اعلام الهداية الامام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: المجمع العالمي لاهل البيت (عليهم السلام)
الإمام علي بن الحسين عليه السلام

أعلام الهداية

الإمام علي بن الحسين زين العابدينعليه‌السلام

المجمع العالمي لأهل البيتعليهم‌السلام

قم المقدسة


اسم الكتاب: أعلام الهداية(ج٦) الإمام علي بن الحسين زين العابدينعليه‌السلام .

المؤلف: لجنة التأليف.

الموضوع:كلام وتاريخ.

الناشر: مركز الطباعة والنشر للمجمع العالمي لأهل البيتعليهم‌السلام .

الطبعة الأولى: ١٤٢٢ هـ ق.

الطبعة الثانية: ١٤٢٥ هـ ق.

الطبعة الثالثة: ١٤٢٧ هـ ق.

المطبعة: ليلى.

الكمية: ٥٠٠٠.

isbn: ٩٦٤- ٥٦٨٨-٢٢-١

حقوق الطبع والترجمة محفوظة للمجمع العالمي لأهل البيتعليهم‌السلام

www.ahl-ul-bayt-org


أهل البيت في القرآن الكريم

( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً )

الأحزاب: ٣٣ / ٣٣

أهل البيت في السنة النبويّة

(إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبد )

(الصحاح والمسانيد)


المقدمة

الحمد لله الذي أعطى كلّ شيء خلقه ثم هدى، ثم الصلاة والسلام على من اختارهم هداةً لعباده، لا سيَّما خاتم الأنبياء وسيّد الرسل والأصفياء أبو القاسم المصطفى محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلى آله الميامين النجباء.

لقد خلق الله الإنسان وزوّده بعنصري العقل والإرادة، فبالعقل يبصر ويكتشف الحقّ ويميّزه عن الباطل، وبالإرادة يختار ما يراه صالحاً له ومحقّقاً لأغراضه وأهدافه.

وقد جعل الله العقل المميِّز حجةً له على خلقه، وأعانه بما أفاض على العقول من معين هدايته ; فإنّه هو الذي علّم الإنسان ما لم يعلم، وأرشده إلى طريق كماله اللائق به، وعرّفه الغاية التي خلقه من أجلها، وجاء به إلى هذه الحياة الدنيا من أجل تحقيقها.

وأوضح القرآن الحكيم بنصوصه الصريحة معالم الهداية الربّانية وآفاقها ومستلزماتها وطرقها، كما بيّن لنا عللها وأسبابها من جهة، وأسفر عن ثمارها ونتائجها من جهة أخرى.

قال تعالى:

( قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى ) (الأنعام (٦): ٧١).

( وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (البقرة (٢): ٢١٣).

( وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ) (الأحزاب (٣٣): ٤).

( وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (آل عمران (٣): ١٠١).

( قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (يونس (١٠): ٣٥).

( وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) (سبأ (٣٤): ٦).

( ومن أضلّ ممن اتّبع هواه بغير هدىً من الله ) (القصص (٢٨):٥٠).

فالله تعالى هو مصدر الهداية. وهدايته هي الهداية الحقيقية، وهو الذي يأخذ بيد الإنسان إلى الصراط المستقيم وإلى الحقّ القويم.


وهذه الحقائق يؤيدها العلم ويدركها العلماء ويخضعون لها بملء وجودهم.

ولقد أودع الله في فطرة الإنسان النزوع إلى الكمال والجمال ثمّ مَنّ عليه بإرشاده إلى الكمال اللائق به، وأسبغ عليه نعمة التعرّف على طريق الكمال، ومن هنا قال تعالى: ( وما خلقتُ الجنَّ والإنسَ إلاّ ليعبدونِ ) (الذاريات (٥١): ٥٦). وحيث لا تتحقّق العبادة الحقيقية من دون المعرفة، كانت المعرفة والعبادة طريقاً منحصراً وهدفاً وغايةً موصلةً إلى قمّة الكمال.

وبعد أن زوّد الله الإنسان بطاقتي الغضب والشهوة ليحقّق له وقود الحركة نحو الكمال; لم يؤمَن عليه من سيطرة الغضب والشهوة; والهوى الناشئ منهما، والملازم لهما فمن هنا احتاج الإنسان ـ بالإضافة إلى عقله وسائر أدوات المعرفة ـ إلى ما يضمن له سلامة البصيرة والرؤية; كي تتمّ عليه الحجّة، وتكمل نعمة الهداية، وتتوفّر لديه كلّ الأسباب التي تجعله يختار طريق الخير والسعادة، أو طريق الشرّ والشقاء بملء إرادته.

ومن هنا اقتضت سُنّة الهداية الربّانية أن يُسند عقل الإنسان عن طريق الوحي الإلهي، ومن خلال الهداة الذين اختارهم الله لتولِّي مسؤولية هداية العباد وذلك عن طريق توفير تفاصيل المعرفة وإعطاء الإرشادات اللازمة لكلّ مرافق الحياة.

وقد حمل الأنبياء وأوصياؤهم مشعل الهداية الربّانية منذ فجر التاريخ وعلى مدى العصور والقرون، ولم يترك الله عباده مهملين دون حجة هادية وعلم مرشد ونور مُضيء، كما أفصحت نصوص الوحي ـ مؤيّدةً لدلائل العقل ـ بأنّ الأرض لا تخلو من حجة لله على خلقه، لئلاّ يكون للناس على الله حجّة، فالحجّة قبل الخلق ومع الخلق وبعد الخلق، ولو لم يبق في الأرض إلاّ اثنان لكان أحدهما الحجّة، وصرّح القرآن ـ بشكل لا يقبل الريب ـ قائلاً:( إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) (الرعد (١٣): ٧).

ويتولّى أنبياء الله ورسله وأوصياؤهم الهداة المهديّون مهمّة الهداية بجميع مراتبها، والتي تتلخّص في:

١ ـ تلقِّي الوحي بشكل كامل واستيعاب الرسالة الإلهية بصورة دقيقة. وهذه المرحلة تتطلّب الاستعداد التام لتلقّي الرسالة، ومن هنا يكون الاصطفاء الإلهي لرسله شأناً من شؤونه، كما أفصح بذلك الذكر الحكيم قائلاً:( اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ) (الأنعام (٦): ١٢٤) و ( اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ ) (آل عمران (٣): ١٧٩).


٢ ـ إبلاغ الرسالة الإلهية إلى البشرية ولمن أرسلوا إليه، ويتوقّف الإبلاغ على الكفاءة التامّة التي تتمثّل في (الاستيعاب والإحاطة اللازمة) بتفاصيل الرسالة وأهدافها ومتطلّباتها، و (العصمة) عن الخطأ والانحراف معاً، قال تعالى:( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ) (البقرة (٢): ٢١٣).

٣ ـ تكوين اُمة مؤمنة بالرسالة الإلهية، وإعدادها لدعم القيادة الهادية من أجل تحقيق أهدافها وتطبيق قوانينها في الحياة، وقد صرّحت آيات الذكر الحكيم بهذه المهمّة مستخدمةً عنواني التزكية والتعليم، قال تعالى:( يُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) (الجمعة (٦٢): ٢) والتزكية هي التربية باتجاه الكمال اللائق بالإنسان. وتتطلّب التربية القدوة الصالحة التي تتمتّع بكلّ عناصر الكمال، كما قال تعالى:( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (الأحزاب (٣٣): ٢١).

٤ ـ صيانة الرسالة من الزيغ والتحريف والضياع في الفترة المقرّرة لها، وهذه المهمة أيضاً تتطلّب الكفاءة العلمية والنفسية، والتي تسمّى بالعصمة.

٥ ـ العمل لتحقيق أهداف الرسالة المعنوية وتثبيت القيم الأخلاقية في نفوس الأفراد وأركان المجتمعات البشرية وذلك بتنفيذ الأطروحة الربّانية، وتطبيق قوانين الدين الحنيف على المجتمع البشري من خلال تأسيس كيان سياسيٍّ يتولّى إدارة شؤون الأمة على أساس الرسالة الربّانية للبشرية، ويتطلّب التنفيذ قيادةً حكيمةً، وشجاعةً فائقةً، وثباتاً كبيراً، ومعرفةً تامةً بالنفوس وبطبقات المجتمع والتيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية وقوانين الإدارة والتربية وسنن الحياة، ونلخّصها في الكفاءة العلمية لإدارة دولة عالمية دينية، هذا فضلاً عن العصمة التي تعبّر عن الكفاءة النفسية التي تصون القيادة الدينية من كلّ سلوك منحرف أو عمل خاطئ بإمكانه أن يؤثّر تأثيراً سلبيّاً على مسيرة القيادة وانقياد الأمة لها بحيث يتنافى مع أهداف الرسالة وأغراضها.

وقد سلك الأنبياء السابقون وأوصياؤهم المصطفون طريق الهداية الدامي، واقتحموا سبيل التربية الشاقّ، وتحمّلوا في سبيل أداء المهامّ الرسالية كلّ صعب، وقدّموا في سبيل تحقيق أهداف الرسالات الإلهية كلّ ما يمكن أن يقدّمه الإنسان المتفاني في مبدئه وعقيدته، ولم يتراجعوا لحظة، ولم يتلكّأوا طرفة عين.


وقد توّج الله جهودهم وجهادهم المستمرّ على مدى العصور برسالة خاتم الأنبياء محمد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحمّله الأمانة الكبرى ومسؤولية الهداية بجميع مراتبها، طالباً منه تحقيق أهدافها. وقد خطا الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذا الطريق الوعر خطوات مدهشة، وحقّق في أقصر فترة زمنية أكبر نتاج ممكن في حساب الدعوات التغييرية والرسالات الثورية، وكانت حصيلة جهاده وكدحه ليل نهار خلال عقدين من الزمن ما يلي:

١ ـ تقديم رسالة كاملة للبشرية تحتوي على عناصر الديمومة والبقاء.

٢ ـ تزويدها بعناصر تصونها من الزيغ والانحراف.

٣ ـ تكوين اُمة مسلمة تؤمن بالإسلام مبدأً، وبالرسول قائداً، وبالشريعة قانوناً للحياة.

٤ ـ تأسيس دولة إسلامية وكيان سياسيٍّ يحمل لواء الإسلام ويطبّق شريعة السماء.

٥ ـ تقديم الوجه المشرق للقيادة الربّانية الحكيمة المتمثّلة في قيادتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ولتحقيق أهداف الرسالة بشكل كامل كان من الضروري:

أ ـ أن تستمرّ القيادة الكفوءة في تطبيق الرسالة وصيانتها من أيدي العابثين الذين يتربّصون بها الدوائر.

ب ـ أن تستمرّ عملية التربية الصحيحة باستمرار الأجيال; على يد مربٍّ كفوء علمياً ونفسياً حيث يكون قدوة حسنة في الخلق والسلوك كالرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يستوعب الرسالة ويجسّدها في كل حركاته وسكناته.

ومن هنا كان التخطيط الإلهيّ يحتّم على الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إعداد الصفوة من أهل بيته، والتصريح بأسمائهم وأدوارهم; لتسلّم مقاليد الحركة النبويّة العظيمة والهداية الربّانية الخالدة بأمر من الله سبحانه وصيانة للرسالة الإلهية التي كتب الله لها الخلود من تحريف الجاهلين وكيد الخائنين، وتربية للأجيال على قيم ومفاهيم الشريعة المباركة التي تولّوا تبيين معالمها وكشف أسرارها وذخائرها على مرّ العصور، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها.

وتجلّى هذا التخطيط الربّاني في ما نصّ عليه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله:(إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض) .

وكان أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم خير من عرّفهم النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأمر من الله تعالى لقيادة الأمة من بعده.


إنّ سيرة الأئمّة الاثني عشر من أهل البيت عليهم‌السلام تمثّل المسيرة الواقعية للإسلام بعد عصر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ودراسة حياتهم بشكل مستوعب تكشف لنا عن صورة مستوعبة لحركة الإسلام الأصيل الذي أخذ يشقّ طريقه إلى أعماق الأمة بعد أن أخذت طاقتها الحرارية تتضاءل بعد وفاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأخذ الأئمة المعصومون عليهم‌السلام يعملون على توعية الأمة وتحريك طاقتها باتجاه إيجاد وتصعيد الوعي الرساليِّ للشريعة ولحركة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وثورته المباركة، غير خارجين عن مسار السنن الكونية التي تتحكّم في سلوك القيادة والأمة جمعاء.

وتبلورت حياة الأئمّة الراشدين في استمرارهم على نهج الرسول العظيم وانفتاح الأمة عليهم والتفاعل معهم كأعلام للهداية ومصابيح لإنارة الدرب للسالكين المؤمنين بقيادتهم، فكانوا هم الأدلاّء على الله وعلى مرضاته، والمستقرّين في أمر الله، والتامّين في محبّته، والذائبين في الشوق إليه، والسابقين إلى تسلّق قمم الكمال الإنسانيّ المنشود.

وقد حفلت حياتهم بأنواع الجهاد والصبر على طاعة الله وتحمّل جفاء أهل الجفاء حتّى ضربوا أعلى أمثلة الصمود لتنفيذ أحكام الله تعالى، ثم اختاروا الشهادة مع العزّ على الحياة مع الذلّ، حتى فازوا بلقاء الله سبحانه بعد كفاح عظيم وجهاد كبير.

ولا يستطيع المؤرّخون والكتّاب أن يلمّوا بجميع زوايا حياتهم العطرة ويدّعوا دراستها بشكل كامل، ومن هنا فإنّ محاولتنا هذه إنّما هي إعطاء قبسات من حياتهم، ولقطات من سيرتهم وسلوكهم ومواقفهم التي دوّنها المؤرّخون واستطعنا اكتشافها من خلال مصادر الدراسة والتحقيق، عسى الله أن ينفع بها إنّه وليّ التوفيق.

إنّ دراستنا لحركة أهل البيت عليهم‌السلام الرسالية تبدأ برسول الإسلام وخاتم الأنبياء محمد بن عبد الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتنتهي بخاتم الأوصياء، محمد بن الحسن العسكري المهدي المنتظر عجّل الله تعالى فرجه وأنار الأرض بعدله.

ويختص هذا الكتاب بدراسة حياة الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين عليه‌السلام ، وهو المعصوم السادس من أعلام الهداية والرابع من الأئمة الاثني عشر بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والذي جسّد الإسلام المحمّدي بكل أبعاده في حياته الفردية والاجتماعية في ظروف اجتماعية وسياسية عصيبة فحقق القيّم الإسلامية المُثلى في الفكر والعقيدة والخلق والسلوك وكان نبراساً يشعّ إيماناً وطُهراً وبهاءً للعالَمين.


ولا بدَّ لنا من تقديم الشكر إلى كلّ الإخوة الأعزّاء الذين بذلوا جهداً وافراً وشاركوا في إنجاز هذا المشروع المبارك وإخراجه إلى عالم النور، لا سيَّما أعضاء لجنة التأليف بإشراف سماحة السيد منذر الحكيم حفظه الله تعالى.

ولا يسعنا إلاّ أن نبتهل إلى الله تعالى بالدعاء والشكر لتوفيقه على إنجاز هذه الموسوعة المباركة فإنه حسبنا ونعم النصير.

للمجمع العالمي لأهل البيتعليهم‌السلام

قم المقدسة


الباب الأول: فيه فصول:

الفصل الأول: الإمام زين العابدينعليه‌السلام في سطور.

الفصل الثاني: انطباعات عن شخصية الإمامعليه‌السلام .

الفصل الثالث: مظاهر من شخصية الإمامعليه‌السلام .

الفصل الأوّل: الإمام زين العابدينعليه‌السلام في سطور

* هو الإمام عليّ بن الحسينعليه‌السلام رابع أئمة أهل البيتعليهم‌السلام ، وجدّه الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وصيّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأوّل من أسلم وآمن برسالته، وكان منه بمنزلة هارون من موسى، كما صحّ في الحديث عنه(١) .

وجدّته فاطمة الزهراء بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبضعته، وفلذة كبده، وسيّدة نساء العالمين كما كان أبوها يصفها.

* وأبوه الإمام الحسينعليه‌السلام أحد سيِّدَيْ شباب أهل الجنّة، سبط الرسول وريحانته ومن قال فيه جدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :(حسين منّي وأنا من حسين) ، وهو الذي استشهد في كربلاء يوم عاشوراء دفاعاً عن الإسلام والمسلمين.

* وهو أحد الأئمّة الاثني عشرعليهم‌السلام الذين نصّ عليهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما جاء في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما، إذ قال:(الخلفاء بعدي اثنا عشر كلّهم من قريش) (٢) .

* وقد ولد الإمام عليّ بن الحسينعليهما‌السلام في سنة ثمان وثلاثين للهجرة، وقيل قبل ذلك بسنة أو سنتين.

ــــــــــــــ

(١) صحيح مسلم : ٧ / ١٢١ .

(٢) إثبات الهداة : ٢ / ٣٢٠ حديث ١١٦ .


* وعاش سبعة وخمسين سنة تقريباً، قضى ما يقارب سنتين أو أربع منها في كنف جدّه الإمام علىّعليه‌السلام ، ثمّ ترعرع في مدرسة عمّه الحسن وأبيه الحسينعليهما‌السلام سبطي الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وارتوى من نمير العلوم النبوية، واستقى من ينبوع أهل البيت الطاهرين.

* برز على الصعيد العلمي إماماً في الدين ومناراً في العلم، ومرجعاً لأحكام الشريعة وعلومها، ومثلاً أعلى في الورع والعبادة والتقوى، واعترف المسلمون جميعاً بعلمه واستقامته وأفضليّته، وانقاد الواعون منهم إلى زعامته وفقهه ومرجعيّته.

* كان للمسلمين عموماً تعلّق عاطفي شديد بهذا الإمام، وولاء روحي عميق له، وكانت قواعده الشعبية ممتدّة في كلّ مكان من العالم الإسلامي، كما يشير إلى ذلك موقف الحجيج الأعظم منه، حينما حجّ هشام بن عبد الملك(١) .

* لم تكن ثقة الأمة بالإمام زين العابدينعليه‌السلام ـ على اختلاف اتجاهاتها ومذاهبها ـ مقتصرة على الجانب الفقهي والروحي فحسب، بل كانت تؤمن به مرجعاً وقائداً، ومفزعاً في كلّ مشاكل الحياة وقضاياها، بوصفه امتداداً لآبائه الطاهرين.

ومن هنا نجد أنّ عبد الملك بن مروان قد استنجد بالإمام زين العابدينعليه‌السلام لحلّ مشكلة التعامل بالنقود الرومية إبّان تهديد الملك الروماني

ــــــــــــــ

(١) اختيار معرفة الرجال : ١٢٩ ـ ١٣٢ ح ٢٠٧ ، والجاحظ في البيان والتبيين: ١/٢٨٦، الأغاني: ١٤/٧٥ و ١٩/٤٠، وابن خلِّكان في وفيات الأعيان : ٢/٣٣٨ ط إيران.


له بإذلال المسلمين(١) .

* وقد قدّر للإمام زين العابدين أن يتسلّم مسؤولياته القيادية والروحية بعد استشهاد أبيهعليه‌السلام فمارسها خلال النصف الثاني من القرن الأول، في مرحلة من أدقّ المراحل التي مرّت بها الاُمة وقتئذ، وهي المرحلة التي أعقبت موجة الفتوح الاُولى، فقد امتدّت هذه الموجة بزخمها الروحي وحماسها العسكري والعقائدي، فزلزلت عروش الأكاسرة والقياصرة، وضمّت شعوباً مختلفة وبلاداً واسعة إلى الدعوة الجديدة، وأصبح المسلمون قادة الجزء الأعظم من العالم المتمدّن وقتئذ خلال نصف قرن.

* تعرضت الأمة الإسلامية في عصر هذا الإمامعليه‌السلام لخطرين كبيرين:

الخطر الأول: هو خطر الانفتاح على الثقافات المتنوعة، والذي قد ينتهي بالأمة إلى التميّع والذوبان وفقدان أصالتها، فكان لابدّ من عمل علمي يؤكّد للمسلمين أصالتهم الفكرية وشخصيّتهم التشريعية المتميّزة المستمدة من الكتاب والسنّة. وكان لابدّ من تأصيل للشخصية الإسلامية، وذلك من خلال زرع بذور الاجتهاد.

وهذا ما قام به الإمام علي بن الحسينعليه‌السلام فقد بدأ حلقة من البحث والدرس في مسجد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأخذ يحدّث الناس بصنوف المعرفة الإسلامية، من تفسير وحديث وفقه وتربية وعرفان، وراح يفيض عليهم من علوم آبائه الطاهرين.

وهكذا تخرّج من هذه الحلقة الدراسيّة عدد مهمّ من فقهاء المسلمين،

ــــــــــــــ

(١) انظر: دراسات وبحوث للعاملي : ١/١٢٧ ـ ١٣٧ .


وكانت هذه الحلقة المباركة هي المنطلق لما نشأ بعد ذلك من مدارس الفقه الإسلامي وكانت الأساس لحركة الفقه الناشطة.

* الخطر الثاني: هو الخطر الناجم عن موجة الرخاء والانسياق مع ملذّات الحياة الدنيا والإسراف في زينة هذه الحياة المحدودة، وبالتالي ضمور الشعور بالقيم الخلقية.

وقد اتّخذ الإمام زين العابدينعليه‌السلام من الدعاء أساساً لدرء هذا الخطر الكبير الذي ينخر في الشخصية الإسلامية ويهزّها من داخلها هزّاً عنيفاً ويحول بينها وبين الاستمرار في أداء رسالتها. ومن هنا كانت (الصحيفة السجادية) تعبيراً صادقاً عن عمل اجتماعي عظيم كانت ضرورة المرحلة تفرضه على الإمامعليه‌السلام إضافة إلى كونها تراثاً ربّانياً فريداً يظلّ على مرّ الدهور مصدر عطاء ومشعل هداية ومدرسة أخلاق وتهذيب، وتظلّ الإنسانية بحاجة إلى هذا التراث المحمّدي العلوي، وتزداد إليه حاجة كلّما ازداد الشيطان للإنسانية إغراءً والدنيا فتنةً له(١) .

ــــــــــــــ

(١) السيد الشهيد محمد باقر الصدرقدس‌سره في مقدمته للصحيفة السجادية.


الفصل الثاني: انطباعات عن شخصيّة الإمام زين العابدينعليه‌السلام

اتّفق المسلمون على تعظيم الإمام زين العابدين عليه‌السلام وأجمعوا على الاعتراف له بالفضل، وأنّه علم شاهق في هذه الدنيا، لا يدانيه أحد في فضائله وعلمه وتقواه، وكان من مظاهر تبجيلهم له: أنّهم كانوا يتبركون بتقبيل يده ووضعها على عيونهم (١) ، ولم يقتصر تعظيمه على الذين صحبوه أو التقوا به، وإنّما شمل المؤرخين على اختلاف ميولهم واتّجاهاتهم، فقد رسموا بإعجاب وإكبار سيرته، وأضفوا عليه جميع الألقاب الكريمة والنعوت الشريفة.

أقوال وآراء معاصريه فيهعليه‌السلام :

عبّر المعاصرون للإمامعليه‌السلام من العلماء والفقهاء والمؤرّخين بانطباعاتهم عن شخصيّته، وكلها إكبار وتعظيم له، سواء في ذلك من أخلص له في الودّ أو أضمر له العداوة والبغضاء، وفيما يلي نبذة من كلماتهم:

١ ـ قال الصحابيّ الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري: ما رؤي في أولاد الأنبياء مثل عليّ بن الحسينعليه‌السلام ...(٢) .

ــــــــــــــ

(١) العقد الفريد : ٢ / ٢٥١.

(٢) حياة الإمام زين العابدين عليه‌السلام ، دراسة وتحليل : ١ / ١٢٦.


٢ ـ كان عبد الله بن عباس على تقدّمه في السنّ يجلّ الإمامعليه‌السلام وينحني خضوعاً له وتكريماً، فإذا رآه قام تعظيماً ورفع صوته قائلاً: مرحباً بالحبيب ابن الحبيب(١) .

٣ ـ وُصِف محمّد بن مسلم القرشي الزهري بالفقيه، وأحد الأئمّة الأعلام وعالم الحجاز والشام(٢) وقد كان على خطّ غير أهل البيتعليهم‌السلام ولكنّه أدلى بمجموعة من الكلمات القيّمة أعرب فيها عمّا يتصف به الإمامعليه‌السلام من القيم الكريمة والمُثل العظيمة، وهذه بعض كلماته:

أ ـ ما رأيت هاشمياً مثل عليّ بن الحسين...(٣) .

ب ـ لم أدرك في أهل البيت رجلاً كان أفضل من علي بن الحسين(٤) .

ج ـ ما رأيت أحداً أفقه منه(٥) .

٤ ـ سعيد بن المسيّب : وهو من الفقهاء البارزين في يثرب، وقال عنه الرواة: إنّه ليس من التابعين من هو أوسع منه علماً(٦) ، وقد صحب الإمامعليه‌السلام ووقف على ورعه، وشدّة تحرّجه في الدين، وقد سجّل ما رآه بهذه الكلمات:

أ ـ ما رأيت قطّ أفضل من عليّ بن الحسينعليه‌السلام وما رأيته قطّ إلاّ مَقَتُّ نفسي...(٧) .

ب ـ ما رأيت أورع منه...(٨) .

ج ـ كان سعيد جالساً وإلى جانبه فتىً من قريش، فطلع الإمامعليه‌السلام فسأل

ــــــــــــــ

(١) تأريخ دمشق : ٣٦ / ١٤٧، وتذكرة الخواص : ٣٢٤ .

(٢) تهذيب التهذيب : ٩ / ٤٤٥.

(٣) الأغاني : ١٥ / ٣٢٥.

(٤ و٥) شذرات الذهب : ١ / ١٠٥.

(٦) تهذيب التهذيب : ٤ / ٨٥ .

(٧) تأريخ اليعقوبي : ٣ / ٤٦.

(٨) العبر في خبر من غبر : ١ / ١١١.


القريشيّ سعيداً عنه، فأجابه سعيد: هذا سيّد العابدين(١) .

٥ ـ زيد بن أسلم : وكان في طليعة فقهاء المدينة، ومن مفسِّري القرآن(٢) ، وقد أدلى بعدّة كلمات بشأن الإمامعليه‌السلام منها:

أ ـ ما جالست في أهل القبلة مثله(٣) .

ب ـ ما رأيت مثل عليّ بن الحسين فيهم (أي : في أهل البيت)(٤) .

ج ـ ما رأيت مثل عليّ بن الحسين فهماً حافظاً(٥) .

٦ ـ حماد بن زيد : وهو من أبرز فقهاء البصرة، اُعتبر من أئمّة المسلمين(٦) ، قال فيه: كان عليّ بن الحسين أفضل هاشميٍّ أدركته(٧) .

٧ ـ يحيى بن سعيد: وهو من كبار التابعين، ومن أفاضل الفقهاء والعلماء(٨) ، وقد قال: سمعت عليّ بن الحسين وكان أفضل هاشمي رأيته(٩) .

٨ ـ لقد تعدّى الاعتراف بالفضل للإمامعليه‌السلام إلى أعدائه ومبغضيه، فهذا يزيد بن معاوية وبعد أن ألحّ عليه أهل الشام في أن يخطب الإمامعليه‌السلام أبدى مخاوفه منه قائلاً: إنّه من أهل بيت زُقّوا العلم زقّاً، إنّه لا ينزل إلاّ بفضيحتي وفضيحة آل أبي سفيان...(١٠)

ــــــــــــــ

(١) الفصول المهمة : ١٨٩.

(٢) تهذيب التهذيب : ٣ / ٣٩٥ .

(٣)و ٤) حياة الإمام زين العابدين: ١/١٢٩ عن تأريخ دمشق : ١٢ / ق١ / الورقة ١٩.

(٥) طبقات الفقهاء : ٢ / ٣٤.

(٦) تهذيب التهذيب : ٣ / ٩.

(٧) تهذيب اللغات والأسماء، القسم الأول : ٣٤٣.

(٨) حياة الإمام زين العابدين (دراسة وتحليل) : ١ / ١٣٠ عن تهذيب التهذيب.

(٩) المصدر السابق عن تهذيب الكمال م٧ / ق٢ / الورقة ٣٣٦.

(١٠) نفس المهموم : ٤٤٨ ـ ٤٥٢ ط قم عن مناقب آل أبي طالب : ٤/١٨١ عن كتاب الأحمر عن الأوزاعي: الخطبة بدون المقدمة، والمقدمة عن الكامل للبهائي : ٢/٢٩٩ ـ ٣٠٢ وانظر حياة الإمام زين العابدين للقرشي: ١/١٧٥.


٩ ـ عبد الملك بن مروان : وهذا عدوّ آخر يقول للإمامعليه‌السلام : إنّك لذو فضل عظيم على أهل بيتك وعصرك، ولقد أوتيت من الفضل والعلم والدين والورع ما لم يؤته أحد مثلك ولا قبلك إلاّ من مضى من سلفك...(١)

١٠ ـ منصور الدوانيقي : وهذا عدوّ آخر أيضاً لأهل البيتعليهم‌السلام قد أشاد بفضل الإمام عليه‌السلام في رسالته إلى ذي النفس الزكية بقوله: ولم يولد فيكم (أي في العلويّين) بعد وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مولود مثله (أي مثل زين العابدين) (٢) .

آراء العلماء والمؤرخين فيهعليه‌السلام :

١ ـ قال اليعقوبي: كان أفضل الناس وأشدّهم عبادة، وكان يسمّى: زين العابدين، وكان يسمّى أيضاً: ذا الثفنات، لما كان في وجهه من أثر السجود...(٣) .

٢ ـ قال الحافظ أبو القاسم عليّ بن الحسن الشافعي المعروف بابن عساكر: في ترجمة الإمامعليه‌السلام : كان عليّ بن الحسين ثقةً مأموناً، كثير الحديث، عالياً رفيعاً...(٤) .

٣ ـ قال الذهبي: كانت له جلالة عجيبة، وحقّ له والله ذلك، فقد كان أهلاً للإمامة العظمى; لشرفه وسؤدده وعلمه وتألّهه وكمال عقله...(٥)

٤ ـ قال الحافظ أبو نعيم: قال: عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالبعليهم‌السلام

ــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار : ٤٦ / ٧٥.

(٢) الكامل للمبرد : ٢ / ٤٦٧، العقد الفريد : ٥ / ٣١٠.

(٣) تاريخ اليعقوبي : ٣ / ٤٦.

(٤) تأريخ دمشق : ٣٦ / ١٤٢.

(٥) سير أعلام النبلاء : ٤ / ٢٤٠.


زين العابدين ومنار القانتين، كان عابداً وفيّاً وجواداً صفيّاً...(١) .

٥ ـ قال صفيّ الدين: كان زين العابدين عظيم الهدى والسمت الصالح...(٢) .

٦ ـ قال النووي: وأجمعوا على جلالته في كلّ شيء...(٣)

٧ ـ قال عماد الدين إدريس القرشي: كان الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين أفضل أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأشرفهم بعد الحسن والحسين عليهم جميعاً الصلاة والسلام، وأكثرهم ورعاً وزهداً وعبادة(٤) .

٨ ـ قال النسّابة الشهير ابن عنبة: وفضائلهعليه‌السلام أكثر من أن تحصى أو يحيط بها الوصف(٥) .

٩ ـ قال الشيخ المفيد: كان عليّ بن الحسين أفضل خلق الله بعد أبيه علماً وعملاً، وقال: قد روى عنه فقهاء العامّة من العلوم ما لا يحصى كثرة، وحُفِظ عنه من المواعظ والأدعية وفضائل القرآن والحلال والحرام والمغازي والأيام ما هو مشهور بين العلماء...(٦) .

١٠ ـ وقال ابن تيمية: أمّا عليّ بن الحسين فمن كبار التابعين وساداتهم علماً وديناً... وله من الخشوع وصدقة السرّ وغير ذلك من الفضائل ما هو معروف(٧) .

١١ ـ قال الشيخاني القادري: سيّدنا زين العابدين عليّ بن الحسين بن أبي طالب اشتهرت أياديه ومكارمه، وطارت بالجوّ في الجود محاسنه، عظيم القدر، رحب الساحة والصدر، وله الكرامات الظاهرة ما شوهد بالأعين الناظرة

ــــــــــــــ

(١) حلية الأولياء : ٣ / ١٣٣.

(٢) وسيلة المآل في عدّ مناقب الآل: ٢٨٠.

(٣) عن تهذيب اللغات والأسماء : ق١ / ٣٤٣.

(٤) عيون الأخبار وفنون الآثار: ١٤٤.

(٥) عمدة الطالب: ١٩٣.

(٦) الإرشاد : ٢ / ١٣٨ و ١٥٣ .

(٧) منهاج السنّة : ٢ / ١٢٣ .


وثبت بالآثار المتواترة...(١) .

١٢ ـ قال محمّد بن طلحة القرشي الشافعي: هذا زين العابدين، قدوة الزاهدين، وسيّد المتقين، وإمام المؤمنين، شيمته تشهد له أنّه من سلالة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسمته يثبت مقام قربه من الله زلفاً، وثفناته تسجّل له كثرة صلاته وتهجّده، وإعراضه عن متاع الدنيا ينطق بزهده فيها، درّت له أخلاق التقوى فتفوّقها، وأشرقت له أنوار التأييد فاهتدى بها، وآلفته أوراد العبادة فآنس بصحبتها، وحالفته وظايف الطاعة فتحلّى بحليتها، طالما اتّخذ الليل مطيّة ركبها لقطع طريق الآخرة، وظمأ الهواجر دليلاً استرشد به في مسافة المسافرة، وله من الخوارق والكرامات ما شوهد بالأعين الباصرة وثبت بالآثار المتواترة وشهد له أنّه من ملوك الآخرة...(٢) .

١٣ ـ قال الإمام الشافعي: إنّ عليّ بن الحسين أفقه أهل المدينة(٣) .

١٤ ـ قال الجاحظ : وأمّا عليّ بن الحسين فلم أرَ الخارجي في أمره إلاّ كالشيعي، ولم أرَ الشيعي إلاّ كالمعتزلي، ولم أرَ المعتزلي إلاّ كالعامي، ولم أرَ العامي إلاّ كالخاصي، ولم أجد أحداً يتمارى في تفضيله ويشك في تقديمه...(٤) .

١٥ ـ قال سبط ابن الجوزي: وهو أبو الأئمّة وكنيته أبو الحسن ويلقب بزين العابدين وسمّاه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سيد العابدين... والسجاد; وذي الثفنات، والزكي والأمين، والثفنات: ما يقع على الأرض من أعضاء البعير إذا استناخ وغلظ كالركبتين فكان طول السجود قد أثّر في ثفناته(٥) .

ــــــــــــــ

(١) الصراط السوي الورقة ١٩.

(٢) مطالب السؤول : ٢ / ٤١.

(٣) رسائل الجاحظ: ١٠٦.

(٤) عمدة الطالب: ١٩٣ ـ ١٩٤.

(٥) تذكرة الخواص : ٣٢٤ .


الفصل الثالث: مظاهر من شخصيّة الإمام زين العابدينعليه‌السلام

الحلم :

كان الإمام من أعظم الناس حلماً، وأكظمهم للغيظ، فمن صور حلمه التي رواها المؤرّخون :

١ ـ كانت له جارية تسكب على يديه الماء إذا أراد الوضوء للصلاة، فسقط الإبريق من يدها على وجهه الشريف فشجّه، فبادرت الجارية قائلة: إنّ الله عَزَّ وجَلَّ يقول: (والكاظمين الغيظ) وأسرع الإمام قائلاً :(كظمت غيظي) ، وطمعت الجارية في حلم الإمام ونبله، فراحت تطلب منه المزيد قائلة: (والعافين عن الناس) فقال الإمامعليه‌السلام :(عفا الله عنك) ، ثمّ قالت:( وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) فقالعليه‌السلام لها:(إذهبي فأنت حرّة) (١) .

٢ ـ سبّه لئيمٌ فأشاحعليه‌السلام بوجهه عنه، فقال له اللئيم: إيّاك أعني وأسرع الإمام قائلاً:(وعنك أغضي ...) وتركه الإمام ولم يقابله بالمثل(٢) .

٣ ـ ومن عظيم حلمهعليه‌السلام : أنّ رجلاً افترى عليه وبالغ في سبّه،

ــــــــــــــ

(١) أمالي الصدوق : ١٦٨ ح ١٢ والارشاد : ٢/١٤٦ ، ومناقب آل أبي طالب : ٤/١٥٧، تاريخ دمشق : ٣٦/١٥٥ وابن منظور في مختصره: ١٧/٢٤٠ ، وسير أعلام النبلاء : ٤/٣٩٧ ، ونهاية الارب : ٢١/٣٢٦ .

(٢) مناقب آل أبي طالب : ٤/١٧١ ، والبداية والنهاية : ٩ / ١٠٥.


فقال عليه‌السلام له: (إن كُنّا كما قلت فنستغفر الله، وإن لم نكن كما قلت فغفر الله لك...) (١) .

السخاء :

أجمع المؤرِّخون على أنّه كان من أسخى الناس وأنداهم كفّاً، وأبرَّهم بالفقراء والضعفاء، وقد نقلوا نوادر كثيرة من فيض جوده، منها:

١ ـ مرض محمّد بن اُسامة فعاده الإمامعليه‌السلام ، ولمّا استقرّ به المجلس أجهش محمّد بالبكاء، فقال له الإمامعليه‌السلام :ما يبكيك؟ فقال: عليّ دين، فقال له الإمام:كم هو؟ فأجاب: خمسة عشر ألف دينار، فقال له الإمامعليه‌السلام :هي عليّ ، ولم يقم الإمام من مجلسه حتى دفعها له(٢) .

٢ ـ ومن كرمه وسخائه أنّه كان يطعم الناس إطعاماً عامّاً في كلّ يوم، وذلك في وقت الظهر في داره(٣) .

٣ ـ وكان يعول مائة بيت في السرّ، وكان في كلّ بيت جماعة من الناس(٤) .

تعامله مع الفقراء :

أ ـ تكريمه للفقراء : كانعليه‌السلام يحتفي بالفقراء ويرعى عواطفهم ومشاعرهم، فكان إذا أعطى سائلاً قبّله، حتى لا يُرى عليه أثر الذلّ

ــــــــــــــ

(١) الإرشاد : ١/١٤٦ عن نسب آل أبي طالب للعبيدلي النسّابة م ٢٧٠ هـ .

(٢) الإرشاد : ٢/١٤٩، ومناقب آل أبي طالب : ٤/١٦٣ وراجع: البداية والنهاية : ٩ / ١٠٥، وسير أعلام النبلاء : ٤ / ٢٣٩.

(٣) تأريخ اليعقوبي : ٢ / ٢٥٩ ط بيروت.

(٤) مناقب آل أبي طالب: ٤/١٦٦ عن الباقر عليه‌السلام وعن أحمد بن حنبل، وكشف الغمة: ٢/٢٨٩ عن مطالب السؤول عن حلية الأولياء ، وفي الكشف : ٢/٣١٢، عن الجنابذي، ولكن فيه: ٢/٣٠٤ عنه أيضاً عن الصادق عليه‌السلام قال: كان يعول سبعين بيتاً .


والحاجة(١) ، وكان إذا قصده سائل رحّب به وقال له:(مرحباً بمن يحمل زادي إلى دار الآخرة) (٢) .

ب ـ عطفه على الفقراء: كانعليه‌السلام كثير العطف والحنان على الفقراء والمساكين، وكان يعجبه أن يحضر على مائدة طعامه اليتامى والأضراء والزمنى والمساكين الذين لا حيلة لهم، وكان يناولهم بيده، كما كان يحمل لهم الطعام أو الحطب على ظهره حتى يأتي باباً من أبوابهم فيناولهم إيّاه(٣) . وبلغ من مراعاته لجانب الفقراء والعطف عليهم أنّه كره اجتذاذ النخل في الليل; وذلك لعدم حضور الفقراء في هذا الوقت فيحرمون من العطاء، فقد قالعليه‌السلام لقهرمانه وقد جذّ نخلاً له من آخر الليل:(لا تفعل، ألا تعلم أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهى عن الحصاد والجذاذ بالليل؟!) . وكان يقول:(الضغث تعطيه من يسأل فذلك حقه يوم حصاده) (٤) .

ج ـ نهيه عن ردّ السائل: ونهى الإمامعليه‌السلام عن ردّ السائل; وذلك لما له من المضاعفات السيّئة التي منها زوال النعمة وفجأة النقمة.

وأكد الإمامعليه‌السلام على ضرورة ذلك في كثير من أحاديثه، فقد روى أبو حمزة الثمالي، قال: صلّيت مع عليّ بن الحسين الفجر بالمدينة يوم جمعة، فلمّا فرغ من صلاته نهض إلى منزله وأنا معه، فدعا مولاةً له تسمّى سكينة، فقال لها:(لا يعبر على بابي سائل إلاّ أطعمتموه فإنّ اليوم جمعة) ، فقال له أبو حمزة: ليس من يسأل مستحقاً، فقالعليه‌السلام :(أخاف أن يكون بعض من يسألنا مستحقاً فلا نطعمه،

ــــــــــــــ

(١) حلية الأولياء : ٣ / ١٣٧، وعنه في مناقب آل أبي طالب: ٤/١٦٧.

(٢) كشف الغمة : ٣/٢٨٨ عن مطالب السؤول للشافعي عن حلية الأولياء للاصفهاني.

(٣) مناقب آل أبي طالب : ٤/١٦٦ و ١٦٧ عن الباقر عليه‌السلام .

(٤) بحار الأنوار : ٤٦ / ٦٢.


ونردّه فينزل بنا أهل البيت ما نزل بيعقوب وآله، أطعموهم، أطعموهم، إنّ يعقوب كان يذبح كلّ يوم كبشاً فيتصدّق منه، ويأكل منه هو وعياله، وإنّ سائلاً مؤمناً صوّاماً مستحقّاً، له عند الله منزلة اجتاز على باب يعقوب يوم جمعة عند أوان إفطاره، فجعل يهتف على بابه: أطعموا السائل الغريب الجائع من فضل طعامكم، وهم يسمعونه، قد جهلوا حقّه، ولم يصدّقوا قوله، فلمّا يئس منهم وغشيه الليل مضى على وجهه، وبات طاوياً يشكو جوعه إلى الله، وبات يعقوب وآل يعقوب شباعاً بطاناً وعندهم فضلة من طعامهم، فأوحى الله إلى يعقوب في صبيحة تلك الليلة: لقد أذللت عبدي ذلة استجررت بها غضبي، واستوجبت بها أدبي ونزول عقوبتي، وبلواي عليك وعلى ولدك، يا يعقوب أحبّ أنبيائي إليّ وأكرمهم عليّ من رحم مساكين عبادي وقرّبهم إليه وأطعمهم وكان لهم مأوى وملجأ، أما رحمت عبدي المجتهد في عبادته، القانع باليسير من ظاهر الدنيا؟! أما وعزّتي لأنزلنّ بك بلواي، ولأجعلنّك وولدك غرضاً للمصائب .

فقال أبو حمزة: جعلت فداك متى رأى يوسف الرؤيا؟

قال عليه‌السلام : في تلك الليلة التي بات فيها يعقوب وآله شباعاً وبات السائل الفقير طاوياً جائعاً ) (١) .

صدقاته :

وكان من أعظم ما يصبو إليه الإمام زين العابدينعليه‌السلام في حياته الصدقة على الفقراء لإنعاشهم ورفع البؤس عنهم، وكانعليه‌السلام يحثّ على الصدقة; وذلك لما يترتّب عليها من الأجر الجزيل، فقد قال: (ما من رجل تصدّق على مسكين مستضعف فدعا له المسكين بشيء في تلك الساعة إلاّ استجيب له)(٢) .

ونشير إلى بعض ألوان صدقاته وجميل خصاله :

ــــــــــــــ

(١) علل الشرائع : ١/٦١ ب ٤٢ ح ١ ط بيروت.

(٢) وسائل الشيعة : ٦ / ٢٩٦


أ ـ التصدّق بثيابه: كانعليه‌السلام يلبس في الشتاء الخزّ، فإذا جاء الصيف تصدّق به أو باعه وتصدّق بثمنه، وكان يلبس في الصيف ثوبين من متاع مصر ويتصدّق بهما إذا جاء الشتاء(١) ، وكان يقول:(إني لأستحي من ربّي أن آكل ثمن ثوب قد عبدت الله فيه) (٢) .

ب ـ التصدّق بما يحبّ: كان يتصدّق باللوز والسكَّر، فسئل عن ذلك فتلا قوله تعالى:( لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) (٣) .

وروي أنّه كان يعجبه العنب، وكان صائماً فقدّمت له جاريته عنقوداً من العنب وقت الإفطار، فجاء سائل فأمر بدفعه إليه، فبعثت الجارية من اشتراه منه، وقدّمته إلى الإمام، فطرق سائل آخر الباب، فأمرعليه‌السلام بدفع العنقود إليه، فبعثت الجارية من اشتراه منه وقدّمته للإمام، فطرق سائل ثالث الباب فدفعه الإمام إليه(٤) .

ج ـ مقاسمة أمواله : وقاسم الإمام أمواله مرّتين فأخذ قسماً له، وتصدّق بالقسم الآخر على الفقراء والمساكين(٥) .

ــــــــــــــ

(١) تأريخ دمشق : ٣٦ / ١٦١.

(٢) مناقب آل أبي طالب : ٤/١٦٧ عن حلية الأولياء : ٣/١٣٦ ـ ١٤٠ .

(٣) مناقب آل أبي طالب: ٤/١٦٧ .

(٤) المحاسن: ٢/٣٦١ طبعة المجمع العالمي لأهل البيت عليهم‌السلام ، وفروع الكافي : ٦ / ٣٥٠.

(٥) مناقب آل أبي طالب : ٤/١٦٧ عن حلية الأولياء : ٣ / ١٤٠ ، وجمهرة الأولياء : ٢ / ٧١، وخلاصة تهذيب الكمال: ٢٣١.


د ـ صدقاته في السرّ : وكان أحبّ شيء عند الإمامعليه‌السلام الصدقة في السر، لئلاّ يعرفه أحد، وقد أراد أن يربط نفسه ومن يعطيهم من الفقراء برباط الحبّ في الله تعالى، وتوثيقاً لصلته بإخوانه الفقراء بالإسلام، وكان يحثّ على صدقة السرّ ويقول:(إنّها تطفئ غضب الربّ) (١) .

وقد اعتاد الفقراء على صلة لهم في الليل، فكانوا يقفون على أبوابهم ينتظرونه، فإذا رأوه تباشروا وقالوا: جاء صاحب الجراب(٢) .

وكان له ابن عم يأتيه بالليل فيناوله شيئاً من الدنانير فيقول له العلوي: إنّ عليّ بن الحسين لا يوصلني، ويدعو عليه، فيسمع الإمام ذلك ويغضي عنه، ولا يُعرّفه بنفسه، ولمّا توفّيعليه‌السلام فقد الصلة، فعلم أنّ الذي كان يوصله هو الإمام عليّ بن الحسينعليه‌السلام فكان يأتي قبره باكياً ومعتذراً منه(٣) .

وقال ابن عائشة: سمعت أهل المدينة يقولون: ما فقدنا صدقة السرّ حتى مات عليّ بن الحسين(٤) .

وكانعليه‌السلام شديد التكتّم في صلاته وهباته، فكان إذا ناول أحداً شيئاً غطّى وجهه لئلاّ يعرفه(٥) .

وقال الذهبي : إنّه كان كثير الصدقة في السرّ(٦) .

ــــــــــــــ

(١) مناقب آل أبي طالب : ٤/١٦٥ عن الثمالي والثوري، وفي تذكرة الحفاظ : ١ / ٧٥ وأخبار الدول: ١١٠ ونهاية الإرب : ٢١ / ٣٢٦، وكشف الغمة : ٢/٢٨٩ عن مطالب السؤول عن حلية الأولياء. وفي الكشف : ٢/٣١٢ عن الجنابذي عن الثوري عنه عليه‌السلام كان يقول: إنّ الصدقة تطفئ غضب الرب. بدون قيد السّر.

(٢) مناقب آل أبي طالب : ٤/١٦٦ .

(٣) كشف الغمة : ٢/٣١٩ عن نثر الدرر للآبي.

(٤) حلية الأولياء وعنه في مناقب آل أبي طالب : ٤/١٦٦ وكشف الغمة : ٢/٢٩٠ عن مطالب السؤول عن الحلية: ٤/١٣٦ وفي البداية والنهاية لابن كثير : ٩/١١٤، وصفة الصفوة : ٢ / ٥٤، الإتحاف بحب الأشراف: ٤٩ والأغاني : ١٥ / ٣٢٦.

(٥) مناقب آل أبي طالب : ٤/١٦٦ عن الباقر عليه‌السلام .

(٦) تذكرة الحفّاظ : ١ / ٧٥.


وكانعليه‌السلام يجعل الطعام الذي يوزّعه على الفقراء في جراب ويحمله على ظهره، وقد ترك أثراً عليه(١) .

هـ ـ ابتغاؤه مرضاة الله: ولم يكن الإمامعليه‌السلام يبتغي في برّه وإحسانه إلى الفقراء إلاّ وجه الله عَزَّ وجَلَّ والدار الآخرة، ولم تكن عطاياه وصدقاتهعليه‌السلام مشوبة بأيّ غرض من أغراض الدنيا.

قال الزهري: رأيت عليّ بن الحسين في ليلة باردة وهو يحمل على ظهره دقيقاً، فقلت له: يابن رسول الله! ما هذا؟ فأجابهعليه‌السلام :(أريد سفراً، أُعدّ له زاداً أحمله إلى موضع حريز) . فقال: هذا غلامي يحمله عنك، فامتنع الإمام من إجابته، وتضرّع الزهري إليه أن يحمله هو بنفسه عنه، إلاّ ان الإمام أصرّ على ما ذهب إليه، وقال له:(ولكنّي لا أرفع نفسي عمّا ينجيني في سفري، ويحسّن ورودي على ما أردُ عليه، أسألك بحق الله لمّا مضيت لحاجتك) .

وانصرف الزهري عن الإمام، وبعد أيام التقى به، وقد ظنّ أنّه كان على جناح سفر ولم يعِ مراده فقال له: يابن رسول الله، لست أرى لذلك السفر الذي تركته أثراً.

فأجابه الإمامعليه‌السلام : (يا زهري، ليس ما ظننت، ولكنّه الموت وله أستعدُّ، إنّما الاستعداد للموت تجنّب الحرام وبذل الندى في الخير) (٢) .

العزّة والإباء :

ومن صفات الإمام عليّ بن الحسين زين العابدينعليه‌السلام العزّة والإباء،

ــــــــــــــ

(١) تأريخ اليعقوبي : ٢/٣٠٣ ط بيروت.

(٢) علل الشرائع: ١ / ٢٧ وعنه في بحار الأنوار : ٤٦ / ٦٥ ـ ٦٦.


فقد ورثها من أبيه الحسين سيّد الشهداءعليه‌السلام الذي تحدّى طغاة عصره قائلاً:(والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقرّ لكم إقرار العبيد) (١) .

وقد تمثّلت هذه الظاهرة الكريمة في شخصيّة الإمام زين العابدينعليه‌السلام في قوله:(ما أحبّ أنّ لي بذلّ نفسي حمر النعم) (٢) .

وقال في عزة النفس:(من كرمت عليه نفسه هانت عليه الدنيا) (٣) .

ويقول المؤرخون: إنّ أحدهم أخذ منه بعض حقوقه بغير حق، وكان الإمامعليه‌السلام بمكّة، وكان الوليد بن عبد الملك حينئذ متربّعاً على كرسي الخلافة وقد حضر موسم الحج، فقيل له: لو سألت الوليد أن يردّ عليك حقّك؟ فقال لهم كلمته الخالدة في دنيا العزّ والإباء:(ويحك أفي حرم الله عَزَّ وجَلَّ أسأل غير الله عَزَّ وجَلَّ؟! إنّي آنف أن أسأل الدنيا من خالقها، فكيف أسألها مخلوقاً مثلي؟!) (٤) .

ومن عزّته : أنّه ما أكل بقرابته من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم درهماً قطّ (٥) .

الزهد :

لقد اشتهر في عصرهعليه‌السلام أنّه من أزهد الناس حتى أنّ الزهري حينما سُئل عن أزهد الناس قال: عليّ بن الحسين(٦) .

