الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) زين العابدين

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: السيد زهير الأعرجي
الإمام علي بن الحسين عليه السلام

الإمام علي بن الحسينعليه‌السلام زين العابدين

السيد زهير الأعرجي


بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى :( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيرا ) (١) .

وعن الإمام الرضاعليه‌السلام قال : (رحم الله عبداً أحيى أمرنا) قيل له : كيف يحيي أمركم ؟ قالعليه‌السلام : (يتعلم علومنا ويعلمها الناس ، فان الناس لو علموا محاسن كلامنا لا تبعونا )(٢) .

ــــــــــــــــ

(١) سورة الأحزاب : الآية ٣٣ .

(٢) عيون أخبار الرضاعليه‌السلام ص ١٧١ .


المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على محمدٍ رسول الله ، وعلى آله الطيبين الطاهرين .

وبعد .

هذا الكتاب يتناول سيرة الإمام الرابع من أئمة أهل البيت علي بن الحسينعليه‌السلام ، وخصائصه الشخصية ، وآثاره في العلم والحكمة والموعظة .

وشخصية علي بن الحسينعليه‌السلام المعروف بالسجاد وزين العابدين لها أهمية تأريخية وعقائدية متميزة لسببين :

الأول : إمتلاكه اللياقة التامة الكاملة لمنصب الإمامة الكبرى وهو منصب إلهي مجعول من قبل الله تعالى ، كما أشار القرآن الكريم :( وَإِذِ ابْتَلَى‏ إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ قَالَ إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً ) (١) وتلك اللياقة تعني حيازة الفضائل الإنسانية والكمالات الروحية والعلمية والجسدية واللياقة لا تكتمل إلا بعلمٍ رباني وفيضٍ إلهي يحيط بجميع شؤون ولاية الإمامعليه‌السلام ، وبمَلَكَة روحية تصونه عن الخطأ والنسيان ، والجهل والعصيان .

ــــــــــــــــ

(١) سورة البقرة : الآية ١٢٤ .


الثاني : طرق البيان اللفظي الرائع التي تميز بها السجادعليه‌السلام في زمن حفَلَ بالأدب والبلاغة والشعر ولكن لم يرقَ إلى نثر أهل البيتعليه‌السلام الديني الرائع غير أدبهم ، ولم تسمو إلى تلك المفاهيم المترابطة غير ألسنتهم الناطقة بالحق والصدق فقد أطنب الإمامعليه‌السلام في أدعيته ومناجاته ومواعظه وحكمه ودروسه في وصف الجنة والنار ، والنعيم والعذاب ، والآخرة والدنيا ، والخير والشر ، والإيمان والفسوق ، تشويقاً وتهويلاً ولا شك ان الإطناب في فلسفة اللغة من أرقى أساليب البلاغة ومن أروع صورها ووجوهها .

وبكلمة ، فقد مثَّلَ زين العابدينعليه‌السلام المنار الشامخ للخير والهداية في زمن عمَّ فيه الظلم والظلام وكلماته البليغة وسيرته العطرة سوف تبقى نموذجاً لشمولية الإسلام لكل جوابن الرحمة والمحبة في حياة الإنسان .

وله سبحانه وتعالى الشكر على إتمام النعمة ، وقبول العمل ، وغفران الزلل ، وحسن العاقبة في المبدأ والمآل ، وهو حسبنا ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير .

زهير طالب الأعرجي

الأول من محرم الحرام ١٤٢٥ هـ

الحوزة العلمية


محتويات الكتاب :

الفصل الأول : الترجمة التأريخية

الفصل الثاني : الخصائص الشخصية

الفصل الثالث : المعالم الإجتماعية

الفصل الرابع : الآثار المدوَّنة

الفصل الخامس : نصوصٌ منتقةُ

الفصل الأول : الترجمة التأريخية

ولادة علي بن الحسين عليه‌السلام

إذا أراد المؤرخ أن يؤرخ لحياة الإمام زين العابدين علي بن الحسينعليه‌السلام ، فلابد أن يرجع قليلاً الى الوراء ، وبالتحديد الى فتح بلاد فارس زمن الخليفة الثاني فقد فتحت بلاد الفرس في السنة السادسة عشرة من الهجرة ، الا ان ملكها (يزدجرد بن شهريار بن كسرى أبرويز) هرب من عاصمة مملكته بعد سقوط المدائن بيد المسلمين ، وبقي متخفياً في أرياف فارس أربعة عشر عاماً حتى قتل سنة ٣٠ هجرية في مرو وصادف مقتله السنة السادسة من خلافة عثمان بن عفان .

وتشير الروايات التاريخية الى ان يزدجرد وصل الى المُلك سنة ١٦ هـ (بعد تمصير البصرة) أي بعد أربع سنوات فقط من تملك أبيه شهريان الذي أعتلى عرش فارس سنة ١٢ هـ أما جدهم كسرى أبرويز فقد قتل سنة وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وفي سنة ٣٦ هـ ، وهي السنة التي تصدى فيها علي بن أبي طالبعليه‌السلام للخلافة ، أرسلعليه‌السلام حريث بن جابر والياً على جانب المشرق ، فظفر بابنتي يزدجرد بن شهريار ، وبعثهما اليهعليه‌السلام وهو بالكوفة فنحل الامامعليه‌السلام شاه زنان الى ولده الحسين سيد شباب اهل الجنةعليه‌السلام فولدت له علي بن الحسينعليه‌السلام في الخامس من شهر


شعبان سنة ٣٨ هـ(١) في الكوفة ، وقيل في المدينة وهو بعيد ونحل الأخرى إلى محمد بن أبي بكر ، فولدت له القاسم ، وهو فقيه معروف(٢) ونُسب إلى الإمام علي بن أبي طالبعليه‌السلام انه كان يرى أن بنات الملوك ينبغي ان لا يعاملن معاملة الأسرى ولو كن كافرات(٣) ، وسنناقش دلالة ما نُسب إليهعليه‌السلام عما قليل .

وعندما قدمها أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام إلى الحسينعليه‌السلام أوصاه بالإحسان إليها ، وسماها فاطمة تكريماً لها وتنبأعليه‌السلام نبوءته الصادقة : (يا أبا عبد الله لتلدن لك خير أهل الأرض ).

وهكذا كان ، فقد انجبت له زين العابدينعليه‌السلام وكان فعلاً خير أهل الأرض في ذلك الزمان ومواصفات فاضلة كتلك ، جعل تلك المرأة الكريمة تستحق لقب (سيدة النساء) حيث كانت تعرف به(٤) وهو لا يتعارض مع لقب فاطمة الزهراءعليه‌السلام ففاطمةعليه‌السلام في الحديث المستفيض عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين و(شاه زنان) سيدة نساء زمانها فلا تعارض في اللقبين .

ــــــــــــــــ

(١) مطالب السؤول ج ٢ ص ٤١ والفصول المهمة لابن الصباغ ص ٢٠١ .

(٢) الإرشاد للمفيد ص ٢٨٤ وبحار الانوار ج ٤٦ ص ١٢ ح ٢٣ وعوالم العوالم ج ١٨ ص ٩ ح ٥.

(٣) تجد روايات فريبة من ذلك في الكافي ج ١ ص ٤٦٦ ح ١ وبصائر الدرجات ص ٣٣٥ ح ٨ .

(٤) نور الابصار للشبلنجي ص ١٢٦ .


وحدثٌ بهذا الوزن لابد ان يؤرخه الشعراء ، فتصدى لذلك الصحابي التابعي أبو الاسود الدؤلي ( ت ٦٧ هـ ) في بيتٍ شعري رائع :

وإنّ وليداً بين كسرى وهاشمٍ

لأكرمُ من نيطت عليه التمائمُ(١)

ولم تمكث سيدة النساء بعد وضع وليدها الا قليلاً ، فقد أصابتها حمى النفاس فتوفيت (رض) على أثر ذلك فبقي الوليد يتيماً من جهة الأم فأوكل الإمام الحسينعليه‌السلام حضانته إلى إحدى النساء من أهل الصلاح والتقوى .

ــــــــــــــــ

(١) بحار الانوار ج ٤٦ ص ١٦٦ نيطت : علّقت والتمائم : خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم يتقون بها العين وقد زعم بعض الباحثين بأن خلو ديوان أبي الأسود الدؤلي (تحقيق الشيخ محمد حسن آل ياسين ، بغداد ١٩٥٤ م) من هذا البيت يرجح عدم صحة القصة ولكن هذا ترجيح بدون مرجح ، لأ، خلو الديوان لا يعني عدم صحة نسبة البيت الى الدؤلي خصوصاً وان من يجمع الديوان بعد وفاة الشاعر قد يحذف بعض المواد حسبما يرتأيه فكره وعقيدته وذوقه وعلى أية حال فقد ورد قريباً من لفظ هذا البيت في شعر الرماح ين يزيد المري المشهور بابن ميادة ( ت ١٣٦ هـ ) لما فخر بنفسه أباً واماً فقال :

انا ابن أبي سلمى وجدي ظالم

وأمي حصان حصنتها الأعاجمُ

أليس غلام بين كسرى وظالم

بأكرم من نيطت عليه التمائم ؟


الأم الموحدة ودلالة ( لتلدن لك خير أهل الأرض )

وقد يثار تساؤل هنا ، وهو : كيف تمكنت امرأة وثنية على الظاهر ، غير عربية ، بنت أحد الملوك الذين بقوا على وثنيتهم ، من السمو إلى تلك الدرجة الكريمة لتكون أماً لإمام طاهر معصوم من أئمة المسلمين ؟

وجواب ذلك نرتبه في نقاط تالية :

١ ـ ان التوحيد قد رفع أفراداً كانوا يعيشون في أمم جاهلية تعبد الأوثان ؛ فكان الموحدون يخفون عقيدتهم أو يلوذون بالصمت أمام تيار الشرك والافتراض الصحيح ان سيدة النساء كانت امرأة موحدة في أمة كافرة ، لم تلوثها أوساخ الوثنية وهي ليست بمعزل عن أ÷ل التوحيد في ذلك الزمان فقد عاش الموحدون من بني هاشم في مجتمع قريش الوثني ، ولم يلوثهم درن الوثنية الجاهلية .

وأكثر ما استطاع الأمويون تزويره في هذا النطاق هو الزعم بان أم السجادعليه‌السلام كانت من سبايا كابل ، كما أرسلها اليعقوبي في تاريخه دون تدقيق(١) والخطأ واضح لان فتح كابل كان في سنة ثلاث واربعين للهجرة على يد عبدالرحمن بن سمرة الأموي من قبل

ــــــــــــــــ

(١) تاريخ اليعقوبي ج ٣ ص ٤٦ طبعة النجف .


معاوية والسجادعليه‌السلام ولد سنة ٣٨ للهجرة بالاتفاق فلا يصح ذلك الزعم .

٢ ـ من المحتمل قوياً أن أمر إيمان ابنيّ ( يزجرد ) بالله عزوجل وبمبدأ التوحيد كان شائعاً في ذلك الزمان وإلاّ ، فان الإمام علياًعليه‌السلام لايمكن أن يتسرع في نحل امرأة لايعرف عن ماضيها وحاضرها شيئاً لابنه الحسينعليه‌السلام ، ويوعده بانها ستكون من أفضل نساء زمانها وستلد له خير أهل الأرض خصوصاً إذا لحظنا تأكيد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على حسن إختيار الزوجة ، مثل كون الخال أحد الضحيعين فاختاروا لنطفكم(١) ، وتوقوا على أولادكم من لبن البغي والمجنونة فان اللبن يعدي(٢) ، والنهي عن استرضاع الحمقاء لأن الولد ينزع إلى اللبن(٣) ، ونحوها من الأخبار .

وحتى ما قيل عن رأهعليه‌السلام من ان بنات الملوك لا يعاملن معاملة الأسرى ، لاتفسر مغزى قولهعليه‌السلام للحسين : ( يا أبا عبدالله لتلدن لك خير أهل الأرض ) ومجرد اطلاق عنوان السلطة الوارثية والأمارة السياسية دون افتراض الصلاح والتقوى والإيمان ، لايمكن ان يوّلد خيراً على الأرض .

ــــــــــــــــ

(١) تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي .

(٢) المقنعة للشيخ المفيد ص ٦١ .

(٣) نوادر الراوندي ص ١٣ .


ولكننا نميل إلى ان ما قالهعليه‌السلام في سيدة النساء يدل دلالة قوية على انها كانت امرأة استثنائية فهو على الأقل يعلم انها امرأة موحدة مؤمنة بلاله عزوجل وهذا ليس غريباً ، فالتاريخ ينقل لنا قصص مشابهة لنساء مؤمنات في أسر كافرة ، منها : امرأة فرعون الموحدة المؤمنة التي دعت الله عزوجل ان يبني لها بيتاً في الجنة وان ينجيها من فرعون وعمله ولا يشك أحد بكفر فرعون وظلمه وتعديه على حقوق الخلق وخالق .

قال المجلسي في ( بحار الأنوار )(١) : ان أم السجادعليه‌السلام رأت فاطمة الزهراءعليه‌السلام وأسلمت قبل ان يأخذها عسكر المسلمين ولها قصة وهي أنها قالت : رأيت في النوم ـ قبل ورود عسكر المسلمين ـ كأن محمداً رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دخل دارنا ، وجلس مع الحسينعليه‌السلام وخطبني له وزوّجني منه ، فلما أصبحت كان ذلك يؤثر في قلبي وما كان لي خاطر غير هذا فلما كان في الليلة الثانية رأيت فاطمة بنت محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أتتني وعرضت عليّ الإسلام فأسلمت ثم قالتعليه‌السلام : (إن الغلبة تكون للمسلمين ، وإنك تصلين عن قريب الى ابني الحسين سالمة لا يصيبك بسوء أحد ) قالت : وكان من الحال أني خرجت الى المدينة ما مسّ يدي انسان .

ــــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار ج ٤٦ ص ١١ نقلاً عن كتاب الخرائج .


ونقل الشيخ المفيد ( ت ٤١٣ هـ ) ان أمير المؤمنينعليه‌السلام سأل شاه زنان حين أسرّت : ( ما حفظت عن أبيك بعد وقعة الفيل ؟ ) قالت : حفظت عنه انه كان يقول : إذا غلب الله على أمر ذلت المطامع دونه ، وإذا انقضت المدة كان الحتف في الحيلة فقالعليه‌السلام : ( ما أحن ما قال أبوك ! تذلّ الأمور للمقادير ، حتى يكون الحتف في التدبير )(١) .

أقول : وربما كان المقصود من لفظ ( أبيك ) في قول الإمامعليه‌السلام هو جدها كسرى لإحتمال وجوده في الملك عام الفيل وعلى أية حال فان ذلك القول يدلّ على حسن نظر وقوة رأي .

٣ ـ لو لم تكن سيدة النساء موحّدة ومؤمنة ومن أهل الصلاح ومعروفة بذلك ، لما ترك يزيد ذلك الأمر عندما واجه الإمام زين العابدينعليه‌السلام في بلاط الخلافة في الشام بعد أقل من شهر من واقعة كربلاء سنة ٦١ هـ وقد أنتقص من كان على شاكلة ( يزيد ) ابن الأمة ، أو زوج الأمة بعد عتقها ولنا في ذلك قرائن تاريخية تؤيد ما ذهبنا إليه :

أ ـ فقد عيّر هشام بن عبد الملك زيداً بن علي بانه ابن أمة مع ان الله عزوجل حلل الأماء قال هشام لزيد : أنت المؤهّل نفسك للخلافة ، الراجي لها ؟ وما أنت وذاك لا أمّ لك ، وإنما أنت ابن أمةٍ فقال زيد

ــــــــــــــــ

(١) الإرشاد ص ١٦٠ .


 (رض) : (اني لا أعلم أحداً أعظم منزلة عند الله من نبي بعثه وهو ابن أمة فلو كان ذلك يقصر عن منتهى غاية لم يبعث ، وهو إسماعيل بن إبراهيمعليه‌السلام فالنبوة أعظم منزلة عند الله أم الخلافة يا هشام ؟ وبعد فما يقصر برجل أبو رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو ابن علي بن ابي طالبعليه‌السلام ؟ ) وفي ذلك دلالة على ان أمر الأمة كان محل انتقاص عند العرب زمن الجاهلية ، ومن بقي عليها زمن الإسلام .

ب ـ وحاول عبدالملك بن مروان الانتقاص من الإمام زين العابدينعليه‌السلام لانه اعتق أمة ثم تزوجها على سنة الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فأجابه الإمامعليه‌السلام بعد ان ذكّره بسنّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الأمر : (... وقد رفع الله بالسلام الخسيسة ، وتمم به النقيصة )(١) وهذه الرواية على شاكلة سابقتها في كون الإماء من موارد الانتقاص عند العرب زمن الجاهلية .

وسكوت يزيد أقوى دليل على ان أم الإمام زين العابدينعليه‌السلام كانت من الإيمان والاصلاح ما كان معروفاً ومشهوراً في ذلك الزمان .

وإن كان هذا ينطبق على سيدة النساء ، فانه بالدلالة التاريخية ينطبق على أختها أم القاسم ، زوجة محمد بن أبي بكر .

ــــــــــــــــ

(١) الكافي على هامش مرآة العقول ج ٣ ص ٤٤٨ .


٤ ـ لم يظهر من الأحاديث المروية في الكتب الرواثية عن ان ابنيّ يزدجرد كانتا من سبايا الفرس ، عدا رواية ابن جرير الطبري في دلائل الإمامة ص ٨١ ولا نعمل مدى صحة رواية الطبري ، خصوصاً وانها تذكر بانهما دخلتا على عمر بن الخطاب في المدينة وهو غير صحيح ، لان يزدجرد كان حياً في زمن عمر ، و لم يقتل حتى سنة ٣٠ هـ ، وكان ذلك في خلافة عثمان ودخولها الى معسكر المسلمين كان بعد مقتل أبيها فرواية الطبري ساقطة تاريخياً .

اذن نستنتج بانهما لم يكونا من سبايا الفرس ، وربما كان رغبتهما للإتصال بالمسلمين زمن الإمام العادل علي بن ابي طالبعليه‌السلام دعاؤه لوالديه ، ويشمل أمه بالدلالة التضمنية ، هو دليل آخر على إيمانها ولو كانت مشركة لما جاز له الدعاء لها .

وكان للامام الحسينعليه‌السلام أمة ربّت السجادعليه‌السلام واشتهرت بانها أمّه وعنها قيل للسجادعليه‌السلام : أنت من أبر الناس ولا نراك تأكل مع أمك فقالعليه‌السلام : (اني أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها فاكون قد عققتها )(١) وأرادعليه‌السلام بلزوم رعاية حق المربية ، وأطلق على مخالفتها اسم العقوق فهنا جملة أمور :

ــــــــــــــــ

(١) الكامل للمبرد ج ١ ص ١٦١ وعيون الاخبار لابن قتيبة ج ٣ ص ٩٧ .


أ ـ انهعليه‌السلام لم يتعمد مخالفتها وانما تخوف من سبق يده لما سبقت عينها اليه .

ب ـ انها لم تكن أمه البيولوجية ( التكوينية ) ، بل كان أمه الاعتبارية التي نزلت بمنزلة الأم من حيث الرعاية .

ج ـ ينبغي ، مفهوماً حسبما يستفاد من هذه الرواية ، ان يكون حال الولد مع أمه التكوينية ـ وهي التي حملته تسعة اشهر وتحملت مشاق الولادة والرضاعة من أجله ـ أعظم وأكبر .

والخلاصة ، انه لايمكن حمل عقيدة والدة الإمام زين العابدينعليه‌السلام إلاّ على محمل الإيمان بالله عز وجل ومبدأ التوحيد ونحلها للحسينعليه‌السلام كان قد شرّفها ، ووضعها في المحل الطاهر الذي كانت تأمله كل موحّدة بالله لم تتهيأ لها الظروف لإعلان إسلامها أمام الملأ الواسع العريض .

مراحل حياة الإمام علي بن الحسين ( ٣٨ ـ ٩٥ هـ )

ويمكننا تقسيمن حياة الإمام السجادعليه‌السلام إلى ثلاث مراحل متصلة ومتضافرة بعضها مع الآخر الأولى : وتمتد من سنة ٣٨ هجرية ن وهو تاريخ ولادته بالكوفة الى بداية سنة ٦١ ، وهي السنة التي شهدت واقعة كربلاء واستشهاد والده الحسينعليه‌السلام مع من


صرع في أرض الطف والثانية : وتمتد من سنة ٦١ هجرية وحتى سنة ٦٧ هـ ، وهي الفترة الواقعة بين مقتل الحسينعليه‌السلام ومقتل قاتليه ، والثالثة : تمتد من سنة ٦٧ هـ وحتى استشهاد سنة ٩٥ هـ على يد الوليد بن عبدالملك بن مروان وفترة إمامة السجادعليه‌السلام الدينية والاجتماعية تغطي المرحلتين الثانية والثالثة ، وهي أربع وثلاثين عاماً وعاصر في مدة إمامته : يزيد بن معاوية ، ومعاوية بن يزيد ، ومروان بن الحكم ، وعبدالملك بن مروان ، والوليد بن عبدالملك وسوف نبحث الآن المرحلة الأولى من حياتهعليه‌السلام بصورة مفصّلة .

المرحلة الأولى : ( سنة ٣٨ ـ ٦١ هـ )

قضى السجادعليه‌السلام هذه الفترة من حياته ، وهي من تاريخ ولادته وحتى استشهاد والده الحسينعليه‌السلام في كربلاء ، حياةً اسرية طبيعية تلقى فيها صنوف التربية الروحية من والدهعليه‌السلام بالخصوص لكنه عاش فترة مضطربة سياسياً ، على المستوى الاجتماعي فقد عاصرعليه‌السلام وهو في الثانية من عمره استشهاد جده علي أمير المؤمنينعليه‌السلام في الكوفة وعاصر ، وهو في الثالثة عشرة من عمره استشهاد عمه الإمام الحسنعليه‌السلام في المدينة المنورة ورافق أباه الحسينعليه‌السلام تمام مدة إمامته وهي عشر سنوات ، وحضر واقعة كربلاء حيث استشهد والده واخوته وعمه العباس وابناء عمومته ، وهو في الثالثة والعشرين من عمره .


وقد أعتاد أئمة أهل البيتعليه‌السلام بوصية من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على الإذعان للإمام الحيعليه‌السلام والصمت بمعنى أنهم كانواعليه‌السلام لا يدلون برأي شرعي او مسألة فقهية أو حكم للناس ، وإمام منصوص عليه موجودٌ بينهم ، بل كانوا يتركون ذلك للإمام المنصوص عليه فلم ينهض الحسنعليه‌السلام بأعباء الإمامة بحضرة والده الإمام عليعليه‌السلام ، ولم ينهض الحسينعليه‌السلام بأعباء الإمامة بحضرة أخيه الإمام الحسنعليه‌السلام فلا غرابة ان نلمس صمت زين العابدينعليه‌السلام في حضرة والده الامام الحسينعليه‌السلام الى ان استشهد في كربلاء سنة ٦١ هـ وعنهدا جاء دورهعليه‌السلام في إرشاد الناس .

ومرحلة الإعداد تلك تبدأ بالولادة ، ثم الطفولة ، والشباب ، والزواج ، وحتى الذهاب الى كربلاء وما حصل فيها .

الاحتفاء بالمولود

لايخفى ان ولادة علي بن الحسينعليه‌السلام في ٥ شعبان سنة ٣٨ هـ(١) كانت مورداً للاحتفاء عند آل البيتعليه‌السلام لسببين :

ــــــــــــــــ

(١) مطالب السؤول ج ٢ ص ٤١ ونور الأبصار ص ١٥٣ .


الأول : كرامة المولود التي عبرت عنها روايات متواترة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كانت قد تنبأت بمولودٍ يملأ الدنيا عبادة وسجوداً ، وتضرعاً وخشوعاً منها : ما رواه الصحابي الجليل جابر بن عبدالله الأنصاري ، قال : كنت جالساً عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والحسين في حجره وهو يلاعبه ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( يا جابر ، يولد له مولود اسمه علي ، إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ ليقم سيد العابدين ، فيقوم ولده ، ثم يولد له ولد اسمه محمد ، فان أنت أدركته يا جابر فاقرأه مني السلام )(١) وداوم جابر على التقرب من أهل البيتعليه‌السلام ، وكانت له علاقة متميزة بالامام زين العابدينعليه‌السلام ، وكان يصلي وراءهعليه‌السلام .

وكان الزهري(٢) إذا حدّث عن علي بن الحسينعليه‌السلام ، قال : حدثني ( زين العابدين ) علي بن الحسين فقال له سفيان بن عيينة :ولم تقول له زين العابدين ؟ قال : لأّني سمعت سعيد بن المسيب يحدّث

ــــــــــــــــ

(١) هذا الحديث وفي لفظه أحاديث أخرى أخرجها في إحقاق الحق ج ١٢ ص ١٣ ـ ١٦ والبداية والنهاية لابن كثير ج ٩ ص ١٠٦ .

(٢) كان محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ( ٥٨ ـ ١٢٤ هـ ) من حاشية آل مروان ، فكان معلماً لأولاد هشام بن عبدالملك ( تهذيب التهذيب ج٩ ص ٤٤٩ ) حيث أمره هشام أن يملي على أولاده أحاديث فأملى عليهم أربعمائة حديث مما لا يتصل بفضائل أهل البيتعليه‌السلام فأطراه علماء العامة ورفعوه فوق مستوى العلم والفضيلة قال أبو علي الحائري في منتهى المقال في ترجمته : لا ريب في عداوته ونصبه لأمير المؤمنينعليه‌السلام أدرجه العلامة الحلي وابن داود في رجالهما في الضعفاء ، ولم يعتد به الشيخ محمد طه نجف ، حيث لم يأت على ذكره في ( اتقان المقال ) .


عن ابن عباس أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ( إذا كان يوم القيامة ينادي منادٍ أين زين العابدين ؟ فكأني أنظر الى ولدي علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب يخطر بين الصفوف )(١) .

الثاني : الجمع عند علي بن الحسينعليه‌السلام بين ملامح عنصرين هما صلب العرب وترائب العجم وهو أمرٌ جديد على وجه التقريب إلا إذا أخذنا بنظر الإعتبار هنا زواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من ماريا القبطية المهداة لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من حاكم الاسكندرية القبطي إلا ان ماريا كانت عربية من الأقباط ، بينما كانت سيدة النساء من العجم .

ولا نجد غرابة اذن في أن يطلق الإمام الجسينعليه‌السلام على ابنه عليعليه‌السلام لقب : ابن الخيرتين فخيرته من العرب قريش ( ومن قريش بني هاشم ) ومن العجم أهل فارس ، وهم أقرب الأقوام بعد العرب آنذاك إلى الإسلام .

ولا غرابة في أن ينشد أبو الأسود الدؤلي :

وان وليداً بين كسرى وهاشم

لأكرم من نيطت عليه التمائم

ــــــــــــــــ

(١) علل الشرائع ج ١ ص ٢٦٩ والامالي ص ٣٣١ .


في الأسرة

والمشهور شهرة عظيمة ان السجادعليه‌السلام كان أكبر أولاد الإمام الحسين بن عليعليه‌السلام ومن الضروري توضيح الفكرة القائلة بأن الإمامة لا علاقة لها بالولد الأكبر أو الأصغر ، بل هي بالنص والوصية فالإمامة من الله عزوجل يودعها حيث يشاء من عباده :( وَرَبّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) (١) ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلّ ضَلاَلاً مّبِيناً ) (٢) وسوف نفصّل هذا الموضوع في الفصل الثاني باذنه تعالى .

عاش السجادعليه‌السلام في أسرة مكونة من تسعة أفراد : أبوه الحسين بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، وأخويه علي الأصغر الذي يسمى خطأ بعلي الأكبر ( وأمه ليلى بنت أبي مرة الثقفية ) ، وجعفر ( وأمه قضاعيه ) وأختيه : سكينة ( وأمها الرباب بنت امرئ القيس ) ، وفاطمة ( وأمها أم إسحاق بنت طلحة وهي تميمية )(٣) ثم ولد للحسينعليه‌السلام عبدالله ( الرضيع ) وأمه الرباب قبل أشهر من واقعة

ــــــــــــــــ

(١) سورة القصص : الآية ٦٨ .

(٢) سورة الأحزاب : الآية ٣٦ .

(٣) إرشاد المفيد ج٢ ص١٣٥ ، والمناقب لابن شهر آشوب ج ٤ ص ٧٧ .


الطف وذبح فيها وتوفي جعفر في حياة أبيه الحسينعليه‌السلام ، واستشهد علي الأصغر في كربلاء سنة ٦١ للهجرة .

ترعرع السجادعليه‌السلام في المدينة ، بعد استشهاد جده الإمام عليعليه‌السلام في الكوفة سنة ٤٠ هـ فقد رجع الهاشميون إلى مدينة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد أن مكثوا مع أمير المؤمنينعليه‌السلام في الكوفة أربع سنوات وأشهراً وكان اسمراً ، نحيفاً ، رقيقاً من كثرة العبادة .

تزوجعليه‌السلام في هذه الفترة من حياته ( سنة ٥٤ للهجرة على الإرجح ) من ابنة عمه : فاطمة بنت الإمام الحسين بن علي بن ابي طالبعليه‌السلام ، فيكون زواجه منها وهو في السادسة عشرة من عمره فأنجبت له محمد الباقرعليه‌السلام ، وهو الإمام الخامس من أئمة أهل البيتعليه‌السلام ، سنة ٥٨ هـ ثم تزوج لاحقاً بأمهات أولاد فولدن له أولاداً ذكوراً وإناثاً ، أبرزهم زيد بن علي وعبدالله الباهر وكانا معروفين بالفضل والجهاد في الاسلام ومجموع أولاد زين العابدينعليه‌السلام حسب الروايات خمشة عشر ولداً : أحد عشر من الذكور وأربعة من الأناث وكان للباقرعليه‌السلام يوم الطف ثلاث سنين .

وكان السجادعليه‌السلام كثيراً ما يدعو لاولاده ، فيقول : (اللهم ومنّ عليّ ببقاء ولدي ، وبإصلاحهم لي ، وبامتاعي بهم آلهي أمدد لي في أعمارهم ، وزد في آجالهم ، وربّ لي صغيرهم ، وقوّ لي ضعيفهم ، وأصح لي ابدانهم وأديانهم وأخلاقهم ، وعافهم في أنفسهم ، وفي جوراحهم ، وفي كل ما عنيت به من أمرهم ، وأدرر لي وعلى يدي ارزاقهم ، واجعلهم أبراراً أتقياء بصراء سامعين ، مطيعين لك ، ولأوليائك محبين ناصحين ، ولجميع اعدائك معاندين ) .


وليس هناك من شك بأن البيت الذي نشأ فيه زين العابدينعليه‌السلام كان بيت نبوة وإمامة ، بيت من بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار فلازم العبادة والتهجد وذكر الله عزوجل منذ صغره ، وهو يرى أباهعليه‌السلام يقوم الليل ويصوم النهار ويساعد الفقير ويعين المحروم فكان لا يسمع في بيته الا القرآن ، ولا يرى من أهله الا ساجد وراكع ، ولا يأكل الا مع من يشد الحجر على بطنه ، أو يصوم الأيام الطويلة وهكذا كانت حياة السجادعليه‌السلام حياة علم وتقوى وجهاد وعبادة .

يصف أحد الرواة السجادعليه‌السلام وهو في السابعة أو الثامنة من عمره فيقول : حججت بعض السنين إلى مكة ، فبينما أنا سائر في عرض الصحراء وإذا بصبي سباعي أو ثماني(١) وهو يسير في الطريق بلا زاد ولا راحلة فتقدمت اليه وسلّمت عليه ، وقلت له : مع من قطعت البرّ ؟ قال : ( مع الباري ) فكبر في عيني ، فقلت : يا ولدي ! أين زادك وراحلتك ؟ فقال : (زادي تقواي ، وراحلتي رجلاي ، وقصدي مولاي ) فعظم في نفسي ، فقلت : يا ولدي ممن تكون ؟ فقال : ( مطلبي ) فقلت : أبن لي ؟ فقال : ( هاشمي ) فقلت : أبن لي ؟ فقال : ( علويٌ فاطميٌ ) فقلت : يا سيدي ! هل قلت شيئاً من الشعر ؟ فانشدهعليه‌السلام شعراً .

ثم غاب عن عيني الى ان أتيت مكة فقضيت حجتي ورجعت ، فأتيت الأبطح فإذا بحلقة مستديرة ، فاطلعت لأنظر من بها فإذا هو صاحبي فسألت عنه ، فقيل : هذا زين العابدين(٢) .

وفي الرواية الآنفة دلالات على انه كان من أهل العلم والعبادة والبلاغة ، على الرغم من صغر سنه .

ــــــــــــــــ

(١) هذا الإصطلاح غريب قال في ( تاج العروس ) عن ابن شميل يقال : رباعي لمن بلغ أربعة اشبار وقال الليث : الخماسي والخماسية من الوصائف لمن طوله خمسة اشبار ، ولا يقال سداسي ولا سباعي إذا بلغ ستة أو سبعة اشبار لأنه رجل ( ج ٤ ص ١٤١ ) فيتعين انه كان يقصد ابن سبع سنين أو ثمان .

(٢) بحار الأنوار ج ٤٦ ص ٩٢ والمناقب ج ٣ ص ٢٩٤ .


وفي رواية الأصمعي(١) التالية دلالة أخرى على انهعليه‌السلام كان من أهل العبادة والصلاة ، وهو لا يزال في حداثة سنه يقول الأصمعي : ( كنت أطوف حول الكعبة ليلاً فاذا شاب ظريف الشمائل وعليه ذؤابتان ، وهو متعلق بأستار الكعبة ، وهو يقول : نامت العيون ، وعلت النجوم وأنت الحي القيوم غلقت الملوك أبوابها وأقامت عليها حراسها ، وبابك مفتوحٌ للسائلين ، جئتك لتنظر إليّ برحمتك يا أرحم الراحمين ، ثم أنشأ يقول :

يا من يجيب دعا المضطر في الظلم

يا كاشف الضر والبلوى مع السقم

قد نام وفدك حول البيت قاطبة

وأنت وحدك يا قيوم لم تنم

أدعوك رب دعاء قد أمرت به

فارحم بكائي بحق البيت والحرم

إن كان عفوك لا يرجوه ذو سرف

فمن يجود على العاصين بالنعم

قال : فاقتفيته فإذا هو زين العابدين )(٢) .

وينسب للحسن البصري أنه رأى زين العابدينعليه‌السلام متعلقاً بأستار الكعبة ، وهو يتضرع إلى الله ، ويدعوه منيباً ، فدنا منه فسمعه يقول هذه الأبيات :

ــــــــــــــــ

(١) أورد الرواية ابن شهر آشوب في المناقب ج ٢ ص ٢٥١ ونسبة الرواية إلى الأصمعي لا يصح ، لان الأصمعي توفي في بغداد سنة ٢١٦ عن ثمان وثمانين سنة ( كما في تأريخ بغداد ج ١٠ ص ٤١٩ ) فتكون ولادته سنة ١٢٨ هجرية تقريباً أي بعد استشهاد الإمام السجادعليه‌السلام بثلاث وثلاثين سنة نعم يمكن أن تصح الرواية بالواسطة ، أي إذا كان الراوي رجلاً آخر رواها الأصمعي عنه .

(٢) مستدرك الوسائل ج ٢ ص ١٤٣ .


ألا أيها المأمول في كل حاجةٍ

شكوت إليك الضرّ فارحم شكايتي

أتحرقني بالنار يا غاية المنى

فأين رجائي ثم أين مخافتي

فيا سيدي أمنن علي بتوبةٍ

فإنك ربّ عالمٌ بمقالتي

ولا يوجد دليل سندي على صحة نسبة هذه الأبيات إلى السجادعليه‌السلام ، ويؤيد ذلك عدم موازاتها لبلاغتهعليه‌السلام وفصاحته .

وكان باراً رحيماً بأسرته ، خصوصاً عندما اشتد عودهعليه‌السلام وبلغ مبلغ الرجال وكان غالباً ما يردد : (لئن أدخل الى السوق ومعي دراهم ابتاع بها لعيالي لحماً وقد قرموا(١) أحبّ إليّ من أن أعتق نسمة )(٢) وكانعليه‌السلام يبكرّ في طلب الرزق لعياله ، ويقول : ( أتصدق لعيالي قبل أن أتصدق [ على الناس ] من طلب الحلال فإنّه من الله عز وجلّ صدقة عليهم )(٣) .

ــــــــــــــــ

(١) قرموا : اشتدّ شوقهم الى تناول اللحم .

(٢) بحار الأنوار ج ٤٦ ص ٦٧ نقلاً عن الكافي ج ٢ ص ١٢ .

(٣) بحار الأنوار ج ٤٦ ص ٦٧ نقلاً عن الكافي ج ٢ ص ١٢ .


أخلاقه وأدبهعليه‌السلام مع أبويه

ولئن حرم السجادعليه‌السلام من حنان الأم ورأفتها ، فانه لم يحرم من برها بالدعاء لها ولوالدهعليه‌السلام والدعاء للوالدين يعكس :

١ ـ أدباً قرآنياً رفيعاً والتزاماً بأحكام الإسلام وقد قال تعالى :( وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذّلّ مِنَ الرّحْمَةِ وَقُل رّبّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبّيَانِي صَغِيراً ) (١) .

٢ ـ قلباً مرهفاً وضميراً حياً وعقلاً متوقداً .

٣ ـ وفاءً بالجميل الذي أسداه الوالدان لوليدهما .

فيقولعليه‌السلام في دعائه لهما :

أ ـ ( واخصص اللهمّ والديّ بالكرامة لديك والصلاة منك يا أرحم الراحمين اللهم اجعلني أهابهما هيبة السلطان العسوف(٢) ، وأبرهما برّ الأم الرؤوف ، واجعل طاعتي لوالدي ، وبري بهما أقرّ لعيني من رقدة الوسنان(٣) ، وأثلج لصدري من شربة الضمآن حتى أوثر على هواي هواهما ، وأقدّم على رضاي رضاهما ، وأستكثر برهما بي وإن قلّ ، وأستقلّ بري بهما وإن كثر ) .

ــــــــــــــــ

(١) سورة الاسراء : الآية ٢٤ .

(٢) العسوف : الظلوم .

(٣) الوسنان : النعسان .


ب ـ ( اللهم خفّض لهما صوتي ، وأطب لهما كلامي ، وألن لهما عريكتي(١) ، وأعطف عليهما قلبي ، وصيرني بهما رفيقاً ، وعليهما شفيقاً ) .

ج ـ ( اللهم اشكر لهما تربيتي ، وأثبهما على تكرمتي ، واحفظ لهما ما حفظاه مني في صغري ) .

د ـ ( اللهم لا تنسني ذكرهما في أدبار صلواتي ، وفي إنى من آناء ليلي ، وفي كل ساعةٍ من ساعات نهاري ) .

شب الإمام السجادعليه‌السلام في مدينة جده رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كما ذكرنا آنفاً ، على الصفات الحميدة للإسلام وكان الى جانب أبيه الحسينعليه‌السلام في المهمات ، وعلى الأغلب لقاء الإمام الحسينعليه‌السلام المشهود مع الوليد بن عتبة ( والي المدينة من قبل يزيد ) ومروان بن الحكم ، عندما أراد بنو أمية البيعة ليزيد بالخلافة وكانعليه‌السلام آنذاك شاباً في الثانية والعشرين من عمره .

فعندما مات معاوية بن ابي سفيان في رجب سنة ٦٠ هـ ، كتب يزيد الى الوليد بن عتبة أمير المدينة يأمره بأخذ البيعة على أهلها عامة وعلى الإمام الحسينعليه‌السلام خاصة فقال له : إن أبى عليك فاضرب عنقه وأبعث غلي برأسه .

ــــــــــــــــ

(١) العريكة : الطبع .


فبعث الوليد الى الحسينعليه‌السلام فجاءه في ثلاثين رجلاً من أهل بيته ومواليه ومن الراجح تاريخياً ان زين العابدينعليه‌السلام كان بينهم ، فقد كان شاباً بليغاً راشداً يعضد أمر أبيهعليه‌السلام في القضايا الاسلامية الكبرى .

فنعى الوليد إلى الحسينعليه‌السلام موت معاوية ، وعرض عليه البيعة ليزيد فلم يجبه الإمام الحسينعليه‌السلام إلى شيء محدد ، بل أجلّه إلى الغد وقالعليه‌السلام للوليد : ( ان البيعة لا تكون سراً ولكن اذا دعوت الناس غداً فادعنا معهم ) فانبرى مروان مخاطباً الوليد : لا تقبل أيها الأمير عذره ، متى لم يبايع فاضرب عنقه كذبت والله ولؤمت ) ثم أقبل على الوليد وقالعليه‌السلام : (إنا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة بنا فتح الله وبنا ختم الله ، ويزيد رجل فاسق ، شارب الخمر ، قاتل النفس المحرمة ، معلن بالفسق ، ومثلي لا يبايع مثله )(١) .

وأنتهت المقابلة بخروج الإمام الحسينعليه‌السلام ومن معه من أهل بيتهعليه‌السلام من مقر الوليد بن عتبة ثم إتخاذ الإمام الحسينعليه‌السلام قراره بالخروج من المدينة إلى مكة ثم إلى كربلاء .

ــــــــــــــــ

(١) اللهوف ص ١٧ .


المرحلة الثانية : ( سنة ٦١ ـ ٦٧ هـ )

وهذه المرحلة امتدت من مقتل أبيه سيد الشهداءعليه‌السلام في كربلاء في العاشر من محرم الحرام سنة ٦١ هـ ولحد العاشر من محرم الحرام من سنة ٦٧ هـ وهو تاريخ مقتل قاتلي الحسينعليه‌السلام وتمثل تلك الفترة ست سنوات كاملة من الانتظار والاضطراب الإجتماعي والسياسي .

ففي سنة ٦١ للهجرة توالت أحداث الطف وقضية المسير الى الكوفة والدخول على عبدالله بن زياد ، ثم دفن الحسينعليه‌السلام وأهل بيته وأنصاره ثم المسير الى الشام وخطبة السجادعليه‌السلام في مسجد الطاغية الأموي ، ثم العروج على كربلاء مرة أخرى لتجديد العهد ثم المسير الى المدينة حيث تسلم الإمام زين العابدينعليه‌السلام وديعة الإمامة التي تركها له أبوهعليه‌السلام عند أم سلمة ( رضوان الله عليها ) وكانت ا لوصية تأمره بالسكوت .

وبقي السجادعليه‌السلام حزيناً على الفاجعة ، لكن لم يثنه ذلك عن أداء متطلبات الإمامة ، وهي قيادة الأمة قيادة روحية شرعية نحو أهداف الدين اشتملت هذه المرحلة أيضاً على انتفاضات ومعارك منها :

أ ـ معركة المدينة : ففي سنة ٦٢ هـ استبيحت المدينة من قبل جيش بني أمية بقيادة مسلم بن عقبة ، واشتعلت فيها معركة دامية بين جيش الشام و جيش المدينة بقيادة عبدالله بن حنظلة ، انتهت بمجازر بحق أهل المدينة .

ب ـ حركة التوابين : في سنة ٦٥ هـ قامت حركة التوابين تطالب بدم الإمام الحسينعليه‌السلام ، والتحم مقاتلوها مع جيش بني أمية بقيادة عبيدالله بن زياد ، وانتهت بمقتل معظم التوابين .

ج ـ حركة المختار : في سنة ٦٦ هـ ابتدأت حركة المختار في الكوفة ، واستمرت الى حين مقتل جميع من ساهم بقتل الحسينعليه‌السلام ، ومنهم عمر بن سعد وحرملة بن كاهل ، وعبيدالله بن زياد الذي قتل في ١٠ محرم سنة ٦٧ هـ .

وهذه المرحلة ، وإن لم يفصلها فاصل تاريخي عن بقية حياتهعليه‌السلام الا انها كانت تمثل مرحلة انتظار وترقب واضطراب خصوصاً وان الذين قاموا بفظائع عاشوراء سنة ٦١ هـ بحق آل البيتعليه‌السلام ، كانوا لا يزالوا يتمتعون بالحياة ويتأمرون على الناس ويحكمون باسم الدين .

وسنتناول بالتفصيل خطوات المرحلة الثانية من حياة السجادعليه‌السلام ونبدأ بخروج أهل البيتعليه‌السلام من المدينة سنة ٦٠ هـ .


في كربلاء ( محرم سنة ٦١ هـ )

خرج السجادعليه‌السلام مع أبيه الإمام الحسينعليه‌السلام وأهل بيته من المدينة الى مكة ، بعد ان رفض الإمامعليه‌السلام إعطاء البيعة ليزيد وكان ذلك في رجب أو شعبان من سنة ستين للهجرة .

وفي الثالث من ذي الحجة سنة ٦٠ هـ ( وقيل الثامن منه ، أي يوم التروية ) خرج ركب أهل البيتعليه‌السلام من مكة متوجهاً نحو العراق وكان الحسينعليه‌السلام يتنبأ بمقتله في كربلاء ، كما قال في خطبته المشهورة في مكة قبل خروجه : ( كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء فيملأن مني أكراشاً جوفا )(١) وعندما أعلم بضعف الناس بالكوفة وحقيقة أن قلوبهم معه وسيوفهم عليه ، أشار إلى انه يعلم انه مقتول لا محالة ، فقال : ( أعلم يقيناً ان هناك مصرعي ومصرع أصحابي ، لا ينجو منهم إلا ولدي عليعليه‌السلام )(٢) .

وفي كربلاء ذاق السجادعليه‌السلام ، مع زوجته فاطمة بنت الحسنعليه‌السلام وابنه محمد الباقرعليه‌السلام ، مرارة عطش الطف وعانى من مرضه مدة ثمانية أيام متوالية أي من الثاني من محرم الحرام وحتى العاشر منه والظاهر ان المرض أمتد به حتى وصوله الكوفة وسمععليه‌السلام جميع خطب أبيه الإمام الحسينعليه‌السلام الموجّهة لعساكر بني أمية ، ورأى أباه الحسينعليه‌السلام يصلي ليلة العاشر من محرم ويتلو كتابه حتى طلوع الفجر وكانت تلك سجية الحسينعليه‌السلام في كثرة صلاته وكمال صفاته ، وهكذا كان السجادعليه‌السلام على شاكلة أبيهعليه‌السلام .

ــــــــــــــــ

(١) اللهوف ص ٣٨ .

(٢) اللهوف ص ٣٩ .


وفي ظهيره ذلك اليوم من محرم ، دخل الحسينعليه‌السلام على أبنهعليه‌السلام وأوصاه بوصاياه ، وسلّمه بعضاً من مواريث الإمامة كخاتمه ، وكانت آخر وصية لهعليه‌السلام :

(يا بني ، أوصيك بما أوصى به جدك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علياً حين وفاته ، وبما أوصى جدك عليّ عمك الحسن ، وبما أوصاني به عمّك إياك وظلم من لا يجد عليك ناصراً إلا الله ) ثم ودعه ومضى الى ميدان المعركة الأخيرة التي استشهد فيها .

وكان السجادعليه‌السلام مريضاً يوم عاشوراء ، فلم يكن قادراً على القتال وقيل انه قاتل قليلاً ثم أتعبه المرض ، ولكنه بعيد وعلى أي تقدير ، فان الإرادة الربانية قدرّت له أن يبقى حياً بعد مجزرة آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الطف يقول ابن سعد في طبقاته : ( كان علي بن الحسينعليه‌السلام مع أبيه بطف كربلاء وعمره إذ ذاك ثلاث وعشرين سنة لكنه مريضاً ملقى على فراشه وقد أنهكته العلّة والمرض ولما استشهد والدهعليه‌السلام ، قال شمر بن ذي الجوشن : اقتلوا هذا الغلام فقال بعض أصحابه : تقتل مريضاً لم يقاتل ؟! فتركوه )(١) .

قال ابن عمر : (هذا صحيح ، وليس قول من قال بأنه كان صغيراً حينئذٍ ولم يقاتل وانه ترك بسبب ذلك بشيء )(٢) .

وإن صح ذلك ، فهو لا يقدح في شخصية السجادعليه‌السلام ، لأن القتال تكليفٌ يسقط عند المرض وقد أثنى رمد العينين علي بن أبي طالبعليه‌السلام عن مقاتلة اليهود في خيبر حتى مسحهما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فشفيتا ، ثم قاتل فكان النصر على يديهعليه‌السلام .

وهو في الوقت نفسه ، يحط من أخلاقية بني أمية الذين أرادوا قتل مريض لا حول له ولا قوة ، صبراً وهو من أشنع الأعمال وأقبحها عند العرب زمن الجاهلية ، فضلاً عن زمن الإسلام ورحمته !

يقول الإمام السجادعليه‌السلام حول عاشوراء : ( ما من يوم أشد على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من يوم أحد قتل فيه عمه حمزة بن عبدالمطلب أسد الله وأسد رسوله ، وبعده يوم مؤتة قتل فيه ابن عمه جعفر بن أبي طالب ) ثم قال : (ولا يوم كيوم الحسين إذ دلف إليه ثلاثون ألف رجل يزعمون أنهم من هذه الأمة كلّ يتقرب إلى الله عزّ وجلّ بدمه ،

ــــــــــــــــ

(١) الطبقات الكبرى لابن سعد ج ٥ ص ٢١٢ .

(٢) الطبقات الكبرى ج ٥ ص ٢٢١ .


وهو بالله يذّكرهم فلا يتعظون حتى قتلوه بغياً وظلماً وعدواناً )(١) ( والله ما نظرت إلى عماتي وأخواتي إلا وخنقتني العبرة ، وتذكرت فرارهن يوم الطف من خيمة إلى خيمة ، ومن خباء إلى خباء ، ومنادي القوم ينادي أحرقوا بيوت الظالمين ) .

ورأت عمته العقيلة زينب الألم على وجه السجادعليه‌السلام في ذلك اليوم ، فقالت له : ( ما لي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وإخوتي ، فو الله إن هذا لعهدٌ من الله إلى جدك وأبيك ، ولقد أخذ الله ميثاق أناس لاتعرفهم فراعنة هذه الأرض ، وهم معروفون في أهل السموات أنهم يجمعون هذه الأعضاء المقطّعة ، والجسوم المضرّجة فيوارونها وينصبون بهذا الطف علماً لقبر أبيك سيد الشهداء لا يدرس أثره ، ولا يمحى رسمه على كرور الليالي والأيام ، وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلال في محوه وطمسه ، فلا يزداد أثره إلا علواً )(٢) .

في الكوفة ( محرم سنة ٦١ هـ )

بعد استشهاد الإمام الحسنعليه‌السلام على أرض الطف ، أعلن عمر بن سعد القائد الأموي لجيش الكوفة النصر العسكري على

ــــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار ج ٩ ص ١٤٧ .

(٢) كامل الزيارات ص ٢٦١ .


جيش الحسينعليه‌السلام ، فبدأ جنوده اقتحام الخيم القليلة المنصوبة للنساء والاطفال وحرقها ، وارعابهم بأشدّ الوسائل النفسية من نظرات شامتة وتهديد بالقتل وتم الاستيلاء على غنائم الحرب وهي سيف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعمامته ودرعه ، ومغزل فاطمة بنت محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومقنعتها وقلادتها وقميصها(١) وسيق النساء والصبيان والمرضى سبايا الى الكوفة حيث مقر عبيدالله بن زياد ، وواليها من قبل بني أمية .

وكان دخول السبايا الى مدينة الكوفة مثيراً للغاية ، تقشعر منه جلود العقلاء مهما كان مذهبهم أو دينهم ، فضلاً عن المسلمين المؤمنين فقد كانت الكوفة مدينة كبيرة حسب مقياس ذلك الزمان فهي محاطة بنخيل كثيفة ، ومياه وافرة عذبة من الفرات ، وفيها كثافة سكانية متميزة لانها كانت مركز انطلاق الجيوش في حروب بلاد فارس والشام والروم ولذا لم يبخل علينا التاريخ بشهود عيان يروون قصة دخول السبايا ومن هؤلاء الشهود حذلم بن بشير ، فيقول : قدمت الكوفة سنة ٦١ هـ عند مجيء علي بن الحسينعليه‌السلام من كربلاء ، ومعه النسوة وقد أحاطت بهم الجنود ، وقد خرج الناس للنظر إليهم وكانوا على جمال بغير وطاء ، فجعلت نساء أهل الكوفة يبكين ويندبن ، ورأيت علي بن الحسين قد أنهكته العلّة ، وفي

ــــــــــــــــ

(٢) اللهوف ص ١١٣ .


عنقه الجامعة ويده مغلولة الى عنقه وهو يقول بصوت ضعيف : ( إن هؤلاء يبكون وينوحون من أجلنا ، فمن قتلنا ؟ )(١) .

واذا كانت بعض المصادر(٢) تذكر بان قافلة الأسرى التي دخلت الكوفة كانت مؤلفة من أربعين جملاً تحمل النساء والصبيان ، فاننا يمكن ان نقدر ـ وبملاحظة قدرة الجمل على حمل الأفراد ـ عدد من أسر منهم بحدود ٨٠ ـ ١٢٠ فرداً ممن لهم علاقة نسبية أو سببية بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيتهعليه‌السلام وإذا أضفنا من استشهد من الرجال في كربلاء وهم ثلاث وسبعون رجلاً ، يكون مجموع الذين انتهوا إلى كربلاء في معسكر الحسينعليه‌السلام حوالي المائتين أو أقل من ذلك بقليل .

سياسة آل البيتعليه‌السلام بعد الطف

كانت سياسة آل البيتعليه‌السلام بعد واقعة الطف مبنية على اساسين هما : كشف الحقائق ، وإرشاد الناس وتصدى لذلك ثلة من آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الإمام زين العابدينعليه‌السلام ، وثلاث نساء هنّ : عمتاه :

ــــــــــــــــ

(١) أمالي الشيخ المفيد ص ٣٢١ ح ٨ وعوالم العوالم ج ١٧ ص ٣٦٨ ح ١ وص ٣٧١ ح ٢ .

(٢) كما في رواية مسلم الجصاص .


زينب بنت عليعليه‌السلام ، وأم كلثوم بنت عليعليه‌السلام ؛ واخته : فاطمة الصغرى بنت الحسينعليه‌السلام ويمكننا تلخيص تلك السياسة بالنقاط التالية :

١ ـ إدانة الناس على تخاذلهم وغدرهم .

٢ ـ تذكيرهم برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والإسلام والقرآن ، وعلاقة أهل البيتعليه‌السلام بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورسالة السماء .

٣ ـ مواجهة الأمراء الطغاة بصلابة الحق وقوته ، ومقارعة الحجة بالحجة .

وكانت تلك السياسة منسجمة ومتماسكة ، وذات أهداف محددة ، وكانت موجهة إلى جمهور المسلمين الذين خذلوا أهل البيتعليه‌السلام في مبادئهم واهدافهم .

ففي الكوفة ، قام أهل البيتعليه‌السلام بوظيفتهم الاستثنائية تلك بنوعية الناس عبر خطابات في غاية البلاغة والفصاحة ولها مدلولات عميقة في حياة المسلمين والظاهر ان خطب أهل البيتعليه‌السلام قد تمت في الكوفة خلال فترة تبديل أو استراحة الحرس المكلّف بالأسرى قبل ان ينقلوا إلى قصر الإمارة ، حيث عبيدالله بن زياد أمير الكوفة من قبل يزيد بن معاوية فاستثمر زين العابدينعليه‌السلام ، وأم كلثوم بنت علي ، وفاطمة بنت الحسين ، وزينب بنت عليعليه‌السلام تلك الفترة فخاطبوا الناس .

والكوفة ليست مدينة غريبة على أهل البيتعليه‌السلام ، فقد عاشوا فيها في منتصف العقد الثالث من الهجرة ، أي قبل حوالي نيف وعشرين سنة من واقعة الطف .


خطابات آل البيتعليه‌السلام :

أولاً : فهذه زينب بنت عليعليه‌السلام لم ير خفرةً(١) أنطق منها ، تخطب الناس في الكوفة ، فتقول :

( الحمد لله والصلاة على أبي : محمد وآله الطيبين الأخيار .

أما بعد .

يا أهل الكوفة يا أهل الختل والغدر أتبكون فلا رقأت الدمعة ، ولا هدأت الرنة ، إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثاً ، تتخذون إيمانكم دخلاً بينكم ألا ، وهل فيكم إلا الصلف النطف ، والصدر الشنف ، وملق الإماء وغمز الأعداء ، أو كمرعى على دمنة أو كفضة على ملحودة .

ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون أتبكون وتنتحبون أي والله فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً ، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها ولن ترحضوها بغسل بعدها أبداً وأنّى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة ومعدن الرسالة وسيد شباب أهل الجنة وملاذ حيرتكم ومفزع نازلتكم ومنار حجتكم ومدرة سنتكم ألا ساء ما تزرون وبعداً لكم و سحقاً .

ــــــــــــــــ

(١) خفر الإنسان خفراً فهو خفر ( من باب تعب ) والأسم الخفارة : الحياء والوقار ( المصباح المنير ـ مادة خفر ج ١ ص ٢١٣ ) .


فلقد خاب السعي ، وتبت الأيدي ، وخسرت الصفقة ، وبؤتم بغضب من الله ، وضربت عليكم الذلة والمسكنة ويلكم يا أهل الكوفة أتدرون أي كبد لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فريتم ، وأي كريمة له أبرزتم ، وأي دمٍ له سفكتم ، وأي حرمة له انتهكتم لقد جئتم بها صلعاء عنقاء سوداء فقماء خرقاء شوهاء كطلاع الأرض أو كملئ السماء أفعجبتم إن مطرت السماء دماً ولعذاب الآخرة أخزى وأنتم لا تنصرون ، فلا يستخفنكم المهل فإنه لا يحفزه البدار ولا يخاف فوت الثأر وإن ربكم لبالمرصاد ) .

ورى المؤرخون ان الناس كانوا يومئذٍ حيارى يبكون وقد وضعوا أيديهم على أفواههم ويبكي أحدهم حتى اخضلّت لحيته وهو يقول : (بأبي أنتم و أمي كهولكم خير الكهول ، وشبابكم خير الشباب ، ونسائكم خير النساء ، ونسلكم خير نسل لا يخزى ولا يبزى )(١) .

ثانياً : فاطمة الصغرى بنت الحسينعليه‌السلام ، خطبت فقالت : ( الحمد لله عدد الرمل والحصا وزنة العرش إلى الثرى ، أحمده وأؤمن به وأتوكل

ــــــــــــــــ

(١) اللهوف ص ٨٦ ـ ٨٨ .


عليه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإن أولاده ذبحوا بشط الفرات بغير ذحل(١) ولا ترات(٢) اللهم إني أعوذ بك أن أفتري عليك بالكذب أو أن أقول عليك خلاف ما أنزلت عليه من أخذ العهود لوصيه علي بن أبي طالبعليه‌السلام المسلوب حقه المقتول من غير ذنب ، كما قتل ولده بالأمس ، في بيت من بيوت الله فيه معشر مسلمة بألسنتهم ، تعساً لرؤوسهم ما دفعت عنه ضيماً في حياته ولا عند مماته ، حتى قبضته إليك محمود النقيبة طيب العريكة معروف المناقب مشهور المذاهب لم تأخذه فيك اللهم لومة لائم ولا عذل عاذل هديته اللهم للإسلام صغيراً وحمدت مناقبه كبيراً ولم يزل ناضحاً لك ولرسولكصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى قبضته إليك زاهداً في الدنيا غير حريص عليها راغباً في الآخرة مجاهداً لك في سبيلك رضيته فاخترته فهديته إلى صراط مستقيم .

أما بعد :

يا أهل الكوفة ، يا أهل المكر والغدر والخيلاء فإنا أهل بيت إبتلانا الله بكم وإبتلاكم بنا ، فجعل بلائنا حسناً وجعل علمه عندنا وفهمه لدينا ، فنحن عيبة علمه ووعاء فهمه وحكمته وحجته على الأرض في بلاده لعباده ، أكرمنا الله بكرامته وفضلنا بنبيه محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على كثير ممن خلق تفضيلاً بيناً ، فكذبتمونا وكفرتمونا ورأيتم قتالنا حلالاً وأموالنا نهباً كأننا أولا ترك وكابل ، كما قتلتم جدنا بالأمس وسيوفكم تقطر من دمائنا أهل البيت لحقد متقدم ، قرّت لذلك عيونكم ، وفرحت قلوبكم على افتراء الله ومكراً مكرتم والله خير الماكرين .

ــــــــــــــــ

(١) الذحل : الثأر .

(٢) الترات : جمع ترة وهي ايضاً الثأر .


فلا تدعونكم أنفسكم إلى الجذل بما أصبتم من دمائنا ونالت أيديكم من أموالنا ، فإن ما أصابنا من المصائب الجليلة والرزايا العظيمة في كتاب من قبل ان نبرئها إن ذلك على الله يسير ، لكيلا تأسوا على ما فاتكم ، ولا تفرحوا بما آتاكم ، والله لا يحب كل مختال فخور تباً لكم فانتظروا اللعنة والعذاب ، فكأن قد حل بكم وتواترت من السماء نقمات فيسحتكم بعذاب ويذيق بعضكم بأس بعض ، ثم تخلدون في العذاب الأليم يوم القيامة بما ظلمتمونا ، ألا لعنة الله على الظالمين ويلكم أتدرون أية يد طاعنتنا منكم ، وأية نفس نزعت إلى قتالنا ، أم بأية رجل مشيتم إلينا تبغون محاربتنا والله قست قلوبكم ، وغلظت أكبادكم ، وطبع على أفئدتكم وختم على سمعكم وبصركم ، وسوّل لكم الشيطان وأملى لكم ، وجعل على بصركم غشاوة فأنتم لا تهتدون فتباً لكم يا أهل الكوفة ، أي ترات لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبلكم وذحول له لديكم بما غدرتم بأخيه علي بن أبي طالب جدي ، وببنيه وعترته الطيبين الأخيار ، فافتخر بذلك مفتخر فقال :

نحن قتلنا علياً وبني علي

بسيوف هندية ورماح

وسبينا نسائهم سبي ترك

ونطحناهم فأي نطاح

بفيك أيها القائل الكثكث والأثلب إفتخرت بقتل قوم زكاهم الله وطهرهم الله وأذهب عنهم الرجس ، فاكظم وأقع كما أقعى أبوك قائماً ، لكل امرئ ما كسب وما قدمت يداه أحسدتمونا ـ ويلكم ـ على ما فضلنا الله .

فما ذنبنا إن جاش دهراً بحورنا

وبحرك ساج ما يوارى الدعا مصا

ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم ، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور )(١) .

ثالثاً : أم كلثوم بنت عليعليه‌السلام خطبت أهل الكوفة من وراء كلتها ، فقالت : ( يا أهل الكوفة سوأة لكم ، ما لكم خذلتم حسيناً وقتلتموه وأنتهبتم أمواله وورثتموه وسبيتم نسائه ونكبتموه ، فتباً لكم وسحقاً ويلكم أتدرون أي دواه دهتكم ، وأي وزر على ظهوركم حملتم ، وأي دماء سفكتموها ، وأي كريمة أصبتموها ، وأي صبية سلبتموها ، وأي أموال إنتهبتموها .

ــــــــــــــــ

(١) اللهوف ص ٨٨ ـ ٩٠ .


قتلتم خير رجالات بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ونزعت الرحمة من قلوبكم ، ألا إن حزب الله هم الفائزون وحزب الشيطان هم الخاسرون ، ثم قالت(١) :

قتلتم أخي صبراً فويل لامكم

ستجزون ناراً حرها يتوقد

سفكتم دماء حرم الله سفكها

وحرمها القرآن ثم محمد

ألا فابشروا بالنار إنكم غداً

لفي سقر حقاً يقيناً تخلدوا

وإني لأبكي في حياتي على أخي

على خير من بعد النبي سيولد

بدمع عزيز مستهل مكفكف

على الخد مني دائماً ليس يحمد

رابعاً : ثم نادى زين العابدينعليه‌السلام بالناس بعد أن حمد الله وأثنى عليه :

( أيها الناس ، من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا علي بن الحسين بن علي أبي طلاب أنا ابن من انتهكت حرمته ، وسلبت نعمته ، وانتهب ماله ، وسبي عياله أنا ابن المذبوح بشط الفرات من غير ذحل ولا ترات أنا ابن من قتل صبراً ، وكفى بذلك فخراً .

أيها الناس ، ناشدتكم الله هل تعلمون أنكم كتبتم الى أبي وخدعتموه ، وأعطيتموه من أنفسكم العهود والمواثيق والبيعة ، وقاتلتموه فتبّاً لما قدمتم لأنفسكم وسوأة لرأيكم ، بأية عين تنظرون الى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ يقول لكم : قتلتم عترتي ، وانتهكتم حرمتي ، فلستم من أمتي ...

رحم الله امرأً قبل نصيحتي ، وحفظ وصيتي في الله وفي رسوله وفي أهل بيته ، فإن لنا في رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أسوة حسنة ) .

فصمتوا وهم يستمعون إلى هذا القول العطر ثم قالوا : (نحن يا بن رسول الله ، سامعون مطيعون حافظون لذمامك ، غير زاهدين فيك ، ولا راغبين عنك ، فمرنا بأمرك يرحمك الله ، فأنا حرب لحربك ، وسلم لسلمك ، نبرأ ممن ظلمك وظلمنا ) .

ــــــــــــــــ

(١) اللهوف ص ٩١ .


وقولهم هذا لا يمكن أن يفسر إلا بأحد تفسيرين :

إما ان الحضور كان من الذين لم يدخلوا الحرب مع الحسينعليه‌السلام ولم تصلهم أخبار الحرب إلا بوصول السبايا ، وهو بعيد لأن جواب السجادعليه‌السلام لهم يكشف عن كونهم مخادعون ماكرون .

وإما انهم كانوا يخادعون السجادعليه‌السلام للتمويه على الموقف الاسلامي العام وهذا أقرب الى الصواب فقد كانوا يحاولون إلتماس الأعذار على خذلهم ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد صدق الفرزدق حينما قال للحسينعليه‌السلام قبل الطف وهو يصف أهل الكوفة : ( يا ابن رسول الله قلوب الناس معك وسيوفهم عليك ) ولو كانوا صادقين في قولهم : ( انا حرب لحربك وسلم لسلمك ) لما تركوا ا لحسينعليه‌السلام وأهل بيته يقتلون بين ظهرانيهم قبل أيام قليلة .

فأجابهم الإمام زين العابدينعليه‌السلام : ( هيهات ، هيهات ، أيها الغدرة المكرة ، حيل بينكم وبين شهوات أنفسكم ، أتريدون ان تأتوا إلي كما أتيتم إلى أبي من قبل ، كلا ورب الراقصات(١) ، فإن الجرح لما يندمل قتل أبي بالأمس وأهل بيته ، ولم ينس ثكل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وثكل أبي ، وبني أبي إن وجده والله بين لهاتي ، ومرارته بين حناجري وحلقي ، وغصص تجري في فراش صدري )(٢) .

وهكذا عرض أهل البيتعليه‌السلام على أهل الكوفة ما يرشدهم إلى آخرتهم ولخطبة الإمام السجادعليه‌السلام دلالات نعرضها عبر الكلمات التالية :

دلالات خطبة السجادعليه‌السلام في الكوفة :

كشفت خطبة السجادعليه‌السلام في الكوفة عن أمور ، أهمها :

١ ـ انها ساهمت في كشف الحقائق التي حاول بنو أمية سترها وأخطرها التقليل من أهمية العلاقة الرسالية والرحمية برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولذلك كان التأكيد على قول : ( من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فانا ) .

ــــــــــــــــ

(١) الراقصات : مطايا الحجيج .

(٢) مثير الأحزان لابن نما ص ٨٩ واللهوف في قتلى الطفوف ص ٦٨ .


٢ ـ شرح الوقائع التي وقعت في العاشر من محرم الحرام ، وكان محورها قتل الحسينعليه‌السلام وأهل بيته وأصحابه وهتك حرمة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٣ ـ الإدانة الواضحة لأولئك الذين دعوا الحسينعليه‌السلام الى العراق وتخلوا عنه وحاربوه ، ووصمهم بالغدر والمكر والخيانة .

وكان للسجادعليه‌السلام كلامٌ قاله ، خلال أسر بني أمية له ، وهو : ( أيها الناس ، أن كل صمت ليس فيه فكر فهو عي ، وكل كلام ليس فيه ذكر فهو هباء ، ألا وأن الله تعالى أكرم أقواماً بآبائهم ، فحفظ الأبناء بالآباء ، لقوله تعالى :( وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً ) (١) فأكرمهما ونحن والله عترة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأكرمونا لأجل رسول الله ، لأن جدي رسول الله كان يقول في منبره : احفظوني في عترتي وأهل بيتي فمن حفظني حفظه الله ، ومن آذاني فعليه لعنة الله ألا لعنة الله على من آذاني فيهم حتى قالها ثلاث مرات ونحن والله أهل بيت أذهب الله عنا الرجس والفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ونحن والله أهل بيت أختار الله لنا الآخرة وزوي(٢) عنا الدنيا ولذاتها ولم يمتعنا بلذاتها )(٣) .

ــــــــــــــــ

(١) سورة الكهف : الآية ٨٢ .

(٢) زوي الشيء : نحاه .

(٣) ناسخ التواريخ ـ من أحوالهعليه‌السلام ج ٢ ص ٤٤ والمنتخب للطريحي ج ٢ ص ٢ .


مقارعة الحجة بالحجة :

وكان من عادة الجيش إدخال السبايا على الحاكم المنتصر من أجل إذلالهم والتشفي منهم فالمقدمة هنا كانت إدخال السبايا على والي الكوفة ، والنتيجة هو إذلال أهل البيتعليه‌السلام ولكن الأمر كان مختلفاً مع سبايا العترة الطاهرةعليه‌السلام ، فقد نجحت المقدمة وهي إدخالهم على الوالي ولكن النتيجة باءت بالفشل ، ولم ينجحوا في إذلالهم بل كلما ازداد الضغظ عليهم من قبل بني أمية كانوا يزدادون في عيون الأمة سمواً وعلواً وتألقاً .

فعندما جلس عبيدالله ابن زياد ( والي الكوفة ) في القصر للناس ، وأذن إذناً عاماً ، جيء برأس الحسينعليه‌السلام فوضع بين يديه وأدخل نساء الحسينعليه‌السلام وصبيانه إليه ، فجلست زينب بنت عليعليه‌السلام متنكرة فسأل عنها فقيل زينب بنت عليعليه‌السلام فأقبل إليها ، فقال : الحمد لله الذي فضحكم وأكذب أحدوثتكم فقالت : ( إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا ) فقال ابن زياد : كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك فقالت : ( ما رأيت إلا جميلاً ، هؤلاء قوم كتب عليهم القتال فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم فانظر لمن يكون الفلج(١) يومئذٍ ) .

ــــــــــــــــ

(١) فلج : ظفر بسما طلب ، وفلج بحجته أثبتها .


فغضب ابن زياد وكأنه همّ بها ، فقال له عمرو بن حريث : إنها امرأة والمرأة لا تؤخذ بشيء من منطقها فقال لها ابن زياد : لقد شفى الله قلبي من طاغيتك الحسين والعصاة المردة من أهل بيتك فقالت : ( لعمري لقد قتلت كهلي وقطعت فرعي وإختثثت أصلي فإن كان هذا شفاك فقد إشتفيت ) فقال ابن زياد : هذه سجّاعة ولعمري لقد كان أبوك شاعراً وسجّاعاً فقالت : ( يا بن زياد ما للمرأة والسجاعة ) .

ثم التفت ابن زياد إلى علي بن الحسينعليه‌السلام ، فقال من هذا ؟ فقيل : علي بن الحسين ( السجاد ) فقال : أليس الله قد قتل علي بن الحسين ؟ فقال عليعليه‌السلام : ( قد كان لي أخ يقال له علي بن الحسين قتله الناس ) فقال : بل الله قتله فقال عليعليه‌السلام ( اللّهُ يَتَوَفّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا (١). ) . فقال ابن زياد : ألك جرأة على جوابي ثم أمر بضرب عنق زين العابدينعليه‌السلام .

فنهضت له عمته الكريمة زينب بنت عليعليه‌السلام ، ما سكةً بيد الإمامعليه‌السلام صادحةً بقوة الحق : ( حسبك يا بن زياد من دمائنا ما سفكت ، وهل أبقيت أحداً غير هذا ؟ فإن أردت قتله فاقتلني معه ) فقال عليعليه‌السلام لعمته : اسكتي يا عمة حتى أكلمه ثم أقبل ، فقال :

ــــــــــــــــ

(١) سورة الزمر : الآية ٤٢ .


 ( أبالقتل تهددني يا ابن زياد ؟ أما علمت أن القتل لنا عادة ، وكرامتنا من الله الشهادة ؟ )(١) .

لقد كانت إرادة العقيلة زينبعليه‌السلام قوية إلى درجة انه تراجع عن قراره وهو في مجلسه ، وقال لجلاوزته بخجل : دعوه لها ، يا للرحم ودّت أنها تقتل معه .

قال الجاحظ في رسائله ان ابن زياد قال لأصحابه في علي ابن الحسين : دعوني أقتله فإنه بقية هذا النسل ـ يعني نسل الحسينعليه‌السلام ـ فأحسم به هذا القرن ، وأميت به هذا الداء ، وأقطع به هذه المادة .

إلا ان موقف زينبعليه‌السلام كان قد غيّر الأمر ، وجعل الحاشية تشير عليه بالإمساك عنهعليه‌السلام ظنّاً منهم ان ما ألّم به من المرض سوف يقضي عليه .

ثم أمر ابن زياد بعلي بن الحسينعليه‌السلام وأهله ، فحملوا إلى دارٍ جنب المسجد الأعظم بالكوفة .

ــــــــــــــــ

(١) عوالم العوالم ج ١٧ ص ٣٨٤ واللهوف ص ٧٠ .


مواراة أجساد قتلى آل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( ١٣ محرم سنة ٦١ هـ )

بقيت أجساد العترة الطاهرة متناثرة في عراء الطف يومين أو ثلاثة أيام وانبرى قومٌ من بني أسد من الذين لم يشتركوا في الحرب لدفنها ، فحفروا قبوراً لتلك الأجساد الطاهرة ، لكنهم تحيروا في معرفتها لأن الرؤوس كانت قد فصلت عنها وأخذت إلى الشام حتى ورد الإمام زين العابدينعليه‌السلام من الكوفة فأوقف بني أسد على شهداء أهل البيت ، وأوقفهم أيضاً على أصحاب الحسينعليه‌السلام وبادر إلى حمل جثمان أبيهعليه‌السلام ، فواراه الثرى ، وهو يقول : ( يا أبتاه ، طوبى لأرض تضمنت جسدك الطاهر ، فان الدنيا بعدك مظلمة ، والآخرة بنورك مشرقة أما الليل فمسهد ، والحزن سرمد أو يختار الله لأهل بيتك دارك التي أنت بها مقيم ، وعليك مني السلام يا ابن رسول الله ورحمة الله وبركاته ( .

وعلّم قبر أبيهعليه‌السلام بعلامة ، وكتب : ( هذا قبر الحسين بن علي بن أبي طالب ، الذي قتلوه عطشاناً غريباً ) ووضع قبر أخيه المشهور بـ ( علي الأكبر ) عند رجلي والده الحسينعليه‌السلام ، وبقية الشهداء من بني هاشم والأنصار في قبر واحد .

ثم انطلق إلى نهر العلقمي فحفر قبراً لعمه أبي الفضل العباس قمر بني هاشم ، وهو يقول : ( على الدنيا بعدك العفا يا قمر بني هاشم ، وعليك مني السلام من شهيد محتسب ورحمة الله و بركاته ( .


دلالات رجوع السجادعليه‌السلام إلى كربلاء :

١ ـ لاشك ان انصراف الإمام زين العابدينعليه‌السلام من سحن عبيد الله ابن زياد في الكوفة لتولي أمر أبيهعليه‌السلام في كربلاء دون علمهم به من الكرامات الخاصة بالامام السجادعليه‌السلام وإذا كانت المسافة بين الكوفة وكربلاء حوالي ٨٠ كيلومتراً ، فان قطعها يحتاج الى أكثر من يوم ، بالطريق الطبيعي إلا ان الروايات المتواترة عن أهل البيتعليه‌السلام تثبت بان اختصار تلك المسافة كان من الكرامات الخاصة بالسجادعليه‌السلام وليس هذا غريباً ، فان الله تعالى قد خصهم بكرامات عديدة ، لخصائص مباركة فيهم .

٢ ـ الظاهر ان أمر رجوع الإمام زين العابدينعليه‌السلام الى كربلاء لدفن أبيهعليه‌السلام كان أمراً شائعاً متعارفاً ويؤيده تلك المناظرة بين الإمام الرضاعليه‌السلام وابن ابي حمزة في بدايات القرن الثالث الهجري ، وموضوع المناظرة كان وجوب تغسيل الإمام المعصوم من قبل الإمام آخر .


قال الإمام الرضاعليه‌السلام له ، وهما في أوج حمى المناظرة : ( اخبرني عن الحسين بن علي كان إماماً ) قال : بلى قالعليه‌السلام : ( فمن ولي أمره ؟ ) قال : علي بن الحسين فقال الرضاعليه‌السلام : ( وأين كان ؟ ) قال ابن أبي حمزة : ( كان محبوساً بالكوفة عند ابن زياد ولكنه خرج وهم لا يعلمون به حتى ولي أمر أبيه ثم انصرف الى السجن ) فقال الرضاعليه‌السلام : ( ان من مكّن علي بن الحسين أن يأتي كربلاء فيلي أمر أبيه ثم ينصرف ، يمكّن صاحب هذا الأمر ان يأتي بغداد فيلي أمر أبيه(١) وليس هو في حبس ولا أسار )(٢) ودلالة الرواية ان أمر الذهاب من الكوفة الى كربلاء لدفن أبيهعليه‌السلام كان من الكرامات المعروفة المشهورة الخاصة بالسجادعليه‌السلام .

في الشام ( محرم / صفر سنة ٦١ هـ)

وكتب ابن زياد الى يزيد يخبره بقتل الحسينعليه‌السلام وخبر أهل بيته(٣) ولما وصل كتاب ابن زياد الى الشام أمره يزيد بحمل رأس الحسينعليه‌السلام ورؤوس من قتل معه إليه فأمر ابن زياد بنساء الحسينعليه‌السلام

ــــــــــــــــ

(١) يقصد تغسيل الامام الكاظمعليه‌السلام .

(٢) إثبات الوصية للمسعودي ص ١٧٣ طبعة النحف .

(٣) الكامل في التأريخ للجزري ج ٤ ص ٨٣ .


وصبيانه فجهّزوا ، وأمر بعلي بن الحسينعليه‌السلام فغلّ بقيدٍ الى عنقه .

وانطلق ركب سبايا آل البيتعليه‌السلام على الأقتاب إلى الشام تاركاً الكوفة ومحنها ومتوجهاً إلى أرض لم يطأها من قبل ، والى أناس لم يعرف ملامحهم ولا أخلاقهم ولم يكلّم علي بن الحسينعليه‌السلام أحداً من جنود ابن زياد في الطريق ولا بحرف ، حتى بلغوا الشام(١) ودمشق مدينة مطردة الأنهار ، كثيرة الأشجار وكان دخول سبايا آل البيتعليه‌السلام مناسبة لأهل الشام للاحتفال ، فعلّق أهلها الستور والحجب والديباج وهم فرحون مستبشرون ، ودفعوا نساءهم للعب بالدفوف والطبول ، كما روى ذلك سهل بن سعد الساعدي .

وفي الشام تعرض الإمام السجادعليه‌السلام لعدة مواقف نذكر منها ثلاثة لاهميتها أولها : تذكير الناس وإرشادهم ثانياً : مواجهته يزيد ثالثاً : خطبته البليغة في مجلس الطاغية وفيما يلي نعرض لكل موقف من تلك المواقف :

الأول : تذكير الناس وإرشادهم

استثمر آل البيتعليه‌السلام كل مناسبة كانت تسنح لهم للتعبير عن ارتباطهم بالرسالة والرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكان تعاملهم مع الناس تعامل المعلم مع تلميذه ، والوالد مع ولده وكانواعليه‌السلام ينشرون المعارف والعلوم ، ويغفرون الخطأ والزلل ، ويهدون الناس إلى طريق الحق .

ــــــــــــــــ

(١) الارشاد ج ٢ ص ١١٩ .


وفي ذلك رواية لها أهمية خاصة ، لانها تكشف طريقة تعامل الإمام زين العابدينعليه‌السلام مع الناس في الشام فقد فتح المسلمون بلاد الشام ، وحكمها خالد بن الوليد ومعاوية بن ابي سفيان ولم ير أهل الشام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو اصحابه ، فاعتبروا سلوك معاوية واصحابه سنّة للمسلمين ، وليس مستغرباً ان نقرأ الرواية التالية :

عندما دنا شيخ طاعن في السن من جمهور المختلفين واقترب من نساء الحسينعليه‌السلام وعياله وهم في ذلك الوضع ، بادرهم بالقول : الحمد لله الذي قتلكم وأهلككم وأراح البلاد عن رجالكم ، وأمكن أمير المؤمنين ( يزيد ) منكم .

فقال له علي بن الحسينعليه‌السلام : ( يا شيخ هل قرأت القرآن ؟ ) قال : نعم .

قالعليه‌السلام : فهل عرفت هذه الآية :( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) (١) ، قال الشيخ : نعم قد قرأت ذلك فقال علي بن الحسينعليه‌السلام له : فنحن القربى .

ــــــــــــــــ

(١) سورة الشورى : آية ٢٣ .


يا شيخ فهل قرأت في سورة بني إسرائيل :( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى‏ حَقّهُ ) (١) ، فقال الشيخ : قد قرأت فقال علي بن الحسينعليه‌السلام : فنحن القربى  .

يا شيخ فهل قرأت هذه الآية :( وَاعْلَمُوا أَنّمَا غَنِمْتُم مِن شَيْ‏ءٍ فَأَنّ للّهِ‏ِ خُمُسَهُ وَلِلرّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ) (٢) ؟ قال الشيخ : نعم فقال له علي بن الحسينعليه‌السلام : ( فنحن القربى 

يا شيخ فهل قرأت هذه الآية :( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً )  (٣) ؟ قال الشيخ : قد قرأت ذلك فقال علي بن الحسينعليه‌السلام : ( فنحن أهل البيت الذي خصصنا الله بآية الطهارة يا شيخ  .

فبقي ذلك الانسان ساكتاً نادماً على ما تلكم به ، وقال : بالله إنكم هم فقال علي بن الحسينعليه‌السلام : ( تالله إنا لنحن هم من غير شك وحق جدنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) .

فبكى الشيخ ، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال : اللهم إنا نبرأ إليك من عدو آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من جن وإنس ثم قال : هل لي من

ــــــــــــــــ

(١) سورة الاسراء : آية ٢٦ .

(٢) سورة الانفال : آية ٤١ .

(٣) سورة الاحزاب : آية ٣٣ .


توبة فقالعليه‌السلام : ( نعم إن تبت تاب الله عليك وأنت معنا ) فقال : أنا تائب فبلغ يزيد بن معاوية حديث الشيخ ، فأمر به ، فقتل(١) .

وفي تلك الرواية دلالات ، منها :

١ ـ ان أهل الشام كانوا يعتقدون بما كان يقوله لهم إعلام بني أمية ولا يستنكرونه ، بل كانوا يأخذونه أخذ المسلّمات .

٢ ـ ان القابلية على التغيير عند الأمة كانت موجودة فما أن احتجّ عليه الإمامعليه‌السلام بالقرآن وبمصاديقه وأفحمه في ذلك ، حتى قبل ذلك الشيخ بالحجة واقتنع بها وهذا المنحى في التغيير أتخذه الإنبياءعليه‌السلام وأئمة أهل البيتعليه‌السلام طريقاً لهداية الناس .

٣ ـ ان طريق أهل البيتعليه‌السلام كانت له مبادئ ، أهمها : الرحمة بالرعية ، والصفح عن اخطائهم ، وقبول توبتهم ولذلك كان الإمام السجادعليه‌السلام يطمع لندم ذلك الإنسان ويرجو الإعتراف بخطائه ولم يشترط عليه شيء لقبول تلك التوبة ، ودرأ ذلك التقصير .

٤ ـ تفصح الرواية عن جهود السلطة الأموية في كمّ أفواه الناس ، فما أن علموا برواية الشيخ وحديثه مع السجادعليه‌السلام ، حتى أمروا بقتله لأن إطلاع الناس على حقائق الدين والتأريخ ، نذيرٌ بزوال حكمهم .

الثاني : مواجهة الظالم

ولا شك ان مواجهة الحاكام الظالم بعد معركة خاسرة عسكرياً أمرٌ صعب بل مرعب خصوصاً إذا كانت السبايا من النساء والصبيان والمرضى إلاّ ان موقفا زينبعليه‌السلام وزين العابدينعليه‌السلام أمام يزيد الطاغية قد قلبا كل المقاييس .

ــــــــــــــــ

(١) اللهوف ص ٧٦ .


فقد توقع بنو أمية إذلال السبايا واهانتهم والتشفي منهم ، في وقت غابت عنهم فصاحة أهل البيتعليه‌السلام وحجتهم البالغة القوية وعلى أية حال ، فقد خابت آمال بنو أمية عندما انطلقت زينبعليه‌السلام في خطبتها الفصيحة البليغة تعدد مثالبهم وتكشف انحرافهم عن الاسلام وعن تعاليم القرآن المجيد والسنة النبوية الشريفة بينما أرجع الإمام زين العابدينعليه‌السلام مصيبة كربلاء إلى ظلم بني أمية وإرادتهم ، ذلك الظلم المكتوب في الكتاب قبل ان يبرأ الله عزوجل الخلق .

وبتعبير آخر ، أراد الإمام السجادعليه‌السلام تذكير الناس بان المصائب ومنها مصيبة كربلاء مكتوبة في اللوح المحفوظ ، ذلك الكتاب الذي فيه ما كان وما يكون وما هو كائن الى يوم القيامة فالله عزّ وجلّ يعلم ما في اللوح من آجال ، قبل ان يخلق الخلق وهذا المعنى مستخلص من قوله تعالى في سورة الحديد : (( مَا أَصَابَ مِن مُصِيَبةٍ فِي الْأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلّا فِي كِتَابٍ مِن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا إِنّ ذلِكَ عَلَى‏ اللّهِ يَسِيرٌ ) )(١) . فواقعة الطف لم تكن مفاجئة لهمعليه‌السلام بل ان الأحاديث المتواترة تشير إلى انهم كانوا يتنبأون بها قبل وقوعها ، في مناسبات معروفة عديدة .

مع يزيد

ولما أدخل ثقل(٢) الحسينعليه‌السلام ونساؤه برفقة السجادعليه‌السلام على الطاغية يزيد وقد أوثقوهم بالحبال ، ابتدأ الإمامعليه‌السلام خطابه ليزيد : ( ما ظنك بجدنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لو يرانا على مثل هذه الحالة ؟ ) .

فأمر يزيد بحلّ الوثاق وقال : قبّح الله ابن مرجانة ( عبيدالله بن زياد ) لو كان بينكم وبينه قرابة لما فعل بكم هذا .

ثم دعا يزيد بقضيب خيزران فجعل ينكت به ثنايا الحسينعليه‌السلام ، فأقبل عليه أبو برزة الأسلمي وقال : ( ويحك يا يزيد أتنكت بقضيبك ثغر الحسين ابن فاطمةعليه‌السلام أشهد لقد رأيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يرشف ثنايا وثنايا أخيه الحسنعليه‌السلام ويقول : أنتما سيدا شباب أهل الجنة ، فقتل الله قاتلكما ولعنه وأعد له جهنم وساءت مصيراً ) .

ــــــــــــــــ

(١) سورة الحديد : الآية ٢٢ .

(٢) ثقل الرجل : عياله .


فغضب يزيد وأمر بإخراجه فأخرج سحباً من المجلس ، وجعل يزيد يتمثل بأبيات ابن الزبعرى :

ليت أشياخي ببدر شهدوا

جزع الخزرج من وقع الأسل

لأهلوا واستهلوا فرحاً

ثم قالوا يا يزيد لا تشل

قد قتلنا القرم من ساداتهم

وعدلناه ببدر فاعتدل

لعبت هاشم بالملك فلا

خبر جاء ولا وحي نزل

لست من خندف إن لم أنتقم

من بني أحمد ما كان فعل

خطبة زينب بنت عليعليه‌السلام

فقامت زينب بت علي بن أبي طالبعليه‌السلام وقد ناهزت الخمسين من العمر ، والإمام زين العابدينعليه‌السلام جالس مع السبايا ، فقالت :

(الحمد لله رب العالمين وصلى الله على رسوله وآله أجمعين ، صدق الله سبحانه كذلك يقول) :( ثُمّ كَانَ عَاقِبَةَ الّذِينَ أَسَاءُوا السّوءى‏ أَن كَذّبُوا بِآيَاتِ اللّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ ) )(١) ، أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء فأصبحنا نساق كما تساق الأسرى إن بنا هواناً على الله وبك عليه كرامة ، وإن ذلك

ــــــــــــــــ

(١) سورة الروم : الآية ١٠ .


لعظم خطرك عنده ، فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك جذلان مسروراً حين رأيت الدنيا لك مستوثقة ، والأمور متسقة ، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا فمهلاً مهلاً أنسيت قول الله تعالى :( وَلاَ يَحْسَبَنّ الّذِينَ كَفَرُوا أَنّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) (١) .

أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حراثرك وإمائك ، وسوقك بنات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سبايا قد هتكت ستورهن ، وأبديت وجوههن ، تحدوا بهن الأعداء من بلد إلى بلد ، ويستشرفهن أهل المناهل والمناقل ، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد والدني والشريف ، ليس معهن من رجالهن ولي ولا من حماتهن حمي وكيف يرتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الأذكياء ، ونبت لحمه من دماء الشهداء ، وكيف ويستبطأ في بغضاء أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنان ، والإحن والأضغان ، ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم :

لاهلّوا واستهلّوا فرحاً

ثم قالوا يا يزيد لا تشل

منتحياً على ثنايا أبي عبداللهعليه‌السلام سيد شباب أهل الجنة تنكتها بمخصرتك ، وكيف لا تقول ذلك وقد نكأت القرحة وإستأصلت الشأفة باراقتك دماء ذرية محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونجوم الأرض من آل عبد المطلب وتهتف بأشياخك ، زعمت إنك تناديهم فلتردن

ــــــــــــــــ

(١) سورة آل عمران : الآية ١٧٨ .


وشيكاً موردهم ولتودن إنك شللت وبكمت ولم تكن قلت ما قلت ، وفعلت ما فعلت اللهم خذ لنا بحقنا ، وانتقم ممن ظلمنا ، وأحلل غضبك بمن سفك دمائنا ، وقتل حماتنا فوالله ما فريت إلا جلدك ، ولا حززت إلا لحمك ، ولتردن على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما تحملت من سفك ذريته ، وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته ، وحيث يجمع الله شملهم ويلم شعثهم ويأخذ بحقهم ،( وَلاَ تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ ) )(١) . وحسبك بالله حاكماً وبمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خصيماً وبجبرائيل ظهيراً ، وسيعلم من سوّل لك ومكنك من رقاب المسلمين ، بئس للظالمين بدلاً وأيكم شر مكاناً وأضعف جنداً.

ولئن جرت علي الدواهي مخاطبتك ، إني لأستصغر قدرك ، وأستعظم تقريعك ، وأستكثر توبيخك لكن العيون عبرى ، والصدور حرى ألا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء فهذه الأيدي تنطف من دمائنا ، والأفواه تتحلب من لحومنا ، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل وتعفرها أمهات الفراعل ولئن اتخذتنا مغنماً ، لتجدنا وشيكاً مغرماً ، حين لا تجد إلا ما قدمت يداك وما ربك بظلام للعبيد فإلى الله المشتكى وعليه المعول .

ــــــــــــــــ

(١) سورة آل عمران : الآية ١٦٩ .


فكد كيدك ، وأسع سعيك ، وناصب جهدك ، فوالله لا تمحو ذكرنا ، ولا تميت وحينا ، ولا تدرك أمدنا ، ولا ترحض عنك عارها وهل رأيك إلا فند ، وأيامك إلا عدد ، وجمعك إلا بدد ، يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين فالحمد لله رب العالمين الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة ، ولآخرنا بالشهادة والرحمة ، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب ويوجب لهم المزيد ويحسن علينا الخلافة إنه رحيم ودود وحسبنا الله ونعم الوكيل.

تصاغر يزيد :

فقال يزيد بن معاوية :

يا صيحة تحمد من صوائح

ما أهون الموت على النوائح

ثم قال يزيد : أية يا علي بن الحسين أبوك الذي قطع رحمي ، وجهل حقي ، ونازعني في سلطاني ، فصنع الله به ما رأيت .

فقال السجادعليه‌السلام : بسم الله الرحمن الرحيم( : مَا أَصَابَ مِن مُصِيَبةٍ فِي الْأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلّا فِي كِتَابٍ مِن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا إِنّ ذلِكَ عَلَى‏ اللّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى‏ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبّ كُلّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) (١) .

ــــــــــــــــ

(١) سورة الحديد : آية ٢٢ ـ ٢٣ .


قال يزيد : بل قل :( وَمَا أَصَابَكُم مِن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) (١) فردّ الإمامعليه‌السلام : ( هذا في حق من ظلم ، لا في حق من ظلم ) .

ثم قالعليه‌السلام : ( يا ابن معاوية وهند وصخر لم تنزل النبوة والإمرة إلا لآبائي وأجدادي من قبل أن تولد ولقد كان جدي علي بن أبي طالب في بدر وأحد والأحزاب في يده راية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأبوك وجدك في أيديهما راية الكفار ويلك يا يزيد لو تدري ما صنعت وما الذي ارتكبت بأبي وأهل بيته لهربت في الجبال ، وافترشت الرماد ، ودعوت بالويل والثبور ، فابشر بالخزي والندامة إذا اجتمع الناس ليوم الحساب ) .

وفي رواية المسعودي ان يزيد سأل زين العابدينعليه‌السلام : كيف رأيت يا علي بن الحسين ؟ قالعليه‌السلام : ( رأيت ما قضاه الله عز وجل قبل ان يخلق السموات والأرض ) .

فشاور يزيد جلساءه في أمره ، فاشاروا بقتله فابتدر زين العابدينعليه‌السلام الكلام ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : ( يا يزيد لقد أشار عليك هؤلاء بخلاف ما أشار جلساء فرعون عليه ، حيث شاورهم في موسى وهارون ، فانهم قالوا له : ارجه وأخاه وقد أشار هؤلاء عليك بقتلنا ان أولئك كانوا الراشدة ، وهؤلاء لغير رشدك

ــــــــــــــــ

(١) سورة الشورى : آية ٣٠ .


 [ ماضون ] ولا يقتل الأنبياء وأولادهم إلا أولاد الأدعياء ) فأمسك يزيد مطرقاً(١)

الثالث : خطبة الإمامعليه‌السلام في مجلس يزيد

ثم أوعز يزيد إلى خطيبٍ من خطباء السوء اعتلاء المنبر ، والنيل من عليعليه‌السلام والحسينعليه‌السلام فقام وبالغ في الذم وأطنب في مدح معاوية ويزيد فانبرى السجادعليه‌السلام مخاطباً : ( ويلك أيها المتكلم اشتريت رضا المخلوق بسخط الخالق فتبوأ مقعدك من النار ) .

وكان من أدب الإمامعليه‌السلام الجمّ أن يسأل يزيد ، وهو صاحب المجلس على كل حال ، كي يسمح له بالكلام والكلام في المجالس يحتاج إلى إذن فقالعليه‌السلام : ( أتأذن لي أن أصعد هذه الأعواد فأتكلم بكلمات فيهن لله رضا ، ولهؤلاء الجالسين أجر وثواب ) فرفض يزيد في البداية ولكن الحاضرين ـ وهم من خلّص حاشية يزيد ـ أصروا عليه وهم يتوقعون انهعليه‌السلام لا يحسن الخطابة أو هكذا تظاهروا فوافق يزيد فقام الإمامعليه‌السلام ، فقال :

(الحمد لله الذي لا بداية له والدائم الذي لا نفاد له ، والأول الذي لا أولية له ، والآخر الذي لا آخرية له ، والباقي بعد فناء الخلق ،

ــــــــــــــــ

(١) إثبات الوصية لعلي بن الحسين المسعودي ص ١٤٠ طبعة النجف .


قدّر الليالي والأيام ، وقسّم فيما بينها ، فتبارك الله الملك العلام). ثم استطرد في ذلك كثيراً إلى أن قال :

أيها الناس أعطينا ستّاً ، وفضّلنا بسبع أعطينا : العلم ، والحلم ، والسماحة ، والفصاحة ، والشجاعة ، والمحبة في قلوب المؤمنين وفضّلنا : بأن منّا النبيّ المختار محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومنّا الصدّيق ، ومنّا الطيار ، ومنّا أسد الله وأسد رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومنّا سيدّة نساء العالمين فاطمة البتول ، ومنّا سبطا هذه الأمة وسيدا شباب الجنة .

