اعلام الهداية - الامام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام)

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: المجمع العالمي لأهل البيت (عليهم السلام)
الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام
ISBN: 964- 5688-25-6

أعلام الهداية

الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه‌السلام

المجمع العالمي لأهل البيت عليهم‌السلام

قم المقدسة


اسم الكتاب: أعلام الهداية (ج٩) الإمام موسى بن جعفر الكاظمعليه‌السلام .

المؤلف: لجنة التأليف.

الموضوع:كلام وتاريخ.

الناشر: مركز الطباعة والنشر للمجمع العالمي لأهل البيتعليهم‌السلام .

الطبعة الأولى: ١٤٢٢ هـ ق.

الطبعة الثانية: ١٤٢٥ هـ ق.

الطبعة الثالثة: ١٤٢٧ هـ ق.

المطبعة: ليلى.

الكمية: ٥٠٠٠.

isbn: ٩٦٤- ٥٦٨٨-٢٥-٦

حقوق الطبع والترجمة محفوظة للمجمع العالمي لأهل البيتعليهم‌السلام

www.ahl-ul-bayt-org


أهل البيت في القرآن الكريم

( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً )

الأحزاب: ٣٣ / ٣٣

أهل البيت في الُسنّة النبويّة

(إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً)

(الصحاح والمسانيد)


المقدمة

الحمد لله الذي أعطى كلّ شيء خلقه ثم هدى، ثم الصلاة والسلام على من اختارهم هداةً لعباده، لا سيَّما خاتم الأنبياء وسيّد الرسل والأصفياء أبو القاسم المصطفى محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلى آله الميامين النجباء.

لقد خلق الله الإنسان وزوّده بعنصري العقل والإرادة، فبالعقل يبصر ويكتشف الحقّ ويميّزه عن الباطل، وبالإرادة يختار ما يراه صالحاً له ومحقّقاً لأغراضه وأهدافه.

وقد جعل الله العقل المميِّز حجةً له على خلقه، وأعانه بما أفاض على العقول من معين هدايته ; فإنّه هو الذي علّم الإنسان ما لم يعلم، وأرشده إلى طريق كماله اللائق به، وعرّفه الغاية التي خلقه من أجلها، وجاء به إلى هذه الحياة الدنيا من أجل تحقيقها.

وأوضح القرآن الحكيم بنصوصه الصريحة معالم الهداية الربّانية وآفاقها ومستلزماتها وطرقها، كما بيّن لنا عللها وأسبابها من جهة، وأسفر عن ثمارها ونتائجها من جهة أخرى.

قال تعالى:

( قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى ) (الأنعام (٦): ٧١).

( وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (البقرة (٢): ٢١٣).

( وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ) (الأحزاب (٣٣): ٤).

( وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (آل عمران (٣): ١٠١).

( قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إلى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (يونس (١٠): ٣٥).

( وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إلى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) (سبأ (٣٤): ٦).

( ومن أضلّ ممن اتّبع هواه بغير هدىً من الله ) (القصص (٢٨):٥٠).

فالله تعالى هو مصدر الهداية. وهدايته هي الهداية الحقيقية، وهو الذي يأخذ بيد الإنسان إلى الصراط المستقيم وإلى الحقّ القويم.


وهذه الحقائق يؤيدها العلم ويدركها العلماء ويخضعون لها بملء وجودهم.

ولقد أودع الله في فطرة الإنسان النزوع إلى الكمال والجمال ثمّ مَنّ عليه بإرشاده إلى الكمال اللائق به، وأسبغ عليه نعمة التعرّف على طريق الكمال، ومن هنا قال تعالى: ( وما خلقتُ الجنَّ والإنسَ إلاّ ليعبدونِ ) (الذاريات (٥١): ٥٦). وحيث لا تتحقّق العبادة الحقيقية من دون المعرفة، كانت المعرفة والعبادة طريقاً منحصراً وهدفاً وغايةً موصلةً إلى قمّة الكمال.

وبعد أن زوّد الله الإنسان بطاقتي الغضب والشهوة ليحقّق له وقود الحركة نحو الكمال; لم يؤمَن عليه من سيطرة الغضب والشهوة; والهوى الناشئ منهما، والملازم لهما فمن هنا احتاج الإنسان ـ بالإضافة إلى عقله وسائر أدوات المعرفة ـ إلى ما يضمن له سلامة البصيرة والرؤية; كي تتمّ عليه

الحجّة، وتكمل نعمة الهداية، وتتوفّر لديه كلّ الأسباب التي تجعله يختار طريق الخير والسعادة، أو طريق الشرّ والشقاء بملء إرادته.

ومن هنا اقتضت سُنّة الهداية الربّانية أن يُسند عقل الإنسان عن طريق الوحي الإلهي، ومن خلال الهداة الذين اختارهم الله لتولِّي مسؤولية هداية العباد وذلك عن طريق توفير تفاصيل المعرفة وإعطاء الإرشادات اللازمة لكلّ مرافق الحياة.

وقد حمل الأنبياء وأوصياؤهم مشعل الهداية الربّانية منذ فجر التاريخ وعلى مدى العصور والقرون، ولم يترك الله عباده مهملين دون حجة هادية وعلم مرشد ونور مُضيء، كما أفصحت نصوص الوحي ـ مؤيّدةً لدلائل العقل ـ بأنّ الأرض لا تخلو من حجة لله على خلقه، لئلاّ يكون للناس على الله حجّة، فالحجّة قبل الخلق ومع الخلق وبعد الخلق، ولو لم يبق في الأرض إلاّ اثنان لكان أحدهما الحجّة، وصرّح القرآن ـ بشكل لا يقبل الريب ـ قائلاً: ( إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) (الرعد (١٣): ٧).


ويتولّى أنبياء الله ورسله وأوصياؤهم الهداة المهديّون مهمّة الهداية بجميع مراتبها، والتي تتلخّص في:

١ ـ تلقِّي الوحي بشكل كامل واستيعاب الرسالة الإلهية بصورة دقيقة. وهذه المرحلة تتطلّب الاستعداد التام لتلقّي الرسالة، ومن هنا يكون الاصطفاء الإلهي لرسله شأناً من شؤونه، كما أفصح بذلك الذكر الحكيم قائلاً: ( اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ) (الأنعام (٦): ١٢٤) و( اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ ) (آل عمران (٣): ١٧٩).

٢ ـ إبلاغ الرسالة الإلهية إلى البشرية ولمن أرسلوا إليه، ويتوقّف الإبلاغ على الكفاءة التامّة التي تتمثّل في (الاستيعاب والإحاطة اللازمة) بتفاصيل الرسالة وأهدافها ومتطلّباتها، و (العصمة) عن الخطأ والانحراف معاً، قال تعالى: ( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ) (البقرة (٢): ٢١٣).

٣ ـ تكوين أُمة مؤمنة بالرسالة الإلهية، وإعدادها لدعم القيادة الهادية من أجل تحقيق أهدافها وتطبيق قوانينها في الحياة، وقد صرّحت آيات الذكر الحكيم بهذه المهمّة مستخدمةً عنواني التزكية والتعليم، قال تعالى: ( يُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) (الجمعة(٦٢): ٢) والتزكية هي التربية باتجاه الكمال اللائق بالإنسان. وتتطلّب التربية القدوة الصالحة التي تتمتّع بكلّ عناصر الكمال، كما قال تعالى: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (الأحزاب(٣٣): ٢١).

٤ ـ صيانة الرسالة من الزيغ والتحريف والضياع في الفترة المقرّرة لها، وهذه المهمة أيضاً تتطلّب الكفاءة العلمية والنفسية، والتي تسمّى بالعصمة.


٥ ـ العمل لتحقيق أهداف الرسالة المعنوية وتثبيت القيم الأخلاقية في نفوس الأفراد وأركان المجتمعات البشرية وذلك بتنفيذ الأطروحة الربّانية، وتطبيق قوانين الدين الحنيف على المجتمع البشري من خلال تأسيس كيان سياسيٍّ يتولّى إدارة شؤون الأمة على أساس الرسالة الربّانية للبشرية، ويتطلّب التنفيذ قيادةً حكيمةً، وشجاعةً فائقةً، وثباتاً كبيراً، ومعرفةً تامةً بالنفوس وبطبقات المجتمع والتيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية وقوانين الإدارة والتربية وسنن الحياة، ونلخّصها في الكفاءة العلمية لإدارة دولة عالمية دينية، هذا فضلاً عن العصمة التي تعبّر عن الكفاءة النفسية التي تصون القيادة الدينية من كلّ سلوك منحرف أو عمل خاطئ بإمكانه أن يؤثّر تأثيراً سلبيّاً على مسيرة القيادة وانقياد الأمة لها بحيث يتنافى مع أهداف الرسالة وأغراضها.

وقد سلك الأنبياء السابقون وأوصياؤهم المصطفون طريق الهداية الدامي، واقتحموا سبيل التربية الشاقّ، وتحمّلوا في سبيل أداء المهامّ الرسالية كلّ صعب، وقدّموا في سبيل تحقيق أهداف الرسالات الإلهية كلّ ما يمكن أن يقدّمه الإنسان المتفاني في مبدئه وعقيدته، ولم يتراجعوا لحظة، ولم يتلكّأوا طرفة عين.

وقد توّج الله جهودهم وجهادهم المستمرّ على مدى العصور برسالة خاتم الأنبياء محمد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحمّله الأمانة الكبرى ومسؤولية الهداية بجميع مراتبها، طالباً منه تحقيق أهدافها. وقد خطا الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذا الطريق الوعر خطوات مدهشة، وحقّق في أقصر فترة زمنية أكبر نتاج ممكن في حساب الدعوات التغييرية والرسالات الثورية، وكانت حصيلة جهاده وكدحه ليل نهار خلال عقدين من الزمن ما يلي:

١ ـ تقديم رسالة كاملة للبشرية تحتوي على عناصر الديمومة والبقاء.

٢ ـ تزويدها بعناصر تصونها من الزيغ والانحراف.

٣ ـ تكوين اُمة مسلمة تؤمن بالإسلام مبدأً، وبالرسول قائداً، وبالشريعة قانوناً للحياة.


٤ ـ تأسيس دولة إسلامية وكيان سياسيٍّ يحمل لواء الإسلام ويطبّق شريعة السماء.

٥ ـ تقديم الوجه المشرق للقيادة الربّانية الحكيمة المتمثّلة في قيادتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ولتحقيق أهداف الرسالة بشكل كامل كان من الضروري:

أ ـ أن تستمرّ القيادة الكفوءة في تطبيق الرسالة وصيانتها من أيدي العابثين الذين يتربّصون بها الدوائر.

ب ـ أن تستمرّ عملية التربية الصحيحة باستمرار الأجيال; على يد مربٍّ كفوء علمياً ونفسياً حيث يكون قدوة حسنة في الخلق والسلوك كالرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يستوعب الرسالة ويجسّدها في كل حركاته وسكناته.

ومن هنا كان التخطيط الإلهيّ يحتّم على الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إعداد الصفوة من أهل بيته، والتصريح بأسمائهم وأدوارهم; لتسلّم مقاليد الحركة النبويّة العظيمة والهداية الربّانية الخالدة بأمر من الله سبحانه وصيانة للرسالة الإلهية التي كتب الله لها الخلود من تحريف الجاهلين وكيد الخائنين، وتربية للأجيال على قيم ومفاهيم الشريعة المباركة التي تولّوا تبيين معالمها وكشف أسرارها وذخائرها على مرّ العصور، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها.

وتجلّى هذا التخطيط الربّاني في ما نصّ عليه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله:(إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض) .

وكان أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم خير من عرّفهم النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأمر من الله تعالى لقيادة الأمة من بعده.


إنّ سيرة الأئمّة الاثني عشر من أهل البيتعليهم‌السلام تمثّل المسيرة الواقعية للإسلام بعد عصر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ودراسة حياتهم بشكل مستوعب تكشف لنا عن صورة مستوعبة لحركة الإسلام الأصيل الذي أخذ يشقّ طريقه إلى أعماق الأمة بعد أن أخذت طاقتها الحرارية تتضاءل بعد وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأخذ الأئمة المعصومونعليهم‌السلام يعملون على توعية الأمة وتحريك طاقتها باتجاه إيجاد وتصعيد الوعي الرساليِّ للشريعة ولحركة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وثورته المباركة، غير خارجين عن مسار السنن الكونية التي تتحكّم في سلوك القيادة والأمة جمعاء.

وتبلورت حياة الأئمّة الراشدين في استمرارهم على نهج الرسول العظيم وانفتاح الأمة عليهم والتفاعل معهم كأعلام للهداية ومصابيح لإنارة الدرب للسالكين المؤمنين بقيادتهم، فكانوا هم الأدلَّاء على الله وعلى مرضاته، والمستقرّين في أمر الله، والتامّين في محبّته، والذائبين في الشوق إليه، والسابقين إلى تسلّق قمم الكمال الإنسانيّ المنشود.

وقد حفلت حياتهم بأنواع الجهاد والصبر على طاعة الله وتحمّل جفاء أهل الجفاء حتّى ضربوا أعلى أمثلة الصمود لتنفيذ أحكام الله تعالى، ثم اختاروا الشهادة مع العزّ على الحياة مع الذلّ، حتى فازوا بلقاء الله سبحانه بعد كفاح عظيم وجهاد كبير.

ولا يستطيع المؤرّخون والكتّاب أن يلمّوا بجميع زوايا حياتهم العطرة ويدّعوا دراستها بشكل كامل، ومن هنا فإنّ محاولتنا هذه إنّما هي إعطاء قبسات من حياتهم، ولقطات من سيرتهم وسلوكهم ومواقفهم التي دوّنها المؤرّخون واستطعنا اكتشافها من خلال مصادر الدراسة والتحقيق، عسى الله أن ينفع بها إنّه وليّ التوفيق.

إنّ دراستنا لحركة أهل البيتعليهم‌السلام الرسالية تبدأ برسول الإسلام وخاتم الأنبياء محمد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتنتهي بخاتم الأوصياء، محمد بن الحسن العسكري المهدي المنتظر عجّل الله تعالى فرجه وأنار الأرض بعدله.

ويختصّ هذا الكتاب بدراسة حياة الإمام موسى بن جعفر، التاسع من أعلام الهداية الذي جسّد الكمالات النبوية في العلم والهداية والعمل والتربية وتوسعت بجهوده العلمية الجبارة مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام واتضحت معالمها وأينعث ثمارها ولا زلنا نتفيّأ ظلالها حتى عصرنا هذا.


ولا بدَّ لنا من تقديم الشكر إلى كلّ الإخوة الأعزّاء الذين بذلوا جهداً وافراً وشاركوا في إنجاز هذا المشروع المبارك وإخراجه إلى عالم النور، لا سيَّما أعضاء لجنة التأليف بإشراف سماحة السيد منذر الحكيم (حفظه الله تعالى).

ولا يسعنا إلاّ أن نبتهل إلى الله تعالى بالدعاء والشكر لتوفيقه على إنجاز هذه الموسوعة المباركة فإنه حسبنا ونعم النصير.

المجمع العالمي لأهل البيتعليهم‌السلام

قم المقدسة


الباب الأول: وفيه فصول:

الفصل الأول: الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام في سطور.

الفصل الثاني: انطباعات عن شخصية الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام .

الفصل الثالث: مظاهر من شخصية الإمام الكاظمعليه‌السلام .

الفصل الأول: الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام في سطور

الإمام موسى بن جعفر المعروف بـ (الكاظم الغيظ) سابع أئمة المسلمين بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأحد أعلام الهداية الربّانية في دنيا الإسلام وشمس من شموس المعرفة في دنيا البشرية التي لا زالت تشع نوراً وبهاءً في هذا الوجود. إنه من العترة الطاهرة الذين قرنهم الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمحكم التنزيل وجعلهم قدوة لأولي الألباب وسفناً للنجاة وأمناً للعباد وأركاناً للبلاد. إنه من شجرة النبوة الباسقة والدوحة العلوية اليانعة ومحطّ علم الرسول وباب من أبواب الوحي والإيمان ومعدن من معادن علم الله.

ولد الإمام موسى بن جعفر في نهاية العهد الأموي سنة (١٢٨ هـ) وعاصر أيّام انهيار هذا البيت الذي عاث باسم الخلافة النبويّة في أرض الإسلام فساداً. وعاصر أيضاً بدايات نشوء الحكم العبّاسي الذي استولى على مركز القيادة في العالم الإسلامي تحت شعار الدعوة إلى الرضا من آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وعاش في ظلّ أبيه الصادقعليه‌السلام عقدين من عمره المبارك وتفيّأ بظلال علوم والده الكريم ومدرسته الربّانية التي استقطبت بأشعتها النافذة العالم الإسلامي بل الإنساني أجمع.

فعاصر حكم السفّاح ثم حكم المنصور الذي اغتال أباه في الخامس والعشرين من شوال سنة (١٤٨ هـ) وتصدّى لمنصب الإمامة بعد أبيه الصادقعليه‌السلام في ظروف حرجة كان يخشى فيها على حياته.


وقد أحكم الإمام الصادقعليه‌السلام التدبير للحفاظ على ولده موسى ليضمن استمرار حركة الرسالة الإلهية في أقسى الظروف السياسية حتى أينعت ثمار هذه الشجرة الباسقة خلال ثلاثة عقود من عمره العامر بالهدى، وتنفّس هواء الحرية بشكل نسبي في أيّام المهدي العبّاسي وما يقرب من عقد في أيام حكم الرشيد.

لقد عاش الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام ثلاثة عقود من عمره المبارك والحكم العبّاسي لمّا يستفحل ، ولكنه قد عانى من الضغوط في عقده الأخير ضغوطاً قلّما عاناها أحد من أئمة أهل البيتعليهم‌السلام من الأمويين وممن سبق الرشيد من العباسيين من حيث السجن المستمرّ والاغتيالات المتتالية حتى القتل في سبيل الله على يدي عملاء السلطة الحاكمة باسم الله ورسوله. وقد روي أنّ الرشيد خاطب الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم معتذراً منه في اعتقال سبطه موسى بن جعفرعليه‌السلام . زاعماً أنّ وجوده بين ظهراني الأمة سبب للفرقة... وهكذا تحكم القبضة على رقاب المسلمين بل وأئمة المسلمين.. فإنا لله وإنا إليه راجعون.

لقد سار الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام على منهاج جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وآبائه المعصومين علي أمير المؤمنين والحسن والحسين وعلي ومحمد وجعفر... في الاهتمام بشؤون الرسالة الإلهية وصيانتها من الضياع والتحريف، والجدّ في صيانة الأمة من الانهيار والاضمحلال ومقارعة الظالمين وتأييد الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر للصدّ من تمادي الحكام في الظلم والاستبداد.

وقد كانت مدرسته العلمية الزاخرة بالعلماء وطلاّب المعرفة تشكّل تحدّياً إسلامياً حضاريّاً وتقف أمام تراث كل الحضارات الوافدة وتربي الفطاحل من العلماء والمجتهدين وتبلور المنهج المعرفي للعلوم الإسلامية والإنسانية معاً.

كما كانت نشاطاته التربوية والتنظيمية تكشف عن عنايته الفائقة بالجماعة الصالحة وتخطيطه لمستقبل الأمةً الإسلامية الزاهر والزاخر بالطليعة الواعية التي حفظت لنا تراث ذلك العصر الذهبي العامر بمعارف أهل البيتعليهم‌السلام وعلوم مدرستهم التي فاقت كل المدارس العلمية في ذلك العصر وأخذت تزهر وتزدهر يوماً بعد يوم حتى عصرنا هذا.

لقد اشتهر الإمام موسى بالكاظم الغيظ لشدّة حلمه وبالعابد والتقي وباب الحوائج إلى الله، ولم يستسلم لضغوط الحكّام العباسيين ولألوان تعسفهم من أجل تحجيم نشاطه


الربّاني الذي كانت تفرضه عليه ظروف المرحلة صيانة للرسالة والدولة الإسلامية من الانهيار وتحقيقاً لهويّة الأمة ومحافظة على الجماعة الصالحة من التحديات المستمرّة والمتزايدة يوماً بعد يوم.

لقد بقي هذا الإمام العظيم ثابتاً مقاوماً على خط الرسالة والعقيدة لا تأخذه في الله لومة لائم حتى قضى نحبه مسموماً شهيداً محتسباً حياته مضحّياً بكل ما يملك في سبيل الله وإعلاءً لكلمة الله ودين جدّه المصطفى محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الخامس والعشرين من رجب سنة (١٨٣) أو (١٨٤ هـ).

فسلام عليه يوم ولد ويوم جاهد في سبيل الله ويوم استشهد ويوم يبعث حيّاً.

الفصل الثّاني: انطباعات عن شخصية الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام

أجمع المسلمون ـ على اختلاف نحلهم ومذاهبهم ـ على أفضلية أئمّة أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام)، وأعلميّتهم ، وسموّ مقامهم ، ورفعة منزلتهم، وقدسيّة ذواتهم وقرب مكانتهم من الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى تنافسوا في الكتابة عنهم، وذكر أحاديث الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيهم، وبيان سيرهم، وأخلاقهم، وذكر ما ورد من حكمهم وتعاليمهم.

ولا غرو في ذلك بعد أن قرنهم الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالقرآن الكريم ـ كما ورد في حديث الثقلين ـ ووصفهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بسفينة نوح التي من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق وهوى، ومثّلهم بباب حطّة الذي من دخله كان آمناً. إلى كثير من أحاديثهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بيان فضلهم، والتنويه بعظمة مقامهم.

ونقدّم في هذا الفصل بعض الانطباعات ممّن عاصر الإمام الكاظمعليه‌السلام عنه وممّن تلا عصره:

١ ـ قال عنه الإمام الصادقعليه‌السلام :(فيه علم الحكم، والفهم والسخاء والمعرفة فيما يحتاج الناس إليه فيما اختلفوا فيه من أمر دينهم، وفيه حسن الخلق، وحسن الجوار، وهو باب من أبواب الله عَزَّ وجَلَّ) (١) .

ــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٤٨ / ١٢ عن عيون أخبار الرضا عليه‌السلام .


٢ ـ قال هارون الرشيد لإبنه المأمون وقد سأله عنه: هذا إمام الناس، وحجّة الله على خلقه، وخليفته على عباده(١) .

وقال له أيضاً: يا بنيّ هذا وارث علم النبيين، هذا موسى بن جعفر، إن أردت العلم الصحيح فعند هذا(٢) .

٣ ـ قال المأمون العباسي في وصفه: قد أنهكته العبادة، كأنه شنّ بال، قد كلم السجود وجهه وأنفه(٣) .

٤ ـ كتب عيسى بن جعفر للرشيد : لقد طال أمر موسى بن جعفر ومقامه في حبسي، وقد اختبرت حاله ووضعت عليه العيون طول هذه المدّة، فما وجدته يفتر عن العبادة، ووضعت من يسمع منه ما يقوله في دعائه فما دعا عليك ولا عليّ، ولا ذكرنا بسوء، وما يدعو لنفسه إلاّ بالمغفرة والرحمة، فإن أنت أنفذت إليَّ من يتسلّمه مني وإلاّ خليت سبيله، فإني متحرّج من حبسه(٤) .

٥ ـ قال أبو علي الخلال ـ شيخ الحنابلة ـ: ما همّني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر فتوسّلت به، إلاّ وسهّل الله تعالى لي ما أحبّ(٥) .

٦ ـ قال أبو حاتم: ثقة صدوق، إمام من أئمة المسلمين(٦) .

٧ ـ قال الخطيب البغدادي: كان سخيّاً كريماً، وكان يبلغه عن الرجل أنّه يؤذيه، فيبعث إليه بصُرّة فيها ألف دينار، وكان يصرّ الصرر: ثلاثمئة دينار، وأربعمئة دينار، ومئتي دينار ثم يقسّمها بالمدينة، وكان مثل صرر

ــــــــــــ

(١) أئمتنا: ٢ / ٦٥ عن أعيان الشيعة.

(٢) أمالي الشيخ الصدوق: ٣٠٧ والمناقب: ٤ / ٣١٠.

(٣) الأنوار البهية: ١٩٣ عن عيون أخبار الرضا عليه‌السلام : ١/٨٨ ح ١١ ب ٧.

(٤) المناقب لابن شهرآشوب: ٤ / ٣٥٢.

(٥) تاريخ بغداد: ١ / ١٢٠.

(٦) تهذيب التهذيب: ١٠ / ٢٤٠.


موسى بن جعفر إذا جاءت الإنسان الصرة فقد استغنى(١) .

٨ ـ قال ابن الصبّاغ المالكي: وأمّا مناقبه وكراماته الظاهرة، وفضائله وصفاته الباهرة، تشهد له بأنّه افترع قبّة الشرف وعلاها، وسما إلى أوج المزايا فبلغ علاها، وذلّلت له كواهل السيادة وامتطاها، وحكم في غنائم المجد فاختار صفاياها فاصطفاها ...(٢) .

٩ ـ قال سبط ابن الجوزي: موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهم‌السلام ، ويلقّب بالكاظم والمأمون والطيّب والسيّد، وكنيته أبو الحسن، ويدعى بالعبد الصالح لعبادته، واجتهاده وقيامه بالليل(٣) .

١٠ ـ قال كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي: هو الإمام الكبير القدر، العظيم الشأن، الكبير المجتهد الجادّ في الاجتهاد، المشهور بالعبادة، المواظب على الطاعات، المشهور بالكرامات، يبيت الليل ساجدا وقائما، ويقطع النهار متصدّقاً وصائماً، ولفرط حلمه وتجاوزه عن المعتدين عليه دعي (كاظماً). كان يجازي المسيء بإحسانه إليه، ويقابل الجاني بعفوه عنه، ولكثرة عبادته كان يسمّى بـ (العبد الصالح) ويعرف في العراق بـ (باب الحوائج إلى الله) لنجح مطالب المتوسّلين إلى الله تعالى به. كراماته تحار منها العقول، وتقضي بان له عند الله قدم صدق لا تزال ولا تزول(٤) .

١١ ـ قال أحمد بن يوسف الدمشقي القرماني: هو الإمام الكبير القدر،

ــــــــــــ

(١) تاريخ بغداد: ١٣ / ٢٧ ومقاتل الطالبيين: ٤٩٩.

(٢) الفصول المهمة: ٢١٧ وكشف الغمة: ٣/٤٦.

(٣) تذكرة الخواص: ٣١٢.

(٤) مطالب السؤول: ٨٣.


الأوحد، الحجّة، الساهر ليله قائماً، القاطع نهاره صائماً،المسمّى لفرط حلمه وتجاوزه عن المعتدين (كاظماً) ، وهو المعروف عند أهل العراق بـ (باب الحوائج) لأنه ما خاب المتوسّل به في قضاء حاجة قط... له كرامات ظاهرة، ومناقب باهرة، افترع قمة الشرف وعلاها، وسما إلى أوج المزايا فبلغ علاها(١) .

١٢ ـ قال محمد بن أحمد الذهبي: كان موسى من أجود الحكماء، ومن عباد الله الأتقياء، وله مشهد معروف ببغداد ، مات سنة ثلاث وثمانين وله خمس وخمسون سنة(٢) .

١٣ ـ قال ابن الساعي : الإمام الكاظم : فهو صاحب الشأن العظيم، والفخر الجسيم، كثير التهجّد، الجادّ في الاجتهاد، المشهود له بالكرامات، المشهور بالعبادات، المواظب على الطاعات، يبيت الليل ساجدا وقائما، ويقطع النهار متصدّقاً وصائماً(٣) .

١٤ ـ قال عبد المؤمن الشبلنجي: كان موسى الكاظم رضي الله عنه أعبد أهل زمانه، وأعلمهم، وأسخاهم كفّاً، وأكرمهم نفساً، وكان يتفقّد فقراء المدينة فيحمل إليهم الدراهم والدنانير إلى بيوتهم ليلاً، وكذلك النفقات، ولا يعلمون من أيّ جهة وصلهم ذلك، ولم يعلموا بذلك إلاّ بعد موته. وكان كثيراً ما يدعو:(اللّهم إني أسألك الراحة عند الموت، والعفو عند الحساب) (٤) .

١٥ ـ قال عبد الوهاب الشعراني: أحد الأئمة الاثني عشر، وهو ابن جعفر

ــــــــــــ

(١) اخبار الدول: ١١٢.

(٢) ميزان الاعتدال: ٣ / ٢٠٩.

(٣) مختصر تاريخ الخلفاء: ٣٩.

(٤) نور الأبصار: ٢١٨.


ابن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، كان يكنّى بـ (العبد الصالح) لكثرة عبادته واجتهاده وقيامه الليل، وكان إذا بلغه عن أحد يؤذيه يبعث إليه بمال(١) .

١٦ ـ قال عبد الله الشبراوي الشافعي: كان من العظماء الأسخياء، وكان والده جعفر يحبّه حبّاً شديداً، قيل له: ما بلغ من حبّك لموسى؟ قال:وددت أن ليس لي ولد غيره، لئلاّ يشرك في حبّي أحد .

ثم تحدث عن الإمامعليه‌السلام ونقل بعض كلامه(٢) .

١٧ ـ قال محمد خواجه البخاري: ومن أئمة أهل البيت : أبو الحسن موسى الكاظم بن جعفر الصادق رضي الله عنهما، كان رضي الله عنه صالحاً، عابداً، جواداً، حليماً، كبير القدر، كثير العلم، كان يدعى بـ (العبد الصالح) وفي كل يوم يسجد لله سجدة طويلة بعد ارتفاع الشمس إلى الزوال. وبعث إلى رجل يؤذيه صرّة فيها ألف دينار. طلبه المهدي بن المنصور من المدينة إلى بغداد فحبسه، فرأى المهدي في النوم علياً كرّم الله وجهه يقول: يا مهدي( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ) فأطلقه..(٣) .

١٨ ـ قال محمد أمين السويدي: هو الإمام الكبير القدر، الكثير الخير،كان يقوم ليله، ويصوم نهاره، وسمّي (كاظماً) لفرط تجاوزه عن المعتدين... له كرامات ظاهرة، ومناقب لا يسع مثل هذا الموضع ذكرها(٤) .

ــــــــــــ

(١) الكامل في التاريخ: ٦/١٦٤، وتذكرة الخواص: ٣٤٨.

(٢) الأتحاف بحب الأشراف: ٥٤.

(٣) ينابيع المودة: ٤٥٩.

(٤) سبائك الذهب: ٧٣.


١٩ ـ قال محمود بن وهيب القراغولي البغدادي الحنفي: هو موسى بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، وكنيته أبو الحسن، وألقابه أربعة: الكاظم، والصابر، والصالح، والأمين، الأول هو الأشهر، وصفته معتدل القامة أسمر، وهو الوارث لأبيه (رضي الله عنهما) علماً ومعرفة وكمالاً وفضلاً ، سمي بـ (الكاظم) لكظمه الغيظ، وكثرة تجاوزه وحلمه. وكان معروفاً عند أهل العراق بـ (باب قضاء الحوائج عند الله) وكان أعبد أهل زمانه، وأعلمهم ، وأسخاهم(١) .

٢٠ ـ قال محمد أمين غالب الطويل : وكان العلويون يقتدون بالرجل العظيم، الإمام موسى الكاظم، والمشهور بالتقوى، وكثرة العبادة، حتى سماه المسلمون (العبد الصالح) وكان يلقب أيضاً بـ (الرجل الصالح) تشبيها له بصاحب موسى بن عمران، المذكور في القرآن، وكان الإمام الكاظم كريماً وسخياً(٢) .

ــــــــــــ

(١) جوهرة الكلام: ١٣٩.

(٢) تاريخ العلويين: ١٥٨.


الفصل الثالث: مظاهر من شخصية الإمام الكاظمعليه‌السلام

١ ـ وفور علمه:

لقد شهد للإمام موسى الكاظمعليه‌السلام بوفور علمه أبوه الإمام جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام إذ قال عنه:(إنّ ابني هذا لو سألته عمّا بين دفتي المصحف لأجابك فيه بعلم) .

وقال أيضاً:(وعنده علم الحكمة، والفهم، والسخاء، والمعرفة بما يحتاج إليه الناس فيما اختلفوا فيه من أمر دينهم) .

ويكفي لمعرفة وفور علومه رواية العلماء عنه جميع الفنون من علوم الدين وغيرها مما ملأوا به الكتب، وألّفوا المؤلّفات الكثيرة، حتى عرف بين الرواة بالعالم.

وقال الشيخ المفيد: وقد روى الناس عن أبي الحسن موسى فأكثروا، وكان أفقه أهل زمانه(١) .

٢ـ عبادته وتقواه:

نشأ الإمام موسىعليه‌السلام في بيت القداسة والتقوى، وترعرع في معهد العبادة والطاعة، بالإضافة إلى أنه قد ورث من آبائه حب الله والإيمان به والإخلاص له فقد قدموا نفوسهم قرابين في سبيله ، وبذلوا جميع إمكانياتهم في نشر دينه والقضاء على كلمة الشرك والضلال فأهل البيت أساس التقوى ومعدن الإيمان والعقيدة، فلولاهم ما عبد الله عابد ولا وحّده موحّد. وما تحقّقت فريضة، ولا أقيمت سنة ، ولا ساغت في الإسلام شريعة.

ــــــــــــ

(١) الإرشاد: ٢/٢٢٥.


لقد رأى الإمامعليه‌السلام جميع صور التقوى ماثلة في بيته، فصارت من مقوّمات ذاته ومن عناصر شخصيته، وحدّث المؤرخون أنه كان أعبد أهل زمانه(١) حتى لقّب بالعبد الصالح، وبزين المجتهدين إذ لم تر عين إنسان نظيراً له قط في الطاعة والعبادة. ونعرض أنموذجاً من مظاهر طاعته وعبادته:

أ ـ صلاته: إنّ أجمل الساعات وأثمنها عند الإمامعليه‌السلام هي الساعات التي يخلو بها مع الله عزّ اسمه فكان يقبل عليه بجميع مشاعره وعواطفه وقد ورد : أنه إذا وقف بين يدي الله تعالى مصلّياً أو مناجياً أو داعياً أرسل ما في عينيه من دموع، وخفق قلبه، واضطرب موجدة وخوفاً منه، وقد شغل أغلب أوقاته في الصلاة (فكان يصلّي نوافل الليل ويصلها بصلاة الصبح، ثم يعقب حتى تطلع الشمس، ويخرّ لله ساجداً فلا يرفع رأسه من الدعاء والتمجيد حتى يقرب زوال الشمس(٢) ، من مظاهر طاعته أنه دخل مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أول الليل فسجد سجدة واحدة وهو يقول بنبرات تقطر إخلاصاً وخوفا منه:

ــــــــــــ

(١) جوهرة الكلام: ١٣٩.

(٢) الإرشاد: ٢/٢٣١ وعنه في كشف الغمة: ٣/١٨.


( عظم الذنب من عبدك، فليحسن العفو من عندك) (١) .

ولمّا أودعه طاغية زمانه الملك هارون الرشيد في ظلمات السجون تفرغ للطاعة والعبادة حتى بهر بذلك العقول وحير الألباب، فقد شكر الله على تفرغه لطاعته قائلاً:(اللّهم إنني كنت أسألك أن تفرغني لعبادتك، اللهمّ وقد فعلت فلك الحمد) (٢) .

لقد ضرب الإمام المثل الأعلى للعبادة فلم يضارعه أحد في طاعته وإقباله على الله، فقد هامت نفسه بحبه تعالى، وانطبع في قلبه الإيمان العميق.

وحدّث الشيباني(٣) عن مدى عبادته، فقال: كانت لأبي الحسن موسىعليه‌السلام في بضع عشر سنة سجدة في كل يوم بعد ابيضاض الشمس إلى وقت الزوال(٤) ، وقد اعترف عدوه هارون الرشيد بأنه المثل الأعلى للإنابة والإيمان، وذلك حينما أودعه في سجن الربيع(٥) فكان يطل من أعلى القصر فيرى ثوباً مطروحاً في مكان خاص من البيت لم يتغير عن موضعه فيتعجب من ذلك ويقول للربيع: (ما ذاك الثوب الذي أراه كل يوم في ذلك الموضع) ؟ !

ــــــــــــ

(١) وفيات الأعيان: ٤ / ٢٩٣، وكنز اللغة: ٧٦٦، وتاريخ بغداد: ١٣/٢٧ وعنه في الأنوار البهية: ١٩٠.

(٢) مناقب آل أبي طالب: ٤/٣٤٣، ووفيات الأعيان: ٤/٢٩٣.

(٣) الشيباني: هو أبو عبد الله محمد بن الحسن مولى لبني شيبان حضر مجلس أبي حنيفة سنين، وتفقه على أبي يوسف، وصنف الكتب الكثيرة ونشر علم أبى حنيفة وقال الشافعي: حملت من علم محمد بن حسن وقر بعير وقال أيضاً: ما رأيت أحداً يسأل عن مسألة فيها نظر إلا تبينت فيوجهه الكراهة إلا محمد بن الحسن. توفي بالري سنة (١٨٧ هـ) وهو ابن ثمان وخمسين سنة كما جاء في طبقات الفقهاء: ص ١١٤.

(٤) حياة الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام : ١ / ١٤٠ عن بحار الأنوار.

(٥) الربيع بن يونس كان حاجباً للمنصور ثم صار وزيراً له بعد أبي أيوب، وكان المنصور كثير الميل إليه حسن الاعتماد عليه قال له يوماً: ويحك ياربيع ما أطيب الدنيا لولا الموت، فقال له الربيع: ما طابت الدنيا إلاّ بالموت، قال له: وكيف ذلك؟ فأجابه لولا الموت لم تقعد هذا المقعد، فقاله له: صدقت ، وقال له المنصور لمّا حضرته الوفاة: بعنا الآخرة بنومة، ويقال إن الربيع لم يكن له أب يعرف، وأن بعض الهاشميين وفد على المنصور فجعل يحدثه ويقول له: كان أبي رحمه الله، وكان، وكان،وأكثر من الترحم عليه، فقال له الربيع:كم تترحم على أبيك بحضرة أمير المؤمنين؟ فقال له الهاشمي: أنت معذور لأنك لا تعرف مقدار الآباء فخجل أشدّ الخجل. توفي الربيع سنة (١٧٠ هـ) جاء ذلك في وفيات الأعيان: (ج١ / ص٢٣١ ـ ٢٣٣) ط. بولاق.


ـ يا أمير المؤمنين: ما ذاك بثوب، وإنما هو موسى بن جعفر، له في كل يوم سجدة بعد طلوع الشمس إلى وقت الزوال.

فبهر هارون وانطلق يبدي إعجابه.

ـ أما إنّ هذا من رهبان بني هاشم !!

والتفت إليه الربيع بعد ما سمع منه اعترافه بزهد الإمام وعزوفه عن الدنيا طالباً أن يطلق سراحه ولا يضيّق عليه قائلاً:

ـ يا أمير المؤمنين: ما لك قد ضيّقت عليه في الحبس !!؟

فأجابه هارون بما انطوت عليه نفسه من عدم الرحمة والرأفة قائلاً:

ـ (هيهات: لابد من ذلك !)(١) .

ب ـ صومه: كان الإمامعليه‌السلام يصوم في النهار ويقوم مصلّياً في الليل، خصوصاً لمّا سجنه هارون فإنه لم يبارح العبادة الاستحبابية بجميع أنواعها من صوم وغيره، وهو يشكر الله ويحمده على هذا الفراغ الذي قضاه في عبادته.

ج ـ حجّه: وما من شيء يحبه الله وندب إليه إلاّ فعله الإمام عن رغبة وإخلاص، فمن ذلك أنه حج بيت الله ماشياً على قدميه، والنجائب تقاد بين يديه، وقد حج معه أخوه علي بن جعفر وجميع عياله أربع مرات، وحدّث علي بن جعفر عن الوقت الذي قطعوا به طريقهم فقال: كانت السفرة الأُولى ستاً وعشرين يوماً، والثانية كانت خمساً وعشرين يوماً، والثالثة كانت أربعاً وعشرين يوماً، والرابعة كانت إحدى وعشرين يوماً(٢) .

ــــــــــــ

(١) عيون أخبار الرضا: ١/٩٥ ح ١٤ وعنه في الأنوار البهية: ١٨٩.

(٢) بحار الأنوار: ٤٨/١٠٠ ح ٢ عن قرب الإسناد.


د ـ تلاوته للقرآن: كان الذكر الحكيم رفيق الإمام في خلواته، وصاحبه في وحشته وكان يتلوه بإمعان وتدبر، وكان من أحسن الناس صوتا به، فإذا قرأ يحزن، ويبكي السامعون لتلاوته(١) .

وحدّث حفص عن كيفية تلاوته للقرآن فقال: وكان قراءته حزناً فإذا قرأ فكأنه يخاطب إنساناً(٢) بهذه الكيفية كان يتلو آيات الذكر الحكيم فكان يمعن في تعاليمه ويمعن في آدابه، ويتبصر في أوامره ونواهيه وأحكامه.

هـ ـ عتقه للعبيد: ومن مظاهر طاعة الإمامعليه‌السلام عطفه وإحسانه على الرقيق فقد أعتق ألف مملوك(٣) كل ذلك لوجه الله، وابتغاء مرضاته، والتقرب إليه.

٣ ـ زهده:

كان الإمام في طليعة الزاهدين في الدنيا والمعرضين عن نعيمها وزخارفها فقد اتجه إلى الله ورغب فيما أعدّه له في دار الخلود من النعيم والكرامة، وقد حدثنا عن مدى زهده إبراهيم بن عبد الحميد فقال: دخلت عليه في بيته الذي كان يصلي فيه، فإذا ليس في البيت شيء سوى خصفة، وسيف معلق، ومصحف(٤) ، لقد كان عيشه زهيداً، وبيته بسيطاً فلم يحتو على شيء حتى من الأمتعة البسيطة التي تضمها بيوت الفقراء الأمر الذي دل على تجرده من الدنيا، وإعراضه عنها. على أنه كانت تجبى له الأموال الطائلة، والحقوق الشرعية من العالم الشيعي، بالإضافة إلى أنه كان يملك البسرية وغيرها من

ــــــــــــ

(١) المناقب: ٤ / ٣٤٨.

(٢) أصول الكافي: ٢/٦٠٦ وعنه في بحار الأنوار: ٤٨ / ١١١.

(٣) عن (الدر النظيم) في مناقب الأئمة ليوسف بن حاتم الشامي، مخطوط في مكتبة الإمام الحكيم العامة (النجف الأشرف).

(٤) بحار الأنوار: ٤٨/١٠٠، ح١ عن قرب الإسناد.


الأراضي الزراعية التي تدر عليه بالأموال الخطيرة، وقد أنفق جميع ذلك بسخاء على البائسين والمحرومين في سبيل الله وابتغاء مرضاته، وكانعليه‌السلام دوماً يتلو على أصحابه سيرة أبي ذر الصحابي العظيم الذي ضرب المثل الأعلى لنكران الذات والتجرد عن الدنيا والزهد في ملاذها، فقالعليه‌السلام : (رحم الله أبا ذر. فلقد كان يقول : جزى الله الدنيا عني مذمة بعد رغيفين من الشعير، أتغدى بأحدهما، وأتعشى بالآخر، وبعد شملتي الصوف أءتزر بأحدهما وأرتدي بالأخرى...)(١) .

٤ ـ جوده وسخاؤه:

لقد تجلّى الكرم الواقعي، والسخاء الحقيقي في الإمام فكان مضرب المثل في الكرم والمعروف، فقد فزع إليه البائسون والمحرومون لينقذهم من كابوس الفقر وجحيم البؤس وقد أجمع المؤرخون أنه أنفقعليه‌السلام جميع ما عنده عليهم كل ذلك في سبيل الله لم يبتغ من أحد جزاءاً أو شكورا، وكانعليه‌السلام في صِلاته يتطلب الكتمان وعدم الذيوع لئلا يشاهد على الآخذ ذلة الحاجة، وكان يلتمس في ذلك وجه الله ورضاه، ولهذا كان يخرج في غلس الليل البهيم فيصل الطبقة الضعيفة ببرّه وإحسانه وهي لا تعلم من أيّ جهة تصلها تلك المبرة، وكان يوصلهم بصراره التي تتراوح ما بين المئتي دينار إلى الأربعمئة دينار(٢) وكان يضرب المثل بتلك الصرار فكان أهله يقولون: (عجباً لمن جاءته صرار موسى وهو يشتكي القلة والفقر!!)(٣)

ــــــــــــ

(١) أصول الكافي: ٢ / ١٣٤.

(٢) تأريخ بغداد: ١٣ / ٢٨.

(٣) عمدة الطالب: ١٨٥.


وبلغ من عطفه المستفيض أنه إذا بلغه عن شخص يؤذيه ويسيء إليه بعث له بصرّة فيها ألف دينار(١) . وقد قامت هباته السرية وصلاته الخفية بإعاشة فقراء يثرب، فكانوا جميعاً يرتعون بنعمته ويعيشون من عطاياه.

وحدّث عيسى بن محمّد القرطي قال: (زرعت بطيخاً وقثاءً وقرعاً(٢) في موضع بالجوانيّة(٣) على بئر يقال لها أم عضام فلمّا استوى الزرع بغتني الجراد، فأتى على الزرع كلّه، وكنت قد غرمت عليه مع ثمن جملين مئة وعشرين ديناراً. فبينما أنا جالس إذ طلع عليّ الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام فسلّم ثم قال لي:كيف حالك؟ فقلت: أصبحت كالصريم بغتني الجراد فأكل كل زرعي فقال:كم غرمت فيه؟ فقلت: مئة وعشرين ديناراً مع ثمن الجملين. فالتفتعليه‌السلام لعرفة وقال له:زن لابن المغيث مئة وخمسين ديناراً . ثم قال لعيسى:فربحك ثلاثون ديناراً مع الجملين )(٤) .

٥ ـ حلمه:

وكان الحلم من أبرز صفات الإمام موسىعليه‌السلام فقد كان مضرب المثل في حلمه وكظمه للغيظ، وكان يعفو عمن أساء إليه، ويصفح عمن اعتدى عليه، ولم يكتف بذلك وإنما كان يحسن لهم ويغدق عليهم بالمعروف ليمحو بذلك روح الشر والأنانية من نفوسهم، وقد ذكر المؤرخون بوادر كثيرة من حلمه

ــــــــــــ

(١) تاريخ بغداد: ١٣ / ٢٧.

(٢) القرع: نوع من اليقطين ، الواحدة قرعة.

(٣) منطقة قرب المدينة.

(٤) تاريخ بغداد: ١٣/٢٩، وكشف الغمة: ٢ / ٢١٧.


فقد رووا: (أن شخصاً من أحفاد عمر بن الخطاب كان يسيء للإمام، ويكيل السب والشتم لجده أمير المؤمنينعليه‌السلام فأراد بعض شيعة الإمام اغتياله فنهاهمعليه‌السلام عن ذلك ورأى أن يعالجه بغير ذلك فسأل عن مكانه فقيل: أنه يزرع في بعض نواحي المدينة، فركبعليه‌السلام بغلته ومضى إليه متنكراً، فوجده في مزرعته فأقبل نحوه، فصاح به: لا تطأ زرعنا واستمر الإمام حتى وصل إليه، ولمّا انتهى إليه جلس إلى جنبه وأخذ يلاطفه ويحدّثه بأطيب الحديث، وقال له بلطف ولين:

ـكم غرمت في زرعك هذا ؟

ـ مئة دينار.

ـكم ترجو أن تصيب منه ؟

ـ أنا لا أعلم الغيب !!

ـإنما قلت لك: كم ترجو أن يجيئك منه ؟

ـ أرجو أن يجيئني منه مئتا دينار.

فأعطاهعليه‌السلام ثلاثمئة دينار، وقال:هذه لك وزرعك على حاله ، فتغير العمري وخجل من نفسه على ما فرط من قبل في حق الإمام، وتركهعليه‌السلام ومضى إلى الجامع النبوي، فوجد العمري قد سبقه، فلما رأى الإمام مقبلاً قام إليه تكريماً وانطلق يهتف: (الله أعلم حيث يجعل رسالته في من يشاء).

فبادر إليه أصحابه منكرين عليه هذا الانقلاب، فأخذ يخاصمهم، ويتلو عليهم مناقب الإمام ومآثره، ويدعو له، فالتفتعليه‌السلام إلى أصحابه قائلاً:أيّما كان خيراً؟ ما أردتم أو ما أردت أن أصلح أمره بهذا المقدار؟ )(١)

ــــــــــــ

(١) تأريخ بغداد: ١٣ / ٢٨ ـ ٢٩، والإرشاد: ٢/٢٣٣ وعنه في إعلام الورى: ٢/٢٦، ٢٧، وكشف الغمة: ٣/١٨، ١٩ واختصر في مناقب آل أبي طالب: ٤/٣٤٤.


ومن آيات حلمهعليه‌السلام أنه اجتاز على جماعة من حسّاده وأعدائه، وكان فيهم ابن هياج فأمر بعض أتباعه أن يتعلق بلجام بغلة الإمام ويدّعيها فمضى الرجل إلى الإمام وتعلق بزمام بغلته فادعاها له فعرف الإمام غايته فنزل عن بغلته وأعطاها له(١) . لقد أقامعليه‌السلام بذلك أسمى مثل للإنسانية الفذّة والحلم الرفيع.

وكانعليه‌السلام يوصي أبناءه بالتحلّي بهذه الصفة الرفيعة ويأمرهم بالصفح عمن أساء إليهم فقد جمعهم وأوصاهم بذلك فقال:(يا بُنيّ: إني أوصيكم بوصية من حفظها انتفع بها، إذا أتاكم آت فأسمع أحدكم في الإذن اليمنى مكروهاً ثم تحوّل إلى اليسرى فاعتذر لكم، وقال: إني لم أقل شيئاً فاقبلوا عذره) (٢) .

٦ ـ إرشاده وتوجيهه:

إنّ إرشاد الناس إلى الحق وهدايتهم إلى الصواب من أهم الأمور الإصلاحية التي كان الإمام يعنى بها، فقد قام بدور مهم في إنقاذ جماعة ممن أغرّتهم الدنيا وجرفتهم بتيّاراتها. وببركة إرشاده ووعظه لهم تركوا ما هم فيه من الغيّ والضلال وصاروا من عيون المؤمنين. وقد ذكر المؤرخون بوادر كثيرة له في هذا المجال فقد رووا قصته مع بشر الحافي، إذ كان في بداية أمره ـ فيما يقول الرواة ـ يتعاطى الشراب ويقضي لياليه وأيامه في المجون والدعارة فتاب ببركة إرشاد الإمامعليه‌السلام وتوجيهه كما سوف نشير إلى قصّته مع الإمامعليه‌السلام فيما سيأتي(٣) .

ــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٤٨/١٤٨ عن فروع الكافي: ٨/٨٦.

(٢) كشف الغمة: ٣/٨ عن الجنابذي، والفصول المهمة لابن الصباغ: ٢٣٥.

(٣) راجع تمام القصة في الفصل الثّاني من الباب الثّالث: ٨٠.


وممن أرشدهم الإمامعليه‌السلام إلى طريق الحق: الحسن بن عبد الله، فقد كان شخصية مرموقة عند الملوك زاهداً في الدنيا، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لا تأخذه في الله لومة لائم، فاجتمع بالإمام فقالعليه‌السلام له:يا أبا علي ، ما أحب إليَّ ما أنت عليه وأسرني به ، إلا أنه ليست لك معرفة فاطلب المعرفة قال: وما المعرفة ؟ فقال له:تفقّه واطلب الحديث .

فذهب الرجل فكتب الحديث عن مالك وعن فقهاء أهل المدينة، وعرضه على الإمام فلم يرضعليه‌السلام ، وأرشده إلى فقه أهل البيت وأخذ الأحكام منهم، والاعتراف لهم بالإمامة فانصاع الرجل لذلك واهتدى(١) .

لقد كانعليه‌السلام يدعو الناس إلى فعل الخير ويدلّهم على العمل الصالح ويحذرهم لقاء الله واليوم الآخر، فقد سمع رجلاً يتمنّى الموت فانبرىعليه‌السلام له قائلاً: (هل بينك وبين الله قرابة يحابيك لها ؟ فقال: لا. فقال لهعليه‌السلام :فأنت إذن تتمنّى هلاك الأبد )(٢) .

٧ ـ إحسانه إلى الناس:

وكان الإمام بارّاً بالمسلمين محسناً إليهم، فما قصده أحد في حاجة إلاّ قام بقضائها، فلا ينصرف منه إلاّ وهو ناعم الفكر مثلوج القلب، وكانعليه‌السلام يرى أن إدخال الغبطة على الناس وقضاء حوائجهم من أهم أفعال الخير فلذا لم مبرّراً له، وقد فزع إليه جماعة من المنكوبين فكشف آلامهم وملأ قلوبهم رجاءاً ورحمة.

ــــــــــــ

(١) المناقب لابن شهرآشوب: ٤ / ٣١٢.

(٢) الإتحاف بحب الأشراف: ٥٥.


ومن هؤلاء الذين أغاثهم الإمامعليه‌السلام شخص من أهالي الري(١) كانت عليه أموال طائلة لحكومة الري فلم يتمكّن من أدائها، وخاف على نعمته أن تسلب منه، فأخذ يطيل الفكر فيما يعمل، فسأل عن حاكم الري، فأخبر أنه من الشيعة، فطوى نيته على السفر إلى الإمام ليستجير به فسافر إلى المدينة فلما انتهى إليها تشرف بمقابلة الإمام فشكى إليه حاله، فزودهعليه‌السلام برسالة إلى والي الري جاء فيها بعد البسملة:اعلم أنّ لله تحت عرشه ظلاً لا يسكنه إلاّ من أسدى إلى أخيه معروفاً، أو نفّس عنه كربة، أو أدخل على قلبه سروراً، وهذا أخوك والسلام .

وأخذ الرسالة، وبعد أدائه لفريضة الحج، اتّجه إلى وطنه، فلما وصل، مضى إلى الحاكم ليلاً، فطرق عليه باب بيته فخرج غلامه، فقال له: من أنت ؟

فقال: رسول الصابر موسى ؟

فهرع إلى مولاه فأخبره بذلك فخرج حافي القدمين مستقبلا له، فعانقه وقبّل ما بين عينيه، وجعل يكرر ذلك، ويسأله بلهفة عن حال الإمام، ثم إنه ناوله رسالة الإمام فقبّلها وقام لها تكريماً، فلما قرأها أحضر أمواله وثيابه فقاسمه في جميعها وأعطاه قيمة ما لا يقبل القسمة وهو يقول له: يا أخي هل سررتك ؟

فقال له: أي والله وزدت على ذلك !!

ــــــــــــ

(١) كان يُدعى: علي بن طاهر الصوري كما في مصدر الخبر.


ثم استدعى السجل فشطب على جميع الديون التي عليه وأعطاه براءة منها، وخرج الرجل وقد طار قلبه فرحاً وسروراً، ورأى أن يجازيه على إحسانه ومعروفه فيمضي إلى بيت الله الحرام فيدعو له، ويخبر الإمام بما أسداه إليه من البر والمعروف، ولمّا أقبل موسم الحج مضى إليه ثم اتّجه إلى يثرب فواجه الإمام وأخبره بحديثه، فسرّعليه‌السلام بذلك سروراً بالغاً، فقال له الرجل: يا مولاي: هل سرّك ذلك ؟ فقال الإمامعليه‌السلام :(إي والله ! لقد سرّني، وسرّ أمير المؤمنين، والله لقد سرّ جدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولقد سرّ الله تعالى..) (١) .

وقد دلّ ذلك على اهتمامه البالغ بشؤون المسلمين ورغبته الملحة في قضاء حوائج الناس.

ــــــــــــ

(١) اعتمدنا في هذا الفصل على ما كتبه الأستاذ باقر شريف القرشي ، راجع حياة الإمام موسى بن جعفر عليه‌السلام : ١ / ١٣٨ ـ ١٦٢. وخبر الصوريّ من أهل الريّ رواه المجلسي في بحار الأنوار: ٤٨/١٧٤ ح ١٦ عن كتاب قضاء حقوق المؤمنين المنشور في نشرة تراثنا: ٣٤/١٨٦ ح ٢٤.


