بن الحسن:

(أخبرنا مالك أخبرنا جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى باليمين مع الشاهد) .

قال محمد بن الحسن - ذكر ذلك ابن أبي ذئب عن ابن شهاب قال سألته عن اليمين مع الشاهد فقال بدعة. وأول من قضى فيها معاوية. - وابن أبي شهاب أعلم عند أهل المدينة بالحديث من غيره. وكذلك ذكر ابن جريج عن عطاء بن ابي رباح قال: (كان القضاء الأول : لا يقبل إلا شاهدان وأول من قضى باليمين مع الشاهد عبد الملك بن مروان..).

وهذا الحديث وارد في سنن الترمذي وابن ماجه ورواه عن ابن عباس مسلم وأبو داود والنسائي ومسند أحمد. والصحاح الخمسة تذكره موصولا- وتعمل به المدينة ومكة، وقد ذكر ابن الجوزي أن رواة الحديث يزيدون عن عشرين صحابيا.

والمذاهب الثلاثة تعمل به وأبو حنيفة لا يعمل به.


كان في هذا القول دلالة على الاحتياط العلمي، وعلى أن أحاديث صحاحا قد أغفلت. وأنها أكثر مما تضمنه كتابه من الصحيح. ولعله بهذا القصد، فيما يقصد، أحاديث «علي» وأهل البيت فيما تركه من صحاح. فهو لم يرو أحاديث أهل البيت، في حين احتج بها الجميع(١) وورد الكثير منها في سائر الصحاح والمسانيد(٢) .

___________________

(١) والشافعي الذي يرى زين العابدين أعلم أهل المدينة، يقول في دفاعه العلمي المجيد عن حجية خبر الواحد في الرسالة -(وفي تثبيت خبر الواحد أحاديث يكفي بعض هذا منها ولم يزل سبيل سلفنا والقرون بعدهم إلى من شاهدنا هذا السبيل ووجدنا علي ابن حسين (يقصد زين العابدين) يقول: أخبرنا عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد أن النبي قال: (لا يرث المسلم الكافر) فثبتها سنة ويثبتها الناس بخبره سنة.

ووجدنا كذلك محمد بن علي بن حسين (يقصد الباقر) يخبر عن جابر عن النبي وعن عبد الله ابن أبي رافع عن أبي هريرة فيثبت كل ذلك سنة.

ووجدنا محمد بن جبير بن مطعم. ونافع بن جبير بن مطعم، ويزيد بن طلحة بن ركانة، ومحمد بن طلحة بن ركانة. ونافع بن هجير بن عبد يزيد، وأبا سلمة بن عبد الرحمن، وحميد بن عبد الرحمن، وطلحة بن عبد الله بن عوف، وابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وخارجة بن زيد بن ثابت. وعبد الرحمن بن كعب بن مالك. وعبد الله بن أبي قتادة. وسليمان ابن يسار. وعطاء بن يسار، وغيرهم من محدثي أهل المدينة، كلهم يقول حدثني فلان لرجل من أصحاب النبي عن النبي أو من التابعين عن رجل من أصحاب البي، فيثبت ذلك سنة).

وإنك لتلاحظ أن الشافعي يستند إلى رواية زين العابدين والباقر فيضع زين العابدين في مقام خاص به. هو الأول. ويضع ابنه الباقر في المقام التالي لأبيه. ثم يجيء بالأبناء العلماء، للصحابة العظماء، وراء هذين المقامين، ويجيء بهم مجموعين، ثم يجيء بفضلاء التابعين بعد هؤلاء جماعات.

(٢) روى أحمد بن حنبل أحاديث أهل البيت في مسنده الأعظم. وروى كذلك مسلم بن الحجاج(٢٦١) وسليمان بن الأشعث السجستاني (أبوداود-٢٧٥) ومحمد بن عيسى الترمذي(٢٧٩) ومحمد بن يزيد بن ماجه(٢٧٩) والنسائي أحمد بن علي بن شعيب(٣٠٣) بقية أصحاب الصحاح كما يسميها أهل السنة.

والنسائي من شهداء الوفاء لعلي: خرج من مصر إلى الشام فسألوه عن فضائل معاوية- إذ كان قد ألف في فضائل علي- وقيل إنه أجاب: ألا ترضى رأسا برأس حتى تفضل؟ أو قال لا أعلم له فضيلة. فما زالوا يدفعونه في خصيته حتى أخرجوه من المسجد وقد أشرف على الموت فقال احملوني إلى مكة فحمل إليها حيث توفي.


ومع أن الحرب الكلامية والافتراءات الموجهة للرواة كانت ضروسا فقد وثق الأئمة الفقهاء والمحدثون- أعظم التوثيق - الإمام جعفر الصادق وشرفوا بالرواية عنه. ووقفت المذاهب الأربعة موقف الإجلال له. فكان ذلك إعلانا من أهل العلم أن أئمة أهل البيت للجميع لا للشيعة وحدهم. وأن الحديث متى ثبت عنهم هو حديث جدهم صلى الله عليه وسلم:

كان يوسف بن أبي يوسف يروي عن أبيه عن أبي حنيفة عن «جعفر بن محمد» عن سعيد بن جبير عن ابن عمر حديث رسول الله. وفي الوقت ذاته يروي عن أبيه عن أبي حنيفة عن اسحاق بن ثابت عن أبيه عن علي بن الحسين حديث رسول الله، مع أن علي بن الحسين (زين العابدين) لم ير جده - واللقاء من شروط البخاري - ويروي يوسف عن أبيه عن أبي حنيفة عن «جعفر بن محمد» حديث رسول الله - مع أن الصادق حفيد زين العابدين - فهذا أبوحنيفة ومن روى عنهم - كمثل مالك وغيره - يروون عن أئمة أهل البيت، ويأخذون بحديثهم عن رسول الله، مع أنهم لم يلقوه أو لم يكن بينهم وبين الرسول صحابي.

والكتب التي يقوم عليها الفقه الشيعي تروى كلها عن الإمام جعفر الصادق أو الأئمة المعصومين. يستوي في ذلك الكتب الأربعة الشهيرة وغيرها.

في هذه الأضواء نستطيع أن نفهم انقسام العلم بانقسام مصادره. وانحسار هذا البحر من بحاره عن الجمهور، باقتصاره على الشيعة. ولا جرم كانت فيه كفاية لإنتاج دق الفقه وجله، بما فيه عن غزارة، وباعتماده على النقل والعقل معاً. وبإقبال الشيعة - شأن الأقليات جميعها - على تعميق علومها، وتقوية شعوبها. وساعدهم انفتاح الفكر واجتهاد الرأي في تطهير وسطهم العلمي والاجتماعي ممن ينتسبون، أو ينسبهم الخصوم، إليهم، من


الغلاة في علي بن أبي طالب(١) . ثم تمييز علمهم من علم المخالفين الذين يتولون غير الإمام جعفر

___________________

(١) كان وجود غلاة في الشيعة فرصة للمغرضين، إذ نسبوا عمل الغلاة إلى الشيعة كلهم. فأحدثوا بذلك أثراً كاذباً في أفهام الآخرين، بدعاوى هم منها براء، مثل أن الإمام هو الله ظهورا واتحادا وهو غلو يبلغ الكفر.وأكثر المنسوبين للشيعة غلوا أتباع ابن سبأ وأبي الخطاب الأسدي الذين يؤلهون عليا والأئمة. وهؤلاء ليسوا مسلمين.

ولقد حرق علي النار من ألهوه وتبرأ الصادق من أبي الخطاب الأسدي. وقتله جند أبي جعفر.

وكان ابن سبأ يهوديا من صنعاء أسلم وانطلق إلى الحجاز والبصرة والشام ومصر. والمؤرخون الأولون كالطبري(٢١٠) والمؤرخان الشيعيان ابو خلف القمي(٣٠١) والنوبختي(٣١٠) يؤكدون وجوده، في حين يشكك في وجوده آخرون ممن جاءوا بعد ذلك.

كان ابن سبأ يحرض أبناء العشائر ضد عثمان. قائلا إن لعلي مكانا فوق الصحابة بل فوق سائر الخلق. ولما قتل علي قال انه سيرجع. وقد نفاه علي إلى المدائن إذ كان يقول له (أنت أنت) ثم صار يقول (عجبا من الذين يكذبون رجوع محمد في حين إن عيسى يرجع) ويقول ان محمد خاتم النبيين وعليا خاتم الأوصياء. ويقول ان عثمان ولي الخلافة بغير حق.

وقال البعض إن ابن سبأ دفع أبا ذر ليقول ما قال لعثمان. ولا شك أن ابن سبأ أقل من أن يرتفع إلى مستوى تحريض أبي ذر. وأن نسبة أثار ضخمة جداً لأراجيف ابن سبأ في محيط صغير جداً وزمان قصير جداً - ليس إلا وجه من تعليق الأوزار، التي ارتكبتها أجيال أفرخت فيها الفتن، على عاتق رجل لا قيمة له. والكثيرون من المؤرخين على أن ابن سبأ لم يلق أبا ذر.

وتعليق الأوزار هروب. وهو عيب قديم في المجتمعات التي تفقد صدق الرؤية، فتبرئ نفسها - ظلما - من عيوبها، فتلقيها على الآخرين. وهو أيا كانت الحال غلو في تضخيم شأن ابن سبأ وأشباهه لتبغيض الشيعة إلى الآخرين. ولقد طالما أحدث هذا التبغيض من قوم لا يعلمون الحقائق آثاره في نفس قوم مخلصين. وفي ظلمات هذه الجهالات يتوارث المسلمون فرقة يفرضها عليهم من يفيدون لأنفسهم ومن يجهلون.


وغير أبيه كالزيدية(١) .

___________________

(١) الزيدية. أتباع زيد بن علي زين العابدين - أخي الباقر- قالوا إنه فوض في الإمامة قبل أن يستشهد إلى محمد بن عبد الله بن الحسن (النفس الزكية).

وكان زيد يجيز إمامة المفضول مع وجود الأفضل لمصلحة يراها المسلمون. ولهذا أجاز خلافة أبي بكر وعمر. فرفضه شيعة العراق فسموا رافضة ومنذئذ أطلق على الشيعة الامامية اسم الرافضة. وقيل سموا الرافضة لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر. والأول رأي الشهرستاني والأخير رأي ابي الحسن الأشعري. والشهرستاني من الشيعة والأشعري من أهل السنة.

وزيد يقول إن الأدلة اقتضت تعيين علي إماما «بالوصف» لا بالشخص.ويقول ان - الشيوخ يختارون «الأفضل» من أولاد علي من فاطمة، عموماً، «بالاجتهاد».

ومن شروط الزيدية أن يجتهد أئمتهم. ولذلك كثر فيهم الأئمة المجتهدون. ومن شروطهم أن يخرج الإمام داعياً لنفسه. وعلى هذا الشرط جادل الباقر أخاه زيدا بقوله «على قضية مذهبك والدك ليس بإمام فإنه لم يخرج قط ولا تعرض للخروج» ومن الزيدية اليعقوبية يقولون بولاية أبي بكر وعمر ولا يتبرئون ممن يبرأ منهما وينكرون رجعة الأموات. وبقية الزيدية تتوقف في أمر الرجعة لا يقولون بها ولا ينكرونها

وظهرت في المذهب الزيدي مذاهب منها الهادوي والقاسمي والناصري والهاروني التي تخالف الأصل في فروع يسيرة وتسير عليه في جملة الفروع وتلتقي بمذاهب اهل السنة، وبخاصة المذهب الهادوي الذي أسسه امام اليمن الإمام الهادي (يحيى بن الحسن بن إبراهيم بن القاسم) صاحب صعدة(٢٨٠-٢٨٩) وكان أئمة المذهب الهادوي من عظم اتفاقهم مع المذهب الحنفي يرون الأخذ بالمذهب الحنفي إذا لم يجدوا عن الإمام الهادي نصا في المسألة. بل يذهبون إلى ابعد من ذلك فيأخذون بأرجح ما في المذاهب الأخرى.

والزيدية ترى أن كل من دعا لنفسه من أولاد علي من فاطمة الزهراء وكان مستكمل الصفات وجب اتباعه.

وقد كتب لهم النجاح في اليمن وطبرستان إلى الجنوب من بحر قزوين. والعرب تسمي بحر قزوين بحر طبرستان. وقد ملك طبرستان الحسن بن زيد بن الحسن بن علي سنة ٢٥٠ حتى سنة ٢٧٠. وكانت ثورة ابن طباطبا في بغداد في أيام المأمون زيدية.


أو من علم الذين يتولون غيره وغير ابيه وجده(١) كالكيسانية.

يقول الشيخ المفيد في غلاة الشيعة (وهم الذين نسبوا أمير المؤمنين والأئمة من ذريتهعليهم‌السلام إلى الألوهية والنبوة، ووصفوهم في الدين والدنيا بما تجاوزوا فيه الحد وخرجوا عن القصد. فهم ضلال وكفار).

والإمامية لا يجيزون القدح في الصحابة. فإذا وجد قادحون منهم فآراؤهم فردية، في أفراد، من الصحابة. يبديها المتطرفون، وأشباههم موجودون في أهل السنة، ممن قدحوا في بطل الإسلام «علي» ، وريحانتي النبي «الحسن» و «الحسين» .

والقدح «معصية» لا تخرج من الإسلام.

ولا يعتبر معصية اجتهاد «مجتهد» تأول فأخطأ وقد نظر علماء السنة هذا النظر الأخير إلى خلافات المعتركين من الصحابة في الجمل وصفين فاعتبروها اجتهادات فيها الخطأ والصواب.

___________________

(١) الكيسانية يقولون بإمامة محمد بن الحنفية بعد وفاة أبيه. وإن الحسن والحسين انما خرجا بإذنه. ومن الكيسانية أشياع المختار بن عبيد الله الثقفي .(٦٧).

ومنهم الهاشمية. الذين يقولون إن محمدا أفضى إلى ابنه أبي هاشم بالأسرار التي أفضى إليه بها أبوه. ولما مات أبو هاشم انقسمت فرقته فرقا. واحدة تقول انه أوصى لأخيه علي. وان الوصية لا تخرج عنهم حتى «يرجع» محمد بن الحنفية. وواحدة تنقسم إلى فرق. منها فرقة تقول انه أوصى إلى معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (وقد قتله ابو مسلم الخراساني). وفرقة تقول انه أوصى إلى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس. وهاتان فرقتان تخرجان الإمامة إلى غير ابناء علي. وتفسران اهل البيت تفسيراً يسع غير أبناء علي.


والإمام علي معلم أول للأصول والفقه وأدب الدنيا والدين: يقول عن الخوارج الذين كفروه! وطلبوا إليه التوبة! (إخواننا بغوا علينا)(١) .

والإمامية يقولون إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوصى إلى اثني عشر إماما بأسمائهم. كل منهم يبين خلفه باسمه. إذ يكشف الله له. أولهم علي الذي أوصى للحسن. وأوصى الحسن للحسين. وتتابعت لزين العابدين ومنه للباقر الذي أوصى للصادق. وتتابعت الوصية من الصادق إلى ابنه موسى الكاظم(١٨٣) فابن الكاظم علي الرضا،(٢٠٣) فابن الرضا محمد الجواد(٢٢٠) فابن الجواد علي الهادي(٢٥٤) فابن الهادي الحسن العسكري(٢٦٠) فابن العسكري محمد المهدي المولود بسامرا سنة ٢٥٦ ، والمختفي بعد عام ٢٦٠ والمنتظر ظهوره ليملأ الدنيا عدلا.

___________________

(١) ويقول ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة (وكل من عاداه أو حاربه وأبغضه فإنه عدو لله سبحانه وتعالى وخالد في النار مع الكفار والمنافقين إلا من ثبتت توبته ومات على توليه وحبه. فأما الأفاضل من المهاجرين والأنصار الذين ولوا الإمامة قبله.. رأيناه رضي إمامتهم وبايعهم وصلى خلفهم وأنكحهم وأكل فيئهم ألا ترى أنه لما برئ من معاوية برئنا منه. ولما لعنه لعناه. ولما حكم بضلال أهل الشام ومن كان بينهم من بقايا الصحابة كعمرو بن العاص وعبد الله ابنه حكمنا أيضا بضلالهم.. والحاصل أننا لم نجعل بينه وبين النبي إلا رتبة النبوة وأعطيناه كل ما عدا ذلك من الفضل المشترك بينه وبينه. ولم نطعن في أكابر الصحابة. الذين لم يصح عندنا أنه طعن فيهم) .

وقول ابن أبي الحديد منطقي في اتباع علي. ومن المنطق كذلك ترتيب الآثار على بيعة الجمهور لخليفة جديد، هو أمير المؤمنين الحسن بن علي، ثم انعقاد الصلح بينه وبين معاوية في السنة الحادية والأربعين، فلا تسوغ معاملة أشياع معاوية معاملة المحاربين أو الخارجين على الإسلام. فلقد أصلح الله بالحسن بين هاتين الفئتين من المسلمين.


السنة

يروي الحارث الأعور : قلت يا أمير المؤمنين إذا كنا عندك سمعنا منك ما يشد ديننا وإذا خرجنا من عندك سمعنا أشياء مختلفة ولا ندري ما هي؟ قال: أو فعلتموها؟.. سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله يقول (أتاني جبريل فقال : يا محمد ستكون في أمتك فتن. قلت فما المخرج منها؟ فقال كتاب الله) وإذا كان في الكتاب حل لكل مشكلة، فالسنن موضحة ومنفذة لأحكامه .

والسنن إذ تروي عن جعفر بن محمد الصادق أو عنه عن آبائه أو تروي عن الأئمة عامة لا يوجد فيها صحابي يختلف الشيعة معه. وعلى أساس هذه الأحاديث قام فقه الشيعة الإمامية. مرويا عن الإمام فلا يناقشونه. فكلامه نصوص. أي هو سنة. في غنى عن الإسناد، تغني عن الاجتهاد، وفي كتبهم كما قيل ما يكفي الأمة حتى أرش الخدش.

وقد دون علم الأئمة وفقههم في كتبهم. ومنه علم لدني عن الإمام المعصوم. ومنه تفسيرهم للقرآن(١) والأئمة - عندهم - قد اختصوا بعلم ما لم ينص عليه وما لم يعلنه النبي - صلى الله عليه وسلم.

وأقوال الأئمة حجة تلي الكتاب والسنة. والفقهاء الشيعة لا يتجهون إلى الأدلة إلا في غيبة الإمام أو حديث الإمام .

والسنة اساسها القرآن. يقول الإمام الصادق «إذا رويت لكم حديثا فسلوني أين أصله من القرآن». روى يوما نهي النبي «عن القيل والقال وفساد المال وكثرة السؤال) فقيل له أين هذا من كتاب الله؟ فأجاب: (إن الله تعالى يقول (لا خير في كثير من نجواهم الا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس)وقال تعالى (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيام)وقال تعالى (لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) .

فهذه أصول قرآنية ثلاثة لحديث واحد في السلوك. وهو عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى.

___________________

(١) والشيعة تنفي قول القائلين بالصرفة وهو ما يزعمه بعض المعتزلة (النظام) من أن الله صرف المشركين عن أن يحاولوا الإتيان بمثله. فهذا القول مصيره نفي الإعجاز. والإعجاز آية الرسول صلى الله عليه وسلم .


وإذا لم يكشف الإجماع عن رأي الامام المعصوم فباب الاجتهاد مفتوح لطلب الحكم الشرعي فيما ليس فيه نص. والعقل - مع الضوابط التي يضعوا بها من قواعد وأصول - قدير على أن يبلغ المجتهد طلبه.

روى هشام بن سالم قول الصادق (إنما علينا أن نلقي إليكم الأصول وعليكم أن تفرعوا) - وفي نهج البلاغة جملة من الأصول التي نبه عليها أمير المؤمنين علي، وتكلم فيها الأئمة الباقر والصادق والرضا: كالكلام عن الناسخ والمنسوخ والعام والخاص والنوافل والفرائض والرخصة والعزيمة والمطلق والمقيد والمحكم والمتشابه والواجب وغير ذلك ومما ردده الأئمة الثلاثة قواعد الجمع بين الحديثين المتعارضين، والترجيح بينهما، والتخيير، وأحكام النسخ، ولزوم رد المتشابه إلى المحكم، وجواز الأخذ بخبر الواحد، والعمل بالظاهر، ومنع القياس أو تفسير القرآن بالرأي، والعمل بالاستصحاب، وأصالة الحل والإباحة، والطهارة والبراءة والصحة وقواعد الفراغ واليد والقرعة.

وكلام الامام الصادق في هذه الأبواب كثير. ولهشام بن الحكم كتاب في مباحث الألفاظ وفي الأصول. وكذلك ليونس بن عبد الرحمن كتاب في الأصول.

والسنة المتواترة هي التي يتكاثر رواتها ويتفرقون إلى حد لا يمكن معه اتفاقهم على الكذب. وبهذا يتحصل علم قاطع بأنهم لم يجمعهم جامع على الكذب. والتواتر عن الرسول كالتواتر عن الإمام المعصوم.

والإمام الصادق يقول (حديثي حديث أبي وحديث أبي حديث جدي. وحديث جدي حديث الحسين وحديث الحسين حديث الحسن وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين. وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله. وحديث رسول الله قوله تعالى)

والتعبير بأن حديث الرسول هو قوله تعالى يعدل القول بأن السنة هي الحكمة التي ذكر القرآن أن الرسول يعلمها للمسلمين.


وخبر الواحد مقبول لدى جمهور الفقهاء عندهم. وحجتهم في ذلك - على الجملة - كحجج أهل السنة(١) .

والصادق لا يرى بأسا في رواية الحديث بالمعنى سأله تلميذه أسمع منك الحديث فأزيد وأنقص؟ فأجاب: (أن تريد معانيه فلا بأس) .

___________________

(١) أما الرواة عموما فيشترط أن يكونوا من الإمامية الاثنا عشرية يروون عن «إمام» عن النبي. وثمة من يقبل رواية غير الإمامي مادام موثقا أي أمينا عند الإمامية. قالوا (لو كان بعض رجال السند غير إمامي مصرحا بالتوثيق أو مصرحا بالمدح لابد من كون الباقي إماميا موثقا).


ولا يضيقون صدرا بالإرسال من الثقات، بغير معارض، فلقد تقرأ (صحيح فلان عن بعض أصحابنا عن الصادقعليه‌السلام )(١) .

ويمكن القول إجمالا إن الحديث عندهم صحيح وحسن وموثق وضعيف.

فالحديث الصحيح هو الذي ينقله العدل الضابط عن مثله في جميع الطبقات حتى الإمام المعصوم.

والحديث الحسن هو المتصل السند بالإمام المعصوم. فإن انقطع السند لم يعد حسنا. ويشترط أن يكون الراوي ممدوحاً من غير معارضة ذم وإن لم تثبت العدالة. فلو ثبتت لكان صحيحا.

ولا يمكن أن تصل رواية غير الإمامي إلى إحدى هاتين الدرجتين مهما كانت منزلته من التقى والفقه.

والحديث الموثق هو ما دخل في طريقه غير إمامي إذا كان الأصحاب الإمامية يوثقونه. وهنا لا يشترط الاتصال بالإمام المعصوم. وهناك من يشترط أن يتوسط غير الإمامي إماميين. وهناك من يرفضه.

___________________

(١) والإرسال لا يمنع قبول الحديث عند أهل السنة.

كان إبراهيم النخعي يروي الحديث مرسلا. فيقول له الأعمش إذا رويت لي حديثا فأسنده فيجيب: إذا قلت حدثني فلان عن ابن مسعود فهو الذي رواه وإذا قلت قال عبد الله فغير واحد. والحسن البصري يقول (إذا قلت لكم حدثني فلان فهو حديثه ومتى قلت قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فعن سبعين).


والحديث الضعيف غير هذه الأقسام الثلاثة :

وما لا يبلغ حد التواتر يسمى خبر الواحد. فوصف الواحد يراد به عدم التواتر، وقد يكون عن متعددين. فالخبر المستفيض والمشهور نوع من خبر الواحد. المستفيض ما رواه أكثر من اثنين. والمشهور ما اشتهر على الألسن وفي الكتب، وإن كان رواية واحد(١) .

أما الشهادة فيقول فيها الإمام جعفر (لو لم تقبل شهادة المقترفين للذنوب لما قبلت إلا شهادة الأنبياء، والأوصياء. فمن لم تره بعينيك يرتكب ذنبا ولم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل العدالة والستر. وشهادته مقبولة وإن كان في نفسه مذنبا).

وإذا كان في بعض المذاهب من لا يقبل شهادة أصحاب الصنائع التي يسمونها (دنيئة) فالإمامية يرون قبول شهادتهم. والله يقول (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) فليس في الصناعات شريف ومشروف، وإنما الصناع فيهم من هؤلاء وهؤلاء .

والشيعة - مع هذا - ضائق صدرهم بالطفيليين والمستجدين. فهؤلاء متساهلون في عزة النفس التي أمر الله بها المسلمين.

والصادق يقول (إن الإجماع لا ريب فيه) وهو عند الإمامية (اتفاق جماعة يكشف اتفاقهم عن رأي المعصوم) فلا يخلو عصر من وجود الإمام ظاهراً أو خافياً. وإذ كان اتفاق جماعة من الإمامية فيخرج غيرهم. ومن أجل ذلك عرفت أراء الصادق من خلال اتفاق تلاميذه.

وليست الحجة للإجماع. بل هي لرأي الإمام المعصوم الذي يكشف عنه الإجماع.

___________________

(١) الخبر الذي يحصل العلم بصدوره من قرائن داخلية أو غيرها مطابقة لظاهر القرآن أو معانيه أو لأدلة العقل، حجة معتبرة، لا للشهرة أو الاستفاضة أو التواتر أو أي شيء آخر، بل العلم بصدوره الذي هو حجة بنفسه - فالخبر المتواتر أو المعلوم بصدوره لا حاجة لشروط في روايته وإنما الشروط في خبر الواحد.

وقد يعملون بالضعيف إذا اشتهر العمل به بين الأقدمين - أما علامات وضع الحديث فهي كمثلها عند أهل السنة تقريبا. وليس عجيبا أن تكون السنة التي يتمسك بها الشيعة في مجموعها هي السنة التي يتمسك بها أهل السنة. فخلافات الروايات واسنادها أو إضافة مصدر الأئمة، لم تدخل في التراث النبوي العظيم ما يغيره.

ومشايخ الإمامية يوثقون الإمامية المخطئين في الاعتقاد. والإمام الصادق إذ يقول (خذوا ما رووا. وذروا ما رأوا) يقصد أراءهم ولقد طالما رفض مجتهدوهم أحاديث ذكرت في كتبهم، وأخذوا بما جاء في صحيحي البخاري ومسلم لتفحصهم أحوال رجالهما.


والإجماع يثبت بالتواتر والمشاهدة وبخبر الواحد. وليس اجتماع الرجال شرطاً عندهم. والإجماع من عصر أو عصرين لا يجعل الحكم ضرورة دينية أو مذهبية. بل يكون أجتهادياً يقبل الجدال. أما إجماع الأمة في كل عصر ومصر، من عهدة الرسول للأن، فيجعل الحكم من ضرورات الدين. والإجماع من الصحابة يدخل فيه علي بن أبي طالب. فهو الإمام المعصوم .

والعقل يكشف عن نظر الإمام إن لم يوجد نص أو إجماع .

فالاجتهاد(١) مفتوح أبدا في الظنيات التي ليس فيها دليل من الشرع يفيد اليقين، وليس للعقل فيها حكم واجب حتم. كخلاف الصحابة في العول في المواريث وعدة الحامل المتوفى عنها زوجها. وكالمعاملات. أما القطعيات فلا اجتهاد فيها كالعقائد الواجبة، وما ثبت من الأحكام العملية بالتواتر. والعقائد كاتصاف الله بالكمال وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، والبعث والحساب. والأحكام العملية كالصلاة والصوم والحج.

وليس من وسائل اجتهاد الشيعة القياس. فالإمام الصادق يقول (إن السنة إذا قيست محق الدين) ولما قيل له أرأيت إن كان كذا وكذا ما يكون القول فيها؟ قال (ما أجبتك فيه من شيء فهو عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . لسنا من أرأيت في شيء) لكن وسائل استعمال العقل مباحة للمجتهد .

___________________

(١) يشترط الشيعة في المجتهد:

١ ـ العلم باللغة.

٢ ـ بالكلام.

٣ ـ بكتاب الله والسنة.

٤ ـ بطرق الإستنباط.

٥ ـ المسائل المجمع عليها حتى لا يخالفها اجتهاد.

٦ ـ الفطنة وإدراك الحقائق.

٧ ـ العلم بمواطن الخلاف. كل ذلك

٨ ـ وهو إمامي.


والإمام الصادق يقول : «ما من أمر يختلف فيه اثنان إلا وله أصل في كتاب الله ولكن لا تبلغه عقول الرجال» .

وآيات الأحكام قليلة، وكمثلها قلة، أحاديث أصول الأحكام،(١) فوجب الاجتهاد ونحن مأمورون باستعمال العقل. وحكم السماء تظهر للعقول بالتدريج.

كان أصحاب النبي يجتهدون في وجوده وازدادت حاجتهم للاجتهاد بعد موته. والدنيا أطوار تحتاج للفقه الذي يطبق عليها حكم الشريعة لتبقى الحياة محكومة بالدين، وتتطور في حدود مقاصد الشارع.

___________________

(١) آيات الكتاب (٦٢٣٦) آية على طريقة عد الكوفيين كما ورد في التعليق على المصحف المتداول بمصر من سنه ١٣٣٧ هجرية أحصى بعض فقهاء أهل السنة نحو(١٤٠) في العبادات، (٧٠) في المعاملات، (٧٠) في الأحوال الشخصية والمواريث،(٢٠) في الجنايات،(١٣) في المرافعات، و(٢٠) في القضاء والشهادة،(١٠) في الاقتصاديات و(١٠) في المسائل الدستورية،(٢٥) في المسائل الدولية - وأحاديث أصول الأحكام عندهم نحو(٤٥٠) بين آلاف الأحاديث أكثرها بيان مجمل أو تفصيل موجز أو تشريع ما سكت عنه.


وحكم الله في كل مسألة معين، نصب الله دليلا عليه. فمن المجتهدون من يصل إليه ويصيبه. ومنهم من لا يصل إليه ويظن غيره. فهو مخطئ معذور. مغفور له خطؤه مادام قد بذل جهده دون هوى. وللمصيب أجران لصوابه واجتهاده وللمخطئ أجر واحد على اجتهاده. فذلك حكمه صلى الله عليه وسلم(١) ومن أجله كانت السماحة التي اتصف بها الصحابة إذ يختلفون.

والمنصفون من كل المذاهب يعلنون أن في المذاهب الفقهية المعتبرة خطأ وصوابا. وليس منها مذهب واحد كله خطأ أو كله صواب. لذلك كان التعصب المطلق آفة تؤوف الفقهاء. لقد كثرت مخالفات علي لعمر، ونزول عمر عند رأي علي.

وعلي هو القائل بانه ترك لعمر تنفيذ رأيه (في بيع أمهات الأولاد) في حياة عمر، ولما آل إليه الأمر أنفذ رأيه. فعلمنا أمورا: منها:

١- أن المذهب الشيعي وهو يدور حول آراء علي، إنما هو مذهب حي في حياة الخلفاء الراشدين أنفسهم. فلما آل إليه الأمر وأتيحت له الفرصة التي أتيحت لغيره لتطبيق اجتهاداته أنفذها - ولكن المكان والزمان ضاقا عليه لتوزع جهده في الحروب، وانحصار سلطانه على الأرض، ومعالجته بيد الخوارج .

٢- حق الخليفة في إنفاذ رأيه. ومن ثمة أنفذ عمر رأيه في أمور شتى كما أنفذ أبوبكر رأيه من قبل والرأي اجتهاد.

___________________

(١) يقول عليه الصلاة والسلام لمن سأله أجتهد وأنت حاضر؟ نعم إن أصبت فلك أجران وإن أخطأت فلك أجر.


مشروعية الخلاف. وهو درس تعلمه الصحابة من صاحبهم صلى الله عليه وسلم. مطلوب من الجميع أن يتعلموه. وأن يعلموا الناس أنه وسيلة التقدم.

روى النسائي أن رجلا أجنب فلم يصل. فذكر ذلك للنبي فقال:

أصبت. وأجنب رجل فتيمم وصلى، فذكر ذلك للنبي فقال أصبت. وروى البخاري عن عمران بن حصين أنه قال للرجل الذي اعتزل فلم يصل في القوم (فما يمنعك أن تصلي) فقال أصابتني جنابة ولا ماء. قال (عليك بالصعيد. فإنه يكفيك) .

ورأى عمرو بن العاص فيما فهم من قوله تعالى (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)جواز التيمم للجنب إذا خاف على نفسه البرد.

والآثار في الخلاف بين الصحابة كثيرة جدا(١)

والخلاف بين المجتهدين أجل من أن يحصر. وفيه ثراء للفكر، وسعة في الدنيا، ورحمة بالأمة.

كان أحمد بن حنبل يرى الوضوء من الفصد والحجامة والرعاف فقيل له: فإن كان الإمام قد خرج منه الدم ولم يتوضأ هل تصلي خلفه؟ فقال: كيف لا أصلي خلف «مالك» وسعيد بن المسيب»؟

وكان مالك يفتي الرشيد أنه لا وضوء عليه إذا هو احتجم. فصلى يوما بعد الحجامة وصلى خلفه «أبو يوسف» صاحب «أبي حنيفة» (وهو يرى الوضوء من الحجامة)

واغتسل أبو يوسف في الحمام، وأخبر بعد صلاة الجمعة أنه كان في بئر الحمام فأرة ميتة فلم يعد صلاته وقال (نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة : إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا).

___________________

(١) راجع نحو تقنين جديد للمعاملات والعقوبات من الفقه الإسلامي (من مطبوعات لجنة تجلية مبادئ الشريعة الاسلامية)- عبد الحليم الجندي - طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية فقرات ٤٢ إلى ٤٨.


فهؤلاء أئمة المذاهب لا يتسامحون في خلافاتهم فحسب، بل يتجاوزون الخلاف العلمي إلى التطبيق العملي.

من أجل ذلك يقول أحمد لتلميذ إسحق بن بهلول إذ ألف كتابا يريد أن يسميه «كتاب الاختلاف»: (سمه كتاب السعة).

ويقول عمر بن عبد العزيز «ما سرني باختلافهم حمر النعم».

الامامة

الإسلام دين ودولة. فالدولة تكفل لمبادئ الإسلام التطبيق، والانتشار، وانتفاع الجماعة والأفراد به. وبالدين عزة الفرد والجماعة، ورسوخ أركان الدولة. والدين للدولة روح للجسد وهو للفرد دم نقي يجري في عروقه أو هواء صحي يتنفسه. ولا حياة إلا بالدم والتنفس. وكان من أيات الإعجاز الإسلامي أن يبلغ المسلمون الذروة أفرادا أو دولا أو مجتمعات في عصر، أو في أشهر، بل في ساعات، بمجرد إخلاصهم في التمسك بالإسلام.

لقد بلغوا ما يدعو إليه الإسلام في «خلافة» أبي بكر وعمر، والسنين الستة الأولى من «خلافة» عثمان، وفي أقل من ثلاثين شهرا في «خلافة» عمر بن عبد العزيز. والخلافة الراشدة قيادة مسددة.

ولقد بلغ المحاربون مبالغهم، في يوم واحد، هو العاشر من رمضان سنة١٣٩٣ ، إذ كانوا يقتحمون حصون إسرائيل وهم يتنادون : الله أكبر: الله أكبر.

والإمامة - أو الخلافة - قد تكون خلافة عن النبي في تبليغ الأمور الدينية أو في الولاية السياسية أو فيهما جميعا. وهي عند الشيعة دينية وسياسية محصورة في أهل البيت. لكنها عند جمهور أهل السنة تجوز لأي قرشي عادل، يختاره المسلمون بشورى صحيحة، وبيعة عام.

ولا تبقى الخلافة إلا ما بقى الخليفة قائما بالعدل، فإذا انحرف لم تبق خلافة نبوية بل استحالت سلطة دنيوية أي ملكا.


والشافعية والمالكية والحنابلة يرون القرشي العادل إذا تغلب، فبايعه المسلمون بيعة صحيحة راضين مرضيين، تكون البيعة له صحيحة، وإن تأخرت عن الولاية التي نالها بالغلبة. أما الحنفية فيشترطون سبق البيعة ضمانا للحرية وكفالة للمشورة.

والشيعة الإمامية يرون الإمامة ثابتة لاثني عشر إماماً بذواتهم لا بالبيعة لهم، ولكن بالوصية اليهم. وهم علي وبقية الاثني عشرة، والله يعلن الإمامة لمن قبله فيوصي السلف للخلف. وليست بيعة الجماعة لهم إلا إعلان رضا المسلمين بهم، لا ترشيحهم أو اختيارهم.

والشيعة الإمامية يرون «واجبا على الله تعالى» ان ينصب إماما للناس لطفا منه بعباده. وأهل السنة يرون نصب الإمام «واجبا على الناس».

أما الخوارج فلا يرون واجبا نصب الإمام، بل يرونه «جائزا»، إلا إذا قامت الحاجة إليه فيجب. وهم كالمعتزلة يرون أن الخلافة يصلح لها أصلح رجل في الأمة عربيا أو غير عربي، ويرون أنها تكون بانتخاب حر. ويؤثرون أن ينتخب غير قرشي، لييسر نزعه إن أخطأ.

يقول الإمام الصادق (لا يموت الإمام حتى يعلم من يكون من بعده فيوصي له) ويقول: (أترون الموصي منا يوصي إلى من يريد ؟ لا والله. ولكن عهد من الله ورسوله لرجل فرجل، حتى ينتهي الأمر إلى صاحبه).

ويقول لتلميذ له (يا أبا محمد إن الله افترض على أمة محمد صلى الله عليه وسلم خمس فرائض. الصلاة والزكاة والصيام والحج وولايتنا فرخص لهم في أشياء من الفرائض الأربعة. ولم يرخص لأحد من المسلمين في ترك ولايتنا.لا والله ما فيها رخصة. وقال النبي عليه الصلاة والسلام «من مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهلية» عليكم الطاعة فقد رأيتم أصحاب علي).

ومن توفيق الإمام جعفر ، وأبنائه، أنهم لم يطلبوا لأنفسهم خلافة دنيوية. وبهذا يتميز تاريخ الشيعة الإمامية من الشيعة الإسماعيلية، التي ستظهر بعد موت الإمام بوقت طويل. والتي كان من أهدافها ولاية السلطة، وإقامة الدول.


قال سليمان بن خالد للإمام الصادق: إن الزيدية قوم عرفوا وخرجوا وشهدهم الناس، وما على الأرض محمدي أحب إليهم منك. فان أردت أن تدنيهم وتقربهم منك فافعل. فاجاب (إن كان هؤلاء السفهاء يريدون أن يصدونا عن علمنا إلى جهلهم، فلا مرحبا بهم، وإن كانوا يسمعون قولنا وينظرون أمرنا، فلا بأس).

ومع أن «مؤمن الطاق» - تلميذ الإمام الصادق - ثبط زيد عن الخروج، «فالصدوق» يروي عن الإمام «الكاظم» قول أبيه (رحم الله عمي زيدا إنه دعا إلى الرضا من آل محمد ولو ظفر لوفى) فزيد لم يدع لنفسه، لأن الإمامة كانت للباقر. وإنما كان خروجه تجديداً للاستشهاد عندما تدعو دواعيه.

يقول الصادق (مضى والله عمي زيد وأصحابه شهداء على مثل ما مضى عليه الحسين بن علي بن أبي طالب وأصحابه)- بل هو يعلن الاستعداد للاستشهاد، ويراه واجباً من واجبات أهل البيت عامة، والأئمة خاصه وأبو بصير يروي عنه قوله (إن الله تعالى أعفى نبيكم أن يلقى من أمته ما لقيت الأنبياء من أممها جعل ذلك علينا).

والشيعة مجمعون أن عليا أولى بالخلافة - دينية أو دنيوية - من الصديق ومن عمر ومن عثمان - لكن عليا سما عن أن يترك في الأمة صدعا يوم بايع لأبي بكر، وقبل استخلاف أبي بكر لعمر، وبايع لعثمان مع المسلمين.

وتسبيب البيعة بأنها كانت لرأب الصدع فيه تسليم بأن ولاية شئون الدولة يمكن أن تنفصل عن الخلافة الدينية. فلو كانت غير ذلك لما سلم علي في أمر يخالف الدين. ولقد طالما عالن الخلفاء الثلاثة برأيه الشجاع. وأجمعوا دائما على تقديره، ونزلوا عنده- وسيبقى له في ضمير التاريخ وصحفه أنه دخل في إجماع المسلمين. فذلك درس لهم - من دروسه التي لا تكاد تحصى- ليعتصموا بحبل الله جميعاً ولا يتفرقوا .

والذين يقولون - من أي فريق - إن عليا بايع «مرغما» يتأولون. فعلي أعلى صوتا ومكانا من أن يرغم، أو لا يعلن رأيه، مواجهة. ولما بايع عمر لأبي بكر يوم السقيفة، كان يومئذ - كعلي يوم بايع - يرأب الصدع بين المهاجرين والأنصار، وهم بين أظهرهم. ولما جعل عمر الخلافة شورى في الستة بعده، كان مسئولا عن المسلمين، كما كان أبوبكر يوم استخلفه.


وعلي في طليعة المسئولين، وكمثله الأئمة بعده.

والذين ينسبون إلى الشيعة ما صنعه أو فهمه الدهماء منهم من قدح في أبي بكر أو في عمر ظالمون. ومن الشيعة مفكرون يعلنون أن من تعود البعض من الشيعة أن يلعنوه في احتفالات مآتم عاشوراء - وقد ظهرت بعد موت الإمام جعفر الصادق بقرن في عهد دولة بني بويه - هو عمر بن سعد قائد الجيش الذي قتل الحسين.

جاء في كتاب الأستاذ أحمد مغنية عن الإمام جعفر الصادق (وقد حورب المذهب الجعفري في عهد العثمانيين والأتراك كما أن المفرقين أنفسهم وجدوا في اتفاق الاسمين: عمر بن الخطاب وعمر بن سعد قاتل الحسين، ميدانا واسعا يتسابقون فيه في تشويه الحقائق يعرف الناس جميعهم أن الشيعة يعنون عناية تامة في المآتم الحسينية التي تقام أيام عاشوراء وغير عاشوراء من أيام السنة والحسين هو موضوع تلك المآتم وكان طبيعياً أن يكون لعنة اللعنات عمر بن سعد ومن من المسلمين وغير المسلمين لا يلعن عمر بن سعد قاتل ابن بنت رسول الله ؟ لا أنكر وجود أفراد - بالأمس - من سواد الشيعة وبسطائهم لا يفرقون بين هذين الاسمين بل لا يعرفون أن في دنيا التاريخ الإسلامي عمرين تقيا وشقيا وساعد على بعد الشقة وتوسيع نطاق الفتنة شيوخ جهلة مرتزقة أئمة من كلتا الطائفتين السنية والشيعة ...)

وأيا كانت الجهالة أو العصبية فهي بلاء ابتليت به الأمة يتفجر بذاء وخصومات في المناسبات - وفيما كان يقع بين مذاهب أهل السنة مشابه.


منها - والمؤكد أن أئمة المذاهب منها براء. وأن الجيل الذي تعلم عليهم بريء من التعصب أو الافتراء. وأن العلماء الصدق بعيدون عن متابعة السواد والبسطاء(١) .

وفقه المذهب غزير في الإمامة مذ فتق الكلام فيها التلاميذ في حياة الإمام وبعد مماته. مستندين إلى أحاديث للنبي، صلى الله عليه وسلم وعلى آله، وردت في كتبهم وفي كتب أهل السنة ذاتها - ويرتبون عليها نظرية الإمامة. أما أهل السنة فلهم في شأن هذه الأحاديث وجهات نظر أخرى حول السند وحول المعنى اللازم .