فمن عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي أنا ابن مكة ومنى أنا ابن زمزم والصفا أنا ابن من حمل الركن بأطراف الرداء أنا ابن خير من اثتزر وارتدى أنا ابن خير من انتعل واحتفى أنا ابن خير من طاف وسعى أنا ابن خير من حجّ ولبّى أنا ابن من حمل على البراق في الهواء أنا ابن من أسري به من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى ، فسبحان من أسرى .

أنا ابن من بلغ به جبرئيل إلى سدرة المنتهى أنا ابن من دنا فتدلّى فكان قاب قوسين أو أدنى أنا ابن من صلّى بملائكة السماء أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى أنا ابن محمد المصطفى أنا ابن علي المرتضى أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا : لا إله إلا الله .

أنا ابن من ضرب بين يدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بسيفين ، وطعن برمحين ، وهاجر الهجرتين ، وبايع البيعتين ، وصلّى القبلتين ، وقاتل ببدر وحنين ، ولم يكفر بالله طرفة عين .

أنا ابن صالح المؤمنين ووراث النبيين ، وقامع الملحدين ، ويعسوب المسلمين ، وزين العابدين ، وتاج البكّائين ، وأصبر الصابرين ، وأفضل القائمين من آل ياسين ، رسول رب العالمين أنا ابن المؤيد بجبرئيل ، المنصور بميكائيل .

أنا ابن المحامي عن حرم المسلمين ، وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ، والمجاهد أعداءه الناصبين ، وأفخر من مشى من قريش أجمعين ، وأوّل من أجاب واستجاب لله ولرسوله من المؤمنين ، وأقدم السابقين ، وقاصم المعتدين ، ومبيد المشركين ، وسهم من مرامي الله على المنافقين ، ولسان حكمة العابدين .


وناصر دين الله ، ووليّ أمر الله ، ولسان حكمة الله ، وعيبة علمه ، سمح سخيّ ، بهلول زكيّ ، أبطحيّ رضيّ مرضيّ ، مقدام همام ، صابر صوّام ، مهذّب قوّام ، شجاع قمقام ، قاطع الأصلاب ، ومفرق الأحزاب أربطهم عناناً ، وأثبتهم جناناً ، وأجرأهم لساناً ، وأمضاهم عزيمةً ، وأشدّهم شكيمة .

أسد باسل ، وغيث هاطل ، يطحنهم في الحروب ، اذا ازدلفت الأسنّة وقربت الأعنة ، طحن الرحى ويذروهم ذرو الريح الهشيم .

ليث الحجاز ، وصاحب الإعجاز ، وكبش العراق ، الإمام بالنص والستحقاق مكيّ مدنيّ ، أبطحيّ تهامي ، خيفيّ عقبي ، بدري أحدي ، شجري مهاجري من العرب سيّدها ، ومن الوغى ليثها وارث المشعرين ، وأبو السبطين الحسن والحسين ، مظهر العجائب ، ومفرق الكتائب ، والشهاب الثاقب ، والنور العاقب ، أسد الله الغالب ، مطلوب كلّ طالب ، غالب كلّ غالب ، ذاك جدي علي بن أبي طالبعليه‌السلام .

أنا ابن فاطمة الزهراء أنا ابن سيدة النساء أنا ابن الطهر البتول أنا ابن بضعة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنا ابن المزمّل بالدماء أنا ابن ذبيح كربلاء أنا ابن من بكى عليه الجنّ في الظلماء ، وناحت عليه الطير في الهواء ( .

ولم يزلعليه‌السلام يقول : أنا ، أنا حتى ضج الناس بالبكاء ، وخشي يزيد من وقوع الفتنة ، فأمر المؤذن حتى يقطع على الإمامعليه‌السلام كلامه .

فصاح المؤذن : ( الله اكبر ) فالتفت إليه الإمامعليه‌السلام فقال له : (كبّرت كبيراً لا يقاس ، ولا يدرك بالحواسّ ، لا شيء أكبر من الله ) فلما قال المؤذن : ( أشهد أن لا إله إلا الله ) قال علي بن الحسين : ( شهد بها شعري وبشري ، ولحمي ودمي ، ومخّي وعظمي ) ولما قال المؤذن : ( أشهد أن محمداً رسول الله ) التفت الإمامعليه‌السلام الى يزيد فقال له : ( يا يزيد ، محمد هذا جدي أم جدك ؟ فإن زعمت أنه جدّك فقد كذبت وإن قلت : إنه جدّي فم قتلت عترته ) ولم يجر يزيد جواباً لأن جدّ السجادعليه‌السلام هو رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وجدّ يزيد هو ابو سفيان عدو الإسلام الذي ما قال الشهادتين إلا حقناً لدمه .


دلالات خطبة السجادعليه‌السلام :

١ ـ كان الإمام السجادعليه‌السلام في غاية الأدب وسمو الخلق عندما طلب الإذن بالتحدث وهو سجين مظلوم ، وكان يستطيع ان يصرخ بوجه الطغاة دون إذن إلا انها أخلاق الإمامة ، ومشاعر أبناء الأنبياءعليه‌السلام .

٢ ـ وصف الإمامعليه‌السلام الكرسي الذي يجلس عليه الخطيب بالأعواد لا المنبر ، لأن المنبر مكان شريف يجلس عليه الأولياء المتقون والأعواد يجلس عليها الصالح والطالح وقد صعد على تلك الأعواد آنفاً خطيب من خطباء السوء .

٣ ـ أجملت الخطبة كل إنجازات أهل البيتعليه‌السلام تحت إمرة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقيادته ، وأجملت تضحياتهم في سبيل الدين ، وعلو منزلتهم ، وعظيم دورهم في بناء الإسلام في نفوس الناس وظهور البيان وفصاحته اغنانا عن التفصيل .

٤ ـ أظهرت الرواية بلاغة السجادعليه‌السلام وجرأته وهو لا يزال في مقتبل العشرينات من عمره الزاخر بالعطاء الفكري والروحي والتشريعي .


الإصباح في الشام :

وفي بيان ما جرى عليهعليه‌السلام وعلى بقية العترة من مصاعب في الشام ، وقد قيل له كيف أصبحت ، فقالعليه‌السلام : ( كيف حال من اصبح وقد قتل أبوه ، وقلّ ناصره ، وينظر الى حرم من حوله أسارى ، قد فقدوا الستر والغطاء ، وقد أعدموا الكافل والحمى فما تراني إلا أسيراً ذليلاً قد عدمت الناصر والكفيل ، قد كسيت أنا وأهل بيتي ثياب الأسى ، وقد حرمت علينا جديد العرى فإن تسأل فها أنا كما ترى ، قد شمتت فينا الأعداء ، ونترقب الموت صباحاً ومساءً ) ثم قالعليه‌السلام : ( قد أصبحت العرب تفتخر على العجم لأن محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منهم ، وأصبحت قريش تفتخر على سائر الناس لأن محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منهم ، ونحن أهل بيته أصبحنا مقتولين مظلومين ، قد حلّت بنا الرزايا ، نساق سبايا ، ونجلب هدايا ، كأن حسبنا من أسقط الحسب ، ونسبنا من أرذل النسب كأن لم نكن على هام المجد رقينا ، وعلى بساطٍ جليلٍ سعينا ، وأصبح الملك ليزيد لعنه الله وجنوده ، وأصبحت بنو المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أدنى عبيده )(١)

تنصل يزيد من مسؤولية قتل الحسينعليه‌السلام

وعندما واجه السجادعليه‌السلام يزيد بتلك البلاغة والشجاعة ، أدرك يزيد انه خسر معركة القلوب بعد ان تغلب ظاهراً في معركة الأجساد فحاول تدارك ذلك عبر أمرين :

الأول : إلقاء مسؤولية قتل الحسينعليه‌السلام على عبيدالله بن زياد والي الكوفة والتنصل منها شخصياً فقال موجهاً خطابه للسجادعليه‌السلام : ( لعن الله ابن مرجانة أما والله لو أني صاحبه ما سألني خصلة أبداً إلا أعطيته إياها ، ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت ، ولو بهلاك بعض ولدي ولكن قضى الله ما رأيت يا بني كاتبني بكل حاجة تكون لك وانه سيكون في قومك أمور فلا تدخل معهم في شيء )(٢) فسكت زين العابدينعليه‌السلام ولم يجبه بشيء .

الثاني : تطييب خاطر السجادعليه‌السلام مكراً وخداعاً عبر الإلحاح عليه إن كان له حاجة فقال الإمامعليه‌السلام في نهاية المطاف : ( أريد منك أن تريني وجه أبي وأن تعيد على النساء ما أخذ منهن ، ففيها مواريث الآباء والأمهات وإذا كنت تريد قتلي ، فأرسل مع العيال من يؤدي بهن الى المدينة ).

ــــــــــــــــ

(١) ناسخ التواريخ ـ من أحوالهعليه‌السلام ج ٢ ص ٤٤ .

(٢) الكامل في التاريخ ج ٤ ص ٨٧ ـ ٨٨ .


وتلك المطالب الثلاثة ، تدخل ضمن منهج الإدانة الذي استخدمه الإمام زين العابدينعليه‌السلام في تعرية حكم بني امية :

١ ـ فالطلب برؤية أبيه الحسينعليه‌السلام هي إدانة واضحة لقاتليه فكيف يسمح الضمير الإسلامي لهؤلاء الفجار بقتل ابن بنت نبيهمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهم لا زالوا يقرون بالإسلام ديناً وبمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نبياً ؟ فهنا توجيه ضمني من السجادعليه‌السلام بانحراف النظام الأموي الظالم عن مبادئ الإسلام .

٢ ـ والطلب بإعادة ما أخذ من نساء آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهباً وسلباً ، هو إدانة ثانية لطريقتهم الوحشية بالتعامل مع ذرية الأنبياءعليه‌السلام ومواريثهم خصوصاً وان ما سلب من النساء كان من خصوصيات فاطمة الزهراءعليه‌السلام بنت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كمغزلها ومقنعتها وقلادتها وقميصها .

٣ ـ والطلب بإرسال مع من يؤدي بالنساء الى المدينة ، على افتراض قتل السجادعليه‌السلام صبراً ، فيه إدانة ثالثة للنظام السلياسي الأموي ، فكيف يقبل الضمير الإسلامي قتل مريض ألّمت به علّته ؟ ولو كان الأمر لهم لقتلوهعليه‌السلام ولكنهم كانوا دائماً يخشون لوم العرب على فعلتهم .


وإذا كان زين العابدينعليه‌السلام يطالب بحق مهضوم ، فان يزيد أجابة بنفش درجة الظلم التي وضعها منهاجاً لحكمه ، فقال : ( أما وجه أبيك فلن تراه وأما ما أخذ منكم فيردّ إليكم وأما النسوة فلا يردهن غيرك ، وقد عفوت عن قتلك )(١) وهو بذلك قرر ثلاث حقائق :

١ ـ إمضاء قتل الحسينعليه‌السلام كسياسة معلنة للدولة الأموية وبذلك فلا ندم ولا اعتذار في ذلك من قبل يزيد .

٢ ـ الإقرار بعدم صحة سلب سبايا آل البيتعليه‌السلام وهو إقرار رسمي أموي بعدم صحة السبي لآل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لكنه كان قراراً شكلياً لم يترتب عليه أثر رجعي بمعاقبة المجرمين الذين ارتكبوه .

٣ ـ العفو عن قتل السجادعليه‌السلام وهو لم ينم عن تبدل في أخلاقية الخليفة الطاغية ، بل ان الظروف الإجتماعية التي خلقها مقتل الحسينعليه‌السلام وخطبة السجاد وزينبعليه‌السلام هما اللذان أثنيا يزيد عن قتلهعليه‌السلام .

وروي ان رأس الحسينعليه‌السلام أعيد لاحقاً فدفن بكربلاء مع جسده الشريفعليه‌السلام ، وكان عمل الطائفة على هذا المعنى .

ــــــــــــــــ

(١) اللهوف ص ٨٥ .


إلى المدينة ( صفر / ربيع أول سنة ٦١ هـ)

وعهد يزيد إلى النعمان بن بشير بمصاحبة ركب آل البيتعليه‌السلام ، وأمر بإخراجهم ليلاً خوفاً من الفتنة ، واضطراب الوضع وكان اختيار النعمان بن بشير لمصاحبة الركب له دلالات :

١ ـ انه سبق وإن كان والياً على الكوفة من قبل بني أمية قبل عبيد الله بن زياد فهو يعرف خلفيات الوضع السياسي والاجتماعي لواقعة الطف .

٢ ـ انه كان والياً مسالماً آثر عدم محاربة الحسينعليه‌السلام ، وأتهم على أثرها بالضعف ولذلك استبدل من قبل يزيد بن معاوية ، وبعبيد الله بن زياد .

وعندما سار الركب ، طلب السجادعليه‌السلام من المكلف على حراسته ان يعرج إلى كربلاء ليجددوا العهد مع الحسينعليه‌السلام وأهل بيته وأصحابه من الشهداء وكان ذلك في العشرين من صفر سنة ٦١ هـ ، أي بعد مضي أربعين يوماً من أحداث العاشر من محرم من نفس السنة .

وكان جابر بن عبدالله الأنصاري ، وهو من أواخر من بقي على قيد الحياة من صحابة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قد شدّ الرحال لزيارة الحسينعليه‌السلام فورد كربلاء في وقت مقارب لوصول السبايا ونترك


الوصف لكتاب ( اللهوف في قتلى الطفوف ) ، فيقول عن ركب بني هاشمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( أنهم لما وصلوا الى كربلاء وجدوا جابر بن عبدالله وجماعة من بني هاشم ورجالاً من آل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أقبلوا لزيارة قبور الحسينعليه‌السلام والشهداء من أهله وأصحابه فتلاقوا بالبكاء وأقاموا المأتم ، وأجتمع إليهم من كان في جوار كربلاء من القبائل النازلة على الفرات )(١) وكان مما قاله السجادعليه‌السلام لجابر : (يا جابر ، ها هنا والله قتلت رجالنا ، وذبحت أطفالنا ، وسبيت نساؤنا ، وحرقت خيامنا ) .

وبعد أيام مضى الركب يسير حثيثاً الى المدينة ولما وصل الى أطرافها ، أمر زين العابدينعليه‌السلام بشير بن خزيم بدخول المدينة ونعي الحسينعليه‌السلام فدخل بشير مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو ينادي :

يا أهل يثرب لا مقام لكم بها

قتل الحسين فأدمعي مدرار

الجسم منه بكربلاء مضرّج

والرأس منه على القناة يدار

في مدينة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

وكانت تلك مقدمة مناسبة لدخولهعليه‌السلام إلى المدينة الباكية على فدح المصاب فقام خطيباً بالناس :

ــــــــــــــــ

(١) اللهوف ص ٨٦ .


(الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، بارئ الخلائق أجمعين ، الذي بعد فارتفع في السماوات العلى ، وقرب فشهد النجوى ، نحمده على عظائم الأمور ، وفجائع الدهور ، وألم الفجائع ، ومضاضة اللواذع ، وجليل اللرزء ، وعظيم المصائب الفاظعة ، الكاظة ، الفادحة ، الجائحة .

أيها القوم ، إن الله تعالى وله الحمد ابتلانا بمصائب جليلة ، وثلمة في الإسلام عظيمة ، قتل أبو عبدالله الحسينعليه‌السلام وعترته ، وسبيت نساؤه وصبيته ، وداروا برأسه في البلدان من فوق عالي السنان ، وهذه الرزية ما مثلها رزية .

أيها الناس ، فأي رجالات منكم يسرّون بعد قتله ، أم أيّ فؤاد لا يحزن من أجله ، أم أية عين منكم تحبس دمعها ، أو تضن عن انهمالها ، فلقد بكت السبع الشداد لقتله ، وبكت البحار بأمواجها ، والسماوات بأركانها ، والأرض بأرجائها ، والأشجار بأغصانها ، والحيتان في لجج البحار ، والملائكة المقرّبون ، وأهل السماوات أجمعون ؟!

أيها الناس ، أي قلب لا ينصدع لقتله ، أم أي فؤاد لا يحنّ إليه ، أم أي سمعٍ يسمع بهذه الثلمة التي ثلمت في الإسلام ولا يصمّ ؟!

أيها الناس ، أصبحنا مشردين ، مطرودين ، مذودين ، شاسعين عن الأمصار ، كأننا أولاد ترك وكابل من غير جرم أجرمناه ، ولا مكروه ارتكبناه ، ولا ثلمة في الإسلام ثلمناها ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ، إن هذا إلا اختلاق والله لو أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تقدم إليهم في قتالنا كما تقدم إليهم في الوصية بنا لما زادوا على ما فعلوا بنا فإنا لله وإنا إليه راجعون من مصيبة ما أعظمها وأفجعها ، وأكظمها وأفظعها ، وأمرّها وأفدحها ، فعنده نحتسب ما أصابنا ، فانه عزيز ذو انتقام ) .

المدينة بعد مقتل الحسينعليه‌السلام :

وصف ابن طاووس ( ـ ٦٦٤ هـ ) وضع المدينة بعد مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام ، فقال : ان زين العابدينعليه‌السلام رحل إلى المدينة بأهله وعياله ونظر إلى منازل قومه ورجاله فوجد تلك المنازل تنوح بلسان أحوالها ، وتبوح باعلال الدموع وإرسالها ، لفقد حماتها ، وتندب عليهم ندب الثواكل ، وتسأل عنهم أهل المناهل ، وتهيج أحزانه على مصارع قتلاه ، وتنادي لأجلهم واثكلاه ، وتقول يا قوم أعذروني على النياحة والوليل ، وساعدوني على المصاب الجليل ، فإن القوم الذين أندب لفراقهم وأحن إلى كرم أخلاقهم كانوا سمار ليلي ونهاري ، وأنوار ظلمي وأسحاري ، وأطناب شرفي وإفتخاري ، وأسباب قوتي وإنتصاري ، والخلف من شموسي وأقماري .


كم ليلة شردوا باكرامهم وحشتي ، وشيدوا بأنعامهم حرمتي ، وأسمعوني مناجات أسحارهم ، وأمتعوني بإبداع أسرارهم ، وكم يوم عمروا آمالي بمحافلهم ، وعروا طبعي بفضائلهم ، وأورقوا عودي بماء عهودهم ، وأذهبوا نحوسي بماء سعودهم .

وكم غرسوالي من المناقب ، وحرسوا محلي من النوائب ، وكم أصبحت بها أشرف على المنازل والقصور ، وأميس في ثوب الجذل والسرور وكم اعتاشوا في شعابي من أموات الدهور وكم إنتاشوا على أعتابي من رفات المحذور .

فأقصدني فيهم منهم الحمام ، وحسدني عليهم حكم الأيام ، فأصبحوا غرباء بين الأعداء وغرضاً لسهام الإعتداء وأصبحت المكارم تقطع بقطع أناملهم ، والمناقب تشكو لفقد شمائلهم ، والمحاسن تزول بزوال أعضائهم ، والأحكام تنوح لوحشة أرجائهم .

فيا لله من ورع أريق دمه في تلك الحورب ، وكمال نكس علمه بتلك الخطوب ولئن عدمت مساعدة أهل العقول ، وخذلني عند المصائب جهل العقول ، فإن لي مسعداً من السنن الدارسة والأعلام الطامسة ، فإنها تندب كندبي ، وتجد مثل وجدي وكربي .

فلو سمعتم كيف ينوح عليهم لسان حال الصوات ، ويحن إليهم إنسان الخلوات ، وتشتاقهم طوية المكارم ، وترتاح إليهم أندية الأكارم ، وتبكيهم محاريب المساجد ، وتناديهم مآريب الفوائد ، لشجاكم سماع تلك الواعية النازلة ، وعرفتم تقصيركم في هذه المصيبة الشاملة بل لو رأيتم وحدتي وانكساري ، وخلو مجالسي وآثاري ، لرأيتم ما يوجع قلب الصبور ، ويهيج أحزان الصدور لقد شمت بي من كان يحسدني من الديار ، وظفرت بي أكف الأخطار فيا شوقاه إلى منزل سكنوه ، ومنهل أقاموا عنده واستوطنوه ليتني كنت إنساناً أفديهم حز السيوف ، وأدفع عنهم حر الحتوف ، وأشفي غيظي من السنان ، وأرد عنهم سهام العدوان ...


ولقد أحسن ابن قتيبة (رض) وقد بكى على المنازل المشار إليها فقال(١) :

مررت على أبيات آل محمد

فلم أر أمثالها يوم حلت

لا يبعد الله الديار وأهلها

وإن أصبحت منهم بزعمي تخلت

ألا إن قتلى الطف من آل هاشم

أذلت رقاب المسلمين فذلت

وكانوا غياثاً ثم أضحوا رزية

لقد عظمت تلك الرزايا وجلت

ألأم تر أن الشمس أضحت مريضة

لفقد حسين والبلاد إقشعرت

ــــــــــــــــ

(١) اللهوف ص ١١٨ ـ ١٢١ .


مواريث الإمامة

واستلم الإمام زين العابدينعليه‌السلام بعد دخوله المدينة ، مواريث الإمامة تقول المصادر التاريخية : ان الحسينعليه‌السلام لما سار إلى العراق استودع مواريث النبوة والإمامة التي تسلمها من أخيه الحسنعليه‌السلام ، عند أم سلمة ( أم المؤمنين ) وأمرها ان تدفعها الى ولده زين العابدينعليه‌السلام فلما رجع السجادعليه‌السلام إلى المدينة بعد واقعة كربلاء ، تسلم الوديعة من أم سلمة ( رضوان الله عليها )(١)

وفي حديث الإمام الصادقعليه‌السلام ان علياً بن الحسينعليه‌السلام لما انتهى إليه الأمر ، فتح الخاتم الرابع من الوصية المنزلة على جدهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقرأ فيها : ( يا علي اطرق واصمت )(٢)

فقامعليه‌السلام بما أمر من السكوت والاعتزال ، واختلى عن الاختلاط بالناس حتى ضرب له بيتاً من الشعر خارج المدينة(٣) ، تفرغاً فيه للعبادة والابتهال لله عز وجل ، وحفظاً لدماء شيعته لكنه استثمرعليه‌السلام الدعاء في تلك الفترة الحرجة من أجل تعريف الناس بخالقهم سبحانه ، وإرشادهم إلى طرق الإتصال به وبدينهم .

ــــــــــــــــ

(١) أصول الكافي باب النص على السجاد ج ١ ص ٣٠٤ .

(٢) الغيبة للنعماني ص ٢٤ وأمالي الشيخ الطوسي ص ٢٨٢ .

(٣) فرحة الغري لابن طاووس ص ٣٣ طبعة النجف .


وكانعليه‌السلام دائم الاتصال بعمته زينب الكبرى ، فكانتعليه‌السلام تتلقى منه الأحكام الإلهية وتفيضها على الشيعة ستراً على زين العابدين من عادية اعدائه(١)

ويروى ان الإمام الحسينعليه‌السلام كان مديناً لجماعة بمبلغ سبعين ألف دينار ، فأهتمّ السجادعليه‌السلام بذلك حتى قيل أنه أمتنع عن الطعام و الشراب حتى جمع المبلغ ودفعه إلى دائنيه ، وفاءً منهعليه‌السلام لتفريغ ذمة أبيهعليه‌السلام (٢)

روايات أخر :

وذكرت روايات أخرى بمعان وألفاظ مختلفة ، منها :

أ ـ سئل الإمام الصادقعليه‌السلام عن خاتم الحسين بن عليعليه‌السلام إلى من صار ؟ وذكر له أنه أخذ من إصبعه فيما أخذ قالعليه‌السلام : ( ليس كما قالوا إن الحسينعليه‌السلام أوصى إلى ابنه علي بن الحسينعليه‌السلام ، وجعل خاتمه في أصبعه ، وفوّض إليه أمره ، كما فعله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأمير المؤمنينعليه‌السلام ، وفعله أمير المؤمنين بالحسنعليه‌السلام ، وفعله الحسن بالحسينعليه‌السلام ، ثم صار ذلك الخاتم إلى أبيعليه‌السلام بعد أبيه ، ومنه صار إليّ ، فهو عندي وإني لألبسه كل جمعة وأصلي فيه ) .

ــــــــــــــــ

(١) إكمال الدين للصدوق ص ٢٧٥ والغيبة للطوسي ص ١٤٨ .

(٢) سر السلسلة العلوية ص ٣٢ .


قال محمد بن مسلم : فدخلت عليه يوم الجمعة وهو يصلي ، فلما فرغ من الصلاة مدّ إلي يده ، فرأيت في إصبعه خاتماً نقشه : لا إله إلا الله عدّة للقاء الله فقال : هذا خاتم جدي أبي عبدالله الحسين بن عليعليه‌السلام (١)

ب ـ قال الإمام الباقرعليه‌السلام : إن الحسينعليه‌السلام لما حضره الذي حضره ، دعا ابنته الكبرى فاطمة ، فدفع إليها كتاباً ملفوفاً ووصية ظاهرة ووصية باطنة ، وكان علي بن الحسينعليه‌السلام مريضاً فلما تم شفاؤه دفعت فاطمة الكتاب الى أخيها علي بن الحسينعليه‌السلام ، ثم صار الكتاب إلينا فقلت : فما في ذلك الكتاب ؟ فقال : ( فيه والله جميع ما يحتاج إليه ولد آدم إلى أن تفنى الدنيا )(٢) وإذا صحت هذه الرواية سنداً ، فان الحفاظ على ذلك الكتاب في تلك الظروف الحرجة من أسر وترحل ، كان من أعظم كرامات أهل البيتعليه‌السلام .

وفي المدينة لم يكن حال الناس بأفضل من حال أهل الكوفة أو أهل الشام ومن أهل المدينة من يقف كإبراهيم بن طلحة بن عبيد الله ، فيخاطب السجادعليه‌السلام على صيغة الاستفهام ، متشمتاً : من الغالب ؟ فيجيبه زين العابدينعليه‌السلام : ( إذا دخل وقت الصلاة فإذّن

ــــــــــــــــ

(١) أمالي الصدوق ص ١٤٤ .

(٢) بصائر الدرجات ج ٣ باب ١٣ .


وأقم ، تعرف الغالب )(١) وظاهر مراد السجادعليه‌السلام ان آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باقون منصورون ما بقي الدهر وبقيت الصلاة وبقي الإسلام وما كان خروج الإمام الحسينعليه‌السلام إلاّ لنصرة الدين وإحيائه ، في حين أمات بنو أمية شعائر الإسلام وعلى رأسها إقامة الصلاة واستبدلوها بعادات جاهلية كالفجور والفسوق والغناء وشرب الخمر .

السجاد الحزينعليه‌السلام

لا ينكر أحد من المؤرخين حزن السجادعليه‌السلام على مقتل أبيه الحسينعليه‌السلام وأهل بيته وأصحابه الذين ذبحوا عطشى على رمضاء كربلاء ، فكانت تخنقه العبرة عندما يتذكر مصرع أبيهعليه‌السلام وأهل بيته .

وهذا هو الذي دفع بعض العلماء المتقدمين إلى القول : روي عن مولانا زين العابدينعليه‌السلام ، وهو ذو الحلم الذي لا يبلغه الوصف ، انه كان كثير البكاء لتلك البلوى وعظيم البث والشكوى(٢)

ــــــــــــــــ

(١) أمالي الشيخ الطوسي ص ٦٦ .

(٢) اللهوف لابن طاووس .


وقد روي عن الإمام الصادقعليه‌السلام قوله : إن زين العابدينعليه‌السلام بكى على أبيه أربعين سنة صائماً نهاره وقائماً ليله فإذا حضر الإفطار وجاء غلامه بطعامه وشرابه فيضعه بين يديه فيقول : كل يا مولاي فيقول : قتل ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جائعاً ، قتل ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عطشاناً ، فلا يزال يكرر ذلك ويبكي حتى يبتل طعامه من دموعه ثم يمزج شرابه بدموعه فلم يزل كذلك حتى لحق بالله عز وجل(١)

أقول : وربما كان ذكر أربعين سنة في لفظ الرواية من قبيل المبالغة اللفظية من قبل الراوي ، لأنهعليه‌السلام عاش بعد مقتل أبيه الحسينعليه‌السلام أربع وثلاثين سنة فقط .

ويروى أيضاً : أنه برز يوماً الى الصحراء فاتبعه أحد غلمانه فوجده قد سجد على حجارة خشنة باكياً شاهقاً وهو يقول لألف مرة : ( لا إله إلا الله حقاً حقاً لا إله إلا الله تعبداً ورقاً لا إله إلا الله إيماناً وتصديقاً وصدقاً ) .

ثم رفع رأسه من سجوده بينما غمرت الدموع لحيثه ووجهه فقيل له : يا سيدي أما آن لحزنك أن ينقضي ولبكائك أن يقلّ ؟ فقالعليه‌السلام : ( ويحك إن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، كان نبياً ابن نبي له أثنى عشر أبناً فغيّب الله واحداً منهم فشاب رأسه من

ــــــــــــــــ

(١) اللهوف ص ١٢١ ـ ١٢٢ .


الحزن واحدودب ظهره من الغم وذهب بصره من البكاء وابنه حي في دار الدنيا وأنا رأيت وأخي وسبعة عشر من أهل بيتي صرعى مقتولين ، فكيف ينقضي حزني ويقل بكائي )(١)

إلا ان بكاءه لم يكن ليمنعه من مواصله عمله الشرعي التكليفي في إمامة الأمة وإرشادها إلى طريق الخير والصلاح واصبح البكاء ـ من دون قصد ـ من وسائل التوعية الدينية .

واشتهرعليه‌السلام بوصف ( السجاد ) لكثرة سجوده لله حينما يرى تواتر نعمه وآلائه عليه فكانعليه‌السلام لا يذكر نعمة لله إلا سجد ، ولا يقرأ آية فيها سجدة إلا سجد ، ولا يدفع الله عنه سوءً إلا سجد ، ولا يفرغ من صلاة مفروضة إلا سجد ، ولا يوفق لإصلاح بين اثنين إلا سجد(٢)

وكأنك ترى أثر السجود في مواضع سجودهعليه‌السلام ولم يشتهر عن انسان غيره أن سجوده لله عزوجل قد أثر على جسده ، كما اشتهر عنهعليه‌السلام وكان يلقب أيضاً بذي الثفنات وهي آثار ناتئة تبرز في مواضع السجود ، وكان مشهوراً بوجودها على جبهته ولا شك ان السجود يقرّب العبد من مولاه ، والمخلوق من خالقه ،

ــــــــــــــــ

(١) الخصال للصدوق ص ٢٧٢ ح ١٥ .

(٢) في رواية للامام الباقرعليه‌السلام يصف أبيه السجادعليه‌السلام : معاني الأخبار للصدوق ص ٢٤ .


وقد قال تعالى : ( واسجُد واقترب )(١) وهكذا زين العابدينعليه‌السلام قريباً من مولاه العظيم سبحانه وتعالى .

والمشهور في روايات الطريفين ان السجادعليه‌السلام كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة واذا افترضنا ان الركعة الواحدة تستغرق دقيقة واحدة ، فان اداء ألف ركعة يستغرق ألف دقيقة ، وهو ما يساوي سبعة عشر ساعة تقريباً في اليوم الواحد وهذا الوقت يستوعب كل كل يوم المرء وليله خصوصاً إذا ما علمنا بان على المكلّف تأدية واجباته العبادة الأخرى والقيام بما تمليه عليه وظيفته من حقوق الزوجية والأبوة والجيرة والقرابة وعيادة المرضى ، ودعوة عينيه للاسترخاء لمقدار من النوم .

وعبادتهعليه‌السلام كانت لا تنفك عن تلاوة القرآن ، وكان أحسن الناس صوتاً بالقرآن الكريم(٢) ، وكان يرشد الأمة بتفسير القرآن(٣) وكانعليه‌السلام يردد : ( عليك بالقرآن ، فإنّ الله خلق الجنّة بيده لبنة من ذهب ولبنة من فضة ، وجعل ملاطها المسك وترابها الزعفران وحصاها اللؤلؤ ، وجعل درجاتها على قدر آيات القرآن ،

ــــــــــــــــ

 (١) سورة العلق : الآية ١٩ .

(٢) بحار الأنوار ج ٤٦ ص ١٠٧ .

(٣) الاحتجاج ص ٣١٢ ـ ٣١٩ .


وكان والي المدينة عثمان بن محمد بن أبي سفيان قد أرسل وفداً من وجهائها إلى يزيد الخليفة الأموي ، فيهم : عبدالله بن حنظلة ، وعبدالله بن أبي عمرو ، والمنذر بن الزبير وغيرهم وكان الهدف من ذلك هو تثبيت ميولهم نحو الخلافة الأموية عبر النيل من هدايا السلطان ، إلاّ انهم رجعوا ـ على الرغم من كل ما أغدق عليهم من جوائز وهدايا ـ وهم ناقمون على يزيد لما شاهدوا من استهتاره وفسقه ومجونه وقالوا : قدمنا من عند رجل ليس له دين ، يشرب الخمر ، ويضرب بالطنابير ، وتعزف عنده القيان ، ويلعب بالكلاب ، ويسمر عنده الحراب(١)

قال عبدالله بن حنظلة : ( والله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء إنه رجل ينكح الأمهات والبنات ، ويشرب الخمر ، ويدع الصلاة والله لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت فيه بلاءً حسناً )(٢) ) ويقول المنذر بن الزبير : ( ان يزيد قد أجازني بمائة ألف ، ولا يمنعني ما صنع بي ، أن أخبركم خبره ، والله إنه ليشرب الخمر ، والله أنه ليسكر حتى يدع الصلاة )(٣)

والغريب في ذلك ان قتل الحسينعليه‌السلام بتلك الفظاعة والوحشية لم يكن ليحرك عواطفهم ، ولكن رحلة واحدة إلى الشام أطلعتهم على فجور يزيد وفسقه ! فخلعوا بيعته بعد رجوعهم وولّوا عليهم عبدالله بن حنظلة ، وعبدالله بن مطيع ، وطردوا عامل يزيد على المدينة .

ــــــــــــــــ

(١) تأريخ الطبري ج ٥ ص ٤٨٠ والحراب : اللصوص .

(٢) طبقات ابن سعد .

(٣) تأريخ الطبري ج ٤ ص ٣٦٨ .


فبعث يزيد جيشاً قوياً في العدّة والعدد بقيادة مسلم بن عقبة المري ، فالتقى الفريقان في ( الحرة ) واقتتلا في حرب طاحنة وقتل عبدالهل بن حنظلة مع أولاده ، وانتصر جيش الشام على جيش المدينة ، بعد ان قتل من أبناء الأنصار والمهاجرين والوجوه ما لا يحصى .

ويمكننا إدراك صورة الواقعة من خلال الأمور التالية :

١ ـ لم يشارك الإمام السجادعليه‌السلام في معركة الحرة ، ولم يمل إلى طرف عبدالله بن حنظلة أو عبدالله بن مطيع ومع ان عدداً من رجال بني هاشم قد قتل في هذه الحرب ، إلاّ ان الموقف العلني للإمام زين العابدينعليه‌السلام كان عدم المشاركة بالسيف في هذه المرحلة فقد كان له وسائل أخرى أمضى من السيف في مواجهة حكم بني أمية الظالم .

٢ ـ عندما طرد أهل المدينة والي يزيد ، هرب مروان وبنو أمية الى الشام ، وتركو عيالهم في المدينة فالتمس مروان بن الحكم رفيقه عبد الله بن عمر لرعاية عياله إلاّ ان عبدالله بن عمر أبى عليه ولم يوافق فكلم الإمام علي بن الحسينعليه‌السلام فوافق على ذلك ، وبقيت عيال مروان بن الحكم في رعاية السجادعليه‌السلام حتى انتهاء المعركة وهذا في غاية الخلق الديني ، لأن مروان كان عدواً صريحاً لأهل البيتعليه‌السلام وهو الذي هدد الحسينعليه‌السلام عندما دعي لمبايعة يزيد بن معاوية في رجب سنة ٦٠ هـ .

٣ ـ أرسل يزيد تعليمات بل أوامر واضحة إلى ( مسلم بن عقبة ) للقضاء على ثورة المدينة : ( أدع القوم ثلاثاً فإن أجابوك وإلاّ فقاتلهم ، فإذا ظهرت عليهم فأبحها [ أي المدينة ] ثلاثاً [ أي ثلاثة أيام ] فما فيها من مال أو دابّة أو سلاح أو طعام فهو للجند )(١) وأمره أن يجهز على جريحهم ويقتل مدبرهم(٢)

دافع الناس عن مدينة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واستشهد أغلب المدافعين عنها بمن فيهم عبدالله بن حنظلة وعدد من صحابة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأباح مسلم بن عقبة ، الذي يقول فيه السلف مسرف بن عقبة ، المدينة ثلاثة أيام كما أمره يزيد وقتل خلقاً من أشرافها وقرّاتها ، وانتهب أموالاً كثيرة منها وجاءته امرأة فقالت : أنا مولاتك وابني في الأسارى ، فقال : عجّلوه لها ، فضرب عنقه ، وقال :

أعطوها رأسه ، ووقعوا على النساء حتى قيل إنه حبلت ألف امرأة في تلك الأيام من غير زوج .

ــــــــــــــــ

 (١) تأريخ الطبري ج ٥ ص ٤٨٤ .

(٢) التنبيه والاشراف ص ٢٦٣ طبعة مصر .


قال المدائني ، عن هشام بن حسان : ولدت ألف امرأة من أهل المدينة بعد واقعة الحرّة من غير زوج وروي عن الزهري أنه قال : كان القتلى يوم الحرّة سبعمائة من وجوه الناس من المهاجرين والأنصار ، ووجوه الموالي ممن لا أعرف من حرّ وعبدٍ وغيرهم عشرة آلاف(١)

ثم نصب لمسلم بن عقبة كرسيّ ، وجيء بالاسارى من أهل المدينة فكان يطلب من كل واحد منهم أن يبايع ويقول : إنّني عبد مملوك ليزيد بن معاوية يتحكّم فيّ وفي دمي وفي مالي وفي أهلي ما يشاء(٢)

ومن كان يمتنع ولم يبايع بالعبودية ليزيد وكان يصرّ على القول بأنّه عبدّ لله سبحانه وتعالى ، كان مصيره القتل(٣)

وجيء له بيزيد بن عبد الله ـ وجدّته أمّ سلمة زوج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ مع محمد بن حذيفة العدوي ، فطلب إليهما أن يبايعها ،

ــــــــــــــــ

(١) البداية والنهاية ج ٨ ص ٢٢٠ .

(٢) تأريخ الطبري ج ٥ ص ٤٩٣ و٤٩٥ .

(٣) الكامل في التأريخ ج ٤ ص ١١٨ ، ومروج الذهب ج ٣ ص ٧٠ .


فقالا : نحن نبايع على كتاب الله وسنّة نبيّه ، فقال مسلم : لا والله لا أقيلكم هذا أبداً ، فقدمهما فضرب أعناقهما(١)

٤ ـ عندما بلغهعليه‌السلام توجه جيش يزيد إلى المدينة ، لاذ السجادعليه‌السلام بقبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يدعو هذا الدعاء : ( رب كم من نعمة أنعمت بها عليّ ، قلّ لك عندها شكري وكم بلية ابتليتني بها قلّ لك عندها صبري فيا من قل عند نعمه شكري فلم يحرمني ، وقلّ عند بلائه صبري فلم يخذلني يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبداً ويا ذا النعماء التي لا تحصى ابداً صلي على محمد وآله ، وادفع عني شره ، فاني ادرأ بك في نحره ، واستعيذ بك من شره )(٢)

فجاؤا بهعليه‌السلام الى مسلم بن عقبة وكان سباباً بذيئاً يعشق سفك الدماء لكنه لما رآه ، أخذته هيبة السجادعليه‌السلام وأرتعد وقام له وأقعده إلى جانبه ، ثم قال له : سلني حوائجك ، فلم يسأله في أحدٍ ممن قدم إلى السيف إلا شفعه فيه ، ثم انصرف عنه .

وكان السجادعليه‌السلام يحرك شفتيه ، في محضر مسلم بن عقبة ، بهذا الدعاء : اللهم ربّ السموات السبع وما أظللن ، والأرضين السبع وما أقللن(٣) ، ربّ العرش العظيم ، رب محمدٍ وآله الطاهرين ،

ــــــــــــــــ

(١) تأريخ الطبري ج٥ ص ٤٩٢ .

(٢) الإرشاد للمفيد .

(٣) وما أقللن : أي وما حملن .


أعوذ بك من شرّه ، وادرأ بك في نحره ، أسألك ان تؤتيني خيره ، وتكفيني شره (١) .

وعندما خرج السجادعليه‌السلام منه ، انبرت حاشية مسلم بن عقبة تسأله : رأيناك تسب زين العابدين وسلفه ، فلما أتي به إليك رفعت منزلته فقال : ما كان لرأيٍ مني ، لقد ملئ قلبي منه رعباً(٢)

٥ ـ وكان مسلم بن عقبة قد تجاوز التسعين من عمره وقت إباحته المدينة ، فكان قريباً من حتفه ، وقد هلك بعيد واقعة الحرّة وقبل أن يصل إلى مكة المكرمة لمهاجمتها والقضاء على ثورتها بقيادة عبدالله بن الزبير وعندما لقى مسلم بن عقبة حتفه في الطريق ، تسلّم الحصين بن نمير قيادة الجيش الأموي ، ففرض حصاراً على مكة وضرب الكعبة بالمنجنيق وأحرقها(٣)

وفي الوقت الذي كانت فيه مكة تحت الحصار ، مات يزيد بن معاوية في ربيع الأول سنة ٦٤ هـ ، وهو في سن الثامنة والثلاثين من عمره بعد ان قضى ثلاث سنوات وبضعة أشهر في الحكم .

ــــــــــــــــ

(١) الصحيفة السجادية الخامسة ص ٨٠ دعاء ٢٧ في إستدفاع شر الأعداء .

(٢) مروج الذهب ج ٢ ص ٩٦ .

(٣) تأريخ الطبري ج ٥ ص ٤٩٨ .


وكانت صحيفة أعماله مسوّدة بقتل الحسينعليه‌السلام ، وإباحة المدينة ، وحرق الكعبة المشرفة.

حركة التوابين : سنة ٦٥ هـ

وندم أهل الكوفة على عدم نصرة الحسينعليه‌السلام وهم الذين دعوه إليهم في بداية الأمر ، وقد أظهربيوا ندمهم بعد واقعة الطف سنة ٦١ هـ مباشرة وأرادوا التكفير عن ذنبهم عبر الخروج المسلح على بني أمية فبدأوا فترة إعداد تسليحي أستمر أربع سنوات ، وانتخبوا سليمان بن صرد الخزاعي زعيماً لحركتهم فاجتمع للحركة عدد من المقاتلين قدّر بأربعة آلاف رجل مع سلاح وعدة حرب .

وقرروا زيارة قبر الحسينعليه‌السلام وهم يتلون قوله تعالى : (( فَتُوبُوا إِلَى‏ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ ) ...)(١) . وكان تأويلهم للآية أن توبتهم لا تقبل إلا بقتال عدوهم والموت من أجل إظهار الحق ، وأطلق على هؤلاء بالتوابين .

وعسكر هؤلاء المقاتلون ، الذين كان شعارهم المطالبة بدم الحسينعليه‌السلام ، بالنخيلة قرب كربلاء ثم ساروا حتى انتهوا إلى قرقيسيا من شاطئ الفرات ، ومنها إلى عين الوردة بينما توجه الجيش الأموي بقيادة عبيدالله بن زياد في ثلاثين ألفاً والتقى الطرفان في ربيع الأول من سنة ٦٥ هـ في معركة دامية غير متكافئة في عين الوردة وظل القتال مستمراً اياماً ، حتى قتل معظم التوابين ، ولحق من بقي منهم بأمصارهم .

ــــــــــــــــ

(١) سورة البقرة : الآية ٥٤ .


يقول أعشى همدان في رثائهم(١)

فجائعم جمع من الشام بعده

جموع كموج البحر من كل جانب

فما برحوا حتى أبيدت جموعهم

ولم ينج منهم ثم غير عصائب

وغودر أهل الصبر صرعى اصبحوا

تعاورهم ريح الصبا والجنائب

وحول هذا التحرك ، لا يجد المؤرخ مفراً من تسجيل الدلالات التالية :

١ ـ ان هذه الحركة كانت نتيجة طبيعية لمظلومية أهل بيت النبوةعليه‌السلام بل انها كشفت حقيقة مهمة وهي ان جذوة حب أهل بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا زالت تعمل أوارها في نفوس الناس ومع ان عدد التوابين كان محدوداً ( ٤ آلاف مقاتل ) نسبة إلى جيش بني أمية ( ٣٠ ألف مقاتل ) ، إلا ان الحركة والمعركة حركتا مشاعر الناس نحو حق آل البيتعليه‌السلام المهدور .

ــــــــــــــــ

(١) مروج الذهب ج ٣ ص ١٠٠ ـ ١٠٤ .


٢ ـ كان موقف الإمام زين العابدينعليه‌السلام منسجم مع سياسته العامة بعدم الاشتراك المباشر حفظاً على الدين ، ولكن وجودهعليه‌السلام كان حاسماً في استلهام معاني الثورة ضد الظلم .

٣ ـ تمرّد عبد الله بن الزبير في مكة على بني أمية في حدود سنة ٦٤ هـ وبادر بعد موت يزيد بن معاوية إلى بسط سلطانه فاستقطب البصرة والكوفة ومصر .

وعند موت يزيد ، تولى ابنه معاوية الثاني الحكم لأيام معدودة ، ثم نزع نفسه من الخلافة وقام خطيباً فقال :

ايها الناس ! ما أنا بالراغب في التأمر عليكم ، ولا بالآمن لكراهتكم ، بل بلينا بكم وبليتم بنا إلاّ أن جدي معاوية نازع الأمر من كان أولى بالأمر منه في قدمه وسابقته علي بن أبي طالب ، فركب جدي منه ما تعلمون ، وركبتم معه ما لا تجهلون ، حتى صار رهين عمله ، وضجيع حفرته ، تجاوز الله عنه .

ثم صار الأمر إلى أبي ، ولقد كان خليقاً أن لا يركب سننه ، إذ كان غير خليق بالخلافة فركب ردعه(١) ، واستحسن خطأه ، فقلّت مدته ، وانقطعت آثاره ، وخمدت ناره ، ولقد أنسانا الحزن به الحزن عليه ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ثم أخفت يترحم على أبيه .

ــــــــــــــــ

(١) أي لم يرتدع .


ثم قال : وصرت انا الثالث من القوم ، الزاهد فيما لديّ أكثر من الراغب ، وما كنت لأتحمّل آثامكم شأنكم وأمركم ، خذوا من شئتم ولايته فولوه ! فقام إليه مروان بن الحكم فقال : يا أبا ليلى ! سنّة عمرية ؟ فقال له : يا مروان ! تخدعني عن ديني ، ائتني برجال كرجال عمر أجعلها بينم شورى ثم قال : والله ! إن كانت الخلافة مغنماً فقد أصبنا منها حظاً ، ولئن كانت شراً فحسب آل أبي سفيان ما أصابوا منها ثم نزل فقالت له أمه : ليتك كنت حيضة ، فقال : وأنا وددت ذلك ، ولم أعلم أن لله ناراً يعذب بها من عصاه وأخذ غير حقه(١)

حركة المختار : سنة ٦٦ هـ

خرج المختار بن أبي عبيدة الثقفي سنة ستٍ وستين من الهجرة في الكوفة ، داعياً الناس للطلب بثارات الحسينعليه‌السلام فقام بثلاثة أمور :

الأول : كاتب المختار الإمام السجادعليه‌السلام ومحمد بن الحنفية ( عم السجاد ) بشأن التحرك ضد بني أمية ولم يصرح السجادعليه‌السلام تأييده للمختار بشكل علني ، كما هي سياسته العامة التي ذكرناها آنفاً .

ــــــــــــــــ

(١) تنبيه الخواطر ص ٥١٨ .


أما محمد بن الحنفية فقد صرح للوفد الكوفي المرسل من قبل المختار قائلاً : ( أما ما ذكرتم من دعاء من دعاكم الى الطلب بدمائنا فوالله لوددت أن الله انتصر لنا من عدونا بمن شاء من خلقه )(١) ففهم الوفد تأييد ابن الحنفية لحركة المختار .

وفي رواية البحار ان محمد بن الحنفية عندما دخل عليه وفد الكوفة ، قال لهم : قوموا بنا إلى إمامي وإمامكم علي بن الحسين فلما دخلوا عليه وأخبروه خبرهم الذي جاؤوا لأجله ، قالعليه‌السلام لمحمد بن الحنفية : ( يا عم ، لو أن عبداً زنجياً تعصّب لنا أهل البيت لوجب على الناس مؤازرته ، وقد وليتك هذا الأمر فاصنع ماشئت ) فخرجوا وهم يقولون : قد أذن لنا زين العابدين ومحمد بن الحنفية(٢)

الثاني : طرد المختار والي عبد الله بن الزبير على الكوفة وكان عبد الله بن الزبير قد صعّد حملته ضد الشام بعد موت يزيد بن معاوية ، ودعا أهل الحجاز لمبايعته كخليفة فاستجابوا لذلك ، فعيّن والياً له على الكوفة .

الثالث : قتل المختار اغلب قتلة الحسينعليه‌السلام عبر تتبعهم في الكوفة وما حولها وكان نداؤه : من اغلق بابه فهو آمن ، الا من اشترك في قتال آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقتل عمر بن سعد ، ذلك الرجس الخائن الذي ظن أنه بقتله الحسينعليه‌السلام وأهل بيته الأطهار التنعم بملك الري وقتل حرملة بن كاهل الذي ذبح عبد الله الرضيع في حجر أبيه الحسينعليه‌السلام فدعا عليه علي بن الحسينعليه‌السلام : ( اللهم أذقه حر الحديد ، اللهم أذقه حر النار ) فأمر المختار بتقطيعه أرباً أرباً وإلقاء أوصاله في النار فكان ذلك العقاب الالهي المحتوم استجابةً لدعاء السجادعليه‌السلام

ــــــــــــــــ

(١) تأريخ الطبري ج ٦ ص ١٢ ـ ١٤ .

(٢) بحار الأنوار ج ٤٥ ص ٣٦٥ .


وأرسل المختار جيشاً بقيادة إبراهيم بن مالك الأشتر لمقاتلة جيش بني أمية وقائده عبيد الله بن زياد فالتقيا في الثامن من ذي الحجة سنة ست وستين بالقرب من الموصل في معركة دامية وقتل عبيد الله بن زياد في العاشر من محرم سنة سبع وستين على يد إبراهيم بن مالك الأشتر وقطعوا رأسه وأرسلوه الى المختار فأرسله المختار إلى علي بن الحسينعليه‌السلام في المدينة ولم يمتد نزول العقاب الإلهي على قتلة الحسينعليه‌السلام أكثر من ست سنوات بل كان في واقع الأمر ست سنوات كاملة فقد قطعوا رأس الحسينعليه‌السلام في العاشر من محرم سنة ٦١ هـ ، وقطعت رؤوسهم في العاشر من محرم سنة ٦٧ هـ فقال السجادعليه‌السلام : ( الحمد لله الذي لم يمتني حتى أنجز ما وعد ، وأدرك ثأري من عدوي )(١)

ــــــــــــــــ

(١) الكامل في التاريخ ج ٤ ص ٢٦٤ .


ولكن حكم المختار الثقفي لم يدم طويلاً فقد قضى عبد الله بن الزبير ، الذي سيطر على الحجاز مدة تسع سنين ، على المختار الثقفي إلاّ أن آل مروان جيشّوا الجيوش للقضاء على آل الزبير ، وكان لهم ذلك وعادوا للسيطرة على الحجاز مرة اخرى وبسط عبد الملك بن مروان سلطته على الحجاز والعراق وولى الحجاج بن يوسف الثقفي على الكوفة لينتقم من شيعة آل البيتعليه‌السلام شر انتقام .

المرحلة الثالثة : ( سنة ٦٧ ـ ٩٥ هـ)

يقول ابن أبي الحديد المدائني : ( وولي عبد الملك بن مروان ، فاشتد على الشيعة حين ولى الحجاج بن يوسف فتقرب الناس اليه ببغض عليعليه‌السلام ، وموالاة أعدائه ، وموالاة من يدعي قوم من الناس أنهم أيضا أعداؤه فاكثروا في الرواية في فضلهم وسوابقهم ومناقبهم واكثروا من البغض من عليعليه‌السلام وعيبه ، والطعن فيه ، والشنآن له )(١)

أبصر الإمام السجادعليه‌السلام مجتمع المسلين يذوب في الطغيان والفساد ، ولا يهمّ الأمراء والسلاطين إلا نوادي الطرب ومجالس الغناء ، والناس على دين ملوكهم وحيث ان صعوبة الوقت وحراجة الزمان قد حجبته عن ارتقاء المنابر وإرشاد المسلمين ، فقد اتخذ لنفسه منهجاً آخر للبيان والإرشاد ، وهو اسلوب الدعاء والمناجاة وعبادة الله عز وجل فكانت أدعيته وثائق ثقافية دينية تعلّم الناس اسلوب الرجوع إلى الله تعالى ، وتلهب الروح ، وتملئ القلب حباً لله وخشية منه عزّ وجلّ وكتب رسالة في الحقوق ، أوضح فيها حقوق العباد على ضوء الشريعة وكانت مناجاته الرقيقة مع خالقه ومولاه العظيم تنقّي أرواح المؤمنين من أدران الدنيا ، وتهيّج اشتياقهم لملاقاته .

ــــــــــــــــ

(١) شرح نهج البلاغة ج ٣ ص ١٥ .


والى ذلك ينقل الزهري مناجات علي بن الحسين سيد العابدينعليه‌السلام محاسباً نفسه وداعياً ربه بالقول : ( يا نفس حتى متى إلى الدنيا غرورك ؟ وإلى عمارتها ركونك ؟ أما اعتبرت بمن مضى من أسلافك ، ومن وارته الأرض من الافك ؟ وفجعت بن من إخوانك ، ونقل إلى البلاء من أقرأنك(١) ؟

فهم في بطون الأرض بعد ظهورها

محاسنهم فيها بوال دواثر

خلت دورهم منها وأقوت عراصهم

وساقتهم نحو المنايا المقادر

خلوا عن الدنيا وما جمعوا لها

وضمتهم تحت التراب الحفائر

ــــــــــــــــ

(١) أمالي الصدوق ص ٤٥٢ ( طبعة النجف ١٣٨٩ هـ)


في أيام عبدالملك بن مروان ( ٧٣ ـ ٨٦ هـ)

استقرت الخلافة لعبد الملك بن مروان سنة ثلاث وسبعين للهجرة وهي سنة مقتل عبدالله بن الزبير ومات سنة ست وثمانين أي دام ملكه ثلاث عشرة سنة واشتهر بشرب الخمر وسفك الدماء والغدر ، بعد أن كان يتصنع العلم والعبادة .

قال نافع : لقد رأيت المدينة وما بها شاب أشدّ تشميراً ولا أفقه ولا أنسك ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك بن مروان ! ولكن ما أن أفضيّ الأمر إليه والمصحف في حجره ، إلاّ أطبقه وقال : ( هذا آخر العهد بك ) وكان عبدالملك بن مروان كثيراً ما يجلس الى أم الدرداء ، فقالت له مرة : بلغني يا أمير المؤمنين أنك شربت الطلاء(١) بعد النسك والعبادة ، قال : ( إي والله والدماء قد شربتها [ أيضاً ] )(٢)

وكانت من أعظم مساوئه محاربة زين العابدينعليه‌السلام واقعاً والتظاهر بأمرٍ آخر أقلّه المودة الكاذبة لذلك الإمام الربانيعليه‌السلام ، وكذلك تولية الحجّاج الثقفي على العراق يذلّ المسلمين والصحابة

ــــــــــــــــ

(١) الطلاء : الخمر .

(٢) تأريخ الخلفاء للسيوطي ص ٢١٤ ـ ٢٢٢ طبعة مصر .


قتلاً وضرباً وشتماً وحبساً والمشهور عنه انه أوصى ولده ( الوليد ) بالحجّاج وقال له : أكرمه فانه هو الذي وطّأ لكم المنابر .

عبدالملك بن مروان والإمام زين العابدينعليه‌السلام

وهنا جملة من الأمور التي واجهت الإمام زين العابدينعليه‌السلام في عهد عبدالملك بن مروان:

أولاً : محاولات عبدالملك الحط من شأن الإمامعليه‌السلام : كان عبد الملك بن مروان يرى في شخصية الإمام زين العابدينعليه‌السلام منافساً قوياً نحو الخلافة وكان الناس ترى السجادعليه‌السلام إماماً معصوماً من ائمة أهل البيتعليه‌السلام ومن ذرية المصطفى ؛ وعهد الناس بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قريب تأريخياً وكان سلوك الإمام السجادعليه‌السلام يثبت واقع كونه إماماً واجب الطاعة .

إلاّ ان عبدالملك حاول التقليل من شأن السجادعليه‌السلام رابع أئمة أهل البيتعليه‌السلام والإنتقاص من قدره وكان يزعجهعليه‌السلام في كل فرصة تسنح له فكان يرسل إلى عامله بالمدينة أن يحملهعليه‌السلام إلى الشام مثقلاً بالحديد أكثر من مرة فحمل الإمامعليه‌السلام إلى الشام على ظهر دابة مكبلاً بالقيود ، فيراه الزهري على تلك الحال في بعض


المنازل ، فيتألم ويتضجر ولكن الإمامعليه‌السلام يشير عليه بان ذلك ينبغي ان لا يكربه ، بل ان ثقل الحديد يذكّر العبد بعذاب الله عزّ وجلّ(١)

وما ان يصل دمشق حتى يدخلوه على عبدالملك كي يرعبوه بهيبة السلطان وجبروته ولكن هيهات فان عرش السلطنة لا يرعب ولي الله بل خلافاً لتوقعهم ، فان الخليفة هو الذي ارتعب من الإمام السجادعليه‌السلام ويمثّله قول عبد الملك الخليفة في سياق حديث للزهري جواباً عن سؤالٍ عن السجادعليه‌السلام : ( ثم خرج ـ أي زين العابدين ـ فو الله لقد أمتلئ ثوبي منه خيفةً )(٢)

ونستفيد من ذلك ، أنها كانت موعظة للزهري وعبد الملك معاً :

١ ـ ان عذاب الله تعالى أمرٌ عظيم تهون دونه جميع الأمور ، والأسر والقيد وسائل لتذكير الإنسان بعذاب الله تعالى .

٢ ـ ان حال الأسر والقيد ينبغي ان لا يكربا المؤمن ، طالما كان الأمر بيد الله ، وهو قادر سبحانه على ان يغير الأمور ويقلبها .

٣ ـ ان الخالق سبحانه و تعالى منح الكرامة والفيض الالهي لأئمة أهل البيتعليه‌السلام ، فكانوا قادرين على إنزال الرعب بالطغاة .

ثانياً : عبد الملك والمصير إليه : وعندما خرج عبد الملك إلى الحج سنة خمس وسبعين للهجرة وأراد الكعبة ، رمى ببصره إلى زين العابدينعليه‌السلام .

ــــــــــــــــ

(١) حلية الاولياء لابن نعمي ج ٣ ص ١٣٥ .

(٢) المناقب ج ٣ ص ٢٧٥ .


تعلوه الهيبة العلوية ونور الإمامة وهو يرتعد من خشية الهل عز وجل فلم يلتفت الإمامعليه‌السلام إلى عبد الملك وهو الخليفة والأمير والسلطان فحزّ في نفسه إعراض السجادعليه‌السلام عنه فقال عبد الملك لمن حضر عنده : رده إليّ يقصد باستدعاء زين العابدينعليه‌السلام إلى محضره فلما جيء بهعليه‌السلام إليه ، قال له عبد الملك : اني لست قاتل أبيك ، فما يمنعك من المصير إليّ ؟

فقال الإمامعليه‌السلام : (ان قاتل أبيعليه‌السلام أفسد دنياه عليه بما فعله ، وأفسد أبي عليه بذلك أخرته فإن أحببت ان تكون مثله ، فكن)

قال عبد الملك : كلا ولكن صر إلينا لتنال من دنيانا .

ولكن الإمام زين العابدينعليه‌السلام لم يكن بحاجة الى دنياه(١) ، وملكه الزائل أهون عليه من شسع نعله .

وفي رواية الزهري قال : دخلت مع علي بن الحسينعليه‌السلام على عبدالملك بن مروان ، فاستعظم عبدالملك ما رأى من أثر السجود بين عيني علي بن الحسينعليه‌السلام ، فقال : يا أبا محمد ! لقد بيّن عليك الاجتهاد ، ولقد سبق لك من الله الحسنى ، وأنت بضعة من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قريب النسب ، وكيد السبب ، وإنك لذو فضل عظيم على أهل بيتك وذوي عصرك ، ولقد أوتيت من الفضل والعلم والدين والورع ما لم يؤته أحد مثلك ولا قبلك ، إلاّ من مضى من سلفك وأقبل يثني عليه ويطريه فقال علي بن الحسينعليه‌السلام ( كلما ذكرته ووصفته من فضل الله سبحانه وتأييده وتوفيقه ، فأين شكره على ما أنعم ؟ كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقف في الصلاة حتى تورم قدماه ، ويظمأ في الصيام حتى يعصب [ أي يجفّ ] فوه ، فقيل له : يا رسول الله ! ألم يغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فيقولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( أفلا أكون عبداً شكوراً ، لله على ما أولى وأبلى ، وله الحمد في الآخرة والأولى )

ــــــــــــــــ

(١) الخرائج ص ١٩٤ .


والله لو تقطعت أعضائي ، وسالت مقلتاي على صدري ، لن أقوم لله جل جلاله بشكر عشر العشير من نعمة واحدة من جميع نعمة التي لا يحصيها العادّون ، ولا يبلغ حد نعمة منها على جميع حمد الحامدين ، لا والله لا يشغلني شيء عن شكره وذكره ، في ليل ولا نهار ، ولا سر ولا علانية .

ولولا أن لأهلي عليّ حقاً ، ولسائر الناس من خاصّهم وعامهم عليّ حقوقاً لا يسعني إلا القيام بها حسب الوسع والطاقة حتى أؤديها إليهم ، لرميت بطرفي إلى السماء ، وبقلبي إلى الله ، ثم لم أرددهما حتى يقضي الله على نفسي وهو خير الحاكمين ) وبكىعليه‌السلام ، وتباكى عبد الملك وقال : شتان بين عبد طلب الآخرة وسعى لها سعيها ، وبين من طلب الدنيا من أين جاءته ، ما له في الآخرة من خلاق ! ثم أقبل يسأله عن حاجاته وعما قصد له ، فشفعه فيمن شفع(١)

ثالثاً : الإمام السجادعليه‌السلام وسياسة الروم : حاولت دولة الروم في الربع الأخير من القرن الأول الهجري التعرض لدولة المسلمين ـ على ما فيها من فساد إداري ـ وإهانتها وابتزازها ، وقد نقل لنا التأريخ حادثتان لهما أهمية تأريخية ودينية :

١ ـ تحدى ملك الروم المسلمين بعدما كتب عبد الملك بن مروان في صدور الطوامير ( قل هو الله أحد ) مشفوعة بذكر النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومؤرخة بتأريخ تلك الفترة فكتب ملك الروم : إنكم أحدثتم في طواميركم شيئاً من ذكر نبيكم ، فاتركوه وإلاّ أتاكم من دنانيرنا ذكر ما تكرهون فعظم ذلك على المسلمين فاستشار عبد الملك الإمام زين العابدينعليه‌السلام ، فأشارعليه‌السلام عليه بأن يحرّم على المسلمين التعامل بدنانير أهل الروم ، ويضرب للمسلمين سككاً فيها ذكر الله وذكر رسوله محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فضربت الدنانير الإسلامية سنة خمس وسبعين .

٢ ـ ملك الروم توعد عبد الملك بن مروان بالمسير لحربه بجنود لا قبل له بها ، وقال في كتابه : أكلت لحم الجمل الذي هرب عليه أبوك من المدينة لاغزونك بجنود مائة ألف ومائة ألف(٢) فكتب عبدالملك الى

ــــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار ج ٤٦ ص ٥٧ عن فتح الأبواب .

(٢) المناقب لابن شهر اشوب ج ٢ ص ٢٥٩ .


الحجاج ان يوقف علي بن الحسينعليه‌السلام على الكتاب ويسأله الجواب ويتهدده إن أبى فأمتثل الحجاج أمر سيده عبدالملك فقال السجادعليه‌السلام للحجاج : ( ان لله تعالى لوحاً محفوظاً يلحظه في كل يوم ثلثمائة لحظة ، ليس فيها لحظة الا يحيي فيها ويميت ، ويعزّ ويذلّ ، ويفعل ما يشاء واني لأرجو أن يكفيك منها لحظة واحدة ) فكتب الحجاج بهذه الموعظة إلى عبد الملك ، فكتبها إلى ملك الروم فلما قرأ الكتاب قال : ( ما خرج هذا الكلام إلاّ من معدن النبوة ) وكفّ عن المسير لحرب المسلمين(١) ودلالة الموقفين نجملهما كالتالي :

أ ـ ان السجادعليه‌السلام اثبت بهذين الموقفين أنه الأمين على الدين ، وحافظ الشريعة ، والناصح لأمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فمع كل فساد عبد الملك وانحرافه ، إلاّ ان الإمامعليه‌السلام كان مكلفاً بتقديم النصيحة من أجل حفظ دولة المسلمين .

ب ـ الظاهر ان كلمات الإمام السجادعليه‌السلام في الموقف الثاني كان لها واقع علمي في الكتب الدينية لأهل الروم ولذلك اضطرب الملك القاهر ، فتفككت نيته عن غزو بلاد الاسلام .

رابعاً : وارث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : حاول عبد الملك بن مروان الإنتساب إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن طريق تملك سلاحهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقرر شراء سيف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ودرعه .

ــــــــــــــــ

 (١) تاريخ اليعقوبي ج ٣ ص ٤٧ .


فكتب إليهعليه‌السلام يطلب منه ذلك ويهدده إن لم يفعل فكتب زين العابدينعليه‌السلام إليه : ( أما بعد ، ان الله ضمن للمتقين المخرج من حيث يكرهون ، والرزق من حيث لا يحتسبون ، وقال جلّ ذكره : (...( إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ كُلّ خَوّانٍ كَفُورٍ ) )(١) فانظر أينّا أولى بهذه الآية )(٢)

ولكن عبد الملك لم يقتنع بذلك ، فكتب الى عامله في الكوفة الحجاج بن يوسف يأمره ان يشتريهما له فأرسل الحجاج على علي بن الحسينعليه‌السلام واغتصب منهعليه‌السلام ) درعاً وسيفاً ينسبان الى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )

ولما حج عبد الملك تلك السنة ، واجتمع بزين العابدينعليه‌السلام ، سألهعليه‌السلام رد السيف والدرع المغصوبين منه ، وعرّفه بأنّ الحجاج أخذهما بالقهر منه فزاده عبد الملك في الثمن دراهماً ، فأبىعليه‌السلام من البيع فأقسم عليه عبد الملك أن يمضي البيع فقالعليه‌السلام : على شريطة أن تكتب كتاباً تشهد فيه قبائل قريش بأني وارث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وان الدرع والسيف له دون كل هاشمي وهاشمية ، فأجابه عبد الملك الى ذلك ، وكان نصل الكتاب :

ــــــــــــــــ

(١) سورة الحج : الآية ٣٨ .

(٢) المناقب ج ٣ ص ٣٠٢ .


 ( بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما اشتراه عبد الملك بن مروان من علي بن الحسين وارث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اشترى درع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسيفه اللذان ورثهما منه بمائة ألف درهم وقد قبض علي بن الحسين الثمن وقبض عبد الملك الدرع والسيف ولا حق ولا سبيل لأحد من بني هاشم ، ولا لأحدٍ من العالمين ( وأحضر قبائل قريش قبيلة قبيلة ، وأشهدهم على ما جرى بينه وبين علي بن الحسينعليه‌السلام وأخذ زين العابدينعليه‌السلام الكتاب والمال .

فكانت قريش يقول بعضهم لبعض ان عبد الملك أجهل الخلق ، يقرّ لعلي بن الحسينعليه‌السلام انه وارث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دون الناس جميعاً ، ويتسمى بأمرة المؤمنين ويصعد على منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو أحق به منه ، أن هذا لهو الخسران المبين(١) وبذلك سجّل الإمامعليه‌السلام على عبد الملك بن مروان دليلاً على اغتصابه الخلافة الشرعية من أهلها .

خامساً : عبد الملك وآثار الجاهلية : ولم يهدأ لعبد الملك بال ، بل كان يتحين الفرص للإيقاع بزين العابدينعليه‌السلام في الموارد التي كان يعتقد أنها منقصة للدين والشرف ، ومنها : تزويج الإمامعليه‌السلام مربيته من مولى له ، وزواجهعليه‌السلام من مولاة له كان قد أعتقها .

ــــــــــــــــ

(١) مدينة المعاجز ص ٣١٨ عن هداية الحضيني .


أ ـ فقد كان لزين العابدينعليه‌السلام مربية كريمة شريفة كان يطلق عليها لقب ( أمي ) ووالدته توفيت في نفاسها كما ذكرنا ذلك سابقاً ، إلاّ انهعليه‌السلام أ،زل مربيته منزلة أمه وقد زوجها بأحد عتقائه فكتب إليه عبد الملك يعيّره بذلك : ( بلغني انك زوجت أمك [ وهي المربية المقصودة ] من مولاك وقد وضعت شرفك وحسبك)

فكتب إليه زين العابدينعليه‌السلام : ( ان الله رفع بالإسلام كل خسيسة ، وأتم به الناقصة ، وأذهب به اللؤم فلا لؤم على مسلم إنما اللؤم الجاهلية واما تزويجي أمي ، فانما أردت بذلك برّها ) فلما انتهى الكتاب الى عبد الملك قال : لقد صنع علي بن الحسينعليه‌السلام أمرين ما كان يصنعهما أحد ، وزاد بذلك شرفاً(١) ويفهم من تلك الرواية :

١ ـ أن الأمرين الشريفين اللذان أشار إليهما عبد الملك هما : الأول : عتقهعليه‌السلام أحد الرقيق والثاني : تكريم المعتوق بتزويجه المربية التي ربت الإمامعليه‌السلام وسماها أمّه .

٢ ـ انه ساهمعليه‌السلام في تزوج مربيته ، من أجل البر بها وهذا خلقٌ عظيم .

ــــــــــــــــ

(١) التهذيب للطوسي ج ٢ ص ٢٢٦ .


٣ ـ انه استلهمعليه‌السلام من الدين الحنيف شرف المساواة بين البشر فساوى بين السادة والعبيد ، وعتقعليه‌السلام العبيد وزوجهم من ماله الخاص .

ب ـ وبلغ عبد الملك بن مروان ان علياً بن الحسينعليه‌السلام تزوج مولاة له ، فكتب اليه : ( انك علمت ان في اكفائك من قريش من تتمجد به في الصهر وتستنجبه في الولد ، فلا لنفسك تظرت ولا على ولدك أبقيت ) .

فكتب اليه السجادعليه‌السلام : ( اما بعد فقد بلغني كتابك تعنفني فيه بتزويجي مولاتي ، وتزعم انه كان في قريش من أتمجد به في الصهر واستنجبه في الولد وانه ليس فوق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرتقى في مجدٍ ولا مستزادٍ في كرم وكانت هذه الجارية ملك يميني ، خرجت مني إرادةً لله عز وجل بأمرٍ ألتمس فيه ثوابه ثم ارتجعتها على سنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن كان زكياً في دين الله تعالى ، فليس يخلّ به شيء من أمره ، وقد رفع الله بالاسلام الخسيسة وتمم به النقيصة ، واذهب اللؤم فلا لؤم على امرئ مسلم وانما اللؤم لؤم الجاهلية والسلام)

فلما وقف عبد الملك على الكتاب رمى به الى ولده سليمان وبعد ان قرأه ، قال : يا أمير لشد ما فخر عليك علي بن الحسينعليه‌السلام فقال : ( يا بني لا تقل ذلك ، فانه ألسن بني هاشم التي


تفلق الصخر ، وتغرف من بحر ، ان علي بن الحسين يا بني يرتفع من حيث يتضع الناس )(١)

ودلالتها :

١ ـ ان السجادعليه‌السلام أعتق أمة كانت له ثم تزوجها فاعتبر عبد الملك ذلك من موارد الانتقاص .

٢ ـ ولكن السجادعليه‌السلام استشهد بعمل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو حجة لا يقبل الرد والإنكار وقد اعتق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صفية بنت حي بن أخطب وتزوجها ، وأنكح عبده زيد بن حارثة بنت عمته زينب بنت جحش(٢) ( وكانت أمها أميمة ابنة عبد المطلب سيد البطحاء ) ثم طلّق زيد بن حارثة زوجته زينب فتزوجها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

٣ ـ كان مبدأ بني أمية : القومية والقبلية وكان مبدأ السجادعليه‌السلام : الإسلام ولذلك قالعليه‌السلام : (وقد رفع الله بالإسلام الخسيسة وتمم به النقيصة واذهب اللؤم فلا لؤم على امرئ مسلم وانما اللؤم لؤم الجاهلية ) ، وتلك الكلمات القليلة كانت كافية في الرد على رواسب الجاهلية التي كانت تعتمل في نفس عبد الملك بن مروان .

سادساً : رسالة الإمامعليه‌السلام : وكتب الإمام السجادعليه‌السلام رسالة موعظة إلى عبد الملك وفيها : ( أما بعد فانك أعزّ ما تكون بالله ،

ــــــــــــــــ

(١) الكافي على هامش مرآة العقول ج ٣ ص ٤٤٨ باب المؤمن كفؤ المؤمن .

(٢) وفيات الأعيان لابن خلكان ج ٣ ص ٣٣ .


وأحوج ما تكون إليه ، فإن عززت به فاعف له ، فإنك به تقدر ، وإليه ترجع ، والسلام )(١)

في أيام الوليد بن عبد الملك ( ٨٦ ـ ٩٦ هـ)

ولي الوليد بن عبد الملك الخلافة سنة ست وثمانين للهجرة وتوفي سنة ست وتسعين ، أي مدة خلافته عشر سنوات وكان الوليد جباراً ظلوماً(٢) وكان يغلب عليه اللحن ، وقد خطب في المسجد النبوي ، فقال : يا أهل المدينة ( بالضم ) مع ان القاعدة هي ان ( أهل ) منادى مضاف ، فلابد أن ينصب فعاتبه أبوه على إلحانه ، وأشار عليه : أنه لا يلي العرب إلا من يحسن كلامهم فجمع أهل النحو ليعلموه قواعد اللغة ، إلا انه خرج بعد فترة وهو أجهل من قبل(٣)

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن شوذب قال : قال عمر بن عبد العزيز [ عندما ولي الوليد الخلافة ] ( وكان الوليد بالشام ،

ــــــــــــــــ

(١) البصائر والذخائر ـ لأبي حيان التوحيدي ص ٢١٧ .

(٢) تأريخ الخلفاء للسيوطي ص ٢٢٣ .

(٣) تأريخ ابن الأثير ج ٤ ص ١٣٨ .


والحجاج بالعراق ، وعثمان بن حبارة بالحجاز ، وقرة بن شريك بمصر ) : امتلأت الأرض والله جوراً(١)

والفارق التأريخي هو انه مع جبروته وظلمه فقد تمت في عهده فتوحات واسعة وهذا يبين ان أمر الفتوحات لا يرتبط بعدالة الحاكم بل أن الإسلام كدين أقوى من الحام كفرد فقد يكون الخليفة جائراً ظالماً ، ولكن الناس تدخل في الدين الحنيف بإعتبار التوحيد والقرآن والصورة الكلية للإسلام .

وفي عهده قتل سعيد بن جبير شهيداً ، قتله الحجاج الثقفي في الكوفة .

الوليد والإمام زين العابدينعليه‌السلام

وهنا مجموعة من الشواهد التي مرّ بها السجادعليه‌السلام أيام الوليد :

أولاً : خشية المخزومي من الإمامعليه‌السلام : بالغ ولاة المدينة الإساءة إلى الإمام السجادعليه‌السلام وكان منهم هشام بن اسماعيل المخزومي والي المدينة من قبل عبد الملك بن مروان ( ت ٨٦ هـ ) ، بالرغم من وصية سيده عبد الملك بعدم التحرش بالإمامعليه‌السلام وعدم أيذائه ودار دولاب الحياة ومرت الأيام وإذا بالمخزومي يعزل من قبل الوليد بن

ــــــــــــــــ

(١) المصدر السابق .


عبد الملك ( ت ٩٦ هـ ) ويجلد امام دار مروان بن الحكم وكانت خشية المخزومي هي ان يقابله الإمام السجادعليه‌السلام بالمثل وينتقم منه ولكن السجادعليه‌السلام كان أرفع من ذلك وأسمي فقد أمرعليه‌السلام أصحابه وخواصه الا يتعرضوا لهشام المخزومي ، بعد ان أذله الله وسلبه سلطته وعلم المخزومي بذلك فاستبدل سلوكه تجاه الإمامعليه‌السلام بسلوك آخر فكان ، وهو يرى زين العابدينعليه‌السلام ، لا يتمالك نفسه إلا بالهتاف : الله اعلم حيث يجعل رسالته(١)

ودلالات ذلك :

١ ـ كان مبدأهعليه‌السلام العفو عن الظالمين الذين ظلموه ويؤيده قولهعليه‌السلام : ( لو ان قاتل أبي أودع عندي السيف الذي قتل به أبي لأديته إليه )(٢) وتواتر الروايات القائلة بعفوه وسماحة نفسه تسقط الروايات المتعارضة التي تصوره وكأنه كان محباً للانتقام ، من ظالميه .

٢ ـ انهعليه‌السلام كان يقابل ظالميه ، وبعد ان هبطوا إلى أقصى حالات الضعف ، بالإحسان والرأفة كما حصل مع هشام المخزومي ، ومروان بن الحكم وعياله ونحوهم .

ثانياً : السجاد ودعاء الكرب : ولى الوليد على المدينة صالح بن عبد الله المري ، وكتب إليه بإخراج العلوي الحسن بن الحسن من السجن ،

ــــــــــــــــ

(١) تاريخ الطبري ج ٨ ص ٦١ والكامل في التاريخ لابن الاثير ج ٤ ص ٢٠١ .

(٢) نور الأبصار ص ١٣٧ .


وضربه خمسمائة سوط فأخرجه إلى المسجد ليضربه أمام الناس ولما سمع الإمام زين العابدينعليه‌السلام بذلك خفّ إليه وأشار عليه بدعاء الكرب حتى يفرج الله عنه وهو : ( لا إله إلا الله الحليم الكريم ، لا إله إلا الله العليّ العظيم ، سبحان الله رب السموات السبع ورب [ الأرضين السبع ] ورب العرش العظيم ، والحمد لله رب العالمين ) فجعل الحسن يردد هذا الدعاء ، حتى صرف الله عنه فلم ينفذ الوالي ما أمر به ، واشفق عليه ، وكتب إلى الوليد بشأنه ، فأمره بالإفراج عنه(١)

ثالثاً : سراج الدنيا في ظلمات بني أمية : ولى الوليد على المدينة سنة ٨٧ هـ عمر بن عبد العزيز وكان الأخير يتظاهر بالعدل والتقوى ، ولكنه كان يتجاهل الإمام زين العابدينعليه‌السلام ففي بداية ولايته على المدينة أحضر عمر بن عبدالعزيز : عروة بن الزبير ، وأبا بكر بن سليمان بن أبي خيثمة ، وعبد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وغيرهم من فقهاء المدينة يطلب منهم العون على أمر الدين وتقويمه عند الأعوجاج كي لا يزلّ فيهوى في النار(٢) ولم يدع

ــــــــــــــــ

(١) الإتحاف بحب الأشراف ص ٧٦ .

(٢) تأريخ الطبري ج ٧ ص ٧١ والكامل لأبن الأثير ج ٤ ص ٢٠١ .


السجادعليه‌السلام إلى الإجتماع فكيف يكون ذلك ، وهو القائل : ( ان علي بن الحسين سراج الدنيا وجمال الإسلام وزين العابدين )(١)

قال في الكشكول : ( لما وضح لعمر بن عبد العزيز ميل الناس عن بني أمية لافراطهم في سب باب مدينة علم الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم [ علي بن أبي طالبعليه‌السلام ] ، وأخذت الأندية تلهج بوخامة هذه الدنية أراد أن يبرر موقفه أمام الناس فاظهر الإستياء من هذه الفعلة ومنع العمال والولاة مما اعتادوه من لعن أمير المؤمنين وردّ على العلويين فدكاً رجاء ان يستميل القلوب ويستهوي الأفئدة وإلا فهو ما جبل عليه من العداء فان الشجرة المرّة لا تنبت إلا مرّاً(٢) .

مع هشام بن عبد الملك

حج هشام ابن عبد الملك ( ت ١٢٥ هـ ) في زمن أبيه(٣) في سنة ٨٥ أو ٨٦ هجرية على الأرجح وكان عمره آنذاك في حدود الرابعة عشرة من العمر ذلك لأن ولادته كانت سنة نيف وسبعين كما في تأريخ الخلفاء للسيوطي ص ٢٤٧ وتولى الخلافة بعد حوالي عشرين سنة من تأريخ قصيدة الفرزدق ، أي سنة خمس ومائة للهجرة .

ــــــــــــــــ

(١) تأريخ اليعقوبي ج ٣ ص ٤٨ .

(٢) الكشكول فيما جرى على آل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ السيد حيدر الاملي ص ١٥٦ .

(٣) طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ج ١ ص ١٥٣ بسنده المتصل الى عبد الله بن محمد عن أبيه .


وكان قد أحتشد بالبيت الحرام ذلك العام ، جمهور غفير من الحجيج للطواف والصلاة والتبرك بالحجر الأسود حتى ان هشاماً لما رأى ازدحام الناس على الحجر وتعسر عليه استلامه برفق ، وضع له منبر جلس عليه ينظر الجمع على راحته ويسلم من مدافعة الرجال .

وبينما هو على ذلك الحال ، أقبل الإمام زين العابدينعليه‌السلام ونور الإمامة يسطع من محياه ، وعليه إزار ورداء ، من أحسن الناس وجهاً وأطيبهم رائحة ، فهابه الحجيج ، وبصر به بعض من يعرفه من الحجاج فنادى بأعلى صوته : (هذا بقية الله في أرضه ، هذا بقية النبوة ، هذا إمام المتقين ، وسيد العابدين ) فتقهقر الجمع ، حتى استلم الحجر وحده وقام باداء ما وجب عليه من دون تدافع أو مزاحمة فتعجبت حاشية هشام من ذلك ، وأخذوا يتساءلون عنه فتغير لون هشام ـ وهو الشاب المرشح للخلافة ـ ولم يرقه ان ينوه بمعرفته بالسجادعليه‌السلام أخر ذرية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ذلك الزمان فانكر معرفته ظاهراً ، وهو على معرفةٍ به باطناً .

فقيّض الله له ولياً يضمر إيمانه بآل البيتعليه‌السلام في وقت كان معروفاً بشاعر البلاط الأموي وهذا المتفاني بحب ذرية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الفرزدق ( همام بن غالب بن صعصعة ت ١١٠ هـ ) ، فقال شعراً جميلاً يعرّف به زين العابدين وفضل أهل البيتعليه‌السلام

والجدير بالذكر ان الفرزدق كان قد دخل مع أبيه على الإمام عليعليه‌السلام في البصرة سنة ٣٧ هـ فسأل الإمامعليه‌السلام عن الفرزدق ـ ولم يكن له من العمر اكثر من سبع وعشرين سنة ـ فقيل انه يقول الشعر ، فأرشدهعليه‌السلام الى ما هو خير له من ذلك وهو تعلم القرآن وعمل بالنصيحة واستفادها في شعره لاحقاً .


قصيدة الفرزدق :

قال : انا اعرفه ، وانشأ الفرزدق(١)

(يا سائلي أين حلّ الجود والكرم

عندي بيانٌ إذا طلابه قدم)

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته

والبيت يعرفه والحلّ والحرم

هذا ابن خير عباد الله كلّهم

هذا التقيّ النقي الطاهر العلم

اذا رأته قريش قال قائلها

إلى مكارم هذا ينتهي الكرم

ينمى إلى ذروة العزّ التي قصرت

عن نيلها عرب الأقوام والعجم

يكاد يمسكه عرفان راحته

ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم

يغضي حياءً ويغضى من مهابته

فما يكلّم إلا حين يبتسم (٢)

بكفه خيزرانٌ ريحها عبقٌ

من كفّ أروع في عرنينه شممٌ (٣)

من جدّه دان فضل الأنبياء له

وفضل أمتّه دانت له الأمم

ــــــــــــــــ

(١) المناقب ج ٣ ص ٣٠٦ .

(٢) الإغضاء : إدناء الجفون وأغضى على الشيء : سكت .

(٣) الخيزران : بضم الزاء شجرٌ هنديٌّ ، وهو عروق ممتدة في الأرض وعبق به الطيب بالكسر عبقاً بالتحريك : أي لزق به ورجلٌ عبق : إذا تطيّب بأدنى طيب لم يذهب عنه أياماً والأروع : من يعجبك بحسنه وجهارة منظره والعرنين : بالكسر ، الأنف والشّمم : محرّكة ، ارتفاع قصبة الأنف وحسنها واستواء أعلاها وقوله : من كفّ : فيه تجريد مضاف إلى الأروع .


ينشق نور الهدى عن نور غرته

كالشمس ينجاب عن إشراقها الظلم (١)

مشتقّةٌ من رسول الله نبعته

طابت عناصره والخيم والشيم (٢)

هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله

بجدّه أنبياء الله قد ختموا

الله فضّله قدماً وشرّفه

جرى بذاك له في لوحه القلم

فليس قولك : من هذا ؟ بضائره

العرب تعرف من أنكرت والعجم

كلتا يديه غياثٌ عمّ نفعهما

يستوكفان ولا يعروهما العدم (٣)

سهل الخليقة لا تخسى بوادره

يزينه اثنان : حسن الخلق والكرم (٤)

حّمال أثقال أقوام إذا فدحوا

حلو الشمائل تحلو عنده نعم (٥)

لا يخلف الوعد ميمون نقيبته

رحب الفناء أريبٌ حين يعترم (٦)

ما قال لا قط إلا في تشهده

لولا التشهد كانت لاؤه نعم

عمّ البرية بالإحسان فانقشعت

عنها الغيابة والإملاق والعدم

ــــــــــــــــ

(١) انجابت السحابة : انكشفت .

(٢) الخيم : بالكسر ، السجية والطبيعة والشيم : بكسر الشين وفتح الياء : جمع الشيمة بالكسر ، وهي الطبيعة .

(٣) استوكف : استقطر .

(٤) البوادر : جمع البادرة وهي ما يبدو من حدّتك في الغضب من قول أو فعل .

(٥) فدحه الدين : أثقله .

(٦) النقيبة : النفس والعقل ، والمشورة ونفاذ الرأي والطبيعة والأريب : العاقل وقوله : يعترم على المجهول من العرام ، أي عاقل إذا أصابته شدة .


من معشر حبّهم دين وبغضهم

كفر ، وقربهم منجى ومعتصم

إن عدّ أهل التقى كانوا أئمتهم

أو قيل : من خير أهل الأرض ؟ قيل : هم

لا يستطيع جواد بعد غايتهم

ولا يدانيهم قومٌ وإن كرموا

هم الغيوث إذا ما أزمةٌ أزمت

والأسد أسد الشرى والبأس محتدم (١)

لا ينقض العسر بسطاً من أكفهم

سيان ذلك وإن أثروا وإن عدموا (٢)

يستدفع السوء والبلوى بحبهم

ويستربّ به الإحسان والنّعم

مقدّم بعد ذكر الله ذكرهم

في كل بدءٍ ومختومٌ به الكلم

يأبي لهم أن يحلّ الذّمّ ساحتهم

خيمٌ كريمٌ وأيدٍ بالندى هضم (٣)

أيّ الخلائق ليست في رقابهم

لأوّلية هذا أوله نعم

من يعرف الله يعرف أوّليّة ذا

فالدين من بيت هذا ناله الأمم

ولم يرق هشام تلك المصارحة التي سترها دون الشاميين ، وكبر عليه مدح الإمام زين العابدينعليه‌السلام بمحضره فأمر بسجن الفرزدق بعسفان بين مكة والمدينة ، والظاهر أنه أوصى بقطع صلته وعطائه من البلاط ولكن الفرزدق لم يعبأ بذلك .

ــــــــــــــــ

(١) الأزمة : الشدة ، وأزمت أي لزمت والشرى : ( كعلى ) طريق في سلمى كثيرة الأسد واحتدم عليه غيظاً : تحرّق ، والنار التهبت ، والدم اشتدت حمرته حتى تسوّد وفي بعض النسخ البأس بالباء الموحدة ، وفي بعضها بالنون وعلى الأول المراد أن شدتهم وغيظهم ملتهب في الحرب وعلى الثاني المراد أن الناس محتدمون عليهم حسداً .

(٢) أثرى : أي كثر ماله .

(٣) خيم : أي لهم خيم والندى : المطر ، ويستعار للعطاء الكثير وهضم : ( ككتب ) جمع هضوم ، يقال يد هضوم أي تجود بما لديها .


ووصلته هدية مالية من الإمامعليه‌السلام هي أعظم هدايا ذلك الزمان قيل انها اثني عشر الف درهم ، وقيل ألف دينار مشفوعة بالعذر بعدم وجدان الأكثر فأرجعها الفرزدق خوفاً من فوات الأجر الإلهي الذي توخاه من حبه لآل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأعلمه الإمامعليه‌السلام بقبول الله تعالى نصرته لذرية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنهمعليه‌السلام لا يرجعون بعطاياهم .

دلالات قصيدة الفرزدق :

١ ـ لاشك ان قصيدة الفرزدق تعدّ من أعظم الوثائق التاريخية التي تكشف حب الأمة الإسلامية لآل البيتعليه‌السلام في القرن الأول الهجري وتكشف أيضاً عن معرفة الأمة (على لسان الفرزدق ) لفضائل ذرية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وطهارتهم وتقواهم وعصمتهم وديباجة القصيدة تشير الى أدب جم ونظر بعيد وبلاغة متناهية وهذا ينطبق على أدب الفرزدق وشاعريته .

٢ ـ ان ذكر تلك القصيدة الرائعة في مصادر تاريخية واسعة يدلّ على تواترها وشيوعها بين الناس لم لا وقد وصف الفرزدق بأعظم وصفٍ ، وهو انه فاز بحب أهل البيتعليه‌السلام .

فقال ابن العماد الحنبلي ( ت ١٠٨٩ هـ ) في شذرات الذهب : ( مما يرجى له الزلفى وعظيم الفائدة بحميته في أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومدحه زين العابدين علي بن الحسين وإعرابه عن الرغبة والرهبة )(١) وقال ابن خلكان في الوفيات واليافعي في مرآة الجنان : ( للفرزدق مكرمة يرجى له فيها الرحمة في دار الآخرة )(٢) ثم ذكر الرواية تلازمها تلك القصيدة الرائعة وقال ابن كثير في البداية والنهاية : ( قال الفرزدق للسجادعليه‌السلام انما قتل هذا لله عز وجل ونصرةً للحق وقياماً بحق رسول الله في ذريته ، ولست أعتاض عن ذلك بشيء )(٣) . وقال السيوطي في شرح شواهد المغني : ( قال الفرزدق للسجادعليه‌السلام حين رد الصلة : يا ابن رسول الله ما قلته الا غضباً لله عز وجل ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وما كنت لآخذ عليه شيئاً )(٤)

ــــــــــــــــ

(١) شذرات الذهب ج ١ ص ١٤٢ .

(٢) مرآة الجنان ج ١ ص ٢٣٩ .

(٣) البداية والنهاية ج ٩ ص ١٠٩ .

(٤) شرح شواهد المغني ص ٢٥٠ طبعة مصر .


وقال الكنجي الشافعي في كفاية الطالب : ( سمعت الحافظ فقيه الحرم محمد بن احمد بن علي القسطلاني يقول : سمعت شيخ الحرمين أبا عبد الله القرطبي يقول : لو لم يكن للفرزدق عند الله عمل الا هذا لدخل الجنة به ، لانها كلمة حق عند ذي سلطان جائر )(١)

وصح إسناد هذه الرواية ، بقسميها الواقعة والقصيدة ، عن السبكي(٢) ( ت ٧٧١ هـ ) ، وأبو نعيم(٣) ( ت ٤٣٠ هـ ) ، والاصبهاني(٤) ( ت ٣٥٦ هـ ) ، ومحمد بن مسعود العياشي ( من أعيان المائة الثالثة)

٣ ـ ان السبب الباعث لإنشاء الفرزدق قصيدته هو تجاهل هشام ( ولي العهد ) بمعرفة زين العابدينعليه‌السلام عند استفهام أهل الشام منه ، بعدما شاهدوا جلالة الإمامعليه‌السلام وهيبته فتقهقر جمع الحجيج عن الحجر ، حتى استلمه ولن يعبأ الفرزدق بسطوة هشام ولا جبروت أبيه الخليفة الظالم ، فقال قولة الحق في الإمام زين العابدينعليه‌السلام

ــــــــــــــــ

(١) كفاية الطالب ص ٣٠٦ .

(٢) طبقات الشافعية الكبرى ج ١ ص ١٥٣ .

(٣) حلية الأولياء ج ٣ ص ١٣٩ .

(٤) الأغاني ج ١٩٠ ص ٤٠ .


الإمامعليه‌السلام في شخصيته

وكان الإمام السجادعليه‌السلام كريماً في نفسه ، جليلاً في قومه وكان القوم يعظّمون مقامه ويثنون على إمامته وعبادته وتقواه كان أفضل هاشمي في زمانه(١) ، وكان ذو فضل عظيم على أهل بيته وعصره ولقد أوتي من الفضل والعلم والدين والورع ما لم يؤته أحد مثله ولا قبله إلا من مضى من سلفه(٢) ، وكان أهلاً للإمامة العظمى لشرفه وسؤدده وعلمه وتألّهه وكمال عقله(٣) ، وروى عنه فقهاء العامة من العلوم ما لا يحصى كثرة وحفظ عنه من المواعظ والأدعية وفضائل القرآن والحلا والحرام والمغازي والأيام ما هو مشهور بين العلماء(٤) ، وله من الخشوع وصدقة السر وغير ذلك من الفضائل(٥)

ولعل كتاب محمد بن طلحة القرشي الشافعي كان قد جمع صفات زين العابدينعليه‌السلام جمعاً رائعاً ، فقال :

ــــــــــــــــ

(١) قاله حماد بن زيد من أبرز فقهاء البصرة ( تهذيب التهذيب ج ٣ ص ٩)

(٢) قاله عبد الملك بن مروان ، على الرغم من عداوته للإمامعليه‌السلام ( بحار الأنوار ج ٤٦ ص ٧٥)

(٣) قاله الذهبي في ( سير أعلام النبلاء ج ٤ ص ٢٤٠)

(٤) قاله الشيخ المفيد في ( الإرشاد ج ٢ ص ١٣٨ و ١٥٣)

(٥) قاله ابن تيمية في ( منهاج السنّة ج ٢ ص ١٢٣)


 ( كان قدوة الزاهدين وسيد المتقين ، وإمام المؤمنين ، شيمته تشهد له أنّه من سلالة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وسمته يثبت مقام قربه من الله زلفاً ، وثفناته تسجّل له كثرة صلاته وتهجدّه ، وإعراضه عن متاع الدنيا ينطق بزهده فيها درّت له اخلاق التقوى فتفوّقها ، وأشرقت له أنوار التأييد فاهتدى بها ، وآلفته أوراد العبادة فآنس بصحبتها ، وحالفته وظائف الطاعة فتحلّى بحليتها ، طالما اتخذ الليل مطية ركبها لقطع طريق الآخرة ، وظمأ الهواجر دليلاً استرشد به في مسافرة المسافرة وله من الخوارق والكرامات ما شوهد بالأعين الباصرة وثبت بالآثار المتواترة وشهد له أنّه من ملوك الآخرة )(١)

حج خمساً وعشرين حجة راجلاً(٢) وكان المشي من المدينة إلى مكة يستغرق حوالي عشرين يوماً وإذا كانت المسافة بين مكة والمدينة حوالي ٤٠٠ كليومتراً وكان معدل مشي الإنسان في اليوم ٢٠ كيلومتر استغرق الذهاب ثلاثة أسابيع ، والإياب ثلاثة أخرى وإذا افترضنا ان أداء المناسك يستغرق أسبوعين استغرق حج الإمامعليه‌السلام شهرين من كل سنة .

وكان فساد الوضع الإجتماعي وقلّة الموالين يدعوانه إلى تكثيف العمل الإرشادي ، وتربية الناس على التعبد لله عزّ وجلّ ،

ــــــــــــــــ

(١) مطالب السؤول ج ٢ ص ٤١ .

(٢) العقد الفريد ج ٣ ص ١٠٣ .


