الإنسان والعقيدة
العلاّمة السيد محمّد حسين الطباطبائيقدسسره
تحقيق : الشيخ صباح الربيعي ـ الشيخ علي الأسدي .
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدِّمة التحقيق
من أكثر المواضيع حسّاسية بالنسبة للإنسان ، تلك التي ترتبط بمصيره وبداياته ومآله ، فلقد أولاها عناية كبيرة ، وشغلت مساحة واسعة من تفكيره ، فهو يجد أنّ هذا النوع من المعرفة يُمثّل له حاجة ماسّة ، ولعلّ ثمّة ما يسبّب ذلك الإحساس والتوجّه ، ويشكّل عنصراً يحرّكه للبحث في مثل هذه المسائل ؛ ومرجع ذلك ـ حسب تصوّري ـ قد يعود لأمرين :
أوّلهما : أنّ الإنسان إلى يومنا هذا يشعر بأنّه لم يقف على حقيقة الخلق والموت والروح ، وما شاكلها من مسائل تدفع الإنسان للبحث والوقوف على حقيقة تلك الأُمور ، التي شغلت الإنسانيّة منذ بدايتها وإلى اليوم .
ثانيهما : ذلك القلق الذي رافق الإنسانيّة طيلة فترات حياتها ، وفي مختلف مراحلها ، فهي دائمة القلق والخوف ممّا ستئول إليه بعد هذه الحياة ، التي تدرك بفطرتها السليمة وإحساساتها الداخليّة بأنّها ما هي إلاّ محطة ستعقبها محطَّات أُخرى ، فيا ترى ما حال تلك المحطات ؟ وكيف سيكون الأمر فيها؟
لذلك لم تهمل الشريعة الإسلامية هذا الجانب من تطلّعات الفكر الإنساني ، كما لم تهمل أية قضيّة من شأنها أن تكون عقبة أمام كماله المنشود ، فكانت تلك الشريعة بحقّ ، وبأدنى تأمّل ، شريعة المجتمع .
فتوفّرتْ على نصوص قرآنيّة كثيرة ، وروايات عن النبي وأهل بيته (صلوات الله عليهم أجمعين) ، تبيّن فيها الغاية من خلق الإنسان ، وحقيقة الموت ، وعلاقة هذه الحياة بعالم الآخرة ، وحقائق عن البرزخ ، والقيامة ، والشفاعة ، والحساب ، وغيرها من المسائل .
وتجدر الإشارة إلى الدور الريادي الذي مارسه العلماء ، وما زالوا يمارسونه ، في الحفاظ على الشريعة الإسلاميّة ، باعتبارهم الثلّة العارفةَ بمفاصل الشريعة ، المكلّفةَ بتفعيل الفكر الإسلامي في المجتمعات وعلى جميع الأصعدة ، فقد أسهموا من خلال كتاباتهم وتوجُّهاتهم بتوسيع أُفق المعرفة الإسلاميّة ، ونشر المفاهيم والأُسس السامية التي نادى الدين الحنيف بها .
فكتبوا في جميع المجالات التي تعدُّ محلّ اهتمام النّاس ، والتي منها القضيّة التي أشرنا لها ، وهي مسألة الإنسان من حيث بدايته ونهايته وكمالاته ومن هذه الكتب هذا الكتاب الماثل بين أيدينا ، وهو كتاب :" الإنسان والعقيدة " لمؤلّفه العلاّمة السيّد محمّد حسين الطباطبائيقدسسره ، حيث امتاز هذا الكتاب بميزتين :
الميزة الأُولى : موضوعه .
فهذا الكتاب من خلال رسائله الخمس ، مثّل منظومة علميّة ومعرفية متكاملة للإجابة عن جميع الأسئلة التي يمكن أن تُطرح حول الإنسان في جميع مراحله : في مرحلة ما قبل عالمنا هذا ، وفي عالمنا هذا ، وبعد انتقاله ـ بموته ـ عن هذا العالم والكمالات التي يحصل عليها في النشأتين ، ومعرفة هذه المراحل محل اهتمام لعدد كبير من أبناء المجتمع كما أشرنا .
فالرسالة الأُولى :" رسالة الإنسان قبل الدنيا " تختصّ بمرحلة ما قبل عالم الدنيا ، حيث يشير المؤلّفقدسسره لِمَا تبنّاه من النظرية الفلسفيّة القائلة بوجود عالمَين قبل عالمنا هذا ، وهما : (عالم العقل) ، و(عالم المثال) .
فيذكرقدسسره أنّ الإنسان بجميع خصوصيّاته وصفاته وأفعاله كان موجوداً في (عالم المثال) ، لكن من غير تحقّق الأوصاف الرذيلة والأفعال السيّئة ، فهو كان في أهنأ عيش وأقرّ عين ، في زمرة الملائكة والطاهرين .
ولقد حاولقدسسره إثبات ذلك من خلال استدلاله بالآيات القرآنيّة الكريمة ، والروايات الشريفة ؛ ليثبت التطابق بين منهج العقل ومنهج الشرع .
وأمّاالرسالة الثانية ، فهي :" رسالة الإنسان في الدنيا " ، حيث جاءت متوفّرة على إبداع من إبداعات العلاّمةقدسسره ، وهي نظرية الإدراكات الاعتبارية التي في مقابل الإدراكات الحقيقيّة ، الأمر الذي دعاهقدسسره لأنّ يعقد بحثاً في عالم المعاني ؛ ليكون مقدّمة تتّضح من خلالها تلك النظرية ، حيث يذكر أنّ الإنسان بعد كمال خِلْقته في هذا العالم ، يسعى لسدّ نواقصه واحتياجاته ، فيعتبر أُموراً يظنّها كمالاً ، فيسعى ويتحرّك خلفها ، فلا يرتبط إلاّ بهذه المعاني الوهميّة السرابيّة ، ولا يتحرّك إلاّ من خلالها .
وينبّهقدسسره على أنّ هذا الإنسان لا حياة له في هذه الدنيا إلاّ في ظرف نفسه ، فإذا نسي نفسه وابتعد عن طريق الحقّ والهداية ، فسوف يلاقي ربّه صفر اليدين ، وينكشف له وهميّة هذه الأُمور التي كان يعتقدها الأركان الموصلة لطريق النجاة ، من التفاخر ، والزينة ، والمال ، والبنون ، واللعب ، واللهو ، وغيرها .
وأمّاالرسالة الثالثة ، فهي :" رسالة الإنسان بعد الدنيا " ، فقد بيّن فيها العلاّمةقدسسره عالم ما بعد الدنيا ، ولقد أجاد في طرح الحقائق الإسلاميّة الأصيلة ، فتدرّج في ذكر مراحل ذلك العالم ، الذي يبدأ بموت الإنسان وخروجه من روحه بعد انتهاء أجله المحتوم في هذه الدنيا ، وينتهي بيوم الحساب : فإمّا الجنّة ، وإمّا النّار .
فطَرَحَقدسسره مفاهيم قرآنيّة وولائيّة حول : البرزخ ، والصور ، والصراط ، والميزان ، والأعراف ، والشهداء ، ومسائل أُخرى أفاض بها قلمه الشريف .
الرسالة الرابعة :" رسالة الولاية " ، فقد جعلهاقدسسره في فصول خمسة :
الأوّل : في بيان الدين ، وأنّ لظاهره باطن ، ولصورته الحقّة حقائق .
الثاني : فقد أشار فيه إلى الكمالات في النشأتين ، وتوضيح الخلقة في هذه النشأة .
الثالث : تناول فيه معنى الكمال الذي يمكن للإنسان أن يصل إليه ، وكيفيّة اتّصاله بالعالم العلوي.
الرابع : في توضيح الطريق الذي يمكن أن يوصل الإنسان إلى الكمال ، واستدلّ عليه بالمعقول والمنقول .
الخامس : تطرّق فيه إلى النتائج التي يحصل عليها الإنسان عند وصوله إلى الكمال .
الرسالة الخامسة :" عليّ والفلسفة الإلهية " ، فقد تناول الحديث عنها في محاور ثلاثة :
جعلالمحور الأوّل كمقدّمة للموضوع ، وابتدأها في بيان معنى الفلسفة بصورة عامّة ، ثمّ خاض في معنى الفلسفة الإلهية ، وعلاقة الفلسفة بالدين ، وهل يمكن التفريق بينهما ، ثمّ بيّن مراحل اتّساع الفلسفة وتكاملها ، وبعدها تطرّق للقضاء بقسميه الحقوقي والعلمي .
المحور الثاني جعله في ذكر بعض صفات أمير المؤمنينعليهالسلام ، كالشجاعة والفصاحة ، وقارن بين كلامهعليهالسلام الذي كان يفيض بالمعارف الحقيقيّة ، التي حارت فيه النفس الوالهة الخائضة في الفلسفة الإلهية ، وبين كلام غيره ، وذكر نماذجاً من كلامهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الفلسفة ، والتي أرشد فيها إلى الطريق للسير إلى الحقيقة .
وفيالمحور الثالث فقد تكلّم عن مراحل معرفة الله تعالى ، حتى تطرّق في بدايته إلى خطبة المولى أمير المؤمنينعليهالسلام في التوحيد ، وبيان ما تحمله من معارف جليّة شاملة لمراتب التوحيد ، موضّحة لأُسسه ، ثمّ أردفها في بيان علمه تعالى بغيره وعلم الغير به ، وأشار بعدها إلى معنى صفاته تعالى ، والتفريق بين الصفات الثبوتيّة والسلبيّة ، ثمّ ذكر معنى رؤيته تعالى ، ومعنى الخلقة ، وكيف يمكن للإنسان أن يتّصل بالعالم العلوي المعبّر عنه بـ (ما وراء الطبيعة) ، ثمّ تطرّق إلى معنى قدرته تعالى ، وإلى استطاعة الإنسان ، وبعدها أردف البحث بخاتمة .
الميزة الثانية : مؤلّفه .
وهو العلاّمة السيّد محمّد حسين الطباطبائيقدسسره ، تلك الشخصيّة التي تميّزت بخصائصها الفرديّة التي جعلت منها محطّ أنظار طلاّب العلم وعشّاق الحقيقة ، ولقد اشتملت حياته على جوانب مضيئة كثيرة ، بحيث إنّ كلّ جانب من جوانب حياته يستحقّ دراسة مستقلّة ، ففي جانب العلم وفضيلته العلميّة ، فقد كان جامعاً لعلوم المعقول والمنقول ، ومع كونه كان فيلسوفاً بارعاً ، كان فقيهاً وأُصوليّاً ومفسّراً كبيراً .
ولقد تنبّه لغزارة علمه العام الغربي ، ولعلّه بصورة أفضل من العالم الشرقي والإسلامي ، بعدما اكتشف تضلّعه في الفلسفات الشرقيّة والثروة العقليّة التي يمثّلها وينقل تلميذه السيد محمّد حسين الطهراني أنّ الولايات المتّحدة الأمريكيّة طلبت من شاه إيران في حينها (محمّد رضا بهلوي) ، أن يدعو السيّد الطباطبائي ليتولّى مهمّة تدريس فلسفة الشرق في جامعاتها ، وقد نقل الشاه الطلب إلى آية الله العظمى السيّد البروجرديقدسسره ، زعيم الحوزة العلميّة في قم المقدّسة ـ ربّما كان كنوع من الضغط المعنوي لحمل السيّد الطباطبائي على القبول من خلال المرجعيّة الدينيّة ـ لكنّه أجاب بالرفض(١) .
وأمّا عن جوانب عبادته وأخلاقه ، فكانقدسسره دائم التفكير في خلق الله ، كثير الصلاة ، مهتمّاً بالنوافل ، حتّى إنّ أولاده يروون إنّه كان يشرع بالصلاة النافلة حال خروجه من المنزل ، وينشغل بالصلاة حتّى يبلغ المكان الذي يقصده(٢) .
وتصفه لنا ابنته السيّدة نجمة السادات بقولها : ( كانت له أخلاق وسلوك محمّدي : لم يكن ينفعل ولا يغضب أبداً ، كما أنّي لم أسمعه يتحدّث بصوت عالٍ في أي وقت من الأوقات ولكن في الوقت الذي كان فيه ليّناً في طبعه وخلقه ، كان حاسماً وحازماً
ـــــــــــــ
(١) نظرية المعرفة عند العلاّمة : ٤٣ .
(٢) رسالة التشيّع في العالم المعاصر : ٥٢١ .
أيضاً ، على سبيل المثال : كان مواظباً على أداء الصلاة في أوّل وقتها ، ولا يتهاون في ذلك ، كما كان يذكّر الآخرين وينهاهم عن التهاون بشكل صريح جدّاً )(١) .
ولقد تميّزقدسسره بعلاقته وعشقه لأهل البيتعليهمالسلام ، حتّى إنّ الشهيد مرتضى المطهّري يقول بهذا الصدد : ( لقد رأيت الكثير من الفلاسفة والعرفاء ، بَيْد أنّ احترامي للعلاّمة الطباطبائي لم يكن بداعي كونه فيلسوفاً ، بل لأنّه عاشق لأهل البيت ، ولهٌ بهم )(٢) .
وقد سُئل العلاّمة وهو في إحدى زياراته للإمام الرضاعليهالسلام في مدينة مشهد : هل تقبّل الضريح كعامّة النّاس ؟ فردّ عليهم قائلاً : ( ليس الضريح وحده ، بل ألثم الأرض والخشب في الحرم ، وكلّ ما يرتبط بالإمام )(٣) .
هذه إشارة بسيطة لسيرة العلاّمة ونقاط الإبداع فيها ؛ وما نروم الإشارة إليه هو كون العلاّمة ، مؤلّف لهذا الكتاب ، يضيف سمة خاصّة عليه ؛ وذلك للأُسلوب المتميّز الذي أسّسه العلاّمة ، وطريقته الرياديّة في التفسير ، وتعامله مع الآيات الكريمة والروايات الشريفة فمسلكه الذي عُرف به ، وهو تفسير القرآن بالقرآن ، ورفع ِإبهام آية بواسطة أُخرى ، هو الأسلوب الأمثل لمعرفة مرادات الشريعة ، وتطبيقاً لتوصيات أهل البيت ، حيث يقول أمير المؤمنين ومولى الموحّدينعليهالسلام :( كتاب الله تبصرون به ، وتنطقون به ، وتسمعون به ، وينطق بعضه ببعض ، ويشهد بعضه على بعض ) (٤) .
وإنّ مثل هذا الأُسلوب وهذا المسلك أتاح لهذا الكتاب ، ولكلّ كتب العلاّمة ، أن تكون معبّرة عن الأفكار الإسلاميّة الأصيلة والصحيحة ، بحيث لا تختلط فيها المفاهيم ، بل تكون مفاهيم ونظريات وتعاليم قرآنيّة غير متأثّرة بالفكر السائد ، والنظريات السائدة التي فيها الغثّ والسمين .
ـــــــــــــ
(١) رسالة التشيّع في العالم المعاصر : ٥٢٠ .
(٢) و(٣) المصدر المتقدّم : ٢٩١ .
(٤) نهج البلاغة : ١٩٢ ، الخطبة ١٣٣ .
ويشير العلاّمةقدسسره في هذا الكتاب لهذا المسلك بقوله : ( إنّ المسلك الذي نستعمله في تفسير الآية بالآية والرواية بالرواية ، بعيد الغور ، منيع الحريم ، وسيع المنطقة ) .
إلى أن يقول : ( ومن الإنصاف أن نعترف أنّ سلفنا من المفسّرين وشُرّاح الأخبار ، أهملوا هذا المسلك في استنباط المعاني واستخراج المقاصد ، فلم يورثونا فيه ولا يسيراً من خطير ، فالهاجم إلى هذه الأهداف والغايات ـ على صعوبة منالها ودقّة مسلكها ـ كساعٍ إلى هيجاء بغير سلاح )(١) .
وأخيراً فلقد اقتصر دورنا في تحقيق هذا الكتاب على ما يلي :
١ ـ استخراج الآيات الروايات الواردة في المتن .
٢ ـ إرجاع الأقوال والنصوص إلى مصادرها ومنابعها .
٣ ـ تقويم النصّ والإخراج وفق الطريقة المتّبعة في التحقيق .
٤ ـ التعليق على بعض المصطلحات والفقرات الواردة في المتن .
ولا ننسى أن نتقدّم بالشكر للأخوة العاملين في" مكتبة فدك " لتصدّيهم لنشر الفكر الإسلامي الأصيل ، ونسأله تعالى أن يوفّقنا وجميع العاملين لما فيه الخير والصلاح .
والحمد لله ربّ العالمين
الإنسان قبل الدنيا
العلاّمة السيد محمّد حسين الطباطبائي (طاب ثراه)
تحقيق : الشيخ صباح الرُّبيعي
مكتبة فدك
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على أوليائه المقرّبين ، سيّما محمّد وآله الطاهرين .
هذه رسالة" الإنسان قبل الدنيا " ، نشير منها إلى ما جرى على الإنسان قبل هبوطه ووقوعه في ظرف الحياة الدنيا على ما دبّره العليم القدير ، على ما ينتجه البرهان ، ويستفاد من ظواهر الكتاب والسُّنّة ، والله المعين .
ـــــــــــــ
(١) راجع الرسالة الثالثة : ٦٠ .
الفصل الأوّل : العِلَّة والمعلول
قد تبيّن بالبرهان في الفلسفة الأُولى(١) أنّ العلِّية تقتضي قيام المعلول في وجوده وكمالاته الأوّليّة والثانوية بالعلّة ، وأنّ ذلك كلّه من تنزُّلات العلّة دون النواقص والجهات العدميّة .
وأيضاً أنّ عالم المادة مسبوق الوجود بعالمٍ آخر ، غير متعلّق بالمادّة ، فيه أحكام المادة ، وهو علّته ، وبعالمٍ آخر مجرّدٍ عن المادة وأحكامها ، هو علّة علّته ، ويسمّيان بعالمي المثال والعقل ، وعالميّ البرزخ والروح(٢) .
ـــــــــــــ
(١) وهي الإلهيّات بقسميها ، أي :
ـ (الإلهيّات بالمعنى الأعمّ) : التي يُبحث فيها عن مسائل تتعلّق بالموجود بما هو موجود ، مثل : الضرورة والإمكان ، والحدوث والقِدم .
ـ و(الإلهيّات بالمعنى الأخصّ) : التي يُبحث فيها عن مسائل تتعلّق بوجود الباري (عزّ وجلّ) وتوحيده وصفاته ، وما إلى ذلك من المسائل .
(٢) يشير المؤلّفقدسسره إلى النظريّة الفلسفيّة القائلة بتثليث نظام الخلق ، ووجود ثلاث عوالم بعضها فوق بعض ، وهذه العوالم هي :
١ ـ عالم العقل : ويسمّى بعالم الجبروت ، وهو أوّل عالم خلقه الله سبحانه وتعالى في نظام الخليقة ، وخَلَقَ فيه موجودات مجرّدة عن المادةّ وآثارها ، وتسمّى هذه الموجودات بالعقول .
ويعتقد الفلاسفة أنّ هذه العقول هي العلّة لِمَا بعدها من عوالم ؛ وقد صير إلى القول بوجود هكذا عالم للقاعدة الفلسفيّة المعروفة ، وهي : ( الواحد لا يصدر منه إلاّ الواحد ) وبما أنّ الله سبحانه وتعالى واحد ، فلا تصدر منه هذه الموجودات الكثيرة إلاّ بالواسطة ، فخَلَقَ هذه الموجودات ـ التي هي العقول ـ لكي تفيض الوجود على الموجودات الأُخرى وليس هذا عجز في قدرة الله سبحانه وتعالى ، بل هو عجز في نفس الموجودات الممكنة وبعبارة أُخرى : أنّه عجز في القابل وليس في الفاعل .
٢ ـ عالم المثال : ويسمّى بعالم البرزخ وعالم الملكوت ، وهو وسط بين عالم العقل وعالم الدنيا (الطبيعة) ، والوجودات في هذا العالم متحرّرة من قيود المادة ، فهي ليست ماديّة لكن شكل المادة وأبعاد المادة فيها ، فلا تغيّر ولا تبدّل في هذا العالم ؛ لأنّ التغيّر والتبدّل من خواصّ المادة .
٣ ـ عالم الطبيعة : ويسمّى بعالم المادة وعالم الناسوت ، وهو عالمنا الذي نعيش فيه ونلمس آثاره ونشاهده بالعيان .
