اعلام الهداية - الإمام محمد بن علي الجواد (ع)

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: المجمع العالمي لأهل البيت (عليهم السلام)
الإمام محمد بن علي الجواد عليه السلام

اعلام الهداية

الإمام محمد بن علي الجوادعليه‌السلام

المجمع العالمي لأهل البيتعليهم‌السلام

قم المقدسة


اسم الكتاب: أعلام الهداية (ج١١) الإمام محمد بن علي الجوادعليه‌السلام .

المؤلف: لجنة التأليف.

الموضوع:كلام وتاريخ.

الناشر: مركز الطباعة والنشر للمجمع العالمي لأهل البيتعليهم‌السلام .

الطبعة الأولى: ١٤٢٢ هـ ق.

الطبعة الثانية: ١٤٢٥ هـ ق.

الطبعة الثالثة: ١٤٢٧ هـ ق.

المطبعة: ليلى.

الكمية: ٥٠٠٠.

isbn: ٩٦٤-٥٦٨٨-٢٧-٢

حقوق الطبع والترجمة محفوظة للمجمع العالمي لأهل البيتعليهم‌السلام

www.ahl-ul-bayt-org


أهل البيت في القرآن الكريم

( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً )

الأحزاب: ٣٣ / ٣٣

أهل البيت في الُسنّة النبويّة

(إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً)

(الصحاح والمسانيد)


المقدمة

الحمد لله الذي أعطى كلّ شيء خلقه ثم هدى، ثم الصلاة والسلام على من اختارهم هداةً لعباده، لا سيَّما خاتم الأنبياء وسيّد الرسل والأصفياء أبو القاسم المصطفى محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلى آله الميامين النجباء.

لقد خلق الله الإنسان وزوّده بعنصري العقل والإرادة، فبالعقل يبصر ويكتشف الحقّ ويميّزه عن الباطل، وبالإرادة يختار ما يراه صالحاً له ومحقّقاً لأغراضه وأهدافه.

وقد جعل الله العقل المميِّز حجةً له على خلقه، وأعانه بما أفاض على العقول من معين هدايته ; فإنّه هو الذي علّم الإنسان ما لم يعلم، وأرشده إلى طريق كماله اللائق به، وعرّفه الغاية التي خلقه من أجلها، وجاء به إلى هذه الحياة الدنيا من أجل تحقيقها.

وأوضح القرآن الحكيم بنصوصه الصريحة معالم الهداية الربّانية وآفاقها ومستلزماتها وطرقها، كما بيّن لنا عللها وأسبابها من جهة، وأسفر عن ثمارها ونتائجها من جهة أخرى.

قال تعالى:

( قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى ) (الأنعام (٦): ٧١).

( وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (البقرة (٢): ٢١٣).

( وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ) (الأحزاب (٣٣): ٤).

( وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (آل عمران (٣): ١٠١).

( قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إلى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (يونس (١٠): ٣٥).

( وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إلى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) (سبأ (٣٤): ٦).


( ومن أضلّ ممن اتّبع هواه بغير هدىً من الله ) (القصص (٢٨):٥٠).

فالله تعالى هو مصدر الهداية. وهدايته هي الهداية الحقيقية، وهو الذي يأخذ بيد الإنسان إلى الصراط المستقيم وإلى الحقّ القويم.

وهذه الحقائق يؤيدها العلم ويدركها العلماء ويخضعون لها بملء وجودهم.

ولقد أودع الله في فطرة الإنسان النزوع إلى الكمال والجمال ثمّ مَنّ عليه بإرشاده إلى الكمال اللائق به، وأسبغ عليه نعمة التعرّف على طريق الكمال، ومن هنا قال تعالى: ( وما خلقتُ الجنَّ والإنسَ إلاّ ليعبدونِ ) (الذاريات (٥١): ٥٦). وحيث لا تتحقّق العبادة الحقيقية من دون المعرفة، كانت المعرفة والعبادة طريقاً منحصراً وهدفاً وغايةً موصلةً إلى قمّة الكمال.

وبعد أن زوّد الله الإنسان بطاقتي الغضب والشهوة ليحقّق له وقود الحركة نحو الكمال; لم يؤمَن عليه من سيطرة الغضب والشهوة; والهوى الناشئ منهما، والملازم لهما فمن هنا احتاج الإنسان ـ بالإضافة إلى عقله وسائر أدوات المعرفة ـ إلى ما يضمن له سلامة البصيرة والرؤية; كي تتمّ عليه الحجّة، وتكمل نعمة الهداية، وتتوفّر لديه كلّ الأسباب التي تجعله يختار طريق الخير والسعادة، أو طريق الشرّ والشقاء بملء إرادته.

ومن هنا اقتضت سُنّة الهداية الربّانية أن يُسند عقل الإنسان عن طريق الوحي الإلهي، ومن خلال الهداة الذين اختارهم الله لتولِّي مسؤولية هداية العباد وذلك عن طريق توفير تفاصيل المعرفة وإعطاء الإرشادات اللازمة لكلّ مرافق الحياة.

وقد حمل الأنبياء وأوصياؤهم مشعل الهداية الربّانية منذ فجر التاريخ وعلى مدى العصور والقرون، ولم يترك الله عباده مهملين دون حجة هادية وعلم مرشد ونور مُضيء، كما أفصحت نصوص الوحي ـ مؤيّدةً لدلائل العقل ـ بأنّ الأرض لا تخلو من حجة لله على خلقه، لئلاّ يكون للناس على الله حجّة، فالحجّة قبل الخلق ومع الخلق وبعد الخلق، ولو لم يبق في الأرض إلاّ اثنان لكان أحدهما الحجّة، وصرّح القرآن ـ بشكل لا يقبل الريب ـ قائلاً: ( إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) (الرعد (١٣): ٧).


ويتولّى أنبياء الله ورسله وأوصياؤهم الهداة المهديّون مهمّة الهداية بجميع مراتبها، والتي تتلخّص في:

١ ـ تلقِّي الوحي بشكل كامل واستيعاب الرسالة الإلهية بصورة دقيقة. وهذه المرحلة تتطلّب الاستعداد التام لتلقّي الرسالة، ومن هنا يكون الاصطفاء الإلهي لرسله شأناً من شؤونه، كما أفصح بذلك الذكر الحكيم قائلاً: ( اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ) (الأنعام (٦): ١٢٤) و( اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ ) (آل عمران (٣): ١٧٩).

٢ ـ إبلاغ الرسالة الإلهية إلى البشرية ولمن أرسلوا إليه، ويتوقّف الإبلاغ على الكفاءة التامّة التي تتمثّل في (الاستيعاب والإحاطة اللازمة) بتفاصيل الرسالة وأهدافها ومتطلّباتها، و (العصمة) عن الخطأ والانحراف معاً، قال تعالى: ( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ) (البقرة (٢): ٢١٣).

٣ ـ تكوين أُمة مؤمنة بالرسالة الإلهية، وإعدادها لدعم القيادة الهادية من أجل تحقيق أهدافها وتطبيق قوانينها في الحياة، وقد صرّحت آيات الذكر الحكيم بهذه المهمّة مستخدمةً عنواني التزكية والتعليم، قال تعالى: ( يُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) (الجمعة(٦٢): ٢) والتزكية هي التربية باتجاه الكمال اللائق بالإنسان. وتتطلّب التربية القدوة الصالحة التي تتمتّع بكلّ عناصر الكمال، كما قال تعالى: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (الأحزاب(٣٣): ٢١).

٤ ـ صيانة الرسالة من الزيغ والتحريف والضياع في الفترة المقرّرة لها، وهذه المهمة أيضاً تتطلّب الكفاءة العلمية والنفسية، والتي تسمّى بالعصمة.

٥ ـ العمل لتحقيق أهداف الرسالة المعنوية وتثبيت القيم الأخلاقية في نفوس الأفراد وأركان المجتمعات البشرية وذلك بتنفيذ الأطروحة الربّانية، وتطبيق قوانين الدين الحنيف على المجتمع البشري من خلال تأسيس كيان سياسيٍّ يتولّى إدارة شؤون الأمة على أساس الرسالة الربّانية للبشرية، ويتطلّب التنفيذ قيادةً حكيمةً، وشجاعةً فائقةً، وثباتاً كبيراً، ومعرفةً تامةً بالنفوس وبطبقات المجتمع


والتيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية وقوانين الإدارة والتربية وسنن الحياة، ونلخّصها في الكفاءة العلمية لإدارة دولة عالمية دينية، هذا فضلاً عن العصمة التي تعبّر عن الكفاءة النفسية التي تصون القيادة الدينية من كلّ سلوك منحرف أو عمل خاطئ بإمكانه أن يؤثّر تأثيراً سلبيّاً على مسيرة القيادة وانقياد الأمة لها بحيث يتنافى مع أهداف الرسالة وأغراضها.

وقد سلك الأنبياء السابقون وأوصياؤهم المصطفون طريق الهداية الدامي، واقتحموا سبيل التربية الشاقّ، وتحمّلوا في سبيل أداء المهامّ الرسالية كلّ صعب، وقدّموا في سبيل تحقيق أهداف الرسالات الإلهية كلّ ما يمكن أن يقدّمه الإنسان المتفاني في مبدئه وعقيدته، ولم يتراجعوا لحظة، ولم يتلكّأوا طرفة عين.

وقد توّج الله جهودهم وجهادهم المستمرّ على مدى العصور برسالة خاتم الأنبياء محمد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحمّله الأمانة الكبرى ومسؤولية الهداية بجميع مراتبها، طالباً منه تحقيق أهدافها. وقد خطا الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذا الطريق الوعر خطوات مدهشة، وحقّق في أقصر فترة زمنية أكبر نتاج ممكن في حساب الدعوات التغييرية والرسالات الثورية، وكانت حصيلة جهاده وكدحه ليل نهار خلال عقدين من الزمن ما يلي:

١ ـ تقديم رسالة كاملة للبشرية تحتوي على عناصر الديمومة والبقاء.

٢ ـ تزويدها بعناصر تصونها من الزيغ والانحراف.

٣ ـ تكوين اُمة مسلمة تؤمن بالإسلام مبدأً، وبالرسول قائداً، وبالشريعة قانوناً للحياة.

٤ ـ تأسيس دولة إسلامية وكيان سياسيٍّ يحمل لواء الإسلام ويطبّق شريعة السماء.

٥ ـ تقديم الوجه المشرق للقيادة الربّانية الحكيمة المتمثّلة في قيادتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ولتحقيق أهداف الرسالة بشكل كامل كان من الضروري:

أ ـ أن تستمرّ القيادة الكفوءة في تطبيق الرسالة وصيانتها من أيدي العابثين الذين يتربّصون بها الدوائر.

ب ـ أن تستمرّ عملية التربية الصحيحة باستمرار الأجيال; على يد مربٍّ كفوء علمياً ونفسياً حيث يكون قدوة حسنة في الخلق والسلوك كالرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يستوعب الرسالة ويجسّدها في كل حركاته وسكناته.


ومن هنا كان التخطيط الإلهيّ يحتّم على الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إعداد الصفوة من أهل بيته، والتصريح بأسمائهم وأدوارهم; لتسلّم مقاليد الحركة النبويّة العظيمة والهداية الربّانية الخالدة بأمر من الله سبحانه وصيانة للرسالة الإلهية التي كتب الله لها الخلود من تحريف الجاهلين وكيد الخائنين، وتربية للأجيال على قيم ومفاهيم الشريعة المباركة التي تولّوا تبيين معالمها وكشف أسرارها وذخائرها على مرّ العصور، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها.

وتجلّى هذا التخطيط الربّاني في ما نصّ عليه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله: (إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض) .

وكان أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم خير من عرّفهم النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأمر من الله تعالى لقيادة الأمة من بعده.

إنّ سيرة الأئمّة الاثني عشر من أهل البيتعليهم‌السلام تمثّل المسيرة الواقعية للإسلام بعد عصر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ودراسة حياتهم بشكل مستوعب تكشف لنا عن صورة مستوعبة لحركة الإسلام الأصيل الذي أخذ يشقّ طريقه إلى أعماق الأمة بعد أن أخذت طاقتها الحرارية تتضاءل بعد وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأخذ الأئمة المعصومونعليهم‌السلام يعملون على توعية الأمة وتحريك طاقتها باتجاه إيجاد وتصعيد الوعي الرساليِّ للشريعة ولحركة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وثورته المباركة، غير خارجين عن مسار السنن الكونية التي تتحكّم في سلوك القيادة والأمة جمعاء.

وتبلورت حياة الأئمّة الراشدين في استمرارهم على نهج الرسول العظيم وانفتاح الأمة عليهم والتفاعل معهم كأعلام للهداية ومصابيح لإنارة الدرب للسالكين المؤمنين بقيادتهم، فكانوا هم الأدلَّاء على الله وعلى مرضاته، والمستقرّين في أمر الله، والتامّين في محبّته، والذائبين في الشوق إليه، والسابقين إلى تسلّق قمم الكمال الإنسانيّ المنشود.

وقد حفلت حياتهم بأنواع الجهاد والصبر على طاعة الله وتحمّل جفاء أهل الجفاء حتّى ضربوا أعلى أمثلة الصمود لتنفيذ أحكام الله تعالى، ثم اختاروا الشهادة مع العزّ على الحياة مع الذلّ، حتى فازوا بلقاء الله سبحانه بعد كفاح عظيم وجهاد كبير.


ولا يستطيع المؤرّخون والكتّاب أن يلمّوا بجميع زوايا حياتهم العطرة ويدّعوا دراستها بشكل كامل، ومن هنا فإنّ محاولتنا هذه إنّما هي إعطاء قبسات من حياتهم، ولقطات من سيرتهم وسلوكهم ومواقفهم التي دوّنها المؤرّخون واستطعنا اكتشافها من خلال مصادر الدراسة والتحقيق، عسى الله أن ينفع بها إنّه وليّ التوفيق.

إنّ دراستنا لحركة أهل البيتعليهم‌السلام الرسالية تبدأ برسول الإسلام وخاتم الأنبياء محمد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتنتهي بخاتم الأوصياء، محمد بن الحسن العسكري المهدي المنتظر عجّل الله تعالى فرجه وأنار الأرض بعدله.

ويختص هذا الكتاب بدراسة حياة الإمام محمّد بن علي الجوادعليه‌السلام تاسع أئمة أهل البيتعليهم‌السلام بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو المعصوم الحادي عشر من أعلام الهداية والذي تمثلت كل جوانب الشريعة في حياته فكراً وخلقاً وسلوكاً فكان نبراساً ومثلاً أعلى للبشرية بعد سيّد المرسلين وآبائه الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.

ولا بدَّ لنا من تقديم الشكر إلى كلّ الإخوة الأعزّاء الذين بذلوا جهداً وافراً وشاركوا في إنجاز هذا المشروع المبارك وإخراجه إلى عالم النور ، لا سيَّما أعضاء لجنة التأليف بإشراف سماحة السيد منذر الحكيم حفظه الله تعالى .

ولا يسعنا إلاّ أن نبتهل إلى الله تعالى بالدعاء والشكر لتوفيقه على إنجاز هذه الموسوعة المباركة فإنه حسبنا ونعم النصير.

المجمع العالمي لأهل البيتعليهم‌السلام

قم المقدسة


الباب الأول: وفيه فصول:

الفصل الأول: الإمام محمد الجوادعليه‌السلام في سطور.

الفصل الثاني: انطباعات عن شخصية الإمام الجوادعليه‌السلام .

الفصل الثالث: مظاهر من شخصيّة الإمام الجوادعليه‌السلام .

الفصل الأول: الإمام محمّد الجوادعليه‌السلام في سطور

الإمام أبو جعفر محمد بن علي الجوادعليه‌السلام هو التاسع من أئمة أهل البيت الذين أوصى إليهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ بأمر من الله سبحانه ـ لتولّي مهام الإمامة والقيادة من بعده، بعد أن نصّ القرآن على عصمتهم وتواترت السنة الشريفة بذلك.

وتجسّدت في شخصية هذا الإمام العظيم ـ كسائر آبائه الكرام ـ جميع المثل العُليا والأخلاق الرفيعة التي تؤهّل صاحبها للإمامة الرسالية والزعامة الربّانية.

وتقلّد الإمامة العامة وهو في السابعة من عمره الشريف وليس في ذلك ما يدعو إلى العجب فقد تقلّد عيسى بن مريمعليه‌السلام النبوّة وهو في المهد.

لقد أثبت التاريخ من خلال هذه الإمامة المبكرة صحة ما تذهب إليه الشيعة الإمامية في الإمامة بأنّه منصب إلهي يهبه الله لمن يشاء ممّن جمع صفات الكمال في كل عصر، فقد تحدّى الإمام الجوادعليه‌السلام ـ على صغر سنّه ـ أكابر علماء عصره وعلاهم بحجته بما أظهره الله على يديه من معارف وعلوم أذعن لها علماء وحكّام عصره.

وقد احتفى بهعليه‌السلام ـ وهو ابن سبع سنين ـ كبار العلماء والفقهاء والرواة وانتهلوا من نمير علمه ورووا عنه الكثير من المسائل العقائدية ـ الفلسفية والكلامية ـ والفقهية والتفسيرية إلى جانب عطائه في سائر مجالات المعرفة البشرية.

وقد سار هذا الإمام العظيم على نهج أبيه من القيام برعاية الشيعة وتربيتهم علمياً وروحيّاً وسياسيّاً بما يجعلهم قادرين على الاستمرار في المسيرة التي خططها لهم أئمتهم المعصومون حيث تنتظرهم الأيّام المقبلة الّتي تتميّز بالانقطاع عن أئمتهم فكان لابدّ لهم أن يقتربوا من حالة الاكتفاء الذاتي في إدارة شؤونهم فكريّاً وسياسياً واجتماعياً واقتصادياً.


أجل، لقد استطاع هذا الإمام ـ العظيم بالرغم من قصر عمره الشريف ـ أن يحقق أهدافاً كبرى تصبُّ في الرافد الذي ذكرناه.

ويدل استشهاده ـ وهو في الخامسة والعشرين من عمره ـ على مدى نجاحه في حركته وتخطيطه حيث أربك حضوره في الساحة الاجتماعية الإسلامية الحكّام الطغاة واضطرّهم لاغتياله والقضاء على نشاطه البنّاء.

الفصل الثاني: انطباعات عن شخصية الإمام الجوادعليه‌السلام

إنّ مواهب الإمام التقي محمّد بن علي الجوادعليه‌السلام قد ملكت عقول كل من عاصره وتطّلع إلى شخصيته العملاقة واطلع على عظمة فكره وكمال علمه. وكل من كان يراه لم يقدر أن يتمالك نفسه أمامه ويخرج من عنده إلاّ والإعجاب والخضوع يتسابق بين يديه.

وهنا نشير إلى بعض ما وصلنا من معالم عظمته وسموّ شخصيته على لسان من عاصره ثم من كتب عنه وأرّخ له.

١ ـ والده الإمام الرضاعليه‌السلام : لقد وصف الإمام الرضاعليه‌السلام ابنه الجواد بما يلي:

أ ـ قال عنه قبل ولادته للحسين بن بشار:(والله لا تمضي الأيّام والليالي حتى يرزقني الله ولداً ذكراً يفرّق به بين الحقّ والباطل) (١) .

وزاد في نص آخر:(حتى يولد ذكر من صُلبي يقوم مثل مقامي يحيي الحق ويمحي الباطل) (٢) .

ـــــــــ

(١) الكافي: ١ / ٣٢٠، والإرشاد: ٢/٢٧٧.

(٢) رجال الكشي: ٤٦٣.


ب ـ وقال عنه بعد ولادته:(هذا المولود الذي لم يولد مولود أعظم بركة على شيعتنا منه) (١) .

ج ـ وقال أيضاً:(هذا أبو جعفر قد أجلسته مجلسي وصيّرته مكاني) (٢) .

د ـ وقال أيضاً لصفوان بن يحيى:(كان أبو جعفر محدَّثاً) (٣) .

٢ ـ علي بن جعفر (عمّ أبيه): (قال محمد بن الحسن بن عمّار: دخل أبو جعفر محمد بن علي الرضاعليه‌السلام مسجد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فوثب علي بن جعفر بلا حذاء ولا رداء، فقبّل يديه وعظّمه. فقال له أبو جعفر:يا عمّ اجلس رحمك الله ، فقال: يا سيّدي كيف أجلس وأنت قائم ؟! فلّما رجع علي بن جعفر إلى مجلسه جعل أصحابه يوبّخونه ويقولون: أنت عمّ أبيه وأنت تفعل به هذا الفعل ؟! فقال: اسكتوا إذا كان الله عَزَّ وجَلَّ ـ وقبض على لحيته ـ لم يؤهّل هذه الشيبة وأهّل هذا الفتى ووضعه حيث وضعه، أُنكِرُ فضله؟! نعوذ بالله ممّا تقولون ! بل أنا له عبد)(٤) .

٣ ـ قال الشيخ المفيد: وكان المأمون قد شغف بأبي جعفرعليه‌السلام لِما رأى من فضله مع صغر سنّه وبلوغه في العلم والحكمة والأدب وكمال العقل ما لم يساوه فيه أحد من مشايخ أهل الزمان، فزوّجه ابنته أمّ الفضل وحملها معه إلى المدينة، وكان متوفّراً على إكرامه وتعظيمه وإجلال قدره(٥) .

ـــــــــ

(١) الكافي: ١ / ٣٢١.

(٢) الكافي: ١ / ٣٢١.

(٣) إثبات الوصية: ٢١٢.

(٤) الكافي: ١ / ٣٢٢.

(٥) الإرشاد: ٢/٢٨١.


وقال في وصف الإمام أبي جعفرعليه‌السلام حينما أراد تزويجه واعترض عليه العباسيون: (وأما أبو جعفر محمد بن علي قد اخترته لتبريزه على كافة أهل الفضل في العلم والفضل مع صغر سنّه والأعجوبة فيه بذلك.. ثم قال لهم: وَيْحَكم إني أعرف بهذا الفتى منكم، وإنّ هذا من أهل بيت علمهم من الله، ومواده وإلهامه، لم يزل آباؤه أغنياء في علم الدين والأدب عن الرعايا الناقصة عن حدّ الكمال(١) .

وقال له المأمون أيضاً بعد أوّل لقاء معه بعد وفاة أبيه الرضاعليه‌السلام وبعد أن اختبره ـ والإمام لم يتجاوز العقد الأول من عمره ـ: (أنت ابن الرضا حقاً ومن بيت المصطفى صدقاً وأخذه معه وأحسن إليه وقرّبه وبالغ في إكرامه وإجلاله وإعظامه).

٤ ـ وعزّى أبو العيناء ابن الرضاعليه‌السلام عن أبيهعليه‌السلام فقال له: (أنت تجلّ عن وصفنا ونحن نقلّ عن عظتك، وفي علم الله ما كفاك، وفي ثواب الله ما عزّاك)(٢) .

٥ ـ وقال عنه العلاّمة سبط ابن الجوزي الحنفي المتوفّى سنة (٦٥٤ هـ): (ومحمد، الإمام أبو جعفر الثاني كان على منهاج أبيه في العلم والتقى والزهد والجود.. وكان يلقّب بالمرتضى والقانع...)(٣) .

٦ ـ وقال عنه الشيخ كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي المتوفّى سنة (٦٥٢ هـ): (وإن كان صغير السن فهو كبير القدر رفيع الذكر..

وقال أيضاً: مناقب أبي جعفر محمد الجواد ما اتسعت حلبات مجالها ولا

ـــــــــ

(١) الإرشاد: ٢ / ٢٨٢.

(٢) المناقب: ٤ / ٣٦٢.

(٣) تذكرة الخواص: ٣٥٨ ـ ٣٥٩.


امتدّت أوقاف آجالها بل قضت عليه الأقدار الإلهية بقلّة بقائه في الدنيا بحكمها وسجالها فقلّ في الدنيا مقامه وعجّل عليه فيها حمامه فلم تطل لياليه ولا امتدّت أيّامه غير أن الله خصّه بمنقبة أنوارها متألّقة في مطالع التعظيم وأخبارها مرتفعة في معارج التفضيل والتكريم.. ثم ذكر تلك المنقبة التي اعترف بعدها المأمون له بالفضل والسموّ)(١) .

٧ ـ وأدلى علي بن عيسى الأربلي المتوفّى سنة (٦٩٣ هـ) في حقّه وشأنهعليه‌السلام بكلمات أعرب فيها عن عمق إيمانه به وولائه له صلوات الله عليه، فقال: (الجوادعليه‌السلام في كل أحواله جواد، وفيه يصدق قول اللُغوي: جواد من الجودة من أجواد، فاق الناس بطهارة العُنصر، وزكاء الميلاد، وافترع قُلَّة العلاء فما فاز به أحد ولا كاد. مجده عالي المراتب، ومكانته الرفيعة تسمو على الكواكب، ومنصبه يشرف على المناصب، إذا آنس الوفد ناراً قالوا: ليتها نارُه، لا نار غالب. له إلى المعالي سُموّ، وإلى الشّرف رواح وغُدُوّ، وفي السيادة إغراق وغُلُوّ، وعلى هام السماك ارتفاع وعُلوّ، ومن كل رذيلة بُعْدٌ، وإلى كل فضيلة دُنُوّ. تتأرّج المكارم من أعطافه، ويقطر المجد من أطرافه، وتُروى اخبار السماح عنه وعن أبنائه وأسلافه، فطوبى لمن سعى في ولائه، والويل لمن رغب في خلافه. إذا اقتُسمتْ غنائم المجد والمعالي والمفاخر كان له صفاياها، وإذا امتُطيت غوارب السؤدد كان له أعلاها وأسماها.

ـــــــــ

(١) راجع مطالب السؤول: ٢٣٩، والفصول المهمة: ٢٥٢.


يباري الغيث جوداً وعطيةً، ويجاري الليث نجدةً وحميّة، ويبذّ السير سيرةً رضية، مرضية سريّة. إذا عُدِّدَ آباؤه الكرام، وأبناؤهعليهم‌السلام نظَم اللئالي الأفراد في عدِّه، وجاء بجماع المكارم في رسمه وحدِّه، وجَمَع أشتات المعالي فيه، وفي آبائه من قبله، وفي أبنائه من بعده، فمن له أبٌ كأبيه أو جد كجدّه ؟ !. فهو شريكهم في مجدهم، وهم شركاؤه في مجده، وكما ملأوا أيدي العفاة بِرِفْدِهم، ملأ أيديهم بِرِفده... بهم اتَّضحت سُبُل الهُدى، وبهم سُلِمَ من الردى، وبِحُبِّهم تُرجى النجاة والفوز غداً، وهم أهل المعروف، وأولوا النَّدى. كُلُّ المدائح دون استحقاقهم، وكُلُّ مكارم الأخلاق مأخوذة من كريم أخلاقهم وكُلّ صفات الخير مخلوقة في عنصرهم الشريف وأعراقهم، فالجنة في وصالهم، والنار في فراقهم. وهذه الصفات تصدق على الجمع والواحد، وتثبت للغائب منهم والشاهد، وتتنزَّل على الولد منهم والوالد. حُبُّهم فريضة لازمة، ودولتهم باقية دائمة، وأسواق سُؤدَدِهم قائمة، وثغور محبيهم باسمة، وكفاهم شَرَفاً أن جدّهم محمد، وأبوهم علي، وأُمُّهم فاطمةعليهم‌السلام )(١) .

فمن يجاريهم في الفخر؟! ومن يسابقهم في علوّ القدر؟ وما تركوا غاية إلاّ انتهوا إليها سابقين، ولا مرتبة سؤدد إلاّ ارتفقوها آمنين من اللاحقين، وهذا حقّ اليقين بل عين اليقين.

ـــــــــ

(١) راجع كشف الغُمّة في معرفة الأئمة: الإمام محمّد الجواد عليه‌السلام : ٢/٣٧٠ ـ ٣٧١.


الناس كلّهم عيال عليهم ومنتسبون انتساب العبودية إليهم. عنهم أُخذت المآثر، ومنهم تعلّمت المفاخر، وبشرفهم شرف الأوّل والآخر. ولو أطلتُ في صفاتهم لم آتِ بطائل، ولو حاولت حصرها نادتني الثريا: مَن يد المتناول؟ وكيف تطيق حصر ما عجز عنه الأواخر والأوائل؟)

٨ ـ وقال الذهبي : (كان محمّد يلقّب بالجواد وبالقانع والمرتضى، وكان من سروات آل بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .. وكان أحد الموصوفين بالسخاء فلذلك لقّب بالجواد...)(١) .

٩ ـ وقال عنه ابن الصبّاغ المالكي المتوفّى سنة (٨٥٥ هـ): (وهو الإمام التاسع.. عرف بأبي جعفر الثاني، وإن كان صغير السن فهو كبير القدر رفيع الذكر القائم بالإمامة بعد علي بن موسى الرضا.. للنص عليه والإشارة له بها من أبيه كما أخبر بذلك جماعة من الثقات العدول)(٢) .

١٠ ـ وقال الشيخ عبد الله بن محمد بن عامر الشبراوي الشافعي المتوفّى سنة (١١٥٤ هـ): التاسع من الأئمة محمد الجواد... ثم ذكر نسب الإمام وولادته سنة (١٩٥ هـ) ثم قال: وكراماته رضي الله عنه كثيرة ومناقبه شهيرة، ثم ذكر بعض مناقبه وختم حديثه بقوله: وهذا من بعض كراماته الجليلة ومناقبه الجميلة(٣) .

١١ ـ وقال عنه يوسف إسماعيل النبهاني: (محمد الجواد بن علي الرضا أحد أكابر الأئمة ومصابيح الأمة من ساداتنا أهل البيت...)(٤) .

ـــــــــ

(١) تاريخ الإسلام: ٨، والوافي بالوفيات ٤: ١٠٥.

(٢) الفصول المهمة: ٢٥١.

(٣) الإتحاف بحب الأشراف: ١٦٨.

(٤) جامع كرامات الأولياء: ١ / ١٠٠.


١٢ ـ ووصفه محمود بن وهيب البغدادي بقوله: (هو الوارث لأبيه علماً وفضلاً وأجلّ إخوته قدراً وكمالاً..)(١) .

١٣ ـ وذكره الفضل بن روزبهان المتوفّى سنة (٩٢٧ هـ) في شرحه للصلوات التي أنشأها لبيان فضل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيته الطاهرين فقال ما نصّه: (اللهم وصلّ وسلّم على الإمام التاسع الأوّاب السجّاد، الفائق في الجود على الأجواد، مانح العطايا والأوفاد لعامّة العباد، ماحي الغواية والعناد، قامع أرباب البغي والفساد، صاحب معالم الهداية والإرشاد إلى سبل الرشاد، المقتبس من نور علومه الأفراد من الأبدال والأوتاد أبي جعفر محمّد التقيّ الجواد بن علي الرّضا ساكن روضة الجنة بأنعم العيش، المقبور عند جدّه بمقابر قريش، اللّهم صلّ على سيّدنا محمد وآل سيّدنا سيّما الإمام السجّاد محمد التقي الجواد)(٢) .

١٤ ـ وقال عنه خير الدين الزركلي: (كان رفيع القدر كأسلافه ذكيّاً طلق الّلسان قويّ البديهة.. وللدبيلي محمد بن وهبان كتاب في سيرته سمّاه: (أخبار أبي جعفر الثاني)(٣) .

هذه بعض النصوص التي أدلى بها معاصرو الإمام الجوادعليه‌السلام ومن جاء بعدهم في القرون اللاحقة وهي تمثّل إعجابهم بمواهب الإمام وشخصيّته الفذّة التي تحكي شخصيّة آبائه الكرام الذين حملوا مشاعل الهداية وأعلامها بعد خاتم المرسلين محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ـــــــــ

(١) جوهرة الكلام: ١٤٧.

(٢) راجع: شرح الصلوات للفضل بن روزبهان، وقد سمّاه بوسيلة الخادم إلى المخدوم أيضاً.

(٣) الأعلام: ٧ / ١٥٥.


الفصل الثالث: مظاهر من شخصيّة الإمام الجوادعليه‌السلام

لا ريب في أن فضائل الأئمة الإثني عشر المعصومينعليهم‌السلام ـ والإمام الجواد منهم ـ كثيرة لا تحصى، كيف وقد اختارهم الله تعالى للإمامة على علم، وهذا الاختيار يكشف عن اختصاصهم بكمالات ومناقب تفرّدوا بها وامتازوا عن من سواهم وبذلك جعلهم حججه على خلقه وأمناء على وحيه.

ولكن لم يصل إلينا ـ للأسف الشديد ـ من تلك الفضائل والمآثر الخاصة بكل إمام إلاّ الشيء القليل والنزر اليسير، بسبب الظروف القاسية التي مرّ بها أهل البيتعليهم‌السلام وأتباعهم المعنيّون بنقل تراثنا الإسلامي المجيد.

إنّ الإرهاب الفكري والتصفية الجسدية التي مارستها السلطات الجائرة ضد أئمة أهل البيتعليهم‌السلام وضد أتباعهم وكل من كان يحاول أن يكشف عن شيء من سيرتهم العطرة، كان كافياً لضياع هذا التراث العظيم والعطاء الكبير.

وسنورد في هذا الفصل إشارات إلى بعض ما ورد في أحوال الإمام الجوادعليه‌السلام ومناقبه ومكارم أخلاقه.

أ ـ تكلّمه في المهد:

ذكر المؤرخون أن الإمام الجوادعليه‌السلام تشهّد الشهادتين لمّا وُلد، وأنه حمد الله تعالى وصلّى على الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمة الراشدين في يومه الثالث.

فعن حكيمة ابنة موسى بن جعفر الكاظمعليهما‌السلام قالت: (لمّا حملت أم أبي جعفر الجوادعليه‌السلام به كتبتُ إليه [يعني: إلى الإمام الرضاعليه‌السلام ]: (جاريتك سبيكة قد علقت. فكتب إليَّ:(إنها علقت ساعة كذا، من يوم كذا، من شهر كذا، فإذا هي ولدت فألزميها سبعة أيام) . قالت: فلمّا ولدته،


وسقط إلى الأرض، قال:(أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأن محمداً رسول الله) . فلمّا كان اليوم الثالث، عطس، فقال:(الحمد لله، وصلّى الله على محمد وعلى الأئمة الراشدين) (١) .

وأيضاً قالت: (لمّا حضرت ولادة الخيزران أم أبي جعفرعليه‌السلام دعاني الرضاعليه‌السلام ، فقال:يا حكيمة احضري ولادتها، وادخلي وإياها والقابلة بيتاً . ووضع لنا مصباحاً، وأغلق الباب علينا، فلمّا أخذها الطلق طفئ المصباح، وبين يديها طست، فاغتممت بطفئ المصباح. فبينا نحن كذلك، إذ بدر أبو جعفرعليه‌السلام في الطست، وإذا عليه شيء رقيق كهيئة الثوب يسطع نوره حتى أضاء البيت، فأبصرناه، فأخذته فوضعته في حجري، ونزعت عنه ذلك الغشاء، فجاء الرضاعليه‌السلام وفتح الباب، وقد فرغنا من أمره، فأخذه ووضعه في المهد، وقال لي:يا حكيمة الزمي مهده . قالت: فلمّا كان في اليوم الثالث رفع بصره الى السماء ثم نظر يمينه ويساره، ثم قال:أشهد أن لا إله إلاّ الله، واشهد أن محمداً رسول الله ، فقمت ذعرة فزعة، فأتيت أبا الحسنعليه‌السلام فقلت له: لقد سمعت من هذا الصبي عجباً. فقال:وما ذاك ؟ فأخبرته الخبر، فقال:يا حكيمة، ما ترون من عجائبه أكثر )(٢) .

ـــــــــ

(١) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ١٥١ ـ ١٥٢.

(٢) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ١٥١ ـ ١٥٢.


ب ـ إتيانه الحكمَ صبياً:

أصبح الإمام الجوادعليه‌السلام خليفة الله تعالى في خلقه وإماماً لهم وهو لم يزل حديث السن، وذلك ما اقتضته مشيئة الله (جلّ جلاله) مثلما اقتضت ذلك مع عيسى وسليمانعليهما‌السلام . وقد أثارت حداثة سنةعليه‌السلام استغراب بعض الناس وتشكيكهم، الأمر الذي دعا الإمام الجوادعليه‌السلام إلى توضيح الأمر لهم، وهو ما نجده في الروايات الآتية:

١ ـ قال الراوي: قلت له (لأبي جعفر الثانيعليه‌السلام ): إنهم يقولون في حداثة سنك، فقال:(إن الله تعالى أوحى إلى داود أن يستخلف سليمان وهو صبي يرعى الغنم، فأنكر ذلك عُبّاد بني إسرائيل وعلماؤهم، فأوحى الله إلى داود عليه‌السلام أن خذ عصي المتكلمين وعصا سليمان واجعلها في بيت واختم عليها بخواتيم القوم فإذا كان من الغد، فمن كانت عصاه قد أورقت وأثمرت فهو الخليفة، فأخبرهم داود عليه‌السلام فقالوا: قد رضينا وسلَّمنا) (١) .

٢ ـ قال الراوي: رأيت أبا جعفرعليه‌السلام وقد خرج عليّ فأخذت أنظر إليه وجعلت انظر إلى رأسه ورجليه، لأصف قامته لأصحابنا بمصر، فبينا أنا كذلك حتى قعد، فقال:(يا عليّ ! إن الله احتج في الإمامة بمثل ما احتج به في النبوة، فقال: ( وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيَّاً ) (٢) ( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ) (٣) ( وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ) (٤) فقد يجوز أن يؤتى الحكمة وهو صبي ويجوز أن يؤتاها وهو ابن الأربعين سنة) (٥) .

ـــــــــ

(١) أصول الكافي: ١ / ٣١٤.

(٢) مريم (١٩): ١٢.

(٣) القصص (٢٨): ١٤.

(٤) الأحقاف (٤٦): ١٥.

(٥) أصول الكافي: ١ / ٣١٥.


٣ ـ قال الراوي لأبي جعفرعليه‌السلام : يا سيدي إن الناس ينكرون عليك حداثة سنك، فقال:(وما ينكرون من ذلك قول الله عَزَّ وجَلَّ، لقد قال الله عَزَّ وجَلَّ لنبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ) (١) فو الله ما تبعه إلاّ علي عليه‌السلام وله تسع سنين وأنا ابن تسع سنين) (٢) .

ج ـ علمه:

لابدَّ للإمام من أن يكون واسع العلم والمعرفة، فهو أعلم أهل زمانه، وأدراهم بشؤون الشريعة وأحكام الدين مع الإحاطة بالنواحي السياسية والإدارية وغير ذلك مما يحتاج إليه الناس. وقد دلّ الإمام الجوادعليه‌السلام بنفسه على ذلك، إذ خاض ـ وهو في سنّه المبكّر ـ في مختلف العلوم، وسأله العلماء والفقهاء عن أعقد المسائل الشرعية والعلمية فأجاب عنها بكل إحاطة ودقة مما أدى ذلك إلى انتشار مذهب أهل البيتعليهم‌السلام وتزايد الإقبال عليه في ذلك العصر وذهب كثير من العلماء إلى القول بالإمامة(٣) .

وقبل أن نشير إلى شيء من علمهعليه‌السلام لابد أن نشير إلى مصادر هذا العلم الربّاني الذي امتاز به أهل البيتعليهم‌السلام .

١ ـ روى المسعودي عن عبد الرحمن بن محمد عن كلثم بن عمران أنه قال: قلت للرضاعليه‌السلام : أنت تحبّ الصبيان فادع الله أن يرزقك ولداً. فقال:(إنّما أُرزق ولداً واحداً وهو يرثني) . فلما ولد أبو جعفر كان طول ليلته يناغيه في مهده، فلمّا طال ذلك على عدّة ليال، قلت: جُعلت فداك قد ولد للناس أولاد قبل هذا فكل هذا

ـــــــــ

(١) يوسف (١٢): ١٠٨.

(٢) أصول الكافي: ١ / ٣١٥.

(٣) حياة الإمام الجواد عليه‌السلام : ٦٦.


تعوّذه! فقال:(وَيْحَك! ليس هذا عوذة ! إنّما أغرّه بالعلم غرّاً) (١) .

٢ ـ وقد لاحظنا فيما سبق ما ورد من نصوص تاريخية تشهد بتكلمّه وهو في المهد إلى جانب نصوص أخرى تشير إلى أنه قد أُوتي الحكم صبيّاً(٢) .

٣ ـ وجاء أيضاً عن الإمام محمّد الجواد أبي جعفر الثانيعليه‌السلام ، أنه قال:(قال أبو جعفر الباقر عليه‌السلام : إن الأوصياء محدّثون يحدّثهم روح القدس ولا يرونه) (٣) .

وروي أيضاً أنه جيء بأبي جعفر الجوادعليه‌السلام إلى مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد استشهاد أبيهعليه‌السلام وهو طفل، وجاء إلى المنبر ورقى منه درجة، ثم نطق فقال:(أنا محمد بن علي الرضا، أنا الجواد، أنا العالم بأنساب الناس في الأصلاب، أنا أعلم بسرائركم وظواهركم، وما أنتم صائرون إليه، عِلمٌ منحنا به من قبل خالق الخلق أجمعين، وبعد فناء السماوات والأرضين، ولو لا تظاهر أهل الباطل، ودولة أهل الضلال، ووثوب أهل الشكّ، لقلت قولاً تعجّب منه الأوّلون والآخرون) .

ثم وضع يده الشريفة على فيه، وقال:(يا محمد اصمت كما صمت آباؤك من قبل) (٤) .

ومن هنا ينبغي أن نعرض بإيجاز إلى بعض ما أُثر عنه من العلوم:

١ ـ التوحيد:

أثيرت في عصر الإمام الجوادعليه‌السلام كثير من الشكوك والأوهام حول قضايا التوحيد وقد أثارها من لا حريجة له في الدين من الحاقدين على الإسلام لزعزعة

ـــــــــ

(١) إثبات الوصية: ٢١٠.

(٢) راجع فقرتي (أ) و (ب) من هذا الفصل.

(٣) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ١٥٩.

(٤) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ١٥٩.


العقيدة في نفوس المسلمين، ولتشكيكهم في مبادئ دينهم العظيم، وقد أجاب الإمامعليه‌السلام عن تلك الشبهات وفنّدها خير تفنيد، وكان من بينها ما يلي:

١ ـ قال الراوي: (سألت أبا جعفر عن التوحيد فقلتُ: أتوهّم شيئاً. فقال:(نعم، غير معقول ولا محدود، فما وقع وهمك عليه من شيء فهو خلافه، لا يشبهه شيء ولا تدركه الأوهام، كيف تدركه الأوهام وهو خلاف ما يُعقل وخلاف ما يُتصور في الأوهام ؟ إنّما يُتوهم شيء غير معقول ولا محدود) (١) .

٢ ـ وقال الراوي: (سئل أبو جعفر الثانيعليه‌السلام : يجوز أن يقال لله إنه شيء؟ قال:نعم ، يُخرجه من الحدَّين ، حدّ التعطيل وحد التشبيه )(٢) .

٣ ـ قال الراوي: (سألت أبا جعفر محمد بن علي الثانيعليه‌السلام : ما معنى الواحد ؟ فقال:المجتمع عليه بجميع الألسن بالوحدانية )(٣) .

٢ ـ تفسير القرآن الكريم وتأويله:

وردت عن الإمام الجوادعليه‌السلام نصوص كثيرة في تفسير وتأويل بعض آيات القرآن الكريم.

فمنها ما ورد عنهعليه‌السلام في تفسير الآيتين المباركتين: ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ... ) إلى قوله تعالى:( ... وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِير ) (٤) .

إذ قالعليه‌السلام : ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ) بأن نرفع حكمها .

ـــــــــ

(١) أصول الكافي: ١ / ٦٤.

(٢) أصول الكافي: ١ / ٦٤.

(٣) التوحيد للصدوق: ٨٢.

(٤) البقرة (٢): ١٠٦ ـ ١٠٧.


  ( أَوْ نُنْسِهَا ) بأن نرفع رسمها ونزيل عن القلوب حفظها، وعن قلبك يا محمد كما قال الله تعالى : ( سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ... ) (١) أن ينسيك، فرفع ذكره عن قلبك.

( نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا ) يعني: بخير لكم.

فهذه الثانية أعظم لثوابكم، وأجلّ لصلاحكم من الآية الأولى المنسوخة، أو مثلها من الصلاح لكم، أي إنّا لا ننسخ ولا نبدّل إلاّ وغرضنا في ذلك مصالحكم.

ثم قال:يا محمد ( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ، فانه قدير يقدر على النسخ وغيره. ألم تعلم ـ يا محمد ـ أن الله له ملك السماوات والأرض وهو العالم بتدبيرها ومصالحها فهو يدبّركم بعلمه ( وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ ) يلي صلاحكم إذ كان العالم بالمصالح هو الله عَزَّ وجَلَّ دون غيره ولا نصير وما لكم من ناصر ينصركم من مكروه إن أراد الله إنزاله بكم، أو عقاب إن أراد إحلاله بكم) (٢) .

إنّ منهج الاستهداء بالقرآن نفسه لتفسير آياته الكريمة واضح جدّاً في هذا النص.

وفي مجال تأويله لقوله تعالى:( أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (٣) . فقد جاء عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني أنّه قال: (قلت لمحمد بن علي بن موسىعليه‌السلام : إني لأرجو أن تكون القائم من أهل بيت محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً. فقالعليه‌السلام :يا أبا القاسم: ما منّا إلاّ وهو قائم بأمر الله عَزَّ وجَلَّ، وهادٍ إلى دين الله،

ـــــــــ

(١) الأعلى (٨٧): ٦ ـ ٧.

(٢) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ١٦٤.

(٣) البقرة (٢): ١٤٨.


ولكن القائم الذي يطهّر الله عَزَّ وجَلَّ به الأرض من أهل الكفر والجحود، ويملأها عدلاً وقسطاً هو الذي تخفى على الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصه، ويحرم عليهم تسميته وهو سميُّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكنيّه، وهو الذي تطوى له الأرض، ويذلّ له كل صعب (و )يجتمع إليه من أصحابه عدّة أهل بدر ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلاً، من أقاصي الأرض، وذلك قول الله عَزَّ وجَلَّ: ( أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) . فإذا اجتمعت له هذه العدّة من أهل الإخلاص أظهر الله أمره، فإذا كمل له العقد وهو عشرة آلاف رجل خرج بإذن الله عَزَّ وجَلَّ، فلا يزال يقتل أعداء الله حتى يرضى الله عَزَّ وجَلَّ . قال عبد العظيم: فقلت له: يا سيدي وكيف يعلمُ أن الله عَزَّ وجَلَّ قد رضي ؟ قال:يلقي في قلبه الرحمة، فإذا دخل المدينة أخرج اللات والعزى فأحرقهما )(١) .

٣ ـ الحديث:

روى الإمام الجوادعليه‌السلام طائفة من الأحاديث بسنده عن جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وروى أيضاً عن جدّه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام وعن آبائهعليهم‌السلام وفيما يلي مختارات من ذلك التراث الذي يكشف بثّه من قِبَل الإمامعليه‌السلام عن اهتمامه بنشر حديث الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وآبائه الميامين:

١ ـ روىعليه‌السلام بسنده أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال:(إنّ فاطمة أحصنت فرجها فحرّمها الله وذريّتها على النار) (٢) .

٢ ـ روىعليه‌السلام إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال:(المرء مخبوء تحت لسانه) (٣) .

٣ ـ وقالعليه‌السلام : (قام إلى أمير المؤمنين رجل بالبصرة، فقال: أخبرنا عن

ـــــــــ

(١) كمال الدين وتمام النعمة، للصدوق القمي: ٣٧٧ ـ ٣٧٨.

(٢) حياة الإمام محمد الجواد عليه‌السلام : ٧٩ ـ ٨٠.

(٣) حياة الإمام محمد الجواد عليه‌السلام : ٨٠، عن بحار الأنوار: ١٢/١٠١.


الإخوان ؟ فقال:الإخوان صنفان: إخوان الثقة، وإخوان المكاشرة. فأمّا إخوان الثقة ، فهم كالكفّ والجناح والأهل والمال، فإذا كنت من أخيك على ثقة فابذل له مالك ويدك وصاف من صافه وعاد من عاداه واكتم سرّه وأعنه واظهر منه الحسن، واعلم أيها السائل أنهم أعزّ من الكبريت الأحمر. وأما إخوان المكاشرة ، فإنك تصيب منهم لذتك، فلا تقطعن ذلك منهم، ولا تطلبن ما وراء ذلك من ضميرهم، وابذل لهم ما بذلوا لك من طلاقة الوجه وحلاوة اللسان) (١) .

٤ ـ روىعليه‌السلام عن الإمام الصادقعليه‌السلام لما سئل عن الزاهد في الدنيا، قوله:(الذي يترك حلالها مخافة حسابه، ويترك حرامها مخافة عقابه) (٢) .

٥ ـ وروىعليه‌السلام عن الإمام الصادقعليه‌السلام عندما قيل له صف لنا الموت، قولهعليه‌السلام :(للمؤمن كأطيب ريح يشمه فينعس لطيبه، وينقطع التعب والألم كله عنه، وللكافر كلسع الأفاعي ولدغ العقارب أو أشد) (٣) .

٦ ـ وقالعليه‌السلام : مرض رجل من أصحاب الرضاعليه‌السلام فعاده، فقال:كيف تجدك ؟ قال: لقيت الموت بعدك. يريد به ما لقيه من شدة مرضه. فقالعليه‌السلام :كيف لقيته ؟ قال: شديداً أليماً. قال:ما لقيته إنما لقيت ما يبدؤك به ويعرفك بعض حاله، إنما الناس رجلان: مستريح بالموت، ومُستراح منه به، فجدّد الإيمان بالله وبالولاية تكن مستريحاً (٤) .

ـــــــــ

(١) حياة الإمام محمد الجواد عليه‌السلام : ٨١، عن وسائل الشيعة: ٨/٥٨.

(٢) الإمام محمد بن علي الجواد عليه‌السلام ، عبد الزهراء عثمان محمد: ١٠٦ عن معاني الأخبار: ٢٨٧.

(٣) الإمام محمد بن علي الجواد عليه‌السلام ، عبد الزهراء عثمان محمد: ١٠٦ عن معاني الأخبار: ٢٨٧.

(٤) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٢٨٦.


٤ ـ نماذج من فقههعليه‌السلام :

تشكّل الأحاديث التي تُروى عن الإمام أبي جعفر الجوادعليه‌السلام مصدراً خصباً لاستنباط الأحكام الشرعية لدى فقهاء الشيعة الإمامية، لأنها تعبّر عن سنة المعصومين وسنّة المعصوم هي قوله وفعله وتقريره.

وقد أُثرت عنهعليه‌السلام طائفة كبيرة من الأخبار التي دوّنت في موسوعات الفقه والحديث وقد شملت معظم أبواب الفقه نذكر بعض النماذج منها:

الصلاة:

١ ـ قال الراوي: كتبت إلى أبي جعفر الثانيعليه‌السلام (في السنجاب والفنك والخزّ، وقلت: جعلت فداك، أحبّ أن لا تجيبني بالتقيّة في ذلك فكتب بخطّه إلي:صلّ فيها )(١) .

واستدل الفقهاء بهذا الخبر ونحوه مما ورد في هذا الموضوع على جواز الصلاة في جلود هذه الحيوانات.

٢ ـ قال الراوي: رأيت أبا جعفرعليه‌السلام صلّى حين زالت الشمس يوم التروية ست ركعات خلف المقام، وعليه نعلاه لم ينزعهما(٢) .

واستدل الفقهاء بهذه الرواية على جواز الصلاة بالنعل الطاهرة المتخذة من الذبيحة المذكّاة.

ـــــــــ

(١) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٢٨٦. الفنك: حيوان صغير من فصيلة الكلبيات، شبيه بالثعلب، لكن أذنيه كبيرتان، لا يتجاوز طوله أربعين سنتيمتراً بما فيه الذنب، فَرْوته من أحسن الفِراء.

والسمور: حيوان برّي من فصيلة السموريات ورتبة اللواحم، يشبه ابن عرس وأكبر منه، لونه أحمر مائل إلى السواد، تتخذ من جلده فراء ثمينة.

(٢) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٣٨٩.


الزكاة:

وردت عن الإمام الجوادعليه‌السلام عدة أخبار في فروع الزكاة كان من بينها ما يأتي: استدل الفقهاء على جواز إخراج القيمة دون العين فيما تجب فيه الزكاة بما جاء عنهعليه‌السلام في جوابه عن السؤال: (هل يجوز أن أخرج عمّا يجب في الحرث من الحنطة والشعير، وما يجب على الذهب دراهم بقيمة ما يسوي ؟ أم لا يجوز إلاّ أن يخرج من كل شيء ما فيه ؟ فأجابعليه‌السلام :أيّما تيسّر يخرج )(١) .

الحج:

واستند الفقهاء في فتاواهم في بعض فروع الحج ومسائله إلى ما أُثر عن الإمام الجوادعليه‌السلام فيها، وفيما يأتي بعض ذلك:

١ ـ استند الفقهاء في استحباب الحج للصبي بما جاء في الرواية التالية: قال الراوي: (سألت أبا جعفر الثانيعليه‌السلام عن الصبي متى يحرم به ؟ قال:إذا أثغر )(٢) .

٢ ـ واتفق فقهاء الإمامية على أنّ حجّ التمتع أفضل أنواع الحج لمن أراد أن يحج حجاً مندوباً، وقد استندوا في ذلك إلى ما ورد عن الإمام الجوادعليه‌السلام وغيره من أئمة العترة الطاهرةعليهم‌السلام ، حيث قال الراوي: (كان أبو جعفرعليه‌السلام يقول:المتمتع بالعمرة إلى الحج أفضل من المفرد السائق للهدي . وكان يقول:ليس يدخل الحاجّ بشيء أفضل من المتعة (٣) .

ـــــــــ

(١) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣/٤١١.

(٢) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣/٤٢٦.

(٣) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٤٣٠.


٥ ـ فلسفة التشريع وعلل الأحكام:

وكشف الإمام محمد الجوادعليه‌السلام النقاب عن بعض العلل في تشريع بعض الأحكام الشرعيّة، وكان من بينها:

ما سأله محمد بن سليمان عن العلة في جعل عدّة المطلّقة ثلاث حيض أو ثلاثة أشهر، وصارت عدة المتوفّى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً ؟ فأجابه الإمامعليه‌السلام عن ذلك:

(أمّا عدّة المطلّقة ثلاثة قروء فلاستبراء الرحم من الولد، وأما عدّة المتوفى عنها زوجها فإن الله تعالى شرط للنساء شرطاً، وشرط عليهن شرطاً فلم يجابهن فيما شرط لهن، ولم يجر فيما اشترط عليهنّ، أما ما شرط لهن في الإيلاء أربعة أشهر إذ يقول الله عَزَّ وجَلَّ: ( لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ) فلم يجوز لأحد أكثر من أربعة أشهر في الإيلاء لعلمه تبارك اسمه أنه غاية صبر المرأة عن الرجل، وأما ما شرط عليهنّ فإن أمرها أن تعتد إذا مات زوجها أربعة أشهر وعشراً فأخذ منها له عند موته ما أخذ لها منه في حياته عند الإيلاء، قال الله عَزَّ وجَلَّ: ( يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ) ولم يذكر العشرة أيام في العدّة إلاّ مع الأربعة أشهر، وعلم أن غاية المرأة الأربعة أشهر في ترك الجماع فمن ثم أوجبه عليها ولها ...) (١)

د ـ عبادته ونسكه:

كان الإمام الجوادعليه‌السلام أعبد أهل زمانه، وأشدهم حبّاً لله عَزَّ وجَلَّ وخوفاً منه، وأخلصهم في طاعته وعبادته، شأنه شأن الأئمة الطاهرين من آبائهعليهم‌السلام

ـــــــــ

(١) حياة الإمام محمّد الجواد عليه‌السلام : ١٠١.


الذين عملوا كلّ ما يقرّبهم إلى الله زلفى.

ومن مظاهر عبادة الإمام الجوادعليه‌السلام نشير إلى ما يلي:

١ ـ نوافله:

كانعليه‌السلام كثير النوافل، ويقول المؤرخون إنه: كان يصلّي ركعتين يقرأ في كل ركعة سورة الفاتحة، وسورة الإخلاص سبعين مرة(١) . وإنهعليه‌السلام إذا دخل شهر جديد يصلّي أول يوم منه ركعتين يقرأ في أول ركعة (الحمد) مرة، و(قل هو الله أحد) لكل يوم إلى آخره ـ يعني ثلاثين مرة ـ وفي أول الركعة الأخرى (الحمد) و(إنا أنزلناه) مثل ذلك ويتصدق بما يتسهل، يشتري به سلامة ذلك الشهر كله(٢) .

وجاء في الرواية أنه صام أبو جعفر الثانيعليه‌السلام لمّا كان ببغداد يوم النصف من رجب، ويوم سبع وعشرين منه، وصام معه جميع حشمه، وأمرنا أن نصلّي بالصلاة التي هي اثنتى عشرة ركعة:تقرأ في كل ركعة الحمد وسورة، فإذا فرغت قرأت (الحمد) أربعاً، و (قل هو الله أحد) أربعاً، والمعوّذتين أربعاً، وقلت: (لا إله إلاّ الله والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم) أربعاً، (الله الله ربي لا أُشرك به شيئاً) أربعاً، (لا أُشرك بربّي أحداً) أربعا ً(٣) .

ـــــــــ

(١) حياة الإمام محمّد الجواد عليه‌السلام : ٦٧.

(٢) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٢٢٠.

(٣) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٢٢٢.


ـ حجه:

وكان الإمامعليه‌السلام كثير الحج، وقد جاء في الرواية: (رأيت أبا جعفر الثانيعليه‌السلام في سنة خمس عشرة ومائتين ودّع البيت بعد ارتفاع الشمس، وطاف بالبيت يستلم الركن اليماني في كل شوط، فلمّا كان الشوط السابع استلمه واستلم الحجر ومسح بيده ثم مسح وجهه بيده، ثم أتى المقام، فصلّى خلفه ركعتين ثم خرج إلى دبر الكعبة إلى الملتزم، فالتزم البيت، ثم وقف عليه طويلاً يدعو، ثم خرج من باب الحناطين.

قال الراوي: فرأيته في سنة (٢١٩ هـ) ودّع البيت ليلاً، يستلم الركن اليماني والحجر الأسود في كل شوط، فلمّا كان في الشوط السابع التزم البيت في دبر الكعبة قريباً من الركن اليماني وفوق الحجر المستطيل... ثم أتى الحجر فقبّله ومسحه وخرج إلى المقام فصلّى خلفه ثم مضى ولم يعد إلى البيت، وكان وقوفه على الملتزم بقدر ما طاف بعض أصحابنا سبعة أشواط وبعضهم ثمانية)(١) .