إليك «بعض» الأحاديث:

يقول عليه الصلاة والسلام (يا أيها الناس. إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا. كتاب الله وعترتي، أهل بيتي)(٢) ويقول (إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله حبل ممدود من السماء وعترتي أهل بيتي. ولن يفترقا حتى يردا على الحوض. فانظروا كيف تخلفوني فيهما)(٣) ويقول (إني تارك فيكم خليفتين كتاب الله وعترتي أهل بيتي)(٤) ويقول (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله عز وجل وعترتي.. فانظروا كيف تخلفوني فيهما)(٥) أو (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي. وانهما لن يفترقا..)(٦) ذلك أنه لما رجع عليه الصلاة والسلام من حجة

___________________

(١) يذكر الراغب الأصفهاني في المحاضرات من قرون مضت: سئل رجل كان يشهد بالكفر على آخر عند جعفر بن سليمان فقال : إنه رجل معتزلي، ناصبي، حروري. جبري. رافضي. يشتم علي بن الخطاب وعمر بن أبي قحافة. وعثمان بن أبي طالب وأبا بكر بن عثمان. ويشتم الحجاج الذي هدم الكوفة على أبي سفيان. وحارب الحسين بن معاوية يوم القطائف فقال جعفر (قاتلك الله. ما أدري على أي شيء أحسدك. أعلى علمك بالأنساب أم بالأديان أم بالمقالات) .

(٢) أخرجه الترمذي والنسائي عن جابر.

(٣) أخرجه الترمذي عن زيد بن أرقم.

(٤) أخرجه أحمد بن حنبل بطريقين صحيحين وأخرجه الطبراني.

(٥) أخرجه أحمد بن حنبل وآخرون.

(٦) أخرجه الحاكم في المستدرك وآخرون ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه.


الوداع نزل بغدير خم يوم ١٨ ذي الحجة في السنة العاشرة - والشيعة تعتبره عيداً يسمى عيد الغدير- وكان قد نزل عليه الوحي (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك. وإن لم تفعل فما بلغت رسالته. والله يعصمك من الناس)، فأمر بدوحات فقممن فقال (كأني دعيت فأجبت إني قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله تعالى وعترتي. فانظروا كيف تخلفوني فيهما فإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض ثم قال : اللهم وال من والاه وعاد من عاداه)(١) .

وابن حجر في صواعقه يقرر أن لهذا الحديث طرقا كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابيا مع اختلاف في المكان أهو غدير خم أم الطائف أم المدينة. أما طرقه عن أهل البيت فنحو ثمانين طريقا.

وفي علي قوله صلى الله عليه وسلم (من أحب أن يحيا حياتي ويموت ميتتي ويدخل الجنة التي وعدني ربي فليوال عليا وذريته من بعده. فإنهم لن يخرجوكم من باب هدى ولن يدخلوكم في باب ضلالة)(٢) .

وفي أهل البيت قوله صلى الله عليه وسلم (ألا إن مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح. من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق. وإنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل. من دخله غفر له(٣) وقوله (النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق وأهل بيتي أمان لأهل الأرض من الاختلاف)(٤)

والشيعة مؤمنون بأنه لا ينقض حجة هذه الأحاديث على منزلة أهل البيت ومكانة علي، تأويلها من بعض أهل السنة أو التشكيك فيها من البعض الآخر.

___________________

(١) أخرجه الحاكم من طريقين عن زيد بن أرقم وأخرجه مسلم في صحيحه حتى كلمة الحوض مع خلاف في بعض الكلمات.

(٢) مسند أحمد بن حنبل -ابن حجر- كنز العمال- وبهذا المعنى في المستدرك

(٣) الصواعق لابن حجر.

(٤) أخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس.

وفي مسند أحمد أن عمر كان أول المهنئين لعلي يوم الغدير. كما هنأه الصحابة الحاضرون.


والآخرون يرونها سنداً صحيحاً في تكريم علي ولا يرونها سنداً في الإمامة بالمعنى الذي يريده الشيعة.

ولقد كان الصحابة يجلون عليا كل الإجلال. والكثرة منهم لا تسلم له بأولوية الخلافة على سابقيه من الخلفاء. ثم جاء جيل جديد أصبح فيه إنكار هذه الأولوية وسيلة للسلطة لتثبيت شرعيتها، بل طريقا إلى أصحاب السلطة، يسلكه من يلتمسون المصلحة أو الجاه أو الراحة .

لكن الأمة بقيت على حب علي وإبنائه. وكثرتها ككثرة الصحابة في إجلاله.

فالشافعي- أكبر عقل علمي- يضع حب أهل البيت بين فرائض الدين. ويذكر المسلمين بأن الصلاة على أهل البيت جزء من الصلاة لله يقول :

يا أهل بيت رسول الله حبكمو

فرض من الله في القرآن أنزله

كفاكمو من عظيم القدر أنكو

من لم يصل عليكم لا صلاة له

والإمام أحمد يقول (ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله من الفضائل ما جاء لعلي) وتشيع أبوحنيفة محل إقرار أو إنكار. وهو القائل (لولا السنتان لهلك النعمان) قاصداً مدة دراسته على الإمام الصادق. ومالك بن أنس من أنبه تلاميذ الإمام جعفر ذكرا. والأربعة أئمة أهل السنة.

أخرج أحمد بن حنبل عن عائشة (جاء رجل فوقع في علي وعمار عند عائشة. فقالت: أما علي فلست قائلة لك فيه شيئا. وأما عمار فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيه (لا يخير بين أمرين إلا اختار أرشدهما).

ولقد كان عمار من أول حياته في الإسلام، حيث كان في آخر يوم في حياته في الدنيا، مع علي. وفي جنده مات في صفين وهو في التسعين. قتلته الفئة الباغية عليه وعلى علي معه.


ولقد أوصى(١) النبي لعلي أن يغسله صلى الله عليه وسلم ويجهزه ويدفنه ويفي دينه وينجز وعده، ويبرئ ذمته ويبين للناس ما اختلفوا فيه. وما ذلك إلا لأن عليا منه ومن أهل بيته حيث هو.

من هذه المكانة لعلي كان معه في صفين ثمانون من الصحابة الأحياء كلهم بدري، وهؤلاء من أهل الجنة.

أما معاوية فمعه الواهمون أو أهل الدنيا الذين يعدهم ويمنيهم، لتصير الأمور إلى ما انتهت إليه في أيامه و ما بعد أيامه.

وأما الأمة فجعلت مكان معاوية من علي، مثلا سائراً في اللسان العربي. (وأين معاوية من علي).

يقول الأحنف بن قيس: دخلت على معاوية فقدم إلي الحار والبارد والحلو والحامض مما كثر تعجبي منه. ثم قدم لونا لم أعرف ما هو. فقلت ما هذا ؟ قال: هذا مصارين البط محشوة بالمخ.. قد قلي بدهن الفستق. وذر عليه بالطبرزد ! فبكيت. فقال ما يبكيك؟ قلت: ذكرت عليا..: بينا أنا عنده وحضر وقت الطعام وإفطاره (إذ كان صائما) وسألني المقام. فجيء له بجراب مختوم. فقلت ما في الجراب؟ .

قال: سويق شعير. قلت: خفت عليه أن يؤخذ أو بخلت به؟

قال: لا. ولا أحدهما. ولكني خفت أن يلته الحسن والحسين بسمن أو زيت. فقلت: محرم هو يا أمير المؤمنين؟

___________________

(١) ومن نصوص وصية النبي الصريحة بالإمامة لعلي: عن محمد بن حميد الرازي - وقد وثقه الأئمة: أحمد ويحيى، وابن جرير الطبري، والبغوي، عن أبي بريدة (لكل نبي وصي ووارث وإن وصيي ووارثي علي بن أبي طالب) ومثله- بالمعنى مروي عن سلمان الفارسي. وقال عليه الصلاة والسلام لفاطمة (يا فاطمة أما ترضين أن الله عز وجل اطلع إلى أهل الأرض فاختار اثنين أحدهما ابوك والآخر بعلك) وعن ابن عباس أن الرسول قال لها؟ أما ترضين أني زوجتك أول المسلمين إسلاما وأعلمهم علما وأنك سيدة نساء أمتي كما سادت مريم نساء قومها. أما ترضين يا فاطمة أن الله اطلع إلى أهل الأرض فاختار رجلين فجعل أحدهما أباك والآخر بعلك؟)

ومنها أن النبي يقول عن الحسين (ابني هذا إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمة تاسعهم قائمهم).


قال لا. ولكن يجب على أئمة الحق أن يعتدوا أنفسهم من ضعفة الناس لئلا يطغى الفقير فقره.

فقال معاوية: ذكرت من لا ينكر فضله.

يرى الشيعة أهل البيت ثاني الثقلين وأولهما القرآن، والثقل كل خطير نفيس. وهم عدل القرآن في الأمة، وخلفاء الرسول في الحفاظ على الشريعة. فللأئمة جميع ماله من المناصب ما عدا رتبة النبوة. ولديهم الكتب التي دون فيها علم النبوة، وفيهم ينحدر الهدى النبوي، وتنحصر الإمامة.

وأن الله سبحانه وتعالى يختار للنبوة من يشاء ويختار للإمامة من يشاء. ويأمر نبيه بالنص عليه وتنصيبه للناس بعده للقيام بوظائفه، إلا أن الإمام لا يوحى إليه بل يتلقى الأحكام عن النبي مع تسديد السماء له، فهو مبلغ عن النبي، في حين أن النبي مبلغ عن الله جل شأنه.

والإمامية يرون الإمام إنسانا من البشر. لكنه أفضل أهل زمانه. ولا تجوز عبادته فهذا عمل من خداع إبليس. وأن من هذا شأنه يجب أن يكون معصوما من الخطأ. فالناقص لا يكمل غيره. ووجه الحاجة إلى العصمة فيه وفي النبي واحد(١) وهو حفظ الأحكام عن الخطأ وإذا كان ذلك كذلك، فما يرد عن الإمام سنة. سواء أكان رواية عن النبي أم كان رأيه لأنه نص. أما ما لا يرد عن الإمام فهو محل للاجتهاد وفق القرآن والسنة والإجماع والدليل العقلي.

أما ولاية الحكم، فقد رأينا الإمام الصادق وآباءه لم يطلبوها كما لم يطلبها الأئمة بعده.

يقول الكاظم لهشام (كما تركوا لكم الحكمة اتركوا لهم الدنيا). فما أحراهم أن يتركوا للملوك ما يتناحرون عليه .

___________________

(١) يقول الشريف المرتضى في كتابه (تنزيه الأنبياء) (قالت الشيعة الإمامية لا يجوز عليهم (الأنبياء) شيء من المعاصي والذنوب. كبيراً كان أو صغيراً لا قبل النبوة ولا بعدها. ويقولون في الأئمه مثل ذلك) .


ويعتبر الشيعة الاعتقاد بإمامة الأئمة الاثني عشر من أصول الدين عندهم. وأنها «رديفة» التوحيد والنبوة، وفي حين لا يوافق أهل السنة على ذلك، لا تكفر الشيعة أهل السنة في إنكارها هذا الأصل. ولا يكفر أهل السنة الشيعة باعتقادها في الإمامة.

وإنما يشتد الخلاف من جراء الغلو في الأئمة ونسبة أشياء إليهم يختلف في بعضها أهل السنة أنفسهم، كالرجعة، أو القدح في بعض الصحابة، كعمرو ومعاوية والمغيرة. أو يختلف فيها الشيعة أنفسهم كولاية المفضول، والنص على الإمام بالاسم لا بالوصف. مما حدا بالأضداد والأشياع إلى تبادل أزمة الثقة. أما الفاقهون فأدخلوا خلافاتهم فى إطار ما يختلف فيه المجتهدون. وأما المتعصبون، من كل ملة، فيتقاطعون . وما يتقاطعون إلا للمصلحة أو للغلواء أو لضيق الأفق(١) .

___________________

(١) دخل إبراهيم بن هرثمة على المنصور فتهدده لأنه يمدح أهل البيت. ولما خرج إبراهيم لقي علويا سلم عليه فصاح به: لا تشط بدمي.

وفي سنة ٣٥٠ استعانت الجماهير بالجند ضد الشيعة. وفي سنة ٣٦٣ قتل الكثيرون من أجل اقامة الشيعة لشعائرهم. وفي سنة ٤٠٣ صدر مرسوم بلعن العلويين خلفاء مصر وإنكار نسبهم. وكانت موقعة الكرخ فتكاً بأموال الشيعة وأرواحهم وأطفالهم. وفي سنة ٤٣٩ كبست دار الطوسي ببغداد. وفي سنة ٤٤٨ و ٤٤٩ أحرقت مكتبة الطوسي فترك بغداد إلى النجف.

وعدوان المالكية على الشافعي في جامع عمرو مشهور. وطرد المالكية والحنفية من أجل الشغب في جامع عمرو بعد ذلك بأمر القاضي الحارث بن مسكين معروف. وكذلك فتنة الحنابلة في مجلس الطبري(٣١٠) وفي عهد البر بهاري وفيما بعده وقد طالما أرهجت بغداد.

ومن الإزراء بالتعصب المذهبي تتردد على الألسن سخرية الزمخشري، وهو حنفي

إذا سألوا عن مذهبي لم أبح به

وأكتمه . كتمانه لي أسلم

فإن حنفيا قلت، قالوا بأننى

أبيح الطلى وهو الشراب المحرم

وإن شافعيا قلت، قالوا بأنني

أبيح نكاح البنت والبنت تحرم

وإن مالكيا قلت، قالوا بأننى

أبيح لهم أكل الكلاب وهم هم

ولقد طالما كفرت جماعة جماعة أخرى: بغيا عليها أو تحاملا منها في التعبير عن الخلاف معها. كان نظم الملك(٣٨٥) وزيراً عظيما: ينشر العلم وينشئ المدارس، ويعمل للوحدة، ويحاول أن يجمع الخلافتين العباسية والفاطمية، أي أهل السنة والشيعة الإسماعيلية، وكان يجتمع لديه علماء الفرق، فدخل عليه عبد السلام بن محمد القزويني شيخ المعتزلة وعنده أبو محمد التميمي ورجل آخر أشعري، فقال له: أيها الصدر. لقد اجتمع عندك رءوس أهل النار. أنا معتزلي وذلك أشعري وهذا مشبه. وبعضنا يكفر بعضا =


= وفي سنة ٤١٢ صدر مرسوم في بغداد كفر به الخليفة القادر المعتزلة وأمر باستتابتهم، وقد سبق منهم العمل عند الخلفاء لقهر المحدثين والفقهاء في عصر المأمون والمعتصم والواثق

وفي حياة الفيروزابادي الشافعي قامت الفتنة على الشافعية سنة ٤٧٩. وفي سنة ٥٠٧ قال قاضي الحنفية بدمشق: لو كان لي من الأمر شيء لوضعت الجزية على الشافعية. وفي سنة ٥٦٧ قال أبو حامد الطوسي المقال نفسه في الحنابلة وفي سنة ٥٥٤ حرقت الأسواق في أصفهان لنزاع الحنفية والشافعية. وفي سنة ٤٦٩ هاج الحنابلة في بغداد إذ ولى القشيري الوعظ بالمدرسة النظامية. ومن قبل ذلك بعام سنة ٤٦٨ انتقل السمعاني من مذهب أبي حنيفة إلى مذهب الشافعي فثار الحنفية بمدينة مرو في خراسان فنفاه سلطانها حقنا لدمه. وفي العصر ذاته أمر ابن تاشفين بإحراق كتب الغزالي في احتفال رسمي بمسجد قرطبة

وذات يوم رأى الوالي الحنفي في بلاد ما وراء النهر في مخرجه للصلاة في الصباح مسجداً للشافعية فقال: أما آن لهذه الكنيسة أن تغلق؟ وفي جيلان كان القوم حنابلة إذا قدم عليهم حنفي قتلوه وجعلوا ماله فيئا للمسلمين وأما أهل الأندلس فكانوا مالكية يطردون من الأندلس الحنفي أو الشافعي أو الحنبلي إذا وفد عليها. فإن كان معتزليا فربما قتلوه...

ومن سد الذريعة أفتى البعض بتعزير من يترك مذهبا لمذهب.

وفي القرن الثامن من الهجرة فصل من التدريس بمصر أبو العباس الحنبلي (٧١٦) لأنه ذكر أن عمر منع تدوين الحديث، وأن ذلك كان سبب تعارض النصوص في الحديث وخلاف العلماء.

وفي القرن العاشر علقت على باب زويلة رأس المولى ظهير المدين الأردبيلي لأنه قال ان مدح الصحابة ليس بفرض.

وفي تركيا قتل في عهد السلطان سليم الأول (٩٢٦) نحو أربعين ألفا من الشيعة.

وهكذا تدور رحى البطش في كل اتجاه، لكن لها قانونا لا يتخلف هو أن الباطشين اليوم مبطوش بهم غداً.


ومرد عدم التكفير(١) بين الشيعة وأهل السنة مع الخلاف في الاعتقاد بالإمامة، إلى أن الأصول - كما يقول الشيعة - ثلاثة: التوحيد، والنبوة، والبعث - ويكفي من التوحيد الإيمان بوحدانية اللّه تعالى . ويكفي من النبوة الإيمان بأن محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رسول اللّه صادق فيما أخبر به معصوم . ويكفي من المعاد الاعتقاد بأن كل مكلف يحاسب بعد الموت.. أما الفروع التي هي من ضرورات الدين فهي كل حكم اتفقت عليه المذاهب الإسلامية كافة، من غير فرق بين مذهب ومذهب كوجوب الصلاة . فإنكار حكم من هذه الأحكام إنكار للنبوة وتكذيب لما ثبت في دين الإسلام بالضرورة .

وضرورات «المذهب الشيعي» نوعان . نوع يعود للأصول وهو الإمامة. فيجب أن يعتقد كل «شيعي» إمامة الاثني عشر إماما . والنوع الثاني يرجع إلى الفروع كنفي العول ونفي التعصيب . فمن أنكر فرعا منها كان غير شيعي وإن كان مسلما.

___________________

(١) أهل السنة لا يكفرون إلا من يجحد فرائض الإسلام لأنه جاحد للأصل. يقول الغزالي: (أعلم أن شرح ما يكفر به ولا يكفر به يستدعي تفصيلا طويلا. فاقنع الآن بوصية وقانون. أما الوصية فأن تكف لسانك عن أهل القبلة، ما أمكنك، ما داموا قائلين لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه. وأما القانون فهو أن تعلم أن النظريات قسمان. قسم يتعلق بأصول القواعد وقسم يتعلق بالفروع. وأصول الإيمان ثلاثة: الإيمان باللّه وبرسوله وباليوم الآخر وما عداه فروع. واعلم أنه لا تكفير في الفروع أصلا. إلا في مسألة واحدة. وهي أن ينكر أصلا دينياً من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالتواتر. لكن في بعضها تخطئة كما في الفقهيات .)


والإيمان والإسلام عند الشيعة مترادفان. يثبتان لمن آمن بالتوحيد والنبوة والبعث. ويطلقان على معنى أخص هو هذه الأركان ومعها ركن العمل بدعائم الإسلام - وهي الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد - ويزيدون ركنا خامسا هو الاعتقاد بالإمامة، وأنها منصب إلهي كالنبوة، منصوص على من يليها. وأن الإمام أفضل أهل زمانه. ومعصوم. فمن اقتصر على الأركان الأربعة الأولى مسلم مؤمن. وإنما الاعتقاد بالإمامة له أثر في منازل القرب والكرامة يوم القيامة.

يقول الإمام محمد الحسين آل كاشف الغطاء (نعم يظهر أثر التدين « بالإمامة » في منازل القرب والكرامة يوم القيامة - أما في الدنيا فالمسلمون بأجمعهم سواء. وبعضهم لبعض أكفاء. وأما في الآخرة فلا شك أن المسلمين تتفاوت درجاتهم ومنازلهم حسب نياتهم وأعمالهم. وأمر ذلك وعلمه عند اللّه سبحانه. ولا مساغ للبت به لأحد من الخلق. والغرض أن أهم ما امتازت به الشيعة عن سائر فرق المسلمين هو القول بإمامة الأئمة الاثني عشر. وبه سميت هذه الطائفة الإمامية. إذ ليس كل الشيعة تقول بذلك . والقول بالاثني عشر ليس بغريب عن أصول الإسلام وصحاح كتب المسلمين. فقد روى البخاري وغيره في صحاحه حديث الاثني عشر خليفة بطرق متعددة، فيها بسنده عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (أن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة ..)(١) .

___________________

(١) في النصف الأول من القرن الحالي جرت «المراجعات» بين شيخ للأزهر هو الشيخ سليم البشري وبين الإمام عبد الحسين شرف الدين الموسوي(١٢٩٠ - ١٣٧٧) مدة إقامة الأخير بمصر، وهي مراجعات أطراها الطرفان وثبت منها التزام المسلمين جميعا أصول الإسلام، وسعة الفقة للخلاف حول الفروع.

ومن اتساع الفقة للخلاف وجدنا المأمون، المعتزلي الفكر، السني الفقه، يولي عهده عليا الرضا إمام الشيعة. ووجدنا الصاحب بن عباد الذي وزر للدولة البويهية ثمانية عشر عاماً من ٣٦٧ إلى ٣٨٥ وزيراً معتزلي الفكر لدولة زيدية العقيدة، تحكم دولة الخلافة السنية. ووجدنا الشريف الرضي نائبا للخليفة العباسي. كما وجدنا الدولة الأدريسية دولة سنية يحكمها الأدارسة وهم شيعة من نسل الحسن بن علي لكنهم لا يظهرون التشيع. وابن تومرت يقول إنه - كالأدارسة - من نسل الحسن بن علي ومع ذلك لا يقسر الدولة على التشيع. وكذلك بني حمود من نسل الحسن بن علي يحكمون دولة سنية ولا يقسرونها على التشيع . بل سنجد فقهاء عظماء - كالطوسي - حجة في المذهب الإمامي وفي مذاهب أهل السنة. =


= وفي سنة ٥٢٥ عين الخليفة الفاطمي بمصر قضاة أربعة: ثلاثة من مذاهب السنة ورابعا شيعيا لأن الشعب كان سنيا والدولة شيعية. وكان الحافظ السلفي(٤٧٨ - ٥٧٦) يلقى دروس الشافعية في مدرسة بناها له ابن السلام الوزير الفاطمي.

وفي النصف الأخير من القرن الحالي أفتى المرحوم الشيخ محمود شلتوت (أن مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية مذهب يجوز التعبد به شرعا كسائر مذاهب أهل السنة. فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك. وأن يتخلصوا من العصبية بغير الحق لمذاهب معينة، فما كان دين اللّه وما كانت شريعته تابعة لمذهب، أو مقصورة على مذهب. فالكل مجتهدون مقبولون عند اللّه تعالى يجوز لمن ليس أهلا للنظر والاجتهاد تقليدهم والعمل بما يقرونه في فقههم، ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات).

وقال الشيخ شلتوت عن فتواه بعد . (ثم تهيأ لي بعد ذلك - وقد عهد إلي بمنصب مشيخة الأزهر - أن أصدرت فتواي في جواز التعبد على المذاهب الإسلامية الثابتة الأصول المعروفة المصادر المتبعة لسبيل المؤمنين ومنها مذهب الشيعة الإمامية (الاثنا عشرية) . وها هو ذا الأزهر الشريف ينزل على حكم هذا المبدأ، مبدأ التقريب بين أرباب المذاهب المختلفة، فيقرر دراسة هذه المذاهب الإسلامية سنيها وشيعيها دراسة تعتمد على الدليل والبرهان وتخلو من التعصب لفلان وفلان كما أنه اهتم في تكوين مجمع البحوث الإسلامية بأن يكون أعضاؤه ممثلين لمختلف المذاهب الإسلامية) .

والشيخ عبد المجيد سليم شيخ أسبق للأزهر يقول تحت عنوان (القطعيات والظنيات) (قد علمنا من استقراء المذاهب الفقهية وآراء الفرق الكلامية أن في كل منها خطأ وصوابا. ولم نعلم مذهبا من المذاهب الإسلامية المعتبرة خطأ كله أو صوابا كله. وإذا كان الأمر كذلك فلا ينبغي أن تطغى العصبية المذهبية على المسلمين. ولا ينبغي أن يكون هم الحنفي مثلا هو الانتصار لكل ما جاء في مذهب الحنفية. ولا أن يكون هم الإمامي أو الزيدي هو الانتصار والتعصب لكل ما جاء به الإمامية والزيدية. وهكذا.

بل الواجب على المسلمين أن يأخذوا بما ظهر بالبرهان صوابه وأن يكون قصار اهم الرغبة الصادقة في الوصول إلى الحق دون أن يقيموا وزنا لما سوى الحق. بذلك يصبحون فعلا أمة واحدة).


والشيعة يعتقدون أن الأرض لا تخلو من حجة على العباد من نبي أو وصي، ظاهر أو مستور، فالإمام «المهدي» الثاني عشر «غائب» منتظر.

والإمامة منصب ديني لا يجوز التنازل عنه لأنه من اللّه.

ولما تنازل علي للخلفاء السابقين عليه كان التنازل عن الخلافة الدنيوية، وحدها، وبناء على أسباب.

أمور خلافية في الفقه

يظهر من استعراض كبريات مسائل الخلاف بين الشيعة وبين مذاهب أهل السنة، في الفقه، أنها لا تمس أصل الدين. وأنها تحتمل الاجتهاد، وتتسع للخلاف عليها. كما اتسعت أمور أمثالها للخلاف بين مذاهب أهل السنة ذاتها - إلا زواج المتعة. فالخلاف فيه يتميز مما عداه:

أما الفرائض الدينية فواحدة عندهم وعند أهل السنة.

في «الصلاة»: الفروض واحدة لدى أهل السنة ولديهم. وعدد الركعات فيها واحد. اما المندوب عندهم فلا حصر له. وأفضله عندهم «الرواتب» وعددها «على المشهور» ثمانية للظهر وثمانية للعصر قبل الفريضة وأربع للمغرب بعد الفريضة وللعشاء ركعتان جالسا ويجوز قائما وثمانية ركعات صلاة الليل وركعتا الشفع وركعة الوتر وركعتا الصبح قبل الفريضة . فالرواتب عندهم كثيرة . ويشترطون القراءة في الصلاة باللغة العربية. ولا يجيزون الترجمة. ويشترطون الجهر بالبسملة.

وفي «الزكاة»، ووجوه البر، لا يختلفون عن جمهور المسلمين. بل هم يضيفون إليها «خمس» الدخل، الذي يجبى للإمام، لإنفاقه في مصارفه الدينية.

وفي «الصوم»: يرون الكذب على الرسول يفطر الصائم.

وفي «الحج»: جهاد لا يسقط بالموت بل يؤديه الوارث عن مورثه. وللغير أن يؤديه عنه من مال للمورث قبل أن تقسم التركة.

ويكثرون من مظاهر «الروح الإسلامي» في العقود. فيستحبون البدء بالبسملة في كل معاملة، ويحرصون على الصيغة العربية. ويكرهون معاملة تارك الصلاة والمستهتر. ويحرمون الاتجار بما يترتب عليه فساد المجتمع.


وفيما يلي أنواع خلاف بينهم وبين أهل السنة، لعلها تبين الإطار العام أو المعالم المهمة، للوفاق وللخلاف بين الفريقين.

١ - الجمع بين الصلاتين

المسلمون مجمعون على جواز الجمع في الحج في جبل عرفة بين الظهر والعصر وفي المزدلفة بين المغرب والعشاء للحجاج خاصة - اما غير ذلك فمحل خلاف. فالشيعة يجيزون الجمع مطلقا جمع تقديم وتأخير. لعذر وغير عذر. في السفر والحضر. وإن كان التفريق عندهم أفضل - إلا إذا حدث حرج.

وحجة الشيعة مشتقة من صحاحهم ومن تفسير الإمام الصادق لقوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا).

فالغسق هو تراكم الليل واشتداد الظلمة. وبهذا تكون أوقات الصلاة الأربعة ممتدة من الزوال إلى نصف الليل. فالظهر و العصر ينتهيان في الغروب والمغرب و العشاء إلى نصف الليل أما الصبح فقد اختصها اللّه بقوله (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا).

٢ - الاذان

كان بلال - مؤذن الرسول - يؤذن لصلاة الصبح فيقول بعد «حي على الفلاح» «الصلاة خير من النوم». وأقره الرسول على ذلك.

والشيعة يقولون إن الاذان كان فيه (حى على خير العمل) حتى عهد عمر - كما قال الإمام الباقر. وسبب رفعها من الأذان أن المؤذن وجد عمر نائما عند أذان الصبح فأضاف (الصلاة خير من النوم) - كما أورد الزرقاني في تعليقه على الموطأ - فاستحسنها عمر


فأمر أن تضاف إلى أذان الصبح. وأخرج ذلك ابن أبي شيبة(١) .

وعلماء الشيعة متفقون على أن قول « أشهد أن عليا ولي اللّه » ليس من فصول الأذان وأجزائه. وأن من يأتي به بنية أنه من الأذان فقد أبدع في الدين، أي أدخل فيه ما هو خارج عنه.

ويقول الشيعة إن إسقاط (حي علي خير العمل). كان بأمر من أولي الأمر في عهد عمر، حرصا منهم على أن تفهم العامة أن الجهاد في سبيل اللّه هو خير العمل، وأن النداء على الصلاة بخير العمل مقدمة لفرائضها الخمسة ينافي التحريض المطلوب للجهاد. فخطب عمر فنهى عنه(٢) .

___________________

(١) الشيعة يستدلون على أن الأذان كان فيه عبارة (حي على خير العمل) بما هو ثابت بالسند الصحيح عن الإمام جعفر (لما هبط جبرائيل على رسول اللّه بالأذان أذن جبرائيل وأقام وعندها أمر رسول اللّه عليا أن يدعو بلالا فدعاه فعلمه رسول اللّه الأذان وأمره به) وكان أذان الإمام جعفر هكذا:

اللّه أكبر اللّه أكبر اللّه أكبر

أشهد أن لا إله إلا اللّه. أشهد أن لا إله إلا اللّه

أشهد أن محمدا رسول اللّه. أشهد أن محمدا رسول اللّه

حي على الصلاة. حي على الصلاة

حي على الفلاح. حي على الفلاح

حي على خير العمل. حي على خير العمل

اللّه أكبر اللّه أكبر

لا إله إلا اللّه

(٢) وقد تعاقبت التصرفات في صدد الأذان من المسلمين. كان عليه الصلاة والسلام يأمر في فجر رمضان بأذانين أولهما يوقظ الغافلين ليستحروا. والثاني للصلاة. وكان أذان الجمعة في عهده يبدأ عندما يجلس على المنبر. وهو الأذان الوحيد الذي يؤدي من مكان مرتفع بالمسجد أو القرية كسقفه ومنارته. فلما كثر الناس في عهد عثمان استحدث نداء آخر على الزوراء وبقي النداء الأول كما كان - وفي عهد هشام بن عبد الملك(١٠٥ - ١٢٥) اكتفى بآذان المنارة. ونقل الأذان الثاني وجعله بين يدي الخطيب.

هذا وليس الكلام القليل بين يدي الخطيب، ولا عند الأذان، ليبطله.


٣ - المسح على الرجلين

يختلف الناس في أن مسح القدمين هو الفرض أو الغسل هو الفرض، لأن رسول اللّه -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - توضأ ومسح على قدميه. والشيعة تستدل بمسح الرسول على قدميه على أن المسح هو الفرض - ومروي عن ابن عباس أنه قال: ما صح عن رسول اللّه الا غسلتين ومسحتين ويفسرون الآية (وامسحوا برءوسكم وأرجلكم) بما يسعفهم في المسح.

٤ - الزواج والطلاق

في الزواج:

- المهر لا يقدر قلة ولا كثرة: إلا أن يقصر عن التقويم كأن يقول حبة قمح أما الكثرة ففيها قول اللّه (وآتيتم إحداهن قنطارا)، وإن كان يكره تجاوز مهر السنة الذي أصدقه النبي زوجاته وهو خمسمائة درهم.

- ويجوز النظر إلى وجه المطلوب زواجها دون استئذان ومع الوجه الكفين. وينظرها قائمة وماشية. وللمرأة أن تنظر إلى الرجل - ولا يجوز العزل عن المرأة إلا بإذنها.

- وللمرأة - بكرا أو ثيبا - أن تزوج نفسها ممن تريد إذا بلغت رشدها. وإن كان من المستحسن أن تسأذن وليها في ذلك.

في الطلاق:

- أما الطلاق الثلاث بفم واحد: فجعله عمر ثلاثا زاجرا للناس. وبقي الأمر كذلك ثلاثة عشر قرنا ظهر فيها ما أحوج إلى العودة إلى الأمر الأول.

والشيعة لم يقبلوا عمل عمر من بادئ الأمر. فالطلاق الثلاث في مجلس واحد يقع مرة واحدة.

ولا حلف عندهم بالطلاق على عمل. وهذان إصلاحان أحدثتهما مصر في سنة ١٩٢٩.

- وهم يوجبون حضور شاهدين للطلاق، في حين لا يوجبون حضور شاهدين للزواج. فالزوجية تنشأ دون شهود. لكن الطلاق واجب له الشهود.


والمتفقهة الآن من أهل السنة في مصر يستحسنون إيجاب حضور شاهدين للطلاق، بل هذا تعديل مطلوب في مشروع قانون للأحوال الشخصية.

- وهم يمنعون طلاق المغضب. والمنهيج والمنزعج. ويقررون أن الطلاق الذي أمر به اللّه ورسوله هو الذي يقع إذا حاضت المرأة وطهرت من حيضتها، فأشهد الرجل شاهدين عدلين قبل أن يجامعها على تطليقة. ثم هو أحق برجعتها ما لم تحض ثلاثا. فإن مضت ثلاثة قروء قبل أن يراجعها فهي أملك لنفسها. فإن أراد أن يخطبها مع الخطاب خطبها. فإن تزوجها كانت عنده

- وليس للمريض أن يطلق. وله أن يتزوج. فإن تزوج ودخل بها فجائز. وإن لم يدخل ومات بطل الزواج. ولا مهر ولا ميراث للزوجة.

فلنلاحظ اليسر في الزواج عندهم. والتشدد في الطلاق. ورعاية المرأة في كل حال. والحرص على الأسرة.

٥ - زواج المتعة: (إلى أجل معين)

والشيعة يسمونه الزواج المؤقت. ويرجعونه إلى قوله تعالى: (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن). والمفسرون متفقون على أن جماعة من الصحابة العظماء أفتوا بإباحتها منهم ابن مسعود وأبي بن كعب و ابن عباس وجابر بن عبد اللّه وعمران بن حصين. بل كانوا وهم يتلون الآية ينطقون بتفسيرها فيقرأون (فما استمتعتم به منهن (إلى أجل مسمى)). فالمشروعية ثابتة والعمل بها ثابت.

وإنما يجزم أهل السنة بأنها أبيحت لدواعيها ثم نسخت بأحاديث جازمة. والشيعة لا يرونها أحاديث ثابتة. ويقولون إن الحلال القطعي الثبوت لا ينفيه تحريم غير قطعي.

وهم يقولون إن المتعة سائغة في السفر لطلب العلم والتجارة والجهاد، فلقد كانت مشروعيتها للسفر وللجهاد. وإنها زواج عادي، لولا أنه إلى أجل. فالزوجة في زواج المتعة تعتد إذا انتهى الأجل، ككل طلاق. ولابد من المهر . والابن من الزواج هو ابن عادي، له الميراث والنفقة. اما الزوجة فلا نفقة ولا ميراث لها، إلا إذا اشترطت. وليست النفقة من لوازم الزوجية، فالناشز زوجة ولكنها بلا نفقة. ومن النساء من ترث وليست زوجة. كمن طلقت في مرض الموت ومات زوجها قبل مضي سنة.


والثابت أن عمر أعلن تحريم المتعة إذا خطب الناس فقال (متعتان كانتا على عهد رسول اللّه -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - وعلى عهد أبي بكر. رضي اللّه عنه، وأنا انهى عنهما .) وأنه حرمها وهو بصدد قضية لعمرو بن حريث ثم أطلق النهي.

وأهل السنة يقررون أن نهي عمر عنها كان إعلانا لتحريم ثابت قبل ذلك.

ولم تقبل الشيعة نهي عمر من بادئ الأمر بل قال علي (لولا نهي عمر عن المتعة ما زنى إلا شفا (قليل أو مشف على الهلكة) أو شقي).

وثبت عن الإمام الصادق قوله (ثلاث لا أتقي فيهن أحدا متعة الحج ومتعة النساء والمسح على الخفين).

ومن نوادر يحيى بن أكثم قاضي المأمون أنه سأل شيخا من أهل البصرة بمن اقتديت في جواز المتعة؟ قال بعمر. قال كيف وكان من أشد الناس فيها؟(١) قال: إنه صعد المنبر

___________________

(١) كان يحيى مع المأمون عندما رأى - وهو على رأس جيشه لمحاربة الروم - جواز المتعة، فهي أول ما شرعت شرعت في الحرب، فأمر فنودي بتحليلها للمحاربين. قال يحيى لصاحبين كانا معه في سفر المأمون: بكرا إليه غدا فإن رأيتما للقول وجها فقولا. وإلا فأمسكا حتى أدخل. فدخلا عليه فسمعاه مغتاظا يقول متعتان كانتا على عهد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلى عهد أبي بكر وأنا أنهى عنهما. ومن أنت.. حتى تنهى عما فعله رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبوبكر رضي اللّه عنه؟ (يقصد عمر بكلامه) - فأومأ أحد الرجلين لصاحبه وقال: رجل يقول في عمر ابن الخطاب . نكلمه نحن وأمسكا حتى جاء يحيى . فقال المأمون ليحيى: مالي أراك متغيراً؟ قال: هو غم يا أميرالمؤمنين لما حدث في الإسلام.

قال المأمون: وما حدث في الإسلام؟

قال: النداء بتحليل الزنا.

قال المأمون الزنا.

قال نعم المتعة زنا - قال تعالى (والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) زوجة المتعة ملك يمين؟ قال لا. قال: فهي الزوجة التي عند اللّه ترث وتورث .ولها شرائطها؟ قال لا. قال يحيى: فقد صار متجاوز هذين من العادين. وهذا الزهري روى عن عبد اللّه والحسن ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما عن علي بن أبي طالب قال: أمرني رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن أنادي بالنهي عن المتعة وتحريمها بعد أن كان قد أمر بها.

وقال المأمون: محفوظ هذا من حديث الزهري؟

قال يحيى: رواه جماعة منهم مالك. قال استغفر اللّه نادوا بتحريم المتعة.

ولا غرابة في أن يعدل المأمون. فلقد طالما جلس هو وأخوه الأمين وأبوهما - الرشيد - في حلقة مالك.


فقال: أيها الناس. متعتان أحلهما اللّه ورسوله لكم. وأنا أحرمهما عليكم وأعاقب عليهما. فقبلنا شهادته ولم نقبل تحريمه(١) .

___________________

(١) ولي يحيى القضاء في البصرة وعمره نحو عشرين سنة. فاستصغره أهل البصرة. فقال لهم أنا أكبر من عتاب بن أسيد الذي وجه به النبي قاضيا على مكة يوم الفتح. وأنا أكبر من معاد بن جبل الذي وجه به النبي قاضيا على اليمن. وأنا أكبر من كعب بن أبي الذي وجه به عمر قاضيا على البصرة.

وكان يحيى حسن التأتي للأمور ومنها سياسة القضاء والخلفاة: دخل على المأمون رجل يشكو وكيلا للمأمون أنه اشترى منه جواهر بثلاثين ألف دينار. فقال المأمون: لعل الوكيل اشترى لنفسه أو سلم الشاكي المال . قال الشاكي: فإذن أدعوك إلى القاضي الذي نصبته لرعيتك. وجيء بيحيى بن أكثم. فقال للمأمون: إنك لم تجعل ذلك مجلس قضاء: قال : قد فعلت: قال: فإني أبدأ بالعامة أو لا يصلح المجلس للقضاء . ففتح الباب - وقعد في ناحية من الباب وأذن للعامة. ثم دعى بالرجل. فقال له يحيى ما تقول: قال: أقول أن تدعو بخصمي أمير المؤمنين.

فنادى المنادي فإذا المأمون قد خرج ومعه غلام يحمل مصلى حتى وقف على يحيى وهو جالس. فطرح المصلى ليقعد عليها فقال له يحيى: يا أمير المؤمنين لا تأخذ على صاحبك شرف المجلس . فطرح للرجل مصلى آخر، ثم نظر في دعوى الرجل. وطالب الرجل المأمون باليمين فحلفها المأمون.

ووثب يحيى بعد فراغ المأمون من يمينه فقام على رجليه. قال المأمون: ما أقامك؟ قال إني كنت في حق اللّه جل وعز حتى أخذته منك. وليس الآن من حقي أن أتصدر عليك .

فأمر المأمون أن يحضر ما ادعى الرجل من المال فقال له: خذه إليك واللّه يعلم ما دفعت إليك هذا المال إلا خوفاً من هذه الرعية لعلها ترى أني تناولتك من وجه القدرة وإنها لتعلم الآن أني ما كنت أسمح لك باليمين وبالمال.


٦ - الميراث

للشيعة تفسير في المواريث في صالح البنات، لذواتهن، ولمن يتوسل للميراث بهن.

يقول تعالى (يستفتونك قل اللّه يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت. فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك. وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين) - وهم يرون البنت ولدا في اللغة والعرف. ولذلك يعطون البنت دائماً. ولا يعطون الأخت أو الأخ إن كان هناك بنت أو ابن فكلاهما ولد. وهم يسقطون الوصية ما دام هناك ولد (ابن أو بنت).

وللشيعة قاعدة: أن كل فريضة لم يهبطها اللّه إلا إلى فريضة، تكون مقدمة عند « العول ». وكل فريضة، إذا زالت عن فرضها، لم يكن لها إلا ما بقي، تكون مؤخرة.

مثال ذلك للزوج النصف فإن هبط له الربع. فإن دخل عليه في التقسيم ما يزيد عن السهام رجع إلى الربع المفروض. ولا يزيله عن الفرض شيء. ومثله الزوجة والأم. اما البنات والأخوات فلهن النصف والثلثان. فإذا أزالتهن الفرائض عن ذلك لم يكن لهن إلا ما بقي. فإذا اجتمع ما قدم اللّه وما أخر بدئ بما قدم اللّه فأعطى حقه كاملا. فإن بقي شيء كان لما أخر. وهو تطبيق لحديث ثابت عندهم. أورده الشهيد الثاني - وأورده الحاكم في المستدرك وقال إنه صحيح على شرط مسلم - ويستشهد أهل السنة بآيات ويستشهد الشيعة بآيات وهم ينفردون بما يسمى (الحبوة) للولد الأكبر: ملابس أبيه وثيابه ومصحفه وخاتمة زيادة على حصته في الميراث - كما ينفردون بعدم توريث الزوجة من عقار الزوج ورقبة الأرض عينا وقيمة، لأخبار وردت عن الأئمة مروية عن النبي.

٧ - متعة الحج

ينشئ الحاج إحرامه من ميقاته (أماكن القصد إلى البيت الحرام) والمتمتع يأتي مكة ويطوف بالبيت. ثم يقصر ويحل من إحرامه ويقيم بعد ذلك حلالا. ثم يفيض إلى المشعر الحرام. ثم يأتي بأفعال الحج بإحرام جديد. وهذان التقصير والإحلال تيسير بإباحة محظورات الإحرام في المدة المتخللة بين الإحرامين. وهذا ما كرهه عمر وحرمه قائلا: هي سنة رسول اللّه لكني أخشى أن يعرسوا بهن - نسائهم - تحت الأراك ثم يرحون بهن حجابا. فخطب ونهى عن هذه المتعة مع متعة الزواج.


ومع ذلك فابن عمر يقول عن عمل أبيه: أرأيت إن نهي عنها أبي وصنعها رسول اللّه أأمر أبي أتبع أم أمر رسول اللّه؟ وابن عباس كعلي لا يحرمان ما حرمه عمر.

ولما قدم علي من اليمن وجد فاطمة الزهراء قد حلت ولبست صبيغاً، واكتحلت، فأنكر ذلك عليها فقالت: إن أبي أمرني بهذا. فذهب إلى رسول اللّه فقال: صدقت صدقت.

والشيعة لهذا يرون متعة الحج.

٨ - التفسير بالتأويل

يروي الشيعة عن النبي أنه قال (ان للقرآن ظاهرا وباطنا ولبطنه بطن إلى سبعة أبطن) ويروون عن علي أنه قال (ما من آية قرآنية. إلا ولها ظاهر وباطن. وحد ومطلع) ويروي هذا البيان عن «سهل التستري»، من المفسرين الصوفيين. وأنه أضاف. فالظاهر التلاوة والباطن الفهم والحد حلالها وحرامها. والمطلع إشراف القلب على المراد به فقها عن اللّه عز وجل . قيل له ما الباطن؟ قال: فهمه.