ويشير الشهيد مرتضى المطهّري في تعليقته على كتاب أُصول الفلسفة (٣ / ٤٢٣) للعلاّمة الطباطبائيقدسسره ، إلى أساس الفكرة التي اعتمدت عليها هذه النظرية ، بقوله : (انطلق الاستدلال في هذه المقالة على وجود عالم العقل وعالم المثال من وجود الإنسان ، أي بحكم أنّ مرتبة من الإنسان طبيعة ، ومرتبة أُخرى منه مثال ، ومرتبة منه عقل ، وبحكم أنّ الطبيعة غير قادرة على إيجاد مرتبة أرفع منها ، أي المثال والعقل ؛ فلا بدّ أن تكون كلّ مرتبة من وجود الإنسان بعالم من سِنْخها ) .
ويُستنتج من ذلك : أنّ الإنسان ، بجميع خصوصيّات ذاته وصفاته وأفعاله ، موجودٌ في عالم المثال من غير تحقّق أوصافه الرذيلة ، وأفعاله السيّئة ، ولوازمه الناقصة ، وجهاته العدميّة .
فهو كان موجوداً هناك في أهنأ عيش وأقرَّ عين ، في زمرة الطاهرين وصفِّ الملائكة المقدّسين ، مبتهجاً بما يشاهده من نور ربّه ونورانيّة ذاته وتشعشع أُفقه ، ملتذّاً بمرافقة الأبرار ومسامرة الأخيار ، لا يَمَسُّه فيها تعب ولا لغوب ، ولا يتكدّر بكدورات النواقص والعيوب ، لا حجاب بينه وبين ما يشتهيه ، ولا ألمَ ولا مَلالَ يعْتريه .
الفصل الثاني : بين الخلْق والأمر
وظواهر الكتاب والسُّنّة تدلّ على ما مرّ ، قال تعالى :( أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) (١) ، ففرّق سبحاه بين الخلق والأمر(٢) ؛ فعلمنا أنّ الخلقَ غيرُ الأمر بوجه .
وليس الأمر مختصّاً بآثار أعيان الموجودات ، حتّى تختصّ الأعيان بالخلق وآثار الأعيان بالأمر ؛ لقوله سبحانه :( قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) (٣) ، فنَسَبَ سبحانه الروح ـ وهو من الأعيان ـ إلى الأمر .
وقول تعالى :( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) (٤) ، أفادَ أنّ أمره هو إيجاده بكلمة : كُنْ ، سواء كان عيناً أو أثرَ عَيْنٍ وحيث ليس هناك إلاّ وجود الشيء ، الذي هو نفس الشيء ، تبيّن أنّ في كلِّ شيءٍ أمراً إلهيّاً .
ـــــــــــــ
(١) سورة الأعراف : ٥٤ .
(٢) معنى الأمر والخلق ، والفرق بينهما ، كما جاء في بعض التفاسير ، مثل : تفسير مجمع البيان في تفسير قوله تعالى : (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ) : أنّ الخلق بمعنى الإيجاد والاختراع ، والأمر بمعنى القوانين والسنن الحاكمة بأمر الله .
وللعلاّمةقدسسره مذهب آخر في تفسير الأمر والخلق الوارد في الآيات ، فقد فسّر عالم الخلق بـ (عالم المادة) ، والأمر بـ (عالم المثال) ؛ لأنّ لعالم الخلق جانباً تدريجيّاً ، وهذه هي خاصيّة المادة ، ولعالم الأمر جانباً دفعيّاً ، وهذه هي خاصيّة ما وراء المادة وعالم المثال .
(٣) سورة الإسراء : الآية ٨٥ .
(٤) سورة يس : الآية ٨٢ .
ثمَّ قال سبحانه :( إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لازِبٍ ) (١) ، وقال :( إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ ) (٢) ، وغير ذلك من الآيات المفيدة أنّ الخلق بالتدريج .
وقد قال سبحانه :( وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) (٣) ، وقال :( مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ) (٤) ، وقال :( وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ ) (٥) ، فأفاد عدم التدريج في الأمر .
تبيّن بمجموع الآيات : أنّ الأمر أمرٌ غير تدريجيّ ، بخلاف الخلق ، وإنْ كان الخلق ربّما استُعمِلَ في مورد الأمر أيضاً(٦) .
وبالجملة ، ففيما يتكوّن بالتدريج ـ وهو مجموع الموجودات الجسمانيّة وآثارها ـ وجهان في الوجود الفائض من الحقّ سبحانه : وجه أمري غير تدريجيٍّ ، ووجهٌ خَلقي تدريجيّ ، وهو الذي يفيده لفظ " الخلق " من معنى الجمع بعد التفرقة .
وقد أفاد قوله سبحانه :( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) الآية(٧) ،
ـــــــــــــ
(١) سورة الصافات : الآية ١١ .
(٢) سورة الإنسان : الآية ٢ .
(٣) سورة القمر : الآية ٥٠ .
(٤) سورة لقمان : الآية ٢٨ .
(٥) سورة النحل : الآية ٧٧ .
(٦) كما في قوله تعالى :( ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) سورة غافر : الآية ٦٢ .
(٧) سورة يس : الآية ٨٢
أنَّ الأمر سابقٌ على الخَلق ، وأنّ الخَلق يتبعه ويتفرّع عليه ، وهو الذي يفيده قوله سبحانه :( بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) (١) ، فعمل الملائكة ـ وهم المتوسّطون في الحوادث ـ بواسطة الأمر .
فتحصّل من الجميع : أنّ فوق عالم الأجسام ، وفيه نظام التدريج ، عالماً آخرَ يشتمل على نظام موجوداتٍ غير تدريجيّة ، أي غير زمانيّة ، يتفرّع كلُّ موجود زمانيّ من مظروفات نظام التدريج ، على ما هنالك من الموجودات الأمريّة ، وهي محيطة بها ، موجودة معها ، قائمة عليها ، كما يفيده .
فالتدبير ـ وهو الإتيان بالأمر دبر الأمر وعقيبه ـ يصدر من العرش أوّلاً ، ثمّ يتنزّل الأمر من سماءٍ إلى السماء ، وقد أوحى إلى كلّ سماء ما يختصّ بها من الأمر ، فإنّ الأمر كلمته سبحانه ، فإلقاؤه إلى شيء وحي منه إليه ، ولا يزال يتنزّل سماءً سماءً حتّى ينتهي إلى الأرض ، ثمّ يأخذ في العروج ، فهذا هو المتحصّل من الآيات : قوله سبحانه :( ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ) (٢) ، وقوله سبحانه :( ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ ولا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ * يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ ) (٣) ، وقوله سبحانه : ( خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ ) الآيات(٤) ، وقوله سبحانه :( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء ) (٥) ، إلى أن قال تعالى : ( فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ
ـــــــــــــ
(١) سورة الأنبياء : الآيتان ٢٦ و ٢٧ .
(٢) سورة يونس : الآية ٣ .
(٣) سورة السجدة : الآيتان ٤ و ٥ .
(٤) سورة الطلاق : الآية ١٢ .
(٥) سورة البقرة : الآية ٢٩ .
سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا ) (١) .
وهي مع ذلك تفيد أنّ الأمر في تنزّله ذو مراتب ، فإنّه سبحانه أخبر عن أنّ التنزّل بينهنّ فللتنزّل نسبة إلى كلّ واحدة منها ؛ لوقوعه من عالٍ إلى سافل ، حتّى ينته إلى آخرها فيتجاوزها إلى الأرض ، وهو قوله سبحانه :( يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ) (٢) وهذا حال الأمر بعد تقديره بالقدر والمقادير ، ومحدوديّته بالحدود والنهايات ، كما قال سبحانه : ( وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً ) (٣) .
وهناك وجودٌ أمري غير محدود ولا مقدَّر ، ينبئ عنه قوله سبحانه :( وَإِنْ من شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ معْلُومٍ ) الآية(٤) ، حيث أفاد أنّ لكلّ شيء من الأشياء وجوداً مخزوناً عنده سبحانه ، وأنّ تنزّله إنّما هو بقدر معلوم والآية حيث تفيد أنّ التنزّل يلازم التقدير بالمقدار ، أفادت أنّ الخزائن ـ التي من كلّ شيء عنده سبحانه ـ وجوداتٌ غير محدودة ولا مقدّرة ، فهي من عالم الأمر قبل الخلق .
وحيث عبّر سبحانه بلفظ الجمع المشعر بالكثرة ؛ فلا بدّ أن يكون الامتياز بين أفرادها بشدّة الوجود وضعفه ، وهو المراتب ، دون الامتياز الفردي بالمشخّصات ، مثل الأفراد من نوع واحد ؛ وإلاّ وقع الحدُّ والقدر .
وقدر أنبأ سبحانه أن لا قدر قبل التنزّل ، ففي هذا القسم من الموجود الأمري غير المحدود أيضاً ، مراتبُ واقعة وليس التنزُّل عن هناك كيفما كان ، بالتجافي وتخلية المكان السابق بالنزول إلى
ـــــــــــــ
(١) سورة فصّلت : الآية ١٢ .
(٢) سورة السجدة : الآية ٥ .
(٣) سورة الأحزاب : الآية ٣٨ .
(٤) سورة الحجر : الآية ٢١ .
اللاحق ؛ لقوله سبحانه :( مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ ) الآية(١) .
وهذه الموجودات غير المحدودة ، حيث لا حدّ لها ولا بينها ، فهي موجودة جميعاً بوجود واحد على كثرتها ، ومشتملة على جمّ الكمالات التي في عالمها ، ولا خبر ولا أثر هناك عن الأعدام والنواقص التي تفيدها المادّة ، والإمكان أو الحدّ والفقدان .
ولا تزال تتنزّل عن مرتبةٍ إلى مرتبة ، حتى تُشرف على عالم الأجسام ، وهي في جميع مراحلها مشتملةً على جمل الكمالات ، مبرّأة عن النواقص غير أنّها في كلّ مرتبة ، بحسب ما يقتضيه حال المرتبة من قوّة الموجود وضعفه ولا حجاب ولا غيبوبة ، بل أشعة الكلّ واقعة من الكلّ على الكلّ ، فهي أنوار طاهرة ؛ ولذلك وصف سبحانه الروح ـ الذي هو من عالم الأمر ـ بالطهارة والقدس ، فقال :( وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) (٣) ، وحكى سبحانه ذلك عن الملائكة فقال سبحانه : ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ) (٤) ، أي نُظهر قدسك وطهارتك عن النواقص بذواتنا وأفعالنا ؛ حيث إنّ ذواتنا بأمرك ، وأفعال ذواتنا بأمرك ، كما يومي إلى جمع المرحلتين قوله سبحانه :( بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ* لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) (٥) ، فالآية الثانية فرع للأُولى ، فهو إكرام ذاتيّ لهم.
ـــــــــــــ
(١) سورة النحل : الآية ٩٦ .
(٢) سورة البقرة : الآية ٨٧ .
(٣) سورة النحل : الآية ١٠٢ .
(٤) سورة البقرة : الآية ٣٠ .
(٥) سورة الأنبياء : الآيتان ٢٦ و ٢٧ .
هذا وليس في أعمالهم إلاّ حيثيّة الأمر ؛ إذ هو المصحّح للثناء عليهم وإكرامهم منه سبحانه ، وإلاّ ففي كلّ فعل من كلّ فاعل أمر منه سبحانه ، كما يستفاد من قوله سبحانه :( ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) (١) ، وقوله :( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) الآيات(٢) ، فتخصيصه سبحانه عملهم بالذكر بأنّه بأمره سبحانه ، ليس إلاّ لأنّ عملهم لا جهة فيه إلاّ جهة الأمر ، وكذلك ذواتهم ، ويشير إليه بآيات أُخر ، كقوله تعالى :( قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ ) (٣) ، وقوله : ( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ) (٤) ، وقوله :( وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً ) (٥) إلى غير ذلك من الآيات .
وأيضاً فإنّ الملائكة لم تقل : أتجعل فيها مَن يفسد إلخ ، ولم يستفد صدور هذه المعاصي إلاّ بالاستفادة من قوله :( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) (٦) إنّ الخلافة ـ وهي قيام الشيء مقام آخر ونيابته عنه ـ تقتضي اتّصاف الخليفة بأوصاف الحقّ سبحانه ، وهي محمودة مقدّسة ، لا يصحّ في قباله دعواهم : ( وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ) ، فلم يبق للاستناد إلاّ الجعل في الأرض ؛ فمن هنا فهموا أنّه سيؤثّر في أفعاله ، وسيتلوّن بكدورة الأرض وظلمات الطين ذاته ، ولذلك عبّروا عن الخليفة بالموصول والصلة ، فقالوا :( مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء ) ، وهو الاسم ، فيكون مقابلته بدعواهم :( وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ) مقابلة بالاسم ، فهم طاهرون مقدّسون في أسمائهم ، أي ذواتهم من حيث الوصف ، وهو المطلوب فافهم .
ـــــــــــــ
(١) سورة غافر : الآية ٦٢ .
(٢) سورة يس : الآيات ٨٢ .
(٣) سورة الإسراء : الآية ٨٤ .
(٤) سورة الأنبياء : الآية ١٠٤ .
(٥) سورة الأعراف : الآية ٥٨ .
(٦) سورة البقرة : الآية ٣٠ .
ولنرجع إلى ما كنّا فيه ، وبالجملة : فعالَمُ الأمر عالم القدس والطهارة ، وسُمّي بالأمر لكونه لا يحتاج في وجوده إلى أزيد من كلمة : كنْ ؛ ومن هنا ربّما يُعبّر سبحانه عنه بالكلمة ، كقوله :( وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ) (١) ، كما يُعبِّر عن القضاء المحتوم بالكلمة ، كقوله : ( وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ) (٢) ، وقال :( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ* إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ* وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ) الآيات(٣) .
والقضاء من عالم الأمر عنه ، وقد أطلق عليه الأمر كثيراً ، كقوله سبحانه :( أَتَى أَمْرُ اللّهِ ) (٤) ، وقوله :( وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً ) (٥) ، وقوله :( وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ) (٦) . إلى غير ذلك .
ـــــــــــــ
(١) سورة النساء : الآية ١٧١ .
(٢) سورة غافر : الآية ٦ .
(٣) سورة الصافّات : الآيات ١٧١ ـ ١٧٣ .
(٤) سورة النحل : الآية ١ .
(٥) سورة النساء : الآية ٤٧ سورة الأحزاب : الآية ٣٧ .
(٦) سورة يوسف : الآية ٢١ .
وقال سبحانه :( لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ) الآية(١) ؛ إذ التبديل فرع قبول التغيّر الذي هو من لوازم المادة والقوّة ، وعالم الأمر ـ كما عرفت ـ مبرّأ منها .
وقال سبحانه :( قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً ) (٢) ، وقال سبحانه : ( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ) الآية(٣) .
فتبيّن من جميع ذلك : أنّ عالم الأمر مؤلّف من عوالم كثيرة مترتّبةٍ بعضها ، لا تحديد ولا تقدير لموجوداتها ، غير أنّها معلولة له سبحانه ، بل هي موجودات طاهرةٌ نوريّة متعالية دائمة غير نافذة ولا محدودة ، وبعضها يشتمل على موجودات نوريّة متعالية دائمة ، غير نافذة لكنّها محدودة ، ويشتمل الجميع على جميع كمالات هذه النشأة الجسمانيّة ولذائذها ومزاياها ، بنحو أعلى وأشرف ، غير مشوب بنواقص المادة وأعدامها وكدوراتها وآلامها ، ولا حجاب يحتجب الحقّ سبحانه به عنها ، كلّ ذلك بحسب وجودهم ومراتب ذواتهم .
ثمّ إنّ الحقّ سبحانه بيّن أنّ الروح من هذا العالم ، فقال تعالى :( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ) (٤) .
وممّا مرّ من البيان تعرف أنّ قوله سبحانه :( قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) يشتمل على بيان الحقيقة ، وليس استنكافاً عن الجواب والبيان فبيّن سبحانه أنّ الروح موجود أمري غير خَلقي ، كما يومي إليه قوله تعالى :( ثمّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ
ـــــــــــــ
(١) سورة يونس : الآية ٦٤ .
(٢) سورة الكهف : الآية ١٠٩ .
(٣) سورة لقمان : الآية ٢٧ .
(٤) سورة الإسراء : الآية ٨٥ .
اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) (١) ؛ فظهر بذلك أنّه مشارك مع سائر موجودات عالم الأمر ، في شئونهم وأوصافهم وأطوارهم .
ثمّ قال سبحانه : ( فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ) (٢) فبيّن أنّ الروح كان غير البدن ، وأنّه إنّما سكن هذه البنية بالنفخ الربّاني ، وهبط إليه من مقامه العلوي .
ثمّ قال سبحانه :( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ) (٣) فبان بذلك أنّ هذا الطائر القدسي سيترك هذه البنية المظلمة بجذب ربّاني ، كما سكنها أوّلاً بنفخ ربّاني ، وقد قال سبحانه :( مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ) (٤) .
ثمّ قال سبحانه : ( وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ) (٥) زعماً منهم أنّهم هم الأبدان ، وهي تتلاشى وتضلّ في الأرض ، فقال سبحانه وتعالى :( بَلْ هُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ كَافِرُونَ * قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثمّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ) الآية(٦) ، فبيّن سبحانه أنّ الذي يلقى الله تعالى ويتوفّاه ملك الموت ، أي يأخذه ويقبضه ، وهو روحُهم ، وهو نفسهم المدلول عليها بلفظ (كُم) ، فما يحكى عنه الإنسان بلفظ (أنّا) هو روحه ، وهو الذي يقبضه الله ويأخذه بعد ما نفخه ، وهو غيرُ البدن .
ثمّ قال سبحانه : ( مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ) (٧) ،
ـــــــــــــ
(١) سورة المؤمنون : الآية : ١٤ .
(٢) سورة الحجر : الآية ٢٩ .
(٣) سورة الأنبياء : الآية ١٠٤ .
(٤) سورة الأحقاف : الآية ٣ .
(٥) سورة السجدة : الآية ١٠ .
(٦) سورة السجدة : الآيتان ١٠ و ١١ .
(٧) سورة طه : الآية ٥٥ .
وقال سبحانه :( فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ) (١) فبيّن أنّ للروح مع ذلك اتّحاداً ما مع البدن ، فبهذه الحياة الدنيا فهو هو .
ويشير إليه ما في (العلل) مسنداً عن عبد الرحمن ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال : قلت : لأيّ علّة إذا خرج الروح من الجسد وجد له مساً ، وحيث ركبت لم يعلم به ؟ قال :(لأنّه نما عليها البدن) (٢) .
وقال سبحانه :( ثمّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ ) الآية(٤) ، فبيّن سبحانه أنّه ملك الروح بعد توحيده مع البدن ، وإعطائه جوارح البدن وأعضائه قوى سامعةً وباصرة ، ومتفكّرة عاقلة وتمّم له إذ ذاك جميع الأفعال الجسمانيّة التي ما كان يقدر على شيء منها لولا هذا الإعطاء والجعل ، وهيّأ سبحانه له جميع التصرّفات الجسمانيّة في عالم الاختيار ، وسخّر له ما في السموات والأرض ، وسخّر له الشمس والقمر دائبين ، وسخّر له الليل والنهار ؛ قال سبحانه :( مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ) (٥) ، فالتسخير والتدبير للأمر وبالأمر دون الخلق ، وإنّما للخلق ، وهو مجموع عالم الأجسام الآليّة والأداتيّة ، قال تعالى : ( وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا ) الآية(٦) .
ـــــــــــــ
(١) سورة الأعراف : الآية ٢٥ .
(٢) علل الشرائع : ١ / ٣٥٩ ، الباب ٢٦١ ، الحديث ١ .
(٣) سورة السجدة : الآية ٩ .
(٤) سورة الملك : الآية ٢٣ .
(٥) سورة الأعراف : الآية ٥٤ .
(٦) سورة إبراهيم : الآية ٣٤ .
فهذاأوّل الفروق التي يفترق بها الروح عن الملائكة ، وهما جميعاً من عالم الأمر ، فالروح موجود مجرّد ، محلّى بحلل الكمالات الحقيقيّة ، مُبَرّأ عن القوة والاستعداد والمنقصة والعدميات ، منزّه عن الاحتجاب بحجب الزمان والمكان ، سائر في مراتب الأمر ومدارج النور ، وهو مع ذلك يقبل أن ينزل عن عالمه إلى هذا العالم ، فيتّحد بالأجسام ويتصرّف في جميع الأنحاء الجسميّة ، والجهات الاستعداديّة والإمكانيّة ، بالاتّحاد من غير واسطة ، بخلاف الملائكة فإنّهم محدودو الوجود بعالم الأمر ، لا يجاوزون أُفق المثال .