ورأىعليه‌السلام سائلاً يبكي فتألّم له وراح يقول:(لو أنّ الدنيا كانت في كفّ هذا

ــــــــــــــ

(١) وقعة الطف: ٢٠٩ .

(٢) الكافي : ٢/١٠٩ و ١١١ والخصال : ١/٢٣ وعن الكافي في بحار الأنوار : ٧١/٤٠٦ ومعه بيان المؤلف في صفحة كاملة.

(٣) بحار الأنوار : ٧٨ / ١٣٥.

(٤) بحار الأنوار : ٤٦ / ٦٤ عن علل الشرائع : ١/٢٧٠ ط بيروت.

(٥) مجالس ثعلب ٢ : ٤٦٢ ، وعنه في حياة الإمام زين العابدين للقرشي: ١/٨١. وفي مناقب آل أبي طالب: ٤/١٧٥ عن نافع: شيئاً، بدل: درهماً.

(٦) بحار الأنوار : ٤٦/٦٢ عن علل الشرائع : ١/٢٧٠ ط بيروت.


ثمّ سقطت منه لما كان ينبغي له أن يبكي عليها) (١) .

وقال سعيد بن المسيب: كان عليّ بن الحسينعليه‌السلام يعظ الناس ويزهّدهم في الدنيا ويرغبهم في أعمال الآخرة بهذا الكلام في كلّ جمعة في مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحفظ عنه وكتب، وكان يقول:

(أيّها الناس، اتّقوا الله واعلموا أنّكم إليه تُرجعون... يابن آدم، إنّ أجلك أسرع شيء إليك، قد أقبل نحوك حثيثاً يطلبك ويوشك أن يدركك، وكأن قد أوفيت أجلك وقبض الملك روحك وصرت إلى قبرك وحيداً، فردّ إليك فيه روحك، واقتحم عليك فيه ملكان ناكر ونكير لمساءلتك وشديد امتحانك... فاتّقوا الله عباد الله، واعلموا أنّ الله عَزَّ وجَلَّ لم يحبّ زهرة الدنيا وعاجلها لأحد من أوليائه، ولم يرغّبهم فيها وفي عاجل زهرتها وظاهر بهجتها، وإنّما خلق الدنيا وأهلها ليبلوهم فيها أيّهم أحسن عملاً لآخرته، وأيم الله لقد ضرب لكم فيه الأمثال، وعرّف الآيات لقوم يعقلون، ولا قوة إلاّ بالله، فازهدوا فيما زهّدكم الله عَزَّ وجَلَّ فيه من عاجل الحياة الدنيا... ولا تركنوا إلى زهرة الدنيا وما فيها ركونَ من اتّخذها دار قرار ومنزل استيطان، فإنّها دار بُلغة، ومنزل قلعة، ودار عمل، فتزوّدوا الأعمال الصالحة فيها قبل تفرّق أيّامها، وقبل الإذن من الله في خرابها... جعلنا الله وإيّاكم من الزاهدين في عاجل زهرة الحياة الدنيا، الراغبين لآجل ثواب الآخرة، فإنّما نحن به وله...) (٢) .

الإنابة إلى الله تعالى :

إنّ اشتهار الإمام بلقب زين العابدين وسيّد الساجدين ممّا يشير إلى وضوح عنصر الإنابة إلى الله والانقطاع إليه في حياة الإمام وسيرته وشخصيّته.

ــــــــــــــ

(١) كشف الغمة : ٢/٣١٨ عن نثر الدرر للآبي، والفصول المهمّة: ١٩٢.

(٢) الكافي : ٨ / ٧٢ ـ ٧٦ ، وتحف العقول: ٢٤٩ ـ ٢٥٢.


على أنّ أدعية الصحيفة السجّادية هي الدليل الآخر على هذه الحقيقة، فإنّ إلقاء نظرة سريعة وخاطفة على عناوين الأدعية يكشف لنا مدى التجاء الإمام إلى الله في شؤون حياته، فما من موقف إلاّ وللإمام فيه دعاء وابتهال وتضرّع، هذا فضلاً عن مضامين الأدعية التي يكاد ينفرد بها هوعليه‌السلام في هذه الصحيفة المعروفة وغيرها، لقد ذاب الإمام في محبّة الله وأخلص له أعظم الإخلاص، وقد انعكس ذلك على جميع حركاته وسكناته.

وممّا رواه المؤرخون: أنّه اجتاز على رجل جالس على باب رجل ثريّ فبادره الإمام قائلاً:(ما يقعدك على باب هذا المترف الجبار؟) فقال الرجل: البؤس (أي: الفقر)، فقال لهعليه‌السلام :(قم! فأرشدك إلى باب خير من بابه وإلى ربّ خير لك منه...)

ونهض معه الرجل إلى مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلّمه ما يعمله من الصلاة والدعاء وتلاوة القرآن وطلب الحاجة من الله والالتجاء إلى حصنه الحريز (١) .

سيرته في بيته :

كان الإمام زين العابدينعليه‌السلام من أرأف الناس وأبرّهم وأرحمهم بأهل بيته، وكان لا يتميّز عليهم، وقد أُثر عنه أنّه قال:(لَئن أدخل إلى السوق ومعي دراهم ابتاع بها لعيالي لحماً وقد قرموا (٢) أحبّ إليَّ من أن أعتق نسمة) (٣) .

وكان يبكر في خروجه مصبحاً لطلب الرزق لعياله، فقيل له: إلى أين

ــــــــــــــ

(١) حياة الإمام زين العابدين عليه‌السلام دراسة وتحليل:١ / ٩٣.

(٢) قرموا: اشتدّ شوقهم إلى اللحم.

(٣) بحار الأنوار : ٤٦ / ٦٧ عن الكافي : ٢/١٢.


تذهب؟ فقال: أتصدّق لعيالي قبل أن أتصدّق ثم قال: من طلب الحلال، فإنّه من الله عَزَّ وجَلَّ صدقة عليهم(١) .

وكانعليه‌السلام يعين أهله في حوائجهم البيتية، ولا يأمر أحداً منهم فيما يخصّ شأناً من شؤونه الخاصة، كما كان يتولّى بنفسه خدمة نفسه خصوصاً فيما يخصّ إلى شؤون عبادته، فإنّه لم يك يستعين بها أو يعهد إلى أحد في قضائها.

مع أبويه :

وقابل الإمام المعروف الذي أسدته إليه مربّيته بكلّ ما تمكّن عليه من أنواع الإحسان، وقد بلغ من جميل برّه بها أنّه امتنع أن يؤاكلها فلامه الناس، وأخذوا يسألونه بإلحاح قائلين: أنت أبرّ الناس وأوصلهم رحماً، فلماذا لا تؤاكل أمك؟ فأجابهم جواب من لم تشهد الدنيا مثل أدبه وكماله قائلاً:(أخشى أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها فأكون عاقّاً لها) (٢) .

ومن برّه لأبويه دعاؤه لهما، وهو من أسمى القواعد في التربية الإسلامية الهادفة، وهذه مقاطع من هذه اللوحة الخالدة من دعائهعليه‌السلام :

(... واخصص اللهمّ والديّ بالكرامة لديك والصلاة منك يا أرحم الراحمين... وألهمني علم ما يجب لهما عليّ إلهاماً، واجمع لي علم ذلك كلّه تماماً، ثم استعملني بما تلهمني منه، ووفّقني للنفوذ فيما تبصرني من علمه... اللهم اجعلني أهابهما هيبة السلطان العسوف، وأبرّهما برّ الأم الرؤوف، واجعل طاعتي لوالديّ وبرّي بهما أقرّ لعيني من رقدة

ــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار : ٤٦ / ٦٧ عن الكافي : ٢/١٢.

(٢) الكامل للمبرد : ١ / ٣٠٢، وشذرات الذهب : ١ / ١٠٥، ومناقب آل أبي طالب: ٤/١٧٦ عن أمالي النيشابوري.


الوسنان، وأثلج لصدري من شربة الظمآن، حتى اُوثر على هواي هواهما، واُقدّم على رضاي رضاهما، واستكثر برّهما بي وإن قلّ، واستقلّ برّي بهما وإن كثر، اللهمّ خفّض لهما صوتي، وأطب لهما كلامي، وألِن لهما عريكتي، واعطف عليهما قلبي، وصيرني بهما رفيقاً وعليهما شفيقاً... اللهمّ اشكر لهما تربيتي، وأثبهما على تكرمتي، واحفظ لهما ما حفظاه منّي في صغري... اللهمّ لا تُنسني ذكرهما في أدبار صلواتي، وفي إناً من آناء ليلي، وفي كل ساعة من ساعات نهاري... اللهمّ صلّ على محمد وآله، واغفر لي بدعائي لهما، واغفر لهما ببرّهما بي...) (١) .

مع أبنائه:

أمّا سلوك الإمام عليّ بن الحسين زين العابدينعليه‌السلام مع أبنائه فقد تميّز بالتربية الإسلامية الرفيعة لهم، فغرس في نفوسهم نزعاته الخيّرة واتّجاهاته الإصلاحية العظيمة، وقد صاروا بحكم تربيته لهم من ألمع رجال الفكر والعلم والجهاد في الإسلام.

فكان ولده الإمام محمد الباقرعليه‌السلام أشهر أئمّة المسلمين، وأكثرهم عطاءً للعلم.

وأمّا ولده عبد الله الباهر فقد كان من أبرز علماء المسلمين في فضله وسمّو منزلته العلمية.

أمّا ولده زيد فقد كان من أجلّ علماء المسلمين، وقد برعَ في علوم كثيرة كعلم الفقه والحديث والتفسير وعلم الكلام وغيرها، وهو الذي تبنّى حقوق المظلومين المضطهدين، وقاد مسيرتهم الدامية في ثورته التي نشرت الوعي السياسي في المجتمع الإسلامي، وساهمت مساهمة إيجابية وفعّالة

ــــــــــــــ

(١) الصحيفة السجادية، دعاؤه لأبويه.


في الإطاحة بالحكم الأموي(١) .

وزوّد الإمامعليه‌السلام أبناءه ببعض الوصايا التربوية لتكون منهجاً يسيرون عليه، قالعليه‌السلام :

١ ـ(يا بُنيّ، اُنظر خمسةً فلا تصاحبهم ولا تحادثهم ولا تُرافقهم في طريق) فقال له ولده: من هم؟ قالعليه‌السلام :(إيّاك ومصاحبة الكذّاب، فإنّه بمنزلة السراب، يقرّب لك البعيد ويبعّد لك القريب. وإيّاك ومصاحبة الفاسق، فإنّه بايعك بأكلة أو أقلّ من ذلك. وإيّاك ومصاحبة البخيل، فإنّه يخذلك في ماله، وأنت أحوج ما تكون إليه. وإيّاك ومصاحبة الأحمق، فإنّه يريد أن ينفعك فيضرّك. وإيّاك ومصاحبة القاطع لرحمه، فإنّي وجدته ملعوناً في كتاب الله...) (٢) .

٢ ـ قالعليه‌السلام :(يا بُنيّ، اصبر على النائبة، ولا تتعرّض للحقوق، ولا تجب أخاك إلى شيء مضرّته عليك أعظم من منفعته لك...) (٣) .

٣ ـ وقالعليه‌السلام :(يا بُنيّ، إنّ الله لم يرضك لي فأوصاك بي، ورضيني لك فحذّرني منك، واعلم أنّ خير الآباء للأبناء من لم تدعه المودّة إلى التفريط فيه، وخير الأبناء للآباء من لم يدعه التقصير إلى العقوق له) (٤) .

ــــــــــــــ

(١) حياة الإمام زين العابدين عليه‌السلام ، دراسة وتحليل: ٥٥ ـ ٥٦.

(٢) أُصول الكافي : ٢/٣٧٦، والاختصاص : ٢٣٩، وتحف العقول: ٢٧٩، والبداية والنهاية : ٩ / ١٠٥.

(٣) البيان والتبيين : ٢ / ٧٦، العقد الفريد : ٣ / ٨٨ .

(٤) العقد الفريد : ٣ / ٨٩ .


مع مماليكه :

وسار الإمامعليه‌السلام مع مماليكه سيرة تتّسم بالرفق والعطف والحنان، فكان يعاملهم كأبنائه، وقد وجدوا في كنفه من الرفق ما لم يجدوا في ظلّ آبائهم، حتّى أنّه لم يعاقب أمَةً ولا عبداً فيما إذا اقترفا ذنباً(١) .

وقد كان له مملوك فدعاه مرّتين فلم يجبه، وفي الثالثة قال له الإمام برفق ولطف:(يا بُنيَّ، أما سمعت صوتي؟) قال: بلى... ، فقال لهعليه‌السلام :(لِمَ لَمْ تُجبْني؟) فقال: أمنت منك، فخرج الإمام وراح يحمد الله ويقول:(الحمد لله الذي جعل مملوكي يأمنني...) (٢) .

ــــــــــــــ

(١) اقبال الأعمال : ١/٤٤٣ ـ ٤٤٥ باسناده عن التلعكبرى عن ابن عجلان عن الصادق عليه‌السلام وعنه في بحار الأنوار : ٤٦ / ١٠٣ ـ ١٠٥ و ٩٨/١٨٦ ـ ١٨٧.

(٢) الإرشاد : ٢/١٤٧، ومناقب آل أبي طالب: ٤/١٧١ وفي تأريخ دمشق : ٣٦ / ١٥٥.


الباب الثاني: فيه فصول:

الفصل الأول: نشأة الإمام زين العابدينعليه‌السلام .

الفصل الثاني: مراحل حياة الإمام زين العابدينعليه‌السلام .

الفصل الثالث: الإمام زين العابدينعليه‌السلام من الولادة إلى الإمامة.

الفصل الأول: نشأة الإمام زين العابدينعليه‌السلام

لقد توفّرت للإمام زين العابدين عليه‌السلام جميع المكوّنات التربوية الرفيعة التي لم يظفر بها أحد سواه، وقد عملت على تكوينه وبناء شخصيّته بصورة متميّزة، جعلته في الرعيل الأول من أئمّة المسلمين الذين منحهم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثقته، وجعلهم قادة لأمته وأمناء على أداء رسالته.

نشأ الإمام في أرفع بيت وأسماه ألا وهو بيت النبوّة والإمامة الذي أذن الله أن يرفع ويذكر فيه اسمه (١) ، ومنذ الأيام الأولى من حياته كان جده الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام يتعاهده بالرعاية ويشعّ عليه من أنوار روحه التي طبّق شذاها العالم بأسره، فكان الحفيد ـ بحقٍّ ـ صورة صادقة عن جدّه، يحاكيه ويضاهيه في شخصيّته ومكوّناته النفسية.

كما عاش الإمامعليه‌السلام في كنف عمّه الزكي الإمام الحسن المجتبىعليه‌السلام سيّد شباب أهل الجنّة وريحانة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسبطه الأول، إذ كان يغدق عليه من عطفه وحنانه، ويغرس في نفسه مُثُلَه العظيمة وخصاله السامية، وكان الإمامعليه‌السلام طوال هذه السنين تحت ظلّ والده العظيم أبي الأحرار وسيّد

ــــــــــــــ

(١) إشارة لقوله تعالى: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ) . النور (٢٤) : ٣٦ ـ ٣٧.


الشهداء الإمام الحسين بن علىّعليهما‌السلام الذي رأى في ولده علي زين العابدينعليه‌السلام امتداداً ذاتيّاً ومشرقاً لروحانيّة النبوّة ومُثُل الإمامة، فأولاه المزيد من رعايته وعنايته، وقدّمه على بقية أبنائه، وصاحَبَه في أكثر أوقاته.

لقد ولد الإمام زين العابدينعليه‌السلام في المدينة في اليوم الخامس من شعبان سنة (٣٦ هـ)(١) يوم فتح البصرة، حيث إنّ الإمام عليعليه‌السلام لم ينتقل بعد بعاصمته من المدينة إلى الكوفة. وتوفّي بالمدينة سنة (٩٤ أو ٩٥ هـ).

وهناك من المؤرخين ذكر أنّه ولد في سنة (٣٨ هـ) وفي مدينة الكوفة حيث كان جدّه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام قد اتّخذها عاصمة لدولته بعد حرب الجمل، فمن الطبيعي أن يكون الحسين السبطعليه‌السلام مع أهله عن أبيهعليه‌السلام في هذه الفترة بشكل خاص(٢)

أمه :

اسمها (شهربانو) أو (شهر بانويه) أو (شاه زنان) بنت يزدجرد آخر ملوك الفرس(٣) ، وذكر البعض أنّ اُمه قد أجابت نداء ربّها أيّام نفاسها فلم تلد سواه(٤) .

ــــــــــــــ

(١) الإرشاد : ٢/١٣٧، ومناقب آل أبي طالب : ٤/١٨٩، والإقبال : ٦٢١ ، ومصباح الكفعمي: ٥١١ ، والأنوار البهية: ١٠٧ قال: سنة ٣٦ يوم فتح البصرة.

(٢) تاريخ أهل البيت، لابن أبي الثلج البغدادي م ٣٢٥ : ٧٧.

(٣) رغم أنّ أغلب المؤرخين متفقون على أنّ أم الإمام السجاد عليه‌السلام هي ابنة الملك يزدجرد إلاّ أن هناك من يعتبر ذلك مجرد أسطورة، راجع زندگانى علي بن الحسين عليه‌السلام للسيد جعفر الشهيدي. والإسلام وإيران للشهيد مطهري: ١٠٠ ـ ١٠٩ وحول السيدة شهر بانو للشيخ اليوسفي الغروي في مجلة رسالة الحسين عليه‌السلام : ٢٤/١٤ ـ ٣٩ ، والثابت أن أم الإمام السجاد عليه‌السلام سبيّة من سبايا الفرس، ولا يثبت أكثر من هذا.

(٤) سيرة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيته عليهم‌السلام : ٢ / ١٨٩، المجمع العالمي لأهل البيت عليهم‌السلام الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ .


كُناه :

أبو الحسن، أبو محمّد، أبو الحسين، أبو عبد الله (١) .

ألقابه:

(زين العابدين) و (ذو الثفنات) و (سيّد العابدين) و (قدوة الزاهدين) و (سيّد المتّقين) و (إمام المؤمنين) و (الأمين) و (السجّاد) و (الزكي) و (زين الصالحين) و (منار القانتين) و (العدل) و (إمام الأمة) و (البكّاء)، وقد اشتهر بلقبي (السجاد) و (زين العابدين) أكثر من غيرهما.

إنّ هذه الألقاب قد منحها الناس للإمام عندما وجدوه التجسيد الحيّ لها، والمصداق الكامل لـ :

( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً ) (٢) ، وبعض الذين منحوه هذه الألقاب لم يكونوا من شيعته، ولم يكونوا يعتبرونه إماماً من قبل الله تعالى، لكنّهم ما استطاعوا أن يتجاهلوا الحقائق التي رأوها فيه.

لقد ذكر المؤرّخون ما يبيّن لنا بعض العلل التاريخية لجملة من هذه الألقاب المباركة:

١ ـ روي عن الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري أنّه قال: كنت جالساً عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والحسين في حجره وهو يلاعبه فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :(يا جابر، يولد له مولود اسمه عليّ، إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم (سيّد العابدين)

ــــــــــــــ

(١) حياة الإمام زين العابدين عليه‌السلام ، دراسة وتحليل: ٣٩٠.

(٢) الفرقان (٢٥) : ٦٣.


فيقوم ولده، ثم يولد له ولد اسمه محمّد، فإن أنت أدركته يا جابر فاقرأه منّي السلام) (١) .

٢ ـ كان الزهري إذا حدّث عن عليّ بن الحسينعليه‌السلام قال: حدّثني (زين العابدين) عليّ بن الحسين، فقال له سفيان بن عيينة: ولِمَ تقول له زين العابدين؟ قال: لأنّي سمعت سعيد بن المسيب يحدّث عن ابن عباس أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال:(إذا كان يوم القيامة ينادي مناد أين زين العابدين؟ فكأنّي أنظر إلى ولدي عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب يخطر (يخطو) بين الصفوف) (٢) ؟

٣ ـ وجاء عن الإمام أبي جعفر الباقرعليه‌السلام أنّه قال:(كان لأبي في مواضع سجوده آثار ناتئة، وكان يقطعها في السنة مرتّين، في كلّ مرة خمس ثفنات، فسمّي ذا الثفنات لذلك) (٣) .

٤ ـ كما جاء عنه عن كثرة سجود أبيه:ما ذكر لله عَزَّ وجَلَّ نعمة عليه إلاّ وسجد، ولا دفع الله عنه سوءً إلاّ وسجد، ولا فرغ من صلاة مفروضة إلاّ وسجد، وكان أثر السجود في جميع مواضع سجوده فسمّي بالسجّاد (٤) .

ــــــــــــــ

(١) إحقاق الحق : ١٢ / ١٣ ـ ١٦، والبداية والنهاية لابن كثير : ٩ / ١٠٦.

(٢) علل الشرائع : ١/٢٦٩، والأمالي : ٣٣١ وعنهما في بحار الأنوار : ٤٦ / ٢ الحديث ١ و ٢.

(٣) علل الشرائع : ١/٢٧٣ ومعاني الأخبار : ٦٥ وعنهما في بحار الأنوار : ٤٦ / ٦.

(٤) علل الشرائع : ١/٢٧٢ وعنه في بحار الأنوار: ٤٦/٦ ح ١٠.


الفصل الثاني: مراحل حياة الإمام زين العابدينعليه‌السلام

تنقسم حياة الإمام زين العابدينعليه‌السلام ـ كما تنقسم حياة سائر الأئمةعليهم‌السلام ـ إلى مرحلتين متميّزتين:

١ ـ مرحلة ما قبل التصدّي للإمامة والزعامة.

٢ ـ مرحلة التصدّي وممارسة القيادة حتى الشهادة.

لقد عاش الإمام زين العابدينعليه‌السلام في المرحلة الأولى من حياته في ظلال جدّه الإمام أمير المؤمنين ، وعمّه الإمام الحسن المجتبى وأبيه الإمام الحسين سيد الشهداءعليهم‌السلام مدة تناهز العقدين ونصف العقد، حيث قضى في كنف جدّه الإمام عليعليه‌السلام ما يزيد قليلاً عن أربع سنوات، وما لا يقل عن سنتين لو كانت ولادته سنة (٣٨ هـ) .

بينما قضى عقداً آخر من حياته في كنف عمّه وأبيهعليهما‌السلام حيث استشهد عمّه الإمام الحسن السبطعليه‌السلام سنة ٥٠ هجرية.

كما قضى عقداً ثانياً في ظلّ قيادة أبيه الحسين السبطعليه‌السلام وهي الفترة الواقعة بين مطلع سنة (٥٠ هـ) وبداية سنة (٦٠ هـ) .

لقد عاش الإمام زين العابدينعليه‌السلام فترة المخاض الصعب خلال المرحلة الأولى من حياته وقضاها مع كل من جدّه وعمّه وأبيه عليهم‌السلام ، واستعدّ مراحل حياة الإمام زين العابدين عليه‌السلام ) بعدها لتحمّل أعباء الإمامة والقيادة بعد استشهاد أبيه والصفوة من أهل بيته وأصحابه في ملحمة عاشوراء الخالدة التي مهّد لها معاوية بن أبي سفيان وتحمّل وزرها ابنه يزيد المعلن بفسقه والمستأثر بحكم الله في أرض الإسلام المباركة.


وأمّا المرحلة الثانية من حياته الكريمة قد ناهزت ثلاثة عقود ونصف عقد من عمره الشريف، وعاصر خلالها كُلاًّ من حكم يزيد بن معاوية ومعاوية بن يزيد ومروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان، ثم اغتالته الأيدي الأموية الأثيمة بأمر من الحاكم وليد بن عبد الملك بن مروان واستشهد في (٢٥) من المحرّم أو ما يقرب منه سنة (٩٤) أو (٩٥) هجرية عن عمر يناهز (٥٧) سنة أو دونها قليلاً(١) فكانت مدّة إمامته وزعامته حوالي (٣٤) سنة.

وفي هذه الدراسة نقسّم المرحلة الثانية من حياة هذا الإمام الحافلة بأنواع الجهاد إلى قسمين متميزين من الكفاح والجهاد :

الأوّل: جهاده بعد ملحمة عاشوراء وقبل استقراره في المدينة .

الثاني: جهاده بعد استقراره في المدينة.

وعلى هذا التقسيم سوف ندرس حياته ضمن مراحل ثلاث:

المرحلة الأولى: حياته قبل استشهاد أبيهعليه‌السلام .

المرحلة الثانية: حياته بعد استشهاد أبيه وقبل استقراره في المدينة.

المرحلة الثالثة: حياته بعد استقراره في المدينة.

ــــــــــــــ

(١) المناقب لابن شهر آشوب: ٣/٣١٠، بحار الأنوار : ٤٦/٨ ـ ١٥ .


الفصل الثالث: الإمام زين العابدينعليه‌السلام من الولادة إلى الإمامة

وتتضمّن استعراض عصر الإمامعليه‌السلام وحياته قبل كربلاء، أي من الولادة حتى استشهاد أبيهعليه‌السلام من سنة (٣٨ أو ٣٦ هـ) إلى سنة (٦١ هـ) .

لقد عاصر الإمام زين العابدينعليه‌السلام في مرحلتي الطفولة والفتوّة حكم معاوية بن أبي سفيان الذي تميّز بالاضطراب أولاً، ثمّ تلاه القمع في العراق، والتأزّم في الحجاز، وإقصاء السُنّة وظهور البدعة.

ولقد استشهد الإمام أمير المؤمنين علىّعليه‌السلام في الكوفة في شهر رمضان من سنة أربعين للهجرة، فيما كان يعبّئ الناس لحرب جديدة مع معاوية، وإثر استشهادهعليه‌السلام بايع أهل العراق ولده الإمام الحسن المجتبىعليه‌السلام خليفة عليهم، إلاّ أنّ قلوب أغلب المبايعين لم تكن تصدّق ألسنتهم، فلا ينتظر من المتظاهرين بالتشيّع في الكوفة وفي جيش الإمام علىٍّعليه‌السلام ـ الذين آذوه إلى الدرجة التي تمنّى فيها غير مرّة الموت ـ أن يكون سلوكهم مع ولده الحسنعليه‌السلام أفضل ممّا كان معه.

وكانت الكوفة في السنوات الأخيرة من عمر الإمام علىّعليه‌السلام تضمّ مختلف الاتجاهات والجماعات، فكان هنالك اللاهثون وراء السلطة، الطامعون في أن يوليهم الخليفة الجديد منصباً ما والمسلمون الجدد الذين دفعتهم الآمال الكبيرة إلى الإعراض عن مدنهم والتوجّه إلى عاصمة الخلافة على أمل الحصول على عمل يحقّق رغباتهم، والانتهازيون من الموالي الذين تحالفوا مع هذه القبيلة العربية أو تلك لتغطّي على تآمرهم; إذ لا يجرؤون على التحرّك دون غطاء عروبي.

لقد تقوّم المجتمع الكوفي وقتذاك بهذه الجماعات التي وجّهت قدرتها لإيجاد العراقيل والعقبات أمام حركة الإمام الحسن السبطعليه‌السلام عندما اشترط قيس بن سعد بن عبادة بيعته للإمام الحسنعليه‌السلام بمحاربة أهل الشام، لكنّ الإمام اضطرّ إلى الصلح مع معاوية بعد أن كشفت أكثر قوات الإمام ما كانت تضمر من أهداف تآمرية على شخص الإمام، والمخلصين من أصحابه بإنضواء بعضهم تحت لواء معاوية، وبثّهم الإشاعات التي أسفرت عن التخاذل المقيت، حتى كتب من كتب منهم إلى معاوية بتسليمهم إمامهم وقائدهم إلى معاوية.

لقد امتازت الفترة الواقعة بين سنة (٤١ هـ) وسنة (٦٠ هـ) بتشديد القهر والقمع على أتباع أهل البيتعليهم‌السلام في العراق، ويتبيّن من خلال تعامل معاوية مع زعماء هذه المنطقة ـ الذين كانوا يلتقونه بين الحين والآخر ـ الدرجة التي بلغها سخطه على أهل العراق. وقد انكفأ السياسيون العراقيون ـ الذين خدعوا في حرب صفّين وسلّطوا أهل الشام على مقدراتهم ـ في بيوتهم إبّان حكم معاوية، لكنّهم كانوا ينتظرون أن تسنح لهم فرصة جديدة للتحرك.


ومن جهة أخرى لحق بالمسلمين المخلصين ـ الذين نشأوا على التربية الإسلامية النقية وارتفعوا عن المنظار القومي والقبلي أو نظروا من خلاله بالشكل الذي لم يضرّ بدينهم ـ أذىً أكبر ممّا لحق بالطائفة الأولى، إذ كانوا يرون في عهد معاوية ـ الذي امتدّ نحو عشرين عاماً ـ اندراس سنّة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

لقد ظهرت البدعة وساد النظام الملكي عوضاً عن الخلافة، واستلم مقاليد أمور المسلمين أفراد أسرة قامت بكلّ ما بوسعها من أجل القضاء على الإسلام والمسلمين، حتى أنّ ولداً غير شرعيّ من آل ثقيف يصبح ـ وبشهادة بائع خمر ـ أخاً لمعاوية(١) .

وخلافاً لصريح القرآن الكريم لقد بثّ معاوية الجواسيس بين الناس ليحصوا عليهم أنفاسهم، ونسخ الوفاء بالعهد والإيمان، فقتلوا حجر بن عديٍّ بعد كلّ الضمانات التي أعطوها له، وبمؤامرة نسج خيوطها معاوية دسّت جعدة بنت الأشعث بن قيس السمّ لزوجها الإمام الحسن المجتبى سبط رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

إلى عشرات الممارسات الأُخرى المخالفة لصريح القرآن وسنّة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التي كان يتّسم بها ذلك العهد.

فكانت النتيجة أنّه لم يبقَ أيّ مظهر إسلامي للحكومة الإسلامية في الشام والعراق اللّذين كانا يمثّلان أخطر مركزين في الدولة آنذاك، كما اقتصر فقه المسلمين على الصلاة والصوم والحجّ والزكاة وما يسمّى بالجهاد، وكان المتديّنون المخلصون يتألّمون بشدّة لتفشّي البدع، فكانوا يتربّصون الفرص التي تتيح لهم إقصاء ما ابتدعه معاوية في عصره باسم الإسلام.

ــــــــــــــ

(١) راجع: ترجمة سُمّية أم زياد في هامش وقعة الطف : ٢١١ و ٢١٢.


الوضع السياسي في العراق عند موت معاوية :

وعندما مات معاوية اعتبر الفريقان المتنفّذان في العراق أنّ الفرصة باتت مؤاتية :

أ ـ فريق أهل الدين الذين عاشوا آلام المسلمين وأحزنهم غياب سُنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكانوا يستهدفون القضاء على النظام الملكي وإعادة الحكومة الإسلامية كما كانت في عصر الخلفاء السابقين على الأقل.

ب ـ السياسيون المحترفون اللاهثون وراء السلطة الذين كانوا يرومون وضع حدّ لتحكّم الشام بالعراق.

وفي الأيام التي كان العراق فيها يغصّ بالأحداث الخطيرة كان للأجواء في الشام طابع آخر.

كان يزيد في قرية حوارين(١) عندما هلك والده معاوية، فعاد بمساعي والي الشام (الضحّاك بن قيس) إلى دمشق ليعلن نفسه خليفة للمسلمين، وأسرع إلى محاولة تبديد مخاوفه من الأشخاص الذين سيعارضونه، فكتب في الأيام الأولى من خلافته رسالة إلى حاكم المدينة طلب منه فيها أن يأخذ البيعة له من الحسين بن علىّعليه‌السلام وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير، وكان واضحاً من البداية أنّ الحسينعليه‌السلام لن يبايع يزيد، واعتبر ابن الزبير نفسه خليفة، إلاّ أنّ الناس تجاهلوه، ولم يكن لابن عمر أيّ دور في الأوضاع، فلن تحقّق بيعته أو عدمها أيّ ضرر بخلافة يزيد، من هنا فإنّ يزيد لا يخشى إلاّ

ــــــــــــــ

(١) قرية تقع بين تدمر ودمشق.


الحسين بن عليعليه‌السلام ويتعجّل أن يتبيّن موقفه.

وفي تلك الفترة كان من الطبيعي أن يختار العراق ـ الذي كان يتحيّن الفرص ـ ابن بنت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قائداً له ليحقّق أهداف المؤمنين المخلصين والسياسيين المحترفين في آن واحد، باعتباره الشخص الوحيد الذي يمكنه إحياء سنّة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والقضاء على البدع، وأنّه الوحيد القادر على استقطاب قلوب الناس بشرافة نسبه وجلالة قدره وكرامة نفسه وتقواه، وهو الأشدّ رفضاً للظلم، ولهذا السبب رفض مبايعة يزيد.

ومن هنا تشكّلت المجالس وانعقدت الجماعات في الكوفة فكانت النتيجة أن وُجّهت الدعوة إلى الحسين بن عليّ ابن بنت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الحجاز لينتقل إلى العراق، وتضمّنت الدعوة المؤكدة بأنّ أهل الكوفة على اُهبة الاستعداد لقتال الأمويّين الذين غصبوا الحكم تحت راية الحسينعليه‌السلام .

وقد بعث الحسينعليه‌السلام ابن عمّه مسلم بن عقيل إلى الكوفة ومعه إجابات الإمام الحسينعليه‌السلام على رسائل الكوفيين. وقد التف الكوفيّون حول ابن عقيل ورحّبوا به وأكّدوا له مرّةً أُخرى استعدادهم لخوض الحرب ضدّ طُغاة الشام تحت قيادة الحسين، فأرسل إلى الحسينعليه‌السلام رسالة أوضح فيها أنّ في الكوفة مئة ألف رجل يتعهّدون بمناصرة الإمام مشدّداً على ضرورة إسراع الإمام في التحرّك إلى العراق.

والمدهش أنّ رسائل بعثت في تلك الأيام من الكوفة إلى الشام تؤكّد ليزيد أنّه إذا أراد الكوفة فإنّ عليه أن يبعث عليها حاكماً مقتدراً، لأنّ حاكمها النعمان بن بشير أظهر ضعفاً في تعاطيه مع الأحداث.


وقد تباحث يزيد في هذا الأمر مع مستشاره الرومي السيرجون، الذي أشار عليه بتعيين عبيد الله بن زياد حاكماً على الكوفة، وبوصول ابن زياد إلى الكوفة تخلّى أهلها عن مسلم، وأتاحوا لابن زياد قتله مع مضيّفه هانئ بن عروة، ومن جهة أُخرى كان الإمام الحسين وأهل بيته عليهم‌السلام وعدد من أنصاره في الطريق إلى العراق، والإمام زين العابدين عليه‌السلام يرافق والده في كل هذه الظروف العصيبة حتى وصلوا العراق (١) .

النصّ على إمامة زين العابدينعليه‌السلام

لقد نصّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على إمامة اثني عشر إماماً من أهل بيته الأطهار، وعيّنَهم بذكر أسمائهم وأوصافهم، كما هو المعروف من حديث الصحابي جابر بن عبد الله الأنصاري وغيره عند العامّة والخاصّة(٢) .

كما نصّ كلّ إمام معصوم على الإمام الذي يليه قبل استشهاده في مواطن عديدة بما يتناسب مع ظروف عصره، وقد كان النصّ يكتب ويودع عند أحد سرّاً، ويجعل طلبه دليلاً على الاستحقاق، ونلاحظ تكرّر هذه الظاهرة في حياة أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام بالنسبة لابنه زين العابدينعليه‌السلام تارة في المدينة وأُخرى في كربلاء قبيل استشهاده.

وممّا روي من النصّ على إمامة ولدهعليه‌السلام ما رواه الطوسي، عن أبي جعفر الباقرعليه‌السلام : أنّ الحسين لمّا خرج إلى العراق دفع إلى أم سلمة زوجة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الوصيّة والكتب وغير ذلك وقال لها:(إذا أتاك أكبر وُلدي فادفعي إليه ما قد دفعتُ إليك) . فلما قُتل الحسينعليه‌السلام أتى عليّ بن الحسينعليه‌السلام أُمّ سلمة فدفعت إليه كلّ شيء أعطاها الحسينعليه‌السلام .

ــــــــــــــ

(١) اقرأ أخبار هذه الأحداث مسندة موثقة في : وقعة الطف لأبي مخنف: ٧٠ ـ ١٤١، تحقيق محمد هادي اليوسفي الغروي.

(٢) راجع : منتخب الأثر: ٩٧، الباب الثامن، والإرشاد وإعلام الورى بأعلام الهدى: ٢/١٨١، ١٨٢، النصوص على الأئمة الاثنا عشر، قادتنا: ٥/١٤، وإثبات الهداة بالنصوص والمعجزات: ٢/٢٨٥، النصوص العامة على الأئمة، وإحقاق الحقّ وملحقاته ج١ ـ ٢٥.


وفي نصٍّ آخر: أنّهعليه‌السلام جعل طلبها منها علامة على إمامة الطالب لها من الأنام فَطلبها زين العابدينعليه‌السلام (١) .

وروى الكليني عن أبي الجارود عن الإمام الباقرعليه‌السلام :أنّ الحسين عليه‌السلام لمّا حضره الذي حضره دعا ابنته فاطمة الكبرى فدفع إليها كتاباً ملفوفاً ووصيّة ظاهرة، وكان عليّ بن الحسين عليه‌السلام مريضاً لا يرون أنّه يبقى بعده، فلمّا قُتل الحسين عليه‌السلام ورجع أهل بيته إلى المدينة دفعت فاطمة الكتاب إلى عليّ بن الحسين عليه‌السلام (٢) .

وسوف نلاحظ في احتجاج الإمامعليه‌السلام مع عمّه محمد بن الحنفيّة أنّه قال له: (إنّ أبي صلوات الله عليه أوصى إليّ قبل أن يتوجّه إلى العراق وعهد إليّ في ذلك قبل أن يستشهد بساعة) (٣) .

الإمام زين العابدينعليه‌السلام يوم عاشوراء :

إنّ أشدّ ما كان يحزّ في نفوس أهل بيت الرسالة ومحبّيهم ما رواه حميد بن مسلم، وهو شاهد عيان بعد ظهر اليوم العاشر من المحرّم إثر استشهاد الإمام الحسينعليه‌السلام إذ قال: لقد كنت أرى المرأة من نسائه وبناته وأهله تنازع ثوبها من ظهرها حتى تغلب عليه فيُذهب به منها.

ثمّ انتهينا إلى عليّ بن الحسينعليه‌السلام وهو منبسط على فراش وهو شديد المرض، ومع شمر جماعة من الرجّالة، فقالوا له: ألا تقتل هذا العليل؟ فقلت: سبحان الله أيقتل الصبيان؟! إنّما هذا صبيٌ وإنّه لما به، فلم أزل حتى دفعتهم عنه.

ــــــــــــــ

(١) الكافي : ١ / ٢٤٢ / ٣ ، والغيبة للطوسي: ١١٨ الحديث ١٤٨، واثبات الهداة: ٥ / ٢١٤ ـ ٢١٦.

(٢) الكافي : ١ / ٢٤١ / ١، واثبات الوصيّة: ١٤٢، وإعلام الورى : ١ / ٤٨٢ ـ ٤٨٣.

(٣) الاحتجاج : ٢ / ١٤٧، احتجاجات الإمام زين العابدين عليه‌السلام .


وجاء عمر بن سعد فصاحت النساء في وجهه وبكين، فقال لأصحابه: لا يدخل أحد منكم بيوت هؤلاء النسوة ولا تتعرّضوا لهذا الغلام المريض... من أخذ من متاعهنّ شيئاً فليردّه عليهن، فوالله ما ردّ أحد منهم شيئاً(١) .

وهكذا شارك الإمام زين العابدينعليه‌السلام أباه الحسين السبطعليه‌السلام في جهاده ضد الطغاة ولكنه لم يرزق الشهادة مع أبيه والأبرار من أهل بيته وأصحابه، فإنّ الله سبحانه كان قد حفظه ليتولّى قيادة الأمة بعد أبيهعليه‌السلام ويقوم بالدور المعدّ له لصيانة رسالة جدهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أيدي العتاة العابثين وانتحال الضالّين المبطلين ومن التيارات الوافدة على حضيرة الإسلام التي أخذت رقعتها بالاتّساع والانتشار السريع.

ــــــــــــــ

(١) الإرشاد : ٢ / ١١٢ ، وانظر وقعة الطف لأبي مخنف : ٢٥٦ ، ٢٥٧.


الباب الثالث: فيه فصول:

الفصل الأول: الإمامعليه‌السلام من كربلاء إلى المدينة.

الفصل الثاني: حياة الإمامعليه‌السلام في المدينة.

الفصل الثالث: استشهاد الإمام زين العابدينعليه‌السلام .

الفصل الأول: الإمام زين العابدينعليه‌السلام من كربلاء إلى المدينة

الإمام زين العابدينعليه‌السلام بعد ملحمة عاشوراء :

ذكر المؤرّخون عن شاهد عيان أنّه قال: قدمت الكوفة في المحرّم من سنة إحدى وستّين، منصرف عليّ بن الحسينعليه‌السلام بالنسوة من كربلاء ومعه الأجناد يحيطون بهم، وقد خرج الناس للنظر اليهم، فلمّا اُقبل بهم على الجمال بغير وطاء جعل نساء الكوفة يبكين، ويلتدِمنَ(١) ، فسمعت عليّ بن الحسين وهو يقول بصوت ضئيل وقد نهكته العلّة وفي عنقه الجامعة ويده مغلولة إلى عنقه:(إنّ هؤلاء النسوة يبكين فمن قتلنا؟!) (٢) .

وعندما أدخلوا الإمام السجادعليه‌السلام على ابن زياد سأله من أنت؟ فقال:(أنا عليّ بن الحسين) ، فقال له: أليس قد قتل الله عليّ بن الحسين؟ فقال عليّعليه‌السلام :قد كان لي أخ يسمّى عليّاً قتله الناس ، فقال ابن زياد: بل الله قتله، فقال عليّ بن الحسينعليه‌السلام :( اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) ، فغضب ابن زياد وقال: وبك جرأة لجوابي وفيك بقية للردّ عليّ؟! اذهبوا به فاضربوا عنقه(٣) .

ــــــــــــــ

(١) التدمت المرأة: ضربت صدرها في النياحة، وقيل : ضربت وجهها في المآتم.

(٢) الأمالي للطوسي: ٩١.

(٣) الإرشاد للمفيد: ٢٤٤، ووقعة الطف : ٢٦٢، ٢٦٣ .


فتعلّقت به عمّته زينب وقالت: ياابن زياد، حسبك من دمائنا، واعتنقته وقالت: لا والله لا أفارقه فإن قتلته فاقتلني معه، فقال لها علىّ عليه‌السلام : اسكتي يا عمّة حتى أُكلّمه ، ثمّ أقبل عليه فقال: أبالقتل تهدّدني ياابن زياد؟ أما علمت أن القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة؟ ثمّ أمر ابن زياد بعلي بن الحسين عليه‌السلام وأهل بيته فحملوا إلى دار بجنب المسجد الأعظم، ولمّا أصبح ابن زياد أمر برأس الحسين عليه‌السلام فطيف به في سكك الكوفة كلّها وقبائلها، ولمّا فرغ القوم من الطواف به في الكوفة ردّوه إلى باب القصر (١) .

ثمّ إنّ ابن زياد نصب الرؤوس كلّها بالكوفة على الخشب، كما أنّه كان قد نصب رأس مسلم بن عقيل من قبل بالكوفة.

وكتب ابن زياد إلى يزيد يخبره بقتل الحسين عليه‌السلام وخبر أهل بيته (٢) . كما بعث إلى عمرو بن سعيد بن العاص أمير المدينة ـ وهو من بني أمية ـ يخبره بقتل الحسين عليه‌السلام .

ولمّا وصل كتاب ابن زياد إلى الشام أمره يزيد بحمل رأس الحسينعليه‌السلام ورؤوس من قتل معه إليه، فأمر ابن زياد بنساء الحسينعليه‌السلام وصبيانه فجُهِّزوا، وأمر بعليّ بن الحسينعليهما‌السلام فغُلّ بغِلٍّ إلى عنقه، ثمّ سرّح بهم في أثر الرؤوس مع مجفر بن ثعلبة العائذي وشمر بن ذي الجوشن، وحملهم على الأقتاب، وساروا بهم كما يسار بسبايا الكفار، فانطلقوا بهم حتى لحقوا بالقوم الذين معهم الرؤوس، فلم يكلّم عليّ بن الحسينعليه‌السلام أحداً منهم في الطريق بكلمة حتى بلغوا الشام(٣) .

ــــــــــــــ

(١) مقتل الخوارزمي : ٢/٤٣ مرسلاً، واللهوف على قتلى الطفوف : ١٤٥.

(٢) الكامل في التاريخ للجزري : ٤/٨٣، وإنّ أوّل رأس حمل في الإسلام هو رأس عمر بن الحِمق الخزاعي إلى معاوية.

(٣) عن طبقات ابن سعد في ذيل تاريخ دمشق ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام : ١٣١، وأنساب الأشراف: ٢١٤، والطبري : ٥/٤٦٠ و ٤٦٣ ، والإرشاد : ٢/١١٩ واللفظ للأخير.


سبايا آل البيتعليهم‌السلام في دمشق :

خضعت الشام منذ فتحها بأيدي المسلمين لحكّام مثل خالد بن الوليد ومعاوية بن أبي سفيان، فلم يشاهد الشاميون النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يسمعوا حديثه الشريف منه مباشرةً، ولم يطّلعوا على سيرة أصحابه عن كثب ، أمّا النفر القليل من صحابة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذين انتقلوا إلى الشام وأقاموا فيها فلم يكن لهم أثر في الناس، فكانت النتيجة أنّ أهل الشام اعتبروا سلوك معاوية بن أبي سفيان وأصحابه سنّة للمسلمين، ولمّا كانت الشام خاضعة للإمبراطورية الرومية قروناً طويلة، فقد كانت حكومات العصر الإسلاميّ أفضل من سابقاتها بالنسبة للشاميّين.

ومن هنا ليس أمراً عجيباً أن نقرأ في كتب التأريخ أنّ شيخاً شامياً دنا من الإمام السجادعليه‌السلام عند دخول سبايا آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الشام وقال له: الحمد الله الذي أهلككم وأمكن الأمير منكم.

فقال له الإمامعليه‌السلام : يا شيخ أقرأت القرآن ؟

فقال الشيخ: بلى.

فقال له الإمامعليه‌السلام : أقرأت( قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) ؟

فقال الشيخ : بلى.

فقال له الإمامعليه‌السلام :فنحن القربى، يا شيخ!

ثمّ قال له:فهل قرأت ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) ؟

قال: قد قرأت ذلك.

قالعليه‌السلام : فنحن القربى يا شيخ، فهل قرأت هذه الآية: ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ) ؟

قال: نعم.

قال الإمامعليه‌السلام : نحن القربى .

يا شيخ! هل قرأت ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ؟

قال الشيخ: بلى.

قال له الإمامعليه‌السلام :نحن أهل البيت الذين اختصّنا الله بآية الطهارة .

قال الشيخ: بالله إنّكم هم؟!


قال الإمامعليه‌السلام :تالله إنّا لنحن هم من غير شكٍّ وحقِّ جدِّنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنّا لنحن هم .

فبكى الشيخ ورمى عمامته، ثمّ رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهمّ إنّي أبرأ إليك من عدوّ آل محمّد(١) .

وذكر المؤرّخون أنّه لمّا قدم عليّ بن الحسينعليه‌السلام وقد قُتل الحسين بن علىّعليه‌السلام استقبله إبراهيم بن طلحة بن عبيد الله وقال: يا عليّ بن الحسين، من غلب؟ وهو مغطٍّ رأسه وهو في المحمل، فقال له عليّ بن الحسين:إذا أردت أن تعلم من غلب ودخل وقت الصلاة فأذّن ثمّ أقم (٢) .

لقد كان جواب عليّ بن الحسينعليه‌السلام أنّ الصراع إنّما هو على الأذان وتكبير الله تعالى والإقرار بوحدانيّته وليس على رئاسة بني هاشم، وأنّ استشهاد الحسين والصفوة من أهل بيته وأصحابه هو سبب بقاء الإسلام المحمّدي وثباته أمام جاهلية بني أمية ومن حذا حذوهم ممّن لم يذوقوا حلاوة الإيمان والإسلام.

ــــــــــــــ

(١) مقتل الخوارزمي ٢: ٦١ ، واللهوف على قتلى الطفوف : ١٠٠، ومقتل المقرم : ٤٤٩ عن تفسير ابن كثير والآلوسي.

(٢) أمالي الطوسي: ٦٧٧.


الإمامعليه‌السلام في مجلس يزيد:

أُدخل رأس الحسين عليه‌السلام ونساؤه ومن تخلّف من أهله على يزيد وهم مقرّنون في الحبال وزين العابدين عليه‌السلام مغلول، فلمّا وقفوا بين يديه على تلك الحال تمثّل يزيد بشعر حصين بن حمام المرّي قائلاً:

نفلِّقُ هاماً من رجال أعزّة

علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما(١)

فردّ عليه الإمام عليّ بن الحسينعليه‌السلام بقوله تعالى:( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) (٢) .

وتميّز يزيد غضباً، فتلا قوله تعالى:( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ) (٣) .

وينقل المؤرّخون عن فاطمة بنت الحسينعليه‌السلام قولها: فلمّا جلسنا بين يدي يزيد رقّ لنا فقام إليه رجل من أهل الشام أحمر، فقال : يا أمير المؤمنين، هب لي هذه الجارية ـ يعنيني ـ فأرعدت وظننت أنّ ذلك جائز لهم فأخذت بثياب عمّتي زينب وكانت تعلم أنّ ذلك لا يكون.

فقالت عمّتي للشامي: كذبت والله ولؤمت والله، ما ذاك لك ولا له!

فغضب يزيد وقال: كذبت إنّ ذلك لي ولو شئت أن أفعل لفعلت!

قالت : كلاّ والله ما جعل الله لك ذلك إلاّ أن تخرج من ملتنا وتدين بغيرها، فاستطار يزيد غضباً، وقال: إيّاي تستقبلين بهذا؟ إنّما خرج من الدين

ــــــــــــــ

(١) الإرشاد: ٢/١١٩ و ١٢٠، ووقعة الطف لأبي مخنف : ١٦٨ و ٢٧١، والعقد الفريد : ٥ / ١٢٤.

(٢) الحديد (٥٧) : ٢٢ ـ ٢٣.

(٣) الشورى (٤٢) : ٣٠.


أبوك وأخوك!

قالت: بدين الله ودين أبي ودين أخي اهتديت أنت وجدّك وأبوك إن كُنت مسلماً، قال: كذبتِ يا عدوّة الله!

قالت: أنت أمير تشتم ظالماً وتقهر بسلطانك، فكأنّه استحيى وسكت.

فعاد الشاميّ فقال: هب لي هذه الجارية، فقال يزيد: أعزب، وهب الله لك حتفاً قاضياً(١) .

ويبدو أنّ اعتماد يزيد لهجة أقلّ قسوة وشراسة من لهجة ابن زياد في الكوفة يعود إلى أنّ الأخير كان يريد أن يدلّل على إخلاصه لسيّده، بينما لا يحتاج يزيد ذلك، ولعلّ يزيد أدرك أنّه قد ارتكب خطأً كبيراً في قتله الحسينعليه‌السلام وسبيه أهل بيت النبوّة، من هنا فإنّه أراد تخفيف مشاعر السخط تجاهه.

وفي تلك الأيام أوعز يزيد إلى خطيب دمشق أن يصعد المنبر ويبالغ في ذمّ الحسين وأبيهعليهما‌السلام فانبرى إليه الإمام زين العابدينعليه‌السلام فصاح به:(ويلك أيّها الخاطب، إشتريت رضاء المخلوق بسخط الخالق فتبوّأ مقعدك من النار) .

واتّجه الإمام نحو يزيد فقال له:(أتأذن لي أن أصعد هذه الأعواد فأتكلّم بكلمات فيهنّ لله رضىً، ولهؤلاء الجالسين أجرٌ وثواب...) .

وبهت الحاضرون وعجبوا من هذا الفتى العليل الذي ردّ على الخطيب والأمير وهو أسير، فرفض يزيد إجابته، وألحّ عليه الجالسون بالسماح له فلم يجد بُدّاً من إجابتهم فسمح له، واعتلى الإمام أعواد المنبر، وكان من جملة ما قاله:(أيّها الناس، أعطينا ستاً، وفُضِّلنا بسبع: أعطينا العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبّة في قلوب المؤمنين، وفُضِّلنا بأن منّا النبيّ المختار محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومنّا الصِّدِّيق ومنّا الطيّار ومنّا أسد الله وأسد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومنّا سيّدة نساء العالمين فاطمة البتول، ومنّا سبطا هذه الأمة وسيّدا شباب أهل الجنّة) .