ويروون عن الإمام الصادق أنه قال (إن في كتاب اللّه أمورا أربعة. العبارات والإشارات، والحقائق واللطائف. فالعبارات للعوام. والإشارات للخواص. واللطائف للأولياء. والحقائق لأنبياء اللّه)

والمتتبع لتفسيرات الإمام الصادق وأجوبته على المسائل يجدها تنبع من بحر عميق في فهم القرآن واللسان العربي، أمكنه أن يكشف للناس بين الفينة والفينة ما فيه من شمول وما بينه وبين السنة من صلة الأصل بفرعه. وبذلك قدر الإمام أن يفسر القرآن بالقرآن - ففي بيته نزل - وأن يجد للحديث الواحد أصولا عدة، في آيات متفرقة، بمجرد أن يدلى إليه سائل بسؤال وهو منهج سيتتابع عليه عظماء الأئمة من أهل السنة. وفي طليعتهم أحمد بن حنبل.

ولا يسوغ لنا أن نعتبر تفسيرات الصادق من أضرب التفسير بالرأي أو بالمأثور أو بهما - وهي مصنفة بين عقلي ونقلي وصوفي ورمزي وقصصي . الخ - وفي البعض منها تأويل باطني.


وابن عطية من كبار مفسري أهل السنة ينفي صحة نسبة تفسير باطني أو رمزي إلى الإمام الصادق، ويقول (..وهذا قول جار على طريقة الرموز ولا يصح عن جعفر بن محمد - رضي اللّه عنه - ولا ينبغي أن يلتفت إليه).

إليك مثلا - بين نظائر تجل عن الحصر - لاستعمال اللسان العربي في التفسير: يقول زرارة للإمام الصادق: من أين علمت أن المسح ببعض الرأس؟ ويجيب الإمام: لمكان الباء في قوله تعالى (وامسحوا برءوسكم). يقصد أن الباء للبعضية.

ولقد تتابع على هذا التفسير الأئمة في اللغة والفقه. جاء في المصباح المنير في مادة (بعض) أن الباء (في قوله تعالى (وامسحوا برءوسكم) للتبعيض . ونص على مجيئها للبعض ابن قتيبة . وأبو علي الفارسي وابن جني . وذهب إلى مجيء الباء بمعنى البعض الشافعي وهو من أئمة اللسان. وقال بمقتضاه أحمد وأبو حنيفة)

ومن استعمال ظاهر اللسان العربي تفسير « الكوثر » بأنه الذرية الكثيرة في قوله تعالى: (إنا أعطيناك الكوثر). فهي صيغة مبالغة من الكثرة (فوعل) يؤيد ذلك الآية التي تجيء فيما بعد (إن شائنك هو الأبتر) والأبتر من لا عقب له. وبهذا ساغ تفسير الشيعة بأن الكوثر هو الذرية. وقد رزق اللّه النبي الذرية الكثيرة من فاطمة. فهي الكوثر المقصود. والآخرون يقولون إن الكوثر نهر في الجنة. وغيرهم يؤولونه بأنه النبوة.

ولقد أسلفنا طائفة من تفسيرات الإمام، كالخوف من عدم العدل بين النساء، والإنفاق من رزق اللّه، ورؤية اللّه جل شأنه، وقتل النفس بإخراجها من الهدى إلى الضلال، والتفسيرات التي جعلت أبا حنيفة يقول عن آية (وما نقموا إلا أن أغناهم اللّه ورسوله من فضله) لكأني ما قرأتها قط في كتاب اللّه ولا سمعتها الا في هذا الموقف وهي جميعا صادرة عن فهم دقيق للسان العربي الذي نزل به القرآن.

والتفسير بالظاهر ممن يفهم البلاغة العربية، ومجازاتها المتعددة، والاستعارة، والإيجاز اللفظي، وهو بعض خصائص الإعجاز البياني في القرآن، لا ينفي استعمال العقل، بل فيه


مجال واسع له. ولا ينفي القيمة العظيمة لتفسير الزمخشري المعتزلي، وهو حجة في اللغة، وحجة في الجمع بين الظاهر وبين وجوه « الرأي »، بالمعاني الدقيقة وأسرار البلاغة(١) .

وممن أثارهم الإعجاب به الإمام يحيى بن حمزة العلوي (٧٤٩) صاحب كتاب الطراز.

وما من تفسير ثبت عن إمام عن أهل البيت إلا تلقته العقول بالقبول، لأنه لا يغاير النص من القرآن والسنة. وإنما يشرحهما في نورانية باهرة(٢) ، في حين أن المعتزلة يؤولون ليخضعوا المعنى لأصولهم الخمسة(٣) . وهذا خلاف عظيم بين المؤولين وبين الإمام جعفر والشيعة الإمامية.

___________________

(١) يؤول المعتزلة الألفاظ ليفسروا معاني الآيات طبقا لأصولهم. وعلى ذلك أولوا الآيات التي قد تتم عن التشبيه والجهة والجسمية.

والتفسير بالرأي يقوم على قاعدة كصمام الإمان للذين ينهجونه. فبالكتاب آيات محكمات وأخر متشابهات والمحكمة آيات لا يتمارى في معناها أحد. فإذا وردت آية متشابهة فسرت على أساس الآية المحكمة. مثل قوله تعالى (إلى ربها ناظرة) تفسر على أساس قوله تعالى (لا تدركه الأبصار) فيكون معناها الرضى عنها وتوقع النعمة من اللّه. ومثل قوله (أمرنا مترفيها ففسقوا فيها) تفسر على أساس قوله (إن اللّه لا يأمر بالفحشاء). وأكثر المؤولين يلجئون للمجاز وفي القرآن كثير منه مثل قوله تعالى (يد اللّه فوق أيديهم) فمعناها القدرة - وهم ككل المفسرين - يبدأون من أن اللّه تعالى ليس كمثله شيء. أما التفسير بالمأثور فتتصدره مدرسة الإمام الطبري: يجمع الأقوال والآثار ويختار منها.

(٢) إليك مثلا تفسير « الإمام العسكري » للحروف المقطعة مثل (ا ل م . .) في فواتح السور يراها تنبيها على أن هذا الكتاب الذي أنزله اللّه هو هذه الحروف المقطعة. وأنه بلغتكم وهجائكم فأتوا بمثله ان كنتم صادقين. وما يزال هذا التفسير في طليعة تفسير الحروف المقطعة - في أوائل السور.

(٣) أصول المعتزلة الخمسة:

١ - التوحيد الذي ينفي عن الذات صفات الأجسام والمكان وأهل السنة يرون صفات اللّه خاصة به وأنه تعالى « كما وصف نصفه ». فليس في ذلك تشبيه للّه بخلقه.

٢ - العدل وفحواه أن اللّه لا يأمر إلا بالحسن ولا ينهى إلا عن القبيح وما يفعله الناس عمل من أعمالهم ولذلك يثابون ويعاقبون. وأهل السنة يقولون إن اللّه خالق العمل والعبد كاسب له.

٣ - الوعد والوعيد أو الثواب والعقاب ملازمان للفعل وأهل السنة يرون التوبة قد يقبلها اللّه من مرتكب الكبيرة.

٤ - المنزلة بين المنزلتين. فمرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا كافر بل فاسق وإن كان عقابه أقل من الكافر.

٥ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع اشتدادهم في ذلك عندما كانت السلطة في أيديهم.


اما الإسماعيلة - فلهم بعض التأويلات الباطنية التي تهمل المعنى الظاهر وتحمل الألفاظ ما لا تحتمله.

والاسماعيلية فرقة شيعية لم تظهر إلا بعد موت الإمام جعفر بقرن أو أكثر.

٩ - البداء: ومفهومه الشائع: الظهور بعد الخفاء

نسب إلى الشيعة القول بأن اللّه يبدو له فيغير ما قرره لظهور طارئ. وأطلقوا على ذلك لفظ البداء. والشيعة الإمامية لا تقول شيئا بهذا المعنى - بل تعتقد أن اللّه عالم بكل شيء . وعلمه أزلي بما كان وما يكون. يقول الإمام الصادق (ما بدا للّه في شيء إلا كان في علمه قبل أن يبدو له) وسأله منصور بن حازم . هل يكون اليوم شيء لم يكن في علم اللّه بالأمس؟ قال: (لا . من قال هذا فقد أخزاه اللّه) قال منصور: ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة أليس في علم اللّه؟ قال (بلى قبل أن يخلق الخلق) ويروى عنه قوله (إن اللّه لم يبد له عن جهل).

فجميع الكائنات الممكنة، قبل أن تخلق، قدرها اللّه تعالى وكتبها بمشيئته وإرادته في اللوح المحفوظ. واللّه تعالى يقول (يمحو اللّه ما يشاء ويثبت) وكل ما يتعلق به القضاء، والتقدير، لابد له من تعلق الإرادة والمشيئة به. وما لا يكون قضاؤه وتقديره حتميا مما هو مورد المحو والإثبات تتعلق المشيئة بمحوه وإثباته. وقد يكون وجوده، وتكوينه بإرادة اللّه تعالى، منوطا أي مشروطا. بتحقق أمر آخر. فيكون قد جرى في علمه تعالى أن يوجد إذا حصل ما اقتضت المصلحة، التي يعلمها اللّه، أن تكون شرطا.

واللّه تعالى يقول (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا) ويقول: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون).

وروى أحمد في المسند أن النبي قال (إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه. ولا يرد القدر إلا الدعاء. ولا يزيد في العمر إلا البر).

وعن أبي سعيد أن النبي قال (ما من مسلم يدعو اللّه بدعوه ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه إحدى ثلاث: إما أن يستجيب لدعوته أو يصرف عنه من السوء مثلها أو يدخر له من الأجر مثلها. قالوا: يا رسول اللّه إذن نكثر. قال: اللّه أكثر).


ومن القضاء علم مخزون لا يطلع اللّه عليه أحدا. فلا بداء فيه. وقضاء أخبر به ملائكته ورسله. فهذا أيضا لا بداء فيه. وقضاء معبر عنه بلوح المحو والإثبات. وفي هذا القسم يرد قول الشيعة بالبداء (يمحو اللّه ما يشاء ويثبت).

والشهرستاني ينفي عن الإمام جعفر ما ينسب إليه من أقوال في الغيبة والبداء بمعنى تغيير إرادة اللّه.

١٠ - الرجعة

القول « برجعة » « المهدي » المنتظر ليس مجمعا عليه في الفكر الشيعي. فمنهم من لا يعتبرها عقيدة. ومنهم من يأخذ بها، كما أخذ بعض أهل السنة، ببعض أنباء الغيب وحوادث المستقبل وأشراط الساعة. مثل نزول عيسى من السماء، وظهور الدجال الذي يظهر قبل الإمام بقليل فيقتله الإمام، وخروج السفياني - الذي يخرج من الوادي اليابس حتى ينزل بدمشق، فذلك اختراع لحساب بني أمية في الأندلس. وثمة سفياني قيل إن خالد بن يزيد اخترعه لحساب بني أمية ضد بني مروان. ومن قبلهم وجد (القحطاني) المنتظر - رجل في قحطان يسوق العرب بعصاه - بل ادعى عبد الرحمن بن الأشعث أنه القحطاني المنتظر.

بل إن سعيد بن المسيب علامة التابعين يعتبر عمر بن عبد العزيز المهدي المنتظر (للمدينة). وقد سمى العباسيون لهم مهديا (الخليفة المهدي بن المنصور).

وأبو جعفر المنصور يقول عن محمد النفس الزكية « هذا مهدينا أهل البيت ». ولقد سمى الكثيرون من يتولونهم بالمهدي.

فأتباع محمد بن الحنفية لقبوه بالمهدي. وابن صرد يلقب الحسين بالمهدي. وأشياع المختار الثقفي لقبوه بالمهدي.. بل إن كثرة الزيدية يقولون إن كل واحد من الأئمة مهدي. فزيد مهدي. وابنه يحيى مهدي. ومحمد بن عبد اللّه بن الحسن « النفس الزكية » مهدي. وكل فاطمي شجاع عالم زاهد يدعو إلى الحق بالجهاد فهو لدى الزيدية إمام


« مهدي ».(١)

ومن الناس من ينتظر عودة من يسمونهم كذلك.

وفي مسند أحمد بن حنبل: سمعت عليا يقول قال رسول اللّه (لو لم يبق من الدنيا الا يوم لبعث اللّه عز وجل رجلا منا يملؤها عدلا كما ملئت جورا).

ويقول بعض الشيعة إن عقيدة البعث أصل مجمع عليه، وإنه عندما يؤخذ القول بالرجعة على أنها بعث فلا وجه لنفي العدالة عمن يفهمها كذلك(٢) .

ولقد رددت كتب السنن الكلام في المهدي وظهوره. ومنها سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه. ولم يرد ذكره في صحيحي البخاري ومسلم. وتكلم البعض في أسناد الأحاديث المروية في السنن. وفي الوقت ذاته نجد السيوطي في كتابه (العرف الوردي في أخبار المهدي) وابن حجر في كتابه (القول المختصر في أخبار المهدي المنتظر (وهما من فحول علماء أهل السنة)، وآخرين غيرهم، يكتبون عن المهدي، ويروون أحاديث في ظهوره.

___________________

(١) يقول الإمام محمد آل كاشف الغطاء من أئمة الشيعة (الإمامية) المعاصرين (وليس التدين بالرجعة في مذهب التشيع بلازم. ولا إنكارها بضار وإن كانت ضرورية عندهم ولكن لا يناط التشيع بها وجودا أو عدما).

ويقول (وحديث الطعن بالرجعة كان هجيري علماء السنة . فكان علماء الجرح والتعديل إذا ذكر بعض العظماء من رواة الشيعة ومحدثيهم ولم يجدوا مجالا للطعن فيه لوثاقته وورعه وأمانته نبذوه بأنه يقول بالرجعة فكأنهم يقولون يعبد صنما أو يجعل للّه شريكا. ونادرة مؤمن الطاق مع أبي حنيفة معروفة. وأنا لا أريد أن أثبت في مقامي هذا ولا غيره صحة القول بالرجعة وليس لها عندي من الإهتمام قدر قلامة ظفر ...).

(٢) يقول الشيخ محمد رضا المظفر في كتابه (عقائد الشيعة): من يستغرب الرجعة يكون بمثابة من يستغرب البعث فيقول (من يحيي العظام وهي رميم )فيقال: (قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم )، وينهى بحثه في هذا الصدد بقوله: على كل حال. فالرجعة ليست من الاصول التي يجب الاعتقاد بها. وإنما اعتقادنا بها كان تبعاً للآثار الصحيحة الواردة عن آل البيت الذين ندين بعصمتهم من الكذب. وهي من الأمور الغيبية التي أخبروا بها ولا يمتنع وقوعها .


وفي تفسير الأحاديث إذا صحت تتغاير الأنظار(١) .

وابن الجوزي الحنبلي يسمى القائلين بالرجعة في كتابه «تلبيس إبليس» (الرجعية). ولقد أسلفنا تضعيف بعض محدثي أهل السنة للقائلين بالرجعة.

___________________

(١) في كتب أهل السنة أقاويل شتى: يتكلم الشعراني عن الولاية أنها «مواهب مخصوصة للأوتاد والأبدال والأئمة من أصحاب الدوائر والأعداد وأصحاب النوب والأفراد» ثم يقول «وقد اجتمعت هذه المراتب كلها في خاتم الولاية المحمدية وهو المهدي أخو عيسىعليهما‌السلام ، في الختمية، لقوله في حقه يقفو أثري ولا يخطئ. كما جمع له مرتبة الدعوة إلى اللّه تعالى بالسيف وإقامة الحجة وهذه هي مرتبة العصمة التي لا يتصف بها إلا نبي أو خليفة اللّه تعالى . ثم اعلم أن العلوم الحاصلة عن طريق الكسب والوهب من علوم التوحيد يجب سترها عن الناس لما فيها من الغرابة والتبري من المعقول والمنقول. وقد اقتفت الكمل من الأولياء هذه الآثار عن الصحابة والتابعين شفقة على ضعفة الناس الجاهلين بهذه الطريقة اتباعا لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «حدثوا الناس بما يفهمون أتحبون أن يكذب اللّه ورسوله».

ومن الآخذين بسبيل التصوف قائلون بعلم الباطن وما فيه. وفي قواميسهم شطحات ومقولات كثيراً ما تتجه اتجاهات غريبة عن الإسلام كمقولات « وحدة الوجود، والفناء، والمحو والحلول » وما قول الحلاج من أقوالهم ببعيد (أنا الحق وما في جيبي إلا الحق)

ولقد ازدهرت في القرنين السادس والسابع الهجري أفكار فلسفية غريبة على تصوف أهل السنة. وهو متمثل في زهد الصحابة وحده.

ومن هذه الأفكار فكرة تطهير الروح بالارتياض والخلاص من مطالب الجسد. يصل بها الإشراقيون إلى القول بأن الرياضة الروحية وتهذيب النفس هما الوسيلة الوحيدة للمعرفة. أما الغلاة فيعذبون الجسد تعذيب البراهمة والبوذيين الهنود. وآخرون يأخذون من الهنود فكرة الوحدة الثابتة الجامعة لكل ما في الوجود. فالكل واحد.

والحلاج(٣٠٩) ومن ذهب مذاهبه يقولون بالحلول الإلهي في بعض المخلوقين.

ومن المسلمين من أصبحت (الوحدة) أنشودة على لسانه مثل محي الدين بن عربي. ومنهم من وصل الذات الإنسانية الفانية بذات اللّه الخالدة، وصلا سبيله المحبة التي تبلغ درجة السكر والغيبوبة عن الحس، مثل ابن الفارض (٦٣٨) وابن عطاء السكندري. وعند بعضهم كلام جيد يفهمه البعض فهما ضارا - وقد ترتب على هذه الأفكار نشوء أفكار أخرى، كالإيمان بالخوارق وكرامات الأولياء وأصبح الولي عند البعض مكشوفاً عنه الحجاب مادام يفنى في ذات اللّه ويخرج عن المألوف


الباب الخامس : المنهج العلمي

إن العلم هو علم محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، في ميراث محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

(ابن تيمية)

في الباب الحالي فصول ثلاثة تحاول تصوير منهج الإمام الصادق « العلمي »، و « الحضاري » « السياسي والاقتصادي »، كما رسم خطوطه بالفعل وبالقول، وكما اقتفى آثاره وبنى عليه علماء الإسلام، الفقهاء منهم والرياضيون والتطبيقيون، مستمتعين بحرية الفكر والبحث التي وردت بها نصوص الكتاب العزيز وأمرت بها السنة. وكان الإمام الصادق من الأوائل في تعليمها للمسلمين، ممن انتسبوا إليه وممن أخذوا عنهم. يستوي في ذلك الشيعة وفقهاء أهل السنة.

على هؤلاء الفقهاء والعلماء تعلم أهل أوربة منهج النزاهة العلمية والواقعية الذي تبلور في طريقة «التجربة والاستخلاص». والذي أعلنه جابر بن حيان، أول من استحق في العالم لقب كيميائي كما يعبر عنه الأوربيون.

ومن المنهج الحضاري: المنهج السياسي والاقتصادي الذي يستهدف عمارة الدنيا بالعدل في الناس، والعمل للحياة، والتكافل بين أعضاء الجماعة، والسعي لاستثمار طاقات الناس وأموالهم - وهي قواعد بلغ بها الفقه الشيعي غايته، ابتداء من منهج أمير المؤمنين علي، معمولا به في حياته أو خلافته، أو منصوصا في عهده للأشتر النخعي، وكله سياسة واجتماع واقتصاد، إلى رسالة حفيده زين العابدين في الحقوق، وهي تجري في آثاره، إلى برنامج حفيده جعفر اصادق العلمي والحضاري، السياسي والاقتصادي، يدلى به للناس، ويطبقه بنفسه. ويضع به الأسس لدول أو مجتمعات، أو جماعات، أو جمعيات، تعمل بمنهاجه لتبلغ أوجها به.

وهذه خصيصة لا يجارى الصادق فيها عالم من العلماء في التاريخ.

وحسبنا في هذا المقام كلمات، كالإشارات، تضمنتها الفصول الثلاثة التي حواها هذا الباب.


الفصل الأول : التجربة والاستخلاص

أما إذا خرجت من الإنكار إلى منزلة الشك، فإني أرجو أن تخرج إلى المعرفة.

(جعفر الصادق)

لو أتيح لي الأمر لحرقت كتب أرسطو كلها، لأن دراستها يمكن أن تؤدي إلى ضياع الوقت وإحداث الخطأ ونشر الجهالة.

روجير بيكون(١٢٩٤ ميلادية)

لم يكن روجير بيكون في الحقيقة إلا واحداً من رسل العلم الإسلامي والمنهج الإسلامي إلى أوربة المسيحية

روبر بريفو

التجربة والاستخلاص

أتيحت للإمام الصادق حقبة طويلة للتعليم يتلقاه أو يلقيه. فلم يحبس كمثل ما حبس الكثيرون من أهل بيته، أو يقتل كما قتل عظماؤهم.

ولم يصطدم مذهبه الفقهي بمذهب فقهي للسلطان. فبنو أمية وبنو العباس، حتى عهده، لم يكن لهم مذهب فقهي - أن لم تظهر المذاهب « رسمياً » إلا في أخريات القرن الثاني للهجرة، عندما صير أبو يوسف مذهب أبي حنيفة مذهب السلطان. واستعصمت المدينة بفقهها، ثم ظهر الشافعي في أواخر القرن الثاني.

ولم يصطدم الإمام بمذهب سياسي للخليفة - أن لم يظهر اعتناق الدولة للاعتزال إلا في عصر المأمون في فاتحة القرن الثالث.

وكان الجهميون والقدريون مستضعفين. ولم يكن لمناقشات أصحاب الملل والنحل شأن يستلفت النظر.

بهذا أتيح للإمام في مجلسه العلمي، واقتداره الذي يسلم به الجميع. أن يرسي في أمنة واطمئنان. قواعد «منهج علمي» ما يزال يعبر القرون باعتباره فتحا من الفتوح التي فتحها اللّه على البشر.


وفحوى المنهج أن العلم « مشاهدة » و « نزاهة فكرية » في « استخلاص » النتائج لا يقبل اللّه سواها من عالم أو متعلم.

في هذا الفحوى قول الإمام « اطلبوا العلم. فانه السبب بينكم وبين اللّه ».

- والسبب إلى اللّه لا يقوى إلا بقلب خاشع. ومن ثم وجب إخلاص النية فيه، وصدق الهمة في تلقيه، وقبول حقائقه دون تلويثها بشوائب الهوى أو الغرض أو المقررات السابقة، أو العوامل الخارجية.

وبهذه الخصائص تصبح « النزاهة العلمية » سمتا للعبادة وشأوا للسيادة - يقول الإمام (الملوك حكام على الناس والعلم حاكم عليهم . حسبك من العلم أن تخشى اللّه. وحسبك من الجهل أن تعجب بعلمك).

ولتحقيق ذلك يأمر الإمام طالب العلم - من بدء أمره - بالتحلي بخصال. وينهاه عن نقيضها. يقول: (لا تطلب العلم لثلاث: لترائي به ولا لتباهي به ولا لتماري به. ولا تدعه لثلاث: رغبة في الجهل وزهادة في العلم واستحياء من الناس) وما المراء أو الإصرار على عدم المعرفة أو تحقير العلم أو خوف النقد إلا خروق واسعة تتساقط منها كنوز العلماء، ومواهب المتعلمين، وواجب الفرد في أن يتعلم، في أمة فرض رسولها العلم على كل مسلم ومسلمة. فالعلم في الإسلام طريق للبقاء والتقدم.

ويقول لمحمد بن النعمان (مؤمن الطاق)، وهو المناضل الجدل، (يا ابن النعمان: إياك والمراء فإنه يحبط عملك. وإياك والجدل فإنه يوبقك. وإياك وكثرة الخصومات فإنها تبعدك من اللّه. وإن من قبلكم كانوا يتعلمون. وأنتم تتعلمون الكلام . إنما ينجو من أطال الصمت عن الفحشاء إن أبغضكم إلى المترئسون، المشاءون بالنمائم، الحسدة لإخوانهم. وإنما أوليائي الذين سلموا لأمرنا واتبعوا آثارنا.

وليست البلاغة بحدة اللسان ولا بكثرة الهذيان. ولكنها إصابة المعنى وقصد الحجة). ويضيف.

(يا ابن النعمان. إن أردت أن يصفو لك ود أخيك فلا تمازحنه ولا تجارينه ولا تباهينه. لا تطلع صديقك من سرك إلا على ما لو اطلع عليه عدوك لم يضرك. فإن الصديق قد يكون عدوك يوما .)


- ومن أدوات المنهج طمأنينة المعلم والمتعلم، بالاستغناء عن الناس. فالإمام يحث تلاميذه على العمل للرزق، ويمدهم بالمال، ليتجروا، ويستغنوا عن الناس ليستمع إليهم الناس. وليقدروا على الاستمرار في التلقي وفي الإلقاء.

- ومن أدواته التعمق والتخصص. فالعلم لا يعطيك بعضه إلا أن تعطيه كلك، كما يقول أبو يوسف:

فأبان بن تغلب وزرارة بن أعين متخصصان للفقه. يفتيان الناس في مسجد الرسول.

وحمران بن أعين حجة في علوم القرآن.

ومؤمن الطاق للكلام = علم التوحيد.

وهشام بن الحكم للكلام في العقائد وفي الإمامة.

وأبان بن عثمان للكلام في الاستطاعة وما إليها.

- والمنهج شامل: يسأل الإمام عن قوله تعالى (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً) فيقول: « الحكمة هي المعرفة والتفقه في الدين ».

ولما جمع للحكمة المعرفة والتفقه في الدين كان يعلم الناس أن الفقه وحده ليس الحكمة وإنما هو درجة فيها. وهو القائل (تفقهوا في الدين فإن من لم يتفقه منكم فهو أعرابي).

ولما جعل مطلق المعرفة بعض الحكمة فتح الباب لكل أنواع العلوم. فليست المعرفة قاصرة على العلم الديني. فهذا ينفيه نصه على التفقه في الدين معها.

وإنما قصد الإمام العلم عموما. ومنه العلوم التطبيقية والفلسفات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي كان لها في مجالس الإمام الصادق مكان، هو أول مكان تلقاه في حلقة إمام للدين في مدارس الإسلام. كمكان جابر بن حيان. وهذه التفرقة بين ألوان المعرفة يوجبها المنهج العلمي على الدارسين.

وهذا الجمع لشتى العلوم إيذان بتطبيق المنهج الإسلامي في فنون العلم العالمي كما سنرى بعد.

- وللمنهج - بعد - شعار من حب رسول اللّه، وتقدير أصحابه (محمد رسول اللّه والذين معه). فلا يقبل العلم من رجل، أو يقبل العلم على رجل، قصر إيمانه عن صيانتهم.

يقول الإمام لجابر الجعفي


(أبلغ أهل الكوفة أني بريء ممن يتبرأ من أبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما وأرضاهما).

فهذا العلم دين. والمجلس العلمي كمجالس العابدين. والشيخان، وإن خالفتهما نظريات الشيعة، محل إجلال المسلمين.

وكمثل الشيخين في حفظ الكرامة. عثمان بن عفان. وهم جميعاً - كعلي بن أبي طالب - أصحاب بل أصهار لصاحب الشريعة. وتعليم الشريعة أول أعمال الإمام. والإمام سيد عصره. لا تسقط من حضار مجلسه كلمة نابية.

بهذه النزاهة الفعلية والفكرية، وبالإخلاص للمعرفة، والتزام قيم الإسلام، استعمل الإمام الصادق «العقل» أصلا من الأصول، إلى جوار القرآن والسنة والإجماع.

والنص على العقل واستعماله مستمد من القرآن الذي طالما خاطب فطرة البشر « لتعتبر » بما تدركه الحواس من آيات اللّه، وتتدبرها، وتستصحبها، لترى آلاءه على عباده، وتشهد تقديره وتدبيره، فتقنعهم بوجوده ووحدانيته وقدرته، فتصبح الدليل ما بعده دليل(١) .

وكما استعمل « الصادق » العقل، استعمل الحرية، التي منحها القرآن للإنسان: لا يكره الناس على أن يكونوا مؤمنين، ولا يستعمل في جدالهم إلا التي هي أحسن. ولا في وعظهم إلا الموعظة الحسنة. حتى ثبوت الألوهية لا يرضاه اللّه بإكراه.

والعقل لا يعمل إلا حراً. وإذا أكره تعطل أو انحرف. والجدال بعنف تعسف. وللعقل كرامة. والكرامة هي الحرية.

والاعتبار بالآثار والأشياء المحيطة بالناس، بالمشاهدة والاستخلاص، ثم الحرية والأمانة في التفكير والتقدير، أي النزاهة الفكرية، هما صميم المنهج.

وهو لا يتجلى قدر ما يتجلى في الدلالة على اللّه جل ثناؤه.

إليك مثلا من زنديق تحداه بقوله: كيف يعبد اللّه الخلق ولم يروه؟ - قال الصادق: (رأته القلوب بنور الإيمان. وأثبتته العقول بيقظتها إثبات العيان. وأبصرته الأبصار بما رأته من حسن التركيب وإحكام التأليف. ثم الرسل وآياتها، والكتب ومحكماتها. واقتصر العلماء على ما رأوه من عظمته دون رؤيته)

___________________

(١) (المنهج العلمي المعاصر مستمد من القرآن) للمؤلف مطبعة دار الاتحاد العربي صفحات ١١ إلى ٥٤.


فلنلاحظ أنه يبدأ بآثار اللّه التي يراها الناس في نور الإيمان، ويثبتها العقل والبصر. ثم يثني بالرسل اللافتين أنظار الناس إلى آيات اللّه، وبالنصوص المحكمة التي جاءوا بها. وأخيراً يذكر ما يحصله العلم المحدود بما يراه العلماء من آثار ذلك.

لكن الزنديق يستمر : أليس هو قادراً أن يظهر لهم فيعرفوه فيعبد على يقين ؟ قال الصادق (ليس للمحال جواب). قال الزنديق: فمن أين أثبت أنبياء ورسلا؟ قال الصادق (إنا لما أثبتنا أن لنا خالقا صانعا متعاليا عن جميع ما خلق، وكان ذلك الصانع حكيما، لم يجز أن يشاهده خلقه أو يلامسوه . ثبت أن له سفراء في خلقه وعباده يدلونهم على مصالحهم .)

ومثلا مما يروي محمد بن سنان (حدثني المفضل بن عمر قال: كنت ذات يوم بين القبر والمنبر - قبر الرسول بالمدينة - وأنا أفكر فيما خص به اللّه تعالى سيدنا محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . إذا جاء ابن أبي العوجاء فجلس بحيث أسمع كلامه . فخرجت من المجلس محزونا متفكراً فيما يلي به الإسلام وأهله من كفر هذه العصابة وتعطيلها. فدخلت على مولاي.عليه‌السلام ، منكسرا فقال: مالك؟ فأخبرته. فقال: بكر علي غدا . فلما أصبحت غدوت فاستؤذن لي فجلست وقمت بين يديه فقال:

(إن الشكاك جهلوا الأسباب والمعاني في الخلقة، وقصرت أفهامهم عن تأمل الصواب والحكمة، فخرجوا بقصر علومهم إلى الجحود . فهم في ضلالهم وتجبرهم بمنزلة عميان دخلوا دارا قد بنيت أتقن بناء وفرشت بأحسن الفرش . ووضع كل شيء من ذلك موضعه . فجعلوا يترددون فيها يمينا وشمالا . محجوبة أبصارهم عنها.. والإنسان كالمالك لهذا البيت . ففي هذا دلالة على أن العالم مخلوق بتقدير وحكمة ونظام وملاءمة، وأن الخالق له واحد .).

وهو هنا يدلل بما تلمسه الحواس على لزوم وجود ما لا تلمسه. فهو يستعمل العقل والواقع معا.


ويروي ابن بابويه القمي(٣٨١) (كان ابن أبي العوجاء وابن المقفع يلاحظان الجمع الذي كان يطوف بالكعبة فقال ابن المقفع لأصحابه:

لا واحد من هؤلاء يستحق اسم الإنسانية إلا هذا الشيخ الجالس - وأشار إلى جعفر بن محمد - فقام ابن أبي العوجاء إلى الشيخ، وتحدث معه ثم رجع إلى صاحبه وقال: ما هذا ببشر. إن كان في الدنيا روحاني يتجسد إذا شاء ظاهراً، أو يتروح إذا شاء باطناً، فهو هذا . ظل يحصى لي قدرة اللّه التي في نفسي، والتي لم أستطع رفضها، حتى ظننت أن اللّه قد نزل بيني وبينه.

ونزول اللّه بين الإمام وبين ملحد، باعتراف الملحد، آية باقتدار المنهج على بلوغ غرضه، وقدرة مجادل جمع الآيات الربانية حججا بين يدي منكر أخذته حجة الأمر الواقع فأبلس.

فإذا تصدى الإمام لأصحاب الأغلوطات أزري بالسفسطات. وبدههم - كدأبه - « بالواقع ». فبهتتهم - كأن لم يشهدوها قبل - حقائق الأمر الواقع. طلب واحد من تلاميذه بيانا عن قول أبي شاكر الديصاني - رئيس الطائفة الديصانية - وهي طائفة ملحدة تنعم بحرية العقيدة في بلدان الإسلام - إن في القرآن ما يدل على أن الإله ليس واحدا. ففيه (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) فأجاب الإمام بقوله: قل له ما اسمك في الكوفة فيقول فلان. فقل له ما اسمك في البصرة فيقول فلان. فقل له فكذلك: ربنا في السماء إله وفي الأرض إله وفي البحار إله وفي كل مكان إله.

وفي كتاب الإهليلجة المروي عن طريق المفضل بن عمر يستعمل الجدل العلمي، في تنبيه الشكاك على أنهم في بداية الطريق نحو المعرفة يقول (. أخبرني هل رقيت إلى الجهات كلها وبلغت منتهاها؟ . فهل رقيت إلى السماء التي ترى أو انحدرت إلى الأرض السفلى فجلت في أقطارها . فما يدريك لعل الذي أنكره قلبك هو بعض ما لم تدركه حواسك ولم يحط به علمك . أما إذا خرجت من الإنكار إلى منزلة الشك فإني أرجو أن تخرج إلى المعرفة).

فلنلاحظ أنه يجادل الرجل بأن يرتفع من الإدراك المادي إلى حيث يفكر، وأنه يرفع المفكر إلى حيث يستيقن، فيطالب الشاك بمزيد من التجربة المحسوبة الملموسة. ليصل من الشك إلى المعرفة. وهي مراحل العلم الذي يصل إليه الناس بوسائل مأمونة ومجربة.


وهذا المنهج « الواقعي » القائم على النزاهة الفكرية والحرية العقلية هو الآن منهج عالمي، يدين به الجميع للقرآن وأصول الفكر الإسلامي على ما سنرى بعد(١) ففي حين استخلص علماء العالم القديم من اليونان

« نظريات » عمموها ليخضعوا لها نتائج الاستنباط، وفرضت سيادة الفكر الارستطاليسي على العقل في أوربة منطق النظريات والعمومات، وقاومت الكنيسة في تاريخها القديم حرية التفكير، نرى القرآن ينبه « العقل » على الاعتبار بالمحسوس التي يتمثل في « الواقع » وأن يرفض الاستسلام للعمومات التي تحكم مقدما أي أمر واقع. ويرشد الإنسان إلى استعمال فكره « بحرية » من أي قيد.

بل نرى الإمام الصادق يعتبر « التقليد » مذلة عقلية « واستعباداً للنفس »، ويحاجج في ذلك حجاج القرآن، ويفسره تفسيره الرائع.

عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه الصادق في معنى (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون اللّه) قال (أما واللّه ما دعوهم إلى عبادة، ولو دعوهم ما أجابوهم. ولكن أحلوا لهم حراما وحرموا عليهم حلالا. فعبدوهم من حيث لا يشعرون). وفي تعبير آخر يقول: عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه الصادق: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون اللّه قال (واللّه ما صاموا لهم ولا صلوا. لكن أحلوا لهم حراما وحرموا عليهم حلالا فاتبعوهم). فالاتباع دون فهم، في الحلال والحرام، أو غيرهما، ترك لزمام النفس في قبضة الغير، وإهدار لحريتها وقدرتها، وتلك عبادة لغير اللّه. وليس بعد ذلك كفر.

___________________

(١) والارتباط بين فروع المعرفة أحد «الأساسيات» العلمية، وهي جميعا تستعمل الطريقة التجريبية وتلتزم حقائق الحياة الواقعة وقوانين الكون التي لا تتخلف ولا تدع مجالا للفراغ أو المجازفة أو الصدفة. وكل شيء بمقدار. وكل أمر موزون - في الإنسان والحيوان والنبات والجماد. وفيما بينها. وفي العلوم الطبيعية والرياضية وفي العلوم الاجتماعية والإنسانية. والعلميون يستعملون مقولات: الوحدة والتفاضل والتكامل. واطراد العلل والنتائج. والآخرون يستعملون مقولات الوحدة، والتناسب والتناسق، والتزاوج والانسجام، في الأشياء والأشكال والألوان والأحجام. ويستوى في ذلك الذين يلتزمون بالدين أو الذي يلتزمون بإنكاره.

ومن الموضوعية « سلطان الإرادة » الإنسانية في التعاقد، أي حريتها، مع تقيدها بالقانون الذي يجتمع عليه الناس. وهذا مظهر الحرية الشخصية والفكرية التي أتاحها اللّه لعباده وأمرهم أن يستعملوها لأنها وسيلة للحياة الكريمة وللتقدم. وهو معلم من معالم السبق التشريعي الإسلامي.


وليس أبلغ من هذه العبارات في الدعوة للحرية الفكرية والحث على الاجتهاد واستعمال العقل.

يقول الشافعي عن مكانة علي في علوم الإسلام (كان علي كرم اللّه وجهه قد خص بعلم القرآن والفقه لأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دعا له. وأمره أن يقضي بين الناس. وكانت قضاياه ترفع إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيمضيها).

ولقد آلى على نفسه بعد الفراغ من تجهيز الرسول صلى اللّه عليه وعلى آله ألا يرتدي إلا للصلاة أو يجمع القرآن - كما أسلفنا - فجمعه مهتما بأمور « أصولية » في الشريعة وفقهها تتعلق بالمحكم والمتشابه، أي بما لا يحتمل الاجتهاد وما يحتمله، وبالنصوص التي نسخت والتي هي واجبة التطبيق، وبالمطلق منها والذي يحتمل التخصيص، والعزائم والرخص، وبالفروض والمندوبات، وفيها المحرم والمكروه، وما هو تهذيب للأمة من فضائل وآداب(١) . وفي نهج البلاغة » طائفة من أصول الفقه التي ينبه عليها أمير المؤمنين رضي اللّه عنه وهذه وتلك أساسيات في أصول الفقه.

___________________

(١) بهذا كان علي إمام المفسرين.

قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: ألمن قتل مؤمنا متعمدا توبة؟ قال لا. فتلوت عليه الآية التي في «الفرقان». قال: هذه مكية نسختها آية مدنية (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا).

ورووا أن ابن عباس ناظر عليا في الآية. فقال علي: من أين لك أنها محكمة؟ قال (تكاثف الوعيد). قال علي: إن اللّه نسخها بآيتين آية قبلها وآية بعدها في النظم. الأولى قوله تعالى (إن اللّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. ومن يشرك باللّه فقد افترى إثما عظيما )وأما التي بعدها في النظم فهي قوله تعالى (إن اللّه لا يغفر أن يشرك به ومن يشرك باللّه فقد ضل ضلالا بعيدا )و المفسرون يضيفون إلى الآيات قوله تعالى (والذين لا يدعون مع اللّه إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم اللّه إلا بالحق )إلى قوله تعالى (ويخلد فيه مهانا )ثم استثنى بقوله (إلا من تاب وآمن وعمل صالحا ).

لكم صدق ابن عباس حينما سئل عن علمه وعلم ابن عمه (علي) فقال: كالقطرة إلى جوار البحر المحيط.


والأصول أدلة في طريق أو نهج. ولا إمامة إلا بمنهج.

والفقه السني يعتبر الشافعي أول من اتجه إلى تجلية أصول الفقه في كتابه (الرسالة) وقد وضعه، والناس يتحلقون حوله، في جوار الكعبة بعد سنة ١٨٤.

وليس غريباً أن نجد النبوغ الشافعي يتلاقى وأموراً أساسية أهمت من بادئ الأمر علي بن أبي طالب. أو نجد أفكاراً « علوية » أو آراء « شيعية » تظهر بقوة في مذهب الشافعي وآرائه. والشافعي من أبناء عمومة النبي وعلي، يباهي بحب أهل البيت ويتحدى به. وهو إمام في اللسان العربي. له لغة خاصة تعلنها قواميس اللغة. طوعت له إمامته فيها أن يفهم القرآن فهم الذين نزل فيهم.

واتصال اللغة والبلاغة بالفقه في الإسلام أساسي، لأن الفقه فهم للقرآن. والقرآن عربي. فالشافعي في استنباطه للأصول من القرآن كان موجها بفهم عربي عميق للكتاب الكريم، الذي صنعت على أسسه العقلية الإسلامية.

يقول أحمد بن حنبل - وهو الإمام الرابع لأهل السنة في الفقه، فوق أنه إمام في اللغة - (الشافعي فيلسوف في أربعة أشياء: في اللغة. واختلاف الناس. والمعاني. والفقه). وهذه هي الأمور الأساسية في كل فقه.

وسواء أنبثقت الأصول من اهتمامات علي، في جوار قبر النبي بالمدينة غداة صعود روح النبي إلى الرفيق الأعلى، أو ممن نحوا ذلك النحو من الشيعة، أم انبثقت من « رسالة الشافعي » في جوار البيت الحرام بمكة. وسواء أطلع الشافعي على كتب لأهل البيت أو على آرائهم، أم لم يطلع، فالأصول قرآنية المبدأ والمنتهى. مشتقة من نصوص القرآن والسنة ومنهاجهما وأسلوبهما. ومن ذلك شرفها في الفكر الديني والعلمي.

وحرية التفكير توجب « الاجتهاد » على أساس العلم كما يقرر الشافعي في « رسالته »، مع النزاهة الفكرية الكاملة، غير مقيدة إلا بما تثق بوجوده، وتحقيق المناط وتنقيحه، والتدقيق في الفرع وفي الأصل، والسند، فيما ليس قطعي الورود في السنة أو قطعي الدلالة فيها أو في الكتاب العزيز، ومع اتخاذ الأهبة والدربة، وهذه كلها أمور يوجبها القرآن والسنة.


والحضارة العالمية مدينة بهذا المنهج للإسلام بما طور من فكر الأمم التي دانت به، في أربعة عشر قرنا، ومن أساليبها، ووسائلها العلمية، حتى صبغ فكرها، في شكله وموضوعه، صبغة اللّه. ومن أحسن من اللّه صبغة وكما ارتفع العرب درجات بالإسلام انتفع به كل الأمم ممن أسلموا، وممن لم يسلموا. ومن ثمة كان الإسلام خيرا كله للعالم كله. فتلك خصائص رسالته: العالمية. والأبدية. والسمو. والطريق إليه مفتوحة حتى يرث اللّه الأرض ومن عليها.

وما تقدم الإنسانية إلا حاصل دفع اللّه الناس بعضهم ببعض، وأخذ بعضهم بيد البعض - ومن أجل ذلك اختص الفقه الإسلامي بخصيصة القدرة على إحداث التطور ومواكبته، مع اليسر وحفظ الدين، « بالاجتهاد » الذي أمر به اللّه على أصول القرآن والسنة(١) .

أعلن « علي » تمسكه « بالاجتهاد ». إذا تولى إمارة المؤمنين بعد عمر ابن الخطاب. ومن أجل ذلك وحده، لم يبايع له عبد الرحمن بن عوف. وأعلن عثمان التزامه بأن « يتبع » عمل السابقين فجعل عبد الرحمن يبايع له.

«فالاجتهاد» شعار من شعارات «علي» من بادئ الأمر. وشعارات الشيعة من بعده. ومن ذلك لم يصخ عظماؤهم إلى ذلك الصوت البغيض الذين أعلن إقفال باب الاجتهاد في القرن الرابع الهجري، لتنفتح أبواب التقليد، وتخبو شعلة الفكر. بل شهد الشيعة في القرن الرابع ذاته نهضة شاملة تترائ في أعمال عظمائهم. فاستعمال العقل أصل. والأصل لا يتعطل.