فكانعليه‌السلام يبذل وقتاً ثميناً في موعظة المؤمنين وتدريس المتعلمين في الوقت الذي يقوم فيه بتأدية العبادات كالصلاة والصيام والحج وجهاد النفس ( الجهاد الأكبر ) فيتوهم المتوهم ( وهو عباد البصري ) ويسأله عن سبب تركه الجهاد الأصغر ، فيجيبه الإمامعليه‌السلام ، بان العلّة تكمن في قلّة الموالين الذين يعتمد عليهم في عمل عظيم كالقيام بالسيف فإذا وجدوا ( فالجهاد معهم أفضل من الحج )(١)

وكانت شخصية السجادعليه‌السلام تجذب أطراف إجتماعية متباعدة كالزهري عالم بني أمية ، والفرزدق شاعر البلاط الأموي ، وسعيد بن جبير التابعي الجليل ، ومحمد بن أسامة من بني هاشم ، وكان يصل الجميع بفكره ونصائحه ومحبتهعليه‌السلام

فهذا الزهري ، عندما عاقب شخصاً ومات في العقوبة ، خرج هائماً وتوحش ودخل إلى غار ، فطال مقامه تسع سنين فنصحه الإمام زين العابدينعليه‌السلام وقال له :

(إني أخاف عليك من قنوطك ما لا أخاف عليك من ذنبك ، فابعث بديّة مسلّمة إلى أهله واخرج الى أهلك ومعالم دينك ) فقال له : فرّجت عني يا سيدي ! الله أعلم حيث يجعل رسالته ورجع الى بيته ولزم علي بن الحسينعليه‌السلام ، وكان يعدّ عند البعض من أصحابه ، ولذلك قال له بعض بني مروان : يا زهري ! ما فعل نبيك ؟

ــــــــــــــــ

(١) المناقب ج ٣ ص ٢٩٨ والاحتجاج ص ١٧١ .


يعني علي بن الحسينعليه‌السلام (١) إلا ان الحق ان الزهري كان من حاشية آل مروان ، ولم يثبت أنه كان من أتباع أهل البيتعليه‌السلام أصلاً .

أما الفرزدق ( همام بن غالب ) فقد ذكرنا قصيدته ودلالالتها العقائدية ، وانه قالها كلمة حقٍ عند سلطان جائر .

وهذا سعيد بن جبير يأتم بعلي بن الحسينعليه‌السلام ، فكان زين العابدينعليه‌السلام يثني عليه ، وما كان سبب قتل الحجاج له إلا على هذا الأمر وذكر أنه لما دخل على الحجاج بن يوسف قال : أنت شقي بن كسير ؟ قال : أمي كانت أعرف بي ، سمتني سعيد بن جبير .

قال : ما تقول في أبي بكر وعمر ، هما في الجنة أو في النار ؟

قال : لو دخلت الجنة فنظرت إلى أهلها لعلمت من فيها ، ولو دخلت النار ورأيت أهلها لعلمت من فيها .

قال : فما قولك في الخلفاء ؟ قال : لست عليهم بوكيل قال أيهم أحبّ إليك ؟

قال : أرضاهم لخالقي قال فأيهم أرضى للخالق ؟ قال : علم ذلك عند الذي يعلم سرّهم ونجواهم قال : أبيت أن تصدقني ؟ قال : بل لم أحب أن أكذبك(٢)

ــــــــــــــــ

(١) المناقب ج ٣ ص ٢٩٨ .

(٢) روضة الواعظين ص ٢٤٨ .


وهذا محمد بن أسامة عندما حضرة الموت ، دخلت عليه بنو هاشم ، فقال لهم : قد عرفتم قرابتي ومنزلتي منكم ، وعليّ دين فأحبّ أن تضمنوه عني فقال علي بن الحسينعليه‌السلام : ( أما والله ثلث دينك عليّ ) ثم سكت وسكتوا فقال علي بن الحسينعليه‌السلام : ( عليّ دينك كله ) ثم قال علي بن الحسينعليه‌السلام : ( أما إنه لم يمنعني أن أضمنه أولاً إلا كراهة أن تقولوا : سبقنا )(١) وهكذا خلق الأولياء أبناء الأنبياءعليه‌السلام

وكان الإمام السجادعليه‌السلام يحنو على آل عقيل ويكرمهم ، لما لهم من مواقف مشرفة يوم عاشوراء ، فقد ضحى أبناء عقيل وأحفاده الشبان بين يدي الإمام الحسينعليه‌السلام وكانعليه‌السلام يقول : ( إني أذكر يومهم مع أبي عبد اللهعليه‌السلام فأرقّ لهم )(٢) وكان من برهعليه‌السلام بآل عقيل انه بنى دورهم التي هدمها الأمويون(٣) وكانت ترد الإمامعليه‌السلام أموالٌ من مصادر مختلفة ، فكان يستثمرها في ذلك .

ــــــــــــــــ

(١) روضة الكافي ج ٨ ص ٣٣٢ .

(٢) كامل الزيارات ص ١٠٧ .

(٣) غاية الاختصار ص ١٦٠ .


الأيام الأخيرة

ذكر جملة من المؤرخين(١) ان الوليد بن عبد الملك ( ت ٩٦ هـ ) قد دسّ سماً للإمام زين العابدينعليه‌السلام ، وقيل ان هشام بن عبد الملك ( ت ١٢٥ هـ ) سمه(٢) ولأن شهادتهعليه‌السلام كانت أيام ملك الوليد الممتدة من سنة ٨٦ وحتى سنة ٩٦ للهجرة ، فانه يحتمل ان الوليد قد أوعز الى أخيه هشام بسمه في المدينة في شهر محرم الحرام سنة ٩٥ للهجرة ولا يوجد من بين المصادر التاريخية تأريخاً دقيقاً يبين وقت إطعام السم إلا انه من المؤكد انه قد حصل في شهر محرم الحرام والسم لا يدع للمرء فرصة العيش إلا فترة زمنية قصيرة .

ولنعش تلك الأيام الأخيرة من حياة الإمام السجادعليه‌السلام بين الوريقات القادمة .

ــــــــــــــــ

(١) ابن حجر في الصواعق المحرقة ص ١٢٠ وابن الصباغ في الفصول المهمة والشبراوي في الإتحاف ص ٥٢ .

(٢) دلائل الإمامة لابن جرير الطبري ص ٨٠ ومناقب ابن شهر اشوب ج ٢ ص ٢٦٩ وتاريخ القرماني ص ١١١ .


وصايا السجادعليه‌السلام لأهل بيته

وكان من عادة آل البيتعليه‌السلام إذا علموا بدنو الأجل وقرب الوفادة على الله تعالى أوصلوا أهليهم بحسن طاعة الله تعالى وحسن التعامل مع الناس وكان الإمام السابق يوصي الإمام اللاحق بوصايا الإمامة والحكمة .

ومن ذلك ان مجموعة من أصحاب الإمام زين العابدينعليه‌السلام دخلت عليه أيام مرضه لعيادته ، فقالوا له : كيف أصبحت يا ابن رسول الله فدتك أنفسنا قالعليه‌السلام : ( في عافية والله المحمود على ذلك ) ثم قال لهم : ( كيف أصبحتم جميعاً ) قالوا : أصبحنا لك والله يا ابن رسول الله محبين وادين قالعليه‌السلام : ( من أحبنا الله تعالى أدخله الله ظلاً ظليلاً يوم لا ظل إلا ظله ، ومن أحبنا يريد مكافأتنا كافأه الله عنا بالجنة ، ومن أحبنا لغرض دنياً أتاه رزقه من حيث لا يحتسب )(١)

ومما أوصى به ولده : ( إذا أصابتكم مصيبة أو نزلت بكم فاقة فليتوضأ الرجل ويحسن وضوءه ويصلي أربع ركعات أو ركعتين ، وبعد الفراغ يقول : يا موضع كل شكوى ، يا سامع كل نجوى ، يا شافي كل بلاء ، ويا عالم كل خفية ، ويا كاشف ما يشاء يا نجي

ــــــــــــــــ

(١) الفصول المهمة لابن الصباغ ص ٢١٨ .


موسى ، ومصطفى محمد ، يا خليل إبراهيم ، أدعوك دعاء من اشتدت فاقته ، وضعفت قوته ، وقلّت حيلته ، دعاء الغريب الغريق الفقير الذي لا يجد لكشف ما فيه إلا أنت يا أرحم الراحمين ، لا إله إلا أنت سبحانك أني كنت من من الظالمين ) ثم قالعليه‌السلام : ( من أصابه البلاء ودعا بهذا الدعاء أصابه الفرج من الله تعالى )(١)

وقالعليه‌السلام : ( يا بنيّ أخذ بيدي جدي وقال : يا بنّي أفعل الخير إلى كل من طلبه منك ، فإن كان أهله فقد أصبت موضعه وإن لم يكن أهله كنت أهله وإن شتمك رجل وتحول الى يسارك وأعتذر إليك ، فأقبل منه )(٢) و( جالسوا أهل الدين والمعرفة ، فإن لم تقدروا عليهم فالوحدة آنس وأسلم ، فإن أبيتم إلا مجالسة الناس فجالسوا أهل المروآت )(٣)

وقالعليه‌السلام لبعض ولده : ( ان الله تعالى رضيني لك و لم يرضك لي ، وأوصاك بي ولم يوصني بك ، فعليك بالبر تحفة يسيرة )(٤) و( اعلم أن خير الآباء للابناء من لم تدعه المودّة إلى التفريط فيه ، وخير الأنباء للآباء من لم يدعه التقصير الى العقوق له )(٥)

ــــــــــــــــ

(١) كشف الغمة للأربلي ص ١٦٥ .

(٢) مشكاة الأنوار ص ٦٥ .

(٣) رجال الكشي ص ٤١٩ .

(٤) تحف العقول ص ٦٧ .

(٥) العقد الفريد ج٣ ص ٨٩ .


وقالعليه‌السلام : ( يا بني خمسة لا تصاحبهم ولا توافقهم ولا تحادثهم إياك ومصاحبة الكذاب فانه بمنزلة السراب يقرّب لك البعيد ويبعّد لك القريب وإياك ومصاحبة الفاسق فانه بائعك بأكلة أو أقل منها وإياك ومصاحبة البخيل فانه يخذلك فيما تكون إليه أحوج وإياك ومصاحبة الأحمق فانه يريد ان ينفعك فيضرك وإياك ومصاحبة قاطع رحمه ، فاني وجدته ملعوناً في كتاب الله في ثلاثة مواضع(١) قال تعالى : (( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولئِكَ الّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ فَأَصَمّهُمْ وَأَعْمَى‏ أَبْصَارَهُمْ ) (٢) . وقال الله تعالى :( وَالّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ ) (٣)  وقال الله تعالى : (( الّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُوْلئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) (٥) (٤) .

ــــــــــــــــ

(١) كشف الغمة ص ٢٠٠ .

(٢) سورة محمد : الآية ٢٢ ـ ٢٣ .

(٣) سورة الرعد : الآية ٢٥ .

(٤) سورة البقرة : الآية ٢٧ .

(٥) الوافي ج٣ ص ١٠٥ .


ثم قالعليه‌السلام : ( أحبكم الى الله أحسنكم عملاً ، وأعظمكم عند الله عملاً أسعاكم لعياله ، وأكرمكم عند الله أتقاكم لله تعالى )(١)

وقالعليه‌السلام : ( يا بنّي اصبر على النوائب ولا تتعرض للحقوق ، ولا تجب أخاك إلى الأمر الذي مضرته عليك أكثر من منفعتك له )(٢) ( وإياك ومعادات الرجال فانها لن تعدمك مكر حليم أو مفاجأة لئيم )(٣)

وصايا السجادعليه‌السلام لإبنه الباقرعليه‌السلام

وفي أيام مرضهعليه‌السلام أيضاً جمع أولاده محمداً والحسن وعبد الله وزيداً والحسين وأوصى بالإمامة إلى أبنه محمد بن عليعليه‌السلام ، وكناه الباقر وجعل أمرهم إليهعليه‌السلام وقال له :

(يا بنّي : العقل رائد الروح ، والعلم رائد العقل ، والعقل ترجمان العلم واعلم ان العلم أبقى ، واللسان أكثر هذراً وان صلاح الدنيا بحذافيرها في كلمتين بهما إصلاح شأن المعائش : ملء مكيالٍ

ــــــــــــــــ

(١) تحف العقول ص ٦٧ .

(٢) حلية الأولياء ج ٣ ص ١٣٨ والبيان والتبيين للجاحظ ج ٢ ص ٥٩ .

(٣) بحار الأنوار ج ١٧ ص ١٦٠ الطبعة القديمة .


ثلثاه فطنة وثلثه تغافل لأن الإنسان لا يتغافل عن شيء قد عرفه ففطن له(١) .

واعلم ان الساعات تذهب عمرك وأنك لا تنال نعمة إلا بفراق أخرى وإياك والأمل الطويل ، فكم من مؤمّل أملاً لا يبلغه ، وجامع مال لا يأكله ، ومانع ما سوف يتركه ولعله من باطل جمعه ، ومن حق منعه أصابه حراماً وورثه واحتمل أصره وباء بوزره ذلك هو الخسران المبين )(٢)

وقالعليه‌السلام لأبنه الباقرعليه‌السلام أيضاً : ( أوصيك بما أوصاني به أبيعليه‌السلام : أصبر على الحق وإن كان مراً )(٣) و( أفعل الخير إلى كل من طلبه منك )(٤) ) يا بنّي اني جعلتك خليفتي من بعدي لا يدعي فيما بيني وبينك أحد إلا قلّده الله يوم القيامة طوقاً من النار ، فاحمد الله على ذلك واشكره يا بنّي اشكر لمن انعم عليك ، فانه لا تزول نعمة إذا شكرت ، ولا بقاء لها إذا كفرت والشاكر بشكره اسعد منه

ــــــــــــــــ

(١) قال الجاحظ : لم يجعلعليه‌السلام لغير الفطنة نصيباً من الخير ، ولا حظاً من الصلاح لأن الانسان لا يتغافل عن شيء الا وقد عرفه وفطن قال الطائي : ليس الغبي بسيد في قومه ، لكن سيد قومه المتغابي .

(٢) كفاية الأثر للخزاز القمي ص ٣١٩ .

(٣) مجموعة ورام ص١٤ .

(٤) روضة الكافي ملحقة بتحف العقول ص ١٩١ حديث ١٤١ .


بالنعمة التي وجب عليه بها الشكر ) ثم تلا قوله تعالى :( وَإِذْ تَأَذّنَ رَبّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنّكُمْ ) (١) .

وفي رواية أخرى ، أنهعليه‌السلام قال :

إياك يا بنّي أن تصاحب الأحمق أو تخالطه ، واهجره ولا تحادثه ، فان الأحمق هجنه عبن(٢) غائباً كان أو حاضراً إن تكلم فضحه حمقه ، وإن سكت قصر فقره عنه ، وإن عمل أفسد ، وإن استرعى أضاع لا علمه من نفسه يغنيه ، ولا علم غيره ينفعه ، ولا يطيع ناصحه ، ولا يستريح مقارنه تودّ أمه لو أنها ثكلته ، وأسرته فقدته ، وجاره بعد داره ، وجليسه الوحدة من مجالسته إن كان أصغر من في المجلس أغنى من فوقه ، وإن كان أكبر أفسدهم من دونه (٣) .

وبقي الزهري يزور الإمام زين العابدينعليه‌السلام أيام مرضه ، فعندما زاره في تلك الأيام أكرمه الإمامعليه‌السلام فقدم إليه طبق فيه هندباء وقال له : ( كل منه انه الهندباء ، وما من ورقة إلا وعليها قطرة من ماء الجنة وفيه شفاء من كل داء ) وجيء إليه بدهن البنفسج ، فقالعليه‌السلام : ( فضله على الادهان كفضل الإسلام على الأديان ) ثم

ــــــــــــــــ

(١) سورة إبراهيم : الآية ٧ أمالي الطوسي ص ٣١٩ وكفاية الأثر للخزاز القمي ص ٣١٩ .

(٢) الهجنة : القبيح وما يعيبه الانسان والعبن : ( بتشديد النون ) الغليظ الخشن

(٣) ناسخ التواريخ .


دخل عليه أبو جعفر الباقرعليه‌السلام ، فجعلعليه‌السلام يسّاره طويلاً ، فسمع الزهري قول زين العابدينعليه‌السلام لابنه : عليك بحسن الخلق .

قال الزهري : فوقع في نفسي انه نعى نفسه فقلت له يا ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن وقع من أمر الله ما لا بد لنا منه ، فإلى من نختلف بعدك قالعليه‌السلام : ( يا أبا عبد الله الى ابني هذا وأشار الى محمد الباقرعليه‌السلام فانه وصيي ووارثي وعيبة علمي هو معدن العلم وباقره ) .

قلت : يا ابن رسول الله ما معنى ( باقر العلم ) ؟ قالعليه‌السلام : ( سوف يختلف إليه خلّص شيعتي ، فيبقر العلم عليهم بقراً ) .

قلت له : هلا أوصيت إلى أكبر ولدك ؟ قالعليه‌السلام : ( يا أبا عبد الله ليست الإمامة بالكبر والصغر هكذا عهد إلينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهكذا وجدناه مكتوباً في اللوح والصحيفة ) .

قلت : يا ابن رسول الله كم عهد إليكم نبيكم أن يكون الأوصياء بعده ؟ قالعليه‌السلام : ( وجدنا في الصحيفة واللوح اثنى عشر اسماً مكتوبة إمامتهم وأسماء آبائهم وأمهاتهم يخرج من صلب محمد ابني سبعة من الأوصياء فيهم المهديعليه‌السلام )(١) .

وقالعليه‌السلام للباقرعليه‌السلام : ( أني حججت على ناقتي هذه عشرين حجة لم اقرعها بسوط فاذا نفقت فادفنها ، لا يأكل لحمها السباع .

ــــــــــــــــ

(١) كفاية الأثر ص ٣١٩ .


فان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ما من بعير يوقف عليه موقف عرفة سبع حجج إلاّ جعله الله من نعم الجنة وبارك في نسله ) فلما نفقت دفنها أبو جعفر الباقرعليه‌السلام (١) .

ثم ضمّه إلى صدرهعليه‌السلام وقال : ( يا بني أوصيك بما أوصاني به أبي حين حضرته الوفاة ، وان أباه أوصاه به ، وهو : يا بني إياك وظلم من لا يجد عليك ناصراً إلا الله )(٢) ثم أخرج سفطاً وصندوقاً ، وأمر أبا جعفر الباقرعليه‌السلام بحمله إليه وكان فيه سلاح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ودرعه ، وألواح موسىعليه‌السلام وعصاه(٣) .

وقال لأبي جعفرعليه‌السلام : ( يا بني اذا مت فلا يلي غسلي غيرك ، فإن الإمام لا يلي غسله إلا إمام مثله يكون بعده )(٤)

الإستشهاد

وفي الليلة التي قبض فيهاعليه‌السلام أخبر من كان عنده بان هذه الليلة هي التي قدر الله فيها الرحلة الى جوار قدسه(٥) وأغمي

ــــــــــــــــ

(١) ثواب الأعمال ص ٢٩ والمحاسن للبرقي ج ٢ ص ٦٣٥ .

(٢) بحار الأنوار ج ١١ ص ٤٤ عن الكافي .

(٣) بصائر الدرجات ص ٤٦ ـ ٤٨ .

(٤) الخرائج ص ٢٠ .

(٥) بحار الأنوار ج ١١ ص ٤٣ .


عليه ثلاث مرات ، قرأ بعد المرة الأخيرة :( إذا وقعت الواقعة ) (١) ، و( إنا فتحنا لك فتحاً مبينا ) (٢) ثم قالعليه‌السلام :( الْحَمْدُ للّهِ‏ِ الّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوّأُ مِنَ الْجَنّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) )(٣) . ثم قبض من ساعته ولم يقل شيئاً(٤)

قال جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام : ( مرض علي بن الحسينعليه‌السلام ثلاث مرضات ، في كل مرضة يوصي بوصية ، فاذا أفاق أمضى وصيته )(٥)

وقبض الإمام زين العابدينعليه‌السلام مظلوماً شهيداً مقتولاً بأمر الوليد بن عبد الملك الذي أوعز إلى أخيه هشام بدس السم اليه ، كما ألمحنا الى ذلك سابقاً فكان مصداقاً لقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( ما من نبي ولا وصي إلا شهيد )(٦) ، وما قاله أئمة أهل البيتعليه‌السلام : ( ما منا إلا مقتول شهيد )(٧) فتوفيعليه‌السلام في الخامش والعشرين من محرم الحرام

ــــــــــــــــ

(١) سورة الواقعة : الآية ١ .

(٢) سورة الفتح : الآية ١ .

(٣) سورة الزمر : الآية ٧٤ .

(٤) الكافي ج ١ ص ٤٦٨ .

(٥) الكافي ج ٧ ص ٥٦ .

(٦) بصائر الدرجات ص ١٤٥ .

(٧) أعلام الورى للطبرسي ص ٢١١ .


سنة ٩٥ للهجرة عن عمرٍ ناهز السابعة والخمسين عاماً فضجّت المدينة بالبكاء ، وكان يوماً كيوم وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وشهد جنازته البر والفاجر ، وأثنى عليه الصالح والطالح وانهال الناس يتبعونه حتى جيء بالجنازة الى البقيع وعندما غسلّه أبنه محمد الباقرعليه‌السلام وجد على كتفيه جلب كجلب البعير(١) فسأل الناس ما هذه الآثار ؟ فقيل لهم : من حمل الطعام في الليل يدور به على منازل الفقراء(٢) وتم مواراة جسده الظاهر في تربة عمهم الحسن بن عليعليه‌السلام في قبة العباس ابن عبد المطلب(٣)

فسلامٌ على زين العابدينعليه‌السلام يوم ولد ، ويوم استشهد ، ويوم يبعث حياً .

ــــــــــــــــ

(١) جلب : قشرة تعلو الجرح عند البرء .

(٢) تأريخ اليعقوبي ج ٣ ص ٤٥ .

(٣) الفصول المهمة ص ٢٢١ ومطالب السؤول ص ٧٩ والصواعق المحرقة ص ١٢٠ .


الفصل الثاني : الخصائص الشخصية

الإمامة

يعدّ زين العابدين علي بن الحسينعليه‌السلام الإمام الرابع من أئمة أهل البيتعليه‌السلام الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ، حسب وصية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحتى نفهم إمامة زين العابدينعليه‌السلام لابد لنا من شرح مختصر لمعنى ( الإمامة ) لفظاً واصطلاحاً .

المعنى اللفظي : ومعنى الإمام هو من يأتمّ به الناس ويقتي وأصل الكلمة ( أمّ ) القوم أي تقدمهم في الصلاة أو في الفكر والنتيجة أن الإمامة هي منصب رئاسة والخلافة والولاية كلمتان إضافتيان ترادفان كلمة الإمامة .

وقد وردت تلك الالفاظ في القرآن الكريم فجاءت كلمة الإمام مطلقة في الهداية والضلال ، وهو كل من تقدّم لفرقة فاتبعة الناس فقال تعالى في أئمة الضلال :( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ ) (١) ( فَقَاتِلُوا أَئِمّةَ الْكُفْرِ إِنّهُمْ لاَأَيْمَانَ لَهُمْ ) (٢) وقال في شأن ابراهيم واسحق ويعقوبعليه‌السلام

ــــــــــــــــ

(١) سورة القصص : الآية ٤١ .

(٢) سورة براءة : الآية ١٢ .


  ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ ) (١) ، وفي حق إبراهيم الخليلعليه‌السلام :( وَإِذِ ابْتَلَى‏ إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ قَالَ إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً ) (٢) .

وجاءت كلمة الخلافة ككلمة إضافية ، لأنها تقتضي النيابة والبدلية والإستخلاف لابد أن يكون عن الله عزّ وجلّ ، وعن رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يكون خليفة الله أو خليفة رسوله قال عزّ وجلّ في شأن آدم مخاطباً الملائكة :( إِنّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) (٣) ، وقال تعالى مخاطباً النبي داودعليه‌السلام :( يَا دَاوُدُ إِنّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ ) (٤) ، وبخصوص موسى وهارون :( وَقَالَ مُوسَى‏ لْأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) (٥) .  وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي بن أبي طالبعليه‌السلام في غزوة تبوك : ( يا علي إنما خلفتك على أهلي ، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى)(٦) .

وجاءت كلمة الولاية إضافية أيضاً ، لأنها أقتضت التكفل بمعنى ان يقوم الولي بكفالة المؤمنين مهما كان عددهم قال تعالى :

ــــــــــــــــ

(١) سورة الانبياء : الآية ٧٣ .

(٢) سورة البقرة : الآية ١٢٤ .

(٣) سورة البقرة : الآية ٣٠ .

(٤) سورة ص : الآية ٢٦ .

(٥) سورة الأعراف : الآية ١٤٢ .

(٦) الخصائص ص ١٤ رواها النسائي عن سعد بن أبي وقاص .


 ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (١) .

المعنى الإعتقادي : والإمامة الشرعية أصل من أصول الدين لأنها رئاسة ربانية تقود الأمة إلى طريق الهداية والرشاد ومن أجل فهم المعنى الإعتقادي للإمامة كان لابد من عرض مجموعة المبادئ التي تشكل الأساس لفكرة الإمامة :

١ ـ ان الإمامة الكلية والولاية المطلقة لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولخلفائه أئمة أهل البيتعليه‌السلام إنما هي بالجعل الآلهي لا بالتكوين أي ان الإنسان لا يستطيع مهما اجتهد ودرس أن يكون بمنزلة الإمام المعصومعليه‌السلام لأن القضية ليست قضية اكتساب واجتهاد ، إنما هي إرادة إلهية اقضت أن يكون هؤلاء الاطهار من آل النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أئمة هدى ، وإلى ذلك قال تعالى : (( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) )(٢) فالإرادة الإلهية شاءت أن تحصر الإمامة الشرعية الكلية بهمعليه‌السلام فالإمامة بهذا المعنى هي شرعية جعلية وليست تكوينية .

ــــــــــــــــ

(١) سورة المائدة : الآية ٥٥ .

(٢) سورة الأحزاب : الآية ٣٣ .


أن ان الإمامة ليست مرتبة علمية ، ولا منزلة إجتماعية يكتسبها الانسان بالجدّ والاجتهاد ، ولا سلطة إدارية يتلبس بها الانسان قهراً وكل من تغلب على أمور الناس واستولى على مقدراتهم ، فهو إمام قهر وغلبة وكل من ثبتت له الولاية الآلهية وكان له زمام الدين ، فهو إمام عدل وهداية .

٢ ـ ان الإمامة منصب إلهي ، وليست منصباً عرفياً أو عقلائياً وإلى ذلك يشير القرآن الكريم( وَإِذِ ابْتَلَى‏ إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ قَالَ إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً ) )(١) فالإمامة تنتهي إلى من له ملك السموات والأرض فيقلدها من اصطفاه من عباده ، ويجعلها لمن ابتلاه من خيرة خلقه وبمعنى آخر ، أن الإمامة لا تجري مجرى الإنتخاب أو التصويب بل هي بالتعيين الإلهي أو الإصطفاء .

ويشترط فيمن تكون له الولاية والإمامة ان تكون له اللياقة التامة الكاملة من قبيل إمتلاكه الفضائل الإنسانية والكمالات الروحية والجسمية والملكات القدسية ، وتلك صفات أساسية يعلمها الله تبارك وتعالى لعباده الذين يصطفيهم لهذه المهمة العظيمة .

٣ ـ يصنّف العلماء المجعولات الشرعية إلى صنفين الإول : أصول الدين ، وهي الإعتقادات والثاني : فروع الدين ، وهي الأعمال التكليفية والإمامة من الصنف الأول أي هي أصلٌ من الأصول العقائدية مثلها مثل التوحيد والنبوة والمعاد ، لأنها ليست من الوظائف العملية المرتبطة بالتكليف كالصلاة والصيام والزكاة ونحوها .

ــــــــــــــــ

(١) سورة البقرة : الآية ١٢٤ .


ولذلك أمر الإسلام بوجوب الإيمان بالإمامة ، كاعتقاد له مصاديق واقعية حية إلى يوم القيامة وكل أمر يجب الاعتقاد به في الدين يعدّ من أصول الدين فالإمامة أصل من أصول الدين .

وأوجب الدين معرفة الإمامعليه‌السلام بنص حديث الرسول الأعظم محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المشهور المتواتر المتفق عليه بين الفريقين : (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة الجاهلية )(١) فالإمامة إذن أصل يجب معرفته وتشخيص موارده والإيمان قلبياً صحيحاً .

٤ ـ ان من لوازم الإمامة اللياقة العلمية الآلهية : فالإمامة الإلهية لا تكتمل إلاّ بعلم رباني وفيض إلهي يحيط بجميع شؤون ولاية الإمامعليه‌السلام بمعنى انه لابد للإمام من العلم بجميع حقائق الشريعة ، وتمام خصوصيات الأحكام ، وفهم تام لجميع آيات القرآن ، وإدراك تام لعوا لم الوجود فالولاية التامة تقتضي علماً كاملاً بعوالم التشريع والتكوين وما له الولاية عليه وأولوية التصرف فيه .

وتشير جملة من الآيات القرآنية الشريفة إلى مراتب العلم الإلهي فيقول تعالى بخصوص الخضرعليه‌السلام ( وَعَلّمْنَاهُ مِن لّدُنّا

ــــــــــــــــ

(١) ورد الحديث بالفاظ مختلفة لاحظ صحيح مسلم ج ٦ ص ٢٢ ، ومسند أحمد ج ٢ ص ٨٣ ، ومنهاج السنة لابن تيمية ج ١ ص ٦٧ ، وكنز العمال ج ٣ ص ٢٢٠ .


عِلْماً ) (١) ، وبخصوص لقمان (ع : (( وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ ) (٢) ، وفي شأن داودعليه‌السلام ( وَعَلّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ ) ، وفي حق وزير سليمان بن داودعليه‌السلام ( قَالَ الّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) (٤) وبخصوص عيسىعليه‌السلام ( وَأُحْيِي الْمَوْتَى‏ بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ) (٥) .

دليل اللياقة العلمية : وفي الإستدلال على اللياقة العلمية للإمام نأتي بآيتين لهما خصوصية في هذا المقام :

الأولى : قوله تعالى في قصة آدم : (( وَإِذْ قَالَ رَبّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ قَالَ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَتَعْلَمُونَ * وَعَلّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلّهَا ثُمّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هؤُلاَءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلّا مَا عَلّمْتَنَا

ــــــــــــــــ

(١) سورة الكهف : الآية ٦٥ .

(٢) سورة لقمان : الآية ١٢ .

(٣) سورة الأنبياء : الآية ٨٠ .

(٤) سورة النمل : الآية ٤٠ .

(٥) سورة آل عمران : الآية ٤٩ .


إِنّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لّكُمْ إِنّي أَعْلَمُ غَيْبَ السّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ) (١) .

وهذه الآية صريحة في ان الإمامة الإلهية أو الخلافة لا تتم إلا باللياقة العلمية الربانية الشاملة لجميع الحقائق والكليات وهي موهبة خاصة لا تتوفر للملائكة الذين جبلوا على الطاعة والعبادة والتقديس فالخلافة أو الإمامة هنا لا تحصل إلاّ بإفاضة العلم الربّاني على الخليفة الربّاني .

الثانية : قوله تعالى : (( قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) (٢) . وهذه الآية غالباً ما يستشهد بها أئمة أهل البيتعليه‌السلام على قدرتهم العلمية والإعجازية وهذا الذي عنده علم الكتاب ويكون شهيداً بين النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقومه لابد أن يكون حائزاً على فيضٍ رباني وعلم إلهي وفضيلة حتى يكون مؤهلاً للشهادة لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شهادة تامة من جميع الجوانب وكيف يستطيع ذلك الشاهد إدراك أفضلية خاتم الأنبياء محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما لم يكن فاضلاً نفسه .

وعلم الكتاب يعني العلم بكل شيء ، لأن الكتاب الذي يعلمه لابد أن يكون أحد أمرين : إما اللوح المحفوظ الذي دوّن فيه

ــــــــــــــــ

(١) سورة البقرة : الآية ٣٠ ـ ٣٣ .

(٢) سورة الرعد : الآية ٤٣ .


كل شيء ، وإما القرآن الكريم الذي يصرح بأنه (( تِبْيَاناً لِكُلّ شَيْ‏ءٍ ) (١) ،( وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) )(٢) وإذا انحصر الكتاب بالقرآن الكريم ، فمن عنده علم الكتاب هو العالم العارف بكليات القرآن الكريم وجزئياته وإذا كان الذي عنده علم من الكتاب قادراً على إحضار عرش بلقيس ملكة سبأ قبل أن يرتدّ إلى سليمانعليه‌السلام طرفه ، فان الذي عنده علم الكتاب ( وهو الإمام ) قادر على الإحاطة العلمية الكاملة بقضايا التشريع والتكوين .

٥ ـ العصمة من لوازم الإمامة : العصمة هي ملكة روحية تصون صاحبها عن الخطأ والنسيان ، والجهل والعصيان وبتعبير آخر فإن الإمام يجب أن يكون معصوماً عن ارتكاب المخالفات الشرعية أو ارتكاب الأعمال التي يستقبحها العقل ، بصورة كلية أو جزئية ، عمداً أو سهواً ، ومن الصبا المبكر وحتى الممات .

فالمعصوم ينبغي ان لا يخالف التكاليف الشرعية ، مع قدرته عليها ، لعدّة اسباب :

الأول : ان الهدف من الإمامة هو حفظ الشريعة فلابد أن يكون الإمام حافظاً للدين ومن أجل تحقيق ذلك لابد ان يكون معصوماً أي لابد أن لا يخطأ ولا ينسى ولا يجهل أمور الدين ، وان لا يرتكب المعصية الشرعية أو العقلية وهو قادر عليها ولا يمكن ان تكون العصمة في الدين متجزأة ، أي لا يمكن ان يكون له فهم في أمور ، وجهل في أمور اخرى بل لابد ان تكون العصمة تامة كاملة وشاملة لجميع موارد الدين بما فيها الاعتقادات والعبادات .

الثاني : ان الحاجة من وجود الإمامة هو عدم تفويت المصالح على العباد أي ان الإمام المعصوم يمنع الظلم وينتصف للمظلوم ، ويرفع الفساد ، ويحمل الناس على الطاعة ، ويمنعهم عن ارتكاب الفواحش والمنكرات ، ويحسم مادة الفتن ، ويقيم الحدود والفرائض ولو جازت المعصية من إنسان من هذا القبيل لانتفت المصلحة من وجوده .

ــــــــــــــــ

(١) سورة النحل : الآية ٨٩ .

(٢) سورة الانعام : الآية ٥٩ .


وغير المعصوم يمكن ان يرتكب المعصية فلا تحصل الفائدة وغير المعصوم تصدر منه الصغائر التي لا تنافي العدالة ، ولا تحصل الفائدة من وجوده لأنه يحتاج عندئذٍ إلى إمام آخر لا يرتكب الصغائر والإمام الذي يخطأ يحتاج إلى إمام آخر يمنعه عن ارتكاب الاخطاء وحتى لو كان معذوراً فإن العذر لا يصحح تفويت تلك المصالح على العباد .

وبذلك نستنتج بأن الإمام ينبغي أن يكون معصوماً عصمة تامة ، حتى تحرز العدالة الواقعية من أفعاله وأقواله ويؤيدها قوله تعالى : ( (( وَإِذِ ابْتَلَى‏ إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ قَالَ إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ) )(١) . وهي صريحة في ان الولاية أو الإمامة لا ينالها الظام والمعصية مهما كان حجمها لاتتعدى كونها أحد أنواع الظلم الثلاثة ، وهي : ظلم بحق الله تعالى ، أو ظلم بحق الناس ، أو ظلم بحق النفس وكلّها تعدّ تعدياً لحدود الله ، وقد قال تعالى :( وَمَن يَتَعَدّ حُدُودَ اللّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُون ) (٢)

قال السيوطي في الدر المنثور في تفسير الآية الآنفة الذكر : ( قال ابن عباس : لا ينال عهده من هو في رتبة ظالم ولا ينبغي ان يوليه شيئاً من أمره وعن مجاهد : ان المعنى هو أن لا أجعل إماماً ظالماً يقتدى به)

الثالث : هناك إحتمال بأن يخالف غير المعصوم الحق عمداً أو خطأ فيلزم عندئذٍ الخروج عن طاعته والإنكار عليه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإذا تمّ ذلك كان خلاف الهدف الذي تم فيه نصب الإمام وقد قال تعالى( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) (٣) والآية صريحة في وجوب طاعة أولي الأمر على الإطلاق كوجوب طاعته عزّ وجلّ وطاعة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهذا لا يتحقق إلاّ بالعصمة ، لأن غير المعصوم قد يأمر بالمعصية خطأ أو نسياناً أو جهلاً ، وعندئذٍ يجب مخالفته بينما أوجبت الآية طاعته فعندئذ يقع التناقض بين وجوب الطاعة للولي وحرمة الطاعة في معصية الله عزّ وجلّ وهذا مستحيل بحق القرآن .

ــــــــــــــــ

(١) سورة البقرة : الآية ١٢٤ .

(٢) سورة البقرة : الآية ٢٢٩ .

(٣) سورة النساء : الآية ٥٩ .


الرابع : ان الإمام هو مثل أعلى للناس ، فإذا لم يكن معصوماً وصدرت منه المعصية أحياناً ، ولو كانت من الصغائر ، اصبح مورداً لعدم الاطمئنان به وبقيادته لأن الصغيرة من الإمام أقبح من الكبيرة من عموم الناس فهنا يسقط من القلوب ولا تنقاد الناس إلى إمامته قال تعالى في خطابه إلى نساء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( مَن يَأْتِ مِنكُنّ بِفَاحِشَةٍ مّبَيّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً ) (١) .

الإمام المنصوص عليه :

إجمالاً ، إذا كانت الإمامة هي رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا(٢) ، والتقدم في ما يقتضي طاعة صاحبه والإقتداء به في ما تقدم به(٣) ، والتقدم لأمر الجماعة(٤) ، فإن الإمام ينبغي ان يكون منصوصاً

ــــــــــــــــ

(١) سورة الأحزاب : الآية ٣٠ .

(٢) شرح المواقف للجرجاني ج٨ ص ٣٤٥ .

(٣) الإفصاح للشيخ المفيد ص ٢٧ .

(٤) الحدود والحقائق للقاضي الآبي ( من متكلمي الإمامية ) ص ١٥ رقم ١٦ .


عليه من قبل الله تعالى لأن العلم بتحقق شروط الإمامة لإنسان ما لم يكون إلا عند علامّ الغيوب وهو الله عزوجل ومنزلتها كمنزلة النبوة ، إلا ان النبوة مرتبطة مباشرة بالوحي والدليل على ذلك على قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي بن ابي طالبعليه‌السلام : ( أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا انه لا نبي بعدي)(١)

ويمكننا تصور شخصية الإمامعليه‌السلام عبر هذه القطعة الأدبية الشارحة لطبيعة الإصطفاء الرباني له :

( الحمد لله الذي نزه اوليائه عن دار الغرور ، وسما بهم الى أنوار السرور ، ولم يفعل ذلك بهم محاباة لهم على الخلائق ، ولا إلجاء لهم إلى جميل الطرائق ، بل عرف منهم قبولاً للألطاف ، واستحقاقاً لمحاسن الأوصاف ، فلم يرض لهم التعلق بحبال الإهمال ، بل وفقهم للتخلق بكمال الأعمال ، حتى فرغت نفوسهم عمن سواه ، وعرفت أرواحهم شرف رضاه ، فصرفواو أعناق قلوبهم إلى ظله ، وعطفوا آمالهم نحو كرمه وفضله .

فترى لديهم فرحة المصدق بدار بقائه ، وتنظر إليهم مسحة المشفق من أخطار لقائه ، ولا تزال أشواقهم متضاعفة إلى ما قرب من مراده ، وأريحيتهم مترادفة نحو إصداره وإيراده ، وأسماعهم مصغية إلى

ــــــــــــــــ

(١) وهو من الأحاديث المتواتره رواه البخاري في صحيحه ج ٤ ص ٢٠٨ ومسلم في صحيحه ج ٢ ص ٣٦٠ وأحمد في مسنده ج ١ ص ١٧٣ .


استماع أسراره وقلوبهم مستبشرة بحلاوة تذكاره ، فحباهم منه بقدر ذلك التصديق ، وحباهم من لدنه حباء البر الشفيق فما أصغر عندهم كل ما أشغل عن جلاله ، وما أتركهم لكل ما باعد من وصاله ، حتى أنهم يتمتعون بأنس ذلك الكرم والكمال ، ويكسوهم أبداً حلل المهابة والجلال ، فإذا عرفوا أن حياتهم مانعة عن متابعة مرامه ، وبقائهم حائل بينهم وبين إكرامه ، خلعوا أثواب البقاء ، وقرعوا أبواب اللقاء ، وتلذذوا في طلب ذلك النجاح ، ببذل النفوس والأرواح ، وعرضوها لخطر السيوف والرماح )(١)

ونستنتج مما سبق أن للإمام المنصوص عليه لياقات أخرى إضافية ، وهي :

١ ـ قبول الألطاف الإلهية أي الرضا بما يقسم الله عزّ وجلّ من نعم أو إبتلاءات دنيوية .

٢ ـ التوفيق لكمال الأعمال ، أي التوفيق لأداء حق الله تبارك وتعالى كاملاً في الطاعة وعدم المعصية ، وأداء حقوق العباد .

٣ ـ الإشغال بقرب المراد وهو التسامي في مراتب العبادة ، والإشتغال بالله تعالى وحده أي تفريغ النفس من كل ما يتعلق بشواغل الحياة الدنيوية ، من مال أو جاه ، أو ولد أو زوجة ، أو حزن أو فرح ، أو شوق لغيره تعالى .

ــــــــــــــــ

(١) ابن طاووس في اللهوف ص ٥ ـ ٦ .


٤ ـ الإستعداد لقرع باب اللقاء في أية لحظة أي تحقيق حالة عقلية مستعدة للموت في سبيل الله وبذلك نعلم ان المعصومعليه‌السلام هو أشجع الناس لأن الشجاعة العقلية أو الإستعداد النفسي والعقلي للموت أعظم من الشجاعة الجسدية المجردة عند الإنسان .

النص الخاص على إمامة زين العابدينعليه‌السلام

والنص على زين العابدينعليه‌السلام بالإمامة يمكن استقراؤه بطريقين :

الأول : الأخبار الواردة في الأئمة الإثنى عشر عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهي :

١ ـ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ( الأئمة من بعدي أثنا عشر أولهم أنت يا علي وآخرهم القائم الذي يفتح الله تعالى ذكره على يديه مشارق الأرض ومغاربها((١) .

٢ ـ وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيضاً انه قال : ( إذا اختلفت الأهواء وتفرقت الآراء فعليك بعلي بن أبي طالب فإنه إمام أمتي وخليفتي عليهم من بعدي وان منه إمامي أمتي وسيديّ شباب أهل الجنّة

ــــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار ج ٣٦ ص ٢٢٦ .


الحسن والحسين وتسعة من ولد الحسينعليه‌السلام تاسعهم قائم أمتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً )(١)

٣ ـ في ليلة وفاتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، دعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علياًعليه‌السلام وقال له : ( يا أبا الحسن إحضر صحيفة ودواة ) ثم أملىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصيته حتى انتهى إلى بيان الخلفاء من بعده ، فقال : ( يا علي سيكون بعدي اثنا عشر إماماً فأنت يا علي أولهم ، سمّاك الله في سمائه علياً المرتضى وأمير المؤمنين والصدّيق الأكبر والفاروق الأعظم والمأمون ، فلا تصلح هذه الأسماء لأحدٍ غيرك ...

وأنت خليفتي على أمتي من بعدي ، فإذا حضرتك الوفاة فسلّمها إلى ابني الحسن البرّ الوصول فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابني الحسين الشهيد الزكي المقتول فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه علي سيد العابدين ذي الثفنات فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى انبه محمد باقر العلم فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه جعفر الصادق فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه موسى الكاظم فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه الرضا فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه محمد الثقة التقي فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه علي

ــــــــــــــــ

(١) المصدر السابق .


الناصح فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى انبه الحسن الفاضل فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه محمد المستحفظ من آل محمد )(١)

الثاني : الروايات التي وردت في إمامة علي بن الحسينعليه‌السلام خاصة ، وقد ذكرنا قسماً منها في الفصل الأول ولكن الإستدلال يحتم علينا ذكرها هنا أيضاً ، وهي :

١ ـ عن الزهري قال : ( كنا عند جابر فدخل عليه علي بن الحسينعليه‌السلام ، فقال : كنت عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فدخل عليه الحسين بن عليعليه‌السلام فضمّه إلى صدره وقبلّه وأقعهده إلى جنبه ثم قال : يولد لإبني هذا ابن يقال له علي ، إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ من بطنان العرش : ليقم سيد العابدين فيقوم هو )(٢)

٢ ـ عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : ( ان الحسين بن عليعليه‌السلام لما حضره الذي حضره دعا ابنته الكبرى فاطمة بنت الحسينعليه‌السلام فدفع إليها كتاباً ملفوفاً ووصية ظاهرةً وكان علي بن الحسين مبطوناً(٣) معهم لا يرون إلا ما ألّم به ، فدفعت فاطمة الكتاب إلى علي بن الحسينعليه‌السلام ثم صار والله ذلك الكتاب إلينا يا زياد ! قال : قلت : ما في ذلك الكتاب جعلني الله فداك ؟ قال : فيه والله ما يحتاج إليه ولد آدم منذ

ــــــــــــــــ

(١) الغيبة للطوسي ص ١٠٥ ، ومختصر البصائر ص ٣٩ ط النجف .

(٢) كفاية الطالب للكنجي ص ٤٤٨ .

(٣) المبطون : عليل البطن .


خلق الله آدم إلى أن تفنى الدنيا والله إن فيه الحدود حتى أن فيه أرش الخدش ((١) .

٣ ـ عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال : ( ان الحسين صلوات الله عليه لما صار إلى العراق استودع أم سلمة رضي الله عنها الكتب والوصية ، فلما رجع علي بن الحسينعليه‌السلام دفعتها إليه )(٢)

٤ ـ روى المجلسي بإسناده عن محمد بن مسلم قال : ( سألت الصادق جعفر بن محمدعليه‌السلام عن خاتم الحسين بن عليعليه‌السلام إلى من صار ، وذكرت له اني سمعت أنه أخذ من اصبعه فيما أخذ قالعليه‌السلام : ليس كما قالوا ، ان الحسين أوصى إلى ابنه علي بن الحسينعليه‌السلام وجعل خاتمه في اصبعه وفوّض إليه أمره كما فعله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأمير المؤمنينعليه‌السلام ، وفعله أمير المؤمنين بالحسينعليه‌السلام ، وفعله الحسن بالحسينعليه‌السلام ، ثم صار ذلك الخاتم إلى أبي بعد أبيه ، ومنه صار إلي فهو عندي وإني لألبسه كل جمعة وأصلي فيه ) قال محمد بن مسلم : فدخلت إليه يوم الجمعة وهو يصلي فلما فرغ من الصلاة مدّ إلي يده ، فرأيت في إصبعه خاتماً نقشه لا إله إلاّ الله عدّة للقاء الله فقال : هذا خاتم جدي أبي عبد الله الحسين بن علي )(٣)

ــــــــــــــــ

(١) الكافي ـ باب الإشارة والنص على علي بن الحسينعليه‌السلام ج ١ ص ٢٤١ .

(٢) المصدر السابق ج ١ ص ٢٤٢ .

(٣) بحار الأنوار ج ٤٦ ص ١٧ .


صفات الأئمةعليه‌السلام

وكان الإمام زين العابدينعليه‌السلام ينبّه الأمة ويرشدها إلى فكرة الإمامة وصفات الإمامعليه‌السلام

١ ـ قالعليه‌السلام بخصوص وصف أئمة أهل البيتعليه‌السلام : ( نحن أئمة المسلمين ، وحجج الله على العالمين ، وسادة المؤمنين ، وقادة الغرّ المحجلين ، وموالي المؤمنين ، ونحن أمان أهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء ، وبنا السماء أن تقع على الأرض إلا بأذنه ، وبنا يمسك الأرض أن تميد بأهلها ، ولم تخل الأرض منذ خلق الأرض من حجة لله مشهور أو غائب مستور ، ولا تخلو الأرض إلى أن تقوم الساعة من حجة لله فيها ، ولو لا ذلك لم يعبد الله ) فقيل له : كيف ينتفع الناس بالغائب المستور ؟ فقالعليه‌السلام : ( كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب )(١)

٢ ـ وبخصوص الدعاء لهمعليه‌السلام ، قال : ( ربّ صلّ على أطايب أهل بيتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذين اخترتهم لأمرك ، وجعلتهم خزنة علمك ، وحفظة دينك ، وخلفاءك في أرضك ، وحججك على عبادك ، وطهرتهم من الرجس والدنس تطهيراً بإرادتك ، وجعلتهم الوسيلة إليك ، والمسلك إلى جنتك ربّ صلّ على محمدٍ وآله صلاةً تجزل لهم بها من تحفك

ــــــــــــــــ

(١) أمالي الصدوق ص ١١٢ .


وكرامتك ، وتكمل لهم الأشياء من عطاياك ونوافلك(١) ، وتوّفر عليهم الحظّ من عوائدك وفوائدك ربّ صلّ عليه وعليهم صلاةً لا أمد في أولها ، ولا غاية لأمدها ، ولا نهاية لآخرها ربّ صلّ عليهم زنة عرشك وما دونه ، وملء سمواتك وما فوقهنّ ، وعدد أراضيك وما تحتهنّ وما بينهنّ ، صلاةً تقربهم منك زلفى ، وتكون لك ولهم رضى ، ومتصلة بنظائرهن أبداً )(٢)

٣ ـ ( نحن خلفاء الأرض ، ونحن أولى الناس بالله ، ونحن المخصوصون في كتاب الله ، ونحن أولى الناس بالله ، ونحن الذين شرع الله لنا دينه ، فقال : (( شَرَعَ لَكُم مِنَ الدّينِ مَا وَصّى‏ بِهِ نُوحاً وَالّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى‏ وَعِيسَى‏ أَنْ أَقِيمُوا الدّينَ وَلَا تَتَفَرّقُوا فِيهِ ) ...)(٣) فقد علمنا ، وبلّغنا واستودعنا علمهم ، ونحن ورثة الأنبياء ، ونحن ذرية أولي العلم ، أن أقيموا الدين بآل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا تتفرقوا فيه )(٤)

٤ ـ وبخصوص وجوب طاعة الإمام : ( اللهم إنك أيدت دينك في كل أوان بإمام أقمته علماً لعبادك ، ومناراً في بلادك(٥) ، بعد أن وصلت

ــــــــــــــــ

(١) الناقلة : العطية الفاضلة .

(٢) الصحيفة السجادية الدعاء السابع والأربعون ص ٢٠٨ .

(٣) سورة الشورى : الآية ١٣ .

(٤) ناسخ التواريخ ج ٢ ص ٤٩ .

(٥) المتار : موضع يوضع عليه المصباح ليلاً ليراه المار بالطريق فيعرف موضعه منه .


حبله بحبلك ، وجعلته الذريعة إلى رضوانك ، وافترضت طاعته ، وحذّرت معصيته ، وأمرت بامتثال أوامره ، والانتهاء عند نهيه ، وألاّ يتقدمه متقدمٌ ، ولا يتأخر عنه متأخرٌ ، فهو عصمة اللائذين ، وكهف المؤمنين ، وعروة المستمسكين ، وبهاء العالمين .

اللهم فأوزع لوليّك(١) شكر ما أنعمت به عليه ، وأوزعنا مثله فيه ، وآته من لدنك سلطاناً نصيراً ، وافتح له فتحاً يسيراً ، وأعنه بركنك الأعزّ ، وأشدد أزره ، وقوّ عضده ، وراعه بعينك ، واحمه بحفظك ، وانصره بملائكتك ، وأمدده بجندك الأغلب ، وأقم به كتابك ، وحدودك وشرائعك ، وسنن رسولك صلواتك اللهم عليه وآله ، وأحي به ما أماته الظالمون من معالم دينك وأجل به صدأ الجور عن طريقتك ، وأبن به الضراء من سبيلك ، وأزل به الناكبين عن صراطك ، وامحق به بغاة قصدك عوجاً ، وألن جانبه لأوليائك ، وابسط يده على أعدائك ، وهب لنا رأفته ورحمته وتعطفه وتحننه ، واجعلنا له سامعين مطيعين ، وفي رضاه ساعين ، وإلى نصرته والمدافعة

ــــــــــــــــ

(١) وهو كناية عن الإمام المهدي (عج) كما في شرح الصحيفة وقال مصنف ) مكيال المكارم ) أن المراد بالولي في ألسنتهم ودعواتهم عليهم السلام هو الإمام صاحب العصر والزمان المهدي عجل الله فرجه .


عنه مكنفين وإليك وإلى رسولك صلواتك اللهم عليه وآله بذلك متقربين )(١)

الأفضلية

تقتضي الإمامة المطلقة ان يكون الإمام المعصوم أفضل الناس في زمانه وأكملهم من ناحية الفضائل الإنسانية والكمالات ذلك أن الإمامة الحقة رئاسة ربانية ، ويقبح عقلاً جعلها لمن هو مفضول فكيف يكون المفضول قائداً للفاضل ؟ لا يمكن ذلك وقد قال تعالى : (( أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقّ أَحَقّ أَن يُتّبَعَ أَمْ مَن لاَ يَهِدّي إِلّا أَن يُهْدَى‏ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (٢) (، و( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنّمَا يَتَذَكّرُ أُولُوا الْأَلْبَابِ ) (٣) .

وغاية الإمامة هي سوق العالم إلى الكمال المطلق والصلاح الدائم وتحصيل سعادة الدارين .

والإمام زين العابدينعليه‌السلام كان يجمع صفات الفضائل البشرية والكمالات ، فقد كانعليه‌السلام معصوماً ، أعلم الناس في زمانه بشريعة المصطفى محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأحرص الناس على هدايتهم ،

ــــــــــــــــ

(١) الصحيفة السجادية : الدعاء السابع والأربعون ص ٢٠٩ .

(٢) سورة يونس : الآية ٣٥ .

(٣) سورة الزمر : الآية ٩ .


وأحفظهم على رعاية شؤون الأمة ، وأرقبهم لحقوق الرعية ، وأعرفهم بالسياسة الشرعية .

يقول الشيخ المفيد ( ت ٤١٣ هـ ) : كان الإمام علي بن الحسين أفضل خلق الله بعد أبيه علماً وعملاً فهو أولى بأبيه وأحق بمقامه من بعده بالفضل والنسب والأولى بالإمام الماضي أحقّ بمقامه من غيره(١)

ولو أخذنا بقول سعيد بن المسيب ، من علماء المدينة المعاصر للإمامعليه‌السلام ( ، دليلاً على أفضلية الإمام السجادعليه‌السلام كفى قال : ( ما رأيت أفضل من علي بن الحسين ، وما رأيته قط إلاّ مقت نفسي )(٣) ، و( ما رأيت أورع منه )(٤)

والزهري ، وهو فقيه بني أمية على الحجاز والشام ، يقول : ( لم أدرك في أهل البيت رجلاً كان أفضل من علي بن الحسين )(٥)

وزيد بن أسلم ، من مفسري القرآن ، يقول : ( ما رأيت مثل علي بن الحسين فهماً حافظاً )(٦)

ــــــــــــــــ

(١) الإرشاد للشيخ المفيد .

(٢) توقف العلماء المتأخرين في قدحه أو مدحه كما سيأتي في محله .

(٣) تأريخ اليعقوبي ج ٣ ص ٤٦ .

(٤) العبر في خير من غبر ج ١ ص ١١١ .

(٥) شذرات الذهب ج ١ ص ١٠٥ .

(٦) طبقات الفقهاء ج ٢ ص ٣٤ .


ويشير الذهبي إلى انهعليه‌السلام كان : ( أهلاً للإمامة العظمى لشرفه وسؤدده وعلمه وتألهه وكمال عقله )(١) ويشير اليعقوبي إلى انهعليه‌السلام كان : ( أفضل الناس وأشدهم عبادة )(٢) .

وهذه النعاذج تكفي للتدليل على أفضليتهعليه‌السلام في العلم والورع والتقوى في زمانه والأفضل ـ بموجب نظرية الإمامة ـ ينبغي أن يكون قائداً وإماماً للمفضول .

وقد وصفه علي بن عيسى بن أبي الفتح الأربلي ( ت ٦٩٣ هـ ) وصفاً جامعاً مانعاً رائعاً ، فقال : ( مناقب الإمام علي بن الحسين تكثر النجوم عدداً ، ويجري واصفها إلى حيث لا مدى ، وتلوح في سماء المناقب كالنجوم لمن بها اهتدى ، وكيف لا وهو يفوق العالمين إذا عدا علياً وفاطمة والحسن والحسين ومحمداً ، وهذا تقديم لسجعٍ في الطبع فلا تكن متردداً ، ومتى أعطيت الفكر حقه وجدت ما شئت فخاراً وسؤدداً ، فإنه الإمام الرباني ، والهيكل النوراني ، بدل الأبدال ، وزاهد الزهاد ، وقطب الأقطاب ، وعابد العباد ، ونور مشكاة الرسالة ، ونقطة دايرة الإمامة ، وابن الخيرتين ، والكريم الطرفين ، قرار القلب ، وقرة العين علي بن الحسين ، وما أدراك ما علي بن الحسين ؟!! الأواه الأواب ، العامل بالسنّة والكتاب ،

ــــــــــــــــ

(١) سير أعلام النبلاء ج ٤ ص ٢٤٠ .

(٢) تاريخ اليعقوبي ج ٣ ص ٤٦ .


الناطق بالصواب ، ملازم المحراب ، المؤثر على نفسه المرتفع في درجات المعارف ، فيومه يفوق على أمسه ، المتفرد بمعارفه ، الذي فضّل على الخلائق بتليده وطارفه ، وحكم في الشرف فتسنم ذروته ، وخطر في مطارفه وأعجز بما حواه من طيب المولد ، وكريم المحتد ، وذكاء الأرومة ، وطهارة الجرثومة ، عجز عنه لسان واصفه ، وتفرد في خلواته بمناجاته ، فتعجبت الملائكة من مواقفه ، وأجرى مواضعه خوف ربه ، فأربى على هامي الصوب وواكفه(١)

فانظر أيّدك الله في أخباره ، والمح بعين الاعتبار عجائب آثاره ، وفكّر في زهده وتعبده وخشوعه ، وتهجده ودؤوبة في صلاته ، وأدعيته في أوقات مناجاته ، واستمراره على ملازمة عبادته ، وإيثاره وصدقاته ، وعطاياه وصلاته ، وتوسلاته التي تدلّ على فصاحته وبلاغته على خشوعه لربه ، وضراعته ووقوفه موقف العصاة مع شدة طاعته واعترافه بالذنوب على براءة ساحته ، وبكائه ونحيبه ، وخفوق قلبه من خشية الله ، ووجيبه وانتصابه وقد أرخى الليل سدوله ، وجرّ على الأرض ذيوله ، مناجياً ربه تقدست أسماؤه ، مخاطباً له تعالى ، ملازماً بابه عزّ وجلّ ، مصوّراً نفسه بين يديه ، معرضاً عن كل شيء ، مقبلاً عليه ، قد انسلخ من الدنيا الدنية ، وتعرّى من الجثة البشرية ، فجسمه ساجد في الثرى وروحه متعلقة بالملأ الأعلى ، يتململ إذا

ــــــــــــــــ

(١) الصوب : المطر والواكف : المطر الذي يسيل قليلاً قليلاً .


مرت به آية من آيات الوعيد حتى كأنه المقصود بها ، وهو عنها بعيد ، تجد أموراً عجيبة وأحوالاً غريبة ، ونفساً من الله سبحانه قريبة ، وتعلم يقيناً لاشك فيه ولا ارتياب ، وتعرف معرفة من قد كشف له الحجاب ، وفتحت له الأبواب ، ان هذه الثمرة من تلك الشجرة ، كما ان الواحد جزء من العشرة ، وان هذه النطفة العذبة من ذلك المعين الكريم ، وان هذا الحديث من ذلك القديم ، وان هذه الدرة من ذلك البحر الزاخر ، وان هذا النجم من ذلك القمر الباهر ، وان هذا الفرع النابت من ذلك الأصل الثابت ، وان هذه النتيجة من هذه المقدمة ، وان خليفة محمد وعلي والحسن والحسين وفاطمة المكرمة المعظمة هذا أصله الطاهر )(١)

وكانت له من صفات الكمال ما يمكن استقراؤها من صحائف التأريخ ، عبر الوريقات القادمة .

الأفضلية في العلم

تميّز الإمام زين العابدينعليه‌السلام بذهنٍ متقدٍ ، وعلمٍ جمّ ، وقدرة عقلية إلهامية أكثر منها إكتسابية وقد ألمحنا سابقاً إلى ان من شروط الإمامة : العلم اللدني ، أي العلم المفاض من قبل الله تبارك

ــــــــــــــــ

(١) كشف الغمة في معرفة أحوال الأئمةعليه‌السلام ـ الأربلي ترجمة علي بن الحسينعليه‌السلام .


وتعالى على الإمامعليه‌السلام وقد أشار الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام إلى ذلك فقال : ( اعطاه الله علمه واستودعه سره وأحيى به مناهج سبله وفرائضه وحدوده ، فقام بالعدل عند تحير أهل الجهل )(١)

ولذلك اشتهر بين الناس في زمانه أنهعليه‌السلام كان أوسع الناس علماً وكان عنده من العلماء والرواة الذين رووا عنه من العلوم ما لا يحصى(٢) ومن أجل إدراك شخصيته العلمية ، لابد من عرض نماذج له في التفسير والحديث والفقه والكلام .

أ ـ القرآن الكريم :

وكان من حبه وشغفه بالقرآن الكريم أنه قال : (لو مات ما بين المشرق والمغرب لما استوحشت بعد ان يكون القرآن معي )(٣)

ولم يقتصر انشغاله بالقرآن على حفظه وتفسيره والتدبر في معانيه ، بل كانعليه‌السلام من أحسن الناس صوتأً في تلاوته ، وكان السقائون الذين يمرون ببابه يقفون لاستماع صوته(٤) ولا عجب ، وهو العارف بالقرآن الكريم ، ان يدعو الناس إلى التدبر في معانيه ، فيقول : ( آيات

ــــــــــــــــ

(١) غيبة النعماني ص ١٢٠ .

(٢) خلاصة تهذيب الكمال ص ٢٣ أقول : أحصى علماء الرجال من رواته وتلامذته أكثر من مائة وسبعين راوياً والذين فقدت اسماؤهم أكثر .

(٣) بحار الأنوار ج ٤٦ ص ١٠٧ .

(٤) أصول الكافي ج ٢ ص ٦١٦ .


القرآن خزائن كلما فتحت خزانةً ينبغي لك أن تنظر ما فيها ) وكان اهتمامهعليه‌السلام بالقرآن منصّباً على أمرين الأول : التأكيد على أهمية القرآن الكريم للمسلمين والثاني : تفسير آيات الكتاب المجيد وشرحها .

أولاً : أهمية القرآن :

تنبع أهمية القرآن الكريم من كونه كلام الله المجيد ، الذي يخاطب فيه المولى عزّ وجلّ عقل المسلم وضميره وروحه فهو مصباح هداية ، ووسيلة لمنازل الشرف في الآخرة ، وسبباً لحظّ الذنوب ، وشفيه يرتضيه الله تبارك وتعالى لغفران زلات المذنبين وعلى ضوء ذلك ، كان الإمام زين العابدينعليه‌السلام حريصاً على تبيين أهمية القرآن في حياة الإنسان ، عن طريق الدعاء والمناجاة ، أو الإرشاد والموعظة :

١ ـ يقولعليه‌السلام في فضل القرآن : ( اللهم صلّ على محمد وآله ، واجبر بالقرآن خلّتنا من عدم الاملاق(١) ، وسق إلينا به رغد العيش ، ، وخصب سعة الأرزاق ، وجّنبنا به الضرائب(٢) المذمومة ، ومداني الاخلاق(٣) ، واعصمنا به من هوّة الكفر ، ودواعي النفاق ،

ــــــــــــــــ

(١) الاملاق : الفقر .

(٢) الضرائب : جمع ضريبة بمعنى الطبيعة .

(٣) مداني الأخلاق : الأخلاق الدنيئة .


حتى يكون لنا في القيامة إلى رضوانك وجنانك قائداً ، ولنا في الدنيا عن سخطك وتعدّي حدودك ذائداً ، ولما عندك بتحليل حلاله وتحريم حرامه شاهداً .

اللهم صلّ على محمدٍ وآله ، وهوّن بالقرآن عند الموت على أنفسنا كرب السياق(١) وجهد الأنين ، وترادف الحشارج(٢) إذا بلغت النفوس التراقي(٣) وقيل من راق ، وتجلّى ملك الموت ليقبضها من حجب الغيوب ، ورماها عن قوس المنايا بأسهم وحشة الفراق ، وداف لها من ذعاف الموت(٤) كأساً مسمومة المذاق ، ودنا منّا إلى الآخرة رحيلٌ وانطلاقٌ ، وصارت الأعمال قلائد في الأعناق ، وكانت القبور هي المأوى إلى ميقات يوم التلاق .

اللهم صلّ على محمد وآله ، وبارك لنا في حلول دار البلى ، وطول المقامه بين أطباق الثرى ، واجعل القبور بعد فراق الدنيا خير منازلنا ، وافسح لنا برحمتك في ضيق ملاحدنا ، ولا تفضحنا في حاضري القيامة بموبقات آثامنا ، وارحم بالقرآن في موقف العرض عليك ذل مقامنا ، وثبّت به عند اضطراب جسر جهنم يوم المجاز

ــــــــــــــــ

(١) كرب السياق : حالة المحتضر عند الموت .

(٢) الحشارج : جمع حشرجة ، وهي الغرغرة عند الموت .

(٣) الترافي : جمع ترقوة وهي العظم المحيط بالرقية .

(٤) زعاف الموت : خالصه .


عليها زلل أقدامنا ، ونور به قبل البعث سدف قبورنا(١) ، ونجّنا به من كل كرب يوم القيامة ، وشدائد أهوال يوم الطامة ، وبيّض وجوهنا يوم تسودّ وجوه الظلمة في يوم الحسرة والندامة ، واجعل لنا في صدور المؤمنين ودّاً ، ولا تجعل الحياة علينا نكداً )(٢) .

٢ ـ ويقولعليه‌السلام في كون القرآن وسيلة إلى الشرف المنازل : ( اللهم صلّ على محمدٍ وآله ، واجعلنا ممن يعتصم بحبله ، ويأوي من المتشابهات إلى حرز معقله ، ويسكن في ظلّ جناحه ، ويهتدي بضوء صاحبه ، ويقتدي بتبلّج أسفاره ، ويستصبح بمصباحه ، ولا يلتمس الهدى في غيره اللهم وكما نصبت به محمداً علماً للدلالة عليك ، وأنهجت بآله سبل الرضا إليك ، فصلّ على محمدٍ وآله ، واجعل القرآن وسيلةً لنا إلى أشرف منازل الكرامة ، وسلّماً نعرج فيه إلى محلٌ السلامة ، وسبباً نجزى به النجاة في عرصة القيامة ، وذريعةً نقدم بها على نعيم دار المقامة .

اللهم صلّ على محمد وآله ، واحطط بالقرآن عنا ثقل الأوزار ، وهب لنا حسن شمائل الأبرار ، واقف بنا آثار الذين قاموا لك اناء الليل وأطراف النهار ، حتى تطهّرنا من كل دنسٍ بتطهيره ، وتقفوا بنا آثار الذين استضاؤوا بنوره ، ولم يلههم الأمل عن العمل ،

ــــــــــــــــ

(١) سدف قبورنا : ظلمة قبورنا .

(٢) الصحيفة السجادية ـ الدعاء الثاني والأربعون ص ١٧٤ .


فيقطعهم بخدع غروره اللهم صلّ على محمدٍ وآله ، واجعل القرآن لنا في ظلم الليالي مؤنساً ، ومن نزغات الشيطان(١) وخطرات الوساوس حارساً ولأقدامنا عن نقلها إلى المعاصي حابساً ، ولألسنتنا عن الخوض في الباطل من غير آفةٍ مخرساً ، ولجوارحنا عن اقتراف الآثام زاجراً ، ولما طوت الغفلة عنا من تصفّح الاعتبار ناشراً ، حتى توصل إلى قلوبنا فهم عجائبه ، وزواجر أمثاله التي ضعفت الجبال الرواسي على صلابتها عن احتماله .

اللهم صلّ على محمدٍ وآله ، وادم بالقرآن صلاح ظاهرنا ، واحجب به خطرات الوساوس عن صحة ضمائرنا ، واغسل به درن قلوبنا ، وعلائق أوزارنا ، واجمع به منتشر أمورنا ، وأرو به في موقف العرض عليك ظمأ هواجرنا ، واكسنا به حلل الأمان يوم الفزع الأكبر في نشورنا )(٢)

٣ ـ وفي دعائه بعد ختم القرآن يقولعليه‌السلام : ( اللّهم فإذا أفدتنا المعونة على تلاوته ، وسهلّت جواسي ألسنتنا(٣) بحسن عبادته ، فاجعلنا ممن يرعاه حقّ رعايته ، ويدين لك باعتقاد التسليم لمحكم آياته ، ويفزع إلى الإقرار بمتشابهه ، وموضحات بيناته اللّهم إنك أنزلته على نبيك

ــــــــــــــــ

(١) نزغات الشيطان : جمع نزغة ، وهي الوسوسة .

(٢) الصحيفة السجادية ـ الدعاء الثاني والأربعون ص ١٧٣ .

(٣) جواسي : جمع جاسية وهي الغليظة والمراد غلاظ الألسنة .


محمدٍصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مجملاً ، وألهمته علم عجائبه مكمّلاً ، وورثتنا علمه مفسّراً ، وفضلّتنا على من جهل علمه ، وقوّيتنا عليه لترفعنا فوق من لم يطقّ حمله .

اللّهم فكما جعلت قلوبنا له حملةً ، وعرّفتنا برحمتك شرفه وفضله ، فصلّ على محمدٍ الخطيب به ، وعلى آله الخزّان له ، واجعلنا ممن يعترف بأنه من عندك حتى لا يعارضنا الشكّ في تصديقه ، ولا يختلجنا الزيغ عن قصد طريقه )(١)

٤ ـ الحال المرتحل : قيل لهعليه‌السلام أي الأعمال أفضل ؟ قالعليه‌السلام : ( الحال المرتحل ) فقيل له : وما ذاك ؟ قالعليه‌السلام : ( هو فتح القرآن وختمه فانه كلما جاء بأوله أرتحل بآخره ولقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من أعطاه الله القرآ، فرأى ان رجلاً أعطي أفضل مما أعطاه الله فقد صغّر عظيماً وعظّم صغيراً )(٢)

ثانياً : تفسير القرآن :

ولم يقتصر إهتمام الإمام السجادعليه‌السلام بالقرآن الكريم بحفظه أو تلاوته فحسب ، بل تعدى إلى فهم شامل لمعاني الكتاب السماوي ذلك لأن في آيات القرآن : المحكم والمتشابه ، والظاهر والباطن ،

ــــــــــــــــ

(١) الصحيفة السجادية ص ١٧٢ .

(٢) الكافي على هامش مرآة العقول ج ٢ ص ٥٣٠ .


والمطلق والمقيد ، والناسخ والمنسوخ ولا يمكن ان يتجرأ أحدٌ على تفسير القرآن الكريم دون أساس علمي شرعي يخوّلة بذلك وهو القائلعليه‌السلام : ( نحن خلفاء الأرض ، ونحن أولى الناس بالله ، ونحن المخصوصون في كتاب الله ) ، ( ونحن ورثة الأنبياء ، ونحن ذرية أولي العلم ) ، ( فقد علمنا وبلغنا واستودعنا علمهم )(١) فلا ريب أن نأخذ بعلمهعليه‌السلام في تفسير كتاب الله المجيد :

١ ـ في تفسير الآية الكريمة :( الّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً ) (٢) ، قالعليه‌السلام : ( إنه سبحانه وتعالى جعل الأرض ملائمة لطباعكم ، موافقة لأجسادكم ، ولم يجعلها شديدة الحمأ(٣) والحرارة فتحرقكم ، ولا شديدة البرودة فتجمدكم ، ولا شديدة الريح فتصدع هاماتكم ، ولا شديدة النتن فتعطبكم(٤) ، ولا شديدة اللين كالماء فتغرقكم ، ولا شديدة الصلابة فتمتنع عليكم في دوركم وابنيتكم وقبور موتاكم ، ولكنه عزّ وجلّ جعل فيها من المتانة ما تنتفعون به ، وتتماسكون وتتماسك عليها أبدانكم وبنيانكم ، وجعل فيها ما تنقاد به لدوركم وقبوركم وكثير من منافعكم ، فلذلك جعل الأرض فراشاً لكم .

ــــــــــــــــ

(١) ناسخ التواريخ ج ٢ ص ٤٩ .

(٢) سورة البقرة : الآية ٢٢ .

(٣) الحمأ : شدة حرارة الشمس .

(٤) تعطبكم : تهللكم .


ثم قال عزّ وجلّ : ( والسّماء بناءً ) أي سقفاً من فوقكم ، محفوظاً يدير فيها شمسها وقمرها ونجومها لمنافعكم .

ثم قال عزّ وجلّ : ( وأنزل من السّماء ماءً ) يعني المطر ينزله من علٍ ليبلغ قلل جبالكم وتلالكم وهضابكم وأوهادكم(١) ، ثم فرّقه رذاذاً ووابلاً وهطلاً(٢) لتنشفه أرضوكم ، ولم يجعل ذلك المطر نازلاً عليكم قطعة واحدة فيفسد أرضكم وأشجاركم وزروعكم و ثماركم .

ثم قال عزّ وجلّ : ( فأخرج به من الثّمرات رزقاً لكم ) يعني مما يخرجه من الأرض رزقاً لكم ( فلا تجعلوا لله أنداداً ) أي أشباهاً وأمثالاً من الأصنام التي لا تعقل ولا تسمع ولا تبصر ولا تقدر على شيء ( وأنتم تعلمون ) أنها لا تقدر على شيء من هذه النعم الجليلة التي انعمها علكيم ربكم تبارك وتعالى )(٣)

٢ ـ في تفسير قوله تعالى : (( وَرَتّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً ) )(٤) قالعليه‌السلام : ( بيّنه ـ أي القرآن في تلاوته ـ تبييناً ، ولا تنثره نثر البقل ، ولا تهذه هذي الشعر قفوا عند عجائبه لتحركوا به القلوب ، ولا يكن همّ أحدكم آخر السورة)

ــــــــــــــــ

(١) الهضاب : الأرض المرتفعة الأوهاد : الأرض المنخفضة .

(٢) الرذاذ : المطر الضعيف الوابل : المطر الشديد الهطل : المطر الضعيف الدائم .

(٣) عيون أخبار الرضاعليه‌السلام ج ١ ص ١٣٧ ـ ١٣٨ .

(٤) سورة المزمل : الآية ٤ .


٣ ـ في تفسير قوله تعالى : (( وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِي‏ءَ بِالنّبِيّينَ وَالشّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ) ((١) : ( إذا كان يوم القيامة بعث الله الناس من حفرهم عزلاً ، جرداً مرداً ، في صعيد واحد يسوقهم النور ، وتجمعهم الظلمة ، حتى يقفوا على عتبة المحشر ، فيزدحمون دونها ، ويمنعون من المضي ، فتشتد أنفاسهم ، ويكثر عرقهم ، وتضيق بهم أمورهم ، ويشتد ضجيجهم ، وترتفع أصواتهم ، وهو أول هول من أهوال القيامة .

فينادي منادٍ اسمعوا منادي الجبار فيسمع آخرهم كما يسمع أولهم ، فتخشع قلوبهم ، وتضطرب فرائصهم ، ويرفعون رؤوسهم الى ناحية الصوت مهطعين إلى الداعي ، ويقول الكافرون : هذا يوم عسير فيأتي النداء من قبل الجبار : أنا الله لا إله إلا أنا ، أنا الحكم الذي لا يجور ، أحكم اليوم بينكم بعدلي وقسطي ، لا يظلم اليوم عندي أحد ، آخذ للضعيف من القوي ، ولصاحب المظلمة بالقصاص من الحسنات والسيئات ، وأثيب على الهبات ، ولا يجوز هذه العقبة ظالم ولا أحد عنده مظلمة يهبها لصاحبها ، إلا وأثيبه عليها ، وآخذ له بها عند الحساب ، واطلبوا مظالمكم عند من ظلمكم بها في الدنيا ، وأنا شاهدكم وكفى بي شهيداً )(٢)

ــــــــــــــــ

(١) سورة الزمر : الآية ٦٩ .

(٢) تفسير البرهان ج ٢ ص ٩٥ .


٤ ـ في تفسير قوله تعالى : )( أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الْصّدَقَاتِ وَأَنّ اللّهَ هُوَ التّوّابُ الرّحِيمُ ) )(١) : (اني ضامن عن ربي تعالى أن الصدقة لا تقع في يد العبد حتى تقع في يد الرب تعالى ) وكانعليه‌السلام يقول : ( ليس من شيء إلا و كل به ملك ، إلا الصدقة فإنها تقع في يد الله تعالى )(٢)

٥ ـ في تفسير قوله تعالى :( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى )(٣) قالعليه‌السلام : ( هي قرابتنا أهل البيت )(٤)

أقول : ان الأجر المطلوب في آية المودة لم يكن من سنخ المال فالأنبياء أرقى وأجلّ من أن يطلبوا مالاً أو يأخذوا جعلاً على تبليغ رسالة السماء وقد صارح أنبياء اللهعليه‌السلام بنفي الأجرة على التبليغ ، ففي الحكاية عن هود وصالح وشعيب ويسوف عليهم السلام(٥) : (( وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلّا عَلَى‏ رَبّ الْعَالَمِينَ ) )(٦) وعن نوح ع (:( فَمَا سَأَلْتُكُم مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلّا

ــــــــــــــــ

(١) سورة التوبة : الآية ١٠٤ .

(٢) تفسير البرهان ج ١ ص ٤٤١ ، وتفسير الصافي ص ٢٢٣ .

(٣) سورة الشورى : الآية ٢٣ .

(٤) أحكام القرآن للحصاص ج ٣ ص ٤٧٥ .

(٥) سورة الشعراء : الآية ١٠٩ ، ١٤٥ ، ١٦٤ ، ١٨٠ ومعنى مشابه في سورة يوسف : الآية ١٠٤ .

(٦) سورة الشعراء : الآية ١٠٩ .


عَلَى اللّهِ ) (١) ، وفي الحكاية عن النبي محمد (ص : (( قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلّا عَلَى اللّهِ ) )(٢) ، وقوله : (( قُل لاَأَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلّا ذِكْرَى‏ لِلْعَالَمِينَ ) )(٣) . وطلب المال لا تتحمله طباع الناس : (( أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ) (٤) ،  ( أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ ) (٥) .

ولكن المقصود من المودة في القربى هو موالاة آل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو من سنخ الدعوة الإلهية وهذا المطلب يليق بمقام النبوة ، والدعوة إليه والتعريف به ويكون طلب الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الأمة مودة آله الأقربين وهم أئمة الهدى الاثنا عشرعليه‌السلام وفاطمة الزهراءعليه‌السلام ، تحنناً منهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليهم لأنه يعود في النهاية على نفعهم ومصلحتهم .

٦ ـ في تفسير قوله تعالى : (( وَالّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقّ مَعْلُومٌ * لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ) (٦) ، قال)ع) : ( الحق المعلوم الشيء الذي يخرجه من ماله

ــــــــــــــــ

(١) سورة يونس : الآية ٧٢ .

(٢) سورة سبأ : الآية ٤٧ .

(٣) سورة الأنعام : الآية ٩٠ .

(٤) سورة القلم : الآية ٤٦ .

(٥) سورة المؤمنون : الآية ٧٢ .

(٦) سورة المعارج : الآية ٢٤ ـ ٢٥ .


ليس من الزكاة والصدقة المفروضتين يصل به رحماً ، ويقوي به ضعيفاً ويحمل له كلّ(١) ، أو يصل أخاً في الله ، أو لنائبة تنويه ) (

أقول : السائل هو الفقير الذي يسأل ، والمحروم : الفقير الذي يتعفف ولا يسأل وسياق الآيات القرآنية الواردة في الزكاة تؤيد هذه الرواية فان للزكاة موارد مسماة لمستحقيها في آية الصدقة : (( إِنّمَا الصّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللّهِ ) )(٣) ، والآية ليست مختصة بالسائل والمحروم .

٧ ـ في تفسير قوله تعالى :( فَاصْفَحِ الصّفْحَ الْجَمِيلَ ) )(٤) : هو العفو من غير عتاب )(٥)

٨ ـ في تفسير قوله تعالى : (( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الْأَلْبَابِ لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ ) )(٦) : ولكم ) يا أمة محمد ( في القصاص حياةٌ ) لأن من همّ بالقتل فعرف أنه يقتصّ منه ، فكفّ لذلك من القتل ، كان حياة للذي همّ بقتله ، وحياة لهذا الجاني الذي أراد أن يقتل ، وحياة لغيرهما

ــــــــــــــــ

(١) الكلّ ( بالفتح ) : الثقل ، والعيال .

(٢) وسائل الشيعة ج ٦ ص ٦٩ .

(٣) سورة التوبة : الآية ٦٠ .

(٤) سورة الحجر : الآية ٨٥ .

(٥) وسائل الشيعة ج ٥ ص ٥١٩ .

(٦) سورة البقرة : الآية ١٧٩ .


من الناس : إذا علموا أن القصاص واجب ، ولا يجسرون على القتل مخافة القصاص ( يا أولي الألباب ) اولي العقول( لعلّكم تتّقون ) (١)

٩ ـ في قوله تعالى :( وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) (٢) ، قالعليه‌السلام : ( البرزخ هو القبر والله ان القبر لروضة من رياض الجنة أو حفرة من النار )(٣)

١٠ ـ في قوله تعالى :( الله الصّمد ) (٤) : ( الصمد الذي لا شريك له ، ولا يؤوده حفظ شيء ، ولا يعزب عنه شيء ، ولا يعزب عنه شيء ، والذي لا جوف له والذي لا يأكل ولا يشرب ، والذي لا ينام ، والذي لم يزل ولا يزال )(٥)

١١ ـ قيل لعلي بن الحسينعليه‌السلام : يا ابن رسول الله كيف يعاتب الله هؤلاء الأخلاف [ عرب قريش ] على قبائح أسلافهم وهو سبحانه يقول :( وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) (٦)  فقال )ع) : ( ان القرآن نزل بلغة العرب ، فهو يخاطب أهل اللسان بلغتهم فإنك ترى الرجل التميمي يقول : أغرنا على قوم كذا وإنما غار عليهم أسلافه .

ــــــــــــــــ

(١) الإحتجاج للطبرسي ص ٣١٩ .

(٢) سورة المؤمنون : الآية ١٠٠

(٣) الخصال للصدوق ج ١ ص ٥٩ .

(٤) سورة الإخلاص : الآية ٢ .

(٥) الوافي ج ١ ص ٨١ .

(٦) سورة الأنعام : الآية ١٦٤ .


ويقول العربي : نحن فعلنا ببني فلان كذا ، ونحن سبينا آل فلان ، ونحن خربنا البلد الكذائي ، ولا يريد أنهم باشروا ذلك بأنفسهم ، وإنما يريد هؤلاء بالإفتخار أن قومهم فعلوا كذا وهكذا قول الله عزّ وجلّ في هذه الآيات انما هو توبيخ لإسلافهم وتوبيخ عذل لهؤلاء الموجودين لأن هؤلاء الأخلاف رضوا بفعل أسلافهم ومصوبون لهم ، فجاز أن يقول أنتم فعلتم كذا ، أي انكم رضيتم بقبيح أفعالهم )(١)

ب ـ الحديث الشريف :

وكان غاية العلم في القرون الهجرية الأولى هو نقل الرواية الصحيحة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باسانيدها الصحيحة في وقت كثر فيه الكذب على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكان زين العابدينعليه‌السلام يروي الحديث النبوي مسنداً عن أبيه الحسينعليه‌السلام عن علي بن أبي طالبعليه‌السلام عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكان نقل الحديث النبوي الصحيح له قيمة عظمى في حفظ الدين ، لأن السنّة النبوية الشريفة تعدّ المصدر الثاني للشريعة بعد القرآن الكريم فحفظ القرآن الكريم بالوعد الإلهي : (( إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) )(٢) ، وحفظت السنّة النبوية بأئمة أهل البيتعليه‌السلام وتقانيهم في صيانتها عن التحريف .

ــــــــــــــــ

(١) الاحتجاج للطبرسي ص ١٧٠ .

(٢) سورة الحجر : الآية ٩ .


فكان الدرس العلمي للإمام زين العابدينعليه‌السلام ينعقد في مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالمدينة ، يطرح فيها أحاديث شريفة يرفعها إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بسند متصل صحيح وكان يذكر أقوال أمير المؤمنينعليه‌السلام بسند صحيح ومن المسلّم به عند الطائفة أن أمير المؤمنين عليعليه‌السلام كان لا يقول شيئاً إلا واقتبسه أو نقله عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبالنتيجة فان درس الإمام زين العابدينعليه‌السلام كان علماً نابعاً من منابع الإسلام الأصيلة .

أولاً : ما رواه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

وهذه روايات رواها الإمامعليه‌السلام بسند صحيح متصل برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

١ ـ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( والذي نفسي بيده ما جمع شيء إلى شيء أفضل من حلم إلى علم )(١) .

٢ ـ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع : عن عمره فيما أفناه ، وعن شبابه فيما أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه ، وعن حبنا أهل البيت )(٢) .

ــــــــــــــــ

(١) الخصال ص ٥ .

(٢) الخصال ص ٢٣١ .


٣ ـ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( ما يوضع في ميزان امريء يوم القيامة أفضل من حسن الخلق )(١)

٤ ـ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في آخر خطبته : ( طوبى لمن طاب خلقه ، وطهرت سجيته ، وصلحت سريرته ، وحسنت علانيته ، وأنفق الفضل من ماله ، وأمسك الفضل من قوله ، وأنصف الناس من نفسه )(٢)

٥ ـ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( من أحب السبل إلى الله عزّ وجلّ جرعتان : جرعة غيظ تردها بحلم ، وجرعة مصيبة تردها بصبر )(٣)

٦ ـ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( ان الله عزّ وجلّ خلق العقل من نور مخزون مكنون ، في سابق علمه الذي لم يطلع عليه نبي مرسل ، ولا ملك مقرب ، فجعل العلم نفسه ، والفهم روحه ، والزهد رأسه ، والحياء عينه ، والحكمة لسانه ، والرأفة همه ، والرحمة قلبه ، ثم حشاه وقواه بعشرة أشياء : باليقين ، والإيمان ، والصدق ، والسكينة ، والإخلاص ، والرفق ، والعطية ، والقنوع ، والتسليم ، والشكر ثم قال له عزّ وجلّ : أدبر فأدبر ثم قال له : أقبل فأقبل ثم قال له : تكلم ، فقال : الحمد لله الذي ليس له سند ولا ند ، ولا شبيه ولا كفو ، ولا عديل ولا مثيل ، كلّ شيءٍ لعظمته خاضع ذليل فقال الله تبارك

ــــــــــــــــ

(١) أصول الكافي ج ٢ ص ٩٩ .

(٢) أصول الكافي ج ٢ ص ١٥٦ .

(٣) أصول الكافي ج ٢ ص ٩٩ .


وتعالى : وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحسن منك ، ولا أطوع لي منك ، ولا أرفع منك ، ولا أشرف منك ، ولا أعزّ منك بك أواحد ، وبك أعطي ، وبك أوحد ، وبك أعبد ، وبك ادعى ، وبك أرتجى ، وبك أبتغى ، وبك أخاف ، وبك أحذر ، وبك الثواب وبك العقاب )(١)

٧ ـ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعينه )(٢)

٨ ـ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( انتظار الفرج عبادة ، وأن من رضي بالقليل من الرزق رضي الله منه القليل من العمل )(٣)

٩ ـ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( لا يتوارث أهل ملتين ، ولا يرث مسلم كافراً ، ولا كافر مسلماً )(٤) وقرأعليه‌السلام : ( )(٥)

١٠ ـ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( ستة لعنهم الله وكل نبي مجاب : الزائد في كتاب الله ، والمكذب بقدر الله ، والتارك لسنتي ، والمستحل من

ــــــــــــــــ

(١) الخصال ص ٣٩٦ ـ ٣٩٧ .

(٢) المعرفة والتاريخ ج ١ ص ٣٦٠ .

(٣) الفصول المهمة لابن الصباغ ص ١٨٨ .

(٤) الجامع المختصر لابن الساعي ج ٩ ص ٨٧ .

(٥) سورة الأنفال : الآية ٧٣ .


عترتي ما حرم الله ، والمتسلط بالجبروت ليذلّ من أعزه الله ، ويعزّ من أذله الله ، والمستأثر بفيء المسلمين المستحل له )(١)

١١ ـ حدثني أبي أن جده رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ( أعبد الناس من أقام الفرائض ، وأسخى الناس من أدى الزكاة ، وأزهد الناس من اجتنب المحارم ، وأتقى الناس من قال بالحق في ما له وعليه ، وأعدل الناس من رضى للناس بما يرضى لنفسه ، وكره لهم ما كره لنفسه ، وأكيس الناس من كان أشد ذكراً للموت ، وأغبط الناس من كان تحت التراب قد أمن العقاب ويرجو الثواب ، وأعقل الناس من يتعظ بتغير الدنيا من حال إلى حال ، وأعظم الناس في الدنيا خطراً من لم يجعل للدنيا خطراً ، وأعلم الناس من جمع علم الناس إلى علمه ، وأشجع الناس من غلب هواه ، وأكثر الناس قيمة أكثرهم علماً ، وأقل الناس لذة الحسود ، وأقل الناس راحة البخيل ، وأبخل الناس من بخل بما افترض الله عليه ، وأولى الناس بالحق أعلمهم ، وأقلّ الناس حرمة الفاسق ، وأقلّ الناس وفاءً الملوك ، وأقلّ الناس صديقاً الملوك ، وأفقر الناس الطمّاع ، وأغنى الناس من لم يكن للحرص أسيراً ، وأفضل الناس إيماناً أحسنهم خلقاً ، وأكثر الناس(٢) أتقاهم ، وأعظم الناس حذراً من ترك ما لا يعنيه ، وأورع الناس من ترك المراء وإن كان محقاً ، وأقل

ــــــــــــــــ

(١) الخصال ص ٣٠٨ .

(٢) كلمة ساقطة في المتن ، ولعلها وأكثر الناس إيماناً أتقاهم .


الناس مروءة من كان كاذباً ، وأشقى الناس الملوك ، وأمقت الناس المتكبر ، وأشد الناس اجتهاداً من ترك الذنوب ، وأحلم الناس من فرّ من جهال الناس ، وأسعد الناس من حالف كرام الناس ، وأعقل الناس أشدهم مداراة للناس ، وأولى الناس بالتهمة من جالس أهل التهمة ، وأعتى الناس من قتل غير قاتله أو ضرب غير ضاربه ، وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة ، وأحق الناس بالذنب السفيه ، وأذلّ الناس من أهان الناس ، وأحزم الناس أكظمهم للغيظ ، وأصلح الناس أصلحهم للناس ، وخير الناس من انتفع به الناس )(١)

١٢ ـ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( ما زلت أنا ومن كان قبلي من النبيين مبتلين بمن يؤذينا ، ولو كان المؤمن على رأس جبل لقيض الله عزّ وجلّ من يؤذيه ليؤجره على ذلك )(٢)

١٣ ـ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( رأس العقل بعد الإيمان بالله عزّ وجلّ التحبب إلى الناس )(٣)

١٤ ـ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( إن أحب الأعمال إلى الله تعالى إدخال السرور على المؤمن )(٤)

ــــــــــــــــ

(١) الغايات لأبن بابويه القمي .

(٢) وسائل الشيعة ج ٥ ص ٤٨٦ .

(٣) الخصال ص ١٧ .

(٤) مصادقة الأخوان للشيخ الصدوق .


١٥ ـ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( كفى بالمرء عيباً أن يبصر من الناس ما يعمى عليه من نفسه ، وأن يؤذي جليسه بما لا يعنيه )(١)

١٦ ـ أتى رجل إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال له : ما بقي من الشر شيء إلا عملته ، فهل من توبة ؟ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( هل بقي من والديك أحد ؟ ) قال : نعم قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( فبره ، فلعله أن يغفر لك ) فولى الرجل فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( لو كانت أمه ((٢) .

١٧ ـ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( إن المؤمن ليشبع من الطعام فيحمد الله فيعطيه الله من الأجر ما يعطي الصائم القائم ، إن الله يحب الشاكرين )(٣)

١٨ ـ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( الإيمان أقرار باللسان ، ومعرفة باللقلب ، وعمل بالأركان )(٤)

١٩ ـ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( الإيمان قولٌ وعمل )(٥)

٢٠ ـ روىعليه‌السلام بسنده عن آبائهعليه‌السلام أن المسلمين قالوا لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لو أكرهت يا رسول الله من قدرت عليه من الناس على الإسلام لكثر عددنا وقوينا على عدونا ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( ما

ــــــــــــــــ

(١) أصول الكافي ج ٢ ص ٤٦ .

(٢) الدعوات للقطب الراوندي ص ٤٧ .

(٣) ربيع الأبرار ج ٤ ص ٣٢٨ .

(٤) الخصال ص ١٦٥ .

(٥) الخصال ص ٥٣ .


كنت لألقى الله عزّ وجلّ ببدعة لم يحدث إلي فيها شيء ، وما أنا من المتكلفين ) فأنزل الله تبارك وتعالى يا محمد : (( وَلَوْ شَاءَ رَبّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلّهُمْ جَميعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى‏ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) ((١) ... )(٢) .

٢١ ـ قالعليه‌السلام : حدثني أبي سيد شباب أهل الجنة الحسينعليه‌السلام ، قال : حدثني أبي علي بن أبي طالبعليه‌السلام قال : سمعت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : ( قال الله عزّ وجلّ : إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدوني ، فمن جاء منكم بشهادة أن لا إله إلا الله باخلاص باخلاص دخل في حصني ، ومن دخل في حصني أمن من عذابي )(٣)

٢٢ ـ قال رسول اللهر : ( حبي وحب أهل بيتي نافع في سبعة مواطن أهوالهن عظيمة : عند الوفاة ، وفي القبر ، وعند النشور ، وعند الكتاب ، وعند الحساب ، وعند الميزان ، وعند الصراط )(٤)

٢٣ ـ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( قال الله عزّ وجلّ : علي بن أبي طالب حجتي على خلقي ، ونوري في بلادي ، وأميني على علمي ) .

٢٤ ـ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( خلقت أنا و علي من نور واحد )(٥)

ــــــــــــــــ

(١) سورة يونس : الآية ٩٩ .

(٢) التوحيد للصدوق ص ٣٤٢ .

(٣) التوحيد ص ٢٥ .

(٤) الخصال ص ٣٣٠ .

(٥) الخصال ص ٣١ .


٢٥ ـ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( يا علي أول ما يسأل عنه العبد بعد موته شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، وأنك ولي المؤمنين بما جعله الله وجعلته لك ، فمن أقر بذلك وكان يعتقده صار إلى النعيم الذي لا زوال له ) .

٢٦ ـ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( هبط عليّ جبرئيل فقال : إن الله يقرئك السلام ويقول : حرمت النار على صلب أنزلك ، وبطن حملك ، وحجر كفلك )(١) والصلب الذي أنزله هو عبدالله ، والبطن التي حملته هي آمنة بنت وهب ، والحجر الذي كفله هو أبو طالب وفاطمة بنت أسد .

٢٧ ـ دخل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على نفر من أهله ، فقال : ( ألا أحدثكم بما يكون خيراً من الدنيا والآخرة لكم ، وإذا كربتم أو غممتم دعوتم الله عزّ وجلّ ففرج عنكم قالوا : بلى يا رسول الله قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قولوا : ( الله ، الله ، الله ، ربنا لا نشرك به شيئاً ثم ادعوا ما بدا لكم )(٢)

٢٨ ـ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يخاطب أمير المؤمنين عليعليه‌السلام : ( الجنة تشتاق إليك ، وإلى عمار ، وإلى سلمان ، وأبي ذر ، والمقداد )(٣)

ــــــــــــــــ

(١) التعظيم والمنّة ص ٣٢ .

(٢) دعوات القطب الراوندي ص ٢٠ .

(٣) الخصال ص ٢٧٥ .


