الإنسان في الرؤية القرآنية
محاضرة للشيخ الجليل تقي جعفريرحمهالله
تعريب: الشيخ فضيل الجزائري
القسم الأوّل : أبعاد الإنسان
نجد عنـّد التأمل في المفاهيم القرآنية أنّ للإنسان ، الذي يمثـّل مفردة من مفردات الوجود ، أبعاداً ثلاثة تميّزه عن باقي الموجودات - مجردة كانت أو مادية - ، ولكل بعدٍ من هذه الأبعاد ظهورات وتجليات يصفها القرآن بدقة فائقة تحيّر العقول .
أولاً - أبعاد الإنسان :
وهذه الأبعاد يعرضها القرآن الكريم كما يلي :
١ - البعد الطبيعي (الحيواني):
الإنسان في هذا البعد لا يرى سوى ذاته ، بل هو مستعد أنْ يضحّي بكل نفيسٍ وجميل لأجل ذاته فقط ونشير في مايلي إلى الخصوصيات التي يتجلـّى فيها الإنسان الطبيعي كما بيّنتها الرؤية القرآنية :
أ - يحبّ المال حبّاً شديداً: قال تعالى:( وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ) العاديات/الآية ٨ وقال تعالى :( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُر...ُ ) التكاثر/١ ، وقال تعالى :( وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ) الفجر/ ٢٠ .
ب - فرّارٌ مِنَ الضّرر : قال تعالى :( وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ َ ) وقال تعالى :( وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ) الزمر/الآية ٨.
ج - ذو مكرٍ: قال تعالى:( إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُون ) يونس/ ٢١ ، وقال تعالى : ( وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) الأنفال/٣٠، وقال تعالى : ( وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا ) يونس/٢١.
د - الطغيان عن الاستغناء: ، قال الله تعالى : ( كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى، أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ) العلق/٦-٧.
هـ - عجولٌ : قال تعالى :( خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ ) الأنبياء / ٣٧، وقال أيضاً:( وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً ) الإسراء /١١ .
و - ضعيفٌ : قال تعالى :( وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا ) النساء/ ٢٨ .
ز - بخــيلٌ : قال تعالى :( وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًاً ) الإسراء/١٠٠ .
ح - غير معتدلٍ : قال تعالى :( إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ) المعا رج / ١٩ .
ط - مجادلٌ : قال تعالى :( وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً ) الكهف/ ٥٤
ي - كفور النّعمة : قال تعالى :( فَإِنَّ الإِنسَانَ كَفُورٌ ) الشورى/ ٤٨
والسؤال المطروح هو : هل هذه الأوصاف المتعددة تبيّن ماهية الإنسان الحقيقية ؟ أو هي عبارة عن ظواهر تعرض على الإنسان لعوامل خاصة ؟ وكي يتّضح الجواب على السؤال السابق نحاول كشف منشأ هذه الأوصاف في نفس الإنسان
وعند التأمل يمكن إرجاع هذه الصفات المتعددة إلى ثلاثة أقسام :
القسم الأوّل : إنّها صفات ناتجة ونابعة من اختيار الإنسان ، وتندرج تحت هذا القسم الصفات التالية:
١ -المكر .
٢ -الجدال .
٣ -كفران النّعمة .
القسم الثاني : إنّها تمثل نوعية من الصفات نابعة من خلقة الإنسان ذاتها ، وتندرج تحت هذا القسم الصفات التالية :
١ - عجول .
٢ - ضعيف.
٣ - هلوع .
القسم الثالث: إنّ هذا السنخ من الصفات لا تبرز عن الخلقة بمفردها ، بل تضاف إليها عوامل خارجية تجعلها تتصف بهذه الصفات :
١ - حب المال.
٢ - الفرار من الضّرر .
٣ - الطغيان مع الغنى .
٤ - البخل .
وما نحصل عليها من هذه الرؤية القرآنية : هو أنّ الإنسان في بعده الطبيعي - وبمعزل عن الوجدان - يختزل في حقيقتين :
الأولى : الإنسان حقيقة مادية تخضع للقوانين المادية الحاكمة على الوجود المادي .
الثانية : الإنسان في هذا البعد لا يرى سوى نفسه وذاته ، حيث تمثـّل ذاته بالنسبة له المعبود المطلق الذي يتحرك من أجل تلبية مقتضياته ويسعى نحو جلب رضاه.
والنتيجة التي نحصل عليها من تحليل هذا البعد هي : أنّ الإنسان حقيقة ضائعة لا وزن و لا قيمة لها ، كما يعبّر القرآن الكريم :( إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ... ) العصر/١
طرح إشكاليّة :
تبقى مسألة تتصل بالمطالب السابقة ، وهي أنّ الصفات الاختيارية لا تقع مورداً للإشكال ؛ لأنّ الله تعالى يقول :( لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ) البقرة /٢٨٦ ، لكنّ الإشكال يرد على الأوصاف الناشِئة عن الخِلقة أو عن العوامل المضافة إلى الخِلقة، فكيف تكون رذيلة وقبيحة ؟!
للإجابة على الإشكالية السابقة ، يحسن بنا التفكيك بين مسألتين ، هما:
الأولى : بيان وضع الخِلقة ومقتضياتها
الثانية : البقاء على هذا الوضع وهذه الحالة .
ومن الواضح أنّ الذي يقع مورداً للذم والتوبيخ هو البقاء على هذه الحالة وهذه الوضعية التي عليها الخلقة ، وليس أصل الوضع والحالة فإنّ أصل "الضعف" في الإنسان كما تبيّنه الآية المباركة من سورة النساء ، وأصل "عدم الاعتدال" كما تعكسه الآية ١٩ من سورة المعارج ، وكذا أصل "العجلة" التي خلق عليها الإنسان كما نرى ذلك في الآية ١١ من سورة الإسراء كلها لا تشكـّل عيباً في الإنسان بوصفها مغروسة في خِلقته ، لكن البقاء على هذه الوضعية والخلود في حضنها هو الذي يشكـّل عيباً ونقصاً في الإنسان .
إذن ، ليس من شأن الإنسان البقاء على هذا المستوى ، بل هو مطالب وفق الهدف الذي خلق لأجله أن يعرج ويعلو ويسمو فوق هذه الأوصاف وهذا الضعف .
وبالبيان نفسه يتضح الجواب على الإشكال الوارد على الصفات من القسم الثالث ، فمن الواضح أنّ اللـّوم والتوبيخ لا ينصبّان على الخِلقة الساعية نحو تلبية متطلباتها ، بل ينصبّ الذم على الإنسان الذي يتجاوز على حقوق الآخرين في أثناء تلبية مقتضيات الخلقة والطبيعة ، فيسقط في ظلم الآخرين والتعدي على حقوقهم.
٢ - البعد المعنوي:
يتجلـّى هذا البعد في الحياة الاجتماعية للإنسان ، حيث نجد ثمّة معنى للعلاقات الاقتصادية و الحقوقية و الثقافية فعلى مستوى هذا البعد تبدأ إنسانية الإنسان بالظهور ، ومن هنا يبدأ يحترم غيره ويشعر بهموم مَنْ حوله ، ويتعامل مع غيره
وبعبارة جامعة: تبدأ الحياة المعنوية في الإنسان بالظهور، حيث تتجلـّى فيه صفة مميّزة تتمثل في ما يسمّى : التربية
وإذا تأملـّنا جيّداً في الإنسان على مستوى هذا البعد ، نجده يسعى - من خلال توفير هذه الأجواء من تربية و قوانين وحقوق متبادلة - نحو هدفين أساسيين :
الأوّل: المال والمقام ( الجاه ) .
الثاني: الفِرار من القصاص .
فهو يسعى نحو الهدفِ الأوّل حتى يوفر لنفسه سعة في التصرّف وكسب قدرٍ أكبر من النفوذ لرفع حاجياته ونقائصه ، ويسعى لتوفير الهدف الثاني للحفاظ على ما اكتسبه من مالٍ وجاه والآن نأتي لنرى ما هو موقف القرآن من هذه الحالة في الإنسان .