وما الاجتهاد إلا الحرية الفكرية في استخلاص النتائج، والنزاهة العلمية أو الاعتبار« بالواقع والصحيح ». وهاتان العجلتان اللتان تحملان موكب الفكر الإنساني المنجب. هما شعار مجالس الإمام الصادق كما سلف البيان. بل هما أساس ما استخلصه تلميذه جابر بن حيان. من تجاربه العلمية. وعنه انتقل إلى أوربة المنهج التجريبي: أو منهج « التجربة والاستخلاص » كما يسمى في العصور الحديثة.

___________________

(١) كتاب نحو تقنين جديد للمعاملات والعقوبات من الفقه الإسلامي: للمؤلف (طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية سنة ١٩٧٤ الفقرات ٣ إلى ٧٣ والفقرات ٩٣ إلى ١٢٧).


و من نزاهة المنهج في الفقه ، كان الإقرار بضعف الإنسان فليس الاجتهاد مقابلا للحقيقة ، و إنما هو أحسن أداة يمكن أن يصل بها المرء إليها يقول أبو حنيفة (علمنا هذا رأي فمن جاءنا بأحسن منه كان أولى بالصواب منا).

ولما قال الشافعي (الاجتهاد القياس) وإنهما اسمان لمعنى واحد، واستطرد فقعد له القواعد، ليجري علماء أهل السنة في مضماره. صلى الأصوليون من أهل السنة بعده في حلبة الفكر العالمي. منذ القرن الثاني للهجرة، والتاسع للميلاد، فوضعوا القواعد التي لم يبدأ في تعرفها الأوربيون إلا بعد ثمانية قرون تحت عناوين اطراد العلة. وأنها إذا توفرت ثبت الحكم. أو قانون اطراد الحوادث، لوجود « نظام » في الكون، أو تناسق، تخضع له الأشياء، طردا وعكسا، باطراد أسبابها وملابساتها فيها. وهذا ما قرره الأصوليون المسلمون عند تماثل العلل لاستنباط الأحكام.

غير أن الأصوليين المسلمين فاقوا في تمحيصهم « جون ستيوارت مل » في أبحاثه ، إذ تعمقوا في مسالك العلة، و دققوا في الاستقراء و الاستنباط ، مع الورع الكامل و النزاهة الفكرية المثلى فكان عندهم لكل ركن من أركان «القياس» أبحاثه، وضمانات صحته، باتساع الاختبار وامتحان الاستخلاص. وإيجاب أن تجمع الأصل «المقيس عليه» «والفرع» «المقيس» «علة»، لتنتج ثمرة القياس وهي «الحكم».

وأولى الأصوليون العلة وتخريجها اهتماماً مقطوع النظير. فشرطوا لها مسالك نقلية من نص أو إجماع، أو عقلية من تحقيق المناط بوجود العلة، وتنقيح المناط بحذف ما لا يدخل في الاعتبار، وبطرائق السبر والتقسيم والطرد، لحصر الأوصاف التي تصلح للعلية. واستبعاد ما لا يصلح منها، ومقارنة الأوصاف للحكم، ودوران العلة مع المعلول وجودا وعدما الخ . مع تكامل اختبار الوقائع وسلامة النتائج ثم قبولها.

كل أولئك دون دخل لمقررات أو نظريات سابقة. ومع التقرير بأن ما يصل إليه المجتهد ليس الحقيقة وإنما هو الراجح بغلبة الظن. فإن اجتهاداً آخر قد يغيره. والاجتهاد مفتوح. وقانونه الحرية. فإذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران. وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر.


وعلى هذا التحديد أخذ المنهج التجريبي في الوجود: تمحيص الواقعة والاستخلاص بحرية ونزاهة.

والقرآن يحوى جميع صور الاستدلالات العقلية ومنها قياس الأولى. وفي هذه الصور تبرز طريقة الاعتبار بآيات اللّه المادية الواقعية المحيطة بالناس والتي تحسها حواسهم. وكذلك كانت طريقة الأنبياء في الاستدلال على اللّه بلفت النظر إلى آياته أو بقياس الأولى، وهو ما يكون الحكم المطلوب فيه أولى بالثبوت من الصورة المذكورة في الدليل الدال عليه - وكان أحمد بن حنبل يستعمل هذا القياس، وهو القائل إنه لا يصار إلى القياس إلا عند الضرورة.

و ابن تيمية يجعل للفطرة مكانها في الميزان الذي تعرف به الأحكام و يروي أن معرفة الاختلاف و التماثل أمر فطري واستعماله ضروري. والميزان عنده هو العدل. وما يعرف به العدل. وأنه هو القياس العقلي القرآني(١) .

___________________

(١) يقول (فليست العلوم النبوية مقصورة على مجرد الخبر، كما يظن ذلك من يظنه من أهل الكلام، ويجعلون ما يعلم بالعقل قسيما للعلوم النبوية، وهذا خطأ. إن العلم هو علم محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وعلم في ميراث محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وغير هذا العلم لا يكون علما. لقد بينصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - مختتما دورة الرسالة العظمى - العلوم العقلية التي يتم بها دين الناس علما وعملا. وضرب الأمثال. فكانت الفطرة بما ينبهها عليه ولذلك أتى الخبر من السماء القرآن والحديث - بهذا. يبين الحقائق لا بطريقة خبرية فقط بل «بالمقاييس العقلية» فبين طريقة التسوية بين المتماثلين والتفرقة بين المختلفين).

ويضرب ابن تيمية أمثالا من الآيات للتسوية بين متماثلين والتفرقة بين مختلفين. ويقول (وكذلك أنزل اللّه سبحانه الميزان في القلوب . لما بينت الرسل العدل وما يوزن به عرفت القلوب ذلك. فأنزل اللّه على القلوب من العلم ما تزن به الأمور حتى تعرف التماثل والاختلاف وتضع من الآلات الحسية ما يحتاج له في ذلك. كما وضعت موازين النقد وغير ذلك . قال اللّه تعالى (والسماء رفعها ووضع الميزان، ألا تطغوا في الميزان، وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان) فالميزان هو العدل وهو ما يعرف به العدل. وهو القياس القرآني المنزل، ليتعرف به صحيح الفكر من باطله. بالإضافة إلى أن نزن الأمور عامة حسية أو عقلية).


والوزير الصنعاني (٨٤٠) صاحب كتاب ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان، يذكر أن أئمة أهل البيت لم يعرفوا المنطق (اليوناني و الإرسططاليسي) ولم يصوغوا أدلتهم على التوحيد في صور منطقية وإنما في « منهج قرآني أساسه الاعتبار ». وأن الإمام عليا لم يعرفه في خطبه ومواعظه وأن الأئمة قدموا أدلة التوحيد من غير ترتيب مقدمات المنطق ولا تقاسيم المتكلمين. ويقرر الوزير الصنعاني أن أسلوب المسلمين أرجح وأحجى من أسلوب المناطقة (فهذا أسلوب الأنبياء والأولياء والأئمة والسلف في النظر. وخالفهم بعض المتكلمين وأنواع المبتدعة فتكلفوا وتعمقوا وعبروا عن المعاني الجلية بالعبارات الخفية).

والذين ينكرون القياس، من أهل السنة، كداود(٢٧٠) إمام أهل الظاهر وابن حزم(٤٥٦)، أو من المعتزلة كالنظام (إبراهيم بن سيار شيخ الجاحظ)، يعتمدون على النص وحده - وقد أسعفتهم النصوص في إقامة مذهب بتمامه. ولم تخذلهم قدرتهم الفقهية في استخراج الفقه باستعمال كليات الشريعة في الاجتهاد.

فدل هؤلاء على أن نصوص الكتاب والسنة تجعل كليات الشرع وقواعده كافية « للعقل » ليبلغ بالفقه الإسلامي مبالغه، فيحقق أن اللّه تعالى ما فرط في الكتاب من شيء. فلكل واقعة حكم. وعلى المجتهد طلبه بالعقل والنقل معا.

والشافعي من حرصه على العمل بهما معا، يندد « بالاستحسان ». ويسميه تلذذاً. مع أن الاستحسان في جملة أمره استعمال لنص خاص أو قاعدة متعلقة «بالواقعة» المطلوب لها الحكم(١) .

وأهل القياس مجمعون على أن المنهي عنه هو الاجتهاد مع النص القطعي، أو إطلاق العنان لاستخراج الأحكام دون تقيد بالنصوص الخاصة أو العامة. وهم يجمعون على قياس العلة ويختلفون فيما عداه.

___________________

(١) كان داود (بن خلف الأصفهاني) صاحب المذهب الظاهري شافعي المذهب ثم صار ظاهرياً ينكر القياس ويعتمد على النص وحده. قالوا إنه سئل لم تركت مذهب الشافعي قال: قرأت كتاب إبطال الاستحسان للشافعي فوجدت كل الأدلة التي يبطل بها الاستحسان يبطل بها القياس.


ومن المعاني الجامعة التي تتردد في أبواب الاجتهاد أن أحكام الشريعة جميعاً - حتى في الأعمال غير التعبدية - فيها معنى تعبدي. أي حق للّه، يطاع فيه اللّه ويعبد. فمن أحسن بيعه وشراءه وإجارته وإعارته، أو قضاءه أو فتواه . الخ فهو يطيع اللّه ويستحق ثوابه. ومن ساءت معاملته فهو خاسر في أمرين، قضاء الناس ضده، وغضب اللّه عليه. لأنه يعصي اللّه فيما عمل من عمل غير صالح. ومن ثمة تأثير الجانب الروحي أو الوازع الديني في الحياة الواقعة، وفي الدراسة العلمية، وفي طلب الأحكام الفقهية، في المجتمع الإسلامي. وهو امتياز لا تبلغه الأمم الأخرى أو مجتمعاتها.

وفي منهج الاعتبار بالواقع أو بالآثار الدالة على المطلوب « واقعية » أدنى إلى التصديق من مجاز فات الفكر. وفي الواقع المادي ضمان أن لا يبعد الاستخلاص من الملموس والمحسوس بالحواس الخمس. وهذه الواقعية أو النزاهة الفكرية، تسبق واقعية « أوجست كومت »(١) بقرون عشرة، وعقلانية « ديكارت » بقرون تسعة، كما تسبق « جون سيتوارت مل(٢) » في نظرية اطراد العلل بقرون عشرة. وبهذه القرون يقاس سبق الحضارة الإسلامية.

وإلى جوار المشاهدة الواقعية والتحقيق النزيه والاستخلاص الصادق، يضيف الفقه الإسلامي ضمانا جديداً هو اعتبار الاجتهاد سعيا لبلوغ الحق لا بلوغا له. فثمة عوامل أخرى قد تكون موجودة أو قد يدركها عقل آخر فتجعله أدنى إلى السداد، أو تجعله يصل إلى السداد. وهذا الاحتمال الذي يلازم الاجتهاد يحتمل تداخل العناصر. فالنتائج نسبية حتى تقطع التجربة بأنها لا تتخلف أبداً . وهي في الفقه تبقى نسبية حتى تبلغ الحكم الذي شرعه الشارع - فشرع اللّه هو الثابت. الذي يقصد المجتهدون قصده.

___________________

(١) أوجست كومت Auguste Comte ١٧٩٨ - ١٨٥٧ صاحب الفلسفة الواقعية في القرن الماضي. انتفع بمؤلفات لبنتز وديكارت وفرنسيس بيكون والقديس توماس الأكويني وروجير بيكون والأخيران من أكبر من نشروا العلم الإسلامي وتأثروا به. وكثير من كتاباتهما تستعمل تعبيرات إسلامية.

(٢) جون ستيوارت مل ١٨٠٦ - ١٨٧٣.


وربما كان الكلام المنقول عن « جابر بن حيان » أوضح كلام في الدلالة على المنهج التجريبي الذي تعلمه في مجلس الإمام أو من كتب الإمام.

يخاطب جابر الإمام في مقدمة كتابه الأحجار بقوله: (وحق سيدي - لولا أن هذه الكتب باسم سيدي - صلوات اللّه عليه - لما وصلت إلى حرف من ذلك إلى الأبد).

ويقول جابر في كتابه الخواص عن طريقته (اتعب أولا تعباً واحداً. واعلم. ثم اعمل. فإنك لا تصل أولا. ثم تصل إلى ما تريد).

وفي كتابه السبعين يقول (من كان دربا (مجربا) كان عالما حقا. ومن لم يكن دربا لم يكن عالما. وحسبك بالدربة في جميع الصنائع أن الصانع الدرب يحذق وغير الدرب يعطل).

ويحصل جابر طريقته في عبارته المأثورة (عملته بيدي. وبعقلي. وبحثته حتى صح وامتحنته فما كذب) وفي هذا المقام يقول أستاذ الفلسفة الإسلامية المعاصر في جامة القاهرة. د زكى نجيب محمود (. فلو شئت تلخيصا للمنهج الديكارتي(١) كله لم تجد خيراً من هذا النص الذي أسلفناه عن جابر).

ويرى الصيدلي المعاصر د. محمد يحيى الهاشمي إن « الواقعية » هي التي سوغت لجابر أن يقسم القياس أو الاستدلال والاستنباط إلى ثلاثة أقسام - المجانسة ومجرى العادة وبالآثار - ومن دلالة المجانسة دلالة الأنموذج كمن يريك بعض الشيء دلالة على كله. وهو استدلال غير قاطع. إذ الأنموذج لا يوجب وجود شيء من جنسه يساويه تماماً في الطبيعة والجوهر. وكذلك دلالة مجرى العادة فإنه كما يقول جابر - (ليس فيه علم يقين واجب اضطراري برهاني أصلا. بل علم إقناعي يبلغ أن يكون: أحرى وأولى وأجدر لا غير، لكن استعمال الناس له وتقبلهم فيه واستدلالهم به والعمل في أمورهم عليه أكثر كثيراً جداً . وليس في هذا الباب علم يقين واجب. وإنما وقع منه تعلق واستشهاد الشاهد على الغائب. لما في النفس من الظن والحسبان فان الأمور « ينبغي أن تجري على نظام ومشابهة ومماثلة » فانك تجد أكثر الناس يجرون أمورهم على هذا الحسبان والظن).

___________________

(١) ديكارت Rene Descartes ١٥٩٦ – ١٦٥٠.


يقول جابر (. وبالجملة فليس لأحد أن يدعى أنه ليس في الغائب إلا مثل ما شاهد . إنما ينبغي له أن يتوقف حتى يشهد البرهان بوجوده من عدمه .) فهو ينقد القياس من الناحية المنطقية أو الرياضية ليترك المجال مفتوحا للحقائق القاطعة التي تثبت بالتجارب.

وحسبك دليلا على دقة طريقة التدليل بآثار الأشياء، أن تجدها احدى المسلمات في المعامل والجامعات، في القارات جميعا. منذ بدأ الأخذ بطريقة التجربة والاستخلاص حتى اليوم. وستبقى أبدا.

و عندما توضع أقوال جابر(١) في القرن الثاني للهجرة إلى جوار أقوال « الحسن بن الهيثم »(٣٥٤ - ٤٣٠) بعد أكثر من قرنين. وقد عمل في خدمة الدولة الفاطمية، وهي دولة من دول الشيعة، وله ٤٧ كتابا في الرياضيات و ٥٨ كتابا في الهندسة، تتأكد لنا طريقة التجربة والاستخلاص

___________________

(١) يقول جابر «وكذلك ينبغي إذا ذهب الدهري (القائلون: إنما يخلقنا ويهلكنا الدهر - لا اللّه) يمنع أن يكون العالم مكونا مصنوعا، لأنه لم يشاهد، ولا واحد من الناس، بدء تكوينه، أن يقال له: ما ينكر أن يكون وجود الناس بعد وجود العالم بوقت طويل . وتذكر كون مدينة أو قصر ولا يذكر أحد من أهل بلده إبتداء بنائه؟ فسلم أن يثبت قدم ذلك بالعلة التي أثبت بها قدم العالم. وإذا قال: إنما علمت أن المدينة والقصر التي لم نشاهد، ولا من توفى، إبتداء بنائها، أنها مبنية من قبل، أنى رأيت مثلها بني، ولم أر مثل العالم مبنيا - قيل له إن هذا بعينه ما نقول. وندفع كونه في طريق الاستدلال - فمن أين قلت إن كل عالم تشاهده، وليس له شبيه ولا مثيل، موجود. وأن كل ما لم تشاهده وليس له شبيه ولا مثيل فليس بموجود إذ قد بان تقصيرك وتقصير أمثالك عن مشاهدة جميع الموجودات فأمكن أن يكون أكثر الموجودات مما لم تشاهده ».


التي سلكها الإمام الصادق وأتقن العمل بها ووصفها جابر والحسن. وقد أحسن الحسن التعبير عنها بمنهج علمي واضح الفحوى محدد العبارات(١) .

ويشهد بها من أهل أوربة درايير في كتابه (النزاع بين العلم والدين) فيقول: كان الأسلوب الذي توخاه المسلمون سبب تفوقهم في العلم. فإنهم تحققوا أن الأسلوب النظري لا يؤدي إلى التقدم. وأن الأمل في معرفة الحقيقة معقود بمشاهدة الحوادث ذاتها. ومن هنا كان شعارهم في أبحاثهم هو « الأسلوب التجريبي ». وهذا الأسلوب هو الذي أرشدهم إلى اكتشاف علم الجبر وغيره من علوم الرياضة والحياة. وإننا لندهش حينما نرى في مؤلفاتهم من الآراء العلمية ما كنا نظنه من ثمرات العلم في هذا العصر).

___________________

(١) راجع مقدمة كتاب الدكتور مصطفى نظيف. مدير جامعة عين شمس - بالقاهرة - عن الحسن بن الحسن الهيثم البصري أكبر عالم في الرياضيات والطبيعة في العصور الوسطى. وفد الحسن من العراق إلى القاهرة ليعمل مهندسا في خدمة الدولة الفاطمية في عصر الحاكم بأمر اللّه. وكان من رأيه جواز إقامة آلات على النيل يحركها تيار مياهه. والدكتور نظيف يقول إنه ينبغي لنا أن نستبدل بأسماء روجير بيكون ومور ليكوس ودافنشي وكبلر ودلابورتا ، اسم الحسن بن الهيثم فعلى يد الحسن أخذ علم الضوء وجهة جديدة بمنهجه الإسلامي و هو (استقراء الموجودات وتصفح أحوال المبصرات وتمييز خواص الجزئيات وما يخص البصر في حال الإبصار. وما هو مطرد لا يتغير وظاهر لا يشتبه من كيفية الإحساس. ثم نترقى في البحث والمقاييس على التدرج والترتيب، مع انتقاد المقدمات والتحفظ في النتائج. ونجعل غرضنا في جميع ما نستقرئه ونتصفحه استعمال العدل لا اتباع الهوى. ونتحرى في سائر ما نميزه وننقده طلب الحق لا الميل مع الآراء، فلعلنا ننتهي بهذا الطريق إلى الحق الذي يثلج الصدور ونصل بالتدريج والتلطف إلى الغاية التي عندها يقع اليقين. ونظفر مع النقد والتحفظ بالحقيقة التي يزول معها الخلاف وتنحسم بها مواد الشبهات). فهذا جمع للاستقراء والقياس .

وما هو إلا منهج علماء الرياضيات والطبيعة المسلمين تابعهم فيه ابن الهيثم ونقله علماء أوربة ابتداء من الكندي(٢٥٢) عالم الطبيعة أو الطبيب الفيلسوف. والرازي(٣٢٠) جالينوس العرب أو الطبيب الفيلسوف الذي يتخذ الإحساسات بالجزئيات أساساً لكل عمله ويدلل بالكائنات الحية على وجود الخالق. وابن سينا(٤٢٨) الرئيس. أو الفيلسوف الطبيب الذي يمثل فكرة المثل الأعلى في العصور الوسطى كما يقول سارتون. وللأخيرين صورتان معلقتان على جدران جامعة باريس، الآن، مع جراح العظام ابن زهر . راجع الإمام الشافعي للمؤلف - ص ١٧٤ - ١٧٥ الطبعة الثانية طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية.

يراجع كذلك (المنهج العلمي المعاصر مستمد من القرآن) - للمؤلف - مطبعة دار الاتحاد العربي للطباعة سنة ١٩٧٦ م حيث تفصيل الأدلة على أخذ أوربة المنهج العلمي المعاصر عن علماء المسلمين.


والقارئ يلاحظ في هذا المقام أموراً. منها:

الأول: أن جابرا يقرر إذ يقسم بالإمام، استرشاده في طريقته هذه به. وأن علمه منه هو سبب توفيقه. ولو كان قد تلقى الطريقة عنه دون لقاء له لما نقص الفضل. فذلك شأن العلماء في كل زمان.

الثاني: أن ممارسة جابر لطريقته مع إقرار الإمام له، قد ضبطتها مدارسة أبي حنيفة للإمام. إذا أنبهت القياسين على وجوب ضبط طريقة القياس بوضع حدود له واستبعاد ما ليس منه(١) .

وظاهر من قبول أبي حنيفة لنهي الإمام عن القياس وعدم مجادلته للإمام بكلمة، أن أبا حنيفة أدرك أن النهي عن القياس نهي عن القول في الدين بالرأي. وليس مقصوداً به النهي عن الاجتهاد واستعمال العقل.

وظاهر أن الإمام بلغ مراده من أبي حنيفة وممن تابعوه في القياس. فلم يقل أحد منهم في الدين برأيه. والتزم القائلون بالقياس كل الدقة. بعد إذ جاء الشافعي وفصل شروطه تفصيلا.

الثالث: أنه يظهر من محاورة الإمام لأبي حنيفة يوم استأذن عليه فحجبه فدخل مع أهل الكوفة التي سلف ذكرها أمران:

١ - أن الأحكام التي ذكرها الإمام لأبي حنيفة. وارد فيها نصوص. مما يجعل لتحريم القول في الدين بالرأي أو مطلق القياس حجة مسلمة.

٢ - أن الإمام ذكر أبا حنيفة بقياس إبليس. إذ أعلن إبليس أنه يخرج عن طاعة اللّه برأيه. فكان رأيه عصيانا صريحا، لأمر صريح. وخروجا على نص وارد على سبيل الجزم.

وليس عجيبا وإنما هو التواتر على استعمال العقل، أن يقرر أئمة أهل السنة جميعاً أن باب الاجتهاد مفتوح إذا لم يكن ثمة نص. وأن يجمع علماؤهم أن أحدا لا يقول الكلمة الأخيرة فيه. وأن يكون هذا منهج الفقه الشيعي الذي دأب عليه علماؤه.

___________________

(١) يقول أحمد بن حنبل (أنا أذهب إلى كل حديث جاء ولا أقيس عليه) و (سألت الشافعي عن القياس فقال: إنما يصار إليه عند الضرورة) وفي حالة الضرورة هذه أباح أحمد (أن يقاس الشيء إذا كان مثله في كل أحواله. فأما إذا أشبهه في حال وخالفه في حال فأردت أن تقيس عليه فهذا . خطأ. فإذا كان مثله في كل أحواله فما أقبلت به وأدبرت به فليس في نفسي شيء منه).


يقول ابن إدريس(٥٩٨) من فقهاء الشيعة المتقدمين (إذا فقدت الثلاثة - الكتاب والسنة والإجماع - فالمعتمد عند المحققين التمسك بدليل العقل).

ومن فحولهم المحقق نجم الدين الحلي (٦٧٦) يقسم الدليل العقل قسمين الأول يتعلق بالخطاب - فحواه ولحنه ودليله - والثاني ما ينفرد العقل بالدلالة عليه لحسنه أو قبحه.

والشهيد الأول محمد بن مكي (٧٨٦) يوسع في القسم الأول ويفصل في القسم الثاني فيزيد البراءة الأصلية. وما لا دليل عليه. والأخذ بالأقل عند التردد بين الأكثر والأقل. والاستصحاب.

وربما أجمل التفصيل قول بعض المتأخرين(١) من الأصولين عن الدليل العقلي: إنه كل حكم للعقل يوجب القطع بالحكم الشرعي. فالدليل العقلي يوجب القطع. وليس بعد القطع حجة.

بالعقل أدرك الإنسان وجود ربه. ودان بالرسالات. وأدرك المعاني والعلل. وقدر على تمييز القبيح والحسن بفطرة البشر.

فالقبح مفسدة والحسن مصلحة(٢) . وما يدركه العقل منهما هو حكم عقلي يستقل الإنسان بتقريره. وما يستقل العقل بتقريره من مصلحة أو مفسدة هو مصلحة أو مفسدة شرعية. وعلى كليهما تدور الأحكام. فالشرع هاد للبشر والبشر مفطورون على استعمال نعمة الشارع. ولا يمنع هذا التأييد الشرعي للعقل أو التأييد العقلي للشرع، أن توجد بعض مصالح يراها الشرع ولا يفطن لها العقل العادي فيتردد أمامها بظنه.

وإذا كان أصل استعمال العقل يسع كل وسائل النظر، فالفقيه ملزم بالاحتياط - وهو أول ما تستوجبه النزاهة العقلية - لوجود احتمال التزاحم والتعارض. فلا تجوز المجازفة بالتحليل والتحريم مع وجود هذا الاحتمال . وإنما يلجأ الفقيه لاستخراج الحكم، عند عدم ظهور النص، إلى استعمال العقل، وبقواعد يمليها العقل والنقل، مثل وجوب دفع الضرر المحتمل ومثل عدم العقاب بلا بيان.

___________________

(١) الشيخ محمد رضا المظفر.

(٢) الحسن والقبيح قضية يمسك بطرفيها الأشاعرة فيقولون إن الشرع وحده هو الذي يعطي الفعل وصفه. والشيعة، ويتبعهم في ذلك المعتزلة، يقررون أنهما وصفان ذاتيان يستقل العقل بإدراكهما. فالصدق والمروءة أمران حسنان. والكذب وانعدام المروءة أمران قبيحان.


والعقل إذ يقرر قبح العقاب بلا بيان. يسوغ للمكلف أن يصنع ما يراه عندعدم البيان. ويعتبر آخر تصبح الإباحة هي الأصل. والحرية هي الأصل، حتى تتقيد بنص.

يقول الإمام الصادق (كل شيء لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه) ومن هنا اتسع مجال النشاط الإنساني. فلا حرام إلا ما حرم اللّه.

والنص نقطة الثبات، أو حجر الزاوية في الفقه. فلا اجتهاد مع وروده. والتزام فحواه أو التزام مقاصد الشارع التي ينطق النص بها، أو يدل على معناها مجموع النصوص، لا يدخل بالمصلحة أو بالقياس شيئا على الشرع ليس منه.

والإمام الصادق يفتح أبواب رحمة اللّه و يرفع الحرج ويبيح الرخص يقول (الوضوء نصف الإيمان) ويقول (إنه توبة من غير استغفار) ومع هذا سئل عن رجل يكون معه الماء في السفر ويخاف قلته؟ فقال: «يتيمم بالصعيد ويستبقي الماء».

ويقول: «من خاف عطشا فلا يهريق قطرة. وليتيمم بالصعيد. فالصعيد أحب إلي».

سئل عن رجل ليس معه ماء و الماء عن يمين الطريق و يساره غلوتين أو نحو ذلك (الغلوة مسافة مرمى السهم)؟ فقال «لا آمره أن يغرر بنفسه فيعرض له لص أو سبع».

وسئل عن رجل يمر بالركية (البئر) وليس معه دلو. قال: «ليس عليه أن يدخل الركية. لأن رب الماء هو رب الأرض. فليتيمم. إن اللّه جعل التراب طهوراً كما جعل الماء طهوراً».

ويقول: إن أبا ذر قال: يا رسول اللّه هلكت. جامعت أهلي على غير ماء. فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «يا أبا ذر يكفيك الصعيد عشر سنين». وسئل عن رجل به القروح والجراحات فيجنب؟ قال: لا بأس بأن يتيمم ولا يغتسل.

والفقهاء يقولون: إن نفي الحرج في الشريعة من باب الرخصة لأن تحمل الألم والمشقة غير منهي عنه. ونفي الضرر من باب العزيمة لأن الضرر منهي عنه. يقول تعالى (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة).

يقول الصادق (لا صلاة إلا إلى القبلة) فقيل له أين حد القبلة. قال (ما بين المشرق والغرب كله قبلة) ويشرح ذلك قوله (يجزي التحري أبداً إذا لم يعلم وجه القبلة).


والفقهاء يصرحون بالإذن لمن يشك في الدليل بأن يستعمل قواعد الشرع من أصول الحل والطهارة والتخيير واستصحاب الحال - ومعناه استدامة ما كان ثابتا، ونفي ما كان منفيا - فمن شك في قيامه بالوضوء قبل أن يصلي فعليه أن يتوضأ. لأن الوضوء شرط واجب قبل الصلاة، والحال قبل الوضوء للصلاة حال تقتضي الوضوء. ومن توضأ ثم شك في نقض الوضوء فهو على وضوء. ومن شك في أنه توضأ بعد أن دخل في الصلاة قطعها وتوضأ، ليحرز شرط الصلاة. فإن شك بعد إتمام الصلاة فليس عليه أن يعيدها. فقد فرغ منها. لكن عليه أن يتوضأ لصلاة تالية لأنه لم يبدأها ولم ينته منها. أي لم يتجاوز الشيء الذي شك فيه إلى غيره.

سئل الإمام الصادق عن رجل شك في الأذان وقد دخل في الإقامة؟ قال يمضي. قيل له شك في الإقامة وقد كبر.؟ قال يمضي . وفي التكبير وقد قرأ؟ قال يمضي . وفي القراءة وقد ركع؟ قال يمضي . وفي الركوع وقد سجد؟ قال يمضي . إلى أن قال « إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشيء.

«يقول إذا شككت في شيء من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكك بشيء. إنما الشك إذا كنت في شيء لم تجزه».

وسئل عن رجل يشك كثيراً في صلاته. فقال فيما قال (إن الشيطان خبيث معتاد لما عود. فليمض أحدكم في الوهم) أي لا يحفل به . وبنى الفقهاء على ذلك قاعدة: لا شك لكثير الشك.

يقول الإمام الصادق (من كان على يقين ثم شك فلا ينقض اليقين بالشك). وهذا إعلان عن دليل استصحاب الحال، واعتماد الواقع والظاهر كمن استأجر أرضا وشاع أمره في الناس يعامل معاملة المستأجر. ولا يقبل منه ادعاء الملك إلا بدليل. وتتعاون مع هذا الأصل أصول أخرى مثل أصل البراءة والإباحة حتى يرد منع الشارع.

ويستثني الفقهاء الشيعة من المنع من القياس حالتين:

١ - حالة العلة المنصوصة. وكثير ما هي في الكتاب والسنة.

٢ - حالة مفهوم الأولوية، كقول أف للوالدين إذ نهى اللّه عنها، فمن باب أولى ما هو أشد.


ويفرعون على العمومات والمبادئ الكلية الواردة في النصوص والإجماع. كمثل قواعد الوفاء بالعقود ودرء الحدود بالشبهات وجواز كل شرط إلا أن يحل حراما أو يحرم حلالا.

وعلى هذه الكليات مدار الفقه. والاجتهاد بها واجب. وبالاجتهاد بلغ الفقه الشيعي ما بلغه فقه أهل السنة. كل على شاكلته.

ندب الرسول عليا إلى اليمن. فسأله الإمام: أكون كالسكة المحماة أو الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟ - أي اجتهد رأيي فيما بين يدي مما ليس بين يديك - قال عليه الصلاة والسلام «بل الشاهد يرى ما لا يراه الغائب». فهو يأذن له أن يجتهد أو يأمره أن يجتهد.

ويقول ابن مسعود للقضاة والمفتين والمجتهدين (من عرض له منكم قضاء فليقض بما في كتاب اللّه. فإن لم يكن في كتاب اللّه فليقض بما قضى به نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فإن جاء أمر ليس في كتاب اللّه ولم يقض به نبيه فليقض بما قضى به الصالحون - فإن جاء أمر ليس في كتاب اللّه ولم يقض به الصالحون فليجتهد رأيه. فإن لم يحسن فليقم ولا يستحي). والشيعة في اجتهادهم يعملون بأصل الاحتياط الواجب، مع العلم بالتكليف الملزم، وأصل التخيير إذا تردد الفعل بين الوجوب والحرمة. ويرون الحسن والقبح أمرين «عقليين» ثابتين بالعقل. وما أمر الشارع ونهيه في صددهما إلا لأن العقل يأمر بهما. فلا حاجة إذن لسؤال الشرع ابتداء. بل يسأل العقل. فعدم العلم بالنهي كاف للحل. ولا تحتاج الإباحة لدليل، وإنما يحتاج ادعاء عكسها إلى دليله. فالاختراعات الحديثة مباحة استناداً إلى ما ثبت شرعاً من أن كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي.

والجواز في التصرف مطلق لا يقيده إلا التثبت من حق الغير.

فالمعاملات، أية كانت، صحيحة ما لم تزاحم حقا عاما أو خاصا أو يوجد نص أو معنى يحرمها. وفي كثير من الأحيان، يكون عمل الفقيه مجرد تحكيم النصوص بعضها على بعض. مثل قوله تعالى (وما جعل عليكم في الدين من حرج) وقول الرسول (لا ضرر ولا ضرار) وقاعدة (الضرورات تبيح المحظورات) وقاعدة (إن اللّه يأمر بالعدل والإحسان) وهذه أمثال للأدلة الحاكمة على أدلة سواها. فالعمل بها ليس تخصيصا للنص بالمصلحة، وإنما هو حكومة نص على نص. أي رفع اليد عن الكتاب والسنة بدليل منهما - أيضا - مجعول في ظرف خاص يزاحم الدليل الآخر أو يحكم عليه.


والشيعة إذ يبنون فهمهم على أن اللّه يأمر بالفعل لمصلحة، وينهى عن الفعل لمفسدة، لا يعتبرون مخالفاً للأمر والنهي من يوجد في حالة اضطرار، وإنما يشترطون أن تكون المخالفة على قدر الضرورة. وارتفاع المسوغ حالة انتهاء الاضطرار، أو عند تجاوز المقدار. يقول تعالى (وما جعل عليكم في الدين من حرج) و (يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) و (يريد اللّه أن يخفف عنكم).

وبالانتفاع بهذه الرخص يظهر أن الاضطرار نسبي. بل يظهر أنه ليس إلا خيار، وفيه إرادة.

والإجبار هو ما يعدم الاختيار بما يزيل من القدرة - وهي شرط التكليف.

فالمضطر في الواقع «يختار» الفعل لعامل خارجي أو داخلي (نفسي). كمن لا يملك إلا ثوبا واحدا يلبسه ليستره (ويختار) أن يبيعه ليأكل، إذ يؤثر العرى على الجوع إذا لم يقدر أن يواجه جوعه بطريق آخر.

ولا عجب أن تتآمر كثرة الأوربيين بالصمت عن مناهج العلم الحديث المنقولة من نهج المسلمين. كدأبهم في تنكير صلة آباء العلوم الرياضية والهندسية بالمهد الذي نشأت فيه. فذلك استمرار للحرب الصليبية، وإخضاع للحقائق العلمية للتعصب الديني المتأصل في الحضارة الأوروبية. فهم لا يذكرون أن فيثاغورث وأرشميدس وإقليدس آباء الرياضيات ألقوا الدروس وتلقوها في مدرسة الإسكندرية بمصر - ولا يذكرون أنهم لم يعرفوا كتاب إقليدس المسمى (الأساسيات) أو (العناصر) إلا عن نسخة عربية. ولا يذكرون أن أوروبة المعاصرة أخذت عن العلم الإسلامي المنهج العلمي المعاصر، أي منهج التجربة والاستخلاص.


يقول الشاعر محمد إقبال(١) إن دبرنج Dubring يقول (إن آراء روجير بيكون أصدق وأوضح من آراء سلفه.. ومن أين استمد روجير بيكون دراسته العلمية؟ من الجامعات الإسلامية في الأندلس).

ويقول بريفو(٢) Robert Briffault إنه لا ينسب إلى

___________________

(١) في كتابه إعادة تكوين الفكر الديني في الإسلام

The Reconstruction of Religious Thinking

(٢) في كتابه صنع الإنسانية Making of Humanity


 روجير بيكون(١٢٩٤)(١) ولا إلى سميه الآخر فرانسيس بيكون(١٦٢٦) أي فضل في اكتشاف المنهج التجريبي في أوروبا. ولم يكن روجير بيكون في الحقيقة إلا واحدا من رسل العلم الإسلامي والمنهج الإسلامي إلى أوربة المسيحية. ولم يكف بيكون عن القول بأن معرفة العرب وعلمهم هما الطريق الوحيد للمعرفة . ولقد انتشر منهج العرب التجريبي في عصر بيكون وتعلمه الناس في أوروبة يحدوهم إلى هذا رغبة ملحة).

___________________

(١) مات روجير بيكون سنة ١٢٩٤ واستمرت الجامعات العربية والعرب في الأندلس قرنين بعد ذلك، إلى جوار المعاهد التي أنشئت لترجمة علومهم في فرنسا والأندلس وإيطاليا وألمانيا

وكان يجيد اللغة العربية والعبرية، ويمارس التجارب العلمية في الطبيعة والكيمياء، وقاومه معاصروه لكن البابا شد أزره. وكان جزاؤه السجن في باريس من أجل كتاباته. وهي تعتبر طلائع لكشوف علمية حديثة (كالعدسات والسيارات ذات المحرك البدائي والطائرات) وهو القائل (الفلسفة مستمدة من العربية. فاللاتيني - على هذا - لا يستطيع فهم الكتب المقدسة والفلسفة إلا إذا عرف اللغة التي نقلت عنها). ومن قبل ذلك بقرون - وعلى التحديد في سنة ٩٢٠ طلب ملك الصقالبة إلى الخليفة أن يبعث إليه معلمين وفقهاء فصنع. وكان الجغرافيون العرب في أرمينية منذ القرن التاسع للميلاد.

كذلك تلقى البابا سلفستر (٩٩٩ - ١٠٠٣) علومه بجامع قرطية، وكان اسمه الراهب جلبير، قبل أن يصير رئيسا لدير رافنا. وهو ناقل العلوم العربية والأرقام العربية إلى أوربة. وقد أنشأ مدرسة في ايطاليا وأخرى في ريمس بألمانيا لنقل العلوم العربية. وثابت أن مدرسة الوعاظ في طليطلة نشأت مدرسة لتدريس اللغة العربية سنة ١٢٥٠ م ثم أمر مجلس فينا سنة ١٣١١ م بتدريس العلوم العربية في باريس وسلامنكا وغيرها.

وفي سنة ١٢٠٧ أنشأت جنوه جامعة لنقل الكتب العربية، وفي سنة ١٢٠٩ ، ١٢١٥ قرر المجمع المقدس منع تدريس كتب ابن رشد وابن سينا لما فيها من حرية فكرية.

وفي سنة ١٢٩٦ قرر المجمع اللاهوتي تحريم تدريس الفلسفة العربية وحرمان (كل من يعتقد أن العقل الإنساني واحد في كل الناس) . وكان الامبراطور فردريك الثاني قد أنشأ جامعة نابولي لنقل العلوم العربية فوق ما تنقله مدرسة سالرنو المجاورة. وأنشأ العرب المطرودون من اسبانيا مدرسة مونيليه في بروفانس بجنوب فرنسا.

والشريف الإدريسي هو معلم روجار ملك صقلية. صنع له كرة من فضة، ككرة الأرض، سنة ١١٥٣، قبل أن تعرف أوربا أن الأرض كروية.

ومن الثابت أن فيبرو ناتشي Fibronacci أول عامل اشتغل بعلم الجبر قد رحل إلى مصر وسورية في عصر الملك فردريك الثاني ملك صقلية وأن ادلارد الباثي Adilard of Bath درس على العرب علمي الفلك والهندسة. وما هؤلاء إلا طلائع العصر الذي عاشوا فيه. =


= وفي العصر ذاته كانت مدرسة صقلية وكمثلها مدرسة سالرنو في جنوب ايطاليا وجامعة نابولي التي أنشأها الإمبراطور فردريك الثاني تذيع العلوم العربية واحتل العرب جزر البحر الأبيض ابتداء من كريت سنة ٢١٢ إلى صقيلة سنة ٢١٦ أي في النصف الأول من القرن التاسع للميلاد كما استولوا على باري وبرنديزي في وسط ايطاليا وتوطدت سيطرتهم على مقاطعتي كاميينا وأبروزي وأقاموا فيهما إمارات عربية. وامتد سلطان عرب الأندلس إلى جنوب فرنسا في مقاطعة بروفانس. وحاصروا روما.

وكانت ملابس البابا موشاة بالأحرف العربية. وتأثر دانتي بالثقافة العربية واضح في الكوميديا الإلهية. وهو يذكر صلاح الدين الأيوبي والدوق جود فري (الملك جود فري ملك بيت المقدس في حرب الصليبين) في كتابه. وكانت السفارات بين الملوك والأمراء الفرنجة والسلاطين تمد إلى أوربة أسباب الحضارة. وكانت كتب ابن رشد والغزالي أيامئذ تقدم الغذاء العلمي للفكر الأوربي. وكتابات القديس توماس الأكويني (القديس توما) ناطقة بالتأثر الظاهر أو بالنقل الكامل.

وأول مرصد فلكي أقيم في أوربة أقامه العرب بأشبيليه وأول مدرسة طبية في أوربة هي التي أقاموها في ساليرت. ومنذ سنة ٩٧٠ كان في غرناطة باسبانيا ١٢٠ مدرسة منها ١٧ مدرسة كبيرة و ٢٧ مدرسة مجانية يتعلم فيها نبلاء أوربة علوما عربية.

ولما سقطت طليطلة في سنة ١٠٨٥ في أيدي الأسبان أقاموا المدارس لترجمة العلوم العربية فيها ولم يتوقف النقل بل أتيحت له مصادر جديدة بسقوط قرطبة سنة ١٢٣٦ ثم بسقوط غرناطة سنة ١٤٩٢.

وكان بلاط الفونسو السادس بعد سقوط طليطلة مصطبغا بالثقافة العربية. بل هو أعلن نفسه امبراطور العقيدتين. المسلمة والمسيحية. وكان الفونسو الخامس الملقب بالحكيم ملك قشتاله من سنة ١٢٥٢ إلى ١٢٨٤ أكبر دعاة الثقافة العربية. وقد جمع له اليهود كل كتب العرب.

وفي سنة ١٢٥٠ أنشأت جماعة الوعاظ في طليطلة - مدرسة لتدريس اللغة العربية والعبرية بقصد تنصير المسلمين كما ألفت الكتب للدفاع عن المسيحية ضد المسلمين. وكان الأسقف ستيفن في باريس يناقش كتب ابن رشد. وفي آخر أيام المسلمين بالأندلس أنشئت محاكم التفتيش لمقاومة العلم والفلسفة اللذين خيف انتشارهما من كتب المسلمين.

وفي بحر ثمانية عشر عاما من(١٤٨١ - ١٤٩٩) أحرقت هذه المحاكم ٢٢٠ و ١٠ رجلا أحياء. وشنقت ٦٨٦٠. وعاقبت بعقوبات أخرى سبعة وتسعين ألفا. وفي سنة ١٥٠٢ قرر مجمع لاترانا لعن من ينظر في فلسفة ابن رشد. لأنه يقول بحرية العقل. يراجع الفصل الثاني (وعنوانه (قوة الحضارة العلمية) من الباب الأول في كتابنا (توحيد الأمة العربية. فقرات ٤ إلى ١٨).


ويضيف (إنه ليس هناك وجهة نظر من وجهات العلم الأوربي لم يكن للثقافة الإسلامية عليها تأثير أساسي. وإن أهم أثر للثقافة الإسلامية هو تأثيرها في العلم الطبيعي والروح العلمي وهما القوتان المميزتان للعلم الحديث) ثم يضيف:

(إن ما يدين به علمنا للعرب ليس ما قدموه لنا من اكتشاف نظريات مبتكرة غير ساكنة. إن العلم مدين للثقافة الإسلامية بأكثر من هذا. فقد أبدع اليونان المذاهب وعمموا الأحكام. لكن طرق البحث وجمع المعرفة الوضعية وتركيزها ومناهج العلم الدقيقة والملاحظة المفصلة العميقة والبحث التجريبي كانت كلها غريبة عن المزاج اليوناني . إن ما ندعوه بالعلم ظهر في أوربة نتيجة لروح جديد في البحث. ولطرق جديدة في الاستقصاء. طريقة التجربة والملاحظة والقياس، ولتطور الرياضيات، صورة لم يعرفها اليونان. وهذه الروح وهذه المناهج أدخلها العرب إلى العالم الأوروبي).