٢٩ ـ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( علي بن أبي طالب خليفة الله وخليفتي ، وحجة الله وحجتي ، وصفي الله وصفيي ، وحبيب الله وحبيبي ، وخليل الله وخليلي ، وسيف الله وسيفي ، وهو أخي وصاحبي ووزيري ، محبّه محبّي ، ومبغضه مبغضي ، ووليه وليي ، وعدوه عدوي ، وزوجته ابنتي ، وولده ولدي ، وحربه حربي ، وقوله قولي ، وأمره أمري ، وهو سيد الوصيين ، وخير أمتي )(١)

٣٠ ـ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأصحابه : ( أن الله قد فرض عليكم طاعتي ، ونهاكم عن معصيته ، وهو وصيي ، ووارثي ، وهو مني وأنا منه ، حبه إيمان وبغضه كفر ((٢) .

ثانياً : ما رواه عن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام

وهذه روايات رواها الإمامعليه‌السلام بسند صحيح عن أمير المؤمنينعليه‌السلام ولاشك ان علي بن أبي طالبعليه‌السلام كان يستلهم علمه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فيرجع الأمر الى نفس المنبع الالهي .

١ ـ قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : ( إن الله تبارك وتعالى أخفى أربعة في أربعة : أخفى رضاه في طاعته ، فلا تستصغرن شيئاً من طاعته فربما

ــــــــــــــــ

(١) روضات الحنات ج ٦ ص ١٨٣ ـ ١٨٤ .

(٢) ينابيع المودة القندوزي باب ٤١ .


وافق رضاه وأنت لا تعلم وأخفى سخطه في معصيته ، فلا تستصغرن شيئاً من معصيته فربما وافق سخطه وأنت لا تعلم وأخفى إجابته في دعوته ، فلا تستصغرن شيئاً من دعائه فرمبا وافق إجابته وأنت لا تعلم وأخفى وليه في عباده فلا تستصغرن عبداً من عبيد الله فربما يكون وليه وأنت لا تعلم )(١)

٢ ـ قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : ( الأعمال على ثلاثة أحوال : فرائض ، وفضائل ، ومعاصٍ فأما الفرائض فبأمر الله ، وبرضى الله ، وبقضاء الله وتقديره ومشيئته وعلمه عزّ وجلّ [ وأما الفضائل ](٢) ، وأما المعاصي فليست بأمر الله ، ولكن بقضاء الله ، وتقدير الله وبمشيئته وعلمه ، ثم يعاقب عليها )(٣)

٣ ـ قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : ( إنما الدهر ثلاثة أيام أنت في ما بينهن : مضى أمس بما فيه فلا يرجع أبداً ، فإن كنت عملت فيه خيراً لم تحزن لذهابه ، وفرحت بما استقبلته منه ، وإن كنت قد فرطت فيه فحسرتك شديدة لذهابه ، وفرحت بما استقبلته منه ، وإن كنت قد فرطت فيه فحسرتك شديدة لذهابه ، وتفريطك فيه وأنت في يومك الذي أصبحت فيه من غد في غرة ، ولا تدري لعلك لا تبلغه ، وأن بلغته لعل حظك فيه في

ــــــــــــــــ

(١) الخصال ص ١٩١ .

(٢) محذوقة في متن الرواية .

(٣) الخصال ص ١٥٦ .


التفريط مثل حظك في الأمس الماضي عنك ، فيوم من الثلاثة قد مضى أنت فيه مفرط .

ويوم تنتظره لست منه على يقين من ترك التفريط ، وإنما هو يومك الذي أصبحت فيه ، وقد ينبغي لك إن عقلت وفكرت في ما فرطت في الأمس الماضي مما فاتك فيه من حسنات ألا تكون اكتسبتها ، ومن سيئات ألا تكون ابتعدت عنها .

وأنت مع هذا مع استقبال غدٍ على غير ثقة من أن تبلغه وعلى غير يقين من اكتساب حسنة أو مرتدع عن سيئة محبطة ، فأنت في يومك الذي تستقبل على مثل يومك الذي استدبرت فاعمل عمل رجل ليس يأمل من الأيام إلا يومه الذي أصبح فيه وليلته ، فاعمل أو دع ، والله المعين على ذلك )(١)

٤ ـ قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : ( اللهم منّ عليّ بالتوكل عليك ، والتفويض إليك ، والرضا بقدرك ، والتسليم لأمرك ، حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ، ولا تأخير ما عجلّت يا رب العالمين ) (

٥ ـ قال أمير المؤمنين في قصة تروى : ( من اعتدل يوماه فهو مغبون ، ومن كثرت همومّه في الدنيا كثرت حسرته عند فراقها ، ومن كان غده شراً من يومه فمحروم ، ومن لم يبال بما يرى في آخرته إذا

ــــــــــــــــ

(١) أصول الكافي ج ٢ ص ٤٥٣ .

(٢) أصول الكافي ج ٢ ص ٤٥٣ .


سلمت له دنياه فهو هالك ، ومن لم يتعاهد النقص من نفسه غلب عليه الهوى ، ومن كان في نقص فالموت خير له إن الدنيا حقيرة ولها أهل ، وإن الآخرة لها أهل ، طلقت أنفسهم عن مناصرة أهل الدنيا ، لا يتنافسون في الدنيا ، ولا يفرحون بغضارتها ، ولا يحزنون لبؤسها من خاف البيات قلّ نومه ، وما أسرع الليالي والأيام في عمر العبد ، فأخزن كلامك ، وعدّ أيامك ، ولا تقل إلا بخير ، إرض للناس ما ترضى لنفسك ، وأت إلى الناس ما تحب أن يؤتى إليك )(١) .

٦ ـ سأل زيد بن صوحان الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام :

أيّ سلطان أغلب وأقوى ؟ فأجاب الإمامعليه‌السلام : ( الهوى ( .

أي ذلّ أذلّ ؟ فأجابعليه‌السلام : ( الحرص على الدنيا ( .

أي فقر أشد ؟ فأجابعليه‌السلام : ( الكفر بعد الإيمان ( .

أي دعوة أضلّ ؟ فأجابعليه‌السلام : ( الداعي بما لا يكون ( .

أي عمل أفضل ؟ فأجابعليه‌السلام : ( التقوى ( .

أي عمل أنجح ؟ فأجابعليه‌السلام : ( طلب ما عند الله ( .

أي صاحب أشر ؟ فأجابعليه‌السلام : ( المزين لك معصية الله ( .

أي الخلق أشقى ؟ فأجابعليه‌السلام : ( من باع دينه بدنيا غيره ( .

أي الخلق أقوى ؟ فأجابعليه‌السلام : ( الحكيم ( .

ــــــــــــــــ

(١) أمالي الطوسي ص ٢٧٧ .


أي الخلق أشح ؟ فأجابعليه‌السلام : ( من أخذ من غير حلّه ، فجعله في غير حقه ( .

أي الناس أكيس ؟ فأجابعليه‌السلام : ( من أبصر رشده من غيّه ( .

من أحلم الناس ؟ فأجابعليه‌السلام : ( الذي لا يغضب ( .

أي الناس أثبت رأياً ؟ فأجابعليه‌السلام : ( من لم يغيره الناس من نفسه ، ولم تغيره الدنيا بشقوتها ( .

أي الناس أحمق ؟ فأجابعليه‌السلام : ( المغتر بالدنيا ، وهو يرى ما فيها من تقلب أحوالها ( .

أي الناس أشد حسرة ؟ فأجابعليه‌السلام : ( الذي حرم الدنيا والآخرة ، ذلك هو الخسران المبين ( .

أي الخلق أعمى ؟ فأجابعليه‌السلام : ( الذي عمل لغير الله تعالى ، ويطلب بعمله الثواب من عند الله ( .

أي القنوع أفضل ؟ فأجابعليه‌السلام : ( القانع بما أعطاه ( .

أي المصائب أشد ؟ فأجابعليه‌السلام : ( المصيبة بالدين ( .

أي الأعمال أحب إلى الله ؟ فأجابعليه‌السلام : ( انتظار الفرج ( .

أي الناس خير عند الله ؟ فأجابعليه‌السلام : ( أخوفهم له ، واعملهم بالتقوى ، وأزهدهم في الدنيا ( .

أي الكلام أفضل عند الله ؟ فأجابعليه‌السلام : ( كثرة ذكره ، والتضرع [ له ] ، ودعاؤه ( .


أي القول أصدق ؟ فأجابعليه‌السلام : ( شهادة أن لا إله إلا الله ( .

أي الأعمال أعظم عند الله ؟ فأجابعليه‌السلام : ( التسليم والورع ( .

أي الناس أكرم ؟ فأجابعليه‌السلام : ( من صدق في المواطن )(١)

٧ ـ قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : ( إن الله عزّ وجلّ خلق خلقاً ، وضيّق الدنيا عليهم نظراً لهم ، فزهدهم فيها وفي حطامها ، فرغبوا في دار السلام الذي دعاهم أليه ، وصبروا على ضيق المعيشة ، وصبروا على المكروه ، واشتاقوا إلى ما عند الله من الكرامة وبذلوا أنفسهم ابتغاء رضوان الله ، وكان خاتمة أعمالهم الشهادة ولقوا الله وهو عنهم راض ، وعلموا أن الموت سبيل لمن مضى وبقي ، فتزودوا لآخرتهم غير الذهب والفضة ، ولبسوا الخشن ، وصبروا على أدنى القوت ، وقدموا الفضل ، وأحبوا في الله ، وابغضوا في الله عزّ وجلّ ، أولئك المصابيح وأهل النعيم في الآخرة )(٢)

٨ ـ قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : ( أيها الناس أتدرون من يتبع الرجل بعد موته ؟ ) فسكتوا فقالعليه‌السلام : ( يتبعه الولد يتركه فيدعو له بعد موته ويستغفر له وتتبعه الصدقة يوقفها في حياته فيتبعه أجرها بعد موته وتتبعه السنّة الصالحة يعمل بها بعدة فيتبعه أجرها ، وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيء ( .

ــــــــــــــــ

(١) أمالي الطوسي ص ٢٧٧ .

(٢) المصدر السابق .


٩ ـ وهذه خطبة رواها الإمام زين العابدينعليه‌السلام وهي من خطب الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام

( إن الحمد لله ، أحمده وأستعينه وأستهديه ، وأعوذ بالله من الضلالة ، من يهد الله فلا مضلّ له ، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله ، انتجبه لأمره ، واختصه بالنبوة ، أكرم خلقه ، وأحبهم إليه ، فبلّغ رسالة ربه ، ونصح لأمته ، وأدى الذي عليه .

أوصيكم بتقوى الله ، فإن تقوى الله خير ما تواصى به عباد الله ، وأقربه لرضوان الله ، وخيره في عواقب الأمور عند الله ، وبتقوى الله أمرتم ، وللاحسان والطاعة خلقتم فاحذروا من الله ما حذّركم من نفسه ، فإنه حذّر بأساً شديداً .

واخشوا الله خشية ليست بتعذير ، واعملوا في غير رياء ولا سمعة ، فإن من عمل لغير الله ، وكله الله إلى ما عمل له ومن عمل لله مخلصاً تولى الله أجره واشفقوا من عذاب الله فإنه لم يخلقكم عبثاً ، ولم يترك شيئاً من أمركم سدى ، قد سمى آثاركم ، وعلم أعمالكم ، وكتب آجالكم فلا تغروا بالدنيا فإنها غرارة بأهلها ، مغرورون من اغتروا بها ، وإلى فناء ما هي وإن الآخرة هي دار الحيوان لو كانوا


يعلمون ، اسأل الله منازل الشهداء ، ومرافقة الأنبياء ، ومعيشة السعداء ، فإنما نحن له وبه )(١)

١٠ ـ قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : ( النوم على أربعة أوجه : الأنبياء تنام على أقفيتها مستلقية ، وأعينها لا تنام ، متوقعة وحي الله تعالى والمؤمن ينام على يمينه مستقبل القبلة والملوك وأبناؤها تنام على شمائلها ليستمرؤا ما يأكلون وإبليس وإخوانه وكل مجنون وذو عاهة ينام على وجهه منبطحاً )(٢)

أقول : نقل المحدث النوري أحاديث عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمةعليه‌السلام تذكر النوم مستقبل القبلة كهيئة الميت عند وضعه في القبر ، واضعاً يده اليمنى تحت خده الأيمن(٣)

ج ـ فقه العبادات :

والناس زمن الإمام زين العابدينعليه‌السلام كانت بحاجة إلى معرفة أحكام عباداتها وعقائدها ، بسبب كثرة الإدعاءات ونسبة الأحاديث المزورة إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فتصدى الإمام السجادعليه‌السلام لشرحها وتفصيلها ولو أخذنا حديث الصوم الذي قالهعليه‌السلام لجماعة

ــــــــــــــــ

(١) وقعة صفين ص ١٣ .

(٢) الخصال للصدوق ج ١ ص ١٢٥ .

(٣) دار السلام للنوري ج ٢ ص ٣٣ .


من علماء ذلك الزمان ، لأدركنا حجم الشمول العلمي الذي كان يتمتع به بدقائق الشريعة ومقتضياتها فقد كان زين العابدينعليه‌السلام بحق مرجعاً يرجع إليه الفقهاء في شؤون الدين ، أصولاً وفروعاً إليك هذا النموذج :

تذاكر علماء ذلك الزمان حول موضوع الصوم ، وأجمعوا على ان الصوم الواجب هو صوم شهر رمضان فألمح الإمامعليه‌السلام بان هذا الجواب لا يكفي ، بل أن الأمر يحتاج إلى تفصيل ، فكان تفصيله على الوجه التالي : ( الصوم على أربعن وجهاً ، عشرة منها واجبة کوجوب شهر رمضان ، وعشرة منها صومهن حرام ، وأربعة عشر وجهاً صيامهن بالخيار إن شاء صام وإن شاء فطر ، وصوم الإذن على ثلاثة أوجه ، وصوم التأدب ، وصوم الإباحة ، وصوم السفر والمرض .

أما الواجب : (١) فصيام شهر رمضان (٢) وصيام شهرين متتابعين لمن أفطر يوماً من شهر رمضان متعمداً (٣) وصيام شهرين في قتل الخطأ لمن لم يجد العتق واجب قال الله تعالى : (...( وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلّمَةٌ إِلَى‏ أَهْلِهِ إِلّا أَن يَصّدّقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلّمَةٌ إِلَى‏ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ) ...)(١) . (٤) وصيام شهرين

ــــــــــــــــ

(١) سورة النساء : الآية ٩٢ .


متتابعين في كفارة الظهار(١) لمن لم يجد العتق ، قال الله تعالى : (( وَالّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِسَائِهِمْ ثُمّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَماسّا ) ...)(٢) . (٥) وصيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين واجب لمن لم يجد له الإطعام ، قال الله تبارك وتعالى : (...( فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيّامٍ ذلِكَ كَفّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ) ...)(٣) ، كل ذلك تتابع وليس بمفترق (٦) وصيام أذى الحلق ـ حلق الرأس ـ واجب ، قال الله تبارك وتعالى : (...( فَمَن كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) ...)(٤) ، وصاحبها فيها بالخيار بين صوم ثلاثة أيام أو صدقة أو نسك (٧) وصوم دم المتعة واجب لمن لم يجد الهدي ، قال الله تبارك وتعالى : (...( فَمَن تَمَتّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ) ...)(٥) . (٨) وصوم جزاء الصيد واجب ، قال الله تبارك وتعالى : (...( وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُتَعَمّدَاً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ

ــــــــــــــــ

(١) الظهار : أن يقول الرجل لامرأته : أنت عليّ كظهر أمي .

(٢) سورة المجادلة : الآية ٣ ـ ٤ .

(٣) سورة المائدة : الآية ٨٩ .

(٤) سورة البقرة : الآية ١٩٦ .

(٥) سورة البقرة : الآية ١٩٦ .


النّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيَاماً ) ...)(١) ،  [ ويكون عدل ذلك صياماً ] تقوّم الصيد قيمة ثم تفضي تلك القيمة على البر ، ثم يكال ذلك البر اصواعاً ، فيصوم لكل نصف صاع يوماً (٩) وصوم النذر واجب (١٠) وصوم الاعتكاف واجب .

وأما الصوم الحرام : (١١) فصوم يوم الفطر (١٢) ويوم الأضحى (١٣ ـ ١٥) وثلاثة أيام من أيام التشريق(٢) (١٦) وصوم يوم الشك أمرنا به ونهينا عنه أمرنا أن نصومه من شعبان ، ونهينا أن ينفرد الرجل بصيامه في اليوم الذي يشك فيه الناس(٣) (١٧) وصوم الوصال حرام(٤) (١٨) وصوم الصمت حرام (١٩) وصوم النذر للمعصية حرام (٢٠) وصوم الدهر حرام .

وأما الصوم الذي صار صاحبه فيه بالخيار فصوم : (٢١) يوم الجمعة (٢٢) والخميس (٢٣) والاثنين (٢٤ ـ ٢٦) وصوم الأيام

ــــــــــــــــ

(١) سورة المائدة : الآية ٩٥ .

(٢) أيام التشريق هنا : هي الحادي عشر ، والثاني عشر ، والثالث عشر من ذي الحجة .

(٣) يحرم صيام يوم الشك إذا نوى المكلف أنه من شهر رمضان قال الإمام السجادعليه‌السلام : ( ينوي ليلة الشك أنه صائم من شعبان ، فإن كان من شهر رمضان أجزأ عنه ، وإن كان من شعبان لم يضر ) فروع الكافي ج ١ ص ١٨٥ .

(٤) صوم الوصال هو ان يصل الليل بالنهار صياماً .


البيض(١) (٢٧ ـ ٣٢) وصوم ستة أيام من شوال بعد شهر رمضان (٣٣) ويوم عرفة (٣٤) ويوم عاشوراء(٢) كل ذلك صاحبه فيه بالخيار ، إن شاء صام وإن شاء أفطر .

وأما صوم الأذن : (٣٥) فإن المرأة لا تصوم تطوعاً إلا بأذن زوجها (٣٦) والعبد لا يصوم تطوعاً إلا بأذن سيده (٣٧) والضيف لا يصوم تطوعاً إلا بأذن مضيفه ، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (فمن نزل على قوم فلا يصوم تطوعاً إلا بإذنهم( .

(٣٨) وأما صوم التأديب فإنه يؤمر الصبي إذا راهق تأديباً ، وليس بفرض وكذلك من أفطر لعلّة من أول النهار ثم قوي بعد ذلك ، أمر بالإمساك بقية يومه تأديباً وليس بفرض وكذلك المسافر إذا أكل من أول النهار ثم قدم أهله أمر بالإمساك بقية يومه تأديباً

ــــــــــــــــ

(١) الأيام البيض : هي الثالث عشر ، الرابع عشر ، والخامس عشر وسميت لياليها بيضاً لأن القمر يطلع فيها من أولها إلى آخرها (مجمع البحرين ـ مادة : بيض) .

(٢) أختلف الفقهاء في هذه الفقرة ، هل تجري مجرى التقية أم لا ؟ قال مصنف (الحدائق) بحرمة صوم عاشوراء ، وقال المحقق الحلي في (الشرائع) باستحبابه، وأقرّ ذلك مصنف (جواهر الكلام) وعلى أية حال فان روايات الحرمة ضعيفة سنداً ولا يعتدّ بها وروايات الاستحباب كثيرة منها صحيحة القداح : (صيام يوم عاشوراء كفارة سنة) ولا إشكال في حرمة صوم عاشوراء بعنوان الفرح بمقتل الحسينعليه‌السلام فتجري مجرى روايات الإباحة والتخيير قال السيد الخوئي في (مستند العروة الوثقى ـ الصوم ج ٢ ص ٣٠٢) بكراهية صوم عاشوراء .


وليس بفرض (٣٩) وأما صوم الإباحة ، فمن أكل أو شرب أو تقيأ من غير تعمد أباح الله ذلك وأجزأ عنه صومه .

(٤٠) وأما صوم السفر والمرض فإن العامة اختلفت فيه فقال قوم : يصوم وقال قوم : لا يصوم وقال قوم : إن شاء صام ، وإن شاء فطر وأما نحن فنقول : يفطر في الحالين جميعاً فإن صام في السفر أو في حال المرض فعليه القضاء في ذلك لأن الله عز وجل يقول : (...( وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى‏ سَفَرٍ فَعِدّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ ) ...)(١) .

د ـ في علم الكلام :

انتشرت في زمن الإمامعليه‌السلام عقائد وثنية غريبة عن الإسلام مثل تجسيم الخالق عزّ وجلّ وتشبيهه ، وعقيدة الجبر التي كانت تحيل كل ما يجري على الأمة من فساد وظلم وجور إلى الله تعالى وقضائه وإذنه ، وعقيدة الإرجاء التي كانت ترجئ أعمال الإنسان المسلم إلى الله حتى لو كفر علناً أو أذنب ذنباً يوجب خروجه عن الإسلام .

فتصدى الإمامعليه‌السلام لردّ تلك الأفكار الغريبة ، وقام بتوضيح الفكرة الدينية في توحيد الخالق عزّ وجلّ ، والقضاء والقدر ،

ــــــــــــــــ

(١) سورة البقرة : الآية ١٨٤ فروع الكافي ج ١ ص ١٨٥ والخصال ص ٥٠١ ـ ٥٠٤ .


والصفات فهوعليه‌السلام في الوقت الذي نفى التشريك في الإلوهية ونفى التشبيه ونفى التدخل في صانعية الوجود والكون ، أستعمل ألفاظاً تدلّ على غاية التذلل والخضوع لله تعالى فكلمات السجادعليه‌السلام بحق الخالق عزّ وجلّ تليق بذاته وصفاته الثبوتية الكمالية ؛ وكلماته في التوحيد تنزّه الخالق عن النقص والعجز والجهل والتركيب واحتياج المكان وغير ذلك من الصفات السلبية :

١ ـ عندما سُئِل : أبقدرٍ يصيب الناس ما أصابهم أم بعمل ؟ قال الإمام زين العابدينعليه‌السلام : (إن القدر والعمل بمنزلة الروح والجسد فالروح بغير جسد لا تحس ، والجسد بغير روح صورة لا حراك بها ، فإذا اجتمعا قويا وصلحا كذلك العمل والقدر ، فلو لم يكن القدر واقعاً على العمل لم يعرف الخالق من المخلوق ، وكان القدر شيئاً لا يحس ، ولو لم يكن العمل بموافقة من القدر لم يمض ولم يتم ) .

٢ ـ وعندما رأى جماعة يختصمون في التوحيد ، قالعليه‌السلام لهم وهو يقربهم من معرفة الله تبارك وتعالى : (من كان ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، كان نعته لا يشبه نعت شيء فهو ذاك)(١) (إن الله يعرف بخلق سماواته وأرضه ، وهو في كل مكان) وهو (نورٌ لا ظلام فيه ، وحياة لا موت فيه ، وصمد لا مدخل فيه) .

ــــــــــــــــ

(١) التوحيد للصدوق ص ٣٦٧ .


وكان يفزع إلى قبر جده رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، مناجياً ربه تبارك وتعالى : (إلهي بدت قدرتك ، والتقدير على غير ما به وصفوك ، وإني بريء يا إلهي من الذين بالتشبيه طلبوك ليس كمثلك شيء إلهي ولن يدر كوك وظاهر ما بهم من نعمك دليلهم عليك لو عرفوك وفي خلقك يا إلهي مندوحة(١) أن يتناولوك ، بل ساووك بخلقك ومن ثم لم يعرفوك واتخذوا بعض آياتك رباً فبذلك وصفوك ، تعاليت عما به المشبهون نعتوك)(٢)

٣ ـ ورد عنهعليه‌السلام قوله : (عجبت كل العجب لمن شك في الله وهو يرى خلقه وعجبت كل العجب لمن أنكر النشأة الأخرى ، وهو يرى النشأة الأولى)(٣)

٤ ـ وقالعليه‌السلام : (لا يوصف الله تعالى بالمحدودية عظم الله ربنا عن الصفة ، وكيف يوصف بمحدودية من لا يحد ، ولا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) .

٥ـ ولهعليه‌السلام تمجيد يقول فيه : (الحمدُ لله الذي تجلّى للقلوبِ بالعظمة ، واحتجب عن الأبصار بالعزّةِ، واقتدر على الأشياءِ بالقدرةِ فلا الأبصارُ تثبتُ لرؤيتهِ ولا الأوهامُ تبلغُ كُنهَ عظمتهِ تجبَّرَ

ــــــــــــــــ

(١) المندوحة : الفسحة الواسعة .

(٢) الأرشاد للشيخ المفيد ص ٢٤٠ .

(٣) صفة الصفوة ج ٢ ص ٣ .


بالعظمةِ والكبرياءِ ، وتعطَّفَ بالعزِ والبرِ والجلال، وتقدّسَ بالحُسن والجمالِ ، وتمجّدَ بالفخر والبهاءِ ، وتجلّلَ بالمجد والألاء ، واستخلص بالنور والضياء خالقٌ لا نظيرَ له ، وأحدٌ لا ندَّ له ، وواحدٌ لا ضدَّ له ، وصمدٌ لا كفوَ له ، وإلهٌ لا ثاني معه ، وفاطرٌ لا شريك له ، ورازقٌ لا معينَ له .

والأولُ بلا زوال ، والدائمُ بلا فناء ، والقائمُ بلا عناء ، والمؤمنُ بلا نهاية ، والمبدئُ بلا أمد ، والصانعُ بلا أحد ، والربّ بلا شريك ، والفاطرُ بلا كلفة ، والفعّالُ بلا عجز ليس له حدٌّ في مكان ، ولا غايةٌ في زمان لم يزل ولا يزول ولن يزال كذلك أبداً هو الإله الحيُّ القيّومُ ، الدائمُ القادر الحكيم)(١)

٦ ـ وفي دعائه يوم عرفة ، قالعليه‌السلام : (... أَنتَ الله لا إلهَ إلاّ أنت الاحدُ المتوحّد الفرد المتفرِّد ، وأنت الله لا إله إلاّ أنت الكريمُ المتكرّم ، العظيم المتعظّمُ ، الكبيرُ المتكبّر وأنت الله لا إله إلاّ أنت العليُّ المتعال ، الشديدُ المحال وأنت الله لا إله إلاّ أنت الرّحمن الرّحيم العليمُ الحكيم وأنت اللهُ لا إله إلاّ أنت السّميع البصير القديم الخبير ، وأنت اللهُ لا إله إلاّ أنت الكريمُ الأكرمُ الدّائمُ الأدوم ، وأنت الله لا إله إلاّ أنت الأوّل قبل كلّ أحد والاخرُ بعد كلّ عدد ، وأنت اللهُ لا إلهَ

ــــــــــــــــ

(١) الصحيفة السجادية ص ٢٥٣ .


إلاّ أنت الدّاني في علُوِّهِ ، والعالي في دنوّه ، وأنتَ الله لا إله إلاّ أنتَ ذو البهاء والمجد والكبرياء والحمد)(١)

الأفضلية في الحلم وحسن الخلق

وكان الإمام السجادعليه‌السلام أعظم الناس حلماً ، وأكظمهم غيظاً في زمانه وكانعليه‌السلام ـ على شاكلة جده المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ على خلقٍ عظيم والحلم هو ترك الانتقام عند شدة الغضب مع القدرة عليه(٢)

فمن آيات حلمه انه كان يتعرض إلى السب والشتم من قبل بعض اعداء آل البيتعليه‌السلام ، لكنه كان يصفح عنهم بالقول : (يا فتى إن بين أيدينا عقبة كؤداً ، فإن جزتُ منها فلا أبالي ما تقول ، وإن أتحير فيها فأنا شر مما تقول)(٣) ، أو كانعليه‌السلام يقابل الاساءة بالإحسان فيسأل المعتدي الساب : (ألكَ حاجة نعينك عليها ؟)(٤) ، أو كانعليه‌السلام يقابلها بموعظة : (إن كنا كما قلتَ : فنستغفر الله ، وإن

ــــــــــــــــ

(١) الصحيفة السجادية ـ دعاء (٤٧) ص ٢٠٢ .

(٢) تهذيب الاخلاق للجاحظ ص ١٩ .

(٣) بحار الأنوار ج ٤٦ ص ٩٦ .

(٤) البداية والنهاية ج ٩ ص ١٠٥ .


لم نكن كما قلت : فغفر اللهُ لك)(١) وقد أقرَّ ابن حجر بأن (زين العابدين كان عظيم التجاوز والعفو والصفح)(٢)

وقد قرأنا سابقاً ان إسماعيل بن هشام المخزومي كان يبالغ ، وقت ولايته على المدينة ، في إيذاء الإمام السجادعليه‌السلام وعندما عزله الوليد وأوعز بإيقافه للناس لاستيفاء حقوقهم منه ، عهد الإمامعليه‌السلام إلى أصحابه ومواليه أن لا يتعرضوا له بمكروه بل أسرععليه‌السلام إليه قائلاً : ( يا ابن العم عافاك الله لقد ساءني ما صنُع بك فادعنا إلى ما أحببت ...)(٣)

وتُسقط الجارية العارفة إبريق الوضوء على وجهه فتخدشه ، فتبادره : (...( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ) )(٤) ! فيجيبهاعليه‌السلام : (كظمتُ غيظي) ثم تقول : (( وَالْعَافِينَ عَنِ النّاسِ ) ) فيجيبهاعليه‌السلام : (عفا الله عنك) ثم تطمع فتقول : (( وَاللّهُ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ ) ) فيجيبهاعليه‌السلام : (إذهبي فأنت حرة لوجه الله)(٥)

ــــــــــــــــ

(١) صفة الصفوة ج ٢ ص ٥٤ .

(٢) الصواعق المحرقة ص ١١٩ .

(٣) طبقات ابن سعد ج ٥ ص ٢٢٠ .

(٤) سورة آل عمران : الآية ١٣٤ والآية هي : (...( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللّهُ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ )

(٥) تأريخ دمشق ج ٣٦ ص ١٥٥ .


وكانعليه‌السلام باراً بجيرانه وجلسائه وأصحابه ومحبيه وأعدائه أيضاً وكان يصيب جيرانه من صالح دعواته : ( واجعلني اللهم أجزي بالإحسان مسيئُهم ، واعرضُ بالتجاوُزِ عن ظالمهم ، وأستعملْ حُسْنَ الظنِّ في كافتهم ، وأتولى بالبرِّ عامتُهم ، وأغضُّ بصري عنهم عفةً ، وألينُ جانبي لهم تواضعاً ، وأرقّ على أهل البلاء منهم رحمةً ، وأسرّ لهم بالغيب مودّة ، وأحبُّ بقاءَ النعمة عندهُم نُصحاً ، وأوجِبُ لهم ما أوجِبُ لحامتي(١) ، وأرعى لهم ما أرعى لخاصتي ...)(٢)

وكانعليه‌السلام يكرم جلسائه ، ويقول : (ما جلس إليّ أحدٌ قط إلا عرّفت له فضله)(٣) وكانعليه‌السلام يخاطب بعض مريديه في مجلسه ، ويقول : (أبلغ شيعتنا أنه لن يغني عنهم من الله شيء ، وان ولايتنا لا تنال إلا بالورع)(٤)

وتفد جماعة على الإمامعليه‌السلام تزعم انها من شيعته ، فيمعن الإمامعليه‌السلام النظر في وجوههم فلم يرَ عليها أثر التشيع ، فيقولعليه‌السلام لهم : (أين السمت في الوجوه ؟ أين أثر العبادة ؟ أين سيماء السجود ؟ إنما شيعتنا بعبادتهم وشعثهم ، قد قرحت العبادة منهم الآماق ووثرت

ــــــــــــــــ

(١) الحامة : الأقارب .

(٢) الصحيفة السجادية ـ الدعاء السادس والعشرون ص ١٢١ .

(٣) بهجة المجالس للقرطبي ج ١ ص ٤٦ .

(٤) الدر النظيم ص ١٧٣ .


الجباه والمساجد ، خمص البطون ، ذبل الشفاه ، قد هيجت وجوههم ، وأخلق سهر الليالي وقطعَ الهواجر حثيثهم المسبّحون إذا سكت الناس ، والمصلّون إذا نام الناس ، والمحزونون إذا فرح الناس ، والمحزونون إذا فرح الناس ، يعرفون بالزهد ، وشاغلهم الجنّة ...)(١) و(إني لأدعو لمذنبي شيعتنا في اليوم والليلة مائة مرة ، لأنا نصبر على ما نعلم ويصبرون على ما لا يعلمون)(٢)

ويدخل عليه نصر بن أوس الطائي ، فيرحب به الإمامعليه‌السلام ويقول : (ممن أنت ؟) فقال : من طي فقالعليه‌السلام : (حياك الله ، وحيا قوماً عُزيت إليهم ، نعم الحي حيك) فالتفت الطائي إلى الإمامعليه‌السلام فقال له : من أنت ؟ فقالعليه‌السلام : (علي بن الحسين) فقال الطائي : أو لم يقتل بالعراق مع أبيه ؟ فقال الإمامعليه‌السلام : (لو قتل يا بُني لم تره)(٣) ، ولم يزد على ذلك بشيء .

وكان حسن خلقه يشمل أعداءه وظالميه فكانعليه‌السلام يدعو لهم بالمغفرة أيضاً ، فيقول : (اللهم وأيّما عبد نال مني ما حظرت عليه ، وانتهك مني ما حجرت عليه ، فمضى بظلامتي ميتاً ، أو حصلت لي قبله حياً ، فاغفر له ما ألمّ به مني ، وأعف له عما أدبر به عني ، ولا

ــــــــــــــــ

(١) صفات الشيعة .

(٢) الوافي ج ٢ ص ١٨٣ .

(٣) تأريخ دمشق ج ٣٦ ص ١٤٥ .


تقفه على ما ارتكب في ، ولا تكشفه عما اكتسب بي ، واجعل ما سمحت به من العفو عنهم ، وتبرّعتُ به من الصدقة عليهم أزكى صدقات المتصدقين وأعلى صلاتِ المتقربين ، وعوضني من عفوي عنهم عفوك ، ومن دعائي لهم رحمتك حتى يسعَدَ كلّ واحدٍ منا بفضلكَ ، وينجو كل منَّا بمنِّك)(١)

ويُنقل لهعليه‌السلام : ان فلاناً ينسبك إلى الضلال والإبداع ، فيقول للناقل : ( ما رعيت حق مجالسة الرجل حيث نقلت كلامه إلينا ، ولا رعيت حقي حيث أبلغتني عن أخي ما لست أعلمه ان الموت يعمنّا ، والبعث محشرنا ، ويوم القيامة موعدنا ، والله يحكم فينا إياك والغيبة فإنها ادام كلاب النار )(٢)

الأفضلية في الإحسان

والإحسانت هو بذل النفس ومال والجهد من أجل الغير وإذا أدركنا أن المجتمع يحوي شرائح إجتماعية بحاجة إلى طعام وكساء وحنان ورحمة ، عرفنا موقع الإمام زين العابدينعليه‌السلام في أعين الناس في النصف الثاني من القرن الأول الهجري فعدم عدالة الدولة في

ــــــــــــــــ

(١) الصحيفة السجادية ـ الدعاء التاسع والثلاثون ص ١٦٣ .

(٢) الإحتجاج للطبرسي ص ١٧٢ ومشكاة الأنوار ص ٢٩١ .


العطاء ، والعجز الجسدي والشيخوة ، واليتم ، وعدم وجود فرص للإكتساب كلها تساعد على وجود طبقة فقيرة بين الناس فكان من الإمامعليه‌السلام أن ساهم ـ بقدر إستطاعته ـ في سد هذا النقص عبر الكرم والسخاء والبر بالفقراء والمساكين .

ولابد أن نلحظ في هذا السياق مبدأين :

الأول : وجود طبقة فقيرة في المجتمع آنذاك ، لم تستطع أن تنهض بنفسها فتخرج من دائرة الفقر لأن الدولة كانت منغمسة في اللهو والفساد وإضاعة مال المسلمين ، ولم تساعد تلك الطبقة على الإستثمار والعمل ولم أجد في المصادر التأريخية ما يدعوني إلى الإعتقاد بوجود رخاء إجتماعي عام ، إلا في دائرة نخبة السلطان .

الثاني : لم تكن يد الإمام مبسوطة في الدولة حتى يستطيع معالجة الفقر معالجة جذرية فكان البلسم الوحيد للمشكلة هو تصديه شخصياً لمساعدة الفقراء ، عبر حمل الطعام إليهم ، ومنحهم ما يكسوهم ، ويسدّ ديونهم .

فكانعليه‌السلام من أسخى الناس في زمانه ، وأنداهم كفاً ، وأبرّهم بالفقراء والمساكين وكانعليه‌السلام مصداقاً لقوله تعالى : (( الّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلاَ أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِم وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) )(١) . فكان

ــــــــــــــــ

(١) سورة البقرة : الآية ٢٦٢ .


يطعم الناس ظهيرة كل يوم في داره(١) ، وكان يعيل سراً مائة بيت أو يزيدون في المدينة(٢) ، وهذا عدد كبير من البيوت إذا لحظنا مساحة المجتمع المدني في ذلك الزمان وتواضع حجم المدينة وعدم كونها عاصمة للدولة .

وكانعليه‌السلام يحثّ على صدقة السر ويقول : ( إنها تطفئ غضب الرب )(٣) ، وكان يخرج في غلس الليل متخفياً فيوصل الفقراء بعطاياه ، فإذا سمعوه يدنو منهم قالوا : جاء صاحب الجراب(٤) يحث كان يضع الطعام الذي يوزعه على الفقراء في جراب ويحمله ، فترك أثراً على ظهره(٥) ولما غسّل الإمامعليه‌السلام قبل دفنه وجد على كتفيه ذلك الأثر(٦) ، كما ذكرنا ذلك سابقاً .

وكانعليه‌السلام إذا أعطى سائلاً قبّله لئلا يرى عليه أثر الذل والحاجة(٧) ، وكان إذا قصده سائل رحب به وقال له : ( مرحباً بمن

ــــــــــــــــ

(١) تأريخ اليعقوبي ج ٣ ص ٦ .

(٢) تهذيب اللغات والأسماء ص ٣٤٣ .

(٣) تذكرة الحفاظ ج ١ ص ٧٥ .

(٤) بحار الأنوار ج ٤٦ ص ٨٩ .

(٥) تذكرة الحفاظ ج ١ ص ٧٥ .

(٦) تأريخ اليعقوبي ج ٣ ص ٤٥ .

(٧) الحلية ج ٣ ص ١٣٧ .


يحمل زادي إلى دار الآخرة )(١) وكان يناول الطعام للفقراء ولأهل الحاجة بيده(٢) ، ويكرّه إجتذاذ النخل في الليل حتى لا يحرم الفقراء منه ، وكان يقول : ( الضغث تعطيه من يسأل فذلك حقه يوم حصاده )(٣)

ونهىعليه‌السلام عن رد السائل ، وكان يؤكد : ( أعطوا السائل ، ولا تردوه )(٤) ، و( لا يعبر على بابي سائل إلا أطعمتموه فإن اليوم يوم جمعة )(٥) ، و( ما من رجل تصدق على مسكين مستضعف فدعا له المسكين بشيء في تلك الساعة إلا أستجيب له )(٦)

قال ابن عائشة : سمعت أهل المدينة يقولون : ما فقدنا صدقة السر حتى مات علي بن الحسين(٧) وعاش جماعة من أهل المدينة وهم لا يعلمون من أين يأتيهم معاشهم ، فلما مات علي بن الحسين

ــــــــــــــــ

(١) صفة الصفوة ج ٢ ص ٥٣ .

(٢) بحار الأنوار ج ٤٦ ص ٦٢ .

(٣) وسائل الشيعة ج ٦ ص ١٣٨ .

(٤) الكافي ج ٤ ص ١٥ .

(٥) دار السلام للنوري ج ٢ ص ١٤١ .

(٦) وسائل الشيعة ج ٦ ص ٢٩٦ .

(٧) صفة الصفوة ج ٢ ص ٥٤ .


فقدوا ما كان يؤتونه بالليل(١) وكانعليه‌السلام شديد التكتم في صلاته وهباته فكان إذا ناول أحداً شيئاً غطى وجهه لئلا يعرفه(٢)

وكان له ابن عم يأتيه بالليل فيناوله شيئاً من الدنانير ، فيقول له : إن علي بن الحسين لا يوصلني ، ويدعو عليه فيسمع الإمامعليه‌السلام ذلك ويغضي عنه ولا يعرّفه نفسه ولما توفيعليه‌السلام فقد الصلة ، فعلم أن الذي كان يوصله هو الإمام فكان يأتي إلى قبره باكياً معتذراً منه(٣)

وقاسم السجادعليه‌السلام أمواله مرتين فأخذ قسماً له ، وتصدق بالقسم الآخر على الفقراء والمساكين(٤)

أقول : وهذه سنّة حسنّة هنيئاً لمن يحييها ، فمقاسمة المال بين المالك والمساكين من أعظم مصاديق الإيمان ، لأن الله تبارك وتعالى هو المالك الحقيقي ، وما نملكه نحن لا يعدو كونه وسيلة من وسائل العيش والحياة .

ولم يقتصر في إحسانه على الإطعام والإيصال ، بل كانعليه‌السلام يتصدق بثيابه ، فيلبس في الصيف ثوبين من متاع مصر ، ويتصدق بهما

ــــــــــــــــ

(١) الأغاني ج ١٥ ص ٣٢٦ .

(٢) بحار الأنوار ج ٤٦ ص ٦٢ .

(٣) بحار الأنوار ج ٤٦ ص ١٠٠ .

(٤) البداية والنهاية ج ٩ ص ١٠٥ .


إذا جاء الشتاء(١) ، وهو يقول : ( إني لأستحي من ربي أن آكل ثمن ثوب قد عبدت الله فيه )(٢)

وهوعليه‌السلام المأثور عنه بقضاء حوائج المؤمنين وديونهم ، فما أن يعلم ان على أحدٍ ديناً حتى يؤدي عنه ، وكان يبادر لقضاء حوائج الناس خوفاً من أن يقوم بقضائها غيره فيحرم الثواب ، وقد قال : ( إن عدوي يأتيني بحاجة فأبادر إلى قضائها خوفاً من أن يسبقني أحد إليها أو أو يستغني عنها فتفوتني فضيلتها ((٣) .

فعندما يعود الإمامعليه‌السلام مريضاً مثل محمد بن أسامة فيشتكي أن عليه ديناً بخمسة عشر ألف دينار ، فما يكون من الإمام إلا أن يتعهد بدفعها ولم يقمعليه‌السلام من مجلسه حتى دفعها له(٤)

ولكنهعليه‌السلام عندما لا يجد مالاً في بعض الأوقات لقضاء ديون المؤمنين يتألم ويبكي ويقول : ( أية محنة أو مصيبة أعظم على حرّ من أن يرى بأخيه المؤمن خلّة فلا يمكنه سدها )(٥)

ــــــــــــــــ

(١) تأريخ دمشق ج ٣٦ ص ١٦١ .

(٢) ناسخ التواريخ ج ١ ص ٦٧ .

(٣) ناسخ التواريخ ج ١ ص ١٣ .

(٤) الحلية ج ٣ ص ١٤١ .

(٥) أمالي الصدوق .


وعندما يرى إنساناً قد برأ من المرض يقول لهعليه‌السلام : ( يهنئك الطهور من الذنوب ان الله قد ذكرك فاذكره ، واقالك فاشكره )(١)

وبالإجمال ، فان الإمام السجادعليه‌السلام كان مصداقاً من مصاديق رحمة الإسلام بالناس ، وقيمة أخلاقية حيّة من قيم الإسلام التي تحترم الإنسان مهما كان وضعه الإجتماعي أو الطبقي المفروض عليه .

الأفضلية في الزهد

وقد عرف في عصره أنهعليه‌السلام من أزهد الناس وكان زهده يميل إلى الجانب الإدراكي العقلي منه إلى المظهر الخارجي ، وهذا أعظم انواع الزهد أي أنه طلّق الدنيا في عقله وأبعدها عن نفسه ، وأصبح مظهرها له قبيحاً وزينتها كريهة فالدنيا في نظرهعليه‌السلام أمر تافه لا ينبغي الحزن على زوالها أو البكاء على فقدان متعها .

ولذلك فلا غرابة من تأثره لبكاء ذلك السائل الفقير وتململه ، بقولهعليه‌السلام : ( لو ان الدنيا كانت في كف هذا ثم سقطت منه لما كان ينبغي له أن يبكي عليها ((٢) .

وشخصية كشخصية السجادعليه‌السلام المتألقة في الزهد والعفاف ، لابد ان تعظ الناس وتزهدهم في الدنيا وترغبهم في أعمال الآخرة وكان يفعل ذلك كل جمعة في مسجد رسول الله (ص(،

ــــــــــــــــ

(١) تحف العقول ص ٦٧ .

(٢) الفصول المهمة ص ١٩٢ .


فيقول : ( أيها الناس ، اتقوا الله واعلموا أنكم إليه ترجعون يا بن آدم ، إن أجلك أسرع شيء إليك ، قد أقبل نحوك حثيثاً يطلبك ويوشك أن يدركك ، وكأن قد أوفيت أجلك وقبض الملك روحك إلى قبرك وحيداً ، فردّ إليك فيه روحك ، واقتحم عليك فيه ملكان ناكر ونكير لمساءلتك وشديد امتحانك فاتقوا الله عباد الله ، واعلموا أن الله عزّ وجلّ لم يحبّ زهرة الدنيا وعاجلها لأحد من أوليائه ، ولم يرغّبهم فيها وفي عاجل زهرتها وظاهر بهجتها ، وإنما خلق الدنيا وأهلها ليبلوهم فيها أيهم أحسن عملاً لآخرته ، وأيم الله لقد ضرب لكم فيه الأمثال ، وعرّف الآيات لقوم يعقلون ، ولا قوة إلا بالله ، فازهدوا فيما زهّدكم الله عزّ وجلّ فيه من عاجل الحياة الدنيا ولا تركنوا إلى زهرة الدنيا وما فيها ركون من أتخذها دار قرار ومنزل استيطان ، فإنها دار بلغة ، ومنزل قلعة ، ودار عمل ، فتزوّدوا الأعمال الصالحة فيها قبل تفرّق أيامها ، وقبل الإذن من الله في خرابها جعلنا الله وإياكم من الزاهدين في عاجل زهرة الحياة الدنيا ، الراغبين لآجل ثواب الآخرة ((١) .

وكانعليه‌السلام غالباً ما يكرر ان الزهد تلخصه أية من آيات الكتاب المجيد ، وهي : (( لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى‏ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا

ــــــــــــــــ

(١) الكافي ج ٨ ص ٧٢ ـ ٧٦ .


آتَاكُمْ ) )(١) . وهذا هو زهد النفس والعقل وهو يبدأ بتمرين العقل على ترك التفكير بالملذات ، ثم تدريب الجسد على الإقتصار على الضروريات ومعنى الآية عدم الإبتهاج بالدنيا ومكتسباتها ، وعدم الحزن والأسى بزوالها ؛ وهو أرقى أنواع الزهد .

الزهد في فكر الإمامعليه‌السلام

الزهد عند السجادعليه‌السلام لابد ان يحمل علامتين الأولى : ان يكون للزاهد ضوابط شرعية يسير بمقتضاها والثانية : ان الزاهد الحقيقي له مصداق رباني ، وهو حب الرحمن له .

١ ـ علامة الزاهدين : ( إن علامة الزاهدين ، الرغبين في الآخرة ، تركهم كل خليط وخليل ، ورفضهم كل صاحب لا يريد ما يريدون ألا وأن العامل لثواب الآخرة هو الزاهد في عاجل زهرة الدنيا ، الآخذ للموت أهبته ، الحاثّ على العمل قبل فناء الأجل ، ونزول ما لابد من لقائه ، وتقديم الحذر قبل الحين(٢) فإن الله عزّ وجلّ يقول : (( حَتّى‏ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبّ ارْجِعُونِ * لَعَلّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيَما تَرَكْتُ ) (٣) ، فلينزلنّ أحدكم اليوم نفسه في

ــــــــــــــــ

(١) سورة الحديد : الآية ٢٣ .

(٢) الحين : الهلاك .

(٣) سورة المؤمنون : الآية ٩٩ ـ ١٠٠ .


هذه الدنيا كمزلة المكرور إلى الدنيا ، النادم على ما فرط فيها من العمل الصالح ليوم فاقته.

واعلموا عباد الله ، أنه من خاف البيات تجاف عن الوساد ، وامتنع عن الرقاد ، وأمسك عن بعض الطعام والشراب ، من خوف سلطان أهل الدنيا فكيف ـ ويحك يا ابن آدم ـ من خوف بيات سلطان رب العزة ، وأخذه الأليم وبياته لأهل المعاصي والذنوب ، مع طوارق المنايا بالليل والنهار ، فذلك البيات الذي ليس فيه منجى ، ولا دونه ملتجأ ولا منه مهرب فخافوا الله أيها المؤمنون من البيات خوف أهل التقوى ، فان الله يقول : (( ذلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ) )(١) فاحذروا زهرة الحياة الدنيا وغرورها وشرورها ، وتذكروا عاقبة الميل إليها فإن زينتها فتنة ، وحبها خطيئة .

واعلم ويحك يا ابن آدم أن قسوة البطنة ، وفطرة الميلة ، وسكرة الشبع ، وعزة الملك مما يثبط ويبطئ عن العمل ، وينسي الذكر ، ويلهي عن اقتراب الأجل ، حتى كأنّ المبتلى بحب الدنيا به خبل من سكر الشراب وان العاقل عن الله ، الخائف منه ، ليمرّن نفسه ، ويعوّدها الجوع حتى ما تشتاق إلى الشبع ، وكذلك تضمر الخيل(٢) لسبق الرهان .

ــــــــــــــــ

(١) سورة إبراهيم : الآية ١٤ .

(٢) تضمير الخيل : حجبها عن الأكل حتى تهزل لتستطيع سبق الرهان .


فاتقوا الله عباد الله تقوى مؤمّل ثوابه ، وخائف عقابه ، فقد اعذر الله تعالى وانذر وشوّق وخوّف ، فلا أنتم إلى ما شوّقكم إليه من كريم ثوابه تشتاقون فتعملون ، ولا أنتم مما خوّفكم من شديد عقابه وأليم عذابه ترهبون فتنكلون ، وقد نبأكم الله في كتابه أنه (( فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنّا لَهُ كَاتِبُونَ ) )(١) . ثم ضرب لكم الأمثال في كتابه ، وصرف الآيات لتحذروا عاجل زهرة الحياة الدنيا ، فقال : (( أَنّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) )(٢) . فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا .

فاتقوا الله واتعظوا بمواعظ الله ، وما اعلم إلا كثيراً منكم قد نهكته عواقب المعاصي فما حذرها ، واضرت بدينه فما مقتها ، أما تسمعون النداء من الله بعيبها وتصغيرها حيث قال : (( اعْلَمُوا أَنّمَا الْحَيَاةُ الدّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَبَاتُهُ ثُمّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَراً ثُمّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدّنْيَا إِلّا مَتَاعُ الْغُرُورِ * سَابِقُوا إِلَى‏ مَغْفِرَةٍ مِن رَبّكُمْ وَجَنّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدّتْ لِلّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ

ــــــــــــــــ

(١) سورة الأنبياء : الآية ٩٤ .

(٢) سورة التغابن : الآية ١٥ .


ذلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) )(١) ، وقال : (( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدّمَتْ لِغَدٍ وَاتّقُوا اللّهَ إِنّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلاَ تَكُونُوا كَالّذِينَ نَسُوا اللّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) )(٢) . فاتقوا الله عباد الله ، وتفكروا واعملوا لما خلقتم له ، فإن الله لم يخلقكم عبثاً ولم يترككم سدى ، قد عرّفكم نفسه ، وبعث إليكم رسوله ، وأنزل عليكم كتابه فيه حلاله وحرامه ، وحججه وأمثاله فاتقوا الله فقد أحتجّ عليكم ربكم فقال : (( أَلَمْ نَجْعَل لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النّجْدَيْنِ ) )(٣) . فهذه حجة عليكم ، فاتقوا الله ما استطعتم فإنه لا قوة إلا بالله ، ولا تتكلوا إلا عليه ، وصلى الله على محمد وآله )(٤)

٢ ـ مصداق الزاهدين : عندما دخلت مجموعة عبّاد البصرة وزهادها مكة للحج ، وقد اشتد بالناس العطش لقلّة الغيث ، فزع إليهم أهل مكة يسألونهم الاستسقاء .

قال الراوي : ( فأتينا الكعبة وطفنا بها ، ثم سألنا الله خاضعين متضرعين بها ، فمنعنا الإجابة فبينما نحن كذلك إذا بفتىً قد أقبل ،

ــــــــــــــــ

(١) سورة الحديد : الآية ٢٠ ـ ٢١ .

(٢) سورة الحشر : الآية ١٨ ـ ١٩ .

(٣) سورة البلد : الآية ٨ ـ ١٠ .

(٤) تحف العقول ص ١٩٦ ـ ١٩٨ .


وقد أكربته أحزانه ، وأقلقته أشجانه ، فطاف بالكعبة أشواطاً ، ثم أقبل علينا فقال : يا مالك بن دينار ، ويا فلان بن فلان ، ويا ...

فقلنا : لبيك وسعديك يا فتى !

فقال : أما فيكم أحدٌ يحبّه الرحمن ؟

فقلنا : يا فتى علينا الدعاء وعليه الإجابة !

فقال : أبعدوا عن الكعبة ، فلو كان فيكم أحد يحبّه الرحمن لأجابه ! ثم أتى الكعبة ، فخرّ ساجداً ، فسمعته يقول في سجوده : ( سيدي بحبك لي إلاّ سقيتهم الغيث ( .

قال : فما استتمّ الكلام حتى أتاهم الغيث كأفواه القرب ! فسئل عنه فقيل : هذا علي بن الحسينعليه‌السلام )(١)

الأفضلية في العبادة

وكان السجادعليه‌السلام أفضل العبّاد في زمانه ، ذلك أنه كان يتفانى في عبادة مولاه العظيموشكره على جميل نعمه وألطافه وكان يتسامى في وضوئه وصلاته ودعائه وتسبيحه وصيامه وعتقه وحجه وإحرامه ومناجاته في البيت الحرام ، ويقول : ( إني أكره أن أعبد الله ولا غرض لي إلا ثوابه ، فأكون كالعبد الطامع إن طمع عمل ،

ــــــــــــــــ

(١) الاحتجاج ص ٣١٦ ـ ٣١٧ .


وإلا لم يعمل وأكره أن أعبده لخوف عذابه ، فأكون كالعبد السوء إن لم يخف لم يعمل ) فسئل : بم تعبده ؟ قالعليه‌السلام : ( أعبده لما هو أهله بأياديه وأنعامه )(١) وهذا مرآة لما قاله أمير المؤمنينعليه‌السلام : ( آلهي ما عبدتك طمعاً في جنتك ولا خوفاً من نارك ، وإنما وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك ) وينسب للصادقعليه‌السلام هذا القول : ( إن قوماً عبدوا الله عزّ وجلّ رهبة فتلك عبادة العبيد ، وآخرين عبدوه رغبة فتلك عبادة التجار ، وقوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار )(٢)

ولفظ الكراهة في قولهعليه‌السلام : ( إني أكره أن أعبد الله ولا غرض لي إلا ثوابه ) محمول على عدم اقتران العبادة بالإخلاص التام والكراهية لا تبطل العمل ، بل تختزل حسناته ولاشك ان الإخلاص التام في العبادة من رتب الأولياء فأرقى درجات العبادة هي الإخلاص الكامل له تعالى ومعرفة حقه على عباده ولكن العباد درجات ، فإذا قصد المتعبد الطمع بالجنّة أو إتقاء النار فلا ينافي ذلك من قبول العمل ، وقد ورد في الآيات والأحاديث ما يؤيد ذلك قال تعالى : (( وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) )(٣) ، وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام في بعض أوقافه : ( هذا ما

ــــــــــــــــ

(١) تفسير العسكري ص ١٣٢ .

(٢) البداية والنهاية ج ٩ ص ١٠٥ .

(٣) سورة الأعراف : الآية ٥٦ .


أوصى به عبد الله على ابتغاء وجه الله ليولجني به الجنة ويصرفني به عن النار )(١)

وكان إذا أراد الوضوء اصفرّ لونه ، فيقول له أهله : ما هذا الذي يعتريك عند الوضوء ؟ فيقولعليه‌السلام : ( أتدرون بين يدي من أقوم ؟ )(٢) وكانعليه‌السلام يهئ الماء لطهوره ويخمره قبل أن ينام ، فإذا قام من الليل بدأ بالسواك ثم يشرع في الوضوء ويقبل على صلاته(٣) وكانعليه‌السلام يتطيب للصلاة من قارورة عطر يضعها عند مسجد صلاته(٤) ويلبسعليه‌السلام الصوف في صلاته مبالغة في إذلال نفسه أمام الله عزّ وجلّ(٥)

وإذا قام إلى الصلاة غشي لونه لونٌ آخر ، وكانت أعضاؤه ترتعد من خشية الله ، وكان يقف في صلاته موقف العبد الذليل بين يدي الملك الجليل ، وكان يصلي صلاة مودّع يرى انه لا يصلي بعدها أبداً .

ــــــــــــــــ

(١) مرآة العقول للمجلسي ج ٢ ص ١٠١ .

(٢) سير أعلام النبلاء ج ٤ ص ٢٣٨ .

(٣) صفة الصفوة ج ٢ ص ٥٣ .

(٤) بحار الأنوار ج ٤٦ ص ٥٨ .

(٥) بحار الأنوار ج ٤٦ ص ١٠٨ .


ومن خشوعه في صلاته أنه كان إذا سجد لا يرفع رأسه حتى يرفض عرقاً(١) ، وكأنه غمس في الماء من كثرة دموعه وبكائه(٢) ولما رأى أبو حمزة الثمالي سقوط رداءهعليه‌السلام من أحد منكبيه وهو في صلاته فلم يسوه ، سأله عن ذلك ، فقالعليه‌السلام له : (ويحك أتدري بين يدي من كنت ؟ ان العبد لا يقبل من صلاته إلا ما أقبل عليه منها بقلبه )(٣)

ومن شدة إنشغالهعليه‌السلام بربه عزّ وجلّ ان ولداً له سقط في بئر ففزع الناس فانقذوه ، وكانعليه‌السلام يصلي في محرابه ، ولم يشعر بذلك ولما انتهى من صلاته أخبر عن ذلك ، فقال : ( ما شعرت ، إني كنت أناجي رباً عظيماً )(٤)

لم يشغله شيء عن صلاته وارتباطه بالله عزّ وجلّ يروى أن حريقاً وقع في بيته ، وكانعليه‌السلام مشغولاً بصلاته ولم يعتن به ولما فرغ من صلاته أخبر به ، فقال : ( ألهتني عنها النار الكبرى )(٥)

وكانعليه‌السلام يقضي ما فاته من نافلة النهار بالليل ، وكان يوصي أبناءه بذلك ، ويقول لهم : ( يا بني ليس هذا عليكم بواجب ،

ــــــــــــــــ

(١) تهذيب الأحكام ج ٢ ص ٢٨٦ .

(٢) بحار الأنوار ج ٤٦ ص ١٠٨ .

(٣) علل الشرائع ص ٨٨ .

(٤) بحار الأنوار ج ٤٦ ص ٩٩ .

(٥) صفوة الصفوة ج ٢ ص ٥٢ .


ولكن أحب لمن عوّد نفسه منكم عادةً من الخير أن يدوم عليها )(١) وكان لا يدع صلاة الليل في السفر والحضر(٢)

وكانعليه‌السلام كثير السجود ، فعندما يسجد سجدة الشكر ، ويقول فيها مائة مرة : ( الحمد لله شكراً ) كان يقول بعدها : ( ياذا المن الذي لا ينقطع أبداً ، ولا يصحيه غيره عدداً ، وياذا المعروف الذي لا ينفذ أبداً ، يا كريم يا كريم )(٣) وكانت للإمام السجاد خريطة ديباج صفراء ، فيها تربة قبر الحسينعليه‌السلام ، فإذا حضرت الصلاة سجد عليها )(٤)

وتحكي مولاته عن صلاته وصيامه بقولها : ( ما فرشت له فراشاً بليلٍ قط ولا أتيته بطعام في نهارٍ قط )(٥) يفهم من قولها انه كان قائماً ليله ، صائماً نهاره .

ولما شاهدت عمته فاطمة بنت علي بن أبي طالب ما ناء به من الجهد والإجتهاد في العبادة خافت عليه الهلاك ، وهو بقية السلف ومعقد الآمال فجاءت إلى الصحابي الجليل جابر بن عبدالله الأنصاري وهو من خواصهم وله فضل صحبة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلّه

ــــــــــــــــ

(١) صفوة الصفوة ج ٢ ص ٥٣ .

(٢) كشف الغمة ج ٢ ص ٢٦٣ .

(٣) وسائل الشيعة ج ٤ ص ١٠٧٩ .

(٤) بحار الأنوار ج ٤٦ ص ٧٩ ، باب ٥ ، ح ٧٥ .

(٥) علل الشرائع للصدوق ص ٨٨ .


يستطيع أن يخفف العناء عن الإمامعليه‌السلام فقالت له : يا صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ان لنا عليكم حقوقاً ، ومن حقنّا عليكم ان إذا رأيتم أحدنا يهلك نفسه إجتهاداً تذّكرونه الله تعالى وتدعونه إلى البقيا على نفسه ، وهذا علي بن الحسين قد انخرم أنفه وثفنت جبهته وركبتاه وراحتاه إدآباً منه لنفسه في العبادة .

فأتى جابر باب علي بن الحسين فاستأذن ودخل على السجادعليه‌السلام وهو في محرابه قد أنضته العبادة فنهض الإمامعليه‌السلام إليه وسأله عن حاله وأجلسه إلى جنبه ، فقال له جابر : يا ابن رسول الله أما علمت ان الله خلق الجنّة لكم ولمن أحبكم وخلق النار لمن أبغضكم وعاداكم ، فما هذا الجهد الذي كلفته نفسك .

فقال علي بن الحسينعليه‌السلام : ( يا صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أما علمت أن رسول الله قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فلم يدع الإجتهاد له وتعبد بأبي هو وأمي حتى انتفخ الساق وورم القدم فقيل له : أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( أفلا أكون عبداً شكوراً ) فلما رأى جابر تصميم السجادعليه‌السلام على ذلك ، قال : يا ابن رسول الله البقيا على نفسك ، فإنك لمن أسرة بهم يستدفع البلاء ويستكشف الأدواء وهبم تستمطر السماء .


فقالعليه‌السلام : يا جابر لا أزال على منهاج أبوي متأسياً بهما صلوات الله عليهما حتى ألقاهما ) فأقبل جابر على من حضر ، وقال : ( والله ما رؤي في أولاد الأنبياء مثل علي بن الحسين إلا يوسف بن يعقوب )(١)

وذكر الإمام الصادق أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهما‌السلام فأطراه بما هو أهله ، وقال : ( والله ما أكل من الدنيا حراماً قط ولم يشبهه أحد من ولده ولا أهل بيته في لباسه وفقهه وعبادة إلا علي بن الحسينعليه‌السلام ، ولقد دخل عليه ابنه الباقرعليه‌السلام فلما رآه قد بلغ من العبادة ما لم يبلغه غيره حتى أصفرّ لونه من السهر ورمصت عيناه(٢) من البكاء ، وجبرت جبهته ، وانخرم أنفه من السجود ، وورمت ساقاه من القيام في الصلاة ، فلم يملك نفسه حتى رآه بهذا الحال دون ان اجهش بالبكاء رحمةً له فالتفت إليه أبوه بعد هنيهة وقال : يا بني اعطني بعض تلك الصحف التي فيها عبادة جدي علي بن أبي طالبعليه‌السلام فاعطاه وقرأ شيئاً يسيراً وتركه متضجراً ، وقال : من يقوى على عبادة علي بن أبي طالب )(٣)

ــــــــــــــــ

(١) أمالي الطوسي ص ٤٧ .

(٢) رمصت العين رمصاً ( من باب تعب ) إذا جمدت الرواشح في موقها ( أي في مؤخرها ) .

(٣) الأرشاد للشيخ المفيد .


ورآه أحد مريديه في مسجد الكوفة(١) معفراً وجهه بالتراب ويناجي ربه ، فقال له : يا ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تعذب نفسك وقد فضلّك الله بما فضلّك فبكى وذكر حديثاً عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( ان كل عين باكية يوم القيامة إلا أربعة أعين : عين بكت من خشية الله ، وعين فقئت في سبيل الله ، وعين غضت عن محارم الله ، وعين ساهرة ساجدة يباهي بها الله ملائكته يقول انظروا إلى عبدي قد جافي بدنه عن المضاجع يدعوني خوفاً من عذابي وطمعاً في رحمتي اشهدوا اني قد غفرت له )(٢)

وكانعليه‌السلام يوصل شعبان بشهر رمضان ، ويقول : (صوم شهرين متتابعين )(٣) ولا يتكلم في شهر رمضان إلا بالدعاء والإستغفار والتسبيح والتكبير فإذا أفطر قال : ( اللهم إن شئت أن تفعل فعلت )(٤)

وكانعليه‌السلام يقول في آخر الوتر وهو قائم : ( رب أسأت وظلمت نفسي ، وبئس ما صنعت ، وهذه يداي جزاءً بما صنعت ) ثم

ــــــــــــــــ

(١) هكذا في الرواية ولم يعرف عنه انه ذهب إلى الكوفة عدا المرة التي أخذ فيها أسيراً إلى عبيدالله بن زياد ويحتمل ـ على تقدير عدم التصحيف ـ ان يكون قد مر بالكوفة بعد رجوعه من الشام ايام عبد الملك .

(٢) بحار الأنوار ج ١٧ ص ١٦٠ .

(٣) الوسائل ج ٢ ص ١٢٩ .

(٤) وهذا من سنخ الطاعة المطلقة لله ، لأنه ليس في مقام محاججة خصم أو دفع شبهة .


يبسطهما جميعاً أمام وجهه ، ويقول : ( وهذه رقبتي خاضعة لك لما أتت ) ثم يطأطأ رأسه ويقول : ( ها أنا ذا بين يديك فخذ لنفسك الرضى من نفسي حتى ترضى ، لك العتبى لا أعود لا أعود )(١)

وكان يسبح الله بهذه الكلمات : ( سبحان من أشرق نوره كل ظلمة ، سبحان من قدر بقدرته كل قدرة ، سبحان من احتجب عن العباد بطرائق نفوسهم ، فلا شيء يحجبه ، سبحان الله وبحمده ) .

والمعروف عند أهل العلم أن صلاته كانت تزخر بألوان التضرع والتذلل ومناجاة الله تبارك وتعالى فلا عجب أن ينقل لنا التأريخ كمّاً وافراً من أدعيتهعليه‌السلام في صلاته وصومه وحجه ونحن إذا ننقل صوراً من أدعيته البليغة ، فإننا نرمي كشف جانب من جوانب شخصيته الروحية لنستدل في النهاية على كونه أهل للإمامة الكبرى التي أوصى بها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأهل بيتهعليه‌السلام.

في صلاة الليل :

داوم السجادعليه‌السلام على صلاة الليل ، وأفنى لياليه في عبادة الله بنفس خاشعة ورقبة خاضعة مثقلة بهموم الآخرة وكانعليه‌السلام يدعو الله بعد صلاة الليل بأدعية جليلة تستمطر عفوه وفضله تبارك وتعالى وهذه جملة من أدعيته بعد انتهاء صلاة الليل :

ــــــــــــــــ

(١) من لا يحضره الفقيه ج ١ ص ٣١١ .


١ ـ تمجيد ذو الملك والسلطان : ( ضلّت فيك الصفات ، وتفسخت فيك النعوت ، وحارت في كبريائك لطائف الأوهام ، كذلك أنت الله في أوليتك ، وعلى ذلك أنت دائم لا تزول ، وأنا العبد الضعيف عملاً ، الجسيم أملاً خرجت من يدي أسباب الوصلات إلا ما وصله رحمتك ، وتقطعت عني عصم الآمال إلا ما أنا معتصم به من عفوك قل عندي ما أعتدّ به من طاعتك ، وكثر عليّ ما أبوء به من معصيتك ، ولن يضيق عليك عفو عن عبدك ، وإن أساء فاعف عني )(١)

٢ ـ في مقام الحياء : ( اللهم إنك أمرتني فتركت ، ونهيتني فركبت ، وسوّل لي الخطأ خاطر السوء ففرّطت ، ولا أستشهد على صيامي نهاراً ، ولا أستجير بتهجّدي ليلاً ، ولا تثني عليّ بإحيائها سنّة حاشا فروضك التي من ضيّعها هلك ، ولست أتوسل إليك بفضل نافلةٍ ، مع كثير ما أغفلت من وظايف فروضك ، وتعديت عن مقامات حدودك إلى حرمات إنتهكتها ، وكبائر ذنوبٍ إجترحتها كانت عافيتك لي من فضائحها ستراً )(٢)

ــــــــــــــــ

(١) الصحيفة السجادية ـ الدعاء الثاني والثلاثون ص ١٤٢ .

(٢) الصحيفة السجادية ص ١٤٤ .


٣ ـ في مقام الستر : ( اللهم وإذ سترتني بعفوك ، وتغمدتني(١) بفضلك في دار الفناء ، بحضرة الأكفاء ، فأجرني من فضيحات دار البقاء عند مواقف الأشهاد من الملائكة المقربين ، والرسل المكرّمين ، والشهداء والصالحين ، من جار كنت أكاتمه سيئاتي(٢) ، ومن ذي رحمٍ كنت أحتشم منه(٣) في سريراتي(٤) .(٥)

٤ ـ إنكشاف السرائر : ( اللهم وقد أشرف على خفايا الأعمال علمك ، وانكشف كلّ مستورٍ دون خبرك ، ولا تنطوي عنك دقائق الأمور ، ولا تعزب عنك غيبات السرائر ، وقد استحوذ عليّ عدّوك الذي استنظرك(٦) لغوايتي فأنظرته ، واستمهلك إلى يوم الدين لإضلالي فأمهلته ، فأوقعني وقد هربت إليك من صغائر ذنوب موبقة ، وكبائر أعمالٍ مردية ، حتى إذا فارقت معصيتك ، واستوجبت بسوء سعيي سخطتك ، فتل عني عذار غدره(٧) ، وتلقّاني بكلمة كفره(٨)

ــــــــــــــــ

(١) تغمدتني : شملتني .

(٢) أكاتمه : أخفي عليه .

(٣) احتشم منه : استحي منه .

(٤) سريراتي : الأعمال التي أرتكبها سراً .

(٥) الصحيفة السجادية ص ١٤٥ .

(٦) يشيرعليه‌السلام إلى إبليس الذي طلب مهلة من الله عز وجل لغواية الإنسان حيث قال : (( قَالَ رَبّ فَأَنظِرْنِي إِلَى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) ) سورة الحجر : الآية ٣٦ .

(٧) فتل : اصرف عني العذار : لجام الفرس .

(٨) اشارة الى الآية الكريمة : (( كَمَثَلِ الشّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قَالَ إِنّي بَرِي‏ءٌ مِنكَ إِنّي أَخَافُ اللّهَ رَبّ الْعَالَمِينَ ) ) سورة الحشر : الآية ١٦ .


وتولى البراءة مني ، وأدبر مولياً عني ، فأصحرني(١) لغضبك فريداً ، وأخرجني إلى فناء نقمتك طريداً لا شفيعٌ يشفع لي إليك ، ولا خفيرٌ(٢) يؤمنني عليك ، ولا حصن يحجبني عنك ولا ملاذٌ ألجأ إليه منك فهذا مقام العائذ بك ، ومحلّ المعترف لك فلا يضيقنّ عني فضلك ، ولا يقصرنّ دوني عفوك ، ولا أكن أخيف عبادك التائبين ، ولا أقنط وفودك الآملين ، واغفر لي إنك خير الغافرين )(٣)

٥ ـ في ظلمات التكوين : ( اللهم وأنت حدرتني(٤) ماءً مهيناً من صلب متضائق(٥) ، حرج المسالك(٦) إلى رحمٍ ضيقةٍ سترتها بالحجب ، تصرّفني حالاً عن حال ، حتى انتهيت بي إلى تمام الصورة ، وأثبتّ في الجوارح كما نعت في كتابك(٧) : نطفةً ، ثم علقةً ، ثم

ــــــــــــــــ

(١) أصحرني : أظهرني .

(٢) أصحرني : المجير .

(٣) الصحيفة السجادية ص ١٤٣ .

(٤) حدرتني : انزلتني .

(٥) متضايق العظام : عظام الصلب المتداخلة .

(٦) حجر المسالك : ضيق الطريق .

(٧) اشارة إلى قوله تعالى : ( ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِن طِينٍ * ثُمّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مّكِينٍ * ثُمّ خَلَقْنَا النّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) ) سورة المؤمنون : الآية ١٢ ـ ١٤ .


مضغةً ، ثم عظاماً ، ثم كسوت العظام لحماً ، ثم انشأتني خلقاً آخر كما شئت ، حتى إذا احتجت إلى رزقك ، ولم أستغن عن غياث فضلك ، جعلت لي قوتاً من فضل طعام ، وشراب أجريته لأمتك(١) التي أسكنتني جوفها ، وأودعتني قرار رحمها ، ولو تكلني يا ربّ في تلك الحالات إلى حولي ، أو تضطرّني إلى قوتي لكان الحول عني معتزلاً(٢) ، ولكانت القوة مني بعيدةً ، فغذوتني بفضلك غذاء البرّ اللطيف ، تفعل ذلك بي تطوّلاً عليّ إلى غايتي هذه ، لا أعدم برّك ، ولا يبطئ بي حسن صنيعك ، ولا تتأكد مع ذلك ثقتي ، فأتفرّغ لما هو أحظي لي عندك ، قد ملك الشيطان عناني في سوء الظنّ وضعف اليقين ، فأنا أشكو سوء مجاورته لي(٣) ، وطاعة نفسي له ، واستعصمك من ملكته ، وأتضرع إليك في صرف كيده عني وأسألك في أن تسهّل إلى رزقي سبيلاً فلك الحمد على ابتدائك بالنعم الجسام ، وإلهامك الشكر على الإحسان والإنعام ، فصلّ على محمدٍ وآله وسهّل عليّ رزقي ، وأن تقنّعني بتقديرك لي ، وأن ترضيني بحصتي

ــــــــــــــــ

(١) لأمتك : يريد بها والدته .

(٢) معتزلاً : بعيداً .

(٣) الضمير في ( مجاورته ) يعود الى الشيطان .


فيما قسمت لي ، وأن تجعل ما ذهب من جسمي وعمري في سبيل طاعتك ، إنك خير الرازقين )(١)

٦ ـ التعوذ من ظلمات العذاب : ( اللهم إني أعوذ بك من نارٍ تغلّظت بها على من عصاك ، وتوعّدت بها من صدف عن رضاك ، ومن نارٍ نورها ظلمة ، وهيّنها أليم ، وبعيدها قريب ، ومن نارٍ يأكل بعضها بعض ، ويصول(٢) بعضها على بعض ، ومن نار تذر العظام رميماً ، وتسقي أهلها حميماً(٣) ، ومن نارٍ لا تبقي على من تضرّع إليها ، ولا ترحم من استعطفها ، ولا تقدر على التخفيف عمن خشع لها واستسلم إليها ، تلقى سكانها بأحرّ ما لديها من أليم النكال ، وشديد الوبال وأعوذ بك من عقاربها الفاغرة أفواهها وحيّاتها الصالقة(٤) بأنيابها ، وشرابها الذي يقطّع أمعاء وأفئدة سكانها ، وينزع قلوبهم وأستهديك لما باعد منها ، وأخرّ عنها .

اللهم صلّ على محمد وآله ، وأجرني منها بفضل رحمتك ، وأقلني عثراتي بحسن إقالتك ، ولا تخذلني يا خير المجيرين إنك تقي الكريهة ، وتعطي الحسنة ، وتفعل ما تريد ، وأنت على كل شيء

ــــــــــــــــ

(١) الصحيفة السجادية ص ١٤٥ .

(٢) يصول : يهجم .

(٣) الحميم : المعدن الذائب .

(٤) الصالقة : الضاربة .


قدير اللهم صلّ على محمدٍ وآله إذا ذكر الأبرار ، وصلّ على محمدٍ وآله ما اختلف الليل والنهار صلاةً لا ينقطع مددها ، ولا يحصى عددها ، صلاةً تشحن الهواء وتملأ الأرض والسماء ، صلّى الله عليه حتى يرضى ، وصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد الرضا ، صلاةً لا حدّ لها ولا منتهى ، يا أرحم الراحمين )(١)

شهر رمضان :

وكانعليه‌السلام كثير البرّ في شهر رمضان حيث كان ينوّع مبراته ويوزعها على أهل الحاجة والمسكنة فيأمر بذبح شاة كل يوم ويأمر بطبخها وتوزيعها على الفقراء والأرامل والأيتام ، ولايبقي شيئاً منه لإفطاره ، فيفطر على الخبز والتمر(٢) ، وهو أبسط طعام إذا نظرنا إلى خصوصية ذلك المكان .

وكانعليه‌السلام يعتق العبيد ، مع أنهم كانوا يعيشون معه ويعاملهم معاملة أبنائه ، وكان يقول لهم في مقام تربيتهم : ( ارفعوا أصواتكم وقولوا : يا علي بن الحسين إن ربك قد أحصى عليك كل ما عملت ، كما أحصيت علينا ما عملناه ولديه كتاب ينطق بالحق لا يغادر صغيرة ولا كبيرة مما أتيت إلا أحصاها ، وتجد كل نفس ما

ــــــــــــــــ

(١) الصحيفة السجادية ص ١٤٧ .

(٢) المحاسن ص ٣٩٦ .


عملت لديه حاضراً(١) ، كما وجدنا كل ما عملنا لديك حاضراً ، فاعف واصفح كما ترجو من المليك العفو ، وكما تحب أن يعفو المليك عنك ، فاعف عنا تجده عفوّاً ، ، وبك رحيماً ولك غفوراً ، ولا يظلم ربك أحداً كما لديك كتاب ينطق بالحق علينا ، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة مما أتيناها إلا أحصاها ، فاذكر يا علي بن الحسين ذل مقامك بين يدي ربك الحكم العدل الذي لا يظلم مثقال حبة من خردل ، ويأتي بها يوم القيامة ، وكفى بالله حسيباً وشهيداً ، فاعف واصفح يعف عنك المليك ويصفح ، فإنه يقول :( وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبّونَ أَن يَغْفِرَ اللّهُ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (٢) .

ثم يقول : ( ربنا إنك أمرتنا ان نعفو عمن ظلمنا ، وقد عفونا عمن ظلمنا كما أمرت ، فاعف عنا فإنك أولى بذلك منا ومن المأمورين ، وأمرتنا أن لا نردّ سائلاً عن أبوابنا ، وقد أتيناك سؤّالاً ومساكين ، وقد أنحنا بفنائك وببابك ، نطلب نائلك ومعروفك وعطاءك ، فأمنّن بذلك علينا ولا تخيبنا ، فإنك أولى بذلك منا ومن المأمورين ) .

ــــــــــــــــ

(١) وهو مصداق قوله تعالى :( يَوْمَ تَجِدُ كُلّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً ... ) سورة آل عمران : الآية ٣٠ .

(٢) سورة النور : الآية ٢٢ .


ثم يقبل عليهم ويقول : ( قد عفوت عنكم ، فهل عفوتم عني ؟ ومما كان مني من سوء ملكة ، فإني مليك سوء لئيم ظالم ، مملوك لمليك كريم جواد عادل محسن متفضل ) وإذا كان يوم عيد الفطر أجازهم جائزة سنية تصونهم ، وتغنيهم عما في أيدي الناس(١)

صور من دعائه في شهر رمضان :

وكان من أدب السجادعليه‌السلام مع ربه ، التهيؤ والتعبؤ لإحياء شهر رمضان الذي باركه الله تعالى بنزول القرآن فما ان حلّ الشهر الشريف حتى تهيأ الإمامعليه‌السلام لإحيائه عبر الصلاة والصيام والتوسل إلى الله تعالى والتذلل ، من خلال أدعيته التي أطبقت الآفاق شهرةً :

١ ـ عند رؤيته الهلال : ( سبحانه ما أعجب ما دبّر في أمرك ، وألطف ما صنع في شأنك ، جعلك مفتاح شهرٍ حادثٍ لأمرٍ حادثٍ ، فاسأل الله ربي وربك وخالقي وخالقك ومقّدري ومقّدرك ومصّوري ومصّورك أن يصلي على محمدٍ وآله ، وأن يجعلك هلال بركة لا تقمحها الأيام ، وطهارة لا تدنّسها الأثام ، هلال أمن من الآفات ، وسلامة من السيئات )(٢)

ــــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار ج ٤٦ ص ١٠٣ ـ ١٠٥ .

(٢) الصحيفة السجادية ص ١٧٩ .


٢ ـ معرفة فضل شهر الصيام : ( اللهم صلّ على محمدٍ وآله ، وألهمنا معرفة فضله ، وإجلال حرمته والتحفّظ مما حظرت فيه ، وأعنّا على صيامه بكفّ الجوارح عن معاصيك ، واستعمالها فيه بما يرضيك حتى لا تصغي بأسماعنا إلى لغو ، ولا نسرع بأبصارنا إلى لهو ، وحتى لا نبسط أيدينا إلى محظور ، ولا نخطو بأقدامنا إلى محجور ، وحتى لا تعي يطوننا إلا ما أحللت ، ولا تنطق ألسنتنا إلا بما مثّلث ، ولا نتكلف إلا ما يدني من ثوابك ، ولا نتعاطى إلا الذي بقي من عقابك ، ثم خلّص ذلك كلّه من رئاء المرائين ، وسمعة المستمعين ، لا نشرك فيه أحداً دونك ، ولا نبتغي فيه مراداً سواك )(١)

٣ ـ معرفة الصلاة وآثارها : ( اللهم صلّ على محمدٍ وآله ، وقفنا فيه على مواقيت الصلوات الخمس بحدودها التي حددّت ، وفروضها التي فرضت ، ووظائفها التي وظّفت ، وأوقاتها التي وقّتّ ، وأنزلنا فيها منزلة المصيبين لمنازلها ، الحافظين لأركانها ، المؤدّين لها في أوقاتها ، على ما سنّه عبدك ورسولك صلواتك عليه وآله في ركوعها وسجودها ، وجميع فواضلها على أتم الطهور وأسبغه وأبين الخشوع وأبلغه ، ووفّقنا فيه لأن نصل أرحامنا بالبرّ والصلة وأن نتعاهد جيراننا بالأفضال والعطية ، وأن نخلّص أموالنا من التبعات ، وأن نطهّرنا بإخراج الزكوات ، وأن نراجع من هاجرنا ، وأن ننصف من

ــــــــــــــــ

(١) الصحيفة السجادية ـ الدعاء الرابع والأربعون ص ١٨١ .


ظلمنا ، وأن نسألم من عادانا ، حاشا من عودي فيك ولك(١) فإنه العدوّ الذي لا نواليه ، والحزب الذي لا نصافيه ، وأن نتقرّب إليك فيه من الأعمال الزاكية بما تطهّرنا به من الذنوب ، وتعصمنا فيه مما نستأنف من العيوب ، حتى لا يورد عليك أحدٌ من ملائكتك إلا دون ما نورد من أبواب الطاعة لك ، وأنواع القربة إليك )(٢)

٤ ـ ومن دعائهعليه‌السلام في السحر :

أ ـ إلهي لا تؤدبني بعقوبتك ، ولا تمكر بي في حيلتك ، من أين لي الخير يا ربّ ولا يوجد إلا من عندك ، ومن أين لي النجاة ولا تستطاع إلا بك ، لا الذي أحسن استغنى عن عونك ورحمتك ، ولا الذي أساء واجترأ عليك ولم يرضك خرج عن قدرتك ، يا ربّ بك عرفتك ، وأنت دللتني عليك ودعوتني إليك ، ولولا أنت لم أدر ما أنت )(٣)

ب ـ ( يا حبيب من تحبّب إليك ، ويا قرة عينٍ من لاذ بك ، وانقطع إليك ، أنت المحسن ونحن المسيئون ، فتجاوز يا ربّ عن قبيح ما عندنا بجميل ما عندك ، وأي جهلٍ يا ربّ لا يسعه جودك ؟ وأي زمانٍ أطول من أناتك ؟ وما قدر أعمالنا في جنب نعمك ، وكيف نستكثر

ــــــــــــــــ

(١) ولك : أي لأجلك .

(٢) الصحيفة السجادية ص ١٨٢ .

(٣) المصباح للكفعمي .


أعمالاً نقابل بها كرمك ، بل كيف يضيق على المذنبين ما وسعهم من رحمتك ، يا واسع المغفرة ، يا باسط اليدين بالرحمة ، فوعزّتك لو نهرتني ما برحت من بابك ، ولا كففت عن تملقك لما انتهى إليّ من المعرفة بجودك وكرمك )(١)

ج ـ ( اللهم اني كلما قلت قد تهيأت وتعبأت وقمت للصلاة بين يديك ، وناجيتك ألقيت عليّ نعاساً إذ أنا صليت سريرتي ، وقرب من مجالس التوابين مجلسي ، عرضت لي بلّيةٌ أزالت قدمي ، وحالت بيني وبين خدمتك سيدي لعلك عن بابك طردتني وعن خدمتك نحيتني ، أو لعلك رأيتني مستخفّاً بحرمتك فأقصيتني ، أو لعلك رأيتني معرضاً عنك فلقيتني ، أو لعلك وجدتني في مقام الكاذبين فرفضتني ، أو لعلك رأيتني غير شاكرٍ لنعمائك فحرمتني ، أو لعلك فقدتني من مجالس العلماء فخذلتني ، أو لعلك رأيتني في الغافلين فمن رحمتك آيستني ، أو لعلك رأيتني ألفّ مجالس البطالين فبيني وبينهم خليتني ، أو لعلك لم تحب أن تسمع دعائي فباعدتني ، أو لعلك بجرمي وجريرتي كافيتني ، أو لعلك بقلّة حيائي منك جازيتني فإن عفوت يا ربّ فطالما عفوت

ــــــــــــــــ

(١) المصدر السابق .


عن المذنبين قبلي ، لأنّ كرمك أيّ ربّ يجلّ عن مكافأة المقصّرين )(١)

د ـ ( إلهي وسيدي وعزتك لئن طالبتني بذنوبي لأطالبنك بعفوك ، ولئن طالبتني بلؤمي لاطالبنك بكرمك ، ولئن أدخلتني النار لأخبرنّ أهل النار بحبي لك إلهي وسيدي إن كنت لا تغفر إلا لأوليائك ، وأهل طاعتك فإلى من يفزع المذنبون ، وإن كنت لا تكرم إلا أهل الوفاء بك فبمن يستغيث المسيئون إلهي إن أدخلتني النار ففي ذلك سرور عدوّك(٢) ، وإن أدخلتني الجنة ففي ذلك سرور نبيّك ، وأنا والله أعلم أنّ سرور نبيّك أحبّ إليك من سرور عدوّك )(٣)

٥ ـ شهر رمضان والتوبة : ( أنت الذي فتحت لعبادك باباً إلى عفوك ، وسميته التوبة ، وجعلت على ذلك الباب دليلاً من وحيك لئلا يضلّوا عنه ، فقلت تبارك اسمك : ( ...( تُوبُوا إِلَى‏ اللّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى‏ رَبّكُمْ أَن يُكَفّرَ عَنكُمْ سِيّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللّهُ النّبِيّ وَالّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى‏ بَيْنَ أَيْدِيِهمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنّكَ عَلَى‏ كُلّ

ــــــــــــــــ

(١) المصدر السابق .

(٢) يقصد الشيطان .

(٣) مصباح الكفعمي .


شَي‏ءٍ قَدِيرٌ ) )(١) ، فما عذر من أغفل دخول ذلك المنزل بعد فتح الباب وإقامة الدليل ، وأنت الذي زدت في السوم(٢) على نفسك لعبادك ، تريد ربحهم في متاجرتهم لك ، وفوزهم بالوفادة عليك ، والزيادة منك ، فقلت تبارك اسمك وتعاليت : (( مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسّيّئَةِ فَلاَ يُجْزَى‏ إِلّا مِثْلَهَا ... ) (٣) ، وقلت :( مَثَلُ الّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنْبُلَةٍ مِاْئَةُ حَبّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ) )(٤) ، وقلت : (( مَن ذَا الّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ) )(٥) ، وما أنزلت من نظائرهنّ في القرآن من تضاعيف الحسنات ، وأنت الذي دللتهم بقولك من غيبك وترغيبك ، الذي فيه حظهم على ما لو سترته عنهم ، لم تدركه أبصارهم ، ولم تعه اسماعهم ، ولم تلحقه أوهامهم ، فقلت : (( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ ) )(٦) ، وقلت : (( لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنّكُمْ وَلَئِن

ــــــــــــــــ

(١) سورة التحريم : الآية ٨ .

(٢) السوم : المجاذبة بين البائع والمشتري على السلعة .

(٣) سورة الأنعام : الآية ١٦٠ .

(٤) سورة البقرة : الآية ٢٦١ .

(٥) سورة الحديد الآية ١١ .

(٦) سورة البقرة : الآية ١٥٢ .


كَفَرْتُمْ إِنّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) )(١) ، وقلت : (( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنّ الّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنّمَ دَاخِرِينَ ) )(٢) ، فسميت دعاءك عبادةً وتركه استكباراً ، وتوعدت على تكره دخول جهنم داخرين(٣) فذكروك بمنّك ، وشكروك بفضلك ، ودعوك بأمرك ، وتصدّقوا لك طلباً لمزيدك ، وفيها كانت نجاتهم من غضبك ، وفوزهم برضاك ، ولو دلّ مخلوقٌ مخلوقاً من نفسه على مثل الذي دللت عليه عبادك منك كان موصوفاً بالإحسان ، ومنعوتاً بالإمتثال ، ومحموداً بكلّ لسان فلك الحمد ما وجد في حمدك مذهب ، وما بقي للحمد لفظ تحمد به ، ومعنى ينصرف إليه ، يا من تحمّد إلى عباده بالإحسان والفضل ، وغمرهم بالمنّ والطّول(٤) ما أفشى فينا نعمتك ، وأسبغ علينا منّتك ، وأخصّنا ببرّك ، هديتنا لدينك الذي اصطفيت ، وملّتك التي ارتضيت ، وسبيلك الذي سهّلت وبصّرتنا الزلفة لديك ، والوصول إلى كرامتك )(٥)

٦ ـ في وداع شهر رضمان : ( اللهم يا من لا يرغب في الجزاء ، ولا يندم على العطاء ، ويا من لا يكافئ عبده على السواء ، منّتك ابتداءٌ ،

ــــــــــــــــ

(١) سورة إبراهيم : الآية ٧ .

(٢) سورة غافر : الآية ٦٠ .

(٣) داخرين : أذلاء محقرين .

(٤) المن والطول : النعمة والأحسان .

(٥) الصحيفة السجادية ـ الدعاء الخامس والأربعون ص ١٨٧ .


وعفوك تفضّل ، وعقوبتك عدلٌ ، وقضاؤك خيرةٌ إن أعطيت لم تشب عطاءك بمنّ ، وإن منعت لم يكن منعك تعدّياً ، تشكر من شكرك وأنت ألهمته شكرك ، وتكافئ من حمدك وأنت علّمته حمدك ، تستر على من لو شئت فضحته ، وتجود على من لو شئت منعته ، وكلاهما أهلٌ منك للفضيحة والمنع ، غير أنك بنيت أفعالك على التفضّل ، وأجريت قدرتك على التجاوز ، وتلقيت من عصاك بالحلم ، وأمهلت من قصد لنفسه بالظلم ، تستنظرهم بأناتك(١) إلى الإنابة ، وتترك معاجلتهم إلى التوبة ، لكيلا يهلك عليك هالكهم ، ولا يشقى بنعمتك شقيّهم إلا عن طول الإعذار إليه ، وبعد ترادف الحجّة عليه ، كرماً من عفوك يا كريم ، وعائدةً من عطفك يا حليم )(٢)

٧ ـ في عيد الفطر : ( خاب الوافدون على غيرك ، وخسر المتعرضون إلا لك ، وضاع الملمّون إلا بك ، وأجدب المنتجعون(٣) إلا من انتجع فضلك بابك مفتوحٌ للراغبين ، وجودك مباحٌ للسائلين ، وإغاثتك قريبةٌ من المستغيثين ، لا يخيب منك الآملون ، ولا ييأس من عطائك المتعرّضون ولا يشقى بنقمتك المستغفرون ، رزقك مبسوطٌ لمن عصاك ، وحلمك معترضٌ لمن ناواك ، عاداتك الإحسان إلى المسيئين ، وسنّتك الإبقاء على المعتدين حتى لقد غرّتهم أناتك عن

ــــــــــــــــ

(١) الأناة : الحلم .

(٢) الصحيفة السجادية ص ١٨٧ .

(٣) المنتجعون : الذين يطلبون الماء والكلاً .


الرجوع ، وصدّهم إمهالك عن النّزوع ، وإنما تأنيّت بهم ليفيئوا إلى أمرك ، وأمهلتهم ثقةً بدوام ملكك ، فمن كان من أهل السعادة ختمت له بها ، ومن كان من أهل الشقاوة خذلته لها )(١)

في الحج :

وكان من عادة الإمام السجادعليه‌السلام أداء فريضة الحج كل عام وأورد مصنّف العقد الفريد أنه حج خمساً وعشرين حجةً راجلاً(٢) فإذا أراد السفر احتفّ به القراء والعلماء وكانوا لا يخرجون من المدينة إلى مكة حتى يخرجعليه‌السلام وكان يصل عددهم أحياناً ألف راكب ، يتعلمون عنه علوم الدين ومعارفه وكانعليه‌السلام يأمر الناس بالحج ، فيقول : ( حجوا واعتمروا تصح اجسادكم ، وتتسع ارزاقكم ، ويصلح إيمانكم ، وتكفوا مؤونة الناس ، ومؤونة عيالكم )(٣) ، و( الساعي بين الصفا والمروة تشفع له الملائكة )(٤) ، وان ( الحاج مغفور له ، وموجوب له الجنّة ، ومستأنف به العمل ، ومحفوظ

ــــــــــــــــ

(١) الصحيفة السجادية : الدعاء السادس والأربعون ص ١٩٨ .

(٢) العقد الفريد ج٣ ص ١٠٣ .

(٣) وسائل الشيعة ج ٨ ص ٥ .

(٤) من لا يحضره الفقيه ج ٢ ص ١٣٥ .


في أهله وماله )(١) ، و( استبشروا بالحجاج إذا قدموا ، وصافحوهم وعظموهم تشاركوهم في الأجر قبل أن تخالطهم الذنوب )(٢)

وكان إذا قال : ( لبيك اللهم لبيك ) يغشى عليه ويسقط من راحلته ولا يزال تعتريه تلك الحالة حتى يقضي حجه(٣) وإذا انتهى إلى الحجر قال : ( اللهم أدخلني الجنّ’ برحمتك ، وأجرني برحمتك من النار ، وعافني من السقم ، وأوسع عليّ الرزق الحلال ، وأدرأ عني شر فسقة الجن والإنس وشر فسقة العرب والعجم ((٤) .

يصوّر طاووس اليماني خشوع السجادعليه‌السلام ، فيقول وهو يخاطبه : رأيتك على حالةٍ من الخشوع ، ولك ثلاثة أمور : أرجو أن تؤمنك من الخوف ، أحدها أنك ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الثاني : شفاعة جدك الثالث : رحمة الله .

فأجابه السجادعليه‌السلام : ( يا طاووس أما اني ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلا يؤمنني وقد سمعت الله تعالى يقول : (( فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَساءَلُونَ ) )(٥) . وأما شفاعة جدي فلا تؤمنني لأن الله تعالى

ــــــــــــــــ

(١) وسائل الشيعة ج ٨ ص ٥ .

(٢) من لا يحضره الفقيه ج ٢ ص ١٥٥ .

(٣) نهاية الأرب ج ٢١ ص ٣٢٦ .

(٤) فروع الكافي ج ٤ ص ٤٠٧ .

(٥) سورة المؤمنون : الآية ١٠١ .


يقول : (( وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلّا لِمَنِ ارْتَضَى ) ‏ )(١) وأما رحمة الله ، فالله يقول : (( إِنّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) )(٢) ، ولا أعلم أني محسن )(٣)

وكانعليه‌السلام إذا رأى قوماً يسألون الناس ويطلبون رفدهم يوم عرفة ، ينكر عليهم ذلك ويقول : ( ويحكم أغير الله تسألون في مثل هذا اليوم ! إنه ليرجى في هذا اليوم لما في بطون الحبالى أن يكون سعيداً )(٤)

صور من دعائه في الحج :

أتخذ الإمام السجادعليه‌السلام اسلوباً متميزاً في تأدية الفرائض ، فكان يحيط فريضته بأجواء قدسية مشحونة بالدعاء والبكاء وتذكير النفس بمشاهد يوم القيامة وكان أداء فريضة الحج على تلك الشاكلة ، فكانعليه‌السلام لا يقف في موقف من مواقف الحج العظيمة حتى تتناثر كلمات الشكر والتسبيح والتمجيد لله عزّ وجلّ من فمه الطاهر :

ــــــــــــــــ

(١) سورة الأنبياء : الآية ٢٧ .

(٢) سورة الأعراف : الآية ٥٦ .

(٣) بحار الأنوار ج ٤٦ ص ١٠١ .