ــــــــــــــ

(١) الإرشاد : ٢/١٢١ ، ووقعة الطف لأبي مخنف: ٢٧١ ، ٢٧٢.


وبعد هذه المقدّمة التعريفية لأسرته أخذ عليه‌السلام في بيان فضائلهم، قائلاً:

(فمن عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي. أنا ابن مكّة ومنى، أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن من حمل الزكاة بأطراف الرداء، أنا ابن خير من ائتزر وارتدى، أنا ابن خير من انتعل واحتفى، أنا ابن خير من طاف وسعى، أنا ابن خير من حجّ ولبّى، أنا ابن من حُمل على البراق في الهواء، أنا ابن من اُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فسبحان من أسرى، أنا ابن من بلغ به جبرئيل إلى سدرة المنتهى، أنا ابن من دنا فتدلّى فكان قاب قوسين أو أدنى، أنا ابن من صلّى بملائكة السماء، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى، أنا ابن محمّد المصطفى، أنا ابن علىّ المرتضى، أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا: لا إله إلاّ الله. أنا ابن من ضرب بين يدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بسيفين، وطعن برمحين، وهاجر الهجرتين، وبايع البيعتين، وقاتل ببدر وحُنين، ولم يكفر بالله طرفة عين.

أنا ابن صالح المؤمنين، ووارث النبيّين، وقاطع الملحدين، ويعسوب المسلمين، ونور المجاهدين، وزين العابدين، وتاج البكّائين، وأصبر الصابرين، وأفضل القائمين من آل ياسين ورسول ربّ العالمين.

أنا ابن المؤيّد بجبرئيل، المنصور بميكائيل، أنا ابن المحامي عن حرم المسلمين وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، والمجاهد أعداءه الناصبين، وأفخر من مشى من قريش أجمعين، وأوّل من أجاب واستجاب لله من المؤمنين، وأقدم السابقين، وقاصم المعتدين، ومبير المشركين، وسهم من مرامي الله، وبستان حكمة الله، ذاك جدّي عليّ بن أبي طالب.

أنا ابن فاطمة الزهراء، أنا ابن سيّدة النساء، أنا ابن الطهر البتول، أنا ابن بضعة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أنا ابن المرمّل بالدماء، أنا ابن ذبيح كربلاء، أنا ابن من بكى عليه الجنّ في الظلماء، وناحت عليه الطير في الهواء) .

ولم يزل الإمام يقول: أنا أنا حتى ضجّ الناس بالبكاء، وخشي يزيد من وقوع الفتنة وحدوث ما لا تحمد عقباه، فقد أوجد خطاب الإمام انقلاباً فكرياً إذ عرّف الإمام نفسه لأهل الشام وأحاطهم علماً بما كانوا يجهلون.


فأوعز يزيد إلى المؤذّن أن يؤذّن ليقطع على الإمام كلامه، فصاح المؤذن (الله أكبر) فالتفت إليه الإمام فقال له:(كبّرت كبيراً لا يقاس، ولا يدرك بالحواس، لا شيء أكبر من الله) ، فلمّا قال المؤذّن: أشهد أن لا إله إلاّ الله قال الإمامعليه‌السلام :(شهد بها شعري وبشري ولحمي ودمي ومخي وعظمي) ، ولمّا قال المؤذّن: أشهد أنّ محمداً رسول الله التفت الإمام إلى يزيد فقال له:(يا يزيد! محمّد هذا جدّي أم جدّك؟ فإن زعمت أنّه جدّك فقد كذبت، وإن قلت: أنّه جدّي فلمَ قتلت عترته (١) ) ؟!

ووجم يزيد ولم يجر جواباً، فإنّ الرسول العظيمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو جدّ سيّد العابدين، وأمّا جدّ يزيد فهو أبو سفيان العدوّ الأوّل للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتبيّن لأهل الشام أنّهم غارقون في الإثم، وأنّ الحكم الأموي قد جهد في إغوائهم وإضلالهم، وتبيّن بوضوح أنّ الحقد الشخصيّ وغياب النضج السياسيّ هما السببان لعدم

ــــــــــــــ

(١) نفس المهموم : ٤٤٨ ـ ٤٥٢ ط قم عن مناقب آل أبي طالب : ٤/١٨١ عن كتاب الأحمر عن الأوزاعي: الخطبة بدون المقدمة. والمقدمة عن الكامل للبهائي : ٢/٢٩٩ ـ ٣٠٢، وانظر حياة الإمام زين العابدين للقرشي: ١٧٥ ـ ١٧٧.


إدراك يزيد عمق ثورة الإمام الحسينعليه‌السلام ممّا أدّى إلى توهّمه بأنّها لن تؤدّيَ إلى نتائج خطيرة على حكمه.

ولعلّ أكبر شاهد على هذا التوهّم هو رسالة يزيد في بدايات تسلّمه الحكم لواليه على المدينة والتي أمره فيها بأخذ البيعة من الحسينعليه‌السلام أو قتله وبعث رأسه إلى دمشق إن رفض البيعة.

وفي سياق الحديث عن حسابات يزيد الخاطئة نُشير أيضاً إلى عملية نقل أسرى أهل البيتعليهم‌السلام إلى الكوفة، ومن ثمّ إلى الشام، وما تخلّل ذلك من ممارسات إرهابية عكست نزعته الإجرامية، ولم يلتفت يزيد إلى خطورة الجريمة التي ارتكبها إلاّ بعد أن تدفّقت عليه التقارير التي تتحدّث عن ردود الفعل والاحتجاجات على قتله ريحانة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولذلك حاول أن يلقي مسؤولية الجريمة البشعة على ابن مرجانة، قائلاً للإمام السجادعليه‌السلام : لعن الله ابن مرجانة، أما والله لو أنّي صاحب أبيك ما سألني خصلة أبداً إلاّ أعطيته إيّاها، ولدفعت الحتف عنه بكلّ ما استطعت، ولكن الله قضى الله ما رأيت، كاتبني من المدينة وأنْهِ كلًّ حاجة تكون لك(١) .

والتقى الإمام السجادعليه‌السلام خلال وجوده في الشام بالمنهال بن عمرو، فبادره قائلاً: كيف أمسيت يا ابن رسول الله؟ فرمقه الإمام بطرفه وقال له:(أمسينا كمَثَل بني إسرائيل في آل فرعون، يذبّحون أبناءهم، ويستحيون نساءهم، أمست العرب تفتخر على العجم بأنّ محمّداً منها، وأمست قريش تفتخر على سائر العرب بأنّ محمّداً منها، وأمسينا أهل بيته مقتولين مشرّدين، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون) (٢) .

ــــــــــــــ

(١) تاريخ الطبري : ٥ / ٤٦٢ ، والإرشاد : ٢/١٢٢.

(٢) اللهوف في قتلى الطفوف: ٨٥ مرسلاً ورواه ابن سعد في الطبقات مسنداً عن المنهال بن عمرو الكوفي في الكوفة وليس الشام، والخبر أكثر من هذا وإنّما هذا مختصر الخبر.


وعهد يزيد إلى النعمان بن بشير أن يصاحب ودائع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعقائل الرسالة فيردَّهنّ إلى يثرب(١) وأمر بإخراجهنّ ليلاً خوفاً من الفتنة واضطراب الأوضاع(٢) .

ــــــــــــــ

(١) الطبري : ٥/٤٦٢ ، والإرشاد : ٢/١٢٢ وعنهما في وقعة الطف لأبي مخنف : ٢٧٢.

(٢) عن تفسير المطالب في أمالي أبي طالب: ٩٣، والحدائق الوردية : ١ / ١٣٣.


الفصل الثاني: الإمام زين العابدينعليه‌السلام في المدينة

بدأت ردود الفعل على مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام بالظهور مع دخول سبايا أهل البيتعليهم‌السلام إلى الكوفة. فبالرغم من القمع والإرهاب اللذين مارسهما ابن زياد مع كلّ من كان يبدي أدنى معارضة ليزيد، فإنّ أصواتاً بدأت ترتفع محتجّةً على الظلم السائد.

فعندما صعد ابن زياد المنبر وأثنى على يزيد وحزبه وأساء إلى الحسينعليه‌السلام وأهل بيت الرسالة (قام إليه عبد الله بن عفيف الأزدي وقال له: يا عدوّ الله إنّ الكذّاب أنت وأبوك والذي ولاّك وأبوه يابن مرجانة، تقتل أولاد النبيّين وتقوم على المنبر مقام الصدّيقين؟!

فقال ابن زياد: عليّ به، فأخذته الجلاوزة فنادى بشعار الأزد، فاجتمع منهم سبعمئة فانتزعوه من الجلاوزة، فلمّا كان الليل أرسل إليه ابن زياد من أخرجه من بيته فضرب عنقه وصلبه)(١) ، ومع أنّ هذه المواجهة انتهت لصالح ابن زياد لكنّها كانت مقدّمة لاعتراضات أُخرى.

وظهرت في الشام أيضاً بوادر السخط والاستياء، الأمر الذي جعل يزيد ينحو باللائمة في قتل الحسينعليه‌السلام على ابن زياد، إلاّ أنّ أشدّ ردود الفعل كانت تلك التي برزت في الحجاز، فقد انتقل عبد الله بن الزبير إلى مكة في الأيّام الأولى من حكومة يزيد، واتّخذها قاعدة لمعارضته للشام، وقام بتوظيف فاجعة كربلاء للتنديد بنظام يزيد، وألقى خطاباً وصف فيه العراقيّين بعدم الوفاء، وأثنى على الحسين بن علىّعليه‌السلام ووصفه بالتقوى والعبادة.

ــــــــــــــ

(١) الإرشاد: ٢/١١٧ وعنه في وقعة الطف لأبي مخنف: ٢٦٥، ٢٦٦.


وفي المدينة ألقى الإمام زين العابدينعليه‌السلام خطاباً في أهلها لدى عودته من الشام والعراق، يقول المؤرّخون: إنّ الإمامعليه‌السلام جمع الناس خارج المدينة قبل دخوله إليها، وخطب فيهم قائلاً:

(الحمد لله ربّ العالمين مالك يوم الدين بارئ الخلائق أجمعين، الذي بَعُد فارتفع في السماوات العُلى، وقَرُب فشهد النجوى، نحمده على عظائم الأمور، وفجائع الدهور، ومضاضة اللواذع، وجليل الرزء، وعظيم المصائب الفاظعة الكاظّة الفادحة الجائحة.

أيّها القوم، إنّ الله ـ وله الحمد ـ ابتلانا بمصائب جليلة، وثلمة في الإسلام عظيمة، قُتل أبو عبد الله الحسينعليه‌السلام وسُبي نساؤه وصبيته، وداروا برأسه في البلدان من فوق عامل السنان، وهذه الرزيّة التي لا مثلها رزيّة.

أيّها الناس، فأيّ رجالات منكم يسرّون بعد قتله؟! أم أيّ فؤاد لا يحزن مِن أجله؟! أم أيّة عين منكم تحبس دمعها وتضنّ عن انْهمالِها؟! فلقد بكت السبع الشداد لقتله، وبكت البحار بأمواجها، والسماوات بأركانها، والأرض بأرجائها، والأشجار بأغصانها، والحيتان ولجج البحار والملائكة المقرّبون وأهل السماوات أجمعون.

يا أيّها الناس، أيّ قلب لا ينصدع لقتله؟! أم أيّ فؤاد لا يحنّ إليه؟! أم أيّ سمع يسمع هذه الثلمة التي ثلمت في الإسلام ولا يصمّ؟!

أيّها الناس، أصبحنا مطرودين مشرّدين مذودين وشاسعين عن الأمصار، كأ نّا أولاد ترك وكابل، من غير جرم اجترمناه، ولا مكروه ارتكبناه، ولا ثلمة في الإسلام ثلمناها، ما سمعنا بهذا في آبائنا الأوّلين، إنْ هذا إلاّ اختلاق.


والله، لو أنّ النبيّ تقدّم إليهم في قتالنا كما تقدم إليهم في الوصاية بنا لما زادوا على ما فعلوا بنا، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، من مصيبة ما أعظمها وأوجعها وأفجعها وأكظّها وأفظعها وأمرّها وأفدحها! فعند الله نحتسب فيما أصابنا وأبلغ بنا، فإنّه عزيز ذو انتقام)(١) .

لقد جسّد هذا الخطاب ـ على قصره ـ واقعة كربلاء على حقيقتها مركّزاً على المظلومية التي لحقت بأهل البيتعليهم‌السلام في قتل الحسين بن علىّعليه‌السلام من جانب، وأسرِ أهل بيته من جانب آخر، بالإضافة إلى المظلومية التي لحقتهم بعد واقعة الطفّ، إذ حملت رؤوس الشهداء بما فيهم سيّدهم الحسينعليه‌السلام فوق الأسنّة من بلد إلى بلد.

وعقّب الإمام زين العابدينعليه‌السلام ـ بلمحة سريعة ومعبّرة ومؤثّرة ـ واصفاً ما لقيه آل البيت من السبي والتشريد والتعامل السيّء والمهين، وهم أهل بيت الوحي ومعدن الرسالة، وهم قادة أهل الإيمان وأبواب الخير والرحمة والهداية.

وأنهى الإمام خطابه بوصف في منتهى الدقّة عن عظمة الجرائم التي ارتكبها جيش السلطة الأموية في حقّ أهل البيتعليهم‌السلام ، فإن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لو كان يأمر هؤلاء بالتمثيل بأهل البيت وتعذيبهم; لما كانوا يزيدون على ما فعلوا، فكيف بهم وقد نهاهم عن التمثيل حتى بالكلب العقور؟! وكيف يمكن توجيه كلّ ما فعلوه وقد أوصاهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بحفظه في عترته، ولم يطالبهم بأجر للرسالة سوى المودّة في قرباه؟!

فالإمام زين العابدينعليه‌السلام حاول في خطابه هذا تكريس مظلومية أهل البيت لاستنهاض الروح الثورية في أهل المدينة، وتحريك الوعي النهضوي ضدّ الظلم والجبروت الأموي والطغيان السفياني.

ــــــــــــــ

(١) اللهوف: ١١٦، بحار الأنوار : ٤٥ / ١٤٨ ـ ١٤٩.


ولم تكن الأوضاع هادئة في المدينة في هذه السنة التي كانت تحت إدارة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وأوضح شاهد على اضطراب الأوضاع في المدينة هو استبدال ثلاثة ولاة خلال عامين، واستبدل يزيد الوليد بن عتبة بعثمان بن محمد بن أبي سفيان(١) .

وأراد عثمان أن يدلّل على كفاءته في إدارة المدينة ويكسب رضا وجوهها عن يزيد وعنه فأرسل وفداً من أبناء المهاجرين والأنصار إلى دمشق، ليشاهدوا الخليفة الشابّ عن كثب وينالوا نصيبهم من هداياه، إلاّ أن الوفد رأى في سلوك يزيد ما يشين ويقبح.

ولما رجعوا إلى المدينة أظهروا شتم يزيد وعيبه، وقالوا: قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر، ويضرب بالطنابير، وتعزف عنده القِيان، ويلعب بالكلاب، ويسمر عنده الحراب ـ وهم اللصوص ـ وإنّا نشهدكم أنّا قد خلعناه.

وقال عبد الله بن حنظلة: لو لم أجد إلاّ بنيّ هؤلاء لجاهدته بهم، وقد أعطاني وأكرمني وما قبلت عطاءه إلاّ لأتقوّى به.

فخلعه الناس وبايعوا عبد الله بن حنظلة الغسيل على خلع يزيد وولّوه عليهم(٢) .

ثورة أهل المدينة :

إنّ نقد الوفد المدني ليزيد لم يكن هو الدليل الوحيد عند أهل المدينة على انحراف يزيد وتنكّره للإسلام وجوره وطغيانه، بل إنّهم كانوا قد لمسوا جور يزيد وعمّاله على البلدان الإسلامية وفسقهم وشدّة بطشهم واستهتارهم بالحرمات الإلهية التي لا مجال لتأويلها، إذ كيف يمكن تأويل ما ارتكبه من القتل الفظيع في حقّ الحسين بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام ريحانة الرسول وسيّد شباب أهل الجنة وما اقترفه من السبي لأهله وحُرَمه؟ وكيف يمكن تأويل ما أظهره من شربه للخمور التي حرّمها الله بالنصّ الصريح؟!

ــــــــــــــ

(١) تأريخ الطبري : ٥ / ٤٧٩، ٤٨٠ .

(٢) الطبري : ٥ / ٤٨٠ وعنه في الكامل في التأريخ : ٤ / ١٠٣.


هذا، فضلاً عن حقد الأمويين على الأنصار، والذي لم يتردّد الأمويون في إظهاره لهم، ومن هنا لم يتلكّأ أهل المدينة في إخراج عامل يزيد عليها، فحاصروا بني أمية وأتباعهم، وكلّم مروان بن الحكم ـ وهو العدوّ اللدود لآل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ الإمام زين العابدينعليه‌السلام في منح الأمان له، فاستجاب الإمامعليه‌السلام لهذا الطلب تكرّماً(١) وإغضاءً عن كلّ ما ارتكبه هذا العدوّ في حقّ أهل البيتعليهم‌السلام ، في دفن الإمام الحسنعليه‌السلام وفي الضغط على الإمام الحسينعليه‌السلام من أجل أخذ البيعة ليزيد.

ولمّا بلغ أمر الثورة إلى مسامع يزيد أرسل مسلم بن عقبة ليقضي على ثورة أهل المدينة ـ وهي مدينة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومهبط وحي الله ـ وزوّده بتعليمات خاصّة تجاههم قائلاً له:

اُدع القوم ثلاثاً فإن أجابوك وإلاّ فقاتلهم، فإذا ظهرتَ عليهم فأبحها ـ أي المدينة ـ ثلاثاً، فما فيها من مال أو دابّة أو سلاح أو طعام فهو للجند(٢) . وأمرهُ أن يُجهِز على جريحهم ويقتل مدبرهم(٣) .

وصل جيش يزيد إلى المدينة، وبعد قتال عنيف مع أهلها استبسل فيه الثائرون دفاعاً عن دينهم، واستشهد أغلب المدافعين بمن فيهم عبد الله بن حنظلة ومجموعة من صحابة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونفّذ قائد الجيش أوامر سيّده يزيد، وأوعز إلى جنوده باستباحة المدينة، فهجم الجند على البيوت وقتلوا الأطفال والنساء والشيوخ، كما أسروا آخرين.

ــــــــــــــ

(١) تأريخ الطبري : ٤ /٤٨٥ ، والكامل في التأريخ : ٤ / ١١٣.

(٢) الطبري : ٥ / ٤٨٤ وعنه في الكامل.

(٣) التنبيه والإشراف: ٢٦٣ ط. القاهرة.


قال المؤرّخ ابن كثير: أباح مسلم بن عقبة ـ الذي يقول فيه السلف (مسرف بن عقبة) قبّحه الله من شيخ سوء ما أجهله ـ المدينة ثلاثة أيام كما أمره يزيد ـ لا جزاه الله خيراً ـ وقتل خلقاً من أشرافها وقرّائها، وانتهب أموالاً كثيرة منها... وجاءته امرأة فقالت: أنا مولاتك وابني في الأُسارى، فقال: عجّلوه لها، فضرب عنقه، وقال: أعطوها رأسه، ووقعوا على النساء حتى قيل: إنّه حبلت ألف امرأة في تلك الأيام من غير زوج.

قال المدائني، عن هشام بن حسان: ولدت ألف امرأة من أهل المدينة بعد وقعة الحرّة من غير زوج. وروي عن الزهري أنّه قال: كان القتلى يوم الحرّة سبعمئة من وجوه الناس من المهاجرين والأنصار، ووجوه الموالي ممّن لا أعرف من حرٍّ وعبد وغيرهم عشرة آلاف(١) .

وحدث مرةً أن دخلت الجيوش الشامية أحد البيوت، فلمّا لم يجدوا فيه إلاّ امرأة وطفلاً سألوها إن كان في البيت شيء ينهبونه، فقالت: إنّه ليس لديها مال، فأخذوا طفلها وضربوا رأسه بالحائط فقتلوه بعد أن انتثر دماغه من أثر الضرب بالحائط(٢) .

ثمّ نصب كرسيّ لمسلم بن عقبة، وجيء بالأُسارى من أهل المدينة فكان يطلب من كلّ واحد منهم أن يبايع ويقول: إنّني عبد مملوك ليزيد بن

ــــــــــــــ

(١) البداية والنهاية : ٨ / ٢٢٠ ، وتأريخ الخلفاء: ٢٣٣. أمّا الطبري فلم يذكر إلاّ إباحة القتال والأموال ثلاثة أيام: ٥/٤٩١ وترك ذكر الفروج وتبعه الجزري في الكامل.

(٢) تاريخ ابن عساكر : ١٠ / ١٣، المحاسن والمساوئ: ١ / ١٠٤.


معاوية يتحكّم فيّ وفي دمي وفي مالي وفي أهلي ما يشاء(١) .

وكلّ من كان يمتنع ولم يبايع بالعبودية ليزيد وكان يصرّ على القول بأنّه عبدٌ لله ـ سبحانه وتعالى ـ كان مصيره القتل(٢) .

وجيء له بيزيد بن عبد الله ـ وجدّته أم سلمة زوج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ مع محمد بن حذيفة العدوي، فطلب اليهما أن يبايعا، فقالا: نحن نبايع على كتاب الله وسنّة نبيّه، فقال مسلم: لا والله لا أقيلكم هذا أبداً، فقدّمهما فضرب أعناقهما.

فقال مروان بن الحكم ـ وكان حاضراً ـ : سبحان الله! أتقتل رجلين من قريش أتيا ليؤمنا فضربت أعناقهما؟! فنخس مسلم مروان بالقضيب في خاصرته، ثمّ قال له: وأنت والله لو قلت بمقالتهما ما رأيت السماء إلاّ برقة (أي لقُتِلْتَ)(٣) .

ثمّ جيء بآخر فقال : إنّي أبايع على سنّة عمر، فقال: اقتلوه، فقتل(٤) .

وأُتي بزين العابدينعليه‌السلام إلى مسلم بن عقبة، وهو مغتاظ عليه فتبرّأ منه ومن آبائه. فلمّا رآه وقد أشرف عليه ارتعد وقام له، وأقعده إلى جانبه، وقال له: سلني حوائجك، فلم يسأله في أحد ممّن قدّم إلى السيف إلاّ شفّعه فيه، ثمّ انصرف عنه.

ــــــــــــــ

(١) تاريخ الطبري ٥/٤٩٣ و ٤٩٥ وعنه في الكامل في التاريخ: ٤/١١٨ وفي مروج الذهب ٣: ٧٠، الكامل في التاريخ ٤: ١١٨، والبداية والنهاية ٨ : ٢٢٢. وقد جاء في تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٥١: كان الرجل من قريش يؤتى به فيقال: بايع على أنّك عبد قنّ ليزيد، فيقول: لا. فيضرب عنقه.

(٢) الكامل في التأريخ : ٤ / ١١٨، مروج الذهب : ٣ / ٧٠.

(٣) تأريخ الطبري : ٥ / ٤٩٢ وعنه في الكامل في التاريخ : ٤ / ١١٨.

(٤) تأريخ الطبري : ٥ / ٤٩٣، الأخبار الطوال: ٢٦٥.


فقيل لعليّ بن الحسينعليه‌السلام : رأيناك تحرّك شفتيك، فما الذي قلت؟

قال:(قلت: اللهمّ ربّ السماوات السبع وما أظللن، والأرضين السبع وما أقللن، ربّ العرش العظيم، ربّ محمّد وآله الطاهرين، أعوذ بك من شرّه، وأدرأ بك في نحره، أسألك أن تؤتيني خيره، وتكفيني شرّه) .

قيل لمسلم: رأيناك تسبّ هذا الغلام وسلفه، فلمّا أتي به إليك رفعت منزلته؟ فقال: ما كان ذلك لرأي منّي، لقد مُلئ قلبي منه رعباً، ولم يبايع الإمامعليه‌السلام ليزيد كما لم يبايع عليّ بن عبد الله بن العباس، حيث امتنع بأخواله من كندة، فالحصين بن نمير نائب مسلم بن عقبة قال: لا يبايع ابن اختنا إلاّ كبيعة علي بن الحسين(١) .

وذكر المؤرّخون : أنّ الإمام زين العابدينعليه‌السلام كفل في واقعة الحرّة أربعمئة امرأة من عبد مناف، وظلّ ينفق عليهنّ حتى خروج جيش مسلم من المدينة(٢) .

وجاء الحديث من غير وجه: أنّ مسرف بن عقبة لمّا قدم المدينة أرسل إلى عليّ بن الحسينعليهما‌السلام فأتاه، فلما صار إليه قرّبه وأكرمه وقال له: أوصاني أمير المؤمنين ببرّك وتمييزك من غيرك...(٣) .

وواضح أنّ البيعة إذا ما عرضت بشرطها الاستعبادي على الإمامعليه‌السلام فإنّه سيستمرّ على نهجه الرافض، وأنّ معنى الرفض هنا إنّه يتضرّج بدمائه الزكية، وهذا يعني دخول صورة من صور النقمة العارمة ضد الممارسات الأموية القمعية التي سوف تزلزل أعمدة الكيان الحاكم.

ــــــــــــــ

(١) النظرية السياسية لدى الإمام زين العابدين عليه‌السلام ، محمود البغدادي: ٢٧٣. المجمع العالمي لأهل البيت عليهم‌السلام ـ الطبعة الأولى سنة ١٤١٥هـ .

(٢) كشف الغمة : ٢/٣١٩ عن نثر الدرر للآبي (ق ٤ هـ) عن ابن الأعرابي.

(٣) الإرشاد: ٢/١٥٢ .


وبعد انتهاء الأيام الدامية على مدينة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال مسلم بن عقبة: اللّهمّ إنّي لم أعمل عملاً قط بعد شهادة لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً عبده ورسوله أحبّ إليّ من قتل أهل المدينة، ولا أرجى عندي في الآخرة(١) .

كان مسلم في تلك الأيام قد تجاوز التسعين من عمره، أي انّه كان قريباً جداً من حتفه وقد هلك بُعيد وقعة الحرّة وقبل أن يصل إلى مكة، وكان من الذين لم يحملوا من الإسلام إلاّ اسمه، ووظّفوا ظاهر القرآن والحديث لتسويغ جرائمهم، فقد كان من المخلصين لمعاوية بن أبي سفيان، وفي صفّين كان يقود معسكر معاوية بن أبي سفيان ضد الخليفة الشرعي للمسلمين، ألا وهو الإمام عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنينعليه‌السلام (٢) .

ولعلّه لم يسمع حديث الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي جاء فيه: (من أخاف أهل المدينة أخافه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) (٣) .

ولعلّه قد سمع هذا الحديث، لكنّه لمّا وجد من يعتبر نفسه خليفة للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد تجرّأ على قتل ابن بنت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسبي بناته من مدينة إلى أُخرى، دون أن يعترض عليه أحد، فمِمّ يخشى هو إن اعتدى على مدينة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟!

وبعد أن قمع بوحشيّة ثورة أهل المدينة وأجهض انتفاضتهم; توجّه مسلم إلى مكة التي أعلن فيها عبد الله بن الزبير ثورته على الحكم الأموي،

ــــــــــــــ

(١) تأريخ الطبري : ٥ / ٤٩٧ وعنه في الكامل في التاريخ: ٤/١٢٣ .

(٢) وقعة صفين : ٢٠٦ و ٢١٣ وفي الإصابة : ٣ / ٤٩٣ ـ ٤٩٤.

(٣) البداية والنهاية : ٨ / ٢٢٣، رواه عن النسائي، وروى مثله عن أحمد بن حنبل. اُنظر أحاديث أُخرى عن هذا الموضوع في كنز العمال، كتاب الفضائل الحديث ٣٤٨٨٦، ووفاء الوفاء: ٩٠، وسفينة البحار: ٨/٣٨ ، ٣٩ عن دعائم الإسلام.


لكنّه لقي حتفه في الطريق، فتسلّم الحصين بن نمير قيادة الجيش الأموي بناءً على أوامر يزيد، وعندما وصل أطراف مكة فرض حصاراً عليها وضرب الكعبة بالمنجنيق وأحرقها(١) .

وفي الوقت الذي كانت فيه مكّة تحت حصار الجيش الأموي لقي يزيد حتفه، فعقد قائد الجيش الأموي ـ الذي لم يكن وقتذاك يعرف زعيمه الذي يقاتل معه ـ مفاوضات مع ابن الزبير أعرب له فيها عن استعداده لقبول بيعته شريطة أن يرافقه إلى الشام، إلاّ أنّ ابن الزبير رفض الشرط، فعاد الحصين وجيشه إلى الشام.

انشقاق البيت الأموي :

مات يزيد في ربيع الأول من سنة (٦٤ هـ) وهو في سنّ الثامنة والثلاثين من عمره في حُوّارين، وكانت صحيفة أعماله في مدّة حكمه ـ الذي استمر ثلاث سنوات وبضعة أشهر ـ مُسودّة بقتل ابن بنت النبيّ وأسر أهل بيت الوحي وحرائر الرسالة إلى جانب القتل الجماعي لأهل المدينة وهدم الكعبة المشرّفة.

وبعد موت يزيد بايع أهل الشام ولده معاوية، إلاّ أنّ حكمه لم يستمر أكثر من أربعين يوماً، إذ أعلن تنازله عن العرش، ومات بعدها في ظروف غامضة، فانشقّت القيادات المؤيّدة لبني أمية على نفسها إلى كتلتين: كتلة أيّدت زعامة مروان بن الحكم، وقد مثّل هذا الاتجاه القبائل اليمانية بقيادة حسّان الكلبي، بينما أيّدت قوى القيسيّين بقيادة الضحّاك بن قيس الفهري، عبد الله بن الزبير.

ــــــــــــــ

(١) تأريخ الطبري : ٥ / ٤٩٨ وعنه في الكامل في التأريخ : ٤ / ٢٤ عن الكلبي عن عوانة بن الحكم، ثم روى أخباراً عن ابن عمر تحاول نسبة الحرق إلى أصحاب ابن الزبير خطأً، في محاولة لتبرير يزيد الشّرير.


وإبّان خلافة يزيد القصيرة امتدّت; أيدي الكلبييّن تدريجياً إلى مراكز السلطة، فمارسوا ضغوطاً شديدة على القيسييّن،الأمر الذي أزعج الضحّاك كثيراً فانتهز الفرصة بعد موت يزيد ليبايع ابن الزبير ـ وهو من العرب العدنانية ـ واشتبك الكلبيّون والقيسيّون في (مرج راهط) (١) في معركة أسفرت عن انتصار الكلبيّين، فأصبح مروان بن الحكم خليفة، واستقرّت الأوضاع المضطربة في الشام نسبيّاً.

تزايد المعارضة للحكم الأموي :

صعّد عبد الله بن الزبير معارضته للشام التي بدأها بعد موت معاوية، حيث كان قد دعا الحجازييّن لمبايعته كخليفة للمسلمين، فاستجابت له الأكثرية الساحقة منهم، وشهد العراق من جديد تحرّكات ضد الحكم الأموي.

ويبدو أنّ الذين دعو الإمام الحسينعليه‌السلام إلى العراق عبر الرسائل المتوالية ورحّبوا بممثّله إليهم ثمّ تخلّوا عنه وعن الحسينعليه‌السلام بتلك الصورة المخزية ندموا على موقفهم المُذلّ ذاك، لكن هل الذين تحرّكوا ضدّ الشام كانوا نادمين جميعاً؟

الجواب : كلاّ، فليس جميع الذين تحركوا بعد موت يزيد كانوا يحملون همّ الإسلام، فقد كان هناك من يريد إخضاع الشام للعراق وإعادة عاصمة الخلافة إلى العراق.

وعلى أيّ حال، فقد أعلن المتديّنون والسياسيّون معارضتهم ضد حكم

ــــــــــــــ

(١) منطقة في شرق دمشق.


الشام، لكنّهم لم يحققوا شيئاً يذكر(١) على صعيد إسقاط الحكم على المدى القريب، فقتل سليمان بن صرد قائد التوّابين، ورجع من بقي من جيشه إلى الكوفة، وفي تلك الغضون أظهر المختار بن أبي عبيدة الثقفي دعوته حاملاً شعار يا لثارات الحسينعليه‌السلام .

بدأ المختار بإعداد الشيعة للثورة بعد فشل ثورة التوّابين، وكان يعرف جيداً أنّ أيّ تحرّك شيعي يقتضي زعامة من أهل بيت الرسالةعليهما‌السلام ، وأنّ الانطلاق ينبغي أن يتمّ باسمهم ومَن أفضل من عليّ بن الحسينعليه‌السلام ؟ وإن رفض الإمام الاستجابة لذلك فليس أمامه غير محمد بن علي بن أبي طالب وهو عمّ الإمام السجادعليه‌السلام .

من هنا كاتب المختار الإمام زين العابدينعليه‌السلام وعمّه معاً، أمّا الإمامعليه‌السلام ـ فلم يعلن عن تأييده الصريح له، لكنّهعليه‌السلام أمضى عمله عندما ثأر من قتلة أبيه الحسينعليه‌السلام . أمّا عمه محمد بن الحنفيّة فقد أجاب على سؤال الوفد الذي جاء من الكوفة ليستفسر عن مدى شرعية الانضواء تحت راية المختار قائلاً: أما ما ذكرتم من دعاء مَن دعاكم إلى الطلب بدمائنا فوالله لوددت أنّ الله انتصر لنا من عدوّنا بمن شاء من خلقه(٢) .

وفهم الوفد تأييد ابن الحنفية لحركة المختار وهكذا استطاع المختار أن يستقطب كبار الشيعة مثل إبراهيم بن مالك الأشتر وغيره.

ــــــــــــــ

(١) زندگاني عليّ بن الحسين (= حياة الإمام علي بن الحسين عليه‌السلام ) : ٩٢.

(٢) تاريخ الطبري : ٦/١٢ ـ ١٤ برواية أبي مخنف وابن نما الحلّي في كتابه: شرح الثأر روى عن والده : أنّه قال لهم: قوموا بنا إلى إمامي وإمامكم علي بن الحسين، فلمّا دخلوا عليه وأخبروه خبرهم الذي جاؤوا لأجله قال لعمّه محمّد : يا عمّ، لو أن عبداً زنجيّاً تعصّب لنا أهل البيت لوجب على الناس مؤازرته، وقد وليّتك هذا الأمر فاصنع ما شئت. فخرجوا وهم يقولون : قد أذن لنا زين العابدين ومحمّد بن الحنفية، كما روى عنه في بحار الأنوار : ٤٥/٣٦٥ .


وأرسل المختار رأسَيْ عبيد الله بن زياد وعمر بن سعد إلى الإمام فسجدعليه‌السلام شكراً لله تعالى وقال:(الحمد لله الذي أدرك لي ثأري من أعدائي وجزى الله المختار خيراً) (١) .

وقال اليعقوبي: ووجّه المختار بالرأس الخبيث (أي: رأس ابن زياد) إلى الإمام عليّ بن الحسين، وعهد إلى رسوله بأن يضع الرأس بين يدي الإمام وقت ما يوضع الطعام على الخوان بعد الفراغ من صلاة الظهر، وجاء الرسول إلى باب الإمام، وقد دخل الناس لتناول الطعام، فرفع الرجل عقيرته ونادى: يا أهل بيت النبوّة! ومعدن الرسالة،ومهبط الملائكة، ومنزل الوحي! أنا رسول المختار بن أبي عبيدة الثقفي ومعي رأس عبيد الله بن زياد... ولم تبق علوية في دور بني هاشم إلاّ صرخت(٢) ، ويقول المؤرّخون: إنّ الإمام زين العابدينعليه‌السلام لم يُرَ ضاحكاً منذ أن استشهد أبوه إلاّ في اليوم الذي رأى فيه رأس ابن مرجانة(٣) .

وعن بعض المؤرّخين: أنّه لمّا رأى الإمام رأس الطاغية قال:(سبحان الله، ما اغتّر بالدنيا إلاّ من ليس لله في عنقه نعمة، لقد أُدخل رأس أبي عبد الله على ابن زياد وهو يتغدّى) (٤) .

سنوات المحن والاضطرابات :

كانت الفترة الممتدّة بين عامي (٦٦ و ٧٥ هـ) بالنسبة للشام والحجاز

ــــــــــــــ

(١) رجال الكشي: ١٢٧ ح ٢٠٣ وعنه في. المختار الثقفي: ١٢٤.

(٢) تأريخ اليعقوبي : ٢/٢٥٩ ط بيروت.

(٣) المصدر السابق .

(٤) العقد الفريد :٥ / ١٤٣.


والعراق فترة محن واضطرابات، فلم يتحقّق في هذه المناطق الهدوء والأمن. وشهد الحجاز هجوم قوات عبد الملك على مكة ومقتل عبد الله بن الزبير، إلاّ أنّ نصيب العراق من الاضطرابات كان أكبر من المنطقتين السابقتين. ويمكن القول بجرأة أنّ ما لحق بأهل العراق كان هو النتيجة الطبيعية لدعاء سبط الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليهم، إذ رفع الإمام الحسينعليه‌السلام يده بالدّعاء في كربلاء وقال :(اللهم احبس عنهم قطر السماء وابعث عليهم سنين كسنيّ يوسف وسلّط عليهم غلام ثقيف فيسومهم كأساً مصبَّرة فإنّهم كذّبونا وخذلونا ...) (١) .

وانتقم الله تعالى من أهل العراق الذين كذّبوا الحسين بن عليّعليه‌السلام وخذلوه بواسطة رجل إرهابي مستبد هو الحجاج بن يوسف الثقفي الذي كان (لا يصبر عن سفك الدماء، وارتكاب أمور لا يقدر عليها غيره)(٢) .

واتّخذ الحجّاج سجوناً لا تقي من حرٍّ ولا برد، وكان يعذّب المساجين بأقسى ألوان العذاب وأشدّه، فكان يشدّ على يد السجين القصب الفارسي المشقوق، ويجر عليه حتى يسيل دمه.

يقول المؤرّخون: إنّه مات في حبسه خمسون ألف رجل، وثلاثون ألف امرأة منهنّ ستّ عشرة ألف مجرّدات، وكان يحبس الرجال والنساء في موضع واحد(٣) وأحصي في سجنه ثلاثة وثلاثون ألف سجين لم يحبسوا في دَين ولا تبعة(٤) ، وكان يمرّ على أهل السجن فيقول لهم:( اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا

ــــــــــــــ

(١) تاريخ الطبري : ٥/٤٥١ وعنه في وقعة الطف: ٢٥٤ وقريباً منه في الإرشاد : ٢/١١٠، ١١١. وليس فيه: سنين كسنيّ يوسف ، ولا غلام ثقيف .

(٢) حياة الحيوان : ١٦٧ .

(٣) حياة الحيوان : ١ / ١٧٠.

(٤) معجم البلدان : ٥ / ٣٤٩.


تُكَلِّمُونِ ) (١) .

وقد كان يسخر من المسلمين الذين يزورون قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويقول: تباً لهم، إنّما يطوفون بأعواد و رمّة بالية، هلاّ طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك! ألا يعلمون أنّ خليفة المرء خير من رسوله(٢) ؟!

وعهد عبد الملك بن مروان بالملك من بعده إلى ولده الوليد، وأوصاه بالإرهابي الحجّاج خيراً، وقال له: وانظر الحجاج فأكرمه، فإنّه هو الذي وطّأ لكم المنابر وهو سيفك يا وليد ويدك على من ناواك، فلا تسمعنّ فيه قول أحد وأنت إليه أحوج منه إليك، وادع الناسَ إذا متُّ إلى البيعة، فمن قال برأسه هكذا فقل بسيفك هكذا...(٣) .

ومثّلت هذه الوصية اندفاعاته نحو الشرّ حتى الساعات الأخيرة من حياته، إذ لم يبق بعدها إلاّ لحظات حتى وافته المنيّة، وكانت وفاته في شوال سنة (٨٦ هـ)(٤) وقد سئل عنه الحسن البصري فقال: ما أقول في رجل كان الحجاج سيئة من سيئاته(٥) .

ــــــــــــــ

(١) تهذيب التهذيب : ٢ / ٢١٢.

(٢) شرح النهج : ١٥ / ٢٤٢ عن كتاب: افتراق هاشم وعبد شمس للدبّاس. وقد ورد الخبر قبله في الكامل للمبرّد : ١/٢٢٢. وفي سنن أبي داود: ٤/٢٠٩ والبداية والنهاية : ٩/١٣١ والنصائح الكافية لابن عقيل: ١١ عن الجاحظ ، وفي رسائل الجاحظ : ٢/١٦.

(٣) تاريخ الخلفاء: ٢٢٠.

(٤) البداية والنهاية : ٩ / ٦٨.

(٥) مروج الذهب : ٣ / ٩٦.


الفصل الثالث: استشهاد الإمام زين العابدينعليه‌السلام

وتقلّد الوليد أزمّة الملك بعد أبيه عبد الملك بن مروان، وقد وصفه المسعودي بأنّه كان جبّاراً عنيداً ظلوماً غشوماً(١) ، حتّى طعن عمر بن عبد العزيز الأموي في حكومته، فقال فيه: إنّه ممن امتلأت الأرض به جوراً(٢) .

وفي عهد هذا الطاغية الجبّار استشهد العالم الإسلامي الكبير سعيد بن جبير على يد الحجّاج بن يوسف الثقفي أعتى عامل أموي.

وقد كان الوليد من أحقد الناس على الإمام زين العابدينعليه‌السلام لأنّه كان يرى أنّه لا يتمّ له الملك والسلطان مع وجود الإمام زين العابدينعليه‌السلام .

فقد كان الإمامعليه‌السلام يتمتّع بشعبية كبيرة، حتّى تحدّث الناس بإعجاب وإكبار عن علمه وفقهه وعبادته، وعجّت الأندية بالتحدّث عن صبره وسائر ملكاته، واحتلّ مكاناً كبيراً في قلوب الناس وعواطفهم، فكان السعيد من يحظى برؤيته، ويتشرّف بمقابلته والاستماع إلى حديثه ، وقد شقّ على الأمويين عامّة هذا الموقع المتميّز للإمامعليه‌السلام وأقضّ مضاجعهم، وكان

ــــــــــــــ

(١) مروج الذهب : ٣ / ٩٦.

(٢) تأريخ الخلفاء : ٢٢٣.


من أعظم الحاقدين عليه الوليد بن عبد الملك(١) الذي كان يحلم بحكومة المسلمين وخلافة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وروى الزهري: عن الوليد أنّه قال : لا راحة لي وعليّ بن الحسين موجود في دار الدنيا(٢) .

فأجمع رأيه على اغتيال الإمام زين العابدينعليه‌السلام حينما آل إليه الملك، فبعث سمّاً قاتلاً إلى عامله على يثرب، وأمره أن يدسّه للإمامعليه‌السلام (٣) ونفّذ عامله ذلك، فسَمَتْ روح الإمام العظيمة إلى خالقها بعد أن أضاءت آفاق هذه الدنيا بعلومها وعباداتها وجهادها وتجرّدها من الهوى.

وقام الإمام أبو جعفر محمد الباقرعليه‌السلام بتجهيز جثمان أبيه، وبعد تشييع حافل لم تشهد يثرب نظيراً له; وجيء بجثمانه الطاهر إلى بقيع الفرقد، فحفروا قبراً بجوار قبر عمّه الزكيّ الإمام الحسن المجتبىعليه‌السلام سيّد شباب أهل الجنة وريحانة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ وأنزل الإمام الباقرعليه‌السلام جثمان أبيه زين العابدين وسيّد الساجدينعليه‌السلام فواراه في مقرّه الأخير.

فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيّاً

ــــــــــــــ

(١) هناك من المؤرّخين من يرى أنّ هشام بن عبد الملك هو الذي دسّ السمّ للإمام عليه‌السلام ، راجع بحار الأنوار: ٤٦/١٥٣، ويمكن الجمع بين الرأيين فيكون أحدهما آمراً والآخر منفّذاً للجريمة.

(٢) راجع : حياة الإمام زين العابدين : ٦٧٨ .

(٣) بحار الأنوار : ٤٦ / ١٥٣ عن الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي : ١٩٤ .


الباب الرابع: فيه فصول:

الفصل الأول: نظرة عامة في مسيرة أهل البيتعليهم‌السلام الرسالية.

الفصل الثاني: ملامح عصر الإمام زين العابدينعليه‌السلام .

الفصل الثالث: تخطيط الإمام زين العابدينعليه‌السلام وجهاده.

الفصل الرابع: ظواهر فذة في حياة الإمام زين العابدينعليه‌السلام .

الفصل الأوّل: نظرة عامة في مسيرة أهل البيتعليهم‌السلام الرسالية

للوصول إلى التصور الصحيح عن المسيرة الرساليّة لأهل البيتعليهم‌السلام الرسالية لابدّ أن نجيب على الأسئلة التالية:

١ ـ ما هي الرسالة الإسلامية؟

٢ ـ وما هي الأخطار التي كانت تواجهها؟

٣ ـ وما هي التحصينات التي كان ينبغي اتّخاذها ضد تلك الأخطار.

وقبل الإجابة نقول: هناك نظرتان أساسيتان للكون ولموقف الإنسان منه.

النظرة الأولى :أن الكون مملكة لمليك قدير يراقب من وراء الستار مراقبة غير منظورة. والإنسان في الكون هو الأمين والخليفة لا الأصيل والمتحكم; لأن هذه مملكة غيره بكل ما فيها من وجود بما فيها نفس الإنسان. والإنسان إنّما يقوم بأعباء الخلافة والأمانة. وهذه الخلافة والأمانة تستبطن ضرورة استيحاء الأمر والنهي والتدبير والتقدير والتقديم من قبل ذلك المليك القدير. والأمين لابد له أن يطبّق على الأمانة التي استؤمن عليها قرارات المالك. فلابد للإنسان إذن أن يكون رهن أوامر ذلك المليك القدير.

والجزء الآخر لهذه النظرية الأساسية: أن المسؤولية تستبطن الحساب والثواب والعقاب. وهما يستبطنان وجود عالم آخر وراء هذا العالم لتحقيق نتائج هذه المراقبة المستورة. وحينئذ لا يكون الإنسان قيد هذا الشوط القصير في الدنيا، بل يكون رهن خط طويل، وعلى مستوى أهداف كبيرة لا يستطيع هو أن يستنزفها; إذ تكون أوسع من عمر الإنسان في هذه الدنيا.


وإذا أصبحت البشرية على مستوى الأهداف الكبيرة ـ لأنها انطلقت في غاياتها وفي ثباتها إلى أكثر من حدود هذه الدنيا الفانية ـ حينئذ تستطيع أن تقوم بأعباء تلك الأهداف الكبيرة.

والحضارة الإسلامية عبارة عن هذه النظرة الأساسية بكلّ شُعبها وفروعها التي ترجع بالنهاية إلى تجسيد كامل للعلاقة مع الله سبحانه وتعالى في تفاعل الإنسان في كلّ مجالاته الحيوية والكونية.

والنظرة الثانية : هي أن يرى الإنسان نفسه أصيلاً في هذا الكون، وأن هذا الكون غير خاضع لمليك ومراقبة من وراء الستار. وحينما تتركز في نظره هذه الأصالة وهذا الاستقلال بهذا الكون تنعدم المسؤولية، وإذا انعدمت المسؤولية بقي عليه هو أن يتحمل المسؤولية بنفسه.

فهو بدلاً من أن يشعر بأنه مسؤول ومراقب أمام جهة عُليا تضعه أمام أهداف كبرى في سبيل الثواب الكبير والعقاب الكبير، هو يصنع لنفسه المسؤولية. وحينما يتحمّل هو وضع المسؤولية تكون هذه المسؤولية نتاج نفسه فينعكس فيما وضعه تمام ما في نفسه، أي تمام المحتوى الداخلي والروحي والحسي بكل ما فيه من نقص وانحراف.

وحينما يريد الإنسان أن يحدد لنفسه مسؤولياته ; فإنّما يحددّها على ضوء أهدافه التي سوف يحددها على ضوء ما يراه من الطريق الذي يريد سلوكه.

وحيث إن طريقه محدود في نطاق المادة فسوف تكون الأهداف على مستوى الطريق المحدود... وحينئذ سوف يخسر القيم الأخلاقية ويتولد عن ذلك ـ طبعاً ـ ألوان من الصراع والنزاع بين البشرية.

وجاء الإسلام لِيربي الإنسان على النظرية الأولى بحيث تصبح جزءً من وجوده وتجري مع دمه وعروقه وفكره وعواطفه وتنعكس على كل مجالات تصرفه وسلوكه مع الله سبحانه وتعالى ومع نفسه ومع الآخرين.

ولا بدّ للإسلام حينئذ أن يهيمن على هذا الإنسان، وعلى كل طاقاته وعلاقاته ليستطيع أن يربيه; وكلما كانت الهيمنة أوسع نطاقاً كانت التربية أكثر نجاحاً. فإنّ الأب قد لا ينجح في تربية ابنه لأن وجود ابنه ليس كله تحت هيمنته ; لأن هذا الابن هو ابنه وابن المجتمع أيضاً مادام يتفاعل معه ويتأثر به ويؤثر فيه ويتبادل معه العواطف والمشاعر والأفكار والانفعالات ، وقد يقيم معه علاقات في الحقول الأخلاقية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغير ذلك من مجالات حياته، فهو ليس ابنه وحده بل ابن المجتمع أيضاً.

ومن الطبيعي أن يعجز كثير من الآباء عن تربية أبنائهم في المجتمع الفاسد.


إذن فالتربية الكاملة لا تتحقق إلاّ إذا هيمن المربي على الإنسان هيمنة كاملة، على كل علاقاته الاجتماعية مع غيره بحيث يصبح تمام هذا الوجود تحت سيطرة هذا المربي، فيصير شخص واحد هو الأب وهو المجتمع. وحينئذ يصبح هذا مربّياً كاملاً.

وهذا ما صنعه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين هيمن على العلاقات الاجتماعية لأنه تزعّم المجتمع بنفسه، فأنشأ مجتمعاً وقاده بنفسه ووقف يخطط لهذا المجتمع ويبني كل العلاقات داخل الإطار الاجتماعي: علاقة الإنسان مع نفسه وعلاقته مع ربّه وعلاقته مع عائلته وعلاقته مع بقية أبناء مجتمعه. ولهذا صارت كل هذه الأمور تحت هيمنته وبهذا استكمل الشرط الأساسي للتربية الناجحة(١) .

وبالرغم من أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد مارس عملية التغيير الشاملة للمجتمع وأعرافه وأنظمته ومفاهيمه، لكن الطريق لم يكن قصيراً أمام عملية التغيير الشاملة هذه، بل كان طريقاً ممتداً بامتداد الفواصل المعنوية الضخمة بين الجاهلية والإسلام، فكان على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يبدأ بإنسان الجاهلية فتنشئه إنشاء جديداً ويجعل منه الإنسان الإسلامي الذي يحمل النور الجديد ويجتثّ منه كلّ جذور الجاهلية ورواسبها.

وقد خطا الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعملية التغيير هذه خطوات مدهشة في برهة قصيرة جدّاً(٢) حتّى وأنتجت التربية النبوية إنتاجاً عظيماً وحققت تحوّلاً فريداً.

ولكن الأمة الإسلامية ـ ككل ـ لم تكن قد عاشت في ظل عملية التغيير هذه إلاّ عقداً واحداً من الزمن على أكثر تقدير، وهذا الزمن لا يكفي عادةً في منطق الرسالات العقائدية والدعوات التغييرية ليرتفع الجيل الذي عاش في كنف الرسالة عشر سنوات فقط إلى درجة من الوعي والموضوعية والتّحرر من رواسب الماضي والاستيعاب لمعطيات الرسالة الجديدة استيعاباً يؤهله للقيمومة على الخط الرسالي وتحمّل مسؤوليات الدعوة إلى الله تعالى على بصيرة تامّة ومواصلة عملية التغيير الشاملة بدون قائد رساليّ.

بل إن منطق الرسالات العقائدية يفرض أن تمرّ الأمة بوصاية عقائدية فترة أطول من الزمن تهيؤها للارتفاع إلى مستوى تلك القيمومة(٣) .

ــــــــــــــ

(١) أهل البيت تنوع أدوار ووحدة هدف: ١١٧ ـ ١٢٢، طبعة دار التعارف.

(٢) بحث حول الولاية: ١٥، طبعة دار التعارف.

(٣) المصدر السابق : ٥٩.


وباعتبار أن الإسلام كان يريد تحقيق أهدافه كاملة كان ينبغي أن يستمر تطبيقه على يد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نفسه فيمتدّ به العمر حتى يستكمل كلّ الشروط اللازمة للتربية الشاملة في فترة زمنية كافية أو يوكل أمر تطبيق الإسلام إلى من يخلفه من القادة الأكفاء الذين بلغوا درجة العصمة في مستواهم العقائدي والفكري والعملي ليصونوا أمر التربية من أي انحراف أو انهيار.

إذن منطق العمل التغييري على مسار التاريخ كان يفرض على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يصون تجربته من أيّ ضعف أو اندحار، وذلك من خلال استمرار الوصاية على التجربة الانقلابية الجديدة وهكذا كان فقد تمثّلت مهمّة صيانته للتجربة الفتيّة في أهل بيته المعصومين عليهم‌السلام الذين أعدّهم بنفسه إعداداً رسالياً وقيادياً خاصّاً ليكونوا قادرين على مواصلة عملية التغيير الشاملة بالشكل المطلوب، والمنسجم مع أهداف الرسالة الكبرى.

الأخطار التي كان يواجهها الإسلام :

لم يكن الإسلام نظرية بشرية لكي تتحدَّدْ فكرياً من خلال الممارسة والتطبيق وتتبلور مفاهيمه عبر التجربة المخلصة، وإنما هو رسالة الله التي حُدّدت فيها الأحكام والمفاهيم وزوّدت ربّانياً بكلّ التشريعات العامّة التي تتطلبها التجربة، فلا بدّ لزعامة هذه التجربة من استيعاب الرسالة بحدودها وتفاصيلها ووعي كامل لأحكامها ومفاهيمها، وإلاّ كانت مضطرة إلى استلهام مسبّقاتها الذهنية ومرتكزاتها القَبْلية وذلك يؤدّي إلى نكسة في مسيرة التجربة وبخاصة إذا لاحظنا أن الإسلام كان هو الرسالة الخاتمة من رسالات السماء التي يجب أن تمتد مع الزمن وتتعدى كل الحدود الوقتية والإقليمية


والقومية، الأمر الذي لا يسمح بأن تمارس زعامته ـ التي تشكل الأساس لكلّ ذلك الإمتداد ـ تجارب الخطأ والصواب التي تتراكم فيها الأخطاء عبر فترة من الزمن حتى تشكل ثغرة تهدد التجربة بالسقوط والانهيار(١) .

وقد برهنت الأحداث بعد وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على هذه الحقيقة وتجلّت بعد نصف قرن أو أقلّ من خلال ممارسة جيل المهاجرين الذين لم يُرَشَّحوا من قبل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لإمامة الدعوة ولم يكونوا مؤهلين للقيمومة عليها.

ولم يمض ربع قرن حتى بدأت الخلافة الراشدة تنهار تحت وقع الضربات الشديدة التي وجّهها أعداء الإسلام القدامى فاستطاعوا أن يتسلّلوا إلى مراكز النفوذ في التجربة بالتدريج ويشغلوا القيادة غير الواعية ثم صادروا بكل وقاحة وعنف تلك القيادة وأجبروا الأمة وجيلها الطليعي الرائد على التنازل عن شخصيّته وقيادته وتحولت الزعامة إلى ملك موروث يستهتر بالكرامات ويقتل الأبرياء ويبعثر الأموال ويعطّل الحدود ويجمّد الأحكام ويتلاعب بمقدرات الناس وأصبح الفيىء والسواد بستاناً لقريش، والخلافة كرة يتلاعب بها صبيان بني أمية(٢) .

مضاعفات الانحراف في القيادة الإسلامية :

وهكذا واجه الإسلام بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انحرافاً خطيراً في صميم التجربة الإسلامية التي أنشأها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للمجتمع الإسلامي والأمة الإسلامية. وهذا الانحراف في التجربة الاجتماعية والسياسية للأمّة في الدولة الإسلامية كان بحسب طبيعة الأشياء من المفروض أن يتسع ليتعمق بالتدريج على مرّ الزمن; إذ الانحراف يبدأ بذرة ثمّ تنمو هذه البذرة، وكلما تحققت مرحلة من الانحراف; مهّدت هذه المرحلة لمرحلة أوسع وأرحب.

فكان من المفروض أن يصل هذا الانحراف إلى خط منحن طوال

ــــــــــــــ

(١) بحث حول الولاية : ٥٧ ـ ٥٨ .

(٢) المصدر السابق : ٦٠ ـ ٦١.


عملية تاريخية زمنية طويلة المدى يصل به إلى الهاوية فتمر التجربة الإسلامية للمجتمع والدولة لتصبح مليئة بالتناقضات من كل جهة ومن كل صوب، وتصبح عاجزة عن مواكبة الحدّ الأدنى من حاجات الأمة ومصالحها الإسلاميّة والإنسانيّة.

وحينما يتسلسل الانحراف في خط تصاعدي فمن المنطقي أن تتعرض التجربة بعد مدى من الزمن لانهيار كامل. إذن الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي والحضارة الإسلامية لقيادة المجتمع كان من المفروض أن تتعرض كلّها للانهيار الكامل; لأن هذه التجربة حين تصبح مليئة بالتناقضات وحين تصبح عاجزة عن مواجهة وظائفها الحقيقية; تصبح عاجزة عن حماية نفسها; لأن التجربة تكون قد استنفدت إمكانية البقاء والاستمرار على مسرح التاريخ، كما أن الأمة ليست على مستوى حمايتها; لأن الأمة لا تجني من هذه التجربة الخير الذي تفكّر فيه ولا تحقق عن طريق هذه التجربة الآمال التي تصبو إليها فلا ترتبط بأي ارتباط حياتي حقيقي معها، فالمفروض أن تنهار هذه التجربة في مدى من الزمن كنتيجة نهائية حتمية لبذرة الانحراف التي غرست فيها.

مضاعفات انهيار الدولة الإسلامية:

ومعنى انهيار الدولة الإسلامية أن تسقط الحضارة الإسلامية وتتخلى عن قيادة المجتمع ويتفكك المجتمع الإسلامي، ويُقصى الإسلام عن مركزه كقائد للمجتمع وكقائد للأمة، لكن الأمة تبقى طبعاً، حين تفشل تجربة المجتمع والدولة، لكنها سوف تنهار أمام أول غزو يغزوها، كما انهارت أمام الغزو التتري الذي واجهته الخلافة العباسية.

وهذا الانهيار يعني: أن الدولة والتجربة قد سقطت وأن الأمة بقيت، لكن هذه الأمة أيضاً بحسب تسلسل الأحداث من المحتوم أن تنهار كأمة تدين بالإسلام وتؤمن به وتتفاعل معه; لأن هذه الأمة قد عاشت الإسلام الصحيح زمناً قصيراً جداً وهو الزمن الذي مارس فيه الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم زعامة التجربة وبعده عاشت الأمة التجربة المنحرفة التي لم تستطع أن تعمّق الإسلام وتعمّق المسؤولية تجاه عقيدتها ولم تستطع أن تثقّفها وتحصّنها وتزوّدها بالضمانات الكافية لئلاّ تنهار أمام الحضارة الجديدة والغزو الجديد والأفكار الجديدة التي يحملها الغازي إلى بلاد الإسلام. ولم تجد هذه الأمة نفسها قادرة على تحصين نفسها بعد انهيار التجربة والدولة والحضارة بعدما أهينت كرامتها وحُطِّمتْ إرادتها وغُلّت أياديها عن طريق الزعامات التي مارست تلك التجربة المنحرفة وبعد أن فَقَدتْ روحها الحقيقية، لأن تلك الزعامات كانت تريد إخضاعها لزعامتها القسريّة.


إن هذه الأمة من الطبيعي أن تنهار بالاندماج مع التّيار الكافر الذي غزاها وسوف تذوب الأمة وتذوب الرسالة والعقيدة أيضاً وتصبح الأمة خبراً بعد أن كانت أمراً حقيقياً على مسرح التاريخ وبهذا ينتهي دور الإسلام نهائياً(١) .

لقد كان هذا هو التسلسل المنطقي لمسيرة الدولة والأمة والرسالة بقطع النظر عن دور الأئمّة المعصومين الذين أوكلت لهم مهمة صيانة التجربة والدولة والأمة والرسالة جميعاً.

ويتلخص دور الأئمّة الراشدين الذين اختارهم الله ونص عليهم الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لصيانة الإسلام وتطبيقه وتربية الإنسانية على أساسه وصيانة دولة الرسول الخاتم من الانهيار والتردّي في أمرين مهمّين وخطّين أساسيين بعد أن كانت التجربة الإسلامية تشتمل على عناصر ثلاثة باعتبارها

ــــــــــــــ

(١) راجع: أهل البيت تنوّع أدوار ووحدة هدف: ١٢٧ ـ ١٢٩.


عملية تربية تتكوّن من (فاعل) هو المربي ومن (تنظيم) تقدّمه الشريعة ومن (حقل لهذا التنظيم) وهو الأمة(١) .

والانحراف الذي بدأ يغيّر هذه العناصر الثلاثة انطلق من افتقاد المربي الكفوء للأمة بوفاة سيد المرسلينصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وكان انهدام هذا العنصر كفيلاً بهدم العنصرين الآخرين إذ لم يكن مَن جاء بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لقيادة التجربة كفوءاً لقيادتها كالنبي نفسه علماً وعصمةً ونزاهةً وقدرةً وشجاعةً وكمالاً، وإنّما تزعّمها مَن لم يكن معصوماً ومنصهراً في حقيقة الرسالة ولم يكن مالكاً للضمانات اللازمة لصيانتها من الانحراف عن الخط الذي رسمه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لهذه الأمة، ذلك الانحراف الذي لم يتصور المسلمون مدى عمقه ومدى تأثيره السلبي على الدولة والأمة والشريعة جميعاً على طول الخط ; إذ لعلّهم كانوا قد اعتبروه تغيير شخص لا تغيير خط.

والخطّان الرئيسان اللذان عمل الأئمّة عليهما وكان عليهم أن يوظّفوا نشاطهم لهما هما:

١ ـ خط تحصين الأمة ضد الانهيار بعد سقوط التجربة، وإعطائها من المقومات القدر الكافي لكي تبقى واقفة على قدميها بقدم راسخة وبروح مجاهدة وبإيمان ثابت.

٢ ـ خط محاولة تسلّم زمام التجربة وزمام الدولة ومحو آثار الانحراف وإرجاع القيادة إلى موضعها الطبيعي لتكتمل عناصر التربية ولتتلاحم الأمة والمجتمع مع الدولة والقيادة الرشيدة(٢) .

أما الخط الثاني فكان على الأئمّة الراشدين ان يقوموا بإعداد طويل المدى له، من أجل تهيئة الظروف الموضوعية اللازمة التي تتناسب وتتفق مع مجموعة القيم والأهداف والأحكام الأساسية التي جاءت بها الرسالة الإسلامية وأريد تحقيقها من خلال الحكم وممارسة الزعامة باسم الإسلام القيّم وباسم الله المشرّع للإنسان ما يوصله إلى كماله اللائق.

ــــــــــــــ

(١) أهل البيت تنوّع أدوار ووحدة هدف : ١٢٢ .

(٢) المصدر السابق : ٥٩.


ومن هنا كان رأي الأئمّة في استلام زمام الحكم أن الانتصار المسلّح الآنيّ غير كاف لإقامة دعائم الحكم الإسلامي المستقر بل يتوقف ذلك على إعداد جيش عقائدي يؤمن بالإمام وبعصمته إيماناً مطلقاً يعيش أهدافه الكبيرة ويدعم تخطيطه في مجال الحكم ويحرس ما يحققه للأمة من مصالح أرادها الله لها.

وأما الخط الأوّل فهو الخط الذي لا يتنافى مع كل الظروف القاهرة وكان يمارسه الأئمّةعليهم‌السلام حتى في حالة الشعور بعدم توفر الظروف الموضوعية التي تهيئ الإمام لخوض معركة يتسلّم من خلالها زمام الحكم من جديد.

إن هذا الدور وهذا الخط هو تعميق الرسالة فكرياً وروحيّاً وسياسياً للأمة نفسها بغية إيجاد تحصين كاف في صفوفها ليؤثّر في تحقيق مناعتها وعدم انهيارها بعد تردّي التجربة وسقوطها وذلك بإيجاد قواعد واعية في الأمة وإيجاد روح رسالية فيها وإيجاد عواطف صادقة تجاه هذه الرسالة في الأمة(١) .

واستلزم عمل الأئمّةعليهم‌السلام في هذين الخطين قيامهم بدور رسالي ايجابي وفعّال على طول الخط لحفظ الرسالة والأمة والدولة وحمايتها باستمرار. وكلما كان الانحراف يشتد; كان الأئمة يتخذون التدابير اللازمة

ــــــــــــــ

(١) أهل البيت تنوع ادوار ووحدة هدف : ١٣١ ـ ١٣٢ و١٤٧ ـ ١٤٨.


ضد ذلك وكلما وقعت محنة للعقيدة أو التجربة الإسلامية وعجزت الزعامات المنحرفة من علاجها ـ بحكم عدم كفاءتها ـ بادر الأئمّة إلى تقديم الحلّ ووقاية الأمة من الأخطار التي كانت تهددّها. فالأئمّةعليهم‌السلام كانوا يحافظون على المقياس العقائدي في المجتمع الإسلامي إلى درجة لا تنتهي بالأمة إلى الخطر الماحق لها(١) .

ومن هنا تنوع عمل الأئمةعليهم‌السلام في مجالات شتى باعتبار تعدد العلاقات وتعدّد الجوانب والمهام التي تهمهم كقيادة واعية رشيدة تريد تطبيق الإسلام وحفظه وضمان خلوده للإنسانية جمعاء.

فالأئمّة مسؤولون عن صيانة تراث الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الأعظم وثمار جهوده الكريمة المتمثلة في:

١ ـ الشريعة والرسالة التي جاء بها الرسول الأعظم من عند الله والمتمثلة في الكتاب والسنة الشريفين.

٢ ـ الأمة التي كوّنها ورباها الرسول الكريم بيديه الكريمتين.

٣ ـ المجتمع السياسي الإسلامي الذي أوجده النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو الدولة التي أسسها وشيّد أركانها.

٤ ـ القيادة النموذجية التي حققها بنفسه وربّى من يكون كفوءاً لتجسيدها من أهل بيته الطاهرين.

لكنّ عدم إمكان الحفاظ على المركز القيادي الذي رُشّح له الأئمّة المعصومون من قبل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وانتُخِبوا لاستلامه ولتربية الأمة من خلاله لا يحول دون الاهتمام بمهمة الحفاظ على المجتمع الإسلامي السياسي وصيانة الدولة الإسلامية من الانهيار بالقدر الممكن الذي يتسنّى لهم بالفعل وبمقدار ما تسمح به الظروف الواقعية المحيطة بهم.

كما أن سقوط الدولة الإسلامية لا يحول دون الاهتمام بالأمة كأمة مسلمة ودون الاهتمام بالرسالة والشريعة كرسالة إلهية وصيانتها من الانهيار والاضمحلال التام.

وعلى هذا الأساس تنوّعت مجالات عمل الأئمّة جميعاً بالرغم من اختلاف ظروفهم من حيث نوع الحكم القائم ومن حيث درجة ثقافة الأمة ومدى وعيها وإيمانها ومعرفتها بالأئمّةعليهم‌السلام ومدى انقيادها للحكام المنحرفين ومن حيث نوع الظروف المحيطة بالكيان الإسلامي والدولة الإسلامية ومن حيث درجة التزام الحكّام بالإسلام ومن حيث نوع الأدوات التي كان يستخدمها الحكّام لدعم حكمهم وإحكام سيطرتهم.

ــــــــــــــ

(١) أهل البيت تنوع أدوار ووحدة هدف : ١٤٤.


فللأئمّةعليهم‌السلام نشاط مستمر تجاه الحكم القائم والزعامات المنحرفة وقد تمثّل في إيقاف الحاكم عن المزيد من الانحراف، بالتوجيه الكلامي، أو بالثورة المسلّحة ضد الحاكم حينما كان يشكّل انحرافه خطراً ماحقاً ـ كثورة الإمام الحسينعليه‌السلام ضد يزيد بن معاوية ـ إن كلّفهم ذلك حياتهم، أو عن طريق إيجاد المعارضة المستمرة ودعمها بشكل وآخر من أجل زعزعة القيادة المنحرفة بالرغم من دعمهم للدولة الإسلامية بشكل غير مباشر حينما كانت تواجه خطراً ماحقاً أمام الكيانات الكافرة.

وكان للأئمّةعليهم‌السلام نشاط مستمر في مجال تربية الأمة عقائدياً وأخلاقياً وسياسياً وذلك من خلال تربية الأصحاب العلماء وبناء الكوادر العلمية والشخصيات النموذجية التي تقوم بمهمة نشر الوعي والفكر الإسلامي وتصحيح الأخطاء المستجدة في فهم الرسالة والشريعة، ومواجهة التيارات الفكرية الوافدة المنحرفة أو التيارات السياسية المنحرفة أو الشخصيّات العلمية المنحرفة التي كان يستخدمها الحاكم المنحرف لدعم زعامته، كما قدّموا البديل الفكري والأخلاقي والسياسي للزعامة المنحرفة والذي كان يتمثل في زعامة أهل البيت الأطهار المشروعة، وتصعيد درجة معرفة الأمة لهم والإيمان بهم والوعي اللازم تجاه إمامتهم وزعامتهم.

هذا فضلاً عن نزول الأئمّةعليهم‌السلام إلى ساحة الحياة العامة والارتباط بالأمة بشكل مباشر والتعاطف مع قطاع واسع من المسلمين; فإن الزعامة الجماهيرية الواسعة النطاق التي كان يتمتع بها أئمة أهل البيتعليهم‌السلام على مدى قرون لم يحصل عليها أهل البيت صدفة أو لمجرد الانتماء لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ; وذلك لوجود كثير ممن كان ينتسب إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يكن يحظى بهذا الولاء; لأن الأمة لا تمنح على الأغلب الزعامة مجاناً ولا يملك الفرد قيادتها وميل قلوبها من دون عطاء سخيّ منه في مختلف مجالات اهتمام الأمة ومشاكلها وهمومها.

وهكذا خرج الإسلام على مستوى النظرية سليماً من الانحراف إن تشوّهت معالم التطبيق، وتحولّت الأمة إلى اُمّة عقائدية تقف بوجه الغزو الفكري والسياسي الكافر واستطاعت أن تسترجع قدرتها وروحها على المدى البعيد كما لاحظناه في هذا القرن المعاصر بعد عصور الانهيار والتردي.


وقد حقق الأئمّة المعصومون عليهم‌السلام كل هذه الانتصارات بفضل اهتمامهم البليغ بتربية الكتلة الصالحة التي تؤمن بهم وبإمامتهم فأشرفوا على تنمية وعيها وإيمانها من خلال التخطيط لسلوكها وحمايتها باستمرار وإسعافها بكل الأساليب التي كانت تساعد على صمودها في خضمّ المحن وارتفاعها إلى مستوى جيش عقائدي رسالي يعيش هموم الرسالة ويعمل على صيانتها ونشرها وتطبيقها ليل نهار.

مراحل حركة الأئمّة الطاهرينعليهم‌السلام :

وإذا رجعنا إلى تاريخ أهل البيتعليهم‌السلام والظروف المحيطة بهم ولاحظنا سلوكهم ومواقفهم العامة والخاصة استطعنا أن نصنّف ظروفهم ومواقفهم إلى مراحل وعصور ثلاثة يتميز بعضها عن بعض بالرغم من اشتراكهم في كثير من الظروف والمواقف ولكن الأدوار تتنوع باعتبار مجموعة الظواهر العامّة التي تشكل خطّاً فاصلاً ومميّزاً لكل عصر.

فالمرحلة الأولى من حياة الأئمّةعليهم‌السلام وهي (مرحلة تفادي صدمة الانحراف) بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تجسّدت في سلوك ومواقف الأئمّة الأربعة: علي والحسن والحسين وعلي بن الحسينعليهم‌السلام فقاموا بالتحصينات اللازمة لصيانة العناصر الأساسية للرسالة وإن لم يستطيعوا القضاء على القيادة المنحرفة. لكنهم استطاعوا كشف زيفها والمحافظة على الرسالة الإسلامية نفسها. وبالطبع إنهم لم يهملوا الأمة أو الدولة الإسلامية بشكل عام من رعايتهم واهتماماتهم فيما يرتبط بالكيان إسلامي والأمة المسلمة فضلاً عن سعيهم البليغ في بناء وتكوين الكتلة الصالحة المؤمنة بقيادتهم.

وتبدأ المرحلة الثانية بالشطر الثاني من حياة الإمام السجاد السياسية حتى الإمام الكاظمعليه‌السلام وتتميز بأمرين أساسيين:

١ ـ أما فيما يرتبط بالخلافة المزيّفة فقد تصدى هؤلاء الأئمّة لتعريتها عن التحصينات التي بدأ الخلفاء يحصّنون بها أنفسهم من خلال دعم طبقة من المحدّثين والعلماء (وهم وعّاظ السلاطين) لهم وتقديم التأييد والولاء لهم من أجل إسباغ الصبغة الشرعية على زعامتهم بعد أن استطاع الأئمّة في المرحلة الأولى أن يكشفوا زيف خط الخلافة وأن يُحَسِّسوا الأمة بمضاعفات الانحراف الذي حصل في مركز القيادة بعد الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .


٢ ـ وأما فيما يرتبط ببناء الكتلة الصالحة الذي أرسيت دعائمه في المرحلة الأولى فقد تصدى الأئمّة المعصومون في هذه المرحلة إلى تحديد الإطار التفصيلي وإيضاح معالم الخط الرسالي الذي اُؤتمن الأئمّة الأطهارعليهم‌السلام عليه والذي تمثّل في تبيين ونشر معالم النظرية الإسلامية الإمامية وتربية عدة أجيال من العلماء على أساس الثقافة الإسلامية الإمامية الناصعة في قبال الخط العُلمائي الخلفائي (وهو خط وعاظ السلاطين).

هذا فضلاً عن تصديهم لدفع الشبهات وكشف زيف الفرق المذهبية التي استحدثت من قبل خط الخلافة أو غيره.

والأئمّة في هذه المرحلة لم يتوانوا في زعزعة الزعامات والقيادات المنحرفة من خلال دعم بعض خطوط المعارِضة للسلطة ولاسيما بعض الخطوط الثورية منها التي كانت تتصدى لمواجهة من تربَّع على كرسيّ خلافة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد ثورة الإمام الحسينعليه‌السلام .

وأما فيما يخص المرحلة الثالثة من حياة الأئمّة من أهل البيتعليهم‌السلام بدءً بشطر من حياة الإمام الكاظمعليهم‌السلام وانتهاءً بالإمام المهديعليه‌السلام فإنهم بعد وضع التحصينات اللازمة للكتلة الصالحة ورسم المعالم والخطوط التفصيلية لها عقائدياً وأخلاقياً وسياسيّاً في المرحلة الثانية قد بدا للخلفاء أن قيادة أهل البيتعليهم‌السلام أصبحت بمستوى تسلّم زمام الحكم والعودة بالمجتمع الإسلامي إلى حظيرة الإسلام الحقيقي، مما خلّف ردود فعل للخلفاء تجاه الأئمّةعليهم‌السلام ، وكانت مواقف الأئمّة تجاه الخلفاء تبعاً لنوع موقف الخليفة تجاههم وتجاه قضيتهم.

وأما فيما يرتبط بالكتلة الصالحة التي أوضحوا لها معالم خطها فقد عمل الأئمّةعليهم‌السلام على دفعها نحو الثبات والاستقرار والانتشار من جهة لتحصينها من الانهيار وإعطائها درجة من الاكتفاء الذاتي من جهة أُخرى، وكان يقدّر الأئمّة أنهم بعد المواجهة المستمرة للخلفاء سوف لا يُسمح لهم بالمكث بين ظهرانيهم وسوف لن يتركهم الخلفاء أحراراً بعد أن تبين زيفهم ودَجلهم واتضحت لهم المكانة الشعبية للأئمّة الذين كانوا يمثّلون الزعامة الشرعية والواقعية للأمة الإسلامية.

ومن هنا تجلّت ظاهرة تربية الفقهاء بشكل واسع ثم إرجاع الناس إليهم وتدريبهم على مراجعتهم في قضاياهم وشؤونهم العامة تمهيداً للغيبة التي لا يعلم مداها إلاّ الله سبحانه والتي أخبر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن تحققها وأملت الظروف عليهم الانصياع إليها.


وبهذا استطاع الأئمّةعليهم‌السلام ـ ضمن تخطيط بعيد المدى ـ أن يقفوا بوجه التسلسل الطبيعي لمضاعفات انحراف القيادة الإسلامية والتي كانت تنتهي بتنازل الأمة عن الإسلام الصحيح وبالتالي ضمور الشريعة وانهيار الرسالة الإلهية بشكل كامل.

فالذي جعل الأمة لا تتنازل عن الإسلام هو أن الإسلام قُدّم له مثل آخر واضح المعالم، أصيل المُثل والقيم، أصيل الأهداف والغايات، وقُدّمت هذه الأطروحة من قبل الواعين من المسلمين بزعامة الأئمّة من أهل البيت المعصومين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.

إن هذه الأطروحة التي قدّمها الأئمّة الطاهرينعليهم‌السلام للإسلام لم تكن تتفاعل مع الشيعة المؤمنين بإمامة أهل البيتعليهم‌السلام فقط، بل كان لها صدى كبير في كل العالم الإسلامي، فالأئمّة الأطهار كانت لهم أطروحة للإسلام وكانت لهم دعوى لإمامتهم، وهذه الدعوى وان لم يطلبوا لها إلاّ عدداً ضئيلاً من مجموع الأمة الإسلامية ولكن الأمة بمجموعها تفاعلت مع هذه الأطروحة التي تُمَثّل النموذج والمخطط الواضح الصحيح الصريح للإسلام في كل المجالات العامة والخاصة اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً وخلقياً وعبادياً مما جعل المسلمين على مرّ الزمن يسهرون على الإسلام ويقيمونه وينظرون إليه بمنظار آخر غير منظار الواقع الذي كانوا يعيشونه من خلال الحكم القائم(١) .

ــــــــــــــ

(١) أهل البيت تنوع أدوار ووحدة هدف : ٧٩ ـ ٨٠ .


الفصل الثاني: ملامح عصر الإمام زين العابدينعليه‌السلام

تبيّن بوضوح من خلال البحوث السابقة أنّ الإمام زين العابدينعليه‌السلام قد عاش أقسى فترة من الفترات التي مرّت على القادة من أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام ، لأنّه عاصر قمّة الإنحراف الذي بدأ بعد وفاة الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وذلك أنّ الانحراف في زمن الإمام زين العابدينعليه‌السلام قد أخذ شكلاً صريحاً، لا على مستوى المضمون فقط بل على مستوى الشعارات المطروحة أيضاً من قبل الحكّام في مجال العمل والتنفيذ، وانكشف واقع الحكّام لدى الجماهير المسلمة بعد مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام ولم يبق ما يستر عورة حكمهم أمام الأمة التي خبرت واقعهم وحقيقتهم المزرية.

وقد عاصر الإمامعليه‌السلام كلّ المحن والبلايا التي وقعت أيّام جدّه أمير المؤمنين علىّعليه‌السلام إذ ولد قبل استشهاد الإمام علىّعليه‌السلام وتفتحت عيناه وجَدّهعليه‌السلام في محنته في خط الجهاد مع الناكثين والقاسطين والمارقين، ومن ثمّ عاش مع عمّه الإمام الحسنعليه‌السلام في محنته مع معاوية وعُمّالهِ وعملائه، ومع أبيه الحسينعليه‌السلام وهو في محنته الفاجعة إلى أن استقلّ بالمحنة وجهاً لوجه، وقد وصلت به المحنة ذروتها عندما رأى جيوش بني أمية تدخل مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المدينة وتربط خيولها في المسجد، هذا المسجد الذي كان منطلقاً للرسالة وأفكارها إلى العالم أجمع، وقد أصاب هذا المسجد في عهد الإمام زين العابدينعليه‌السلام كثير من الذلّ والهوان على يد الجيش الأموي الذي أباح المدينة والمسجد معاً، وهتك حرمات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيهما جميعاً.

وكان القتل هو أبسط الوسائل التي استعملت في ذلك العصر مع المعارضين، إذ كان التمثيل الانتقامي والصلب على الأشجار وتقطيع الأيدي والأرجل وألوان العقاب البدني لغة الحديث اليومي.


وانغمس الأمويون في الترف، وقد ذكر المؤرّخون نوادر كثيرة من ترفهم وتلاعبهم باقتصاد الأمة وثرواتها(١) ، حتى بالغوا في هباتهم للشعراء وأجزلوا العطاء للمغنّين(٢) ، وسادت حياة اللهو والعبث والمجون في كثير من أنحاء العالم الإسلامي وخصوصاً في مكّة والمدينة، وعمدت السلطات الأموية إلى إشاعة ذلك فيهما لإسقاط هيبتهما من نفوس المسلمين.

لقد شاع الغناء في مدينة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بشكل يندى له جبين الإنسان المؤمن بالله وبرسوله، حتى صارت مركزاً له.

قال أبو الفرج: إنّ الغناء في المدينة لا يُنكره عالمهم، ولا يدفعه عابدهم(٣) .

وقال أبو يوسف لبعض أهالي المدينة: ما أعجب أمركم يا أهل المدينة في هذه الأغاني! ما منكم شريف ولا دنيء يتحاشى عنها(٤) !!.

وكان العقيق إذا سال وأخذ المغنّون يلقون أغانيهم لم تبق في المدينة

ــــــــــــــ

(١) حياة الإمام زين العابدين عليه‌السلام دراسة وتحليل: ٦٦٥.

(٢) الأغاني : ١ / ٥٥، ٤ / ٤٠٠، ٥ / ١١١.

(٣) الأغاني : ٨ / ٢٢٤.

(٤) العقد الفريد : ٣ / ٢٣٣.


مخبّأة ولا شابة ولا شابّ ولا كهل إلاّ خرج ببصره ليسمع الغناء(١) .

نعم غدت المدينة في ذلك العصر مركزاً من مراكز الغناء في الحاضرة الإسلامية وأصبحت معهداً متميزاً لتعليم الجواري الغناء(٢) . بينما كانت الشريعة الإسلامية قد حاربت اللهو والمجنون ودعت الإنسان المسلم إلى حياة الجدّ والاجتهاد والكدح من أجل إعمار حياته الدنيا وحياته الأُخرى بالصالحات واستباق الخيرات وتسلّق قمم الكمال والحرص على أثمن لحظات عمره في هذه الحياة وصيانتها من الضياع والخسران.

أمّا الحياة العلمية في عصر الإمام زين العابدينعليه‌السلام فقد كانت مشلولةً بما حوته هذه الكلمة من معنى، إذ كان الخط السياسي الذي سارت عليه الدولة الأموية منذ تأسيسها يرتكز على مجافاة العلم، وإقصاء الوعي والثقافة من حياة المسلمين، وجرّهم إلى منحدر سحيق من الجهل; لأنّ بلورة الوعي العام وإشاعة العلم بين المسلمين كان يهدّد مصالحهم ودوام ملكهم القائم على استغلال الجهل والغفلة التي روّج لها من تقمّص الخلافة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

أمّا الطابع الخاصّ للحياة الأدبية فتعرفه ممّا جرى على لسان شعراء ذلك العصر، فهو لم يمثّل أيّ مشكلة اجتماعية من مشاكل ذلك العصر على كثرتها، كما أنّه لم يمثّل أيّ جدٍّ في الحياة العقلية والأدبية، وإنّما كان شعراً قَبَليّاً يحكي فيه كلّ شاعر ما امتازت به قبيلته من كرم الضيافة ووفرة المال والعدد، كما غدا الأدب سوقاً للهجاء المرّ والتنابز بالألقاب(٣) .

ــــــــــــــ

(١) العقد الفريد : ٣ / ٢٤٥ .

(٢) راجع : الأغاني : ٢ / ٢٢٦، ٣ / ٣٠٧، ٤ / ٢٢٢، ٦ / ٢١، ٧ / ٣١٦، و ٣٣٢ ، ٨ / ٢٢٧، ١٠ / ٥٧.

والشعر والغناء في المدينة ومكة: ٢٥٠.

(٣) حياة الإمام زين العابدين عليه‌السلام ، دراسة وتحليل : ٦٧٢ ـ ٦٧٣.


الفصل الثالث: تخطيط الإمام زين العابدينعليه‌السلام وجهاده

نجد في سيرة الأئمّةعليهم‌السلام العديد من الأدلّة التي أوضحوا من خلالها للناس سبب الاختلاف في أساليبهم في قيادة الحركة الإسلامية من إمام لآخر.

فالإمام السجادعليه‌السلام قال له عبّاد البصري وهو في طريق مكّة: تركت الجهاد وصعوبته وأقبلت على الحجّ ولينه، و( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ) (١) فأجابه الإمامعليه‌السلام : إقرأ بعدها:( التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) ، ثمّ قالعليه‌السلام :إذا ظهر هؤلاء ـ يعني المؤمنين حسب مواصفاتهم في الآية ـلم نؤثر على الجهاد شيئاً (٢) .

وبهذه الإجابة حدّد الإمامعليه‌السلام بشكل صارم سياسته ولون كفاحه، ووجهة حركته في عصره، ومن ثمّ الأسباب الموجبة لذلك المسار، فإنّ عدوله عن الكفاح المسلّح والمواجهة العسكرية للحكم الأموي لم تأتِ حبّاً في الحياة ونعيمها كما تصوّر عبّاد البصري، وإنّما جاء ذلك لأنّ مستلزمات العمل العسكري الناجح غير متوفرة، ولأنّ النتائج من أيّ تحدٍّ للسلطان في تلك الظروف تكون عكسيّةً تماماً.

ــــــــــــــ

(١) التوبة (٩): ١١١.

(٢) من لا يحضره الفقيه : ٢ / ١٤١، ومناقب آل أبي طالب : ٤ / ١٧٣ باختلاف يسير في الألفاظ.


وبعد ملحمة كربلاء مباشرةً تبنّى الإمام السجادعليه‌السلام وكرائم أهل البيت كزينب واُمّ كلثوم ـ عليهم صلوات الله وسلامه ـ سياسة إسقاط الأقنعة التي كان الأمويون قد غطّوا وجوه سياستهم الكالحة الخطيرة بها، وحمّلوا الأمة كذلك مسؤوليتها التاريخية أمام الله والرسالة.

ومن هنا نلاحظ بوضوح أنّ الخطب والتصريحات التي صدرت عن الإمام زين العابدينعليه‌السلام وعقائل أهل البيتعليهم‌السلام في العراق قد انصبّت على مخاطبة ضمائر الناس كمجموع، وإلفات نظر الناس إلى جسامة الخطر الذي حاق بهم، وإلى حجم الجريمة التي ارتكبتها بنو أمية بحقّ رسالة الله تعالى.

وفي الشام ركّزت كلمات الإمام السجّادعليه‌السلام على التعريف بالسبايا ذاتهم، وأنّهم آل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ فضح الحكم الأموي وتعريته أمام أهل الشام الذين أضلّهم عن رؤية الواقع.

وقبل دخوله المدينة عمل الإمام السجادعليه‌السلام على إثارة الرأي والوعي العام الإسلامي وتوجيهه إلى محنة الرسالة التي تمثّلت في فاجعة الطفّ، فقد كان خطابه الذي ألقاه بالناس يستبطن هذه المعاني.

ولقد أعطت تجربة كربلاء مؤشّراً عملياً على أنّ الأمة المسلمة في حالة ركود وتبلّد ممّا جعل الروح الجهادية لديها في حالة غياب إن لم نقل إنّها كانت معدومة نهائياً، ومن أجل ذلك فإنّ السجادعليه‌السلام ـ باعتباره إمام الأمة الذي انتهت إليه مرجعية الأمة ـ أخذ تلك الظاهرة بعين الاعتبار، ولذلك مارس دوره من خلال العمل على تنمية التيار الرسالي في الأمة، وتوسيع دائرته في الساحة الإسلامية، والعمل على رفع مستوى الوعي الإسلامي والانفتاح العملي في قطاعات الأمة المختلفة، وخلق قيادات متميزة تحمل الفكر الإسلامي النقي، لا الفكر الذي يُشيعه الحكم الأموي.

ولهذا النهج مبرّراته الموضوعية، فإنّ قوى الانحراف عبر سنوات عديدة من سيطرتها على مراكز التوجيه الفكري والاجتماعي توفّرت على صنع أجيال ذائبة في الانحراف، الأمر الذي أصبح فيه من المتعذّر على التيار الإسلامي السليم مواجهتها، بالنظر لضخامة تلك القوى، وتوفّر الغطاء الواقي لها من مؤسسات وقدرات; ولتعرّض التيار الإسلامي ذاته للخسائر المتتالية.

ومن هنا، فإنّ أمر تكثيف التيار الإسلامي وإثرائه كمّاً وكيفاً مسألة لا تقبل التأجيل، ما دام أمر بقاء الرسالة حيّة ـ فكراً وعملاً ـ متوقّفاً على بقاء سلامة هذا التيار في كيان الأمة وقواعدها الشعبية، طالما لم يتسنّ له تسلّم المرجعية العامة في الإدارة والحكم.


ولقد نجحت خطط الإمامعليه‌السلام على شتّى الأصعدة وحسبما خطّط لها، وفيما يلي مصداقان عمليان على ذلك:

ففي المجال الاجتماعي أثمرت خطّة الإمامعليه‌السلام حيث حظي بإجلال القطّاعات الواسعة من الأمة وولائها، والمصادر التاريخية مجمعة على ذلك. قال ابن خلّكان: لمّا حجّ هشام بن عبد الملك في أيام أبيه، فطاف وجهد أن يصل الحجر ليستلمه، فلم يقدر عليه لكثرة الزحام، فنُصِب له منبر وجلس عليه ينظر إلى الناس، ومعه جماعة من أعيان أهل الشام، فبينما هو كذلك إذ أقبل زين العابدين عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنهم)، وكان من أحسن الناس وجهاً وأطيبهم أرجاً، فطاف بالبيت، فلمّا انتهى إلى الحجر تنحّى له الناس حتى استلم، فقال رجل من أهل الشام: من هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة؟ فقال هشام: لا أعرفه، مخافة أن يرغب فيه أهل الشام، وكان الفرزدق حاضراً فقال: أنا أعرفه، فقال الشامي: من هذا يا أبا فراس؟ فقال:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرمُ

هذا ابنُ خير عبادِ الله كُلِّهمُ

هذا النقيُّ التقيُّ الطاهرُ العلَمُ

إذا رأتْهُ قريشٌ قالَ قائِلُها

إلى مَكارمِ هذا يَنتهي الكرَمُ

مشتقَّةٌ من رسولِ الله نبعتُه

طابتْ عناصرُه والْخِيمُ والشِّيَمُ

هذا ابنُ فاطمةٍ إن كنتَ جاهلَهُ

بِجَدِّه أنبياءُ الله قد خُتِموا

الله شرَّفَهُ قِدْماً وعضَّله

جرى بذاك له في لوحِهِ القلَمُ

فليسَ قولُك مَنْ هذا بِضائِرهِ

أَلْعُرْبُ تَعرف مَن أنكرتَ والعجَمُ

مِنْ مَعشرٍ حبُّهمْ ديٌ ، وبُغضُهُمُ

كفرٌ ، وقربهمُ منجى ومُعْتَصَمُ

إنْ عُدَّ أهلَ التُّقى كانوا أئمتهم

أو قيل مَن خيرُ أهلِ الأرضِ قيلَ هُمُ

أيُّ الخلائقِ ليستْ في رقابهمُ

لأَوَّلِيَّةِ هَذا أولُهُ نِعَمُ

مَن يَعُرِفِ الله يَعْرِفْ أَوَّلِيَّة ذا

أَلدِّيْنَ مِنْ بَيْتِ هَذا نَالَهُ الأُمَمُ(١)

ــــــــــــــ

(١) القصيدة طويلة وهي مذكورة في كثير من المصادر التأريخية والأدبية، اُنظر : وفيات الأعيان لابن خلّكان: ٦ / ٩٦، الإرشاد للمفيد: ٢/١٥٠ ، ١٥١ عن محمّد بن إسماعيل بن جعفر الصادق عليه‌السلام وراجع غيرهما من المصادر في أوائل الفصل الأوّل من الباب الأوّل.


إنّ هذه الحادثة توضّح أنّ الإمام عليه‌السلام كان قد حظي بولاء جماهيريٍّ حقيقيٍّ واسع النطاق، بشكل جعل ذلك الولاء يتجسّد حيّاً حتى في أقدس ساعة، وفي موقف عباديّ مشهود، فما أن تلتقي الجماهير الكثيفة بإمامها الحقّ; حتى توسّع له، لكي يؤدّي مناسكه دون أيّة مضايقة عفوية منها، بالرغم من أنّ الأمة تدرك عداء الحكم الأموي لأهل البيت عليهم‌السلام وما يترتّب على ذلك العداء من موقف تجاه أنصار أهل البيت عليهم‌السلام وأتباعهم.

وحقّق النشاط العلمي للإمامعليه‌السلام غاياته المتوخّاة، فالمسجد النبويّ الشريف ودار الإمامعليه‌السلام شهدا طوال خمسة وثلاثين عاماً ـ وهي فترة إمامته ـ نشاطاً فكرياً من الطراز الأول، حيث استقطب الإمامعليه‌السلام طلاّب المعرفة الإسلامية في جميع حقولها، لا في المدينة المنورة ومكّة المكرمة وحدهما، وإنّما في الساحة الإسلامية بأكملها، حتى استطاع أن يخلق نواة مدرسة فكرية لها طابعها ومعالمها المميّزة، وتخرّج منها قادة فكر ومحدّثون وفقهاء.

إنّ انفصام عرى الشيعة بعد استشهاد الإمام الحسينعليه‌السلام وتَشَتُّت قُواهم كان من أعظم الأخطار التي واجهها الإمام زين العابدينعليه‌السلام باتّجاه استجماع القوى وتكميل الإعداد من جديد، وقد كان هذا الهدف بحاجة إلى إعداد نفسي وعقيدي وإحياء الأمل في القلوب وبثّ العزم في النفوس.

وقد تمكّن الإمام زين العابدينعليه‌السلام بعمله الهادئ والمنظّم أن يشرف على تكميل هذه الاستعادة، وعلى هذا الإعداد بكل قوّة وبحكمة وبسلامة وجدّ.

وقد أطلق الإمامعليه‌السلام نهجاً جهادياً ينهض بأعباء متطلبات المرحلة الخطيرة آنذاك. ويمكن الحديث عن هذا النهج عبر مستويات متعدّدة :

١ ـ الجهاد الفكري والعلمي :

من المعلوم أنّ الفكر السليم هو أحد مقوّمات كلّ حركة سياسية صحيحة، فتثقيف الجماهير وتوعيتها لتكون على علم بما يجري عليها وحواليها وما يجب لها وعليها من حقوق وواجبات هو الركيزة الأولى لِصدّ الأنظمة الحاكمة الفاسدة التي تسعى على طول التأريخ في إبعاد الناس عن الحقّ والتعاليم الأصيلة.


وقد قام الإمام زين العابدينعليه‌السلام بأداء دور مهمّ في هذا الميدان، حيث تصدّى للوقوف بوجه المنع السلطوي لرواية الحديث(١) فأمر برواية الحديث وحثّ على ذلك، وكان يطبّق السنّة ويدعو إلى تطبيقها والعمل بها، وقد روي عنه قولهعليه‌السلام : إنّ أفضل الأعمال ما عمل بالسنّة وإن قلّ(٢) .

وفي الظروف التي عاشها الإمامعليه‌السلام ـ حيث كان الحكّام بصدد اجتثاث الحقّ من جذوره وأصوله والذي تمثّل في حفظة القرآن ومفسّريه ـ كانت الدعوة إلى الاعتصام بالقرآن من أهم الواجبات آنذاك، ولقد قام الإمام زين العابدينعليه‌السلام بجهد وافر في هذا المجال.

قالعليه‌السلام :(عليك بالقرآن، فإنّ الله خلق الجنّة بيده لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وجعل ملاطها المسك وترابها الزعفران وحصاها اللؤلؤ، وجعل درجاتها على قدر آيات القرآن، فمن قرأ منها قال له: إقرأ وارق، ومن دخل الجنّة لم يكن في الجنّة أعلى درجة منه، ما خلا النبيّين والصدّيقين) (٣) . وكان يقول:(لو مات من بين المشرق والمغرب ما استوحشت بعد أن يكون القرآن معي) (٤) .

كما كان يسعى في تمجيد القرآن عملياً وبأشكال مختلفة، وكان أحسن الناس صوتاً بالقرآن(٥) ، كما كان يرشد الأمة من خلال تفسيره للقرآن

ــــــــــــــ

(١) كانت عملية منع الحديث ـ تدويناً ورواية ـ قد بدأت بعد وفاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مباشرة.

(٢) المحاسن: ٢٢١ ح١٣٣.

(٣) تفسير البرهان : ٣ / ١٥٦.

(٤) بحار الأنوار : ٤٦ / ١٠٧.

(٥) المصدر السابق : ٧٠ ، ب٥ ، ح٤٥.


الكريم(١) .

وبذل الإمامعليه‌السلام جهوداً جبّارةً لتثبيت قواعد التوحيد الإلهي وتشييد أركانه عبر الاستدلال على ذلك بما يوافق الفطرة والعقل السليمين، والردّ على الأفكار المنحرفة التي غذّاها الحكّام ـ مثل فكرة الجبر الإلهي ـ بهدف التمكّن من السلطة والسيطرة التامة على مصير الناس والهيمنة على الأفكار بعد السيطرة على الأفواه والأجسام، وقد ذكرنا أنّ الإمامعليه‌السلام قال لابن زياد الذي أراد أن ينسب قتل عليّ بن الحسين إلى الله:( اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) ، فالإمام تحدّى الحاكم في مجلسه حين ردّ على الانحراف العقائدي بتلك الصراحة، وبيّن الفرق بين التوفّي للأنفس واسترجاعها ـ الذي نسبه القرآن إلى الله تعالى حين حلول الأجل والموت حتف الأنف ـ وبين القتل الذي هو إزهاق الروح من قبل القاتل قبل حلول الموت المذكور.

وفي جوابهعليه‌السلام عن سؤال: أبقدر يصيب الناس ما أصابهم أم بعمل؟ قالعليه‌السلام :(إنّ القدر والعمل بمنزلة الروح والجسد... ولله فيه العون لعباده الصالحين) ، ثمّ قالعليه‌السلام :(ألا من أجور الناس من رأى جوره عدلاً، وعدل المهتدي جوراً) (٢) .

وهكذا تصدّى الإمامعليه‌السلام لعقيدة التشبيه والتجسيم(٣) ، وفكرة الإرجاء(٤) .

وعلى صعيد الإمامة والولاية أعلن الإمامعليه‌السلام عن إمامته بنفسه بكلّ وضوح وصراحة ومن دون أيّة تقيّة أو سريّة، وقد تعدّدت الأحاديث

ــــــــــــــ

(١) الاحتجاج: ٣١٢ ـ ٣١٩ .

(٢) التوحيد للصدوق: ٣٦٦.

(٣) كشف الغمة : ٢ / ٨٩ .

(٤) جهاد الإمام السجاد عليه‌السلام : ١٠٧.


المصرّحة بهذا الإعلان، منها قولهعليه‌السلام :(نحن أئمّة المسلمين، وحجج الله على العالمين، وسادة المؤمنين وقادة الغرّ المحجّلين وموالي المؤمنين، ونحن أمان أهل الأرض، كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء... ولولا ما في الأرض منّا لساخت بأهلها، ولم تخلُ الأرض منذ خلق الله آدم من حجّة لله فيها، ظاهر مشهور أو غائب مستور، ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجّة لله فيها، ولو لا ذلك لم يعبد الله) (١) .

وقال أبو المنهال نصر بن أوس الطائي: قال لي عليّ بن الحسينعليه‌السلام :(إلى مَن يذهب الناس؟) قال: قلت: يذهبون ها هنا وها هنا، قال:(قل لهم يجيئون إليّ) (٢) .

وقال له أبو خالد الكابلي: يا مولاي، أخبرني كم يكون الأئمّة بعدك؟ قال:(ثمانية لأنّ الأئمّة بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اثنا عشر إماماً، عدد الأسباط، ثلاثة من الماضين، وأنا الرابع، وثمانية من ولدي...) (٣) .

والانحراف الذي حصل عن أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام لم ينحصر في إقصائهم عن الحكم والولاية فقط، بل انتهى إلى الجهل بأحكام الشريعة التي كان الأئمّة هم المرجع الواقعي والصحيح للتعرّف عليها.

فالإمام ليس وليّاً للأمر وحاكماً على البلاد والعباد فحسب، وإنّما هو مصدر يرجع إليه لفهم الشريعة وتبيين أحكامها، باعتبار معرفته التامة بالشريعة الخاتمة وارتباطه الوثيق بمصادرها الحقيقيّة.

وكما أقصى الحكّام أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام عن الحكم والولاية; حاولوا كذلك نفي مرجعيتهم الدينية والعلميّة وإبعاد الناس عنهم، لذلك اهتمّ الأئمّة

ــــــــــــــ

(١) أمالي الصدوق: ١١٢، الاحتجاج: ٣١٧.

(٢) تأريخ دمشق : الحديث ٢١.

(٣) كفاية الأثر : ٢٣٦ ـ ٢٣٧.


وأتباعهم بإرشاد الناس إلى هذا المعين الصافي للشريعة الإسلامية كي ينهلوا منه، وكان اهتمام الإمام السجادعليه‌السلام بليغاً بهذا الأمر حتى قالعليه‌السلام لرجل شاجره في مسألة شرعية فقهية:(يا هذا، لو صرت إلى منازلنا لأريناك آثار جبرئيل في رحالنا، أيكون أحدٌ أعلم بالسنّة منّا) (١) .

وقالعليه‌السلام : (إنّ دين الله لا يُصاب بالعقول الناقصة والآراء الباطلة والمقاييس الفاسدة، لا يُصاب إلاّ بالتسليم، فمن سلّم لنا سَلِم، ومن اقتدى بنا هُدي، ومن كان يعمل بالقياس والرأي هلك، ومن وجد في نفسه ـ ممّا نقوله أو نقضي به ـ حَرَجاً كفر بالّذي أنزل السبع المثاني والقرآن العظيم وهو لا يعلم) (٢) .

٢ ـ الجهاد الاجتماعي والعملي :

إنّ أهّم أهداف القادة الإلهيّين هو إصلاح المجتمع البشريّ بتربيته على التعاليم الإلهية، ولا بدّ للمصلح أن يمرّ بمراحل من العمل الجادّ والمضني في هذا الطريق الشائك، فعليه:

١ ـ أن يربّي جيلاً من المؤمنين على التعاليم الحقّة التي جاء بها الدين والأخلاق القيّمة التي ينبغي التخلّق بها، لكي يكونوا له أعواناً على الخير.

٢ ـ أن يدخل المجتمع بكلّ ثقله، ويحضر بين الناس، ويواجه الظالمين والطغاة بتعاليمه، ويبلغهم رسالات الله.

٣ ـ أن يقاوم الفساد الذي يبثّه الظالمون في المجتمع بهدف شلّ قواه، وتفريغه من المعنويات، وإبعاده عن فطرته السليمة المعتمدة على الحقّ والخير.

ــــــــــــــ

(١) نزهة الناظر: ٤٥.

(٢) إكمال الدين : ٣٢٤، الباب ٣١، الحديث ٩.


كان للإمامعليه‌السلام نشاط واسع في كلّ هذه المجالات، بحيث يعدّ ـ بحقٍّ ـ في صدر قائمة المصلحين الإلهيين بالرغم من تميّز عصره بتحكّم طغاة بني أمية على الأمة وعلى مقدّراتها وجسم الخلافة الإسلامية التي تقتل من يعارضها وتهدر دمه تحت عنوان الخروج على الإسلام.

ويمكن الحديث عن أوجه نشاطهعليه‌السلام العملي في الجانب الاجتماعي على عدّة أوجه منها:

أ ـ الأخلاق والتربية (على مستوى الأمة وأتباع أهل البيتعليهم‌السلام ) :

ضرب الإمام زين العابدينعليه‌السلام أروع الأمثلة في تجسيد الخلق المحمدي العظيم في التزاماته الخاصة وفي سيرته مع الناس، بل مع كلّ ما حوله من الموجودات.

فكانت تتبلور فيه شخصية القائد الإسلامي المحنّك الذي جمع بين القابلية العلمية الراقية، والشرف السامق، والقدرة على جذب القلوب وامتلاكها، ومواجهة المشاكل والوقوف لصدّها بكلّ صبر وأناة وهدوء.

فالصبر الذي تحلّى به وتجلّى لنا من خلال ما تحمّله في مأساة كربلاء أكبر شاهد على عظمة صبره.

ومثابرته ومداومته على العمل الإسلامي بارزة للعيان، وهذا الفصل يمثّل جزءاً من نشاطه السياسي والاجتماعي الجادّ.

وحديث مواساته للإخوان والفقراء والمساكين والأرامل والأيتام بالبذل والعطاء والإنفاق ممّا اشتهر عند الخاصّ والعامّ.

وحُنوّه وحنانه على العبيد وعلى الأقارب والأباعد بل على أعدائه وخصومه ممّا سارت به الركبان.

وأخبار عبادته وخوفه من الله جلّ جلاله وإعلانه ذلك في كلّ مناسبة ملأت الصحف حتى خصّ بلقب (زين العابدين) و (سيّد الساجدين). وسنتحدّث عن بعض ذلك فيما بعد بإذنه تعالى، كما أنّنا أشرنا إلى جانب بسيط جدّاً من ذلك سابقاً.


ب ـ الإصلاح والدولة :

لقد شاع عند بعض المؤرّخين أنّ الأئمّة من أبناء الحسينعليهم‌السلام قد اعتزلوا بعد مذبحة كربلاء السياسة، وانصرفوا إلى الإرشاد والعبادة والانقطاع إلى الدنيا(١) .

ويدلّلون على قولهم هذا بتأريخ حياة الإمام السجادعليه‌السلام ودعوى انعزاله عن الحياة الإسلامية العامة، ويبدو أنّ سبب هذه التصوّرات الخاطئة لدى المؤرّخين هو ما بدا لهم من عدم احتدام الأئمّة بعد الحسينعليه‌السلام على عمل مسلّح ضد الوضع الحاكم مع إعطائهم الجانب السياسي من القيادة معنىً ضيّقاً لا ينطبق إلاّ على عمل مسلّح من هذا القبيل.

إنّ ما يقال من أنّ الأئمّة من أهل البيتعليهم‌السلام من أبناء الحسينعليه‌السلام اعتزلوا السياسة وانقطعوا عن الدنيا فهو زعم يكذّبه وينفيه واقع حياة الأئمّة الزاخرة كلّها بالشواهد على ايجابية المشاركة الفعّالة التي كانوا يمارسونها.

فمن ذلك علاقات الإمام زين العابدينعليه‌السلام بالأمة والزعامة الجماهيرية الواسعة النطاق والتي كان يتمتّع بها على طول الخط(٢) ; فإنّ هذه الزعامة لم يكن ليحصل عليها الإمامعليه‌السلام صدفةً أو على أساس مجرّد الانتساب إلى

ــــــــــــــ

(١) نشأة الشيعة والتشيّع، للشهيد السيّد محمد باقر الصدر.

(٢) قد أشرنا إلى حادثة استلام الإمام عليه‌السلام للحجر بعد أن انفرج الحجيج له، راجع الصفحة ١١١ من الكتاب.


الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بل على أساس العطاء والدور الايجابي الذي كان يمارسه الإمام في الأمة بالرغم من إقصائه عن مركز الحكم; فإنّ الأمة لا تمنح ـ على الأغلب ـ الزعامة مجاناً، ولا يمتلك الفرد قيادتها ويحتلّ قلوبها بدون عطاء سخيّ منه تستشعره الأمة في مختلف مجالاتها، وتستفيد منه في حلّ مشكلاتها والحفاظ على رسالتها.

ومع أنّ مزاولات الإمامعليه‌السلام الدينية كلّها من صميم العمل السياسي وخاصّةً في عصره حيث لم يُسمع نغمُ الفصل بين السياسة والدين بعد، نجد في طيّات حياة الإمامعليه‌السلام عيّنات واضحة من التدخّلات السياسية الصريحة، فهو كما يبدو من النصوص الصادرة عنه تجده رجلاً مشرفاً على الساحة السياسية، يدخل محاورات حادّة، ويتابع مجريات الأحداث، ويدلي بتصريحات خطيرة ضد الأوضاع الفاسدة التي تعيشها الأمة وإليك بعض النماذج على ذلك:

١ ـ قال عبد الله بن الحسن بن الحسن : كان عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب يجلس كلّ ليلة هو وعروة بن الزبير في مؤخّر مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد العشاء الآخرة، فكنت أجلس معهما، فتحدّثا ليلة، فذكروا جور من جار من بني أمية والمقام معهم، فقال عروة لعليّ: يا عليّ، إنّ من اعتزل أهل الجور والله يعلم منه سخطه لأعمالهم، فكان منهم على ميل ثم أصابتهم عقوبة الله رُجي له أن يسلم ممّا أصابهم.

قال: فخرج عروة، فسكن العقيق.

قال عبد الله بن الحسن: وخرجت أنا فنزلت سويقة(١) .

ــــــــــــــ

(١) مختصر تأريخ دمشق : ١٧ / ٢١.


أمّا الإمامعليه‌السلام فلم يخرج، بل آثر البقاء في المدينة طوال حياته; لأنّه كان يعدّ مثل هذا الخروج فراراً من الزحف السياسي وإخلاءً للساحة الاجتماعية للظالمين، يجولون فيها ويصولون(١) .

ولعلّ اقتراح عروة بن الزبير ـ وهو من أعداء أهل البيتعليهم‌السلام (٢) ـ كان تدبيراً سياسياً منه أو من قبل الحكّام لإبعاد الإمامعليه‌السلام عن الحضور في الساحة السياسية والاجتماعية، لكنّهعليه‌السلام لم يخرج وظلّ يواصل مسيرته الجهادية.

٢ ـ قالعليه‌السلام :(إنّ للحق دولة على العقل، وللمنكر دولة على المعروف، وللشرّ دولة على الخير، وللجهل دولة على الحلم، وللجزع دولة على الصبر، وللخرق دولة على الرفق، وللبؤس دولة على الخصب، وللشدّة دولة على الرخاء، وللرغبة دولة على الزهد، وللبيوت الخبيثة دولة على بيوتات الشرف، وللأرض السبخة دولة على الأرض العذبة، فنعوذ بالله من تلك الدول ومن الحياة في النقمات) (٣) .

وإذا كانت الدولة في اللسان العربي هي الغلبة والاستيلاء ـ وهي من أبرز مقومات السلطة الحاكمة ـ فإنّ الإمامعليه‌السلام يكون قد أدرج قضية السلطة السياسية في سائر القضايا الحيوية والطبيعية التي يهتمّ بها ويفكّر في إصلاحها.

فمن يا ترى؟ ومن هي البيوتات الشريفة المغلوبة في عصرهعليه‌السلام ؟ وهل التعوّذ بالله تعالى من دولة السلطان يعني أمراً غير رفض وجوده والتنديد بسلطته؟ وهل يتصوّر السياسي أن يكون له حضور أقوى من هذا في مثل

ــــــــــــــ

(١) جهاد الإمام السجاد عليه‌السلام : ١٥٤.

(٢) لاحظ تنقيح المقال : ٢ / ٢٥١.

(٣) تأريخ دمشق : ٤١/٤١٠، مختصر ابن منظور : ١٧ / ٢٥٥.


ظروف الإمام عليه‌السلام وموقعه وضمن تخطيطه الشامل في قيادة حركيّة الإسلام؟ وهل يصدر مثل هذا من رجل ادُّعي أنّه ابتعد عن السياسة أو اعتزلها؟.

ج ـ مقاومة الفساد :

وإذا كان من أهم واجبات المصلح وخاصةً المصلح الإلهي مقاومة الفساد ومحاربة المفسدين في الأرض; فإنّ الإمام زين العابدينعليه‌السلام قام بدور بارز في أداء هذا الواجب.

وقد تميّز عصرهعليه‌السلام بمشاكل اجتماعية من نوع خاص، وقد تكون موجودة في كثير من العصور، إلاّ أنّ بروزها في عصره كان واضحاً ومكثّفاً، كما أنّ الإمام عليه‌السلام قام بمعالجتها بأسلوبه الخاصّ، ممّا أعطاها صبغة فريدة تميّزت في جهاد الإمام عليه‌السلام وأهمها مشكلة الفقر العام ومشكلة الرقّ والعبيد. وسنعرض لهما في فصل قادم إن شاء الله تعالى.

الفصل الرابع: ظواهر فذّة في حياة الإمام زين العابدينعليه‌السلام

تميّزت حياة الإمام زين العابدينعليه‌السلام بمظاهر فذّة، وهي وإن كانت متوفرة في حياة آبائه الطاهرين وأبنائه الأئمّة المعصومينعليهم‌السلام إلاّ أنّها برزت في سيرتهعليه‌السلام بشكل أكثر وضوحاً وأوسع دوراً، ممّا دعانا إلى تسليط الضوء عليها أشدّ من غيرها، وهي:

أ ـ ظاهرة العبادة .

ب ـ ظاهرة الدعاء.

ج ـ ظاهرة البكاء .

د ـ ظاهرة الإعتاق.

فإذا سبرنا حياة الأئمّةعليهم‌السلام وجدناهم ـ كلّهم ـ يتميّزون في هذه المظاهر على أهل زمانهم، إلاّ أنّها في حياة الإمام زين العابدين عليه‌السلام تجلّت بقوة، حتى كان عليه‌السلام فريداً في كلّ منها.

ظاهرة العبادة في حياة الإمامعليه‌السلام :

أجمع معاصرو الإمام زين العابدين عليه‌السلام على أنّه كان من أعبد الناس وأكثرهم طاعة لله تعالى، ولم ير الناس مثله في عظيم إنابته وعبادته، وقد بهر بها المتّقون والصالحون، وحسبه أنّه وحده الذي قد لُقّب بزين العابدين وسيّد الساجدين في تأريخ الإسلام.


أمّا عبادتهعليه‌السلام فكانت ناشئة عن إيمانه العميق بالله تعالى وكمال معرفته به، وقد عبده لا طمعاً في جنّته ولا خوفاً من ناره، وإنّما وجده أهلاً للعبادة فعبده، وشأنه في ذلك شأن جدّه أمير المؤمنين وسيّد العارفين وإمام المتّقين، وقد أعربعليه‌السلام عن عظيم إخلاصه في عبادته بقوله:(إنّي أكره أن أعبد الله ولا غرض لي إلاّ ثوابه، فأكون كالعبد الطامع إن طمع عمل وإلاّ لم يعمل، وأكره أن أعبده لخوف عذابه، فأكون كالعبد السوء إن لم يخف لم يعمل...) .

فانبرى إليه بعض الجالسين فقال له: فبم تعبده؟ فأجابه عن خالص إيمانه:(وأعبُدُه لما هو أهله بأياديه وإنعامه) (١) .

ولقد مَلأ حبّ الله تعالى قلب الإمامعليه‌السلام وسخّر عواطفه فكان مشغولاً بعبادة الله وطاعته في جميع أوقاته، وقد سُئلت جارية له عن عبادته فقالت: أطنب أو أختصر؟

قيل لها: بل اختصري.

فقالت: ما أتيته بطعام نهاراً قطّ، وما فرشت له فراشاً بليل، قطّ(٢) .

لقد قضى الإمامعليه‌السلام معظم حياته صائماً نهاره، قائماً ليله، مشغولاً تارةً بالصلاة، وأُخرى بالدعاء.

ــــــــــــــ

(١) حياة الإمام زين العابدين: ١٨٧ نقلاً عن تفسير الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام .

(٢) الخصال: ٤٨٨.


عبادة الإمام :

١ ـ وضوؤه :

الوضوء هو نور وطهارة من الذنوب، والمقدمة الأولى للصلاة، وكان الإمام عليه‌السلام دوماً على طهارة، وقد تحدّث الرواة عن خشوعه لله في وضوئه، فقالوا: إنّه إذا أراد الوضوء اصفرّ لونه، فيقول له أهله: ما هذا الذي يعتريك عند الوضوء؟ فيجيبهم قائلاً: (أتدرون بين يدي مَن أقوم؟!) (١) .

٢ ـ صلاته :

أمّا الصلاة فمعراج المؤمن وقربان كلّ تقيّ كما في الحديث الشريف ، وكانت الصلاة من أهم الرغبات النفسية للإمام عليه‌السلام فقد اتّخذها معراجاً ترفعه إلى الله تعالى، وكانت تأخذه رعدة إذا أراد الشروع في الصلاة، فقيل له في ذلك فقال: (أتدرون بين يدي من أقوم، ومن أناجي؟!) (٢) . ونعرض لبعض شؤونه في حال صلاته.

أ ـ تطيّبه للصلاة:

وكان الإمام إذا أراد الصلاة تطيّب من قارورة كان قد جعلها في مسجد صلاته(٣) .

ــــــــــــــ

(١) نهاية الإرب : ٢١ / ٣٢٦، سير أعلام النبلاء : ٤ / ٢٣٨.

(٢) الخصال : ٢ / ٦٢٠ .

(٣) بحار الأنوار : ٤٦ / ٥٨.


ب ـ لباسه في صلاته:

وكان الإمام عليه‌السلام إذا أراد الصلاة لبس الصوف وأغلظ الثياب (١) ، مبالغة منه في إذلال نفسه أمام الخالق العظيم.

ج ـ خشوعه في صلاته :

كانت صلاته تمثّل الانقطاع التامّ إلى الله جلّ جلاله والتجرّد من عالم المادّيات، فكان لا يحسّ بشيء من حوله، بل لا يحسّ بنفسه فيما تعلّق قلبه بالله تعالى، ووصفه الرواة في حال صلاته، فقالوا: كان إذا قام إلى الصلاة غشي لونه بلون آخر، وكانت أعضاؤه ترتعد من خشية الله، وكان يقف في صلاته موقف العبد الذليل بين يدي الملك الجليل، وكان يصلّي صلاة مودِّع يرى أنّه لا يصلّي بعدها أبد(٢) .

وتحدّث الإمام الباقرعليه‌السلام عن خشوع أبيه في صلاته فقال:(كان عليّ بن الحسين إذا قام في الصلاة كأنّه ساق شجرة لا يتحرك منه شيء إلاّ ما حركت الريح منه) (٣) .

ونقل أبان بن تغلب إلى الإمام الصادقعليه‌السلام صلاة جدّه الإمام السجادعليه‌السلام فقال له: إنّي رأيت عليّ بن الحسين إذا قام في الصلاة غشي لونه بلون آخر، فقال له الإمام الصادقعليه‌السلام :(والله إنّ عليّ بن الحسين كان يعرف الذي يقوم بين يديه...) (٤) .

وكان من مظاهر خشوعه في صلاته أنّه إذا سجد لا يرفع رأسه حتى

ــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار : ٤٦ / ١٠٨.

(٢) حياة الإمام زين العابدينعليه‌السلام : ١٩٠.

(٣) وسائل الشيعة : ٤ / ٦٨٥.

(٤) المصدر السابق.


يرفض عرق (١) أو كأنّه غمس في الماء من كثرة دموعه وبكائه (٢) ، ونقل عن أبي حمزة الثمالي أنّه رأى الإمام قد صلّى فسقط الرداء عن أحد منكبيه فلم يسوّه فسأله أبو حمزة عن ذلك فقال له: (ويحك، أتدري بين يدي مَنْ كنتُ؟ إنّ العبد لا يقبل من صلاته إلاّ ما أقبل عليه منها بقلبه) (٣) .

د ـ صلاة ألف ركعة :

وأجمع المترجمون للإمام عليه‌السلام أنّه كان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة (٤) ، وأنّه كانت له خمسمائة نخلة، فكان يصلّي عند كلّ نخلة ركعتين (٥) ونظراً لكثرة صلاته; فقد كانت له ثفنات في مواضع سجوده كثفنات البعير، وكان يسقط منها في كلّ سنة، فكان يجمعها في كيس، ولمّا توفّي عليه‌السلام دفنت معه (٦) .

هـ ـ كثرة سجوده :

إنّ أقرب ما يكون العبد من ربّه وهو في حال سجوده كما في الحديث الشريف، وكان الإمامعليه‌السلام كثير السجود لله تعالى خضوعاً وتذلّلاً له، وروي: أنّه خرج مرّةً إلى الصحراء فتبعه مولىً له فوجده ساجداً على حجارة خشنة، فأحصى عليه ألف مرّة يقول:(لا إله إلاّ الله حقّاً حقّاً، لا إله إلاّ الله تعبّداً ورقّاً، لا إله إلاّ الله إيماناً وصدقاً) (٧) .

ــــــــــــــ

(١) تهذيب الأحكام : ٢ / ٢٨٦ ح١١٤٦.

(٢) بحار الأنوار : ٤٦ / ١٠٨.

(٣) علل الشرائع: ٨٨ ، بحار الأنوار : ٤٦ / ٦١.

(٤) تهذيب التهذيب : ٧ / ٣٠٦، نور الأبصار : ١٣٦، الإتحاف بحب الأشراف : ٤٩، ومصادر أُخرى.

(٥) بحار الأنوار : ٤٦ / ٦١، الخصال : ٤٨٧.

(٦) الخصال: ٤٨٨.

(٧) وسائل الشيعة : ٤ / ٩٨١.


وكان يسجد سجدة الشكر، ويقول فيها مئة مرّة: (الحمد لله شكراً) ، ثمّ يقول: (يا ذا المنّ الذي لا ينقطع أبداً، ولا يحصيه غيره عدداً، ويا ذا الجود الذي لا ينفد أبداً، يا كريم، يا كريم) ويتضرّع بعد ذلك ويذكر حاجته (١) .

و ـ كثرة تسبيحه :

وكان دوماً مشغولاً بذكر الله تعالى وتسبيحه وحمده، وكان يسبّح الله بهذه الكلمات: (سبحان من أشرق نوره كلّ ظلمة، سبحان من قدّر بقوته كلّ قدرة، سبحان من احتجب عن العباد بطرائق نفوسهم فلا شيء يحجبه، سبحان الله وبحمده) (٢) .

ز ـ ملازمته لصلاة الليل:

من النوافل التي كان لا يَدَعُها الإمام عليه‌السلام صلاة الليل، فكان مواظباً عليها في السفر والحضر (٣) إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى.

ح ـ دعاؤه بعد صلاة الليل :

وكان عليه‌السلام إذا فرغ من صلاة الليل دعا بهذا الدعاء الشريف، وهو من غرر أدعية أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام ، وإليك بعض مقاطعه:

(اللهمّ يا ذا الملك المتأبد بالخلود والسلطان، الممتنع بغير جنود ولا أعوان، والعزّ الباقي على مرّ الدهور وخوالي الأعوام (٤) ومواضي الأزمان والأيام، عزّ سلطانك عزاً لا حدّ له بأوّلية ولا منتهى له بآخرية، واستعلى ملكك علوّاً سقطت الأشياء دون بلوغ أمده (٥) ولا

ــــــــــــــ

(١) وسائل الشيعة : ٤ / ١٠٧٩.

(٢) دعوات القطب الراوندي: ٣٤.

(٣) عن صفة الصفوة : ٢ / ٥٣ وكشف الغمة : ٢ / ٢٦٣.

(٤) خوالي الأعوام: مواضيها.

(٥) أمده: غايته.


يبلغ أدنى ما استأثرت من ذلك أقصى نَعت الناعتين، ضلّت فيك الصفات وتفسّخت (١) دونك النعوت، وحارت في كبريائك لطائف الأوهام، كذلك أنت الله الأوّل في أوّليّتك، وعلى ذلك أنت دائمٌ لا تزول، وأنا العبد الضعيف عملاً الجسيم أملاً، خرجت من يدي أسباب الوصلات (٢) إلاّ ما وصله رحمتك، وتقطّعت عنّي عصم (٣) الآمال إلاّ ما أنا معتصم به من عفوك، قلّ عندي ما أعتد به من طاعتك، وكثر عليّ ما أبوء (٤) به من معصيتك، ولن يضيق عليك عفوٌ عن عبدك، وإن أساء فاعف عنّي...) .

(اللهمّ إنّي أعوذ بك من نار تغلّظت بها على مَن عصاك، وتوعّدت بها على من صدف (٥) عن رضاك، ومن نار نورها ظلمة، وهيّنها أليم، وبعيدها قريب، ومن نار يأكل بعضها بعضٌ، ويصول (٦) بعضُها على بعض، ومن نار تذر (٧) العظام رميما ً(٨) ، وتسقي أهلها حميماً (٩) ، ومن نار لا تبقي على مَن تضرّع إليها، ولا ترحم من استعطفها، ولا تقدر على التخفيف عمّن خشع لها واستسلم إليها، تلق سكانها بأحرّ ما لديها من أليم النكال (١٠) وشديد الوبال (١١) ...) (١٢) .

ــــــــــــــ

(١) تفسخت : أي تقطّعت وتمزّقت وبطلت، فإنّك فوق نعت الناعتين.

(٢) الوصلات: وُصلة ـ بالضم ـ وهي ما يتوصل به إلى المطلوب، يعني أنّه قد فاتتني الأسباب التي يتوصل بها إلى السعادات الأخروية إلاّ السبب الذي هو رحمتك فانه لا يفوت من أحد، لأنّها وسعت كلّ شيء.

(٣) عِصَم: جمع عصمة، وهي الوقاية والحفظ.

(٤) ما أبوء: أقرّ وأرجع.

(٥) صدف: خرج وأعرض.

(٦) يصول: من الصولة بمعنى الحملة.

(٧) تذر: تترك.

(٨) رميماً: بالياً.

(٩) حميماً: ماء شديد الحرارة.

(١٠) النكال: العقوبة.

(١١) الوبال: الوخامة وسوء العاقبة.

(١٢) الصحيفة الكاملة السجادية : الدعاء ٣٢.


وذبل الإمامعليه‌السلام من كثرة العبادة وأجهدته أيّ إجهاد، وقد بلغ به الضعف أنّ الريح كانت تميله يميناً وشمالاً بمنزلة السنبلة(١) التي تميلها الريح.

وقال ابنه عبد الله: كان أبي يصلّي بالليل فإذا فرغ يزحف إلى فراشه(٢) .

وأشفق عليه أهله ومحبّوه من كثرة ما بان عليه من الضعف والجهد من كثرة عبادته، فكلّموه في ذلك لكنّهعليه‌السلام أصرّ على شدّة تعبّده حتى يلحق بآبائه، قال له أحد أبنائه: يا أبت كم هذا الدؤوب (يعني الصلاة)؟ فأجابه الإمامعليه‌السلام :(أتَحَبّبُ إلى ربّي) (٣) .

وقال جابر بن عبد الله الأنصاري للإمامعليه‌السلام : ياابن رسول الله! أما علمت أنّ الله تعالى إنّما خلق الجنّة لكم ولمن أحبّكم، وخلق النار لمن أبغضكم وعاداكم، فما هذا الجهد الذي كلّفته نفسك؟ فأجابه الإمامعليه‌السلام :(يا صاحب رسول الله، أما علمت أنّ جدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، فلم يَدَع الإجتهاد له، وتعبّد ـ بأبي وأمي ـ حتى انتفخ ساقه وورم قدمه، وقد قيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أفلا أكون عبداً شكوراً؟) .

فقال له جابر: ياابن رسول الله، البُقْيا على نفسك، فإنّك من أسرة بهم يستدفع البلاء، وبهم يستكشف الأدواء، وبهم تُستمطر السماء...) فأجابه الإمامعليه‌السلام :(لا أزال على منهاج أَبَوَيَّ متأسِّياً بهما حتى ألقاهما...) (٤) .

ــــــــــــــ

(١) الإرشاد: ٢٧٢، روضة الواعظين : ١ / ٢٣٧.

(٢) بحار الأنوار : ٤٦ / ٩٩.

(٣) المصدر السابق : ٤٦ / ٩٩ .

(٤) مناقب آل أبي طالب : ٤/١٦١ ، ١٦٢.


٣ ـ صومه :

وقضى الإمام معظم أيام حياته صائماً، وقد قالت جاريته حينما سئلت عن عبادته: (ما قدّمتُ له طعاماً في نهار قطّ) وقد أحبَّ الصومَ وحثَّ عليه إذ قالعليه‌السلام :(إنّ الله تعالى وكّل ملائكة بالصائمين) (١) ، وكانعليه‌السلام لا يفطر إلاّ في يوم العيدين وغيرهما ممّا كان له عذر.

وكان له شأن خاص في شهر رمضان، أنّه لم يترك نوعاً من أنواع البِرّ والخير إلاّ أتى به، وكان لا يتكلم إلاّ بالتسبيح والاستغفار والتكبير، وإذا أفطر قال:(اللّهم إن شئت أن تفعل فعلت) (٢) .

وكانعليه‌السلام يستقبل شهر رمضان بشوق ورغبة لأنه ربيع الأبرار، وكان يدعو لدى دخول شهر الله تعالى بدعاء نقتطف منه بعض الفقرات، قالعليه‌السلام :(الحمد لله الذي هدانا لحمده وجعلنا من أهله ; لنكون لإحسانه من الشاكرين، وليجزينا على ذلك جزاء المحسنين. والحمد لله الذي حبانا بدينه، واختصّنا بملّته، وسَبَّلَنا (٣) في سُبُلِ إحسانه، لنسلكها بمنّه إلى رضوانه... والحمد لله الذي جعل من تلك السبل شهره شهر رمضان شهر الصيام وشهر الإسلام وشهر الطهور وشهر التمحيص وشهر القيام... اللّهم صلّ على محمد وآله، وألهمنا معرفة فضله، وإجلال حرمته، والتحفّظ ممّا حظرت فيه، وأعِنّا على صيامه بكفّ الجوارح عن معاصيك، واستعمالها فيه بما يرضيك، حتى لا نُصغي بأسماعنا إلى لغو، ولا نسرع بأبصارنا إلى لهو، وحتى لا نبسط أيدينا إلى محظور، ولا نخطو بأقدامنا إلى محجور، وحتى لا تعي بطوننا إلاّ ما أحلَلْت، ولا تنطق ألسنتنا

ــــــــــــــ

(١) دعوات الرواندي: ٤.

(٢) فروع الكافي : ٤ / ٨٨ .

(٣) سبّلنا: أدخلنا.


إلاّ بما مثّلت، ولا نتكلّف إلاّ ما يدني من ثوابك، ولا نتعاطى إلاّ الذي يقي من عقابك، ثم خلّص ذلك كلّه من رئاء المرائين وسُمعة المسمعين، لا نُشرك فيه أحداً دونك، ولا نبتغي فيه مراداً سواك اللهمّ اشحنه (١) بعبادتنا إيّاك، وزيّن أوقاتنا بطاعتنا لك، وأعنّا في نهاره على صيامه، وفي ليله على الصلاة والتضرع إليك والخشوع لك والذلّة بين يديك حتى لا يشهد نهاره علينا بغفلة ولا ليله بتفريط اللهمّ واجعلنا في سائر الشهور والأيام كذلك ما عمّرتنا...) (٢) .

وكان الإمام زين العابدينعليه‌السلام في كلّ يوم من أيام شهر رمضان يأمر بذبح شاة وطبخها... فإذا نضجت يقول:(هاتوا القصاع) ويأمر بأن يُفرَّق على الفقراء والأرامل والأيتام حتى يأتي على آخر القدور ولا يبقي شيئاً لإفطاره، وكان يفطر على خبز وتمر(٣) .

ومن مَبَرّات الإمامعليه‌السلام في شهر رمضان المبارك كثرة عتقه وتحرير أرقّائه من رقّ العبودية، على أنهم كانوا يعيشون في ظلاله محترمين، فكان يعاملهم كأبنائه، وكان عليه‌السلام لا يعاقب أمةً ولا عبداً إذا اقترفا ذنباً، وإنّما كان يسجّل اليوم الذي أذنبوا فيه، فإذا كان آخر شهر رمضان جمعهم وأظهر الكتاب الذي سجّل فيه ذنوبهم، ويقول:

(ارفعوا أصواتكم وقولوا: يا عليّ بن الحسين! إنّ ربّك قد أحصى عليك كلّ ما عملتَ، كما أحصيت علينا ما عملناه، ولديه كتاب ينطق بالحقّ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ممّا أتيت إلاّ أحصاها، وتجد كلّ ما عملت لديه حاضراً، كما وجدنا كلّ ما عملنا لديك حاضراً،

ــــــــــــــ

(١) أي : أملأه بعبادتنا إيّاك.

(٢) الصحيفة الكاملة السجادية : الدعاء ٤٤.

(٣) بحار الأنوار : ٤٦ / ٧٢.


فاعف واصفح، كما ترجو من المليك العفو، وكما تحبّ أن يعفو المليك عنك، فاعف عنّا تجده عَفُوّاً، وبك رحيماً ولك غفوراً، ولا يظلم ربّك أحداً... كما لديك كتاب ينطق بالحقّ علينا، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ممّا أتيناه إلاّ أحصاها، فاذكر يا عليّ بن الحسين ذلّ مقامك بين يدي ربّك الحَكَم العدل الذي لا يظلم مثقال حبّة من خردل، ويأتي بها يوم القيامة، وكفى بالله حسيباً وشهيداً، فاعف واصفح يعف عنك المليك ويصفح، فإنّه يقول: ( وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ) (١) .

وكان يلقّنهم بتلك الكلمات التي تمثّل انقطاعه التامّ إلى الله تعالى واعتصامه به، وهو واقف يبكي من خشيته تعالى ويقول: (ربِّ إنّك أمرتنا أن نعفو عمّن ظلمنا، وقد عفونا عمّن ظلمنا كما أمرت فاعف عنّا فإنّك أولى بذلك منّا ومن المأمورين، وأمرتنا أن لا نردّ سائلاً عن أبوابنا، وقد أتيناك سُؤّالاً ومساكين، وقد أنَخْنا بفنائك وببابك نطلب نائلك ومعروفك وعطاءك فامنن بذلك علينا، ولا تخيّبنا فإنّك أولى بذلك منّا ومن المأمورين، إلهي كَرُمتَ فأكرِمني، إذ كنت من سُؤّالك وجُدْتَ بالمعروف فأخلطني بأهل نوالك يا كريم...).

ثم يُقبِلُ عليهم بوجهه الشريف وقد تبلّل من دموع عينيه قائلاً لهم بعطف وحنان: (قد عفوت عنكم، فهل عفوتم عنّي؟ وممّا كان منّي من سوء ملكة، فإنّي مليك سوء لئيم ظالم، مملوك لمليك كريم جواد عادل محسن متفضّل...) وينبري العبيد قائلين له: قد عفونا عنك يا سيّدنا، فيقول لهم: (قولوا: اللهمّ اعف عن عليّ بن الحسين كما عفا عنّا، فاعتقه من النار كما أعتق رقابنا من الرق).

فيقولون ذلك، ويقول بعدهم: (اللهمّ آمين ربّ العالمين، اذهبوا فقد عفوت عنكم، وأعتقت رقابكم رجاءً للعفو عنّي وعتق رقبتي) فإذا كان يوم عيد الفطر

ــــــــــــــ

(١) سورة النور (٢٤) : ٢٢.


أجازهم جائزة سنيّة تغنيهم عمّا في أيدي الناس(١) .

٤ ـ دعاؤه :

أ ـ دعاؤه في الأسحار :

وكان الإمامعليه‌السلام يناجي ربّه ويدعوه بتضرّع وإخلاص في سحر كلّ ليلة من ليالي شهر رمضان بالدعاء الجليل الذي عرف بدعاء أبي حمزة الثمالي; لأنّه هو الذي رواه عنه، وهو من غرر أدعية أهل البيتعليهم‌السلام وهو يمثّل مدى إنابته وانقطاعه إلى الله تعالى كما أنّ فيه من المواعظ ما يوجب صرف النفس عن غرورها وشهواتها، كما يمتاز بجمال الأسلوب وروعة البيان وبلاغة العرض، وفيه من التذلّل والخشوع والخضوع أمام الله تعالى ما لا يمكن صدوره إلاّ عن إمام معصوم.

وقد احتلّ هذا الدعاء مكانة مهمّة في نفوس الأخيار والصلحاء من المسلمين، إذ واظبوا على الدعاء به، وممّا قاله الإمامعليه‌السلام في دعائه:

(إلهي، لا تؤدّبني بعقوبتك، ولا تمكر بي في حيلتك، من أين لي الخير يا ربّ ولا يوجد إلاّ من عندك؟ ومن أين لي النجاة ولا تستطاع إلاّ بك؟ لا الذي أحسن استغنى عن عونك ورحمتك، ولا الذي أساء واجترأ عليك ولم يرضك خرج عن قدرتك...

بك عرفتك وأنت دللتني عليك ودعوتني إليك، ولو لا أنت لم أدر ما أنت.

الحمد لله الذي أدعوه فيجيبني وإن كنتُ بطيئاً حين يدعوني، والحمد لله الذي أسأله فيعطيني وإن كنت بخيلاً حين يستقرضني...

أدعوك يا سيدي بلسان قد أخرسه ذنبه، ربّ أناجيك بقلب قد أوبقه جرمه، أدعوك يا ربّ راهباً راغباً راجياً خائفاً، إذا رأيت مولاي ذنوبي فزعتُ، وإذا رأيت كرمك طمعت...

ــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار : ٤٦ / ١٠٣ ـ ١٠٥.


يا واسع المغفرة، يا باسط اليدين بالرحمة، فوعزّتك يا سيّدي لو نهرتني ما برحتُ (١) من بابك ولا كففت عن تملّقك (٢) لما انتهى إليّ من المعرفة بجودك وكرمك ...

اللهمّ إنّي كلّما قلت قد تهيّأت وتعبّأت وقمت للصلاة بين يديك وناجيتك ألقيت عليّ نعاساً إذا أنا صلّيت وسلبتني مناجاتك إذا أنا ناجيت، ما لي كلّما قلتُ قد صلُحت سريرتي (٣) وقرب من مجالس التوابين مجلسي عرضت لي بلية أزالت قدمي وحالت بيني وبين خدمتك. سيدي لعلّك عن بابك طردتني، وعن خدمتك نحيتني، أو لعلّك رأيتني مستخفّاً بحقّك فأقصيتني، أو لعلّك فقدتني من مجالس العلماء فخذلتني، أو لعلّك رأيتني في الغافلين فمن رحمتك آيستني، أو لعلّك رأيتني آلف مجالس البطّالين فبيني وبينهم خلّيتني، أو لعلّك لم تحبّ أن تسمع دعائي فباعدتني، أو لعلّك بجرمي وجريرتي كافيتني، أو لعلّك بقلّة حيائي منك جازيتني ...

إلهي، لو قرنتني بالأصفاد ومنعتني سيبك (٤) من بين الأشهاد ودللت على فضايحي عيون العباد وأمرت بي إلى النار وحلت بيني وبين الأبرار; ما قطعتُ رجائي منك، وما صرفت تأميلي للعفو عنك، ولا خرج حبّك من قلبي ...

أرحم في هذه الدنيا غربتي، وعند الموت كربتي، وفي القبر وحدتي، وفي اللحد وحشتي، وإذا نُشرتُ للحساب بين يديك ذلّ موقفي، واغفر لي ما خفي على الآدميّين من عملي، وأدم لي ما به سترتني، وارحمني صريعاً على الفراش، تقلّبني أيدي أحبّتي، وتفَضَّل عليّ ممدوداً على المغتسل يقلّبُني صالح جيرتي، وتحنّنْ عليّ محمولاً قد تناول الأقرباء أطراف جنازتي، وجُد عليّ منقولاً قد نزلتُ بك وحيداً في حفرتي، وارحم في ذلك البيت

ــــــــــــــ

(١) بَرحَ المكان ومنه: زال عنه.

(٢) تملقك: التودّد إليك.

(٣) سريرتي: نيّتي.

(٤) السَيْب: العطاء.


الجديد غربتي، حتى لا أستأنس بغيرك...) (١) .

وكان الإمامعليه‌السلام يتأثّر إذا انطوت أيام شهر رمضان; لأنّه عيد أولياء الله تعالى، وكان يودّعه بدعاء جليل نقتطف منه ما يلي:

(السلام عليك يا شهر الله الأكبر ويا عيد أوليائه.

السلام عليك يا أكرم مصحوب من الأوقات، ويا خير شهر في الأيام والساعات.

السلام عليك من شهر قربت فيه الآمال، ونشرت فيه الأعمال.

السلام عليك من قرين جلّ قدره موجوداً، وأفْجع فقده مفقوداً، ومرجوٍّ آلم فراقه.

السلام عليك من أليف آنس مقبلاً فسرّ، وأوحش منقضياً فمضّ (٢) .

السلام عليك من مجاور رقّت فيه القلوب، وقلّت فيه الذنوب.

السلام عليك من ناصر أعان على الشيطان.

السلام عليك وعلى ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.

السلام عليك ما كان أحرصنا بالأمس عليك، وأشدّ شوقنا غداً إليك.

اللهمّ اسلخنا بانسلاخ هذا الشهر (٣) من خطايانا، وأخرجنا بخروجه من سيئاتنا، واجعلنا من أسعد أهله به، وأجزلهم قسماً فيه، وأوفرهم حظّاً منه...) (٤) .

٥ ـ حجّهعليه‌السلام :

وكان يحثّ على الحج والعمرة بقوله:(حجّوا واعتمروا تصح أجسادكم، وتتّسع أرزاقكم، ويصلح إيمانكم، وتكفوا مؤونة الناس ومؤونة عيالكم) (٥) .

ــــــــــــــ

(١) راجع : مفاتيح الجنان (الدعاء المعروف بدعاء أبي حمزة الثمالي).

(٢) مضّ : آلَم.

(٣) انسلخ الشهر: مضى.

(٤) راجع : الصحيفة السجادية (الدعاء في وداع شهر رمضان) .

(٥) وسائل الشيعة : ٨ / ٥.


وقالعليه‌السلام :(الحاج مغفور له، وموجوب له الجنّة، ومستأنف به العمل، ومحفوظ في أهله وماله) (١) .

وقالعليه‌السلام :(الساعي بين الصفا والمروة تشفع له الملائكة) (٢) .

وكانعليه‌السلام يدعو إلى تكريم الحجّاج إذا قدموا من بيت الله الحرام ويقول:(استبشروا بالحجّاج إذا قدموا وصافِحوهم، وعظّموهم تشاركوهم في الأجر قبل أن تخالطهم الذنوب) (٣) .

وحجّعليه‌السلام غير مرّة ماشياً كما حج أبوه وعمّه الحسنعليهم‌السلام ، وحج على ناقته عشرين حجّة وكان يرفق بها كثيراً.

وقال إبراهيم بن عليّ: حججتُ مع عليّ بن الحسين فتلكّأتْ ناقته فأشار إليها بالقضيب، ثم ردّ يده، وقال:(آه من القصاص...) (٤) .

وكان الإمامعليه‌السلام إذا أراد السفر إلى بيت الله الحرام احتفّ به القرّاء والعلماء; لأنّهم كانوا يتزوّدون منه العلوم والمعارف والحكم والآداب، وقال سعيد بن المسيب: إنّ القرّاء كانوا لا يخرجون إلى مكّة حتى يخرج عليّ بن الحسين، فخرج وخرجنا معه ألف راكب(٥) .

وإذا انتهى الإمام إلى إحدى المواقيت التي يحرم منها; يأخذ بعمل سنن الإحرام، وإذا أراد التلبية عند عقد الإحرام اصفرّ لونه واضطرب ولم يستطع أن يلبّي، فإذا قيل له: ما لك لا تلبّي؟ قال:(أخشى أن أقول: لبيك،

ــــــــــــــ

(١) فروع الكافي : ٤/٢٥٢ .

(٢) من لا يحضره الفقيه: ٢ / ٢٠٨ ح ٢١٦٨ .

(٣) بحار الأنوار: ٩٩/٣٨٦ مع اختلاف في اللفظ .

(٤) الفصول المهمة: ١٨٩.

(٥) حياة الإمام زين العابدين عليه‌السلام : ٢٢٧ .


فيقال لي: لا لبيك) .

وإذا لبّى غشي عليه من كثرة خوفه من الله تعالى، ويسقط من راحلته، ولا يزال يعتريه هذا الحال حتى يقضي حجّه(١) .

وكان الإمامعليه‌السلام إذا أدّى مناسكه في البيت الحرام; أقبل على الصلاة تحت ميزاب الرحمة. ورآه طاووس اليماني في ذلك المكان قائماً وهو يدعو الله ويبكي من خشية الله، فلمّا فرغ من صلاته قال له طاووس: رأيتك على حالة من الخشوع ولك ثلاثة أمور، أرجو أن تؤمنك من الخوف، أحدها: أنّك ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، الثاني: شفاعة جدّك، الثالث: رحمة الله.

فأجابه الإمامعليه‌السلام قائلاً: (يا طاووس، أمّا أنّي ابن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلا يؤمنني وقد سمعت الله تعالى يقول: ( فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ) (٢) . وأمّا شفاعة جدّي، فلا تؤمنني; لأنّ الله تعالى يقول: ( وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى ) (٣) وأمّا رحمة الله فالله يقول: ( إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) (٤) ولا أعلم أنّي محسن) (٥).

وقال طاووس: رأيت عليّ بن الحسين يطوف من العشاء إلى السحر ويتعبّد، فإذا لم يرَ أحداً رمق السماء بطرفه وقال:(إلهي، غارت نجوم سماواتك، وهجعت عيون أنامك، وأبوابك مفتّحات للسائلين، جئتك لتغفر لي وترحمني وتريني وجه جدي محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في عرصات القيامة) ثم بكى وقال:(أما وعزّتك وجلالك ما أردتُ بمعصيتي مخالفتك، وما عصيتك إذ عصيتك وأنا بك شاكّ، ولا بنكالك جاهل، ولا لعقوبتك

ــــــــــــــ

(١) نهاية الإرب : ٢١ / ٣٢٦.

(٢) المؤمنون (٢٣) : ١٠١ .

(٣) الأنبياء (٢١) : ٢٨ .

(٤) الأعراف (٧) : ٥٦ .

(٥) بحار الأنوار : ٤٦ / ١٠١.


متعرّض، ولكن سوّلت لي نفسي، وأعانني على ذلك سترك المرخى به عليّ، فأنا الآن من عذابك من يستنقذني، وبحبل من اعتصم إن قطعت حبلك عنّي...) . ثم خرّ إلى الأرض ساجداً، فدنوت منه ورفعت رأسه ووضعته في حجري، فوقعتْ قطرات من دموعي على خدّه الشريف فاستوى جالساً، وقال بصوت خافت:(من هذا الذي أشغلني عن ذكر ربي؟) .

فأجابه طاووس بخضوع وإجلال: أنا طاووس ياابن رسول الله، ما هذا الجزع والفزع ونحن يلزمنا أن نفعل مثل هذا ونحن عاصون جانون؟ أبوك الحسين بن عليّ وأمك فاطمة الزهراء وجدّك رسول الله.

فأجابه الإمامعليه‌السلام : (هيهات هيهات يا طاووس، دع عنك حديث أبي وأمي وجدّي، خلق الله الجنة لمن أطاعه وأحسن ولو كان عبداً حبشياً، وخلق النار لمن عصاه ولو كان سيّداً قرشياً، أما سمعت قوله تعالى: ( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ) ؟ والله لا ينفعك غداً إلاّ ما تقدّمه من عمل صالح) (١) .

دعاؤه في يوم عرفة :

وكان الإمام عليه‌السلام في عرفات يقوم بالصلاة والدعاء وتلاوة القرآن الكريم، وكان يدعو بدعاء جليل وهو من غرر أدعية أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام ، وفيما يلي بعض المقتطفات منه:

(الحمد لله ربّ العالمين، اللهمّ لك الحمد بديع السماوات والأرض (٢) ذا الجلال والإكرام، ربّ الأرباب، وإله كلّ مألوه، وخالق كلّ مخلوق، ووارث كلّ شيء ليس كمثله

ــــــــــــــ

(١) مناقب آل أبي طالب : ٤ / ١٦٣، ١٦٤، وبحار الأنوار : ٤٦ / ٨١ .

(٢) بديع السماوات والأرض: مخترعها لا عن مثال سابق، أو أنّ السماوات والأرض بديعة، أي عديمة النظير.


شيء، ولا يعزب (١) عنه علم شيء، وهو بكلّ شيء محيط، وهو على كلّ شيء رقيب.

أنت الله لا اله إلاّ أنت الأحد المتوحّد الفرد، وأنت الله لا اله إلاّ أنت الكريم المتكرّم العظيم المتعظّم الكبير المتكبّر، وأنت الله لا اله إلاّ أنت العليّ المتعال الشديد المحال (٢) .

أنت الذي قصرت الأوهام عن ذاتيتك، وعجزت الأفهام عن كيفيتك، ولم تدرك الأبصار موضع أينيّتك، أنت الذي لا تُحدّ فتكون محدوداً، ولم تمثل فتكون موجوداً، ولم تلد فتكون مولوداً.

لك الحمد حمداً يدوم بدوامك، ولك الحمد حمداً خالداً بنعمتك، ولك الحمد حمداً يوازي صنعك، ولك الحمد حمداً يزيد على رضاك، ولك الحمد حمداً مع حمد كلّ حامد.

ربّ صلّ على محمد وآله صلاةً زاكيةً لا تكون صلاةٌ أزكى منها، وصلّ عليه صلاةً ناميةً لا تكون صلاةٌ أنمى منها، وصلّ عليه صلاةً راضيةً لا تكون صلاةٌ فوقها... ربِّ صلِّ على أطائب أهل بيته الذين اخترتهم لأمرك، وجعلتهم خزنة علمك وحفظة دينك، وخلفاءَك في أرضك، وحججك على عبادك، وطهّرتهم من الرجس والدنس تطهيراً بإرادتك، وجعلتهم الوسيلة إليك والمسلك إلى جنّتك.

اللهمّ إنّك أيّدت دينك في كلّ أوان بإمام أقمته علماً لعبادك ومناراً في بلادك، بعد أن وَصَلْت حبله بحبلك، وجعلته الذريعة إلى رضوانك، وافترضت طاعته، وحذّرت معصيته، وأمرت بامتثال أوامره والانتهاء عند نهيه، وألاّ يتقدّمه متقدّم ولا يتأخّر عنه متأخّر، فهو عصمة اللائذين، وكهف المؤمنين، وعروة المتمسّكين، وبهاءُ العالمين.

وانزع من قلبي حبّ دنيا دنية تنهى عمّا عندك، وتصدّ عن ابتغاء الوسيلة إليك، وتذهل عن التقرّب منك، وزيّن لي التفرّد بمناجاتك بالليل والنهار، وهب لي عصمة تدنيني من خشيتك، وتقطعني عن ركوب محارمك، وتفكّني من أسر العظائم، وهب لي التطهير من

ــــــــــــــ

(١) لا يعزب: لا يغيب.

(٢) المحال: الأخذ.


دنس العصيان، وأذْهِب عنّي درن الخطايا، وسربلني (١) بسربال عافيتك.

ولا تكلني إلى حولي وقوّتي دون حولك وقوّتك، ولا تخزني يوم تبعثني للقائك، ولا تفضحني بين يدي أوليائك، ولا تنسني ذكرك، ولا تُذهب عنّي شكرك... واجعل رغبتي إليك فوق رغبة الراغبين، وحمدي إيّاك فوق حمد الحامدين، ولا تخذلني عند فاقتي إليك.

اجعل هيبتي في وعيدك، وحذري من إعذارك وإنذارك، ورهبتي عند تلاوة آياتك، واعمر ليلي بإيقاظي فيه لعبادتك، وتفرّدي بالتهجّد لك، وتجرّدي بسكوني إليك وإنزال حوائجي بك ومنازلتي إيّاك (٢) في فكاك رقبتي من نارك، وإجارتي ممّا فيه أهلها من عذابك، ولا تذرني في طغياني عامهاً (٣) ولا في غمرتي (٤) ساهياً حتى حين، ولا تجعلني عظةً لمن اتّعظ، ولا نكالاً لمن اعتبر، ولا فتنةً لمن نظر، ولا تمكر بي فيمن تمكر به، ولا تستبدل بي غيري... واجعل قلبي واثقاً بما عندك، وهمّي مستغرقاً لما هو لك، واستعملني بما تستعمل به خالصتك، وأشرب قلبي عند ذهول العقول طاعتك... وصن وجهي عن الطلب إلى أحد من العالمين، وذبّني عن التماس ما عند الفاسقين ولا تجعلني للظالمين ظهيراً ولا لهم على محو كتابك يداً ونصيراً...) (٥) .

دعاؤه يوم عيد الأضحى :

كان الإمام زين العابدينعليه‌السلام يستقبل يوم عيد الأضحى بالابتهال إلى الله والتضرّع إليه، طالباً منه أن يتفضّل عليه بقبول مناسكه وسائر طاعاته

ــــــــــــــ

(١) سربلني: قمّصني، والسربال: القميص.

(٢) منازلتي ايّاك: أي مراجعتي.

(٣) عامهاً: العَمَه في البصيرة كالعمى في البصر.

(٤) ولا في غمرتي: أي إغمائي وغفلتي، ناظراً إلى قوله سبحانه: (فذرهم في غمرتهم حتّى حين). المؤمنون (٢٣) : ٥٤ .

(٥) الصحيفة الكاملة السجادية : الدعاء ٤٧.


وعباداته، وأن يمنحه المغفرة والرضوان، ومن دعائه في هذا اليوم المبارك:

(اللهمّ هذا يوم مبارك ميمون والمسلمون فيه مجتمعون.

اللهمّ إليك تعمّدت بحاجتي، وبك أنزلتُ اليوم فقري وفاقتي ومسكنتي، وإنّي بمغفرتك ورحمتك أوثق منّي بعملي، ولمغفرتك ورحمتك أوسع من ذنوبي، فصلّ على محمد وآل محمد، وتولّ قضاء كلّ حاجة هي لي بقدرتك عليها، وبتيسير ذلك عليك، وبفقري إليك، وغناك عنّي، فإنّي لم أُصِبْ خيراً قطُّ إلاّ منك، ولم يصرف عنّي سوءاً قط أحد غيرك، ولا أرجو لأمر آخرتي ودنياي سواك.

اللهمّ فصلّ على محمد وآل محمد، ولا تخيّب اليوم ذلك من رجائي، يا من لا يُحفيه سائل ) ولا ينقصه نائل، فإنّي لم آتك ثقةً منّي بعمل صالح قدّمته، ولا شفاعة مخلوق رجوته إلاّ شفاعة محمد وأهل بيته صلواتك عليه وعليهم وسلامك، أتيتك مقرّاً بالجرم والإساءة إلى نفسي، أتيتك أرجو عظيم عفوك الذي عفوت به عن الخاطئين ثمّ لم يمنعك طول عكوفهم (٢) على عظيم الجرم أن عدت (٣) عليهم بالرحمة والمغفرة.

اللهمّ إنّ هذا المقام (٤) لخلفائك (٥) وأصفيائك ومواضع أمنائك (٦) في الدرجة الرفيعة التي اختصصتهم بها قد ابتزوها (٧) وأنت المقدّر لذلك، لا يغالب أمرك، ولا يُجاوز

ــــــــــــــ

(١) لا يحفيه سائل: أي لا يستقصيه في السؤال، إذ كلما سأله شيئاً فما بقي عنده فهو أكثر منه بكثير، بل لا نسبة بينهما، لنهاية أحدهما ولا نهاية الآخر.

(٢) عكوفهم: إقامتهم ومواظبتهم.

(٣) أن عُدْتَ: أي عن أن عدت، وحذف مثله قياسي، و (أن) مصدرية يعني العود.

(٤) إنّ هذا المقام: أي مقام صلاة الجمعة أو العيد.

(٥) لخلفائك: أي الأئمة المعصومين عليهم‌السلام ، يعني هم المستحقّون لذلك، وأن يكون أزمّته بأيديهم، فامّا يجعلونه لأنفسهم كما في زمن حضورهم وبلد شهادتهم وأمنهم من الضرر، أو يأذنون لمن يرونه أهلاً له عموماً أو خصوصاً، كما في زمن غيبتهم أو تقيّتهم، وفي غير بلد حضورهم.