أو كما يقول المستشرق المعاصر برنارد لويس (إن أوربة القرون الوسطى تحمل دينا مزدوجا لمعاصريها العرب. وهم الواسطة التي انتقل بها إلى أوروبة جزء كبير من ذلك التراث الثمين. كما تعلمت أوربة من العرب طريقة جديدة وضعت العقل فوق، السلطة ونادت بوجوب البحث المستقل والتجربة. وكان لهذين الأساسين الفضل الكبير في القضاء على العصور الوسطى والإيذان بعصر النهضة).

وروجير بيكون يعلن تأثره بالمنهج العربي ورفضه للمنهج الأرسطي الذي سيطر على الفكر الأروبي من جراء الفساد في بعض استنتاجاته في العلوم الطبيعية فيقول:

If it had my way , I should burn all books of Aristle , for the

study of them can lead to a loss of time , produce error , increase

ignorance .

وتعريبه (لو أتيح لي الأمر لأحرقت كل كتب أرسطو. لأن دراستها يمكن أن تؤدي إلى ضياع الوقت والوقوع في الخطأ ونشر الجهالة).

وكما قال جوستاف لوبون بعد ست قرون من وفاة بيكون (أدرك العرب بعد لأي أن التجربة والمشاهدة خير من أفضل الكتب. ولذلك سبقوا أوروبة إلى هذه الحقيقة. فالمسلمون أسبق إلى نظام التجربة في العلوم).


الفصل الثاني : في السياسة والاجتماع

«وإنما عماد الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء»

«العامة من الأمة. فليكن صغوك لهم. وميلك معهم»

(علي بي أبي طالب)

في السياسة والاجتماع

لم تكن خلافة أمير المؤمنين علي هادئة أو هانئة. ولو هدأت لحمل الناس على الجادة بعلمه وعدله، وشجاعة رأيه وزهده. والزهد آية على صدق الولاة. وسبيل معبدة لهم إلى أنفس الرعية. فالشجاعة تروعها. أما الزهادة فتقنعها.

وعلي رضي عنه إمام الزاهدين والمتقشفين من الصحابة. أجمع عليه العلماء والفقهاء والبلغاء وأبطال الحروب والحكماء وكل محب لأهل بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

والصوفية يمدون إليه بالأسباب، فيضعونه في قمتهم. كما يصرح بذلك: الشبلي. والجنيد. وسرى السقطي. وأبو يزيد البسطامي. ومعروف الكرخي. وهم يسندون إليه الخرقة التي يتخذونها شعارا لزهدهم.

وأحمد بن حنبل - والصوفية يعتبرونه من أئمتهم - يقول إنه «ما اجتمعت لأحد من الفضائل بالأسانيد الصحاح ما اجتمع لعلي»، يقابله الجاحظ زعيم المعتزلة. أي في الطرف الأقصى من الخصومة لأحمد. ومع ذلك يتلاقى الطرفان في «علي» حيث يقول الجاحظ (لا يعلم رجل من أهل الأرض: متى ذكر السبق في الإسلام والتقدم فيه، ومتى ذكرت النخوة والذب عن الإسلام، ومتى ذكر الفقه في الدين، ومتى ذكر الزهد في الأمور التي يتناحر الناس عليها، كان مذكورا في هذه الخلال كلها، إلا علي).

والمعتزلة يمدون إليه أسبابهم الفكرية عن طريق حفيده أبي هاشم بن محمد بن الحنفية.

وفي مكان بعيد جداً من المعتزلة يقف محيي الدين بن عربي، من فلاسفة المتصوفة، ليقول (علي من أصحاب العلم وممن يعلمون من اللّه ما لا يعلمه غيره) ويقول السراج


الطوسي (لأمير المؤمنين علي - رضي اللّه عنه - من بين جميع أصحاب رسول اللّه «خصوصية» بمعاني جليلة وإشارات لطيفة وألفاظ مفردة وعبارات ومعان للتوحيد و المعرفة والإيمان والعلم ، وغير ذلك، وخصال شريفة تعلق وتخلق بها أهل الحقائق من الصوفية).

ولقد طالما افتتن بشخصيته الناس ومنهم المستشرقون الذين يتحدثون عنه، على طريقتهم في الإيضاح عن آرائهم، مثل كارادي فو. حيث يتصوره (ذلك البطل المتوجع المتألم. والفارس الصوفي. والإمام ذو الروح العميق القرار، التي يكمن في مكامنها سر العذاب الإلهي).

وإذا ذكرت كلمة (الإمام) مطلقة، انصرفت إلى علي بن أبي طالب دون سائر الصحابة.

ولم يكن النهج العلمي الذي أوجزنا الإشارة إليه، قبل، إلا استعمالا لأصول تهدي إلى معرفة حكم الشرع ودليله، لبلوغ «السعادة في الدنيا والآخرة». وكان طبيعيا، وقد تضافرت في رسم حدود هذه السعادة، وضوابطها، والعلاقات الهادية إليها نصوص القرآن والسنة. أن تجلي الإمام علي في هذا المجال. وأن يتخلف لنا من حياته وسنوات حكمه على قصرها، وانحسار سلطته فيها، مواقف معلمة، ونصوص شارحة، وأن يتتابع في نسقها أعمال الأئمة من بنيه ليتشكل منها «مذهب سياسي واجتماعي واقتصادي» متكامل:

فنرى الحسن يضرب مثلا في العطاء وحقن الدماء. ونرى الحسين يضرب مثلا للجهاد في حروب الأمة وللاستشهاد في سبيل الحق. ونرى الأئمة الثلاثة بعدهما يفصلون القواعد للمجتمع العظيم، والدولة المثلى، والأسرة الفاضلة، والإنسان الذي يتغيا الكمال.

وكان لزاما، أن تكون بين تعاليمهم تعاليم دستورية واقتصادية واجتماعية. فالإمام علي، والأئمة من عقبه، بناة دول، وحماة مجتمعات. ازدهرت فيها الأسرة وصلح بها الرجل والمرأة. واستغنى الناس فيها بكدهم وكدحهم.


في الدولة وقواعدها

لم يكد أمير المؤمنين يتلقى البيعة حتى أطلق كلماته كالصواعق رجوما للمنحرفين. أو كالبوارق المتألقة بآمال المصلحين. في منهاجه السياسي والاجتماعي والاقتصادي الجامع.

المساواة اساس الدولة

لقد خطب في اليوم التالي لمبايعته فقال (أما بعد . ألا لا يقولن رجال منكم غدا قد غمرتهم الدنيا فاتخذوا العقار وفجروا الأنهار وركبوا الخيول الفارهة واتخذوا الوصائف الرقيقة وصار ذلك عليهم عارا وشنارا، إذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه وأصرتهم إلى حقوقهم التي يعلمون، فينقمون ذلك ويستنكرون ويقولون حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا).

فلما كان الغد غدا الناس لقبض حقوقهم. فأمر كاتبه عبيد اللّه بن أبي رافع أن يبدأ بالمهاجرين. وأعطى كل من حضر منهم ثلاثة دنانير. ثم ثنى بالأنصار ثم سائر الناس كلهم. سوى بينهم الأحمر فيهم والأسود. فقال له سهل بن حنيف: هذا غلامي أعتقته بالأمس. قال: نعطيه كما نعطيك ثلاثة دنانير. وقد تخلف عن هذه القسمة طلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد اللّه ابن عمر وسعيد بن العاص ومروان بن الحكم.

وقال علي (ألا إن كل قطيعة أقطعها عثمان وكل مال أعطاه من مال اللّه فهو مردود في بيت المال، فإن الحق قديم لا يبطله شيء، ولو وجدته قد تزوج به النساء وفرقه في البلدان لرددته إلى حاله. فإن في العدل سعة. ومن ضاق عنه الحق فالجور عنه أضيق).

ولما جاءته امرأتان فسوى بينهما، قالت إحداهما: إني امرأة من العرب. وهذه أعجمية فقال: «إني لا أرى لبني اسماعيل في هذا الغنى فضلا على بني إسحق».

وغضب البعض مما يصنع أميرالمؤمنين. وكتب عمرو بن العاص إلى معاوية يقول (ما كنت صانعا فاصنع..).

ودعى البعض في السر إلى رفض علي لمساواته بينهم وبين الأعاجم. ولما بلغه ذلك صعد المنبر متقلدا سيفه وقال (. ليس لأحد عندنا فضل إلا بطاعة اللّه وطاعة الرسول . قال اللّه تعالى (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند اللّه أتقاكم). ثم صاح بأعلى صوته (أطيعوا اللّه وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإن اللّه لا يحب الكافرين) .


في هذه الأيام الأولى وضح منهاجه الدستوري: المساواة في الحقوق. والعدل بين الناس. ومنهاجه الاقتصادي: المساواة في العطاء بين فئات الشعب. ومنهاجه الاجتماعي: ليس في الإسلام شريف ومشروف. ولا أحمر وأسود. ولا عربي وأعجمي، وإنما أكرم الناس أتقاهم.

وكان عدله مع الذين حاربوه أو كفروه أو قتلوه دروسا في الفقه:

روى الغزالي في المستصفى أن قضاته استشاروه في شهادة الخوارج بالبصرة فأمر بقبولها كما كانت تقبل قبل خروجهم عليه. لأنهم إنما حاربوا على تأويل. وفي رد شهادتهم تعصب وإثارة خلاف .

حتى قاتله عبد الرحمن بن ملجم نهى عن المثلة به.

وبالمساواة التي هي خصيصة الإسلام الأولى، بعد التوحيد، أهرع أبناء البلاد المفتوحة - من غير العرب - إلى اعتناق الإسلام. ثم اختار كثير منهم الانضمام تحت لواء الشيعة.

ولما سادت الدعوة لأهل البيت في خراسان أقبلت جيوشها تقيم دولة الدين على أنقاض بني أمية وبني مروان. وكانت تولية «الرضا» من «أهل البيت» والتسوية بين «الموالي والعرب»، شعار الدولة التي أقامها أبو مسلم الخراساني والتي سرقها بنو العباس من بني علي، كما أوضحنا قبل(١) .

___________________

(١) كان بنو أمية يجعلون للعرب درجة على الموالي - وسمى العرب الموالي بالعلوج. بل قال جرير:

قالوا نبيعكه بيعا فقلت لهم

بيعوا الموالي واستغنوا عن العرب

والمبرد يقول: (وتزعم الرواة أن الذي أنفت منه جلة الموالي هذا البيت لأنه حطهم ووضعهم).

وتزوج أعجمي من عربية من بني سليم فشكاهما محتسب إلى والي المدينة (إبراهيم بن هشام صهر الخليفة عبد الملك بن مروان) ففرق بينهما لعدم الكفاءة. وعزر الزوج لأنه ارتكب جريمة بأن ضربه مائتي جلدة ثم حلق لحيته وشاربه.

فقالوا عن الوالي:

قضيت بسنة وحكمت عدلا

ولم ترث الحكومة من بعيد

وإبراهيم بن هشام خال الخليفة هشام بن عبد الملك.

وسأل هشام جليسه في فاتحة القرن الثاني للهجرة عن فقهاء الأمصار. قال: من فقيه المدينة؟ قال: نافع مولى ابن عمر. قال فمن فقيه أهل مكة؟

قال: عطاء بن أبي رباح. قال مولى أم عربي؟ =


= قال: مولى. قال فمن فقيه اليمن؟

قال: طاوس بن كيسان قال مولى أم عربي؟ قال: مولى.

قال: فمن فقيه أهل اليمامة؟

قال: يحيى بن أبي كثير قال: مولى أم عربي؟ قال: مولى

قال: فمن فقيه أهل الشام؟

قال: مكحول قال مولى أم عربي؟ قال مولى.

قال: فمن فقيه أهل الجزيرة؟

قال: ميمون بن مهران قال مولى أم عربي؟ قال: مولى.

قال: فمن فقيه أهل الجزيرة.

قال: الضحاك بن مزاحم قال مولى أم عربي؟ قال مولى.

قال: فمن فقيه أهل البصرة ؟

قال: الحسن وابن سيرين. قال: موليان أم عربيان؟ قال موليان.

قال: قال فمن فقيه أهل الكوفة؟

قال: إبراهيم النخعي قال: مولى أم عربي ؟

قال: عربي.

قال: كادت نفسي تزهق ولا تقول واحد عربي.

ومن هذا التعصب للعرق وتمييز العرب ثار من عدا العرب في خراسان (ما وراء العراق حتى وسط آسيا) وأجاء أهل خراسان بني العباس إلى الخلافة بشعارين يكمل كل منهما الآخر:

إعادة حكم الدين وتولية أهل البيت مساواة الموالي والعرب. وانطبعت الدولة العباسية في أغلب أمرها. بطابع غير عربي.

يقول الجاحظ عن المائة الأولى من عمرها (دولتهم أعجمية خراسانية. ودولة بني أمية عربية أعرابية).

وكان مؤسسو الدولة العباسية يشيرون إلى خراسان على أنها (باب الدولة).

وفي خواتيم المائة الاولى حاول الرشيد أن يستعيد مقاليد الأمور من الفرس فكانت مصارع البرامكة. فلم يلبث الفرس إلا سنين حتى قتلت جيوشهم الأمين - العربي الأب والأم - وجاءوا بالمأمون إلى عرش الخلافة وأمه خراسانية.

وشهدت المائة الثانية من عمر الدولة دولا قادمة من خراسان تستقل بممالكها أو تحكم الدولة العباسية كلها: بني سامان(٢٦١ - ٣٨٩) يحكمون في الشرق من خراسان من عهد المستعين(٢٤٨) والدولة الصفارية في عهد المعتز(٢٥٢) ثم بني بويه(٣٢٤ - ٤٢٣) يحكمون فارس والري وأصفهان والجبل. ولم تنشأ دولة عربية إلا في الموصل وديار بكر وربيعة وهي دولة بني حمدان(٣١٧ - ٣٥٨).


ولقد وهم الذين نسبوا أسباب التشيع في خراسان إلى ما زعموه من تشابه تتابع الخلافة النبوية والدينية في بيت الرسول، وتوارث الملك عند الفرس في الدولة الكسروية، وحكم كسرى « بالحق الآلهي ».

فلقد ترك الفرس دين كسرى بتمامه إلى الإسلام وقواعده.

إنما كانت تفرقة الولاة والحكام بين العجم وبين العرب سببا لتصبح المساواة صيحة التجمع منهم على أمير المؤمنين علي وبنيه. وكان أهل البيت مضطهدين، تهوى إليهم الأفئدة. وكانوا شجعانا يستشهدون. فاجتمع على إيجاب الانضمام إليهم الدين والعقل والمصلحة. وهي دوافع كافية للجهاد ضد بني أمية.

أما زعم الزاعمين أن إصهار الحسين إلى الفرس في أم زين العابدين كان سببا لتشيعهم، فينقضه أن ابني عمر وأبي بكر أصهرا إليهم في أختين لها، ومع ذلك لم يتعصب الفرس لأبويهما.

لامراء كان طلب المساواة هو الباعث على التشيع لعلي، من قوم سلبت حقوقهم في المساواة. وهم في قمة المجتمع العلمي والديني يحملون مسئوليات الدين الجديد مع العرب(١) .

والدول العظيمة، والحروب الدامية، وتغيير التاريخ، لا يحدثها الغضب من أجل النسب. وإنما تحدثها المبادئ الخالدة والبطولات الرائعة وابتغاء مستقبل أفضل. وتفسير التاريخ على أساس النسب تفسير أوربي يدفع المستشرقين إليه سوابق «الزواج السياسي» بين ملوكهم و «حروب الوراثة» بين دولهم.

___________________

(١) ومن المستشرقين من يلقي القول على عواهنه: «فلهوزن» مثلا يخلط بين أشياع علي وأتباع ابن سبأ الذي يبرأ الشيعة منه. فيقول إن بعض العقيدة الشيعية نبع من اليهودية، أكثر مما نبع من الفارسية. «ودوزي» يرى إن الأصل في التشيع فارسي. لأن الفرس يدينون بالملك والوراثة فيه والحق الإلهي. «وفان فلوتن» يرى أن التشيع كان مباءة للعقائد الآسيوية.

ومن المؤرخين من تابعوا المستشرقين.


العدل - ونزاهة الحكم

في حياة علي ومبادئه، وخطبه وأقضيته، عن هذين، مالا نظير له في أي عصر ، والمقام يضيق عن الاستقصاء فحسبنا أن نقف قليلا عند فقرات من عهده لمالك بن الحارث (الأشتر النخعي) فهذا عهد مقطوع القرين في شكله وموضوعه، في التراث العالمي والإسلامي، وبخاصة في السياسة الإسلامية، والحكم الصالح، سواء في صياغته أو محتوياته.

وهذا العهد يضع اسم علي في ذروة المؤسسين للدول (واضعي الدساتير) حيث يتكلم عما يسمى في الدساتير العصرية بالمقومات الأساسية، وواجبات الولاة نحو الأمة، وطريقة قيامهم بحقوق الجماعة، بالتفصيل اللازم. والتنبيه على ملء الفراغ، فيما سكت عنه، بالرجوع إلى أصل الشريعة: القرآن والسنة.

ولقد تتابعت على هذا العهد شروح الأئمة من بعد، فرأينا لزين العابدين في رسالة الحقوق تفصيلات جديدة يقتضيها الزمان، وشهدنا الإمام جعفر الصادق يضيف التطبيق، والتفصيل الدقيق، لما تضمنته رسالة زين العابدين وعهد علي - فيجعل من تنفيذهما وشروحه لهما، عهدا جديدا للمسلمين وللشيعة، تبلغ به مجتمعاتهم أو دولهم مبالغها كلما التزموهما أو قاربوا الالتزام بهما.

يبدأ «عهد علي» بتحديد مهمة الوالي (حين ولاه مصر، جباية خراجها وجهاد عدوها وإصلاح أهلها وعمارة بلادها) فهو قد جمع له ولاية الخراج وولاية الحكم وقال:

(واعلم أن الرعية طبقات. لا يصلح بعضها إلا ببعض. ولا غنى ببعضها عن بعض: فمنها جنود اللّه. ومنها كتاب العامة. ومنها قضاة العدل(١) . ومنها عمال الإنصاف والرفق. ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس. ومنها التجار وأهل الصناعات. ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة. وكلا قد سمى اللّه سهمه.

فالجنود بإذن اللّه حصون الرعية. وزين الولاة. وعز الدين. وسبيل الأمن. وليس تقوم الرعية إلا بهم. ثم لا قوام للجنود إلا بما يخرج اللّه تعالى لهم من الخراج . ثم لا قوام لهذين الصنفين إلا بالصنف الثالث من القضاة والعمال والكتاب. لما يحكمون من المعاقد ويجمعون من المنافع ويؤتمنون عليه من خواص الأمور وعوامها.

___________________

(١) يراجع شرح القسم القضائي من هذا العهد في كتابنا (المنهج العلمي المعاصر مستمد من القرآن ص(١٤٥ - ١٦٠).


ولا قوام لهم جميعا إلا بالتجار وذوي الصناعات . ثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحق رفدهم ومعونتهم. وفي اللّه لكل سعة. وعلى الوالي حق بقدر ما يصلحه .).

أما ولاية الإدارة عامة، والعمال والكتاب خاصة. فيقول عنها:

(فول من جنودك أنصحهم في نفسك للّه ورسوله ولإمامك. وأطهرهم جببا وأفضلهم حلما . ثم الصق بذوي المروءات . ثم تفقد من أمورهم ما يتفقده الوالدان من ولدهما . ولا تحقرن لطفا تتعاهدهم به وإن قل . وليكن آثر جندك عندك من واساهم في معونته . وإن أفضل قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد بظهور مودة الرعية . .).

وأما عن العدالة، وقوامها القضاء، فيبدأ المشترع العظيم - في التعبير الأوربي - الكلام فيها عن القانون الواجب التطبيق فيقول:

(واردد إلى اللّه ورسوله ما يضلعك من الخطوب ويشتبه عليك من الأمور. فقد قال اللّه تعالى لقوم أحب إرشادهم (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا اللّه وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى اللّه والرسول) - فالرد إلى اللّه الأخذ بمحكم كتابه والرد إلى الرسول الأخذ بسنته الجامعة غير المفرقة).

ويقرن القانون الإلهي بالقاضي كما يتطلبه الإسلام فيعقب على ما سبق بقوله عن صميم القضاء (ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور. ولا تمحكه الخصوم. ولا يتمادى في الزلة. ولا يحصر عن الفيء إلى الحق إذا عرفه. ولا تشرف نفسه على طمع. ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه: أوقفهم في الشبهات. وآخذهم بالحجج. وأقلهم تبرما بمراجعة الخصم. وأصبرهم على تكشيف الأمور. وأصرمهم عند اتضاح الحكم . ممن لا يزدهيه إطراء ولا يستميله إغراء. وأولئك قليل.

ثم أكثر تعاهد قضائه وأفسح له في البذل ما يزيح علته وتقل حاجته إلى الناس. وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك. ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك).


ولئن كانت رسالة عمر إلى أبي موسى الأشعري قد جمعت جمل الأحكام في كلمات مختصرة، لا يجد محق عنها معدلا، إن عهد علي للأشتر كان في زمان مختلف، فجاء جامعا، بل مضيفاً - في الموضوع الذي وردت فيه رسالة عمر - أمورا شتى يحتاجها زمان علي وكل زمان بعده.

وورود القانون، والدعوى، واختيار القاضي، وسلوكه، وطريقة القضاء، واستقلال القضاء، في فقرتين بين فقرات ذلك العهد، مظهر من مظاهر شموله واتساع نطاقه، وأسباب خلوده.

أما الادارة العامة - عمال الوالي - ففيهم يقول أمير المؤمنين:

(انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختيارا ولا تولهم محاباة وأثرة . وتوخ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الإسلام. فإنهم أكرم أخلاقا وأصح أعراضا . ثم أسبغ عليهم الأرزاق فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم. وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم. وحجة عليهم إن خالفوا أمرك أو خانوا أمانتك... ثم تفقد أعمالهم ..).

وأما الكتاب ففيهم قوله (ثم انظر في حال كتابك. فول على أمورك خيرهم واخصص رسائلك التي تدخل فيها مكائدك وأسرارك، بأجمعهم لوجوه صالح الأخلاق، ممن لا تبطره الكرامة فيجترئ بها عليك في خلاف لك بحضرة ملأ . ثم لا يكن اختيارك إياهم على فراستك واستقامتك وحسن الظن منك . ولكن اختبرهم بما ولوا للصالحين قبلك فاعمد لأحسنهم في العامة أثرا . .)

ثم يقول عن الضعفة:

(وتعهد أهل اليتم وذوي الرقة في السن ممن لا حيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه . واجعل لذوي الحاجات منك مجلسا عاما . فلا تكونن منفرا ولا مضيعا. فإن في الناس من به العلة وله الحاجة. وقد سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله حين وجهني إلى اليمن كيف أصلي بهم فقال (صل بهم كصلاة أضعفهم وكن بالمؤمنين رحيما).


الشورى والعناية بالعامة

في بداية العهد إلى الأشتر أمران: الأول خاص بالأشتر. والثاني خاص بالعامة والخاصة.

والأمران عصريان في كل عصر. ومطلوبان في كل مكان. ومن كل الحكام:

أما الأول: ففيه قوله له (إن الناس ينظرون من أمورك في مثل ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك. ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم. وإنما يستدل على الصالحين بما يجري بهم على ألسنة عباده . فاملك هواك. وشح بنفسك عما لا يحل لك . وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم. ولا تكونن عليهم سبعا ضاربا تغتنم أكلهم. فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق. يفرط منهم الزلل وتعرض لهم العلل. ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ. فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك اللّه ...)(١) .

وقوله (وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبهة أو مخيلة فانظر إلى عظم ملك اللّه فوقك . فإن اللّه يذل كل جبار ويهين كل مختال. أنصف اللّه وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك وممن لك فيه هوى. وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة اللّه وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم . .)

ويقول عن الشورى (ولا تدخلن في مشورتك من يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر. ولا جباناً يضعفك عن الأمور ولا حريصاً يزين لك الشر، بالجور، فإن البخل والجبن غرائز شتى يجمعها سوء الظن باللّه . والصق بأهل الورع والصدق . ثم رضهم على أن لا يطروك . ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة .).

وأما الثاني: ففيه قوله: (وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق. وأعمها في العدل. وأجمعها لرضى الرعية. فإن سخط العامة يجحف برضي الخاصة. وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضي العامة. وليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤنة في الرخاء، وأقل معونة في البلاء، وأكره للإنصاف، وأسأل بالإلحاف، وأقل شكراً عند الإعطاء، وأبطأ عذراً عند المنع، وأخف صبراً عند ملمات الدهر، من أهل الخاصة.

___________________

(١) ولما عهد لمحمد بن أبي بكر كان مما جاء في عهده له قوله (اعلم يا محمد بن أبي بكر أنى قد وليتك أعظم أجنادي في نفسي، أهل مصر، وأنتم يا أهل مصر فليصدق قولكم فعلكم وسركم علانيتكم. ولا تخالف ألسنتكم قلوبكم).


وإنما عماد الدين وجماع المسلمين، والعدة للأعداء، العامة من الأمة. فليكن صغوك لهم وميلك معهم).

بأبي أنت وأمي يا أمير المؤمنين إن رسول اللّه يقول (اطلعت في الجنة فوجدت أكثر أهلها الفقراء) وأنت في طليعة أهل الجنة. تحب أكثر أهلها عددا في الحياة الدنيا. ومن أجل ذلك تكرم العامة، وهم كثرة الأمة. وتؤثر منها الفقراء.

ولقد كنت دائماً قدوة. وأردت الخاصة على أن تكون قدوة. وحذرتها من مطامعها ومزالقها. ولو حذرت، للزمت الجادة، وصلح أمر هذه الأمة.

إن من يضع دستوراً في العصر الحديث خليق بأن يرتوي من عهدك، ويروي الأمة من ينابيعك، في تطبيق الشريعة، وسيادة القانون، واستقلال القضاء، وأمانة الولادة، ونزاهة الإدارة، واحترام العامة، وإلزام الخاصة أن تكون قدوة في الأمة.

يقول ابن المقفع في شأن الخاصة بعد مائة عام، في كتابه لأبي جعفر (وقد علمنا علما لا يخالطه الشك أن عامة قط لم تصلح من قبل نفسها. ولم يأتها الصلاح إلا من قبل إمامها . وحاجة الخواص إلى الإمام الذي يصلحهم اللّه به كحاجة العامة إلى خواصهم وأعظم من ذلك).

ويتصدى الإمام زين العابدين في « رسالة الحقوق » بالشرح الشامل، والتفصيل الطويل، لسلوك الجماعات والأفراد وما يجب لها شرحاً وتفصيلا تقتضيهما حالة الناس وظروف الزمان في النصف الثاني من القرن، عصر كربلاء والحرة وضرب الكعبة والدولة الهرقلية وتغير الناس.


واستقصاء السجاد فيها للأحكام مظهر لتحمله مسئولية تعليم المسلمين أمور دينهم وشئون دنياهم: فهي تبدأ بحقوق اللّه عز وجل. وأكبرها ما أوجبه اللّه تعالى من حقه. فجعل للجوارح حقوقاً ولأفعالها حقوقاً (ثم تخرج الحقوق منك إلى غيرك من ذوي الحقوق الواجبة عليك وأوجبها عليك حق أئمتك ثم حقوق رعيتك ثم حقوق رحمك. فهذه حقوق يتشعب منها حقوق. فحقوق أئمتك ثلاثة . وحقوق رعيتك ثلاثة . وحقوق رحمك كثيرة متصلة . فأوجبها عليك حق أمك ثم حق أبيك . ثم حق مولاك المنعم عليك ثم . .)(١) وتطرقت رسالة الحقوق للعلاقات الحكومية والقضائية والاجتماعية التي تنظم الجماعة الإسلامية. فنظمت آدابها والتزاماتها الخلقية والقانونية بالتفصيل.

وربما أجزأ في تقريب منهاجها إلى الألباب مثل ننقله منها عن معاملة السلاطين حيث يقول: (وأما حق سائسك بالسلطان فأنت تعلم أنك جعلت له فتنة. وأنه مبتلى فيك بما جعله اللّه له عليك من السلطان. فعليك أن تخلص له في النصيحة. ولا تماحكه وقد بسطت يده عليك. فتكون سبب هلاك نفسك وهلاكه . . وتلطف لعطائه ما يكفه عنك دون أن يضر بدينه. وتستعين عليه في ذلك باللّه فلا تعانده . فإنك إن فعلت ذلك عققته وعققت نفسك وعرضتها للمكروه).

___________________

(١) فأما حق اللّه الأكبر عليك فأن تعبده ولا تشك به شيئاً. فإذا فعلت ذلك بإخلاص جعل لك على نفسه أن يكفيك أمر الدنيا والآخرة . وأما حق نفسك عليك . وأما حق اللسان وأما حق السمع . وأما حق بصرك . وأما حق رجليك . وأما حق يدك . وأما حق بطنك . وأما حق فرجك .

ثم حقوق الأفعال: وحق الصلاة . وحق الحج . وأما حق الصوم . وأما حق الصدقة . وأما حق الهدى - ثم حق الأئمة . فأما حق سائسك بالسلطان . وأما حق سائسك بالعلم . وأما حق سائسك بالملك.

ثم حقوق الرعية . فأما حقوق رعيتك بالسطان . والعلم . بملك النكاح . بملك اليمين.

وأما حق الرحم . وأما حق أمتك . وأما حق ولدك . وأما حق أخيك . وأما حق المنعم عليك . وأما حق مولاك الجارية نعمته عليك . وأما حق ذي المعروف عليك . وأما حق المؤذن . وأما حق إمامك في صلواتك . وأما حق الجليس . وأما حق الجار . وأما حق الصاحب وأما حق الشريك وأما حق المال . وأما حق الغريم المطالب لك . وأما حق الخليط . وأما حق الخصم المدعي عليك . وأما حق الخصم المدعى عليه . وأما حق المستشير . وأما حق المشير عليك . وأما حق المستنصح . وأما حق الناصح وأما حق الكبير . وأما حق الصغير . وأما حق السائل . وأما حق المسئول . وأما حق من سرك اللّه به وعلى يديه . وأما حق من ساءك القضاء عليه . وأما حق أهل ملتك عامة وأما حق . وأما حق .


الحكام

تابع الإمام الصادق عمل آبائه في التنبيه على قواعد الحكم الصالح ومنها حقوق العامة - وهي جسم الجماعة - بنصوص دستورية يوجزها. لتحفظ عنه وتنقل منه . وإليك أمثالا:

يقول: «أفضل الملوك من أعطى ثلاث خصال: الرحمة والجود والبذل».

ويقول: «ليس للملوك أن يفرطوا في ثلاثة: حفظ الثغور وتفقد المظالم واختيار الصالحين لأعمالهم».

وما هي إلا أركان الدولة الثلاثة: الجيش والقضاء والإدارة. أو مبادئ الحكم الثلاثة: المنعة في الخارج بالجيش. والعزة في الداخل بالعدل. والحكم الصالح بالإدارة الحسنة. والرسول يقول: (من لم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم) وهو مقال موجه للعامة والخاصة في أمة خصيصتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأول المسئولين عنهما الولاة والعلماء والقادرون.

والصادق يقول لكل هؤلاء «خير الناس أكثرهم خدمة للناس»، يقول للحكام (كفارة عمل السلطان قضاء حاجات الإخوان) ويقول «المستبد برأيه موقوف على مداحض الزلل» (العثرات). وهي مقولة تنطق بها سجلات الطغيان، حيثما كان، وفي جميع الحقب. فالزلة الواحدة تزعزع قوام الطاغية أو المتعصب أو المتحكم. فهو كالواقف على قدم واحدة.

وتعاليم الصادق في العدل والرفق بالرعية مقولات دستورية في الأمة.

يقول «ما أوسع العدل وإن قل » ويقول « أما إن المظلوم يأخذ من دين الظالم أكثر مما يأخذ الظالم من مال المظلوم».

ويقول لوالي المنصور على الأهواز إذ استنصحه:

(. فاعلم أن خلاصك ونجاتك في حقن الدماء وكف الأذى عن أولياء اللّه والرفق بالرعية. والثاني حسن المعاشرة مع لين في غير ضعف. وشدة في غير عنف . وإياك والسعاة وأهل النمائم . ولا تستصغرن من حلو وفضل طعام في بطون خالية . إياك يا عبد اللّه أن تخيف مؤمناً).


تلك دروس جدهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وهو القائل (سبعة يظلهم اللّه يوم القيامة. إمام عادل .) فبدأ بالعدل.

بل يقول عليه الصلاة والسلام (عدل السلطان يوماً يعدل عبادة سبعين سنة .).

والدنيا قد تدوم، والدولة قد تقوم، مع العدل والكفر. لكنها لا تبقى مع الظلم، وإن كان الظلم واقعاً على غير مسلم. واللّه تعالى يقول في محكم كتابه (كونوا قوامين للّه شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا. اعدلوا هو أقرب للتقوى)(١) .

يقول الإمام الصادق: «من نكد العيش السلطان الجائر والجار السوء والمرأة البذيئة». فالسلطان الجائر أذى دائم، ومنكر مستمر، تضيق الدنيا به، وإن رحبت، كما يضيق المكان - على رحبه - بالجار السوء، وتضيق الحياة - وإن طالت أو اتسعت - مع المرأة الطويلة اللسان.

والإمام يبدأ بالسلطان الجائر لأن أذاه يفسد الدنيا وإن صلحت، والأسرة وإن هنؤت. وإذا عم العدل احتمل الناس همومهم حيث هم.

ومن فساد السلطان أن يتولى سدته المتكبرون. والمتعالون في دخيلتهم منحطون. يقول الصادق «ما من أحد يتيه إلا من ذلة وجدها في نفسه».

ومن ذلك ينحي عن الرياسات من يجرون أزرهم خيلاء، فهؤلاء لا ينتفعون بتجربة من أنفسهم، وإلا لما تكبروا على الناس، أو من غيرهم، وإلا لما غرهم الغرور. يقول (لا يطمع القليل التجربة المعجب برأيه في الرياسة) ويقول (من طلب الرياسة هلك).

___________________

(١) لما فتح هولاكو بغداد استفتى العلماء: أيهما أفضل. السلطان الكافر العادل أو السلطان المسلم الجائر؟ فجمعوا لذلك بالمدرسة المستنصرية. وكان علي بن طاوس حاضرا. وهو المقدم المحترم. فتناول الفتيا ووضع خطه عليها بتفضيل العادل الكافر على المسلم الجائر. ووضع العلماء خطوطهم على ذلك.


فإذا ولي الحاكم فليخش اللّه في الناس. وليعلم أن فيهم ضعفاً، وأنه مطالب بالعفو والصفح الجميل يقول الإمام «أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة. وأنقص الناس عقلا من ظلم من دونه. ولم يصفح عمن اعتذر إليه».

والناس مطالبون بأن يمحضوا النصح بإخلاص. وليس الإخلاص مجرد النية الحسنة أو البدار بالكلام. وإنما هو الفكر الجاد، وتقليب الأمور على وجوهها. والاستماع إلى المخالفين. فالإمام يقول «لا تكن أول مشير. وإياك والرأي الفطير».

وكثيراً ما تأذى الناصح بنصحه، وركبت المنصوح شياطين غلوائه. وقد يستفيد الظنة المتنصح.

وينبه الإمام الأمة على ألا تشتري الراحة بالرياء إذ « المؤمن يداري ولا يماري » كما يقول. وينبه الناس - ومنهم الحكام - على أن يسارعوا إلى الخيرات بإصلاح عيوبهم، وإعلانها دون تأثم أو تحرج.

والناس يمدون أيديهم إلى من يصارحهم بمصاعبه، فيشركونه في متاعبه. يقول «أنفع الأشياء للمرء سبقه الناس إلى عيب نفسه وأشدها مؤنة إخفاء الفاقة . .»

وكما يقول «من لم يتفقد النقص في نفسه دام نقصه. ومن دام نقصه فالموت خير له .»

ولعل أنفع الناس للمرء، من يهدى إليه عيوبه: بأن ينبهه عليها.

المجتمع الجعفري

الإمام مبلغ عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علمه. وهذا العلم أجناس وأنواع، نشير في هذا المقام إلى بعض منها في السياسة والاجتماع، والاقتصاد، وهو حسب أي مجتمع ليقيم دولة راسخة الأركان، وأمة تعمل كخلية النحل، لا مجرد جمعية للإصلاح أو جماعة متطلعة للتقدم، كالجمعيات والجماعات التي تزخر بها المجتمعات في العصور الحديثة، بقصد إصلاح جزئي أو الدعوة لمبادئ معينة.


وكثير من المبادئ التي تحدثنا عنها قبل، والتي سنتحدث عنها بعد، شذرات من دروس، متداولة عن الإمام، لو حاولنا جمعها كنا كمن يجمع مصابيح السماء. وقد يكفي في هذا المقام ذكر بعض توجيهات الإمام «لشيعتنا» كما يقول. أو «للجعفري» الجدير بالانتساب للإمام، كما يسمى تابعيه.

وإذ كانت هذه التوجيهات إشارات إلى مؤهلات الانتساب إليه فهي تقطع بأنه كان يعد «دعاة» يدعون لمجتمع يدين بمبادئه.

وهذه المبادئ، مضافة إلى الفقة المدني والجزائي ونظرية الإمامة، كافية لإقامة مذهب متكامل تقوم على قواعده « دولة » تكفل الجزاء والثواب، فالقاعدة القانونية، مع العقيدة الدينية والنظريات الخلقية، كالماء الذي يسقي البذور الصالحة التي تنتظر الزمن لتشق الأرض وتظهر، في حماية الدولة.

ولقد كلل اللّه بالنجاح سعيه. وظهرت دول ومجتمعات ازدهرت في العالم، مع اصطناع التغييرات التي تستدعيها حاجات السلطان والزمان والمكان، أو الدعاية للدولة، كما كان الشأن في الدول والمجتمعات الاسماعيلية كالفاطميين المنتسبين إلى اسماعيل بن الإمام جعفر.

وأحدثت هذه المبادئ آثاراً منجحة في المجتمعات الشيعية، في أمم إسلامية أو غير إسلامية، أنمت التمسك الديني بفضائل الإسلام. وأمكنت من الدفاع عنه بقوة وإيمان. وأبدعت عبقريتها الاقتصادية التي طالما حضت عليها تعاليم الإمام.

فالتعاليم الصادرة عن الإمام الصادق ليست مجرد أصول فقهية أو فروع علمية كما هو دأب الأئمة من أهل السنة. بل هي تتعدى ذلك المجال إلى كل مجال للناس فيه نشاط سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي .

ومن أجل ذلك العموم في رسالة الإمام ومقامه في الإسلام، كان شعور أبي حنيفة ومالك وسفيان الثوري وعمرو بن عبيد ونظرائهم أو المقاربين لهم أنهم في مجلسه تلامذة. واعتبار الأمة أنهم هنالك كذلك وإن كانوا أئمة.

ومن نفاذ البصيرة، وعظمة الطريقة، وجلال السمت، واتساع العلم، كان اعتراف خصوم المسلمين أنفسهم بأنه - بين الحجيج جميعاً - الفرد العلم.


أما المبادئ الفقهية ومبادئ العقيدة والسياسية فقد تكلمنا عنها. وتبقى كلمات، كالإشارات، عن المبادئ الخلقية والاجتماعية التي أنتخبنا بعضها، لتدل على اتجاهه بها نحو تكوين مجتمع قوى وإعداد الدعاة له .

أوصى الإمام المفضل بن عمر بخصال يبلغهن من وراءه من «شيعة أهل البيت».

«أن تؤدي الأمانة إلى من أئتمنك. وأن ترضى لأخيك ما ترضاه لنفسك. واعلم أن للأمور أواخر فاحذر العواقب. وأن للأمور بغتات فكن منها على حذر. وإياك ومرتقى جبل سهل إذا كان المنحدر وعراً».

وأوصاهم:

«صلو عشائركم. واشهدوا جنائزهم. وعودوا مرضاكم. وأدوا حقوقهم. فإن الرجل منكم إذا ورع في دينه وصدق الحديث وأدى الأمانة وحسن خلقه مع الناس قيل «هذا جعفري» ويسرني ذلك. وإذا كان غير ذلك دخل على بلاؤه وعاره. وقيل هذا أدب «جعفر» فو اللّه إن الرجل كان يكون في القبيلة من «شيعة علي» فيكون زينها آداهم للأمانة. وأقضاهم للحقوق. وأصدقهم. يحمل إليه وصاياهم وودائعهم تسأل العشيرة عنه ويقال : «من مثل فلان ؟».

وأوصاهم:

(أوصيكم بتقوى اللّه واجتناب معاصيه. وأداء الأمانة لمن أئتمنكم. وحسن الصحابة لمن صحبتموه. وأن تكونوا لنا دعاة صامتين).

فهو بهذا يربط إحسان العمل بالانتساب لأهل البيت ويضع القواعد المثلى للتجمع.

دخل عليه المفضل بن قيس ذات يوم يسأله الدعاء. وكما قال: «فشكوت إليه بعض حالي وسألته الدعاء فقال: يا جارية هاتي الكيس . فقال « هذا كيس فيه أربعمائة دينار فاستعن بها». قلت ما أردت هذا الكيس ولكن أردت الدعاء لي. قال « ولا أدع الدعاء لك. ولكن لا تخبر الناس بكل ما أنت فيه فتهون عليهم.»

هكذا تتابع منه العطاء غير المطلوب، والدعاء المطلوب، والنصح الواجب. فهو معلم في المقام الأول. أعطى فأغنى. ثم نصح، ليقبل النصح منه.


والأعمال أعلى صوتاً من الأقوال.

وهو يزيد العلاقة بين أصحابه وثاقة.

قال يوماً لبعض أصحابه: ما بال أخيك يشكوك؟ قال: يشكوني إذ استقصيت عليه حقي. فقال مغضباً « كأنك إذا استقصيت حقك لم تسيء؟ أرأيت ما حكى اللّه عن قوم يخافون سوء الحساب؟ أخافوا أن يجور عليهم؟ ولكن خافوا الاستقصاء. سماه اللّه سوء الحساب. فمن استقصى فقد أساء ».

أرأيت - إلى مدى ما يستنبط الإمام من النص؟ وإلى مقدار ما يدخل في أنفس أمته من الإحساس الرقيق بمتاعب بعضهم، كالجسم تتداعى أعضاؤه بإدراك مرهف وتكافل كامل؟ ذلك أدب جده صلى اللّه عليه وعلى آله. والإمام يعلمهم أن تكون لهم اليد العليا بالابتداء بالعطاء.

وفي السؤال رهق. والصلة تفقد رونقها، وربما قيمتها، إن لم تكن فيها مبادرة:

دخل عليه رجل من خراسان قال: لقد قل ذات يدي ولا أقدر على التوجه إلى أهلي إلا أن تعينوني . فنظر الإمام للجالسين وقال. أما تسمعون ما يقول أخوكم؟ . إنما المعروف ابتداء. فأما ما أعطيت بعد ما سأل فإنما هو مكافأة لما بذل من ماء وجهه . وقد قال رسول اللّه عليه وسلم (والذي فلق الحب وبرأ النسمة وبعثني بالحق نبياً لما يتجشم أحدكم من مسألته إياك أعظم. مما ناله من معروفك .) فجمعوا له خمسمائة درهم. وبهذا اشترك الجميع في أداء الواجب.

وهو القائل «أغنى الغنى ألا تكون للحرص أسيرا».

والتنبيه على الإرهاق في الاستقصاء، وعلى انعدام فضل المسئول على

السائل، خصيصتان إسلاميتان ترفعان قدر الجماعة - بما فيهما من مؤالفة وتكافل.