(٤) بحار الأنوار ج ٤٦ ص ١٠٥ .


١ ـ عند الحجر الأسود : ( إلهي سيدي سيدي ، هاتان يداي قد مددتهما إليك بالذنوب مملؤتين وعيناي بالرجاء ممدودتين ، وحق من دعاك بالندم تذللاً أن تجيبه بالكرم تفضلاً .

سيدي : من أهل الشقاء خلقتني فأطيل بكائي ؟ أم من أهل السعادة خلقتني فأبشر رجائي ؟

سيدي : ألضرب المقامع خلقت أعضائي ؟ أم لشرب الحميم خلقت أمعائي ؟

سيدي : لو أن عبداً استطاع الهرب من مولاه لكنت أول الهاربين من مولاه لكني أعلم أني لا أفوتك .

سيدي : لو أن عذابي مما يزيد في ملكك سألتك الصبر عليه ، غير أني اعلم أنه لا يزيد في ملكك طاعة المطيعين ، ولا ينقص منه معصية العاصين .

سيدي : ما أنا وما خطري ؟ هب لي بفضلك ، وجللني بسترك ، واعف عن توبيخي بكرم وجهك .

إلهي وسيدي ارحمني مصروعاً على الفراش تقلبني أيدي أحبتي ، وارحمني مصروعاً على المغتسل يغسلني صالح جيرتي ، وارحمني محمولاً قد تناول الأقرباء أطراف جنازتي ، وارحم في ذلك البيت المظلم وحشتي وغربتي )(١)

ــــــــــــــــ

(١) روضة الواعظين ج ١ ص ٢٣٧ .


٢ ـ عند الطواف قبيل السحر : ( إلهي غارت نجوم سماواتك ، وهجعت عيون أنامك ، وأبوابك مفتّحات للسائلين ، جئتك لتغفر لي وترحمني ، وتريني وجه جدي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، في عرصات القيامة ) ثم بكى وخاطب الله تعالى قائلاً : ( أما وعزّتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك ، وما عصيتك إذ عصيتك وأنا بك شاك ، ولا بنكالك جاهل ، ولا لعقوبتك متعرض ، ولكن سوّلت لي نفسي ، وأعانني على ذلك سترك المرخى به عليّ ، فأنا الآن من عذابك من يستنقذني ، وبحبل من اعتصم إن قطعت حبلك عني ، فواسوأتاه غداً من الوقوف بين يديك ، إذا قيل للمخفّين جوزوا ، وللمثقلين حطوا ، أمع المخفين أجوز ؟ أم مع المثقلين أحط ؟ ويلي كلما طال عمري كثرت خطاياي ولم أتب ، أما آن لي أن أستحي من ربي ...

سبحانك تعصى كأنك لا ترى ، وتحلم كأنك لم تعص ، تتودد إلى خلقك بحسن الصنيع كأنّ بك الحاجة إليهم ، وأنت يا سيدي الغني عنهم )(١)

٣ ـ في حجر إسماعيلعليه‌السلام : ( عبدك بفنائك ، مسكينك بفنائك ، سائلك بفنائك ، فقيرك بفنائك )(٢)

٤ ـ دعاؤه في عرفات :

ــــــــــــــــ

(١) كشف الغمة ج ٤ ص ١٥١ .

(٢) نور الأبصار ص ١٢٧ .


أ ـ ( الحمد لله ربّ العالمين ، اللهم لك الحمد بديع السماوات والأرض ، ذا الجلال والإكرام ، ربّ الأرباب ، وإله كلّ مألوه ، وخالق كلّ مخلوق ، ووارث كلّ شيء ، ليس كمثله شيءٌ ، ولا يعزب(١) عنه علم شيء ، وهو بكلّ شيء محيطٌ ، وهو على كلّ شيء رقيبٌ ...

أنت الذي قدّرت كلّ شيء تقديراً ، ويسّرت كلّ شيء تيسيراً ، ودبرت ما دونك تدبيراً وأنت الذي لم يعنك على خلقك شريكٌ ، ولم يؤازرك في أمرك وزيرٌ ، ولم يكن لك مشاهدٌ ولا نظيرٌ أنت الذي أردت فكان حتماً ما أردت ، وقضيت فكان عدلاً ما قضيت ، وحكمت فكان نصفاً ما حكمت أنت الذي لا يحويك مكانٌ ، ولم يقم لسلطانك سلطانٌ ، ولم يعيك برهانٌ ولا بيانٌ )(٢)

ب ـ ( سبحانك من لطيفٍ ما ألطفك(٣) ، ورؤوف ما أرأفك ، وحكيم ما أعرفك سبحانك من مليك ما أمنعك ، وجواد ما أوسعك ، ورفيع ما أرفعك ، ذو البهاء والمجد والكبرياء والحمد سبحانك بسطت بالخيرات يدك ، وعرفت الهداية من عندك ، فمن التمسك(٤) لدين أو دنيا وجدك سبحانك خضع لك من جرى في

ــــــــــــــــ

(١) لا يعزب : لا يغيب .

(٢) الصحيفة السجادية ـ الدعاء السابع والأربعون ص ٢٠٢ .

(٣) اللطف : الفضل على الخلق .

(٤) من التمسك : من طلبك .


علمك(١) ، وخشع لعظمتك ما دون عرشك ، وانقاد للتسليم لك كلّ خلقك سبحانك لا تحسّ ولا تجسّ ولا تمسّ ولا تكاد ولا تماط(٢) ، ولا تنازع ولا تجارى ولا تمارى(٣) ، ولا تخادع ولا تماكر سبحانك سبيلك جددٌ(٤) ، وأمرك رشدٌ ، وأنت حيٌّ صمدٌ سبحانك قولك حكمٌ ، وقضاؤك حتمٌ ، وإرادتك عزمٌ سبحانك لا رادّ لمشيّتك ، ولا مبدّل لكلماتك سبحانك قاهر الأرباب ، باهر الآيات ، فاطر السماوات ، بارئ النسمات )(٥)

ج ـ ( لك الحمد حمداً يدوم بدوامك ، ولك الحمد حمداً خالداً بنعمتك ، ولك الحمد حمداً يوازي صنعك ، ولك الحمد حمداً يزيد على رضاك ، ولك الحمد حمداً مع حمد كلّ حامد ، وشكراً يقصر عنه شكر كلّ شاكر ، حمداً لا ينبغي إلاّ لك ، ولا يتقرّب به إلاّ إليك ، حمداً يستدام به الأول ، ويستدعى به دوام الآخر ، حمداً يتضاعف على كرور الأزمنة ، ويتزايد أضعافاً مترادفةً ، حمداً يعجز عن إحصائه

ــــــــــــــــ

 (١) خضع لك من جرى في علمك : أي جميع المخلوقات خاضعة ومنقادة لك .

(٢) لا تحس : لا تدرك بالحواس لا تجس : لا يعلم اخبارك احد لا تمس : فالخالق عز وجل ليس بحسم فلا يمس لا تكاد : لا يصل إليك أحد بكيد أو مكر لا تماط : لا تزال .

(٣) لا تمارى : لا يجادلك أحد .

(٤) جدد : واضح .

(٥) الصحيفة السجادية ص ٢٠٤ .


الحفظة(١) ، ويزيد على ما أحصته في كتابك الكتبة(٢) ، حمداً يوازن عرشك المجيد ، ويعادل كرسيّك الرفيع ، حمداً يكمل لديك ثوابه ، ويستغرق كلّ جزاء جزاؤه ، حمداً ظاهره وفقٌ لباطنه ، وباطنه وفقٌ لصدق النية فيه ، حمداً لم يحمدك خلقٌ مثله ، ولا يعرف أحدٌ سواك فضله ، حمداً يعان من اجتهد في تعديده ، ويؤيّد من أغرق نزعاً في توفيته(٣) ، حمداً يجمع ما خلقت من الحمد ، وينتظم ما أنت خالقه من بعد ، حمداً لا حمد أقرب إلى قولك منه ، ولا أحمد ممن يحمدك به ، حمداً يوجب بكرمك المزيد بوفوره ، وتصله بمزيد بعد مزيد طولاً منك(٤) ، حمداً يجب لكرم وجهك ، ويقابل عزّ جلالك )(٥)

د ـ ( ربّ صلّ على محمد وآله ، صلاةً زاكيةً لا تكون صلاةٌ أزكى منها ، وصلّ عليه صلاةً ناميةً لا تكون صلاةٌ أنمى منها ، وصلّ عليه صلاةً راضيةً لا تكون صلاةٌ فوقها ربّ صلّ على محمد وآله صلاةً ترضيه ، وتزيد على رضاه ، وصلّ عليه صلاةً ترضيك ، وتزيد على رضاك له ، وصلّ عليه صلاةً لا ترضى له إلاّ بها ، ولا ترى غيره لها أهلاً .

ــــــــــــــــ

(١) وهم الملائكة الكرام الذين يحفظون أعمال العباد .

(٢) وهم الملائكة الذين يكتبون أعمال الناس .

(٣) الاغراق : الاكثار والتوفية : الوفاء .

(٤) الطول : الإحسان .

(٥) الصحيفة السجادية ص ٢٠٥ .


ربّ صلّ على محمد وآله صلاةً تجاوز رضوانك(١) ، ويتصل اتصالها ببقائك ، ولا ينفد كما لا تنفد كلماتك ربّ صلّ على محمد وآله صلاةً تنتظم صلوات ملائكتك(٢) وأنبيائك ورسلك وأهل طاعتك وتشتمل على صولات عبادك من جنّك وإنسك وأهل إجابتك ، وتجتمع على صلاة كلّ من ذرأت وبرأت(٣) من أصناف خلقك ربّ صلّ عليه وآله صلاةً تحيط بكلّ صلاة سالفة ومستأنفة ، وصلّ عليه وآله صلاةً مرضيةً لك ولمن دونك ، وتنشئ مع ذلك صلوات تضاعف معها تلك الصلوات ، وتزيدها على كرور الأيام زيادةً في تضاعيف لا يعدّها غيرك ) (

هـ ـ ( اللهمّ وأنا عبدك الذي أنعمت عليه قبل خلقك له ، وبعد خلقك إياه فجعلته ممن هديته لدينك ، ووفقته لحقّك ، وعصمته بحبلك ، وأدخلته ، في حزبك ، وأرشدته لموالاة أوليائك ، ومعاداة أعدائك ، ثم أمرته فلم يأتمر ، وزجرته فلم ينزجر ، ونهيته عن معصيتك فخالف أمرك إلى نهيك ، لا معاندةً لك ولا استكباراً عليك ، بل دعاه هواه إلى ما زيلته(٥) وإلى ما حذّرته وأعانه على ذلك

ــــــــــــــــ

(١) أي تجاوز القدر الذي ترضى به .

(٢) أي تكون مع صلاة ملائكتك .

(٣) ذرأت : خلقت برأت : أنشأت .

(٤) الصحيفة السجادية ص ٢٠٧ .

(٥) زيلته : أبعدته .


عدوّك وعدوّه(١) فأقدم عليه(٢) عارفاً بوعيدك ، راجياً لعفوك ، واثقاً بتجاوزك ، وكان أحقّ عبادك مع ما مننت عليه ألاّ يفعل وها أنا ذا بين يديك صاغراً ، ذليلاً خاضعاً خاشعاً خائفاً ، معترفاً بعظيم من الذنوب تحمّلته ، وجليل من الخطايا اجترمته(٣) مستجيراً بصفحك ، لائذاً برحمتك ، موقناً أنه لا يجيرني منك مجيرٌ ، ولا يمنعني منك مانعٌ فعد عليّ بما تعود به على من اقترف من تغمّدك ، وجد عليّ بما تجود به على من ألقى بيده إليك من عفوك ، وامنن عليّ بما لا يتعاظمك أن تمنّ به على من أمّلك من غفرانك واجعل لي في هذا اليوم نصيباً أنال به حظاً من رضوانك ، ولا تردّني صفراً مما ينقلب به المتعبّدون لك من عبادك ، وإني وإن لم أقدّم ما قدموه من الصالحات ، فقد قدّمت توحيدك ونفي الأضداد والأنداد والأشباه عنك ، وأتيتك من الأبواب التي أمرت أن تؤتى منها ، وتقربت إليك بما لا يقرب به أحدٌ منك إلا بالتقرب به ، ثم أتبعت ذلك بالإنابة إليك ، والتذلّل والاستكانة لك ، وحسن الظنّ بك ، والثقة بما عندك ، وشفعته برجائك الذي قلّ ما يخيب عليه راجيك ، وسألتك مسألة الحقير الذليل ، البائس الفقير ، الخائف المستجير ، ومع ذلك خيفةً وتضرعاً

ــــــــــــــــ

(١) يقصد به الشيطان وهو عدو الله وعدو الإنسان .

(٢) أقدم عليه أي أقدم على المعصية .

(٣) اجترمته : اقترفته .


وتعّوذاً وتلّوذاً ، لا مستطيلاً بتكبّر المتكبرين ، ولا متعالياً بدالّة المطيعين ، ولا مستطيلاً بشفاعة الشافعين ، وأنا بعد أقلّ الأقلين ، وأذلّ الأذلين ، ومثل الذّرة أو دونها )(١)

٥ ـ في عيد الأضحى :

أ ـ ( أسألك اللهمّ بأنّ لك الملك والحمد ، لا إله إلاّ أنت أن تصلي على محمد وآل محمد عبدك ورسولك ، وحبيبك وصفوتك وخيرتك من خلقك ، وعلى آل محمد الأبرار الطاهرين الأخيار ، صلاةً لا يقوى على إحصائها إلا أنت ، وأن تشركنا في صالح من دعاك في هذا اليوم من عبادك المؤمنين يا ربّ العالمين ، وأن تغفر لنا ولهم إنّك على كلّ شيء قدير ...

اللهم من تهيّأ وتعبّأ ، وأعدّ واستعدّ لوفادة إلى مخلوق رجاء رفده ونوافله وطلب نيله وجائزته ، فإليك يا مولاي كانت اليوم تهيئتي وتعبئتي ، وإعدادي واستعدادي ، رجاء عفوك ورفدك وطلب نيلك وجائزتك اللهم فصلّ على محمد وآل محمد ، ولا تخيّب اليوم ذلك من رجائي ، يا من لا يحيفه(٢) سائلٌ ، ويا ينقصه نائلٌ ، فإني لم آتك ثقةً مني بعملٍ صالح قدمته ، ولا شفاعة مخلوق رجوته إلا شفاعةً محمد وأهل بيته عليه وعليهم سلامك أتيتك مقرّاً بالجرم والإساءة

ــــــــــــــــ

(١) الصحيفة السجادية ـ الدعاء السابع والأربعون ص ٢١١ .

(٢) يا من لا يحيفه أي لايبلغ آخر ما عنده .


إلى نفسي أتيتك أرجو عظيم عفوك الذي عفوت به عن الخاطئين ، ثم لا يمنعك طول عكوفهم على عظيم الجرم إن عدت عليهم بالرحمة والمغفرة فيا من رحمته واسعةٌ ، وعفوه عظيمٌ ، يا عظيم يا عظيم ، يا كريم يا كريم ، صلّ على محمد وآل محمد ، وعد عليّ برحمتك ، وتعطّف عليّ بفضلك ، وتوسّع عليّ بمغفرتك )(١) .

ب ـ ( اللهمّ إنّ هذا المقام(٢) لخلفائك وأصفيائك ، ومواضع أمنائك في الدرجة الرفيعة التي اختصصتهم بها قد ابتزّوها ، وأنت المقدّر لذلك ، لا يغالب أمرك ، ولا يجاوز المحتوم من تدبيرك ، كيف شئت ، وأنى شئت ، ولما أنت أعلم به ، غير متّهم على خلقك(٣) ، ولا لإرادتك ، حتى عاد صفوتك وخلفاؤك مغلوبين ، مقهورين مبتزّين ، يرون حكمك مبدّلاً ، وكتابك منبوذاً ، وفرائضك محرّفة عن جهات أشراعك ، وسنن نبيك متروكةً ...

اللهم صلّ على محمد وآل محمد إنك حميدٌ مجيدٌ كصلواتك وبركاتك وتحياتك على أصفيائك إبراهيم وآل إبراهيم وعجّل الفرج والروح والنصرة والتمكين والتأييد لهم )(٤) .

ــــــــــــــــ

(١) الصحيفة السجادية ـ الدعاء الثامن والأربعين ص ٢٢٤ .

(٢) يقصد به مقام صلاة العبد .

(٣) أي لا تتهم بأنك قد عملت على خلاف الحكمة .

(٤) الصحيفة السجادية ص ٢٢٦ .


ج ـ ( اللهمّ واجعلني من أهل التوحيد والإيمان بك ، والتصديق برسولك ، والأئمة الذين حتمت طاعتهم ، ممن يجري ذلك(١) به وعلى يديه آمين ربّ العالمين اللهم ليس يردّ غضبك إلاّ حلمك ، ولا يردّ سخط إلاّ عفوك ، ولا يجير من عقابك إلاّ رحمتك ، ولا ينجيني منك إلاّ التضرع إليك وبين يديك ، فصلّ على محمد وآل محمد ، وهب لنا يا إلهي من لدنك فرجاً بالقدرة التي فيها تحيي أموات العباد ، وبها تنشر ميت البلاد ، ولا تهلكني يا إلهي غمّاً حتى تستجيب لي ، وتعرّفني الإجابة في دعائي ، وأذقني طعم العافية إلى منتهى أجلي ، ولا تشمت بي عدوّي ، ولا تمكّنه من عنقي ، ولا تسلّطه عليّ .

إلهي إن رفعتني فمن ذا الذي يضعني ؟ وإن وضعتني فمن ذا الذي يرفعني ؟ وإن أكرمتني فمن ذا الذي يهينني ؟ وإن أهنتني فمن ذا الذي يكرمني ؟ وإن عذبتني فمن ذا الذي يرحمني ؟ وإن أهلتكني فمن ذا الذي يعرض لك في عبدك(٢) أو يسألك عن أمره ؟ وقد علمت أنه ليس في حكمك ظلمٌ ، ولا في نقمتك عجلةٌ ، وإنما يعجل من يخاف الفوت ، وإنما يحتاج إلى الظلم الضعيف ، وقد تعاليت يا إلهي عن ذلك علواً كبيراً .

ــــــــــــــــ

(١) المشار إليه هو النصر فيصير القول : ذلك النصر .

(٢) أي من الذي يعترض عليك في حكمك على عبدك .


اللهم صلّ على محمد وآل محمد ، ولا تجعلني للبلاء غرضاً ، ولا لنقمتك نصباً ، ومهّلني ونفسني(١) ، وأقلني عثرتي ولا تبتليني ببلاء على أثر بلاء فقد ترى ضعفي وقلّة حيلتي ، وتضرّعي إليك أعوذ بك اللهمّ اليوم من غضبك ، فصلّ على محمد وآله ، وأعذني وأستجير بك اليوم من سخطك ، فصلّ على محمد وآله وأجرني وأسألك أمناً من عذابك ، فصلّ على محمد وآله وآمني وأستهديك ، فصلّ على محمد وآله ، واهدني وأستنصرك ، فصلّ على محمد وآله وانصرني واسترحمك ، فصلّ على محمد وآله وارحمني وأسترزقك ، فصل على محمد وآل محمد وارزقني وأستعينك فصلّ على محمد وآله وأعنّي وأستغفرك لما سلف من ذنوبي ، فصلّ على محمد وآله واغفر لي وأستعصمك ، فصلّ على محمد وآله واعصمني فإني لن أعود لشيء كرهته مني إن شئت ذلك .

يا ربّ يا ربّ ، يا حنّان يا منّان ، يا ذا الجلال والإكرام ، صلّ على محمد وآله واستجب لي جميع ما سألتك ، وطلبت إليك ، ورغبت فيه إليك ، وأرده وقدّره ، وأقضه وأمضه ، وخر لي فيما تقضي منه ، وبارك لي في ذلك وتفضّل عليّ به ، وأسعدني بما تعطيني منه ، وزدني

ــــــــــــــــ

(١) مهلني : أعطني المهلة نفسي : أزل همي وكربتي .


من فضلك ، وسعة ما عندك ، فإنك واسعٌ كريمٌ ، وصل ذلك بخير الآخرة ونعيمها يا أرحم الراحمين )(١)

الأفضلية في الإنابة

الإنابة هي الانقطاع لله عزّ وجلّ ، وهي قضية ذهنية أيضاً ومعنى الإنقطاع الذهني هو ان يستوعب ذكر الله وتعالى ، في الدعاء والمناجاة والعبادات ، كل ذهن الإنسان وفي جميع الأوقات والأمكنة بينما يكون الإنقطاع الجسدي مصداقاً للإنقطاع الذهني فالجسد هو الذي يقوم بأداء العبادة ومتطلباتها ، والدعاء وألفاظه ، والسهر في الليل والعمل في النهار .

وبكلمة أدقّ فإن الإنابة أخص من العبادة ، لأن العبادة يشترك بالقيام بها الواعي والغافل فقد يصلي الإنسان وفكره شارد في موضوع دنيوي لا يرتبط بالله تبارك وتعالى بينما تنحصر الإنابة بالتوجه الذهني والعقلي الذي يستوعب شخصية الإنسان ، وبذلك تكون الإنابة من خصوصيات أهل العلم والعرفان .

وكان السجادعليه‌السلام هو أفضل من أناب إلى الله تبارك وتعالى في زمانه ، وأو كل جميع أموره إليه عزّ وجلّ وتؤكده أدعيته وعباداته

ــــــــــــــــ

(١) الصحيفة السجادية في ٢٢٧ .


وسلوكه وننتزع مثالاً رائعاً وهو أنه رأى فقيراً على باب دار مترف جبار ، فسألهعليه‌السلام : ما يقعده هنا قال الفقير : البلاء فأجابه الإمامعليه‌السلام : ( قم فأرشدك إلى بابٍ خيرٌ من بابه ، وإلى ربٍ خيرٌ لك منه ) وأخذ بهعليه‌السلام حتى انتهى به إلى مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال له : ( استقبل القبلة ، وصلّ ركعتين ، وارفع يدك بالدعاء إلى الله تعالى وصلّ على نبيه ، ثم ادع بآخر سورة الحشر ، وست آيات من أول سورة الحديد ، وبالآيتين في أول سورة آل عمران ، ثم رسول الله سبحانه ، فإنك لا تسأله إلاّ اعطاك )(١)

١ ـ آخر سورة الحشر : (( هُوَ اللّهُ الّذِي لاَ إِلهَ إِلّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ هُوَ الرّحْمَانُ الرّحِيمُ * هُوَ اللّهُ الّذِي لاَ إِلهَ إِلّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدّوسُ السّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبّارُ الْمُتَكَبّرُ سُبْحَانَ اللّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنَى‏ يُسَبّحُ لَهُ مَا فِي السّماوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) ((٢) .

٢ ـ أول سورة الحديد : (( سَبّحَ للّهِ‏ِ مَا فِي السّماوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مُلْكُ السّماوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى‏ كُلّ شَي‏ءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الْأَوّلُ وَالْآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلّ شَي‏ءٍ عَلِيمٌ * هُوَ الّذِي خَلَقَ السّماوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتّةِ أَيّامٍ ثُمّ اسْتَوَى‏

ــــــــــــــــ

(١) الجنة الواقية للكفعمي .

(٢) سورة الحشر : الآيات ٢٢ ـ ٢٤ .


عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السّماءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * لَهُ مُلْكُ السّماوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى‏ اللّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ * يُولِجُ اللّيْلَ فِي النّهَارِ وَيُولِجُ النّهَارَ فِي اللّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصّدُورِ ) )(١) .

٣ ـ أول سورة آل عمران : )( الم * اللّهُ لاَ إِلهَ إِلّا هُوَ الحَيّ الْقَيّومُ ) )(٢) .

وهذه الرواية تدلّ على إرشاد الغافل الذي ابتغى الرزق في غير محله ، أن يتوجه عقلاً وفكراً وروحاً إلى الله ويذكر في تلك الآيات العظيمة صفاته وقدرته وعظمته ، فتكون وسيلة من وسائل استدرار رحمته عزّ وجل على ذلك المخلوق الضعيف الذي لا يستطيع بذاته أن يحقق حولاً وقوةً .

صورة من إنابةعليه‌السلام :

وتلك الحالة العقلية والنفسية التي تغمر الإنسان وهو في توجهه لله تبارك وتعالى ، يحتاج في تصويرها إلى ريشة فنان مبدع فهي تعني التضرع إلى الله واللجوء إليه والانقطاع إلى مرماه والخشوع والتذلل والذوبان :

ــــــــــــــــ

(١) سورة الحديد : الآيات ١ ـ ٦ .

(٢) سورة آل عمران : الآيات ١ ـ ٢ .


١ ـ الالتجاء إلى الله : ( سبحانك نحن المضطّرون الذين أوجبت إجابتهم ، وأهل السوء الذين وعدت الكشف عنهم وأشبه الأشياء بمشيتك ، وأولى الأمور بك في عظمتك ، رحمة من استرحمك ، وغوث من استغاث بك ، فارحم تضرّعنا إليك ، وأغننا إذ طرحنا أنفسنا بين يديك اللهم إن الشيطان قد شمت بنا إذ شايعناه على معصيتك ، فصلّ على محمد وآله ، ولا تشمته بنا بعد تركنا إياه لك ، ورغبتنا عنه إليك )(١)

٢ ـ الإخلاص في الإنقطاع : ( اللهم إني أخلصت بانقطاعي إليك ، وأقبلت بكلّي عليك ، وصرفت وجهي عمن يحتاج إلى رفدك(٢) ، وقلبت مسألتي عمن لم يستغن عن فضلك ، ورأيت أنّ طلب المحتاج إلى المحتاج سفهٌ من رأيه ، وضلّةٌ من عقله فكم قد رأيت يا إلهي من أناسٍ طلبوا العزّ بغيرك فذلّوا ، فصحّ بمعاينة أمثالهم حازمٌ(٣) وفقه اعتباره ، وأرشده إلى طريق صوابه باختباره فأنت يا مولاي دون كلّ مسؤول موضع مسألتي ، ودون كلّ مطلوب إليه وليّ حاجتي )(٤) .

ــــــــــــــــ

(١) الصحيفة السجادية ـ الدعاء العاشر ص ٦٢ .

(٢) إلى رفدك : إلى صلتك وعطائك .

(٣) بمعاينة أمثالهم : معاينتهم ولفظ أمثال جاء للمبالغة حازم : متقن الرأي وضابط الأمر .

(٤) الصحيفة السجادية ـ الدعاء الثامن والعشرون ص ١٢٩ .


٣ـ منتهى مطلب الحاجات : ( اللهم ولي إليك حاجةٌ قد قصّر عنها جهدي ، وتقطعت دونها حيلي ، وسوّلت لي نفسي رفعها إلى من يرفع حوائجه إليك ، ولا يستغني في طلباته عنك ، وهي زلّةٌ من زلل الخاطئين ، وعثرةٌ من عثرات المذنبين ثم انتبهت بتذكيرك لي من غفلتي ، ونهضت بتوفيقك من زلّتي ، ونكصت بتسديدك عن عثرتي ، وقلت : سبحان ربي كيف يسأل محتاجٌ محتاجاً وأنى يرغب معدمٌ إلى معدم ؟ فقصدتك يا إلهي بالرغبة ، وأوفدت عليك رجائي بالثقة بك ، وعلمت أن كثير ما أسألك يسيرٌ في وجدك ، وأن خطير ما استوهبك حقيرٌ في وسعك ، وأنّ كرمك لا يضيق عن سؤال أحد ، وأنّ يدك بالعطايا أعلى من كلّ يد .

اللهم فصلّ على محمد وآله واحملني بكرمك على التفضّل ، ولا تحملني بعدلك على الاستحقاق ، فما أنا بأول راغبٍ رغب إليك فاعطيته ، وهو يستحقّ المنع ، ولا بأوّل سائلٍ سألك فأفضلت عليه ، وهو يستوجب الحرمان .

اللهم صلّ على محمد وآله ، وكن لدعائي مجيباً ، ومن ندائي قريباً ، ولتضرّعي راحماً ، ولصوتي سامعاً ، ولا تبتّ(١) سببي منك ، ولا توجّهني في حاجتي هذه وغيرها إلى سواك ، وتولّني بنجح طلبتي وقضاء حاجتي ونيل سؤالي قبل زوالي عن موقفي هذا بتيسيرك.

ــــــــــــــــ

(١) البت : القطع .


الفصل الثالث : المعالم الإجتماعية

نناقش في هذا الفصل بعض المعالم الإجتماعية التي طبعت فترة الثلين الأخيرين من القرن الهجري الأول ، وأهمها : الضغط السياسي على الناس ، ومشكلة الفقر والحرمان ، ومشكلة الجهل والعصبية ، والمشكلة الأخلاقية واستفحال حال الفساد والفاحشة ، ومشكلة الرق والعبودية ، والمعارضة المسلحة ضد السلطة السياسية .

السلطة السياسية

عاصر الإمام السجادعليه‌السلام الدولة الأموية ابتداءً من مؤسسها معاوية بن أبي سفيان ( ت ٦٠ هـ ) وحتى الوليد بن عبد الملكح ( ت ٩٦ هـ ) ومن أجل فهمٍ أوضح للزمن السياسي الذي عايشه السجادعليه‌السلام ، نعرض باختصار لخلفاء بني أمية خلال خمسة عقود أو أكثر وهي الفترة التي قضاها الإمامعليه‌السلام تحت حكهم :

١ ـ معاوية بن أبي سفيان : أصبح معاوية ( ت ٦٠ هـ ) بعد تسنمه أمارة المسلمين في الشام سنة ٢٠ هجرية من أغنى الناس وأثراهم مالاً ، بعد أن كان طليقاً من طلقاء فتح مكة ، وفقيراً لا مال له يمشي حافياً تحت ركاب علقمة بن وائل الحضرمي ، كما ذكر


البيهقي في ( المحاسن والمساوئ )(١) أسلم هو وأبوه يوم فتح مكة ، وشهد حنيناً وكان من المؤلفة قلوبهم(٢) أي الذين اعطوا الصدقات حتى يثبتوا على الدين .

ولما بعث أبو بكر الجيوش إلى الشام سار معاوية مع أخيه يزيد بن أبي سفيان ، فلما مات يزيد استخلفه على دمشق ، فأقرّه عمر بن الخطاب ، ثم أقرّه عثمان وجمع له الشام كله ، فأقام أميراً عشرين سنة ، وخليفةً عشرين سنة أخرى وعصى معاوية أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، وخرج عليه في صفين فشق عصا المسلمين ، وخرج على أميرهم .

وكان معاوية قاسياً ، لم يتورع عن قتل المناوئين له وتعذيبهم وقطع صلتهم ببيت المال وكان عمر بن الخطاب يقول فيه ، إذا نظر إليه : ( هذا كسرى العرب )(٣) ومن مصاديق قسوته أنه سلّط بسر بن أبي أرطأة على رقاب المسلمين ، منتهكاً حرمات المؤمنين وعهد بقتل كل من والى علياًعليه‌السلام وأهل بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

وكان معاوية معروفاً بالغدر والخيانة فخان الإمام الحسن بن عليعليه‌السلام عندما أعطاه ميثاقاً بالوفاء بالعهد سنة ٤١ هـ ، ولكن ما

ــــــــــــــــ

(١) المحاسن والمساوئ للبيهقي ج ١ ص ٢٩ .

(٢) تأريخ الخلفاء للسيوطي ص ١٩٤ .

(٣) تأريخ الخلفاء ص ١٩٥ .


أن استتب له الأمر حتى وضع ذلك العهد تحت قدميه ولم يف به وكان يختلق على أهل الشام المختلقات ويزعم بأنه أقرب الناس إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولا وراث له سواه وأدعى بأن علياًعليه‌السلام قتل الخليفة الثالث بينما كان عليعليه‌السلام يدفع ولديه الحسن والحسينعليهما‌السلام للدفاع عن عثمان وفي النهاية غدر معاوية بالإمام الحسن بن عليعليه‌السلام فدسّ له السّم ، وقتل الصحابي الجليل حجر بن عدي وأصحابه .

وفي سنة ثلاث وأربعين استخلف معاوية زياد بن أبيه ، وهي أول قضية غيّر فيها حكم النبي عليه الصلاة والسلام في الإسلام ، ذكره الثعالبي وغيره(١) فقد استلحق معاوية زياد بن أبيه ، وجعله أخيه وسماه زياد بن أبي سفيان وكان أبو سفيان قد أنكر أنه ابنه من سمية(٢)

وبكلمة ، فقد كان حكم معاوية بالخصوص يمثل كل ما حاربه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من ظواهر جاهلية ، كابتزاز الأموال ، واستذلال الضعفاء ، واحتقار الفقراء ، واستلحاق الأدعياء ، وقتل النجباء ، وترويع الأبرياء .

ــــــــــــــــ

(١) تأريخ الخلفاء ص ١٩٦ .

(٢) مروج الذهب للمسعودي ج ٣ ص ٧ والإمامة والسياسة لابن قتيبة ص ٢٠٣ .


ولذلك وجد بنو أمية في أئمة أهل البيتعليه‌السلام واتباعهم كل شروط العداء التأريخي فزجوا الأبرياء في ظلمات السجون ، وقتلوا الأولياء والصالحين منهم يلخص السلفي في ( الطيوريات ) وجه الصراع بين معاوية وعلي ، فيقولو على لسان عبد الله بن أحمد بن حنبل : ( سألت أبي عن عليّ ومعاوية ، فقال : اعلم أن علياً كان كثير الأعداء [ ممن قاتلهم من عرب الجاهلية ] ، ففتش له أعداؤه عيباً فلم يجدوا ، فجاءوا إلى رجل قد حاربه وقاتله فاطروه كياداً منهم له )(١)

وبينما نرى فضل أهل البيتعليه‌السلام ينتشر في الآفاق ، نجد من المسلمين من يشكك في شخصية معاوية ولياقته الإسلامية في إمرة المسلمين ، فعبد الله بن عباس يقول : ( ليس في معاوية خصلة تقرّبه من الخلافة )(٢) وصعصعة بن صوحان العبدي يقول : ( إنما أنت طليق ، وابن طليق أطلقكما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنى تصلح الخلافة لطليق ؟! )(٣) . ويصفه المغيرة بن شعبة وهو من ولاة معاوية : ( بأنه [ أي معاوية ] أخبث الناس )(٤) ويصفه سمرة بن جندب حينما عزله عن ولاية

ــــــــــــــــ

(١) تأريخ الخلفاء ص ١٩٩ .

(٢) المسعودي هامش ابن الأثير ج ٦ ص ٧ .

(٣) هامش ابن الأثير ج ٦ ص ٧ .

(٤) مروج الذهب ج ٢ ص ٣٤٢ .


البصرة : ( لعن الله معاوية ، والله لو أطعت الله كما أطعت معاوية لما عذبني أبداً )(١)

عاش الإمام السجادعليه‌السلام حوالي عقدين من باكورة حياته ، وهو يرى معاوية يحكم بلاد المسلمين فذاق من مرارة الظلم ما ذاقه جميع أهل البيتعليه‌السلام ورأى سنّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يغّيرها معاوية كيفما يشاء يقول سعيد بن المسيب : أول من أحدث الأذان في العيد هو معاوية ، وأول من نقص التكبير أخرجه ابن أبي شيبة وأول من استحلف في البيعة ، استحلفهم بالله فلما كان عبد الملك بن مروان استحلفهم بالطلاق والعتاق وأول من نسب من جاء بسفاح إليه ، وهو زياد بن أبيه ، خلافاً للقرآن الكريم والسنّة المطهرة أحدث كل ذلك ولم يكن له التقدم في الإسلام ، ولا سابقة مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولا قرابة منه .

٢ ـ يزيد بن معاوية : ويوصي معاوية بن أبي سفيان قبل مماته لإبنه يزيد ( ت ٦٤ هـ ) بالخلافة .

قال ابن سيرين : وفد عمرو بن حزم على معاوية ، فقال له : أذكرك الله في أمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمن تستخلف عليها فقال : نصحت وقلت برأيك وإنه لم يبق إلا إبني وأبناؤهم ، وإبني أحقّ !

ــــــــــــــــ

(١) تأريخ الطبري ج ٦ ص ١٥٧ .


وقال عطية بن قيس : خطب معاوية فقال : اللهم إن كنت إنما عهدت ليزيد لما رأيت من فضله فبلّغه ما أملّت وأعنه وإن كنت إنما حملني حبّ الوالد لولده وأنه ليس ما صنعت به أهلاً فاقبضه قبل أن يبلغ ذلك(١)

وقد أجمع رجال المدينة الذين زاروا يزيد ، وبعد ان اعتلى عرش الخلافة وحكم الناس ، على فسقه وشربه الخمر وامتهانه الصلاة وإيتائه المنكر وتسفيهه عقائد المسلمين وقد وصفه المعسودي بقوله : ( كان يبادر بلذته ، ويجاهر بمعصيته ، ويستحسن خطأه ، ويهون الأمر على نفسه في دينه إذا صحت له دنياه ((٢) .

وقام يزيد بثلاث إنجازات في أربع سنوات من حكمه ، الأولى : قتل الإمام الحسينعليه‌السلام سبط رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في كربلاء والثانية : إباحة مدينة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقتل صحابة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والثالثة : إستباحة مكة وحرق الكعبة المشرفة .

ووقائع عظيمة كواقعة كربلاء بفظاعتها ، وواقعة الحرة بوحشيتها ، وضرب الكعبة بالمنجنيق واحتراق استارها وسقفها من شرارة نيرانهم ، أحدث هزّة عنيفة في ضمير الناس فمل يعهدوا ذلك

ــــــــــــــــ

 (١) تأريخ الخلفاء ص ٢٠٦ .

(٢) التنبيه والاشراف للمسعودي ص ٢٦٤ .


حتى من المشركين ، باستثناء جيش ابرهة الذي لم يصل الكعبة حتى أحرقه الله تعالى بحجارةٍ من سجيل .

وتذكر الروايات التأريخية أمثلة عديدة من وحشيتهم فهذا الصحابي الجليل أبو سعيد الخدريّ لزم بيته في المدينة ، فدخل عليه نفر من أهل الشام ، فقالوا : أيها الشيخ من أنت ؟ فقال : أنا أبو سعيد الخدري صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقالوا ما زلنا نسمع عنك فبحظك أخذت في تركك قتالنا ، وكفك عنا ، ولزوم بيتك ؛ ولكن أخرج إلينا ما عندك قال : والله ما عندي مال ، فنتفوا لحيته ، وضربوه ضربات ثم أخذوا ما وجدوه في بيته حتى الصواع(١)

وجيء إلى مسلم بن عقبة ، وهو بالمدينة يقتل الناس صبراً ، بسعيد بن المسيب ، فقال له : بايع ! فقال : أبايع على سيرة أبي بكر وعمر ، فأمر بضرب عنقه فشهد رجلٌ أنه مجنون فخلّى سبيله ذكره ابن كثير عن المدائني .

وما توقف الجيش الأموي عن تلك المذابح في المدينة ومكة ، إلا بسماع موت يزيد في منتصف ربيع الأول عام أربع وستين .

٣ ـ معاوية بن يزيد بن معاوية ( ت ٦٤ هـ ) : وجاء الخبر بموت يزيد والقتال مستمر بين جيش عبدالله بن الزبير والجيش الأموي فنادى ابن الزبير : يا أهل الشام إن طاغيتكم قد هلك فانفلّوا وذلّوا

ــــــــــــــــ

(١) الإمامة والسياسة ص ٢٣٦ الصواع : الكوز الذي يشرب به .


وتخطّفهم الناس ودعا ابن الزبير إلى بيعة نفسه ، وتسمّى بالخلافة بينما بايع أهل الشام معاوية بن يزيد .

واضطرب الأمويون بعد معاوية بن يزيد بن معاوية الذي فاجئهم بتخليه عن الخلافة ، وماجوا في الفتنة ، وهرعوا إلى معلمه فاتهموه بتعليمه محبة أهل البيتعليه‌السلام فدفنوه حياً(١)

وكانت مدة خلافته أربعين يوماً ، ومات وله إحدى وعشرون سنة ، ولما احتضر قيل له : ألا تستخلف ؟ قال : ما أصبت من حلاوتها فلم أتحمل مرارتها ؟(٢) وكان لهذا الشباب ستة عشر سنة عندما أدخل رأس الحسينعليه‌السلام وسباياه والسجادعليه‌السلام على أبيه يزيد في المسجد الأموي ولعل أثر ذلك بقي في نفسه فأبت الخلافة !

٤ ـ عبدالله بن الزبير ( ت ٧٣ هـ ) : لما مات يزيد بن معاوية بويع له بالخلافة ، وأطاعه أهل الحجاز واليمن والعراق وخراسان ، ولم يبق بلداً خارجاً عنه إلى الشام ومصر فإنه بويع بهما معاوية بن يزيد ، فلم تطل مدته فملا مات أطاع أهلهما ابن الزبير وبايعوه .

ثم خرج مروان بن الحكم فغلب على الشام ثم مصر ، واستمر إلى أن مات سنة خمس وستين ، وقد عهد إلى ابنه عبد الملك .

ــــــــــــــــ

(١) حياة الحيوان للدّميري ج ١ ص ٦٢ .

(٢) تأريخ الخلفاء ص ٢١١ .


واستمر ابن الزبير بمكة خليفة إلى أن تغلّب عبد الملك ، فجهز لقتاله جيشاً بقيادة الحجاج في أربعين ألفاً ، فحاصره بمكة أشهراً ، ورمى عليه المنجنيق ، وخذل ابن الزبير أصحابه وتسللوا إلى الحجاج ، فظفر به وقتله وصلبه لسبع عشرة خلت من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين .

ولم يحمل إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رأس إلى المدينة قط ، ولا يوم بدر وأول من حملت إليه الرؤوس هو يزيد بن معاوية ومن ثم عبد الله بن الزبير .

٥ ـ مروان بن الحكم ( ت ٦٥ هـ ) : قال الذهبي ان مروان بن الحكم لا يعدّ من أمراء المؤمنين ، بل هو باغٍ خارج على ابن الزبير ، ولا عهده إلى إبنه بصحيح ، وإنما صحت [ في رأي الذهبي ] خلافة عبد الملك من حين قتل ابن الزبير سنة ٧٣ هـ(١) ولقد كانت لمروان بن الحكم طريد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خبرة في الإدارة أيام الخليفة الثالث حيث استوهبه واستوهب بني أمية وآل أبي معيط أموالاً طائلة من بيت مال المسلمين .

وفي أيام مروان استخفى المؤمنون ، وكانت الشيعة تطلب في أقطار الأرض تهدر دماؤهم وأموالهم ، وأظهروا لعن أمير المؤمنين

ــــــــــــــــ

(١) تأريخ الخلفاء ص ٢١٢ .


عليه‌السلام على منابرهم(١) وعللّوه : ( بأنه لا يستقيم لنا الأمر إلا بذلك ((٢) .

ومات مروان بن الحكم خنقاً ، قتلته زوجته أم خالد قال ابن الأثير عطته بوسادة حتى مات قتلاً(٣)

٦ ـ عبد الملك بن مروان ( ت ٨٦ هـ ) : وجاء في سنة ٧٣ للهجرة جبار آخر في حياة الإمام زين العابدينعليه‌السلام وهو عبد الملك بن مروان ، وهو القائل : ( لا يأمرني أحدٌ بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه )(٤) ، و( إني لا أداوي هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم )(٥) وكان بخيلاً حتى سمي بـ رشح الحجارة(٦) ، وعانى الناس في حكمه من الجوع والفقر والظلم .

وقد ولى على الكوفة الحجاج بن يوسف الثقفي ، (فكان الحجاج لا يصبر عن سفك الدماء ، وارتكاب أمور لا يقدر عليها غيره(٧) وكان الحجاج يفتخر قائلاً : ( والله ما أعلم اليوم رجلاً على

ــــــــــــــــ

(١) إثبات الوصية للمسعودي ص ١٦٨ .

(٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج ١٣ ص ٢٢٠ .

(٣) تاريخ ابن الأثير ج ٢ ص ٦٤٧ .

(٤) تأريخ الخلفاء للسيوطي ص ٢١٩ .

(٥) الذهب المسبوك للمقريزي ص ٢٩ .

(٦) تأريخ القضاعي ص ٧٢ .

(٧) حياة الحيوان ج ١ ص ١٦٧ .


ظهر الأرض هو أجرأ على دمٍ مني )(١) فوضع سيفه على رقاب القرّآء والعلماء فضلاً عن بقية عباد الله .

وفي سنة أربع وسبعين سار الحجاج إلى المدينة ، وأخذ يتعنت على أهلها ويستخفّ ببقايا من فيها من صحابة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وختم على إعناقهم وأيديهم ، يذلّهم بذلك كأنس ، وجابر بن عبد الله ، وسهل بن سعد الساعدي(٢)

ويروى عن نفاق عبد الملك ومكره في رواية تأريخية لها دلالة قال يحيى الغساني : لما نزل مسلم بن عقبة المدينة دخلت مسجد النبي عليه الصلاة والسلام ، فجلست إلى جنب عبد الملك ، فقال لي النبي عليه الصلاة والسلام ، فجلست إلى عبد الملك ، فقال لي عبد الملك : أمن هذا الجيش أنت ؟ قلت : نعم قال : ثكلتك أمك ! أتدري إلى من تسير ؟ إلى أول مولود في الإسلام(٣) ، وإلى ابن حواريّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإلى ابن ذات النطاقين ، وإلى من حنّكه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أما والله إن جئته نهاراً وجدته صائماً ، ولئن جئته ليلاً لتجدنّه قائماً ، فلو أن أهل الأرض أطبقوا على قتله لأكبّهم الله جميعاً في النار !

ــــــــــــــــ

(١) طبقات ابن سعد ج ٦ ص ٦٦ .

(٢) تاريخ الخلفاء ص ٢١٥ .

(٣) يقصد عبد الله بن الزبير .


فلما صارت الخلافة إلى عبد الملك وجّهنا مع الحجاج حتى قتلناه(١)

قال أحد الشعراء وهو يصف غدر عبدالملك بن مروان :

يا قوم لا تغلبوا عن رأيكم فلقد

جرّبتم الغدر من أبناء مروانا

أمسوا وقد قتلوا عمرا وما رشدوا

يدعون غدراً بعهد الله كيسانا

ويقتلون الرجال البزل ضاحية

لكي يولوا أمور الناس ولدانا

تلاعبوا بكتاب الله فاتّخذوا

هواهم في معاصي الله قرآنا

وتذكر أحدى الروايات مدى تكالب الناس على المال :

كان عمرو بن سعيد على الشام زمن إمارة عبد الله بن الزبير ، وكان له أنصار كثيرون فاستدرجه عبد الملك إلى قصره وأمر الخلافة لم يستتب بعد ، وقتله بقطع رأسه .

وكان أصحاب عمرو بن سعد وعددهم يربو على أربعة آلاف رجل مسلّح خارج القصر ، وهم ينتظرون إذا خفت صوت عمرو عليهم ، شهروا سيوفهم على عبد الملك وأخذوا بثأر سيدهم عمرو.

ــــــــــــــــ

(١) تاريخ الخلفاء ص ٢١٧ .


استشار عبد الملك حاشيته ، فأشاروا عليه : ارم الرأس المقطوع على أصحاب عمرو ، ثم ارم عليهم الدنانير والدراهم يتشاغلون بها .

وهكذا كان ، فأمر عبد الملك برأس عمرو أن يطرح إليهم من أعلى القصر ، فطرح إليهم وطرحت الدنانير ، ونثرت الدراهم ثم هتف عليهم الهاتف ينادي : إن أمير المؤمنين قد قتل صاحبكم ، بما كان من القضاء السابق ، والأمر النافذ ولكم على أمير المؤمنين عهد الله وميثاقه ، أن يحمل راجلكم ، ويكسو عاريكم ، ويغني فقيركم ، ويبلغكم إلى أكمل ما يكون من العطاء والرزق قال : فصاحوا نعم نعم نعم سمعاً وطاعةً لأمير المؤمنين(١) .

عاش الإمام السجادعليه‌السلام في هذه الأجواء الإجتماعية ، بينما كان يتوارد إلى سمعه ما كتبه الحجاج إلى عبد الملك مشيراً عليه قتل علي بن الحسينعليه‌السلام حتى يثبت ملكه فيجيبه عبد الملك : ( أما بعد : فجنبني دماء بني هاشم ، واحقنها فإني رأيت آل أبي سفيان لما ولغوا فيها لم يلبثوا أن أزال الله عنهم الملك ) ولكن عبد الملك ولغ في دماء المؤمنين بالواسطة فكان الحجاج يده اليمنى التي يقطع بها رؤوس الأبرياء وما عسى أن يفعل السجادعليه‌السلام ، وهو يرى ماكنة القتل والقطع تدور ليل نهار ، غير التوسل بالله عزّ وجلّ بالانتقام .

ــــــــــــــــ

(١) الإمامة السياسة ج ٢ ص ٣٣ ـ ٣٥ .


المعارضة اللفظية :

ومع صرامة سيف عبد الملك ، إلا ان التأريخ ينقل لنا بعض المواجهات اللفظية التي وقعت آنذاك وهي تعكس بمجملها صورة من صور وعي الناس لحقيقة أمر الخلافة واغتصابها من أهلها ولكن الخوف الذي لجم الأفواه وقطع الألسن كان هو المسيطر على الجو العام للمجتمع وكانت الناس تستلهم من وجود الإمام زين العابدينعليه‌السلام ما يجعلها تتجرأ على عبد الملك بن مروان ونحوه من الخلفاء ومن تلك المواجهات اللفظية :

يحدث أبو حمزة الثمالي أن رجلاً قد سمع عبد الملك يخطب بمكة ، فلما صار إلى موضع العظة من خطبته قام إليه ، وقال : ( مهلاً إنكم تأمرون ولا تأتمرون ، وتنهون ولا تنتهون ، وتعظون ولا تتعظون أفاقتداءً بسيرتكم أم طاعةً لأمركم ؟ فإن قلتم إقتداءً بسيرتنا ، فكيف يقتدى بسيرة الظالمين ؟! وما الحجة في اتباع المجرمين الذين اتخذوا مال الله دولاً وجعلوا عباد الله خولاً ؟! وإن قلتم أطيعوا أمرنا واقبلوا نصحنا ! فكيف ينصح غيره من لم ينصح نفسه ؟ أم كيف يجب طاعة من لم تثبت له عدالة ؟

وإن قلتم خذوا الحكمة من حيث وجدتموها واقبلوا العظة ممن سمعتموها فلعلّ فينا من هو أفصح بصنوف العظات ، وأعرف بوجوه اللغات ، فتزحزحوا عنها ، واطلقوا قفالها ، وخلو سبيلها ،


ينتدب لها التي شردتموهم في البلاد ونقلتموهم عن مستقرهم إلى كل وادٍ فوالله ما قلدناكم أزمة أمورنا وحكمناكم في أموالنا وأبداننا لتسيروا بسيرة الجبارين غير انا بصراء بانفسنا باستيفاء المدة ، وبلوغ الغاية وتمام المحنة ، ولكل قائم منكم يوم ، لا يعدوه كتاب لابد ان يتلوه ، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) فقام إليه أصحاب المسالح(١) ، وقبضوا عليه ، فكان آخر عهدنا به(٢)

ويحدث الشيخ الديلمي : ان رجلاً قال لعبد الله الخليفة : أناظرك وأنا آمن ؟ قال : نعم .

فقال له : اخبرني عن هذا الأمر الذي صار إليك بنصٍ من الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قال : لا .

فقال : اجتمعت الأمة وتراضوا بك ؟ قال : لا .

فقال : كانت لك بيعة في اعناقهم فوفوا بها ؟ قال : لا .

فقال : اختارك أهل الشورى ؟ قال : لا .

فقال : أليس قد قهرتهم على أمرهم واستأثرت بفيئهم دونهم ؟ قال : بلى .

ــــــــــــــــ

(١) أي الشرطة .

(٢) بحار الأنوار ج ١١ ص ٩٧ .


فقال : بأي شيء سميت أمير المؤمنين ولم يؤمرك الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا المسلمون ؟

فقال له عبد الملك : أخرج عن بلادي وإلا قتلتك !

فقال الرجل : ليس هذا جواب أهل العدل والإنصاف(١)

٧ ـ الوليد بن عبد الملك (ت ٩٦ هـ ) : وقبل هلاكه عهد عبد الملك بالخلافة إلى ولده الوليد وأوصاه بالحجاج خيراً ، فقال : ( وانظر الحجاج فأكرمه ، فإنه هو الذي وطأ لكم المنابر وهو سيفك يا وليد ، ويدك على من ناواك ، فلا تسمعن فيه قول أحد ، وأنت إليه أحوج منه إليك وادع الناس إذا مت إلى البيعة فمن قال برأسه هكذا ، فقل بسيفك هكذا )(٢)

ويمكنك مقارنة هذه الوصية بوصية الإمام زين العابدينعليه‌السلام لابنه الباقرعليه‌السلام : ( يا بني أياك وظلم من لا يجد عليك ناصراً إلا الله(٣) ووصايا الرسلعليه‌السلام وابناء الأنبياءعليه‌السلام من سنخ واحد شريف ووصايا الملوك والسلاطين من سنخ مضاد .

الخلاصة : ان نظام الحكم الأموي الذي عايشه السجادعليه‌السلام كان بعيداً عن رحمة الإسلام ومبادئه في العدالة والإنصاف كان نظاماً

ــــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار ج ١١ ص ٩٧ .

(٢) تأريخ الخلفاء ص ٢٢٠ .

(٣) بحار الأنوار ج ١١ ص ٤٤ .


دموياً يسفك الدماء ، وينتهك الأعراض ، ويبتز الأموال فجعل الناس تعيش في رعب دائم فلا سلطة قضائية عادلة يؤمّل منها ان تحقق الحد الأدنى من العدل ، ولا حرية عبادة يستطيع الإنسان فيها أن يختار إمامه الشرعي أو مذهبه الذي يتعبد به ، ولا فسحة لنقد السلطان وتقويمه عندما يكون الإنحراف عن المبادئ أسطع من الشمس في رابعة النهار .

فبقيت السلطة الروحية متمثّلة بالإمام زين العابدينعليه‌السلام تراقب الوضع العام وتحاكمه بالقدر الممكن ، وترعى الضعفاء والفقهاء والمحرومين بالمقدار المتيسر ولم يكن من علاج للجبروت السياسي غير التوجه إلى الله عزّ وجلّ بالصلاة والدعاء وإشاعة تلك الثقافة الدينية التي تذلل النفس البشرية لله تعالى لا لغيره .

فعندما كان الإمام السجادعليه‌السلام يسمع قول الوليد بن يزيد وهو يصور طغيان الأمويين وجبروتهم :

فدع عنك ادّكارك آل سعدى

فنحن الأكثرون حصى ومالاً

ونحن المالكون الناس قسرا

نسومهم المذلة والنكالا

ونوردهم حياض الخسف ذلاً

وما نألوهم إلا خبالاً

يردهمعليه‌السلام ـ وهو في محراب عبادته ـ وبلسان حالٍ يقول :


 ( اللهمّ وأجل من أسباب الحلال أرزاقي ، ووجّه في أبواب البرّ إنفاقي ، وازو عنّي من المال ما يحدث لي مخيلةً أو تأدّياً إلى بغي ، أو ما أتعقّب منه طغياناً اللهمّ حبّب إليّ صحبة الفقراء ، وأعنّي على صحبتهم بحسن الصّبر ، وما زويت عنّي من متاع الدّنيا الفانية فاذخره لي في خزائنك الباقية ، واجعل ما خولتني من حطامها ، وعجّلت لي من متاعها بلغةً إلى جوارك ، ووصلةً إلى قربك ، وذريعةً إلى جنّتك إنّك ذو الفضل العظيم ، وأنت الجواد الكريم )(١)

وكانعليه‌السلام يتعوذ من دولة السلطان الظالمة ، فيقول : ( إن للحمق دولةً على العقل ، وللمنكر دولةً على المعروف ، وللشر دولةً على الخير ، وللجهل دولةً على الحلم ، وللجزع دولةً على الصبر ، وللخرق دولةً على الرفق ، وللبؤس دولةً على الخصب ، وللشدة دولةً على الرخاء ، وللرغبة دولةً على الزهد ، وللبيوت الخبيثة دولةً على بيوتات الشرف ، وللأرض السبخة دولةً على الأرض الخصبة فنعوذ بالله من تلك الدول ، ومن الحياة في النقمات )(٢)

ــــــــــــــــ

(١) الصحيفة السجادية دعاء (٣٠) ص ١٣٤ .

(٢) مختصر تأريخ دمشق ج ١٧ ص ٢٥٥ .


وهذا التعوذ من غلبة أهل الجور والظلم ( الدولة ) واستيلائهم على مقدرات الناس ، هو تعوذٌ من الشر الذي يجلبه الإستيلاء ، وهو مصداق لقوله تعالى : (( قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الْفَلَقِ * مِن شَرّ مَا خَلَقَ ) ((١) .

تحليل لموقف الإمام زين العابدين عليه‌السلام :

بقي الإمامعليه‌السلام معارضاً للسلطة الأموية طول حياته ، لأنه رأى فيها من الظلم والتحريف والقهر ما لا يطاق وجاهد بكل ما يستطيع ـ وبلحاظ دقة الزمان ـ في إبقاء صوت الإسلام مسموعاً وقوياً عند عامة الناس وحول موقفه هذا نقرأ مجموعة من الأفكار :

١ ـ ان السياسة الأموية التي وضع معاوية بن أبي سفيان خطوطها الأولى كانت وراء الكثير من الأزمات السياسية والإقتصادية ، التي دفعت بالمسلمين إلى الخوف ومن ثم التملق إلى الحاكم ، وهبطت بالناس إلى حدود الضيق والإنحطاط والفقر فكان الإمام السجادعليه‌السلام يعارض تلك السياسة باساليب متنوعة ، منها : خطابه إلى الناس في الكوفة والشام والمدينة ومنها : رسائله إلى عبد الملك بن مروان ، والوليد بن عبد الملك ، وإلى شيعته ومحبيه ، وإلى علماء البلاط كالزهري واشباهه ومنها : اشارته إلى محمد بن الحنفية ، والمختار ، وابن الزبير ومنها : سلوكه العام الذي رفض فيه الظلم الذي كان

ــــــــــــــــ

(١) سورة الفلق : الآية ١ ـ ٢ .


يمارسه الحاكم ، وتوجه بدعائه وخطابه إلى أعدل العادلين بل العدل المطلق وهو الله سبحانه يبتغي كرمه وجوده .

وبذلك كان السجادعليه‌السلام يمثل الأمل في الصراع بين الحق والباطل ، والمرجع العادل الذي ترجع إليه الأمة وقت الأزمات .

٢ ـ ان القهر السياسي الذي عانى منه أهل العراق والحجاز وبقية مناطق المسلمين ، جعل الناس تميل بدرجات متزايدة صوب أئمة أهل البيتعليه‌السلام خصوصاً عندما وجدوا انفتاح السجادعليه‌السلام على النادمين وأهل التوبة والاستغفار فقد كانت بابهعليه‌السلام مفتوحة للجميع ولم يفلت من ذلك إلا الشقي كعبد الله بن الزبير ، الذي لم يستظل بشمس علوم آل البيتعليه‌السلام ولم ينل تقديرهم ولا حبهم .

٣ ـ ان فشل السياسة الأموية في احتواء الأزمات الداخلية ، وضربهم رموز الإسلام كعلي بن أبي طالبعليه‌السلام وريحانة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الحسن والحسينعليهما‌السلام بمنتهى العنف والقسوة عجلّ زوال ملكهم الذي قام على الظلم واغتصاب الخلافة من أهلها فولّد ذلك موجة عامة من الرفض القلبي لبني أمية ومن والاهم وما تولي عبد الله بن حنظلة ( من الأوس ) في المدينة ، والمختار في الكوفة ، وبن الزبير في مكة ، إلا مظهراً من مظاهر ذلك الرفض ، مع اختلاف أهداف هؤلاء وطموحاتهم الشخصية تجاه الإسلام وأهل البيتعليه‌السلام والأمة على نطاقها الواسع .


٤ ـ ان خروج عبد الله بن الزبير منتصراً ، بعد موت يزيد بن معاوية ، من هزيمة عسكرية محققة ، أوضح بأن السياسة أمرٌ متقلب لا يمكن الركون إليها خصوصاً وان أطراف الصراع لا دين لها غير السيف والغدر وامتيازات السلطة .

فهذا مصعب بن الزبير يقتل ، وبإيحاء من أخيه عبد الله ، من شيعة الكوفة نحواً من ثمانية آلاف صبراً(١) وعندما يقدم على أخيه عبد الله بن الزبير ومعه من سالم وخضع له من رؤوساء العراق ووجوههم ويطلب لهم مالاً وجوائز ، يصرفه عبد الله بن الزبير ويعلن بأنه يريد رجالاً مطيعين كأهل الشام ولكن أهل الشام لم يكنّوا أي مودة لابن الزبير بل كان حبهم وطاعتهم تتجه صوب عبد الملك بن مروان .

وهكذا السياسة : مالٌ ودنيا ، وولاءاتٌ ودنانير فكان ثبوت موقف السجادعليه‌السلام وشموله مساحات دينية وإجتماعية مثل العبادات ، ومساعدة الناس ، والإشارات السياسية في الموعظة والأدب ، قد حفظ ما تبقى من رسالة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تلك الظروف العصيبة التي مرّ بها الإسلام .

٥ ـ كان للمال دور حاسم في تعيين الإتجاهات وتشخيص الولاءات وكانت بنو أمية تشري ذمم الناس بالدراهم والدنانير وفي وضع

ــــــــــــــــ

(١) الإمامة والسياسة ج ٢ ص ٣٢ .


كهذا كان الإمام السجادعليه‌السلام يشيع الدعاء بدل الدراهم ، وذكر الله تعالى وتمجيده بدل الدنانير عسى أن يهتدي من أراد الله هدايته .

مشكلة الفقر

مشكلة الفقر مشكلة إجتماعية خطيرة ، وقد عالجها الإسلام عبر تنشيط بيت المال في فرض الصدقات الواجبة على الأغنياء وتشجيع العمل والإستثمار وربط ملكية الأرض بإحيائها ، وحث الناس على الإحسان وصلة الرحم والإطعام والإكساء ونحوها .

لم يهتم خلفاء بني أمية بالفقراء ولم يعالجوا مشكلة الفقر أصلاً ولذلك استفحلت المشكلة خصوصاً مع سياسة معاوية التفضيلية لبعض دون آخر ، وبخل عبد الملك بن مروان والوليد بن عبد الملك وعبد الله بن الزبير وقد بدد الأمويون بيت المال على ملذاتهم وعلى أهل الغناء واللهو والفاحشة .

جملة من المفارقات :

وهنا مفارقات ثلاث تكشف لنا صورة الوضع الإجتماعي زمن السجادعليه‌السلام


١ ـ المفارقة الأولى : وهي تقارن بين تبذير معاوية لأموال المسلمين من بيت المال على أمر لا يتعدى اللهو ، وبين صورة شعرية لفقير يطلب مالاً من أحد المحسنين .

ففي ( الطيوريات ) عن سليمان المخزومي قال : أذن معاوية للناس إذناً عاماً ، فلما احتفل المجلس ، قال : أنشدوني ثلاثة أبيات لرجلٍ من العرب كلّ بيت قائمٌ بمعناه ، بثلثمائة ألف [ دينار] .

فقام أحدهم ، فأنشده للأفوه الأودي :

بلوت الناس قرناً بعد قرن

فلم أر غير ختّال وقال

قال : صدق ، هيه ؛ قال :

ولم أر في الخطوب أشدّ وقعاً

وأصعب من معاداة الرجال

قال : صدق ، هيه ؛ قال :

وذقت مرارة الأشياء طرّا

فما طعمٌ أمر من السؤال

قال : صدق ؛ ثم أمر له بثلثمائة ألف(١) .

بينما يصور أحد الشعراء الفقراء من بني أسد(٢) حالة البؤس المعاشي عندما يمتدح أحد وجهاء الكوفة طالباً منه أن يسعفه بمعروفه :

يا أبا طلحة الجواد أغثني

بسجال من سيبك المعتوم

أو تطوع لنا بسلف دقيق

أجره إن فعلت عظيم

ــــــــــــــــ

(١) تاريخ الخلفاء ص ٢٠٣ .

(٢) حياة الحيوان للحاحظ ج ٥ ص ٢٩٧ ـ ٢٩٨ .


قد علمتم ـ فلا تقاعس عني

ما قضى الله في طعام اليتيم

ليس لي غير جرة واصيص

وكتاب منمنم كالوشيم

وكساء أبيعه برغيف

قد رقعنا خروقه بأديم

وأكف أعارنيه نشيط

ولحافٍ لكل ضيفٍ كريم

٢ ـ المفارقة الثانية : وهي تقارن بين تبذير عبد الملك أموال المسلمين من بيت المال وبين حرص أهل البيتعليه‌السلام على أموال المسلمين :

قال أبو عبيدة : لما أنشد الأخطل قصيدته لعبد الملك التي يقول فيها :

شمس العداوة حتى يستفاد لهم

وأعظم الناس أحلاماً إذا قدروا

قال عبد الملك : خذ بيده يا غلام فأخرجه ، ثم ألق عليه من الخلع ما يغمره ، ثم قال : إن لكل قوم شاعراً ، وشاعر بني أمية الأخطل(١)

أقول : لا ضير بإكرام الشعراء من ماله الخاص ولكن عندما يكون المال من بيت مال المسلمين ، ويكون الميزان مائلاً بالكامل لهؤلاء ، ومرفوعاً بالكامل عن أهل الحاجة والفقر والمسكنة ، هنا يقع الظلم الذي منعه الإسلام .

ــــــــــــــــ

(١) تاريخ الخلفاء ص ٢٢٢ .


بينما أخرج ابن عساكر عن حميد بن هلال أن عقيل بن أبي طالب سأل علياًعليه‌السلام فقال : إني محتاج وإني فقير فأعطني فقالعليه‌السلام : ( اصبر حتى يخرج عطائي مع المسلمين فأعطيك معهم ) فألحّ عليه فقال لرجلٍ : خذ بيده وانطلق به إلى حوانيت أهل السوق ، فقل : دق هذه الأقفال ، وخذ ما في هذه الحوانيت قال عقيل : تريد أن تتخذني سارقاً قال عليعليه‌السلام : ( وأنت تريد أن تتخذني سارقاً ؟ أن آخذ أموال المسلمين فأعطيكهما دونهم ) قال عقيل : لآتينّ معاوية قال : ( أنت وذاك ) فأتى معاوية ، فسأله فأعطاه مائة ألف ثم قال : اصعد على المنبر فاذكر ما أولاك به عليّ وما أوليتك فصعد فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، إني أخبركم أني أردت علياً على دينه فاختار دينه ، وأني أردت معاوية على دينه فاختارني على دينه(١)

وقد سقنا مثالاً من زمن أمير المؤمنين عليعليه‌السلام لأنه كان الوحيد من أئمة أهل البيتعليه‌السلام ممن بسطت يده وأشرف على بيت مال المسلمين .

٣ ـ المفارقة الثالثة : وهي تقارن بين بخل الأمراء وكرم السجادعليه‌السلام

أخرج ابن عساكر عن أبي عبيدة قال : جاء عبد الله الأسدي إلى عبد الله بن الزبير بن العوام ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن بيني وبينك رحماً من قبل فلانة فقال ابن الزبير : نعم ، هذا كما ذكرت وإن

ــــــــــــــــ

(١) تاريخ الخلفاء ص ٢٠٤ .


فكرّت في هذا أصبت : الناس بأسرهم يرجعون إلى أب واحد وإلى أم واحدة .

فقال : يا أمير المؤمنين إن نفقتي نفدت ! قال ابن الزبير : ما كنت ضمنت لأهلك أنها تكفيك إلى أن ترجع إليهم .

قال : يا أمير المؤمنين ناقتي قد نقبت ! قال : أنجد بها تبرد خفها ، وأرقعها بسبت ، واخفضها بهلبٍ ، وسر عليها البردين .

قال : يا أمير المؤمنين ، إنما جئتك مستحملاً ولم آتك مستوصفاً ، لعن الله ناقةً حملتني إليك(١)

وقد قرأنا سابقاً عن بخل عبد الملك بن مروان ، بحيث أطلق عليه لقب ( رشح الحجارة ) وهو لقب يعبّر عن غاية البخل ، وهو في مقابل الكريم ( كثير الرماد ) فالحجارة الصلدة لا يترشح منها شيء ، وكثير الرماد هو من يطعم الضيوف ، ويحرق الفحم لطهي طعامهم .

وعندما تقارن بين بخل هؤلاء وكرم الإمام السجادعليه‌السلام ، ترى الفارق فقد دفع الإمام السجادعليه‌السلام دين محمد بن أسامة قبل وفاته ، وكان خمسة عشر ألف دينار(٢) . وقد مرّ علينا الكثير من كرم السجاد .

ــــــــــــــــ

(١) تاريخ الخلفاء ص ٢١٤ .

(٢) الحلية ج ٣ ص ١٤١ .


الطبقة الحاكمة وتبذير بيت المال :

وهكذا كانت صورة المجتمع الإسلامي في القرن الأول الهجري من فقرٍ وحرمانٍ وحاجةٍ بينما كان أهل السلطة منغمسون بالترف فكان فتيانهم يرفلون بالثياب الفاخرة من القوهي والعرشي كأنهم الدنانير الهرقلية(١)

ويلبس من يتظاهر بالتقوى كعمر بن عبد العزيز ثوباً بأربعمائة دينار ، ويقول : ما أخشنه(٢) وهذا مروان بن أبان بن عثمان يلبس سبعة قمصان ، كأنها درج بعضها أقصر من بعض ، وفوقها رداء عدني بألفي درهم(٣)

وأجزلوا العطاء لأهل العبث واللهو والغناء والمجون ، فقد أعطى الوليد بن يزيد أحد المغنين واسمه معبداً اثني عشر ألف دينار(٤)

ووفد على يزيد بن عبد الملك المغني ذاته ( معبد ) ومعه مالك ابن أبي السمح وابن عائشة فأمر لكل واحد منهم ألف دينار وطلب الوليد المغني يونس فذهب إليه وغناه ، فأعجب بغنائه وأجازه بثلاثة آلاف دينار(٥)

ــــــــــــــــ

(١) الأغاني ج ١ ص ٣١ والقوهي : الثوب من الخز الفاخر .

(٢) طبقات ابن سعد ج ٥ ص ٢٤٦ .

(٣) الأغاني ج ١٧ ص ٨٩ .

(٤) الأغاني ج ١ ص ٥٥ .

(٥) الأغاني ج ٤ ص ٤٠٠ .


وأجزلوا العطاء أيضاً لشعراء البلاط الموالين لبني أمية فأعطوا شاعرهم الأحوص مائة ألف درهم ، ثم أعطوه في مناسبة ثانية عشرة آلاف دينار(١)

يقول الأحوص(٢) في مدح الوليد بن عبد الملك :

أمام أتاه الملك عفواً ولم يثب

على ملكه مالاً حراماً ولا دماً

تخيّره رب العباد لخلقه

ولياً وكان الله بالناس أعلما

فلما ارتضاه الله لم يدع مسلماً

لبيعته إلاّ أجاب وسلما

ينال الغنى والعزّ من نار ودّه

ويرهب موتاً عاجلاً من تشاء ما

وأنّ بكيفه مفاتيح رحمةٍ

وغيثٌ يحييّ به الناس مرهماً

وإن سألت الأحوص(٣) عن مصدر ثراءه ، لقال لك :

وما كان مالي طارفاً من تجارة

وما كان ميراثاً من المال متلدا

ولكن عطايا من إمامٍ مباركٍ

ملا الأرض معروفاً وجوداً وسؤددا

والمقصود بالإمام في هذا الشعر هو الوليد بن عبد الملك .

وكان من الفقراء من لا يجد رغيف الخبز لسد رمقه .

ــــــــــــــــ

(١) الأغاني ج ٩ ص ١٧٢ ، ٨ .

(٢) الأغاني ج ١ ص ٢٩ .

(٣) الأغاني ج ٩ ص ٨ .


الفقر والحرمان :

لقد حرم معاوية عطاء بني هاشم لأن الإمام الحسينعليه‌السلام لم يبايع ليزيد زمن معاوية فوقف عبد الله بن عباس أمام خيمة معاوية وهو في سفره إلى مكة ، وقال : أين جوائزنا [ يقصد عطايانا ] كما أجزت غيرنا ؟ فقال معاوية : والله ما لكم عندي جائزة ولا عطاه حتى يبايع صاحبكم [ يعني الحسينعليه‌السلام ] فقال ابن عباس : فقد أبى ابن الزبير فأخرجت جائزة بني أسد ، وأبى عبد الله بن عمر فأخرجت جائزة بني عدي فما لنا إن أبى صاحبنا ، وقد أبى صاحب غيرنا ؟ فقال معاوية : لستم كغيركم ، لا والله لا أعطيكم درهماً حتى يبايع صاحبكم(١) .

وكان أحد أسباب استفحال مشكلة الفقر هو اسقاط أسماء الموالين لأهل البيتعليه‌السلام من عطاء بيت المال وقد كان معاوية مفرطاً في ذلك ، فأوعز إلى ولاته في جميع الأمصار : ( انظروا من قامت عليه البيّنة أنه يحبّ علياً وأهل بيته فامحوه من الديوان ، وأسقطوا عطاءه ورزقه )(٢) واستمر ذلك القرار زمن يزيد ، وعبد الملك بن مروان ، والوليد بن عبد الملك .

ــــــــــــــــ

(١) الإمامة والسياسة ج ١ ص ٢١٣ .

(٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج ١١ ص ٤٥ .


وما كان على الإمام زين العابدينعليه‌السلام إلاّ أن يقوم بإعالة المتضررين من ذلك القانون الجائر بسرية تامة ، فأخذ يحمل جرابه على ظهره وهو مملوء بالطعام وبعد أن تهدأ عيون بني أمية ، فيتبع به المساكين في ظلمة الليل ، وهو يقول : ( إنّ الصدقة في سواد الليل تطفئ غضب الرب )(١) بحيث ان الفقراء والمساكين فقدوا صدقة السر بموت زين العابدينعليه‌السلام

ويكلمة ، فان الإمام السجادعليه‌السلام وفي ذلك الوضع القاسي ، قام بما تمليه عليه وظيفته الدينية والإجتماعية من مساعدة الفقراء والمساكين فكان من نشاطهعليه‌السلام

١ ـ إطعام الفقراء ظهيرة كل يوم .

٢ ـ توزيع الطعام ليلاً بجرابه المعروف ، كما ذكرنا .

٣ ـ إعالة بيوت الفقراء بالمدينة ، قدرت بمائة بيت وهو عدد كبير نسبة الى مساحة المدينة ذلك الزمان .

٤ ـ إعطاء الكسوة التي كان يرتديها إلى الفقراء .

٥ ـ بناء بيوت آل عقيل وغيرهم التي هدمها بنو أمية .

٦ ـ دفع الديون المتراكمة على الغارمين الفقراء ، كمحمد بن أسامة ، وغيره .

٧ ـ مقاسمة أموال السجادعليه‌السلام مع الفقراء والمساكين .

ــــــــــــــــ

(١) مختصر تاريخ دمشق ج ١٧ ص ٢٣٨ .


وهذا الاسلوب في معالجة الفقر ، وإن كان اسلوباً فردياً قد لا يعالج كل الوضع الإجتماعي إلا انه يعدُّ مصداقاً لمنهج الإسلام في ضرورة معالجة مشكلة الفقر علاجاً دينياً شاملاً وقد قال الإمام عليعليه‌السلام : ( لو كان الفقرُ رجلاً لقتلته ) ، و ( كاد الفقرُ أن يكون كفراً ( .

ولو كانت أيديهمعليه‌السلام مبسوطة لعالجوا المشكلة بما ألهمهم الله به من كرم وعلم وتقوى وتعفف عما في ايدي الناس ، فكانوا يؤثرون على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة وكانواعليه‌السلام يتحسسون لآلام الناس ومعاناتهم كيف لا ، وقد نزل فيهمعليه‌السلام قوله تعالى :( وَيُطْعِمُونَ الطّعَامَ عَلَى‏ حُبّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً * إِنّا نَخَافُ مِن رَبّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً ) (١) .

المشكلة العلمية

عانى القرن الأول الهجري ، خصوصاً بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، من مشاكل عديدة خطيرة ، أولها : منع تدوين السنّة النبوية الشريفة بما فيها أقوال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفعله وتقريره ثانيها : دخول ثقافة مجتمعات جديدة اعتنقت الإسلام حديثاً تسلط حكام منعوا حرية الفكر والنقد وأباحوا في المقابل كل مظاهر الفساد حتى ينشغل

ــــــــــــــــ

(١) سورة الإنسان : الآية ٨ ـ ١٠ .


الناس بملذات الدنيا دون الإنتباه إلى محاسبة الحاكم أو نقده أو عزله إذا اقتضى الأمر .

فشجعَ النظام السياسي الأموي ظاهرة الجهل بالمفاهيم الأساسية للدين ، وطرحَ ـ عبر فقهاء البلاط ـ مفاهيم جديدة غريبة كالتشبيه والتجسيم والجبر والإرجاء ، وشجع على ثقافة الهجاء والسباب والقذف على نطاق الشعراء فاشعل الفتن القبلية والعصبية والشعوبية ، كما سنرى في حديثنا عن مشكلة العصبية .

القضاء والقدر :

قال معاوية وهو يتحدث إلى عائشة أم المؤمنين ، حول استخلاف يزيد ، عندما دخل عليها وهو في زيارة للمدينة : ( وإن أمرَ يزيد قضاءٌ من القضاء ، وليس للعباد الخيرة من أمرهم وقد أكد الناس بيعتهم في أعناقهم ، وأعطوا عهودهم على ذلك ومواثيقهم )(١)

وكان معاوية يحاول جاهداً أن يظهر للناس ، على ما رواه القاضي عبد الجبار : ( ان ما يأتيه بقضاء الله من خلقه ، ليجعله عذراً

ــــــــــــــــ

(١) الإمامة والسياسة ج ١ ص ٢٠٥ .


فيما يأتيه ويوهم أنه مصيب فيه ، وأن الله جعله إماماً وولاه الأمر ، وفشا ذلك في ملوك بني أمية )(١)

ولكن أئمة أهل البيتعليه‌السلام قاوموا فكرة القضاء بهذا المعنى ، بكل قوة ووضوح وعندما أراد عبيد الله بن زياد ان يعلّل مقتل الحسينعليه‌السلام إلى فعل الله عزّ وجلّ لا فعل الناس ، أجابه الإمام السجادعليه‌السلام ( اللّهُ يَتَوَفّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ) )(٢) . فمقتل الحسينعليه‌السلام كان بفعل الناس واختيارهم ، ولم يجبرهم الله تعالى على ذلك .

وعندما أراد يزيد ان يعلّل قتل الحسينعليه‌السلام بالآية الشريفة : (( وَمَا أَصَابَكُم مِن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) )(٣) ، رده الإمامعليه‌السلام : ( هذا في حق من ظلم ، لا في حق من ظُلم ) وهذا توجيه شرعي للآية الشريفة ، حيث أراد يزيد تحريف معناها .

والفرق كبير بين حلول الأجل من قبل الله تعالى دون واسطة ، وبين القتل الذي هو إزهاقٌ للروح من قبل إنسان قاصد لنية القتل .

ــــــــــــــــ

(١) رسائل العدل والتوحيد ـ القاضي عبد الجبار ص ٢ ـ ٤٦ .

(٢) سورة الزمر : الآية ٤٢ .

(٣) سورة الشورى : الآية ٣٠ .


وحارب السجادعليه‌السلام عقيدة التشبيه والتجسيم ، وهي الفكرة التي ارتبطت بألفاظ أعضاء الجسم كاليد والعين ونسبتها إلى الله تعالى بالوصف والتغاضي عن كونها تعبّر عن القدرة والبصيرة ، بجملة واحدة وافية يخاطبُ فيها ربَّه : ( ليس كمثلك شيء )(١)

طلب العلم :

وأمام تلك السياسة الهادفة إلى إبقاء الناس على ما هم عليه من جهل ، قام الإمام السجادعليه‌السلام أولاً بالتشجيع على طلب العلم ، عبر أحاديث ومواعظ كان يوجهها لطلبته ومريديه فكان يردد دائماً : ( لو يعلم الناس ما في طلب العلم لطلبوه ولو ببذل المهج ، وخوض اللجج إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى دانيال إنّ أمقتَ عبد إليّ : الجاهل ، المستخف بحق أهل العلم ، التارك للإقتداء بهم وإنّ أحبّ عبيدي إليّ : التقي ، الطالب للثواب الجزيل ، اللازم للعلماء ، التابع للحكماء )(٢) وإذا جاء طالب العلم رحبّ به ، وقال له : ( مرحباً بوصية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) وكانعليه‌السلام إذا نظر

ــــــــــــــــ

(١) كشف الغمة ج ٢ ص ٨٩ .

(٢) أصول الكافي ج ١ ص ٣٥ .


إلى الشباب الذين يطلبون العلمَ أدناهم إليه ، وقال : ( مرحباً بكم أنتم ودايع العلم ويوشك إذا أنتم صغار قومٍ أن تكونوا كبار آخرين )(١)

وفي رسالة الحقوق وقرَّعليه‌السلام العلم والتعليم ، والعالم والمتعلم ، والمحاضر والمستمع ومنععليه‌السلام على العلماء أن يأخذوا أجراً على تعليمهم الناس(٢)

وكانعليه‌السلام يردد : ( الفكرةُ مرآة تري المؤمن حسناته وسيئاته )(٣) وأن : ( سادة الناس في الدنيا : الأسخياء ، وفي الآخرة : أهل الدين ، وأهل الفضل والعلم ، لأن العلماء ورثة الأنبياء )(٤)

وأنكبّ السجادعليه‌السلام على إذاعة أحاديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الصحيحة بسند صحيح عن أبيه الحسينعليه‌السلام ، عن علي بن أبي طالبعليه‌السلام عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكانت تلك مهمة صعبة في ظروف سياسية وإجتماعية تضيق الخناق على شيعة أهل البيتعليه‌السلام ، في الوقت الذي يأمر السلطان فيه الولاة بوضع أحاديث نبوية مختلقة وبثها بين الناس حتى ينشأ جيل جديد يؤمن بفضائل الخليفة الأموي مهما كان بعيداً عن الإسلام .

ــــــــــــــــ

(١) الأنوار البهية ص ١٠٣ .

(٢) حلية الأولياء ج ٢ ص ١٤٠ .

(٣) مختصر تاريخ دمشق ج ١٧ ص ٢٥٤ .

(٤) مختصر تاريخ دمشق ج ١٧ ص ٢٣٩ .


وكانت سياسة منع تدوين الحديث التي بدأت بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واستمرت حتى عهد عمر بن عبد العزيز (ت ١٠١ هـ) تساعد ـ بقصدٍ أو دون قصد ـ على اشاعة أجواء إختلاق الأحاديث .

والمعروف ان الحجاج الثقفي اعتدى على صحابة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فختم على أيديهم وأعناقهم ، إذلالاً لهم وحذراً من أن يحدّثوا الناس بفضائل أهل البيتعليه‌السلام ، أو يسمع الناس حديثهم(١)

فكان للإمام السجادعليه‌السلام دورٌ اساسي في بث أحكام الإسلام التي لم تمتد لها يد التزوير والتحريف فنشرَ الفضائل ونهى عن الرذائل ، وشرحَ الواجبات والمستحبات ، والمحرمات والمكروهات ونادى بالولاية الشرعية وكانت عملية رواية الحديث آنذاك تعدُّ تحدياً لسياسة السلطة وأوامرها .

تلامذة السجاد عليه‌السلام

وقد ثبّت الشيخ الطوسي في (رجاله) (٢) أسماء (١٧٣) راوياً عنه ، من بين المئات الذين كانوا يسمعون رواية الحديث أو تفسير القرآن مباشرة منه دون واسطة وهذا عدد كبير من طلاب العلم في مدينة واحدة كالمدينة المنورة ومن أولئك الرواة أسماء لامعة في دنيا الرواية وسماء العلم.

ــــــــــــــــ

(١) أسد الغابة لابن الأثير ج ٢ ص ٤٧٢ .

(٢) رجال الطوسي ص ٨١ ـ ١٠٢ .


فكان منهم أبان بن تغلب (ت ١٤١ هـ) الذي كان مقدماً في فنون القرآن والحديث والأدب واللغة والنحو ، يطلب منه الإمام الباقرعليه‌السلام لاحقاً : ( أجلس في مسجد المدينة ، وأفتِ الناس فإني أحب أن يرى في شيعتي مثلك )(١) ويقول الإمام الصادقعليه‌السلام فيه شبيه ذلك وعندما كانوا يلومونه على روايته عن الإمام السجادعليه‌السلام ، كان يقول : ( كيف تلوموني في روايتي عن رجل ما سألته عن شيء إلا قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( .

وثابت بن أبي صفية المعروف بأبي حمزة الثمالي (ت ١٥٠ هـ) من أبرز علماء عصره في الحديث والفقه وعلوم اللغة ، وكان يرجع إليه الموالون في الكوفة لإحاطته بفقه أهل البيتعليه‌السلام

ورشيد الهجري من أصحاب أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وهو العالم الذي قتله عبيد الله بن زياد ، حيث قطعوا يديه ورجليه وهو لا يزال يحدّث بفضائل أهل البيتعليه‌السلام ، فقطعوا لسانه وصلبوه على جذع النخلة في الكوفة .

ــــــــــــــــ

(١) معجم الآداب ج ١ ص ١٠٨ .


وزيد بن الحسن بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام الذي كان عالماً ثقةً ، جليل القدر ، كريم الطبع ، طريف النفس ، كثير البرّ قصده الناس من الآفاق لطلب فضله .

وزيد بن علي بن الحسين (ت ١٢٢ هـ) ، وكان عابداً ورعاً ، فقيهاً سخياً شجاعاً ظهر بالسيف يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ويطلب بثأر جده الحسينعليه‌السلام

وسعيد بن جبير (ت ٩٥ هـ) ، من أبرز علماء عصره ، وكان يمسى (جهبذ العلماء) ، من أئمة الإسلام في التفسير والفقه ، وأنواع العلوم ، وكثرة العمل الصالح(١) وكان كثير الخشية من الله ، وكان يقول : (إن أفضل الخشية أن تخشى الله خشية تحول بينك وبين معصيته ، وتحملك على طاعته ، فتلك هي الخشية النافعة )(٢) قتله الحجاج ظلماً وعدواناً بسبب إختصاصه بالإمام السجاد)ع)

وسليم بن قيس الهلالي العامري (ت ٩٠ هـ) من السابقين في التأليف ، وله الكتاب المعروف بكتاب سليم بن قيس كان من أصحاب الإمام السجادعليه‌السلام ، وعدّه البرقي من الأولياء من أصحاب أمير المؤمنينعليه‌السلام

ــــــــــــــــ

(١) البداية والنهاية ج ٩ ص ٩٨ .

(٢) البداية والنهاية ج ٩ ص ٩٩ .


وأبو الأسود الدؤلي (ظالم بن عمرو) (ت ٦٩ هـ) من ألمع علماء عصره ، مؤسس علم النحو بإشارة من أمير المؤمنين عليعليه‌السلام ، ومن شعره :

وما طلب المعيشة بالتمني

ولكن ألق دلوك في الدلاءِ

تجيء بملئها طوراً ، وطوراً

تجيء بحمأة وقليل ماءِ

ومن وصيته لابنه : ( يا بني إذا كنت في قومٍ فحدثهم على قدر سنّك ، وفاوضهم على قدر محلك ، ولا تتكلمن بكلام من هو فوقك ، فيستثقلوك ولا تنحط إلى من دونك ، فيحتقروك فإذا وسع الله عليك فأبسط ، وإذا أمسك عليك فأمسك ولا تجاود الله فان الله أجود منك ، واعلم أنه لا شيء كالاقتصاد ، ولا معيشة كالتوسط ، ولا عزّ كالعلم ، إن الملوك حكام الناس ، والعلماء حكام الملوك ((١) .

أقول : وهذه آثار تعليم الإمام علي بن أبي طالبعليه‌السلام عليه وقد حاول معاوية ان يصرفه عن ولائه لأهل البيتعليه‌السلام فلم يفلح .

وغير هؤلاء الاعلام عدد آخر كبير وهذا يدلّ على ان الإمام السجادعليه‌السلام أسس لقاعدة علمية في المدينة على مدى أربع وثلاثين عاماً يحدّث فيها عن جده المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويفسر فيها القرآن

ــــــــــــــــ

(٢) الكنى والألقاب ج ١ ص ٩ ـ ١٠ .


ويبثّ الفضائل في كل مكان مع ان الوضع الإجتماعي العام كان وضع حروب وسفك دماء وإرعاب وإرهاب لا مثيل له .

تحريك الوضع العلمي :

وعلى ضوء ذلك ، شجع التحرك العلمي للسجادعليه‌السلام المدرسة العلمية لمذهب السنّة والجماعة على الحركة أيضاً ، فنشطت مجموعة من أهل العلم ممن تتلمذ على يد السجادعليه‌السلام أيضاً على بث علوم الإسلام ، لكن بعيداً عن أهل البيتعليه‌السلام

وكان منهم : عروة بن الزبير ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر ، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وسليمان بن يسار ، وعبيد الله بن عتبة بن مسعود ، وخارجة بن زيد ، وسعيد بن المسيب ، وفيهم يقول الشاعر :

إذا قيل من في العلم سبعة أبحر

روايتهم ليست عن العلم خارجة

فقل : هم عبيد الله عروة قاسم

سعيد ابو بكر سليمان خارجة

والمتميز منهم بالخصوص : سعيد بن المسيب المخزومي ، من علماء عصره روى عن السجادعليه‌السلام وفي رجال الكشي : نسب إلى الإمام زين العابدينعليه‌السلام قولاً يمتدحه فيه وقد اختلف الرواة في وثاقته قال في (معجم رجال الحديث) : ( إن الصحيح هو التوقف في


أمر الرجل لعدم تمامية سند المدح والقدح ولقد أجاد المجلسي حيث اقتصر على نقل الخلاف في حال الرجل من دون ترجيح )(١)

وبالإجمال ، فقد ساهم الإمام زين العابدينعليه‌السلام في تنشيط الحركة العلمية التي حاول الأمويون إيقاف عجلتها وعدّلعليه‌السلام مسارها نحو الطريق الصحيح ، بعد ما انحرفت أيام حكمهم .

مشكلة العصبية

وكان من سياسة معاوية ومن جاء بعده من خلفاء تأجيج الصراع القبلي ، وتفريق القبائل والعشائر العربية ، وخلق فجوة بين العرب والعجم من أجل السيطرة عليهم جميعاً وإذا أضفنا إلى ذلك سياسة الترهيب والترغيب التي استخدموها بين الناس ، لانكشفت لنا صورة المجتمع الذي أريد له ان يقام على أساس الشعوبية والعصبية القبلية .

واصبحت سمة العصر ـ على الصعيد الأدبي ـ فخر النزارية على اليمنية على النزارية حتى تخربت البلاد ، وثارت العصبية في البدو والحضر(٢)

ــــــــــــــــ

(١) معجم رجال الحديث ـ للخوئي ج ٨ ص ١٤١ .

(٢) مروج الذهب ج ٢ ص ١٩٧ .


ومن ذلك نعرض نموذجاً لشعر الكميت(١) ومدحه قومه المضريين وهجاءه القحطانيين :

لنا قمر السماء وكل نجم

تشير إليه أيدي المهتدينا

وجدت الله إذ سمى نزاراً

وأسكنهم بمكة قاطنينا

لنا جعل المكارم خالصات

وللناس القفا ولنا الجبينا

وما خرجت هجائن من نزار

فوالج من فحول الأعجمينا(٢)

وما حملوا الحمير على عتاق

مطهمة فيلفوا مبلغينا(٣)

وما ولدت بنات بني نزار

حلائل أسودين وأحمرينا

بني الاعمام أنكحنا الأيامى

وبالآباء سمينا البنينا

فقد نسب لقومه كل المآثر ووصفهم بالأقمار والكواكب المضيئة ، بينما وصف القحطانيين بكل مذمة ، وعيّرهم بتزويجهم بناتهم من الأحباش والفرس فولدن سوداً وحمراً ، تشبهاً بتلقيح الحمير للخيل العتاق حتى تنتج بغالاً .

فواجهه دعبل الخزاعي يردّه ويشيد بقومه من القحطانيين :

ــــــــــــــــ

(١) مروج الذهب ج ٢ ص ١٩٦ .

(٢) الهجائن : الحرات الكريمات الفوالخ : مع فالخ وهو الزوج .

(٣) عناق مطهمة : يراد بها النساء العربيات الشريفات .


أفيقي من ملامك يا ظعينا

كفاك اللوم مر الأربعينا

ألم تحزنك أحداث الليالي

يشين الذوائب والقرونا

أحيي الغرّ من سروات قومي

لقد حييت عنايا مدينا

فإن يك آل اسرائيل منكم

وكنتم بالأعاجم فاخرينا

فلا تنس الخنازير اللواتي

مسخن مع القرود الخاسيئنا

بأيلة والخليج لهم رسوم

وآثار قدمن وما محينا

وما طلب الكميت طلاب وتر

ولكنا لنصرتنا هجينا

لقد علمت نزار أن قومي

إلى نصر النبوة فاخرينا

وعندما جاء الإسلام الغى العصبيات القبلية الجاهلية ، فنساها الناس ، حتى جاء حكم بني أمية فتعصبوا لمضر ، كما كان الأمر قبل الإسلام .

ولم يتوقفوا عند ذلك ، بل اعتبروا الموالي أدنى من العرب في الرتبة والحقوق الإنسانية ، خلافاً لتعاليم الإسلام فكانوا لا يزوجون الموالي(١) ، بحيث يروى أن حاكم البصرة ( بلال بن أبي بردة ) ضرب شخصاً من الموالي ، لأنه تزوج امرأة عربية(٢)

ــــــــــــــــ

(١) العقد الفريد ج ٣ ص ٣٦ .

(٢) طبقات ابن سعد ج ٧ ص ٢٦ ق ٢ .


ووجهت تهمة العنصرية إلى محمد بن مسلم الزهّريّ ، لأنه كان لا يروي الحديث عن الموالي(١)

وحاول الإمام السجادعليه‌السلام تصحيح ذلك المسار البعيد عن روح الدين ، فكانعليه‌السلام يشيع أنه : ( لا يفخر أحدٌ على أحدٍ ، فإنّكم عبيدٌ ، والمولى واحدٌ ) وهو الله عزّ وجلّ وكانعليه‌السلام يجالس أحد الموالي ، فقيل له : أنت سيد الناس وأفضلهم ، تذهب إلى هذا العبد وتجلس معه ؟

فقالعليه‌السلام : ( أءتي من أنتفع بمجالسته في ديني )(٢) ( إنما يجلس الرجل حيث ينتفع )(٣) وكانعليه‌السلام يكرر هذه الآية : (( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَساءَلُونَ )  (٤) .

وموقفه المعروف من عبد الملك بن مروان حول زواج الأماء : ( وقد رفع الله بالإسلام الخسيسة ، وتمّم به النقيصة ، وأذهب به اللؤم ، فلا لؤم على امرىءٍ مسلمٍ ، وإنما اللؤم لؤم الجاهلية )(٥) و( لا

ــــــــــــــــ

(١) المحدث الفاصل بين الراوي والواعي ـ للرامهرمزي ص ٤٠٩ بيروت : ١٣٩١ هـ .

(٢) حلية الأولياء ج ٣ ص ١٣٧ .

(٣) طبقات ابن سعد ج ٥ ص ٢١٦ .

(٤) سورة المؤمنون : الآية ١٠١ .

(٥) فروع الكافي ج ٥ ص ٣٤٤ .


حسب لقرشي ولا عربي إلا بالتواضع ولا كرم إلا بالتقوى )(١) وهو مصداق لقوله تعالى : (( إِنّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ ) )(٢) .

والعصبية القبلية لها منشأ كباقي المشكلات الإجتماعية ، وهو الجهل بالإسلام وتعاليمه السمحة وأخلاقيته السامية في المساواة بين الناس على إختلاف ألوانهم وأجناسهم ولا أخال أن هناك عالماً بمبادئ الإسلام يتعصب لقومٍ على باطل لمجرد أنهم من نفس جنسه أو منشأه أو لون بشرته .

المشكلة الأخلاقية

وسادت المدينة المنوّرة في حكم بني أمية حياةٌ من اللهو والطرب والعبث والمجون ، أشاعتها السلطة لاسقاط هيبة ذلك المركز الإسلامي الذي يحتضن في أحشائه جسد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وساعد عليها الوضع الجديد الناتج عن انفتاح الناس على ثقافات الشعوب المختلفة التي دخلت الإسلام حديثاً وأصبح إقتناء الجواري والمغنيّات من خصائص ذلك الزمان .

ــــــــــــــــ

(١) تحف العقول ص ٢٨ .

(٢) سورة الحجرات : الآية ١٣ .


وشاع الغناء آنذاك حتى اصبحت المدينة المنوّرة مركزاً له ووصل الأمر إلى ان الغناء في المدينة كان لا ينكره عالمهم ، ولا يدفعه عابدهم(١) وكان أبو يوسف يخاطب أهل المدينة قائلاً : ما أعجب أمركم يا أهل المدينة في هذه الأغاني ، ما منكم شريف ولا دنيء يتحاشى عنها(٢) وكان العتيق(٣) إذا سال ، وأخذ المغنون يلقون إغانيهم لم تبق في المدينة مخبأة ، ولا شابة ، ولا شاب ، ولا كهل إلا خرج ببصره ويسمع الغناء(٤)

وكان لا يهمّ الخليفة الأموي إلا من يصف له الخمر والسكر قال الأصمعي : دخل الأخطل على عبد الملك ، فقال : ويحك ! صف لي السكر قال : أولّه لذة ، وآخره صداع ، وبين ذلك حالة لا أصف لك مبلغها فقال : ما مبلغها ؟ قال لملكك يا أمير المؤمنين [ عندها ] أهون عليّ من شسع نعلي ، وأنشأ يقول(٥)

إذا ما نديمي علّني ثم علّني

ثلاث زجاجات لهن هدير

خرجت أجرّ الذيل تيهاً كأنني

عليك أمير المؤمنين أمير

ــــــــــــــــ

(١) الأغاني ج ٨ ص ٢٢٤ .

(٢) العقد الفريد ج ٣ ص ٢٣٣ .

(٣) العقيق : الخمر .

(٤) العقد الفريد ج ٣ ص ٢٤٥ .

(٥) تاريخ الخلفاء ص ٢٢٢ .


ومن فواحشهم أنهم نشروا الغناء المختلط بين الرجال والنساء دون ستار وهذا من الفحش والفساد بحق تلك المدينة التي شهدت نزول جبرئيل إليها بالوحي السماوي على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

يصوّر مصنف ( الأغاني ) أحد تلك الليالي الماجنة ، فيقول : ( أن جميلة جلست يوماً ، ولبست برنساً طويلاً(١) ، وألبست من كان عندها برانس دون ذلك ، ثم قامت ورقصت وضربت بالعود وعلى رأسها البرنس الطويل ، وعلى عاتقها بردة يمانية ، وعلى القوم أمثالها وقام ابن سريج يرقص ، ومعبد ، والغريدي ، وابن عائشة ، ومالك ، وفي يد كل منهما عود يضرب به على ضرب جميلة ورقصها فغنّت وغنّى القوم على غنائها ثم دعت بثياب مصبغة ، ودعت للقوم بمثل ذلك فلبسوا ، وتمشت ومشى القوم خلفها ، وغنت وغنوا بغنائها بصوت واحد )(٢)

في تلك الليالي ذاتها كان الإمام زين العابدينعليه‌السلام يقف خاشعاً في جوف الليل يعبد الله ركوعاً وسجوداً ، ويدعو الله بخشوع ودموعه تنهمر : ( إلهي عبيدك بفنائك ، سائلك بفنائك ، فقيرك بفنائك إلهي لك يرهب المترهّبون ، وإليك أخلص المستهلّون ، رهبةً

ــــــــــــــــ

(١) البرنس : القلنسوة الطويلة .

(٢) الأغاني ج ٨ ص ٢٢٧ .


لك ، ورجاءً لعفوك يا إله الحقّ ارحم دعاء المستصرخين ، واعف عن جرائم الغافلين وزد في إحسان المنيبين يوم الوفود عليك يا كريم )(١)

مشكلة الرقّ

وعلى أثر الفتوحات الواسعة في القرن الأول الهجري ، أزداد عدد الرقيق بشكل مذهل في مجتمع المسلمين واستغل بنو أمية قضية الرق لمصالح شخصية كخدمة البلاط والتلذذ بالرغبات الجسدية والاستيلاد ولذلك تلمس خبرة عبد الملك بن مروان بذلك ، كما ورد في نصيحته لحاشيته : ( من أراد أن يتخذ جارية للتلذذ فليتخذها بربرية ، ومن أراد أن يتخذها للولد فليتخذها فارسية ، ومن أراد أن يتخذها للخدمة فليتخذها رومية )(٢)

وبذلك ابتعدوا عن العلل الحقيقية لقضايا الرق في الإسلام ؛ وأهمها هو تربية الكفار المحاربين على القيم الأخلاقية الدينية قبل تحريرهم ودمجهم في المجتمع الإسلامي الواسع .

وعالج الإمام السجادعليه‌السلام قضية الرقّ عبر الوسائل التالية :

ــــــــــــــــ

(١) الصحيفة السجادية ـ دعاء وتمجيد له ص ٢٥٥ .

(٢) تاريخ الخلفاء ص ٢٢١ .


١ ـ عامل الرقيق معاملة إنسانية لأنه كانعليه‌السلام يفهم مغزى العبودية والعلّة التي شرعت لأجلها فكانعليه‌السلام يعلمهم الفضائل والأخلاق السامية وكانعليه‌السلام يقول لهم : ( قولوا : يا علي بن الحسين إن ربك قد أحصى عليك ما عملت ، كما أحصيت علينا ما عملناه )(١) فهو يريد منهم فهم تلك الحقيقة الدينية الرائعة التي تقول بأن الناس كلهم عبيدٌ لله تبارك وتعالى وما العبودية الدينية المفترضة إلا وسيلة من وسائل إخراج الإنسان من الكفر إلى الإيمان .

٢ ـ كانعليه‌السلام يشتريهم بأعداد كبيرة ويعتقهم بعد فترة قصيرة بحجج وأساليب مختلفة فإذا اساؤا التصرف أطلقهم ، وإذا سمع من يحدّثه حديثاً عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعتقهم ، وإذا جاء العيد أعتقهم ، وهكذا فكانت سياسة الإمامعليه‌السلام هو التعليم والتربية وإظهار المعارف والحقائق الإسلامية وكان لا يعتقهم حتى يعطيهم مالاً يعملون به .

ولذلك أصبح في المدينة جيش من الموالي يلهج بذكر زين العابدينعليه‌السلام وعندما تعرض رجلٌ للإمامعليه‌السلام وهو خارجٌ من المسجد وسبه ، ثارت عليه العبيد والموالي ، فطمأنهم وأشار عليهم بأنه قادرٌ على التعامل مع الرجل ، وهكذا كان(٢)

ــــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار ج ٤٦ ص ١٠٣ .

(٢) صفوة الصفوة لابن الجوزي ج ٢ ص ١٠٠ .


وعندما سمعوا بأنباء ضغط ابن الزبير على آل أبي طالب في مكة ، تجمع قومٌ من السودان بالمدينة غضباً لذلك ومراغمةً لابن الزبير ، كما رواه البلاذري فرأى ابن عمر غلاماً له فيهم ، وهو شاهرٌ سيفه ! فقال له : رباح ! قال رباح : والله ، إنا خرجنا لنردّكم عن باطلكم إلى حقنا فبكى ابن عمر ، وقال : اللهم إن هذه لذنوبنا(١)

وكانت هناك شواهد عديدة ذكرناها في مطاوي هذا الكتاب عن عتق الإمامعليه‌السلام للعبيد والأماء لآية قرآنية يذكرونها ، أو لادبٍ جم يظهرونه له ، أو لمناسبةٍ دينيةٍ كالعيد تمرّ على الإمامعليه‌السلام

العبودية بين الدين والاقتصاد :

ولابد لنا ونحن نعرض مشكلة العبودية والرّق في القرن الأول ، من التعرض للفروقات الأساسية بين الرق في الإسلام والرق في اوروبا في القرون الثلاثة الأخيرة .

يرجع تأريخ العبودية التي استحدثها الرجل الأوروبي الأبيض إلى بدايات القرن السابع عشر الميلادي ، في أوج الصراع الاستعماري بين بريطانيا وفرنسا والبرتغال على استثمار الأراضي الزراعية خارج حدود القارة الأوروبية التي كانت تنتج السكر والتبوغ ونحوها فبدأت البواخر المحملّة بالبضائع الصناعية والزراعية بالإبحار من ( نيو

ــــــــــــــــ

(١) أنساب الأشراف ـ البلاذري ج ٣ ص ٢٩٥ .


انجلند ) في العالم الجديد متجهة نحو افريقيا ، عارضة هذه البضائع عن طريق المبادلة بالرقيق .

وكان الدافع الاقتصادي والسيطرة السياسية على مقدرات شعوب أفريقيا من أهم عوامل تجارة الرقيق فالعبيد ، حسب النظرية الرأسمالية ، حيوانات صالحة لزراعة التبوغ والسكر ويعتبر استعباد الزنوج من قبل أوروبا البيضاء من أفظع جرائمها بحق الإنسانية فكانوا يحشرون الرجال والنساء والاطفال بالقوة والإكراه في سفن كبيرة ويربطونهم بالسلاسل ويجبرونهم على الاستلقاء على ظهورهم لأكثر من ثلاثة أشهر دون تسهيلات إنسانية في الأكل أو تفريغ الفضلات حتى تصل الباخرة إلى موطنها الجديد لبيع العبيد .

والإسلام لم يدن استعباد الإنسان لأخيه الإنسان فحسب ، بل قد استخدم مفهوم العبودية ذاته لتحرير الإنسان من قيود الإنحراف العقائدي ووضع لذلك أسساً وضوابط منها :

أ ـ اعتبر تحرير العبيد جزءً من التكاليف الشرعية التعبدية مع تحقق شروطها ، كما ورد في حكم كفارة قتل الخطأ...( وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ) (١) ، وكفارة اليمين ( وَلكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقّدتّمُ الْأَيْمَانَ فَكَفّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ

ــــــــــــــــ

(١) سورة النساء : الآية ٩٢ .


أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) )(١) ، وكفارة الظهار (( وَالّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِسَائِهِمْ ثُمّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسّا ) )(٢) ، وعموم البرّ (( وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكّ رَقَبَةٍ ) (٣) ، ونحوها وبذلك حلّ مشكلة العبودية السائدة زمن الرسالة ، ومشكلة العبودية التي قد تحصل في أي زمان ومكان .

ب ـ جعل مفهوم العبودية قائماً على اساس اختلاف الدين اثناء الدفاع عن الوطن الإسلامي وليس لون البشرة ، كما هو معمول به في النظام الاوروبي ولعلّ السر في تشريع العبودية القائمة على اساس الدين هو تحرير الفرد المستعبد من القيود الفكرية التي تكبلّه بها العقائد المنحرفة ، فيرى داخل العبودية طريقه للتحرر والخلاص .

وبالإجمال ، فإن الإسلام أقر العبودية التي تؤدي إلى تحرير الإنسان فكرياً ودينياً وبذلك فإنه فتح للفرد المنحرف فكرياً ، باباً للنظر والتأمل في رسالة العدالة الإلهية والإيمان بها أما العبودية الأوروبية فقد أنشأت بالأصل لاستغلال الإنسان أخاه الإنسان دون ذنب سوى اختلاف الجنس ولون البشرة .

ــــــــــــــــ

(١) سورة مائدة : الآية ٨٩ .

(٢) سورة المجادلة : الآية ٣ .

(٣) سورة البلد : الآية ١٢ ـ ١٣ .


ج ـ نادى الإسلام بمفهوم العدالة الإجتماعية بين جميع الأفراد دون النظر إلى منشأ الفرد أو لون بشرته ، بل أعلن بصراحة أن كل الأفراد سواسية أمام الحكومة الشرعية والحاكم الشرعي المطلق وهو الخالق عزّ وجلّ في الحقوق والواجبات والمسؤوليات والتكاليف الدينية والإجتماعية .

د ـ ان جميع من اسّروا وأصبحوا رقيقاً زمن الفتوحات الإسلامية ، قد أسلموا في النهاية بعد تحريرهم ، وحسن إسلامهم خصوصاً أولئك الذين خضعوا لتربية الإمام السجادعليه‌السلام وتعليمه لأنهم رأوا المثال الإسلامي الحقيقي والمصداق الناصع للدين ، قد تجسد في شخصيته وفكره وسلوكهعليه‌السلام

المعارضة المسلحة

وقعت خلال حياة الإمام السجادعليه‌السلام ، وبعد واقعة كربلاء ، وقائع مسلّحه وحروب ضد السلطة الأموية كواقعة الحرة ، وحركة عبد الله بن الزبير ، وحركة المختار وكان موقفه وسياسته هي التأييد الضمني لكل من حارب الظلمة من بني أمية ، لكنهعليه‌السلام لم يشارك فيها.


لم تكن تلك الحركات جميعاً منسجمة مع خط أهل البيتعليه‌السلام ولم يكن الإمامعليه‌السلام يطمح ليكون زعيم حركة إجتماعية ، أو حزب سياسي ، أو تكتل مذهبي بل كان موقعه هو قيادة الأمة الإسلامية بجميع أطيافها وطبقاتها إلى طريق مرضاة الله وموقع من هذا القبيل هو موقع الإمامة الكبرى التي شرّفها الله تعالى وألهمها المعارف الكلية ، من أجل حفظ الدين فكانعليه‌السلام يرى المصلحة الدينية العليا في عدم المشاركة بتلك الحركات .

وواقعة الحرة كانت نتيجة استنكار رجال المدينة لأفعال يزيد من شرب الخمر وعزف الطنابير ، ولم تكن لمقتل الحسينعليه‌السلام الذي هزّ كل ضمير إلا ضمائر هؤلاء الذين حركهم شرب يزيد للخمر أكثر مما حركهم شربه لدماء أهل البيتعليه‌السلام

ولم يخرج تحرك رجال المدينة عن إطار الإذن من عبد الله بن الزبير في مكة(١) فكانت تلك الحركة ـ على أقل التقادير ـ ذات دوافع سياسية غير دينية بالضرورة .

ومع ذلك ، فإن مسلم بن عقبة عندما دخل المدينة لسحق تلك الحركة ، كان لا يريد غير علي بن الحسينعليه‌السلام (٢)

ــــــــــــــــ

(١) مروج الذهب ج ٣ ص ٧٨ .

(٢) الإرشاد للمفيد ص ٢٩٢ .


ولكن إرادة الله وحكمة السجادعليه‌السلام صرفاه عما كان يبغيه ذلك الظالم المسرف في القتل .

وأما حركة عبد الله بن الزبير ، فكانت واضحة المعالم فقد كانت حركة بعيدة جداً عن طموحات أهل البيتعليه‌السلام في إقامة دولة العدل الإلهي بل ان تلك الحركة كانت مناوئة لمباني الإسلام الأصيل وكان عبد الله بن الزبير لا يخفي مشاعره ضد الإمام السجادعليه‌السلام وذرية المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقد صرح بأنه كتم بغض أهل البيت أربعين عاماً(١) ، وهدّد آل محمد بالإحراق عليهم في شعب أبي طالب بمكة(٢) ، وكان يقول عنهم أنهم أهيل سوء يشمخون بأنوفهم(٣) وهو وصفٌ مقابل وصف الطهارة التي وصفوا بها في القرآن الكريم :( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (٤) .

وكان عبد الله بن الزبير يضع العيون على الإمام السجادعليه‌السلام يراقبونه ويحصون عليه انفاسه ، ويوصي أخيه مصعب بقتل الشيعة في العراق رجالاً ونساءً .

ــــــــــــــــ

(١) مروج الذهب ج ٣ ص ٨٤ .

(٢) تأريخ اليعقوبي ج ٢ ص ٢٦١ .

(٣) مروج الذهب ج ٣ ص ٨٨ .

(٤) سورة الأحزاب : الآية ٣٣ .


وبكلمة ، فقد كانت تلك الحرمة مناوئة لخط الإمامة والولاية فلم يؤيدها زين العابدينعليه‌السلام ولا بكلمة واحدة .

وأما حركة التوابين الذين طلبوا بثأر الحسينعليه‌السلام ، وحركة المختار الذي تتبع قتلة الحسينعليه‌السلام فقتلهم عن بكرة أبيهم(١) ، فقد وضععليه‌السلام لهما سياسة واضحة في المؤازرة غير المباشرة وقد عبّر عن ذلك في مخاطبته لعمه محمد بن الحنفية : ( يا عمّ ، لو أن عبداً تعصّب لنا أهل البيت ، لوجب على الناس مؤازرته ، وقد وليتك هذا الأمر ، فاصنع ما شئت ) فهوعليه‌السلام أناب عمه لاتخاذ القرار ، وهوعليه‌السلام يعلم علم اليقين بأن عمه سوف لن يتوانى عن دعم تلك الحركة في سعيها من الإقتصاص من قتلة آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

وهذا التوازن الحكيم في تلك الحقبة المرعبة من تأريخ الأمة الإسلامية ، حفظ الدين ورسالته السماوية العظيمة ، وبقي الإمام زين العابدينعليه‌السلام علماً في العبادة والعلم والتقوى والزهد ، وبقي منهجهعليه‌السلام لإحياء الدين حياً إلى هذا اليوم ، وسوف يبقى حياً إلى يوم الدين ، كما وعدنا الله بذلك وربك لا يخلف الميعاد .

ــــــــــــــــ

(١) مروج الذهب ج ٣ ص ٨٤ .


الفصل الرابع : الآثار المدوّنة

من الآثار الكاملة المدوّنة للإمام السجادعليه‌السلام : الصحيفة السجادية ، ورسالة الحقوق ، ورسالة في الزهد وتلك كتب ورسائل خاطب بها الإمامعليه‌السلام ثلاث جهات فقد خاطب السجادعليه‌السلام الله تبارك وتعالى في ( الصحيفة السجادية ) ، وخاطب المجتمع في ( رسالة الحقوق ) ، وخاطب الدنيا وما فيها في ( رسالة الزهد ) والصورة الكلية لتلك الرسائل قائمة على المضمون العقائدي والإخلاقي للدين ورسالة خاتم الأنبياءصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

والدعاء أدب ديني مبارك ، على نسقٍ رائعٍ جميلٍ ، ولغة ثرية ، ومفاهيم غنيّة ، وبلاغة عبقرية وهذا الطريق البارع من طرق البيان اختص به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل البيتعليه‌السلام دون غيرهم من العالمين وزمانهمعليه‌السلام كان يحفل بأهل الأدب والبيان والبلاغة والشعر ، ولكن لم يرق إلى هذا النثر الديني الرائع غير أدبهم ، ولم تسم إلى هذا المنثور المعجز سوى ألسنتهم الناطقة بالحق .

ومن بيان الروعة في أدب الإمام السجادعليه‌السلام في الصحيفة السجادية ورسالة الحقوق ورسالة الزهد ، أنه أطنب ببلاغة معجزة في وصف الجنّة والنار ، والنعيم والعذاب ، والآخرة والدنيا ، والخير والشر ، والإيمان والفسوق ، تشويقاً وتهويلاً والإطناب في فلسفة اللغة من أرقى مراتب البلاغة ومن أروع صورها ووجوهها والهدف من كل ذلك ترغيب الناس على عمل الخير ، والبر بالناس وبأنفسهم ، وزجرهم عن ارتكاب الشر ، والابتعاد عن القبيح الحرام .


الصحيفة السجادية

الصحيفة السجادية هي مجموعة من الأدعية التي أنشأها الإمام السجادعليه‌السلام أيام حكم بني أمية ، رواها عنه ولداه : الإمام محمد الباقرعليه‌السلام ( ت ١١٤ هـ ) ، وزيد بن علي ( ت ١٢٢ هـ ) وأملاها الباقرعليه‌السلام على ولده الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام ، بينما ورثها يحيى ( ت ١٢٥ هـ ) من أبيه زيد وأملاها الإمام الصادقعليه‌السلام على عمر بن هارون الثقفي البلخي ( ت ١٩٤ هـ ) ، حيث حافظ على الصحيفة واعتنى بها اعتناءً شديداً ، وعنه رواها الرواة .

أ ـ في سند الصحيفة ووثاقتها

وكانت تلك المجموعة من الأدعية تسمى بالدعاء الكامل كما جاء في رواية ابن الأعلم ان البلخي نقل عن يحيى قوله : ( ولأخرجن صحيفة من الدعاء الكامل ) وبعد أن أصبح تداول الصحيفة مشهوراً عند الطائفة ، عرفت بالصحيفة السجادية وسميت بالصحيفة السجادية الكاملة ، لأن للزيدية صحيفة غير تامة ناقصة عن


المشهورة ، وتقرب من نصفها ، فاشتهرت هذه بالكاملة قبال تلك كما نقل ذلك السيد المرعشي ( ت ١٤١١ هـ ) عن السيد جمال الدين الكولباني ( ت ١٣٤٠ هـ ((١) .

ومن ناحية السند ، فقد حظيت الصحيفة بإهتمام واسع من قبل علماء أهل البيتعليه‌السلام فقد أسند إليها النجاشي ( ت ٤٥٠ هـ ) ، والطوسي ( ت ٤٦٠ هـ ) ، وابن شهر آشوب ( ت ٥٨٨ هـ ) .

وأشار المجلسي الأول ( ت ١٠٧٠ هـ ) ، وهو والد مصنف بحار الأنوار المجلسي الثاني ( ت ١١١١ هـ ) ، في إجازته المؤرخة سنة ١٠٦٤ هـ : ( إنه لاشك في أن الصحيفة الكاملة ، عن مولانا سيد الساجدين بذاتها وفصاحتها وبلاغتها ، واشتمالها على العلوم الإلهية التي لا يمكن لغير المعصوم الإتيان بها والحمد لله رب العالمين على هذه النعمة الجليلة العظيمة التي اختصت بنا معشر الشيعة )(٢)

قال مصنف جواهر الكلام ( ت ١٢٦٦ هـ ) في معرض حديثه عن كون إقامة الجمعة من مناصب الإمامة كالقضاء والحدود : ( وفي الصحيفة [ رقم الدعاء ٤٨ ] المعلوم أنها من السجادعليه‌السلام في دعاء يوم الجمعة وثاني العيدين : اللهم إن هذا المقام لخلفائك

ــــــــــــــــ

(١) مقدمة الصحيفة ـ طبعة المشكاة .

(٢) بحار الأنوار ج ١١٠ ص ٦٦ .


وأصفيائك ومواضع أمنائك في الدرجة الرفيعة التي اختصصتم بها قد ابتزوها ، وأنت المقدر لذلك ـ إلى أن قال ـ : حتى عاد صفوتك وخلفائك مغلوبين مقهورين مبتزين يرون حكمك مبدلاً وفيه مواضع للدلالة على المطلوب )(١)

وقال الشيخ الأنصاري ( ت ١٢٨١ هـ ) في كفارة الغيبة أنها من حقوق الناس ، ويتوقف رفعها على إسقاط صاحبها حقه ، وقال : ( وفي الدعاء التاسع والثلاثين من أدعية الصحيفة السجادية ودعاء يوم الاثنين من ملحقاتها ما يدل على هذا المعنى )(٢)

وقال السيد الأمين ( ت ١٣٧١ هـ ) : ( وبلاغة ألفاظها وفصاحتها التي لا تبارى ، وعلو مضامينها وما فيها من أنواع التذلل لله تعالى والثناء عليه ، والأساليب العجيبة في طلب عفوه وكرمه والتوسل إليه أقوى شاهد على صحة نسبتها ، وإن هذا الدرّ من ذلك البحر ، وهذا الجوهر من ذلك المعدن ، وهذا المعدن من ذلك الشجر ، مضافاً إلى اشتهارها شهرة لا تقبل الريب ، وتعدد أسانيدها المتصلة إلى منشئها صلوات الله عليه وعلى آبائه وأبنائه الطاهرينعليه‌السلام ، فقد رواها الثقات بأسانيدهم المتعددة المتصلة إلى زين العابدينعليه‌السلام   .

ــــــــــــــــ

(١) جواهر الكلام ج ١١ ص ١٥٨ .

(٢) المكاسب ص ٤٣ الطبعة الحجرية تبريز : ١٣٧٥ هـ .


وأشار السيد البروجردي ( ت ١٣٨٠ هـ ) إلى ذلك قائلاً : ( ولا يخفى أن كون الصحيفة من الإمامعليه‌السلام من البديهيات ، وهي زبور آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يشهد بذلك أسلوبها ونظمها ومضامينها التي يلوح منها آثار الإعجاز ، ولها إسناد ذكرها الشيخ والنجاشي ، ولشارحها السيد علي خان رحمه الله ألفا سند عن آبائه ((١) .

وذكر الشيخ أغا بزرك الطهراني : ( الصحيفة السجادية الأولى المنتهي سندها إلى الإمام زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وللأصحاب اهتمام بروايتها ويخصونها بالذكر في إجازاتهم وعليها شروح كثيرة ذكرت في محلها ، وهي من المتواترات عند الأصحاب ، لاختصاصها بالإجازة والرواية في كل طبقة وعصر ، ينتهي سند روايتها إلى الإمام أبي جعفر الباقرعليه‌السلام ، وزيد الشهيد ابنا علي بن الحسين عن أبيهما علي بن الحسينعليه‌السلام ، المتوفى مسموماً سنة ٩٥ للهجرة )(٢)

واستدرك جمعٌ من علماء آل البيتعليه‌السلام على ما لم يرد في الصحيفة السجادية المشهورة من أدعية السجادعليه‌السلام فجمعوا أدعية الإمامعليه‌السلام في صحف سميت بالثانية والثالثة ، وهكذا فمنها :

ــــــــــــــــ

(١) البدر الزاهر ص ٢٥ .

(٢) الذريعة ج ١٥ ص ١٨ .


الصحيفة الثانية : جمعها الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي ( ت ١١٠٤ هـ ( ، واستخرجها من الأصول المعتمدة عنده ، وكتب آخرها : ( يقول العبد محمد بن الحسن بن علي بن محمد الحر العاملي ، عفا الله عنه ، هذا ما وصل إليّ مما خرج عن الصحيفة الكاملة )(١) وتحتوي الصحيفة على ثلاثةٍ وستين دعاءً طبعت بالهند عام ١٣١١ هـ(٢)

الصحيفة الثالثة : جمعها المولى عبد الله بن عيسى بن صالح الاصفهاني المعروف بالأفندي ( القرن الثاني عشر ) مصنف ( رياض العلماء ) وقد استدرك فيها ما فات الحر العاملي ، وقد طبعت على الحجر(٣) ، ثم طبعت بقم عام ١٤٠٠ هـ .

الصحيفة الرابعة : جمعها المحدّث حسين النوري ( ت ١٣٢٠ هـ ) وقد استدرك فيها ما فات الأفندي ، وقد جمع سبعاً وسبعين دعاءً غير مذكورة في سائر الصحائف(٤)

الصحيفة الخامسة : جمعها السيد محسن الأمين ( ت ١٣٧١ هـ ) ، طبعت بدمشق عام ١٣٣٠ هـ وقد استدرك فيها الصحائف

ــــــــــــــــ

(١) الذريعة في تصانيف الشيعة ج ١٥ ص ١٨ وروضات الجنّات ج ٧ ص ٩٧ .

(٢) الذريعة ج ١٥ ص ٢٠ .

(٣) أعيان الشيعة ج ٤ القسم الأول ص ٥٠٠ .

(٤) الذريعة ج ١٥ ص ١٩ .


السابقة ، ومجموع أدعيتها مائة واثنان وثمانين دعاءً ، انفرد منها باثنين وخمسين دعاءً(١)

وهناك صحف أخرى غير مطبوعة كما ذكر مصنف الذريعةرحمه‌الله

مصادر الصحيفة :

ومصادر الصحيفة السجادية أربعة :

١ ـ رواية محمد بن أحمد بن مسلم بن مطهر ، عن أبيه ، عن عمير بن المتوكل ، عن أبيه الذي ينتهي السند إليه ذكرها النجاشي والطوسي في رجالهما(٢)

٢ ـ رواية ابن مالك عن أحمد بن عبدالله عن محمد بن صالح ، عن عمر بن المتوكل ، عن المتوكل بن هارون ، عن يحيى بن زيد ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام ذكرها الشيخ الطوسي في رجاله .

٣ ـ رواية أبو الحسن علي بن النعمان الأعلم ( المصري ) ، عن عمير بن المتوكل ، عن المتوكل(٣) وهي المشهورة ، نشرها السيد محمد المشكاة ( ت ١٤٠١ هـ ( .

ــــــــــــــــ

(١) الذريعة ج ١٥ ص ١٩ .

(٢) رجال النجاشي ص ٣٠١ ، وفهرست الشيخ الطوسي ص ١٧١ .

(٣) شرح الصحيفة للسيد علي خان ص ٣ .


٤ ـ رواية الحسين بن إشكيب المروزي ( الثقفة ) ، عن عمير بن هارون المتوكل البلخي ، وهذه النسخة مفقودة .

ب ـ الدلالات العلمية للصحيفة

تحتوي الصحيفة السجادية ، بالإضافة إلى بلاغتها اللغوية وروعة مضامينها العرفانية ، على جملة من المفاهيم والحقائق العلمية التي كانت غامضة زمن الإمام السجادعليه‌السلام ؛ وكانت تفهم على نحو المجاز أو التشبيه اللفظي ، وهي :

١ ـ اليد صانعة الحضارات : في دعائه في التمحيد لله عزّ وجلّ ، يقولعليه‌السلام : ( الحمد لله الذي ركب فينا آلات البسط ، وجعل لنا أدوات القبض )(١)

وأهم آلات القبض والبسط عند الإنسان اليدين اللتان تنبسطان وتنقبضان بإرادته واختياره وذلك الإنبساط والإنقباض هو الذي يساعد الإنسان على صنع الحجر واستخراج الحديد ومسك القلم وحمل الأشياء ولولا البسط والقبض في اليدين لما استطاع الإنسان ـ على مر التأريخ ـ إنشاء الحضارات وبناء القصور وتذليل الأرض لمنافعه .

ــــــــــــــــ

(١) الصحيفة السجادية ـ الدعاء الأول ص ٣٢ .


وإلتفاتة دقيقة في دعائهعليه‌السلام وهي : ان الله عزّ وجلّ ركّب آلة البسط ( أي أنه تعالى خلق اليد ) بصورتها التكوينية الطبيعية ، وأعطى الإنسان ( بالجعل ) القدرة على تحريكها وقبضها وبذلك جعل للإنسان خيار استثمار تلك الأداة من أجل نفعه ، فقالعليه‌السلام : ( وجعل لنا أدوات القبض ) .

٢ ـ نظرية العرض والطلب : في دعائه في الاستسقاء يقولعليه‌السلام : ( اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً تملأ منه الجباب ، وتفجر به الانهار ، وتنبت به الأشجار ، وترخص به الاسعار في جميع الأمصار )(١) ونسب إليه أيضاً : ( ان الله تعالى وكل بالأسعار ملكاً يدبرها ، فلن يغلو من قلّة ولن يرخص من كثرة ((٢) .

فإذا هطل المطر ارتوت الأرض ونمت الأشجار وأينعت الثمار ، فوفرة المطر تزيد المحصول الزراعي وإذا ازداد المحصول الزراعي انخفضت اسعاره وهذه هي جوهر فكرة العرض والطلب في الاقتصاد الحديث فتوفر المحاصيل الزراعية في السوق ـ نتيجة وفرة المطر ـ تخفض قيمتها ، فتنخفض عندها الأسعار .

وإذا صحت نسبة القول الثاني إليهعليه‌السلام ، فهي تؤدي إلى نفس النتيجة فهو وإن ينفي صحة نظرية الطلب والعرض ويربطها

ــــــــــــــــ

(١) الصحيفة السجادية ـ الدعاء التاسع عشر ص ٩٠ .

(٢) لئالئ الأخبار للتسركاني ص ١٧٧ .


بالقضية الغيبة ، إلا ان مجرد طرح تلك النظرية يدلّ على سبق فكري عظيم ولا أخال أن أحداً سبق الإمام زين العابدينعليه‌السلام في طرح هذه الفكرة التي قامت عليها النظرية الاقتصادية الحديثة .

٣ ـ كروية الأرض : في دعائهعليه‌السلام في ولوج الليل بالنهار : ( يولج كل واحد منهما في صاحبه ، ويولج صاحبه فيه ) يستفاد بالدلالة على كروية الأرض من تكرار جملة ( يولج ) قال الشيخ بهاء الدين العاملي ( ت ١٠٣١ هـ ) : ( ان تكرار الجملة الثانية تؤدي ـ حسب الظاهر ـ المراد منها وهو حمل الواو على الحال لأمر مستغرب وهو حصول الزيادة والنقصان معاً في كل واحد من الليل والنهار في آن واحد وذلك بحسب اختلاف البقاع كالشمالية عن خط الإستواء والجنوبية عنه سواء كانت مسكونة أم لا ، فأن صيف الشمالية شتاء الجنوبية وبالعكس فزيادة النهار ونقصانه واقعان في وقت واحد لكن في بقعتين ، وكذلك زيادة الليل ونقصانه ) .

وبمعنى أوضح أنه أراد صلوات الله عليه بهذا البيان البديع التعريف بما لم تدركه العقول في تلك العصور وهو كروية الأرض ، وحيث إن هذا المعنى كان بعيداً عن أفهام الناس لانصراف العقول عن إدراك ذلك ، تلطف ـ وهو الإمام العالم بأساليب البيان ـ بالإشارة إلى ذلك على وجه بليغ ، فإنهعليه‌السلام لو كان بصدد بيان ما يشاهده عامة الناس من أن الليل ينقص تارةً فتضاف من ساعاته إلى النهار ، وينقص النهار تارةً أخرى فتضاف من ساعاته إلى الليل ، لاقتصر على الجملة الأولى : ( يولج كل واحد منهما في صاحبه ) ولما احتاج إلى ذكر الجملة الثانية : ( ويولج صاحبه فيه ) إذن فذكر الجملة الثانية إنما هو للدلالة على أن إيلاج كل من الليل والنهار في صاحبه يكون في حال إيلاج صاحبه فيه ، لأن ظاهر الكلام أن الجملة الثانية حالية ، ففي هذا دلالة على كروية الأرض ، وأن إيلاج الليل في النهار ـ مثلاً ـ عندنا يلازم إيلاج النهار في الليل عند قوم آخرين .


ولو لم تكن مهمة الإمامعليه‌السلام الإشارة إلى هذه النكتة العظيمة لم تكن لهذه الجملة الأخيرة فائدة ، ولكانت تكراراً معنوياً للجملة الأولى(١)

٤ ـ في دعائه لأهل الثغور ، حيث يدعو على الكافرين فيقولعليه‌السلام : ( اللهم وامزج مياههم بالوباء وأطعمتهم بالأدواء )(٢) وهو يدل على أن الماء وسط لنقل الأوبئة الفتاكة كالكوليرا والملاريا وهذا لم يكن معروفاً زمن النص ، بل ثبت ذلك بالتجارب العلمية الحديثة .

٥ ـ وزن الأشياء قالعليه‌السلام : ( سبحانك تعلم وزن السموات ، سبحانك تعلم وزن الأرضين ، سبحانك تعلم وزن الشمس والقمر ،

ــــــــــــــــ

(١) البيان للخوئي ص ٧٦ .

(٢) الصحيفة السجادية ـ الدعاء رقم (٢٧) ص ١٢٣ .


سبحانك تعلم وزن الظلمة والنور ، سبحانك تعلم وزن الفيء والهواء )(١)

لاشك ان معرفة وزن الشيء لا تتم إلا بوجود آلة أو واسطة لقياس تلك الكتلة من المادة فقياس الوزن بمكيال هي عملية لها ضوابط آلية كالميزان وضوابط حسابية كالأرقام فإذا أردنا وزن شيء فإننا نأخذ ذلك الشيء ونضعه في الميزان ونحسب بالغرامات أو الأونسات وزنه ولا يمكن وزن الشيء إلا بوجود شيء آخر مقابل له بنفس الوزن أي لا نستطيع وزن كمية من التراب إلا بوجود كمية مقابلة من الحديد فمقدار معين من التراب يعادل كيلو واحد من الحديد مثلاً .

وإذا أراد الإنسان أن يوزن الأرض فعليه أن يحقق عملين مستحيلين لا يقدر عليهما إلا الله عزّ وجلّ ، وهما :

الأول : إيجاد أو صنع ميزان ضخم بحيث يستطيع أن يضع الأرض في الكفة الأولى .

والثاني : إيجاد كتلة حديدية ضخمة بحجم الأرض يضعها في الكفة الثانية حتى يستطيع أن يعرف وزن الأرض .

والأمر أضخم بالنسبة للسموات فمن يستطيع أن يعلم وزن الكون غير الله عزّ وجلّ ؟ ولو كان للنور والظلمة وزن لعلمها الله تعالى لأنه يعلم كل شيء فسبحانك تعلم وزن السموات ، سبحانك تعلم وزن الأرضين .

ــــــــــــــــ

(١) الصحيفة السجادية ـ الدعاء الرقم (٥١) ص ٢٣٩ .


ج ـ قضية استغفار المعصومعليه‌السلام

ثبتت كل الدلائل التأريخية والعلمية على عصمة الأنبياء والأئمة الطاهرينعليه‌السلام عن كل ذنب ، وطهارتهم عن كل دنس أو رجس ، ونزاهتهم عن كل ما يوصم مقامهم ، ولم يصدر عنهم شيء من المعاصي الصغيرة أو الكبيرة فكيف نفسر قول السجادعليه‌السلام في دعائه : ( اللهم يحجبني عن مسألتك خلالٌ ثلاث ، ويحدوني عليها خلّة واحدة يحجبني أمرٌ أمرت به فابطأت عنه ، ونهيٌ نهيت عنه فأسرعت إليه ، ونعمةٌ أنعمت بها عليّ فقصرّت في شكرها(١) ، أو قولهعليه‌السلام : ( ربّ افحمتني ذنوبي ، وانقطعت مقالتي فلا حجة لي )(٢) ، أو قول إمام آخر : ( ربّ عصيتك بلساني ولو شئت وعزتك لأخرستني )(٣) ؟ فهل ان السجاد المعصومعليه‌السلام قد أرتكب معصية ؟ أو انه قال ما لم يفعلهعليه‌السلام للتوجيه والإرشاد ؟

ــــــــــــــــ

(١) الصحيفة السجادية ـ دعاء ١٢ إعترافه بالتقصير ص ٦٦ .

(٢) الصحيفة السجادية ـ دعاء ٥٣ ص ٢٤٥ .

(٣) كشف الغمة للأربلي ص ٢٥٤ وهذا القول العطر هو للإمام الكاظمعليه‌السلام


وفي الجواب على ذلك نعرض بعضاً من الآراء التي حاولت تفسير استغفار الإمام المعصومعليه‌السلام لنفسه ، وهي :

١ ـ أورد البيضاوي في ( شرح المصابيح ) في شرح قول النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( ليغان على قلبي واني لاستغفر الله في اليوم مائة مرة ) : الغين لغةً الغيم ، وغان على كذا أي غطاه عليه قال أبو عبيدة : أي يتغشى قلبي ما يلبسه وقد بلغنا عن الأصمعي انه سئل عن معنى الحديث ، فقال للسائل : عن قلب من تروي فقال : عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : لو كان قلب غيره لكنت أفسره لك قال القاضي : ولله در الأصمعي في انتهاج منهج الأدب وإجلاله القلب الذي جعله الله موقع وحيه ومنزل تنزيله .

قال العيني : قيل الوجه في استغفارهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو معصوم ان اشتغاله بالنظر في مصالح الأمة ومحاربة الأعداء وتأليف المؤلفة قلوبهم شاغل له عن عظيم مقامه من حضوره مع الله عزّ وجلّ وفراغه مما سواه فيراه ذنباً بالنسبة إليه ، وإن كانت هذه الأمور من أعظم الطاعات وأفضل الأعمال فهو نزول عن عالي درجته فيستغفر لذلك ، وقيل كان دائماً في الترقي في الأحوال ، فإذا رأى ما قبلها دونه استغفر منه كما قيل حسنات الأبرار سيئات المقربين(١)

ــــــــــــــــ

(١) عمدة القاري ج ١ ص ٥٢١ ، وشرح مشارق الأزهار ج ١ ص ١٨٦ وقال في ( المصباح المنير ) في مادة ( غين ) : وفي حديث ( وانه ليغان على قلبي ( كناية عن الاشتغال عن المراقبة بالمصالح الدنيوية ، فانها وإن كانت مهمة فهي في مقابلة الأمور الأخروية ، كاللهو عند أهل المراقبة ( ج ٢ ص ١٣١ )


٢ ـ قال الأربلي ( ت ٦٨٧ هـ ) في رد هذا الإشكال : ان الإنبياء والأئمةعليه‌السلام أوقاتهم مشغولة بالله تعالى وقلوبهم مملوءة به ، وخواطرهم متعلقة بالمبدأ الأعلى جلّ شأنه فهم في المراقبة كما قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : ( اعبد ربك كأنك تراه فإن لم تره فإنه يراك ) فهذه الذوات القدسية في جميع الأنات متوجهة إلى المولى تعالى ومقبلون بكلّيتهم عليه فلا يرون أحداً في الوجود إلا النور الأقدس عزّ شأنه ، فكانوا يعدّون اشتغالهم بالأكل والشرب وغيرها من المباحات حطاً عن تلك المرتبة العالية والمنزلة الرفيعة ويرونه ذنباً وتقصيراً عما يراد منهم ، وإلى هذا وقعت الإشارة في كلامهم عليهم السلام : ( حسنات الأبرار سيئات المقربين ) )(١)

ومن هذين الرأيين وغيرهما من الآراء نستنتج ان استغفار المعصومعليه‌السلام إنما هي قضية رتبة عليا ومنزلة قصوى ، تحتّم عليه دائماً الترقي في الأحوال والتسامي إلى النور المطلق عزّ شأنه فأي شاغل دنيوي مباح يشغله عن ذكر الله تعالى يعدّه سيئة من السيئات ، فيستغفر الله تعالى عن ذلك وهذا الرأي أقرب إلى الصواب من غيره من الآراء .

ــــــــــــــــ

(١) كشف الغمة ص ٢٥٥ .


د ـ مقاطع منتخبة من أدعية الصحيفة السجادية :

وهذه مقاطع قصيرة اقتطعناها من أدعية الصحيفة السجادية ( ٣٠٥ صفحة بالطبعة الحديثة ) ، حاولنا فيها إبراز عبودية الإمامعليه‌السلام المخلصة لله تبارك وتعالى ، وكون الصحيفة مدرسة أخلاق وعرفان وتهذيب للمؤمنين .

الدعاء الأول : التحميد لله عزّ وجلّ

أَلْحَمْدُ للهِ الاوَّلِ بِلا أَوَّل كَانَ قَبْلَهُ، وَ الاخِر بِلاَ آخِر يَكُونُ بَعْدَهُ الَّذِي قَصُرَتْ عَنْ رُؤْيَتِهِ أَبْصَارُ النَّاظِرِينَ، وَ عَجَزَتْ عَنْ نَعْتِهِ أَوهامُ اَلْوَاصِفِينَ ابْتَدَعَ بِقُدْرَتِهِ الْخَلْقَ اَبتِدَاعَاً، وَ اخْتَرَعَهُمْ عَلَى مَشِيَّتِهِ اخترَاعاً، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمْ طَرِيقَ إرَادَتِهِ، وَبَعَثَهُمْ فِي سَبِيلِ مَحَبَّتِهِ. لا يَمْلِكُونَ تَأخِيراً عَمَا قَدَّمَهُمْ إليْهِ، وَلا يَسْتَطِيعُونَ تَقَدُّماً إلَى مَا أَخَّرَهُمْ عَنْهُ ...

وَالْحَمْدُ للهِ الَّذِي رَكَّبَ فِينَا آلاَتِ الْبَسْطِ، وَجَعَلَ لَنَا أدَوَاتِ الْقَبْضِ، وَمَتَّعَنا بِاَرْواحِ الْحَياةِ ، وَأثْبَتَ فِينَا جَوَارِحَ الاعْمَال ، وَغَذَّانَا بِطَيِّبَاتِ الرِّزْقِ ، وَأغْنانَا بِفَضْلِهِ ، وَأقْنانَا بِمَنِّهِ ، ثُمّ أَمَرَنَا لِيَخْتَبِرَ طاعَتَنَا، وَنَهَانَا لِيَبْتَلِيَ شُكْرَنَا فَخَالَفْنَا عَنْ طَرِيْقِ أمْرِهِ وَرَكِبْنا مُتُونَ زَجْرهِ فَلَم يَبْتَدِرْنا بِعُقُوبَتِهِ ، وَلَمْ يُعَاجِلْنَا بِنِقْمَتِهِ بَلْ تَانَّانا بِرَحْمَتِهِ تَكَرُّماً، وَانْتَظَرَ مُراجَعَتَنَا بِرَأفَتِهِ حِلْماً...

الدعاء الثاني : الصلاة على محمد وآله

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا بِمُحَمَّد نَبِيِّهِصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دُونَ الاُمَمِ الْمَـاضِيَةِ وَالْقُـرُونِ السَّالِفَةِ بِقُدْرَتِهِ الَّتِي لاَ تَعْجِزُ عَنْ شَيْء وَ إنْ عَظُمَ، وَ لا يَفُوتُهَا شَيءٌ وَإنْ لَطُفَ، فَخَتَمَ بِنَا عَلَى جَمِيع مَنْ ذَرَأَ وَ جَعَلَنَا شُهَدَاءَ عَلَى مَنْ جَحَدَ وَكَثَّرَنا بِمَنِّهِ عَلَى مَنْ قَلَّ اللّهمَّ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّد أَمِينِكَ عَلَى وَحْيِكَ ، وَنَجِيبِكَ مِنْ خَلْقِكَ، وَ صَفِيِّكَ مِنْ عِبَادِكَ، إمَامِ الرَّحْمَةِ وَقَائِدِ الْخَيْرِ وَ مِفْتَاحِ الْبَرَكَةِ، كَمَا نَصَبَ لاَِمْرِكَ نَفْسَهُ ، وَ عَرَّضَ فِيْكَ لِلْمَكْرُوهِ بَدَنَهُ ، وَكَاشَفَ فِي الدُّعَآءِ إلَيْكَ حَامَّتَهُ وَ حَارَبَ فِي رِضَاكَ أسْرَتَهُ وَقَطَعَ فِىْ إحْياءِ دِينِـكَ رَحِمَهُ ...


الدعاء الثالث : الصلاة على حلمة العرش

اللَّهُمَّ وَحَمَلَةُ عَرْشِكَ الَّذِينَ لا يَفْتُرُونَ مِنْ تَسْبِيحِكَ، وَلا يَسْـأَمُـونَ مِنْ تَقْـدِيْسِـكَ، وَلا يَسْتَحسِرُونَ مِنْ عِبَادَتِكَ، وَلاَ يُؤْثِرُونَ التَّقْصِيرَ عَلَى الْجِدِّ فِي أَمْرِكَ، وَلا يَغْفُلُونَ عَنِ الْوَلَهِ إلَيْكَ. وَإسْرافِيْلُ صَاحِبُ الصُّوْرِ، الشَّاخِصُ الَّذِي يَنْتَظِرُ مِنْكَ الاذْنَ وَحُلُولَ الامْرِ، فَيُنَبِّهُ بِالنَّفْخَةِ صَرْعى رَهَائِنِ الْقُبُورِ. وَمِيكَآئِيلُ ذُو الْجَاهِ عِنْدَكَ، وَالْمَكَانِ الرَّفِيعِ مِنْ طَاعَتِكَ. وَجِبْريلُ الامِينُ عَلَى وَحْيِكَ، الْمُطَاعُ فِي أَهْلِ سَمَاوَاتِكَ، الْمَكِينُ لَدَيْكَ، الْمُقَرَّبُ عِنْدَكَ، وَالرُّوحُ الَّذِي هُوَ عَلَى مَلائِكَةِ الْحُجُبِ، وَالرُّوحُ الَّذِي هُوَ مِنْ أَمْرِكَ.

الدعاء الرابع : الصلاة على مُصدقِّي الرُسل

... اَللَّهُمَّ وَأَصْحَابُ مُحَمَّد خَاصَّةً الَّـذِينَ أَحْسَنُوا الصَّحَابَةَ، وَالَّذِينَ أَبْلَوْا الْبَلاَءَ الْحَسَنَ فِي نَصْرِهِ، وَكَانَفُوهُ وَأَسْرَعُوا إلَى وِفَادَتِهِ وَسَابَقُوا إلَى دَعْوَتِهِ واسْتَجَابُوا لَهُ حَيْثُ أَسْمَعَهُمْ حجَّةَ رِسَالاَتِهِ، وَفَارَقُوا الازْوَاجَ وَالاوْلادَ فِي إظْهَارِ كَلِمَتِهِ، وَقَاتَلُوا الاباءَ وَ الابناءَ فِي تَثْبِيتِ نبُوَّتِهِ، وَانْتَصَرُوا بهِ وَمَنْ كَانُوا مُنْطَوِينَ عَلَى مَحبَّتِهِ يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ فِي مَوَدَّتِهِ، وَالّذينَ هَجَرَتْهُمُ العَشَائِرُ إذْ تَعَلَّقُوا بِعُرْوَتِهِ، وَانْتَفَتْ مِنْهُمُ الْقَرَاباتُ إذْ سَكَنُوا فِي ظلِّ قَرَابَتِهِ، فَلاَ تَنْسَ لَهُمُ الّهُمَّ مَا تَرَكُوا لَكَ وَفِيكَ، وَأَرْضِهِمْ مِنْ رِضْوَانِكَ وَبِمَا حَاشُوا الْخَلْقَ عَلَيْكَ، وَكَانُوا مَعَ رَسُولِكَ دُعَاةً لَكَ إلَيْكَ ...

الدعاء الخامس : دعاؤُه لنفسه وخاصته

... اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَقِنَا مِنْكَ، وَاحْفَظْنَا بِكَ، وَاهْدِنَا إلَيْكَ، وَلاَ تُبَاعِدْنَا عَنْكَ إنّ مَنْ تَقِهِ يَسْلَمْ، وَمَنْ تَهْدِهِ يَعْلَمْ، وَمَنْ تُقَرِّبُهُ إلَيْكَ يَغْنَمْ. اللّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ وَاكْفِنَا حَدَّ نَوائِبِ الزَّمَانِ، وَشَرَّ مَصَائِدِ الشّيطانِ وَمَرَارَةَ صَوْلَةِ السُّلْطَانِ. اللّهُمَّ إنَّما يَكْتَفِي الْمُكْتَفُونَ بِفَضْـل قُوَّتِكَ فَصَلِّ عَلَى محَمَّد وَآلِهِ ، وَاكْفِنَا وَإنَّمَا يُعْطِي الْمُعْطُونَ مِنْ فَضْلِ جِدَتِكَ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ وَأعْطِنَا ، وَإنمَا يَهْتَدِي الْمُهْتَدُونَ بِنُورِ وَجْهِكَ فَصَلِّ عَلَى محمّد وَآلِهِ وَاهْدِنَا ...


الدعاءُ السادس : دعاؤُه الصباح والمساء

أَلْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ بِقُوَّتِهِ، وَمَيَّزَ بَيْنَهُمَا بِقُدْرَتِهِ، وَجَعَلَ لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا حَدّاً مَحْدُوداً، وَأَمَداً مَمْدُوداً ، يُولِجُ كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا فِي صَاحِبِهِ، وَيُولِجُ صَاحِبَهُ فِيهِ بِتَقْدِير مِنْهُ لِلْعِبَادِ فِيمَا يَغْـذُوهُمْ بِـهِ وَيُنْشئُهُمْ عَلَيْـهِ، فَخَلَقَ لَهُمُ اللَّيْـلَ لِيَسْكُنُوا فِيْهِ مِنْ حَرَكَاتِ التَّعَبِ، وَنَهَضَاتِ النَّصَبِ، وَجَعَلَهُ لِبَاساً لِيَلْبَسُوا مِنْ رَاَتِهِ وَمَنَامِهِ، فَيَكُونَ ذَلِكَ جَمَاماً وَقُوَّةً، وَلِيَنَالُوا بِهِ لَذَّةً وَشَهْوَةً. وَخَلَقَ لَهُمُ النَّهارَ مُبْصِراً لِيَبْتَغُوا فِيهِ مِنْ فَضْلِهِ، وَلِيَتَسَبَّبُوا إلَى رِزْقِهِ، وَيَسْرَحُوا فِي أَرْضِهِ

الدعاءُ السابع : دعاؤُه في المهمَّات

يَا مَنْ تُحَلُّ بِهِ عُقَدُ الْمَكَارِهِ ، وَيَا مَنْ يُفْثَأُ بِهِ حَدُّ الشَّدَائِدِ ، وَيَا مَنْ يُلْتَمَسُ مِنْهُ الْمَخْرَجُ إلَى رَوْحِ الْفَرَجِ ، ذَلَّتْ لِقُدْرَتِـكَ الصِّعَابُ وَتَسَبَّبَتْ بِلُطْفِكَ الاسْبَابُ ، وَجَرى بِقُدْرَتِكَ الْقَضَاءُ وَمَضَتْ عَلَى إرَادَتِكَ الاشْياءُ ، فَهْيَ بِمَشِيَّتِكَ دُونَ قَوْلِكَ مُؤْتَمِرَةٌ ، وَبِإرَادَتِكَ دُونَ نَهْيِكَ مُنْزَجِرَةٌ. أَنْتَ الْمَدْعُوُّ لِلْمُهِمَّاتِ ، وَأَنْتَ الْمَفزَعُ فِي الْمُلِمَّاتِ ، لاَيَنْدَفِعُ مِنْهَا إلاّ مَا دَفَعْتَ ، وَلا يَنْكَشِفُ مِنْهَا إلاّ مَا كَشَفْتَ. وَقَدْ نَزَلَ بِي يا رَبِّ مَا قَدْ تَكَأدَنيَّ ثِقْلُهُ ، وَأَلَمَّ بِي مَا قَدْ بَهَظَنِي حَمْلُهُ ...

وَافْتَحْ لِي يَا رَبِّ بَابَ الْفَرَجِ بِطَوْلِكَ ، وَاكْسِرْ عَنِّيْ سُلْطَانَ الْهَمِّ بِحَوْلِكَ ...

الدعاءُ الثامن : دعاؤُهُ في الاستعاذةِ

أَللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ هَيَجَـانِ الْحِرْصِ ، وَسَوْرَةِ الغَضَبِ وَغَلَبَةِ الْحَسَدِ وضَعْفِ الضَّبْرِ وَقِلَّةِ الْقَنَاعَةِ وَشَكَاسَةِ الْخُلُقِ ، وَإلْحَاحِ الشَّهْوَةِ ، وَمَلَكَةِ الْحَمِيَّةِ ، وَمُتَابَعَةِ الْهَوَى ، وَمُخَالَفَةِ الْهُدَى ، وَسِنَةِ الْغَفْلَةِ ، وَتَعَاطِي الْكُلْفَةِ ، وَإيْثَارِ الْبَاطِلِ عَلَى الْحَقِّ وَالاصْرَارِ عَلَى الْمَـأثَمِ ، وَاسْتِصْغَـارِ الْمَعْصِيَـةِ ، وَاسْتِكْثَارِ الظَّاعَةِ ، وَمُبَاهَاةِ الْمُكْثِرِينَ ، وَالازْرآءِ بِالْمُقِلِّينَ ، وَسُوءِ الْوِلاَيَةِ لِمَنْ تَحْتَ أَيْدِينَا ...

الدعاءُ التاسع : دعاؤُهُ في الاشتياق إلى طلب المغفرة

... أللَّهُمَّ وَمَتَى وَقَفْنَا بَيْنَ نَقْصَيْنِ فِي دِين أَوْ دُنْيَا فَأَوْقِعِ النَّقْصَ بِأَسْرَعِهِمَا فَنَاءً ، وَاجْعَلِ التّوْبَةَ فِي أَطْوَلِهِمَا بَقَاءً. وَإذَا هَمَمْنَا بِهَمَّيْنِ يُرْضِيكَ أَحَدُهُمَا عَنَّا وَيُسْخِطُكَ الاخَرُ عَلَيْنَا ، فَمِلْ بِنَا إلَى مَا يُرْضِيْكَ عَنَّا ، وَأَوْهِنْ قُوَّتَنَا عَمَّا يُسْخِطُكَ عَلَيْنَا ، وَلاَ تُخَلِّ فِي ذلِكَ بَيْنَ نُفُوسِنَا وَاخْتِيَارِهَا; فَإنَّهَا مُخْتَارَةٌ لِلْبَاطِلِ إلاَّ مَا وَفَّقْتَ أَمَّارَةٌ بالسُّوءِ إلاّ مَا رَحِمْتَ ...


الدعاءُ العاشر : في اللجؤ إلى الله تعالى

اللّهُمَّ إن تَشَأْ تعفُ عَنّا فَبِفضْلِكَ ، وَانْ تَشَأْ تُعَذِّبْنا فَبَعدْلِكَ. فَسَهِّلْ لَنَا عَفْوَكَ بِمنِّكَ ، وَأَجِرْنَا مِنْ عَذَابِكَ بِتَجاوُزكَ; فَإنَّهُ لاَطاقَةَ لَنَا بَعدِكَ ، وَلاَنجاةَ لاحَد دُوْنَ عَفْوِكَ. يا غَنِيَّ الاغْنياء ، هَا نَحَنُ عِبادُكَ ، وَأَنَا أَفْقَراء إليْكَ فَأجْبُرْ فاقَتَنا بِوُسْعِكَ ، ولاتَقْطَعَ رَجَاءنا بِمَنْعِكَ فَتَكُوْنَ قد أَشْقَيْتَ مَنِ اسْتَسْعَدَ بِكَ ، وَجَرَمْتَ مَنِ آسْتَرْفَدَ فَضْلَكَ. فَإلى مَنْ حيْنئذ مُنْقَلَبُنَا عَنْكَ ، وإلى أيْنَ مَذهَبُنَا عن بَابِكَ؟ ...

الدعاءُ الحادي عشر : دعاؤُهُ بخواتم الخير

يا مَنْ ذِكْرُهُ شَرَفٌ لِلذَّاكِرِينَ وَيَا مَنْ شُكْرُهُ فَوْزٌ لِلشَّاكِرِينَ، وَيَا مَنْ طَاعَتُهُ نَجَاةٌ لِلْمُطِيعِينَ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ وَاشْغَلْ قُلُوبَنَا بِذِكْرِكَ عَنْ كُلِّ ذِكْر، وَأَلْسِنَتَنَا بِشُكْرِكَ عَنْ كُلِّ شُكْر وَجَوَارِحَنَا بِطَاعَتِكَ عَنْ كُلِّ طَاعَة. فَإنْ قَدَّرْتَ لَنَا فَرَاغاً مِنْ شُغُل فَاجْعَلْهُ فَرَاغَ سَلاَمَة لا تُدْرِكُنَا فِيهِ تَبِعَةٌ وَلاَ تَلْحَقُنَا فِيهِ سَاَمَةٌ حَتَّى يَنْصَرِفَ عَنَّا كُتَّابُ السَّيِّئَاتِ بِصَحِيفَة خَالِيَة مِنْ ذِكْرِ سَيِّئاتِنَا وَيَتَوَلّى كُتَّابُ الْحَسَنَاتِ عَنَّا مَسْرُورِينَ بِمَا كَتَبُوا مِنْ حَسَنَاتِنَا ...

الدعاءُ الثاني عشر : دعاؤُهُ في الاعتراف وطلب التوبة

أَللَّهُمَّ إنَّهُ يَحْجُبُنِي عَنْ مَسْأَلَتِكَ خِلاَلٌ ثَلاثٌ وَتَحْدُونِي عَلَيْهَا خَلَّةٌ وَاحِدَةٌ ، يَحْجُبُنِي أَمْرٌ أَمَرْتَ بِهِ فَأَبْطَأتُ عَنْهُ، وَنَهْيٌ نَهَيْتَنِي عَنْهُ فَأَسْرَعْتُ إلَيْهِ، وَنِعْمَةٌ أَنْعَمْتَ بِهَا عَلَيَّ فَقَصَّـرْتُ فِي شُكْرِهَـا. وَيَحْدُونِي عَلَى مَسْأَلَتِكَ تَفَضُّلُكَ عَلَى مَنْ أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ إلَيْكَ، وَوَفَدَ بِحُسْنِ ظَنِّـهِ إلَيْكَ ، إذْ جَمِيعُ إحْسَانِكَ تَفَضُّلٌ، وَإذْ كُلُّ نِعَمِكَ ابْتِدَاءٌ. فَهَا أَنَا ذَا يَا إلهِيْ وَاقِفٌ بِبَابِ عِزِّكَ وُقُوفَ المُسْتَسْلِمِ الذَّلِيْل، وَسَائِلُكَ عَلَى الْحَيَاءِ مِنّي سُؤَالَ الْبَائِسِ الْمُعِيْلِ ...


الدعاءُ الثالث عشر : دعاؤُهُ في طلب الحوائج إلى الله تعالى

أللَّهُمَّ يَا مُنْتَهَى مَطْلَبِ الْحَاجَاتِ، وَيَا مَنْ عِنْدَه نَيْلُ الطَّلِبَاتِ، وَيَا مَنْ لا يَبِيْعُ نِعَمَهُ بالاثْمَانِ، وَيَا مَنْ لا يُكَدِّرُ عَطَايَاهُ بِالامْتِنَانِ، وَيَا مَنْ يُسْتَغْنَى بِهِ وَلاَ يُسْتَغْنَى عَنْهُ، وَيَا مَنْ يُرْغَبُ إلَيْهِ وَلا يُرْغَبُ عَنْهُ. وَيَا مَنْ لا تُفنى خَزَآئِنَهُ الْمَسَائِلُ، وَيَا مَنْ لاَ تُبَدِّلُ حِكْمَتَهُ الْوَسَائِلُ. وَيَا مَنْ لاَ تَنْقَطِعُ عَنْهُ حَوَائِجُ الْمُحْتَاجِينَ وَيَا مَنْ لاَ يُعَنِّيهِ دُعَاءُ الدَّاعِينَ، تَمَدَّحْتَ بِالْغَنَاءِ عَنْ خَلْقِكَ وَأَنْتَ أَهْلُ الْغِنَى عَنْهُمْ، وَنَسَبْتَهُمْ إلَى الفَقْرِ وَهُمْ أَهْلُ الْفَقْرِ إلَيْكَ. فَمَنْ حَاوَلَ سَدَّ خَلَّتِهِ مِنْ عِنْدِكَ وَرَامَ صَرْفَ الْفَقْر عَنْ نَفْسِهِ بِكَ، فَقَدْ طَلَبَ حَاجَتَهُ فِي مَظَانِّها وَأَتَى طَلِبَتَهُ مِنْ وَجْهِهَا ...

الدعاءُ الرابع عشر : دعاؤُهُ في الظًّلامَات

يَامَنْ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ أَنْبَآءُ الْمُتَظَلِّمِينَ وَيَا مَنْ لاَ يَحْتَاجُ فِي قِصَصِهِمْ إلَى شَهَادَاتِ الشَّاهِدِينَ وَيَا مَنْ قَرُبَتْ نُصْرَتُهُ مِنَ الْمَظْلُومِينَ، وَيَا مَنْ بَعُدَ عَوْنُهُ عَنِ الظَّالِمِينَ، قَدْ عَلِمْتَ يَا إلهِي مَا نالَنِي مِنْ [فُلاَنِ بْنِ فُلاَن] مِمَّا حَظَرْتَ، وَانْتَهَكَهُ مِنّي مِمَّا حَجَزْتَ عَلَيْهِ، بَطَراً فِي نِعْمَتِكَ عِنْدَهُ، وَاغْتِرَاراً بِنَكِيرِكَ عَلَيْهِ. فَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ وَخُذْ ظَالِمِي وَعَدُوِّي عَنْ ظُلْمِي بِقُوَّتِكَ، وَافْلُلْ حَدَّهُ عَنِّي بِقُدْرَتِكَ، وَاجْعَلْ لَهُ شُغْلاً فِيَما يَلِيهِ وَعَجْزاً عَمَّا يُناوِيْهِ ...

الدعاءُ الخامس عشر : دعاؤُهُ عند المرض

أللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا لَمْ أَزَلْ أَتَصَرَّفُ فِيهِ مِنْ سَلاَمَةِ بَدَنِي، وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَحْدَثْتَ بِيْ مِنْ عِلَّة فِي جَسَـدِي. فَمَا أَدْرِي يَـا إلهِي، أَيُّ الْحَالَيْنِ أَحَقُّ بِالشُّكْرِ لَكَ، وَأَيُّ الْوَقْتَيْنِ أوْلَى بِالْحَمْدِ لَكَ، أَوَقْتُ الصِّحَةِ الَّتِي هَنَّـأْتَنِي فِيهَا طَيِّبَاتِ رِزْقِكَ، وَنَشَّطْتَنِي بِهَا لابْتِغاءِ مَرْضَاتِكَ وَفَضْلِكَ، وَقَوَّيْتَنِي مَعَهَا عَلَى مَـا وَفَّقْتَنِي لَهُ مِنْ طَـاعَتِـكَ أَمْ وَقْتُ الْعِلَّةِ الَّتِي مَحَّصْتَنِي بِهَا، وَالنِّعَمِ الَّتِي أَتْحَفْتَنِي بِهَا تَخْفِيفاً لِمَا ثَقُلَ بِهِ عَلَى ظَهري مِنَ الْخَطِيئاتِ وَتَطْهيراً لِمَا انْغَمَسْتُ فيهِ مِنَ السَّيِّئاتِ ...


الدعاءُ السادس عشر : دعاؤُهُ في الاستقالة من الذنوب

... وَأَنَا يَا إلهِي عَبْدُكَ الَّذِي أَمَرْتَهُ بِالدُّعاءِ فَقَالَ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، هَا أَنَا ذَا يَا رَبِّ مَطْرُوحٌ بَيْنَ يَدَيْكَ، أَنَا الَّذِي أَوْقَرَتِ الْخَطَايَا ظَهْرَهُ، وَأَنا الَّذِي أَفْنَتِ الذُّنُوبُ عُمْرَهُ، وَأَنَا الَّذِي بِجَهْلِهِ عَصاكَ وَلَمْ تَكُنْ أَهْلاً مِنْهُ لِذَاكَ. هَلْ أَنْتَ يَا إلهِي رَاحِمٌ مَنْ دَعَاكَ فَأُبْلِغَ فِي الدُّعَاءِ، أَمْ أَنْتَ غَافِرٌ لِمَنْ بَكَاكَ فَأُسْرِعَ فِي الْبُكَاءِ، أَمْ أَنْتَ مُتَجَاوِزٌ عَمَّنْ عَفَّرَ لَكَ وَجْهَهُ تَذَلُّلاً، أَم أَنْتَ مُغْن مَنْ شَكَا إلَيْكَ فَقْرَهُ تَوَكُّلاً؟ إلهِي لاَ تُخيِّبْ مَنْ لا يَجدُ مُعْطِياً غَيْرَكَ، وَلاَ تَخْذُلْ مَنْ لا يَسْتَغْنِي عَنْكَ بِأَحَد دُونَكَ ...

يَا إلهِي لَوْ بَكَيْتُ إلَيْكَ حَتَّى تَسْقُطَ أَشْفَارُ عَيْنَيَّ ، وَانْتَحَبْتُ حَتَّى يَنْقَطِعَ صَوْتِي، وَقُمْتُ لَكَ حَتَّى تَتَنَشَّرَ قَدَمَايَ، وَرَكَعْتُ لَكَ حَتَّى يَنْخَلِعَ صُلْبِي، وَسَجَدْتُ لَكَ حَتَّى تَتَفَقَّأَ حَدَقَتَايَ، وَأكَلْتُ تُرَابَ الارْضِ طُولَ عُمْرِي، وَشَرِبْتُ مَاءَ الرَّمَادِ آخِرَ دَهْرِي وَذَكَرْتُكَ فِي خِلاَلِ ذَلِكَ حَتَّى يَكِلَّ لِسَانِي ثُمَّ لَمْ أَرْفَعْ طَرْفِي إلَى آفَاقِ السَّمَاءِ اسْتِحْيَاءً مِنْكَ مَا اسْتَوْجَبْتُ بِذَلِكَ مَحْوَ سَيِّئَة وَاحِـدَة مِنْ سَيِّئـاتِي ...

الدعاءُ السابع عشر : دعاؤُهُ على الشيطان

أَللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ نَزَغَـاتِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَكَيْدِهِ وَمَكَائِدِهِ، وَمِنَ الثِّقَةِ بِأَمَـانِيِّهِ وَمَوَاعِيدِهِ وَغُرُورِهِ وَمَصَائِدِهِ، وَأَنْ يُطْمِعَ نَفْسَهُ فِي إضْلاَلِنَا عَنْ طَاعَتِكَ وَامْتِهَانِنَا بِمَعْصِيَتِكَ، أَوْ أَنْ يَحْسُنَ عِنْدَنَا مَا حَسَّنَ لَنَا، أَوْ أَنْ يَثْقُلَ عَلَيْنَا مَا كَرَّهَ إلَيْنَا. أللَّهُمَّ اخْسَأْهُ عَنَّا بِعِبَادَتِكَ، وَاكْبِتْهُ بِدُؤوبِنَا فِي مَحَبَّتِكَ، وَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِتْراً لاَ يَهْتِكُهُ، وَرَدْماً مُصْمِتاً لا يَفْتُقُهُ ...


الدعاءُ الثامن عشر : دعاؤُهُ في المحذُورات

أَللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى حُسْنِ قَضَائِكَ، وَبِمَا صَرَفْتَ عَنِّي مِنْ بَلائِكَ، فَلاَتَجْعَـلْ حَظِّي مِنْ رَحْمَتِكَ مَا عَجَّلْتَ لِي مِنْ عَافِيَتِكَ فَاكُونَ قَدْ شَقِيتُ بِمَا أَحْبَبْتُ وَسَعِدَ غَيْرِي بِمَا كَرِهْتُ، وَإنْ يَكُنْ مَا ظَلِلْتُ فِيهِ أَوْ بِتُّ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الْعَافِيَةِ بَيْنَ يَدَيْ بَلاء لاَ يَنْقَطِعُ، وَوِزْر لاَ يَرْتَفِعُ. فَقَدِّمْ لِي مَا أَخَّرْتَ، وَأَخِّرْ عَنّي مَا قَدَّمْتَ. فَغَيْرُ كَثِير مَا عَاقِبَتُهُ الْفَنَاءُ، وَغَيْرُ قَلِيل مَا عَاقِبَتُهُ الْبَقَاءُ ...

الدعاءُ التاسع عشر : دعاؤُهُ في الاستسقاء

أللَّهُمَّ اسْقِنَـا الْغَيْثَ، وَانْشُرْ عَلَيْنَـا رَحْمَتَـكَ بِغَيْثِكَ الْمُغْدِقِ مِنَ الْسَّحَابِ الْمُنْسَـاقِ لِنَبَاتِ أَرْضِـكَ الْمُونِقِ فِي جَمِيـعِ الافَاقِ، وَامْنُنْ عَلَى عِبَادِكَ بِإينَاعِ الثَّمَرَةِ، وأَحْيِ بِلاَدَكَ بِبُلُوغِ الزَّهَرَةِ. وَأَشْهِدْ مَلائِكَتَكَ الْكِرَامَ السَّفَرَةَ بِسَقْي مِنْكَ نَافِع دَائِم، غُزْرُهُ وَاسِعٌ، دِرَرُهُ وَابِل، سَرِيع عَاجِل، تُحْيِي بِهِ مَا قَدْ مَات، وَتَرُدُّ بهِ مَا قَدْ فَاتَ، وَتُخْرِجُ بِهِ مَا هُوَ آت، وَتُوَسِّعُ بِهِ فِي الاَقْوَاتِ ...

الدعاءُ العشرون : دعاؤُهُ في مكارمِ الأخلاقِ

أَللَّهمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ وَبَلِّغْ بِإيْمَانِي أكْمَلَ الاِيْمَانِ، وَاجْعَلْ يَقِينِي أَفْضَلَ الْيَقِينِ، وَانْتَهِ بِنِيَّتِي إلَى أَحْسَنِ النِّيَّـاتِ، وَبِعَمَلِي إلى أَحْسَنِ الاعْمَالِ. أللَّهُمَّ وَفِّرْ بِلُطْفِكَ نِيَّتِي، وَصَحِّحْ بِمَـا عِنْدَكَ يَقِينِي، وَاسْتَصْلِحْ بِقُدْرَتِكَ مَا فَسَدَ مِنِّي. أللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ وَاكْفِنِي مَا يَشْغَلُنِي الاهْتِمَامُ بِهِ، وَاسْتَعْمِلْنِي بِمَا تَسْأَلُنِي غَداً عَنْهُ وَاسْتَفْرِغْ أَيَّامِي فِيمَا خَلَقْتَنِي لَهُ، وَأَغْنِنِي وَأَوْسِعْ عَلَىَّ فِي رِزْقِكَ، وَلاَ تَفْتِنِّي بِالنَّظَرِ، وَأَعِزَّنِي، وَلا تَبْتَلِيَنِّي بِالْكِبْرِ، وَعَبِّدْنِي لَكَ وَلاَ تُفْسِدْ عِبَادَتِي بِالْعُجْبِ، وَأَجْرِ لِلنَّاسِ عَلَى يَدَيَّ الْخَيْرَ، وَلا تَمْحَقْهُ بِالْمَنِّ، وَهَبْ لِي مَعَـالِيَ الاَخْـلاَقِ، وَاعْصِمْنِي مِنَ الْفَخْرِ. اللَّهُمَّ صَـلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَلا تَـرْفَعْنِي فِيْ النَّاسِ دَرَجَـةً إلاّ حَطَطْتَنِي عِنْدَ نَفْسِي مِثْلَهَا، وَلا تُحْدِثْ لِي عِزّاً ظَاهِرَاً إلاّ أَحْدَثْتَ لِي ذِلَّةً بَاطِنَةً عِنْدَ نَفْسِي بِقَدَرِهَا...


أللَّهُمَّ اجْعَلْ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِي رَوْعِي مِنَ التَّمَنِّي وَالتَّظَنِّي وَالْحَسَـدِ ذِكْـراً لِعَظَمَتِكَ، وَتَفَكُّراً فِي قُدْرَتِكَ، وَتَدْبِيراً عَلَى عَدُوِّكَ، وَمَا أَجْرَى عَلَى لِسَانِي مِنْ لَفْظَةِ فُحْش أَوْ هُجْر أَوْ شَتْمِ عِرْض أَوْ شَهَادَةِ بَاطِل أو اغْتِيَابِ مُؤْمِن غَائِبِ أَوْ سَبِّ حَاضِر، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ نُطْقاً بِالْحَمْدِ لَكَ وَإغْرَاقاً فِي الثَّنَاءِ عَلَيْكَ، وَذَهَاباً فِي تَمْجيدِكَ وَشُكْراً لِنِعْمَتِكَ وَاعْتِرَافاً بِإحْسَانِكَ وَإحْصَاءً لِمِنَنِكَ...

الدعاءُ الحادي والعشرون : دعاؤُهُ إذا حَزَنهُ أمرٌ

أَللَّهُمَّ يَا كَافِيَ الْفَرْدِ الضَعِيْفِ، وَوَاقِيَ الامْرِ الْمَخُوْفِ، أَفْرَدَتْنِي الْخَـطَايَا; فَـلاَ صَاحِبَ مَعِي، وَضَعُفْتُ عَنْ غَضَبِكَ; فَلاَ مُؤَيِّدَ لِي، وَأَشْرَفْتُ عَلَى خَوْفِ لِقَائِكَ; فَلاَ مُسَكِّنَ لِرَوْعَتِي. وَمَنْ يُؤْمِنُنِي مِنْكَ وَأَنْتَ أَخَفْتَنِي؟ وَمَن يساعِدُنِي وَأَنْتَ أَفْرَدْتَنِي؟ وَمَنْ يُقَوِّيْنِي وَأَنْتَ أَضْعَفْتَنِي؟ لاَ يُجيرُ يا إلهي إلاّ رَبٌّ عَلَى مَرْبُوب، وَلاَ يُؤْمِنُ إلاّ غالِبٌ عَلَى مَغْلُوب، وَلاَ يُعِينُ إِلاّ طالِبٌ عَلَى مَطْلُوب، وَبِيَـدِكَ يَـاَ إلهِي جَمِيعُ ذلِكَ السَّبَبِ، وَإلَيْكَ الْمَفَرُّ وَالْمَهْربُ ...

إلهِي أَصْبَحْتُ وَأَمْسَيْتُ عَبْداً دَاخِراً لَكَ، لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إلاَّ بِكَ أَشْهَدُ بِذَلِكَ عَلَى نَفْسِي وَأَعْتَـرِفُ بِضَعْفِ قُـوَّتِي وَقِلَّةِ حِيْلَتِي فَأَنْجزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، وَتَمِّمْ لِي مَا آتَيْتَنِي; فَإنِّي عَبْـدُكَ الْمِسْكِينُ الْمُسْتكِينُ الضَّعِيفُ الضَّـرِيـرُ الذَّلِيلُ الْحَقِيرُ الْمَهِينُ الْفَقِيرُ الْخَائِفُ الْمُسْتَجِيرُ ...

الدعاءُ الثاني والعشرون : دعاؤُهُ عند الشدَّة

أَللَّهُمَّ إنَّكَ كَلَّفْتَنِي مِنْ نَفْسِي مَا أَنْتَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي، وَقُدْرَتُكَ عَلَيْهِ وَعَلَيَّ أَغْلَبُ مِنْ قُدْرَتِي، فَأَعْطِنِي مِنْ نَفْسِي مَا يُرْضِيْكَ عَنِّي، وَخُذْ لِنَفْسِكَ رِضَاهَا مِنْ نَفْسِي فِي عَافِيَة. أللَّهُمَّ لاَ طَاقَةَ لِي بِالجَهْدِ ، وَلاَ صَبْرَ لِي عَلَى البَلاَءِ، وَلاَ قُوَّةَ لِي عَلَى الْفَقْرِ، فَلاَ تَحْظُرْ عَلَيَّ رِزْقِي، وَلاَ تَكِلْنِيْ إلَى خَلْقِكَ بَلْ تَفَرَّدْ بِحَاجَتِي، وَتَولَّ كِفَايَتِي، وَانْظُرْ إلَيَّ وَانْظُرْ لِي فِي جَمِيْعِ اُمُورِي، فَإنَّكَ إنْ وَكَلْتَنِي إلَى نَفْسِي عَجَزْتُ عَنْهَا، وَلَمْ اُقِمْ مَا فِيهِ مَصْلَحَتُهَا، وَإنْ وَكَلْتَنِي إلَى خَلْقِكَ تَجَهَّمُونِي، وَإنْ أَلْجَأتَنِيْ إلَى قَرَابَتِي حَرَمُونِي، وَإنْ أَعْطَوْا أَعْطَوْا قَلِيْلاً نَكِداً، وَمَنُّوا عَلَيَّ طَوِيلاً وَذَمُّوا كَثِيراً. فَبِفَضْلِكَ أللَّهُمَّ فَأَغْنِنِي ...


الدعاءُ الثالث والعشرون : دعاؤُهُ بالعافية

أللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَعَافِنِي عَافِيَةً كَافِيَةً شَافِيَةً عَالِيَةً نَامِيةً، عَافِيَةً تُوَلِّدُ فِي بَدَنِي الْعَافِيَةَ، عَافِيَةَ الدُّنْيَا والاخِرَةِ، وَامْنُنْ عَلَيَّ بِالصِّحَّةِ وَالامْنِ وَالسَّلاَمَةِ فِي دِيْنِي وَبَـدَنِي، وَالْبَصِيـرَةِ فِي قَلْبِي وَالنَّفَاذِ فِي أمُورِيْ وَالْخَشْيَةِ لَكَ، وَالْخَوْفِ مِنْكَ وَالْقُوَّةِ عَلَى مَا أَمَرْتَنِي بِهِ مِنْ طَاعَتِكَ وَالاجْتِنَابِ لِمَـا نَهَيْتَنِي عَنْهُ مِنْ مَعْصِيَتِـكَ ...

الدعاءُ الرابع والعشرون : دعاؤُهُ لابويه

أللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِـهِ وَذُرِّيَّتِهِ، وَاخْصُصْ أَبَوَيَّ بِأَفْضَلِ مَا خَصَصْتَ بِهِ آبَاءَ عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ وَاُمَّهَاتِهِمْ يَا أَرْحَمَ الـرَّاحِمِينَ. أللَّهُمَّ لاَ تُنْسِنِي ذِكْرَهُمَا فِي أَدْبَارِ صَلَوَاتِي وَفِي أَناً مِنْ آناءِ لَيْلِي، وَفِي كُلِّ سَاعَة مِنْ سَاعَاتِ نَهَارِي. أللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ وَاغْفِرْ لِي بِدُعَائِي لَهُمَا، وَاغْفِرْ لَهُمَـا بِبِرِّهِمَـا بِي، مَغْفِرَةً حَتْمـاً وَارْضَ عَنْهُمَا بِشَفَاعَتِي لَهُمَا رِضَىً عَزْماً، وَبَلِّغْهُمَا بِالْكَرَامَةِ مَوَاطِنَ السَّلاَمَةِ ...

الدعاءُ الخامس والعشرون : دعاؤُهُ لوُلْدِهِ

أللَّهُمَّ اشْدُدْ بِهِمْ عَضُدِي، وَأَقِمْ بِهِمْ أَوَدِيْ، وَكَثِّرْ بِهِمْ عَدَدِي، وَزَيِّنْ بِهِمْ مَحْضَرِي، وَأَحْييِ بِهِمْ ذِكْرِي، وَاكْفِنِي بِهِمْ فِي غَيْبَتِي وَأَعِنِّي بِهِمْ عَلَى حَـاجَتِي، وَاجْعَلْهُمْ لِي مُحِبِّينَ، وَعَلَيَّ حَدِبِينَ مُقْبِلِينَ مُسْتَقِيمِينَ لِيْ، مُطِيعِينَ غَيْرَ عَاصِينَ وَلاَ عَاقِّينَ وَلا مُخَالِفِينَ وَلاَ خـاطِئِينَ، وَأَعِنِّي عَلَى تَرْبِيَتِهِمْ وَتَأدِيْبِهِمْ وَبِرِّهِمْ، وَهَبْ لِيْ مِنْ لَدُنْكَ مَعَهُمْ أَوْلاداً ذُكُوراً، وَاجْعَلْ ذَلِكَ خَيْراً لي وَاجْعَلْهُمْ لِي عَوناً عَلَى مَا سَأَلْتُكَ، وَأَعِذْنِي وَذُرِّيَّتِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ...

الدعاءُ السادس والعشرون : دعاؤُهُ لجيرانهِ وأوليائهِ

أللَّهُمَّ صَـلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِـهِ وَتَـوَلَّنِي فِي جيرَانِي وَمَوَالِيَّ وَالْعَـارِفِينَ بحَقِّنَا وَالْمُنَـابِذِينَ لاِعْدَائِنَا بِأَفْضَلِ وَلاَيَتِكَ، وَوَفِّقْهُمْ لاقَامَةِ سُنَّتِكَ وَالاَخْذِ بِمَحَاسِنِ أَدَبِكَ فِي إرْفَاقِ ضَعِيفِهِمْ، وَسَدِّ خَلَّتِهِمْ، وَعِيَادَةِ مَرِيضِهِمْ، وَهِـدَايَةِ مُسْتَـرْشِدِهِمْ، وَمُنَاصَحَةِ مُسْتَشِيرِهِمْ، وَتَعَهُّدِ قَـادِمِهِمْ، وَكِتْمَانِ أَسْرَارِهِمْ، وَسَتْرِ عَوْرَاتِهِمْ، وَنُصْرَةِ مَظْلُومِهِمْ، وَحُسْنِ مُوَاسَاتِهِمْ بِالْمَاعُونِ، وَالْعَوْدِ عَلَيْهِمْ بِـالْجِـدَةِ وَالاِفْضَـالِ، وَإعْطَآءِ مَـا يَجِبُ لَهُمْ قَبْلَ السُّؤالِ ...


الدعاءُ السابع والعشرون : دعاؤُهُ لأهل الثغُور

أَللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَحَصِّنْ ثُغُورَ الْمُسْلِمِينَ بِعِزَّتِكَ، وَأَيِّدْ حُمَاتَهَا بِقُوَّتِكَ، وَأَسْبغَ عَطَايَاهُمْ مِنْ جِدَتِكَ. أللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَكَثِّرْ عِدَّتَهُمْ، وَاشْحَذْ أَسْلِحَتَهُمْ، وَاحْرُسْ حَوْزَتَهُمْ، وَامْنَعْ حَوْمَتَهُمْ، وَأَلِّفْ جَمْعَهُمْ، وَدَبِّرْ أَمْرَهُمْ، وَوَاتِرْ بَيْنَ مِيَرِهِمْ، وَتَوَحَّدْ بِكِفَايَةِ مَؤَنِهِمْ، وَاعْضُدْهُمْ بِالنَّصْرِ، وَأَعْنِهُمْ بِالصَّبْرِ، وَالْطُفْ لَهُمْ فِي الْمَكْرِ ...

أللَّهُمَّ وَقَوِّ بِذَلِكَ مِحَالَّ أَهْلِ الاسْلاَمِ ، وَحَصِّنْ بِهِ دِيَارَهُمْ ، وَثَمِّرْ بِـهِ أَمْوَالَهُمْ ، وَفَرِّغْهُمْ عَنْ مُحَارَبَتِهِمْ لِعِبَادَتِكَ وَعَنْ مُنَابَذَتِهِمْ للْخَلْوَةِ بِكَ، حَتَّى لا يُعْبَدَ فِي بِقَاعِ الارْضِ غَيْرُكَ وَلاَ تُعَفَّرَ لاَِحَد مِنْهُمْ جَبْهَةٌ دُونَكَ. أللَّهُمَّ اغزُ بِكُلِّ نَـاحِيَـة مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَنْ بِـإزَائِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَأَمْدِدْهُمْ بِمَلائِكَة مِنْ عِنْدِكَ مُرْدِفِينَ حَتَّى يَكْشِفُـوهُمْ إلَى مُنْقَطَعِ التُّـرابِ قَتْـلاً فِي أَرْضِكَ وَأَسْراً أَوْ يُقِرُّوا بِأَنَّكَ أَنْتَ اللهُ الَّذِي لاَ إلهَ إلاَّ أَنْتَ وَحْدَكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ ...

الدعاءُ الثامن والعشرون : دعاؤُهُ في التفزُّعِ إلى الله عزّ وجلّ

... فَأَنْتَ يَا مَوْلايَ دُونَ كُلِّ مَسْؤُول مَوْضِعُ مَسْأَلَتِي وَدُونَ كُلِّ مَطْلُوب إلَيْهِ وَلِيُّ حَاجَتِي. أَنْتَ الْمَخْصُوصُ قَبْلَ كُلِّ مَدْعُوٍّ بِدَعْوَتِي لاَ يَشْرَكُكَ أَحَدٌ فِي رَجَائِي، وَلاَ يَتَّفِقُ أَحَدٌ مَعَكَ فِي دُعَائِي، وَلاَ يَنْظِمُهُ وَإيَّاكَ نِدَائِي لَكَ يَا إلهِي وَحْدَانِيَّةُ الْعَدَدِ، وَمَلَكَةُ الْقُدْرَةِ الصَّمَدِ، وَفَضِيلَةُ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ، وَدَرَجَةُ الْعُلُوِّ وَالرِّفْعَةِ وَمَنْ سِوَاكَ مَرْحُومٌ فِي عُمْرِهِ، مَغْلُوبٌ عَلَى أَمْرِهِ، مَقْهُورٌ عَلَى شَأنِهِ، مُخْتَلِفُ الْحَالاَتِ، مُتَنَقِّلٌ فِي الصِّفَاتِ. فَتَعَالَيْتَ عَنِ الاشْبَاهِ وَالاضْـدَادِ، وَتَكَبَّـرْتَ عَنِ الامْثَـالِ وَالانْدَادِ، فَسُبْحَانَكَ لاَ إلهَ إلاَّ أَنْتَ ...

الدعاءُ التاسع والعشرون : دعاؤُهُ إذا قُتّرَ عليهِ الرزقُ

أَللَّهُمَّ إنَّكَ ابْتَلَيْتَنَا فِي أَرْزَاقِنَا بِسُوءِ الظَّنِّ وَفِي آجَالِنَا بِطُولِ الامَلِ حَتَّى الْتَمَسْنَا أَرْزَاقَكَ مِنْ عِنْدِ الْمَرْزُوقِينَ، وَطَمِعْنَا بِآمَالِنَا فِي أَعْمَارِ الْمُعَمَّرِينَ. فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَهَبْ لَنَا يَقِيناً صَادِقاً تَكْفِينا بِهِ مِنْ مَؤونَةِ الطَّلَبِ، وَأَلْهِمْنَا ثِقَةً خَالِصَةً تُعْفِينَا بِهَا مِنْ شِدَّةِ النَّصَبِ، وَاجْعَلْ مَا صَرَّحتَ بِهِ مِنْ عِدَتِكَ فِي وَحْيِكَ، وَأَتْبَعْتَهُ مِنْ قِسَمِكَ فِي كِتَابِكَ قَاطِعاً لاهْتِمَامِنَا بِـالرِّزْقِ الَّـذِيْ تَكَفَّلْتَ بِهِ وَحَسْمَاً لِلاشْتِغَالِ بِمَا ضَمِنْتَ الْكِفَايَةَ لَهُ، فَقُلْتَ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ الاصْـدَقُ وَأَقْسَمْتَ وَقَسَمُكَ الاَبَرُّ الاَوْفى: (وَفِي آلسَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) ثُمَّ قُلْتَ: (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالاَرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُوْنَ)


الدعاءُ الثلاثون : دعاؤُهُ في المعونةِ على قضاءِ الدَّينِ

أَللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ وَهَبْ لِيَ الْعَافِيَةَ مِنْ دَيْن تُخْلِقُ بِهِ وَجْهِي، وَيَحَارُ فِيهِ ذِهْنِي، وَيَتَشَعَّبُ لَهُ فِكْرِي، وَيَطُولُ بِمُمَارَسَتِهِ شُغْلِي، وَأَعُوذُ بِكَ يَا رَبِّ مِنْ هَمِّ الدَّيْنِ وَفِكْرِهِ، وَشُغْلِ الدَّيْنِ وَسَهَرِهِ. فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ وَأَعِذْنِي مِنْهُ. وَأَسْتَجيرُ بِكَ يَا رَبِّ مِنْ ذِلَّتِهِ فِي الْحَيَاةِ وَمِنْ تَبِعَتِهِ بَعْدَ الْوَفَاةِ ...

الدعاءُ الحادي والثلاثون : دعاؤُهُ بالتَّوبةِ

... هَذا مَقَامُ مَنْ تَدَاوَلَتْهُ أَيْدِي الذُّنُوبِ، وَقَادَتْهُ أَزِمَّةُ الْخَطَايَا، وَاسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ، فَقَصَّرَ عَمَّا أَمَرْتَ بِهِ تَفْرِيطَاً، وَتَعَاطى مَا نَهَيْتَ عَنْهُ تَعْزِيراً، كَالْجاهِلِ بِقُدْرَتِكَ عَلَيْهِ، أَوْ كَالْمُنْكِرِ فَضْلَ إحْسَانِكَ إلَيْهِ، حَتَّى إذَا انْفَتَحَ لَهُ بَصَرُ الْهُدَى، وَتَقَشَّعَتْ عَنْهُ سَحَائِبُ الْعَمَى أَحْصَى مَا ظَلَمَ بِهِ نَفْسَهُ، وَفَكَّرَ فِيمَا خَالَفَ بِهِ رَبَّهُ، فَرَأى كَبِيْرَ عِصْيَانِهِ كَبِيْراً، وَجَلِيل مُخالفَتِهِ جَلِيْلاً، فَأَقْبَلَ نَحْوَكَ مُؤَمِّلاً لَكَ، مُسْتَحْيِيَاً مِنْكَ ...

أللَّهُمَّ إنِّي أَتُـوبُ إلَيْـكَ فِي مَقَامِي هَذَا مِنْ كَبَائِرِ ذُنُوبِي وَصَغَائِرِهَا وَبَوَاطِنِ سَيِّئآتِي وَظَوَاهِرِهَا، وَسَوالِفِ زَلاَّتِي وَحَوَادِثِهَا، تَوْبَةَ مَنْ لا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِمَعْصِيَة، وَلاَ يُضْمِرُ أَنْ يَعُودَ فِي خَطِيئَة، وَقَدْ قُلْتَ يَا إلهِي فِي مُحْكَمِ كِتابِكَ إنَّكَ تَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِكَ، وَتَعْفُو عَنِ السَّيِّئآتِ، وَتُحِبُّ التَّوَّابِينَ، فَاقْبَلْ تَوْبَتِي كَمَا وَعَدْتَ وَأعْفُ عَنْ سَيِّئآتِي كَمَا ضَمِنْتَ...

أللَّهُمَّ إنْ يَكُنِ النَّدَمُ تَوْبَةً إلَيْكَ فَأَنَا أَنْدَمُ اْلنَّادِمِينَ، وَإنْ يَكُنِ التَّرْكُ لِمَعْصِيَتِكَ إنَابَةً فَأَنَا أَوَّلُ الْمُنِيبينَ، وَإنْ يَكُنِ الاسْتِغْفَارُ حِطَّةً لِلذُّنُوبِ فَإنَي لَكَ مِنَ الْمُسْتَغْفِرِينَ. اللَّهُمَّ فَكَمَا أَمَرْتَ بِالتَّوْبَةِ وَضَمِنْتَ الْقَبُولَ وَحَثَثْتَ عَلَى الدُّعَـآءِ وَوَعَدْتَ الاجَابَةَ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدِ وَآلِهِ وَاقْبَلْ تَوْبَتِي وَلاَ تَرْجِعْني مَرجَعَ الغَيبَةِ منْ رَحْمَتِك إنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ عَلَى الْمُذْنِبِينَ، وَالرَّحِيمُ لِلْخَاطِئِينَ الْمُنِيبِينَ ...


الدعاءُ الثاني والثلاثون : دعاؤُهُ في صلاةِ الليلِ

أَللَّهُمَّ يَا ذَا الْمُلْكِ الْمُتأبِّدِ بِالْخُلُودِ وَالْسُلْطَانِ الْمُمْتَنِعِ بِغَيْرِ جُنُود وَلاَ أَعْوَان، وَالْعِزِّ الْبَاقِي عَلَى مَرِّ الدُّهُورِ، وَخَوَالِي الاَعْوَامِ، وَمَوَاضِي الاَزْمَانِ وَالايَّامِ، عَزَّ سُلْطَانُكَ عِزّاً لا حَدَّ لَهُ بِأَوَّلِيَّة وَلاَ مُنْتَهَى لَهُ بِآخِرِيَّة، وَاسْتَعْلَى مُلْكُكَ عُلُوّاً سَقَطَتِ الاشْيَاءُ دُونَ بُلُوغِ أَمَدِهِ وَلاَ يَبْلُغُ أَدْنَى مَا اسْتَأثَرْتَ بِـهِ مِنْ ذَلِكَ أَقْصَى نَعْتِ النَّـاعِتِينَ. ضَلَّتْ فِيْـكَ الصِّفَاتُ وَتَفَسْخَتْ دُونَكَ النُّعُوتُ وَحَارَتْ فِي كِبْرِيِائِكَ لَطَائِفُ الاوْهَامِ، كَذلِكَ أَنْتَ اللهُ الاَوَّلُ فِي أَوَّلِيَّتِكَ ...

وَهَذَا مَقَامُ مَنِ اسْتَحْيَى لِنَفْسِهِ مِنْكَ، وَسَخِطَ عَلَيْهَا، وَرَضِيَ عَنْكَ فَتَلَقَّاكَ بِنَفْس خَاشِعَة، وَرَقَبَة خَاضِعَة، وَظَهْر مُثْقَل مِنَ الْخَطَايَا وَاقِفاً بَيْنَ الرَّغْبَةِ إلَيْكَ وَالرَّهْبَةِ مِنْكَ، وَأَنْتَ أَوْلَى مَنْ رَجَـاهُ، وَأَحَقُّ مَنْ خَشِيَـهُ وَاتّقـاهُ، فَاعْطِنِي يَا رَبِّ مَا رَجَوْتُ، وَأمِنِّي مَا حَذِرْتُ، وَعُدْ عَلَيَّ بِعَائِدَةِ رَحْمَتِكَ إنَّكَ أكْرَمُ الْمَسْؤُولِينَ ...

الدعاءُ الثالث والثلاثون : دعاؤُهُ في الاستخارةِ

أَللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ وَاقْضِ لِيْ بِالْخِيْرَةِ وَأَلْهِمْنَا مَعْرِفَةَ الاخْتِيَارِ، وَاجْعَلْ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلَى الرِّضَا بِمَا قَضَيْتَ لَنَا وَالتَّسْلِيْمِ لِمَا حَكَمْتَ. فَأزِحْ عَنَّا رَيْبَ الارْتِيَابِ، وَأَيِّدْنَا بِيَقِينِ الْمُخْلِصِينَ، وَلاَ تَسُمْنَا عَجْزَ الْمَعْرِفَةِ عَمَّا تَخَيَّرْتَ، فَنَغْمِطَ قَدْرَكَ، وَنَكْرَهَ مَوْضِعَ رِضَاكَ، وَنَجْنَحَ إلَى الَّتِي هِيَ أَبْعَدُ مِنْ حُسْنِ الْعَاقِبَةِ وَأَقْرَبُ إلَى ضِدِّ الْعَافِيَةِ .

الدعاءُ الرابع والثلاثون : دعاؤُهُ إذا ابتلي أو رأى مبتلىً بفضيحة أو بذنب

أَللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى سِتْرِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ ، وَمُعَافَاتِكَ بَعْدَ خُبْرِكَ ، فَكُلُّنَا قَدِ اقْتَرَفَ الْعَائِبَةَ فَلَمْ تَشْهَرْهُ ، وَارْتَكَبَ الْفَاحِشَةَ فَلَم تَفْضَحْهُ وَتَسَتَّـرَ بِالْمَسَاوِي فَلَمْ تَدْلُلْ عَلَيْهِ، كَمْ نهْي لَكَ قَدْ أَتَيْنَاهُ، وَأَمْر قَدْ وَقَفْتَنَا عَلَيْهِ فَتَعَدَّيْنَاهُ، وَسَيِّئَة اكْتَسَبْنَاهَا، وَخَطِيئَة ارْتَكَبْنَـاهَا، كُنْتَ الْمُطَّلِعَ عَلَيْهَا دُونَ النَّاظِرِينَ، وَالْقَادِرَ عَلَى إعْلاَنِهَا فَوْقَ الْقَادِرِينَ، كَانَتْ عَافِيَتُكَ لَنَا حِجَاباً دُونَ أَبْصَارِهِمْ، وَرَدْماً دُونَ أَسْمَاعِهِمْ، فَاجْعَلْ مَا ستَرْتَ مِنَ الْعَوْرَةِ، وَأَخْفَيْتَ مِنَ الدَّخِيلَةِ وَاعِظاً لَنَا ...


الدعاءُ الخامس والثلاثون : دعاؤُهُ في الرضا بالقضاء

أللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد ، وَآلِـهِ وَطَيِّبْ بِقَضَائِـكَ نَفْسِي وَوَسِّعْ بِمَـواقِعِ حُكْمِكَ صَدْرِي وَهَبْ لِي الثِّقَةَ لاُِقِرَّ مَعَهَا بِأَنَّ قَضَاءَكَ لَمْ يَجْرِ إلاَّ بِالْخِيَرَةِ وَاجْعَلْ شُكْرِي لَكَ عَلَى مَا زَوَيْتَ عَنّي أَوْفَرَ مِنْ شُكْرِي إيَّاكَ عَلَى مَا خَوَّلْتَنِي وَاعْصِمْنِي مِن أنْ أظُنَّ بِذِي عَدْم خَسَاسَةً، أَوْ أَظُنَّ بِصَاحِبِ ثَرْوَة فَضْلاً، فَإنَّ الشَّرِيفَ مَنْ شَرَّفَتْهُ طَاعَتُكَ، وَالْعَزِيزَ مَنْ أَعَزَّتْهُ عِبَادَتُكَ ...

الدعاءُ السادس والثلاثون : دعاؤُهُ عند سماعِ الرَّعدِ

... أللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا نَفْعَ هَذِهِ السَّحَائِبِ وَبَرَكَتَهَا، وَاصْرِفْ عَنَّا أَذَاهَا وَمَضَرَّتَهَا، وَلا تُصِبْنَا فِيْهَا بآفَة، وَلا تُرْسِلْ عَلَى مَعَايِشِنَا عَاهَةً. أللَّهُمَّ وَإنْ كُنْتَ بَعَثْتَهَا نَقِمَةً وَأَرْسَلْتَهَا سَخْطَةً فَإنَّا نَسْتَجِيْرُكَ مِنْ غَضَبِكَ، وَنَبْتَهِلُ إلَيْكَ فِي سُؤَالِ عَفْوِكَ، فَمِلْ بِالْغَضَبِ إلَى الْمُشْـركِينَ، وَأَدِرْ رَحَى نَقِمَتِـكَ عَلَى الْمُلْحِـدينَ ...

الدعاءُ السابع والثلاثون : دعاؤُهُ في الشُّكرِ

... فَمَنْ أكْرَمُ مِنْكَ يَا إلهِي، وَمَنْ أَشْقَى مِمَّنْ هَلَكَ عَلَيْـكَ، لا ، مَنْ؟ فَتَبَارَكْتَ أَنْ تُوصَفَ إلاّ بِالاحْسَانِ، وَكَـرُمْتَ أَنْ يُخَافَ مِنْكَ إلاّ الْعَدْلُ، لا يُخْشَى جَوْرُكَ عَلَى مَنْ عَصَاكَ، وَلاَ يُخَافُ إغْفَالُكَ ثَوَابَ مَنْ أَرْضَاكَ. فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ وَهَبْ لِىْ أَمَلِي، وَزِدْنِي مِنْ هُدَاكَ مَا أَصِلُ بِهِ إلَى التَّوْفِيقِ فِي عَمَلِي، إنَّكَ مَنَّانٌ كَرِيمٌ .

الدعاءُ الثامن والثلاثون : دعاؤُهُ في الاعتذارِ

أَللَّهُمَّ إنِّي أَعْتَـذِرُ إلَيْـكَ مِنْ مَـظْلُوم ظُلِمَ بِحَضْرَتِي فَلَمْ أَنْصُرْهُ، وَمِنْ مَعْرُوف اُسْدِيَ إلَيَّ فَلَمْ أَشْكُرْهُ، وَمِنْ مُسِيء أعْتَذَرَ إلَيَّ فَلَمْ أَعْذِرْهُ، وَمِنْ ذِيْ فَاقَة سَأَلَنِي فَلَمْ اُوثِرْهُ، وَمِنْ حَقِّ ذي حَقٍّ لَزِمَنِي لِمُؤْمِن فَلَمْ أوَفِّـرْهُ، وَمِنْ عَيْبِ مُؤْمِن ظَهَر لِي فَلَمْ أَسْتُرْهُ، وَمِنْ كُلِّ إثْم عَرَضَ لِيْ فَلَمْ أَهْجُرْهُ ...

الدعاءُ التاسع والثلاثون : دعاؤُهُ في طلب العفو

أللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَوْهِبُكَ يَا إلهِي مَا لا يَنْقُصُكَ بَذْلُهُ، وَأَسْتَحْمِلُكَ مَا لا يَبْهَظُكَ حَمْلُهُ، أَسْتَوْهِبُكَ يَا إلهِي نَفْسِيَ الَّتِيْ لَمْ تَخْلُقْهَا لِتَمْتَنِعَ بِهَا مِنْ سُوء، أَوْ لِتَطَرَّقَ بِهَا إلى نَفْع، وَلكِنْ أَنْشَأتَهَا إثْبَاتاً لِقُدْرَتِكَ عَلَى مِثْلِهَا، وَاحْتِجَاجاً بِهَا عَلَى شَكْلِهَا، وَأَسْتَحْمِلُكَ مِنْ ذُنُوبِي مَا قَدْ بَهَظَنِي حَمْلُهُ، وَأَسْتَعِينُ بِكَ عَلَى مَا قَدْ فَدَحَنِي ثِقْلُهُ ...


الدعاءُ الأربعون : دعاؤُهُ عند ذكرِ الموتِ

أَللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَاكْفِنَا طُـولَ الامَـلِ، وَقَصِّرْهُ عَنَّا بِصِدْقِ الْعَمَلِ حَتَّى لا نُأَمِّلَ اسْتِتْمَامَ سَاعَة بَعْدَ سَاعَة وَلاَ اسْتِيفَاءَ يَوْم بَعْدَ يَوْم، وَلاَ اتِّصَالَ نَفَس بِنَفَس، وَلا لُحُـوقَ قَدَم بِقَـدَم. وَسَلِّمْنَا مِنْ غُرُورِهِ، وَآمِنَّـا مِنْ شُـرُوْرِهِ، وَانْصِبِ المَوْتَ بَيْنَ أَيْدِينَا نَصْباً، وَلاَ تَجْعَلْ ذِكْرَنَا لَهُ غِبّاً ...

الدعاءُ الحادي والأربعون : دعاؤُهُ في طلب السَّترِ والوقايةِ

أَللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَأَفْرِشْنِي مِهَادَ كَـرَامَتِـكَ، وَأَوْرِدْنِي مَشَارِعَ رَحْمَتِـكَ، وَأَحْلِلْنِي بُحْبُوحَةَ جَنَّتِكَ، وَلاَ تَسُمْنِي بِالرَّدِّ عَنْكَ، وَلا تَحْرِمْنِي بِـالْخَيْبَةِ مِنْـكَ، وَلاَ تُقَاصَّنِي بِمَـا اجْتَرَحْتُ، وَلاَ تُنَاقِشْنِي بِمَا اكْتَسَبْتُ، وَلا تُـبْرِزْ مَكْتُوْمِي، وَلاَ تَكْشِفْ مَسْتُورِي، وَلاَ تَحْمِلْ عَلَى مِيزانِ الانْصَافِ عَمَلِي، وَلاَ تُعْلِنْ عَلَى عُيُونِ الْمَلاَ خَبَـرِي ...

الدعاءُ الثاني والأربعون : دعاؤُهُ عند ختمهِ القرآنَ

أَللَّهُمَّ إنَّكَ أَعَنْتَنِي عَلَى خَتْمِ كِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَهُ نُوراً وَجَعَلْتَهُ مُهَيْمِناً عَلَى كُلِّ كِتَاب أَنْزَلْتَهُ، وَفَضَّلْتَهُ عَلَى كُلِّ حَدِيث قَصَصْتَهُ، وَفُرْقاناً فَرَقْتَ بِهِ بَيْنَ حَلالِكَ وَحَرَامِكَ، وَقُرْآناً أَعْرَبْتَ بِهِ عَنْ شَرَائِعِ أَحْكَامِكَ، وَكِتَاباً فَصَّلْتَهُ لِعِبَادِكَ تَفْصِيلاً، وَوَحْياً أَنْزَلْتَهُ عَلَى نَبِيِّكَ مُحَمَّد صَلَوَاتُكَ عَلَيْهِ وَآلِهِ تَنْزِيلاً، وَجَعَلْتَهُ نُوراً نَهْتَدِي مِنْ ظُلَمِ الضَّلاَلَةِ وَالْجَهَـالَةِ بِـاتِّبَاعِـهِ، وَشِفَـآءً لِمَنْ أَنْصَتَ بِفَهْم التَّصْدِيقِ إلَى اسْتِمَاعِهِ ...

أللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِـهِ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يَعْتَصِمُ بِحَبْلِهِ، وَيَـأْوِي مِنَ الْمُتَشَـابِهَاتِ إلَى حِـرْزِ مَعْقِلِهِ، وَيَسْكُنُ فِي ظِـلِّ جَنَاحِهِ، وَيَهْتَدِي بِضَوْءِ صَاحِبِهِ، وَيَقْتَدِي بِتَبَلُّج إسْفَارِهِ، وَيَسْتَصْبحُ بِمِصْباحِهِ، وَلا يَلْتَمِسُ ألْهُدَى فِي غَيْرِهِ ...

أَللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ واجْعَلِ القُرْآنَ لنا فِي ظُلَمِ اللَّيالِي مُونِساً وَمِنْ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ وَخَطَرَاتِ الْوَسَاوِسِ حَارِساً، وَلاقْدَامِنَا عَنْ نَقْلِهَا إلَى الْمَعَاصِيْ حَابِساً، وَلاِلْسِنَتِنَا عَنِ الْخَوْضِ فِي الباطِلِ مِنْ غَيْرِ مَا آفَة مُخْرِساً، وَلِجَوَارِحِنَا عَنِ اقْتِرَافِ الاثامِ زَاجِراً، وَلِمَا طَوَتِ الغَفْلَةُ عَنَّا مِنْ تَصَفُّحِ الاعْتِبَارِ نَاشِراً حَتَّى تُوصِلَ إلَى قُلُوبِنَا فَهْمَ عَجَائِبِهِ وَزَوَاجِرَ أَمْثَـالِهِ الَّتِي ضَعُفَتِ الْجِبَالُ الرَّوَاسِي عَلَى صَلاَبَتِهَا عَنِ احْتِمَالِهِ ...


الدعاءُ الثالث والأربعون : دعاؤُهُ إذا نظرَ إلى الهلالِ

أيُّهَا الْخَلْقُ الْمُطِيعُ الدَّائِبُ السَّرِيعُ الْمُتَرَدِّدُ فِي مَنَازِلِ التَّقْدِيْرِ، الْمُتَصَرِّفُ فِي فَلَكِ التَّدْبِيرِ، آمَنْتُ بِمَنْ نَوَّرَ بِكَ الظُّلَمَ، وَأَوْضَحَ بِـكَ الْبُهَمَ، وَجَعَلَكَ آيَةً مِنْ آياتِ مُلْكِهِ، وَعَلاَمَةً مِنْ عَلاَمَاتِ سُلْطَانِهِ، وَامْتَهَنَكَ بِالزِّيادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَالطُّلُوعِ وَالاُفُولِ، وَالاِنارَةِ وَالْكُسُوفِ، فِي كُلِّ ذلِكَ أَنْتَ لَهُ مُطِيعٌ وَإلى إرَادَتِهِ سَرِيعٌ ...

الدعاءُ الرابع والأربعون : دعاؤُهُ لدخولِ شهرِ رمضانَ

... وَالْحَمْدُ للهِ الَّذِي حَبَانَا بِدِينِهِ، وَاخْتَصَّنَا بِمِلَّتِهِ، وَسَبَّلَنَا فِي سُبُلِ إحْسَانِهِ، لِنَسْلُكَهَا بِمَنِّهِ إلَى رِضْوَانِهِ، حَمْدَاً يَتَقَبَّلُهُ مِنَّا، وَيَرْضَى بِهِ عَنَّا. وَالْحَمْدُ لِلّه الَّذِي جَعَلَ مِنْ تِلْكَ السُّبُلِ شَهْرَهُ شَهْرَ رَمَضَانَ، شَهْرَ الصِّيَامِ، وَشَهْرَ الاِسْلاَم، وَشَهْرَ الطَّهُورِ، وَشَهْرَ التَّمْحِيْصِ، وَشَهْرَ الْقِيَامِ، الَّذِي أُنْزِلَ فِيْهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ، وَبَيِّنَات مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقَانِ ...

أللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ هَذَا الشَّهْرِ، وَبِحَقِّ مَنْ تَعَبَّدَ لَكَ فِيهِ مِنِ ابْتِدَائِهِ إلَى وَقْتِ فَنَائِهِ مِنْ مَلَك قَرَّبْتَهُ أَوْ نَبِيٍّ أَرْسَلْتَهُ أَوْ عَبْد صَالِح اخْتَصَصْتَهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَأَهِّلْنَا فِيهِ لِمَا وَعَدْتَ أَوْلِياءَكَ مِنْ كَرَامَتِكَ، وَأَوْجِبْ لَنَا فِيهِ مَا أَوْجَبْتَ لاِهْلِ الْمُبَالَغَةِ فِي طَاعَتِكَ، وَاجْعَلْنَا فِي نَظْمِ مَنِ اسْتَحَقَّ الرَّفِيْعَ الاعْلَى بِرَحْمَتِكَ ...

الدعاءُ الخامس والأربعون : دعاؤُهُ لوَداع شهرِ رمضانَ

أللَّهُمَّ وَأَنْتَ جَعَلْتَ مِنْ صَفَـايَـا تِلْكَ الْوَظَائِفِ وَخَصَائِصِ تِلْكَ الْفُرُوضِ شَهْرَ رَمَضَانَ الَّذِي اخْتَصَصْتَهُ مِنْ سَائِرِ الشُّهُورِ، وَتَخَيَّرْتَهُ مِن جَمِيعِ الازْمِنَةِ وَالدُّهُورِ، وَآثَرْتَهُ عَلَى كُلِّ أَوْقَاتِ السَّنَةِ بِمَا أَنْزَلْتَ فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَالنُّورِ، وَضَاعَفْتَ فِيهِ مِنَ الايْمَانِ، وَفَرَضْتَ فِيْهِ مِنَ الصِّيَامِ، وَرَغَّبْتَ فِيهِ مِنَ القِيَامِ، وَأَجْلَلْتَ فِيهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر، ثُمَّ آثَرْتَنَا بِهِ عَلَى سَائِرِ الاُمَمِ وَاصْطَفَيْتَنَا بِفَضْلِهِ دُوْنَ أَهْلِ الْمِلَلِ، فَصُمْنَا بِأَمْرِكَ نَهَارَهُ، وَقُمْنَا بِعَوْنِكَ لَيْلَهُ مُتَعَرِّضِينَ بِصِيَامِهِ وَقِيَامِهِ لِمَا عَرَّضْتَنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِـكَ، وَتَسَبَّبْنَا إلَيْـهِ مِنْ مَثُوبَتِكَ، وَأَنْتَ الْمَليءُ بِمَا رُغِبَ فِيهِ إلَيْكَ، الْجَوَادُ بِمـا سُئِلْتَ مِنْ فَضْلِكَ، الْقَـرِيبُ إلَى مَنْ حَـاوَلَ قُرْبَكَ، وَقَدْ أَقَامَ فِينَا هَذَا الشَّهْرُ مَقَامَ حَمْد وَصَحِبَنَا صُحْبَةَ مَبْرُور، وَأَرْبَحَنَا أَفْضَلَ أَرْبَاحِ الْعَالَمِينَ، ثُمَّ قَدْ فَارَقَنَا عِنْدَ تَمَامِ وَقْتِهِ وَانْقِطَاعِ مُدَّتِهِ وَوَفَاءِ عَدَدِهِ، فَنَحْنُ مُوَدِّعُوهُ وِدَاعَ مَنْ عَزَّ فِرَاقُهُ عَلَيْنَا ...


الدعاءُ السادس والأربعون : دعاؤُهُ لعيدِ الفطرِ والجُمعة

يَا مَنْ يَرْحَمُ مَنْ لا يَرْحَمُهُ الْعِبَادُ. وَيَا مَنْ يَقْبَلُ مَنْ لا تَقْبَلُهُ الْبِلاَدُ. وَيَا مَن لاَ يَحْتَقِرُ أَهْلَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ. وَيَا مَنْ لا يُخَيِّبُ الملِحِّيْنَ عَلَيْـهِ، وَيَا مَنْ لاَ يَجْبَهُ بِالرَّدِّ أَهْلَ الدَّالَّةِ عَليهِ، وَيَا مَنْ يَجْتَبِي صَغِيرَ مَايُتْحَفُ بِهِ، وَيَشْكُرُ يَسِيرَ مَا يُعْمَلُ لَهُ. وَيَامَنْ يَشْكُرُ عَلَى الْقَلِيْلِ، وَيُجَازيْ بِالْجَلِيلِ، وَيَا مَنْ يَدْنُو إلَى مَنْ دَنا مِنْهُ وَيَا مَنْ يَدعُو إلَى نَفْسِهِ مَنْ أَدْبَرَ عَنْهُ، وَيَا مَنْ لا يُغَيِّرُ النِّعْمَةَ، وَلا يُبَادِرُ بِالنَّقِمَةِ، وَيَا مَنْ يُثْمِرُ الْحَسَنَةَ حَتَّى يُنْمِيَهَا، وَيَتَجَاوَزُ عَنِ السَّيِّئَةِ حَتَّى يُعَفِّيَهَا. انْصَرَفَتِ الامَالُ دُونَ مَدى كَرَمِكَ بِالحَاجَاتِ وَامْتَلاَتْ بِفَيْضِ جُودِكَ أَوْعِيَةُ الطَّلِبات ...

الدعاءُ السابع والأربعون : دعاؤُهُ في يوم عرفة

... أَنْتَ الَّذِي أَحْصَيْتَ كُلَّ شَيْء عَدَدَاً، وَجَعَلْتَ لِكُلِّ شَيْء أَمَداً، وَقَدَّرْتَ كُلَّ شَيْء تَقْدِيْراً. أَنْتَ الَّذِي قَصُرَتِ الاوْهَامُ عَنْ ذَاتِيَّتِكَ، وَعَجَزَتِ الافْهَامُ عَنْ كَيْفِيَّتِكَ ، وَلَمْ تُدْرِكِ الابْصَارُ مَوْضِعَ أَيْنِيَّتِكَ(١) . أَنْتَ الَّذِي لا تُحَدُّ فَتَكُونَ مَحْدُوداً، وَلَمْ تُمَثَّلْ فَتَكُونَ مَوْجُوداً، وَلَمْ تَلِدْ فَتَكُونَ مَوْلُوداً. أَنْتَ الَّذِي لا ضِدَّ مَعَكَ فَيُعَانِدَكَ، وَلا عِدْلَ(٢) فَيُكَاثِرَكَ، وَلاَ نِدَّ لَكَ فَيُعَارِضَكَ. أَنْتَ الَّـذِي ابْتَدَأ وَاخْتَـرَعَ وَاسْتَحْدَثَ وَابْتَـدَعَ وَأَحْسَنَ صُنْعَ مَا صَنَعَ، سُبْحانَكَ! مَا أَجَلَّ شَأنَكَ ...

رَبِّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد الْمُنْتَجَبِ، الْمُصْطَفَى، الْمُكَرَّمِ، الْمُقَرَّبِ، أَفْضَلَ صَلَوَاتِكَ، وَبارِكْ عَلَيْهِ أَتَمَّ بَرَكاتِكَ، وَتَرَحَّمْ عَلَيْهِ أَمْتَعَ رَحَمَاتِكَ ...

رَبِّ صَلِّ عَلَى أَطَائِبِ أَهْلِ بَيْتِهِ الَّذِينَ اخْتَرْتَهُمْ لاَِمْرِكَ، وَجَعَلْتَهُمْ خَزَنَةَ عِلْمِكَ، وَحَفَظَةَ دِيْنِكَ، وَخُلَفَآءَكَ فِي أَرْضِكَ، وَحُجَجَكَ عَلَى عِبَادِكَ، وَطَهَّرْتَهُمْ مِنَ الرِّجْسِ وَالدَّنَسِ تَطْهِيراً بِإرَادَتِكَ، وَجَعَلْتَهُمْ الْوَسِيْلَةَ إلَيْكَ وَالْمَسْلَكَ إلَى جَنَّتِكَ ...

أللَّهُمَّ هَذَا يَوْمُ عَرَفَةَ، يَوْمٌ شَرَّفْتَهُ وَكَرَّمْتَهُ وَعَظَّمْتَهُ، نَشَرْتَ فِيهِ رَحْمَتَكَ، وَمَنَنْتَ فِيهِ بِعَفْوِكَ وَأَجْزَلْتَ فِيهِ عَطِيَّتَكَ، وَتَفَضَّلْتَ بِهِ عَلَى عِبَادِكَ ...

ــــــــــــــــ

(١) أينيتك : محلك ، أي أين أنت .

(٢) العدل : هو المعادل أو المماثل .


اجْعَلْ هَيْبَتِي في وَعِيدِكَ، وَحَذَرِي مِنْ إعْذارِكَ وَإنْذَارِكَ، وَرَهْبَتِي عِنْدَ تِلاَوَةِ آياتِكَ، وَاعْمُرْ لَيْلِي بِإيقَاظِي فِيهِ لِعِبَادَتِكَ، وَتَفَرُّدِي بِالتَّهَجُّدِ لَكَ، وَتَجَرُّدِي بِسُكُونِي إلَيْكَ، وَإنْزَالِ حَوَائِجِي بِكَ، وَمُنَازَلَتِي إيَّاكَ فِي فَكَاكِ رَقَبَتِي مِنْ نَارِكَ، وَإجَارَتِي مِمَّا فِيهِ أَهْلُهَا مِنْ عَذَابِكَ. وَلاَ تَذَرْنِي فِي طُغْيَانِي عَامِهاً، وَلاَ فِي غَمْرَتِي سَاهِياً حَتَّى حِين، وَلاَ تَجْعَلْنِي عِظَةً لِمَنِ اتَّعَظَ، وَلاَ نَكَالاً لِمَنِ اعْتَبَرَ ...

الدعاءُ الثامن والأربعون : دعاؤُهُ في يوم الأضحى والجُمعة

أللَّهُمَّ هَذَا يَوْمٌ مُبَارَكٌ مَيْمُونٌ، وَالمُسْلِمُونَ فِيْهِ مُجْتَمِعُونَ فِي أَقْطَارِ أَرْضِكَ، يَشْهَدُ السَّائِلُ مِنْهُمْ وَالطَّالِبُ وَالرَّاغِبُ وَالرَّاهِبُ، وَأَنْتَ النَّاظِرُ فِي حَوَائِجِهِمْ، فَأَسْأَلُكَ بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ وَهَوَانِ مَا سَأَلْتُكَ عَلَيْكَ، أَنْ تُصَلِّىَ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ ...

أللَّهُمَّ إلَيْكَ تَعَمَّدْتُ بِحَاجَتِي، وَبِكَ أَنْزَلْتُ اليَوْمَ فَقْرِي وَفاقَتِي وَمَسْكَنَتِي، وَإنِّي بِمَغْفِرَتِكَ وَرَحْمَتِكَ أَوْثَقُ مِنِّيَ بِعَمَلِي، وَلَمَغْفِرَتُكَ وَرَحْمَتُكَ أَوْسَعُ مِنْ ذُنُوبِي. فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد وَتَوَلَّ قَضَآءَ كُلِّ حَاجَة هِيَ لِيَ بِقُدْرَتِكَ عَلَيْهَا، وَتَيْسِيرِ ذالِكَ عَلَيْكَ، وَبِفَقْرِي إلَيْكَ، وَغِنَاكَ عَنِّي; فَإنِّي لَمْ أُصِبْ خَيْراً قَطُّ إلاّ مِنْكَ، وَلَمْ يَصْرِفْ عَنِّي سُوءاً قَطُّ أَحَدٌ غَيْرُكَ ...

الدعاءُ التاسع والأربعون : دعاؤُهُ في دفعِ كيدِ الأعداءِ

إلهِي هَدَيْتَنِي فَلَهَوْتُ، وَوَعَظْتَ فَقَسَوْتُ، وَأَبْلَيْتَ الْجَمِيلَ فَعَصَيْتُ، ثُمَّ عَرَفْتُ مَا أَصْدَرْتَ؟ إذْ عَرَّفْتَنِيهِ فَاسْتَغْفَرْتُ، فَأَقَلْتَ فَعُدتُ، فَسَتَرْتَ فَلَكَ إلهِي الْحَمْدُ. تَقَحَّمْتُ أَوْدِيَةَ الْهَلاَكِ، وَحَلَلْتُ شِعَابَ تَلَف تَعَرَّضْتُ فِيهَا لِسَطَوَاتِكَ، وَبِحُلُولِهَا عُقُوبَاتِكَ، وَوَسِيلَتِي إلَيْكَ التَّوْحِيدُ، وَذَرِيْعَتِي أَنِّي لَمْ أُشْرِكْ بِكَ شَيْئاً، وَلَمْ أَتَّخِذْ مَعَكَ إلهاً، وَقَدْ فَرَرْتُ إلَيْكَ بِنَفْسِي، وَإلَيْكَ مَفَرُّ الْمُسِيءِ، وَمَفْزَعُ الْمُضَيِّعِ لِحَظِّ نَفْسِهِ ...

الدعاءُ الخمسون : دعاؤُهُ في الرهبة

أَللَّهُمَّ إنَّكَ خَلَقْتَنِي سَوِيّاً، وَرَبَّيْتَنِي صَغِيراً، وَرَزَقْتَنِي مَكْفِيّاً. أَللَّهُمَّ إنِّي وَجَدْتُ فِيمَا أَنْزَلْتَ مِنْ كِتَابِكَ، وَبَشَّرْتَ بِهِ عِبَادِكَ، أَنْ قُلْتَ: (يا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً) وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنِّي مَا قَدْ عَلِمْتَ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، فَيَا سَوْأَتا مِمَّا أَحْصَاهُ عَلَيَّ كِتَابُكَ، فَلَوْلاَ الْمَوَاقِفُ الَّتِي أُؤَمِّلُ مِنْ عَفْوِكَ الَّذِي شَمِلَ كُلَّ شَيْء لاَلْقَيْتُ بِيَدِي، وَلَوْ أَنَّ أَحَداً اسْتَطاعَ الْهَرَبَ مِنْ رَبِّهِ لَكُنْتُ أَنَا أَحَقُّ بِالهَرَبِ، وَأَنْتَ لاَ تَخْفَى عَلَيْكَ خَافِيَةٌ فِي الاَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَآءِ إلاَّ أَتَيْتَ بِهَا، وَكَفى بِكَ جَازِياً، وَكَفى بِكَ حَسِيباً ...


الدعاءُ الحادي والخمسون : دعاؤُهُ في التَضَرُّعِ والاستكانةِ

... إلهِي مَا وَجَدْتُكَ بَخِيلاً حِينَ سَأَلْتُكَ، وَلاَ مُنْقَبِضاً حِينَ أَرَدْتُكَ، بل وَجَدْتُكَ لِدُعَآئِي سَامِعاً، وَلِمَطَالِبِي مُعْطِياً، وَوَجَدْتُ نُعْمَاكَ عَلَيَّ سَابِغَةً، فِي كُلِّ شَأْن مِنْ شَأْنِي، وَكُلِّ زَمَان مِنْ زَمَانِي، فَأَنْتَ عِنْدِي مَحْمُودٌ، وَصَنِيعُكَ لَدَيَّ مَبْرُورٌ، تَحْمَدُكَ نَفْسِي وَلِسَانِيْ وَعَقْلِي حَمْداً يَبْلُغُ الوَفَآءَ وَحَقِيقَةَ الشُّكْرِ، حَمْداً يَكُونُ مَبْلَغَ رِضَاكَ عَنِّي، فَنَجِّنِي مِنْ سَخَطِكَ يَا كَهْفِي حِينَ تُعْيينِي الْمَذَاهِبُ، وَيَا مُقيلِي عَثْرَتِي، فَلَوْلاَ سَتْرُكَ عَوْرَتِي لَكُنْتُ مِنَ الْمَفْضُوحِينَ ...

الدعاءُ الثاني والخمسون : دعاؤُهُ في الالحاحِ على الله تعالى

يَا أَللهُ الَّذِي لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الاَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَآءِ، وَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْكَ يَا إلهِي مَا أَنْتَ خَلَقْتَهُ؟ وَكَيْفَ لاَ تُحْصِي مَا أَنْتَ صَنَعْتَهُ؟ أَوْ كَيْفَ يَغِيبُ عَنْكَ مَا أَنْتَ تُدَبِّرُهُ؟ أَوْ كَيْفَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَهْرُبَ مِنْكَ مَنْ لاَ حَياةَ لَهُ إلاَّ بِرِزْقِكَ؟ أَوْ كَيْفَ يَنْجُو مِنْكَ مَنْ لاَ مَذْهَبَ لَهُ فِي غَيْرِ مُلْكِكَ؟ سُبْحَانَكَ! أَخْشى خَلْقِكَ لَكَ أَعْلَمُهُمْ بِكَ، وَأَخْضَعُهُمْ لَكَ أَعْمَلُهُمْ بِطَاعَتِكَ، وَأَهْوَنُهُمْ عَلَيْكَ مَنْ أَنْتَ تَرْزُقُهُ وَهُوَ يَعْبُدُ غَيْرَكَ، سُبْحَانَكَ! لاَ يُنْقِصُ سُلْطَانَكَ مَنْ أَشْرَكَ بِكَ، وَكَذَّبَ رُسُلَكَ، وَلَيْسَ يَسْتَطِيعُ مَنْ كَرِهَ قَضَآءَكَ أَنْ يَرُدَّ أَمْرَكَ ...

الدعاءُ الثالث والخمسون : دعاؤُهُ في التذلُّل للهِ عزّ وجلّ

رَبِّ أَفْحَمَتْنِيْ ذُنُوبِي، وَانْقَطَعَتْ مَقَالَتِي، فَلاَ حُجَّةَ لِي، فَأَنَا الاَسِيرُ بِبَلِيَّتِي، الْمُرْتَهَنُ بِعَمَلِي، الْمُتَرَدِّدُ فِي خَطِيئَتِي، الْمُتَحَيِّرُ عَنْ قَصْدِي، الْمُنْقَطَعُ بِي، قَدْ أَوْقَفْتُ نَفْسِي مَوْقِفَ الاَذِلاَّءِ الْمُذْنِبِينَ، مَوْقِفَ الاَشْقِيآءِ الْمُتَجَرِّينَ عَلَيْكَ، الْمُسْتَخِفِّينَ بِوَعْدِكَ. سُبْحَانَكَ! أَيَّ جُرْأَة اجْتَرَأْتُ عَلَيْكَ؟ وَأَيَّ تَغْرِير غَرَّرْتُ بِنَفْسِي مَوْلاَيَ إرْحَمْ كَبْوَتِيْ لِحُرِّ وَجْهِي، وَزَلَّةَ قَدَمِي، وَعُدْ بِحِلْمِكَ عَلَى جَهْلِي، وَبِإحْسَانِكَ عَلَى إسَآءَتِي، فَأَنَا الْمُقِرُّ بِذَنْبِي، الْمُعْتَرِفُ بِخَطِيئَتِي ...

الدعاءُ الرابع والخمسون : دعاؤُهُ في استكشافِ الهمومِ

يَا فَارِجَ الْهَمِّ وَكَاشِفَ الغَمِّ، يَا رَحْمنَ الدُّنْيَا وَالاخِرَةِ وَرَحِيمَهُمَا، صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد، وَافْرُجْ هَمِّيَ، وَاكْشِفْ غَمِّيَ، يَا وَاحِدُ يَا أَحَدُ، يَا صَمَدُ، يَامَنْ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ، اعْصِمْنِي وَطَهِّرْنِي، وَاْذهِبْ بِبَلِيَّتِي ...


المناجَيات الخمسَ عشرة من كلام سيّد الساجدين

وهذه المناجات الخمس عشرة للإمام السجادعليه‌السلام اشتهرت شهرة عظيمة بين العلماء ، ودوّنها المحقق المجلسي ( ت ١١١١ هـ ) في بحار الأنوار ، وعدّها المحققون الذين حققوا في سند الصحيفة السجادية ومتنها من بنود تلك الصحيفة ، وذكرها المحقق عباس القميرحمه‌الله في مفاتيح الجنان .

الاُولى : مناجاة التائبين

بسم الله الرحمن الرحيم إلهِي أَلْبَسَتْنِي الْخَطايا ثَوْبَ مَذَلَّتِي، وَجَلَّلَنِي التَّباعُدُ مِنْكَ لِباسَ مَسْكَنَتِي، وَأَماتَ قَلْبِي عَظِيمُ جِنايَتِي، فَأَحْيِه بِتَوْبَة مِنْكَ يا أَمَلِي وَبُغْيَتِي، وَيا سُؤْلِي وَمُنْيَتِي، فَوَعِزَّتِكَ ما أَجِدُ لِذُنُوبِي سِواكَ غافِراً، وَلا أَرى لِكَسْرِي غَيْرَكَ جابِراً، وَقَدْ خَضَعْتُ بِالانابَةِ إلَيْكَ وَعَنَوْتُ بِالاسْتِكانَةِ لَدَيْكَ، فَإنْ طَرَدْتَنِي مِنْ بابِكَ فَبِمَنْ أَلُوذُ؟ وَإنْ رَدَدْتَنِي عَنْ جَنابِكَ فَبِمَنْ أَعُوذُ؟ فَواأَسَفاهُ مِنْ خَجْلَتِي وَافْتِضَاحِي، وَوالَهْفاهُ مِنْ سُوءِ عَمَلِي وَاجْتِراحِي.

أَسْأَلُكَ يا غافِرَ الذَّنْبِ الْكَبِيرِ، وَيا جابِرَ الْعَظْمِ الْكَسِيرِ، أَنْ تَهَبَ لِي مُوبِقاتِ الْجَرآئِرِ، وَتَسْتُرَ عَلَيَّ فاضِحاتِ السَّرآئِرِ، وَلا تُخْلِنِي فِي مَشْهَدِ الْقِيامَةِ مِنْ بَرْدِ عَفْوِكَ وَغَفْرِكَ، وَلا تُعْرِنِي مِنْ جَمِيلِ صَفْحِكَ وَسَتْرِكَ.

إلهِي ظَلِّلْ عَلَى ذُنُوبِي غَمامَ رَحْمَتِكَ، وَأَرْسِلْ عَلى عُيُوبِي سَحابَ رَأْفَتِكَ. إلهِي هَلْ يَرْجِعُ الْعَبْدُ الابِقُ إلاَّ إلَى مَوْلاهُ أَمْ هَلْ يُجِيرُهُ مِنْ سَخَطِهِ أَحَدٌ سِواهُ؟

إلهِي إنْ كانَ النَّدَمُ عَلَى الذَّنْب تَوْبَةً، فَإنِّي وَعِزَّتِكَ مِنَ النَّادِمِينَ، وَإنْ كَانَ الاسْتِغْفارُ مِنَ الْخَطيئَةِ حِطَّةً، فَإنِّي لَكَ مِنَ الُمُسْتَغْفِرِينَ، لَكَ الْعُتْبى حَتّى تَرْضى.


إلهِي بِقُدْرَتِكَ عَلَيَّ تُبْ عَلَيَّ، وَبِحِلْمِكَ عَنِّي اعْفُ عَنِّي، وَبِعِلْمِكَ بِي ارْفَقْ بِي. إلهِي أَنْتَ الَّذي فَتَحْتَ لِعِبادِكَ بَابَاً إلَى عَفْوِكَ سَمَّيْتَهُ التَّوْبَةَ، فَقُلْتَ: (تُوبُوا إلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحَاً)، فَما عُذْرُ مَنْ أَغْفَلَ دُخُولَ الْبابِ بَعْدَ فَتْحِهِ.

إلهِي إنْ كانَ قَبُحَ الذَّنْبُ مِنْ عَبْدِكَ فَلْيَحْسُنِ الْعَفْوُ مِنْ عِنْدِكَ. إلهِي ما أَنَا بِأَوَّلِ مَنْ عَصاكَ، فَتُبْتَ عَلَيْهِ، وَتَعَرَّضَ بِمَعْرُوفِكَ، فَجُدْتَ عَلَيْهِ، يا مُجِيبَ الْمُضْطَرِّ، يا كَاشِفَ الضُّرِّ، يا عَظِيمَ الْبِرِّ، يا عَليمَاً بِما فِي السِّرِّ، يا جَمِيلَ السِّتْرِ اسْتَشْفَعْتُ بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ إلَيْكَ، وَتَوَسَّلْتُ بِجَنابِكَ وَتَرَحُّمِكَ لَدَيْكَ، فَاسْتَجِبْ دُعآئِي، وَلا تُخَيِّبْ فِيكَ رَجآئِي وَتَقَبَّلْ تَوْبَتِي وَكَفِّرْ خَطيئَتِي، بِمَنِّكَ وَرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

المناجاة الثانية : مناجاة الشاكرين

بسم الله الرحمن الرحيم إلهِي إليْكَ أَشْكُو نَفْساً بِالسُّوءِ أَمَّارَةً، وَإلَى الْخَطيئَةِ مُبادِرَةً، وَبِمَعاصِيكَ مُولَعَةً، وَلِسَخَطِكَ مُتَعَرِّضَةً، تسْلُكُ بِي مَسالِكَ الْمَهالِكِ، وَتَجْعَلُنِي عِنْدَكَ أَهْوَنَ هالِك، كَثِيرَةَ الْعِلَلِ طَوِيلَةَ الاَمَلِ، إنْ مَسَّهَا الشَّرُّ تَجْزَعُ، وَإنْ مَسَّهَا الْخَيْرُ تَمْنَعُ، مَيَّالَةً إلَى اللَّعِبِ وَاللَّهْوِ، مَمْلُوَّةً بِالْغَفْلَةِ وَالسَّهُوِ، تُسْرِعُ بِي إلَى الْحَوْبَةِ، وَتُسَوِّفُنِي بِالتَّوْبَةِ.

إلهِي أَشْكُو إلَيْكَ عَدُوّاً يُضِلُّنِي، وَشَيْطانَاً يَغْوِينِي، قَدْ مَلاَ بِالْوَسْواسِ صَدْرِي، وَأَحاطَتْ هَواجِسُهُ بِقَلْبِي يُعاضِدُ لِيَ الْهَوى، وَيُزَيِّنُ لِي حُبَّ الدُّنْيَا، وَيَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ الطَّاعَةِ وَالزُّلْفى.

إلهِي إلَيْكَ أَشْكُو قَلْبَاً قاسِياً مَعَ الْوَسْواسِ مُتَقَلِّباً، وَبِالرَّيْنِ وَالطَّبْعِ مُتَلَبِّساً، وَعَيْنَاً عَنِ الْبُكآءِ مِنْ خَوْفِكَ جامِدَةً، وَإلى ما تَسُرُّها طامِحَةً.


إلهِي لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلاَّ بِقُدْرَتِكَ، وَلا نَجاةَ لِي مِنْ مَكارِهِ الدُّنْيا إلاَّ بِعِصْمَتِكَ، فَأَسْأَلُكَ بِبَلاغَةِ حِكْمَتِكَ، وَنَفاذِ مَشِيَّتِكَ، أَنْ لا تَجْعَلَنِي لِغَيْرِ جُودِكَ مُتَعَرِّضاً، وَلا تُصَيِّرَنِي لِلْفِتَنِ غَرَضاً، وَكُنْ لِي عَلَى الاَعْدآءِ ناصِرَاً، وَعَلَى الْمَخَازِي وَالْعُيُوبِ ساتِراً، وَمِنَ الْبَلاءِ واقِياً، وَعَنِ الْمَعاصِي عاصِمَاً، بِرَأْفَتِكَ وَرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

المناجاة الثالثة : مناجاة الخائفين

بسم الله الرحمن الرحيم إلهِي أَتَراكَ بَعْدَ الاِيْمانِ بِكَ تُعَذِّبُنِي، أَمْ بَعْدَ حُبِّي إيَّاكَ تُبَعِّدُنِي، أَمْ مَعَ رَجآئِي يرحمَتِكَ وَصَفْحِكَ تَحْرِمُنِي، أَمْ مَعَ اسْتِجارَتِي بِعَفْوِكَ تُسْلِمُنِي؟ حاشا لِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ أَنْ تُخَيِّبَنِي، لَيْتَ شِعْرِي، أَلِلشَّقآءِ وَلَدَتْنِي أُمِّي، أَمْ لِلْعَنآءِ رَبَّتْنِي؟ فَلَيْتَهَا لَمْ تَلِدْنِي وَلَمْ تُرَبِّنِي، وَلَيْتَنِي عَلِمْتُ أَمِنْ أَهْلِ السَّعادَةِ جَعَلْتَنِي؟ وَبِقُرْبِكَ وَجَوارِكَ خَصَصْتَنِي؟ فَتَقَرَّ بِذلِكَ عَيْنِي، وَتَطْمَئِنَّ لَهُ نَفْسِي.

إلهِي هَلْ تُسَوِّدُ وُجُوهً خَرَّتْ ساجِدَةً لِعَظَمَتِكَ؟ أَوْ تُخْرِسُ أَلْسِنَةً نَطَقَتْ بِالثَّنآءِ عَلَى مَجْدِكَ وَجَلالَتِكَ؟ أَوْ تَطْبَعُ عَلَى قُلُوب انْطَوَتْ عَلى مَحَبَّتِكَ؟ أَوْ تُصِمُّ أَسْماعَاً تَلَذَّذَتْ بِسَماعِ ذِكْرِكَ فِي إرادَتِكَ؟ أَوْ تَغُلُّ أَكُفَّاً رَفَعَتْهَا الامالُ إلَيْكَ رَجآءَ رَأْفَتِكَ؟ أَوْ تُعاقِبُ أَبْداناً عَمِلَتْ بِطاعَتِكَ حَتَّى نَحِلَتْ فِي مُجاهَدَتِكَ، أَوْ تُعَذِّبُ أَرْجُلاً سَعَتْ فِي عِبادَتِكَ.

إلهِي لا تُغْلِقْ عَلى مُوَحِّدِيكَ أَبْوابَ رَحْمَتِكَ، وَلا تَحْجُبْ مُشْتاقِيكَ عَنِ النَّظَرِ إلَى جَمِيلِ رُؤْيَتِكَ. إلهِي نَفْسٌ أَعْزَزْتَها بِتَوْحِيدِكَ، كَيْفَ تُذِلُّها بِمَهانَةِ هِجْرانِكَ؟ وَضَمِيرٌ انْعَقَدَ عَلى مَوَدَّتِكَ كَيْفَ تُحْرِقُهُ بِحَرَارَةِ نِيرانِكَ؟

إلهِي أَجِرْنِي مِنْ أَلِيمِ غَضَبِكَ وَعَظِيمِ سَخَطِكَ، يا حَنَّانُ يا مَنَّانُ، يا رَحِيمُ يا رَحْمنُ، يا جَبَّارُ يا قَهَّارُ، يا غَفَّارُ يا سَتَّارُ، نَجِّنِي بِرَحْمَتِكَ مِنْ عَذابِ النَّارِ، وَفَضِيحَةِ الْعارِ، إذَا امْتازَ الاَخْيارُ مِنَ الاَشْرارِ، وَحالَتِ الاَحْوالُ، وَهالَتِ الاَهْوالُ وَقَرُبَ الْمُحْسِنُونَ، وَبَعُدَ الْمُسِيؤُونَ، وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْس ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ.


المناجاة الرابعة : مناجاة الراجين

بسم الله الرحمن الرحيم يا مَنْ إذا سَأَلَهُ عَبْدٌ أَعْطَاهُ، وَإذا أَمَّلَ ما عِنْدَهُ بَلَّغَهُ مُناهُ، وَإذا أَقْبَلَ عَلَيْهِ قَرَّبَهُ وَأَدْناهُ، وَإذا جاهَرَهُ بِالْعِصْيانِ سَتَرَ عَلَى ذَنْبِهِ وَغَطَّاهُ، وَإذا تَوَكَّلَ عَلَيْهِ أَحْسَبَهُ وَكَفَاهُ.

إلهِي مَنِ الَّذِي نَزَلَ بِكَ مُلْتَمِساً قِراكَ فَما قَرَيْتَهُ؟ وَمَنِ الَّذِي أَناخَ بِبابِكَ مُرْتَجِياً نَداكَ فَما أَوْلَيْتَهُ؟ أَيَحْسُنُ أَنْ أَرْجِعَ عَنْ بابِكَ بِالْخَيْبَةِ مَصْرُوفاً، وَلَسْتُ أَعْرِفُ سِواكَ مَوْلىً بِالاِحْسانِ مَوْصُوفاً؟ كَيْفَ أَرْجُو غَيْرَكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدِكَ؟! وَكَيْفَ أُوَمِّلُ سِوَاكَ وَالْخَلْقُ وَالاَمْرُ لَكَ؟! أَأَقْطَعُ رَجآئِي مِنْكَ وَقَدْ أَوْلَيْتَنِي ما لَمْ أَسْأَلْهُ مِنْ فَضْلِكَ؟! أَمْ تُفْقِرُنِي إلى مِثْلِي وَأَنَا أَعْتَصِمُ بِحَبْلِكَ؟! يا مَنْ سَعِدَ بِرَحْمَتِهِ الْقاصِدُونَ، وَلَمْ يَشْقَ بِنِقْمَتِهِ الْمُسْتَغْفِرُونَ، كَيْفَ أَنْسَاكَ وَلَمْ تَزَلْ ذاكِرِي؟! وَكَيْفَ أَلْهُو عَنْكَ وَأَنْتَ مُراقِبِي؟!

إلهِي بِذَيْلِ كَرَمِكَ أَعْلَقتُ يَدِي، وَلِنَيْلِ عَطاياكَ بَسَطْتُ أَمَلِي، فَأَخْلِصْنِي بِخالِصَةِ تَوْحِيدِكَ، وَاجْعَلْنِي مِنْ صَفْوَةِ عَبِيدِك، يامَنْ كُلُّ هارِب إلَيْهِ يَلْتَجِئُ، وَكُلُّ طالِب إيَّاهُ يَرْتَجِي، يا خَيْرَ مَرْجُوٍّ، وَيا أَكْرَمَ مَدْعُوٍّ، وَيا مَنْ لا يُرَدُّ سآئِلُهُ، وَلا يُخَيَّبُ آمِلُهُ، يا مَنْ بابُهُ مَفْتُوحٌ لِدَاعِيهِ، وَحِجابُهُ مَرْفُوعٌ لِراجِيهِ، أَسْأَلُكَ بِكَرَمِكَ أَنْ تَمُنَّ عَلَيَّ مِنْ عَطآئِكَ بِما تَقَرُّ بِهِ عَيْنِي، وَمِنْ رَجآئِكَ بِما تَطْمَئِنُّ بِهِ نَفْسِي، وَمِنَ الْيَقِينِ بِما تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيَّ مُصِيباتِ الدُّنْيا، وَتَجْلُو بِهِ عَنْ بَصِيرَتِي غَشَواتِ الْعَمى بِرَحْمتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.


المناجاة الخامسة : مناجاة الراغبين

بسم الله الرحمن الرحيم إلهِي إنْ كانَ قَلَّ زادِي فِي الْمَسِيرِ إلَيْكَ، فَلَقَدْ حَسُنَ ظَنِّي بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْكَ، وَإنْ كَانَ جُرْمِي قَدْ أَخافَنِي مِنْ عُقُوبَتِكَ، فَإنَّ رَجآئِي قَدْ أَشْعَرَنِي بِالاَمْنِ مِنْ نِقْمَتِكَ، وَإنْ كانَ ذَنْبِي قَدْ عَرَّضَنِي لِعِقابِكَ، فَقَدْ آذَنَنِي حُسْنُ ثِقَتِي بِثَوابِكَ، وَإنْ أَنامَتْنِي الْغَفْلَةُ عَنِ الاسْتِعْدادِ لِلِقآئِكَ، فَقَدْ نَبَّهَتْنِي الْمَعْرِفَةُ بِكَرَمِكَ وَآلائِكَ، وَإنْ أَوْحَشَ ما بَيْنِي وَبَيْنَكَ فَرْطُ الْعِصْيانِ وَالطُّغْيانِ، فَقَدْ آنَسَنِي بُشْرَى الْغُفْرانِ وَالرِّضْوانِ، أَسْأَلُكَ بِسُبُحاتِ وَجْهِكَ وَبِأَنْوارِ قُدْسِكَ، وَأَبْتَهِلُ إلَيْكَ بِعَوَاطِفِ رَحمَتِكَ وَلَطائِفِ بِرِّكَ، أَنْ تُحَقِّقَ ظَنِّي بِما أُؤمِّلُهُ مِنْ جَزِيلِ إكْرامِكَ، وَجَمِيلِ إنْعامِكَ فِي الْقُرْبى مِنْكَ، وَالزُّلْفى لَدَيْكَ، وَالتَّمَتُّعِ بِالنَّظَرِ إلَيْكَ، وَها أَنَا مُتَعَرِّضٌ لِنَفَحاتِ رَوْحِكَ وَعَطْفِكَ، وَمُنْتَجِعٌ غَيْثَ جُودِكَ وَلُطْفِكَ، فَارٌّ مِنْ سَخَطِكَ إلى رِضاكَ، هارِبٌ مِنْكَ إلَيْكَ، راج أَحْسَنَ ما لَدَيْكَ مُعَوِّلٌ عَلى مَواهِبِكَ، مُفْتَقِرٌ إلى رِعايَتِكَ.

إلهِي ما بَدَأْتَ بِهِ مِنْ فَضْلِكَ فَتَمِّمْهُ، وَما وَهَبْتَ لِي مِنْ كَرَمِكَ فَلا تَسْلُبْهُ، وَما سَتَرْتَهُ عَلَيَّ بِحِلْمِكَ فَلا تَهْتِكْهُ، وَما عَلِمْتَهُ مِنْ قَبِيحِ فِعْلِي فَاغْفِرْهُ.

إلهِي اسْتَشْفَعْتُ بِكَ إلَيْكَ وَاسْتَجَرْتُ بِكَ مِنْكَ أَتَيْتُكَ طامِعَاً فِي إحْسانِكَ، راغِباً فِي امْتِنانِكَ، مُسْتَسْقِياً وابِلَ طَوْلِكَ مُسْتَمْطِراً غَمامَ فَضْلِكَ، طالِباً مَرْضاتِكَ، قاصِدَاً جَنابَكَ، وارِداً شَرِيعَةَ رِفْدِكَ، مُلْتَمِساً سَنِيَّ الْخَيْراتِ مِنْ عِنْدِكَ، وافِدَاً إلى حَضْرَةِ جَمالِكَ، مُرِيداً وَجْهَكَ، طارِقاً بابَكَ، مُسْتَكِيناً لِعَظَمَتِكَ وَجَلالِكَ، فَافْعَلْ بِي ما أَنْتَ أَهْلُهُ مِنَ الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَلا تَفْعَلْ بِي ما أَنَا أَهْلُهُ مِنَ الْعَذابِ وَالنِّقْمَةِ بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.


المناجاة السادسة : مناجاة الشاكرين

بسم الله الرحمن الرحيم إلهِي أَذْهَلَنِي عَنْ إقامَةِ شُكْرِكَ تَتابُعُ طَوْلِكَ، وَأَعْجَزَنِي عَنْ إحْصآءِ ثَنآئِكَ فَيْضُ فَضْلِكَ، وَشَغَلَنِي عَنْ ذِكْرِ مَحامِدِكَ تَرادُفُ عَوآئِدِكَ، وَأَعْيانِي عَنْ نَشْرِ عوارِفِكَ تَوالِي أَيدِيكَ، وَهذَا مَقامُ مَنِ اعْتَرَفَ بِسُبُوغِ النَّعْمآءِ، وَقابَلَها بِالتَّقْصِيرِ، وَشَهِدَ عَلى نَفْسِهِ بِالاهْمالِ وَالتَّضْيِيعِ، وَأَنْتَ الرَّؤُوفُ الرَّحِيمُ الْبَرُّ الْكَرِيمُ، الَّذِي لا يُخَيِّبُ قاصِدِيهِ، وَلا يَطْرُدُ عَنْ فِنآئِهِ آمِلِيهِ، بِساحَتِكَ تَحُطُّ رِحالُ الرَّاجِينَ، وَبِعَرْصَتِكَ تَقِفُ آمالُ الْمُسْتَرْفِدِينَ، فَلا تُقابِلْ آمالَنا بِالتَّخْيِيبِ وَالاياسِ، وَلا تُلْبِسْنا سِرْبالَ الْقُنُوطِ وَالاِبْلاسِ.

إلهِي تَصاغَرَ عِنْدَ تَعاظُمِ آلائِكَ شُكْرِي، وَتَضَاءَلَ فِي جَنْبِ إكْرَامِكَ إيَّايَ ثَنآئِي وَنَشْرِي، جَلَّلَتْنِي نِعَمُكَ مِنْ أَنْوَارِ الاِيْمانِ حُلَلاً، وَضَرَبَتْ عَلَيَّ لَطآئِفُ بِرِّكَ مِنَ الْعِزِّ كِلَلاً، وَقَلَّدْتَنِي مِنْكَ قَلائِدَ لا تُحَلُّ، وَطَوَّقْتَنِي أَطْوَاقَاً لا تُفَلُّ، فَآلاؤُكَ جَمَّةٌ ضَعُفَ لِسانِي عَنْ إحْصائِها، وَنَعْمآؤُكَ كَثِيرَةٌ قَصُرَ فَهْمِي عَنْ إدْرَاكِها فَضْلاً عَنِ اسْتِقْصآئِها، فَكَيْفَ لِي بِتَحْصِيلِ الشُّكْرِ، وَشُكْرِي إيَّاكَ يَفْتَقِرُ إلى شُكْر، فَكُلَّما قُلْتُ: لَكَ الْحَمْدُ، وَجَبَ عَلَيَّ لِذلِكَ أَنْ أَقُولَ: لَكَ الْحَمْدُ.

إلهِي فَكَما غَذَّيْتَنا بِلُطْفِكَ، وَرَبَّيْتَنا بِصُنْعِكَ، فَتَمِّمْ عَلَيْنَا سَوابِـغَ النِّعَمِ، وَادْفَعْ عَنَّا مَكارِهَ النِّقَمِ، وَآتِنا مِنْ حُظُوظِ الدَّارَيْنِ أَرْفَعَهَا وَأَجَلَّها عاجِلاً وَآجِلاً، وَلَكَ الْحَمْدُ عَلى حُسْنِ بَلاَئِكَ وَسُبُوغِ نَعْمآئِكَ حَمْدَاً يُوافِقُ رِضاكَ، وَيَمْتَرِي الْعَظِيمَ مِنْ بِرِّكَ وَنَداكَ، يا عَظِيمُ يا كَرِيمُ، بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.


المناجاة السابعة : مناجاة المطيعين للهِ

بسم الله الرحمن الرحيم أَللَّهُمَّ أَلْهِمْنا طاعَتَكَ، وَجَنِّبْنا مَعْصِيَتَكَ، وَيَسِّرْ لَنا بُلُوغَ ما نَتَمَنّى مِنِ ابْتِغآءِ رِضْوانِكَ، وَأَحْلِلْنا بُحْبُوحَةَ جِنانِكَ، وَاقْشَعْ عَنْ بَصائِرنا سَحابَ الارْتِيابِ، وَاكْشِفْ عَنْ قُلُوبِنا أَغْشِيَةَ الْمِرْيَةِ وَالْحِجابِ، وَأَزْهِقِ الْباطِلَ عَنْ ضَمآئِرِنا، وَأَثْبِتِ الْحَقَّ فِي سَرائِرِنا، فَإنَّ الشُّكُوكَ وَالظُّنُونَ لَواقِحُ الْفِتَنِ، وَمُكَدِّرَةٌ لِصَفْوِ الْمَنآئِحِ وَالْمِنَنِ.

أَللَّهُمَّ احْمِلْنا فِي سُفُنِ نَجاتِكَ، وَمَتِّعْنا بِلَذِيْذِ مُناجاتِكَ، وَأَوْرِدْنا حِياضَ حُبِّكَ، وَأَذِقْنا حَلاوَةَ وُدِّكَ وَقُرْبِكَ، وَاجْعَلْ جِهادَنا فِيكَ، وَهَمَّنا فِي طاعَتِكَ، وَأَخْلِصْ نِيَّاتِنا فِي مُعامَلَتِكَ، فَإنَّا بِكَ وَلَكَ، وَلا وَسِيلَةَ لَنا إلَيْكَ إلاَّ أَنْتَ.

إلهِي اجْعَلْنِي مِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الاَخْيارِ، وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ الاَبْرارِ، السَّابِقِينَ إلَى الْمَكْرُماتِ، الْمسارِعِينَ إلَى الْخَيْراتِ، الْعامِلِينَ لِلْباقِياتِ الصَّالِحاتِ، السَّاعِينَ إلى رَفِيعِ الدَّرَجاتِ، إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ، وَبِالاجابَةِ جَدِيرٌ بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.


المناجاة الثامنة : مناجاة المريدين

بسم الله الرحمن الرحيم سُبْحانَكَ ما أَضْيَقَ الطُّرُقَ عَلى مَنْ لَمْ تَكُنْ دَلِيلَهُ! وَما أَوْضَحَ الْحَقَّ عِنْدَ مَنْ هَدَيْتَهُ سَبِيلَه!

إلهِي فاسْلُكْ بِنا سُبُلَ الْوُصُولِ إلَيْكَ، وَسَيِّرْنا فِي أَقْرَبِ الطُّرُقِ لِلْوُفُودِ عَلَيْكَ، قَرِّبْ عَلَيْنَا الْبَعِيدَ، وَسَهِّلَ عَلَيْنَا الْعَسِيرَ الشَّدِيدَ، وَأَلْحِقْنا بِعِبادِكَ الَّذِينَ هُمْ بِالْبِدارِ إلَيْكَ يُسارِعُونَ، وَبابَكَ عَلَى الدَّوامِ يَطْرُقُونَ، وَإيَّاكَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ يَعْبُدُونَ، وَهُمْ مِنْ هَيْبَتِكَ مُشْفِقُونَ، الَّذِينَ صَفَّيْتَ لَهُمُ الْمَشارِبَ، وَبَلَّغْتَهُمُ الرَّغآئِبَ، وَأَنْجَحْتَ لَهُمُ الْمَطالِبَ، وَقَضَيْتَ لَهُمْ مِنْ فَضْلِكَ الْمَآرِبَ، وَمَلاْتَ لَهُمْ ضَمآئِرَهُمْ مِنْ حُبِّكَ وَرَوَّيْتَهُمْ مِنْ صافِي شِرْبِكَ، فَبِكَ إلى لَذِيذِ مُناجاتِكَ وَصَلُوا، وَمِنْكَ أَقْصى مَقاصِدِهِمْ حَصَّلُوا، فَيا مَنْ هُوَ عَلَى الْمُقْبِلِينَ عَلَيْهِ مُقْبِلٌ، وَبِالْعَطْفِ عَلَيْهِمْ عآئِدٌ مُفْضِلٌ، وَبِالْغافِلِينَ عَنْ ذِكْرِهِ رَحِيمٌ رَؤُوفٌ، وَبِجَذْبِهمْ إلى بابِهِ وَدُودٌ عَطُوفٌ، أَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَنِي مِنْ أَوْفَرِهِمْ مِنْكَ حَظّاً، وَأَعْلاهُمْ عِنْدَكَ مَنْزِلاً، وَأَجْزَلِهِمْ مِنْ وُدِّكَ قِسَماً، وَأَفْضَلِهِمْ فِي مَعْرِفَتِكَ نَصِيباً، فَقَدِ انْقطَعَتْ إلَيْكَ هِمَّتِي، وَانْصَرَفَتْ نَحْوَكَ رَغْبَتِي، فَأَنْتَ لاَ غَيْرُكَ مُرادِي، وَلَكَ لا لِسِواكَ سَهَرِي وَسُهادِي، وَلِقاؤُكَ قُرَّةُ عَيْني، وَوَصْلُكَ مُنى نَفْسِي، وَإلَيْكَ شَوْقِي، وَفِي مَحَبَّتِكَ وَلَهِي، وَإلى هَواكَ صَبابَتِي، وَرِضاكَ بُغْيَتي، وَرُؤْيَتُكَ حاجَتِي، وَجِوارُكَ طَلَبِي، وَقُرْبُكَ غايَةُ سُؤْلِي، وَفِي مُنَاجَاتِكَ رَوْحِي وَراحَتِي، وَعِنْدَكَ دَوآءُ عِلَّتِي، وَشِفآءُ غُلَّتِي، وَبَرْدُ لَوْعَتِي، وَكَشْفُ كُرْبَتِي. فَكُنْ أَنِيْسِي فِي وَحْشَتِي، وَمُقِيلَ عَثْرَتِي، وَغافِرَ زَلَّتِي، وَقابِلَ تَوْبَتِي، وَمُجِيبَ دَعْوَتِي، وَوَلِيَّ عِصْمَتِي، وَمُغْنِيَ فاقَتِي، وَلا تَقْطَعْنِي عَنْكَ، وَلا تُبْعِدْنِي مِنْكَ يا نَعِيمِي وَجَنَّتِي، وَيا دُنْيايَ وَآخِرَتِي، يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.


المناجاة التاسعة : مناجاة المحبّين

بسم الله الرحمن الرحيم إلهِي مَنْ ذَا الَّذِي ذَاقَ حَلاوَةَ مَحَبَّتِكَ، فَرامَ مِنْكَ بَدَلاً؟ وَمَنْ ذَا الَّذِي أَنِسَ بِقُرْبِكَ، فَابْتَغَى عَنْكَ حِوَلاً؟

إلهِي فَاجْعَلْنا مِمَّنِ اصْطَفَيْتَهُ لِقُرْبِكَ وَوِلايَتِكَ، وَأَخْلَصْتَه لِوُدِّكَ وَمَحَبَّتِكَ، وَشَوَّقْتَهُ إلى لِقَآئِكَ، وَرَضَّيْتَهُ بِقَضآئِكَ، وَمَنَحْتَهُ بِالنَّظَرِ إلى وَجْهِكَ، وَحَبَوْتَهُ بِرِضاكَ، وَأَعَدْتَهُ مِنْ هَجْرِكَ وَقِلاكَ، وَبَوَّأْتَهُ مَقْعَدَ الصِّدْقِ فِي جَوارِكَ، وَخَصَصْتَهُ بِمَعْرِفَتِكَ، وَأَهَّلْتَهُ لِعِبادَتِكَ، وَهَيَّمْتَ قَلْبَهُ لارادَتِكَ، وَاجْتَبَيْتَهُ لِمُشاهَدَتِكَ، وَأَخْلَيْتَ وَجْهَهُ لَكَ، وَفَرَّغْتَ فُؤادَهُ لِحُبِّكَ، وَرَغَّبْتَهُ فِيمَا عِنْدَكَ، وَأَلْهَمْتَهُ ذِكْرَكَ، وَأَوْزَعْتَهُ شُكْرَكَ، وَشَغَلْتَهُ بِطاعَتِكَ، وَصَيَّرْتَهُ مِنْ صالِحِي بَرِيَّتِكَ، وَاخْتَرْتَهُ لِمُناجاتِكَ، وَقَطَعْتَ عَنْهُ كُلَّ شَيْء يَقْطَعُهُ عَنْكَ.

أَللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ دَأْبُهُمُ الارْتِياحُ إلَيْكَ وَالْحَنِينُ، وَدَهْرُهُمُ الزَّفْرَةُ وَالاَنِينُ، جِباهُهُمْ سَاجِدَةٌ لِعَظَمَتِكَ، وَعُيُونُهُمْ ساهِرَةٌ فِي خِدْمَتِكَ، وَدُمُوُعُهُمْ سآئِلَةٌ مِنْ خَشْيَتِكَ، وَقُلُوبُهُمْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحَبَّتِكَ، وَأَفْئِدَتُهُمْ مُنْخَلِعَةٌ مِنْ مَهابَتِكَ، يامَنْ أَنْوارُ قُدْسِهِ لاَِبْصارِ مُحِبِّيهِ رآئِقَةٌ، وَسُبُحاتُ وَجْهِهِ لِقُلُوبِ عارِفيهِ شآئِقَةٌ، يا مُنى قُلُوبِ الْمُشْتاقِينَ، وَيا غَايَةَ آمالِ الْمُحِبِّينَ أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ كُلِّ عَمَل يُوصِلُنِي إلى قُرْبِكَ، وَأَنْ تَجْعَلَكَ أَحَبَّ إلَيَّ مِمَّا سِواكَ وَأَنْ تَجْعَلَ حُبِّي إيَّاكَ قآئِداً إلى رِضْوانِكَ، وَشَوْقِي إلَيْكَ ذآئِداً عَنْ عِصْيانِكَ، وَامْنُنْ بِالنَّظَرِ إلَيْكَ عَلَيَّ، وَانْظُرْ بِعَيْنِ الْوُدِّ وَالْعَطْفِ إلَيَّ، وَلا تَصْرِفْ عَنِّي وَجْهَكَ، وَاجْعَلْنِي مِنْ أَهْلِ الاِسْعادِ وَالْحُظْوَةِ عِنْدَكَ، يا مُجِيبُ، يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.


المناجاة العاشرة : مناجاة المتوسّلين

بسم الله الرحمن الرحيم إلهِي لَيْسَ لِي وَسِيلَةٌ إلَيْكَ إلاَّ عَواطِفُ رَأفَتِكَ، وَلا لِي ذَرِيعَةٌ إلَيْكَ إلاَّ عَوارِفُ رَحْمَتِكَ، وَشَفاعَةُ نَبِيِّكَ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، وَمُنْقِذِ الاُمَّةِ مِنَ الْغُمَّةِ، فَاجْعَلْهُما لِي سَبَباً إلى نَيْلِ غُفْرانِكَ، وَصَيِّرْهُمَا لِي وُصْلَةً إلَى الْفَوْزِ بِرِضْوانِكَ، وَقَدْ حَلَّ رَجآئِي بِحَرَمِ كَرَمِكَ، وَحَطَّ طَمَعِي بِفِنآءِ جُودِكَ. فَحَقِّقْ فِيكَ أَمَلِيْ وَاخْتِمْ بِالْخَيْرِ عَمَلِي، وَاجْعَلْنِي مِنْ صَفْوَتِكَ الَّذِينَ أَحْلَلْتَهُمْ بُحْبُوحَةَ جَنَّتِكَ، وَبَوَّأْتَهُمْ دارَ كَرامَتِكَ وَأَقْرَرْتَ أَعْيُنَهُمْ بِالنَّظَرِ إلَيْكَ يَوْمَ لِقآئِكَ، وَأَوْرَثْتَهُمْ مَنازِلَ الصِّدْقِ فِي جِوارِكَ.

يامَنْ لا يَفِدُ الْوافِدُونَ عَلى أَكْرَمَ مِنْهُ، وَلا يَجِدُ الْقاصِدُونَ أَرْحَمَ مِنْهُ، يا خَيْرَ مَنْ خَلا بِهِ وَحِيدٌ، وَيا أَعْطَفَ مَنْ أَوى إلَيْهِ طَرِيدٌ، إلى سَعَةِ عَفْوِكَ مَدَدْتُ يَدِي وَبِذَيْلِ كَرَمِكَ أَعْلَقْتُ كَفِّي، فَلا تُولِنِي الْحِرْمانَ، وَلا تُبْلِنِي بِالْخَيْبَةِ وَالْخُسْرانِ، يا سَمِيعَ الدُّعآءِ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

المناجاة الحادية عشرة : مناجاة المفتقرين

بسم الله الرحمن الرحيم إلهِي كَسْرِي لا يَجْبُرُهُ إلاَّ لُطْفُكَ وَحَنانُكَ، وَفَقْرِي لا يُغْنِيهِ إلاَّ عَطْفُكَ وَإحْسانُكَ، وَرَوْعَتِي لا يُسَكِّنُهَا إلاَّ أَمانُكَ، وَذِلَّتِي لا يُعِزُّها إلاَّ سُلْطانُكَ، وَأُمْنِيَّتِي لا يُبَلِّغُنِيها إلاَّ فَضْلُكَ، وَخَلَّتِي لا يَسُدُّها إلاَّ طَوْلُكَ، وَحاجَتِي لا يَقْضِيها غَيْرُكَ، وَكَرْبِي لاَ يُفَرِّجُهُ سِوى رَحْمَتِكَ، وَضُرِّي لا يَكْشِفُهُ غَيْرُ رَأْفَتِكَ، وَغُلَّتِي لا يُبَرِّدُها إلاَّ وَصْلُكَ، وَلَوْعَتِي لا يُطْفِيها إلاَّ لِقآؤُكَ، وَشَوْقِي إلَيْكَ لا يَبُلُّهُ إلاَّ النَّظَرُ إلى وَجْهِكَ، وَقَرارِي لا يَقِرُّ دُونَ دُنُوِّي مِنْكَ، وَلَهْفَتِي لاَ يَرُدُّها إلاَّ رَوْحُكَ، وَسُقْمِي لا يَشْفِيهِ إلاَّ طِبُّكَ، وَغَمِّي لا يُزِيلُهُ إلاَّ قُرْبُكَ، وَجُرْحِي لا يُبْرِئُهُ إلاَّ صَفْحُكَ، وَرَيْنُ قَلْبِي لا يَجْلُوهُ إلاَّ عَفْوُكَ، وَوَسْواسُ صَدْرِي لا يُزِيحُهُ إلاَّ أَمْرُكَ.


فَيا مُنْتَهى أَمَلِ الامِلِينَ، وَيا غايَةَ سُؤْلِ السَّآئِلِينَ، وَيا أَقْصى طَلِبَةِ الطَّالِبِينَ، وَيا أَعْلَى رَغْبَةِ الرَّاغِبِينَ، وَيا وَلِيَّ الصَّالِحِينَ، وَيا أَمانَ الْخآئِفِينَ، وَيا مُجِيبَ دَعْوَةِ الْمُضْطَرِّينَ، وَيا ذُخْرَ الْمُعْدِمِينَ، وَيا كَنْزَ الْبآئِسِينَ، وَيا غِياثَ الْمُسْتَغيثِينَ، وَيا قَاضِيَ حَوائِجَ الْفُقَرآءِ وَالْمَساكِينِ، وَيا أَكْرَمَ الاَكْرَمِينَ، وَيا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، لَكَ تَخَضُّعِي وَسُؤالِي، وَإلَيْكَ تَضَرُّعِي وَابْتِهالِيْ، أَسْأَلُكَ أَنْ تُنِيلَنِي مِنْ رَوْحِ رِضْوانِكَ، وَتُدِيمَ عَلَيَّ نِعَمَ امْتِنانِكَ، وَها أَنَا بِبابِ كَرَمِكَ واقِفٌ، وَلِنَفَحاتِ بِرِّكَ مُتَعَرِّضٌ، وَبِحَبْلِكَ الشَّدِيدِ مُعْتَصِمٌ، وَبِعُرْوَتِكَ الْوُثْقى مُتَمَسِّكٌ.

إلهِي ارْحَمْ عَبْدَكَ الذَّلِيلَ، ذَا اللِّسانِ الْكَلِيلِ وَالْعَمَلِ الْقَلِيلِ، وَامْنُنْ عَلَيْهِ بِطَوْلِكَ الْجَزِيلِ، وَاكْنُفْهُ تَحْتَ ظِلِّكَ الظَّلِيلِ يا كَرِيمُ يا جَمِيلُ، يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

المناجاة الثانية عشرة : مناجاة العارفين

بسم الله الرحمن الرحيم إلهِي قَصُرَتِ الاَلْسُنُ عَنْ بُلُوغِ ثَنآئِكَ، كَما يَلِيقُ بِجَلالِكَ، وَعَجَزَتِ الْعُقُولُ عَنْ إدْراكِ كُنْهِ جَمالِكَ، وَانْحَسَرَتِ الاَبْصارُ دُونَ النَّظَرِ إلى سُبُحاتِ وَجْهِكَ، وَلَمْ تَجْعَلْ لِلْخَلْقِ طَرِيقاً إلى مَعْرِفَتِكَ إلاَّ بِالْعَجْزِ عَنْ مَعْرِفَتِكَ.

إلهِي فَاجْعَلْنا مِنَ الَّذِينَ تَرَسَّخَتْ أَشْجارُ الشَّوقِ إلَيْكَ فِي حَدآئِقِ صُدُورِهِمْ، وَأَخَذَتْ لَوْعَةُ مَحَبَّتِكَ بِمَجامِعِ قُلُوبِهِمْ، فَهُمْ إلَى أَوْكارِ الاَفْكارِ يَأْوُونَ، وَفِي رِياضِ الْقُرْبِ وَالْمُكاشَفَةِ يَرْتَعُونَ، وَمِنْ حِياضِ الْمَحَبَّةِ بِكَأْسِ الْمُلاطَفَةِ يَكْرَعُونَ، وَشَرايعَ الْمُصافاةِ يَرِدُونَ، قَدْ كُشِفَ الْغِطآءُ عَنْ أَبْصَارِهِمْ، وَانْجَلَتْ ظُلْمَةُ الرَّيْبِ عَنْ عَقآئِدِهِمْ، وَانْتَفَتْ مُخالَجَةُ الشَّكِّ عَنْ قُلُوبِهِمْ وَسَرآئِرِهِمْ، وَانْشَرَحَتْ بِتَحْقِيقِ الْمَعْرِفَةِ صُدُورُهُمْ، وَعَلَتْ لِسَبْقِ السَّعادَةِ فِي الزَّهادَةِ هِمَمُهُمْ، وَعَذُبَ فِي مَعِينِ الْمُعامَلَةِ شِرْبُهُمْ وَطابَ فِي مَجْلِسِ الاُنْسِ سِرُّهُمْ، وَأَمِنَ فِي مَوْطِنِ الْمَخافَةِ سِرْبُهُمْ، وَاطْمَأَنَّتْ بِالرُّجُوْعِ إلى رَبِّ الاَرْبابِ أَنْفُسُهُمْ، وَتَيَقَّنَتْ بِالْفَوْزِ وَالْفَلاحِ أَرْواحُهُمْ، وَقَرَّتْ بِالنَّظَرِ إلى مَحْبُوبِهِمْ أَعْيُنُهُمْ، وَاسْتَقَرَّ بِإدْراكِ السُّؤْلِ وَنَيْلِ الْمَأْمُولِ قَرَارُهُمْ، وَرَبِحَتْ فِي بَيْعِ الدُّنْيَا بِالاخِرَةِ تِجارَتُهُمْ.


إلهِي ما أَلَذَّ خَواطِرَ الاِلْهامِ بِذِكْرِكَ عَلَى الْقُلُوبِ، وَما أَحْلَى الْمَسِيرَ إلَيْكَ بِالاَوْهامِ فِي مَسالِكِ الْغُيُوبِ، وَما أَطْيَبَ طَعْمَ حُبِّكَ، وَما أَعْذَبَ شِرْبَ قُرْبِكَ، فَأَعِذْنا مِنْ طَرْدِكَ وَإبْعادِكَ، وَاجْعَلْنا مِنْ أَخَصِّ عارِفِيكَ، وَأَصْلَحِ عِبادِكَ، وَأَصْدَقِ طآئِعِيكَ وَأَخْلَصِ عُبَّادِكَ، يا عَظِيمُ، يا جَلِيلُ، يا كَرِيمُ، يا مُنِيلُ، بِرَحْمَتِكَ وَمَنِّكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

المناجاة الثالثة عشرة : مناجاة الذاكرين

بسم الله الرحمن الرحيم إلهِي لَوْلا الْواجِبُ مِنْ قَبُولِ أمْرِكَ لَنَزَّهْتُكَ مِنْ ذِكْرِي إيَّاكَ، عَلى أَنَّ ذِكْرِي لَكَ بِقَدْرِي، لا بِقَدْرِكَ، وَما عَسى أَنْ يَبْلُغَ مِقْدارِي، حَتّى أُجْعَلَ مَحَلاًّ لِتَقْدِيسِكَ، وَمِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ عَلَيْنا جَرَيانُ ذِكْرِكَ عَلى أَلْسِنَتِنَا، وَإذْنُكَ لَنا بِدُعآئِكَ، وَتَنْزِيهِكَ وَتَسْبِيحِكَ.

إلهِي فَأَلْهِمْنا ذِكْرَكَ فِي الْخَلاءِ وَالْمَلاءِ، وَاللَّيْلِ وَالنَّهارِ، وَالاِعْلانِ وَالاِسْرارِ، وَفِي السَّرَّآءِ وَالضَّرَّآءِ وَآنِسْنا بِالذِّكْرِ الْخَفِيِّ، وَاسْتَعْمِلْنا بِالْعَمَلِ الزَّكِيِّ، وَالسَّعْي الْمَرْضِيِّ، وَجازِنا بِالْمِيزانِ الَوَفِيِّ.

إلهِي بِكَ هامَتِ الْقُلُوبُ الْوالِهَةُ، وَعَلى مَعْرِفَتِكَ جُمِعَتِ الْعُقُولُ الْمُتَبايِنَةُ، فَلا تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ إلاَّ بِذِكْراكَ، وَلا تَسْكُنُ النُّفُوسُ إلاّ عِنْدَ رُؤْياكَ، أَنْتَ الْمُسَبَّحُ فِي كُلِّ مَكان، وَالْمَعْبُودُ فِي كُلِّ زَمان، وَالْمَوْجُودُ فِي كُلِّ أَوان، وَالْمَدْعُوُّ بِكُلِّ لِسان، وَالْمُعَظَّمُ فِي كُلِّ جَنان، وَأَسْتَغْفِرُكَ مِنْ كُلِّ لَذَّة بِغَيْرِ ذِكْرِكَ، وَمِنْ كُلِّ راحَة بِغَيْرِ أُنْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ سُرُور بِغَيْرِ قُرْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ شُغْل بِغَيْرِ طاعَتِكَ.

إلهِي أَنْتَ قُلْتَ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) وَقُلْتَ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) فَأَمَرْتَنا بِذِكْرِكَ، وَوَعَدْتَنا عَلَيْهِ أَنْ تَذْكُرَنا تَشْرِيفاً لَنا وَتَفْخِيمَاً وَإعْظامَاً، وَها نَحْنُ ذاكِرُوكَ كَما أَمَرْتَنا، فَأَنْجِزْ لَنا مَا وَعَدْتَنا يا ذاكِرَ الذَّاكِرِينَ، وَيا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.


المناجاة الرابعة عشرة : مناجاة المعتصمين

بسم الله الرحمن الرحيم أَللَّهُمَّ يا مَلاَذَ اللائِذِينَ، وَيا مَعاذَ الْعآئِذِينَ، وَيا مُنْجِيَ الْهالِكِينَ، وَيا عاصِمَ الْبآئِسِينَ، وَيا راحِمَ الْمَساكِينِ، وَيا مُجِيبَ الْمُضْطَرِّينَ، وَيا كَنْزَ الْمُفْتَقِرِينَ وَيا جابِرَ الْمُنْكَسِرِينَ، وَيا مَأْوَى الْمُنْقَطِعِينَ، وَيا ناصِرَ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَيا مُجِيرَ الْخآئِفِينَ، وَيا مُغِيثَ الْمَكْرُوبِينَ وَيا حِصْنَ اللاَّجِينَ، إنْ لَمْ أَعُذْ بِعِزَّتِكَ فَبِمَنْ أَعُوذُ؟ وَإنْ لَمْ أَلُذْ بِقُدْرَتِكَ فَبِمَنْ أَلُوذُ؟ وَقَدْ أَلْجَأَتْنِي الذُّنُوبُ إلَى التَّشَبُّثِ بِأَذْيالِ عَفْوِكَ، وَأَحْوَجَتْنِي الْخَطايا إلَى اسْتِفْتاحِ أَبْوابِ صَفْحِكَ، وَدَعَتْنِي الاِسآءَةُ إلَى الاِناخَةِ بِفِنآءِ عِزِّكَ، وَحَمَلَتْنِي الْمَخافَةُ مِنْ نِقْمَتِكَ عَلَى التَّمَسُّكِ بِعُرْوَةِ عَطْفِكَ، وَما حَقُّ مَنِ اعْتَصَمَ بِحَبْلِكَ أَنْ يُخْذَلَ، وَلا يَلِيقُ بِمَنِ اسْتَجَارَ بِعِزِّكَ أَنْ يُسْلَمَ أَوْ يُهْمَلَ. إلهِي فَلا تُخْلِنا مِنْ حِمايَتِكَ، وَلاَ تُعْرِنَا مِنْ رِعَايَتِكَ، وَذُدْنا عَنْ مَوارِدِ الْهَلَكَةِ، فَإنَّا بِعَيْنِكَ وَفِي كَنَفِكَ، وَلَكَ أَسْأَلُكَ بِأَهْل خاصَّتِكَ مِنْ مَلائِكَتِكَ ، وَالصَّالِحِينَ مِنْ بَرِيَّتِكَ، أَنْ تَجْعَلَ عَلَيْنا واقِيَةً تُنْجِينا مِنَ الْهَلَكاتِ، وَتُجَنِّبُنا مِنَ الافاتِ، وَتُكِنُّنا مِنْ دَواهِي الْمُصِيباتِ، وَأَنْ تُنْزِلَ عَلَيْنا مِنْ سِكَيْنَتِكَ، وَأَنْ تُغَشِّيَ وُجُوهَنا بِأَنْوارِ مَحَبَّتِكَ، وَأَنْ تُؤْوِيَنا إلى شَدِيدِ رُكْنِكَ، وَأَنْ تَحْوِيَنا فِي أَكْنافِ عِصْمَتِكَ بِرأْفَتِكَ وَرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

المناجاة الخامسة عشرة : مناجاة الزاهدين

بسم الله الرحمن الرحيم إلهِي أَسْكَنْتَنا داراً حَفَرَتْ لَنا حُفَرَ مَكْرِها. وَعَلَّقَتْنا بِأَيْدِي الْمَنايا فِي حَبائِلِ غَدْرِها، فَإلَيْكَ نَلْتَجِئُ مِنْ مَكآئِدِ خُدَعِها، وَبِكَ نَعْتَصِمُ مِنَ الاغْتِرارِ بِزَخارِفِ زِيْنَتِهَا، فَإنَّهَا الْمُهْلِكَةُ طُلاَّبَهَا، الْمُتْلِفَةُ حُلاَّلَهَا، الْمَحْشُوَّةُ بِالافاتِ، الْمَشْحُونَةُ بِالنَّكَباتِ.


إلهِي فَزَهِّدْنا فِيها، وَسَلِّمْنا مِنْها بِتَوْفِيقِكَ وَعِصْمَتِكَ، وَانْزَعْ عَنَّا جَلابِيبَ مُخالَفَتِكَ، وَتَوَلَّ أُمُورَنا بِحُسْنِ كِفايَتِكَ، وَأَوْفِرْ مَزِيدَنا مِنْ سَعَةِ رَحْمَتِكَ، وَأَجْمِلْ صِلاتِنا مِنْ فَيْضِ مَواهِبِكَ، وَاغْرِسْ فِي أَفْئِدَتِنا أَشْجارَ مَحَبَّتِكَ، وَأَتْمِمْ لَنا أَنْوارَ مَعْرِفَتِكَ، وَأَذِقْنا حَلاوَةَ عَفْوِكَ، وَلَذَّةَ مَغْفِرَتِكَ، وَأَقْرِرْ أَعْيُنَنا يَوْمَ لِقآئِكَ بِرُؤْيَتِكَ، وَأَخْرِجْ حُبَّ الدُّنْيا مِنْ قُلُوبِنا كَما فَعَلْتَ بِالصَّالِحِينَ مِنْ صَفْوَتِكَ، وَالاَبْرارِ مِنْ خاصَّتِكَ بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَيا أَكْرَمَ الاَكْرَمِينَ.

رسالة الحقوق

ورسالة الحقوق من أهم الوثائق الدينية التي تطرقت إلى المباني الحقوقية للإجتماع الإنساني ولعل كل من جاء بعد الإمام السجادعليه‌السلام ( ت ٩٥ هـ ) كابن الوردي ( ت ٧٤٩ هـ ) وابن خلدون ( ت ٨٠٨ هـ ) وأبو بكر الهيثمي ( ت ٨٠٧ هـ ) استفاد منها في صياغة فكرة إجتماعية أو نظرية في بناء الدولة والإدارة أو فهم لطبيعة الحقوق الشخصية والإجتماعية والإلهية .

أ ـ في سند الرسالة ووحدة موضوعها

روى ( رسالة الحقوق ) الشيخ الصدوق ( ت ٣٨١ هـ ) في كتابيه : ( الخصال ) ، و( من لا يحضره الفقيه ) ، وتلاها في ( الأمالي ) عن ثابت بن أبي صفية المعروف بأبي حمزة الثمالي ( الثقة ) ، وقال : ( هذه رسالة علي بن الحسينعليه‌السلام إلى بعض أصحابه )(١)

ورواها الكليني ( ت ٣٢٩ هـ ) ونقلها الحراني في ( تحف العقول )(٢)

ــــــــــــــــ

(١) الخصال ج ٢ ص ١٢٦ ، ومن لا يحضره الفقيه ج ٢ ص ٣٧٦ ـ ٣٨١ ، وأمالي الصدوق ص ٢٢١ مجلس ٥٩ .

(٢) تحف العقول للحراني ص ١٨٤ .


ثم نقلها المحدث النوري في كتابه ( المستدرك )(١) عن ( تحف العقول ) قائلاً : ( قلت : قال السيد علي بن طاووس في فلاح السائل : وروينا باسنادنا في كتاب الرسائل عن محمد بن يعقوب الكليني باسناده إلى مولانا زين العابدينعليه‌السلام أنه قال : فأما حقوق الصلاة فأن تعلم أنها وفادة ) ، وساق مثل ما مرّ في (تحف العقول( .

والخبير الذي يأنس بالأحاديث الشريفة يستطيع أن يجزم بأن الخبر المعروف بحديث الحقوق الذي رواه الشيخ الصدوق في (الخصال) و (من لا يحضره الفقيه) هو مختصر ما رواه الكليني المنقول في (تحف العقول) والمعلوم ان الشيخ الصدوق قد ذكر في مقدمة كتاب (من لا يحضره الفقيه) بأنه قد ألفه على طراز (من لا يحضره الطبيب) لكنه في الفقه والحلال والحرام والشرايع والأحكام بدل الطب فهو مختصر مستخرَج من الكتب المعتمدة المشهورة عند الإمامية .

والنتيجة أن الخبرين متحدان في الموضوع ، وليس هناك أي احتمال للتعدد قال النجاشي (ت ٤٥٠ هـ) في ترجمة أبي حمزة : (وله رسالة الحقوق عن علي بن الحسينعليه‌السلام أخبرنا أحمد بن علي قال حدثنا الحسن بن حمزة قال : حدثنا علي بن إبراهيم عن أبيه عن

ــــــــــــــــ

(١) المستدرك للنوري ج ٢ ص ٢٧٤ .


محمد بن الفضيل عن أبي حمزة عن علي بن الحسينعليه‌السلام ، وهذا السند أعلى وأصح من طريق الصدوق رحمه الله في الخصال ...)(١)

أقول : ان طريق الصدوق في (الأمالي)(٢) صحيح أيضاً .

فرواها عن علي بن أحمد بن موسى ، عن محمد بن جعفر الكوفي الأسدي ، عن محمد بن اسماعيل البرمكي ، عن عبد الله بن أحمد ، عن أسماعيل بن الفضل ، عن ثابت بن دينار الثمالي عن سيد العابدين علي بن الحسين .

فالأول علي بن أحمد بن موسى الدقاق من مشايخ الصدوق الذين يكثر النقل عنهم مع الترحم عليهم والثاني محمد بن جعفر من وكلاء الإمام المهدي (عج) الذين رأوه ووقفوا على بعض خصوصياته والثالث محمد البرمكي وهو ثقة مستقيم عند النجاشي والرابع عبد الله بن أحمد بن نهيك ثقة صدوق والخامس اسماعيل بن الفضل وهو ابن يعقوب بن الفضل بن عبد الله ثقة جليل القدر كان الصادقعليه‌السلام يقول هو كهل من كهولنا وسيدٌ من ساداتنا وثابت بن دينار هو أبو حمزة الثمالي وهو ثقة بل وتد من الأوتاد .

وسبب اختلاف النسختين يرجع إلى إحتمالين :

ــــــــــــــــ

(١) رجال النجاشي .

(٢) أمالي الصدوق ص ٢٢١ مجلس ٥٩ .


١ ـ إما ان الإمامعليه‌السلام ذكر رسالة الحقوق في مناسبتين مختلفتين وهذا بعيد لأن الرسالة نقلها ثابت بن دينار (أبو حمزة الثمالي) فقط ، ولم ينقلها راوٍ آخر فيتعين أن الإمامعليه‌السلام ذكرها له تلك المرة ، ولم يكررها لغيره .

٢ ـ واما ان الرواة اختلفوا في نقل مضامينها فنقلها الكليني عن طريق صحيح يصل إلى ثابت بن دينار ، ونقلها الشيخ الصدوق ملخصة عن طريق سندي آخر صحيح أيضاً وهذا الإحتمال أقرب .

وتأكيد النجاشي على علو رواية الكليني ودقتها يجعلنا نطمئن لها ولذلك عرضنا رسالة الحقوق برواية الكليني لذلك الإعتبار وعلى أي تقدير ، فالروايتان لا تختلفان في الألفاظ إلا يسيراً أما المعنى فهو واحد .

ب ـ الدلالات الإجتماعية لرسالة الحقوق

وهذا الكتاب الذي كتبه الإمام السجادعليه‌السلام إلى بعض أصحابه ، المعروف برسالة الحقوق ، يعدُّ معلماً من معالم النظام الإجتماعي والحقوقي الإسلامي وهو نظام كلي ثابت للدولة الحديثة ، ومتجدد بتجدد الحياة الإجتماعية وعندما نقرأه اليوم ، نجده وكأنه ابن الساعة في منظومة أفكاره وتسلسله ، وتنظيمه لحقوق الإنسان مع نفسه وربه وغيره من بني البشر فقد تناول الإمامعليه‌السلام في رسالته حقوق الأسرة ، والتعليم ، والسلطة السياسية ، والعبادات ، والمعاملات ، والأخلاق الإجتماعية ، والسلام الإجتماعي عبر نبذ الجريمة والفساد والسرقة ، وحقوق الجيرة ، والإدارة المالية ، والقيادة الدينية ، والشِركة التجارية ، والقضاء ، والاستشارة والنصيحة ، وحرية الرأي والحقوق الإجتماعية وهي بكلها تمثل صورة المؤسسات الإجتماعية في الدولة الحديثة ، بل الدولة في كل زمان ومكان .

ولا شك ان الإمامعليه‌السلام في نظرته الشاملة حول الحقوق ، كان يشدد على مباني الهيئات الحقيقية والحقوقية التي تدير الناس وتدبر شؤونهم الحياتية والاقتصادية وهذا الفكر الرباني يعدُّ من أرقى أفكار التنظيم الإداري قبل نشوء الدولة الحديثة والإعجاز فيه أنه صورة دينية أخلاقية إلزامية لكل مجتمع على وجه الأرض من افريقيا إلى اوروبا إلى اسيا وفي كل حقبة زمنية من زمن النص وحتى اليوم .


فعلى مستوى القضاء : إرشادٌ إلى المدعي والمدعى عليه فالمدعي على إنسان ما حقاً لا تبطل دعوته والمدعى عليه ينبغي معاملته باللطف والرفق ومن ساءه القضاء على يدي شخص بقولٍ أو فعلٍ فالعفو أولى به وللمستشير حق الاستشارة ، والشكر للمشير عليكَ على ما ابداه من رأي مهما كان وللمستنصِح الحق في طلب النصيحة ، وعلى الناصح الرفق واللين بالمنصوح وتعتبر الاستشارة اليوم من أعظم الحقول المهنية في المجتمعات المتطورة ، وهي ترتبط بالقضاء والقانون والتجارة .

وعلى مستوى النظام السياسي : مهما كان لونه ، فهناك : حاكم ومحكوم فللحاكم ان يلحظ بعين العطف ضعف الرعية وحاجتهم للعزّة ، وللمحكوم أن يَعينَ الحاكم العادل على حكمه وتعزيز قوته وإمام الصلاة جماعةً متفضلٌ على المأمومين بما كفاهم ذلك المقام أمام الله ، وللمؤذن حق الشكر .

وعلى مستوى نظام التعليم : فالأصل في التعلم هو العلاقة الطيبة بين الاستاذ والتلميذ والمنهج فللمعلم حق التعظيم والإقبال عليه ، وللمتعلم حق النصح والإرشاد .

وعلى مستوى الأسرة : فالزوجية هي المستراح والأنس والوقاية ، ولكلٍ من الزوجين حقوق وواجبات وحقوق الأبوين برّهما لأنهما أصل الإنسان ومصدر رزقه يوم كان عاجزاً عن كسبه ، وحق الأولاد حسن التأديب ، وحق الأخ أن تنصحه وتحنّ إليه وأن تتخذه ظهراً لك .

وعلى مستوى الناس : الإحسان إلى الجار ونصرته ، وإظهار الحسن الطيب للجليس ، وصحبة الصديق بالفضل ، والإخلاص للشريك ، وتوقير الكبير ، والعفو عن الصغير ، ونشر جناح الرحمة على جميع الناس .

وعلى مستوى الأمان الإجتماعي : حرمة بسط اليد إلى ما لا تحلّ للإنسان ، أي حرمة العنف والإعتداء والغصب والسرقة .

وعلى مستوى العبادة : فحق الله الأكبر هو عبادته بإخلاص وتفانٍ عبر الصلاة التي هي وفادةٌ بخشوع وذلّة ورهبة إلى الله تعالى ، والصوم وهو سترٌ على الإنسان من النّار ، والحج وهو وفادةٌ اخرى إلى الله تعالى عندما يفرٌّ الإنسان من ذنوبه .


وعلى مستوى الإنسان والأخلاق : فعلى الإنسان أن يستعمل نفسه في طاعة الله ، وان يعوّد لسانه على ألفاظ الخير ، وأن ينزّه سمعه من الغيبة وفاحش القول ، وأن يغض بصره عن المحارم ، وأن لا يمشي برجليه إلى ما لا يحلّ له ، وأن لا يبسط يديه إلى ما لا تحلّ له ، وأن لا يأكل الحرام ولا يعمل الحرام .

وعلى مستوى الإدارة المالية في المجتمع : فأن لا يأخذ المال إلاّ من حلّه ، ولا يصرفه إلاّ في ذلك ، وأن يردَّ مال الغريم ، وأن يعطي السائل ما يكفيه ، فيُشكَرْ على ذلك ، وأن ينفق ما يستطيع بالكتمان والعلانية ، والكتمان أولى .

ج ـ نص الرسالة

اعلم ـ رحمكَ الله ـ أن لله عز وجل عليك حقوقاً محيطة بك في كل حركةٍ تحركتَها ، أو سكنةٍ سكنتَها ، أو حالٍ حلتَها ، أو منزلةٍ نزلتَها ، أو جاريةٍ قلبتَها ، أو آلةٍ تصرفتَ بها ، بعضُها أكبرُ من بعض ، وأكبرُ حقوقِ اللهِ عليك ما أوجبه لنفسه تبارك وتعالى من حقه الذي هو أصلُ الحقوقِ ومنه تتفرع .

ثم ما أوجبَهُ عليكَ لنفسِكَ من قرنك إلى قدمِكَ على اختلاف جوارحك فجعل لبصرك عليك حقاً ، ولسمعك عليك حقاً ، وللسانك عليك حقاً ، وليدك عليك حقاً ، ولرجلك عليك حقاً ، ولبطنك عليك حقاً ، ولفرجك عليك حقاً فهذه الجوارحُ السبع التي بها تكونُ الأفعالُ .

ثم جعل عزّ وجلّ لأفعالكَ عليك حقوقاً ، فجعلَ لصلاتك عليك حقاً ، ولصومك عليك حقاً ، ولصدقتك عليك حقاً ، ولهديك عليك حقاً ، ولأفعالك عليك حقاً .


ثم تخرُجُ الحقوقُ منك إلى غيرك من ذوي الحقوق الواجبة عليك ، وأوجبها عليك حق أئمتك ، ثم حقوقُ رعيتكَ ، ثم حقوقُ رَحمِكَ ، فهذه حقوقٌ تنشعبُ منها حقوقٌ فحقوقُ أئمتك ثلاثةٌ أوجبها عليك : حقّ سائسك بالسلطان ، ثم سائِسِكَ بالعلمِ ، ثم حقّ سائسك بالملكِ ، وكلّ سائسٍ إمام(١)

وحقوقُ رعيتك ثلاثة أ,جبها عليك : حقّ رعيتك بالسلطان ، ثم حقّ رعيتك بالعلم فإنّ الجاهل رعيّة العالم ، وحقّ رعيتك بالملك من الأزواج وما ملكت من الإيمان .

وحقوقُ رحمك كثيرة متصلةٌ بقدر اتصال الرحم في القرابة فأوجبُها عليك : حقّ أمّك ، ثم حقّ أبيك ، ثم حقّ ولدك ، ثم حقّ أخيك ، ثم الأقرب فالأقرب ، والأولى فالأولى ، ثم حقّ مولاك المنعمُ عليكَ ، ثم حقّ مولاك الجارية نعمته عليك ، ثم حقّ ذي المعروف لديك ، ثم حقّ مؤذّنك بالصلوة ، ثم حقّ إمامك في صلاتك ، ثم حقّ جليسك ، ثم حقّ جارك ، ثم حقّ صاحبك ، ثم حقّ شريكك ، ثم حقّ مالك ، ثم حقّ غريمك الذي تطالبه ، ثم حقّ غريمك الذي يطالبك ، ثم خليطك ، ثم حقّ خصمك المدعى عليك ، ثم حقّ خصمك الذي تدعى عليه ، ثم حقّ مستشيرك ، ثم المشير عليك ، ثم مستنصحك ، ثم حقّ سائلك ، ثم حقّ من سألته ، ثم حقّ من جرى لك على يديه مساءةٌ بقولٍ أو فعلٍ ، أو مسَّرةٌ بذلك بقولٍ أو فعل عن تعمد منه أو غير تعمدٍ منه ، ثم حقّ أهل ملّتك عامة ، ثم حقّ أهلِ الذمةِ ، ثم الحقوق الجارية بقدر علل الأحوال وتصرّف الأسباب ، فطوبى لمن أعانهُ الله على قضاء ما أوجبه عليه من حقوقه ، ووفقهُ وسددهُ .

ــــــــــــــــ

(١) السائس : القائم بأمرٍ والمدبر له .


١ ـ ( فأما حقّ اللهِ الأكبرُ عليكَ ( :

فأن تعبدُهُ لا تشرِكَ به شيئاً ، فاذا فعلت ذلك بإخلاص جعل لك على نفسه أن يكفيك أمرَ الدنيا والآخرة ، ويحفظَ لكَ ما تحِبُّ منهما .

٢ ـ ( وأما حقّ نفسِك عليك ( :

فأن تستوفيها في طاعة الله عزّ وجلّ فتؤدي إلى لسانِك حقّهُ ، وإلى سمعك حقّه ، وإلى بصرِك حقّه وإلى يدكَ حقّها ، وإلى رجلكَ حقّها ، وإلى بطنك حقّه ، وإلى فَرجِك حقّه ، وستعين بالله على ذلك .

٣ ـ ( وأما حقّ اللسان ( :

فإكرامه عن الخنا(١) ، وتعويدُهُ على الخير ، وحملُهُ على الأدبِ ، وإجمامه إلا لموضع الحاجة والمنفعة للدين والدنيا ، وإعفاؤه من الفضول الشنعة القليلة الفائدة التي لا يؤمنُ ضررها مع قلة عائدتها .

ويعدّ شاهد العقل والدليل عليه ، وتزين العاقل بعقله حسن سيرته في لسانه ، ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم .

ــــــــــــــــ

(١) الخنا : الفحش من الكلام .


٤ ـ ( وأما حقّ السمع ( :

فتنزيهه عن أن تجعله طريقاً إلى قلبك ، إلاّ لفوهة كريمة ، تُحدثُ في قلبك خيراً ، أو تكسبُ خلقاً كريماً ، فإنه بابُ الكلام إلى القلب ، يؤدي إليه ضروبُ المعاين على ما فيها من خير أو شرّ ، ولا قوة إلا بالله .

٥ ـ ( وأما حقُّ بصرك ( :

فغضُّهُ عما لا تَحِلّ لك ، وتركُ ابتذاله إلاّ لموضع عبرة تستقبِلُ بها بصراً ، أو تستفيدُ بها علماً ، فإنّ البصر بابُ الاعتبار .

٦ ـ ( وأما حقّ رجليك ) :

فان لا تمشي بهما إلى ما لا يَحِلّ لك ، ولا تجعلهما مطيَّتك في الطريق المستخفة بأهلها فيها ، فإنها حاملتُك ، وسالكةٌ بك مسَلك الدين ، والسبقُ لك ، ولا قوة إلاّ بالله .

٧ ـ ( وأما حقّ يدِكَ ) :

فأن لا تبسطها إلى ما لا يَحِلّ لك ، فتنال بما تبسطها إليه من الله العقوبة في الآجلِ ، ومن الناس اللائمة في العاجل(١) ، ولا تقبضَها عما افترض اللهُ عليها ، ولكن توقّرها بقبضها عن كثيرٍ مما لا يحلّ لها ، وبسطها إلى كثيرٍ مما ليس عليها ، فإذا هي قد عُقِلَت وشُرّفت في العاجل ، ووجبَ لها حسن الثواب من الله في الآجل .

٨ ـ ( وأما حقُّ بطنكَ ) :

فأن لا تجعَلُه وعاءً لقليلٍ من الحرام ولا لكثيرٍ ، وأن تقتصدَ له في الحلال ، ولا تخرجَهُ من حدّ التقوية إلى حد التهوين ، وذهاب المرؤة وضبطُهُ إذا هُمَّ بالجوع والظمأ ، فان الشبع المنتهي بصاحبه إلى التُّخَم مكسلةٌ ومثبتطةٌ ومقطعةٌ عن كلّ برٍّ وكرمٍ وإنّ الريّ المنتهي بصاحبه إلى السّكر مسخفةٌ ومجهلةٌ(٢) ، ومذهبةٌ للمرؤة .

ــــــــــــــــ

(١) أي عذاب الدنيا والآخرة فعذاب الدنيا هو لسان اللائمة من الناس ، واما عذاب الآخرة فعقوبة الله .

(٢) المجهلة : ما يحملك على الجهل .


٩ ـ ( وأما حقُّ فرجِكَ ( :

فحِفظُهُ مما لا يَحِلّ لك ، والاستعانة عليه بغضّ البصر فإنه من أعون الأعوان ، وكثرة ذكر الموت ، والتهدّد لنفسك بالله ، والتخويفِ لها به ، وباللهِ العصمةُ والتأييدُ ، ولا حول ولا قوة إلاّ به .

ثم حقوقُ الأفعال :

١٠ ـ ( وأما حقُّ الصلاةِ ( :

فأنْ تعلمَ أنها وفادةٌ إلى اللهِ ، وأنك قائمٌ بها بين يدي الله ، فإذا علمتَ ذلك كنتَ خليقاً أن تقومَ فيها مقام الذليل الراغب الراهب ، والخائف الراجي المسكين المتضرع ، المعظّم من قام بين يديه بالسكونِ أو الإطراق(١) وخشوع الأطراف ، ولين الجناحِ ، وحُسنِ المناجاة له في نفسه ، والرغبة إليه في فكاك رقبتك التي أحاطت بها خطيئتُك ، واستهلكتها ذنوبُكَ ، ولا قوة إلاّ بالله .

ــــــــــــــــ

(١) الإطراق ( من أطرق الرجل ) : أرخى عينيه فينظر إلى الأرض .


وحقُّ الحجِ(١)

أن تعلم أنه وفادةٌ إلى ربك ، وفرارٌ إليه من ذنوبك ، وبه قبول توبتك ، وقضاءُ الفرضِ الذي أوجبهُ الله عليك .

١١ ـ ( وأما حقّ الصوم ( :

فأن تعلم انه حجابٌ ضربه الله على لسانك وسمعك وبصرك وفرجك وبطنك ، ليسترك به من النار ، وهكذا جاء في الحديث : ( الصّوم جنّة من النّار ) فإن سكنت أطرافك في حجبتها(٢) ، رجوت أن تكون محجوباً ، وإن أنت تركتها تضطرب في حجابها ، وترفع جنبات الحجاب فتطلع إلى ما ليس لها بالنظرة الداعية للشهوة ، والقوة الخارجة عن حدّ التقية لله لم تأمنْ من أن تخرقَ الحجاب وتخرج منه ، ولا قوة إلاّ بالله .

١٢ ـ ( وأما حقُّ الصدقة ( :

فأنْ تعلمَ أنها ذخرك عند ربّك ، ووديعتك التي لا تحتاج إلى الإشهاد ، فإذا علمت ذلك كنت بما استودعته سراً أوثق منك بما استودعتهُ علانيةً ، وكنتَ جديراً أن لا تكونَ أسررتَ إليه أمراً أعلنتَهُ ،

ــــــــــــــــ

(١) ولم يذكر حق الحج في (تحف العقول) ، وذكره في (الخصال) .

(٢) الحَجَبَة بالتحريك : جمع حاجب .


وكان الأمرُ بينك وبينه فيها سراً على كل حال ، ولم تستظهر عليه فيما استودعته منها باشهاد الأسماع والأبصار عليه بها ، كأنها أوثق في نفسك ، وكأنك لا تثقُ به في تأدية وديعتك إليك ، ثم لم تمتنّ بها على أحدٍ ، لأنها لك فإذا امتننت بها لم تأمن أن تكون بها مثل تهجين(١) حالك منها إلى من مننت بها عليه لأنّ في ذلك دليلاً على أنك لم تُرد نفسك بها ، ولو أردت نفسك بها لم تمتنّ بها على أحد ، ولا قوة إلا بالله .

١٣ ـ ( وأما حقُّ الهَدي ) :

فأن تُخلِص بها الإرادةَ إلى ربّك ، والتعرض لرحمته وقبوله ، ولا تُريدَ عيونَ الناظرين دونهُ ، فإذا كنت كذلك لم تكن متكلفاً ولا متصنّعاً وكنتَ إنما تقصدُ إلى الله واعلم أنّ الله يُرادُ باليسير ، ولا يُراد بالعسير كما أراد بخلقه التيسير ، ولم يُرِدْ بهم التعسير وكذلك التذلُّل أولى بك من التدهقن(٢) ، لأن الكلفة والمؤونةَ في المتدهقنينَ فأما التذلّل والتمسكنُ فلا كلفةَ فيهما ، ولا مؤونةَ عليهما ، لأنهما موجودانِ في الطبيعةِ ، ولا قوةَ إلا باللهِ .

ــــــــــــــــ

(١) التهجين : التقبيح والتحقير .

(٢) التدهقن ، وتدهقن أي صار دهقاناً وهو رئيس القربة وزعيم العشيرة ويراد به ضد التمسكن والتذلل تمسكن : خضع وأخبت .


ثم حقوقُ الأئمةِ :

١٤ ـ (فأما حقّ سائسك بالسلطان ) :

فأن تعلم أنك جُعلت له فتنةٌ ، وأنه مبتلى فيك بما جعله الله له عليك من السلطان ، وأن تُخلص له في النصيحة ، وأن لا تُماحكَهُ(١) وقد بُسطت يدُهُ عليك ، فتكون سبب هلاك نفسك وهلاكه ، وتذلّل وتلطّف لأعطائه من الرضا ما يكُفُّه عنك ولا يضرّ بدينك ، وتستعين عليه في ذلك بالله ولا تُعازَّه(٢) ولا تُعاندَهُ فإنك إن فعلت ذلك عققتَه ، وعققتَ نفسك(٣) ، فعرضتها لمكروهه ، وعرضته للهلكة فيك ، وكنت خليقاً أن تكون معيناً له على نفسك ، وشريكاً فيما أتى إليك ولا قوةَ إلا بالله .

١٥ ـ ( فأما حقّ سائسِك بالعلم ) :

فالتعظيمُ له ، والتوقيرُ لمجلسه ، وحسن الاستماع إليه ، والإقبالُ عليه ، والمعونةُ له على نفسك فيما لا غنى بك عنه من العلم ، بأن تُفرِّغَ له علمك ، وتُحضره فهمك ، وتزكّي له قلبكَ ، وتُجلّي له بصرَك ، بتركِ اللذاتِ ، ونقصِ الشهواتِ ، وأن تعلمَ أنكَ فيما ألقى

ــــــــــــــــ

(١) لا تماحكه : لا تخاصمه ولا تنازعه .

(٢) لا تعازّه : لا تعارضه في العزّة .

(٣) عققت : عصيت وآذيت .


 [ إليك ] رسولُهُ إلى من لقيك من أهل الجهل ، فلزِمَك حسنُ التأدية عنه إليهم ، ولا تخنهُ في تأدية رسالته والقيام بها عنه إذا تقلدتها ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

١٦ ـ ( وأما حقُّ سائسِك بالملك ) :

فنحوٌ من سائسك بالسلطان ، إلا أنّ هذا يملك ما لا يملكه ذاكَ تلزِمُك طاعتُه فيما دقّ وجلّ منك إلا أن يُخرِجَك من وجوب حقّ الله ، ويحول بينك وبين حقه وحقوق الخلق ، فإذا قضيته رجعت إلى حقه(١) ، فتشاغلت به ، ولا قوة إلا بالله .

ثم حقوقُ الرعيةِ :

١٧ ـ ( فأما حقوقُ رعيتِكَ بالسلطانِ ( :

فأن تعلمَ أنكَ إنما استرعيتَهُم بفضل قوتك عليهم ، فإنه إنما أحلّهم محلّ الرعية لك ضعفُهم وذلّهم ، فما أولى من كفاكَهُ ضعفُهُ وذلُّهُ حتى صيّره لك رعيةً ، وصيّر حكمك عليه نافذاً لا يمتنعُ منك بعزّةٍ ولا قوةٍ ، ولا يستنصرُ فيما تعاظمه منك إلا [ بالله ] بالرحمةِ والحياطة والأناه ( ، وما أولاكَ إذا عرفت ما أعطاكَ الله من فضل هذه العزَّةِ والقوةِ التي قهرتَ بها أن تكون لله شاكراً ، ومن شكرَ الله أعطاهُ فيما أنعمَ عليه ، ولا قوةَ إلا بالله .

ــــــــــــــــ

(١) أي إذا قضيت حق الله فارجع إلى أداء حق مالكك .

(٢) الحياطة : الحفاظة والحماية والصيانة الآناة ( كقناة ) : الوقار والحلم ، وأصله الانتظار .


١٨ ـ ( وأما حقّ رعيَّتِك بالعلمِ ) :

فأن تعلَم أنّ الله جعلك لهم خازناً فيما آتاك من العلم ، وولاكَ من خزانة الحكمة ، فإن أحسنت فيما ولاكَ الله من ذلك ، وقُمتَ به لهم مقام الخازن الشفيع الناصح لمولاهُ في عبيده ، الصابر المحتسب الذي إذا رأى ذا حاجة أخرج له من الأموال التي في يديه ، كنت راشداً ، وكنت لذلك آملاً (١) معتقداً وإلا كنت له خائناً ، ولخلقه ظالماً ، ولسلبه وعزّه متعرضاً .

١٩ ـ ( وأما حقُّ رعيتك بملكِ النكاحِ ) :

فأنْ تعلم أنّ الله جعلها سكناً ومستراحاً واُنساً وواقيةً ، وكذلك كلّ واحدٍ منكما يجب أن يحمد الله على صاحبه ، ويعلم أنّ ذلك نعمةٌ منه عليه ووجب أن يُحسنَ صُحبة نعمة الله ويُكرمها ويرفق بها ، وإن كان حقّك عليها أغلظَ ، وطاعتُكَ بها ألزم فيما أحببت وكرهتَ ، ما لم تكن معصيةً ، فإن لها حقّ الرحمة والمؤانسة ، ولا قوة إلا بالله .

ــــــــــــــــ

(١) الآمل : خادم الرجل وعونه الذي يأمله .


٢٠ ـ ( وأما حقّ رعيتك بملك اليمين ( :

فأن تعلم أنّه خلق ربّك ، ولحمك ودمك وأنك لم تملكه لا أنت صنعته دون الله ، ولا خلقت له سمعا ولا بصراً ، ولا أجريت له رزقاً ، ولكن الله كفاك ذلك ثم سخّرَهُ لك وائتمنك عليه ، واستودعك إياه لتحفظه فيه ، وتسير فيه بسيرته ، فتُطعمه مما تأكل ، وتلبسه مما تلبس ، ولا تكلّفه ما لا يطيق ، فإن كرهته خرجت إلى الله منه ، واستبدلت به ولم تعذّبْ خلقَ الله ، ولا قوة إلا بالله .

وأما حقُّ الرحمِ :

٢١ ـ ( فأما حقّ أمك ( :

أن تعلمَ أنها حملتك حيث لا يحمل أحدٌ أحداً ، وأطعمتك من ثمرة قلبها ما لم يُطعم أحدٌ أحداً ، وأنها وقتكَ بسمعها وبصرها ويدها ورجلها وشعرها وبشرها ، وجميع جوارحها مستبشرةً بذلك فرحةً ، محتملةً لما فيه مكروهها وألمها وثقلها وغمّها ، حتى دفعتها عنك يد القدرة ، وأخرجتك إلى الأرض ، فرضيت أن تشبع وتجوع هي ، وتكسوك وتعرى ، وترويك وتظمأ ، وتظلّك وتضحي ، وتنعّمك ببؤسها ، وتلذّذك بالنوم بأرقها ، وكان بطنُها لك وعاءً ، وحجرها لك حواء(١) ، وثديُها لكَ سِقاءً ونفسُها لك وقاءً ، تباشرُ حرّ الدنيا وبرّدها لك ودونَك ، فتشكُرها على قدر ذلك ، ولا تقدرُ عليه إلا بعون الله وتوفيقه .

٢٢ ـ ( وأمّا حقّ أبيك ( :

فأن تعلم أنه أصلُك ، وأنكَ فرعُهُ ، وأنكَ لولاه لم تكن فمهما رأيتَ في نفسك مما يعجبك ، فاعلمْ أن أباكَ أصلُ النعمة عليك فيه ، واحمدِ اللهِ واشكرهُ على قدر ذلك ، ولا قوة إلا بالله .

٢٣ ـ ( وأمّا حقّ ولدك ) :

فأن تعلمَ أنه منك ، ومضافٌ إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره وأنك مسؤولٌ عما ولّيته من حُسنِ الأدبِ ، والدلالة على ربه ، والمعونة له على طاعته فيك وفي نفسه ، فمثابٌ على ذلك ومعاقبٌ ، فاعمل في أمره عمل المتزيّن بحسن أثره عليه في عاجل الدنيا ، المُعذر إلى ربه فيما بينك وبينه بحسن القيام عليه ، والأخذ له منهُ ، ولا قوة إلا بالله .

ــــــــــــــــ

(١) الحواء : ما يحتوي به الشيء من حوى الشيء إذا أحاط به من جهاته .


٢٤ ـ ( وأمّا حقّ أخيكَ ) :

فأن تعلمَ أنه يدُكَ التي تبسُطها ، وظهرُكَ الذي تلتجيءُ إليه ، وعزُّك الذي تعتمد عليه ، وقوتُكَ التي تصولُ بها فلا تتخذه سلاحاً على معصية الله ، ولا عُدَّةً للظلم لخلقِ الله ، ولا تَدعْ نُصرتَه على نفسه ، ومعونَتَه على عدوّه ، والحؤول بينه وبين شياطينه ، وتأدية النصيحة إليه ، والإقبال عليه في الله ، فإن انقاد إلى ربه ، وأحسن الاجابة له ، وإلا فليكن الله آثرَ عندك وأكرمَ عليك منه .

٢٥ ـ ( وأمّا حقّ المنعم عليك بالولاء) )

فأن تعلم أنه أنفق فيك ماله ، وأخرجك من ذلّ الرقّ ووحشته ، إلى عزّ الحرية واُنسها ، وأطلقك من أسر الملكة ، وفكّ عنك حلق العبودية وأوجدك رائحة العزّ ، وأخرجك من سجن القهر ، ودفع عنك العسر ، وبسط لك لسان الإنصاف ، وأباحك الدنيا كلّها ، فملّكك نفسك ، وحلّ أسرك ، وفرّغك لعبادة ربّك ، واحتمل بذلك التقصير في ماله فتعلم أنه أولى الخلق بك بعد أولى رحمك في حياتك وموتك ، وأحقّ الخلق بنصرك ومعونتك ، ومكانفتك(٢) في ذات الله ، فلا تؤثر عليه نفسك ما أحتاج إليك .

٢٦ ـ ( وأما حقّ مولاكَ ، الجارية عليه نعمتُك ) :

فأن تعلمَ أن الله جعلك حاميةً عليه ، وواقيةً وناصراً ومعقلاً ، وجعلهُ لك وسيلةً وسبباً بينك وبينه ، فبالحريِّ أن يحجُبَكَ عن النارِ ، فيكونُ في ذلك ثواب منه في الآجل ، ويحكمُ لك بميراثه في العاجل إذا لم يكن له رَحِمٌ ، مكافأةً لما أنفقتهُ من مالك عليه ، وقُمتَ به من حقه بعد إنفاق مالك ، فإن لم تقُم بحقّه خيف عليك أن لا يطيب له ميراثُه ، ولا قوة إلا باللهِ .

٢٧ ـ ( وأمّا حقّ ذي المعروفِ عليكَ ( :

فأن تشكرَهُ ، وتذكُرَ معروفَهُ ، وتنشُرَ له المقالة الحسنة ، وتُخلِصَ له الدعاءَ فيما بينَك وبين الله سبحانه ، فإنك إذا فعلت ذلك كنت قد شكرتَه سراً وعلانيةً ، ثم إن أمكنَ مكافأتُه بالفعلِ كافأتَهُ ، وإلا كُنتَ مُرصِداً له موطّناً نفسك عليها .

ــــــــــــــــ

(١) الوَلاء ( بالفتح ) : النصرة والملك والمحبة والصداقة والقرابة .

(٢) المكانفة : المعاونة .


٢٨ ـ ( وأمّا حقّ المؤذّن ) :

فأن تعلمَ أنه مُذكّرُك بربّك ، وداعيكَ إلى حظّك ، وأفضلُ أعوانك على قضاء الفريضة التي افترضها الله عليك ، فتشكُرَهُ على ذلك شُكرَكَ للمحسن إليك ، وعلمت أنه نعمةٌ من الله عليك لا شكّ فيها ، فأحسِنْ صحبةً نعمة الله عليها على كلّ حالٍ ولا حول ولا قوةَ إلا باللهِ .

٢٩ ـ ( وأمّا حقّ إمامك في صلواتك ) :

فأن تعلمَ أنه تقلّد السفارة فيما بينك وبين الله ، والوفادة إلى ربك وتكلّم عنك ، ولم تتكلّم عنه ، ودعا لك ولم تدعُ له ، وطلبَ فيك ، ولم تطلُبْ فيه ، وكفاكَ همّ المقام بين يدي الله ، والمسألةِ له فيك ، ولم تكفه ذلك ، فإن كان في شيءٍ من ذلك تقصيرٌ كان به دونك ، وإن كان آثماً لم تكن شريكه فيه ولم يكن له عليه فضلٌ فوقى نفسك بنفسه ، ووقى صلاتك بصلاته ، فتشكُرَ له ذلك ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

٣٠ ـ ( وأمّا حقّ الجليسِ ) :

فأن تُليّن له كنفك(١) ، وتُطيِبَ له جانبك ، وتُنصِفَه في مُجاراة اللفظ ولا تغرق(٢) في نزع اللحظ إذا لحظتَ ، وتقصد في اللفظ إلى إفهامه إذا لفظتَ ، وإن كنتَ الجليس إليه كنتَ في القيامِ عنهُ بالخيارِ ، وإن كان الجالس إليك كان بالخيارِ ، ولا تقومُ إلا بإذنه ، ولا قوةَ إلا بالله .

٣١ ـ ( وأمّا حقّ الجارِ ( :

فحفظهُ غائباً ، وكرامتُه شاهداً ، ونصرتُهُ ومعونتُهُ في الحالين جميعاً لا تتبعْ له عورةً ، ولا تبحثْ عن سوءةٍ لتعرفها ، فإن عرفتها منه عن غير إرادةٍ منك ولا تكلفٍ ، كنت لما علمتَ حصناً حصيناً ، وستراً ستيراً ، لو بحثتِ الأسنّةُ عنه ضميراً لم تتصل إليه لا نطوائهِ عليه ، لا تستمع عليه من حيث لا يعلَمْ لا تُسلّمه عند شديدة ، ولا تحسدهُ عند نعمة ، تقيلُ عثرتهُ وتغفر زلّته ، ولا تدّخرْ حلمك عنه إذا جهل عليك ، ولا تخرج أن تكون سلماً له تردّ عنه لسان الشتيمة ، وتبطُلُ فيه كيد حامل النصيحة ، وتعاشرُهُ معاشرةً كريمةً ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

ــــــــــــــــ

(١) الكنف : الجانب والظل .

(٢) يقال : تجاروا في الحديث : جرى كل واحد مع صاحبه ، ومنه مجاراة من لا عقل له أي الخوض معه في الكلام ولا تغرق : ولا تبالغ في أمره .


٣٢ ـ ( وأمّا حقّ الصاحب ) :

فأن تصحبَهُ بالفضل ما وجدت إليه سبيلاً ، وإلا فلا أقلّ من الإنصاف وأن تكرمه كما يكرمُك وتحفظه كما يحفظك ولا يسبقك فيما بينك وبينه إلى مكرمة ، فإن سبقك كافأته ، ولا تُقصِّرَ به عما يستحقّ من المودّة تُلزِمُ نفسَك نصيحتهُ ، وحياطتَهُ ، ومعاضدتَهُ على طاعة ربه ، ومعونته على نفسه ، فيما لا يهمّ به من معصية ربه ، ثم تكون عليه رحمةً ، ولا تكن عليه عذاباً ، ولا قوةَ إلا بالله .

٣٣ ـ ( وأمّا حقّ الشريكِ ) :

فإن غابَ كفيتَهُ ، وإن حضَرَ ساويتَهُ ، ولا تعزِمْ على حُكمِكَ دون حُكمه ، ولا تعمل برأيك دون مُناظرتِه ، وتحفظُ عليه مالَه ، وتتقي خيانته فيما عزّ أو هان ، فإنه بلغنا ( أن يدَ اللهِ على الشريكينِ ما لم يتخاونا ) ولا قوةَ إلا بالله .

٣٤ـ ( وأمّا حقُّ المالِ ( :

فأن لا تأخُذَه إلا من حلّه ، ولا تُنفقه إلا في حلّه ، ولا تحرّفهُ عن مواضعه ، ولا تصرفه عن حقائقه ، ولا تجعله إذا كان من الله إلا إليه ، وسبباً إلى الله ولا تؤثرَ به على نفسك من لعلّه لا يحمدك ، وبالحريّ أن لا يحسن خلافته في تركتكَ(١) ، ولا يعمل فيه بطاعة ربك فيذهب بالغنيمة وتبوء بالإثم والحسرة والندامة مع التبعة(٢) ، ولا قوة إلا بالله .

٣٥ ـ ( وأمّا حقّ الغريم(٣) المطالب لك ) :

فإن كنت موسراً أوفيته ، وكفيته وأغنيته ، ولم تردده وتمطله (٤) ، فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ( مطل الغنيّ ظلمٌ ) وإن كنت معسراً أرضيته بحسن القول ، وطلبت إليه طلباً جميلاً ورددته عن نفسك رداً لطيفاً ، ولم تجمع عليه ذهاب ماله ، وسوء معاملته ، فإنّ ذلك لؤم ، ولا قوة إلا بالله .

ــــــــــــــــ

(١) التركة ( بفتح وكسر ) : الشيء المتروك أي تركة الميت ( الميراث ( .

(٢) التبعة : ما يترتب على الفعل من الشر ، وربما يستعمل في الخير أيضاً .

(٣) الغريم : الدائن ويطلق أيضاً على المديون .

(٤) المطل : التسويف والتعلل في أداء الحق وتأخيره عن وقته .


٣٦ ـ ( وأمّا حقّ الخليط )

فأن لا تغرّه ، ولا تغشّه ، ولا تكذبه ، ولا تغفّله ، ولا تخدعه ، ولا تعمل في انتفاضه عمل العدوّ الذي لا يبقى على صاحبه ، وإن اطمأنّ إليك أستقصيت(٢) له على نفسك ، وعلمت أن غبن المسترسل رباً(٣)

ثم حقّ الخصم :

٣٧ ـ ( وأمّا حقّ الخصم المدّعي عليك ) :

فإن كان ما يدّعي عليك حقاً لم تنفسخ في صحبته ، ولم تعمل في إبطال دعوته ، وكنت خصم نفسك له ، والحاكم عليها والشاهد له بحقّه دون شهادة الشهود ، فإن ذلك حقّ الله عليك وإن كان ما يدّعيه باطلاً رفقت به ، وردعته ، وناشدته بدينه ، وكسرت حدتّه عنك بذكر الله ، وألقيت حشو الكلام ولغطه الذي لا يردّ عنك عادية عدوّك ، بل تبوء بإثمه ، وبه يشحذ عليك سيف عداوته ، لأن لفظة السوء تبعث الشرّ ، والخير مقمعةٌ للشّر ، ولا قوةً إلا بالله .

ــــــــــــــــ

(١) الخليط : المخالط كالنديم والشريك والجليس ونحوها .

(٢) استقصى في المسألة : بلغ الغاية فيها .

(٣) الاسترسال : الاستيناس إلى الإنسان والثقة به فيما يحدثه ، وأصله السكون والثبات وفي الحديث : ( غبن المسترسل سحت ) ، و( غبن المسترسل ربا ) .


٣٨ ـ ( وأمّا حقّ الخصم المدّعى عليه ( :

فإن كان ما تدّعيه حقاً أجملت في مقاولته(١) بمخرج الدعوى ، فإن للدعوى غلظةً في سمع الدّعى عليه ، وقصدت قصد حجّتك بالرفق ، وأمهل المهلة ، وأبين البيان ، وألطف اللطف ، ولم تتشاغل عن حجتك بمنازعته بالقيل والقال ، فتذهب عنك حجتك ، ولا يكون لك في ذلك دركٌ ، ولا قوة إلا بالله .

ثم حق المشاورة والنصيحة :

٣٩ ـ ( وأمّا حقّ المستشير ) :

فإن حضرك له وجه رأي جهدت له في النصيحة ، وأشرت عليه بما تعلم أنك لو كنت مكانه عملت به ، ليكن ذلك منك في رحمةٍ ولينٍ ، فإن اللين يؤنس الوحشة ، وأن الغلظ يوحش موضع الأنس ، وإن لم يحضرك له رأيٌ ، وعرفت له من تثق برأيه ، وترضى به لنفسك دللته عليه وأرشدته إليه فكنت لم تأله(٢) خيراً ولم تدّخره نصحاً ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

ــــــــــــــــ

(١) المقاولة : المجادلة والمباحثة .

(٢) لم تأله : لم تقصره من : ألا ، يألو .


٤٠ ـ ( وأمّا حقّ المشير عليك ( :

فلا تتّهمه فيما لا يوافقك من رأيه ، إذا أشار عليك فإنما هي الآراء وتصرّف الناس فيها وأختلافهم ، فكن عليه في رأيه بالخيار إذا أتهمت رأيه ، فأما تهمته فلا يجوز لك إذا كان عندك ممن يستحقّ المشاورة ، ولا تدع شكره على ما بدا لك من إشخاص رأيه ، وحسن وجه مشورته ، فإذا وافقك حمدت الله وقبلت ذلك من أخيك بالشكر والإرصاد بالمكافأة في مثلها إن فزع إليك ، ولا قوة إلا بالله .

٤١ ـ ( وأمّا حقّ المستنصح ( :

فإنّ حقّه أن تؤدي إليه النصيحة على الحق الذي ترى له أنه يحمل ، وتخرج المخرج الذي يلين على مسامعه وتكلّمه من الكلام بما يطيقه عقله ، فإنّ لكلّ عقلٍ طبقةً من الكلام يعرفه ويجتنبه ، وليكن مذهبك الرحمة ، ولا قوة إلا بالله .

٤٢ ـ ( وأمّا حقّ الناصح ) :

فأن تلين له جناحك ، ثم تشرئب(١) له قلبك ، وتفتح له سمعك ، حتى تفهم عنه نصيحته ، ثم تنظر فيها : فإن كان وفّق فيها للصواب حمدت الله على ذلك ، وقبلت منه ، وعرفت له نصيحته .وإن لم يكن وفّق لها ، رحمته ولم تتهمه ، وعلمت أنه لم يألك نصحاً ، إلا أنه أخطأ ، إلا أن يكون عندك مستحقاً للتهمة ، فلا تعبأ بشيءٍ من أمره على كلّ حالٍ ، ولا قوة إلا بالله .

ــــــــــــــــ

(١) إشرأب للشيء : مدّ عنقه لينظره ، والمراد ان تملأ قلبك من نصحه .


ثم حقّ السن :

٤٣ ـ ( وأمّا حقّ الكبير ( :

فإنّ حقّه توقير سنّه ، وإجلال إسلامه إذا كان من أهل الفضل في الإسلام بتقديمه فيه ، وترك مقابلته عند الخصام ، ولا تسبقه إلى طريقٍ ، ولا تؤمّه في طريق(١) ، ولا تستجهله ، وإن جهل عليك تحملّت ، وأكرمته بحقّ إسلامه مع سنّه ، فإنما حقّ السنّ بقدر الإسلام ، ولا قوة إلا بالله .

٤٤ ـ ( وأمّا حقّ الصغير ) :

فرحمته وتثقيفه وتعليمه والعفو عنه ، والستر عليه ، والرفق به ، والمعونة له ، والستر على جرائر حداثته ، فإن سببٌ للتوبة ، والمداراة له ، وترك مماحكته ، فإن ذلك أدنى لرشده .

ــــــــــــــــ

(١) من أمّ يؤمّ أي ولا تتقدمه .


ثم حقّ السائل والمسؤول :

٤٥ ـ ( وأمّا حقّ السائل ) :

فاعطاؤه إذا تيقنّت صدقه ، وقدرت على سد حاجته والدعاء له فيما نزل به ، والمعاونة له على طلبته وإن شككت في صدقه ، وسبقت إليه التهمة ، ولم تعزم على ذلك لم تأمن أن يكون من كيد الشيطان أراد أن يصدّك عن حظك ، ويحول بينك وبين التقرّب إلى ربّك ، تركته بستره ورددته رداً جميلاً وإن غلبت نفسك في أمره ، وأعطيته على ما عرض في نفسك منه فإنّ ذلك من عزم الأمور .

٤٦ ـ ( وأمّا حقّ المسؤول ) :

فحقّه إن أعطى قبل منه ما أعطى بالشكر له ، والمعرفة لفضله ، وطلب وجه العذر في منعه ، وأحسن به الظنّ ، وأعلم أنه إن منع فماله منع ، وأن ليس التثريب(١) في ماله وإن كان ظالماً فإن الإنسان لظلومٌ كفار .

٤٧ ـ ( وأمّا حقّ من سّرك الله به وعلى يديه ) :

فإن كان تعمّدها لك حمدت الله أولاً ثم شكرته على ذلك بقدره في موضع الجزاء ، وكافأته على فضل الإبتداء ، وأرصدت له المكافأة وإن لم يكن تعمّدها ، حمدت الله أولاً ثم شكرته وعلمت أنه منه ، توحّدك بها وأحببت هذا إذ كان سبباً من أسباب نعم الله عليك ، وترجو له بعد ذلك خيراً ، فإن أسباب النعم بركةٌ حيث ما كانت وإن كان لم يتعمد ، ولا قوة إلا بالله .

ــــــــــــــــ

(١) التثريب : التوبيخ والملامة .


٤٨ ـ ( وأمّا حقّ من ساءك القضاء على يديه بقولٍ أو فعلٍ ) :

فإن كان تعمّدها كان العفو أولى بك لما فيه له من القمع وحسن الأدب مع كثير من أمثاله من الخلق ، فإن الله يقول: ( وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ مَا عَلَيْهِم مِن سَبِيلٍ * إِنّمَا السّبِيلُ عَلَى الّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) )(١) وقال عز وجل : (( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ ) )(٢) هذا في العمد ، فإن لم يكن عمداً لم تظلمه بتعمد الإنتصار منه فتكون قد كافأة في تعمدٍ على خطأ ورفقت به ، ورددته بألطف ما تقدر عليه ولا قوة إلا بالله .

ــــــــــــــــ

(١) سورة الشورى : الآية ٤١ ـ ٤٣ .

(٢) سورة النحل : الآية ١٢٦ .


ثمّ حقّ بقية الناس :

٤٩ ـ ( وأمّا حقّ أهل ملّتك عامةً ) :

فإضمار السلامة ، ونشر جناح الرحمة ، والرفق بمسيئهم وتألّفهم ، واستصلاحهم ، وشكر محسنهم إلى نفسه وإليك ، فإن إحسانه إلى نفسه إحسانه إليك إذا كفّ عنك أذاه ، وكفاك مؤونته ، وحبس عنك نفسه ، فعمّهم جميعاً بدعوتك ، وانصرهم جميعاً بنصرتك ، وأنزلهم جميعاً منك منازلهم كبيرهم بمنزلة الوالد ، وصغيرهم بمنزلة الولد ، وأوسطهم بمنزلة الأخ فمن أتاك تعاهدته بلطفٍ ورحمةٍ ، وصل أخاك بما يجب للأخ على أخيه .

٥٠ ـ ( وأمّا حقّ أهل الذمة ( :

فالحكم فيهم أن تقبل منهم ما قبل الله ، وتفي بما جعل الله لهم من ذّمته وعهده ، وتكلهم إليه فيما طلبوا من أنفسهم ، وتحكم فيهم بما حكم الله به على نفسك فيما جرى بينك وبينهم من معاملةٍ ، وليكن بينك وبين ظلمهم من رعاية ذمة الله ، والوفاء بعهده ، وعهد رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسلم حائلٌ ، فانه بلغنا أنه قال : ( من ظلم معاهداً كنت خصمه ) فاتّق الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

(الخاتمة)

فهذه خمسون حقاً محيطاً بك ، لا تخرج منها في كل حالٍ من الأحوال يجب عليك رعايتها ، والعمل في تأديتها والاستعانة بالله جلّ ثناؤه على ذلك ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، والحمد لله ربّ العالمين(١)

ــــــــــــــــ

(١) تحف العقول ص ١٨٣ ـ ١٩٦ .


رسالة السجادعليه‌السلام في الزهد

وهذه رسالة في الزهد للسجادعليه‌السلام دوّنت في حياته ، فادرجناها في الآثار المدوّنة .

أ ـ في سند الرسالة

نقل الكليني ( ت ٣٢٩ هـ ) هذه الرسالة عن : محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى وعلي بن إبراهيم ، عن أبيه ، جميعاً عن الحسن بن محبوب ، عن مالك بن عطية ، عن أبي حمزة ، قال : ( ما سمعت بأحد من الناس كان أزهد من علي بن الحسينعليه‌السلام إلا ما بلغني من علي بن أبي طالبعليه‌السلام وكان الإمام علي بن الحسينعليه‌السلام إذا تكلم في الزهد ووعظ أبكى من بحضرته ) وأضاف أبو حمزة : ( قرأت صحيفةً فيها كلام زهدٍ من كلام علي بن الحسينعليه‌السلام وكتبت ما فيها ، ثم أتيت علي بن الحسين صلوات الله عليه فعرضت ما فيها عليه ، فعرفه وصححه ) .

والرواية صحيحة السند ، والرواة في سلسلتها كلهم من الثقات .

ب ـ نص رسالة الزهد

 ( بسم الله الرحمن الرحيم كفانا الله وإياكم كيد الظالمين وبغي الحاسدين وبطش الجبّارين أيها المؤمنون لا يفتننكم الطواغيت وأتباعهم من أهل الرغبة في هذه الدنيا ، الماثلون إليها ، المفتتنون بها ، المقبلون عليها وعلى حطامها الهامد ، وهشيمها البائد غداً واحذروا ما حذّركم الله منها ، وازهدوا فيما زهّدكم الله فيه منها ، ولا تركنوا إلى ما في هذه الدنيا ركون من اتّخذها دار قرار ومنزل استيطان .

والله إن لكم مما فيها عليها لدليلاً وتنبيهاً ، من تصريف أيامها ، وتغيّر انقلابها ومثلاتها ، وتلاعبها بأهلها إنها لترفع الخميل وتضع الشريف ، وتورد أقواماً إلى النار غداً ، ففي هذا معتبر ومختبر وزاجر لمتنبّه .

إن الأمور الواردة عليكم في كل يوم وليلة من مظلمات الفتن ، وحوادث البدع ، وسنن الجور ، وبوائق الزمان ، وهيبة السلطان ، ووسوسة الشيطان لتثّبط القلوب عن تنبهها ، وتذهلها عن موجود الهدى ، ومعرفة أهل الحق إلا قليلاً ممن عصم الله ، فليس يعرف تصرّف أيامها وتقلب حالاتها وعاقبة ضرر فتنتها إلا من عصم الله ، ونهج سبيل الرشد ، وسلك طريق القصد ، ثم استعان على ذلك بالزهد ، فكرّر الفكر واتعط بالصبر فازدجر ، وزهد في عاجل بهجة الدنيا وتجافى عن لذاتها ، ورغب في دائم نعيم الآخرة ، وسعى لها سعيها ، وراقب الموت ، وشنأ الحياة مع القوم الظالمين .


انظر إلى ما في الدنيا بعين نيّرة حديدة البصر ، وأبصر حوادث الفتن وضلال البدع وجور الملوك الظلمة ، فلقد لعمري استدبرتم الأمور الماضية في الأيام الخالية من الفتن المتراكمة والانهماك فيما تستدلون به على تجنب الغواة وأهل البدع والبغي والفساد في الأرض بغير الحق ، فاستعينوا بالله وارجعوا إلى طاعة الله وطاعة من هو أولى بالطاعة ممن اتبع فأطيع .

فالحذر الحذر من قبل الندامة والحسرة والقدوم على الله والوقوف بين يديه ، وتالله ما صدر قوم قطّ عن معصية الله إلا إلى عذابه ، وما آثر قوم قطّ الدنيا على الآخرة إلا ساء منقلبهم وساء مصيرهم ، وما العلم بالله والعمل إلا إلفان مؤتلفان ، فمن عرف الله خافه ، وحثّه الخوف على العمل بطاعة الله ، وإن أرباب العلم وأتباعهم الذين عرفوا الله فعملوا له ورغبوا إليه ، وقد قال الله : (( إِنّمَا يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) )(١) ، فلا تلتمسوا شيئاً مما في هذه الدنيا بمعصية الله ، واشتغلوا في هذه الدنيا بطاعة الله ، واغتنموا أيامها واسعوا لما فيه نجاتكم غداً من عذاب الله ، فإن ذلك أقل للتّبعة وأدنى من العذر ، وأرجأ للنجاة .

ــــــــــــــــ

(١) سورة فاطر : الآية ٢٨ .


فقدّموا أمر الله وطاعة من أوجب الله طاعته بين يدي الأمور كلها ، ولا تقدموا الأمور الواردة عليكم من طاعة الطواغيت من زهرة الدنيا بين يدي الله وطاعته وطاعة أولي الأمر منكم .

واعلموا أنكم عبيد الله ونحن معكم ، يحكم علينا وعليكم سيد حاكم غداً ، وهو موقفكم ومسائلكم ، فأعدّوا الجواب قبل الوقوف والمساءلة والعرض على ربّ العالمين( يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلّمُ نَفْسٌ إِلّا بِإِذْنِهِ ... ) (١) .

واعلموا أن الله لا يصدّق يومئذ كاذباً ولا يكذّب صادقاً ، ولا يردّ عذر مستحق ، ولا يعذر غير معذور ، له الحجّة على خلقه بالرسل والأوصياء بعد الرسل .

فاتقوا الله عباد الله ، واستقبلوا في إصلاح أنفسكم ، وطاعة الله وطاعة من تولّونه فيها ، لعل نادماً قد ندم فيما فرّط بالأمس في جنب الله وضيّع من حقوق الله ، واستغفروا الله وتوبوا إليه ؛ فإنه يقبل التوبة ويعفو عن السيئة ويعلم ما تفعلون .

ــــــــــــــــ

(١) سورة هود : الآية ١٠٥ .


وإيااكم وصحبة العاصين ومعونة الظالمين ومجاورة الفاسقين ، احذروا فتنتهم ، وتباعدوا من ساحتهم ، واعلموا أنه من خالف أولياء الله ودان بغير دين الله ، واستبدّ بأمره دون أمر ولي الله كان في نار تلتهب ، تأكل أبداناً قد غابت عنها أرواحها ، وغلبت عليها شقوتها ، فهم موتى لا يجدون حرّ النار ولو كانوا أحياء لوجدوا مضض حر النار .

واعتبروا يا أولي الأبصار ، واحمدوا الله على ما هداكم ، واعلموا أنكم لا تخرجون من قدرة الله إلى غير قدرته ، وسيرى الله عملكم ورسوله ثم إليه تحشرون ، فانتفعوا بالعظة وتأدّبوا بآداب الصالحين )(١)

ــــــــــــــــ

(١) الكافي للشيخ الكليني ج ٨ ص ١٧ .


الفصل الخامس : نصوصٌ منتقاةٌ

النصوص التالية هي حكم وأقوال منتخبة للإمام علي بن الحسينعليه‌السلام في حقول دينية وحياتية شتى ، جمعها فكر الإمامعليه‌السلام وهي على تنوعها ، تعكس إمام السجادعليه‌السلام بالعلوم الإلهية ومنابع الفيض السماوي على الإمامعليه‌السلام

في الدين والحياة

تناول الإمام زين العابدينعليه‌السلام في خطابه الإرشادي إلى الناس جملة من المفاهيم الدينية حول صفات الإنسان وطبيعة إيمانه ، والدنيا ووجوه اغراءتها ، والآثار الشخصية والإجتماعية للإحسان ، ومجموعة من سنن الأنبياءعليهم‌السلام ، وطرق تعاملهم مع الناس ومتون تلك الأحاديث تعبّر عن شمولية الدين لمناحي الحياة ودور القيم الأخلاقية في تهذيبها .


الدين :

١ ـ جماع الدين : تقدم رجل إلى الإمام السجادعليه‌السلام فسأله عن كيفية الدعوة إلى الدين ؟ فقالعليه‌السلام : ( ادعوك إلى الله تعالى وإلى دينه ، وجماعه أمران الأول : معرفة الله والآخر : العمل برضوانه وإن معرفة الله أن تعرفه بالوحدانية ، والرأفة والرحمة ، والعلم والقدرة ، والعلو على كل شيء ، وأنه النافع الضار القاهر لكل شيء الذي لا تدركه الأبصار ، وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير وأن محمداً عبده ورسوله ، وأن ما جاء به هو الحق من عند الله تعالى ، وأن ما سواهما هو الباطل فإذا أجابوا إلى ذلك فلهم ما للمسلمين ، وعليهم ما على المسلمين )(١)

الذنب :

٢ ـ أنواع الذنوب : النص التالي للإمام زين العابدينعليه‌السلام يكشف عن طبيعة الذنوب ومقتضياتها :

) الذنوب التي تغير النعم : البغي على الناس ، والزوال عن العادة في الخير واصطناع المعروف ، وكفران النعم ، وترك الشكر ، قال الله تعالى : (( إِنّ اللّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّى‏ يُغَيّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) (٢) .

والذنوب التي تورث الندم : قتل النفس التي حرّم الله ، قال الله تعالى في قصة قابيل حين قتل أخاه فعجز عن دفنه : (( فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ ) )(٣) ، وترك صلة القرابة حتى يستغنوا ، وترك الصلاة حتى يخرج وقتها ، وترك الوصية ورد المظالم ، ومنع الزكاة حتى يحضر الموت وينغلق اللسان .

ــــــــــــــــ

(١) التهذيب للشيخ الطوسي ج ٢ ص ٤٧ .

(٢) سورة الرعد : الآية ١١ .

(٣) سورة المائدة : الآية ٣١ .


والذنوب التي تنزل النقم : عصيان العارف ، والتطاول على الناس ، والاستهزاء بهم ، والسخر بهم .

والذنوب التي تدفع النعم : أظهار الإفتقار ، والنوم عن العتمة(١) ، وعن صلاة الغداة ، واستحقار النعم ، وشكوى المعبود .

والذنوب التي تهتك العصم : شرب الخمر ، واللعب بالقمار ، وتعاطي ما يضحك الناس من اللغو والمزاح وذكر عيوب الناس ، ومجالسة أهل الريب .

والذنوب التي تنزل البلاء : ترك اغاثة الملهوف ، وترك معونة المظلوم ، وتضييع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

والذنوب التي تديل الأعداء : المجاهرة بالظلم ، واعلان الفجور ، وإباحة المحظور ، وعصيان الأخيار ، واتباع الأشرار .

والذنوب التي تعجّل الفناء : قطيعة الرحم ، واليمين الفاجرة ، والأقوال الكاذبة ، والزنا ، وسد طرق المسلمين ، وادعاء الإمامة بغير حق .

والذنوب التي تقطع الرجاء : اليأس من روح الله ، والقنوط من رحمة الله ، والثقة بغير الله ، والتكذيب بوعد الله .

ــــــــــــــــ

(١) العتمة : وقت صلاة العشاء .


والذنوب التي تظلم الهواء : السحر والكهانة ، والإيمان بالنجوم ، والتكذيب بالقدر ، وعقوق الوالدين .

والذنوب التي تكشف الغطاء : الاستدانة بغير نية الأداء ، والإسراف في النفقة على الباطل ، والبخل على الأهل والولد وذي الأرحام ، وسوء الخلق ، وقلّة الصبر ، واستعمال الضجر ، والاستهانة بأهل الدين .

والذنوب التي ترد الدعاء : سوء النية وخبث السريرة ، والنفاق مع الاخوان ، وترك التصديق بالإجابة ، وتأخير الصلوات المفروضات حتى تذهب أوقاتها ، وترك التقرب إلى الله عزّ وجلّ بالبر والصدقة ، واستعمال البذاء والفحش في القول ، والزور وكتمان الشهادة ، ومنع الزكاة والقرض والماعون ، وقساوة القلوب على أهل الفقر والفاقة ، وظلم اليتيم والأرملة ، وانتهار السائل ورده بالليل )(١)

الإنسان :

٣ ـ أعين العبد : ( ان للعبد أربعة أعين : عينان يبصر بهما أمر دينه ودنياه ، وعينان يبصر بهما أمر آخرته فإذا أراد الله بعبدٍ خيراً فتح له

ــــــــــــــــ

(١) معاني الأخبار للشيخ الصدوق ص ٧٨ .


العينين اللتين في قلبه فأبصر بهما الغيب وأمر آخرته وإذا أراد به غير ذلك ترك القلب بما فيه )(١)

٤ ـ الإنسان والقسم : ( لا تحلفوا إلا بالله ، ومن حلف بالله فليصدق ومن حلف له بالله فليرض ومن حلف له بالله فلم يرض فليس من الله )(٢)

٥ ـ وثاقة الإنسان وعدالته : ( إذا رأيتم الرجل قد حسن سمته وهديه ، وتمادى في منطقه ، وتخاضع في حركاته ، فرويداً لا يغرنكم ، فما أكثر من يعجزه تناول الدنيا ، وركوب الحرام منها ، لضعف بنيته ومهانته ، وجبن قلبه ، فنصب الدين فخّاً له ، فهو لا يزال يختل الناس بظاهره فإن تمكن من حرام أقتحمه .

وإذا وجدتموه يعفّ عن المال الحرام فرويداً لا يغرنكم ، فإن شهوات الخلق مختلفة ، فما أكثر من يتأبى عن الحرام وإن كثر ، ويحمل نفسه على شوهاء قبيحة ، فيأتي منها محرماً.

فإذا رأيتموه كذلك فرويداً لا يغرنكم حتى تنتظروا عقدة عقله ، فما أكثر من ترك ذلك أجمع ثم لا يرجع إلى عقل متين ، فيكون ما يفسده بجهله أكثر مما يصلحه بعقله .

ــــــــــــــــ

(١) الخصال ج ١ ص ١٠٦ .

(٢) بحار الأنوار ج ٢٤ ص ١٢ .


فإذا وجدتم عقله متيناً فرويداً لا يغرنكم حتى تنظروا أيكون هواه على عقله ، أم يكون عقله على هواه ؟ وكيف محبته للرياسة الباطلة وزهده فيها ؟ فإن في الناس من يترك الدنيا للدنيا ، ويرى أن لذة الرياسة الباطلة أفضل من رياسة الأموال والنعم المباحة المحللة ، فيترك ذلك أجمع طلباً للرياسة ، حتى إذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالأثم فحسبه جهنم وبئس المهاد فهو يخبط خبط عشواء ، يقوده أول باطله إلى أبعد غايات الخسارة ، ويمد به بعد طلبه لما لا يقدر في طغيانه ، فهو يحلّ ما حرم الله ، ويحرّم ما أحلّ الله لا يبالي ما فات من دينه إذا سلمت له الرياسة التي قد شقي من أجلها فأولئك الذين غضب الله عليهم ولعنهم وأعدّ لهم عذاباً أليماً .

ولكن الرجل كل الرجل الذي جعل هواه تبعاً لأمر الله ، وقواه مبذولة في قضاء الله ، يرى الذلّ مع الحق أقرب إلى عز الأبد مع العز في الباطل ، ويعلم أن قليل ما يحتمله من ضرائها يؤدي إلى دوام النعيم في دار لا تبيد ولا تنفد ، وأن كثيراً ما يلحقه من سرائها إن اتبع هواه يؤدي به إلى عذاب لا انقطاع له ولا زوال فذلك الرجل تمسكوا به ، واقتدوا بسنته ، وإلى ربكم توسلوا به ، فإنه لا تردّ له دعوة ، ولا يخيب من طلبه )(١)

ــــــــــــــــ

(١) الأحتجاج ج ٢ ص ١٧٥ وتنبيه الخواطر ص ٣١٦ .


٦ ـ عليك نفسك : ( كفى بالمرء عيباً أن يبصر من الناس ما يعمى عليه من نفسه ، أو يؤذي جليسه بما لا يعنيه )(١)

٧ ـ يا بن آدم : ( ان الله يقول يا ابن آدم أرض بما أتيتك تكن من أزهد الناس ، واعمل بما افترضت عليك تكن من أعبد الناس ، واجتنب عما حرّمت عليك تكن من أورع الناس )(٢)

٨ ـ حقٌ يفي بأهل الأرض : جاء إليه رجلٌ برجلٍ يزعم انه قاتل أبيه ، وقد اعترف به ، ووجب عليه القصاص فسأله علي بن الحسينعليه‌السلام العفو ليعظم ثوابه ، فلم تطب نفس ابن المقتول بالعفو فقالعليه‌السلام : ( إن كان لهذا القاتل عليك حقٌ ، فهب له هذه الجناية ، واغفر له ذنبه ) فقال : يا ابن رسول الله ، له عليّ حق لم يبلغ العفو عن قتل أبي .

فقالعليه‌السلام : ( فماذا تريد منه ؟ ) قال : أريد القود فإن أراد المصالحة صالحته وتركت القود لأجل حقه فقالعليه‌السلام : ( ما حقه عليك ؟ ) قال : انه علمني توحيد الله ونبوة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإمامة علي والأئمةعليه‌السلام فقال السجادعليه‌السلام : ( ألم تر أن هذا يفي بدم أبيك بلى

ــــــــــــــــ

(١) أصول الكافي على هامش مرآة العقول ج ٢ ص ٤٢٨ .

(٢) تحف العقول ص ٦٨ .


والله ان هذا ليفي بدماء أهل الأرض كلهم من الأولين والآخرين ، سوى الأنبياء والأئمة إن قتلوا فإنه لا يفي بدمائهم شيء )(١)

الموت :

٩ ـ الموت للمؤمن والكافر : ( الموت للمؤمن كنزع ثياب وسخة ، وفك أغلال ثقيلة ، والاستبدال بأفخر الثياب ، وأوطأ المراكب .

وللكافر كخلع ثياب فاخرة ، والنقل من منازل أنيسة ، والاستبدال بأوسخ الثياب وأخشنها ، وأوحش المنازل وأعظمها )(٢)

المؤمن :

١٠ ـ صفات المؤمن : ( المؤمن خلط عمله بحلمه ، يجلس ليعلم ، وينصت ليسلم ، لا يحدّث بالأمانة للاصدقاء ، ولا يكتم الشهادة للبعداء ، ولا يعمل شيئاً من الحق رياءً ، ولا يتركه حياءً إن زكّي خاف مما يقولون ، ويستغفر الله لما لا يعلمون ، ولا يضره جهل من جهله )(٣)

ــــــــــــــــ

(١) الأحتجاج للطبرسي ص ١٧٠ .

(٢) معاني الأخبار باب ١٣٦ .

(٣) تحف العقول ص ٢٨٠ .


١١ ـ الدعاء للمؤمن بظهر الغيب : ( إن الملائكة إذا سمعوا المؤمن يدعو لأخيه بظهر الغيب أو يذكره بخير ، قالوا : نعم الأخ أنت لأخيك ، تدعو له بالخير ، وهو غائب عنك ، وتذكره بخير قد أعطاك الله مثليّ ما سألت له ، وأثنىا عليك مثليّ ما أثنيت عليه ، ولك الفضل عليه .

وإذا سمعوه يذكر أخاه بسوء ويدعو عليه ، قالوا له : بئس الأخ أنت لأخيك ، كف أيها المستر على ذنوبه وعورته ، واربع على نفسك ، واحمد الله الذي ستر عليك ، واعلم أن الله أعلم بعبده منك )(١)

١٢ ـ المتحابون في الله : ( إذا جمع الله الأولين والآخرين نادى منادٍ يسمعه الناس يقول : أين المتحابون في الله ؟ فيقوم عنق من الناس ، فيقال لهم : اذهبوا إلى الجنة بغير حساب ، فتتلقاهم الملائكة ويسألونهم عن العمل الذي جاز بهم إلى الجنة ، فيقولون : نحن المتحابون في الله فيقولون : وأي شيء كانت أعمالكم ؟ فيقولون : كنا نحب في الله ، ونبغض في الله فيقولون لهم : نعم أجر العاملين )(٢)

١٣ ـ أهل الفضل : ( إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ : ليقم أهل الفضل فيقوم ناس قبل الحساب ، فيقال لهم : انطلقوا إلى الجنة ،

ــــــــــــــــ

(١) أصول الكافي ج ٢ ص ٥٠٨ .

(٢) وسائل الشيعة ج ١١ ص ٤٣٢ .


فتتلقاهم الملائكة ويسألونهم إلى أين ؟ فيقولون : إلى الجنة فإذا سألوهم عما استحقوا ذلك ، يقولون : كنا إذا جهل علينا حلمنا ، وإذا ظلمنا صبرنا ، وإذا أسيء إلينا غفرنا فيقال لهم : ادخلوا الجنة فنم أجر العاملين

ثم ينادي منادٍ : ليقم جيران الله عزّ وجلّ ، فيقوم ناس ، فيقال لهم : انطلقوا إلى الجنة فتسألهم الملائكة عما استحقوا ذلك ، وما مجاورتهم لله عزّ وجلّ ؟ فيقولون : كنا نتزاور في الله ، ونتجالس في الله ، ونتبادل في الله ، فيقولون : ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين )(١)

١٤ ـ علامات المؤمن : قال الإمام زين العابدينعليه‌السلام : ( علامات المؤمن خمس ) فقال له طاووس اليماني : وما هي يا ابن رسول الله ؟ قالعليه‌السلام : ( الورع في الخلوة ، والصدقة في القلّة ، والصبر عند المصيبة ، والحلم عند الغضب ، والصدق عند الخوف )(٢)

١٥ ـ من أخلاق المؤمن : ( من أخلاق المؤمن : الإنفاق على قدر الإقتار(٣) ، والتوسعة على قدر التوسع ، وانصاف الناس ، وابتداؤه بالسلام عليهم )(٤)

ــــــــــــــــ

(١) حلية الأولياء ج ٣ ص ١٥٩ .

(٢) الخصال ص ٢٤٥ .

(٣) الإقتار : ضيق المعيشة .

(٤) أصول الكافي ج ٢ ص ٢٤١ .


١٦ ـ منجيّات المؤمن : ( ثلاث منجيّات للمؤمن : كف لسانه عن الناس وعن اغتيابهم ، وشغله بما ينفعه لدنياه وآخرته ، وطول بكائه على خطيئته )(١)

١٧ ـ لطفه تعالى بالمؤمن : ( ان العبد المؤمن ليطلب الإماة والتجارة ، فإذا اشرف من ذلك على ما يهوى بعث الله إليه ملكاً يصدّه عن أمرٍ لو دخل فيه لاستحق النار فينزل الملك ويصدّه عن ذلك الأمر بلطف الله تعالى ، ويصبح العبد يقول لقد دهاني من دهاني ، فعل الله به وفعل وما يدري ان الله جلّ وعلا هو الناظر له في ذلك ولو تركه وذلك الشيء لدخل النار ( .

١٨ ـ الخطوتان والجرعتان والقطرتان : ( ما من خطوة أحب إلى الله تعالى من خطوتين : خطوةٌ يسد بها المؤمن صفاً في سبيل الله ، وخطوة إلى ذي رحم قاطع وما من جرعة أحب إلى الله تعالى من جرعتين : جرعة غيظ يردها بحلم ، وجرعة مصيبة يردها بصبر وما من قطرة أحبّ إلى الله تعالى من قطرتين : قطرة دم في سبيل الله وقطرة دمعة في سواد الليل لا يرد بها عبدٌ إلا الله عزّ وجلّ ((٢) .

١٩ ـ من شروط الأمان يوم القيامة : ( ثلاث من كنّ فيه كان في كنف الله تعالى وأظله يوم القيامة في ظل عرشه وآمنه من الفزع

ــــــــــــــــ

(١) الدر النظيم ص ١٧٤ .

(٢) الخصال ج ١ ص ٢٦ .


الأكبر : من اعطى الناس من نفسه ما هو سائلهم لنفسه ، ورجلٌ لم يقدم يداً ولا رجلاً حتى يعلم انه في طاعة الله قدمها أو في معصيته ، ورجلٌ لم يعب أخاه بعيبٍ حتى يترك ذلك العيب من نفسه وكفى بالمرء شغلاً بعيبه عن عيوب الناس )(١)

٢٠ ـ أهل الحكمة : ( لا تحتقر اللؤلؤة النفيسة ان تجلبها من الكبا الخسيسة(٢) ، فان أبي حدثني قال سمعت أمير المؤمنينعليه‌السلام يقول : ان الكلمة من الحكمة لتلجلج(٣) في صدر المنافق نزاعاً إلى مظانها حتى يلفظ بها فيسمعها المؤمن فيكون أحق بها وأهلها ، فيلقفها )(٤)

المنافق :

٢١ ـ صفات المنافق : ( المنافق ينهى ولا ينتهي ، ويأمر ولا يأتي ، إذا قام للصلاة اعترض ، وإذا ركع ربض ، وإذا سجد نقر ، يمسي وهمه العشاء ولم يصم ، ويصبح وهمه النوم ولم يسهر )(٥)

ــــــــــــــــ

(١) تحف العقول ص ٦٨ .

(٢) الكبا : الكناسة .

(٣) لجلج في صدره : تردد .

(٤) بحار الأنوار ج ١ ص ٩٥ باب من يجوز أخذ العلم منه .

(٥) تحف العقول ص ٢٨٠ .


ومعنى ذلك ان المنافق قام للصلاة اعترض على وجوبها وناقش في نفعها ، وإذا ركع ربض أي هوى إلى الأرض كالغنم عند ربوضها ، وإذا سجد نقر مثله كمثل الطائر عند نقره الطعام .

أمراض الدنيا :

٢٢ ـ الكبر والحسد : ( ما من عمل أفضل عند الله تعالى بعد معرفة الله ، ومعرفة رسوله أفضل من بغض الدنيا وإن لذلك شعباً كثيرة ، وإن للمعاصي شعباً .

فأول ما عصي الله به الكبر ، وهو معصية ابليس حين أبى واستكبر ، وكان من الكافرين .

والحسد وهو معصية ابن آدم حيث حسد أخاه فقتله ، فتشعب من ذلك : حب النساء ، وحب الدنيا ، وحب الرياسة ، وحب الراحة ، وحب الكلام ، وحب العلو ، وحب الثروة فصرن سبع خصال ، فاجتمعن كلهن في حب الدنيا رأس كل خطيئة ، والدنيا دار بلاء )(١)

ــــــــــــــــ

(١) أصول الكافي باب ذم الدنيا .


صلة الرحم :

٢٣ ـ آثار صلة الرحم : ( من سره أن يمدّ الله في عمره ، وأن يبسط له في رزقه فليصل رحمه ، فإن الرحم لها لسان يوم القيامة ، ذلق(١) ، تقول : يا رب صل من وصلني ، واقطع من قطعني )(٢)

أقول : ان الرحم حقيقة عرفية ، أكد على صلتها الشرع الحنيف والرحم في الأصل كما في ( مفردات الراغب ) هو رحم المرأة واستعير للقرابة لكونهم خارجين من رحمٍ واحدٍ فالمتصل بالسبب خارج عنهم .

قال الشهيد الأول ( ت ٧٨٦ هـ ) في القواعد : ( ان الصلة المأمور بها لا حقيقة لها شرعية ولا لغوية ، فتختلف باختلاف العادات وبعد المنازل وقربها وتصدق بكل ما تتحقق به ، وأدناه السلام بنفسه ثم برسوله والدعاء بظهر الغيب والثناء في المحضر وأعظم الصلة ما فيه جلب نفع للنفس ودفع ضرر عنها والواجب من صلة الأرحام ما يخرج به عن القطيعة المحرمة بل قيل انها من الكبائر ، وغيره مستحب )(٣)

ــــــــــــــــ

(١) ذلقٌ : لسانٌ فصيحٌ .

(٢) بحار الأنوار للمجلسي .

(٣) القواعد ص ٢١٤ .


الإحسان :

٢٤ ـ الإطعام والإكساء : ( من أطعم مؤمناً من جوع أطعمه الله من ثمار الجنة ، ومن سقى مؤمناً عن ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم ، وأيما مؤمن كسى مؤمناً من عري ، لم يزل في ستر الله وحفظه ما بقيت منه خرقة )(١) و( من أطعم مؤمناً حتى يشبع ، لم يدر أحد من خلق الله ما له من الأجر في الآخرة لا ملك مقرب ، ولا نبي مرسل إلا الله رب العالمين ) و( من موجبات المغفرة إطعام المسلم السغبان(٢) ) ثم تلا قوله تعالى :( أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ ) (٣) .

٢٥ ـ قضاء حاجات المؤمن : ( من قضى لأخيه حاجة قضى الله له مائة حاجة ، ومن نفس عن أخيه كربة نفسّ الله عنه كربه يوم القيامة ، بالغاً ما بلغت ومن أعانه على ظالم له ، أعانه الله على إجازة الصراط عند دحض الأقدام ومن سعى له في حاجة حتى قضاها له فسرّ بقضائها ، كان كإدخال السرور على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن سقاه من ظمأ ، سقاه الله من الرحيق المختوم ومن أطعمه من جوع ، أطعمه الله من ثمار الجنة ومن كساه من عري ، كساه الله من استبرق

ــــــــــــــــ

(١) المؤمن للحسين بن سعيد الأهوازي ص ٦٣ ح ١٥٩ .

(٢) السغبان : الجائع .

(٣) سورة البلد : الآية ١٤ ـ ١٦ .


وحرير ومن كساه من غير عري لم يزل في ضمان الله ما دام على المكسي من الثوب سلك ومن كفاه ما أهمه أخدمه الله من الولدان ومن حمله على راحلة بعثه الله يوم القيامة على ناقة من نوق الجنة يباهي به الملائكة ومن كفّنه عند موته كساه الله يوم ولدته أمه إلى يوم يموت ومن زوّجه زوجة يأنس بها ويسكن إليها ، آنسه الله في قبره بصورة أحب أهله إليه ومن عاده في مرضه حفته الملائكة تدعو له حتى ينصرف ، وتقول : طبت وطابت لك الجنة والله لقضاء حاجته أحب إلى الله من صيام شهرين متتابعين باعتكافهما في الشهر الحرام )(١)

٢٦ ـ الإنفاق : ( إني لأستحيي من ربي أن أرى أخاً من اخواني ، فأسأل الله له الجنة وأبخل عليه بالدينار والدرهم ، فإذا كان يوم القيامة قيل لي : لو كانت الجنة لك لكنت بها أبخل ، وأبخل ، وأبخل )(٢)

٢٧ ـ عموم الإحسان : ( إن أرفعكم درجات ، وأحسنكم قصوراً وأبنية [ في الجنة ] أحسنكم إيجاباً للمؤمنين ، وأكثركم مواساة لفقرائهم إن الله ليقرّب الواحد منكم إلى الجنة بكلمة طيبة يكلّم بها أخاه المؤمن الفقير ، بأكثر من مسيرة ألف عام يقدمه .

ــــــــــــــــ

(١) ثواب الأعمال ص ٨١ .

(٢) سير أعلام النبلاء ج ٤ ص ٢٣٩ .


٢٨ ـ ( من كتم علمه أحداً أو أخذ عليه أجراً لم ينتفع به أبداً )(١)

التجارة :

٢٩ ـ صدق التعامل : ( إذا التاجران صدقا وبرا ، بورك لهما وإذا كذبا وخانا ، ولم يبارك لهما ) .

٣٠ ـ الرزق الحلال : ( الرزق الحلال قوت المصطفين ( .

الفضائل :

٣١ ـ أداء الأمانة : ( عليكم باداء الأمانة ، فوالذي بعث محمداً بالحق نبياً لو أن قاتل أبي الحسين بن علي أئتمنني على السيف الذي قتله به لأديته إليه )(٢) .

٣٢ ـ العمل بالسنّة : ( أفضل الأعمال عند الله ما عمل بالسنّة )(٣)

٣٣ ـ شكر المخلوق للمخلوق : ( لقد استرقك بالوّد من سبقك بالشكر )(٤) ) إن الله تعالى يجب كل قلب حزين ويجب كل عبد

ــــــــــــــــ

(١) حلية الأولياء ج ٣ ص ١٤٠ .

(٢)  دار السلام للنوري ج ٢ ص ١٤٠ .

(٣) الوافي ج ١ ص ٦٧ .

(٤) نهاية الأرب في فنون الأدب ج ٢١ ص ٣٣١ .


شكور ويقول الله لعبدٍ من عبيدة يوم القيامة : أشكرت فلاناً ؟ فيقول : بل شكرتك يا رب فيقول الله سبحانه : لم تشكرني إن لم تشكره ) ثم قالعليه‌السلام : ( أشكركم أشكركم للناس )(١)

الشرح : ان شكر المخلوق يقتضي أمرين :

الأول : ان شكر المخلوق بأمر الله تعالى ، فيكون شكره شكراً لله ويؤيده قول أمير المؤمنينعليه‌السلام : ( لا يحمد حامدٌ إلا ربه ) فشكر الإنسان المحسن مما أمر به المولى عزّ وجلّ فيكون الشكر في النهاية لله تعالى .

الثاني : ان الحقيقة الإجتماعية لشكر الناس بعضهم بعضاً هو توثيق أواصر الأخوة والمحبة بينهم وإلى هذا المعنى أمر الله نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالدعاء لمن اتاه بالزكاة ، فقال عزّ وجل : (( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِم بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ) (٢) .

٣٤ ـ إيثار الخالق على المخلوق : ( إن الله جل جلاله يقول : وعزتي وعظمتي ، وجمالي وبهائي ، وعلوي وارتفاع مكاني لا يؤثر عبدٌ هواي على هواه إلا جعلت همه في آخرته ، وغناه في قلبه ، وكففت عنه

ــــــــــــــــ

(١) أصول الكافي ـ باب الشكر .

(٢) سورة التوبة : الآية ١٠٣ .


ضيعته ، وضمنت السموات والأرض رزقه ، وأتته الدنيا وهي راغمة )(١)

٣٥ ـ الغنى عما في أيدي الناس : ( ما استغنى أحد من الناس إلا افتقر الناس إليه)

٣٦ ـ عدم معاداة الناس : ( لا تعادين أحداً ، وإن ظننت أنه يضرك ) .

٣٧ ـ الإتكال على إختيار الله : ( من أتكل على حسن إختيار الله عزّ وجلّ له ، لم يتمن غير الحالة التي إختارها الله له ) .

٣٨ ـ قبول العذر : ( لا يعتذر إليك أحد إلا قبلت عذره ، وإن علمت أنه كاذب ) .

٣٩ ـ ستر العيوب : ( ليقلّ عيب الناس على لسانك ) .

٤٠ ـ الصدق والوفاء : ( خير مفاتيح الأمور الصدق ، وخير خواتيمها الوفاء ) .

٤١ ـ الكلام الحسن : ( لكل شيء فاكهة ، وفاكهة السمع الكلام الحسن ) و( القول الحسن يثري المال ، وينمي الرزق ، وينسأ في الأجل ، ويحبب إلى الأهل ، ويدخل الجنة )(٢)

٤٢ ـ فضل كلام الخير : سأل رجلٌ الإمامعليه‌السلام عن السكوت والكلام ، أيهما أفضل ؟ فقالعليه‌السلام : ( لكل واحد منهما آفات فإذا

ــــــــــــــــ

(١) وسائل الشيعة ج ١١ ص ٢٢٢ .

(٢) الخصال ص ٢٨٩ .


سلما من الآفات ، فالكلام أفضل ) ( إن الله سبحانه لم يبعث الأنبياء والأوصياء بالسكوت إنما بعثهم بالكلام ولا استحقت الجنّة بالسكوت ، إنما ذلك كله بالكلام وما كنت لأعدل القمر بالشمس )(١) وفي موضع آخر أوصى بالسكوت في بعض الحالات الإستثنائية : ( استعن على الكلام بالسكوت ، فإن للقول حالات تضرّ )

٤٣ ـ التواضع : ( سبب الرفعة التواضع ) .

٤٤ ـ الرضا بمكروه القضاء : ( الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين ) .

٤٥ ـ النظر لوجه المؤمن : ( نظر المؤمن في وجه أخيه المؤمن للمودة والمحبة عبادة ) .

٤٦ ـ العفو عند القدرة : ( إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو شكراً للمقدرة عليه فإن العفو عن قدرة ، فضلٌ من الكرم ) .

٤٧ ـ الدنيا وتفاهتها : سئل الإمامعليه‌السلام عن أعظم الناس خطراً ؟ فقالعليه‌السلام : ( من لم يرض الدنيا لنفسه خطراً ) .

٤٨ ـ الحلم عند الغضب : ( إنه ليعجبني الرجل أن يدركه حلمه عند غضبه ) .

٤٩ ـ التقوى : ( لا يقلّ عمل مع التقوى ، وكيف يقلّ ما يتقبل ؟ ) .

ــــــــــــــــ

(١) الإحتجاج ص ١٧٢ .


٥٠ ـ الشجاعة : ( النجدة الإقدام على الكريهة ، والصبر عند النائبة ، والذب عن الإخوان ( .

والمعنى : النجدة هي الشجاعة وشدة البأس والكريهة هي الحرب فمن مظاهر الشجاعة : المبارزة في الحرب ، والصبر عند المصيبة ، والدفاع عن الإخوان .

٥١ ـ الإقتصاد في المعيشة : ( لينفق الرجل بالقصد ، وبلغة الكفاف ، ويقدّم الفضل منه لىخرته فإن ذلك أبقى للنعمة ، وأقرب إلى المزيد من الله تعالى ، وأنفع في العاقبة ( .

والمعنى هو ان يقتصد الإنسان في معاشه ولا يسرف ، ويبذل الفاضل أو الباقي من ماله على موارد الإحسان التي يحبها الله تعالى كصلة الرحم ومعونة الفقير واليتيم ونحوه .

٥٢ ـ خصال الكمال : ( أربع من كنّ فيه كمل إسلامه ، ومحصت ذنوبه ، ولقي ربه عزّ وجلّ وهو عنه راضٍ : من وفى لله عزّ وجلّ بما يجعل على نفسه للناس ، وصدق لسانه مع الناس ، واستحيا من كل قبيح عند الله وعند الناس ، وحسن خلقه مع أهله )(١)

ــــــــــــــــ

(١) الخصال ص ٢٠٣ .


٥٣ ـ مكارم الأخلاق : ( لا حسب لقرشي ولا لعربي إلا بتواضع ، ولا كرم إلا بتقوى ، ولا عمل إلا بنية )(١) و( استتمام المعروف أفضل من إبتدائه ((٢) .

٥٤ ـ الصبر : ( الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، ولا إيمان لمن لا صبر له )(٣)

٥٥ ـ القناعة : ( من قنع بما قسم الله فهو من أغنى الناس )(٤)

الرذائل :

٥٦ ـ اللئم : ( اللئيم يأكل ماله الأعداء ، والذي خبث لا يخرج إلا نكداً ((٥) .

٥٧ ـ البطر : ( إن الجسد إذا لم يمرض يأشر ولا يخر في جسد يأشر )(٦) ويأشر : يبطر والمعنى أن المرض يعوّد الإنسان على معرفة النعمة ، فلا يبطر عندها الإنسان ولا يحجد نعمة الله تعالى.

ــــــــــــــــ

(١) الخصال ص ١٩ .

(٢) مشكاة الأنوار للطبرسي ص ٢٣٧ .

(٣) أصول الكافي ج ٢ ص ٨٩ .

(٤) وسائل الشيعة ج ١١ ص ٣٠٤ .

(٥) نزهة الناظر ص ٣٢ .

(٦) حلية الأولياء ج ٣ ص ١٣٤ .


٥٨ ـ الغرور : ( ربّ مغرور مفتون ، يصبح لاهياً ضاحكاً ، يأكل ويشرب ، وهو لا يدري لعله قد سبقت له من الله سخطة يصلى بها نار جهنم )(١)

٥٩ ـ رمي الناس : ( من رمى الناس بما هم فيه ، رموه بما ليس فيه ) .

٦٠ ـ اللجاجة : ( اللجاجة مقرونة بالجهالة ) .

٦١ ـ الحسد : ( الحسود لا ينال شرفاً ، والحقود يموت كمداً ) .

٦٢ ـ النفعية : ( بئس الأخ يرعاك غنياً ، ويقطعك فقيراً ) .

٦٣ ـ التكبر : ( عجبت للمتكبر الفخور ، الذي كان بالأمس نطفة ثم هو غداً جيفة ) .

٦٤ ـ المراء : ( المراء يفسد الصداقة القديمة ، ويحلّ العقدة الوثيقة ، وأقل ما فيه أن تكون به المغالبة ؛ والمغالبة من أمتن أسباب القطيعة )(٢)

٦٥ ـ الإبتهاج بالذنب : ( إياك والإبتهاج بالذنب ، فإن الإبتهاج بالذنب أعظم من ركوبه )(٣)

ــــــــــــــــ

(١) تحف العقول ص ٢٨٢ .

(٢) زهر الآداب ج ١ ص ١٠٢ .

(٣) الدر النظيم ص ١٧٣ .


٦٦ ـ الطمع : ( رأيت الخير كله قد اجتمع في قطع الطمع عما في أيدي الناس ومن لم يرج الناس في شيء ، وردّ أمره إلى الله تعالى في جميع أموره ، استجاب الله له كل شيء )(١)

٦٧ ـ العصبية : ( العصبية التي يأثم عليها صاحبها أن يرى الرجل شرار قومه من خيار قوم آخرين وليس من العصبية أن يحب الرجل قومه ، ولكن من العصبية أن يعين قومه على الظلم )(٢)

٦٨ ـ الكذب : ( ما يزال العبد يصدق حتى يكتبه الله صديقاً ، وما يزال العبد يكذب حتى يكتبه الله كذّاباً )(٣)

ما لا ينبغي فعله :

٦٩ ـ السؤال من غير حاجة : ( ضمنت على ربي أنه لا يسأل أحد من غير حاجة ، إلا اضطرته المسألة يوماً إلى أن يسأل من حاجة )(٤)

٧٠ ـ ما يؤدي إلى الإعتذار : ( إياك وما تعتذر منه )(٥)

ــــــــــــــــ

(١) وسائل الشيعة ج ٦ ص ٣١٤ .

(٢) أصول الكافي ج ٢ ص ٣٠٨ .

(٣) أصول الكافي ج ٢ ص ٢٢٣ .

(٤) وسائل الشيعة ج ٦ ص ٣٠٥ .

(٥) كشف الغمة ـ الأربلي .


٧١ ـ طلب الحوائج : ( طلب الحوائج إلى الناس مذلة للحياة ، ومذهبة للحياء ، واستخفاف بالوقار ، وهو الفقر الحاضر وقلة طلب الحوائج من الناس هو الغنى الحاضر ( .

٧٢ ـ ندب الحظ : ( من عتب على الزمان طالت معتبته ( .

٧٣ ـ قضاء الحوائج دون قصد القربة : ( إذا تكلفت عناء الناس كنت أغواهم ) والمعنى ان من تكلف قضاء حوائج الناس دون قصد القرية إلى الله كان أجهلهم لأنه ابتغى المشقة ولم يكسب الأجر الإلهي .

٧٤ ـ الجلوس والتكلم والسمع من كل من هبّ ودبّ : ( ليس لك أن تقعد مع من شئت فإن الله تبارك وتعالى يقول : (( وَإِذَا رَأَيْتَ الّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتّى‏ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمّا يُنسِيَنّكَ الشّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذّكْرَى‏ مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ ) ((١) .

وليس لك أن تتكلم بما شئت لأن الله تعالى يقول : (( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) )(٢) ولأن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ( رحم الله عبداً قال خيراً فغنم أو صمت فسلم ) وليس لك أن تسمع ما

ــــــــــــــــ

(١) سورة الأنعام : الآية ٦٨ .

(٢) سورة الإسراء : الآية ٣٦ .


شئت ، فان الله تعالى يقون : (( إِنّ الْسّمْعَ وَالْبَصَرَ كُلّ أُوْلئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ) )(١) .

٧٥ ـ ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : ( التارك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كنابذ كتاب الله وراء ظهره ، إلا ان يتقي تقاة ) فقيل له : ما تقاته ؟ قالعليه‌السلام : ( يخاف جباراً أن يفرط عليه أو أن يطغى )(٢)

٧٦ ـ الجهل بما يرويه المرء : ( لا يقول رجلٌ في رجلٍ من الخير ما لا يعلم إلا أوشك أن يقال فيه من الشر ما لا يعلم )(٣)

والحمد لله ربّ العالمين .

ــــــــــــــــ

(١) سورة الإسراء : الآية ٣٦ .

(٢) حلية الأولياء ج٣ ص ١٤٠ .

(٣) عيون الأخبار لأبن قتيبة ج ١ ص ٢٧٥ .


الفهرست

المقدمة ٣

محتويات الكتاب : ٥

الفصل الأول : الترجمة التأريخية ٥

ولادة علي بن الحسين عليه‌السلام ٥

الأم الموحدة ودلالة ( لتلدن لك خير أهل الأرض ) ٨

مراحل حياة الإمام علي بن الحسين ( ٣٨ ـ ٩٥ هـ ) ١٤

المرحلة الأولى : ( سنة ٣٨ ـ ٦١ هـ ) ١٥

الاحتفاء بالمولود ١٦

في الأسرة ١٩

أخلاقه وأدبه عليه‌السلام مع أبويه ٢٤

المرحلة الثانية : ( سنة ٦١ ـ ٦٧ هـ ) ٢٧

في كربلاء ( محرم سنة ٦١ هـ ) ٢٨

في الكوفة ( محرم سنة ٦١ هـ ) ٣٠

سياسة آل البيت عليه‌السلام بعد الطف.. ٣٢

خطابات آل البيت عليه‌السلام: ٣٤

مواراة أجساد قتلى آل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: ( ١٣ محرم سنة ٦١ هـ ) ٤٤

في الشام ( محرم / صفر سنة ٦١ هـ) ٤٦

الأول : تذكير الناس وإرشادهم. ٤٧

الثاني : مواجهة الظالم. ٥٠

خطبة زينب بنت علي عليه‌السلام.... ٥٢

الثالث : خطبة الإمام عليه‌السلام في مجلس يزيد. ٥٧

دلالات خطبة السجاد عليه‌السلام: ٦٠

الإصباح في الشام : ٦١


تنصل يزيد من مسؤولية قتل الحسين عليه‌السلام.... ٦١

إلى المدينة ( صفر / ربيع أول سنة ٦١ هـ) ٦٤

في مدينة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم..... ٦٥

مواريث الإمامة ٦٩

السجاد الحزين عليه‌السلام.... ٧٢

حركة التوابين : سنة ٦٥ هـ ٨١

حركة المختار : سنة ٦٦ هـ ٨٤

المرحلة الثالثة : ( سنة ٦٧ ـ ٩٥ هـ) ٨٧

في أيام عبدالملك بن مروان ( ٧٣ ـ ٨٦ هـ) ٨٩

عبدالملك بن مروان والإمام زين العابدين عليه‌السلام.... ٩٠

في أيام الوليد بن عبد الملك ( ٨٦ ـ ٩٦ هـ) ١٠٠

الوليد والإمام زين العابدين عليه‌السلام.... ١٠١

مع هشام بن عبد الملك.. ١٠٤

الإمام عليه‌السلام في شخصيته ١١١

الأيام الأخيرة ١١٦

وصايا السجاد عليه‌السلام لأهل بيته ١١٧

وصايا السجاد عليه‌السلام لإبنه الباقر عليه‌السلام.... ١٢٠

الإستشهاد ١٢٤

الفصل الثاني : الخصائص الشخصية ١٢٧

الإمامة ١٢٧

النص الخاص على إمامة زين العابدين عليه‌السلام.... ١٣٩

صفات الأئمة عليه‌السلام.... ١٤٣

الأفضلية ١٤٦

الأفضلية في العلم. ١٥٠


أ ـ القرآن الكريم : ١٥١

أولاً : أهمية القرآن : ١٥٢

ثانياً : تفسير القرآن : ١٥٦

ب ـ الحديث الشريف : ١٦٤

أولاً : ما رواه عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: ١٦٥

ثانياً : ما رواه عن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام.... ١٧٣

ج ـ فقه العبادات : ١٨٠

د ـ في علم الكلام : ١٨٥

الأفضلية في الحلم وحسن الخلق. ١٨٩

الأفضلية في الإحسان. ١٩٣

الأفضلية في الزهد. ١٩٩

الزهد في فكر الإمام عليه‌السلام.... ٢٠١

الأفضلية في العبادة ٢٠٥

في صلاة الليل : ٢١٣

شهر رمضان : ٢١٩

صور من دعائه في شهر رمضان : ٢٢١

في الحج : ٢٢٩

صور من دعائه في الحج : ٢٣١

الأفضلية في الإنابة ٢٤٣

الفصل الثالث : المعالم الإجتماعية ٢٤٨

السلطة السياسية ٢٤٨

المعارضة اللفظية : ٢٦١

تحليل لموقف الإمام زين العابدين عليه‌السلام : ٢٦٦

مشكلة الفقر ٢٦٩


جملة من المفارقات : ٢٦٩

الطبقة الحاكمة وتبذير بيت المال : ٢٧٤

الفقر والحرمان : ٢٧٦

المشكلة العلمية ٢٧٨

القضاء والقدر : ٢٧٩

طلب العلم : ٢٨١

تلامذة السجاد عليه‌السلام ٢٨٣

تحريك الوضع العلمي : ٢٨٧

مشكلة العصبية ٢٨٨

المشكلة الأخلاقية ٢٩٢

مشكلة الرقّ. ٢٩٥

العبودية بين الدين والاقتصاد : ٢٩٧

المعارضة المسلحة ٣٠٠

الفصل الرابع : الآثار المدوّنة ٣٠٤

الصحيفة السجادية ٣٠٥

أ ـ في سند الصحيفة ووثاقتها ٣٠٥

مصادر الصحيفة : ٣١٠

ب ـ الدلالات العلمية للصحيفة ٣١١

ج ـ قضية استغفار المعصوم عليه‌السلام.... ٣١٦

د ـ مقاطع منتخبة من أدعية الصحيفة السجادية : ٣١٩

الدعاء الأول : التحميد لله عزّ وجلّ. ٣١٩

الدعاء الثاني : الصلاة على محمد وآله ٣١٩

الدعاء الثالث : الصلاة على حلمة العرش. ٣٢٠

الدعاء الرابع : الصلاة على مُصدقِّي الرُسل. ٣٢٠


الدعاء الخامس : دعاؤُه لنفسه وخاصته ٣٢٠

الدعاءُ السادس : دعاؤُه الصباح والمساء ٣٢١

الدعاءُ السابع : دعاؤُه في المهمَّات.. ٣٢١

الدعاءُ الثامن : دعاؤُهُ في الاستعاذةِ ٣٢١

الدعاءُ التاسع : دعاؤُهُ في الاشتياق إلى طلب المغفرة ٣٢١

الدعاءُ العاشر : في اللجؤ إلى الله تعالى. ٣٢٢

الدعاءُ الحادي عشر : دعاؤُهُ بخواتم الخير. ٣٢٢

الدعاءُ الثاني عشر : دعاؤُهُ في الاعتراف وطلب التوبة ٣٢٢

الدعاءُ الثالث عشر : دعاؤُهُ في طلب الحوائج إلى الله تعالى. ٣٢٣

الدعاءُ الرابع عشر : دعاؤُهُ في الظًّلامَات.. ٣٢٣

الدعاءُ الخامس عشر : دعاؤُهُ عند المرض.. ٣٢٣

الدعاءُ السادس عشر : دعاؤُهُ في الاستقالة من الذنوب.. ٣٢٤

الدعاءُ السابع عشر : دعاؤُهُ على الشيطان. ٣٢٤

الدعاءُ الثامن عشر : دعاؤُهُ في المحذُورات.. ٣٢٥

الدعاءُ التاسع عشر : دعاؤُهُ في الاستسقاء ٣٢٥

الدعاءُ العشرون : دعاؤُهُ في مكارمِ الأخلاقِ. ٣٢٥

الدعاءُ الحادي والعشرون : دعاؤُهُ إذا حَزَنهُ أمرٌ ٣٢٦

الدعاءُ الثاني والعشرون : دعاؤُهُ عند الشدَّة ٣٢٦

الدعاءُ الثالث والعشرون : دعاؤُهُ بالعافية ٣٢٧

الدعاءُ الرابع والعشرون : دعاؤُهُ لابويه ٣٢٧

الدعاءُ الخامس والعشرون : دعاؤُهُ لوُلْدِهِ ٣٢٧

الدعاءُ السادس والعشرون : دعاؤُهُ لجيرانهِ وأوليائهِ ٣٢٧

الدعاءُ السابع والعشرون : دعاؤُهُ لأهل الثغُور ٣٢٨

الدعاءُ الثامن والعشرون : دعاؤُهُ في التفزُّعِ إلى الله عزّ وجلّ. ٣٢٨


الدعاءُ التاسع والعشرون : دعاؤُهُ إذا قُتّرَ عليهِ الرزقُ. ٣٢٨

الدعاءُ الثلاثون : دعاؤُهُ في المعونةِ على قضاءِ الدَّينِ. ٣٢٩

الدعاءُ الحادي والثلاثون : دعاؤُهُ بالتَّوبةِ ٣٢٩

الدعاءُ الثاني والثلاثون : دعاؤُهُ في صلاةِ الليلِ. ٣٣٠

الدعاءُ الثالث والثلاثون : دعاؤُهُ في الاستخارةِ ٣٣٠

الدعاءُ الرابع والثلاثون : دعاؤُهُ إذا ابتلي أو رأى مبتلىً بفضيحة أو بذنب.. ٣٣٠

الدعاءُ الخامس والثلاثون : دعاؤُهُ في الرضا بالقضاء ٣٣١

الدعاءُ السادس والثلاثون : دعاؤُهُ عند سماعِ الرَّعدِ. ٣٣١

الدعاءُ السابع والثلاثون : دعاؤُهُ في الشُّكرِ ٣٣١

الدعاءُ الثامن والثلاثون : دعاؤُهُ في الاعتذارِ ٣٣١

الدعاءُ التاسع والثلاثون : دعاؤُهُ في طلب العفو ٣٣١

الدعاءُ الأربعون : دعاؤُهُ عند ذكرِ الموتِ.. ٣٣٢

الدعاءُ الحادي والأربعون : دعاؤُهُ في طلب السَّترِ والوقايةِ ٣٣٢

الدعاءُ الثاني والأربعون : دعاؤُهُ عند ختمهِ القرآنَ. ٣٣٢

الدعاءُ الثالث والأربعون : دعاؤُهُ إذا نظرَ إلى الهلالِ. ٣٣٣

الدعاءُ الرابع والأربعون : دعاؤُهُ لدخولِ شهرِ رمضانَ. ٣٣٣

الدعاءُ الخامس والأربعون : دعاؤُهُ لوَداع شهرِ رمضانَ. ٣٣٣

الدعاءُ السادس والأربعون : دعاؤُهُ لعيدِ الفطرِ والجُمعة ٣٣٤

الدعاءُ السابع والأربعون : دعاؤُهُ في يوم عرفة ٣٣٤

الدعاءُ الثامن والأربعون : دعاؤُهُ في يوم الأضحى والجُمعة ٣٣٥

الدعاءُ التاسع والأربعون : دعاؤُهُ في دفعِ كيدِ الأعداءِ ٣٣٥

الدعاءُ الخمسون : دعاؤُهُ في الرهبة ٣٣٥

الدعاءُ الحادي والخمسون : دعاؤُهُ في التَضَرُّعِ والاستكانةِ ٣٣٦

الدعاءُ الثاني والخمسون : دعاؤُهُ في الالحاحِ على الله تعالى. ٣٣٦


الدعاءُ الثالث والخمسون : دعاؤُهُ في التذلُّل للهِ عزّ وجلّ. ٣٣٦

الدعاءُ الرابع والخمسون : دعاؤُهُ في استكشافِ الهمومِ ٣٣٦

المناجَيات الخمسَ عشرة من كلام سيّد الساجدين. ٣٣٧

الاُولى : مناجاة التائبين. ٣٣٧

المناجاة الثانية : مناجاة الشاكرين. ٣٣٨

المناجاة الثالثة : مناجاة الخائفين. ٣٣٩

المناجاة الرابعة : مناجاة الراجين. ٣٤٠

المناجاة الخامسة : مناجاة الراغبين. ٣٤١

المناجاة السادسة : مناجاة الشاكرين. ٣٤٢

المناجاة السابعة : مناجاة المطيعين للهِ. ٣٤٣

المناجاة الثامنة : مناجاة المريدين. ٣٤٤

المناجاة التاسعة : مناجاة المحبّين. ٣٤٥

المناجاة العاشرة : مناجاة المتوسّلين. ٣٤٦

المناجاة الحادية عشرة : مناجاة المفتقرين. ٣٤٦

المناجاة الثانية عشرة : مناجاة العارفين. ٣٤٧

المناجاة الثالثة عشرة : مناجاة الذاكرين. ٣٤٨

المناجاة الرابعة عشرة : مناجاة المعتصمين. ٣٤٩

المناجاة الخامسة عشرة : مناجاة الزاهدين. ٣٤٩

رسالة الحقوق. ٣٥٠

أ ـ في سند الرسالة ووحدة موضوعها ٣٥٠

ب ـ الدلالات الإجتماعية لرسالة الحقوق. ٣٥٣

ج ـ نص الرسالة ٣٥٥

رسالة السجاد عليه‌السلام في الزهد. ٣٧٦

أ ـ في سند الرسالة ٣٧٦


ب ـ نص رسالة الزهد. ٣٧٦

الفصل الخامس : نصوصٌ منتقاةٌ ٣٨٠

في الدين والحياة ٣٨٠

الدين : ٣٨١

الذنب : ٣٨١

الإنسان : ٣٨٣

الموت : ٣٨٧

المؤمن : ٣٨٧

المنافق : ٣٩١

أمراض الدنيا : ٣٩٢

صلة الرحم : ٣٩٣

الإحسان : ٣٩٤

التجارة : ٣٩٦

الفضائل : ٣٩٦

الرذائل : ٤٠١


الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) زين العابدين

الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) زين العابدين

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: السيد زهير الأعرجي
الناشر: المؤلف
تصنيف: الإمام علي بن الحسين عليه السلام
الصفحات: 413