الباب الثاني: وفيه فصول:

الفصل الأول: نشأة الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام .

الفصل الثاني: مراحل حياة الإمام الكاظمعليه‌السلام .

الفصل الثالث: الإمام موسى الكاظم في ظلّ أبيهعليهما‌السلام .

الفصل الأوّل: نشأة الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام

هو سابع أئمة أهل البيتعليهم‌السلام ، الكبير القدر العظيم الشأن، الجاد في العبادة المشهور بالكرامات، الكاظم الغيظ والعافي عن الناس، العبد الصالح وباب الحوائج إلى الله كما هو المعروف عند أهل العراق.

١ ـالأب : هو سادس أئمة أهل البيت بعد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبو عبد الله جعفر ابن محمد الصادق معجزة الإسلام ومفخرة الإنسانية على مرّ العصور وعبر الأجيال، لم تسمع الدنيا بمثله فضلا ونبلا وعلماً وكمالا.

٢ ـالأم : لقد كانت أم الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام من تلكم النسوة اللاتي جلبن لأسواق يثرب وقد خصّها الله بالفضل وعناها بالشرف فصارت وعاءً للإمامة والكرامة وتزوّج بها أبو عبد الله، فكانت من أعزّ نسائه وأحبهن إليه، وآثرهن عنده.

واختلف المؤرخون اختلافاً كثيراً في نسبها فقيل : إنها أندلسية، وتكنّى لؤلؤة(١) ، وقيل : إنّها رومية(٢) ، وقيل إنها من أجلّ بيوت الأعاجم(٣) ، وكانت

ــــــــــــ

(١) مرآة العقول: ١/٤٥١، معالم العترة.

(٢) تحفة الأزهار وزلال الأنهار، للسيد ضامن بن شدقم، مخطوط، يوجد في قسم المخطوطات، من مكتبة الإمام كاشف الغطاء في النجف الأشرف.

(٣) الأنوار البهية: ١٥٢.


السيدة حميدة تعامل في بيتها معاملة كريمة، فكانت موضع عناية وتقدير عند جميع العلويات، كما أن الإمام الصادقعليه‌السلام كان يغدق عليها بمعروفه، وقد رأى فيها وفور العقل والكمال، وحسن الإيمان وأثنى عليها ثناءً عاطراً، فقال فيها:(حميدة مصفاة من الأدناس كسبيكة الذهب، مازالت الأملاك تحرسها حتى أديت إليّ كرامة من الله وللحجة من بعدي...) (١) ، وقد غذّاها الإمام الصادق بعلومه حتى أصبحت في طليعة نساء عصرها علماً وورعاً وإيماناً، وعهد إليها بتفقيه النساء المسلمات وتعليمهن الأحكام الشرعية(٢) ، وأجدر بها أن تحتل هذه المكانة، وأن تكون من ألمع نساء عصرها في العفّة والفقه والكمال.

٣ ـالوليد المبارك : وامتدّ الزمن بعد زواج الإمام بها، وسافر الإمام أبو عبد الله إلى بيت الله الحرام لأداء فريضة الحج، فحملها معه، وبعد الانتهاء من مراسيمه قفلوا راجعين إلى يثرب، فلمّا انتهوا إلى (الأبواء)(٣) . أحسّت حميدة بالطلق فأرسلت خلف الإمام تخبره بالأمر، لأنه قد عهد إليها أن لا تسبقه بشأن وليده، وكان أبو عبد الله يتناول طعام الغداء مع جماعة من أصحابه، فلما وافاه النبأ المسرّ قام مبادراً إليها فلم يلبث قليلاً حتى وضعت حميدة سيداً من سادات المسلمين، وإماماً من أئمة أهل البيتعليهم‌السلام .

لقد أشرقت الدنيا بهذا المولود المبارك الذي ما ولد ـ في عصره ـ أيمن، ولا أكثر عائدة ولطفاً على الإسلام منه. لقد ولد أبرّ الناس، وأعطفهم على الفقراء، وأكثرهم عناءً ومحنة في سبيل الله وأعظمهم عبادة وخوفاً من الله.

وبادر الإمام أبو عبد الله فتناول وليده فأجرى عليه مراسيم الولادة الشرعية فأذّن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى.

ــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٤٨/٦، أصول الكافي: ١ / ٤٧٧، أعيان الشيعة: ٢/٥.

(٢) الأنوار الإلهية: ١٥٣.

(٣) الأبواء: بالفتح ثم السكون ، وواو وألف ممدودة، قرية من أعمال الفرع بالمدينة، وبه قبر الزاكية آمنة بنت وهب أم النبي العظيم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .


وانطلق الإمام أبو عبد الله عائداً إلى أصحابه، وقد علت على ثغره ابتسامة فبادره أصحابه قائلين: أسرّك الله وجعلنا فداك يا سيدنا ، ما فعلت حميدة ؟ فبشرهم بمولوده المبارك، وعرّفهم عظيم أمره قائلاً:(قد وهب الله لي غلاماً، وهو خير من برأ الله) .

أجل أنه خير من برأ الله علماً وتقوىً وصلاحاً، وتحرّجاً في الدين وأحاط الإمام أصحابه علماً بأن وليده من أئمة أهل البيتعليهم‌السلام الذين فرض الله طاعتهم على عباده قائلاً لهم:(فدونكم، فوالله هو صاحبكم) (١) .

وكانت ولادته في سنة (١٢٨ هـ)(٢) وقيل سنة (١٢٩ هـ)(٣) وذلك في أيام حكم عبد الملك بن مروان.

٤ ـحب وتكريم : وقطع الإمام موسى شوطاً من طفولته وهو ناعم البال يستقبل الحياة كل يوم بحفاوة وتكريم، فأبوه يغدق عليه بعطفه المستفيض ، وجماهير المسلمين تقابله بالعناية والتكريم ، وقد قدمه الإمام الصادقعليه‌السلام على بقية ولده، وحمل له من الحب ما لا يحمله لغيره، فمن مظاهر ودّه

ــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٤٨ / ٢ ، عن بصائر الدرجات: ١٢٩، ب ١٢، ح٩.

(٢) مناقب آل أبي طالب: ٤/٣٤٩، وتهذيب التهذيب: ١٠ / ٣٤.

(٣) أعيان الشيعة: ٢ / ٥ ، وعن تحفة الأزهار أنه ولد قبل طلوع فجر يوم الثلاثاء من صفر سنة (١٢٧ هـ) وعن بحر الأنساب أنه ولد يوم الأحد لسبع ليال خلون من صفر.


أنه وهب له قطعة من أرض تسمى البسرية، كان قد اشتراها بست وعشرين ألف دينار(١) .

وتكلّم الإمام موسى وهو طفل بكلام أثار إعجاب أبيه فاندفع أبوه قائلاً:(الحمد لله الذي جعلك خلفاً من الآباء، وسروراً من الأبناء، وعوضاً عن الأصدقاء) (٢) .

٥ ـصفته : كان أسمر شديد السمرة(٣) ، ربع القامة، كث اللحية(٤) ووصفه شقيق البلخي فقال: كان حسن الوجه ، شديد السمرة، نحيف الجسم.

وحاكى الإمام موسى في هيبته هيبة الأنبياء، وبدت في ملامح شكله سيماء الأئمة الطاهرين من آبائه، فما رآه أحد إلاّ هابه وأكبره.

٦ ـنقش خاتمه : (الملك لله وحده)(٥) .

٧ ـكناه : أبو الحسن الأول ، أبو الحسن الماضي، أبو إبراهيم، أبو علي، أبو إسماعيل.

٨ ـألقابه : أمّا ألقابه فتدل على بعض مظاهر شخصيته، وجملة من جوانب عظمته، وهي كما يلي:

الصابر : لأنه صبر على الآلام والخطوب التي تلقاها من حكام الجور، الذين قابلوه بجميع ألوان الإساءة والمكروه.

الزاهر : لأنه زهر بأخلاقه الشريفة وكرمه المضيء الذي مثل به خلق جده الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ــــــــــــ

(١) دلائل الإمامة: ٤٩ ـ ٥٠.

(٢) بحار الأنوار: ٤٨/٢٤، عن عيون أخبار الرضا عليه‌السلام : ١/٢٩.

(٣) الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي: ٢٢٢ ، أخبار الدول: ١١٢.

(٤) مناقب آل أبي طالب: ٤ / ٣٤٨.

(٥) أخبار الدول: ١١٢.


العبد الصالح : ولقب بالعبد الصالح لعبادته، واجتهاده في الطاعة، حتى صار مضرب المثل في عبادته على ممرّ العصور والأجيال وقد عرف بهذا اللقب عند رواة الحديث فكان الراوي عنه يقول: حدثني (العبد الصالح).

السيد : لأنه من سادات المسلمين ، وإمام من أئمتهم، وقد مدحه بهذا اللقب الشاعر الشهير أبو الفتح بقوله:

وإذا كنت للشريف غلاماً

فأنا الحر والزمان غلامي(١)

الوفي : لأنه أوفى إنسان خلق في عصره، فقد كان وفيّاً بارّاً بإخوانه وشيعته وبارّاً حتى بأعدائه والحاقدين عليه.

الأمين : وكل ما للفظ الأمانة من معنى قد مثل في شخصيته العظيمة فقد كان أمينا على شؤون الدين وأحكامه، وأميناً على أمور المسلمين وقد حاز هذا اللقب كما حازه جده الرسول الأعظم من قبل، ونال به ثقة الناس جميعاً.

الكاظم : وإنما لقّب بذلك لما كظمه من الغيظ عما فعل به الظالمون من التنكيل والإرهاق حتى قضى شهيداً مسموماً في ظلمات السجون لم يبد لأحد آلامه وأشجانه بل قابل ذلك بالشكر لله والثناء عليه، ويقول ابن الأثير: (إنه عرف بهذا اللقب لصبره، ودماثة خلقه، ومقابلته الشر بالإحسان)(٢) .

ذو النفس الزكية : وذلك لصفاء ذاته التي لم تتلوّث بمآثم الحياة ولا بأقذار المادة حتى سمت، وانبتلت عن النظير.

باب الحوائج : وهذا أكثر ألقابه ذكراً، وأشهرها ذيوعاً وانتشاراً، فقد اشتهر بين العام والخاص أنه ما قصده مكروب أو حزين إلا فرّج الله آلامه

ــــــــــــ

(١) أخبار الدول: ١١٣.

(٢) مختصر تأريخ العرب: ٢٠٩.


وأحزانه وما استجار أحد بضريحه المقدس إلا قضيت حوائجه، ورجع إلى أهله مثلوج القلب مستريح الفكر مما ألم به من طوارق الزمن وفجائع الأيام، وقد آمن بذلك جمهور شيعته بل عموم المسلمين على اختلاف طبقاتهم ونزعاتهم، فهذا شيخ الحنابلة وعميدهم الروحي أبو علي الخلال يقول: (ما همّني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر إلا سهّل الله تعالى لي ما أحب)(١) .

وقال الإمام الشافعى: (قبر موسى الكاظم الترياق المجرَّب)(٢) .

لقد كان الإمام موسى في حياته مفزعاً وملجأ لعموم المسلمين وكذلك كان بعد وفاته حصناً منيعاً لمن استجار به(٣) .

الفصل الثّاني: مراحل حياة الإمام الكاظمعليه‌السلام

تبعاً لطبيعة الظروف التي مرّ بها الإمام الكاظمعليه‌السلام في حياته تنقسم الدراسة عن حياته إلى ثلاث مراحل متميّزة:

المرحلة الأولى : إذا اعتبرنا المرحلة الأولى من حياة الإمامعليه‌السلام هي مرحلة ما قبل التصدي للإمامة الشرعية أي منذ ولادته في سنة (١٢٨) أو (١٢٩ هـ) حتى استشهاد أبيه الصادقعليه‌السلام سنة (١٤٨ هـ).

فالمرحلة الأولى: هي مرحلة نشأته وحياته في ظلّ أبيهعليهما‌السلام وهي تناهز العقدين من عمره الشريف. وقد تميزت هذه المرحلة بظهور علمه الربّاني وقدرته الفائقة على الحوار والحجاج حتى أفحم مثل أبي حنيفة وهو صبي لم يتجاوز نصف العقد الواحد من عمره المبارك.

ــــــــــــ

(١) تأريخ بغداد: ١ / ١٣٣ طبعة دار الكتب العلمية بيروت.

(٢) تحفة العالم: ٢ / ٢٠.

(٣) لقد اعتقد أغلب المسلمين أن الله يكشف البلاء، ويدفع الضر بالالتجاء إلى ضريح الإمام عليه‌السلام ، وقال ابن شهر آشوب في مناقبه: رؤي في بغداد امرأة تهرول فقيل: إلى أين؟ قالت: إلى موسى بن جعفر فإنّه حُبس ابني، فقال لها حنبلي: إنّه قد مات في الحبس، فقالت: بحقّ المقتول في الحبس أن تريني القدرة، فإذا بابنها قد أطلق وأُخذ ابن المستهزئ بجنايته. المناقب: ٤ / ٣٠٥.


المرحلة الثانية: وتبدأ بتسلّمه لزمام الأمور الدينية (العلمية والسياسية والتربوية) بعد استشهاد أبيه في ظروف سياسيّة قاسية كان يخشى فيها على حياته المباركة حتى اضطر الإمام الصادقعليه‌السلام لأن يجعله واحداً من خمسة أوصياء في وصيته المشهورة التي بدّد فيها تخطيط المنصور لاغتيال وصي الإمام الصادقعليه‌السلام .

واستمرت هذه المرحلة حتى مات المنصور سنة (١٥٨ هـ) واستولى المهدي ثم الهادي سنة (١٦٩ هـ) على مركز السلطة فهي تبلغ حوالي عقدين أو ما يزيد عليهما بقليل وكانت مرحلة انفراج نسبي لأهل البيتعليهم‌السلام وأتباعهم سيَّما في عهد المهدي العباسي.

المرحلة الثالثة: وهي مرحلة معاصرته لحكم الرشيد حيث استولى على زمام الحكم سنة (١٧٠ هـ) وهو المعروف بحقده للعلويين بعد أخيه الهادي وأبيه المهدي. واستمرت هذه المرحلة حتى سنة (١٨٣ هـ) وهي سنة استشهاد الإمام الكاظم بيد أحد عمّال الرشيد. وهذه المرحلة هي من أحرج مراحل حياة الإمامعليه‌السلام وأدقّها من حيث تشديد التضييق عليه، ولم ينته العقد الأول من حكم الرشيد إلاّ والإمام في مطامير سجونه، تارة في البصرة وأخرى في بغداد. وتميّزت هذه السنوات العجاف بالتخطيط المستمر من قبل الرشيد لإدانة الإمامعليه‌السلام والسعي المتواصل لسجنه واغتياله.

وقد أخذ الإمام يكثّف نشاطه ضد الحكم القائم. فيما إذا قيس إلى مواقفه من المنصور والمهدي وانتهت هذه المرحلة بالتضييق والتشديد على أهل البيتعليهم‌السلام وأتباعهم والإمام الكاظم بشكل خاص بالرغم من عدم قيام العلويين بالثورة ضد هارون الرشيد. ولكن الإمام قد استثمر كل طاقاته لبلوغ أهدافه رغم حراجة الظرف وتشديد القبضة على العلويين. وكان الإمام فيها يعلم بسياسة هارون وقراره النهائي باغتيال الإمامعليه‌السلام مهما كلّف الأمر حتى انه لم يتقبل وساطة أيّ واحد من مقربي بلاطه.

وانتهت هذه المرحلة بمقاومة الإمامعليه‌السلام وثباته على مواقفه وعدم تنازله عند رغبات الرشيد ومحاولاته لاستذلال الإمامعليه‌السلام بشكل وآخر ليركع أمام جبروته لقاء تنفّسه هواء الحرية خارج السجن.


ولكن الإمام باشر مهامه بكل إحكام وإتقان وأوصى إلى ابنه الرضا وضمن للجماعة الصالحة استمرار المسيرة، وقضى مسموماً صابراً محتسباً. مكللاً جهاده بالشهادة في سبيل الله تعالى.

تأريخ الاستشهاد : استشهد مظلوماً في حبس السندي بن شاهك في ٢٥ من رجب سنة (١٨٣ هـ) ودفن في مقابر قريش في بغداد.

الفصل الثّالث: الإمام موسى الكاظم في ظلّ أبيهعليهما‌السلام

لقد تميّزت المرحلة التي نشأ فيها الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام وعاصرها مع أبيه ـ منذ ولادته سنة (١٢٨ هـ) حتى وفاة أبيه سنة (١٤٨ هـ) بعدّة منعطفات تاريخيّة ونشاطات نوعية من قبل الإمام الصادقعليه‌السلام حيث استطاع بقدراته الإلهيّة وحنكته الربانيّة أن يتجاوز تلك التحدّيات ، ويرسم الخط الإلهي الأصيل ويُنجز مهامّ الإمامة ويهيئ لولده الإمام الكاظمعليه‌السلام الطريق لكي يمارس دوره المستقبلي.

ولمّا كنّا بصدد إلقاء الضوء على أهم ما امتازت به حياة الإمام الكاظم مع أبيهعليهما‌السلام لنتصوّر من خلالها الأدوار المقبلة له أثناء تصدّيه للإمامة كان من الأهميّة أن نلخّص الظواهر البارزة في هذه المرحلة من حياته مع أبيهعليه‌السلام كما يلي:

١ ـ ظاهرة التمرّد على السلطة والاعتقاد بأهميّة الثورة ، والندم على موقف السكوت أمام الباطل ، والدعوة للعلويين الذين يشكّلون الخط المناهض للحكم الأموي ، فظاهرة التمرّد أفقدت المركزية للسلطة وانتهت إلى عدم الطاعة للأمراء، حتى أصبح شعار الدعوة إلى الرضا من آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذه المرحلة حديث الساعة الذي كان يتداوله الناس هنا وهناك.

وهذه الظاهرة أتاحت للإمام الصادقعليه‌السلام أن ينفذ من خلالها لتطبيق برنامجه ما دامت السلطة مشغولة بالاضطرابات التي خلّفتها الثورة الحسينية.

٢ ـ في هذه الفترة ظهرت على المسرح السياسي مقدمات نشوء الدولة العبّاسية ، حيث استغلّ العبّاسيون هذه الأجواء وعقدوا اجتماعهم بالأبواء وقرّروا في ظاهر الأمر أن يكون الخليفة محمداً ذا النفس الزكية وروّجوا الدعوة للرضا من آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لكنهم دعوا الناس إلى البيعة للعبّاسيين سرّاً، وعيّن إبراهيم الإمام في حينها غلامه أبا مسلم الخراساني قائداً عسكرياً على خراسان وأوصاه بالقتل والإبادة الجماعية والأخذ على الظِنّة والتهمة لخصومه الأمويين.

وكان موقف الإمام الصادقعليه‌السلام من هذه الحركة العبّاسية هو الحياد وعدم المشاركة


فيها وعدم دعمها وإخباره وتنبّؤه بنتائجها، مع عدم توفر الظرف الملائم للثورة العلوية وذلك لفقدان الشروط الموضوعية لها ، وقد تجلى ذلك بوضوح من خلال مواقفهعليه‌السلام من العروض التي تقدّم بها قادة الدعوة العبّاسية للإمامعليه‌السلام أمثال أبي سلمة وأبي مسلم الخراساني حيث صرّح لهم مرّة بأن الزمان ليس بزمانه، ومرّة أخرى أحرق الرسالة التي وصلته من أحدهم. لقد كانت عروضاً سياسيّة مصلحية وكان الإمامعليه‌السلام يدرك خلفيّاتها. وبهذا تخلّص الإمامعليه‌السلام من هذه المنزلقات وخلّص شيعته ليفتح لهم آفاقاً أرحب للعمل والجهاد في سبيل الله تعالى.

٣ ـ تركّزت نشاطات الإمام الصادقعليه‌السلام نحو البناء الخاص ومعالجة التحدّيات التي كانت تعصف بالوجود الشيعي ضمن عدّة اتّجاهات:

أ ـ التغيير الثقافي والفكري: حين قرّر الإمامعليه‌السلام لزوم الحياد السياسي كان قد أعدّ برنامجه الذي يستوعب عن طريقه طاقات الأمة ويلبّي حاجاتها الاجتماعية والأخلاقية من خلال جامعة أهل البيتعليهم‌السلام والتي أسّسها وطوّرها كي يتمكّن عن طريقها من مواجهة المدّ الفكري المنحرف الذي روّج له الأمويون. وبسبب عجز التيّار السياسي عن معالجة الانحرافات استقطب مختلف الشرائح والاتجاهات، وتشكّلت لهذه الجامعة فروع في البلاد الإسلامية وأصبحت تيّاراً ثقافيّاً يروّج للاتجاه الجعفري الذي كان يمثّل خطّ أهل بيت الرسالة، وكان للإمام الكاظمعليه‌السلام دور بارز في مدرسة أبيهعليه‌السلام في هذا الظرف بالذات.

ب ـ وفي الوقت الذي كان الإمامعليه‌السلام يطور هذا التيّار الفكري كان يهيئ الأذهان الخاصّة لقبول قيادة الإمام الكاظمعليه‌السلام والإيمان بإمامته فقد جاء عن المفضّل بن عمر أنه قال: كنت عند أبي عبد اللهعليه‌السلام فدخل أبو إبراهيم موسى وهو غلام فقال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام :استوص به وضَعْ أمره عند من تثق به من أصحابك (١) .

ج ـ وتحرّك الإمام الصادقعليه‌السلام لقطع الطريق أمام الدعوات المشبوهة التي كانت تهدف إلى تمزيق وحدة الصفّ الشيعي وتطرح نفسها كبديل للإمامعليه‌السلام ، فمن أساليبهعليه‌السلام خلال مواجهته للتيّار الإسماعيلي إخباره الشيعة بأنّ إسماعيل ليس هو الإمام من بعده، وعندما توفّي إسماعيل أحضر الإمام الصادقعليه‌السلام حشداً من الشيعة ليخبرهم بحقيقة موت إسماعيل لئلاّ يستغلّ المنحرفون موت إسماعيل لتمزيق الكيان الشيعي بالتدريج.

ــــــــــــ

(١) أصول الكافي: ١ / ٣٠٨، ح ٤، والإرشاد: ٢/٢١٦.


٤ ـ عاصر الإمام الكاظمعليه‌السلام معاناة أبيه الصادقعليه‌السلام وشاهد الاستدعاءات المتكرّرة له من قبل المنصور حتى استشهادهعليه‌السلام بعد الوصية

لابنه الإمام الكاظمعليه‌السلام وإبلاغها لخواصّ شيعته وربط عامّة الشيعة بإمامته.

٥ ـ الإمامة منصب ربّاني يتقوّم بجدارة الإنسان المرشّح للإمامة وقابليته لتحمّل أعباء هذه المسؤولية الكبرى، ولهذا يعتبر فيها الاجتباء الربّاني والاصطفاء الإلهي، ومن هنا كان النصّ على كل واحد من الأئمة ضرورة لا بدّ منها.

والنصوص العامّة والخاصّة قد بلّغها الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى صحابته وأهل بيته وتناقلتها كتب الحديث والأخبار. ولكن النصوص المباشرة من كل إمام على الذي يليه من أبنائه لها ظروفها الخاصّة التي تكتنفها فتؤثر في كيفية التنصيص وأساليب التعبير ودلالاتها التي تتراوح بين الإشارة تارة والتصريح تارة أخرى.

ومن يتابع نصوص الإمام الصادقعليه‌السلام على إمامة ابنه أبي الحسن موسى الكاظمعليه‌السلام ويلاحظها بتسلسلها التاريخي يكتشف جانباً من أساليب الإمام الصادق وإضاءاته المكثّفة تجاه تقرير إمامة ابنه أبي الحسن موسى من بعده مراعياً فيها تقلّبات وتطوّرات الواقع الاجتماعي الذي عاشه الإمامعليه‌السلام خلال عقدين من الزمن قبل وفاته أي من حين ولادة ابنه موسى والذي ولد من أم ولد أندلسيّة في الوقت الذي كان قد ولد له أبناء آخرون من زوجته فاطمة بنت الحسين الأصغر (الأثرم) عمّ الإمام الصادقعليه‌السلام فكان أكبرهم إسماعيل والذي كان يحبّه أبو عبد الله حبّاً شديداً، وكان قوم من شيعته يظنون أنّه القائم بعد أبيه.

وقد توفّي إسماعيل سنة (١٤٢ هـ) وكان عبد الله بن جعفر المعروف بالأفطح أكبر أولاد الصادق بعد أخيه إسماعيل.

ومن هنا كان النصّ على إمامة موسى تكتنفه ملابسات عديدة بعضها تعود إلى أبناء الإمام وبعضها إلى أصحابه وجملة منها ترتبط بالوضع السياسي القائم آنذاك.

من هنا نقف قليلاً عند نصوص الإمام الصادق على إمامة ابنه موسىعليهما‌السلام مراعين تسلسل صدورها قدر الإمكان.


نصوص الإمام الصادقعليه‌السلام على إمامة موسى الكاظمعليه‌السلام

١ ـ عن يعقوب السراج قال: دخلت على أبي عبد اللهعليه‌السلام وهو واقف على رأس أبي الحسن موسى وهو في المهد، فجعل يسارّه طويلاً، فجلست حتى فرغ، فقمت إليه فقال لي:(ادن من مولاك فسلّم، فدنوت فسلمت عليه فردّ عليّ السلام بلسان فصيح، ثم قال لي: اذهب فغيّر اسم ابنتك التي سميتها أمس، فإنه اسم يبغضه الله، وكان ولدت لي ابنة سمّيتها بالحميراء. فقال أبو عبد الله: انته إلى أمره ترشد، فغيّرت اسمها) (١) .

٢ ـ عن سليمان بن خالد قال: دعا أبو عبد اللهعليه‌السلام أبا الحسنعليه‌السلام يوماً ونحن عنده فقال لنا:(عليكم بهذا، فهو والله صاحبكم بعدي) (٢) .

٣ ـ عن فيض بن المختار قال: (إني لعند أبي عبد اللهعليه‌السلام إذ أقبل أبو الحسن موسىعليه‌السلام ـ وهو غلام ـ فالتزمته وقبّلته فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام :أنتم السفينة وهذا ملاّحها ، قال: فحججت من قابل ومعي ألفا دينار فبعثت بألف إلى أبي عبد اللهعليه‌السلام وألف إليه، فلمّا دخلت على أبي عبد اللهعليه‌السلام قال:يا فيض عدلته بي ؟ قلت: إنما فعلت ذلك لقولك، فقال:أما والله ما أنا فعلت ذلك. بل الله عَزَّ وجَلَّ

ــــــــــــ

(١) أصول الكافي: ١ / ٣١٠، ح ١١.

(٢) أصول الكافي: ١ / ٣١٠، ح ١٢.


فعله به) (١) .

٤ ـ عن الفيض بن المختار قال: قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : خذ بيدي من النار من لنا بعدك؟ فدخل عليه أبو إبراهيمعليه‌السلام ، وهو يومئذ غلام، فقال:(هذا صاحبكم، فتمسك به) (٢) .

٥ ـ عن معاذ بن كثير، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: قلت له: اسأل الله الذي رزق أباك منك هذه المنزلة أن يرزقك من عقبك قبل الممات مثلها، فقال:(قد فعل الله ذلك) . قال: قلت من هو جعلتُ فداك ؟ فأشار إلى العبد الصالح وهو راقد فقالعليه‌السلام :(هذا الراقد وهو غلام) (٣) .

٦ ـ عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت عبد الرحمن في السنة التي أخذ فيها أبو الحسن الماضيعليه‌السلام فقلت له: إنّ هذا الرجل قد صار في يد هذا وما ندري إلى ما يصير؟ فهل بلغك عنه في أحد من ولده شيء ؟ فقال لي:ما ظننت أن أحداً يسألني عن هذه المسألة ، دخلت على جعفر بن محمد في منزله فإذا هو في بيت كذا في داره في مسجد له وهو يدعو، وعلى يمينه موسى بن جعفرعليه‌السلام يؤمّن على دعائه، فقلت له: جعلني الله فداك قد عرفت انقطاعي إليك وخدمتي لك، فمن وليّ الناس بعدك ؟ فقال:(إنّ موسى قد لبس الدرع وساوى عليه) فقلت له: لا أحتاج بعد هذا إلى شيء(٤) .

٧ ـ عن يعقوب بن جعفر الجعفري قال: حدّثني إسحاق بن جعفر قال: كنت عند أبي يوماً، فسأله علي بن عمر بن علي فقال: جعلت فداك إلى من

ــــــــــــ

(١) أصول الكافي: ١ / ٣١١، ح ١٦.

(٢) أصول الكافي: ١ / ٣٠٧، ح ١، والإرشاد: ٢/٢١٧.

(٣) أصول الكافي ١: ٣٠٨، ح٢، والإرشاد: ٢/٢١٧.

(٤) أصول الكافي: ١/٣٠٨، ح ٣، والإرشاد: ٢/٢١٧.


نفزع ويفزع الناس بعدك؟ فقال:(إلى صاحب الثوبين الأصفرين والغديرين ـ يعني الذؤابتين ـ وهو الطالع عليك من هذا الباب، يفتح البابين بيده جميعاً) ، فما لبثنا أن طلعت علينا كفّان آخذة بالبابين ففتحهما ثم دخل علينا أبو إبراهيم(١) .

٨ ـ عن صفوان الجمّال، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: قال له منصور بن حازم: بأبي أنت وأمي إنّ الأنفس يُغدا عليها ويراح، فإذا كان ذلك، فمن؟ فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام :(إذا كان ذلك فهو صاحبكم) ، وضرب بيده على منكب أبي الحسنعليه‌السلام الأيمن ـ في ما أعلم ـ وهو يومئذ خماسي وعبد الله بن جعفر جالس معنا(٢) .

٩ ـ عن المفضل بن عمر قال: ذكر أبو عبد اللهعليه‌السلام أبا الحسنعليه‌السلام ـ وهو يومئذ غلام ـ فقال:(هذا المولود الذي لم يولد فينا مولود أعظم بركة على شيعتنا منه) ثم قال لي:(لا تجفوا إسماعيل) (٣) .

١٠ ـ عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: قلت له: (إن كان كون ـ ولا أراني الله ذلك ـ فبمن أئتم؟ قال: فأومأ إلى ابنه موسىعليه‌السلام . قلت : فإن حدث بموسى حدث فبمن أئتم؟ قال:بولده . قلت: فإن حدث وترك أخاً كبيراً وابناً صغيراً فبمن أئتم؟ قال:بولده ، ثم قال:هكذا أبداً ، قلت: فإن لم أعرفه ولا أعرف موضعه ؟ قال: تقول:(اللهم إني أتولى من بقي من حججك من ولد الإمام الماضي، فانّ ذلك يجزيك إن شاء الله) (٤) .

ــــــــــــ

(١) أصول الكافي: ١/٣٠٨، ح ٥، والإرشاد: ٢/٢٢٠.

(٢) أصول الكافي: ١ / ٣٠٩، ح ٦، والإرشاد: ٢/٢١٨.

(٣) أصول الكافي: ١ / ٣٠٩، ح ٨.

(٤) أصول الكافي: ١/٣٠٩، ح ٧، والإرشاد: ٢/٢١٨.


١١ ـ عن فيض بن المختار في حديث طويل في أمر أبي الحسنعليه‌السلام حتى قال له أبو عبد اللهعليه‌السلام :(هو صاحبك الذي سألت عنه ، فقم إليه فأقرّ له بحقه) ، فقمت حتى قبّلت رأسه ويده ودعوت الله عزّ وجلّ له، فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام :(أما أنه لم يؤذن لنا في أوّل منك) ، قال: قلت: جعلت فداك فأخبر به أحداً ؟ فقال:(نعم أهلك وولدك) ، وكان معي أهلي وولدي ورفقائي وكان يونس بن ظبيان من رفقائي، فلمّا أخبرتهم حمدوا الله عزّ وجلّ وقال يونس: لا والله حتى أسمع ذلك منه وكانت به عجلة، فخرج فاتبعته، فلما انتهيت إلى الباب، سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول له ـ وقد سبقني إليه ـ :(يا يونس الأمر كما قال لك فيض) . قال: فقال: سمعت وأطعت، فقال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام :(خذه إليك يا فيض) (١) .

١٢ ـ عن صفوان الجمال قال: سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن صاحب هذا الأمر فقال:(إنّ صاحب هذا الأمر لا يلهو ولا يلعب) ، وأقبل أبو الحسن موسى وهو صغير ومعه عناق مكّية وهو يقول لها:(اسجدي لربك) ، فأخذه أبو عبد اللهعليه‌السلام وضّمه إليه وقال:(بأبي وأمي من لا يلهو ولا يلعب) (٢) .

١٣ ـ روى زيد النرسي، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنّه قال:(إني ناجيت الله ونازلته في إسماعيل ابني أن يكون بعدي فأبى ربي إلاّ أن يكون موسى ابني) (٣) .

١٤ ـ عن يزيد بن أسباط قال: دخلت على أبي عبد اللهعليه‌السلام في مرضته التي مات فيها، قالعليه‌السلام :(يا يزيد أترى هذا الصبي؟) وأشار لولده موسى :إذا رأيت الناس قد اختلفوا

ــــــــــــ

(١) أصول الكافي: ١ / ٣٠٩، ح ٩.

(٢) أصول الكافي: ١ / ٣١١، ح ١٥، والإرشاد: ٢/٢١٩.

(٣) أصل زيد النرسي: ق ٣٩.


فيه، فاشهد عليَّ بأني أخبرتك أن يوسف إنّما كان ذنبه عند إخوته حتى طرحوه في الجب، الحسد له، حين أخبرهم أنه رأى أحد عشر كوكباً والشمس والقمر وهم له ساجدين، وكذا لا بد لهذا الغلام من أن يحسد) ، ثم دعا موسى وعبد الله وإسحاق ومحمد والعباس، وقال لهم:(هذا وصيُّ الأوصياء وعالم علم العلماء وشهيدٌ على الأموات والأحياء) ، ثمّ قال: يا يزيد ( سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ) (١)(٢) .

الباب الثالث: وفيه فصول:

الفصل الأول: ملامح عصر الإمام الكاظمعليه‌السلام .

الفصل الثاني: مواقف الإمام الكاظمعليه‌السلام في عهد المنصور.

الفصل الثالث: الإمام الكاظمعليه‌السلام وحكومة المهدي العبّاسي.

الفصل الأوّل: ملامح عصر الإمام الكاظمعليه‌السلام

لم يغيّر المنصور من سياسته ضد العلويين بعد قتله للإمام الصادقعليه‌السلام ، وبعد قضائه على الثورات العلوية في زمانه، بل بقي هاجس الخوف والقلق يلاحقه، ولم تهدأ ذاته المليئة بالحقد عليهم، فاستمر في اضطهادهم، فزجّ الأبرياء في السجون المظلمة وهدمها عليهم، ودفن البعض وهم أحياء في اسطوانات البناء، وبثّ الجواسيس، لأجل أن يحيط علماً بكل نشاطهم، وأخذت عيونه ترصد كل حركة بعد تحويرها وتحريفها بالكذب لتنسجم مع رغبات الخليفة فكانوا يرفعونها له مكتوبة كما سمح للتيّارات الإلحادية كالغلاة والزنادقة في أن تأخذ طريقها بين عامة الناس لإضلالهم. كما استعمل بعض العلماء واستغلّهم لتأييد سياسته وإسباغ الطابع الشرعي على حكمه.

ــــــــــــ

(١) الزخرف (٤٣): ١٩.

(٢) بحار الأنوار: ٤٨/٢٠، ح ٣١، نقلاً عن مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب.


ويمكن استجلاء هذا الوضع ضمن عدة نقاط:

النقطة الأولى:

إنّ وصية الإمام الصادقعليه‌السلام التي عهد بها أمام الناس لخمسة أشخاص، هم أبو جعفر المنصور، محمد بن سليمان، وعبد الله، وموسى، وحميدة، مع كتابة المنصور لعامله في المدينة بأن يقتل وصيّ الإمام الصادقعليه‌السلام إن كان معيناً، يتضح ـ من هذه الوصية مع أوامر المنصور بقتل الوصيّ ـ نوع الطريقة التي كان يتحرك بها المنصور تجاه الإمام موسىعليه‌السلام ثم يتضح أيضاً حجم النشاط وحجم الاهتمام الذي كان يعطيه المنصور للإمامعليه‌السلام لمراقبة حركته.

ولكن الإمام الصادقعليه‌السلام كان يستشف من وراء الغيب ما تحمله الأيّام المقبلة من أخطار لابنه موسىعليه‌السلام ومن هنا فقد خاطب شيعته بلغة خاصة ضمّنها الحقيقة التي أراد إيصالها إليهم وإن كان ذلك يستلزم الالتباس عند بعض ، والتحيّر في معرفة ولي الأمر من بعده لفترة تقصر أو تطول ; لأن حفظ الوصي وولي عهده والإمام المفترض الطاعة في تلك الظروف العصيبة كان أمراً ضرورياً بلا ريب لأن استمرار الخط لا يمكن ضمانه إلاّ بحفظ الإمام المعصوم بما يتناسب مع طبيعة تلك الظروف. ولكن الواعين والنابهين من صحابة الإمام الصادقعليه‌السلام لم تلتبس عليهم حقيقة وصية الإمامعليه‌السلام التي تضمّنت الوصية للإمام الكاظمعليه‌السلام .

قال داود بن كثير الرقي: وفد من خراسان وافد يكنّى أبا جعفر، اجتمع إليه جماعة من أهل خراسان، فسألوه أن يحمل لهم أموالاً ومتاعاً ومسائلهم في الفتاوى والمشاورة، فورد الكوفة ونزل وزار قبر أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ورأى في ناحية المسجد رجلاً حوله جماعة.

فلما فرغ من زيارته قصدهم فوجدهم شيعة فقهاء يسمعون من الشيخ، فقالوا: هو أبو حمزة الثمالي.

قال: فبينما نحن جلوس إذ أقبل أعرابي، فقال: جئت من المدينة، وقد مات جعفر بن محمدعليه‌السلام فشهق أبو حمزة ثم ضرب بيده الأرض، ثم سأل الأعرابي: هل سمعت له بوصية ؟


قال: أوصى إلى ابنه عبد الله وإلى ابنه موسى، وإلى المنصور. فقال: الحمد لله الذي لم يُضلّنا، دلّ على الصغير وبيّن على الكبير، وستر الأمر العظيم. ووثب إلى قبر أمير المؤمنينعليه‌السلام فصلَّى وصلّينا. ثم أقبلت عليه وقلت له: فسّر لي ما قلته ؟ قال: بيّن أن الكبير ذو عاهة ودلّ على الصغير أن أدخل يده مع الكبير، وستر الأمر العظيم بالمنصور حتى إذا سأل المنصور: من وصيّه؟ قيل : أنت. قال الخراساني: فلم أفهم جواب ما قاله(١) . فذهب بعد ذلك إلى المدينة ليطّلع بنفسه على الوصي من بعد الإمام جعفر بن محمدعليه‌السلام .

النقطة الثانية:

لقد شدّدت السلطات في المراقبة على الشيعة بعد استشهاد الإمام الصادقعليه‌السلام وعمّ الارتباك أوساطهم وشحنت الأجواء بالحذر والتحسّب.

وعن هذه الفترة الزمنية المهمة في التاريخ الشيعي يحدّثنا هشام بن سالم أحد رموز الشيعة قائلاً:

كنا في المدينة بعد وفاة أبي عبد اللهعليه‌السلام أنا ومؤمن الطاق (أبو جعفر) والناس مجتمعون على أنّ عبد الله (الأفطح) صاحب (الإمام) بعد أبيه، فدخلنا عليه أنا وصاحب الطاق، والناس مجتمعون عند عبد الله وذلك أنهم رووا عن أبي عبد اللهعليه‌السلام :(أن الأمر في الكبير ما لم يكن به عاهة) فدخلنا نسأله عمّا كنا نسأل عنه أباه، فسألناه عن الزكاة في كم تجب ؟ قال: في مئتين خمسة، قلنا:

ــــــــــــ

(١) عوالم العلوم ، الإمام الكاظم: ١٧٥.


ففي مئة ؟ قال: درهمان ونصف درهم(١) .

قلنا له: والله ما تقول المرجئة هذا فرفع (الأفطح) يده إلى السماء، فقال: لا ، والله ما أدرى ما تقول المرجئة !

قال: فخرجنا من عنده ضُلاّلاً، لا ندري إلى أين نتوجه أنا وأبو جعفر الأحول(٢) ، فقعدنا في بعض أزقّة المدينة باكين حيارى لا ندري إلى من نقصد وإلى أين نتوجّه ؟! نقول: (نذهب) إلى المرجئة ؟ إلى القدرية؟ إلى الزيدية؟ إلى المعتزلة؟ إلى الخوارج(٣) ؟ قال: فنحن كذلك إذ رأيت رجلاً شيخاً لا أعرفه يومئ إليَّ بيده، فخفت أن يكون عيناً (جاسوساً) من عيون أبي جعفر (المنصور الدوانيقي). وذلك أنه كان له بالمدينة جواسيس ينظرون على من اتفق شيعة جعفر (الصادق) فيضربون عنقه، فخفت أن يكون (الرجل الشيخ) منهم. فقلت لأبي جعفر (مؤمن الطاق): تنح فإني خائف على نفسي وعليك، وإنما يريدني (الشيخ) ليس يريدك، فتنحّ عنّي ، لا تهلك وتعين على نفسك. فتنحّى غير بعيد، وتبعت الشيخ، وذلك أني ظننت أني لا أقدر على التخلص منه، فما زلت أتبعه حتى ورد بي على باب أبي الحسن موسى (الكاظم)عليه‌السلام ثم خلاّني ومضى، فإذا خادم بالباب فقال لي: أُدخل، رحمك الله. قال: فدخلت فإذا أبو الحسن (الكاظم)عليه‌السلام فقال لي ابتداءً:لا إلى المرجئة ، ولا إلى القدرية، ولا إلى الزيدية، (ولا إلى المعتزلة )، ولا إلى الخوارج، إليَّ إليَّ إليَّ .

قال (هشام): فقلت له: جعلت فداك مضى أبوك ؟ قال:نعم .

قلت: جعلت فداك مضى في موت؟ قال:نعم ، قلت: جعلت فداك فمن لنا بعده؟ فقال:إن شاء الله يهديك هداك .

قلت: جعلت فداك، إنّ عبد الله (الأفطح) يزعم أنه (إمام) من بعد أبيه فقال:يريد عبد الله الأفطح أن لا يعبد الله .

قال: قلت له: جعلت فداك، فمن لنا بعده؟ فقال:إن شاء الله أن يهديك هداك أيضاً .

قلت: جعلت فداك، أنت هو (الإمام) ؟ قال:ما أقول ذلك .

ــــــــــــ

(١) من الثابت عند المسلمين أن لا زكاة في أقل من مائتي درهم، ولكن الأفطح كان يجهل هذا الحكم.

(٢) مؤمن الطاق، أبو جعفر، صاحب الطاق والأحول، كلها ألقاب لرجل واحد (محمد بن علي بن النعمان)، اختيار معرفة الرجال: ٢/٤٢٥.

(٣) الإرشاد للمفيد: ٢/٢٢١ ، مدينة المعاجز: ٦/٢٠٨.


قلت ـ في نفسي ـ لم أُصب طريق المسألة (أي أخطأت في كيفية السؤال).

قال (هشام): قلت: جعلت فداك، عليك إمام ؟ قال:لا . فدخلني (دخل قلبي) شيء لا يعلمه إلاّ الله إعظاماً له وهيبة، أكثر ما كان يحلّ بي من (هيبة) أبيه (الإمام الصادق) إذا دخلت عليه.

قلت: جعلت فداك، أسألك عمّا كان يُسأل أبوك؟ قال:سل تُخبر، ولا تُذِع (أي لا تنشر الخبر)فإن أذعت فهو الذبح .

قال (هشام): فسألته فإذا هو بحر !.

قال (هشام): قلت جعلت فداك، شيعتك وشيعة أبيك ضُلاّل، فالقي إليهم (أخبرهم) وأدعوهم إليك؟ فقد أخذت عليّ بالكتمان.

فقال (الإمام):(من آنست منهم رشداً، فألق عليهم (أخبرهم)وخذ عليهم

بالكتمان ،فإن أذاعوا فهو الذبح) وأشار بيده إلى حلقه)(١) .

إنّ هذا الحديث الذي أدلى به هشام يكشف لنا عدة حقائق:

١ ـ كثرة انتشار الجواسيس، وجو الرعب، والحذر، والخوف، وفقدان الأمن الذي عمّ أبناء الأمة وأخيارها خصوصاً سكان المدينة.

٢ ـ كما يكشف لنا عن أنّ إعلان الإمامة لموسىعليه‌السلام وإخبار الشيعة بإمامته، لم يكن ظاهراً لعامة الناس بل كان محدوداً ببعض الخواص من الشيعة(٢) بحيث تجد حتى مثل هشام لا يعلم أن الأمر لمن إلاّ بعد حين، وقد حصل عليه بالطرق الشرعية والعقلية، وهذه الممارسات وغيرها جعلت الشيعة تتدرب وتتمرّس على الأساليب التي تقيها من سيف الظالمين مثل السرّية والتقية، لذا نجد الرواة عند نقلهم لأخبار الإمام موسىعليه‌السلام لا يصرّحون باسمه الصريح بل كانوا يقولون: (قال العبد الصالح) ، أو (قال السيد)، أو (قال العالم) ونحو ذلك.

ــــــــــــ

(١) اختيار معرفة الرجال: ٢ / ٥٦٥ ، ح٥٠٢ ، والإرشاد: ٢/٢٢١ ـ ٢٢٢ وعنه في إعلام الورى: ٢/١٦ ـ ١٧، وكشف الغمة: ٣/١٢ و ١٣، وبحار الأنوار: ٤٨ / ٥٠.

(٢) منهم زرارة وداود بن كثير الرقي، وحمران، وأبي بصير، والمفضل بن عمر وغيرهم.


٣ ـ إنّ الخنق الظالم والممنوعات السلطانية والحبس الفكري وملاحقة من يخالف، وبثّ الإشاعات المضادّة والكاذبة، كل هذه الأمور خلقت مناخاً يتنفّس فيه الأدعياء وهواة الرذيلة والذين زاد نشاطهم وشاع صيتهم وتعددت فرقهم في هذه الفترة فطرحوا أنفسهم قادة للأمة في الفكر والفقه والحديث بتشجيع من الخليفة. لذا نجد هشام بن سالم في حديثه يعدد لنا الفرق في زمانه حيث يقول: نذهب إلى المرجئة؟ إلى القدرية؟ إلى الزيدية؟ إلى المعتزلة؟ إلى الخوارج؟

٤ ـ مارس الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام أسلوباً في هذا الحديث يُميزه عن غيره من مدّعي الإمامة (مثل عبد الله الأفطح) وذلك بإخباره عن الكلام الذي دار بين هشام ومؤمن الطاق في أحد أزقّة المدينة المنورة حيث قال الإمام لهما:(لا إلى المرجئة ولا إلى القدرية.... إليَّ إليَّ إليَّ) .

النقطة الثالثة:

من الحقائق التاريخية التي تكشف سياسة المنصور القائمة على الخنق والإبادة والقتل للعلويين هو حديث الخزانة.

حيث يكشف لنا هذا الحديث التاريخي عن سياسة المنصور الخشنة مع العلويين، والتي أراد بها الإيحاء لابنه المهدي بأن الخلافة لا تستقيم إلا بهذه الطريقة، ثم تكشف لنا هذه الرواية عن معاناة الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام لأنه كان بالتأكيد على علم بهذه الأعداد المؤمنة الخيّرة من أبناء الشيعة وهي تساق إلى السجون لتقتل بعد ذلك صبراً، وهذا الحديث مليء بالشجون والأسى فقد ملأ خزانة برؤوس العلويين شيوخاً وشباباً وأطفالاً وأوصى ريطة زوج المهدي أن لا تفتحها للمهدي ولا يطلع عليها إلاّ بعد هلاكه، وقد دوّنها الطبري في تاريخه وهذا نصها :

(لمّا عزم المنصور على الحج دعا ريطة بنت أبي العباس امرأة المهدي وكان المهدي بالري قبل شخوص أبي جعفر فأوصاها بما أراد)، وعهد إليها ودفع إليها مفاتيح الخزائن، وتقدّم إليها وأحلفها ووكّد الإيمان أن لا تفتح بعض تلك الخزائن، ولا تطلع عليها أحداً إلاّ المهدي، ولا هي إلاّ أن يصح عندها موته، فإذا صح ذلك اجتمعت هي والمهدي وليس معهما ثالث حتى


يفتحا الخزانة، فلمّا قدم المهدي من الري إلى مدينة السلام دفعت إليه المفاتيح وأخبرته أنه تقدم إليها أن لا تفتحه ولا تُطلع عليه أحداً حتى يصح عندها موته فلما انتهى إلى المهدي موت المنصور وولي الخلافة فتح الباب ومعه ريطة، فإذا أزج كبير فيه جماعة من قتلى الطالبيين، وفي آذانهم رقاع فيها أنسابهم وإذا فيهم أطفال، ورجال شباب، ومشايخ عدة كثيرة، فلما رأى ذلك المهدي ارتاع لما رأى وأمر فحفرت لهم حفيرة فدفنوا فيها، وعمل عليهم دكاناً)(١) .

النقطة الرابعة:

ومن المشاكل التي أثيرت في مطلع تسلّم الإمام موسىعليه‌السلام لمسؤولية الإمامة ، والتي كانت تهدف لتمزيق الطائفة الشيعية وإثارة البلبلة والتخريب في صفوفها، هي التشكيك في مسألة القيادة فإنها لمن تكون بعد الإمام الصادقعليه‌السلام بسبب ما ادّعاه (عبد الله الأفطح) أخو الإمام موسى الأكبر بعد إسماعيل، وهذا بطبيعة الحال يُضيف معاناة أُخرى للإمام ؛ لأن أجهزة المنصور العدوانيّة كانت تعدّ عليه الأنفاس وتشك في أيّ حركة تصدر منه(٢) .

النقطة الخامسة:

ومن الأساليب التي استخدمتها السلطات العبّاسية عامة والمنصور بشكل خاص، سياسة اتّخاذ (وعّاظ السلاطين) بعد أن غيّب الإمام

ــــــــــــ

(١) الطبري: ٦ / ٣٤٣ و ٣٤٤ مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.

(٢) سيرة الأئمة الاثني عشر: ٢/٣٢٥ فصل حياة الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليهما‌السلام ط دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت، والإرشاد: ٢/٢٠٩ ذكر أولاد أبي عبد الله عليه‌السلام وعددهم وأسمائهم وطرف من أخبارهم، ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث ـ قم المقدسة.


موسى الكاظمعليه‌السلام عن المسرح السياسي والفكري ، وظاهرة وعّاظ السلاطين هي بديل يرعاه الخليفة ويدعمه بما أوتي من قوة ليغطّي له الفراغ من جانب وتؤيد له سياسته من جانب آخر إذ يوحي للأمة بأنه مع الخط الإسلامي السائر على نهج السنة النبويّة، ووجد من (مالك بن أنس) وأمثاله ممن تناغم معه في الاختيار العقائدي الذي لا يصطدم مع سياسته، ووجد من تجاوب مع رغبته وكال له ولأسرته المديح والثناء، الأمر الذي دفع بالمنصور أن يفرض (الموطأ) على الناس بالسيف ثم جعل لمالك السلطة في الحجاز على الولاة وجميع موظّفي الدولة فازدحم الناس على بابه وهابته الولاة والحكّام وحينما وفد الشافعي عليه فشفّع بالوالي لكي يسهّل له أمر الدخول عليه فقال له الوالي: إني أمشي من المدينة إلى مكة حافياً راجلاً أهون عليّ من أن أمشي إلى باب مالك. ولست أرى الذل حتى أقف على باب داره(١) .

النقطة السادسة:

انتشرت في هذه المرحلة عقائد خاطئة وتأسّست فرق منحرفة من الإلحاد والزندقة والغلوّ والجبرية والإرجاء ، عقائد خاطئة ذات أصحاب تدافع عنها ، ولم تكن كل هذه الاعتقادات وليدة هذا الظرف بالذات، وإنما نشطت في هذا الجوّ المساعد لنموها، حيث كان بعض الخلفاء يتبنى بعضاً منها ويسمح لانتشار البعض الآخر.

فالغلاة يعتقدون بنبوّة الأئمة، وبعده بإلهية جعفر بن محمد الصادق وإلهية آبائه، وهؤلاء قد تبرّأ منهم الإمام الصادق ولعنهم لعناً مشدداً.

لكن السلطات شجعت من جانب ، وألصقت التهمة بهم من جانب آخر بهدف التشويه لحقيقة الشيعة، كما استخدموا هذه التهمة فيما بعد ذريعة ومادّة حكم تبرر لهم اضطهاد الشيعة تحت هذا الاسم فأطلقوا على الشيعة اسم زنادقة ويحق للدولة أن تطاردهم.

ــــــــــــ

(١) الأئمة الأربعة لمصطفى الشكعة: ٢/١٠٠، حياة مالك بن أنس، الفصل الخامس، باب ٦ مهابة مالك، سيرة الأئمة الاثني عشر، هاشم معروف الحسني: ٢/٣٢٦، حياة الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليهما‌السلام .


لقد عاصر الإمام الكاظمعليه‌السلام تيّاراً آخر كان خطيراً على الأمة حاضراً ومستقبلاً وكان قد وقف بوجهه الإمام الصادقعليه‌السلام وحذّر منه الشباب خاصة ألا وهم المرجئة الذين يقولون بتأخير وارجاء صاحب المعصية الكبيرة إلى يوم القيامة فلا يحكمون عليه بحكم ما في الدنيا من كونه من أهل الجنة أو من أهل النار.

ويحاول أصحاب هذا الاعتقاد أن يخلطوا الأوراق ويدمجوا بين سلوك الخير وسلوك الشر فلا يفرّق بين سلوك الإمام عليعليه‌السلام وسلوك معاوية ولا بين موقف الحسينعليه‌السلام وموقف يزيد; لأن الحكم عليهم في الدنيا ليس من شؤوننا وإنما يترك الأمر ليوم القيامة.

ثم تبنّت هذه الفرقة اعتقاداً آخر لا يقلّ خطورة عن سابقه إذ تكمن خطورته على الشباب خاصة لأن هذا الاعتقاد يفسّر معنى الإيمان المراد عند الله بأنه الإيمان القلبي لا السلوك الخارجي، لأن السلوك الخارجي قد يخادع به الإنسان فالإيمان الذي ينظر إليه الله تعالى هو الإيمان القلبي أمّا الممارسات الخارجية فلا اعتبار لها، فإذا زنا الإنسان أو شرب الخمر أو قتل نفساً فهذه تصرفات خارجية والمهم أن الإنسان يعتقد قلبياً بالله تعالى.

كما روّج في هذه الفترة لفكرة الجبر والتي نشأت في زمن معاوية واستفاد منها بنو العبّاس حيث تقول بأنا لسنا مخيّرين في أفعالنا فإذا شاء الله أن نصلّي صلّينا وإذا شاء أن نشرب الخمر شربنا وهكذا.

الملاحظ في كل هذه العقائد والأفكار وأصحابها أنّها تخدم السلطة كل واحدة بطريقتها حيث تبرّر للحكّام تصرفاتهم البعيدة عن الإسلام بأفكار وأحكام اعتقادية وتهدّئ الجمهور الإسلامي حين توجّهه بهذه الأفكار.

من هنا ندرك السبب الذي جعل من الحكام أن يسمحوا بالانتشار لهذه التيّارات الناشئة من أفكار منحرفة جاء بها اليهود وغيرهم إلى العالم الإسلامي.

هذا هو عرض مختصر للظواهر والأحداث السياسية والثقافية والفكرية، التي برزت في عصر المنصور وكان الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام معاصراً لها.

أمّا ما هو منهج الإمام وأساليبه ومواقفه في خضم هذه الأجواء المملؤة بالشبهات والتهم والتضييق ؟ ! هذا ما سوف نتناوله في الفصل الثاني إن شاء الله تعالى.


الفصل الثّاني: مواقف الإمام الكاظمعليه‌السلام في عهد المنصور

إنّ حركة الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام ونشاطه إزاء هذه الظروف التي تحدثنا عنها لم يسعفنا التاريخ بتفاصيلها ولم يحدّد لنا بالأرقام بشكل واضح حركة الإمام فيها، إلاّ أنّ بعض الروايات التاريخية تشير إلى أن الإمامعليه‌السلام قد مارس أُموراً في سنوات حكم المنصور العشرة بعد استشهاد الإمام الصادقعليه‌السلام .

وقد انتقينا بعض ممارسات الإمامعليه‌السلام التي لا تتعارض مع هذه الفترة وتنسجم مع ظروفها. ثم حاولنا بعد ذلك التركيز على الخط الذي سلكه الإمام بشكل عام تاركين التعرض للتفاصيل.

كما أنّ الخط العام والنهج الذي اتّخذه الإمام في هذه الفترة يتضمّن ما كان يهدف إليه من أسلوب علاجي لبعض الظواهر الانحرافية، كما يتضمّن ما كان يريد أن يؤسّس فيه لثوابت مستقبلية. من هنا يقع الكلام في هذا البحث ضمن عدّة اتجاهات:

الاتّجاه الأوّل: الإمام الكاظمعليه‌السلام وإحكام المواقع

ونتناول في هذا الاتجاه دور الإمامعليه‌السلام في إبرازه للقدرات الغيبية التي تميّز الإمام عن غيره من الأدعياء وزعماء الفرق والطوائف الضالّة في زمانه، وبهذا قد لفت أنظار الأمة وأعطاها حسّاً تقارن وتحاكم به هذه التيّارات وتفرز بين الحق والباطل بما أمتلكته من مقاييس مستلهمة من مشاهد مثيرة حسية كان قد حققها الإمامعليه‌السلام .


وهذا ينبئ عن محاولات إسقاط الحيرة الفكرية السائدة في هذه الفترة. والنشاطات التي قام بها الإمامعليه‌السلام في هذا الاتجاه هي كما يلي:

النشاط الأول: إخبار الإمام موسىعليه‌السلام لعامة الناس ببعض الغيبيات التي لا يمكن للإنسان العادي أن يتوصّل إليها، والروايات التي تتضمّن هذا النوع من الإخبار كثيرة جداً ننقل بعضاً منها:

المثال الأول: عن إسحاق بن عمار قال: (سمعت العبد الصالحعليه‌السلام ينعى إلى رجل من شيعته نفسه، فقلت في نفسي: وإنه ليعلم متى يموت الرجل من شيعته ! فالتفت إلي شبه المغضَب فقال:يا إسحاق قد كان رشيد الهجري يعلم علم المنايا والبلايا والإمام أولى بعلم ذلك ، ثم قال: يا إسحاق اصنع ما أنت صانع فإنّ عمرك قد فنى وقد بقي منه دون سنتين ... فلم يلبث إسحاق بعد هذا المجلس إلاّ يسيراً حتى مات)(١) .

المثال الثاني: قال خالد بن نجيح: قلت لموسىعليه‌السلام إنّ أصحابنا قدموا من الكوفة وذكروا أن المفضّل شديد الوجع، فادع الله له. فقالعليه‌السلام :(قد استراح) ،

ــــــــــــ

(١) أصول الكافي: ١/٤٨٤، ح ٧، وفي الخرائج والجرائح: ١/٣١٠، ح ٣: إسحاق بن منصور، وفي إثبات الهداة: ٥/٥٤١، ح ٧٨: إسماعيل بن منصور عن أبيه. وفي بحار الأنوار: ٤٨/٦٨، ح ٩٠ ـ ٩١ عن الكافي والخرائج.


وكان هذا الكلام بعد موته بثلاثة أيّام(١) .

المثال الثالث: قال ابن نافع التفليسي: خلّفت والدي مع الحرم في الموسم وقصدت موسى بن جعفرعليه‌السلام فلما أن قربت منه هممت بالسلام عليه فأقبل عليّ بوجهه وقال:(برّ حجك يا ابن نافع، آجرك الله في أبيك فإنّه قد قبضه إليه في هذه الساعة، فارجع فخذ في جهازه) ، فبقيت متحيراً عند قوله، وقد كنت خلّفته وما به علّة، فقال:يا ابن نافع أفلا تؤمن؟ فرجعت فإذا أنا بالجواري يلطمن خدودهنّ فقلت: ما وراكنّ؟ قلن: أبوك فارق الدنيا، قال ابن نافع: فجئت إليه أسأله عمّا أخفاه ورائي فقال لي:أبداً ما أخفاه وراءك ، ثم قال:يا ابن نافع إن كان في أمنيتك كذا وكذا أن تسأل عنه فأنا جنب الله وكلمته الباقية وحجته البالغة )(٢) .

النشاط الثاني: ومن قدرات الإمامعليه‌السلام الخارقة للعادة والتي تميّزه أيضاً عن غيره هي تكلّمه بعدّة لغات من غير أن يتعلّمها بالطرق الطبيعية للتعلّم، وإنّما بالإلهام. وفي هذا المجال تطالعنا مجموعة من الشواهد:

الشاهد الأول: عن أبي بصير قال: دخلت على أبي الحسن الماضيعليه‌السلام ، ما لبثت أن دخل علينا رجل من أهل خراسان فتكلّم الخراساني بالعربية، فأجابه هو بالفارسية. فقال له الخراساني: أصلحك الله ما منعني أن أكلمك بكلامي إلاّ أني ظننت أنك لا تحسن ، فقال:(سبحان الله! إذا كنت لا أحسن أن أجيبك فما فضلي عليك؟!) ، ثم قال:(يا أبا محمد ، إنّ الإمام لا يخفى عليه كلام أحد من الناس ولا طير ولا بهيمة

ــــــــــــ

(١) بصائر الدرجات: ٢٦٤ ح ١٠، واخبار معرفة الرجال: ٣٢٩ ح ٥٩٧، والخرائج والجرائح: ٢/٧١٥ ح ١٣، وعنه في بحار الأنوار: ٤٨ / ٧٢.

(٢) مناقب آل أبي طالب: ٤/٣١١ وعنه في بحار الأنوار: ٤٨/٧٢.


ولا شيء فيه روح بهذا يعرف الإمام ، فإذا لم تكن فيه هذه الخصال فليس هو بإمام) (١) .

الشاهد الثاني: روي عن أبي حمزة أنه قال: كنت عند أبي الحسن موسىعليه‌السلام إذ دخل عليه ثلاثون مملوكاً من الحبشة اُشتروا له، فتكلم غلام منهم ـ وكان جميلاً ـ بكلام فأجابه موسىعليه‌السلام بلغته فتعجّب الغلام وتعجّبوا جميعاً وظنوا أنه لا يفهم كلامهم. فقال له موسىعليه‌السلام :(إني أدفع إليك مالاً، فادفع إلى كل (واحد )منهم ثلاثين درهماً) . فخرجوا وبعضهم يقول لبعض: (إنّه أفصح منا بلغتنا، وهذه نعمة من الله علينا. قال علي بن أبي حمزة: فلما خرجوا قلت: يا ابن رسول الله! رأيتك تكلم هؤلاء الحبشيين بلغاتهم ! قال:نعم. وأمرت ذلك الغلام من بينهم بشيء دونهم؟ قال:نعم أمرته أن يستوصي بأصحابه خيراً وأن يُعطي كل واحد منهم في كل شهر ثلاثين درهماً، لأنّه لمّا تكلم كان أعلمهم، فإنه من أبناء ملوكهم، فجعلته عليهم، وأوصيته بما يحتاجون إليه، وهو مع هذا غلام صدق . ثم قال:لعلك عجبت من كلامي إياهم الحبشية ؟ قلت: إي والله. قالعليه‌السلام :(لا تعجب فما خفي عليك من أمري أعجب وأعجب) (٢) .

الشاهد الثالث: قال بدر ـ مولى الإمام الرضاعليه‌السلام ـ: (إنّ إسحاق بن عمار دخل على موسى بن جعفرعليه‌السلام فجلس عنده إذ استأذن عليه رجل خراساني

ــــــــــــ

(١) قرب الإسناد: ٢٦٥، ح ١٢٦٣ وعنه في بحار الأنوار: ٢٥/١٣٣، ح ٥، واثبات الهداة: ٥/٥٣٥ ح ٧٢.

(٢) قرب الإسناد: ٢٦٢، ح ١٢٥٧ وعنه في بحار الأنوار: ٢٦/١٩٠ و ٤٨ / ١٠٠، ودلائل الإمامة: ١٦٩، والخرائج والجرائح: ١/٣١٢، ح ٥ وعنه في بحار الأنوار: ٤٨ / ٧٠.


يكلّمه بكلام لم يسمع مثله قطّ كأنه كلام الطير.

قال إسحاق: فأجابه موسىعليه‌السلام بمثله وبلغته إلى أن قضى وطره في مساءلته، فخرج من عنده، فقلت: ما سمعت بمثل هذا الكلام.

قال:هذا كلام قوم من أهل الصين وليس كل كلام أهل الصين مثله .

ثم قال:أتعجب من كلامي بلغته ؟ قلت: هو موضع التعجب.

قالعليه‌السلام :أُخبرك بما هو أعجب منه إن الإمام يعلم منطق الطير، ومنطق كلّ ذي روح، وما يخفى على الإمام شيء (١) .

الاتّجاه الثاني: الإمام الكاظمعليه‌السلام ومعالجة الانهيار الأخلاقي

لقد أصاب القيم الإسلامية ـ بفعل الأسباب التي ذكرناها ـ اهتزاز كبير وتعرّضت الأمة إلى هبوط معنوي وتميّع مشهود، تغذّيه وتحركه أيد سلطانية هادفة، هنا سلك الإمام الكاظمعليه‌السلام سبيلين من أجل أن يحدّ من هذا الانهيار الذي تعرّضت له الأمة.

الأول عام. والثاني يختص بالجماعة الصالحة.

وقد اتّخذ الإمامعليه‌السلام أساليب عديدة للموعظة والإرشاد ومعالجة الانهيار الأخلاقي الذي أخذ ينتشر ويستحكم في أعظم الحواضر الإسلامية التي كان الإمامعليه‌السلام يتواجد فيها.

واستطاع الإمامعليه‌السلام من خلال توجيهه لمجموعة من طلاّب الحقيقة وتأثيره عليهم أن يربّي في المجتمع الإسلامي نماذج حيّة تكون قدوة للناس في كبح جماح الشهوات الهائجة وإطفاء نيران الهوى المشتعلة بسبب

ــــــــــــ

(١) دلائل الإمامة: ١٧١ وعنه في مدينة المعاجز: ٤٣٨ ح ٣٨، والخرائج والجرائح: ١ / ٣١٣، ح ٦ وعنه في كشف الغمة: ٢/٢٤٧ وبحار الأنوار: ٤٨/٧٠، ح ٩٤.


المغريات المتنوّعة والتي كان يؤججها انسياب الحكّام في وادي الهوى نتيجة للثروات التي كانوا يحرصون على جمعها ويقتّرون في إنفاقها إلاّ على شهواتهم إلى جانب اقتدارهم السياسي والعسكري.

وممّن تأثّر بالإمام الكاظمعليه‌السلام ولمع اسمه في حواضر المجتمع الإسلامي ; أبو نصر بشر بن الحارث بن عبد الرحمن المروزي الأصل البغدادي المسكن والذي أصبح من العرفاء الزهّاد بعد أن كان من أهل المعازف والملاهي، حيث تاب على يدي الإمام الكاظمعليه‌السلام (١) .

وقد ذكر المؤرخون في سبب توبته أن الإمامعليه‌السلام حين اجتاز على داره ببغداد سمع الملاهي وأصوات الغناء والقصب تعلو من داره، وخرجت منها جارية وبيدها قمامة فرمت بها في الطريق، فالتفت الإمام إليها قائلاً:(يا جارية: صاحب هذه الدار حر أم عبد؟) فأجابت: (حر). فقالعليه‌السلام :صدقت، لو كان عبداً لخاف من مولاه . ودخلت الجارية الدار، وكان بشر على مائدة السكر، فقال لها: ما أبطأك؟ فنقلت له ما دار بينها وبين الإمامعليه‌السلام فخرج بشر مسرعاً حتى لحق الإمامعليه‌السلام فتاب على يده، واعتذر منه وبكى(٢) وبعد ذلك أخذ في تهذيب نفسه واتصل بالله عن معرفة وإيمان حتى فاق أهل عصره في الورع والزهد).

وقال فيه إبراهيم الحربي: ما أخرجت بغداد أتمّ عقلاً، ولا أحفظ لساناً، من بشر بن الحارث كان في كل شعرة منه عقل(٣) .

ــــــــــــ

(١) الكنى والألقاب: ٢/٦٧.

(٢) الكنى والألقاب: ٢ / ١٦٧.

(٣) تأريخ بغداد: ٧ / ٧٣.


نعم، لقد أعرض بشر ببركة توجيه الإمام الكاظمعليه‌السلام له وتنبيهه عن غفلته حتى أعرض عن زينة الحياة الدنيا ورضي بالقناعة وقال فيها:لو لم يكن في القناعة شيء إلاّ التمتع بعز الغناء (الغنى)لكان ذلك يجزي .

وقال:(مروءة القناعة أشرف من مروءة البذل والعطاء) (١) .

وممّا رواه الخطيب البغدادي عنه أنه جعل يبكي يوماً ويضطرب ويقول:(اللهم إن كنت شهرتني في الدنيا ونوّهت باسمي ورفعتني فوق قدري على أن تفضحني في القيامة، الآن فعجّل عقوبتي وخذ منّي بقدر ما يقوى عليه بدني) (٢) .

وروى عن حجّاج بن الشاعرأ نّه كان يقول لسليمان اللؤلؤي: رؤي بشر بن الحارث في النوم فقيل له: ما فعل الله بك يا أبا نصر؟ قال: غفر لي، وقال: يا بشر: ما عبدتني على قدر ما نوّهت باسمك(٣) .

وإذا تتبّعنا ما أثر عن الإمام الكاظمعليه‌السلام من كلمات وجدنا نصوصاً تشير إلى اهتمامه بمعالجة الفساد الأخلاقي بشتّى نواحيه، فضلاً عن سيرته العطرة وسلوكه السويّ الذي كان قبلة للعارفين وأسوة للمتقين وشمساً مضيئة للمؤمنين وقمراً متلألئاً للمسلمين.

ونختار ممّا قاله الإمامعليه‌السلام بصدد معالجة الانهيار الأخلاقي ما يلي:

١ ـ(إنّ العاقل: الذي لا يشغل الحلال شكره ولا يغلب الحرام صبره) .

٢ ـ(من سلّط ثلاثاً على ثلاث فكأنّما أعان هواه على هدم عقله) .

(من أظلم نور فكره بطول أمله، ومحا طرائف حكمته بفضول كلامه وأطفأ

ــــــــــــ

(١) تاريخ بغداد: ٧/٧٩.

(٢) تاريخ بغداد: ٧/٨١.

(٣) تاريخ بغداد: ٧/٨٣.


نور عبرته بشهوات نفسه فكأنّما أعان هواه على هدم عقله، ومن هدم عقله أفسد عليه دينه ودنياه) .

٣ ـ(رحم الله من استحيا من الله حقّ الحيا، فحفظ الرأس وما حوى والبطن وما وعى وذكر الموت والبِلى وعلم أن الجنة محفوفة بالمكاره والنار محفوفة بالشهوات) .

٤ ـ(من رضي من الله بالدنيا فقد رضي بالخسيس) .

٥ ـ(من لم يعمل بالخطيئة أروح هماً ممّن عمل الخطيئة، وإن أخلص التوبة وأناب) .

٦ ـ(إنّ صغار الذنوب ومحقراتها من مكائد إبليس يحقّرها لكم ويصغّرها في أعينكم فتجتمع وتكثر وتحيط بكم) .

٧ ـ(إنّ الله حرّم الجنة على كلّ فاحش بذيء قليل الحياء لا يبالي ما قال ولا ما قيل فيه) (١) .

وللإمام الكاظمعليه‌السلام معالجة شاملة وأساسية ذات أسس قرآنية وتاريخية عريقة سوف تجدها بالتفصيل في وصيّته القيّمة لهشام في فصل تراثهعليه‌السلام .

الاتّجاه الثالث: الإمام الكاظم والتحدّيات الداخلية

وهنا ندرس بعض مواقف الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام من جملة من التحدّيات الداخلية التي كان لها تأثير سلبي مباشر على المذهب، ومنها تحدّيات السلطة لمرجعية الإمام العلمية.

الموقف الأول: إنّ موقف الإمام الكاظمعليه‌السلام من أخيه عبد الله (الأفطح) لم يكن موقفاً عدائياً سافراً رغم أنه ادّعى الإمامة لنفسه(٢) بعد أبيه. وهذا

ــــــــــــ

(١) تجد هذه النماذج وغيرها في فصل تراثه عليه‌السلام .

(٢) بصائر الدرجات: ٢٥١، ح ٤، وأصول الكافي: ١/٣٥١، ح ٧، واختيار معرفة الرجال: ٢٨٢ ح ٥٠٢، والإرشاد: ٢/٢٢١.


الادعاء الخطير يؤثر على الوجود الشيعي ومستقبله، فلم يكرّسعليه‌السلام كامل جهده وطاقاته لحلّ هذه المشكلة، ولم يسلك مساراً يضغط به من الخارج على الخصم، ولم يفرض على الصف الشيعي أن ينقسم إلى فريقين إلى أنصار وخصوم.

كما أنهعليه‌السلام لم يدخل الحرب النفسية ولا الكلامية وإنما عالج هذا الشرخ الجديد بأسلوب هادئ، وكفيل بعلاج هذه الأزمة. ويتضح ذلك مما يلي:

أوّلا: ترك للشيعة وعلمائها الحرية في أن تكتشف بنفسها كفاءة هذا المدّعي وعلميّته أو تكتشف غيرها من الطاقات فيما إذا كان يمتلكها، عن طريق الفحص المباشر، أو المقارنة بينه وبين الإمام موسىعليه‌السلام كما حدث مع مؤمن الطاق وهشام بن سالم الذين تقدم ذكرهما.

ثانياً: أبقى الإمامعليه‌السلام علاقته مع أخيه ودّية ولم يجعل من المشكلة سبباً للمقاطعة بدليل أنه دعاه للحضور في منزله كما تذكره الرواية التي سنذكرها بعد قليل.

ثالثاً: استخدم الإمامعليه‌السلام أسلوب المعجزة التي تميّزه عن عبد الله باعتبارهعليه‌السلام إماماً مفترض الطاعة فقامعليه‌السلام بإثبات ذلك أمام جمع من خواصّ الشيعة. فقد قال المفضّل بن عمر: لمّا قضى الصادقعليه‌السلام كانت وصيّته في الإمامة إلى موسى فادّعى أخوه عبد الله الإمامة وكان أكبر ولد جعفر في وقته ذلك هو المعروف بالأفطح فأمر موسىعليه‌السلام بجمع حطب كثير فيوسط داره فأرسل إلى أخيه عبد الله يسأله أن يصير إليه فلمّا صار عنده ومع موسىعليه‌السلام جماعة من وجوه الإمامية وجلس إليه أخوه عبد الله ، أمر موسىعليه‌السلام أن يجعل النار في ذلك الحطب كله فأحترق كله ولا يعلم الناس السبب فيه، حتى


صار الحطب كله جمراً ثم قام موسىعليه‌السلام بثيابه في وسط النار وأقبل يحدّث الناس ساعة، ثم قام فنفض ثوبه ورجع إلى المجلس، فقال لأخيه عبد الله:(إن كنت تزعم أنك الإمام بعد أبيك فاجلس في ذلك المجلس) ، فقالوا: رأينا عبد الله قد تغير لونه، فقام يجرّ رداءه حتى خرج من دار موسىعليه‌السلام (١) .

والجدير بالذكر أن الطائفة التي اتبعته قد رجع أكثرهم بعد ذلك إلى القول بإمامة أخيه (موسى الكاظم) لمّا تبيّنوا ضعف دعواه وقوّة رأي أبي الحسن (موسى الكاظم) ودلالة حقه، وبراهين إمامته(٢) .

الموقف الثاني: موقف الإمام موسىعليه‌السلام من العناصر التي تصدّت للمرجعية العلمية والدينية، وأصبحت فيما بعد مرجعاً عاماً يُدعم من قبل السلطان ويحظى برعايته، ليجعل منهم أدوات طيّعة تبرّر له سلوكه وخلافته.

وانطلاقاً من ضرورة الحفاظ على الصيغ الأصيلة ، ومخافة أن تتعرض الشريعة للتحريف بسبب الاتّجاهات والمناهج التي وجدت في مدرسة الخلفاء.

تصدّى الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام لتلك المناهج والاتّجاهات وحاول أن يسلبها الصيغة الشرعية الزائفة التي كان يتمتع بها أصحابها حينما جعلوا في مواقع الفتيا في الدولة.

قال يونس بن عبد الرحمن: قلت: لأبي الحسن الأول (وهو الإمام الكاظم): بِمَ أُوحد الله ؟

فقالعليه‌السلام :(يا يونس لا تكونن مبتدعاً، من نظر برأيه هلك، ومن ترك أهل بيت نبيّه ضلّ، ومن ترك كتاب الله وقول نبيّه كفر) (٣) .

ــــــــــــ

(١) الخرائج والجرائح: ١/٣٠٨، ح ٢ وعنه في بحار الأنوار: ٤٨ / ٦٧ و٤٧ / ٢٥١.

(٢) الإرشاد: ٢ / ٢١٠ ـ ٢١١.

(٣) أصول الكافي: ١ / ٥٦ ـ ٥٨.


وقال الإمام الكاظم في موضع آخر:(مالكم والقياس؟! إنمّا هلك من هلك من قبلكم بالقياس) (١) .

ولم يقتصر الإمامعليه‌السلام على إدانة هذا الاتّجاه فحسب وإنما حاول أن يعرّف مواقع الخطأ والانحراف بشكل تفصيلي.

فعن محمد الرافعي أنه قال: كان لي ابن عم يقال له (الحسن بن عبد الله) وكان زاهداً وكان من أعبد أهل زمانه، وكان يلقاه السلطان، وربّما استقبله بالكلام الصعب يعظه ويأمر بالمعروف، وكان السلطان يحتمل له ذلك لصلاحه.

فلم يزل على هذه الحالة، حتى كان يوماً دخل أبو الحسن موسىعليه‌السلام المسجد فرآه فأدناه إليه، ثم قال له: (يا أبا علي، ما أحبّ إليَّ ما أنت فيه وأسرّني بك، إلاّ أنه ليست لك معرفة، فاذهب فاطلب المعرفة .

قال: جعلت فداك وما المعرفة؟

قال:اذهب وتفقّه واطلب الحديث .

قال: عمن ؟

قال:عن مالك بن أنس وعن فقهاء أهل المدينة، ثم اعرض الحديث علي ّ.

قال: فذهب فتكلّم معهم، ثم جاءه فقرأه عليه فأسقطه كلّه)(٢) .

ــــــــــــ

(١) أصول الكافي: ١/٥٧، ح ١٦ وعنه في وسائل الشيعة: ٢٧/٤٢ ح ١٥.

(٢) بصائر الدرجات: ٢٥٤، و ط: ٢/٢٧٤، ح٦، وأصول الكافي: ١/٣٥٢، ح ٨ باسم محمد الواقفي، والإرشاد: ٢/٢٢٣ باسم الرافعي وعنه في إعلام الورى: ٢/١٨، ١٩، وكشف الغمة: ٣/١٣، ١٤، والخرائج والجرائح: ٢/٦٥٠ ح٢، وفي بحار الأنوار: ٤٨/٥٢، ح ٤٨ عن البصائر والإرشاد والإعلام والخرائج.


الاتّجاه الرابع: الإمام الكاظمعليه‌السلام وتركيز القيادة الشرعية السياسيّة

ركّز الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام على مسألة القيادة والولاية الشرعية المتمثّلة بالإمام المعصوم والموقف من القيادة السياسية المنحرفة، وتعريف الخواص بالإمامة والقيادة الحقة عبر أساليب تربويّة.

وفي هذا الاتجاه قام الإمامعليه‌السلام تعميقاً لهذا المعنى ـ بعدة نشاطات:

النشاط الأوّل: في المجال الفكري

فقد عمق الإمامعليه‌السلام الأسس والثوابت العقائدية والفكرية التي أسس لها الأئمةعليهم‌السلام من قبله، والتي تشكّل تحصينات وقائية تطرد بدورها الفكر المضاد والدخيل الذي تعتمده الخلافة العباسية في نظرية الحكم والتي تحاول به الخلط بين ما هو أصيل ودخيل بهدف تضليل الأمة بعد ما رفعت شعار الدعوة إلى الرضا من آل محمّد.

لذا أعطى الإمامعليه‌السلام مقياساً واضحاً تميّز به الأمة وتطبقه على كل من يدّعي القيادة والخلافة الشرعية.

فعن أبي بصير عن أبي الحسن الماضيعليه‌السلام قال: دخلت عليه فقلت له: جعلت فداك بم يعرف الإمام؟ فقال:(بخصال: أمّا أوّلهن فشيء تقدم من أبيه فيه، وعرّفه الناس، ونصّبه لهم علماً، حتى يكون حجّة عليهم؛ لأن رسول الله نصّب علياً عليه‌السلام علماً وعرّفه الناس، وكذلك الأئمة يعرّفونهم الناس وينصبونهم لهم حتى يعرفوه، ويسأل فيجيب، ويسكت عنه فيبتدي، ويخبر الناس بما في غد، ويكلّم الناس بكلّ لسان) (١) .

ــــــــــــ

(١) قرب الإسناد: ٢٦٥ ح ١٢٦٣، وأصول الكافي: ١/٢٨٥ ح ٧، والإرشاد: ٢/٢٢٤، ودلائل الإمامة: ١٦٩ وعن الإرشاد في إعلام الورى: ٢/٢٢، وفي بحار الأنوار: ٤٨/٤٧ ح ٣٣ عن قرب الإسناد والإرشاد والإعلام والخرائج.


وجاء عن أبي خالد الزبّالي أنه قال: (نزل أبو الحسنعليه‌السلام (موسى الكاظم) منزلنا في يوم شديد البرد في سنة مجدبة، ونحن لا نقدر على عود نستوقد به فقال:يا أبا خالد ائتنا بحطب نستوقد به .

قلت: والله ما أعرف في هذا الموضع عوداً واحداً.

فقال:كلاّ يا أبا خالد! ترى هذا الفجّ؟ خذ فيه فإنك تلقى أعرابياً معه حملان حطباً فاشترهما منه ولا تماسكه .

قال: فركبت حماري وانطلقت نحو الفجّ الذي وصف لي فإذا أعرابي معه حملان حطباً فاشتريتهما منه وأتيته بهما، فاستوقدوا منه يومهم ذلك. وأتيته بطرف ما عندنا فطعم منه.

ثم قال:يا أبا خالد! انظر خفاف الغلمان ونعالهم فأصلحها حتى نقدم عليك في شهر كذا وكذا .

قال أبو خالد: فكتبت تاريخ ذلك اليوم فركبت حماري في اليوم الموعود حتى جئت إلى لزق ميل(١) ونزلت فيه فإذا أنا براكب مقبل نحو القطار فقصدت إليه فإذا يهتف بي ويقول:يا أبا خالد! قلت: لبيك جعلت فداك. قال:أتراك وفيناك بما وعدناك؟ ثم قال:يا أبا خالد! ما فعلت بالقبتين اللتين كنا نزلنا فيهما؟ فقلت: جعلت فداك قد هيأتهما لك. وانطلقت معه حتى نزل في القبتين اللتين كان نزل فيهما.

ــــــــــــ

(١) اللزق بالكسر: اللصق يقال (هو بلزقي) أي بجنبي.


ثم قال:ما حال خفاف الغلمان ونعالهم؟ قلت: قد أصلحناها فأتيته بهما. فقالعليه‌السلام :يا أبا خالد سلني حاجتك؟ فقلت: جعلت فداك أخبرك بماكنت فيه. كنت زيدي المذهب حتى قدمت عليّ وسألتني الحطب، وذكرت مجيئك في يوم كذا، فعلمت أنك الإمام الذي فرض الله طاعته. فقالعليه‌السلام :يا أبا خالد من مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية وحوسب بما عمل في الإسلام )(١) .

النشاط الثاني: في المجال العملي

كان الإمامعليه‌السلام يحاسب شيعته وأتباعه المتعاطفين مع الحكّام والولاة ولا يسمح لهم بالانخراط في دائرة الظالمين وأعوان الظالمين إلاّ في موارد خاصة كان هو الذي يأمر بها ويشرف على سيرها وتصرّفاتها.

قال زياد بن أبي سلمة دخلت على أبي الحسن موسىعليه‌السلام فقال لي:يا زياد، إنك لتعمل عمل السلطان ؟ قال: قلت أجل: قال لي:ولم؟! قلت: أنا رجل لي مروّة وعليّ عيال وليس وراء ظهري شيء. فقال لي:يا زياد لان أسقط من على حالق (المكان الشاهق)فأقطّع قطعة قطعة، أحب إليّ من أن أتولّى لأحد منهم عملا أو أطأ بساط رجل منهم، إلاّ ، لماذا ؟ قلت: لا أدري جعلت فداك. قال:إلاّ لتفريج كربة عن مؤمن، أو فكّ أسره، أو قضاء دينه.

ــــــــــــ

(١) مناقب آل أبي طالب: ٤/٣١٩ وعنه في بحار الأنوار: ٤٨ / ٧٧.


يا زياد! إنّ أهون ما يصنع الله بمن تولّى لهم عملاً أن يضرب عليه سرادقاً من نار إلى أن يفرغ من حساب الخلائق. يا زياد! فان وليت شيئاً من أعمالهم، فأحسن إلى إخوانك، فواحدة بواحدة والله من وراء ذلك. يا زياد! أيّما رجل منكم تولى لأحد منهم عملاً، ثم ساوى بينكم وبينهم، فقولوا له: أنت منتحل كذاب. يا زياد! إذا ذكرت مقدرتك على الناس فاذكر مقدرة الله عليك غداً ونفاذ ما أتيت إليهم عنهم، وبقاء ما أتيت إليهم عليك) (١) .

ويأتي إخبار الإمام الكاظمعليه‌السلام بأمور مستقبليّة ـ مثل إخباره بموت المنصور قبل تحقّقه وهو في أوج قدرته ـ دليلاً عمليّاً وحسيّاً آخر على مبدأ إمامته، فضلاً عن ما يفرزه هذا الإخبار بالمستقبل من آمال بانفراج الأزمة التي كانت تتمثّل في عتوّ المنصور وجبروته.

الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام يخبر بموت المنصور

وأراد أبو جعفر المنصور الذهاب إلى مكة ـ وذلك قبيل وفاته ـ فأخبر الإمامعليه‌السلام بعض خواص الشيعة بموته قبل أن يصل إليها. وفعلاً مات قبل الوصول إليها كما أخبر به الإمامعليه‌السلام .

قال علي بن أبي حمزة: سمعت أبا الحسن موسىعليه‌السلام يقول: (لا والله لا يرى أبو جعفر بيت الله أبداً . فقدمت الكوفة فأخبرت أصحابنا، فلم نلبث أن خرج فلمّا بلغ الكوفة قال لي أصحابنا في ذلك فقلت: لا والله لا يرى بيت الله أبداً. فلما صار إلى البستان اجتمعوا أيضاً إليَّ فقالوا: بقي بعد هذا شيء ؟ قلت: لا والله لا يرى بيت الله أبداً.

ــــــــــــ

(١) الكافي: ٥ / ١٠٩ ـ ١١٠ وعنه في بحار الأنوار: ٤٨ / ١٧٢.


فلما نزل بئر ميمون أتيت أبا الحسنعليه‌السلام فوجدته في المحراب قد سجد فأطال السجود ثم رفع رأسه إليَّ فقال:اخرج فانظر ما يقول الناس . فخرجت فسمعت الواعية على أبي جعفر فأخبرته. قال:الله أكبر ! ما كان ليرى بيت الله أبداً )(١) .

وهكذا انتهت حياة المنصور العبّاسي واستولى على الحكم من بعده ابنه المهدي وذلك في سنة (١٥٨ هـ) ، وبذلك بدأ عهد سياسي جديد له ملامحه وخصائصه. وسوف نرى مواقف الإمام الكاظمعليه‌السلام الرساليّة في هذا العهد الجديد.

الفصل الثّالث: الإمام الكاظمعليه‌السلام وحكومة المهدي العبّاسي

ملامح عهد المهديّ العباسيّ

ويمكن أن نوجز ملامح حكومته وعهده فيمايلي:

أولا: لم يطرأ على سياسية الخليفة العبّاسي المهدي أيّ تغيير يعول عليه، فقد التزم بالنهج العبّاسي كخط ثابت واستوحى منه ما يجب أن يعمله من تفصيلات قد تستحدث أثناء سلطته، وسار على ما سار عليه الخلفاء العبّاسيون من قبله، نعم طرأ بعض التغيير لصالح العلويين بعد ذلك التضييق الشديد من المنصور على العلويين فكانت مصلحة الحكم تقتضي شيئاً من المرونة، الأمر الذي دعا الإمامعليه‌السلام أن يستغل هذه المرونة التي اتّخذها المهدي العبّاسي لصالح أتباعه وتوسعة نشاطه ومحاور تحرّكه.

ثانياً: إنّ المرونة التي طرأت على سياسة المهدي العبّاسي مع العلويين كانت في بداية حكمه وتمثلت فيما أصدره من عفو عام عن جميع المسجونين وفي ردّ جميع الأموال المنقولة وغير المنقولة والتي كان قد صادرها أبوه ظلماً وعدواناً إلى أهلها، فردّ على الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام ما صادره أبوه من أموال الإمام الصادقعليه‌السلام .

ــــــــــــ

(١) قرب الإسناد: ٢٦٤ ح ١٢٥٩ وعنه في بحار الأنوار: ٤٨ / ٤٥.


ثالثاً: بعد أن نشط الإمامعليه‌السلام وذاع صيته خلال حكم المهدي استخدم المهدي سياسة التشدد على الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام ، فلقد استدعاه إلى بغداد وحبسه فيها ثم ردّه إلى المدينة(١) .

وكان ذلك في أواخر حكم المهدي تقريباً. كما خطط في هذه المرّة لقتل الإمام عن طريق حميد بن قحطبة، حيث دعا المهدي حميد بن قحطبة نصف الليل وقال: إنّ إخلاص أبيك وأخيك فينا أظهر من الشمس، وحالك عندي موقوف. فقال: أفديك بالمال والنفس، فقال : هذا لسائر الناس. قال: أفديك بالروح والمال والأهل والولد، فلم يجبه المهدي. فقال أفديك بالمال والنفس والأهل والولد والدين فقال: لله درّك. فعاهده المهديّ على ذلك وأمره بقتل الإمام الكاظمعليه‌السلام في السُحرة(٢) بغتة، فنام فرأى في منامه علياً يشير إليه ويقرأ:( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ) (٣) . فانتبه مذعوراً، ونهى حميداً عمّا أمره، وأكرم الإمام الكاظمعليه‌السلام ووصله(٤) .

رابعاً: شجّع المهدي الوضّاعين في زمنه فقام هؤلاء بدور إعلامي تضليلي فأحاطوا السلاطين بهالة من التقديس وأبرزوهم في المجتمع

ــــــــــــ

(١) قرب الإسناد: ١٤٠ ، البحار: ٤٨ / ٢٢٨ ح ٣٢ وأخرجه المالكي في الفصول المهمة: ٢١٦ والشبلنجي في نور الأبصار: ١٦٥.

(٢) السُحرة بالضم: السحر.

(٣) محمد (٤٧): ٢٢.

(٤) المناقب: ٤ / ٣٢٥ وعنه في بحار الأنوار: ٤٨ / ١٣٩ ح١٥ ، تاريخ بغداد: ١٣ / ٣٠ ، وعنه في تذكرة الخواص: ٣١٣ ووفيات الأعيان: ٥ / ٣٠٨.


على أنهم يمثلون إرادة الله في الأرض وأن الخطأ لا يمسّهم فمثل غياث بن إبراهيم الذي عرف هوى المهدي في الحَمام وعشقه لها فحدّثه عن أبي هريرة أنه قال: لا سبق إلاّ في حافر أو نصل ـ وزاد فيه ـ أو جناح. فأمر له المهدي عوض افتعاله للحديث بعشرة آلاف درهم، ولمّا ولّى عنه قال لجلسائه: أشهد أنه كذب على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما قال رسول الله ذلك ولكنه أراد أن يتقرب إليَّ(١) .

وأسرف المهدي في صرف الأموال الضخمة من أجل انتقاص العلويين والحطّ من شأنهم فتحرّك الشعراء والمنتفعون وأخذوا يلفّقون الأكاذيب في هجاء العلويين ومن جملة هؤلاء الزنديق مروان بن أبي حفصة الذي دخل على المهدي ذات يوم وأنشده قائلاً:

يا ابن الذي ورث النبي محمداً

دون الأقارب من ذوى الأرحام

الوحي بين بني البنات وبينكم

قطع الخصام فلات حين خصام

ما للنساء مع الرجال فريضة

نزلت بذلك سورة الأنعام

أنى يكون وليس ذاك بكائن

لبني البنات وراثة الأعمام

فأجازه المهدي على ذلك بسبعين ألف درهم تشجيعاً له ولغيره على انتقاص أهل البيتعليهم‌السلام .

ولمّا سمع الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام بقصيدة مروان تأثّر أشدّ التأثّر، وفي الليل سمع هاتفاً يتلو عليه أبياتاً تجيب على أبيات بشار وهي:

ــــــــــــ

(١) تاريخ بغداد: ٢ / ١٩٣.


أنى يكون ولا يكون ولم يكن

للمشركين دعائم الإسلام

لبني البنات نصيبهم من جدهم

والعم متروك بغير سهام

ما للطليق وللتراث وإنما

سجد الطليق مخافة الصمصام

وبقي ابن نثلة واقفاً متلدداً

فيه ويمنعه ذوو الأرحام

إنّ ابن فاطمة المنوّه باسمه

حاز التراث سوى بني الأعمام(١)

خامساً: لقد شاع اللهو وانتشر المجون وسادت الميوعة والتحلّل في حكم المهدي العباسي. وبلغ المهدي حسن صوت إبراهيم الموصلي وجودة غنائه فقرّبه إليه وأعلى من شأنه(٢) .

ولقد استغرق المهدي في المجون واللهو وظن الناس به الظنون واتهموه بشتى التهم والى ذلك أشار بشار بن برد في هجائه إياه.

خليفة يزني بعمّاته

يلعب بالدف وبالصولجان

أبدلنا الله به غيره

ودسّ موسى في حر الخيزران(٣)

سادساً: إنّ جميع ما أخذه المنصور من أبناء الأمة ظلماً وعدواناً وجمعه في خزانته وبخل عن بذله لإعمار البلاد وإصلاح حال الأمة قد بذله المهدي على شهواته حتى أسرف في ذلك بالرغم من كل ما شاهد من البؤس والفقر التي كانت حاضرة أمام الناظرين أيّام حكومته.

وقد روي من بذخه وإسرافه ما بذله لزواج ابنه هارون من زبيدة حتى قال معتز عن بدلة ليلة الزفاف: بأن هذا شيء لم يسبق إليه أكاسرة الفرس ولا قياصرة الروم ولا ملوك الغرب(٤) .

ــــــــــــ

(١) الاحتجاج للطبرسي: ٢/١٦٧، ١٦٨.

(٢) الأغاني: ٥ / ٥.

(٣) شذرات الذهب: ١ / ٣٦٥.

(٤) راجع حياة الإمام موسى بن جعفر عليه‌السلام : ١ / ٤٣٩ ـ ٤٤٠.


سابعاً: إن السفّاح والمنصور لم يسمحا لنسائهما بالتدخل في شؤون الدولة ولكن المهدي لمّا استولى على الحكم بدأ سلطان المرأة ينفذ إلى البلاط فزوجته الخيزران أصبحت ذات نفوذ قوي على القصر تقرب من تشاء وتبعّد من تشاء. ومن هذا العصر أخذ نفوذ المرأة يزداد ويقوى في بلاط الحكّام العباسيين حتى بلغ نهايته في أواسط العهد العباسي واستمر حتى نهاية حكمهم(١) .

ثامناً: إن انشغال المهدي باللهو من جانب وحاجته إلى الأموال من جانب آخر شجّع عمّاله على نهب الأموال وسلب ثروات الأمة حتى انتشرت الرشوة عند الموظّفين وتشدّد ولاته في أخذ الخراج. بل عمد المهدي نفسه إلى الاجحاف بالناس فأمر بجباية أسواق بغداد وجعل الأجرة عليها(٢) .

هذه هي بعض الظواهر التي جاء بها عصر المهدي لتضيف كاهلاً آخر للتركة التاريخية المؤلمة التي خلفها بنو العباس والأمويون من قبلهم على الأمة.

وقد نشط الإمام الكاظمعليه‌السلام مستغلاً هذه الفرصة المحدودة فكان برنامجه يتوزّع على خطين:

١ ـ خط التحرك العام في دائرة الأمة والانفتاح عليها بهدف إصلاحها ضمن صيغ وأساليب سياسية وتربوية من شأنها إعادة الأمة إلى وعيها الإسلامي وقيمها الرسالية .

٢ ـ خط بناء الجماعة الصالحة وتأصيل الامتداد الشيعي فتوجّه خلال هذهِ الفترة القصيرة بكل قوة نحو هذا الخط حتى جاء دور الرشيد فضيّق على الإمامعليه‌السلام وسجنه ثم قام بتصفية نشاطه وحياتهعليه‌السلام .

ــــــــــــ

(١) حياة الإمام موسى بن جعفر عليه‌السلام : ١ / ٤٤١.

(٢) تاريخ اليعقوبي: ٢ / ٣٩٩.


النشاط العام للإمام الكاظمعليه‌السلام

كان الغالب على حياة الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام عدم الانفتاح على الأُمة في حركته العامة.

وجاءت هذه المحدودية في الانفتاح على الأُمة بسبب تشدّد الخلفاء العباسيين ومراقبة أجهزتهم التجسسية له التي كانت تشك في أيّ حركة تصدر منهعليه‌السلام .

ومع ذلك فقد تنوّعت نشاطات الإمام في مجالات شتّى يمكن أن نشير إليها فيما يلي:

١ ـ المجال السياسي:

قام الإمامعليه‌السلام بتوضيح موقفه تجاه الخلفاء والخلافة للأمة، وان كلفه الموقف ثمناً قد يؤدّي بحياته.

لقد كان هذا التحرك من الإمامعليه‌السلام لئلا يتسرّب الفهم الخاطئ للنفوس ويكون تقريراً منه للوضع الحاكم أو يُتخذ سكوته ذريعة لتبرير المواقف الانهزامية.

من هنا نجد للإمامعليه‌السلام المواقف التالية:

الموقف الأول: لقد ذكرنا بأن المهدي العباسي عند تسلّمه زمام الحكم من أبيه المنصور أبدى سياسة مرنة مع العلويين أراد بها كسبهم وحاول أن ينسب من خلالها المظالم العبّاسية إلى العهد البائد، ويوحي من جانب قوة الخلافة وشرعيتها وعدالتها عندما أعلن إعادة حقوق العلويين لهم وأصدر عفواً عاماً للمسجونين، وأرجع أموال الإمام الصادقعليه‌السلام إلى الإمام الكاظمعليه‌السلام .

من هنا وجد الإمامعليه‌السلام فرصته الذهبية لاستغلال هذه البادرة فبادر بمطالبة المهدي بإرجاع فدك باعتبارها تحمل قيمة سياسية ورمزاً للصراع التأريخي بين خط السقيفة وخط أهل البيتعليهم‌السلام .


فدخل على المهدي فرآه مشغولاً بردّ المظالم فقال له الإمامعليه‌السلام : (ما بال مظلمتنا لا ترد ؟! فقال المهدي: وما ذاك يا أبا الحسن ؟ قال: إنّ الله تبارك وتعالى لمّا فتح على نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فدك وما والاها لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فأنزل الله على نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) (١) فلم يدر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من هم ؟ فراجع في ذلك جبرئيل وراجع جبرئيلعليه‌السلام ربّه فأوحى الله إليه : أنْ ادفع فدك إلى فاطمةعليها‌السلام .

فدعاها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال لها: يا فاطمة ، إنّ الله أمرني أن أدفع إليك فدك، فقالت: قد قبلت يا رسول الله من الله ومنك. فلم يزل وكلاؤها فيها في حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلمّا ولّى أبو بكر أخرج عنها وكلاءها فأتته فسألته أن يردّها عليها فقال لها: ائتيني بأسود أو أحمر يشهد بذلك، فجاءت بأمير المؤمنينعليه‌السلام وأم أيمن فشهدا لها، فكتب لها بترك التعرّض فخرجت والكتاب معها. فلقيها عمر فقال: ما هذا معك يا بنت محمد؟ قالت: كتاب كتبه لي ابن أبي قحافة، قال: أرينيه فأبت، فانتزعه من يدها ونظر فيه ثم تفل فيه ومحاه وخرقه، فقال لها: هذا لم يوجف عليه أبوك بخيل ولا ركاب فضعي الجبال في رقابنا.

فقال له المهدي: حدّها لي.

فقالعليه‌السلام :حدّ منها جبل أحد، وحد منها عريش مصر، وحد منها سيف البحر، وحدّ منها دومة الجندل .

فقال المهدي: كل هذه حدود فدك ؟ !

فقال له الإمامعليه‌السلام :نعم يا أمير المؤمنين هذا كلّه، إنّ هذا كله ممّا لم يوجف أهله على رسول الله بخيل ولا ركاب .

ــــــــــــ

(١) الإسراء (١٧): ٢٦.


فتغيّر المهدي وبدا الغضب على وجهه حيث أعلن له الإمامعليه‌السلام أنّ جميع أقاليم العالم الإسلامي قد أخذت منهم، فانطلق قائلاً: هذا كثير وأنظر فيه)(١) .

الموقف الثاني: في هذه المرحلة كان الإمامعليه‌السلام حريصاً على تماسك الوجود الشيعي في وسط المجتمع الإسلامي ووحدة صفه، لأن الظروف الصعبة، تشكّل فرصة لنفوذ النفوس الضعيفة والحاقدة بقصد التخريب.

وظاهرة القرابة والمحسوبية كانت أهم الركائز التي اعتمد عليها بناء الحكم العبّاسي، وكانت هي الحاكمة فوق كل المقاييس.

لذا نجد موقف الإمامعليه‌السلام من خطورة هذه الظاهرة كان حاسماً، إذ نراه يعلن عن مقاطعة عمّه محمّد بن عبد الله الأرقط أمام الناس تطهيراً للوجود الشيعي من أيّ عنصر مضر مهما كان نسبه قريباً من الإمامعليه‌السلام ، فلم يسمح له بالتسلق وصولا للمواقع أو استغلالاً لها.

فعن عمر بن يزيد قال: كنت عند أبي الحسنعليه‌السلام فذكر محمد بن عبد الله الأرقط فقال: (إني حلفت أن لا يظلّني وإيّاه سقف بيت . فقلت في نفسي: هذا يأمر بالبرّ والصلة ويقول هذا لعمّه !

قال: فنظر إليَّ فقال:هذا من البر والصلة، إنّه متى يأتيني ويدخل عليّ فيقول

ــــــــــــ

(١) أصول الكافي: ١ / ٥٤٣ ح٢ ، بحار الأنوار: ٤٨ / ١٥٦. ونقل السبط في تذكرة الخواص: ٣١٤ عن ربيع الأبرار للزمخشري: أن ذلك لم يكن من المهدي بل من هارون كان يقول لموسى الكاظم: خذ فدكاً، وهو يمتنع ويقول: إنّ حددتها لم تردها؟ ، فلمّا ألحّ عليه قال: ما أخذها إلاّ بحدودها ، قال: وما حدودها؟ فقال... فعند ذلك استلفى أمره وعزم على قتله.


يصدّقه الناس وإذا لم يدخل عليّ، لم يقبل قوله إذا قال )(١) .

وزاد في رواية إبراهيم بن المفضّل بن قيس:(فإذا علم الناس أن لا أُكلّمه لم يقبلوا منه وأمسك عن ذكرى فكان خيراً له) (٢) .

الموقف الثالث: هو موقف الإمام الكاظمعليه‌السلام من ثورة الحسين بن علي ابن الحسن ـ صاحب ثورة فخ ـ بن الحسن المثنى بن الحسن المجتبىعليه‌السلام .

إن الإمام الكاظمعليه‌السلام بالرغم من امتداد شيعة أبيه في أرجاء العالم الإسلامي لم يعمل في هذه المرحلة بصيغة المواجهة المسلّحة طيلة أيام حياته، حتى أعلن عن موقفه هذا من حكومة المهدي عندما حبسه المهدي ورأى الإمام علياًعليه‌السلام في عالم الرؤيا وقصّ رؤياه على الإمامعليه‌السلام وقرر إطلاق سراحه، قال له: أفتؤمنني أن تخرج عليّ أو على أحد من ولدي؟ فقال الإمامعليه‌السلام :(والله لا فعلت ذلك ولا هو من شأني) (٣) .

وهذا الموقف للإمامعليه‌السلام بقي كما هو مع حكومة موسى الهادي لأسباب موضوعية سبقت الإشارة إلى بعضها إلاّ أن الإمامعليه‌السلام مارس دور الإسناد والتأييد لثورة الحسين ـ صاحب فخ ـ من أجل تحريك ضمير الأُمة والإرادة الإسلامية ضد التنازل المطلق عن شخصيتها وكرامتها للحكام المنحرفين.

ولمّا عزم الحسين على الثورة قال له الإمامعليه‌السلام :(إنّك مقتول فأحدّ الضراب فإنّ القوم فسّاق يظهرون إيماناً ويضمرون نفاقاً وشركاً فإنّا لله وإنّا إليه راجعون

ــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٤٨ / ١٦٠ عن بصائر الدرجات: ٦٤ ب ١٠ ح ٥.

(٢) بحار الأنوار: ٤٨ / ١٥٩ عن قرب الاسناد: ٢٣٢ ح ١١٧٤.

(٣) تاريخ بغداد، وعنه في تذكرة الخواص: ٣١١ ومطالب السؤول لابن طلحة الشافعي: ٨٣ وعن الجنابذي في كشف الغمة: ٣/٢ ـ ٣ وعنه في بحار الأنوار: ٤٨/١٤٨ ح ٢٢.


وعند الله أحتسبكم من عُصبة) (١) .

ولمّا سمع الإمام الكاظم بمقتل الحسين رضي الله عنه بكاه وأبّنه بهذه الكلمات:(إنّا لله وإنا إليه راجعون ، مضى والله مسلماً صالحاً، صوّاماً قوّاماً، آمراً بالمعروف ، ناهياً عن المنكر، ما كان في أهل بيته مثله) (٢) .

٢ ـ المجال الأخلاقي والتربوي:

لقد أشاع الحكّام العبّاسيون أخلاقاً وممارسات جاهلية أصابت القيم والأخلاق الإسلامية بالاهتزاز وعرّضت المثل العليا للضياع.

وهذا المخطط كان يستهدف المسخ الحضاري للأمة الإسلامية ولم يكن حالة عقوبة أفرزتها نزوة الخليفة فقط وإنما هي ذات رصيد تأريخي وجزء من تخطيط جاهلي هادف لتغيير معالم الحضارة والأمة الإسلامية التي ربّاها القرآن العظيم والرسول الكريم.

من هنا واجه الإمامعليه‌السلام هذا المخطط بأسلوب أخلاقي يتناسب مع أهداف الرسالة يذكّر الأُمة بأخلاقية الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويعيد لها صوراً من مكارم أخلاقه.

هنا نشير إلى نماذج من نشاطه:

النموذج الأول: عن حماد بن عثمان قال: بينا موسى بن عيسى في داره التي تشرّف على المسعى، إذ رأى أبا الحسن موسىعليه‌السلام مقبلاً من المروة على بغلة فأمر ابن هيّاج ـ رجل من همدان منقطعاً إليه ـ أن يتعلّق بلجامه ويدّعي البغلة، فأتاه فتعلّق باللجام وادعّى البغلة، فثنى أبو الحسنعليه‌السلام رجله فنزل عنها

ــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٤٨ / ١٦٥ عن مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني.

(٢) أصول الكافي: ١/٣٦٦ وعنه في بحار الأنوار: ٤٨ / ١٦١، ح ٦.


وقال لغلمانه: خُذوا سرجها وادفعوها إليه، فقال والسرج أيضاً لي، فقال له أبو الحسنعليه‌السلام :(كذبت عندنا البيّنة بأنه سرج محمد بن علي، وأمّا البغلة فانا اشتريتها منذ قريب وأنت أعلم وما قلت) (١) .

النموذج الثاني: خرج عبد الصمد بن علي ومعه جماعة فبصر بأبي الحسنعليه‌السلام مقبلاً راكباً بغلاً، فقال لمن معه: مكانكم حتى أضحككم من موسى بن جعفر، فلما دنا منه قال له: ما هذه الدابّة التي لا تدرك عليها الثأر، ولا تصلح عند النزال؟ فقال له أبو الحسنعليه‌السلام :(تطأطأت عن سموّ الخيل وتجاوزت قموء العير، وخير الأمور أوسطها) . فافحم عبد الصمد فما أحار جواباً(٢) .

النموذج الثالث: عن الحسن بن محمد: أن رجلاً من ولد عمر بن الخطاب كان بالمدينة يؤذي أبا الحسنعليه‌السلام فكان يسبّه إذا رآه ويشتم علياًعليه‌السلام . وقد لاحظنا حسن تعامل الإمام معه وكيف أدّى ذلك إلى صلاح رؤيته وتعامله مع الإمامعليه‌السلام (٣) .

٣ ـ المجال العلمي

١ ـ قال أبو يوسف للمهدي ـ وعنده موسى بن جعفرعليه‌السلام ـ: (تأذن لي أن أسأله عن مسائل ليس عنده فيها شيء؟ فقال له: نعم. فقال لموسى بن جعفرعليه‌السلام أسألك ؟ قال:نعم .

قال: ما تقول في التظليل للمحرم؟ قال:لا يصلح . قال: فيضرب الخباء في الأرض ويدخل البيت؟ قال:نعم .

ــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٤٨ / ١٤٨، ح ٢٣ عن فروع الكافي: ٨/ ٨٦.

(٢) بحار الأنوار: ٤٨ / ١٥٤ / ح٢٦ عن فروع الكافي: ٦/٥٤٠.

(٣) راجع الفصل الثالث من الباب الأوّل، مبحث حلمه عليه‌السلام ص ٣٤ من هذا الكتاب.


قال: فما الفرق بين هذين؟ قال أبو الحسنعليه‌السلام :ما تقول في الطامث أتقضي الصلاة؟ قال: لا. قال:فتقضي الصوم ؟ قال: نعم ، قال:ولم؟ قال: هكذا جاء. قال أبو الحسنعليه‌السلام :وهكذا جاء هذا . فقال المهدي لأبي يوسف: ما أراك صنعت شيئاً ؟! قال: رماني بحجر دامغ)(١) .

٢ ـ وكان أحمد بن حنبل يروي عن الإمام موسى بن جعفر عن أبيه حتى يسنده إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم يقول: وهذا إسناد لو قرئ على مجنون أفاق)(٢) .

٣ ـ وحجّ المهدي فصار في قبر (قصر)(٣) العبادي ضجّ الناس من العطش فأمر أن يحفر بئر فلمّا بدا قريباً من القرار هبّت عليهم ريح من البئر فوقعت الدلاء ومنعت من العمل فخرجت الفعلة خوفاً على أنفسهم.