٣ ـ أذكار الإمام وأدعيته ومناجاته:

وهنا نورد بعضاً من أذكار الإمام وأدعيته ومناجاته التي كان يناجي بها ربّه الأعلى كأحد مظاهر التسبيح والتمجيد في محراب عبادته لله جلّ جلاله:

من أدعيتهعليه‌السلام في حال القنوت:

(اللهم أنت الأول بلا أولية معدودة، والآخر بلا آخرية محدودة، أنشأتنا لا لعلّة اقتساراً، واخترعتنا لا لحاجة اقتداراً، وابتدعتنا بحكمتك اختياراً، وبلوتنا بأمرك ونهيك اختباراً، وأيدتنا بالآلات، ومنحتنا بالأدوات، وكلّفتنا الطاقة، وجشمتنا الطاعة، فأمرت

ـــــــــ

(١) حياة الإمام محمد الجواد عليه‌السلام : ٦٨.


تخييراً ونهيت تحذيراً، وخوّلت كثيراً، وسألت يسيراً، فعصي أمرك فحلُمت، وجهل قدرك فتكرّمت ...) (١) .

من أدعيته إذا انصرف من الصلاة:

(رضيت بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبالقرآن كتاباً، وبمحمد نبياً، وبعليٍّ ولياً، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، والحجة بن الحسن بن علي، أئمة.

اللهم وليّك الحجة فاحفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته، وامدد له في عمره، واجعله القائم بأمرك، المنتصر لدينك وأره ما يحبّ وتقرّ به عينه في نفسه وفي ذرّيته وأهله وماله وفي شيعته وفي عدوه، وأرهم منه ما يحب وتقرّ به عينه، واشف به صدورنا وصدور قوم مؤمنين) (٢) .

من دعائهعليه‌السلام عند الصباح والمساء لقضاء الحوائج:

قال الراوي: كتبت إلى أبي جعفر الثانيعليه‌السلام أسأله أن يعلّمني دعاء، فكتب إليَّ:(تقول إذا أصبحت وأمسيت: الله الله الله، ربي الرحمن الرحيم، لا أشرك به شيئاً وإن زدت على ذلك فهو خير، ثم تدعو بما بدا لك في حاجتك، فهو لكل شيء بإذن الله تعالى، يفعل الله ما يشاء (٣) .

ـــــــــ

(١) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٢١٢.

(٢) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٢١٤ ـ ٢١٥.

(٣) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٢١٨.


هـ ـ معجزاته وكراماتهعليه‌السلام :

ورغم أنّ الإمام الجوادعليه‌السلام كان معجزة بذاته، حيث تصدى لإمامة المسلمين وهو صبي لم يبلغ السابعة من عمره، فإنّ الله جّل جلاله أجرى على يديه كرامات أخرى في مناسبات عديدة لكي يتم بها الحجة على العباد ويقطع بها ألسنة المعاندين وتطمئن بسببها قلوب الموالين.

وإليك بعض مصاديقها(١) :

١ ـ قال أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري: (دخلت على أبي جعفر الثانيعليه‌السلام ومعي ثلاث رقاع غير معنونة واشتبهت عليّ فاغتممت لذلك، فتناول إحداهنّ وقال:هذه رقعة ريّان بن شبيب ثم تناول الثانية فقال:هذه رقعة محمد بن حمزة وتناول الثالثة، وقال:هذه رقعة فلان فبهتّ، فنظر إليَّ وتبسّمعليه‌السلام .

قال: وأعطاني أبو جعفر ثلاثمئة دينار في صرّة وأمرني أن أحملها إلى بعض بني عمّه، وقال:أما أنه سيقول لك دلّني على حريف يشتري لي بها متاعاً فدلّه عليه .

قال: فأتيته بالدنانير فقال لي:(يا أبا هاشم دلّني على حريف يشتري لي بها متاعاً) . ففعلت.

قال أبو هاشم: وكلّمني جمّال أن أُكلّمه ليدخله في بعض أموره، فدخلت عليه لأكلمه فوجدته يأكل مع جماعة فلم يمكنني كلامه، فقال:يا أبا هاشم: كُل ، ووضع بين يديّ ثم قال ـ ابتداءً منه من غير مسألة ـ:يا غلام ، انظر الجمّال الذي أتانا به أبو هاشم فضمّه إليك ).

ـــــــــ

(١) نقلنا هذه المصاديق عن إعلام الورى بأعلام الهدى: ٩٧ ـ ١٠٠، ومستدرك عوالم العلوم: ٢٣/٢١٨.


٢ ـ قال أبو هاشم: ودخلت معه ذات يوم بستاناً فقلت له: جعلت فداك، إني مولع بأكل الطين، فادع الله لي، فسكت ثم قال لي بعد أيام ابتداءً منه ـ: (يا أبا هاشم، قد أذهب الله عنك أكل الطين) .

قال أبو هاشم: فما شيء أبغض إليَّ منه.

٣ ـ قال علي بن أسباط : خرج عليّ أبو جعفر حدثان موت أبيه فنظرت إلى قدّه لأصف قامته لأصحابنا فقعد، ثم قال:(يا عليّ، إن الله تعالى احتج في الإمامة بمثل ما احتج به في النبوة فقال: ( وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيَّاً ) ) (١) .

٤ ـ قال الراوي: (مضى أبو الحسن الرضاعليه‌السلام ولي عليه أربعة آلاف درهم، لم يكن يعرفها غيري وغيره، فأرسل إليَّ أبو جعفرعليه‌السلام :(إذا كان في غد فائتني) . فأتيته من الغد، فقال لي:مضى أبو الحسن ولك عليه أربعة آلاف درهم ؟ . فقلت: نعم فرفع المصلّى الذي كان تحته، فإذا تحته دنانير فدفعها إليَّ، وكان قيمتها في الوقت أربعة آلاف درهم).

٥ ـ قال الراوي: (كنت بالمدينة، وكنت اختلف إلى أبي جعفرعليه‌السلام وأبو الحسنعليه‌السلام بخراسان، وكان أهل بيته وعمومة أبيه يأتونه ويسلّمون عليه، فدعا يوماً الجارية، فقال:قولي لهم: يتهيأون للمأتم .

فلمّا تفرّقوا قالوا: ألا سألناه مأتم مَن ؟

فلمّا كان من الغد فعل مثل ذلك، فقالوا: مأتم مَن ؟

قال: مأتم خير مَن على ظهرها .

ـــــــــ

(١) مريم (١٩): ١٢.


فأتانا خبر أبي الحسن) الرضاعليه‌السلام (بعد ذلك بأيّام، فإذا هو قد مات في ذلك اليوم).

٦ ـ قال الراوي: كتب إليّ أبو جعفرعليه‌السلام :(احملوا إليَّ الخمس، فإني لستُ آخذه منكم سوى عامي هذا) . فقبضعليه‌السلام في تلك السنة.

و ـ من مكارم أخلاقه الاجتماعية.

لقد كان الإمام الجوادعليه‌السلام شاباً في مقتبل العمر، وكان المأمون يغدق عليه الأموال الوافرة وقد بلغت مليون درهم. وكانت الحقوق الشرعية ترد إليه من الطائفة الشيعية التي كانت تعتقد بإمامته بالإضافة إلى الأوقاف التي كانت في قم وغيرها إلاّ أنّه لم يكن ينفق شيئاً منها في أموره الخاصّة وإنّما كان ينفقها على الفقراء والمعوزين والمحرومين.. وقد رآه الحسين المكاري في بغداد، وكان محاطاً بهالة من التعظيم والتكريم من قِبل الأوساط الرسمية والشعبية فظنّ أن الإمامعليه‌السلام سوف لا يرجع إلى وطنه يثرب بل يقيم في بغداد راتعاً في النعم والترف، وعرف الإمام قصده، فانعطف عليه وقال له:(يا حسين، خبز الشعير، وملح الجريش في حرم جدّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحب إليَّ ممّا تراني فيه ..) (١) .

إنّه لم يكن من طلاب تلك المظاهر التي كانت تضفيها الدولة، وإنّما كان كآبائه الذين طلّقوا الدنيا، واتّجهوا صوب الله تعالى لا يبغون عنه بديلاً.

ـــــــــ

(١) إثبات الهداة: ٦ / ١٨٥.


١ ـ السخاء:

كان الإمام أبو جعفرعليه‌السلام من أندى الناس كفّاً وأكثرهم سخاءً، وقد لُقِّب بالجود لكثرة كرمه ومعروفه وإحسانه إلى النّاس وقد ذكر المؤرّخون قصصاً كثيرة من كرمه.

منها: ما روى المؤرّخون من أنّ أحمد بن حديد قد خرج مع جماعة من أصحابه إلى الحجّ، فهجم عليهم جماعة من السرّاق ونهبوا ما عندهم من أموال ومتاع، ولما انتهوا إلى يثرب انطلق أحمد إلى الإمام محمّد الجواد وأخبره بما جرى عليهم فأمرعليه‌السلام له بكسوة وأعطاه دنانير ليفرقها على جماعته، وكانت بقدر ما نهب منهم(١) .

وبهذا أنقذهم الإمام من المحنة وردّ لهم ما سلب منهم بسخاء وافر.

واشتهر أنّ كرم الإمام ومعروفه قد شمل حتى الحيوانات، فقد روى محمّد بن الوليد الكرماني أنّه قال: أكلت بين يدي أبي جعفر الثانيعليه‌السلام حتى إذا فرغت ورفع الخوان ذهب الغلام ليرفع ما وقع من فتات الطعام فقالعليه‌السلام له:(ما كان في الصحراء فدعه ولو فخذ شاة، وما كان في البيت فتتبعه والقطه) (٢) .

لقد أمرهعليه‌السلام بترك الطعام الذي في الصحراء ليتناوله الطير وسائر الحيوانات التي ليس عندها طعام.

ـــــــــ

(١) الوافي بالوفيات: ٤ / ١٠٥، بحار الأنوار: ١٢ / ١٠٩.

(٢) وسائل الشيعة: ٦ / ٤٩٩.


٢ ـ الإحسان إلى الناس:

أمّا الإحسان إلى الناس والبرّ بهم فإنّه من سجايا الإمام الجواد ومن أبرز صفاته، وقد سجل التاريخ قصصاً كثيرة من إحسانه منها:

ما رواه أحمد بن زكريا الصيدلاني عن رجل من بني حنيفة من أهالي بست وسجستان(١) قال: رافقت أبا جعفر في السنة التي حجّ فيها في أوّل خلافة المعتصم فقلت له: وأنا على المائدة: إنّ والينا ـ جعلت فداك ـ يتولاكم أهل البيت (و) يحبّكم ، وعليَّ في ديوانه خراج، فإن رأيت جعلني الله فداك أن تكتب إليه بالإحسان إليّ، فقالعليه‌السلام :لا أعرفه ، فقلت: جعلت فداك إنّه على ما قلت من محبيّكم أهل البيتعليهم‌السلام ، وكتابك ينفعني واستجاب له الإمام فكتب إليه بعد البسملة:(أمّا بعد: فإنّ موصل كتابي هذا ذكر عنك مذهباً جميلاً، وإنّ ما لك من عملك إلاّ ما أحسنت فيه، فاحسن إلى إخوانك واعلم أنّ الله عَزَّ وجَلَّ سائلك عن مثاقيل الذرة والخردل..) (٢) .

ولما ورد إلى سجستان عرف الوالي وهو الحسين بن عبد الله النيسابوري أن الإمام قد أرسل إليه رسالة فاستقبله من مسافة فرسخين، وأخذ الكتاب فقبّله،

ـــــــــ

(١) قال محمّد بن بحر الرهني: سجستان: إحدى بلدان المشرق، لم تزل لفاحاً على الضيم ممتنعة من الهضم منفردة بمحاسن، متوحَدة بمآثر لم تعرف لغيرها من البلدان، ما في الدنيا سوقة أصحّ منهم معاملة، ولا أقلّ منهم مخاتلة، وأضاف في تعداد مآثرها أنّه لُعن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام على منابر الشرق والغرب، ولم يلعن على منابرها إلاّ مرّة، وامتنعوا على بني أمية حتى زادوا في عهدهم أن لا يلعن على منبرهم أحد.. وأي شرف أعظم من امتناعهم من لعن أخي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على منبرهم، وهو يلعن على منابر الحرمين مكّة والمدينة؟ ـ معجم البلدان: ٣ / ١٩٠ ـ ١٩١.

(٢) بحار الأنوار: ٥٠ / ٨٦.


واعتبر ذلك شرفاً له، وسأله عن حاجته فأخبره بها، فقال له: لا تؤدِّ لي خراجاً ما دام لي عمل، ثمّ سأله عن عياله فأخبره بعددهم فأمر له ولهم بصلة، وظلّ الرجل لا يؤدّي الخراج ما دام الوالي حيّاً، كما إنّه لم يقطع صلته عنه(١) كلّ ذلك ببركة الإمام ولطفه.

٣ ـ المواساة للناس:

وواسى الإمام الجوادعليه‌السلام الناس في البأساء والضرّاء، فقد ذكروا: أنه قد جرت على إبراهيم بن محمّد الهمداني مظلمة من قِبل الوالي، فكتب إلى الإمام الجوادعليه‌السلام يخبره بما جرى عليه، فتألّم الإمام وأجابه بهذه الرسالة:(عجّل الله نصرتك على من ظلمك، وكفاك مؤنته، وابشر بنصر الله عاجلاً إن شاء الله، وبالآخرة آجلاً، وأكثر من حمد الله..) (٢) .

ومن مواساته للناس: تعازيه للمنكوبين والمفجوعين، فقد بعث رسالة إلى رجل قد فجع بفقد ولده، وقد جاء فيها بعد البسملة:(ذكرت مصيبتك بعليّ ابنك، وذكرت أنّه كان أحبّ ولدك إليك، وكذلك الله عَزَّ وجَلَّ إنّما يأخذ من الولد وغيره أزكى ما عند أهله، ليعظم به أجر المصاب بالمصيبة، فأعظم الله أجرك، وأحسن عزاك، وربط على قلبك، إنّه قدير، وعجّل الله عليك بالخلف، وأرجو أن يكون الله قد فعل إن شاء الله...) (٣) .

ـــــــــ

(١) بحار الأنوار: ١٢ / ١٢٩.

(٢) بحار الأنوار: ١٢ / ١٢٦.

(٣) وسائل الشيعة: ٢ / ٨٧٤.


وأعربت هذه الرسالة الرقيقة عن مدى تعاطف الإمام مع الناس، ومواساته لهم في البأساء والضرّاء.

ومن مواساته للناس: أنّ رجلاً من شيعته كتب إليه يشكو ما ألمَّ به من الحزن والأسى لفقد ولده، فأجابه الإمامعليه‌السلام برسالة تعزية جاء فيها:(أما علمت أنّ الله عَزَّ وجَلَّ يختار من مال المؤمن، ومن ولده أنفسَه ليؤجره على ذلك..) (١) .

لقد شارك الناس في البأساء والضرّاء، وواساهم في مصائبهم ومحنهم، ومدَّ يد المعونة إلى فقرائهم وضعفائهم، وبهذا البرّ والإحسان احتلّ القلوب وملك العواطف وأخلص له الناس وأحبّوه كأعظم ما يكون الإخلاص والحبّ .

لقد كان الإمام الجوادعليه‌السلام يمثل أروع صور الفضيلة والكمال في الأرض، فلم ير الناس في عصره من يضارعه في علمه وتقواه وورعه، وشدّة تحرّجه في الدين، فقد كان نسخة لا ثاني لها في فضائله ومآثره التي هي السرّ في إمامته.

لقد أعجبت الأوساط الإسلامية بالإمام الجوادعليه‌السلام لما عرفوا مواهبه، وملكاته العلمية التي لا تحدّ، وهي ممّا زادت الشيعة إيماناً ويقيناً بصحّة ما تذهب إليه وتعتقد به من أنّ الإمام لا بدّ أن يكون أعلم أهل زمانه وأفضلهم واتقاهم(٢) .

ـــــــــ

(١) وسائل الشيعة: ٢ / ٨٩٣.

(٢) راجع حياة الإمام محمد الجوادعليه‌السلام : ٧٠ ـ ٧٥.


الباب الثاني: وفيه فصول:

الفصل الأول: نشأة الإمام محمّد الجوادعليه‌السلام .

الفصل الثاني: مراحل حياة الإمام محمد الجوادعليه‌السلام .

الفصل الثالث: الإمام الجواد في ظل أبيهعليهما‌السلام .

الفصل الأول: نشأة الإمام محمّد الجوادعليه‌السلام

١ ـ نسبه: الإمام محمد الجوادعليه‌السلام من الأسرة النبوية وهي أجلّ وأسمى الأسر التي عرفتها البشرية، فهو ابن الإمام علي الرضا ابن الإمام موسى الكاظم ابن الإمام جعفر الصادق ابن الإمام محمد الباقر ابن الإمام علي السجاد ابن الإمام الحسين سبط رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وابن الإمام علي بن أبي طالبعليهم‌السلام .

٢ ـ أمه: هي من أهل بيت مارية القبطية، نوبيّة مريسية، أمها: سبيكة أو ريحانة أو درّة، وسمّاها الرضاعليه‌السلام خيزران وصفها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنها خيرة الإماء الطيبة. وقال العسكريعليه‌السلام :(خُلقت طاهرة مطهّرة وهي أم ولد تكنّى بأم الجواد، وأم الحسن، وكانت أفضل نساء زمانها) (١) .

٣ ـ ولادته: ولدعليه‌السلام في شهر رمضان من سنة خمس وتسعين ومئة لسبع عشر ليلة مضت من الشهر وقيل: للنصف منه ليلة الجمعة(٢) وكانت ولادته في المدينة. وغمرت الإمام الرضاعليه‌السلام موجات من الفرح والسرور بوليده المبارك،

ـــــــــ

(١) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٢٠.

(٢) إعلام الورى بأعلام الهدى: ٢ / ٩١.


وطفق يقول:(قد ولد لي شبيه موسى بن عمران فالق البحار، وشبيه عيسى بن مريم، قدّست أم ولدته..) (١) .

٤ ـ كنيته: أبو جعفر، وهي كنية جده الباقرعليه‌السلام وللتمييز بينهما يكنّى بأبي جعفر الثاني، وأضاف فيدلائل الإمامة كنية ثانية له هي: أبو علي الخاص، وفسّر المتأخرون هذه العبارة بأنّ له كنية خاصة هي: (أبو علي)، وليست كنيته هي (أبو علي الخاص) كما يبدو للناظر في عبارة دلائل الإمامة.

٥ ـ ألقابه: أمّا ألقابه الكريمة فهي تدل على معالم شخصيته العظيمة وسمو ذاته وهي:

١ ـ الجواد: لُقب به لكثرة ما أسداه من الخير والبر والإحسان إلى الناس.

٢ ـ التقي: لقب به لأنه اتّقى الله وأناب إليه، واعتصم به ولم يستجب لأي داع من دواعي الهوى.

٣ ـ المرتضى.

٤ ـ القانع.

٥ ـ الرضي.

٦ ـ المختار.

٧ ـ باب المراد (٢) .

نقش خاتمه: يدل نقش خاتمهعليه‌السلام على شدة انقطاعهعليه‌السلام إلى الله سبحانه، فقد كان (العزّة لله)(٣) .

ـــــــــ

(١) حياة الإمام محمد الجوادعليه‌السلام : ٢٢.

(٢) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٢٧ ـ ٢٩.

(٣) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٣١.


الفصل الثاني: مراحل حياة الإمام محمد الجوادعليه‌السلام

ولد الإمام محمّد بن علي الجواد عام (١٩٥ هـ) أي في السنة التي بويع فيها للمأمون العباسي، وعاش في ظلّ أبيه الرضاعليه‌السلام حوالي سبع سنين، وعاصر أحداث البيعة بولاية العهد لأبيه الرضاعليه‌السلام وما صاحبها وتلاها من حوادث ومحن حتى تجلّت آخر محن أبيهعليه‌السلام في اغتيال المأمون للرضاعليه‌السلام .

وبقي الإمام محمد الجوادعليه‌السلام بعد حادث استشهاد أبيهعليه‌السلام في منعة من كيد المأمون الذي قتل الإمام الرضاعليه‌السلام وبقي عند الناس متّهماً بذلك. لكنه لم ينج من محاولات التسقيط لشخصيّته ومكانته المرموقة والسامية في القلوب. وقد تحدّى كل تلك المحاولات إعلاءً لمنهج أهل البيتعليهم‌السلام وشيعتهم في عقيدة الإمامة والزعامة وما يترتب عليها من الآثار السياسية والاجتماعية.

وينتهي عهد المأمون العباسي في سنة (٢١٨ هـ) ويتربّع أخوه المعتصم على كرسي الخلافة حتى سنة (٢٢٧ هـ) ولم يسمح للإمام الجوادعليه‌السلام بالتحرّك ويراقب ـ بكل دقّة ـ النشاط الاجتماعي والسياسي للإمامعليه‌السلام ثمّ يغتاله على يد ابنة أخيه المأمون، المعروفة بأم الفضل والتي زوّجها المأمون من الإمام الجوادعليه‌السلام ولم تنجب له من الأولاد شيئاً، وذلك في سنة (٢٢٠ هـ)، وهكذا قضى المعتصم على رمز الخط الهاشمي وعميده، الإمام محمّد التقي أبي جعفر الجوادعليه‌السلام .

إذن تنقسم الحياة القصيرة لهذا الإمام المظلوم إلى قسمين وثلاث مراحل:

القسم الأول: حياته في عهد أبيه ، وهي المرحلة الأولى من حياته القصيرة والمباركة وتبلغ سبع سنوات تقريباً.

و القسم الثاني: حياته بعد استشهاد أبيه حتى شهادته. وتبلغ حوالي سبع عشرة سنة.

وينقسم هذا القسم بدوره إلى مرحلتين متميّزتين:

المرحلة الأولى: حياته في عهد المأمون ، وهي المرحلة الثانية من حياته وتبلغ حوالي خمس عشرة سنة ، وهي أطول مرحلة من مراحل حياته القصيرة.

والمرحلة الثانية: وهي مدة حياته في عهد المعتصم العباسي وتبلغ حوالي سنتين وتمثّل المرحلة الثالثة من حياته الشريفة.


وهكذا تتلخص مراحل حياتهعليه‌السلام كما يلي:

المرحلة الأولى: سبع سنوات وهي حياته في عهد أبيه الرضاعليه‌السلام حيث ولد سنة (١٩٥ هـ) ـ وفي حكم محمد الأمين العبّاسي ـ واستشهد الإمام الرضاعليه‌السلام في صفر من سنة (٢٠٣ هـ).

المرحلة الثانية: خمس عشرة سنة وهي حياته بقية حكم المأمون من سنة (٢٠٣ هـ) إلى سنة (٢١٨هـ).

المرحلة الثالثة: حياته بعد حكم المأمون وقد بلغت حوالي سنتين من أيّام حكم المعتصم أي من سنة (٢١٨ ـ ٢٢٠ هـ).

الفصل الثالث: الإمام الجواد في ظل أبيهعليهما‌السلام

قامت الدولة العباسية ـ في بداية أمرها ـ على الدعوة إلى العلويين خاصة، ثم لأهل البيتعليهم‌السلام ، ثم إلى الرضا من آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكان سرّ نجاحها في ربطها بأهل البيتعليهم‌السلام ، حيث تحكّم العباسيون وتسلّطوا على الأمة بدعوى القربى النسبية من الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ومن هنا فإنّ من الطبيعي، أن يكون الخطر الحقيقي الذي يتهدد العباسيين وخلافتهم، هو من جهة أبناء عمّهم العلويين، الذين كانوا أقوى منهم حجة وأقرب إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منهم نسباً ووشيجة.

فادّعاء العلويين الخلافة له مبرراته الكاملة، ولا سيَّما وأن من بينهم من له الجدارة والأهلية، ويتمتع بأفضل الصفات والمؤهلات لهذا المنصب من العلم والعقل والحكمة وبعد النظر في الدين والسياسة، علاوة على ما كان يكنه الناس لهم من الاحترام والتقدير.

أضف إلى ذلك كله أن رجالات الإسلام وأبطاله، كانوا هم آل أبي طالب (رضوان الله تعالى عليه) ؛ فأبو طالب مربي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكفيله، وعليعليه‌السلام وصيه وظهيره، وكذلك الحسن والحسين وعلي زين العابدين وبقية الائمةعليهم‌السلام .


وقد كان الخلفاء من بني العباس يدركون جيداً مقدار نفوذ العلويين، ويتخوَّفون منه، منذ أيامهم الأولى في السلطة. فمثلاً وضع السفاح من أول عهده الجواسيس على بني الحسن، حيث قال لبعض ثقاته، وقد خرج وفد بني الحسن من عنده: قم بإنزالهم ولا تأل في ألطافهم، وكلما خلوت معهم فأظهر الميل إليهم، والتحامل علينا وعلى ناحيتنا وأنهم أحق بالأمر منّا، واحص لي ما يقولون وما يكون منهم في مسيرهم ومَقدمهم)(١) .

أجل لقد أدرك العباسيون أن الخطر الحقيقي الذي يتهدّدهم إنّما هو من قبل العلويين وعليه كان عليهم أن يتحركوا لمواجهة الخطر المحدق بهم بكل وسيلة، وبأي أسلوب كان، سيَّما وهم يشهدون عن كثب سرعة استجابة الناس للعلويين، وتأييدهم ومساندتهم لكل دعوة من قبلهم.

سياسة العباسيين مع الرعية:

لا نريد أن نعرض لأنواع الظلامات التي كان العباسيون يمارسونها، فإن ذلك مما لا يمكن الإلمام به ولا استقصاؤه في هذه العجالة.

وإنما نريد فقط أن نعطي لمحة سريعة عن سيرتهم السيئة في الناس، ومدى اضطهادهم وظلمهم لهم، وجورهم عليهم، الأمر الذي أسهم إسهاماً كبيراً في كشف حقيقتهم أمام الملأ، حتى لقد قال أبو عطاء السندي المتوفّى سنة (١٨٠ هـ):

يا ليت جور بني مروان دام لنا

وليت عدل بني العباس في النار(٢)

ـــــــــ

(١) الحياة السياسية للإمام الرضاعليه‌السلام : ٦٦.

(٢) الحياة السياسية للإمام الرضاعليه‌السلام : ١٠٨.


إنّ المثل الأعلى للعدالة والمساواة الذي انتظره الناس من العباسيين، قد أصبح وهماً من الأوهام، فشراسة المنصور والرشيد وجشعهم، وجور أولاد علي بن عيسى وعبثهم بأموال المسلمين، يذكّرنا بالحجّاج وهشام ويوسف بن عمرو الثقفي، ولقد عمّ الاستياء أفراد الشعب بعد أن استفتح أبو عبد الله المعروف بـ (السفّاح) وكذلك (المنصور)، بالإسراف في سفك الدماء، على نحو لم يعرف من قبل(١) .

ويقول المؤرخون أيضاً عن أبي العباس السفاح أنّه كان سريعاً إلى سفك الدماء، فاتبعه عمّاله في ذلك، في المشرق والمغرب، واستنوا بسيرته، مثل: محمد بن الأشعث بالمغرب، وصالح بن علي بمصر، وخازم بن خزيمة، وحميد بن قحطبة، وغيرهم..(٢) .

لقد كان أبو جعفر المنصور يعلق الناس من أرجلهم حتى يؤدّوا ما عليهم..(٣) . ووصفه آخرون بأنه كان غادراً خدّاعاً، لا يتردد البتة في سفك الدماء... كان سادراً في بطشه، مستهتراً في فتكه، وتُعتبر معاملته لأولاد عليّ من أسوأ صفحات التاريخ العباسي(٤) .

وأما الهادي فقد كان يتناول المسكر ويحب اللهو والطرب وكان ذا ظلم وجبروت. وكان سيئ الأخلاق، قاسي القلب، جبّاراً، يتناول المسكر، ويلعب(٥) .

ـــــــــ

(١) الحياة السياسية للإمام الرضاعليه‌السلام : ١٠٨ ـ ١٠٩.

(٢) مروج الذهب: ٣/٢٢٢.

(٣) المحاسن والمساوئ: ٣٣٩.

(٤) مختصر تاريخ العرب و التمدن الإسلامي: ١٨٤.

(٥) تاريخ الخميس: ٢ / ٣٣١.


وأما الرشيد، فيكفيه أنه ـ كما ينص المؤرخون ـ يشبه المنصور في كل شيء إلاّ في بذل المال حيث يقولون إن المنصور كان بخيلاً.

وهكذا لم يكن بقية الخلفاء العباسيين أفضل من الذين أشرنا إليهم، ولا كانت أيامهم بدعاً من تلك الأيام.

ولعل الكلمة التي تجمع صفات بني العباس الخلقيّة، هي الكلمة التي كتبها المأمون، وهو في مرو في رسالة منه للعباسيين، بني أبيه في بغداد، والمأمون هو من أهل ذلك البيت، الذين هم أدرى من غيرهم بما فيه، لأنهم عاشوا في خضمّ الأحداث، وشاهدوا كل شيء عن كثب، يقول المأمون في تلك الرسالة: (... وليس منكم إلاّ لاعب بنفسه، مأفون في عقله وتدبيره، إما مغنّ، أو ضارب دفّ، أو زامر، والله لو أن بني أمية الذين قتلتموهم بالأمس نُشِروا، فقيل لهم: لا تأنفوا من معائب تنالوهم بها، لما زادوا على ما صيّرتموه لكم شعاراً ودثاراً، وصناعة وأخلاقاً. ليس منكم إلاّ من إذا مسّه الشر جزع، وإذا مسّه الخير منع. ولا تأنفون، ولا ترجعون إلاّ خشية، وكيف يأنف من يبيت مركوباً، ويصبح بإثمه معجباً كأنه قد اكتسب حمداً، غايته بطنه وفرجه، لا يبالي أن ينال شهوته بقتل ألف نبي مرسل، أو ملك مقرب، أحب الناس إليه مَن زيّن له معصية، أو أعانه في فاحشة، تنظفه المخمورة..)(١) .

ـــــــــ

(١) الحياة السياسية للإمام الرضاعليه‌السلام : ٤٦٣ ـ ٤٦٤.


الحالة السياسية في هذه المرحلة:

لا يمكن من الناحية التاريخية أن يفصل دور أي إمام من أئمة أهل البيتعليهم‌السلام عن دور مَن سبقه من الائمة أو دَور مَن يليه منهم، بالنظر إلى تنوع الأدوار والأعمال والمهمّات التي ينهضون بها مع اتحاد الهدف والغاية والمقصد.

كما إن من العناصر المهمّة في فهم دور الإمام الجوادعليه‌السلام في تحريك الأوضاع في الاتجاه الذي يخدم المصالح العليا للإسلام والمسلمين، إلمامنا بالخطوط العامة للوضع السياسي في مرحلتي تصديه للقيادة بعد شهادة أبيه الإمام الرضاعليه‌السلام وقبل التصدي عندما كان في ظل أبيهعليه‌السلام وقد عاصر الإمام في هاتين المرحلتين خليفتين متميّزين بأسلوب الحكم وإن اشتركا بغصبهما لمنصب القيادة الشرعية والكيد لها وكانت إمامة الجوادعليه‌السلام واقعة في ملك ولدَي هارون الرشيد المأمون والمعتصم. وقبل تصديه للإمامة كان قد عاصر الأمين والمأمون معاً.

ولأجل أن نقف على أهم ملامح المرحلة الأولى من حياة هذا الإمام العظيم فلابد لنا أن نقف على أهم الأحداث السياسية لهذه المرحلة ونلمّ بأهم أسبابها وما خلّفته من آثار سلبية اجتماعية ودينية واقتصادية على الأمة الإسلامية عامة وعلى الدولة الإسلامية بشكل خاص.

ومن هنا لزم الوقوف عند ما يلي:

١ ـ الفتنة بين الأمين والمأمون.

٢ ـ الأمين ونزعاته واتجاهاته وسياسته.

٣ ـ المأمون ونزعاته واتجاهاته وسياسته.

إن الفتنة بين محمد الأمين وعبد الله المأمون ولدَي هارون الرشيد تعتبر أهمّ حدث سياسي قد وقع في هذه الرحلة التي نتكلم عن ملامحها، وقد عُبّر عنها بالفتنة الكبرى التي أدّت إلى إشعال نار الحرب بينهما وكلّفت المسلمين ثمناً باهضاً بذلوه من دماء وأموال وطاقات في سبيل استقرار الملك والسلطان لكل منهما.

وللوقوف على أسباب هذه الفتنة لابد أن نقف على شخصية كل واحد من هذين الأخوين بالإضافة إلى ما قام به الرشيد شخصياً لزرع بذور هذه الفتنة حيث عهد لأبنائه الثلاثة: الأمين ثم المأمون ثم المؤتمن وبذلك قد مهّد لهم سبيل التنافس على المُلك مع ما منحهم من إمكانيات وقدرات مادّية يتنافسون بسببها ويأمل كل منهم حذف من سواه، وسوق منصب الخلافة لأبنائه دون إخوته.


محمّد الأمين: نزعاته وسياسته

لم تكن في الأمين أيّة صفة كريمة يستحق بها هذا المنصب الخطير في الإسلام، فقد أجمع المترجمون له على أنّه لم يتّصف بأيّة نزعة شريفة، وإنما قلّده الرشيد منصب الخلافة نظراً لتأثير زوجته السيدة زبيدة عليه وفيما يلي بعض صفاته:

١ ـ كراهيته للعلم: كان الأمين ينفر من العلم، ويحتقر العلماء، وكان أُمّياً لا يقرأ ولا يكتب(١) وإذا كان بهذه الصفة كيف قلّده الرشيد الخلافة الإسلامية؟

٢ ـ ضعف الرأي: وكان الأمين ضعيف الرأي، وقد أعطي المُلك العريض ولم يحسن سياسته، وقد وصفه المسعودي بقوله: كان قبيح السيرة ضعيف الرأي

ـــــــــ

(١) السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي: ١ / ١٦.


يركب هواه، ويهمل أمره، ويتّكل في جليلات الخطوب على غيره، ويثق بمن لا ينصحه (١) .

ووصفه الكتبي بقوله: وكان قد هانَ عليه القبيح فاتّبع هواه، ولم ينظر في شيء من عقباه. وكان من أبخل الناس على الطعام، وكان لا يبالي أين قعد، ولا مع من شرب(٢) .

وممّا لا شبهة فيه أنّ أصالة الفكر والرأي من أهم الشروط التي يجب أن تتوفر فيمن يلي أمور المسلمين.

٣ ـ احتجابه عن الرعيّة: واحتجب الأمين عن الرعية كما احتجب عن أهل بيته وأمرائه وعمّاله واستخفّ بهم(٣) وانصرف إلى اللهو والطرب، وقد عهد إلى الفضل بن الربيع أمور دولته، فجعل يتصرف فيها حسب رغباته وميوله، وقد خفّ إلى الأمين إسماعيل بن صبيح، وكان أثيراً عنده، فقال له: يا أمير المؤمنين أنّ قوّادك وجُندك وعامة رعيتك، قد خبثت نفوسهم، وساءت ظنونهم وكبر عندهم ما يرون من احتجابك عنهم، فلو جلست لهم ساعة من نهار فدخلوا عليك فإنّ في ذلك تسكيناً لهم، ومراجعة لآمالهم.

واستجاب له الأمين فجلس في بلاطه ودخل عليه الشعراء فأنشدوه قصائدهم، ثمّ انصرف فركب الحرّاقة إلى الشماسية، واصطفّت له الخيل وعليها الرجال، وقد اصطفّوا على ضفاف دجلة، وحملت معه المطابخ والخزائن. أمّا الحرّاقة التي ركبها فكانت سفينة على مثال أسد وما رأى الناس منظراً كان أبهى من ذلك المنظر.

لقد كان الأمين إنساناً تافهاً قد اتجه إلى ملذّاته وشهواته ولم يُعنَ بأيّ شأن من شؤون الدولة الإسلامية.

ـــــــــ

(١) التنبيه والأشراف: ٣٠٢.

(٢) عيون التواريخ: ٣، ورقة: ٢١٢.

(٣) سمط النجوم: ٣ / ٣٠٦.


٤ ـ خلعه للمأمون: وتقلّد الأمين الخلافة يوم توفّي الرشيد، وقد ورد عليه خاتم الخلافة والبردة والقضيب التي يتسلّمها كلّ من يتقلّد الخلافة من ملوك العباسيين وحينما استقرت له الأُمور خلع أخاه المأمون، وجعل العهد لولده موسى وهو طفل صغير في المهد وسمّاه الناطق بالحق، وأرسل إلى الكعبة من جاءه بكتاب العهد الذي علّقه فيها الرشيد، وقد جعل فيه ولاية العهد للمأمون بعد الأمين، وحينما أتى به مزّقه.

الحروب الطاحنة:

وبعد ما خلع الأمين أخاه المأمون عن ولاية العهد، وأبلغه ذلك رسمياً ندب إلى حربه علي بن عيسى، ودفع إليه قيداً من ذهب، وقال له: أوثق المأمون، ولا تقتله حتى تقدم به إلَيَّ وأعطاه مليوني دينار سوى الأثاث والكراع، ولمّا علم المأمون ذلك سمّى نفسه أمير المؤمنين، وقطع عنه الخراج، وألغى اسمه من الطراز والدراهم والدنانير، وأعلن الخروج عن طاعته، وندب طاهر بن الحسين، وهرثمة بن أعين إلى حربه، والتقى الجيشان بالري، وقد التحما في معركة رهيبة جرت فيها أنهار من الدماء وأخيراً انتصر جيش المأمون على جيش الأمين، وقتل القائد العام للقوات المسلحة في جيش الأمين، وانتهبت جميع أمتعته وأسلحته، وكتب طاهر بن الحسين إلى الفضل بن سهل وزير المأمون يخبره بهذا الانتصار الباهر وقد جاء في رسالته: (كتبت إليك، ورأس علي بن عيسى في حجري، وخاتمه في يدي والحمد لله ربّ العالمين) ودخل الفضل على المأمون فسلّم عليه بالخلافة، وأخبره بالأمر، وأيقن المأمون بالنصر فبعث إلى طاهر القائد العام في جيشه بالهدايا والأموال، وشكره شكراً جزيلاً على ذلك، وقد سمّاه ذا اليمينين، وصاحب خيل اليدين، وأمره بالتوجه إلى احتلال العراق والقضاء على أخيه الأمين.


وخفّت جيوش المأمون إلى احتلال بغداد بقيادة طاهر بن الحسين، فحاصرت بغداد، وقد دام الحصار مدة طويلة تخرّبت فيها معالم الحضارة في بغداد، وعمّ الفقر والبؤس جميع سكانها وكثر العابثون، والشذّاذ فقاموا باغتيال الأبرياء، ونهبوا الأموال وطاردوا النساء حتى تهيأت جماعة من خيار الناس تحت قيادة رجل يقال له سهل بن سلامة فمنعوا العابثين وتصدوا لهم بقوة السلاح حتى أخرجوهم من بغداد(١) .

وقد زحفت جيوش المأمون إلى قصر الأمين وطوّقته وألحقت الهزائم بجيشه، فلم تتمكّن قوّات الأمين من الصمود أمام جيش المأمون الذي كان يتمتّع بروح معنوية عالية بالإضافة إلى ما كان يملكه من العتاد والسلاح.

قتل الأمين:

وكان الأمين في تلك المحنة مشغولاً بلهوه، إذ كان يصطاد سمكاً مع جماعة من الخدم وكان فيهم (كوثر) الذي كان مغرماً به فكان يوافيه الأنباء بهزيمة جنوده، ومحاصرة قصره فلم يعن بذلك، وكان يقول: اصطاد كوثر ثلاث سمكات وما اصطدت إلاّ سمكتين!! وهجمت عليه طلائع جيش المأمون فأجهزت عليه، وحمل رأسه إلى طاهر بن الحسين فنصبه على رمح وتلا قوله تعالى:( اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ) (٢) .

ـــــــــ

(١) اتّجاهات الشعر العربي: ٧٣.

(٢) عيون التواريخ: ٣، ورقة: ٢١١ / حياة الإمام محمد الجواد عليه‌السلام : ١٩٣ ـ ١٩٧.


خلافة إبراهيم الخليع:

سمّي إبراهيم بالخليع لأنه لم يترك لوناً من ألوان المجون إلاّ ارتكبه، وكان مدمناً على الخمر في أكثر أوقاته، وقد نصّبه العبّاسيون خليفة عليهم، وذلك لحقدهم على المأمون وكراهيّتهم له، وقد بايعه الغوغاء، وأهل الطرب من الناس، ومن الطريف أنّ الغوغاء أرادوا منه المال فجعل يسوّفهم، وطال عليهم الأمر فأحاطوا بقصره فخرج إليهم رسوله فأخبرهم أنّه لا مال عنده، فقام بعض ظرفاء بغداد فنادى: (أخرجوا إلينا خليفتنا ليغنّي لأهل هذا الجانب ثلاثة أصوات، ولأهل هذا الجانب ثلاثة أصوات فتكون عطاءً لهم...)(١) .

وزحف المأمون بجيوشه نحو بغداد للقضاء على تمرّد إبراهيم، فلمّا علم ذلك هرب، وهرب من كان يعتمد على نصرته، وظلّ إبراهيم مختفياً في بغداد يطارده الرعب والخوف، وقد ظفر به المأمون فعفا عنه لأنّه لم يكن له أي وزن سياسي حتى يخشى منه.

ثورة أبي السرايا:

من أعظم الثورات الشعبية التي حدثت في عصر الإمام أبي جعفرعليه‌السلام ثورة أبي السرايا التي استهدفت القضايا المصيرية لجميع الشعوب الإسلامية، فقد رفعت شعار الدعوة إلى (الرضا من آل محمّدعليه‌السلام ) الذين كانوا هم الأمل الكبير للمضطهدين والمحرومين، وكادت أن تعصف هذه الثورة بالدولة العبّاسية، فقد استجاب لها معظم الأقطار الإسلامية، فقد كان قائدها الملهم أبو السرايا ممّن هذّبته الأيام، وحنّكته التجارب، وقام على تكوينه عقل كبير، فقد استطاع

ـــــــــ

(١) حياة الإمام محمّد الجوادعليه‌السلام : ١٩٨.


بمهارته أن يجلب الكثير من أبناء الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام ويجعلهم قادة في جيشه، ممّا أوجب اندفاع الجماهير بحماس بالغ إلى تأييد ثورته والانضمام إليها إلاّ أنّ المأمون قد استطاع بمهارة سياسية فائقة أن يقضي على هذه الحركة، ويقبرها في مهدها، فقد جلب الإمام الرضاعليه‌السلام إلى خراسان، وأرغمه على قبول ولاية العهد، وأظهر للمجتمع الإسلامي أنّه علوي الرأي، فقد رفق بالعلويّين، وأوعز إلى جميع أجهزة حكومته بانتقاص معاوية والحطّ من شأنه، وتفضيل الإمام أمير المؤمنين على جميع صحابة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاعتقد الجمهور أنّه من الشيعة واستطاع بهذا الأسلوب الماكر أن يتغلّب على الأحداث ويخمد نار الثورة(١)

لقد عاش الإمام أبو جعفر محمّد الجوادعليه‌السلام معظم حياته في عهد المأمون، ولم يلبث بعده إلاّ قليلاً حتى وافاه الأجل المحتوم.. ويرى بعض المؤرّخين أنّ المأمون كان يكنّ له أعظم الودّ وخالص الحبّ، فزوّجه من ابنته أم الفضل، ووفّر له العطاء الجزيل، وكان يحوطه، ويحميه ويخشى عليه عوادي الدهر، ويضنّ به على المكروه، وكان يصرّح أنّه يبغي بذلك الأجر من الله، وصلة الرحم التي قطعها آباؤه، وفيما أحسب أنّ ذلك التكريم لم يكن عن إيمان بالإمام أو إخلاص له، وإنّما كان لدوافع سياسية نعرض لها في المباحث الآتية.

وعلى أيّة حال فلابدّ لنا من وقفة قصيرة لدراسة حياة المأمون، والوقوف على اتّجاهاته الفكرية والعقائدية، والنظر فيما صدر منه من تكريم للإمامعليه‌السلام فإنّ ذلك ممّا يرتبط ارتباطاً موضوعيّاً بالبحث عن حياة الإمام أبي جعفرعليه‌السلام .

ـــــــــ

(١) راجع حياة الإمام محمد الجوادعليه‌السلام : ١٩٨ ـ ١٩٩.


عبد الله المأمون: نزعاته وسياسته

عبد الله المأمون هو أبو العباس بن هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، ولد بالياسرية في ليلة الجمعة منتصف ربيع الأول سنة (١٧٠ هـ) وبويع له بمرو فتوجه إلى بغداد وقدمها وعمره إذ ذاك تسع وعشرون سنة وعشرة أشهر وعشرة أيام.

وأمه أم ولد تسمّى مراجِل.

من أبرز نزعات المأمون وصفاته:

١ ـ الدهاء: لم يعرف العصر العبّاسي من هو أذكى من المأمون، ولا من هو أدرى منه في الشؤون السياسية العامّة ، فقد كان سياسياً من الطراز الأوّل، حتّى استطاع بحدّة ذكائه، وقدراته السياسية أن يتغلّب على كثير من الأحداث الرهيبة التي ألمّت به، وكادت تطوي حياته، وتقضي على سلطانه، فقد استطاع أن يقضي على أخيه الأمين الذي كان يتمتّع بتأييد مكثّف من قِبل الأسرة العبّاسيّة، والسلطات العسكرية، كما استطاع أن يقضي على أعظم حركة عسكرية مضادّة له، تلك ثورة أبي السرايا التي اتّسع نطاقها فشملت الأقاليم الإسلامية حتى سقط بعضها بأيدي الثوار، وكان شعار تلك الثورة الدعوة إلى الرضا من آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فحمل الإمام الرضاعليه‌السلام إلى خراسان، وكانعليه‌السلام زعيم الأسرة العلويّة وعميدها، فأرغمه على قبول ولاية العهد، وعهد إلى جميع أجهزة حكومته بإذاعة فضائله ومآثره، كما ضرب السكّة باسمه، فأوهم بذلك على الثوار والقوى الشعبية المؤيّدة لهم أنّه جادّ فيما فعله، حتى أيقنوا أنّه لا حاجة إلى الثورة وإراقة الدماء بعد أن حصل الإمامعليه‌السلام على ولاية العهد، وقضى بذلك على الثورة، وطوى معالمها، وهذا التخطيط كان من أروع المخطّطات السياسية التي عرفها العالم في جميع مراحل التاريخ.

٢ ـ القسوة: وانعدام الرحمة والرأفة من آفاق نفسه هي صفة أخرى له، والذي يدعم ذلك فهو قتله لأخيه حينما استولت عليه قوّاته العسكرية، ولو كان يملك شيئاً من الرحمة لما قتل أخاه. كما أنّه قابل العلويّين بعد قتله للإمام الرضاعليه‌السلام بمنتهى الشدّة والقسوة، فعهد إلى جلاّديه بقتلهم والتنكيل بهم أينما وجِدوا.


٣ ـ الغدر: فقد بايع للإمام الرضاعليه‌السلام بولاية العهد، وبعد ما تحققت مآربه السياسية دسّ إليه السمّ فقتله ليتخلّص منه.

٤ ـ ميله إلى اللهو: أمّا الميل إلى اللهو فقد أقبل عليه بنهم وفيما يلي بعض ما أثر عنه:

لعبه بالشطرنج:

ولم يكن شيء من الملاهي أحبّ إلى المأمون من الشطرنج(١) فقد هام في هذه اللعبة وقد وصفها بهذه الأبيات:

أرض مربّعة حمراء من أدم

ما بين ألفين موصوفين بالكرم

تذاكرا الحرب فاحتلالها شبهاً

من غير أن يسعيا فيها بسفك دم

هذا يغير على هذا وذاك على

هذا يغير وعين الحرب لم تنم

فانظر إلى الخيل قد جاشت بمعركة

في عسكرين بلا طبل ولا علم(٢)

وألمّ هذا الشعر بوصف دقيق للشطرنج، ولعلّه أسبق من نظم فيه الشعر الذي أحاط بأوصافه، وكان أبوه الرشيد مولعاً بالشطرنج، وقد أهدى إلى ملك فرنسا أدواته، وتوجد حالياً في بعض متاحف فرنسا.

ـــــــــ

(١) العقد الفريد: ٣ / ٢٥٤.

(٢) المستطرف: ٢ / ٣٠٦.


ولعبه بالموسيقى:

وكان المأمون مولعاً بالغناء والموسيقى، وكان له هوى شديد في ذلك وكان معجباً كأشدّ ما يكون الإعجاب بأبي إسحاق الموصلي، الذي كان من أعظم العازفين والمغنّين في العالم العربي، وقد قال فيه: كان لا يغنّي أبداً إلاّ وتذهب عنّي وساوسي المتزايدة من الشيطان(١) .

وكان يحيي لياليه بالغناء والرقص والعزف على العود، ولم يمرّ اسم الله ولا ذكره في قصوره ولياليه.

٥ ـ تظاهره بالتشيّع:

لقد تظاهر المأمون بالتشيّع، حتى اعتقد الكثيرون أنّه من الشيعة ; لأنّه قام بما يلي:

أ ـ ردّ فدك للعلويّين: بعد أن صادرتها الحكومات السابقة عليه وكان قصدها إشاعة الفقر بين العلويّين، وفرض الحصار الاقتصادي عليهم حتى يشغلهم الفقر والبؤس عن مناهضة أولئك الحكّام، وقد أنعش المأمون العلويّين، ورفع عنهم تلك الضائقة الاقتصادية التي كانت آخذة بخناقهم، واعتبر البعض هذا الإجراء دليلاً على تشيّعه.

ب ـ تفضيل الإمام علي بن أبي طالب عليه‌السلام على الصحابة: وقام المأمون بإجراء خطير فقد أعلن رسمياً فضل الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام على عموم الصحابة كما أعلن الحطّ من معاوية بن أبي سفيان.

وكان هذا الإجراء من أهمّ المخطّطات التي تُلفت النظر إلى تشيّعه، فقد جرى سلفه على انتقاص الإمامعليه‌السلام ، والحطّ من شأنه، وتقديم سائر الصحابة عليه.

ـــــــــ

(١) الحضارة العربية لجاك س. ريلر: ١٠٨.


ج ـ ولاية العهد للإمام الرضا عليه‌السلام : حيث قيل إنّ معناها أنه قد أخرج بذلك الخلافة من العبّاسيّين إلى العلويّين.

ويلاحظ على كل هذه الظواهر أنه إنّما صنع الأُمور المتقدّمة تدعيماً لسياسته وأغراضه، ويدلّ على ذلك ما يلي:

أوّلاً: إنّه كان مختلفاً كأشدّ ما يكون الاختلاف مع الأسرة العبّاسية الذين كانت ميولهم مع أخيه الأمين لأنّ أُمّه زبيدة كانت من أندى الناس كفّاً، ومن صميم العبّاسيّين، أمّا أُمّ المأمون فهي مراجل، وكانت من إماء القصر العبّاسي، وكان العبّاسيّيون ينظرون إليه نظرة احتقار باعتبار أمه، فأراد المأمون بما أظهره من التشيّع إرغام أسرته الذين كانوا من ألدّ الأعداء لآل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وشيعتهم.

ثانياً: إنّه أراد كشف الشيعة، ومعرفة السلطة بهم بعدما كانوا في الخفاء، ولم تستطع الحكومات العبّاسية معرفتهم والوقوف على أسمائهم وخلاياهم، فأراد المأمون بما صدر منه من إحسان لهم أن يكشفهم، وقد دلّت على ذلك بعض الوثائق الرسمية التي صدرت منه.

ثالثاً: إنّه أراد القضاء على الحركة الثورية التي فجّرتها الشيعة بقيادة الزعيم الكبير أبي السرايا، فرأى المأمون أن خير وسيلة للقضاء عليها وشلّ فعّاليّاتها هو الإحسان إلى الشيعة(١) .

ـــــــــ

(١) راجع حياة الإمام محمد الجوادعليه‌السلام : ٢٢١ ـ ٢٢٥.


وقفة عند سلوك المأمون ونزعاته:

كانت حياة المأمون ـ قبل توليه الخلافة ـ حياة جد ونشاط وتقشف، على العكس من أخيه الأمين، الذي كان يميل إلى اللعب والبطالة أكثر منه إلى الجد والحزم.

ولعل سرّ ذلك يعود إلى أن المأمون لم يكن كأخيه، يشعر بأصالة محتده، ولا كان مطمئناً إلى مستقبله، والى رضا العبّاسيين به، بل كان يقطع بعدم رضاهم به خليفةً وحاكماً، ولهذا فقد وجد انه ليس لديه أي رصيد يعتمد عليه غير نفسه، فشمر عن ساعد الجد وبدأ يخطط لمستقبله منذ أن أدرك واقعه، والمميزات التي كان يتمتع بها أخوه الأمين عليه.

ويُلاحظ أنه كان يستفيد من أخطاء أخيه الأمين وأن الفضل عندما رأى اشتغال الأمين باللهو واللعب، أشار على المأمون بإظهار الورع والدين، وحسن السيرة، فأظهر المأمون ذلك وكان كلما اعتمد الأمين حركة ناقصة اعتمد المأمون حركة شديدة.

ومن هنا يتبيّن السرّ فيما يبدو من رسالته للعبّاسيين، حيث نصب فيها نفسه واعظاً تقيّاً، وأضفى عليها هالة من الورع والزهد في الدنيا والالتزام بأحكام الشريعة، ليروه ويراه الناس نوعية أخرى تفضل على نوعية أخيه الأمين.

وقد برع المأمون في العلوم والفنون حتى فاق أقرانه، بل فاق جميع خلفاء بني العباس، فإنه لم يكن في بني العباس أعلم من المأمون(١) .

وهو أعلم الخلفاء بالفقه والكلام(٢) .

وكل مَن تعرّض من المؤرخين وغيرهم، لشرح حال المأمون، قد شهد له

ـــــــــ

(١) حياة الحيوان: ١ / ٧٢.

(٢) الفهرست: ١٧٤، ابن النديم.


بالتقدم، وبأنه رجل خلفاء بني العباس وواحدهم (١) .

وما يهمنا هنا، هو مجرد الإشارة إلى حال المأمون، وما كان عليه من الدهاء والسياسة وحسن التدبير.

وبالرغم من جدارة المأمون فيما إذا قورن إلى أخيه الأمين باعتراف أبيه الرشيد بذلك، لكن الرشيد قد اعتذر عن إسناده الأمر إلى الأمين بأن العبّاسيين لا يرضون بالمأمون خليفة(٢) .

ويرى بعض المؤرخين أنّ السرّ في عدم رضا العبّاسيين بالمأمون يرجع إلى أن الأمين كان عبّاسيّاً، بكل ما لهذه الكلمة من معنى فأبوه: هارون، وأمه زبيدة حفيدة المنصور... وكان في كنف الفضل بن يحيى البرمكي أخي الرشيد من الرضاعة وأعظم رجل نفوذاً في بلاط الرشيد، وكان يشرف على مصالحه الفضل بن الربيع، العربي الذي لم يكن ثمّة من شك في ولائه للعبّاسيين.

أمّا المأمون فقد كان في كنف جعفر بن يحيى، الذي كان أقل نفوذاً من أخيه الفضل. وكان مؤدبه والذي يشرف على مصالحه ذلك الرجل الذي لم يكن العباسيون يرتاحون إليه لأنه كان متهماً بالميل إلى العلويين... أما أم المأمون فخراسانية غير عربية...(٣) .

التحدّيات التي واجهت حكم المأمون وموقفه منها

لقد جابه حكم المأمون تحديات خطيرة كانت تهدد كيانه وكادت تعصف به، وكان بقاؤه في السلطة يحتاج إلى الكثير من الدهاء.

ـــــــــ

(١) الحياة السياسية للإمام الرضاعليه‌السلام : ١٥٤.

(٢) راجع الحياة السياسية للإمام الرضاعليه‌السلام : ١٥٢.

(٣) راجع الحياة السياسية للإمام الرضاعليه‌السلام : ١٥٦ ـ ١٥٧.


وأهمّ ما كان يواجه المأمون ما يلي:

١ ـ تحرك الشيعة ضده وكان تحركاً عنيفاً، وكانت ثورة أبي السرايا التي عمّت الكثير من الحواضر الإسلامية آنذاك نموذجاً له.

٢ ـ تكتل العائلة العباسية ضد المأمون ووقوفها إلى جانب الأمين أولاً، ثم عزلها له وتعيين عمه إبراهيم بن المهدي بعد ذلك.

٣ ـ تحركات الخوارج والفئات المناوئة الأخرى.

٤ ـ وجود المخاطر الخارجية من جانب الدول المتربصة بالدولة الإسلامية، خصوصاً الدولة البيزنطية.

وأمام هذه التحديات قام المأمون بما يلي:

أولاً ـ تصفيته لتحرك أخيه الأمين والقوى المتحركة القوية ضده.

ثانياً ـ القيام بلعبة تولية الإمام الرضاعليه‌السلام لولاية العهد بالإكراه ليصوّر للأمة أنه مع القيادة الشرعية وأنه نقل الحكم إليها وهذا من شأنه أن يقلل من الروح الثورية للأمة باتجاه إقامة الحكم بقيادة أهل البيتعليهم‌السلام .

ثالثاً ـ محاربة وتصفية ثورات العلويين.

رابعاً ـ التصفية الجسدية للإمام الرضاعليه‌السلام بعد انتهائه من تصفية الثورات الخطيرة.

خامساً ـ التوجّه إلى بغداد للقضاء على معارضة البيت العباسي.

سادساً ـ تصفية مراكز القوى في الدولة باتجاه تعزيز قوته ووضعه.

سابعاً ـ إشاعة فتنة خلق القرآن لإشغال الناس بها عمّا يهمّهم.

ثامناً ـ تصفية قوى المعارضة من قبيل الخوارج.

تاسعاً ـ التوجه لمحاربة الدولة البيزنطية ودفع خطرها.

العلاقة بين الإمام الرضاعليه‌السلام والمأمون

وصلت المسيرة الإسلامية إثناء إمامة الرضاعليه‌السلام إلى مرحلة متقدمة نتيجة الجهود العظيمة التي بذلها الأئمة السابقون على الإمام الرضاعليه‌السلام مما جعل السلطة العباسية مضطرة للدخول فيما دخلت فيه من تولية الإمام الرضاعليه‌السلام لولاية العهد والإيحاء بتحويل الخلافة من العباسيين لأهل البيتعليهم‌السلام . ولإيضاح هذا الأمر نذكر الأُمور التالية:


أ ـ حالة الأمة بلحاظ القيادة الشرعية:

يبدو أن الأمة كانت تؤيّد قيادة أهل البيتعليهم‌السلام وتعتقد بها ولكن ضمن ثلاثة مستويات، هي:

١ ـ عموم الأمة التي أصبحت مؤمنة بقيادة أهل البيتعليهم‌السلام ، دون ارتباطها بهم برباط عميق واع.