ثمّ إنّه سبحانه قال : ( قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) الآية(١) ، فبيّن أنّ هبوطهم إلى الأرض يوجب انشعاب الطريق إلى شعبتين : شعبة السعادة ، وشعبة الشقاوة ، وتفرّقهم فريقين : فريق في الجنّة ، وفريق في السعير .
ثمّ قال سبحانه :( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) (٢) فبيّن أنّ طريق الشقاوة في الحقيقة هلاك وبوار ، فهناك منتهى سفرهم من عالم القدس وأمّا طريق السعادة ، فهو الحياة الجارية الدائمة ، قال تعالى :( أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ) (٣) ، وقال سبحانه :( مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ ) (٤) ،
ـــــــــــــ
(١) سورة البقرة : الآيتان ٣٨ ـ ٣٩ .
(٢) سورة إبراهيم : الآية ٢٨ .
(٣) سورة يونس : الآية ٢ .
(٤) سورة النحل : الآية ٩٦ .
وقال سبحانه :( وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ) (١) .
وقد قال تعالى :( كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ ) (٢) فبيّن أنّ الفريقين يعودان على ما كانا عليه قبل النزول والهبوط وتبيّن به أنّ أصحاب الشقاء يعيشون ويحيون بعد العود عيشاً في صورة البوار ، وحياة في صورة الموت ، قال سبحانه :( ثمّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى ) (٣) ، وأنّ أصحاب السعادة يعودون إلى ما كانوا عليه من الحياة الطيّبة ، قال تعالى : ( فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ) (٤) ، وهم الذين يؤجرون بأعمالهم الناشئة عن ذواتهم السعيدة ، ويزيدهم الله من فضله ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله ، والله يرزق مَن يشاء بغير حساب .
فغاية هذا السير والسرى ، والهبوط والنزول من فريق الروح ، هلاك بعضهم في الدنيا ورجوع بعضهم إلى مقامه الشامخ الأوّل مع مزايا اكتسبها ، قال تعالى :( قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ ) الآيات(٥) ، وهذا هوالفرق الثاني بين الروح والملائكة ، فالروح بوساطة نزوله إلى هذه النشأة وإقامته فيها ، يقع على مفترق طريقين ، ومنشعب خطّين ، غاية أحدهما البَوار والهلاك ، وغاية الآخر التمكّن في معارج العلياء وجنّة الخُلد ، ومقام القرب والملائكة ، بخلاف ذلك فليس لهم إلاّ خطّ واحد ، وهو خطّ السعادة .
ـــــــــــــ
(١) سورة العنكبوت : الآية ٦٤ .
(٢) سورة الأعراف : الآيتان ٢٩ و ٣٠ .
(٣) سورة الأعلى : الآية ١٣ .
(٤) سورة النحل : الآية ٩٧ .
(٥) سورة الرعد : الآيتان ١٦ و ١٧ .
[واعلم أنّا قد فصّلنا القول في رسالة الأفعال في باب السعادة والشقاوة ، وأنّ (محتد) هذه المعاني ومنشعب السعادة والشقاء قبل نشأة المادة هذه ](١) .
ثمّ إنّه سبحانه قال في وصف المؤمنين :( أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ) (٢) ، فعلمنا أنّ هناك روحاً آخر غير ما يشترك فيه جميع أفراد الإنسان يختصّ به المؤمنون ، وهو المسمّى بروح الإيمان ، وقال سبحانه :( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى ) (٣) ، فعبّر عنه بكلمة التقوى وبيّن أنّ هذا الروح يلازم التقوى .
وفي الكافي : مسنداً عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال :(إنّ للقلب أُذنين ، فإذا همّ العبد بذنب ، قال له روح الإيمان : لا تفعل وقال له الشيطان : افعل وإذا كان على بطنها ، نزع منه روح الإيمان) الحديث(٤) .
ثمّ قال تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ) (٥) فعبّر عنه بالنور وبيّن ذلك في آيات أُخر .
ـــــــــــــ
(١) ما أثبتناه جاء في الطبعة الأُولى .
(٢) سورة المجادلة : الآية ٢٢ .
(٣) سورة الفتح : الآية ٢٦ .
(٤) الكافي : ٢ / ٢٨٩ ، باب ٢٩٥ ، الحديث ٢ .
(٥) سورة الحديد : الآية ٢٨ .
ثمَّ قال سبحانه :( يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ ) (١) ، وقال سبحانه :( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) الآيات(٢) ، فبيّن أنّ هناك روحاً آخر يختصُّ به الرُّسلعليهمالسلام ، وهو نور يهتدي به الغير ، كما أنّ روح الإيمان نورٌ يهتدي به الإنسان في نفسه .
وقوله : ( مَا كُنتَ تَدْرِي ... ) يبيّنُ أنّ هذا الروح مهيمن على روح الإيمان ، حيث يفيد علم الكتاب ونور الإيمان ؛ فظهر أنّ اختلاف الروحين إنّما هو بشدّة الوجود وضعفه ، وليس بالاختلاف الشخصي .
وقوله :( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ... ) إشارة إلى أنّ بينه وبين الروح الإنساني اتّحاداً ، فالاختلاف بينهما أيضاً بالشدة والضعف دون الشخص ، فما هناك إلاّ روح واحد .
ثمَّ قال سبحانه :( يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ ) (٣) ، وقال سبحانه : ( وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) (٤) ، فبيّن بذلك أنّ الروح أرفع منزلة من الملائكة ، وأنّه يتّحد معهم قائماً عليهم كما يشير إليه قوله سبحانه : ( قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ ) (٥) ،
ـــــــــــــ
(١) سورة غافر : الآية ١٥ .
(٢) سورة الشورى : الآية ٥٢ .
(٣) سورة النحل : الآية ٢ .
(٤) سورة الأنبياء : الآية ٢٧ .
(٥) سورة البقرة : الآية ٩٧ .
وقال سبحانه :( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ ) (١) ، وقال سبحانه :( قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ ) (٢) ، فعبّر سبحانه في كلامه تارة بالروح ، وتارة بجبرئيلعليهالسلام ، وهو يعطي الاتّحاد الذي ذكرناه ، وأنت تعلم أنّ هذا غير الاتّحاد والحلول المقدّس عنه ساحة الوجود .
وفي (البصائر) مسنداً عن الحسن بن إبراهيم ، عن الصادقعليهالسلام ، قال : سألته عن علم المعالم ، فقال :(إنّ في الأنبياء والأوصياء خمسة أرواح : روح البدن ، وروح القدس ، وروح القوّة ، وروح الشهوة ، وروح الإيمان وفي المؤمنين أربعة أرواح (إنّما فُقِدَ روح القدس) : روح البدن ، وروح القوّة ، وروح الشهوة ، وروح الإيمان وفي الكفّار ثلاثة أرواح : روح البدن ، وروح القوّة ، وروح الشهوة) .
ثمَّ قالعليهالسلام :(وروح الإيمان يلازم الجسد ، ما لم يرتكب كبيرةً فإذا ارتكب كبيرة ، فارقه الروح ومَن سكن فيه روح القدس ، فإنّه لا يرتكب كبيرة أبداً) (٣) .
وفي (تفسير العيّاشي) عن الصادقينعليهماالسلام في قوله تعالى : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ) الآية(٤) :(إنَّما الروح خلق من خلقه ، له بصر وقوّة ، وتأييد يجعله في قلوب المؤمنين والرُّسل) الحديث(٥) ، وفيه إشعار ما باتّحاد الروحَيْن .
ويؤيّده ما رواه العيّاشي ـ أيضاً ـ في الآية عن أحدهماعليهماالسلام ، سُئل عن الروح ، قال :(التي في الدواب والنّاس) .
ـــــــــــــ
(١) سورة الشعراء : الآيتان ١٩٣ و ١٩٤ .
(٢) سورة النحل : الآية ١٢ .
(٣) بصائر الدرجات : ٩ / ٤٦٧ ، الحديث ٣ .
(٤) سورة الإسراء : الآية ٨٥ .
(٥) تفسير العيّاشي : ٢ / ٣٣٩ ، الحديث ١٦٠ ، وقد ورد في تفسير العيّاشي : (قلوب الرُّسل والمؤمنين) بدل (قلوب المؤمنين والرُّسل) .
قيل : وما هي ؟
قال :(هي من الملكوت من القدرة) (١) .
وفي (تفسير القمّي) عن الصادقعليهالسلام ، أنّه سئل عن هذه الآية ، فقال :(خَلْقٌ أعظم من جبرائيل وميكائيل ، كان مع رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو مع الأئمّة ، هو من الملكوت) (٢) .
وفي (تفسير العيّاشي) عنهعليهالسلام أنّه سئل عنها ، فقال :(خلقٌ عظيم أعظم من جبرائيل وميكائيل ، لم يكن مع أحد ممّن مضى غير محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم ومع الأئمّة ، يسدّدهم ، وليس كلّما طلب وجده) الحديث(٣) .
ويستشم منه أنّ الروح المؤيّد به الرُّسلعليهمالسلام أيضاً ذو مراتب .
وفي (تفسير القمّي) عن الصادقعليهالسلام :(أنّ الروح أعظم من جبرائيل ، وأنّ جبرائيل أعظم من الملائكة ، وأنّ الروح هو خلقٌ أيضاً من الملائكة ؛ أليس يقول الله تبارك وتعالى : ( تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ ) (٤) ) (٥) .
وفي (تفسير القمّي) عن الصادقعليهالسلام ـ وفي (الكافي) عن الكاظمعليهالسلام ـ :( نحن ـ والله ـ المأذون لهم يوم القيامة ، والقائلون صواباً) .
قيل : ما تقولون إذا تكلّمتم؟
قالا :(نمجّد ربّنا ، ونصلّي على نبيّنا ، ونشفع لشيعتنا ، ولا يردّنا ربّنا) الحديث(٦) .
ـــــــــــــ
(١) تفسير العيّاشي : ٢ / ٣٣٩ ، الحديث ١٦٣ .
(٢) تفسير القمّي : ٢ / ٢٥ .
(٣) تفسير العيّاشي : ٢ / ٣٣٩ ، الحديث ١٦١ .
(٤) سورة القدر : الآية ٤ .
(٥) تفسير القمّي : ٢ / ٣٧٠ .
(٦) الكافي : ١ / ٤٩٣ ، الباب ١٦٤ ، الحديث ٩١ .
يشيرانعليهماالسلام إلى قوله تعالى : ( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً ) (١) .
وفيه من الإشارة إلى توحيد الأرواح ما لا يخفى .
وهذا هوالفرق الثالث بين الملائكة والروح ، فالروح من الأمر وهو أرفع درجة من الملائكة ومهيمن عليهم ، والله أعلم .
وقوله تعالى :( وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا ) (٢) الآية ، مع كون الملائكة قائمةً بالروح ، ومتّحدة ذاتاً وفعلاً به كما مرّ ، يعطي أنّهم أنوار إلهيّة ، وحينئذٍ فيتّضح اتّضاحاً ما قاله تعالى :( اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ ) الآية(٣) ، وقوله سبحانه :( لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ) الآية(٤) ، وقوله سبحانه :( مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ) ، إلى أن قال :( نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ) (٥) .
ولنقتصر على هذا المقدار من الكلام ، والله الهادي .
ـــــــــــــ
(١) سورة النبأ : الآية ٣٨ .
(٢) سورة الشورى : الآية ٥٢ .
(٣) سورة البقرة : الآية ٢٥٧ .
(٤) سورة الحديد : الآية ١٩ .
(٥) سورة النور : الآية ٣٥ .
خاتمة تناسب ما مرّ من الكلام
قال سبحانه :( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ) (١) .
قوله سبحانه :( قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا ) الآية ، ظاهر في أنّهم قايَسوا خلافة خليفة الأرض على خلافتهم السماويّة ، وذكروا أنّ الخلافة السماوية خلافة تامّة تُظهر تنزُّه الحقّ سبحانه وقُدسه ، بخلاف خلافة الأرض ؛ فإنّ فيها ظهور الفساد وسفك الدماء ، وبالجملة السيّئات التي أخبر الحقّ سبحانه في كتابه بأنّها ليست منه ، وذلك يوجب تغيّراً في حقيقة الخلافة ، وعدم بقائه على قدسه ، حتّى يحكي كمال الحقّ بما يليق بقدس ذاته سبحانه ، وذلك كان كالاستفسار منهم لكيفية هذه الخلافة مع هذه النواقص ، دون الاعتراض عليه وتخطئته سبحانه .
والدليل على ذلك قولهم :( إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) الآية .
وقوله تعالى :( قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) الآية ، بيان لنقص خلافتهم ؛ بأنّ اسم العلْم لم يظهر فيهم تمام الظهور ، وليس من قبيل الإسكات كما يقوله أحدنا لمَن ينكر شيئاً من أمره : إنّي أعلم ما لا تعلم ؛ ويشرح ذلك قوله سبحانه :( وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثمَّ عَرَضَهُمْ ) الآية .
يظهر من السياق أنّ هذه الأسماء كلّها موجودات حيّة عالمة عاقلة ، وأنّها عين الأسماء التي علّمها سبحانه آدمعليهالسلام ، كما أنّ الاسم عين المسمّى ، وأنّ الذي علّمه هو جميع الأسماء ، وهي حيّة عالمة ، فالمراد بالأسماء غيرُ الألفاظ قطعاً ، بل الذوات من حيث اتّصافها بصفات الكمال ، وهي ظهوراتها التي تتفرّع على ذواتها ، يدلّ عليه قوله :( أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء ) ، وقوله :( فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ ) الآية .
ـــــــــــــ
(١) سورة البقرة : الآيات ٣٠ ـ ٣٣ .
وحينئذٍ فينطبق على قوله سبحانه : ( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ) (١) ، فهذه الأسماء هي خزائن الغيب غير المحدودة وغير المقدَّرة ، وفيها كلُّ شيء .
ويظهر من هنا أنّ هؤلاء الملائكة المخاطبين ، إنّما كانوا هم الذين لا يرقى وجودهم عن عالم التقدير والحدود ، ويشير إليه قوله تعالى :( إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ... ) ، وقوله :( إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) (٢) الآية ؛
ـــــــــــــ
(١) سورة الحجر : الآية ٢١ .
(٢) والشاهد على ذلك أنّه سبحانه كرّر قوله : ( إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) بتبديله ، بقوله :( إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) الآية ، فللسموات والأرض غيب كما أنّ لهما شهادة ، والأسماء التي علّمها سبحانه آدمعليهالسلام هي غيبهما ، فافهم (منه قدس سره) .
وبهذا يتّضح ما في بعض الأخبار : أنّ لله ملائكة لم يشعروا أنّ الله خلق عالماً ولا آدم ، وما في أخبار أُخر : أنّ الملائكة لمّا عرفوا خطأهم في قولهم ، لاذوا بالعرش(١) .
ثمَّ قال سبحانه في موضع آخر من كتابه :( وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ ) (٢) والمفاتح هي الخزائن أو مفاتيحها .
فعلْم آدم إنّما هو علمه سبحانه المحجوب عن الملائكة ، وهذا لا يتحقّق بغير الولاية كما حُقّق في محلّه ، فالذي صنعه سبحانه هو أنّه وضع في جبلَّة آدم الولاية والتخلّق بجميع الأسماء والصفات في جميع الأسماء ، وقد حجب عنه الملائكة ولم يصيروا بعد إنباء آدم إيّاهم الأسماء مثل آدم ؛ وإلاّ لم يصحّ الجواب الذي أجاب به سبحانه عنهم ، وهو واضح .
ثمَّ اعلَمْ أنّه سبحانه لم يذكر قصّة هذه المخاطبة في كتابه ، في أكثر من موضع واحد من سورة البقرة ، بل بدَّل هذا التفصيل بنحو قوله سبحانه :( إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ) الآية(٣) .
فيظهر أنّ قوله :( وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ) الآية ، يشتمل على إجمال ما يفصّله قوله سبحانه :( وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء... ) ، ويظهر منه حقيقة هذا الروح الذي نفخه سبحانه ، ووجه تخصيصه بنفسه بقوله : ( مِن رُّوحِي ) الآية .
ولم يرد في القرآن إضافة الروح إليه سبحانه إلاّ في قصّة آدم ، والباقي على غير هذا النحو من الإضافة كقوله سبحانه :( فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا ) (٤) ،
ـــــــــــــ
(١) تفسير القمّي : ١ / ٦٦ .
(٢) سورة الأنعام : الآية ٥٩ .
(٣) سورة ص : الآيتان ٧١ و ٧٢ .
(٤) سورة مريم : الآية ١٧ .
وقوله :( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ ) (١) ، وقوله :( وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) الآيات(٢) .
وقوله سبحانه :( وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ) يُشعر بأنّه كان هناك أمر ما مكتوم .
وقوله سبحانه بعد ذلك :( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) الآية(٣) ، حيث عبّر بقوله : ( وَكَانَ مِنَ... ) ، كالبيان لهذا الأمر المكتوم ؛ ولذا ورد في الروايات ـ كما في (تفسير القمّي) وغيره ـ أنّ المراد ممّا كانوا يكتمون : ما كان يضمره إبليس من عدم السجدة لآدمعليهالسلام .
وقد بيّنا في" رسالة الوسائط " (٤) أنّ هذه النشِأة المتقدّمة على الدنيا لا تتمايز فيها السعادة والشقاوة ، وإنّما موطنُ التمايز ومبدؤه الدنيا ؛ ولذلك فحال إبليس هناك حال سائر الملائكة ، وقد شمله الخطاب بالسجود كما يفيده الاستثناء ، ثمَّ تميّز إبليس من الملائكة وصار رجيماً ؛ ويستشعر ذلك من قوله سبحانه :( وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ* قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا
ـــــــــــــ
(١) سورة الشعراء : الآية ١٩٣ .
(٢) سورة البقرة : الآية ٨٧ .
(٣) سورة البقرة : الآية ٣٤ .
(٤) وهي الرسالة الرابعة من كتاب التوحيد للمؤلّفقدسسره ، يبحث فيها عن الوسائط الموجودة بين الله سبحانه وبين نشأة الطبيعة ، مثل عالم العقل والمثال والأسماء الإلهية وغيرها .
أُولَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) الآيات(١) .
فقوله :( قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا ... ) ، وقال سبحانه في موضع آخر : ( قَالَ اهْبِطَا ... ) (٢) ، وفي رواية القمّي عن الصادقعليهالسلام :(ولم يدخلها إبليس) الحديث(٣) ، وقال سبحانه ـ بعد حكاية إبائه عن السجدة ـ :( قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ) الآية(٤) ،يوجب إشكالاً في كيفيّة وسوسته (لعنه الله) في الجنّة وهو ممنوع من ورودها ، ووسوسته لآدم وهو معصوم ؟ وينحلّ الإشكال بما ذكرناه من عدم تميّز السعادة والشقاوة قبل الهبوط .
ويظهر منه أنّ عصيان آدم لم يكن بالعصيان المنافي لعصمتهعليهالسلام ، وإنّما هو عصيان جبلِّي ذاتي ، وهو اختياره الهبوط إلى الدنيا ، وهو ترك عالم النور والطهارة واختيار الظلمة والكدورة ، وإليه يلمح قوله سبحانه : ( فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ ) (٧) .
ـــــــــــــ
(١) سورة البقرة : الآيات ٣٥ ـ ٣٩ .
(٢) سورة طه : الآية ١٢٣ .
(٣) تفسير القمّي : ١ / ٧١ .
(٤) سورة الحجر : الآية ٣٤ .
(٥) سورة طه : الآية ١٢١ .
(٦) سورة طه : الآية ١٢٢ .
(٧) سورة البقرة : الآية ٢٥٨ .
ولو كانت معصيتهعليهالسلام معصية فسق ، لكانت جنّته دار اختيار ، فكانت من دار المادة والظلمة ، فكانت في الأرض دون السماء .