فأعطى علي بن يقطين لرجلين عطاءً كثيراً ليحفرا فنزلا فأبطأ ثم خرجا مرعوبين قد ذهبت ألوانهما فسألهما عن الخبر. فقالا: إنا رأينا آثاراً وأثاثاً ورأينا رجالاً ونساءً فكلما أومأنا إلى شيء منهم صار هباءً، فصار المهدي يسأل عن ذلك ولا يعلمون.

فقال موسى بن جعفرعليه‌السلام :(هؤلاء أصحاب الأحقاف غضب الله عليهم

ــــــــــــ

(١) عيون أخبار الرضا: ١ / ٧٨ وعنه في بحار الأنوار: ٨١ / ١٠٨. ونقله في المناقب: ٤/٣٣٨ عن الفقيه، وليس فيه لا في الحيض ولا في التظليل! وفي الكنى والألقاب: ١/١٨٨ عن الكليني. ونقل نحوه المفيد في الإرشاد: ٢/٢٣٥ عن محمّد بن الحسن الشيباني بمحضر الرشيد، ورواهما في الاحتجاج: ٢ / ١٦٨.

(٢) المناقب: ٤ / ٣٤١.

(٣) قبر العبادي: منزل في طريق مكة من القادسية إلى الغُديب: وفي الاحتجاج: (قصر العبادي): ٢ / ٣٣٣.


فساخت بهم ديارهم وأموالهم) (١) .

٤ ـ وعن هشام بن الحكم قال موسى بن جعفرعليه‌السلام لأبرهة النصراني:(كيف علمك بكتابك ؟ قال: أنا عالم به وبتأويله. فابتدأ موسى عليه‌السلام يقرأ الإنجيل. فقال أبرهة: والمسيح لقد كان يقرأها هكذا، وما قرأ هكذا إلاّ المسيح وأنا كنت أطلبه منذ خمسين سنة، فأسلم على يديه) (٢) .

٥ ـ وقال الشيخ المفيد: وقد روى الناس عن أبي الحسنعليه‌السلام فأكثروا، وكان أفقه أهل زمانه وأحفظهم لكتاب الله وأحسنهم صوتاً بالقرآن(٣) .

٦ ـ أمر المهدي بتوسعة المسجد الحرام والجامع النبوي سنة (١٦١ هـ) فامتنع أرباب الدور المجاورين للجامعين من بيعها على الحكومة وقال فقهاء عصره بعدم جواز إجبارهم على ذلك فأشار عليه علي بن يقطين أن يسأل الإمام موسى بن جعفر عن ذلك فجاء جواب الإمام ما نصه بعد البسملة:(إن كانت الكعبة هي النازلة بالناس فالناس أولى ببنائها، وإن كان الناس هم النازلون بفناء الكعبة فالكعبة أولى بفنائها) ، ولمّا انتهى الجواب إلى المهدي أمر بهدم الدور وإضافتها إلى ساحة المسجدين(٤) .

٧ ـ طلب المهدي من الإمام الكاظمعليه‌السلام أن يستدل له على تحريم الخمر من كتاب الله تعالى قائلاً له: (هل الخمر محرّمة في كتاب الله؟ فإن الناس إنّما يعرفونها ولا يعرفون التحريم. فقال الإمامعليه‌السلام :بل هي محرمة في كتاب الله . فقال المهدي في أي موضع هي محرّمة ؟ فقالعليه‌السلام :قوله عزّ وجلّ: ( إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ) واستشهد على أن (الإثم) هي الخمرة بعينها بقوله تعالى: ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ) . فالإثم في كتاب الله هو الخمر والميسر وإثمهما كبير، كما قال الله عزّ وجلّ ).

ــــــــــــ

(١) مناقب آل أبي طالب: ٤/٣٣٦ وعنه في بحار الأنوار: ٤٨ / ١٠٤ وفي الاحتجاج: ٢/١٥٩ ـ ١٦١ أكثر تفصيلاً.

(٢) مناقب آل أبي طالب: ٤/٣٣٥ وعنه في بحار الأنوار: ٤٨ / ١٠٤.

(٣) الارشاد: ٢/ ٣٣٥ وعنه في كشف الغمة: ٣/٢٠.

(٤) حياة الإمام موسى بن جعفر عليه‌السلام : ١ / ٤٥١ ـ ٤٥٢.


والتفت المهدي إلى علي بن يقطين قائلاً له: هذه والله فتوى هاشمية. فقال علي بن يقطين: صدقت والله ياأمير المؤمنين. الحمد لله الذي لم يخرج هذا العلم منكم أهل البيت. فلذعه هذا الكلام فلم يملك صوابه فاندفع قائلاً: صدقت يا رافضي)(١) .

الإمام الكاظمعليه‌السلام وبناء الجماعة الصالحة

كرّس الإمام الكاظمعليه‌السلام جهده لإكمال بناء الجماعة الصالحة التي يهدف من خلالها إلى الحفاظ على الشريعة من الضياع ويطرح النموذج الصالح الذي يتولّى عملية التغيير والبناء في الأُمة، حيث مارس الإمامعليه‌السلام تحرّكاً مشهوداً في هذا المجال وقدّم للأمة النموذج الصالح الذي صنعته مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام .

أولاً: تركيز الانتماء لخط أهل البيتعليهم‌السلام

١ ـ الانتماء السياسي: ركّز الإمامعليه‌السلام على بعد الانتماء لخطّ أهل البيتعليهم‌السلام ولا سيّما الانتماء السياسي لهم وتحرك الإمام على مستوى تجويز اندساس بعض أتباعه في جهاز السلطة الحاكمة، وأبرز مثال لذلك توظيف علي بن يقطين ووصوله إلى مركز الوزارة; وذلك لتحقيق عدّة أهداف في هذه المرحلة السياسية الحرجة وهي كما يلي:

الهدف الأول: الإحاطة بالوضع السياسي

إنّ الاقتراب من أعلى موقع سياسي، من أجل الإحاطة بالمعلومات السياسية وغيرها التي تصدر من البلاط الحاكم أمر ضروري جدّاً وذلك ليتخذ التدابير والحيطة اللازمة لئلاّ يتعرّض الوجود الشيعي للإبادة أو الانهيار. والشاهد على ذلك: أنه لمّا عزم موسى الهادي على قتل الإمام موسىعليه‌السلام بعد ثورة الحسين ـ صاحب فخ ـ وتدخل أبو يوسف القاضي في تغيير رأي الهادي عندما قال له بأن موسى الكاظمعليه‌السلام لم يكن مذهبه الخروج ولا مذهب أحد من ولده حيث استطاع أبو يوسف أن يقنع الخليفة.

ــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٤٨ / ١٤٩.


هنا كتب علي بن يقطين إلى أبي الحسن موسى بن جعفرعليه‌السلام بصورة الأمر(١) من أجل أن يكون الإمام على علم بنشاطاته وسترى في المرحلة التالية الدور الفاعل الذي لعبه علي بن يقطين في خلافة الرشيد لمصالح الإمام الكاظمعليه‌السلام والشيعة الموالين له.

ــــــــــــ

(١) مهج الدعوات: ٢٢٩ / ح١، عوالم العلوم والمعارف والأحوال: ٣٦٦.


الهدف الثاني: قضاء حوائج المؤمنين

إنّ قضاء حوائج المؤمنين بخطّ أهل البيت والذين يعيشون في ظل دولة ظالمة تطاردهم وتريد القضاء على وجودهم يشكّل هدفاً مهمّاً يصب في رافد بقاء واستمرار وجود هذه الجماعة الصالحة.

وقد طلب علي بن يقطين من الإمام الكاظمعليه‌السلام التخلي عن منصبه أكثر من مرة، وقد نهاه الإمامعليه‌السلام قائلاً له:(يا علي إنّ لله تعالى أولياء مع أولياء الظلمة ليدفع بهم عن أوليائه وأنت منهم يا علي) (١) .

وقال له في مرة أخرى:(لا تفعل فإن لنا بك أُنساً ولإخوانك بك عزّاً وعسى الله أن يجبر بك كسيراً أو يكسر بك نائرة المخالفين عن أوليائه. يا علي ، كفارة أعمالكم الإحسان إلى إخوانكم اضمن لي واحدة أضمن لك ثلاثاً، اضمن لي أن لا تلقى أحداً من أوليائنا إلاّ قضيت حاجته وأكرمته أضمن لك أن لا يظلك سقف سجن أبداً ولا ينالك حد السيف أبداً ولا يدخل الفقر بيتك أبداً...) (٢) .

وعن علي بن طاهر الصوري: قال: ولّي علينا بعض كتاب يحيى بن خالد وكان عليَّ بقايا يطالبني بها وخفت من الزامي إياها خروجاً عن نعمتي، وقيل لي: إنه ينتحل هذا المذهب، فخفت أن أمضي إليه فلا يكون كذلك، فأقع فيما لا أُحبّ.

فاجتمع رأيي على أني هربت إلى الله تعالى، وحججت ولقيت مولاي الصابر ـ يعني موسى بن جعفرعليه‌السلام ـ فشكوت حالي إليه فاصحبني

ــــــــــــ

(١) اختيار معرفة الرجال: ٤٣٣ ح ٨١٧.

(٢) خبر الضمان في اختيار معرفة الرجال: ٤٣٣ ح ٨١٨ وعنه في حياة الإمام موسى بن جعفر عليه‌السلام : ٢ / ٢٨٦ ـ ٢٨٧.


مكتوباً نسخته:(بسم الله الرحمن الرحيم ، اعلم أنّ لله تحت عرشه ظلاً لا يسكنه إلاّ من أسدى إلى أخيه معروفاً، أو نفّس عنه كربة، أو أدخل على قلبه سروراً، وهذا أخوك ، والسلام) (١) .

ومن مصاديق قضاء حوائج الإخوان المؤمنين: جباية الأموال جهراً وإرجاعها إليهم سراً.

عن علي بن يقطين قال: قلت لأبي الحسنعليه‌السلام ما تقول في أعمال هؤلاء ؟

قال:(إن كنت لا بدّ فاتق الله في أموال الشيعة) .

قال الراوي: فأخبرني علي انه كان يجبيها من الشيعة علانية ويردّها عليهم في السرّ(٢) .

الهدف الثالث: التأثير في السياسة العامّةعليه‌السلام

استخدم الإمام آليات متقنة ومحكمة في نشاطه الاستخباري وتأمين الاتّصال السري مع علي بن يقطين أو غيره من الشيعة المندسين في مراكز النظام الحاكم، ولعل الهدف من هذا الاختراق ومسك مواقع متقدمة من السلطة إمّا للتأثير في السياسة العامة للسلطة أو لإنجاز أعمال سياسيّة أو فقهيّة لصالح الأُمة من خلال قربه لهذه المواقع.

يحدّثنا إسماعيل بن سلام عن آليات هذا الارتباط وما يتضمّنه من نشاط في النصّ التالي:

ــــــــــــ

(١) راجع تمام الخبر ومصادره في: ٣٦ ـ ٣٨ من هذا الكتاب.

(٢) الكافي: ٥ / ١١٠، ح٣ ، وعنه في البحار: ٤٨ / ١٥٨، ح ٣١، وفي اختيار معرفة الرجال: ٤٣٥ ح ٨٢٠ عن كاتبه أمية وغيره.


قال إسماعيل بن سلام وابن حميد: بعث إلينا علي بن يقطين فقال: اشتريا راحلتين، وتجنّبا الطريق. ودفع إلينا أموالاً وكتباً حتى توصلا ما معكما من المال والكتب إلى أبي الحسن موسىعليه‌السلام ولا يعلم بكما أحد، قال: فأتينا الكوفة واشترينا راحلتين وتزوّدنا زاداً، وخرجنا نتجنّب الطريق حتى إذا صرنا ببطن الرّمة شدّدنا راحلتنا، ووضعنا لها العلف، وقعدنا نأكل فبينا نحن كذلك، إذ راكب قد أقبل ومعه شاكري، فلما قرب منّا فإذا هو أبو الحسن موسىعليه‌السلام فقمنا إليه وسلمنا عليه ودفعنا إليه الكتب وما كان معنا فأخرج من كمّه كتباً فناولنا إياها فقال:هذه جوابات كتبكم ...(١) .

ثانياً: التثقيف السياسي

إنّ النشاط السياسي الذي يقوم به أصحاب الإمامعليه‌السلام في هذه المرحلة ولما يمتاز به من صعوبات كان يحتاج إلى لون خاص من الوعي ودقة في الملاحظة وعمق في الإيمان، ممّا دفع بالإمامعليه‌السلام إلى أن يرعى ويشجع الخواص ويعمق في نفوسهم روح التديّن ويمنحهم سقفاً خاصاً من المستوى الإيماني ويدفعهم إلى أفق سياسي يتحرّكون به ضد الخصوم بشكل سليم ويوفّر لهم قوة تمنحهم قدرة المواصلة وسموّ النفس.

وفي هذا المجال نلاحظ ما يلي:

١ ـ شحّذ الإمامعليه‌السلام الهمم التي آمنت بالحق موضحاً أنّ الأمر لا يتعلق بكثرة الأنصار أو قلتها.

فعن سماعة بن مهران قال: قال لي العبد الصالحعليه‌السلام :(يا سماعة ، أمنوا على

ــــــــــــ

(١) اختيار معرفة الرجال: ٤٣٦ ح ٨٢١ والخرائج والجرائح: ١/٣٢٧ وعنهما في بحار الأنوار: ٤٨ / ٣٤، ح ٥.


فرشهم وأخافوني ، أما والله لقد كانت الدنيا وما فيها إلاّ واحد يعبد الله، ولو كان معه غيره لأضافه الله عزّ وجلّ إليه حيث يقول: ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (١) فصبر بذلك ما شاء الله. ثم إن الله آنسه با إسماعيل وإسحاق، فصاروا ثلاثة أما والله إن المؤمن لقليل، وإنّ أهل الباطل لكثير أتدري لم ذلك ؟ فقلت: لا أدري جعلت فداك. فقال:صيّروا أُنساً للمؤمنين يبثّون إليهم ما في صدورهم، فيستريحون إلى ذلك ويسكنون إليه) (٢) .

٢ ـ لقد سعى الإمامعليه‌السلام لتربية شيعته على أساس تقوية أواصر الإخوة والمحبة الإيمانية بحيث تصبح الجماعة الصالحة قوة اجتماعية متماسكة لا يمكن زعزعتها أو تضعيفها لقوة الترابط العقائدي والروحي فيما بينها. لنقرأ النص التالي معاً:

سأل الإمام موسىعليه‌السلام يوماً أحد أصحابه قائلا له: (يا عاصم كيف أنتم في التواصل والتبارّ ؟ فقال: على أفضل ما كان عليه أحد. فقالعليه‌السلام :أيأتي أحدكم عند الضيقة منزل أخيه فلا يجده ، فيأمر بإخراج كيسه فيخرج فيفضّ ختمه فيأخذ من ذلك حاجته، فلا ينكر عليه؟! قال: لا، قال:لستم على ما أحب من التواصل والضيقة والفقر )(٣) .

ــــــــــــ

(١) النحل (١٦): ١٢٠.

(٢) الكافي: ٢ / ٢٤٣ وعنه في بحار الأنوار: ٤٧ / ٣٧٣، ح ٩٤ و ٦٧ / ١٦٢ قال المجلسي معلقاً ومفسراً على هذا الخبر: أي إنما جعل الله تعالى هؤلاء المنافقين في صورة المؤمنين مختلطين بهم لئلا يتوحش المؤمنون لقلتهم.

(٣) مكارم الأخلاق: ١٦٥ وفي ط: ٢/١٤٤ عن بصائر الدرجات، وفي بحار الأنوار: ٤٨ / ١١٩، ح٣٥ وفي وسائل الشيعة: ٢٥/٣٥.


ثالثاً: البناء العملي والانتماء الفكري:

ركّز الإمام الكاظمعليه‌السلام في تربيته للجماعة الصالحة على ضرورة الانتماء الفكري والمعرفي لمدرسة أهل البيتعليهم‌السلام ، وتحرك الإمامعليه‌السلام بهذا الاتّجاه مستغلاً للنهضة الفكرية التي حقّقها الإمام الصادقعليه‌السلام من قبل ، فقام بإكمال عمل أبيه في بناء الكادر المتخصص فامتدّت قواعده من هذا النوع حتى ذكر له (٣١٩) صحابياً(١) كل منهم تلقى العلم والمعرفة من الإمام الكاظمعليه‌السلام وقد خضعت هذه الجماعة بانتمائها الفكري إلى برمجة متقنة يمكنها مواجهة التحديات الثقافية والفقهية والإبداع في ميدانها الخاص.

وفيما يلي نشير إلى جانب من نشاط الإمامعليه‌السلام بهذا الاتّجاه:

قام الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام بإعداد نخبة من الفقهاء ورواة الحديث تقدّر كما ذكرنا بـ (٣١٩) شخصاً لكن قد تميّز من بين أصحابه ستة بالصدق والأمانة وأجمع الرواة على تصديقهم فيما يروونه عن الأئمةعليهم‌السلام على أنه اشتهر بين المحدثين ثمانية عشر فقيهاً ومحدّثاً من أصحاب الأئمة الثلاثة: (الباقر والصادق والكاظم) وهم المعروفون بأصحاب الإجماع، ستة من أصحاب (أبي جعفر) وستة من أصحاب (أبي عبد الله) وستة من أصحاب (أبي الحسن موسىعليهم‌السلام )، وهم: (يونس بن عبد الرحمن)، و(صفوان بن يحيى بياع السابري)، و(محمد بن أبي عمير)، و(عبد الله بن المغيرة)، و(الحسن بن محبوب السرّاد)، و(أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي)(٢) هذا في المجال الفقهي أما الميادين الفكرية الأخرى ، مثل الكلام والقرآن واللغة وما شاكل ذلك ، فلها أيضاً نخبة متخصصة فيها.

ــــــــــــ

(١) الإمام موسى الكاظم عليه‌السلام لباقر شريف القرشى: ٢ / ٢٢٣.

(٢) انظر اختيار معرفة الرجال: ٥٥٦ ح ١٠٥٠.


اعتقال الإمام الكاظمعليه‌السلام

لقد عرفنا عداء المهدي للعلويين بشكل عام بل لمن يتولاّهم، وما كان إخراجهم من السجون إلاّ لأنه أحسّ بأن حكومته لا تدوم لو استمرّ على سيرة أبيه المنصور في التضييق عليهم، وقد أعرب عن سياسته بقوله: إني أرى التأديب بالصفح أبلغ منه بالعقوبة، والسلامة مع العفو أكثر منها مع العاجلة، والقلوب لا تبقى لوال لا يعطف إذا استعطف ، ولا يعفو إذا قدر، ولا يغفر إذا ظفر، ولا يرحم إذا استرحم، من قلّت رحمته واشتدّت سطوته وجب مقته وكثر مبغضوه(١) .

ولكن مع كل هذا نجد المهديّ ينكّل بوزيره المحبوب عنده (يعقوب بن داود) لأنه كان ذا ميل للعلويين، وبعد أن اختبره قال له: قد حلّ لي دمك ولو آثرت إراقته لأرقته ثم أمر بسجنه مؤبداً وصادر جميع أمواله(٢) .

ومن هنا نستطيع أن نكتشف أن سبب أمر المهدي العباسي باعتقال الإمام موسى إنّما كان شيوع ذكر الإمامعليه‌السلام وانتشار اسمه وعلمه في الآفاق مما جعله يتصوّر أن بقاء ملكه لا يتمّ إلاّ باعتقاله.

وقد عرفت أن المهدي اضطرّ إلى إطلاق سراح الإمامعليه‌السلام بعد أن رأى في المنام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام متأثّراً حزيناً مخاطباً إياه:

ــــــــــــ

(١) تاريخ اليعقوبي: ٢ / ٣٩٩ ـ ٤٠٠.

(٢) حياة الإمام موسى بن جعفر: ١ / ٤٤٧ ـ ٤٤٩ وفي تاريخ اليعقوبي: ٢/٤٠١: وكان يعقوب جميل المذهب ميمون النقيبة، محبّاً للخير، كثير الفضل، حسن الهدى، ثم سخط عليه فعزله وحبسه، فلم يزل محبوساً حتى مات المهدي. وفي مروج الذهب: ٣/٣١٢: ثم اختصّ به يعقوب بن داود السلمي فكان يصل إليه في كل وقت دون كل الناس ثمّ اتّهمه بشيء من أمر الطالبيين فبقي في حسبه إلى أيام الرشيد فأطلقه، ثم نقل فيه أقوالاً أخرى.


(يا محمد ! ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ) ) ففزع المهدي من نومه.. وأمر بإحضار الإمام وقصّ عليه رؤياه وطلب منه أن لا يخرج عليه أو على أحد من ولده. ثم أعطاه ثلاثة آلاف دينار وردّه إلى المدينة(١) .

ومات المهدي لثمان بقين من المحرم سنة (١٦٩ هـ) وهو ابن ثمان وأربعين سنة بعد أن خرج إلى الصيد ودخل خربة أصاب بابها عمود ظهره أو أن بعض جواريه كانت قد دسّت له السم لأنها كانت تغار من جارية كان يهواها ويخلص لها(٢) .

وهكذا انتهت حياته بعد أن كان قد أخذ البيعة لابنه موسى وهارون بالخلافة من بعده.

الإمام الكاظمعليه‌السلام في حكومة موسى الهادي العباسي

ثم استولى على الحكم موسى الهادي بعد وفاة أبيه المهدي في العشر الأخير من محرم سنة (١٦٩ هـ) وتوفي في السنة (١٧٠ هـ) وكان عمره (٢٦) سنة(٣) وبالرغم من قصر المدّة التي حكم فيها موسى الهادي إلاّ أنها قد تركت آثاراً سيّئة على الشيعة وامتازت بحدث مهم في التاريخ الإسلامي وهو (واقعة فخ) التي قال عنها الإمام الجوادعليه‌السلام :(لم يكن لنا بعد الطف مصرع أعظم من فخ) (٤) فكانت سياسة الهادي قد امتازت بنزعات شريرة ظهرت في سلوكه

ــــــــــــ

(١) تأريخ بغداد: ١٤ / ٣٠ ـ ٣١ ، والمناقب: ٤ / ٣٢٥.

(٢) تأريخ اليعقوبي: ٢ / ٤٠١ وحياة الإمام موسى بن جعفر عليه‌السلام : ١ / ٤٥٤.

(٣) تاريخ اليعقوبي: ٢ / ٤٠١ ـ ٤٠٦.

(٤) الإمام موسى الكاظم عليه‌السلام : ٢ / ٤٥٧.


حتى نقم عليه القريب والبعيد وأبغضه الناس جميعاً وقد حقدت عليه أمه الخيزران حتى بلغ بها الغيظ له نهايته، قيل إنها هي التي قتلته(١) .

ولقد نكّل بالعلويين وأذاع الخوف والرعب في صفوفهم وقطع ما أجراه لهم المهدي من الأرزاق والأعطيات وكتب إلى جميع الآفاق في طلبهم وحملهم إلى بغداد(٢) .

ثورة فخ

إنّ الذي فجّر الثورة على الحاكم العبّاسي هو (الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام ).

أسباب الثورة

والأسباب التي أدّت إلى الثورة عديدة، نذكر منها سببين:

الأوّل: الاضطهاد والإذلال الذي مارسه الخلفاء العبّاسيون ضد العلويين واستبداد موسى الهادي على وجه الخصوص.

الثاني: الولاة الذين عيّنهم موسى الهادي على المدينة مثل تعيينه إسحاق بن عيسى بن علي الذي استخلف عليها رجلاً من ولد عمر بن الخطاب يعرف بعبد العزيز. وقد بالغ هذا الأثيم في إذلال العلويين وظلمهم فألزمهم بالمثول عنده كل يوم، وفرض عليهم الرقابة الشخصية فجعل كل واحد منهم يكفل صاحبه

ــــــــــــ

(١) عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب: ١٧٢ عن سر السلسلة العلوية: ١٤. ونقل القول الأصفهاني في مقاتل الطالبيين وعنه في بحار الأنوار: ٤٨/١٦٥.

(٢) تاريخ اليعقوبي: ٢ / ٤٠٤.


بالحضور، وقبضت شرطته على كل من الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن، ومسلم بن جندب وعمر بن سلام، وادّعت الشرطة أنها وجدتهم على شراب فأمر بضربهم، وجعل في أعناقهم حبالاً، وأمر أن يطاف بهم في الشوارع ليفضحهم(١) .

وفي سنة (١٦٩ هـ) عزم الحسين بن علي (صاحب فخ) على الخروج وفاتح الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام بالأمر وطلب منه المبايعة فقال له الإمامعليه‌السلام :(يا ابن عم، لا تكلّفني ما كلّف ابنُ عمِك عمَكَ أبا عبد الله فيخرجُ مني ما لا أريد، كما خرج من أبي عبد الله ما لم يكن يريد) . فقال له الحسين: إنّما عرضت عليك أمراً فإن أردته دخلت فيه. وإن كرهته لم أحملك عليه والله المستعان، ثم ودّعه.

فجمع الحسين أصحابه مثل يحيى، وسليمان، وإدريس بن عبد الله بن الحسن، وعبد الله بن الحسن الأفطس وغيرهم فلما أذّن المؤذن الصبح دخلوا المسجد ونادوا أحد أحد، وصعد الأفطس المنارة، وأجبر المؤذّن على قول: حيّ على خير العمل وصلَّى الحسين بالناس الصبح فخطب بعد الصلاة وبايعه الناس، وبعد أن استولى على المدينة توجّه نحو مكة وبعد أن وصل إلى (فخ) فعسكر فيه وكان معه (٣٠٠) مقاتل ولحقته الجيوش العبّاسية وبعد صراع رهيب استشهد الحسين وأصحابه وأرسلت رؤوس الأبرار إلى الطاغية موسى الهادي، ومعهم الأسرى وقد قيّدوا بالحبال والسلاسل ووضعوا في أيديهم وأرجلهم الحديد، وأمر الطاغية بقتلهم فقتلوا صبراً وصلبوا على باب الحبس(٢) .

ــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٤٨ / ١٦١ عن الأصفهاني في مقاتل الطالبيين.

(٢) تاريخ الطبري: ١٠ / ٢٩ وبحار الأنوار: ٤٨ / ١٦١ ـ ١٦٥ عن مقاتل الطالبيين.


نتائج الثورة

بعد أن انتهت الثورة باستشهاد (الحسين صاحب فخ) وصحبه أخذ الهادي يتوعّد الأحياء منهم، وقد ذكر سيدهم الإمام موسى قائلاً: والله ما خرج حسين إلاّ عن أمره، ولا اتّبع إلاّ محبته، لأنه صاحب الوصية في أهل هذا البيت. قتلني الله إن أبقيت عليه(١) .

وكتب علي بن يقطين إلى الإمام موسىعليه‌السلام بصورة الأمر فورد الكتاب، فلما أصبح أحضر أهل بيته وشيعته فأطلعهم على ما ورد عليه من الخبر فقال:ما تشيرون في هذا ؟ فقالوا: نشير عليك ـ أصلحك الله ـ وعلينا معك أن تباعد شخصك عن هذا الجبّار وتغيّب شخصك دونه.

فتبسم الإمام موسىعليه‌السلام ثم تمثّل ببيت كعب بن مالك أخي بني سلمة وهو:

زعمت سخينة أن ستغلب ربّها = فليغلبنَّ مغالب الغلاب

وأقبل الإمام نحو القبلة ودعا بدعاء الجوشن الصغير المعروف الوارد عنهعليه‌السلام ثم قالعليه‌السلام : (قد ـ وحرمة هذا القبر ـ مات في يومه هذا والله و ( إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ) (٢) ) .

قال الراوي: ثم قمنا إلى الصلاة وتفرّق القوم فما اجتمعوا إلاّ لقراءة الكتاب الوارد بموت الهادي والبيعة للرشيد(٣) .

ــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٤٨ / ١٥٠ ـ ١٥٣ عن ابن طاووس في مهج الدعوات: ٢١٧.

(٢) الذاريات (٥١): ٢٣.

(٣) بحار الأنوار: ٤٨/٢١٧، ح ١٧ عن مهج الدعوات لابن طاووس.


تحليل ثورة فخ وموقف الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام منها

لقد استعرضنا فيما سبق نشاط الإمام لإكمال بناء الجماعة الصالحة لإيصالها إلى المستوى العالي من العقيدة والإيمان والوعي السياسي الذي يُهيّء الأرضية لانجاز المشروع التغييري الإسلامي الكبير.

أما العامل الثاني الذي يتكامل به انجاز هذا المشروع، فهو تحريك ضمير الأُمة وتحرير إرداتها إلى حدّ يمنحها القوة والصلابة ويمنعها من التنازل عن كرامتها، والذوبان في سياسة الظالمين وذلك من خلال استمرار العمل الثوري ضد الحكومات الظالمة، فانطلاقاً من هذه الضرورة يمكن أن نلخّص موقف الإمام موسى من واقعة (فخ) بما يلي:

١ ـ لم يكن موقف الإمامعليه‌السلام في هذه المرحلة موقفاً ثورياً ضد نظام الحكم القائم.

٢ ـ صرّح الإمامعليه‌السلام بموقفه من الثورة لزعيمها (الحسين) عندما طلب منه المبايعة وذكّره بموقف الإمام الصادقعليه‌السلام من ثورة محمد ذي النفس الزكية، وسوف يكون موقفه كأبيه فيما إذا أصرّ الحسين على ضرورة المبايعة(١) .

٣ ـ عندما استولى الحسين على المدينة وصلّى بالناس صلاة الصبح لم يتخلف عنه أحد من الطالبيين إلاّ الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن وموسى بن جعفرعليه‌السلام (٢) .

٤ ـ صدر من الإمام تأييد ومساندة صريحة لحركة الحسين وثورته

ــــــــــــ

(١) أصول الكافي: ١/٣٦٦ وعنه في بحار الأنوار: ٤٨ / ١٦١.

(٢) بحار الأنوار: ٤٨ / ١٦٣ عن الأصفهاني في مقاتل الطالبيين.


عندما عزم عليها في قولهعليه‌السلام :(إنّك مقتول فأحدّ الضراب، فإن القوم فسّاق يظهرون إيماناً ويضمرون نفاقاً وشركاً، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون وعند الله أحتسبكم من عصبة) (١) .

٥ ـ ولمّا سمع الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام بمقتل الحسين (رض) بكاه وابّنه بهذه الكلمات:(إنّا لله وإنّا إليه راجعون، مضى والله مسلماً صالحاً صوّاماً قوّاماً، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، ما كان في أهل بيته مثله) (٢) .

موسى الهادي يحاول عزل الرشيد من ولاية العهد:

قال اليعقوبي: وشجرت بين موسى وأخيه الوحشة فعزم على خلعه وتصيير ابنه جعفر وليّ العهد، ودعا القوّاد إلى ذلك، فتوقف عامتهم وأشاروا عليه أن لا يفعل ، وسارع بعضهم وقووا عزيمته في ذلك وأعلموه أن الملك لا يصلح إن صار إلى هارون، فكان ممن سعى في خلعه أبو هريرة محمد بن فرّوخ الأزدي القائد من الأزد ، وقد كان موسى وجّه به في جيش كثير يستنفر من بالجزيرة والشام ومصر والمغرب ويدعو الناس إلى خلع هارون، فمن أبى جرّد فيهم السيف فسار حتى صار إلى الرقة فأتاه الخبر بوفاة موسى(٣) .

ومات موسى الهادي لأربع عشر ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة (١٧٠ هـ)(٤) .

ــــــــــــ

(١) أصول الكافي: ١/٣٦٦ وعنه في بحار الأنوار: ٤٨/١٦٠، ح ٦.

(٢) بحار الأنوار: ٤٨ / ١٦٥ عن الأصفهاني في مقاتل الطالبيين.

(٣) تأريخ اليعقوبي: ٢ / ٤٠٥.

(٤) تاريخ اليعقوبي: ٢ / ٤٠٧.


الباب الرابع: وفيه فصول:

الفصل الأول: ملامح عهد الرشيد وسياسته مع الإمام الكاظمعليه‌السلام .

الفصل الثاني: موقف الإمام الكاظمعليه‌السلام من حكم الرشيد.

الفصل الثالث: اعتقالات الإمامعليه‌السلام حتى استشهاده.

الفصل الرابع: تراث الإمام الكاظمعليه‌السلام .

الفصل الأوّل: ملامح عهد الرشيد وسياسته مع الإمام الكاظمعليه‌السلام

تعتبر السنوات الأخيرة من عمر الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام من أعقد مراحل حياته وأشدّها صعوبة وأذىً على الإمامعليه‌السلام بالقياس إلى المراحل الأخرى التي سبقتها، وقد عاصر فيها هارون الرشيد لمدة (١٤) سنة وأشهراً(١) وكانت حافلة بالآلام والمصاعب.

وقد صبّ فيها هارون كلّ الحقد الجاهلي وما تطويه نفسه الخبيثة من لؤم ودهاء على أهل البيتعليهم‌السلام فقد صمّم سياسة ظالمة تميّز بها عن غيره من الخلفاء، حتى كان من شأنها أن شل حركة الإمامعليه‌السلام وعزله عن الأُمة تمهيداً لقتله فيما بعد داخل السجن، وبهذا تشكل حياة الإمام موسى لجوؤه لأساليب أخرى من العمل مرحلة جديدة بالنسبة لحركة الأئمةعليهم‌السلام الذين سبقوه. ويكون الحديث عن هذه المرحلة من حياة الإمام الكاظمعليه‌السلام في عدة فصول:

الأوّل: عن عهد الرشيد وعن أساليبه التي استخدمها مع الإمامعليه‌السلام .

الثاني: موقف الإمامعليه‌السلام من حكم وسياسة الرشيد ونشاط الإمامعليه‌السلام مع الأُمة.

الثالث: عن اعتقالات الإمام ودوره في داخل السجن حتى استشهادهعليه‌السلام في سنة (١٨٣ هـ). ويقع الكلام في هذا الفصل ضمن بحثين:

البحث الأول: ملامح عهد الرشيد:

سبقت الإشارة إلى الظواهر الانحرافية التي اجتاحت البلاد الإسلامية والسياسة الظالمة ضد أهل البيتعليهم‌السلام التي جاء بها العباسيون في منهجهم الجاهلي.

ــــــــــــ

(١) إعلام الورى: ٢/٧ وعنه في بحار الأنوار: ٤٨ / ١، ح١.


ولا يسعنا أن نستعرض كل الأحداث والظروف التي أحاطت بالإمامعليه‌السلام في عصر حكومة الرشيد بل نحاول أن نقف على أهم ما امتازت به المرحلة من ظواهر لعلها تكون كافية لإعطاء الصورة الواقعية وحجم المأساة التي يعانيها الإمامعليه‌السلام .

إذا لاحظنا الأموال التي كانت تجبى له من أطراف البلاد لوجدناها تفوق ضخامتها ورقمها أموال كل من سبقه من الخلفاء وكانت تنفق على غير مصالح المسلمين مثل التفنن في الملذّات حتى أسرف هارون في هباته للمغنّين وأغدق عليهم الأموال الطائلة فقد أنشده أبو العتاهية هذه الأبيات:

بأبي من كان في قلبي له

مرة حب قليل فسرق

يا بني العبّاس فيكم ملك

شعب الإحسان منه تفترق

إنّما هارون خير كله

مات كل الشر مذ يوم خلق

وغنّاه إبراهيم الموصلي بها فأعطى كل واحد منهما مئة ألف درهم ومئة ثوب(١) .

وكان هارون مولعاً بالجواري حريصاً على الاستمتاع والتلذّذ بهنّ حتى أفرط في ذلك وكان له قصة مع الجارية (غادر) جارية أخيه الهادي وكانت حسناء من أحسن الناس وجهاً وغناءً وكان الهادي يحبها وشك ذات يوم بأن الرشيد سيتزوجها حال مماته فقال للرشيد أريد أن تحلف بأنك لا تتزوجها بعدي فحلف واستوفى عليه الإيمان من الحج راجلاً وطلاق الزوجات وعتق المماليك وتسبيل ما يملكه، ثم أحلفها بمثل ذلك فحلفت فلم يمض على ذلك الأشهر فمات الهادي وبويع الرشيد فبعث إلى (غادر) وخطبها(٢) . وكان الرشيد شديد الولع بالغناء فاشتمل قصره على مختلف الآلات الموسيقية وقد أمر المغنّين أن يختاروا له مئة صوت فاختاروها ثم أمرهم باختيار عشرة فاختاروها، ثم أمرهم باختيار ثلاثة ففعلوا(٣) وانقطع إبراهيم عن الغناء لأنه عاهد الهادي بعدم الغناء بعده، لكن الرشيد أمره أن يغنّي فامتنع فرماه في السجن ولم يطلق سراحه حتى غنّى في مجلسه(٤) .

وكان هارون من المدمنين على شرب الخمرة، وكان يدعو خواصّ جواريه إذا أراد الشراب(٥) .

قال حماد بن إسحاق عن أبيه: أرسل إليّ الرشيد ذات ليلة فدخلت عليه

ــــــــــــ

(١) الاغاني: ٤ / ٧٤.

(٢) نساء الخلفاء: ٤٦.

(٣) الاغاني: ١ / ٧.

(٤) الأغاني: ١ / ١٦٢.

(٥) التاج: ٣٧.


فإذا هو جالس وبين يديه جارية عليها قميص مورّد وسراويل مورّدة ، فلما غنّت، فقال: لمن هذا اللحن؟ فقلت: لي يا أمير المؤمنين فقال: هات لحن ابن سريج فغنّيته إياه فطرب وشرب رطلاً وسقى الجارية رطلاً وسقاني رطلاً(١) .

وكان الرشيد شديد التعلق بلعب القمار (النرد) و (الشطرنج)(٢) وبذل الأموال الطائلة من أجل هذه الألعاب.

أمّا موقفه من العلويين فكان الرشيد شديد العداء والحقد عليهم وقد أقسم حين تولّى الخلافة على استئصالهم وقتلهم فقال: والله لأقتلنهم ـ أي العلويين ـ ولأقتلن شيعتهم(٣) وفعلاً نفّذ قسمه بقتل طائفة كبيرة من أعلام العلويين هم خيرة المسلمين علماً وورعاً في الدين.

وعندما رأى جماهير غفيرة من الأُمة الإسلامية تتهافت على زيارة مرقد الحسينعليه‌السلام قام بهدم الدور المجاورة له، واقتلاع السدرة التي كانت إلى جانب القبر الشريف(٤) كما أمر بحرث أرض كربلاء ليمحو بذلك كلّ أثر للقبر المطهر، وقد انتقم الله منه فإنّه لم يدُر عليه الحول حتى هلك في خراسان(٥) .

وامتدّ سلوك هذا الحاكم الفاسد إلى الأُمة، حيث أشيع في البلاد الإسلامية كل أنواع الفساد، وتحوّلت بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية في عصره إلى مسرح للّهو، والرقص، وحانات الخمور ودور المجون، حتى أصبحت هذه المظاهر سمة بارزة يتميّز بها ذلك العصر، وعكس لنا الشعراء انطباعاتهم وأحاسيسهم باللهو وحبّ الجواري والتلذّذ بالخمرة، وكرّس أبو نؤاس مجهوده الفكري في وصف الأكواب والكؤوس والسقاة والخمّارين والندماء وافتتن الناس بخمرياته.

ــــــــــــ

(١) الأغاني: ٥ / ١٢٦ ـ ١٢٧.

(٢) الأغاني: ٩ / ١٢٦ ـ ١٢٧.

(٣) الأغاني: ٥ / ٢٢٥.

(٤) المناقب: ٢ / ١٩ ، والأمالي: ٢٠٦.

(٥) تأريخ كربلاء: ١٩٨.


وامتاز عصر هارون بالفقر والبؤس، الذي عم الملايين فنجد جموع المسلمين تعرى وتجوع، فيما زخرت بغداد بأموال المسلمين والتي تكرّست عند طبقة خاصة من الخلفاء وأبنائهم وعشيرتهم ووزرائهم والمغنين والجواري والخمّارين والوشاة والمنتفعين من مائدة الخلافة.

وحيث ظهر الفقر والبؤس في موطن كان منشئاً للكفر. فقد ظهرت في ذلك العصر حركات إلحادية نشطت بين البسطاء.

يقول (فلهوزن): إنّ هناك صلة وثيقة بين الدعوة العباسية والزنادقة، ويقول: إنّ العبّاسيين في ذلك الوقت جمعوا الزنادقة حولهم ولم ينبذوهم إلاّ فيما بعد(١) .

والغريب أنّ هذه الحركات الهدّامة التي انتشرت في البلاد الإسلامية مثل (المزدكيّة) وغيرها كانت تدعو للتحلّل من جميع القيم وهي نوع من أنواع الشيوعية، يقول الشهرستاني: إنّ مزدك أحلّ النساء وأباح الأموال وجعل الناس شركة كاشتراكهم في المال والنار والكلأ(٢) .

ــــــــــــ

(١) الدولة العربية: ٤٨٩.

(٢) الملل والنحل: ١ / ٢٢٩.


البحث الثاني: موقف الرشيد من الإمام الكاظمعليه‌السلام

كان الرشيد شديد الحساسية والحقد على الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام بالنسبة إلى الخلفاء العبّاسيين الذين سبقوه، من هنا بدأ بمحاصرة الإمام ومراقبته بغية شل حركته ونشاطه، بطرق وأساليب متعددة وملتوية ومتطوّرة تمثّلت في الاستدعاءات المتعدّدة للبلاط ثم الاعتقالات المتكرّرة، ومحاولات الاغتيال بتصفية أتباع الإمامعليه‌السلام وشيعته، وزجّ البعض في السجون بعد بثّه للجواسيس بشكل مكثّف ورصد ومُتابعة كل حركة تصدر من الإمام وأصحابه وإكرام الوشاة وتشجيعهم فيما إذا جاءوا بمعلومة سرّية عن الإمام حتى إنه كانت تقدم رؤوس العلويين كهدايا للرشيد باعتبارها من الأمور الثمينة عنده.

واستخدم الرشيد سياسته هذه مع الإمام على المدى البعيد وأراد فيها تطويق الإمامعليه‌السلام وعزله بشكل تام وقطع كل أواصر الارتباط مع الأُمة.

واتّسمت سياسة الرشيد العدوانية مع الإمام بأنها كانت منذ بويع للخلافة تراوحت بين السجن والاتّهام السياسي مرّة والإكرام والتعظيم نفاقاً مرة أخرى.

وسوف نستعرض مجموعة النصوص التي وردت في هذا الصدد لنقف على مجموعة الأساليب الصريحة والملتوية والمتطوّرة التي سلكها هذا الطاغية لتصفية حركة أهل البيتعليهم‌السلام وأتباعهم.

الطائفة الأولى:

تتضمّن أساليب الرشيد مع الإمام والتي تدور بين إكرام الإمام مرة والتخطيط لقتله مرّة أخرى، والاعتراف بكونه الإمام المفترض الطاعة مرّة ثالثة.

١ ـ جاء عن الفضل أنه قال: (كنت أحجب الرشيد، فأقبل عليّ يوماً غضباناً، وبيده سيف يقلّبه. فقال لي: يا فضل بقرابتي من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لئن لم تأتني بابن عمي لآخذن الذي فيه عيناك.

فقلت: بمن أجيئك؟ فقال: بهذا الحجازي. قلت: وأيّ الحجازيين؟ قال: موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.


قال الفضل: فخفت من الله عزّ وجلّ إن جئت به إليه، ثم فكرت في النقمة، فقلت له: أفعل. فقال: ائتني بسوطَين وحصارَين(١) وجلاّدين.

قال: فأتيته بذلك ومضيت إلى منزل أبي إبراهيم موسى بن جعفرعليه‌السلام فأتيت إلى خربة فيها كوخ(٢) من جرائد النخل فإذا أنا بغلام أسود.

فقلت له: استأذن لي على مولاك يرحمك الله. فقال لي: لج(٣) ليس له حاجب ولا بوّاب. فولجت إليه، فإذا أنا بغلام أسود بيده مقص يأخذ اللحم من جبينه وعرنين أنفه من كثرة سجوده.

فقلت له: السلام عليك يا ابن رسول الله، أجب الرشيد.

فقال:ما للرشيد ومالي؟ أما تشغله نعمته عنّي؟ ثم قام مسرعاً، وهو يقول: لولا أني سمعت في خبر عن جدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إنّ طاعة السلطان للتقية واجبة (٤) إذن ما جئت .

ــــــــــــ

(١) آلة العصر والكبس.

(٢) بيت من قصب.

(٣) ولج البيت دخل فيه.

(٤) روى الصدوق في أماليه: ٢٧٧ / ح ٢ بإسناده عن أنس قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :(طاعة السلطان واجبة، ومن ترك طاعة السلطان فقد ترك طاعة الله، ودخل في نهيه،إن الله عَزَّ وجَلَّ يقول: ( وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) ) . البقرة (٢): ١٩٥).


فقلت له: استعد للعقوبة يا أبا إبراهيم رحمك الله ، فقالعليه‌السلام :أليس معي من يملك الدنيا والآخرة، ولن يقدر اليوم على سوء لي إن شاء الله .

قال الفضل بن الربيع: فرأيته وقد أدار يده يلوح بها على رأسه ثلاث مرات.

فدخلت على الرشيد، فإذا هو كأنه امرأة ثكلى قائم حيران فلمّا رآني قال لي: يا فضل. فقلت: لبيك. فقال: جئتني بابن عمّي؟ قلت: نعم. قال: لا تكون أزعجته؟ فقلت: لا. قال: لا تكون أعلمته أني عليه غضبان؟ فإني قد هيّجت على نفسي ما لم أرده، أئذن له بالدخول. فأذنت له.

فلمّا رآه وثب إليه قائماً وعانقه وقال له: مرحباً بابن عمي وأخي ووارث نعمتي ، ثم أجلسه على مِخَدّة وقال له: ما الذي قطعك عن زيارتنا؟ فقالعليه‌السلام :سعة ملكك وحبّك للدنيا .

فقال: ائتوني بحقة الغالية(١) فأتي بها فغلفه بيده، ثم أمر أن يحمل بين يديه خلع وبدرتان دنانير.

قال الفضل: فتبعتهعليه‌السلام فقلت له: ما الذي قلت حتى كُفيت أمر الرشيد ؟

فقال:دعاء جدي علي بن أبي طالب عليه‌السلام كان إذا دعا به، ما برز إلى عسكر إلاّ هزمه ولا إلى فارس إلاّ قهره، وهو دعاء كفاية البلاء .

قلت: وما هو ؟

قال:قل: اللهم بك أساور، وبك أُحاول (وبك أحاور )، وبك أصول، وبك انتصر، وبك أموت، وبك أحيا، أسلمت نفسي إليك، وفوّضت أمري إليك، لا حول ولا قوّة إلاّ

ــــــــــــ

(١) الغالية: جمعها غوال: اخلاط من الطيب وتغلّى: تطيّب بالغالية.


بالله العلي العظيم. اللهم انك خلقتني ورزقتني وسترتني، وعن العباد بلطف ما خوّلتني أغنيتني، وإذا هويت رددتني، وإذا عثرت قوّمتني، وإذا مرضت شفيتني، وإذا دعوت أجبتني يا سيدي ارض عني فقد أرضيتني )(١) .

٢ ـ يصوّر لنا عبد الله المأمون بن الرشيد ذلك المستوى من الفهم الذي يمتلكه الرشيد إزاء الإمام. والذي اعترف به من خلال الإكرام والإجلال الذي قام به الرشيد للإمام الكاظمعليه‌السلام والذي يستبطن مدى الحقد والبغض، ويكشف هذا المشهد ثقل الإمام الشعبي الذي دفع بالرشيد إلى أن يفتعل هذا المشهد من أجل إضلال الجماهير.

قال المأمون: لقد حججت معه (الرشيد) سنة فلما صار إلى المدينة تقدم إلى حجابه وقال: لا يدخلنّ عليّ رجل من أهل المدينة ومكة من أبناء المهاجرين والأنصار وبني هاشم وسائر بطون قريش إلاّ نسب نفسه، فكان الرجل إذا أراد أن يدخل عليه يقول: أنا فلان بن فلان حتى ينتهي إلى جدّه من هاشم أو قريش وغيرهما فيدخل ويصله الرشيد بخمسة آلاف وما دونها إلى مئتي دينار على قدر شرفه وهجرة آبائه.

فبينما أنا ذات يوم واقف إذ دخل الفضل بن الربيع فقال: يا أمير المؤمنين على الباب رجل زعم أنه موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهم‌السلام فأقبل علينا ونحن قيام على رأسه والأمين والمؤتمن وسائر القوّاد، وقال احفظوا على أنفسكم.

ثم قال : لآذنه ائذن له ولا ينزل إلاّ على بساطي، فأنا كذلك إذ دخل شيخ قد أنهكته العبادة كأنه شن بال قد كلم السجود وجهه وأنفه، فلما رأى الرشيد رمى بنفسه عن حمار كان يركبه فصاح الرشيد: لا والله إلاّ على بساطي فمنعه الحجّاب من الترجّل، ونظرنا إليه بأجمعنا بالإجلال والإعظام، فما زال يسير على حماره حتى سار إلى البساط والحجّاب والقوّاد محدقون به.

ــــــــــــ

(١) عيون أخبار الرضا: ١ / ٧٦، ح ٥ وعنه في بحار الأنوار: ٤٨ / ٢١٥، ح١٦.


فنزل وقام إليه الرشيد واستقبله إلى آخر البساط وقبّل وجهه ورأسه وأخذ بيده حتى جرّه في صدر المجلس وأجلسه معه وجعل يحدّثه ويقبل عليه ويسأله عن أحواله.

ولمّا قام الرشيد لقيامه وودّعه، ثم أقبل عليّ وعلى الأمين والمؤتمن، وقال: يا عبد الله ويا محمد ويا إبراهيم: سيروا بين يدي عمّكم وسيدّكم وخذوا بركابه وسوّوا عليه ثيابه(١) .

٣ ـ قال المأمون: فلمّا خلا المجلس قلت: يا أمير المؤمنين من هذا الرجل الذي عظمته وأجللته، وقمت من مجلسك إليه فاستقبلته، وأقعدته في صدر المجلس، وجلست دونه، ثم أمرتنا بأخذ الركاب له ؟ !

قال: هذا إمام الناس، وحجة الله على خلقه، وخليفته على عباده.

فقلت: يا أمير المؤمنين أوليست هذه الصفات كلّها لك وفيك ؟ !

فقال: أنا إمام الجماعة في الظاهر والغلبة والقهر، وموسى بن جعفر إمام حق.

والله يا بنيّ إنه لأحقّ بمقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مني ومن الخلق جميعاً، والله

ــــــــــــ

(١) عيون أخبار الرضا: ١ / ٨٨، ح ١ ، بحار الأنوار: ٤٨ / ١٢٩، ح ٤ ، وحلية الأبرار: ٢ / ١٦٩ ، ومدينة المعاجز: ٤٤٩ ح٧٤ ، ومستدرك الوسائل: ٢ / ٥٢. إثبات الهداة: ٥ / ٥١١، ح٢٩.


لو نازعتني هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك فإن الملك عقيم(١) .

ونلاحظ أن هذا التصريح من الرشيد والاعتراف بحقانية إمامة الكاظمعليه‌السلام كان أمراً سرياً.

٤ ـ قال المأمون: فلما أراد الرشيد الرحيل من المدينة إلى مكة أمر بصرّة فيها مئتا دينار، ثم أقبل على الفضل بن الربيع فقال له: اذهب بهذه إلى موسى بن جعفرعليه‌السلام وقل له: يقول لك أمير المؤمنين نحن في ضيق وسيأتيك برّنا بعد هذا الوقت.

فقمت في صدره فقلت: يا أمير المؤمنين تعطي أبناء المهاجرين والأنصار وسائر قريش، وبني هاشم، ومن لا يعرف حسبه ونسبه خمسة الآف دينار إلى ما دونها وتعطي موسى بن جعفر ـ وقد أعطيته مئتي دينار ـ أخسّ عطية أعطيتها أحداً من الناس ؟ !

فقال: اسكت لا أمّ لك، فإني لو أعطيت هذا ما ضمنته له، ما كنت آمنه أن يضرب وجهي غداً بمئة ألف سيف من شيعته ومواليه، وفقر هذا وأهل بيته أسلم لي ولكم من بسط أيديهم وأعينهم(٢) .

الطائفة الثانية:

نختار في هذه الطائفة ما يصوّر لنا أساليب الرشيد مع الإمام والتي يبتغي من ورائها إحراج الإمام مرّة والاستهانة به مرّة أُخرى لعله يعجزه أمام الناس ويثبت لهم فشله وعدم جدارته.

ــــــــــــ

(١) عيون أخبار الرضا: ١ / ٨٨ / ح١١ ، وبحار الأنوار: ٤٨ / ١٢٩ / ح ٤ ، ومدينة المعاجز: ٤٩٩ / ح٧٤ ، وحلية الأبرار: ٢ / ٢٦٩ ، وإثبات الهداة: ٥ / ٥١١ / ح٢٩ ، ومستدرك الوسائل: ٢ / ٥٢، ح٥.

(٢) عيون أخبار الرضا: ١/٨٨ ح ١١، البحار: ٤٨/١٢٩ ح ٤.


ولنرى موقف الإمامعليه‌السلام إزاء هذه الإحراجات والاستهانات وكيف تخلّص منها منتصراً.

١ ـ من أساليب الرشيد مع الإمامعليه‌السلام التي كان يهدف منها تخويف الإمامعليه‌السلام واستضعافه ، هو اتهامه بأعمال سياسية محظورة بنظر الخلافة، مثل جبابة الخراج.

وعن هذا الاتهام يحدّثنا الإمام موسىعليه‌السلام نفسه حيث يقول:(لمّا أدخلت على الرشيد سلّمت عليه فردّ عليّ السلام ثم قال: يا موسى بن جعفر خليفتين يُجبى إليهما الخراج ؟! فقلت: يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن تبوء بإثمي وإثمك، وتقبل الباطل من أعدائنا علينا، فقد علمت أنه قد كُذب علينا منذ قبض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما عِلمُ ذلك عندك، فإن رأيت بقرابتك من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن تأذن لي أحدثك بحديث أخبرني به أبي، عن آبائه، عن جدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟! فقال: قد أذنت لك فقلت: أخبرني أبي عن آبائه عن جدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: إنّ الرحم إذا مسّت الرحم تحرّكت واضطربت) . ثم سأله الرشيد عن أفضلية أهل البيت (أولاد علي) على بني العباس فأجابه الإمامعليه‌السلام عن الأدلة على هذا التفضيل بعد أن أخذ منه الأمان. ثم أطلق سراحه)(١) .

وإليك نصّ ما دار بين الإمامعليه‌السلام وبين الرشيد كما رواه الصدوق:

قال الرشيد للإمامعليه‌السلام :

(أريد أن أسألك عن أشياء تتلجلج في صدري منذ حين، لم أسأل عنها أحداً فإن أنت أجبتني عنها خلّيت عنك، ولم أقبل قول أحد فيك، وقد بلغني أنّك لم تكذب قطّ فاصدقني عمّا أسألك ممّا في قلبي.

فقلت: ما كان علمه عندي فإنّي مُخبرك به إن أنت آمنتني؟ قال: لك الأمان إن صدقتني وتركت التقيّة التي تعرفون بها معشر بني فاطمة.

فقلت : ليسأل أمير المؤمنين عمّا شاء؟ قال: أخبرني لم فضّلتم علينا ونحن وأنتم من شجرة واحدة وبنو عبد المطلب ونحن وأنتم واحد، أنّا بنو العبّاس وأنتم ولد أبي طالب، وهما عمّا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقرابتهما منه سواء ؟

فقلت: نحن أقرب.

قال: وكيف ذلك ؟

ــــــــــــ

(١) عيون أخبار الرضا: ١ / ٨١، ح٩ وعنه في بحار الأنوار: ٤٨ / ١٢٥.


قلت: لأن عبد الله وأبا طالب لأب وأمّ وأبوكم العبّاس ليس هو من أم عبد الله، ولا من أمّ أبي طالب .

قال: فلم ادّعيتم أنّكم ورثتم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ والعمّ يحجب ابن العمّ ، وقبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد توفي أبو طالب قبله، والعبّاس عمه حيّ؟

فقلت له: إن رأى أمير المؤمنين أن يعفيني من هذه المسألة ويسألني عن كلّ باب سواه يريده .

فقال: لا أو تجيب.

فقلت: فآمنّي؟

قال: قد آمنتك قبل الكلام.

فقلت: إنّ في قول علي بن أبي طالبعليه‌السلام إذن ليس مع ولد الصّلب ذكراً كان أو أنثى لأحد سهم إلاّ للأبوين والزوج والزوجة، ولم يثبت للعم مع ولد الصلب ميراث، ولم ينطق به الكتاب، إلاّ أنّ تيماً وعدياً وبني أمية قالوا: العم والد رأياً منهم بلا حقيقة، ولا أثر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . ومن قال بقول عليعليه‌السلام من العلماء قضاياهم خلاف قضايا هؤلاء، هذا نوح بن درّاج يقول في هذه المسألة بقول عليعليه‌السلام وقد حكم به، وقد ولاّه أمير المؤمنين المصرين الكوفة والبصرة، وقد قضى به فأنهي إلى أمير المؤمنين فأمر بإحضاره وإحضار من يقول بخلاف قوله منهم سفيان الثوري، وإبراهيم المدني والفضيل بن عيّاض فشهدوا أنه قول عليعليه‌السلام في هذه المسألة فقال لهم ـ فيما أبلغني بعض العلماء من أهل الحجاز ـ: فلم لا تفتون به وقد قضى به نوح بن درّاج؟ فقالوا جسر نوح وجبنا وقد أمضى أمير المؤمنين قضّيته بقول قدماء العامة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: علي أقضاكم، وكذلك قال عمر بن الخطاب : علي أقضانا، وهو اسم جامع لأن جميع ما مدح به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أصحابه من القراءة والفرائض والعلم داخل في القضاء.

قال: زدني يا موسى.

قلت: المجالس بالأمانات وخاصّة مجلسك؟

فقال: لا بأس عليك.

فقلت: إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يورّث من لم يُهاجر، ولا أثبت له ولاية حتّى يهاجر.

فقال: ما حجّتك فيه؟


قلت: قول الله تبارك وتعالى: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ) (١) وإنّ عمّي العبّاس لم يُهاجر.

فقال لي: أسألك يا موسى هل أفتيت بذلك أحداً من أعدائنا؟ أم أخبرت أحداً من الفقهاء في هذه المسألة بشيء ؟

فقلت: اللهم لا، وما سألني عنها إلاّ أمير المؤمنين.

ثم قال: لم جوّزتم للعامة والخاصة أن ينسبوكم إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويقولون لكم: يا بني رسول الله، وأنتم بنو علي وإنما يُنسب المرء إلى أبيه وفاطمة إنما هي وعاء، والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جدّكم من قبل أمكم؟

فقلت: يا أمير المؤمنين لو أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نُشر فخطب إليك كريمتك هل كنت تجيبه؟

فقال: سبحان الله ولم لا أجيبه ؟ ! بل أفتخر على العرب والعجم وقريش بذلك.

فقلت: لكنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يخطب إلي ولا أزوجه.

فقال: ولم ؟

فقلت: لأنه ولدني ولم يلدك.

فقال: أحسنت يا موسى.

ثم قال: كيف قلتم إنا ذريّة النبي، والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يعقب؟ وإنما العقب للذكر لا للأنثى، وأنتم ولد الابنة، ولا يكون لها عقب؟

فقلت: أسألك بحق القرابة والقبر ومن فيه إلاّ ما أعفيتني عن هذه المسألة.

ــــــــــــ

(١) الأنفال (٨): ٧٢.


فقال: لا أوتخبرني بحجّتكم فيه يا ولد علي، وأنت يا موسى يعسوبهم ، وإمام زمانهم، كذا أُنهي إليَّ، ولست أعفيك في كل ما أسألك عنه، حتى تأتيني فيه بحجة من كتاب الله، فأنتم تدّعون معشر ولد علي أنّه لا يسقط عنكم منه شيء (ألف ولا واو) إلاّ وتأويله عندكم، واحتججتم بقوله عَزَّ وجَلَّ : ( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ) (١) وقد استغنيتم عن رأي العلماء وقياسهم.

فقلت: تأذن لي في الجواب؟

قال: هات.

فقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ( وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى ... ) (٢) من أبو عيسى يا أمير المؤمنين؟.

فقال: ليس لعيسى أب.

فقلت: إنما ألحقناه بذراري الأنبياءعليهم‌السلام من طريق مريمعليها‌السلام ، وكذلك ألحقنا بذراري النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من قبل أمّنا فاطمةعليها‌السلام . أزيدك يا أمير المؤمنين ؟

قال: هات.

قلت: قول الله عَزَّ وجَلَّ : ( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ

ــــــــــــ

(١) الانعام (٦): ٣٨.

(٢) الأنعام (٦): ٨٤ ـ ٨٥.


أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (١) ولم يدّع أحد أنّه أدخل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تحت الكساء عند مباهلة النصارى إلاّ علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسينعليهم‌السلام ، فكان تأويل قوله عَزَّ وجَلَّ أبناءنا: الحسن والحسين، ونساءنا: فاطمة، وأنفسنا: علي بن أبي طالب.

إنّ العلماء قد أجمعوا على أنّ جبرئيل قال يوم أُحد: يا محمد ، إنّ هذه لهي المواساة من علي قال: لأنّه منّي وأنا منه ، فقال جبرئيل: وأنا منكما يا رسول الله ، ثمّ قال: (لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ علي)، فكان كما مدح الله عَزَّ وجَلَّ به خليلهعليه‌السلام إذ يقول:( فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ) (٢) إنا معشر بني عمك نفتخر بقول جبرئيل أنّه منّا.

فقال: أحسنت يا موسى ارفع إلينا حوائجك.

فقلت له: أوّل حاجة أن تأذن لابن عمك أن يرجع إلى حرم جدّهعليه‌السلام وإلى عياله.

فقال: ننظر إن شاء الله) (٣) .

٢ ـ اتّهام الإمام بانحرافات فكرية لكسر هيبة الإمامعليه‌السلام وتبرير اضطهاده.

قال هارون للإمام الكاظمعليه‌السلام : (بقي مسألة تخبرني بها ولا تضجر.

فقال له الإمامعليه‌السلام :سل . فقال: خبّروني أنكم تقولون أن جميع المسلمين عبيدنا، وجوارينا، وأنّكم تقولون: من يكون لنا عليه حق ولا يوصله إلينا فليس بمسلم.

ــــــــــــ

(١) آل عمران (٣): ٦١.

(٢) الأنبياء (٢١): ٦٠.

(٣) عيون أخبار الرضاعليه‌السلام : ١ / ٨١.


فقال له موسىعليه‌السلام :كذب الذين زعموا أننا نقول ذلك، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يصح البيع والشراء عليهم ونحن نشتري عبيداً وجواري ونقعد معهم ونأكل معهم ونشتري المملوك ونقول له: يا بنيّ، وللجارية: يا بنتي ونقعدهم يأكلون معنا تقرّباً إلى الله سبحانه فلو أنهم عبيدنا وجوارينا ما صح البيع والشراء ... )(١) .

٣ ـ هناك محاولة أخرى لإحراج الإمامعليه‌السلام والاستهانة به وكانت في مجلس هارون الرشيد حينما حضره حكيم هندي، ويبدو أن الرشيد قد قصد حضور هذا الحكيم الهندي مع الإمام وخطط لإدانة الإمام عمليّاً. كما يبدو ذلك من خلال تعليقة الرشيد بعد استسلام الحكيم الهندي لعلم الإمامعليه‌السلام .

(حضر مجلس الرشيد هنديّ حكيم، فدخل الإمام الكاظمعليه‌السلام فرفع الرشيد مقامه، فحسده الهندي وقال: اغتنيت بعلمك عن غيرك، فكنت كما قال تعالى: ( ككَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ) (٢) .

فقالعليه‌السلام :أخبرني، الصور الصدفية إذا تكاملت فيها الحرارة الكلية، وتواترت عليها الحركات الطبيعية، واستحكمت فيها القوى العنصرية، صارت اخصاصاً عقلية، أم أشباحاً وهميّة ؟

فبهت الهندي وقبّل رأس الإمامعليه‌السلام وقال: كلّمتني بكلام لاهوت، من جسم ناسوت.

فقال الرشيد: كلما أردنا أن نضع أهل هذا البيت أبى الله إلاّ أن يرفعه.

فقالعليه‌السلام :( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ

ــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٤٨ / ١٤٦.

(٢) العلق (٩٦): ٦ ـ ٧.


الْكَافِرُونَ ) )(١)(٢) .

٤ ـ يُبرز لنا هذا المشهد إحدى محاولات الاغتيال التي كان قد أعدّها الرشيد للإمام موسىعليه‌السلام وفشلها بالتسديد الإلهي.

لمّا همّ هارون الرشيد بقتل الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام دعا الفضل بن الربيع وقال له: قد وقعت لي إليك حاجة أسألك أن تقضيها ولك مئة ألف درهم.

قال: فخرّ الفضل عند ذلك ساجداً وقال، أمرٌ أم مسألة؟ قال: بل مسألة.

ثم قال: أمرت بأن تحمل إلى دارك في هذه الساعة مئة ألف درهم، وأسألك أن تصير إلى دار موسى بن جعفر وتأتيني برأسه.

قال الفضل : فذهبت إلى ذلك البيت فرأيت فيه موسى بن جعفر وهو قائم يصلي ، فجلست حتى قضى صلاته ، وأقبلعليه‌السلام إلي وتبسّم وقال :(عرفت لماذا حضرت ، أمهلني حتى أصلي ركعتين) .

قال: فأمهلته فقام وتوضأ فأسبغ الوضوء، وصلّى ركعتين وأتمّ الصلاة بحسن ركوعها وسجودها، وقرأ خلف صلاته بهذا الحرز فاندرس وساخ في مكانه، فلا أدري أأرض ابتلعته؟ أم السماء اختطفته؟

فذهبت إلى هارون وقصصت عليه القصة. قال: فبكى هارون، ثم قال: قد أجاره الله مني(٣) .

ــــــــــــ

(١) الصف: (٦١): ٨.

(٢) عوالم العلوم: الإمام موسى بن جعفر: ١/٣١٤ ، عن الصراط المستقيم: ٢/١٩٤.

(٣) بحار الأنوار: ٩٤ / ٣٣٢ عن مهج الدعوات: ٣٠ ـ ٣٣، وعوالم العلوم (الإمام موسى بن جعفر عليه‌السلام ): ٢٨٤.


الفصل الثّاني: موقف الإمام الكاظمعليه‌السلام من حكم الرشيد

لقد استعرضنا أساليب الرشيد وسياسته الظالمة مع الإمامعليه‌السلام ، والآن نريد الحديث عن موقف الإمامعليه‌السلام قبال هذه السياسة.

الإمامعليه‌السلام وسياسة الرشيد

إنّ سيرة الإمامعليه‌السلام ومواقفه من الرشيد لم تكن استسلامية بل كان الإمامعليه‌السلام صلباً في مواقفه يتحدّى بها الرشيد، وان كان في بعضها شيء من المرونة في بعض الأحيان وذلك لمعرفة الإمامعليه‌السلام به وبنواياه فكان يراعي في مواقفه المصالح العليا.

ونختار بعض المشاهد التي تعبّر عن حقيقة موقف الإمامعليه‌السلام من حكومة الرشيد.

المشهد الأوّل: عن محمد بن طلحة الأنصاري قال: كان مما قال هارون لأبي الحسنعليه‌السلام حين أُدخل عليه: (ما هذه الدار؟ فقالعليه‌السلام :هذه دار الفاسقين، قال الله تعالى: ( سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ) (١) . فقال له هارون: فدار من هي؟ قالعليه‌السلام :هي لشيعتنا فترة ولغيرهم فتنة . قال: فما بال صاحب الدار لا يأخذها؟ فقال:أخذت منه عامرة ولا يأخذها إلا معمورة . قال: فأين شيعتك ؟ فقرأ أبو الحسنعليه‌السلام :( لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ) (٢) . قال: فقال له: فنحن كفار؟ قالعليه‌السلام :لا ، ولكن كما قال الله: ( الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) (٣) . فغضب عند ذلك وغلظ عليه إذ قد لقيه أبو الحسنعليه‌السلام بمثل هذه المقالة، وما رهبه وهذا خلاف قول من زعم أنه هرب منه من الخوف(٤) .

المشهد الثاني:عن الإمام الكاظم عليه‌السلام قال: (قال لي هارون: أتقولون أن الخمس لكم؟

قلت:نعم . قال: إنه لكثير. قال:قلت: إنّ الذي أعطاناه علم أنه لنا غير كثير )(٥) .

ــــــــــــ

(١) الأعراف (٧): ١٤٦.

(٢) البينة (٩٨): ١.

(٣) إبراهيم (١٤): ٢٨.

(٤) تفسير العياشي: ٢/٢٩ الأذيلة وعنه في بحار الأنوار: ٤٨/١٣٨، ح ١٣ والاختصاص: ٢٥٦، بحار الأنوار: ٤٨ / ١٥٦.

(٥) بحار الأنوار: ٤٨ / ١٥٨ عن كتاب الاستدارك.


المشهد الثالث:إنّ هارون الرشيد كان يقول لموسى بن جعفر عليه‌السلام : (حُدّ فدكاً حتى أردّها إليك، فيأبى حتى ألحّ عليه.

فقالعليه‌السلام :لا آخذها إلاّ بحدودها. قال: وما حدودها؟ قالعليه‌السلام :إن حددتها لم تردّها . قال: بحق جدّك إلاّ فعلت. قالعليه‌السلام :أمّا الحد الأول فعدن . فتغير وجه الرشيد وقال: إيهاً. قالعليه‌السلام :والحد الثاني سمرقند . فأربدّ وجهه. قالعليه‌السلام :والحدّ الثالث أفريقية . فأسودّ وجهه وقال: هيه قالعليه‌السلام :والرابع سيف البحر مما يلي الجزر وأرمينيه . قال الرشيد: فلم يبق لنا شيء، فتحوّل إلى مجلسي! قال موسىعليه‌السلام :قد أعلمتك أنني أن حددتها لم تردّها . فعند ذلك عزم على قتله)(١) .

المشهد الرابع: ولمّا دخل هارون الرشيد المدينة توجّه لزيارة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومعه الناس فتقدم الرشيد إلى قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال: السلام عليك يا رسول الله يا ابن عمّ، مفتخراً بذلك على غيره فتقدم أبو الحسنعليه‌السلام فقال:(السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبه) فتغير وجه الرشيد وتبيّن الغيظ فيه)(٢) .

الإمامعليه‌السلام والجماعة الصالحة

بعد أن عرفنا موقف الإمام موسىعليه‌السلام من الرشيد، بقي أن نعرف نشاطه ولا سيّما فيما يخصّ الجماعة الصالحة حيث كان الإمامعليه‌السلام قد قطع أشواطاً في منهجه التربوي في مراحل سابقة، فلابد أن يواصل بناءه في هذه المرحلة، لتعميق ما أسس له سابقاً، ولتوجيه الطاقات باتجاه الأهداف الكبرى التي كان يسعى لها الأئمةعليهم‌السلام من تأصيل الامتداد الشيعي فيوسط الأُمة، وامتلاكه القدرة على مواجهة التحدّيات والوقوف أمام عمليات الإبادة التي بدأ الخلفاء بالتخطيط لها كلما شعروا بتوسيع دائرة أتباع الأئمةعليهم‌السلام وقد لاحظنا هارون يصرّح بأنه لو أعطى الإمام عطاءه اللائق به لم يأمن أن يشهر الإمام ضدّه مائة ألف سيف لإزالة ملكه.

ونطالع نشاط الإمامعليه‌السلام في عدة مجالات:

المجال السياسي:

قام الإمام موسىعليه‌السلام بعدة خطوات تربوية مع شيعته في هذا المجال.

ــــــــــــ

(١) تاريخ بغداد: ١٣ / ٣١ وعنه في تذكرة الخواص: ٣١٣ وفي مناقب آل أبي طالب: ٤/٣٤٦ وعنه في بحار الأنوار: ٤٨/١٤٤.

(٢) كامل الزيارات: ١٨ ب ٣ وعنه في بحار الأنوار: ٤٨/١٣٦، وفي مناقب آل أبي طالب: ٤/٣٤٥.


الخطوة الأولى: تأكيد الانتماء السياسي لخطّ أهل البيت:

إنّ خطّ أهل البيتعليهم‌السلام ومنهجهم هو خط الرفض للظلم والظالمين، ولقد تشددعليه‌السلام على محبيه وشيعته وحرّم عليهم الانفتاح أو التعاون مع السلطات العباسية الظالمة، وأخذ يعمّق في نفوسهم النزاهة والدقة في رفض الظلم، ليمتلكوا وعياً سياسياً يحصّنهم من الانجراف مع التيار الحاكم أو الاستجابة لمخططات الاحتواء بشكل وآخر.

إنّ موقفهعليه‌السلام مع صفوان الجمّال يكشف دقّة المنهج التربوي عند الإمام مع شيعته في هذه المرحلة وتصعيد الإمامعليه‌السلام لمستوى المواجهة مع الجهاز الحاكم من جهة وحرصه على تفتيت دعائم الحكم القائم حيث أخذ الرشيد يحصي على أهل البيتعليهم‌السلام وشيعتهم أنفاسهم ويخطط لإبادتهم.

دخل صفوان بن مهران الأسدي على الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام فقال له:

(يا صفوان، كل شيء منك حسن جميل ما خلا شيئاً واحداً) . قال: جعلت فداك، أي شيء هو؟ قالعليه‌السلام :إكراؤك جمالك من هذا الرجل ، يعني هارون الرشيد! قال: والله ما أكريته أشراً ولا بطراً، ولا للصيد، ولا للهو ، ولكن لهذا الطريق ـ يعني طريق مكة ـ ولا أتولاّه بنفسي ولكن أبعث معه غلماني. قالعليه‌السلام :يا صفوان أيقع كراك عليهم؟ قال: نعم جعلت فداك. قالعليه‌السلام :أتحب بقاءهم حتى يخرج كراك؟ قال: نعم. قالعليه‌السلام :من أحب بقاءهم فهو منهم، ومن كان منهم فهو وارد للنار . وقام صفوان في الوقت فباع جماله وأعرض عن مهنته فبلغ ذلك هارون فأرسل خلفه، فلما مثل عنده قال له ـ وهو يتميّز من الغيظ ـ: يا صفوان! بلغني أنك بعت جمالك، قال: نعم قال: ولم؟ قال: أنا شيخ كبير ، وإنّ الغلمان لا يفون بالأعمال. قال: هيهات هيهات !! إني لأعلم من أشار عليك بهذا، أشار عليك موسى بن جعفر. قال: مالي ولموسى بن جعفر. قال: دع عنك هذا، فوالله لولا حسن صحبتك لقتلتك)(١) .

الخطوة الثانية: التأكيد على مبدأ التقية:

ومن الخطوات التي خطاها الإمام موسىعليه‌السلام مع شيعته هو التشديد على أهمية الالتزام بالتقية كقيمة تحصينية، تحافظ على الوجود الشيعي وتقيه من الضربات الخارجية.

ــــــــــــ

(١) رجال النجاشي: ١٩٨ برقم ٥٢٥، وكان من موالي بني أسد بالكوفة. والخبر من اختيار معرفة الرجال: ٤٤٠ ح ٨٢٨.


روى معمّر بن خلاد قال: سألت أبا الحسن موسىعليه‌السلام عن القيام للولاة، فقالعليه‌السلام :قال أبو جعفر عليه‌السلام : التقية ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقية له (١) .

وحدّث درست بن أبي منصور، قال: كنت عند أبي الحسن موسىعليه‌السلام وعنده الكميت بن زيد، فقال له الإمامعليه‌السلام :أنت الذي تقول:

فالآن صرت إلى أمية =والأمور إلى مصائر

فقال الكميت: قد قلت ذلك ، والله ما رجعت عن إيماني، وإني لكم لموال ولعدوكم لقال، ولكن قد قلته على التقية فقالعليه‌السلام :(إن التقية لتجوز على شرب الخمر) (٢) .

الخطوة الثالثة: النفوذ في الجهاز الحاكم

ونشط الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام عن طريق أصحابه، بالنفوذ والاندساس في مواقع السلطة، فقد تصدّر أصحاب الإمامعليه‌السلام مواقع سياسية مهمّة في الحكومة العبّاسية ، وكان الإمامعليه‌السلام يُثني ويثمن عمل هؤلاء ، لكن كان يشترط التعاون وقضاء حوائج المؤمنين وإلا فإنه ينتفي غرض المهمة.

وإليك قائمة بأسماء أصحاب الإمامعليه‌السلام الذين شغلوا مواقع مهمّة في السلطة العبّاسية، وكانوا من أعاظم العلماء وأجلاّئهم منهم:

١ ـ علي بن يقطين: نشأ يقطين بالكوفة وكان يبيع الأبزار وكان يقول بالإمامة، وقد اتّصل بأبي العباس السفاح والمنصور والمهدي، ولمّا انتقل يقطين إلى دار الحق قام ولده علي مقامه فاتّصل اتصالاً وثيقاً بالعبّاسيين، وتولّى المناصب المهمّة في الدولة وكان عوناً للمؤمنين، وقام بتزويج عدد منهم وكان يعيل قسماً كبيراً منهم.

ــــــــــــ

(١) الوسائل: ١٦/٢٠٤ رقم ح ٢١٣٥٩ باب ٢٤ كتاب الأمر والنهي.

(٢) اختيار معرفة الرجال: ١/٤٦٥، ح ٣٦٤.


فقد حدّث سليمان كاتبه فقال: أحصيت لعلي من يحجّ عنه في عام واحد مئة وخمسين رجلاً أقلّ من أعطاه منهم سبعمئة درهم وأكثر من أعطاه عشرة آلاف درهم وزوّج ثلاثة أو أربعة من أولاد الإمام الكاظمعليه‌السلام وانفق أموالاً ضخمة في وجوه البرّ والإحسان. وتقلّد أعلى منصب في أيام المهدي ومن بعده عيّنه هارون وزيراً له(١) وكان على اتّصال سرّي ودائم مع الإمامعليه‌السلام .

٢ ـ حفص بن غياث الكوفي ، ولي القضاء ببغداد الشرقية من قبل هارون ثم تولّى قضاء الكوفة وتوفي سنة (١٩٤ هـ)(٢) .

٣ ـ عبد الله بن سنان بن طريف، كان خازناً للمنصور والمهدي والهادي والرشيد(٣) .

٤ ـ الفضل بن سليمان الكاتب البغدادي، كان يكتب للمنصور والمهدي(٤) .

٥ ـ محمد بن إسماعيل بن بزيع من صلحاء الطائفة ومن عيونها وأحد

ــــــــــــ

(١) اختيار معرفة الرجال: ٤٣٠ ح ٨٠٥ و ٤٣٣ ح ٨١٥ و ٤٣٤، ح ٨١٩ و ٨٢٠ و ٤٣٧، ح ٨٢٤، والفهرست لابن النديم: ٣٢٨.

(٢) رجال النجاشي: ١٣٤ برقم ٣٤٦ وفي الكشي: ٣٩٠ ح ٧٣٢ قال: هو عامّي وفي تنقيح المقال: ١ / ٣٥٥.

(٣) اختيار معرفة الرجال: ٤١١ ح ٧٧١ و في النجاشي: ٢١٤ برقم ٥٥٨ من موالي بني العباس، وجامع الرواة: ١ / ٤٨٧.

(٤) النجاشي: ٣٠٦ رقم ٨٣٧.


رواة حديث الإمام موسىعليه‌السلام كان، مولى للمنصور وأحد وزراء الدولة العبّاسية(١) .

٦ ـ الحسن بن راشد مولى بني العبّاس: كان وزيراً للمهدي وموسى الهادي وهارون الرشيد(٢) .

لقد كان هؤلاء بعض أصحاب الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام ورواة حديثه.

ومن هنا نستطيع أن نقدّر مدى حنكة الإمامعليه‌السلام وتخطيطه للمحافظة على المواقع المهمة لأبناء الجماعة الصالحة في جهاز السلطة من إقرار فضلاء صحابته على قبولهم ولاية الحاكم الجائر فإنّهم أعلم بهذا الخط وشؤونه من عامة المؤمنين.

المجال التربوي:

إنّ وصايا الإمام الكاظمعليه‌السلام وتوجيهاته لشيعته تلاحظ حاجة الواقع الموجود لإكمال بناء هذه الجماعة الصالحة باتّجاه الأهداف النهائية التي رسمها أهل البيتعليهم‌السلام لها.

ومن هنا نجد الإمامعليه‌السلام يتابع شيعته ويشرف على تكامل بناء هذه الجماعة وأفرادها فيقوم بتطبيق ما يدعو إليه عملياً لتشكل خطواته نموذجاً ومناراً يهتدي به أبناء مدرسته. ولهذا المجال يمكن أن نستشهد بعدّة أمثلة:

المثال الأول: (موقفهعليه‌السلام من علي بن يقطين عندما أراد أحد المؤمنين أن يدخل على علي بن يقطين ولم يأذن له لنلاحظ تعبير الإمام (بأخيك) ليؤكد أن وجودك يا علي في هذا المنصب هو لخدمة هؤلاء لا لشيء ، ومن هنا أذن له الإمام بالبقاء ، بل أمره بالبقاء عندما أراد أن يعتزل من هذا الموقع. عن محمد بن علي الصوفي قال: استأذن إبراهيم الجمّال (رضي الله عنه) على أبي الحسن علي بن يقطين الوزير فحجبه.

فحجّ علي بن يقطين في تلك السنة فاستأذن بالمدينة على مولانا موسى بن جعفرعليه‌السلام فحجبه. فرآه ثاني يومه فقال علي بن يقطين: يا سيدي ما ذنبي؟ فقالعليه‌السلام :حجبتك لأنك حجبت أخاك إبراهيم الجمّال وقد أبى الله أن يشكر سعيك أو يغفر لك إبراهيم الجمّال .

فقلت: سيدي ومولاي من لي بإبراهيم الجمّال في هذا الوقت وأنا بالمدينة وهو بالكوفة؟

فقالعليه‌السلام :إذا كان الليل فامض إلى البقيع وحدك من غير أن يعلم بك أحد من أصحابك وغلمانك واركب نجيباً هناك مسرّجاً .

ــــــــــــ

(١) اختيار معرفة الرجال: ٥٦٤ ح ١٠٦٥ وفي رجال النجاشي: ٣٣٠ برقم ٨٩٣.

(٢) انظر ترجمته في فهرست أعلام الكشي: ٢٦ في أخبار عديدة. وفي النجاشي: ٣٨ برقم ٧٦ وفى منهج المقال: ٩٨.


قال: فوافى البقيع وركب النجيب ولم يلبث أن أناخه على باب إبراهيم الجمّال بالكوفة.

فقرع الباب وقال: أنا علي بن يقطين

فقال إبراهيم الجمّال من داخل الدار: وما يعمل علي بن يقطين الوزير ببابي؟!

فقال علي بن يقطين: يا هذا إنّ أمري عظيم وآلى عليه أن يأذن له، فلمّا دخل قال: يا إبراهيم إنّ المولىعليه‌السلام أبى أن يقبلني أو تغفر لي، فقال: يغفر الله لك.

فآلى علي بن يقطين على إبراهيم الجمّال أن يطأ خدّه فامتنع إبراهيم من ذلك فآلى عليه ثانياً ففعل.

فلم يزل إبراهيم يطأ خده وعلي بن يقطين يقول: اللّهم أشهد، ثم انصرف وركب النجيب، وأناخه في ليلته بباب المولى موسى بن جعفرعليه‌السلام بالمدينة فأذن له ودخل عليه فقبله)(١) .

المثال الثاني: حرص الإمام موسىعليه‌السلام على قضاء حوائج المؤمنين واهتم بها وهو في أحلك الظروف وأشدّها قساوة، فقد حثّ الشيعة على التمسك بهذا المبدأ الأخلاقي، بل أمر بعض الخواص بالبقاء في جهاز السلطة الظالمة لأجل قضاء حوائج المؤمنين.

من هنا ندرك مستوى اهتمامه ومدى سعيه لتحقيق هذا المبدأ في فكر وسلوك أبناء الجماعة الصالحة.

عن محمد بن سالم قال: (لمّا حمل سيدي موسى بن جعفرعليه‌السلام إلى هارون جاء إليه هشام بن إبراهيم العباسي، فقال له: يا سيدي قد كُتب لي صك إلى الفضل بن يونس تسأله أن يروح أمري.

قال: فركب إليه أبو الحسنعليه‌السلام فدخل عليه حاجبه فقال: يا سيدي! أبو الحسن موسى بالباب فقال: فإن كنت صادقاً فأنت حرّ ولك كذا وكذا!

فخرج الفضل بن يونس حافياً يعدو حتى خرج إليه: فوقع على قدميه يُقبّلهما ثم سأله أن يدخل، فدخل فقال له:اقض حاجة هشام بن إبراهيم )، فقضاها(٢) .

ــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٤٨ / ٨٥ ، ح ١٠٥ عن عيون المعجزات: ٩٠.

(٢) اختيار معرفة الرجال: ٥٠٠ ح ٩٥٧ وكان الفضل من الشيعة فطلبتهم السلطة فاختفى وكتب كتاباً على مذهب الراوندية العبّاسية بإثبات الإمامة للعباس فدسّه إلى السلطان فآمنه واستعمله. بحار الأنوار: ٤٨ / ١٠٩.


المثال الثالث: تسديد الإمامعليه‌السلام لمهمة علي بن يقطين ودعمه له:

روي عن علي بن يقطين: (أنه كتب إلى موسى بن جعفرعليه‌السلام : اُختلف في المسح على الرجلين، فإن رأيت أن تكتب ما يكون عملي عليه فعلت. فكتب أبو الحسنعليه‌السلام :(الذي آمرك به أن تتمضمض ثلاثاً وتستنشق ثلاثاً، وتغسل وجهك ثلاثاً، وتخلّل شعر لحيتك ثلاثاً، وتغسل يديك ثلاثاً، وتمسح ظاهر أذنيك وباطنها وتغسل رجليك ثلاثاً، ولا تخالف ذلك إلى غيره) ، فامتثل أمره وعمل عليه.

فقال الرشيد: أحبّ أن أستبرئ أمر علي بن يقطين، فإنهم يقولون إنه رافضي، والرافضة يخففون في الوضوء. فناطه بشيء من الشغل في الدار، حتى دخل وقت الصلاة، ووقف الرشيد وراء حائط الحجرة بحيث يرى علي بن يقطين ولا يراه هو، وقد بعث إليه بالماء للوضوء فتوضّأ كما أمره موسىعليه‌السلام .

فقام الرشيد وقال: كذب من زعم أنك رافضي.

فورد على علي بن يقطين كتاب موسى بن جعفرعليه‌السلام توضأ من الآن كما أمر الله:اغسل وجهك مرّة فريضة، والأخرى إسباغاً، فاغسل يديك من المرفقين كذلك، وامسح مقدّم رأسك، وظاهر قدميك من فضل نداوة وضوئك، فقد زال ما يخاف عليك )(١) .

وعن ابن سنان (أنّ الرشيد حمل في بعض الأيام إلى علي بن يقطين ثياباً أكرمه بها وكان في جملتها دراعة خز سوداء من لباس الملوك مثقلة بالذهب.

فأنفذ علي بن يقطين جل تلك الثياب إلى أبي الحسن موسى ابن جعفرعليه‌السلام وأنفذ في جملتها تلك الدراعة، وأضاف إليها مالاً كان أعدّه له على رسم له فيما يحمله إليه من خمس ماله. فلمّا وصل ذلك إلى أبي الحسن قبل المال والثياب، وردّ الدراعة على يد الرسول إلى علي بن يقطين وكتب إليه:أن احتفظ بها، ولا تخرجها عن يدك ، فسيكون لك بها شأن، تحتاج إليها معه ، فارتاب علي بن يقطين بردّها عليه، ولم يدر ما سبب ذلك، فاحتفظ بالدراعة فلمّا كان بعد أيّام تغيّر علي بن يقطين على غلام كان يختص به فصرفه عن خدمته، وكان الغلام يعرف ميل علي بن يقطين إلى أبي الحسنعليه‌السلام ويقف على ما يحمله إليه في كل وقت من مال وثياب وألطاف وغير ذلك.

ــــــــــــ

(١) الإرشاد: ٢/٢٢٧ ـ ٢٢٩ وعنه في إعلام الورى: ٢/٢١، ٢٢ وكشف الغمة: ٣/١٥ ـ ١٧ وفي الخرائج والجرائح: ١/٣٣٥ ح ٢٦ وعنه في بحار الأنوار: ٤٨/١٣٦ ح ١١.


فسعى به إلى الرشيد فقال: إنه يقول بإمامة موسى بن جعفر، ويحمل خمس ماله في كل سنة وقد حمل إليه الدراعة التي أكرمه بها أمير المؤمنين فيوقت كذا وكذا. فاستشاط الرشيد لذلك، وغضب غضباً شديداً، وقال لأكشفنّ عن هذه الحال فإن كان الأمر كما يقول أزهقت نفسه. وأنفذ في الوقت بإحضار علي بن يقطين فلمّا مثل بين يديه، قال له: ما فعلت بالدراعة التي كسوتك بها؟ قال: هي يا أمير المؤمنين عندي في سفط مختوم، فيه طيب، وقد احتفظت بها، وقلّما أصبحت إلا وفتحت السفط، فنظرت إليها تبركاً بها، وقبّلتها ورددتها إلى موضعها وكلما أمسيت صنعت مثل ذلك.

فقال: أحضرها الساعة قال: نعم يا أمير المؤمنين، واستدعى بعض خدمه، وقال له: إمض إلى البيت الفلاني من الدار، فخذ مفتاحه من خزانتي فافتحه وافتح الصندوق الفلاني، وجئني بالسفط الذي فيه بختمه.

فلم يلبث الغلام أن جاءه بالسفط مختوماً فوضع بين يدي الرشيد فأمر بكسر ختمه وفتحه. فلمّا فتح نظر إلى الدراعة فيه بحالها، مطوية مدفونة في الطيب. فسكن الرشيد من غضبه ثم قال لعلي بن يقطين: أُرددها إلى مكانها فلن أُصدق عليك بعدها ساعياً. وأمر أن يتبع بجائزة سنية، وتقدم بضرب الساعي ألف سوط، فضرب نحواً من خمسمئة فمات في ذلك)(١) .

المجال العلمي والفكري:

لقد كان عهد الصادقينعليهما‌السلام عهد الانفراج النسبي لمدرسة أهل البيتعليهم‌السلام حيث استطاعت أن تنشر علوم أهل البيتعليهم‌السلام وتخرّج الأساتذة والعلماء المسؤولين والأمناء على حفظ تراث هذا الخطّ الرسالي بين أبناء الأمة الإسلامية.

ومن هنا فقد تكاملت لأبناء هذه المدرسة في عهدهما الأسس المتينة التي أرساها الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والإمام علي بن أبي طالبعليه‌السلام من بعده في المنهج والمحتوى والأسلوب.

وكان عصر الإمام الكاظمعليه‌السلام الذي استمر ثلاثة عقود أو ما يزيد عليها قليلاً ـ استمراراً للمسيرة العلمية والثقافية التي حقّقها الصادقانعليهما‌السلام حتى تخرج في عهدهعليه‌السلام عدد مهم من الفقهاء الرواة الذين أصبحوا بمستوى

ــــــــــــ

(١) الإرشاد: ٢/٢٢٥ ـ ٢٢٧ وعنه في إعلام الورى: ٢/١٩ ـ ٢٠ وكشف الغمة: ٣/١٤ ـ ١٥ وفي الخرائج والجرائح: ١/٣٣٤ ح ٢٥. عن الإرشاد في بحار الأنوار: ٤٨ / ١٣٨، ح١٢.


العطاء الذي قدمه الإمام الكاظمعليه‌السلام للأمة الإسلامية في حقلي النظرية والتطبيق معاً ـ كما سيتضح ذلك فيما سوف نراه من تبلور كثير من القواعد الأصولية والفقهية في مجال الاجتهاد الفقهي في هذه المدرسة العملاقة.

ثمّ إنّ انتشار التشيع واتّساع حجم الولاء والانتماء لخط أهل البيتعليهم‌السلام بالمعنى الخاص الذي يتميّز عن الخط العباسي بعد جهود الصادقينعليهما‌السلام كان من نصيب عهد الإمام الكاظمعليه‌السلام .

واتساع القاعدة كان يتطلب توسّع نشاط القيادة في رعاية شؤون الأتباع وصيانة الجماعة الصالحة من أنواع المزالق والانحرافات والعقبات.

على أن كثرة السؤال عن قضايا الشريعة أصولاً وفروعاً لاتساع دائرة الانتماء ولتطور الزمن مع استعداد مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام للاستجابة للمستجدات ، كل هذا تطلب نشاطاً أكبر وأوسع من القيادة المتمثلة في الإمام الكاظمعليه‌السلام بالرغم من حراجة الظرف بعد استشهاد الإمام الصادقعليه‌السلام وعدم التوجيه العام حول إمامة موسى الكاظمعليه‌السلام لكل أبناء الطائفة ...

من هنا كان الإمامعليه‌السلام بحاجة إلى توظيف عدد من أصحابه الأخصّاء به لإدارة شؤون الجماعة الصالحة بتقبّل الوكالة عن الإمام والتحرك لجمع الأموال والحقوق التي رسم لها أهل البيت نظاماً ومنهجاً خاصاً يكفل للجماعة الصالحة استمرار وجودها وتطورها واستحكام أسسها بنحو يجعلها قادرة على مواجهة التحديات المستمرة.

وهذا هو الذي كان يخشاه الخلفاء، كلٌ بمقدار نباهته وغوره إلى عمق هذا الخط.. حتى أثار هذا النشاط الواسع والخط التثقيفي المعمق حفيظة هارون الرشيد تجاه شخص الإمام الكاظمعليه‌السلام حيث كان يراه الندّ الحقيقي الذي يهدد سلطانه.

وكان هارون جرئياً في الإقدام على سجن الإمام وعزله عن قواعده. ولكنّ أصحاب الإمامعليه‌السلام كانوا على اتصال مستمر به وهو في قيد السجن. وكان هذا التخطيط يعدّ تطوراً واضحاً في التعامل مع الأحداث واستغلالاً للظروف الحرجة أحسن استغلال لإكمال المسيرة الربّانية إلى حيث الأهداف المبتغاة منها.


وقد تمثل العطاء العلمي والفكري للإمام الكاظمعليه‌السلام في مجالات:

١ ـ الرواية

٢ ـ التدريس

٣ ـ المناظرة

٤ ـ التأليف

كما تنوّعت مجالات الرواية والتأليف والمناظرة والتدريس إلى الحقول العلمية المختلفة، كما يشهد لذلك تنوّع التراث الذي وصلنا عن الإمام الكاظمعليه‌السلام ، ونستطيع أن نلمس ذلك بكل وضوح من خلال مطالعة مسنده الذي يبلغ ثلاثة أجزاء فيما يقرب من ألف صفحة تقريباً.

وقد اشتمل على أنواع المعرفة العقائدية والتاريخية والتربوية والأخلاقية والأحكام الشرعية والأدعية والزيارات وما يرتبط بمجال توثيق الرجال وسائر ما يرتبط ببيان عصر الإمام الكاظمعليه‌السلام واحتجاجاته مع الحكام والمخالفين أو ما يرتبط بمدرسته العلمية المتمثّلة في المتخرجين من طلابه والنابهين من صحابته.

وقد بلغت بعض تأليفات أصحاب الإمام حجماً هائلاً مثل ما ألّفه هشام بن الحكم وصفوان بن يحيى بيّاع السابري والحسن بن محمد بن سماعة الكندي حيث بلغت الكتب المؤلفة لكل منهم ثلاثين مؤلفاً.


كما ألّف علي بن الحسن الطاطري أربعة عشر كتاباً والحسن بن محبوب السراد ستة كتب وعبد الله بن جبلة سبعة كتب وعلي بن يقطين ثلاثة كتب. وهذا هو بعض النشاط العلمي لصحابة الإمامعليه‌السلام (١) .

منهج الاستنباط والتفقه في الدين:

ونلتقي في تراث الإمام الكاظمعليه‌السلام بنصوص ترتبط بحرمة القول بغير علم وحجية الظواهر وحجية خبر الواحد ونصوص ترتبط بعلاج حالات التعارض بين الأحاديث ونصوص ترتبط بالمنع من القياس ونصوص ترتبط بأصالة البراءة ووجوب الموافقة القطعية في أطراف العلم الإجمالي والاستصحاب وعدم جواز الرجوع إلى الأصل قبل الفحص عن الدليل.. وهذه النصوص تشير إلى أن الإمامعليه‌السلام كان بصدد إرساء قواعد ومنهج الاستنباط والتفقه في دين الله.

وإذا لاحظنا النصوص التي تقدّم لنا مجموعة مهمة من القواعد الفقهية إلى جانب غيرها من النصوص التي تتضمّن الأحكام الفقهية التي أثرت عنهعليه‌السلام فإننا نستيقن بأن الإمامعليه‌السلام كان يخطط لتكامل المدرسة الفقهية الاجتهادية ويربّي العلماء على منهجها بحيث يضمن للرسالة خلودها ولخط أهل البيتعليهم‌السلام الدوام والحضور الفاعل في ميادين الحياة رغم كل التحديات(٢) .

المناظرات في عصر الإمام الكاظم عليه‌السلام

من الأنشطة الفكرية الواسعة الصيت في عصر الإمام الكاظمعليه‌السلام والمؤثرة في تبلور فكر الأمة هي المناظرة العلمية، وكان الإمام الصادقعليه‌السلام ثم الإمام الكاظمعليه‌السلام من بعده قد استثمرا هذه الظاهرة وأعدّا لها نخبة من العلماء المتخصصين في هذا الميدان تعاهدوا للدفاع عن مذهب أهل البيتعليهم‌السلام وتعريفه للناس واستطاعوا رغم المنع السلطوي والحصار الفكري ضدهم أن يروّجوا للمذهب ويحققوا انتصارات مشهودة. كما قد نشطوا من جانب في دحض الشبهات والاتهامات التي كانت تثار ضد الفكر الإسلامي أو الشيعي واستطاعوا أن يقفوا بوجه الموجات الفكرية الانحرافية والحركات الإلحادية.

ــــــــــــ

(١) راجع الفهرست للشيخ الطوسي: ٩٦، ١٠٣، ١٤٦، ١٥٥، ١٥٦، ٢٥٨.

(٢) راجع: لمحات على القواعد الفقهية في الأحاديث الكاظمية في مجموعة الآثار للمؤتمر العالمي الثالث للإمام الرضا عليه‌السلام ومسند الإمام الكاظم عليه‌السلام .


ومن جملة أصحاب الإمامين الصادق والكاظمعليهما‌السلام البارزين في هذا الميدان هشام بن الحكم. كان هشام بن الحكم من أفذاذ الأمة الإسلامية ومن كبار علمائها وفي طليعة المدافعين عن خط أهل البيتعليهم‌السلام . جاهد طويلاً لنصرة الحق خصوصاً في عصر الرشيد، الذي انعدمت فيه الحريات، وكان الذاكر لفضائل أهل البيتعليهم‌السلام عرضة للانتقام والتنكيل من قبل السلطة. كان من أصحاب الإمام الصادقعليه‌السلام وبعد وفاته اتّصل بالإمام الكاظمعليه‌السلام . واختص في علم الكلام فكان من كبار المتكلمين في عصره، وشهد له بذلك ابن النديم.

ونظراً لاختصاصه في هذا الفن فقد زيّن يحيى بن خالد البرمكي مجلسه به وجعله قيماً لمجالس كلامه(١) . وخاض هشام مع علماء الأديان والمذاهب مستدلاً على صحة مبدأه وبطلان أفكارهم.

ونظراً لخطورة استدلاله وقوة حجته كان الرشيد يحضر من وراء الستار فيصغي إليها ويعجب بها، ولقد خاض في عدة مناظرات مع زعيم المعتزلة الروحي عمرو بن عبيد(٢) .

ووجه يحيى بن خالد البرمكي سؤالاً لهشام بحضرة الرشيد من أجل إحراجه قائلاً له: أخبرني عن علي والعباس لما اختصما إلى أبي بكر في الميراث أيهما كان المحق من المبطل؟ فاستولت الحيرة على هشام لأنه قال في نفسه: إن قلت علياً كان مبطلاً كفرت وإن قلت العباس كان مبطلاً ضرب الرشيد عنقي. فقال هشام: لم يكن من أحدهما خطأ وكانا جميعاً محقين، ولهذا نظير قد نطق به القرآن في قصة داودعليه‌السلام حيث يقول الله: ( وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ ) ، إلى قوله تعالى :( خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ ) فأي الملكين كان مخطئاً؟ وأيهما كان مصيباً؟ أم تقول : إنهما كانا مخطئين فجوابك في ذلك جوابي بعينه.

فقال يحيى: لست أقول: الملكين أخطآ، بل أقول إنهما أصابا وذلك أنهما لم يختصما في الحقيقة ولا اختلفا في الحكم وإنما أظهرا ذلك لينبّها داود على الخطيئة ويعرّفاه الحكم ويوقفاه عليه.

ــــــــــــ

(١) الفهرست لابن النديم: ٢٦٣.

(٢) الكشي: ٢٢٥ ح ٤٧٥، ٢٨٠ ح ٥٠٠، والأمالي: ١ / ٥٥، ومروج الذهب: ٣ / ١٩٤ و ٤ / ٢١ ـ ٢٣.


فقال هشام: كذلك علي والعباس لم يختلفا في الحكم ولا اختصما في الحقيقة وإنما أظهرا الاختلاف والخصومة لينبّها أبا بكر على غلطه ويوقفاه على خطيئته ويدلاّه على ظلمه في الميراث ولم يكونا في ريب من أمرهما فتحيّر يحيى ولم يطق جواباً، واستحسن الرشيد هذا البيان الرائع الذي تخلص به هشام(١) .

وله مناظرات من هذا القبيل مع العالم النظام(٢) ومع ضرار الضبي(٣) فراجع مناظراته في موسوعة بحار الأنوار في ما يختص بحياة صحابة الإمام الكاظمعليه‌السلام .

وهكذا استطاع أهل البيتعليهم‌السلام من خلال خيرة أصحابهم أن يحفظوا للأمة المسلمة هويّتها ويدافعوا عن شخصيّتها المعنوية واستقلال كيانها الفكري والديني.

الفصل الثّالث: اعتقالات الإمامعليه‌السلام حتى استشهاده

التخطيط لسجن الإمامعليه‌السلام

لسنا الآن بصدد التعرض إلى تفاصيل أسباب سجن الإمام من قبل الرشيد. لأن سلوك الإمام وتأثيره في الأمة كما عرفت كان كافياً لأن يدفع بالرشيد الذي لا يتبنى حكمه على أصول مشروعة ليخطط لسجن الإمامعليه‌السلام وبالتالي اغتياله، هذا فضلاً عن كون الرشيد قد قطع على نفسه بداية تسلّمه للحكم بأن سوف يستأصل الوجود العلوي فإذا كان هذا شعاره أول الأمر مع كل العلويين فكيف بزعيم العلويين وقائدهم وسيدهم.

وينبغي أن نفرق بين الأسباب الواقعية وبين الأسباب التي كان يتذرع بها الرشيد لتبرير سلوكه العدائي مع الإمامعليه‌السلام .

ــــــــــــ

(١) الفصول المختارة: ٤٢ ووردت المناظرة باختصار في عيون إخبار الرضا: ٢ / ١٥.

(٢) الكشي: ٢٧٤ ح ٤٩٣ في الخلود في الجنة وعدمها.

(٣) كمال الدين: ٢/٣٦٢ ـ ٣٧٠ وعنه في بحار الأنوار: ٤٨ / ١٩٩ ح ٧.


لقد أصبح الإمام بعد عقد من حكم الرشيد وجوداً ثقيلاً على هارون لقوة تأثيره في الأمة واتساع الامتداد الشيعي حتى وجدناه يقدر المتطوعين في جيش الإمام بمئة ألف سيف. من هنا ضاق صدره وأزعجه انتشار صيت الإمام لأن الناس غدت تتناقل مآثر الإمام وعلمه وأخلاقه.

وكانت حادثة زيارة هارون لقبر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولقاء الإمام به بحيث أغضب الرشيد حتى قال بعدها مخاطباً الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (بأبي أنت وأمي، إني أعتذر إليك من أمر عزمت عليه، إني أُريد أن آخذ موسى بن جعفر فأحبسه لأني قد خشيت أن يلقي بين أمتك حرباً يسفك بها دماءهم)(١) .

وكان للوشاة دورٌ سلبي ضد الإمامعليه‌السلام فلقد تحرك يحيى بن خالد قبل ذلك ليهيئ مقدمات الاعتقال للإمام فأغرى ابن أخ الإمام محمد بن إسماعيل أو علي بن إسماعيل لغرض الوشاية بالإمام.

لنلاحظ موقف الإمام السامي إزاء تصرف ابن أخيه الشنيع بعد أن استجاب محمد لإغراء يحيى والتقى بالطاغية في بغداد وطعن بالإمامعليه‌السلام بما يرغب به الرشيد.

عن علي بن جعفر بن محمدعليه‌السلام قال: (جاءني محمد بن إسماعيل بن جعفر(٢) يسألني أن أسأل أبا الحسن موسىعليه‌السلام أن يأذن له في الخروج إلى العراق وأن يرضى عنه، ويوصيه بوصية.

قال: فتنحيت حتى دخل المتوضأ وخرج وهو وقت يتهيأ لي أن أخلو به وأكلّمه.

قال: فلما خرج قلت له: إنّ ابن أخيك محمد بن إسماعيل سألك أن تأذن له بالخروج إلى العراق، وأن توصيه، فأذن لهعليه‌السلام .

فلمّا رجع إلى مجلسه قام محمد بن إسماعيل وقال: يا عمّ أحب أن توصيني.

فقالعليه‌السلام :أوصيك أن تتقي الله في دمي .

فقال: لعن الله من يسعى في دمك ثم قال: يا عم أوصني فقالعليه‌السلام : أوصيك أن تتقي الله في دمي.

ــــــــــــ

(١) عيون أخبار الرضا: ٧٣ ح ٣ والغيبة للطوسي: ٢٨ وعن العيون في بحار الأنوار: ٤٨/٢١٣ ح ١٣.

(٢) في بعض الروايات (محمد بن إسماعيل) وفى بعضها (علي بن إسماعيل).


قال: ثمّ ناوله أبو الحسن صرة فيها مئة وخمسون ديناراً فقبضها محمد، ثم ناوله أخرى فيها مئة وخمسون ديناراً فقبضها، ثم أعطاه صرة أُخرى فيها مئة وخمسون ديناراً فقبضها، ثم أمر له بألف وخمسمئة درهم كانت عنده.

فقلت له في ذلك، واستكثرته. فقال:هذا ليكون أوكد لحجتي إذا قطعني ووصلته .

قال: فخرج إلى العراق، فلما ورد حضرة هارون أتى باب هارون بثياب طريقه من قبل أن ينزل، واستأذن على هارون، وقال للحاجب: قل لأمير المؤمنين إن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بالباب. فقال الحاجب: انزل أولاً وغيّر ثياب طريقك وعُد لأدخلك عليه بغير إذن، فقد نام أمير المؤمنين في هذا الوقت. فقال: أُعلم أمير المؤمنين أني حضرت ولم تأذن لي. فدخل الحاجب وأعلم هارون قول محمد بن إسماعيل، فأمر بدخوله، فدخل وقال: يا أمير المؤمنين خليفتان في الأرض: موسى بن جعفر بالمدينة يُجبى له الخراج، وأنت بالعراق يُجبى لك الخراج؟! فقال: والله ؟! فقال: والله! قال: فأمر له بمئة ألف درهم فلما قبضها وحُمل إلى منزله، أخذته الذبحة في جوف ليلته فمات، وحوّل من الغد المال الذي حُمل إليه)(١) .

هذه هي بعض الأساليب التي كان قد خطط لها يحيى بإيعاز من الرشيد.

وأخيراً تم اعتقال الإمامعليه‌السلام بسرعة وإخفاء وتعمية على الأمة لئلاً تعرف محل سجن الإمامعليه‌السلام .

ــــــــــــ

(١) اختيار معرفة الرجال: ٢٦٣ ح ٤٧٨ وراجع أصول الكافي: ١/٨٥ ح ٨ ، واللفظ هنا له وفي الإرشاد: ٢/٢٣٧ والغيبة للطوسي: ٢٧ وفي مناقب آل أبي طالب: ٤/٣٣٢ باسم علي بن إسماعيل، وفي: ٤/٣٥٢ باسم محمد بن إسماعيل. وعن الكشي في بحار الأنوار: ٤٨/٢٣٩ ح ٤٨.


اعتقال الإمامعليه‌السلام

وبعد زيارة الرشيد لقبر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولقائه بالإمامعليه‌السلام أمر الطاغية هارون باعتقال الإمامعليه‌السلام وفعلاً أُلقي القبض على الإمام وهو قائم يصلي عند رأس جدّه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يمهلوه لإتمامها.

فحمل وقيّد فشكى الإمام لجدّه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قائلاً:(إليك أشكو يا رسول الله) (١) وبعد اعتقال الإمام غدت الناس تتحدث فيما بينها باستنكار هذا الحدث المهم، فتألمت الأمة كثيراً فلم يبق قلب إلا وتصدّع من الأسى والحزن فخافت السلطات أن يكون اعتقال الإمام محفزاً للثورة عليها. فحمل جملين، واحداً إلى البصرة والثاني إلى الكوفة لغرض الإيهام على الناس، أي: لئلاّ يعرف محل حمل الإمام في أيّهما.

الإمامعليه‌السلام في سجن البصرة:

كان المأمور بحراسة الإمامعليه‌السلام أثناء الطريق من المدينة إلى البصرة حسان السروي(٢) وقبل أن يصل إلى البصرة تشرّف بالمثول بين يديه عبد الله بن مرحوم الأزدي فدفع له الإمام كتباً وأمره بإيصالها إلى وليّ عهده الإمام الرضا وعرّفه بأنه الإمام من بعده(٣) وسارت القافلة تطوي البيداء حتى وصلت البصرة، وأخذ حسّان الإمام ودفعه إلى عيسى بن أبي جعفر فحبسه في بيت من بيوت المحبس وأقفل عليه أبواب السجن فكان لا يفتحها إلا في حالتين:

أحداهما في خروجه للطهور، والأخرى لإدخال الطعام لهعليه‌السلام

ــــــــــــ

(١) عيون أخبار الرضا: ١/٨٥ ح ١٠.

(٢) عيون أخبار الرضا: ١/٨٥ ح ١٠.

(٣) عيون أخبار الرضا: ١/٢٧ ح ١٣.


أمّا نشاطهعليه‌السلام في داخل السجن:

فلقد انقطععليه‌السلام إلى الله في عبادته فكان يصوم النهار ويقوم الليل وكان يقضي وقته في الصلاة والسجود والدعاء، ولم يضجر ولم يسأم من السجن واعتبر التفرّغ للعبادة من أعظم النعم، وكان يقول في دعائه:(اللهم إنك تعلم أني كنت أسألك أن تفرغني لعبادتك، اللهم وقد فعلت فلك الحمد) (١) .

ولمّا شاع خبر اعتقال الإمام في البصرة وعلم الناس بمكانه هبّت إليه العلماء وغيرهم لغرض الاتّصال به من طريق خفيّ فاتصل به ياسين الزيات الضرير البصري وروى عنه(٢) .