والتعبيرات العالية عنهما تعبيرات إمام:

قال مصادف (كنت عند أبي عبد اللّه فدخل رجل فسأله الإمام: كيف خلفت إخوانك؟ فأحسن الثناء عليهم. فسأله: كيف عيادة أغنيائهم على فقرائهم؟ قال الرجل: قليلة. قال الإمام: كيف مساعدة أغنيائهم لفقرائهم؟ قال قليلة. قال الإمام؟ فكيف يزعم هؤلاء أنهم «شيعتنا»؟


الجهاد

يقول أبو الدرداء (من رأى أن الغدوة إلى العلم ليست بجهاد فقد نقص في عقله ودينه) والصادق لا يكتفي بالتعليم بل يحض على الجهاد بالنفس والمال ويقول للمسلمين: (الجهاد واجب مع إمام عادل. ومن قتل دون ماله فهو شهيد).

ويرى الانحياز إلى الظالمين تمكيناً لهم. والجهاد مع العادلين تثبيتاً للاسلام. سأل يوماً عبد الملك بن عمرو (لم لا تخرج إلى هذه الديار التي يخرج إليها أهل بلادك؟ - أي تجاهد مع الولاة - قال عبد الملك: أنتظر أمركم والاقتداء بكم. قال الإمام: أي واللّه لو كان خيراً ما سبقونا إليه. قال عبد الملك: إن الزيدية يقولون ليس بيننا وبين جعفر خلاف إلا أنه لا يرى الجهاد. قال الإمام: أنا لا أرى الجهاد؟ . .؟ بلى واللّه. إني أراه. لكني أكره أن أدع حلمي إلى جهلهم).

ولقد كان عظيماً جهاد جده الحسين في جيوش معاوية، بل جهاد الحسين ضد معاوية نفسه، إذ يخاطبه بقوله (ثم سلطته (زيادا) على العراقيين يقطع أيدي المسلمين وأرجلهم ويصلبهم على جذوع النخل . فكتبت إليه أن اقتل كل من كان على دين علي. فقتلهم ومثل بهم بأمرك . .).

أما كربلاء فملحمة في الإسلام.

فإذا كان الجهاد للدفاع عن الإسلام إذا ما تهدده العدو. أو حين يغزو أرض المسلمين عدو، فذلك فرض عين على كل فرد. ولو كان تحت إمرة أمير جائر. سئل الإمام الرضا عن الرجل يرابط تجاه العدو .

كيف يصنع؟ قال يقاتل عن بيضة الإسلام لا عن هؤلاء. يقصد الحكام الظلمة.

والمرابطة في الثغور إن كانت للاستطلاع فلها مدة. وهي مستحبة. وإذا كانت لملاقاة العدو فهي واجبة. والرجل المسلم كفء لرجلين عند اللقاء. يقول الإمام الصادق (من فر من رجلين فقد فر ومن فر من ثلاثة فلم يفر).


والجهاد لغير الدفاع، أي لمجرد الغزو، فرض كفائي، قال الصادق «جاء رجل إلى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: إني راغب في الجهاد نشيط. فقال لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » فجاهد في سبيل اللّه » قال الرجل: إن لي والدين كبيرين يزعمان أنهما يأنسان بي ويكرهان خروجي قال النبي (أقم مع والديك. والذي نفسي بيده لأنسك بهما يوماً وليلة خير من جهاد سنة) »

والإمام بهذا يعلم الناس إيثار الوالدين بالرعاية. فهما النواة التي تزدوج لتصنع الأسرة. وهي بدورها نواة الأمة. والتمكين لهذه تكوين لتلك. أما إذا احتيج للرجل لكفاءة خاصة فيه فالجهاد فرض عين عليه.

والصادق يعلم المسلمين قوانين الإسلام في الحروب فيقول (إذا أخذت أسيراً فعجز عن المشي ولم يكن معك محمل فأرسله ولا تقتله) ويعلن أن (إطعام الأسير حق على من أسره. وإن كان يراد من الغد قتله. فإنه ينبغي أن يطعم ويسقى ويرفق به، كافراً كان أو غيره).

ويعلم المسلمين (أن رسول اللّه كان إذا بعث سرية دعا أميرها فأجلسه إلى جنبه وأجلس أصحابه بين يديه ثم قال: سيروا باسم اللّه وعلى سبيل اللّه . ولا تغدروا. ولا تغلوا. ولا تمثلوا. ولا تقطعوا شجرة إلا أن تضطروا إليها. ولا تقتلوا شيخاً فانيا. ولا صبياً. ولا امرأة).

وينهى الصادق عن قتل الرسل. أوقتل الرهن. أو استعمال السم، حتى في حرب المشركين. فإذا كانت حرب فلتكن حرباً نظيفة. أي إسلامية.

ولنتذكر في هذا المقام قول «علي» وهو يسير الجند للقتال (لا تقاتلوهم حتى يبدءوكم. فإنكم بحمد اللّه على حجة. وترككم إياهم حتى يبدءوكم حجة أخرى عليهم. فإذا كانت الهزيمة بإذن اللّه فلا تقتلوا مدبراً ولا تجهزوا على جريح. ولا تهيجوا النساء بأذى . إن كنا لنؤمر بالكف عنهن وهن مشركات .).

وقول الصادق «نهى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يلقى السم في جهاد المشركين . وعن قتل النساء والولدان في دار الحرب. وعن الأعمى. والشيخ العاني . وما بيت عدوا قط في ليل).


وقول الصادق لإحسان معاملة أهل الذمة (إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله قبل الجزية من أهل الذمة على ألا يأكلوا الربا ولا لحم الخنزير، ولا ينكحوا الأخوات وبنات الأخ وبنات الأخت. فمن فعل ذلك منهم فقد برئت منه ذمة اللّه وذمة رسوله).

فعلى المسلمين ألا يتعرضوا لأهل الذمة بسوء. بل إن عليهم أن يدافعوا عنهم، ما داموا لا ينشرون الدعوة ضد الإسلام، ولا يتظاهرون بارتكاب المنكرات، ولا يؤون إليهم أعداء الإسلام.

وكل من له كتاب كاليهودي والنصراني، أو شبه كتاب، كالمجوس، فهو ذمي، إذا قبل شروط الذمة والتزم بها. فإذا لم يلتزم فحكمه حكم الحربي .

 (في المجتمع ودعائمه) الأسرة

إذا رتبت تعاليم الإمام تصدر تعاليمه للناس قوله (أصل الرجل دينه وتقواه. الناس في أدم مستوون) وهذه المساواة الفطرية تسبقها البنوة لآدم، ثم يبلغها أغراضها حدب القوى على الضعيف، والعالم على الجاهل، والذي أتيحت له الفرصة على من لم تتح له.

ولما سأل الإمام رجلا: من سيد هذه القبيلة فأجاب: أنا. قال الإمام: لو كنت سيدهم ما قلت أنا.

ولما فصل المكرمات المطلوبة من الناس قال (المكارم عشر: صدق الناس، وصدق اللسان، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وقرى الضيف وإطعام السائل، والمكافأة على الصنائع، والتذمم للجار، والتذمم للصاحب. ورأسهن الحياء).

فهو يبدأ بالصدق وأداء الأمانة. ثم يتبعها صلة الرحم ولها عنده أعلى مقام. فبها قيام الأسرة - وهي نواة المجتمع الإسلامي - بتنظيمها القانوني الذي لا ضريب له في أمم غير أمة الإسلام.

يقول: «خمسة لا يعطوا شيئاً من الزكاة. الأب والأم والولد والزوجة والمملوك. لأنهم عياله ولازمون له» فالإنفاق على هؤلاء فرض. والصدقات مع وجوبها وتعميمها والحث عليها، لا تستحق للناس إلا أن يكتفي ذوو الأرحام. يقول الإمام «لا صدقة وذو رحم محتاج».


ولو ظن واصل الرحم أنه يضع المعروف في غير موضعه - وللمعروف دائماً موضع - فالإمام يقول له: «لا تقطع رحمك وإن قطعك».

وقع كلام بينه وبين عبد اللّه بن الحسن (وربما كان ذلك من جراء يوم الأبواء، وسلف القول فيه) وكان عبد اللّه أعلى أهل البيت سنا، فأغلظ عبد اللّه القول. فلم يرد الصادق. ثم افترقا ثم تلاقيا على باب المسجد. فابتدره الصادق يقول «كيف أمسيت يا أبا محمد»؟ (فهو أبو محمد المهدي - النفس الزكية - وإبراهيم والباقين، من بني عبد اللّه بن الحسن). وقال عبد اللّه كالمغضب: بخير.

قال الصادق: يا أبا محمد. أما علمت أن صلة الرحم تخفف الحساب؟ ثم تلا قوله تعالى (والذين يصلون ما أمر اللّه به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب) فقال عبد اللّه: فلا تراني بعدها قاطعا رحما.

يقول الصادق إن رجلا أتى النبي فقال: يا رسول اللّه إني لي أهلا قد كنت أصلهم وهم يؤذونني وقد أردت رفضهم. فقال له رسول اللّه «إن اللّه يرفضكم جميعاً» قال الرجل كيف أصنع؟ قال «تعطي من حرمك وتصل من قطعك وتعفو عمن ظلمك. فإذا فعلت ذلك كان اللّه عز وجل لك عليهم ظهيرا».

وكان الإمام يصلي عن ولده في كل ليلة ركعتين وعن والده في كل يوم ركعتين .

يقول في صدد الصلاة عن الميت إنه ليكون في ضيق فيوسع عليه ذلك الضيق، ثم يؤتى فيقال له خفف اللّه عنك ذلك الضيق لصلاة فلان أخيك عنك.

وربما أجمل منهاج الصادق في القول والعمل للناس عامة، كلمات له يتناقلها الناس في كل مكان. (خير من الصدق قائله وخير من الخير فاعله).

فهنا فضائل كثيرة مجتمعة. هي الخير. وصنعه. وإمكان الاقتداء بصانعه. وإعلان لرأي الإمام بأن الإيمان عقيدة وعمل. وأن العمل الصالح يحول الفكر المجرد، إلى فعل نافع أو أمر واقع. والعمل هو الوسيلة المنجحة إذا جرى مجرى الأصول. والصادق يروي عن علي:

(سمعت رسول اللّه يقول: عليكم بسنتي: فعمل قليل في سنة خير من كثير في بدعة).

والإمام يرى أن «رأس الحزم التواضع» وأن التواضع هو «الرضى بأن تجلس من المجلس بدون شرفك وأن تسلم على من لقيت. وأن تترك المراء وإن كنت محقاً ». ويقول» من أكرمك فأكرمه ومن لم يكرمك فأكرم نفسك عنه».


ويضيف إلى ذلك «إنك لن تمنع الناس من عرضك إلا بما تنشره عليهم من فضلك». وهذا الفضل بعض المعروف. أما عن تمام المعروف فيقول (المعروف لا يتم إلا بثلاثة: تعجيله، وتصغيره وستره).

يقول (العافية نعمة يعجز عنها الشكر) بل يقول «المعروف زكاة النعم».

واللّه تعالى يقول «وإن تعدوا نعمة اللّه لا تحصوها». فما أكثر ما يستحق الناس من المعروف عند المسلم الصادق.

والسخاء سمو، ولو من الجاهل. يقول الإمام «جاهل سخي أفضل من ناسك بخيل».

فلنتصور مجتمعاً يسود فيه السخاء. ويعم العطاء، ويتواتر المعروف، ليتعاون الناس في دنياهم. وتستوثق القربى فيهم، فتزداد لحمة الأسرة وثاقة، ثم تلتزم الجماعة والأفراد بالمكارم العشرة التي نص عليها الإمام إنه المجتمع الإسلامي.

لنقرأ وصية الإمام لعبد اللّه بن جندب، لنلمس مواقع الجمال والكمال في هذا المجتمع.

(لا تكن بطرا في الغنى ولا جزعاً في الفقر. ولا تكن فظاً غليظاً يكره الناس قربك. ولا تكن واهناً يجفوك من عرفك. ولا تشار من فوقك. ولا تسخر ممن دونك. ولا تنازع الأمر أهله. يا ابن جندب: لا تتصدقن على أعين الناس يزكوك. فإنك إن فعلت ذلك فقد استوفيت أجرك. ولكن إذا أعطيت بيمينك فلا تطلع عليها شمالك. فإن الذي تتصدق له سراً يجزيك علانية. فقد علم ما تريد).

الأخوة

كان طبيعياً أن تمتد هذه المبادئ السياسة والاجتماعية، الموجهة للأفراد، إلى بيئتهم. وأن يكون المقام العظيم للأصحاب والصحبة. وهي القرابة التي يختارها المرء لنفسه ولا تفرض عليه من أسلافه. والصحبة أداة منجحة للتكافل والتكامل. وبها تجتمع « الخلية الأولى » للجماعة الهادفة.


ولعل في اهتمام الإمام بالصحبة والأخوة دليلا على اتجاهه نحو إيجاد مجتمع أو جماعات تتآخى في التشيع. وبمثل هذه الجماعات قامت الدول الشيعية على نظم مشهورة في الدعوة لها، خافية أو معلنة، وبخاصة نظم الدعوة الاسماعيلية. وكما حفلت مجالس الإمام ومقولاته بوصف (الجعفري) وبعبارة (شيعتنا)، حفلت بتوكيد أسباب التعاون بين الإخوان.

هو أولا يجعل المودة بينهم من الدين فيقول (من حب الرجل دينه حبه إخوانه) ثم ينتقل من الوضع الديني إلى الاجتماعي فيقول «وطن نفسك على حسن الصحبة لمن صحبت. وحسن خلقك وكف لسانك واكظم غيظك.

أما يستحي الرجل منكم أن يعرف جاره حقه ولا يعرف حق جاره. ليس منا من لم يحس مجاورة جاره».

وقديماً قيل لأبي الأسود الدؤلي تلميذ «علي» «بعت دارك»؟ قال «بعت جاري» وقيل «الرفيق قبل الطريق».

والإمام الصادق يقول «أيسر حق من حقوق الإخوان أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك وأن تكره لأخيك ما تكره لنفسك وأن تتجنب سخطه وتتبع مرضاته وتطيع أمره وتعينه بنفسك ومالك ولسانك ويدك ورجلك. وأن تكون عينه ودليله ومرآته. ولا تشبع ويجوع. ولا تروى ويظمأ. ولا تلبس ويعرى. وأن تبر قسمه. وتجيب دعوته. وتعود مريضه وتشهد جنازته. فإذا علمت أن له حاجة تبادر إلى قضائها ولا تلجئه إلى أن يسألكها).

فكل وجه من الوجوه المشار إليها أداة تراحم تمكن للأخوة الإسلامية. وكل تفريط، مهما قل أمره، أو ضاق زمنه، تنقص من الأخوة الإسلامية. فإذا أطال المسلم قطيعة أخيه. فهي إحدى الكبر. فالمجتمع المتقاطع، هو كالمجتمع بين أعداء . أو كالجزر المتنازحة في اليم، حدود كل منها مصالحها.

يقول النبي عليه الصلاة والسلام (هجرة الرجل أخاه سنة كسفك دمه) وما أدق نصح الإمام في معاشرة الناس « لا تفتش الناس فتبقى بلا صديق. المؤمن يداري ولا يماري. مجاملة الناس ثلث العقل».


وهو ينهى عن الظنة. فالظنين متهم. يقول «ضع أمر أخيك على أحسنه. ولا تظن بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملا».

أما من فرط حيث تجب اليقظة فلا يلومن إلا نفسه - يقول الإمام «من كتم سره كانت الخيرة بيده» ويقول «لا تثقن بأخيك كل الثقة فإن سرعة الاسترسال لا تقال» ويقول «صدرك أوسع لسرك» و «سرك من دمك فلا تجره في غير أوداجك».

ويقول: «من خان لك خانك. ومن ظلم لك سيظلمك. ومن نم إليك سينم عليك».

ولما سئل عن الرجل العدل قال «من غض طرفه عن المحارم ولسانه عن المآتم وكفه عن المظالم».

والإخوان - عند الإمام - هم المواسون، فهم بين ثلاثة «مواس بنفسه وآخر مواس بماله وهما الصادقان في الإخاء، وآخر يأخذ منك البلغة ويريدك لبعض اللذة فلا تعده من أهل الثقة».

والإمام يأمر بالرفق بالناس. فينبه الذين يتطاولون ليتطامنوا. يقول (من الجور قول الراكب للراجل: «الطريق») فهو الراكب، وبيده الزمام، والطريق للناس كافة. وكفى الراجلين أنهم يمشون. وكفاه أنه فوق ظهر.

يقول الإمام «لا تسم الرجل صديقاً، سمة معرفة، حتى تختبره بثلاثة: تغضبه فتنظر غضبه أيخرجه عن الحق إلى الباطل. وعند الدينار والدرهم. وحتى تسافر معه».

ويقول «ثلاثة لا تعرف إلا في مواطن: لا يعرف الحليم إلا عند الغضب، ولا الشجاع إلا عند الحرب. ولا الأخ إلا عند الحاجة» ومن التبذل تنقص الكرامة. يقول «لا تمار فيذهب بهاؤك. ولا تمزح فيجترأ عليك. ولا جهل أضر من العجب».

والغضب عند الإمام «مفتاح كل شر، بما فيه من ذبذبة للذات وزعزعة للتوازن، فعنده أن «من ظهر غضبه ظهر كيده»، بل إن «من لم يملك غضبه لم يملك عقله» في حين أن « المؤمن إذا غضب لم يخرجه غضبه عن حق وإذا رضي لم يدخله رضاه في باطل».

ويهتف الإمام بالشيعة «يا شيعة محمد. ليس منا من لم يملك نفسه عند الغضب، ويحسن صحبة من صاحبه، ومرافقة من رافقه، ومخالفة من خالفه».


وأي أدب للنفس والعقل كمثل ذلك الذي يعبر عنه الإمام بإحسان المخالفة - وما هو إلا الحلم والأناة، قرظهما رسول اللّه للمنذر إذ أتاه، في وفد عبد القيس، فقال له (فيك خلتان يحبهما اللّه عز وجل: الحلم والأناة).

وفي عبارات تأخذ شكل ثلاثيات، قليلة العدد جليلة الفحوى، يجمع الإمام آلاف الرذائل المدمرة في ستة أصحاب خرق. هم كالجيوب المخرورقة للمجتمع لا تبقي ولا تذر: وهم المرائي والكسلان والمسرف والمنافق والحاسد والظالم، تشتعل بنقائصهم نيران الرذالات جمعاء، وإذ يتكاثرون في كل مكان، بالعدوى والتناتج، ويستهين الناس بخطرهم على أنفس الأفراد ومقومات الجماعة وقوة الدولة. مع أن أخطارهم السلبية تتوازن في ضررها مع أعظم الإيجابيات فتفقد الأمم تماسكها.

وجمعها في صعيد واحد، وإجمالها في كلمات، آية على نفاذ البصيرة وإحسان البيان: يقول الإمام:

للمرائي ثلاث علامات: يكسل إذا كان وحده. وينشط إذا كان الناس عنده. ويحب أن يحمد بما لم يفعل.

وللكسلان ثلاث علامات. يتواني حتى يفرط . ويفرط حتى يضيع. ويضيع حتى يأثم.

وللمسرف ثلاث علامات. يشتري ما ليس له. ويأكل ما ليس له. ويلبس ما ليس له.

وللمنافق ثلاث علامات. إذا حدث كذب. وإذا وعد أخلف. وإذا أؤتمن خان.

وللحاسد ثلاث علامات. يغتاب إذا غاب. ويتملق إذا شهد. ويشمت بالمصيبة.

وللظالم ثلاث علامات. يعصي من فوقه. ويعتدي على من دونه. ويظاهر الظالمين.

ولكل واحدة من هذه العلامات شعب يبلغ العلم بها أكثر من ألف باب.

المرأة

في فقه الإمام عناية بالغة بالنساء في الزواج والطلاق والميراث . وهي دعائم الأسرة وقوائم المجتمع. وقد عرضنا لبعضه، قبل. لكن اهتمامه الاجتماعي بالأسرة أو بالمرأة لا يقف عند الحكم الفقهي وإنما يتعداه إلى الترغيب والتهذيب بالنصح الدءوب. فمرآة المجتمع العظيم الأسرة السعيدة، وزينتها وحليتها المرأة الصالحة. وهي نصف الناس، وأم الجميع.


يقول الإمام (اتقوا اللّه في الضعيفين: اليتيم والنساء).

ويقول (البنات حسنات والبنون نعم. الحسنات يثاب عليها. والنعم مسئول عنها).

وإذا كان البنات حسنات يلقى بهن المرء بارئه، فيزدنه درجات. فالإمام يجعل للأمهات درجة في طاعة أوامرهن، فيأمر بالمبادرة بطاعة الأم، إذا دعا الأبوان.

ويلقى على الأم في دارها واجب استثمار الزمن في خدمة الأسرة والأمة. ويفرض على المجتمع واجب إحصان أفراده بالتيسير في المهور. وعلى المرأة واجب التعاون في إنجاح الزوجية بالوفاء بحق الزوج. ويجمع بين حسن التبعل وبين حسن الجوار. فيقول: «الشؤم في المرأة كثرة صداقها وعقوق زوجها - وفي الدار ضيق ساحتها وشر جيرانها».

يقول عليه الصلاة والسلام (علموا أبناءكم السباحة والرماية ونعم لهو المرأة في بيتها المغزل) فهن مطالبات ألا يفتحن الأبواب للشيطان بالفراغ. مطالبات بأن يعملن ما يجمل بهن. والمرأة التي تمسك المغزل بيد، وتهز مهد الطفل بيد، تضم بين ذراعيها أسرة سعيدة. ولقد كان النساء آخر ما أوصى بهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

يقول الإمام (صلاح حال التعايش على مكيال ثلثاه فطنة وثلثه تغافل) وهذه الأثلاث تتردد في مضامين ثلاثيات شتى، تجتمع وتفترق. لكنها كلها أركان لسعادة المجتمع الكبير الذي هو الأمة، والصغير الذي هو الأسرة. وقد سلف علينا في ثلاثية سابقة كيف قرن نكد الزوجية، بالنكد في الجيرة والسلطان الجائر. وهنا يستلفت الأنظار إلى ما يجب من إحسان العشرة، بالسلوك الرفيع والإنفاق اللازم. واحترام الذات حيث يقول «إن المرء يحتاج في منزله وعياله إلى ثلاث خلال يتكلفها، وإن لم يكن في طبعه ذلك: معاشرة جميلة. وسعة بتقدير، وغيرة بتحصن».

ثم يقول ليبين أثر المرأة في سلام الأسرة « ثلاث من ابتلى بهن كان طائح العقل: نعمة مولية، وزوجة فاسدة، وفجيعة نجيب» فهو يضع فسادها في منزلة بين المنزلتين. النعمة الضائعة، والفجيعة الحالة. في حين يقدمها عند صلاح حالها على فلذة الكبد والصديق الصافي إذ يقول «الأنس في ثلاثة: الزوجة الموافقة والولد البار والصديق الصافي».


والرجل رأس الأسرة، لا يلقى مقاده أو مقادها إلى الزوجة، وإلا غرقت السفينة. يقول الإمام «ثلاثة من استعملها فسد دينه ودنياه. من ساء ظنه، وأمكن من سمعه، وأعطى قياده حليلته».

وفي هذه الثلاثية تجتمع سلبيات خلقية ثلاثة في دنيا الرجل. فتحل الأشباح حل الأشياء، والأصداء محل الأصوات، والنساء محل الرجال. وليس هذا عالم المسلمين.

وفي ثلاثية أخرى نرى تصنيفاً من نوع خاص «النساء ثلاثة: واحدة لك وواحدة عليك ولك. وواحدة عليك. أما التي لك فهي العذراء. والتي لك وعليك فهي الثيب. أما التي عليك فهي المتبع التي لها ولد من غيرك» وإنما ينبه الإمام الرجال ليزداد برهم بمن يمكن أن تكون لهم أو عليهم، كي يتكلفوا لها خصالا نص عليها: معاشرة جميلة وسعة بتقدير وغيرة بتحصن.

العلم

أينما ذهبت في سيرة الإمام فثم وجه العلم، والتعويل على العلماء، والتمسك بالخلق العلمي وأساليبه:

يقول لعنوان البصري: «اسأل العلماء ما جهلت وإياك أن تسألهم تعنتا وتجربة. وإياك أن تعمل برأيك شيئا. وخذ بالاحتياط في جميع ما تجد إليه سبيلا. واهرب من الدنيا هربك من الأسد .).

ويقول لحمران بن أعين «العمل الدائم القليل، على اليقين، أفضل عند اللّه من العمل الكثير، على غير يقين».

وهذان القولان لعنوان وحمران نصيحتان نابعتان من منهج الإمام في الفقه وأصوله. فهو يلتزم الأشياء الثابتة والنصوص الواضحة. لأنها نقطة الارتكاز. وينصح بعدم المجازفة في طريق غير مؤكدة، يقول « العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا تزيده سرعة السير إلا بعدا».

ومن المنهج حسن التلقي وحسن الأداء فهو لا يجب المحال والعنت كما قال لعنوان «الجهل نقص في الدين والخلق ومعاملة الناس»، أو كما قال «الجهل في ثلاث: الكيد، وشدة المراء، والجهل باللّه».


ويقول «ثلاثة يستدل بهن على إصابة الرأي: حسن اللقاء وحسن الاستماع وحسن الجواب» - أما البلاغة فهي «ليست بحدة اللسان ولا بكثرة الهذيان ولكنها إصابة المعنى وقصد الحجة».

وقديماً قيل: البلاغة الإيجاز. وقيل: من البلاغة حسن الاستماع.

والصادق ينبه العلماء والأدباء وكل صاحب موهبة، على أن «من أدب الأديب دفن أدبه».

إنما الطريق القاصدة طريق التقوى والاجتهاد والتأمل. يقول: «كثرة النظر في العلم تفتح العقل وكثرة النظر بالحكمة تلقح العقل» و «من أخلاق الجاهل الإجابة قبل أن يسمع ، والمعارضة قبل أن يفهم ، والحكم بما لا يعلم» و «الرجال ثلاثة عاقل وأحمق وفاجر: العاقل إن كلم أجاب. وإن نطق أصاب. وإن سمع وعى. والأحمق إن تكلم عجل ، وإن حدث ذهل ، وإن حمل على القبيح فعل والفاجر إن أئتمنته خانك وإن حدثته شانك».

ومن إجلاله وظيفة المعلم يقول (أربعة ينبغي كل شريف ألا يأنف منها. أولها خدمته لمن تعلم منه...».

و «العلم جنة . والعالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس. واللّه ولي من عرفه. العاقل غفور والجاهل ختور . ومن خاف العاقبة تثبت فيما لا يعلم. ومن هجم على أمر من غير علم جدع أنف نفسه». و «أكمل الناس عقلا أحسنهم خلقا».

و «الخشية طريق العلم. والعلم شعاع المعرفة وقلب الإيمان. ومن حرم الخشية لا يكون عالما».


الدعاء

منهج أهل البيت في إصلاح الدينا هو المعرفة. وأولها معرفة الخالق جل شأنه بالعقل، وتثبيت الفهم بالخشوع والتقوى. فليس في غيرهما قناعة أو جدوى. يقول عليه الصلاة والسلام وعلى آله (أعوذ باللّه من علم لا ينفع وقلب لا يخشع ونفس لا تشبع). وفي ذات يوم ذهب قوم يقولون للإمام الصادق: ندعو. فلا يستجاب لنا فأجاب (لأنكم تدعون من لا تعرفونه) فمعرفة اللّه مطهرة للحياة. وصلة وثقى بين الرجاء والرضى وبين الدعاء والاستجابة.

والدعاء تزكية للنفس وسبيل لها إلى خالقها - بإخلاص تام - فهو ترياق من نفس الإنسان ومعراج إلى رضاء السماء بالالتجاء الكامل إلى اللّه، والانفصال في وقت الدعاء وحواليه عن الرذيلة. فإذا تعددت أوقاته، تكرر الانفصال مما يشين. وازداد العبد قربا، وأوقات قرب، من خالقه سبحانه. بالتكرار، وإخلاص النية. - ومن أجل ذلك يبرز الدعاء في مناهج الشيعة. ومؤلفاتهم كالصحيفة السجادية - نسبة إلى زين العابدين وفيها عشرات الأدعية. والبعض يسميها مزامير أهل البيت - ومصباح التهجد ومختصر المصباح وهما من مؤلفات الطوسي.

ومن ضروب التربية العصرية الإيحاء إلى الذات . وفي الدعاء إيحاء ورجاء، وتوجه إلى اللّه، وسعي لمرضاته.

وللأئمة دعوات مأثورة، تحويها صحف مشهورة، ولها مناسبات معلومة، وأوقات تمارس فيها. في الاصباح والأمسية والأيام والليالي والشهور. كأدعية ليلة الجمعة، أو رجب أو شعبان أو رمضان. وللصادق أدعية تتردد في كتب الصوفية. فيها الإيحاء العميق بالفضائل إلى نفس من يدعو، في موقف يعلم أن اللّه حاضره. وأنه المرجو سبحانه. فهي أداة إصلاح نفساني مقطوع النظير، فوق أنها نداء، يتعالى نحو السماء، في التماس المغفرة.

يقول «الشعبي» شيخ المحدثين من أهل السنة (عجبت ممن يقنط ومعه الممحاة). قيل وما الممحاة. (قال الاستغفار).


ولقد كان الصادق يدعو اللّه في كل أوقاته. ومنها لقاءاته مع أبي جعفر حيث كان يدعو اللّه قبل أن يدخل عليه. فيثبت اللّه جنانه. ويحيل بطش الجبابرة إلى ما يشبه طنين الذباب. ومن المأثور عنه قوله «إن الدعاء يرد القضاء. وإن المؤمن ليذنب فيذهب بذنبه الرزق».

الفصل الثالث : المنهج الاقتصادي

« ليس خيركم من ترك آخرته لدنياه ولا دنياه لآخرته. خيركم من أخذ من هذه لهذه »

(حديث شريف)

المنهج الاقتصادي

ليس المنهج السياسي أو الاجتماعي - ومنهما الاقتصادي - إلا متابعة للمنهج العلمي من الواقعية وإعمال العقل والعمل للتقدم، وفق حاجات الزمن واختلاف الأقاليم، على أساس المساواة بين الناس وعمارة الدنيا بالعدل وإحسان القيام على مرافقها .

والمنهجان - سواء العلمي أو السياسي الاجتماعي - ينبعان من القرآن وتطبيقات السنة. وهما وجهان لعملة واحدة هي القيم الإسلامية. فكل ما أبعد من هذه القيم لا يكون إسلامياً وإن انتظم مسلمين. فالمسلمون لا يصلحون إلا أن يلتزموا قيم دينهم. وقد أصلها الإمام علي، وتابعه فيها الأئمة من بنيه.

ومن القيم الاجتماعية السليمة تنشأ القيم الاقتصادية المنجحة. ولذلك تتجلى الوحدة الموضوعية بين الدين والسياسة والاقتصاد، والوحدة الفنية بين علمي المالية والاقتصاد وبينهما وبين فن الإدارة، في عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب للأشتر النخعي.

وسنرى بعض المقولات فيه تكاد تكتب في النصف الثاني من القرن العشرين للميلاد بأيدي المصلحين الاقتصاديين العالميين. فهي عصرية أبداً لأنها إسلامية خالصة.


يقول (وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحاً لمن سواهم. ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم. لأن الناس عيال على الخراج وأهله . وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في جبابة الخراج. لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة. ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد. ولم يستقم أمره إلا قليلا . ولا يثقلن عليك شيء خففت به المؤنة عليهم فإنهم ذخر يعود عليك في عمارة بلدك وتزيين ولايتك، مع استجلابك حسن ثنائهم وتبجحك(١) باستفاضة العدل فيهم.. فربما حدث من الأمور ما إذا عول فيه عليهم من بعد احتملوه طيبة أنفسهم).

أما عن «نشاط الأفراد» في التجارة والصناعة والزراعة والخدمات، والبيع والشراء، وعن حرية الاتجار والانتقال والعمل كأداة للإنتاج، ففيها التعبير العلمي الرفيع عن التاجر والعامل، إذ يسميهما «المضطرب بماله» و«المترفق ببدنه». وفيها التأييد والتيسير والإشراف والمتابعة من السلطة والتعاون بين الراعي والرعية حيث يقول:

(ثم استوص بالتجار وذوي الصناعات وأوص بهم خيراً، المقيم منهم، والمضطرب بماله، والمترفق ببدنه. فإنهم مواد المنافع وأسباب المرافق وجلابها من المباعد والمطارح . فإنهم سلم لا تخاف بائقته. وتفقد أمورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك. واعلم مع ذلك أن في كثير منهم ضيقاً فاحشاً . وشحاً قبيحاً واحتكاراً للمنافع. فامنع من الاحتكار...)

أما الطبقة الأخرى. وهي التي تمثل اليد السفلى، لعجزها، ولأنها تأخذ من اليد العليا لاقتدارها، فأوامره في صددها قاطعة. يقول:

(ثم اللّه اللّه في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم والمساكين والمحتاجين وأهل البؤس والزمني. فإن في هذه الطبقة قانعاً ومعتراً . واجعل لهم قسما من بيت مالك .).

ولقد سلف القول عن المنهج السياسي لدى أمير المؤمنين. وهو المساواة التامة بين المسلمين في العطاء وحقوق بيت المال وترك الأرضين في أيدي أصحابها بعد الفتح، وغير ذلك مما يكشف لنا منهاجه الاقتصادي بتمامه. وفيما أوضحناه إشارة إلى ما لم نعرض له بتوضيح. والنظريات تكشفها كليات. والكليات والجزئيات والتطبيقات ينتظمها جميعاً أصل ثابت من قول الرسول:

___________________

(١) فرحك.


 (ليس خيركم من ترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه. ولكن خيركم من أخذ من هذه لهذه).

(العمل)

العمل عند الشيعة قوة الإنتاج الكبرى. ومن أجل ذلك كان العمل للمعاش فرضا على المؤمن ليحيا في هذه الدنيا. ولا يجوع فيها ولا يعرى، أو تجرفه القوى، أو يحرفه الفراغ واللهو، أو تفسده طراوة الدعة - وأول ما ينبغي له البدء بتقوية النفس، وتبرئتها من الشح والطمع، وحثها على طلب الحلال. يقول الإمام (مثل الدنيا كمثل ماء البحر كلما شرب العطشان منه ازداد عطشاً) و (أربعة تذهب ضياعا. الأكل بعد الشبع والسراج في القمر، والزرع في السبخة، والصنيعة عند غير أهلها) - أما المؤمن فهو « من طاب مكسبه وحسنت خليقته ووضحت سريرته وأنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من كلامه، وكفى الناس شره وأنصف الناس من نفسه، وهو حسن المعونة خفيف المؤنة جيد التدبير لمعاشه ولا يلسع من جحر مرتين».

ثم يضع الإمام الضوابط للسعي في الحياة وتحصيل المعايش فيقول: «ليكن طلبك للمعيشة فوق كسب المضيع. ودون طلب الحريص الراضي بدنياه. المطمئن إليها. أنزل نفسك من ذلك بمنزلة المنصف المتعفف. وترفع بنفسك عن منزلة الواهن الضعيف. وتكسب ما لابد منه للمؤمنين».

وهو إذ يوصي بالإجمال في الطلب، ينادي بالحكمة في الإنفاق، فيقول «إن السرف يورث الفقر وإن القصد يورث الغنى».

وتدبير المعاش أساسي ليجتمع للمرء مال يكفي نفسه. ويفضل منه على غيره، ويؤدي به واجبه في الدين والدنيا. ومن أجل ذلك كان الصادق يعمل بيده، ويتجر، وينفق أمواله على الناس، وهو الإمام القدوة، ليوجه أنظار شيعته للعمل في الحياة الدنيا، كي يقدروا على أعباء الحياة وأداء الزكاة وصلة الرحم والإنفاق في المحتاجين. ولا يمكن المرء من كل ذلك إلا رزق يحصله من دأبه. يقول الإمام « من لم يكن فيه خصلة من ثلاث لم يعد نبيلا. من لم يكن له عقل يزينه أو جدة تعينه أو عشيرة تقصده».


والصحابة العظماء كانوا يعملون ليعيشوا. وما أكثر ما عمل «علي» ليعيش - وهو تراث أهل البيت الذين لا يضيعون الزمان سدى. يقول الإمام « الأيام ثلاثة: يوم مضى لا يدرك. ويوم الناس فيه فينبغي أن يغتنموه. وغد في أيديهم أمله» وما الاغتنام إلا بالعمل الصالح للنفس وللناس. أما من قعد يلتمس عطاء الآخرين فيده هي السفلى. ومثله مثل القاعد عن العبادة. أو كالذي ينتظر الذهب والفضة تساقطان من السماء.

يقول عن القاعدين: «الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر».

والشيعة في كل مجتمعاتهم يدأبون كدأب آبائهم أو أشد ويتقلبون في البلاد بتجاراتهم ، كهيئة ما كانوا يتقلبون في الأيام الأولى مع إلزام صاحب المال المسئولية عن طريقة كسبه و أبواب إنفاقه . يقول يحيى بن معاد (مصيبتان لم يسمع بمثلهما في الأولين والآخرين للعبد في ماله عند موته: يؤخذ منه كله. ويسأل عنه كله).

وهم إلى جوار إيجابهم العمل يوجبون الاستقلال فيه. وعدالة توزيع الرزق منه. فلا يجوزون الشركة المطلقة بين اثنين في كل نشاطهما . وشرط الشركة وجود رأس المال. وهم يسمون الشركة بدونه «شركة أبدان» ولا يصححونها. لأن كل إنسان مستقل بجهده. ومنافع جهده له - فإذا أخذ من الآخر أخذ ما لا يستحق - وفي هذا حض على الاستقلال الشخصي، والسعي الخاص، حتى لا يكون أحد كلا على غيره. وكمثلهم الشافعي لا يجوز هذه الشركة. فلكل ما سعى.

وهم أعداء للتواكل - جاء أمير المؤمنين عليا العلاء الحارثي فقال: يا أمير المؤمنين أشكوا إليك أخي عاصما. لبس العباءة وتلخص من الدنيا. قال : علي به. فلما جاء قال (يا عدو نفسه. لقد استهام بك الخبيث. (الشيطان) أما رحمت أهلك وولدك. أترى اللّه أحل لك الطيبات وهو يكره أن تأخذها: أنت أهون على اللّه من ذلك) قال: يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك قال: (ويحك إني لست كأنت. إن اللّه قد فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس).


ولكم كان رقيقا صاحب هذا الملبس الخشن إذا عامل الضعفاء . ولو كانوا غير ناس، أو كانوا من الأعداء: كان يوصي من في يده إبل الصدقة ألا يحول بين ناقة وفصيلها، وأن لا يبالغ في حلبها خشية أن يضر ذلك بوليدها. وأن لا يركب ناقة ويدع غيرها. بل يسوي في الركوب بينها وبين صاحباتها .

ولما حال بينه وبين الماء جند معاوية حاربهم عليه فأجلاهم عنه. ثم سقاهم منه ليسويهم في الماء بجنده

المضطرب بماله والمترفق بيده. أو: التجارة والصناعة

إذا كانت الحضارة الغربية لم تفطن إلى أن العمل أداة الإنتاج الأولي إلا في العصور الأخيرة فلقد طالما أعلنت ذلك السماء. والعمل التجاري أو اليدوي ميراث الأنبياء. ومن عمل الصحابة تعلم الناس جلال قدر المضطرب بماله أو المترفق بيده، أو ببدنه، كما يعبر أمير المؤمنين.

والصادق يمسك المسحاة ويعمل في بستان له، وحبات العرق تنساب كالبلور المذاب، على الجبين المزهر فيهيب به تابع له: جعلت فداك. أعطني المسحاة أكفك. فيجيبه (إني أحب أن يتأذى الرجل بحر الشمس في طلب المعيشة) وكان عندئذ يلبس قميصا ويفتح الماء بالمسحاة ويقول: «إني لأعمل في بعض ضياعي ولي ما يكفيني ليعلم اللّه عز وجل أني أطلب الرزق الحلال».

وكان النبي عليه الصلاة والسلام يتناوب ركوب راحلته ويقول لزميليه في السفر (علي وأبي لبابه) حينما أرادا أن يستمر راكبا في نوبتهما (ما أنتما بأقوى على المشي مني. وما أنا بأغنى عن الأجر منكما) وكان ينزل عن بغلته ليركب من يأخذ بزمامها معه ويقول لمن يريد حمل شيء بدلا منه (صاحب الشيء أولى بحمله).

أما أمير المؤمنين علي فيحمل لأهله التمر والبلح في ثوبه ويقول:

لا ينقص الكامل من كماله

ما جر من نفع إلى عياله

ويروي «علي» أن الزهراء أجرت الرحى حتى أثرت الرحى بيدها. وقمت البيت حتى اغبرت ثيابها. وأوقدت القدر حتى اسودت ثيابها وأصابها من ذلك ضر. ويقول عطاء.


إن كانت فاطمة لتعجن حتى أن قصتها لتصيب الجفنة.

وأي عظمة في الدنيا كعظمة اليد العليا، وهي تعمل لبناية الدنيا فتعطي.

لقد قبل رسول اللّه اليد التي تحمل المسحاة يوم أقبل من تبوك، فلقيه سعد الأنصاري فنظر إلى يد سعد وقال: «ما هذا الذي أكتب يديك»؟ فقال: يا رسول اللّه أضرب بالمر والمسحاة فأنفقه على عيالي. فقبل رسول اللّه يده وقال: «هذه يد لا تمسها النار».

ولما أعطى الرسول اليد العاملة أمانا من النار، جعل العمل عبادة. وإن ورد النص على العمل البدني. فما هي إلا إشارة لكل عمل. وهو عليه الصلاة والسلام القائل (لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي الجبل فيجيء بحزمة حطب على ظهره فيبيعها. ويستغني، خير له من أن يسأل الناس. أعطوه أو منعوه).

وهو عليه الصلاة و السلام - وعلى آله - ينبه على قيمة الوقت والالتزام بالواجب والبدء بالعمل النافع فيقول (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها. وإن استطاع ألا تقوم الساعة حتى يغرسها فليغرسها).

وأي جلال كجلال رسول اللّه وهو يعمل بيده، من أجل تحرير شيخ من أشياخ الشيعة العظماء، ليحفظ الشيعة لأنفسهم وللدنيا معهم، ذلك الدرس العظيم: أن العمل والحرية صنوان. وأن كلا منهما وسيلة للآخر.

أرسل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علي بن أبي طالب إلى خليسة مولاة سلمان الفارسي، وكانت قد اشترته بثلثمائة درهم من أعراب حملوه إلى يثرب. ومكث معها ستة عشر شهرا حتى قدم النبي يثرب. فسميت المدينة. فأتاه سلمان فأرسل النبي عليا إلى خليسة، بعد إذ أسلمت، لتعتق سلمان. قالت: قل للنبي إن شئت أعتقته، وإن شئت أعتقته، وإن شئت فهو لك، قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أعتقيه أنت» فأعتقته. فغرس لها رسول اللّه ثلثمائة فسيلة.


وكان عليه الصلاة والسلام يقول: (سلمان منا أهل البيت)(١) .

ومع أن الإمام الصادق يرى إنفاق المال في البر تجارة مربحة فيقول(إني لأملق أحيانا فأتاجر مع اللّه بالصدقة فيربحني وأتسع) أي أنه يوجب الإنفاق، في حالي اليسر والإملاق، ويرى علاجا للفقر أن يتعامل مع اللّه بعطائه للفقراء. فهو في الوقت ذاته يشجع الناس على العمل، والمجتمع الشيعي مجتمع العاملين لا يتسع للمتسولين والإمام الصادق - من جراء ذلك - يؤثر عطاء الذين لا يسألون الناس على الذين يسألون. ولو قام أهل الإسلام بواجب الإنفاق لما افتقر مسلم واحد.

___________________

(١) أضافه النبي إلى أهل البيت فصلا من النبي في تنازع المهاجرين والأنصار عليه إذ كان كل من الفريقين يريده واحدا منهم.

وكان سلمان في انتسابه لأهل البيت حيث أراد صاحبهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فهو صاحب الرأي بحفر الخندق في يوم غزوة الخندق (الأحزاب) وعلي هو الذي قتل عمرو بن عبدود فارس العرب يوم ذاك - فلأهل البيت في هذه المعركة القدح المعلى.

وكان حكيما. إذا خلا به رسول اللّه لم يبغ أحدا غيره. عينه عمر أميراً على المدائن عاصمة فارس فكان يوزع عطاءه على الناس (خمسة آلاف درهم) ويعمل الخوص بيده ويبيعه بثلاثة دراهم ينفق واحدا ويتصدق بواحد ويشتري خوصا جديداً بواحد. وذات يوم دخلوا عليه دار الإمارة فوجدوه يعجن بيده. قال: بعثنا الخادم في عمل فكرهنا أن نجمع عليه عملين.