٢ ـ المعارضون للدولة الذين يعتمدون الكفاح المسلّح لإسقاطها وإقامة الحكم الإسلامي، وثورة أبي السرايا نموذج لذلك.

٣ ـ المؤمنون الواعون بالقيادة الشرعية وهم أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام وأنصاره.

ب ـ تحرك المأمون على واقع المستويات الثلاثة:

انتهج المأمون سياسة المراحل في احتواء المستويات الثلاثة وإجهاضها بحنكة ودهاء وبالشكل التالي:

١ ـ التصدي لمواجهة الثوّار الموالين لأهل البيتعليهم‌السلام وتصفيتهم عسكرياً، ففي أيامه خرج أبو السرايا وقويت شوكته ودعا إلى بعض أهل البيتعليهم‌السلام ، فقاتله الحسن بن سهل، فكانت الغلبة لجيش المأمون وقتل أبو السرايا.

٢ ـ احتواء التوجه الشعبي لأهل البيتعليهم‌السلام .

لقد ابتكر المأمون وسيلة سياسية بارعة لاحتواء هذا التوجه وذلك ببيعة الإمام الرضاعليه‌السلام ولياً للعهد والتظاهر بموالاة أهل البيتعليهم‌السلام لتشويه هذا التوجه وامتصاصه.

وكان المأمون قد أنفذ إلى جماعة من آل أبي طالب، فحملهم إليه من المدينة وفيهم الرضا علي بن موسىعليهما‌السلام ، فأخذ بهم على طريق البصرة حتى جاؤوا بهم إليه، وكان المتولي لإشخاصهم المعروف بالجَلودي.

فقدم بهم على المأمون فأنزلهم داراً، وأنزل الرضا عليّ بن موسىعليهما‌السلام داراً، وأكرمه وعظّم أمره، ثم أنفذ إليه: أني أريد أن أاخلع نفسي من الخلافة وأقلدك إياها فما رأيك في ذلك ؟ فأنكر الرضاعليه‌السلام هذا الأمر وقال له:(أعيذك بالله يا أمير المؤمنين من هذا الكلام، وأن يسمع به أحد) فرد عليه الرسالة: فإذا أبيت ما عرضت عليك فلا بد من ولاية العهد من بعدي فأبى عليه الرضا إباءً شديداً، فاستدعاه إليه وخلا به ومعه الفضل بن سهل ذو الرئاستين، ليس في المجلس غيرهم، وقال له:


إني قد رأيت أن أقلدك أمر المسلمين، وأفسخ ما في رقبتي وأضعه في رقبتك. فقال له الرضاعليه‌السلام :(الله الله يا أمير المؤمنين ، إنه لا طاقة لي بذلك ولا قوة لي عليه) ، قال له: فإني موليك العهد من بعدي فقال له:أعفني من ذلك يا أمير المؤمنين .

فقال له المأمون كلاماً فيه كالتهديد له على الامتناع عليه، وقال له في كلامه: إن عمر بن الخطاب جعل الشورى في ستة أحدهم جدك أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب وشرط فيمن خالف منهم ان تُضرب عنقه، ولا بد من قبولك ما أريده منك، فإنني لا أجد محيصاً عنه، فقال له الرضاعليه‌السلام :(فإني أجيبك إلى ما تريد من ولاية العهد، على أنني لا آمر ولا أنهى ولا أفتي ولا أقضي ولا أُوَلّي ولا أعزل ولا أغيّر شيئاً مما هو قائم) فأجابه المأمون إلى ذلك كله.

وقد كان الإمامعليه‌السلام مرغَماً على قبول ولاية العهد ، أي أنه لم يكن له الخيار في رفضها فقد كان المأمون جادّاً في قتله لو تخلف عن قبول البيعة. فعن الريان بن الصلت أنه قال: دخلت على علي بن موسى الرضاعليه‌السلام فقلت له: يا ابن رسول الله، إن الناس يقولون إنك قبلت ولاية العهد مع إظهارك الزهد في الدنيا ؟ فقالعليه‌السلام :(قد علم الله كراهتي لذلك فلمّا خيّرت بين قبول ذلك وبين القتل اخترت القبول على القتل، ويحهم أما علموا أن يوسف عليه‌السلام كان نبياً رسولاً فلما دفعته الضرورة إلى تولّي خزائن العزيز قال له: ( اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) ودفعتني الضرورة إلى قبول ذلك على إكراه وإجبار بعد الإشراف على الهلاك، على أني ما دخلت في هذا الأمر إلاّ دخول خارج منه، فإلى الله المشتكى وهو المستعان) (١) .

وروي عن أبي الصلت الهروي أنه قال: (إن المأمون قال للرضا علي بن موسىعليه‌السلام يا ابن رسول الله قد عرفت فضلك وعلمك وزهدك وورعك وعبادتك وأراك أحق بالخلافة منّي، فقال الرضاعليه‌السلام :بالعبودية لله عَزَّ وجَلَّ افتخر وبالزهد في الدنيا أرجو النجاة من شرّ الدنيا، وبالورع عن المحارم أرجو الفوز بالمغانم، وبالتواضع في الدنيا أرجو الرفعة عند الله عَزَّ وجَلَّ .

ـــــــــ

(١) الحياة السياسية للإمام الرضاعليه‌السلام : ١٤١.


فقال له المأمون: فإني قد رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة، وأجعلها لك وأبايعك، فقال له الرضاعليه‌السلام :إن كانت هذه الخلافة لك وجعلها الله لك فلا يجوز أن تخلع لباساً ألبسكه الله وتجعله لغيرك، وإن كانت الخلافة ليست لك فلا يجوز لك أن تجعل لي ما ليس لك . فقال المأمون: يا ابن رسول الله لا بدّ لك من قبول هذا الأمر، فقال:(لست أفعل ذلك طائعاً أبداً) . فما زال يجهد به أياماً حتى يئس من قبوله، فقال له: فإن لم تقبل الخلافة ولم تحبّ مبايعتي لك فكن وليّ عهدي لتكون لك الخلافة بعدي. فقال الرضاعليه‌السلام :والله لقد حدّثني أبي عن آبائه عن أمير المؤمنين عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أني أخرج من الدنيا قبلك مقتولاً بالسم، مظلوماً تبكي عليّ ملائكة السماء وملائكة الأرض، وأدفن في أرض غربة إلى جنب هارون الرشيد . فبكى المأمون ثم قال له: يا ابن رسول الله ومن الذي يقتلك أو يقدر على الإساءة إليك وأنا حيّ ؟ فقال الرضاعليه‌السلام :أما أني لو أشاء أن أقول من الذي يقتلني لقلت . فقال المأمون: يا ابن رسول الله إنما تريد بقولك هذا التخفيف عن نفسك، ودفع هذا الأمر عنك، ليقول الناس إنك زاهد في الدنيا. فقال الرضاعليه‌السلام :والله ما كذبت منذ خلقني ربّي عَزَّ وجَلَّ وما زهدت في الدنيا للدنيا وإني لأعلم ما تريد . فقال المأمون: وما أريد ؟ قال:الأمان على الصدق ؟ قال: لك الأمان. قال:تريد بذلك أن يقول الناس: إنّ علي بن موسى لم يزهد في الدنيا بل زهدت الدنيا فيه، ألا ترون كيف قبل ولاية العهد طمعاً في الخلافة ؟ فغضب المأمون ثم قال: إنّك تتلقّاني أبداً بما أكرهه. وقد أمنت سطوتي، فبالله أُقسم لئن قبلت ولاية العهد وإلاّ أجبرتك على ذلك فإن فعلت وإلاّ ضربت عنقك. فقال الرضاعليه‌السلام :قد نهاني الله عَزَّ وجَلَّ أن أُلقي بيدي إلى التهلكة، فإن كان الأمر على هذا، فافعل ما بدا لك، وأنا أقبل ذلك على أنّي لا أُوَلّي أحداً ولا أعزل أحداً ولا أنقض رسماً ولا سُنّة، وأكون في الأمر من بعيد مشيراً .


فرضي منه بذلك وجعله وليّ عهد على كراهة منه عليه‌السلام لذلك) (١) .

ج ـ مع المؤمنين الواعين

كان المأمون حذراً من الإمام الرضاعليه‌السلام يتحيّن الفرص لاغتياله، وقد فعل ذلك في أول فرصة مناسبة فأوعز لعملائه باغتياله، وذلك بعد نحو عامين من ولاية العهد. ففي أول شهر رمضان سنة إحدى ومئتين كانت البيعة للرضا صلوات الله عليه(٢) وقبض الرضاعليه‌السلام بطوس من أرض خراسان في صفر سنة ثلاث ومئتين وله يومئذ خمس وخمسون سنة..(٣) .

عن أحمد بن علي الأنصاري قال: سألت أبا الصلت الهروي فقلت له: كيف طابت نفس المأمون بقتل الرضاعليه‌السلام مع إكرامه ومحبته له وما جعل له من ولاية العهد بعده ؟ فقال: إن المأمون إنما كان يكرمه ويحبه لمعرفته بفضله وجعل له ولاية العهد من بعده ليرى الناس أنه راغب في الدنيا فيسقط محله من نفوسهم، فلما لم يظهر منه في ذلك للناس إلاّ ما ازداد به فضلاً عندهم ومحلاً في نفوسهم جلب عليه المتكلمين من البلدان طمعاً في أن يقطعه واحد منهم فيسقط محله عند العلماء، وبسببهم يشتهر نقصه عند العامة فكان لا يكلمه خصم من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين والبراهمة والملحدين والدهرية ولا خصم من فرق المسلمين المخالفين إلاّ قطعه وألزمه الحجة، وكان الناس يقولون: والله إنه أولى بالخلافة من المأمون، وكان أصحاب الأخبار يرفعون ذلك إليه فيغتاظ من ذلك ويشتد حسده له، وكان الرضاعليه‌السلام لا يحابي المأمون في حق وكان يجيبه بما

ـــــــــ

(١) الحياة السياسية للإمام الرضاعليه‌السلام : ١٤١.

(٢) الحياة السياسية للإمام الرضاعليه‌السلام : ١٤١.

(٣) الحياة السياسية للإمام الرضاعليه‌السلام : ٦٦.


يكره في أكثر أحواله فيغيظه ذلك ويحقده عليه ولا يظهره له، فلما أعيته الحيلة في أمره اغتاله فقتله بالسم(١) .

وعن علي بن إبراهيم، عن ياسر الخادم قال: (لمّا كان بيننا وبين طوس سبعة منازل اعتلّ أبو الحسنعليه‌السلام فدخلنا طوس وقد اشتدّت به العلّة، فبقينا بطوس أياماً فكان المأمون يأتيه في كل يوم مرتين فلمّا كان في آخر يومه الذي قبض فيه كان ضعيفاً في ذلك اليوم فقال لي بعدما صلّى الظهر:يا ياسر أكل الناس شيئاً ؟ قلت: يا سيدي من يأكل ههنا مع ما أنت فيه؟! فانتصبعليه‌السلام ثم قال:هاتوا المائدة ، ولم يدع من حشمه أحداً إلاّ أقعده معه على المائدة يتفقد واحداً واحداً، فلما أكلوا قال:ابعثوا إلى النساء بالطعام ، فحمل الطعام إلى النساء فلمّا فرغوا من الأكل أغمي عليه وضعف، فوقعت الصيحة وجاءت جواري المأمون ونساؤه حافيات حاسرات، ووقعت الوصية(٢) بطوس وجاء المأمون حافياً وحاسراً يضرب على رأسه، ويقبض على لحيته، ويتأسف ويبكي وتسيل الدموع على خديه فوقف على الرضاعليه‌السلام وقد أفاق فقال: يا سيدي والله ما أدري أي المصيبتين أعظم عليّ، فقدي لك وفراقي إياك؟ أو تهمة الناس لي أنا اغتلتك وقتلتك؟ قال: فرفع طرفه إليه ثم قال:أحسن يا أمير المؤمنين معاشرة أبي جعفر، فإنّ عمرك وعمره هكذا وجمع سبّابتيه. قال: فلما كان من تلك الليلة قضىعليه‌السلام بعد ما ذهب من الليل بعضه، فلمّا أصبح اجتمع الخلق وقالوا: هذا قتله واغتاله ـ يعني المأمون ـ وقالوا: قتل ابن رسول الله وأكثروا القول والجلبة(٣)، وكان محمد بن جعفر بن محمدعليه‌السلام استأمن إلى المأمون وجاء إلى خراسان وكان عمّ أبي الحسن فقال له المأمون: يا أبا جعفر

ـــــــــ

(١) الحياة السياسية للإمام الرضاعليه‌السلام : ١٠٧ ـ ١٠٨.

(٢) الوصية: الصوت يكون في الناس وغيرهم. الوصية: الرحمة.

(٣) الجلبة: اختلاط الأصوات والصياح.


أخرج إلى الناس وأعلمهم أن أبا الحسن لا يخرج اليوم، وكره أن يُخرِجه فتقع الفتنة فخرج محمد بن جعفر إلى الناس فقال: أيها الناس تفرقوا فإن أبا الحسن لا يخرج اليوم، فتفرق الناس وغسل أبو الحسن في الليل ودفن)(١) .

وقد استطاع المأمون أن يخدع الكثيرين عندما أظهر حزنه وجزعه على استشهاد الإمام الرضاعليه‌السلام وبصورة أثرت على العوام، لكنها لم تنطل على الخواص. حيث إنهم عرفوا دوافع المأمون وأساليبه وأهدافه، كما لاحظنا ذلك في نصّ أبي الصلت، وكما سنلاحظ ذلك في رسالة عبد الله بن موسى التالية.

طبيعة حكم المأمون

لقد شخّص السيد عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، طبيعة حكم المأمون وأساليبه برسالة تسلط مزيداً من الأضواء على العلاقة بين هذا الحاكم وبين الإمام الجوادعليه‌السلام ، فقد كان تشخيص هذا السيد دقيقاً وعميقاً، فقد كتب المأمون إلى عبد الله بن موسى وهو متوار منه يعطيه الأمان ويضمن له أن يوليه العهد بعده، كما فعل بعلي بن موسى، ويقول: ما ظننت أن أحداً من آل أبي طالب يخافني بعدما عملته بالرضا، وبعث الكتاب إليه.

فكتب عبد الله بن موسى:

وصل كتابك وفهمته، تختلني فيه عن نفسي ختل القانص، وتحتال عليّ حيلة المغتال القاصد لسفك دمي، وعجبت من بَذْلِك العهد وولايته لي بعدك، كأنك تظن أنه لم يبلغني ما فعلته بالرضا؟! ففي أي شيء ظننت أني أرغب من ذلك ؟ أفي الملك الذي قد غرتك حلاوته ؟! فوالله لأَنْ أُقذف ـ وأنا حي ـ في نار تتأجج أحب إليّ من أن ألي أمراً بين المسلمين أو أشرب شربة من غير حلها مع عطش شديد قاتل، أم في العنب المسموم الذي قتلت به الرضا ؟ أم ظننت أن الاستتار قد أمّلني وضاق به صدري؟ فوالله إني لذلك. ولقد مللت الحياة وأبغضت الدنيا، ولو وسعني في ديني أن أضع يدي في يدك حتى تبلغ من قبلي مرادك لفعلت ذلك، ولكن الله قد حظر عليّ المخاطرة بدمي، وليتك قدرتَ عليَّ من غير أن أبذل نفسي لك فتقتلني، ولقيت الله عَزَّ وجَلَّ بدمي، ولقيتُه قتيلاً مظلوماً، فاسترحت من هذه الدنيا.

ـــــــــ

(١) الحياة السياسية للإمام الرضاعليه‌السلام : ١٠٨، عيون أخبار الرضاعليه‌السلام : ٢/٢٦٩، ٢٧٠.


واعلم أني رجل طالب النجاة لنفسي، واجتهدت فيما يرضي الله عَزَّ وجَلَّ عنّي وفي عمل أتقرب به إليه، فلم أجد رأياً يهدي إلى شيء من ذلك، فرجعت إلى القرآن الذي فيه الهدى والشفاء، فتصفحته سورة سورة، وآية آية، فلم أجد شيئاً أزلف للمرء عند ربه من الشهادة في طلب مرضاته.

ثم تتبعته ثانية أتأمل الجهاد أيّه أفضل، ولأي صنف، فوجدته جلّ وعلا يقول: ( قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ) ، فطلبت أي الكفار أضر على الإسلام، وأقرب من موضعي فلم أجد أضر على الإسلام منك، لأن الكفار أظهروا كفرهم، فاستبصر الناس في أمرهم، وعرفوهم فخافوهم، وأنت ختلت المسلمين بالإسلام، وأسررت الكفر، فقتلت بالظنة، وعاقبت بالتهمة، وأخذت المال من غير حِلِّه فأنفقته في غير محله، وشربت الخمر المحرمة صراحاً، وأنفقت مال الله على الملهين وأعطيته المغنين، ومنعته من حقوق المسلمين، فغششت بالإسلام، وأحطت بأقطاره إحاطة أهله، وحكمت فيه للمشرك، وخالفت الله ورسوله في ذلك خلافة المضاد المعاند، فإن يسعدني الدهر، ويعينني الله عليك بأنصار الحق، أبذل نفسي في جهادك بذلاً يرضيه منّي، وإن يمهلك ويؤخرك ليجزيك بما تستحقه في منقلبك، أو تختر مني الأيام قبل ذلك،فحسبي من سعيي ما يعلمه الله عَزَّ وجَلَّ من نيتي، والسلام)(١) .

ـــــــــ

(١) نظرية الإمامة: ٣٨١، نقلاً عن الحياة السياسية للإمام الرضاعليه‌السلام : ٤٦٥.


استشهاد الرضاعليه‌السلام والنصّ على إمامة الجوادعليه‌السلام

لقد رسّخ الإمام علي بن موسى الرضاعليه‌السلام إمامة ابنه الجوادعليه‌السلام كما قام بذلك الأئمةعليهم‌السلام الذين سبقوه حيث نوهوا باسم من يأتي من بعدهم من أئمة، وفي هذا المجال سنعرض المواقف التي ثبّت بها الإمام الرضاعليه‌السلام إمامة الجوادعليه‌السلام ودعا شيعته للاعتصام بها، ومن ذلك:

١ ـ قال الراوي: أخبرني من كان عند أبي الحسن الرضاعليه‌السلام جالساً، فلمّا نهضوا، قال لهم:(ألقوا أبا جعفر فسلِّموا عليه وأحدثوا به عهداً، فلمّا نهض القوم التفت إليَّ فقال: يرحم الله المفضَّل إنه كان ليقنع بدون هذا) (١) .

٢ ـ قال الراوي: سمعتُ الرضاعليه‌السلام وذكر شيئاً فقال:(ما حاجتكم إلى ذلك ؟ هذا أبو جعفر قد أجلسته مجلسي وصيّرته مكاني) ، وقال:(إنا أهل بيت يتوارث أصاغرنا عن أكابرنا القُذّة بالقذّة) (٢) .

٣ ـ قال الراوي: (سمعت علي بن جعفر يُحدّث الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين فقال في حديثه:(لقد نصر الله أبا الحسن الرضا عليه‌السلام لمّا بغى عليه إخوته وعمومته) ، وذكر حديثاً طويلاً حتى انتهى إلى قوله: فقمت وقبضت على يد أبي جعفر محمد بن علي الرضاعليه‌السلام وقلت: أشهد أنك إمامي عند الله، فبكى الرضاعليه‌السلام ثم قال:(يا عمّ، ألم تسمع أبي وهو يقول: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : بأبي خيرة الإماء النوبية الطيّبة يكون من ولده الطريد الشريد الموتور بأبيه وجده صاحب الغيبة، يقال: مات أو هلك أي واد سلك ؟)

ـــــــــ

(١) أصول الكافي: ١/٢٥٦ ـ ٢٥٧.

(٢) أصول الكافي: ١/٢٥٦ ـ ٢٥٧.


فقلت: صدقت جعلت فداك)(١) .

٤ ـ قال الراوي: قلت للرضاعليه‌السلام قد كنّا نسألك قبل أن يهب الله لك أبا جعفر فكنت تقول:(يهب الله لي غلاماً) فقد وهبه الله لك، فأقرّ عيوننا، فلا أرانا الله يومك، فإن كان كونٌ فإلى من ؟. فأشار بيده إلى أبي جعفرعليه‌السلام وهو قائم بين يديه، فقلت له: جعلت فداك هذا ابن ثلاث سنين ! ؟ قال:(وما يضره من ذلك، قد قام عيسى بالحجة وهو ابن أقل من ثلاث سنين) (٢) .

٥ ـ قال الراوي: كنت عند أبي الحسن الرضاعليه‌السلام فجيء بابنه أبي جعفر وهو صغير فقال:(هذا المولود الذي لم يُولَد مولود أعظم بركة على شيعتنا منه) (٣) .

٦ ـ قال الراوي: (دخلتُ على أبي الحسن الرضاعليه‌السلام وقد ولد له أبو جعفرعليه‌السلام ، فقال:(إن الله قد وهب لي مَن يرثني ويرث آل داود) (٤) .

٧ ـ قال الراوي: (كنت مع أبي الحسنعليه‌السلام جالساً، فدعا بابنه وهو صغير فأجلسه في حجري فقال لي:(جرّده وانزع قميصه) ، فنزعته، فقال:(انظر بين كتفيه شبيه الخاتم داخل في اللحم) . ثم قال:(أترى هذا ؟ كان مثله في هذا الموضع من أبي عليه‌السلام ) (٥) .

٨ ـ قال الراوي: (ما كانعليه‌السلام ـ يعني الرضا ـ يذكر محمداً ابنهعليه‌السلام إلاّ بكنيته، يقول:(كتب إليَّ أبو جعفر، وكنت أكتب إلى أبي جعفر وهو صبي بالمدينة) ، فيخاطبه بالتعظيم، وترد كتب أبي جعفرعليه‌السلام في نهاية البلاغة والحسن فسمعته يقول:(أبو جعفر وصييّ وخليفتي في أهلي من بعدي) (٦) .

٩ ـ قال الراوي: سمعت دعبل بن علي الخزاعي يقول: أنشدت مولاي علي

ـــــــــ

(١) إعلام الورى: ٢ / ٩٢.

(٢) إعلام الورى: ٢/٩٣.

(٣) إعلام الورى: ٢/٩٥.

(٤) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٦٨.

(٥) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٦٩.

(٦) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٧٢.


ابن موسى الرضا عليه‌السلام قصيدتي ـ إلى أن قال ـ: (يا دعبل الإمام بعدي محمد ابني وبعد محمد ابنه عليّ وبعد علي ابنه الحسن وبعد الحسن ابنه الحجة القائم المنتظر) (١) .

الإمام الجوادعليه‌السلام عند استشهاد أبيه

عن أبي الصلت الهروي أنه قال: (بينا أنا واقف بين يدي أبي الحسن عليّ بن موسى الرضاعليه‌السلام إذ قال لي:(ياأبا الصلت، أدخل هذه القبّة الّتي فيها قبر هارون وآتني بتراب من أربعة جوانبها) . قال: فمضيت فأتيت به، فلمّا مثلت بين يديه، قال لي:(ناولني (من )هذا التراب) ، ـ وهو من عند الباب ـ فناولته فأخذه وشمّه ثم رمى به، ثمّ قال:(سيحفر لي (قبر )ههنا، فتظهر صخرة لو جمع عليها كلّ معول بخراسان لم يتهيّأ قلعها) ، ثمّ قال في الذي عند الرّجل والّذي عند الرأس مثل ذلك، ثمّ قال:(ناولني هذا التراب فهو من تربتي) .

ثمّ قال:(سيحفر لي في هذا الموضع، فتأمرهم أن يحفروا لي سبع مراق إلى أسفل، وأن تشقّ لي ضريحه، فإن أبوا إلاّ أن يلحدوا، فتأمرهم أن يجعلوا اللّحد ذراعين وشبراً فإنّ الله تعالى سيوسّعه ما يشاء، وإذا فعلوا ذلك فإنّك ترى عند رأسي نداوةً، فتكلّم بالكلام الّذي أعلّمك، فإنّه ينبع الماء حتّى يمتلئ اللّحد وترى فيه حيتاناً صغاراً، فتفتّت لها الخبز الذي أعطيك فإنّها تلتقطه، فإذا لم يبق منه شيء خرجت منه حوتة كبيرة فالتقطت الحيتان الصغار حتّى لا يبقى منها شيء، ثمّ تغيب، فإذا غابت فضع يدك على الماء، ثمّ تكلّم بالكلام الّذي أعلمك، فإنّه ينضب الماء ولا يبقى منه شيء، ولا تفعل ذلك إلاّ بحضرة المأمون) .

ثمّ قالعليه‌السلام :(ياأبا الصلت غداً أدخل على هذا الفاجر، فإن خرجت (وأنا )مكشوف الرأس، فتكلّم أكلّمك، وإن خرجت وأنا مغطّى الرأس فلا تكلّمني) .

قال أبو الصلت: فلمّا أصبحنا من الغد لبس ثيابه، وجلس في محرابه ينتظر، فبينا هو كذلك، إذ دخل عليه غلام المأمون، فقال له: أجب أمير المؤمنين، فلبس نعله ورداءه، وقام يمشي وأنا أتبعه، حتّى دخل على المأمون، وبين يديه طبق عليه عنب، وأطباق فاكهة، وبيده عنقود عنب قد أكل بعضه، وبقي بعضه.

ـــــــــ

(١) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٧٣ و ٧٦.


فلمّا أبصر بالرضاعليه‌السلام وثب إليه فعانقه وقبّل ما بين عينيه وأجلسه معه ثمّ ناوله العنقود، وقال: ياابن رسول الله ما رأيت عنباً أحسن من هذا ! قال له الرضاعليه‌السلام :(ربّما كان عنباً حسناً يكون من الجنّة) . فقال له: كل منه ، فقال له الرضاعليه‌السلام :(تعفيني منه) . فقال: لا بدّ من ذلك، وما يمنعك منه لعلّك تتّهمنا بشيء. فتناول العنقود فأكل منه، ثمّ ناوله فأكل منه الرضاعليه‌السلام ثلاث حبّات، ثمّ رمى به وقام.

فقال المأمون: إلى أين ؟ قال:(إلى حيث وجّهتني) ، وخرجعليه‌السلام مغطّى الرأس فلم أكلّمه حتّى دخل الدار، فأمر أن يغلق الباب، فغلق ثمّ نامعليه‌السلام على فراشه، ومكثت واقفاً في صحن الدار مهموماً محزوناً.

فبينا أنا كذلك، إذ دخل عليّ شاب حسن الوجه، قطط الشعر، أشبه الناس بالرضاعليه‌السلام ، فبادرت إليه وقلت له: من أين دخلت والباب مغلق ؟ فقال:(الّذي جاء بي من المدينة في هذا الوقت: هو الذي أدخلني الدار والباب مغلق) . فقلت له: ومن أنت ؟ فقال لي:(أنا حجّة الله عليك ياأبا الصلت، أنا محمّد بن عليّ) .

ثمّ مضى نحو أبيهعليه‌السلام فدخل وأمرني بالدخول معه، فلمّا نظر إليه الرضاعليه‌السلام وثب إليه، فعانقه وضمّه إلى صدره وقبّل ما بين عينيه، ثمّ سحبه سحباً إلى فراشه، وأكبّ عليه محمّد بن عليّعليه‌السلام يقبّله ويسارّه بشيء لم أفهمه.

ومضى الرضاعليه‌السلام ، فقال أبو جعفرعليه‌السلام :(ياأبا الصلت قم فأتني بالمغتسل والماء من الخزانة) . فقلت: ما في الخزانة مغتسل ولا ماء. فقال لي:(انته إلى ما آمرك به) ، فدخلت الخزانة، فإذا فيها مغتسل وماء، فأخرجته وشمّرت ثيابي لأغسّله معه، فقال لي:(تنحّ ياأبا الصلت فإنّ لي من يعينني غيرك) . فغسّله. ثمّ قال لي:(ادخل الخزانة، فاخرج إليّ السفط الذي فيه كفنه وحنوطه) ، (فدخلت) فإذا أنا بسفط لم أره في تلك الخزانة قطّ، فحملته إليه فكفّنه وصلّى عليه. ثمّ قال لي:(ائتني بالتابوت) . فقلت: أمضي إلى النجّار حتّى يصلح التابوت قال:(قم فإنّ في الخزانة تابوتاً) . فدخلت الخزانة فوجدت تابوتاً لم أره قطّ فأتيته به، فأخذ الرضاعليه‌السلام بعد ما صلّى عليه فوضعه في التابوت، وصفّ قدميه، وصلّى ركعتين لم يفرغ منهما حتّى علا التابوت، فانشقّ السقف، فخرج منه التابوت ومضى. فقلت: يا ابن رسول الله،


الساعة يجيئنا المأمون ويطالبنا بالرضاعليه‌السلام فما نصنع ؟ فقال لي:(أسكت فإنّه سيعود ياأبا الصلت، ما من نبيّ يموت بالمشرق ويموت وصيّه بالمغرب إلاّ جمع الله تعالى بين أرواحهما وأجسادهما) . فما أتمّ الحديث، حتّى انشقّ السقف ونزل التابوت، فقامعليه‌السلام فاستخرج الرضاعليه‌السلام من التابوت، ووضعه على فراشه كأنه لم يغسّل ولم يكفّن. ثمّ قال لي:(ياأبا الصلت قم فافتح الباب للمأمون) ، ففتحت الباب، فإذا المأمون والغلمان بالباب، فدخل باكياً حزيناً قد شقّ جيبه، ولطم رأسه، وهو يقول: يا سيّداه فجعت بك يا سيّدي، ثمّ دخل وجلس عند رأسه وقال: خذوا في تجهيزه. فأمر بحفر القبر، فحفرت الموضع فظهر كلّ شيء على ما وصفه الرضاعليه‌السلام فقال له بعض جلسائه: ألست تزعم أنّه إمام ؟ قال: بلى. قال: لا يكون الإمام إلاّ مقدّم الناس. فأمر أن يحفر له في القبلة، فقلت: أمرني أن أحفر له سبع مراق، وأن أشقّ له ضريحه فقال: انتهوا إلى ما يأمر به أبو الصلت سوى الضريح، ولكن يحفر له ويلحد. فلمّا رأى ما ظهر من النداوة والحيتان وغير ذلك، قال المأمون: لم يزل الرضاعليه‌السلام يرينا عجائبه في حياته حتّى أراناها بعد وفاته أيضاً. فقال له وزير كان معه: أتدري ما أخبرك به الرضا ؟ قال: لا. قال: إنّه أخبرك أنّ ملككم يا بني العبّاس مع كثرتكم وطول حذركم مثل هذه الحيتان، حتّى إذا أفنيت آجالكم وانقطعت آثاركم وذهبت دولتكم، سلّط الله تعالى عليكم رجلاً منّا فأفناكم عن آخركم قال له: صدقت. ثمّ قال لي: ياأبا الصلت علّمني الكلام الّذي تكلّمت به. قلت: والله لقد نسيت الكلام من ساعتي. وقد كنت صدقت، فأمر بحبسي، ودفن الرضاعليه‌السلام ، فحبست سنة، فضاق عليّ الحبس، وسهرت الليل، ودعوت الله تعالى بدعاء ذكرت فيه محمّداً وآلهعليهم‌السلام ، وسألت الله تعالى بحقّهم أن يفرّج عنّي. فلم أستتم الدعاء حتّى دخل عليّ أبو جعفر محمّد بن عليّعليه‌السلام . فقال (لي):(ياأبا الصلت ضاق صدرك ؟) فقلت: إي والله. قال:(قم فاخرج) .

ثمّ ضرب يده إلى القيود الّتي كانت (عليّ) ففكّها، وأخذ بيدي وأخرجني من الدار، والحرسة والغلمة يرونني، فلم يستطيعوا أن يكلّموني، وخرجت من باب الدار. ثمّ قال لي:(امض في ودائع الله، فإنّك لن تصل إليه، ولا يصل إليك أبداً) . قال أبو الصلت: فلم ألتق مع المأمون إلى هذا الوقت)(١) .

ـــــــــ

(١) كذا في الأمالي: ٥٢٦ ح١٧، العيون: ٢ / ٢٤٢ / ح١، عنهما الوسائل: ٢ / ٨٣٧ / ح٤، والبحار: ٤٩ / ٣٠٠ / ح١٠، وج: ٨٢ / ٤٦ / ح ٣٥، ومدينة المعاجز: ٤٩٨ / ح ١١٤ و ص: ٥٢٤ / ح ٣٧. وأوردها القطب الراوندي في الخرائج: ١ / ٣٥٢ ح ٨، عن أبي عبد الله محمّد بن سعيد النيسابوري، عن أبي الصلت الهروي.


الباب الثالث: وفيه فصول:

الفصل الأول: ملامح عصر الإمام الجوادعليه‌السلام .

الفصل الثاني: الإمام الجوادعليه‌السلام وحكّام عصره.

الفصل الثالث: متطلّبات عصر الإمام الجوادعليه‌السلام .

الفصل الأول:ملامح عصر الإمام الجوادعليه‌السلام

كان عصر الإمام أبي جعفر الجوادعليه‌السلام من أزهى العصور الإسلامية وأروعها، من حيث تميّزه في نهضته العلمية وحضارته الفكرية، وقد ظل المسلمون وغيرهم أجيالاً وقروناً يقتاتون من موائد الثروات الفكرية والعلمية التي أسست في ذلك العصر.

ولا بدّ لنا من الحديث ـ بإيجاز ـ عن معالم عصر الإمامعليه‌السلام فقد أصبحت دراسة العصر من المباحث المنهجية التي لا غنى للباحث عنها.

١ ـ الحياة الثقافية:

تعتبر الحياة الثقافية في ذلك العصر من أبرز معالم الحياة في العصور الإسلامية على الإطلاق، فقد ازدهرت الحركة الثقافية، وانتشر العلم انتشاراً واسعاً، وتأسّست المعاهد الدراسية، وشاعت الحلقات العلمية، وأقبل الناس بلهفة على طلب العلم، يقول نيكلسون: وكان لانبساط رقعة الدولة العباسية، ووفرة ثروتها، ورواج تجارتها أثر كبير في خلق نهضة ثقافية لم يشهدها الشرق من قبل، حتى لقد بدا أنّ الناس جميعاً من الخليفة إلى أقل أفراد العامة شأناً غدوا فجأة طلاّباً للعلم أو على الأقل أنصاراً للأدب، وفي عهد الدولة العباسية كان الناس يجوبون ثلاث قارّات سعياً إلى موارد العلم والعرفان ليعودوا إلى بلادهم كالنحل يحملون الشهد إلى جموع التلاميذ المتلهّفين، ثمّ يصنّفون بفضل ما بذلوه من جهد متصل هذه المصنّفات التي هي أشبه شيء بدوائر المعارف، والتي كان لها أكبر الفضل في إيصال هذه العلوم الحديثة إلينا بصورة لم تكن متوقعة من قبل(١) . ونُلمح إلى بعض المعالم الرئيسية من تلك الحياة الثقافية.

ـــــــــ

(١) تاريخ الإسلام: ٢ / ٣٢٢ للدكتور حسن إبراهيم حسن.


المراكز الثقافية:

أمّا المراكز الثقافية في عصر الإمام أبي جعفرعليه‌السلام فهي:

١ ـالمدينة : وكانت المدينة من أهم المراكز العلمية في ذلك العصر، فقد تشكّلت فيها مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام وقد ضمّت عيون الفقهاء والرواة من الذين سهروا على تدوين أحاديث أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام وقد عنوا بصورة موضوعية بتدوين أحاديثهم الخاصة في الفقه الذي يمثل روح الإسلام وجوهره، كما تشكّلت في المدينة مدرسة التابعين وهي مدرسة فقهية عنت بأخذ الفقه ممّا روي عن الصحابة، ويرجع فيما لم يرو فيه عنهم حديث إلى ما يقتضيه الرأي والقياس حسب ما ذكروه.

٢ ـالكوفة : وتأتي الكوفة بعد المدينة في الأهمية، فقد كان الجامع الأعظم من أهم المعاهد، والمدارس الإسلامية، فقد انتشرت فيه الحلقات الدراسية، وكان الطابع العام للدراسة هي العلوم الإسلامية من الفقه والتفسير والحديث وغيرها.


وكانت الكوفة علوية الرأي، فقد عنت مدرستها بعلوم أهل البيتعليهم‌السلام وقد حدّث الحسن بن علي الوشاء فقال: أدركت في هذا المسجد ـ يعني مسجد الكوفة ـ تسعمئة شيخ كلّ يقول: حدّثني جعفر بن محمّد(١) ومن أهم الأسر العلمية التي درست في ذلك الجامع هي آل حيّان التغلبي وآل أعين وبنو عطيّة وبيت بني دراج وغيرهم(٢) .

ولم يكن الفقه وحده هو السائد في مدرسة الكوفة، وإنّما كان النحو سائداً أيضاً، فقد أنشئت في الكوفة مدرسة النحويين، وكان من أعلامها البارزين: الكسائي الذي عهد إليه الرشيد بتعليم ابنيه الأمين والمأمون، ومن الجدير بالذكر إن هذا العلم الذي يصون اللسان عن الخطأ قد اخترعه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام فهو الذي وضع قواعده وأصوله.

٣ ـالبصرة : وكانت مركزاً مهمّاً لعلم النحو، وكان أوّل من وضع أساس مدرسة البصرة أبو الأسود الدؤلي تلميذ الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وكانت هذه المؤسسة تنافس مدرسة الكوفة، وقد سُمّي نُحاة البصرة (أهل المنطق) تمييزاً عن نُحاة الكوفة وكان من أعلام هذه الصناعة سيبويه الفارسي، وهو صاحب (الكتاب )، الذي هو من أنضج الكتب العربية وأكثرها عمقاً وأصالة يقولدي بور : (فلو نظرنا إلى كتاب سيبويه لوجدناه عملاً ناضجاً، ومجهوداً عظيماً، حتى أنّ المتأخّرين قالوا: إنّه لا بدّ أن يكون ثمرة جهود متضافرة لكثير من العلماء، مثل قانون ابن سيناء)(٣) .

وكما كانت البصرة ميداناً لعلم النحو كذلك كانت مدرسة لعلم التفسير الذي كان من علمائه البارزين أبو عمرو بن العلاء، وكانت مدرسة أيضاً لعلم العروض الذي وضع أصوله الخليل بن أحمد صاحب كتاب (العين ) الذي هو أوّل معجم وضع في اللغة العربية.

ـــــــــ

(١) حياة الإمام موسى بن جعفر عليه‌السلام : ١ / ٨٢.

(٢) تاريخ الإسلام: ٢ / ٣٣٨ للدكتور حسن إبراهيم حسن.

(٣) تاريخ الفلسفة في الإسلام: ٣٩.


٤ ـبغداد : حيث ازدهرت بالحركات العلمية والثقافية، وقد انتشرت فيها المدارس والمعاهد ولم يعد هناك شيء أيسر ولا أبذل من العلم. ولم تختص بغداد في علم خاص كما كانت بقية المراكز الإسلامية، وإنّما شملت جميع أنواع العلوم العقلية والنقلية، وكذا سائر الفنون، وقد أصبحت أعظم حاضرة علمية في ذلك العصر، وتوافد عليها طلاّب العلوم والمعرفة من جميع أقطار الدنيا. يقولغوستاف لوبون : (كان العلماء ورجال الفن والأدباء من جميع الملل والنحل من يونان وفُرس وأقباط وكلدان يتقاطرون إلى بغداد، ويجعلون منها مركزاً للثقافة في الدنيا)، قال أبو الفرج عن المأمون: (إنّه كان يخلو بالحكماء، ويأنس بمناظرتهم، ويلتذ بمذاكرتهم علماً منه بأنّ أهل العلم هُم صفوة الله من خلقه ونخبته من عباده(١) .

هذه بعض المراكز الثقافية في ذلك العصر.

العلوم السائدة:

وكانت العلوم السائدة التي أقبل الناس على تعلّمها، هي:

١ ـ علوم القرآن:

أ ـ علم القراءات: ويُعنى هذا العلم بالبحث عن قراءة القرآن وقد وجدت سبع طُرق في القراءات، كل طريقة منها تُنسب إلى قارئ، ومن أشهرهم في العصر العباسي يحيى بن الحارث الذماري المتوفّى سنة (١٤٥ هـ) وحمزة بن حبيب الزيات المتوفّى سنة (١٥٦ هـ) وأبو عبد الرحمن المقري المتوفّى

ـــــــــ

(١) حضارة العرب: ٢١٨.


سنة (٢١٣ هـ) وخلف بن هشام البزاز المتوفّى سنة (٢٢٩ هـ)(١) .

ب ـ التفسير: ويُراد به إيضاح الكتاب العزيز وبيان معناه، وقد اتجه المفسّرون في تفسيره اتجاهين:

الأوّل:التفسير بالمأثور ، ونعني به تفسير القرآن بما أثر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأئمّة الهُدىعليهم‌السلام وهذا ما سلكه أغلب مُفسّري الشيعة كتفسير القمّي والعسكري والبرهان؛ وحجّتهم في ذلك أنّ أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام هم المخصوصون بعلم القرآن على حقيقته وواقعه، وقد أدلى بذلك الإمام أبو جعفر الباقرعليه‌السلام بقوله:(ما يستطيع أحد أن يدّعي أن عنده جميع القرآن كلّه ظاهره وباطنه غير الأوصياء) (٢) وقد تظافرت الأدلّة على وجوب الرجوع إليهم في تفسير القرآن، يقول الشيخ الطوسي: (إنّ تفسير القرآن لا يجوز إلاّ بالأثر الصحيح عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعن الأئمّة الذين قولهم حجة كقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )(٣) .

الثاني:التفسير بالرأي ، ويُراد به الأخذ بالاعتبارات العقلية الراجعة إلى الاستحسان وقد ذهب إلى ذلك المفسرون من المعتزلة والباطنية ، فلم يعنوا بما أثر عن أئمّة الهُدى في تفسير القرآن الكريم، وإنّما استندوا في تفسيره إلى ما يرونه من الاستحسانات العقلية(٤) .

وعلى أيّة حال فإنّ أوّل مدرسة للتفسير بالمأثور كانت في عهد الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام فهو أوّل مفسّر للقرآن الكريم وعنه أخذ عبد الله بن عباس وغيره، من أعلام الصحابة، وكذلك اهتمّ به اهتماماً بالغاً الأئمّة الطاهرون، فتناولت الكثير من محاضراتهم تفسير القرآن، وأسباب نزول آياته وفضل قراءته.

٢ ـ علم الحديث:

ونعني به ما أثر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو عن أحد أوصيائه الأئمّة الطاهرين، من قول أو فعل أو تقرير لشيء ويعبّر عن ذلك كلّه بالسنّة.

ـــــــــ

(١) المعارف: ٢٣٠ ـ ٢٣١، الفهرست: ٤٢ ـ ٤٥.

(٢) التبيان: ١ / ٤.

(٣) حياة الإمام محمّد الباقر عليه‌السلام : ١ / ١٨١.

(٤) حياة الإمام محمّد الباقر عليه‌السلام : ١ / ١٨١.


وقد سبق الشيعة إلى تدوين الأحاديث، فقد حثّ الأئمّة الطاهرون أصحابهم على ذلك، حيث روى أبو بصير فقال: دخلت على أبي عبد اللهعليه‌السلام فقال:(ما يمنعكم من الكتابة، إنّكم لن تحفظوا حتى تكتبوا، أنّه خرج من عندي رهط من أهل البصرة يسألون عن أشياء فكتبوها) وقد انبرى جماعة من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام إلى جمع الأحاديث الصحيحة في جوامع كبيرة، وهي الجوامع الأولى للإمامية والتي تعدّ الأساس لتدوين الجوامع الأربعة لمشايخ الإسلام الثلاثة(١) .

٣ ـ الفقه:

ومن أبرز العلوم التي ساد انتشارها في ذلك العصر بل في جميع العصور الإسلامية هو علم الفقه الذي يتكفل بيان التكاليف اللازمة على المكلّفين وما هم مسؤولون عنه عند الله ومطالبون بامتثالها وتطبيقها على واقع حياتهم، ومن ثمّ كان الاهتمام بدراسة علم الفقه أكثر من سائر العلوم، وقد قام أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام بدور فعّال في إنشاء مدرستهم الفقهيّة التي تخرّج منها كبار الفقهاء والعلماء أمثال : زرارة ومحمّد بن مسلم وجابر بن يزيد الجعفي وأمثالهم من عيون العلماء، وقد دوّنوا ما سمعوه من الأئمّة الطاهرين في أصولهم التي بلغت زهاء أربعمئة أصل، ثمّ هذّبت، وجمعت في الكتب الأربعة التي يرجع إليها فقهاء الإمامية في استنباطهم للأحكام الشرعية. ولم يقتصر هذا النشاط في طلب علم الفقه والإقبال عليه على الشيعة، وإنّما شمل جميع الطوائف الإسلامية.

٤ ـ علم أصول الفقه:

وأسّس هذا العلم الإمام أبو جعفر محمّد الباقرعليه‌السلام ، وهذا العلم ممّا يتوقّف عليه الاجتهاد والاستنباط، وكان موضع دراسة في ذلك العصر.

ـــــــــ

(١) مقدّمة المقنع والهداية: ١٠.


٥ ـ علم النحو:

وهو من العلوم التي لعبت دوراً مهمّاً في العصر العبّاسي، فقد كانت بحوثه موضع جدل، وقد عقدت لها الأندية في قصور الخلفاء وجرى في بعض مسائله نزاع حادّ بين علماء هذا الفنّ، وقد تخصّص بهذا العلم جماعة من الأعلام في ذلك العصر في طليعتهم الكسائي والفراء وسيبويه، وقد أسّس هذا العلم الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام رائد العلم والحكمة في الأرض.

٦ ـ علم الكلام:

ويقصد به الدفاع عن المعتقدات الدينية بالأدلّة العلميّة، وقد تأسّس هذا الفنّ على أيدي الأئمة من أهل البيتعليهم‌السلام وتخصّص فيه جماعة من تلاميذهم، يعدّ في طليعتهم العالم الكبير هشام بن الحكم، ومن أشهر المتكلّمين عند أهل السنّة: واصل بن عطاء وأبو الهذيل العلاّف وأبو الحسن الأشعري والغزالي.

٧ ـ علم الطب:

وقد شجّع ملوك بني العبّاس على دراسة الطب، ومنحوا الجوائز والأموال الطائلة للمتخصّصين فيه أمثال جبريل بن بختشوع الطبيب النصراني.

٨ ـ علم الكيمياء:

وقد تخصّص فيه جابر بن حيان مفخرة الشرق العربي، وقد تلقّى معلوماته في هذا المجال من الإمام جعفر الصادق العقلية المفكّرة الفريدة في العالم الإنساني والمؤسس لهذا العلم.

٩ ـ علم الهندسة المعمارية والمدنية.

١٠ ـ علم الفلك.

ترجمة الكتب:

وكان من مظاهر الحياة الثقافية في ذلك العصر الإقبال على ترجمة الكتب إلى اللغة العربية، وقد تناولت كتب الطب، والرياضة، والفلك، وأصناف العلوم السياسية والفلسفة، ذكر أسماء كثير منها ابن النديم في الفهرست، وكان يرأس ديوان الترجمة حنين بن إسحاق، وقد روى ابن النديم: أنّ المأمون كان بينه وبين ملك الروم مراسلات، وقد استظهر عليه المأمون فكتب إليه يسأله الإذن في


إنفاذ من يختار من العلوم القديمة المخزونة، المدّخرة ببلد الروم فأجابه إلى ذلك بعد امتناع، فأخرج المأمون لذلك جماعة منهم الحجّاج بن مطر وابن البطريق ومسلم صاحب بيت الحكمة وغيرهم، فأخذوا ممّا وجدوا، فلمّا حملوه إليه أمرهم بنقله فنقل..(١) .

المعاهد والمكتبات:

وأنشأت الحكومة في هذا العصر الكثير من المدارس والمعاهد في بغداد لتدريس العلوم الإسلامية وغيرها، فقد أنشئت فيها حوالي ثلاثون مدرسة، وما فيها من مدرسة إلاّ ويقصر القصر البديع عنها.

كما أسست فيها المكتبات العامة التي كان منها مكتبة بيت الحكمة، فقد نقل إليها الرشيد مكتبته الخاصة، وأضاف إليها من الكتب ما جمعه جدّه المنصور وأبوه المهدي، وفي عهد المأمون طلب من أمير صقلية بعض الكتب العلمية والفلسفية، فلمّا وصلت إليه نقلها إلى مكتبة بيت الحكمة، كما جلب إليها من خراسان الكثير من الكتب، وكان حيث ما سمع بكتاب جلبه لها، وظلّت هذه الخزانة التي هي من أثمن ما في العالم قائمة يرجع إليها البحّاث وأهل العلم فلمّا استولى السفّاك المغول على بغداد سنة (٦٥٦ هـ) عمدوا إلى إتلافها، وبذلك خسر العالم الإسلامي أعظم تراث علمي له(٢) .

الخرائط والمراصد:

أمر المأمون بوضع خريطة للعالم سُمّيت (الصورة المأمونية) وهي أوّل خريطة صُنعت للعالم في العصر العباسي، كما أمر بإنشاء مرصد فلكي فأنشي بالشماسية وهي إحدى محلاّت بغداد(٣) .

في هذا الجو العلمي الزاهر كان الإمام أبو جعفر الجوادعليه‌السلام الرائد الأعلى للحركة الثقافية، فقد التفّ حوله العلماء أثناء إقامته في بغداد وهم ينهلون من نمير علومه،

ـــــــــ

(١) الفهرست: ٣٣٩.

(٢) تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي: ٤/١٦٠ ـ ١٦٢.

(٣) عصر المأمون: ١ / ٣٧٥.


وقد سألوه عن أدقّ المسائل الفلسفية والكلامية فكان يجيبهم عليها ويتحدّى الزمن مما منّ الله به عليه من معارف وعلوم (١) .

٢ ـ الحياة السياسية:

لقد كانت الحياة السياسية في عصر الإمام أبي جعفرعليه‌السلام سيئة وكانت الظروف حرجة للغاية لا للإمام فحسب وإنّما كانت كذلك لعموم المسلمين وذلك لما وقع فيها من الأحداث الجسام، فقد مُنيت الأمة بموجات عارمة من الفتن والاضطرابات، وقبل أن نتحدّث عنها نرى من اللازم أن نعرض لمنهج الحكم في العصر العباسي وغيره ممّا يتصل بالموضوع وفيما يلي ذلك:

منهج الحكم : فقد كان على غرار الحكم الأموي، في الأهداف والأساليب وقد وصفه (نكلسون) بأنّه نظام استبدادي، وأنّ العباسيين حكموا البلد حكماً مطلقاً على النحو الذي كان يحكم به ملوك آل ساسان قبلهم(٢) .

لقد كان الحكم خاضعاً لرغبات ملوك العباسيين وأمرائهم، ولم يكن له أي التقاء مع معايير الدين الإسلامي، فقد شذّت تصرّفاتهم الإدارية والاقتصادية والسياسية عمّا قنّنه الإسلام في هذه المجالات.

واستبدّ ملوك بني العباس بشؤون المسلمين وأقاموا فيهم حكماً إرهابياً لا يعرف الرحمة والرأفة، وهو بعيد كلّ البعد عمّا شرّعه الإسلام من الأنظمة والقوانين الهادفة إلى بسط العدل، ونشر المساواة والحق بين الناس.

ـــــــــ

(١) راجع: حياة الإمام محمد الجوادعليه‌السلام : ١٧٩ ـ ١٨٨.

(٢) اتّجاهات الشعر العربي: ٤٩.


الخلافة والوراثة: لم تخضع الخلافة الإسلامية حسب قيمها الأصلية لقانون الوراثة ولا لأي لون من ألوان المحاباة أو الاندفاع وراء الأهواء والعصبيات، فقد حارب الإسلام جميع هذه المظاهر واعتبرها من عوامل الانحطاط والتأخر الفكري والاجتماعي، وأناط الخلافة بالقيم الكريمة، والمُثل العُليا، والقدرة على إدارة شؤون الأمة، فمن يتصف بها فهو المرشّح لهذا المنصب الخطير الذي تدور عليه سلامة الأمة وسعادتها.

وأمّا الشيعة فقد خصَّصت الخلافة بالأئمّة الطاهرين من أهل البيتعليهم‌السلام لا لقرابتهم من الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكونهم ألصق الناس به وأقربهم إليه، وإنّما لمواهبهم الربّانية، وما اتصفوا به من الفضائل التي لم يتصف بها أحد غيرهم فضلاً عن النصّ عليهم، بما لا يدع مجالاً للاختيار.

وأمّا الذين تمسكوا بعنصر الوراثة فهم العباسيّون، على غرار الأمويين فاعتبروها القاعدة الصلبة لاستحقاقهم للخلافة بحجة أنّهم أبناء عم الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد بذلوا الأموال الطائلة لأجهزة الإعلام لنشر ذلك وإذاعته بين الناس.

وقد هبّت إلى تأييد ودعم الوسط العباسي الأوساط المرتزقة من خلال انتقاص العلويين فتتقرب إليهم بذلك وتشهد بأنّ ذئاب بني العباس أولى بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من السادة الأطهار من آل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١) .

تصرّفات شاذّة: ولمّا التزم العباسيّون بقانون الوراثة، قاموا بتصرفات شاذّة تسيء إلى مصلحة الأمة وكان من بينها:

١ ـ إسناد الخلافة إلى من لم يبلغ الرشد، فقد عهد الرشيد بالخلافة إلى ابنه الأمين، وكان له من العمر خمس سنين، وإلى ابنه المأمون وكان عمره ثلاث عشرة سنة، من دون أن يكونا قد حازا العلم والحكمة والحنكة الإدارية والسياسية، حتى كان يسيّرهما مَن سواهما من أصحاب البلاط.

ـــــــــ

(١) راجع حياة الإمام محمّد الجواد عليه‌السلام : ١٩٠ بتصرف بسيط.


علماً بأن الإمامة والخلافة للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منصب ربّاني وعهد إلهي لا يرتقي إليه إلاّ من اعتدلت فطرته وسلمت سيرته من الخطل والخطأ والانحراف في كل مجالات حياته، ليكون قادراً على قيادة الأمة إلى طرق الرشاد.

وهكذا انحرف العبّاسيون بذلك عمّا قرّره الإسلام من أن منصب الخلافة إنّما يُسند إلى من يتمتع بالحكمة والصيانة والمعرفة بالشؤون الاجتماعية والدراية التامة بما تحتاج إليه الأمة في جميع شؤونها.

٢ ـ إسناد ولاية العهد إلى أكثر من واحد فانّ في ذلك تمزيقاً لشمل الأمة وتصديعاً لوحدتها وقد شذّ الرشيد عن ذلك فقد أسند الخلافة من بعده إلى الأمين والمأمون، وقد ألقى الصراع بينهما، وعرّض الأمة إلى الأزمات الحادّة، والفتن الخطيرة، وسنعرض لها في البحوث الآتية.

الوزارة: من الأجهزة الحساسة في الدولة العباسية هي الوزارة، فكانت ـ على الأكثر ـ وزارة تفويض، فكان الخليفة يعهد إلى الوزير بالتصرف في جميع شؤون دولته ويتفرغ هو للّهو والعبث والمجون، فقد استوزر المهدي العباسي يعقوب بن داود، وفوّض إليه جميع شؤون رعيّته وانصرف إلى ملذّاته.

واستوزر الرشيد يحيى بن خالد البرمكي ومنحه جميع الصلاحيات واتجه نحو ملاذّه وشهواته فكانت لياليه الحمراء في بغداد شاهدة على ذلك.

وتصرّف يحيى في شؤون الدولة الواسعة الأطراف حسب رغباته، فقد أنفق الأموال الطائلة على الشعراء المادحين له، واتخذ من العمارات والضِياع التي كانت تدرّ عليه بالملايين، الكثير الكثير وهي التي سببت قيام هارون الرشيد باعتقاله، وقتل ابنه جعفر ومصادرة جميع أموالهم.

وفي عهد المأمون أطلق يد وزيره الفضل بن سهل في أمور الدولة فتصرّف فيها كيفما شاء، وكان الوزير يكتسب الثراء الفاحش بما يقترفه من النهب والرشوات، وقد عانت الأمة من ضروب المحن والبلاء في عهدهم مما لا يوصف فكانوا الأداة الضاربة للشعب، فقد استخدمتهم الملوك لنهب ثروات الناس وإذلالهم وإرغامهم على ما يكرهون.


وكان الوزراء معرّضين للسخط والانتقام وذلك لما يقترفونه من الظلم والجور، وقد نصح دعبل الخزاعي الفضلَ بن مروان أحد وزراء العباسيين فأوصاه بإسداء المعروف والإحسان إلى الناس، وقد ضرب له مثلاً بثلاثة وزراء ممّن شاركوه في الاسم وسبقوه إلى كرسي الحكم، وهم الفضل بن يحيى، والفضل بن الربيع، والفضل بن سهل، فإنهم لمّا جاروا في الحكم تعرّضوا إلى النقمة والسخط.

ومن غرائب ما اقترفه الوزراء من الخيانة أن الخاقاني وزير المقتدر بالله العباسي ولّى في يوم واحد تسعة عشر ناظراً للكوفة وأخذ من كلّ واحد رشوة(١) إلى غير ذلك من هذه الفضائح والمنكرات الكثيرة عند بعض وزراء العباسيين(٢) .

ـــــــــ

(١) تاريخ التمدّن الإسلامي: ٤ / ١٨٢.

(٢) راجع حياة الإمام محمد الجوادعليه‌السلام : ١٨٨ ـ ١٩٢.


اضطهاد العلويّين: اضطهدت أكثر الحكومات العبّاسيّة رسمياً العلويّين، وقابلتهم بمنتهى القسوة والشدّة، وقد رأوا من العذاب ما لم يروه في العهد الأموي وأوّل من فتح باب الشر والتنكيل بهم الطاغية فرعون هذه الأمة المنصور الدوانيقي(١) وهو القائل: (قتلت من ذريّة فاطمة ألفاً أو يزيدون وتركت سيّدهم ومولاهم جعفر بن محمّد)(٢) ، وهو صاحب خزانة رؤوس العلويّين التي تركها لابنه المهدي تثبيتاً لملكه وسلطانه وقد ضمّت تلك الخزانة رؤوس الأطفال والشباب والشيوخ من العلويّين(٣) !! ، وهو الذي وضع أعلام العلويّين وأعيانهم في سجونه الرهيبة حتى قتلتهم الروائح الكريهة وردم على بعضهم السجون حتى توفّوا دفناً تحت أطنان الأتربة والأحجار!!