(٦) ومواضع أمنائك: نصب عطف على (هذا المقام(، و (لخلفائك) متعلق بهذا (المقام)، أو خبر له.

(٧) قد ابتزوها: الابتزاز والبزّ: السلب والنزع وأخذ الشيء بجفاء وقهر، والعائد للدرجة أو للمواضع أو للمقام باعتبار اكتساب تأنيث الدرجة.


المحتوم من تدبيرك، كيف شئت وأنّى شئت...) (١) .

ظاهرة الدعاء والمناجاة في حياة الإمامعليه‌السلام :

قال تعالى: ( قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً ) (٢) .

قال السيد ابن طاووس رضوان الله تعالى عليه في مقام بيان ما تفيده الآية المباركة: فلم يجعل لهم لولا الدعاء محلاًّ ولا مقاماً فقد صار مفهوم ذلك أنّ محل الإنسان ومنزلته عند الله جلّ جلاله على قدر دعائه وقيمته بقدر اهتمامه بمناجاته وندائه(٣) .

وفي ضوء هذه الحقيقة القرآنية نجد أنّ الإمام زين العابدينعليه‌السلام كان يدعو الله تعالى ويناجيه في كلّ آن وعلى كلّ حال، مجسّداً فقره المطلق إلى الله جلّ جلاله، وهو ما يستبطن قدر الإمام ومكانته باعتبار أنّ المقام عند الله تعالى على قدر دعائه ومناجاته أو على قدر إدراكه لفاقته وحاجته إلى الله عَزَّ وجَلَّ ، والعمل بما يقتضيه هذا الإدراك من انقطاع تامّ إلى الله تعالى والإعراض عن كلّ ما سواه.

ونقتطف هنا بعض النصوص الشريفة من أدعية ومناجات الإمامعليه‌السلام التي تبيّن ذروة حالات اليقين والغنى التي يمكن أن يصلها الإنسان إذا رسّخ في عقله وقلبه حقيقة (أن لا مؤثّر في الوجود إلاّ الله تعالى) فلا يتعلّق قلبه بغيره سبحانه، ولا يرجو شيئاً من سواه تعالى، ولا يحبّ شيئاً غيره ويعمر

ــــــــــــــ

(١) الفرقان (٢٥) : ٧٧.

(٢) فلاح السائل للسيد ابن طاووس : ٢٦، طبعة مكتب الإعلام الإسلامي للحوزة العلمية في قم المقدسة.

(٣) الدعاء: ٤٨ من الصحيفة الكاملة السجاديّة.


أوقاته كلّها بذكره تعالى والعمل بطاعته :

قالعليه‌السلام :(اللهمّ صلّ على محمّد وآله، واجعل سلامة قلوبنا في ذكر عظمتك، وفراغ أبداننا في شكر نعمتك، وانطلاق ألسنتنا في وصف منّتك، اللهمّ صلّ على محمّد وآله، واجعلنا من دعاتك الداعين إليك، وهداتك الدالّين عليك، ومن خاصّتك الخاصّين لديك يا أرحم الرحمين) (١) .

إنّه الانقطاع التامّ والكامل فكراً وذكراً وسلوكاً وخُلقاً لله جلّ جلاله.

وقالعليه‌السلام مناجياً الله جلّ جلاله:(كيف أرجو غيرك والخير كله بيدك؟! وكيف أُؤمِّل سواك والخلق والأمر لك؟! أأقطع رجائي منك وقد أوليتني ما لم أسأله من فضلك أم تفقرني إلى مثلي وأنا اعتصم بحبلك؟! يا من سعد برحمته القاصدون، ولم يشق بنقمته المستغفرون، كيف أنساك ولم تزل ذاكري؟! وكيف ألهو عنك وأنت مراقبي؟!) (٢) .

لقد انقطععليه‌السلام إلى الله عَزَّ وجَلَّ كأعظم ما يكون الانقطاع، فلم يأمل في جميع أموره غيره معتقداً بأنّ الأمل بما في يد غيره سراب.

وناجى ربّه عَزَّ وجَلَّ بقولهعليه‌السلام : (إلهي أذهلني عن إقامة شكرك تتابع طولك (٣) ، وأعجزني عن إحصاء ثنائك فيض فضلك، وشغلني عن ذكر محامدك ترادف (٤) عوائدك (٥) ، وأعياني عن نشر عوارفك توالي أياديك.

إلهي تصاغر عند تعاظم آلائك شكري، وتضاءل في جنب إكرامك إيّاي ثنائي ونشري (٦) .

ــــــــــــــ

(١) الدعاء الخامس من الصحيفة الكاملة.

(٢) مناجاة الراجين.

(٣) طَولك: فضلك.

(٤) ترادُف: تتابع.

(٥) عوائدك: جمع عائدة وهي المعروف والمنفعة.

(٦) نشري: يعني هنا بسط الحديث بالمدح.


جلّلتني (١) نعمك من أنوار الإيمان حللاً، وضربت عليّ لطائف برّك من العزّ كللاً (٢) ، وقلّدتني مننك قلائد لا تحلّ، وطوّقتني أطواقاً لاتفلّ (٣) ، فآلاؤك جمّة ضعف لساني عن إحصائها، ونعماؤك كثيرة قصر فهمي عن إدراكها فضلاً عن استقصائها، فكيف لي بتحصيل الشكر وشكري إيّاك يفتقر إلى شكر؟! فكلّما قلت: لك الحمد وجب عليّ لذلك أن أقول: لك الحمد...) (٤) .

وهكذا يعلّمنا الإمامعليه‌السلام كيف نشكر الله تعالى على ما أولانا من جزيل النعم، وأنّ الإنسان مهما بالغ في شكره فإنّه عاجز وقاصر عن أداء الشكر.

وقالعليه‌السلام :(اللهمّ احملنا في سفن نجاتك، ومتّعنا بلذيذ مناجاتك، وأوردنا حياض حبّك، وأذقنا حلاوة ودّك وقربك، واجعل جهادنا فيك، وهمّنا في طاعتك، وأخلص نيّاتنا في معاملتك، فإنّا بك ولك ولا وسيلة لنا إليك إلاّ أنت...) (٥) .

وهكذا طلبعليه‌السلام من الله تعالى أن يخلص نيّته في معاملته ويبلغه أعزّ أمانيه وهي ابتغاء رضوانه جلّ جلاله.

وقالعليه‌السلام :(... إلهي فَاسْلُك بنا سُبُلَ الوصول إليك، وسيّرنا في أقرب الطرق للوفود عليك، قرّب علينا البعيد، وسهّل علينا العسير الشديد، وألحقنا بعبادك الذين هم بالبدار (٦) إليك يسارعون، وبابك على الدوام يطرقون، وإيّاك في الليل والنهار يعبدون، وهم من هيبتك مشفقون، الذين صفّيت لهم المشارب، وبلّغتهم الرغائب، وأنجحت لهم

ــــــــــــــ

(١) جَلّلتني: غطّتني، وغمرتني.

(٢) كللاً: كلل جمع الكُلّة وهي بيت أو خيمة رقيقة تُضرب للمبيت تمنع من الذباب والبَعوض وإنّما ذلك لأرباب النعمة.

(٣) لا تُفلّ: لا تثلم.

(٤) مناجاة الشاكرين.

(٥) مناجاة المطيعين.

(٦) البدار: السباق.


المطالب، وقضيت لهم من فضلك المآرب (١) ، وملأت لهم ضمائرهم من حبّك، وروّيتهم من صافي شربك، فبك إلى لذيذ مناجاتك وصلوا، ومنك أقصى مقاصدهم حصّلوا.

فأنت لا غيرك مرادي، ولك لا لسواك سهري وسهادي، ولقاؤك قرّة عيني، ووصلك مُنى نفسي، وإليك شوقي، وفي محبّتك ولهي (٢) ، وإلى هواك صبابتي (٣) ، ورضاك بغيتي، ورؤيتك حاجتي، وجوارك طلبي، وقربك غاية سؤلي، وفي مناجاتك رَوحي (٤) وراحتي، وعندك دواء علّتي، وشفاء غلّتي (٥) ، وبرد لوعتي (٦) ، وكشف كربتي (٧) ...) (٨) .

وهكذا انقطععليه‌السلام إلى الله جلّ جلاله، وتعلّقت به روحه وعواطفه، فلم يبصر غيره، ولا يجد شافياً لغلّتهِ سواه.

وقالعليه‌السلام :(إلهي كسري لا يجبره إلاّ لطفك وحنانك، وفقري لا يغنيه إلاّ عطفك وإحسانك، وروعتي لا يسكِّنُها إلاّ أمانك، وذلّتي لا يعزّها إلاّ سلطانك، وأمنيتي لا يبلّغنيها إلاّ فضلك، وخلّتي (٩) لا يسدّها إلاّ طولك، وحاجتي لا يقضيها غيرك، وكربي لا يفرّجه سوى رحمتك، وضرّي لا يكشفه غير رأفتك، وغلّتي لا يبرّدها إلاّ وصلك، ولوعتي لا يطفيها إلاّ لقاؤك، وشوقي إليك لا يُبله إلاّ النظر إلى وجهك، وقراري لا يقرّ دون دنوّي منك) (١٠) .

لقد أبدى الإمامعليه‌السلام فقره وفاقته إلى الله سبحانه، وقد هامعليه‌السلام بحبّ

ــــــــــــــ

(١) المآرب: جمع مأرب ومأربة أي الحاجة.

(٢) ولهي: تحيّري من شدّة الوجد.

(٣) صبابتي: شوقي.

(٤) الرَوح: الفرح والراحة.

(٥) غلّتي: عطشي الشديد.

(٦) لوعتي: حرقة حزني وهواي ووجدي.

(٧) كرْبتي: همّي وغمي.

(٨) مناجاة المريدين.

(٩) خلّتي: حاجتي وفقري.

(١٠) مناجاة المفتقرين.


سيّده ومولاه خالق الكون وواهب الحياة، فعقد جميع آماله عليه ورجاه في قضاء جميع أموره كأعظم ما يكون الرجاء.

تجلّيات العرفان الإلهي :

وقالعليه‌السلام :(إلهي ما ألذّ خواطر الإلهام بذكرك على القلوب، وما أحلى المسير إليك بالأوهام في مسالك الغيوب، وما أطيب طعم حبّك، وما أعذب شرب قربك! فأعذنا من طردك وإبعادك، واجعلنا من أخصّ عارفيك وأصلح عبادك وأصدق طائعيك وأخلص عبّادك) (١) .

حقاً إنّ الإمام زين العابدينعليه‌السلام سيّد الموحّدين وزعيم العارفين بالله، ولم تكن عبادته تقليداً، وإنّما كانت ناشئة عن كمال معرفته بالله تعالى، وقد أعرب في النص المذكور عن كمال بغيته ألا وهو الإخلاص في عبادته سبحانه وتعالى.

وقالعليه‌السلام : (إلهي فألهمنا ذكرك في الخلاء (٢) والملاء (٣) والليل والنّهار والإعلان والإسرار، وفي السرّاء والضرّاء، وآنِسنا بالذكر الخفيّ، واستعملنا بالعمل الزكيّ والسعي المرضىّ.

أنت المُسبّح في كلّ مكان، والمعبود في كلّ زمان، والموجود في كلّ أوان، والمدعوّ بكلّ لسان، والمعظّم في كل ّجنان (٤) ، وأستغفرك من كلّ لذّة بغير ذكرك، ومن كلّ راحة بغير اُنسك، ومن كلّ سرور بغير قربك، ومن كلّ شغل بغير طاعتك...) (٥) .

ــــــــــــــ

(١) مناجاة العارفين.

(٢) الخلاء: المكان الفارغ الذي ليس فيه أحد.

(٣) الملاء: اجتماع الناس.

(٤) جَنان: القلب.

(٥) مناجاة الذاكرين.


ويأخذنا الذهول حينما نقرأ هذا النصّ السجّادي الذي أعطانا فيه صورة واضحة متميّزة عن تضرّعه وتذلّله أمام الله سبحانه الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.

إنّ المعرفة الحقيقية بأنّ الإنسان فقير إلى الله تعالى ـ كما جسّدته النصوص السابقة ـ تجعله يلتجئ إليه تعالى دائماً، ومن هنا نجد أنّ للإمام السجادعليه‌السلام أدعية في أوقات وحالات متعدّدة بالإضافة إلى ما أوردناه، فلهعليه‌السلام دعاء في الصلاة على محمّد وآله، وفي الصلاة على حملة العرش، وفي اللجوء إلى الله تعالى، وفي طلب الحوائج، وعند المرض، وفي مكارم الأخلاق، ولجيرانه، ولأوليائه، ولأهل الثغور، وفي الاستخارة، وفي التوبة، وإذا نظر إلى الهلال، وفي يوم عيد الفطر، وفي التذلّل، وعند الشدّة، وعند ذكر الموت، وفي الرهبة، وفي استكشاف الهموم.

وتجلّى من خلال الفصول السابقة أنّ سيرة الإمام زين العابدينعليه‌السلام جمعت له روح الثورة ضدّ الطغيان والحماس الجهادي إلى جانب المعرفة الإلهية الحقّة وشدّة التعبّد لله جلّ جلاله، فكانت سيرتهعليه‌السلام توضيحاً للإجابة عن التساؤلات التي تثار عن إمكانية الجمع بين الدعاء والمناجاة من جهة والروح النهضوية والتضحوية من جهة أُخرى.

ولعلّ منشأ تلك التساؤلات هو توهّم البعض أنّ تفرّغهم للجهاد الأكبر ومجاهدة النفس والرياضات الشرعية والممارسات العبادية يغنيهم عن القتال والعمل الثوري والروح الجهادية باعتبارها جهاداً أصغر، إذ يغفلون عن حقيقة هي: أنّ القيام بالجهاد الأصغر هو أحد المحاور الأساسية للعمل بالجهاد الأكبر في إطاره الأوسع، وأنّ ترك الجهاد ناشئ في معظم الحالات عن هزيمة خفيّة في أحد ميادين الجهاد الأكبر، فالتلازم بين شدّة التقيّة وشدّة البأس أصيل، إذ يعبّر عن حقيقة شمولية الشريعة والدين الالهي الحنيف لكافة أبعاد حياة الإنسان الفردية والاجتماعية.


فالمعرفة التوحيدية والنهضة صفتان واضحتان جسّدهما أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام ، إذ لم تخل سيرتهم أبداً من اجتماعهما، ويتّضح ذلك من خلال التمعّن في مناجاتهمعليهم‌السلام وخطبهم في ميادين الحرب ومواقفهم ضد الحكّام المنحرفين، ونلحظ ذلك عند الإمام السجّادعليه‌السلام في روحه الجهادية الناهضة التي لاحظناها من خلال تصريحاته في الشام وفي مجلس يزيد بن معاوية وهو الأسير المكبّل بالسلاسل، والردّ الحاسم منه في دار الإمارة بالكوفة على من هدّده بالقتل بقوله:(أبالقتل تهدّدنا وإنّ كرامتنا الشهادة) (١) إنّ هذه الروح هي التي نطقت بأدعية الصحيفة السجادية وبالمناجاة الخمس عشرة(٢) ، وفي هذا خير شاهد على اجتماع روح الحماسة وروح الدعاء والمناجاة والعبادة.

وهذه الحقيقة أدّت بدورها إلى أن تَحمل أدعية الإمامعليه‌السلام جوانب سياسية، وجهادية، واجتماعية، وأخلاقية، إلى جوار جوانبها العقائدية والمعرفية والعبادية، فكانت ذات أهداف تغييرية شاملة.

لقد كانت للأدعية السجادية أبعاد فكرية واسعة المدى بالنصوص الحاسمة لقضايا عقائدية إسلامية، كانت بحاجة إلى البتّ فيها بنص قاطع، بعد أن عصفت بالعقيدة تيارات الإلحاد كالتشبيه والجبر والإرجاء وغيرها ممّا كان الأمويون وراء بعثها وإثارتها وترويجها، بهدف تحريف مسيرة التوحيد والعدل، تمهيداً للردّة عن الإسلام والرجوع إلى الجاهلية الأولى.

وفي حالة القمع والإبادة ومطاردة كلّ المناضلين الأحرار وتتبّع آثارهم

ــــــــــــــ

(١) نفس المهموم، المحدّث القمي: ٤٠٨.

(٢) راجع الفصل الخاصّ بتراثه عليه‌السلام .


وخنق أصواتهم كان قرار الإمام زين العابدين عليه‌السلام باتّباع سياسة الدعاء أنجح وسيلة لبثّ الحقائق وتخليدها، وأأمَن طريقة وأبعدها من إثارة السلطة الغاشمة، وأقوى أداة اتّصال سرّية مكتوبة هادئة موثوقة (١) .

ظاهرة البكاء في حياة الإمامعليه‌السلام :

تختلف دواعي البكاء عند الإنسان ،فقد يبكي شوقاً إلى المحبوب، وقد يبكي اعتراضاً وصرخةً في وجه النظام الغشوم، ومن هنا يمكن تفسير وفهم ما جاء من: (أنّ البكاء على الإمام أبي عبد الله الحسين وسيّد الشهداءعليه‌السلام من عوامل السعادة الخالدة والزلفى إلى المهيمن سبحانه).

ولم يزل خاتم الأنبياء محمّد المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يبكيه في بيته وفي المسجد وحده تارة ومع أصحابه تارة أُخرى، ويجيب من يسأله قائلاً:(أخبرني جبرئيل بقتل ولدي الحسين في جماعة من أهل بيته وأراني التربة التي يقتل فيها) (٢) .

مضافاً إلى ما في البكاء عليه من التعريف بالقساوة التي استعملها الأمويون ولفيفهم، ومن هنا كان الأئمّة يحثّون شيعتهم على عقد المحافل لذكر حادثة الطفّ واستدرار الدموع لكارثتها المؤلمة، وأكثروا من بيان الأجور المترتّبة عليه إلى حد بعيد.

وغير خفيّ أنّ إكثار الإمام زين العابدينعليه‌السلام من البكاء على أبيه سيّد الشهداء طيلة حياته لم يكن لمحض الرقّة والعاطفة، بل إنّهعليه‌السلام لاحظ به غاية سامية وهي تعريف الأجيال المتعاقبة الواعية لهذا الخَطْب الجليل وهوعليه‌السلام شاهد حال بما جاء به الأمويون من القساوة والفظاعة وخروجهم عن الدين والشريعة وتنمّرهم تجاه العدل والمروءة والإنسانية...

ــــــــــــــ

(١) جهاد الإمام السجّاد عليه‌السلام : ٢٢٤ ـ ٢٢٥.

(٢) كشف الغمة : ٢ / ٧ ـ ١٢ .


لقد بكى على أبيه المدّة التي عاش فيها حتى قال له مولاه:إنّي أخاف عليك أن تكون من الهالكين، فقال: ( إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) ، إنّي لم أذكر مصرع بني فاطمة إلاّ خنقتني العبرة) (١) .

وقال له آخر: أما آنَ لحزنك أن ينقضي؟ فقالعليه‌السلام :(ويلك لقد شكا يعقوب إلى ربّه في أقلّ ممّا رأيت حين قال: ( يَا أَسَفَى ) ولم يفقد إلاّ ابناً واحداً وهو حي في الدنيا وأنا رأيت أبي وجماعة أهل بيتي يذبّحون حولي) (٢) .

وكانعليه‌السلام إذا أخذ الإناء لِيشرب الماء تذكّر عطش أبيه ومن معه فيبكي حتى يمزجه من دموعه، فإذا قيل له في ذلك يقول:(كيف لا أبكي وقد مُنِع أبي من الماء الذي هو مطلق للوحوش والسباع) (٣) .

وكثيراً ما كان يحدّث أصحابه بفوائد الحزن في مصابهم والبكاء على ما انتابهم من المحن فيقول:(أيّما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين حتى تسيل على خدّه; بوّأه الله في الجنة غرفاً) (٤) فكان صلوات الله عليه بإدامته البكاء على أبيه يؤجِّج في الأفئدة ناراً لما ارتكبه أولئك الطغاة من الجرائم والمآثم، يأبى الحنان البشري أن يكون صاحبها إنساناً فضلاً عن أن يقود اُمّةً أو يرأس رعيّةً، وفضلاً عن أن يكون خليفة في دين أو متبعاً في دنيا.

وحيث لم تسعه المجاهرة بموبقات من اغتصبهم الخلافة الإلهية وجرّ إليهم الويلات ونكّل بهم; اتّخذعليه‌السلام البكاء طريقاً لتنبيه الناس بتلكم الجرائم، وهذا منه أكبر جهاد ناجع في تحطيم عرش من أهلك الحرث والنسل وعاث في البلاد فساداً وخبالاً، فكان بكاؤه متمّماً للنهضة المقدسة.

ــــــــــــــ

(١) أعيان الشيعة : ١/٦٣٦ ، سيرة علي بن الحسين عليه‌السلام بكاءه على أبيه.

(٢) المصدر السابق .

(٣) بحار الأنوار : ٤٦ / ١٠٨ عن مناقب آل أبي طالب : ٤/١٧٩ و١٨٠ وعن حلية الأولياء : ٣/١٣٨.

(٤) راجع : ثواب الأعمال : ٨٣ .


وقد سبقته إلى هذا الجهاد الأكبر جدّته الصدّيقة الزهراءعليها‌السلام وحاولوا إسكاتها معتذرين بأنّ نفوسهم لا تطيب بطعام ولا شراب وعزيزة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تنوح الليل والنهار فلم تهدأ عن البكاء، فاضطر سيّد الأوصياءعليه‌السلام إلى إخراجها إلى البقيع بعد أن بنى لها بيتاً من جريد النخل سمّاه (بيت الأحزان)، فإنّ الغرض تعريف الأمة من كان مستحقاً للخلافة الإلهية وقد اغتصبت منه.

فالبكاء يوجب إلفات نظر الناس إلى الأسباب الباعثة عليه، وبهذا التفحّص تتجلى لهم الحقيقة ويسطع بصيصٌ مِنْ أَلَقِ الحَقِّ المحجوب بظلم الجائرين...(١) .

لقد كان البكاء واحداً من الأساليب التي جعلها الإمام السجّادعليه‌السلام وسيلة لإحياء ذكرى كربلاء، كما استعمل أساليب أُخرى:

منها: زيارة الحسينعليه‌السلام والحثّ عليها.

قال أبو حمزة الثمالي: سألت عليّ بن الحسين عن زيارة الحسينعليه‌السلام فقال:(زره كلّ يوم، فإن لم تقدر فكلّ جمعة، فإن لم تقدر فكلّ شهر، فمن لم يزره فقد استخفّ بحقّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) (٢) !

ــــــــــــــ

(١) الإمام زين العابدين عليه‌السلام للسيّد الموسوي المقرّم: ٣٦٠ ـ ٣٦٥، نشر دار الشبستري للمطبوعات. وفي النص مقاطع أخذها من مصادر أُخرى ذكرها في الكتاب.

(٢) جهاد الإمام السجاد عليه‌السلام : ٢٢٠.


ومنها: الاحتفاظ بتراب قبر الحسينعليه‌السلام للسجود عليه(١) .

ومنها: أنّهعليه‌السلام كان يتختّم بخاتم أبيه الحسين عليه‌السلام (٢) .

ظاهرة الإعتاق في حياة الإمامعليه‌السلام :

العتق ظاهرة فريدة جاءت بها الشريعة الإسلامية، وقد اعتنى بها الأئمّة الأطهار اعتناء تاماً، إلاّ أنّ تحرير الرقيق يشكل ظاهرة بارزة في حياة الإمام زين العابدينعليه‌السلام بالخصوص بشكل ليس له مثيل في تأريخ الإمامة، فهو أمر يسترعي الانتباه والملاحظة الفاحصة.

وإذا دقّقنا في الظروف والملابسات التي عاشها الإمامعليه‌السلام وقمنا ببعض المقارنات بين أعمالهعليه‌السلام والأحداث التي كانت تجري من حوله والظروف التي اكتنفت عملية الإعتاق الواسعة التي تبنّاها الإمامعليه‌السلام ; اتّضحت الصورة الحقيقية لأهدافهعليه‌السلام من ذلك.

فيلاحظ أولاً : أنّ أعداد الرقيق والعبيد كانت تتواتر على البلاد الإسلامية، فكان الموالي في ازدياد بالغ مذهل على أثر توالي الفتوحات.

ثانياً: كان الأمويون ينتهجون سياسة التمييز العنصري، إذ كانوا يعتبرون الموالي شبه الناس(٣) .

ثالثاً: أنّ الجهاز الحاكم على الدولة الإسلامية ابتداءً من الخليفة نفسه ومروراً بالأمراء والوزراء وانتهاءً بموظّفي الدولة كانوا لا يمثّلون الإسلام، وإنّما كانوا بالضدّ والنقيض مع أحكامه وأخلاقه وآدابه وإن كانت تلهج ألسنتهم باسمه وتلعق بشهاداته.

ــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار : ٤٦ / ٧٩، باب ٥، ح٧٥.

(٢) نقش الخواتيم للسيد جعفر مرتضى: ١١.

(٣) مختصر تأريخ دمشق : ١٧ / ٢٨٤.


رابعاً: أنّ انتشار العبيد والموالي وبالكثرة الكثيرة ومن دون أيّ تحصين أخلاقي أو تربية إسلامية كان يؤدّي إلى شيوع البطالة والفساد، وهو ما ترمي إليه الدولة الظالمة.

ويلاحظ فيما يتّصل بالإمامعليه‌السلام :

١ ـ أنّ الإمامعليه‌السلام كان يشتري العبيد والإماء ولكن لا يُبقي أحدهم عنده أكثر من سنة واحدة فقط، وهذا يعني أنّه كان مستغنياً عن خدمتهم، فكان يعتقهم بحجج متعدّدة وفي مناسبات مختلفة.

٢ ـ أنّ الإمامعليه‌السلام كان يعامل الموالي ـ لا كعبيد أو إماء ـ بل يعاملهم معاملة إنسانية مثالية، ممّا يعزّز في نفوسهم الأخلاق الكريمة ويحبّب إليهم الإسلام وأهل البيتعليهم‌السلام .

٣ ـ أنّ الإمامعليه‌السلام كان يعلّم الرقيق أحكام الدين ويغذّيهم بالمعارف الإسلامية، بحيث يخرج الواحد من عنده محصّناً بالمعلومات التي تفيده في حياته ويدفع بها الشبهات ولا ينحرف عن الإسلام الصحيح.

٤ ـ كان الإمامعليه‌السلام يزوّد من يعتقه بما يغنيه، فيدخل المجتمع ليزاول الأعمال الحرّة كأيّ فرد من الأمة، ولا يكون عالةً على المجتمع.

فالإمامعليه‌السلام كان يستهدف إسقاط السياسة التي كان يزاولها الأمويون في معاملتهم للرقيق، فقد حقّق عمل الإمامعليه‌السلام النتائج التالية:

أ ـ حرّر مجموعة كبيرة من عباد الله وإمائه الذين وقعوا في الأسر، وتلك حالة استثنائية، ومع أنّ الإسلام كان قد أقرّها لأمور يعرف بعضها من خلال قراءة التأريخ الإسلامي، إلاّ أنّ الشريعة وضعت طرقاً عديدة لتخليص الرقيق وإعطائهم الحرية، وقد استفاد الإمامعليه‌السلام من كلّ الظروف والمناسبات لتطبيق تلك الطرق، وتحرير العبيد والإماء، ففي عمل الإمامعليه‌السلام تطبيق للشريعة الإسلاميّة.

ب ـ إنّ الرقيق المعتَقين يشكّلون جيلاً من الطلاّب الذين تربّوا في بيت الإمامعليه‌السلام وعلى يده بأفضل صورة، وعاشوا معه حياة مفعمة بالحقّ والمعرفة والصدق والإخلاص وبتعاليم الإسلام من عقائد وشرائع وأخلاق كريمة.

فقد كانت جماعة الرقيق تحتفظ بكلّ ذلك في قرارات نفوسهم، في شعورهم أو لا شعورهم، وينقلونه إلى الأجيال اللاحقة، وفي ذلك حفظ للإسلام المحمدي الذي كُلّف أهل البيتعليهم‌السلام مسؤولية حفظه وإيصاله إلى الأجيال اللاحقة.


ولا ريب أنّ الإمامعليه‌السلام لو أراد أن يفتح مدرسة لتعليم مجموعة من الناس فلابدّ أنّه كان يواجه منعاً من الجهاز الحاكم أو عرقلة لعمله أو رقابة شديدة في أقل تقدير، بينما كان حُرّاً في هذا المجال عن طريق توظيف ظاهرة طبيعية وعادية وهي شراء الرقيق وعتقهم في ذلك الظرف الذي كان يستساغ فيه مثل هذا العمل.

ج ـ لقد استقطب الإمامعليه‌السلام ولاء الأعداد الكبيرة من هؤلاء الموالي المحرّرين، إذ لا يزال ولاء العتق يربطهم بالإمام عليه‌السلام ولا بُعد فيه إذا لاحظنا مَنْ يُعتَقُ مع من يرتبط به من أعضاء أسرته وعائلته وأقربائه الذين سوف يوجدون ويرتبطون به عاطفياً وعقائدياً وسياسياً بشكل طبيعي.

الباب الخامس: فيه فصول:

الفصل الأول: من تراث الإمام زين العابدينعليه‌السلام .

الفصل الثاني: رسالة الحقوق.

الفصل الثالث: في رحاب الصحيفة السجادية.

الفصل الرابع: مدرسة الإمام زين العابدينعليه‌السلام .

الفصل الأول: من تراث الإمام زين العابدينعليه‌السلام

لم يذكر التأريخ أنّ الأئمّة من أهل البيتعليه‌السلام قد درسوا عند أحد أو تتلمذوا عند شخصية علمية سوى ما ورثوه من آبائهم الكرام عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وقد تميّزوا بعلومهم الزاخرة ومعارفهم الباهرة والتي ظهر شيء منها في الأوساط التي اكتنفتهم ونقل لنا بعض ما ظهر منهم.

كما أجمع المؤرّخون على أنّ الأئمة المعصومينعليهم‌السلام كانوا من أوسع الناس علماً وأكثرهم دراية في أكثر من مجال علمي.


إنّ الإمامة والقيادة الرشيدة للأمة الإسلامية وللإنسانية المفتقرة إلى الهداية الربّانية تتطلّب إحاطة الإمام بكلّ علم يرتبط بمجال عمله ودائرة مسؤوليته، وقد أثبت أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام هذه الحقيقة بشكل عملي قد سجّله التأريخ لنا بكلّ وضوح، ممّا أدّى إلى إثارة التيارات المخالفة لخط أهل البيتعليهم‌السلام ولا سيَّما الخلفاء الذين كانوا يرون الأئمّة أنداداً لهم لا يضاهيهم ند ولا شريك باعتبار تفوّقهم علماً وعملاً، وانتهت هذه الإثارات إلى السعي لاختبار الأئمّةعليهم‌السلام في أكثر من مجال وفي أكثر من عصر، بحيث سُجّلت هذه الاختبارات في التأريخ الإسلامي ودخلت مصادر التأريخ، ولم تترك مجالاً للريب في جدارة الأئمّة من أهل البيت للقيادة الربّانية، باعتبار ما أثبتوه للأمة بكلّ وضوح وحقّقوه من مرجعيّتهم العلمية على مختلف الأصعدة لكلّ من حاول اختبارهم وأراد الاطّلاع على واقع عملهم.

وقد جاء في نصوص الأحاديث الشريفة أنّ المؤمن ينظر بنور الله، وهو تعبير آخر عمّا جاء في قوله تعالى:( وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ) (١) ، فلا بُعد فيما يعتقده الشيعة الإمامية في أئمتهمعليهم‌السلام من أنّهم مُلهمون بإلهام إلهي وتعليم ربّاني، وقد ورّثهم الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علمه وأدبه وكماله، وهم أهل بيت الوحي والرسالة، فهم أجدر من غيرهم بوراثة العلم والكمال الربّاني المُتَبلورَين في شخصيّة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم القيادية وفي شخصيّة كلّ إمام من أهل البيتعليهم‌السلام الذين عيّنهم الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأمر من الله لتلك المهمّة الكبرى والمسؤوليّة العظمى، وقد قال تعالى:( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) (٢) .

إنّ العلماء الذين تتلمذوا على الأئمّة من أهل البيتعليهم‌السلام ورووا عنهم بعض معارفهم خير شاهد على سعة علوم الأئمّة وتميّزها عن علوم غيرهم ممّن عُرفوا بالعلم والدراية.

ويمكن أن نصنّف بعض ما روي عن الإمام زين العابدينعليه‌السلام إلى علوم القرآن والحديث والفقه والأخلاق والسيرة والتأريخ والعقائد، بالإضافة إلى ما أفاضه في طيّات أدعيته ووصاياه واحتجاجاته في علوم النفس والاجتماع والتربية والعرفان والإدارة والاقتصاد إلى غيرها من العلوم الطبيعية والإنسانية.

ونعرض بإيجاز صورة عن معارفه وعلومه التي سجّلها لنا التأريخ.

ــــــــــــــ

(١) البقرة (٢) : ٢٨٢.

(٢) النجم (٥٣): ٣ ـ ٤.


في رحاب القرآن الكريم :

القرآن الكريم هو الوحي الإلهي الخالص والمعجزة الخالدة لنبوّة سيّد المرسلين وشريعة خاتم النبيّين والينبوع الثرّ لكلّ علم ومعرفة، وعنه قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :(إنّي تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما) (١) .

وقد شغف الإمام زين العابدينعليه‌السلام كآبائه الكرام ـ بشكل ملفت للنظر ـ بالقرآن الكريم وعلومه، وتمثّل ذلك في سلوكه اليومي وأدعيته واهتماماته، تلاوةً وتدبّراً وتفسيراً وتعليماً وعملاً، بما لا يدع مجالاً للريب في أنّ الإمامعليه‌السلام كان هو القرآن الناطق والتجسيد الحيّ لكلّ آيات القرآن الباهرة والمعجزة الإلهية الخالدة.

وها نحن نعرض بعض ما يشير إلى مدى اهتمام الإمامعليه‌السلام بالقرآن العظيم من خلال دعائه عند ختم القرآن بالإضافة إلى ما مرّ في البحوث السابقة.

قالعليه‌السلام :(اللهمّ إنّك أعنتني على ختم كتابك الذي أنزلته نوراً، وجعلته مهيمناً على كلّ كتاب أنزلته، وفضّلته على كلّ حديث قصصته، وفرقاناً فرّقت به بين حلالك وحرامك، وقرآناً أعربت به عن شرائع أحكامك، وكتاباً فصّلته لعبادك تفصيلاً، ووحياً أنزلته على نبيّك محمّد صلواتك عليه وآله تنزيلاً، وجعلته نوراً نهتدي من ظلم الضلالة والجهالة

ــــــــــــــ

(١) راجع مصادر وأسانيد ونصوص هذا الحديث الشريف والمتواتر عند الفريقين في الأعداد ٤ إلى ٩ من مجلة رسالة الثقلين، وحديث الثقلين، طبعة دار التقريب بين المذاهب الإسلامية، مصر: ٩ .


باتّباعه، وشفاءً لمن أنصت بفهم التصديق إلى استماعه، وميزان قسط (١) لا يحيف (٢) عن الحقّ لسانه، ونور هدىً لا يطفأ عن الشاهدين برهانه، وعلم نجاة لا يضلّ من أمّ قصد سنّته، ولا تنال أيدي الهلكات من تعلّق بعروة عصمته.

اللهمّ فإذا أفدتنا المعونة على تلاوته، وسهلت جواسي ألسنتنا (٣) بحسن عبادته، فاجعلنا ممّن يرعاه حقّ رعايته، ويدين لك باعتقاد التسليم لمحكم آياته، ويفزع إلى الإقرار بمتشابهه وموضّحات بيّناته، اللهمّ إنّك أنزلته على نبيّك محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وألهمته علم عجائبه مكملاً، وورثتنا علمه مفسّراً وفضّلتنا على من جهل علمه، وقوّيتنا عليه لترفعنا فوق من لم يطق حمله.

اللهمّ فكما جعلت قلوبنا له حملةً وعرّفتنا برحمتك شرفه وفضله فصلّ على محمّد الخطيب به وعلى آله الخزّان له، واجعلنا ممّن يعترف بأنّه من عندك حتى لا يعارضنا الشكّ في تصديقه، ولا يختلجنا الزيغ عن قصد طريقه) (٤) .

إنّ القرآن هو معجزة الإسلام الكبرى، وقد تحدّث سليل النبوّة في هذا المقطع عن بعض معالمه وأنواره وهي:

١ ـ إنّ الله تعالى أنزل القرآن الكريم نوراً يهدي به الضالّ، ويرشد به الحائر، ويوضّح به القصد.

٢ ـ إنّ الله تعالى جعل القرآن الحكيم مهيمناً ومشرفاً على جميع كتبه التي أنزلها على أنبيائه، فهو يكشف عمّا حدث فيها من التغيير والتبديل والتحريف من قبل المنحرفين ودعاة الضلال.

ــــــــــــــ

(١) القسط: العدل.

(٢) لا يحيف: لا يميل.

(٣) جواسي: جمع جاسية وهي الغليظة، والمراد غلاظ الألسنة.

(٤) الصحيفة السجادية : من دعائه في ختم القرآن (٤٢).


٣ ـ إنّ الله تعالى فضّل كتابه العزيز على كلّ حديث عرض فيه قصص الأنبياء وشؤونهم، فقد تناول الذكر الحكيم بصورة موضوعية وشاملة أحوالهم وشؤونهم واقتباس العبر منهم.

٤ ـ إنّ القرآن الكريم باعتباره منهجاً ودستوراً عامّاً للحياة يفرّق بين الحلال والحرام، ويعرب عن شرائع الأحكام، ويفصّل جميع ما يحتاجه الناس تفصيلاً واضحاً لا لبس فيه ولا غموضاً.

٥ ـ إنّ الله تعالى كما جعل كتابه الحكيم نوراً يُهتدى به في ظلم الضلالة والجهالة كذلك جعله شفاءً من الأمراض والعاهات النفسية، وذلك لمن آمن به وصدّقه.

٦ ـ إنّ الذكر الحكيم ميزان عدل وقسط، ليس فيه ميلٌ عن الحقّ، ولا اتّباع لهوى، وإنّ من تمسّك به واعتصم; فقد سلك الطريق القويم الذي لا التواء فيه، ونجا من الهلاك.

٧ ـ طلب الإمامعليه‌السلام من الله جلّ جلاله أن يتفضل عليه برعاية كتابه والتسليم لمحكم آياته والإقرار بمتشابهاته.

٨ ـ إنّ الله تعالى قد منح نبيّه العظيم فهم عجائب ما في القرآن الكريم وعلّمه تفسيره، كما أشاد بأئمّة الهدى من عترة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذين رفعهم الله عَزَّ وجَلَّ وأعلى درجتهم، فجعلهم خزنة علمه والأدلاّء على كتابه.

نماذج من تفسير الإمام زين العابدينعليه‌السلام :

كان الإمام عليه‌السلام من ألمع المفسّرين للقرآن الكريم، وقد استشهد علماء التفسير بالكثير من روائع تفسيره، ويقول المؤرّخون أنّه كان صاحب مدرسة


لتفسير القرآن، وقد أخذ عنه ابنه الشهيد زيد في تفسيره للقرآن(١) كما أخذ عنه ابنه الإمام أبو جعفر محمد الباقرعليه‌السلام الذي رواه عنه زياد بن المنذر(٢) الزعيم الروحي للفرقة الجارودية. وهذه نماذج من تفسيرهعليه‌السلام لكتاب الله العزيز.

١ ـ روى الإمام محمد الباقر عن أبيهعليهما‌السلام ، في تفسير الآية الكريمة:( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً ) (٣) ، أنّه سبحانه وتعالى جعل الأرض ملائمةً لطباعكم، موافقةً لأجسادكم، ولم يجعلها شديدة الحمأ (٤) والحرارة فتحرقكم، ولا شديدة البرودة فتجمدكم، ولا شديدة طيب الريح فتصدع هاماتكم، ولا شديدة النتن فتعطبكم (٥) ، ولا شديدة اللين كالماء فتغرقكم، ولا شديدة الصلابة فتمتنع عليكم في دوركم وأبنيتكم وقبور موتاكم، ولكنّه عَزَّ وجَلَّ جعل فيها من المتانة (٦) ما تنتفون به، وتتماسكون عليها أبدانكم وبنيانكم، وجعل فيها ما تنقاد به لدوركم وقبوركم وكثير من منافعكم، فلذلك جعل الأرض فراشاً لكم، ثمّ قال عَزَّ وجَلَّ: ( وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ) أي سقفاً من فوقكم، محفوظاً يدير شمسها وقمرها ونجومها لمنافعكم، ثمّ قال عَزَّ وجَلَّ: ( وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ) يعني المطر ينزله من عل ليبلغ قلل جبالكم وتلالكم وأوهادكم (٧) ثم فرّقه رذاذاً ووابلاً وهطلاً (٨) لتنشفه أرضوكم، ولم يجعل ذلك المطر نازلاً عليكم قطعة

ــــــــــــــ

(١) حياة الإمام زين العابدين عليه‌السلام : ٢ / ٣٢.

(٢) حياة الإمام الباقر عليه‌السلام : ١ / ١١، نقلاً عن الفهرست للشيخ الطوسي: ٩٨.

(٣) البقرة (٢) : ٢٢.

(٤) الحمأ: شدّة حرارة الشمس.

(٥) تعطبكم: أي تهلكم.

(٦) المتانة: ما صلب من الأرض وارتفع.

(٧) الأوهاد: الأرض المنخفضة.

(٨) الهطل: المطر الضعيف الدائم.


واحدة فيفسد أرضيكم وأشجاركم وزروعكم وثماركم، ثم قال عَزَّ وجَلَّ: ( فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ ) يعني ممّا يخرجه من الأرض رزقاً لكم ( فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً ) أي أشباهاً وأمثالاً من الأصنام التي لا تعقل ولا تسمع ولا تبصر ولا تقدر على شيء ( وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) أنّها لا تقدر على شيء من هذه النعم الجليلة التي أنعمها عليكم ربّكم تبارك وتعالى (١) .

وحوت هذه القطعة الذهبية من كلام الإمام زين العابدينعليه‌السلام أروع أدلة التوحيد وأوثقها، فقد أعطت صورة متكاملة مشرقة من خلق الله تعالى للأرض، فقد خلقها بالكيفية الرائعة التي ليست صلبة ولا شديدة ليسهل على الإنسان العيش عليها، والانتفاع بخيراتها وثمراتها التي لا تحصى، فالأرض بما فيها من العجائب كالجبال والأودية والمعادن والبحار والأنهار وغير ذلك من أعظم الأدلة وأوثقها على وجود الخالق العظيم الحكيم.

كما استدل الإمامعليه‌السلام على عظمة الله تعالى بخلقه السماء وما فيها من الشمس والقمر وسائر الكواكب التي تزوّد هذه الأرض بأشعتها.

إنّ أشعّة الشمس لها الأثر البالغ في تكوين الحياة النباتية، كما أنّ أشعة القمر لها الأثر على البحار في مدّها وجزرها، وكذلك لأشعة سائر الكواكب، فإنّ الأثر التام في منح الحياة العامّة لجميع الموجودات الحيوانية والنباتية في الأرض، وهذه الظواهر الكونية التي لم تكتشف إلاّ في هذه العصور الحديثة، إلاّ أنّ الإمامعليه‌السلام ألمح إليها في كلامه، فكان حقّاً هو وآباؤه وأبناؤه المعصومون الرواد الأوائل الذين رفعوا راية العلم، وساهموا في تكوين الحضارة الإنسانية.

ــــــــــــــ

(١) عيون أخبار الرضا عليه‌السلام : ٢ / ١٢٥ ـ ١٢٦. طبعة مؤسسة الأعلمي ـ بيروت .


وأعطى الإمامعليه‌السلام صورة متميزة عن الأمطار، وأنّها تتساقط بصورة رتيبة وفي أوقات خاصة، وذلك لإحياء الأرض وإخراج ثمراتها، ولو دام المطر ونزل دفعة واحدة; لأَهلك الحرث والنسل.

وبعدما أقام الإمام الأدلّة المحسوسة على وجود الخالق الحكيم; دعا إلى عبادته وتوحيده ونبذ الأصنام والأنداد التي تدعو إلى انحطاط الفكر وجمود الوعي، لأنّها لا تضرّ ولا تنفع ولا تملك أيّ قدرة في إدارة هذا الكون وتصريف شؤونه.

٢ ـ فسّرعليه‌السلام الآية الكريمة :( ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ) (١) بقوله:(السلم هو ولاية أمير المؤمنين عليه‌السلام ) (٢) . ولا شك أنّ ولاية الإمام أمير المؤمنين وباب مدينة علم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هي السلم الحقيقي الذي ينعم الناس في ظلاله بالأمن والرخاء والاستقرار، ولو أنّ المسلمين كانوا قد دانوا بهذه الولاية بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما داهمتهم الأزمات في حياتهم السياسية والاجتماعية.

٣ ـ روى الإمام الصادقعليه‌السلام عن جدّه الإمام زين العابدينعليه‌السلام في تفسير قوله تعالى:( يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ ) (٣) أنّه قال:(إنّي ضامن على ربّي تعالى أنّ الصدقة لا تقع في يد العبد حتى تقع في يد الربّ تعالى) ، وكان يقول:(ليس من شيء إلاّ وكّل به ملك، إلاّ الصدقة فإنّها تقع في يد الله تعالى) (٤) .

٤ ـ سأل رجل الإمام زين العابدينعليه‌السلام عن الحقّ المعلوم الذي ورد في قوله تعالى:( وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ) (٥) ، فقالعليه‌السلام :

ــــــــــــــ

(١) البقرة (٢) : ٢٠٨.

(٢) تفسير البرهان : ١ / ١٢٩.

(٣) التوبة (٩) : ١٠٥.

(٤) تفسير البرهان : ١ / ٤٤١، تفسير الصافي: ٢ / ٣٧٢ ـ ٣٧٣.

(٥) المعارج (٧٠) : ٢٤ و ٢٥ .


(الحقّ المعلوم الشيء الذي يخرجه من ماله ليس من الزكاة والصدقة المفروضتين) ، فقال له الرجل: فما يصنع به؟ فقالعليه‌السلام :(يصل به رحماً، ويقوّي به ضعيفاً، ويحمل له كلّه، أو يصل أخاً له في الله، أو لنائبة تنوبه) وبهر الرجل من علم الإمام وراح يقول له: الله أعلم حيث يجعل رسالته في من يشاء(١) .

٥ ـ فسّر الإمامعليه‌السلام الآية الكريمة: ( فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ) (٢) بأنّه العفو من غير عتاب (٣) .

في رحاب الحديث الشريف :

للحديث الشريف أهمية بالغة في العلوم الإسلامية، فقد بُني معظم الفقه الإسلامي عليه، فإنّه يعرض بصورة موضوعية وشاملة لتفصيل الأحكام الشرعية الواردة في القرآن الكريم، فيذكر أنواعها من الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة والإباحة، كما يذكر أجزاءها وشرائطها وموانعها وسائر ما يعتبر فيها، ويعرض لعمومات الكتاب ومطلقاته فيخصّصها ويقيّدها، وبالإضافة إلى ذلك يتناول آداب السلوك وقواعد الأخلاق، ويعطي البرامج الوافية لسعادة الإنسان وبناء شخصيته.

وقد كان الإمام زين العابدينعليه‌السلام في عصر التابعين من أعظم الرواة وأهمّهم فضلاً عن كونه أحد مصادر بيان الأحكام والمعارف الإلهية باعتقاد الشيعة الإمامية باعتبار أنّ أحاديث الأئمّةعليهم‌السلام هي أحاديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام :(علّمني رسول الله ألف باب

ــــــــــــــ

(١) لآلئ الأخبار : ٣ / ٣، وسائل الشيعة : ٦ / ٦٩.

(٢) الحجر (١٥) : ٨٥ .

(٣) وسائل الشيعة : ٥ / ٥١٩.


من العلم فتح لي من كلّ باب ألف باب) (١) . وأيّد التاريخ هذا المعنى فيما روي عن علىّعليه‌السلام من العلوم والمعارف وأقرّت الصحابة بفضل عليّ وبمرجعيّته العلمية هو والأئمّة من بنيه، ولا غرو في ذلك بعد أن جعلهم الله أبواب الهدى وسفن النجاة كما صحّ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال:(مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق) (٢) .

والنصوص التي وصلتنا عن الإمام زين العابدينعليه‌السلام قد صرّح في بعضها بأنّها عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو عن جدّه أمير المؤمنين، هذا فضلاً عمّا رواه عن أبيه الحسينعليه‌السلام .

وقد اعتنى أئمّة الحديث بأحاديثه اعتناءً فائقاً باعتباره الرائد العلمي في عصر التابعين، ولولا مدرسته العلمية وجهوده التثقيفية المباركة; لاندرست أعلام الدين في عصر طغت فيه الميوعة ورُوِّجَت فيه الشهوات، وأريد للأمة الإسلامية أن تعود إلى جاهلية جهلاء.

ــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار : ٢٢ / ٤٧٠.

(٢) المصدر السابق : ٢٣ / ١١.


في رحاب أُصول العقيدة ومباحث الكلام :

كان الإمامعليه‌السلام في زمانه وحيد عصره في الإجابة على الأسئلة العقائدية المعقّدة ولا سيَّما ما تعرضت له الأمة الإسلامية من تيارات فكرية مستوردة أو دخيلة تحاول زعزعة كيان العقيدة الخالصة كمباحث القضاء والقدر والجبر والاختيار التي ظهرت بوادرها في حياة الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام وأخذت بالنمو والانتشار بحيث شكّلت ظاهرة فكرية تستدعي الانتباه وتتطلّب العلاج.

وبرز الإمام عليّ بن الحسينعليهما‌السلام على الصعيد العلمي بروزاً جعله مناراً يشار إليه، وآمن به المسلمون جميعاً حتى قال الزهري عنه: ما رأيت هاشمياً أفضل من عليّ بن الحسين ولا أفقه منه.

وقد اعترف بهذه الحقيقة حكّام عصر الإمام من خلفاء بني اُميّة ـ وهم لا يعترفون بالفضل لمن يطاولهم في الخلافة والسلطان ـ حتى قال عبد الملك ابن مروان للإمام زين العابدينعليه‌السلام : ولقد أوتيت من العلم والدين والورع ما لم يؤته أحد مثلك قبلك إلاّ من مضى من سلفك. ووصفه عمر بن عبد العزيز بأنّه سراج الدنيا وجمال الإسلام.

وممّا ورد عنه في القضاء والقدر أنّ رجلاً سأله: جعلني الله فداك، أبقدر يصيب الناس ما أصابهم أم بعمل؟

فأجابهعليه‌السلام : (إنّ القدر والعمل بمنزلة الروح والجسد، فالروح بغير جسد لا تحسّ، والجسد بغير روح صورة لا حراك بها، فإذا اجتمعا قويا وصلحا، كذلك العمل والقدر، فلو لم يكن القدر واقعاً على العمل لم يعرف الخالق من المخلوق، وكان القدر شيئاً لا يحسّ، ولو لم يكن العمل بموافقة من القدر; لم يمض ولم يتمّ ولكنهما باجتماعهما، ولله


فيه العون لعباده الصالحين) ثم قالعليه‌السلام :

(ألا إنّ من أَجور الناس من رأى جوره عدلاً وعدل المهتدي جوراً، ألا إنّ للعبد أربعة أعين: عينان يبصر بهما أمر آخرته، وعينان يبصر بهما أمر دنياه، فإذا أراد الله عزوجل بعبد خيراً; فتح له العينين اللّتين في قلبه فأبصر بهما العيب، وإذا أراد غير ذلك ترك القلب بما فيه) ثمّ التفت إلى السائل عن القدر فقال: (هذا منه، هذا منه)(١) .

وقالعليه‌السلام في بيان استحالة أن يوصف الله تعالى بالمحدودية التي هي من صفات الممكن:

(لا يوصف الله تعالى بالمحدودية عظم الله ربّنا عن الصفة، وكيف يوصف بمحدودية من لا يُحَدّ، ولا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير)(٢) ؟

الإمام زين العابدينعليه‌السلام ينصّ على الأئمّة من بعده ويبشّر بالمهديعليه‌السلام :

١ ـ روىعليه‌السلام عن جابر بن عبد الله الأنصاري حديثاً طويلاً جاء فيه: أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أشار إلى سبطه الحسين قائلاً لجابر: (ومن ذرّيّة هذا رجل يخرج في آخر الزمان يملأ الأرض عدلاً كما مُلئت ظُلماً وجوراً...)(٣) .