رآه رجل قادما من الشام فحسبه من ضخامة جسمه حمالا. فأعطاه حملا وقال اتبعني. فحمله وتبعه. ورآه الناس فتسارعوا يحملون حمل الأمير قال: لا . فرجاه الرجل، إذ أدرك مقامه، فأبى وقال: لا حتى أبلغ منزلك. وثمة وضع الحمل في مكانه وقال (أني احتسبت بما صنعت خصالا ثلاثة: أني نفيت عني الكبر. وأعنت رجلا من المسلمين على حاجته. وإن لم تسخرني سخرت من هو أضعف مني فوقيته بنفسي).

فهو يحمل الحمل عن رجل ضعيف. ولا يخزى صاحب الحمل بتعريف نفسه. وينفي عنها الكبر وهو أمير فارس لكنه يحفظ وصية صاحبهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيقول (أوصاني خليلي ألا يكون متاعي من الدنيا إلا كزاد الركب).

وحسبه قول أمير المؤمنين علي عنه (من لكم بمثل لقمان الحكيم).


فالعمل بكل أموال الأمة يجعل الحبة الواحدة مائة جنه ذلك تقدير العزيز الحكيم في تشريعه. والصدقة تربى أو على الأقل لا تنقص. يقول عليه الصلاة والسلام (ما نقصت صدقة من مال) بل يقول (إنما ترزقون بضعفائكم).

والعمل في الصناعة والتجارة مدرسة الدنيا. ووسيلة لعمارتها بالكسب الحلال. وأداء حق المال. وهو محل إكبار المسلمين أجمعين. يتراءى في كثير من أسماء جلة الفقهاء(١) .

والصادق هو القائل: «الشاخص في طلب الحلال كالمجاهد في سبيل اللّه» والقائل: «إني لأرى الرجل فيعجبني فأقول: أله حرفة؟ فإن قالوا (لا) سقط من عيني».

ويقول الإمام الباقر (الصدقة لا تحل لمحترف ولا لذي مرة سوى). فالمحترف غني بحرفته. وذو القوة غني باقتداره على العمل.

والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «ملعون من ألقى كله على الناس».

سأل إبراهيم بن أدهم(١٦٢) تلميذه شقيق البلخي(١٩٥) وهما الزاهدان الشهيران: ما بدء أمرك الذي أبلغك هذا؟ قال شقيق: مررت ببعض الفلوات فرأيت طائرا مكسور الجناحين في فلاة من الأرض. فقلت أنظر من أين يرزق هذا. فقعدت بحذائه: فإذا بطير أقبل وفي منقاره جرادة فوضعها في منقار الطير مكسور الجناحين. فقلت في نفسي: إن الذي قيض هذا لهذا قادر أن يرزقني حيث كنت. فتركت التكسب واشتغلت بالعبادة.

___________________

(١) أطلقت الأوصاف من كثير من الحرف على عظماء الفقهاء الذين يحترفونها (الخصاف - القدوري - الكرابيس - القفال - الصابوني - الحلواني - النعالي - البقالي - الصفار - الجصاص التبان . الخ) - وقد عمل أئمة أهل السنة الأربعة. وعمل الصحابة التابعون.

ومن علماء الشيعة نصر بن مزاحم (مؤلف كتاب صفين) وداود بن أبي يزيد. وداود بن سرحان: كانوا عطارين. وميثم التمار يبيع التمر. ومؤمن الطاق. وخالد بن سعيد ومحمد بن خالد وصبيح بن أبي الصباح كانوا صيارفة. والشيخ آدم. كان يبيع اللؤلؤ. ورفاعة بن موسى كان نحاساً. وابن حدير كان طحانا. وعبد اللّه بن ميمون كان قداحا (يبرى القداح).


قال إبراهيم: ولم لا تكون أنت الطير الصحيح الذي أطعم الطير العليل حتى تكون أفضل منه؟ أما سمعت عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن «اليد العليا خير من اليد السفلى».

وخرج الإمام الصادق يسعى للرزق في يوم صائف شديد الحر. فقالوا: يا ابن رسول اللّه هذه حالك عند اللّه عز وجل، وقرابتك من رسول اللّه، وأنت تجهد نفسك في هذ اليوم فقال لمن حدثه «خرجت في طلب الرزق لأستغني عن مثلك».

ولما أخبروه يوما عن رجل يقول: لأقعدن ولأصلين ولأعبدن اللّه قال «هذا أحد الذين لا يستجاب لهم».

ولا بأس أن يجد العامل في عمله بعض مشقه، فما هي إلا زيادة في الفضيلة فيه أو الهناءة به.

جاءه من يرجوه ليدعوه اللّه ألا يجعل رزقه على أيدي العباد، فأجابه (أبى اللّه عليك ذلك. آلى اللّه ألا أن يجعل رزق العباد بعضهم من بعض، ولكن ادع اللّه أن يجعل رزقك على أيدي خيار خلقه. فإنه من السعادة. ولا يجعله على أيدي شرار خلقه. فإنه من الشقاوة).

والصادق بهذا التنبيه يلفت النظر إلى أن التعامل يقتضي وجود طرفين، والسعيد من صلح طرفه الآخر. وهو فوق ذلك يكمل نقصا لدى كثير من الصالحين الذين يفوتهم أن خوض الغمرات للرزق، مع النجاة من ارتكاب الإثم في تحصيله، درجة أعلى في الفضل - بل هو يبصرهم بالمكروه الذي يلقاه الناس إذ يبتغون غضارة العيش أو نضارة الحياة.

يقول (ليس من أحد وإن ساعدته الدنيا بمستخلص غضارة عيش إلا من خلال مكروه).

والغضارة نضارة ووضاءة وصلاح بال، لا يمكن أن تكون بمعدى عن المكاره، ومنها الإيجابي الذي يستوجب النضال، ومنها سلبي، يتراءى فيما يفقده المرء من ذات نفسه بإضعاف قدرته على التحمل، أو منعها من العمل، أو مصير ذاته إلى الترهل. ومنها ما يتقاضاه الناس من أعراض الناضرين إذ يمسون أغراضا لسهام الكلام.


وإنما ينضر اللّه عبدا سمع مقال الرسول ووعاه أسلوبا في الحياة، وما هو إلا الجد وأداء الواجب. والاقتصاد في مظاهر الرفاه. وهو أقوم وأسلم.

وينضر الإمام وجه العمل ذاته ليزيد العامل قوة، ويزيد الأداء أناقة، وصلات المتعاملين وثاقة، حيث يقول (كل ذي صناعة مضطر إلى ثلاث خصال يجتلب بها الكسب: أن يكون حاذقا بعمله. مؤديا للأمانة. مستميلا لمن استعمله).

ولما ختم الخصال الثلاثة بالاستمالة كان يوجه من استعمل غيره أو استعمله غيره: ليدخل قلب عميله في حسابه. فهذا درس إسلامي اجتماعي في المحبة، مثلما أنه درس اقتصادي في إحسان الصناعة ووثاقة العلاقة. ولباقة الأخذ. ولياقة العطاء. والحياة كلها أخذ وعطاء.

التجارة

روى المعلى بن خنيس تابع الإمام(١) : رآني أبو عبد اللّه وقد تأخرت عن السوق فقال: اغد إلى عزك.

قال معاذ قلت لأبي عبد اللّه هممت أن أدع السوق قال «إذن يسقط رأيك ولا يستعان بك على شيء».

وقال لمن ترك التجارة «لا تتركها فإن تركها مذهبة للعقل اسع على عيالك و إياك أن يكونوا هم السعاة عليكم».

___________________

(١) قتله داود بن علي - أمير المدينة لأبي جعفر المنصور - وصادر ما تحت يديه، من أموال كانت أموال الإمام الصادق، في نوبة من نوبات البطش التي اجتاحت المدينة وأهل البيت، بتهمة أنه لم يدل داود على اثنين من العلويين كان يبحث عنهما - وقصد الإمام إلى دار الإمارة يصيح في وجه داود بل يتهدده (قتلت مولاي وأخذت مالي . أما علمت أن الرجل لا ينام على الحرب)؟ فتنصل داود من المسؤلية وأمر بقتل القاتل فصاح هذا الأخير (يأمرونني بقتل الناس فإذا أمرت بقتلهم قتلوني).


وسأل عن تلميذ له: ما حبسه عن الحج؟ فقيل قل شيئه. فاستوى جالسا - وكان متكئا - وقال: لا تدعوا التجارة فتهونوا.

وكسب المال من حله وإنفاقه في محله واجبان على المسلم. والتجارة ممارسة وتعامل، أي مران على الشئون العامة والخاصة. والتاجر أعلى عينا بالأمور. وأقدر على مد يد العون للآخرين - وفي الاضطراب في الأسواق إثراء للجماعة، وتخطيط مشترك للمعايش، وهو قبل ذلك امتحان مستمر للنزاهة والبعد عن المحرمات.

وعناية الشيعة بتوضيح الحلال والحرام في التجارة ظاهرة في نصوص الفقه. فالمحرم مما يكتسب به. أنواع:

١ - الأعيان النجسة كالخمر.

٢ - الآلات المحرمة . كآلات القمار.

٣ - ما يقصد به المساعدة على المحرم كبيع السلاح لأعداء الدين.

٤ - ما لا ينتفع به كالمسوخ.

٥ - الأعمال المحرمة كالغناء عدا المغنية لزف العرايس، إذا لم تغن بالباطل ويدخل عليها الرجال، والنوح بالباطل: أما بالحق فجائز. وهجاء المؤمنين. وتعليم السحر والكهانة.

٦ - الأجرة على القدر الواجب من تغسيل الأموات.

ولا بأس بالرزق من بيت المال. وكذا على الأذان. أما جوائز الظالم فمحرمة إن علمت بعينها، والولاية من العادل جائزة. وربما وجبت. والولاية من الجائر محرمة، إلا مع الخوف، - فلو تيقن التخلص من المأثم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر استحبت.

وكما يعمل الإمام بيده ليتعلم الناس، يتجر بماله ليعلمهم دروسا في التجارة - بالتطبيق العملي الذي تشهده الملايين فتتعلم. وهو أجدى عليها من أن تعطي ملايين تنفقها ولا تتعلم.


دعا يوما مولاه مصادف فأعطاه ألف دينار وقال له تجهز حتى تخرج إلى مصر فإن عيالي قد كثروا. فتجهز بمتاع. وخرج مع التجار حتى إذا دنوا من مصر، استقبلتهم عير خارجة منها، فسألوهم عن المتاع الذي يحملونه ما حاله في مصر، وما متاع العامة؟ فعلموا منهم أن ليس بمصر منه شيء. فتحالفوا على ألا ينقصوا من ربح دينار دينارا . ووسع عليهم في الربح. ثم فصلت العير عن مصر إلى المدينة بالكسب العميم. ودخل مصادف على مولاه ومعه كيسان في كل منهما ألف دينار. وقال: جعلت فداك. هذا رأس المال وهذا الربح.

قال الصادق: إن هذا الربح كثير. ماذا صنعتم؟ فحدثه كيف سألوا وكيف توافقوا وكيف باعوا.

قال الصادق: سبحان اللّه تحلفون باللّه على قوم ألا تبيعوا أو يربح الدينار دينارا

ثم أخذ واحدا من الكيسين فقال: هذا رأس مالي ولا حاجة لنا في الربح. ثم قال: «يا مصادف. مجالدة السيوف أهون من طلب الحلال».

هكذا بورك لمصر في متاع الإمام. لكن الإمام لم يقبض درهما من أموال مصر. أن قد أساء البيع الوكلاء. مذ كانوا محتكرين. ولا «يحتكر إلا خاطئ». وهذا أول الدروس. وهي كثيرة. منها أن زيادة الجهد واجبة عند كثرة العيال. وأن ترك ما فيه شبهة هو الحق، وأن النظر إلى الأمة كلها واجب. وهو أوجب على العلماء والرعاة.

كان إذا جاع الناس صنع صنيع آبائه فأخذ جرابا فيه الخبز واللحم والدراهم على عاتقه، فذهب إلى ذوي الحاجات من أهل المدينة فقسمها فيهم وهم لا يعرفونه، حتى إذا مات افتقدوه فعلموا أنه «الإمام الصادق».

وما جاع قادر إلا ذكر البطون الخاوية.

وفي سعة أرزاق الحمقى عبرة للعقلاء. يقول الإمام: (إن اللّه تعالى وسع أرزاق الحمقى ليعتبر العقلاء ويعلموا أن الدنيا لا ينال ما فيها بعمل ولا حيلة).


و(كم من طالب للدنيا لم يدركها. ومدرك لها قد فارقها. فلا يشغلنك طلبها عن عملك. والتمسها من معطيها. ومالكها. فكم من حريص على الدنيا قد صرعت . ما الدنيا؟ هل الدنيا إلا أكل أكلته أو ثوب لبسته. أو مركب ركبته؟)

ولا تعاب القلة وإنما تعاب الرذيلة. ومنها التظاهر والإعلان الكاذب. والصدق صفة المتعاملين مع اللّه، والقليل مع الصدق كثير. ومن ثمة بركات اللّه. في النفس والعقل والمال، للصادقين.

والصادق يعد بهذا كله في كلمته الجامعة «من أراد اللّه بالقليل من عمله أظهر اللّه منه أكثر مما أراد».

يقول لمن ساعد - بغير أجر - في عمل لم يجد صاحبه مالا ليكري من يساعده فيه (أما أنك إن تساعد أخاك أحب إلي من طواف أسبوع في البيت).

وترى من ذلك بروز «العمل الصالح» في أبواب العبادة وتقديمه بين النوافل.

والصادق يخصص بعض ماله للإصلاح أياً كان وجهه.

تشاجر رجلان على ميراث فمر بهما المفضل بن عمر - صاحب الإمام - فدعاهما إلى منزلة فأصلح بينهما بأربعمائة دينار من جيبه، حتى إذا استوثق كل منهم من صاحبه، قال المفضل: إنها ليست من مالي إن الإمام أمرني إذا رأيت اثنين من اصحابنا يتنازعان أن أصلح بينهما من ماله.

٢ - المال

هذه القوة الكبرى للإنتاج وهي العمل، تعاونها قوة أخرى هي المال، شريطة أن يستعمل. فإذا لم يستعمل تنقصته الزكاة عاما بعد عام حتى تقضي عليه. ومن أجل ذلك صار مباحا الاتجار في مال اليتيم لحسابه حتى لا يأكله الزمن - وإنما يستعمل المال في التجارة وفي الصناعة والزراعة وسائر الوجوه. فلا يكنز ولا يؤخذ عليه ربا، بل بتواصل المسلمون فيه بالمعروف.


سئل الصادق: لم حرم اللّه الربا؟ وأجاب: لئلا يتمانع الناس المعروف). والمعروف مطلوب في العلاقات العادية والمالية وبين جميع المتعاملين، في القروض ونظرة الميسرة أو المشاركة في مخاطر الاتجار أوالاستصناع والمزارعة والخدمات، وسواها، لتجري الأرزاق لهم، من اللّه، على أيديهم.

وأول الواجبات في المال أن يكون أداة تعمير للدنيا باستثماره، وللأنفس بمشاركة المحتاجين إليه، سواء للعمل به أو للعيش منه. وألا يكون وسيلة للاستعلاء وإنما وسيلة للتواصل. يتأدى بها المسلم إلى العمل الصالح. ومن الأوليات في هذه الواجبات الاقتصاد والترفق:

يقول الإمام «أيما أهل بيت أعطوا حظهم من الرفق فقد وسع اللّه عليهم في الرزق والرفق في تقدير المعيشة خير من السعة في المال». والرفق لا يعجز عن شيء. والتبذير لا يبقي معه شيء.

وفي القليل كفاية مع القناعة. والكثير لا يغني مع السرف .

وفي المعنى ذاته يقول الصادق « ضمنت لمن أقتصد الا يفتقر» وإنما يفتقر من يتجاوز الحدود، ويبعثر قواه، ويخسر أشياءه.

وبالرفق في الأمور تجري الحياة بين الناس على نسق مقبول. يقول الإمام «من كان رفيقا في أمره نال ما يريده من الناس».

واللّه تعالى يحب الرفق في الأمر كله.

العبادة وانفاق المال

يكاد أكثر ما جمع من تعاليم الإمام في الأبواب الاجتماعية والاقتصادية، يتجه بفحواه شطر هذا الوجه من وجوه العبادة.

واللّه تعالى يصف المتقين في محكم كتابه، في أول صفحاته، بأنهم (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون).


وكل نعمة رزق. يقول عليه الصلاة والسلام (نعمتان مغبون فيهما أكثر الناس. الصحة والفراغ) فهاتان نعمتان يسأل عنهما الإنسان. والإمام يقول: « المعروف زكاة النعم ». فالمعروف زكاة واجبة لمجرد الفراغ من التبعات والسلامة من المرض.

ومن التطبيق الإسلامي للإنفاق ووجوهه المادية والمعنوية يظهر أنه العبادة الإسلامية الشاملة لكل الناس، ولكل شيء ولكل ساعة في الحياة يتاح فيها مد يد بالمودة للغير. بالعطاء أو قبول العطاء، والإقراض أو الاقتراض، ودفع الأذى، أو مجرد المعونة. بالفعل أو القول، أو بالعمل المادي، أو بمجرد الكف عن الأذى، وما إلى ذلك من أبواب التعاون بين أفراد المجتمع. سواء بالمال أو بالسعى أو بالجاه أو بمجرد الاهتمام.

واهتمام المسلم بما أهم المسلم هو الذي يهب المقرور دفئا، والمكروب برءاً، والمنكوب طمأنينة.

يقول صاحب الشريعة (من لم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم)

ولما حصرت الشريعة الفرائض رحمة من اللّه بعباده المكلفين، أطلقت المندوبات، لتتيح لهم أن يتطوعوا بالعمل الصالح كيفما قدروا وحيثما وفقوا - وبخاصة في إنفاق المال - ثم أكثرت الحض عليه، ثم جعلته ممكنا للجميع، وفي وجوه النشاط الإنساني جميعها.

يقول الإمام «ليعن بعضكم بعضا فإن أبانا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يقول: «إن معونة المسلم خير وأعظم أجرا من صيام شهر واعتكافه شهرا في المسجد الحرام» وإياكم وإعسار أحد من إخوانكم المسلمين فإن أبانا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يقول «ليس المسلم أن يعسر مسلما. ومن أنظر مسلما أظله اللّه يوم القيامة بظله حيث لا ظل إلا ظله .»

وذات يوم قال رجل: إن بيني وبين رجل منازعة في أمر وإني أريد أن أتركه فيقال لي إن تركك ذلة. فقال الإمام (إن الذليل هو الظالم). فهو لا يرى الترك عيبا إنما العيب بالظلم، أيا كان مصدره، التارك أو المتروك له.


ودخل عليه عمار الساباطي فقال له: «يا عمار إنك رب مال كثير فتؤدي ما افترض عليك اللّه من الزكاة؟ قال نعم. قال فتخرج الحق المعلوم من مالك؟ قال نعم. قال: فتصل قرابتك؟ قال: نعم. قال فتصل إخوانك قال نعم. قال: يا عمار إن المال يفنى. والبدن يبلى. والعمل يبقى. والديان حي لا يموت. يا عمار. ما قدمت فلم يسبقك. وما أخرت فلن يلحقك»

والأيادي قروض، والإمام يعد بالرد المضاعف، ويعلن فضل من أعطى. ويؤثر عليه فضل الآخذ. والعرف لا يذهب بين اللّه والناس.

قال له تلميذ: إني لا أتغذى أو أتعشى إلا ومعي اثنان أو ثلاثة. أو أكثر. فأرضاه الإمام بالجزاء الموعود، وأعلن له أن فضلهم يفوق فضله. قال (فضلهم عليك أكثر من فضلك عليهم. إذا دخلوا عليك دخلوا بالرزق الكثير)(١)

والإمام يحض على دوام التواصل، إذ يجعل النعمة التي يخولها المعطي للآخذ نعمة تتكرر إذ تشكر، لتتكرر. يقول «اشكر من أنعم عليك. وأنعم على من شكرك. فإنه لا إزالة لها إذا شكرت ولا إقالة لها إذا كفرت».

والبخل قبض القادر يده عن العطاء ونفسه عن الأمل. فذلك داء البخلاء. والإمام الذي يوجب السخاء عند إقبال الدنيا وحين يفيض الخير، يوجب الرجاء والصبر عند إدبارها. فالدنيا تدور. يقول (عجبت لمن يبخل بالدنيا وهي مقبلة عليه أو يبخل بها وهي مدبرة عنه. فلا الإنفاق مع الإقبال يضره. ولا الإمساك مع الإدبار ينفعه).

___________________

(١) قارن هذا المجتمع الإسلامي الذي يقول فقهاؤه (ما المعطي عن سعة بأفضل من الآخذ لو كان محتاجا) بالمجتمع الإنجليزي الذي جاء بعد ذلك بقرون سبعة في عصر الملكة اليزابيت(١٥٥٨ - ١٦٠٣) وفيه صدرت قوانين بإعدام المتسولين وأعدم بها المئات.


ففيم يقف البخلاء دورة المال أو نعمة الرجاء

والصادق يروي عن جده أمير المؤمنين «قيل يا نبي اللّه. أوفي المال حق سوى الزكاة قال نعم. بر الرحم إذا أدبرت. وصلة الجار المسلم. فما أقر بي شبعان وجاره المسلم جائع. ثم قال: ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه».

وفي كل مشاركة فضل، يقول صفوان بن يحيى - من أصحاب الإمام كاظم - جاءني عبد اللّه بن سنان قال: هل عندك شيء؟ قلت نعم فبعثت ابني يشتري لحما بدرهم فقال: أين أرسلت ابنك فأخبرته فقال: رده. عندك زيت؟ قلت نعم قال هات فإني سمعت أبا عبد اللّه «الصادق» يقول (هلك امرء احتقر لأخيه ما يحضره. وهلك امرؤ احتقر لأخيه ما قدمه إليه).

والجود بالموجود جود. وفي التكليف رهق. وفي كل إرهاق أذى. والسمح لا يؤذى، ولا يحس الأذى فيما هو طبيعي. ومن السماحة في الأخذ والعطاء ينتشر التواصل، بأي شيء وفي كل شيء.

فالإمام لا يتكلف لأحد. ويعلن فضل الطاعم على صاحب الطعام. قال هشام بن سالم دخلنا على أبي عبد اللّه ونحن جماعة. فتغذينا وتغذى معنا. وكنت أحدث القوم سنا. فكنت أقصر وأنا كل فقال لي (كل. أما علمت أنه تعرف مودة الرجل لأخيه بأكله طعامه).

يقول الإمام لأضيافه: «أشدهم حبا لنا أكثرهم أكلا عندنا».

وكانت «عين زياد» ضيعة له فجعلها له وللناس. يأمر وكيله بأن يثلم في كل حيطان الضيعة ثلما ليدخل الناس فيأكلوا. ويأمر كل يوم بعشر ثبنات يقعد على كل واحدة منها عشرة يطعمون. كلما قام عشرة جاء عشرة. يلقى لكل منهم بعض الرطب. أما الذين لا يجيئون من جيران الضيعة فلكل منهم مد يرسل إليه، حتى إذا جاء أوان قطع الثمار أعطى الوكلاء العمال أجورهم عنه، وأمر الإمام بالباقي فحمل إلى المدينة ففرق في أهلها، كل حسب استحقاقه.

يقول ابن أبي طيفور: رأيت عند أبي عبد اللّه ضيفا فقام يوما في بعض حوائجه فنهاه وقام بنفسه إلى هذه الحاجة وقال (نهى رسول اللّه عن استخدام الضيف).


أداء حقوق الآخرين في المال

وإذا واسى الصادق أعطى فأغنى: سأله فقير فأعطاه ألف درهم فلما مضى الرجل أمر خادمه ليرجعه. قال الخادم: يا سيدي سئلت فأعطيت. فماذا بعد العطاء؟ قال (قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (خير الصدقة ما أبقت غنى) وقال للرجل: (إنا لم نغنك. فخذ هذا الخاتم فقد أعطيت فيه عشرة آلاف درهم).

ولا مرية في أنه لم يغن الرجل ليأكل، وإنما أغناه بالمال ليعمل. فالعطاء ليس طعاما يعطى وإنما هو فرصة عمل بالتعبير الاقتصادي المعاصر. أي تمكين من أداة إنتاج تحفظ إنسانية الانسان وتزيد ثراء الجماعة.

والعطاء وفاء بحقوق. وليس مجرد أريحية. فأمير المؤمنين علي هو القائل (إن اللّه فرض على الأغنياء في أموالهم ما يكفي الفقراء فإن جاعوا أو عروا فبظلم الأغنياء) والقائل (الفقر هو الموت الأكبر)

وسئل الباقر عن الزكاة تجب في مواضع لا يتمكن السائل من أدائها فيها فأجاب: (اعزلها فإن اتجرت بها فأنت لها ضامن. ولها الربح).

ويقول الصادق (إن اللّه عز وجل فرض للفقراء في مال الأغنياء ما يسعهم - ولو علم أن ذلك لا يسعهم لزادهم. إنهم لم يؤتوا من قبل فريضة اللّه عز وجل . ولكن أتوا من منعهم حقهم. ولو أن الناس أدوا حقوقهم كانوا عايشين بخير).

وبنص عنه (إن اللّه تبارك وتعالى شرك بين الفقراء والأغنياء في الأموال. فليس لهم أن يصرفوا إلى غير شركائهم).

وعلى أساس هذه النصوص يتساءل الفقهاء: هل الفقير «شريك» في ملك العين (في خصوص الزكاة)، أو أن له «مجرد حق» فيها. فالبعض على أنه شريك بمقدار حصته، والبعض على أنه صاحب حق فيها. وهو مقدار نصيبه. وصاحب النصيب من لا يملك مؤنة سنة له ولعياله. والأغنياء من يملكون ذلك المقدار.


يقول الإمام الصادق (تحرم الزكاة على من يملك قوت سنة)

ولا يدع الإمام الناس، فقراء أو أغنياء، دون تنبيههم على أصل الداء، وهو الطمع. فيعالنهم بمقولة من مقولاته. التي تتناقلها الأجيال: (إن كان ما يكفيك لا يغنيك فكل ما فيها لا يغنيك).

ولحقوق الفقراء على الأغنياء عند الشيعة مصدر آخر زاخر، فوق مصدر الزكاة، وهو خمس المكاسب. واللّه تعالى يقول «(واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن للّه خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل).

والشيعة تفسر الآية تفسيرا يسع أكثر مال يكتسب. إذ يدخل فيه خمس أرباح التجارات والصناعات والإجارات والعمل والوظائف والهدية والوصية وأرباح مالك المنجم والمدخرات من الكسب الحرام إذا اختلط بالحلال ولم يتميز. فإن تميز أخرج كله. واللؤلؤ المستخرج والمواريث التي لم يؤد عنها الخمس. وذلك بعد أن يستنزل المكلف مؤنة الحفظ ومؤنة الذين يعولهم ومركبه ومسكنه ونفقات أضيافه لمدة سنة كاملة، وما زاد عن ذلك ففيه الخمس.

كتب رجل إلى الإمام الباقر: أخبرني عن الخمس أهو على جميع ما يستفيده الرجل من قليل أو كثير . وكيف ذلك؟ فكتب الإمام بخطه: «الخمس بعد المؤنة».

ولا يحمل الخمس إلى غير بلده إلا مع عدم وجود المستحق فيه. ويجوز أن تخص به طائفة واحدة. والأحوط قسمته.

والفقهاء يقررون أن للإمام نصف الخمس وأن نصفه الباقي ليتامى آل النبي ومساكينهم وفقرائهم وأبناء السبيل منهم.

والآن - حيث الإمام غائب - فالأقوال كثيرة في توزيع حق الإمام. وربما جاز من تعددها اختيار الإنفاق على المصالح التي تحفظ للأمة دينها وشريعتها .

والرسول عليه الصلاة والسلام يكلف المسلمين أن يقصدوا بالبر الفقراء، وأن يتطهروا بين الفقراء، ويتقوا اللّه تقوى الفقراء، يقولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (من أراد اللّه فليطلبه عند الفقراء).


كنز المال

أمير المؤمنين علي هو الذي ذكر عمر بخثور نفس رسول اللّه حتى وزع مالا كان عنده. وأعلن ساعة استخلافه أن الدولة ليس لها في المال إلا أن تقسمه في المسلمين متساويين - فرقى المنبر يقول للمسلمين عن نفسه (.. إلا وإنه ليس لي دونكم إلا مفاتيح أموالكم معي. وليس لي أن آخذ درهما دونكم).

جئ ذات مساء بمال أفاءه اللّه على المسلمين، فأشار إليه وقال: اقسموه. قالوا: أمسينا فأخره إلى غد. قال: تقبلون لي أن أعيش إلى غد؟ قالوا ما بأيدينا ذلك. قال: فلا تؤخروه. فقسموه من فورهم.

ولما بعث أبو موسى إلى عمر من العراق ألف ألف درهم فرقها ففضلت فضلة فاختلفوا أين يضعها، خطب عمر الناس قائلا: أيها الناس قد فضلت لكم فضلة بعد حقوق الناس. فقام صعصعة - وهو بعد غلام شاب أسلم في حياة النبي ولم يره - وقال «يا أمير المؤمنين إنما يتشاور الناس فيما لم ينزل فيه قرآن. وأما ما نزل به قرآن فضعه مواضعه التي وضعه اللّه عز وجل فيها». فقال عمر «صدقت. أنت مني وأنا منك».

فقسمه بين المسلمين.

وصعصعة - كما أسلفنا - بطل « يوم الجمل » إلى جوار أمير المؤمنين علي. استشهد أخواه وهما يحملان الراية. ثم حملها صعصعة وانتصر.

وأبو ذر أب من آباء الشيعة العظماء، وسيرته درس تحتفي به مجالسهم وأمالي كبرائهم. ينبه الناس من قديم على خطر الفقر واقترانه بالكفر. وتعريضهما العقيدة والوطنية ووحدة الجماعة للدمار، فيقول: (إذا ذهب الفقر إلى بلد. قال الكفر خذني معك).

ولقد حرم كنز المال بحبسه عن المسلمين في بيوت الأموال، أو حرمانهم منه وتعريضهم للافتقار، فأوجب على الدولة توزيع المال في أصحاب الحق فيه من الرعية، وحرم النعيم على من يعيش بين الجياع. فإذا كان إخوة المسلم في عيشة راضية فالنعيم يباح.


ولما أرسل إليه عثمان مائتي دينار مع رسول يقول: هذه من مال عثمان. وهو يقول لك إنها من صلب ماله ما خالطها حرام. قال أبو ذر: هل أعطى أحدا من المسلمين مثلما أعطاني؟ قال كلا. قال: اذهب أنت والدراهم. إنما أنا رجل من المسلمين يسعني ما يسعهم. ولست في حاجة إلى المال. قال الرسول: أصلحك اللّه إني لا أرى في بيتك قليلا ولا كثيرا. فرفع أبو ذر الوسادة وأراه قرصين من خبز الشعير وقال: بل عندي هذان وإني لغني بهما وثقتي باللّه.

ومر أبو ذر بمعاوية وهو يبني داره الخضراء فصاح به: «من أين لك هذا؟ إن كنت بنيتها من مال المسلمين فهي الخيانة. وإن كنت بنيتها من مالك فهي الإسراف». فشكاه معاوية إلى عثمان.

وظاهر من هذا النهج، النحو الاقتصادي الذي ينحوه الشيعة من تداول المال، وعدم كنزه عن الأمة ولو كان في يد الدولة، ووجوب تقسيمه في المسلمين أو العمل به لهم. والاستكثار من طرحه في التداول(١) .

___________________

(١) روى المسعودي في مروج الذهب حادث أبي ذر وكعب الأحبار في مجلس أمير المؤمنين عثمان بن عفان. قال: إن أبا ذر كان في مجلس الخليفة حين (أتى بتركة عبد الرحمن ابن عوف فنضت البدر حتى حالت بين عثمان والرجل القائم. فقال عثمان إني لأرجو لعبد الرحمن خيرا لأنه كان يتصدق ويقري الضيف وترك ما ترون. وقال كعب الأحبار صدقت يا أمير المؤمنين . فشال أبو ذر العصا وضرب بها رأس كعب. وقال: يا ابن اليهودي تقول لرجل مات وترك هذا المال إن اللّه أعطاه خير الدنيا وخير الآخرة وتقطع على اللّه عهداً بذلك وأنا سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول (ما يسرني أن أموت وأدع ما يزن قيراطا) . وقال عثمان لأبي ذر: وار عني وجهك).


وإنفاق الخمس الذي يجبى للإمام.

وإذا أضفنا إلى ضخامة نسبة الخمس، تحصيله عن أكثر الكسب، وتيسير حسابه على العاملين على الصدقات، والدافعين للزكوات، والإنفاق الواجب والمندوب، وإلزام القادر العمل بنفسه وبماله، ومعونة المستحقين للعون بالمال دون ربا، مع نظرة الميسرة، ومع التواصل حيثما قدر القادرون، واحتاج غير القادرين، يتجلى مبلغ ما تتفتح الميادين الواسعة أمام الجهد الإنساني في المجتمع الإسلامي لتثمير ثرائه وإغناء فقرائه، وإيلاف أنفس المسلمين فيه.

ذلك قول الإمام جعفر (لو أدى الناس زكاة أموالهم ما بات مسلم فقيرا).

٣ - التعاون

العنصر الثالث في الاقتصاد - كما هو ظاهر من تعاليم الإمام في فصول هذا الباب - هو التعاون. وليس كمثله «منظم داخلي» أو «محرك ذاتي» للنشاط الفردي أو القومي.

ولقد مر بنا أنه واجب « قانوني » يخرج من الإيمان من بات شبعان وجاره جائع.

كما أسلفنا القواعد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي شرعها الإسلام وشرحها الإمام، ليخلف للأمة منهاجه الذي اعتزت به الأمة فبلغت شأوها العالي بالمنهج العلمي، العصري أبداً، والمنهج الاجتماعي الذي جعلها كالبنيان المرصوص، والمنهج الاقتصادي الذي يستعمل العلم والعمل والمال في تعاون مأمور به، أي في تكافل كامل.

ولئن مرت بها فترات مظلمة، إن مردها إلى الخروج على قواعد المنهج. وإنما عصمتها في الرجوع إلى الأمر الأول.


الباب السادس : إلى الرفيق الأعلى

«الحمد للّه الذي لم يخرجني من الدنيا حتى بينت للناس جميع ما تحتاج إليه».

(الإمام جعفر الصادق)

الى الرفيق الأعلى

كان الإمام في لقاءاته الأخيرة مع الخليفة (أبي جعفر المنصور) يقول له «لا تعجل، لقد بلغت الرابعة والستين وفيها مات أبي وجدي». فلقد كان يحس باقتراب يومه. ويلتمس من ذلك قوة عند اللقاء. تؤيده في الصدام معه والثبات في وجهه، والدفاع عن حقوق اللّه والناس عنده، وتذكيره بالآخرة.

وهو إلى ذلك يهئ الدولة، والناس، لما بعد موته.

والناس الذين يتساءلون متى نصر اللّه، يولون وجوههم شطر الإمام. مذ قطع أبو جعفر أسباب الأمل في الأمان والاطمئنان بالنكال يصبه على من عارضه، وخص أهل البيت بكفل زاخر من عذابه. فمال الكثيرون عنه إليهم. ولم يكن باقيا من مشيختهم إلا الإمام الصادق. تهوى إليه الأفئدة من بعيد وقريب. ويتكاب عليه التلامذة من أشياخ العلماء.

ومضت الأيام، والناس بين البأساء والنعماء، والفزع والرجاء. والإمام في دروسه ومجالسه يرسي مبادئه. للأجيال القادمة. ويهدي بالقول والعمل، وبمجرد أن به حياة.

وجاء ذلك اليوم الذي قال فيه، وهو رخي البال، (الحمد للّه الذي لم يخرجني من الدنيا حتى بينت للناس جميع ما تحتاج إليه).

وهو إفصاح عن اكتمال المذهب الشيعي في تعاليمه، ونظام الدولة الشيعية، إن أمكن أن تظهر، والمجتمع الشيعي في كل حال. وإن شئت قلت مقالة - المجتمع الجعفري، أو مقال الفقهاء: مجتمع «الشيعة الإمامية».


وجاءت ساعة الموت . وهو في تمام صحوه، وأهل البيت حافون حوله:

قالت زوجه «حميدة» أم الإمام موسى الكاظم، وكانت من البربر، لرجل من أصحابه: لو رأيت أبا عبد اللّه عند الموت لرأيت عجبا: فتح عينيه ثم قال (إن شفاعتنا لا تنال مستخفا بالصلاة). أما رواية الإمام موسى الكاظم فنصها: لما حضرت أبي الوفاة قال لي (يا بني لا ينال شفاعتنا من استخف بالصلاة).

فهذا إمام تنتهي إمامته يعهد لإمام تبدأ أيامه. فينبهه، والناس، على حقهم في شفاعة أهل البيت، وواجبهم لينالوها، بإقامة عمود الدين.

وتضيف مولاته «سالمة» ساعة الموت حسنات فتقول (غمي عليه. فلما أفاق قال: أعطوا الحسن بن علي (بن علي بن الحسين) سبعين دينارا. وأعطوا فلانا كذا، وفلانا كذا. قلت: أتعطي رجلا حمل عليك بالشفرة يريد أن يقتلك؟ قال: أتريدون ألا أكون من الذين قال عنهم اللّه عز وجل (والذين يصلون ما أمر اللّه به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب)؟ نعم يا سالمة. إن اللّه خلق الجنة وطيب ريحها. ولا يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم).

أجل: كان الإمام قطعة من صميم الإسلام. جده عليه الصلاة والسلام «خلقه القرآن» أما هو فخلقه «سنة جده»، وجده يعلن سنته حيث يقول «أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح».

ويقول إن أول الواجبات في المال بعد الزكاة (بر الرحم إذا أدبرت).

فالإمام في ساعة الموت يوصي لمن يليه، ويذكر الشفاعة، والصلاة، وصلة الرحم، وهو يريح رائحة الجنة.

صعدت روح الإمام إلى الرفيق الأعلى في شوال ١٤٨، لتترك أبا جعفر في الفزع الأكبر. فلقد غابت عن الدنيا أسباب سلام يثق بها. ولاح في السماء نجم جديد، بإمام جديد، ليس له به عهد.


وأبو جعفر ليس الرجل الذي ينتظر حتى ينكشف له أمر فيه غرر. بل هو يبتدر الخطر.

قال أبو أيوب الجوزي: بعث إلي أبو جعفر المنصور في جوف الليل فدخلت عليه وهو جالس على الكرسي وبين يديه شمعة. وفي يده كتاب فلما سلمت عليه رمى الكتاب إلي، وهو يبكي، وقال: هذا ابن سليمان (والي المدينة) يخبرنا أن جعفر بن محمد قد مات. فإنا للّه وإنا إليه راجعون. قالها ثلاثا. ثم قال: وأين مثل جعفر؟ ثم قال: اكتب. فكتبت صدر الكتاب، ثم قال (اكتب إن كان قد أوصى إلى رجل يعينه فقدمه واضرب عنقه).

هكذا يأمر بقتل من يجهله. ويحرمة حق المحاكمة. لمجرد أن من فحوى الوصية لرجل بعينه أنها رسالة للأمة تعلن الإمام الجديد

لكن اللّه كف بطش أبي جعفر. فرجع الجواب إليه أن الإمام أوصى إلى خمسة هم: أبو جعفر المنصور وابن سليمان، وعبد اللّه وموسى وحميدة. والأخيرون ولدا الإمام وزوجه. فليس هنا وصي بعينه. والأولان أبو جعفر ذاته وواليه. وليس إلى قتل هؤلاء من سبيل

وما كانت وصية «الصادق» لأبي جعفر وواليه إلا توصية لهما بالأمة. وتذكيرا لهما بأنهما ملاقيا اللّه مثله. وأبوجعفر أجدر خلق اللّه بأن يذكره الناس بالموت. وأن يذكروه عند الموت، إن محبين له وإن مبغضين.

ولما قرن الإمام أبا جعفر بابنيه وزوجه، كان يذكره أن يخاف اللّه فيهم وفي ذوي رحمه.

كان أبو جعفر يسابق الموت إلى من تتم الوصية إليه وحده. ففوتت عليه وصية الإمام بغيا، لم يمنعه من مقارفته تساقط دمعه، أو أن يسترجع اللّه مرات ثلاثة، وكأنه يجعل الدمع مدادا لأمر يهتبل الفرصة لإصداره، ليقطع رأس إمام جديد من أهل البيت يطاف بها في المدائن.

وأنسته شياطين الفزع والطمع، أن يذكر ما علمه الصادق من صلة الرحم، وازداد نسيانا يوم لا أحد ينسى وجرى المهدي والرشيد في أثر أبي جعفر يهتدون به، ويدسون الجواسيس ليعرفوا من يجتمع إليه الناس بعد موت الإمام - سأل سائل موسى الكاظم فقال الكاظم «إذا هدأت الرجل وانقطعت الطريق فأقبل » وسأله آخر فقال له (سل تخبر. ولا تذع. فإن أذعت فإنه الذبح).


بل كان هشام بن سالم ينبه زملاءه الشيعة حتى لا يقعوا في خبائل أبي جعفر.

وظاهر من ذلك أن المجالس العظيمة، التي كانت تنعقد في حياة الإمام الصادق، قد ولى زمانها.

ولي الإمامة موسى الكاظم بعد أبيه فتتابع في حياته عهد الهادي ثم عهد الرشيد، واقتصر كما سيقتصر الأئمة من بعده، على العلم وإمامة الدين، دون أن يمدوا عينا أو فكراً إلى الخلافة الدنيوية. ومع هذا حبس الرشيد الإمام الكاظم حتى سنة ١٨٣. ثم أمر فأدخل الناس السجن ليروه ميتاً. ليس به آثار قتل، والشيعة يقولون: مات مسموما.

وخلف الكاظم في الإمامة ابنه علي الرضا، حتى إذا صار المأمون خليفة ولاه عهده، على رغمه، سنه ٢٠١. وأمر ابنه وبني العباس بمبايعته. فصنعوا. وزوجه من بنته «أم حبيب» في سنة ٢٠٢. كما زوج ابنه محمداً الجواد بنته «أم الفضل». إلا أن عليا الرضا مات سنة ٢٠٣ فجأة مسموما، في أكلة عنب. كما يقولون، في أثناء عودته في ركب المأمون من مرو إلى بغداد

وفي رحلة العودة هذه، وفي ركب المأمون ذاته، قتل وزيره الذي دبر له كل أمره، - الفضل بن سهل - وكان شديد التشيع.

وتوجه محمد الجواد بزوجته إلى المدينة - بعيداً من بغداد. فلما ولي المعتصم أشخصه إليها. فقدمها لليلتين بقيتا من المحرم سنة ٢٢٠. وفي نهاية السنة مات. والناس تقول في موته ما قالوه عن موت أبيه وجده وما سيقولونه في موت ابنه علي الهادي بعد أن صار إماماً استقدمه الخليفة إلى العسكر في سر من رأى حيث قصر الخلافة. فلما مات الهادي سنة ٢٥٤ – قام بالإمامة ابنه الحسن الخالص حتى سنة ٢٦٠. عام وفاته، ليخلفه ابنه


محمد آخر الأئمة الاثني عشر . قالوا دخل سردابا فلم يرجع. والناس ينتظرون رجوعه . وهو عند الشيعة الإمامية «المهدي المنتظر»(١) .

بهذا التاريخ يختم الأئمة الاثنا عشر حقبة من الزمن علموا فيها المسلمين العلم الذي آل إليهم عن آبائهم - عن طريق الإمام الصادق - بعيدين عن السلطة، مدركين جلال ما يقدمون للأمة، من تراث جدهمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . يعضون عليه بالنواجذ، ويبرونه من الزيوف. ويتبرءون ممن غلوا فيهم(٢) .

أقامت الأمم الإسلامية الدول تترى، في القارات الثلاثة في العالم المعروف، منتسبة إلى أهل البيت من أبناء الحسين أو أبناء عمومتهم، ومجتمعات مزدهرة، وحضارات يضرب بها الأمثال، في العراق واليمن وخراسان وإيران وأفغانستان وباكستان والهند ولبنان وسورية والكويت والبحرين وشرق أفريقية وكثير سواها.

___________________

(١و٢) من الفرق الغالية - العميرية (أصحاب عمير بن بيان العجلي) عبدوا جعفر الصادق فتبرأ منهم. وصلبه يزيد بن هبيرة والي بني أمية سنة ١٢٨. ومنها أتباع أبي الخطاب الأسدي (محمد ابن أبي زينب) - زعيم الخطابية - زعم أن جعفراً إله فتبرأ منه الإمام فادعى الألوهية لنفسه. وحاربه المنصور وأسره وصلبه في الكوفة - ومنها البزيغية (أصحاب بزيغ به موسى) عبدوا جعفر الصادق (والمعمرية) أصحاب (معمر بن الخيثم) - الخياط بالكوفة. وهم فرقة من الخطابية يقولون إن النور خرج من جعفر ودخل في أبي الخطاب فصار جعفر ملاكا وأبو الخطاب إلاها.

و(المفضلية) أصحاب المفضل بن عمر الصيرفي(١٧٠) يقولون بإمامة معمر وألوهية جعفر. (والسرية) أصحاب السري بن منصور(٢٠٠) يقولون إن السري رسول جعفر. وجعفر هو اللّه والسلام والإسلام. وكانوا في الحج يقولون: لبيك يا جعفر لبيك.

ويقول ابن النديم في الفهرست إن أتباع أبي الخطاب أظهرتهم الفرقة الميمونية - أي الاسماعيلية - ويقول النوبختي(٣١٠) عن أتباع أبي الخطاب (خرج من قال بمقالته من أهل الكوفة وغيرهم إلى محمد بن اسماعيل بن جعفر فدخلوا في فرقته وسمي أتباع محمد بن إسماعيل «الاسماعيلية»).


ففي المغرب أقام الدولة الإدريسية إدريس بن إدريس بن عبد اللّه (أخي الشهداء الثلاثة محمد وإبراهيم ويحيى أبناء عبد اللّه بن الحسن) وكان قد فر إلى المغرب الأقصى عن طريق مصر سنة ١٧٢ هارباً من بطش الرشيد. ثم قيل: بعث إليه الرشيد من سمه.

وفي المشرق قامت دولة أخرى على يد الحسن بن زيد بن . الحسن(٢٥٠ - ٢٧٠) وأعقبه فيها أخوه. وهما فقيهان زيديان.

وقامت الدولة الساسانية بخراسان، عاصمتها بخارى في روسيا السوفيتية الآن.

وأقام أئمة الشيعة الاسماعيلية دولة كبرى في أفريقية وآسيا (الدولة الفاطمية). ثم قامت الدولة الإمامية الكبرى في إيران حيث بقيت العقيدة الإمامية والفقه الإمامي عقيدة وشريعة حتى اليوم. وسيطرت الدولة البويهية(٣٢٤ - ٤٤٧) على الخلافة العباسية بتمامها. ووضعت مراسم التشيع وأعياده. فجعلت يوم كربلاء مأتماً قومياً، ويوم الغدير عيداً إسلامياً.

وأمر معز الدولة بن بويه فكتب على المساجد في بغداد (لعن اللّه معاوية ابن أبي سفيان. ولعن من غصب فدكا. ومن منع أن يدفن الحسنفي قبر جدهعليه‌السلام ، ومن نفى أبا ذر الغفاري. ومن أخرج العباس من الشورى) فحكه الناس. فاكتفى بأن أمر أن يكتب على المساجد (لعن اللّه الظالمين لآل رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) وأمر ألا يذكر في اللعن إلا معاوية.

وتحول بنو بويه عن زيديتهم، وسلكوا مسلكاً إمامياً. وولوا الشريف أبا أحمد نقابة الطالبيين وإمارة الحج. بل ولوا ابنه الشريف الرضي النيابة

عن الخلافة العباسية. ومع ذلك كان بين حين وآخر يشعر بالسخط فيجري على لسانه الشعر الذي يمجد الخلافة الإسماعيلية.

أي عذر إلى المجد إن ذل

ل غلام في غمده المشرفي

ألبس الذل في ديار الأعادي

وبمصر الخليفة العلوي

فهذا زعيم إمامي: يفاخر بخليفة اسماعيلي. وهو في الوقت ذاته قد ولى نيابة الخليفة السني.


عدالة السماء

والدول - كالكائنات الحية وكالأفراد والمجتمعات - تشتق قانونها من أسباب وجودها. وتلتزمه فتبقى وتسلم. أو تخرج عليه فتفقد سبباً أو أكثر من أسباب تقدمها ونمائها. وربما فقدت سبب بقائها. وكلما أصابها السقم رجعت إلى سبب وجودها تلتمس السلامة.

لقد نشأت الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي على قواعد الإسلام في السنة الأولى للهجرة. فأخضعت دول العالم المعروف في بضعة عشر عاماً، من حياة النبي وأصحابه. وأقامت المجتمع الأفضل الذي صنع على يد الرسول وعلى عينه .

وكلما أبعد المسلمون من هذ االفضل، قل الشبه في الصورة عنه في الأصل. وكلما فكروا في العودة إلى الأمر الأول ولوا وجوههم شطره. وما هو إلا عمل النبي وآله وصحبه.

فكل عمل أو بحث لإقامة الدولة المثلى لمجتمع مسلم، يتجه بالطبيعة إلى أيام النبوة، والعمل بالقرآن والسنة.

وآل النبي هم أقرب الرجال إلى الصميم من ذلك وإلى قلوب الأمة، وهم أرفع شعار يمكن تحريك الجموع به فهم أهل النبي والقرآن والسنة جميعاً. لا بالعرق وحده، وإنما بسيرتهم التي ليس لها في التاريخ نظير.

والإمام الصادق يتوهج كالنجم الثاقب في هذه السماء. فهو مدرسة العلم مع الزهادة في السلطة. وهو إمام فقه في الدين والعلم، وصاحب مناهج للدنيا. ومعلم للإصلاح والتشريع والسياسة والاقتصاد. وهي الوسائل المحركة للتقدم في جميع الأمم.

فلا عجب أن كانت دعوات الإصلاح، ودعاءات الرجاء، في كل العصور، تتلمس في علمه المدون، وسيرته التي يمجدها المسلمون، ذكريات فضائل تمشي على الأرض، وتطبيقات مفلحة، لتعاليم كفيلة بإقامة حكم صالح يرد الحكام إلى الدين. ويعيد الدين غضا في أنفس الناس كما كان في أفئدة السلف الصالح.


ويتراءى مصداق هذه الحقيقة «للقانون الطبيعي» للإسلام، أو للطبيعة الدينية للمجتمع المسلم، في قيام الدولة العباسية بدعوى «تصحيح التاريخ» وبشعار «الدعوة إلى الرضا من آل محمد». فلما أجهضت هذه الدولة مبادئها بخعت نفسها. فصارت ملكا عضوداً خيراته للملوك.

فلم يك معدى عن إعادة التصحيح بالعودة إلى رسالة النبي وتعاليمه وآله.

وإنما انحرفت الدولة الإسلامية في تجاربها التي أقامتها الدول الأموية والمروانية والعباسية لغصبها حقوق أهل البيت، ونصبها العداء لهم، في موجة انصراف الحكام، عن مصالح الأمة وشريعتها، إلى شهواتهم. فتصحيح التاريخ يبدأ بإقرار حق علي وأبناء النبي والعمل بالشريعة.

والتاريخ خاضع لقانون الطبيعة أو قانون الحركة (لكل فعل رد فعل. مساو له في المقدار ومضاد له في الاتجاه).

والحقائق الكبرى فى التاريخ، كالظواهر العظمى في الطبيعة، لا تخفى. والذي يخفي الحرارة أو البرودة لا يبغته الغليان أو التجمد، أو رعدة الحمى أو رعشة البرد. والذي يخفي الضغط الجوي لا يأخذه الانفجار أخذ الفجاءة.

«وعمر بن عبد العزيز» «والمأمون» هما الانفجاران المحتومان في دولتي بني مروان وبني العباس. لأنهما الممثلان الصادقان للضمير الإسلامي، في الدولة أو الجماعة أو الأفراد، أو في العلم أو الحكم أو العدل أو الجهاد، على رأس المائة الأولى ورأس المائة الثانية.

أما عمر فنما في أكناف بيت طالما حاول طمس فضائل علي. فلما شب عن الطوق أصبح يعلن للناس إسرار أبيه له أن الناس لو عرفوا فضائل علي لانصرفوا إليه عن دولتهم، حتى إذا ولي إمرة المدينة أبطل سب علي على المنابر. وكان عمر يرزح تحت الرقابة الشديدة من الخليفة الوليد، والسباق المجنون من الحجاج لظلم بني علي، مع استرضاء بني مروان للحجاج، حتى ليعزل الوليد عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه، لإرضاء الحجاج ابن يوسف الثقفي.


فلما ولي عمر الخلافة أقسم أن يتخذها طريقاً إلى الجنة. فرد لأهل البيت مظالمهم وأعاد لهم « فدكا ». وبعث إليهم عشرة آلاف دينار ليعوضهم عما سلبهم سابقوه. وكانت الشهور الثلاثون - مدة خلافته - تلقى على كاهل رجل هزل الورع جسده، أعباء الدين والدنيا، يدرك أن أيامه معدودات، ويتهمه أهله بأنه يوشك أن يخرج الخلافة منهم إلى بني علي(١) .

بل أعلن عمر أنه لو استطاع لعهد بالخلافة لمن كان مثله، فقال: «لو كان لي من الأمر شيء لاستخلفت أعيمش بني تيم القاسم بن محمد بن أبي بكر». وهو العليم أن محمدا ترعرع في حجر «علي» قبل أن يستخلف. وأنه حارب معه معاوية. فلما ولاه مصر، باء بدمه قواد معاوية. فهو عدو بني أمية من كل وجه. وأن «القاسم» همزة الوصل بين الصديق وبين «أهل البيت». بنته أم فروة تحت جناح الباقر، وابنهما «جعفر الصادق» في عنفوان صباه، أمل تتجه الأبصار تلقاءه.

وأما «المأمون» فعبقري العلم، سواء العلم الديني من أصول وفقه ودين وحديث، أو العلم العام، وفيه التاريخ والفلسفة والعلوم التطبيقية والرياضية

___________________

(١) أتى «العمري» مالكا فقال له: يا أبا عبد اللّه. بايعني أهل الحرمين. وأنت ترى سيرة أبي جعفر فما ترى؟ فقال له مالك: أتدري ما الذي منع عمر بن عبد العزيز أن يولي رجلا صالحا؟ قال: لا أدري. قال مالك لكني أنا أدري: إنما كانت البيعة ليزيد (بن عبد الملك) بعده، فخاف عمر إن ولي رجلا صالحا أن لا يكون ليزيد بد من القيام، فتقوم هجمة ويفسد مالا يصلح .


والفلكية حيث له في جوار قصره مرصد يرصد فيه النجوم. وهو بطل حروب «ورجل دولة» عالمي. لا يعرف التاريخ، من عهد اليونان والرومان حتى الآن، ملكا بلغ مبالغه في كل أولئك مجتمعا. وهو يقف في القمة من الدولة العباسية. فمن بعده بدأ الانحدار. وكانت الأعوام السبعون التي انصرفت من عمرها وانحرفت في إبانها تشير إلى الحاجة إلى عقل عبقري فيه إنصاف، ليحدث عودا على بدء. فأعلن تشيعه. بل عهد من بعده لإمام الشيعة في عصره. بل زوجه وابنه من بنتين له(١) .

ولقد كان حقيقاً أن يبلغ غرضه لولا أن الإمام «علياً الرضا» مات فجأة، كمثل ما كان السياسيون في العهد العباسي يموتون فجأة ولولا أن المأمون رأى أن يأمن في سربه انتقاضات أهله، بعد إذ حاربوه بجيوشهم لمدة عامين، من جراء تشيعه. لكان قد ولى عهده، بعد علي الرضا زوج بنته الأخرى، الإمام التاسع محمداً الجواد.

وكانت خلافة المأمون تمثل حكماً يحاول أن يستقر على «أساس ديني». وهذا ظاهر في عهده لعلي الرضا. وعلى «أساس علمي» وهذا ظاهر في عمله لإلزام الناس برأي المعتزلة. وعلى «سند سياسي». ليقدر على مقاومة تيارات تتناوشه من شتى الجهات، سياسية كالوافدة من الفرس والروم، أو عائلية كنزاعات أهله، أو فكرية كالقضايا التي آلت إلى المسلمين من مواريث اليهودية والمسيحية. يحمل ألوية الجدال فيها المعتزلة . والمأمون من كبرائهم.

ولما فقد الذين جاءوا بعده قدرتهم على التوازن بين الزوابع، كهيئة توازنه، آلت الدولة إلى الترك، وتتابع تقسيمها أقاليم ودولا. ولم يعد للدين في الدول الجديدة الكلمة العليا، بل أصبحت للمعايش والأرزاق ومداراة الحكام. وبهذا دب التدهور في الأفراد، والمجتمعات والدولة. وأفسدت الدولة الفرد وأفسد الفرد، بدوره، الدولة.

___________________

(١) وفي سنة ٢١١ أمر المأمون فنودي (برئت الذمة ممن ذكر معاوية بخير وفضله على أحد من الصحابة). كما أمر بتفضيل الإمام علي. وأنه أفضل الناس بعد رسول اللّه. وأوصى أخاه المعتصم بقوله (وهؤلاء بنو عمك من ولد أمير المؤمنين علي. فأحسن صحبتهم. وتجاوز عن مسيئهم. واقبل من محسنهم. وصلاتهم فلا تغفلها في كل سنة عند محلها. فإن حقوقهم تجب من وجوه شتى).


ومن تصحيح التاريخ للأشياء كانت أول دولة استقلت عن بني العباس في القرن الثاني دولة إدريس بن إدريس بن عبد اللّه في المغرب فدولة الحسن بن زيد في المشرق.

وتتابعت الدول في القرن الثالث بخراسان ومصر وأفريقية وفي اليمن حيث ملك القاسم بن إبراهيم(٢٤٦ - ٢٨٦) وإليه تنسب الزيدية القاسمية. ثم الهادي بن القاسم وإليه ينسب الهادوية. وبقيت دولة الشيعة باليمن حتى إعلان الجمهورية سنة ١٩٦٢ للميلاد.

وفي القرن الرابع قامت دولة بني بويه ٣٢٤ - ٤٤٧ - ٩٤٥ - ١٠٥٥ وهي شيعة زيدية في العراق وفارس حيث عاصمتهم شيراز. وقام الحمدانيون في العراق والشام ٣١٧ - ٣٥٨. وهم شيعة إمامية يذكر الإسلام لهم الدفاع عنه ضد غزوات الإمبراطورية الرومانية من بيزنطة. وتدين لهم الأمة العربية بأحسن أشعار أبي الطيب المتنبي، وبشعر أبي فراس الحمداني، وفلسفة الفارابي فيلسوف المسلمين - المعلم الأول عند العرب - أو المعلم الثاني في العالم حيث أرسطو هو المعلم الأول.

وفي القرن الخامس كان بنو حمود بالأندلس(٤٠٧ - ٤٤٧) وهم من أبناء الأدارسة - وفي القرن السادس كان ابن تومرت (. . بن عبد الرحمن . بن محمد بن الحسن بن علي) مؤسس دولة الموحدين، وكانت خطبة الجمعة عندهم تشتمل على الصلاة عليه باعتباره (الإمام المرحوم المهدي (المعلوم) وإن كانت دولته ودولة الأدارسة أو بني حمود، أو الدولة الفاطمية، تحكم شعوباً سنية. ولا شك أن كبرى الدول التي أقامها الشيعة كانت الدولة الفاطمية (الاسماعيلية).

الاسماعيلية(١)

قامت الدولة الفاطمية (نسبة إلى فاطمة الزهراء) في المغرب ثم مصر منتسبة إلى «اسماعيل» بن الإمام جعفر الصادق، وكان قد مات في حياة الصادق.

والاسماعيلية ينفون ذلك. ومنهم من يقول إن أباه ادعى موته اتقاء لأذى أبي جعفر المنصور له.

___________________

(١) ويلقبون - في مراجع أهل السنة - القابا أخرى. أهمها «الباطنية».


وفي أواخر القرن كان عبد اللّه بن ميمون القداح(١٩٨) من أتباع الخطابية، ينشر دعوة لنفسه بالبلاد. فأجابه حمدان بن الأشعث - قرمط - ثم مات القداح، فخلفه أبناؤه ودعوا لأنفسهم باعتبار أنهم من ولد عقيل. ثم هرب أحفاده إلى المغرب في أفريقية. وبجهدهم أو جهد (منصور اليمن - ابن حوشب - ٢٦٦) في بلاد المغرب ظهر عبيد اللّه المهدي مؤسس الدولة الفاطمية سنة ٢٩٨ لتبقى دولة عظمى حتى سنة ٥٦٧. فتحت جيوشها فسطاط مصر في ١٧ شعبان سنة ٣٥٨ (٧ - ٧ - ٩٦٩). وفي ليلة الفتح وضع جوهر الصقلى قائد الجيش حجارة الأساس لمدينة القاهرة. وتم بناؤها في رمضان سنة ٣٧١.

وفتح الأزهر للصلاة في الشهر ذاته وهو يوافق يونيو - يوليو سنة ٩٧٢. وفي صفر سنة ٣٦٥ عقد القاضي أبو علي الحسن بن النعمان أول حلقاته في الجامع الأزهر، فكان أول مدرس فيه - فدرس للناس مختصر أبيه في فقه آل البيت.

وفي سنة ٣٦٦ عين أبو علي بن النعمان قاضياً للقضاة. فعرفت مصر هذه الوظيفة لأول مرة.

هكذا نشأ الأزهر معهداً شيعياً. ثم صار جامعة لكل علوم الإسلام. وهكذا نشرت الدولة الفاطمية ألوية الإسلام وعلوم الشيعة في مصر والشام والحجاز ووسط آسيا، وأقامت مدينة القاهرة، وأنشأت الجامع الأزهر، وخطب لها في مكة والمدينة على المنابر.


وفي سنة ٤٥٠ خطب لها الخطباء على منابر بغداد لمدة نحو عام(١) .

وعليها خرجت طائفة الدروز التي ألهت «الحاكم بأمر اللّه» فقاتلهم المصريون فهربوا إلى الشام سنة ٤٠٨. أما «الحاكم بأمر اللّه» فقد شاركت في قتله أخته «ست الملك» لاضطهاده رعيته وفساد آرائه كما قيل. وكانت أمها جارية رومية قبطية من سراري الخليفة العزيز باللّه.

وكان التسامح الديني من تقاليد هذه الدولة حتى صار حديث التاريخ. ولقد عين العزيز باللّه أرسانيوس، وأريسطيس، «خالى ست الملك» بطريقين للأسكندرية ولبيت المقدس. فقوى نفوذ النصارى في الدولة. وكان وزيره يعقوب بن كلس يهودياً أسلم. وهو الذي نظم التدريس في الأزهر(٢) .

___________________

(١) خلفاء الدولة الفاطمية: عبيد اللّه المهدي - مؤسس الدولة - ٣٢٢ - المنصور ٣٤١ - المعز لدين اللّه ٣٦٥ - العزيز باللّه ٣٨٦ - الحاكم بأمر اللّه ٤١٢ - الظاهر ٤٢٧ المستنصر (من ٤٢٧ حتى ٤٨٧) ثم تعاقب الآمر والحافظ فالظاهر والفائز والعاضد. وهو الذي أنهى صلاح الدين الدولة الفاطمية بخلعه سنة ٥٦٧.

وبسط الفاطميون سلطانهم على افريقية من المحيط الأطلسي حتى برزخ السويس والشام. وكانت لهم السلطة في اليمن. ولولا هزيمة جيوشهم أمام الأتراك بقيادة طغرل بك سنة ٤٥١ لبلغوا جبال الهملايا. وإنما أبقى الأتراك الخلفاء العباسيين لمقاومة الفاطميين.

ففي ذي القعدة سنة ٤٥٠ دخل البساسيري على رأس إمدادات عسكرية من مصر وخطب في جامع المنصور للخليفة الفاطمي المستنصر أربعين جمعة - وأرسلت عمامة الخليفة العباسي (القائم) إلى القاهرة فبقيت بها أكثر من قرن. وكسر الفاتحون منبر المسجد الجامع وهم يقولون (هذا منبر نحس أعلن عليه بغض آل محمد) و لما وردت إلى مصر الأخبار بذلك غنى المغنون أمام المستنصر غناء هو في صميمه اعلان « بعدالة التاريخ »:

يا بني العباس ردوا

ملك الأمر معد (اسم المستنصر)

ملككم ملك معار

والعواري تسترد

وبالنفوذ الفاطمي تقوى الشيعة الإمامية في العراق وفارس. وتقوى الإسماعيلية في فارس.

(٢) وكان الخليفان المعز والعزيز يعقدان مجالس للمناظرة بين المسيحيين والمسلمين. ومن التسامح أذنت الدولة بأعياد الغطاس ورأس السنة والنيروز وسائر أعياد النصارى.


أما الاسماعيلية في المشرق فعلا نجمهم على يد الحسن بن الصباح. وقد أمضى سنوات بمصر اتصل في إبانها بالخليفة المستنصر، فدعا له بعد إذ عاد إلى إقليم فارس. ثم دعا من بعده لابنه نزار. وفي سنة ١٤٨٣ استولى على قلعة الموت. ثم اشتد ساعده بأصفهان. وسيطر الحسن بن الصباح بأساليب السياسة العادية وغير العادية على أقاليم كبيرة في فارس. فقتل أتباعه الوزير نظام الملك(٤٠٨ - ٤٨٥) - منشئ المدرسة النظامية في بغداد(١) - وفي سنة ٥٠٠ قتلوا الوزير فخر الدين كما قتلوا من فقهائها الشافعية المشهورين: أبا المظفر الخجندي سنة ٤٩٦، وتلميذه أبا جعفر المشاط سنة ٤٩٨ وأبا المحاسن بن إسماعيل الروياني سنة ٥٠٢. وكان يقول (لو احترقت كتب الشافعي لأمليتها).

ولامراء في أن الخلاف بين الاسماعيلية وبين المدرسة النظامية راجع إلى الخصومة الشديدة التي تتبدى في الصحيفة ٦٧من كتاب«سياسة نامة» الذي يدين بوجوده «لنظام الملك» وفيها وجوب الطعن في«الروافض» ووصفهم بأنهم مارقون عن الدين.

ولما صار الحسن بن الصباح داعي الدعاة للنزارية الفاطمية، أبي أن يدعى الإمامة، حتى توفى سنة ٥١٨. فخلفه آخرون. انتسب واحد منهم إلى نسل «نزار» الفاطمي(٢) . وفي سنة ٦٥٤ استولى هلاكو على معاقلهم فقصدوا إلى الشام والهند.

___________________

(١) من تلاميذ المدرسة النظامية السعدي شاعر الفرس الكبير. وعماد الدين الأصفهاني. وبهاء الدين بن شداد - عاملا صلاح الدين - وابن تومرت مؤسس دولة الموحدين في أفريقية. وأبو اسحق الشيرازي أول أشياخها. ومن أشياخ المدرسة وتلاميذها الغزالي صاحب الكتاب الشهير في فضائح «الباطنية».

(٢) أصهر الخليفة المستنصر(٤٢٧ - ٤٨٧) إلى فائد. الأرمني الأصل بدر الجمالي. ولما مات المستنصر كان ولي عهده ابنه «نزار» فولى بدر مكانه ابن أخته «المستعلى» وحبس نزارا حتى قتله فأصبحت الشيعة في مصر مستعلية. ومنها اسماعيلية اليمن وبعض بلاد الشام. ومن اسماعيلية اليمن ذهب الدعاة إلى الهند فقامت الاسماعيلية البهرة. (والبهرة معناها تاجر) - وأصبح الاسماعيلية في الهند وإيران والشام نزارية.

وللاسماعيلية مركز عظيم في بومباي - وهم يدافعون عن الإسلام حينما يكونون: يرون الإمامة سبعية تتم بالإمام السابع. وهو إسماعيل. ثم تبدأ دورة جديدة أئمتها مستورون. ومن الاستتار لم يعرف بالضبط كثير من أمورهم. واتسمت دعايتهم بالسرية مع دقة تنظيمها.


وفي الشام حالفوا الرهبان الصليبيين فترة، وخالفوا صلاح الدين فترة، ودخل أتباعهم خيمته في عسكره وطعنوه بخناجرهم. ومنهم الفدائيون الذين قتلوا أمير طرابلس الصليبي (الكونت (ريمون)

ويمتاز الاسماعيلية بالتنظيم والدعاية السريين. وأنهم يطورون أمورهم.

ومن التطور، ومراعاة مقتضى الحال، وجد التباين في تعاليمهم من وقت لآخر، لكن الأصل الأصيل عندهم هو أن الإمام المعصوم من نسل محمد بن اسماعيل بن جعفر الصادق.

وعندهم أن من قام بالطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد والولاية، لكنه عصى الإمام، فطاعته غير مقبولة(١) .

وهم يذهبون إلى أن لكل ظاهر « باطنا » وأن تأويل الباطن من عند اللّه، اختص به علي بن أبي طالب. ومن ذلك يقولون بمشاركة علي للنبي. ويستدلون بقصة موسى مع الرجل الصالح، في «سورة الكهف». ويفسرون القرآن تفسيراتهم. ويقولون إن نور اللّه حل بالإمام.

ومن تعاليمهم ما تأثر بفلسفات الأقدمين.

وللشيعة الاسماعيلية في العصور الحديثة مواقف مشهورة في الدفاع عن الإسلام ونشره.

___________________

(١) وهم يجعلون للأئمة صفات «باطنية» غير بشرية لا يعرفها الشيعة الآخرون، وتؤخذ عليهم أشعار الشعراء المشهورين منهم مثل ابن هاني الأندلسي الذي يقول للخليفة الفاطمي:

ما شئت لا ما شاءت الأقدار

فاحكم فأنت الواحد القهار

والأخفش يقول للخليفة الآمر:

بشر في العين إلا أنه

عن طريق العقل نور وهدى

جل أن تدركه أعيننا

وتعالى أن تراه جسدا

وقول شاعر آخر:

هذا أمير المؤمنين بمجلس

أبصرت فيه العقل والتنزيلا

وإذا تمثل راكبا في مجلس

عاينت تحت ركابه جبريلا

والأمير تميم بن معد يمدح أخاه الخليفة العزيز باللّه فيقول:

مضى من العلة الأولى التي سبقت

خلق الهيولى وبسط الأرض والمطر


كانت الدولة الفاطمية أكبر دول العالم، قوة عسكرية وفكرية، في العصور الوسطى. تتمثل فيها وحدة المسلمين وسماحة الدين(١) .

وفيها أثبتت وحدة القاعدة القانونية في الأمة، بل وحدة الدين في المذاهب، اقتدارها على أن تجمع المسلمين في دولة واحدة، هي أعظم الدول حضارة في القارات المعروفة في ذلك الزمان، عاصمتها مصر - القاهرة، وجامعتها الأزهر. سعد فيها المسلمون والمسيحيون واليهود والذميون، حتى غزاها من الداخل انقسام شعوبها، وقيام إمارات شتى، وسفه الوزراء، وضعف الخلفاء.

وأغرى غزو شعوبها أنفسهم في داخلها، بانقسامهم وتفككهم، الصليبيين، ليقوموا بالغزو الخارجي. وصدهم المسلمون مرات، حتى إذا ادلهم الخطب، استعانت الدولة الشيعية في مصر بالدولة السنية في دمشق وعلى رأسها السلطان نور الدين محمود(٥٦٩). أستاذ صلاح الدين(٥٨٩) ليثبت أهل مصر والشام أن الإسلام واحد وإن اختلفت المذاهب.

ولما وحد صلاح الدين إمارات المسلمين في بضع سنين من الموصل إلى حلب ودمشق والقاهرة، استقام له المحور القوي، فنهد للقاء الصليبيين ونصره اللّه في حطين. وهذا درس في الوحدة مطلوب إلى المسلمين أن يتدارسوه.

___________________

(١) سبق الفاطميين بمصر(٣٥٨ - ٥٦٧) الإخشيديون. وكانوا ينشرون التسامح الديني فيها. وقد خصص المقريزي فصلين للكنائس والأديرة وحسن التفاهم بين المسلمين والمسيحيين، وبخاصة في الدولة الفاطمية.

ولم يعكر صفو هذا التفاهم إلا أيام الحاكم بأمر اللّه. ثم جاء الظاهر -(٤١١ - ٤٢٧) فالمستنصر(٤٢٧ - ٤٦٧) يعاقب قائده بالقتل لقيامه باضطهاد المسيحين. وكان أسقف الأشمونين ساوير يجادل الفقهاء، المسلمين، في أمور الدين. وتولى الخليفة الآمر (من سنة ٤٨٥ حتى سنة ٥٢٥) وكان يزور الأديرة ويصادق الرهبان. ومن خواص كتابه (أبو نجاح) وهو مسيحي.

وفي هذا الجو ظهر نوابغ المسيحين ابتداء من ساويرس بن المقفع(٣٢٨) وهو مؤلف كتاب الرد على اليهود والمعتزلة. ورسالة عن التثليث. وأخرى في الرد على النساطرة. وشرح الإنجيل وتاريخ المجامع الكنسية. وفي القرن السادس ظهر أولاد العسال الثلاثة: أبو الفرج والصقي وأبو اسحق. وظهر المكين جرجس المتوفى سنة ٦٧٢.

وقديما اصطنع عمر بن الخطاب الكتاب من سبي قيسارية. واستعمل أبو موسى الأشعري كاتبا نصرانيا. وكان بنو أمية يستعملون ابن أثال الطيب النصراني ويضعون عنه الجزية.


والمجتمع الإسلامي ينماز من المجتمعات المعاصرة بأنه مجتمع ديني الأساس بأطوار تاريخه وطبيعته، وبأن تعاليم القرآن والسنة هي غذاؤه اليومي، وهواؤه النقي، الذي يتنفسه المسلمون:

العائلة فيه محكومة بقوانين دينية وتقاليد إسلامية، في الزواج والطلاق والأبوه والبنوة والنفقة والحضانة وسائر علاقات الأسرة.

والفرد فيه واقف بين يدي اللّه على مدار ساعات النهار وزلفا من الليل. والمجتمع كله مفروض عليه، فرض وجوب، والفرد مفروض عليه، فرض كفاية، أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. أي يتكافل في دفع كل خروج على الدين.

بهذا صار الحفاظ على الإسلام وقيمه مسئولية قانونية وعامة. وأصبح التمييز بين الحلال والحرام حجر الأساس في المجتمع، وفي علاقات الأفراد والأسرة. وأمس لزاما على كل دولة إسلامية أن تتأخى أواخي الدين، وهي تنظر إلى المصالح المادية والسياسية، لها، والناس.

ولقد بقى الأمر كذلك طوال القرون العشرة التي كانت فيها الدول الإسلامية مستقلة، تتعلم علومها الحضارة الغربية، حتى إذا اضمحلت، ران الظلام السياسي والركود الاقتصادي على القلوب. فانتقلت شمس الحضارة من الشرق إلى الغرب في أوربة، وبدأت العصور الحديثة وحضارتها الأوربية في الظهور، منذ ختام القرن الخامس عشر للميلاد.

ولم يكن مصادفة وإنما كان لزاما للتحلل والتقاطع والتخاذل، أن يبدأ طرد العرب - في ذلك القرن - من اسبانيا. وأن تكون محاولات طردهم معاصرة للثورات الدينية في المسيحية، وللإرهاب الديني في دولها، وأن يكون نصيب المسلمين من هذا الإرهاب فوق ما يتصور البشر، من العذاب والتقتيل والتحريق والتنصير، بل قتل من يتنصر بدعوى عدم الإخلاص في التنصر وفي ظلمات الجهالة والتخلف بهرت المقهورين حضارة أوربة فلم تبق لهم ذاتهم، ولم يصيروا أوربيين. وعجزوا عن أن يطردوا الغزو الأوربي، في حين قدر آباؤهم على دفع الغزو الصليبي لأنهم كانوا أقرب إلى القيم الإسلامية.


وتلاحق التدهور حتى بداية النهضة الحديثة للمسلمين. حتى إذا أخذت الشعوب الإسلامية بأسباب العلم، نظرت إلى داخلها تلتمس القوة من ذاتها. فاستشعرت حقائق القوة في طاقاتها. وعادت تلتمس الأسباب في صميم حضارتها، وفي تمسكها بعقيدتها، التي اشتقت منها منهجها العلمي. وهو الذي صار «المنهج العلمي العالمي» الذي نقلته عنها أوربة منذ القرون الوسطى(١) .

والتاريخ معلم كبير.

وأول علومه: أن كثيراً من صفحاته تتكرر. وأنه خطاب مستمر، مفتوح السجل لكل ذي بصر.

ويعلمنا التاريخ أن الوحدة هي التي تصنع النصر. سواء أكانت وحدة شاملة، كمثل ما كان الأمر في الصدر الأول، أم كانت وحدة للحرب، كما صنع الخليفة الفاطمي «الشيعي» وسلطان دمشق « السني »، لرد غائلة الصليبيين أم وحدة القوى كما صنع صلاح الدين ليعيد بيت المقدس للمسلمين.

كل أولئك صيحات عالية بأن الإسلام واحد، كلما جد خطر. وأن الاعتصام به مصدر الظفر.

ولما اتحد العرب، وتجمع المسلمون، بعد العاشر من رمضان سنة ١٣٩٣ حنى العالم هاماته لهم.

ويعلمنا التاريخ أن أمتنا بلغت شأوها كلما استمسكت بعقيدتها والتزمت تعاليمها، وأن التقصير في جانب الدين كالخرق الواسع، لا يبقى على شيء مهما يجمع الناس.

والمصلحون الاجتماعيون والسياسيون، الذين تعمى أبصارهم عن هذه الحقيقة، يضربون في حديد بارد.

___________________

(١) يراجع كتاب (المنهج العلمي المعاصر مستمد من القرآن) للمؤلف طبع مطبعة دار الاتحاد العربي بالقاهرة ١٩٧٦.


إنه تعالى يقول (ويريكم آياته. فأي آيات اللّه تنكرون. أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم).

والعمل بالقيم الإسلامية داع إلى سن القانون الإسلامي الموحد لتجري أمور المسلمين، ومعاملاتهم كافة، وعقوباتهم إذا انحرفوا عن الجادة، على نسق واحد. يسمو بهم في معاملاتهم كل يوم، ويمنع الجريمة، وينتشل الهلكي من أعماق السجون. ويصون المعنى التعبدي في كل حكم فقهي، والجانب الإنساني في كل حكم جنائي.

ولا جرم إن تقنين الفقه الإسلامي والعمل به هو الإسهام الأعظم منافي الحضارة المعاصرة، وبأعظم ما نملك من القيم. ونحن قادرون على ذلك باستعمال مصادرنا العلمية.

وأين من شرع اللّه قوانين البشر

والخطر اليوم يملأ الأفق: لقد تطرقت إلى الأرض العربية والإسلامية الدعوات الإلحادية والمادية المدمرة للقوى الذاتية للأمة، يؤيدها امتياز القوة، والمال المبذول بسخاء، والتكنولوجيا التي تخطف البصر. ورفع الاستعمار الفكري والسياسي والاقتصادي أعلامه عالية

وما التبشير الديني الأوربي والأمريكي في بلدان المسلمين إلا وجه واحد من وجوهه

أما الغزو الداخلي للإسلام - من داخل مجتمعات المسلمين - فشر مكانا وأنفذ أثرا. والأوربيون - من كل معسكر - يسلطون علينا أسبابه.

إن التاريخ يعلمنا أن وجود إسرائيل في الأرض التي كان الصليبيون يحتلونها - بالذات - ليس مصادفة. بل هو فكر غربي قديم. أقام بالفعل، وبالقوة، دولة صليبية - هنا - في هذا المكان.

وإنما يكرر الفكر الأوربي نفسه، بعد سبعة قرون، بغرس دولة «يهودية»، بدلا من دولة «صليبية»، في القلب، من جسم العرب.


وإسرائيل دولة «دينية» مد الغرب إلينا بها مخالبه والدفاع ضد دولة دينية يهودية يقتضي الالتجاء إلى القيم الدينية، وإن لم يستلزم إقامة دولة دينية. ولقد طالما استعملت أوربة الأسلحة الدينية ضد المسلمين(١) .

إن الحضارة الأوربية - من شرق وغرب - تحسب حساب «قوة عربية إسلامية» في مفترق الطرق إلى العالم، وفي ملتقى المصالح للدول العظمى، وأنها قوة يبلغ عددها الآن مائة مليون. قد تكون مائتين في نهاية القرن الميلادي. يزخر إقليمها بأسباب القوة، وتنصع صحراواتها بالمعادن، فتضيء في صور الأقمار الصناعية الدائرة حول الأرض ليل نهار.

والحضارة الأوربية تحسب حسابا آخر لاجتماع المسلمين على «المبادئ» التي سادوا بها كلما اجتمعوا.

___________________

(١) كان فرسان المعبد Templars = Knights of the Temple جنوداً محاربين على ميمنة الجيوش الصليبية في كل الحروب. وكان على مسيرتها الفرسان الإسبتالية Hospitalars وكلا التنظيمين تنظيم رهبان متقشفين لا يتزوجون. والأولون عملهم حربي محض ضد المسلمين. وما تزال كنيسة المعبد في لندن Temple Church شاهدة بعمل فرسان المعبد. وفيالق التبشير، منذئذ، تفد علينا من دول أوربة وأمريكا، مستعملة كل الأسلحة، مالية أو علمية أو طبية أو اجتماعية أو سياسية. وكثيراً ما عملت في خدمة الجيوش المحاربة أو عملت الجيوش في خدمتها. أما العالم الشيوعي فيصدر إلى الشرق والغرب أفكار الملحدين.


والحضارة الأوربية ، أو الأمريكية، و إن كانت ذات منهاج وثني، راسخة الجذور في الفكر الديني(١) . لقد كانت «الحرب الصليبية» صيحة التجمع لشعوب أوربة المشتتة في العصور الوسطى ، و كانت معاهدة «وستفاليا» راسمة حدود دولها الحالية من(١٦٤٨). وهي نصفان: نصف «ديني» لإرضاء البر وتستنت ونصف سياسي «لمنع الحروب الدينية» - بعد منح حرية العقيدة.

وهذه المجتمعات والدول في أوربة وأمريكا، آخذة الآن في العودة إلى الدين، وإلى التكتل تحت أسماء أو صور مختلفة، كالحلف أو المعاهدة أو المنظمة أو المؤتمر. ومنها السياسي والاقتصادي والعلمي والاجتماعي.

فما أحرانا أن نتحد على تسامح الإسلام وقيمه العالية . لنبقى ونقوى.

ألا و «إن هذا الأمر لا يصلح آخره إلا بما صلح به أوله».

___________________

(١) للبحث عن الحرية الدينية وصلت السفينة زهرة الربيع Mayflower براكبيها في ٢١ ديسمبر سنة ١٦٢٠ إلى شواطئ أمريكا لينشئوا مستعمرة (انجلترا الجديدة) ويطلق عليهم (الآباء الحجاج).

وأعقبهم طلاب «حرية دينية» آخرون بلغوا في السنوات العشرة من سنة ١٦٣٠ إلى ١٦٤٠ عشرين ألفا.

وهؤلاء نواة الولايات المتحدة الأمريكية. أما دول أمريكا الجنوبية فنواتها الآسبان وأهل البرتغال الذين صنعوا بالمسلمين ما صنعوا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر للميلاد.


الفهرست

تقديم. ٢

القسم الأول. ٧

الباب الأول: ظهور الاسلام ٧

الباب الثاني: بين السلطان والامام ٧

الباب الثالث : امام المسلمين. ٧

الباب الأول : ظهور الإسلام ٧

ظهور الإسلام ٧

الفصل الأول : أخو النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم..... ٨

أخو النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم..... ٨

اخو النبي: ١١

بين الخلفاء الراشدين: ١٥

الشيعة: ٢٢

الفصل الثاني : أبو الشهداء ٣٠

أبو الشهداء ٣٠

ريحانة النبي في كربلاء: ٤١

الباب الثاني : بين السلطان والإمام ٥٤

مقدمة: ٥٤

الفصل الأول : بين السلطان والإمام ٥٥

أهل البيت.. ٥٥

بين ابناء علي وبني العباس. ٦٢

الفصل الثاني : الرجلان. ٧٤

الرجلان. ٧٤

الباب الثالث : إمام المسلمين. ٩٠

امام المسلمين. ٩٠

الفصل الأول : في المدينة المنورة ٩١


في المدينة المنورة ٩١

اهل المدينة ٩٨

(زين العابدين) ٣٨ - ٩٤. ١٠٤

(الباقر) ٥٧ - ١١٤. ١١٠

الفصل الثاني : إمام المسلمين. ١١٤

إمام المسلمين. ١١٤

مجالس العلم. ١١٩

التلاميذ الأئمة ١٢٤

كل العلوم ١٣١

مع القرآن. ١٣٧

مع اهل الكوفة وابي حنيفة ١٤٣

المذهب الجعفري. ١٥٠

القسم الثاني. ١٥٤

الباب الرابع : المدرسة الكبرى. ١٥٤

الباب الخامس : المنهج العلمي. ١٥٤

الباب السادس : الى الرفيق الأعلى. ١٥٤

الباب الرابع : المدرسة الكبرى. ١٥٤

الفصل الأول : المدرسة الكبرى. ١٥٥

المدرسة الكبرى. ١٥٥

المصحف الخاص أو كتاب الأصول. ١٥٥

مصحف فاطمة ١٥٧

التدوين. ١٥٧

مشيخة العلماء ١٦٦

ومن هؤلاء: ١٦٨

التلاميذ من الشيعة ١٧٣

اليك بعض الأسماء : ١٧٤


الفصل الثاني : الدرس الكبير. ١٨٢

الدرس الكبير. ١٨٢

السنة ١٩١

الامامة ٢٠٠

أمور خلافية في الفقه ٢١٤

١ - الجمع بين الصلاتين. ٢١٥

٢ - الاذان. ٢١٥

٣ - المسح على الرجلين. ٢١٧

٤ - الزواج والطلاق. ٢١٧

في الزواج: ٢١٧

في الطلاق: ٢١٧

٥ - زواج المتعة: (إلى أجل معين) ٢١٨

٦ - الميراث.. ٢٢١

٧ - متعة الحج. ٢٢١

٨ - التفسير بالتأويل. ٢٢٢

٩ - البداء: ومفهومه الشائع: الظهور بعد الخفاء ٢٢٥

١٠ - الرجعة ٢٢٦

الباب الخامس : المنهج العلمي. ٢٢٩

إن العلم هو علم محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، في ميراث محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. ٢٢٩

الفصل الأول : التجربة والاستخلاص.. ٢٣٠

التجربة والاستخلاص.. ٢٣٠

الفصل الثاني : في السياسة والاجتماع. ٢٥٧

في السياسة والاجتماع. ٢٥٧

في الدولة وقواعدها ٢٥٩

المساواة اساس الدولة ٢٥٩

العدل - ونزاهة الحكم. ٢٦٣


الشورى والعناية بالعامة ٢٦٦

الحكام ٢٦٩

المجتمع الجعفري. ٢٧١

الجهاد ٢٧٥

(في المجتمع ودعائمه) الأسرة ٢٧٧

الأخوة ٢٧٩

المرأة ٢٨٢

العلم. ٢٨٤

الدعاء ٢٨٦

الفصل الثالث : المنهج الاقتصادي. ٢٨٧

المنهج الاقتصادي. ٢٨٧

(العمل) ٢٨٩

المضطرب بماله والمترفق بيده. أو: التجارة والصناعة ٢٩١

التجارة ٢٩٦

٢ - المال. ٢٩٩

العبادة وانفاق المال. ٣٠٠

أداء حقوق الآخرين في المال. ٣٠٤

كنز المال. ٣٠٦

٣ - التعاون. ٣٠٨

الباب السادس : إلى الرفيق الأعلى. ٣٠٩

الى الرفيق الأعلى. ٣٠٩

عدالة السماء ٣١٥

الاسماعيلية(١) ٣١٩


الإمام جعفر الصادق

الإمام جعفر الصادق

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: المستشار عبد الحليم الجندي
تصنيف: الإمام الصادق عليه السلام
الصفحات: 333