لقد اقترف هذا الطاغية السفّاك جميع ألوان التصفية الجسدية مع العلويّين، وعانوا في ظلال حكمه من صنوف الإرهاب والتنكيل ما لا يوصف لفضاعته وقسوته.

أمّا موسى الهادي فقد زاد على سلفه المنصور، وهو صاحب واقعة فخ التي لا تقل في مشاهدها الحزينة عن واقعة كربلاء، وقد ارتكب فيها هذا السفاك من الجرائم ما لم يُشاهد مثله، فقد أوعز بقتل الأطفال وإعدام الأسرى، وظلّ يطارد العلويّين، ويلحّ في طلبهم فمن ظفر به قتله، ولكن لم تطل أيام هذا الجلاّد حتى قصم الله ظهره.

ـــــــــ

(١) تاريخ الخلفاء للسيوطي: ٢٦١.

(٢) الأدب في ظلّ التشيّع: ٦٨.

(٣) تاريخ الطبري ١٠ / ٤٤٦.


أمّا هارون الرشيد فهو لم يقلّ عن أسلافه في عدائه لأهل البيتعليه‌السلام والتنكيل بهم وهو القائل: (حتام اصبر على آل بني أبي طالب، والله لأقتلنّهم ولأقتلنّ شيعتهم، ولأفعلنّ وأفعلنّ)(١) وهو الذي سجن الإمام الأعظم موسى بن جعفرعليه‌السلام عدة سنين، ودسّ إليه السمّ حتى توفّي في سجنه، لقد جهد الرشيد في ظلم العلويّين وإرهاقهم، فعانوا في عهده من الإرهاب ما لا يقلّ فضاعة عمّا عانوه في أيام المنصور.

ولما آلت الخلافة إلى المأمون رفع عنهم المراقبة، وأجرى لهم الأرزاق وشملهم برعايته وعنايته، ولكن لم يدم ذلك طويلاً إذ انّه بعد ما اغتال الإمام الرضاعليه‌السلام بالسمّ، أخذ في مطاردة العلويّين والتنكيل بهم كما فعل معهم أسلافه.

وعلى أيّة حال فإنّ من أعظم المشاكل السياسية التي أُمتحن بها المسلمون امتحاناً عسيراً هي التنكيل بعترة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وذرّيته وقتلهم بيد الزمرة العبّاسية الغاشمة والتي فاقت في قسوتها وشرورها أعمال بني أمية، حتى انتهى الأمر بأبناء النبيّ العظيمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّهم كانوا يتضورون جوعاً وسغباً، سوى المآسي الأخرى التي حلّت بهم، وكان من الطبيعي أن تؤلم هذه الحالة قلب الإمام أبي جعفر الجوادعليه‌السلام ، وتصيبه بالأسى والحزن(٢) .

مشكلة خلق القرآن: لعلّ من أعقد المشاكل السياسية التي اُبتلي بها المسلمون في ذلك العصر هي محنة خلق القرآن التي أوجدت الفتن والخطوب في البلاد.

ـــــــــ

(١) حياة الإمام موسى بن جعفر عليه‌السلام : ٢ / ٤٧.

(٢) الحدائق الوردية: ٢ / ٢٢٠.


فقد أظهر المأمون هذه المسألة في سنة (٢١٢ هـ). واُمتحن بها العلماء امتحاناً شديداً، وأرهقوا إلى حدّ بعيد فمن لا يقول بمقالة المأمون سجَنه أو نفاه أو قتله وقد حمل الناس على ما يذهب إليه بالقوّة والقهر.

إنّ هذه المسألة تعتبر من أهمّ الأحداث الخطيرة التي حدثت في ذلك العصر، وقد تعرّض الفلاسفة والمتكلّمون إلى بسطها وإيضاح غوامضها (١) .

٣ ـ الحياة الاقتصادية:

اهتم الإسلام بالحالة الاقتصادية وازدهارها، واعتبر الفقر كارثة مدمّرة يجب القضاء عليه بكافة الطرق والوسائل، وألزم ولاة الأمور والمسؤولين أن يعملوا جاهدين على تنمية الاقتصاد العام، وزيادة دخل الفرد، وبسط الرخاء والرفاهية بين الناس ليسلم المسلمون من الشذوذ والانحراف الذي هو ـ على الأكثر ـ وليد الفقر والحرمان، وكان من بين ما عنى به أنّه حرّم على ولاة الأمور إنفاق أموال الدولة في غير صالح المسلمين، ومنعهم أن يصطفوا منها لأنفسهم وأقربائهم، ومن يمتّ إليهم، ولكن ملوك بني العبّاس تجاهلوا ما أمر به الإسلام في هذا المجال فاتّخذوا مال الله دولاً وعباد الله خولاً، وأنفقوا أموال المسلمين على شهواتهم وملاذهم من دون تحرج!!، وقد أدّت هذه السياسة المنحرفة إلى أزمات حادّة في الاقتصاد العام، حيث انقسم المجتمع إلى طبقتين: الأولى وهي الطبقة الراقية في الثراء التي لا عمل لها إلاّ اللهو واللعب، والأخرى الطبقة الكادحة التي تزرع الأرض، وتعمل في الصناعة، وتشقى في سبيل أولئك السادة ولا تحصل بجهدها إلاّ على ما يسدّ رمقها، وترتّب على فقدان التوازن في الحياة

ـــــــــ

(١) راجع: حياة الإمام محمد الجوادعليه‌السلام : ٢٠٣ ـ ٢٠٥.


الاقتصادية انعدام الاستقرار في الحياة السياسية والاجتماعية على السواء(١) وفيما يلي نتحدث ـ بإيجاز ـ عن الحياة الاقتصادية في ذلك العصر:

واردات الدولة: كانت واردات الدولة الإسلامية في العصر العبّاسي الذي عاش فيه الإمام أبو جعفر الجوادعليه‌السلام ضخمة للغاية، فقد أحصى ابن خلدون الخراج في عهد المأمون فكان مجموعه ما يزيد على (٤٠٠) مليون درهم(٢) ، وقد بلغ من كثرة المال ووفرته أنّه كان لا يُعدّ، وإنّما كان يوزن، فكانوا يقولون: إنّه بلغ ستة أو سبعة آلاف قنطار من الذهب(٣) ، وقد حسب عامل المعتصم على الروم خراجها فكان أقلّ من ثلاثة آلاف ألف، فكتب إليه المعتصم يعاتبه، وممّا جاء في عتابه: (إنّ أخسّ ناحية عليها أخس عبيدي خراجها أكثر من خراج أرضك)(٤) . ومن المؤسف أنّ هذه الأموال الوفيرة لم تنفق على تحسين أوضاع المسلمين وتطوير حياتهم، وإنّما كان الكثير منها يصرف على الشهوات والملذّات، وقد عكست تلك الإنفاقات الهائلة ترف بغداد في ذلك العصر ذلك الترف الذي تحكيه قصص (ألف ليلة وليلة) التي مثّلت حياة اللهو في ذلك العصر.

التهالك على جمع المال: وتهالك الناس في ذلك العصر على جمع المال بكلّ وسيلة كانت، مشروعة أم غير مشروعة، فقد أصبح المال هو المقياس في قيم الرجال، وأخذ يتردّد في الأمثلة الجارية في بغداد (المال مال، وما سواه محال)

ـــــــــ

(١) الإدارة الإسلامية في عزّ العرب: ٨٢.

(٢) المقدّمة: ١٧٩ ـ ١٨٠.

(٣) المقدّمة: ١٧٩ ـ ١٨٠.

(٤) أحسن التقاسيم للمقدسي: ٦٤ (طبع ليدن).


وتوسّل الناس إلى جمعه بكلّ طريق لا يعفون عن محرم، ولا يتورّعون عن خبيث، وأصبح الخداع والغشّ هو الوسيلة في جمعه(١) .

تضخّم الثروات: وتضخّمت الثروات الهائلة عند بعض الناس خصوصاً في بغداد عاصمة العالم الإسلامي آنذاك، فقد وجدت فيها طبقة رأسمالية كانت تملك الملايين، وكذلك البصرة فقد ضمّت طبقة كبيرة من أهل الثراء العريض وكانت البصرة ثغر العراق والمركز التجاري الخطير الذي يصل بين الشرق والغرب، وتستقبل متاجر الهند، وجزر البحار الشرقية، ومن أجل ذلك سمّيت البصرة أرض الهند وأم العراق(٢) .

نفقات المأمون في زواجه: وكان من مظاهر ذلك الإسراف والبذخ والتصرف الظالم في أموال المسلمين ما أنفقه المأمون من الأموال الطائلة المذهلة في زواجه بالسيّدة بوران فقد أمهرها ألف ألف دينار، وشرط عليه أبوها الحسن بن سهل أن يبني بها في قريته الواقعة بفم الصلح فأجابه إلى ذلك، ولمّا أراد الزواج سافر إلى فم الصلح ونثر على العسكر الذي كان معه ألف ألف دينار وكان معه في سفره ثلاثون ألفاً من الغلمان الصغار والخدم الصغار والكبار وسبعة آلاف جارية... وعرض العسكر الذي كان معه فكان أربعمئة ألف فارس، وثلاثمئة ألف راجل.. وكان الحسن بن سهل يذبح لضيوفه ثلاثين ألف رأس من الغنم، ومثليها من الدجاج، وأربعمئة بقرة، وأربعمئة جمل وسمّى الناس هذه الدعوة (دعوة الإسلام) وهو ليس من الإسلام في شيء، فإنّ الإسلام احتاط كأشدّ ما يكون الاحتياط في بيت مال المسلمين فحرم إنفاق أي شيء في غير صالحهم.

ـــــــــ

(١) مقدّمة البخلاء: ٢٤.

(٢) مقدّمة البخلاء: ٢٤.


وحينما بنى المأمون ببوران نثروا من سطح دار الحسن بن سهل بنادق عنبر فاستخفّ بها الناس، وزهدوا فيها، ونادى شخص من السطح قائلاً: كلّ من وقعت بيده بندقة فليكسرها فإنّه يجد فيها رقعة، وما فيها له وكسر الناس البنادق فوجدوا فيها رقاعاً في بعضها تحويل بألف دينار وفي أخرى خمسمئة دينار إلى أن تصل إلى المئة دينار، وفي بعضها عشرة أثواب من الديباج، وفي بعضها خمسة أثواب، وفي بعضها غلام، وفي بعضها جارية، وحمل كلّ من وقعت بيده رقعة إلى الديوان واستلم ما فيها(١) كما أنفق على قادة الجيش فقط خمسين ألف ألف درهم(٢) .

وفي ساعة الزفاف أُجلست بوران على حصير منسوج من الذهب ودخل عليها المأمون ومعه عمّاته وجمهرة من العبّاسيّات فنثر الحسن بن سهل على المأمون وزوجته ثلثمئة لؤلؤة وزن كلّ واحدة مثقال، وما مدّ أحد يده لالتقاطها، وأمر المأمون عمّاته بالتقاطها، ومدّ يده فأخذ واحدة منها (فالتقطتها العبّاسيّات). لقد أنفق الحسن والمأمون هذه الأموال الطائلة على هذا الزواج من بيت مال المسلمين، وقد أمر الله بإنفاقه على مكافحة الفقر ومطاردة البؤس والحرمان.

هبات وعطايا: ووهب ملوك بني العبّاس أموال المسلمين بسخاء إلى المغنّين والمغنّيات والخدم والعملاء، فقد غنّى إبراهيم بن المهدي العبّاسي محمّد الأمين صوتاً فأعطاه ثلاثمئة ألف ألف درهم فاستكثرها إبراهيم، وقال له: يا سيّدي لو قد أمرت لي بعشرين ألف ألف درهم فقال له الخليفة: هل هي إلاّ

ـــــــــ

(١) تاريخ الطبري: ٧ / ١٤٩، وابن الأثير: ٤ / ٢٠٦.

(٢) تزيين الأسواق للأنطاكي ٣ / ١١٧.


خراج بعض الكور(١) ، وغنّى ابن محرز عند الرشيد بأبيات مطلعها : (واذكر أيام الحمى ثمّ انثن) فاستخفّ به الطرب فأمر له بمئة ألف درهم، وأعطى مثل ذلك للمغنّي دحمان الأشقر(٢) ولمّا تقلّد المهدي العبّاسي الخلافة وزّع محتويات إحدى خزانات بيت المال بين مواليه وخدمه(٣) إلى غير ذلك من الهبات والهدايا التي كانت من الخزينة المركزية التي كان ملزماً شرعاً بإنفاقها على المشاريع الحيوية التي تزدهر بها البلاد.

اقتناء الجواري: وبدل أن يتّجه ملوك بني العبّاس إلى إصلاح البلاد وتنميتها الاقتصادية فقد اتّجهوا بنهم وجشع إلى اقتناء الجواري، والمغالاة في شرائها، فقد جلبت إلى بغداد الجواري الملاح من جميع أطراف الدنيا، فكان فيهنّ الحبشيات، والروميّات، والجرجيات، والشركسيات، والعربيات من مولدات المدينة والطائف واليمامة ومصر من ذوات الألسنة العذبة، والجواب الحاضر، وكان بينهنّ الغانيات اللاتي يعزفن مع ما عليهن من اللباس الفاخر وما يتّخذن من العصائب التي ينظمنها بالدرّ والجواهر، ويكتبن عليهنّ بصفائح الذهب(٤) وقد كان عند الرشيد زهاء ألفي جارية، وعند المتوكّل أربعة آلاف جارية(٥) وقد زار الرشيد في يوم فراغه البرامكة فلمّا أراد الانصراف خرجت جواريهم فاصطففن مثل العساكر صفّين صفّين، وغنين وضربن بالعود ونقرن على الدفوف إلى أن طلع مقاصير القصر(٦) وكان عند والدة جعفر البرمكي مئة وصيفة لباس كلّ

ـــــــــ

(١) الإسلام والحضارة العربية ٢ / ٢٣١.

(٢) المستطرف: ١٨٢ ـ ١٨٤.

(٣) تاريخ بغداد: ٥ / ٣٩٣.

(٤) حضارة الإسلام: ٩٨.

(٥) الأغاني: ٩ / ٨٨.

(٦) حضارة الإسلام في دار السلام: ٩٦.


واحدة منهنّ وحليّها غير لبوس الأخرى وحليّها(١) لقد كان اقتناء الجواري بهذه الكثرة من نتائج وفرة المال وكثرته عند هذه الطبقة الرأسمالية التي حارت في كيفيّة صرف ما عندها من الأموال.

التفنّن في البناء: وتفنّن ملوك بني العبّاس في بناء قصورهم، فأشادوا أضخم القصور التي لم يشيّد مثلها في البلاد وقد بنوا في بغداد قصر الخلد تشبيهاً له بجنّة الخلد التي وعد الله بها المتّقين، وكان من أعظم الأبنية الإيوان الذي بناه الأمين، وقد وصفه المؤرّخون بأنّه جعله كالبيضة بياضاً ثمّ ذهب بالإبريز المخالف بينه باللازورد، وكان ذا أبواب عظام ومصاريع غلاظ تتلألأ فيه مسامير الذهب التي قمعت رؤوسها بالجوهر النفيس وقد فرش بفرش كأنّه صبغ بالدم وقد نقش بتصاوير من الذهب، وتماثيل العقيان، ونضّد فيه العنبر الأشهب والكافور المصعد(٢) وقد أنفق جعفر البرمكي على بناء داره نحواً من عشرين مليون درهم(٣) .

وبلغ البذخ والترف في ذلك العصر أنّ كثيراً من أبواب الدور في بغداد كانت من الذهب في حين أنّ الأكثرية الساحقة من أفراد الأمة كانت تشكو الجوع والحرمان.

أثاث البيوت: وحفلت قصور العبّاسيّين بأنواع الأثاث وأفخرها في العالم، ويقول المؤرّخون: إنّ السيّدة زبيدة قد اصطفت بساطاً من الديباج جمع صورة كلّ حيوان من جميع الأجناس، وصورة كلّ طائر من الذهب، وأعينها اليواقيت

ـــــــــ

(١) الجهشياري: ٢٤٦.

(٢) طبقات الشعراء لابن المعتزّ: ٢٠٩.

(٣) تاريخ الطبري: ١٠ / ٩٢.


والجواهر يقال إنّها أنفقت على صنعه مليون دينار(١) ، كما اتّخذت الآلة من الذهب المرصّع بالجوهر، والآبنوس، والصندل عليها الكلاليب من الذهب الملبّس بالوشي والديباج، والسمور، وأنواع الحرير، كمثل اتّخاذها شمع العنبر، واصطناعها الخفّ مرصّعاً بالجوهر واتّخاذها الشاكرية(٢) .

أمّا مجالس البرامكة فكانت مذهلة، فكان الرشيد إذا حضر مجالس البرامكة وهو بين الآنية المرصّعة والخزائن المجزعة، والمطارح من الوشي والديباج والجواري يرفلن في الحرير والجوهر، ويستقبلنه بالروائح التي لا يدري لطيبها ما هي، خيّل إليه أنّه في الجنّة بين الجمال والجوهر والطيب(٣) .

الثياب: وكان من نتائج بذخ العبّاسيّين وترفهم ما ذكره ابن خلدون أنّه كانت دور في قصورهم لنسج الثياب تسمّى دور الطراز، وكان القائم عليها ينظر في أمور الصنّاع وتسهيل آلاتهم وإجراء أرزاقهم(٤) .

ألوان الطعام: وتعدّدت ألوان الطعام بسبب تقدّم الحضارة فقد روى طيفور عن جعفر بن محمّد الأنماطي أنّه تغذّى عند المأمون فوضع على المائدة ثلاثمئة لون من الطعام(٥) ونظراً لتعدّد ألوان الطعام فقد فسدت أسنانهم ممّا اضطرّهم إلى شدّها بالذهب للعلاج(٦) .

ـــــــــ

(١) حضارة الإسلام: ٩٥، نقلاً عن المستطرف: ٩٦.

(٢) حضارة الإسلام: ٩٥.

(٣) حضارة الإسلام: ٩٦.

(٤) المقدّمة: ٢٦٧.

(٥) تاريخ بغداد لطيفور: ٣٦.

(٦) التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية لصالح أحمد: ١٧٧.


مخلّفات العبّاسيّين من الأموال: وخلّف ملوك بني العبّاس ووزراؤهم من الأموال ما لا يحصى، وفيما يلي بعض ما تركوه:

١ ـ ترك الطاغية البخيل المنصور الدوانيقي من الأموال التي سرقها من المسلمين ما يقرب من ستمئة مليون درهم و أربعة عشر مليون دينار(١) وقد كدّس هذه الأموال الهائلة في خزائنه وترك الفقر والبؤس يهيمنان على جميع أنحاء البلاد الإسلامية.

٢ ـ خَلّف الرشيد من المال ما يقدّر بنحو تسعمئة مليون درهم(٢) .

٣ ـ توفّيت الخيزران أم الرشيد، فكانت غلّتها ألف ألف وستّين ألف درهم(٣) .

٤ ـ ترك عمرو بن سعدة أحد وزراء المأمون ما يقرب من ثمانية ملايين دينار فأخبروا المأمون بذلك في رقعة فكتب عليها : (هذا قليل لمن اتّصل بنا، وطالت خدمته لنا فبارك الله لولده فيه)(٤) .

حياة اللهو والطرب: وعاش أكثر خلفاء بني العبّاس عيشة اللهو والطرب والمجون، عيشة ليس فيها ذكر لله ولا لليوم الآخر، وقضوا أيامهم في هذه الحياة التافهة التي تمثّل السقوط والانحطاط.

ـــــــــ

(١) أمراء الشعر العربي: ٤٥.

(٢) أمراء الشعر العربي: ٤٥.

(٣) الإسلام والحضارة العربية: ٢ / ٢٣٠.

(٤) الإسلام والحضارة العربية: ٢ / ٢٣١.


وقد روى أحمد بن صدقة قال: دخلت على المأمون في يوم السعانين(١) وبين يديه عشرون وصيفة جلباً روميات مزنرات قد تزيّنّ بالديباج الرومي وعلّقن في أعناقهنّ صلبان الذهب، وفي أيديهنّ الخوص والزيتون.

وكان من مظاهر الحياة اللاهية لعبهم بالنرد والشطرنج، والعناية بتربية الحمام والمغالاة في أثمانه(٢) كما تهارشوا بالديوك والكلاب(٣) ولعبوا بالميسر وقد انتشر ذلك حتى في حانات الفقراء(٤) .

ومن المؤسف أنّ الطرب والمجون قد سرى إلى بعض المحدّثين الذين يجب أن يتّصفوا بالإيمان والاستقامة فقد ذكر الخطيب البغدادي عن المحدّث محمّد بن الضوء إنّه ليس بمحلّ لأن يؤخذ عنه العلم ; لأنّه كان من المتهتّكين بشرب الخمر والمجاهرة بالفجور، وكان أبو نؤاس يزوره في الكوفة في بيت خمّار يقال له جابر(٥) .

التقشّف والزهد: وبجانب حياة اللهو والطرب التي عاشها الناس في عصر الإمام أبي جعفرعليه‌السلام فقد كانت هناك طائفة من الناس قد اتّجهت إلى الزهد والتقشّف ونظرت إلى مباهج الحياة نظرة زهد واحتقار، فكان من بينهم إبراهيم بن الأدهم وهو ممّن ترك الحياة الناعمة وأقبل على طاعة الله

ـــــــــ

(١) يوم السعانين: عيد للنصارى.

(٢) حياة الحيوان: ٣ / ٩١.

(٣) الأغاني: ٦ / ٧٤ ـ ٧٥.

(٤) حياة الحيوان: ٥ / ١١٥.

(٥) الأوراق: ٦١.


وكان يردّد هذا البيت:

اتّخذ الله صاحباً

ودع الناس جانبا

وكان يلبس في الشتاء فرواً ليس تحته قميص (١) مبالغة منه في الزهد وكان ممّن عُرِف بالتقشّف معروف الكرخي فكان يبكي وينشد في السحر:

أي شيء تريد منّي الذنوب

شغفت بي فليس عنّي تغيب

ما يضرّ الذنوب لو اعتقتني

رحمةً بي فقد علاني المشيب(٢)

وكان من زهّاد ذلك العصر بشر بن الحارث وهو القائل:

قطع الليالي مع الأيام في خلق

والقوم تحت رواق الهمّ والقلق

أحرى وأعذر لي من أن يقال غداً

إنّي التمست الغنى من كفّ مختلق

قالوا: قنعت بذا ؟ قلت: القنوع غنى

ليس الغنى كثرة الأموال والورق

رضيت بالله في عسري وفي يسري

فلست أسلك إلاّ أوضح الطرق (٣)

ومن الطبيعي أنّ هذه الدعوة إلى الزهد إنّما جاءت كرد فعل لإفراط ملوك العبّاسيّين والطبقة الرأسماليّة في الدعارة والمجون وعدم عفافهم عمّا حرّمه الله من الملاهي .

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن عصر الإمام الجواد عليه‌السلام (٤) .

إلى هنا نكون قد وقفنا على ملامح هذا العصر وخصائصه الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وسوف نردفها ببيان طبيعة علاقة حكّام عصر الإمام مع الإمامعليه‌السلام من جهة، ثم ندرس متطلبات هذا العصر على ضوء هذه الملامح وعلى ضوء رسالة الإمام الجوادعليه‌السلام في تلك الظروف التي أحاطت به آخذين

ـــــــــ

(١) حلية الأولياء: ٧ / ٣٦٧ ـ ٣٧٣.

(٢) حلية الأولياء: ٢ / ١٨١.

(٣) صفة الصفوة: ٢ / ١٨٩.

(٤) راجع حياة الإمام محمد الجوادعليه‌السلام : ٢٠٦ ـ ٢١٦.


بنظر الاعتبار مجمل أهداف الإمامعليه‌السلام باعتباره أحد عناصر أهل بيت الرسالة الذين أوكلت إليهم مهمة الحفاظ على الرسالة والأمة المسلمة لإيصالهما إلى شاطئ الأمن والسلام الذي نادى به الإسلام ووعد به المؤمنين بل المسلمين فضلاً عن العالَمين.

الفصل الثاني: الإمام الجوادعليه‌السلام وحكّام عصره

١ ـ المأمون العبّاسي

استمرّ المأمون على منهجه السابق في التظاهر بالإحسان لأهل البيتعليهم‌السلام وقد تظاهر بإكرام الإمام الجوادعليه‌السلام فزوّجه ابنته وحاول التقرّب إليه كثيراً لكنه في الوقت ذاته كان يكيد للإمام من خلال تحجيم دوره وتشديد الرقابة عليه، بالرغم من تظاهره بالولاء لأهل البيتعليهم‌السلام والرعاية له بشكل خاص. وذلك لما عرفناه من موقف المأمون من أبيه الرضاعليه‌السلام فيما سبق من بحوث، وبه نفسّر كل ما صدر من المأمون تجاه الإمام الجوادعليه‌السلام .

وسنتطرق إلى الثغرات الرئيسية في العلاقة بين الإمامعليه‌السلام والمأمون فيما بعد.

تزويج المأمون ابنته من الإمام الجوادعليه‌السلام :

قال المؤرخون: (لمّا أراد المأمون أن يزوج ابنته أم الفضل أبا جعفر محمد بن عليعليه‌السلام بلغ ذلك العباسيين فغلظ عليهم، واستنكروه وخافوا أن ينتهي الأمر معه إلى ما انتهى مع الرّضاعليه‌السلام فخاضوا في ذلك واجتمع منهم أهل بيته الأدنون منه. فقالوا: ننشدك الله ياأمير المؤمنين أن تقيم على هذا الأمر الذي عزمت عليه من تزويج ابن الرضا فإنّا نخاف أن يخرج به عنا أمر قد ملّكناه الله عَزَّ وجَلَّ، وينزع منّا عزّاً قد ألبسناه الله، وقد عرفت ما بيننا وبين هؤلاء القوم قديماً وحديثاً، وما كان عليه الخلفاء الراشدون قبلك، من تبعيدهم والتصغير بهم، وقد كنّا في وهلة من عملك مع الرضاعليه‌السلام ما عملت فكفانا الله المهم من ذلك. فالله الله إن تردّنا إلى غمّ قد انحسر عنّا، واصرف رأيك عن ابن الرضا واعدل إلى مَن تراه من أهل بيتك يصلح لذلك دون غيره.

فقال لهم المأمون: أما ما بينكم وبين آل أبي طالب فأنتم السبب فيه، ولو انصفتم القوم لكانوا أولى بكم وأمَّا ما كان يفعله من قبلي بهم، فقد كان قاطعاً للرّحم، وأعوذ بالله من ذلك، والله ما ندمت على ما كان منّي من استخلاف الرضاعليه‌السلام ولقد سألته أن يقوم بالأمر وأنزعه من نفسي فأبى، وكان أمر الله قدراً مقدوراً.


وأما أبو جعفر محمد بن علي ، فقد اخترته لتبريزة على كافة أهل الفضل في العلم والفضل، مع صغر سنه، والأعجوبة فيه بذلك، وأنا أرجو أن يظهر للناس ما قد عرفته منه، فيعلمون أن الرأي ما رأيت فيه.

فقالوا له: إن هذا الفتى وإن راقك منه هديه فانه صبي لا معرفة له ولا فقه، فأمهله ليتأدب ثم اصنع ما تراه بعد ذلك.

فقال لهم: ويحكم إني أعرف بهذا الفتى منكم وأن أهل هذا البيت علمهم من الله تعالى وموادّه وإلهامه، ولم يزل آباؤه أغنياء في علم الدين والأدب عن الرعايا الناقصة عن حدّ الكمال، فإن شئتم فامتحنوا أبا جعفر بما يتبين لكم به ما وصفت من حاله.

قالوا: قد رضينا لك ياأمير المؤمنين ولأنفسنا بامتحانه، فخلّ بيننا وبينه لننصب من يسأله بحضرتك عن شيء من فقه الشريعة، فإن أصاب في الجواب عنه لم يكن لنا اعتراض في أمره وظهر للخاصة والعامة سديد رأي أمير المؤمنين فيه، وإن عجز عن ذلك فقد كفينا الخطب في معناه. فقال لهم المأمون: شأنكم وذلك متى أردتم.

فخرجوا من عنده واجتمع رأيهم على مسألة يحيى بن أكثم، وهو يومئذ قاضي الزمان على أن يسأله مسألة لا يعرف الجواب فيها، ووعدوه بأموال نفيسة على ذلك، وعادوا إلى المأمون وسألوه أن يختار لهم يوماً للاجتماع فأجابهم إلى ذلك.

فاجتمعوا في اليوم الذي اتفقوا عليه وحضر معهم يحيى بن أكثم وأمر المأمون أن يفرش لأبي جعفر دست(١) ويجعل له فيه مسورتان ففعل ذلك وخرج أبو جعفر وهو يومئذ ابن تسع سنين وأشهر فجلس بين المسورتين وجلس يحيى بن أكثم بين يديه وقام الناس في مراتبهم والمأمون جالس في دست متصل بدست أبي جعفرعليه‌السلام .

ـــــــــ

(١) الدست هنا صدر البيت ، وهو معرب.


فقال يحيى بن أكثم للمأمون: يأذن لي أمير المؤمنين أن أسأل أبا جعفر عن مسألة ؟ فقال له المأمون: استأذنه في ذلك فأقبل عليه يحيى بن أكثم، فقال: أتأذن لي جعلت فداك في مسألة ؟

فقال أبو جعفرعليه‌السلام : (سل إن شئت).

قال يحيى: ما تقول جعلت فداك في محرم قتل صيداً ؟

فقال أبو جعفرعليه‌السلام :(قتله في حلّ أو في حرم، عالماً كان المحرم أو جاهلاً، قتله عمداً أو خطأ، حرّاً كان المحرم أو عبداً، صغيراً كان أو كبيراً، مبتدئاً بالقتل أو معيداً، من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها، من صغار الصيد أم من كبارها، مصرّاً على ما فعل أو نادماً، في الليل كان قتله للصيد أم في النهار، محرماً كان بالعمرة إذ قتله أو بالحج كان محرماً ؟)

فتحيّر يحيى بن أكثم وبان في وجهه العجز والانقطاع ولجلج حتى عرف جماعة أهل المجلس أمره. فقال المأمون: الحمد لله على هذه النعمة والتوفيق لي في الرأي ثم نظر إلى أهل بيته فقال لهم: أعرفتم الآن ما كنتم تنكرونه ؟ ثم أقبل على أبي جعفرعليه‌السلام فقال له: أتخطب يا أبا جعفر ؟

فقال:نعم ياأمير المؤمنين . فقال له المأمون: أخطب لنفسك جعلت فداك قد رضيتك لنفسي وأنا مزوّجك أم الفضل ابنتي وإن رغم قوم ذلك.

فقال أبو جعفرعليه‌السلام :

(الحمد لله إقراراً بالنعمة، ولا اله إلاّ الله إخلاصاً لوحدانيته وصلَّى الله على محمد سيد بريّته، والأصفياء من عترته.

أما بعد فقد كان من فضل الله على الأنام، أن أغناهم بالحلال عن الحرام، فقال سبحانه: ( وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) . ثم إن محمد بن علي بن موسى يخطب أم الفضل بنت عبد الله المأمون، وقد بذل لها من الصّداق مهر جدّته فاطمة بنت محمد عليهما‌السلام وهو خمسمئة درهم جياداً فهل زوّجته ياأمير المؤمنين بها على هذا الصداق المذكور ؟)

فقال المأمون: نعم قد زوّجتك ياأبا جعفر أم الفضل ابنتي على الصداق المذكور، فهل قبلت النكاح ؟


قال أبو جعفر عليه‌السلام : (قد قبلت ذلك ورضيت به) .

فأمر المأمون أن يقعد الناس على مراتبهم في الخاصة والعامة.

قال الريّان: ولم نلبث أن سمعنا أصواتاً تشبه أصوات الملاّحين في محاوراتهم، فإذا الخدم يجرّون سفينة مصنوعة من فضة مشدودة بالحبال من الإبريسم، على عجلة مملوّة من الغالية، ثم أمر المأمون أن تخضب لحاء الخاصة من تلك الغالية، ثم مدّت إلى دار العامّة فتطيبوا منها ووضعت الموائد فأكل الناس وخرجت الجوائز إلى كلّ قوم على قدرهم.

فلما تفرق الناس وبقي من الخاصة من بقي، قال المأمون لأبي جعفرعليه‌السلام : إن رأيت جعلت فداك أن تذكر الفقه الذي فصّلته من وجوه من قتل المحرم لنعلمه ونستفيده.

فقال أبو جعفرعليه‌السلام :(نعم ، إن المحرم إذا قتل صيداً في الحلّ وكان الصيد من ذوات الطير، وكان من كبارها، فعليه شاة، فإن أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً، وإذا قتل فرخاً في الحلّ فعليه حمل قد فطم من اللبن وإذا قتله في الحرم فعليه الحمل وقيمة الفرخ، فإذا كان من الوحش وكان حمار وحش فعليه بقرة، وإن كان نعامة فعليه بدنة وإن كان ظبياً فعليه شاة وإن كان قتل شيئاً من ذلك في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً هدياً بالغ الكعبة. وإذا أصاب المحرم ما يجب عليه الهدي فيه، وكان إحرامه بالحجّ نحره بمنى، وإن كان إحرامه بالعمرة نحره بمكة، وجزاء الصيد على العالم والجاهل سواء، وفي العمد عليه المأثم وهو موضوع عنه في الخطأ، والكفّارة على الحرّ في نفسه، وعلى السيّد في عبده، والصغير لا كفّارة عليه، وهي على الكبير واجبة والنادم يسقط ندمه عنه عقاب الآخرة، والمصرّ يجب عليه العقاب في الآخرة) .

فقال المأمون: أحسنت ياأبا جعفر أحسن الله إليك فإن رأيت أن تسأل يحيى عن مسألة كما سألك.

فقال أبو جعفرعليه‌السلام ليحيى:(أسألك ؟) قال: ذلك إليك جعلت فداك، فإن عرفت جواب ما تسألني وإلا استفدته منك.

فقال له أبو جعفرعليه‌السلام :أخبرني عن رجل نظر إلى امرأة في أول النهار فكان نظره إليها حراماً عليه، فلما ارتفع النهار حلّت له، فلما زالت الشمس حرمت عليه، فلما كان وقت العصر حلّت له، فلما غربت الشمس حرمت عليه، فلما دخل وقت العشاء الآخرة حلّت له، فلما كان وقت انتصاف الليل حرمت عليه، فلما طلع الفجر حلّت له، ما حال هذه المرأة وبماذا حلّت له وحرمت عليه ؟) .


فقال له يحيى بن أكثم: لا والله لا أهتدي إلى جواب هذا السؤال ولا أعرف الوجه فيه، فإن رأيت أن تفيدناه.

فقال أبو جعفرعليه‌السلام :(هذه أمة لرجل من الناس، نظر إليها أجنبي في أول النهار فكان نظره إليها حراماً عليه، فلما ارتفع النهار ابتاعها من مولاها فحلّت له، فلما كان عند الظهر أعتقها فحرمت عليه، فلما كان وقت العصر تزوّجها فحلت له، فلما كان وقت المغرب ظاهَر منها فحرمت عليه، فلما كان وقت العشاء الآخرة كفّر عن الظهار فحلّت له، فلما كان نصف الليل طلّقها واحدة، فحرمت عليه، فلمّا كان عند الفجر راجعها فحلّت له) .

قال: فأقبل المأمون على من حضره من أهل بيته فقال لهم: هل فيكم من يجيب هذه المسألة بمثل هذا الجواب، أو يعرف القول فيما تقدم من السؤال ؟ قالوا: لا والله إن أمير المؤمنين أعلم وما رأى.

فقال: ويحكم! إن أهل هذا البيت خصّوا من الخلق بما ترون من الفضل، وإن صغر السنّ فيهم لا يمنعهم من الكمال. أما علمتم أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم افتتح دعوته بدعاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام وهو ابن عشر سنين، وقبل منه الإسلام وحكم له به، ولم يدع أحداً في سنّه غيره، وبايع الحسن والحسينعليهما‌السلام وهما ابنا دون الست سنين، ولم يبايع صبياً غيرهما، أو لا تعلمون ما اختص الله به هؤلاء القوم؟! وإنهم ذرية بعضها من بعض يجري لآخرهم ما يجري لأولهم. فقالوا: صدقت ياأمير المؤمنين ثم نهض القوم.

فلما كان من الغد أُحضر الناس وحضر أبو جعفرعليه‌السلام وسار القوّاد والحجّاب والخاصة والعمّال لتهنئة المأمون وأبي جعفرعليه‌السلام فأخرجت ثلاثة أطباق من الفضة، فيها بنادق مسك وزعفران، معجون في أجواف تلك البنادق رقاع مكتوبة بأموال جزيلة، وعطايا سنية، وإقطاعات، فأمر المأمون بنثرها على القوم من خاصته فكان كل من وقع في يده بندقة أخرج الرقعة التي فيها والتمسه فأطلق يده له، ووضعت البدر، فنثر ما فيها على القوّاد وغيرهم، وانصرف الناس وهم أغنياء بالجوائز والعطايا. وتقدم المأمون بالصدقة على كافة المساكين، ولم يزل مكرماً لأبي جعفرعليه‌السلام معظماً لقدره مدة حياته، يؤثره على ولده وجماعة أهل بيته)(١) .

ـــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٥٠ / ٧٤ ـ ٧٩.


حقيقة العلاقة بين الإمامعليه‌السلام والمأمون

بعد استعراضنا لقضية زواج الإمامعليه‌السلام من بنت المأمون وبيان ملابساتها وما دار خلالها من نقاش وسجال وحوار، نسجل الملاحظات الآتية لبيان الثغرة في علاقة المأمون العباسي بالإمام الجوادعليه‌السلام .

١ ـ كان المأمون يدرك جيداً أن الجوادعليه‌السلام هو الوارث الحقيقي لخط الإمامة وهو القائد الشرعي لأمة جده رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لذلك تعامل في تخطيطه السياسي معه تعاملاً جادّاً بصفة أن الإمامعليه‌السلام كان قطباً مهماً من أقطاب الساحة السياسية الإسلامية وقائداً مطاعاً من قبل الطليعة الواعية في الأمة مع ما يمتلكه من مكانة واحترام في نفوس قطّاعات واسعة من الأمة.

وقد أعلن المأمون تصوره هذا أمام العباسيين عندما قالوا له: يا أمير المؤمنين أتزوج ابنتك وقرة عينك صبياً لم يتفقه في دين الله ؟ ولا يعرف حلاله من حرامه؟ ولا فرضاً من سنة ؟ ولأبي جعفرعليه‌السلام إذ ذاك تسع سنين، فلو صبرت له حتى يتأدب ويقرأ القرآن ويعرف الحلال من الحرام.

فقال المأمون: (إنه لأفقه منكم وأعلم بالله ورسوله وسنته وأحكامه، وأقرأ لكتاب الله منكم وأعلم بمحكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه وظاهره وباطنه وخاصه وعامه وتنزيله وتأويله، منكم). لذلك لابدّ أن يكون المأمون مع الإمام الجوادعليه‌السلام مخططاً له بعناية وحنكة. وهذا يفسر البعد الضخم الذي اكتسبه زواج الجوادعليه‌السلام من بنت المأمون ومدى اهتمام المأمون به من قبل القوّاد والحجّاب والخاصّة.

٢ ـ على أساس النقطة السابقة فقد تظاهر المأمون بحبه وتقديره للإمام الجوادعليه‌السلام طالباً بذلك:

أ ـ كسب الجماهير المسلمة الموالية لأهل البيتعليهم‌السلام بصفته من الموالين والمكرمين لآل الرسول، وهو نظير ما يقوم به السياسيون المعاصرون من رفعهم للشعارات التي تطمح الأمة إلى تحقيقها.

ب ـ التغطية على جريمة قتله للإمام الرضاعليه‌السلام ، وذلك بإظهار الحب والشفقة والاحترام لولده الجوادعليه‌السلام وبهذا التصرف استطاع المأمون أن يخدع الرأي العام.

٣ ـ كانت علاقة المأمون بالجوادعليه‌السلام كعلاقته السابقة مع أبيه الإمام الرضاعليه‌السلام ، تنطوي على أغراض سياسية أي أنه كان ظاهرها حسناً جميلاً وباطنها يتضمّن النيّة الشريرة والمكر السيئ !!


لقد كاد المأمون للإمام الجوادعليه‌السلام ، ولكنه لم يستطع تحقيق أغراضه في الانتقاص منه وإسقاطه، فكانت آخر محاولة له مع الجواد هي تزويجه لبنته، فقد روي فيالكافي :

عن محمد بن الريّان أنّه قال: (احتال المأمون على أبي جعفرعليه‌السلام بكل حيلة، فلم يمكنه فيه شيء فلما اعتلّ وأراد أن يبني عليه ابنته دفع إلى مئتي وصيفة من أجمل ما يكون إلى كل واحدة منهن جاماً فيه جوهر يستقبلن أبا جعفرعليه‌السلام إذا قعد في موضع الأخيار فلم يلتفت إليهن وكان رجل يقال له مخارق صاحب صوت وعود وضرب، طويل اللحية فدعاه المأمون، فقال: يا أمير المؤمنين إن كان في شيء من أمر الدنيا فأنا أكفيك أمره، فقعد بين يدي أبي جعفرعليه‌السلام فشهق مخارق شهقة اجتمع عليه أهل الدار، وجعل يضرب بعوده ويغنّي، فلما فعل ساعة وإذا أبو جعفر لا يلتفت إليه يميناً ولا شمالاً، ثم رفع إليه رأسه وقال:(اتق الله يا ذا العثنون) . قال: فسقط المضراب من يده والعود، فلم ينتفع بيديه إلى أن مات، قال: فسأله المأمون عن حاله فقال: لما صاح بي أبو جعفر فزعت فزعة لا أفيق منها أبداً)(١) .

يتجلّى لنا من هذه الرواية أن المأمون احتال بكل حيلة لإظهار عدم صلاحية الإمام الجوادعليه‌السلام للإمامة والقيادة أمام الناس وأنه أولى منه بالخلافة والقيادة، لكنه فشل في ذلك مما اضطرّه لتجريب أسلوب آخر يحتوي به حركة الإمام، وذلك بتزويجه ابنته. على أنّ هذا الزواج كان تحديداً للإمام وليس إكراماً له، كما أنه قد كشف عن واقعه مآله وعاقبته التي تجلّت في اغتيال أم الفضل للإمام الجوادعليه‌السلام ، كما سيأتي تفصيله.

أمّا توجّهات قاضي القضاة ابن أكثم في التصدي لإحراج الإمام بالأسئلة الصعبة فما كانت إلاّ بدافع من المأمون، والرواية الآتية تدل على ذلك:

قال المأمون ليحيى بن أكثم: أطرح على أبي جعفر محمد بن علي الرضاعليهما‌السلام مسألة تقطعه فيها. فقال: يا أبا جعفر، ما تقول في رجل نكح امرأة على زنا أيحل أن يتزوجها ؟ فقالعليه‌السلام :(يدعها حتى يستبرئها من نطفته ونطفة غيره، إذ لا يؤمَن منها أن تكون قد أحدثت مع غيره حدثاً كما أحدثت معه. ثم يتزوج بها إن أراد، فإنما مثلها مثل نخلة أكل رجل منها حراماً ثم اشتراها فأكل منها حلالاً) . فانقطع يحيى(٢) .

ـــــــــ

(١) أصول الكافي: ١ / ٤٩٤ ـ ٤٩٥، نقلاً عن حياة الإمام محمد الجوادعليه‌السلام : ص ٢٢٨ ـ ٢٢٩.

(٢) تحف العقول: ٤٥٤.


ولكن دهاء المأمون وحنكته السياسية جعلاه يظهر الفرح عندما يجيب الإمام الجوادعليه‌السلام على المشكلات من المسائل فتظهر توجهات ابن أكثم وكأنها توجهات فردية. وهذا لون من ألوان السياسة المتبعة حتى الآن وهي ان القائد يُظهر الودّ لجهة ما، لكنه يأمر أتباعه وأذنابه بمحاربة تلك الجهة.

وإذا انطلت هذه الأحابيل على البسطاء فإنها لم تنطل على الموالين للإمامعليه‌السلام ففي رواية نقلها الكليني تفيد أن بعض الأوساط السياسية آنذاك كانت غير منخدعة بتزويج المأمون ابنته للإمام الجوادعليه‌السلام بل كانت تحتمل وجود مكيدة سياسية خلف العملية. فعن محمد بن علي الهاشمي قال: (دخلت على أبي جعفرعليه‌السلام صبيحة عرسه حيث بنى بابنة المأمون ـ وكنت تناولت من الليل دواء ـ فأول من دخل عليه في صبيحته أنا وقد أصابني العطش وكرهت أن أدعو بالماء، فنظر أبو جعفرعليه‌السلام في وجهي وقال:(أظنك عطشان ؟) ، فقلت: أجل. فقال:ياغلام ـ أو :ياجارية ـاسقنا ماءً . فقلت في نفسي: الساعة يأتونه بماء يسمّونه به، فاغتممت لذلك، فأقبل الغلام ومعه الماء، فتبسم في وجهي، ثم قال:ياغلام ناولني الماء ، فتناول الماء فشرب، ثم ناولني فشربت، ثم عطشت أيضاً وكرهت أن أدعو بالماء، ففعل ما فعل في الأولى، فلمّا جاء الغلام ومعه القدح قلت في نفسي مثل ما قلت في الأولى، فتناول القدح ثم شرب، فناولني وتبسم)(١) .

فلقد كان هذا الهاشمي يتوقّع اغتيال الإمامعليه‌السلام في ظلّ العداء الذي يكنّه المأمون وجهازه الحاكم للإمامعليه‌السلام ، لذلك اغتمّ عندما طلب الإمامعليه‌السلام الماء.

السبب في تزويج المأمون ابنته للإمام الجوادعليه‌السلام

انّ هذا الزواج إضافة لما سيحققه من دعاية للمأمون تُظهر حبّه وولاءه لأهل البيتعليهم‌السلام ، فإنّ ثمة سبباً آخر نرجّحه على غيره ونراه السبب الأساس وهو وضع الجاسوس والرقيب الخاص على الإمامعليه‌السلام يلازمه في بيته، يحصي عليه سكناته وحركاته ويرفعها إلى الجهة التي زرعته وهكذا كانت أم الفضل ابنة المأمون العبّاسي مع الإمام الجوادعليه‌السلام .

ـــــــــ

(١) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٨١.


موقف العباسيين:

اتّسم موقف العباسيين بالحقد والتعصب والسذاجة. فقد استاءوا مما تصوروه من تساهل المأمون مع الإمامعليه‌السلام فقد كانت المظاهر تؤثر عليهم كثيراً، دون إدراكهم البعد العميق والحقيقي الذي كان يقصده المأمون وقد استفاد المأمون من وضعهم هذا عندما راح يفنّد مزاعمهم فيظهر وكأنه موال حقيقةً لأهل البيتعليهم‌السلام .

موقف الإمام الجوادعليه‌السلام من ابن الأكثم:

لقد تصدى الإمامعليه‌السلام للرد على ابن الأكثم وإظهار عجزه أمام الناس للأسباب الآتية.

أ ـ إثبات إمامته وعلمه أمام الناس في وقت راحت الجهات المعادية تشن حملة إعلامية شديدة على الإمام بادعائها انهعليه‌السلام لا يفقه من الدين شيئاً وذلك لصغر سنه.

ب ـ أن تفنيده وإفحامه لابن الأكثم كان يعتبر تفنيداً وإفحاماً للنظام الحاكم باعتبار أنّ ابن الأكثم عالم المأمون وقاضي قضاته.

ج ـ تثقيف الناس وكشف العلم الصحيح لهم من خلال الإجابات على أسئلته.

مدة إمامة الجوادعليه‌السلام في عهد المأمون:

استلم الإمام الجوادعليه‌السلام منصب الإمامة ونهض بأعباء قيادة الأمة سنة (٢٠٣ هـ) بعد شهادة أبيه الإمام الرضاعليه‌السلام ، وكان المأمون قد تسنّم منبر الخلافة وقتذاك. وتوفي المأمون سنة (٢١٨ هـ) بالبدندون من أقصى الروم ونقل إلى طوس فدفن فيها(١) .

وبذلك يكون الإمام الجوادعليه‌السلام قد قضى خمس عشرة سنة من إمامته التي استمرت سبع عشرة سنة في خلافة المأمون، وهذا يعني أنّ أغلب سنوات إمامته كانت في فترة حكم المأمون.

ـــــــــ

(١) تاريخ الخلفاء: ٣٣٣ ـ ٣٣٤.


٢ ـ المعتصم العباسي

المعتصم هو أبو إسحاق محمد بن هارون الرشيد ولد سنة ثمانين ومئة، كذا قال الذهبي. وقال الصولي: في شعبان سنة ثمان وسبعين.

وأمه أم ولد من مولدات الكوفة اسمها ماردة وكانت أحظى الناس عند الرشيد. وكان ذا شجاعة وقوة وهمّة وكان عرياً من العلم، لقب بالمعتصم وهو أبعد ما يكون من الاعتصام بالله عَزَّ وجَلَّ.

وكان فاسد الأخلاق له غلام يقال له عجيب وكان مشغوفاً به.

وقد استمر على نهج أخيه في إثارة فتنة خلق القرآن. فسلك ما كان المأمون عليه وختم به عمره من امتحان الناس بخلق القرآن، فكتب إلى البلاد وأمر المعلمين أن يعلّموا الصبيان ذلك وقاسى الناس منه مشقة في ذلك وقتل عليه خلقاً من العلماء، وضرب الإمام أحمد بن حنبل وكان ضربه في سنة عشرين. قيل فجلده حتى غاب عقله وتقطع جلده وقيده وحبسه(١) .

لقد كان المعتصم محدود التفكير ميالاً للقسوة في تعامله مع خصومه السياسيين وغيرهم، وكان يفتقد كثيراً من مقومات الحنكة السياسية في إدارة شؤون الدولة، وقد تعرّض حكمه لكثير من صور الاضطرابات السياسية في أقاليم عديدة من الدولة العباسية(٢) .

وقد هيمن الجيش على الحكم في عصره بعد أن مال المعتصم إلى أخواله الأتراك وكوّن منهم جيشاً خاصاً، وأغدق عليهم الأموال الطائلة مما أثار حفيظة العسكريين العرب، وأثار النزعة القومية في المجتمع.

وتعتبر سياسة المعتصم هذه أخطر ما واجهته الدولة العباسية في مسيرتها. وقد ساءت الأحوال بعد المعتصم، واستشرى خطر العسكريين في الدولة وقاموا بالانقلابات العسكرية على الخلفاء الذين حاولوا تقليص سلطاتهم.

ـــــــــ

(١) مجلة دراسات وبحوث: ص ٩٤.

(٢) راجع الكامل لابن الأثير: ٥ / ٢٣٢ ـ ٢٦٥: ثورة الطالقان بقيادة محمد بن القاسم العلوي، وثورة الزط في البصرة، وثورة بابك الخرمي، وتحرك الروم إلى زبطرة وغيرها من بلاد الإسلام، وثورة المبرقع في فلسطين وغيرها.


المعتصم والطليعة الإسلامية الواعية:

على خلفية الخلاف العقائدي الشديد بين أئمة أهل البيتعليهم‌السلام وشيعتهم المؤمنين من جهة والخلافة العباسية وأتباعها من جهة أخرى، استمر العداء بين الخطين وإن اتخذ في كل فترة لوناً أو درجة من الشدة، ولم يكن المعتصم بمنفصل عن سياسة أسلافه المعادين لأهل البيتعليهم‌السلام وحزبهم.

لقد كاد للإسلام وخطه الصحيح فواجه معارضة شديدة من أهل البيتعليه‌السلام وشيعتهم وسنتناول الانتفاضات التي انطلقت في عصره خلال فصل قادم.

الإمام الجوادعليه‌السلام والمعتصم:

لم تكن المدة التي قضاها الإمام الجوادعليه‌السلام في خلافة المعتصم طويلة فهي لم تتجاوز السنتين، كان ختامها شهادة الإمامعليه‌السلام على يد النظام المنحرف، وفيما يلي استعراض للعلاقة بين الإمام الجوادعليه‌السلام والمعتصم.

أ ـ استقدام الإمامعليه‌السلام إلى بغداد:

لقد خشي المعتصم من بقاء الإمام الجوادعليه‌السلام بعيداً عنه في المدينة، لذلك قرر استدعاءه إلى بغداد، حتى يكون على مقربة منه يحصي عليه أنفاسه ويراقب حركاته، ولذلك جلبه من المدينة، فورد بغداد لليلتين بقيتا من المحرم سنة عشرين ومائتين، وتوفي بهاعليه‌السلام في ذي القعدة من هذه السنة(١) .

لقد كان هذا الاستقدام بمثابة الإقامة الجبرية تتبعه عملية أكبر وهي التصفية الجسدية.

ب ـ اغتيال الإمام الجوادعليه‌السلام :

كان وجود الإمام الجوادعليه‌السلام يمثل خطراً على النظام الحاكم لما كان يملكه هذا الإمام من دور فاعل وقيادي للأمة، لذلك قررت السلطة أن تتخلّص منه مع عدم استبعادها وجود العلاقة بين الإمام القائد والتحركات النهضوية في الأمة.

ـــــــــ

(١) كشف الغمة: ٢ / ٣٦١.


فقد روى المؤرخون عن زرقان صاحب ابن أبي دُوَاد قاضي المعتصم قوله: (رجع ابن أبي دُوَاد ذات يوم من عند المعتصم وهو مغتمّ فقلت له في ذلك، فقال وددت اليوم أني قد مت منذ عشرين سنة، قال قلت له: ولم ذاك ؟ قال: لما كان من هذا الأسود أبي جعفر محمد بن علي بن موسى اليوم بين يدي أمير المؤمنين، قال: قلت له: وكيف كان ذلك ؟ قال: إن سارقاً أقرّ على نفسه بالسرقة، وسأل الخليفة تطهيره بإقامة الحدّ عليه، فجمع لذلك الفقهاء في مجلسه وقد أحضر محمد بن علي فسألناه عن القطع في أي موضع يجب أن يقطع ؟ قال: فقلت: من الكرسوع. قال: وما الحجة في ذلك ؟ قال: قلت: لأن اليد هي الأصابع والكفّ إلى الكرسوع(١) ، لقول الله في التيمم ( فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ) (٢) واتفق معي ذلك قوم.

وقال آخرون: بل يجب القطع من المرفق، قال: وما الدليل على ذلك ؟ قالوا: لأن الله لمّا قال:( وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ) في الغسل دلّ ذلك على أن حدّ اليد هو المرفق.

قال: فالتفت إلى محمد بن عليعليه‌السلام فقال: ما تقول في هذا ياأبا جعفر ؟ فقال:(قد تكلم القوم فيه ياأمير المؤمنين) ، قال: دعني ممّا تكلموا به ! أي شيء عندك ؟ قال:(اعفني عن هذا ياأمير المؤمنين) ، قال: أقسمت عليك بالله لمّا أخبرت بما عندك فيه.

فقال:(أمّا إذا أقسمت عليّ بالله إني أقول أنهم اخطئوا فيه السنّة، فإن القطع يجب أن يكون من مفصل أصول الأصابع، فيترك الكفّ) ، قال: وما الحجة

ـــــــــ

(١) الكرسوع: كعصفور: طرف الزند الذي يلي الخنصر الناتئ عند الرسغ.

(٢) المائدة (٥): ٥.


في ذلك ؟ قال:(قول رسول الله: السجود على سبعة أعضاء: الوجه واليدين والركبتين والرجلين، فإذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق لم يبق له يد يسجد عليها وقال الله تبارك وتعالى: ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ ) (١) يعني بهذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها ( فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ) وما كان لله لم يقطع) .

قال: فأعجب المعتصم ذلك وأمر بقطع يد السارق من مفصل الأصابع دون الكفّ.

قال ابن أبي دواد: قامت قيامتي وتمنّيت أني لم أك حيّاً.

قال زرقان: قال ابن أبي دؤاد: صرت إلى المعتصم بعد ثالثة، فقلت: إن نصيحة أمير المؤمنين عليّ واجبة وأنا أكلّمه بما أعلم أني أدخل به النار، قال: وما هو ؟ قلت: إذا جمع أمير المؤمنين في مجلسه فقهاء رعيته وعلماءهم لأمر واقع من أمور الدين، فسألهم عن الحكم فيه فأخبروه بما عندهم من الحكم في ذلك، وقد حضر مجلسه أهل بيته وقوّاده ووزراؤه وكتّابه، وقد تسامع الناس بذلك من وراء بابه، ثمّ يترك أقاويلهم كلهم لقول رجل شطر هذه الأمة بإمامته، ويدّعون أنّه أولى منه بمقامه ثم يحكم بحكمه دون حكم الفقهاء ؟

قال: فتغير لونه وانتبه لما نبّهته له، وقال: جزاك الله عن نصيحتك خيراً. قال: فأمر اليوم الرابع فلاناً من وزرائه بأن يدعوه (أي الجوادعليه‌السلام ) إلى منزله فدعاه فأبى أن يجيبه وقالعليه‌السلام :(قد علمت أني لا أحضر مجالسكم) ، فقال: إني إنما ادعوك إلى الطعام وأحب أن تطأ ثيابي، وتدخل منزلي فأتبرّك بذلك، فقد أحب فلان بن فلان من وزراء الخليفة لقاءك فصار إليه، فلمّا طعم منها أحس السمّ فدعا بدابّته فسأله رب المنزل أن يقيم. قالعليه‌السلام :(خروجي من دارك خير لك) ، فلم يزل

ـــــــــ

(١) الجن (٧٢): ١٨.


يومه ذلك وليله في خلفة حتى قبض عليه‌السلام ) (١) .

لقد كان الإمام الجوادعليه‌السلام يتوقع استشهاده بعد هذا الاستدعاء فقد روي عن إسماعيل بن مهران قوله: (لمّا أُخرج أبو جعفرعليه‌السلام من المدينة إلى بغداد في الدفعة الأولى من خرجتيه قلت له عند خروجه: جُعلت فداك، إني أخاف عليك من هذا الوجه، فإلى من الأمر بعدك ؟ قال: فكرّ بوجهه إليَّ فقال:(عند هذه يُخاف عليّ، الأمرُ من بعدي إلى ابني علي) (٢) .

لقد درس المعتصم أكثر السبل التي يستطيع بها أن يصفي الإمام فاعليةً وأقلَّها ضرراً، فلم يجد أفضل من أم الفضل بنت أخيه المأمون للقيام بهذه المهمّة فهي التي تستطيع أن تقتله بصورة أكيدة دون أن تثير ضجة في الأمة، مستغلاً نقطتين في شخصيتها، هما:

١ ـ كونها تنتمي للخط الحاكم انتماءً حقيقياً، فهي بنت المأمون وعمّها المعتصم، وليست بالمستوى الإيماني الذي يجعلها تنفك عن انتمائها النسبي هذا، لذلك كانت تخضع لتأثيراته وتنفذ ما يريده ضد الإمام.