٢ ـ وقالعليه‌السلام عن المهديعليه‌السلام : (إنّ الإسلام قد يُظهِرهُ الله على جميع الأديان عند قيام القائم)(٤) .

٣ ـ وقالعليه‌السلام : (إذا قام القائم; أذهب الله عن كلّ مؤمن العاهة وردّ إليه قُوَّتَه)(٥) .

ــــــــــــــ

(١) التوحيد للشيخ الصدوق : ٣٦٦ ـ ٣٦٧ منشورات جامعة المدرّسين في الحوزة العلمية في قم المقدسة، الطبعة السادسة .

(٢) حياة الإمام زين العابدين : ٣٠٤ .

(٣) معجم أحاديث الإمام المهدي (عج) : ٣ / ١٩٠ .

(٤) المصدر السابق : ٣ / ١٩١ .

(٥) المصدر السابق : ٣ / ١٩٣ .


٤ ـ وذكرعليه‌السلام أنّ سنن الأنبياء تجري في القائم من آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :فمن آدم ونوح طول العمر، ومن إبراهيم خفاء الولادة واعتزال الناس، ومن موسى الخوف والغَيْبة، ومن عيسى عليه‌السلام اختلاف الناس فيه، ومن أيّوب الفَرَج بَعد البلوى، ومن محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الخروج بالسيف (١) .

٥ ـ وقال عن خفاء ولادته على الناس:(القائم منّا تخفى ولادته على الناس حتى يقولوا لم يولَد بَعد ليخرجَ حينَ يخرج وليس لأحد في عنقهِ بيعة) (٢).

٦ ـ وعن أبي حمزة الثمالي عن أبي خالد الكابلي(٣) قال:

دخلت على سيّدي عليّ بن الحسين زين العابدينعليه‌السلام فقلت له: يابن رسول الله! أخبرني بالذين فرض الله طاعتهم ومودّتهم، وأوجب على خلقه الاقتداء بهم بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فقال لي:(يا أبا كنكر! إنّ أولي الأمر الذين جعلهم الله أئمّة الناس وأوجب عليهم طاعتهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، ثم انتهى الأمر إلينا) ، ثم سكت.

فقلت له: يا سيّدي! روي لنا عن أمير المؤمنينعليه‌السلام أنّه قال:(لا تخلو الأرض من حجّة لله على عباده) فمن الحجّة والإمام بعدك ؟

قال:(ابني (محمّد) واسمه في التوراة (باقر) يبقر العلم بقراً، هو الحجّة والإمام بعدي، ومن بعد محمّد ابنه (جعفر) اسمه عند أهل السماء (الصادق)) .

فقلت له: يا سيّدي فكيف صار اسمه: (الصادق)، وكلّكم صادقون ؟

ــــــــــــــ

(١) معجم أحاديث الإمام المهدي (عج) : ٣ / ١٩٤ .

(٢) المصدر السابق .

(٣) في الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي : ١ / ٦٠ قال: (قال الفضل بن شاذان: ولم يكن في زمن عليّ بن الحسين عليه‌السلام في أول أمره إلاّ خمسة أنفس: سعيد بن جبير، سعيد بن المسيّب، محمد بن جبير بن مطعم، يحيى بن أم الطويل، أبو خالد الكابلي واسمه وردان ولقبه كنكر. ثم قال: وفي خبر الحواريّين أنّه من حواري عليّ بن الحسين عليه‌السلام وقد شاهد كثيراً من دلائل الأئمة عليهم‌السلام .


فقال:(حدّثني أبي عن أبيه أنّ رسول الله قال: (إذا ولد ابني جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب فسموه الصادق، فإنّ الخامس من ولده الذي اسمه جعفر يدّعي الإمامة اجتراءً على الله وكذباً عليه، فهو عند الله (جعفر الكذّاب) المفتري على الله، المدّعي لما ليس له بأهل، المخالف على أبيه، والحاسد لأخيه، ذلك الذي يكشف سرّ الله عند غيبة وليّ الله) .

ثم بكى عليّ بن الحسين بكاء شديداً، ثمّ قال:

(كأنّي بجعفر الكذّاب وقد حمل طاغية زمانه على تفتيش أمر وليّ الله، والمغيّب في حفظ الله، والتوكيل بحرم أبيه جهلاً منه بولادته، وحرصاً على قتله إن ظفر به، طمعاً في ميراث أبيه حتى يأخذه بغير حقّه) .

قال أبو خالد: فقلت له: يابن رسول الله وإنّ ذلك لكائن ؟

فقال:(أي وربّي إنّه المكتوب عندنا في الصحيفة التي فيها ذكر المحن التي تجري علينا بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) .

قال أبو خالد: فقلت: ياابن رسول الله ثمّ يكون ماذا ؟

قال:(ثمّ تمتد الغيبة بوليّ الله الثاني عشر من أوصياء رسول الله والأئمة بعده، يا أبا خالد! إن أهل زمان غيبته القائلين بإمامته والمنتظرين لظهوره أفضل أهل كلّ زمان، لأنّ الله تعالى ذكره أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله بالسيف، اُولئك المخلصون حقّاً، وشيعتنا صدقاً، والدعاة إلى دين الله سرّاً وجهراً). وقال عليه‌السلام : (انتظار الفرج من أعظم الفرج) (١) .

ــــــــــــــ

(١) الاحتجاج : ٢ / ٤٨ ـ ٥٠ احتجاجات الإمام عليّ بن الحسين عليه‌السلام .


في رحاب الفقه وأحكام الشريعة:

كانت الحلقة الدراسية التي أسّسها الإمام زين العابدينعليه‌السلام حلقة حافلة بصنوف المعرفة الإسلامية، وكان يفيض فيها الإمام من علومه وعلوم آبائه الطاهرين ويمرّن النابهين منهم على الفقه والاستنباط، وقد تخرّج من هذه الحلقة الدراسية عدد كبير من فقهاء المسلمين.

واستقطب الإمام عن هذا الطريق الجمهور الأعظم من القرّاء وحملة الكتاب والسُنّة حتى قال سعيد بن المسيّب: إنّ القرّاء كانوا لا يخرجون إلى مكّة حتى يخرج عليّ بن الحسين، فخرج وخرجنا معه ألف راكب.

وعلم الفقه بالمعنى المعروف فعلاً هو العلم بأحكام أفعال المكلّفين على ضوء مصادر الشريعة الإسلامية، وكان الإمام هو المرجع الوحيد في عصره لإعطاء تفاصيل الأحكام الشرعية، وتعليم طريقة استنباطها من مصادرها الإسلامية، والمربي الفذَّ الذي تخرَّج على يديه فقهاء المدينة، وكانت مدرسته هي المنطلق لما نشأ بعد ذلك من مدارس فقهيّة.

وقد قال عنه الزهري: ما رأيت هاشمياً أفضل من زين العابدين ولا أفقه منه(١) . وعدّه الشافعي أفقه أهل المدينة.

وروى المؤرّخون : أنّ الزهري كان يعترف بالفضل والفقه للإمام عليّ ابن الحسينعليهما‌السلام وكان ممّن يرجع إليه في ما يهمّه من الأحكام الشرعية، ورُوي أنّه رأى في منامه كأنّ يده مخضوبة، وفسّرت له رؤياه بأنّه يبتلى بدم خطأ، وكان في ذلك الوقت عاملاً لبني أمية، فعاقب رجلاً فمات في العقوبة،

ــــــــــــــ

(١) راجع ترجمة الإمام زين العابدينعليه‌السلام من تاريخ دمشق، تحقيق محمد باقر المحمودي : ٢٧ .


ففزع وخاف من الله، وفرّ هارباً فدخل في غار يتعبّد فيه، وكان الإمامعليه‌السلام قد مضى حاجّاً إلى بيت الله الحرام فاجتاز على الغار الذي فيه الزهري، فقيل له: هل لك في الزهري حاجة ؟ فأجابهم إلى ذلك، ودخل عليه فرآه فزعاً خائفاً، قانطاً من رحمة الله، فقالعليه‌السلام له:(إنّي أخاف عليك من القنوط ما لا أخاف عليك من ذنبك، فابعث بدية مسلّمة إلى أهله، واخرج إلى أهلك ومعالم دينك) .

فاستبشر الزهري وقال له: فرّجت عنّي يا سيّدي، الله أعلم حيث يجعل رسالته في مَن يشاء(١) .

ودخل الزهري مع جماعة من الفقهاء على الإمام زين العابدينعليه‌السلام فسأل الإمام الزهريّ عمّا كانوا يخوضون فيه فقال له: تذاكرنا الصوم فأجمع رأيي ورأي أصحابي على أنّه ليس من الصوم واجب إلاّ شهر رمضان.

فنعى عليهم الإمامعليه‌السلام قلّة معلوماتهم بشؤون الشريعة وأحكام الدين، وبيّن لهم أقسام الصوم قائلاً:

(ليس كما قلتم، الصوم على أربعين وجهاً، عشرة منها واجبة كوجوب شهر رمضان، وعشرة منها صومهنّ حرام، وأربعة عشر وجهاً صيامهنّ بالخيار، إن شاء صام وإن شاء أفطر، وصوم الإذن على ثلاثة أوجه، وصوم التأدّب وصوم الإباحة وصوم السفر والمرض) .

وبهر الزهري وبقية الفقهاء من سعة علم الإمامعليه‌السلام وإحاطته بأحكام الدين، وطلب منه الزهري ايضاح تلك الوجوه وبيانها، فقالعليه‌السلام :(أمّا الواجب فصيام شهر رمضان، وصيام شهرين متتابعين لمن أفطر يوماً من شهر رمضان متعمداً، وصيام شهرين في قتل الخطأ لمن لم يجد العتق، واجب، قال الله تعالى: ( وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ ... ) مسلّمة إلى أهله ـ إلى قوله ـ : ( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ

ــــــــــــــ

(١) تأريخ دمشق : ٣٦ / ١٦ ، بحار الأنوار : ٤٦ / ٧ .


فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ) (١) .

وصيام شهرين متتابعين في كفّارة الظهار (٢) لمن لم يجد العتق. قال الله تعالى: ( وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ) (٣) .

وصيام ثلاثة أيام: ( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ) (٤) ، كل ذلك تتابع وليس بمفترق.

وصيام أذى الحلق (حلق الرأس) واجب، قال الله تبارك وتعالى: (فمن كان منكم مريضاً أو به أذىً من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) (٥) ، وصاحبها فيها بالخيار بين صيام ثلاثة أيام أو صدقة أو نسك.

وصوم دم المتعة واجب لمن لم يجد الهدي، قال الله تبارك وتعالى: ( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ) (٦) .

وصوم جزاء الصيد واجب، قال الله تبارك وتعالى: ( وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً ) (٧) ) (٨) .

ــــــــــــــ

(١) النساء (٤) : ٩٢ .

(٢) الظهار: أن يقول الرجل لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي .

(٣) المجادلة (٥٨) : ٣ ـ ٤ .

(٤) المائدة (٥) : ٨٩ .

(٥) البقرة (٢) : ٩٦ .

(٦) البقرة (٢) : ١٩٦ .

(٧) المائدة (٥) : ٩٥.

(٨) المقنعة، الشيخ المفيد: ٣٦٣ .


ثمّ قال عليه‌السلام : (أو تدري كيف يكون عدل ذلك صياماً يا زهريّ ؟) فقال: لا أدري، قال عليه‌السلام : (تقوّم الصيد قيمة ثمّ تفضي تلك القيمة على البُرّ، ثمّ يكال ذلك البرّ أصواعاً، فيصوم لكلّ نصف صاع يوماً.

وصوم النذر واجب، وصوم الاعتكاف واجب (١) .

وأمّا الصوم الحرام فصوم يوم الفطر، ويوم الأضحى، وثلاثة أيام من أيام التشريق (٢) وصوم يوم الشكّ اُمِرنا به ونُهينا عنه، اُمرنا أن نصومه من شعبان ونهينا أن ينفرد الرجل بصيامه في اليوم الذي يشكّ فيه الناس) .

والتفت الزهري إلى الإمامعليه‌السلام قائلاً: جعلت فداك فإن لم يكن صام من شعبان شيئاً كيف يصنع ؟ قالعليه‌السلام :(ينوي ليلة الشك أنّه صائم من شعبان، فإن كان من شهر رمضان أجزأ عنه، وإن كان من شعبان لم يضرّ) .

وأشكل الزهري على الإمام: كيف يجزي صوم تطوع عن فريضة ؟ فأجابه الإمامعليه‌السلام :(لو أنّ رجلاً صام يوماً من شهر رمضان تطوعاً وهو لا يدري ولا يعلم أنّه من شهر رمضان ثمّ علم بعد ذلك أجزأ عنه، لأنّ الفرض إنّما وقع على اليوم بعينه) .

ثمّ استأنف الإمام حديثه في بيان أقسام الصوم قائلاً:

(وصوم الوصال حرام (٣) ، وصوم الصمت حرام (٤) ، وصوم النذر للمعصية حرام، وصوم الدهر حرام.

وأمّا الصوم الذي صار صاحبه فيه بالخيار فصوم يوم الجمعة والخميس والاثنين

ــــــــــــــ

(١) الاعتكاف إنّما يجب بعد مضي يومين منه فيتعيّن اليوم الثالث، وكذلك يجب بالنذر وشبهه.

(٢) أيام التشريق: هي أيام منى وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر بعد يوم النحر.

(٣) صوم الوصال: وهو أن يصوم الليل والنهار ، وحرمته حرمة تشريعية .

(٤) صوم الصمت: هو أن يمسك الإنسان فيه عن الكلام ، وقد كان الكلام محرّماً على الصائم في الشرائع السابقة ، كما أعلن القرآن ذلك في قصة مريم، قال تعالى: ( إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً ) إلاّ أنّه نسخ في الشريعة الإسلامية المقدسة .


وصوم الأيام البيض (١) وصوم ستة أيام من شوال بعد شهر رمضان ويوم عرفة ويوم عاشوراء، كلّ ذلك صاحبه فيه بالخيار، إن شاء صام وإن شاء أفط ر.

وأمّا صوم الإذن فإنّ المرأة لا تصوم تطوّعاً إلاّ بإذن زوجها، والعبد لا يصوم تطوّعاً إلاّ بإذن سيّده، والضيف لا يصوم تطوّعاً إلاّ بإذن مضيّفه، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فمن نزل على قوم فلا يصوم تطوّعاً إلاّ بإذنهم.

وأمّا صوم التأديب فإنّه يؤمر الصبيّ إذا راهق تأديباً وليس بفرض، وكذلك من أفطر لعلّة أول النهار، ثمّ قوي بعد ذلك أمر بالإمساك بقية يومه تأديباً، وليس بفرض، وكذلك المسافر إذا أكل من أول النهار ثمّ قدم أهله أمر بالإمساك بقية يومه تأديباً وليس بفرض.

وأمّا صوم الإباحة فمن أكل أو شرب أو تقيّأ من غير تعمّد أباح الله ذلك وأجزأ عنه صومه.

وأمّا صوم السفر والمرض فإنّ العامّة اختلفت فيه، فقال قوم: يصوم، وقال قوم: لا يصوم، وقال قوم: إن شاء صام وإن شاء أفطر، وأمّا نحن فنقول: يفطر في الحالتين جميعاً، فإن صام في السفر أو في حال المرض فعليه القضاء في ذلك، لأنّ الله عَزَّ وجَلَّ يقول: ( فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ... ) (٢) ) .

وانتهى هذا البحث الفقهي الذي ألقاه الإمام على العلماء والفقهاء،وقد كشف عن مدى إحاطة الإمام بأحكام الشريعة وفروع الفقه، فقد فرّع على الصوم هذه الفروع المهمّة التي غفل عنها العلماء، ومن الجدير بالذكر أنّ فقهاء الإمامية استندوا إلى هذه الرواية في فتاواهم بأحكام الصوم.

ــــــــــــــ

(١) الأيام البيض: وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وسمّيت لياليها بيضاً لأنّ القمر يطلع فيها من أولها إلى آخرها. جاء ذلك في مجمع البحرين (مادة: بيض) .

(٢) فروع الكافي : ١ / ١٨٥ ، الخصال: ٥٠١ ـ ٥٠٤ ، تفسير القمّي : ١٧٢ ـ ١٧٥، المقنعة : ٥٨، التهذيب: ١/٤٣٥.


حقائق علمية في الأدعية السجادية :

بالرغم من أنّ الصحيفة السجادية وُظّفت أدعيتها لتربية الإنسان وترشيد حركته الفردية والاجتماعية ولكنّها تضمّنت جملة من الحقائق

العلمية التي تنبئ عن إحاطة الإمام بالحقائق العلمية وشموخ مقامه العلمي ـ كما تضمّنت خطب الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ودعاء عرفة للإمام الحسينعليه‌السلام قسماً كبيراً من العلوم والمعارف ـ فيما يرتبط بتركيبة الإنسان الجسمية وكيفية خلقه أو كيفية خلق أنواع الكائنات الأُخرى الأرضية والسماوية.

قالعليه‌السلام :(سبحانك تعلم وزن السماوات، سبحانك تعلم وزن الأرضين، سبحانك تعلم وزن الشمس والقمر، سبحانك تعلم وزن الظلمة والنور، سبحانك تعلم وزن الفيء والهواء) (١) .

كلّ ذلك في عصر لم تكن مثل هذه المفاهيم مطروحة في الأوساط العلمية في دنيا الإسلام أو غيرها.

وأشارعليه‌السلام إلى إمكانية وجود الجراثيم في المياه والأطعمة في دعائه لأهل الثغور ، داعياً على الأعداء:(اللهمّ وامزج مياههم بالوباء، وأطعمتهم بالأدواء) (٢) .

وتجد في كثير من أدعيتهعليه‌السلام إشارات واضحةً إلى أمثال هذه الحقائق العلمية.

ــــــــــــــ

(١) الدعاء ٥١ من الصحيفة الثانية التي جمعها الشيخ الحرّ العاملي.

(٢) دعاءه لأهل الثغور في الصحيفة الكاملة أو الجامعة .


أدب الإمام زين العابدينعليه‌السلام :

إنّ الإمام السجّاد توفّر على نتاج فنّيّ ضخم يجيء ـ من حيث الكمّ ـ بعد الإمام علىّعليه‌السلام كما يجيء ـ من حيث الكيف ـ متميّزاً بسمات خاصة، وفي مقدمة ذلك أدب الدعاء الذي منحه السجادعليه‌السلام خصائص فكرية وفنّيّة تفرّد بها(١) .

اتّجه الإمام في أدبه الخاصّ إلى نقد الأوضاع المنحرفة، وإلى بناء الشخصية الإسلامية في المستويين الفردي والاجتماعي، بحيث يمكن القول بأنّ أدبه كان تجسيداً للحركة الإسلامية مقابل الأدب الدنيوي الذي بدأ ينحرف مع انحرافات السلطة، وينحدر إلى ما هو عابث ومظلم ومنحرف(٢) .

وجاء في الصحيفة السجّادية الجامعة نقلاً عن الأصمعيّ أنّه قال: كنت أطوف حول الكعبة ليلة، فإذا شابّ ظريف الشمائل وعليه ذؤابتان وهو متعلّق بأستار الكعبة ويقول:(نامتِ العيون وغارتِ النجومُ وأنت الملكُ الحيّ القيّومُ، غلّقت الملوك أبوابها وأقامت عليها حُرّاسها، وبابك مفتوح للسائلين، جئتك لتنظر إليّ برحمتك يا أرحم الراحمين) .

ثم أنشأ يقول:

يا من يُجيبُ دعاء المضطرّ في الظُلَمِ

يا كاشفَ الضرّ والبَلوى مع السَقَمِ

قد نام وفدُك حول البيت قاطبةً

وأنت وحدك يا قيّومُ لم تنَمِ

أدعوك ربِّ دعاءً قد أمرتَ به

فارحم بكائي بحقّ البيتِ والحَرمِ

إن كان عفوك لا يرجوهُ ذو سَرَف

فمن يَجُودُ على العاصينَ بالنِعَمِ؟

ــــــــــــــ

(١ و٢) تأريخ الأدب العربي في ضوء المنهج الإسلامي: ٣٥٣ .


قال: فاقتفيته فإذا هو زين العابدينعليه‌السلام .

كما جاء فيها عن طاووس اليماني أنّه قال: رأيتُ في جوف الليل رجلاً متعلّقاً بأستار الكعبة وهو يقول:

ألا يا أيّها المأمول في كلّ حاجة

شكوتُ إليك الضُرّ فاسمع شكايتي

ألا يا رجائي أنت كاشف كُربتي

فهب لي ذنوبي كلّها واقض حاجتي

فزادي قليل لا أراه مبلّغي

أللزادِ أبكي أم لبُعد مسافتي

أتيتُ بأعمال قباح ردية

فما في الورى خلقٌ جنى كجنايتي

أتحرِقُني في النار يا غاية المُنى

فأين رجائي منك، أين مخافتي؟

قال: فتأمّلته فإذا هو عليّ بن الحسينعليهما‌السلام .

ومن أدبه المنظوم أيضاً ما ذكره أحمد فهمي محمد في كتاب الإمام زين العابدين عن فضل أهل البيتعليهم‌السلام ومكانتهم :

لنحن على الحوض روّاده

نذود ونسقي وراده

وما فاز من فاز إلاّ بنا

وما خاب مَن حبّنا زادُه

ومن سرّنا نال منّا السرور

ومن ساءنا ساء ميلاده

ومن كان غاصبنا حقّنا

فيوم القيامة ميعادُه

احتجاجات الإمام زين العابدينعليه‌السلام :

إنّ فن الاحتجاج والمناظرة العلمية فنّ جليل لما ينبغي أن يتمتّع به المناظر من مقدرة علمية وإحاطة ودقّة ولياقة أدبية.

وقد تميّز أئمّة أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين بهذا الفنّ، واستطاعوا من خلال هذا المجال إفحام خصومهم وإثبات جدارتهم العلمية بنحو لا يدع مجالاً للريب في أنّهم مؤيّدون بتأييد ربّاني، وكما عبّر بعض أعدائهم: أنّهم أهل بيت قد زُقّوا العِلمَ زقّاً.

وقد جمع العلاّمة الطبرسي جملةً من احتجاجات المعصومين الأربعة عشر: الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والزهراء عليها‌السلام والأئمّة الاثني عشر عليهم‌السلام في كتابه المعروف بالاحتجاج، ونشير هنا إلى بعض احتجاجات الإمام زين العابدين عليه‌السلام .


١ ـ جاء رجل من أهل البصرة إلى عليّ بن الحسين عليه‌السلام فقال: يا عليّ بن الحسين! إنّ جدّك عليّ بن أبي طالب قتل المؤمنين، فهملت عينا عليّ بن الحسين دموعاً حتى امتلأت كفّه منها، ثمّ ضرب بها على الحصى، ثم قال:

(يا أخا أهل البصرة، لا والله ما قتل عليّ مؤمناً، ولا قتل مسلماً، وما أسلم القوم ولكن استسلموا وكتموا الكفر وأظهروا الإسلام، فلمّا وجدوا على الكفر أعوانا أظهروه، وقد علمت صاحبة الجدب والمستحفظون من آل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّ أصحاب الجمل وأصحاب صفّين وأصحاب النهروان لعنوا على لسان النبيّ الأمي، وقد خاب من افترى) .

فقال شيخ من أهل الكوفة: يا عليّ بن الحسين! إنّ جدّك كان يقول:(إخواننا بغوا علينا) .

فقال عليّ بن الحسينعليه‌السلام :(أما تقرأ كتاب الله ( وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً ) فهم مثلهم أنجى الله عَزَّ وجَلَّ هوداً والذين معه وأهلك عاداً بالريح العقيم) (١) .

٢ ـ وعن أبي حمزة الثمالي قال: دخل قاض من قضاة أهل الكوفة على عليّ بن الحسينعليه‌السلام فقال له: جعلني الله فداك، أخبرني عن قول الله عَزَّ وجَلَّ : ( وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا

ــــــــــــــ

(١) الاحتجاج للطبرسي : احتجاجات الإمام زين العابدين عليه‌السلام .


فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ ) (١) .

قال لهعليه‌السلام :(ما يقول الناس فيها قبلكم ؟) .

قال: يقولون إنّها مكّة.

فقالعليه‌السلام :(وهل رأيت السرق في موضع أكثر منه بمكّة) .

قال: فما هو ؟

قالعليه‌السلام :(إنّما عنى الرجال) .

قال: وأين ذلك في كتاب الله ؟

فقالعليه‌السلام :(أو ما تسمع إلى قوله عَزَّ وجَلَّ : ( وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ ) (٢) وقال: ( وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ) (٣) وقال: ( وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا ) (٤) أفيسأل القرية أو الرجال أو العير؟

قال: وتلا عليه آيات في هذا المعنى.

قال: جعلت فداك ! فمن هم؟

قال :نحن هم .

فقالعليه‌السلام :(أو ما تسمع إلى قوله: ( سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ ) ؟) .

قالعليه‌السلام : (آمنين من الزيغ) (٥) .

٤ ـ وروي: أنّ زين العابدين عليه‌السلام مرّ بالحسن البصري وهو يعظ الناس بمنى، فوقف عليه‌السلام عليه ثم قال:

(أمسك، أسألك عن الحال التي أنت عليها مقيم، أترضاها لنفسك فيما

ــــــــــــــ

(١) سبأ (٣٤) : ١٨ .

(٢) الطلاق (٦٥) : ٨ .

(٣) الكهف (١٨) : ٥٩ .

(٤) يوسف (١٢) : ٨٢ .

(٥) الاحتجاج ٢ : احتجاجات الإمام زين العابدين عليه‌السلام .


بينك وبين الله إذا نزل بك غداً؟) .

قال: لا.

قال:(أفتحدّث نفسك بالتحوّل والانتقال عن الحال التي لا ترضاها لنفسك إلى الحال التي ترضاها؟) قال: فأطرق مليّاً ثم قال: إنّي أقول ذلك بلا حقيقة.

قال:(أفترجو نبيّاً بعد محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يكون لك معه سابقة؟) .

قال: لا.

قال:(أفترجو داراً غير الدار التي أنت فيها ترد إليها فتعمل فيها؟) .

قال: لا.

قال:(أفرأيت أحداً به مسكة عقل رضي لنفسه من نفسه بهذا؟ إنّك على حال لا ترضاها ولا تحدّث نفسك بالانتقال إلى حال ترضاها على حقيقة، ولا ترجو نبيّاً بعد محمّد، ولا داراً غير الدار التي أنت فيها فترد إليها فتعمل فيها، وأنت تعظ الناس) ، قال: فلمّا ولّىعليه‌السلام قال الحسن البصري: من هذا؟

قالوا: عليّ بن الحسين.

قال: أهل بيت علم، فما رُئِي الحسن البصري بعد ذلك يعظ الناس(١) .

٥ ـ وعن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت عليّ بن الحسين عليه‌السلام يحدّث رجلاً من قريش قال:

لمّا تاب الله على آدم واقع حوّاء ولم يكن غشيها منذ خلق وخلقت إلاّ في الأرض، وذلك بعد ما تاب الله عليه ، قال:وكان آدم يعظّم البيت وما حوله من حرمة البيت، فكان إذا أراد أن يغشى حوّاء خرج من الحرم وأخرجها معه، فإذا جاز الحرم غشيها في الحلّ، ثمّ يغتسلان إعظاماً منه للحرم، ثمّ يرجع إلى فناء البيت .

ــــــــــــــ

(١) الاحتجاج للطبرسي : احتجاجات الإمام زين العابدين عليه‌السلام .


قال: فولد لآدم من حوّاء عشرون ذكراً وعشرون اُنثى، فولد له في كلّ بطن ذكر واُنثى، فأول بطن ولدت حواء (هابيل) ومعه جارية يقال لها: (أقليما)، قال: وولدت في البطن الثاني (قابيل) ومعه جارية يقال لها: (لوزا)، وكانت لوزا أجمل بنات آدم، (قال): فلمّا أدركوا خاف عليهم آدم الفتنة فدعاهم إليه فقال: أريد أن أنكحك يا هابيل لوزا، وأنكحك يا قابيل أقليما.

قال قابيل: ما أرضى بهذا، أتنكحني أخت هابيل القبيحة، وتنكح هابيل اُختي الجميلة؟

قال: فأنا أقرع بينكما، فإن خرج سهمك يا قابيل على لوزا وخرج سهمك يا هابيل على أقليما زوّجت كلّ واحد منكما التي خرج سهمه عليها، قال: فرضيا بذلك فاقترعا، قال: فخرج سهم هابيل على لوزا أخت قابيل، وخرج سهم قابيل على أقليما أخت هابيل، قال: فزوّجهما على ما خرج لهما من عند الله، قال: ثمّ حرّم الله نكاح الأخوات بعد ذلك) .

قال: فقال له القرشي: فأولداهما ؟

قال:نعم .

قال: فقال القرشي: فهذا فعل المجوس اليوم !

قال: فقال عليّ بن الحسين:(إنّ المجوس إنّما فعلوا ذلك بعد التحريم من الله) .

ثمّ قال له عليّ بن الحسينعليه‌السلام :(لا تنكر هذا، إنّما هي الشرائع جرت، أليس الله قد خلق زوجة آدم منه ثمّ أحلّها له ؟! فكان ذلك شريعة من شرائعهم، ثمّ أنزل الله التحريم بعد ذلك) (١) .

٦ ـ روي عن أبي جعفر الباقرعليه‌السلام قال:(لمّا قتل الحسين بن علىّ عليه‌السلام أرسل محمّد بن الحنفية إلى عليّ بن الحسين عليه‌السلام فخلا به ثم قال:

ــــــــــــــ

(١) الاحتجاج : احتجاجات الإمام زين العابدين عليه‌السلام .


يابن أخي! قد علمت أنّ رسول الله كان جعل الوصيّة والإمامة من بعده لعليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ثمّ إلى الحسن، ثمّ إلى الحسين، وقد قتل أبوك رضي‌الله‌عنه وصُلّيَ عليه ولم يوص، وأنا عمّك وصنو أبيك، وأنا في سنّي وقدمتي أحقّ بها منك في حداثتك، فلا تنازعني الوصيّة والإمامة ولا تخالفني.

فقال له عليّ بن الحسين عليه‌السلام : (اتق الله ولا تدّعِ ما ليس لك بحقّ، إنّي أعظك أن تكون من الجاهلين، يا عم! إنّ أبي صلوات الله عليه أوصى إليّ قبل أن يتوجه إلى العراق، وعهد إليّ في ذلك قبل أن يستشهد بساعة، وهذا سلاح رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندي، فلا تعرض لهذا فإنّي أخاف عليك بنقص العمر وتشتت الحال، وإنّ الله تبارك وتعالى أبى إلاّ أن يجعل الوصيّة والإمامة إلاّ في عقب الحسين، فإن أردت أن تعلم فانطلق بنا إلى الحجر الأسود حتى نتحاكم إليه ونسأله عن ذلك) .

قال الباقرعليه‌السلام : (وكان الكلام بينهما وهما يومئذ بمكّة، فانطلقا حتى أتيا الحجر الأسود، فقال عليّ بن الحسين عليه‌السلام لمحمّد:

إبدأ فابتهل إلى الله واسأله أن ينطق لك الحجر ثمّ سله، فابتهل محمّد في الدعاء وسأل الله ثمّ دعا الحجر فلم يجبه، فقال عليّ بن الحسين عليه‌السلام :

(أما إنّك يا عمّ لو كنت وصيّاً وإماماً; لأجابك).

فقال له محمّد: فادع أنت يابن أخي، فدعا الله عليّ بن الحسين عليه‌السلام بما أراد ثمّ قال: (أسألك بالذي جعل فيك ميثاق الأنبياء وميثاق الأوصياء وميثاق الناس أجمعين لمّا أخبرتنا بلسان عربيّ مبين مَن الوصيّ والإمام بعد الحسين بن عليّ)، فتحرّك الحجر حتى كاد أن يزول عن موضعه، ثمّ أنطقه الله بلسان عربيّ مبين فقال:

اللّهمّ إنّ الوصية والإمامة بعد الحسين بن عليّ بن أبي طالب إلى عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، وابن فاطمة بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )، فانصرف محمّد وهو يتولّى


عليّ بن الحسين عليه‌السلام (١) .

وعن جعفر بن محمّد عن أبيه عن جدّه عليّ بن الحسينعليهم‌السلام قال:

(نحن أئمّة المسلمين، وحجج الله على العالمين، وسادة المؤمنين، وقادة الغرّ المحجّلين، وموالي المؤمنين، ونحن أمان لأهل الأرض، كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء، ونحن الذين بنا يمسك السماء أن تقع على الأرض إلاّ بإذنه، وبنا يمسك الأرض أن تميد بأهلها، وبنا ينزل الغيث، وينشر الرحمة، ويخرج بركات الأرض ولو لا ما في الأرض منّا; لساخت الأرض بأهلها) .

ثمّ قال:(ولم تخلُ الأرض منذ خلق الله آدم من حجّة لله فيها، ظاهر مشهور أو غائب مستور، ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجّة الله، ولو لا ذلك لم يعبد الله) .

من غرر حكم الإمامعليه‌السلام ومواعظه:

قد عرفت أنّ الإمام زين العابدينعليه‌السلام لم يترك مدينة جدّه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بل بقي مرابطاً فيها مشغولاً بتربية الأمة تربية فكرية وأخلاقية، وكان كلّ جمعة يعظهم ويحذّرهم من الدنيا وحبائلها ومكائدها التي جعلت كثيراً من أهل عصره في أسرها، وممّا قاله في التحذير من الدنيا والتزهيد فيها(٢) :

١ ـ(كفانا الله وإيّاكم كيد الظالمين وبغي الحاسدين وبطش الجبّارين، أيّها المؤمنون لا يفتننّكم الطواغيت وأتباعهم من أهل الرغبة في الدنيا المائلون إليها، المفتونون بها، المقبلون عليها وعلى حطامها (٣) الهامد (٤) وهشيمها البائد غداً، واحذروا ما حذّركم الله منها،

ــــــــــــــ

(١) الاحتجاج : احتجاجات الإمام زين العابدينعليه‌السلام .

(٢) تحف العقول لابن شعبة الحرّاني : ١٨٢ ـ ١٨٤ / ط مؤسسة الأعلمي ـ بيروت.

(٣) الحُطام: القشر، والمعنى: أنّ ما فيها من مال كثير أو قليل يغنى ولا يبقى.

(٤) الهامد: اليابس .


وازهدوا فيما زهّدكم الله فيه منها، ولا تركنوا إلى ما في هذه الدنيا ركون من أعدّها داراً وقراراً (١) ، وبالله إنّ لكم ممّا فيها عليها دليلاً من زينتها وتصريف أيامها (٢) وتغيير انقلابها ومثلاتها وتلاعبها بأهلها، إنّها لترفع الخميل وتضع الشريف، وتورد النار أقواماً غداً، ففي هذا معتبر ومختبر وزاجر لمنتبه) .

٢ ـ الوصيّة بالتقوى والإنابة إلى الله تعالى والتحذير من معونة الظلمة :

(فاتقوا الله واستقبلوا من إصلاح أنفسكم وطاعة الله وطاعة من تولّونه فيها، لعلّ نادماً قد ندم على ما قد فرّط بالأمس في جنب الله، وضيّع من حقّ الله، واستغفروا الله وتوبوا إليه، فإنّه يقبل التوبة، ويعفو عن السيئات، ويعلم ما تفعلون، وإيّاكم وصحبة العاصين ومعونة الظالمين ومجاورة الفاسقين، احذروا فتنتهم، وتباعدوا من ساحتهم) .

٣ ـ موالاة أولياء الله عَزَّ وجَلَّ :

(وأعلموا أنّه من خالف أولياء الله ودان بغير دين الله واستبدّ بأمره دون أمر وليّ الله في نار تلتهب، تأكل أبداناً قد غابت عنها أرواحها، وغلبت عليها شقوتها، فهم موتى لا يجدون حرّ النار، فاعتبروا يا اُولي الأبصار، واحمدوا الله على ما هداكم، واعلموا أنّكم لا تخرجون من قدرة الله إلى غير قدرته، وسيرى الله عملكم ثم تحشرون، فانتفعوا بالعظة، وتأدّبوا بآداب الصالحين) .

٤ ـ(إنّ علامة الزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة تركهم كلّ خليط (٣) وخليل، ورفضهم كلّ صاحب لا يريد ما يريدون. ألا وإنّ العامل لثواب الآخرة هو الزاهد في عاجل زهرة الدنيا، الآخذ للموت أهبته، الحاثّ على العمل قبل فناء الأجل ونزول ما لا بدّ

ــــــــــــــ

(١) القرار: ما قُرّ فيه أي فعل فيه السكن أو السكون.

(٢) تصريف أيامها: تحوّلها من وجه إلى وجه .

(٣) خليط : مُخالط، مُجالس .


من لقائه، وتقديم الحذر قبل الحين، فإنّ الله عَزَّ وجَلَّ يقول: ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ) (١) ، فلينزل أحدكم اليوم نفسه في هذه الدنيا كمنزلة المكرور إلى الدنيا، النادم على ما فرّط فيها من العمل الصالح ليوم فاقته) .

٥ ـواعلموا عباد الله أنّه من خاف البيات تجافى عن الوساد، وامتنع من الرقاد، وأمسك عن بعض الطعام والشراب من خوف سلطان أهل الدنيا، فكيف؟ ويحك يابن آدم من خوف بيات سلطان ربّ العزّة، وأخذه الأليم، وبياته لأهل المعاصي والذنوب مع طوارق المنايا بالليل والنهار، فذلك البيات الذي ليس منه مَنجى، ولا دونه ملتجأ ولا منه مهرب، فخافوا الله أيّها المؤمنون من البيات خوف أهل التقوى، فإنّ الله يقول: ( ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ) (٢) ، فاحذروا زهرة الحياة الدنيا وغرورها وشرورها، وتذكّروا ضرر عاقبة الميل إليها، فإنّ زينتها فتنة وحبّها خطيئة .

٦ ـ(فاتّقوا الله عباد الله وتفكّروا، واعملوا لما خلقتم له فإنّ الله لم يخلقكم عبثاً ولم يترككم سدىً، قد عرّفكم نفسه، وبعث إليكم رسوله، وأنزل عليكم كتابه، فيه حلاله وحرامه وحججه وأمثاله، فاتّقوا الله فقد احتجّ عليكم ربّكم فقال: ( أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) (٣) ، فهذه حجّة عليكم، فاتّقوا الله ما استطعتم، فإنّه لا قوة إلاّ بالله ولا تكلان إلاّ عليه، وصلّى الله على محمد نبيّه وآله) .

٧ ـ(إنّ الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإنّ الآخرة قد ترحّلت مقبلة، ولكلّ واحد منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فكونوا من الزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة، لأنّ الزاهدين في الدنيا اتّخذوا الأرض بساطاً، والتراب فراشاً، والمدر وِساداً، والماء طيباً، وقرضوا المعاشَ من الدنيا تقريضاً، اعلموا أنّه من اشتاق إلى الجنّة

ــــــــــــــ

(١) المؤمنون (٢٣) : ٩٩ و ١٠٠ .

(٢) ابراهيم (١٤) : ١٤ .

(٣) البلد (٩٠) : ٨ ـ ١٠ .


سارع إلى الحسنات وسلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار; رجع عن المحرمات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه مصائبها ولم يكرهها، وإنّ لله عَزَّ وجَلَّ لعباداً قلوبهم معلّقة بالآخرة وثوابها وهم كمن رأى أهل الجنّة في الجنّة مخلّدين منعّمين، وكمن رأى أهل النار في النار معذّبين، شرورهم مأمونة، وقلوبهم محزونة، أنفسهم عفيفة، وحوائجهم خفيفة، صبروا أيّاماً قليلة فصاروا بعقبى راحة طويلة، أمّا الليل فصافّون أقدامهم، تجري دموعهم على خدودهم، وهم يجأرون إلى ربّهم (١) ، يسعون في فكاك رقابهم، وأمّا النهار فحلماء علماء بررة أتقياء، كأنهم القِداح (٢) قد براهم الخوف من العبادة، ينظر إليهم الناظر فيقول: مرضى، وما بالقوم من مرض أم خولطوا فقد خالط القوم أمر عظيم مِن ذِكر النارِ وما فيها .

ومن غرر كلماتهعليه‌السلام (٣) :

(الخير كلّه صيانة الإنسان نفسه) .

(الرضى بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين) .

(من كرمت عليه نفسه هانت عليه الدنيا) .

(من قنع بما قسم الله له فهو من أغنى الناس) .

(لا يقلّ عمل مع تقوىً، وكيف يقلّ ما يتقبّل) ؟

قيل له : من أعظم الناس خطراً ؟ (٤) فقال عليه‌السلام : (من لم يرَ الدنيا خطراً لنفسه) .

وقال بحضرته رجل: اللّهمّ أغنني عن خلقك، فقالعليه‌السلام :(ليس هكذا، إنّما

ــــــــــــــ

(١) يجأرون إلى ربّهم: يتضرّعون إليه تعالى .

(٢) القِداح: مفردها قِدْح وهو السهم قبل أن يُنصل ويُراش .

(٣) كل ما جاء تحت هذا العنوان نقلناه عن تحف العقول ٢٠٠ ـ ٢٠٥ .

(٤) خطراً: قدراً وشرفاً .


الناس بالناس، ولكن قل: اللّهمّ أغنني عن شرار خلقك) .

(اتّقوا الكذب، الصغير منه، والكبير، في كلّ جدّ وهزل، فإنّ الرجل إذا كذب في الصغير اجترأ على الكبير) .

(كفى بنصر الله لك أن ترى عدوّك يعمل بمعاصي الله فيك) .

وقال له رجل: ما الزهد ؟ فقالعليه‌السلام : (الزهد عشرة أجزاء، فأعلى درجات الزهد أدنى درجات الورع، وأعلى درجات الورع أدنى درجات اليقين، وأعلى درجات اليقين أدنى درجات الرضا، وإنّ الزهد في آية من كتاب الله: ( لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ) ) (١) .

(طلب الحوائج إلى الناس مذلّة للحياة ومذهبة للحياء واستخفاف بالوقار وهو الفقر الحاضر، وقلّة طلب الحوائج من الناس هو الغنى الحاضر) .

(إنّ أحبّكم إلى الله أحسنكم عملاً، وإنّ أعظمكم عند الله عملاً أعظمكم فيما عند الله رغبة، وإنّ أنجاكم من عذاب الله أشدّكم خشية لله، وإنّ أقربكم من الله أوسعكم خلقاً، وإنّ أرضاكم عند الله أسْبَغكم (٢) على عياله، وإنّ أكرمكم على الله أتقاكم) .

(يابني، اُنظر خمسة فلا تصاحبهم ولا تحادثهم ولا ترافقهم في طريق، إيّاك ومصاحبة الكذّاب، فإنّه بمنزلة السراب يقرّب لك البعيد ويبعّد لك القريب، وإيّاك ومصاحبة الفاسق، فإنّه بايعك بأكلة أو أقلّ من ذلك، وإيّاك ومصاحبة البخيل، فإنّه يخذلك في ماله أحوج ما تكون إليه، وإيّاك ومصاحبة الأحمق، فإنّه يريد أن ينفعك فيضرّك، وإيّاك ومصاحبة القاطع لرحمه، فإنّي وجدته ملعوناً في كتاب الله) .

(إنّ المعرفة وكمال دين المسلم تركه الكلام فيما لا يعنيه، وقلة مرائه، وحلمه، وصبره، وحسن خلقه) .

ــــــــــــــ

(١) الحديد (٥٧): ٢٣ .

(٢) أسبغكم: أوسعكم .


 (ابن آدم ، إنّك لا تزال بخير ما كان لك واعظ من نفسك، وما كانت المحاسبة من همّك، وما كان الخوف لك شعاراً، والحذر لك دثاراً (١) ، ابن آدم إنّك ميّت ومبعوث وموقوف بين يدي الله جلّ وعزّ، فأعدّ له جواباً) .

(لا حسب لقرشيّ ولا لعربيّ إلاّ بتواضع، ولا كرم إلاّ بتقوىً، ولا عمل إلاّ بنيّة، ولا عبادة إلاّ بالتفقه، ألا وإنّ أبغض الناس إلى الله من يقتدي بسنّة إمام ولا يقتدي بأعماله) .

(المؤمن من دعائه على ثلاث: إمّا أن يدّخر له، وإمّا أن يعجّل له، وإمّا أن يدفع عنه بلاء يريد أن يصيبه) .

(إنّ المنافق ينهى ولا ينتهي، ويأمر ولا يأتي، إذا قام إلى الصلاة اعترض، وإذا ركع ربض، وإذا سجد نقر، يمسي وهمّه العشاء ولم يصم، ويصبح وهمّه النوم ولم يسهر، والمؤمن خلط عمله بحلمه، يجلس ليعلم، وينصت ليسلم، لا يحدّث بالأمانة للأصدقاء، ولا يكتم الشهادة للبعداء، ولا يعمل شيئاً من الحقّ رياءاً ولا يتركه حياءاً، إن زُكّي خاف ممّا يقولون، ويستغفر الله لما لا يعلمون، ولا يضرّه جهل من جهله) .

(كم من مفتون بحسن القول فيه، وكم من مغرور بحسن الستر عليه؟) .

(ربّ مغرور مفتون يصبح لاهياً ضاحكاً، يأكل ويشرب وهو لا يدري لعلّه قد سبقت له من الله سخطة يصلى بها نار جهنم) .

(إنّ من أخلاق المؤمن الإنفاق على قدر الإقتار، والتوسّع على قدر التوسّع، وإنصاف الناس من نفسه، وابتداؤه إيّاهم بالسلام) .

(ثلاث منجيات للمؤمن: كفّ لسانه عن الناس واغتيابهم، وإشغاله نفسه بما ينفعه لآخرته ودنياه، وطول بكائه على خطيئته) .

(نظر المؤمن في وجه أخيه المؤمن للمودّة والمحبة له عبادة) .

ــــــــــــــ

(١) الدثار : ما يتغطّى به النائم .


 (ثلاث من كنّ فيه من المؤمنين كان في كنف الله (١) ، وأظلّه الله يوم القيامة في ظلّ عرشه، وآمنه من فزع اليوم الأكبر: من أعطى الناس من نفسه ما هو سائلهم لنفسه، ورجل لم يُقَدِّم يداً ولا رجلاً حتى يعلم أنّه في طاعة الله قدّمها أو في معصيته، ورجل لم يعب أخاه بعيب حتى يترك ذلك العيب من نفسه، وكفى بالمرء شغلاً بعيبه لنفسه عن عيوب الناس) .

(ما من شيء أحبّ إلى الله بعد معرفته من عفّة بطن وفرج، وما [من]شيء أحبّ إلى الله من أن يسأل) .

(افعل الخير إلى كلّ من طلبه منك، فإن كان أهله فقد أصبت موضعه، وإن لم يكن بأهل كنت أنت أهله، وإن شتمك رجل عن يمينك ثم تحوّل إلى يسارك واعتذر إليك فاقبل عذره) .

(مجالس الصالحين داعية إلى الصلاح، وآداب العلماء زيادة في العقل، وطاعة ولاة الأمر تمام العزّ، واستنماء المال تمام المروّة، وإرشاد المستشير قضاء لحقّ النعمة، وكفّ الأذى من كمال العقل وفيه راحة للبدن عاجلاً أو آجلاً) .

وكان عليّ بن الحسينعليهما‌السلام إذا قرأ الآية: ( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ) (٢) يقول:(سبحان مَن لم يجعل في أحد من معرفة نعمه إلاّ المعرفة بالتقصير عن معرفتها، كما لم يجعل في أحد من معرفة إدراكه أكثر من العلم بأنّه لا يدركه، فشكر عَزَّ وجَلَّ معرفة العارفين بالتقصير عن معرفته، وجعل معرفتهم بالتقصير شكراً، كما جعل علم العالمين أنّهم لا يدركونه إيماناً، علماً منه أنّه قدّر وسع العباد فلا يجاوزون ذلك) .

(سبحان من جعل الاعتراف بالنعمة له حمداً، سبحان من جعل الاعتراف بالعجز عن الشكر شكراً) .

ــــــــــــــ

(١) في كنف الله: في حرزه ورحمته.

(٢) إبراهيم (١٤) : ٣٤ .


الفصل الثاني: رسالة الحقوق

تكفّلت رسالة الحقوق تنظيم أنواع العلاقات الفردية والاجتماعية للإنسان في هذه الحياة بنحو يحقّق للفرد والمجتمع سلامة العلاقات، ويجمع لهما عوامل الاستقرار والرقيّ والازدهار.

(لقد نظر الإمام الحكيمعليه‌السلام بعمق وشمول للإنسان، ودرس جميع أبعاد حياته وعلاقاته مع خالقه ونفسه وأسرته ومجتمعه وحكومته ومعلّمه)(١) وكلّ من يرتبط به أدنى ارتباط.

ويمكن أن نقول: إنّ تنظيم العلاقات الاجتماعية على أساس تعيين مجموعة الحقوق بشكل دقيق هو الرصيد الأول للنظام الاجتماعي الإسلامي، وهو المبنى المعقول للتشريعات الإسلامية عامّة، فإنّ الذي يفهم بعمق هذه الرسالة ويدرس بدقّة حقوق الخالق وحقوق المخلوقين بعضهم تجاه بعض يتسنّى له أن يفهم أسرار التشريع الإسلامي وفلسفة الأحكام التي جاءت بها الشريعة الإسلامية لتنظيم حياة الإنسان فرداً ومجتمعاً.

إنّ العدالة الاجتماعية أو الاقتصادية أو الإدارية لن تتحقّق ما لم يُطبّق نظام الحقوق بشكل دقيق أوّلاً، وتنظّم الأحكام والتشريعات على أساس تلك

ــــــــــــــ

(١) حياة الإمام زين العابدين عليه‌السلام : ٤٧٧ .


الحقوق، وفيما نعلم أنّ الإمامعليه‌السلام قد سبق العلماء والقانونيين جميعاً في دنيا الإسلام بل في دنيا الإنسان في هذا المضمار الذي على أساسه ترتكز أُصول الأخلاق والتربية ونظم الاجتماع.

وقد كتب الإمام زين العابدينعليه‌السلام هذه الرسالة العظيمة واتحف بها بعض أصحابه، ورواها العالم الكبير ثقة الإسلام ثابت بن أبي صفيّة المعروف بأبي حمزة الثمالي تلميذ الإمامعليه‌السلام كما رواها عنه بسنده المحدّث الصدوق في كتابه (الخصال) وثقة الإسلام الكليني في (الكافي) والحسن بن عليّ بن الحسين بن شعبة الحرّاني في (تحف العقول) وهي من المصادر القديمة الموثوقة.

والإمامعليه‌السلام قبل بيانه للحقوق يشير إلى أنّ هناك حقوقاً محيطةً بالإنسان، ولا بد له من معرفتها، ثمّ يبيّن أكبر الحقوق وهو ما يرتبط بالله سبحانه بالنسبة لعبده، ثمّ يفرّع عليها حقوق الإنسان المفروضة من الله تجاه نفس الإنسان، فيبيّن أنواع علاقة الإنسان بنفسه من خلال المنظار الإلهي، ثمّ ينتهي إلى أنواع العلاقة بين الإنسان وبيئته التي تشتمل على قيادة ومقودين ورعاة ورعية، مع بيانه لأنواع الأئمّة والمأمورين ودرجاتهم، ثمّ يبيّن سائر العلاقات مع الأرحام والأسرة وأعضائها، ثمّ من تشتمل عليه الأسرة من الموالي والجواري، ثمّ سائر ذوي الحقوق كالمؤذّن والإمام في الصلاة والجليس والشريك والغريم والخصم والمستشير والمشير والمستنصح والناصح والسائل والمسؤول والصغير والكبير.. حتى ينتهي إلى من يشترك مع الإنسان في دينه من بني الإنسان، ثمّ حقوق من يشترك مع الإنسان في الإنسانية وفي النظام السياسي الذي يخضع له وإن لم يكن من أهل ملّته ودينه.