الإيعاز لعيسى باغتيال الإمامعليه‌السلام

وأوعز الرشيد إلى عيسى يطلب منه فوراً القيام باغتيال الإمام لكن لمّا وصلت أوامر الرشيد لعيسى باغتيال الإمامعليه‌السلام ثقل عليه الأمر، وجمع خواصّه وثقته فعرض عليهم الأمر فأشاروا عليه بالتحذير من ارتكاب الجريمة فاستصوب رأيهم، وكتب إلى الرشيد رسالة يطلب فيها إعفاءه عن ذلك.

حمل الإمامعليه‌السلام إلى بغداد

واستجاب الرشيد لطلب عيسى وخاف من عدم تنفيذه لطلبه أن يساهم في إطلاق سراح الإمامعليه‌السلام ويخلّي سبيله، فأمره بحمله إلى بغداد وفرح عيسى بذلك، ولمّا وصل الإمام إلى بغداد أمر الرشيد باعتقاله عند الفضل فأخذه وحبسه في بيته.

وأشرف هارون على سجن الإمامعليه‌السلام إذ كان يتوجّس في نفسه الخوف من الإمامعليه‌السلام فلم يثق بالعيون التي وضعها عليه في سجنه فكان يراقبه ويتطلّع على شؤونه خوفاً من أن يتصل به أحداً ويكون الفضل قد رفّه عليه، فأطلّ من أعلى القصر على السجن فرأى ثوباً مطروحاً في مكان خاص لم يتغيّر عن موضعه.

ــــــــــــ

(١) المناقب: ٤ / ٣٤٣.

(٢) النجاشي: ٤٥٣ برقم ١٢٢٧.


فقال للفضل: ما ذاك الثوب الذي أراه كل يوم في ذلك الموضع؟!

فقال الفضل: يا أمير المؤمنين، وما ذاك بثوب، وإنما هو موسى بن جعفر له في كل يوم سجدة بعد طلوع الشمس إلى وقت الزوال، فانبهر هارون وقال: أما إنّ هذا من رهبان بني هاشم !

والتفت إليه الربيع بعد ما سمع منه اعترافه بعبادة وزهد الإمام قائلاً له: يا أمير المؤمنين ، ما لك قد ضيقت عليه في الحبس ؟!! فأجابه هارون قائلاً: هيهات ، لا بد من ذلك(١) .

دعاء الإمامعليه‌السلام وإطلاق سراحه

ولمّا طالت مدة الحبس على الإمامعليه‌السلام وهو رهين السجون، قام في غلس الليل البهيم فجدّد طهوره وصلَّى لربه أربع ركعات وأخذ يدعو بهذا الدعاء:

(يا سيدي: نجّني من حبس هارون، وخلّصني من يده، يا مخلّص الشجر من بين رمل وطين، ويا مخلّص النار من بين الحديد والحجر، ويا مخلص اللبن من بين فرث ودم، ويا مخلّص الولد من بين مشيمة ورحم، ويا مخلّص الروح من بيت الأحشاء والأمعاء، خلصني من يد هارون).

ــــــــــــ

(١) عيون أخبار الرضا: ١ / ٩٥ ، وعنه في بحار الأنوار: ٤٨ / ٢٢٠.


واستجاب الله دعاء العبد الصالح فأنقذه من سجن الطاغية هارون وأطلقه في غلس الليل(١) .

لقد مكث الإمامعليه‌السلام في سجن الفضل مدة طويلة من الزمن لم يعيّنها لنا التأريخ. وبقيعليه‌السلام بعد إطلاق سراحه في بغداد لم يخرج منها إلى يثرب وكان يدخل على الرشيد في كل أسبوع مرة يوم الخميس(٢) .

الاعتقال الثاني للإمامعليه‌السلام

ولمّا شاع ذكر الإمامعليه‌السلام وانتشرت فضائله ومآثره في بغداد، ضاق الرشيد من ذلك ذرعاً، وخاف منه فاعتقله ثانية فأودعه في بيت الفضل بن يحيى. ولما رأى الفضل عبادة الإمامعليه‌السلام وإقباله على الله وانشغاله بذكره أكبر الإمام، ولم يضيّق عليه وكان في كل يوم يبعث إليه بمائدة فاخرة من الطعام، وقد رأىعليه‌السلام من السعة في سجن الفضل ما لم يرها في بقية السجون.

ولمّا أوعز الرشيد للفضل باغتيال الإمامعليه‌السلام امتنع ولم يجبه إلى ذلك وخاف من الله لأنه كان ممّن يذهب إلى الإمامة ويدين بها، وهذا هو الذي سبب تنكيل الرشيد بالفضل واتهام البرامكة بالتشيع(٣) .

ــــــــــــ

(١) عيون أخبار الرضا: ١/٩٤ ح ١٣ وراجع المناقب: ٤ / ٣٣٠.

(٢) عيون أخبار الرضا: ١ / ٩٣ ح١٣ ، وعنه في بحار الأنوار: ٤٨ / ٢١٩ ح ٢٠.

(٣) راجع مقاتل الطالبيين: ٥٠٣ ـ ٥٠٤.


الإمامعليه‌السلام في سجن السّندي بن شاهك

وبعد سجن الفضل أمر هارون بنقل الإمامعليه‌السلام إلى سجن السندي بن شاهك وأمره بالتضييق عليه فاستجاب هذا الأثيم لذلك فقابل الإمامعليه‌السلام بكل جفوة وقسوة، والإمام صابر محتسب فأمره الطاغية أن يقيّد الإمامعليه‌السلام بثلاثين رطلاً من الحديد ويقفل الباب فيوجهه ولا يدعه يخرج إلا للوضوء.

وامتثل السندي لذلك فقام بإرهاق الإمامعليه‌السلام وبذل جميع جهوده للتضييق عليه، ووكّل بشّاراً مولاه، وكان من أشد الناس بغضاً لآل أبي طالب ولكنه لم يلبث أن تغير حاله وآب إلى طريق الحق; وذلك لما رآه من كرامات الإمامعليه‌السلام ومعاجزه، وقام ببعض الخدمات له(١) .

نشاط الإمامعليه‌السلام داخل السّجن

وقام الإمام بنشاط متميّز من داخل السجن، وفيما يلي نلخّص ذلك ضمن عدة نقاط:

١ ـ عبادته داخل السّجن:

أقبل الإمام كما قلنا على عبادة الله تعالى فكان يصوم النهار ويقوم الليل ولا يفتر عن ذكر الله.

وهذه أخت الجلاّد السندي بن شاهك تحدّثنا عمّا رأته من إقبال الإمام وطاعته لله والتي أثّرت في نفسها وأصبحت فيما بعد من الصالحات فكانت تعطف على الإمامعليه‌السلام وتقوم بخدمته وإذا نظرت إليه أرسلت ما في عينيها من

ــــــــــــ

(١) اختيار معرفة الرجال: ٤٣٨ ح ٨٢٧.


دموع وهي تقول: خاب قوم تعرضوا لهذا الرجل(١) .

٢ ـ اتّصال العلماء به:

واتّصل جماعة من العلماء والرواة بالإمامعليه‌السلام من طريق خفي فانتهلوا من نمير علومه فمنهم موسى بن إبراهيم المروزي، وقد سمح له السندي بذلك لأنّه كان معلّماً لولده، وقد ألّف موسى بن إبراهيم كتاباً مما سمعه من الإمام(٢) .

٣ ـ إرسال الاستفتاءات إليه:

وكانت بعض الأقاليم الإسلامية التي تدين بالإمامة ترسل عنها مبعوثاً خاصاً للإمامعليه‌السلام حينما كان في سجن السندي، فتزوده بالرسائل فكانعليه‌السلام يجيبهم عنها، وممن جاءه هناك علي بن سويد، فقد اتّصل بالإمامعليه‌السلام وسلّم إليه الكتب فأجابهعليه‌السلام (٣) .

٤ ـ نصب الوكلاء:

وعيّن الإمامعليه‌السلام جماعة من تلامذته وأصحابه، فجعلهم وكلاء له في بعض البلاد الإسلامية، وأرجع إليهم شيعته لأخذ الأحكام الإسلامية منهم، كما وكّلهم في قبض الحقوق الشرعية، لصرفها على الفقراء والبائسين من الشيعة وإنفاقها فيوجوه البر والخير، فقد نصب المفضل بن عمر وكيلاً له في قبض الحقوق وأذن له في صرفها على مستحقيها(٤) .

ومن هنا بدأت ظاهرة الوكالة في تخطيط أهل البيتعليهم‌السلام لإدارة الجماعة الصالحة وتطوّرت فيما بعد بمرور الزمن. كما سوف نلاحظ ذلك في حياة الإمام الجواد والهادي والعسكري والإمام المهديعليهم‌السلام .

ــــــــــــ

(١) تاريخ بغداد: ١٣ / ٣١.

(٢) النجاشي: ٤٠٧ برقم ١٠٨٢.

(٣) حياة الإمام موسى الكاظم عليه‌السلام : ٢ / ٤٩٢.

(٤) حياة الإمام موسى الكاظم عليه‌السلام : ٢ / ٤٩٣.


٥ ـ تعيينه لولي عهده:

ونصب الإمامعليه‌السلام من بعده ولده الإمام الرضاعليه‌السلام فجعله علماً لشيعته ومرجعاً لأمة جدّه، فقد حدّث الحسين بن المختار، قال: لمّا كان الإمام موسىعليه‌السلام في السجن خرجت لنا ألواح من عنده وقد كتب فيها (عهدي إلى أكبر ولدي)(١) .

٦ ـ وصيتهعليه‌السلام :

وأوصى الإمامعليه‌السلام ولده الإمام الرضاعليه‌السلام وعهد إليه بالأمر من بعده على صدقاته ونيابته عنه في شؤونه الخاصة والعامة وقد أشهد عليها جماعة من المؤمنين وقبل أن يدلي بها ويسجّلها أمر بإحضار الشهود.

٧ ـ صلابة الإمام وشموخه أمام ضغوط الرّشيد:

وبعد ما مكث الإمامعليه‌السلام زمناً طويلاً في سجن هارون تكلّم معه جماعة من خواصّ شيعته فطلبوا منه أن يتكلم مع بعض الشخصيات المقرّبة عند الرشيد ليتوسط في إطلاق سراحه، فامتنععليه‌السلام وترفّع عن ذلك وقال لهم:(حدثني أبي عن آبائه أن الله عزّ وجلّ أوحى إلى داود، يا داود إنه ما اعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي دوني، وعرفت ذلك منه إلا قطعت عنه أسباب السماء، وأسخت الأرض من تحته) (٢) .

الإمام الكاظمعليه‌السلام يتحدّى كبرياء هارون

لقد تنوعت ضغوط هارون على الإمام هو في السجن، ونجد الإمامعليه‌السلام وهو في أوج المحنة يتحدّى كبرياء هارون بكل صلابة وشدّة حتى فشل هارون بكل ما أوتي من حول وقوّة ولم يجد أمامه حلاًّ ينسجم مع نزعاته إلاّ سمّ الإمامعليه‌السلام واغتياله. وإليك جملة من ضغوط هارون على الإمام الكاظمعليه‌السلام وهو في السجن:

ــــــــــــ

(١) عيون أخبار الرضا: ١ / ٣٠ ، ومسند الإمام الكاظم عليه‌السلام : ٢ / ١٤٧ ح٣٦.

(٢) تاريخ اليعقوبي: ٢/٣٦١، وفاة موسى بن جعفرعليه‌السلام ، تحقيق عبد الأمير مهنا. ط بيروت منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.


١ ـ إرسال جارية له

(أنفذ هارون إلى الإمامعليه‌السلام جارية وضّاءة بارعة في الجمال والحسن، أرسلها بيد أحد خواصّه لتتولى خدمة الإمام ظانّاً أنه سيفتتن بها، فلما وصلت إليه قالعليه‌السلام لمبعوث هارون: قل لهارون:بل أنتم بهديتكم تفرحون، لا حاجة لي في هذه ولا في أمثالها . فرجع الرسول ومعه الجارية وأبلغ هارون قول الإمامعليه‌السلام فالتاع غضباً وقال له: ارجع إليه، وقل له: ليس برضاك حبسناك ولا برضاك أخدمناك واترك الجارية عنده، وانصرف. فرجع ذلك الشخص وترك الجارية عند الإمامعليه‌السلام وأبلغه بمقالته. وأنفذ هارون خادماً له إلى السجن ليتفحص عن حال الجارية، فلما انتهى إليها رآها ساجدة لربّها لا ترفع رأسها وهي تقول في سجودها: قدوس ، قدوس. فمضى الخادم مسرعاً فأخبره بحالها فقال هارون: سحرها والله موسى بن جعفر، عليّ بها.

فجيئ بها إليه، وهي ترتعد قد شخصت ببصرها نحو السماء وهي تذكر الله وتمجّده ، فقال لها هارون: ما شأنك ؟! قالت: شأني الشأن البديع، إني كنت عنده واقفة وهو قائم يصلّي ليله ونهاره، فلمّا انصرف من صلاته قلت له: هل لك حاجة أُعطيكها؟ فقال الإمامعليه‌السلام :وما حاجتي إليك ؟ قلت: إني أدخلت عليك لحوائجك. فقال الإمامعليه‌السلام :فما بال هؤلاء ، وأشار بيده إلى جهة ، فالتفتُّ فإذا روضة مزهرة لا أبلغ آخرها من أولها بنظري ، ولا أولها من آخرها ، فيها مجالس مفروشة بالوشي والديباج ، وعليها وصفاء ووصايف لم أر مثل وجوههنّ حسناً، ولا مثل لباسهنّ لباساً، عليهن الحرير الأخضر، والأكاليل والدر والياقوت، وفي أيديهن الأباريق والمناديل، ومن كل الطعام، فخررت ساجدة حتى أقامني هذا الخادم، فرأيت نفسي حيث كنت. فقال لها هارون وقد أترعت نفسه بالحقد: يا خبيثة لعلّك سجدت، فنمت فرأيت هذا في منامك! قالت: لا والله يا سيدي، رأيت هذا قبل سجودي ، فسجدت من أجل ذلك. فالتفت الرشيد إلى خادمه ، وأمره باعتقالها وإخفاء الحادث لئلاّ يسمعه أحد من الناس، فأخذها الخادم، واعتقلها عنده، فأقبلت على العبادة والصلاة، فإذا سئلت عن ذلك قالت: هكذا رأيت العبد الصالح)(١) .

ــــــــــــ

(١) الحلبي في مناقب آل أبي طالب: ٤/٣٢٢ عن العامري في كتاب الأنوار.


٢ ـ محاولة سم الإمامعليه‌السلام

ولم يتحمل الرشيد سماعه لمناقب الإمام ومآثره وانتشارها بين الناس فعزم على قتله، فدعا برطب وأخذ رطبة من ذلك الرطب المهيّأ له ، فوضع فيها سماً، وقال لخادمه احمله إلى موسى بن جعفر وقل له: إنّ أمير المؤمنين أكل من هذا الرطب ويقسم عليك بحقه لمّا أكلته عن آخره فاني اخترته لك بيدي ولا تتركه يبقي شيئاً ولا يطعم منه أحداً.

فحمل الخادم الرطب وجاء به إلى الإمامعليه‌السلام وأبلغه برسالة هارون فأخذ الإمام يأكل من الرطب وكانت للرشيد كلبة عزيزة عنده، فجذبت نفسها وخرجت تجرّ بسلاسلها الذهبية حتى حاذت الإمامعليه‌السلام فبادر بالخلال إلى الرطبة المسمومة ورمى بها إلى الكلبة فأكلتها فلم تلبث أن ضربت بنفسها الأرض وماتت، واستوفى الإمام باقي الرطب وباء مخطط الرشيد بالفشل والخيبة فلم تنجح محاولته في اغتيال الإمامعليه‌السلام فأنقذه الله منه وصرف عنه السوء(١) .

٣ ـ توسط لإطلاق سراحه

واستدعى الرشيد وزيره يحيى بن خالد(٢) فقال له: يا أبا علي أما ترى ما نحن فيه من هذه العجائب ؟ ألا تدبّر في أمر هذا الرجل تدبيراً تريحنا من غمّه ؟ فأشار عليه بالصواب وأرشده إلى الخير فقال له:

الذي أراه لك يا أمير المؤمنين إن تمنن عليه وتصل رحمه فقد والله أفسد علينا قلوب شيعتنا وكان يحيى يتولاّه وهارون لا يعلم ذلك. فاستجاب الرشيد لنصحه وقال له: انطلق إليه وأطلق عنه الحديد وأبلغه عني السلام وقل له: يقول لك ابن عمّك: إنه قد سبق مني فيك يمين أني لا أخليك حتى تقرّ لي بالإساءة وتسألني العفو عمّا سلف منك وليس عليك في إقرارك عار ولا في مسألتك إيّاي منقصة، وهذا يحيى بن خالد ثقتي ووزيري وصاحب أمري فاسأله بقدر ما أخرج من يميني. وانصرف راشداً. ولم يخف على الإمام ذلك لأنه يريد أن يأخذ من الإمامعليه‌السلام اعترافاً بالإساءة ليتخذها وسيلة إلى التشهير به ومبرّراً لسجنه له.

ــــــــــــ

(١) عيون أخبار الرضا: ١/١٠١ ـ ١٠٢ وعنه في بحار الأنوار: ٤٨/٢٢٣ ح ٢٦.

(٢) أبو الفضل البرمكي مربّي الرشيد ومؤدّبه ومعلّمه، ولد سنة ١٢٠ وتوفي في سنة ١٩٠ هـ.


فلما مثل يحيى عنده وأخبره بمقالة الرشيد. فقال له الإمامعليه‌السلام : (أولاً سيجري عليك أنت وأسرتك من زوال النعمة على يد هارون ، وحذّره من بطشه) ثم ردّ ثانياً على مقالة الرشيد قائلاً:

(يا أبا علي، أبلغه عنّي: يقول لك موسى بن جعفر: يأتيك رسولي يوم الجمعة فيخبرك بما ترى ـ أي بموته ـوستعلم غداً إذا جاثيتك بين يدي الله من الظالم والمعتدي على صاحبه والسلام) (١) .

٤ ـ رسالة الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام لهارون:

وكتب الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام رسالة من داخل السجن لهارون جواباً منهعليه‌السلام لمحاولات هارون الفاشلة بالاغراء أو التنكيل بالإمام بأنها لا تقدم ولا تؤخر شيئاً.

ــــــــــــ

(١) الغيبة للطوسي: ٢٤، و ٢٥ ح ٤ و ٥ عن ابن خالد البرقي عن ابن عباد المهلّبي عن ابن يحيى البرمكي. وعن الغيبة في بحار الأنوار: ٤٨/٢٣١ باب ٤٣ ح ٣٧.


عن محمد بن إسماعيل قال: بعث موسى بن جعفرعليه‌السلام إلى الرشيد من الحبس رسالة كانت:(إنه لن ينقضي عني يوم من البلاء إلاّ انقضى عنك معه يوم من الرخاء، حتى نقضي جميعاً إلى يوم ليس له انقضاء يخسر فيه المبطلون) (١) .

اغتيال الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام

لقد عانى الإمام الكاظمعليه‌السلام أقسى ألوان الخطوب والتنكيل، فتكبيل بالقيود، وتضييق شديد في التعامل معه ومنعه من الاتصال بالناس، وأذى مرهق، وبعد ما صبّ الرشيد عليه جميع أنواع الأذى أقدم على قتله بشكل لم يسبق له نظير محاولاً التخلص من مسؤولية قتله وذهب أكثر المؤرخين والمترجمين للإمام إلى أن الرشيد أوعز إلى السندي بن شاهك الأثيم بقتل الإمامعليه‌السلام فاستجابت نفسه الخبيثة لذلك وأقدم على تنفيذ أفضع جريمة في الإسلام فاغتال حفيد النبي العظيمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فعمد السندي إلى رطب فوضع فيه سماً فاتكاً وقدّمه للإمام فأكل منه عشر رطبات فقال له السندي (زد على ذلك) فرمقه الإمام بطرفه وقال له:(حسبك قد بلغت ما تحتاج إليه) .

ولمّا تناول الإمام تلك الرطبات المسمومة تسمّم بدنه وأخذ يعاني آلاماً شديدة وأوجاعاً قاسية، قد حفت به الشرطة القساة ولازمه السندي بن شاهك الخبيث فكان يسمعه في كل مرة أخشن الكلام وأغلظه ومنع عنه جميع الإسعافات ليعجل له النهاية المحتومة.

وفي الأثناء استدعى السندي بعض الشخصيات والوجوه المعروفة في قاعة السجن، وكانوا ثمانين شخصاً كما حدّث بذلك بعض شيوخ العامة ـ حيث يقول: أحضرنا السندي فلما حضرنا انبرى إلينا فقال: انظروا إلى هذا الرجل هل حدث به حدث ؟ فإنّ الناس يزعمون أنّه قد فُعل به مكروه، ويكثرون من ذلك ، وهذا منزله وفراشه موسّع عليه غير مضيّق، ولم يرد به أمير المؤمنين ـ يعني هارون ـ سوءاً وإنما ينتظره أن يقدم فيناظره ، وها هو ذا موسّع عليه في جميع أموره فاسألوه.

ــــــــــــ

(١) تاريخ بغداد: ١٣ / ٣٢ وعنه في تذكرة الخواص: ٣١٤ ، وكشف الغمة: ٣/٨ عن الجنابذي عن أحمد بن إسماعيل وعنه في بحار الأنوار: ٤٨ / ١٤٨، والفصول المهمة: ٢٢٢ والبداية والنهاية: ١٠ / ١٨٣، والكامل: ٦ / ١٦٤ وسير أعلام النبلاء: ٦ / ٢٨٣.


يقول الراوي: ولم يكن لنا همّ سوى مشاهدة الإمامعليه‌السلام ومقابلته فلما دنونا منه لم نر مثله قطّ في فضله ونسكه فانبرى إلينا وقال لنا:(أما ما ذكر من التوسعة، وما أشبه ذلك ، فهو على ما ذكر،غير أني أُخبركم أيها النفر أني قد سقيت السمّ في تسع تمرات، وأني أصفر غداً وبعد غد أموت) .

ولمّا سمع السندي ذلك انهارت قواه واضطرب مثل السعفة التي تلعب بها الرياح العاصفة(١) فقد أفسد عليه ما رامه من الحصول على البراءة من المسؤولية في قتله.

إلى الرفيق الأعلى

وبعد أكله للرطب سرى السمّ في جميع أجزاء بدن الإمامعليه‌السلام وقد علم أنّ لقاءه بربّه قد حان فاستدعى السندي. (فلمّا مثل عنده أمره أن يحضر مولى

ــــــــــــ

(١) روضة الواعظين: ١/٢٦٠.


له ينزل عند دار العباس بن محمد في مشرعة القصب ليتولى غسله، وسأله السندي أن يأذن له في تكفينه فأبى وقالعليه‌السلام :إنّا أهل بيت مهور نسائنا وحجّ صرورتنا وأكفان موتانا من طاهر أموالنا، وعندي كفني (١) .

وأُحضر له السندي مولاه، وثقل حال الإمامعليه‌السلام ، وأشرف على النهاية المحتومة، فأخذ يعاني آلام الموت فاستدعى المسيب بن زهرة فقال له:إني على ما عرّفتك من الرحيل إلى الله عزّ وجلّ فإذا دعوت بشربة من ماء فشربتها ورأيتني قد انتفخت، واصفرّ لوني واحمرّ واخضرّ وتلوّن ألواناً فاخبر الطاغية بوفاتي .

قال المسيب: فلم أزل أراقب وعده حتى دعاعليه‌السلام بشربة فشربها ثم استدعاني، فقال لي:

يا مسيب ، إنّ هذا الرجس السندي بن شاهك سيزعم أنه يتولى غسلي ودفني. وهيهات هيهات أن يكون ذلك أبداً .

فإذا حملت إلى المقبرة المعروفة بمقابر قريش فالحدوني بها، ولا ترفعوا قبري فوق أربعة أصابع مفرّجات، ولا تأخذوا من تربتي شيئاً لتتبركوا به فإنّ كل تربة لنا محرمة إلاّ تربة جدّي الحسين بن علي فإنّ الله عز وجل جعلها شفاءً لشيعتنا وأوليائنا.

قال المسيب: ثم رأيت شخصاً أشبه الأشخاص به جالساً إلى جانبه، وكان عهدي بسيدي الرضاعليه‌السلام وهو غلام، فأردت أن أسأله، فصاح بي سيدي موسى، وقال:أليس قد نهيتك ؟

ثمّ إنّ ذلك الشخص قد غاب عني، فجئت إلى الإمام وإذا به جثّة هامدة قد فارق الحياة فأنهيت الخبر إلى الرشيد بوفاته).

ــــــــــــ

(١) مقاتل الطالبيين: ٣٣٣ وعنه في الغيبة للطوسي: ٢٦ ـ ٣١ وعنه في بحار الأنوار: ٤٨/٢٣٤ ح ٣٨.


لقد لحق الإمام بالرفيق الأعلى وفاضت نفسه الزكية إلى بارئها فاظلمَّت الدنيا لفقده وأشرقت الآخرة بقدومه، وقد خسر الإسلام والمسلمون ألمع شخصية كانت تذبّ عن كيان الإسلام، وتنافح عن كلمة التوحيد وتطالب بحقوق المسلمين وتشجب كل اعتداء غادر عليهم.

فسلام عليك يا بن رسول الله ،يوم ولدت ، ويوم استشهدت ، ويوم تبعث حياً.

والمشهور أن وفاة الإمامعليه‌السلام كانت سنة (١٨٣ هـ) لخمس بقين من شهر رجب(١) وقيل : سنة (١٨٦ هـ)(٢) . وكانت وفاته في يوم الجمعة وعمره الشريف كان يوم استشهاده خمساً وخمسين سنة(٣) أو أربعاً وخمسين سنة(٤) .

التّحقيق في قتل الإمامعليه‌السلام

بعد قتل الإمامعليه‌السلام حاول هارون أن يتخلّى عن مسؤولية قتله للإمام وأشاع بين الناس بأن الإمام قد مات حتف أنفه ، وأنّ هارون وأجهزته لا علاقة لهما بالحادث وذلك ضمن خطوتين:

الخطوة الأولى:

قام السندي بن شاهك بالخطوة الأولى من مسلسل التخلي ليمهّد الأجواء لسيده هارون في أن يتخلّى فيما بعد بنفسه عن مسؤولية هذه الجريمة. يحدثنا عمر بن واقد عن تحرك السندي وكيفية تنصّله عن الحادث، قال: أرسل إليَّ السندي بن شاهك في بعض الليل وأنا ببغداد يستحضرني، فخشيت أن يكون ذلك لسوء يريده بي، فأوصيت عيالي بما احتجت إليه، وقلت: إنّا لله وإنا إليه راجعون، ثم ركبت إليه. فلما رآني مقبلاً، قال: يا أبا حفص لعلّنا أرعبناك وأفزعناك ؟ قلت: نعم قال: فليس هناك إلاّ خير. قلت: فرسول تبعثه إلى منزلي يخبرهم خبري. فقال نعم.

ــــــــــــ

(١) عمدة الطالب: ٨٥، والطبري: ١٠/٧٠ والكامل في التاريخ: ٦/٥٤ وتاريخ بغداد: ٣/٣٢ وتاريخ أبي الفداء: ٢/١٧، ووفيات الأعيان: ٢/١٧٣ وميزان الاعتدال: ٣/٢٠٩ وتهذيب التهذيب: ١٠/٣٤٠.

(٢) مروج الذهب: ٣ / ٣٥٥.

(٣) الفصول المهمة: ٢٥٥.

(٤) المناقب: ٤ / ٣٤٩.


ثم قال: يا أبا حفص أتدري لم أرسلت إليك ؟ فقلت: لا. فقال: أتعرف موسى بن جعفر ؟ فقلت: إي والله، إني لأعرفه، وبيني وبينه صداقة منذ دهر. فقال: من هاهنا ببغداد يعرفه ممن يُقبل قوله ؟ فسميت ، وجاء بهم كما جاء بي ، فقال: هل تعرفون قوماً يعرفون موسى بن جعفر؟ فسموا له قوماً، فجاء بهم ، فأصبحنا ونحن في الدار نيفاً وخمسين رجلاً ممن يعرفون موسى بن جعفرعليه‌السلام قد صحبه. قال: ثم قام فدخل وصلينا، فاخرج كاتبه طوماراً، فكتب أسماءنا ومنازلنا وأعمالنا وحِلالنا، ثم دخل إليه السندي.

قال: فخرج السندي فضرب يده إليَّ فقال: قم يا أبا حفص فنهضت ونهض أصحابنا ودخلنا.

فقال لي: يا أبا حفص اكشف الثوب عن وجه موسى بن جعفر فكشفته فرأيته ميتاً، فبكيت واسترجعت.

ثم قال للقوم: انظروا إليه فدنا واحد بعد واحد فنظروا إليه.

ثم قال: تشهدون كلّكم أنّ هذا موسى بن جعفر بن محمد ؟ فقلنا: نعم ، نشهد أنه موسى بن جعفر بن محمد. ثم قال: يا غلام ، اطرح على عورته منديلاً واكشفه، قال: ففعل.

فقال: أترون به أثراً تنكرونه ؟ فقلنا: لا، ما نرى شيئاً ولا نراه إلاّ ميتاً.

ثم سجّل شهادتهم وانصرفوا(١) .

الخطوة الثّانية:

وفي الخطوة الثانية قام هارون بنفسه ليعلن أمام حشد من وجوه الشيعة بأنه بريء من جريمة قتل الإمام. عن محمد بن صدفة العنبري، قال: لمّا توفي أبو إبراهيم موسى بن جعفرعليه‌السلام جمع هارون الرشيد شيوخ الطالبيّة وبنى العباس وسائر أهل المملكة والحكّام واحضر أبا إبراهيم موسى بن جعفرعليه‌السلام فقال: هذا موسى بن جعفر قد مات حتف أنفه، وما كان بيني وبينه ما استغفر الله منه في أمره ـ يعني في قتله ـ فانظروا إليه.

فدخل عليه سبعون رجلاً من شيعته، فنظروا إلى موسى بن جعفر وليس به أثر جراحة ولا خنق، وكان في رجله أثر الحناء(٢) .

ــــــــــــ

(١) كمال الدين: ٣٧ ، وعيون أخبار الرضا: ١ / ٩٧ ح٣ ، عنهما في بحار الأنوار: ٤٨/٢٢٥ ح ٣٧.

(٢) كمال الدين: ٣٩، وعيون الأخبار: ١ / ١٠٥ ح ٨ ، وعنهما في بحار الأنوار: ٤٨/٢٢٨ ح ٣١.


وضع الإمام على الجسر

وحسب الأوامر المعدّة سلفاً من قبل هارون كما تدل عليها القرائن، لأجل أن يتنصل عن قتله للإمام، ليس أمام الشيعة فحسب وإنما أمام الأمة الإسلامية كلّها، وأن تكون طريقة التخلّي من مسؤولية الحادث بأن يستبطن أن المقتول ما هو إلاّ رجل عادي لا وزن له، فعلام هذا التضخيم والتهويل والتشكيك بموته ؟

فتخطّى السندي بن شاهك بالأسلوب التالي: حيث وضع الإمام على جسر الرصافة وهو ميت ينظر إليه القريب والبعيد وتتفرّج عليه المارّة قد أحاطت بجثمانه المقدّس شرطة الطاغية القاتل وكشفت وجهه للناس قاصدين بذلك انتهاك حرمتهعليه‌السلام والحط من كرامته والتشهير به.

وقد أمر السندي جلاوزته أن ينادوا على جثمان الإمام بذلك النداء المؤلم الذي تذهب النفوس لهوله أسى وحسرة: (هذا إمام الرافضة فاعرفوه) هذا موسى بن جعفر الذي تزعم الرافضة أنه لا يموت فانظروا إليه ميتاً.

متى قالت الشيعة إنّ الإمام موسى لا يموت ؟ نعم، قالت الواقفية بذلك والشيعة منهم براء ، وهارون وجلاوزته أعلم من غيرهم بهذه الحقيقة. لكنه وسيلة من وسائل التشهير وإلصاق التهم بالشيعة بسبب أن الواقفية تذهب إلى أن الإمام موسى حي لم يمت وأنه رفع إلى السماء كما رفع المسيح عيسى بن مريم .

بهذا الأسلوب حاولت الأجهزة الحاكمة أن تنسب هذا الرأي للشيعة ظلماً، وتبرر الإهانة والإذلال وقد لُحق النداء المذكور بهذا المقطع: ألا من أراد أن يرى الخبيث بن الخبيث موسى بن جعفر فليخرج(١) . وقد حاول هارون بهذا الأسلوب ـ بالإضافة إلى احتقار الشيعة وإذلالهم ـ الوقوف على العناصر الفعّالة منهم والتعرف على مدى نشاطها وحماسها، عن طريق هذا الاستفزاز الصارخ والاعتداء على كرامة الإمامعليه‌السلام أمامها كأسلوب ماكر للتخلّص من خطرهم ليساقوا بعد ذلك للسجون والقبور. يقول الشيخ باقر القرشي: وأكبر الظن أنّ الشيعة قد عرفت هذا القصد، فلذا لم تقم بأيّ عمل إيجابي ضده(٢) .

ــــــــــــ

(١) كمال الدين: ٣٨ ، عيون الأخبار: ١ / ٩٩ / ح٥ ، وعنهما في بحار الأنوار: ٤٨ / ٢٢٧ ح٢٩ والفصول المهمة: ٥٤.

(٢) حياة الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام : ٢ / ٥٢٣.


مبادرة سليمان

كان سليمان بن أبي جعفر المنصور رجلاً محنّكاً وذا عقل متزن. وقد رأى أنّ الأعمال التي قام بها هارون ما هي إلاّ لطخة سوداء في جبين العباسيين; فإنّ هارون لم يكتف باغتيال الإمام ودسّ السمّ إليه بل ارتكب جملة من الأعمال الوحشية التي تدل على أنه لا عهد له بالشرف والنبل والمعروف والإنسانية من هنا بادر سليمان ـ حين سمع نبأ إخراج جنازة الإمام إلى الجسر والنداء الفظيع على جثمانه الطاهر ـ وحاول أن يتلافى الموقف بالتي هي أحسن.

إنّ قصر سليمان كان مطلاًّ على نهر دجلة وحين سمع النداء والضوضاء ورأى بغداد قد اضطربت، قال لولده وغلمانه: ما هذا ؟ قالوا: السندي بن شاهك ينادي على موسى بن جعفر، وأخبروه بذلك النداء الفظيع.

فصاح بولده قائلاً: انزلوا مع غلمانكم فخذوه من أيديهم فإن مانعوكم فاضربوهم، وخرقوا ما عليهم من سواد ـ وهو لباس الشرطة والجيش ـ. وانطلق أبناء سليمان وغلمانه إلى الشرطة فأخذوا جثمان الإمام منهم، ولم تبد الشرطة معهم أية معارضة، فسليمان عم الخليفة وأهم شخصية لامعة في الأسرة العبّاسية وأمره مطاع عند الجميع ، وحمل الغلمان نعش الإمامعليه‌السلام فجاءوا به إلى سليمان فأمر في الوقت أن ينادى في شوارع بغداد: ألا من أراد أن يحضر جنازة الطيب بن الطيب موسى بن جعفر فليحضر(١) .

وأكبر الظن أن سليمان خاف من انتفاضة شعبية أو تمرّد عسكري لأن الشيعة لم تكن قلة في ذلك العصر فقد اعتنق التشيع خلق كثير من رجال الدولة وقادة الجيش وكبار الموظفين والكتّاب لذا تدارك سليمان الموقف وقام بهذه المهمّة وأنقذ حكومة هارون من الاضطراب والثورة(٢) .

وخرج الناس على اختلاف طبقاتهم لتشييع جثمان الإمام وخرجت الشيعة فعبّرت عن حزنها وأساها بعد هذا التشييع الكبير.

تجهيز الإمامعليه‌السلام

وقام سليمان بتجهيز الإمام فغسّله ، وكفّنه ، ولفّه بحبرة قد كتب عليها القرآن الكريم بأسره كلّفته ألفين وخمسمئة دينار(٣) .

ــــــــــــ

(١) كمال الدين: ٣٨ ، عيون الأخبار: ١ / ٩٩ / ح ٥ ، وعنهما في بحار الأنوار: ٤٨ / ٢٢٧ / ح٢٩.

(٢) حياة الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام : ٢ / ٥٢٦.

(٣) كمال الدين: ٣٨ عيون الأخبار ١: ٩٩ ح٥.


وقال المسيب بن زهرة: والله لقد رأيت القوم بعيني وهم يظنون أنهم يغسلونه فلا تصل أيديهم إليه ، ويظنون أنهم يحنّطونه ويكفّنونه وأراهم أنهم لا يصنعون شيئاً، ورأيت ذلك الشخص الذي حضر وفاته ـ وهو الإمام الرضاعليه‌السلام ـ هو الذي يتولّى غسله وتحنيطه وتكفينه، وهو يظهر المعاونة لهم، وهم لا يعرفونه فلما فرغ من أمره التفت إليَّ فقالعليه‌السلام :(يا مسيّب مهما شككت في شيء فلا تشكنّ فيّ، فإني إمامك ومولاك وحجة الله عليك بعد أبي. يا مسيب مثلي مثل يوسف الصديق ومثلهم مثل إخوته حين دخلوا عليه وهم له منكرون) (١) وبعد انتهاء الغسل حُمل الإمام إلى مرقده.

تشييع الإمامعليه‌السلام ودفنه

وبعد الغسل هرعت جماهير بغداد إلى تشييع الإمام فكان يوماً مشهوداً لم تر مثله في أيّامها فقد خرج البر والفاجر لتشييع جثمان الإمامعليه‌السلام والفوز بحمل جثمانه، وسارت المواكب وهي تجوب شوارع بغداد وتردد أهازيج الحزن واللوعة، متّجهة نحو باب التبن يتقدمهم سليمان حافياً حاسراً متسلّباً(٢) مشقوق الجيب إلى مقابر قريش، وحفر له قبر فيها وأنزله سليمان بن أبي جعفر.

وبعد الفراغ من الدفن أقبلت الناس تعزّيه بالمصاب الأليم(٣) .

ــــــــــــ

(١) عيون الأخبار: ١ / ١٠٠ ح٦. وعنه في بحار الأنوار: ٤٨ / ٢٢٢ ح٢٩.

(٢) أي متسلّباً من الملابس الرسمية الفاخرة لابساً لباس الحداد، كما في اللغة.

(٣) كمال الدين: ٣٨ ، عيون الأخبار: ١ / ٩٩ / ح٥ ، وعنهما في وبحار الأنوار: ٤٨ / ٢٢٧ ح ٢٩.)


الفصل الرابع: تراث الإمام الكاظمعليه‌السلام

لقد ورث الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام مدرسة أبيه الصادقعليه‌السلام وحظيت منه بالتوجيه والرعاية الشاملة لتلامذته وأصحابه بالرغم من قساوة الظروف وتغيّرها خلال ثلاثة عقود ونصف من العمل العلمي الدؤوب وتربية مستمرة للنابهين من صحابته وطلاّب المعرفة من أتباعه وشيعته. وقد أثرت عن الإمام الكاظمعليه‌السلام عدة مجموعات روائية مثل: مسائل علي بن جعفر والأشعثيات ، وتصدّى المعنيون بتراث أهل البيتعليهم‌السلام بجمع التراث المأثور عن أهل البيتعليهم‌السلام وتنظيمه وتبويبه من مختلف المصادر وتسميته بالمسند. وهذا عمل يشكر عليه عامله لأنه يوفر للباحثين الفرصة الكافية للغور في هذا التراث ودراسته دراسة معمّقة بالأرقام.

وفيما يخصّ الإمام موسىعليه‌السلام نلاحظ آخر ما جمع من كلامه وما يرتبط به من نصوص قد بلغ ثلاث مجلّدات يناهز مجموعها الألف صفحة مبوّبة حسب تبويب الموسوعات الحديثية مع فارق أو أكثر. فالمقدمة تشتمل على مجموعة من النصوص التي تخص نشأة الإمام وحياته وسيرته. ثم يقسّم تراثه الحديثي إلى أبواب العقائد والأخلاق والأحكام والسيرة والتاريخ والرجال.

وفيما يخصّ مسند الإمام الكاظمعليه‌السلام إذا مررنا عليه مروراً عابراً وسريعاً أيضاً كفى ذلك لنقف على عظمة الدور الفكري والعطاء العلمي الذي قدّمه هذا الإمام العظيم إلى الأمة الإسلامية بشكل عام والى الجماعة الصالحة وطلاّب المعرفة المؤمنين بخط أهل البيتعليهم‌السلام بشكل خاص، لا سيَّما إذا لاحظنا قساوة الظروف السياسية والاجتماعية التي مرّ بها الإمام موسىعليه‌السلام وأصحابه وشيعته خلال ثلاثة عقود ونصف تقريباً.

لقد ترجم هذا المسند (٦٣٨) شخصاً من رواة الإمام الكاظمعليه‌السلام وهو رقم كبير جداً بالنسبة للمدة الزمنية التي عرفناها والظروف التي وقفنا عليها. وقد اشتمل الفهرس على عدد نصوص كل باب من أبواب المعرفة. وتتراوح هذه النصوص بين نصوص مأثورة بواسطة الإمام الكاظمعليه‌السلام عن آبائه عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهي تكشف عن مدى اهتمامه بسيرة وحديث جدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبين نصوص لا يسندها إلى أحد مما يمكن أن نعتبرها من تراثه الخاص كما نلاحظ ذلك في الرسالة الكبيرة التي أثرت عنه حول العقل ولعلها الرسالة الوحيدة الجامعة لما يخصّ العقل من شؤون في الكتاب والسنة وهي لوحدها تراث جامع وأثر خالد يتضمّن المنهج المعرفي القرآني والحديثي لأهل البيتعليهم‌السلام كما سوف نراها بنصّها الكامل في ما سيأتي إن شاء الله تعالى.


والجزء الأول من هذا المسند قد اشتمل على الأبواب التالية: العقل والعلم (في ١٠ أبواب) ، التوحيد (في ١٤ باباً) ، تاريخ الأنبياء والأئمة (في ١٤ باباً) ، والنبوة والإمامة (في ٢٢ باباً) والتعريف بالصحابة (في ٤١ باباً) ، والتعريف برواة الإمام الكاظم (في ٦٣٨ باباً) ، وأبواب الإيمان والكفر (في ٤٢ باباً) ، والأخلاق والعِشرة (في ١٥٢ باباً).

كما تضمن الجزء الثاني: كتاب القرآن بأبوابه الـ (٥١ باباً) ، وكتاب الدعاء (في ٥١ باباً) ، والاحتجاجات (في ٨ أبواب) ومعظم كتب الفقه ، فكتاب الطهارة (في٧٣ باباً) ، وكتاب الصلاة (في٤١ باباً) ، وكتاب الصوم (في ٢٥ باباً) ، وكتاب الزكاة (في ٢٨ باباً) ، وكتاب المعيشة (في ٥٩ باباً) ، وكتاب السفر (في ٨ أبواب) ، وكتاب الحج (في ٦٨ باباً) ، وكتاب الزيارة (في ٧ أبواب) ، وكتاب الجهاد (في ٥ أبواب) ، وكتاب النكاح (في ٤٠ باباً) ، وكتاب الطلاق (في ٣٠ باباً).

وتضمن الجزء الثالث من المسند: كتاب الأولاد (في ١٢ باباً) ، وكتاب التجمّل والزينة (في ٤٣ باباً) ، وكتاب الرواتب (في ١٢ باباً) ، وكتاب الأطعمة (في ٦٨ باباً) ، وكتاب الأشربة (في ١٣ باباً) ، وكتاب العتق (في ١٢ باباً) ، وكتاب الأيمان والنذور (في ٩ أبواب) ، وكتاب الحدود (في ١٨ باباً) ، وكتاب الدّيات (في ١٦ باباً) ، وكتاب الوصية (في ١٥ باباً) ، وكتاب الإرث (في ١١ باباً) ، وكتاب الجنائز (في ٢٩ باباً) ، وكتاب الحشر والمعاد والآداب والسنن.

إنّ هذا التنوع في أبواب المعرفة التي أثرت عنه لدليل آخر على الجانب الموسوعي في هذا التراث بالإضافة إلى وضوح التكامل في المسيرة العلمية التي بدأها أهل البيتعليهم‌السلام وسهروا على إرساء قواعدها وإشادة أصولها ومعالمها والتخطيط لإثمارها والحرص على إنجاز دورها التغييري في المجتمع الإسلامي عامة وفي الجماعة الصالحة بشكل خاص.


وإليك بعض النصوص المختارة من هذا التراث العظيم في الأبواب التالية:

أصول العلم ومراتب المعرفة:

١ ـ قال الإمام موسى بن جعفرعليهما‌السلام :(وجدت علم الناس في أربع، أولها: أن تعرف ربك، والثانية: أن تعرف ما صنع بك، والثالثة: أن تعرف ما أراد منك، والرابعة: أن تعرف ما يخرجك من دينك) (١) .

٢ ـ وقالعليه‌السلام :(أولى العلم بك ما لا يصلح لك العمل إلاّ به وأوجب العمل عليك ما أنت مسئول عن العمل به، وألزم العلم لك ما دلّك على صلاح قلبك; وأظهر لك فساده، وأحمد العلم عاقبة ما زاد في علمك العاجل، فلا تشتغلنّ بعلم ما لا يضرّك جهله، ولا تغفلنّ عن علم ما يزيد في جهلك تركه) (٢) .

٣ ـ وقالعليه‌السلام : (فقيه واحد ينقذ يتيماً من أيتامنا المنقطعين عنّا وعن مشاهدتنا بتعليم ما هو محتاج إليه أشد على إبليس من ألف عابد ...) (٣) .

مصادر المعرفة ومنهجها:

١ ـ عن سماعة، عن أبي الحسن موسىعليه‌السلام ، قال: قلت له: أكلّ شيء في كتاب الله وسنّة نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ أو تقولون فيه؟ قال:(بل كلّ شيء في كتاب الله وسنّة نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٤) .

٢ ـ عن سماعة، عن العبد الصالح قال: سألته فقلت: إنّ أناساً من أصحابنا قد لقوا أباك وجدّك وسمعوا منهما الحديث فربما كان شيء يبتلي به بعض

ــــــــــــ

(١) كشف الغمة: ٢/٢٥٥.

(٢) بحار الأنوار: ٧٥ / ٣٣٦.

(٣) الاحتجاج: ١ / ٨.

(٤) الكافي: ١ / ٦٢.


أصحابنا وليس في ذلك عندهم شيء يفتيه وعندهم ما يشبهه، يسعهم أن يأخذوا بالقياس ؟ فقال:(لا ، إنما هلك من كان قبلكم بالقياس) ، فقلت له: لم لا يقبل ذلك ؟ فقال:(لأنه ليس من شيء إلاّ وجاء في الكتاب والسنة) (١) .

٣ ـ عن موسى بن بكر ، قال: قال أبو الحسنعليه‌السلام :(من أفتى الناس بغير علم لعنته ملائكة الأرض وملائكة السماء) (٢) .

٤ ـ عن عثمان بن عيسى، قال: سألت أبا الحسن موسىعليه‌السلام عن القياس فقال:(ما لكم والقياس إنّ الله لا يسأل كيف أحلّ وكيف حرّم) (٣) .

٥ ـ عن يونس بن عبد الرحمن، قال: قلت لأبي الحسن الأوّلعليه‌السلام : بما أوحد الله ؟ فقال:(يا يونس لا تكوننّ مبتدعاً، من نظر برأيه هلك، ومن ترك أهل بيت نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ضلّ، ومن ترك كتاب الله وقول نبيّه كفر) (٤) .

٦ ـ إنّ من غرر أحاديث الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام في مجال العقل كمصدر معرفي أساس هو وصيّته الثمينة لهشام بن الحكم والتي سُمّيت برسالة العقل عند الإمامعليه‌السلام ، وإليك نصّ الرسالة:

قالعليه‌السلام :(إنّ الله تبارك وتعالى بشّر أهل العقل والفهم في كتابه فقال: ( ... فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ ) (٥) .

ــــــــــــ

(١) الاختصاص: ٢٨١.

(٢) المحاسن: ١ / ٢٠٥ ، وبحار الأنوار: ٢ / ١٢٢.

(٣) المحاسن: ١/٢١٤.

(٤) أصول الكافي: ١ / ٥٦.

(٥) الزمر (٣٩): ١٧ ـ ١٨.


يا هشام بن الحكم إنّ الله عزّوجلّ أكمل للناس الحجج بالعقول وأفضى إليهم بالبيان ودلّهم على ربوبيته بالأدلاّء، فقال: ( وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ... ) إلى قوله : ( ... لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) (١) .

يا هشام قد جعل الله عزّ وجلّ ذلك دليلاً على معرفته بأنّ لهم مدبّراً فقال:( وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) (٢) . وقال:( حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (٣) وقال:( وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) (٤) .

يا هشام ثمّ وعظ أهل العقل ورغّبهم في الآخرة فقال: ( وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) (٥) . وقال:( وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) (٦) .

يا هشام ثمّ خوَّف الذين لا يعقلون عذابه فقال عَزَّ وجَلَّ: ( ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ * وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) (٧) .

يا هشام ثمّ بيّن أن العقل مع العلم فقال:( وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ) (٨) .

يا هشام ثمّ ذمّ الذين لا يعقلون فقال: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ

ــــــــــــ

(١) البقرة (٢): ١٦٣ ـ ١٦٤.

(٢) النحل (١٦): ١٢.

(٣) الزخرف (٤٣): ١ ـ ٣.

(٤) الروم (٣٠): ٢٤.

(٥) الأنعام (٦): ٣٢.

(٦) القصص (٢٨): ٦٠.

(٧) الصافات (٣٧): ١٣٧ ـ ١٣٨.

(٨) العنكبوت (٢٩): ٤٣.


مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ) (١) . وقال:( إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ) (٢) . وقال:( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) (٣) .

ثمّ ذم الكثرة فقال:( وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) (٤) وقال:( وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) (٥) . (وأكثرهم لا يشعرون)(٦) .

يا هشام ثمّ مدح القلة فقال:( وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ) (٧) وقال:( وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ) (٨) وقال:( وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ) (٩) .

يا هشام ثمّ ذكر أولي الألباب بأحسن الذكر وحلاّهم بأحسن الحلية، فقال:( يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ) (١٠) .

يا هشام إنّ الله يقول:( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ ) (١١) يعني العقل. وقال:( وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ ) (١٢) قال: الفهم والعقلَ.

يا هشام إنّ لقمان، قال لابنه: (تواضع للحق تكن أعقلَ الناس ). يا بنيّ إنّ الدنيا بحرٌ عميقٌ قد غرق فيه عالم كثير فلتكن سفينتك فيها تقوى الله وحشوها الإيمان وشراعها التوكل وقيمتها العقل. ودليلها العلم وسكّانها الصبر.

ــــــــــــ

(١) البقرة (٢): ١٧٠.

(٢) الأنفال (٨): ٢٢.

(٣) لقمان (٣١): ٢٥.

(٤) الأنعام (٦): ١١٦.

(٥) الأنعام (٦): ٣٧.

(٦) مضمون مأخوذ من آى القرآن.

(٧) سبأ (٣٤): ١٣.

(٨) ص (٣٨): ٢٤.

(٩) هود (١١): ٤٠.

(١٠) البقرة (٢): ٢٦٩.

(١١) ق (٥٠): ٣٧.

(١٢) لقمان (٣١): ١١.


يا هشام لكل شيء دليل ودليل العاقل التفكر ودليل التفكر الصمت ولكل شيء مطيّة ومطيّة العاقل التواضع وكفى بك جهلاً ، أن تركب ما نُهيت عنهُ .

يا هشام لو كان في يدك جوزة وقال الناس (في يدك) لؤلؤة ما كان ينفعك وأنت تعلم أنها جوزة ولو كان في يدك لؤلؤة وقال الناس: إنها جوزة ما ضرّك وأنت تعلم أنها لؤلؤة.

يا هشام ما بعث الله أنبياءه ورسله إلى عباده إلاّ ليعقلوا عن الله، فأحسنهم استجابة أحسنهم معرفة لله. وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلاً وأعقلهم أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة.

يا هشام ما من عبد إلاّ وملك آخذ بناصيته، فلا يتواضع إلاّ رفعه الله ولا يتعاظم إلاّ وضعه الله .

يا هشام إنّ لله على الناس حجتين حجة ظاهرة وحجة باطنة ، فأمّا الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة وأمّا الباطنة فالعقول. يا هشام إنّ العاقل، الذي لا يشغل الحلال شكره ولا يغلب الحرام صبره.

يا هشام من سلّط ثلاثاً على ثلاث فكأنّما أعانَ هواه على هدم عقله: من أظلم نور فكره بطول أمله، ومحا طرائف حكمته بفضول كلامه وأطفأ نور عبرته بشهوات نفسه، فكأنما أعان هواه على هدم عقله. ومن هدم عقله أفسد عليه دينه ودنياه. يا هشام كيف يزكو عند الله عملك وأنت قد شغلت عقلك عن أمر ربك وأطعت هواك على غلبة عقلك. يا هشام الصبر على الوحدة علامة قوّة العقل، فمن عقل عن الله تبارك وتعالى اعتزل أهل الدنيا والراغبين فيها. ورغب فيما عند ربه وكان الله آنسه في الوحشة وصاحبه في الوحدة. وغناه في العيلة ومعزه في غير عشيرة(١) . يا هشام نصب الخلق لطاعة الله(٢) . ولا نجاة إلاّ بالطاعة. والطاعة بالعلم والعلم بالتعلم. والتعلم بالعقل يعتقد (٣) ولا علم إلاّ من عالم رباني ومعرفة العالم بالعقل.

يا هشام قليل العمل من العاقل مقبول مضاعف. وكثير العمل من أهلِ الهوى والجهل مردود.

يا هشام إنّ العاقل رضي بالدّون من الدنيا مع الحكمة. ولم يرض بالدّون من الحكمة مع الدنيا، فلذلك ربحت تجارتهم.يا هشام إن كان يغنيك ما يكفيك فأدنى ما في الدنيا يكفيك. وإن كان لا يغنيك ما يكفيك فليس شيء من الدنيا يغنيك. يا هشام إنّ العقلاء تركوا فضول الدنيا فكيف الذنوب. وترك الدنيا من الفضل وترك الذنوب من الفرض. يا هشام إنّ العقلاء زهدوا في الدنيا

ــــــــــــ

(١) العَيلة: الفاقة.

(٢) نصب ـ من باب ضرب على صيغة المجهول ـ بمعنى وضع أو من باب التفعيل من نصب الأمير فلاناً ولاّه منصباً.

(٣) اعتقد الشيء: نقيض حله.


ورغبوا في الآخرة لأنهم علموا أنّ الدنيا طالبة ومطلوبة والآخرة طالبة ومطلوبة، فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتّى يستوفي منها رزقه. ومن طلب الدنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه وآخرته.

يا هشام من أراد الغنى بلا مال وراحة القلب من الحسد والسلامة في الدين فليتضرّع إلى الله في مسألته بأن يُكمل عقله، فمن عقل قنع بما يكفيه ومن قنع بما يكفيه استغنى ومن لم يقنع بما يكفيه لم يُدرك الغنى أبداً.

يا هشام إنّ الله جَلَّ وعَزَّ حكى عن قوم صالحين، أنهم قالوا: ( رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ) (١) حين علموا أنّ القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورداها أنّه لم يخف الله من لم يعقل عن الله ومن لم يعقل عن الله لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يُبصرها ويجد حقيقتها في قلبه. ولا يكون أحدٌ كذلك إلاّ من كان قوله لفعله مصدِّقاً، وسرّه لعلانيته موافقاً، لأنّ الله لم يدلّ على الباطن الخفي من العقل إلاّ بظاهر منه وناطق عنه.

يا هشام كان أمير المؤمنينعليه‌السلام ، يقول: ما من شيء عبد الله به أفضل من العقل وما تمّ عقل امرئ حتى يكون فيه خصال شتّى، الكفر والشر منه مأمونان(٢) . والرشد والخير منه مأمولان (٣) . وفضل ماله مبذول. وفضل قوله مكفوف. نصيبه من الدنيا القوت. ولا يشبع من العلم دهره. الذلّ أحب إليه مع الله من العزّ مع غيره. والتّواضع أحبّ إليه من الشرف. يستكثر قليل المعروف من غيره ويستقل كثير المعروف من نفسه. ويرى الناس كلهم خيراً منه وأنه شرّهم في نفسه وهو تمام الأمر (٤) .

يا هشام من صدق لسانه زكى عمله. ومن حسنت نيته زيد في رزقه. ومن حسن برّه بإخوانه وأهله مدّ في عمره.

يا هشام لا تمنحوا الجهّال الحكمة فتظلموها(٥) ، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم.

يا هشام كما تركوا لكم الحكمة فاتركوا لهم الدنيا.

ــــــــــــ

(١) آل عمران (٣): ٧.

(٢) الكفر في الاعتقاد والشر في القول والعمل والكل ينشأ من الجهل.

(٣) الرشد في الاعتقاد والخير في القول والكل ناشئ من العقل.

(٤) أي ملاك الأمر وتمامه في أن يكون الإنسان كاملاً تام العقل هو كونه متصفاً بمجموعة هذه الخصال.

(٥) لا تمنحوا الجهال أي لا تعطوهم ولا تعلموهم. والمنحة: العطاء.


يا هشام لا دين لمن لا مروّة له. ولا مُرُوّة لمن لا عقل له. وأنّ أعظم الناس قدراً الذي لا يرى الدنيا لنفسه خطراً(١) ، أما إنّ أبدانكم ليس لها ثمن إلاّ الجنة، فلا تبيعوها بغيرها...(٢) .

يا هشام إن أمير المؤمنينعليه‌السلام كان يقول: (لا يجلس في صدر المجلس إلاّ رجل فيه ثلاث خصال: يجيب إذا سئل وينطق إذا عجز القوم عن الكلام، ويشير بالرأي الذي فيه صلاح أهله، فمن لم يكن فيه شيء منهنّ فجلس فهو أحمق).

وقال الحسن بن عليعليهما‌السلام : (إذا طلبتم الحوائج فاطلبوها من أهلها) قيل: يا ابن رسول الله ومن أهلها؟ قال: (الذين قصّ الله في كتابه وذكرهم، فقال: ( إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ) (٣) . قال: هم أولوا العقول).

وقال علي بن الحسينعليهما‌السلام : ( مجالسة الصالحين داعية إلى الصلاح وأدب العلماء زيادة في العقل، وطاعة ولاة العدل تمام العز واستثمار المال(٤) تمام المروة. وإرشاد المستشير قضاء لحق النعمة. وكف الأذى من كمال العقل وفيه راحة البدن عاجلاً وآجلاً).

يا هشام إن العاقل لا يحدّث من يخاف تكذيبه ولا يسأل من يخاف منعه ولا يعد مالا يقدر عليه ولا يرجو ما يعنّف برجائه(٥) ولا يتقدم على ما يخاف العجز عنه.

وكان أمير المؤمنينعليه‌السلام يوصي أصحابه يقول: ( أوصيكم بالخشية من الله في السر والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والاكتساب في الفقر والغنى، وأن تصلوا من قطعكم، وتعفوا عمّن ظلمكم، وتعطفوا على من حرمكم وليكن نظركم عبراً. وصمتكم فكراً. وقولكم ذكراً وطبيعتكم السخاء، فإنه لا يدخل الجنة بخيل ولا يدخل النار سخي) .

ــــــــــــ

(١) معادلاً وموازياً في الخطر أي القدر والرفعة.

(٢) ههنا كلام نقله صاحب الوافي عن أستاذه (رحمهما الله) قال: وذلك لأن الأبدان في التناقص يوماً فيوماً لتوجه النفس منها إلى عالم آخر فإن كانت النفس سعيدة كانت غاية سعيه في هذه الدنيا وانقطاع حياته البدنيّة إلى الله سبحانه وإلى نعيم الجنة لكونه على منهج الهداية والاستقامة فكأنه باع بدنه بثمن الجنة معاملة مع الله تعالى ولهذا خلقه الله عزّ وجلّ وإن كانت شقيّة كانت غاية سعيه وانقطاع أجله وعمره إلى مقارنة الشيطان وعذاب النيران لكونه على طريق الضلالة فكأنه باع بدنه بثمن الشهوات الفانية واللذات الحيوانية التي ستصير نيراناً محرقة مؤلمة وهي اليوم كامنة مستورة عن حواسّ أهل الدنيا وستبرز يوم القيامة ( وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى ) معاملة مع الشيطان وخسر هنالك المبطلون.

(٣) الزمر (٣٩): ١٢.

(٤) أى استنماؤه بالكسب والتجارة.

(٥) التعنيف: اللؤم والتوبيخ والتقريع. والمراد أن العاقل لا يرجو فوق ما يستحقه وما لم يستعدّه.


يا هشام رحم الله من استحيا من الله حق الحياء، فحفظ الرأس وما حوى(١) والبطن وما وعى، وذكر الموت والبلى، وعلم أنّ الجنة محفوفة بالمكاره(٢) . والنار محفوفة بالشهوات.

يا هشام من كف نفسه عن أعراض الناس أقاله الله عثرته يوم القيامة. ومن كف غضبه عن الناس كفّ الله عنه غضبه يوم القيامة.

يا هشام إن العاقل لا يكذب وإن كان فيه هواه.

يا هشام وجد في ذؤابة(٣) سيف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أن أعتى الناس على الله من ضرب غير ضاربه وقتل غير قاتله. ومن تولّى غير مواليه فهو كافر بما أنزل الله على نبيّه محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن أحدث حدثاً(٤) ، أو آوى محدثاً لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً.

يا هشام أفضل ما يتقرب به العبد إلى الله بعد المعرفة به الصلاة، وبرّ الوالدين، وترك الحسد والعجب والفخر.

ــــــــــــ

(١) (وما حوى) أي ما حواه الرأس من الأوهام والأفكار بأن يحفظها ولا يبديها ويمكن أن يكون المراد ما حواه الرأس من العين والأذن وسائر المشاعر بأن يحفظها عمّا يحرم عليه. (وما وعى) أي ما جمعه من الطعام والشراب بأن لا يكون من حرام. (والبلى) ـ بالكسر ـ: الاندراس والاضمحلال.

(٢) هذا الكلام مشهور معروف بين الفريقين متواتر منقول عن النبي وأهل بيته صلوات الله عليهم. والمحفوفة: المحيطة. والمكاره: جمع مكرهة ـ بفتح الراء وضمّها ـ : ما يكرهه الإنسان ويشق عليه. والمراد أن الجنة محفوفة بما يكره النفس من الأقوال والأفعال فتعمل بها، فمن عمل بها دخل الجنة، والنار محفوفة بلذات النفس وشهواتها، فمن أعطى نفسه لذّتها وشهوتها دخل النار.

(٣) الذؤابة من كل شيء: أعلاه. ومن السيف: علاقته. ومن السوط: طرفه. ومن الشعر: ناصيته. وعتا يعتو عتواً، وعتى يعتى عتياً بمعنى واحد أي استكبر وتجاوز الحدّ، والعتو: الطغيان والتجاوز عن الحدود والتجبّر.

(٤) الحدث: الأمر الحادث الذي ليس بمعتاد ولا معروف في السنّة.


يا هشام أصلح أيّامك الذي هو أمامك، فانظر أي يوم هو وأعدّ له الجواب، فانك موقوف ومسؤول. وخذ موعظتك من الدهر وأهله، فإن الدهر طويلة قصيرة فاعمل كأنك ترى ثواب عملك لتكون أطمع في ذلك. واعقل عن الله وانظر في تصرف الدّهر وأحواله، فإن ما هو آت من الدنيا، كما ولّى منها، فاعتبر بها.

وقال علي بن الحسين عليهما‌السلام : ( إن جميع ما طلعت عليه الشمس في مشارق الأرض ومغاربها بحرها وبرّها وسهلها وجبلها عند وليّ من أولياء الله وأهل المعرفة بحق الله كفيء الظلال ـ ثم قال عليه‌السلام : أَوَلا حرّ يدع (هذه) اللمّاظة لأهلها (١) ـ يعني الدنيا ـ فليس لأنفسكم ثمن إلاّ الجنّة فلا تبيعوها بغيرها، فإنّه من رضي من الله بالدنيا فقد رضي بالخسيس ).

يا هشام إن كل الناس يبصر النجوم ولكن لا يهتدي بها إلاّ من يعرف مجاريها ومنازلها. وكذلك أنتم تدرسون الحكمة ولكن لا يهتدي بها منكم إلاّ من عمل بها.

يا هشام إن المسيح عليه‌السلام قال للحواريين: ( يا عبيد السوء يهولكم طول النّخلة ) (٢) وتذكرون شوكها ومؤونة مراقيها وتنسون طيب ثمرها ومرافقها (٣) . كذلك تذكرون مؤونة عمل الآخرة فيطول عليكم أمده (٤) وتنسون ما تفضون إليه من نعيمها ونورها وثمرها. يا عبيد السوء نقّوا القمح وطيّبوه وأدقّوا طحنه تجدوا طعمه ويهنئكم أكله، كذلك فأخلصوا الإيمان وأكملوه تجدوا حلاوته وينفعكم غبّه (٥) .

ــــــــــــ

(١) اللمّاظة ـ بالضم ـ: بقية الطعام في الفم. وأيضاً بقية الشيء القليل. والمراد بها هنا الدنيا.

(٢) يهولكم أي يفزعكم وعظم عليكم.

(٣) مؤونة المراقي: شدة الارتقاء، والمرافق: المنافع وهي جمع مرفق ـ بالفتح ـ: ما انتفع به.

(٤) الأمد: الغاية ومنتهى الشيء، يقال: طال عليهم الأمد أي الأجل. والنور ـ بالفتح ـ: الزهرة.

(٥) الغبّ ـ بالكسر ـ: العاقبة، وأيضا بمعنى البعد.


بحقّ أقول لكم: لو وجدتم سراجاً يتوقد بالقطران(١) في ليلة مظلمة لاستضأتم به ولم يمنعكم منه ريح نتنه. كذلك ينبغي لكم أن تأخذوا الحكمة ممن وجدتموها معه ولا يمنعكم منه سوء رغبته فيها.

يا عبيد الدنيا بحق أقول لكم: لا تدركون شرف الآخرة إلاّ بترك ما تحبون، فلا تنظروا بالتوبة غداً، فإن دون غد يوماً وليلةً وقضاء الله فيهما(٢) يغدوا ويروح.

بحقّ أقول لكم: إن من ليس عليه دين من الناس أروح وأقل همّاً ممّن عليه الدين وان أحسن القضاء، وكذلك من لم يعمل الخطيئة أروح هماً ممن عمل الخطيئة وإن أخلص التوبة وأناب. وإن صغار الذنوب ومحقراتها من مكائد إبليس ، يحقّرها لكم ويصغّرها في أعينكم فتجتمع وتكثر فتحيط بكم.

بحقّ أقول لكم: إن الناس في الحكمة رجلان: فرجلٌ أتقنها بقوله وصدّقها بفعله. ورجل أتقنها بقوله وضيّعها بسوء فعله، فشتان بينهما، فطوبى للعلماء بالفعل وويل للعلماء بالقول.

يا عبيد السوء اتّخذوا مساجد ربّكم سجوناً لأجسادكم وجباهكم. واجعلوا قلوبكم بيوتاً للتقوى ولا تجعلوا قلوبكم مأوىً للشهوات إن أجزعكم عند البلاء لأشدكم حبّاً للدنيا. وإن أصبركم على البلاء لأزهدكم في الدنيا. يا عبيد السوء لا تكونوا شبيهاً بالحداء الخاطفة (٣) ولا بالثعالب الخادعة ولا بالذئاب

ــــــــــــ

(١) القطران ـ بفتح القاف وسكون الطاء وكسرها أو بكسر القاف وسكون الطاء ـ: سيّال دهني شبيه النفط، يتخذ بعض الأشجار كالصنوبر والأرز فيهنأ به الإبل الجربى ويسرع فيه إشعال النار. وقوله: (نتنه) أي خبت رائحته.

(٢) كناية عن الموت فإنه يأتي في الغداة والرواح.

(٣) الحداء ـ بالكسر ـ: جمع حدأة ـ كعنبه ـ: طائر من الجوارح وهو نوع من الغراب يخطف الأشياء والخاطفة من خطف الشيء يخطف كعلم يعلم ـ: استلبه بسرعة والغادرة: الخائنة والعاتي: الجبّار.


الغادرة ولا بالأُسُد العاتية كما تفعل بالفرائس(١) كذلك تفعلون بالناس، فريقاً تخطفون وفريقاً تخدعون وفريقاً تغدرون بهم.

بحق أقول لكم: لا يغني عن الجسد أن يكون ظاهره صحيحاً وباطنه فاسداً. كذلك لا تغني أجسادكم التي قد أعجبتكم وقد فسدت قلوبكم. وما يغني عنكم أن تنقّوا جلودكم وقلوبكم دنسة. لا تكونوا كالمنخل(٢) يخرج منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة. كذلك أنتم تخرجون الحكمة من أفواهكم ويبقى الغلّ في صدوركم.

يا عبيد الدنيا إنما مثلكم مثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه يا بني إسرائيل زاحموا العلماء في مجالسهم ولو جثوّاً على الركب(٣) ، فإن الله يحيي القلوب الميتة بنور الحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل المطر (٤) .

يا هشام مكتوب في الإنجيل (طوبى للمتراحمين، أولئك المرحمون يوم القيامة طوبى للمصلحين بين الناس، أولئك هم المقربون يوم القيامة، طوبى للمطهّرة قلوبهم، أولئك هم المتقون يوم القيامة، طوبى للمتواضعين في الدنيا، أولئك يرتقون منابر الملك يوم القيامة).

يا هشام قلّة المنطق حكم عظيم، فعليكم بالصمت، فانّه دعة حسنة وقلّة وزر وخفّة من الذنوب. فحصنوا باب الحلم، فإن بابه الصبر، وأنّ الله عَزَّ وجَلَّ يبغض الضحّاك من غير

ــــــــــــ

(١) الفريسة: ما يفترسه الأسد ونحوه.

(٢) المنخل ـ بضم الميم والخاء أو بفتح الخاء ـ: ما ينخل به. والنخالة ـ بالضم ـ: ما بقي في المنخل من القشر ونحوه.

(٣) جثا يجثو وجثى يجثي: جلس على ركبتيه أو قام على أطراف الأصابع. وفي بعض النسخ (حبواً) أيپ زحفاً على الركب من حبا يحبو وحبى يحبي: إذا مشى على أربع.

(٤) الوابل: المطر الشديد الضخم القطر.


عجب والمشّاء إلى غير أرب (١) ويجب على الوالي أن يكون كالراعي لا يغفل عن رعيته ولا يتكبر عليهم. فاستحيوا من الله في سرائركم، كما تستحيون من الناس في علانيتكم. واعلموا أن الكلمة من الحكمة ضالّة المؤمن، فعليكم بالعلم قبل أن يرفع ورفعه غيبة عالمكم بين أظهركم.

يا هشام تعلم من العلم ما جهلت. وعلّم الجاهل ممّا علّمت. عظّم العالم لعلمه ودع منازعته. وصغّر الجاهل لجهله ولا تطرده ولكن قرّبه وعلّمه.

يا هشام إن كل نعمة عجزت عن شكرها بمنزلة سيئة تؤاخذ بها. وقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: ( إن لله عباداً كسرت قلوبهم خشيته فأسكتتهم عن المنطق وإنهم لفصحاء عقلاء، يستبقون إلى الله بالأعمال الزكيّة، لا يستكثرون له الكثير ولا يرضون لهم من أنفسهم بالقليل، يرون في أنفسهم أنهم أشرار وأنهم لأكياس وأبرار)(٢) .

يا هشام الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنّة والبذاء من الجفاء(٣) والجفاء في النار.

يا هشام المتكلّمون ثلاثة: فرابح وسالم وشاجب (٤) ، فأما الرابح فالذاكر لله وأمّا السالم فالساكت، وأمّا الشاجب فالذي يخوض في الباطل، إن الله حرّم الجنة على كلّ فاحش بذيء قليل الحياء لا يبالي ما قال ولا ما قيل فيه. وكان أبو ذرّ ـ رضي الله عنه ـ يقول: (يا مبتغي العلم أن هذا اللسان مفتاح خير ومفتاح شر، فاختم على فيك كما تختم على ذهبك وورقك).

ــــــــــــ

(١) المشاء: الكثير المشي. وأيضا النمام والمراد ههنا الأول. والأرب ـ بفتحتين ـ: الحاجة. وفي بعض النسخ (إلى غير أدب).

(٢) الأكياس: جمع كيّس ـ كسيّد ـ الفطن، الظريف، الحسن الفهم والأدب.

(٣) البذاء: الفحش. والبذى ـ على فعيل ـ: السفيه والذي أفحش في منطقه.

(٤) الشاجب: الهذّاء المكثار أي كثير الهذيان وكثير الكلام. وأيضاً الهالك وهو الأنسب.


يا هشام بئس العبد يكون ذا وجهين وذا لسانين، يطري أخاه إذا شاهده (١) ويأكله إذا غاب عنه، إنّ أُعطي حسده وإن ابتلي خذله. إن أسرع الخير ثواباً البرّ، وأسرع الشر عقوبة البغي. وإنّ شر عباد الله من تكره مجالسته لفحشه. وهل يكبّ الناس على مناخرهم في النار إلاّ حصائد ألسنتهم ومن حسن إسلام المرء ترك ما لا يعنيه.

يا هشام لا يكون الرجل مؤمناً حتى يكون خائفاً راجياً. ولا يكون خائفاً راجياً حتى يكون عاملاً لما يخاف ويرجو.

يا هشام قال الله جَلَّ وعَزَّ: وعزّتي وجلالي وعظمتي وقدرتي وبهائي وعلوّي في مكاني لا يؤثر عبد هواي على هواه إلاّ جعلت الغنى في نفسه. وهمّه في آخرته. وكففت عليه (في) ضيعته(٢) وضمّنت السماوات والأرض رزقه وكنت له من وراء تجارة كلّ تاجر.

يا هشام الغضب مفتاح الشر وأكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وإن خالطت الناس فإن استطعت أن لا تخالط أحداً منهم إلاّ من كانت يدك عليه العليا(٣) فافعل.

يا هشام عليك بالرفق، فإن الرفق يُمنٌ والخرق شُؤمٌ، إن الرفق والبرّ وحسن الخلق يعمر الدّيار ويزيد في الرزق.

يا هشام قول الله: ( هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ) (٤) جرت في المؤمن والكافر والبرّ والفاجر. من صنع إليه معروف فعليه أن يكافئ به ، وليست المكافأة أن تصنع كما صنع حتى ترى فضلك، فإن صنعت كما صنع فله الفضل بالابتداء (٥) .

ــــــــــــ

(١) أي يحسن الثناء وبالغ في مدحه إذا شاهده: ويعيبه بالسوء ويذمّه إذا غاب.

(٢) الضيعة ـ بالفتح ـ: هذا من قبيل تسمية الشيء باسم ضدّه كالمفازة للصحراء التي يخاف فيها الهلاك، فالضيعة هنا يعني موطن الإنسان كما لازال يستعمل بهذا المعنى في عامّة بلاد الشام. وكففت عليه أي رزقته الكِفاف وهو في وطنه غير مسافر في طلب الرزق.

(٣) اليد العليا: المعطية المتعلقة.

(٤) الرحمن (٥٥): ٦٠.

(٥) أي له الفضيلة بسبب ابتدائه بالإحسان، فهو أفضل منك.


يا هشام إن مثل الدنيا مثل الحيّة مسّها ليّن وفي جوفها السمّ القاتل، يحذرها الرّجال ذوو العقول ويهوي إليها الصّبيان بأيديهم.

يا هشام اصبر على طاعة الله واصبر عن معاصي الله، فإنما الدنيا ساعة، فما مضى منها فليس تجد له سروراً ولا حزناً، وما لم يأت منها فليس تعرفه، فاصبر على تلك الساعة التي أنت فيها فكأنك قد اغتبطت (١) .

يا هشام مثل الدنيا مثل ماء البحر كلّما شرب منه العطشان ازداد عطشاً حتى يقتله.

يا هشام إياك والكبر، فإنّه لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر. الكبر رداء الله، فمن نازعه رداءه أكبّه الله في النار على وجهه.

يا هشام ليس منا من لم يحاسب نفسه في كّل يوم، فإن عمل حسناً استزاد منه وإن عمل سيئاً استغفر الله منه وتاب إليه.

يا هشام تمثَّلت الدنيا للمسيحعليه‌السلام في صورة امرأة زرقاء فقال لها: كم تزوجت؟ فقالت: كثيراً، قال: فكلّ طلّقك؟ قالت: لا ، بل كلا قتلتُ. قال المسيحعليه‌السلام : فويحٌ لأزواجك الباقين، كيف لا يعتبرون بالماضين.

يا هشام إن ضوء الجسد في عينه، فإن كان البصر مضيئاً استضاء الجسد كله. وإنّ ضوء الروح العقل، فإذا كان العبد عاقلاً كان عالماً بربه وإذا كان عالماً بربه أبصر دينه. وإن كان جاهلاً بربه لم يقم له دين. وكما لا يقوم الجسد إلاّ بالنفس الحيّة، فكذلك لا يقوم الدين إلاّ بالنيّة الصادقة، ولا تثبت النيّة الصادقة إلاّ بالعقل.

يا هشام إن الزّرع ينبت في السهل ولا ينبت في الصفا (٢) . فكذلك الحكمة تعمر في قلب المتواضع ولا تعمر في قلب المتكبّر الجبّار، لأن الله جعل التواضع آلة العقل وجعل

ــــــــــــ

(١) اغتبط: كان في مسرة وحسن حال.

(٢) الصفا: الحجر الصلد الضخم.


التكبّر من آله الجهل، ألم تعلم أنّ من شمخ إلى السقف (١) برأسه شجّه (٢) . ومن خفض رأسه استظلّ تحته وأكنّه. وكذلك من لم يتواضع لله خفضه الله ومن تواضع لله رفعه.

يا هشام ما أقبح الفقر بعد الغنى، وأقبح الخطيئة بعد النسك، وأقبح من ذلك العابد لله ثم يترك عبادته.

يا هشام لا خير في العيش إلا لرجلين: لمستمع واع، وعالم ناطق.

يا هشام ما قسّم بين العباد أفضل من العقل، نوم العاقل أفضل من سهر الجاهل وما بعث الله نبياً إلاّ عاقلا حتى يكون عقله أفضل من جميع جهد المجتهدين وما أدّى العبد فريضة من فرائض الله حتى عقل عنه (٣) .

يا هشام قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( إذا رأيتم المؤمن صموتاً فادنوا منه، فإنه يلقي الحكمة. والمؤمن قليل الكلام كثير العمل والمنافق كثير الكلام قليل العمل ).

يا هشام أوحى الله تعالى إلى داودعليه‌السلام قل لعبادي: لا يجعلوا بيني وبينهم عالماً مفتوناً بالدنيا فيصدهم عن ذكري وعن طريق محبتي ومناجاتي، أولئك قطاع الطريق من عبادي، إن أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع حلاوة محبتي ومناجاتي من قلوبهم.

يا هشام من تعظّم في نفسه لعنته ملائكة السماء وملائكة الأرض. ومن تكبّر على إخوانه واستطال عليهم فقد ضاد الله(٤) ومن ادعى ما ليس له فهو (أ) عني لغير رشده(٥) .

يا هشام أوحى الله تعالى إلى داودعليه‌السلام : يا داود حذّر، وأنذر أصحابك عن حبّ الشهوات، فإنّ المعلقة قلوبهم بشهوات الدنيا قلوبهم محجوبة عنّي.

ــــــــــــ

(١) شمخ ـ من باب منع ـ: علا ورفع.

(٢) أي كسره وجرحه.

(٣) أي عرفه إلى حدّ التعقل.

(٤) استطال عليهم: أى تفضل عليهم.

(٥) عني ـ بصيغة المجهول أو المعلوم ـ بالأمر كلّف ما يشقّ عليه. وفي بعض النسخ (أعنى لغيره) أي يدخل غيره في العناء والتعب. هذا ويحتمل أن يكون الأصل (فهو لغيّ لغير رشدة) فصحّف.


يا هشام إياك والكبر على أوليائي والاستطالة بعلمك فيمقتك الله، فلا تنفعك بعد مقته دنياك ولا آخرتك. وكن في الدنيا كساكن دار ليست له ، إنما ينتظر الرحيل.

يا هشام مجالسة أهل الدين شرف الدنيا والآخرة. ومشاورة العاقل الناصح يُمنٌ وبركة ورشد وتوفيق من الله، فإذا أشار عليك العاقل الناصح فإيّاك والخلاف فإنّ في ذلك العطب(١) .

يا هشام إياك ومخالطة الناس والأنس بهم إلاّ أن تجد منهم عاقلاً ومأموناً فآنس به واهرب من سايرهم كهربك من السباع الضارية(٢) . وينبغي للعاقل إذا عمل عملاً أن يستحيي من الله. وإذا تفردّ له بالنعم أن يشارك في عمله أحداً غيره (٣) . وإذا مرّ بك أمران لا تدري أيهما خيرٌ وأصوب، فانظر أيهما أقرب إلى هواك فخالفه، فإن كثير الصواب في مخالفة هواك. وإياك أن تغلب الحكمة وتضعها في أهل الجهالة (٤)

قال هشام: فقلت له: فإن وجدت رجلاً طالباً له غير أن عقله لا يتّسع لضبط ما ألقي إليه ؟

قالعليه‌السلام :فتلطّف له بالنصيحة، فإن ضاق قلبه (فـ)ـلا تعرضنّ نفسك للفتنة، واحذر ردّ المتكبرين، فإن العلم يُذِلُّ على أن يملى على من لا يفيق (٥) .

قلت: فإن لم أجد من يعقل السؤال عنها؟

قالعليه‌السلام :فاغتنم جهله عن السؤال حتى تسلم من فتنة القول وعظيم فتنة الردّ. واعلم أن الله لم يرفع المتواضعين بقدر تواضعهم ولكن رفعهم بقدر عظمته ومجده. ولم يؤمنّ الخائفين بقدر خوفهم ولكن آمنهم بقدر كرمه وجوده.ولم يفرّح

ــــــــــــ

(١) العطب: الهلاك.

(٢) الضاري: الحيوان السبع، من ضرّ الكلب بالصيد يضرو: تعودّه وأولع به. وأيضا: تطعم بلحمه ودمه.

(٣) أي إذا اختص العاقل بنعمة ينبغي له أن يشارك غيره في هذه النعمة بأن يعطيه منها.

(٤) قال المجلسيرحمه‌الله : كأنّ فيه حذفاً وإيصالاً أي تغلب على الحكمة أي يأخذها منك قهراً من لا يستحقها بأن يقرأ على صيغة المجهول أو على المعلوم أي تغلب على الحكمة فإنها تأبى عمّن لا يستحقها. ويحتمل أن يكون بالفاء والتاء من الإفلات بمعنى الإطلاق فإنهم يقولون: انفلت مني كلام أي صدر بغير رويّة.

(٥) الإفاقة: الرجوع عن الكسر والإغماء والغفلة إلى حال الاستقامة.


المحزونين بقدر حزنهم ولكن بقدر رأفته ورحمته، فما ظنك بالرؤوف الرحيم الذي يتودّد إلى من يؤذيه بأوليائه فكيف بمن يؤذى فيه ، وما ظنك بالتواب الرحيم الذي يتوب على من يعاديه، فكيف بمن يترضاه (١) ويختار عداوة الخلق فيه.

يا هشام من أحبّ الدنيا ذهب خوف الآخرة من قلبه وما أوتي عبدٌ علماً فازداد للدنيا حباً إلاّ ازداد من الله بعداً وازداد الله عليه غضباً.

يا هشام انّ العاقل اللّبيب من ترك ما لا طاقة له به، وأكثر الصواب في خلاف الهوى. ومن طال أمله ساء عمله.

يا هشام لو رأيت مسير الأجل لألهاك عن الأمل.

يا هشام إياك والطمع، وعليك باليأس مما في أيدي الناس. وأمت الطمع من المخلوقين، فإن الطمع مفتاح للذل واختلاس العقل وأخلاق المروات (٢) . وتدنيس العرض، والذهاب بالعلم، وعليك بالاعتصام بربّك والتوكل عليه. وجاهد نفسك لتردّها عن هواها، فإنّه واجب عليك كجهاد عدوّك.

قال هشام: فقلت له فأَيّ الأعداء أوجبهم مجاهدة ؟

قالعليه‌السلام : أقربهم إليك وأعداهم لك وأضرّهم بك وأعظمهم لك عداوة وأخفاهم لك شخصاً مع دنوه منك، ومن يحرّض أعداءك عليك وهو إبليس الموكّل بوسواس القلوب فله فلتشتد عداوتك ولا يكونن أصبر على مجاهدته لهلكتك منك على صبرك لمجاهدته، فإنّه أضعف منك ركناً في قوّته(٣) وأقلّ منك ضرراً في كثرة شرّه. إذا أنت اعتصمت بالله فقد هديت إلى صراط مسقيم.

ــــــــــــ

(١) يترضّاه: أي يطلب رضاه.

(٢) الاختلاق: الافتراء. وفي بعض النسخ (وأخلاق) والظاهر أنه جمع خلق ـ بالتحريك ـ أي البالي. والعرض: النفس والخليقة المحمودة ـ وأيضاً: ما يفتخر الإنسان من حسب وشرف.

(٣) الركن: العزّ والمنعة. وأيضاً: ما يقوى به. والأمر العظيم. أي لا يكن صبره في المجاهدة أقوى منك. فإنك إذا كنت على الاستقامة في مخالفته يكون مع قوّته أضعف منك ركناً وضرراً.


يا هشام من أكرمه الله بثلاث فقد لطف به: عقل يكفيه مؤونة هواه وعلم يكفيه مؤونة جهله وغنى يكفيه مخافة الفقر.

يا هشام احذر هذه الدنيا واحذر أهلها، فإن الناس فيها على أربعة أصناف: رجل متردّ معانق لهواه. ومتعلم متقرّى كلما ازداد علماً ازداد كبراً، يستعلي بقراءته وعلمه على من هو دونه، وعابد جاهل يستصغر من هو دونه في عبادته يحبّ أن يعظّم ويوفّر. وذي بصيرة عالم عارف بطريق الحق يحب القيام به، فهو عاجزٌ أو مغلوب ولا يقدر على القيام بما يعرفـ(ـه) فهو محزون مغموم بذلك، فهو أمثل أهل زمانه(١) وأوجههم عقلاً.

يا هشام اعرف العقل وجنده، والجهل وجنده تكن من المهتدين.

قال هشام: فقلت: جعلت فداك لا نعرف إلاّ ما عرّفتنا.

يا هشام إن الله خلق العقل وهو أوّل خلق خلقه الله من الروحانيّين (٢) عن يمين العرش من نوره فقال له: أدبر، فأدبر ثم قال له: أقبل فأقبل. فقال الله جلّ وعزّ: خلقتك خلقاً (عظيماً) وكرّمتك على جميع خلقي. ثم خلق الجهل من البحر الأجاج الظلماني، فقال له: أدبر، فأدبر ثم قال له: أقبل ،فلم يقبل فقال له: استكبرت فلعنه، ثم جعل للعقل خمسة وسبعين جنداً، فلمّا رأى الجهل ما كرّم الله به العقل وما أعطاه أضمر له العداوة، فقال الجهل: يا ربّ هذا خلق مثلي خلقته و كرّمته وقوّيته وأنا ضده ولا قوّة لى به أعطني من الجند مثل ما أعطيته فقال تبارك وتعالى، نعم ، فإن عصيتني بعد ذلك أخرجتك وجندك من جواري ومن رحمتي، فقال: قد رضيت. فأعطاه الله خمسة وسبعين جنداً فكان مما أعطى العقل من الخمسة والسبعين جنداً: الخير وهو وزير العقل وجعل ضدّه الشر وهو وزير الجهل.

الإيمان، الكفر. التصديق، التكذيب. الإخلاص، النفاق. الرجاء، القنوط. العدل، الجور. الرضى، السخط. الشكر، الكفران. اليأس، الطمع. التوكل، الحرص. الرأفة، الغلظة. العلم، الجهل. العفة، التهتك. الزهد، الرغبة. الرفق، الخرق. الرهبة، الجرأة. التواضع، الكبر. التؤدة، العجلة. الحلم، السفه. الصمت، الهذر. الاستسلام، الاستكبار. التسليم، التجبر. العفو، الحقد. الرحمة، القسوة. اليقين، الشك. الصبر، الجزع. الصفح، الانتقام. الغنى، الفقر. التفكّر، السهو. الحفظ، النسيان. التواصل، القطيعة. القناعة، الشره. المؤاساة، المنع. المودة، العداوة. الوفاء، الغدر. الطاعة، المعصية. الخضوع، التطاول. السلامة، البلاء. الفهم، الغباوة. المعرفة، الإنكار. المداراة، المكاشفة سلامة الغيب،

ــــــــــــ

(١) الأمثل: الأفضل.

(٢) أي هو أول مخلوق من المنسوبين إلى الروح في مدينة بنية الإنسان المتمركزين بأمر الربّ والسلطان في مقرّ الحكومة العقلية. فهو أولّها ورأسها ثم يوجد بعده وبسببه جنداً فجنداً إلى أن يكمل للإنسان جودة العقل.


المماكرة. الكتمان، الإفشاء. البرّ، العقوق. الحقيقة، التسويف. المعروف، المنكر. التقية، الإذاعة. الإصاف، الظلم. التقى، الحسد. النظافة، القذر. الحياء، القحة. القصد، الإسراف. الراحة، التعب. السهولة، الصعوبة. العافية، البلوى. القوام، المكاثرة. الحكمة، الهوى. الوقار، الخفة. السعادة، الشقاء. التوبة، الإصرار. المحافظة، التهاون. الدعاء، الاستنكاف. النشاط، الكسل. الفرح، الحزن. الألفة، الفرقة. السخاء، البخل. الخشوع، العجب. صون الحديث النميمة. الاستغفار، الاغترار. الكياسة، الحمق. يا هشام لا تُجمعُ هذه الخصال إلاّ لنبيّ أو وصيّ أو مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان. وأما ساير ذلك من المؤمنين فإنّ أحدهم لا يخلو من أن يكون فيه بعض هذه الجنود من أجناد العقل حتى يستكمل العقل ويتخلص من جنود الجهل. فعند ذلك يكون في الدرجة العليا مع الأنبياء والأوصياءعليهم‌السلام وفّقنا الله وإيّاكم لطاعته(١) .

التوحيد وأُسس التدبير الإلهي:

١ ـ عن محمد بن أبي عمير، قال: دخلت على سيدي موسى بن جعفرعليهما‌السلام ، فقلت له: يا ابن رسول الله علّمني التوحيد فقال:(يا أبا أحمد ، لا تتجاوز في التوحيد ما ذكره الله تعالى ذكره في كتابه فتهلك واعلم أن الله تعالى واحد، أحدٌ ، صمدٌ، لم يلد فيورث، ولم يولد فيشارك، ولم يتخذ صاحبة ولا ولداً ولا شريكاً، وأنه الحي الذي لا يموت ، والقادر الذي لا يعجز، والقاهر الذي لا يغلب، والحليم الذي لا يعجل، والدائم الذي لا يبيد، والباقي الذي لا يفنى، والثابت الذي لا يزول، والغني الذي لا يفتقر، والعزيز الذي لا يذل. والعالم الذي لا يجهل، والعدل الذي لا يجور، والجواد الذي لا يبخل، وأنه لا تقدره العقول، ولا تقع عليه الأوهام، ولا تحيط به الأقطار، ولا يحويه مكان، ولا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، وليس كمثله شيء وهو السميع البصير ( مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ) وهو الأوّل الذي لا شيء قبله ، والآخر الذي لا شيء بعده ، وهو القديم وما سواه مخلوق محدث ، تعالى عن صفات المخلوقين علوّاً كبيراً) (٢) .

٢ ـ عن زكريا بن عمران، عن أبي الحسن موسى بن جعفرعليهما‌السلام ، قال:

ــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٧٥ / ٢٩٦ ـ ٣١٩.

(٢) بحار الأنوار: ٧٥/٢٩٦ ـ ٣١٩ ، التوحيد: ٧٦.


 (لا يكون شيء في السماوات ولا في الأرض إلاّ بسبع: بقضاء وقدر وإرادة ومشيئة وكتاب وأجل وإذن، فمن زعم غير هذا فقد كذب على الله أو ردّ على الله عزّ وجلّ) (١) .

٣ ـ عن محمد بن حكيم قال: كتب أبو الحسن موسى بن جعفرعليهما‌السلام إلى أبي:(أن الله أعلا وأجل وأعظم من أن يبلغ كنه صفته. فصفوه بما وصف به نفسه، وكفّوا عما سوى ذلك) (٢) .

٤ ـ وقالعليه‌السلام :(إنّ الله تعالى لا يشبهه شيء، أي فحش أو خنى أعظم من قول من يصف خالق الأشياء بجسم أو صورة أو بخلقة أو بتحديد وأعضاء، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً) (٣) .

من سيرة الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتاريخ حياته:

١ ـ روى ابن طاووس في كتاب الطرف نقلاً من كتاب الوصية للشيخ عيسى بن المستفاد الضرير عن موسى بن جعفر، عن أبيهعليهما‌السلام قال: (لمّا حضرت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الوفاة دعا الأنصار وقال: يا معشر الأنصار! قد حان الفراق، وقد دعيت وأنا مجيب الداعي، وقد جاورتم فأحسنتم الجوار، ونصرتم فأحسنتم النصرة، وواسيتم في الأموال، ووسعتم في المسلمين، وبذلتم لله مهج النفوس والله يجزيكم بما فعلتم الجزاء الأوفى، وقد بقيت واحدة وهي تمام الأمر وخاتمة العمل العمل معها مقرون إني أرى أن لا أفترق بينهما جميعاً لو قيس بينهما بشعرة ما انقاست، من أتى بواحدة وترك الأخرى كان جاحداً للأولى ولا يقبل الله منه صرفاً و لا عدلاً قالوا: يا رسول الله فأين لنا بمعرفتها، فلا تمسك عنها فنضل ونرتد عن الإسلام، والنعمة من الله ومن رسوله علينا، فقد أنقذنا الله بك من الهلكة يا رسول الله، وقد بلّغت ونصحت وأديت وكنت بنا رؤوفاً رحيماً شفيقاً.

ــــــــــــ

(١) أصول الكافي: ١ / ١٤٩ والخصال: ٣٥٩.

(٢) أصول الكافي: ١ / ١٠٢.

(٣) أصول الكافي: ١ / ١٠٥.


فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( كتاب الله وأهل بيتي فإن الكتاب هو القرآن وفيه الحجّة والنور والبرهان، كلام الله جديد غض طري شاهد ومحكم عادل ولنا قائد بحلاله وحرامه وأحكامه يقوم غداً فيحاج أقواماً فيزل الله به أقدامهم عن الصراط، واحفظوني معاشر الأنصار في أهل بيتي، فإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، ألا وان الإسلام سقف تحته دعامة، لا يقوم السقف إلاّ بها.

فلو أن أحدكم أتى بذلك السقف ممدوداً لا دعامة تحته فأوشك أن يخرّ عليه سقفه فيهوي في النار، أيها الناس! الدعامة: دعامة الإسلام ، وذلك قوله تعالى: ( يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) فالعمل الصالح طاعة الإمام وليّ الأمر والتمسّك بحبله ، أيّها الناس! أفهمتم ؟ الله الله في أهل بيتي! مصابيح الظلم، ومعادن العلم، وينابيع الحكم ، ومستقر الملائكة منهم وصيّي وأميني ووارثي، وهو مني بمنزلة هارون من موسى ألا هل بلغت معاشر الأنصار؟ ألا فاسمعوا ومن حضر، ألا إنّ فاطمة بابها بابي وبيتها بيتي، فمن هتكه فقد هتك حجاب الله .

قال عيسى: فبكى أبو الحسنعليه‌السلام طويلاً، وقطع بقية كلامه، وقال:هتك والله حجاب الله، هتك والله حجاب الله، هتك والله حجاب الله ...

ثم قالعليه‌السلام :أخبرني أبي، عن جدي محمد بن علي قال: قد جمع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المهاجرين فقال لهم: ( أيها الناس إني قد دعيت، وإني مجيب دعوة الداعي، قد اشتقت إلى لقاء ربي واللحوق بإخواني من الأنبياء وإني أعلمكم أني قد أوصيت إلى وصيي، ولم أهملكم إهمال البهائم، ولم أترك من أموركم شيئاً) فقام إليه عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله! أوصيت بما أوصى به الأنبياء من قبلك؟

قال: نعم، فقال له: فبأمر من الله أوصيت أم بأمرك؟!

قال له: (اجلس يا عمر، أوصيت بأمر الله ، وأمره طاعته، وأوصيت بأمري وأمري طاعة الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى وصيّي فقد عصاني، ومن أطاع وصيّي فقد أطاعني، ومن أطاعني فقد أطاع الله لا ما تريد أنت وصاحبك) ثم التفت إلى الناس وهو مغضب فقال: (أيها الناس! اسمعوا وصيّتي، من آمن بي وصدّقني بالنبوة وأني رسول الله فأوصيه بولاية علي بن أبي طالب وطاعته والتصديق له. فإن ولايته ولايتي، وولاية ربّي، قد أبلغتكم فليبلغ الشاهد الغائب إن علي بن أبي طالب هو العلم، فمن قصّر دون العلم فقد ضلّ، ومن تقدّمه تقدّم إلى النار، ومن تأخّر عن العلم يميناً هلك، ومن أخذ يساراً غوى وما توفيقي إلاّ بالله، فهل سمعتم ؟ ) قالوا: نعم .


٢ ـ وعن الإمام الكاظمعليه‌السلام أنه قال: (قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعليعليه‌السلام حين دفع إليه الوصية: اتخذ لها جواباً غداً بين يدي الله تبارك وتعالى ربّ العرش. فإني محاجّك يوم القيامة بكتاب الله حلاله وحرامه، ومحكمه ومتشابهه على ما أنزل الله، وعلى ما أمرتك، وعلى فرائض الله كما أنزلت وعلى الأحكام من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجتنابه، مع إقامة حدود الله وشروطه، والأمور كلها ، وأقام الصلاة لوقتها، وإيتاء الزكاة لأهلها، وحجّ البيت، والجهاد في سبيل الله، فما أنت قائل يا علي ؟ فقال عليعليه‌السلام : بأبي أنت وأمي أرجو بكرامة الله لك ومنزلتك عنده ونعمته عليك أن يعينني ربّي، ويثبتني فلا ألقاك بين يدي الله مقصراً ولا متوانياً ولا مفرطاً، ولا أمعز وجهك وقاه وجهي ووجوه آبائي وأمهاتي بل تجدني بأبي أنت وأمي مستمراً متّبعاً لوصيتك ومنهاجك وطريقك مادمت حياً حتى أقدم بها عليك، ثم الأول فالأول من ولدي لا مقصرين ولا مفرطين.

قال عليعليه‌السلام : ثم انكببت على وجهه وعلى صدره وأنا أقول: وا وحشتاه بعدك ، بأبي أنت وأمي، ووحشة ابنتك وبنيك بل وأطول غمّي بعدك يا أخي، انقطعت من منزلي أخبار السماء، وفقدت بعدك جبرئيل وميكائيل، فلا أحسّ أثراً ولا أسمع حسّاً، فأغمي عليه طويلاً ثم أفاقصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قال أبو الحسنعليه‌السلام فقلت لأبي: فما كان بعد إفاقته ؟ قال: دخل عليه النساء يبكين وارتفعت الأصوات وضجّ الناس بالباب من المهاجرين والأنصار، فبيناهم كذلك إذ نودي: أين علي؟ فأقبل حتى دخل عليه، قال عليعليه‌السلام : فانكببت عليه فقال: يا أخي افهم فهمك الله وسدّدك وأرشدك ووفقك وأعانك وغفر ذنبك ورفع ذكرك.

اعلم يا أخي أنّ القوم سيشغلهم عنّي ما يشغلهم، فإنّما مثلك في الأمة مثل الكعبة، نصبها الله للناس علماً، وإنما تؤتى من كلّ فجّ عميق، ونأي سحيق ولا تأتي، وإنما أنت علم الهدى، ونور الدين، وهو نور الله يا أخي، والذي بعثني بالحق لقد قدمت إليهم بالوعيد بعد أن أخبرتهم رجلا رجلا ما افترض الله عليهم من حقّك، وألزمهم من طاعتك ، وكلّ أجاب وسلم إليك الأمر، وإنّي لأعلم خلاف قولهم.

فإذا قبضت وفرغت من جميع ما أوصيك به وغيبتني في قبري فالزم بيتك، واجمع القرآن على تأليفه، والفرائض والأحكام على تنزيله ثم امضِ على غير لائمة على ما أمرتك به، وعليك بالصبر على ما ينزل بك منهم حتى تقدم عليّ) (١) .

٣ ـ قال عيسى الضرير :... فسألت موسى (يعني الكاظمعليه‌السلام ) وقلت: إنّ الناس قد أكثروا في أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، ثم عمر،

ــــــــــــ

(١) خصائص الأئمة للشريف الرضي: ٧٢، ٧٣ وعنه في الطُرف لابن طاووس: ٢٥ ـ ٢٧ وعنه في بحار الأنوار: ٢٢ / ٤٨٢ ـ ٤٨٤ والخبر كالسابق عن رسالة الوصية لعيسى بن المستفاد أبي موسى الضرير البجلي البغدادي المضعّف في النجاشي: ٢٩٧ برقم ٨٠٩.


فأطرق عني طويلاً، ثم قال: (ليس كما ذكروا، ولكنك يا عيسى كثير البحث عن الأمور، ولا ترضى عنها إلاّ بكشفها) ، فقلت: بأبي أنت وأمي إنما أسأل عما أنتفع به في ديني وأتفقّه مخافة أن أضل، وأنا لا أدري، ولكن متى أجد مثلك يكشفها لي.

فقالعليه‌السلام :إنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا ثقل في مرضه دعا علياً فوضع رأسه في حجره، وأُغمي عليه وحضرت الصلاة فأوذن بها، فخرجت عائشة، فقالت: يا عمر اخرج فصلّ بالناس فقال: أبوك أولى بها، فقالت: صدقت، ولكنه رجل ليّن، وأكره أن يواثبه القوم فصلّ أنت.

فقال لها عمر: بل يصلي هو وأنا أكفيه إن وثب واثب أو تحرك متحرك، مع أن محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مغمى عليه لا أراه يفيق منها، والرجل مشغول به لا يقدر أن يفارقه، يريد علياًعليه‌السلام فبادره بالصلاة قبل أن يفيق، فإنه إن أفاق خفت أن يأمر علياً بالصلاة، فقد سمعت مناجاته منذ الليلة، وفي آخر كلامه: الصلاة الصلاة قال: فخرج أبو بكر ليصلي بالناس فأنكر القوم ذلك.

ثم ظنوا أنه بأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلم يكبّر حتى أفاقصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال: أدعو إليَّ العباس، فدعي فحمله هو وعلي، فأخرجاه حتى صلّى بالناس، وإنه لقاعد، ثم حمل فوضع على منبره، فلم يجلس بعد ذلك على المنبر، واجتمع له جميع أهل المدينة من المهاجرين والأنصار حتى برزت العواتق من خدورهنّ، فبين باك وصائح وصارخ ومسترجع والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يخطب ساعة، ويسكت ساعة، وكان مما ذكر في خطبته أن قال:

يا معشر المهاجرين والأنصار ومن حضرني في يومي هذا وفي ساعتي هذه من الجن والإنس فليبلغ شاهدكم الغائب، ألا قد خلّفت فيكم كتاب الله، فيه النور والهدى والبيان، ما فرّط الله فيه من شيء، حجة الله لى عليكم، وخلّفت فيكم العلم الأكبر علم الدين ونور الهدى وصيي علي بن أبي طالب، ألا هو حبل الله فاعتصموا به جميعاً ولا تفرّقوا عنه، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً.

أيها الناس هذا علي بن أبي طالب كنز الله اليوم وما بعد اليوم، من أحبه وتولاه اليوم وما بعد اليوم فقد أوفى بما عاهد عليه الله، وأدى ما وجب عليه، ومن عاداه اليوم وما بعد اليوم جاء يوم القيامة أعمى وأصم، لا حجة له عند الله، أيّها الناس لا تأتوني غداً بالدنيا تزفونها زفاً،ويأتي أهل بيتي شعثاً غبراً مقهورين مظلومين، تسيل دماؤهم أمامكم وبيعات الضلالة والشورى للجهالة.

ألا وإن هذا الأمر له أصحاب وآيات قد سمّاهم الله في كتابه، وعرّفتكم وبلّغتكم ما أُرسلت به إليكم ولكني أراكم قوماً تجهلون، لا ترجعنّ بعدي كفاراً مرتدين متأولين للكتاب على غير معرفة، وتبتدعون السنة بالهوى، لأن كلّ سنّة وحدث وكلام خالف القرآن فهو ردّ وباطل.


القرآن إمام هدى، وله قائد يهدي إليه ويدعو إليه بالحكمة والموعظة الحسنة وليّ الأمر بعدي وليه، ووارث علمي وحكمتي وسري وعلانيتي، وما ورثه النبيّيون من قبلي، وأنا وارث ومورّث فلا تكذبنكم أنفسكم.

أيها الناس! الله الله في أهل بيتي، فإنهم أركان الدين، ومصابيح الظلم، ومعدن العلم ، عليّ أخي ووارثي، ووزيري وأميني والقائم بأمري والموفي بعهدي على سنتي.

أول الناس بي إيماناً، وآخرهم عهداً عند الموت، وأوسطهم لي لقاء يوم القيامة، فليبلغ شاهدكم غائبكم، ألا ومن أمّ قوماً إمامة عمياء وفي الأمة من هو أعلم منه فقد كفر، أيّها الناس ومن كانت له قبلي تبعة فها أنا، ومن كانت له عدة فليأت فيها علي بن أبي طالب، فإنه ضامن لذلك كله حتى لا يبقى لأحد عليّ تباعة) (١) .

ــــــــــــ

(١) خصائص الأئمة للشريف الرضي: ٧٣ ـ ٧٥ وعنه في الطُرف: ٢٩ ـ ٣٤ وعنه في بحار الأنوار: ٢٢ / ٤٨٤ ـ ٤٨٧. والخبر كسابقه عن رسالة الوصية لعيسى بن المستفاد أبي موسى الضرير البجلي البغدادي المضعّف في النجاشي: ٢٩٧ برقم ٨٠٩.


الإمامة والأئمة:

١ ـ عن داود الرقي، عن العبد الصالحعليه‌السلام قال:(إنّ الحجة لا تقوم لله على خلقه إلاّ بإمام حيّ يُعرف) (١) .

٢ ـ عن أبي علي بن راشد، قال: قال أبو الحسنعليه‌السلام :(إنّ الأرض لا تخلو من حجّة وأنا والله ذلك الحجّة) (٢) .

٣ ـ عن علي بن جعفر، عن أبي الحسنعليه‌السلام ، قال: قال لي:(نحن في العلم والشجاعة سواء وفي العطايا على قدر ما نؤمر ) (٣) .

٤ ـ عن هارون بن خارجة، قال: قال لي أبو الحسنعليه‌السلام :(نحن المثاني التي اُريها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونحن وجه الله نتقلب بين أظهركم، فمن عرفنا عرفنا ومن لم يعرفنا فأمامه اليقين) (٤) .

٥ ـ عن أبي الحسن موسى الكاظمعليه‌السلام في قول الله تبارك وتعالى:( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) قال:(نحن المحسودون) (٥) .

٦ ـ عن محمد بن الفضيل ، عن أبي الحسنعليه‌السلام في قوله:( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ) قال:(هم الأوصياء) (٦) .

ــــــــــــ

(١) الاختصاص: ٢٦٩.

(٢) أصول الكافي: ١ / ١٧٩.

(٣) أصول الكافي: ١ / ٢٧٥.

(٤) البصائر: ٦٦.

(٥) أصول الكافي: ١ / ٢٠٦.

(٦) أصول الكافي: ١ / ٤٢٥.


٧ ـ عن سيف بن عميرة، قال: سمعت العبد الصالح أبا الحسنعليه‌السلام ينعى إلى رجل نفسه فقلت في نفسي وإنه ليعلم متى يموت الرجل من شيعته ، فقال ـ شبه المغضب ـ:(يا إسحاق قد كان رشيد الهجري يعلم علم المنايا والبلايا فالإمام أولى بذلك) (١) .

٨ ـ عن معاوية عن إسحاق قال: كنت عند أبي الحسنعليه‌السلام ودخل عليه رجل فقال له أبو الحسنعليه‌السلام :(يا فلان إنك تموت إلى شهر) قال: فأضمرت في نفسي : كأنه يعلم آجال شيعته ، فقالعليه‌السلام :(يا إسحاق وما تنكرون من ذلك ! وقد كان رشيد الهجري مستضعفاً وكان يعلم علم المنايا والبلايا فالإمام أولى بذلك) . ثم قالعليه‌السلام :(يا إسحاق تموت إلى سنتين ويشتّت أهلك وولدك وعيالك وأهل بيتك ويفلسون إفلاساً شديداً) (٢) .

٩ ـ عن علي بن جعفر، عن أخيه موسىعليه‌السلام في قوله تعالى:( وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ) قال: (البئر المعطلة الإمام الصامت والقصر المشيد الإمام الناطق) (٣) .

١٠ ـ حدثنا يعقوب بن جعفر، قال: كنت مع أبي الحسنعليه‌السلام بمكة فقال له رجل: إنك لتفسر من كتاب الله ما لم نسمع به فقال أبو الحسنعليه‌السلام :(علينا نزل قبل الناس ولنا فسر قبل أن يفسّر في الناس ، فنحن نعرف حلاله وحرامه وناسخه ومنسوخه وسفريه وحضريه ، وفي أي ليلة نزلت كم من آية وفيمن نزلت وفيما نزلت ، فنحن حكماء الله في أرضه وشهداؤه على خلقه ، وهو قول الله تبارك وتعالى : ( سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ) فالشهادة لنا والمسألة للمشهود عليه فهذا علم ما قد أنهيته إليك وأديته إليك ما لزمني فإن قبلت فاشكر وإن تركت فإنّ الله على كل شيء

ــــــــــــ

(١) بصائر الدرجات: ٢٦٤.

(٢) بصائر الدرجات: ٢٦٥.

(٣) أصول الكافي: ١ / ٤٢٧ ، والمناقب: ٣ / ١٠٧ ومعه نحوه عن أبيه الصادق عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في علي عليه‌السلام .


شهيد) (١) .

١١ ـ عن محمد بن الفضيل ، عن أبي الحسنعليه‌السلام قال:(ولاية عليّ عليه‌السلام مكتوبة في جميع صحف الأنبياء ولن يبعث الله رسولاً إلاّ بنبوّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ووصيّة علي عليه‌السلام ) (٢) .

١٢ ـ عن علي بن سويد السابي قال: كتب إليَّ أبو الحسن الأولعليه‌السلام في كتاب:(أن أوّل ما أنعى إليك نفسي في ليالي هذه غير جازع ولا نادم ولا شاك فيما هو كائن مما قضى الله وحتم فاستمسك بعروة الدين آل محمد (صلوات الله عليه وعليهم) والعروة الوثقى الوصي بعد الوصي والمسالمة والرضا بما قالوا) (٣) .

١٣ ـ عن سعيد بن (أبي) سعيد البلخي قال: سمعت أبا الحسنعليه‌السلام يقول:(إن لله عزّ وجلّ في وقت كل صلاة يصليها هذا الخلق لعنة) ، قال: قلت: جعلت فداك ولم ذاك؟ قال :(لجحودهم حقنا وتكذيبهم إيانا) (٤) .