٢ ـ غيرتها وحقدها على الإمام بسبب تسريه وتزوّجه من نساء أخريات خصوصاً وأنها لم تلد للإمام وإنما رزق الإمام من غيرها ولده الهاديعليه‌السلام .

ولقد كان أمر غيرتها شائعاً بين الناس لذلك قال المؤرخون: (وقد روى الناس أن أم الفضل كتبت إلى أبيها من المدينة تشكو أبا جعفر وتقول: إنه يتسرى

ـــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٥٠ / ٥ ـ ٧.

(٢) الإرشاد: ٢ / ٢٩٨.


علي ويغيرني. فكتب إليها المأمون: يا بنيّة إنا لم نزوجك أبا جعفر لنحرّم عليه حلالاً، فلا تعاودي لذكر ما ذكرت بعدها)(١) .

ولم تخل هذه الفترة من الاعتداءات الظاهرية على الإمامعليه‌السلام من أذناب السلطة، ومن ذلك ما فعله عمر بن فرج الرخجي الرجل المعادي لأهل البيتعليهم‌السلام والعامل عند السلطة العباسية. فمثلاً روى المؤرخون عن محمد بن سنان قوله: دخلت على أبي الحسن الهاديعليه‌السلام فقال:(يا محمد حدث بآل فرج حدث ؟) فقلت: مات عمر. فقال:(الحمد لله على ذلك) ، أحصيت أربعاً وعشرين مرة، ثم قال:(أو لا تدري ما قال ـ لعنه الله ـ لمحمد بن علي أبي؟) قال: قلت: لا، قال:(خاطبه في شيء، فقال: أظنّك سكران، فقال أبي: اللهمّ إن كنت تعلم أني أمسيت لك صائماً فأذقه طعم الحرب وذلّ الأسر. فوالله إن ذهبت الأيام حتى حُرب ماله، وما كان له، ثم أُخذ أسيراً فهو ذا مات) (٢) .

استشهاد الإمام الجوادعليه‌السلام

تحدثنا عن دوافع المعتصم في اغتيال الإمام الجوادعليه‌السلام وعن اختياره أم الفضل لتنفيذ الجريمة. ومما يشير إلى أسباب استغلال المعتصم لأُمّ الفضل وكيفية تحريضها على الإقدام على قتل الإمامعليه‌السلام ما روي من شدة غيرتها أيام أبيها وتوريطها لأبيها على ارتكاب جريمة قتل الإمام من قبل المأمون نفسه.(٣)

قال أبو نصر الهمداني: (حدثتني حكيمة بنت محمّد بن عليّ بن موسى بن

ـــــــــ

(١) كشف الغمة: ٢ / ٣٥٨.

(٢) بحار الأنوار: ٥٠/٦٢ ـ ٦٣.

(٣) حياة الإمام محمد الجوادعليه‌السلام : ٢٦٤.


جعفر عمّة أبي محمد الحسن بن عليعليهما‌السلام قالت: لمّا مات محمّد بن عليّ الرّضاعليه‌السلام أتيت زوجته أم عيسى(١) بنت المأمون فعزّيتها فوجدتها شديدة الحزن والجزع عليه تقتل نفسها بالبكاء والعويل، فخفت عليها أن تتصدّع مرارتها فبينما نحن في حديثه وكرمه ووصف خُلقه وما أعطاه الله تعالى من الشّرف والإخلاص ومَنَحَهُ من العزّ والكرامة، إذ قالت أم عيسى: ألا أخبرك عنه بشيء عجيب وأمر جليل فوق الوصف والمقدار ؟ قلت: وما ذاك ؟ قالت: كنت أغار عليه كثيراً وأراقبه أبداً وربما يسمعني الكلام فأشكو ذلك إلى أبي فيقول يابنيّة احتمليه فإنّه بضعة من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فبينما أنا جالسة ذات يوم إذ دخلت عليّ جارية فسلّمت، فقلت: من أنت ؟ فقالت: أنا جارية من ولد عمّار بن ياسر وأنا زوجة أبي جعفر محمّد بن عليّ الرضاعليه‌السلام زوجك. فدخلني من الغيرة ما لا أقدر على احتمال ذلك هممت أن أخرج وأسيح في البلاد وكاد الشيطان أن يحملني على الإساءة إليها، فكظمت غيظي وأحسنت رفدها وكسوتها، فلمّا خرجت من عندي المرأة نهضت ودخلت على أبي وأخبرته بالخبر وكان سكراناً لا يعقل. فقال: ياغلام عليّ بالسّيف، فأتى به، فركب وقال: والله لأقتلنّه ، فلمّا رأيت ذلك قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ما صنعت بنفسي وبزوجي وجعلت ألطم حرّ وجهي، فدخل عليه والدي وما زال يضربه بالسيف حتى قطعه.

ثم خرج من عنده وخرجت هاربة من خلفه فلم أرقد ليلتي فلمّا ارتفع النّهار أتيت أبي فقلت: أتدري ما صنعت البارحة ؟ قال: وما صنعتُ ؟ قلت: قتلتَ ابن

ـــــــــ

(١) أم عيسى هي كنية أخرى لأُم الفضل، واسمها زينب، كما في بعض النصوص.


الرّضاعليه‌السلام ، فبرق عينه وغشي عليه ثم أفاق بعد حين وقال: ويلك ما تقولين ؟ قلت: نعم والله يا أبه دخلت عليه ولم تزل تضربه بالسّيف حتى قتلته، فاضطرب من ذلك اضطراباً شديداً وقال: عليّ بياسر الخادم فجاء ياسر. فنظر إليه المأمون وقال: ويلك ما هذا الّذي تقول هذه ابنتي قال: صدقَتْ يا أمير المؤمنين فضرب بيده على صدره وخدّه، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون هلكنا بالله وعطبنا وافتضحنا إلى آخر الأبد ، ويلك يا ياسر فانظر ما الخبر والقصة عنهعليه‌السلام ؟ وعجّل عليّ بالخبر فإن نفسي تكاد أن تخرج السّاعة فخرج ياسر وأنا ألطم حرّ وجهي، فما كان ياسر من أن رجع، فقال: البشرى ياأمير المؤمنين. قال: لك البشرى فما عندك ؟ قال ياسر: دخلت عليه فإذا هو جالس وعليه قميص ودواج وهو يستاك فسلّمت عليه وقلت: ياابن رسول الله أحب أن تهب لي قميصك هذا أصلي فيه وأتبرك به، وإنما أردت أن أنظر إليه وإلى جسده هل به أثر السّيف فوالله كأنّه العاج الّذي مسّه صفرة ما به اثر. فبكى المأمون طويلاً وقال: ما بقى مع هذا شيء إنّ هذا لعبرة للأوّلين والآخرين.

وقال: ياياسر أما ركوبي إليه وأخذي السّيف ودخولي عليه فإني ذاكر له وخروجي عنه فلست أذكر شيئاً غيره ولا أذكر أيضاً انصرافي إلى مجلسي فكيف كان أمري وذهابي إليه، لعن الله هذه الابنة لعناً وبيلاً، تقدّم إليها وقل لها يقول لك أبوك والله لئن جئتني بعد هذا اليوم شكوت أو خرجت بغير إذنه لانتقمنّ له منك. ثم سر إلى ابن الرّضا وابلغه عني السّلام واحمل إليه عشرين ألف دينار وقدّم إليه الشهري الّذي ركبته البارحة، ثم أمر بعد ذلك الهاشميّين أن يدخلوا عليه بالسّلام ويسلّموا عليه. قال ياسر: فأمرت لهم بذلك ودخلت أنا أيضاً معهم وسلّمت عليه وأبلغت التّسليم ووضعت المال بين يديه وعرضت الشّهري عليه فنظر إليه ساعة ثم تبسّم.

فقالعليه‌السلام :(ياياسر هكذا كان العهد بيننا وبينه حتّى يهجم علي، أما علم أن لي ناصراً وحاجزاً يحجز بيني وبينه) . فقلت: ياسيّدي ، ياابن رسول الله ، دع عنك هذا العتاب واصفح، والله وحق جدّك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما كان يعقل شيئاً من أمره وما علم أين هو من أرض الله وقد نذر لله نذراً صادقاً وحلف إن لا يسكر بعد ذلك أبداً، فإن ذلك من حبائل الشّيطان، فإذا أنت ياابن رسول الله أتيته فلا تذكر له شيئاً ولا تعاتبه على ما كان منه.


فقالعليه‌السلام :(هكذا كان عزمي ورأيي والله) ، ثم دعا بثيابه ولبس ونهض وقام معه الناس أجمعون حتى دخل على المأمون فلمّا رآه قام إليه وضمّه إلى صدره ورحّب به ولم يأذن لأحد في الدخول عليه ولم يزل يحدّثه ويستأمره، فلمّا انقضى ذلك قال أبو جعفر محمّد بن علي الرّضاعليه‌السلام :(يا أمير المؤمنين) ، قال: لبيّك وسعديك. قال:(لك عندي نصيحة فاقبلها) .

قال المأمون: بالحمد والشكر فما ذاك ياابن رسول الله؟

قالعليه‌السلام :(أحب لك أن لا تخرج باللّيل فإني لا آمن عليك من هذا الخلق المنكوس وعندي عقد تحصّن به نفسك وتحرّز به من الشرور والبلايا والمكاره والآفات والعاهات، كما أنقذني الله منك البارحة ولو لقيت به جيوش الرّوم والتّرك واجتمع عليك وعلى غلبتك أهل الأرض جميعاً ما تهيّأ لهم منك شيء بإذن الله الجبّار. وإن أحببت بعثت به إليك لتحترز به من جميع ما ذكرت لك) . قال: نعم، فاكتب ذلك بخطّك وابعثه إليّ، قال:(نعم) .

قال ياسر: فلمّا أصبح أبو جعفرعليه‌السلام بعث إليَّ فدعاني فلمّا صرت إليه وجلست بين يديه دعا برقّ ظبي من أرض تهامة ثم كتب بخطّه هذا العقد. ثم قالعليه‌السلام :(ياياسر احمل هذا إلى أمير المومنين وقل له: حتى يصاغ له قصبة من فضّة منقوش عليها ما أذكره بعده فإذا أراد شدّه على عضده فليشدّه على عضده الأيمن وليتوضّأ وضوءاً حسناً سابغاً وليصل أربع ركعات يقرأ في كلّ ركعة: فاتحة الكتاب مرّة وسبع مرّات: آية الكرسي وسبع مرات: شهد الله وسبع مرّات والشمس وضحاها وسبع مرّات: واللّيل إذا يغشى وسبع مرّات: قل هو الله أحد. فإذا فرغ منها فليشدّه على عضده الأيمن عند الشّدائد والنوائب يسلم بحول الله وقوته من كلّ شيء يخافه ويحذره وينبغي أن لا يكون طلوع القمر في برج العقرب ولو أنه غزى أهل الرّوم وملكهم لغلبهم بإذن الله وبركة هذا الحرز) .


وروي أنه لمّا سمع المأمون من أبي جعفر في أمر هذا الحرز هذه الصفات كلّها غزا أهل الرّوم فنصره الله تعالى عليهم ومنح منهم من المغنم ما شاء الله ولم يفارق هذا الحرز عند كلّ غزاة ومحاربة وكان ينصره الله عَزَّ وجَلَّ بفضله ويرزقه الفتح بمشيّته أنَّه وليّ ذلك بحوله وقوته)(١) .

ويقول المؤرخون إن أم الفضل ارتكبت جريمتها بحقّ الإمام الجوادعليه‌السلام عندما سقته السمّ. فقد روي: (أنّ المعتصم جعل يعمل الحيلة في قتل أبي جعفرعليه‌السلام وأشار على ابنة المأمون زوجته بأن تسمّه لأنّه وقف على انحرافها عن أبي جعفرعليه‌السلام وشدّة غيرتها عليه... فأجابته إلى ذلك وجعلت سمّاً في عنب رازقي ووضعته بين يديه، فلمّا أكل منه ندمت وجعلت تبكي فقال:(ما بكاؤك ؟ والله ليضربنّك الله بفقر لا ينجبر، وبلاء لا ينستر) ، فماتت بعلّة في أغمض المواضع من جوارحها، صارت ناصوراً فانفقت مالها وجميع ما ملكته على تلك العلّة، حتى احتاجت إلى الاسترفاد)(٢) .

وأثّر السمّ في الإمام تأثيراً شديداً حتى لفظ أنفاسه الأخيرة ولسانه يلهج بذكر الله تعالى، وقد انطفأت باستشهاده شعلة مشرقة من الإمامة والقيادة المعصومة في الإسلام.

لقد استشهد الإمام الجوادعليه‌السلام على يد طاغية زمانه المعتصم العباسي وقد انطوت بموته صفحة من صفحات الرسالة الإسلامية التي أضاءت الفكر ورفعت منار العلم والفضيلة في الأرض.

ـــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٥٠ / ٦٢ ـ ٦٣.

(٢) بحار الأنوار: ٥٠ / ١٧.


تجهيزه ودفنه:

وجُهّز بدن الإمامعليه‌السلام فغسّل وأدرج في أكفانه، وبادر الواثق والمعتصم فصليا عليه(١) ، وحمل الجثمان العظيم إلى مقابر قريش، وقد احتفت به الجماهير الحاشدة، فكان يوماً لم تشهد بغداد مثله فقد ازدحمت عشرات الآلاف في مواكب حزينة وهي تردد فضل الإمام وتندبه، وتذكر الخسارة العظمى التي مني بها المسلمون في فقدهم للإمام الجوادعليه‌السلام وحفر للجثمان الطاهر قبر ملاصق لقبر جده العظيم الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام فواروه فيه وقد واروا معه القيم الإنسانية وكل ما يعتز به الإنسان من المثل الكريمة(٢) .

عن أبي جعفر المشهدي بإسناده عن محمد بن رضيّة عن مؤدّب لأبي الحسن (الهاديعليه‌السلام )، قال: (إنه كان بين يديَّ يوماً يقرأ في اللوح إذ رمى اللوح من يده وقام فزعاً وهو يقول:(إنا لله وإنا إليه راجعون مضى والله أبي عليه‌السلام ) فقلت: من أين علمت هذا ؟ فقالعليه‌السلام :(من إجلال الله وعظمته شيء لا أعهده) . فقلت: وقد مضى، قال:(دع عنك هذا ، ائذن لي أن أدخل البيت وأخرج إليك واستعرضني بآي القرآن إن شئت أقل لك بحفظ) ، فدخل البيت فقمت ودخلت في طلبه إشفاقاً مني عليه وسألت عنه فقيل دخل هذا البيت وردّ الباب دونه وقال لي:(لا تؤذن عليّ أحداً حتى أخرج عليكم) .

ـــــــــ

(١) إن الصلاة من قبل المعتصم والواثق على الإمامعليه‌السلام إنما هو للتعتيم الإعلامي على قتل الإمامعليه‌السلام والمعروف أن المعصومعليه‌السلام يقوم بتجهيز المعصوم والصلاة عليه. فلا مانع من حضور الإمام الهاديعليه‌السلام عند تجهيز أبيه الجوادعليه‌السلام . راجع النص من الإمام الهادي على حضوره تغسيل وصلاة ودفن أبيه في مسند الإمام محمد الجوادعليه‌السلام : ١٢٥ ـ ١٢٦.

(٢) حياة الإمام محمد الجوادعليه‌السلام : ٢٦٣.


فخرجعليه‌السلام إليَّ متغيّراً وهو يقول:(إنا لله وإنا إليه راجعون مضى والله أبي) ، فقلت: جعلت فداك، قد مضى؟ فقال:(نعم ، وتولّيت غسله وتكفينه وما كان ذلك لِيلَي منه غيري) ، ثم قال لي:(دع عنك واستعرضني آي القرآن إن شئت أفسر لك تحفظه) فقلت: الأعراف. فاستعاذ بالله من الشيطان الرجيم ثم قرأ:( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * *وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ ... ) (١) .

عمره وتاريخ استشهاده

أما عمر الإمام الجوادعليه‌السلام حين قضى نحبه مسموماً فكان خمساً وعشرين سنة(٢) على ما هو المعروف، وهو أصغر الائمة الطاهرين الاثني عشرعليهم‌السلام سنّاً، وقد أمضى حياته في سبيل عزة الإسلام والمسلمين ودعوة الناس إلى رحاب التوحيد والإيمان والتقوى.

واستشهد الإمام الجوادعليه‌السلام سنة (٢٢٠ هـ) يوم الثلاثاء لخمس خلون من ذي القعدة، وقيل: لخمس ليال بقين من ذي الحجة وقيل: لست ليال خلون من ذي الحجة، وقيل: في آخر ذي القعدة(٣) .

فسلام عليه يوم ولد ويوم تقلّد الإمامة وجاهد في سبيل ربّه صابراً محتسباً ويوم استشهد ويوم يبعث حيّاً.

ـــــــــ

(١) الثاقب: ٢٠٤.

(٢) حياة الإمام محمد الجوادعليه‌السلام : ٢٦٤.

(٣) الكافي: ١ / ٤٩٧ / ١٢، إعلام الورى عن ابن عياش، التهذيب: ٦ / ٩٠.


الفصل الثالث: متطلّبات عصر الإمام الجوادعليه‌السلام

بعد أن وقفنا في الفصلين السابقين على ملامح عصر الإمام الجوادعليه‌السلام وطبيعة تعامل الحكّام مع الإمامعليه‌السلام وخطّه الرسالي والجماعة الصالحة التي تقف إلى جانب الإمام الحق الذي تمثّل مسيرته خطّ الهداية الربّانية للبشرية.. لابدّ أن نقف في هذا الفصل على مجمل متطلّبات عصر الإمام الجوادعليه‌السلام الخاص بظروفه ومستجداته الثقافية والسياسية والاجتماعية من خلال مجموعة المهام الرسالية التي جُعلت في الشريعة الإسلامية على عاتق أهل البيتعليهم‌السلام بشكل عام وعلى عاتق (التاسع منهم) الإمام الجواد بشكل خاص.

وذلك لأن أهل البيتعليهم‌السلام هم أهل بيت النبوّة والرسالة الذين ربّاهم الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيديه الكريمتين وجعلهم الدرع الحصينة التي تقي الرسالة من أن يتلاعب بها الحكّام ووعّاظ السلاطين بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كما أنها تقي الأمة الإسلامية من السقوط والتردّي إلى المهوى السحيق، بعد أن أصبحت الأمة الإسلامية هي الأمة الحية التي لابدّ لها أن تحمل مشعل الحضارة الإسلامية والربّانية إلى العالم أجمع، وقد مُنيت بصدمة كبيرة تمثّلت في الانحراف الذي طال القيادة السياسية والذي أخذ يستشري في سائر مجالات الحياة الإسلامية.

والإمام الجوادعليه‌السلام في عصره الخاص أمام مجموعة من الإنجازات التي حققها آباؤه الطاهرون في هذين الحقلين المهمّين، كما أنّه أمام مستجدات ومتغيّرات في الوضع السياسي والاجتماعي والديني بعد أن سمحت الدولة الإسلامية للتيارات المنحرفة لتعمل بحرّية في الساحة الإسلامية وذلك لأن الحكام المنحرفين قد استهدفوا إضعاف جبهة أهل البيت الرسالية دون مواجهة علنية سافرة.

والإمام الجوادعليه‌السلام لابدّ أن يوازن ويوائم بين المهامّ والمسؤوليات الرسالية من جهة، والإمكانات وما يمكن تحقيقه في هذا الظرف الخاص من جهة أخرى للاقتراب من الأهداف الكبرى والنهائية التي رسمتها له الشريعة وصاحبها وجعلت منه قيّماً رسالياً وقائداً ربّانياً قد نذر نفسه لله تعالى ولرسالته الخالدة.

من هنا يتّضح لنا ما يتطلبه العصر الخاص بالإمام الجوادعليه‌السلام وما ينبغي أن يقوم به من دور فاعل في الساحة الإسلامية وما يحققه من انجازات خاصة بالجماعة الصالحة.


إذاً نقسّم البحث عن هذه المتطلّبات إلى بحثين أساسييّن:

الأوّل: متطلّبات الساحة الإسلامية العامة.

الثاني: متطلّبات الجماعة الصالحة.

أما متطلّبات الساحة الإسلامية العامّة فتتلخّص فيما يلي:

١ ـ إثبات جدارة خط أهل البيتعليهم‌السلام للقيادة الرسالية لجمهور المسلمين وجدارة الإمام الجوادعليه‌السلام بشكل خاص لمنصب القيادة الربّانية.

٢ ـ الردّ على محاولات التسقيط والاستفزاز التي كان يقوم بها الخطّ الحاكم ضد أهل البيتعليهم‌السلام وأتباعهم.

٣ ـ التمهيد العام لدولة الحق المرتقبة رغم محاولات السلطة للقضاء على قضية الإمام المهديعليه‌السلام بأشكال شتى.

٤ ـ مواجهة الانحرافات والبدع والتيارات المنحرفة في الساحة الإسلامية.

٥ ـ التوجّه إلى هموم أبناء الأمة الإسلامية.

وأما متطلّبات الخط الرسالي والجماعة الصالحة فهي كما يلي:

١ ـ تجسيد ظاهرة الإمامة المبكّرة، من خلال تخطي القوانين الطبيعية.

٢ ـ تعميق البناء الثقافي والروحي والتربوي للجماعة الصالحة.

٣ ـ إحكام تنظيم الجماعة الصالحة وإعدادها لدور الغيبة الطويلة.

٤ ـ التمهيد لإمامة الهادي المبكّرة رغم الظروف الحرجة.

٥ ـ التمهيد للإمام الغائب المنتظر بما يتناسب مع حراجة الظرف والإعداد الفكري والروحي لعصر الغيبة المرتقب إعداداً يتناسب مع صعوبات الظرف الخاص.

وسوف نقدم البحث عن متطلّبات الساحة الإسلامية العامة في هذا الفصل، ونرجئ البحث عن متطلبات الجماعة الصالحة إلى فصول لاحقة إن شاء الله تعالى.


الباب الرابع: وفيه فصول:

الفصل الأول: الإمام الجوادعليه‌السلام و متطلّبات الساحة الإسلامية العامّة.

الفصل الثاني: الإمام الجوادعليه‌السلام ومتطلّبات الجماعة الصالحة.

الفصل الثالث: مدرسة الإمام الجوادعليه‌السلام وتراثه.

الفصل الأول: الإمام الجوادعليه‌السلام و متطلّبات الساحة الإسلامية العامّة

١ ـ أهل البيتعليه‌السلام والقيادة الرسالية

لم يستطع المأمون العبّاسي أن يحقّق نواياه الخفية في تسقيط شخصية الإمام الرضاعليه‌السلام وإخراجها من القلوب العامرة بحب أهل البيتعليهم‌السلام ، لأنّ الإمام الرضاعليه‌السلام استطاع أن يخترق العقول والنفوس على مستوى اجتماعي عام، فتلألأت شخصيته العملية وتجلّت ذاته السامية للقريب والبعيد.

ولم يجد المأمون لنفسه طريقاً إلاّ أن يتخلّص من تواجد الإمام وحضوره الفاعل في الساحة الإسلامية من خلال تصفيته الجسديّة; لأن ترك الإمام ليرجع إلى المدينة بعدما طار صيته وتلألأت شخصيته سوف يطيح بعرش المأمون والعباسيين بسرعة، وبقاؤه في عاصمة الخلافة لم يكن بأقل تأثيراً من إبعاده إلى المدينة من حيث الآثار السلبية على عرش المأمون والآثار الايجابية لصالح خط الإمام الرسالي.

والنقطة الثانية التي جدّ فيها العباسيون بشكل عام وتجلّت في سلوك المأمون السياسي بشكل خاص هي قلقهم من قضية الإمام المهدي الموعود والمنتظر الذي قد وعد الله به الأمم ليرأب به الصدع ويلمّ به الشعث ويقضي به على أعمدة الجور والطغيان، فالخطر الذي قد أنذر به الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الحكّام الطغاةوبشّر به المؤمنين والمستضعفين بدأ يقترب منهم، لما أفصح به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من بيان نسب الإمام المهديعليه‌السلام وموقعه القيادي حين نصّ على أنه التاسع من ولد الحسينعليه‌السلام حتى ذكر اسمه واسم أبيه ومجموعة من صفاته وخصائصه وعلائمه.


ومثل هذا الإخبار من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يدع الظالمين في راحة واطمئنان; لأن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرتبط بالوحي ومسدّد من السماء، ولا تكون إخباراته سُدىً. ومثل هذا الإخبار من منجّم عادي أو محترف يكفي لزعزعة الاستقرار النفسي الذي يبحث عنه الحكّام الظالمون فكيف وهم يسمعون هذا الإخبار من نبي مرسل يدّعون الانتساب إليه؟! ولا سيّما وهم يبحثون عن كلّ شيء لإحكام ملكهم ويحسبون لما يزعزعه ألف حساب، فكيف لا يتهيَّئون لدرء الخطر الداهم ؟

والعدد الذي ذكره النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأهل بيته الطاهرين المسؤولين عن حمل مشعل الرسالة عدد مضبوط محدود، فهم اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش ومن بني هاشم وهم علي بن أبي طالبعليه‌السلام وأحد عشر من ولده الأبرار الأطهار.

وهاهو الرضاعليه‌السلام كان الثامن من الاثني عشر المنصوص علهيم من قبل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو الخامس من ولد الحسينعليه‌السلام فضلاً عن النصوص عليهم من سائر الأئمة الطاهرين.

ولا نستبعد وجود عناصر مرتبطة بالجهاز الحاكم كانت تحاول اختراق الجماعة الصالحة التي حرصت على حفظ تراث أهل البيتعليهم‌السلام وعلومهم الربّانية والتي استودعوها أسرارهم، وهي الأسرار التي لا يتحملها إلاّ مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان.

والحكّام العباسيّون إن لم يستطيعوا السيطرة على الجماعة الصالحة فلا أقل من اختراقها والحصول على المعلومات التي تخدمهم للتعرّف على الخط المناوئ لهم.

ومع شعورهم بقرب ولادة المهديعليه‌السلام مع جهلهم بزمان ولادته وظهوره، لابد وأنهم يحاولون صد أهل البيتعليهم‌السلام من إنجاب الإمام المهديعليه‌السلام قبل كل شيء كما حدث لفرعون مع موسى النبيعليه‌السلام .

ومن أجل تحقيق هذه المهمة والحيلولة دون ولادة من يقلقهم ذكره ووجوده شدّدوا المراقبة على أهل البيتعليهم‌السلام ودخلوا إلى أعماق حياتهم الشخصية فجعلوا الرقيب الخاص على تصرّفاتهم كما يبدو من إصرار المأمون لتزويج ابنته أم الفضل من الإمام الجوادعليه‌السلام بل حدّدوهم حتّى من حيث الزواج والإنجاب، ويشهد لذلك قلّة عدد أبناء الأئمةعليهم‌السلام بعد الإمام الرضاعليه‌السلام بشكل ملفت للنظر، إذا ما قسناهم مع من سبق الإمام الرضاعليه‌السلام من الأئمة من حيث الأبناء والأزواج.

كما حاولوا طرح البديل عن الإمام المهدي المنتظر للأمة الإسلامية بتسمية بعض أبنائهم بالمهدي والمهتدي تمويهاً وتغريراً لعامّة الناس بأنهم هم المقصودون بهذه النصوص النبوية. ولكن حبل الكذب


قصير والحقيقة لابدّ أن تنجلي والطغاة لا يستطيعون أن يتظاهروا بمظهر الحق على مدى طويل فلا يطول التظاهر منهم ماداموا غير متلبسين حقيقةً بلباس الحق وما دامت شخصيتهم لم تنشأ في بيئة طاهرة تتّسم بالحق وبالقيم الربّانية الفريدة.

ومن هنا نجد أن هذا التمويه لم يستطيع أن يحقق الغرض الذي من أجله ارتكبوه وهو التغطية على حقيقة المهدي المنتظرعليه‌السلام .

وتبقى الخطوة الأخيرة الممكنة لهم وهي أنهم إن لم يستطيعوا أن يحولوا بين أهل البيتعليهم‌السلام وبين إنجاب الإمام المهديعليه‌السلام ولا التمويه على جمهور المسلمين فعليهم أن يكتشفوه، أي أنّ عليهم أن يترصّدوا ولادته ليقضوا عليه ويريحوا أنفسهم من هذا الكابوس الذي يُخيّم عليهم وهو كابوس المهدي المنتقم الذي يزعزع عروش الطغاة لا محالة.

نعم ، لا ضرورة للاعتقاد البات من قبل الخلفاء بهذه الحقيقة ، بل يكفي لديهم احتمالها ليبادروا لاتخاذ الإجراءات الصارمة أمام الخطر الداهم أو المحتمل الذي قد يحدق بهم عن قريب.

وهكذا كانت الساحة السياسية العامّة من جهة والحاجة العامة للمسلمين تتطلب بقاء الأمل كبيراً بانجلاء غياهب الجور والطغيان على يدي الإمام القائم بالسيف من أهل بيت النبوّة والذي بشّر به الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيته الطاهرون. وكان من الضروري استمرار شعلة هذا الأمل والحيلولة دون انطفائها لأنها تهزّ عروش الظالمين والمستكبرين وتسلب الأمان والحياة الرغيدة منهم إن هذه المفردة حاجة واقعية للأمة ومهمّة رسالية لأهل البيتعليهم‌السلام الذين لم تسمح لهم الظروف بالقيام بدور الإمام المهديعليه‌السلام المرتقب، غير أنهم يستطيعون التمهيد لولادته ومن ثم بقائه حيّاً ليدبّر شؤون المسلمين من وراء ستار كي ما تتهيأ له ظروف الثورة المباركة التي بشّر بها القرآن الكريم وأيّدتها نصوص الرسول العظيم.

وفي مقابل هذه الحاجة العامّة نجد محاولات العباسيين للحيلولة دون ولادة القائم المهدي من آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أصبحت جادّة وقوية وسريعة، لأن الخطر بدأ يقترب منهم. فالإمام الجواد ومن سيأتي بعده من الأئمةعليهم‌السلام بين مهمّتين: مهمّة حفظ الأمل الكبير واستمرار شعلته، ومهمّة التعتيم على السلطة تجاه ولادة المهديعليه‌السلام والحيلولة بينهم وبين الاقتراب من المهديعليه‌السلام لئلاّ تناله أيديهم الأثيمة ولئلاّ يصادروا آخر قيادة ربّانية قد نذرت نفسها لله لتحمل لواء الحق وراية الإسلام المحمدي وتحقق كل آمال الأنبياء على مدى القرون والأعصار، كما صادروا قيادة آبائه من قبل وأحكموا الحصار على من تبقّى منهم.


وقد استطاع الأئمة من أهل البيتعليهم‌السلام فضح الحكّام المنحرفين من خلال سيرتهم المباركة التي شكّلت تحدّياً عملياً و علمياً وأخلاقياً صارخاً فاتّضحت للأمة جملة من الفواصل الكبيرة بين الخط الحاكم والخط الذي ينبغي له أن يتولّى شؤون الحكم والزعامة الإسلامية.

والأمة لازالت بحاجة للتعرّف على مزيد من الفواصل المعنوية بين الخطّين، كما أنها لابدّ أن تقف على حقيقة الأقنعة الزائفة التي يقبع تحتها الحكّام الظالمون.

واستطاع المأمون أن يقترب من الإمام الجوادعليه‌السلام ويتقرّب منه شيئاً ما بتقريبه له وتزويجه لابنته لترصد تحركات الإمام ولتستطيع أن تمنعه من الإنجاب منها(١) وممّن سواها، إذا كان ذلك مقصوداً للمأمون تحقيقاً لجملة من الأهداف التي لاحظناها في هذا البحث.

واستمرّ الحكّام من بعده على نفس هذا المنهج الدقيق لأنّهم لا يرون بديلاً له بعد ما فضح المأمون نفسه باغتيال الإمام الرضاعليه‌السلام حيث تخلّص من رقيب كبير كان يهدد ملكه ولكنه قد أُبتلي برقيب جديد يفوقه في التحدي وإرغام أنوف الظالمين.

ومن هنا كانت ظروف الإمام الجوادعليه‌السلام لا سيّما وهو في التاسعة من سني عمره، تشكل سؤالاً أساسياً للمأمون أوّلاً ولعامة الناس ثانياً، ولبعض شيعة أهل البيت ثالثاً، والسؤال هو مدى جدارة هذا الصبي للقيام بمهمة الإمامة والقيادة الربانية المفترضة الطاعة التي لابد لها أن تخترق كل الحجب السياسية والاجتماعية الموجودة.

وهكذا كان الإمام الجوادعليه‌السلام حين تسلّمه زمام القيادة الرسالية أمام تساؤل كبير قد طرح نفسه لأوّل مرة على مستويات ثلاثة، ولابدّ للإمام الجوادعليه‌السلام من

ـــــــــ

(١) إذا كان الإنجاب مقصوداً للمأمون فاحتواء ابن الإمام من قبل العباسيين يكون أمراً ممكناً بل متوقعاً ، وإذا لم يكن الإنجاب مطلوباً لهم فسوف تكون مهمة ابنة المأمون الحيلولة دون إنجاب الإمامعليه‌السلام من طرفها وممّن سواها كما تلاحظ ذلك في غيرتها وشكايتها لأبيها من الإمام الجواد الذي كان من الطبيعي في ذلك المجتمع أن يتزوج من أمة من الإماء بالرغم من وجود زوجة عنده مثل ابنة المأمون.


أن يثبت جدارته للجميع، وإن كان ذلك يكلّفه حياته فيما بعد; لأن بقاء هذا الخط الربّاني وإثبات حقّانية خط أهل البيت ورسالته الربانية هما فوق كل شيء. ومن هنا كان لابدّ للإمام الجوادعليه‌السلام أن يتصدّى للردّ على كل هذه الأسئلة ويتحدّى كل القوى السياسية والعلمية التي تنطوي عليها الساحة الإسلامية ليتسنى له القيام بسائر مهامّه الرسالية الأخرى في الحقلين العام والخاص معاً.

إذاً فقد كان إثبات الإمامة على المستويين العام والخاص أولى مهام الإمام الرسالية في مرحلته التي عاشها بعد استشهاد أبيه الإمام الرضاعليه‌السلام الذي كان قد نصّ عليه وعرّفه لأصحابه وأتباعه ; لأنّ الإمام الرضاعليه‌السلام كان قد عاصر خطط المأمون وعرف عن كثب أهدافه الخفية من أطروحة ولاية العهد الخبيثة والتي استطاع الإمام أن يستثمرها لصالح الإسلام رغم قصر الفترة الزمنية ورغم ما كلّفته من حياته الغالية والتي قدمها رخيصة في ذات الله تعالى.

وتأتي إجابات الإمام الجوادعليه‌السلام في المجالس العامة للخلفاء على الأسئلة الموجّهة إليه خطوة موفّقة لإثبات أحقيّة خط أهل البيتعليهم‌السلام الرسالي وإثبات إمامة محمد الجوادعليه‌السلام وجدارته العلمية وشخصيته القيادية لعامّة المسلمين إتماماً للحجة عليهم وعلى الخلفاء والعلماء المحيطين بهم.

وهي في نفس الوقت تشكّل تحدّياً عملياً للخلفاء وعلمائهم الذين كانوا يشكّلون الرصيد العلمي والخلفية الثقافية والشرعية في منظار مجموعة من أبناء المجتمع الذين نشأوا في مجتمع منحرف عن خط الرسالة المحمدية الأصيلة ممّن اغترّوا بالمظاهر والشعارات ولم ينفذوا بعقولهم إلى عمق الأحداث والتيارات المتحكّمة في المجتمع الإسلامي آنذاك.

كما أنها كانت ردّاً على محاولات التسقيط والاستفزاز التي كان يستهدفها الحكّام بالنسبة لأهل البيتعليهم‌السلام الذين كانوا يشكّلون المعارضة الصامتة والخطّ المخالف للخلفاء المستبدين بالأمر والمتربّعين على كرسيّ الحكم دون إذن ونصّ الهي، كما هي عقيدة أهل البيتعليهم‌السلام بالنسبة للإمامة حيث إن الإمامعليه‌السلام لابد أن يكون معصوماً ومنصوصاً عليه من الله تعالى ورسوله.


٢ ـ الساحة الإسلامية وظاهرة الإمامة المبكّرة في مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام

يشكّل وجود الإمام الجوادعليه‌السلام ـ كما أشرنا ـ برهاناً على صحة عقيدة أهل البيتعليهم‌السلام في الإمامة ؛ وذلك لأن ظاهرة تولّي شخص في سنّ الطفولة لمنصب الإمامة وما رافقها من شؤون تستطيع أن تقدم لنا دليلاً قاطعاً على سلامة هذه العقيدة التي يتميز بها مذهب أهل البيتعليهم‌السلام عمّا سواه من المذاهب في قضية الإمامة باعتبارها منصباً ربّانياً لا يكون على أساس الانتخاب والترشيح البشري وإنما يكون على أساس التعيين والنصب الإلهي لشخص تجتمع في وجوده كل عناصر الكفاءة والقدرة الحقيقية لإدارة هذا المنصب الربّاني من قيادة فكرية علمية ودينية وعملية للمؤمنين بإمامته ، بل للمسلمين جميعاً.

لقد أجمع المؤرخون على أن الإمام الجوادعليه‌السلام قد توفّي أبوهعليه‌السلام وعمره لا يزيد على سبع سنين، وتولّى منصب الإمامة بعد أبيه وهو في هذه السن من سنيّ الطفولة بحسب ظاهر الحال.

وهذه الظاهرة هي أوّل ظاهرة من نوعها في حياة أئمة أهل البيتعليهم‌السلام .

ولو درسنا هذه الظاهرة على أساس المعايير الإلهية من جانب والوقائع التاريخية، لوجدناها كافية لوحدها للاقتناع بحقّانية مدرسة الإمام الجواد وخط أهل البيتعليهم‌السلام الذي كان يمثّله الإمام الجوادعليه‌السلام .

إذ كيف يمكن أن نفترض فرضاً آخر غير فرض الإمامة الواقعية الربّانية في شخص لا يزيد عمره عن سبع سنين ويقوم فعلاً بقيادة وهداية هذه الطائفة في كل المجالات الروحية والفكرية والدينية الفقهية وغير الفقهية.

والفروض الأخرى التي لا يمكن افتراضها وقبولها هنا هي كما يلي:

الفرض الأول:

أن الطائفة الشيعية التي آمنت بإمامة هذا الشخص لم ينكشف لديها بوضوح أن هذا المدعي للإمامة هو صبي.

وهذا الفرض غير صحيح لأن زعامة الإمام من أهل البيتعليهم‌السلام لم تكن زعامة محاطة بالشرطة والجيش وأبهة الملك والسلطان بحيث يحجب الزعيم عن رعيّته. ولم تكن زعامة دعوة سرّية من قبيل الدعوات الصوفية وغيرها من الدعوات الباطنية كالفاطمية التي تحجب بين القمة والقاعدة بها.


إن الإمام الجواد مثل غيره من أئمة أهل البيتعليهم‌السلام كان مكشوفاً أمام الطائفة وكانت الطائفة بكل طبقاتها تتفاعل معه مباشرة في مسائلها الدينية وفي قضاياها الروحية والأخلاقية. إن الإمام الجوادعليه‌السلام نفسه كان قد أصرّ على المأمون حينما استقدمه إلى بغداد في أن يسمح له بالرجوع إلى المدينة وسمح له بالرجوع إلى المدينة فرجع وقضى بقية عمره أو أكثر عمره فيها.

وهكذا بقي الإمام الجوادعليه‌السلام مكشوفاً أمام مختلف طبقات المسلمين بما فيهم الشيعة المؤمنون بزعامته وإمامته.

فافتراض أنه لم يكن مكشوفاً أمام شيعته بالخصوص خلاف طبيعة العلاقة التي أنشئت منذ البداية بين أئمة أهل البيتعليهم‌السلام وقواعدهم الشعبية هذا أوّلاً.

وثانياً أن الإمام الجوادعليه‌السلام كان قد سُلّطت عليه أضواء خاصة من قبل الخليفة العباسي كما لاحظنا في القصة المعروفة عن تزويجه بأم الفضل، وهكذا رصد العباسيين لهعليه‌السلام للرد على موقف المأمون منه، وهو شاهد آخر على بطلان احتمال عدم انكشافه أمام المسلمين.

الفرض الثاني:

أن المستوى الفكري والعلمي للطائفة الشيعية التي آمنت بالإمامعليه‌السلام وقتئذٍ لم يكن بالمستوى المطلوب الذي تستطيع من خلاله أن تميّز الخطأ من الصواب في مجال الإيمان بإمامة طفل يدّعي الإمامة وهو ليس بإمام.

وهذا الافتراض أيضاً مما يكذّبه الواقع التأريخي لهذه الطائفة مع ما وصلت إليه من مستوى علميّ وفقهيّ.

فإنّ هذه الطائفة قد تربت على أيدي الإمام الباقر والصادقعليهما‌السلام وكان فيها أكبر مدرسة للفكر الإسلامي في العالم الإسلامي على الإطلاق وهذه المدرسة تتكوّن من جيلين متعاقبين: جيل تلامذة الإمام الصادق والكاظمعليهما‌السلام ، وجيل تلامذة تلامذتهم. وكان هذان الجيلان على رأس هذه الطائفة متميزين في ميادين الفقه والتفسير والكلام والحديث والأخلاق ، بل كل جوانب المعرفة الإسلامية.

إذاً فالمستوى الفكري والعلمي لهذه الطائفة ما كان ليمكن أن يُمرّر عليه مثل هذا الاعتقاد ما لم يكن له رصيد واقعي ودليل منطقي ومعقول ومُلزم لمعتنقيه بالإيمان بهذه الإمامة المبكّرة التي تشكل تحدّياً لكل الظروف والواقع المعاش الذي لا يستفيد معتنقيه من الإيمان به غير التحديد والضغط والمطاردة والقتل والتهديد.


وإن أمكن لشخص أن يتصوّر أنّ رجلاً عالماً كبيراً مُحيطاً مطّلعاً بلغ الخمسين أو الستّين يستطيع أن يقنع مجموعة من الناس بإمامته وهو ليس بإمام لمجرد أنه يتصف بدرجة كبيرة من العلم والمعرفة والذكاء والاطلاع فليس بالإمكان أن نفترض ذلك في شخص لم يبلغ العاشرة من عمره، إذ كيف يستطيع أن يقنع طائفة كبرى بإمامته كذباً وهو مكشوف أمامها وهذه الطائفة ذات مدرسة فكرية من أضخم المدارس الفكرية التي وجدت في العالم الإسلامي يومئذ. وهي مدرسة بعض عناصرها في الكوفة وبعضها في قم وبعضها في المدينة، فهي مدرسة موزّعة في حواضر العالم الإسلامي وكانت على صلة مباشرة بالإمام الجوادعليه‌السلام تستفتيه وتسأله وتنقل إليه الأموال من مختلف الأطراف من شيعته. فمثل هذه المدرسة لا يمكن أن نتصوّر أنّها تغفل عن حقيقة طفل لا يكون إماماً.

الفرض الثالث:

إن مفهوم الإمام والإمامة لم يكن واضحاً عند الطائفة الشيعية ، بل إنها كانت تتصوّر أن الإمامة مجرد تسلسل نسبي ووراثي ولم تكن تعرف ما هو الإمام وما هي قيمة الإمام وما هي شروط الإمام.

وهذا الافتراض يكذّبه واقع التراث المتواتر من أمير المؤمنينعليه‌السلام إلى الإمام الرضاعليه‌السلام عن شروط الإمامة وحقيقتها وعلامات الإمام عند هذه الطائفة بنحو يميّزها عما سواها من الطوائف والمذاهب التي تجعل الإمامة منصباً بشرياً لا يصعب لكثير من الناس التسلق إليه وانتحالها وادعائها.

بينما قام التشيّع على المفهوم الإلهي المعمّق للإمامة وهو من المفاهيم الأولى والبديهية للتشيّع، فإنّ الإمام في المفهوم الشيعي إنسان فذّ فريد في معارفه وأخلاقه وأقواله وأعماله. وهذا المفهوم قد بشّرت به مجموعة كبيرة من عهد أمير المؤمنينعليه‌السلام إلى عهد الإمام الرضاعليه‌السلام (١) .

وقد أصبحت كل التفاصيل والخصوصيات بالتدريج واضحة ومرتكزة عند الطائفة الشيعية.

يقول الراوي: دخلت المدينة بعد وفاة الإمام الرضاعليه‌السلام أسأل عن الخليفة بعد الإمام الرضاعليه‌السلام . فقيل: إن الخليفة في قرية قريبة من المدينة فخرجت إلى

ـــــــــ

(١) راجع في هذا الجانب بالخصوص الحديث التفصيلي الذي ورد عن الإمام الرضاعليه‌السلام حول الإمام والإمامة في (تحف العقول).


تلك القرية ودخلت القرية وكان فيها بيت للإمام موسى بن جعفر انتقل إلى أولاده. فرأيت البيت غاصّاً بالناس ورأيت أحد إخوة الإمام الرضاعليه‌السلام كان جالساً يتصدّر المجلس إلاّ أن الناس يقولون : إن هذا ليس هو الإمام بعد الرضاعليه‌السلام لأننا سمعنا من الأئمة أن الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسن والحسين.

نعم ، كل هذه التفاصيل والخصوصيات النسبية والمعنوية كانت واضحة ومحدّدة عند الطائفة. إذاً فهذا الافتراض الثالث أيضاً يكذّبه واقع التراث الثابت والمتواتر عن الأئمة السابقين على الإمام الجوادعليه‌السلام .

الفرض الرابع:

أن يكون هناك بين أبناء الطائفة الشيعية نوع من التواطؤ على الزور والباطل.

وهذا الافتراض أيضاً يكذّبه الواقع. لا لإيماننا الشخصي فقط بورع هذه الطائفة وقدسيّتها، بل لأن الظرف الموضوعي لهذه الطائفة هو الذي يكذب هذا الافتراض. فإن التشيع لم يكن في يوم من الأيام في حياة هذه الطائفة طريقاً إلى الأمجاد وإلى المال والجاه والسلطان والمقامات العالية، بل التشيع طيلة هذه المدّة كان طريقاً إلى التعرض للتعذيب والسجون والحرمان والويل والدمار. لقد كان التشيع طريقاً شائكاً مزروعاً بالألغام، فالخوف والتقية والذل كانت هي مظاهر وثمار هذا الطريق فما الفائدة المادية في التواطؤ على هذا الزور والباطل في الإمامة ما دام التشيع ليس سبيلاً لتحقيق أي مطمع مادي أو مطمع دنيوي آنئذ.

فلماذا يتواطأ عقلاء الطائفة الشيعية ووجهاؤها وعلماؤها على إمامة باطلة مع أن ثباتهم عليها يكلفهم كثيراً من ألوان الحرمان والعذاب، وأيّ عقل يستسيغ مثل هذه التبعات إذا كان مجرّد تباني على أمر باطل.

إنّ هذه الظروف الموضوعية ألا تكون شاهداً ودليلاً على أن هذا الاعتقاد إنما كان ناشئاً عن حقيقة ثابتة وملزمة لأبناء الطائفة قد وعوها وآمنوا بها واستسلموا للوازمها وآثارها بالرغم من أنها كانت تكلّفهم حياتهم المادية على طول الخط.


إذن لا يبقى إلاّ القبولبالافتراض الأخير ، وهو : أن الإمام الجوادعليه‌السلام بدعواه الإمامة المبكرة وتحدّيه لكل من وقف أمامه، وصموده أمام كل الإثارات والتساؤلات والاختبارات شكّل دليلاً تاريخياً علمياً قاطعاً على حقّانية دعواه ومذهبه وخطّه ، وهو خط أهل البيتعليهم‌السلام الذي كان يمثّله الإمام الجوادعليه‌السلام في مجال إمامة المسلمين وزعامة الأمة الإسلامية التي بدأت بالقيادة النبوية تلك الأمة التي خلّفها الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لتتكامل وتؤسّس الحضارة الإسلامية على أسس إلهية وقيم ربّانية.

وإن التراث القيّم الذي تركه لنا هذا الإمام العظيم لدليل قاطع على عظمة الدور الذي قام به هذا الإمام في تبلور العقيدة الشيعية في مجال القيادة الإسلامية التي أكّدتها الآيات القرآنية والنصوص النبوية الشريفة(١) .

ـــــــــ

(١) اعتمدنا في هذا البحث على محاضرة للشهيد السعيد آية الله السيد محمد باقر الصدرقدس‌سره حول الإمام الجوادعليه‌السلام وعرضناها بتصرّف.


٣ ـ الإمام الجواد عليه‌السلام والمفاهيم المنحرفة عند الأمة

لم يتخذ الغلو لوناً واحداً بل كانت ثمة ألوان متعددة، منها الغلو بالصحابة، وفي حوار مفتوح للإمام الجوادعليه‌السلام مع يحيى بن الأكثم أمام جماعة كبيرة من الناس منهم المأمون العبّاسي فنّد الإمام الجوادعليه‌السلام التوجهات المغالية في شأن الصحابة، وإليك نص الحديث:

(روي أن المأمون بعد ما زوّج ابنته أم الفضل أبا جعفرعليه‌السلام كان في مجلس وعنده أبو جعفرعليه‌السلام ويحيى بن الأكثم وجماعة كثيرة.

فقال له يحيى بن الأكثم: ما تقول يابن رسول الله في الخبر الذي روي: أنه نزل جبرئيلعليه‌السلام على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال: يامحمد ! إن الله عَزَّ وجَلَّ يُقرئك السلام ويقول لك: سل أبا بكر هل هو عنّي راض فإني عنه راض.

فقال أبو جعفر عليه‌السلام : (لست بمنكر فضل أبي بكر ولكن يجب على صاحب هذا الخبر أن يأخذ مثال الخبر الذي قاله رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حجّة الوداع: (قد كثرت عليّ الكذابة وستكثر بعدي فمن كذب عليّ متعمّداً فليتبوأ مقعده من النار فإذا أتاكم الحديث عني فاعرضوه على كتاب الله عَزَّ وجَلَّ وسنتي، فما وافق كتاب الله وسنتي فخذوا به، وما خالف كتاب الله وسنتي فلا تأخذوا به) وليس يوافق هذا الخبر كتاب الله، قال الله تعالى: ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) (١) . فالله عَزَّ وجَلَّ خفي عليه رضاء أبي بكر من سخطه حتى يسأل عن مكنون سره، هذا مستحيل في العقول) .

ثم قال يحيى بن الأكثم: وقد روي: أن مثل أبي بكر وعمر في الأرض كمثل جبرئيل وميكائيل في السماء.

ـــــــــ

(١) سورة ق (٥٠): ١٦.


فقال عليه‌السلام : ( وهذا أيضاً يجب أن ينظر فيه; لأن جبرئيل وميكائيل ملكان لله مقرّبان لم يعصيا الله قط، ولم يفارقا طاعته لحظة واحدة، وهما قد أشركا بالله عَزَّ وجَلَّ وإن أسلما بعد الشرك. فكان أكثر أيّامهما الشرك بالله فمحال أن يشبّههما بهما) .

قال يحيى: وقد روي أيضاً: أنهما سيدا كهول أهل الجنة. فما تقول فيه ؟

فقال عليه‌السلام : (وهذا الخبر محال أيضاً ؛ لأن أهل الجنة كلهم يكونون شبّاناً ولا يكون فيهم كهل وهذا الخبر وضعه بنو أمية لمضادة الخبر الذي قاله رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الحسن والحسين عليهما‌السلام بأنهما : (سيدا شباب أهل الجنة)) .

فقال يحيى بن الأكثم: وروي أن عمر بن الخطاب سراج أهل الجنة.

فقال عليه‌السلام : (وهذا أيضا محال، لأن في الجنة ملائكة الله المقربين، وآدم ومحمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وجميع الأنبياء والمرسلين. لا تضيء بأنوارهم حتى تضيء بنور عمر ؟!) .

فقال يحيى بن الأكثم: وقد روي: أن السكينة تنطق على لسان عمر.

فقال عليه‌السلام : (لست بمنكر فضل عمر، ولكن أبا بكر أفضل من عمر فقال ـ على رأس المنبر ـ: إن لي شيطاناً يعتريني، فإذا ملت فسدّدوني) .

فقال يحيى: قد روي إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: لو لم أُبعث لبُعث عمر.

فقالعليه‌السلام :(كتاب الله أصدق من هذا الحديث، يقول الله في كتابه: ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ ) (١) ، فقد أخذ الله ميثاق النبيين فكيف يمكن أن يبدل ميثاقه، وكان الأنبياء عليهم‌السلام لم يشركوا بالله طرفة عين؟ فكيف يبعث بالنبوة من أشرك وكان أكثر أيامه مع الشرك بالله؟! وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (نبّئت وآدم بين الروح والجسد)) .

ـــــــــ

(١) الأحزاب (٣٣): ٧.


فقال يحيى بن الأكثم: وقد روي أيضاً أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: ما احتبس عنّي الوحي قط إلا ظننته قد نزل على آل الخطاب.

فقال عليه‌السلام : (وهذا محال أيضاً، لأنه لا يجوز أن يشك النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في نبوّته، قال الله تعالى: ( اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ) (١) فكيف يمكن أن تنتقل النبوة ممن اصطفاه الله تعالى إلى من أشرك به؟!) .

قال يحيى: روي أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: لو نزل العذاب لما نجى منه إلاّ عمر.

فقال عليه‌السلام : (وهذا محال أيضاً ؛ لأن الله تعالى يقول: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) (٢) ، فأخبر سبحانه أنه لا يعذب أحداً ما دام فيهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وما داموا يستغفرون الله) (٣) .

وفي هذا النص شواهد كافية لمدى التحريف الذي سيطر على مجال الحديث والبدع التي أدخلت على السنّة النبوية الشريفة في عصر الخلافة الأموية والعباسية، ومدى نفوذها إلى واقع الأمة بالرغم من كونها تخالف النصوص الصريحة للقرآن الكريم. وهذا كاشف عن مدى هبوط مستوى الوعي والثقافة العامة عند علماء البلاط فضلاً عن عامة أتباعهم.

وهذا الحوار يكشف لنا عن مدى شجاعة الإمامعليه‌السلام وقوّة منطقه، ودوره الكبير في تصحيح هذه الانحرافات الخطيرة التي تشوّه حقائق الدين من أجل تصحيح أخطاء شخصيات استغلّت شرف الصحبة والصحابة، وقبع الحكام المنحرفون تحت هذه الأقنعة التي نسجت منهم شخصيات وهميّة على مدى التاريخ في أذهان عوامّ علماء المسلمين فضلاً عن أتباعهم.

ـــــــــ

(١) الحج: (٢٢): ٧٥.

(٢) الأنفال (٨): ٣٣.

(٣) الاحتجاج: ٢ / ٤٧٧ ـ ٤٨٠.


٤ ـ الإمام الجوادعليه‌السلام والتوجّه إلى هموم أبناء الأمة الإسلامية

اهتمّ الإمام الجوادعليه‌السلام بخدمة الناس وبدعوتهم إلى الإسلام المحمدي الأصيل وكسبهم إلى أهل البيتعليهم‌السلام ، ومن أمثلة ذلك:

١ ـ لمّا انصرف أبو جعفر عليه‌السلام من عند المأمون ببغداد ومعه أم الفضل إلى المدينة، صار إلى شارع باب الكوفة والناس يشيّعونه فانتهى إلى دار المسيّب عند مغيب الشمس، فنزل ودخل المسجد، وكان في صحنه نبقة لم تحمل بعد، فدعا بكوز فيه ماء فتوضأ في أصل النبقة وقام وصلّى بالناس صلاة المغرب، فقرأ في الأولى (الحمد) و (إذا جاء نصر الله) وفي الثانية (الحمد) و (قل هو الله أحد) وقنت قبل الركوع، وجلس بعد التسليم هنيئة يذكر الله تعالى، وقام من غير تعقيب فصلّى النوافل أربع ركعات، وعقّب بعدها، وسجد سجدتي الشكر ثم خرج، فلمّا انتهى إلى النبقة رآها الناس وقد حملت حملاً كثيراً حسناً، فتعجبوا من ذلك، فأكلوا منها فوجدوه نبقاً حلواً لا عجم له، ومضى عليه‌السلام إلى المدينة (١) .

لقد قدّم الإمام الجوادعليه‌السلام للناس الدليل على إمامتهعليه‌السلام بالأمور المحسوسة.

علاوة على ذلك فإنّ اهتمام الإمامعليه‌السلام بخدمة الناس يعكس أهميّة هذا الأمر وفضله في الإسلام كما يكشف عن توجّههعليه‌السلام لكسبهم بطريقة عملية وهدايتهم لاختيار منهج أهل البيتعليهم‌السلام ، ونقتصر على بعض الأمثلة في هذا الصدد.

ـــــــــ

(١) إعلام الورى بأعلام الهدى: ٢ / ١٠٥ ـ ١٠٦.


٢ ـ روي عن الشيخ أبي بكر بن إسماعيل أنه قال: (قلت لأبي جعفر ابن الرضاعليه‌السلام : إن لي جارية تشتكي من ريح بها، فقال:ائتني بها ، فأتيت بها فقال:ما تشتكين ياجارية ؟ قالت: ريحاً في ركبتي، فمسح يده على ركبتها من وراء الثياب فخرجت الجارية من عنده ولم تشتك وجعاً بعد ذلك)(١) .

٣ ـ وروي عن محمد بن عمير بن واقد الرازي أنه قال: (دخلت على أبي جعفر ابن الرضاعليه‌السلام ومعي أخي به بهر شديد فشكى إليه ذلك البهر(٢) ، فقالعليه‌السلام :عافاك الله ممّا تشكو ، فخرجنا من عنده وقد عوفي فما عاد إليه ذلك البهر إلى أن مات.

٤ ـ قال محمد بن عمير: (وكان يصيبني وجع في خاصرتي في كل أسبوع فيشتد ذلك الوجع بي أيّاماً وسألته أن يدعو لي بزواله عنّي، فقال:وأنت فعافاك الله فما عاد إلى هذه الغاية).(٣)

٥ ـ وروي عن علي بن جرير قال: (كنت عند أبي جعفر ابن الرضاعليه‌السلام جالساً وقد ذهبت شاة لمولاة له فأخذوا بعض الجيران يجرّونهم إليه ويقولون: أنتم سرقتم الشاة. فقال أبو جعفرعليه‌السلام :ويلكم خلّوا عن جيراننا فلم يسرقوا شاتكم، الشاة في دار فلان ، فاذهبوا فأخرجوها من داره فخرجوا فوجدوها في داره، وأخذوا الرجل وضربوه وخرقوا ثيابه، وهو يحلف أنه لم يسرق هذه الشاة، إلى أن صاروا إلى أبي جعفرعليه‌السلام فقال:ويحكم ظلمتم الرجل فإنّ الشاة دخلت داره وهو لا يعلم بها .

ـــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٥٠ / ٤٦ ـ ٤٧.

(٢) البُهرة ـ بالضم ـ : تتابع النفس.

(٣) مستدرك عوالم العلوم: ٥٠ / ٤٧.


فدعاه فوهب له شيئاً بدل ما خرق من ثيابه وضربه)(١) .

٦ ـ وروي عن القاسم بن الحسن، أنّه قال: (كنت فيما بين مكة والمدينة فمرّ بي أعرابي ضعيف الحال فسألني شيئاً فرحمته، فأخرجت له رغيفاً فناولته إيّاه فلمّا مضى عنّي هبّت ريح زوبعة، فذهبت بعمامتي من رأسي فلم أرها كيف ذهبت ولا أين مرّت، فلمّا دخلت المدينة صرت إلى أبي جعفر ابن الرضاعليه‌السلام فقال لي:ياأبا القاسم ذهبت عمامتك في الطريق ؟ قلت: نعم، فقال:ياغلام أخرج إليه عمامته ، فأخرج إليَّ عمامتي بعينها، قلت: يا ابن رسول الله كيف صارت إليك ؟ قال:تصدّقتَ على أعرابي فشكره الله لك، فردّ إليك عمامتك، وإنّ الله لا يضيع أجر المحسنين (٢) .

إنّ هذه الأعمال تدلّ على الأهمية الكبيرة التي كان يمنحها أهل البيتعليهم‌السلام لخدمة الناس. ولا يخفى على الناظر المتأمل ما تتركه مثل هذه الأعمال من أثر كبير على الناس باعتبار أنّ لغة العمل هي اللغة الأوضح عند الناس الإمام الجوادعليه‌السلام ومتطلّبات الجماعة الصالحة والأشد تأثيراً عليهم كما ورد عن الإمام الصادقعليه‌السلام في كلمته المعروفة عنه:(كونوا دعاة الناس بغير ألسنتكم) .

ـــــــــ

(١) مستدرك عوالم العلوم: ٥٠ / ٤٧.

(٢) مستدرك عوالم العلوم: ٤٧ ـ ٤٨.


الفصل الثاني: الإمام الجوادعليه‌السلام ومتطلّبات الجماعة الصالحة

١ ـ الإمام الجوادعليه‌السلام يعالج ظاهرة التشكيك بإمامته

نهض الإمام الجوادعليه‌السلام بأعباء الإمامة الشرعية للمسلمين وهو لما يبلغ الحلم على نحو ما حدث لعيسى بن مريمعليه‌السلام حيث أوتي النبوّة في المهد، وقد أوجدت هذه الظاهرة حالة من التساؤل والتشكيك لدى البعض من الموالين لأهل البيتعليهم‌السلام والمعتقدين بإمامتهم بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لكن الإمامعليه‌السلام استطاع أن يدحض هذه التشكيكات ويجيب على التساؤلات المعلنة والخفيّة بما أوتي من فضل وعلم وحكمة وحنكة.

إن حالة الصبا التي تزامنت مع اضطلاع الإمامعليه‌السلام بأعباء الخلافة لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتصديه لإمامة المسلمين في ذلك الوقت المبكّر دفعت ببعض أتباع أهل البيتعليهم‌السلام إلى التساؤل والتشكيك.

وأما التساؤلات فقد تمّ حسمها بدرجة ما، من خلال الأحاديث والتوجيهات والإشارات التي صدرت عن والده الإمام عليّ الرضاعليه‌السلام وانتشرت بين مقرّبيه ورؤساء القوى الموالية لأهل البيتعليهم‌السلام في البلدان كمصر والحجاز والعراق وبلاد فارس.

على أنّ الإمام الجوادعليه‌السلام نفسه قد قام بنشاط واسع لتبديد تلك الشكوك التي اُثيرت بشكل أو بآخر بعد وفاة الإمام الرضاعليه‌السلام وهو ما نفهمه من خلال بعض الروايات الواردة بهذا الشأن، ومنها ما يلي:

أ ـ أورد السيد المرتضىرضي‌الله‌عنه فيعيون المعجزات أنّه: لما قبض الرضاعليه‌السلام كان سن أبي جعفرعليه‌السلام نحو سبع سنين، فاختلفت الكلمة بين الناس ببغداد وفي الأمصار، واجتمع الريّان بن الصلت، وصفوان بن يحيى، ومحمد بن حكيم، وعبد الرحمن بن الحجّاج، ويونس بن عبد الرحمن، وجماعة من وجوه الشيعة وثقاتهم في دار عبد الرحمن بن الحجاج في بركة زلول، يبكون ويتوجّعون من المصيبة، فقال لهم يونس بن عبد الرحمن: دعوا البكاء ! مَن لهذا الأمر وإلى من نقصد بالمسائل إلى أن يكبر هذا ؟ يعني أبا جعفرعليه‌السلام .

فقام إليه الريّان بن الصلت، ووضع يده في حلقه، ولم يزل يلطمه، ويقول له: أنت تظهر الإيمان لنا وتبطن الشك والشرك إن كان أمره من الله جَلَّ وعلا فلو أنه كان ابن يوم واحد لكان بمنزلة


الشيخ العالم وفوقه، وإن لم يكن من عند الله فلو عمّر ألف سنة فهو واحد من الناس، هذا ممّا ينبغي أن يفكّر فيه. فأقبلت العصابة عليه تعذله وتوبّخه.

وكان وقت الموسم، فاجتمع فقهاء بغداد والأمصار وعلماؤهم ثمانون رجلاً، فخرجوا إلى الحج، وقصدوا المدينة ليشاهدوا أبا جعفرعليه‌السلام ، فلمّا وافوا أتوا دار جعفر الصادقعليه‌السلام لأنها كانت فارغة، ودخلوها وجلسوا على بساط كبير، وخرج إليهم عبد الله بن موسى، فجلس في صدر المجلس وقام مناد وقال: هذا ابن رسول الله فمن أراد السؤال فليسأله.

فسئل عن أشياء أجاب عنها بغير الواجب فورد على الشيعة ما حيّرهم وغمّهم.

واضطرب الفقهاء، وقاموا وهمّوا بالانصراف، وقالوا في أنفسهم: لو كان أبو جعفرعليه‌السلام يكمل لجواب المسائل لما كان من عبدا لله ما كان، من الجواب بغير الواجب.

ففُتح عليهم باب من صدر المجلس ودخل موفّق وقال: هذا أبو جعفر، فقاموا إليه بأجمعهم واستقبلوه وسلّموا عليه فدخل صلوات الله عليه، وعليه قميصان وعمامة بذؤابتين وفي رجليه نعلان وجلس وأمسك الناس كلهم، فقام صاحب المسألة، فسأله عن مسائله، فأجاب عنها بالحق، ففرحوا ودعوا له وأثنوا عليه وقالوا له: إن عمّك عبد الله أفتى بكيت وكيت، فقال:(لا اله إلا الله ، ياعمّ إنّه عظيم عند الله أن تقف غداً بين يديه فيقول لك: لِمَ تفتي عبادي بما لم تعلم، وفي الأمة من هو أعلم منك ؟ !) (١) .

ب ـ وروي أنّه جيئ بأبي جعفرعليه‌السلام إلى مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد موت أبيه، وهو طفل، وجاء إلى المنبر ورقا منه درجة ثم نطق، فقال:(أنا محمد بن علي الرضا، أنا الجواد، أنا العالم بأنساب الناس في الأصلاب، أنا أعلم بسرائركم وظواهركم وما أنتم صائرون إليه، علم منحنا به قبل خلق الخلق أجمعين، وبعد فناء السماوات والأرضين، ولولا تظاهر أهل الباطل، ودولة أهل الضلال ووثوب أهل الشك، لقلت قولاً تعجّب منه الأوّلون والآخرون..) (٢) .

ج ـ وقال إسماعيل بن بزيع: سألته ـ يعني أبا جعفر الثانيعليه‌السلام ـ عن شيء من أمر الإمام، فقلت: يكون الإمام ابن أقلّ من سبع سنين ؟ فقال:(نعم ، وأقل من خمس سنين) (٣) .

د ـ قال علي بن أسباط: (رأيت أبا جعفرعليه‌السلام وقد خرج عليّ فأخذت

ـــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٥٠ / ٩٩ ـ ١٠٠.

(٢) بحار الأنوار: ١٠٨.

(٣) حلية الأبرار: ٢ / ٣٩٨، نقلاً عن حياة الإمام محمّد بن علي الجواد عليه‌السلام : ٣٢ ـ ٣٣.


أنظر إليه وجعلت انظر إلى رأسه ورجليه، لأصف قامته لأصحابنا بمصر فبينا أنا كذلك حتى قعد، فقال عليه‌السلام : ياعليّ ! إن الله احتج في الإمامة بمثل ما احتج في النبوة، فقال: ( وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّاً ) (١) ( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ) (٢) ( وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ) (٣) ، فقد يجوز أن يؤتى الحكمة وهو صبي ويجوز أن يؤتاها وهو ابن أربعين سنة) (٤) .

إنّ تصدي الإمام الجوادعليه‌السلام لإمامة المسلمين وهو صبي كان معجزة بذاته.

وسنتطرق فيما بعد إلى ما أظهره من المعارف الإلهية، وقد ذكرنا نماذج من تحدّيه لكبار الفقهاء ومنهم قاضي قضاة الدولة العباسيّة مع ما كان عليه من كبر السن، ولاشك أنّ ذلك من مصاديق الصفة الإعجازية في الإمامعليه‌السلام ومن الأدلة التي تجسّد مدى علاقته وتؤكد عمق ارتباطه بالله تعالى وقربه منه وحجم الدعم الغيبي الذي كان يحظى به الإمامعليه‌السلام من عند الله عَزَّ وجَلَّ.

ـــــــــ

(١) مريم (١٩): ١٢.

(٢) القصص (٢٨): ١٤.

(٣) الأحقاف (٤٦): ١٥.

(٤) أصول الكافي: ١ / ٣١٤.


٢ ـ الإمام الجوادعليه‌السلام والبناء الثقافي للجماعة الصالحة

لقد توخى أئمة أهل البيتعليهم‌السلام تحقيق عزة الإسلام والمسلمين من خلال المواقف والتحركات الحكيمة التي تضمن الوصول إلى الهدف المطلوب على أحسن وجه. وكان تحرك الإمام الجوادعليه‌السلام ينطلق من هذه الرؤية فكان ذلك التحرك واسعاً ومؤثراً رغم كل الظروف المعرقلة التي أحاطت تحركه وفي هذا المجال نشير إلى نماذج من تحرك الإمامعليه‌السلام في الميادين التي كان يتوخى منها إعداد الأمة وطلائعها إعداداً رسالياً. ومن هذه الميادين:

أ ـ تعميق البناء الفكري:

كان اهتمام الإمام الجوادعليه‌السلام في بناء الجانب العقائدي في شخصية الإنسان المسلم واضحاً للناظر في تراثه الذي ورثناه والذي يحتوي على مفردات أساسية تتقوم بها العقيدة ومن ذلك:

الإمام والدعوة إلى التوحيد الخالص:

التوحيد أساس العقيدة الإسلامية، وسلامة تصورات المسلم عن الله تعالى هي الركيزة الجوهرية التي تستند عليها باقي المفردات العقيدية، من هنا كان الإمامعليه‌السلام يُعنى عناية شديدة بإيضاح هذا الأساس وتجليته، وفي المحاضرة التي ألقاها على داود بن القاسم الجعفري دليل على ما قلناه.

فقد قال الجعفري: (قلت لأبي جعفر الثانيعليه‌السلام :( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) ، ما معنى: الأحد ؟


قال:المجمع عليه بالوحدانية، أما سمعته يقول: ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) (١) ، ثم يقولون بعد ذلك: له شريك وصاحبة .

فقلت: قوله:( لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ) (٢) .

قال:ياأبا هاشم ! أوهام القلوب أدقّ من أبصار العيون، أنت قد تدرك بوهمك السند والهند، والبلدان التي لم تدخلها، ولم تدرك ببصرك ذلك، فأوهام القلوب لا تدركه، فكيف تدركه الأبصار ؟!

وسئلعليه‌السلام : أيجوز أن يقال لله: إنه شيء ؟ فقال:نعم، تخرجه من الحدّين: حدّ التعطيل وحدّ التشبيه (٣) )(٤) .

وعن أبي هاشم الجعفري، قال: (كنت عند أبي جعفر الثانيعليه‌السلام فسأله رجل، فقال: أخبرني عن الرب تبارك وتعالى له أسماء وصفات في كتابه ؟ وأسماؤه وصفاته هي هو ؟ فقال أبو جعفرعليه‌السلام : (إن لهذا الكلام وجهين: إن كنت تقول: هي هو، أي أنه ذو عدد وكثرة، فتعالى الله عن ذلك. وإن كنت تقول: هذه الصفات والأسماء لم تزل، فإنّ (لم تزل) محتمل معنيين: فإن قلت: لم تزل عنده في علمه وهو مستحقها، فنعم، وإن كنت تقول: لم يزل تصويرها وهجاؤها وتقطيع حروفها فمعاذ الله أن يكون معه شيء غيره ، بل كان الله ولا خلق، ثم خلقها وسيلة بينه وبين خلقه يتضرعون بها إليه ويعبدونه وهي ذكره، وكان الله ولا ذكر، والمذكور بالذكر هو الله القديم الذي لم يزل.

والأسماء والصفات مخلوقات، والمعاني والمعني بها هو الله الذي لا يليق به الاختلاف ولا الائتلاف، وإنما يختلف ويأتلف المتجزئ فلا يقال: الله مؤتلف، ولا الله قليل ولا كثير، ولكنه القديم في ذاته، لأن ما سوى الواحد متجزئ، والله واحد لا متجزئ، ولا متوهم بالقلة والكثرة وكل متجزئ او متوهم بالقلة والكثرة، فهو مخلوق دالّ على خالق له.

ـــــــــ

(١) العنكبوت (٢٩): ٦١.

(٢) الأنعام (٦): ١٠٣.

(٣) حد التعطيل هو عدم إثبات الوجود، والصفات الكمالية والفعلية والإضافية له تعالى، وحد التشبيه الحكم والاشتراك مع الممكنات في حقيقة الصفات وعوارض الممكنات.

(٤) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٣٥٣ ـ ٣٥٤.


فقولك: (إن الله قدير) خبّرت أنه لا يعجزه شيء، فنفيت بالكلمة العجز وجعلت العجز سواه.

وكذلك قولك: (عالم) إنما نفيت بالكلمة الجهل، وجعلت الجهل سواه، وإذا أفنى الله الأشياء أفنى الصورة والهجاء والتقطيع، ولا يزال من لم يزل عالماً .

فقال الرجل: فكيف سمّينا ربنا سميعاً ؟

فقال:لأنه لا يخفى عليه ما يدرك بالأسماع، ولم نصفه بالسمع المعقول في الرأس وكذلك سمّيناه بصيراً لأنه لا يخفى عليه ما يدرك بالأبصار، من لون أو شخص أو غير ذلك، ولم نصفه ببصر لحظة العين وكذلك سمّيناه لطيفاً لعلمه بالشيء اللطيف مثل البعوضة وأخفى من ذلك، وموضع النشوء منها، والعقل والشهوة للفساد والحدب على نسلها وإقام بعضها على بعض، ونقلها الطعام والشراب إلى أولادها في الجبال والمفاوز والأودية والقفار، فعلمنا أن خالقها لطيف بلا كيف، وإنما الكيفية للمخلوق المكيّف.

وكذلك قويّاً لا بقوة البطش المعروف من المخلوق، ولو كانت قوته قوة البطش المعروف من المخلوق لوقع التشبيه ولاحتمل الزيادة، وما احتمل الزيادة احتمل النقصان، وما كان ناقصاً كان غير قديم، وما كان غير قديم كان عاجزاً.

فربّنا تبارك وتعالى لا شبه له ولا ضدّ ولا ندّ ولا كيف ولا نهاية ولا تبصار بصر، ومحرّم على القلوب أن تمثّله، وعلى الأوهام أن تحدّه، وعلى الضمائر أن تكوّنه، جلّ وعزَّ عن أداة خلقه وسمات بريّته، وتعالى عن ذلك علوّاً كبيراً) (١) .

ـــــــــ

(١) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٣٥٤ ـ ٣٥٦.


مكافحة الغلو:

من الانحرافات الخطيرة التي انتشرت عند البعض الغلو بأهل البيتعليهم‌السلام . وقد وقف الائمة من أهل البيتعليهم‌السلام بالمرصاد للمغالين فيهم فردّوهم وأفحموهم وأمروا أتباعهم بالابتعاد عنهم.

وقد سار الإمام الجوادعليه‌السلام على نهج آبائه في هذه المسألة وكان حذراً من نشأة بذور الغلو، كما يظهر ذلك من خلال ترصّده لبعض الممارسات ومن الأدلة على هذا الأمر، ما ذكره المؤرخون عن الحسين بن محمد الأشعري حيث قال: (حدثني شيخ من أصحابنا يقال له عبد الله بن رزين قال: كنت مجاوراً بالمدينة مدينة الرسول وكان أبو جعفرعليه‌السلام يجيء في كل يوم مع الزوال إلى المسجد فينزل إلى الصخرة ويمرّ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويسلّم عليه، ويرجع إلى بيت فاطمة ويخلع نعله فيقوم فيصلّي فوسوس إليّ الشيطان، فقال: إذا نزل فاذهب حتى تأخذ من التراب الذي يطأ عليه فجلست في ذلك اليوم انتظره لأفعل هذا.

فلمّا أن كان في وقت الزوال أقبلعليه‌السلام على حمار له فلم يزل في الموضع الذي كان ينزل فيه فجازه حتى نزل على الصخرة التي كانت على باب المسجد ثم دخل فسلّم على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم رجع إلى مكانه الذي كان يصلّي فيه ففعل ذلك أياماً، فقلت: إذا خلع نعليه جئت فأخذت الحصا الذي يطأ عليه بقدميه.

فلما كان من الغد جاء عند الزوال فنزل على الصخرة ثم دخل على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجاء إلى الموضع الذي كان يصلّي فيه ولم يخلعهما ففعل ذلك أياماً فقلت في نفسي: لم يتهيأ لي ههنا ولكن أذهب إلى باب الحمّام فإذا دخل أخذت من التراب الذي يطأ عليه فسألت عن الحمّام فقيل لي إنه يدخل حمّاماً بالبقيع لرجل من ولد طلحة، فتعرّضت اليوم الذي يدخل فيه الحمّام، وصرت إلى باب الحمّام وجلست إلى الطلحي أحدّثه وأنا انتظر مجيئهعليه‌السلام .

فقال الطلحي: إن أردت دخول الحمام فقم فادخل فإنه لا يتهيأ لك بعد ساعة، قلت: ولم ؟ قال: لأن ابن الرضاعليه‌السلام يريد دخول الحمام، قال: قلت: ومَن ابن الرضا ؟ قال: رجل من آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم له صلاح وورع، قلت له: ولا يجوز أن يدخل معه الحمام غيره ؟ قال: نخلي له الحمام إذا جاء، قال: فبينا أنا كذلك إذ أقبلعليه‌السلام ومعه غلمان له، وبين يديه غلام، ومعه حصير حتى أدخله المسلخ، فبسطه ووافى وسلّم ودخل الحجرة على حماره، ودخل المسلخ، ونزل على الحصير.

فقلت للطلحي: هذا الذي وصفته بما وصفته من الصلاح والورع ؟


فقال: ياهذا والله ما فعل هذا قط إلا في هذا اليوم، فقلت في نفسي: هذا من عملي أنا جنيته، ثم قلت: انتظره حتى يخرج فلعلّي أنال ما أردت إذا خرج. فلمّا خرج وتلبّس دعا بالحمار وأدخل المسلخ، وركب من فوق الحصير وخرجعليه‌السلام ، فقلت في نفسي: قد والله آذيته ولا أعود أروم ما رمت منه أبداً وصحّ عزمي على ذلك. فلمّا كان وقت الزوال من ذلك اليوم أقبل على حماره حتى نزل في الموضع الذي كان ينزل فيه في الصحن، فدخل فسلّم على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجاء إلى الموضع الذي كان يصلّي فيه في بيت فاطمةعليها‌السلام وخلع نعليه وقام يصلّي)(١) .

ب ـ تعميق البناء العلمي

ومن جملة المجالات التي تحرّك فيها الإمام الجوادعليه‌السلام هو إكماله لبناء الصرح العلمي الذي أشاده الائمةعليهم‌السلام من آبائه الكرام، وفي سياق هذا النشاط نلاحظ إجابته على الاستفسارات العلمية والاستفتاءات الفقهية التي كانت تستجد للطائفة الشيعية والأمة الإسلامية آنذاك.

والأهم من ذلك ملاحظة نشاطه في إكمال الأدوات والمنهج العلمي.

ـــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٥٠ / ٥٩ ـ ٦١.


إكمال الأدوات والمنهج العلمي:

تشكّل القواعد الأصولية جزءً من المنهج العام لفهم الشريعة واستنباط أحكامها. ونوجز منهجهعليه‌السلام فيما يلي:

أ ـ عدم جواز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر القرآن إلاّ بعد معرفة تفسيرها من الأئمّةعليهم‌السلام .

فقد روي في الكافي عن الإمام الجوادعليه‌السلام أنه قد روى عن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام أنّ رجلاً سأل أباه محمّد الباقرعليه‌السلام عن مسائل، فكان ممّا دار بينهما أن قال:(قل لهم: هل كان فيما أظهر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من علم الله (عزّ ذكره) اختلاف ؟ فإن قالوا لا، فقل لهم: فمن حكم بحكم الله فيه اختلاف، فهل خالف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ فيقولون: نعم، فإن قالوا: لا ; فقد نقضوا أوّل كلامهم ; فقل لهم: ( مَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) . فإن قالوا: من ( الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) ؟ فقل: من لا يختلف في علمه. فإن قالوا: فمن هو ذاك ؟ فقل: كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صاحب ذلك إلى أن قال:وإن كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يستخلف في علمه أحداً فقد ضيّع من في أصلاب الرّجال ممّن يكون بعده .

قال أيضاً: وما يكفيهم القرآن ؟ قال:بلى، إن وجدوا له مفسّراً .

قال: وما فسّره رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قال:بلى قد فسّره لرجل واحد، وفسّر للأمة شأن ذلك الرجل، وهو عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام )(١) .

ـــــــــ

(١) أصول الكافي: ١/٢٤٥.


وقال عليه‌السلام أيضاً: (والمحكم ليس بشيئين إنّما هو شيء واحد ; فمن حكم بما ليس فيه اختلاف، فحكمه من حكم الله عَزَّ وجَلَّ ; ومن حكم بأمر فيه اختلاف فرأى أنّه مصيب، فقد حكم بحكم الطاغوت) (١) .

ب ـ وجوب العمل بأحاديث الأئمّةعليهم‌السلام المنقولة في الكتب المعتمدة.

فقد جاء في الكافي أيضاً عن محمّد بن الحسن بن أبي خالد شنبولة، أنّه قال: (قلت لأبي جعفر الثانيعليه‌السلام : جعلت فداك، إنّ مشايخنا رووا عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهما‌السلام وكانت التقيّة شديدة، فكتموا كتبهم، ولم ترو عنهم، فلمّا ماتوا صارت الكتب إلينا.

فقال عليه‌السلام : (حدّثوا بها، فإنّها حقّ) (٢) .

ج ـ جواز العمل بقول من أجازه الإمامعليه‌السلام في العمل برأيه.

فقد جاء في رجال الكشّي: عن خيران الخادم أنّه قال: (وجّهت إلى سيّدي(٣) ثمانية دراهم ـ في حديث ـ وقال: قلت: جعلت فداك، إنّه ربّما أتاني الرجل لك قبله الحقّ، أو يعرف موضع الحقّ لك، فيسألني عمّا يعمل به، فيكون مذهبي أخذ ما يتبرّع في سرّ ؟ قال:اعمل في ذلك برأيك، فإنّ رأيك رأيي، ومن أطاعك فقد أطاعني )(٤) .

د ـ عدم جواز الإفتاء من دون علم

فقد مرّ أنه حينما توفي الإمام الرضاعليه‌السلام كان عُمر أبي جعفرعليه‌السلام حينذاك سبع سنين، فاختلفت كلمة الشيعة حوله ببغداد والأمصار فاجتمع وجهاء الشيعة

ـــــــــ

(١) أصول الكافي: ١/٢٤٨.

(٢) أصول الكافي: ١ / ٥٣ ح ١٥، عنه الوسائل: ١٨ / ٥٨ / ٢٧.

(٣) المراد بسيّده هنا إمّا الإمام الرضا، أو الإمام الجواد، أو الإمام الهاديعليهم‌السلام لأنّه خدمهم ثلاثتهمعليهم‌السلام ، والمرسل إليه يحتمل الثلاثة.

(٤) رجال الكشي: ٦١٠ ح ١١٣٤، وزاد فيه: قال أبو عمرو: هذا يدل على أنّه كان وكيله، ولخيران هذا مسائل يرويها عنه، وعن أبي الحسنعليهما‌السلام ، عنه في الوسائل: ١٢ / ٢١٦ / ح ٦.


وفقهاؤهم في الموسم ليشاهدوا أبا جعفرعليه‌السلام فوجدوا في دار جعفر الصادقعليه‌السلام عبد الله بن موسى قد جلس في صدر المجلس وكان يُسأل فيجيب بأجوبة دعتهم إلى الحيرة فاضطربوا وهمّوا بالانصراف، وإذا بموفّق الخادم يدخل عليهم مع أبي جعفرعليه‌السلام فقاموا إليه بأجمعهم واستقبلوه وسلّموا عليه ثم جلس وبدأوا بالسؤال فكان يجيب على أسئلتهم بالحق. ففرحوا ودعوا له وأثنوا عليه وقالوا له: إن عمّك عبد الله أفتى بكيت وكيت فقالعليه‌السلام :لا إله إلاّ الله ! ياعمّ ! إنّه عظيم عند الله أن تقف غداً بين يديه فيقول لك: لِمَ تفتي عبادي بما لم تعلم وفي الأمة من هو أعلم منك ؟! )(١)

الإجابة على الاستفتاءات الفقهيّة والاستفسارات العلمية:

لقد أسهمت إجابات الإمام الجوادعليه‌السلام على الاستفتاءات الفقهية وغيرها من الاستفسارات العلمية في البناء العلمي للجماعة الصالحة ولك أن تلاحظها في النصوص التالية:

وقت صلاة الفجر: عن الحصين بن أبي الحصين، قال: (كتبت إلى أبي جعفرعليه‌السلام : جعلت فداك، اختلف مواليك في صلاة الفجر، فمنهم من يصلّي إذا طلع الفجر الأول المستطيل في السماء، ومنهم مَن يصلي إذا اعترض في أسفل الأرض واستبان، ولست أعرف أفضل الوقتين فأُصلي فيه. فإن رأيت يامولاي ـ جعلني الله فداك ـ أن تعلّمني أفضل الوقتين، وتحدّ لي كيف أصنع مع القمر والفجر لأتبين معه حتى يحمرّ ويصبح ؟ وكيف أصنع مع الغيم ؟ وما حدّ ذلك في السفر والحضر ؟ فعلت إن شاء الله.

ـــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٥٠ / ٩٩.


فكتب بخطّهعليه‌السلام :(الفجر ـ يرحمك الله ـ الخيط الأبيض، وليس هو الأبيض صعداً، ولا تصلّ في سفر، ولا في حضر حتى تتبيّنه ـ رحمك الله ـ، فإن الله لم يجعل خلقه في شبهة من هذا، فقال تعالى: ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ) (١) فالخيط الأبيض هو الفجر الذي يحرم به الأكل والشرب في الصيام، وكذلك هو الذي يوجب الصلاة) (٢) .

البسملة في الصلاة: عن يحيى بن أبي عمران الهمداني، قال: (كتبت إلى أبي جعفرعليه‌السلام : جعلت فداك، ما تقول في رجل ابتدأ ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاته وحده في أم الكتاب، فلمّا صار إلى غير أم الكتاب من السورة تركها ؟ فقال العباسي(٣) : ليس بذلك بأس. فكتب بخط يده:(يعيدها مرتين على رغم انفه) يعني العباسي(٤) .

الإكراه في الزواج: جاء في رواية علي بن مهزيار عن محمد بن الحسن الأشعري، قال: (كتب بعض بني عمي إلى أبي جعفر الثانيعليه‌السلام : ما تقول في صبيّة زوّجها عمّها، فلمّا كبرت أبت التزويج ؟ فكتب بخطهعليه‌السلام :(لا تكره على ذلك، والأمر أمرها) (٥) .

ـــــــــ

(١) البقرة (٢): ١٨٧.

(٢) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٣٨٢ ـ ٣٨٢.

(٣) هو هشام بن إبراهيم العباسي وكان يعارض الرضا والجوادعليهما‌السلام .

(٤) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ١٦٢ ـ ١٦٣.

(٥) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٤٧٥.


حكم الوقف: عن علي بن محمد بن سليمان النوفلي، قال: (كتبت إلى أبي جعفر الثانيعليه‌السلام اسأله عن أرض أوقفها جدّي على المحتاجين من ولد فلان بن فلان وهم كثير، متفرقون في البلاد ؟

فأجابعليه‌السلام :(ذكرت الأرض التي أوقفها جدك على فقراء ولد فلان بن فلان وهي لمن حضر البلد الذي فيه الوقف، وليس لك أن تتبع من كان غائباً) (١) .

شهادة الزوج وغير الزوج: عن محمد بن سليمان أنه قال: قلت لأبي جعفر الثانيعليه‌السلام : (كيف صار الزوج إذا قذف امرأته كانت شهادته أربع شهادات بالله ؟ وكيف لا يجوز ذلك لغيره وصار إذا قذفها غير الزوج جلد الحدّ، ولو كان ولداً أو أخاً ؟

فقال: (قد سئل أبو جعفرعليه‌السلام عن هذا، فقال: ألا ترى أنه إذا قذف الزوج امرأته، قيل له: وكيف علمت أنها فاعلة ؟ فإن قال: رأيت ذلك منها بعيني، كانت شهادته أربع شهادات بالله، وذلك أنه قد يجوز للرجل أن يدخل المدخل في الخلوة التي لا تصلح لغيره إن يدخلها ولا يشهدها ولد ولا والد في الليل والنهار، فلذلك صارت شهادته أربع شهادات بالله إذا قال: رأيت ذلك بعيني.

وإذا قال: إني لم أعاين، صار قاذقاً في حدّ غيره، وضرب الحدّ إلاّ أن يقيم عليها البيّنة، وإن زعم غير الزوج إذا قذف وادّعى أنه رآه بعينه قيل له: وكيف رأيت ذلك ؟ وما أدخلك ذلك المدخل الذي رأيت فيه هذا وحدك ؟ أنت متّهم في دعواك، وإن كنت صادقاً فأنت في حدّ التهمة، فلا بدّ من أدبك بالحدّ الذي أوجبه الله عليك).

ـــــــــ

(١) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٤٦٦.


قال:(وإنما صارت شهادة الزوج أربع شهادات بالله لمكان الأربعة شهداء مكان كل شاهد يمين) (١) .

إنّ ما ذكر من الأمثلة السابقة نماذج لبعض توجهات الإمام الجوادعليه‌السلام وهو تفقيهه لشيعته ومواليه عن طريق مراسلتهم إياه أو سؤاله بصورة مباشرة.

ج ـ تعميق البناء التربوي

من المفردات الأساسية التي اهتم بها الإمام الجوادعليه‌السلام هو مسألة بناء الخلق الإسلامي عند الفرد والمجتمع.

وقد كان الإمامعليه‌السلام وفي سياق تربية الأمة ينقل لهم أحاديث أجداده خصوصاً أمير المؤمنينعليه‌السلام لما تحتويه من توجيهات تربوية عميقة ومؤثرة وفي هذا المجال سنعتبر كلمات الإمام الجوادعليه‌السلام وما نقله عن أجداده الائمةعليهم‌السلام وطرحه للأمة مادة لفهم توجهاته التربوية.

الحكمة في العمل:

أراد الإمام الجوادعليه‌السلام ان يعلم شيعته ضرورة اعتماد الحكمة في العمل ومراعاة عامل الزمن في اتضاح الأشياء فللأمور دورات زمنية ينبغي أن تمرّ بها حتى تكتمل، وعدم الالتفات إلى هذا الجانب يفسد العمل ويجهضه قبل استوائه.

قال عليه‌السلام : (إظهار الشيء قبل أن يستحكم مفسدة له) (٢) .

كما أن للمحن دورات لا يستطيع المرء أن يتخلص منها قبل انتهاء دورتها الزمنية وهذا الأمر أشبه شيئاً بالدورات المرضية التي لا يمكن تقليل مدتها، وهذا التوجه لا يعني عدم استعمال الوسيلة لإزالة المحن بل العمل مطلوب وهو يسهم

ـــــــــ

(١) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٤٨٤ ـ ٤٨٥.

(٢) تحف العقول: ٤٥٧.


بتقليل مدة المحنة وبالتالي إزالتها وإلى هذا المعنى أشار الإمام الجوادعليه‌السلام عندما نقل حديثاً عن جده أمير المؤمنينعليه‌السلام :(قال لقيس بن سعد، وقد قدم عليه من مصر: (ياقيس إن للمحن غايات لا بد أن ينتهي إليها، فيجب على العاقل أن ينام لها إلى إدبارها، فإنّ مكايدتها بالحيلة عند إقبالها زيادة فيها) (١) .

كما أنهعليه‌السلام نقل عن جده أمير المؤمنينعليه‌السلام العناصر المساعدة على اكتمال الأعمال فقال:(أربع خصال تعين المرء على العمل: الصحة والغنى والعلم والتوفيق) (٢) .

التعامل مع الظالمين:

ركّز الإمام الجوادعليه‌السلام على ضرورة ابتعاد المسلم عن مجاراة الظالمين والركون إليهم، ودعا إلى رفضهم والابتعاد عنهم.

فقد روىعليه‌السلام عن أمير المؤمنينعليه‌السلام قوله:(العامل بالظلم والمعين له والراضي به شركاء) (٣) .

وكذلك ما رواه عنهعليه‌السلام :(من استحسن قبيحاً كان شريكاً فيه) (٤) .

كما أنهعليه‌السلام شدّد على عدم طاعة المنحرفين والاستماع إليهم واعتبر ذلك كالطاعة والاستماع للشيطان. قالعليه‌السلام :(من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق عن الله فقد عبد الله، وإن كان الناطق ينطق عن لسان إبليس فقد عبد إبليس) (٥) .

ـــــــــ

(١) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٢٧٦.

(٢) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٢٧٦.

(٣) مستدرك عوالم العلوم:: ٢٣ / ٢٧٨.

(٤) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٢٨٠.

(٥) تحف العقول: ٤٥٦.


وبلحاظ الرفض الشديد للظالمين والتنديد بهم كان للإمام الجوادعليه‌السلام تفسير مهم لمعنى التديّن يتضح من قولهعليه‌السلام :(أوحى الله إلى بعض الأنبياء: أما زهدك في الدنيا فتعجّلك الراحة، وأما انقطاعك إليّ فيعزِّزك بي، ولكن هل عاديتَ لي عدوّاً وواليت لي ولياً) (١) فالدين حسب هذه الرواية، يتحقق بموالاة أولياء الله ومعاداة أعداء الله، وعدم مهادنتهم ومسالمتهم ولإذكاء هذه الروح عند الأمة كان ينقل حديث جده أمير المؤمنينعليه‌السلام عندما قال لأبي ذر:(إنما غضبت لله عزَّ وجلَّ فارج من غضبت له، إن القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك، والله لو كانت السماوات والأرضون رتقاً على عبد، ثم اتقى الله لجعل الله له منها مخرجاً، لا يؤنسنّك إلاّ الحق، ولا يوحشنّك إلاّ الباطل) (٢) .

النشاط الاجتماعي:

إن حركة الإنسان في المجتمع تشتدّ بمقدار تجذّره وتأثيره في ذلك المجتمع، لذلك توجّه الإمام الجوادعليه‌السلام إلى توضيح المفاهيم المتصلة بالنشاط الإسلامي للطليعة المؤمنة، وفيما يأتي نذكر بعضاً من هذه المفاهيم:

١ ـ كلما ترسخ مركز الإنسان في المجتمع ازداد توجه الناس إليه وطلبهم منه في قضاء حوائجهم وحل مشاكلهم. روى الإمام الجوادعليه‌السلام عن أجداده عن الإمام عليعليه‌السلام :(ما عظمت نعمة الله على عبد إلاّ عظمت عليه مؤونة الناس، فمن لم يحتمل تلك المؤونة فقد عرّض النعمة للزوال) (٣) .

٢ ـ بقاء نعمة الإنسان واستمرار موقعه في الأمة مقترن بدرجة إحسانه إليها وخدمته لها، فقد روى الإمامعليه‌السلام عن أمير المؤمنينعليه‌السلام :(إن لله عباداً يخصهم

ـــــــــ

(١) تحق العقول: ٤٥٥ ـ ٤٥٦.

(٢) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٢٥٧.

(٣) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٢٧٦.


بالنعم، ويقرّها فيهم ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها عنهم وحوّلها إلى غيرهم) (١) . وقالعليه‌السلام :(أهل المعروف إلى اصطناعه أحوج من أهل الحاجة إليه، لأن لهم أجره وفخره وذكره، فمهما اصطنع الرجل من معروف فإنما يبدأ فيه بنفسه، فلا يطلبنّ شكر ما صنع إلى نفسه من غيره) (٢) .

٣ ـ ضرورة مجازاة المحسن بالشكر، يقولعليه‌السلام راوياً عن أمير المؤمنينعليه‌السلام :(كفر النعمة داعية المقت ومن جازاك بالشكر فقد أعطاك أكثر مما أخذ منك) (٣) .

٤ ـ كما أن الإمامعليه‌السلام بيّن طرق تحسين العلاقة بين الناس وأصول التعامل بين الأصدقاء فقد روى عن جدّه أمير المؤمنينعليه‌السلام :(ثلاث خصال تجتلب بهن المحبة: الإنصاف في المعاشرة، والمواساة في الشدّة، والانطواع والرجوع إلى قلب سليم) (٤) .

وقالعليه‌السلام :(لا يفسدك الظنّ على صديق وقد أصلحك اليقين له، ومن وعظ أخاه سرّاً فقد زانه، ومن وعظ علانية فقد شانه. استصلاح الأخيار بإكرامهم، والأشرار بتأديبهم، والمودّة قرابة مستفادة، وكفى بالأجل حرزاً، ولا يزال العقل والحمق يتغالبان على الرجل إلى ثمانية عشر سنة، فإذا بلغها غلب عليه أكثرهما فيه، وما أنعم الله عزَّ وجلَّ على عبد نعمة فعلم أنها من الله إلاّ كتب الله جلّ اسمه له شكرها قبل أن يحمده عليها، ولا أذنب ذنباً فعلم أن الله مطّلع عليه إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، إلاَّ غفر الله له قبل أن يستغفره) (٥) .

ـــــــــ

(١) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٢٧٦.

(٢) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣/٢٧٦.

(٣) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٢٨٠.

(٤) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٢٧٩.

(٥) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٢٨٠.


٥ ـ كما شدّدعليه‌السلام على ضرورة اختيار القرين الصالح لما يورثه من اثر على المرء، فقد روىعليه‌السلام :(فساد الأخلاق بمعاشرة السفهاء، وصلاح الأخلاق بمنافسة العقلاء، والخلق أشكال فكل يعمل على شاكلته، والناس إخوان، فمن كانت إخوته في غير ذات الله فإنها تحوز عداوة، وذلك قوله تعالى: ( الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ) (١) ) (٢) .

فإذا حصل المرء على الأخ المخلص في الله فانه فاز بشيء عظيم وينبغي له مشاورته واستنصاحه. روى الإمام الجوادعليه‌السلام عن عليعليه‌السلام قال:(بعثني النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى اليمن، فقال لي وهو يوصيني: (ياعلي، ما حار من استخار، ولا ندم من استشار) ، وقالعليه‌السلام :(من استفاد أخاً في الله فقد استفاد بيتاً في الجنة) (٣) .

وصايا للعاملين:

كان الإمام الجوادعليه‌السلام يزرع روح الأمل والصبر في قلوب المؤمنين ليسلّحهم بالسلاح الفاعل عند مقارعتهم للظلم والطغيان وتحركهم ضده.

لقد أشار إلى يوم يعاقب فيه الظالم عندما ينتصر العدل فينتقم للمظلومين من جوره اشد الانتقام. إن حمل المستضعفين لهذا المفهوم ومعايشتهم إياه يصنع منهم قوة لا تلين وثورة لا تقاوم. روى الإمام الجوادعليه‌السلام :(يوم العدل على الظالم أشد من يوم الجور على المظلوم) (٤) .

ولقد روىعليه‌السلام :(أن صبر المؤمن على البلاء من أشد الأسلحة ضد الظالمين) ، وقالعليه‌السلام :(الصبر على المصيبة مصيبة على الشامت بها) (٥) .

كما أنهعليه‌السلام روى عن جده أمير المؤمنينعليه‌السلام المنهاج الذي ينبغي أن يلتزم به المؤمنون ليبلغوا غاياتهم السامية.

ـــــــــ

(١) الزخرف (٤٣): ٦٧.

(٢) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٢٧٩.

(٣) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٢٧٥.

(٤) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٢٧٨.

(٥) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣/٢٧٨.


عنهعليه‌السلام عن أمير المؤمنينعليه‌السلام قال:(من وثق بالله أراه السرور، ومن توكل عليه كفاه الأمور، والثقة بالله حصن لا يتحصن فيه إلا مؤمن أمين، والتوكل على الله نجاة من كل سوء وحرز من كل عدو، والدين عزّ، والعلم كنز، والصمت نور، وغاية الزهد الورع، ولا هدم للدين مثل البدع، ولا أفسد للرجال من الطمع، وبالراعي تصلح الرعية، وبالدعاء تصرف البليّة، ومن ركب مركب الصبر اهتدى إلى مضمار النصر، ومن عاب عيب، ومن شتم أجيب، ومن غرس أشجار التقى اجتنى ثمار المنى) (١) .

الحث على اكتساب العلم:

حثّ الإمام الجوادعليه‌السلام على طلب العلم وبيّن فضل العلماء من خلال أحاديثه ورواياته عن جده أمير المؤمنينعليه‌السلام وفيما يأتي نماذج من هذه الأحاديث:

قالعليه‌السلام :(عليكم بطلب العلم، فان طلبه فريضة، والبحث عنه نافلة، وهو صلة بين الإخوان، ودليل على المروّة، وتحفة في المجالس، وصاحب في السفر، واُنس في الغربة) (٢) .

وقالعليه‌السلام :(العلم علمان: مطبوع ومسموع، ولا ينفع مسموع إذا لم يكن مطبوع، ومن عرف الحكمة لم يصبر على الازدياد منها، الجمال في اللسان، والكمال في العقل) (٣) .

وعنهعليه‌السلام عن علي، قال:(في كتاب عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام : أن ابن آدم

ـــــــــ

(١) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٢٧٦.

(٢) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٢٧٧.

(٣) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٢٧٧.


أشبه شيء بالمعيار، إما راجح بعلم ـ وقال مرة : بعقل ـ أو ناقص بجهل) (١) .

وقالعليه‌السلام :(اقصد العلماء للمحجّة الممسك عند الشبهة، والجدل يورث الرياء، ومن أخطأ وجوه المطالب خذلته الحيل، والطامع في وثاق الذلّ، ومن أحب البقاء فليعدّ للبلاء قلباً صبوراً) (٢) .

كما أنه كان يتألّم لكثرة الجهلاء وابتلاء العلماء بهم وكان يعتبر سبب الاختلاف هو ما يطرحه الجهلاء نتيجة جهلهم، فقد روى عن جده أمير المؤمنينعليه‌السلام :(العلماء غرباء لكثرة الجهّال بينهم) (٣) .

وقالعليه‌السلام :(لو سكت الجاهل ما اختلف الناس) (٤) .

الحث على التوبة:

دعا الإمام إلى كيفية التوبة إلى الله تعالى وبيّن طريقها، فقد روى عن أمير المؤمنينعليه‌السلام :(التوبة على أربعة دعائم: ندم القلب، واستغفار باللسان، وعمل بالجوارح، وعزم على أن لا يعود) .(وثلاث يبلغن بالعبد رضوان الله: كثرة الاستغفار وخفض الجانب وكثرة الصدقة) (٥) .

كما أنهعليه‌السلام أشار إلى فوريّتها وحذّر من التسويف بها بقوله:(تأخير التوبة اغترار، وطول التسويف حيرة، والاعتلال على الله هلكة، والإصرار على الذنب أمنٌ

ـــــــــ

(١) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٢٧٥.

(٢) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٢٧٨.

(٣) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٢٧٨.

(٤) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٢٧٩.

(٥) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٢٧٩.


لمكر الله و ( لَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ) (١) ) (٢) .

٣ ـ إحكام تنظيم الجماعة الصالحة وإعدادها لدور الغيبة

أ ـ نظام الوكلاء ودقة التحرّك:

إنّ بناء الجماعة الصالحة وتنظيم شؤونها وتحرّك الائمةعليهم‌السلام من خلالها كان هدفاً أساسيّاً لأهل البيتعليهم‌السلام وقد قاموا بإشادة صرحه منذ عصر الإمام عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام واستمروا بإكمال البناء وتعميق الطرح وتوسيع دائرة العمل حتى عصر الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام وابنه الإمام المهدي عجل الله فرجه.

لقد كانت رقابة السلطة الحاكمة على تحرّكات أهل البيتعليهم‌السلام تزيد في ضرورة إكمال الطرح والبناء. وكان لأصحاب الأئمةعليهم‌السلام وتلامذتهم وثقاتهم دور رساليّ في تحقيق بعض أهداف الأئمة من أهل البيتعليهم‌السلام وكان لاتّساع دائرة أفراد الجماعة الصالحة وتعدد مراكز النشاط والحضور في مختلف حواضر العالم الإسلامي أثر كبير في إيجاد وتوسيع دائرة نظام الوكلاء الذي كان قد أصبح ضرورة من ضرورات عمل الائمةعليهم‌السلام ليساعدهم على سهولة وسرعة التحرّك والارتباط.

كما كان لازدياد الضغط والرقابة عليهم لا سيَّما في عصر الإمام الرضاعليه‌السلام بعد قبوله ولاية العهد ثم الإمام الجوادعليه‌السلام أثر بالغ في الاهتمام الكبير بنظام الوكلاء الذي كان يشرف عليه الإمام المعصوم مباشرة، إذا كان الارتباط بالوكلاء بحاجة إلى دقة ومراقبة لحراجة الظرف المحيط بالإمامعليه‌السلام .

إن البحث عن دقة الإمام الجوادعليه‌السلام في التحرك بعد الاعتراف بأنه الإمام المعصوم والقائد الشرعي للأمة المسلمة الذي ورث العلم والخط الصحيح من آبائه الميامين المنتجبينعليهم‌السلام يكون بحثاً مفروغاً منه.

ـــــــــ

(١) الأعراف (٧): ٩٧.

(٢) تحف العقول: ٤٥٦.


وإنّ دراسة حياة الإمام الجوادعليه‌السلام تكشف للدارس بشكل واضح وجليّ مدى الدقة والمتانة في التحرك عند الإمامعليه‌السلام ، فكل مفردة مرتبطة مع نظيرتها ومتجانسة مع ظرفها ومعبرة عن رأي الرسالة في ذلك الموضوع.

وعند الحديث عن أساليب العمل عند الإمامعليه‌السلام يَرد هذا الكلام كذلك، وسنذكر لتوضيح هذه القضية نماذج لتبيان المقصد.

ومن أصول التحرّك عند الإمامعليه‌السلام تجاه قواعده الشعبية يمكن ذكر ما يلي:

ب ـ المراسلات السرّيّة:

لا شك في أن الاتصالات كانت جارية بين الإمام وأتباعه إلاّ أن بعضها كان سريّاً وذلك خشية تفشّي أسماء مرسليها إلى الإمام خصوصاً وأن الإمام كان مرصوداً من الداخل عن طريق زوجته.

هذا إلى جانب أن نمطاً معيناً من الرسائل كان يصل الإمام دون ذكر أسماء مرسليها عليها، ولكن الإمامعليه‌السلام كان يستطيع معرفة المرسلين لهذه الرسائل بطريقته الخاصة، ولا نستبعد أن ذلك كان يتم عن طريق وجود رمز معين في هذه الرسائل، هذا إذا لم نحاول تفسير ذلك بعلم الإمام المعصوم بالغيب، باعتبار أنه:إذا أراد الإمام أن يعلم شيئاً أعلمه الله ذلك (١) .

قال أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري: (دخلت على أبي جعفر

ـــــــــ

(١) راجع أصول الكافي: ١ / ٢٠١.


الثانيعليه‌السلام ومعي ثلاث رقاع غير معنونة واشتبهت عليّ فاغتممت لذلك، فتناول إحداهن وقال:هذه رقعة ريّان بن شبيب ثم تناول الثانية فقال:هذه رقعة محمد بن حمزة وتناول الثالثة وقال:هذه رقعة فلان فبهت فنظر إليَّ وتبسّمعليه‌السلام )(١) .

وقد أحصيت مكاتبات الإمام الجوادعليه‌السلام ـ بحسب ما جاء في موسوعة الإمام الجوادعليه‌السلام ـ فبلغت اثنين وسبعين مكاتبة(٢) .

ج ـ الإحاطة بدقائق الأمور الاجتماعية:

لم يكن الإمامعليه‌السلام بمنأى وبمعزل عن مجتمعه، بل كان حاضراً دائماً بين الناس يعيش احتياجاتهم وتطلّعاتهم.

وهناك أمثلة كثيرة تعكس مثل هذا التوجه عند الأئمةعليهم‌السلام .

والإمام الجوادعليه‌السلام ينطبق عليه ما ينطبق على أجداده ومن ذلك هذا المثال:

جاء في تكملة الرواية السابقة أن داود بن القاسم الجعفري قال: وأعطاني أبو جعفر ثلاثمائة دينار في صرّة وأمرني أن أحملها إلى بعض بني عمّه وقال:(أما أنه سيقول لك دلّني على حرّيف يشتري لي بها متاعاً فدلّه عليه) . قال: فأتيته بالدنانير فقال لي:(يا أبا هاشم دلّني على حرّيف يشتري لي بها متاعاً) ، ففعلت(٣) .

يتضح من هذا المثال أنّ الإمامعليه‌السلام كان يتتبع الاحتياجات ويسعى إلى سدّها.

ـــــــــ

(١) إعلام الورى بأعلام الهدى: ٢ / ٩٨.

(٢) راجع موسوعة الإمام الجوادعليه‌السلام : ٢/٤١٣ ـ ٥١٥.

(٣) إعلام الورى بأعلام الهدى: ٢ / ٩٨.


د ـ متابعة تربية الأفراد:

ومن الأمور التي تصدّى لها الإمام الجوادعليه‌السلام اهتمامه بتربية أتباعه وشيعته ومتابعته لتربيتهم، ومن الأمثلة على ذلك موقفه من الشاعر المعروف دعبل الخزاعي. فعن دعبل بن علي: (أنه دخل على الرضاعليه‌السلام فأمر له بشيء فأخذه ولم يحمد الله، فقال له:لِمَ لَمْ تحمد الله ؟ قال: ثم دخلت على أبي جعفر فأمر له بشيء فقلت: الحمد لله. فقال:تأدّبت )(١) .

إنّ هذا المثال يكشف عن تتبّع الإمامعليه‌السلام لسلوك أتباعه واهتمامه بتكاملهم الثقافي والروحي.

٤ ـ التمهيد لإمامة علي الهاديعليه‌السلام المبكرة

من المهام التي اشترك فيها الائمةعليهم‌السلام دعوتهم إلى الإمام الآتي بعدهم. وقد سار الإمام الجوادعليه‌السلام على منهج آبائه في قضية الدعوة إلى الإمام القادم بعده وترسيخ ذلك عند الطليعة المؤمنة من الأمة، وفيما يأتي أمثلة على هذا الأمر عند الإمامعليه‌السلام :

أ ـ عن الخيراني عن أبيه أنه قال: كنت ألزم باب أبي جعفرعليه‌السلام للخدمة التي وُكّلت بها، وكان أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري يجيء في السحر من آخر كل ليلة ليتعرف خبر علّة أبي جعفرعليه‌السلام ، وكان الرسول الذي يختلف بين أبي جعفر وبين الخيراني إذا حضر قام أحمد وخلا به.

ـــــــــ

(١) كشف الغمة: ٢ / ٣٦٣.


قال الخيراني: فخرج ذات ليلة وقام أحمد بن محمد بن عيسى عن المجلس، وخلا بي الرسول، واستدار أحمد فوقف حيث يسمع الكلام، فقال الرسول: إن مولاك يقرأ عليك السلام، ويقول لك:(إني ماض، والأمر صائر إلى ابني علي، وله عليكم بعدي ما كان لي عليكم بعد أبي) . ثم مضى الرسول ورجع أحمد إلى موضعه، فقال لي: ما الذي قال لك ؟ قلتُ: خيراً، قد سمعتُ ما قال، وأعادَ عليّ ما سمع، فقلتُ له: قد حرّم الله عليك ما فعلتَ، لأن الله تعالى يقول:( وَلَا تَجَسَّسُوا ) (١) ، فإذا سمعت فاحفظ الشهادة لعلّنا نحتاج إليها يوماً ما، وإياك أن تظهرها إلى وقتها.

قال: وأصبحت وكتبتُ نسخة الرسالة في عشر رقاع، وختمتها ودفعتها إلى عشرة من وجوه أصحابنا، وقلتُ: إن حدث بي حدثُ الموت قبل أن أطالبكم بها فافتحوها واعملوا بما فيها.

فلمّا مضى أبو جعفرعليه‌السلام لم أخرج من منزلي حتى عرفتُ أن رؤساء العصابة قد اجتمعوا عند محمد بن الفرج(٢) يتفاوضون في الأمر. وكتب إليَّ محمد بن الفرج يُعلِمُني باجتماعهم عنده ويقول: لولا مخافةُ الشهرة لصرتُ معهم إليك، فأحب أنْ تركب إلي. فركبتُ وصرتُ إليه، فوجدتُ القومَ مجتمعين عنده، فتجارينا في الباب، فوجدت أكثرهم قد شكّوا، فقلتُ لمن عنده الرقاع ـ وهم حضور ـ: أخرجوا تلك الرقاع، فأخرجوها، فقلت لهم: هذا ما أمرت به.

فقال بعضهم: قد كنّا نحبّ أن يكون معك في هذا الأمر آخر ليتأكّد القول.

فقلتُ لهم: قد أتاكم الله بما تحبّون، هذا أبو جعفر الأشعري يشهد لي

ـــــــــ

(١) الحجرات (٤٩): ١٢.

(٢) هو محمد بن الفرج الرُخّجي، من أصحاب الرضا والجواد والهاديعليهم‌السلام .


بسماع هذه الرسالة فاسألوه، فسأله القوم فتوقّف عن الشهادة، فدعوته إلى المباهلة، فخاف منها، وقال: قد سمعتُ ذلك، وهي مكرمةٌ كنتُ أُحبُّ أن تكون لرجل من العرب، فأما مع المباهلة فلا طريق إلى كتمان الشهادة، فلم يبرح القوم حتى سلّموا لأبي الحسنعليه‌السلام (١) .

ب ـ عن إسماعيل بن مهران، قال: (لمّا خرج أبو جعفرعليه‌السلام من المدينة إلى بغداد في الدفعة الأولى من خرجتيه، قلت له عند خروجه: جُعلت فداك إنّي أخاف عليك في هذا الوجه، فإلى من الأمر بعدك ؟ فكرّ بوجهه إلي ضاحكاً وقال:ليس الغيبة حيث ظننتَ في هذه السنة ، فلمّا أُخرج به الثانية إلى المعتصم صرت إليه، فقلتُ له: جُعلت فداك أنت خارج، فإلى من هذا الأمر من بعدك ؟ فبكى حتى اخضلّت لحيته، ثم التفت إلي، فقال:عند هذه يُخاف عليّ، الأمرُ من بعدي إلى ابني علي )(٢) .

ج ـ عن محمد بن الحسين الواسطي أنه سمع أحمد بن أبي خالد مولى أبي جعفر يحكي أنه أشهده على هذه الوصية المنسوخة:

(شهد أحمد بن أبي خالد مولى أبي جعفر أن أبا جعفر محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهم‌السلام أشهده أنه أوصى إلى علي ابنه بنفسه وإخوانه وجعل أمر موسى(٣) إذا بلغ إليه وجعل عبد الله بن المساور قائماً على تركته من الضياع والأموال والنفقات والرقيق وغير ذلك إلى أن يبلغ علي بن محمد، صيّر عبد الله بن المساور ذلك اليوم إليه، يقوم بأمر نفسه، وإخوانه ويصيّر أمر موسى إليه، يقوم لنفسه بعدهما على شرط أبيهما

ـــــــــ

(١) الإرشاد: ٢ / ٢٩٨ ـ ٣٠٠.

(٢) أصول الكافي: ١ / ٣٢٣.

(٣) يعني ابنه الملقب بالمبرقع المدفون بقم.


في صدقاته التي تصدق بها وذلك يوم الأحد لثلاث ليال خلون من ذي الحجة سنة عشرين ومائتين وكتب أحمد بن أبي خالد شهادته بخطّه وشهد الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهم‌السلام وهو الجوّاني على مثل شهادة أحمد بن أبي خالد في صدر هذا الكتاب وكتب شهادته بيده وشهد نصر الخادم وكتب شهادته بيده)(١) .

قال الطبرسي بعد نقل هذه النصوص الثلاثة: والأخبار في هذا الباب كثيرة، وفي إجماع العصابة على إمامته وعدم من يدّعي فيه إمامة غيره غناء عن إيراد الأخبار في ذلك، هذا وضرورة أئمتناعليهم‌السلام في هذه الأزمنة في خوفهم من أعدائهم وتقيّتهم منهم أُحوجت شيعتهم في معرفة نصوصهم على من بعدهم إلى ما ذكرناه من الاستخراج حتى أنّ أوكد الوجوه في ذلك عندهم دلائل العقول الموجبة للإمامة وما اقترن إلى ذلك من حصولها في ولد الحسينعليه‌السلام ، وفساد أقوال ذوي النحل الباطلة وبالله التوفيق(٢) .

٥ ـ الإمام الجوادعليه‌السلام وقضية الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):

قضية الإمام المهدي عجَّل الله فرجه من القضايا الأساسية في المسيرة الإسلامية والمتتبع لآثار الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمةعليهم‌السلام لا يجد أحداً منهم غفل عن الدعوة إليها أو تجاهلها.

وعلى هذا المنهج سار الإمام الجوادعليه‌السلام فطرح قضية المهدي (عج) على الأمة قاصداً من ذلك تركيز هذا المفهوم في أذهانها من جهة وإعدادها لاستقبال يومه من جهة ثانية، ونذكر فيما يأتي نماذج من هذه الدعوة:

ـــــــــ

(١) أصول الكافي: ١ / ٢٦١.

(٢) إعلام الورى: ٣٣٩.


١ ـ عن عبد العظيم بن عبد الله الحسنيرضي‌الله‌عنه قال: (قلت لمحمد بن علي بن موسىعليهم‌السلام : يامولاي ! إني لأرجو أن تكون القائم من أهل بيت محمد الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً. فقالعليه‌السلام :ما منّا إلا قائم بأمر الله، وهاد إلى دين الله. ولكن القائم الذي يطهّر الله به الأرض من أهل الكفر والجحود ويملأها قسطاً وعدلاً هو الذي يخفى على الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصه، ويحرم عليهم تسميته، وهو سميّ رسول الله وكنيته، وهو الذي تطوى له الأرض، ويذل له كل صعب، يجتمع إليه من أصحابه عدّة أهل بدر: (ثلاثمئة وثلاثة عشر) رجلاً من أقاصي الأرض وذلك قول الله عزَّ وجلَّ: ( أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (١) . فإذا اجتمعت له هذه العدّة من أهل الإخلاص، أظهر الله أمره، فإذا كمل له العقد وهو (عشرة آلاف) رجل، خرج بإذن الله تعالى، فلا يزال يقتل أعداء الله حتى يرضى الله عزَّ وجلَّ) (٢) .

٢ ـ عن أبي تراب عبد الله موسى الروياني، قال:

حدثنا عبد العظيم بن عبد الله بن علي بن الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ ابن أبي طالبعليه‌السلام الحسني قال:

(دخلت على سيدي محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي ابن الحسين بن عليّ بن أبي طالبعليهم‌السلام وأنا أريد أن أسأله عن القائم أهو المهدي أو غيره فابتدأني فقال لي:

ـــــــــ

(١) البقرة (٢): ١٤٨.

(٢) الاحتجاج: ٢ / ٤٨١ ـ ٤٨٢.


ياأبا القاسم إن القائم منّا هو المهدي الذي يجب أن ينتظر في غيبته، ويطاع في ظهوره، وهو الثالث من ولدي، والذي بعث محمداً صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالنبوّة وخصّنا بالإمامة، إنه لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، وإنّ الله تبارك وتعالى ليصلح له أمره في ليلة، كما أصلح أمر كليمه موسى عليه‌السلام إذ ذهب ليقتبس لأهله ناراً فرجع وهو رسولٌ نبيٌ ، ثم قالعليه‌السلام :أفضل أعمال شيعتنا انتظار الفرج )(١) .

٣ ـ عن حمدان بن سليمان قال: حدّثنا الصقر بن أبي دلف، قال: سمعت أبا جعفر محمد بن عليّ الرضاعليه‌السلام يقول: (إنّ الإمام بعدي ابني عليّ، أمره أمري، وقوله قولي، وطاعته طاعتي، والإمام بعده ابنه الحسن، أمره أمر أبيه، وقوله قول أبيه، وطاعته طاعة أبيه ، ثم سكت. فقلت له: يابن رسول الله فمن الإمام بعد الحسن ؟ فبكىعليه‌السلام بكاءً شديداً، ثم قال:إنّ من بعد الحسن ابنه القائم بالحق المنتظر . فقلت له: يابن رسول الله لم سمّي القائم ؟ قال:لأنه يقوم بعد موت ذكره وارتداد أكثر القائلين بإمامته . فقلت له: ولم سمّي المنتظر ؟ قال:لأنّ له غيبة يكثر أيامها ويطول أمدها فينتظر خروجه المخلصون وينكره المرتابون ويستهزئ بذكره الجاحدون، ويكذّب بها الوقّاتون، ويهلك فيها المستعجلون، وينجو فيها المسلمون )(٢)

ـــــــــ

(١) كمال الدين وتمام النعمة: ٣٧٧.

(٢) كمال الدين وتمام النعمة: ٣٧٨.


الفصل الثالث: مدرسة الإمام الجوادعليه‌السلام وتراثه

البحث الأول: أصحاب الإمام الجوادعليه‌السلام

حفَّ جمهور كبير من العلماء والرواة بالإمام أبي جعفر الجوادعليه‌السلام وهم يقتبسون من نمير علومه التي ورثها عن جده رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكانوا يدوّنون أحاديثه وكلماته وما كان يدلي به من روائع الحكم والآداب.

ولهؤلاء الأعلام يرجع الفضل في تدوين ذلك التراث القيم الذي يعد من ذخائر الثروات الفكرية في الإسلام.

لقد عمل أصحاب الائمةعليهم‌السلام بوحي من عقيدتهم الدينية التي ألزمتهم بالحفاظ على أحاديث الائمة الأطهار وتدوينها، والتي يرجع إليها فقهاء الإمامية في استنباطهم للأحكام الشرعية، ولولاها لما كان لأتباع مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام هذا الفقه المتطور والعظيم الذي اعترف بأصالته وعمقه جميع رجال الفكر والقانون في العالم الإسلامي بل الإنساني.

وما يدعو إلى الاعتزاز بأصحاب الائمةعليهم‌السلام هو أنهم جهدوا على ملازمة الائمةعليهم‌السلام وتدوين أحاديثهم في وقت كان من أعسر الأوقات وأشدها حراجة وأعظمها ضيقاً، فقد ضربت الحكومات الجائرة العباسية والأموية معاً الحصار الشديد على الأئمةعليهم‌السلام ومنعت من الاتصال بهم لئلا تتبعهم الجماهير.

وقد بلغ التضييق على العلماء والرواة من أصحاب الائمة حدّاً بحيث كانوا لا يستطيعون أن يجهروا باسم الإمام الذي أخذوا عنه، وإنّما كانوا يلمّحون إليه ببعض أوصافه وسماته من دون التصريح باسمه خشية القتل أو السجن.

ونظراً للحصار الأمني الذي كانت السلطة العباسية تفرضه على الإمام الجوادعليه‌السلام ، فقد أوعزعليه‌السلام لأصحابه بالتحرك في المجالات التي تتعسر عليه الحركة فيها.

ومن المجالات الأساسية التي تكتشف تحرّكات الإمام الجوادعليه‌السلام من خلالها هي تحرّكات أصحابه الذين ما كانوا يصدرون إلاّ عنه، وذلك بحكم طاعتهم له وقبولهم لإرشاداته.

والسبب في ذكرنا لأصحاب الإمام الجواد، هو أن نشاطاتهم العلمية والفكرية تعبّر عن توجهات الطليعة الواعية آنذاك تحت قيادة الإمامعليه‌السلام .


وفيما يلي نستعرض طائفة من هؤلاء الأصحاب الرواة الذين يعبّرون بصدق عن مدى نشاط وسعة مدرسة الإمام الجوادعليه‌السلام .

١ ـ الحسين بن سعيد الأهوازي: ابن حمّاد الأهوازي، ثقة، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام وأبي جعفرعليه‌السلام وأبي الحسن الثالث.(١) وهو الإمام علي الهاديعليه‌السلام .

٢ ـ أخوه الحسن بن سعيد الأهوازي: من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام والإمام الجواد(٢) .

لقد اشترك عمل الحسن والحسين الأهوازيان في التحرك مع الإمام الرضاعليه‌السلام ثم مع الإمام الجوادعليه‌السلام كما اشتركا في التصنيف وكان لهما دور في هداية بعض الأفراد.

ـــــــــ

(١) حياة الإمام محمد الجوادعليه‌السلام : ١٣٩ ـ ١٤١.

(٢) حياة الإمام محمد الجوادعليه‌السلام : ١٣٩ ـ ١٤١.


كان الحسن بن سعيد هو الذي أدخل إسحاق بن إبراهيم الحضيني وعلي بن الريان بعد إسحاق إلى الرضاعليه‌السلام ، وكان سبب معرفتهم لهذا الأمر أعني مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام ، ومنه سمعوا الحديث وبه عرفوا، وكذلك فعل بعبد الله بن محمد الحضيني وغيرهم حتى جرت الخدمة على أيديهم وصنّفا الكتب الكثيرة، ويقال إن الحسن صنف خمسين تصنيفاً.(١)

ويقول شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسيرحمه‌الله عند حديثه عن الحسين الأهوازي:

ثقة روى عن الرضا وأبي جعفر الثاني وأبي الحسن الثالثعليهم‌السلام وأصله كوفي وانتقل مع أخيه الحسنرضي‌الله‌عنه إلى الأهواز ثم تحوّل إلى قم فنزل على الحسن بن أبان وتوفي بقم، وله ثلاثون كتاباً وهي:

١ ـ كتاب الوضوء

٢ ـ كتاب الصلاة

٣ ـ كتاب الزكاة

٤ ـ كتاب الصوم

٥ ـ كتاب الحج

٦ ـ كتاب النكاح والطلاق

٧ ـ كتاب الوصايا

٨ ـ كتاب الفرائض

٩ ـ كتاب التجارات

١٠ ـ كتاب الإجارات

١١ ـ كتاب الشهادات

١٢ ـ كتاب المناقب

ـــــــــ

(١) رجال الكشي: ٥٥٢ طبعة مشهد.


١٣ ـ كتاب الإيمان والنذوروالكفارات

١٤ ـ كتاب البشارات

١٥ ـ كتاب الحدود والديات

١٦ ـ كتاب الزهد

١٧ ـ كتاب الأشربة

١٨ـ كتاب المكاسب

١٩ـ كتاب التقية

٢٠ ـ كتاب الخمس

٢١ ـ كتاب المروة والتجمل

٢٢ ـ كتاب الصيد والذبائح

٢٣ ـ كتاب المثالب

٢٤ ـ كتاب التفسير

٢٥ ـ كتاب المؤمن

٢٦ ـ كتاب الملاحم

٢٧ ـ كتاب المزار

٢٨ـ كتاب الرد على الغالية

٢٩ ـ كتاب الدعاء

٣٠ ـ كتاب العتق والتدبير (١)

ـــــــــ

(١) الفهرست للشيخ الطوسي ص٥٨.


٣ ـ محمد بن إسماعيل بن بزيع، عدّه الشيخ الطوسي من أصحاب الإمام الرضا والإمام الجوادعليهما‌السلام (١) وكان من خيار أصحاب الائمةعليه‌السلام في ورعه وتقواه، ونتحدث ـ بإيجاز ـ عن بعض شؤونه:

أ ـ اتصاله بالإمام الرضاعليه‌السلام : اتصل محمد بالإمام الرضاعليه‌السلام اتصالاً وثيقاً فكانعليه‌السلام ينظر إليه بعين الإكبار والتقدير، وقد رُوي أن الإمام الرضاعليه‌السلام عندما ذكر عنده قالعليه‌السلام :(وددت أنّ فيكم مثله) (٢) .

ب ـ مع الإمام الجوادعليه‌السلام : واتّصل محمد بن إسماعيل بالإمام الجوادعليه‌السلام اتّصالاً وثيقاً، فقد روى عنه بعض الأحاديث المتعلقة بأحكام الشريعة، وقد سأل الإمام أن يأمر له بقميص من قمصه ليجعله كفناً له فبعث إليه الإمامعليه‌السلام بذلك(٣) .

٤ ـ أحمد بن أبي عبد الله البرقي: أبو جعفر بن محمد بن خالد بن عبد الرحمن بن محمد بن علي البرقي وقد عدّه الشيخ الطوسي في كتاب رجاله تارة من أصحاب الجوادعليه‌السلام بعنوان أحمد بن محمد بن خالد البرقي وأخرى من أصحاب الإمام الهاديعليه‌السلام بعنوان أحمد بن أبي عبد الله البرقي.(٤)

ومن الآثار الخالدة لهذا العلامة الكبير كتابه (المحاسن) فلقد كان كتابه هذا مرجعاً لعلماء التاريخ والجغرافيا والتراجم كما كان مرجعاً لعلماء الحديث ومنه

ـــــــــ

(١) رجال الطوسي: ٤٠٥.

(٢) حياة الإمام محمد الجوادعليه‌السلام : ١٦٤.

(٣) حياة الإمام محمد الجوادعليه‌السلام : ١٦٤.

(٤) مقدمة كتاب المحاسن، للسيد محمد صادق بحر العلوم.


نعرف عظمته وسعة علمه وسعة روايته واطلاعه وأنه من أعاظم علماء الشيعة وثقات رجال الإمامين الجواد والهادي عليهما‌السلام (١) .

٥ ـ علي بن مهزيار: من ألمع أصحاب الإمام الجوادعليه‌السلام ، ومن مشاهير علماء عصره فضلاً وتقوى ونلمح إلى بعض شؤونه:

إسلامه: كان علي بن مهزيار ينتحل المسيحية، فهداه الله إلى الإيمان بالإسلام فأسلم وأخلص في إسلامه كأشدّ ما يكون الإخلاص. (٢)

عبادته: ولم ير مثل علي بن مهزيار في طاعته وتقواه، وبلغ من عبادته أنه إذا طلعت الشمس سجد لله فلا يرفع رأسه من السجود حتى يدعو لألف رجل من إخوانه بمثل ما دعا لنفسه، وكان على جبهته مثل ركبة البعير(٣) من كثرة السجود.

وثاقته في الرواية: أجمع المترجمون له على وثاقته في الرواية فقد قال النجاشي: كان ثقة في روايته لا يطعن عليه(٤) .

مؤلفاته:

ألّف مجموعة كبيرة من الكتب تدل على سعة علومه ومعارفه، ومن بينها:

ـــــــــ

(١) مقدمة كتاب المحاسن، للسيد محمد صادق بحر العلوم.

(٢) حياة الإمام محمد الجوادعليه‌السلام : ١٥٦.

(٣) رجال الكشي: ٥٤٨، طبعة مشهد.

(٤) رجال النجاشي: ٢٥٣.


١ ـ كتاب الوضوء

٢ ـ كتاب الصلاة

٣ ـ كتاب الزكاة

٤ ـ كتاب الصوم

٥ ـ كتاب الحج

٦ ـ كتاب الطلاق

٧ ـ كتاب الحدود

٨ ـ كتاب الديات

٩ ـ كتاب التفسير

١٠ ـ كتاب الفضائل

١١ ـ كتاب العتق والتدبير

١٢ ـ كتاب المكاسب

١٣ ـ كتاب المثالب

١٤ ـ كتاب الدعاء

١٥ ـ كتاب التجمل والمروة

١٦ ـ كتاب المزار

١٧ ـ كتاب الردّ على الغلاة

١٨ ـ كتاب الوصايا

١٩ ـ كتاب المواريث

٢٠ ـ كتاب الخمس

٢١ ـ كتاب الشهادات

٢٢ ـ كتاب فضائل المؤمنين وبرّهم

٢٣ ـ كتاب الملاحم

٢٤ ـ كتاب التقية

٢٥ ـ كتاب الصيد والذبائح


٢٦ ـ كتاب الزهد

٢٧ ـ كتاب الأشربة

٢٨ ـ كتاب النذور والإيمان والكفارات

٢٩ ـ كتاب الحروف

٣٠ ـ كتاب القائم

٣١ ـ كتاب البشارات

٣٢ ـ كتاب الأنبياء

٣٣ ـ كتاب النوادر

٣٤ ـ رسائل علي بن أسباط.(١)

هذه المؤلفات تتنوّع بين فروع الفقه والعقيدة والتفسير والأخلاق على أن معظمها في الفقه الإسلامي وهي تدلّ على أنه كان من كبار الفقهاء في الإسلام.

رسائل الإمام الجوادعليه‌السلام إليه:

وبعث الإمام الجوادعليه‌السلام إلى علي بن مهزيار عدة رسائل تكشف عن شدة صلته بالإمامعليه‌السلام وسموّ منزلته ومكانته عنده، ومن بين هذه الرسائل:

أ ـ (قد وصل إليّ كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وقد ملأتني سروراً، فسرّك الله،

ـــــــــ

(١) رجال النجاشي: ٢٥٣.


وأنا أرجو من الكافي الدافع أن يكفيك كيد كل كائد إن شاء الله تعالى) (١) .

ودلت هذه الرسالة على قيام علي بن مهزيار بخدمة الإمامعليه‌السلام وقد ملأت قلبه الشريف فرحاً فراح يدعو له بأن يجزل له الله تعالى الأجر والثواب.

ب ـ(قد فهمت ما ذكرت من أمر القمّيين ـ خلصهم الله وفرّج عنهم ـ وسررتني بما ذكرت من ذلك، ولم تزل تفعل، سرّك الله بالجنة، ورضي عنك، برضائي عنك، وأنا أرجو من الله العفو والرأفة، وأقول: حسبنا الله ونعم الوكيل) (٢) .

وهذه الرسالة كشفت عن إنقاذ ابن مهزيار للقميّين من محنة كانوا فيها مما أوجب سرور الإمام ودعائه له بالفوز بالفردوس الأعلى.

ج ـ (فأشخص إلى منزلك صيّرك الله إلى خير منزل في دنياك وآخرتك) (٣) .

لقد أمره الإمامعليه‌السلام بالشخوص إلى منزله بعد ما أدى ما عليه من الخدمة للإمامعليه‌السلام .

د ـ(وأسأل الله أن يحفظك من بين يديك، ومن خلفك، وفي كل حالاتك فابشر فإني أرجو أن يدفع الله عنك، وأسأل الله أن يجعل لك الخيرة فيما عزم لك به عليه من الشخوص في يوم الأحد، فأخر ذلك إلى يوم الاثنين إن شاء الله، صحبك الله في سفرك، وخلفك في اهلك، وأدى عنك أمانتك، وسلمت بقدرته) (٤) .

هـ ـ وكتب ابن مهزيار إلى الإمامعليه‌السلام يسأله التوسعة عليه وتحليله لما في يده من مال للإمام فأجابهعليه‌السلام :

(وسع الله عليك، ولمن سألت له التوسعة في أهلك وأهل بيتك، ولك ياعلي عندي

ـــــــــ

(١) رجال الكشي: ٥٥٠، طبعة مشهد.

(٢) رجال الكشي: ٥٥٠ طبعة مشهد.

(٣) عن رجال الكشي: ٥٥٠ طبعة مشهد.

(٤) رجال الكشي: ٥٥١ طبعة مشهد.


أكثر من التوسعة، وأنا اسأل الله أن يصحبك بالتوسعة والعافية، ويقدّمك على العافية، ويسترك بالعافية أنه سميع الدعاء) (١) .

وقد أجاز الإمامعليه‌السلام بما طلبه من المال ودعا له بأخلص الدعاء.

و ـ وكتب علي بن مهزيار إلى الإمامعليه‌السلام يطلب منه الدعاء له فأجابهعليه‌السلام :(وأما ما سألت من الدعاء فإنك بعد لست تدري كيف جعلك الله عندي وربما سمّيتك باسمك ونسبك، مع كثرة عنايتي بك ومحبتي لك ومعرفتي بما أنت عليه فأدام الله لك أفضل ما رزقك من ذلك ورضي عنك، وبلغك أفضل نيتك، وأنزلك الفردوس الأعلى برحمته أنه سميع الدعاء، حفظك الله وتولاك، ودفع عنك السوء برحمته، وكتبت بخطي) (٢) .

ز ـ(ياعلي أحسن الله جزاك، وأسكنك جنّته، ومنعك من الخزي في الدنيا والآخرة، وحشرك الله معنا، ياعلي قد بلوتك وخبرتك في النصيحة والطاعة والخدمة والتوقير، والقيام بما يجب عليك، فلو قلت: إني لم أر مثلك لرجوت إن أكون صادقاً، فجزاك الله جنات الفردوس نزلاً، وما خفي عليّ مقامك، ولا خدمتك في الحرّ والبرد، والليل والنهار، فأسأل الله إذا جمع الخلائق للقيامة أن يحبوك برحمة تغتبط انه سميع الدعاء) (٣) .

وهكذا تعطي رسائل الإمامعليه‌السلام لعلي بن مهزيار صورة مشرقة عن سمّو منزلته وعظيم مكانته عند الإمامعليه‌السلام وانه نسخة لا ثاني لها في تقواه وورعه.

٦ ـ صفوان بن يحيى: هو صفوان بن يحيى أبو محمد البجلي بياع السابري، كوفي، ثقة، ثقة عين، روى أبوه عن أبي عبد اللهعليه‌السلام وروى هو عن الرضاعليه‌السلام وكانت له عنده منزلة شريفة ذكره الكشي في رجال أبي الحسن موسىعليه‌السلام وقد توكل للرضا وأبي جعفرعليه‌السلام وسلم مذهبه من الوقف، وكانت له منزلة من الزهد والعبادة وكان جماعة الواقفة بذلوا له مالاً كثيراً وكان شريكاً لعبد الله بن جندب وعلي بن النعمان وروي أنهم تعاقدوا في بيت الله الحرام انه من مات منهم صلى من بقي صلاته وصام عنه صيامه وزكّى عنه زكاته فماتا وبقي صفوان فكان يصلي في كل يوم مائة وخمسين ركعة ويصوم في السنة ثلاثة أشهر ويزكي ثلاث دفعات وكل ما يتبرع به عن نفسه ما عدا ما ذكرناه تبرع عنهما ما مثله.

ـــــــــ

(١) رجال الكشي: ٥٥١ طبعة مشهد.

(٢) رجال الكشي: ٥٥١ طبعة مشهد.

(٣) حياة الإمام محمد الجوادعليه‌السلام : ١٥٩.


وحكى أصحابنا أنّ إنساناً كلفه حمل دينارين إلى أهله إلى الكوفة فقال: إن جمالي مكرية وأنا استأذن الإجراء. وكان من الورع والعبادة على ما لم يكن عليه أحد من طبقتهرحمه‌الله وصنف ثلاثين كتاباً كما ذكر أصحابنا يعرف منها الآن:

١ ـ كتاب الوضوء

٢ ـ كتاب الصلاة

٣ ـ كتاب الحج

٤ ـ كتاب الزكاة

٥ ـ كتاب النكاح

٦ ـ كتاب الطلاق

٧ ـ كتاب الفرائض

٨ ـ كتاب الوصايا

٩ ـ كتاب الشري والبيع

١٠ ـ كتاب العتق والتدبير

١١ ـ كتاب البشارات والنوادر

مات صفوان بن يحيى رحمه‌الله سنة عشرة ومئتين) (١) .

وترحّم عليه الإمام الجوادعليه‌السلام وشهد له بأنه كان من حزب آبائه الكرام وهو حزب الله المفلحون.

ـــــــــ

(١) رجال النجاشي: ١٤٩، وراجع غيبة الشيخ الطوسي: ٢١٦ والكشي: ٥٠٢ ـ ٥٠٣ طبعة مشهد.


٧ ـ عبد الله بن الصلت: هو عبد الله بن الصلت أبو طالب القمي مولى بني تيم اللات ابن تغلبة. حمدان بن أحمد النهدي قال: حدثنا أبو طالب القمي قال: كتبت إلى أبي جعفر ابن الرضا يأذن لي أن أندب أبا الحسن ـ أعني أباه ـ فقال: فكتب إليّ(أندبني وأندب أبي) (١) .

٨ ـ علي بن أسباط: هو علي بن أسباط بن سالم الكندي بياع الزطي كوفي، قال الكشي إنه كان فطحياً ولعلي بن مهزيار إليه رسالة في النقض عليه مقدار جزء صغير، وقال النجاشي إنه كان فطحياً جرى بينه وبين علي بن مهزيار رسائل في ذلك، فرجعوا فيها إلى أبي جعفر الثانيعليه‌السلام فرجع علي بن أسباط عن ذلك القول وقد روى عن الرضاعليه‌السلام من قبل ذلك وكان ثقة أوثق الناس وأصدقهم لهجة فأنا اعمد على روايته، له أصل وروايات(٢) .

من كتبه:

١ ـ كتاب الدلائل

٢ ـ كتاب التفسير

٣ ـ كتاب المزار

٤ ـ كتاب نوادر مشهور (٣)

٩ ـ إبراهيم بن أبي محمود الخراساني: من ثقاة الرواة عن الإمام الجوادعليه‌السلام ، كما ذكر الكشي في رجاله، وقد روى عن الإمام موسى الكاظم وعلي بن موسى الرضاعليهما‌السلام .

١٠ ـ إبراهيم بن محمد الهمداني: من الرجال الأجلاء، وقد روى عن الإمام الجواد وأبيه الرضا وولده الهاديعليهم‌السلام .

ـــــــــ

(١) رجال الكشي: ٢٧٥.

(٢) جامع الرواة: ١ / ٥٥٤.

(٣) رجال النجاشي: ١٩٠.


١١ ـ أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي الكوفي: كان عظيم المنزلة عند الإمام الجوادعليه‌السلام وأبيه الرضاعليه‌السلام كما كان جليل القدر.

١٢ ـ أحمد بن معافي: من أصحاب الجوادعليه‌السلام .

١٣ ـ جعفر بن محمد بن يونس الأحول: من أصحاب الجواد وأبيه وولدهعليهم‌السلام .

١٤ ـ الحسين بن بشار المدايني: من أصحاب الجواد وأبيه وجدهعليهم‌السلام .

١٥ ـ الحكم بن علياء الأسدي: من أصحاب الجوادعليه‌السلام .

١٦ ـ حمزة بن يعلى الأشعري أبو يعلى القمي: كان ثقة ووجه، روى عن الجواد وأبيهعليهما‌السلام .

١٧ ـ داود بن القاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب: يكنى أبا هاشم الجعفري، من أهل بغداد. جليل القدر ثقة عظيم المنزلة عند الائمةعليهم‌السلام . صاحب الإمام الجوادعليه‌السلام وروى عنه كما روى عن ولده الهادي وحفيده العسكريعليهم‌السلام .

١٨ ـ صالح بن محمد الهمداني: من أصحاب الجوادعليه‌السلام وولده الهاديعليه‌السلام .

١٩ ـ عبد الجبار بن المبارك النهاوندي: من أصحاب الجوادعليه‌السلام وأبيهعليه‌السلام .

٢٠ ـ عبد العظيم بن عبد الله بن علي بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام : يكنى بأبي القاسم، كان عابداً ورعاً من خواص أصحاب الإمام الجوادعليه‌السلام ، وصاحب ولده الإمام الهاديعليه‌السلام وحفيده العسكريعليه‌السلام وقد عدّ الإمام الهاديعليه‌السلام زيارة قبره كفضل زيارة قبر الحسينعليه‌السلام .

٢١ ـ عثمان بن سعيد العمري: يكنى أبا عمرو والسمّان ويقال له: الزيات الأسدي. ثقة جليل القدر من أصحاب الجوادعليه‌السلام ، عاصر الإمام العسكريعليه‌السلام وصار له وكيلاً.

٢٢ ـ علي بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسينعليه‌السلام : كان شديد الورع، كثير الفضل، جليل القدر. روى كثيراً عن الائمةعليه‌السلام . صاحب الجواد ومن قبله الصادق والكاظم والرضاعليهم‌السلام .

٢٣ ـ علي بن بلال البغدادي: من أصحاب الإمام الجوادعليه‌السلام فحسب.

٢٤ ـ الفضل بن شاذان بن الخليل أبو محمد الأزدي النيسابوري: كان ثقة جليلاً فقيهاً متكلماً. ترحم عليه الإمام العسكريعليه‌السلام ، روى عن الإمام الجوادعليه‌السلام ، وذكر أنه روى عن الرضاعليه‌السلام .

٢٥ ـ محمد بن عبد الجبار: وهو ابن أبي الصّهبان (قمي) من أصحاب الجواد وولده الهادي وحفيده العسكريعليهم‌السلام .


٢٦ ـ أبو علي محمد بن عيسى بن عبد الله بن سعد بن مالك الأشعري: شيخ القميين روى عن الإمام الجوادعليه‌السلام وسمع من الإمام الرضاعليه‌السلام .

٢٧ ـ نوح بن شعيب البغدادي: كان فقيهاً عالماً صالحاً مرضياً وهو من أصحاب الجوادعليه‌السلام .

٢٨ ـ يعقوب بن إسحاق السكيت (أبو يوسف): كان عالماً باللغة، من خواص الإمام الجوادعليه‌السلام ، ومُقدماً عنده، وكان كذلك عند الإمام الهاديعليه‌السلام ، قتله المتوكل لتشيعه لأهل البيتعليهم‌السلام .

٢٩ ـ أبو يوسف الكاتب يعقوب بن يزيد بن حماد الأنباري: ثقة صدوق. روى عن الإمام الجواد، وكان من أصحاب أبيهعليه‌السلام قبله.

٣٠ ـ أبو الحصين بن الحضين الحضيني: من أصحاب الجوادعليه‌السلام وولده الهاديعليه‌السلام .

وقد أحصى الشيخ العطاردي صاحب مسند الإمام الجوادعليه‌السلام مئةً وواحداً وعشرين راوياً من رواة أحاديث الإمام الجوادعليه‌السلام بما فيهم أصحابه ووكلاؤه وخواصّه الذين يشكّلون طائفة من كبار الفقهاء ووجهاء الطالبيين والطالبيّات وشعراء الإمام ومن حظي بخدمة الإمامعليه‌السلام في زمن أبيه الرضاعليه‌السلام وبعده وهو عصر الإمام الجوادعليه‌السلام .

بينما أحصى السيد محمد كاظم القزويني في كتابه، الإمام الجواد من المهد إلى اللحد (٢٧٥) شخصاً من الرجال والنساء تحت عنوان: أصحاب الإمام الجوادعليه‌السلام .

لقد شكل الإمام الجوادعليه‌السلام تياراً من الأصحاب المخلصين لرسالته كرواة حديث وفقهاء ومتكلمين ودعاة للفضيلة والإصلاح في الأمة وروّاد للتغيير في الأوضاع المتردية للمجتمع الإسلامي وقتذاك.

وهكذا أسدى الإمام محمد الجوادعليه‌السلام للإسلام وحركته العظمى كل ما كان بمقدوره أن يسديه من خدمات جليلة في ظل الفرص والإمكانات المتاحة، والمعوقات التي فرضها الواقع الموضوعي ومع الرعاية التامة لمتطلبات الحكمة.

وقد تمّ للإمامعليه‌السلام ما أراد فيما كان لتلاميذه دور ايجابي فاعل في نشر الفضيلة والحق والمعروف والهدى بين الناس من خلال رواياتهم وإرشاداتهم ومؤلفاتهم الجليلة.


البحث الثاني: تراث الإمام الجوادعليه‌السلام

بالرغم من قصر المدة التي عاشها الإمام محمد الجوادعليه‌السلام وهي خمسة وعشرون سنة منذ ولادته وحتى استشهاده، وهو أقصر عمر نراه في أعمار الأئمة الإثني عشرعليهم‌السلام من أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إلاّ أنّ التراث الذي وصل إلينا إذا قارنّاه بالظروف التي أحاطت بالإمامعليه‌السلام وبشيعته وقارنّاه بأعمار من سبقه من آبائه الكرام والتي يبلغ معدّلها ضعف عمر هذا الإمام العظيم، نجده غنيّاً من حيث تنوّع مجالاته، ومن حيث سموّ المستوى العلمي المطروح في نصوصه وحجمه، ومن حيث دلالاته التي تعتبر تحدّياً صارخاً عند ملاحظة صدور هذا التراث من مثل هذا الإمام الذي بدأ بالإشعاع والعطاء منذ ولادته وحتى سِنيّ إمامته وهو لم يبلغ عقداً واحداً من العمر.

وقد أشرنا إلى جوانب من هذا التراث في بحوث سابقة وذكرنا نماذج منه. وبقي علينا أن نشير إلى جوانب أخرى من هذا التراث العظيم إكمالاً للفائدة وإتماماً للحديث عن هذا الجانب المغمور من جوانب حياة هذا الإمام العظيم.

١ ـ من تراثه التفسيري

أ ـ عن داود بن قاسم الجعفري قال: (قلت لأبي جعفر الثاني عليه‌السلام : جُعلت فداك ما الصمد ؟ قال: السيد المصمود إليه في القليل والكثير ). (١)

ب ـ عن أبي هاشم الجعفري قال: (سألت أبا جعفر الثانيعليه‌السلام ما معنى

ـــــــــ

(١) أصول الكافي: ١ / ١٢٣.


الواحد ؟ قال:الذي اجتماع الألسن عليه بالتوحيد كما قال الله عزَّ وجلَّ: ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) ) (١) .

ج ـ عن جعفر بن محمد الصوفي قال: (سألت أبا جعفرعليه‌السلام محمد بن علي الرضاعليه‌السلام وقلت له: يا ابن رسول الله لم سمّي النبيّ الأمي ؟ لأنه لم يكتب ؟ فقال:(كذبوا عليهم لعنة الله أنّى يكون ذلك والله تبارك وتعالى يقول في محكم كتابه: ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةٍَ ) فكيف كان يعلّمهم ما لا يحسن ؟ ! والله لقد كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقرأ ويكتب باثنين وسبعين أو بثلاثة وسبعين لساناً، وإنّما سُمّي الأمي لأنه كان من أهل مكة، ومكة من أمهات القرى، وذلك قول الله تعالى في كتابه: ( لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا ) ) (٢)

ولا بد أن نشير هنا إلى أن الإمامعليه‌السلام قد أعطى من خلال هذه النماذج صورة مصداقية لفهم المصطلحات والمفاهيم القرآنية من خلال القرآن نفسه وهو المنهج الذي عرف فيما بعد بتفسير القرآن بالقرآن.

ثم إنّ هذا المعنى للأُمّي لا ينفي عدم تعلّم النبي للقراءة والكتابة من أحد والذي يشكّل نقطة إعجازية في حياتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وفي عدم تعلّمه من أحد واتصافه بأعلى مستويات المقدرة على التعليم دليل قاطع على ارتباطه بالله العليم المعلم للإنسان ما لم يعلم.

د ـ وعن عمرو بن أبي المقدام قال: (سمعت أبا الحسن وأبا جعفرعليه‌السلام يقول في هذه الآية:( وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ) قال:إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لفاطمة عليها‌السلام : إذا أنا مُتّ فلا تخمشي عليّ وجهاً ولا ترخي عليّ شعراً، ولا تنادي بالويل ولا تقيمي عليّ نائحة، ثم قال: هذا المعروف الذي قال الله عزَّ وجلَّ في كتابه:

ـــــــــ

(١) التوحيد: ٨٣.

(٢) بصائر الدرجات: ٢٢٥، وعلل الشرائع: ١ / ١١٨.


( وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ) )(١)

هـ ـ وروي في الكافي عن أبي جعفر الجوادعليه‌السلام قال:(قال الله عزَّ وجلَّ في ليلة القدر: ( فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ) يقول:ينزل فيها كل أمر حكيم. والمحكم ليس بشيئين، إنّما هو شيء واحد، فمن حكم بما ليس فيه اختلاف فحكمه من حكم الله عَزَّ وجَلَّ، ومن حكم بأمر فيه اختلاف فرأى أنه مصيب فقد حكم بحكم الطاغوت. إنه لينزل في ليلة القدر إلى وليّ الأمر تفسير الأمور سنة سنة، يؤمر فيها في أمر نفسه بكذا وكذا، وفي أمر الناس بكذا وكذا. وإنّه ليحدث لوليّ الأمر سوى ذلك كلّ يوم علم الله عَزَّ وجَلَّ الخاص والمكنون العجيب المخزون، مثل ما ينزل في تلك الليلة من الأمر . ثمّ قرأ:( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ) (٢) .

٢ ـ من تراثه الكلامي

أ ـ ضرورة التحصين العقائدي: روى في الاحتجاج عن الإمام محمد الجوادعليه‌السلام أنه قال:(من تكفّل بأيتام آل محمد المنقطعين عن إمامهم المتحيّرين في جهلهم، الأُسارى في أيدي شياطينهم وفي أيدي النواصب من أعدائنا، فاستنقذهم منهم وأخرجهم من حيرتهم وقهر الشياطين بردّ وساوسهم وقهر الناصبين بحجج ربّهم ودلائل أئمتهم؛ ليحفظوا عهد الله على العباد بأفضل الموانع بأكثر من فضل السماء على الأرض والعرش والكرسي والحجب على السماء، وفضلهم على العباد كفضل القمر ليلة البدر على

ـــــــــ

(١) معاني الأخبار: ٣٩٠.

(٢) أصول الكافي: ١ / ٢٤٨.


أخفى كواكب السماء) . (١)

ب ـ التوحيد: وروي أيضاً عن أبي داود بن القاسم الجعفري أنه قال: (قلت لأبي جعفر الثانيعليه‌السلام :( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) ، ما معنى الأحد ؟ قالعليه‌السلام :المجمع عليه بالوحدانية أما سمعته يقول: ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) ثم يقولون بعد ذلك له شريك وصاحبة .

فقلت: قوله( لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ) ؟ قالعليه‌السلام :(ياأبا هاشم ! أوهام القلوب أدقّ من أبصار العيون، أنت قد تدرك بوهمك السند والهند، والبلدان التي لم تدخلها، ولم تدرك ببصرك ذلك، فأوهام القلوب لا تدركه، فكيف تدركه الأبصار ؟) (٢)

ج ـ النبوة: عن الحسن بن عبّاس بن حريش عن أبي جعفرعليه‌السلام قال:(قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ أرواحنا وأرواح النبيين توافي العرش كل ليلة جمعة فتصبح الأوصياء وقد زيد في علمهم مثل جمّ الغفير من العلم) .(٣)

د ـ الإمامة: وروي عنه أيضاً:(أنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام قال لابن عباس: إنّ ليلة القدر في كل سنة، وانه لينزل في تلك الليلة أمر السنة ولذلك الأمر ولاةٌ بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) فقال ابن عباس: من هم ؟ قال: أنا وأحد عشر من صلبي أئمة محدّثون) .(٤)

هـ ـ وسأله أبو هاشم الجعفري: هل يبدو لله في المحتوم ؟ قال: (نعم . قال: فقلنا له: فنخاف أن يبدو لله في القائمعليه‌السلام ؟ فقال:(إنّ القائم من الميعاد والله لا يخلف الميعاد) . (٥)

و ـ عن بنان بن نافع عن أبي جعفر الثانيعليه‌السلام :(إنّا معاشر الأئمة إذا حملته

ـــــــــ

(١) الاحتجاج: ١ / ٩.

(٢) الاحتجاج: ٢ / ٣٣٨.

(٣) بصائر الدرجات: ١٣٢.

(٤) اُصول الكافي: ١ / ٥٣٢.

(٥) غيبة النعماني: ٣٠٢.


أمه يسمع الصوت من بطن أمه أربعين يوماً فإذا أتى له في بطن أمه أربعة أشهر رفع الله تعالى له أعلام الأرض فقرب له ما بَعدُ عنه حتى لا يعزب عنه حلول قطرة غيث نافعة ولا ضارة) .(١)

ز ـ قال عمرو بن الفرج الرُخجي: (قلت لأبي جعفرعليه‌السلام : إن شيعتك تدّعي أنك تعلم كل ماء في دجلة ووزنه ؟ وكنا على شاطئ دجلة، فقالعليه‌السلام لي:يقدر الله تعالى أن يفوّض علم ذلك إلى بعوضة من خلقه أم لا ؟ قلت: نعم يقدر. فقالعليه‌السلام :أنا أكرم على الله تعالى من بعوضة ومن أكثر خلقه ).(٢)

٣ ـ من تراثه الفقهي

أ ـ روى أبو خداش المهري: (أن شخصاً دخل على الرضاعليه‌السلام فسأله عن أمور ثلاثة فأجابهعليه‌السلام عنها. ثم حضر أبو خداش مجلس أبي جعفرعليه‌السلام في ذلك الوقت فسأله الأسئلة ذاتها فكان الجواب هو الجواب.

قال: فقلت: جعلت فداك إن أم ولد لي أرضعت جارية لي بلبن ابني أيحرم عليّ نكاحها ؟ فقالعليه‌السلام :لا رضاع بعد فطام . قلت: الصلاة في الحرمين ؟ قال:إن شئت قصرت وإن شئت أتممت . قال: قلت: الخادم يدخل على النساء ؟ فحوّل وجهه، ثم استدناني فقال:وما نقص منه إلاّ الواقعة عليه )(٣) .

ب ـ عن علي بن مهزيار قال: (كتبت إلى أبي جعفر محمد بن علي بن موسى الرضاعليه‌السلام : جُعلت فداك أصلي خلف من يقول بالجسم ومن يقول بقول يونس يعني ابن عبد الرحمن ؟ فكتبعليه‌السلام :لا تصلّوا خلفهم ولا تعطوهم من الزكاة

ـــــــــ

(١) المناقب: ٢ / ٤٣٢.

(٢) بحار الأنوار: ٥٠ / ١٠٠.

(٣) دلائل الإمامة: ٢٠٦.


وابرؤا منهم برئ الله منهم) (١) .

ج ـ سأله سائل عن الملاّح يقصّر في السفينة؟ فقالعليه‌السلام :(لا؛ لأن السفينة بمنزلة بيته ليس بخارج منها) (٢) .

د ـ دخل عليه صالح بن محمد بن سهل ـ وكان يتولّى له الوقف بقم ـ فقال: (ياسيدي أجعلني من عشرة آلاف في حلّ فإنّي أنفقتها. فقال لهعليه‌السلام :أنت في حلّ ، فلمّا خرج صالح قال أبو جعفرعليه‌السلام لإبراهيم بن هاشم:أحدهم يثب على أموال حق آل محمد وأيتامهم ومساكينهم وفقرائهم وأبناء سبيلهم فيأخذه ثم يجيء فيقول: اجعلني في حلّ: أتراه ظنّ أني أقول لا أفعل ؟ ! والله ليسألنهم الله يوم القيامة عن ذلك سؤالاً حثيثاً )(٣) .

هـ ـ عن علي بن مهزيار قال: (قلت لأبي جعفر الثانيعليه‌السلام : قوله عَزَّ وجَلَّ: ( وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ) وقوله عَزَّ وجَلَّ:( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ) . وما أشبه هذا، فقال:إن الله عَزَّ وجَلَّ يقسم من خلقه بما يشاء وليس لخلقه أن يقسموا إلاّ به عَزَّ وجَلَّ )(٤) .

و ـ قالعليه‌السلام : (ما استوى رجلان في حسب ودين قطّ إلاّ كان أفضلهما عند الله عَزَّ وجَلَّ آدبهما ، فسأله الراوي عن وجه فضله عند الله عَزَّ وجَلَّ ؟ فقالعليه‌السلام :بقراءة القرآن كما أُنزل ودعائه الله عَزَّ وجَلَّ من حيث لا يلحن وذلك أن الدعاء الملحون لا يصعد إلى الله عَزَّ وجَلَّ )(٥) .

ـــــــــ

(١) أمالي الصدوق: ١٦٧.

(٢) الثاقب في المناقب: ٢٠٩.

(٣) الكافي: ١ / ٥٤٨.

(٤) من لا يحضره الفقيه: ٣ / ٣٧٦.

(٥) عدّة الداعي: ١٨.


٤ ـ من تراثه التاريخي

أ ـ روى المجلسي عن الصدوق بإسناده عن عبد العظيم الحسني قال: كتبت إلى أبي جعفر الثانيعليه‌السلام أسأله عن ذي الكفل ما اسمه ؟ وهل كان من المرسلين ؟ فكتب صلوات الله وسلامه عليه:(بعث الله تعالى جلّ ذكره مئة ألف نبي وأربعة وعشرين ألف نبيّاً، المرسلون منهم ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلاً. وإنّ ذا الكفل منهم صلوات الله عليهم، وكان بعد سليمان بن داود عليه‌السلام . وكان يقضي بين الناس كما كان يقضي داود، ولم يغضب إلاّ لله عَزَّ وجَلَّ وكان اسمه (عويديا) وهو الذي ذكره الله تعالى جلّت عظمته في كتابه حيث قال: ( وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ ) ) (١) .

ب ـ المسعودي، بإسناده عن أبي جعفر الثاني محمد بن علي الرضاعليهما‌السلام أنه قال عن آبائه صلوات الله عليهم. قال:(أقبل أمير المؤمنين ومعه أبو محمد (أي الحسن المجتبى عليه السلام)وسلمان الفارسي فدخل المسجد وجلس فيه فاجتمع الناس حوله إذ أقبل رجل حسن الهيئة واللباس فسلم على أمير المؤمنين عليه‌السلام وجلس، ثم قال: ياأمير المؤمنين إني قصدت أن أسألك عن ثلاث مسائل إن أخبرتني بهن علمت أنك وصي رسول الله حقاً وإن لم تخبرني بهن علمت أنك وهم شرع سواء. فقال له أمير المؤمنين: (سل عما بدا لك). فقال: أخبرني عن الرجل إذا نام أين تذهب روحه، وعن الرجل كيف يذكر وينسى، وعن الرجل كيف يشبه ولده الأعمام والأخوال ؟ فالتفت أمير المؤمنين إلى أبي محمد فقال: (ياأبا محمد أجبه، فقال أبو محمد: (أما الإنسان إذا نام فإن روحه متعلقة بالريح والريح متعلقة بالهواء إلى وقت يتحرك صاحبها إلى اليقظة.

ـــــــــ

(١) بحار الأنوار: ١٣ / ٤٠٥.


فإذا أذن الله برد الروح جذبت تلك الروح الريح وجذبت الريح الهواء فرجعت الروح إلى مسكنها في البدن، وإن لم يأذن الله برد الروح إلى صاحبها جذبت الهواء الريح وجذبت الريح الروح فلم ترجع إلى صاحبها إلى أن يبعثه الله تعالى، وأما الذكر والنسيان فإن قلب الرجل في مثل حق وعليه طبق.

فإن سمى الله وذكره وصلى عند نسيانه على محمد وآله انكشف ذلك الطبق وهو غشاوة عن ذلك الحق وأضاء القلب وذكر الرجل ما كان نسي وان هو لم يصلّ على محمد وآله بعد ذكر الله تعالى انطبقت تلك الغشاوة على ذلك الحق فأظلم القلب فنسي الرجل ما ذكر.

وأما المولود الذي يشبه الأعمام والأخوال فإن الرجل إذا أتى أهله فوطأها بقلب ساكن وعروق هادئة وبدن غير مضطرب استكنت تلك النقطة(١) في جوف الرحم وخرج الرجل يشبه أباه وأمه، وإن هو أتاها بقلب غير ساكن وعروق غير هادئة وبدن مضطرب اضطربت النقطة فوقعت في اضطرابها على بعض العروق.

فإن وقعت على عرق من عروق الأعمام أشبه الولد أعمامه وان وقعت على عرق من عروق الأخوال أشبه أخواله).

فقال الرجل: أشهد أن لا إله إلا الله ولم أزل أشهد بها وأشهد أن محمداً رسول الله ولم أزل أشهد بها وأشهد أنك وصيه وخليفته والقائم بحجته. وأشار إلى أمير المؤمنين: وأشهد أنك وصيه والقائم بحجته. وأشار إلى الحسن: وأشهد أن أخاك الحسين وصي أبيك ووصيك والقائم بحجته بعدك وأشهد أن علي بن الحسين القائم بأمر الحسين وأشهد أن محمد بن علي القائم بأمر علي بن الحسين واشهد أن جعفر بن محمد القائم بأمر الله بعد أبيه وحجته وأشهد أن موسى بن جعفر القائم بأمر الله بعد أبيه جعفر وأشهد أن علي بن موسى القائم بأمر الله بعد أبيه. وأشهد أن محمد بن علي القائم بأمر الله بعد أبيه وأشهد أن علي بن محمد القائم بأمر الله بعد أبيه محمد بن علي وأشهد أن الحسن بن علي القائم بأمر أبيه علي بن محمد وأشهد أن رجلاً من ولد الحسين بن علي لا يسمى ولكن يكنى حتى يظهر الله أمره يملأها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً والسلام عليك ياأمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، ومضى.

ـــــــــ

(١) كذا في الأصل والظاهر: النطفة.


فقال أمير المؤمنين: (اتبعه ياأبا محمد فانظر أين يقصد ، قال: فخرج الحسن بن علي في أثره فلما وضع الرجل رجله خارج المسجد لم يدر كيف أخذ من أرض الله فرجع إليه فأعلمه، فقال:ياأبا محمد أتعرفه . قال:الله ورسوله وأمير المؤمنين أعلم به ، قال:ذاك الخضر ).(١)

ج ـ روى أبو جعفر المشهدي بإسناده عن أبي جعفر الثانيعليه‌السلام قال: (بعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سلمان إلى فاطمةعليها‌السلام لحاجة، قال سلمان: فوقفت بالباب وقفة حتى سلمت، فسمعت فاطمة تقرأ القرآن خفاءً والرحى تدور من برّ ما عندها أنيس، قال: فعدت إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقلت: يارسول الله سمعت فاطمة تقرأ القرآن من خفاء والرحى تدور من برّ ما عندها أنيس.

قال: فتبسمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال: ياسلمان إن ابنتي فاطمة ملأ الله قلبها وجوارحها إيماناً ويقيناً إلى مبانيها ففرغت لطاعة الله، فبعث الله ملكاً اسمه روفائيل. وفي موضع آخر (رحمة )، فأدار لها الرحى وكفاها الله مؤونة الدنيا والآخرة )(٢) .

د ـ روى الحافظ أبو نعيم، فقال حدّثنا أحمد بن إسحاق حدثنا إبراهيم بن نائلة حدثنا جعفر بن محمّد بن مزيد قال: كنتُ ببغداد فقال لي محمّد بن مَنْدة بن مهربزذ: هل لك أن أدخلك على ابن الرِضا ؟ قلتُ: نعم. قال: فأدخلني فسلّمنا

ـــــــــ

(١) إثبات الوصية: ١٥٧.

(٢) الثاقب في المناقب: ١١٩، مخطوط.


عليه وجلسنا، فقال له حديث النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (أنّ فاطمة أحصنت فَرْجَها فحرّم الله ذرّيّتها على النار ، قال:خاصٌّ للحسن والحسين رضي الله عنهما )(١) .

هـ ـ روى بإسناده عن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي، قال: (قلت لأبي جعفر محمد بن علي بن موسىعليهم‌السلام : إن قوماً من مخالفيكم يزعمون أباك إنما سماه المأمون الرضا لما رضيه لولاية عهده. فقال: (كذبوا والله وفجروا، بل الله تبارك وتعالى سماه الرضا لأنه كان رضي الله عَزَّ وجَلَّ في سمائه ورضي لرسوله والأئمة من بعده صلوات الله عليهم في أرضه قال: فقلت له: ألم يكن كل واحد من آبائك الماضينعليهم‌السلام رضي الله تعالى ولرسوله والأئمةعليهم‌السلام ؟ فقال:بلى ، فقلت: فلم سمي أبوك من بينهم الرضا ؟ قال:لأنه رضي به المخالفون من أعدائه كما رضي به الموافقون من أوليائه ولم يكن ذلك لأحد من آبائه عليهم‌السلام ، فلذلك سمي من بينهم الرضا عليه‌السلام (٢) .

٥ ـ الطب في تراث الإمام الجوادعليه‌السلام

لقد استوعب أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام شتّى العلوم ومنها علوم الطبّ والحكمة بما آتاهم الله من فضله، وأطلعهم على غيبه، وحباهم من نوره، وألهمهم من معرفته، وبما ورّثوه من علوم خاتم الأنبياء وسيّد المرسلينصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكانواعليهم‌السلام يعالجون المرضى تارةً بالقرآن والدعاء والأحراز والرقى والصدقة، وتارةً يوصونهم بضرورة النظافة والطهارة والوقاية العامّة، وثالثة يصفون لهم الأعشاب والنباتات وغيرها من العقاقير الطبّية التي كانت تؤثر بشكل فعّال في شفاء المرضى ممّا يدلّ على قدراتهمعليهم‌السلام الكبيرة وإمكاناتهم الواسعة بتشخيص المرض من دون اللجوء إلى إجراء التحليلات المختبريّة والصور الشعاعيّة والتخطيطات وما إلى ذلك من الوسائل المتطورة الحديثة المعروفة في يومنا هذا.

وينمّ أيضاً عن درايتهمعليهم‌السلام واطّلاعهم الواسع بخواص تلك العقاقير وتأثيرها المباشر على المرض وبالتالي صحّة تشخيصهم لمختلف الأمراض.

ـــــــــ

(١) أخبار أصفهان: ١ / ٢٤٢ و ٢ / ٢٠٦، وتاريخ بغداد: ٣ / ٥٤، والوفيات: ٣ / ٣١٥.

(٢) عيون الأخبار: ١ / ١٣، والعلل: ١ / ١٢٦.


وتجدر الإشارة هنا إلى أنّه بعد مرور عدّة قرون جاء الطبّ الحديث بإمكاناته الواسعة ليبرهن على صحة وصواب ما ورد عنهمعليهم‌السلام من أخبار وأحاديث في هذا المجال لا بل إنّه اعتمد الكثير من تلك الأخبار، وما العودة إلى استخدام الحجامة والفصد علاجاً أساسياً أو مساعداً لغيره من العلاجات ومتعاضداً معها للوصول إلى الشفاء إلاّ مثالاً صارخاً على صحة ما ذكرناه.

ولقد أقرّ الكثير من العلماء والمستشرقين في بحوثهم وتحقيقاتهم بتلك الحقائق والأخبار الواردة عنهمعليهم‌السلام واتّفقوا على أنّ قوانين الطبّ قد جمعت في قوله تعالى: ( كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ) (١) . ولا بأس أن نذكر هنا لمحاً عن الحجامة والفصد.

يقال: فصد العرق فصداً: شقّه، ويقال: فُصد المريض: اُخرج مقدار من دم وريده.

وقد تكامل الفصد اليوم باستعمال إبرة واسعة القناة بواسطتها ويؤخذ الدم من الوريد مباشرة، وتتراوح كميّة الدم المفصود بين ٣٠٠ ـ ٥٠٠ سم٣، ويجب أن يتم بأسرع ما يمكن.

وتختلف الحجامة عن الفصد في أنّ الأخير هو إخراج دم الوريد بشقّه كما هو نقيّاً كان أو غليظاً، بينما الحجامة هي إخراج الدم الفاسد بواسطة آلة ماصّة من العروق الدقيقة والشعيرات الدمويّة المبثوثة في اللحم، والفصد يقلل الدم، وبالتالي يحتاج إلى تعويض وخلق جديد، بينما الحجامة تنقّي الدم وتصفّيه دون أن يفقد الجسم كميّة كبيرة منه بل العكس أنّها تنشّط الدورة الدمويّة وتوجب الرشد. وعلى هذا فالحجامة لا تضعف البدن كما في الفصد.

ـــــــــ

(١) الأعراف (٧): ٣١.


وتستعمل الحجامة أساساً للتخفيف عن الدورة الدمويّة وما يثقلها من سموم الفضلات والدهون والمتخلّفات من الإفراز، وقد استعملت منذ قديم الزمان كواجب من الواجبات الفصليّة، وكعلاج ناجح لعدد من الأمراض كالجلطة الدمويّة والسكتة القلبيّة، وانفجار الشريان الدماغي. قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :(عليكم بالحجامة، لا يتبيّغ الدم بأحدكم، فيقتله) .

وقال جالينوس: دمك عبدك، وربّما قتل العبد سيّده، فأطلقه، فإن رأيته صالحاً فأمسكه.

والأحاديث فيها كثيرة ويعدّ العلق الطبّي ـ واحدتها علقة ـ وهي دودة تعيش في الماء تمص الدم ـ من ملحقات الحجامة، وله أهميته أيضاً في العلاج الموضعي لكثير من أمراض الأوردة الدمويّة كركود الدم في منطقة ما في الجسم، وذلك بما يتمتع به العلق من غريزة خاصّة في مصّ الدم الفاسد، وإدخاله الهواء أثناء عمليّة المصّ تحت الجلد.

ومن ناحية أخرى ينفرد الفصد في علاج الحالات التالية:

١ ـ الهبوط الوظيفي في البطين الأيسر المؤدّي إلى تورّم في الرئتين ينجم عنها عسر شديد في التنفس. ٢ ـ ضغط الدم الدماغي العالي لغلظة الدم. ٣ ـ ازدياد عدد كريات الدم الأولى. ٤ ـ الاحتقان الرئوي.

وللفصد عروق معروفة ولها أسماء خاصة كالعرق الزاهر والأكحل يخرج منها الدم، وقد ورد عن النبيّ والأئمّة صلوات الله عليهم أن للفصد أوقات معينة.

وأمّا الحجامة فلها مواضع معروفة كاليافوخ من الرأس والنقرة من الظهر وغيرها، ولها أوقات معيّنة أيضاً، وردت عن النبيّ والأئمّة صلوات الله عليهم في الأحاديث الشريفة.

١ ـ جاء في المناقب لابن شهرآشوب: وفي كتاب(معرفة تركيب الجسد) عن الحسين بن أحمد التيميّ: روي عن أبي جعفر الثانيعليه‌السلام : أنّه استدعى فاصداً في أيّام المأمون فقال له:أفصدني في العرق الزاهر ! فقال له: ما أعرف هذا العرق ياسيّدي، ولا سمعت به. فأراه إيّاه، فلمّا فصده خرج منه ماء أصفر، فجرى حتّى امتلأ الطست، ثمّ قال له:أمسكه . وأمر بتفريغ الطست ;


ثمّ قال:خلّ عنه . فخرج دون ذلك، فقال: شدّه الآن . فلمّا شدّ يده أمر له بمئة دينار، فأخذها وجاء إلى يوحنّا بن بختيشوع (١) فحكى له ذلك، فقال: والله ما سمعت بهذا العرق مذ نظرت في الطبّ، ولكن هاهنا فلان الأسقف (٢) قد مضت عليه السنون، فامض بنا إليه، فإن كان عنده علمه وإلاّ لم نقدر على من يعلمه، فمضيا ودخلا عليه وقصّا القصة. فأطرق مليّاً، ثمّ قال: يوشك أن يكون هذا الرّجل نبيّاً أو من ذريّة نبيّ. (٣)

٢ ـ وجاء في رجال الكشيّ: ـ يأتي في باب حال عمّ أبيه عليّ بن جعفرعليه‌السلام :

ودنا الطبيب ليقطع له العرق، فقام عليّ بن جعفرعليه‌السلام فقال: ياسيّدي، يبدأ بي ليكون حدّة الحديد فيّ قبلك...

ـــــــــ

(١) ويوحنا بن بختيشوع: هو طبيب أخي المعتمد، شخص أسقفاً على الموصل سنة (٨٩٣ م) ـ (٢٧٩ هـ) وهذا التاريخ بعيد عن حياة الإمام الجوادعليه‌السلام والّذي أُستشهد سنة ٢٢٠ هـ. والظاهر أنّه جبرئيل بن بختيشوع بن جورجيس، طبيب المأمون، توفي سنة (٨٢٨ م) (٢١٢ هـ). وأُسرة بختيشوع: أُسرة أطباء من النساطرة أصلها من جند نيسابور، خدمت الخلفاء العباسيين نحو ثلاثة قرون. اشتهر منها: جورجيس بن جبرئيل وبختيشوع بن جبرئيل.

(٢) الأسقف: فوق القسيس ودون المطران، والكلمة يونانيّة.

(٣) المناقب: ٣ / ٤٩٥، وبحار الأنوار: ٥٠ / ٥٧ ضمن ح٣١، ومدينة المعاجز: ٥٣٣ ح٦٠.


علاج حمّى الغب (١) والربع (٢)

١ ـ عن الحسن بن شاذان، قال: حدّثنا أبو جعفرعليه‌السلام ، عن أبي الحسنعليه‌السلام (وسئل عن حمّى الغبّ الغالبة)، فقالعليه‌السلام :يؤخذ العسل والشونيز (٣) ويلعق منه ثلاث لعقات فإنّها تنقلع. وهما المباركان قال الله تعالى في العسل: ( يخرُجُ مِن بطونِها شرابٌ مختلفٌ ألوانه فيهِ شِفاءٌ للنّاسِ ) (٤) .

قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : في الحبّة السوداء شفاء من كلّ داء إلاّ السام. قيل يارسول الله، وما السام ؟ قال: الموت. قال: وهذان لا يميلان إلى الحرارة والبرودة، ولا إلى الطبائع، إنّما هما شفاء حيث وقعا )(٥) .

٢ ـ عن الحسن بن شاذان، قال: حدّثنا أبو جعفر، عن أبي الحسنعليهما‌السلام (٦)

ـــــــــ

(١) غبّت عليه الحمّى: أخذته يوماً وتركته يوماً.

(٢) حمّى الربع: هي الّتي تنوب كلّ رابع يوم.

(٣) الشينيز والشونيز والشونوز والشهنيز: الحبّة السوداء (القاموس المحيط: ٢ / ١٧٩) وقال ابن البيطار في الجامع لمفردات الأدوية والأغذية: ٣ / ٧٢: الحبّة السوداء: وتسمّى أيضاً بالشونيز. وهو نبات صغير دقيق العيدان، طوله نحو شبرين أو أكثر، وله ورق صغار، وعلى طرفه رأس شبيهة بالخشخاش في شكله، طويلة مجوفّة تحوي بزراً أسوداً حريفاً طيّب الرائحة

وفيه عن جالينوس أنّه يشفي الزكام إذا صيّر في خرقة وهو مقلوّ وشمّه الانسان...

(٤) النحل (١٦): ٦٩.

(٥) رجال الكشي: ٦٥، عنه الوسائل: ١٧ / ٧٦ ح ١٥، والبحار: ٦٢ / ١٠٠ ح ٢٣ وص ٢٢٧ ح ٣.

(٦) زاد في م (الثالث) وهو تصحيف بقرينة سند الحديث السابق وعدم رواية الجواد عن ولدهعليهما‌السلام ومكاتبة ابن شاذان لأبي الحسن الرضاعليه‌السلام وعليه فلا تصحّ رواية ابن شاذان عن أبي الحسن الثالث بواسطة، ويحتمل (الثالث) تصحيف (الثاني) اُنظر معجم رجال الحديث: ٤ / ٣٦٧.


قال:خير الأشياء لحمّى الربع أن يؤكل في يومها الفالوذج (١) المعمول بالعسل، ويكثر زعفرانه، ولا يؤكل في يومها غيره )(٢) .

علاج اليرقان (٣)

عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن مهزيار، قال: تغدّيت مع أبي جعفرعليه‌السلام فأتى بقطاة(٤) ، فقال: (إنّه مبارك، وكان أبي عليه‌السلام يعجبه، وكان يأمر أن يطعم صاحب اليرقان، يشوى له فإنّه ينفعه )(٥) .

علاج ضربة الريح الخبيثة

عن أحمد بن إبراهيم بن رياح، قال: حدّثنا الصباح بن محارب، قال: (كنت عند أبي جعفر ابن الرضاعليهما‌السلام فذكر أنّ شبيب بن جابر ضربته الريح الخبيثة، فمالت بوجهه وعينه(٦) ، فقال:يؤخذ له القرنفل (٧) خمسة مثاقيل، فيصير في قنّينة يابسة، ويضمّ رأسها ضمّاً شديداً، ثمّ تطيّن وتوضع في الشمس قدر يوم في الصيف، وفي الشتاء قدر يومين. ثمّ يخرجه فيسحقه سحقاً ناعماً، ثم يديفه (٨) بماء المطر حتّى يصير بمنزلة الخلوق، ثمّ يستلقي على قفاه، ويطلي ذلك القرنفل المسحوق على الشقّ الماثل (٩) ولا يزال مستلقياً حتّى يجفّ القرنفل، فإنّه إذا جفّ رفعه الله عنه، وعاد إلى أحسن عاداته بإذن الله تعالى .

ـــــــــ

(١) الفالوذج: حلواء تعمل من الدقيق والماء والعسل.

(٢) رجال الكشي: ٦٥، عنه البحار: ٦٢ / ١٠٠ ح ٢٤.

(٣) اليرقان: حالة مرضيّة تمنع الصفراء من بلوغ المعى بسهولة، فتختلط بالدم فتصفّر بسبب ذلك أنسجة الحيوان.

(٤) القطاة، واحدة القطا: هو ضرب من الحمام ذوات أطواق يشبه الفاختة والقماري.

(٥) الكافي: ٦ / ٣١٢ ح ٥، عنه البحار: ٦٥ / ٤٣ ح ٢، والوسائل: ١٧ / ٣٣ ح ٢.

(٦) (وعينيه) م.

(٧) القرنفل: ثمر شجرة كالياسمين، وهو أفضل الأفاوية الحارة.

(٨) داف الدواء ونحوه: خلطه. أذابه في الماء وضربه فيه ليختثر. وفي م (تدنفه) تصحيف.

(٩) (الحامل) خل.


قال: فابتدر إليه أصحابنا فبشّروه بذلك، فعالجه بما أمره به، فعاد إلى أحسن ما كان بعون الله تعالى).(١)

علاج من أصابها حيض لا ينقطع

عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن مهزيار، قال: إنّ جارية لنا أصابها الحيض وكان لا ينقطع عنها حتّى أشرفت على الموت، فأمر أبو جعفرعليه‌السلام أن تسقى سويق العدس(٢) ، فسقيت فانقطع عنها وعوفيت)(٣) .

علاج برد المعدة وخفقان الفؤاد

عن محمّد بن عليّ زنجويه(٤) المتطبّب، قال: (حدّثنا عبد الله بن عثمان، قال: شكوت إلى أبي جعفر محمّد بن عليّ بن موسىعليهم‌السلام برد المعدة وخفقاناً في فؤادي، فقالعليه‌السلام :(أين أنت عن دواء أبي، وهو الدواء الجامع ـ ؟ !) قلت: يابن رسول الله ! وما هو ؟ قال:معروف عند الشيعة . قلت: سيّدي ومولاي، فأنا كأحدهم فأعطني صفته حتّى أعالجه وأعطي الناس.

ـــــــــ

(١) الكافي: ٦ / ٨١، عنه في بحار الأنوار: ٦٢ / ١٨٦ ح ٢، ومستدرك الوسائل: ١٦ / ٤٤٦ ح ١١.

(٢) سويق العدس: عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنه قال: سويق العدس يقطع العطش ويقوّي المعدة، وفيه شفاء من سبعين داء، ويطفئ الصفراء، ويبرّد الجوف، وكانعليه‌السلام إذا سافر لا يفارقه، وكانعليه‌السلام إذا هاج الدم بأحد من حشمه قال له: أشرب من سويق العدس، فإنّه يسكّن هيجان الدم، ويطفئ الحرارة (الكافي: ٦/٣٠٧ ح١).

وقال المجلسيرحمه‌الله في البحار: ٦٦ / ٦٣:... وأمّا إطفاؤه للصفراء والحرارة) كما في رواية أبي عبد اللهعليه‌السلام أعلاه (فقيل لجهتين: أحدهما من جهة التبريد في الأمزجة الحارّة، والآخر من جهة تغليظ الدم وتسكين حدّته، فيقلّ جريانه وسيلانه في العروق، ولهذا السبب يقطع دم الحيض كما في الخبر....

(٣) الكافي: ٦ / ٣٠٧ ح ٢، عنه الوسائل: ١٧ / ١٠ ح ٢.

(٤) (رنجومة) كما في نسخة اُخرى.


قال:خذ زعفران (١) وعاقرقرحا (٢) وسنبل (٣) وقاقلّة (٤) وبنج (٥) وخربق أبيض (٦) وفلفل أبيض (٧) أجزاء سواء، وأبرفيون (٨) جزءين، يدقّ ذلك كلّه دقّاً ناعماً، وينخل بحريرة، ويعجن بضعفي وزنه عسلاً (٩) منزوع

ـــــــــ

(١) الزعفران: نبات معمّر من الفصيلة السوسنيّة، منه أنواع بريّة ونوع صبغي طبيّ مشهور وهو حارّ يابس مفرح يقوّي الروح، وجيّده الطريّ الحسن اللون، الزكيّ الرائحة، على شعره قليل بياض غير كثير ممتلئ صحيح، سريع الصبغ، غير ملزج ولا متفتّت، وإذا كان في بيت لا يدخله سام أبرص. راجع الطب من الكتاب والسنّة: ١١٣، القانون: ١ / ٣٠٦، القاموس المحيط: ٢ / ٣٩.

(٢) العاقر قرحا: نبات من الفصيلة المركّبة تستعمل جذوره في الطبّ، ويكثر في إفريقية، وقال في إحياء التذكرة: ٤٣٠: هو أصل الطرخون الجبلي، ينقّي البلغم من الرأس، ويزيل وجع الأسنان والسعال وأوجاع الصدر وبرد المعدة والكبد، ويزيل الخناق غرغرة...

(٣) قال الفيروزآبادي في القاموس المحيط: ٣ / ٣٩٨: السنبل، كقنفذ: نبات طيّب الرائحة ويسمّى سنبل العصافير، أجوده السوري وأضعفه الهندي مفتّح محلّل مقوّ للدماغ والكبد والطحال والكلى والأمعاء مدرّ، وله خاصيّة في حبس النزف المفرط من الرحم، والسنبل الرومي الناردين.

(٤) القاقلّة: ثمر نبات هندي من العطر والأفاوية مقوّ للمعدة والكبد، نافع للغثيان والأعلال الباردة حابس، والقاقلّة الكبيرة أشدّ قبضاً من الصغيرة وأقل حرافة، قاله في القاموس المحيط: ٤ / ٣٩.

(٥) البنج: قال في المعجم الوسيط: ١ / ٧١: (من الهندية): جنس نباتات طبيّة مخدّرة من الفصيلة الباذنجانيّة. وقال في القاموس المحيط: ١ / ١٧٩: مسكّن لأوجاع الأورام والبثور ووجع الأذن، وأخبثه الأسود ثمّ الأحمر، وأسلمه الأبيض.

(٦) الخربق ـ كجعفر ـ نبات ورقه كلسان الحمل أبيض وأسود وكلاهما يجلو ويسخّن وينفع الصرع والجنون والمفاصل والبهق والفالج ويسهّل الفضول اللزجه، وربما أورث تشنّجات، وإفراطه مهلك... قاله في القاموس المحيط: ٣ / ٢٢٥، وقال ابن البيطار في جامعه: ٢ / ٥٥: عن ابن سرابيون أنّه قال: الخربق الأسود يسهّل المرّة الصفراء الغليظة جداً، ويعطى في العلل الحادة والمزمنة التي تحتاج إلى دواء يسهل المرّة الصفراء كعلل الصدر، وهو نافع في تنقية الأحشاء جداً والرحم والمثانة والعلل المتقادمة في قصبة الرئة.

(٧) الفلفل (كهدهد وزبرج): حبّ هندي، والأبيض أصلح وكلاهما نافع لقلع البلغم اللزج مضغاً بالزفت، ولتسخين العصب والعضلات تسخيناً لا يوازيه غيره وللمغص والنفخ واستعماله في اللعوق للسعال وأوجاع الصدر وقليله يعقل وكثيره يطلق ويجفّف ويدرّ ويبرّد المني بعد الجماع. القاموس المحيط: ٤ / ٣٢.

(٨) أبرفيون: هو صمغ تنتجه شجرة شائكة، ويحصل عليه بواسطة شق أغصان الشجرة فتسيل منها عصارة صمغية لا تلبث أن تجفّ وتتجمّد بعد ملامستها الهواء، ومن أسمائها، الفربيون، قال في القاموس المحيط: ٤ / ٢٥٥: هو دواء ملطف نافع لعرق النسا وبرد الكلى والقولنج ولسع الهوام وعضّة الكلب ويسقط الجنين ويسهّل البلغم اللزج.

(٩) العسل: قال تعالى في سورة النحل: ٦٩:( يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ) . هو غذاء ودواء ذكرت منافعه في الكثير من كتب الطبّ لا مجال لذكرها لكثرتها.


الرغوة، فيسقى منه صاحب خفقان الفؤاد، ومن به برد المعدة حبّة بماء كمّون (١) يطبخ، فإنّه يعافى بإذن الله تعالى .(٢)

علاج وجع الحصاة

عن محمّد بن حكام، قال: حدّثنا محمّد بن النضر ـ مؤدب ولد أبي جعفر محمّد بن عليّ بن موسىعليهم‌السلام ـ قال: شكوت إليه ما أجد من الحصاة، فقال: (ويحك ! أين أنت عن الجامع دواء أبي ؟ فقلت: سيّدي ومولاي أعطني صفته. فقال:هو عندنا، ياجارية أخرجي البستوقة الخضراء . قال: فأخرجت البستوقة، وأخرج منها مقدار حبّة. فقال:اشرب هذه الحبّة بماء السداب (٣) أو بماء الفجل (٤) المطبوخ، فإنّك تعافى منه (٥) . قال: فشربته بماء السداب، فوالله ما أحسست بوجعه إلى يومنا هذا)(٦) .

ـــــــــ

(١) الكمّون (كتنّور): حبّ مدرّ مجشّ هاضم طارد للرياح وابتلاع ممضوغه بالملح يقطع اللّعاب، والكمّون الحلو الآنيسون، والحبشي شبيه بالشونيز، والأرمني الكوربا، والبريّ الأسود. وقال في الطبّ من الكتاب والسنّة: ١٤٧: حار يحلّ القولنج ويطرد الريح، وإذا نقع في الخلّ وأكل قطع شهوة الطين والتراب وروي ليس شيء يدخل الجوف إلاّ تغيّر إلاّ الكمون.

(٢) راجع مستدرك عوالم العلوم والمعارف: ٢٣ / ٣٦١ ـ ٣٦٨.

(٣) ذكر المجلسي في بحار الأنوار: ٦٢ / ١٤٥. قال في القانون (١ / ٣٨٨)، السداب الرطب حارّ يابس في الثاني، واليابس حارّ يابس في الثالثة، واليابس السري حارّ يابس في الرابعة، وعصارته المسخّنة في قشور الرمان يقطر في الأذن فينقّيها ويسكن الوجع والطنين والدويّ، ويقتل الدود، ويطلي به قروح الرأس، ويحدّ البصر خصوصاً عصارته مع عصارة الرازيانج والعسل كحلاً وأكلاً، وقد يضمد به مع السويق على ضربان العين (انتهى).

وفي المعجم الوسيط: ١ / ٤٢٤ ـ بالذال المعجمة ـ: جنس نباتات طبيّة من الفصيلة السدابيّة. وقيل: نبات ورقه كالصعتر ورائحته كريهة.

(٤) الفجل: غذاؤه قليل وفيه حرارة، ويفتح سدد الكبد ويعين على الهضم ويعسر هضمه وأكله يولّد القمل. قاله في الطبّ من الكتاب والسنّة: ١٤٠، وفي هامشه: يؤكل الفجل مع باقي المشهّيات والمقبّلات للطعام، ويحتوي على الفيتامين (c) ومدرّ للبول، يساعد على الهضم، ويكافح السعال.

(٥) راجع هذا البحث في مستدرك عوالم العلوم (الإمام محمد بن علي الجوادعليه‌السلام ): ٢٣ / ٣٥٨ ـ ٣٧٠.

(٦) الكافي: ٩٩، عنه في بحار الأنوار: ٦٢ / ٢٤٩ ح ١١، ومستدرك الوسائل: ١٦ / ٤٦٥ / ح ٢٥.


٦ ـ الدعاء في تراث الإمام الجوادعليه‌السلام

هذه مجموعة من الأدعية الجليلة رواها الإمام الجوادعليه‌السلام عن آبائهعليهم‌السلام عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الله عز وجل وهي بمثابة صحيفة الجوادعليه‌السلام في الدعاء والمناجاة.

روى السيد ابن طاووس بإسناده إلى أبي جعفر بن بابويه عن إبراهيم بن محمد بن الحارث النوفلي، قال: (حدّثنى أبي ـ وكان خادماً لمحمد بن علي الجوادعليه‌السلام : لمّا زوج المأمون أبا جعفر محمد بن على بن موسىعليهم‌السلام ابنته، كتب إليه:إن لكل زوجة صداقاً من مال زوجها، وقد جعل الله أموالنا في الآخرة، مؤجلة مذخورة هناك، كما جعل أموالكم معجّلة في الدنيا وكنزها هاهنا. وقد أمهرت ابنتك: الوسائل إلى المسائل، وهي مناجاة دفعها إليَّ أبي، قال: دفعها إليَّ أبي موسى، قال: دفعها إليَّ أبي جعفر، قال: دفعها إليَّ محمد أبي، قال: دفعها إليَّ علي بن الحسين أبي، قال: دفعها إليَّ الحسين أبي: قال: دفعها إليَّ الحسن أخي، قال: دفعها إليَّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (صلوات الله عليهم)، قال: دفعها إليَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: دفعها إليَّ جبرئيل عليه‌السلام ، قال: يا محمد... ربّ العزّة يقرئك السلام ويقول لك: هذه مفاتيح كنوز الدنيا والآخرة، فاجعلها وسائلك إلى مسائلك، تصل إلى بغيتك وتنجح في طلبتك، فلا تؤثرها في حوائج الدنيا فتبخس بها الحظّ في آخرتك. وهي عشر وسائل (إلى عشر مسائل)تطرق بها أبواب الرغبات فتفتح، وتطلب بها الحاجات فتنجح وهذه نسختها )(١) .

ـــــــــ

(١) مستدرك عوالم العلوم: ٢٣ / ٢٢٧ ـ ٢٢٨ ـ ٢٣٨.


١ ـ المناجاة للاستخارة:

(بسم الله الرحمن الرحيم. اللهمّ إن خيرتك فيما استخرتك فيه تُنيل الرغائب، وتجزل المواهب، وتغنم المطالب، و تطيب المكاسب، وتهدي إلى أجمل المذاهب، وتسوق إلى أحمد العواقب، وتقي مخوف النوائب.

اللهمّ إني أستخيرك فيما عزم رأيي عليه، وقادني عقلي إليه، فسهّل اللهمّ منه ما توعّر، ويسّر منه ما تعسّر، واكفني فيه المهمّ، وادفع عنّي كلّ ملمّ، واجعل يا ربّ عواقبه غُنماً، ومخوفه سلماً، وبُعده قرباً، وجدبه خصباً.

وأرسل اللهم إجابتي، وأنجح طلبتي، واقض حاجتي، واقطع عنّي عوائقها، وامنع عنّي بوائقها، واعطني اللهمّ لواء الظفر والخيرة فيما استخرتك، ووُفور المغنم فيما دعوتك، وعوائد الإفضال فيما رجوتك. واقرُنه اللهمّ بالنجاح، وخصّه بالصلاح، وأرني أسباب الخيرة فيه واضحة، وإعلام غُنمها لائحة، و اشدد خناق تعسّرها، وانعش صريع تيسّرها. وبيّن اللهمّ ملتبسها واطلق محتبسها، ومكّن أُسّها حتّى تكون خيرة مقبلة بالغُنم مزيلة للغُرم، عاجلة للنفع، باقية الصنع، إنّك مليئ بالمزيد، مبتدئ بالجود) .

٢ ـ المناجاة بالاستقالة:

(بسم الله الرحمن الرحيم. اللهمّ إنّ الرجاء لسعة رحمتك أنطقني باستقالتك والأمل لأناتك، ورفقك شجعني على طلب أمانك وعفوك، ولي يا ربِّ ذنوب قد واجَهَتها أوجه الانتقام، وخطايا قد لاحظتها أعين الاصطلام، واستوجبت بها على عدلك أليم العذاب، واستحققت باجتراحها مبير العقاب، وخفت تعويقها لإجابتي، وردّها إيّاي عن قضاء حاجتي، وإبطالها لطلبتي، وقطعها لأسباب رغبتي، من أجل ما قد أنقض ظهري من ثقلها، وبهظني من الاستقلال بحملها، ثمّ تراجعت ربّ إلى حلمك عن الخاطئين، وعفوك عن المذنبين، ورحمتك للعاصين، فأقبلت بثقتي متوكّلاً عليك، طارحاً نفسي بين يديك، شاكياً بثّي اليك، سائلاً ما لا استوجبه من تفريج الهمّ، ولا استحقه من تنفيس الغمّ، مستقيلاً لك إيّاي، واثقاً مولاي بك.

اللهمّ فامنُن عليّ بالفرج، وتطوّل بسهولة المخرج، وادلُلني برأفتك على سمت المنهج، وأزلقني بقدرتك عن الطريق الأعوج، وخلّصني من سجن الكرب بإقالتك، واطلق أسري برحمتك، وطُل عليّ برضوانك، وجُد عليّ بإحسانك، وأقلني عثرتي، وفرّج كربتي، وارحم عبرتي، ولا تحجب دعوتي، واشدد بالإقالة أزري، وقوّ بها ظهري، وأصلح بها أمري، وأطل بها عمري، وارحمني يوم حشري ووقت نشري، انك جواد كريم، غفور رحيم) .


٣ ـ المناجاة بالسفر:

(بسم الله الرحمن الرحيم. اللهمّ إنّي أريد سفراً فخر لي فيه، وأوضح لي فيه سبيل الرأي، وفهّمنيه، وافتح عزمي بالاستقامة، واشملني في سفري بالسلامة، وأفدني جزيل الحظ والكرامة، واكلأني بحسن الحفظ والحراسة، وجنّبني اللهمّ وعثاء الأسفار، وسهّل لي حُزونة الأوعار، وأطو لي بساط المراحل، وقرّب منّي بُعد نأي المناهل، وباعدني في المسير بين خُطى الرواحل، حتّى تقرّب نياط البعيد، وتسهّل وعور الشديد.

ولقّني اللهمّ في سفري نجح طائر الواقية، وهبني فيه غُنم العافية، وخفير الاستقلال، ودليل مجاوزة الأهوال، وباعث وفور الكفاية، وسانح خفير الولاية، واجعله اللهمّ سبَب عظيم السِلم حاصل الغُنم.

واجعل الليل عليّ ستراً من الآفات، والنهار مانعاً من الهلكات، واقطع عنّي قطع لصوصه بقدرتك، واحرسني من وحوشه بقوّتك، حتى تكون السلامة فيه مصاحبتي، والعافية مُقاربتي، واليُمن سائقي، واليُسر مُعانقي، والعسر مفارقي، والفوز موافقي، والأمن مُرافقي، إنك ذو الطول والمنّ، والقوّة والحول، وأنت على كلّ شيء قدير، وبعبادك بصير خبير) .

٤ ـ المناجاة في طلب الرزق:

(بسم الله الرحمن الرحيم. اللهمّ أرسل عليّ سجال رزقك مدراراً، و أمطر عليّ سحائب إفضالك غِزاراً، وأدم غيث نيلك إلي سجالاً، وأسبل مزيد نعمك على خلّتي إسبالاً، وأفقرني بجودك إليك، وأغنني عمّن يطلب ما لديك، وداوِ داء فقري بدواء فضلك، وانعش صرعة عَيلتي بطولك، و تصدّق على إقلالي بكثرة عطائك، وعلى اختلالي بكريم حبائك، وسهّل ربّ سبيل الرزق إلي، وثبّت قواعده لديّ، وبجّس لي عيون سعته برحمتك، وفجّر أنهار رغد العيش قبلي برأفتك، وأجدب أرض فقري، وأخصب جدب ضرّي، واصرف عنّي في الرزق العوائق، واقطع عنّي من الضيق العلائق، وارمني من سهم الرزق اللهم بأخصب سهامه، وأحيني من رغد العيش بأكثر دوامه، واكسُني اللهمّ سرابيل السعة، وجلابيب الدّعة فإنّي يا ربّ منتظر لإنعامك بحذف المضيق، ولتطوّلك التعويق، ولتفضلك بإزالة التقتير، ولوصول حبلي بكرمك بالتيسير.

وأمطر اللهمّ عليّ سماء رزقك بسجال الدّيم، وأغنني بعوائد النّعم، وارم مقاتل الإقتار منّي، واحمل كشف الضر عنّي على مطايا الإعجال، واضرب عنّي الضيق بسيف الاستيصال، وأتحفني ربّ منك بسعة الإفضال، وامددني بنموّ الأموال، واحرسني من ضيق الإقلال.


واقبض عنّي سوء الجدب، وابسط لي بساط الخصب، واسقني من ماء رزقك غدقاً، وانهج لي عميم بذْلك طُرُقاً، وفاجئني بالثروة والمال، وأنعشني به من الإقلال، وصبّحني بالاستظهار، ومسّني بالتمكّن من اليسار، إنّك ذوالطول العظيم، والفضل العميم، والمنّ الجسيم وأنت الجواد الكريم) .

٥ ـ المناجاة بالاستعاذة:

(بسم الله الرحمن الرحيم. اللهمّ إني أعوذ بك من ملمّات نوازل البلاء، وأهوال عظائم الضرّاء، فأعذني ربّ من صرعة البأساء، واحجُبني من سطوات البلاء، ونجّني من مفاجأة النقم وأجرني من زوال النعم ومن زلل القدم، واجعلني اللهمّ في حياطة عزّك، وحفاظ حرزك من مباغتة الدوائر، ومعاجلة البوادر.

اللهمّ ربّ، وأرض البلاء فاخسِفها، وعرصة المحن فارجفها، وشمس النوائب فاكسِفها، وجبال السوء فانسفها، وكُرَبَ الدهر فاكشفها، وعوائق الأمور فاصرفها، وأوردني حياض السلامة، واحملني على مطايا الكرامة، واصحبني بإقالة العثرة، واشملني بستر العورة.

وجُدْ عليّ يا رب بآلائك، وكشف بلائك، ودفع ضرّائك، وادفع عنّي كلاكل عذابك، واصرف عنّي أليم عقابك، وأعذني من بوائق الدهور، وأنقذني من سوء عواقب الأمور، واحرسني من جميع المحذور.

واصدع صفات البلاء عن أمري، واشلُل يده عنّي مدى عُمري. إنّك الربّ المجيد، المبدئ المعيد، الفعّال لما تريد) .

٦ ـ المناجاة بطلب التوبة:

(بسم الله الرحمن الرحيم. اللهمّ إني قصدت إليك بإخلاص توبة نصوح، وتثبيت عقد صحيح، ودعاء قلب قريح وإعلان قول صريح.

اللهمّ فتقبّل منّي مخلص التوبة، وإقبال سريع الأوبة، ومصارع تخشّع الحوبة. وقابل ربّ توبتي بجزيل الثواب، وكريم المآب، وحطّ العقاب، وصرف العذاب، وغُنم الإياب، وستر الحجاب.

وامحُ اللهمّ ما ثبت من ذنوبي، واغسل بقبولها جميع عيوبي، واجعلها جاليةً لقلبي، شاخصة لبصيرة لُبّي، غاسلة لدرني، مطهّرة لنجاسة بدني، مصحّحة فيها ضميري، عاجلة إلى الوفاء بها بصيرتي.

واقبَل ياربّ توبتي، فإنها تصدر من إخلاص نيّتي، ومحض من تصحيح بصيرتي، واحتفال في طويّتي واجتهاد في نقاء سريرتي، وتثبيت لإنابتي، مسارعةً إلى أمرك بطاعتي.


واجلُ اللهمّ بالتوبة عنّي ظلمة الإصرار، وامحُ بها ما قدّمتُه من الأوزار، واكسُني لباس التقوى، وجلابيب الهدى، فقد خلعتُ رِبق المعاصي عن جلدي، ونزعتُ سربال الذنوب عن جسدي، مستمسكاً ربّ بقدرتك، مستعيناً على نفسي بعزّتك، مستودعاً توبتي من النكث بحضرتك، معتصماً من الخذلان بعصمتك مقارناً به لا حول ولا قوّة إلاّ بك) .

٧ ـ المناجاة بطلب الحجّ:

(بسم الله الرحمن الرحيم. اللهمّ ارزقني الحجّ الّذي فرضته على من استطاع إليه سبيلاً. واجعل لي فيه هادياً واليه دليلاً، وقرّب لي بُعد المسالك.

وأعنّي على تأدية المناسك، وحرّم بإحرامي على النار جسدي، وزد للسفر قوّتي وجَلدي، وارزقني ربّ الوقوف بين يديك، والإفاضة إليك واظفرني بالنجح بوافر الربح.

واصدرني رب من موقف الحج الأكبر إلى مزدلفة المشعر، واجعلها زُلفة إلى رحمتك، وطريقاً إلى جنّتك، وقفني موقف المشعر الحرام، و مقام وقوف الإحرام، وأهّلني لتأدية المناسك، ونحر الهدي التوامك بدم يثجّ، واُوداج تمُجّ، واراقة الدماء المسفوحة، والهدايا المذبوحة، وفَري أوداجها على ما أمرت، والتنفّل بها كما وسمت.

وأحضرني اللهمّ صلاة العيد، راجياً للوعد، خائفاً من الوعيد، حالقاً شعر رأسي ومقصّراً، ومجتهداً في طاعتك، مشمّراً، رامياً للجمار، بسبع بعد سبع من الأحجار، وأدخلني اللهمّ عرصة بيتك وعَقْوَتك وأولجني محلّ أمنك وكعبتك، ومشاكيك وسؤالك ووفدك ومحاويجك، وجد عليّ اللهمّ بوافر الأجر، من الإنكفاء والنّفر، واختم اللهمّ مناسك حجّي، وانقضاء عجّي، بقبول منك لي، ورأفة منك بي يا أرحم الراحمين) .

٨ ـ المناجاة بكشف الظلم:

(بسم الله الرحمن الرحيم. اللهمّ إن ظلم عبادك قد تمكّن في بلادك، حتّى أمات العدل، وقطع السبل، ومحق الحقّ، وأبطل الصدق، وأخفى البرّ، وأظهر الشرّ، وأخمد التقوى، وأزال الهدى، وأزاح الخير، وأثبت الضير، وأنمى الفساد، وقوّى العناد، وبسط الجور، وعدى الطور.

اللهمّ يا ربّ لا يكشف ذلك إلاّ سلطانك، ولا يجير منه إلاّ امتنانك اللهمّ ربّ فابتُر الظلم، وبتّ حبال الغشم، واخمد سوق المنكر، وأعزّ من عنّه ينزجر، واحصد شأفة أهل الجور، وألبسهم الحور بعد الكور.


وعجّل اللهمّ إليهم البيات، وأنزل عليهم المُثلات، وأمت حياة المنكر، ليؤمَن المخوف، ويسكن الملهوف، ويشبع الجائع، ويحفظ الضائع، ويأوى الطريد، ويعود الشريد، ويغنى الفقير، ويجار المستجير، ويوقّر الكبير، ويُرحم الصغير، ويعزّ المظلوم، ويذلّ الظالم، ويفرّج المغموم، وتنفرج الغمّاء، وتسكن الدهماء، ويموت الاختلاف، ويحيى الائتلاف، ويعلو العلم، ويشمل السلم، ويجمع الشتات، ويقوى الإيمان، ويُتلى القرآن، إنك أنت الديّان، المنعم المنّان) .

٩ ـ المناجاة بالشكر لله تعالى:

(بسم الله الرحمن الرحيم. اللهمّ لك الحمد على مردّ نوازل البلاء، و توالي سبوغ النعماء، وملمّات الضرّاء، وكشف نوائب الّلأواء.

ولك الحمد ربّ على هنيئ عطائك، ومحمود بلائك، وجليل آلائك، ولك الحمد على إحسانك الكثير، وجودك الغزير، و تكليفك اليسير، ودفعك العسير.

ولك الحمد يا ربّ على تثميرك قليل الشكر، وإعطائك وافر الأجر، وحطّك مثقل الوزر، وقبولك ضيق العذر، ووضعك باهض الإصر، وتسهيلك موضع الوعر، ومنعك مفظع الأمر.

ولك الحمد على البلاء المصروف، ووافر المعروف، ودفع المخوف، وإذلال العسوف.

ولك الحمد على قلّة التكليف، وكثرة التخفيف، وتقوية الضعيف، وإغاثة اللهيف، ولك الحمد رب على سعة إمهالك، ودوام افضالك، وصرف أمحالك، وحميد أفعالك، وتوالي نوالك.

ولك الحمد على تأخير معاجلة العقاب، وترك مغافصة العذاب، وتسهيل طريق المآب، وإنزال غيث السحاب إنّك المنّان الوهاب) .

١٠ ـ المناجاة لطلب الحوائج:

(بسم الله الرحمن الرحيم. اللهمّ جدير من أمرته بالدعاء أن يدعوك، ومن وعدته بالإجابة أن يرجوك.

وَليَ اللهمّ حاجة قد عجَزَت عنها حيلتي، وكلّت فيها طاقتي، وضعفت عن مرامها قوّتي، وسوّلت لي نفسي الأمّارة بالسوء، وعدوّي الغرور الّذي أنا منه مبتلى، أن أرغب فيها إلى ضعيف مثلي، ومَن هو في النكول شكلي، حتّى تداركتني رحمتك، وبادرتني بالتوفيق رأفتك، ورددت عليّ عقلي بتطوّلك، وألهمتني رشدي بتفضّلك، وأحييت بالرجاء لك قلبي، وأزلت خدعة عدوّي من لبّي، وصحّحت بالتأميل فكري، وشرحت بالرجاء لإسعافك


صدري، وصوّرت لي الفوز ببلوغ ما رجوته، والوصول إلى ما أمّلته فوقفت اللهمّ ربّ بين يديك سائلاً لك، ضارعاً إليك، واثقاً بك، متوكّلاً عليك في قضاء حاجتي، وتحقيق أمنيتي، وتصديق رغبتي. اللهمّ وأنجحها بأيمن النجاح وأهدها سبيل الفلاح، واشرح بالرجاء لإسعافك صدري، ويسّر في أسباب الخير أمري، وصوّر إلي الفوز ببلوغ ما رجوته بالوصول إلى ما أمّلته. ووفّقني اللهمّ في قضاء حاجتي ببلوغ أمنيتي، وتصديق رغبتي، وأعذني اللهمّ بكرمك من الخيبة والقنوط، والأناة والتثبيط بهني إجابتك وسابغ موهبتك. اللهمّ إنّك مليّ بالمنائح الجزيلة، وفيّ بها، وأنت على كلّ شيء قدير وبكل شيء محيط وبعبادك خبير بصير) .

٧ ـ في رحاب مواعظ الإمام الجوادعليه‌السلام

روى الحسن بن علي بن شعبة الحرّاني في باب مواعظ أبي جعفر الجوادعليه‌السلام أحاديث مرسلة نذكرها فيما يلي:

١ ـ قال له رجل: أوصني ؟ (قالعليه‌السلام :وتقبل ؟ قال: نعم. قال:توسَّد الصَّبر واعتنق الفقر، وارفض الشَّهوات، وخالف الهوى، واعلم أنَّك لن تخلو من عين الله فانظر كيف تكون )(١) .

٢ ـ وقالعليه‌السلام :(أوحى الله إلى بعض الأنبياء: أمّا زهدك في الدُّنيا فتعجِّلك الرَّاحة، وأمّا انقطاعك إلي فيعزِّزك بي، ولكن هل عاديت لي عدواً وواليت لي وليّاً) .(٢)

٣ ـ وروي أنّه حمل له حمل بزٍّ له قيمة كثيرة، فسل في الطَّريق، فكتب إليه الّذي حمله يعرِّفه الخبر، فوقَّع بخطِّه:(إنَّ أنفسنا وأموالنا من مواهب الله الهنيئة وعواريه المستودعة يمتِّع بما متَّع منها في سرور وغبطة ويأخذ ما أخذ منها في أجر وحسبة. فمن غلب جزعه على صبره حبط أجره ونعوذ بالله من ذلك) (٣) .

ـــــــــ

(١) تحف العقول: ٣٣٥.

(٢) تحف العقول: ٣٣٥.

(٣) تحف العقول: ٣٣٥.


٤ ـ وقالعليه‌السلام :(من شهد أمراً فكرهه كان كمن غاب عنه، ومن غاب عن أمر فرضيه كان كمن شهده) (١)

٥ ـ وقالعليه‌السلام :(من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان النّاطق عن الله فقد عبد الله ; وإن كان النّاطق ينطق عن لسان إبليس فقد عبد إبليس) .(٢)

٦ ـ قال له أبو هاشم الجعفريّ في يوم تزوَّج امَّ الفضل ابنة المأمون: (يامولاي لقد عظمت علينا بركة هذا اليوم. فقالعليه‌السلام :يا أبا هاشم عظمت بركات الله علينا فيه ؟ قلت: نعم يامولاي، فما أقول في اليوم ؟ فقال:قل فيه خيراً، فإنّه يصيبك . قلت: يامولاي أفعل هذا ولا أخالفه. قالعليه‌السلام :إذاً ترشد ولا ترى إلاّ خيراً )(٣) .

٧ ـ وكتبعليه‌السلام إلى بعض أوليائه:(أمّا هذه الدُّنيا فإنّا فيها مغترفون ولكن من كان هواه هوى صاحبه ودان بدينه فهو معه حيث كان، والآخرة هي دار القرار) .(٤)

٨ ـ وقالعليه‌السلام :(تأخير التَّوبة اغترار، وطول التَّسويف حيرةٌ، والاعتلال على الله هلكة، والإصرار على الذَّنب أمن لمكر الله ( فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ) ) (٥) .

٩ ـ وروي أنَّ جمّالاً حمله من المدينة إلى الكوفة فكلَّمه في صلته وقد كان أبو جعفرعليه‌السلام وصله بأربعمئة دينار، فقالعليه‌السلام :(سبحان الله ; أما علمت أنَّه لا

ـــــــــ

(١) تحف العقول: ٣٣٦.

(٢) تحف العقول: ٣٣٦.

(٣) تحف العقول: ٣٣٦.

(٤) تحف العقول: ٤٥٦.

(٥) تحف العقول: ٤٥٦.


ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشُّكر من العباد) . (١)

١٠ ـ وقالعليه‌السلام :(إظهار الشَّيءِ قبل أن يستحكم مفسدةٌ له) .(٢)

١١ ـ وقالعليه‌السلام :(المؤمن يحتاج إلى توفيق من الله وواعظ من نفسه وقبول ممَّن ينصحه) .(٣)

١٢ ـ روى الشيخ المفيد بإسناده عن عليِّ بن مهزيار، عن بكر بن صالح قال: كتب صهر لي إلى أبي جعفر الثّاني صلوات الله عليه: إنَّ أبي ناصب خبيث الرَّأي، وقد لقيت منه شدّة وجهداً، فرأيك ـ جعلت فداك ـ في الدُّعاءِ لي، وما ترى ـ جعلت فداك ـ ؟ أفترى أن أكاشفه أم أداريه ؟ فكتبعليه‌السلام :(قد فهمت كتابك وما ذكرت من أمر أبيك، ولست أدع الدُّعاءَ لك إن شاء الله، والمداراة خير لك من المكاشفة، ومع العسر يسر، فاصبر فإنَّ العاقبة للمتَّقين. ثبَّتك الله على ولاية من تولّيت، نحن وأنتم في وديعة الله الّذي لا تضيع ودائعه) . قال بكر: فعطف الله بقلب أبيه(عليه) حتّى صار لا يخالفه في شيء.(٤)

١٣ ـ وقال:(ملاقاة الإخوان نشرة وتلقيح للعقل وإن كان نزراً قليلاً) .(٥)

١٤ ـ عن أبي هاشم الجعفري قال: سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول:(إن في الجنّة باباً يقال له المعروف لا يدخله إلاّ أهل المعروف) ، فحمدت الله تعالى في نفسي وفرحت بما أتكلف من حوائج النّاس، فنظر إليَّعليه‌السلام ، فقال:نعم، تمّ على ما أنت عليه فإنّ أهل المعروف في دنياهم هم أهل المعروف في الآخرة جعلك الله منهم يا أبا هاشم

ـــــــــ

(١) تحف العقول: ٣٣٥.

(٢) تحف العقول: ٣٣٦.

(٣) تحف العقول: ٣٣٦.

(٤) أمالي المفيد: ١٩١.

(٥) أمالي المفيد: ٣٢٩.


ورحمك) .(١)

١٥ ـ عنه، عن أبي هاشم الجعفري قال: (سأل محمد بن صالح الأرمني عن قول الله تعالى:( لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ) : فقالعليه‌السلام :(من قبل أن يأمر ولله الأمر من بعد أن يأمر بما يشاء) ، فقلت في نفسي: هذا تأويل قول الله تعالى:( أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) فقلت: أشهد أنّك حجّة الله وابن حجّته على العباد).(٢)

١٦ ـ وقالعليه‌السلام :(من أطاع هواه أعطى عدوَّه مناه) .

١٧ ـ وقالعليه‌السلام :(راكب الشهوات لا تستقال له عثرة) .(٣)

١٨ ـ وقالعليه‌السلام :(نعمة لا تشكر كسيئة لا تغفر) .(٤)

١٩ ـ وقالعليه‌السلام :(كيف يضيع من الله كافله، وكيف ينجو من الله طالبه، ومن انقطع إلى غير الله وكّله الله إليه) .(٥)

٢٠ ـ وقالعليه‌السلام :(اتّئد تصب أو تكدّ) .(٦)

٢١ ـ وقالعليه‌السلام :(من لم يعرف الموارد أعيته المصادر) .(٧)

٢٢ ـ وقالعليه‌السلام :(من انقاد إلى الطمأنينة قبل الخبرة، فقد عرض نفسه للهلكة والعاقبة المتعبة) .(٨)

ـــــــــ

(١) الثاقب في المناقب: ٢٢٦.

(٢) الثاقب في المناقب: ٢٢٦.

(٣) بحار الأنوار: ٧٠ / ٧٨.

(٤) بحار الأنوار: ٧١ / ٥٣.

(٥) بحار الأنوار: ٧١ / ١٥٥.

(٦) بحار الأنوار: ٧١ / ٣٤٠.

(٧) بحار الأنوار: ٧١/٣٤٠.

(٨) بحار الأنوار: ٧١/٣٤٠.


٢٣ ـ وقالعليه‌السلام :(من هجر المداراة قاربه المكروه) .(١)

٢٤ ـ وقالعليه‌السلام :(إياك ومصاحبة الشرير فإنه كالسيف المسلول يحسن منظره ويقبح أثره) .(٢)

٢٥ ـ وقالعليه‌السلام :(عزّ المؤمن غناه عن الناس) .(٣)

٢٦ ـ وقالعليه‌السلام :(لا يضرّك سخط من رضاه الجور) .(٤)

٢٧ ـ وقالعليه‌السلام :(كفى بالمرء خيانة أن يكون أميناً للخونة) .(٥)

٢٨ ـ وقالعليه‌السلام :(من عمل على غير علم ما يفسد أكثر مما يصلح) .(٦)

٢٩ ـ وقالعليه‌السلام :(القصد إلى الله تعالى بالقلوب أبلغ من إتعاب الجوارح بالأعمال) .(٧)

٣٠ ـ وقالعليه‌السلام :(من عتب من غير ارتياب أعتب من غير استعتاب) .(٨)

٣١ ـ وقالعليه‌السلام :(الثقة بالله ثمن لكلّ غال وسلّم إلى كل عال) .(٩)

٣٢ ـ وقالعليه‌السلام :(إذا نزل القضاء ضاق الفضاء) .(١٠)

٣٣ ـ وقالعليه‌السلام :(غنى المؤمن غناه عن الناس) .(١١)

ـــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٧١ / ٣٤١.

(٢) بحار الأنوار: ٧٤ / ١٩٨.

(٣) بحار الأنوار: ٧٥ / ١٠٩.

(٤) بحار الأنوار: ٧٥/٣٨٠.

(٥) بحار الأنوار: ٧٥/٣٨٠.

(٦) بحار الأنوار: ٧٨ / ٣٤٦.

(٧) بحار الأنوار: ٧٨ / ٣٦٤.

(٨) بحار الأنوار: ٧٨/٣٦٤.

(٩) بحار الأنوار: ٧٨/٣٦٤.

(١٠) بحار الأنوار: ٧٨/٣٦٤.

(١١) بحار الأنوار: ٧٨/٣٦٤.


٣٤ ـ وقالعليه‌السلام :(من لم يرض من أخيه بحسن النيّة لم يرض بالعطية) .(١)

٣٥ ـ وقالعليه‌السلام :(قد عاداك من ستر عنك الرشد اتباعاً لما تهواه) .(٢)

٣٦ ـ وقالعليه‌السلام :(الحوائج تطلب بالرَّجاء وهي تنزل بالقضاء، والعافية أحسن عطاء) .(٣)

٣٧ ـ وقالعليه‌السلام :(لا تعادي أحداً حتّى تعرف الّذي بينه وبين الله تعالى، فإن كان محسناً فإنّه لا يسلّمه إليك وإن كان مسيئاً فإن علمك به يكفيكه فلا تعاده) .(٤)

٣٨ ـ وقالعليه‌السلام :(لا تكن وليّاً لله في العلانية، عدوّاً له في السّرِّ) .(٥)

٣٩ ـ وقالعليه‌السلام :(التّحفّظ على قدر الخوف) .(٦)

٤٠ ـ وقالعليه‌السلام :(الأيّام تهتك لك الأمر عن الأسرار الكامنة) .(٧)

٤١ ـ وقالعليه‌السلام :(تعرف عن الشّيء إذا صنعته لقلّة صحبته إذا أعطيته) .(٨)

٤٢ ـ عن أبي جعفر محمد بن علي بن موسى عن أبيه علي عن أبيه موسى عن آبائه عن عليعليه‌السلام . قال:(بعثني النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى اليمن فقال لي وهو يوصيني: ياعلي ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار، ياعلي عليك بالدُّلجة فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار، ياعلي اغد بسم الله فإن الله بارك لأمتي في بكورها) .(٩)

٤٣ ـ عنهعليه‌السلام قال:(من استفاد أخاً في الله فقد استفاد بيتاً في الجنة) .

ـــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٧٨/٣٦٤.

(٢) بحار الأنوار: ٧٨/٣٦٤.

(٣) بحار الأنوار: ٧٨ / ٣٦٥.

(٤) بحار الأنوار: ٧٨ / ٣٦٥.

(٥) بحار الأنوار: ٧٨ / ٣٦٥.

(٦) بحار الأنوار: ٧٨ / ٣٦٥.

(٧) بحار الأنوار: ٧٨ / ٣٦٥.

(٨) بحار الأنوار: ٧٨ / ٣٦٥.

(٩) تاريخ بغداد: ٣ / ٥٤، والوفيات: ٣ / ٣١٥.


٤٤ ـ عنهعليه‌السلام أنه قال:(لو كانت السموات والأرض رتقاً على عبد ثم اتقى الله تعالى لجعل منها مخرجاً) .

٤٥ ـ وقالعليه‌السلام :(انه من وثق بالله أراه السرور) .

٤٦ ـ وقالعليه‌السلام :(من توكل على الله كفاه الأمور) .

٤٧ ـ وقالعليه‌السلام :(الثقة بالله حصن لا يتحصن فيه إلاّ المؤمن) .

٤٨ ـ وقالعليه‌السلام :(التوكل على الله نجاة من كل سوء وحرز من كل عدو) .

٤٩ ـ وقالعليه‌السلام :(الدين عز والعلم كنز والصمت نور وغاية الزهد الورع ولا هدم للدين مثل البدع ولا أفسد للرجال من الطمع وبالراعي تصلح الرعية وبالدعاء تصرف البلية) .

٥٠ ـ وقالعليه‌السلام :(من ركب مركب العمر اهتدى إلى مضمار النصر ومن شتم أجيب ومن غرس أشجار التقى اجتنى أثمار المنى) .

٥١ ـ وقالعليه‌السلام :(أربع خصال تعين المرء على العمل، الصحة والغنى والعلم والتوفيق) .

٥٢ ـ وقالعليه‌السلام :(إن لله عباداً يخصّهم بدوام النعم فلا تزال فيهم ما بدّلوا لها فإذا منعوها نزعها عنهم وحوّلها إلى غيرهم) .

٥٣ ـ وقالعليه‌السلام :(أهل المعروف إلى اصطناعه أحوج من أهل الحاجة إليه لأن لهم أجره وفخره وذكره فما اصطنع الرجل من معروف فإنما يبدأ فيه بنفسه) .

٥٤ ـ وقالعليه‌السلام :(من أمّل إنساناً هابه ومن جهل شيئاً عابه والفرصة خلسة ومن كثر همّه سقم جسده وعنوان صحيفة المسلم حسن خلقه) .

٥٥ ـ وقالعليه‌السلام في موضع آخر:(عنوان صحيفة السعيد حسن الثناء عليه) .

٥٦ ـ وقالعليه‌السلام :(الجمال في اللسان والكمال في العقل) .

٥٧ ـ وقالعليه‌السلام :(العفاف زينة الفقر، والشكر زينة الغنى، والصبر زينة البلا، والتواضع زينة الحسب، والفصاحة زينة الكلام، والحفظ زينة الرواية، وخفض الجناح زينة العلم، وحسن الأدب زينة العقل، وبسط الوجه زينة الكرم، و ترك المن زينة المعروف، والخشوع زينة الصلوة، والتنفل زينة القناعة، و ترك ما يعني زينة الورع) .


٥٨ ـ وقالعليه‌السلام :(حسب المرء من كمال المروة أن لا يلقى أحداً بما يكره، ومن حسن خلق الرجل كفه أذاه، ومن سخائه بره بمن يجب حقه عليه، ومن كرمه إيثاره على نفسه، ومن صبره قلة شكواه، ومن عقله إنصافه من نفسه، ومن إنصافه قبول الحقّ إذا بان له، ومن نصحه نهيه عما لا يرضاه لنفسه، ومن حفظه لجوارك تركه توبيخك عند أشنانك مع علمه بعيوبك، ومن رفقه تركه عذلك بحضرة من تكره، ومن حسن صحبته لك كثرة موافقته وقلة مخالفته، ومن شكره معرفته إحسان من أحسن إليه ومن تواضعه معرفته بقدره، ومن سلامته قلة حفظه لعيوب غيره و عنايته بصلاح عيوبه) .

٥٩ ـ وقالعليه‌السلام :(العامل بالظلم والمعين له والراضي شركاء) (١) .

٦٠ ـ وقالعليه‌السلام :(يوم العدل على الظالم اشد من يوم الجور على المظلوم) .

٦١ ـ وقالعليه‌السلام :(من أخطأ وجوه المطالب خذلته وجوه الحيل والطامع في وثاق الذلّ ومن طلب البقاء فليعد للمصائب قلباً صبوراً) .

٦٢ ـ وقالعليه‌السلام :(العلماء غرباء لكثرة الجهال بينهم) .

٦٣ ـ وقالعليه‌السلام :(الصبر على المصيبة مصيبة للشامت) .

٦٤ ـ وقالعليه‌السلام :(مقتل الرجل بين فكيه والرأي مع الأناة وبئس الظهر و بئس الظهير الرأي القصير الرأي الفطير) .

٦٥ ـ وقالعليه‌السلام :(ثلاث خصال تجلب بها المودة: الإنصاف والمعاشرة والمواساة والشدة والانطواء على قلب سليم) .

٦٦ ـ وقالعليه‌السلام :(الناس اشكال وكلّ يعمل على شاكلته، والناس إخوان فمن كانت إخوته في غير ذات الله تعالى فإنها تعود عداوة، وذلك قوله عزّ وجلّ: ( الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ) ) .

٦٧ ـ وقالعليه‌السلام :(من استحسن قبيحاً كان شريكاً فيه) .

ـــــــــ

(١) كشف الغمة: ٢/٣٤٨.


٦٨ ـ وقالعليه‌السلام :(كفر النعمة داعية للمقت ومن جازاك بالشكر فقد أعطاك أكثر ممّا أخذ منك) .

٦٩ ـ وقالعليه‌السلام :(لا تفسد الظن على صديق قد أصلحك اليقين له، ومن وعظ أخاه سرّاً فقد زانه ومن وعظه علانية فقد شانه) .

٧٠ ـ وقالعليه‌السلام :(كل الشريف من شرفه علمه والسؤدد كل السؤدد لمن اتقى الله ربه) .

٧١ ـ وقالعليه‌السلام :(لا تعالجوا الأمر قبل بلوغه فتندموا ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم وارحموا ضعفاءكم واطلبوا من الله الرحمة بالرحمة فيهم) .

٧٢ ـ وقالعليه‌السلام :(من أمّل فاجراً كان أدنى عقوبته الحرمان) .

٧٣ ـ وقالعليه‌السلام :(موت الإنسان بالذنوب أكثر من موته بالأجل وحياته بالبر أكثر من حياته بالعمر (١) ) .

وآخر دعوانا أن الحمد الله ربِّ العالمين

ـــــــــ

(١) الفصول المهمة: ٢٧٤ ـ ٢٧٥.


الفهرست

المقدمة ٤

الباب الأول: وفيه فصول: ١٠

الفصل الأول: الإمام محمّد الجواد عليه‌السلام في سطور ١٠

الفصل الثاني: انطباعات عن شخصية الإمام الجواد عليه‌السلام.... ١١

الفصل الثالث: مظاهر من شخصيّة الإمام الجواد عليه‌السلام.... ١٨

هـ ـ معجزاته وكراماته عليه‌السلام: ٣٣

٢ ـ الإحسان إلى الناس: ٣٧

٣ ـ المواساة للناس: ٣٨

الباب الثاني: وفيه فصول: ٤٠

الفصل الأول: نشأة الإمام محمّد الجواد عليه‌السلام.... ٤٠

الفصل الثاني: مراحل حياة الإمام محمد الجواد عليه‌السلام.... ٤٢

الفصل الثالث: الإمام الجواد في ظل أبيه عليهما‌السلام..... ٤٣

الحروب الطاحنة: ٥٠

قتل الأمين: ٥١

لعبه بالشطرنج: ٥٥

ولعبه بالموسيقى: ٥٦

٥ ـ تظاهره بالتشيّع: ٥٦

العلاقة بين الإمام الرضا عليه‌السلام والمأمون. ٦٠

٢ ـ احتواء التوجه الشعبي لأهل البيت عليهم‌السلام. ٦١

الباب الثالث: وفيه فصول: ٧٣

الفصل الأول:ملامح عصر الإمام الجواد عليه‌السلام.... ٧٣

الفصل الثاني: الإمام الجواد عليه‌السلام وحكّام عصره ٩٧

١ ـ المأمون العبّاسي. ٩٧

فقال أبو جعفر عليه‌السلام: (سل إن شئت). ٩٩


الفصل الثالث: متطلّبات عصر الإمام الجواد عليه‌السلام.... ١١٨

الباب الرابع: وفيه فصول: ١٢٠

الفصل الأول: الإمام الجواد عليه‌السلام و متطلّبات الساحة الإسلامية العامّة ١٢٠

١ ـ أهل البيت عليه‌السلام والقيادة الرسالية ١٢٠

الفصل الثاني: الإمام الجواد عليه‌السلام ومتطلّبات الجماعة الصالحة ١٣٦

١ ـ الإمام الجواد عليه‌السلام يعالج ظاهرة التشكيك بإمامته ١٣٦

٢ ـ الإمام الجواد عليه‌السلام والبناء الثقافي للجماعة الصالحة ١٣٩

أ ـ تعميق البناء الفكري: ١٣٩

ج ـ تعميق البناء التربوي. ١٤٩

الحكمة في العمل: ١٤٩

التعامل مع الظالمين: ١٥٠

النشاط الاجتماعي: ١٥١

وصايا للعاملين: ١٥٣

الحث على اكتساب العلم: ١٥٤

الحث على التوبة: ١٥٥

٣ ـ إحكام تنظيم الجماعة الصالحة وإعدادها لدور الغيبة ١٥٦

أ ـ نظام الوكلاء ودقة التحرّك: ١٥٦

ج ـ الإحاطة بدقائق الأمور الاجتماعية: ١٥٨

د ـ متابعة تربية الأفراد: ١٥٩

٤ ـ التمهيد لإمامة علي الهادي عليه‌السلام المبكرة ١٥٩

الفصل الثالث: مدرسة الإمام الجواد عليه‌السلام وتراثه ١٦٥

البحث الأول: أصحاب الإمام الجواد عليه‌السلام.... ١٦٥

مؤلفاته: ١٧٠

من كتبه: ١٧٦

البحث الثاني: تراث الإمام الجواد عليه‌السلام.... ١٧٩


١ ـ من تراثه التفسيري. ١٧٩

٢ ـ من تراثه الكلامي. ١٨١

علاج ضربة الريح الخبيثة ١٩٣

علاج من أصابها حيض لا ينقطع. ١٩٤

علاج برد المعدة وخفقان الفؤاد ١٩٤

علاج وجع الحصاة ١٩٦

٦ ـ الدعاء في تراث الإمام الجواد عليه‌السلام.... ١٩٧

١ ـ المناجاة للاستخارة: ١٩٨

٢ ـ المناجاة بالاستقالة: ١٩٨

٣ ـ المناجاة بالسفر: ١٩٩

٤ ـ المناجاة في طلب الرزق: ١٩٩

٥ ـ المناجاة بالاستعاذة: ٢٠٠

٦ ـ المناجاة بطلب التوبة: ٢٠٠

٧ ـ المناجاة بطلب الحجّ: ٢٠١

٨ ـ المناجاة بكشف الظلم: ٢٠١

٩ ـ المناجاة بالشكر لله تعالى: ٢٠٢

١٠ ـ المناجاة لطلب الحوائج: ٢٠٢


اعلام الهداية - الإمام محمد بن علي الجواد (ع)

اعلام الهداية - الإمام محمد بن علي الجواد (ع)

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: المجمع العالمي لأهل البيت (عليهم السلام)
الناشر: المجمع العالمي لاهل البيت (ع)
تصنيف: الإمام محمد بن علي الجواد عليه السلام
الصفحات: 214