وفيما يلي نصّ الرسالة كما وردت في الخصال(١) :

عرض إجماليّ للحقوق :

(اعلم، أنّ لله عَزَّ وجَلَّ عليك حقوقاً محيطة بك في كلّ حركة تحرّكتها، أو سكنة سكنتها، أو حال حلتها، أو منزلة نزلتها، أو جارحة قلّبتها، أو آلة تصرّفت فيها، فأكبر حقوق الله تبارك وتعالى عليك ما أوجب عليك لنفسه من حقّه الذي هو أصل الحقوق، ثمّ ما أوجب الله عَزَّ وجَلَّ عليك لنفسك من قرنك إلى قدمك على اختلاف جوارحك، فجعل عَزَّ وجَلَّ للسانك عليك حقّاً، ولسمعك عليك حقّاً، ولبصرك عليك حقاً، وليدك عليك حقّاً، ولرجلك عليك حقّاً، ولبطنك عليك حقّاً، ولفرجك عليك حقاً، فهذه الجوارح السبع التي بها تكون الأفعال، ثمّ جعل عَزَّ وجَلَّ لأفعالك عليك حقوقاً، فجعل لصلاتك عليك حقّاً، ولصومك عليك حقّاً، ولصدقتك عليك حقّاً، ولهديك عليك حقّاً، ولأفعالك عليك حقّاً.

ثمّ تخرج الحقوق منك إلى غيرك من ذوي الحقوق الواجبة عليك، فأوجبها عليك حقوق أئمّتك، ثمّ حقوق رعيّتك، ثمّ حقوق رحمك، فهذه حقوق تتشعّب منها حقوق، فحقوق أئمّتك ثلاثة، أوجبها عليك حقّ سائسك بالسلطان، ثمّ حقّ سائسك بالعلم، ثمّ حقّ سائسك بالملك، وكلّ سائس إمام.

وحقوق رعيتك ثلاثة، أوجبها عليك حقّ رعيتك بالسلطان، ثمّ حقّ رعيتك بالعلم، فإنّ الجاهل رعية العالم، ثمّ حقّ رعيّتك بالملك من الأزواج وما ملكت الأيمان، وحقوق رعيّتك كثيرة متّصلة بقدر اتّصال الرحم في

ــــــــــــــ

(١) الخصال : ٥٦٤ ط. مؤسسة النشر الإسلامي .


القرابة، وأوجبها عليك حقّ أمك، ثمّ حقّ أبيك، ثمّ حقّ ولدك، ثمّ حقّ أخيك، ثمّ الأقرب فالأقرب والأولى فالأولى، ثمّ حقّ مولاك المنعم عليك، ثمّ حقّ مولاك الجارية نعمته عليك (١) ، ثمّ حقّ ذوي المعروف لديك، ثمّ حقّ مؤذّنك لصلاتك، ثمّ حقّ إمامك في صلاتك، ثمّ حقّ جليسك، ثمّ حقّ جارك، ثمّ حقّ صاحبك، ثمّ حقّ شريكك، ثمّ حقّ مالك، ثمّ حقّ غريمك الذي تطالبه؟ ثمّ حقّ غريمك الذي يطالبك، ثمّ حقّ خليطك، ثمّ حقّ خصمك المدّعي عليك، ثمّ حقّ خصمك الذي تدّعي عليه، ثمّ حقّ مستشيرك، ثمّ حقّ المشير عليك، ثمّ حقّ مستنصحك، ثمّ حقّ الناصح لك، ثمّ حقّ من هو أكبر منك، ثمّ حقّ من هو أصغر منك، ثمّ حقّ سائلك، ثمّ حقّ من سألته، ثمّ حقّ من جرى لك على يديه مساءة بقول أو فعل عن تعمّد أو غير تعمّد، ثمّ حقّ أهل ملّتك عليك، ثمّ حقّ أهل ذمّتك، ثمّ الحقوق الجارية بقدر علل الأحوال وتصرّف الأسباب.

فطوبى لمن أعانه الله على قضاء ما أوجب عليه من حقوقه، ووفّقه لذلك وسدّده.

تفصيل الحقوق :

حق الله:

فأمّا حقّ الله الأكبر عليك: فأن تعبده لا تشرك به شيئاً، فإذا فعلت بالإخلاص جعل لك على نفسه أن يكفيك أمر الدنيا والآخرة .

حقّ النفس:

وحقّ نفسك عليك: أن تستعملها بطاعة الله عَزَّ وجَلَّ .

ــــــــــــــ

(١) والظاهر تصحيفه ، والصواب كما سيأتي في تفصيله عليه‌السلام هذه الحقوق (حقّ مولاك الجارية نعمتك عليه).


حقوق الأعضاء:

١ ـ وحقّ اللسان : إكرامه عن الخنى، وتعويده على الخير، وترك الفضول التي لا فائدة لها، والبرّ بالناس، وحسن القول فيهم .

٢ ـوحقّ السمع : تنزيهه عن سماع الغيبة، وسماع ما لا يحلّ سماعه .

٣ ـوحقّ البصر : أن تغضّه عمّا لا يحلّ لك وتعتبر بالنظر به .

٤ ـوحقّ يدك : أن لا تبسطها إلى ما لا يحلّ لك .

٥ ـوحقّ رجليك : أن لا تمشي بهما إلى ما لا يحلّ إليك، فبهما تقف على الصراط، فانظر أن لا تزلّ بك فتردى في النار .

٦ ـوحقّ بطنك : أن لا تجعله وعاء للحرام، ولا تزيد على الشبع .

٧ ـوحقّ فرجك : أن تحصنه عن الزنا، وتحفظه من أن يُنْظرَ إليه .

حقوق الأفعال:

١ ـوحقّ الصلاة : أن تعلم أنّها وفادة إلى الله عَزَّ وجَلَّ وأنت فيها قائم بين يدي الله عَزَّ وجَلَّ، فإذا علمت ذلك قمت مقام العبد الذليل الحقير الراغب الراهب الراجي الخائف المستكين المتضرّع المعظّم لمن كان بين يديه بالسكون والوقار، وتقبل عليها بقلبك، وتقيمها بحدودها وحقوقها .

٢ ـوحقّ الحجّ : أن تعلم أنّه وفادة إلى ربّك، وفرار إليه من ذنوبك، وبه قبول توبتك، وقضاء الفرض الذي أوجبه الله عليك .

٣ ـوحقّ الصوم : أن تعلم أنّه حجاب ضربه الله على لسانك وسمعك وبصرك وبطنك وفرجك ليسترك به من النار، فإن تركت الصوم خرقت ستر الله عليك .

٤ ـوحقّ الصدقة : أن تعلم أنّها ذخرك عند ربّك عَزَّ وجَلَّ، ووديعتك التي لا تحتاج الإشهاد عليها، فإذا علمتَ ذلك كنتَ بما تستودعه سرّاً أوثق منك بما تستودعه علانيةً، وتعلم أنّها تدفع البلايا والأسقام عنك في الدنيا، وتدفع عنك النار في الآخرة .

٥ ـوحقّ الهدى : أن تريد به وجه الله عَزَّ وجَلَّ، ولا تريد به خلقه، ولا تريد به إلاّ التعرض لرحمة الله ونجاة روحك يوم تلقاه .


حقوق الأئمّة:

١ ـوحقّ السلطان : أن تعلم أنّك جعلت له فتنة، وأنّه مبتل فيك بما جعله الله عَزَّ وجَلَّ له عليك من السلطان، وأنّ عليك أن لا تتعرّض لسخطه فتلقى بيدك إلى التهلكة، وتكون شريكاً له فيما يأتي إليك من سوء .

٢ ـوحقّ سائسك بالعلم: التعظيم له، والتوقير لمجلسه، وحسن الاستماع إليه، والإقبال عليه، وأن لا ترفع عليه صوتك، وأن لا تجيب أحداً يسأله عن شيء حتى يكون هو الذي يجيب، ولا تحدّث في مجلسه أحداً، ولا تغتاب عنده أحداً، وأن تدفع عنه إذا ذكر عندك بسوء، وأن تستر عيوبه، وتظهر مناقبه، ولا تجالس له عدوّاً، ولا تعادي له وليّاً، فإذا فعلت ذلك شهد لك ملائكة الله بأنّك قصدته وتعلّمت علمه لله جلّ اسمه لا للناس .

٣ ـوأمّا حقّ سائسك بالملك : فأن تطيعه ولا تعصيه إلاّ فيما يسخط الله عَزَّ وجَلَّ، فإنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .

حقوق الرعيّة:

١ ـوأمّا حقّ رعيّتك بالسلطان : فأن تعلم أنّهم صاروا رعيّتك لضعفهم وقوّتك، فيجب أن تعدل فيهم وتكون لهم كالوالد الرحيم، وتغفر لهم جهلهم، ولا تعاجلهم بالعقوبة، وتشكر الله عَزَّ وجَلَّ على ما آتاك من القوّة عليهم .

٢ ـوأمّا حقّ رعيّتك بالعلم : فأن تعلم أنّ الله عزوجل إنّما جعلك قيّماً لهم فيما آتاك من العلم، وفتح لك من خزائنه، فإن أحسنت في تعليم الناس ولم تخرق بهم ولم تفجر عليهم زادك الله من فضله، وإن أنت منعت النّاس علمك أو خرقت بهم عند طلبهم العلم منك كان حقّاً على الله عَزَّ وجَلَّ أن يسلبك العلم وبهاءه، ويسقط من القلوب محلّك .

٣ ـوأمّا حقّ الزوجة: فأن تعلم أنّ الله عَزَّ وجَلَّ جعلها لك سكناً وأنساً، فتعلم أنّ ذلك نعمة من الله عليك، فتكرمها وترفق بها، وإن كان حقّك عليها أوجب فإنّ لها عليك أن ترحمها، لأنّها أسيرك وتطعمها وتكسوها، فإذا جَهِلتْ عَفوتَ عنها .

٤ ـوأمّا حقّ مملوكك : فأن تعلم أنّه خلق ربّك وابن أبيك وأمك ولحمك ودمك، لم تملكه لأنّك صنعته دون الله، ولا خلقت شيئاً من جوارحه ولا أخرجت له رزقاً، ولكنّ الله عَزَّ وجَلَّ كفاك ذلك، ثمّ سخّره لك وائتمنك عليه واستودعك إيّاه، ليحفظ لك ما تأتيه من خير إليه فأحسن إليه كما أحسن الله إليك، وإن كرهته استبدلت به، ولم تعذِّب خلق الله عَزَّ وجَلَّ، ولا قوّة إلاّ بالله .


حقوق الرحم:

١ ـ وحقّ أمك : أن تعلم أنّها حملتك حيث لا يحتمل أحدٌ أحداً، وأعطتك من ثمرة قلبها ما لا يعطي أحدٌ أحداً، ووَقَتْك بجميع جوارحها، ولم تبالِ أن تجوع وتطعمك، وتعطش وتسقيك، وتعرى وتكسوك، وتضحى وتظلّك، وتهجر النوم لأجلك، ووَقَتك الحرّ والبرد لتكون لها، فإنّك لا تطيق شكرها

إلاّ بعون الله تعالى وتوفيقه .

٢ ـوأمّا حقّ أبيك : فأن تعلم أنّه أصلك، وأنّه لولاه لم تكن، فمهما رأيت في نفسك ممّا يعجبك فاعلم أنّ أباك أصل النعمة عليك فيه، فاحمد الله واشكره على قدر ذلك، ولا قوّة إلاّ بالله .

٣ ـوأمّا حقّ ولدك : فأن تعلم أنّه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشرّه، وأنّك مسؤول عمّا وليته من حسن الأدب، والدلالة على ربّه عَزَّ وجَلَّ، والمعونة له على طاعته، فاعمل في أمره عمل من يعلم أنّه مثاب على الإحسان إليه، معاقب على الإساءة إليه .

٤ ـوأمّا حقّ أخيك : فأن تعلم أنّه يدك وعزّك وقوّتك، فلا تتّخذه سلاحاً على معصية الله، ولا عدّة للظالم لخلق الله، ولا تدع نصرته على عدوّه والنصيحة له، فإن أطاع الله وإلاّ فليكن الله أكرم عليك منه، ولا قوّة إلاّ بالله .

٥ ـوأمّا حقّ مولاك المنعم عليك : فأن تعلم أنّه أنفق فيك ماله، وأخرجك من ذلّ الرقّ ووحشته إلى عزّ الحرية واُنسها، فأطلقك من أسر الملكة، وفكّ عنك قيد العبودية، وأخرجك من السجن، وملكك نفسك، وفرّغك لعبادة ربّك، وتعلم أنّه أولى الخلق بك في حياتك وموتك، وأنّ نصرته عليك واجبة بنفسك وما احتاج إليه منك، ولا قوّة إلاّ بالله .

٦ ـوأمّا حقّ مولاك الذي أنعمت عليه : فأن تعلم أنّ الله عَزَّ وجَلَّ جعل عتقك له وسيلةً إليه، وحجاباً لك من النار، وأنّ ثوابك في العاجل ميراثه إذا لم يكن له رحم مكافأة بما أنفقت من مالك وفي الآجل الجنّة .

حقوق عامّة الناس والأشياء:

١ ـ وأمّا حقّ ذي المعروف عليك : فأن تشكره وتذكر معروفه وتكسبه المقالة الحسنة وتخلص له الدعاء فيما بينك وبين الله عَزَّ وجَلَّ، فإذا فعلت ذلك كنت قد شكرته سرّاً وعلانيةً، ثمّ إن قدرت على مكافأته يوماً كافيته.

٢ ـوأمّا حقّ المؤذِّن : أن تعلم أنّه مذكّر لك ربّك عَزَّ وجَلَّ، وداع لك إلى حظّك، وعونك على قضاء فرض الله عليك، فاشكره على ذلك شكرك للمحسن إليك .


٣ ـوأمّا حقّ إمامك في صلاتك : فأن تعلم أنّه قد تقلّد السفارة فيما بينك وبين ربّك عَزَّ وجَلَّ، وتكلّم عنك ولم تتكلّم عنه، ودعا لك ولم تدع له، وكفاك هول المقام بين يدي الله عَزَّ وجَلَّ، فإن كان به نقص كان به دونك، وإن كان تماماً كنت شريكه، ولم يكن له عليك فضل فوقى نفسك بنفسه وصلاتك بصلاته فتشكّر له على قدر ذلك .

٤ ـوأمّا حقّ جليسك : فأن تلين له جانبك، وتنصفه في مجازاة اللفظ، ولا تقوم من مجلسك إلاّ بإذنه، ومن يجلس إليك يجوز له القيام عنك بغير إذنك، وتنسى زلاّته، وتحفظ خيراته، ولا تُسمعه إلاّ خيراً .

٥ ـوأمّا حقّ جارك : فحفظه غائباً، وإكرامه شاهداً، ونصرته إذا كان مظلوماً، ولا تتّبع له عورة، فإن علمت عليه سوءاً سترته عليه، وإن علمت أنّه يقبل نصيحتك نصحته فيما بينك وبينه، ولا تسلّمه عن شديدة، وتقيل عثرته، وتغفر ذنبه، وتعاشره معاشرةً كريمةً، ولا قوّة إلاّ بالله .

٦ ـوأمّا حقّ الصاحب : فأن تصحبه بالتفضّل والإنصاف، وتكرمه كما يكرمك، وكن عليه رحمةً، ولا تكن عليه عذاباً، ولا قوّة إلاّ بالله .

٧ ـوأمّا حقّ الشريك : فإن غاب كفيته، وإن حضر رعيته، ولا تحكم دون حكمه، ولا تعمل رأيك دون مناظرته، وتحفظ عليه ماله، ولا تخونه فيما عزّ أو هان من أمره، فإنّ يد الله تبارك وتعالى على الشريكين ما لم يتخاونا، ولا قوّة إلاّ بالله .

٨ ـوأمّا حقّ مالك : فأن لا تأخذه إلاّ من حلّه، ولا تنفقه إلاّ في وجهه، ولا تؤثر على نفسك من لا يحمدك، فاعمل فيه بطاعة ربّك، ولا تبخل به فتبوء بالحسرة والندامة مع السعة، ولا قوّة إلاّ بالله .

٩ ـوأمّا حقّ غريمك الذي يطالبك : فإن كنت موسراً أعطيته، وإن كنت معسراً لرضيته بحسن القول، ورددته عن نفسك ردّاً لطيفا ً.

١٠ ـوحقّ الخليط : أن لا تغرّه، ولا تغشّه ولا تخدعه، وتتّقي الله تبارك وتعالى في أمره .

١١ ـوحقّ الخصم المدّعي عليك : فإن كان ما يدّعي عليك حقّاً كنتَ شاهده على نفسك ولم تظلمه، وأوفيته حقّه، وإن كان ما يدّعي باطلاً رفقت به، ولم تأت في أمره غير الرفق، ولم تسخط ربّك في أمره، ولا قوّة إلاّ بالله .

١٢ ـوحقّ خصمك الذي تدّعي عليه : إن كنت محقّاً في دعوتك أجملت مقاولته ولم تجحد حقّه، وإن كنت مبطلاً في دعوتك اتّقيت الله عَزَّ وجَلَّ وتبت إليه وتركت الدعوى .


١٣ ـوحقّ المستشير : إن علمت أنّ له رأياً أشرت عليه، وإن لم تعلم أرشدته إلى من يعلم .

١٤ ـوحقّ المشير عليك : أن لا تتّهمه فيما لا يوافقك من رأيه، فإن وافقك حمدت الله عَزَّ وجَلَّ .

١٥ ـ وحقّ المستنصح : أن تؤدّي إليه النصيحة وليكن مذهبك الرحمة له والرفق به .

١٦ ـوحقّ الناصح : أن تلين له جناحك، وتصغي إليه بسمعك، فإن أتى الصواب حمدت الله عَزَّ وجَلَّ، وإن لم يوافق رحمته ولم تتّهمه، وعلمت أنّه أخطأ، ولم تؤاخذه بذلك إلاّ أن يكون مستحقّاً للتهمة فلا تعبأ بشيء من أمره على حال، ولا قوّة إلاّ بالله .

١٧ ـوحقّ الكبير : توقيره لسنّه، وإجلاله لتقدّمه في الإسلام قبلك، وترك مقابلته عند الخِصام، ولا تسبقه إلى طريق ولا تتقدّمه، ولا تستجهله، وإن جهل عليك احتملته وأكرمته لحقّ الإسلام وحرمته .

١٨ ـوحقّ الصغير : رحمته في تعليمه والعفو عنه والستر عليه والرفق به والمعونة له .

١٩ ـوحقّ السائل : إعطاؤه على قدر حاجته .

٢٠ ـوحقّ المسؤول : إن أعطى فاقبل منه بالشكر والمعرفة بفضله، وإن منع فاقبل عذره .

٢١ ـوحقّ من سرّك لله تعالى ذكره : أن تحمد الله عَزَّ وجَلَّ أوّلاً ثمّ تشكره .

٢٢ ـوحقّ من أساءك : أن تعفو عنه، وإن علمت أنّ العفو عنه يضرّ انتصرت، قال الله تبارك وتعالى: ( وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ) (١) .

٢٣ ـوحقّ أهل ملّتك : إضمار السلامة والرحمة لهم، والرفق بمسيئهم، وتألّفهم واستصلاحهم، وشكر محسنهم، وكفّ الأذى عنهم، وتحبّ لهم ما تحبّ لنفسك، وتكره لهم ما تكره لنفسك، وأن يكون شيوخهم بمنزلة أبيك، وشبّانهم بمنزلة إخوتك، وعجائزهم بمنزلة أمك، والصغار بمنزلة أولادك .

٢٤ ـوحقّ أهل الذمّة : أن تقبل منهم ما قبل الله عَزَّ وجَلَّ، ولا تظلمهم ما وفوا لله عَزَّ وجَلَّ بعهده .

ــــــــــــــ

(١) الشورى (٤٢) : ٤١ .


وقد تصدّى جملة من العلماء (١) والقانونيّين لشرح هذه الرسالة الفريدة وبشتّى اللغات وعلى مختلف المستويات، وإن شئت التفصيل والاستضاءة بأنوارها ـ أكثر ممّا مرّ ـ فراجعها .

الفصل الثالث: في رحاب الصحيفة السجادية

لقد خطّط القرآن الكريم لثورة ثقافية عظيمة، وكانت آياته الأولى تبشّر بحركة كبرى في عالم العلم والمعرفة، حيث ابتدأ الوحي الربّاني بالأمر بالقراءة أمراً مؤكدّاً والإشارة بنعمة التعليم الإلهي والاهتمام بظاهرتي القلم والكتابة في التعليم وتدوين المعرفة ونقلها وتطويرها وتطوير الإنسان من خلال تكامل المعرفة وتطوّر العلوم.

والرسول الأمين وإن عرف عنه بأنّه لم يتعلّم القراءة والكتابة المتعارفة ولكنّه قد حثّ على طلب العلم ونشره وتدوينه بإلهام إلهي، وبالرغم من أنّ الجهاز الحاكم الذي خلف الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أصدر قراراً بمنع تدوين حديث الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبذلك وجّه ضَربةً كبيرةً للثقافة الإسلامية المتمثّلة في أحاديث الرسول الأعظم، لكنّها قد تدوركت بعد أن خلّفت مضاعفات كبيرةً لا زال العالم الإسلامي والإنساني يدفع ضريبتها حتى يومنا هذا بعد أن لمسوا تلك المضاعفات الكبرى التي ترتّبت على مثل هذا القرار.

وأمّا الأئمّة من أهل البيتعليهم‌السلام حيث كانوا قد أدركوا في وقت مبكّر مضاعفات منع التدوين والنكسة التي سوف يصاب بها العالم الإسلامي بل الإنساني، فبادروا إلى التدوين وشجّعوا أصحابهم على عملية التدوين

بالرغم من أنّه كان ذلك يشكّل تحدّياً للسلطات آنذاك، لأنّ حفظ الشريعة والدفاع عنها يعدّ من أعظم الأهداف التي جُعل الأئمّة المعصومون حُرّاساً لها أمناء عليها.

فالأئمّة الأطهارعليهم‌السلام هم الروّاد الأوائل الذين خطّطوا لمسيرة الأمة الثقافية، وفجّروا لها ينابيع العلم والحكمة على هدي الكتاب الحكيم وتعاليم الرسول العظيم، ولم يقتصر النشاط الثقافي للأئمّةعليهم‌السلام على جانب خاص، وإنّما تناول أنواع العلوم وشتى مجالات المعرفة .

ــــــــــــــ

(١) منهم العلاّمة السيد حسن القبانچي فقد شرحها في جزئين كبيرين باسم : شرح رسالة الحقوق.


فالإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام هو رائد هذه النهضة العلمية والفاتح لأبواب العلوم العقلية والنقلية والمؤسس لاُصولها وقواعدها، وقد اعترف بهذه الحقيقة جملة من العلماء الكبار وألّف السيّد حسن الصدر كتابه (تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام) فأثبت فيه تأريخياً صحة هذه الدعوى .

وممّن اعترف بذلك الأستاذ عباس محمود العقّاد في كتابه (عبقرية الإمام عليّ) قائلاً : إنّ الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام قد فتق أبواب اثنين وثلاثين علماً ، فوضع قواعدها وأسس أصولها.

وقال العلاّمة ابن شهر آشوب في كتابه (معالم العلماء): الصحيح أنّ أوّل من صنّف الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ثمّ سلمان ثمّ أبو ذر ثمّ الأصبغ بن نباتة ثمّ عبيد الله بن أبي رافع ، ثمّ صنّفت الصحيفة الكاملة .

فالصحيفة السجّادية من ذخائر التراث الإسلامي ومن مناجم كتب البلاغة والتربية والأخلاق والأدب في الإسلام، ومن هنا سمّيت بـ (إنجيل أهل البيت)و (زبور آل محمد)(١).

مميزات الصحيفة السجّاديّة :

١ ـ إنّها تمثّل التجرّد التام من عالم المادّة والانقطاع الكامل إلى الله تعالى والاعتصام به، والذي هو أثمن ما في الحياة.

٢ ـ إنّها تكشف عن كمال معرفة الإمامعليه‌السلام بالله تعالى وعميق إيمانه به .

٣ ـ امتازت الصحيفة السجادية على سائر أدعية المعصومينعليهم‌السلام بتكرار الصلاة على محمّد وآل محمد لأنّه من الأرجح أن هذه الأدعية اُنشئت في أعقاب واقعة كربلاء التي كان منشؤها يزيد الذي كان هو وأبوه وجدّه ومن ورائهم بنو اُمية يسعون في إطفاء النور المحمّديصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

والأرجح ان الإمام كان يريد من خلال هذه الأدعية تكريس مبادئ الإسلام وترسيخها في النفوس في مواجهة المساعي الأموية الهدّامة.

ــــــــــــــ

(١) حياة الإمام زين العابدين عليه‌السلام : ٣٧٣ ـ ٣٧٤ .


٤ ـ فتحت الصحيفة للإنسان المسلم أبواب الأمل والرجاء برحمة الله الواسعة.

٥ ـ كما فتحت للمناظرات البديعة مع الله تعالى باباً مهمّاً يتضمّن أنواع الحجج البالغة لاستجلاب عفو الله وغفرانه، مثل قولهعليه‌السلام :(إلهي إن كنتَ لا تغفر إلاّ لأوليائك وأهل طاعتك فإلى من يفزع المذنبون ؟ ! وإن كنتَ لا تُكرِم إلاّ أهل الوفاء لك فبمن يستغيث المُسيئون ؟ !) .

وهكذا قوله:(إلهي إنّي امرؤ حقير وخطري يسير وليس عذابي ممّا يزيد في ملكك مثقال ذرّة ...) .

٦ ـ تضمّنت الصحيفة برامج أخلاقية روحية وسلوكية مهمّة لتربية الإنسان، ورسمت له أُصول الفضائل النفسية والكمالات المعنويّة.

٧ ـ احتوت على حقائق علمية لم تكن معروفةً في عصره وقد أشرنا إلى بعض منها(١) .

٨ ـ كما تصدّت الصحيفة لمواجهة الفساد الفردي والاجتماعي والسياسي في عصر أشاعت فيه السياسة الأموية الفساد الأخلاقي والخلاعة والمجون بين المسلمين، فكانت الصحيفة خير وسيلة للإصلاح في أحلك الظروف التي اتّبع فيها الأمويون سياسة القمع والإرهاب.

٩ ـ والصحيفة بعد هذا هي منجم من مناجم البلاغة والفصاحة وينبوع ثرّ للأدب الإسلامي الهادف، فهي لا تفترق عن (نهج البلاغة) في هذا المضمار.

١٠ ـ وقد ضمّن الإمام زين العابدينعليه‌السلام أدعيته ـ التي تمثّلت في الصحيفة الكاملة وسائر الأدعية التي وصلت عنه وجُمعت مؤخّراً في ما سمّي بـ (الصحيفة الجامعة) ـ منهاجاً كاملاً للحياة الإنسانية الفريدة ، ولم يترك الإمام جانباً ممّا تحتاجه الأمة الإسلامية إلاّ وتعرّض له وعالجه بأسلوبه الفذّ وبلاغته البديعة.

الدور التأريخي للصحيفة السجادية :

قلنا: إنّ المسلمين في عصر الإمام زين العابدينعليه‌السلام واجهوا (خطرين كبيرين خارج النطاق السياسي والعسكري، وكان لا بدّ من البدء بعمل حاسم للوقوف في وجههما :

أحدهما : الخطر الذي نجم عن انفتاح المسلمين على ثقافات متنوّعة

ــــــــــــــ

(١) راجع فصل: من علوم الإمامعليه‌السلام ، حقائق علميّة في الأدعيّة السجادية.


وأعراف تشريعية وأوضاع اجتماعية مختلفة بحكم تفاعلهم مع الشعوب التي دخلت في دين الله أفواجاً، وكان لا بدّ من عمل على الصعيد العلمي يؤكّد في المسلمين أصالتهم الفكرية وشخصيتهم التشريعية المتميزة المستمدة من الكتاب والسنّة، وكان لا بدّ من حركة فكرية اجتهادية تفتح آفاقهم الذهنية ضمن ذلك الإطار لكي يستطيعوا أن يحملوا مشعل الكتاب والسنّة بروح المجتهد البصير والممارس الذكيّ الذي يستطيع أن يستنبط منها ما يفيده في كلّ ما يستجدّ له من حالات.

كان لا بد إذن من تأصيل للشخصية الإسلامية ومن زرع بذور الاجتهاد، وهذا ما قام به الإمام عليّ بن الحسينعليه‌السلام فقد بدأ حلقة من البحث والدرس في مسجد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ...

وأمّا الخطر الآخر : فقد نجم عن موجة الرخاء التي سادت المجتمع الإسلامي في أعقاب ذلك الامتداد الهائل، لأنّ موجات الرخاء تعرّض أيّ مجتمع إلى خطر الانسياق مع ملذّات الدنيا والإسراف في زينة هذه الحياة المحدودة وانطفاء الشعور الملتهب بالقيم الخلقية والصلة الروحية بالله واليوم الآخر، وبما تضعه هذه الصلة أمام الإنسان من أهداف كبيرة، وهذا ما وقع فعلاً، وتكفي نظرة واحدة في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني ليتّضح الحال.

وقد أحسّ الإمام عليّ بن الحسين بهذا الخطر، وبدأ بعلاجه، واتّخذ من الدعاء أساساً لهذا العلاج، وكانت الصحيفة السجادية من نتائج ذلك، فقد استطاع هذا الإمام العظيم بما أوتي من بلاغة فريدة وقدرة فائقة على أساليب التعبير العربي وذهنية ربّانية تتفتّق عن أروع المعاني وأدقّها في تصوير صلة الإنسان بربّه ووجده بخالقه وتعلّقه بمبدئه ومعاده وتجسيد ما يعبّر عنه ذلك

من قيم خلقية وحقوق وواجبات.

أقول : قد استطاع الإمام عليّ بن الحسين بما أوتي من هذه المواهب أن ينشر من خلال الدعاء جوّاً روحياً في المجتمع الإسلامي يساهم في تثبيت الإنسان المسلم عندما تعصف به المغريات، وشدّه إلى ربّه حينما تجرّه الأرض إليها وتأكيد ما نشأ عليه من قيم روحية، لكي يظلّ أميناً عليها في عصر الغنى والثروة كما كان أميناً عليها وهو يشدّ حجر المجاعة على بطنه.


وهكذا نعرف أنّ الصحيفة السجادية تعبّر عن عمل اجتماعي عظيم كانت ضرورة المرحلة تفرضه على الإمام، إضافةً إلى كونها تراثاً ربّانياً فريداً يظلّ على مرّ الدهور مصدر عطاء ومشعل هداية ومدرسة أخلاق وتهذيب وتظلّ الإنسانية بحاجة إلى هذا التراث المحمّدي العلوي، وتزداد حاجةً كلّما ازداد الشيطان إغراءً والدنيا فتنة) (١) .

سند الصحيفة السجادية :

ينتهي سند الصحيفة إلى الإمام أبي جعفر محمد الباقرعليه‌السلام وإلى أخيه الشهيد زيد بن عليّ بن الحسينعليهما‌السلام ، وقد ذكرت سلسلة السند في مقدمة الصحيفة، وحظي هذا السند بالتواتر، وما زال العلماء يتلقّونها موصولة الإسناد بالإسناد.

قال السيّد محسن الأمين العاملي: (وبلاغة ألفاظها ـ أي الصحيفة ـ وفصاحتها التي لا تبارى وعلوّ مضامينها وما فيها من أنواع التذلّل لله تعالى والثناء عليه والأساليب العجيبة في طلب عفوه وكرمه والتوسّل إليه أقوى شاهد على صحّة نسبتها، وإنّ هذا الدرّ من ذلك البحر، وهذا الجوهر من ذلك

ــــــــــــــ

(١) نقلاً عن مقدمة السيد الشهيد محمد باقر الصدر على الصحيفة السجّادية الكاملة .


المعدن، وهذا الثمر من ذلك الشجر، مضافاً إلى اشتهارها شهرةً لا تقبل الريب، وتعدّد أسانيدها المتّصلة إلى منشئها صلوات الله عليه وعلى آبائه وأبنائه الطاهرين، فقد رواها الثقات بأسانيدهم المتعدّدة المتّصلة إلى زين العابدين عليه‌السلام وقد كانت منها نسخة عند زيد الشهيد ثمّ انتقلت إلى أولاده، وإلى أولاد عبد الله بن الحسن المثنّى، كما هو مذكور في أوّلها، مضافاً إلى ما كان عند الباقر عليه‌السلام من نسختها، وقد اعتنى بها عامّة الناس فضلاً عن العلماء اعتناءً بروايتها وضبط ألفاظها ونسخها، وواظبوا على الدعاء بأدعيتها في الليل والنهار والعشي والإبكار) (١) .

شروح الصحيفة السجادية :

عكف العلماء على دراسة الصحيفة السجادية وشرحها وإيضاح مقاصدها، وقد اُلّفت في ذلك مجموعة من الكتب القيّمة ذكرها شيخ المحقّقين الشيخ آغا بزرك الطهراني في موسوعته المعروفة بـ (الذريعة إلى تصانيف الشيعة). وقد أحصى ستّة وستين شرحاً لها.

وصف الصحيفة بـ (الكاملة) :

١ ـ ذكروا أنّ سبب تسمية هذه الصحيفة بـ (الكاملة) هو أنّ لدى الزيدية نسخة ناقصة من هذه الصحيفة تصل إلى نصفها، ولذلك عرفت هذه الصحيفة بالكاملة (٢).

٢ ـ وذهب البعض إلى أنّ السبب في إطلاق هذه الصفة على الصحيفة

ــــــــــــــ

(١) حياة الإمام زين العابدين : ٣٧٥ ، وراجع شجرة طرق أسانيد الصحيفة السجادية المطبوعة في مؤسسة الإمام المهديعليه‌السلام بإشراف السيد الأبطحي .

(٢) حياة الإمام زين العابدينعليه‌السلام : ١٩٠ .


هو كونها تمثّل مجموعة كاملة تنتظم حاجات العبد من الله تعالى في أغلب الموارد وحول أغلب المتطلّبات (١) .

الصحيفة السجادية الجامعة :

قال جامعها: ويستفاد من ديباجة نسخ الصحيفة السجادية المتداولة أنّ عدد أدعيتها (٧٥) دعاءً إلاّ أنّ عدد الأدعية الموجودة فيها الآن برواية محمد ابن أحمد المطهّري هي (٥٤) دعاءً.

وقد اُلّفت صحائف أُخرى جمعت أدعيتهعليه‌السلام وذكر في بعضها تلك الأدعية الساقطة .

ثمّ ذكر خمس صحائف أُخرى ، ومن هنا بادرت مؤسسة الإمام المهديعليه‌السلام إلى جمع أدعيته وتنظيمها بالشكل الذي حافظ على سلامة ترتيب الأدعية الموجودة في الصحيفة الكاملة المتداولة.

قال : ولمّا كانت الصحيفة الكاملة تعدّ من المتواترات لاختصاصها بالإجازة والرواية في كلّ طبقة وعصر لذلك جُمعت بعض أسانيدها وإجازاتها المتكثّرة، ورُتّبت شجرة للأسانيد على غرار شجرة الأنساب مع ترجمة أكثر رواة السند المتداول للصحيفة الكاملة، وعمل لها مجموعة من الفهارس الفنيّة اللازمة فازدانت بها جمالاً وكمالاً.

وللتحقّق ممّا قلناه من أنّها (مجموعة كاملة تنتظم حاجات العبد من الله تعالى) يجدر بنا أن نلقي نظرة سريعة إلى الخطوط العريضة على الفهرس الموضوعي لهذه الصحيفة الجامعة(٢) .

ــــــــــــــ

(١) حياة الإمام زين العابدينعليه‌السلام السيد جعفر شهيدي : ١٩١ .

(٢) راجع مقدمة الصحيفة السجادية الجامعة.


الموضوعات العامّة للصحيفة الجامعة :

١ ـ أدعيتهعليه‌السلام في التحميد والتوحيد والتمجيد ، وفيها (٨) أدعية .

٢ ـ أدعيته في الصلوات ، وهي (١٤) دعاءً .

٣ ـ دعاؤه لنفسه وخاصّته .

٤ ـ أدعيته في الصباح والمساء ، وفيها (٨) أدعية .

٥ ـ أدعيته في المهمّات والكربات والاستعاذة ، وفيها (٦) أدعية .

٦ ـ أدعيته في الاعتراف والاستغفار ، وفيها (٩) أدعية .

٧ ـ أدعيته في طلب الحوائج وقضائها ، وفيها (٥) أدعية .

٨ ـ أدعيته إذا اعتُدي عليه ، وفيها دعاءان .

٩ ـ أدعيته في الأمراض والبلايا ، وفيها (٣) أدعية .

١٠ ـ دعاؤه في الاستقالة .

١١ ـ دعاؤه في الاستعاذة من الشيطان .

١٢ ـ أدعيته في الحذر ، وفيها دعاءان .

١٣ ـ أدعيته في الاستسقاء ، وفيها دعاءان .

١٤ ـ أدعيته في مكارم الأخلاق ، وفيها دعاءان .

١٥ ـ أدعيته في الحزن والشدّة ، وفيها (٤) أدعية .

١٦ ـ أدعيته في العافية ، وفيها دعاءان .

١٧ ـ أدعيته فيمن دعا لهم، وهم : الأبوان والولد والجيران والأولياء وأهل الثغور وجملة من الأشخاص .

١٨ ـ أدعيته فيمن دعا عليهم.

١٩ ـ أدعيته في الفزع إلى الله ، وفيها دعاءان .

٢٠ ـ أدعيته في الرزق وقضاء الدين ، وفيها (٤) أدعية .

٢١ ـ أدعيته في التوبة ، وفيها دعاءان .

٢٢ ـ أدعيته في التهجّد ، وفيها (١٥) دعاءً .


٢٣ ـ أدعيته في الاستخارة ، وفيها (٣) أدعية .

٢٤ ـ دعاؤه في الابتلاء .

٢٥ ـ دعاؤه في الرضا .

٢٦ ـ دعاؤه عند النظر إلى آيات الله .

٢٧ ـ دعاؤه عند رؤية الهلال .

٢٨ ـ أدعيته في الشكر ، وفيها دعاءان .

٢٩ ـ أدعيته في الاعتذار من التبعات ، وفيها دعاءان .

٣٠ ـ أدعيته في طلب الرحمة وذكر الموت ، وفيها (٧) أدعية .

٣١ ـ دعاؤه في طلب الستر والوقاية .

٣٢ ـ دعاؤه عند ختم القرآن .

٣٣ ـ أدعيته في الأشهر الثلاثة ، وفيها (٣٤) دعاءً .

٣٤ ـ أدعيته في الأيام المباركة ، وفيها (٨) أدعية .

٣٥ ـ دعاؤه في الملتزم .

٣٦ ـ أدعيته لدفع الأعداء ، وفيها (١٠) أدعية .

٣٧ ـ أدعيته في الاحتجاب والرهبة ، وفيها دعاءان .

٣٨ ـ أدعيته في التضرّع والتذلّل ، وفيها (٨) أدعية .

٣٩ ـ أدعيته لكشف الهموم ودفع المصائب والاحتراز، وفيها(١١) دعاءً.

٤٠ ـ أدعيته في المناجاة ، وفيها (٣٩) دعاءً .

٤١ ـ أدعيته في الاستجابة والقنوت ، وفيها (٣) أدعية .

٤٢ ـ أدعيته في السجود ، وفيها (١٠) أدعية .

٤٣ ـ أدعيته في الأيام ، وفيها (٣٦) دعاءً .

٤٤ ـ أدعيته في الزيارات ، وفيها دعاءان .

٤٥ ـ أدعيته في مطالب الدنيا والآخرة ، وفيها (٣) أدعية .

٤٦ ـ أدعيته عند الطعام ، وفيها (٣) أدعية .


٤٧ ـ أدعيته في صدر الموعظة وآخرها ، وفيها دعاءان .

٤٨ ـ أدعيته إذا خرج من منزله أو آوى إلى فراشه أو طلى بالنورة.

٤٩ ـ دعاؤه عند محاكمته محمد بن الحنفيّة إلى الحجر الأسود .

٥٠ ـ دعاؤه الذي فيه الاسم الأعظم .

الفصل الرابع: مدرسة الإمام زين العابدينعليه‌السلام

إنّ حالة الجمود الفكريّ والركود العلميّ التي أصابت الأمة الإسلامية بسبب سيطرة بني أميّة على الحكم كانت تستدعي حركة فكرية اجتهادية تفتح الآفاق الذهنية للمسلمين كي يستطيعوا أن يحملوا مشعل الكتاب والسنّة بروح المجتهد البصير، وهذا ما قام به الإمام زين العابدينعليه‌السلام فانبرى إلى تأسيس مدرسة علمية وإيجاد حركة فكرية بما بدأه من حلقات البحث والدرس في مسجد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبما كان يثيره في خطبه في صلوات الجُمَع أسبوعياً.

أخذ الإمامعليه‌السلام يحدّث بصنوف المعرفة الإسلامية من تفسير وحديث وفقه وعقائد وأخلاق، ويفيض عليهم من علوم آبائه الطاهرين ويمرّن النابهين منهم على التفقّه والاستنباط.

وقد تخرّج من هذه الحلقة عدد مهمّ من فقهاء المسلمين، وكانت هذه الحلقة هي المنطلق لما نشأ بعد ذلك من مدارس فقهية وشخصيات علمية(١) .

ونلمس من خلال ما ورد عن الإمامعليه‌السلام من أحاديث ترتبط بالعلم والعلماء أنّه قد خطّط لهذه الحركة العلمية تخطيطاً بارعاً ، فهو بالإضافة إلى

ــــــــــــــ

(١) راجع مقدمة السيد الشهيد محمد باقر الصدر للصحيفة السجادية .


تفرّغه للتعليم ـ بالرغم من جميع الهموم والآلام التي تركتها له واقعة الطفّ الأليمة وما تلاها من حوادث مؤلمة في العالم الإسلامي ـ نجده يشيد بفضل العلم ويحثّ المستعدّين للتعلّم حثّاً أكيداً قولاً وعملاً، وتكريماً من جهة، كما نجده يرسم للمتعلّمين آداب التعلّم، ويبيّن حقوق المعلّم والمتعلّم، ويرغّبهما في تحمّل هذا العبء ببيان ثواب التعلّم والتعليم، بحيث استطاع أن يجمع عدداً كبيراً من طلاّب المعرفة الذين عُرفوا بالقرّاء باعتبار أنّ قراءة القرآن وحفظه وتعليم تفسيره كانت هي المحور في التعلّم والتعليم حينذاك، ولم يكن للحديث أو السيرة أو الفقه تدوين وتأليف باعتبار الحظر الذي أوجدته السلطة بعد غياب الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلم يكن الخط العام في صالح هذه الحركة الفكرية .

ومع كلّ هذا نلاحظ احتفاء القرّاء والفقهاء والعلماء بالإمام بنحو لا نجد له نظيراً في غيره من العصور ، فإنّ القرّاء كانوا لا يفارقونه في حضر أو سفر حتى قال سعيد بن المسيّب : إنّ القرّاء كانوا لا يخرجون إلى مكّة حتّى يخرج عليّ بن الحسين، فخرج وخرجنا معه ألف راكب(١) .

قالعليه‌السلام مشيداً بفضل العلم وثوابه وأهمّيته : (لو يعلم الناس ما في طلب العلم لطلبوه ولو بسفك المهج وخوض اللجج، إنّ الله تبارك وتعالى أوحى إلى دانيال : إنّ أمقت عبيدي إليّ الجاهل المستخفّ بحقّ أهل العلم، التارك للإقتداء بهم ، وإنّ أحبّ عبيدي إليّ التقيّ الطالب للثواب الجزيل اللازم للعلماء التابع للحلماء القابل عن الحكماء) (٢) .

(طالب العلم إذا خرج من منزله لم يضع رجلاً على رطب ولا يابس

ــــــــــــــ

(١) من مقدمة السيد الشهيد محمد باقر الصدر للصحيفة السجادية.

(٢) أُصول الكافي : ١ / ٣٥ .


من الأرض إلاّ سبّحت له الأرضون السبع) (١) .

وكانعليه‌السلام يكرم طلاّب العلوم ويرفع منزلتهم ويرحّب بهم قائلاً :(مرحباً بوصيّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) . وكان إذا نظر إلى الشباب وهم يطلبون العلم أدناهم إليه وقال :(مرحباً بكم أنتم ودائع العلم، ويوشك إذ أنتم صغار قوم أن تكونوا كبار آخرين) (٢) .

وقد لاحظنا ما جاء في رسالة الحقوق من الإشادة بفضل العالم وحقوقه على المتعلّمين من التعظيم له والتوقير لمجلسه وحسن الاستماع إليه والإقبال عليه وعدم رفع الصوت عليه والدفاع عنه وستر عيوبه وإظهار مناقبه وعدم مجالسة أعدائه وعدم معاداة أوليائه.

كما نلاحظ تأكيده على عدم كتمان العلم وعدم التجبّر بالنسبة للمتعلّمين وحسن الإتقان في فنّ التعليم وعدم ابتغاء الأجر المادّي على التعاليم.

كلّ هذا يشير إلى تخطيط واضح في سلوك الإمامعليه‌السلام لإيجاد حركة ثقافية واسعة وتأسيس تيّار ثقافي يتسنّى له أن يقف أمام التيّارات المنحرفة والتخطيط الأموي الذي لم يرق له تفتّح الوعي الإسلامي عند أبناء المسلمين.

وقد خرّجت مدرسة الإمام زين العابدينعليه‌السلام كوكبةً من العلماء الفقهاء والمفسّرين الذين سطعت أسماؤهم في العالم الإسلامي، وإليهم يعود الفضل في دفع عجلة الإحياء العلميّ في ذلك العصر الرهيب وما تلاه من عصور. ونشير فيما يلي إلى الأسماء اللاّمعة في هذا الصدد:

١ ـ ٣ ـ وفي مقدمتهم الإمام أبو جعفر الباقرعليه‌السلام وأخواه: زيد والحسين ابنا عليّ بن الحسين بن عليّعليهم‌السلام .

ــــــــــــــ

(١) حياة الإمام زين العابدين عليه‌السلام : ٢٣ .

(٢) الدرّ النظيم : ١٧٣ .


٤ ـ أبان بن تغلب بن رباح ، أبو سعيد البكري الجريري: كوفيّ المولد والنشأة، وكان نابهاً ومقدّماً في كلّ فن، من قرآن وحديث وأدب ولغة ونحو، وتتلمذ عند الأئمّة الثلاثة: السجاد والباقر والصادقعليهم‌السلام ، وكان يقول له الإمام الباقرعليه‌السلام :(اجلس في مسجد المدينة وافتِ الناس فإنّي أُحب أن يُرى في شيعتي مثلك) وألّف أبان في تفسير غريب القرآن وفي فضائل أهل البيت كما روى ما يناهز ثلاثين ألف حديث عن أئمّتهعليهم‌السلام (١) .

٥ ـ إسماعيل بن عبد الخالق: وجه من وجوه أصحاب الأئمّة وفقيه من فقهائهم، وأدرك الإمام الصادقعليه‌السلام وروى عنه وعن الإمام الباقر والسجّاد أيضاً(٢) .

٦ ـ ثابت بن أبي صفيّة : وهو أبو حمزة الثمالي، عالم جليل ورع تقيّ، تربّى بآداب أهل البيت وحمل علومهم ومعارفهم ، وأجمع المترجمون على وثاقته وأنّه كسلمان الفارسي في زمانه، وكانت الشيعة ترجع إليه في الكوفة لإحاطته بفقه أهل البيتعليهم‌السلام .

٧ ـ رشيد الهجري : من أبطال الإسلام وأعلام الجهاد، وقد صلبه الأمويون من أجل عقيدته وولائه لأهل البيتعليهم‌السلام .

٨ ـ زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب ، كان يتولّى صدقات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكان جليل القدر كريم الطبع زكيّ النفس كثير البرّ.

٩ ـ سعيد بن جبير ، أبو محمد مولى بني والبة: كوفي تابعي نزل مكّة وهو من أعلام المجاهدين، وكان من أبرز علماء عصره في التفسير والفقه وأنواع العلوم، واستشهد بأمر الحجّاج في شعبان (٩٥ هـ).

ــــــــــــــ

(١) راجع ترجمته بالتفصيل في حياة الإمام زين العابدين عليه‌السلام : ٥٢٢ ـ ٥٢٧ .

(٢) المصدر السابق : ٥٢٩ .


١٠ ـ سعيد بن المسيّب المخزومي : من كبار التابعين، وقال فيه الإمام زين العابدينعليه‌السلام : إنّه أعلم الناس بما تقدّمه من الآثار وأفصحهم في زمانه، وكان يبجّل الإمام كثيراً(١)

إنّ هؤلاء بعض تلامذته والرواة عنه، على أنّ الإمامعليه‌السلام كان يربّي الموالي بشكل ليس له نظير، وكلّ من أعتقه الإمام يمكن أن يعدّ ممّن تربّى على يد الإمام ، فلا ينحصر تراث الإمام فيما كتب وما روي عنه فقط ، بل يمكن أن يتّسع لكلّ عمل تربوي صدر عن الإمام وبقيت آثاره في المجتمع الإسلامي ولو كان متجسّداً في سلوك هؤلاء الموالي وأفكارهم واتجاهاتهم .

ــــــــــــــ

(١) راجع تفصيل البحث عن رواة حديث الإمام وتلامذته (حياة الإمام زين العابدينعليه‌السلام : ٥١٧ ـ ٥٨٧).


الفهرست

المقدمة ٤

الباب الأول: فيه فصول: ١٠

الفصل الأوّل: الإمام زين العابدين عليه‌السلام في سطور ١٠

الفصل الثاني: انطباعات عن شخصيّة الإمام زين العابدين عليه‌السلام.... ١٤

آراء العلماء والمؤرخين فيه عليه‌السلام: ١٧

الفصل الثالث: مظاهر من شخصيّة الإمام زين العابدين عليه‌السلام.... ٢٠

الحلم : ٢٠

السخاء : ٢١

تعامله مع الفقراء : ٢١

العزّة والإباء : ٢٦

الزهد : ٢٧

مع مماليكه : ٣٣

الباب الثاني: فيه فصول: ٣٤

الفصل الأول: نشأة الإمام زين العابدين عليه‌السلام.... ٣٤

الفصل الثاني: مراحل حياة الإمام زين العابدين عليه‌السلام.... ٣٨

الفصل الثالث: الإمام زين العابدين عليه‌السلام من الولادة إلى الإمامة ٤٠

النصّ على إمامة زين العابدين عليه‌السلام.... ٤٤

الإمام زين العابدين عليه‌السلام يوم عاشوراء : ٤٥

الباب الثالث: فيه فصول: ٤٧

الفصل الأول: الإمام زين العابدين عليه‌السلام من كربلاء إلى المدينة ٤٧

سبايا آل البيت عليهم‌السلام في دمشق : ٤٩

الفصل الثاني: الإمام زين العابدين عليه‌السلام في المدينة ٥٧

الفصل الثالث: استشهاد الإمام زين العابدين عليه‌السلام.... ٧٢

الباب الرابع: فيه فصول: ٧٤


الفصل الأوّل: نظرة عامة في مسيرة أهل البيت عليهم‌السلام الرسالية ٧٤

مضاعفات انهيار الدولة الإسلامية: ٧٩

الفصل الثاني: ملامح عصر الإمام زين العابدين عليه‌السلام.... ٨٨

الفصل الثالث: تخطيط الإمام زين العابدين عليه‌السلام وجهاده ٩١

١ ـ الجهاد الفكري والعلمي : ٩٤

٢ ـ الجهاد الاجتماعي والعملي : ٩٨

الفصل الرابع: ظواهر فذّة في حياة الإمام زين العابدين عليه‌السلام.... ١٠٣

عبادة الإمام : ١٠٥

الباب الخامس: فيه فصول: ١٣٥

الفصل الأول: من تراث الإمام زين العابدين عليه‌السلام.... ١٣٥

في رحاب القرآن الكريم : ١٣٧

أدب الإمام زين العابدين عليه‌السلام : ١٥٥

الفصل الثاني: رسالة الحقوق. ١٦٩

حقوق الأعضاء: ١٧٣

الفصل الثالث: في رحاب الصحيفة السجادية ١٧٨

الموضوعات العامّة للصحيفة الجامعة : ١٨٥

الفصل الرابع: مدرسة الإمام زين العابدين عليه‌السلام.... ١٨٧


اعلام الهداية الامام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)

اعلام الهداية الامام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: المجمع العالمي لاهل البيت (عليهم السلام)
الناشر: المجمع العالمي لاهل البيت (ع)
تصنيف: الإمام علي بن الحسين عليه السلام
الصفحات: 193