١٤ ـ عن صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن الأول ـ يعني موسى بن جعفرعليهما‌السلام ـ قال:(ما ترك الله عزّ وجلّ الأرض بغير إمام قطّ منذ قبض آدم عليه‌السلام يهتدى به إلى الله عَزَّ وجَلَّ وهو الحجّة على العباد من تركه ضلّ ومن لزمه نجا حقاً على الله عَزَّ وجَلَّ) (٥) .

١٥ ـ حدثنا عبد الله بن قدامة الترمذي، عن أبي الحسنعليه‌السلام ، قال:(من شكّ في أربعة فقد كفر بجميع ما أنزل الله تبارك وتعالى أحدها: معرفة الإمام في كل زمان

ــــــــــــ

(١) بصائر الدرجات: ١٩٨.

(٢) الكافي: ١ / ٤٣٧.

(٣) قرب الإسناد: ١٤٢.

(٤) علل الشرائع: ٢ / ٢٨٩ ، وعقاب الأعمال: ٢٤٨.

(٥) كمال الدين: ٢٢٠.


وأوان بشخصه ونعته) (١) .

١٦ ـ عن عمر بن يزيد، عن أبي الحسن الأولعليه‌السلام ، قال: سمعته يقول:(من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية، إمام حي يعرفه) . فقلت: لم أسمع أباك يذكر هذا ـ يعني إماماً حياً ـ فقال:(قد والله قال ذاك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) قال:(وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من مات وليس له إمام يسمع له ويطيع مات ميتة جاهلية) (٢) .

١٧ ـ عن داود الرقي، عن العبد الصالحعليه‌السلام ، قال:(إنّ الحجّة لا تقوم لله على خلقه إلاّ بإمام حي يعرف) (٣) .

١٨ ـ عن محمد بن حكيم، قال: سألت أبا الحسنعليه‌السلام عن الإمام هل يسئل عن شيء من الحلال والحرام والذي يحتاج الناس ولا يكون فيه شيء، قال:(لا ، ولكن يكون عنده ولا يجيب ذاك إليه إن شاء أجاب وإن شاء لم يجب) (٤) .

١٩ ـ عن صفوان بن يحيى قال: قلت لأبي الحسنعليه‌السلام يكون الإمام في حال يسئل عن الحلال والحرام والذي يحتاج الناس إليه فلا يكون عنده شيء، قال:(لا ، ولكن قد يكون عنده ولا يجيب) (٥) .

٢٠ ـ عن علي السائي عن أبي الحسن الأول موسىعليه‌السلام ، قال: قال:(مبلغ علمنا على ثلاثة وجوه: ماض وغابر وحادث فأمّا الماضي فمفسر، وأما الغابر فمزبور ، وأما الحادث فقذف في القلوب، ونقرٌ في الأسماع ، وهو أفضل علمنا ، ولا نبيّ بعد نبينا) (٦) .

ــــــــــــ

(١) كمال الدين: ٤١٣.

(٢) الاختصاص: ٢٦٨.

(٣) الاختصاص: ٢٦٩.

(٤) البصائر: ٤٤.

(٥) البصائر: ٤٤.

(٦) أصول الكافي: ١ / ٢٦٤.


٢١ ـ عن محمد بن علي بن خالد الجواز، قال: دخلت على أبي الحسنعليه‌السلام وهو في عرصة داره وهو يومئذ بالرملية فلما نظرت إليه قلت: بأبي أنت وأمي يا سيدي ، مظلوم مغصوب مضطهد في نفسي ثم دنوت منه فقبّلت بين عينيه وجلست بين يديه ، فالتفت إليّ فقال:(يابن خالد نحن أعلم بهذا الأمر فلا تتصور هذا في نفسك) . قال: قلت جعلت فداك والله ما أردت بهذا شيئاً، قال: فقال:(نحن أعلم بهذا الأمر من غيرنا لو أردنا أُذن إلينا وأن لهؤلاء القوم مدّة وغاية لا بدّ من الانتهاء إليها) قال: فقلت لا أعود وأصيِّر في نفسي شيئاً أبداً قال: فقال:(لا تعد أبداً) (١) .

٢٢ ـ عن محمد بن حكيم عن أبي الحسنعليه‌السلام قال:(إنما هلك من كان قبلكم بالقياس إنّ الله تبارك وتعالى لم يقبض نبيّه حتى أكمل له جميع دينه في حلاله وحرامه فجاءكم مما تحتاجون إليه في حياته وتستغيثون به وبأهل بيته بعد موته وإنها مصحف عند أهل بيته حتى إن فيه لأرش خدش الكف) ثم قال:(إن أبا حنيفة لعنه الله ممن يقول: قال علي وأنا قلت) (٢) .

٢٣ ـ عن عبد الله بن جندب انه كتب اليه أبو الحسنعليه‌السلام :(إنا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان وبحقيقة النفاق) (٣) .

٢٤ ـ عن الحسين بن علي بن يقطين عن أبيه، قال: سألت أبا الحسنعليه‌السلام عن شيء من أمر العالم فقال:(نكت في القلب ونقر في الأسماع وقد يكونان معاً) (٤) .

ــــــــــــ

(١) بصائر الدرجات: ١٢٦.

(٢) البصائر: ١٤٧.

(٣) البصائر: ٢٨٨.

(٤) البصائر: ٣١٦.


الوصيّ بعد الإمام الكاظمعليه‌السلام :

١ ـ عن الحسين بن نعيم الصحّاف قال: كنت أنا وهشام بن الحكم وعلي بن يقطين ببغداد، فقال علي بن يقطين: كنت عند العبد الصالح جالساً فدخل عليه ابنه علي، فقال لي:(يا علي بن يقطين هذا علي سيد ولدي. أما إني قد نحلته كنيتي) . فضرب هشام بن الحكم براحة جبهته، ثم قال: ويحك كيف قلت ؟ فقال علي بن يقطين: سمعت والله منه كما قلت. فقال هشام: أخبرك أنّ الأمر فيه من بعده(١) .

٢ ـ عن نعيم القابوسي عن أبي الحسن، أنه قال:(إنّ ابني علياً أكبر ولدي وأبرّهم عندي وأحبّهم إليَّ ، وهو ينظر معي في الجفر ولم ينظر فيه إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ) (٢) .

٣ ـ عن داود الرقي، قال: قلت لأبي إبراهيمعليه‌السلام : جعلت فداك إني قد كبر سنّي فخذ بيدي من النار، قال: فأشار إلى ابنه أبي الحسنعليه‌السلام فقال:(هذا صاحبكم من بعدي) (٣) .

٤ ـ عن محمد بن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي الحسن الأوّلعليه‌السلام : ألا تدلّني إلى من آخذ عنه ديني؟ فقال:(هذا ابني علي. إنّ أبي قد أخذني فأدخلني إلى قبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: يا بني إنّ الله عَزَّ وجَلَّ قال: ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) وإن الله عَزَّ وجَلَّ إذا قال قولاً وفي به) (٤) .

٥ ـ عن دواد الرقي قال: قلت لأبي الحسن موسىعليه‌السلام : إني قد كبرت

ــــــــــــ

(١) أصول الكافي: ١ / ٣١١.

(٢) أصول الكافي: ١ / ٣١٢.

(٣) أصول الكافي: ١ / ٣١٢.

(٤) أصول الكافي: ١ / ٣١٢.


سني ودقّ عظمي وإني سألت أباكعليه‌السلام فأخبرني بك، فأخبرني من بعدك ؟ فقال:(هذا أبو الحسن الرضا) (١) .

٦ ـ عن زياد بن مروان القندي وكان من الواقفة قال: دخلت على أبي إبراهيم وعنده ابنه أبو الحسنعليه‌السلام فقال لي:(يا زياد هذا ابني فلان، كتابه كتابي وكلامه كلامي ورسوله رسولي وما قال فالقول قوله) (٢) .

٧ ـ عن محمد بن الفضيل قال: حدثني المخزومي وكانت أمه من ولد جعفر بن أبي طالبعليه‌السلام قال: (بعث إلينا أبو الحسن موسىعليه‌السلام فجمعنا، ثم قال لنا:أتدرون لم دعوتكم؟ فقلنا: لا ، فقال:اشهدوا أنّ ابني هذا وصيي والقيّم بأمري وخليفتي من بعدي، من كان له عندي دين فليأخذه من ابني هذا، ومن كانت له عندي عدة فليتنّي فلينجزها منه ومن لم يكن له بدّ من لقائي فلا يلقني إلاّ بكتابه) (٣) .

٨ ـ عن الحسين بن المختار، قال: خرج إلينا من أبي الحسنعليه‌السلام بالبصرة ألواح مكتوب فيها بالعرض:(عهدي إلى أكبر ولدي، يعطي فلان كذا، وفلان كذا، وفلان كذا، وفلان لا يعطي حتى أجىء أو يقضي الله عز وجلّ عليّ الموت، إنّ الله يفعل ما يشاء) (٤) .

٩ ـ عن داود بن زربي، قال: جئت إلى أبي إبراهيمعليه‌السلام بمال، فأخذ بعضه وترك بعضه، فقلت: أصلحك الله لأي شيء تركته عندي ؟ قال:(إنّ صاحب هذا الأمر يطلبه منك) .

فلما جاءنا نعيه بعث إليَّ أبو الحسنعليه‌السلام ابنه، فسألني ذلك،

ــــــــــــ

(١) أصول الكافي: ١/٣١٢.

(٢) أصول الكافي: ١ / ٣١٢.

(٣) أصول الكافي: ١ / ٣١٢.

(٤) أصول الكافي: ١ / ٣١٣.


فدفعته إليه(١) .

١٠ ـ عن سليمان بن حفص المروزي قال: دخلت على أبي الحسن موسى بن جعفرعليهما‌السلام وأنا أريد أن أسأله عن الحجة على الناس بعده، فلمّا نظر إليّ ابتدأني وقال:(يا سليمان إنّ عليّاً ابني ووصيي والحجة على الناس بعدي، وهذا أفضل ولدي فإن بقيت بعدي فاشهد له بذلك عند شيعتي وأهل ولايتي المستخبرين عن خليفتي من بعدي) (٢) .

الإمام المهدي المنتظر(عجّل الله فرجه):

١ ـ عن علي بن موسى، عن أبيه موسى بن جعفر بن محمّدعليهم‌السلام ، قال:(لا يكون القائم إلاّ إمام ابن إمام ووصي ابن وصي) (٣) .

٢ ـ عن محمد بن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفرعليه‌السلام ، قال:(إذا فقد الخامس من ولد السابع فالله الله في أديانكم لا يزيلكم أحد عنها يا بني إنه لا بد لصاحب هذا الأمر من غيبة حتى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به إنما هي محنة من الله عَزَّ وجَلَّ امتحن بها خلقه ولو علم آباؤكم وأجدادكم ديناً أصح من هذا لاتبعوه. فقلت: يا سيدي من الخامس من ولد السابع؟ قال:يا بني عقولكم تصغر عن هذا وأحلامكم تضيق عن حمله ولكن إن تعيشوا فسوف تدركوه) (٤) .

٣ ـ عن علي بن أبي حمزة، عن أبي عبد الله وأبي الحسنعليهما‌السلام ، قالا:(لو قد قام القائم لحكم بثلاث لم يحكم بها أحد قبله، يقتل الشيخ الزاني، ويقتل مانع الزكاة،

ــــــــــــ

(١) أصول الكافي: ١/٣١٣.

(٢) عيون الأخبار: ١ / ٢٦.

(٣) عيون الأخبار: ٢ / ١٣١.

(٤) علل الشرايع: ١ / ٢٣٣ ، والكافي: ١ / ٣٣٦ ، وغيبة النعماني: ١٥٤.


ويورّث الأخ أخاه في الأظلة) (١) .

٤ ـ عن العباس بن عامر القصباني، قال: سمعت أبا الحسن موسى ابن جعفرعليهما‌السلام يقول:(صاحب هذا الأمر، من يقول الناس لم يولد بعد) (٢) .

٥ ـ عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفرعليهما‌السلام ، قال: قلت: ما تأويل قول الله عَزَّ وجَلَّ :( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ ) فقال:(إذا فقدتم إمامكم فلم تروه فماذا تصنعون) (٣) .

٦ ـ عن داود بن كثير الرقي قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفرعليهما‌السلام عن صاحب هذا الأمر قال:(هو الطريد الوحيد الغريب الغائب عن أهله، الموتور بأبيه) عليه‌السلام (٤) .

٧ ـ عن يونس بن عبد الرحمن، قال: دخلت على موسى بن جعفرعليهما‌السلام فقلت له: يا ابن رسول الله أنت القائم بالحق؟ فقال:(أنا القائم بالحق ولكن القائم الذي يطهّر الأرض من أعداء الله عَزَّ وجَلَّ ويملأها عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً هو الخامس من ولدي له غيبة يطول أمدها خوفاً على نفسه، يرتد فيها أقوام ويثبت فيها آخرون) . ثم قالعليه‌السلام :(طوبى لشيعتنا، المتمسكين بحبلنا في غيبة قائمنا، الثابتين على مولاتنا والبراءة من أعدائنا، أولئك منّا ونحن منهم، قد رضوا بنا أئمة، ورضينا بهم شيعة، فطوبى لهم، ثم طوبى لهم، وهم والله معنا في درجاتنا يوم القيامة) (٥) .

٨ ـ عن أبي أحمد محمد بن زياد الأزدي، قال: سألت سيدي موسى

ــــــــــــ

(١) الخصال: ١٦٩.

(٢) كمال الدين: ٣٦٠.

(٣) كمال الدين: ٣٦٠.

(٤) كمال الدين: ٣٦١.

(٥) كمال الدين: ٣٦١.


ابن جعفرعليهما‌السلام عن قول الله عَزَّ وجَلَّ: ( وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ) فقالعليه‌السلام :(النعمة الظاهرة الإمام الظاهر، الباطنة الإمام الغائب) ، فقلت له: ويكون في الأئمة من يغيب ؟ قال:(نعم ، يغيب عن أبصار الناس شخصه، ولا يغيب عن قلوب المؤمنين ذكره، وهو الثاني عشر منّا، يسهّل الله له كلّ عسير، ويذلل له كلّ صعب، ويظهر له كنوز الأرض، ويقرّب له كلّ بعيد، ويبير به كل جبّار عنيد ويهلك على يده كل شيطان مريد، ذلك ابن سيدة الإماء الذي تخفى على الناس ولادته، ولا يحلّ لهم تسميته حتى يظهره الله عَزَّ وجَلَّ فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً) (١) .

صحابة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمةعليهم‌السلام

عن أسباط بن سالم، قال: قال أبو الحسن موسى بن جعفرعليهما‌السلام :(إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين حواري محمد بن عبد الله رسول الله الذين لم ينقضوا العهد ومضوا عليه؟ فيقوم سلمان والمقداد وأبو ذر.

ثم ينادي مناد: أين حواري علي بن أبي طالبعليه‌السلام وصي محمد بن عبد الله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيقوم عمرو بن الحمق الخزاعي ومحمد بن أبي بكر وميثم بن يحيى التمار مولى بني أسد وأويس القرني.

قال: ثم ينادي المنادي: أين حواري الحسن بن عليعليه‌السلام ابن فاطمة بنت محمد بن عبد الله رسول الله؟ فيقوم سفيان بن أبي ليلي الهمداني وحذيفة بن أسيد الغفاري. قال: ثم ينادي المنادي أين حواري الحسين بن عليعليهما‌السلام ؟ فيقوم كل من استشهد معه ولم يتخلف عنه.

قال: ثم ينادي المنادي أين حواري علي بن الحسينعليهما‌السلام ؟ فيقوم جبير بن مطعم ويحيى ابن أم الطويل وأبو خالد الكابلي وسعيد بن المسيب.

ــــــــــــ

(١) كمال الدين: ٣٦٨.


ثم ينادي المنادي أين حواري محمد بن علي وحواري جعفر بن محمد ؟ فيقوم عبد الله بن شريك العامري وزرارة بن أعين وبريد ابن معاوية العجلي ومحمد بن مسلم وأبو بصير ليث بن البختري المرادي وعبد الله بن أبي يعفور وعامر بن عبد الله بن جذاعة وحجر بن زائدة وحمران بن أعين.

ثم ينادي: أين سائر الشيعة مع سائر الأئمة عليهم‌السلام يوم القيامة فهؤلاء المتحورة أول السابقين وأول المقربين وأول المتحورين من التابعين) (١) .

الإيمان والكفر والشّكّ

١ ـ عن حماد بن عمرو النصيبي، قال: سأل رجل العالمعليه‌السلام فقال: أيها العالم أخبرني أي الأعمال أفضل عند الله؟ قال:(ما لا يقبل عمل إلاّ به) ، فقال: وما ذلك؟ قال:(الإيمان بالله، الذي هو أعلى الأعمال درجة وأسناها حظاً وأشرفها منزلة) ، قلت: أخبرني عن الإيمان أقولٌ وعمل أَمْ قولٌ بلا عمل؟ قال:(الإيمان عمل كله، والقول بعض ذلك العمل بفرض من الله بيّنة في كتابه، واضح نوره، ثابتة حجته، يشهد به الكتاب ويدعو إليه) ، قلت: صف لي ذلك حتى أفهمه.

فقال:(إنّ الإيمان حالات ودرجات وطبقات ومنازل فمنه التام المنتهي تمامه ومنه الناقص المنتهي نقصانه ومنه الزائد الراجح زيادته) ، قلت: وإن الإيمان ليتم ويزيد وينقص؟ قال:(نعم) ، قلت: وكيف ذلك؟ قال:(إنّ الله تبارك وتعالى فرض الإيمان على جوارح بني آدم وقسّمه عليها وفرّقه عليها فليس من جوارحهم جارحة إلاّ وهي موكّلة من الإيمان بغير ما وكّلت به أختها.

فمنها قلبه الذي به يعقل ويفقه ويفهم وهو أمير بدنه الذي لا تورد الجوارح ولا تصدر إلا عن رأيه وأمره، ومنها يداه اللتان يبطش بهما ورجلاه اللتان يمشي بهما وفرجه الذي الباه من قبله ولسانه الذي ينطق به الكتاب ويشهد به عليها; وعيناه اللتان يبصر بهما; وأذناه اللتان يسمع بهما وفرض على القلب غير ما فرض على اللسان وفرض على اللسان غير ما فرض على العينين وفرض على العينين غير ما فرض على السمع.

ــــــــــــ

(١) رجال الكشي: ١٥.


وفرض على السمع غير ما فرض على اليدين وفرض على اليدين غير ما فرض على الرجلين وفرض على الرجلين غير ما فرض على الفرج وفرض على الفرج غير ما فرض على الوجه، فأمّا ما فرض على القلب من الإيمان فالإقرار والمعرفة والتصديق والتسليم والعقد والرضا بأن لا اله إلاّ الله وحده لا شريك له، أحداً، صمداً، لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً وأن محمداً صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عبده ورسوله (١) .

٢ ـ عن موسى بن جعفر، عن آبائهعليهم‌السلام ، قال:(قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (ما من شيء أحب إلى الله تعالى من الإيمان به، والعمل الصالح، وترك ما أمر به أن يتركه) (٢) .

٣ ـ عن الفضيل، قال: قلت لأبي الحسنعليه‌السلام : أي شيء أفضل ما يتقرب به العباد إلى الله فيما افترض عليهم؟ فقال:(أفضل ما يتقرب به العباد إلى الله طاعة الله وطاعة رسوله، وحب الله وحب رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأولي الأمر، وكان أبو جعفر عليه‌السلام يقول: حبّنا إيمان وبغضنا كفر) (٣) .

٤ ـ إبراهيم بن أبي بكر قال: سمعت أبا الحسن موسىعليه‌السلام يقول:(إنّ

ــــــــــــ

(١) أصول الكافي: ٢ / ٣٨.

(٢) بحار الأنوار: ٧١ / ٢٠٨.

(٣) المحاسن: ١٥٠.


علياً عليه‌السلام بابٌ من أبواب الهدى، فمن دخل من باب علي كان مؤمناً ومن خرج منه كان كافراً ومن لم يدخل فيه ولم يخرج منه كان في الطبقة الذين لله فيهم المشيئة) (١) .

٥ ـ عن بكر بن موسى الواسطي، قال: سألت أبا الحسن موسىعليه‌السلام عن الكفر والشرك أيهما أقدم؟ فقال:(ما عهدي بك تخاصم الناس) ، قلت: أمرني هشام بن الحكم أن أسألك عن ذلك فقال لي:(الكفر أقدم وهو الجحود قال لإبليس: ( أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) ) (٢) .

٦ ـ عن الحسين بن الحكم، قال: (كتبت إلى العبد الصالحعليه‌السلام أخبره أني شاك وقد قال إبراهيمعليه‌السلام :( رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى ) وإني أحب أن تريني شيئاً، فكتبعليه‌السلام :(إن إبراهيم كان مؤمناً وأحب أن يزداد إيماناً وأنت شاك والشاك لا خير فيه) ، وكتب:(إنما الشك ما لم يأت اليقين فإذا جاء اليقين لم يجز الشك) ، وكتب:(إن الله عَزَّ وجَلَّ يقول: ( وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ ) ) ، قال:(نزلت في الشاك) (٣) .

٧ ـ عن محمد بن سنان، عن أبي خديجة، قال: دخلت على أبي الحسنعليه‌السلام فقال لي:(إنّ الله تبارك وتعالى أيّد المؤمن بروح منه تحضره في كل وقت يُحسن فيه ويتقي، وتغيب عنه في كل وقت يذنب فيه ويعتدي. فهي معه تهتز سروراً عند إحسانه وتسيخ في الثرى عند إساءته، فتعاهدوا عباد الله نعمه بإصلاحكم أنفسكم تزدادوا يقيناً وتربحوا نفيساً ثميناً، رحم الله امرئً همّ بخير فعمله أو همّ بشر فارتدع عنه) ، ثمّ قال:(نحن نؤيّد الروح بالطاعة لله والعمل له) (٤) .

ــــــــــــ

(١) أصول الكافي: ٢ / ٣٨٨.

(٢) تفسير العياشي: ١ / ٣٤.

(٣) أصول الكافي: ٢ / ٣٩٩.

(٤) أصول الكافي: ٢ / ٢٦٨.


الذنوب

١ ـ عن أبي الحسنعليه‌السلام قال:(حق على الله أن لا يعصى في دار إلاّ أضحاها للشمس حتى تطهرها) (١) .

٢ ـ عن ابن عرفة عن أبي الحسنعليه‌السلام ، قال:(إنّ لله عَزَّ وجَلَّ في كل يوم وليلة منادياً ينادي مهلا مهلا عباد الله عن معاصي الله، فلولا بهائم رتع ، وصبيةٌ رضع، وشيوخ ركّع، لصبّ عليكم العذاب صباً، ترضّون به رضّاً) (٢) .

٣ ـ عن ابن محبوب، قال: كتب معي بعض أصحابنا إلى أبي الحسنعليه‌السلام يسأله عن الكبائر كم هي وما هي؟ فكتب:(من اجتنب ما وعد الله عليه النار كفّر عنه سيئاته إذا كان مؤمناً والسبع الموجبات قتل النفس الحرام وعقوق الوالدين وأكل الربا، والتعرب بعد الهجرة ، وقذف المحصنات، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف) (٣) .

٤ ـ عن محمد بن حكيم، قال: قلت لأبي الحسنعليه‌السلام : الكبائر تخرج من الإيمان؟ فقال:(نعم وما دون الكبائر) ، قال:(قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا يزني الزاني وهو مؤمن ولا يسرق السارق وهو مؤمن) (٤) .

٥ ـ عن سماعة، قال: سمعت أبا الحسنعليه‌السلام يقول:(لا تستكثروا كثير الخير ولا تستقلوا قليل الذنوب، فإن قليل الذنوب يجتمع حتى يكون كثيراً وخافوا الله في السر حتى تعطوا من أنفسكم النصف) (٥) .

٦ ـ عن علي بن جعفر، عن أبي الحسن موسى بن جعفرعليهما‌السلام ، قال:

ــــــــــــ

(١) أصول الكافي: ٢ /٢٧٢.

(٢) أصول الكافي: ٢/ ٢٧٦.

(٣) أصول الكافي: ٢/ ٢٧٦.

(٤) بحار الأنوار: ٧٤ / ٢٣٣.

(٥) أصول الكافي: ٧٤ / ٢٣٥.


(حرّمت الجنة على ثلاثة النمام، ومدمن الخمر، والديوث وهو الفاجر) (١) .

حفظ اللسان

١ ـ عن عثمان بن عيسى، عن أبي الحسن صلوات الله عليه، قال:(إن كان في يدك هذه شيء فإن استطعت أن لا تعلم هذه فافعل) ; قال:(وكان عنده إنسان فتذاكروا الإذاعة) ، فقال:(احفظ لسانك تعزّ، ولا تمكّن الناس من قياد رقبتك فتذّل) (٢) .

وقال: حضرتُ أبا الحسن صلوات الله عليه وقال له رجل: أوصني فقال له:(احفظ لسانك تعزّ ولا تمكّن الناس من قيادك فتذلّ رقبتك) (٣) .

٢ ـ عن موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر، عن أبيه عن آبائهعليهم‌السلام قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :(رحم الله عبداً قال خيراً فغنم، أو سكت عن سوء فسلم) (٤) .

٣ ـ وعنه: بهذا الإسناد قال:(قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الرجل الصالح يجيء بخبر صالح، والرجل السوء يجيء بخبر سوء) (٥) .

٤ ـ عن أبان، عن يحيى الأزرق، قال: قال لي أبو الحسن صلوات الله عليه:(من ذكر رجلاً من خلفه بما هو فيه ممّا عرفه الناس لم يغتبه، ومن ذكره من خلفه بما هو فيه مما لا يعرفه الناس اغتابه ومن ذكره بما ليس فيه فقد بهته) (٦) .

٥ ـ قال عبد المؤمن الأنصاري: دخلت على موسى بن جعفرعليهما‌السلام وعنده محمد بن عبد الله الجعفري، فتبسّمت إليه فقال:(أتحبه؟) فقلت: نعم، وما أحببته إلا لكم، فقالعليه‌السلام :(هو أخوك والمؤمن أخو المؤمن لأُمّه ولأبيه، وإن لم

ــــــــــــ

(١) معاني الأخبار: ٢٤٣.

(٢) أصول الكافي: ٢ / ٢٢٥.

(٣) أصول الكافي: ٢ / ١١٣.

(٤) بحار الأنوار: ٧١ / ٢٩٣.

(٥) بحار الأنوار: ٧١ / ٢٩٣.

(٦) أصول الكافي: ٢ / ٣٥٨.


يلده أبوه ملعون من اتهم أخاه، ملعون من غش أخاه، ملعون من لم ينصح أخاه، ملعون من اغتاب أخاه) ، وقال الصادقعليه‌السلام :(إياك والغيبة فإنّها إدام كلاب النار) (١) .

٦ ـ عن عبد الله بن عبد الرحمن عن أبي الحسن أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال:(اركبوا وارموا وإن ترموا أحب إليّ من أن تركبوا) ، ثم قال:(كل أمر للمؤمن باطل إلاّ في ثلاث في تأديبه الفرس ورميه عن قوسه وملاعبته امرأته، فإنهن حق إنّ الله ليدخل بالسهم الواحد الثلاثة الجنة: عامل الخشب والمقوي به في سبيل الله والرامي به في سبيل الله) (٢) .

الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر

١ ـ عن محمد بن عمر بن عرفة، قال: سمعت أبا الحسنعليه‌السلام يقول:(لتأمرنّ بالمعروف ولتنهنّ عن المنكر أو ليستعملنّ عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم) (٣) .

٢ ـ عن موسى بن جعفرعليه‌السلام ، عن آبائهعليهم‌السلام ، قال:(قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلاّ من كان فيه ثلاث خصال، رفيق بما يأمر به، رفيق فيما ينهى عنه، عدل فيما يأمر به، عدل فيما ينهى عنه، عالم بما يأمر به، عالم بما ينهى عنه) (٤) .

٣ ـ عنه ، بهذا الإسناد قال:قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (من يشفع شفاعة حسنة أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر أو دلّ على خير أو أشار به فهو شريك، ومن أمر بسوء أو دلّ عليه أو أشار به فهو شريك) (٥) .

ــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٧٥ / ٢٦٢.

(٢) التهذيب: ٦ / ١٧٥.

(٣) أصول الكافي: ٥ / ٥٦ ، والتهذيب: ٦ / ١٧٦.

(٤) بحار الأنوار: ١٠٠ / ٨٧.

(٥) بحار الأنوار: ١٠٠ / ٨٧.


الشّهيد والمجاهد في سبيل الله

١ ـ عن موسى بن جعفر، عن آبائهعليهم‌السلام ، قال:قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (إنّ فوق كلّ بر برّاً حتى يقتل الرجل شهيداً في سبيل الله، وفوق كلّ عقوق عقوقاً حتى يقتل الرجل أحد والديه) (١) .

٢ ـ قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :(خيول الغزاة في الدنيا هي خيولهم في الجنة) (٢) .

٣ ـ وقال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :(حملة القرآن عرفاء أهل الجنة، والمجاهدون في الله تعالى قوّاد أهل الجنة، والرسل سادات أهل الجنة) (٣) .

٤ ـ وقال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :(دعا موسى وأمّن هارون وأمّنت الملائكة فقال الله سبحانه استقيما فقد أجيبت دعوتكما، ومن غزا في سبيلي استجبت له الى يوم القيامة) (٤) .

٥ ـ وقال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :(كلّ نعيم مسؤول عنه يوم القيامة إلاّ ما كان في سبيل الله تعالى) (٥) .

٦ ـ وقال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :(إنّ أبخل الناس من بخل بالسّلام، وأجود الناس من جاد بنفسه وماله في سبيل الله) (٦) .

٧ ـ وقال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :(أوصي أمّتي بخمس: بالسمع والطاعة والهجرة والجهاد والجماعة، ومن دعا بدعاء الجاهليّة فله حثوة من حثي جهنّم) (٧) .

ــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ١٠٠ / ١٥.

(٢) بحار الأنوار ١٠٠ / ١٥.

(٣) بحار الأنوار ١٠٠ / ١٥.

(٤) بحار الأنوار ١٠٠ / ١٥.

(٥) بحار الأنوار ١٠٠ / ١٥.

(٦) بحار الأنوار ١٠٠ / ١٥.

(٧) بحار الأنوار ١٠٠ / ١٥.


الغنائم

١ ـ عن أبي الحسنعليه‌السلام قال:(يؤخذ الخمس من الغنائم فيجعل لمن جعله الله عز وجل ويقسّم أربعة أخماس بين من قاتل عليه وولي ذلك ، قال:وللإمام صفو المال أن يأخذ الجارية الفارهة والدابّة الفارهة والثوب والمتاع ممّا يحب ويشتهي فذلك له قبل قسمة المال وقبل اخراج الخمس ، قال:وليس لمن قاتل شيء من الأرضين ولا ما غلبوا عليه الاّ ما احتوى عليه العسكر وليس للأعراب من الغنيمة شيء وإن قاتلوا مع الإمام لأن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صالح الأعراب أن يدعهم في ديارهم ولا يهاجروا على أنه إن دهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من عدوّه دهم أن يستفزّهم فيقاتل بهم وليس لهم في الغنيمة نصيب وسنّة جارية فيهم وفي غيرهم والأرض التي أخذت عنوة بخيل أو ركاب فهي موقوفة متروكة في يدي من يعمرها ويحييها ويقوم عليها على ما يصالحهم الوالي على قدر طاقتهم من الحق النصف والثلث والثلثين، على قدر ما يكون لهم صالحاً ولا يضرهم) (١) .

العمل والمعيشة:

١ ـ عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، قال: (رأيت أبا الحسنعليه‌السلام يعمل في أرض له قد استنقعت قدماه في العرق، فقلت له: جعلت فداك أين الرجال؟ فقال:يا علي قد عمل باليد من هو خير منّي في أرضه ومن أبي ، فقلت له: ومن هو؟ فقال:رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمير المؤمنين وآبائي عليهم‌السلام كلّهم كانوا قد عملوا بأيديهم وهو من عمل النبيّين والمرسلين والأوصياء والصالحين) (٢) .

٢ ـ عن موسى بن بكر، قال: قال لي أبو الحسنعليه‌السلام :(من طلب هذا الرزق

ــــــــــــ

(١) أصول الكافي: ٥ / ٤٤.

(٢) أصول الكافي: ٥ / ٧٥ ، والفقيه: ٣ / ١٦٢.


من حلّه ليعود به على عياله ونفسه كان كالمجاهد في سبيل الله عز وجل، فإن غلب عليه ذلك، فليستدن على الله عَزَّ وجَلَّ وعلى رسوله ما يقوت به عياله فإن مات ولم يقضه كان على الإمام قضاؤه، فإن لم يقضه كان عليه وزره إنّ الله تعالى يقول: ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ ) فهو فقير مسكين مغرم) (١) .

٣ ـ قال:(قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : طوبى لمن أسلم وكان عيشه كفافاً وقوله سداداً) (٢) .

٤ ـ قال:(قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اللهمّ أرزق محمداً وآل محمد ومن أحبّ محمداً وآل محمد العفاف والكفاف، وأرزق من أبغض محمداً وآل محمد كثرة المال والولد) (٣) .

٥ ـ عن موسى بن جعفر، عن آبائهعليهم‌السلام ، قال:(قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أربع من سعادة المرء: الخلطاء الصالحون، والولد البارّ، والمرأة المؤاتية، وأن تكون معيشته في بلده) (٤) .

٦ ـ قال الكاظمعليه‌السلام :(من ولده الفقر أبطره الغنا) (٥) .

٧ ـ قال رجل لأبي الحسن موسى بن جعفرعليهما‌السلام : عدني قال:(كيف أعدك؟ وأنا لما لا أرجوا أجي مني لما أرجو) (٦) .

٨ ـ عن يحيى الحذّاء، قال: قلت لأبي الحسنعليه‌السلام : ربّما اشتريت الشيء بحضرة أبي فأرى منه ما أغتمّ به فقال:(تنكّبه ولا تشتر بحضرته فإذا كان لك على

ــــــــــــ

(١) التهذيب: ٦ / ١٨٤.

(٢) بحار الأنوار: ٧٢ / ٦٧.

(٣) بحار الأنوار: ٧٢ / ٦٧.

(٤) بحار الأنوار: ١٠٣ / ٨٦.

(٥) بحار الأنوار: ١٠٣ / ٨٦.

(٦) الفقيه: ٣ / ١٦٥.


رجل حقّ فقل له: فليكتب وكتب فلان بن فلان بخطّه وأشهد الله على نفسه وكفى بالله شهيداً فإنه يقضي في حياته أو بعد وفاته) (١) .

الدّعاء والزّيارة:

١ ـ عن أبي الحسن موسىعليه‌السلام قال:(عليكم بالدعاء; فإن الدعاء والطلب إلى الله عَزَّ وجَلَّ يردّ البلاء وقد قدر وقضى فلم يبق إلاّ إمضاؤه، فإنه إذا دعا الله وسأله صرف البلاء صرفاً) (٢) .

٢ ـ وقال:(لكل داء دواء) ، فسئل عن ذلك؟ فقال:(لكل داء دعاء، فإذا أُلهم المريض الدعاء فقد أذن الله في شفائه) . وقال:(أفضل الدعاء الصلاة على محمد وآل محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (صلَّى الله عليهم)ثم الدعاء للإخوان ثم الدعاء لنفسك فيما أحببت، وأقرب ما يكون العبد من الله سبحانه إذا سجد) .

وقال:(الدعاء أفضل من قراءة القرآن; لأنّ الله عَزَّ وجَلَّ يقول: ( قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ) وإنّ الله عَزَّ وجَلَّ ليؤخر إجابة المؤمن شوقاً إلى دعائه ويقول: صوت أحب أن اسمعه، ويعجّل إجابة المنافق ويقول: صوت أكره سماعه) (٣) .

٣ ـ عمر بن يزيد، عن أبي إبراهيمعليه‌السلام ، قال: سمعته يقول:(إنّ الدعاء يردّ ما قدر وما لم يقدّر) ، قال: قلت: جعلت فداك هذا ما قدّر قد عرفناه أفرأيت ما لم يقدّر؟ قال:(حتى لا يقدّر) (٤) .

٤ ـ قال أبو الحسن موسى بن جعفرعليهما‌السلام :(أدنى ما يثاب به زائر

ــــــــــــ

(١) أصول الكافي: ٥ / ٣١٨.

(٢) مكارم الأخلاق: ٣١٦.

(٣) مكارم الأخلاق: ٤٤٨.

(٤) بحار الأنوار: ٩٣ / ٢٩٧.


أبي عبد الله عليه‌السلام بشطّ الفرات إذا عرف حقّه وحرمته وولايته أن يغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر) (١) .

٥ ـ عن الحسن بن الجهم قال: قلت لأبي الحسنعليه‌السلام : ما تقول في زيارة قبر الحسينعليه‌السلام ؟ فقال لي:(ما تقول أنت فيه؟) فقلت: بعضنا يقول: حجّة وبعضنا يقول: عمرة، فقال:(هي عمرة مبرورة (مقبولة)) (٢) .

٦ ـ روى أحمد بن جعفر البلدي عن محمد بن يزيد البكري، عن منصور بن نصر المدائني، عن عبد الرحمن بن مسلم، قال: دخلت على الكاظمعليه‌السلام فقلت له: أيّما أفضل زيارة الحسين بن علي أو أمير المؤمنينعليهما‌السلام أو لفلان وفلان ـ وسميت الأئمة واحداً واحداً ـ فقال لي:(يا عبد الرحمن من زار أولنا فقد زار آخرنا، ومن زار آخرنا فقد زار أولنا، ومن تولّى أولنا فقد تولّى آخرنا، ومن تولّى آخرنا فقد تولّى أولنا ومن قضى حاجة لأحد من أوليائنا فكأنّما قضاها لأجمعنا يا عبد الرحمن أحببنا وأحبب من يحبّنا وأحب فينا وأحبب لنا وتولنا وتولّ من يتولانا وابغض من يبغضنا ألا وإنّ الرادّ علينا كالراد على رسول الله جدّنا ومن ردّ على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقد ردّ على الله ألا يا عبد الرحمن ومن أبغضنا فقد ابغض محمداً ومن أبغض محمداً فقد أبغض الله ومن أبغض الله عَزَّ وجَلَّ وكان حقاً على الله أن يصليه النار وماله من نصير) (٣) .

٧ ـ عن عمرو بن عثمان الرازي، قال: سمعت أبا الحسن الأولعليه‌السلام يقول:(من لم يقدره أن يزورنا فليزر صالحي موالينا يكتب له ثواب زيارتنا ومن لم يقدر

ــــــــــــ

(١) ثواب الأعمال: ١١١ ـ ١١٢.

(٢) ثواب الأعمال: ١١١ ـ ١١٢.

(٣) كامل الزيارات: ٣٣٥.


على صلتنا فليصل صالحي موالينا يكتب له ثواب صلتنا) (١) .

٨ ـ عن إسحاق بن عمار عن أبي الحسنعليه‌السلام ، قال: قلت له: المؤمن يعلم بمن يزور قبره، قال:(نعم ولا يزال مستأنساً به ما زال عنده فإذا قام وانصرف من قبره دخله من انصرافه عن قبره وحشة) (٢) .

٩ ـ عن علي بن عثمان الرازي، قال: سمعت أبا الحسن الاولعليه‌السلام يقول:(من لم يقدر على زيارتنا فليزر صالح إخوانه يكتب له ثواب زيارتنا، ومن لم يقدر أن يصلنا فليصل صالح إخوانه يكتب له ثواب صلتنا) (٣) .

من مواعظ وحكم الإمام الكاظمعليه‌السلام :

روي عن الكاظمعليه‌السلام أنه قال:(صلاة النوافل قربانٌ إلى الله لكل مؤمن.

والحج جهاد كل ضعيف.

ولكل شيء زكاة، وزكاة الجسد صيام النوافل.

وأفضل العبادة بعد المعرفة انتظار الفرج.

ومن دعا قبل الثناء على الله والصلاة على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان كمن رمى بسهم بلا وتر.

ومن أيقن بالخلف جاد بالعطية، وما عال امرءٌ اقتصد.

والتدبير نصف العيش.

والتودّد الى الناس نصف العقل.

وكثرة الهم يورث الهرم، والعجلة هي الخرق.

وقلة العيال أحد اليسارين.

ــــــــــــ

(١) كامل الزيارات: ٣١٩.

(٢) كامل الزيارات: ٣٢١.

(٣) التهذيب: ٦ / ١٠٤.


ومن أحزن والديه فقد عقّهما.

ومن ضرب بيده على فخذه، أو ضرب بيده الواحدة على الأخرى عند المصيبة فقد حبط أجره، والمصيبة لا تكون مصيبة يستوجب صاحبها أجرها إلاّ بالصبر. والاسترجاع عند الصدمة.

والصنيعة لا تكون صنيعة إلاّ عند ذي دين أو حسب.

والله ينزل المعونة على قدر المؤونة، وينزل الصبر على قدر المصيبة.

ومن اقتصد وقنع بقيت عليه النعمة، ومن بدر وأسرف زالت عنه النعمة.

وأداء الأمانة والصدق يجلبان الرزق، والخيانة والكذب يجلبان الفقر والنفاق.

وإذا أراد الله بالذرة شراً أنبت لها جناحين فطارت فأكلها الطير.

والصنيعة لا تتم صنيعة عند المؤمن لصاحبها إلاّ بثلاثة أشياء: تصغيرها وسترها وتعجيلها، فمن صغّر الصنيعة عند المؤمن فقد عظّم أخاه، ومن عظّم الصنيعة عنده فقد صغّر أخاه، ومن كتم ما أولاه من صنيعة فقد كرم فعاله.

ومن عجّل ما وعد فقد هنئ العطيّة) (١) .

قال أبو الحسن الماضيعليه‌السلام :(قل الحقّ وإن كان فيه هلاكك فإن فيه نجاتك ودع الباطل وإن كان فيه نجاتك فإن فيه هلاكك) (٢) .

قالعليه‌السلام :(ينبغي لمن عقل عن الله أن لا يستبطئه (٣) في رزقه ولا يتّهمه في قضائه) .

وقال رجل: سألته عن اليقين؟ فقالعليه‌السلام :(يتوكّل على الله، ويسلّم لله، ويرضى بقضاء الله، ويفوّض إلى الله) .

ــــــــــــ

(١) تحف العقول: ٤٠٣.

(٢) الاختصاص: ٣٢.

(٣) أي لا يجده بطيئاً.


وقال عبد الله بن يحيى(١) : كتبت إليه في دعاء (الحمد لله منتهى علمه) فكتبعليه‌السلام :(لا تقولنّ منتهى علمه، فانه ليس لعلمه منتهى. ولكن قل: منتهى رضاه) (٢) .

وسأله رجل عن الجواد؟ فقالعليه‌السلام :(إنّ لكلامك وجهين، فإن كنت تسأل عن المخلوقين، فإن الجواد الذي يؤدّي ما افترض الله عليه، والبخيل من بخل بما افترض الله، وإن كنت تعني الخالق فهو الجواد إن أعطى ، وهو الجواد إن منع، لأنّه إن أعطاك أعطاك ما ليس لك وإن منعك منعك ما ليس لك) .

وقال لبعض شيعته:(أي فلان ! اتق الله وقل الحق وإن كان فيه هلاكك فإنّ فيه نجاتك، أي فلان! اتّق الله ودع الباطل وإن كان فيه نجاتك، فإنّ فيه هلاكك) .

وقال له وكيله: والله ما خنتك ، فقالعليه‌السلام له:(خيانتك وتضييعك عليّ مالي سواء والخيانة شرّهما عليك) .

وقالعليه‌السلام :(إيّاك أن تمنع في طاعة الله، فتنفق مثله في معصية الله) .

وقالعليه‌السلام :(المؤمن مثل كفّتي الميزان كلّما زيد في إيمانه زيد في بلائه) .

وقالعليه‌السلام : عند قبر حضره:(إن شيئاً هذا آخره لحقيقٌ أن يزهد في أوله. وانّ شيئاً هذا أوّله لحقيق أن يخاف آخره) .

وقالعليه‌السلام :(من تكلّم في الله هلك، ومن طلب الرئاسة هلك. ومن دخله العجبُ هلك) .

وقالعليه‌السلام :(اشتدت مؤونة الدنيا والدين: فأمّا مؤونة الدنيا فإنّك لا تمدّ يداك إلى شيء منها إلاّ وجدت فاجراً قد سبقك إليه. وأمّا مؤونة الآخرة فإنّك لا تجد أعواناً يعينونك عليه) .

ــــــــــــ

(١) رواه الصدوق رحمه‌الله في التوحيد، باب العلم، بإسناده عن الكاهلي عن موسى بن جعفر عليه‌السلام . وعبد الله بن يحيى الكاهلي الأسدي الكوفي، أخو إسحاق بن يحيى من وجوه أصحاب الصادق والكاظم عليهما‌السلام وله كتاب.

(٢) بحار الأنوار: ٧٥/٣١٩.


وقالعليه‌السلام :(أربعة من الوسواس: أكلُ الطين وفتّ الطين. وتقليم الأظفار بالأسنان، وأكل اللّحية. وثلاث يجلين البصر: النظر إلى الخضرة والنظر إلى الماء الجاري والنظر إلى الوجه الحسن) .

وقالعليه‌السلام :(ليس حسن الجوار كفّ الأذى ولكن حسنُ الجوار الصبر على الأذى) .

وقالعليه‌السلام :(لا تُذهب الحشمة بينك وبين أخيك (١) . وأبق منها، فإن ذهابها ذهاب الحياء) .

وقالعليه‌السلام : لبعض ولده:(يا بنيّ إيّاك أن يراك الله في معصية نهاك عنها. وإيّاك أن يفقدك الله عند طاعة أمرك بها. وعليك بالجد. ولا تخرجنّ نفسك من التقصير في عبادة الله وطاعته، فإن الله لا يُعبد حق عبادته. وإيّاك والمزاح; فإنّه يذهب بنور إيمانك ويستخفّ مروّتك. وإيّاك والضّجر والكسل، فإنّهما يمنعان حظّك من الدنيا والآخرة) .

وقالعليه‌السلام :(إذا كان الجور أغلب من الحق لم يحلّ لأحد أن يظنّ بأحد خيراً حتى يعرف ذلك منه) .

وقالعليه‌السلام :(ليس القبلة على الفم إلاّ للزوجة والولد الصغير) .

وقالعليه‌السلام :(اجتهدوا في أن يكون زمانكم أربع ساعات: ساعةً لمناجاة الله. وساعةً لأمر المعاش. وساعةً لمعاشرة الإخوان والثقات الذين يعرّفونكم عيوبكم ويخلصون لكم في الباطن. وساعةً تخلون فيه للذاتكم في غير محرّم وبهذه الساعة تقدرون على الثلاث ساعات. لا تحدّثوا أنفسكم بفقر ولا بطول عمر، فإنّه من حدّث نفسه بالفقر بخل. ومن حدّثها بطول العمر يحرص. اجعلوا لأنفسكم حظّاً من الدنيا بإعطائها ما تشتهي من الحلال ومالا يثلم المروّة وما لا سرف فيه. واستعينوا بذلك على أمور الدين، فإنّه روى: ليس منّا من ترك دنياه لدينه أو ترك دينه لدنياه) .

وقالعليه‌السلام :(تفقّهوا في دين الله فإنّ الفقه مفتاح البصيرة وتمام العبادة والسبب إلى المنازل الرفيعة والرتب الجليلة في الدين والدنيا وفضل الفقيه على العابد كفضل الشمس على الكواكب. ومن لم يتفقّه في دينه لم يرض الله له عملاً) .

وقالعليه‌السلام لعلي بن يقطين:(كفّارة عمل السلطان الإحسان إلى الإخوان) .

وقالعليه‌السلام :(كلّما أحدث الناس من الذنوب ما لم يكونوا يعملون أحدث الله لهم من البلاء ما لم يكونوا يعدّون) .

ــــــــــــ

(١) الحشمة: الانقباض والاستحياء.


وقالعليه‌السلام :(إذا كان الإمام عادلاً كان له الأجر وعليك الشكر وإذا كان جائراً كان عليه الوزر وعليك الصبر) (١) .

ورأى رجلين يتسابّان فقالعليه‌السلام :(البادي أظلم ووزره ووزر صاحبه عليه ما لم يعتد المظلوم) .

وقالعليه‌السلام :(ينادى مناد يوم القيامة: ألا من كان له على الله أجر فليقم، فلا يقوم إلاّ من عفا وأصلح فأجره على الله) .

وقالعليه‌السلام :(السخي الحسن الخلق في كنف الله، لا يتخلّى الله عنه حتّى يدخلهُ الجنة. وما بعث الله نبيّاً إلاّ سخيّاً. وما زال أبي يوصيني بالسخاء وحسن الخلق حتّى مضى) .

وقال السنديّ بن شاهك ـ وكان الذي وكّله الرشيد بحبس موسىعليه‌السلام ـ لمّا حضرته الوفاة: دعني أكفّنك. فقالعليه‌السلام :(إنَّا أهل بيت، حجّ صرورتنا (٢) ومهور نسائنا وأكفاننا من طهور أموالنا) .

ــــــــــــ

(١) تحف العقول: ٤٠٨ ـ ٤١١.

(٢) الصرور ـ بالصاد المهملة ـ الذي لم يتزوّج أو لم يحج.


وقالعليه‌السلام لفضل بن يونس:(أبلغ خيراً وقل خيراً ولا تكن إمَّعة) (١) قلت: وما الإمَّعة؟ قال:(لا تقل: أنا مع النّاس وأنا كواحد من الناس. أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: يا أيها الناس إنّما هما نجدان نجد خير ونجد شر فلا يكن نجد الشرّ أحبّ إليكم من نجد الخير) (٢) .

وروي أنه مرّ برجل من أهل السواد دميم المنظر(٣) ، فسلّم عليه ونزل عنده وحادثه طويلاً، ثم عرضعليه‌السلام عليه نفسه في القيام بحاجة إن عرضت له، فقيل له: يا ابن رسول الله أتنزل إلى هذا ثم تسأله عن حوائجك وهو إليك أحوج ؟ فقالعليه‌السلام :(عبد من عبيد الله وأخ في كتاب الله وجارٌ في بلاد الله، يجمعنا وإيّاه خير الآباء آدم عليه‌السلام وأفضل الأديان الإسلام ولعلّ الدهر يردّ من حاجاتنا إليه، فيرانا ـ بعد الزهو عليه (٤) ـ متواضعين بين يديه) . ثم قالعليه‌السلام :

(نواصل من لا يستحق وصالنا

مخافة أن نبقى بغير صديق)(٥)

وإلى هنا نكتفي بهذه الجولة السريعة في تراث الإمام الكاظمعليه‌السلام راجين من الله التوفيق للسير على هدي أهل البيتعليهم‌السلام الذي يمثل النبع الصافي والهديّ الرباني السليم في ظلمات الهوى والوهم.

ــــــــــــ

(١) الإمّع والإمعة ـ بالكسر فالتشديد ـ قيل: أصله (أني معك).

(٢) النجد: الطريق الواضح المرتفع. وقوله عليه‌السلام : (إنما هما نجدان) فالظاهر إشارة إلى قوله تعالى في سورة البلد آية ١٠:( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) .

(٣) دميم المنظر أى قبيح المنظر من دمّ دمامة: كان حقيراً وقبح منظره.

(٤) الزهو: الفخر والكبر قال الشاعر:

لا تهين الفقير علّك أن

تركع يوماً والدهر قد رفعه

(٥) تحف العقول: ٤١٢ ـ ٤١٣.


الفهرست

المقدمة ٤

الباب الأول: وفيه فصول: ١١

الفصل الأول: الإمام موسى الكاظم عليه‌السلام في سطور ١١

الفصل الثّاني: انطباعات عن شخصية الإمام موسى الكاظم عليه‌السلام.... ١٣

الفصل الثالث: مظاهر من شخصية الإمام الكاظم عليه‌السلام.... ١٩

٦ ـ إرشاده وتوجيهه: ٢٧

٧ ـ إحسانه إلى الناس: ٢٨

الباب الثاني: وفيه فصول: ٣١

الفصل الأوّل: نشأة الإمام موسى الكاظم عليه‌السلام.... ٣١

الفصل الثّاني: مراحل حياة الإمام الكاظم عليه‌السلام.... ٣٦

الفصل الثّالث: الإمام موسى الكاظم في ظلّ أبيه عليهما‌السلام..... ٣٨

الباب الثالث: وفيه فصول: ٤٥

الفصل الأوّل: ملامح عصر الإمام الكاظم عليه‌السلام.... ٤٥

النقطة الخامسة: ٥١

النقطة السادسة: ٥٢

الفصل الثّاني: مواقف الإمام الكاظم عليه‌السلام في عهد المنصور ٥٤

الاتّجاه الأوّل: الإمام الكاظم عليه‌السلام وإحكام المواقع. ٥٤

الاتّجاه الرابع: الإمام الكاظم عليه‌السلام وتركيز القيادة الشرعية السياسيّة ٦٥

النشاط الأوّل: في المجال الفكري. ٦٥

النشاط الثاني: في المجال العملي. ٦٧

الفصل الثّالث: الإمام الكاظم عليه‌السلام وحكومة المهدي العبّاسي. ٦٩

١ ـ المجال السياسي: ٧٤

٢ ـ المجال الأخلاقي والتربوي: ٧٨

٣ ـ المجال العلمي. ٧٩


الإمام الكاظم عليه‌السلام وبناء الجماعة الصالحة ٨٢

أولاً: تركيز الانتماء لخط أهل البيت عليهم‌السلام.... ٨٢

الهدف الأول: الإحاطة بالوضع السياسي. ٨٢

الهدف الثاني: قضاء حوائج المؤمنين. ٨٤

الباب الرابع: وفيه فصول: ٩٦

الفصل الأوّل: ملامح عهد الرشيد وسياسته مع الإمام الكاظم عليه‌السلام.... ٩٦

الفصل الثّاني: موقف الإمام الكاظم عليه‌السلام من حكم الرشيد. ١١٣

الفصل الثّالث: اعتقالات الإمام عليه‌السلام حتى استشهاده ١٢٦

١ ـ عبادته داخل السّجن: ١٣٣

٢ ـ اتّصال العلماء به: ١٣٤

٣ ـ إرسال الاستفتاءات إليه: ١٣٤

٤ ـ نصب الوكلاء: ١٣٤

٥ ـ تعيينه لولي عهده: ١٣٥

٦ ـ وصيته عليه‌السلام: ١٣٥

١ ـ إرسال جارية له ١٣٦

٢ ـ محاولة سم الإمام عليه‌السلام.... ١٣٧

٣ ـ توسط لإطلاق سراحه ١٣٧

٤ ـ رسالة الإمام موسى الكاظم عليه‌السلام لهارون: ١٣٨

تجهيز الإمام عليه‌السلام.... ١٤٥

الفصل الرابع: تراث الإمام الكاظم عليه‌السلام.... ١٤٧

أصول العلم ومراتب المعرفة: ١٤٩

مصادر المعرفة ومنهجها: ١٤٩

الإمام المهدي المنتظر(عجّل الله فرجه): ١٨٠

صحابة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمة عليهم‌السلام.... ١٨٢

الإيمان والكفر والشّكّ.. ١٨٣


الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ١٨٨

العمل والمعيشة: ١٩٠

الدّعاء والزّيارة: ١٩٢

من مواعظ وحكم الإمام الكاظم عليه‌السلام: ١٩٤


اعلام الهداية - الامام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام)

اعلام الهداية - الامام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام)

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: المجمع العالمي لأهل البيت (عليهم السلام)
الناشر: المجمع العالمي لاهل البيت (ع)
تصنيف: الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام
ISBN: 964- 5688-25-6
الصفحات: 202