وقوله سبحانه : ( قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا ) إلى قوله :( وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ) إلخ ، سياق الكلام يعطي أنّ الهبوط إنّما كان من غير الأرض ، وهو السماء إلى الأرض ، وهو ظاهر قوله في موضع آخر :( فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ) الآية(١) .
ويدلّ عليه قول عليّعليهالسلام في احتجاجه على الشامي ، حين سأله عن أكرم وادٍ على وجه الأرض ، فقالعليهالسلام له :(وادٍ يقال له سرانديب سقط فيه آدم من السماء) (٢) .
وفي النهج في خطبة لهعليهالسلام يصف فيها قصة آدمعليهالسلام :(ثمَّ بسط الله سبحانه له في توبته ، ولقّاه كلمة رحمته ، ووعده المردّ إلى جنَّته ، وأهبطه إلى دار البليّة ، وتناسل الذريّة) (٣) .
يشيرعليهالسلام بقوله : (ووعده ...) إلخ ، إلى قوله سبحانه :( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ ... ) (٤) إلخ ، وقوله :( ثمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ) الآية .
ومن الممكن أن يكون قوله سبحانه :( قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً ... ) (٥) إلخ ، تلميحاً إلى أنّ ذريّة آدم مشاركون مع أبيهم في الخروج من الجنّة بعد دخولها ؛
ـــــــــــــ
(١) سورة الأعراف : الآية ٢٥ .
(٢) علل الشرائع : ٢ / ٣٢٠ ، الباب ٣٨٥ ، الحديث ٤٤ .
(٣) نهج البلاغة : ٤٣ في خطبة لهعليهالسلام يصف فيها خلق آدم .
(٤) سورة البقرة : الآية ٣٨ .
(٥) سورة البقرة : الآية ٣٨ .
ويؤيّد ذلك بقوله تعالى :( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي ... ) إلخ ، فإنّ إبليس يائس من رحمته ، وقد قال فيه :( قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ) (١) الآية ، فلا يبقى للخطاب إلاّ آدم زوجته ، والخطاب لهم إنّما هو بالتثنية دون الجمع .
وما في بعض الروايات : أنّ في الهابطين حيّةً ، كان إبليس ألقى وسوسته إليهما في الجنّة بواسطتهما(٢) ، لا يصحّح الخطاب بالجمع ؛ فإنّ الحيّة ـ وهي غيرُ مكلّفة بتكليف آدم وزوجته ـ خارجة عن الخطاب قطعاً ، فليس إلاّ أنّ الحكم لآدم وزوجته وذريّتهما ، وقد قال سبحانه في موضع من كتابه : الآية ( وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ ) (٣) .
وكيف كان ، فظاهر سياق الآيات أنّ دخولهما الجنّة كان بعد تسويتهما ، والنفخ والسجود ، وهو المتحصّل ، بل الصريح من الروايات .
وممّا في بعض الروايات ـ وهي روايتان أو ثلاث ـ : أنّه سبحانه نفخ في خلق آدم يوم الجمعة ، وأدخله الجنّة بعد الظهر من يومه ذلك ، وما لبث في الجنّة إلاّ ستّ ساعات من النهار أو سبعاً حتّى خرج منها(٤) .
ويظهر من الجميع : أنّ ذلك كان حالاً برزخياً له ولزوجته ، وتمثّل لهما الشجرة المنهية فيها ، فأكلا منها وظلما أنفسهما ، وكان ذلك منهما هبوطاً إلى الأرض وحياة فيها وظهور سوآتهما .
وورد في الخبر أنّها كانت شجرة الحنطة والسنبلة ، وورد أيضاً أنّها كانت تحمل
ـــــــــــــ
(١) سورة ص : الآيتان ٨٤ و ٨٥ .
(٢) البرهان في تفسير القرآن : ١ / ١٧٩ ، الحديث ١ .
(٣) سورة الأعراف : الآية ١١ .
(٤) بحار الأنوار : ١١ / ١٨٨ ، الباب ٣ الحديث ٤٥ .
جمع الأثمار كسائر أشجار الجنّة ، وورد أنّها كانت شجرة علم محمّد وآله وولايتهم(١) .
وهذه التعبيرات جميعها مستقيمة واضحة عند الممارس المستأنس بالتعبيرات المتشابهة التي وردت في الشرع .
وعلى أي حال ، كانت شجرة ، كان أصلها يستوجب الهبوط إلى الدنيا ، وحيث إنّ الغاية فيها هي التحقُّق بعلم الأسماء كلّها ـ كما يتبيّن من سابق الآيات ـ وهي الولاية ؛ فلذلك عبّر عنها تارةً بشجرة الحنطة ، وتارةً بشجرة تحمل كلّ ثمرة ، وتارة بشجرة علم محمّد وآله .
ويمكن أن تكون شجرة الحنطة ، والإنسان يعيش بها ، فيؤول إلى تمثّل الحياة الدنيا لهعليهالسلام ؛ ويؤيّده قضية ظهور السَّوْآَتِ وبدوها ، وروي عنهما ، والله العالم .
ويمكن أن يكون إلى ما مرّت الإشارة بقوله سبحانه :( إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) (٢) الآية .
فقوله سبحانه : ( إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً ... ) إلخ .
يحكي عن ظلم سابق ، وجهالة سابقة ، فموطن هذا العرض إن كان هو الوجود الدنيوي ، فالظلم في نشأة سابقة ، والأمانة هي التكليف كما يفسّره به بعض الروايات ، وإن كان قبل الوجود الدنيوي ، فالظلم قبلها بطريق أوْلى ، والأمانة هي الولاية كما يفسّره بعض آخر من الروايات ، وكلاهما صحيحان ؛ فإنّ الدنيا جارية على ما جرى عليه الأمر قبلها من سعادة وشقاوة .
وقوله سبحانه بعده : ( لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ
ـــــــــــــ
(١) بحار الأنوار : ١١ / ١٦٤ ، الباب ٣ ، الحديث ٩ .
(٢) سورة الأحزاب : الآية ٧٢ .
وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً ) (١) الآية ، بيان لغاية عرْض الأمانة .
وقد قَسَّمَ الإنسان إلى قسمين : مؤمنٌ ومنافق إشعاراً بأنّ الكلّ حاملون ، فمنهم مَن حمله ظاهراً وباطناً ، ومنهم مَن حمله ظاهراً لا باطناً ومعلوم أنّ ظاهر تلك النشأة باطن في هذه النشأة ، وبالعكس ، فالكافر في هذه النشأة كافر في ظاهره ، لكنّه معترف بجبلته وفطرته( فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) .
وبالجملة فتنطبق (الآيتان) على قضيّة أخذ الميثاق ، وقد شرحناها بعض الشرح في" رسالة الأفعال " (٢) ، وهي الرسالة الثالثة من كتاب التوحيد(٣) .
ـــــــــــــ
(١) سورة الأحزاب : الآية ٧٣ .
(٢) وهي الرسالة الثالثة من كتاب التوحيد للعلاّمة الطباطبائيقدسسره ، يذكر فيها المؤلّف ـ إجمال ـ القول في أفعال الله سبحانه ، وما يتفرّع عليها من القول في القضاء والقدر ، والبداء ، والسعادة ، والشقاوة ، والجبر ، والتفويض ، وسائر ما يشبهها من الهداية والإضلال ، والمشيئة ، والإرادة ، والتمحيص ، والاستدراج .
(٣) كتب المؤلّف في نهاية هذه الرسالة قائلاً :
(تمّ الكلام والله الحمد ، وعلى رسوله وآله الصلاة والسلام ، ليلة الأحد لعشرين خلون من شهر صفر الخير ، وهي ليلة الأربعين المقدّسة من سنة واحد وستّين وثلثمئة وألف قمريّة من الهجرة ، ووقعت الكتابة في قرية شادآباد من أعمال بلدة تبريز).
الإنسان في الدنيا
العلاّمة السيد محمد حسين الطباطبائي (طاب ثراه)
تحقيق : الشيخ صباح الرُّبيعي
مكتبة فدك
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العامين ، والصلاة والسلام على أوليائه المقرّبين ، سيّما محمّد وآله الطاهرين .
هذه رسالة" الإنسان في الدنيا " ، نضع فيه إجمال القول في ما يصير إليه حال الإنسان في وروده في دار الحياة الدنيا بعد ما كان عليه قبل الدنيا ، ممّا عرفنا ملخّصه في رسالة" الإنسان قبل الدنيا " ... والله سبحانه هو المستعان .
الفصل الأوّل : صُوَر علومنا الذهنيّة
إعلم أنّ المعاني التي عندنا ، وهي صور علومنا الذهنيّة ، على قسمين :
أحدهما : المعاني التي تقع على الموجودات الخارجيّة في نفسها ، مطابقة بها ومعها ، بحيث إنّها في نفسها كذلك ، سواء انتزعنا منها تلك المعاني وتعقّلناها وأوقعنا عليها هذه المعاني أو لا ؛ وذلك كمعنى الأرض والسماء والكواكب والإنسان ، فإنّ مطابقات هذه المعاني موجودٌ في الخارج في نفسها ، سواء انتزعنا منها هذه المعاني وتعقّلناها في أذهاننا وأوقعنا المعاني المنتزعة عليها أو لا ، وهذه المعاني هي التي نسمّيها بالحقائق .
وثانيهما : المعاني التي نوقعها على الأُمور الخارجية ، لكنّها بحيث لو أغمضنا وقطعنا النظر عن التعقّل والتصوّر ، لم يكن لها في الخارج تحقّق ، ولا لها وقوع ، وذلك كمعنى المِلك مثلاً ، فإنّه معنى به يتمكّن المالك من أنحاء التصرّفات في العين المملوك من غير أن يزاحمه فيها أحد من نوعه ، وكمعنى الرئاسة ، فإنّها معنى بها يتمكّن الإنسان الرئيس من إدارة الأُمور في حوزة رئاسته وجلب طاعة مرءوسيه .
لكنّنا إذا تأمّلنا في مورد هذين المعنيين ، لم نجد هناك في الخارج إلاّ إنساناً وعَيْنَاً خارجيّة ـ مثلاً ـ ولم يكن لولا تعقّلنا وتصوّرنا في الخارج عين ولا أثر من معنى الملك والمالك ، والمملوك والرئاسة ، والرئيس والمرؤوس ، ولذلك نرى في هذا القسم من المعاني من التغيّر والتبدّل والاختلاف ، بحسب اختلاف أنظار العقلاء ، ما لا يتحقّق ذلك في قسم الحقائق البتّة ، فترى أُمّة من النّاس تعقد على ملكيّة شيء ولا يعقد عليها آخرون ، وتذعن برئاسة إنسان لا تذعن بها فيه أخرى ، والحقائق لا يمكن فيها ذلك ، فالإنسان إنسان عند الكلّ ودائماً ، وسواءً تعقّلوا معنى أنّه إنسان أو لم يتعقّلوا ذلك .
وهذه المعاني غير الحقائق ، حيث إنّها ليست في الخارج حقيقة في الذهن ، لكنّها ليست متحقّقة في الذهن بإيجاده واختلاقه إيّاها من غير استعانة بالخارج ، فإنّ الذهن يوقعها على الخارج بتوهّمها أنّها في الخارج ، ووقوعها على الأمور الخارجيّة على وتيرة واحدة من غير اختلاف وتغيّر من هذه الحيثيّة ، فالكلام ـ وهو الصوت المؤلَّف الدالّ على معنى بالوضع ـ كلام ، ولا يصدق عليه المِلك مثلاً ، ولا الرئاسة ، ولا غيرها ولو كانت بإيجاد من الذهن من غير ارتباط واستعانة من الخارج ، لكانت إمّا غير صادقة على الخارج أصلاً ، وإمّا واقعة على جميع ما في الخارج ؛ لاستواء النسبة مع عدم الرابطة .
فثبت أنّ انتزاع الذهن إيّاها إنّما هو بالاستعانة من الخارج ، أي من المعاني الحقيقيّة التي عند الذهن ، وحيث إنّ هذا الارتباط ليس بالحقيقي ؛ لعدم تحقّقها في الخارج ، فهو وهميّ بتوهّم الذهن أنّها هي المعاني الحقيقيّة ، وهي إعطاء حدّ الأُمور الخارجيّة لها فهذه المعاني تتحقّق بإعطاء الذهن حدّ الأُمور الحقيقيّة لِمَا ليس لها ، ووضعها فيما ليست فيه ، فهي معان سرابيّة وهميّة مثلها بين المعاني مثل السراب بين الحقائق والأعيان وهذا القسم من المعاني هو الذي نسمِّيه بالاعتبارات والوهميّات ؛ فالأُولى منها خارجيّة حقيقيّة ، والثانية ذهنيّة وهميّة غير حقيقيّة .
ثمَّ إنّا إذا أخذنا نتأمل الموجودات الخارجيّة الحقيقيّة ، وركّزنا التأمّل في كلّ واحد منها ، بالأخذ بمجموع دائرة وجوده من حين يظهر في الوجود ، ثمَّ يديم بقاءَه وحياته المختصّة به حتّى ينتهي إلى البطلان والعدم ، ورددنا كلّ أمر يرتبط به من حيث هو مرتبط ، إلى داخل محيط هذه الدائرة المفروضة ، بحيث لا يشذُّ منه شيء منها ، ولا يدخله شيء غيرها ، وجدنا هذا المجموع يساوي في الوجود أمراً واحداً حقيقياً وموجوداً متفرّداً ، كلّ جزء من أجزاء المجموع المفروض يرتبط بالآخرين بروابط خاصّة به ، وصولاً للوحدة الحقيقيّة الموجودة ، وهذا لا شكّ فيه ولا ريب .
ثمَّ إذا حلّلنا هذا الموجود الواحد على سعة دائرة وجوده ، وجدناه على كثرة أجزائه وجهاته ، ينحلُّ إلى أمر ثابت في نفسه كالأصل ، وأُمور أُخر تدور عليه وتقوم به كالفروع تتفرّع على الأصل ، وهذا الأصل هو الذي نسمّيه بالذات ، وهذه الفروع هي التي نُسمّيها بالعوارض واللواحق ونحو ذلك .
وهذا معنى سارٍ في كلّ موجود في وعاء الوجود ، مثال ذلك الإنسان ، فإن فيك أمراً تحكي عنه بلفظ أنا ، وكلّ معنى غيره مرتبط به ومتفرّع على هذه الذات المحكيّ عنها بـ( أنا ) وهذا المجموع المؤلَّف من الذات والعوارض ، نسمّيه بالنظام الجزئي في الموجود الجزئي ، والمجموع المؤلَّف من جميع هذه النظامات الجزئية التي في ظرف الوجود نسمّيه بـ : نظام الكلّ .
ثمَّ نقول : إنّ لكلّ موجود حقيقي نظاماً حقيقياً خارجياً ذا أجزاء حقيقيّة ، فذاته من حين يظهر في الوجود ، يصحب معه شيئاً من عوارضه اللازمة وغير اللازمة ، ثمَّ يُردْ عليه سلسلةُ عوارضه واحداً بعد واحد ، ولا يزال يستكمل بها حتّى يتمّ ذاته في عوارضه تماماً وكمالاً إنْ لم يعقه عائق ، فينتهي به الوجود المختصّ به ، وهو حياته ، فيبطل وينعدم ببلوغه أجله فهو بحسب التمثيل كالشمس عند الحسّ ، تطلع من أُفقٍ ثمَّ تحاذي نقطة بعد نقطة ، وتجري حتّى تغرب في أُفق آخر .
وجملة الأمر في هذه النظامات أنّ لحوق العوارض بالذات باقتضاء ما مِن الذات لها ، بمعنى أنّ الذات لو وضع وحده من غير مانع ، تبعته عوارضه بارتباط معها في الذات ، وهذه كلّها أُصول كلّية عامّة بديهيّة أو قريبة من البداهة .
ثمَّ إنّ هذا الاقتضاء من الذات لعوارضه مقرون في الإنسان بالعلم ، فهذا النوع يميّز الملائم عن غير الملائم بالعلم والإدراك ، ثمَّ يحرّك وينحو نحو الملائم ، ويهرب عن المنافر المنافي ، وبعض الأنواع الأُخَر من الحيوان أيضاً ، حاله حال الإنسان ولسنا نعلم هل حالُ كلِّ نوع من الموجودات الجسمانيّة حال الإنسان ؛ لعدم وفاء الحسّ والتجارب ، وإنْ قام بعض البراهين في العلم الإلهي على أنّ العلم سارٍ في جميع الموجودات .
وبالجملة : حيث كان تميّز الملائم عن غيره بالعلم ، والذات مقتضٍ للملائم ومتأبٍّ عن غير الملائم ، والحركة إلى الملائم عن إرادة وعلم ، والحركة عن غير الملائم عن إرادة وعلم ،تحقّق هناك بالضرورة ، بالنسبة إلى الملائم ، صورة علمية ذهنية مخصوصة ، وبالنسبة إلى غير الملائم ، صورة أخرى مخصوصة ، وهما صورةُ اقتضاء الذات لأمر وصورةُ تأبِّيها عن أمر .
فللاقتضاء صورة ، وهي وجوب الفعل في قولنا : يجب أن يفعل كذا ، انتزعتها النفسُ عن نسبة الضرورة في القضايا الحقيقيّة الخارجية ولعدم الاقتضاء صورة ، وهي حرمة الفعل ، أو وجوب عدمها ، في قولنا : يحرم ـ أو يجب ـ أن لا يفعل كذا ، انتزعتها النفس عن نسبة الامتناع في القضايا الحقيقية الخارجية وللمقتضى (بالبناء للمفعول) صورة ، ولعدم المقتضى المتأبّى عنه (بالبناء للمفعول) صورة أخرى .
والظاهر أنّ النفس تنتزعها فيهما من نسبة بعض أجزاء الشخص بالنسبة إليه ، أو شخصه بالنسبة إلى شخصه ، ومن نسبة عدم شخصه أو عدم بعض أجزاء شخصه بالنسبة إلى شخصه ، وهذا هو الذي يُوجب الحركة إليه أو الهرب منه .
وهذا المقدار من الاعتبار كالمادة الأُولى بالنسبة إلى الاعتبارات التالية قاطبة ، ويسري هذا الحكم ويتكثّر أقسام الاعتبار ، ويختلف بتكثّر حوائج الإنسان واستقباله النواقص التي تصادف ذاته ، ويمكنك التحقّق بما ذكرنا واختبار الحال في ذلك بالتدبّر في حال الطفل الإنساني وتدرّجه في الحياة ، وكذلك باختيار حال بعض الحيوان ، ممّا في نوعه الاجتماع محدود ساذج ، والتميّز في أوهامه سهل يسير .
ثمَّ إنّ الإنسان الفرد لا يتمّ له وحده جميعُ كمالاته الملائمة لذاته ؛ لكونه في جميع جهات ذاته محتاجاً إلى التكامل ، وتفنّن احتياجاته الحيويّة ، مع احتفاف كلّ واحد من كمالاته بما لا يحصى من الآفات ، ولذلك فهو بالفطرة مضطرّ إلى الاجتماع والتعاون والتمدّن مع أمثاله والحياة فيهم ، حتّى يقم كلّ فرد بجهة ـ أو جهات معدودة ـ من خصوصيّات كمالاتهم بما يسعه طاقته ، ويعيشوا بنحو الاشتراك ؛ وهاهنا وقعت الحاجة إلى التفهيم والتفهّم ، فابتدأ ذلك بالإشارة ، ثمَّ كَمُل بالصوت ، ثمَّ تُمِّمَ ذلك بتمييز بالأصوات المختلفة للمقاصد المختلفة .
والدليل عليه ما نشاهده في الحيوانات العُجم ، فإنّ فيها دلالة على المقاصد بالأصوات ، وتعدادها ـ كثرة وقلّة ـ بالنسبة إلى اجتماعاتها : كصوت الزاغ ، وصوت الفساد ، وصوت التربية ، وصوت الإشفاق ، وغير ذلك ممّا بينها .، وهذا الأمر يكتمل ثمَّ يكتمل حتّى يصير اللفظ وجوداً لفظياً للمعنى ، لا يُلتفت عند استماعه إلاّ إلى المعنى ، ويسري الحسن والقبح من أحدهما إلى الآخر .
ثمَّ إنّ اشتراك المساعي في الحياة ، واختصاص كلّ فرد بما يهيّئه ؛ يوجب اعتبار المِلك في المختصّات ، وأصله الاختصاص ، وكذا اعتبار الزوجيّة واحتياج الكلّ إلى ما في أيدي الآخرين ؛ يوجب اعتبار التبديل في الملك والمعاملات المتنوّعة ، من البيع والشراء والإجارة وغيرها ، وحفظ
النسبة بين الأشياء القابلة للتبديل ، من حيث القلّة والكثرة والابتذال والعزّة ، وغير ذلك يوجب اعتبار الفلوس والدراهم ، وهو شيء يحتفظ به نسبة الأشياء القابلة للتبديل بعضها مع بعض .
ثمَّ إنّ هذه التقلّبات غير المحصورة لا تخلو من وقائع جزئيّة معتدلة ، وأُخرى يقع فيها الظلم والتعدّي والإجحاف ؛ فالأفراد في أخلاقها مختلفة ، والطبائع إلى التعدّي وتخصيص المنافع بنفسها ومزاحمة غيرها مجبولة ؛ وحينئذاك وقع الاحتياج إلى قوانين يُحفظ بها الاعتدال في الاجتماع ، وإلى مَن يَحفظ هذه القوانين ، وإلى مَن يُعتضد به ، فينشعب إذ ذاك اعتبار الرئاسة والرئيس والمرءوس والقانون وغير ذلك ، ويتفرّع على ذلك اعتبارات أُخر ، ولا يزال يتبع بعضها بعضاً حتّى ينتهي إلى غايات بعيدة ، طوينا الكلام عن شرحها لعدم وفاء المقام بذلك(١) .
وبالجملة ، فهذه الاعتبارات لا تزال تتكثّر بكثرة مسيس الحاجة ، حتّى تنفذ وتسرى في جميع جزئيّات الأُمور المربوطة بالإنسان الاجتماعي وكلّياتها ، ويتلوّن الجميع بهذه الألوان الوهميّة ، وتتلبس بهذه الملابس الخياليّة ، بحيث إنّ الإنسان الذي يتقلّب بينها بواسطة الإدراك ، ويقصدها ويتركها ، ويحبّها ويكرهها ، ويرغب فيها وينفر عنها ، ويرجوها ويخاف منها ، ويشتاقها ويعافها ، ويلتذُّ بها ويتألّم منها ، ويختارها ويتركها ، بالحسن والقبح ، والوجوب والحرمة ، والنفع والضرّ ، والخير والشرّ ـ بوساطة العلم والإرادة ـ لا يشهد منها إلاّ هذه المعاني السرابيّة ، ولا يحسّ منها إلاّ بهذه الوجوه فحياة الإنسان ـ وهي حياة اجتماعيّة مربوطة بهذه الأسباب ـ محدودة بهذه الجهات ، متقلّبة في هذه العرصات ، لو وقعت حيناً ما في خارجها ـ كالحيتان خارج المياه ـ بطلت وخمدت.
وأنت إذا أجَلت النظر ، وأدرت الفكر في بعض الموجودات ونظامها الطبيعي ، كالمركّبات النباتيّة مثلاً ، رأيت استمرار حياتها في إدامة بقائها يدور على التغذية والنموّ ، وتوليد المثْل ، ورأيت ذاتَها يفعل هذه الأفعال باقتضاء من نفسه ، من غير
ـــــــــــــ
(١) البحث في الإدراكات الاعتبارية هو من ابتكارات وإبداعات العلاّمة الطباطبائيقدسسره ، حيث يشير إلى ذلك أبرز طلبته ، وهو الشهيد مرتضى المطهّري في تعليقته على كتاب " أُصول الفلسفة والمنهج الواقعي " للعلاّمةقدسسره في المقالة السادسة ، ولمَن أراد المزيد من الاطّلاع على تلك النظريّة مراجعة ذلك الكتاب (المقالة السادسة) ، وكذلك يشير الشيخ محمّد تقي مصباح اليزدي إلى تلك النظرية بقوله : (تعدّ المقالة السادسة (الاعتبارات) في كتاب " أُصول الفلسفة والمنهج الواقعي " بحثاً جديداً مبتكراً في الفلسفة الإسلامية ، وإن كانت له جذور في السابق بقدر ما) ـ رسالة التشيّع في العالم المعاصر : ٤٠٠ .
استعانة بالخارج عنه ، ويتمّم ويستكمل هذه الجهات بأفعال وانفعالات ذاتية طبيعيّة بجذب ودفع ، ويديم بها أمره حتّى ينتهي إلى البطلان ، ونظامه طبيعي غير متوسّط غيره في جريانه وإذا رجعت إلى الإنسان ، وجدت هذا النظام الطبيعي منه محفوفاً بمعانٍ ليس لها وجود في الخارج ، وهميّة باطلة ، لا يحسّ الإنسان إلاّ بها ، ولا يماسّ الأُمور الطبيعيّة إلاّ من وراء حجابها ، فالإنسان لا يريد ولا يروم في دائرة حياته إلاّ إيّاها ، ولا ينسج إلاّ بمنوالها ، لكنّ الواقع من الأمر حين ما يقع هو الأُمور الحقيقيّة الخارجيّة .
هذا حال الإنسان في نشأة المادة والطبيعة ، من التعلّق التامّ بمعانٍ وهميّة سرابيّة ، هي المتوسّطة بين ذاته الخالية عن الكمالات وبين الكمالات الطارئة اللاحقة بذاته .
الفصل الثاني : حياة الإنسان ظرف نفسه
قال الله سبحانه :( الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ) (١) ، فأخبر سبحانه أنّه بعد إتمام ذات كلّ شيء ، هداه إلى كماله المختصّ به هداية يتفرّع على ذاته ، وهو اقتضاؤه الذاتي لكمالاته وإيّاه يفصل سبحانه بقوله :( الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ) (٢) .
فهو سبحانه بعد خلق الشيء وتسويته قدَّر هناك تقديراً ، وذلك بتفصيل خصوصيّات وجوده ، كما قال :( وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً ) (٣) ، واتّبع هذا التقدير والتفصيل بهدايته إلى الخصوصيات التي قدّرها له ، وذلك بإفاضة الاقتضاء الذاتي منه لجميع ما يلزمه في وجوده ، ويتمّ به ذاته من كمالاته ، وهذا هو النظام الحقيقي الذي في كلّ واحد ، وفي المجموع من الموجودات ، ومنها الإنسان الذي هو أحدها .
ثمّ ذكر سبحانه الإنسان ، فقال :( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ
ـــــــــــــ
(١) سورة طه : الآية ٥٠ .
(١) سورة الأعلى : الآيتان ٢ و٣ .
(١) سورة الإسراء : الآية ١٢ .
أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ) (١) ، فأخبر أنّه بعد تماميّة خلقه مردود إلى أسفل سافلين ، واسثتنى المؤمنين الصالحين ، حيث إنّه عقَّب بقوله :( فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ) .
والأجر بظاهره غير متحقّق في الدنيا بعد ؛ يدلّ على انقطاع الاستثناء ، وأنّهم مرفوعون بعد الردّ ، وقد قال سبحانه : ( مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) (٢) ، وقال سبحانه :( وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً* ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً ) (٣) ، وقال سبحانه :( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ ) (٤) ، وقال سبحانه : ( وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ) (٥) .
فحكم الردّ شامل لنوع الإنسان ، لا يشذّ عنه شاذّ منهم ، وقد قال سبحانه أيضاً :( اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ) (٦) ، وعقبه تفسيراً بقوله :( فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ) (٧) ، وقال :( إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ ) (٨) ؛
ـــــــــــــ
(١) سورة التين : الآيات ٤ ـ ٦ .
(٢) سورة فاطر : الآية ١٠ .
(٣) سورة مريم : الآيتان ٧١ و ٧٢ .
(٤) سورة المجادلة : الآية ١١ .
(٥) سورة الأعراف : الآية ١٧٦ .
(٦) سورة البقرة : الآية ٣٦ .
(٧) سورة الأعراف : الآية ٢٥ .
(٨) سورة غافر : الآية ٣٩ .
فبيّن أنّ الذي ردّ إليه الإنسان هو الحياة الدنيا ، وهو أسفل السافلين ، ثمّ وصف الحياة الدنيا فقال سبحانه :( إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ) (١) .
واللعب هو الفعل الذي لا غاية له إلاّ الخيال ، واللهو هو ما يشغلك بنفسه عن غيره ، فأشار إلى أنّ هذه الحياة ، وهي تعلّق النفس بالبدن وتوسيطه إيّاه في طريق كمالاته ، شاغلة له بنفسه عن غيره ؛ وذلك لأنّ ذلك يوجب أن تتوهّم الروح أنّها عين البدن لا غير ، وحينئذٍ ينقطع عن غير عالم الأجسام ، وينسى جميع ما كان عليه من الجمال والجلال والبهاء ، والسناء والنور ، والحبور والسرور ، قبل نشأة البدن المادية ، ولا يتذكّر ما خلفه من مقامات القرب ومراتب الزلفى والرفقة للطاهرين ، وفضاء الأُنس والقدس ، فيتقلّب في أمد حياته للَّعب ، لا يستقبل شيئاً ،ولا يواجهه شيءٌ من محبوب أو محذور ، إلاّ لغاية خياليّة وأمنية وهميّة ، إذا بلغها لم يجد شيئاً موجوداً قال سبحانه : ( وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً ) (٢) .
والعمل ما يعمله الإنسان من شيء ، وقال سبحانه :( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) (٣) ، فبيّن أنّ أعمالهم وغاياتهم منها ، كالسراب بالقاع يقصده الضمآن ، فلمّا بلغه لم يجد ما قصده ، ووجد ما لم يقصده ، وينكشف حينها أنّ ما قصده كان غير مقصوده( وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ) (٤) .
وهو الذي يشير إليه سبحانه بقوله : ( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ
ـــــــــــــ
(١) سورة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم : الآية ٣٦ .
(٢) سورة الفرقان : الآية ٢٣ .
(٣) سورة النور : الآية ٣٩ .
(٤) سورة يوسف : الآية ٢١ .
أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً ) (١) ؛ فإنّ الزينة هي الشيء الجميل المحبوب بنفسه وبذاته ، يصحبه شيء آخر ، ليكسب منه الحسن ، أي يقع في القلب مع وقوع الزينة ، فيجلب الرغبة فتكون هي المقصودة ، والمتزيّن بها هو الواقع ، فجعل ما على الأرض زينة لها ليقصدها القاصدون ويبلغوا الأرض بقصدهم ، وهي غير مقصودة ، وقال سبحانه : ( أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً ) (٢) الآية .
فبيّن أنّها مؤلّفة من أمور خيالية تحتها أمور حقيقية ، فالإنسان بعد كمال خلقته يبدأ بتكميل جهات الحياة الدنيا بتحصيل مقصد بعد آخر ، وهو يريد تكميل ما يظنّه كمالاً من اللعب واللهو والزينة والتفاخر والتكاثر ، وليست إلاّ أُموراً وهميّة فإذا تمّمها وكمّلها ، بدا له بطلانها وفنائها عند موته ، ووداعه للحياة الدنيا .
ومن الممكن أن يكون قوله سبحانه في ذيل الآية :( وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) (٣) الآية ، معطوفاً على قوله في صدر الآية : ( لَعِبٌ ) إلخ ، فيكون خبراً بعد خبر ، لقوله :( إِنَّمَا الحَيَاةُ ) إلخ ؛ ويؤيّد ذلك ـ بعض التأييد ـ الآية التالية لهذه الآية(٤) .
ـــــــــــــ
(١) سورة الكهف : الآيتان ٧ و ٨ .
(٢) سورة الحديد : ٢٠ .
(٣) سورة الحديد : الآية ٢٠ .
(٤) وقد نقل عن شيخنا البهائي (رضوان الله عليه) في معنى الآية : أنّ هذه الأمور مترتّبة بحسب مدارج عمر الإنسان ، فهو يشتغل أوّلاً باللعب ، وذلك في أوان الصبا ، ثمّ باللهو ، وهو في أوان البلوغ ، ثمّ بالزينة ، وهو عند كمال الشباب ، ثمّ بالتفاخر ، وهو عند منتصف العمر ، ثمّ بالتكاثر في الأموال والأولاد ، وهو في أوان الشيخوخة ، فهي مقسومة على مدارج عُمر الإنسان) (منه قدس سره) .
فتبيّن بذلك أنّ الحياة الدنيا بجهاتها المقصودة ، من اللعب واللهو والزينة وغير ذلك ، أمر موهوم ، وسراب خيالي ، وهي بعينها في الحقيقة وباطن الأمر عذاب ومغفرة ورضوان ؛ يظهر ذلك بظهور أنّ جهات الحياة الدنيويّة كانت باطلة موهومة كالحطام للنبات ، وهو قوله سبحانه :( وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ * وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ) (١) .
فالآيتان كما ترى في الموت ، وما ينفصل الإنسان عن حياته الدنيا ، فيقول سبحانه فيها : إنّ الإنسان سيقبل راجعاً إليه سبحانه فرداً كما خُلق أوّل مرّة ، ويترك الأعضاء والقوى والأسباب التي كان يعتقدها لنفسه أركاناً يعتمد عليها ، وأعْضَاداً يتقوّى بها ، وأسباباً يتوصّل بها ويطمئنّ إليها ، وسيتقطع ما بين الإنسان وبينها ، أي الروابط التي كان الإنسان يسكن إليها ويباهي بها من اعتباراته الوهمية ، وحينئذٍ ذاك ضلال الكلّ ، وزوال الجميع ، وفقدانه ومشاهدته عياناً أنّه كان مغروراً بذلك كلّه ، وقد قال سبحانه :( فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ ) (٢) ، وقال سبحانه :( إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ) (٣) ، وقال سبحانه :( وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) .
والمتاع ما يتمتّع وينتفع به لغيره في الحياة الدنيا ، إنّما يتوصّل به لغرور الإنسان
ـــــــــــــ
(١) سورة الأنعام : الآيتان ٩٣ و ٩٤ .
(٢) سورة لقمان : الآية ٣٣ .
(٣) سورة غافر : الآية ٣٩ .
(٤) سورة آل عمران : الآية ١٨٥ .
بها ليلهو بها عن غيرها ، وهي كماله الأقصى في مبدئه ومعاده ، وقال سبحانه :( إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ ) (١) .
والأخبار في المعاني السابقة كثيرة جدّاً ، نقتصر منها بجملة من كلام أمير المؤمنين عليعليهالسلام قالعليهالسلام في بعض خطبه على ما في النهج :(عباد الله ، إنّ الدهر يجري بالباقين كجريه بالماضين) ، إلى أن قال :(فمَن شغل نفسه بغير نفسه تحيّر في الظلمات ، وارتبك في الهلكات ، ومدّت به شياطينه في طغيانه ، وزيّنت له سيِّئ أعماله فالجنّة غاية السابقين ، والنار غاية المفرّطين) ، إلى أن قال :(وكأنّ الصيحة قد أتتكم ، والساعة قد غشيتكم ، وبرزتم لفصل القضاء قد زاحت عنكم الأباطيل ، واضمحلَّت عنكم العلل ، واستحقّت بكم الحقائق ، وصدرت بكم الأمور مصادرها فاتّعظوا بالعبر ، واعتبروا بالغير ، وانتفعوا بالنذر) (٢) .
وقوله عليه السلام :( فمن شغل ) إشارة إلى قوله تعالى :( عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) (٣) ، وقوله تعالى : ( وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَن يَشَإِ اللّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) (٤) ، وقوله :( وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ
ـــــــــــــ
(١) سورة يونس : الآية ٢٤ .
(٢) نهج البلاغة : ٢٢١ ، الخطبة ١٥٧ ، يحثّ النّاس فيها على التقوى .
(٣) سورة المائدة : الآية ١٠٥ .
(٤) سورة الأنعام : الآية ٣٩ .
لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ) (١) .
فالإنسان لا حياة له في غير ظرف نفسه ، ولا معاش له دون وعاء وجوده فإذا نسي نفسه ووقع في غيرها ، وقع في الضلال البحت والبوار ، وبطلت أعمال قواه ، فلا يعمل منه سمع ولا لسان ولا بصر ، فهو في الظلمات ليس بخارج منها ، وصار كلّ ما قصده سراباً ، وكلّ ما صنعه بائراً هالكاً فإذا برز إلى اليوم الحقّ ، برز صفر اليد خفيف العمل ، وقد زاحت عنه أباطيله ، واستحقّت حقائقه ، والله وليّ الأمر كلّه .
والكلام ذو شجون ، وإيثار الاختصار مانع عن الإطناب والتعرّض بأزيد من التلويح والإشارة ، على ما هو الدأب في هذه الرسالة وأخواتها من الرسائل السابقة ، فالحقّ سبحانه خيرُ دليل ، وهو الهادي إلى سواء السبيل(٢) .
الإنسان بعد الدُّنيا
العلاّمة السيد محمد حسين الطباطبائي (طاب ثراه)
تحقيق : الشيخ صباح الرُّبيعي
مكتبة فدك
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على أوليائه المقرّبين ، سيّما محمّد وآله الطاهرين .
ـــــــــــــ
(١) سورة الزخرف : الآيتان ٣٦ و ٣٧ .
(٢) وقد ذكر المؤلّفقدسسره وقت الفراغ من كتابه هذه الرسالة ، قائلاً : (تمّت والحمد لله ، والصلاة على محمّد وآله ، رابع الربيع الأوّل من سنة واحد وستّين وثلثمئة وألف هجريّة قمريّة على هاجرها التحيّة ، ووقعت الكتابة في قرية شادآباد من أعمال بلدة تبريز) .
هذه" رسالة في المعاد " نشرح فيها ـ بعون الله سبحانه ـ حال الإنسان بعد حياته الدنيا ، على ما يقوم عليه البرهان ، ويستخرج من الكتاب ، وتكشف عنه السُّنَّة غير أنّا آثرنا فيها الاختصار والاقتصار على كلّيات المعاني ، فإنّ المسلك الذي نستعمله من تفسير الآية بالآية ، والرواية بالرواية ، بعيد الغور ، منيع الحريم ، وسيع المنطقة ، لا يتيسّر استيفاء الحظّ منه في رسالة واحدة ، يقاس فيها النظير بالنظير ، والشبيه بالشبيه ، والأطراف بالنسب ، ويؤخذ بها الجار بالجار ، وستقف إن شاء الله العزيز على صحّة قولنا هذا .
ومن الإنصاف أن نعترف أنّ سلفنا ، من المفسّرين وشرّاح الأخبار ، أهملوا هذا المسلك في استنباط المعاني واستخراج المقاصد ، فلم يورثونا فيه ولا يسيراً من خطير ، فالهاجم إلى هذه الأهداف والغايات ، على صعوبة منالها ودقّة مسلكها ، كساع إلى الهيجاء بغير سلاح والله المستعان .
الفصل الأوّل : في الموت والأجل
قال الله سبحانه :( مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ) (١) ، فبيّن أنّ كلّ موجود من السماء والأرض وما بينهما وجوده محدود بأجل ، سمّاه سبحانه ، أي قدره وعيَّنه ، لا يتعدّى وجودٌ عن أجله كما قال سبحانه : ( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ) (٢) ، وقال سبحانه : ( مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ) (٣) ، والآيات في هذا المعنى كثيرة .
وأَجَلُ الشيء ، هو : الوقت الذي ينتهي إليه فيستقرّ فيه ، ومنه أجَل الدين وتسميته .
ـــــــــــــ
(١) سورة الأحقاف : الآية ٣ ، والآية ـ كما ترى ـ مثل نظائرها ، ساكتة عن ضرب الأجل لِمَا وراء السموات والأرض وما بينهما ممّا هو خارج عنها ، وليس في كلامه سبحانه ما يدلّ على ابتداء خلق هذا النوع إلاّ على فنائه وزواله ، بل ربّما يستفاد العكس من قوله : ( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ) (سورة الحجر : الآية ٢١) ، وقوله :( مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ ) (سورة النحل : الآية ٩٦) ، بل نفس الآية ـ أعني قوله : ( مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ ... ) الآية ـ دالة على أنّ الحقّ والأجل المسمّى خارجان عن هذا الحكم ، وهما الواسطتان (منه قدس سره).
(٢) سورة الأعراف : الآية ٣٤ .
(٣) سورة المؤمنون : الآية ٤٣ .
وبالجملة : هو الظرف الذي ينتهي إليه الشيء ؛ ولذلك عبّر عنه باليوم في قوله سبحانه :( قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ لَّا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ ) (١) .
ثمّ إنّه قال سبحانه :( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ) (٢) ، فأخبر بأنّ الأجل المسمّى عنده ، وقد قال سبحانه :( مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ ) (٣) ، فأخبر بأنّ ما هو موجود عنده حاضر لديه ، لا يتطرّقه النفاد ، ولا يلحقه تغيّر ، ولا يعرضه كون ولا فساد فلا يعتوره الزمان وطوارق الحدثان ، فالأجل المسمّى ظرف محفوظ ، ثابت يثبت فيه مظروفه من غير تغيّر ولا نفاد .
وقال سبحانه :( إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ ) (٤) ، فأخبر سبحانه بالأجل الذي لزينة الأرض ، وأنّه يتحقّق بالأمر الإلهي ، وكذلك الحياة الدنيا ، فهناك أمر إلهي يتحقَّق به الأجل الدنيوي فالأجل أجلان ، أو أجل واحد ذو وجهين : أجل زماني دنيوي ، وأمر إلهي ، كما يومي إليه قوله سبحانه :( ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ) (٥) .
فالأجل المسمّى من عالم الأمر ، وهو عنده سبحانه ، فلا حاجب هناك أصلاً ،
ـــــــــــــ
(١) سورة سبأ : الآية ٣٠ .
(٢) سورة الأنعام : الآية ٢ .
(٣) سورة النحل : الآية ٩٦ .
(٤) سورة الأنعام : الآية ٢ .
كما يفيد لفظ (عند) و(إيّاه) يفيد قوله سبحانه :( مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ ) (١) ؛ ولذلك أيضاً عبّر عنه بالرجوع إلى الله ، والمصير إليه في آيات كثيرة .
ثمّ إنّ هذا الرجوع ، وهو الخروج عن نشأة الدنيا والورود في نشأة أُخرى ، هو الموت الذي وصفه سبحانه ، لا ما يتراءى لظاهر أعيننا من بطلان الحسّ والحركة وزوال الحياة ، وبالجملة فناء الشيء قال سبحانه :( وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ ) (٢) فوصفه بالحقّ فلا يكوننّ باطلاً وعدماً .
وقال سبحانه :( كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ ) (٣) ، إلى أن قال :( وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ ) (٤) فيوم الموت يوم الرجوع إلى الله والسوق إليه .
ويدلّ على ما مرّ ما رواه الصدوق وغيره عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم :(وما خُلقتم للفناء ، بل خُلقتم للبقاء ، وإنّما تنتقلون من دار إلى دار) (٥) .
وفي العلل عن الصادقعليهالسلام ـ في حديث :(فهكذا الإنسان خُلق من شأن الدنيا وشأن الآخرة فإذا جمع الله بينهما ، صارت حياته في الأرض ؛ لأنّه نزل من شأن السماء إلى الدنيا فإذا فرّق الله بينهما ، صارت تلك الفِرقة الموت ، ترد شأن الأُخرى إلى السماء فالحياة في الأرض والموت في السماء ؛ وذلك أنّه يفرّق بين الروح والجسد ،
ـــــــــــــ
(١) سورة العنكبوت : الآية ٥ .
(٢) سورة ق : الآية ١٩ .
(٣) سورة القيامة : الآية ٢٦.
(٤) سورة القيامة : الآيتان ٢٩ و ٣٠ .
(٥) بحار الأنوار : ٦ / ٢٤٩ ، كتاب العدل والمعاد ، الباب ٨ ، الحديث ٨٧ .
فردّت الروح والنور إلى القدس الأُولى ، وترك الجسد لأنّه من شأن الدنيا) (١) ـ الحديث .
وفي (المعاني) عن الحسن بن عليّ ، قال : دخل عليّ بن محمّد على مريض من أصحابه وهو يبكي ويَجْرَجُ من الموت ، فقال له :(يا عبد الله ، تخاف من الموت لأنّك لا تعرفه ، أرأيتك إذا اتّسخت وتقذّرت وتأذّيت من كثرة القذر والوسخ عليك وأصابك قروح وجرب ، وعلمت أنّ الغسل في حمام يزيل ذلك كلّه أما تريد أن تدخله فتغسل ذلك عنك ، أو تكره أن تدخل فيبقى ذلك عليك ؟) ، قال : بلى يا بن رسول الله ، قالعليهالسلام :(فذلك الموت هو ذلك الحمّام ، وهو آخر ما يبقى عليك من تمحيص ذنوبك وتنقيتك من سيّئاتك فإذا أنت وردت عليه وجاورته ، فقد نجوت من كلّ غمّ وهمّ وأذى ، ووصلت إلى كلّ سرور وفرح) فسكن ذلك الرجل ونشط واستسلم وغمّض عين نفسه ومضى لسبيله(٢) .
وفي (المعاني) عن الجوادعليهالسلام ، عن آبائه ، في حديث ، قال : وقال علي بن الحسين (عليهماالسلام ) :(لمّا اشتدّ الأمر بالحسين بن علي بن أبي طالب عليهمالسلام ، نظر إليه مَن كان معه فإذا هو بخلافهم ؛ لأنّه كلّما اشتدّ الأمر تغيّرت ألوانهم ، وارتعدت فرائصهم ، ووجلت قلوبهم ، وكان الحسين عليهالسلام وبعض مَن معه من خصائصه ، تشرق ألوانهم ، وتهدأ جوارحهم ، وتسكن نفوسهم .
فقال بعضهم لبعض : انظروا لا يبالي بالموت .
فقال لهم الحسينعليهالسلام : صبراً بني الكرم ، فما الموت إلاّ قنطرة يُعبر بكم عن البؤس والضرّاء إلى الجنان الواسعة والنعيم الدائمة ، فأيُّكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر ؟! وما هو لأعدائكم إلاّ كمَن ينتقل من قصر إلى سجن وعذاب .
إنّ أبي حدّثي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّ الدنيا سجنُ المؤمن وجنّة الكافر ، والموت جسر هؤلاء إلى
ـــــــــــــ
(١) علل الشرائع : ١ / ١٣٢ ، الباب ٩٦ ، الحديث ٥ ، وقد وردت كلمة (القدرة) بدل (القدس) .
(٢) معاني الأخبار : ٢٩٠ ، باب معنى الموت ، الحديث ٩ .
جنانهم ، وجسر هؤلاء إلى جحيمهم ، ما كذب ولا كُذّبت) (١) .
وقال محمّد بن عليّعليهماالسلام : (قيل لعليّ بن الحسينعليهماالسلام : ما الموت ؟ قال :للمؤمن : كنزع ثياب وسخة قَمِلَة ، وفكّ قيود وأغلال ثقيلة ، والاستبدال بأفخر الثياب وأطيبها روائح ، وأوطئ المراكب ، وآنس المنازل ، وللكافر : كخلع ثياب فاخرة ، والنقل من منازل أنيسة ، والاستبدال بأوسخ الثياب وأخشنها ، أوحش المنازل ، وأعظم العذاب) (٢) .
وقيل لمحمّد بن عليعليهماالسلام : ما الموت ؟ قال :(هو النوم الذي يأتيكم كلّ ليلة ، إلاّ أنّه طويل مدّته ، لا يُنتبه منه إلاّ يوم القيامة فمَن رأى في نومه من أصناف الفرح ما لا يقادر قدره ، ومن أصناف الأهوال ما لا يقادر قدره ، فكيف حال فرح في النوم ووجل فيه ، هذا هو الموت فاستعدّوا له) (٣) .
أقول : عدّعليهالسلام الموت من نوع النوم مستفادٌ من قوله سبحانه :( اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى ) (٤) ؛ حيث عدّ الأمرين جميعاً توفّياً ، ثمّ عبّر بالإمساك دون القبض .
وكذلك عدّهعليهالسلام الموت ـ كما في سائر الأحاديث ـ وصفاً للروح ، وأنّه يترك به الجسد ويمضي لسبيله، هو المستفاد من قوله سبحانه :( اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) .
حيث نسب التوفّي ـ وهو أخذ الحقّ من المطلوب بتمامه ـ إلى الأنفس ، كما نسبه
ـــــــــــــ
(١) معاني الأخبار : ٢٨٨ ، باب معنى الموت ، الحديث ٣ .
(٢) المصدر المتقدّم : ٢٨٩ ، الحديث ٤ .
(٣) المصدر المتقدّم : الحديث ٥ .
(٤) سورة الزُّمر : الآية ٤٢ .
في قوله تعالى :( وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم ) (١) إلى لفظ (كم) ، وهو الأمر الذي يعبّر عنه الإنسان (بأنّا) ، وقد شرحناه في رسالة الإنسان قبل الدنيا(٢) .
وبالجملة ، فالوارد في النشأة الأُخرى من الإنسان ، نفسه وروحه ، وعليه يدلّ قوله سبحانه : ( يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ ) (٣) .
والكدح هو السعي إلى الشيء ، والإنسان كادح إلى ربّه لأنّه لم يزل سائراً إلى الله سبحانه منذ خلَقه وقدره ؛ ولذلك عبّر عن إقامته في هذه الدار باللبث في آيات كثيرة ، قال سبحانه : ( قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ) (٤) .
ثم إنّه سبحانه قال :( اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) فنسب التوفّي إلى نفسه .
وقال سبحانه : ( قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ) (٥) فنسبه إلى مَلك الموت .
وقال سبحانه :( حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ ) (٦) فنسبه إلى الملائكة الرُّسل ، ومرجع الجميع واحد ؛ لِمَا عرفت في محلّه أنّ الأفعال كلّها لله ، وهي مع ذلك ذات مراتب ، تقوم بكلّ مرتبة من مراتبها طائفة من الموجودات على حسب مراتبها في الوجود .
والأخبار أيضاً شاهدة بذلك ، ففي (التوحيد) عن الصادقعليهالسلام ، قال :(قيل لمَلك الموت : كيف تقبض الأرواح وبعضها في المغرب وبعضها في المشرق ، في ساعةٍ واحدة ؟ فقال : أدعوها فتجيبني) .
ـــــــــــــ
(١) سورة الأنعام : الآية ٦٠ .
(٢) راجع الصفحة : ٢٥ .
(٣) سورة الانشقاق : الآية ٦ .
(٤) سورة المؤمنون : الآية ١١٢ .
(٥) سورة السجدة : الآية ١١ .
(٦) سورة الأنعام : الآية ٦١ .
قال :(وقال مَلك الموت : إنّ الدنيا بين يديّ كالقصعة بين يدي أحدكم يتناول منها ما شاء ، والدنيا عندي كالدرهم في كفِّ أحدكم يقلّبه كيف شاء) (١) .
وفي (الفقيه) عن الصادقعليهالسلام أنّه سئل عن قول الله عزّ وجلّ : ( اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) ، وعن قول الله :( قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ) ، وعن قول الله :( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ ) (٢) ،( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ ) (٣) ، وعن قول الله :( تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا ) (٤) ، وعن قول الله :( وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ ) (٥) ، وقد يموت في الساعة الواحدة في جميع الآفاق ما لا يحصيه إلاّ الله عزّ وجلّ فكيف هذا ؟
فقال :(إنّ الله تبارك وتعالى جعل لمَلك الموت أعواناً من الملائكة يقبضون الأرواح بمنزلة صاحب الشرطة ، له أعوان من الإنس يبعثهم في حوائجهم ، فتوفّاهم الملائكة ويتوفّاهم مَلك الموت مع ما يقبض هو ، ويتوفّاه الله عزّ وجلّ من مَلك الموت) (٦) .
وفي (التوحيد) عن أمير المؤمنينعليهالسلام مثله ، وزاد في آخره :(وليس كلّ العلْم يستطيع صاحب العلْم أن يفسّره لكلّ النّاس ؛ لأنّ منهم القويّ والضعيفِ ؛ ولأنّ منه ما يطاق حمله ومنه لا يطاق حمله ، إلاّ مَن يُسهّل الله له حمله ، وأعانه عليه من خاصّة أوليائه وإنّما يكفيك أنْ تعلم أنّ الله المحيي المميت ، وأنّه يتوفّى الأنفس على يدي
ـــــــــــــ
(١) لم نعثر عليه في التوحيد ، راجع : مَن لا يحضره الفقيه : ١ / ١٥٠ ، باب ٢٣ غسل الميّت ، الحديث ١٢ .
(٢) سورة النحل : الآية ٢٨ .
(٣) سورة النحل : الآية ٣٢ .
(٤) سورة الأنعام : الآية ٦١ .
(٥) سورة الأنفال : الآية ٥٠ .
(٦) مَن لا يحضره الفقيه : ١ / ١٥٢ ، الباب ٢٣ غسل الميّت ، الحديث ٢٦ .
مَن يشاء من خلقه من ملائكته وغيرهم) (١) ـ الحديث .
أقول : قولهعليهالسلام :(وغيرهم) ظاهره أنّه سبحانه ربّما توفّاها على يدي غير الملائكة من خلقه ، فهو معنى غريب ، ويمكن أن يراد به بعض المقرّبين من الأولياء العالين درجة من الملائكة ، المتمكّنين في مقام الأسماء كالقابض والمميت ، ويمكن أن يراد به ما يتوفّاه سبحانه بنفسه من غير توسّط الملائكة ، وإن كان مرجع المَعْنَيين واحداً .
فقد روى في (الكافي) عن الباقرعليهالسلام : كان عليّ بن الحسينعليهماالسلام يقول :(إنّه يسخى نفسي في ساعة الموت والقتل فينا قول الله : ( أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ) (٢) ، وهو ذهاب العلماء) (٣) .
والظاهر ـ على ما ذكره بعض العلماء ـ أنّهعليهالسلام أخذ الأطراف ( جمع طرف ، بتسكين الراء ) بمعنى العلماء والأشراف ، كما ذكره في (الغريبين) (٤) .
وبالجملة ، فكما أنّ حال الأنفس في القرب من الله سبحانه على مراتب حقيقيّة ، كذلك حال المتوفّى :
فمن نفسٍ يتوفّاها الله بنفسه تعالى ، لا تحسّ ولا تشعر بغيره سبحانه .
ومن نفسٍ يتوفّاها مَلك الموت ، لا تشعر بمَن دونه ، كما يشير إليه الصادقعليهالسلام بقوله ـ في الرواية السابقة ـ :(مع ما يقبض هو) .
ومن نفسٍ تتوفّاها الملائكة عَمَلة مَلك الموت .
والمأخوذ (المتوفى) على كلّ حال هو النفس دون البدن كما مرِّ ، وهو سبحانه أقرب إلى النفس من نفسه وملائكته من عالم الأمر وبأمره يعملون ، والنفس أيضاً من هناك .
ولا حجاب في الأمر بشيء من الأزمنة والأمكنة ، فالتوفّي من باطن
ـــــــــــــ
(١) التوحيد : ٢٦٢ ، الباب ٣٦ ، الحديث ٥ .
(٢) سورة الرعد : الآية ٤١ .
(٣) الكافي : ١ / ٥٦ ، كتاب فضل العلم ، الباب ٧ ، الحديث ٦ ، وفيه : (فينا) بدل (فيها)).
(٤) تفسير الصافي : ٣ / ٧٦ .
النفس وداخلها ، دون الخارج عنها وعن البدن ، وقد قال سبحانه :( إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ) (١) ، وقال سبحانه :( فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ ) (٢) .
ثمّ إذا كانت النفس المتوفّاة ، وهي الإنسان ، حقيقة لا تبطل بالموت ، وقد سكنت في الدنيا وسكن إليها ، وعاش في دار الغرور واستأنست بها ، فأوّل ما ينكشف له حين الموت بطلان ما فيها ، وانمحاء الرسوم التي عليها ، وتبدّل الأعمال والغايات التي فيها بالسراب ، بتقطّع ظواهر الأسباب قال سبحانه : ( وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ * وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ) (٣) .
فالإنسان إنّما يختلط في هذه الدار الدنيا بقسمين من موجوداتها وشؤونها :
أحدهما : ما يزعم أنّه يملكه من زينة الحياة الدنيا وزخرفها ، ويستعين به في آماله وأمانيه ، وأغراضه وغاياته .
والثاني : ما يرتبط به ممّا يزعمه شفيعاً ، لا يتمكّن من بلوغ المآرب إلاّ بشراكته وتأثيره ، من أزواج وأولاد وأقارب وأصدقاء ومعارف من أُولي القوّة والبأس .
فأشار سبحانه إلى بطلانهما بالجملة بقوله :( وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى ) الآية ، وإلى زوال القسم الأوّل بقوله : ( وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ ) الآية ، وإلى زوال القسم الثاني بقوله :( وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ ) الآية ؛ وإلى سبب البطلان بقوله : ( لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ) الآية ، وإلى نتيجته بقوله :( وَضَلَّ عَنكُم ) الآية .
ـــــــــــــ
(١) سورة سبأ : الآية ٥١ .
(٢) سورة الواقعة : الآيات ٨٣ ـ ٨٥ .
(٣) سورة الأنعام : الآيتان ٩٣ ـ ٩٤ .
وبالجملة ، فيبقى ما في الدنيا في الدنيا ، وتشرع من حين الموت حياة أُخرى للإنسان فاقدة لجميع ما في الدنيا ؛ ولذلك سمّي الموت بالقيامة الصغرى ، فعن أمير المؤمنينعليهالسلام :(مَن مات فقد قامت قيامته) (١) .
ثمَّ إنّ النفس إذا فارقت الجسد ، فقدت صفة الاختيار والتقوى على كلا طرفي الفعل والترك ، وحينئذٍ يرتفع موضوع التكليف ، قال سبحانه :( يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً ) (٢) .
وعند ذلك يقع الإنسان في أحد الطريقين : السعادة والشقاوة ، ويُحتَّم له إمّا السعادة أو الشقاء ، فيتلقّى إمّا بشرى السعادة ، أو وعيد الشقاوة ، قال سبحانه :( وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ ) (٣) الآية ، وقال سبحانه : ( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) (٤) ، وقال سبحانه :( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ) (٥) .
ـــــــــــــ
(١) بحار الأنوار : ٧٠/٦٧ .
(٢) سورة الأنعام : الآية ١٥٨ .
(٣) سورة الأنعام : الآية ٩٣ .
(٤) سورة النحل : الآية ٣٢ .
(٥) سورة فصّلت : الآية ٣٠ .
وقوله :( كُنتُمْ تُوعَدُونَ ) مشعرٌ بكون البشارة بعد الدنيا ، وهي الآخرة ، ومن المعلوم أنّ البشارة بالشيء قبل حلوله ، فالبشرى بالجنّة قبل دخولها ، وهي إنّما تكون بأمر قطعي الوقوع ، فلا تتحقّق في الدنيا حتّى الموت ؛ لبقاء الاختيار ، وإمكان انتقال الإنسان من أحد سبيلي السعادة والشقاوة إلى الآخر .
ومن هنا ما ترى أنّه سبحانه في قوله : ( أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ) (١) حيث أثبت في حقّ المؤمنين أنّهم مأمونون من الخوف والحزن ، وأنّ لهم البشرى في الحياة الدنيا ، أثبت قبل ذلك الولاية في حقّهم ، وهي أن يكون سبحانه هو الذي يلي أُمورهم ، من غير دخالة اختيارهم وآنية أنفسهم في التدبير ، وعند ذلك تصحّ البشرى ؛ لعدم إمكان شقاء في حقّهم ما ولي أمرهم الحقّ سبحانه ؛ ولذلك غيّر السياق في وصف تقواهم ، فقال :( وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ... ) .
وكان حقّ ظاهر السياق أن يقول : (آمنوا واتّقوا) إشارة إلى أنّ إيمانهم هذا مكتسب بالتقوى بعد إيمان سابق عليه ، وهذا صفاء الإيمان من شائبة الشرك المعنوي بالاعتماد على غيره سبحانه ، فهو في مساق قوله سبحانه :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ) (٢) .
وهذا هو الذي امتنّ سبحانه به فسمّاه (نعمة) ، فقال :( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) (٣) ، فأرجعوا الأمر إليه سبحانه ، وسلبوا تدبير أنفسهم واختيارها ، فقال سبحانه :
ـــــــــــــ
(١) سورة يونس : الآيات ٦٢ ـ ٦٤ .
(٢) سورة الحديد : الآية ٢٨ .
(٣) سورة آل عمران : الآية ١٧٣ .
( فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ) (١) .
فنفى مسّ السوء عنهم بنعمةٍ أفاضها عليهم ، وليست إلاّ الولاية بتولّيه سبحانه أُمورهم ، ودفعه السوء عنهم بتدبيره ، وكفايته لهم ، ووكالته عنهم ومثله قوله تعالى :( يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ* أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْراً ) (٢) فسمّى ذلك نعمة .
ثمَّ ذكر سبحانه أنّه سيلحق المطيعين بأوليائه المنعّمين بهذه النعمة ، فقال سبحانه : ( وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً ) (٣) ، فإنّ المطيع من حيث إرادته لا إرادة له غير إرادة المطاع ، فالمطاع هو القائم مقام نفس المطيع في إرادتها وأفعالها ، فالمطاع وليّه وكلّ مَن كان لا نفس له إلاّ نفس المطاع ، فهو أيضاً وليّ للمطيع ؛ إذ ليس هناك إلاّ المطاع ، ولذلك قرّر سبحانه بعض أوليائه المقرّبين وليّاً لآخرين ، قال سبحانه : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (٤) .
والآية منزّلة في أمير المؤمنينعليهالسلام وليس المراد بالولاية في الآية هو المحبّة قطعاً ؛ لمكان ( إِنَّمَا ) ، وكون المورد مورد بيان الواقع ؛ لمكان قوله سبحانه :( وَلِيُّكُمُ اللّهُ ) ، بخلاف قوله :(وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) (٥) ، قوله تعالى :( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ) (٦) .
وبالجملة ، فعند ذلك يتّضح وجه إلحاقه سبحانه المطيعين بأوليائهم ؛ فهو سبحانه وليّ الجميع ، وبعضهم ـ وهم الأقربون إليه ـ أولياء لبعض آخر ممّن دونهم ، وجميعهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، يُبشَّرون بالجنّة والرفقة الصالحة عند الموت .
ـــــــــــــ
(١) سورة آل عمران : الآية ١٧٤ .
(٢) سورة إبراهيم : الآيتان ٢٧ و ٢٨ .
(٣) سورة النساء : الآية ٦٩ .
(٤) سورة المائدة : الآية ٥٥ .
(٥) سورة المائدة : الآية ٥٦ .
(٦) سورة التوبة : الآية ٧١ .
ويدلّ أيضاً على هذه المعاني أخبار كثيرة ، ففي (الكافي) عن سدير الصيرفي قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : جعلت فداك يا بن رسول الله ، هل يُكره المؤمن على قبض روحه ؟ قال :(لا والله ، إذا أتاه مَلك الموت لقبض روحه ، جزع عند ذلك ، فيقول له مَلك الموت : يا وليّ الله ، لا تجزع ! فوالذي بعث محمّداً ، لأنا أبرُّ بك وأشفق عليك من والد رحيم ، افتح عينيك فانظر قال : ويَمثُل له رسول الله ، وأمير المؤمنين ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين ، والأئمة من ذرّيتهم ، فقال له : هذا رسول الله وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والأئمة رفقاؤك ، فقال : فيفتح عينيه فينظر ، فينادي روحه منادٍ ارجعي إلى ربك راضية بالولاية ، مرضية بالثواب ، فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ، فما من شيء أحبُّ إليه من استلال روحه واللحوق بالمنادي) (١) .
وروى العياشي في تفسيره ، عن عبد الرحيم الأقصر ، قال أبو جعفرعليهالسلام :(إنّما أحدكم حين يبلغ نفسه هاهنا فينزل عليه مَلك الموت ، فيقول : أمّا ما كنت ترجوه فقد أعطيته ، وأمّا ما كنت تخافه فقد أمنت منه ، ويُفتح له باب إلى منزله من الجنّة ، ويقال له : انظر إلى مسكنك في الجنّة ، وانظر إلى رسول الله وعليّ والحسن والحسين رفقائك ، وهو قول الله : ( الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ* لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ) (٢) ) (٣) .
ـــــــــــــ
(١) الكافي : ٣ / ١٢٨ ، الباب ٨٣ ، الحديث ٢ .
(٢) سورة يونس : الآيتان ٦٣ و ٦٤ .
(٣) تفسير العيَّاشي : ٢ / ١٣٣ ، الحديث ٣٢ .
وروى المفيد في مجالسه عن الأصبغ بن نباتة ، حديث الحارث الهمداني مع أمير المؤمنينعليهالسلام ، وفيه قالعليهالسلام :(وأبشِّرك ـ يا حارث ـ لتعرفني عند الممات ، وعن الصراط ، وعند الحوض ، وعند المقاسمة) ، قال الحارث : وما المقاسمة ؟ قال :(مقاسمة النار ، أُقاسمها قسمة صحيحة ، أقول هذا وليّي فاتركيه ، وهذا عدوّ فخذيه) (١) ـ الحديث .
وهو من مشاهير الأخبار(٢) ، رواه جمع من الرواة ، وصدَّقه بعض الأئمّة بعدهعليهمالسلام .
وفي غيبة النعماني عن أمير المؤمنين ـ في حديث :(أمَا أنّه لا يموت عبد يحبّني فتخرج نفسه حتّى يراني حيث يحبّ ، ولا يموت عبد يبغضني فتخرج نفسه حتّى يراني حيث يكره) (٣) ـ الحديث .
وفي (الكافي) عن الصادقعليهالسلام ، قال :(ما من أحد يحضره الموت إلاّ وكلّ به إبليس من شياطينه من يأمره بالكفر ، ويشكّكه في دينه حتّى تخرج نفسه ، فمَن كان مؤمناً لم يقدر عليه فإذا حضرتم مَوْتَاكم ،فلقّنوهم شهادة أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمداً رسول الله ، حتى يموت) (٤) ـ الحديث .
ومعناه مستفاد من قوله سبحانه :( يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ ) (٥) ، وقوله سبحانه :( كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ
ـــــــــــــ
(١) أمالي المفيد : ٦ .
(٢) وفي هذا المعنى بيت الشعر المنسوب لأمير المؤمنين مخاطباً الحارث الهمداني :
( يا جارَ هَمدانَ مَن يَمُت يَرَني |
مِن مُؤمِنٍ أَو مُنافِقٍ قَبلا ) |
(٣) لم نعثر عليه في غيبة النعماني ، راجع بحار الأنوار : ٦ / ١٩١ ، كتاب العدل والمعاد ، الباب ٧ ، الحديث ٣٨ .
(٤) الكافي : ٣ / ١٢٤ ، الباب ٨٠ ، الحديث ٦ .
(٥) سورة إبراهيم : الآية ٢٧ .
إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ) (١) .
فظاهر الآية أنّ قوله :( اكْفُرْ ) ، وقوله :( إِنِّي بَرِيءٌ ) من جنس واحد ، ووقت واحد ، وليس من لسان الحال في شيء ، وهناك خطاب .
وفي تفسير العيّاشي عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال :(إنّ الشيطان ليأتي الرجل من أوليائنا عند موته عن يمينه وعن يساره ليصدّه عمّا هو عليه ، فيأبى الله ذلك ، وكذلك قال الله : ( يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ) ) (٢) .
أقول : والروايات عن أئمة الهدى في هذه المعاني متظافرة متكاثرة ، رواها جمّ غفير من الرواة ، هذا كلّه ما يفيده الكتاب والسنّة ، والبرهان يفيده أيضاً ، ممّا يدلّ على تجرّد النفس وعدم انعدامها وبطلانها بانقطاع علاقتها عن البدن ، وسيجيء إشارة إليه في الفصل التالي إن شاء الله .
ـــــــــــــ
(١) سورة الحشر : الآية ١٦ .
(٢) تفسير العياشي : ٢ / ٢٤٢ ، الحديث ١٦ .
الفصل الثاني : في البرزخ
قد بُيّن في محلّه :
أنّ بين عالم الأجسام والجسمانيّات وبين أسمائه سبحانه عالمين :"عالم العقل" ، و"عالم المثال" .
وأنّ كلّ واحد من الموجودات يرجع بالضرورة إلى ما بدأ منه .
وأنّ [موجودات] العالم ـ آخذاً من الجسمانيّات إلى أن ينتهي إلى المبدأ الأوّل ومبدع الكلّ ـ مترتّبة في الكمال والنقص ، متطابقة في الوجود ، ومعنى ذلك تنزّل العالي إلى مرتبة السافل ، وظهوره كالمرآة تنعكس فيه صور ما يقابلها من الأضواء والألوان والمقادير ، فتظهر منها على قدر ما تقبله وتطيقه ، وتتكيّف بما في المرآة من الكيفيات تماماً ونقصاً .
وأنّ عالم المثال كالبرزخ بين العقل المجرّد والموجودات المادية ، فهو موجود مجرّد عن المادة ، غير مجرّد عن لوازمها ، من المقادير والأشكال والأعراض الفعليّة .
وبهذه المقدّمات يتبيّن تفصيل حال الإنسان في انتقاله من الدنيا إلى ما بعد الموت .
هذا ، وينبغي لك أن تثبت في تصوّر معنى المادة أنّها جوهر ، شأنُها قبول الآثار الجسميّة وتحقّقها في الأجسام ، مصحّحة الانفعالات التي ترد عليها ، وليست بجسم ولا محسوس وإيّاك أن تتصوّر أنّها الجسميّة التي في الموجودات الجسمانيّة ، فهذا هو الذي عزب عن جمع من علماء الظواهر ، فتلقّوا ما ذكر المتألّهون من أصحاب البرهان على غير وجهه ، وحسبوا أنّ قولنا : إنّ البرزخ لا مادة له مثلاً ، أو أنّ لذائذه خياليّة ، أو هناك لذّة عقليّة ، معناها أنّها وهمية سرابية غير موجودة في الخارج إلاّ في الوهم والتصوّر ، وذلك انحراف عن المقصود ، خاطئ من جهة المعنى .
وكيف كان ، فحال البرزخ ما عرفته ، والكتاب والسنة يدلاّن على ذلك ، لكن الأخبار حيث اشتملت على جُلِّ الآيات ، وضعنا الكلام فيها وتعرّضا للآيات التي تتحدّث عنها .
ففي تفسير النعماني : بإسناده عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، قال :(وأمَّا الردّ على مَن أنكر الثواب والعقاب في الدنيا بعد الموت قبل القيامة ، بقول الله عزّ وجلّ : ( يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ* فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ* خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ* وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) (١) ) (٢) ، يعني السماوات والأرض قبل القيامة ، فإذا كانت القيامة بدلت السماوات والأرض .
ومثل قوله تعالى :( مِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) (٣) ، وهو أمر بين أمرين : وهو الثواب والعقاب بين الدنيا والآخرة .
ومثله قوله تعالى :( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ ) (٤) ،
ـــــــــــــ
(١) سورة هود : الآيات ١٠٥ ـ ١٠٨ .
(٢) راجع : تفسير القمّي : ١ / ٤٦ ، مقدّمة الكتاب .
(٣) سورة المؤمنون : الآية ١٠٠ .
(٤) سورة غافر : الآية ٤٦ .
والغدو والعشي لا يكونان في القيامة التي هي دار الخلود ، وإنّما يكونان في الدنيا ، وقال الله تعالى في أهل الجنّة :( وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً ) (١) .
والبكرة والعشي إنّما يكونان من الليل والنهار في جنّة الحياة قبل يوم القيامة ، قال الله :( لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلَا زَمْهَرِيراً ) (٢) .
ومثله قوله :( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ ) (٣) الآية .
أقول : قوله سبحانه :( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا ) (٤) ، أُريد به نار الآخرة وأمّا المعرض عليها ، فهو في البرزخ ،؛ ودلّ على ذلك ذيل الآية ، وهو قوله سبحانه :( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) (٥) .
وسيأتي نظير هذا التعبير في الروايات ، أنّه يفتح له إلى قبره باب من الحميم ، يدخل عليه منه اللهب والشرر ، فهناك نار مثال نار ، وعذاب مثال عذاب .
وقوله سبحانه :( فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ ) (٦) ، أُريد به نار البرزخ .
وبما ذكر يتَّضح الجمع بين الكون في النار والمعرضون عليها .
ومثله قوله سبحانه :( إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ) (٧) ، فالسحب في الحميم ، وهو الماء الحارّ مقدّمة للإسجار في النّار ، وهو في القيامة ، وهذه المعاني مروية في تفسير العياشي أيضاً .
ـــــــــــــ
(١) سورة مريم : الآية ٦٢ .
(٢) سورة الإنسان : الآية ١٣ .
(٣) سورة آل عمران : الآيتان ١٦٩ و ١٧٠ .
(٤) سورة غافر : الآية ٤٦ .
(٥) سورة غافر : الآية ٤٦ .
(٦) سورة هود : الآية ١٠٦ .
(٧) سورة غافر : الآيتان ٧١ و ٧٢ .
وروى القمّي(١) والعيّاشي(٢) في تفسيريهما ، والكليني في (الكافي)(٣) ، والمفيد في (الأمالي) (٤) بأسانيدهم عن سويد بن غفلة ، عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، قال :(إنّ ابن آدم إذا كان في آخر يوم من أيّام الدنيا ، وأوّل يوم من أيّام الآخرة ، مثُلَ له أهله وماله وولده وعمله ، فيلتفت إلى ماله فيقول : والله! إنِّي كنت عليك لحريصاً شحيحاً ، فما لي عندك ؟ فيقول : خذ منّي كفنك .
ثمَّ يلتفت إلى ولْده فيقول : والله! إنّي كنت لكم لمحبّاً ، وإنّي كنت عليكم لمحامياً ، فماذا لي عندكم ؟ فيقولون : نؤدّيك إلى حفرتك ونواريك فيها .
ثمَّ يلتفت إلى عمله فيقول : والله! إنّي كنت فيك لزاهداً ، وإنّك كنت عليّ لثقيلاً ، فماذا عندك ؟ فيقول : أنا قرينك في قبرك ويوم حشرك ، حتّى أعرض أنا وأنت على ربّك ، فإن كان لله وليّاً أتاه أطيب الناس ريحاً ، وأحسنهم منظراً ، وأزينهم رياشاً ، فيقول : أبشر برَوح من الله وريحان ، وجنّة ونعيم ، قد قَدِمتَ خير مقدَم ، فيقول : مَن أنت ؟ فيقول : أنا عملك الصالح ارتحل من الدنيا إلى الجنّة .
وإنّه ليعرف غاسله ويناشد حامله أن يعجّله ، فإذا أُدخل قبره أتاه مَلكان ، وهما فتَّانا القبر ، يجرّان أشعارهما ، وينحتان الأرض بأنيابهما ، وأصواتهما كالرعد العاصف ، وأبصارهما كالبرق الخاطف ، فيقولان له : من ربّك ، ومن نبيّك ، وما دينك ؟ فيقول : الله ربي ، ومحمد نبيِّي ، والإسلام ديني فيقولان له : ثبّتك الله فيما تحبّ وترضى ، وهو قول الله : ( يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) (٥) الآية، فيفسحان له في قبره
ـــــــــــــ
(١) تفسير القمي : ١ / ٣٩٩ .
(٢) تفسير العيّاشي : ٢ / ٢٤٤ ، الحديث ٢٠ .
(٣) (الكافي) : ٣ / ٢٢١ ، الباب ١٥٨ ، أنّ الميّت يمثّل له ، الحديث ١ .
(٤) لم نعثر عليه في أمالي المفيد ، راجع : أمالي الطوسي : ٣٤٧ المجلس الثاني عشر ، الحديث ٧١٩ وسائل الشيعة : ١٦ / ١٠٥ ، باب ١٠٠ من أبواب جهاد النفس ، الحديث ١ .
(٥) سورة إبراهيم : الآية ٢٧ .
ومدّ بصره ، ويفتحان له باباً إلى الجنّة ويقولان : نم قرير العين نوم الشاب الناعم ، وهو قوله : ( أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً ) (١) ) .
قال :(وإن كان لربّه عدوّاً ، فإنّه يأتيه أقبح خلق الله رياشاً ، وأنتنه ريحاً ، فيقول له : ابشر بنُزِلٍ من حميم ، وتصلية جحيم وأنَّه ليعرف غاسله ، ويناشد حامله أن يحبسه فإذا دخل قبره ، أتياه ممتحنا القبر فألقيا عنه أكفانه ، ثمَّ قالا له : من ربّك ، ومن نبيّك ، وما دينك ؟ فيقول : لا أدري ، فيقولان له : ما دريت ولا هديت ، فيضربانه بمرزبة ضربةً ما خلق الله دابةً إلاّ وتذعر بها ، ماخلا الثقلان ثمَّ يفتحان له باباً إلى النار ، ثمَّ يقولان له : نم بشرِّ حال .
فهو من الضيق مثل ما فيه القنا من الزجّ ، حتّى إنّ دماغه يخرج من بين ظفره ولحمه ، ويسلّط الله عليه حيّات الأرض وعقاربها وهوامها ، فتنتهشه حتى يبعثه الله من قبره وإنَّه ليتمنى قيام الساعة ممّا هو فيه من الشرّ) ـ الخبر .
أقول : قولهعليهالسلام :(وهو قول الله : ( يُثَبِّتُ اللّهُ ) ) ، يشير إلى قوله سبحانه :( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ * يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ ) (٢) .
فقد بيّن سبحانه أنّ من الكلمات ما هي ثابتة الأصل قارة ، تفيد آثارها في جميع الأحوال ، ووصفها بالطيِّب ، وقد ذكر في موضع آخر أنّها تصعد إليه ويرفعها العملُ الصالح حتى تصل إلى السماء ، فقال سبحانه : ( مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً ) (٣) .
ـــــــــــــ
(١) سورة الفرقان : الآية ٢٤ .
(٢) سورة إبراهيم : الآيات ٢٤ ـ ٢٧ .
(٣) سورة فاطر : الآية ١٠ .
ثمَّ بيّن الطريق إليها ، فقال : ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) (١) .
ثمَّ بيّن سبحانه أنّ هذه الكلمة الطيبة ، الثابتة الأصل ، تثبّت الذين آمنوا بها في الحياة الدنيا وفي الآخرة والقول يتّصف بالثبات وإفادته ؛ باعتبار الاعتقاد والنيّة ، ففي الآخرة مورد يثبت فيه الإنسان أو يضلّ بالقول الثابت وعدمه وإذ ليس هناك اختيار واستواء لطرفي السعادة والشقاوة ، فثباته وتثبيته إنّما هو بالسؤال ، وهو واضح عند التدبّر وقد أخبر سبحانه أنّ هذا القول الثابت والشجرة الطيّبة تؤتي أُكلها ومنافعها كلّ حين بإذن ربّها ، فالآية تدلّ على وقوع الانتفاع به في جميع الأحوال وكلّ المواقف ، ففي الجميع سؤال ، وفي الآية الشريفة مزايا معان أُخر .
ويمكن أن يستشمّ من تمسّكهعليهالسلام بالآية ، أنّه جعل البرزخ من تتمّة الحياة الدنيا ، وهو كذلك بوجه .
وقولهعليهالسلام :(وهو قوله : ( أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ... ) ) ، يشير إلى قوله سبحانه :( وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوّاً كَبِيراً * يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً * وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً * أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً ) (٢) .
والآيات في البرزخ هي من أصرح الآيات فيه .
والمقيل هو النوم للقيلولة ومن المعلوم أن لا نوم في جنّة القيامة ، إلاّ أنّ البرزخ وإنْ لم يكن فيه شيء من منامات الدنيا ، لكنّه بالنسبة إلى القيامة نوم بالقياس إلى اليقظة ؛ ولذلك وصف سبحانه الناس بالقيام للساعة ، ولذلك وصفعليهالسلام الحال بأنّه يفتح للميّت باب إلى الجنّة ويقال له :(نم قرير العين) ، أو باب إلى النّار ويقال له :(نم بشرّ حال) .
ـــــــــــــ
(١) سورة فاطر : الآية ١٠ .
(٢) سورة الفرقان : الآيات ٢١ ـ ٢٤ .
وهذا المعنى كثير الورود في الأخبار ، فلم يصرّح خبر بوروده الجنّة ، بل الجميع ناطقة أنّه يفتح له باب إلى الجنّة ، ويرى منزله فيها ، ويدخل عليه منها الرَوح ، ويقال له : نم قرير العين ، نم نومة العروس ، وقد مرّ الحديث عن الباقرعليهالسلام حيث سُئل : ما الموت ؟ فقال :(هو النوم الذي يأتيكم كلّ ليلة ، إلاّ أنّه طويل مدّته ، لا يُتنبه منه إلاّ يوم القيامة) (١) .
فما البرزخ إلاّ مثال للقيامة ، وإليه التلميح اللطيف بقولهعليهالسلام ـ كما في عدّة أخبار أُخر أيضاً ـ :(ثمَّ يُفسح له في قبره مدّ بصره ) .
فما المثال إلاّ القدر الذي يفهم من الممثَّل فما بعد مدّ البصر شيء ، وقوله سبحانه :( يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى ... ) الآية ، يراد به أوّل يوم يرونهم ، هو بقرينة قولهم :( لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ ) الآية ، وهو البرزخ ، وفيه البشرى واللاَّبُشرى .
واعلم أنّ الذي تُشعر به الآية هو : السؤال عن المؤمنين والظالمين وأمّا المستضعفون والمتوسّطون ، فمسكوت عنهم ، وهو الذي يتحصَّل من الروايات ، ففي (الكافي) : عن أبي بكر الحضرمي ، قال : قال أبو عبد اللهعليهالسلام :(لا يُسأل في القبر إلاّ من محضَ الإيمان محضاً ، أو محض الكفر محضاً ، والآخرون يُلهَون عنهم) (٢) .
أقول : والأخبار عنهمعليهمالسلام في هذا المعنى مستفيضة متكاثرة .
وفي تفسير القمّي مسنداً عن ضريس الكناسي ، عن أبي جعفرعليهالسلام ، قال : قلت له : جعلت فداك ، ما حال الموحّدين المقرّين بنبوّة محمّد من المسلمين المذنبين الذين يموتون وليس لهم إمام ، ولا يعرفون ولايتكم ؟ فقال :(أمّا هؤلاء ، فإنّهم في حُفَرهم لا يخرجون منها ، فمَن كان له عمل صالح ، ولم يظهر منه عداوة ، فإنّه يخدّ له
ـــــــــــــ
(١) راجع الصفحة : ٦٥ .
(٢) الكافي : ٣ / ٢٢٤ ، الباب ١٥٩ ، الحديث ١ .
خدّاً إلى الجنّة التي خلقها الله بالمغرب ، فيدخل عليه الرَوح في حُفرته إلى يوم القيامة ، حتّى يلقى الله فيحاسبه بحسناته وسيّئاته ، فأمّا إلى الجنّة ، وأمّا إلى النار ، فهؤلاء الموقوفون لأمر الله) ، قال :(وكذلك يُفعل بالمستضعفين ، والبُله ، والأطفال ، وأولاد المسلمين الذين لم يبلغوا الحِلْم) (١) الخبر .
أقول : يشرعليهالسلام بقوله :(فهؤلاء الموقوفون) إلى قوله تعالى : ( وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (٢) .
وبالجملة : فغير المستضعفين ومن يلحق بهم مسئولون ، ثمَّ منعّمون أو معذّبون بأعمالهم .
روى المفيد في (الأمالي) عن الصادقعليهالسلام ـ في حديث ـ قال :(فإذا قبضه الله إليه ، صيّر تلك الروح إلى الجنّة في صورة كصورته في الدُّنيا ، فيأكلون ويشربون فإذا قدِم عليهم القادم ، عرفهم بتلك الصورة التي كانت في الدنيا) (٣) .
وفي (الكافي) عن أبي ولاّد الحنّاط ، عن الصادقعليهالسلام ، قال : قلت له : جعلت فداك ، يروون أنّ أرواح المؤمنين في حواصل طيور خضر حول العرش ؟ فقال :(لا ، المؤمن أكرم على الله من أن يجعل روحه في حوصلة طير ، لكن في أبدان كأبدانهم) (٤) .
وفيه أيضاً عن الصادقعليهالسلام :(أنّ الأرواح في صفة الأجساد في شجر في الجنّة تعارف وتساؤل ، فإذا قدمت الروح على الأرواح تقول : دعوها فإنّها أقبلت من هول عظيم ، ثمَّ يسألونها : ما فعل فلان وما فعل فلان؟ فإن قالت لهم : تركته حيّاً ، ارتجوه ،
ـــــــــــــ
(١) تفسير القمي : ٢ / ٢٦٤ .
(٢) سورة التوبة : الآية ١٠٦ .
(٣) لم نعثر عليه في أمالي المفيد ، راجع : أمالي الطوسي : ٤١٨ ، المجلس ١٤ ، الحديث ٩٤٢ .
(٤) الكافي : ٣ / ٢٣١ ، الباب ١٦٢ ، الحديث ١ .
وإن قالت لهم : قد هلك ، قالوا قد هوى ، هوى) (١) ـ الخبر .
وهذا المعنى وارد في أخبار كثيرة ، لكنّها بأجمعها في المؤمنين وأمّا حال الكافرين فسيأتي .
وفي (الكافي) عن الصادقعليهالسلام ، قال :(إنّ المؤمن ليزور أهله فيرى ما يحبّ ، ويستر عنه ما يكره ، وإنَّ الكافر ليزور أهله فيرى ما يكره ، ويستر عنه ما يحب) (٢) .
وفيه أيضاً : عن الصادقعليهالسلام ، قال :(ما من مؤمن ولا كافر إلاّ وهو يأتي أهله عند زوال الشمس ، فإذا رأى أهله يعملون بالصالحات حمد الله على ذلك ، وإذا رأى الكافر أهله يعملون بالصالحات كانت عليه حسرة) (٣) .
وفيه أيضاً : عن إسحاق بن عمّار ، عن أبي الحسن الأوّلعليهالسلام ، قال : سألته عن الميّت يزور أهله ؟ قال :(نعم) فقلت : في كم يزور ؟ قال : (في الجمعة ، وفي الشهر ، وفي السَّنة ، على قدر منزلته) ، فقلت : في أيّة صورة يأتيهم ؟ قال :(في صورة طائر لطيف ، يسقط على جُدُرهم ويشرف عليهم فإذا رآهم بخير فرح ، وإن رآهم بشرّ وحاجة حزن واغتمّ) (٤) .
أقول : والروايات في هذه المعاني كثيرة مرويّة وأمّا تصوّره بصورة الطائر ، فهو تمثّل .
ويمكن أن يستشعر هذا المعنى بقوله سبحانه :( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ *
ـــــــــــــ
(١) الكافي : ٣ / ٢٣١ ، الباب ١٦٢ ، الحديث ٣ .
(٢) المصدر المتقدّم : ٢٢٠ ، الباب ١٥٧ ، الحديث ١ .
(٣) المصدر المتقدّم : الحديث ٢ .
(٤) المصدر المتقدّم : الحديث ٣ .
يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ) (١) .
فالاستبشار تلقّي البشارة والفرح بها ، وقوله : ( يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ ) الآية ، بيان لقوله :( وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ ) الآية .
فالآيات تفيد أنّهم يستبشرون ويفرحون بما يتلقُّون ممَّن خلفهم من النعمة والفضل ، وانتفاء الخوف والحزن عنهم ، وهو الولاية ، وأنّهم يعملون الصالحات ، واللهُ لا يضيع أجر المؤمنين ، فيحفظ حسناتهم ، ويعفو عنهم سيّئاتهم ، ويفيض عليهم بركاته ، فيرون منه ذلك كلّهن فافهم .
وقريب منه قوله سبحانه :( وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) (٢) .
وفي (الكافي) عن أبي بصير ، عن الصادقعليهالسلام ـ في حديث سؤال المَلكين ـ قال :(فإذا كان كافراً ، قالا : مَن هذا الرجل الذي خرج بين ظهرانيكم ؟ فيقول : لا أدري ، فيخليان بينه وبين الشيطان) (٣) ـ الخبر .
وروي هذا المعنى أيضاً في حديث آخر ، عن بشير الدهّان(٤) .
ورواه العيّاشي في تفسيره(٥) عن محمد بن مسلم ، عن الباقرعليهالسلام ، وهو قوله سبحانه : ( وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ) إلى قوله تعالى:( حَتَّى إِذَا جَاءنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ ) (٦) .
ـــــــــــــ
(١) سورة آل عمران : الآيات ١٦٩ ـ ١٧١,.
(٢) سورة التوبة : الآية ١٠٥ .
(٣) الكافي : ٣ / ٢٢٦ ، الباب ١٥٩ ، الحديث ١٠ .
(٤) الكافي : ٣ / ٢٢٥ ، الباب ١٥٩ ، الحديث ٧ .
(٥) تفسير العيّاشي : ٢ / ٢٤٤ ، الحديث ١٩ .
(٦) سورة الزخرف : الآيات ٣٦ ـ ٣٨ .
واعلم أنّ البرزخ عالم أوسع من عالم الدنيا ؛ لكون المثال أوسع وأوسط من الجسم المادي ، وقد عرفت معنى المادة ، فالوارد من تفصيله بلسان الكتاب والسنّة كلّيات واردة في سبيل الأُنموذج دون الاستيفاء .
واعلم أنّ تعيين الأرض في الأخبار محلّلاً لجنّة البرزخ وناره ، ومجيء الأموات لزيارة أهليهم ، وغير ذلك ، منزَل على عدم انقطاع العُلقة المادية بكمالها ، وهو كذلك كما مرّ .
وقد ورد في أخبارٍ : أنّ جنّة البرزخ في وادي السلام(١) ، وأنّا نار البرزخ في وادي برهوت(٢) ، وأنّ صخرة بيت المقدس مجتمع الأرواح(٣) . وفي روايات أُخر : مشاهدة الأئمّة للأرواح في أمكنة مختلفة ، وروي ذلك في كرامات الصالحين بما هو فوق حدّ الحصر ، وكلّ ذلك أُمور جائزة تكشف عن علقة (لشرافة) مكان أو زمان أو حال .
ـــــــــــــ
(١) الكافي : ٣/٢٣٠ ، باب ١٦١ في أرواح المؤمنين ، الحديث ١ تهذيب الأحكام : ١/٤٧١ ، الباب ٢٣ في تلقين المحتضرين ، الحديث ١٥٢٥ .
(٢) بحار الأنوار : ٦/٢٨٧ ، وانظر الكافي : ٣/٢٣٣ ، الباب ١٦٣ في أرواح الكفّار ، الحديث ٣ .
(٣) تحف العقول : ١٧٣ ، جواب الإمام الحسينعليهالسلام عن مسائل سأله عنها مَلِك الروم الفصول المهمّة في أُصول الأئمة : ٣٣٦١ ، الحديث ٤١٣ .
الفصل الثالث: في نفخ الصُّورِ
قال سبحانه :( وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ) (١) ، وقال سبحانه :( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ ) (٢) .
وقد ورد في رواية عن السجّادعليهالسلام :(أنّ النفخات ثلاث : نفخة الفزع ، ونفخة الصعقة ، ونفخة الإحياء) (٣) ، ويمكن تنزيل ذلك إلى ما سيأتي من معنى قوله سبحانه : ( مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ) (٤) الآية ، والله أعلم .
فالنفخة نفختان : نفخة للإماتة ونفخة للإحياء ، ولم يرد في كلامه سبحانه ما يمكن أن يفسّر به معنى الصُّور من حيث اللفظ وهو في اللغة : القَرْن(٥) ، وربّما كان يثقب وينفخ فيه .
ـــــــــــــ
(١) سورة النمل : الآية ٨٧ .
(٢) سورة الزمر : الآية ٦٨ .
(٣) بحار الأنوار : ٦/٣١٨ .
(٤) سورة يس : الآية ٤٩ .
(٥) لسان العرب : ٤ / ٤٧٥ ، مادة صور .
ولا ورد في النفخة الأُولى إلاّ الآيتان في سورة النمل والزُّمر ، إلاّ أنّه سبحانه عبّر عن معناه في مواضع أُخر بالصيحة وبالزجرة ـ وهي الصيحة ـ ، وبالصاخّة ـ وهي الصيحة الشديدة ـ ، وبالنقر قال سبحانه :( إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ) (١) ، وقال سبحانه :( فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ ) (٢) ، وقال سبحانه : ( فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ) (٣) الآيات ، وقال سبحانه :( فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ) (٤) ، وقال سبحانه : ( وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ ) (٥) .
فمن هنا يعلم أنّ مَثَل الصُّور مع نفختيه مثل ما يُصنع في العساكر المعدّة للحضور إلى غاية ، فينفخ في الصور مرّة : أن اسكتوا وتهيّؤا للحركة ، وينفخ ثانية : أن قوموا وارتحلوا واقصدوا غايتكم فالصور موجود حامل لصيحتين : صيحة مميتة وصيحة محيية ، (وهو ذان) لم نجد له تفسيراً وافياً من الكتاب ، إلاّ أنّه معبّر بلفظة فيه في اثني عشر مورداً أو أزيد ، فلا شكّ هو ذو معنى أصيل محفوظ.
وقد عبّر عنه بالنداء أيضاً ، ولا يكون النداء إلاّ ذا معنى مقصود ؛ ووصفهم سبحانه بسَمْع الصحية بالحقّ ، ولا يسمع إلاّ الموجود الحي ، وقد أخبر بصعقتهم ، فليس إلاّ أنّ اتّصافهم بالحياة .
ـــــــــــــ
(١) سورة يس : الآية ٥٣ .
(٢) سورة النازعات : الآيتان ١٣ و ١٤ .
(٣) سورة عبس : الآيتان ٣٣ و ٣٤ .
(٤) سورة المدّثر : الآيات ٨ ـ ١٠ .
(٥) سورة ق : الآيتان ٤١ و ٤٢ .
والموجود عين استماعهم وسمعهم ؛ إذ إسماعهم للصيحة المحيية لهم بعد اتّصافهم بالحياة غير معقول ، فليس إلاّ كلمة إلهية يميتهم ويحييهم ، وقد قال سبحانه : ( هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (١) .
فالنفختان كلمتان إلهيّتان : كلمة مميتة وكلمة محيية ، لكنّه سبحانه لم يُعبّر بالموت ، وإنّما عبر بالصعقة ؛ ولعلّ ذلك لأنّ الموت يطلق على خروج الروح من البدن ، وقد شمل حكم النفخة من في السموات والأرض ، وفيها الملائكة والأرواح ، وفي قوله سبحانه في وصف أهل الجنّة :( لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى ) (٢) تلميحٌ إلى ذلك .
نعم ، وقع في قوله سبحانه حكاية عن قول أهل النار :( قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ ) (٣) ، لو لم تكن التثنية للتكرار أو لتغليب إطلاق الموت على صعقة النفخة ، ثمَّ إنّه سبحانه قال :( بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) (٤) .
فأفاد شمول حكم البرزخ على الجميع ، فالمراد بمَن في الأرض في آيتي الفزع والصعقة ، ليس مَن على ظهر الأرض ممّن هم في قيد الحياة الدنيا قبل البرزخ ، بل الذين قال فيهم سبحانه :( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ* وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ ) (٥) .
ـــــــــــــ
(١) سورة غافر : الآية ٦٨ .
(٢) سورة الدخان : الآية ٥٦ .
(٣) سورة غافر : الآية ١١ .
(٤) سورة المؤمنون : الآية ١٠٠ .
(٥) سورة الروم : الآيتان ٥٥ و ٥٦ .
وقال سبحانه :( قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ * قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) (١) .
وقال سبحانه :( إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ) (٢) ، إلى أن قال :( وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ) (٣) ، فهؤلاء أهل الأرض وإن حلّوا البرزخ وأمّا من في السموات ، فهم الملائكة وأرواح السعداء ، وقد قال سبحانه :( وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ) (٤) ، وقال : ( لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ ) (٥) ، وقال :( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ) (٦) الآية، وقال :( أَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ) (٧) ، وقال : ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ) (٨) ، وقال : ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ) (٩) ،
ـــــــــــــ
(١) سورة المؤمنون : الآيات ١١٢ ـ ١١٤ .
(٢) سورة الأعراف : الآية ٤٠ .
(٣) سورة الأعراف : الآية ٤٦ .
(٤) سورة الذاريات : الآية ٢٢ .
(٥) سورة سبأ : الآية ٣٠ .
(٦) سورة المائدة : الآية ٩ .
(٧) سورة الأنعام : الآية ٢ .
(٨) سورة فاطر : الآية ١٠ .
(٩) سورة المجادلة : الآية ١١ .
وقال :( تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ ) (١) ، إلى غير ذلك من الآيات .
وعلى هذا فالآيات الدالّة على وقوع الصيحة على أهل الأرض، وفناء الدنيا وخرابها، مُنزَلة على انطواء نشأة الدنيا وانقراضها وأهلها ، كقوله تعالى : ( مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ) (٢) ، وقوله سبحانه : ( كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ ) (٣) ، وقال سبحانه :( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ) (٤) .
فهناك صيحة ينطوي بها بساط الدنيا وينقرض أهلها ، ونفخ يموت به أهل البرزخ ، ونفخ تقوم به القيامة ويبعث به الناس .
نعم ، قوله سبحانه :( مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ) (٥) ، وقوله : ( أَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ) (٦) ، قد جمع الجميع تحت الأجل ، فلا موت حتف أنفساً أو قتلاً ، ولا بصيحة ولا بنفخ صور إلاّ بأجل .
وأمّا قوله سبحانه في آيتي النفخ :( إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ) ، فالاستثناء الذي في قوله سبحانه : ( وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ) (٧)
ـــــــــــــ
(١) سورة المعارج : الآية ٤ .
(٢) سورة يس : الآيتان ٤٩ و ٥٠ .
(٣) سورة آل عمران : الآية ١٨٥ .
(٤) سورة الرحمن : الآية ٢٦ .
(٥) سورة الأحقاف : الآية ٣ .
(٦) سورة الأنعام : الآية ٢ .
(٧) سورة النمل : الآية ٨٧ .
فيفسّره ما بعده من الآيات ، وهي :( مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) (١) .
لكنّ الحسنة أُريدت بها المطْلَقة ؛ لمكان الأمن ، وقرينة مقابلتها بالسيّئة والإيعاد عليها ، فالمختلط عمله منهما لا يأمن الفزع ؛ لمكان السيّئة ، فالأمن من الفزع طيب ذاته وطيّب عمله من السيّئات ، وقد عدّ سبحانه سيّئات الأعمال خبائث ، فقال :( وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ) (٢) .
وقد عدّ من الرجس الكفر والنفاق والشرك، فقال :( وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ ) (٤) ، وقال :( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) (٥) .
وعدّ من الشرك بعض مراتب الإيمان، فقال :( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ ) (٦) .
فطيب الذات من الشرك : أن لا يؤمن بغيره سبحانه ، ولا يطمئنّ إلاّ إليه ، أي لا يرى له سبحانه شريكاً في وجوده وأوصافه وأفعاله ، وهو الولاية ، وإليه يرجع معنى قوله
ـــــــــــــ
(١) سورة النمل : الآيتان ٨٩ و ٩٠ .
(٢) سورة الأنفال : الآية ٣٧ .
(٣) سورة النور : الآية ٢٦ .
(٤) سورة التوبة : الآية ١٢٥ .
(٥) سورة التوبة : الآية ٢٨ .
(٦) سورة يوسف : الآية ١٠٦ .
سبحانه : ( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ ) (١) ، أي من حيث الذات بالولاية :( يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ) (٢) ، والسلام هو الأمن .
فقد ظهر بما وجّهنا به معنى الآية : أنّ الحسنة فيها هي الولاية وبه يُشعر قوله سبحانه :( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ) (٣) .
وفي تفسير القمّي في قوله تعالى : ( مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ) (٤) ، قالعليهالسلام : (الحسنة ـ والله ـ ولاية أمير المؤمنين ، والسيّئة ـ والله ـ اتّباع أعدائه) (٥) .
وفي (الكافي) عن الصادق ، عن أبيه ، عن أمير المؤمنينعليهمالسلام ، قالعليهالسلام :(الحسنة معرفة الولاية وحبّنا أهل البيت ، والسيّئة إنكار الولاية وبغضنا أهل البيت) ، ثمَّ قرأ الآية(٦) ـ الحديث .
وبما مرّ من البيان يتبيّن الحال في الآية الأُخرى ، وهي قوله سبحانه :( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ ) (٧) .
فظاهر الآية أنّ الذين صُعقوا من النفخة هم الذين قاموا لله يوم يقوم الناس لربّ العالمين ، وهم المحضَرون ؛ لقوله سبحانه :( إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ) (٨) .
ـــــــــــــ
(١) و (٢) سورة النحل : الآية ٣٢ .
(٣) سورة الشورى : الآية ٢٣ .
(٤) سورة القصص : الآية ