الإهداء
الى من اختـار في أرض الهجرة قم ..
بقعة طيبة ..
فاختاره الله وقد ذرّف على الأربعين ..
الى روح المغفور له أحمد حسن علي ..
أهدي ثواب الكتاب ..
الى نجل موسى بن جعفر..
وشقيق فاطمة ..
علي الرضا ..
مذ كنتُ طفلاً في العراق |
وكنتُ أحلم بالنهاز |
|
وكنتُ اُصغي في المساء |
وكنتُ أسمع إن ريماً |
|
الى حكايات الشتاء |
في القفاز |
|
وكنت اشفف بالرياح |
راحت تطارده الذئاب |
|
تدور ما بين الازقة |
بين المفاوز والشعاب |
|
او تجوس |
وكان خوفٌ في العيون الحور |
|
وكنت اسمع ان نجماً |
من غدر السهام.. |
|
في السماء |
فرأت على بعد طيوفاً |
|
هوى بطوس |
مثل أجنحة الحمام |
|
لم ينطفئ أبداً |
مثل ندى الغمام |
|
أضاء بين المشرقين |
شمّت به زمن السلام |
|
بمثل آلاف الشموس |
فهوت إليه |
|
*** |
وكان صدراً للإمام |
|
مذكنتُ طفلاً في العراق |
*** |
لكن وبعدمــا مضــت السنون |
رسمت بعيني الربيع |
|
وتكشف الزمن الخـؤون |
فرحت أحبو في الصقيع |
|
وجدت نَفسي مثل ريمٍ |
إلى الأمام إلى الإمام |
|
في الضباب |
صوت تفجر في هيام |
|
كانت تطاردني الذئاب |
كأن قلبي |
|
في كلّ وادٍ بالجنوب |
يستحيلُ فراشةً |
|
وكل تلٍّ في الشمال |
مشدودةً للظى الغرام |
|
الخوف يخنق فيّ أنفاسي |
راحت ترفرف نحو غربته الحزينة |
|
ويصفعني السؤال |
في التحام |
|
* * * |
والى منائره المضيئة |
|
وأنا أهيم على مصيري |
في الظلام |
|
في اليباب |
عانقت شبّاك الإمام |
|
البوم يضرب وجهي الدامي |
فأضاءت الأنوار روحي |
|
وينعب بي غراب |
والسلام |
|
حتى إذا انقلب الزمان |
* * * |
|
وراح يؤذن بالفراق |
كمال السيّد |
|
جميع أرجاء العراق |
||
جاءت اليّ فراشة بيضاء |
||
مثل ندى الصباح |
||
جاءت تلملم ما تشظّى من جراح |
ليست بداية
كانت ثلوج « بهمن » ذلك العام تهطل بغزارة ، وقد أوى السيد محمد الى حجرته ، صفق الباب خلفه ، فيما ظلّت الرياح تعصف بشدّة ، وعندما يتزامن هطول الثلج مع هبوب الريح يكون الـ« كولاك »١ شديدة البرودة لهذا انصرف السيد محمد عن فكرة الذهاب الى منزله مفضّلاً البقاء في حجرته الصغيرة القريبة من باب القبلة
كان يمكنه الانصراف الى منزله والتبكير في العودة الى « حرم » السيدة فاطمة اذ يتعيّن عليه أن يضيء القناديل في منائر الحرم
كان السيد محمد وهو رجل متوسط العمر قد عوّد أسرته إلا ينتظروا عودته ، فقد يخطر في باله ان يمضي ليلته في مرقد السّيدة للصلاة والتهجد ، فيجد في ذلك حلاوة الايمان في تلك الظلال الوافرة المفعمة بالسلام.
كانت الريح المجنونة ذلك المساء وهي تلفح العابرين والمسافرين بالبرد والثلج ، قد بذرت في قلب محمد فكرة البقاء واللجوء الى حجرته
الصغيرة الدافئة.
وكانت المدفأة العتيقة تبعث ضوءً خافتاً ، وتنشر فيما حوله دفئاً أسرج قنديلاً صغيراً وجلس في فراشه وقعت عيناه على بعض الكتب القديمة فيها كتب الادعية وبعض كتب التاريخ ويظهر في مكان مستقل من الرف المصحف الشريف ملفوف بمنديل أخضر.
وكان من عادته وقد ختم القرآن عدّة مرّات أنه اذا أراد التلاوة أن يغمض عينيه ويهمس خاشعاً بالصلاة على محمد وآله ثم يفتح المصحف الشريف ويقرأ الصفحتين.
استفتح محمد كعادته في ليالي الشتاء فظهرت له سورة « فصّلت » ، وكانت أول آية في أعلى اليمين من الصفحة تحمل رقم ٣٩ راح محمد يرتّل بصوت شجي الآيات متأمّلاً ترجمتها باللغة الفارسية لأنه كان يحرص على تدبّر ما يقرأ :
«ومن آياته انك ترى الارض خاشعة فاذا انزلنا عليها الماء اهتزّت وربت ، ان الذي حياها لمحيي الموتى انه على كل شيء قدير »
الرياح لا تزال تزمجر وهي تجوس خلال أزّقة قم الملتوية الضيقة ، وكان صوت الريح يمتزج مع صوت محمدٍ وهو يرتلّ القرآن ترتيلا :
«ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فصّلت آياته
أأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ... ».
«ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربّك لقضي بينهم وانّهم لفي شكّ منه مريب .. ».
كانت الريح ما تزال تعصف ومحمد يرتّل بصوت شجي آيات القرآن حتى وصل الآية الاخيرة في صفحة اليسار :
«سنريهم آياتنا في الآفاق وفي انفسهم حتى يتبيّن لهم أنه الحق أو لم يكف بربك انه على كل شيء شهيد .. ».
قبل محمد المصحف بخشوع ووضعه في مكانه.
دفء الفراش ، وزمهرير الرياح وهي تولول في ازّقة المدينة الصغيرة جعلته يستسلم الى الرقاد مبكّراً
الثلوج ما تزال تهطل بغزارة لتغطي كلّ شيء الأزقة والشوارع والاشجار أصبحت المدينة أكواماً من القطن المندوف ولم يعد يُرى من معالمها شيء.
لا يدرى محمد كم مضى من الوقت عندما هبّ من نومه وقد التمعت حبّات عرق فوق جبينه نظر الى ساعته الفضية القديمة كانت عقارب الزمن تشير الى الثانية بعد منتصف الليل ما يزال الصوت الذي سمعه في عالم الأطياف جليّاً في أعماقه :
ـ قم! واسرج قناديل المنائر
نهض من فراشه وراح ينظر الى الثلج المتساقط بغزارة
وقد بدت مآذن الحرم صامتة تنتظر طلوع الفجر
انتابه هاجس في أن ما رآه في نومه لا يعدو أن يكون اضغاث أحلام لهذا عاد الى فراشه الدافىء لينام
مرّة أخرى رأى في عالم الطيف ذات الفتاة وهي تأمر بالنهوض لم ير وجهها كانت تقف وراء ستائر بيضاء مغمورة بالنور.
هبّ من فراشه كان الصوت يملأ اعماقه ، وقد نفض عنه كل أثرٍ للنعاس.
ارتدى معطفه الصوفي وحمل معه القنديل متجهاً الى السلالم.
انبعث الضوء من قلب المنائر كينابيع للنور وقد بدت من بعيد كما لو كانت فنارات في مرافئ تعصف بها الريح.
عاد محمد الى حجرته ، وكان قد بقي على طلوع الفجر ثلاث ساعات شعر بانّ ذهنه المتيقظ يأبى النوم ، وقد هزّته الرؤيا واشعلت في أعماقه آلاف القناديل الفتاة التي رآها من خلف الستائر بيضاء المغمورة بالنور ، ما تزال تهمين على ذهنه ، ولأول مرّة في حياته اجتاحته مشاعر لا تقاوم في معرفة مزيد عن تلك العذراء التي ألقت برحلها في قم منذ ألف عام الكتب العتيقة المرصوفة فوق الرف بدت وكأنها تدعوه الى رحلة في عمق التاريخ وهكذا بدأ محمد رحلته لسبرأ غوار زمن سحيق فلعلّه يرى عن قرب عذراء قم.
التاريخ ذاكرة الجنس البشري ذلك الشيخ الغارق في السنين
والحوادث يفرك جبينه المليء بالغضون ليضيء شمعة في هذا العصر أو ذاك ، وفي هذه النقطة من دنيا الله الواسعة أو تلك ترى ماذا يحكي عن تلك الفتاة التي جاءت الى قم على قدر؟!
الرياح الباردة ما تزال تهبّ بشدّة ، والثلج ما يزال يهطل بغزارة وقد غفت المدينة الصغيرة وحدهم المسافرون في تلك الارض الغارقة في الليل والثلج ، يفتحون أعينهم بصعوبة لينقلوا خطاهم في معالم الطريق ومحمد جالس في حضرة الشيخ يصغي الى صمته المدويّ.
١
مثلما هبّ موسى بن عمران في وجه الفرعون مثلما هبّ في وجه هامان وقارون ؛ هبّ موسى بن جعفر في وجه هارون هارون الذي قال جدّه من قبل : إنّما أنا سلطان الله في الارض انه ظلّ السماء في الارض انه مشيئة الله وإرادته
من أجل هذا نهض موسى بأمر الله ليقول لهارون لا جاء ليطالب بفدك فدك التي كانت يوماً ما بقعة صغيرة فوهبتها السماء الى فاطمة لتكون نحلة لها لتكون ارثاً ولتكون فيما بعد رمزاً للميراث الغتصب والحق المقهور رمزاً لكل الارض الاسلامية.
من أجل هذا نهضت فاطمة بنت محمد لتطلب حقها في
فدك.
ما اصغر فدكاً فوق الارض وفي الجغرافيا وما أوسعها في خارطة التاريخ؟!
اهتزت المدينة من اقصاها الى اقصاها فقد جاء موسى يطلب ميراث جدّته البتول جاء يسترد فدكاً بحدودها العجيبة : من عدن الى سمرقند الى أفريقا الى سيف البحر مما يلي الجزر وارمينيا
اشتعل هارون حقداً ان موسى يهدد عرشه كنوزه وقصوره سلطانه ودولته
وقفت فاطمة بسنيها الستّ تترقب عودة أبيها الذي خرج عند الفجر ولم يعد ليست فاطمة وحدها كانت تنتظر عودة الرجل الأسمر الذي يحمل في وجهه طيوف النبوّات بل المدينة بأسرها كانت تترقب ما يريد هارون من موسى
كانت تنتظر الى شقيقها علي وقد بدا وجهه سماءً تنوء بغيوم حزينة أدركت فاطمة أن أباها سيغيب ولعلّه لن يعود ربّما لن تراه ولن تسمع صوته الدافئ شعرت فاطمة بالبرد بالخوف يملأ أعماقها امتلأت عيناها بالدموع حزناً
ان موجات الحزن أعمق تأثيراً من هزّات الفرح إنّها
تحفر أماكنها عميقاً في الذاكرة ولا شيء أخلد في دنيا الطفولة البريئة من مشاهد اليتم
لقد فقدت فاطمة امها قبل أن تعى ما حولها من الدنيا وها هي تشهد العاصفة عاصفة القدر عندما تنتزع الأيدي الغليظة أباها الرحيم من أهله وبنيه ، لتثقله بالقيود والأغلال
نظرت فاطمة الى أخيها خُيّل اليها أنها ترى سماءً مثقلة بالغيوم الله وحده الذي يعرف اغوار الحبّ الذي تتدفق ينابيعه الصافية في قلب فاطمة فاطمة التي شهدت بأمّ عينيها عاصفة الزمن المرير
لقد بدأ زمن الشتات زمن التشرّد زمن تصبح تهمة الزندقة فيه أهون بكثير من أن يقال هذا من أبناء علي من أحفاد محمد
هارون يخشى موسى يخشى كلماته إنّها صدى لكلمات محمد لخطب علي.
وقفت فاطمة تودّع من بعيد قافلة أخذت طريق البصرة ـ وقد خفق قلبها الى قبّة تحفّها سيوف ورماح ان قلبها لا يخطئ
غابت القافلة في الأفق البعيد وكانت السماء ما انفكّت
تمطر على هون.
عادت فاطمة مع شقيقها علي عادت تجرجر نفسها وخطاها الى منزل بدا في ذلك الصباح الغائم خيمة مزقتها رياح الزمهرير لقد رحل الاب انهار عمود الخيمة رحل السلام وربما دون عودة نظرت فاطمة الى السماء المثقلة بالغيوم والمطر انبسجت دموع طفولية من عينيها دموع تشبه مطراً حزيناً راحت تتساقط بصمت.
يالوعة اليتم في قلوب اليتامى ويا لقسوة الزمهرير ، زمهرير الخوف الخوف من المجهول
عندما يرحل الأب تصبح الدنيا برداً وصعيقاً تصبح بلا شمس بلا دفء ولا نور.
٢
ومضى التاريخ يشعل الحوادث هنا وهناك في دنيا الناس.
وتمرّ الايام متتابعة كأمواج نهر تتدافع باتجاه نقطة ما.
وفي بغداد عاصمة الشرق ، تربّع هارون ، يقود أزمّة الأيّام يحاول دفع الأيام في اتجاه الذي يريد ، ويأبى التاريخ. جلس هارون يفكّر ويدبّر ، وبدت آثار الارهاق على وجهه المكدود لكأنه يصارع قدراً لا مفرّ عنه.
ولو قدّر للمرء أن يجوس خلال القصر تلك الليلة لرأى كيف يسعى الانسان بكل ما أوتي من قدرة الى تغيير مسار التاريخ.
ها هو الرشيد تجتاحه موجة من الأرق المدمّر ، الأرق الذي لا يمكن مواجهته برحلة في مياه دجلة ولا ارتياد قصور برامكة وعبّ كؤوس اللذة لقد اندثر البرامكة الى الأبد ، ولم يعد الرشيد يستمتع بالليالي الحمراء فقد غزا جسده مرض لا يُعرف دواؤه! واستولى عليه هاجس الخوف على ملكه العريض الممتد من سمرقند الى حدود أفريقيا ؛ وما برحت الغيوم المسافرة تهطل في تلك الاراضي المترامية لتتدفق بعد حين ذهباً وفضاً ؛ وهارون غارق حتى هامة رأسه في بحر من اللذائذ فكأنه عاد الذي أراد أن يبني جنته في الأرض!
ولكن ما باله هذه الليلة مكدّر الخاطر ، تعصف في رأسه آلاف الهواجس كخنازير وحشية؟!
اشار الى حارس يقف كتمثال :
ـ عليّ بالاصمعي!
وما أسرع أ، جاء فجلس قريباً منه ، وأدرك الاصمعي أن هارون يصارع هواجس في أعماقه هواجس لا نهاية لها!
وطال الانتظار ، لشدّ ما يتغير الكائن البشري أين دماء العافية التي كانت تموج في وجهه ، لقد غادره ذلك الألق الوردي وحلّت مكانه صفرة رجل حيث الخطى نحو رمسه.
غمغم امبراطور الشرق :
ـ ألا تحبّ أن ترى محمداً وعبد الله٢ ؟
ـ أجل يا أمير المؤمنين إني لأحب ذلك.
قال الأصمعي ذلك وحاول النهوض.
تمتم الرشيد :
ـ مكانك يا أصمعي سيأتيان.
إشارة خفيفة ، وانطلق حارس يدعوهما.
راح الاصمعي بعد أن حضرا يدير الحديث بلباقة أديب يعرف كيف ينفذ الى نفوس الملوك والأمراء.
تساءل الرشيد وقد ذهب شطر من الليل :
ـ كيف رأيتهما.
ـ ما رأيت مثلهما في ذكائهما وجودة ذهنهما ، أطال الله بقاءهما ، ورزق الأمة من رأفتهما.
ضمّ الرشيد ولديه الى صدره ، وكتم في اعماقه عبرة حرّى وعاد الانتظار والترقّب ، ونهض الأمين ، والمأمون ، وهما يتفننان في أدب من يريد مغادرة مجلس ملوكي ويوحي لمن يراهما انهما يليقان بولاية العهد.
تداعت مشاهدة قديمة في ذاكرة الاصمعي تذكر لقاءه
الأول بهارون منذ سنين بعيدة كان الفضل البرمكي يومها رجل له نفوذ السلاطين ، ولكن يالدورة الزمان!
ها هو هارون الذي مخر عباب اللذائذ يهيمن عليه قلق في مستقبل عرشه ، تطارده نبوءة رجل من أبناء محمد
سوف تتهدم القصور ويستحيل دجلة الى نهر من دم ، ها هو هارون يقف عاجزاً مستسلماً أمام قدر غامض
وتذكر الاصمعي تلك الليلة الرهيبة التي رأى فيها رأس جعفر البرمكي ما تزال صورة هارون المتحفزة كالوحش ترعبه كانت ليلة رهيبة الكلمات المترعة بالرعب تلهب كيانه :
ـ الحق باهلك يا اصمعي!
وخانته قدماه وهو يتقهقر منحيناً الى الباب ، ومشى من دون « برذونه » ، ولكنه عندما تذكر ذلك في منتصف الطريق رفض العودة ، فقد يلقى القبض عليه ويلحق بجعفر وعندها ادرك سرّ وقوف السندي بن شاهك ورجال شرطته عند جسر الرصافة ذلك الصباح الغائم.
تصوّر في تلك الحقبة الهائجة أن بغداد ستثور ، فالبرامكة ليسوا حمقى عندما كانوا يبعثرون الأموال بمناسبة وغير مناسبة
وركن كل شيء عاد الى طبيعته ، واختفى رجال الشرطة من جسر الرصافة وكانت مياه دجلة تجري تتدافع امواجها كما كانت منذ مئات السنين حتى جثمان جعفر بشقيه والذي ظلّ عاماً كاملاً اختفى واضحت جثته رماداً تذوره الرياح رياح التاريخ٣ .
ان هواجس هارون التي تقض مضجعه تتجسد في الخطر العلوي فهؤلاء المشرّدون منذ اكثر من قرن هم مشاريع للثورة في كل مكان تطأه أقدام علوي تشتعل الثورة ، ويتألق حلم الحرّية.
غمغم الرشيد كمن يحدّث نفسه :
ـ كيف بك يا أصمعي إذا ظهر تعاديهما وبدت البغضاء بينهما ، ووقع بأسهما بينهما حتى تفسك الدماء ، ويودّ كثير من الاحياء انهم كانوا موتى.
أعادت الكلمات الغامضة الأصمعي الى نفسه وهتف مأخوذاً بما يسمع :
ـ أهذه نبوءة منّجم يا أمير المؤمنين؟!
قال هارون وفي عينيه حزن ويأس :
ـ بل نبوءة عن الاوصياء عن الانبياء!
وأدرك الأصمعي إن هارون يؤمن بكل ما يقوله موسى بن جعفر الصادق.
أطرق هارون يفكر ، وكمن يحاول تغيير مسار الأقدار رفع رأسه وأشار الى حارس قريب :
ـ عليّ بالعباسي!
انطوى وقت ما عندما رأى الفضل بن الربيع الذي بنى مجده على أحلام زبيدة وتدمير البرامكة.
قال الرشيد قبل أن يستقر في جلسته :
ـ أنت تعرف محمداً وعبد الله ، عبد الله أكبر وفيه حزم المنصور ودهاؤه ، ولكن محمداً منهمك في ملذّاته منصرف الى ملاهيه ، فان تولّى الخلافة ضاعت البلاد وتبدّد ما بينته من الأمجاد.
قال الفضل وهو يعرف كيف يستحوذ على عقل هارون :
ـ يا أمير المؤمنين ، ان هذا أمر خطير، الزلّة فيه لا تغتفر وللكلام فيه مكان غير هذا.
نهض الاصمعي ، ليجلس في زاوية بعيدة من زوايا القصر المنيف ، فيما ظلّ الرجلان يخططان لمستقبل الايام.
قال الفضل :
ـ لا تنسى يا سيدي أن أمّه عربية هاشمية ان زبيدة لا
تنافسها امرأة في المجد ولقد تولّى السفاح الخلافة قبل أخيه المنصور وهو اصغر منه لأن أمّه عربية وأم المنصور امرأة من البربر.
ان أهل بغداد وقادة الجيوش والعرب لا يعدلون بالأمين أحداً.
ـ والمأمون؟!
ـ لتكن خلافته بعد أخيه.
ـ ان الأمين سوف يفكّر في اقصائه وتوليه العهد لغيره لقد رأى بعينيه كيف ننقض العهود.
لا أظن ذلك يا سيدي فالعهد مودع في جوف الكعبة ولن يجرؤ أحد على نقض ما يؤسسه الرشيد.
سكت هارون على مضض ، وحانت منه التفاته فرأى نور الفجر٤ يخترق ظلمة الفضاء وسكتت شهرزاد عن الكلام المباح.
٣
ومضى التاريخ يشعل الحوادث ، مات الرشيد بعد ربع قرن من الحياة اللاهية ، حياة حافلة بكل لذائذ الدنيا الفاتنة ، ومات الفضل البرمكي في السجن ، مات الرشيد ودفن في طوس ، قبل أن، يخمد ثورة اشتعل أوارها في خراسان.
المأمون في خراسان يترقب ما تتمخض عنه الأيام الأمين يعتلي العرش الخلافة ، ويبدأ بتحريض من الفضل بن الربيع وزبيدة ومن نفسة الأمّارة بالسوء تنفيذ خططه في إقصاء أخيه من ولاية العهد ويعلن تنصيب ابنه موسى ويمنحه لقب « الناطق بالحق »!
ويردّ المأمون بالغاء العملة التي تحمل اسم الأمين ،
ويرفض دعوات متكررة للحضور في بغداد.
مئات العمّال ينهمكون ببناء ميادين للصيد حول القصور الخلافة في بغداد ، وعمال السفن يبدأون صنع سفن الخليفة الجديد سفن تشبه سفن الأحلام.
ومياه البحر المتوسط تحمل سفناً اسلامية متوجهه لاسترداد جزيرة « قبرص».
سيوف الاسلام في الاندلس تسترد « طرطوشة » من « لويس » ، ومعارك ضارية على الحدود ، وجفاف يبشر بقحط شديد.
ثورة في « حمص » ضد الأمين ، ثورات في « افريقية » ضد « الاغالبة » والعيون التي تحلم بالحريّة تبحث عن علوي مشرّد يفجّر فوهّة البركان القادم.
كل شيء يتزلزل تحت الأقدام لم يكن هناك من شيء ثابت منذ رحيل السلام.
العقول تسقط صريعة تحت بروق المطامع وجال من الشيعة ينفون وفاة الامام موسى ، ويرفضون إمامة ابنه علي يغتالون الحقيقة من أجل حطام رخيص دراهم معدودة.
وعلي بن موسى يعلن امامته لوقف حالة التداعي ويربك
خطط « الواقفية »٥ في تصفية مذهب أهل البيتعليهمالسلام .
ها هو التاريخ يشعل الحوادث هنا وهناك
وقد انفجر الصراع بين الأخوين الأمين والمأمون.
الأمين يحرّك جيشاً جرّاراً لاحتلال خراسان ، فيردّ المأمون باعداد جيش تحت قيادة « طاهر بن الحسين » ، فتدور ملحمة رهيبة جنوب طهران ويهزم جيش الأمين.
وفيما كانت الحرب تدور رحاها ، اشتعلت ثورة في « دمشق » بقيادة « السفياني » مستنصراً بقبائل اليمانية.
جيش آخر يغادر « بغداد » تحت قيادة « الانباري » يصطدم بقوات المأمون في همدان وينتصر المأمون مرّة أخرى فيعلن خلافته رسمياً.
أصبح مصير بغداد على كفّ عفريت ، الجيوش الخراسانية تزحف باتجاه بغداد تتساقط المدن ، كتفاحات في موسم قطاف.
جيوش الامين تتراجع الى بغداد للدفاع عن عاصمة الرشيد.
مئة الف أو يزيدون من اللصوص والمحتالين يتطوّعون ويشتركون في عملية الدفاع عن المدينة المهدّدة.
وطلائع من قوات طاهر بن الحسين تصل بغداد وتأخذ مواقعها.
المجانيق تبدأ قصفها المدينة المحاصرة وتدك مواقع المدافعين ، بغداد بين نارين نار في الشمال ونار في الجنوب ، ودجلة يجري غير مكترث بما يجري ، ونسائم أيلول تبشّر بشتاء قارص ، والرياح تجري بغير ما تشتهي « حرّاقات »٦ الأمين.
أرخى المساء ستائره على بغداد ، وقذائف المجانيق تشتعل في سماء المدينة المحاصرة كشهب العذاب.
الأمين في قصره على ضفاف دجلة ، وألحان موسيقية تنساب كمياه دجلة ، كانت القذائف الملتهبة تسقط قريباً ، وتفرّ بعض فتيات القصر مذعورات ، وكانت زبيدة تراقب قلقة ابنها الذي سينطفئ.
سقطت قذيفة مشتعلة ، وتطايرت الشظايا لتسدل الستار على آخر حفل ملوكي للأمين.
نهض الخليفة المهزوم ليواجه قدره ، لقد فرّ وزيره الفضل بن ربيع وتركه وحيداً.
سوف تسقط بغداد في يد « ابن مراجل » وسينعم بلذائذ لا
نهاية لها.
أمر الخليفة بنقل اسرته الى قلعة المنصورة ، وكانت حلقة الحصار تشتد.
وفي غمرة الليل البهيم اشتعلت النار في قصور الخلافة قصور بناها المنصور والمهدي ، والرشيد ، تلتهما النار الأمين ينظر من فوق « المنصورة » الى الحرائق ، فتحترق معها أحلامها.
ابن الرشيد تموج في أعماقه رغبات مجنونة ، وحملته ذاكرته الى مشاهد من حياة أبيه اللاهية ، وما روته له زبيدة من أقاصيص هارون ، وحكاياته ، وها هي المجانيق تحرق كل شيء أحلامه وآماله ورغباته التي لا تنتهي و حياته وهو بعد لم يبلغ الثلاثين.
وفي لحظة يأس مرير ، وفيما كان قادته يفرّون تحت جنح الظلام كتب الأمين الى « هرثمة » قائد القوّات الشمالية :
يسأله التوسط لدى أخيه ، مقابل التنازل عن الخلافة.
وجاء الجواب : لقد « بلغ السيل الزبى » ، و« شغل الحلي أهله أن يعارُ » مع ذلك فاني مجتهد في الاصلاح وسآخذ لك عهداً ، وثيقاً يحفظ لك حياتك ولكن توجه اليّ ليلاً لنتباحث في
الأمر »٧ .
حل المساء تلك الليلة من اُخريات « المحرّم » ونسائم أيلول الباردة تحمل رائحة النخيل الذي يحف دجلة كأهداب حورية.
ارتدى خليفة ثياباً بيضاء وارتدى فوقها طيلساناً اسود اللون لإضفاء الصفة الرسمية كملك عباسي.
وشهدت النخيل موكباً صغيراً فيه شبّان وفتيات يتجهون نحو « الحرّاقة الأسد » في مرساها بدجلة.
لقد فضل الأمين ركوب زورقه الملكي ، فربما يكون له هيبة الليث وحصّة الأسد.
وبدأ أسد البحر يشق أمواج دجلة صوب الشمال ، وأشار الى جارية أن تغنيه أبيات « أبي نؤاس » التي دشن بها زورقه العجيب ، وراحت الكلمات الشاعرة تتناثر فوق ضفاف دجلة :
سخر الله للأميـن مطايا |
لـم تسخـر لصاحب المحراب |
|
فاذا ما ركابه سـرن بـرّاً |
سار في الماء راكبـاً ليث غاب |
|
عجب الناس إذ رأوك عليه |
كيف لو أبصروك فوق العقاب |
|
ذات ظفر ونسر وجناحين |
تشـق العبـاب بعـد العبـاب٨ |
اشتعلت في اعماقه رغبة في أن يعانق غلامه الاثير٩ ،
ولكنه ترك ذلك لحين عودته.
توقفت المجانيق عن قصفها وساد الهدوء تلك الليلة المتوتّرة وخامر زبيدة شعور بان المحادثات قد اسفرت عن نتائج طيبة ، ولكن قلقاً مدمّراً يعصف بقلبها ، ان قلب الأم لا يخطئ!
كان الأسد النهري ما يزال يشق طريقه وسط الأمواج المتدافعة صوب البصرة ، فجأة من قلب الليل والمياه المتدافعة اندفعت اشباح مخيفة كالتي يرويها البحارة القادمون من المحيط الهندي حدث كل شيء بسرعة فقد اهتز المركب الاسطوري ووجد الخليفة الشاب نفسه في قبضة عمالقة أولي بأس شديد.
انبعث صرخات مذعورة من الفتيات ، والقي القبض على الخليفة الذي شدّ وثاقه بغلظة ؛ واستدار الزورق منقلباً باتجاه الجنوب الى حيث تربض قوّات طاهر بن الحسين وتترقب لحظة الاقتحام بشهوة من يريد استباحة آلاف الجواري الحسان.
وفي لحظة يأس القى الخليفة العابث نفسه وسط أمواج دجلة لتبتلعه المياه ، ولكن عمالقة الانس انتشلوه ، حتى لا تنسج حوله الاساطير.
وفي غمرة تلك الليلة العاصفة سقط رأس الخليفة العباسي السادس ليصلب على برج بغداد١٠ .
٤
ليس هناك ما هو اكثر مرارة من أن يشهد الانسان لحظات الانهيار انهيار الاشياء اهتزاز ثوابت الزمن
كل شيء بات يهتز وخفت صوت الانسان لتنبري عشرات الاصوات الغامضة الاصوات الي تستمد قوّتها من غرائز كامنة في النفس البشرية في اللحظة التي يسقط فيها العقل أمام بريق الاطماع.
الدنيا دوّامة يدور بأهلها ، إِعصار فيه نار في ذلك الزمن الردئ حيث يهتز كل شيء تحت وقع سنابك خيل مجنونة ، وقف الرجل الذي ناهز الخمسين من عمره عيناه تسافران في سماء لا انتهاء لها ، وكفّاه ممدودتان الى حيث
تتجه القلوب في اللحظات التي توشك فيها الأمواج أن تحطّم سفينة تائهة كلمات هادئة متضرعة متوسلة الى الله :
ـ « يا من دلّني على نفسه ، وذلك قلبي بتصديقه أسألك الأمن والايمان في الدنيا وفي الآخرة »١١ .
دخلت فاطمة جلست قرب شقيقها تستشعر الطمأنينة في عالم يموج بالرعب ، تتشرب الخير ، في عالم يعج بالشرور
يتألق في عينيها حزن مرير حزن يمتد الى ربع قرن هو كل حياتها المفعمة بالحزن.
ما تزال تتذكر منذ عشرين سنة اللحظات التي أخذوا فيها أباها الطيّب الى بغداد لم تره منذ ذلك الوقت ، هل تنسى اللحظة التي فارقت أمها الحياة كانت ليلة شتائية أيضاً ليلة قارسة البرد لم تجد فيها دفءً الا قرب شقيقها علي
وها هو علي في قلب الاعصار تماماً في المنطقة الساكنة في النقطة المركزية حيث تنعدم الحركة الاعصارية.
وكانت فاطمة التي لم تجد كفئاً لها منذ أمد بعيد ترنو الى الانسان الذي تشعر بحضرته انها أكثر قرباً من الملكوت ملكوت السماوات البعيدة.
ففي حضرته تشعر فاطمة بتجاوز حدود الذات ، لتستحم روحها في بحيرة من ذلك النور الذي يسطع في القلوب.
لكأن آلاف القناديل تسرج في اعماقها.
هكذا تعيش فاطمة لحظات قرب شقيقها الوحيد.
البركان الذي انفجر بمكّة تصل هزّاته مدينة الرسول لقد ثار محمد بن جعفر١٢ وقمعت الثورة في مهدها ، وها هي خيول المأمون الخليفة السابع تتجه الى المدينة للانتقام من العلويين.
« الجلودي »١٣ الرجل الغليظ القلب يقود جنوده لنهب دور الطالبيين في المدينة الخائفة.
الخيول الغازية تدخل المدينة وهدفها نهب بيوت الطالبيين ومصادرة كل ما يملكون ، وفي رأس الجلودي الغليظ أوامر شخصية من الخليفة العباسي السابع تقضي بسلب النساء الحلل والحلي فلا يدع لهن الا ثوباً واحداً ترتديه.
وعم الرعب كل شيء يهتز ، الخيول الغازية لاتعرف المقدسات ، والجودي يمضي في تنفيذ مهمته.
نهض علي لمواجهة الرعب القادم ، جمع النسوة في
حجرة واحدة ، وقف لمواجهة السلّابين.
قلب فاطمة وهو القلب الوحيد الذي وسع كل ما يموج في تلك الحجرة من آلام
وان ذاكرتها مشحونة بكل الملاحم الخالدة ، بكل ذلك التاريخ المثقل بالحزن بكل اللحظات المريرة التي عانتها المرأة آلام خديجة ، هجرة فاطمة ، وأحزان زينب.
ما تزال العاصفة الهوجاء تصفر بغيظ تريد أن تجتث شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.
وسمعت فاطمة وهي مستغرقة في تداعيات الزمن الراحل حواراً عند باب الدار :
قال صوت فيه غلظة الجلادين :
ـ انني انفذ أمر الخليفة.
اجاب صوت هادىء :
ـ اذا كان هدفكم سلب النسوة فسأقوم نيابة عنكم بذلك.
قال الصوت الغليظ :
ـ ومن يضمن لي أنك تفعل ذلك ان أوامر الخليفة تقضي بسلب النساء حللهن وحليهن الا ثوباً واحداً.
قال الصوت الملائكي :
ـ أقسم لك بانني سأفعل ذلك.
نظر « الجلودي » الى الرجل العلوي رأى في عينيه إصراراً وثباتاً أين منه الجبل ، أدرك بأنه اذا اقتحم المنزل عنوة فانه سيدفع ثمن ذلك باهظاً ، قد يتفجر الوضع انه لم يقبل في حياته انساناً يقف هادئاً في مواجهة سيوف متصلة ، رأى كثيراً من الرجال ينحون أمامه ، يطلّ من عيونهم رعب وخوف.
أمّا الآن فانه يقف أمام انسان آخر انسان تطلّ عيناه على اعماق مغموره بالسلام!
اشار الجلودي الى جنوده بالانسحاب ؛ والتفت الى الرجل الذي ناهز الخمسين قائلاً :
ـ سأنتظر.
دلف علي الى باحة الدار ثم الى حجرة في زاوية منه ، ونظر الى نسوة وفتيات.
القلوب الصغيرة تخفق تصغي الى صهيل خيول مجنونة ادركت فاطمة ما يموج في قلب أخيها أن اصعب شيء على رجل أن يسلب امرأة حليّها أن ينتزع قرطيها وقلادتها
وأساور من يدها من أجل هذا تقدمت فاطمة لتحطّم تلك اللحظات المفعمة بالمرارة
انتزعت قرطيها وقلادتها وأخرجت كفيها من أساور من فضة وقدّمتها الى أخيها ، وسرعان ما انتقلت هذه الخطوة الى سائر النسوة فتجمعت في كفّي علي المبسوطتين ، الحلي والحلل فانطلق بها الى الذئاب المتربصة عند عتبة الباب.
وهكذا مرّت العاصفة الصفراء ، تحسب نفسها قد اجتثت كل ما يقف في طريقها ، لم تعبأ بأوراد البنفسج المبثوث هنا وهناك من الأرض ، يبعث بشذاه في الفضاء الواسع دون أن يلتفت اليه أحد
وفي تلك الليلة الشتائية ، وفيما كان الجلودي يبتعد عن الدار جلست فاطمة تحدّث من اجتمعن حولها التماساً لدفء الكلمات المقدسة قالت فاطمة :
ـ حدّثتني فاطمة بنت جعفر بن محمد الصادق قالت :
حدّثتني فاطمة بنت علي بن الحسين قالت :
حدثتني فاطمة بنت الحسين بن علي قالت :
حدثتني ام كلثوم عن أمها فاطمة بنت النبيعليهالسلام قالت :
« أنيستم قول رسول الله عليه وآله السلام يوم غدير خم : من كنت مولاه
فعلي مولاه وقولهعليهالسلام : انت مني بمنزلة هارون من موسى »١٤ .
والتفتت فاطمة الى فتاة صغيرة تتألق في عينيها النجلاوين أقمار ونجوم :
اكتبي يا ابنة أخي. اكتبي حتى لا يضيع ميراث الانبياء.
سكتت فاطمة كانت تدرك ان هذا الاعصار القادم من مرو يريد اجتثاث علي علي الذي ما يزال يقاوم عواصف الزمن علي الذي يخفق حبّه في قلوب الأحرار والمقهورين.
من أجل هذا قالت :
ـ حدثتني فاطمة بنت جعفر الصادق قالت :
حدثتني فاطمة بنت محمد الباقر قالت :
حدثتني فاطمة بنت علي بن الحسين قالت :
حدثتني فاطمة بنت الحسين قالت :
حدثتني زينب بنت فاطمة قالت :
حدثتني فاطمة بنت رسول الله قالت :
سمعت رسول اللهعليهالسلام يقول :
« لما أُسري بي الى السماء ، دخلت الجنة ، فاذا أنا بقصر من درّة بيضاء مجوّفة ، وعليها باب مكلّل بالدر والياقوت ، وعلى الباب ستر ، فرفعت رأسي ، فإذا مكتوب على الباب : لا إله
إلّا الله محمد رسول الله ، علي وليّ القوم ، وإذا مكتوب على الستر : بخ بخ من مثل شيعة علي؟!
فدخلته فاذا أنا بقصر من عقيق أحمر مجوّف وعليه باب من فضة مكلّل بالزبرجد الأخضر ، واذا على الباب ستر ، فرفعت رأسي فاذا مكتوب على الباب : محمد رسول الله ، علي وصيّ المصطفى ، واذا على الستر مكتوب : بشّر شيعة علي بطيب المولد.
فدخلته فإذا بقصر من زمرّد أخضر مجوّف لم أر أحسن منه وعليه باب من ياقوتة حمراء مكلّلة باللؤلؤ وعلى الباب ستر فرفعت رأسي فاذا هي مكتوب على الستر : شيعة علي هم الفائزون.
فقلت يا حبيبي جبريل! لمن هذا؟!
فقال : يا محمد لابن عمك ووصيّك علي بن أبي طالب
يحشر الناس كلهم يوم القيامة حفاة عراة ، الا شيعة علي ، ويدعى الناس بأسماء امهاتهم الا شيعة علي فانهم يدعون بأسماء آبائهم.
فقلت يا حبيبي جبريل : وكيف ذاك؟
قال : لانهم أحبّوا علياً فطاب مولدهم١٥ .
وانبثق شلال من حبّ الهي يملأ القلوب بهجة والنفوس
شفافية ان الدنيا ستصبح جحيماً لا يطاق اذا اختفى ذلك الأمل الحقيقي بغد أفضل غدٍ آخر ملئ بالنور والربيع.
٥
جلس « الفضل بن سهل »١٦ مسترخياً بين الارائك الوثيرة مستمتعاً بدفء شمس خريفية ، ويحتسى على مهل وتلذذ عصير الرّمان بعد تلك الرحلة الممتعة في مراعي « مرو » مرو التي غدت عاصمة الدولة المترامية الأطراف.
وفي كل مرّة يتناول فيها عصير الرمّان يشعر بحيوية شاب في الثلاثين بالرغم من اطلالته على الستين.
أوقد خادم تركي النار في الموقد لاشاعة الدفء ، فنسائم الخريف تبشّر بشتاء قارس.
راح الفضل يحدّق في ألسنة النار ، وداخله شعور بالرهبة والخضوع!
أعاده صوت الحارس الى نفسه :
ـ إنّ أمير المؤمنين ينتظر.
نهض بسرعة لا يريد أن يتأخر ، فالمأمون ينوي الذهاب الى الحمام على التقاليد الفارسية ، وقد تقرّر أن يتخلّى المأمون اليوم عن الزيّ الأسود مستبدلاً اياه بالأخضر وسيكون لهذه الخطوة صداها ليس في مرو بل في البلاد من أقصاها الى أقصاها ؛ وقد يبقى صداها في التاريخ أيضاً!
شعر بالغرور وهو يلقي نظرة على صفّين من الحرس وقفوا كالتماثيل ، سوف يضرب ضربته بهؤلاء الذين لا يعرفون سوى الطاعة السمع والطاعة. ان الفشل البرمكي لن يتكرر هذه المرّة مرو ليست بغداد.
والفضل بن يحيى١٧ ليس كالفضل بن سهل
في الطريق كان يفكر في المناسبة التي يمكنه أن يثير فيها الحديث عن فكرة المعتزلة في خلق القرآن١٨ التي بدأت افكارها تهبّ شرقاً وغرباً.
إن الهاء الأمّة بمعارك فكرية يسهل في السيطرة عليها واقتيادها.
غادر المأمون الحمام في موكب مهيب ، وبدا بزيّه
الاخضر ملكاً فارسياً جليلاً ، واحتفت الجماهير حوله تتطلع.
كان الفضل يتطّلع الى الخليفة السابع كما يتطلّع الصائع الى قلاده ذهبية صاغها قبل قليل ، أو نحات الى تمثال ربّما سيُبعد غداً!
كل شيء يمضي على ما يرام ان طائر السعد قد حطّ على كتفه سوف تسقط الدولة كلّها في قبضته كتفاحة ناضجة.
وفي تلك الليلة وقد مضى شطر من الليل جلس المأمون مجلسه المسائي مع وزيره ذي الرئاستين.
أحضر خادم صندوقاً من خشب الاپنوس ، يحوي بيادق مصنوعة من عاج فيلة هندية.
كان المأمون يراقب الخادم وهو يصفّ الجنود والقلاع والفيلة وقد انتصب الملكان والوزيران استعداداً للمواجهة.
وبدا واضحاً منذ البداية أن الفضل كان يجنب الوزير المواجهة المباشرة ، وكان يكتفي بتحريك بيادقة من فيلة وقلاع والجنود.
سعى المأمون أن تبدو لهجته عادية عندما قال :
ـ هل من أخبار جديدة.
قال الفضل متصنّعاً ابتسامه :
ـ ليس هناك الا الخير يا أمير المؤمنين لقد استوقت لك الخلافة كل شيء يمضي على ما يرام.
رمق المأمون بطرف عينيه :
ـ أنت لا تنظر الا الى بغداد.
ـ إذا دانت لك بغداد يا سيدي دانت لك الدنيا.
ـ أنا لا أخشى بني العباس كل ما أخشاه هم أبناء علي.
ـ لقد أخمد الرشيد أنفاسهم وبالأمس رأيت محمد بن جعفر كيف يخلع نفسه ذليلاً في مكة ويعترف لك بالفضل.
ـ والمدينة؟!
ـ ليس فيها أحد!
ـ وعلي بن موسى؟!
ـ لم اسمعه يتحدّث بشأن يخيفنا إنّه ساكت.
قال المأمون وهو يحرّك وزيره :
ـ ان سكوته يرعبني!
ـ لا أفهم ما تقول!
ـ أنت لا تدري من هو! ما زلت اتذكّر كيف هبّ الرشيد
لاستقبال أبيه لقد اعترف لي بأنه أحق بالخلافة والملك منّا.
ـ ولكن هذا لا يعرف أحد!
ـ كثيرون يعرفون ذلك نحن وهم وكثير من الناس حتى هؤلاء المعتزلة الذي تطريهم يتقربون يوماً بعد يوم من القول بأفضلية علي بن أبي طالب وحقّه وهذا يعني الكثير.
انتهت اللعبة كالعادة لا غالب ولا مغلوب ، تثاءب المأمون ونهض الفضل مستأذناً ، خمد بريق عينيه ، لكأن شيئاً يتهاوى في أعماقه إن هذا الشاب الذي أعدّه سُلماً لمجده يفاجئه هذه الليلة بعقل جبّار ودهاء أين منه دهاء أبيه الرشيد وجدّه المنصور؟!
٦
لم ينم المأمون تلك الليلة ، كان يفكّر يفكّر في أولئك المشرّدين من ابناء علي وفاطمة ، كل رجل منهم يحمل مشروعاً للثورة ، لكأنهم شظايا ملتهبة ، تتناثر من بركان خفي بركان يشبه قلب يتفجّر بعواطف لا نهاية لها
ما يزال يتذكر ثورة « ابن طباطبا »١٩ ، التي كادت تطوي بساط العباسيين الى الأبد.
هتف المأمون من أعماق نفسه :
ـ النار تحت الرماد!! ما ذا أفعل يا للقدر يالقدر السابع من « ولد العباس »!.
من يرى المأمون تلك الليلة وهو يطلّ من خلال النافذة على حدائق القصر يحسبه شبحاً من أشباح الليل كان يفرغ كأساً من النبيذ في أعماقه ، وقد سرى دبيب خدر كقوافل من النمل لا نهاية لها
تمتم كأنه يحدّث نفسه ، ولعلّه كان يخاطب شخصاً يتخيّله :
ـ هؤلاء الحمقى لا يفهمون ما أفعله يظنون بغداد كل الدنيا لا يعرفون ماذا يجري في المدينة ومكّة والبصرة والكوفة وفي خراسان!!
لا أحد يعرف ماذا يموج في قلب المأمون ذلك الشاب الذي وجد نفسه بالرغم من كثرة جيوشه وحيداً ، لقد خسر الفوز بثقة العرب بعد مقتل الأمين ، فالناس لا يغفرون لقاتل الأخ فكيف اذا كان المقتول ابن زبيدة العربية العباسية؟!
كان يعاني هواجس مدمّرة ، فالبرغم من مصرع الأمين ولكن أحداً لا يعترف به خليفة ، بغداد ما تزال غاضبة والكوفة ترنو الى ثائر علوي آخر والمدينة ومكة والبصرة مترددة والشام يترقّب.
لقد اهتز الحق العباسي في الحكم وارتفعت همسات
تدعو الى أهل البيت في ظلّهم تتحقق عزّة الاسلام والعرب.
لم تبق سوى خراسان أملاً ، فهذا النسب الضعيف من أمّه قد ينفع في وقوف خراسان الى جانبه
خراسان مخزن الرجال الاشدّاء.
ولكنّ هؤلاء الفرس ذائبين في حبّ آل بيت الرسول ، وقد بدأوا يدركون أكثر فأكثرهم من هم آل الرسول؟ ولد العباس عم النبي بفضائحهم ؛ أم أبناء علي وفاطمة ابنة النبيعليهالسلام ؟
ما تزال ذاكرة الأبناء عن الأجداد تحمل صوراً مشرقة عن رحمة علي وعدله عن انسانيته وهاهم أولاده يحملون تراثه الانساني أفكاره نبله وشجاعته.
وما تزال دعوة « الرضا من آل محمد » تلوّن أحلام المقهورين في كلِّ شبر من الأرض الاسلامية.
فحبّ علي وابنائه أضحى عاطفة اسلامية ، حتى زبيدة كانت تتعاطف معهم فاقسم الرشيد أن يطلقها٢٠ !
نهض متهجاً الى خزانة خاصة لا يفتحها غيره ولا يعرف ما فيها أحد سواه أخرج دواة وقرطاساً ليكتب لايدري أحد لمن يكتب؟!
ـ « اخبرني الرشيد عن آبائه ، وعمّا وجده في كتاب الدولة إنّ السابع من الولد العباس ، لا تقوم لبني العباس بعده قائمة ، ولا تزال النعمة متعلقة عليهم بحياته »٢١ .
وفي تلك الليلة الطويلة وعندما أغمض المأمون عينيه رأى في عالم الرموز والأطياف كثيراً من الأشياء تخطف أمامه كالأشباح الغامضة أمّا هو فكان يهودي في متاهات غارقة في ظلمة كثيفة ظلمة تشبه بحراً لا قرار له ولا انتهاء.
ورأى نفسه في قارب متهرئ الأشرعة تعصف به الريح من كل مكان ورأى حبلاً ممدوداً من السماء الى الأرض فتعلّق به ليتجه به لا إلى السماء ولكن الى الشاطئ الصخري القريب وانتبه من نومه على شمس أيلول ترسل اشعتها من وراء التلال البعيدة.
فكان أول شيء خطر في ذهنه المتيقظ وهو يحشر نفسه في عالم يضجّ بالوقائع اسم علي علي بن موسى
هتف المأمون بصوت فيه آثار سهر طويل :
ـ ألم يحضر هرثمة بعد؟
وجاء جواب حارس من وراء ستائر مخملية :
ـ هو يتنظر منذ الفجر.
ـ عليَّ به!
ـ الآن يا سيّدي؟!
صرخ متضايقاً :
ـ أجل الآن!
وبرقت عينا المأمون حتى شعر هرثمة أن أشعة نفّاذة إن تغوص في عظامه قال متخاذلاً :
ـ السلام على أمير المؤمنين عبدالله المأمون
ـ ماذا يغضب سيدي؟
ـ كفى هراءً إنّني اعرف كل الاعيبك.
ـ لا أدري ماذا تقول؟
ـ تظنّني غافلاً عنك ان لي عيوناً تبحلق في الظلام أم تظنني لا أعرف ما قلته للمخلوع٢٢ ؟ وهل أن أبا السرايا قد ثار لوحده إنّها دسيستك٢٣ .
شعر هرثمة أن وراء هذه الإتهامات مؤامرة يحوكها الفضل بن سهل فقال مدافعاً.
ـ أن لهذه الاتهامات جواباً يا سيّدي.
صرخ وهو يشير الى الحرس :
ـ لا أريد أن اسمع كلمة واحدة خذوه.
سقطت الذبابة في بيت العنكبوت ليس هناك من أمل في الخلاص ، سار هرثمة في خطى متخاذلة الى سجن حقير في مرو ليقضي في زواياه المظلمة آخر أيام حياته.
وبرقت في خاطره صوراً ملوّنة يوم كان حاكماً في افريقيا ويوم كان أميراً للخراسان ، ويوم وقف الخليفة الأمين أمامه بخضوع يطلب منه التوسط لدى أخيه في انقاذ حياته وها هو الآن اسيرٌ في بيت العنكبوت لن يهبّ لنجدته أحد ولن ينقذه أحد
وصادفه الفضل في طريقه الى قصر المأمون فأراد أن يبصق في وجهه ولكنه تظاهر بالشجاعة فرفع رأسه عالياً.
٧
دخل الفضل قصر الخليفة السابع وقلبه يرقص فرحاً لقد انتهى أمر هرثمة وبقي طاهر بن الحسين أن له يوماً ليس ببعيد وبعدها يضرب ضربته القاضية.
منذ شهور وهو يفكر في خطّة سرّية لا يعرفها حتى أخيه « الحسن »٢٤ وها هو المأمون يفكّر فيما يسهل عليه مهمته
انبعث بريق مخيف من عينيه سرعان ما تبدد مع أول ابتسامة يتصنّعها أمام المأمون.
هبّ الخليفة الشابّ لاستقباله بابتسامه متصنّعة أيضاً لا تقل عن ابتسامة الوزير مكراً.
وعندما أخذ الفضل مجلسه قرب الخليفة بدأت اللعبة ، وكلاهما ماهر فيها.
قال المأمون لينفذ في قلب وزيره :
ـ كيفتك امر هرثمة وهو الآن في السجن.
ـ انه لا يخلص لك كما قلت أعرف نوايا هؤلاء القادة.
ـ ولكنّ العلويين لا يكفون عن اثارة القلاقل وقد سمعت أن أبراهيم بن موسى الكاظم قد ثار بمكة ، ونقل لي الجواسيس أنه في طريقه الى اليمن.
وبعد صمت استأنف المأمون حديثه حذراً :
ـ لقد فكرت كثيراً في الأمر ان الخطر الحقيقي يكمن هنا في هؤلاء العلويين الناس يحسبونهم انبياء ويتناقلون قصصاً عجيبة عن زهدهم اتعرف لماذا يا فضل؟
ـ؟!.
ـ لأنهم يعيشون في الخفاء لأنهم يعيشون بعيداً عن الانظار فلو ظهروا اكتشف الناس عيوبهم ، ولعرفوا أنهم لم يرفضوا الدنيا الا لأن الدنيا رفضتهم.
تظاهر الوزير بالبراءة :
ـ ولكن يا أمير المؤمنين انهم لم يظهروا ، وكيف يظهرون وقد فعل الرشيد بهم ما فعل شرّدهم في بقاع الأرض وها نحن نحصد ما زرعه الآباء.
ركز المأمون نظره :
ـ أعرف كيف اجعلهم يظهرون أمنحهم الأمان.
ـ أنهم لن ينخدعوا بذلك ولن يصدّقوا أبداً.
ـ فاذا جعلت أحدهم وليّ عهدي.
انتفض الوزير كمن لسعته عقرب.
ـ ماذا؟! ماذا أسمع؟
ـ أجل لقد قررت أن اجعل أحدهم وليّاً لعهدي فاذا فعلت ذلك اطمأنوا وظهروا.
ـ ولكن هذا يا سيدي ينطوي على كثير من المخاطرة ان بني العباس لم يغفروا لك قتلك أخيك فكيف تريد أن تقضي على ملكهم وخلافتهم؟!!
ـ أنني افعل ذلك من أجلهم ألا ترى العلويين يثورون في كل مكان الناس معهم ثم ألا ترى عواطف أهل الخراسان؟ انهم يحبوننا لأنهم لا يفرقون بيننا وبين بني عمّنا أتنسى
مناحات خراسان على يحيى بن زيد؟ ألم تستمر سبعة أيام بلياليها ولم يلد مولود ذكر ذلك العام الا سموه يحيى٢٥ !!
سكت الفضل فيما كان المأمون يتحدث بلا انقطاع :
ـ أنني اصطاد عشرة غزلان بسهم واحد وهذا يتوقف أيضاً على فطنتك.
تطلّع الفضل حذراً :
ـ؟!!
ـ ألا ترى الخليفة كيف يزهد في الدنيا يسند ولاية العهد الى أحد أبناء علي؟!
أجاب الفضل وقد اكتشف خطته :
ـ أجل أرى ذلك!
ـ ثم ألا ترى كيف أن الخليفة عرف الحق وهو يريد إعادته لأهله؟!
ـ أجل ارى ذلك!!
توقف عقل سهل لكأنما اصيب بشلل مفاجئ لم يعد يبرق ذهنه انطفأت افكاره في حفرة ابن الرشيد وحفيد المنصور ولكنه قال حتى لا يظهره بصورة الاحمق :
ـ ومن سينتخب الخليفة لولاية عهده يا ترى؟!
ـ علي بن موسى بن جعفر الصادق بن
انتفض ملدوغاً :
ـ ماذا؟؟ علي بن موسى؟! الرجل الذي قتل أبوك أباه؟!
ـ وما في ذلك؟
اعتصم الفضل فوجئ أنه لا يعرف ماذا يقول كان يودّ لو أن المأمون نفذ خطته مع غير علي بن موسى ، صحيح أنه لا يعرف عنه شيئاً ولكن جهله بهذا الرجل جعله يتوجس مما يقدم عليه المأمون.
قال الخليفة قاطعاً خيوط افكاره :
ـ اذا لم نفعل ذلك فان كثيراً من آباء السرايا سيظهرون هنا وهناك مادام يوجد علويّ يرفع راية الثورة.
ـ!!!
ـ ماذا يا فضل ما عهدت عنك السكوت؟!
ـ الخليفة المأمون يعرف ماذا يفعل!!
ـ وإذن فأنت موافق يا وزيري العزيز؟!
ـ أن هذا يثقل أوزاري عند أهل بيتك في بغداد!
ـ ولكنّه يزيد في شأنك لدى أهل خراسان..لا تنسى هذا يا ابن سهل!
استغرق المأمون في بحر من أفكار لا نهاية له ، فاطرق ينظر الى سجّاده فارسية زاخرة بالنقوش والألوان وأدرك الفضل أن عليه أن ينسحب تاركاً الخليفة مع غزله الجديد!.
ولم ينقض ذلك اليوم حتى أدرك رجاء بن الضحاك٢٦ طبيعة مهمته القادمة في المدينة المنورة!
منذ مصرع « الجعد »٢٧ الذي ذُبح في عيد الاضحى ، وحركة التأويل والتفسير تأخذ طريقاً جديداً طريقاً بعيداً عن روح الكلمات وراح الذين جاءوا ببعده يستنطقون ظاهر القرآن وحده أمّا روحه أما الاعماق فقد ظلت بعيدة عمّن يسبرها ، ويغوص فيها وتلك محنة النص القرآني ان الذين تلقوا كلمات الله تلقّوها شرارة للروح وجمرة متوقدة في الذهن ، ومضت أجيال وأجيال ، وجاء جيل لم ير من القرآن سوى كلمات وحروف ، لا روح ، ولا جوهر ولا مكنون.
وجاء ابن الجهم٢٨ ذلك المساء الخريفي الى منزل في المدينة جاء يحمل اسئلة العصر الجديد ، وقد سطع نجم المعتزلة في سماء الفكر حيث التفسير بالرأي والاستنادإلى الاعتبارات العقلية٢٩ والاستنطاق الظاهري هو القاعدة.
الحجرة الطينية تفوح برائحة الأرض المرشوشة بمطر ربيعي ، وفي زاوية من الحجرة جلس علي بن موسى وقد أطلّ وجهه الاسمر الوضيء كقمر في ليلة صيفية وفي الحجرة رجال عديدون جاءوا من أصقاع متعددة وكل يحمل اسئلته واسئلة غيره.
ونظر الامام الى رجل قادم من الحدود مع الروم ، اعتدل الرجل في جلسته وسأل :
ـ قوم من العدوّ صالحوا ثم نقضوا الصلح ، فهاجمهم حرس الحدود ، وسبوا نساءهم وأطفالهم هل يجوز شراءهم؟
سأل الامام عن بواعث نقضهم الصلح :
ـ ولم نقضوا؟ أحقداً وعداءً للاسلام ، أم انهم ظُلموا وقُهروا فثاروا؟
« إن كان من عدو قد استبان عداوتهم فاشتر منه وإن كان قد نفروا وظُلموا فلا يباع من سبيهم »٣٠ .
وسأل آخر ربما كان قادماً من بغداد :
ـ ان اختي أوصت قبل موتها بمال أقسمه على قوم من النصارى ، فأردت أن أصرف ذلك الى قوم المسلمين؟
أجاب الامام :
ـ امض وصيتك على ما أوصت به ، قال الله تعالى : (فانّما إثمه على الذين يبدّلونه )٣١.
وسأل شاب :
ـ أيّ الاوقات أنسب في التزويج؟
ـ « من السنّة التزويج بالليل ، لان الله جعل الليل سكناً والنساء انما هنّ سكن »٣٢ .
وسأل رجل متوسط العمر :
ـ هل يجوز للرجل أن ينظر الى شعر أخت زوجته؟
ـ لا ، الا أن تكون من القواعد.
ـ أخت امرأته والغريبة سواء؟!!
ـ نعم٣٣ .
وسأل رجل من الكوفة :
ـ هل يحلّ للرجل التمتع باليهودية والنصرانية؟
ـ يتمتع الحرّة المؤمنة وهي أعظم حرمة.
وسأل آخر :
لص دخل على امرأة وهي حبلى ، فعمدت المرأة الى سكين فوجأته فقتلته؟
ـ هدرٌ دمُ اللص٣٤.
وقال آخر :
ـ ايجوز التعرّب بعد الهجرة للرجوع عن الدين ، وترك الموازرة للانبياء والحجج ، وما في ذلك من الفساد وابطال حق كل ذي حق لعلّة سكن البدو ، ولذلك لو عرف الرجل الدين كاملاً لم يجز له مساكنة أهل الجهل ، والخوف عليه لأنه لا يؤمن أن يقع منه ترك العلم والدخول مع أهل الجهل والتمادي في ذلك٣٥ .
ونهض رجل ليقدّم اليه سؤاله مكتوباً على رقعة :
ونظر الامام لحظات ثم التفت الى السائل الذي عاد الى مكانه قائلاً.
ـ إنّ ذلك عديل للكفر الا اذا واسيت الفقراء ، ودفعت الظلم عن المظلومين٣٦ .
وهيمن صمت مهيب والعيون تتجه الى وجه تتألق فيه أنوار النبوّات.
ونطق الامام دون سؤال فقال :
ـ « إنّ رجلاً سأل أبي : ما بال القرآن لا يزداد عند النشر والدراسة الا غضاضة؟
فقال : لانّ الله لم ينزله لزمان دون زمان ، ولا لناس دون ناس ، فهو في كل زمان جديد ، وعند كل قوم غض الى يوم القيامة »٣٧ .
تنحنح ابن الجهم وغيّر من جلسته استعداداً لجدل طويل قال متسائلاً :
ـ يا بن رسول الله أتقول بعصمة الانبياء؟
ـ نعم.
ـ كيف نفهم قول الله : « وعصى آدم ربّه فغوى »؟ انهم كسائر البشر في عصيانهم لله ، فهذا آدم قد عصى ربّه ، وذك يونس يظن أن الله لن يقدر عليه ، ويوسف يهمّ بامرأة العزيز ، وهذا نبيه محمد يخفى في نفسه ما الله يبديه ، أليس هذه كلمات الله تحكي ذلك؟
بدت غيمة حزن فوق الجبين الاسمر وانسابت كلمات الامام هادئة مؤثرة مفعمة بحزن سماوي :
ـ لا تنسب الى انبياء الله الفواحش ، ولا تتأول كتاب الله برأيك ان الله عز وجل يقول : «ولا يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم » ان للقرآن ظاهر وباطن ، فامّا قوله تعالى :( وعصى آدم ربّه فغوى ) خلق آدم ليكون حجة في أرضه ، وخليفة ، لم يخلقه للجنة وكانت المعصية من آدم في الجنة لا في الأرض ، وعصمته يجب أن تكون في الأرض ليتم أمر الله ، فلما هبط الى الارض عُصم من الخطأ بقوله تعالى :( ان الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ) .
وأمّا قوله عز وجل :( وذا النون إذ ذهب مغاضباً وظنّ أن لن نقدر عليه ) ٣٨ فهو انما ظن بمعنى استيقن ان الله لن يضيق عليه رزقه ، أما قرأت قوله تعالى :( وأما اذا ابتلاه ربه فقدر عليه رزقه ) ؟ أي ضيّق عليه رزقه ، ولو ظن أن الله لا يقدر عليه فقد كفر ، وأمّا قوله تعالى في يوسف :( ولقد همّت به وهمّ بها ) ٣٩ فانها همّت بالمعصية وهم يوسف بقتلها ان اجبرته لعظم ما تداخله ، فصرف الله عنه قتلها والفاحشة وهو قوله عز وجل :( وكذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ) ٤٠ يعني القتل
والزنا.
أطرق ابن الجهم كأنه يعالج همّاً ثم رفع رأسه قائلاً :
ـ فما تقول في داود وقوله تعالى :( وظنّ داود إنا فتنّاه ) ، والمفسرون يقولون : انه كان في محرابه يصلّي فتصوّر له ابليس على صورة طير ، أحسن ما يكون للطيور فقطع داود صلاته ، وقام ليأخذ الطير ، فخرج الطير الى الدار ثم الى السطح ، فصعد في طلبه ، فسقط في دار « أوريا » فاذا بامرأة أوريا تغتسل فلما نظر اليها هواها ، وكان أوريا في بعض غزواته فكتب الى صاحبه ان قدم أوريا الى التابوت فقدّمه فقتل أوريا ، فتزوّج داود بامرأته ».
وتأثر الامام بشدّة وتألقت في عينيه الدموع :
ـ انا لله وانا اليه راجعون ، لقد نسبتم الى نبي من أنبياء الله الاستخفاف بصلاته حتى خرج في اثر طير ، ثم بالفاحشة ، ثم بالقتل؟!!
ـ فما كانت خطيئة يابن رسول الله؟
ـ ان داود ظن انه ما خلق الله عز وجل خلقاً هو أعلم منه ، فبعث الله اليه ملكين فتسوّرا المحراب فقالا : « خصمان بغى
بعضنا على بعض فاحكم فبيننا بالحق ولا تشطط ، واهدنا الى سواء الصراط ، ان هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ، ولي نعجة واحدة فقال اكفلنيها وعزّني في الخطاب » فعجّل داود على المدعى عليه بالحكم فقال : « لقد ظلمك بسؤال نعجتك الى نعاجه » ولم يسأل المدعي البينة على ذلك ولم يسأل المدّعى عليه فيقول له : ما تقول؟ فكان هذا خطيئة رسم الحكم ، ألم تسمع قوله تعالى : «يا داود إن جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى »؟
ـ فما قصته مع أوريا؟!
ـ ان المرأة في أيام داود كانت اذا مات زوجها لا تتزوج بعده أبداً ، وأول من أباح الله له أن يتزوج بامرأة قتل زوجها كان داود ، فتزوج بامرأة أوريا لما قتل وانقضت عدّتها ، فذلك الذي شق على الناس من مثل أوريا.
ـ يا سيّدي فما معنى قوله تعالى يخاطب فيه محمدعليهالسلام : «وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه »؟
ـ ان الله سبحانه عرّف نبيّه اسماء أزواجه في دار الدنيا وأسماء ازواجه في دار الآخرة ، وانهن امهات المؤمنين ، واحداهن من سمى له زينب بنت جحش وهي يومئذ تحت زيد
بن حارثة ، فاخفى اسمها في نفسه ولم يبده لكيلا يقول أحد المنافقين : انه قال في بيت رجل انها احدى ازواجه من امهات المؤمنين ، وخشى قول المنافقين ، فقال الله عز وجل :( وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ) يعني في نفسك. وان الله عز وجل ما تولّى تزويج أحد من خلقه الا تزويج حوّاء من آدم ، وزينب من رسول الله ، بقوله : «فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها »٤١ ، وفاطمة من علي.
واجتاحت اعماق ابن الجهم مشاعر شفافة ، الحقائق تشرق كشموس باهرة ، وامتلأت عيناه بدموع لا يعرف سرّها إن الكلمات التي يسمعها تغسل قلبه وتطهر روحه:
ـ يا بن رسول الله أنا تائب الى الله من أنطق في أنبياء الله بعد يومي هذا الا بما ذكرته.
وكانت فاطمة تصغي من وراء حجاب الى كلمات أخيها فتتشرب روحها آيات السماء كزهرة تغمرها أنوار دافئة.
٨
كان منظر الغروب سخيّاً بالوانه الشفافة ، برتقالي ذهبي ، وأحمر متوقد كموقد شتائي يزخر بالجمر والمشهد السماوي يبدو ساكناً غير أن السحب المتناثرة في سماء زرقاء كانت تتحرك على هون كزوارق غافية في بحيرة هادئة.
الرياح الخريفية تجوس خلال البيوت وتبشّر بشتاء قارس طويل.
كانت فاطمة تتأمل وجه شقيقها ، انها لم تره مهموماً كهذا المساء ، لكأنه ينوء بجبال من الحزن ، لا تدري لماذا توهجت مشاهدة قديمة قديمة جداَ ، يوم أخذوا أباها ، وأدركت حينها انها لن تراه بعد اليوم ربما عرفت ذلك في وجه شقيقها الذي
بدا في تلك اللحظات سماءً مثقلة بمطر حزين.
كانت الرسالة التي استلمها الامام اشبه شيئاً بعسل مداف بسم ، ملساء كأفعى مترعة بسموم قاتلة.
الفضل بن سهل يعرف كيف يروغ بين السطور ورسالة محيّرة من أكبر مسؤول في الدولة تطلب منه مغادرة يثرب على وجه السرعة لتسلّم مسؤوليته في الخلافة٤٢ !
وتساءلت فاطمة عن سرّ هذا الحزن؟ كانت تعي لواعج الانسان الذي يفكّر في المديات البعيدة حيث تتجسد كل آلام الانبياء وأحلامهم. ان المأمون ولا شك قد عرف مصدر التحدّي الحقيقي ، فوجد في شخصية مثل الامام سوف تكشف للرأي العام مدى الانحطاط الاخلاقي للحاكمين ، كما ان بعد المدينة المنورة عن « مرو » سيوفر للامام قدراً من الحرّية ، وفي هذا خطر على مؤسسات الحكم القلقة التي ما تزال تهتز تحت وقع الاضطرابات والثورات.
فاستدعاء الامام الى مرو يعني أن المأمون يضرب عشرات العصافير بحجر واحد.
تمتم الامام بصوت فيه حزن الميازيب في مواسم المطر :
ـ ان المأمون يريد أن يقول للناس أن علي بن موسى لم
يزهد بالدنيا ، وانما الدنيا هي التي زهدت به أرأيتم كيف يسرع الى « مرو » لما عرضت عليه الدنيا؟!
ولكن هيهات لا أقبل شيئاً من عروضه!
ادركت فاطمة أن أخاها يواجه ثعلب بني عباس ، ليس هناك من يفوقه مراوغة ومكراً عرفت ذلك من حزن الامام ، ومما تسمعه من الأخبار.
ان لأخيها من المحبة في خراسان وأطرافها ما ليست لغيره ، فلو جعله المأمون في الحكم فان ذلك سيضمن له ولاء كثير من الاقاليم ؛ وسيكون المأمون قد اثبت للأمّة أنه قد حقق أعزّ أمانيها.
وطرق خادم باب الحجرة :
ـ ان رجلاً يقول انه رجاء بن الضحاك يروم لقاءك الساعة.
التفت الامام الى اخته :
ـ هذا رجل بعثه المأمون فيما لا أحب انا لله وانا اليه راجعون.
ونهض الامام لاستقباله ونهضت فاطمة لتغادر حجرة
تفوح فيها رائحة الفردوس.
لم يكد رجاء يستوي في جلسته حتى قدّم رسالة مختومة من المأمون ، فضها الامام والقى نظرة وعلت جبينه مسحة من الحزن ، كان ضوء القنديل كافياً لكي يكتشف رجاء في وجه علي عمق محنته ، تظاهر بالبشر :
ـ هنيئاً لك يا سيدي.
أجاب الامام وهو ينظر الى الأفق البعيد :
ـ لا تفرح إنّه شيء لا يتم!
واعتصم رجاء بالصمت فهذا العلوي يختلف كثيراً عما صادفه من أولئك الثائرين إنّه أمام رجل يقرأ صفحات غامضة من المستقبل بل لعلّه يدرك ما يموج في نفسه ، فرجاء يعرف نوايا المأمون وأسراراً كثيرةً من خطّته! من أجل هذا نهض على عجل متظاهراً بالارتياح لأدائه مهمّته.
قال وهو ينحني اجلالاً :
ـ كل شيء سيكون جاهزاً بعد غد.
ـ اذا كان ولابدّ ، فمكّة أولاً ثم مرو!
ـ كما تشاء يا سيدي!
واكتسى الوجه الاسمر مسحة من حزن سماوي ، ان شيئاً ما يضطرم في أعماقه شيء ينبيء عن تمزّق جذور وردة في أعماق تربة طيّبة.
ليس هناك ما هو أكثر مرارة من اجتثاث شجرة من جذورها هكذا كان حزن الرجل الذي مسّته السماء ، ان جذوره في هذه الأرض الطيبة تمتد الى عشرات السنين الى تلك اللحظة التي حطّ رسول السماء قدمه في يثرب
ما تزال آثار جبريل في هذه الربوع مبارك نخلها ، ومسجدها وجبلها الحبيب٤٣ .
وانطوى علي على فجيعته ، وكان قنديل يلفظ آخر أنواره الواهنة.
لم يكن الرجل المدني قد انتبه من استغراق عميقة عندما ولج الحجرة صبي في السابعة من عمره٤٤ ؛ كان يحمل إناءً فيه زيت فالقنديل على وشك أن يخبو وينطفئ ، وراح « محمد » يسكب الزيت في القنديل وتنفس الضوء ، واتسعت دائرة النور أكثر فأكثر.
وانتبه الأب الى وجود ابنه ، الذي ولج الحجرة على اطراف اصابعه احتراماً لاستغراقة والده.
نهض الأب وقد تألفت في سماء عينيه عشرات النجوم.
ـ مرحباً بأبي جعفر.
وانحنى الإبن مقبّلاً يد والده ، الذي لم يترك له الفرصة فاحتضنه كما تحتضن الأوراق برعماً يستقبل الربيع.
كان القنديل قد استعاد شبابه وراح يرسل نوره ويشيع قدراً من الدفء في الحجرة الصغيرة.
قال الأب وقد مضى شطر من الليل :
ـ تهيّأ يا ولدي للرحيل.
ـ الى أين يا أبي؟!
ـ الى البيت العتيق.
وأراد الصبي أن يبدد عن قلب أبيه همّاً يعتصره :
ـ أحج أم عمرة؟
ـ يا أبي افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين.
ونهض محمد كما دخل على أطراف أصابعه تاركاً أباه الذي عاد الى استغراقته مرّة أخرى.
من يراقب عينيه المتألقتين ، ويلاحق في غوريهما تكسّرات النور سيدرك سرّ ذلك الحزن السماوي ؛ لكأن ذهنه المتوقد يسبح في الآفاق البعيدة ، الى طوس حيث يستنشق « جابر » بن حيان الكوفي٤٥ آخر انفاسه في المساء ، والى حيث صلب « أبي السرايا » على الجسر ببغداد ، والى ضفاف دجلة حيث جلس « معروف الكرخي »٤٦ يتأمل الأمواج المتدافعة ويودّع الدنيا.
بل لعلّه يراقب « معركة النهر » على شواطئ « أرون » أو يهوي في بطون الأدوية مع أخيه « إبراهيم » الذي فرّ الى اليمن وانقطعت أخباره.
إنّ أحداً لا يعرف هموم الرجل المدني هموم بثقل جبال « تهامة » و« الحجاز » و« نجد ».
فهناك في مرو تنسج العنكبوت بيتاً هو أوهن البيوت٤٧ .
٩
بدت المدينة ذلك الصباح الغائم اشباحاً ، فقدت البيوت ظلالها ، وغمرت الأزقة كآبة خاصّة ذلك الزقاق حيث بركت النوق لتحمل الذين أزمعوا الرحيل قهراً.
ولج الرجل الذي يخطو نحو الخمسين مسجد النبي ومعه ابنه يتبعه كظلّه ، كانت السماء تنوء بالغيوم ، ودموع تتجمع في عيني الرجل المدني.
وقف إزاء القبر الذي يضم آخر الانبياء ، مثل غيمة حزينة بدا الرجل الذي يرتدي ثياباً بيضاء.
الذين حضروا اللقاء بهرتهم دموع حفيد محمد! لكأن الحزن ساقية تنساب في خريف الزمن كان علي يستنشق
عبير النبوّات ، تماسك لينهض ، وخطا خطوة للوراء ثم هوى الى المكان الطاهر مرّة أخرى ، لكأن جذوره في تلك التربة حيث أغمض عينيه محمد بسلام.
وتقدّم رجل من سجستان :
ـ هنيئاً لك يا سيّدي ما تصير اليه.
ـ ذرني فأني أخرج من جوار جدّي فأموت في غربة٤٨ وذهل الرجل ، وانبعث في اعماقه قرار بأن يرافق الرجل ليرى بنفسه كيف تتحقق النبوءات.
وضع محمد كفه الصغيرة الدافئة على كتف أبيه ، ونهض الأب لكأن دماءً جديدة تنبعث في أعماقه ، وأملاً يتجدّد في كيانه.
كانت فاطمة تراقب ما يجري ، وشيء ما يشدّها الى شقيقها ليست مشاعرة الأخوّة فقط ، بل أنها تعيش فجيعة يُتْمها قبل عشرين سنة يوم أخذو أباها ولم يعد ، وتوفيت أمّها وهي لم تزل طفلة بعد.
وقفت فاطمة وقد تجسّدت أمامها فجائع الزمن الرديء كيف يُختطف أحبّتها لكأن السنين والأيام ذئاب مجنونة تتخطّف ما شية أحلامها ، وهي ترعى في الوادي الأخضر
بسلام.
وتفجّر غضب مقدّس في قلبها في ذلك الجزء النابض الذي يختصر العالم بأسره.
ونهض الامام يمس المرقد الطاهر بكفّه ويحتضن ابنه وقد آتاه الله الحكم صبياً :
ـ أمرت جميع وكلائي ، وحشمي بالسمع والطاعة لك ، وقد عرّفتك لأوثق اصحابي٤٩ .
نهضت النوق ، وانتظمت القافلة ، وقد يممت سفن الصحراء وجوهها جنوباً شطر المسجد الحرام.
وعندما اجتازت القافلة ثنيّات الوداع قال الرجل المدني لابنه وهو يحاوره :
ـ « صديق كل امرئ عقله وعدوه جهله »٥٠ .
« افضل العقل معرفة الانسان نفسه »٥١ .
« من علامات الفقه : الحلم والعلم والصمت : ان الصمت باب من أبواب الحكمة ان الصمت يكسب المحبّة انه دليل على كلَّ خير »٥٢ .
وتقدّم ياسر وكان يعمل خادماً فسمع الامام يقول :
ـ « أوحش ما يكون هذا الخلق في ثلاثة مواضع : يوم ولد الى الدنيا ، ويخرج المولود من بطن امّه فيرى الدنيا ، ويوم يموت فيعاين الآخرة وأهلها ويوم يبعث فيرى الدنيا ، ويوم يموت فيعاين الآخرة وأهلها ويوم يبعث فيرى أحكاماً لم يرها في الدنيا ، وقد سلّم الله على يحيى في هذه المواطن وآمن روعته فقال : « وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا »٥٣ .
وهبّت نسائم شمالية حملت دندنة راع يشكو الزمان.
وراحت القافلة تطوي الصحراء حتى إذا وصلت « غدير خم » القى المسافرون رحالهم قريباً من عين ينبجس ماؤها من أسفل صخرة ثم يسيل في واد فسيح ، وقد نبتت بعض أشجار النخيل اثر توقف المسافرين وتناولهم التمر في الوادي٥٤ .
أشرق القمر بدراً من فوق الربى البعيدة ، وأشار الرجل الذي يخطو نحو الخميس باصبع سمراء :
ـ ذلك موضع قدم رسول الله حيث قال : « من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه »٥٥ .
وانبعثت الذكريات ، وغمرت المسافرين حالة من الخشوع لكأنهم يسمعون هتاف رسول السماء في هذا المكان. ما تزال الكلمات المقدّسة تدور في الفضاء ، ما يزال شذى جبريل وهو يتلو كلمة الله : «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت
عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا »٥٦ .
والتفت علي الى شقيقته التي كانت تنظر الى القمر وقد استقر فوق الروابي البعيدة:
ـ لقد سمعت أبي يروي عن جدّي الصادق : « ان لله حرماً وهو « مكّة » وان للرسول حرماً وهو « المدينة » وان لأميرالمؤمنين حرماً وهو « كوفة » وآن لنا حرمّا وهو بلدة اى « قم » ، وستدفن امرأة من أولادي تسمى فاطمة من زارها فله الجنّة ».
ونظر الصبي الى عمته كانت ما تزال تتأمل القمر وقد استغرقت في حالة تشبه الصلاة ، وقد جمدت في مكانها فيما كانت نسائم المساء تداعب اطراف ثوبها الذي يلامس سمرة الصحراء.
وفي تلك البقعة المباركة من دنيا الله انبثق شلال من الصلاة ، وكانت كلمات الحمد والثناء لله خالق الأرض والسماء ، تتألق في ظلمة الغروب الحالمة ، وشيئاً فشيئاً ظهرت النجوم في السماء.
وانصرف بعضهم الى جمع الحطب ، وكان صوت تكسّر الاغصان الجافّة يكسر معه صمت الليل.
ولم يمض غير وقت قصير حتى أضاء في الظلمة
موقدان ؛ موقد للطبخ وآخر للنور والدفء وانطلق صبية الى كثيب رملي نحتته الرياح ، ليتخذوا منه مسرحاً للهو بريء.
١٠
مكة مهوى الأفئدة تستقبل حفيد محمد ذلك الصباح المشرق ، وشمّت النوق رائحة وطن قريب.
مثلما تطفو الفقاعات كانت الاسئلة تظهر على الشفاه فلم يكن الموسم عمرة ولا حجاً ، ولم تكن القافلة قادمة من اليمن ولا من الشام ولم يكن رجاء بن الضحّاك الذي أمر بمرافقة القافلة حتى مرو ، ليتحدث الى أحد ، ولم تكن مهمة الجنود وهم لا يتعدون عدد الاصابع لتعدو الحراسة من بعيد!!
اتجه الامام فور وصوله الى الكعبة وتبعه معظم افراد القافلة.
للكعبة في نفوس المؤمنين منزل في القلوب ، تكفى
طلعتها البهية في تفجير مخزون الحبّ والشوق ، وعاطفة الايمان حتى اذا وقعت الابصار عليها ، تجمعت في العيون دموع شوق يكاد يطير بالمرء الى سماوات بعيدة.
وطاف الامام حول البيت العتيق الذي بدا في تلك اللحظات المفعمة بالايمان مركزاً للوجود بأسره.
وكان ابنه الذي بلغ السعي يطوف معه ، حتى إذا اتجه الأب الى مقام ابراهيم ليتخذه مصلّى ، كان محمد ابنه ينطلق الى حجر اسماعيل ليجلس هناك في ذلك المكان المفعم بالذكريات القديمة.
راح الصبي يراقب أباه وقد غمرته الفجيعة ، مثل حمامة تبحث عن عش آمن بدا علي بن موسى وهو يطوف حول الكعبة وكان الصبي الذي أدرك برغم سنواته السبع كل معاناة أهل البيت منذ قرنين من الزمن ، قد تيقن بان أباه لن يعود من سفره ، انه يودّع الكعبة الوداع الأخير ، انه لن يعود اليها كما لن يعود الى مدينته في الشمال.
وطال جلوس الصبي في حجر اسماعيل ، لكأنه يجلس في مأتم أبدي إنه لا يريد أن يفارق مكانه.
وجاء « موفّق » الخادم ليطلب منه النهوض ، فقد توسطت
الشمس كبد السماء وراحت تصبّ اشعتها اللاهبة في واد غير ذي زرع.
ويرفض الصبي كعصفور كسير الجناح لا يريد مغادرة عشّه ولم يكن أمام موفّق الا أن يتجه الى سيّده ويطلعه على الأمر وجاء الأب يتفقد ابنه ويطلب منه النهوض فقال الصبي وهو يختنق بعبرته :
ـ كيف أقوم وقد ودّعت يا أبتي البيت وداعاً لا رجوع بعده؟!
وأراد الأب مواساة ابنه ولكنه اختنق هو الآخر بما انفجر في اعماقه من ألم مكبوت.
وكأن منظرهما يذكر بمأساة ابراهيم الخليل يوم ودّع إبنه الوحيد في الوادي المقفر.
وتحوّل المكان الى مناحة جماعية شارك فيها معظم أفراد القافلة ، واجتمع بعض أهل مكّة ، واصبح سفر الامام الى مرو مقهوراً خبراً على الشفاه في كلِّ مكان.
وعندما أراد بعضهم وقف المناحة فقال الامام :
ـ دعوهم ينوحوا فانني لن أعود وسأموت غريباً بعيداً
عن احبتي.
وعندما كان الامام يستعد لمغادرة المسجد الحرام تقدم اليه رجل يدعى ابراهيم وقال :
ـ تاهت بي السبل يا بن رسول الله فأين الطريق؟
قال الامام وهو يضيء قنديل في قلب الرجل الحائر :
ـ اخبرني أبي عن آبائه عن رسول اللهعليهالسلام قال :
« من اصغى الى ناطق فقد عبده ، فان كان الناطق عن الله فقد عبد الله ، وإن كان الناطق عن ابليس فقد عبد ابليس ».
يا بن أبي محمود إذا أخذ الناس يميناً وشمالاً ، فالزم طريقنا فانه من لزمنا لزمناه ، ومن فارقنا فارقناه ، فانّ أدنى ما يخرج به الرجل من الايمان أن يقول للحصاة : هذه نواة ثم يدين بذلك ويبرأ ممن خالفه.
يا بن أبي محمود احفظ ما حدثتك به فقد جمعت لك فيه خير الدنيا والآخرة٥٧ .
وانطلق ابراهيم وقد اشرقت في قلبه أنوار المحبّة ، للجميع انه لن يؤمن بشيء حتى يعرفه على حقيقته.
اين المرجئة؟ وأين المعتزلة ، وأين الخوارج عن هذه
الكلمات؟ كلمات تضيء كقناديل في ظلمة الطريق البهيم.
وتقدّم رجاء من الامام ليطلعه على جانب من مهمته :
ـ ان معي أوامر من الخليفة بالسفر وحدك الى مرو ، وأن يكون الطريق على البصرة فشيراز.
نظر الامام الى الكعبة نظرة أخيرة ، وكان سرب من الحمام يحلّق بسلام وتمتم في نفسه :
ـ « الغوغاء قتلة الانبياء »٥٨ .
ومرّ يومان آخران وقد أزفت ساعة الرحيل ، وآن للرجل المكي المدني أن يودّع ربوع طفولته في الأرض السمراء الى الارض التي تطلع منها الشمس.
وقف الامام يودّع أسرته ، وقد أطال حديثه مع شقيقته فاطمة لكأنه يودعها أسراراً غاية في الأهمية ، وكان الاطفال اكثر فجيعة ، وانبعث بكاء يشبه نشيج الميازيب في مواسم المطر.
وأدرك الذي حضروا المشهد أن علي بن موسى يعيش مأساةً لا يعرفون أسرارها إنّ جُلّ ما فهموه أن هذا الرجل لا يرغب بما يعرضه المأمون خليفة العصر.
يا لمجد الانسان عندما يرى نفسه أكرم من كلِّ بهارج دنيا زائفة ولو سئل الامام عن سرّ موقفه لقال لهم سمعت أبي يقول :
ـ « ما فائدة أن يربح الانسان العالم ويخسر نفسه؟! ».
وسيطر رغاء الجمال على مشهد يضجّ بالرحيل ، وبدت مكّة في تلك اللحظات ميناءً هجرته النوارس البيضاء دون عودة.
١١
الطريق الى البصرة مليء بالكثبان والرمال المتحرّكة والأشواك حتى اذا وصلت السهول المنبسطة قريباً من شيراز ، بدأت الخضرة والحقول الفسيحة ، ولاحت من بعيد سلاسل الجبال المكلّلة بالثلوج.
وعندما توسّطت الشمس كبد السماء حطّت القافلة رحلها ، وجلس الامام الى المائدة وقد تحلّق حوله العبيد والخدم.
وقال رجل من « بلخ » :
ـ لو عزلت لهؤلاء مائدة يا سيدي!!
وتأثر الامام ، كيف يصنع الانسان لنفسه امتيازات لا
أساس لها؟ ما الذي حدث لكي يفكّر الانسان بهذه الطريقة العنصرية ، وأراد الامام أن يوقد في قلب مخاطبه قنديلاً من المحبّة :
ـ يا أخي : إنّ الربَّ تبارك وتعالى واحد ، والأم واحدة والجزاء بالاعمال.
ونهض الامام يؤذّن ، وانساب صوت هادئ كنهر يجري تنثال مياهه على الشطآن الظامئة ، وانبثق شلّال الصلاة وكان « رجاء » المكلّف بمهمة حسّاسة يراقب عن كثب رجلاً علوياً لا يملك من اسلحة الحرب الا الدعاء وقد سمعه مرّة يقول لاصحابه وهو يودّعهم : « عليكم بسلاح الانبياء » فقالوا له : وما سلاح الأنبياء؟ فقال لهم : « الدعاء »٥٩ .
وانتبه رجاء من شروده الى الامام وقد سجد سجدته الطويلة اقترب منه يسمع ما يقوله في سجوده الطويل ؛
لم يسمع سوى تيّار من شكر متواصل : كلمتان تختصران الحبّ بين المرء وربّه : شكراً لله تتردد مئة مرّة باقة حبّ يقدّمها الانسان الى بارئه.
وعندما غطست الشمس في بحيرة الغروب ، وسادت سكينة مهيبة الوجود بأسرة ، كان الامام مستغرقاً في محراب
الصمت وكان عقله المتوقّد يسبح في عوالم بعيدة ، تجتاز حدود الكون الذي يبدو بلا نهاية.
وكان منظره في هدأة الليل المغمور بظلمة شفافة يوحي بانه يتّحد مع الوجود اتحاداً بل يصبح مركزاً لذلك الوجود.
وتهامس فتيان من افريقيا بلغتهما وصدى لطبول بعيدة :
ـ ها هو يلج عالمه العجيب صمت يمتد الى ساعات!!
ـ سمعته مرّة يقول : « ليس العبادة كثرة الصلاة والصوم انما العبادة كثرة التفكّر في أمر الله عز وجل »٦٠ .
ـ وأنا سمعته يقول : « الصمت باب من أبواب الحكمة »٦١ .
ـ واذكر أنني كنت معه ذات يوم في مكة فمرّ يحيى بن خالد البرمكي وقد غطّى وجهه بمنديل يتّقي به الغبار فقال الامام : مساكين هؤلاء لا يدرون ما يحلّ بهم في هذه السنة ، وقد كان ذلك بعد وفاة أبيه موسىرحمهالله
فلم تمضِ الا اسابيع حتى جاءت أخبار بغداد عن نكبة البرامكة ، ولكن سيدي قال شيئاً ما يحيّرني.
ـ وماذا قال؟
ـ قال وقد ضمّ اصبعيه السبابة والوسطى : وأعجب من هذا أنا وهارون كهاتين.
ـ؟!!
ومضى ثلثان من الليل وقد اشتد لمعان النجوم ، وهيمن صمت مهيب الا صوت هسيس الموقد وقد أوشك أن يخبو ، والا صوت هوام الليل يأتي من الحقول القريبة.
وفي قلب الليل نهض الرجل المدني الذي يخطو نحو الخمسين ، اتجه بوجوده « بكلِّ خليّة في جسمه بكل ذرّة من كيانه الى السماء المرصّعة بالنجوم ، وهمس بخشوع :
ـ « يا من دلّني على نفسه ، وذلّل قلبي بتصديقه ، أسألك الأمن والايمان في الدنيا والآخرة »٦٢ .
استخرج من منديل أبيض بلون القطن سواكاً وراح يستاك على مهل ، انتحى قريباً ومعه ابريق من فخار فتوضأ ، فاشاعت برودة المياه السلام في روحه.
كُلُّ شيء غارق في السبات كل شيء تغمره الظلمة ، حتى نار الموقد خبت ، ولم يبق فيها سوى جمر متوقد تحت الرماد ، وحده الانسان الذي استيقظ وقت اشتداد سطوع النجوم.
وقف علي باتجاه البيت الذي بناه ابراهيم ، وقف يصلّي والكائنات تغطّ في نوم عميق.
وانساب شلال من سور مكية ومدنية ، سورة الحمد ، الملك ، الدهر ، التوحيد ، الفلق والناس.
وعندما مدّ كفيه الى السماوات وقد تناثرت النجوم كانت كلمات الدعاء تنساب كساقية تترقرق مياهها بهدوء :
ـ « اللهم صل على محمد وآل محمد
اللهم اهدنا فيمن هديت وعافنا فيمن عافيت وتولّنا فيمن تولّيت ، وبارك لنا فيما اعطيت وقنا شرّ ما قضيت ، فانك تقضي ولا يقضى عليك انه لايذلّ من واليت ، ولا يعزّ من عاديت ، تباركت وتعاليت »٦٣ .
واصبح صوته حزيناً متهجداً ، يستمطر الرحمة والمغفرة للخاطئين للذين نسوا انفسهم في خضم الحياة فتاهت بهم السبل ، لا يدرون من أين أتوا ولا أين هم ذاهبون؟!
١٢
لم تكن القافلة قد وصلت مدينة « نيسابور » بعد عندما ظهرت من بعيد ذرى « بينالود »٦٤ ، غير انها اجتازت أودية رسمت سيول المياه الربيعية فيها خطوطاً ومنعطفات ، تعكس وفرتها وشدّتها وهي تجري باتجاه الجنوب الشرقي.
وأطلّت القافلة على مدينة نيسابور مخزن الرجال الاشداء ، فمن هذه المدينة انطلقت رايات سود أطاحت بالظلم الأموي.
كانت الخيول خيول البريد ، والمسافرون في الصحراء أو العائدون من « كاشمر » قد نقلوا اخبار القافلة التي ستدخل المدينة بين ساعة وأخرى.
وكانت الجماهير تنتظر حفيد محمدعليهالسلام تنتظر ابناً لعلي الذي تحمل حبّه في القلوب ، وتتأمل الأجيال عدله وانسانيته.
الشمس تطلع من فوق ذرى « بينالود » ، وقد بدت قرصاً قرمزي اللون لكأنها استعجلت الطلوع شوقاً لاستقبال القافلة.
الجماهير تستشرف القادمين ، وبدا في طليعتهم رواة الحديث يحملون محابرهم بأيديهم
الألوف تنتظر لم تعهد المدينة استقبالاً شعبياً كهذا ، ولا أحد يدري ما هو السرّ في تدفق هذا الحشد من الناس الى طريق القوافل؟
ان شيئاً كهذا لا يمكن تفسيره الا اذا أصغينا الى حكايات الأجداد وهي تروى حول مواقد الشتاء عن علي ، وصفين ، والحسين ، وكربلاء ، وزيد ، والكوفة ، ويحيى في بلاد الجبل.
وتدخل القافلة مدينة قُدّر لها أن تكون على طريق « مرو » عاصمة الدولة الجديدة ، وألقت القافلة رحالها في ميدان وسط المدينة ، وكان الامام يغمر الجماهير بنظرات ملؤها الحب ، وفيما بلغ الزحام حول ناقته وكل يدعوه لمنزله فهوى قلبه الكبير رجلاً تظهر في محيّاه الطيبة والبساطة فاصطحبه الى
منزله في محلّة « فروى » في الجانب الغربي من المدينة.
فناء البيت تظلّله أشجار الجوز واللوز ، وهناك في زاوية فسائل معدّة للشتل.
أخذ الرجل الحجازي فسيل لوز ، وشتله وتوضأ عنده وتمتم بصوت خاشع :
ـ اللهم بارك فيها.
ليس هناك ما هو أنعش من المياه الدافئة بعد رحلة شاقة طويلة ، وكان أهالي نيسابور يتطلعون الى رجل ليس على وجه الأرض مثله يرقبون حركاته وسكناته ونظراته الدافئة كشمس ربيعية
حفيد محمد يجسد سيرة جدّه العظيم ، ثقافة لم يعهدها أهل نيسابور من قبل ؛ تواضع ، نبل ، شهامة ، وأدب رفيع كان الامام يسير باتجاه حمّام المدينة العام٦٥ ، والناس يحفّون به يتطلّعون الى نبع زلال من ينابيع الاسلام.
ولج الرجل الذي اذهب الله عنه الرجس وطهّره تطهيرا حمّام المدينة وفي الحمام انثالت المياه الدافئة ، وكان ضباب دافئ يغمر الحمام وأخذ الامام مكانه في قرب حوض صغير ، وفيما هو يشرع بصبّ الماء الدافئ اذا برجل غليظ يناديه :
ـ أنت!! اياك إعني!
ونظر الامام اليه بودّ. هتف الرجل الغليظ :
ـ صُبّ الماءَ علي.
ونهض الامام ليصبّ الماء عليه ، كان رأس الرجل الغليظ وشعره يتألق تحت المياه الصافية.
وصاح الرجل عرف الامام :
ـ ماذا تفعل أيّها الرجل أتستخدم ابن رسول الله؟!
ذعر الرجل الغليظ ونظر الى الامام بخجل :
ـ يا بن رسول الله! هلّا عصيتني إذ أمرتك؟
وابتسم حفيد الرسول وهو يجسد له خلق جدّه العظيم :
ـ « انها لمثوبة ، وما أردت أن أعصيك فيما أُثاب عليه »٦٦ .
عندما غادر الامام الحمام ارتقى ثلاث أو اربع درجات تؤدي الى سطح الحمام فالحمّامات عادة ما تبنى ليكون ثلثاها تحت الأرض التماساً للدفء ، والثلث الباقي فوق الأرض ، لتكون منافذ للنور والضوء.
اتجه الامام وهو فوق سطح الحمام الى مكّة وأدى
الصلاة وكان التاريخ يسجل هذه المحطات الخالدة في سيرة رجل قدّر له أن يخترق البوادي في الطريق الى مرو عاصمة الدولة الجديدة.
١٣
إنّ أحداً لن يصدّقني :
قال الجندي ، وهو يغمس كسرة خبز في لبن رائب ، ونظر اليه رجل قروي جاء الى خان القوافل من قرية بعيدة :
قال له مشجعاً إيّاه على الحديث :
ـ أنا اصدّقك تكلم لا أريد أن أعود الى قريتي دون حكاية أرويها لاحفادي.
تلفّت الجندي حواليه بحذر وهمس :
ـ ان القائد يمنع علينا الحديث عن علي بن موسى ، أمرنا أن نكون صُمّاً بكماً فهم لا يفقهون لقد رأيت الأعاجيب
أتصدّقون إذا اخبرتكم بما حصل في البادية؟ صدّقوني لم أكن نائماً كنت متعباً فقط وأصحابي خلدوا للراحة ، ناموا جميعاً ، وكنت على وشك النوم عندما رأيت غزالة قادمة من بعيد كانت مبهورة الانفاس عرفت أن الصيّادين يلاحقونها
كان علي بن موسى يتوضّأ للصلاة ، لم تكن الشمس قد زالت بعد عندما وقفت الغزالة قريباً منه ربّما شمّت رائحة الماء وهو ينثال على الأرض
نظرت اليه ، تقدمت نحوه أردت أن أنهض لاصطيادها ولكنّي جمدت في مكاني رأيتها تتقدم الى علي ، عيناها تتألقان.
مدّ علي كفه اليها ، فتقدمت أكثر أمر عجيب أليس كذلك ،مسح ابن موسى على رأسها ورقبتها وقدم لها اناء الماء فشربت حتى ارتوت ولاذت بثوبة الأبيض عند قدميه هل يمكن أن يحدث مثل هذا في اليقظة؟! هل يمكن؟!!
فجأة دخل جندي باب الخان وراح يستعرض الوجوه بناظريه وعندما وقعت عيناه على رفيقه :
ـ اما تزال تأكل ، القافلة على وشك السير هيّا.
وعندما خرجا قال :
ـ ان مهمتنا ستكون صعبة وسط آلاف البشر لكأنه يوم الحشر
مئات الألوف من البشر من نيسابور وغيرها تحدق بالقافلة وتتجه الأبصار الى ناقة بالذات عليه عمارية ، وفيها رجل تخفق بحب القلوب.
وبدت تلك النقطة مصدراً للسلام ، والحبّ ، لكأن قلباً هناك يشع مثل نجم كبير يشع بالدفء والمحبة لماذا يبكي البعض؟ لما تجري الدموع؟ أهي دموع شوق النبي في ذكراه؟! أهي دموع حبّ أم حنين للعودة الى الماضي المشرق؟!
هل كان منظر علي بن موسى بثيابه البيضاء البسيطة بعمّته التي لا تعدو أن تكون قطعة قماش مورّدة لا فيها درّة يتيمة ولا جوهرة عظيمة هل رأى الناس ذلك الصباح صورة الرسالة الالهية كما أنزلها الله قبل قرنين من الزمن؟!
لا أحد يعرف تفسيراً لهذا الحشر ، لهذه الدموع لهذا الحبّ المتدفق؟!
القافلة على أهبة الاستعداد للانطلاق صوب طوس ومنها الى سرخس٦٧ فالعاصمة مرو.
واحتشد مئات الألوف من نيسابور وغيرها وتجمهر
عشرون ألف أو يزيدون بأيديهم محابر ودوى وأقلام مشرعة ؛ وانبعث إرادة توحد القلوب تنشد كلمة مقدسة توارثها أبناء محمد.
وظهر الوجه الاسمر متألقاً كقمر يشرق من وراء غيمة نديّة.
وتدفقت موجه من بكاء لا يُعرف تفسيره أحد ، وهتف رجل يحفظ عشرات الاحاديث :
ـ أيّها الناس! انصتوا وعوا لعلّنا نسمع موعظة ، أو نفيد في الفقه مسألة ، أو نصيحة تزهّدنا في الدنيا وترغّبنا في الآخرة.
ولكن ما حدث لم يكن متوقداً أبداً ، ففي لحظات تذكّر بحادثة قديمة وقعت في طريق القوافل بين مكّة والمدينة ، هتف الرجل الأسمر كأنه يخطب التاريخ والأجيال :
ـ سمعت أبي موسى بن جعفر يقول : سمعت أبي جعفر بن محمد يقول : سمعت أبي محمد بن علي يقول : سمعت أبي علي بن الحسين يقول : سمعت أبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقول : سمعت النبي يقول : « لا اله الا الله حصني ، فمن دخل حصني آمن من عذابي ».
وغاب القمر وراء العمارية ، وفيما كان الناس في ذهول لسند لم يسمعوه من قبل تمتم أحدهم قائلاً :
ـ « لو قرئ هذا الاسناد على مجنون لبرئ »٦٨ .
وتمنى آخر لو كان له مال أن يكتبه بماء الذهب٦٩ .
ومرّت الناقة كزورق ينساب على هون ، ولكن الرجل الاسمر أراد أن يكون للحديث دويّاً ، أن مسألة التوحيد لن تكون أساساً للحياة الكريمة الا اذا أُرسيت على قاعدة صلْبة ، فظروف الحياة المريرة ستدفع بالانسان بعيداً عن الطريق المنشود.
من أجل هذا ظهر الوجه الأسمر مرّة أخرى ليهتف مؤكداً حقيقة منسية :
ترى ماذا حصل في ذلك الحشد؟ إنّ للكلمات المقدسة فعل الفأس تحطم وتبني ، فعل الفأس التي حطمت الاصنام في معبد نمرود لتؤسس حقيقة التوحيد الكبرى.
عندما هبط محمد من فوق جبل حراء كان يحمل معه فقط كلمة واحدة وهي لا إله الا الله!
كلمة حطّمت فيما بعد هبل واللات والعزّى ومناة الثالثة
الأخرى.
ها هو حفيد محمد يعلن كلمة التوحيد ، ويعيد اليها ذات الروح المحمدية التي يتوارثها أبناؤه جيلاً بعد جيل.
لو سمع الرشيد بما يجري لتميز من الغيظ ، فهذا الفكر المطارد ، والذي ظن أنه قد قضى عليه الى الأبد يعود قويّاً واضحاً مرّة أخرى.
وفي تلك البقعة من نيسابور والقافلة على وشك الرحيل جاءت صرخة الحق ، وراح أهل الإرجاء٧٠ وأصحاب الاعتزال٧١ ، وعلماء الحديث يضربون أخماساً بأسداس ، فالامامة عهد الهي ، والامام شرط من شروط التوحيد الحقيقي.
انه يستمد ولايته من السماء لا من الأرض.
وانطلقت القافلة لتتحول الكلمات الى إعلان سماوي لأهل الأرض؟
١٤
وتمضي القافلة لا تلوي على شيء ، حتى إذا وصلت قرية « سناباد » حطّت رحلها هناك ، عند جبال تنحت منه القدور والأواني قال الرجل الاسمر وهو يستند الى صخرة في الجبل :
ـ اللهم انفع به ، وبارك فيما يجعل فيه ، وفيما ينحت منه.
والتفت الى أحدى فتيانه وأمر أن تنحت له عدّة قدور لأستفادة منها في الطبخ.
الطريق من « سناباد » الى مدينة « نوغان » في الشرق تمرّ على حديقة غنّاء يتوسطها قصر منيف ، كان حميد بن قحطبة٧٢ قد اتخذه مقرّاً لسكناه ، وشاء القدر أن يكون القصر قبراً لهارون!
وصلت القافلة الى حديقة مساحتها ميل عربي٧٣ مربع ، وقد نهض في وسطها قصر منيف ، واتجه الرجل الاسمر الى رخامة بيضاء كتابوت ثلجي ثم توقف عندها تحت هذه الرخامة يرقد انسان ملك الدنيا أكثر من عشرين سنة انسان كان يخاطب الغيوم المسافرة قائلاً : اينما تذهبين فخراجك اليّ!
انحنى الامام وخط باصبعه على البلاط المرمري في جانب الرخامة البيضاء وقال لمن حوله :
هذه تربتي وفيها سأدفن ، وسيجعل الله هذا المكان مزاراً.
قال ذلك ثم اتجه ببصره وعبر المنافذة المشرعة الى الآفاق البعيدة حيث البيت العتيق ليستغرق في صلاة طويلة
وتقدم الرجل من ذريّة حميد بن قحطبة ، مرحباً بقدوم الامام ودلّه على حجرة أنيقة في القصر ليمضي فيها استراحته ، ولم ينس أن يعرض على الامام غسل ثياب السفر.
اخذت إحدى فتيات القصر الثياب وكان فيها قميص من خز.
عادة ما يحمل المسافرون في ثيابهم رسائل أو رقاع أو
أشياء ثمينة.
أرادت الفتاة وقبل أن تباشر عملها أن تتأكد من خلوها من أشياء يمكن أن يتلفها الماء في قميص الخز وجدت الفتاة رقعة ملفوفة بعناية وجمال ، ولذا اسرعت بها الى سيّد القصر وقالت :
ـ وجدت رقعة في قميص أبي الحسن.
ـ هاتها.
أخذ الرجل الرقعة الى صاحبها وقال :
ـ ما فيها يا بن رسول الله؟
أجاب حفيد النبي وهو يتسلّمها شاكراً :
ـ هذه عوذة من أمسكها في جيبه كانت له حرزاً من الشيطان ومن السلطان!
ـ أحبّ أن استنسسخها فهل تمليها عليّ؟!
ـ اكتب « إني اعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً أو غير تقي والله مطالع علي ما يمنعك ويمنع الشيطان مني »٧٤ .
وتساءل الرجل في نفسه وهو يكتب ، تُرى ماذا يخشى
علي بن موسى؟ هل يخشى نوايا مضمرة للمأمون؟!
في الصباح كانت سفن الصحراء قد رفعت رؤوسها وقد يمّمت شطر المشرق القرى المتناثرة في السهول والتفرّعات النهرية التي تأخذ مياهها من نهر يمتد الاميال٧٥ قد رسمت طريقاً برّياً ملتوياً ، يؤمن القوافل المسافرة الى سرخس بالماء حتى ثلثي المسافة ، ثم تنعطف الطريق باتجاه الشمال الشرقي تاركة النهر الى خلفها ، معتمده على محطات ريفية في الطريق حيث تنبع مياه العيون ، وتنهض بعض القرى الصغيرة
لم تتوقف القافلة في « سرخس » مسقط رأس ذي الرئاستين الفضل بن سهل الا قليلاً ، ريثما يلتقط المسافرون أنفاسهم فقد عبرت القافلة نهر « هريرود » الذي ينبع مياهه الوفيرة من جبل « بابا ».
الطريق الى مرو يمرّ بتفرعات مائية ، حتى إذا وصلت القافلة بحيرة تحفّها أدغال وأعشاب تكون قد قطعت ثلثي المسافة بين « سرخس » و« مرو ».
القافلة تتجه نحو الشمال الشرقي في منخفضات ، وأودية خضراء بسبب وفرة المياه الربيعية ، وما يذوب من
الثلوج في المرتفعات.
رياح أخريات الخريف تهبّ باردة جافّة تبشر بشتاء قارس وثلوج ، تغطي السهول ، امّا المرتفعات فقد بدت تلالاً من قطن بسبب ما يتساقط من الثلج في الليل.
وصلت القافلة « مرو » ودخلت بوابتها في ١٠ جمادي الآخرة سنة ٢٠١ من هجرة النبي محمدعليهالسلام . في ٣ كانون الثاني سنة ٨١٧ لميلاد المسيحعليهالسلام وفوجئ رجاء بن الضحاك المشرف على مهمة احضار الامام فوجىء باستقبال مهيب لم يكن يتصوّره أبداً.
وقف أفراد القوّات المسلحة في صفّين طويلين يمتدان من بوابة العاصمة وحتى قصر الضيافة ، فيما تدفقت الجماهير الى السطوح لتحظى برؤية حفيد آخر الانبياء في التاريخ!
ترجّل الإمام قبل أن يصل بوابة المدينة حيث وقف الخليفة المأمون وإلى جانبه الفضل بن سهل رئيس وزارته وكبار رجال الدولة.
وهبّ الخليفة لاحتضان الإمام في لهفة تشبه لهفة الغريق اذا رأى خشبة النجاة.
وأخيراً جاء الرجل الذي يستنقذه من ورطته؟
من يتأمل في عيني علي بن موسى وهو يتجه الى قصر الضيافة سيكتشف حزناً عميقاً حزناً لا يُعرف سرّه!!
ها هو علي بن موسى يتجه الى قدره يحمل همومه وحيداً في دنيا تموج بالفتن والمؤامرات ، والاطماع امّا هو فيجسد نقطة التضاد مع ذلك الواقع الذي يعج بالمفاسد لقد بدأ الفصل المثير و الأخيرة في حياته!
١٥
بدأ فصل الشتاء برياح شمالية جافّة رياح حملت معها برودة المرتفعات والذرى المكلّلة بالثلوج.
وكانت الشمس محاصرة بصقيع من الغيوم ، حتى بدت قرصاً باهتاً لا دفء فيه ولا نور ، وحنّ بعض الذين قدموا من الحجاز من المدينة الى تلك الشمس الساطعة التي تغمر الصحاري ببحر من الضوء والحرارة.
في ذلك الجوّ القارس بدأت ملحمة الصراع بين أبرز شخصيتين في البيتين العلوي والعباسي.
وبدأت العنكبوت تنسج أولى خيوط بيتها الواهن قال المأمون بمكر ولمّا تمرّ سوى بضعة أيام من وصول القافلة :
ـ يا بن رسول الله قد عرفت فضلك وعلمك وزهدك وورعك ، وعبادتك واراك أحق بالخلافة مني!!
نظر امام بحزن وقال :
ـ « بالزهد بالدنيا أرجو النجاة من شرّ الدنيا ، وبالورع من المحارم أرجو الفوز بالمغانم ، وبالتواضع في الدنيا أرجو الرفعة عند الله »
إنّ غايتي هي الآخرة وفي ذلك العالم الذي يزخر بالحياة الحقيقيّة حيث يكمن المستقبل الحقيقي للانسان.
وبدا المأمون انه لا يسمع صوتاً الا ما يضجّ في أعماقه من غايات واهداف :
ـ رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة وأجعلها لك.
كان الفضل بن سهل يراقب حوار الرجلين ، وكان مشدوهاً بموقف علي الذي بدا أكثر حزناً وهو يسمع عرض المأمون بالتنازل عن أخطر منصب في الدولة الخلافة إمتلاك أرض ومساحات واسعة من أرض تزخر بالخيرات ، وعالم يعجّ باللذائذ.
قال الرجل الأسمر وهو يضع حدّاً لهذه المهزلة :
ـ « إذا كانت هذه الخلافة لك فلا يجوز أن تخلع لباساً البسكه الله ، وتجعله لغيرك ، واذا كانت لغيرك فلا يجوز أن تجعل لي ماليس لك »!!
وبذل المأمون جهداً جبّاراً للسيطرة على عواطفه ان هذا العلوي يغوص في أعماقه ، عضّ على أسنانه وقال وهو يتميّز غيظاً :
ـ لا بدّ لك من قبول هذا الأمر!!
ـ لن أفعل ذلك طائعاً٧٦ .
وانتهت أولى المباحثات بالفشل ، وخرج الفضل ، يقلّب كفّيه ويتظاهر بالدهشة :
ـ واعجباً رأيت الميمون يفوّض أمر الخلافة الى الرضا ، ورأيت الرضا يقول : لا طاقة لي بذلك ولا قدرة لي عليه ، فما رأيت خلافة قط كانت اضيع منها »؟!!
كان الفضل يعلم في قرارة نفسه ان المأمون لم يكن جادّاً في عرض الخلافة ، وكيف يفرّط في مركز خطير قطع رأس أخيه من أجله بالأمس القريب؟!
وتمرّ ليالي كانون باردة ، تجوس خلال الأزقّة في مرو ،
وانفكأ المأمون يخطط ، لمستقبله المجهول ، أنه يخشى رئيس وزارته ، ذلك الفارسي الذي يعرف كيف يجعل من خراسان بركاناً لا يهدأ
وفي تلك الليلة الشتائية وفيما كان المأمون ووزيره الأول يلعبان الشطرنج قال المأمون وهو يتظاهر بالودّ :
ـ لقد خدمت الدولة يا أباالعباس ورأيت أن أزوّجك ابنتي لم يتمالك الفضل أعصابه ، وسقط بيدق من يده ولكنه قال :
ـ انها في عمر حفيدتي!!
ـ وما الضير في ذلك؟
ـ ثم أنه مخالف للتقاليد الناس يستهجنون تزويج بنات الخلفاء من غير ذي قرباهم؟؟
ـ وهذا أيضاً ليس مهمّاً ألم اغير الزيّ من الأسود الى الأخضر؟ لا لا ليس ذلك مهماً.
انتفض الفضل وشعر بالرعب ان المأمون لا يفكر بمستقبل ابنته انه يريد فقط أن يزرع جاسوساً في منزله هتف باصرار فيه خوف :
ـ لو صلبتني ما فعلته٧٧ !
نهض الفضل مستأذناً ، وعندما غادر القصر دخل الرجلان ، جلسا بعد أن أدّيا تحية الاحترام.
التفت المأمون الى أحدهما وهمس له بكلمات وكان الرجل ينحني تملّقاً وانحطاطاً.
والتفت الى الآخر وتمتم معه بكلمات فيها ايجاز وانتهى المشهد في لحظات لم يكن أحد يدري طبيعة تلك الكلمات في تلك اليلة الشتائية القارسة البرد.
ولكن شائعات انتشرت في اليوم التالي حول رجل سأل علي بن موسى الرضا عن الغناء فاحلّه له ، وشائعة أخرى ؛ ان الرضا يقول : انما الناس عبيد لنا٧٨ !
وفي تلك الليلة أوى الامام الى فراشه وصوت يتهدج بحزن يقول :
ـ « اللهم إن كان فرحي مما أنا فيه بالموت فعجّل لي الساعة »٧٩ .
وكانت الظلمة تشتدّ ، وظهرت شهب تخطف في أعالي السماء ، وبدت النجوم تومض كقلوب واهنة.
١٦
انطوت أيّام جمادي وجاء رجب ترافقه رياح شباط البارد تجوس خلال الديار.
ولم يكن المأمون ليفكّر في شيء قدر ما كان يفكر في موقف علي بن موسى ، فيما يزال يرفض عروض المأمون.
أصبحت هذه المشكلة هاجسة الوحيد ، فلم يكن ليفكر في ثورة الزنوج التي اندلعت في أهوار البصرة بقدر مايفكّر في تقارير وصلته عن تحركات بها زيد بن موسى أخي الرضا في مدينة البصرة.
ولم يكن ليولي أهمّية لاخبار عن ثورة بابك الخرّمي وإعلانه العصيان في اقليم آذربيجان وتحالفه مع الامبراطور
البيزنطي « ميخائيل الثاني ».
ان ما يشغل باله هو كيف يقنع الرجل العلوي ، ها هو قادم اليه ولكنه لا يدري ماذا يفعل وقد فضل هذه المرّة الّا يطلع وزيره الفضل على ما يجري.
عندما أخذ علي مكانه قرب الخليفة ، كان المأمون قد تصنّع ابتسامة تخفي وراءها حقداً مستعراً حقداً يتأجج بالرغم من البرد الشديد الذي أحال اشجار الرمّان الى مجرّد اعواد يابسة وبدأ المأمون حديثه عن الطقس :
ـ ما أبرد شباط؟! مضى اليوم منه وبقي تسع وعشرون.
تبسّم الامام وقال :
ـ شباط ثمانية وعشرون يوماً تختلف فيه الرياح ، وتكثر الأمطار ويظهر العشب ، ويجري فيه الماء في الأغوار ، وينفع فيه أكل الثوم ، ولحم الطير والفاكهة ، ويقلل من أكل الحلاوات ويُحمد فيه كثرة الحركة والرياضة »٨٠ .
كان المأمون يصغي الى حديث الامام الدافئ ، ولكنّه انتبه الى نفسه ، فتظاهر بانه يسوّي ثيابه وتنحنح بعد أن وضع باطن كفّه على فمه ، لكأنه يحاول أن يتحرّر من تأثير الانسان الذي يجلس قربه ويشع منه نور عجيب نور يحاول النفوذ
الى قلبه الصخري.
قال المأمون :
ـ يا أبا الحسن لا عذر لك في رفض ولاية العهد بعد أن رفضت الخلافة وأنت تعرف اني لا أريد سوى مصلحة الأمة٨١ .
أجاب الامام :
ـ إنّي لا رغبة لي في هذا الأمر.
لم يستطع المأمون أن يتحمّل اكثر من ذلك :
ـ أشكّ في صدقك ولا أنخدع بما تتظاهر من زهد
هتف الامام بألم :
ـ والله ما كذبت منذ خلقني ربّي ، وما زهدت في الدنيا للدنيا وإني لأعلم ما تريد!
انتفض المأمون كمن سعلته عقرب :
ـ وما أريد؟!
ـ تريد بذلك أن يقول الناس : ان علي بن موسى لم يزهد في الدنيا ، بل زهدت الدنيا فيه ، ألا ترون كيف قبل ولاية العهد طمعاً في الخلافة؟!
انفجر المأمون غيظاً :
ـ انك تتلقاني أبداً بما اكرهه ، وقد أمنت سطوتي ، فبالله أقسم لئن قبلت ولاية العهد ، والا اجبرتك على ذلك فإن فعلت ، والا اجبرتك على ذلك فإن فعلت ، والا ضربتُ عنقك »!
وساد صمت مهيب ، وكان المأمون ما يزال متحفّزاً كذئب واعتصم الامام بصمت الأنبياء ، ثم تكلّم بهدوء ، وكان ايقاع كلماته يعكس ما يموج في قلبه من أحاسيس ، نظر باتجاه السقف ولكن عيناه كانتا تخترقان الحجب وتهدّج صوته :
ـ اللهم انك قد نهيتني من الالقاء بيدي الى التهلكة ، وقد أُكرهت وأُضطررت كما اضطرّ يوسف
اللهم لا عهد الاعهدك ، ولا ولاية لي الا من قبلك ، فوفقني لإقامة دينك ، واحياء سنّة نبيّك محمد ، فانك أنت المولى وأنت النصير »٨٢ .
هتف المأمون مسروراً.
ـ واخيراً قبلت؟!
ـ ان لي شروطاً.
ـ؟!
ـ لا أعين أحداً.
لا أعزل أحداً.
لا أنقض رسماً.
وإنّما أكون مشيراً في شؤون الدولة من بعيد٨٣ .
ـ لك ذلك.
ونهض الامام وهو يتمتم :
ـ إنّا لله وإنّا إليه راجعون « وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ، إن الحكم الا لله يقضي بالحق وهو خير الفاصلين »٨٤ .
وفي تلك الليلة تجمعت الدموع في عيني الامام٨٥ كغيوم ممطرة ، إنّه يدرك الاعيب ثعلب بني العباس يعرف كل أهدافه ونواياه ولكن هيهات لن يحصد من ذلك الا ندماً.
وفي تلك الليلة سهر المأمون يسطّر وثيقة ولاية العهد ولتنسج العنكبوت آخر خيط في بيتها الواهن.
١٧
أطلّ رمضان بوجهه الكريم ، وبدت السماء أكثر شفافية ، والأشياء أكثر رقّة ، والنفوس أسرع تأثراً ، وقد طبعت السكينة دنيا الناس ، وبدت العيون أكثر روحانية واختفت في أغوارها السحيقة ما ينعكس فيها من رغبات مجنونة وشهوات
أمّا قصر الخلافة فقد كان غارقاً في ضجيج وحركة لم يعهدها من قبل فقد تكامل وصول رجال الدولة ، وكان المأمون قد دعا الى اجتماع مصيري بعد أن أكمل إعداده لوثيقة ولاية العهد.
بدا المأمون سعيداً وكان يتصوّر في أعماق نفسه بأنّه قد أحرز نصراً مؤكداً والى جانبه كان الامام بوجهه الهادئ ،
وعينيه اللتين تشعّان رحمة ويشوب نورهما حزن لا يعرف سرّه ، فيما سرد الوجوم بقية رجال الدولة وفي طليعتهم رئيس الوزراء الفضل بن سهل ونجله الفضل والقاضي يحيى بن أكثم ، وبشر بن المعمر وحماد بن النعمان.
نهض المأمون وبيده جلد غزال ملفوف بعناية فنشره ليقرأ ونهض الجميع إجلالاً :
ـ بسم الله الرحمن الرحيم « هذا كتاب كتبه عبدالله بن هارون الرشيد أمير المؤمنين لعلي بن موسى بن جعفر » لم يزل أمير المؤمنين منذ أن أفضت إليه الخلافة فاختبر بشاعة مذاقها وثقل محملها فأنصب بدنه وأسهر عينه مختاراً لولاية عهده في أهل بيته من ولد عبد الله بن العباس ، وعلي بن أبي طالب فكان خيرته في البيتين جميعاً : علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب »٨٦ .
وخشعت القلوب للأسماء المقدّسة في شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ، وكان المأمون يضغط على الكلمات لتكون واضحة مفهومة خاصّة عندما وصل المقطع الأخير :
ـ وسمّاه الرضا إذ كان رضا عند أمير المؤمنين
فبايعوا لأمير المؤمنين وللرضا من بعده علي بن موسى على اسمه وبركته بيعة مبسوطة إليها ايديكم مشرعة لها صدروكم
وألقى المأمون نظره خاطفة على حميد بن مهران :
ـ عالمين بما أراد أمير المؤمنين بها فسارعوا الى طاعة الله وطاعة أمير المؤمنين ، فانه الأمن ان سارعتم إليه
ولم ينس الخليفة الاعلان عن التاريخ :
كتبت يوم الاثنين لسبع خلون من رمضان سنة إحدى ومئتين
وتقدّم المأمون بأدب متكلّف الى الامام :
ـ اكتب بيدك بقبول العهد!
أخذ الامام الصحيفة وشرع يكتب لكأنه يفضح كل خطط المأمون ونواياه :
« الحمد لله الفعّال لما يشاء ، ولا مقعب لحكمه ، ولا رادّ لقضائه يعلم خائنة الأعين ، وما تخفي الصدور ، وصلاته على نبيه خاتم النبيين وآله الطيبين الطاهرين
أقول وأنا علي بن موسى بن جعفر : ان أمير المؤمنين ـ
عضده الله بالسداد ووفقه للرشاد ـ عرف من حقنا ما جهله غيره فوصل أرحاماً قطعت ، وآمن أنفساً فزعت
وإنّه جعل اليّ عهده ، والأُمرة الكبرى ـ إن بقيت بعده ـ فمن حلّ عقدة بشدّها ، وفصم عروة أحب الله إيثاقها فقد أباح الله حريمه ، وأحل حرمه ، إذ كان بذلك زارياً على الامام ، منتهكاً حرمة الاسلام
بذلك جرى السالف ، فصبر منه على « الفلتات » ، ولم يعرض على العزمات خوفاً من شتات الدين ، واضطرب حبل المسلمين ، ولقرب أهل الجاهلية ، ورصد « فتنة » تنتهز وبائقة تبتدر.
وقد جعلت الله على نفسي ـ إن استرعاني أمر المسلمين وقلّدني خلافته ـ العمل فيهم عامّة ، وفي بني العباس بن عبد المطلب خاصّة بطاعته وطاعة رسوله.
وأن لا اسفك دماً حراماً.
ولا أبيح فرجاً ولا مالاً.
الا ما سفكته حدود الله ، وأباحته فرائضه.
وأن اتخيّره الكفاة جهدي وطاقتي.
وجعلت بذلك على نفسي عهداً مؤكداً يسألني الله عنه فإنه عز وجل يقول :وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا.
وإن احدثت أو غيّرت أو بدّلت ، كنت للغير مستحقاً وللنكال متعرّضاً وأعوذ بالله من سخطه ، وإليه أرغب في التوفيق لطاعته ، والحول بيني وبين معصيته في عافية لي وللمسلمين
و« الجامعة » و« الجفر » يدلّان على غير ذلك ، وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن الحكم الا لله يقضي بالحق وهو خير الفاصلين
لكنّي امتثلت أمر أمير المؤمنين وأشهدت الله على نفسي وكفى بالله شهيد.
وكتبت بخطي بحضرة أمير المؤمنين أطال الله بقاءه والفضل بن سهل ، وسهل بن الفضل ، ويحيى بن اكثم وبشر بن المعتمر ، وحماد بن النعمان في شهر رمضان سنة إحدى ومئتين »٨٧ .
كان حميد بن مهران منحسباً الى نفسه ، وقد انتابته الهواجس ، فعلي بن موسى ليس رجلاً عادياً ، فربما يستطيع أن يستغل هذه الحادثة ويحوّلها الى ثورة يتمكّن بعدها من قلب
نظام الحكم ويخرج الخلافة من العباسيين الى العلويين والى الأبد ان المأمون لايعرف ماذا يفعل ، ولا يقدّر العواقب!!
أما يحيى بن أكثم فقد اكتشف ان علي بن موسى لم يكن راضياً أبداً بولاية العهد وأنه يشكّ في نوايا المأمون والا ما معنى أن يكتب :
« يعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور » « إن بقيت بعده » « والجامعة والجفر يدلان على ضد ذلك »؟؟
وكان المأمون يداري بعض قلقه بابتسامة باردة ، وتظاهر بمراقبة الفضل الذي جاء دوره ليكتب :
ـ رسم أمير المؤمنين أطال الله بقاءه قراءة مضمون هذا المكتوب ظهره وبطنه بحرم سيدنا محمدعليهالسلام بين الروضة والمنبر على رؤوس الاشهاد ومرأى ومسمع من وجوه بني هاشم ، وسائر الأولياء والأجناد وهو يسأل الله أن يعرف أمير المؤمنين وكافّة المسلمين الحجة به على جميع المسلمين ، وأبطل الشبهة التي كانت اعترضت آراء الجاهلين : « وما كان الله ليذر المؤمنين على ما انتم عليه ».
وجاء دور القاضي فكتب :
ـ شهد يحيى بن أكثم على مضمون هذه الصحيفة ظهرها
وبطنها :
اما حمّاد فكتب :
ـ شهد حمّاد بن النعمان بمضمون الكتاب ظهره وبطنه.
وقبل أن ينفض الاجتماع ، كان المأمون قد أصدر أوامره بعقد مهرجان شعبي يحضره رجال الدولة وقادة القوات المسلحة وكافة طبقات الشعب ، اضافة الى زعماء البيتين العلوي والعباسي.
١٨
كان يوم الثلاثاء ٨ رمضان سنة ٢٠١ هـ يوم عيد شعبي ، فقد شهدت الأزقة كوكبات من الفرسان والجنود بملابسهم الرسمية يتوجّهون الى الميدان استعداداً للمهرجان ، فيما إنهمك رجال البلاط والديوان في اعداد مكان يليق بالخلافة.
اتخذ رجال الجيش وقادة الفرق العسكرية ، والجنود أماكنهم في خطين يشكّلان عند « دست » الخلافة نقطة الالتقاء ثم ينفرجان كلما يبتعدان مشكّلين مثلثاً قاعدته طبقات الشعب التي بدأت بالتوافد لاعلان بيعتها لولي العهد الجديد.
بدأ توافد المواكب الرسمية لرجال الدولة ، وكان موكب الفضل مهيباً جدّاً أعقبه موكب المأمون الذي فاق وزيره أُبهّة ،
وتلا ذلك موكب ولي العهد وقد فوجئ الناس تماماً ولكنهم نهضوا إجلالاً كان موكباً متواضعاً فقد كان الامام ممتطياً بغلة شهباء ، مطرقاً برأسه تواضعاً وبدا بحلته البيضاء رمزاً للسلام القادم.
اتخذ المأمون مكانه على دست الخلافة الذي أُلحق بوسادتين عظيمتين لولي العهد.
كان الامام يرتدي عمامة مورّدة متقلداً سيفاً جالساً في مكانه في سكون وطمأنينة واتزان لم تصدر عنه أيّة حركة ، ومع ذلك ، فقد بدا نقطة المركز في ذلك التجمّع الرسمي والشعبي الواسع.
حتى عندما تحدّ ث المأمون وأعلن ما ورد في وثيقة ولاية العهد كان معظم الناس ينظرون الى الرضا من آل محمد ، ان الذين حضروا ذلك الاحتفال لابدّ وأنهم اكتشفوا بأن سرّاً ما جعل قلوب الناس تتجه الى الامام بحب!!
كان الامام ما يزال ساكناً ، وكانت سكينته تعكس بجلاء الهدوء المطلق في أعماقه وتركّز وجوده كلّه في نقطة ما نقطة لا يمكن أن تكون في الأرض أبداً.
أومأ المأمون الى ولده العباس٨٨ فتقدّم ليبايع الامام ،
والتفت الخليفة ليقول :
ـ ابسط يدك للبيعة!
وفي هذه اللحظة نهض الامام بقوّة ، ورفع كفّه اليمنى عالياً مع انحناءة أخاذه باتجاه الشعب ، وهتف :
ـ « ان رسول اللهعليهالسلام هكذا كان يبايع »٨٩ .
ونهضت الجماهير مأخوذة بمنظره ، ورفعت أكفّها كما يفعل الإمام معلنة بيعتها ومرّت القوات المسلحة من أمام دست الخلافة وقد رفع الجنود أيديهم وتمّت مراسم البيعة وعاد المثلث الى هدوئه مرّة أخرى وارتدى الامام بعض الأردية الرسمية التي غلُب عليها اللون الأخضر.
وأشرقت ابتسامات الفرح ، ورأى الامام أحد مواليه ، وهو يكاد يطير فرحاً ، فأشار اليه ، وما أسرع أن امتثل أمامه ودموع الفرحة تكاد تشرق من عينيه ، همس الامام في أذنه :
ـ « لا تشتغل قلبك بشيء مما ترى من هذا الأمر ، ولا تستبشر فإنه لا يتم »٩٠ :
وفي غمرة الفرح نهض المأمون وارتقى منبراً أُعدَّ للخطابة لتكون للخطبة صفتها الدينية المقدّسة :
ايها الناس جاءتكم بيعة علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب والله لو قرأت هذه الأسماء على الصمّ البكم لبرأوا بإذن الله »٩١ .
وعندما نزل من المنبر طلب من الامام أن يلقي خطاباً بهذه المناسبة ونهض الامام متهجاً نحو المنبر ، وبدا الرجل العلوّي الذي يتقدم باتجاه الخمسين وقد ظهرت بعض الشيب في ذقنه بدا في تلك اللحظات المثيرة إعصاراً من الطاقة الروحية ، وكانت الأنظار شاخصة وبدا ان الجماهير مبهورة به ، وكان المأمون يتضاءل شيئاً فشيئاً واستوى الامام على المنبر وانسابت كلماته هادئة موجزة ومعبّرة :
ـ أيّها الناس إن لنا عليكم حقاً برسول اللهعليهالسلام ولكم علينا حق به ، فإذا أديتم الينا ذلك ، وجب علينا الحق لكم ».
وأصيب المأمون بما يشبه الصدمة ، لقد كان يتوقع مديحاً من الامام أمام الجماهير ، وها هو يسمع رسالة مركّزة ، وأن والخلافة حقاً له وميراثاً مقدساً عن رسول اللهعليهالسلام ، وأن وفاء الأمّة شرط أساسي!!
وتعكّر صفو المهرجان الشعبي باحضار ثلاثة من رجال الدولة مصفّدين بالسلاسل وعرف الجميع هويّتهم فوراً ،
لا أحد يدري الاسباب التي دفعت بالخليفة الى احضارهم من السجن مقيدين.
وسيقوا حُسّراً حتى وقفوا أمام دست الخلافة ، وهتف إبن عمران محذراً :
ـ أعيذ بالله يا أمير المؤمنين أن تخرج هذا الأمر الذي جعله الله لكم وخصّكم به ، وتجعله في أيدي أعداءكم ، ومن كان آباؤك يقتلونهم ويشرّدونهم في البلاد!
عض المأمون على نواجذه وغمغم :
ـ ابن الزانية :
وصاح أبو يونس وهو يشير الى الامام الرضا محرّضاً :
ـ يا أمير المؤمنين هذا الذي بجنبك والله صنم يعبد!
وكان الرجل الثالث عيسى الجلودي ، وقد امتلأ بالرعب واشتعلت في ذاكرته ما فعل بمكة والمدينة قبل عامين من سلب ونهب في بيوت الطالبين!
ورأى الامام الرعب يطلّ من عيني الجلودي فمال على الخليفة يتوسّط له بالعفو ولكن الرجل ظن أن الامام يحرّض عليه فهتف متوسّلاً :
ـ يا أمير المؤمنين أسألك بالله وبخدمتي للرشيد أن لا تقبل قول هذا فيّ »٩٢ .
والتفت المأمون الى الرضا وقال بدهاء :
ـ يا أبا الحسن قد استعفى.
وخاطب المأمون الجلودي بغلظة :
لا والله لا أقبل قوله فيك.
والتفت الى الحراس
خذوهم الى السجن.
وعندما غادروا عاد الفرح مرّة أخرى واهتز بعضهم طرباً وهو يصغي الى قصائد الشعراء وكلمات الخطباء.
وكان « العباس » الخطيب ألمع من خطب وظل شعره الذي ختم به خطابه يردّده الناس أيّاماً :
لابد للناس من شمس والقمر |
فأنت شمس وهذا القمر٩٣ |
وصدرت في الختام ثلاثة قرارات هامّة :
ـ منح أفراد الجيش مرتّبات سنة كاملة.
ـ اعتبار اللون الاخضر الشعار الرسمي الجديد.
ـ سك عملة جديدة تحمل اسم الرضا في الدرهم والدينار.
١٩
كان القمر بدراً بهياً ، وقد مضى شطر من الليل ، ومن خلال نافذة في القصر ، كان الامام يطلّ على حديقة مغمورة بضوء فضي ، وقد انتصبت اشجار باسقة ، يتخللها جدول قد ارتفع خريره بسبب صمت الليل وتقابل الوجهان وجهه ووجه القمر ، وكانت نظرات تموج بعاطفة روحانية تشع من عينيه وانسابت كلمات كثيراً ما كان يرددها في حالة من الاستغراق والمناجاة:
ـ يا كنز الفقراء!
يا منقذ الغرقى!
انت الذي سجد لك سواد الليل
ونور نهار
وضوء القمر
وشعاع الشمس
وحفيف الشجر
ودويّ الماء
يا الله يا الله يا الله!
واتجه الامام الى القصر فهو على موعد مع الخليفة الذي قرّر أن تكون هذه الليلة ليلة صراع فكري.
سيكون اللقاء مع رجل جمد على ظواهر ألفاظ القرآن ونبذ عقله فلم يتمكّن من الغوص في أعماق القرآن ؛ ذلك العالم الرحب الواسع حيث تتألق المعاني المطلقة في قوالب محدودة كما تنعكس مرئيات الوجود الواسع في الانسان لتكون شاهداً على انها مجرّد نافذة لعقل الانسان ذلك المخلوق الذي أودع الله فيه سرّه.
إنّ أمثال « أبي قرّة » هم في الحقيقة ضحايا تلك النظرة السطيحة وضحايا الدسّ الذي بدأ في ظلّ الشجرة الملعونة شجرة تنبت في أصل الجحيم.
عندما ظهر الرجل الأسمر هبّ الجميع واقفين شباباً
وشيوخ تجمّع ما يشبه الثقل في نقطة واحدة
العيون والقلوب وكلّ المشاعر كانت تتجه نحوه.
إنّ ذاته المتسامية قد استقرّت في نقطة من الكمال المطلق ، إنّ مشاعر الكمال تتألق في سكينته.
انه يبدو متجرّداً يعيش في عالم غير هذا العالم الذي يعجّ بالشرور والفتن.
بدا أبو قرّة متحفزاً كثعلب ، وكان ذهنه يعيش أقصى حالات الاستعداد ، ذلك أن المأمون قد عهد اليه بإفحام الامام ولو في سؤال واحد فقط.
وبالرغم من جلوس الامام قرب الخليفة فقد بدا أن هناك جبهتين كان المأمون يتولّى قيادة معسكر مناهض للامام وإن تظاهر بعكس ذلك.
من أجل ذلك بدا محمد بن جعفر الصادق متوجساً الى حدّ ما من نتائج الجدل.
سوّى أبو قرّة ثوبه ليلقى سؤاله الأول معلناً بدء الصراع :
ـ أخبرني عن لسان الله الذي كلّم به موسى؟
الله أعلم بأي لسان كلّمه بالسريانية أم العبرانية.
ودلع ابو قرّة لسانه ثم قال :
ـ انما اسألك عن هذا اللسان.
إن أبا قرّة يتصور بان الله عندما كلّم موسى كلمه بلسان يشبه لسان الانسان.
من أجل هذا أجاب الامام :
ـ سبحان الله عما تقول!
معاذ الله أن يشبه خلقه أو يتكلم بمثل ما هم متكلمون ، ولكنه تعالى ليس كمثله شيء ، وكمثله قائل ، ولا فاعل.
ـ كيف ذلك؟
ـ كلام الخالق لمخلوق ، ليس ككلام المخلوق للمخلوق ولا يلفظ بشق الفم ولسان ، ولكن يقول : « كن » فكان بمشيئته ما خاطب به موسى من الأمر والنهي ، من غير تردد في النفس
ـ ما تقول في الكتب؟
ـ التوراة والانجيل والزبور والفرقان ، وكل كتاب أُنزل كان كلام الله انزله للعالمين نوراً وهدىً ، وهي كلّها محدثة ،
وهي غير الله حيث يقول :( ويحدث لهم ذكرا ) ٩٤ وقال :( ما يأتيهم نم ذكر من ربهم الا استمعوه وهم يلعبون ) ٩٥ ، والله أحدث الكتب كلّها التي أنزلها.
ـ هل تفنى الكتب؟
ـ أجمع المسلمون على أن ما سوى الله فانٍ ، وما سوى الله فعل الله ، والتوراة والانجيل والزبور والفرقان فعل الله ، ألم تسمع الناس يقولون : « رب القرآن » وأن القرآن يقوم يوم القيامة : « يا رب هذا فلان ، قد أظمأت نهاره وأسرت ليله فشفّعني فيه »؟
وكذلك التوراة والانجيل والزبور وهي كلها محدثة ، مربوبة أحدثها من ليس كمثله شيء ، هدى لقوم يعقلون.
فمن زعم انهن لن يزلن معه ، فقد قال : ان الله ليس بأول قديم ، ولا واحد وان الكلام لم يزل معه ، وليس له بدء ، وليس بالله ».
ـ إنّا روينا : ان الكتب تجيء يوم القيامة ، والناس في صعيد واحد قيام لرب العالمين ، ينظرون حتى ترجع فيه ، لانها منه ، وهي جزء منه فإليه تصير.
ـ هكذا قالت النصارى في المسيح إنه روح ، جزء منه ،
ويرجع فيه ، وكذلك قالت المجوس في النار إنها جزء منه ترجع فيه
تعالى ربّنا أن يكون متجزّءً أو مختلفاً ، وإنّما يختلف ويأتلف المتجزّئ لانَّ كل متجزّئ متوهم ، والكثرة والقلّة مخلوقة دالة على خالق خلقها.
ـ إنّا روينا : إنّ الله قسم الرؤية والكلام بين نبيين ، فقسم لموسى كلام ، ولمحمد الرؤية؟
ـ فمن المبلغ عن الله إلى الثقلين : الجن والانس : انه لا تدركه الابصار ، ولا يحيطون به علماً وليس كمثله شيء أليس محمدصلىاللهعليهوآله ؟
ـ نعم.
فكيف يجيء رجل الى الخلق جميعاً فيخبرهم : إنّه جاء من عند الله وإنّه يدعوهم الى الله بأمر الله ، ويقول : أنه لا تدركه الابصار ، ولا يحيطون به علماً ، وليس كمثله شيء ، ثم يقول : أنا رأيته بعيني ، وأحطت به علماً ، وهو على صورة البشر!!
أما تستحون؟!
حتى الزنادقة لم تقل هذا!
كيف يبلغ إنسان عن الله بأمر ثم يقول خلافه؟!
ـ ولكن القرآن يقول :( ولقد رآه نزلة أخرى ) ؟!
ـ ان بعد هذه الآية ما يدلّ على ما رأى حيث قال : « ما كذب الفؤاد ما رأى » يقول : ما كذب محمدصلىاللهعليهوآله ما رأت عيناه ، فقال : « لقد رأى من آيات ربّه الكبرى ».
فآيات الله غير الله ، وقال : « ولا يحيطون به علماً » فإذا رأته الابصار فقد أحاط به العلم ، ووقعت به المعرفة.
ـ فنكذّب بالرواية؟!
ـ إذا كانت الرواية مخالفة للقرآن كذّبتها.
ـ أين الله؟
الأين : مكان ، وهذه مسألة شاهد عن غائب ، فالله ليس بغائب ولا يقدمه قادم ، وهو بكلِّ مكان ، موجود مدبّر ، صانع حافظ ، ممسك السماوات والأرض.
ـ أليس هو في السماء دون سواها.
ـ هو الله في السماوات والأرض ، « وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله » ، « وهو الذي صوّركم في الارحام كيف يشاء » ، « وهو معكم اينما كنتم » ، وهو الذي استوى الى السماء
وهي دخان ، وهو الذي استوى على العرش.
قد كان ولا خلْق ، وهو كما كان إذ لا خلْق ، لم ينتقل مع المنتقلين.
فلماذا إذن يرفع الانسان كفّيه الى السماء عندما يدعو الله؟!
ـ إنّ الله استعبد خلقه بضروب من العبادة ، ولله مفازع يفزعون اليه فاستعبد عباده بالقول والعلم ، والعمل والتوجه ونحو ذلك ، استعبدهم بتوجيه الصلاة الى الكعبة ، ووجّه إليها الحج والعمرة ، واستعبد خلقه عند الدعاء ، والطلب ، والتضرّع ببسط الايدي ، ورفعها الى السماء حال الاستكانة ، وعلامة العبودية والتذلل
ـ من أقرب الى الله الملائكة أم أهل الأض؟
ـ إذا كنت تعني المسافة فان الأشياء كلّها باب واحد هي فعله لا يشتغل ببعضها عن بعض ، يدبّر أعلى الخلق من حيث يدبّر أسفله ، ويدبّر أوله من حيث يدبّر آخره من غير عناء ، ولا كلفة ولا مؤونة ، ولا مشاورة ولا تعب ، وإن كنت تعني الوسيلة ، فأطوعهم لله أقربهم اليه ، وأنتم تروون : أن اقرب ما يكون العبد الى الله وهو ساجد ورويتم أن أربعة أملاك التقوا أحدهم من
أعلى الخلق وأحدهم من أسفل الخلق ، وأحدهم من شرق الخلق ، وأحدهم من غرب الخلق ، فسأل بعضهم بعضاً فكلهم قال : « جنت من عند الله » أرسلني بكذا وكذا ، ففي هذا دليل على أن ذلك في المنزلة دون التشبيه والتمثيل.
ـ أتقرّ أن الله محمول؟
ـ كلّ محمول مفعول ، ومضاف إلى غيره محتاج. فالمحمول اسم نقص في اللفظ ، الحامل فاعل ، وهو في اللفظ ممدوح ، وكذلك قول القائل : فوق ، وتحت ، وأعلى وأسفل ، وقد قال الله تعالى :( له الاسماء الحسنى فادعوه بها ) ولم يقل في شيء من كتبه إنّه محمول بل هو الحامل في البرِّ والبحر ، والممسك للسماوات والأرض والمحمول ما سوى الله ، ولم نسمع أحداً آمن بالله وعظّمه قط قال في دعائه : يا محمول؟
ـ أفنكذب بالرواية؟ ان الله إذا غضب يعرف غضبه الملائكة الذين يحملون العرش ، يجدون ثقله في كواهلهم ، فيخّرون سجداً فاذا ذهب الغضب خف ، فرجعوا الى موقفهم؟!
وتأثر الامام من الروايات والاحاديث التي دسّت على مرّ الايام فراحت تشوش على حقائق القرآن فقال بصوت فيه غضب وحزن :
ـ أخبرني عن الله تبارك وتعالى منذ لعن ابليس الى يومك هذا والى يوم القيامة فهو غضبان على ابليس وأوليائه أو عنهم راض؟!
فاجاب أبو قرّة مستسلماً :
ـ نعم هو غضبان عليه.
ـ فكيف تجترئ أن تصف ربّك بالتغيّر من حال الى حال ، وانه يجري عليه ما يجري على المخلوقين؟!!
سبحانه لم يزل مع الزائلين ولم يتغير مع المتغيّرين.
وأطرق ابو قرّة رأسه لكأنه ينظر الى حطام اسئلته وشبهاته وكل أدلّته الخاوية.
وبرق احساس بالنصر في عيني محمد بن جعفر ، أما الخليفة فقد بدا ساهماً مع محاولة باظهار احساس كاذب بالفرح.
٢٠
طارت انباء الفرح الى المدن والحواضر كفراشات تبشر بالربيع.
في يثرب مدينة النبيصلىاللهعليهوآله ارتقى عبد الجبار المساحيقي أعواد المنبر في المسجد المقدّس ليهتف عالياً :
ـ أيها الناس هذا الأمر الذي كنتم فيه ترغبون ، والعدل الذي كنتم تنتظرون ، والخير الذي كنتم ترجون ، هذا علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ستة آباؤهم من خير من يشرب صوب الغمام »٩٦ .
أمّا بغداد فقد ثار بركان الحقد العباسي وقام التنّين٩٧ ، وقام معه بنو العباس ، فأعلنوا خلع المأمون وولي عهده.
وسقطت بغداد في هاوية الفوضى ، بعد أن إمتهنت الخلافة لتصبح العلوبة بيد المغنّي « ابن شكله » الذي لا يحسن غير الضرب على العود.
وفي فترة وجيزة عمّت الفوضى والفساد بغداد ، واصبح الشارع تحت سيطرة اللصوص والناهبين ، وانتشرت ظاهرة السرقة وانتهاك الأعراض.
وتألفت فرق شعبيّة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمقاومة الفساد.
وانفجر الصراع المسلّح في الكوفة بين انصار العباسيين وانصار المأمون ، أمّا مكة فقد استقبلت الانباء من مرو بفرح.
وما لبثت المقاومة أن انتهت بسبب ثقل الامام الرضا الشعبي ، وأصبحت بغداد معزولة عن الاقاليم باستثناء سيطرتها على مدينة الكوفة.
أوشك ذو القعدة ، على الانطواء ، وكانت الغيوم الربيعية تتألق في السماء ثم تكتسحها رياح شمالية ، ولم يكن المطر ليبشّر بموسم خصب ، فلم يهطل المطر طيلة الشتاء ، ولم يأت الربيع الا بزخّات خفيفة ، لا تغني ولا تسمن من جوع.
لم يفكر المأمون في التوجه الى حج بيت الله الحرام ،
وتذكر بعضهم كلمات قالها الامام الرضا قبل سنوات طويلة في مكة عندما كانت الرشيد يطوف الكعبة : إنّ هارون آخر من يحج من هذا البيت٩٨ !
لملم ذو القعدة أيامه الأخيرة ، ليطلّ هلال ذو الحجة في السماء ، فبدا مثل ابتسامة وسط سماء تناثرت فيها غيوم كابية ، وفي الليلة التالية اصبح مثل زورق تائه يعبر السماء على عجل
وفيما كان المسلمون يطوفون حول البيت العتيق والمدن القريبة من البصرة تتلقى بوجوم انباء ثورة الزنوج وأخبار عن القتل والنهب.
وعاشت المدينة المنورة تلك الأيام وهي تنظر الى المستقبل بأمل.
وكان هناك بيت كريم تضيء نوافذه بنور شفاف بيت يعيش فيه آل علي ، وقد ورد من « مرو » كتاب كريم انه من أبي الحسن ، وإنّه :
بسم الله الرحمن الرحيم
« فدتك نفسي
بلغني أن الموالي إذا ركبت أخرجوك من باب البستان
الصغير وانّما ذاك من بخل فيهم لئلّا ينال أحد منك خيراً!
فأسألك بحقي عليك لا يكن مدخلك ومخرجك الا من الباب الكبير.
وإذا ركبت ان شاء الله فليكن معك ذهب وفضة ، لا يسألك أحد شيئاً الا أعطيته ، ومن سألك من عمومتك أن تبرّه فلا تعطه أقل من خمسين ديناراً ، والكثير إليك.
ومن سألك من عمّاتك فلا تعطها أقل من خمسين ديناراً ، والكثير إليك ومن سألك من قريش ، فلا تعطه أقل من خمسة وعشرين ديناراً ، والكثير إليك.
إني إنما أريد أن يوفقك الله ، فاتق الله ، واعط ولا تخف من ذي العرش اقتارا »٩٩ .
وفي تلك الليلة كانت فاطمة تبكي من أجل شقيقها ، فهي وحدها التي تدرك محنته أن ولاية العهد التي فرح له العلويون ليست الا بيتاً نسجها العنكبوت ها هم أخوتها : أحمد ، محمد ، حسين ورجال من بني عمومتها يفكّرون بالهجرة الى مرو ، لقد بدأ عهد جديد ، وقد عاد المشرّدون الى ديارهم وأهليهم ، وظهر المختبئون والمطاردون.
لقد استمعت فاطمة الى وثيقة ولاية العهد عندما قُرأت في
المسجد النبوّي ، خاصّة ما كتبه أخوها الرضا ، ورأت فيها ما يبعث على الأمل ان أخاها يبذل المستحيل في إعادة هذه الأمة الضائعة الىجادة الصواب.
فما معنى قوله : « وقد جعلت الله على نفسي ان استرعاني أمر المسلمين وقلّدني خلافته العمل فيهم بطاعته وطاعة رسوله
وأن أتخيّر الكفاة جهدي وطاقتي »؟!
ان فاطمة لن تتركه وحيداً فستسافر اليه ، ستطلب من ابن اخيها مالاً تستعين به على رحلتها الى « مرو ».
الناس يستبشرون بتعيين الرضا وليّاً للعهد ، وقد أمِنَ العلويين ، ولم يعد هناك من خوف.
ونهضت فاطمة ، للصلاة في محرابها ، هكذا تفعل كلّما تناهبتها الهواجس.
الله سبحانه وحده الذي يعلم ما في ذلك القلب الرقيق الطاهر من هموم انها لن تتحمّل أكثر من هذا شيء ما يشدّها الى « مرو » أو الى نقطة ما لا تعرفها أين؟!
٢١
كان المأمون يحدّق في ضيفه ، لم يكن ضيفاً في الحقيقة ، فسلمان المروزي كان فيلسوف خراسان وله شهرة واسعة في مرو مسقط رأسه ، ما حاور أحداً الا أعجزه وأسكته ، قال المأمون وقد انبعث في قلبه أمل :
ـ أتدري لم أرسلت وراءك؟
ـ كلّا يا أمير المؤمنين!
ـ ان ابن عمي علي بن موسى الرضا قد قدم عليّ من الحجاز ، وهو يحبّ الكلام وأصحابه ، فلا عليك أن تصير الينا يوم التروية١٠٠ لمناظرته.
ـ ولكن يا أمير المؤمنين لا أحب أن أسأله في مجلسك!
ـ لماذا؟
ـ ان العلويين لا يغفرون لي ذلك إذا عجز عن الجواب.
ـ لا تخشَ شيئاً ، إنّما وجهت اليك لمعرفتي بقوّتك ، ولا غاية لي سوى أن تعجزه ولو بسؤال واحد.
ـ سأتحمل العواقب يا أمير المؤمنين فاجمع بيننا.
ـ موعدنا يوم التروية؟
ـ سمعاً وطاعة يا سيدي بعد غدٍ سأكون بين يديك.
وعندما غادر الرجل المروزي ، استدعى الخليفة وزيره ليكلّفه مهمة ترتيب مجلس حافل لكي يشهدوا اصطراع الأفكار.
كانت خطة المأمون هي الحط من شأن الامام الرضا شيئاً فشيئاً باظهاره عجزه عن الجواب في مجلس يضم كبار العلماء ، وهذا ما يمهّد الطريق للتخلص منه ، وافهام الأمة أن العلويين لا يختلفون عن غيرهم ، فهم يحبّون الدنيا ، ويجهلون كثيراً من المسائل العلمية!
وفيما كان الحجيج في مكّة ينطلقون الى منى كان مجلس المأمون يغصّ بالعلماء وأصحاب النفوذ في الدولة ، جلس الامام وجلس في قباله سليمان ، نظر سليمان الى المأمون ، والتفت المأمون الى الامام قائلاً :
ـ هذا سليمان المروزي.
واكتفى الامام بإبتسامة.
وخاطب المأمون سليمان قائلاً :
ـ سل أبا الحسن عما بدا لك وعليك بحسن الاستماع والانصاف.
لملم سليمان ثوبه استعداداً ، وبدأ اسئلته :
ـ ما تقول فيمن جعل الارادة اسماً وصفة مثل : حي ، سميع ، بصير وقدير؟
ـ انما تقول : حدثت الاشياء واختلفت لانه شاء وأراد ، ولم تقولوا : حدثت الاشياء واختلفت لانه سميع بصير فهذا دليل على إن الارادة والمشيئة ليستا مثل سميع ولا بصير ولا قدير.
ـ فانه لم يزل مريداً
ـ يا سليمان فإرادته غيره؟
ـ نعم.
ـ قد اثبتَّ معه شيئاً لم يزل؟!
ـ مااثبت
ـ فهل الارادة محدثة؟
ـ لسيت محدثة!
وتعلثم المروزي لقد وقع في مأزق ، ها هو يناقض نفسه : ليست أزلية وليست محدثة!!
انزعج المأمون وخاطبه بمرارة :
ـ عليك بالانصاف اما ترى من حولك من أهل النظر؟!
والتفت المأمون الى الامام وقال باحترام :
ـ كلّمة يا أبا الحسن فانه متكلم خراسان!
والتفت الامام الى خصمه:
ـ الإرادة أهي محدثة؟
ـ ما هي محدثة.
ـ يا سليمان هي محدثة ، لان الشيء إذا لم يكن أزلياً كان محدثاً ، واذا لم يكن محدثاً كان أزلياً.
ـ الإرادة منه أي من الله ؛ كما إن سمعه وبصره وعلمه منه.
ـ فهل أراد نفسه؟
ـ لا.
ـ فليس المريد مثل السميع البصير.
ـ إنّما أراد نفسه ، كما سمع نفسه ، وأبصر نفسه ، وعلم نفسه
وسدّد الامام له سؤالاً.
ـ ما معنى أراد نفسه؟ أراد أن يكون شيئاً ، وأراد أن يكون حيّاً أو سميعاً أو بصير أو قديراً؟
وارتبك سليمان ولكنّه قال :
ـ نعم.
ـ أفبإرادته كان ذلك!
وسقط المروزي في هوّة التناقض عندما قال :
ـ نعم.
عندها انقض الامام :
ـ فليس لقولك : أراد أن يكون حيّاً ، سميعاً ، بصيراً معنى إذ لم يكن ذلك بارادته!
ولم يدرِ المروزي ماذا يقول ولكنه هتف مكابراً :
ـ بلى كان ذلك بإرادته.
وانفجر الحاضرون بالضحك لتضارب اجوبته ، وابتسم الامام وخاطب الحضور :
ـ رفقاً به.
والتفت الى خصمه الحائر :
ـ يا سليمان فقد حال الله ـ عندكم ـ عن حالة وتغيّر عنها ، وهذا ما لا يوصف الله به.
وسكت سليمان فقال الامام :
ـ يا سليمان أسألك عن مسألة؟
ـ سل جعلت فداك.
ـ أخبرني عنك وعن أصحابك تكلّمون الناس بما تفقهون وتعرفون؟ أو بما لا تفقهون ولا تعرفون؟
ـ بل بما نفقته ونعلم.
ـ فالذي يعلمه الناس : إنّ المريد غير الارادة ، وإنّا المريد قبل الارادة ، وإن الفاعل قبل المفعول وهذا يبطل قولكم : إن الارادة والمريد شيء واحد.
أجاب سليمان وهو يسقط في الخندق المضاد للبدهيات العقلية :
ـ جعلت فداك ليس ذلك منه على ما يعرف الناس ، ولا على ما يفقهون.
وهنا اندفع الامام ليمجد فطرة الانسان وعقله!
ـ إذن فأنتم تدعون علم ذلك بلا معرفة ، وقلتم : الارادة كالسمع والبصر إذا كان ذلك عندكم على ما يُعرف ، ولا يُعقل!!
وسكت سليمان وقف عاجزاً عن مجابهة الحقائق.
وسأله الامام ليقوّض كل علاقه :
ـ يا سليمان! الارادة فعل أم غير فعل؟
ـ بل هي فعل.
فهي محدثة إذن لأن الفعل محدث.
ومرّة أخرى ناقض نفسه عندما قال :
ـ ليست الإرادة فعلاً!
ـ فهل هي مع الله أزلية؟.
وفرّ سليمان الى قلعة أخرى :
ـ الارادة هي الانشاء.
ـ هذا الذي أدنتم به « ضرارا » واصحابه في قولهم : « إنّ كل ما خلق الله في سماء أو أرض أو بحر ؛ من كلب وخنزير أو قرد أو انسان هو إرادة الله ، وإن ارادة الله تحيا وتموت ، وتذهب ، وتأكل وتشرب ، وتلتذ ، وتظلم ، وتفعل الفواحش ، وتكفر ، وتشرك »!!
وراح المزوري يراوغ فاختبأ وراء مقوله صرعت قبل قليل :
ـ الارادة كالسمع والبصر والعلم.
ـ هل أن السمع والبصر والعلم مصنوع؟.
ـ لا.
فكيف تنفي ذلك؟ قلت : لم يرد ، مرّة أخرى قلت : أراد ، وهي ليست بمفعولة له.
وحار سليمان فقال :
ـ انما ذلك كقولنا : مرّة علم ، ومرّة لم يعلم.
ـ ليس ذلك سواء ، لان نفي المعلوم ليس كنفي العلم ، ونفي
المراد نفي الإرادة أن تكون ، لان الشيء إذا لم يرد لم تكن إرادة فقد يكون العلم ثابتاً وإن لم يكن المعلوم
فقد يكون الانسان بصيراً ، وإن لم يكن المُبصَر.
وأجاب سليمان مهزوماً :
ـ الإرادة مصنوعة.
ـ فهي محدثة ، ليست كالسمع والبصر ، لان السمع والبصر ليسا مصنوعين.
ـ الارادة صفة من صفاته.
ـ الى متى تردد ذلك!! فصفته محدثة أو أزلية؟
ـ محدثة.
ـ الله اكبر الارادة محدثة وإن كانت صفة من صفاته لم تزل فلم يرد شيئاً ، إنّ الازلي لا يكون مفعولاً.
وهُزم سليمان ولكنّه ظل يكابر!
ـ انها كالسمع والبصر والعلم.
وهنا انفجر المأمون غيظاً لهزيمته ولمكابرته فصاح به ليفتح أمامه طريقاً للفرار :
ـ ويلك يا سليمان كم هذا الغلط والتردّد؟! إقطع هذا وخذ في غيره ، فلست تقوى على غير هذا الردّ!
والتفت الامام الى المأمون :
ـ دعه يا أمير المؤمنين ، لا تقطع مسألته ، فيتخذ من ذلك حجة.
والتفت الامام الى خصمه :
ـ تكلّم يا سليمان!
ـ الارادة كالسمع والبصر والعلم.
ـ ما معنى هذه ، هل لها معنى واحد أم معان مختلفة؟
ـ معني واحد.
ـ فمعنى الارادات كلها معنى واحد؟
ـ نعم.
فاذا كان معناها واحداً ، كانت إرادة القيام وإرادة القعود وإرادة الحياة ، وإرادة الموت شيئاً واحداً.
وفرّ مرّة أخرى :
ـ إن معناها مختلف.
ـ فهل المريد هو الارادة أم غيرها؟
ـ بل هو الارادة.
ـ المريد عندكم مختلف إذا كان هو الارادة.
ـ يا سيدي عندكم مختلف إذا كان هو الارادة.
ـ يا سيدي ليس الارادة المريد.
ـ فالارادة محدثة.
ـ انها اسم من اسمائه.
ـ هل سمّى نفسه بذلك؟
ـ لا.
ـ ليس من حقّك أن تسمّيه بما لم يسمّ به نفسه.
ـ قد وصف نفسه بأنه مريد.
ليس صفته نفسه ، انه مريد اخبار عن إنه إرادة ولا أخبار عن إن الارادة اسم من أسمائه.
ـ لأنّ ارادته علمه.
ـ فهل إذا علم الشيء فقد أراده؟
ـ أجل.
ـ وإذا لم يرده لم يعلمه؟
ـ أجل.
وانتفض الامام ينسف فكره الهزيل :
ـ ما الدليل على أنّ إرادته علمه ، وقد يعلم ما لا يريد أبداً وهذا قوله عز وجل :( لئن شئنا لنذهبنَّ بالذي أوحينا اليك ) فهو إذن يعلم كيف يذهب به ، وهو لا يذهب به أبداً.
ـ لأنه قد فرغ من الأمر فليس يزيد فيه شيئاً.
ـ هذا رأي اليهود فما معنى قول الله تعالى إذن :( ادعوني استجب لكم )
ـ انما عنى بذلك إنّه قادر عليه.
ـ فهل يعد الله تعالى مالا يفي به؟! وهو القائل :( يزيد في الخلق ما يشاء ) ، وهو القائل :( يمحو الله ما يشاء وعنده أمُّ الكتاب ) .
وهتف سليمان متشبثاً بقشّة :
ـ الارادة هي القدرة.
فقال الامام مسدّداً له الضربة الأخيرة :
ـ ان الله سبحانه يقدر على ما لا يريده أبداً ، ولابدّ من ذلك قال الله تبارك وتعالى :( ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا اليك ) فلو كانت الارادة هي القدرة ، كان قد أراد أن يذهب به لقدرته.
وسكت المروزي وقد هزم هزيمته ساحقة.
والتفت المأمون حتى لا يسخر هو الآخر فجعل النصر من نصيب بني هاشم جيمعاً:
ـ يا سليمان هذا أعلم هاشمي!
٢٢
اصبح منظر الغيوم وهي تعبر السماء « مرو » مألوفاً ولم يعد أحد ينظر بأمل الى تلك القطع البيضاء التي تمخر عباب السماء كسفن تائهة.
الناس وخاصّة كبار السنّ من المزارعين يتهاسمون عن مجاعة وقعت في زمن بعيد مجاعة اختطفت منهم الطمأنينة والأمل.
في الليالي كانوا يجتمعون حول المواقد ويتسامرون ان السماء قد حبست عنهم نعمة الماء! وكان قلق وخوف من شبح الجوع يطلّ من العيون ولم يكن الشبّان بأسعد حالاً من الشيوخ ، لقد بدا الأمر جادّاً فمرو بل وخراسان كلّها انهارها
وحقولها ترتبط مصيرياً بما تجود به الغيوم.
وكانت الأخبار التي تأتيهم من اصفهان والريّ جعلتهم يفكّرون بجد في المستقبل في ذلك الجوّ المترع بالأسى اطلّ عيد الاضحى.
وفي ليلة العيد جاء المأمون الى الامام وطلب منه أن يصلي الناس صلاة العيد وذكّر الامام الخليفة بالشروط المتفق عليها وهي عدم تدخّله في شؤون الدولة :
ـ قد علمت ما كان بيني وبينك من الشروط!
ـ هذا صحيح ، ولكنّي إنما أريد بهذا أن يرسخ في قلوب العامّة والجنود هذا الأمر
ـ أليس في هذا خرقٌ للشروط؟؟
ـ بحياتي عليك.
وسكت الامام قليلاً ثم قال :
ـ إذا كان ولابدّ فإني سأخرج للصلاة كما خرج جدّي رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأبي علي بن أبي طالب.
ـ أخرج كيف تشاء!
وأذيع النبأ في مرو ، وأُحيط قادة الجيش بالأمر ، كان
المأمون يهدف من وراء زجّ الامام في مراسم كهذه الى اظهاره كرجل من رجال الدولة ، فلعلّ مظاهر الأبهّة تخدع الامام ، وتصرعه ، وكان له هدف آخر أن يقرن ظهوره بالقحط والجوع الذي أطلّ برأسه المخيف على الناس ، خاصّة وقد بدأ بعض المغرضين ينفثون سمومهم وكانوا يُرجفون بان انقطاع المطر حصل بسبب تولّي الرضا ولاية العهد.
طلعت الشمس ، ظهر طرفٌ من القرص المتألق الذي يشبه سبيكة ذهب ، واحتشد افراد الجيش أمام منزل الامام ليحفّوا موكبه الى حيث تقام صلاة العيد في الهواء الطلق.
وكانت أسطح المنازل المطلّة والقريبة من المنزل تكتظُّ بالجماهير التي كانت تنتظر طلعة الامام.
كان الرجل الذي يحمل ميراث الانبياء قد اغتسل ، وبعض قطرات الماء تتألق فوق جبنيه المضيء ، واستكمل ارتدائه ثياباً بيضاء بلون حمائم السلام واعتم بعمامة بيضاء وقد أرخى طرفها الأول فوق صدره والطرف الآخر بين كتفيه ، وطلب من مواليه أن يفعلوا مثله ، وأن يقتدوا بحركاته عندما يخرج الى الصلاة.
أمسك بعكّازة وغادر المنزل حافياً وفوجئ الجميع
بطلعته البسيطة ثياب بيضاء ناصعة قصيرة ، وخلفه رجال يرتدون مثل هيئته!!
وقف الامام عند عتبة الباب وهتف عالياً وهو ينظر الى السماء الزرقاء :
ـ الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر.
الله أكبر على ماهدانا
الله أكبر على ما رزقنا
الحمد لله على ما أولانا
وردد الرجال خلفه الكلمات المقدسة.
وبدأ الموكب العجيب يشق طريقه بين صفين طويلين من الجنود.
قطع الامام عشر خطوات ، وتوقف ليردّد كلمات الثناء والحمد لله رب العالمين.
وراحت الجماهير تردّد كلمات التكبير ، وقفز القادة والجنود بأنفسهم من فوق الخيول ، وكان أحسنهم حالاً من عنده سكين ليقطع أربطة حذاءه وليحتفي.
لا أحد يعرف سرّ البكاء سرّ الدموع هل هي دموع فرح أم دموع شوق الى هويّة فقدت منذ زمن بعيد وربّما تصور
بعضهم أن رسول الله قد بعث الى الحياة ها هو الرجل المدني يجسّد ثقافة الاسلام الحقيقية ؛ البساطة الخشوع لله ، التواضع ، ليسجّل تناقضه مع كل مظاهر الابهة والتسلّطة وقهر الآخرين.
وكان صوت الامام ما يزال يدوّي في فضاء العاصمة :
ـ الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر.
ـ الله أكبر على ما هدانا
الله أكبر على ما رزقنا
الحمد لله على ما أولانا
وبدت السماوات والجبال تردد من ورائه كلمات التمجيد لله وتجسدت صورة رائعة عن الحج الأكبر وصعد المأمون سطح قصره ليستطلع ماذا يجري؟!
وجاء الفضل مذعوراً يستنجد بالخليفة.
ـ يا أمير المؤمنين! إن بلغ الرضا المصلّى على هذا السبيل افتتن به الناس ، وخفنا كلنّا على دمائنا١٠١ .
ـ وما العمل؟
ـ ارجعه يا أمير المؤمنين
ـ الا نمهله حتى يصلّي بالناس؟
ـ لو انتهى الأمر بالصلاة لكان الأمر هينا.
ـ ماذا تعني؟
ـ أنني أخشى خطبته لقد رأيت هيئته ورأى الناس فيه جدّه محمد.
ـ ان ارجاعه سيثير علينا غضب الناس واستياءهم!
ـ وفي صعوده على المنبر خطر على حياتنا!
ـ نعم هذا صحيح اطلب منه العودة هذا أهون الشرّين.
الموكب الأبيض ما يزال في طريقه الى المصلّى ، وعواطف الجماهير في ذروتها الحماس يعمّ الجميع فقد الجيش نظامه ، وذاب في الجماهير واصبح منظر أحذية الجنود المبعثرة معبّراً ان حادثاً ما يوشك أن يقع!
كان المأمون ما يزال يراقب ما يجري يراقب متوجساً اندفاع الجماهير نحو المصلى وهناك في نقطة المركز يوجد الرجل الذي لا يعرف أحد ما الذي سيفعله إذا وصل المصلى وما الذي سيقوله اذا ارتقى المنبر؟!
واقترب مبعوث المأمون من الامام :
ـ إنّ أمير المؤمنين يقول لقد كلّفناك شططاً وإنّا لا نريد أن نتبعك. فعد الى منزلك يا سيّدي.
وحدث لغط واستاء بعضهم من موقف المأمون.
توقف الامام يجفف حبّات عرق فوق جبينه ، وأمر أحد
مواليه أن يحضر له خفّه ليعود.
وصدرت أوامر سرّية في حث الناس على مواصلة طريقهم الى المصلى وظهر بعض القادة لاعادة استتاب الأمن والنظام.
وأقيمت الصلاة العيد بشكل مرتبك وفوضوي
وفي تلك الليلة ، بعث الامام رسالة الى شقيقته فاطمة يطلب منها الالتحاق به لك الله يا علي وحدك تقاوم كل هذه المؤامرات ، هل أردت أن تكون حسين عصرك فاحتجت الى زينب أخرى؟
هل اشتقت الى رؤية اختك؟ أم أنك تعرف شوق اختك اليك؟
ولعلّك أحسست بالنهاية القريبة فأردت لأختك أن تكون الى جانبك في اللحظات الأخيرة؟!
هاهي رسالتك تطوي الصحاري في طريقها الى مدينة يثرب حيث يوجد القلب الطاهر الذي امتلأ بحبك وولائك قلب فاطمة
٢٣
مضى اسبوع على حادثة صلاة عيد الاضحى وعاد الناس للحديث عن الجفاف الذي ضرب أطنابه في خراسان واصفهان والري.
وبدأت أفواه المخبرين تنفث سمومها : ان القحط لم يحدث الا بسبب ولاية العهد لقد حبست السماء عنّا المطر١٠٢ ، فكيف اذا اصبح خليفة؟!
وفي ذلك العالم الذي يموج بالفتن والمؤامرات ، وفيما كان ذو الرئاستين الفضل بن سهل يخطط لبدء ضربته وفيما كان المأمون هو الآخر يفكر ويدبّر للسيطرة على ولي عهده وتوظيفه لخدمة اهدافه ، والحطّ من شأنه ليكون ميسوراً خلعه
من ولاية العهد في الفرصة المناسبة في ذلك العالم الرخيص حيث يشترى الانسان ويباع الضمير بحفنة من الدراهم في هذا العالم كان الامام يمثل نقطة السلام والنقاء.
حتى هشام بن ابراهيم الذي كان يوماً صديقاً للامام اذا به يصبح جاسوساً عليه ينقل أخباره الى الفضل والمأمون!
وكان المأمون وولي عهده يتمشيان خلال الاشجار التي بدا عليها شبح الذبول والجفاف ، حتى اذا انتهيا الى أطراف المدينة وبدت لهما المرتفعات البعيدة قال المأمون :
ـ يا أبا الحسن : إني فكرت في شيء فنتج لي الفكر الصواب فيه فكرت في أمرنا وأمركم في نسبنا ونسبكم فوجدت الفضيلة فيه واحدة ورأيت اختلاف شيعتنا في ذلك محمولاً على الهوى والعصبيّة؟
نظر الامام الى الأفق البعيد وقال :
ـ إن لهذا الكلام جواباً إن شئت ذكرته لك ، وإن شئت امسكت.
أجاب المأمون بلهفة
ـ إني لم أقل ذلك الا لأعرف ما عندك!
قال الامام وهو يشير الى أكمة قريبة :
ـ انشدك الله يا أمير المؤمنين ، لو أن الله تعالى بعث نبيه محمداًصلىاللهعليهوآله فخرج علينا من وراء أكمة من هذه الآكام يخطب اليك ابنتك كنت مزّوجه إيّاها؟
اجاب المأمون بدهشة :
ـ يا سبحان الله!! وهل هناك من يرغب عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟!!
ـ أفتراه كان يحل له أن يخطب الي؟
وسكت المأمون وقال بعد استغراقه صمت :
ـ أنتم والله أمس برسول الله رحماً.
وهبّت زوبعة أثارت الغبار ، ووجد المأمون فيها فرصة ليخبره بالأراجيف وما يذيعه البعض من ثرّهات :
ـ فادعو الله يا أبا الحسن لينزل المطر ويعمّ الخير.
ـ سأفعل ذلك يوم الاثنين.
ـ لماذا يوم الاثنين؟!
ـ رأيت رسول الله يقول لي : يا بني انتظر يوم الاثنين فاخرج الى الصحراء ، واستسق فان الله تعالى سيسقيهم١٠٣ .
وأشار المأمون الى بعض الحرس الذين يراقبون من بعيد :
ـ ادعُ لي الفضل.
وقفز حارس ليمتطي حصاناً ، واستأنف الخليفة حديثة مع الامام :
ـ يا أبا الحسن ما يمنعك من التدخل في شؤون الدولة يمكنك أن تعزل وتنصب الولاة.
أجاب الامام بهدوء
ـ لقد قبلت ولاية العهد بشروط لا آمر ولا أنهى ، ولا أعزل.
ـ أن في الأمر والنهي لذّة السلطان!!
ـ لقد كنت في المدينة أتردد في طرقها على دابتي ، وإنّ أهلها وغيرهم يسألوني الحوائج فأقضيها لهم فيصيرون كالأعمام ، وان رسائلي لنافذة في الاقطار
ـ ولكني لا استطيع ادارة البلاد وحدي!
وأجاب الامام بجزم
ـ إن بيننا شروطاً فإن وفيت لي وفيت لك.
وغمغم المأمون مهزوماً :
ـ بل بل أفي لك١٠٤ .
وتأكد المأمون على الأقل أن الامام ليس له طموحات في الحكم والخلافة
وفي الاثناء وصل الفضل الذي هتف من بعيد :
ـ البشرى يا أمير المؤمنين.
ـ؟؟!
ـ قد فتحت جيوشنا قرى كثيرة في أطراف « كابل ».
وابتهج المأمون.
ورأى الامام تقديم نصيحة للخليفة الذي انتشى بالنصر :
ـ هل سرّك فتح قرى الشرك؟
أجاب المأمون فوراً :
ـ أو ليس في ذلك سرور؟!
وعندها قال الامام بشجاعة انسان لا يفكر الا بمصلحة الاسلام والامة :
ـ يا أمير المؤمنين! اتق الله في أُمة محمد وما ولّاك الله من هذا الأمر ، وخصّك به ، فإنك قد ضيعت أمور المسلمين وفوّضت ذلك الى غيرك ، يحكم فيها بغير حكم الله.
وتساءل المأمون عمّا يتوجب فعله :
ـ وماذا علي أن أفعل؟
واسدى الامام نصيحة مخلصة :
ـ أرى أن تخرج من هذه البلاد ، وتعود الى مدينة آبائك
وأجدادك ، وتنتظر في أمور المسلمين ، ولا تكلهم الى غيرك
وشعر فضل بالرعب ؛ إن عودة المأمون الى بغداد تعني نهاية أحلامه وطموحاته فاندفع يقول :
ـ ما هذا الرأي وما هذا بالصواب ، قتلت بالأمس أخاك وازلت الخلافة عنه ، وبنو أبيك معادون لك ، وجميع أهل العراق وأهل بيتك والعرب ، ثم انك اسندت ولاية العهد لأبي الحسن وآل العباس لا يرضون بذلك.
وأراد المأمون معرفة موقفه :
ـ فما رأيك إذن؟
ـ الرأي انت تقيم بالخراسان حتى تسكن قلوب الناس ، ويتناسون مصرع أخيك وها هنا رجال قد خدموا الرشيد ، وعرفوا الأمر فاستشرهم في ذلك ، فإن أشاروا بذلك فأمضه١٠٥ .
ـ من تعني؟
ـ علي بن أبي عمران وأبا يونس ، والجلودي!
وظهرت سحابة همُّ على جبين المأمون إنّ العودة الى بغداد أمر لابدّ منه ولكن بغداد لن ترضى لا بوزارة الفضل ، ولا
بولاية الرضا
وعرف الامام ما يعتمل في أعماق المأمون من هواجس! فقال :
ـ إن اردت نصحي فإن عليك أن تعفيني من ولاية العهد١٠٦ ، وتعفي الفضل من الوزارة وبهذا تكون الطريق الى بغداد أمامك ممهّدة.
تظاهر المأمون بأنه لم يسمع شيئاً.
ـ ندخل معاً بغداد.
فأجاب الامام :
ـ تدخل أنت بغداد!
ـ وأنت؟
ـ ما أنا وبغداد لا أرى بغداد ولا تراني١٠٧ !
وأصبح الجوّ متوتراً ، وكان المأمون يكابد هموماً في أعماقه ، وبدأ يتوجس خيفة من المستقبل المجهول.
٢٤
اين موقع الانسان في الطبيعة؟ وهل يمكنه أن يؤثر في مسار تقلّباتها وقوانينها؟ وما هو المدى في ذلك؟ ولماذا تستجيب الأقدار في بعض الاحيان عندما يرفع الانسان كفّيه الى السماء في اللحظة التي يقف فيها عاجزاً؟!
هل الانسان جزءٌ صغير في الطبيعة التي تحيط به فيؤثر بقدر حجمه أم هو محور من محاورها أو محورها الأساس؟ ولماذا يتجه فقط وفي لحظات العجز الى النقطة التي يدور حولها رحى الوجود؟
لقد كفّ الناس عن استطلاع السماء والغيوم ، واستشمام الرياح التي تهب شمالاً والتي تتجه شرقاً ، لم يعد هناك من أمل
بعد أن أوشك ثلث من الربيع الجاف على الانصرام ان القحط ، سيأتي بعده الجوع ، وبعده يأتي القلق والخوف وتزلزل القيم الأخلاقية ، وتظهر كل الغرائز الدفينة في أعماق البشر من طمع وحرص ولصوصية واحتيال و
وفي غمرة هذا الظلام واليأس جاء الاعلان عن نيّة الامام الرضا في إقامة صلاة الاستسقاء في عرض الصحراء شمس أمل تبعث النور والدفء.
وكان الناس في الليالي التي سبقت يوم الاثنين يهمسون عن كرامات لأهل هذا البيت المبارك.
وعندما بزغت شمس الاثنين ، كانت جماهير مرو وأهل القرى المحيطة بها تتدفق الى عرض الصحراء ، وقد نصب منبر مصنوع من جذور أشجار الجوز.
وجاء الامام ، تبدو على وجهه ملامح نبوّات غابرة ، وتشعّ من عينيه نظرات فيها رحمة ومحبّة ، وبدا وهو يتجه الى مكان قريبٍ من المنبر إنه يحمل الكثير من أسرار الكون ، لم يكن يحمل حتى ذرة واحدة من كونه شخصية سياسية في الدولة والرجل الثاني فيها وربما الأول فيما بعد.
وكان هناك شاعر١٠٨ بدا مبهوراً بهذا الوجه الأسمر الذي
تطوف جبينه أنوار سماوية!
وفجأة انفجرت أصوات كانت تتدفق من القلوب لا من الحناجر :
الله اكبر الله اكبر لا إله الا الله.
القلوب تمجّد الله لأنه ترى الكائن الانساني الذي طهره الله ليكون مثالاً للبشرية.
لماذا يبكي البعض كلّما وقعت عيناه على هذا الانسان؟ هل يرى فيه الصفاء والطهر هل يجد فيه حضور السلام المفقود؟
هدأت الاصوات وهيمن حضور تلك الروح النقية ، ولا شيء سوى رياح خفيفة تسفي التراب وقام الامام للصلاة وتدفق شلّال من كلمات السماء ، وارتفعت اكفّ البشر العاجزة تستمطر رحمة الله المطر للناس والبهائم والزروع والأرض العطشى
وتمّت الصلاة ، واتجه الامام الى المنبر ووقف الامام فوق الدرجة الأخيرة بإتّجاه الجنوب ، وعيناه تحدّقان في السماء الزرقاء
وبصوت يشبه نشيج الميازيب في مواسم المطر كانت
كلماته تستمطر رحمة السماء للبشر الانسان العاجز عن سبر أسرار الوجود تستمطر رحمة الله للانسان الغافل الذي يتذكر ربّه في اللحظة الحرجة!
ـ اللهم يا رب! أنت عظمت حقّنا أهل البيت فتوسّلوا بنا كما أمرت وأمّلوا فضلك ورحمتك وتوقعوا إحسانك ، ونعمتك ، فاسقهم سقياً نافعاً
وشعر الانسان الطاهر باستجابة السماء ، ها هي الرياح خلف المرتفعات البعيدة بدأت تنسج الغيوم!
وبدأت نسائم نديّة تهب من ناحية الشمال ، وظهرت بعض السحب الموجية لتلازم التلال البعيدة ، وبدت سحابة رمادية معتمة تدفعها رياح الى الذرى.
وظهرت سحب تتنامى عمودياً ولها رؤوس تشبه تلال القطن متراصّة بعضها فوق بعض كثمار الكمثرى.
وكانت الرياح تنسج سحباً تراكمية تثاقل الى الأرض وهي تنوء بحملها ، لكأنها تختزن آلاف الصواعق والرعود.
هدأت النسائم تماماً.
وبدأت السماء تنث مطراً خفيفاً كحبات الندى وفاحت رائحة الأرض المرشوشة بغيث السماء وأصبح الجوّ شفّافاً
لكأنَّ الغيوم المحمّلة ببركات المطر تلغي المسافات بين السماء والأرض بين الانسان والرب
الامام ما يزال يتجه ببصره الى الأفق البعيد الى المرتفعات التي بدأت فيها الرياح وهي تنشئ السحاب الثقال وانسابت كلمات الانسان الذي طهّرته السماء :
« أيّها الناس!
اتقوا الله في نعم الله عليكم ، فلا تنفروها عنكم بمعاصيه ، بل استديموها بطاعته ، وشكره على نعمه وأياديه وإعلموا انكم لا تشكرون الله تعالى بشيء بعد الايمان بالله ، وبعد الاعتراف بحقوق أولياء الله من آل محمد رسول اللهصلىاللهعليهوآله أحب اليه من معاونتكم لإخوانكم المؤمنين على دنياهم التي هي معبر لهم الى جنان ربّهم ، فإنَّ من فعل ذلك كان من خاصّة الله تبارك وتعالى
المطر يغسل الوجوه ، والرأض تتشرب ماء السماء وكلمات الانسان المدني الذي مسّته السماء تغسل القلوب من تراكمات الغرائز المجنونة وتعيد الى البشر هويته الانسانية :
ـ « وقد قال رسول الله في ذلك قولاً ما ينبغي لقائل أن يزهد في فضل الله عليه إن تأمّله وعمل عليه
قيل : يا رسول الله هلك فلان!. يعمل من الذنوب كيت وكيت!
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : بل قد نجا ، ولا يختم الله عمله الا بالحسنى ، وسيمحو الله عنه السيئات ، ويبدلها حسنات إنّه كان يمرّ مرّة في طريق ، فعرض له مؤمن قد انكشفت عورته وهو لا يشعر ، فسترها عليه ، ولم يخبره مخافة أن يخجل.
ثم إنّ ذلك المؤمن عرضه في مهواة ، فقال له : أجزل الله لك الثواب وأكرم لك المآب ولاناقشك في الحساب ، فاستجاب الله فيه ، فهذا العبد لا يختم الله له الا بخير ، بدعاء ذلك المؤمن.
فاتّصل قول رسول الله بهذا الرجل فتاب وأناب ، وأقبل على طاعة الله عزّ وجلّ ، فلم تأت سبعة أيام حتى أُغير على سرح المدينة ، فوجّه رسول اللهصلىاللهعليهوآله في أثرهم جماعة ذلك الرجل أحدهم فاستشهد »١٠٩ .
وسكت الامام وراح يحدّق في السماء المثقلة بالغيوم وبدا الجوّ قلقاً ، ينذر بانفجار آلاف الصواعق ، وشاع دفء وهدوء يشبه السكون الذي سبق العاصفة ، وقد ظهرت سحب ركامية معصرة سندانية الشكل ذات قاعدة معتمة مضطربة.
سيكون المطر رعدياً مُخبصاً ، وأصبح الجوّ مشحوناً تماماً والغيوم على وشك الانفجار.
وتدفقت المياه الطاهرة من قلب الغيوم ، وأقواس السحاب تذوب في المطر.
واختلطت قطرات المطر ، بدموع الفرح ، وقد هبّت الجماهير تحتفُّ بالرجل المبارك الذي أظهرت له السماء كرامة كبرى وكان شاعر يترنم بكلمات أشعلها مشهد مؤثر :
ـ ذكروا بطلعتك النبيّ فهلّلوا
لما طلعت من الصفوف وكبّروا
حتى انتهيت الى المصلّى
لا بساً نور الهدى يبدو عليك ويظهرُ
ومشيت مشية خاضع متواضع لله
لا يزهو ولا يتكبّرُ
ولو ان مشتاقاً تكلّف غير ما في وسعه
لمشى إليك المنبرُ١١٠
وأصبحت الطبيعة مسرحاً لالتحام الانسان بالوجود ، البروق تتألق في السماء ، والرعود تجلجل في الفضاء اللانهائي ، والمطر يتدفق بغزارة ، فسالت أودية بقدر ، وامتلأت
الغدران والحياض.
مرو والمدن القريبة والبعيدة تغتسل بماء طهور مبارك ، وفرّت أشباح الجوع كشياطين مذعورة.
واهتزّت خيوط العنكبوت في بيت هو أوهن البيوت.
٢٥
وفي تلك الليلة وفيما كانت السماء تسحّ أمطارها الغزيرة والناس في بيوتهم يتحلّقون حول مواقدهم ، ويتحدثون عن كرامات أهل بيت النبيصلىاللهعليهوآله ومنزلتهم عند الله فيما كان الخليفة غارقاً في هواجسه وهو يصغي الى عتاب مرير من ابن مهران يقول له :
ـ يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن تكون تأريخ الخلفاء في إخراجك هذا الشرف العميم ، والفخر العظيم من بيت العباس الى بيت علي لقد أعنت على نفسك وأهلك جئت بهذا الساحر ولد السحرة! وقد كان خاملاً فأظهرته ، ومتضعاً فرفعته ، ومنسياً فذكرت به ، ومستخفاً فنوهت به قد ملأ الدنيا مخرقة ،
وتشوقاً بهذا المطر الوارد عن دعائه
ما أخوفني أن يُخرج هذا الرجل هذا الأمر عن ولد العباس الى ولد علي بل ما أخوفني أن يتوصّل بسحره الى ازالة نعمتك ، والتواثب على مملكتك هل جنى أحد على نفسه وملكه مثل جنايتك؟!
ولأول مرّة يصبح المأمون صريحاً ويكشف عما يموج في أعماقه :
ـ أنت لا تدري يا بن مهران لقد كان هذا الرجل ، مستتراً عنّا ، يدعو الى نفسه ، فأردنا أن نجلعه وليّ عهدنا ليعترف بالملك والخلافة لنا ، وليعتقد فيه المفتونون به انه ليس مما ادّعى في قليل ولا كثير ، وان هذا الأمر لنا من دونه ، وقد خشينا إن تركناه على تلك الحالة أن ينفتق علينا منه ما لا نسدّه ، ويأتي علينا منه ما لا نطيقه.
ـ ولكن الأمور تجري في غير مارسمت؟!
ـ هذا صحيح لقد اخطأنا في أمره وأشرفنا على الهلاك بالتنويه على ما أشرفنا ، ولن يجوز التهاون في أمره
وسكت قليلاً ثم استأنف حديثه قائلاً :
ـ ولكننا نحتاج أن نحطّ من شأنه قليلاً قليلاً ، حتى نصوّره عند الرعايا بصورة من لا يستحق لهذا الأمر ثم ندبّر فيه بما يحسم عنا موّاد بلائه١١١ .
كانت عيناه تخفيان وقد شعَّ منهما بريق فيه حقد وتآمر ومكر.
ـ وماذا ستفعل يا أمير المؤمنين؟
ـ سأجلب عليه أصحاب الفرق وزعماء الأديان ، أن ركيزته وركيزة شيعته في أنه أعلم الناس فإذا نسفتُ ذلك سقط ادّعاؤه وسقط من أعين الناس ، ويكون خلعه من ولاية العهد أسهل ما يكون! ماهي الا أيام ويأتي « عمران الصابئ » ، و« الجاثليق » و« رأس الجالوت » و« الهربذ الاكبر » و« نسطاس الرومي » ، حتى الزنادقة سأحظر أبرعهم في الكلام لقد أمرت الفضل ان يجمعهم لي١١٢ .
وعندها أدرك ابن مهران ، ان ما يحصل من مناظرات في بعض الأماسي كانت لها أهدافاً مبيتة من الخليفة ضد وليّ عهده ولقد كان في غفلة عن هذا!!
ومرّت أيام وجاء اليوم الموعود ، وقال المأمون وهو يحدّق في رجال لا تربط رابطة دين أو عقيدة كل واحد
منهم تدور في رأسه أفكار لا تخطر على بال الآخر ويرتدي كل واحد منهم زيّاً لا يرتديه غيره القدر وحده وهو الذي جمعهم المؤامرة وحدها جاءت بهم بعضهم كان ينشد الحقيقة وما أقلّ الذين ينشدون الحق وقال المأمون لهم موجزاً حديثه :
ـ إنّما جمعتكم لخير وأحببت أن تناظروا ابن عمي المدني القادم علي ، فإذا كان بكرة فاغدوا عليّ ، ولا يتخلّف منكم أحد والتفت الخليفة الى فتى صحب الامام من المدينة الى مرو :
ـ ابلغ سيّدك بذلك.
وقال الامام لرجل عراقي يعرفه :
ـ يا نوفلي أنت عراقي ، ورقّة عراقي غير غليظة ، فما عندك في جمع ابن عمي علينا أهل الشرك وأصحاب المقالات؟
قال النوفلي :
ـ جعلت فداك يريد الامتحان يريد أن يعرف ما عندك ، ولقد بنى على أساس غير وثيق البنيان
ـ ما بناؤه في هذا الباب؟
ـ ان اصحاب الكلام والبدع خلاف العلماء العالم لا ينكر غير المنكر وأصحاب المقالات والمتكلمون ، وأهل الشرك
أصحاب إنكار
إن احتججت عليهم : بأن الله واحد قالوا صحّح وحدانيته ، وإن قلت : إن محمداً رسول الله قالوا : اثبت رسالته ، انهم يباهون ويغالطون فاحذرهم يا سيدي!
أجاب الامام مطمئنا صاحبه :
ـ أتخاف أن يقطعوا علي حجتي؟
ـ لا والله ما خفت عليك قط وإني لأرجو أن يظفرك الله بهم إِن شاء الله.
وسكت الامام ثم قال وقد سقط ضوء النهار من النافذة :
ـ يا نوفلي! أتحب أن تعلم متى يندم المأمون؟
اجاب النوفلي وهو يحدّق في وجه حزين :
ـ متى؟
ـ إذا سمع احتجاجي على أهل التوراة بتوارتهم ، وعلى أهل الانجيل بإنجيلهم وعلى أهل الزبور بزبورهم ، وعلى الصابئين بعبرانيّتهم ، وعلى الهرابذة بفارسيتهم ، وعلى أهل الروم بروميتهم ، وعلى أهل المقالات بلغاتهم.
ودخل الفضل ليخاطب الامام بإجلال :
ـ جُعلت فداك ان ابن عمّك ينتظرك اجتمع القوم فما
رأيك في إيتائه؟
ونهض الامام وكان النوفلي يراقب خطاه ثم نظر الى السماء يستمدّها العون.
المجلس مكتظ بالعلماء وأصحاب النفوذ وقادة الجيش اضافة الى رجال من اليهود والنصارى والصابئين وزنادقة لا يؤمنون بدين ونهض الجميع اجلالاً للامام وجلس الرضا في مكانه ، والجموع تنظر اليه واقفة حتى إذا طلب المأمون منهم الجلوس جلسوا وخاطب الخليفة « الجاثليق » :
ـ يا جاثليق هذا ابن عمي علي بن موسى بن جعفر وهو من ولد فاطمة بنت نبيناصلىاللهعليهوآله وابن علي بن أبي طالب وأحب أن تكلّمه وتحاججه!
أجاب الجاثليق ليؤسس قاعدة مقبولة في الحوار :
ـ يا أمير المؤمنين! كيف أحاجج رجلاً يحتجّ عليّ بكتاب أنا منكره ، ونبي لا أؤمن به؟!
قال الامام :
ـ يا نصراني! فإن إحتججت عليك بانجليك أتقرّ به؟
ـ وكيف لا؟! نعم أقرّ به.
ـ إذن سل ما تحبّ.
ما تقول في نبوّة عيسى ، وكتابه هل تنكر منهما شيئاً؟
ـ إنني أؤمن بعيسى وكتابه وما بشّر به أمّته ، واقرّ به الحواريون ، وكافر بنبوّة عيسى لم يقرّ بنبوّة محمد وكتابه ، ولم يبشّر به امّته.
قال الجاثليق :
ـ إنّما تقطع الأحكام بشاهدي عدل؟ فأقم شاهدين على غير أهل ملتك على نبوّة محمد ممن لا تنكره النصرانية ، وسلني مثل ذلك من غير أهل ملتنا.
ـ الآن جئت بالحق ، فهل تقبل مني العدل والمقدّم عند المسيح بن مريم؟
ـ سمّه لي؟
ـ ما رأيك في « يوحنا الديلمي »؟
ـ ذاك أحب الناس الى المسيح.
ـ أقسمت عليك هل جاء في الانجيل ان يوحنا قال : إن المسيح أخبرني بدين العربي ، وبشّرني به ، أنه يكون من بعدي ، فبشّرت به الحواريون ، فآمنوا به »؟
قال الجاثليق وهو يتردّد في الاجابة الصريحة :
ـ هذا صحيح ولكن يوحنّا لم يسمّه لنا حتى نعرفه.
ـ فإن جئناك بمن يقرأ الانجيل؟
غمغم الجاثليق :
ـ أمر سديد!
والتفت الامام الى نسطاس الرومي وكان طبيباً :
ـ كيف حفظك للسفر الثالث من الانجيل؟
أجاب نسطاس بخشوع :
ـ ما أحفظني له :
ـ سأتلو عليك منه جزءً فإن جاء فيه ذكر محمد وأهل بيته وأمته فاشهد لي.
وفوجئ الحاضرون بالامام وهو يتلو عليهم بالسريانية آيات من الانجيل حتى اذا انتهى قال مخاطباً الجاثليق :
ـ ما تقول؟ هذا قول عيسى بن مريم ، فإن كذبت ما نطق به الانجيل فقد كذبت موسى وعيسى ، ومتى انكرت هذا الذكر وجب عليك القتل لانك تكون قد كفرت بربك ونبيك وكتابك!
وأطرق الجاثليق وقال مستسلماً :
ـ لا أستطيع انكار ذلك لقد ورد في الانجيل ما ذكرت
اعترف بذلك!
التفت الامام الى الحضور :
ـ اشهدوا على اقراره!
وخاطب الجاثليق :
ـ يا جاثليق سل عمّا بدا لك!
ـ اخبرني عن حواري عيسى بن مريم كم كان عدّتهم؟ وعن علماء الانجيل كم كانوا؟
ـ على الخبير سقطت اما الحواريون فكانوا إثنى عشر رجلاً ، وكان افضلهم وأعلمهم « لوقا » ، وامّا علماء النصارى فكانوا ثلاثة رجال : « يوحنا الاكبر » و« يوحنا » بقرقيسيا و « يوحنا الديلمي » بزخار وعنده كان ذكر النبيصلىاللهعليهوآله ، وذكر أهل بيته ، وهو الذي بشّر امّة عيسى وبني اسرائيل به.
وسكت الامام ثم ابتسم قائلاً :
ـ والله لنؤمننّ بعيسى الذي آمن بمحمد ، وما ننقم على عيسى شيئاً الا ضعفه ، وقلّة صيامه وصلاته
وهتف الجاثليق ثائراً :
ـ ماذا تقول يا عالم الاسلام؟ لقد أفسدت والله علمك
وضعف أمرك ، وما كنت ظننت الا أنك أعلم أهل الاسلام!!
ـ أجاب الامام بهدوء :
ـ وكيف ذلك :
ـ لانك تقول : إن عيسى كان ضعيفاً ، قليل الصوم والصلاة!! وما أفطر عيسى يوماً قط ، وما نام بليل قط ، وما زال صائم الدهر قائم الليل.
وهنا انقضَّ الامام لينسف مزاعم النصرانية بألوهية السيد المسيح :
ـ لمن كان يصوم المسيح ويصلّي؟!
وكان جواب الجاثليق الصمت الصمت الذي يكشف عن فشله أمام منطق الحقيقة ثم غمغم قائلاً بانكسار :
ـ الحق معك!
وتساءل الامام :
ـ لماذا تعبدون المسيح بن مريم؟ وتقولون انه ربٌّ؟!
ـ لانه كان يحيى الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص فهو ربّ مستحق لأنْ يُعبد؟.
ـ لقد كان « اليسع » يصنع مثل ما صنع عيسى مشى على الماء وأحيا الموتى ، وأبرأ الاكمه والأبرص ، فلم لا تتخذوه ربّاً؟! ولم لا تتخذون إبراهيم الخليل وقد أحيا الطيور الأربعة؟! وموسى بعد أن أحيا قومه السبعين وقد أحرقتهم الصواعق؟!
وسكت الجاثليق. إن العقيدة المسيحية لا تستطيع أن تقدم جواباً لهذه الاسئلة وسُمع الجاثليق يقول :
ـ القول قولك ولا إله الا الله.
والتفت الامام إلى رأس الجالوت قائلاً :
ـ اقسم عليك بالآيات التي نزلت على موسى بن عمران هل تجد في التوراة مكتوباً : إذا جاءت الامّة الأخيرة اتباع راكب البعير ، يسبّحون الربّ جداً جداً تسبيحاً جديداً في الكنائس الجدد فليفزع بنو اسرائيل اليهم ، والى ملكهم لتطمئن قلوبهم فإنّ ما بأيديهم سيوفاً ينتقمون بها من الامم الكافرة في أقطار الارض؟
وفوجئ رأس الجالوت فقال :
ـ نعم إنّا لنجد ذلك.
والتفت الامام الى الجاثليق :
ـ كيف علمك بكتاب أشعيا النبي :
ـ أحفظه حرفاً حرفاً!
وخاطب الامام الاثنين معاً :
ـ أتعرفان هذا من كلامه : « يا قوم إني رأيت صورة راكب الحمار لابساً جلابيب النور ، ورأيت راكب البعير ضوؤه ضوء القمر »؟
وهزّا رأسيهما بالايجاب :
ـ قد قال ذلك أشعيا!!
وخاطب الامام رأس الجاثليق :
ـ أتعرف قول عيسى : « إنّي ذاهب الى ربكم وربي و« البارقليطا » جاء ، هو الذي يشهد بالحق كما شهدت له وهو الذي يفسّر لكم كل شيء ، وهو الذي بيده فضائح الأمم وهو الذي يكسر عمود الكفر.
واتسعت عينا الجاثليق دهشة :
ـ أجل اعرف ذلك!!
ـ تجد هذا في الانجيل ثابتاً.
وأجاب الجاثليق بخشوع نصراني :
ـ نعم!
ـ يا جاثليق : الا تخبرني عن الانجيل الأول حين افتقدتموه
عند من وجدتموه؟ ومن وضع لكم هذا الانجيل؟
ـ ما افتقدناه الا يوماً واحداً ، حتى وجدناه غضاً طريّاً ، فأخرجه الينا يوحنا ومتى
ـ ما أقل معرفتك بسنن الانجيل وعلمائه ، فإذا كما تقول ، فلم اختلفتم في الانجيل؟ ولو كان الأصل موجوداً في أيديكم اليوم ما كان فيه اختلاف وسأفيدك علم ذلك
اعلم انه لما افتقد الانجيل الأول اجتمعت النصارى الى علمائهم فقالوا لهم : قُتل عيسى بن مريم وافتقدنا الانجيل ، وأنتم العلماء فما عندكم؟
فقال لهم لوقا ومرقانوس ويوحنا ومتّى : إنّ الانجيل في صدورنا نخرجه اليكم سفراً في كل أحد فلا تحزنوا ، ولا تخلوا الكنائس فإنا سنتلوه عليكم سفراً سفراً في كل أحد حتى نجمعها كلّه.
ان لوقا ومرقانوس ويوحنا متى وضعوا لكم هذا الانجيل ، وكان هؤلاء الاربعة تلاميذاً أعلمت ذلك؟
وأجاب الجاثليق باجلال :
ـ لم أكن اعلم ذلك ان قلبي يشهد لك بالحق ولقد
استزدت فهماً!
والتفت الامام الى المأمون وهو في دهشة :
ـ اشهدوا عليه.
وعلت كلمات من زوايا المجلس :
ـ نعم نشهد.
وخاطب الامام الجاثليق :
ـ بحق الابن وامّه هل تعلم ان « متى » قال في نسبة عيسى إنه المسيح بن داود بن ابراهيم ، وقال « مرقانوس » في نسبة عيسى : إنّه كلمة الله احلّها في الجسد الآدمي فصارت انساناً!
وقال « لوقا » ان عيسى وامّه كانا انسانين من لحم ودم فدخل فيهما روح القدس.
ثم انك تقول : في شهادة عيسى على نفسه : « حقاً أقول لكم : انه لا يصعد الى السماء الا من نزل منها ، الا راكب البعير خاتم الانبياء ، فانه يصعد الى السماء وينزل » فما رأيك؟
ـ اعترف بكلِّ ما ذكرت نعم كل هذا ورد في الانجيل.
ـ فما تقول في شهادة لوقا ومرقانوس ومتى على عيسى وما نسبوا اليه؟
ـ لقد كذبوا على عيسى!
والتفت الامام الى الحضور
ـ ألم يزكّهم وشهد على أنهم علماء الانجيل وقولهم حق؟
قال الجاثليق وهو ينسحب من حلبة الصراع الفكري :
ـ يا عالم المسلمين أحب أن تعفيني من أمر هؤلاء.
ـ إذن سل عمّا بدا لك.
ـ ليسألك غيري ، والله ما ظننت أن في علماء المسلمين مثلك!!
واطرق الجاثليق برأسه الى الأرض وارتفعت هتافات :اللّه اكبر لا إله إلا اللّه.
وراح المأمون يتأمل وجه الامام وقد التمعت على جبينه حبّات عرق كقطرات الندى.
والتفت الامام الى رأس الجالوت زعيم الجالية اليهودية :
ـ تسألني أم أسألك؟
ـ بل أسألك ولن أقبل حجة الا من التوراة أو من زبور داود.
ـ لا تقبل مني حجة الا بما نطق به التوراة والزبور.
ـ من أين تثبت نبوة محمد؟
ـ شهد بنبوته موسى بن عمران وداود خليفة الله في الأرض.
ـ وما الذي قاله موسى بن عمران؟!
ـ أوصى بني اسرائيل فقال لهم : « سيأتيكم نبيٌ فبه فصدقوا ، ومنه فاسمعوا ».
ـ أريد دليلاً من التوراة :
وراح الامام يتلو عليه جزءاً من التوراة :
ـ « جاء النور من قبل طور سيناء وأضاء للناس من جبل ساعير واستعلن علينا من جبل فاران :
ـ أجل هذا في التوراة ولكن ما هو تفسيرها؟!
قال الذي عنده علم الكتاب :
ـ أنا أخبرك أمّا قوله : جاء النور من قبل طور سيناء فذلك وحي الله تبارك وتعالى الذي أنزله على موسى على جبل طور سيناء وأما قوله : واضاء للناس من جبل ساعير فهو جبل الذي أوحى الله عز وجل الى عيسى بن مريم وهو عليه ، وأما قوله : واستعلن علينا من جبل فاران ، فذاك جبل من جبال مكة وبينه وبينها يومان أو يوم.
ويقول لشعيب النبي في التوراة : « رأيت راكبين أضاءت لهما الأرض أحدهما على حمار والآخر على جمل » فمن راكب الحمار ومن راكب الجمل؟
ـ هذا موجود في التوراة حقاً ولكن لا أعرف تفسيره؟!
ـ أما راكب الحمار فعيسى وأما راكب الجمل فمحمد أتنكر هذا في التوراة؟
ـ لا أنكر ذلك.
ـ هل تعرف حبقوق النبي؟
ـ نعم :
ـ فإنه يقول ـ وكتابكم يشهد به ـ : « جاء اللّه بالبيان من جبل فاران وامتلأت السماوات من تسبيح أحمد وأمته ، يحمل خيله في البحر ، كما يحمل في البر يأتينا بكتاب جديد ، بعد خراب بيت المقدس » أتعرف هذا وتؤمن به؟
ـ نعم.
ـ ألم يقل داود في زبوره ـ وأنت تقرأ ـ : « اللهم ابعث مقيم السنّة بعد الفترة » فهل تعرف نبيّاً أقام السنّة بعد الفترة؟
ـ هذا قول داود ولا ننكره ، ولكنه عنى بذلك عيسى وأمامه هي الفترة؟!
ـ جهلت إن عيسى كان موافقاً لسنّة التوراة حتى رفعه الله اليه وفي الانجيل مكتوب : « أنا ابن البرّة ذاهب « البارقليطا » جاء من بعده ، وهو الذي يحفظ الآصار ، ويفسّر لكم كل شيء ،
ويشهد لي كما شهدت له ، أنا جئتكم بالامثال ، وهو يأتيكم بالتأويل » أتدري أن هذا في الانجيل؟
ـ نعم.
ـ أسألك عن نبيّك موسى بن عمران ما الحجة على نبوّته؟
ـ جاء بما لم يجئ به أحد من الآيات.
ـ مثل ماذا؟
ـ مثل انفلاق البحر ، وقلبه العصا حيّة تسعى ، وضربه الحجر فانفجرت منه العيون ، وأخراجه يده بيضاء للناظرين
ـ صدقت في أنّها حجة على نبوّته يا رأس الجالوت فما يمنعك من الإقرار بعيسى بن مريم وكان يحيي الموتى ويبرئ الاكمه والأبرص ، ويخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيراً باذن الله؟!
أجاب اليهودي مراوغاً :
ـ يقال انه فعل ذلك ، ولم نشهده!
ـ فهل رأيت ما جاء به موسى من الآيات وهل شهدتها؟
ـ لأن الاخبار تواترت على ذلك.
ـ ومعجزات عيسى كذلك لقد تواترت الاخبار فيها فلِمَ تصدّق بموسى ولا تؤمن بعيسى؟
وسكت اليهودي!
واستأنف الامام بحديثه :
ـ وكذلك نبوّة محمد وما جاء به لقد كان يتيماً فقيراً لم يدرس لدى معلم ، ثم جاء بالقرآن الذي فيه قصص الانبياء وأخبارهم.
قال اليهودي :
ـ لم يصحّ عندنا خبر عيسى ولا خبر محمد ، ولا يجوز أن نقرّ بهما.
ـ فهل هذه الامم التي شهدت لهما تشهد زوراً؟!
وسكت الذي في قلبه مرض ، وأمام هذا المنطق الفيّاض سكت « الهربذ » زعيم الطائفة المجوسية ، أما عمران الصابئ فقد كان يراقب مذهولاً ما يجري وقد رأى هزيمة الأديان القديمة أمام الاسلام ، لم يكن أن يودّ دخول معترك الأفكار فما الذي جعله يغيّر قراره؟
٢٦
وهتف الذي عنده علم الكتاب :
ـ يا قوم إن كان فيكم أحد يخالف الاسلام وأراد أن يسأل فليسأل!
ونهض عمران وكان يبحث عن الحقيقة :
ـ يا عالم الناس لو لا أن دعوت الناس الى السؤال ما سألت لقد ذهبت الى الكوفة والبصرة والشام والجزيرة والتقيت المتكلّمين فلم أعثر على أحد يثبت لي « واحداً » ليس غيره قائماً بوحدانيّته
وعرف الامام عمران فقال مبتسماً :
ـ إن كان في الجماعة « عمران الصابئ »١١٣ ، فأنت هو وأجاب الرجل بارتياح :
ـ أنا هو.
ـ سل يا عمران وعليك بالإنصاف وإيّاك والخطل والجور.
أطرق عمران وقال بأدب :
ـ يا سيدي لا أريد الا أن تثبت لي شيئاً أتمسّك به إنّني أنشد الحقيقة.
وهيمن صمت مهيب وبدا المجلس الذي يكتظ بالحضور وكأنه لا يوجد فيه الا رجلين يتحاوران وبدأ عمران اسئلته المحيّرة :
ـ أخبرني عن الكائن الأول وعمّا خلق
أسأل عن المادّة التي خلق الله منها الاشياء؟
ـ « أمّا الواحد فلم يزل واحداً كائناً بلا حدود ولا أعراض ، ولا يزال كذلك ، ثم خلق خلقاً مبتدعاً مختلفاً بأعراض مختلفة وحدود مختلفة ».
إن الله واحد لا شيء معه ، وهو مجرّد من الحدود
والأعراض التي هي من صفات الممكن ، فهو كائن واحد ، وليست وحدته عددية أو نوعية أو جنسية ، وإنّما هو بمعنى عدم ارتباطه بأي شيء مادي أو غير مادي وهو لا يخضع لمقاييسنا في نسبة الصانع الى المصنوع
وإنّ نظرتنا الى الأشياء إبتداءً تنهض على أنّ لكلّ صورة مادّة تقوم وتحلّ بها ، وهذا ينطبق فقط على غير الله ، امّا هو فإنّه خالق الاشياء لا من شيء كان ، وإنّما يقول له : « كن » فيكون وهو القوّة الكبرى المبدعة لخلق الاشياء وهو المصدر الوحيد للفيض
ـ « أتعقل هذا يا عمران »؟
ـ نعم يا سيدي!
ـ « واعلم يا عمران إنّه لو كان الله قد خلق ما خلق لحاجةٍ ، لم يخلق الا من يستعين به على حاجته ، ولكان ينبغي أن يخلق أضعاف ما خلق لأنَّ الأعوان كلّما كثروا كان صاحبهم أقوى ».
إن الله هو الغني المطلق الذي يبسط الرحمة على جميع الكائنات.
ـ « يا سيدي هل كان الكائن معلوماً في نفسه عند نفسه »؟
إن تحصل شيء وتحققه في الانكشاف العلمي كواقع
ذلك الشيء ينحل الى هوّية نفسه وطارديته لغيره فالحجر ما لم يضف الى هويته عدم جميع أضداده ولا يتحصّل تحصّلاً علمياً ، والنفس المعلومة عند العالم لا تحصل الا بطرد جميع ما سواها عنها؟!
ـ « انما يكون العلم بالشيء لنفي خلافه ، وليكن الشيء نفسه بما نفى عنه موجوداً ، ولم يكن هناك شيء يخالفه ، فتدعوه الحاجة الى نفي ذلك الشيء ».
إن الله سبحانه هو خالق الكون وواهب الحياة ولا يوجد شيء يقارنه حتى يحتاج الى نفيه ليقرّر إرادته بذلك النفي
« أفهمت يا عمران »؟
ـ نعم والله يا سيدي ولكن اخبرني بأي شيء علم أبضمير أم بغير ضمير؟
ـ إذا علم بضمير هل يجد بدّاً من أن يجعل لذلك الضمير حدّاً تنتهي إليه المعرفة؟ فما ذلك الضمير؟ »
لا بدّ من معرفة حقيقة الضمير وماهيته حتى تسأل عنه.
ـ
ـ يمكنك يا عمران أن تعرّف الضمير بضمير آخر! فإذا
فعلت ذلك فإنّ الضمير الثاني يحتاج الى ضمير ثالث الى ما لا نهاية وهو باطل منطقياً.
« يا عمران ينبغي أن تعلم إن الواحد لا يوصف بضمير ، وليس يقال له : أكثر من فعل وعمل وصنع ، وليس يتوهم منه مذاهب وتجزئة كمذاهب المخلوقين وتجزئتهم فاعقل ذلك وأسّس عليه ».
إن صدور الافعال من الله تعالى ليست على غرار غيره من الممكنات التي تحتاج الى علل وأسباب كالعقل وغيره فهذا مستحيل على الله.
ـ يا سيدي أخبرني عن حدود المخلوقات كيف هي؟ وما معانيها؟ وعلى كم نوع تكون؟
ـ ان حدود خلقه على ستة أنواع : ملموس ، وموزون ، ومنظور إليه ، وما لا ذوق له ، وهو الروح ، ومنها منظور اليه ، وليس له وزن ولا لمس ولا حس ولا لون ولا ذوق ، والتقدير والأعراض والصور ، والطول والعرض ، ومنها الحركات التي تصنع الاشياء وتعملها وتغيّرها من حال الى حال وتزيدها وتنقصها ؛ فامّا الاعمال والحركات فإنها تنطلق لانه لا وقت لها أكثر من قدر ما يحتاج اليه ، فإذا فرغ من الشيء انطلق بالحركة
وبقي الأثر ، ويجري مجرى الكلام الذي يذهب ويبقي أثره ».
ـ يا سيدي ألا تخبرني عن الخالق أكان واحداً لا شيء غيره ولا شيء معه أليس قد تغيّر بخلقه الخلق؟ »
ألا يترتب على ايجاد الحقائق الطبيعية تغيّر الخالق العظيم؟
ـ « قديم لم يتغير ـ عزّ وجل ـ بخلْقه الخلق ولكن الخلق هو الذي يتغير بتغييره ».
إنّ الخالق كما كان هو الصانع والموجد للاشياء ، وهو قديم فلا يلزم من التغيير بتغيير الممكنات والكائنات.
ـ بأي شيء عرفناه؟
ـ « بغيره ».
ان جميع ما في الوجود المنظور منه وغير المنظور يدلّ على وجود الخالق العظيم.
ـ أي شيء غيره؟
ـ مشيئته واسمه وصفته ، وما أشبه ذلك ، وكلّ ذلك مُحدث مخلوق ، ومُدَبّر ».
ـ أي شيء هو؟
ـ هو نور ، بمعنى أنه هاد خلقه من أهل السماء ، وأهل الأرض ، وليس لك عليّ أكثر من توحيده إيّاه ».
ـ ألم يكن ساكتاً قبل الخلق لا ينطق ثم نطق؟
ـ لا يكون السكوت الا عندما يكون نطق قبله ، ومثال ذلك : انه لا يقال للسراج : هو ساكت لا ينطق ، ولا يقال إنّ السراج ليضيء ، فما يريد أن يفعل بنا ، لان الضوء من السراج ليس بفعل منه ، لا كون ، وانما هو ليس شيء غيره ، فلما استضاء لنا قلنا : قد أضاء لنا ، حتى استضأنا به ، فبهذا تستبصر أمرك
ان التكلم من صفات الأفعال لا يقوم بذاته تعالى قوام الأوصاف الذاتية.
ـ يا سيدي : فإن الذي كان عندي إن الكائن قد تغيّر في فعله عن حاله بخلقه الخلق..؟!
ـ « يا عمران : في قولك إن الكائن يتغيّر في وجه من الوجوه حتى يصيب الذات منه ما يغيّره ، هل تجد النار تغيّر نفسها ، وهل تجد الحرارة تحرق نفسها؟ أو هل رأيت بصيراً قط رأى بصره »؟
إنّ افعال النفس ـ والتي تصدر منها النفس ـ مثلاً لا توجب زيادة فيها ولا نقصاناً والرؤية في البصر لا توجب زيادة فيه
ولا نقصاناً.
ـ أخبرني يا سيّدي! أهو في الخلق أم الخلق فيه؟
ـ هو أجلّ يا عمران عن ذلك ، ليس هو في الخلق ، ولا الخلق فيه ، تعالى عن ذلك وسأعلمك ما تعرفه ولا قوّة الا بالله أخبرني عن المرآة أنت فيها أم هي فيك؟ فإن كان ليس واحد منكما في صاحبه ، فبأي شيء استدللت بها على نفسك يا عمران؟ »
تنعكس صورة الشيء في المرآة فهي لا تحلّ فيها ، ولا المرآة تحلّ في الصورة ، وإنّما هو النور الذي أوجب رؤية الصورة في المرآة.
ـ بضوء بيني وبينها؟
وتساءل الامام :
ـ هل ترى من ذلك أكثر من تراه في عينيك.
ـ نعم
ـ أين هو؟ أريناه.
ـ
وهنا قال الامام :
ـ إنّه النور إذن قد دلّك ، ودلّ المرآة على انفسكما من غير
أن يكون في واحد منكما ولهذا امثلة كثيرة ، ولله المثل الأعلى.
وسكت عمران وكان قلبه يستحم في ضوء من الحقائق الساطعة وكانت الشمس قد غطست في المغيب ، وارتفع صوت ملائكي يدعو الى الصلاة
التفت الامام الى الخليفة :
ـ « الصلاة حضرت! »
وهتف عمران وقد ظن أن حواره انتهى!
ـ يا سيدي لا تقطع أسئلتي إنّني اقترب من الحقيقة وأجاب وقد أشرقت فرحة من عينيه :
ـ بعد الصلاة يا عمران.
وانزوى عمران في مكان يراقب الامام وهو يصلّي ، يصغي الى ساقيه من آيات القرآن تنساب من فم الرجل المدني وشعر أنه تنفذ في قلبه وتسرج فيه قناديل مضيئة ، وتمنّى أنّه قابل هذا الانسان قبل وقت طويل ، والا ما قاسى في أسفاره كل هذا العناء غير أنّ سرّاً وقدراً ما ساقه الى « مرو » ليجد فيها مطلع الشمس.
ومرّة أخرى انتظم المجلس ، وجلس عمران في حضرة
الرجل المدني المكي الذي عنده علم الكتاب وسكت عمران هيبة.
ـ سل يا عمران؟
ـ يا سيدي أخبرني عن الله هل يوجد بحقيقة أو يوجد بوصف؟
ـ « إنّ الله المبدئ الواحد ، الكائن الأول ، لم يزل واحداً لا شيء معه ، فرداً لا ثاني معه ، لا معلوماً ، ولا مجهولاً ، ولا محكماً ولا متشابهاً ، ولا مذكوراً ولا منسياً ، ولا شيئاً يقع عليه اسم شيء من الاشياء ، ولا من وقت كان ، ولا الى وقت يكون ، ولا بشيء قام ، ولا الى شيء يقوم ، ولا الى شيء استند ، ولا في شيء استكن ، وذلك كلّه قبل خلقه الخلق ، إذ لا شيء غيره ، وما أوقعت عليه من الكل فهي صفات محدثة وترجمة يفهم بها من فهم.
واعلم ان الابداع والمشيئة والإرادة معناها واحد ، واسماؤها ثلاثة ، وكان أول ابداعه ومشيئته وإرادته التي جعلها اصلاً بكل شيء ، ودليلاً على كل شيء مدرك ، وفاصلاً لكل شيء مشكل ، وبتلك الحروف تفريق كل شيء من اسم حق وباطل أو فعل أو مفعول ، أو معنى أو غير معنى ، وعليها
اجتمعت الأمور كلّها ولم يجعل للحروف في إبداعه لها معنى غير أنفسها ، تتناهى ولا وجود لها ، لانها مبدعة بالابداع.
والنور في هذا الموضع أو فعل الله الذي هو نور السموات والأرض ، والحروف هي المفعول التي عليها مدار الكلام ، والعبارات كلها من الله عز وجل علّمها خلقه ، وهي ثلاثة وثلاثون حرفاً ، فمنها ثمانية وعشرون حرفاً تدل على لغات العربية ومن الثمانية والعشرين اثنان وعشرون حرفاً تدلّ على لغة السريانية ، والعبرانية ومنها خمسة أحرف متحرّفة في سائر اللغات من العجم والاقاليم واللغات كلّها ، وهي خمسة أحرف تحرّفت من الثمانية والعشرين حرفاً من اللغات ، فصارت الحروف ثلاثة وثلاثين حرفاً
ثم جعل الحروف بعد احصائها واحكام عدّتها ، فعلامته كقوله عز وجل : « كن فيكون » وكن منه صنع ، وما يكون به المصنوع
فالخلق الأول من الله عز وجل والابداع : لا وزن له ، ولا حركة ، ولا سمع ، ولا لون ولا حس.
والخلق الثاني الحروف : لا وزن لها ، ولا لون ، وهي مسموعة موصوفة ، غير منظور اليها.
والخلق الثالث : ما كان من الانواع كلّها محسوساً ، ملموساً ، ذا ذوق منظور اليه.
والله تبارك وتعالى سابقاً للحروف ، والحروف لا تدلّ على غير نفسها »
وكلّ عقل المأمون وهو يلاحق تدفّق المعاني المذهلة فقال :
ـ كيف لا تدلّ الحروف على غير أنفسها؟!
أجاب الامام :
ـ إنّ الله تبارك وتعالى لا يجمع منها شيئاً لغير معنى أبداً ، فإذا ألف منها أحرفاً أربعة ، أو خمسة أو ستة أو اكثر من ذلك أو أقل لم يؤلفها بغير معنى ولم يكن الا لمعنى محدث لم يكن قبل ذلك شيئاً
وتساءل المأمون :
ـ كيف لنا بمعرفة ذلك؟
ـ المعرفة في ذلك : إنك تذكر الحروف ـ إذا لم ترد بها غير نفسها ـ فرادى فتقول : أ ، ب ، ت ، ث ، ج ، ح ، خ ، حتى تأتي على آخرها ، فلم تجد لها معنى غير أنفسها ، واذا ألفتها وجعلت منها
أحرفاً وجعلتها اسماً وصفة لمعنى ما طلبت ، ووجه ما عنيت ، كانت دليلة على معانيها داعية الى الموصوف بها أفهمت؟
ـ نعم.
واستأنف الامام حديثه :
ـ واعلم أنه لا يكون صفة لغير موصوف ، ولاحدّ لغير محدود ، والصفات ، والاسماء كلها تدلّ على الكمال ، والوجود ، ولا مثال على الاحاطة ، كما تدلّ على الحدود التي هي التربيع والتثليث والتسديس لانَّ الله عز وجل تدرك معرفته بالصفات والأسماء ، ولا تدرك بالتحديد ، بالطول والعرض ، والقلّة والكثرة ، واللون والوزن ، وما أشبه ذلك
ولكن يدلّ على الله عز وجل بصفاته ، ويدرك بأسمائه ، ويُستدلُّ عليه بخلقه حتى لا يحتاج في ذلك الطالب المرتاد الى رؤية عين ، ولا استماع أُذن ، ولا لمس كف
ولو كانت صفاته جل ثناؤه لا تدلّ عليه ، وأسماؤه لا تدعوا اليه ، والمعلّمة من الخلق لا تدركه لمعناه ، كانت العبادة من الخلق لأسمائه وصفاته دون معناه ولكان المعبود الموحّد غير الله
أفهمت يا عمران؟
ـ نعم يا سيدي زدني!
ـ إياك وقول الجهال من أهل العمى والضلال الذين يزعمون أن الله جلّ وتقدّس موجود في الآخرة للحساب في الثواب والعقاب ، وليس موجود في الدنيا للطاعة والرجاء ولو كان في الوجود لله عز وجل نقص واهتضام لم يوجد في الآخرة أبداً ولكن القوم تاهوا وعموا وصمّوا عن الحق من حيث لا يعلمون ، وذلك قوله تعالى :( ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضلُّ سبيلاً ) ١١٤ يعني أعمى عن الحقائق الموجودة وقد علم ذوو الألباب : ان الإستدلال على ما هناك لا يكون الا بما ها هنا ، ومن أخذ علم ذلك برأيه ، وطلب وجوده وإدراكه عن نفسه دون غيرها لم يزدد من علم ذلك الا بعداً لأنّ الله عزّ وجل جعل علم ذلك خاصّة عند قوم يعقلون ، ويعلمون ويفهمون.
ـ يا سيدي أخبرني عن الابداع أخلق هو أم غير خلق؟
ـ بل خلق ساكن ، لا يدرك بالسكون ، وإنّما صار خلقاً لانه شيء محدث ، والله تعالى الذي أحدثه فصار خلقاً له ، وإنّما هو الله عزّ وجلّ خلقه لا ثالث بينهما ولا ثالث غيرهما ، فما خلق الله
عزّ وجل لم يعد أن يكون خلقه ، وقد يكون الخلق ساكناً ومتحركاً ومختلفاً مؤتلفاً ومعلوماً ومتشابهاً ، وكل ما وقع عليه حد فهو خَلْق الله عزّ وجل واعلم أن كل ما أوجدتك الحواس فهو معنى مدرك للحواس وكل حاسة تدلّ على ما جعله الله عزّ وجل لها في ادراكها ، والفهم من القلب بجميع ذلك كله واعلم أن الواحد الذي هو قائم بغير تقدير ولا تحديد خلق خلقاً مقدّراً بتحديد وتقدير ، وكان الذي خلق خلقين اثنين : التقدير والمقدّر ، وليس في كل واحد منهما لون ولا وزن ، ولا ذوق ، فجعل أحدهما يدرك بالآخر وجعلهما مدركين بنفسهما ، ولم يخلق شيئاً فرداً قائماً بنفسه غيره للذي أراد من الدلالة على نفسه ، واثبات وجوده
فالله تبارك وتعالى فرد واحد لا ثاني معه يقيمه ، ويعضده ، ولا يكنّه ، والخلق مما يمسك بعضه بعضاً باذن الله تعالى ومشيئته ، وانما اختلف الناس في هذا الباب حتى تاهوا ، وتحيّروا ، وطلبوا الخلاص من الظلمة بالظلمةفي وصفهم الله تعالى بصفتهم أنفسهم ، فازدادوا من الحق بعداً ، ولو وصفوا الله عز وجل بصفاته ووصفوا المخلوقين بصفاتهم ، لقالوا بالفهم واليقين ، ولما اختلفوا ، فلما طلبوا من ذلك ما تحيروا فيه ، ارتبكوا والله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم
وخشع قلب عمران :
ـ أشهد انه كما وصفت ، ولكن بقيت لي مسألة؟
ـ سل عمّا أردت!
ـ أسألك عن الحكيم في أي شيء هو؟ وهل يحيط به شيء؟ وهل يتحول من شيء الى شيء؟! وبه حاجة الى شيء؟
ـ اخبرك يا عمران فاعقل ما سألت عنه فانه من أغمض ما يرد على الخلق في مسائلهم ، وليس يفهم المتفاوت عقله ، العازب حلمه ولا يعجز عن فهمه أولوا العقل المنصفون
أما أول ذلك فلو كان خلق ما خلق لحاجة منه لجاز لقائل أن يقول : يتحول الى ما خلق لحاجته الى ذلك ، ولكنه عز وجل لم يخلق شيئاً لحاجة ولم يزل ثابتاً لا في شيء ولا على شيء ، الا أنّ الخلق يمسك بعضه بعضاً ويدخل بعضه في بعض ، ويخرج منه ، والله جلّ وتقدس بقدرته يمسك ذلك كلّه ، وليس يدخل في شيء ، ولا يخرج ، ولا يؤوده حفظه ، ولا يعجز عن امساكه ، ولا يعرف أحد من الخلق كيف ذلك؟ الا الله عز وجل ومن أطلعه عليه من رسله ، وأهل سرّه ، المستحفظين لأمره وخزانه ، القائمين بشريعته ، وانما أمره كلمح البصر أو هو أقرب إذا شاء شيئاً فإنّما يقول له : « كن فيكون » بمشيئته وإرادته ، وليس شيء
أقرب إليه من شيء ، ولا شيء أبعد منه من شيء
أفهمت يا عمران؟
ـ نعم يا سيدي وانا اشهد ان الله تعالى على ما وصفت ، ووحدت ، وأشهد أن محمداً عبده المبعوث بالهدى ، ودين الحق.
ولأول مرّة يسجد عمران لله الذي أضاءت حقيقته الكبرى قلبه وطريقه وحياته.
وعانق الامام عمراناً الذي دخل ملكوت الاسلام دين الله الحق وكلمة السماء الأخيرة
٢٧
سجد عمران لله وكان قلبه يستحمّ تحت رشاش الحقائق الالهية التي يسمعها أول مرّة ، وفرّت الشكوك والوساس مذعورة أمام شمس الحقيقة كاشباح ضبابية
شعر عمران انه يولد من جديد ما أجمل الانسان وهو يشهد لحظة الميلاد الحقيقي وما أجمل اللحظة التي يولد فيها الانسان!
غادر الذين حضروا الصراع صراع الأفكار والرؤى الحقائق والأوهام.
وفي ضوء القمر كان عمران في طريقه الى منزل الامام ، فيما اختلى محمد بن جعفر الصادق بصديق للامام :
ـ يا نوفلي أما رأيت ما جاء به صديقك؟ لم أكن أعلم أن ابن أخي « علي » خاض في الكلام ، ولا عرفناه به أو إنّه كان يتكلم بالمدينة! أو يجتمع اليه اصحاب الكلام.
أجاب النوفلي وهو ما يزال منتشياً بالانتصار :
ـ كان الحُجّاج يأتونه فيسألونه عن أشياء من حلالهم وحرامهم وربّما كلّم من يأتيه بحاجة
قال العم متوجساً :
ـ إني أخاف عليه أن يحسده هذا الرجل فيسمّه أو يفعل به بليّة ، فأشر عليه بالامساك عن هذه الاشياء.
أجاب النوفلي محاولاً طرد الوساوس :
ـ إنَّ المأمون لا يريد سوى امتحانه ليعلم هل عنده شيء من علوم آبائه؟
أجاب العمّ الذي يعرف طبيعة المأمون.
ـ قل له : إنّ عمّك قد كره هذا الباب ، وأحب أن تمسك عن الخوض في هذه الاشياء لاسباب شتى
رحب الامام بضيفه الكريم وقدّم له هديّة عبارة عن حلّة جديدة وعشرة آلاف درهم.
وتأثر عمران بشدّة فهتف جذلاً :
ـ جعلت فداك حكيت فعل جدّك!!
وعندما غادر عمران قال النوفلي :
ـ إنّ عمّك يطلب منك ألّا تخوض في الكلام انه يخشى عليك من المأمون الحسد!
ـ إنّه لعمّ كريم!
انتصف الليل في « مرو » ، وأغمضت العيون عيون الفلاحين البسطاء والناس الفقراء وفي تلك الليلة أرق المأمون وتناهبته هواجس راحت تعوي كذئاب مجنونة ، الليل والوحدة تحيل الهواجس الى أشباح مخيفة مقلقة
« بغداد » هائجة ، و« مرو » مفتونة بالرضا بالمطر بالبركةالتي انقذت المدينة من الجوع والعلماء وزعماء الأديان مبهورون به وذو الرئاستين يعمل في الخفاء!
وفي ذلك العالم المترع بالشرور ، كان الامام ينسلّ من منزله كطيف ، يدور في أزقّة المدينة الى حيث تنهض بيوت الفقراء والمحرومين ، والعيون التي تغمض في أمل بغدٍ مبارك
ولمح الامام أشباحاً تمرق في الظلام وقد غاب القمر منذ مدّة وهو يرى تلك الاشباح التي تراقبه وتتبعه في الليل في
دروب المدينة.
وعاد الامام الى منزله بعد رحلته الليلية ليلمح على بعد خطى شبحين ينتظران في الظلام
ولم يعرفهما حتى أماط اللثام : الفضل بن سهل الوزير ، وهشام بن ابراهيم! العيون تبرق بالمؤامرة :
ـ لقد جئناك بأمرٍ هام.
وعندما دخلا حجرة على اليسار ، واستقرّ بهما المجلس قال هشام :
ـ إنما جئناك لنقول كلمة الحق والصدق
وأخرج الفضل صحيفة ملفوفة، نشرها وراح يقرأ ما كان قد سطّره فيها :
ـ ان الخلافة حقكم يا بن رسول الله ، والذي نقول بألسنتنا عليه وضمائرنا ، والا ينعتق ما نملك والنساء طوالق وعلينا ثلاثون حجة راجلين على أن نقتل المأمون ، ونخلص لك الأمر ، وحتى يرجع الحق إليك
فاحت رائحة المؤامرة ، الدم ، الاغتيال
ما الذي جعل الفضل يفكّر بهذا الاسلوب؟ ولماذا هذا
التحرّق على إعادة حق الامام وبهذه الطريقة؟
ما الذي يريده الفضل؟ اختبار الامام معرفة موقفه.
اغتيال المأمون والسيطرة على أزمّة الحكم باسم الامام؟
وشعر الرجل المدني باشمئزاز من الخيانة! خيانة الفضل لسيّده ووليّ نعمته وخيانة هشام لولائه السابق ، وتحوّله الى جاسوس ثم الى متآمر!
هتف الامام وهو ينهض منهياً اللقاء :
ـ كفرتما النعمة ، فلا تكون لكما السلامة ولا لي إن رضيت بما قلتما
وغادرا المكان متوجهين الى قصر المأمون لاحاطته علماً ودخل الامام على المأمون يحذّره من تآمر وزيره ذي الرياستين ، وقد استقبل الخليفة الماكر الحادثة متظاهراً بعدم أهميتها ، وإنّه يقدّر نوايا الجميع!
هل كانت خطّة من الفضل وحده للاحاطة بالمأمون والافادة من ثقل ولي العهد الذي أصبح محبوباً في مرو؟!
هل كانت خطة من المأمون لسبر نوايا الامام ومعرفة طموحاته الحقيقية؟ ولكن الذي حصل أن المأمون لم ينم تلك
الليلة! وأنّه لم يعد يتحمّل أكثر من هذا وأنّ عليه أن يحسم الموقف أنْ يعود الى بغداد باسرع وقت ولكن كيف؟!
الطريق الى بغداد محفوفة بالاخطار ، والعباسيون هائجون ، وجريمة المأمون لا تغتفر وزير فارسي وولي عهد علوي!
ماذا يفعل إذن؟ هل يقتل ولي عهده؟ سيثور البركان العلوي من جديد » بركان لا يهدأ هل يخلعه؟ ولكن كيف ، وقد سطع نجمه وعرف الناس شأنه ومنزلته وعلمه
وخطر في ذهنه أن يرسل الامام الى العراق وحيداً ليكون وجهاً لوجه أمام أعدائه الألداء!١١٥ وعندها ستكون هناك نهايته! وفي تلك الليلة أصدر المأمون أوامره بتكثيف الرقابة على منزل الامام ومراقبة كل من يدخل أو يخرج ، وطرد زائريه ممن تشمّ منهم رائحة التشيّع لأهل البيت ، وقطع الطريق على قوافل العلويين الذين يرومون التوافد الى مرو.
٢٨
لاح هلال المحرّم في سماء شاحبة ذلك الغروب فبدا ابتسامة حزينة ، أو قارب يكاد يغيب في الأفق الغارق بلون رمادي كثيف.
وكان منزل الامام غارقاً في حزن عميق لكأن تلك الروح التي تسكنه تلقي ظلالها على كل شيء ، حتى الخدم كانوا يؤدون أعمالهم وقد غادرتهم الحيويّة
لمحرّم ذكرياته الحزينة يأتي بها كل عام اعتصم الرجل الاسمر ، وقد بدا غارقاً في مشاهد كربلائية
ودخل عليه رجل ؛ فسأله الامام :
ـ يا بن شبيب١١٦ أصائم أنت؟
ـ لا.
ـ في مثل هذا اليوم دعا زكريا ربّه فقال : هب لي يا الهي من لدنك ذرية طيبة ، انك سميع الدعاء ، فاستجاب الله له وبشرته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب فمن صام هذا اليوم ثم دعا الله استجاب له
واطلق الامام آهة حرّى واستأنف حديثه :
ـ يا بن شبيب! إنّ أهل الجاهلية كانوا يحرمون فيه الظلم والقتال لحرمته ولكن هذه الامّة لم تعرف حرمة شهرها ولا حرمة نبيها لقد قتلوا في هذا الشهر ذرّيته ، وسبوا نساءه
وما جت الدموع في عينيه وتهدج صوته :
ـ يا بن شبيب! إن بكيتَ لشيء فابك الحسين ، فلقد بكت من أجله السموات والأرض١١٧ .
وساد صمت لكأنهما يصغيان الى دوي الصهيل على شاطئ الفرات بكربلاء وغمغم الإمام كأنه يحدّث نفسه :
ـ لقد أسهر أمر الحسين جفوننا وأسبل دموعنا ، وأذلّ عزيزنا يا أرض كربلاء أورثتنا الكرب والبلاء
كان أبي إذا دخل شهر محرم لا يرى ضاحكاً وكانت الكارثة حتى تمضي عشرة أيام فإذا كان اليوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه١١٨
في مثل هذا اليوم أضرمت النار في مضاربنا ونهبت أموالنا ولم ترع لرسول الله حرمة ».
وتذكر الريّان مهمة كاد ينساها ، فراح ينشد بصوت اشبه بالهمس :
رأس ابن بنت محمد ووصيـّه |
يـا للرجـال علـى قنـاة يُرفع |
|
والمسلمون بمنظـر وبمسمـع |
لا جـازع مـن ذا ولا متخشـع |
|
أيقظت أجفاناً وكنتَ لها كرى |
وأنمت عيناً لم تكن بـك تهجـع |
|
مـا روضـة الا تمنّت أنـها |
لك مضجع ولحظ قبرك موضع١١٩ |
ـ هذا الشعر لدعبل الخزاعي١٢٠ .
ـ أجل يا سيّدي وهو في « مرو » وقد جاء لقائك وينتظر الاذن!
ـ ليكن اللقاء بعد صلاة العصر فهناك من يودّ رؤيته غيري.
ويدخل شاعر أهل البيت شاعر الكلمة المقاتلة الكلمة
الثائرة المشرّد منذ ربع قرن المحكوم بالاعدام
قال دعبل وعيناه تفيضان حبّاً :
ـ يا سيدي قد نظمت أبياتاً من الشعر وأحب أن تسمعها فما قرأتها على أحدٍ أبداً!
وراح دعبل ينشر منديلاً فيه كلمات شاعرة ثائرة ولم يكن ذلك معروفاً أن يُكتب على منديل أبيض يشبه رداء الإحرام والحج! من أجل هذا قال دعبل ليبدّد علامات استفهام ندّت من بعض العيون :
ـ إنما فعلت ذلك لتكون في ثيابي إذا حان موعد السفر سفرة الآخرة١٢١ .
وبدأ دعبل تائيته التي قدّر لها الخلود :
تجـادبن بالأرنـان والزفـرات يخبّرن بالأنفاس عن سرِّ أنفسٍ نوائح عجـم اللفظ والنطقات أسارى هوى ماض وآخرات
وتنساب المعاني الرقيقة من قلب انسان أمضى حياته مشرّداً بعيداً عن ربوع وطنه ودياره.
فهو يهدي تحياته للربوع التي تركها خضراء حالمة ، تخطر فيها فتيات يرين جمالهن في الستر والعفة
ما تزال تلك المشاهد تتألق في ذاكرته كلّما وقف في سفوح عرفات ولكن الأيام تدور ويدور معها الزمان ، ويبدأ زمن الشتات والفراق فراق الاحبة.
ومن دول المستهترين ومن غدا |
بهم طالباً للنور في الظلمات |
ولم يبق من أمل في الحياة الا حب آل النبيصلىاللهعليهوآله ، هؤلاء الذين يمثلون جوهر الاسلام وروحه.
ولكن أبناء هند الذين اغتصبوا الحق حوّلوا الحياة الى جحيم لا يطاق وبدأت المآسي :
رزايا أرتنا خضرة الافق حمرة |
وردت أُجاجاً طعم كل فرات |
وأصبح الأفق الأزرق دامياً ، والفرات العذب يتحول الى ملح
ولم تأت المآسي الا من تلك اللحظة من « السقيفة » التي أدّت الى البيعة « الفلتة »!
وما سهلت تلك المذاهب فيهم |
على الناس الا بيعة الفلتات |
من ذلك المكان والزمان بدأ الانحراف عندما أقصى الوصي فأدى ذلك الى استيلاء أعداء آل البيت والاسلام على البلاد والعباد.
لم تبق في مكة والمدينة سوى أطلال تلك الديار المقدسة ، حيث كان جبريل يهبط بآيات السماء لقد أقفرت تلك الديار من ساكنيها وأضحت خالية
مدارس آيات خلت من تلاوة |
ومنزل وحي مقفر العرصات |
|
ديـار علي والحسين وجعفر |
وحمزة والسجاد ذي الثفنـات |
|
منـازل كانت للصلاة وللتقى |
وللصوم والتطهير والحسنات |
|
منازل جبريل الأميـن يحلها |
من اللّه بالتسليـم والرحمات |
|
ديار عفاها جور كل منـابذ |
ولم تعف للأيـام والسنوات |
|
فيا وارثي علم النبـي وآله |
عليكم السـلام دائم النفحـات |
قفا يا صاحبيَّ نسأل الدار التي رحل أهلها الى أين ذهبوا؟ وأين تشتتوا؟ في الآفاق البعيدة المجهولة و وتوقف الشاعر عن لقد هوى الرضا مغشياً عليه لم يتحمّل قلبه الكبير ملحمة الكلمات عندما تكون خلاصة للدماء والدموع والأحزان وأفاق ليقول بصوت فيه حزن الميازيب في المطر :
إقرأ يا خزاعي :
وأين الألى شطت بهم غربة النوى |
أفانيـن فـي الآفـاق مفترقات |
|
قفا نسـأل الدار التـي خَفّ أهلها |
متى عهدها بالصوم والصلوات |
لقد غدر بهم الزمان ، وارتدى الحاقدون قناع النفاق
ليثأروا من بطل « بدر » و« أحد » و« حنين ».
سقى الله قبراً بالمدينة غيثه |
فقد حل فيه الأمن والبركات |
|
نبي الهدى صلى عليه مليكه |
وبلّغ عنه روحـه التحفات |
وتهدّج صوت الشاعر وهو يقول :
« أفاطم لو خلت الحسيـن مجدّلاً |
وقد مـات عطشانـاً بشط فرات |
|
إذن للطمتِ الخدَّ فاطـم عنـده |
وأجريت دمع العين في الوجنات |
|
أفاطم قومي يا بنة الخير واندبي |
نجوم سماوات بـارض فـلاة » |
انهضي يا فاطمة من قبرك المجهول لتندبي ابناءك الشهداء في « الكوفة » و« طيبة » و« فخ » وفي أرض الجوزجان وفي « باخمرى » و« بغداد ».
وقبر ببغداد لنفس زكية |
تضمنّها الرحمن في الفرفات |
وهنا قال الرضا :
ـ أتحب أن ألحِقَ بيتاً في هذا الموضع من قصيدتك؟
ـ بلى يا بن رسول الله!
وقبر طوس يالها من مصيبة |
الحّت على الاحشاء بالزفرات |
وارتسمت علامات استفهام ودهشة ، وتساءل الشاعر بذهول :
ـ قبر من يا سيّدي؟!!
ـ انه قبري يا دعبل١٢٢ !
واستأنف الشاعر قصيدته :
« فياعين ابكيهم وجودي بعبرة |
فقـد آن للتسـكاب والهمـلات |
|
لقد حفّت الأيـام حولي بشرّها |
وإني لأرجو الأمن بعد وفاتي » |
ها أنا اعيش مشرّداً خائفاً في المدن والقرى وليس أمل في الحياة الآمنة الا في عالم آخر عالم ألجهُ بعد وفاتي إنّ مستقبل الانسان الحقيقي هناك في ذلك العالم الذي يزخر بالطمأنينة والسلام
منذ ثلاثين سنة وأنا اعيش الألم والحسرة ، أرى هؤلاء الثلة من البشر وهو نجوم الأرض مقهورين مشرّدين قد أذاب أجسادهم الجوع والحرمان ..
« سأبكيهم ما ذرّ في الأرض شارق |
ونادى منادي الخير بالصلوات |
|
وما طلعت شمس وحـان غروبها |
وبالليـل أبكيهـم وبـالغدوات |
ومع كل هذا الظلم الذي ينزله الحاقدون بهم مع كل هذا القهر الا ان ذلك لم يتغيّر من انسانيتهم لقد ظلّوا كما هم كرماً وسماحة.
إذا وتروا مدّوا الى واتريهم |
أكفاً عن الأوتار منقبضات |
وقلّب الامام كفّيه كمن يكّف نفسه عن المقابلة بالمثل
وتمتم بحزن :
ـ أجل والله منقبضات!
فلولا الذي أرجوه في اليوم أو غدٍ |
تقطّع نفسي إثرهم حسرات |
|
خـروج إمـام لا محالة خـارج |
يقوم على اسم الله والبركات |
وهتف الامام :
ـ يا خزاعي لقد نطق روح القدس على لسانك.
يميـّز فينـا كل حـق وبـاطل |
ويجزي على النعماء والنقمات |
|
فيا نفس طيبي ثم يا نفس ابشري |
فغيـر بعيـدٍ كـلُّ ما هو آت |
سيأتي ذلك اليوم المنشود وتعود راية العدالة ترفرف من جديد ان ايماني لا يتزعزع بالرغم من كل ما أعانية اليوم :
أحاول نقل الشمس عن مستقرّها |
واسمع احجاراً من الصلواتِ |
|
كأنك بالأضلاع قد ضاق رحبها |
لما ضمنت من شدّة الزفرات |
ونهض الامام ليعانق الشاعر المشرّد الخائف الذي أمضى ثلاثين سنة خائفاً يترقب :
ـ آمنك الله يا خزاعي يوم الفزع الأكبر.
ما تزال الدموع دموع الحزن من أجل الذين قتلوا ظلماً وعدواناً ودموع الحزن من الذين ما يزالون مقهورين وغادر
الشاعر مستأذناً بعد أن غسل قلبه المترع بالأسى بالدموع وقبل أن يضع قدمه خارج المنزل فوجئ بياسر يقدّم اليه صرّة :
ـ ما هذا؟؟
ـ عشرة الاف درهم هبة من سيدي.
ـ لا والله ما أدرت هذا ، ولا خرحت له انما جئت للتشرف به والنظر الى وجهه ولكن اطلب منه أن يهب لي ثوباً من ثيابه.
وقف الشاعر ينتظر وعاد الخادم أدراجه الى الامام الذي خلع جبّة خزّ وقال :
ـ خذها اليه وأعد اليه دراهم وقل له : خذها فانك ستحتاج اليها وعاد الخادم يحمد إليه هديّته
وضمّ الشاعر الجبّة الى وجهه يملأ صدره من عبير النبوّات وعندما فتح الصرّة وجد فيها عشرة الاف درهم مما سُكّ باسم الامام الرضا فكان الشاعر المشرّد أول من حصل على النقد الجديد١٢٣ .
٢٩
لن تستطيع فاطمة ان تتحمل أكثر من هذا ، إن قلبها في « مرو » في تلك المدينة من الشرق الاقصى والأخبار القادمة من بغداد تبشر بالويل والثبور وأخوها يواجه الدنيا وحيداً ليس معه أحد
الرسالة التي استلمتها أخير اكتسحت كل العراقيل التي كانت تحول دون سفرها فجرّت في أعماقها عزماً لن يقاوم!
لم تكن الرسالة موجهة الى فاطمة وحدها ، وإن جاءت في ظاهرها شخصية ان الرضا يعيش محنته وحيداً ، والعباسيون لن يهدأوا ما دام الرضا وليّاً للعهد والمأمون لن يستطيع أن يقاوم كثيراً
كما أنها لا تطمئن الى هذا الخليفة الذي قتل أخاه بالأمس وارتكب المذابح بحق الابرياء ان دماء الذين ثاروا في الكوفة ومكّة لم تجف بعد
انها تعرف أخاها لقد ودّع المدينة بالدموع ان الرسالة إذن تشبه استغاثة يطلقها إنسان مقهور انسان يحاول تصحيح مسار التاريخ.
ستبقى ظاهرة الهجرة في حياة البشرية واحدة من أهم الظواهر الانسانية في التاريخ ، وهئذ تبدو مجرّد احتجاج هادئ ضد القهر والظلم فانها تعدّ حدثاً كبيراً وبداية لفصل جديد من حياة الانسان.
في فجر يوم من أخريات صفر وكان القمر في المحاق انطلقت قافلة تضمّ عدداً من العلويين في طليعتهم أخوة الامام الرضا : أحمد ، محمد ، حسين ، وقد بلغ عدد أفراد القافلة وهي تغادر المدينة المنورة ثلاثة آلاف ، وقد ولّت النوق شطرها مدينة البصرة فشيراز١٢٤ ومنها صوب كرمان إذا جرت الرياح بما تشتهي السفن.
ولا أحد يعرف اسباب انتخاب هذه الطريق القاحلة؟!! هل كان إخوة الامام يطمحون الى حشد أكبر عدد ممكن من الرجال
خلال الطريق؟!!
لقد كانت القافلة تنمو وتنمو ، وكان الرجال في بعض المدن والقرى يلتحقون بالركب المسافر صوب مرو في طريق شائك ملئ بالرمال والأخطار
حتى اذا وصلت حدود القافلة شيراز أصبح عدد أفراد القافلة خمسة اضعاف١٢٥ !
أمّا قافلة فاطمة فقد تحرّكت صوب الكوفة عبر طريق تخترق بعض المرتفعات الجبلية ثم صحراء « نجد » الى « رفحا » و« الكوفة » ، لتجتاز الفرات صوب الشرق عبر مرتفعات « همدان » بعد منعطفات بين سلاسل جبلية شاهقة.
وهكذا بدأت القافلة وهي تحمل اثنين وعشرين علويّاً تتصدر فتاة اسمها فاطمة وإخوة لها هم : هارون وفضل وجعفر وقاسم.
في كل قرية على الطريق أو مدينة كانت القافلة تتوقف وكانت فاطمة تتحدث عن مجد علي علي الذي أصبح اسمه راية الثورة ، ومناراً للعدالة وعنواناً للكرامة والحرّية.
وعلى الذين ينشدون الغد الاخضر أن يلتحقوا بركب علي الذي انطلق في لحظة الفجر من محراب الكوفة.
قالت فاطمة :
ـ عن امنا فاطمة قالت : سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول : « مكتوب على الستر : بخ بخ من مثل شيعة علي!!
وعن أمنا فاطمة : قال رسولصلىاللهعليهوآله : ألا من مات على حب آل محمد مات شهيداً
وعن أمنا فاطمة قالت : « انسيتم قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم غدير خم : « من كنت مولاه فهذا علي مولاه؟ وقولهصلىاللهعليهوآله : أنت منى بمنزلة هارون من موسى »؟!
آه يا يوم الغدير يا يوماً من أيام الله! كيف سقطت من الذاكرة فضعت وضاعت معك كل الاشياء الجميلة؟ ويا عيداً ولدت شهيداً!
ألأنك صرت رمزاً ليوم الامام ، وعيداً للإمامة؟!
كانت فاطمة غارقة في مأساة لا تعرف أسرارها كيف أصبح الحق مقهوراً ، ولماذا ولماذا ينزلق البشر في طريق الشرور يبحثون عن السعادة في وديان مظلمة مليئة بالافاعي والحيّات؟!
لماذا تصاب بغداد بالجنون عندما سمعت نبأ ولاية عهد
الامام؟!
ألهذا الحدّ تنحط بغداد لتصبح مثل « سدوم »١٢٦ .
وتداعت في أعماق فاطمة كلمات قالها شقيقها في لحظات مشحونة بغضب الانبياء عندما نسيت الأمّة كلمات السماء في غدير خم ما تزال كلمات أخيها وهو يحاور صاحبه مثل يراعات تبدد الظلمات :
ـ « يا عبد العزيز! جهل القوم ، وخدعوا
إنّ الله تبارك وتعالى لم يقبض نبيه حتى أكمل له الدين ، وأنزل عليه القرآن فيه تفصيل كل شيء :( ما فرّطنا في الكتاب من شيء ) ١٢٧ وأنزل في حجة الوداع في « غدير خم » :( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ، ورضيت لكم الاسلام دينا ) ١٢٨
الامام من تمام الدين ، ولم يمض رسول الله حتى بين لأمته معالم دينها ، وأوضح لها سبيلها ، وتركها على قصد الحق ، وأقام لها علياً وما ترك شيئاً تحتاج إليه الأمّة الا بينه ، فمن زعم أن الله عز وجل لم يكمل دينه فقد رد كتاب الله عز وجل ومن ردّ كتاب الله تعالى فهو كافر
هل يعرفون قدر الامامة ، ومحلّها من الأمة فيجوز فيها
اختيارهم؟ إن الامانة أجلّ قدراً وأعظم شأناً ، وأعلى مكاناً ، وأبعد غوراً من أن يبلغها الناس بحقولهم أو ينالوها بآرائهم ، أو يقيموا اماماً باختيارهم
إن الامامة خص الله بها إبراهيم الخليل بعد النبوّة والخلّة ؛ مرتبة ثالثة ، وفضيلته شرّفه بها فقال عز وجل :( إني جاعلك للناس إماماً ) .
فقال الخليل : « ومن ذريّتي »؟
قال الله عز وجل :( لا ينال عهدي الظالمين ) .
فأبطلت الآية إمامة كل ظالم الى يوم القيامة
ولم تزل الامامة في ذريّة إبراهيم يرثها بعض عن بعض قرناً فقرناً حتى ورثها النبيصلىاللهعليهوآله ، فقال الله عز وجل :( إن أولى الناس بابراهيم لَلذين اتبعوه وهذا النبي الأمي والذين آمنوا والله وليّ المؤمنين ) ١٢٩ ، فكانت له خاصّة ، فقلّدها علياً بأمر الله عز وجل على رسم ما فرضها ، فصارت في ذرّيته الاصفياء الذين آتاهم الله العلم والايمان بقوله عز وجل :( فقال الذين اُتوا العلم والايمان لقد لبثتم في كتاب الله الى يوم البعث ) ١٣٠ .
فهي في ولد علي خاصّة الى يوم القيامة إذ لا نبي بعد
محمد فمن أين يختار الجُهّال؟!
الامام : السحاب الماطر والغيث الهاطل والشمس المضيئة والأرض البسيطة والعين الغزيرة والغدير والروضة الامام : الامين ، الرفيق ، والوالد الرقيق ، والأخ الشفيق »
وتجمعت الدموع في عيني فاطمة تبكي من أجل اُمّة ما تزال تمعن في الضياع لتغرق في بحر الظلمات
القافلة ما تزال تشق طريقها لتصل تخوم ساوة ، ممنعة في أرض متموجة رسمت فيها القوافل المسافرة خطوطاً ملتوية.
٣٠
القافلة التي تتجه صوب شيراز تصل « خان زينان » ، قافلة كبرى تتألف من خمسة عشرة انساناً ، يرومون « مرو » ، ولكن القدر كان لهم بالمرصاد
وتفاجأ القافلة التي حطّت رحلها لتلتقط أنفاسها بجيش جرّار يتألف من أربعين الف جندي! وظهر « قتلغ خان » حاكم شيراز متلبساً جلد النمر
في مكان يبعد عن شيراز اثنين عشرين ميلاً عربياً ، هتف الحاكم بغلظة :
ـ أين تريدون؟!
أجاب أحمد :
ـ نريد مرو.
وقال أخوه محمد العابد :
ـ إنّنا نريد لقاء أخينا الرضا! ولم يُعترض طريقنا ومعنى هذا ترخيص بالسفر!
ـ قد يكون ما ذكرت ، ولكن معنا أوامر من الخليفة بمنعكم من السفر الى مرو!
ثم هتف بصوت يسمعه الجميع :
ـ عودوا من حيث أتيتم!
سكت الإخوة لتداول الأمر فيما بينهم لا تخاذ قرار ما أمّا حاكم شيراز فقد صرعه الغرور ، فاصدر أوامره الى الفرسان بالقيام بحركة استعراضية حول القافلة لا رهابها.
واهتزت الأرض حول القافلة ، وتصاعد الغبار ، وكانت سنابك الخيل تدك الأرض دكّاً
قال أحمد لأخوته :
ـ ما رأيكم؟
قال محمد العابد :
ـ لقد قطعنا مئات الأميال ، ثم إن أخانا قد استقدمنا وهو لا
يفعل ذلك دون استئذان المأمون.
وقال حسين :
ـ كيف نعود أدراجنا ونترك أخانا؟!
قال أحمد :
ـ نواصل سيرنا فإن اعترضونا فالكلمة الأخيرة للسيف!
وفي اليوم التالي تحرّكت القافلة وكانت سفن الصحراء ما تزال تتجه صوب الشرق!
وصاح قائد الجيش مطلقاً تهديده الأخيرة :
ـ عودوا من حيث اتيتم
ـ فإذا لم نفعل؟!
ـ ستكون نهايتكم.
ـ أنتم أسوأ من قطاع الطريق!!
وأصدر القائد الغليظ القلب أوامره بالاغارة على القافلة وبركت النوق لينزل عنها رجال اشدّاء.
وحدثت اشتباكات ضارية ، وكانت السيوف تبرق خلال غبار كصواعق تحتفل فوق أرض مجنونة كان الرجال الاشدّاء يقاتلون ببسالة ، وكان صهيل الخيل يذكّر بملحمة
حدثت على شاطئ الفرات.
وزجّ القائد الغليظ القلب بسلاح المكر عندما هتف :
ـ إن كان هدفكم زيارة أخيكم فإن الرضا قد مات!
وفعلت الشائعة فعلها وتسلل اليأس الى القلوب التي كانت تحلم باللقاء
بدأ الإخوة تشاورهم ؛ لا يمكن المجازفة بأرواح الناس فأعلنوا موافقتهم على وقف القتال ، وبينما كانت القافلة تتأهب للعودة ، فرّ الإخوة الثلاثة باتجاه شيراز ليختفوا هناك فاصدر حاكم شيراز أمراً بالقاء القبض عليهم!
وهناك وعلى بعد مئات الاميال كانت قافلة أخرى تتجه الى الري وقد وصلت مدينة « ساوة » على طريق الجبل الذي يتجه الى خراسان. رياح تشرين الخريفية جرّدت بساتين الرمّان من خضرتها الزاهية ، ومنحتها لوناً برتقالياً يميل الى الاحمرار.
كانت الأوامر الصادرة من « مرو » واضحة ومشدّدة تقضي بقطع الطريق على العلويين المتجهين الى خراسان.
وحدث ما كان متوقعاً فقد اصطدمت قوّات من الشرطة ،
بالعلويين واستبسل رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة.
كانت فاطمة تنظر بأسف وحزن الى مصارع الأحبّة هارون والقاسم وجعفر ، والفضل وبعضاً من أولاد أخوتها وكان مشهداً كربلائياً.
وهوت فاطمة الى الأرض الملوّنة بدماء الابرياء وعندما فتحت عينيها وجدت نفسها وسط نسوة يذرفن الدموع كانت الشمس قد زالت ، وصوت أذان بعيد ينساب حزيناً مؤثراً اشهد أن محمداً رسول الله
قالت فاطمة بحزن :
ـ أين أنت يا جدّاه لترى ما حلّ بأبنائك؟!
وعندما أرادت أن تنهض للصلاة لم يقو جسمها النحيل على حمل روح تستعد للرحيل الى عالم بعيد عن ويلات الأرض وشرور الانسان.
هاهي الفتاة التي بلغت من العمر الثامنة والعشرين تقف وحيدة في منتصف الطريق بين « المدينة » و« مرو » لا تستطيع العودة ولا تستطيع مواصلة الطريق
وها هي الآن تذوي كشمعة في آخر ليلة شتائية طويلة
وتوهجت في ذاكرة فاطمة أحاديث سمعتها في زمن الطفولة والشباب ما تزال تتذكر والدها عندما قال :
ـ « قم عش آل محمد ، ومأوى شيعتهم »١٣١ .
وسمعت شقيقها يقول :
ـ « إذا عمّت البلدان الفتن فعليكم بقم وحواليها ونواصيها فإن البلاء مرفوع عنها »١٣٢ .
وسمعته يروي عن جدّها الصادق :
ـ « تربة قم مقدّسة وأهلها منّا ونحن منهم ، لا يريدهم جبّار بسوء الا عجّلت عقوبته ما لم يخونوا إخوانهم فإذا فعلوا ذلك سلّط الله عليهم جبابرة سوء »١٣٣ .
وأضاء في قلبها نور سماوي وتألقت كلمات جدّها الصادق وهو يقول : « إن لنا حرماً وهو بلدة قم وستدفن فيها إمرأة من أولادي اسمها فاطمة »١٣٤ .
من أجل هذا تساءلت فاطمة وعيناها تتألقان بحزن سماوي :
ـ كم مسافة الى قم؟
ـ أربعون ميلاً.
قالت وقد اضاء قلبها قنديل أمل باللقاء :
ـ خذوني اليها.
وعندما ولّت القافلة الى « قم » كانت فاطمة تشعر انها تنطلق الى أرض طيّبة وربّ غفور
كان جسمها النحيل يذوب تحت وطأة الحمّى ، وأمّا روحها فكانت تسطع مثل كوكب درّي وفي كل محطة في الطريق كانت تسأل عن بعض إخوتها الذين اختفوا بعد المعركة كانت تودّ أنهم يواصلون طريقهم الى مرو للقاء أخيهم
ولكن الأخبار التي سمعتها لا تشجع ، فقد انقطعت أخبار الرضا ، وأخبار تتحدث عن أحزانه وعزلته ، ومعاناة شيعة كلما أرادوا لقاءه!
إن قم مخزن الرجال الاشدّاء وعش آل محمد فلعلّها إذا وصلت تستطيع أن تفعل شيئاً من أجل أخيها الوحيد!
وربّما يأتي إخوتها لزيارتها في قم وربما يقنطون في هذه البلدة الطيبة من يدري؟
٣١
كانت « مرو » تعيش حركة غير عادية منذ أن تسرّبت أنباء عن نيّة المأمون السفر الى بغداد دوريات عسكرية تجوب مرو ، وجواسيس ينتشرون في كل مكان يمكن أن يكون مصدراً للقلاقل وقد شُدّد الحصار على منزل الامام الرضا
وأضحت مرو في تلك الفترة أشبه بمعسكر كبير وقد ساد التوتر أجوائها.
ولم يفلح ذو الرئاستين في ثنى المأمون عن قراره أبداً ، ولقد بدا واضحاً أن العودة الى بغدادقدرٌ لا مفرّ منه!
وبالرغم من عزم المأمون على العودة الى عاصمة آبائه بأيِّ ثمن ، ولكنّه كان متريثاً في حركته لأن الطريق الى بغداد
تكلّفه الكثير من المخاطرة ، ولذا فقط حرص على إثارة الخبر فقط موقناً بأن مجرّد وصول النبأ الى بغداد سوف يمهّد طريق العودة
وتلقّى الامام قرار المأمون وإصراره على اصطحابه بصمت معبّر إنّه يدرك هواجس الخليفة الذي وقع في مأزق صنعه بنفسه
كان المأمون يخطط الى اخماد البركان العلوي الثائر بتعيين الامام ولياً للعهد ثم يعمل فيما بعد في الحطّ من شأنه واظهار عجزه العلمي ، وطموحاته في الاستيلاء على الخلافة وأطماعه ، ومن ثم يضرب ضربته القاضية
ولكن ما حصل أن الرضا كان يتألّق كل يوم وأصبح رمزاً انسانا ونموذجاً ومثالاً للمسلم وهذا يعني فشل المأمون وتهافت خططه
وفي تلك الليلة وفيما كانت رياح تشرين الباردة تجوس خلال الديار ولج الامام محرابه ، وقد اقفر منزله واستحال الى سجن بسبب تشديد الحصار!!
وقف الرجل الاسمر في المحراب وقد اتجه بكلّيته إلى السماء كل ذرّة في كيانه كانت تضجّ بالحزن وكل خلية في
وجوده كانت تشكو القهر وكان قلبه الكبير يخفق بالاتحاد مع حقيقة الوجود ومبدأه
وارتفعت يدا الانسان المقهور تجسّدان التحام الانسان بالاله في عبودية تمثل ذروة الحرّية الانسانية :
ـ اللهم يا ذا القدرة الجامعة ، والرحمة الواسعة والمنن المتتابعة!
والآلاء المتوالية والأيادي الجميلة ، والمواهب الجزيلة!
يا من لا يوصف بتمثيل ، ولا يمثل بنظير
يا من خلق فرزق ، وألهم فأنطق
وابتدع فشرع ، وعلا فارتفع وقدر فأحسن ، وصوّر فأتقن يا من سما في العزّ ففات خواطف الابصار!
ودنا في اللطف ، فجاز هواجس الافكار!
يا من تفرّد بالملك فلا ندّ له في ملكوت سلطانه!
وتوحّد بالكبرياء فلا ضدّ له في جبروت شأنه!
يا من حارت في كبرياء هيبته دقائق لطائف الأوهام!
وحسرت دون إدراك عظمته خطائف أبصار الأنام!
يا عالم خطرات قلوب العارفين ، وشاهد لحظات أبصار الناظرين!
يا من عنت الوجوه لهيبته وخضعت الرقاب لجلالته ، ووجلت القلوب لخيفته
صل على من شرفت الصلاة بالصلاة عليه
وانتقم لي ممن ظلمني ، واستخف بي ، وطرد الشيعة عن بابي
أذقه مرارة الذلّ والهوان كما اذاقنيها
واجعله طريد الأرجاس وشريد الانجاس »١٣٥ .
وكانت الرياح ما تزال تجوس خلال الديار السماء تكتظ بنجوم تومض كقلوب خائفة!
كان علي الرضا يجسّد ظلامة الانسان ، وكان الحصار المفروض عليه يرمز الى حصار الاسلام النقي كما جاء به آخر الانبياء في التاريخ.
وجلس « ياسر » يبكي بصمت محنة الامام إنّ كل ما تنبأ به يتحقق أو سيتحقق وقد ظهر المأمون على حقيقته لم يكن ثعلباً كما تصوّر البعض لقد كان ذئباً شرساً في جلد ثعلب!
وكانت الأخبار التي وصلت من « شيراز » و« ساوة » لم تترك مجالاً للشك في أن المأمون يضمر حقداً دفيناً للامام ومما زاد من الشكوك أن السجناء الثلاثة الذين رفضوا بيعة
الامام على ولاية العهد قد أُفرِِجَ عنهم وأُسندت لهم مسؤوليات يمارسونها من وراء الحجاب!
وهؤلاء وغيرهم كانوا على استعداد تام لاغتيال الامام في أية لحظة! إنَّ قدراً ما كان يسوق الحوادث باتجاه مصير بدا لا مفرّ منه
قدراً لا يمكن الفرار منه.
ودخل الريّان على الامام وقد اكتنفت وجهه سحب حزينة جلس قريباً من الامام وغمغم :
ـ لقد باعوك يا سيدي بثمن بخس!
ـ
ـ هشام بن ابراهيم يا سيدي!! باعك للفضل والمأمون بدراهم معدودة.
وجاء صوت الامام :
ـ وبيوسف من قبل فعل مثل ذلك.
وتمتم بصوت حزين :
ـ « أو كالذي أتيناه آياتنا فانسلخ منها ».
قال الريّان بعزم :
ـ فاسمع لي باغتياله!
والتفت الامام بقوّة :
ـ إيّاك أن تفعل ذلك يا ريان!!١٣٦
ـ لقد جئت لتوديعك يا سيّدي سأذهب الى العراق اقترب من الامام يملأ صدره من عبير النبوّات
ونهض ليغادر المنزل فاذا به يسمع صوتاً :
ـ يا ريّان ارجع!
ـ!!!
ـ الم تحبّ أن أعطيك قميصاً؟ ودراهم تصوغها خواتيم لبناتك؟
ـ يا سيدي لقد عزمت على أن أسألك ذلك ولكن حزن فراقك أنساني ذلك!
ورفع الامام وسادة قريبة منه فإذا قميص أبيض بلون حمائم السلام ودراهم فضية مما سُك باسمه الكريم عددها ثلاثون.
ـ هي لك يا ريّان
وعندما نهض الريّان مرّة أخرى :
ـ يا ريّان!
ـ نعم يا سيدي؟!
ـ اتعلم أن الله بعث عيسى بن مريم قائماً بشريعته هو
دون السنّ التي يقوم فيها « أبو جعفر » على شريعتنا؟١٣٧
وأدرك الريّان أنّ الامام ينعى نفسه ويبشّر باستمرار الرسالة وأنّ محمداً سينهض بالأمر صيباً.
من أجل هذا دمعت عيناه وهو يتمتم :
ـ «( ذرّية بعضها من بعض ) و( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) وطفا سؤال : لماذا قال الرضا ذلك لي؟
ومضى الريّان ليجد جواب سؤاله بعد شهور في بغداد عندما يعمّ الحزن بيوت الشيعة في بغداد وتذرّ الفتنة رأسها في « بركة زلول »١٣٨ !!
٣٢
لم تكد القافلة الصغيرة تبلغ جبل الملح حتى إنتشر خبر قدوم حفيدة محمد في مدينة قم كفراشة تبشّر بالربيع كان الخبر البهيج يطوف منازل المدينة الصغيرة.
اجتازت القافلة جبل الملح على بعد عشرين ميلاً من قم لتحط رحلها في خان القوافل حيث تقع غربه المرتفعات المشرفة أما في الشرق فقد بدت فلاة منبسطة تنتهي عند سلسلة جبلية صغيرة.
كانت فاطمة تنوء بجسمها ولكن إرادة لا تقهر تشعل في أعماقها تصميماً في الوصول الى الأرض الطيبة.
وسألت فاطمة بصوت خافت :
ـ كم بقي من الطريق؟
واجابت فتاة كانت ترافقها :
ـ اميال معدودة يا سيدتي وهذا الخان آخر محطّات الطريق!
واشتعلت في ذاكرتها الحوادث والأيام الماضية مشاهد قديمة وجديدة وكان آخرها المشهد الدامي على أبواب « ساوة » لقد شهدت مصرع الرجال الاوفياء احتراق الفراشات وسط اعصار فيه نار شهدت مصرع أخيها « هارون » اغارعليه الذئاب البشرية وهو يتناول رغيفة « لقمة » يقيم بها أوده استعداداً للجولة الأخيرة.
لكنها لم تر أخاها الفضل وجعفر!
وانبعث في قلبها أمل مثل ساقية تنثال مياهها على الضفاف مثل جدول عذب يهب رحيقه الفراشات والأزهار في طريقه
خرجت جماهير « قم » تستقبل ابنة الرسالات الالهية ، النساء والرجال كانوا ينتظرون ابنة الكاظم ، وشقيقة الرضا ويتطلّعون الى الطريق طريق القوافل ستبزغ الشمس من الشمال!
واستند رجل اشعري١٣٩ الى جدار قلعة قديمة يعود تاريخها الى « انوشيروان ».
وكان شيخ عربي سمع في شبابه أحاديث من الصادق أحاديث تشبه النبوءات يتطلّع الى الطريق وقد تراءت له مليئة بالبلّور
لقد حوّلت الدموع في عينيه المرئيات الى بلور ولؤلؤ منثور! دموع لا يعرف تفسيرها دموع فرح أم دموع حزن فرح باستقبال ابنة الرسالة أم حزن لأولاده الانبياء تتوزعهم مدن الأرض هنا وهناك كبحر غاضب ينثر الآلئ والأصداف أو كسماء تبعثر نجومها الفتية فوق الأرض!
وهتف رجل حديد البصر :
ـ إنها قافلة قادمة!
ولاح طيف في الأفق البعيد وشيئاً فشيئاً تألفت صورة لسفن الصحراء تنساب كزوارق هادئة باتجاه الضفاف
وهتفت فتاة مبتهجة :
ـ جاءت فاطمة!
وخشعت القلوب لاسم مضيء لسيدة النساء فاطمة الزهراء وهاي ابنتها قادمة تحمل اسمها وقبساً مضيئاً من
روحها وملامح من صورتها المشرقة وذكرى لها لكأن الزهراء البتول تقدّمها الى فتيات قم مثالاً ونموذجاً مثالاً في الطهر ونموذجاً في الاستقامة.
وبادر الرجل الأشعري ليأخذ بزمام ناقة فاطمة ، ليقودها الى منزله ودخلت فاطمة المدينة الصغيرة ولتدخل بوابة جديدة من التاريخ لتستحيل الى صدفة تنطوي على لؤلؤة هي درّة من درر الوجود الانساني
واجتازت الناقة مزارع للخضار لتعبر بعدها النهر المالح وقد نهضت بيوت طينية متواضعة ، تجسد معاناة أهلها من قسوة الطبيعة والجفاف ، وتعسّف الحكام في أخذ الضرائب
وعندما حطّت فاطمة رحلها في بيت الرجل الكريم تقاطرت فتيات قم للتبرك بخدمتها فتيات صغيرات بعثتهن امهاتهن أو آباؤهن لينهلن الطهر والعفاف والعلم من أهل بيت آتاهم الله العلم وطهرهم تطهيرا.
وشاعت الحياة في المنزل ، وتفجّرت ينابيع القرآن والصلاة ووصايا الانبياء
وتألقت سورة مريم مريم العذراء البتول مباركة هي فاطمة ابنة موسى طاهرة هي شقيقة الرضا
واستحالت زاوية في حجرة متوسطة الى محراب ومصلّى وبالرغم من عنف الرياح الخريفية في أخريات تشرين فقد كانت كلمات فاطمة تبشر بالربيع القادم من الأفق البعيد البعيد لقد سمعت عن أبيها قوله :
ـ رجل من أهل قم يدعو الناس الى الحق ، يجتمع معه قوم كزبر الحديد ، لا تزلّهم الرياح العواصف١٤٠
وفيما كانت الرياح الخريف تعصف بعنف ، والعالم يموج بالفتن والمؤامرات ، و« مرو » غارقة في الدسائس ، وبغداد في فوضى جلست فاطمة في محرابها في سكينة وطمأنينة وكانت روحها المتوهجة بإيمان لانهائي تسطع من عينين نجلاوين كحورية قدمت من سماوات بعيدة.
جلست فاطمة تحدّث أهل الأرض قبل أن تعود الى أرض الوطن
هكذا بدت فاطمة بوجهها المضيء يلفّه خمار وردي ، ورداء أبيض بلون حمائم السلام
وفيما كانت « عُليّة »١٤١ عمّة خليفة « مرو » واخت خليفة « بغداد » تصدح بالغناء وبغداد اللعوب لاهية بغداد التي نصب ابن شكلة خليفة وحتى لا يكون الرضا خليفة!
جلست فاطمة في المحراب تحدّث :
ـ سمعت فاطمة بنت جعفر الصادق قالت :
سمعت فاطمة بنت محمد الباقر قالت :
سمعت فاطمة بنت علي السجّاد قالت :
سمعت فاطمة بنت الحسين قالت :
سمعت زينب بنت علي قالت :
سمعت فاطمة بنت رسول الله قالت :
سمعت رسول الله يقول : « ألا من مات على حبّ آل محمد مات شهيداً »١٤٢ .
وكانت الكلمات المقدّسة تستحيل الى بذور في الأرض الطيبة التي ستكون « مأوى الفاطميين »١٤٣ .
وفي ليالي ربيع الثاني ، وفيما كانت الخريف يلملم أيامه القليلة ويثير برياحه الحنين في قلوب الغرباء كانت مواقد الشتاء تتوهج استعداداً لليالي البرد الطويل ودعوات من القلوب المفعمة بحب النبي وآله تصّاعد الى السماء أن لا ترحل فاطمة أن تبقى هذه الروح الملائكية بينهم ولكن الروح عندما يشتدّ سطوعها يعجز الجسد الآدمي عن حملها فتعود الى السماء وقد ازاحت عنها اردية الطين وتراكمات التراب
وهكذا كانت فاطمة تستعد للرحيل تستعدّ لغادرة الأرض المترعة بالويلات
لم يبق من عمرها الربيعي سوى أيام معدودة كشمعة في أخريات ليل طويل كقنديل يرسل آخر حلقات ضوئه الشفاف كشمس كقمر كنجمة قبيل الغروب.
٣٣
غيوم « كانون » تتحشد في السماء ، رسمت خلجاناً وشواطئ وبحريات زرقاء وربىً وتلالاً من قطن وأصبح المشهد السماوي أخاذاً
وأوت فاطمة الى المحراب جسمها النحيل ينوء بحمل الروح المتوهجة بالرحيل المبهورة بالسفر الى عوالم زاخرة بالنور بالمحبّة والسلام
تريد أن تتخفف من عناصر الأرض الأرض المثقلة بالدماء المنقوعة بالدموع تريد الرحيل الى عالم آخر لانكد فيه ولاعناء إن قوّة ما تشدّها الى الأعالي
وهوّمت عيناها لتفتحان على عالم لا يراه الانسان الا
بعد أن يغمض عينيه
كانت ترتدي حلّة بيضاء بلون الثلوج في القمم بلون حمائم السلام
كانت تحلّق في الأعالي ورأت نفسها تلج عالماً أخضر كل ما فيه بلون الربيع وحوريات الجنّة يخطرن بين الأشجار الخالدة ورأت نهفسها تطوف في عالم شفاف ملوّن عالم يزخر بأجنحة الملائكة مثنى وثلاث ورباع
ورأت فتاةً ترفل بحلل من استبرق وسندس ، تطوف حولها الحوريات ووجدت نفسها تهفو اليها وتهتف آه يا أمي! خذيني إليك!
وراحت تبكي في حضن مفعم برائحة جنّات الفردوس
وانتبهت فاطمة وكانت قطرات الدموع ما تزال عالقة في الأهداب وتمتمت :
ـ آه يا أمي! خذيني اليك
وكانت السماء قد شرعت تنث مطراً ناعماً هادئاً كدموع فاطمة وهي تبكي بصمت
وفاحت رائحة الأرض المرشوشة بمياه سماوية طاهرة
وكانت فاطمة تذوي كشمعة في قلب الظلمات ظلمات الأرض المتكاثفة في ليالي أُخريات الخريف
وأدركت نسوة في المدينة أن فاطمة على وشك الرحيل..لقد وهن صوتها وهي تخاطب فتاة في عمرها.
ـ أودّ لو أغتسل يا أخيّة.
وهبّت فتاة في العشرين وقد انبعث في قلبها أمل بشفاء فاطمة
اغتسلت فاطمة تطهرتّ من أدران الأرض وارتدت ثوباً جديداً مضمحاً برائحة الكافور
وأضاءت ابتسامة ملائكية وجهها كانت تريد أن تكون لحظات الرحيل لحظات حبّ لفتيات قم هذه المدينة الطيبة ولتبقى ذكرى عزيزة
كل من في المنزل أحسّ أن هذه الحجرة الصغيرة ستشهد لحظة الرحيل
رحيل الروح الطاهرة انطفاء الشموع ورحيل النجوم ومغيب شمس أضاءت مدينة قم سبعة عشر يوماً١٤٤ .
وأوت فاطمة الى فراشها تلك الليلة ، يشعُّ من عينيها
الرضا وبدتا كنافذتين تطلّان على عالم مفعم بالمحبّة بالطمأنينة والسلام
وظنّت فتاة كانت ترافقها في رحلتها من المدينة أنّ دماء العافية تعود من جديد وأن السمّ١٤٥ الذي ديف لها في ساوة قد تبدّدث آثاره
وبعد مطلع الفجر جاء رجال ونساء وأطفال جاءوا لعيادة عذراء قم ولكن فاطمة كانت قد رحلت بعيداً رحلت الى الأعالي الى عوالم مفعمة بالسلام
لم يجدوا سوى نعشاً ودموعاً كأمطار الخريف ليلة أمس
وبكى الرجل الأشعري كان يبكي الربيع الراحل وفتاة تودّع العالم وحيدة لا أب ولا أم ولا أخ الى جانبها
انه القدر يعصف بأبناء فاطمة الزهراء تتوزعهم أصقاع الأرض وأرجاء الوطن الاسلامي المقهور
في صباح الثاني عشر من ربيع الثاني لم تشرق الشمس ظلّت وراء الغيوم التي كانت تسحّ ما تسح من دموعها الثقال لكأن السماء تبكي
وتمّت مراسم تجهيز النعش في صمت وحزن ، وكان
فصل الخريف يهيج عواطف الحنين في النفوس
وبدا رحيل فاطمة في ذلك الصباح الغائم رمزاً لغياب كل الأشياء الملوّنة واغتراب الشمس.
وسار موكب مهيب ، وبدا النعش الابيض حمامة شهيدة
السماء ما تزال تنثُّ مطراً ناعماً ، وقد ظهرت الشمس من وراء الغيوم المتكاثفة باهتة منطفئة وبساتين الرمّان تنفض ما تبقى من أوراقها الصفراء المثقلة بنداوة المطر ومرّ سربٌ من الطيور المهاجرة ، وارتفع خيط من الدخان من وسط مزرعة صغيرة للخضار ، وشمّ المشيعون رائحة حطب
الموكب الذي تؤلف الفتيات والأمهات القسم الاعظم منه يتجه « بابلان » على ضفاف النهر من المكان الذي عبرت منه الفتاة المدينة
فاحت رائحة الارض النديّة حيث حط النعش وظهرت مشكلة لم يحسب لها حساب من قبل ترى من ينزلها الى مرقدها؟!
وتذكر بعضهم الرجل الصالح : « قادر » كان شيخاً طيّباً
يعرفه الناس بالصلاح وهتف الرجل الأشعري :
ابعثوا وراءه
وفيما كانت السماء تنث مطرها الطاهر ورائحة التراب المعطور تصّاعد وتملأ الفضاء ظهر من جانب « الرملة » فارسان ملثمان قفزا من فوق حصانيهما وتقدما الى نعش وسط دهشة المشيعين هل كانا بعض إخواتها الفضل وجعفر القاسم؟!
تقدم أحدهما لينزل في القبر وحمل الآخر النعش ليضعه فوق كفّي الذي نزل كان نعشاً خفيفاً طاهراً يشف عنه شذى الروح الطاهرة
مباركة هي فاطمة مباركة هي الفتاة العذراء التي هبّت لنجدة أخيها فاغتالها الزمان والقدر وطاهرة هي عذراء قم
وفاحت رائحة التراب المضمخ بالمطر الناعم وهو ينثال حيث رقدت الفتاة الطاهرة الى يوم البعث
وارتفعت كومة تراب طيّب شبرين وتحلّقت أمّهات وفتيات وكانت العذارى يمسسن التراب المضمخ برائحه
جنّات الفردوس بمناديل بيضاء لتكون مباركة طاهرة والأمهات يذرفن دموعاً صامتة كمطر خريفي
وامتطى الفارسان الملثمان فرسيهما ليتجها صوب الرملة ولختفيا في الأفق الغائم كما ظهرا أول مرّة!!
٣٤
مرو تستعد لعيد الاضحى واليوم يوم عرفة ، وكان الامام يستعد للذهاب الى مسجد المدينة ، وكانت مياه الحوض التي غمرتها شمس حزيران بالدفء تنثال فوق الوجه الأسمر وكانت كفّه التي يتألق فيها خاتم عليه نقش بخط عربي جميل : « العزة لله »١٤٦ تغطس في الماء الرائق.
نظر الامام الى صاحبه وكان رجلاً يروي الأحاديث :
ـ يا عبد السلام١٤٧ ! الايمان قول وعمل.
ـ أجل يا سيّدي.
ـ يا عبد السلام تكلّم أرى في عينيك سؤالاً.
ـ يا بن رسول الله ما شيء يحكيه الناس عنكم؟!
ـ ما هو يا عبد السلام؟
ـ يقولون : انكم تدعون أن الناس عبيد لكم!!
وظهرت سحابة حزن فوق الوجه الاسمر وهو يتجه بكيانه الى السماء وقطرات الماء تتساقط كدموع :
ـ اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تشهد بأني لم أقل ذلك قط ولا سمعت أحداً من آبائي قاله
وأنت العالم بما لنا من المظالم عند هذه الأمة وإنّ هذه منها
والتفت الرجل الاسمر الى صاحبه :
ـ يا عبد السلام إذا كان الناس كلهم عبيدنا على ما يقولون ، فعلى من نبيعهم؟
يا عبد السلام! أمنكر أنت لما أوجب الله عز وجل لنا من الولاية كما ينكره غيرك١٤٨ ؟؟
وعندما خرجا ألفيا عند الباب فقراء المدينة ينتظرون وحارس فظ يدفعهم بقسوة وكانت العيون التي أطفأها الجوع والقلوب الكسيرة تنتظر بأمل
وظهر الرجل الأسمر كغيمة تحمل بركات السماء مزنة تبشر بالخصب والنماء
وراحت صرار الدراهم تملأ الأكف المعروقة فتشرق العيون بالفرح ورآه ذو الرئاستين وهو ينثر الصرار كالمطر فقال مبهوراً :
ـ إنَّ هذا لمغرم!!
فالتفت الامام إليه مجسّداً الرؤية الانسانية! حيث تظهر الحقيقة.
ـ بل هو المغنم لا تعدّن مغرماً ما اتبعت به أجراً وكرماً »١٤٩ .
ولمّا قضيت الصلاة وانتشر الناس قال المأمون للامام وهو يحاوره :
ـ يا أبا الحسن أخبرني عن جدّك أمير المؤمنين كيف يكون قسيم الجنّة والنار؟ وبأيّ معنى؟ فقد كثر فكري في ذلك.
وجاء جواب الامام من حيث لم يحتسب السائل :
ـ يا أمير المؤمنين : ألم ترو عن أبيك عن آبائه عن عبد الله بن عباس إنّه قال : سمعت رسول اللهعليهالسلام يقول : « حب علي إيمان
وبغضه كفر »؟
ـ بلى!
ـ فقسمة الجنة والنار إذن كانت على حبه وبغضه فهو قسيم الجنة والنار.
وسكت المأمون ثم قال :
ـ اشهد انك وارث علم الرسول
وعندما وصل الامام منزله جاءه عبد السلام مهنئاً :
ـ يا بن رسول الله : ما أحسن ما أجبت به المأمون!!
أجاب الذي عنده علم الكتاب :
ـ يا أبا الصلت : إنّما كلمته من حيث هو ولقد سمعت أبي يحدث عن آبائه عن علي انه قال : قال رسولعليهالسلام : « يا علي أنت قسيم الجنة والنار يوم القيامة تقول للنار هذا لي وهذا لك »١٥٠ .
ـ يا سيدي فاني أسمع أسئلة لا أعرف لها جواباً!
ـ سل يا عبد السلام!
ـ لِمَ لم يسترجع علي فدكاً لما ولي الأمر؟!
ـ « لانّا أهل بيت إذا ولينا الله عز وجل لا يأخذ لنا حقوقنا ممن ظلمنا الا هو ونحن أولياء المؤمنين ، انما نحكم لهم
ونأخذ حقوقهم ممن يظلمهم ولا نأخذ لانفسنا ».
ـ يا سيدي لماذا مال الناس عن علي الى غيره بعد وفاة النبي وهم يعرفون فضله ، وسابقته ، ومكانه من رسول الله؟
ـ انما مالوا عنه وقد عرفوا فضله لانه كان قتل من آبائهم وأجدادهم وأخوالهم وأعمامهم ، وإخوانهم وأقربائهم المعادين لله ولرسوله عدداً كثيراً ، فكان حقدهم عليه لذلك في قلوبهم ، فلم يحبّوا أن يتولّى عليهم ، ولم يكن في قلوبهم على غيره مثل ذلك ، لانه لم يكن لهم في الجهاد بين يدي رسول الله مثل ما كان لعلي ، فلذلك عدلوا عنه ومالوا الى سواه.
ـ لِم لم يجاهد أعداءه خمساً وعشرين سنة بعد رسول الله ثم جاهد في أيام خلافته؟
ـ لانه اقتدى برسول اللهعليهالسلام بتركه جهاد المشركين بمكة بعد النبوّة ثلاث سنة ، وبالمدينة تسعة اشهر ، وذلك لقلّة أنصاره وفعل علي ذلك لقلة أنصاره »١٥١ .
نسائم حزيران التي الهبتها الشمس ، تلوذ بظلال الأشجار ، وقد بدأ الناس يتخففون من الملابس الصوفية وبدأت الثياب البيضاء المنسوجة من الكتّان تظهر ابتهاجاً بالعيد الذي سيحلّ يومه الضاحك غداً
والناس يرتادون سوق المدينة الكبير للتبضّع ، وقد ازدحمت السوق بالفلاحين والقادمين من القرى المجاورة ، وكان الفقراء والبائسين أكثر الناس استبشاراً بالعيد والاطفال يرتدون ثياب العيد الملوّنة وأطلّت فرحة ريئة من العيون التي ترى العالم أخضر بلون الربيع
وفي طريقه الى المنزل كان يراقب بشفقة مواكب البشر وفي القلوب خلجات حب لحظات شوق امنيات خضراء ولوعات حزن وهكذا الحياة نهر يتدفق تتدافع أمواجه يجري الى غايته ولكن الكثيرين لا يعرفون الى أين؟
ان الحياة ستصبح كريمة لو عرف الناس الطريق المستقيم!
وسُمع الامام يدندن بشعر رقيق وهو يلج المنزل :
لبست بالعفـة ثوب الغنـى |
وصرت أمشي شامخ الراسِ |
|
لست الى النسناس مستأنسـاً |
لكننـي آنـس بـالنـاسِ |
|
إذا رأيت التيه من ذي الغنى |
تهت على التـائه باليـاسِ |
|
ما ان تفاخرت علـى معدم |
ولا تضعّفـت لا فـلاسِ١٥٢ |
وهتف صاحبه وقد رأى سخاءه على الفقراء حتى لم يبق عنده درهم :
ـ أنت والله خير الناس!!
والتفت الامام اليه :
ـ لا تحلف! خير منّي من كان أتقى الله عز وجل ، وأطوع له والله ما نسخت هذه الآية :( وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم ) ١٥٣ .
وعندما حان وقت الغداء جلس الامام ينتظر حضور الجميع حتى إذا حضر السائس والبواب ، وجلس عبيد أتراك وأفارقه ، رفع الامام كفّيه الى السماء :
ـ اللهم شكراً على ما رزقتنا حمداً على ما وهبتنا.
والتفت الى الحضور وقد اشرقت ابتسامه تشبه اشراقة عيد الأضحى :
ـ كلوا بسم الله!
وهمس رجل في أذن الامام :
ـ فداك يا ابن رسول الله لو عزلت لهؤلاء مائدة.
وانطفأت الابتسامة في وجهه :
ـ ولمَ أفعل ذلك؟! إنّ الربّ تبارك وتعالى واحد ، والأم واحدة ، والجزاء بالأعمال١٥٤
وقال بصوت يسمعه الجميع ليكون اعلاناً إنسانياً :
ـ حلفت بالعتق ولا أحلف بالعتق الا اعتقت رقبةً ، واعتقت بعدها جميع ما أملك ان كنت أرى نفسي خيراً من هذا
وأشار الى فتى أفريقي يجلس في طرف المائدة :
ـ اذا كان ذلك بقرابة من رسول الله الا أن يكون لي عمل صالح فأكون أفضل به منه١٥٥ .
والتفت الى جميع عبيده قائلاً :
ـ أنتم بعد هذه الساعة أحراراً.
وهمس ياسر في نفسه وقد تفجّرت في قلبه ينابيع الحبّ لهذا الرجل السماوي :
ـ لقد أعتقت ألف مملوك١٥٦ فما أسماك يا بن النبي؟!!
تهب الرغيف للفقراء والحريّة للعبيد والخير للجميع.
٣٥
في منتصف ليلة العيد استيقظ سكان مرو وربّما القرى القريبة والمدن على هزّات أرضية خفيفة استمرت لدقائق متواصلة ارتجفت الأشجار والبيوت ، وارتجفت الانسان الذي جر نفسه لا شعورياً يهرع الى العراء وينظر الى السماء.
وتمتم رجل مؤمن وهو يتأمل السماء المرصعة بالنجوم ، وقد اشتدّ بريق النجوم :
ـ الحمد لله الذي من خشيته ترعد السماء وسكانها ، وترجف الارض وعمّارها وتموج البحار ومن يسبح في غمراتها ١٥٧.
واشرقت شمس العيد ساطعة تغمر التلال والروابي
بأنوارها وانتشر الناس بعد صلاة العيد كلّ حسب غايته من لهو وزيارة الأقارب والترحم على الموتى في المقابر.
كانت فرق الجيش ما تزال تتجه الى نقطة في الجنوب الغربي من « مرو » التي بدأت تستعد لخلع ثوب العواصم.
وشهد منزل الفضل لقاءات مشبوهة في الظلام وكان الذين يرتادون منزله يحرصون على اتخاذ جانب السرّية البالغة ، أمّا هشام بن إبراهيم فقد اصبح وكأنه أحد أعضاء اسرة ذي الرئاستين وكان يدخل ويخرج دون إذن
وفي تلك الليلة وفيما كانت الدوريات المسلّحة تطوف أزقة « مرو » وشوارعها جلس الفضل وهشام وبينهما صندوق ثمين مطعم بالجواهر يحوي وثائق رسمية هامّة
وكان هشام يعيد وربما للمرّة الألف قراءة كتاب زوّره باسم ولي عهد ويطالع المقدّمة التي لفقها مما يحفظ من أحاديث الامام وخطبه
أما الفضل فقد كان يطالع نص الكتاب المزور الذي يشيد بجهوده وخدماته للدولة هو وأخيه الحسن
ولا أحد يدري فيما إذا كان الكتاب قد زوّر للاستفادة منه
حال وقوع انقلاب عسكري يطيح بالمأمون أو أنه زوّر لتوزيعه في الاقاليم لتعزيز نفوذ ذي الرئاستين الذي أصبح الحاكم الفعلي للدولة وربّما للاحتفاظ به إذا قرر الفضل البقاء في خراسان وعدم عودة الى بغداد؟!
وغمغم الفضل وعيناه تبرقان كأفعى منتفخة بالسم :
ـ لن يشك أحد في الكتاب.
وعلّق هشام :
ـ إنّ الرضا نفسه لن يساوره أدنى شكّ في مقدمة الكتاب لقد جمعته من أحاديث وخطبه!
وتساءل الفضل وهو يطوي الكتاب بعناية فائقة ويلفّه بمنديل حريري.
ـ كم صحبته؟
ـ من؟!
ـ أعني الرضا!
أجاب ساخراً :
ـ سنوات.
ورمقة الفضل بنظرة فيها استصغار :
ـ فما الذي دفعك الى أن تخذله؟
ـ ماذا تقصد؟!
ـ أريد أن أعرف قصتك معه ما الذي حصل لكي تغيّر رأيك فيه.
أجاب الذي في قلبه مرض :
ـ دعني من هذا متى كان آباؤه يجلسون على الكراسي؟ حتى يبايع لهم بولاية العهد ، كما فعل هذا؟!١٥٨
أعاد الفضل الكتاب الى الصندوق وتثاءب وهو ينظر بطرف خفي الى عميله وجاسوسه الذي اشتراه بثمن بخس.
ونهض « الإسخريوطي »١٥٩ ، بينما ظلّ ذو الرئاستين ساهراً على ضوء قنديل فضي يفكر ويدبّر فالطريق الى بغداد طويلة محفوظة بالاخطار مليئة بالمغامرات إن المأمون داهية بني العباس ماهر في لعبة الشطرنج وها هو يحرّك فيلة وقلاعاً وجنوداً لا يراها
بالأمس أطلق سراح هرثمة بن أعين لماذا؟! لا يعرف حتى الآن! كيف يستصرف اذن وشعر الفضل أن رأسه قد أصبح حلبة تتسابق فيها خيل مجنونة وذئاب فأطفأ القنديل ونام
كان غبش الفجر رمادياً عندما غادر الامام منزله لقد أزفت ساعة الرحيل حيث بلغت الاستعدادات ذروتها، وانتظمت قافلة طويلة تحمل دواوين الدولة وصناديق الخزانة العامّة ، وكانت بعض العيون تبرق كعيون الافاعي وتشيع الرهبة حتى لا يبقى من شك في أن لأصحابها مأموريات ومهمّات سرّية
جواسيس يرتدون بزّات مختلفة بعضهم يراقب الامام من بعيد وآخرون يراقبون الفضل حتى المأمون كانت هناك عيون خفيّة تراقب عن كثب وترصد حركاته واجتماعاته
هبّت نسائم الفجر النديّة ، وقد استوى الامام فوق راحلته متجهاً ببصره الى الأفق البعيد البعيد والكلمات المقدسة تتفتح على شفتيه كبراعيم ربيعية :
ـ يا من لا شبيه له ولا مثال.
أنت الله لا إله الا أنت
ولا خالق الا أنت
تفني المخلوقين وتبقى
أنت حلمت عمّن عصاك وفي المغفرة رضاك١٦٠
وانسابت الراحلة على مهل :
ـ استسلمت يا مولاي لك وأسلمت نفسي إليك.
وتوكّلت في كل أموري عليك وأنا عبدك وابن عبديك
فأخبأني اللهم في سترك عن شرار خلقك واعصمني من كل أذى وسوء بمنّك
واكفني شرّ كل ذي شرّ بقدرتك
لا إله الا إنت يا أرحم الراحمين ويا إله العالمين١٦١ .
أصبحت مرو خاوية على عروشها ، وكان صغار التجار وأصحاب الدكاكين أكثر الناس فجيعة ، أما الفقراء والبائسين فقد كانوا يذرفون الدموع بصمت
القافلة تمضي قدماً في منخفضات أشبه بالمراعي تتقدمها فرق القوات المسلّحة المجهّزة تجهيزاً عالياً معزّزة بكتائب كانت تقاتل في أطراف كابل قبل أن تصدر اليها أوامر غامضة من ذي الرئاستين بإيقاف عملياتها الحربية والعودة الى مرو على جناح السرعة!
وكان المأمون يراقب بقلق الوضع الذي لم يعد يحتمل الكثير من الانتظار
لم تكن القافلة قد وصلت البحيرة الصغيرة عندما جنحت الشمس نحو المغيب وقد بدت لوحة سماوية أخاذة
كان منظر الغروب سخيّاً بالوانه الشفافة الوان تشبه
البرتقال ، وجمر المواقد الشتائية تكللها زرقة صافية
وحطّت القافلة رحالها ليلتقط المسافرون أنفاسهم ، وكان رغاء الجمال وصهيل الخيل يكسر صمت الغروب وسكينة الفلاة المنبسطة حتى الأفق.
كان المأمون يسعى أن يكون ودوداً وهو يتحدث الى الامام :
ـ يا أبا الحسن ألا تنشدني أحسن ما رويته في الحلم؟
وابتسم الامام وهو يقول :
إن كـان دونـي مـن بليـت بجهلـه |
أبيتُ لنفسـي أن أقابـل بالجهل |
|
وإن كـان مثلي في محلّي من النهـى |
هربت لحلمي كي أجلُّ عن المثلِ |
|
وان كنت أدنى منه في الفضل والحجى |
عرفت له حـق التقدّم والفضـل |
ـ أحسنت يا أبا الحسن!! من قائله؟
ـ بعض فتياننا.
ـ انشدني أحسن ما رويته في السكوت عن الجاهل؟
إني ليهجرني الصديق تجنّباً |
فأريـه أنّ لهـجرة أسـبابـا |
|
وأراه إن عاتبتـه أغريتـه |
فأرى له تـرك العتاب عـتابا |
|
وإذا ابـتليت بـجاهل متحلّم |
يجد المحال من الأمور صوابا |
|
أوليته مني السكوت وربمـا |
كان السكوت عن الجواب جوابا |
وانتشى المأمون طرباً للمعاني الأخاذة تنساب في شعر رقيق :
ـ أحسنت! أحسنت ما أحسن هذا؟!! من قاله؟!
وأجاب الامام بأدبه العظيم :
ـ بعض فتياننا.
ـ انشدني احسن ما رويته في استجلاب العدوّ حتى يكون صديقاً!
فأنشده الامام ووجهه يتألق نوراً سماوياً :
وذي غـلّة سـالمتـه فـقهرته |
فأوقرتـه منـّي لعـفو التحمّل |
|
ومـن لا يـدافع سيئات عـدوّه |
بإحسانه لم يأخذ الطول من علِ |
|
ولم أرَ في الأشياء أسرع ملهكاً |
لغمر١٦٢ قديم من وداد معجّل |
ـ ما أحسن هذا؟! من قاله؟
ـ بعض فتياننا.
ـ أنشدني أحسن ما رويته في كتمان السرّ :
قال الامام وهو ينظر باتجاه الافق الغربي ، وقد تكاثفت ظلمة الغروب :
وإنـي لأنسـى السرّ كي لا أذيعه |
فيامن رأى سرّاً يصان بأن ينسى |
|
مخافة أن يجـري بـبالي ذكـره |
فينبذه قلبـي الى ملتوى الحشـا |
|
فيوشك من لم يفش سرّاً وجال في |
خواطره أن لا يطيق له حبسـا١٦٣ |
ـ أحسنت يا أبا الحسن ما أحسن ما تروي من الشعر؟!
المشهد السماوي تغمره ظلمة الغروب المتكاثفة ، وقد انبثقت في الافق الشمالي كبراعم فضيّة وكان أذان العشاء ينساب كجدول سماوي يتدفق من جناب عدن
٣٦
اجتازت قطعات الجيش البحيرة في منطقة تكثر فيها التفرعات النهرية قبل أن تصل مستنقعات ومسطحات مائية تستمد مياهها من نهر « تجن » ومن مواسم المطر وكان الهواء رطباً بسبب حدّة الشمس التي ألهبت مسطحات المياه طيلة النهار وبدت وجوه البغض أكثر ضيقاً ، والنفوس أكثر انسحاباً الى الأعماق ، وكانت اللقاءات العابرة في المعابر تثير بعض المخاوف فقد رأى الفضل هرثمة ، وتقابل الجلودي مع الامام وجهاً لوجه ، ولمح المأمون الفضل ساهماً وكان هرثمة يحرص على أن يكون قريباً من الامام
امّا محمد بن جعفر فقد كان مستغرقاً في هواجس تبدو
بلا نهاية خاصة عندما وجد الفضل يحاول التودّد إليه١٦٤ وفي ذلك الجوّ المشحون ، كان وجه الامام الوحيد الذي يعبّر عن حالة من السلام بين وجوه تموج بالقلق
لم تبق سوى أميال معدودة الى « سرخس » التي اختارها القدر بداية لحياة الفضل وها هو يعود اليها يسوقه قدر غامض!
وصل المأمون وأركان دولته مدينة سرخس ، ولم ينم تلك الليلة برغم من تعبه الشديد سيكون الغد يوماً فاصلاً
في منتصف الليل وفيما كان قمر ذي الحجة آخذاً بالأفول استدعى المأمون خاله١٦٥ ونسجت العنكبوت بيتها
كان الامام في منزله المخصص لاستراحته عندما سلّمه أحد حرس المأمون رسالة جاء فيها :
ـ « أرى أن نذهب الى الحمام غداً أنا وأنت والفضل.
وسجّل الامام اعتذاره بعدم استطاعته الذهاب الى الحمّام غداً.
لم تمرّ سوى دقائق حتى عاد الحارس وأعاد اليه الرسالة وكتب الامام في ذيل الرسالة موقفه القاطع :
ـ لست بداخلٍ غداً الحمام فإني رأيت رسول الله في المنام في هذه الليلة يقول لي : يا علي لا تدخل الحمام غداً فلا أرى لك يا أمير المؤمنين ، ولا للفضل أن تدخلا الحمام غداً١٦٦ .
وفي المساء كان غالب مع أربعة رجال ملثمين آخذين سمتهم الى منزل يقع بالقرب من حمام المدينة وقبل أن ينفلق عمود الفجر دخل خمسة رجال مسلحين الحمام ليأخذوا أماكنهم مترقبين دخول فريستهم
كان الحمام مقفراً تماماً بناءً على أوامر من الخليفة الذي قرّر ارتياد الحمام غداً ودخل الفضل ومعه خادمه الذي مكث في حجرة استبدال الثياب
قاد صاحب الحمام على توجس وخيفة الضحية الى مكان قريب من حوض يتصاعد منه بخار كثيف كضباب يوم شتائي سرت قشعريرة في جسد الفضل وعزا ذلك الى برودة الرخام
ألقى صاحب الحمّام نظرة فيها قدر من الاشفاق على رجل سيكون بعد لحظات جثّة هامدة
كانت هناك عشرة عيون تتلصص من خلل البخار المتصاعد.
فجأة برقت أربعة سيوف وظهر خمسة رجال غلاظ وكان غالب ينظر بشماتة الى الفضل الذي جحظت عيناه فزعاً
ودوّت صيحات الاستغاثة في فضاء الحمام ، وكانت الجدران الصخرية تمتص صرخاته وتخطفته السيوف وتدفقت دماؤه لتصبغ بلاط الحمام النديّ بلون قان
وهوى في الحوض وقد بحلقت عيناه في البخار المتصاعد لكأنه ينظر الى طموحاته تستحيل بخاراً سرعان ما تتلاشى وتذوب
تمّ كل شيء بسرعة واختفى الرجال في ظلمة الفجر
وفرّ الخادم مرعوباً لا يلوي على شيء واقفر الحمام الا من جثة عائمة في حوض تتصاعد منه ابخرة المياه الساخنة.
ما إن اشرقت الشمس حتى كانت سرخس تموج بأهلها وظهر المأمون عصبياً أو تظاهر بذلك ، وكان يرسل تهديداته ويتوعد الجناة بالموت الأحمر.
وسادت حالة الطوارئ المدينة ، وكانت أصابع الاتهام في اغتيال الفضل تتجه الى المأمون ، وظهرت حركة تمرّد في القوات الموالية للوزير القتيل
واندفع الجنود الغاضبون الى القصر ، وبادر الحرس الى غلق الأبواب وكانت الشرطة قد ألقت القبض على الرجال الأربعة الذي سيقوا الى القصر لمحاكمتهم
وصرخ المأمون بعصبية :
ـ من الذي دفعتكم الى ذلك؟
وأدرك المرتزقة أنهم قد وقعوا في فخ العنكبوت فصاح أحدهم وكان اسمه « بزرگمهر »١٦٧ .
ـ أنت أمرتنا بقتله!
وصاح المأمون بمكر :
ـ ها أنتم تعترفون بجنايتكم وامّا ادعائكم باني أمرتكم بذلك فدعوى ليس لها بيّنة١٦٨
والتفت الى الحرس وأمرهم بتنفيذ حكم الاعدام فوراً وتساقطت أربعة رؤوس ليسدل الستار على المزيد من الأسرار الى قد تتضمن أسماء بعض الاشخاص المقرر اغتيالهم في الحمام وفي ظلمة الفجر
كانت جموع الجنود المشاغبين تحاصر القصر ويهدّد بإحراق القصر
واندفع بعضهم الى باب القصر الرئيسي لاضرام النار
واستنجد المأمون بالامام لتهدئة الموقف ، وإعادة السيوف المجنونة الى أغمادها
وما حدث لا يمكن تفسيره بنحو ما! فقد ظهر الامام من شرفة القصر وجهاً لوجه أمام عشرات الغاضبين المسلحين بالسهام والسيوف والحراب
ظهر الامام هادئاً مطمئناً وكان وجهه الذي تغمره السكينة والايمان مفاجئاً تماماً في ذلك الجوّ المتفجّر
وشيئاً فشيئاً حفتت صيحات الجنود كنار تخمد تحت وابل مطر غزير إن تيّاراً من الصفاء والنقاوة قد وجد طريقه الى هؤلاء الذين كانوا منذ لحظات يدعون بالويل والثبور
ومن الواضح ان الامام قد اقتحم على قلوب الثائرين قلوبهم بتيار غامض من العاطفة
ورفع علي الرضا كفّه السمراء مشيراً اليهم أن انصرفوا وكانت المفاجأة انهم قد استجابوا١٦٩ لذلك دون تردد.
هل أثار الحادث مخاوف المأمون؟ هل عزا ذلك الى قدرة الامام وتأثيره الروحي الذي لا يقاوم؟ لا أحد يدري ماذا حصل ؛ ولكن المأمون كان شغولاً بتسطير برقية عزاء رقيقة!
الى الحسن بن سهل ذيّلها بخطبته لـ « بوران » حسناء فارس الصغيرة١٧٠
وفي نفس اليوم انطلق حصان يسابق الريح يحمل رسالة الخليفة ورؤوساً أربعة لم يعد يخشاها أحد لأنها لن تتكلّم الى الأبد ولن تفصح عن أسماء بعض من تقرر اغتيالهم!!
واقام المأمون مجلس عزاء على روح وزيره القتيل وتلبّس وجهه القاسي بحزن كذب.
كثير من الذين حضروا كان ينظرون بطرف خفي الى القاتل كيف يتباكى على ضحيته
الطريق الى بغداد مليئة بالضحايا وفي كل مرّة تنسج العنكبوت خيوط بيت واهن هو أوهن البيوت
ولم تمض سوى أيام حتى كانت قوافل المأمون تجتاز الأودية القاحلة في طريقها الى طوس.
٣٧
أطل العام الهجري الجديد وقد مضى قرنان وثلاثة أعوام على هجرة آخر الانبياء وأشرقت شمس تموز تتدفق نوراً ودفئاً فتغمر أرض خراسان المليئة بالصحاري والفلوات والملح والرمال
وكان قصر « حميد بن قحطبة » يتألق تحت الاضواء وسط حديقة واسعة وقد نهضت أشجار الرّمان تشكل سياجاً في الجانب الشرقي.
أصبح الامام ذلك اليوم صائماً كعادته في الفاتح من محرّم الحرام وقد غمرت وجهه الأسمر سحابة من حزن كربلائي
وكانت أعماقه تتأجج بمشاهد عاشورائية ، ورثتها الذاكرة منذ اللحظة التي هوى بها الحسين ظامئاً على شطآن الفرات بين « النواويس » و« كربلاء »
وقال الامام لصاحبه وهو يحاوره وكان رجلاً أشعرياً قميّاً :
ـ يا سعد١٧١ عندكم لنا قبر؟
أجاب الأشعري :
ـ جعلت فداك قبر فاطمة بنت موسى؟
قال الامام وقد تجمعت في عينيه غيوم ممطرة :
ـ نعم من زارها عارفا بحقّها فله الجنّة عن أبي عن جدّي قال : « ان لله حرماً وهو مكّة ، وإن للرسول حرماً وهو المدينة ، وإن لأمير المؤمنين حرماً وهو الكوفة ، وإن لنا حرماً وهو بلدة قم ، وستدفن بها امرأة من أولادي تسمى فاطمة فمن زارها وجبت له الجنّة »١٧٢ .
ستنهض في تلك البقعة المباركة قباب ومنائر وتتألق مآذن ومساجد يذكر فيها اسم الله وحده
كانت الحجرة التي يقطنها الامام تفضي الى حجرة واسعة اتخذها المأمون مقرّاً له
وجاء المأمون ، فنهض الامام استقبالاً له واستأذن سعد فغادر المكان قال المأمون وقد استقرّ به المكان :
ـ يا أبا الحسن اليوم جمعة١٧٣ فاكتب لي خطبة أقرأها على الناس في الصلاة.
ـ أفعل ذلك يا أمير المؤمنين.
ـ سوف أرسل لك ابن بشير١٧٤ بعد ساعة.
قال المأمون ذلك ونهض فنهض له الامام.
وشرع الامام يكتب له خطبة فيها موعظة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد :
ـ « الحمد لله الذي لا من شيء كان ولا على صنع شيء استعان ، ولا من شيء خلق بل قال له : كن فيكون.
وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له الجليل عن منابذة الأنداد ومكابدة الأضداد واتخاذ الصواحب والأولاد وأشهد أن محمداً عبده المصطفى ، وأمينه المجتبى أرسله بالقرآن المفصّل ، ووحيه الموصّل ، وفرقانه المحصّل فبشر بثوابه وحذّر من عقابهصلىاللهعليهوآلهوسلم
أوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي يعلم سرّكم وجهركم ويعلم ما تكتمون فإن الله لم يترككم سدى ولم يخلقكم
عبثا
الحذر الحذر عباد الله فقد حذّركم الله نفسه ، فلا تعرضوا للندم واستجلاب النقم والمصير الى عذاب جهنم ان عذابها كان غراما إنّها ساءت مستقرّاً ومقاماً
لا تطفى ، وعيون لا ترقى ونفوس لا تموت ولا تحيا
في السلاسل والاغلال ، والمثلات والأنكال « كلما نضجت جلودهم بدّلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب إنّ الله كان عزيزاً حكيماً »
« نارٌ أحاط بها سرادقها » فلا يُسمع لهم نداء ولا يُجاب لهم دعاء ولا يُرحم لهم بكاء
ففرّوا عباد الله الى الله بهذه الانفس الفانية في الصيحة المتوالية في الايام الخالية من قبل أن ينزل بكم الموت فيغضبكم أنفسكم ويفجعكم بمهجكم ويحول بينكم وبين الرجعة
هيهات حضرت آجالكم وختمت أعمالكم وجفّت أقلامكم فلا للرجعة من سبيل ولا الى الاقامة من وصول عصمنا الله وايّاكم ، بما عصم به أولياءه الأبرار وأرشدنا واياكم لما أرشد له عباده الأخيار »١٧٥ .
استدعى المأمون ابن بشير وكان يستظل تحت شجرة كالبتوس باسقة ، وما امتثل أمامه في حالة من الاستعداد والطاعة العمياء.
قال المأمون بعد أن ركز في عينيه النظر لحظات :
ـ أرني كفّين
وفوجئ ابن بشير فقدّم كفّيه مبسوطتين وعلامات سؤال واستفهام تموج في عينيه القلقتين.
ضغط المأمون على الحروف وهو يقول له :
أطل أظفارك ولا تقلّمها١٧٦ .
وفوجئ « منصور » بهذا الأمر الغريب ، ولكنه هتف :
ـ سمعاً وطاعة يا أمير المؤمنين.
ـ والآن اذهب الى الرضا فانه سيسلّمك رقعه فيه خطبة الجمعة فوافيني بها في المسجد
كانت الجموع تصطف وقد زالت الشمس وشرع المأمون يقرأ خطبة الجمعة
لم يستطع المأمون إخفاء تأثره بالكلمات الشفافة المؤثرة تنساب الى القلب الله المطلق مصدر الوجود ونبع الحياة المتدفق الله القدرة المطلقة الواحد الأحد وهذه كلمته
الخالدة في القرآن جاء بها رسوله محمد النبي
إنّ الله لم يخلق الانسانية عبثاً هناك غائية يتحرك خلالها البشر نحو مصير يحدّده الانسان في مساره ليس هناك في الدنيا ما يستأهل أن يبيع الانسان فيها نفسه للشيطان إنّ جهنم بالمرصاد ودقات القلب خطى الانسان نحو الموت مصير الانسان الحتم وحدهم الأبرار والأخيار هم الفائزون يوم لا ينفع مال ولا بنون
وخشعت القلوب ودمعت العيون حتى المأمون ارتجف قلبه وأخذته قشعريرة وانتابته هواجس أربكته وهو يستعد للصلاة
ولكنه عندما دخل حجرته وقد قضيت الصلاة ووقعت عيناه على صندوق من خشب الأبنوس وعلى كأس فيه بقية نبيذ من ليلة أمس نسي كل شيء ولم يعد يفكّر الا بعرشه ومملكته والعودة الى بغداد بغداد التي أضحت حلمه الوحيد وراح يستعيد ذكرياته هناك الموسيقى الصادحة على ضفاف النهر واغنيات « الموصلي »١٧٧ والليالي العابثة
جنحت الشمس للمغيب وأرسلت آخر اشعتها الذهبية فوق الربى البعيدة وشيئاً فشيئاً تكاثفت الظلمة لتهب الاشياء
غلاله من الغموض والرهبة
وأوى الامام الى محرابه وقد غمرته حالة من السكينة فيما صفق المأمون بكفيه منادياً على حارس وقف كالتمثال قريباً :
ـ ليحضر ابن بشير.
فتح المأمون الصندوق الخشبي المزيّن بالنقوش والألوان واستخرج قطعة من جلد غزال مربعة الشكل ولم تكن سوى رقعة الشطرنج وخرجت من الصندوق فيلة وجنود وقلاع وأفراس وراح المأمون يدندن طرباً وقد هبّت نسائم ليلية من النافذة المطلّة على حديقة غنّاء :
أرض مربعة حمراء من أدم |
ما بين ألفين موصوفين بالكرم |
|
تذاكرا الحرب فاحتالا لها شبهاً |
من غير أن يسيعا فيها بفسك دم |
|
هذا يغير على هذا وذاك على |
هذا يغير وعين الحرب لم تنم |
|
فانظر الى الخيل قد جاشت بمعركة |
في عسكرين بلا طبل ولا علم١٧٨ |
وصبّ له كأساً من النبيذ في « جام » ياقوت أحمر كان امبراطور الهند قد أهداه إليه١٧٩ .
ودخل ابن بشير ليهتف جذلاً :
ـ البشرى يا أمير المؤمنين.
ـ!!؟
ـ خلع أهل بغداد ابن شكلة.
ـ أعرف ذلك.
ـ من أين يا سيّدي والبريد لم يصل طوس.
نظر المأمون إليه وقد ارتسم ابتسامة ساخرة على شفتيه :
ـ عرفت ذلك في « سرخس » يوم قتل الفضل
وسكت لحظات ثم قال ساخراً :
ـ مسكين عمّي لا يحسن شيئاً غير الغناء! بل هو أرق صوتاً من إسحاق الموصلي.
تجرأ ابن بشير ولكنه قال متظاهراً بالجدّ :
ـ وعمّتك عليّة يا أمير المؤمنين؟
ـ لا تتخابث علي! هيّا لتصفّ جنودك وخيلك فقد بدأت الحرب!
زجّ المأمون وزيره وقد برقت عيناه وكان من الواضح ان المأمون لا يكترث له كان قد أعدّ خطّة جديدة لم يختبرها
وقع الوزير في مأزقٍ إذ وجد نفسه محاصراً بين أربعة بيادق وراح المأمون يحرّك قلاعاً وجنوداً وفيلة وسقوط الوزير وهتف ابن بشير :
ـ أصبحت بلا وزير يا سيدي!
ليس مهمّا
كان المأمون واثقاً من النصر تحرّكت بيادقه طبقاً لخطّة ذكية ووجد ابن بشير نفسه عاجزاً تماماً لقد انتهت اللعبة وانتهت المعركة لصالح المأمون الذي أشار بيده جهة الشمال :
ـ حتى لو انبعث صاحب هذا القبر فلن يستطيع أن يهزمني.
قال ذلك وأشار الى نديمه :
ـ انصرف! ولا تنسَ وصيتي في أظفارك.
ـ الى متى أفعل ذلك؟!
ـ الى أن ينضج الرمّان! أفهمت؟
انحنا الرجل بعد أن نهض وغادر المكان ، وقد أصبح رأسه مسرحاً للهواجس
وفي غمرة الليل سمع المأمون وهو يأوي الى فراشه صوتاً ينساب وعرف ذلك على الفور ؛ ان الرضا يتلو آيات من القرآن ..
٣٨
وتمرّ الأيام ومضى محرّم الحرام يحمل معه ذكرياته الحزينة وها هو صفر يكاد يلملم آخر لياليه ، وقد أطلّ الخريف يثير لواجع الحزن في قلوب الغرباء والحنين للديار والوطن
نضج الرمّان وطالت أظفار ابن بشير حتى بات يستحي من الناس١٨٠ .
وجلس المأمون في الصباح وحيداً كعنكبوت تنسج بيتاً كان يعمل فتح صرّة فيها مادّة بيضاء تشبه دقيق الذرة وأمسك بأبرة تشبه سلكاً دقيقاً وراح يهيل عليها المادّة ثم يزرقها في حبّات عنب كان في إناء زجاجي كانت عملية التزريق تتم بدقّة وحذر وفي جانب واحد من الاناء! وقد عربد
الشيطان فوق الرأس المطأطئ للخطيئة
وفي الضحى أرسل المأمون من يستدعي له الامام وكان المأمون ومن أجل أن يتظاهر بالقداسة يتوضأ وغلام يصبّ الماء على يده
قال الامام :
ـ يا أمير المؤمنين لا تشرك بعبادة ربّك أحداً١٨١ .
فأسرّها المأمون في نفسه ولم يبدها له واكتفى بأن خاطب غلامه بقسوة :
ـ هات الابريق
استكمل المأمون وضوءه وكان ينظر بطرف عينيه الى الامام الذي جلس على سجّادة فارسية مزينة بالنقوش
كانت شمس الخريف تغمر أشجار الرمّان بالنور والدفء وبدت مساقط النور والظلال لوحة متناغمة الألوان.
قال المأمون وهو يناول الامام عنقود عنب :
ـ يا أبا الحسن ما رأيت عنباً أحسن من هذا؟
أجاب الامام وقد أوجس خيفة :
ـ ربما كان عنباً أحسن منه في الجنّة.
ـ كل يا أبا الحسن!!
ـ لا أشتهي!
قال المأمون بغيظ مكتوم :
ـ إنّك لتحب العنب فما يمنعك؟! أم أنّك تتهمني بشيء؟!
قال ذلك وتناول حبّة لم تطالها زرقات الأبر المسمومة
أدرك الامام أنه يقف وجهاً لوجه أمام النهاية إنّ إغتياله قرار لا رجعة منه أخذ عنقود الموت وتناول ثلاث حبّات ورمى بالعنقود! ونهض
نظر الى المأمون نظرات نفّاذة قال المأمون مرتبكاً :
ـ إلى أين؟!
أجاب الامام بصوت فيه حزن الانبياء.
ـ الى حيث وجهتني
وغادر الامام المكان عائداً الى حجرته وقد شعر بألم يشبه سكيناً تغوص ببطء وقسوة في كبده وأن روحه تنزف وقلبه الكبير قد بات عاجزاً عن تحمّل الحياة في عالم يعجّ بالشرور
لزم الامام فراشه ذلك اليوم أمّا المأمون فقد فعل الشيء نفسه وتظاهر بالمرض١٨٢ ثم يرسل غلامه الى الامام :
ـ إن أمير المؤمنين يقول هل يوصيني الرضا بشيء أو
ينصحني فيما أفعل؟ أجاب الامام وهو يشير الى قلب الحقيقة :
ـ« قل له : يوصيك أن لا تعطي أحداً ما تندم عليه »١٨٣ .
وكان المأمون يترقب يترقب صرخة مناحة ولكن لا شيء لعلّ ثلاث حبّات لا تكفي في اغتيال من لا تحبّه بغداد اللعوب ساءت حالة الامام ودهمته حمّى شديدة وانتشر نبأ العنب في أروقة القصر وخارجه وعمد المأمون الى التزام الفراش متمارضاً لكن الحمّى لم تدهمه وكان جسده كتلة من اللحم البارد لا مشاعر ، ولا عاطفة ، ولا رحمة في ذلك القلب الذي يشبه كتلة من الرصاص!
وانتابته هواجس ماذا لو تحدّث الرضا عن مؤامرة اغتياله؟ ماذا لو همس بذلك الى أصحابه وبعض قادة الجيش من الذين لمح في عيونهم وسلوكهم احتراماً وحبّاً له
ودخل جاسوس من الذين يراقبون بيت الامام قائلاً له :
ـ إن هرثمة بن أعين قد جاء يعود الرضا١٨٤ .
صاح بعصبية :
ـ وماذا تفعل هنا أيها الأحمق؟! اذهب واصغ لما يقولون!
ـ لقد فعلت ذلك ولكني لم التقط حتى كلمة واحدة
فالرضا يتحدّث بصوت واهن وهرثمة مطرق برأسه ولعلّه كان يذرف الدموع.
ـ اذهب واحضر ابن بشير.
ـ سمعاً وطاعة يا سيّدي.
وجاء إبن بشير وقد بدا عليه التوجّس وقال مبادراً :
ـ يا أمير المؤمنين! نضج الرمّان.
ـ أعرف ذلك افتح ذلك الصندوق وآتني بالمزور المختوم
واحضر ابن بشير منديلاً أصفر اللون قال المأمون :
ـ فضّ الختم! وادخل يديك وقلب الدواء الذي فيه
وكان ابن بشير يفعل كل ما يؤمر ولا يسأل ورأى فيه ما يشبه طحين الذرة البيضاء وظلّ يقلّب كفيه داخل الطحين الأبيض العجيب حتى امتلأت أظفاره نهض المأمون وأعاد المزور الى مكانه ثم التفت الى غلامه :
ـ والآن هيّا لنعود الرضا فإنه محموم!
ـ؟!!
ـ ما لك تنظر كالأبله؟!
وتظاهر بالاجهاد وهو يخطو خارج حجرته متجهاً الى باب تؤدي الى حجرة الامام
وحاول الامام النهوض أدباً ، فأشار اليه المأمون بالتزام الفراش ، وجلس قريباً من وسادته وغادر هرثمة بعد أن حيّا المأمون ساد صمت مهيب كسره الخليفة بقوله :
ـ إنّك محموم يا أبا الحسن والصواب أن تمصّ رمّاناً أو تشرب ماءه!
قال الامام بصوت واهن :
ـ ما بي إليه حاجة.
ـ لابدّ من ذلك أقسم بحقّي عليك! وصاح على خادم في الباب :
ـ اقطف لنا رمّانة!
وجاء الخادم برمّانة الموت
قال المأمون مخاطباً ابن بشير الذي ما يزال مشدوهاً بما يجري :
ـ تقدّم فقشرها وفتّها!
هنا لك أدرك العبد دوره القذر في اغتيال الحقيقة. مدّ كفّه التي تشبه مخالب ذئب وتناول الرمّانة وأحضر الخادم كأساً من البلور
وراحت المخالب البشرية تفتت حبّات الرمان في الكأس البلوري وذرّات بيضاء تتساقط كسمّ الأفاعي حتّى اذا امتلأ الكأس أخذه المأمون بشماله ، وأمسك بملعقة الموت فملأها حبّات رمّان مداف بالسم
كان الامام يتمتم بآيات القرآن ، ثم تناول ملعقة ثم أخرى وملعقى ثالثة وقدّم المأمون ملعقة رابعة فقال الامام وهو ينظر الى رجل يحمل سيماء قابيل :
ـ حسبك قد بلغت مرادك
قال ذلك وأدار وجهه نحو شرفة تطلّ على أشجار الرمّان وقد غمرتها أنوار شمس خريفية باهتة١٨٥
ونهض المأمون وقد انبعثت في نشوة تشبه فرحة حفار القبور لدى قدوم جنائز الاطفال!
وكان الامام يواجه مصيره بشجاعة وقد بدت الاشياء بلا ظلال في عالم غائم والزمن نهراً صغيراً يدندن بصوت رقيق مخترقاً شجيرات الرمّان واجتاحت موجة من القلق الذين تخفق قلوبهم بحب الرجل المدني الذي تخطّى الخمسين١٨٦ بعام
وتحلّقت النفوس المحزونة حول انسان يواجه نهايته
وقد انبسجت في العيون دموع دموع مضخمة بالذكريات بالوفاء بالغضب بالوداع
وكان الامام قد بدا في لحظات فريدة من الاتحاد مع الوجود والكون الحقيقية الوحيد
وهتف « ياسر » في أعماقه المتفجّرة غضباً :
ـ اللعنة على ذئب بني العباس اللعنة على هذا الذئب الذي يرتدي فراء الثعالب!
شمس الخريف تجنح نحو المغيب ، والروح العظيم تسطع تتأهب للرحيل والامام يردد على وهن كلمات السماء١٨٧ كلمات جاء بها جبريل الى الأرض :
ـ( قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل الى مضاجعهم ) .
وفتح الامام عينيه قائلاً لياسر :
ـ هل أكل الناس شيئاً.
أجاب ياسر تخنقه عبرة :
ـ ومن يأكل مع ما أنت فيه؟!
وتماسك الامام على نفسه ليجلس وكان جسده ينوء بالروح التي تريد الرحيل:
ـ هاتوا المائدة!
والتفت الى صاحبه الوفي :
ـ لا تدع أحداً
وراح ينادي ـ وقد وهن الصوت منه ـ البواب والسائس وعلى رجال من أفريقا والروم وجاءوا كلهم فجلسوا حول مائدة في مشهد يشبه لوحة العشاء الأخير للمسيح.
وراح الامام يتفقدهم واحداً واحداً بنظرات تفيض حبّاً ورحمة ولمّا شبعوا وارتفعت المائدة هوى الامام فوق وسادته وقد أغمي عليه
المغيب يرش الروابي الآخر جمرات الخريف وعاد الانسان المقهور الى وعيه وكانت نظراته الواهنة في ذلك الغروب هي آخر نظرة الى هذا العالم المثقل بآلام الانسانية
وانسابت كلمات بصوت واهن فكانت آخر ما سمعه الذين تحلّقوا حوله وهم يذرفون الدمع بفجيعة تمتم الإمام وقد أزفت لحظة الرحيل :
ـ( وكان أمر الله قدراً مقدوراً ) ١٨٨ .
وأغمض عينيه وقد انطفأت شمس ذلك اليوم١٨٩ ، وتكاثفت ظلمة الغروب كرماد يتراكم في أفق كئيب
ودوّت مناحة كربلائية وغمرت القصر ظلمة مخيفة وظلّت القناديل مطفأة لقد انطفأت الشمس ، وظهر الشيطان يعربد يرقص جذلاً فوق جثة هابيل وجاء قابيل جاء المأمون يذرف دموع التماسيح وليجأر أمام صمت الامام :
ـ ما أدري أي المصيبتين أعظم عليّ فقدي لك وفراقي إيّاك أو تهمة الناس لي أني اغتلتك وقتلتك »١٩٠ .
وانطلق أحدهم لإخبار محمد بن جعفر عمّ الامام
ولكنّه فوجئ بحراسة مكثّفة وأوامر مشدّدة بعدم مغادرة القصر أيّ كان ولأيٍّ من الاسباب!
ووضعت كتائب خاصّة في حالة استنفار قصوى ، وانتشر جواسيس لهم أنوف كأنوف الكلاب في صفوف الجيش تحسّباً لردود الفعل!
ولم يعلن عن وفاة الامام الا بعد يوم وليلة١٩١ ، وفي أخريات صفر سنة ٢٠٣ أيلول سنة ٨١٨ م رحل الروح العظيم وجرت مراسم الغسل حسب وصيته
وكان المأمون قد أرسل وراء محمد بن جعفر وجماعة من الطالبيّين ليشهدوا على وفاة الامام في ظروف طبيعية١٩٢ وانهرحمهالله لم يتعرّض الى عملية اغتيال!
وبالرغم من تظاهر المأمون بالفجيعة ، وتظاهره بالجزع وما سمع عنه قبل مراسم الغسل : « وقد كنت أؤمل أن أموت قبلك »١٩٣ .
فقد بدأ الحديث عن اغتيال الامام بالسم١٩٤ وحكايات عن العنب المشبوه وعصير الرمّان!
جرت مراسم الغسل في صباح اليوم الثالث ونقل الجثمان الى مسجد القرية للصلاة عليه ، وفي أجواء ملبّدة بالغيوم وقد ساد التوتّر وعمّ الحزن قرية « سناباد » التي لم تنس ذلك الرجل الاسمر الذي توقف عندها قبل ثلاثة أعوام وبارك أهلها وجبلاً فيها
اتجه الموكب المهيب الى قصر حميد بن قحطبة مرّة أخرى الى حيث قبر هارون الرشيد
وغمغم المأمون بعد أن أهيل التراب :
ـ « ليغفر الله لهارون »١٩٥ !
وكان محمد بن جعفر يكفكف دموعه بحزن وتذكّر أخاه موسى الذي توفى مسموماً في بغداد
ياللقدر! قتل هارون موسى ، وقتل ابن هارون ابن موسى!
وعاد المشيّعون ، ولم يبق أحد سوى المأمون الذي قرّر المرابطة عند القبر وانه سيصوم ثلاثة أيام وعندما تكاثف ظلمة الليل أرسل المأمون من يحضر له هرثمة بن أعين
لم يتناول المأمون في العشاء سوى كسرة خبز وقليلاً من الملح
وجاء هرثمة ليجلس قبالة الذئب الذي يرتدي فراء الثعلب وفاحت رائحة طين معطور وبكى هرثمة على الرغم منه فتساءل المأمون :
ـ هل قال الرضا شيئاً أول أمس؟؟
ولم يستطع هرثمة كتمان الحقيقة
ـ قال لي : « يا هرثمة هذا أوان رحيلي الى الله ولحوقي بجدّي وآبائي لقد بلغ الكتاب أجله وقد عزم هذا الطاغي على سمّي في عنب ورمّان »١٩٦ .
وانتحب المأمون أو تظاهر بذلك وألقى نفسه على تراب القبر :
ـ ويل للمأمون من الله ويل من رسول الله ويل له من علي بن أبي طالب ويل ويل للمأمون من فاطمة هذا والله الخسران المبين١٩٧ .
ثم قال وهو يتحاشى النظر الى هرثمة :
ـ يا هرثمة اكتم ذلك ولاتذعه.
وقال بعد صمت ثقيل :
ـ انصرف!
ونهض هرثمة ليغادر المكان فالحديقة عائداً القرية ولكنه لم يصل اليها ووجد في اليوم التالي جثّة على قارعة الطريق!
أمّا ابنه حاتم فقد كان يحمل معه مرسوماً بتعيينه حاكماً على أرمينيا وآذربيجان١٩٨ .
أنهى المأمون صيام اليوم الثالث ليعلن عزمه على استئناف السفر في طريق العودة الى بغداد
وفي جرجان لقي محمد بن جعفر مصرعه مسموماّ١٩٩ أما حاتم بن هرثمة فقد عثر عليه ميتاً٢٠٠ في حديقة قصره وفي ظروف غامضة!
وهكذا كان المأمون يمضي قدماً باتجاه بغداد ، وطاحونة الموت الغامضة ما انفكّت تلتهم رجالاً قضوا نحبهم وآخرون ينتظرون
وبغداد تستقبل حفيد المنصور الذي عاد الى ارتداء زيّ
أجداده الأسود٢٠١ فيبني القصور الجديدة٢٠٢ على ضفاف دجلة ويضاعف الضرائب على مدينة قم
وبغداد تعود الى اللهو واللعب والتجارة والفارس الذي يتربع فوق القبة الخضراء يشير برمحه الطويل الى الأفق الذي تشتعل فيه الثورات٢٠٣
ودجلة تتدافع أمواجه وتمضي الايام
ليست نهاية
اشرقت الشمس في سماء صافية الا من نتفات غيوم مبعثرة هنا وهناك وكفّت الرياح عن الهبوب وكانت تسفي الثلوج طوال الليل
وارتدى السيد محمد بدلته ليقف في بوابة الحرم وغمرت الشمس بأنوارها المتلالئة القباب والمنائر
محمد ما يزال تحت تأثير الرؤيا وما يزال الصوت الملائكي الذي سمعه في عالم المنام يدور في أعماقه المتأججة
الزائرون من أهل قم يتوافدون وبعضهم يؤدي التحيّة وهو يتقدّم باتجاه القبّة
وقريباً من البوابة جلس مسافرون يتدثرون بملابس صوفية ويتناولون الشاي ويتبادلون نتف الاحاديث
وهزّ أحدهم رأسه وهو يقول :
ـ كيف نشكر السيّدة العلويّة على حسن صنيعها الليلة الفائتة؟!
ـ كان « كولاكاً »٢٠٤ عنيفاً وضاعت علينا الطريق.
ـ لو تأخرت إضاءة المنائر لدقائق لكنّا من الهالكين٢٠٥ .
ـ فجأة رأيت نوراً يتألق يشبه نور الفنارات في المرافئ
ـ أهل البيت يا رفيقي مرفأ التائهين
ـ بعد غدٍ سنتوجه الى مشهد لزيارة شقيقها الرضاعليهالسلام .
ـ دعنا نمكث أيّاماً في ضيافة المعصومة ثم نتوكّل على الله
وكان الرضوي يصغي مأخوذاً الى نتف أحاديث المسافرين فتقدّم اليهم وقد امتلأت عيناه بالدموع قائلاً :
ـ يا أخوتي أنا الذي أضأت المنائر ولم أفعل ذلك من نفسي رأيت في عالم الرؤيا فتاة كالحوريّة يغمرها النور خاطبتني :
ـ قم! وأسرج قناديل المنائر قالت ذلك ثلاث مرّات.
هتف مسافر مبهوراً :
ـ يعني ان المنائر لا تضاء في مثل ذلك الوقت؟!
أجاب الرضوي :
ـ لا إنّنا نطفئ القناديل قبل منتصف الليل ، ثم نسرجها عند الفجر ساعة واحدة!
وترقرقت العيون دموعاً حبّا ومودّة وخشوعاً
وسجّل السيد محمد الرضوي تفاصيل هذه الكرامة
وفي كل عام وعندما تحين الذكرى الدافئة كان محمد يسرج قناديل المنائر احتفالاً بتلك المناسبة
وفي تلك الساعات من كل عام وعندما تهطل الثلوج ثلوج بهمن الغزيرة يشاهد المسافرون منائر تشع بالضوء كمفرأٍ يتألق بالأنوار
١٥ رمضان الكريم ١٤١٩ هـ
ما وراء السطور
١. العاصفة الثلجية.
٢. الدينوري / الاخبار الطوال / ٣٨٨.
٣. جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي وزير الرشيد من سنة ١٧٧ هـ وحتى ١٨٧ هـ حيث لقي مصرعه فيما عرف في التاريخ بـ ( نكبة برامكة ) وتمت تصفيته بطريقة بشعة ، صلب جسده شقين كل شق على جسر من جسور بغداد ثم احرقت جثته بعد مرور عام.
وقد أثار الحادث تساؤلات عديدة وما تزال ، وكانت عليّة ( أخت الرشيد ) قد سألت أخاها عن ذلك فأجاب : « لو علمت أن قميصي يعلم السبب لمزّقته ».
الطبري ٨/٢٨٧ ، ابن الأثير ٦/١٧٥ ، الوزراء والكتاب /١٨٩.
وكان الاصمعي قد استدعي من قبل هارون الرشيد لاحاطته علماً بما حصل ، وهو اجراء تحذيري فيما يبدو.
٤. امتدّت المباحثات حتى الفجر.
الأخبار الطوال /٣٨٩
٥. تيار شيعي كان يظهر ويختفي عبر التاريخ لما رافق أئمة أهل البيتعليهمالسلام من محن وأساسه رفض الامامة الجديدة لأي من أئمة أهل البيتعليهمالسلام والوقوف على الامام السابق وقد بلغت فكرة الوقف ذروتها بعد استشهاد الامام
الكاظمعليهالسلام وهو الامام السابع من أئمة أهل البيت في سجن « المطبق » الرهيب في بغداد فقد رفضت ثلّة من الزعامات الشيعية فكرة وفاة الامام الكاظم ، وبالتالي رفضوا الانقياد لامامة علي بن موسى الرضاعليهالسلام وكانت الاطماع هي السبب الرئيس والباعث الاصلي ؛ اضافة الى خطط حكومية شجعت على ذلك لاستئصال مذهب أهل البيتعليهمالسلام ولعلّ هذا دفع بالامام علي بن موسى الرضاعليهالسلام الى الاعلان عن امامته متحدّي حكومة هارون قائلاً : إن خدشني هارون فأنا كذاب!
وقد أعلن الرضا ذلك في وقت كان سيف هارون يقطر من دماء العلويين كما ورد في مصادر التاريخ.
عيون أخبار الرضا ٢/٢١٩ ، اعيان الشيعة ٤/٩٧ ، حياة الامام الرضا ١/٤١.
٦. زوارق على شكل حيوانات أمر بصناعتها الامين للمتعة واللهو ، وقد صنع منها خمسة على صور الأسد ، الفيل ، العقاب ، الافعى والحصان ، وقد كلّفت صناعتها خزانة الدولة نفقات باهظة.
تاريخ ابن الوردي /٣١٧.
٧. الأخبار الطوال /٤٠٠.
٨. تاريخ ابن الوردي ١/٣١٧.
٩. عرف الأمين أنه رفض النساء واشتغل بالخصيان ، ووجه الى البلدان في طلب الملهين ، واستخف حتى بوزرائه وأهل بيته.
تاريخ الخلفاء /٢٠١.
١٠. تاريخ ابن الوردي ١/٣١٧ وقد تضاربت الانباء حول الطريقة التي تمّت بها تصفية الأمين ولكن من المؤكد انها وقعت في نهر دجلة.
١١. أصول الكافي ٢/٥٧٩.
١٢. محمد بن جعفر الصادقعليهالسلام لقب بالديباج ، كان من العلماء روى العلم عن أبيه
الصادقعليهالسلام أقام في مكة وعندما اندلعت الحرب بين الأمين والمأمون أشعل الثورة في مكة المكرمة وبويع له بالخلافة وتسمى بأمير الؤمنين ، وبايعه سكان الحجاز وقد ارسل المأمون جيشاً لقمع الثورة ، فسلّم نفسه بعد أن منيت قوّاته بالهزيمة ، وارتقى المنبر ليعلن اعتذاره الرسمي للمأمون أرسل مخفوراً إلى « مرو » عاصمة المأمون آنذاك وتوفى في جرجان في طريق العودة الى بغداد في ظروف غامضة واشترك المأمون في مراسم التشييع والدفن.
مروج الذهب ٣/٤٣٩.
١٣. تاريخ بغداد ٢/١١٣.
١٤. اسنى المطالب /٤٩.
١٥. كتاب المسلسلات /٢٥٠.
١٦. من مدينة سرخس الايرانية إقليم خراسان اتصل بالمأمون سنة ١٩٠ هـ واسلم على يديه ، وكان مجوسياً..
عينه المأمون بعد احتدام الصراع مع أخيه الامين وزيراً له ( رئيساً للوزراء ) وقائداً عاماً لجيوشه ، ومنحه لقب « ذي الرياستين » رئاسة الديوان ورئاسة الحرب..
ويظن بعض أن فضل كان يخطط للاستيلاء على السلطة ، وقد أقنع المأمون في البقاء في مدينة « مرو » واتخاذها عاصمة للدولة ، كما اقنعه بالتخلّي عن الزي الاسود شعار العباسيين واستبداله بالاخضر وهو زي فارسي.
موسوعة أحداث التاريخ الاسلامي ١/١٦١.
وبعد تدهور الاوضاع في بغداد وقرار المأمون بالعودة اليها تمت تصفية الفضل في الطريق حيث اغتيل في حمام بمدينة سرخس مسقط رأسه.
مروج الذهب ٣/٤٤١ ، الأعلام ٥/٣٥٤ ، تاريخ ابن الوردي ٢/٣١٩ ، تاريخ بغداد ١٢/٣٣٩.
١٧. البرمكي وزير الرشيد وأخوه من الرضاع ، كان الرشيد يدعوه يا أخي ، أقصي عن الوزارة سنة ١٧٧ ، ألف جيشاً من نصف مليون جندي لأهداف غامضة واتخذ من خراسان مقراً لقيادته القي القبض عليه سنة ١٨٧ هـ في وزارة أخيه جعفر الذي لقي مصرعه بأوامر شخصية من الرشيد..
توفى الفضل في سجنه بالرقة سنة ١٩٣ هـ في نفس السنة التي توفى فيها الرشيد اشتهر عنه دوره في انهاء ثورة يحيى بن عبد الله الحسن بعد مباحثات طويلة وكان الأخير قد ثار في بلاد الديلم ( اقليم الشمال الايراني ).
ويبدو أن موقفه من العلويين وعدم التّورّط بالمذابح التي كانت تنفذ بحقهم قد دفع الرشيد الى اقصائه عن الوزارة واسنادها الى أخيه جعفر حتى مصرعه سنة ١٨٧ هـ
الاعلام ٥/٣٥٨ ، الطبري ٨/٢٤٢ ، تاريخ بغداد ١٢/٣٣٤.
١٨. تبنى المأمون وبحماس فكرة خلق القرآن التي اعلنها المعتزلة وبلغ من شدّة حماسه انه جعلها أساساً في تقييم الفقهاء ، واوصى خليفته المعتصم بالاستمرار في اجراء المحاكمات وامتحان الفقهاء ، وعرفت في وقتها بـ « محنة خلق القرآن » وقد لقي كثير من الابرياء مصرعهم بسببها وفي طليعتهم المحدث أحمد بن نصر الخزاعي.
د. الترمانيني موسوعة أحداث التاريخ الاسلامي ١/١٦٢ ، الطبراني ٨/٦٤٥ ، تاريخ الخلفاء /٣٣٥ ـ٣٤٠.
١٩. بدأ التحضير للثورة منذ سنة ١٩٦ بعد انفجار الازمة بين الأمين والمأمون ، واندلعت الثورة سنة ١٩٨ ، وابن طباطبا هو محمد بن إبراهيم بن اسماعيل بن إبراهيم بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب.
وكانت الفوضى والسياسية وتردي الاوضاع الاقتصادية والحرمان الذي منيت به قطاعات واسعة من المجتمع في طليعة الاسباب التي دفعت بالشاب العلوي
(٢٤ سنة) الى طريق الثورة.
ويعدّ لقاؤه بالزعيم العربي نصر بن شيث منعطفاً ودافعاً في التعجيل بالثورة والاحاطة بالطغمة العباسية.
وتزامت مع ثورة ابن طباطبا ثورة القائد المنشق السرّي بن منصور الشيباني المعروف بـ « ابي السرايا »، وقد احدث انضمام الأخير مع قوّاته الى ألوية الثورة دوّياً كبيراً وقلب موازين القوى لصالح الثوّار.
وقد منيت الجيوش العباسية بهزيمة ساحقة في أول اصطدام عسكري مصيري ؛ كما اعقب ذلك انتصارات باهرة لقوّات الثورة ، حتى ايقن العباسيون بانها النهاية. وقد بسط الثائرون نفوذهم على أرض واسعة من الدولة الاسلامية شملت : الكوفة ، اليمن ، الأهواز ، البصرة ، واسط ، ومكة المكرّمة.
وعين ولاة جدد للأقاليم والولايات المحرّرة وضربت نقود جديدة حملت الآية الكريمة : «ان الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص » شعاراً.
وانتخب مدينة الكوفة عاصمة ومعقلاً للثورة لزخمها التاريخي وثقلها العلمي ومواردها الاقتصادية ، غير أن وفاة الزعيم العلوي ابن طباطبا قد اضعف فيما يبدو من قوى الثورة اضافة الى قيام العباسيين في تعبئة جيش جرار.
احداث التاريخ الاسلامي ٢/١١٤٦ ، مقاتل الطالبيين /٥١٨ ـ٥٣٣.
٢٠. وبسبب ذلك أحرق قبرها وقبور آل بويه اضافة الى مرقد الامام الكاظمعليهالسلام خلال الفتنة الطائفية الكبرى التي عصفت بغداد سنة ٤٤٣ هـ وذهب ضحيتها عشرات الابرياء واحراق مكتبات تضم آلاف الكتب.
الكنى والألقاب ٢/٢٨٩
٢١. قاموس الرجال ١٠/٣٥٧ ، ينابيع المودّة /٤٨٤.
٢٢. الخليفة الامين.
٢٣. يعتقد المأمون ان هرثمة بن أعين يقف يتعاطف مع ثورة أبي السرايا أو هكذا صوّر له الفضل بن سهل ، ومن المعروف ان الفضل كان يتآمر على هرثمة وعلى طاهر بن الحسين.
الطبري ٨/٤٧٩ ، ابن خلدون ٣/٥٢١
٢٤. احداث التاريخ الاسلامي ١/١٦٠ـ١٦١.
٢٥. يحيى بن زيد الشهيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أحد أبرز الثوّار فجّر الثورة بعد مصرع والده الشهيد سنة ١٢٢ هـ ، ظل مطارداً حتى سنة ١٢٥ واستشهد بعد معركة غير متكافئة دارت بين قوّاته (٧٠ مقاتلاً) والجيش الأموي (عشرة آلاف مقاتل) ، حيث صلب جسده وظل مصلوبا حتى سنة ١٣٢ وانتصار الثورة العباسية.
مقاتل الطالبييّن /١٥٢ ، الأعلام ٩/١٧٩
٢٦. من قادة المأمون.
٢٧. الجعد بن درهم من اصول فارسية (خراسان) سكن حرّان في سوريا ، قال بخلق القرآن ، ونسب الفعل الانساني الى الله وهي عقيدة الجبر التي تنفي الحريّة عن الانسان.
تبنّى تربية مروان بن محمد الحمار آخر خلفاء بني أمية ومن أجل هذا يعرف مروان بالجعدي.
القي القبض عليه ولقي حتفه على يد جلاد العراق خالد القسري في عيد الأضحى سنة ١١٨ هـ
الاعلام ٢/١١٤ ، ابن الاثير ٥/١٦٠.
٢٨. الميزان ١١/١٦٦ ، عيون أخبار الرضا ١/١٩٢.
٢٩. حياة الامام الباقر ١/١٨١ باقر شريف.
٣٠. التهذيب ٢/٥٣ وفي موقفه الفقهي يفصل الامام بين الثائرين على الحكومة بسبب
الظلم وبين الخارجين على أساس عدائي للاسلام.
٣١. فروع الكافي ٢/٢٣٨.
٣٢. وسائل الشيعة ١٤/٦٢.
٣٣. المصدر السابق ١٤/٤١٥.
٣٤. من لا يحضره الفقيه ٤/١٢٢.
٣٥. المصدر السابق ٢/١٨٨.
٣٦. وكان السؤال عن جواز العمل في المؤسسات الحكومية مع الاعتقاد بعدم شريعتها.
فروع الكافي ١/٣٥٩
٣٧. حياة الامام الرضا ٢/٦٢.
٣٨. طه : الآية ١٢١.
٣٩. الأنبياء : الآية ١٨٧.
٤٠. يوسف : الآية ٢٤.
٤١. الاحزاب : الآية ٣٧.
٤٢. نص الرسالة : كما وردت في كتب التاريخ :
بسم الله الرحمن الرحيم
لعلي بن موسى الرضا وابن رسول الله المصطفى ، المهتدى بهديه ، المقتدى بفعله الحافظ لدين الله ، الخازن لوحي الله..
من وليه الفضل بن سهل الذي بذل في ردّ حقه إليه مهجته ووصل ليله فيه بنهاره..
سلام عليك ايها المهتدي ورحمة الله وبركاته..
فإني أحمد إليك الله لا إله الا هو ، وأسأله أن يصلّي على محمد عبده ورسوله.
اما بعد..
فإني أرجو أن الله قد أدّى لك ، وأذن لك في ارتجاع حقك ممن استضعفك ، وأن يعظم مننه عليك ، وأن يجعلك الامام الوارث ، ويري أعداءك ومن رغب عنك ،
منك ما كانوا يحذرون..
وإن كتابي هذا عن إزماع من أمير المؤمنين عبد الله الامام المأمون ومني على ردّ مظلمتك عليك ، واثبات حقوقك في يديك والتخلّي منها اليك ، على ما أسال الله الذي وقف عليه : أن تبلغني ما أكون بها اسعد العالمين ، وعند الله من الفائزين ، ولحق رسول الله من المؤدّين ، ولك من عليه من المعاونين ، حتى ابلغ في توليتك ودولتك كلتا الحسنتين.
فإذا أتاك كتابي ـ جعلت فداك ـ وأمكنك أن لا تضعه من يدك حتى تسير الى باب أمير المؤمنين ، الذي يراك شريكاً في أمره ، وشفيعاً في نسبه ، وأولى الناس بما تحت يده فعلت ما أنا بخيرة الله محفوفاً ، وبملائكته محفوظاً وبكلائته محروساً..
وإن الله كفيل لك بكل ما يجمع حسن العائدة عليك ، وصلاح الامّة بك..
وحسبنا الله ونعم الوكيل ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
الحياة السياسية للامام الرضا /٤٤٦ ، حياة الامام الرضا ٢/٢٨٤
٤٣. ورد في الحديث الشريف : « أحد جبل يحبّنا ونحبّه ».
رسالة الاسلام / ك(١) ، محمد رسول الله / ٢٦١ ، مصطفى طلاس
٤٤. حياة الامام علي بن موسى ٢/٢٧٨.
٤٥. جابر بن حيان الكوفي ولد في طوس وقيل في طرسوس في حدود سنة ١٢٨ هـ برع في الكيمياء وتلقى علومها من استاذه الامام جعفر بن محمد الصادقعليهالسلام ، وكان يبدأ مقالاته وكتبه وتجاربه في هذا المضمار بقوله : أمرني سيدي جعفر بن محمد ففي كتابه « الحاصل » وهو كتاب فلسفي يقول جابر : « انه من كتب الموازين ، وهو من الكتب الموسومة بكتب الفلسفة وقد سميته : كتاب الحاصل ، وذلك ان سيدي جعفر بن محمد صلوات الله عليه قال لي : فما الحاصل الآن بعد هذه الكتب في الموازين وما المنفعة بها؟ فقلت المنفعة علم التراكيب الكبار التي
تنوب بقرب مدتها عن طول مدّة التدبر وعملت كتابي هذا فسماه سيدي بكتاب الحاصل ، وهو من علم الموازين مشروح لا يحتاج الى غيره وبذلك أمرني سيدي صلوات الله عليه ».
ويبدو أنه غادر الكوفة في الأعوام بين سنة (١٨٠ـ١٨٦) وهي الفترة التي شهد العراق فيها وأقاليم أخرى حملة اضطهاد طالت العلويين وقواعدهم الشعبية.
توفى جابر في مدينة طوس في تاريخ غير معروف ولكن بعض المصادر ذكرت وفاته سنة ٢٠٠ هـ
وقد أورد « ابن النديم » حوله ما يلي : « فقالت الشيعة انه من كبارهم وأحد الابواب وزعموا أنه كان صاحب جعفر الصادق رضي الله عنه ، وكان من أهل الكوفة ، وزعم قوم من الفلاسفة انه كان منهم ، وله في المنطق والفلسفة مصنفّات ، وزعم أهل صناعة الذهب والفضة إن الرئاسة انتهت اليه في عصره ، وان أمره كان مكتوماً ».
الفهرست لابن النديم /٥١٣ ، الذريعة الى تصانيف الشيعة آغا بزرگ الطهراني ٢/٥٥ ، ٦ راسات في تاريخ العلوم عند العرب /٢٤٩ـ٢٥٢.
٤٦. ابو محفوظ معروف بن فيروز الكرخي نسبة الى كرخ بغداد كان نصرانياً فأسلم على يد الامام علي بن موسى الرضاعليهالسلام ، ثم اسلم أبواه ، اشتهر بزهده وصلاحه ، فكان الناس يقصدونه للتبرك به وكان أحمد بن حنبل في جملة من كان يزوره تبركاً.
الاعلام ٨/١٨٥ ، وفيات الاعيان ٥/ ٢٣١ ، تاريخ بغداد ١٣/ ١٩٩
٤٧. لم يرجع أي من العلويين الذين ذهبوا الى مرو ، ولقوا حتفهم في ظروف غامضة!
٤٨. اعيان الشيعة ٤ ق ٢/١٢٢.
٤٩. حياة الامام الرضا ٢/ ٢٨٧.
٥٠. اصول الكافي ١/١١ ، وسائل الشيعة ١١/١٦١.
٥١. أعيان الشيعة ٤ ق ٢/١٩٦.
٥٢. اصول الكافي ٢/٢٤.
٥٣. نور الابصار /١٤٠.
٥٤. الطريق الى غدير خم / ٩ كمال السيد.
٥٥. المصدر السابق.
٥٦. مستدرك الوسائل ١٠/٣٦٨ ح ١ ، بحار الانوار ٦٠/١٢٦ ح ٤١ ، عيون أخبار الرضا ٢/٢٦٧.
٥٧. وسائل الشيعة ١٨/٩٢.
٥٨. حياة الامام الرضا ١/٨٤.
٥٩. اصول الكافي ٢/٣٦٨.
٦٠. الميزان في تفسير القرآن ٨/٣٨٩.
٦١. اصول الكافي ٢/١٢٤.
٦٢. اصول الكافي ٢/٥٧٩.
٦٣. البحار ١٢/٢٧.
٦٤. جبل شمال نيسابور / راهنمائي خراسان بالفارسية د. علي شريعتي /١٧٨.
٦٥. عيون أخبار الرضا ٢/١٣٥.
٦٦. نور الابصار /١٣٨ ، عيون التواريخ ٣/٢٧٢.
٦٧. مدينة على حدود الشرق في ايران وكانت تسمى في العصور القديمة بـ « ساريكا » تقع في منطقة صحراوية قاحلة وعلى الطريق بين مرو ونيسابور ، وتستمد حياتها من تفرع نهري من نهر « هرى » أو « هري رود » الذي يجري باتجاه طوس « مشهد حالياً » وفي هذه المدينة لقي الفضل بن سهل مصرعه إذا نقض عليه أربعة رجال ملثمون وهو يغتسل في الحمام..
في سنة ١٨٨٤ م احتل الروس اجزاءً من المدينة فانقسمت سرخس منذ ذلك
التاريخ الى قسمين : سرخس الايرانية وسرخس الروسية.
د. علي شريعتي / راهنماي خراسان / ١٩٥
٦٨. الصواعق المحرقة.
٦٩. اخبار الدول / ١١٥.
٧٠. فرقة اسلامية ظهرت في عهد معاوية وترعرعت في ظل السياسة الأموية وتنطلق فكرتها من الآية الكريمة في قوله تعالى : «وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم » التوبة : ٩٩.
وترتكز عقيدتهم على عدم تكفير أي مسلم أيّاً كان ومهما ارتكب من المعاصي ، مرجئين الأمر الى الله وحده وشعارهم : « كما لا ينفع مع الكفر طاعة ، لا تضر مع الايمان معصية ».
وتعود جذور المرجئة الى عهد اسبق وبالتحديد الى اندلاع الأزمة السياسية ومصرع عثمان.
ولعلّ موقفهم المتساهل جاء ردّاً على تطرّف الخوارج في تكفير المسلم اذا ارتكب ذنباً كبيراً!
ومن المؤكد أن النظام الأموي قد أفاد كثيراً من هذا التيّار في التأسيس لشرعيته وسياسته ، سيما وأنهم ينادون بان الامامة لا تجوز الا في قريش لقول الرسولصلىاللهعليهوآله : « الأئمة من قريش ».
المسعودي مروج الذهب ٣/٢٢٤ ، حسن إبراهيم تاريخ الاسلام /٤١٨ ، عبد السالم الترمانيني أحداث التاريخ الاسلامي ١/٧٣.
٧١. اسفر عن تيار الجبرية الذي سعى الحكم الأموي الى ترسيخه في فكر الامّة والإفادة من معطياته في تبرير جرائمهم وانحرافهم اسفر كل ذلك عن تيار جديد هو المعتزلة وهو فكر جديد اتخذ له مساراً وسطاً بين فكرة الجبر والتفويض ، ولكنهم سرعان ما اختاروا فكرة التفويض وجعلوا منها أهم ركن في
العدل الالهي.
وتبنى المعتزلة خمس اطروحات هي :
مفهوم التوحيد الله واحد ، ليس كمثله شيء خارج الزمان والمكان لم يلد ولم يولد ، وهو غير معلول لشيء.
العدل الالهي الذي ينهض لديهم على اساس التفويض الكامل للانسان في تصرفاته.
الوعد والوعيد.
المنزلة بين المنزلتين.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ويؤخذ على المعتزلة مواقفهم الحدّية المتطرّفة في كثير من المسائل من قبيل انكارهم المشيئة الالهية لأنها في تصوّرهم تناقض حرّية الانسان وانكروا الشفاعة لأنها في رأيهم تصطدم مع العدل الالهي!
ابن خلكان وفيات الاعيان ٤/٨٥
٧٢. بنى القائد العسكري حميد بن قحطبة الذي اشتهر إبّان الثورة العباسية سنة ١٣٢ هـ في حروبه مع الامويين قصراً منيفاً ظلّ قائماً حتى مطلع القرن الهجري الرابع ، ويقع القصر داخل حديقة غنّاء تبلغ مساحتها ميل مربع واحد ، وكان الرشيد الذي قدم خراسان لقمع ثورة رافع بن الليث ، قد توفى في قرية « سناباذ » من قرى طوس ودفن في القصر.
راهنماي خراسان /٦٣ ، موسوعة أحداث التاريخ الاسلامي ٢/١١١٧ ، البداية والنهاية ١٠/٣١٣.
٧٣. الميل العربي = ٢ كم تقريباً.
٧٤.
بسم الله الرحمن الرحيم
إني اعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً أو غير تقي أخذت بالله السميع البصير على
سمعك وبصرك ، لا سلطان لك علي ، ولا على سمعي وبصري ولا على شعري ، ولا على بشري ، ولا على لحمي ، ولا على دمي ، ولا على مخي ولا على عصبي ، ولا على عظامي ، ولا على أهلي ، ولا على مالي ، ولا على ما رزقني ربي..
سترت بيني وبينك بستر النبوّة الذي استتر به انبياء الله من سلطان الفراعنة..
جبريل عن يميني ، وميكائيل من يساري ، واسرافيل من ورائي ، ومحمد أمامي والله مطلع على ما يمنعك ويمنع الشيطان مني.
اللهم لا يغلب جهله أناتك أن يستفزني ويستخفني اللهم اليك التجأت اللهم اليك التجأت اللهم اليك التجأت.
حياة الامام الرضا ٢/٢٩٠ ، ٢/١٣٨
٧٥. نهر « كشفرود » الذي يتفرع من نهر « هريرود » والأخير يقع على الحدود الايرانية حالياً.
٧٦. حياة الامام الرضا ٢/٢٩٢.
٧٧. الوزراء والكتاب /٣٠٧.
٧٨. حياة الامام الرضا ٢/٢٢٠.
٧٩. المصدر السابق ٢/٢١٥.
٨٠. المصدر السابق ١/٢١٥.
٨١. نور الابصار /١٤٢.
٨٢. عيون أخبار الرضا ١/١٩.
٨٣. المصدر السابق ٢/١٤٠.
٨٤. المصدر السابق ٢/٢٩٩.
٨٥. ينابيع المودة /٢٨٤.
٨٦. حياة الامام الرضا ٢/٢٩٨ راجع الملحق رقم(١) : النص الكامل لوثيقة ولاية العهد.
٨٧. حياة الامام الرضا ٢/٢٩٩.
أحداث التاريخ الاسلامي ٢/١٢٦٨
٨٨. عينه أبوه حاكماً على الجزيرة والثغور سنة ٢١٣ ، كان يطمع للاستيلاء على الخلافة بعد وفاة ابيه شجعه على ذلك تعاطف بعض القادة العسكريين وعدائهم للمعتصم ولذا عمد الأخير الى اجباره على البيعة له للسيطرة على الموقف سياسياً.
انتهز العباس خروج المعتصم للحدود فتآمر على قتله وقتل بعض الزعماء الاتراك فالقي القبض عليه ، وفي السجن قدّمت له انواع عديدة من الطعام وكان شرهاً في الأكل ومنع عليه الماء فمات.
وكان المعتصم قد شكّ في تحرّكاته فاستدعاه ذات ليله وسقاه الخمر وراح العباس يهذي بكل تفاصيل خطته!
الاعلام ٤/٣٥ ، الطبري ٩/٧١ ، ابن خلدون ٣/٥٦١
٨٩. مقاتل الطالبييّن ، حياة الامام الرضا ٢/٣٠١.
٩٠. الفصول المهمة /٢٣٨.
٩١. عيون أخبار الرضا ٢/١٤٧.
٩٢. تشير بعض المصادر الى قيام المأمون باعدامهم ولكن المرجّح أنّ المأمون أودعهم السجن في أسوأ الاحوال ومن الممكن اقتصاره على تمجيد نشاطهم السياسي والعسكري ، بدليل اقتراح « الفضل » على المأمون استشارهم حول بعض المسائل الحساسة التي اقلقت المأمون وفي طليعتها قرار العودة الى بغداد.
عيون أخبار الرضا ٢/١٦٠
٩٣. تذكرة الخواص /٣٦٤.
٩٤. طه : الآية ١١٣.
٩٥. البقرة : الآية ٢١.
٩٦. العقد الفريد ٥/٢٢٦.
٩٧. ابراهيم بن المهدي واشتهر باسم : ابن شكلة ، وكان يلقب بالتنّين لضخامته ، أما « شكلة » فأمّه وهي جارية سوداء.
وفيات الاعيان ١/٢٠
٩٨. حياة الامام الرضا ١/...
٩٩. المصدر السابق ٢/٣٣٤.
١٠٠. الثامن من ذي الحجة الحرام.
١٠١. عيون أخبار الرضا ٢/١٥٠.
١٠٢. حياة الامام الرضا ٢/٢٥٣.
١٠٣. حياة الامام الرضا ٢/٣٥٤.
١٠٤. الحياة السياسية للامام الرضا /٣٧٠.
١٠٥. عيون أخبار الرضا ٢/١٦٠.
١٠٦. المصدر السابق ٢/١٤٥.
١٠٧. المصدر السابق ٢/٢٢٥.
١٠٨. يورد ابن شهر آشوب في : « مناقب آل أبي طالب » شعر « البحري » : « يمين بن معاوية العائشي » في الامام بمناسبة صلاة العيد ، والمؤاخذة الوحيدة على ذلك إن الصورة الشعرية تشير الى وصول الامام الى المصلى ، وهو ما يصطدم مع الواقعة التاريخية ، وفي رأيي أن الشعر قيل في حق الامام الرضاعليهالسلام ولكن ليس بمناسبة صلاة العيد وانما في صلاة الاستسقاء التي وقعت فيما يبدو في منتصف ذي الحجة من نفس العام ، وكان لها صداها في خراسان بسبب القحط والجفاف الذي عصف باقليم خراسان والري واصفهان.
ومن المستحيل أن يثير منظر المتوكل ـ الذي عرف بانحرافه وفساده وفظاظته وتناقضه مع الدين والخلق ـ مثل هذه الصورة الفنيّة الأخاذة ، ومن المحتمل جدّاً
ان اسم البحري الشاعر صحف ليصبح البحتري أو ان الأخير انتحل الشعر لنفسه في ظروف كان الشعراء الاحرار يعيشون حالة التشرّد والموت حيث دعبل الخزاعي ابرز نموذج في هذا المضمار.
مناقب ابن شهر اشوب ٤/٣٧٢ ، الحياة السياسية للامام الرضا /٣٥٥ ، أحداث التاريخ الاسلامي ٢/١١٦١.
١٠٩. حياة الامام الرضا ٢/٣٥٦.
١١٠. مناقب ابن شهر اشوب ٤/٣٧٢.
١١١. عيون أخبار الرضا ٢/١٧٠.
١١٢. حياة الامام الرضا ١/١٣٥.
١١٣. المصدر السابق ١/١١٦.
١١٤. الاسراء : الآية : ٧٢.
١١٥. مناقب ابن شهر اشوب ٤/٣٣٧.
١١٦. خال المعتصم الخليفة العباسي ؛ راوية ثقة سكن قم.
حياة الامام الرضا ١/١٢٧ـ٢/٣٣٦
١١٧. الانوار النعمانية ٣/٢٣٩.
١١٨. المصدر السابق ٣/٢٣٨.
١١٩. المصدر السابق ٣/٢٣٨.
١٢٠. يعدّ دعبل الخزاعي في طليعة شعراء الثورة وقد دفع ثمن ذلك معاناة متواصلة اذ قضى حياته مشرّداً خائفاً يجوب المدن شرقاً وغرباً.
وقد آمن دعبل بأن الامّة الاسلامية لن تجد الحياة الكريمة الا في ظلال حكومة عادلة يرفع لواءها أهل البيتعليهمالسلام اصحاب الحق في الخلافة والامتداد الطبيعي لرسول اللهصلىاللهعليهوآله .
وقد حفلت اشعاره على امتداد اكثر من نصف قرن من المقاومة بالكثير من
الافكار والآراء التي لا يمكن أن تصدر الا عن عقيدة صلبة وايمان راسخ.
وفي الوقت الذي كان فيه الشعراء يتهافتون على أبواب السلاطين والحكام كان دعبل حياته مشرّداً ولم تسنح له فرصة الاحساس بالأمن الا فترة وجيزة جدّاً وكانت بضعة سنين في خلافة المأمون سرعان ما عاد بعدها الى حياة الاختفاء والتشرّد.
امتازت اشعاره بالرقة والجودة وطبعت بالحزن العميق وله رثائيات غاية في الشفافية تشكل مأساة الحسين فيها معلماً غالباً طبع جزءً عريضاً من اشعاره في هذا المضمار.
هاجم بمرارة خلفاء بني العباس وهجاهم بشعر تناقله الناس فقد هجى الرشيد والأمين وابراهيم (ابن شكلة) والمعتصم والواثق وقد قرر الأخير تصفيته بأي ثمن ، وتم اغتياله في مدينة « سوس » مدينة النبي دانيال القريبة من أهواز ، ورثاه الشاعر الكبير أبو تمام الطائي.
وفيات الاعيان ١/١٨٠ ، الاغاني ١٨/٦٠ ، ديوان دعبل.
١٢١. معجم الادباء ٤/١٩٤.
١٢٢. المناقب ٣/٤٥٠.
١٢٣. حياة الامام الرضا ٢/٣٢٦ ، الاغاني ١٨/٢٩ ، معجم الادباء ٤/١٩٤.
١٢٤. أعيان الشيعة ٣/١٩٢.
١٢٥. المصدر السابق.
١٢٦. القرية التي كفرت بسيدنا لوطعليهالسلام وأرادت طرده لأنه كان يمجّد طهر الانسان ونقاءه.
١٢٧. الانعام : الآية ٣٨.
١٢٨. المائدة : الآية ٦٧.
١٢٩. آل عمران : الآية ٦٧.
١٣٠. الروم : الآية ٥٦.
١٣١. البحار ٦٠/٢١٤ ح ٣٢.
١٣٢. المصدر السابق ح ٤٤.
١٣٣. المصدر السابق ح ٤٩.
١٣٤. مستدرك الوسائل ١٠/٣٦٨.
١٣٥. عيون أخبار الرضا ٢/١٧٣.
١٣٦. حياة الامام الرضا ٢/١٧٥.
١٣٧. المصدر السابق /٢٢٠.
١٣٨. جاء في اثبات الوصية /٢٢٠ : « واختلفت الكلمة من الناس ببغداد وفي الامصار ، واجتمع الريّان بن الصلت وصفوان بن يحيى ومحمد بن حكيم وعبد الرحمن بن الحجاج ويونس بن عبد الرحمن ، وجماعة من وجوه الشيعة وثقاتهم في دار عبد الرحمن بن الحجاج في « بركة زلول » يبكون ويتوجعون من المصيبة فقال لهم يونس بن عبد الرحمن : دعوا البكاء من لهذا الأمر؟ والى من يُقصد بالمسائل الى أن يكبر هذا الصبي؟ يعني أبا جعفر (الامام محمد الجواد) ».
١٣٩. موسى بن خزرج الأشعري.
١٤٠. بحار الانوار ٥٣/٢١٦.
١٤١. عليّة بنت المهدي أخت هارون الرشيد اشتهرت بالغناء وتأليف الالحان ، وكانت على علاقة غرامية مع أحد خدم الرشيد ، ولم تمتنع حتى بعد تهديدات أخيها توفيت سنة ٢١٠ هـ عن خمسين سنة.
أعلام النساء ٣/٣٣٥
١٤٢. عوالم العلوم ١/٣٥٤.
١٤٣. البحار ٦٠/٢١٤ ح ٣٢.
١٤٤. تاريخ قم /٢١٣.
١٤٥. قيام سادات علوي (بالفارسية) /١٦٨.
١٤٦. حياة الامام الرضا ١/٢٨.
١٤٧. المصدر السابق ١/١٣٦.
١٤٨. سيرة الائمة الاثني عشر ٢/٣٥٩.
١٤٩. بحار الأنوار ١٢/٢٩.
١٥٠. حياة الامام الرضا ٢/٦٢.
١٥١. المصدر السابق ٢/٦٤.
١٥٢. المناقب ٤/٣٦١.
١٥٣. البحار ١٢/٢٨.
١٥٤. المصدر السابق ١٢/١٨.
١٥٥. البحار ١٢/٢٨.
١٥٦. الاتحاف بحب الاشراف /٥٨.
١٥٧. مفاتيح الجنان / دعاء الافتتاح / وكانت الزلازل قد ضربت خراسان سنة ٨١٨ م.
١٥٨. حياة الامام الرضا ٢/١٧٥.
١٥٩. الذي خان المسيح قبل صياح الديكة.
١٦٠. مهج الدعوات /٤٤.
١٦١. حياة الامام الرضا ١/٤٨.
١٦٢. الغمر = الحقد.
١٦٣. عيون أخبار الرضا ٢/١٧٥.
١٦٤. بعث أهل بغداد وفداً الى « مرو » ، وقد حدثت مشادّة بين رئيس الوفد « نعيم » والفضل بن سهل وجاء في طرف من اللقاء : قول نعيم للفضل : « انك انما تريد أن تزيل الملك عن بني العباس الى ابناء علي ثم تحتال عليهم فتجعل الملك
كسروياً ، ولولا أنك أردت ذلك لما عدلت عن لباس علي وولده وهو البياض الى الخضرة وهي لباس كسرى والمجوس »
والتفت الى المأمون قائلاً : « الله الله يا أمير المؤمنين لا يخدعنك عن دينك وملكك ».
الجهشياري /٣١٣ ، موسوعة أحداث التاريخ الاسلامي ١/١٦١
١٦٥. الحياة السياسية للامام الرضا /٣٩١ ، حياة الامام الرضا ٢/٣٦٩ ، تاريخ إبن خلدون ٣/٢٤٩.
١٦٦. الحياة السياسية للامام الرضا / ٣٩١ ، حياة الامام الرضا ٢/٣٦٩.
١٦٧. سيرة الأئمة الأثني عشر ٢/٤٢٢.
١٦٨. تاريخ ابن خلدون ٣/٢٤٩.
١٦٩. عيون أخبار الرضا ٢/١٦٤.
١٧٠. الطبري ٨/٥٦٦ وقد أعرس المأمون ببوران سنة ٢١٠ هـ حيث أقام حفلات غاية في البذخ وتزامن ذلك مع ثورة أهل قم وقمعها بقسوة وتدمير سور المدينة وكان بواعث الثورة بسبب ثقل ضريبة الخراج وكانت النتيجة أن ضوعف الضريبة ثلاث مرّات ونصف!!
أحداث التاريخ الأسلامي ٢/١٢٠٦.
١٧١. حياة الامام الرضا ٢/١٣٠.
١٧٢. البحار ٦٠/٢١٦ ، مستدرك الوسائل ١٠/٣٦٨.
١٧٣. الجمعة الحرام سنة ٢٠٣ ويصادف ٩ تموز سنة ٨١٨ م.
١٧٤. إثبات الوصيّة /٢١٥.
١٧٥. حياة الامام الرضا ٢/٣٤١.
١٧٦. إثبات الوصيّة /٢١٥.
١٧٧. اسحاق بن إبراهيم بن بهمن الموصلي من اشهر ندماء الخلفاء ؛ نادم الرشيد
والمأمون والمعتصم والواثق واشتهر بالغناء والموسيقى ، وجمع ثروة هائلة من وراء ذلك ، قال عنه الاصمعي بعد حادثة طريفة في بلاط الرشيد : ان إسحاق أحذق بصيد الدراهم مني.
غنى ذات اليوم للبرامكة فمنحوه ثلاثة ملايين درهم!
قال المأمون عنه : كان لا يغني أبداً الا وتذهب وساوسي المتزايدة!
الأعلام ١/٢٨٣ ، الاغاني ٥/٢٦٨ـ٤٣٥ ، طبقات الشعراء ٢٦٠ ، تاريخ بغداد ٦/١٧٥ ، الفهرست ٢٠١.
١٧٨. المستطرف من كل فن مستظرف ٢/٣٠٦.
١٧٩. التحف والهدايا /١٠٩.
١٨٠. اثبات الوصية /٢١٥.
١٨١. سيرة الأئمة الاثني عشر ٢/ ٤٢١.
١٨٢. مقاتل الطالبييّن /٥٦٦.
١٨٣. عيون التواريخ ٣/٢٢٧.
١٨٤. عيون أخبار الرضا ٢/٢٤٧ ، نور الابصار /١٤٥.
١٨٥. وقعت الحادثة في خريف سنة ٨١٨ م.
١٨٦. آل عمران : الآية ١٥٤.
١٨٧. أعيان الشيعة ٢/٧٢.
١٨٨. الأحزاب : الآية ٣٨.
١٨٩. اثبات الوصية /٢١٦.
١٩٠. عيون أخبار الرضا ٢/٢٤١.
١٩١. مقاتل الطالبييّن /٥٦٧ ، كشف الغمة ٣/٧٢.
١٩٢. المصدر السابق.
١٩٣. المصدر السابق.
١٩٤. تاريخ اليعقوبي.
١٩٥. حياة الامام الرضا ٢/٣٧٦.
١٩٦. عيون أخبار الرضا ٢/٢٤٧.
١٩٧. المصدر السابق ٢/٢٤٩.
١٩٨. أحداث التاريخ الاسلامي ٢/١١٦٤.
١٩٩. الحياة السياسية للامام الرضا /٤١٨.
٢٠٠. أحداث التاريخ الاسلامي ٢/١١٦٨.
٢٠١. عاد المأمون الى ارتداء الزي الاسود مرّة أخرى بعد ثمانية ايام فقط من دخول بغداد.
أحداث التاريخ الاسلامي ٢/١١٧١
٢٠٢. موسوعة احداث التاريخ الاسلامي ٢/١١٧١.
٢٠٣. تمثال يتربع فوق القبة الخضراء في قصر الذهب الذي بناه المنصور أثناء تأسيس مدينة بغداد سنة ١٤٥ هـ.
وظلّ التمثال حتى سنة ٣٢٩ هـ حيث سقط وانهارت القبة في عاصفة مطرية.
تاريخ بغداد ١/١٤ـ٢٠ ، آثار البلاد /٣١٤
٢٠٤. كولاك « فارسية » : عاصفة ثلجية.
٢٠٥. كريمة أهل البيت باللغة الفارسية /٢٧٣.
وثائق
تلقي الضوء على
ما ورد في الرواية من أحداث :
ملحق رقم ١ : النص الكامل لوثيقة ولاية العهد.
ملحق رقم ٢ : نص الرسالة الجوابية التي بعثها المأمون الى بغداد إبّان الأزمة بسبب ولاية العهد ، ونفوذ ذي الرئاستين.
ملحق رقم ٣ : نص الرسالة الجوابية التي ارسلها عبد الله بن موسى الكاظم من مخبأه الى الخليفة المأمون وكان الأخير قد عرض عليه ولاية العهد.
ملحق رقم ٤ : قصيدة الشاعر دعبل الخزاعي التي القيت في مرو.
ملحق رقم ٥ : نص كتاب « الحباء والشرط » الذي زوّر باسم الامام الرضاعليهالسلام .
ملحق رقم ٦ : نص الرسالة الذهبية في الطب والصحّة العامة.
الملحق رقم ١
النص الكامل لوثيقة ولاية العهد
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا كتاب كتبه عبد الله بن هارون الرشيد ، أمير المؤمنين ، لعلي بن موسى بن جعفر ، ولي عهده..
أما بعد :
فإن الله عزّ وجل اصطفى دينا ، واصطفى من عباده رسلا دالّين عليه ، وهادين إليه ، يبشر أولهم بآخرهم ، ويصدّق تاليهم ماضيهم ، حتى انتهت نبوة الله إلى محمدصلىاللهعليهوآله ، على فترة من الرسل ، ودروس من العلم ، وانقطاع من الوحي ، واقتراب من الساعة ، فختم الله به النبيين ، وجعله شاهداً لهم ، ومهيمناً عليهم.
وأنزل عليه كتابه العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ، ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد ، بما أحلّ وحرّم ، ووعد وأوعد ،
وحذّر وأنذر ، وأمر به ، ونهى عنه ؛ لتكون له الحجة البالغة على خلقه ؛ ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيا من حيَّ عن بيّنة ، وإن الله لسميع عليم..
فبلّغ عن الله رسالته ، ودعا إلى سبيله بما أمره به : من الحكمة ، والموعظة الحسنة ، والمجادلة بالتي هي أحسن ، ثم بالجهاد والغلظة ، حتى قبضه الله إليه ، واختار ما عندهصلىاللهعليهوآله ؛ فلما انقضت النبوة ، وختم الله بمحمدصلىاللهعليهوآله ، الوحي والرساله ، جعل قوام الدين ، ونظام أمر المسلمين بالخلافة ، وأتمامها وعزها ، والقيام بحق الله فيها بالطاعة ، التي يقام بها فرائض الله تعالى وحدوده ، وشرائع الاسلام وسننه ، ويجاهد بها عدوه..
فعلى خلفاء الله طاعته فيما استحفظهم واسترعاهم من دينه وعباده ، وعلى المسلمين طاعة خلفائهم ، ومعاونتهم على إقامة حق الله وعدله ، وأمن السبيل ، وحقن الدماء ، وصلاح ذات البين ، وجمع الألفة. وفي خلاف ذلك اضطراب حبل المسلمين ، واختلالهم ، واختلاف ملتهم ، وقهر دينهم ، واستعلاء عدوهم ، وتفرّق الكلمة ، وخسران الدنيا والآخرة.
فحق على من استخلفه الله في أرضه ، وائتمنه على خلقه ، أن يجهد الله نفسه ، ويؤثر ما فيه رضا الله وطاعته ، ويعتد لما الله موافقه عليه ، ومسائله عنه. ويحكم بالحق ، ويعمل بالعدل فيما أحله الله وقلّده ؛ فإنّ الله عز وجل يقول لنبيه داود : «يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ، ولا تتبع الهوى ، فيضلك عن سبيل الله ، إن
الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب ». وقال الله عز وجل : «فو ربّك لنسألهم أجمعين بما كانوا يعملون » ، وبلغنا أن عمر بن الخطاب قال : « لو ضاعت سخلة بشاطئ الفرات ، لتخوّفت أن يسألني الله عنها ».
وأيم الله ، إنّ المسؤول عن خاصة نفسه ، الموقوف على عمله فيما بينه وبين الله ، ليعرض على أمر كبير ، وعلى خطر عظيم ، فكيف بالمسؤول عن رعاية الامة؟ وبالله الثقة ، وإليه المفزع والرغبة في التوفيق والعصمة ، والتسديد والهداية إلى ما فيه ثبوت الحجة ، والفوز من الله بالرضوان والرحمة
وأنظر الامة لنفسه ، وأنصحهم لله في دينه وعباده ، من خلائقه في أرضه ، من عمل بطاعة الله وكتابه ، وسنة نبيهصلىاللهعليهوآله في مدة أيامه ، وبعدها ، وأجهد رأيه فيمن يوليه عهده ، ويختاره لامامة المسلمين ورعايتهم بعده وينصبه علماً لهم ، ومفزعاً في جمع الفتهم ، ولمِّ شعثهم ، وحقن دمائهم ، والأمن بإذن الله من فرقتهم ، وفساد ذات بينهم واختلافهم ، ورفع نزغ الشيطان وكيده عنهم ، فإن الله عز وجل جعل العهد بعد الخلافة من تمام الاسلام وكماله ، وعِزّه ، وصلاح أهله ، وألهم خلفاءه من توكيده لم يختارونه له من بعدهم ما عظمت به النعمة ، وشملت فيه العافية ، ونقض الله بذلك مكر أهل الشقاق والعداوة ، والسعي والفرقة ، والتربص للفتنة.
ولم يزل أمير المؤمنين منذ أفضت إليه الخلافة ، فاختبر بشاعة
مذاقها ، وثقل محملها ، وشدة مؤونتها ، وما يجب على من تقلّدها من ارتباطه طاعة الله ، ومراقبته فيما حمله منها ، فأنصب بدنه ، وأسهر عينه ، وأطال فكره فيما فيه عِزّ الدين ، وقمع المشركين ، وصلاح الامة ، ونشر العدل ، وإقامة الكتاب والسنة. ومنعه ذلك من الخفض والدعة ، ومهنأ العيش ، علماً بما الله سائله عنه ، ومحبة أن يلقى الله مناصحاً في دينه ، وعباده ، ومختاراً لولاية عهده ، ورعاية الامة من بعده : أفضل من يقدر عليه : في دينه وورعه ، وعلمه ، وأرجاهم للقيام في أمر الله وحقه ، مناجياً بالاستخارة في ذلك ، ومسألته إلهامه ما فيه رضاه وطاعته ، في آناء ليله ونهاره. مُعملاً في طلبه والتماسه في أهل بيته : من ولد عبد الله بن العباس ، وعلي بن أبي طالب فكره ، ونظره. مقتصراً ممن عالم حاله ومذهبه منهم على علمه ، وبالغاً في المسألة عمّن خفي عليه أمره جهده وطاقته حتى استقصى أمورهم معرفة ، وابتلى أخبارهم مشاهدة ، واستبرأ أحوالهم معاينة ، وكشف ما عندهم مساءلة ، فكان خيرته بعد استخارته الله ، وإجهاده نفسه في قضاء حقه في عباده وبلاده ، في البيتين جميعاً :
علـي بـن موسـى ، بن جعفـر ، بن محمـد
ابن علي ، بن الحسين ، بن علي ، بن أبي طالب
لما رأى من فضله البارع ، وعلمه النافع ، وورعه الظاهر ، وزهده ا لخالص ، وتخلّيه من الدنيا ، وتسلّمه من الناس
وقد استبان له مالم تزل الأخبار عليه متواطئة ، والألسن عليه
متّفقة ، والكلمة فيه جامعة ، ولما لم يزل يعرفه به من الفضل : يافعاً ، وناشئاً ، وحدثاً ، وكهلاً ، فعقد له بالعقد والخلافة من بعده واثقاً بخيرة الله في ذلك ، إذ علم الله أنه فعله إيثاراً له ، وللدين ، ونظراً للاسلام والمسلمين ، وطلباً للسلامة ، وثبات الحجة ، والنجاة في اليوم الذي يقوم الناس فيه لرب العالمين.
ودعا أمير المؤمنين ولده ، وأهل بيته ، وخاصته وقواده ، وخدمه فبايعوا مسارعين مسرورين ، عالمين بإيثار أمير المؤمنين طاعة الله على الهوى في ولده وغيرهم ، ممن هو أشبك منه رحماً ، وأقرب قرابة.
وسماه « الرضا » ؛ إذا كان رضا عند أمير المؤمنين.
فبايعوا معشر أهل بيت أمير المؤمنين ، ومن بالمدينة المحروسة ، من قواده وجنده ، وعامة المسلمين ، لأمير المؤمنين ، وللرضا من بعده علي بن موسى على اسمه وبركته ، وحسن قضائه لدينه وعباده ، بيعة مبسوطة إليها أيديكم ، ومنشرحة لها صدروكم ، عالمين بما أراد أمير المؤمنين بها ، وآثر طاعة الله ، ونظر لنفسه ولكم فيها ، شاكرين الله على ما ألهم أمير المؤمنين بها : من قضاء حقه في رعايتكم ، وحرصه على رشدكم وصلاحكم ، راجين عائدة ذلك في جمع ألفتكم ، وحقن دمائكم ، ولم شعثكم ، وسد ثغوركم ، وقودة دينكم ، ورغم عدوكم ، واستقامة أموركم.
وسارعوا إلى طاعة الله ، وطاعة أمير المؤمنين ، فإنه الأمن إن
سارعتم إليه ، وحمدتهم الله عليه ، عرفتم الحظ فيه إن شاء الله.
وكتب بيده يوم الاثنين ، لسبع خلون |
وتقدم إلى علي بن موسى ، وقال له : اكتب |
|
من شهر رمضان ، سنة إحدى |
خطك بقبول هذا العهد ، وأشهد الله ، |
|
ومائتين.. |
والحاضرين عليك بما تعده في حق الله ، |
|
ورعاية المسلمين. |
||
نص ما ورده على ظهر العهد ، بخط الامام |
||
علي بن موسى الرضاعليهماالسلام . |
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الفعّال لما يشاء ، ولا معقب لحكمه ، ولا رادَّ لقضائه ، يعلم خائنة الأعين ، وما تخفي الصدور. وصلاته على نبيه محمد ، خاتم النبيين ، وآله الطيبين الطاهرين
أقول ـ وأنا علي بن موسى بن جعفر ـ : إنّ أمير المؤمنين عضده الله بالسداد ، ووفقه للرشاد ، عرف من حقنا ما جهله غيره ؛ فوصل أرحاماً قطعت ، وأمن أنفساً فزعت ، بل أحياها وقد تلفت ، وأغناها إذ افتقرت ، مبتغياً رضا رب العالمين ، لا يريد جزاءً من غيره ، وسيجزي الله الشاكرين ، ولا يضيع أجر المحسنين
وإنه جعل إليَّ عهده ، والامرة الكبرى ـ إن بقيت ـ بعده ، فمن حلّ عقدةً أمر الله بشدّها ، وفصم عروةً أحب الله إيثاقها ، فقد أباح الله حريمه ، وأحل محرمه ، إذ كان بذلك زارياً على الإمام ، منتهكاً حرمة الاسلام. بذلك جرى السالف ، فصبر منه على الفلتات ، ولم يعترض على العزمات ، خوفاً من شتات الدين ، واضطراب حبل المسلمين ،
ولقرب أمر الجاهلية ، ورصد فرصة تنتهز ، وبايقةٍ تبتدر
وقد جعلت الله على نفسي ، إن استرعاني أمر المسلمين ، وقلدني خلافته : العمل فيهم عامة ، وفي بني العباس بن عبد المطلب خاصة بطاعته. وطاعة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وألّا أسفك دماً حراماً ، ولا أبيح فرجاً ، ولا مالاً ، الا ما سفكته حدود الله ، وأباحته فرائضه. وأن أتخير الكفاة جهدي وطاقتي. وجعلت بذلك على نفسي عهداً مؤكداً ، يسألني الله عنه ؛ فإنه عز وجل يقول :( أوفوا بالعهد إنّ العهد كان مسؤولاً ) .
وإن أحدثت ، أو غيّرت ، أو بدلت ، كنت للغير مستحقاً ، وللنكال متعرضاً. وأعوذ بالله من سخطه ، وإليه أرغب في التوفيق لطاعته ، والحول بيني وبين معصيته ، في عافيةٍ لي وللمسلمين
والجامعة والجفر ١ يدلان على ضد ذلك ، وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ، إن الحكم الا لله ، يقضي بالحق ، وهو خير الفاصلين
لكني امتثلت أمر أمير المؤمنين ، وآثرت رضاه ، والله يعصمني واياه ، وأشهدت الله على نفسي بذلك ، وكفى بالله شهيداً
وكتبت بخطي ، بحضرة أمير المؤمنين ، أطال
الله بقاءه ، والفضل بن سهل ، وسهل بن الفضل ،
ويحيى بن أكثم ، وعبد الله بن طاهر ، وثمامة بن
أشرس ، وبشر بن المعتمر ، وحماد بن نعمان ،
في شهر رمضان ، سنة إحدى وماءتين..
__________________
١. كتابان توارثهما ائمة أهل البيت عن علي بن أبي طالبعليهالسلام .
الشهود على الجانب الأيمن : الشهود على الجانب الأيسر :
شهد يحيى بن أكثم على مضمون هذا |
رسم أمير المؤمنين ، أطال الله بقاءه ، |
|
المكتوب ، ظهره ، وبطنه. وهو يسأل الله : أن |
قراءة هذا الصحيفة ، التي هي صحيفة |
|
يعرف أمير المؤمنين ، وكافة المسلمين |
الميثاق. نرجو أن نجوز بها الصراط ، ظهرها |
|
ببركة هذا العهد ، والميثاق. وكتب بخطه في |
وبطنها ، بحرم سيدنا رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، بين |
|
تاريخ المبيّن فيه .. |
الروضة والمنبر ، على رؤوس الأشهاد ، |
|
عبد الله بن طاهر بن الحسين : أثبت |
بمرأى ومسمع من وجوه بني هاشم ، وسائر |
|
شهادته فيه بتاريخه. الأولياء |
والأجناد ، بعد استيفاء شروط |
|
شهد حماد بن النعمان : بمضمونه ظهره |
البيعة عليهم ، بما أوجب أمير المؤمنين |
|
وبطنه ، وكتب بيده في تاريخه. |
الحجة على جميع المسلمين ، ولتبطل |
|
بشر بن المعتمر يشهد بمثل ذلك. |
الشبهة التي كانت أعترضت آراء الجاهلين: |
|
« وما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم |
||
عليه » .. |
||
وكتب الفضل بن سهل بأمر أمير |
||
المؤمنين بالتاريخ فيه ١ . |
المصادر : صبح الاعشى ٩/٣٦٢ ، مآثر الانافة ٢/٣٢٥ ، البحار ٤٩/١٠٧ ، الفصول المهمة /٢٩٣ ، مسند الامام الرضا ١/١٠٢.
__________________
١. وفي هامش نسخة مصححة : « قال العبد الفقير إلى الله يحيى عفى الله عنه : قابليت المكتوب الذي كتبه تعالى ، الفضل بن الامام علي بن موسى الرضا صلوات الله عليه ، وعلى آبائه الطاهرين بأصله الذي كتبه الامام المذكورعليهالسلام بيده الشريفة ، حرفاً فحرفاً. وألحقت ما فات منه ، وذكرت أنه من خطه. وذلك يوم الثلاثاء ، مستهل المحرم ، من سنة تسع وتسعين وست مأة الهلالية بواسط ، والحمد الله ، وله المنة ».
الملحق رقم ٢
نص الرسالة الجوابية التي
بعث بها المأمون الى بغداد إبّان الأزمة :
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على محمد وآل محمد ، على رغم أنف الراغمين
أما بعد :
عرف المأمون كتابكم ، وتدبير أمركم ، ومخض زبدتكم ، وأشرف على قلوب صغيركم وكبيركم ، وعرفكم مقبلين ومدبرين ، وما آله إليه كتابكم قبل كتابكم ، في مراوضة الباطل ، وصرف وجوه الحق عن مواضعها ، ونبذكم كتاب الله والآثار ، وكلما جاءكم به الصادق محمدعليهالسلام ، حتى كأنكم من الامم السالفة ، التي هلكت بالخسفة ، والغرق ، والريح ، والصيحة ، والصواعق ، والرجم
أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها؟ والذي هو أقرب إلى المأمون من حبل الوريد ، لولا أن يقول قائل : إن المأمون ترك الجواب عجزاً لما أجبتكم ؛ من سوء أخلاقكم ، وقلة أخطاركم ، وركاكة عقولكم ، ومن سخافة ما تأوون إليه من آرائكم ؛ فليستمع مستمع ، فليبلغ شاهد غائباً
أما بعد :
فإن الله تعالى بعث محمداً على فترة من الرسل ، وقريش في أنفسها ، وأموالها ، لا يرون أحداً يساميهم ، ولا يباريهم ، فكان نبيناصلىاللهعليهوآله أميناً من أوسطهم بيتاً ، وأقلهم مالاً ؛ فكان أول من آمن به خديجة بنت خويلد ؛ فواسته بمالها. ثم آمن به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ؛ سبع سنين ، لم يشرك بالله شيئاً طرفة عين ، ولم يعبد وثناً ، ولم يأكل رباً ، ولم يشاكل الجاهلية في جهالاتهم ، وكانت عمومة رسول الله إما مسلم مهين ، أو كافر معاند ، الا حمزة ؛ فإنه لم يمتنع من الاسلام ، ولا يمتنع الاسلام منه ، فمضى لسبيله على بيّنةٍ من ربه
وأما أبو طالب : فإنه كفله ورباه ، ولم يزل مدافعاً عنه ، ومانعاً منه ؛ فلما قبض الله أبا طالب ، فهمَّ القوم ، وأجمعوا عليه ليقتلوه ؛ فهاجر إلى القوم الذين تبوّؤا الدار والإيمان من قبلهم ، يحبون من هاجر إليهم ، ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ، ويؤثرون على أنفسهم ، ولو كان بهم خصاصة ، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون
فلم يقع مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله أحد من المهاجرين كقيام علي بن
أبي طالبعليهالسلام : فإنه آزره ووقاه بنفسه ، ونام في مضجعه. ثم لم يزل بعد مستمسكاً بأطراف الثغور ، وينازل الأبطال ، ولا ينكل عن قرنٍ ، ولا يولي عن جيشٍ ، منيع القلب ، يؤمر على الجميع ، ولا يؤمر عليه أحد. أشد الناس وطأة على المشركين ، وأعظمهم جهاداً في الله ، وأفقههم في دين الله ، وأقرأهم لكتاب الله ، وأعرفهم بالحلال والحرام.
وهو صاحب الولاية في حديث « غدير خم » ، وصاحب قوله : « أنت مني بمنزلة هارون من موسى ، الا أنه لا نبي بعدي » ، وصاحب يوم الطائف. وكان أحب الخلق إلى الله تعالى ، وإلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وصاحب الباب ، فتح له ، وسد أبواب المسجد. وهو صاحب الراية يوم خيبر. وصاحب عمرو بن عبدود في المبارزة. وأخو رسول اللهصلىاللهعليهوآله حين آخى بين المسلمين
وهو منيع جزيل. وهو صاحب آية : «ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ، ويتيماً ، وأسيراً ». وهو زوج فاطمة سيدة نساء العالمين ، وسيدة نساء أهل الجنة ، وهو ختن خديجةعليهاالسلام . وهو ابن عم رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، رباه وكفاه. وهو إبن أبي طالب في نصرته وجهاده. وهو نفس رسول اللهصلىاللهعليهوآله في يوم المباهلة.
وهو الذي لم يكن أبو بكر وعمر ينفذان أمراً حتى يسألانه عنه ؛ فما رأى إنفاذه أنفذاه ، ومالم يره رداه. وهو دخل من بني هشام في الشورى ، ولعمري لو قدر أصحابه على دفعه عنهعليهالسلام ، كم دُفِعَ العباس رضوان الله عليه ، ووجدوا إلى ذلك سبيلاً لدفعوه.
فأما تقديمكم العباس١ عليه ؛ فإن الله تعالى يقول : « أجعلتم سقاية الحاج ، وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر ، وجاهد في سبيل الله ، لا يستوون عند الله ».
والله ، لو كان ما في أمير المؤمنين من المناقب والفضائل ، والآي المفسرة في القرآن خلة واحدة في رجل من رجالكم ، أو غيره ، لكان مستأهلاً متأهلاً للخلافة ، مقدماً على أصحاب رسول الله بتلك الخلة.
ثم لم يزل الامور تتراقى به إلى أن ولى أُمور المسلمين ، فلم يعن بأحدٍ من بني هاشم الا بعبد الله بن عباس ، تعظيماً لحقه ، ووصلةً لرحمه ، وثقة به ، فكان من أمره الذي يغفر الله له
ثم نحن وهم يد واحدة ـ كما زعمتم ـ حتى قضى الله تعالى بالأمر إلينا ، فأخفناهم ، وضيقناعليهم ،وقتلناهم أكثر من قتل بني أُمية إياهم ويحكم ، إن بني أُمية إنما قتلوا من سلّ منهم سيفاً ، وإنا معشر بني العباس قتلناهم جملاً ، فلتسألن أعظم الهاشمية بأي ذنب قتلت ، ولتسألن نفوس أُلقيت في دجلة والفرات ، ونفوس دفنت ببغداد والكوفة أحياء ، هيهات ، إنه من يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره٢
__________________
١. أحدث إعلان المأمون افضلية علي على العباس ضجة كبرى في أوساط البيت العباسي!.
٢. وتكشف هذه السطور محنة أهل البيت في ظل الحكم العباسي الغاشم.
وأما ما وصفتم في أمر المخلوع١ ، وما كان فيه من لبس ؛ فلعمري ما لبَّس عليه أحد غيركم ؛ إذ هونتم عليه النكث ، وزينتم له الغدر ، وقلتم له : ما عسى أن يكون من أمر أخيك ، وهو رجل مغرب ، ومعك الأموال والرجال ، نبعث إليه ، فيؤتي به ؛ فكذبتم ، ودبرتم ، ونسيم قول الله تعالى : «ومن بغى عليه لينصرنّه الله ».
وأما ما ذكرتم : من استبصار المأمون في البيعة لأبى الحسن الرضاعليهالسلام ؛ فما بايع له المأمون الا مستبصراً في أمره ، عالماً بأنه لم يبق أحد على ظهرها أبين فضلاً ، ولا أظهر عفة ، ولا ورع ورعاً ، ولا أزهد زهداً في الدنيا ، ولا أطلق نفساً ، ولا أرضى في الخاصة والعامة ، ولا أشد في ذلك الله منه. وإن البيعة له لموافقه رضا الرب عز وجل. ولقد جهدت وما أجد في الله لومة لائم
ولعمري ، لو كانت بيعتي بيعة محاباة ، لكان العباس ابني ، وسائر ولدي أحب إلى قلبي ، وأجلى في عيني ، ولكن أردت أمراً ، وأراد الله أمراً ؛ فلم يسبق أمري أمر الله
وأما ما ذكرتم : مما مسكم من الجفاء في ولايتي ، فلعمري ما كان ذلك الا منكم بمظافرتكم ، عليه ، على(المخلوع) ، ومما يلتكم إياه ، فلما قتلته تفرقتم عباديد ، فطوراً أتباعاً لابن أبي خالد ، وطوراً أتباعاً لأعرابي ، وطوراً أتباعاً لابن شكلة٢ ، ثم لكل من سل سيفاً علي. ولولا
__________________
١. الخليفة الأمين.
٢. إبراهيم بن المهدي المغني والخليفة في بغداد أثناء الازمة وهو عم المأمون.
أن شيمتي العفو ، وطبيعتي التجاوز ما تركت على وجهها منكم أحداً ، فكلكم حلال الدم ، محل بنفسه
وأما ما سألتم : من البيعة للعباس ابني اتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟! ويلكم ، إن العباس غلام حدث السن ، ولم يؤنس رشده ، ولم يمهل وحده ، ولم تحكمه التجارب. تدبره النساء ، وتكفله الاماء ، ثم لم يتفقه في الدين ، ولم يعرف حلالاً من حرام ، الا معرفة لا تأتي به رعية ، ولا تقوم به الحجة ، ولو كان مستأهلاً ، قد أحكمته التجارب ، وتفقه في الدين ، وبلغ مبلغ أمير العدل في الزهد في الدنيا ، وصرف النفس عنها ما كان له عندي في الخلافة ، الا ما كان لرجل من عك وحمير ، فلا تكثروا من هذا المقال ، فإن لساني لم يزل مخزوناً عن أُمورٍ وأنباء ، كراهية أن تخنث النفوس عندما تنكشف ، علماً بأن الله بالغ أمره ، ومظهر قضاءه يوما
فإذ أبيتم الا كشف الغطاء ، وقشر العظاء ، فالرشيد أخبرني عن آبائه ، وعما وجده في كتاب الدولة ، وغيرها : أن السابع من ولد العباس ، لا تقوم لبني العباس بعده قائمة ، ولا تزال النعمة متعلقة عليهم حياته ، فإذا أودعت فودِّعها ، فإذا أودع فودعاها ، وإذا فقدتم شخصي ، فاطلبوا لأنفسكم معقلاً ، وهيهات ، ما لكم الا السيف ، يأتيكم الحسني الثائر البائر ، فيحصدكم حصداً ، أو السفياني المرغَّم ، والقائم المهدي لا يحقن دماءكم الا بحقها
وأما ما كنت أردته من البيعة لعلي بن موسى ، بعد استحقاق منه
لها في نفسه ، واختيار مني له ، فما كان ذلك مني الا أن أكون الحاقن لدمائكم ، والذائد عنكم ، باستدامة المودة بيننا وبينهم. وهي الطريق اسلكها في إكرام آل أبي طالب ، ومواساتهم في الفيء بيسير ما يصيبهم منه١ .
وإن تزعموا : أني أردت أن يؤول إليهم عاقبة ومنفعة ، فإني في تدبيركم ، والنظر لكم ولعقبكم ، وابناكم من بعدكم وأنتم ساهون ، لاهون ، تائهون ، في غمرةٍ تعمهون ، لا تعلمون ما يراد بكم ، وما أظللتم عليه من النقمة ، وابتزاز النعمة.
همة أحدكم أن يمسي مركوباً ، ويصبح مخموراً تباهون بالمعاصي ، وتبتجهون بها ، وآلهتكم البرابط ، مخنثون ، مؤنثون لا يتفكر متفكر منكم في إصلاح معيشة ، ولا استدامة نعمة ، ولا اصطناع مكرمة ، ولا كسب حسنة يمد بها عنقه ، يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من أتى الله بقلب سليم
أضعتم الصلاة ، وأتبعتم الشهوات ، واكببتم على اللذات ، فسوف تلقون غياً ، وأيم الله ، لربما أُفكر في أمركم ، فلا أجد أُمة من الامم استحقوا العذاب ، حتى نزل بهم لخلة من الخلال ، الا أُصيب تلك الخلة بعينها فيكم ، مع خلال كثيرة ، لم أكن أظن أن إبليس اهتدى إليها ، ولا أمر بالعمل بها. وقد أخبر الله تعالى في كتابه العزيز عن قوم صالح : إنه كان
__________________
١. تكشف هذه الفقرة الأهداف الحقيقية للمأمون من وراء مسألة ولاية العهد وحجم الخطر العلوي الذي رأى معالجته بهذه الطريقة.
فيهم تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون ، فأيكم ليس معه تسعة وتسعون من المفسدين في الأرض ، وقد اتخذتموهم شعاراً ، ودثاراً ، استخفافاً بالمعاد ، وقلة يقين بالحساب. وأيكم له رأي يتبع ، أوروية تنفع ، فشاهت الوجوه ، وعفرت الخدود.
وأما ما ذكرتم : من العثرة كانت في أبي الحسنعليهالسلام نور الله وجهه ، فلعمري. إنها عندي للنهضة والاستقلال ، الذي أرجو به قطع الصراط ، والأمن والنجاة من الخوف يوم الفزع الاكبر. ولا أظن عملاً وهو عندي أفضل من ذلك ، الا أن أعد بمثلها إلى مثله ، وأين لي بذلك ، وأنى لكم بتلك السعادة
وأما قولكم : إني سفهت آراء آبائكم ، وأحلام أسلافكم ، فكذلك قال مشركوا قريش : « إنا وجدنا آباءنا على أُمة ، وإنا على آثارهم مقتدون ». ويلكم ، إن الدين لا يؤخذ الا من الأنبياء ، فافقهوا ، وما أراكم تعقلون
وأما تعبيركم إياي : بسياسة المجوس إياكم ، فما أذهبكم عن الانفة من ذلك ، ولو ساستكم القردة والخنازير ، وما أردتم الا أمير المؤمنين ولعمري ، لقد كانوا مجوساً فأسلموا ، كآبائنا ، وأُمهاتنا في القديم ، فهم المجوس الذين أسلموا وأنتم المسلمون الذين ارتدوا ، فمجوسي أسلم خير من مسلم ارتد ، فهم يتناهون عن المنكر ، ويأمرون بالمعروف ، ويتقربون من الخير ، ويتباعدون من الشر ، ويذبّون عن حرم المسلمين ، يتباهجون بما نال الشرك وأهله من المنكر ، ويتباشرون بما
نال الاسلام وأهله من الخير منهم من قضى نحبه ، ومنهم من ينتظر ، وما بدلوا تبديلاً.
وليس منكم الا لاعب بنفسه ، مأفون في عقله وتدبيره : إما مغن ، أو ضارب دف ، أو زامر. والله ، لو أن بي أُمية الذين قتلتموهم بالأمس نشروا ، فقيل لهم : لا تأنفوا من معائب تنالوهم بها ، لما زادوا على ما صبرتموه لكم شعاراً ودثاراً ، وصناعة وأخلاقاً
ليس منكم الا من إذا مسه الشر جزع ، وإذا مسه الخير منع ، ولا تأنفون ، ولا ترجعون الا خشية ، وكيف يأنف من يبيت مركوباً ١ ، ويصبح باثمه معجباً ، كأنه قد اكتسب حمداً ، غايته بطنه وفرجه ، لا يبالي أن ينال شهوته بقتل ألف نبي مرسل ، أو ملك مقرب. أحب الناس إليه من زيّن له معصية ، أو أعانه في فاحشة ، تنظفه المخمورة ، وتربده المطمورة ، فشتت الأحوال فإن ارتدعتم مما أنتم فيه من السيئات والفضائح ، وما تهذرون به من عذاب ألسنتكم والا فدونكم تعلموا بالحديد ولا قوة الا بالله ، وعليه توكلي ، وهو حسبي ».
المصادر : البحار ٤٩/٢٠٨ ، قاموس الرجال ١٠/٣٥٦ ، ينابيع المودّة /٤٨٤ ، الغدير ١/٢١٢ ، عبقات الانوار ١/١٤٧.
__________________
١. تكشف هذه الفقرات وفقرات سابقة مستوى انحطاط العباسيين الاخلاقي.
الملحق رقم ٣
نص الرسالة الجوابية التي بعث بها عبد الله بن
موسى بن جعفر الصادق من محلّ اختفائه الى
المأمون ؛ وكان الأخير قد عرض عليه ولاية العهد!
بسم الله الرحمن الرحيم
« وصل كتابك ، وفهمته ، تختلني فيه عن نفسي ختل القانص ، وتحتال على حيلة المغتال ، القاصد لسفك دمي
وعجبت مني بذلك العهد ، وولايته لي بعدك ؛ كأنك تظن أنه لم يبلغني ما فعلته بالرضا!! ففي أي شيء ظننت أني أرغب من ذلك؟!. أفي الملك الذي قد غرتك نضرته وحلاوته؟!. فوالله ، لأن أقذف ـ وأنا حي ـ في نار تتأجج أحب إليَّ من أن ألي أمراً بين المسلمين ، أو أشرب شربة من غير حلها ، مع عطش شديد قاتل
أم في العنب المسموم ، الذي قتلت به الرضا؟!.
أم ظننت أن الاستتار قد أملني ، وضاق به صدري؟!. فوالله ، إني لذلك ، ولقد مللت الحياة ، وأبغضت الدنيا ، ولو وسعني في ديني أن أضع يدي في يدك ، حتى تبلغ من قبلي مرادك ، لفعلت ذلك ، ولكنَّ الله قد حظر عليَّ المخاطرة بدمي ، وليتك قدرت علي ، من غير أن أبذل نفسي لك ، فتقتلني ، ولقيت الله عز وجل بدمي ، ولقيته قتيلاً مظلوماً ؛ فاسترحت من هذه الدنيا
وأعلم : أني رجل طالب النجاة لنفسي ، واجتهدت فيما يرضي الله عز وجل عني ، وفي عمل أتقرب به إليه ؛ فلم أجد رأياً يهدي إلى شيء من ذلك ، فرجعت إلى القرآن ، الذي فيه الهدى والشفاء ، فتصفحته سورة سورة ، وآية آية ، فلم أجد شيئاً أزلف للمرء عند ربه ، من الشهادة في طلب مرضاته
ثم تتبعته ثانية ، أتأمل الجهاد أيَّه أفضل ، ولأي صنف ، فوجدته جل وعلا يقول :( قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ، وليجدوا فيكم غلظةً ) ، فطلبت أي الكفار أضرّ على الإسلام ، وأقرب من موضعي ، فلم أجد أضرّ على الاسلام منك ، لأن الكفار أظهروا كفرهم ، فاستبصر الناس في أمرهم ، وعرفوهم فخافوهم وأنت ختلت المسلمين بالإسلام ، وأسررت الكفر ، فقتلت بالظنة ، وعاقبت بالتهمة ، وأخذت مال الله من غير حله ، فأنفقته في غير حله ، وشربت الخمر المحرمة صراحاً ، وأنفقت مال الله على الملهين ، وأعطيته المغنين ، ومنعته من حقوق المسلمين ، فغششت بالاسلام ، وأحطت بأقطاره إحاطة أهله ، وحكمت فيه
للمشرك ، وخالفت الله ورسوله في ذلك ، خلافة المضاد المعاند ١ ، فان يسعدني الدهر ، وَيُعَنِّي الله عليك بأنصار الحق ، أبذل نفسي في جهادك ، بذلاً يرضيه مني ، وان يمهلك ، ويؤخرك ، ليجزيك بما تستحقه في منقلبك ، أو تخترمني الأيام قبل ذلك ، فحسبي من سعي ما يعلمه الله عز وجل من نيتي ، والسلام ».
وثمة نص آخر للرسالة أورده أبو الفرج الاصفهاني :
« فبأي شيء تغرني؟ ما فعلته بأبي الحسن ـ صلوات الله عليه ـ بالعنب الذي أطعمته إياه فقتلته.
والله ، ما يقعدني عن ذلك خوف من الموت ، ولا كراهة له ، ولكن لا أجد لي فسحة في تسليطك على نفسي ، ولو لا ذلك لأتيتك حتى تريحني من هذه الدنيا الكدرة.
وجاء فيها أيضاً :
هبني لا ثأر لي عندك وعند آبائك المستحلين لدمائنا ، والآخذين حقنا ، الذين جاهروا في أمرنا فحذرناهم ، وكنت ألطف حيلة منهم بما استعلمته من الرضى بنا والتستر لمحننا ، تختل واحداً فواحداً منها.
ولكني كنت إمرءًً حبب إليّ الجهاد ، كما حبب إلى كل امرئٍ
__________________
١. يبدو أن تاريخ الرسالة في حدود سنة ٢٠٨ـ٢١٠ هـ وفي تلك المدّة ظهر المأمون على حقيقته في كثير من سلوكه وسيرته الذاتية.
بغيته ، فشحذت سيفي ، وركبت سناني على رمحي ، واستفرهت فرسي ، لم أدر أي العدوِّ أشد ضراراً على الإسلام ، فعلمت أن كتاب الله يجمع كل شيء فقرأته ، فإذا فيه :( يا ايها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ، وليجدوا فيكم غلظةً )
فما أدري من يلينا منهم ، فأعدت النظر ، فوجدته يقول :( لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادُّون من حاد الله ورسوله ، ولو كانوا آباءهم ، أو إخوانهم ، أو عشيرتهم ) ، فعلمت أن عليَّ أن أبدأ بما قرب مني
وتدبرت ، فإذا أنت أضرّ على الاسلام والمسلمين من كل عدو لهم ، لأن الكفار خرجوا منه ، وخالفوه ، فحذرهم الناس ، وقاتلوهم ، وأنت دخلت فيه ظاهراً ، فأمسك الناس ، وطفقت تنقض عراه عروة عروة ، فأنت أشد أعداء الإسلام ضرراً عليه ».
المصادر : مقاتل الطالبيين /٦٣٠.
الملحق رقم ٤
نص قصيدة الشاعر دعبل الخزاعي
تجاوبـن بالأرنـان والزفرات |
نوائـح عجـم اللفظ والنقطـات |
|
يخبّرن بالانفاس عن سرِّ أنفسٍ |
أسارى هوى ماض وآخـر آت |
|
فاسعدن أو اسعفن حتى تقوّضت |
صنوف الدجى بالفجر منهزمات |
على العرصات الخاليات من المها |
سلام شجٍ صب على العرصات |
|
فعهدي بـها خضر المعاهد مألفها |
من العطرات البيض والخفرات |
|
ليـالي يعدّين الوصال على القلى |
وبعـدي تدانينـا على الغربات |
|
وإذ هن يلحظن العيون سوافـرا |
ويسترن بالايدي على الوجنات |
|
وإذ كـل يوم لي بلحظي نشـوة |
يبيت لها قلبـي علـى نشوات |
|
فكـم حسرات هاجهـا بمحسر |
وقوفي يوم الجمع من عرفات١ |
ــــــــــــــــــ
١. محسر وعرفات : اسمان لموضعين في مكة المكرمة.
الم تـر للأيـام ما جر جورها |
على الناس من نقص وطول شتات |
|
ومن دول المستهترين ومن غدا |
بهم طلبـا للنـور فـي الظلمات١ |
|
فكيف ومـن أنّى يطالب زلفـة |
الـى الله بعد الصـوم والصلوات |
|
سـوى حب أبناء النبي ورهطه |
وبغض بنـي الزرقاء والعبلات٢ |
|
وهند وما أدت سميـة وابنـها |
اولوا الكفر في الاسلام والفجرات٣ |
|
هم نقضوا عهد الكتاب وفرضه |
ومحكمـه بـالزور والشبهـات٤ |
|
ولـم تك الا محنـة كشفتهـم |
بدعوى ضلال مـن هنٍ وهنات |
|
تراث بلا قربى وملك بلا هدى |
وحكـم بلا شـورى بغير هدات٥ |
رزايا ارتنا خضرة الأفق حمرة |
وردّت أجاجاً طعم كل فرات |
|
وما سهلت تلك المذاهب فيهـم |
على النـاس الا بيعة الفلتات٦ |
__________________
١. دول المستهترين : هي دول بني أمية ، ودول بني العباس الذين استهانوا بجميع الأعراف والقيم الاسلامية.
٢. بنو الزرقاء : هم ابناء مروان طريد رسول اللهصلىاللهعليهوآله والزرقاء أمه ، وهي من النساء الفاجرات في الجاهلية ، والعبلات احدى قبائل قريش.
٣. هند : ام معاوية الصحابي المزعوم صاحب الاحداث والموبقات في الاسلام ، وسمية : اسم لأم زياد الارهابي المجرم.
٤. يشير الى الحكم الأموي الذي نقض عهد الله ، وتنكّر لجميع القيم الاسلامية.
٥. يشير الى إغتصاب الامويين الحكم.
٦. يشير الى بيعة أبي بكر التي وصفها عمر بقوله : ان بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله المسلمين شرها.
ومـا نـال أصحاب السقيفة إمرة |
بدعوى تراث ، بل بأمر ترات١ |
|
ولـو قلّـدوا الموصى إليه زمامها |
لُـزمت بمأمـون من العثرات٢ |
|
أخا خاتم الرسل المصفى من القذى |
ومفترس الأبطال في الغمرات٣ |
|
فـان جحدوا كـان الغدير شهيده |
وبـدر وأحد شامخ الهضبات٤ |
|
وآي مـن القرآن تتـلى بفضلـه |
وإيثـاره بالقوت في اللزبات |
|
وغـر خـلال أدركتـه بسبقهـا |
منـاقب كانت فيـه مؤتنفات |
|
منـاقب لم تدرك بكيـد ولم تنـل |
بشيء سوى حدِّ القنا الذربات |
|
نجـي لجبريـل الأميـن وأنتـم |
عكوف على العزى معا ومناة٥ |
بكيت لرسـم الـدار مـن عـرفات |
وأذريت دمع العين بالعبرات |
|
وفكَّ عرى صبري وهاجت صبابتي |
رسول ديار أقفرت وعرات |
ــــــــــــــــــ
١. سقيفة بني ساعدة التي تآمروا فيها على الخلافة ، والنبي مسجى لم يدفن ، وقد اسفر هذا المؤتمر عن اقصاء الامام أمير المؤمنين عن مركز الخلافة الأمر الذي جر على المسلمين الويلات والمآسي.
٢. الوصي : هو الامام أمير المؤمنين وصي رسول الله وباب مدينة علمه ولو تقلد الخلافة لصان المسلمين من العثرات.
٣. أخو خاتم الرسل : هو الامام أمير المؤمنينعليهالسلام فقد قال له النبي : يا علي أنت أخي في الدنيا والآخرة.
٤. الغدير : المكان الذي توقف فيه النبيصلىاللهعليهوآله وعقد البيعة للامام أمير المؤمنين ، وأصبحت الواقعة عيداً تاريخياً.
٥. العزى ومناة : صنمان لقريش.
مدراس آيات خلت مـن تـلاوة |
ومنـزل وحي مقفر العرصات١ |
|
لآل رسول اللّه بالخيف من منى |
وبالركـن والتعريف والجمرات٢ |
|
ديـار علـي والحسيـن وجعفر |
وحمـزة والسجـاد ذي الثفنات٣ |
|
ديـار لعبد اللّه والفضل صنوه |
نجيّ رسـول اللّه فـي الخلوات |
|
منـازل وحـي اللّه ينزل بينها |
على أحمد المذكور في السورات |
|
منـازل قـوم يُهتـدى بهداهم |
فتؤمـن منـهم زلّـة العـثرات |
|
منـازل كانت للصـلاة وللتقى |
وللصـوم والتطهيـر والحسنات |
|
منازل جبريـل الأميـن يحلها |
مـن اللّه بالتسليـم والرحمـات |
|
منازل وحـي اللّه معدن علمـه |
سبيل رشـاد واضح الطرقـات |
|
ديـار عفاهـا جور كل منـابذٍ |
ولـم تعف للأيـام والسنـوات |
|
فيـا وارثـي علـم النبـي وآله |
عليكـم سـلام دائـم النفحـات |
قفا نسـأل الدار التي خف أهلهـا |
متى عهدها بالصوم والصلوات؟ |
|
واين الألى شطّت بهم غربة النوى |
أفانيـن فـي الآفـاق مفترقات |
ــــــــــــــــــ
١. يشير الى بيوت السادة ابناء النبي الذين حصدتهم سيوف الأمويين والعباسيين حتى أقفرت بيوتهم.
٢. هذه المواضع المقدسة التي ذكرها الشاعر كان السادة العلويون يحيون لياليهم فيها بالعبادة.
٣. ذو الثفنات : هو لقب سيد الساجدين والعابدين الامام زين العابدين فقد كانت له ثفنات كثفنات البعير من كثرة سجوه لله.
هم أهـل ميراث النبـي اذا اعتزوا |
وهم خير سادات وخير حماة |
|
مطاعيهم في الاعسار في كل مشهد |
لقد شرفوا بالفضل والبركات١ |
|
ومـا النـاس الا حاسـد ومكذب |
ومضطعـن ذو إحنة وترات |
|
اذا ذكـروا قتـلى ببـدر وخيبر |
ويوم حنيـن اسبلوا العبرات٢ |
|
فكيف يحبـون النبـي ورهطـه |
وهم تركوا أحشاءهم وغرات |
|
لقد لا ينوه في المقال وأضمروا |
قلوبـا على الاحقاد منطويات |
|
فان لـم تكن الا بقربـى محمد |
فهاشم أولـى من هنٍ وهنات |
سقى اللّه قبراً بالمدينة غيثـه |
فقد حلّ فيه الأمن بالبركات |
|
نبي الهدى صلّى عليه مليكـه |
وبلّغ عنه روحـه التحفات |
|
وصلى عليه اللّه ما ذرّ شارق |
ولاحت نجوم الليل مبتدرات |
أفاطـم لو خلت الحسيـن مجدلاً |
وقد مـات عطشـاناً بشط فرات |
|
اذن للطمت الخـد فاطـم عنـده |
وأجريت دمع العين في الوجنات |
|
أفاطـم قومي يا بنة الخير واندبي |
نجـوم سماوات بأرض فـلاة |
|
قبـور بكوفـان وأخرى بطيبـة |
وأخـرى بفخ نـالها صلوات٣ |
ــــــــــــــــــ
١. يشير دعبل الى كرم أهل البيت وانهم كانوا يطعمون الفقراء والمحرومين.
٢. يشير دعبل الى القوى المعادية لأهل البيت من الذين وترهم سيف علي.
٣. أشار دعبل الى مراقد السادة العلويين ، وأول مرقد لهم قبر الامام عليعليهالسلام في النجف التي هي ظهر الكوفة وقبر الشهيد مسلم بن عقيل ، وفي طيبة قبور أئمة البقيععليهمالسلام ، وفي فخ قبر الحسين بن علي وغيره من العلويين.
وأخـرى بأرض الجوزجـان محلها |
وقبـر ببـاخمرى لدى الغربـات١ |
|
وقبـر ببغـداد لـنـفـس زكيـة |
تضمنـها الرحمـن في الغرفات٢ |
|
فأمـا الممضات التـي لست بالغا |
مبـالغهـا منـي بـكنـه صفات |
|
قبور لدى النهر مـن ارض كربلا |
معـرسـهم فيـها بشـط فـرات |
|
توفـوا عطاشـا بـالفرات فليتنـي |
توفيت فيهـم قبـل حيـن وفاتـي |
|
الـى اللّه اشكـو لوعة عند ذكرهم |
سقتنـي بـكأس الذل والفظعات |
|
أخـاف بـأن أزدارهـم فيشوقنـي |
مصـارعهم بـالجـزع فالنخـلات |
|
تقسّمهم ريب الـزمـان كما تـرى |
لهـم عفـرة مـغشيـة الحجـرات |
|
سـوى أن منهم بالمدينـة عصبـة |
ـ مدى الدهر ـ انضاء من اللزبات |
|
قليلـة زوار سـوى بـعـض زور |
مـن الضبـع والعقبـان والرخمات |
|
لهـم كـل حيـن نومـة بمضاجـع |
ثوت فـي نواحـي الأرض مختلفات |
____________
١. الجوزجان : فيها قبر الشهيد العظيم يحيى بن زيد الذي استشهد أيام الوليد الأموي ، وباخمري : هي موضع بين الكوفة وواسط فيها استشهد ابراهيم بن عبد الله بن الحسين في أيام الطاغية المنصور الدوانيقي.
٢. أما القبر الذي ببغداد فهو قبر باب الحوائج الامام الكاظم وذكرت كثير من المصادر أن دعبل لما انتهى الى هذا البيت قال له الامام الرضا أفلا الحق لك بهذا الموضع بيتين ، فقال : بلى يا بن رسول الله فقالعليهالسلام :
وقبر بطوس يا لها من مصيبة |
ألحت على الأحشاء بالزفرات |
|
الى الحشر حتى يبعث الله قائماً |
يفرج عنـا الغـم والكربـات |
فقال دعبل : هذا القبر الذي بطوس قبر من؟ قال الامامعليهالسلام :
هو قبري ، جاء ذلك في المناقب : ٣/٤٥٠ وغيره.
وقد كان منهم بالحجـاز وأهلها |
مغاوير يختارون فـي السروات |
|
تنكبت لأواء السنين جوارهـم |
فـلا تصطليهم جمرة الجمرات١ |
|
حمـى لم تزره المذنبات وأوجه |
تضيء لدى الاستار في الظلمات |
|
اذا أوردوا خيـلا تسعر بالقنـا |
مسـاعر جمر الموت والغمرات |
|
وإن فخـروا يومـا أتوا بمحمد |
وجبريـل والفرقـان والسورات |
|
وعـدوا عليـا ذا الماقب والعلا |
وفاطمـة الزهـراء خيـر بنات |
|
وحمزة والعباس ذا الهدي والتقى |
وجعفـرا الطيـار في الحجبات |
|
اولئك لا منتـوج هنـد وحزبهـا |
سميـة من نـوكى ومن قذرات٢ |
ستسـأل تيـم عنـهم وعديّها |
وبيعتهم مـن أفجـر الفجرات٣ |
|
هم منعوا الآباء من أخذ حقهم |
وهم تركوا الابناء رهن شتات٤ |
|
وهم عدلوا عن وصي محمـد |
فبيعتهم جاءت علـى الغدرات٥ |
ــــــــــــــــــ
١. اللأواء : الشدة.
٢. النوكى : الحمق.
٣. اراد بتيم : ابو بكر ، واراد بعدي عمر بن الخطّاب ، ويرى دعبل انهم مسؤولان عما لحق بأهل البيت من المآسي والنكبات فهما اللذان اقصيا الامام أمير المؤمنين عن الخلافة وسبباً للعترة الطاهرة الوانا مريرة من المصائب.
٤. اشار دعبل الى ان الملوك السابقين هم الذين منعوا السادة العلويين من أخذ حقهم ، وتركوا السادة من ابنائهم رهن شتات.
٥. الوصي هو الامام أمير المؤمنين وصي رسول الله وباب المدينة علمه وقد شجب دعبل الموقف المناوئ ازاء عليعليهالسلام .
ملامـك في أهل النبـي فانهم |
أحبـاي ما عاشـوا وأهل ثقاتي |
|
تخيـرهم رشـداً لأمري فانهم |
على كـل حـال خيرة الخيرات |
|
نبذت إليهـم بالمـودة صـادقا |
وسلّمت نفسـي طـائعاً لولاتي |
|
فيا رب زدني من يقيني بصيرة |
وزد حبهم يا رب فـي حسناتي |
|
سأبكيهـم مـا حـج لله راكب |
وما ناح قمريّ على الشجرات |
|
بنفسي أنتـم من كهول وفتية |
لفك عنـاة أو لحمـل ديـات |
|
وللخيل لما قيد الموت خطوها |
فأطلقتـم منهـنَّ بالذربـات١ |
|
أحب قصي الرحم من أجل حبكم |
وأهجـر فيكم اسرتي وبناتي٢ |
|
وأكتم حبيكم مخافـة كاشـح |
عنيد لأهل الحق غير موات |
|
فيا عين ابكيهم وجودي بعبرة |
فقد آن للتسكاب والهملات٣ |
|
لقد حفت الأيام حولي بشرّها |
وإني لأرجو الأمن بعد وفاتي٤ |
الم تر أني من ثلاثين حجة |
أروح وأغدو دائم الحسرات |
____________
١. الذربات : الداهيات.
٢. يريد دعبل أنه يحب ويخلص لمن أحب وأخلص لأهل البيتعليهمالسلام ، وان كانوا بعاداً في النسب ، ويعادي من عاداهم ، وان كانوا أسرته وبناته.
٣. الهملات : هي الدموع.
٤. في رواية : لقد خفت في الدنيا وأيام سعيها ، وفي رواية أن دعبل لما انشد هذا البيت رفع الامامعليهالسلام يديه بالدعاء ، وقال له : آمنك الله يا خزاعي يوم الفزع الأكبر.
أرى فيئهـم في غيـرهم متقسّمـاً |
وأيديهـم مـن فيئهـم صفرات١ |
|
فكيف أداوي من جوى بي والجوى |
أميـة أهـل الفسـق والتبعات |
|
فـآل رسـول الله نحف جسومهم |
وآل زيـاد حفـل القصـرات٢ |
|
بنات زياد في القصورة مصونـة |
وآل رسـول الله فـي الفلوات |
|
سأبكيهم ماذرّ في الأرض شـارق |
ونادى منادي الخير بالصلوات |
|
وما طلعت شمس وحان غروبها |
وبالليـل أبكيهـم وبالغـدوات |
|
ديـار رسـول الله اصبحن بلقعا |
وآل زيـاد تسـكن الحجرات |
|
وآل رسول الله تدمـى نحـورهم |
وآل زيـاد آمنـوا السـربات |
|
وآل رسول الله تسبـى حريمـهم |
وآل زيـاد ربـة الحجـلات |
إذا وتـروا مـدوا الـى واتريهم |
أكفّاً عن الأوتـار منقبضـات٣ |
|
فلولا الذي أرجوه في اليوم أو غدٍ |
تقطّع نفسـي إثرهم حسـرات |
|
خـروج إمـام لا محـالة خارج |
يقوم على اسـم الله والبركات٤ |
|
يميـز فينـا كـل حـق وباطل |
ويجزي على النعماء والنقمات |
ــــــــــــــــــ
١. في رواية ان دعبل لما بلغ الى هذا البيت جعل الامام الرضا يقلب كفه ويقول : « أجل والله منقبضات ».
٢. القصرات : جمع مفرده قصرة ، وهي أصل العنق.
٣. في رواية ان دعبل لما فرغ من انشاد هذا البيت جعل الامام الرضاعليهالسلام جعل يقلب كفيه ويقول : أجل والله منقبضات.
٤. عندما انتهى من انشاد هذا البيت ، والبيت الذي بعده قال له الامام : « يا خزاعي نطق روح القدس على لسانك » المناقب : ٣/٤٥٠.
سأقصـر نفسي جاهداً عن جدالهم |
كفـاني ما ألقـى من العبرات |
|
فيا نفسي طيبي ثم يا نفس ابشري |
فغير بعيد كلّ ما هو آتٍ |
|
ولا تجزعي من مدة الجور إننـي |
أرى قـوّتي قـد آذنت بشتاتِ |
|
فان قرب الرحمن من تلك مدتـي |
وأخر من عمري لطول حياتي |
|
شفيت ولم أترك لنفسـي رزيـة |
ورويت منهم منصلي وقناتي١ |
|
فإني من الرحمن أرجـو بحبهم |
حياة لدى الفردوس غير بتات٢ |
عسى الله أن يأوى لذا الخلق انه |
الى كـل قـوم دائـم اللحظات |
|
فان قلت عرفـا أنكـروه بمنكر |
وغطّوا على التحقيـق بالشبهات |
|
أحاول نقل الشمس عن مستقرها |
وأسمـع احجـارا من الصلدات |
|
فمـن عارف لـم ينتفع ومعـاند |
يميـل مـع الأهواء والشهوات |
|
قصارّي منهم أن أموت بغصـة |
تردد في صـدري وفي اللهوات |
|
كأنك بالاضلاع قد ضاق رحبها |
لما ضمنت من شـدة الزفـرات٣ |
المصادر : الاغاني ١٨/٤٢ ، معجم الادباء ٤/١٩٤ ، نور الابصار /١٤٧ ، المناقب ٣/٤٥.
____________
١. المنصل : حديدة السهم والرمح والسكين.
٢. غير بتات : اي غير منقطعة وانما هي حياة خالدة ودائمة.
٣. ديوان دعبل.
الملحق رقم ٥
كتاب الحباء والشرط
الذي زوّر باسم الامام الرضاعليهالسلام
« هذا كتاب حباء وشرط من عبدالله المأمون
أمير المؤمنين وولي عهده علي بن موسى الرضا
لذي الرياستين الفضل بن سهل في يوم الإثنين
لسبع ليال خلون من شهر رمضان سنة احدى
ومائتين ، وهو اليوم الذي تمَّم الله فيه دولة
أمير المؤمنين ، وعقد لولي عهده ، والبس
الناس اللباس الأخضر ، وبلغ أمله في إصلاح وليه ،
والظفر بعدوه.
انا دعوناك الى مافيه بعض مكافاتك ، على ما قمت به من حق الله ، تبارك وتعالى ، وحق رسولهصلىاللهعليهوآله وحق أمير المؤمنين ، وولي عهده علي بن موسى ، وحق هاشم التي بها يرجى صلاح الدين ، وسلامة ذات البين بين المسلمين ، الى أن يثبت النعمة علينا وعلى العامة بذلك ، وربما عاونت عليه أمير المؤمنين من إقامة الدين والسنة ، واظهار الدعوة الثانية
وايثار الأولى ، مع قمع المشركين ، وكسر الاصنام ، وقتل العتاة وساير آثارك الممثلة للامصار في المخلوع ، وفي المسمى بـ (الأصفر) المكنى بأبي السرايا ، وفي المسمى بالمهدي محمد بن جعفر الطالبيين ، والترك الحولية ، وفي طبرستان وملوكها الى بندار هرمز بن شروين ، وفي الديلم وملكها (مهروس) وفي كابل وملكها هرموس ثم ملكها الاصفهيد ، وفي ابن البرم ، وجبال بدار بنده ، وعرشستان ، والغور واصنافها ، وفي خراسان وبلون صاحب جبل التبت ، وفي كيمان والتغرغر ، وفي ارمينية والحجاز ، وصاحب السرير ، وصاحب الخزر وفي المغرب وحروبه ، وتفسير ذلك في ديوان السيرة.
وكان ما دعوناك إليه وهو معونة لك الف الف درهم ، وغلة عشرة الف الف درهم جوهر اسوى ما أقطعك أمير المؤمنين قبل ذلك ، وقيمته ماءة الف الف درهم جوهراً يسيرا عندنا ما أنت له مستحق ، فقد تركت مثل ذلك حين بذله لك المخلوع ، وآثرت الله ودينه ، وانك شركت أمير المؤمنين وولي عهده ، وآثرت توفير ذلك كله على المسلمين ، وجدت لهم به.
وسألتنا أن نبلغك الخصلة التي لم تزل لها تائقاً من الزهد والتخلّي ليصح عند من شك في سعيك للآخرة دون الدنيا وتركك الدنيا ، وما عن مثلك يستغنى في حال ، ولا مثلك رُد عن طلبه ، ولو اخرجتنا طلبتك عن شطر النعيم علينا فكيف نأمر؟ فيه المؤونة ، واوجبت به الحجة ، على من كان يزعم أن دعاك إلينا للدنيا لا للآخرة ، وقد أجبناك الى ما سألت به ، وجعلنا ذلك لك مؤكداً بعهد الله وميثاقه
اللذين لا تبديل لهما ، ولا تغيير ، وفوضنا الأمر في وقت ذلك إليك ، فما أقمت فعزيز مزاح العلة ، مدفوع عنك الدخول فيما تكرهه ، من الاعمال ، كائنا ما كان ، نمنعك مما نمنع به أنفسنا في الحالات كلها ، واذا اردت التخلي فمكرم ، مزاح البدن ، وحق بدنك بالراحة والكرامة ثم نعطيك مما تناوله ، مما بذلناه لك في هذا الكتاب ، فتركته اليوم.
وجعلنا للحسن بن سهل مثل ما جعلناه لك ، فنصف ما بذلناه من العطية ، وأهل ذلك هو لك ، وبما بذل من نفسه في جهاد العتاة ، وفتح العراق مرتين ، وتفريق جموع الشيطان بيده حتى قوي الدين ، وخاض نيران الحروب ، ووقانا عذاب السموم بنفسه وأهل بيته ، ومن ساس من أولياء الحق ، وأشهدنا الله وملائكته وخيار خلقه ، وكل من أعطانا بيعته ، وصفقة يمينه في هذا اليوم وبعده على ما في هذا الكتاب ، وجعلنا الله علينا كفيلا ، وأوجبنا على أنفسنا الوفاء بما اشترطنا من غير استثناء بشيء ينقصه في سر ولا علانية ، والمؤمنون عند شروطهم ، والعهد فرض مسؤول وأولى الناس بالوفاء من طلب من الناس الوفاء ، وكان موضعاً للقدرة قال الله تعالى :( واوفوا بعهد الله اذا عاهدتم ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً ان الله يعلم ما تفعلون ) ١ .
« أما بعد : فالحمد لله البديء الرفيع ، القادر ، القاهر ، الرقيب على عباده المقيت على خلقه ، الذي خضع كل شيء لملكه ، وذل كل شيء
__________________
١. سورة النحل : آية ٩١.
لعزته واستسلم كل شيء لقدرته ، وتواضع كل شيء لسلطانه ، وعظمته ، واحاط بكل شيء علمه ، وأحصى عدده ، فلا يؤوده كبير ، ولا يعزب عنه صغير ، الذي لا تدركه أبصار الناظرين ، ولا تحيط به صفة الواصفين ، له الخلق والأمر والمثل الأعلى في السموات والأرض ، وهو العزيز الحكيم.
والحمد لله الذي شرع للإسلام دينا ، ففضله ، وعظّمه ، وشرفه ، وكرّمه ، وجعله الدين القيم الذي لا يقبل غيره ، والصراط المستقيم الذي لا يضل من لزمه ، ولا يهتدي من صرف عنه ، وجعل فيه النور والبرهان ، والشفاء والبيان ، وبعث به من اصطفى من ملائكته الى من اجتبى من رسله في الأمم الخالية ، والقرون الماضية حتى انتهت رسالته الى محمد المصطفىصلىاللهعليهوآله فختم به النبيين وقفى به على آثار المرسلين ، وبعثه رحمة للعالمين ، وبشيراً للمؤمنين المصدقين ، ونذيراً للكافرين المكذبين لتكون له الحجة البالغة ، وليهلك من هلك عن بينة ، وان الله لسميع عليم.
والحمد لله الذي أورث أهل بيته مواريث النبوة ، واستودهم العلم والحكمة ، وجعلهم معدن الامامة والخلافة ، وأوجب ولايتهم ، وشرف منزلتهم ، فأمر رسوله بمسألة امته مودتهم اذ يقول :( قل لا اسئلكم عليه أجراً الا المودة في القربي ) ١ وما وصفهم به من اذهاب الرجس عنهم ، وتطهيره اياهم في قوله :( انما يريد الله ليذهب عنكم
__________________
١. سورة الشورى : آية ٢٠.
الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ) ١ .
ثم أن المأمون برَّ برسول اللهصلىاللهعليهوآله في عترته ، ووصل أرحام أهل بيته ، فرد ألفتهم ، وجمع فرقتهم ، ورأب صدعهم ، ورتق فتقهم وأذهب الله به الضغائن والأحن بينهم ، واسكن التناصر ، والتواصل والمودة ، والمحبة قلوبهم ، فاصبحت بيمنه وحفظه ، وبركته ، وبره وصلته أيديهم واحدة ، وكلمتهم جامعة ، وأهواؤهم متفقة ، ورعى الحقوق لأهلها ، ووضع المواريث مواضعها ، وكافأ إحسان المحسنين ، وحفظ بلاء المبتلين ، وقرب وباعد على الدين ، ثم اختص بالتفضيل ، والتقديم والتشريف من قدمته مساعيه ، فكان ذلك ذا الرياستين فضل بن سهل ، إذ رآه له موازراً ، وبحقه قائماً ، وبحجته ناطقاً ، ولنقبائه نقيبا ، ولخيوله قائداً ، ولحروبه مدبراً ولرعيته سائساً ، وإليه داعيا ، ولمن أجاب الى طاعته مكافياً ، ولمن عدل عنها منابذاً ، وبنصرته متفرداً ، ولمرضى القلوب والنيات مداويا ، لم ينهه عن ذلك قلة مال ولا عواز رجال ولم يمل به الطمع ، ولم يلفته عن نيته وبصيرته وجل ، بل عندما يهول المهولون ، ويرعد ويبرق له المبرقون والمرعدون وكثرة المخالفين والمعاندين ، من المجاهدين والمختالين أثبت ما يكون عزيمة ، وأجرأ جنانا ، وانفذ مكيدة ، واحسن تدبيراً ، واقوى في تثبيت حق المأمون ، والدعاء إليه حتى غصم انياب الضلالة ، وفلّ حدّهم ، وقلم أظفارهم ، وحصد شوكتهم ، وصرعهم مصارع الملحدين في دينهم ، والناكثين
__________________
١. سورة الاحزاب : آية ٣٣.
لعهده ، الوانين في أمره ، والمستخفين بحقه الآمنين لما حذر من سطوته وبأسه مع آثار ذي الرياستين في صنوف الأمم من المشركين ، وما زاد الله به في حدود دار المسلمين ، مما قد وردت انباؤه عليكم ، وقرئت به الكتب على منابركم ، وحملة أهل الآفاق إليكم الى غيركم فانتهى شكر ذي الرياستين بلاء امير المؤمنين عنده ، وقيامه بحقه ، وابتذاله مهجته ، ومهجة أخيه أبي محمد الحسن بن سهل الميمون النقيبة ، المحمود السياسة الى غاية تجاوز بها الماضين ، وفاز بها الفائزين.
وانتهت مكافأة امير المؤمنين إياه الى ما حصل له من الأموال والقطايع ، والجواهر ، وان كان ذلك لا يفي بيوم من أيامه ، ولا بمقام من مقاماته ، فتركه زهداً فيه ، وارتفاعاً من همته عنه ، وتوفيراً له على المسلمين ، واطراحاً للدنيا ، واستصغاراً لها ، وايثاراً للآخرة ومنافسة فيها.
وسأل امير المؤمنين ما لم يزل له سائلا ، وإليه فيه راغبا من التخلي والتزهد ، فعظم ذلك عنده وعندنا ، لمعرفتنا بما جعل الله عزّ وجلّ في مكانه الذي هو به من العز للدين والسلطان ، والقوة على صلاح المسلمين ، وجهاد المشركين ، وما أرى الله به من تصديق نيته ، ويمن نقيبه ، وصحة تدبيره ، وقوة رأيه ، ونجح طلبته ، ومعاونته ، على الحق والهدى ، والبر والتقوى ، فلما وثق أمير المؤمنين وثقنا منه ، بالنظر للدين ، وإثار ما فيه صلاحه ، وأعطيناه سؤاله الذي يشبه قدره ، وكتبنا له كتاب حباء وشرط ، قد نسخ في أسفل كتابي هذا ، وأشهدنا الله عليه ، ومن حضرنا من أهل بيتنا والقواد ، والصحابة ، والقضاة والفقهاء
والخاصة والعامة.
وأمر أمير المؤمنين بالكتاب الى الآفاق ليذيع ، ويشيع في أهلها ويقرأ على منابرها ، ويثبت عند ولاتها وقضاتها ، فسألني أن أكتب بذلك ، وأشرح معانيه وهي على ثلاث ابواب :
ففي الباب الأول :
البيان عن كل آثاره التي أوجب الله بها حقه علينا ، وعلى المسلمين.
الباب الثاني :
البيان عن مرتبته في إزاحة علته في كل ما دبر ، ودخل فيه ولا سبيل عليه ، فيما ترك وكره ، وذلك لما ليس لخلق ممن في عنقه بيعة الا له وحده ولأخيه ، ومن إزاحة العلة تحكيمها في كل من بغى عليهما وسعى بفساد علينا وعليهما وعلى أوليائنا لئلا يطمع طامع في خلاف عليهما ، ولا معصية لهما ، ولا احتيال في مدخل بيننا وبينكم.
الباب الثالث :
البيان عن عطائنا إياه ما أحب من ملك التخلي وحلية الزهد ، وحجة التحقيق لما سعى فيه من ثواب الآخرة بما يتقرر في قلب من كان شاكّاً في ذلك منه ، وما يلزمنا له من الكرامة والعز والحباء الذي بذلناه له ولأخيه في منعهما ما نمنع منه أنفسنا ، وذلك محيط بكل ما
يحتاط فيه محتاط في أمر دين ودنيا »١ .
توقيع المأمون : توقيع الامام الرضا :
بسم الله الرحمن الرحيم : « قد أوجب |
بسم الله الرحمن الرحيم « قد الزم علي |
|
أمير المؤمنين على نفسه جميع ما هذا |
بن موسى الرضا نفسه بجميع ما في هذا |
|
الكتاب ، واشهد الله تعالى ، وجعله عليه |
الكتاب ، على ما أكد فيه ، في يومه وغده ما |
|
داعيا وكفيلا » وكتب بخطه في صفر سنة |
دام حيا ، وجعل الله تعالى عليه داعياً |
|
(٢٠٢) تشريفا للحباء ، وتوكيداً للشروط. |
وكفيلاً ، وكفى بالله شهيداً ». |
|
وكتب بخطه في هذا الشهر ـ أي صفر ـ |
||
من هذه السنة ـ أي سنة (٢٠٢ هـ) والحمد لله |
||
رب العالمين ، وصلى الله على محمد وآله |
||
وسلم ، وحسبنا الله ، ونعم الوكيل. |
المصادر : عيون أخبار الرضا /١٥٤ ، حياة الامام الرضا ٢/٣٤٤ـ٣٤٩.
ــــــــــــــــــ
١. هناك مؤشرات تؤكد تزوير الكتاب من قبل ذي الرئاستين ، يدلّ على ذلك انشائه بالرغم من المهارة الفائقة في صياغته ويصطدم الكتاب مع طبيعة الامام اضافة الى تناقضه مع مبادئه وخلقه السامي.
كما أن الفترة الزمنية بين اعداده ٧ رمضان ٢٠١ هـ وتوقيعه المزعوم صفر ٢٠٢ ترسم علامة استفهام مثيرة.
كما لا يوجد دليل يمنع الباحث من اتهام المأمون بتلفيق هذه الوثيقة.
الملحق رقم ٦
نص الرسالة الذهبية في الطب والصحّة العامة
نص الرسالة الذهبية التي كتبها الامام الرضا إثر حوار دار بين كل من الخليفة المأمون ، يوحنا بن ماسويه ، جبريل بن يخشوع ، صالح بن بهله الهندي وقد خاض هؤلاء في البحوث الطبيّة والصحة العامة والامام الرضا ساكت لا يتكلم فقال المأمون :
فأجاب الامام :
ـ عندي ما جرّبته ، وعرفته صحته بالاختبار ومرور الايام مع ما وقفني عليه من مضى من السلف ، مما لا يسع الانسان جهله ، ولا يعذر في تركه ، فأنا أجمع ذلك مع ما يقاربه مما يحتاج الى معرفته :
« اعلم يا أمير المؤمنين ان الله تعالى لم يبتل عبده المؤمن ببلاء حتى جعل له دواء يعالج به ، لكل صنف من الداء صنف من الدواء وتدبير نعت ذلك ».
« إن الأجسام الانسانية جعلت في مثال الملك ، فملك الجسد هو القلب ، والعمال العروق والأوصال ، والدماغ. وبيت الملك قلبه ، وأرضه الجسد ، والأعوان يداه ، ورجلاه وعيناه ، وشفتاه ولسانه وأذناه ، وخزانته معدته وبطنه ، حجابه صدره ، فاليدان عونان يقربان ، ويبعدان ويعملان على ما يوحي اليهما الملك ، والرجلان تنقلان الملك حيث يشاء ، والعينان تدلان على ما يغيب عنه ، لأن الملك وراء حجاب لا يوصل إليه الا بهما ، وهما سراجاه أيضاً ، وحصن الجسد وحرزه ، والأذنان لا تدخلان على الملك الا ما يوافقه لأنهما لا يقدران أن يدخلا شيئاً حتى يوحي الملك اليهما ، فإذا أوحى إليهما أطرق الملك منصتا لهما حتى يسمع منهما ، ثم يجيب بما يريد فيترجم عنه اللسان بأدوات كثيرة ، منها ريح الفؤاد ، وبخار المعدة ، ومعونة الشفتين ، وليس للشفتين قوة الا بالانسان ، وليس يستغني بعضها عن بعض ».
« والكلام لا يحسن الا بترجيعه في الأنف لأن الأنف يزين الكلام كما يزين النفخ المزمار ، وكذلك المنخران هما ثقبا الأنف
يدخلان على الملك بما يحب من الريح الطيّبة فاذا جاءت ريح تسوء على الملك أوحى الى اليدين ، فحجبتا بين الملك وتلك الريح ، وللملك على هذا ثواب وعقاب ، فعذابه أشد من عذاب الملوك الناظرة القاهرة في الدنيا ، وثوابه أفضل من ثوابهم ، فأما عذابه فالحزن ، وأما ثوابه فالفرح وأصل الحزن في الطحال ، وأصل الفرح في الترب والكليتين ومنهما يوصلان الى الوجه ، فمن هناك يظهر الفرح والحزن فيرى علامتها في الوجه ، وهذه العروق كلها طرق من العمال الى الملك ، ومن الملك الى العمال. ومصداق ذلك انه إذا تناولت الدواء أدّته العروق الى موضع الداء بإعانتها ».
« واعلم يا أمير المؤمنين أن الجسد بمنزلة الأرض الطيبة متى تعوهدت بالعمارة والسقي من حيث لا يزداد في الماء فتغرق ، ولا ينقص منه فتعطش دامت عمارتها ، وكثر ريعها وزكى زرعها ، وان تغوفل فسدت ، ولم ينبت فيها العشب فالجسد بهذه المنزلة ، وبالتدبير في الأغذية والأشربة يصلح ، وتزكو العافية.
فانظر يا أمير المؤمنين ما يوافقك ، ويوافق معدتك ، ويقوى عليه بدنك ، ويستمر به من الطعام ، فقدره لنفسك ، واجعله غذاءك.
واعلم يا أمير المؤمنين ان كل واحدة من هذا الطبايع تحت ما يشالكها فاغتذ ما يشاكل جسدك ، ومن أخذ من الطعام زيادة لم يغذه ،
ومن أخذه بقدر لا زيادة عليه ، ولا نقص في غذائه نفعه ، وارفع يديك منه ، وبك اليه بعض القرم١ ، وعندك اليه ميل فانه أصلح لمعدتك ولبدنك ، وأزكى لعقلك ، وأخف لجسمك ».
« واعلم يا أمير المؤمنين كل البارد في الصيف ، والحار في الشتاء المعتدل في الفصلين على قدر قوتّك وشهوتك ، وابدأ بأول الطعام بأخف الأغذية التي تغتذي بها بدنك بقدر مادتك ، وبحسب طاقتك ونشاطك ، وزمانك الذي يجب أن يكون أكلك في كل يوم عندما يمضي من النهار ثمان ساعات أكلة واحدة ، أو ثلاث أكلات في يومين ، تتغذى باكراً في أول يوم ، ثم تتعشى ، فاذا كان في اليوم الثاني عند مضي ثمان ساعات من النهار أكلت أكلة واحدة ، ولم تحتج الى العشاء ، كذا أمر جدي محمدصلىاللهعليهوآله علياًعليهالسلام في كل يوم وجبة وفي غده وجبتين ، وليكن ذلك بقدر لا يزيد ولا ينقص ، وارفع يديك من الطعام وأنت تشتهيه ، وليكن شرابك على أثر طعامك ».
« ونذكر الآن ما ينبغي ذكره من تدبير فصول السنة ، وشهورها الرومية الواقعة فيها في كل فصل على حدة وما يستعمل من الأطعمة
ــــــــــــــــــ
١. الاشتهاء والميل.
والأشربة ، وما يجتنب منه ، وكيفية حفظ الصحة من أقاويل القدماء ».
« اما فصل الربيع فانه من روح الزمان ، وأوله :
(آذار) وعدة أيامه ثلاثون يوماً ، وفيه يطيب الليل والنهار ، وتلين الأرض ، وتذهب سلطان البلغم ، ويهيج الدم ، ويستعمل من الغذاء اللطيف واللحوم ، ويتقى فيه أكل البصل والثوم والحامض ، ويستعمل فيه شرب المسهل ، ويستعمل فيه الفصد والحجامة ».
(نيسان) ثلاثون يوماً يطول فيه النهار ، ويقوى مزاج الفصل ويتحرك الدم ، وتهب فيه الرياح الشرقية ، يستعمل فيه من المآكل المشوية ، وما يعمل بالخل ولحوم الصيد ، وتالج بالجماع والتمريغ بالدهن في الحمام ، ويشرب الماء على الريق ، ويشم الرياحين والطيب ».
(آيار) واحد وثلاثون يوماً ، تصفو فيه الرياح ، وهو آخر فصل الربيع ، وقد نهي فيه عن الملوحات واللحوم الغليظة كالرؤوس ولحوم البقر ، واللبن ، وينفع فيه دخول الحمام أول النهار وتكره فيه الرياضة قبل الغداء ».
« (حزيران) ثلاثون يوماً يذهب فيه سلطان الدم ، ويقبل زمان
المرة الصفراء ، وينهى فيه عن التعب ، وأكل اللحم دائماً ، والاكثار منه ، وشم المسك والعنبر ، وينفع فيه أكل البقول الباردة ، كالهندباء ، والبقلة الحمقا ، وأكل الخضر كالخيار والشيرخشت ، والفاكهة الرطبة ، واستعمال المحمضات ، ومن اللحوم المعز الثني ، والجدي ومن الطيور الدجاج ، والطيهوج ، والدراج ، والألبان والسمك الطري ».
« (تموز) : واحد وثلاثون يوماً فيه شدة الحرارة ، وتغور المياه ، ويستعمل في شرب الماء البارد على الريق ، وتؤكل فيه الأشياء الباردة الرطبة ، وتؤكل فيه الأغذية السريعة الهضم ـ كما ذكر في حزيران ـ ويستعمل فيه من الشموم والرياحين الباردة الرطبة الطيبة الرائحة ».
« (آب) : واحد وثلاثون يوماً ، وفيه تشتد السموم ، ويهيج الزكام بالليل ، ويهب الشمال ، ويصلح المزاج بالتربيد ، والترطيب ، وينفع فيه شرب اللبن الرائب ، ويجتنب في الجماع والمسهل ويقل من الرياضة ، ويشم الرياحين الباردة ».
« (ايلول) : ثلاثون يوماً فيه يطيب الهواء ، ويقوى سلطان المرة السوداء ، ويصلح شرب المسهل ، وينفع فيه أكل الحلاوات وأصناف اللحوم المعتدلة ، كالجداوي ، والحوالي من الضأن ويجتنب لحم البقر ،
والإكثار من لحم الشواء ، ودخول الحمام ويستعمل فيه الطيب المعتدل المزاج ، ويجتنب فيه أكل البطيخ والقثاء ».
« (تشرين الأول) : واحد وثلاثون يوماً ، فيه تهب الرياح المختلفة ، ويتنفس فيه ريح الصبا ، ويجتنب فيه الفصد ، وشرب الدواء ، ويحمد فيه الجماع ، وينفع فيه أكل اللحم بالتوابل ، ويقلل فيه شرب الماء ، وتحمد فيه الرياضة ».
« (تشرين الثاني) : ثلاثون يوماً فيه يقع المطر الموسمي ، ونُهي فيه عن شرب الماء بالليل ، ويقلل من دخول الحمام والجماع ، ويشرب بكرة كل يوم جرعة ماء حار ، ويجتنب أكل البقول كالكرفس والنعنع والجرجير ».
« (كانون الأول) : واحد وثلاثون يوماً تقوي فيه العواصف ويشتد فيه البرد ، وينفع فيه كل ما ذكر في (تشرين الثاني) ويحذر فيه من أكل الطعام البارد ، ويتقى فيه الحجامة والفصد ويستعمل فيه الأغذية الحارة بالقوة والفعل ».
« (كانون الثاني) : واحد وثلاثون يوماً يقوى فيه غلبة بلغم ينبغي
أن يتجرع فيه الماء بالريق ، ويحمد فيه الجماع ، وينفع الاحساء فيه مثل البقول الحارة كالكرفس ، والجرجير ، والكراث ، وينفع فيه دخول الحمام ، والتمريخ بدن الخيري وما ناسبه ويحذر فيه الحلو ، وأكل السمك الطري واللبن ».
« (شباط) : ثمانية وعشرون يوماً تختلف فيه الرياح ، وتكثر الأمطار ويظهر العشب ، ويجري فيه الماء في الغور ، وينفع فيه أكل الثوم ، ولحم الطير والصيود والفاكهة ، ويقلل من أكل الحلاوات ويحمد فيه كثرة الحركة والرياضة ».
« اعلم يا أمير المؤمنين إن قوة النفس تابعة لأمزجة الأبدان ، وان الأمزجة تابعة للهواء ، وتتغير بحسب الهواء ، في الأمكنة ».
صفة الشراب الذي يحل شربه ، واستعماله بعد الطعام ، وقد تقدم ذكر نفعه في ابتدائنا بالقول على فصول السنة ، وما يعتمد فيها من حفظ الصحة ، وصفته هو أن يؤخذ من الزبيب المنقى عشرة أرطال١ فيغسل وينقع في ماء صاف في غمرة ، وزيادة عليه أربع أصابع ويترك في انائه ،
__________________
١. الرطل : وزنه قرابة ٣٤٠ غراما.
ذلك ثلاثة في الشتاء ، وفي الصيف يوم وليلة ثم يجعل في قدر نظيف ، وليكن الماء ماء السماء إن قدر عليه ، والا فمن الماء العذب الذي ينبوعه من ناحية المشرق ماء براقاً ، أيضاً خفيفاً ، وهو القابل لما يعترضه على سرعة من السخونة والبرودة وتلك دلالة على صفاء الماء ، ويطبخ حتى ينتفخ الزبيب وينضج ثم يعصر ويصفى ماؤه ويبرد ، ثم يرد الى القدر ثانياً ويؤخذ مقداره بعود ويغلى بنار ليّنة غلياناً ليناً رقيقاً حتى يمضي ثلثاه ، ثم يؤخذ من عسل النحل المصفى رطل فيلقى عليه ، ويؤخذ مقداره مقدار الماء الى اين كان من القدر ويغلى حتى يذهب قدر العسل ، ويعود الى حده ، ويؤخذ خرقة صفيقة ١فيجعل فيها زنجبيل وزن درهما٢ ومن القرنفل نصف درهم ، ومن الدارجين نصف درهم ومن الزعفران درهم ، ومن سنبل الطيب نصف درهم ومن الهندباء مثله ، بعد أن يسحق الجميع كل واحد على حدة ويجعل في الخرقة ويشد بخيط شداً جيداً ، وتلقى فيه وتمرس الخرقة في الشراب بحيث تنزل قوى العقاقير التي فيها ولا يزال يعاهدها بالتحريك على نار ليّنة برفق حتى يذهب عنه مقدار العسل ويرفع القدر ، ويبرد ، ويؤخذ٣ مدة ثلاثة أشهر حتى يتداخل مزاجه بعضه ببعض ، وحينئذ يستعمل ، ومقدار ما
ــــــــــــــــــ
١. صفيقة : أي خفيفة.
٢. وزن الدرهم : ٢/٥ غراما.
٣. يؤخذ : أي يترك.
يشرب منه أوقية الى أوقيتين من الماء القراح فاذا أكلت يا أمير المؤمنين مقدار ما وصفت لك من الطعام فاشرب من هذا الشراب مقدار ثلاثة أقداح بعد طعامك ، فاذا فعلت ذلك فقد أمنت باذن الله يومك وليلتك من الأوجاع الباردة المزمنة كالنقرس ، والرياح ، وغير ذلك من أوجاع العصب والدماغ ، والمعدة ، وبعض أوجاع الكبد والطحال والامعاء ، والأحشاء فإن صادفت بعد ذلك بشهوة الماء فلتشرب منه مقدار النصف مما كان يشرب قبله ، فانه أصلح لبدن أمير المؤمنين ، وأكثر وأشد لضبطه وحفظه.
فان صلاح البدن وقوامه يكون بالطعام والشراب ، وفساده يكون بهما ، فان اصلحتهما صلح البدن ، وان افسدتهما فُسد البدن ».
« واعلم يا أمير المؤمنين أن النوم سلطان الدماغ ، وقوام الجسد وقوته ، فإذا أردت النوم فليكن اضطجاعاً أولاً على شقك الأيمن ، ثم انقلب على الأيسر ، وكذلك فقم من مضجعك ، ونم على شقك الأيمن كما بدأت به عند نومك ، وعود نفسك القعود من الليل ، وادخل الخلاء لحاجة الانسان ، والبث فيه بقدر ما تقضي حاجتك ، ولا تطل فيه ، فان ذلك يورث داء الفيل ».
« واعلم يا أمير المؤمنين إن أجود ما استكت به ليف الاراك١ فانه يجلو الأسنان ، ويطيب النكهة ، ويشد اللثة ، وهو نافع من الحفر٢ اذا كان ذلك باعتدال ، والاكثار منه يرق الاسنان ، ويزعزعها ويضعف أصولها.
فمن أراد حفظ الاسنان فليأخذ قرن الأيل٣ محرقاً وكزمازجار٤ وسعداً وورداً ، وسنبل الطيب ، وحب الأثل٥ جزاء سواء ، وملحاً اندرانيا٦ ربع جزء ، فيدق الجميع ناعماً ويستن به ، فانه يمسك الاسنان ، ويحفظ أصولها من الآفات العارضة ، ومن أراد أن تبيض أسنانه فليأخذ جزءاً من ملح اندراني ، ومثله زبد البحر فيسحقها ناعما ، ويستن به ».
« واعلم يا أمير المؤمنين إنّ أحوال الانسان التي بناها الله تعالى عليها ، وجعله متصرفاً بها أربعة أحوال : الحالة الأولى : خمس عشرة سنة ، وفيها شبابه ، وحسنه وبهاؤه ، وسلطان الدم في جسمه ، ثم الحالة الثانية من خمس عشرة سنة الى خمس وثلاثين سنة ، وفيها سلطان المرة الصفراء ، وقوة غلبتها على الشخص وهي أقوى ما يكون ولا يزال
__________________
١. ليف الأراك : غصن شجرة الأراك.
٢. الحفر : داء يصيب الاسنان.
٣. الأيل : الوعل.
٤. الكزمارج : ثمرة شجرة الطرفاء.
٥. حب الأثل : ثمرة شجرة الطرفاء.
٦. الملح الاندراني : يشبه البلور.
كذلك حتى يستوفي المدة المذكورة وهي خمس وثلاثون سنة ، ثم يدخل في الحالة الثالثة الى ان تتكامل مدة العمر ستون سنة ، فيكون في سلطان المرة السوداء وهي سن الحكمة والمعرفة ، والدراية ، وانتظام الأمور وصحة في العواقب ، وصدق الرأي ، وثبات الجأش في التصرفات ، ثم يدخل في الحالة الرابعة وهي سلطان البلغم وهي الحالة التي يتحول عنها ما بقي الى الهرم ونكد العيش ، وذبول ونقص في القوة ، وفساد في تكونه ، واستنكار كل شيء كان يعرف من نفسه حتى صار ينام عند القوم ، ويسهر عند النوم ، ويتذكر ما تقدم ، وينسى ما يحدث في الأوقات ، ويذبل عوده ، ويتغير معهوده ، ويجف ماء رونقه وبهاؤه ، ويقل نبت شعره وأظفاره ، ولا يزال جسمه في انعكاس وادبار ما عاش لأنه في سلطان البلغم ، وهو بارد وجامد ، فجموده وبرده يكون فناء كل جسم تستولي عليه في الأخير القوة البلغمية ».
« وقد ذكرت لأمير المؤمنين جميع ما يحتاج اليه في سياسة المزاج ، وأحوال جسمه ، وعلاجه ، وأنا أذكر ما يحتاج الى تناوله من الأغذية والأدوية وما يجب ان يفعله في أوقاته.
فإذا أردت الحجامة فليكن في اثنتي عشر ليلة من الهلال الى خمس عشرة ، فانه أصلح لبدنك ، فاذا نقص الشهر فلا تحتجم الا تكون مضطراً الى ذلك ، وهو لأن الدم ينقص في نقصان الهلال ، ويزيد في
زيادته ولتكن الحجامة بقدر ما يمضي من السنين ، فابن عشرين سنة يحتجم في كل عشرين يوماً ، وابن الثلاثين في كل ثلاثين يوماً مرة واحدة ، وكذا من بلغ من العمر اربعين سنة يحتجم في كل اربعين يوماً مرة ، وما زاد فبحسب ذلك.
واعلم يا أمير المؤمنين ان الحجامة انما يؤخذ دمها من صغار العروق المبثوثة في اللحم ، ومصداق ذلك ما ذكرته أنها لا تضعف القوة ، كما يوجد من الضعف عند الفصد ، وحجامة النقر١ تنفع من ثقل الرأس ، وحجامة الأخدعين٢ تخفف عن الرأس والوجه والعينين ، وهي نافعة لوجه الاضراس ، وبما ناب الفصد عن جميع ذلك ، وقد يحتجم تحت الذقن لعلاج القلاع٣ في الفم ، ومن فساد اللثة ، وغير ذلك من أوجاع الفم ، وكذلك الحجامة بين الكتفين تنفع من الخفقان الذي يكون من الامتلاء والحرارة ، والذي يوضع على الساقين قد ينقص من الامتلاء نقصاناً بيناً ، وينفع من الأوجاع المزمنة في الكلى والمثانة والأرحام ، ويدرّ الطمث ، غير انها تنهك الجسد وقد يعرض منها الغشي الشديد الا أنها تنفع ذوي الثبور والدماميل.
والذي يخفف من ألم الحجامة تخفيف المص عند أول ما يضع
__________________
١. نقرة : حفرة في القفا فوق فقرات العنق باربع أصابع.
٢. الاخدعان ، عرقان خلف العنق من يمينه وشماله في صفحتي العنق.
٣. القلاع : قرحة في جلد الفم واللسان.
المحاجم ثم يدرج المص قليلاً ، والثواني أزيد في المص من الأوايل ، وكذلك الثوالث فصاعداً ، ويتوقف عن الشرط حتى يحمّر الموضع جيداً بتكرير المحاجم عليه ، ويلين المشراط على جلود لينة ، ويمسح الموضع قبل شرطه بالدهن وكذلك الفصد فانه يقلل الألم ، وكذلك يلين المشرط والمبضع عند الحجامة ، وعند الفراغ منها يلين الموضع بالدهن ، ويقطر على العروق إذا فصد شيئاً من الدهن لكيلا يحتجب فيضرّ ذلك بالمفصود ، وليعمد الفاصد أن يفصد من العروق ما كان في المواضع القليلة اللحم لأن في قلة الحم من فوق العروق قلة الألم ، واكثر العروق الماً إذا فصد حبل الذراع١ والقيفال٢ لاتصالها بالعضد٣ وصلابة الجلد فأما الباسليق٤ والأكحل فإنهما في الفصد أقل ألماً ، إذا لم يكن فوقها لحم ، والواجب تكميد ٥ موضع الفصد بالماء الحار ليظهر الدم ، وخاصة في الشتاء ، فانه يلين الجلد ، ويقلل الألم ، ويسهل الفصد ، ويجب في كل ما ذكرناه من إخراج الدم اجتناب النساء قبل ذلك باثنتي عشرة ساعة.
__________________
١. حبل الذراع : الوريد الذي يعتد من الساعد الى الأعلى.
٢. القيفال : الوريد الذي يظهر عند المرفق.
٣. في نسخة (بالعضل) والصحيح العضد.
٤. الباسليق : الوريد الظاهر من المرفق الى الساعد.
٥. التكميد : هو لف العضو بلفاف ونحوه.
ويحتجم في يوم صاح ، صاف لا غيم فيه ، ولا ريح شديدة ، ويخرج من الدم قدر ما يُرى من تغيره ، ولا تدخل يومك ذلك الحمام ، فانه يورث الداء ، وصب على رأسك وجسدك الماء الحار ، ولا تفعل ذلك من ساعتك.
وإياك والحمام إذا احتجمت فإن الحمى الدائمة تكون فيه ، فاذا اغتسلت من الحجامة فخذ خرقة مرغزي١ فالقها على محاجمك أو ثوباً ليناً من قز أو غيره ، وخذ قدر حمصة من الترياق الأكبر٢ واشربه ان كان شتاء ، وان كان صيفاً فاشرب السكنجبين العنصلي٣ ، وامزجه بالشراب المفرح المعتدل ، وتناوله ، او بشراب الفاكهة ، وان تعذر ذلك فشراب الأترج ، فان لم تجد شيئاً فتناوله ـ أي الأترج ـ بعد علكه ناعماً تحت الأسنان ، واشرب عليه جرع الماء الفاتر. وان كان ذلك في زمان الشتاء والبرد فاشرب عليه السكنجبين العسلي فانك متى فعلت ذلك أمنت من اللقوة والبرص والبهق والجذام باذن الله تعالى ، وامتص من الرمان فإنّه يقوي النفس ، ويحيي الدم ، ولا تأكل طعاماً مالحاً بعد ذلك بثلاث ساعات فانه يخاف ان يعرض من ذلك الجرب ، وإن شئت فكل من
__________________
١. المرغزي : هو الزغب الذي تحت شعر العنز.
٢. الترياق الأكبر : هو من الأدوية القديمة.
٣. العنصلي : هو البصل البري ، ولعل الصحيح العسلي.
الطياهيج١ اذا احتجمت ، واشرب عليه من الشراب المزكى الذي ذكرته أولاً ، وادهن بدهن الخيري أوشيء من المسك وماء الورد ، وصبّ منه على هامتك ساعة فراغك من الحجامة.
وأما في الصيف فاذا احتجمت فكل السكباج٢ والهلام٣ والمصوص٤ والحامض ، وصب على هامتك دهن البنفسج بماء الورد ، وشيئاً من الكافور ، واشرب من ذلك الشراب الذي وصفته لك بعد طعامك ، وإياك وكثرة الحركة والغضب ، ومجامعة النساء ليومك ».
« واحذر يا أمير المؤمنين أن تجمع بين البيض والسمك في المعدة في وقت واحد فانهما متى اجتمعا في جوف الانسان ولد عليه النقرس والقولنج والبواسير ، ووجع الأضراس.
واللبن والنبيذ الذي يشربه أهله إذا اجتمعا ولد النقرس والبرص ، ومداومة أكل البصل٥ يعرض من الكلف٦ في الوجه واكل
__________________
١. الطبياهيج : نوع من الطيور.
٢. السكباج : حساء مع الخل.
٣. الهلام : هو السكباج المصفى من الدهن ، أو لحم البقر والعجل والمعز يسلق بماء المح ، ثم يؤخذ اللحم المسلوق ، ويوضع على البقول المسلوقة مع الخل.
٤. المصوص : لحم يطبخ ويوضع في الخل أو لحم الطير خاصة.
٥. في نسخة البيض.
الملوحة ، واللحمان المملوحة ، وأكل السمك المملوح بعد الفصد والحجامة يعرض منه البهق والجرب ، وأكل كلية الغنم وأجواف الغنم يعكر المثانة.
ودخول الحمام على البطنة يولد القولنج ، والاغتسال بالماء البارد بعد أكل السمك يورث الفالج ، وأكل الأترج في الليل يقلب العين ، ويوجب الحول ، واتيان المرأة الحائض يورث الجذام في الولد.
الجماع من غير اهراق الماء على أثره٧ يوجب الحصاة. والجماع بعد الجماع من غير فصل بينهما بغسل يورث الولد الجنون ، وكثرة أكل البيض٨ وادمانه يولد الطحال ، ورياحاً في رأس المعدة والامتلاء من البيض المسلوق يورث الربو والانبهار٩ وأكل باللحم الني يولد الدود في البطن ، وأكل التين يقل منه الجسد إذا أدمن عليه.
وشرب الماء البارد عقيب الشيء الحار والحلاوة يذهب بالاسنان ، والاكثار من اكل لحوم الوحش والبقر يورث تغيير العقل ، وتحير الفهم ، وتبلد الذهن ، وكثرة النسيان ».
__________________
٦. الكلف : مرض يعلو الوجه.
٧. اهراق الماء : أراد به عدم البول بعد العملية الجنسية.
٨. في نسخة البصل.
٩. الانبهار : ضيق النفس.
« وإذا أردت دخول الحمام ، وأن لا تجد في رأسك ما يؤذيك فابدأ عند دخول الحمام بخمس أكف ماء حار تصبها على رأسك فانك تسلم إن شاء الله تعالى من وجع الرأس والشقيقة.
واعلم يا أمير المؤمنين ان الحمام ركب على تركيب الجسد ، للحمام أربعة بيوت مثل طبائع الجسد ، البيت الأول : ـ وهو المسلخ الذي ينزع فيه الثياب ـ بارد يابس ، والثاني : بارد رطب ، والثالث حار رطب ، والرابع : حار يابس ، ومنفعة الحمام عظيمة يؤدي الى الاعتدال وينقي الدرن ، ويلين العصب والعروق ، ويقوي الأعضاء الكبار ، ويذيب الفضول ، ويذهب العفن.
فإذا أردت أن لا يظهر في بدنك بثرة ولا غيرها فابدأ عند دخول الحمام بدهن بدنك بدهن البنفسج ، واذا أردت استعمال النورة ، ولا يصيبك قرح ، ولا شقاق ولا سواء فاغتسل بالماء البارد قبل أن تتنور ، ومن أراد دخول الحمام للنورة ، فليجتنب الجماع قبل ذلك باثنتي عشرة ساعة ، وهو تمام يوم ، وليطرح في النورة شيئاً من الصبر والاقاقيا١ والحضض ، أو يجمع ذلك وياخذ منه اليسير اذا كان مجتمعاً أو متفرقاً ، ولا يلقي في النورة شيئاً من ذلك حتى تماث النورة بالماء الحار الذي طبخ فيه بابونج ومرزنجوش او ورد بنفسج يابس أو جميع ذلك اجزاء
__________________
١. الاقاقيا : الشوكة المصرية.
يسيرة مجموعة أو متفرقة بقدر ما يشرب الماء رائحته ، وليكن الزرنيخ مثل سدس النورة ، ويدلك الجسد بعد الخروج منها بشيء يقلع رائحتها كورق الخوج ، وثجير العصفر ، والحناء والورد ، والسنبل مفردة أو مجتمعة.
ومن أراد أن يأمن من احراق النورة فليقلل من تقليبها ، وليبادر إذا عمل في غسلها ، وأن يمسح البدن بشيء من دهن الورد فان أحرقت البدن ـ والعياذ بالله ـ يؤخذ عدس مقشر ، ويسحق ويداف في ماء ورد وخل ويطلى به الموضع الذي أثرت فيه النورة ، فانه يبرأ بإذن الله تعالى والذي يمنع من آثار النورة في الجسد هو أن يدلك الموضع بخلّ العنب الثقيف ، ودهن الورد دلكاً جيداً ».
« ومن أراد أن لا يشتكي مثانته فلا يحبس البول ، ولو على ظهر دابته.
ومن أراد أن لا تؤذيه معدته فلا يشرب بين طعامه ماء حتى يفرغ ، ومن فعل ذلك رطب بدنه ، وضعفت معدته ، ولم تأخذ العروق قوة الطعام فانه يصير في المعدة فجاً اذا صُب الماء على الطعام أولاً فأولاً.
ومن أراد أن لا يجد الحصاة وحصر البول فلا يحبس المني عند نزول الشهوة ، ولا يطل المكث عند النساء.
ومن أراد أن يأمن من وجع السفل ، ولا يظهر به وجع البواسير فليأكل كل ليلة سبع ثمرات برني بسمن البقر ، ويدهن بين انثييه بدهن زنبق خالص.
ومن أراد أن يزيد حافظته فليأكل سبع مثاقيل زبيب على الريق ومن أراد أن يقل نسيانه ويكون حافظاً فليأكل كل يوم ثلاث قطع زنجبيل مربى بالعسل ، ويصطبغ١ بالخردل مع طعامه في كل يوم ، ومن أراد أن يزيد في عقله يتناول كل يوم ثلاث هيليجا بسكر ابلوج٢ ومن أراد أن لا ينشق ظفره ، ولا يميل الى الصفرة ، ولا يسود حول ظفره فلا يقلم ظفره الا يوم الخميس ، ومن أراد أن لا تؤلمه أذنه فليجعل فيها عند النوم قطنة.
ومن أراد ردع الزكام مدة أيام الشتاء فليأكل كل يوم ثلاث لقم من الشهد ».
« واعلم يا أمير المؤمنين أن للعسل دلائل يُعرف بها نافعه من ضاره ، وذلك أن منه شيئاً إذا أدركه الشم عطس ، ومنه شيء يسكر ، وله عند الذوق حرقة شديدة فهذه الأنواع من العسل قاتلة.
__________________
١. مصطبغ : أي يجعله صبغا واداما.
٢. سكر ابلوج : نبات.
ولا يؤخر شم النرجس فإنه يمنع الزكام في مدة أيام الشتاء ، وكذلك الحبة السوداء ، واذا خاف الانسان الزكام في أيام الصيف فليأكل كل يوم خيارة ، وليحذر الجلوس في الشمس.
ومن خشي الشقيقة١ والشوصة٢ فلا يؤخر أكل السمك الطري صيفاً أو شتاء ، ومن أراد أن يكون صالحاً خفيف الجسم واللحم فليقلل من عشائه بالليل ، ومن أراد أن لا يشتكي سرته فليدهنها متى دهن رأسه ، ومن أراد أن لا تشقق شفتاه ، ولا يخرج فيها باسور٣ فليدهن حاجته من دهن رأسه ، ومن أراد أن لا تسقط اذناه ٤ ولهاتاه فلا يأكل حلواً حتى يتغرغر بعده بخل ، ومن أراد أن لا يصيبه اليرقان فلا يدخل بيتاً في الصيف أول ما يفتح بابه ، ولا يخرج منه أول ما يفتح بابه في الشتاء غدوة ، ومن أراد أن لا يصيبه ريح في بدنه فليأكل الثوم كل سبعة أيام مرة ، ومن أراد أن لاتفسد أسنانه فلا يأكل حلواً إلا بعد كسرة خبز ومن أراد أن يستمري طعامه فليتكئ بعد الأكل على شقة الأيمن ، ثم ينقلب بعد ذلك على شقه الأيسر حتى ينام ، ومن أراد أن يذهب البلغم من
__________________
١. الشقيقة : وجع يصيب نصف الرأس والوجه.
٢. الشوصة : وجع في البطن أو ريح تعقب في الاضلاع.
٣. في نسخة باثور وهو الاصح.
٤. سقوط الأذن واللهاة تراخيهما ولعله يريد بالأذن اللوزتين.
بدنه ، وينقصه فليأكل كل يوم بكرة شيئاً من الجوارش الحريف١ ، ويكثر دخول الحمام ومضاجعة النساء ، والجلوس في الشمس ، ويجتنب كل بارد من الأغذية فانه يذهب البلغم ويحرقه ، ومن أراد أن يطفئ لهب الصفراء فليأكل كل يوم شيئاً رطباً بارداً ويروح بدنه ، ويقل الحركة ، ويكثر النظر الى من يحب. ومن أراد أن يحرق السوداء فعليه بكثرة القيء وفصد العروق ، ومداومة النورة ، ومن أراد أن يذهب بالريح البارد ، فعليه بالحقنة ، والادهان اللينة على الجسد وعليه بالتمكيد بالماء الحار بالابزن٢ ومن أراد أن يذهب عنه البلغم فليتناول بكرة كل يوم من الاطريفل الصغير مثقالاً واحداً ».
« واعلم يا أمير المؤمنين أن المسافر ينبغي له أن يتحرز من الحر إذا سافر وهو ممتلئ من الطعام ، ولا خالي الجوف ، وليكن على حد الاعتدال ، وليتناول من الأغذية الباردة مثل الغريض٣ والهلام ، والخل والزيت وماء الحصرم ونحو ذلك من الأطعمة الباردة.
واعلم يا أمير المؤمنين إن السير الشديد في حر الشديد ضار
__________________
١. الجوارش الحريف : كالكمون والفلافل واشباههما.
٢. الابزن : ظرف فيه ماء حار توضع فيه الأدوية الخاصة لجلوس المريض فيه.
٣. الغريض : اللحم الطري.
بالأبدان المنهوكة اذا كان خالية من الطعام ، وهو نافع بالابدان الخصبة ، وأما صلاح المياه للمسافر ، ودفع الأذى عنه فهو أن لا يشرب من ماء كل منزل يرده الا بعد أن يمزجه بالماء المنزل الذي قبله أو بشراب واحد غير مختلف يشوبه بالمياه على اختلافها ، والواجب أن يتزود المسافر من تربة وطنه التي ربي عليها ، وكل ما ورد الى منزل طرح في انائه الذي يشرب منه الماء شيئاً من الطين الذي تزوده من بلده ، ويشوب الماء بالطين في الآنية بالتحريك ، ويؤخر قبل شربه حتى يصفو صفاء جيداً ، وخير الماء شرباً لمن هو مقيم أو مسافر ما كان ينبوعه من الجهة الشرقية من الخفيف الأبيض ، وأفضل المياه ما كان مخرجها من المشرق الشمس الصيفي ، وأصحّها وافضلها ما كان بهذا الوصف الذي نبع منه ، وكان مجراه في جبال الطين وذلك لأنها تكون في الشتاء باردة ، وفي الصيف ملينة للبطن نافعة لاصحاب الحرارات.
وما الماء المالح والمياه الثقيلة فانها تيبس البطن ، ومياه الثلوج والجليد ردية لسائر الاجساد ، وهي كثيرة الضرر جداً.
وأما مياه السحب فانها خفيف عذبة صافية نافعة للأجسام اذا لم يطل خزنها وحبسها في الأرض.
وأما مياه الجب فانها عذبة نافعة إن دام جريها ، ولم يدم حبسها في الأرض ، واما البطائح والسباخ فانها حارة غليظة في الصيف لركودها ، ودوام طلوع الشمس عليها وقد يتولد من دوام شربها المرة
الصفراوية ، وتعظم به اطلحتهم ».
« وقد وصفت لك يا أمير المؤمنين فيما تقدم من كتابي هذا وما فيه لمن أخذ به ، وانما اذكر أمر الجماع ، فلا تدخل النساء من أول الليل صيفاً ، ولا شتاء ، وذلك لأن المعدة والعروق تكون ممتلية ، وهو غير محمود ، ويتولد منه القولنج والفالج واللقوة ، والنقرس ، والحصاة والتقطير ، والفتق ، وضعف البصر ، ورقنه ، فاذا اردت ذلك فليكن في آخر الليل فانه أصلح للبدن ، وارجى للولد وأزكى للعقل في الولد ، الذي يقضي الله بينهما.
ولا تجامع امرأة حتى تلاعبها ، وتكثر ملاعبتها ، وتغمز ثدييها فانك اذا فعلت ذلك غلبت شهوتها ، واجتمع ماؤها لأن ماءها يخرج من ثدييها ، والشهوة تظهر من وجهها وعينيها ، واشتهت منك مثل الذي تشتهيه منها ، ولا تجامع النساء الا وهي طاهرة ، فاذا فعلت ذلك ، فلا تقم قائماً ولا تميل جالساً ، ولكن تميل على يمينك ، ثم انهض للبول اذا فرغت من ساعتك شيئاً ، فانك تأمن من الحصاة بإذن الله تعالى. ثم اغتسل واشرب من ساعتك شيئاً من الموميائي بشراب العسل أو بعسل منزوع الرغوة ، فانه يرد من الماء مثل الذي خرج منك.
واعلم يا أمير المؤمنين أن جماعهن ، والقمر في برج الحمل أو الدلو من البروج أفضل ، وخير من ذلك أن يكون في برج الثور لكونه
شرف القمر١ .
ومن عمل فيما وصفت في كتابي هذا ، ودبر به جسده أمن بإذن الله تعالى من كل داء ، وصح جسمه بحول الله وقوته ، فان الله يعطي العافية لمن يشاء ، ويمنحها إياه ، والحمد لله أولاً وآخراً ، وظاهراً وباطناً ».
المصدر : حياة الامام الرضا ١/١٩٩ ـ ٢٢٩.
ــــــــــــــــــ
١. قال المجلسي : ولعل هذه الأمور ـ إن كان منه ـ لبعض المصالح موافقة لما اشتهر في ذلك الزمان عند المأمون وأصحابه من العمل بآراء الحكماء.
المحتويات
الإهداء ٦
الى الإمام ٧
ليست بداية ٩ ـ ١٣
الرواية ١٥ ـ ٣١٧
ما وراء السطور ٣١٩ ـ ٣٤٢
وثائق ٣٤٣ ـ ٤٠٩
الملحق رقم ١ ٣٤٥
الملحق رقم ٢ ٣٥٣
الملحق رقم ٣ ٣٦٣
الملحق رقم ٤ ٣٦٧
الملحق رقم ٥ ٣٧٧
الملحق رقم ٦ ٣٨٥
* * *
الفهرس
الإهداء ٥
الى. ٦
ما وراء السطور ٣١٨
وثائق. ٣٤٢
الملحق رقم ٢. ٣٥٢
الملحق رقم ٣. ٣٦٢
الملحق رقم ٤. ٣٦٦
الملحق رقم ٥. ٣٧٦
الملحق رقم ٦. ٣٨٤