عند الرجوع إلى الرؤية القرآنية ، نجد الهدفين مقبولين من جهة ومرفوضين من جهة أخرى ، فهما مقبولان بوصفهما وسيلة لغاية أسمى وأشرف ، ومردودان بوصفهما غاية وهدفاً ، فمثلاً يقول القرآن فيما يتصل بالقصاص : ( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون َ ) ، فالحياة في الآية الشريفة منوطة بالقصاص ، أي أنّ الحياة لا تبقى ولا تدوم إلاّ بإقامة الحدود والقصاص لكن السؤال الأساسي هو "أيّة حياة هي التي تبقى بإقامة القصاص والحدود ؟ " ، فإذا كان الجواب هو : الحياة الطبيعية المتمثـِّلة في الأكل والشرب والنكاح والتفاخر... ، فهي حياة لهوٍ ولعبٍ كما ينعتها بذلك القرآن الكريم ، فلا قيمة لهذه الحياة في الرؤية القرآنية. وأمّا إذا كان المقصود من الحياة حياة أخرى "الحياة الطيبة":( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُون ) النحل/٩٧، فنِعم الحياة هي
والحاصل أنّ الإنسانَ ، وإن تجاوز بهذا البعد طبيعته ووصل إلى حياة تسودها الحقوق والفنون والتربية ومقتضيات الحضارة عامة ، لكنّه لم يصل إلى حقيقَتِه الواقعية التي تتمثل في الإنسان الإلهي والمثالي .
٣ - البعد الإلهي:
والآن، وبعدما تبيّن لنا معنى الإنسان في البعدين السابقين، ورأينا أنّ القرآنَ لا يرضى للإنسان أن يمكث ويبقى واقفاً على هذا المستوى ، نأتي ونسأل : هل ثمّة مستوى آخر للإنسان في الرؤية القرآنية يختلف عن البعدين السالفين ؟
لكي تتضح الإجابة على السؤال السابق ، نعرض لأقسام النفس الإنسانية كما تصوّرها الرؤية القرآنية :
أ - النفس الأمّارة :
المتمثـّلة في البعد الطبيعي الذي تناولنا مواصفاته في البحوث السابقة. وهذه النفس خاضعة مقهورة تحت تأثير الغرائز، وبخاصة القُوة الشهوية والغضبية ، ولا يهمّها إلاّ ذاتها تجذب بالقوة الشهوية ما ينسجم معها و تدفع بالقوة الغضبية ما لا يلائمها
ب - النفس اللوّامة :
وهي عبارة عن تجلٍّ من تجليات الوجدان ، و بفضل هذه القُوة يشعر الإنسان بالسرور إذا قام بفعل حسن ، وبالحزن إذا قام بفعل قبيح والإنسان ، على مستوى هذه النفس ، لا يمثـّل تلك الحقيقة التي يصورها القرآن ، أي البعد الإلهي الذي بفضله يتصل الإنسان بالحق تعالى الكمال المطلق .
ج - النفس المطمئِنّة:
تعد النفس المطمئِنّة أعلى مقام يصل إليه الإنسان في حركته نحو الكمال و الرشد ، يقول تعالى :( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي ) الفجر/ ٢٧-٣٠.
والسؤال المطروح هو ما هو العامل الأساسي الذي بموجبه يصل الإنسان إلى هذا الكمال (النفس المطمئنة) ؟
ثمّة بُعدٌ آخر في حياة الإنسان تبرزه الرؤية القرآنية يتمثل في ( حقيقة الإيمان ) ، وبفضل هذه البعد ينجذب الإنسان إلى الغيب ويتصل بالله تعالى الكمال المطلق .
وإليك مواصفات هذا البعد في حياة الإنسان كما تبيّنها وتشرّحها الرؤية القرآنية :
١ - الإيمان نور إلهي :
قال تعالى :( اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ) البقرة/ ٢٥٧.
نلمح في الآية المباركة حقيقة رائعة ، وهي أنّ "حقيقة الإيمان" ملازمة للخروج من الظلمة إلى النورانية ، أيّة نورانية ؟ نورانية تتجلى في :
أ - التربية .
ب - الأخلاق والسلوك
ج - العلاقات .
د - المعاشرة .
والأهم من ذلك كله النورانية في الفكرة والمعتقد
وبعبارة ثانية :
النورانية في الصراط - الشريعة السّـَمحة - والمبدأ والمقصد ، وهذا الأمر عبارة أخرى عن : التوحيد والمعَاد ، والطريق : النبوة ولوازمها
٢ - الإيمان والمودّة :
قال تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرّحمنُ وُدًّا ) مريم/٩٦
ومن آثار الإيمان - كما نلمح ذلك في الآية المباركة - المحبة المتمثلة في :
أ - محبة الله لعباده المؤمنين .
ب - محبة عباده له تعالى
ج - محبة الناس بعضهم لبعض
والنتيجة - التي نحصل عليها من الآثار الناتجة عن حقيقة الإيمان - هي : أنّ كل حركة وكل تعلق لا يتمحور حول هذه المحبة ولا يورث هذه المودة فهو بطلان في بطلان.
٣ - الإيمان والتقوى والعلم :
قال تعالى:( وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ ) البقرة/٢٨٢ ، تربط الآية الكريمة بين الإيمان والعلم الذي يمثـّل الاتصال بالعلم المطلق
٤ - الإيمان ضد الخوف والحزن :
قال تعالى :( فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون ) الأنعام/٤٨ تربط الآية الكريمة بين الإيمان وعدم الخوف والحزن ، وهذا من روائع البيانات القرآنية.
ثانياً - الكمال الإنساني:
والسؤال الذي يفرضه الذهن هو ماذا يترتب على الاتصاف بالإيمان ذي المواصفات المتعددة السابقة ؟ نلتمس الإجابة على هذا السؤال من المفاهيم التي يثيرها القرآن الكريم ، حيث يقول تعالى :( فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُون َ ) البقرة/ ١٨٦ ، ويقول تعالى أيضا ً:( فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا ) الجن/١٤ ، وقال تعالى في موضع آخر:( وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ ) الأنبياء/٥١ ، وأيضاً يقول تعالى:( رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ) الكهف/١٠.
نلحظ من مجموع الآيات السابقة العلاقة والملازمة بين " الإيمان "و" الرشد "(١) ، أي العلاقة بين "الإيمان" كحالة نفسانية ووجودية ، وبين "الكمال" كحالة وجودية أخرى لكن "الرشد" ينطوي على خاصيّة من حيث المصداق غير موجود في "الكمال" ، هي : أنّ الشيءَ الواصل إلى مقام الرشد قد انتقل من مرتبة دانية إلى مرتبة عالية.
وبعبارة ثانية : أنّ للشيءِ المتصف بالرشد مراتب متغيّرة يصعد ويرقى فيها ، فمثلا ً إذا قلنا : إنّ حبة الحنطة وصلت إلى حالة الرشد ، يعنى هذا أنَّها لم تكن لها هذه الحالة من الرشد ووصلت إليها عن طريق تغيّرها وتبدّلها التي اكتسبتهما من خلال حركتها التكاملية ، و لذا لا يتـّصف الله تعالى - الذي يمثـّل عينَ الكمال المطلق - بالرشد ، فلا نقول : الله تعالى يرشد ، في حين أنّه تعالى مطلق الكمال
ملاك الكمال الإنساني :
إنّ للإنسان أو المجتمع نوعين من الكمال ( الرشد ) : أحدهما ظاهر للجميع ، والثاني لا يتصف به إلاّ المؤمنون كما أشرنا إلى ذلك في الفصل السابق ويتمثل الكمال الأوّل ( الظاهري ) في "صفة الجمال" و "صفة القدرة" مِنْ الواضح أنّ الجمال والقدرة هنا هما الجمال المادي والقدرة المادية ، فكل من اتصف - فرداً كان أو جماعة - بالجمال والقدرة ينال الكمال والرشد المُسانخ لهاتين الصفتين .
ــــــــــ
(١) يستعمل الرشـد بمعنى الكمال ، نقول : وصلت الفاكهة إلى حالة الرشد بمعنى اكتملت بحيث تضحى قابلة لأن تستهلك .
لكنّ هذين الوصفين : "الجمال" و"القدرة" ترفضهما الرؤية القرآنية رفضاً باتاً ، يقول القرآن الكريم :( قُلْ لاَ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) المائدة/ ١٠٠ ، ويقول أيضا ً:( وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ) المنافقون/٤ ، و قال تعالى :( فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ) التوبة/٥٥ ، ويقول أيضاً :( وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) طه/١٣١ .
الخلاصة :
إنّ ملاك الكمال والرشد الإنساني ( الفردي والاجتماعي ) لا يتمثل في الجمال والقوة الماديين ، بل يتمثل في "الإيمان" بالكمال المطلق وما يتصل بالكمال المطلق من شؤوناته وتجلـّياته ، وبفضل هذا النور الإلهي يصل الإنسان إلى رشده وكماله المطلوب - القرب الإلهي- ، سواء كان في جامعة إنسانية أو في عزلة عن غيره .
القسم الثاني : المجتمع الإنساني في الرؤية القرآنية
١ - السنن الكونية :
إذا تأملنا في مفاهيم القرآن فيما يتصل بالتكامل الاجتماعي ، نجد أنّ هذا التكامل تحكمه قوانين لا يحيد عنها بحال من الأحوال و تتمثل هذه القوانين في سنن كونية حاكمة على كل مفردة من مفردات الوجود، سواء كانت مفردة بمعزل عن الأخريات أو في إطار جماعة و في تماس مع باقي المفردات. نلمح هذه الحقيقة في قوله تعالى : ( إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرّحمنِ عَبْدًا ، لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا ) مريم/ ٩٣-٩٤ ، وفي قوله تعالى :( وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ) يس/ ١٢، وفي قوله تعالى :( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ) الحجر/٢١
فيظهر من الآيات التي سقناها أنّ كل ظاهرة وجودية ــ فردية أو جماعية ــ تخضع لقانون و سنة كونية ، وكل اعتلاء وسقوط يتم وفق قانون حاكم لا يختلف و لا يتخلف ، وثمّة آيات تبيّن الحقيقة السابقة نفسها فيما يتصل بالحضارات والأمم والمجتمعات ، من قبيل قوله تعالى :( مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ) الحجر/٥ ، والمؤمنون/ ٤٣، و قوله تعالى :( وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ) آل عمران/١٤٠.
٢ ـ علل اعتلاء المجتمعات وسقوطها :
بيّنا في ما سبق أنّ الظواهر الإنسانية في بعديها : الفردي والاجتماعي تخضع لقوانين وسنن حاكمة ومسيطرة لا يمكن التخلص منها ، وهي حقيقة ثبتتها الرؤية القرآنية نفسها. والآن نأتي لنرى في الرؤية نفسها ما هي العلل الأساس التي تقع وراء قيام الحضارات و سقوطها
يظهر حين التأمل و النظر في بعض الآيات الكريمة أنّ علل سقوط المجتمعات و نهوضها ترجع في النهاية إلى النّاس في حد ذاتهم ، يقول الله تعالى:( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ٌ ) الأنفال/ ٥٣، ويقول أيضاً: ( إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) الرعد/١١، وفي آية أخرى :( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ) الأعراف/٩٦ .
ويظهر من طائفة من الآيات أنّ علل سقوط واعتلاء الأمم ترجع إلى المجتمعات نفسها ، يقول تعالى :( تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ) البقرة / ١٣٤و١٤١ .
ومن هنا ، يمكن لنا استخلاص النتائج التالية :
أ - إنّ علل التغيّرات والتحولات الاجتماعية تكمن في حقيقة الإنسان .
ب - إنّ العامل المحرِك والمغيّر للتاريخ هو نفس الإنسان .
ج - إنّ المجتمعات تشبه كثيراً الفرد الإنساني كما يظهر من قوله تعالى :( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ) المدثـّر/٣٧، وقوله تعالى :( تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ) البقرة / ١٣٤و١٤١ .
تبصرة :
يمكن أنّ يأتي في الذهن هذا السؤال :
إنّ الظواهر الكونية والاجتماعية على قسمين :
أ ــ ظاهرة تخضع لاختيار الإنسان ، وظاهرة ضرورية لا دخل للإنسان في تحققها ووجودها وعلى هذا ، لمن ننسب السقوط والنهوض ، للقسم الأوّل أو القسم الثاني ؟
من الواضح أنّ عوامل السقوط والارتفاع مرتبطة بالأفعال الاختيارية ، ولا علاقة لها بالظواهر الحتمية الاضطرارية ، لكن الإشكالية تكمن في جهة أخرى ، وهي أنّه من الصعب تصوّر حركة اختيارية لمجتمع ما ، فهل هي "فعّالية اختيارية" لجميع الأفراد أو لبعضٍ منهم ؟ وغير خفي : إنّنا لم نرَ إلى الآن تحركاً اختيارياً لمجتمع ما بحيث يشمل جميع أفراده شريطة أنّ يكون تحركاً واعياً قادرا ً.
بُغية الوصول إلى حلٍ للإشكالية السابقة ، نحتاج إلى التأمل قليلاً في مكونات الفرد الإنساني ، حيث نجده متشكلاً من جزئيات متعددة : ِرجلٌ ، رأسٌ، ظفرٌ، لونٌ، ضحكٌ، بكاءٌ ، والأمر الذي يشكـّل حقيقة الفرد الإنساني هو مكونات تخضع لها هذه الجزئيات ، ويمكن إرجاع هذه المكونات إلى ركنين أساسيين :
إحداهما: العقلانية .
ثانيهما: الوجدان ( العاطفة ) .
فالعقلانية ( التعقل ) والوجدان ( العاطفة ) في تفاعلهما وتعاونهما على مستوى حقيقة الإنسان ، يحددان عوامل الاعتلاء والسقوط وهنا يثار السؤال الأساسي : من يضع المكونات لحقيقة الإنسان على الصراط المستقيم والمسلك الصحيح ؟
للإجابة على السؤال الأساس ، نرى أنّ الرؤية القرآنية تطرح حقيقة في غاية الأهمية والخطورة ، وهي أنّ الأمّة أو الجماعة لا يمكن لها التحرك اختيارياً نحو التغيير إلاّ إذا حرّك أفراد خارقيين للعادة عقلانيتها ووجدانها نحو هدف خاص ، ونلمح هذه الحقيقة في قوله تعالى :( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا ) النحل/١٢٠ .
فالخلاصة ، أنّ المجتمع له بعدان :
الأوّل: ثبات المجتمع : وهذا يرجع إلى الشخصيات التي تمثل أئمة لأفراد الأمة الواعية العاقلة ، فهي التي تحرّك المجتمع نحو الاعتلاء أو السقوط
والثاني : تغيّر المجتمع : وهذا يرجع إلى أفراد الأمّة ، بوعيها وفعّاليتها وإعمال اختيارها في حركتها نحو الكمال والازدهار.
والسلام عليكم و رحمة الله وبركاته .
الفهرست
القسم الأوّل : أبعاد الإنسان. ٢
أولاً - أبعاد الإنسان : ٢
١ - البعد الطبيعي (الحيواني): ٢
طرح إشكاليّة : ٤
٢ - البعد المعنوي: ٥
٣ - البعد الإلهي: ٦
أ - النفس الأمّارة : ٦
ب - النفس اللوّامة : ٧
ج - النفس المطمئِنّة: ٧
١ - الإيمان نور إلهي : ٧
٢ - الإيمان والمودّة : ٨
٣ - الإيمان والتقوى والعلم : ٨
٤ - الإيمان ضد الخوف والحزن : ٨
ثانياً - الكمال الإنساني: ٩
ملاك الكمال الإنساني : ٩
الخلاصة : ١٠
القسم الثاني : المجتمع الإنساني في الرؤية القرآنية ١٠
١ - السنن الكونية : ١٠
٢ ـ علل اعتلاء المجتمعات وسقوطها : ١١
تبصرة : ١٢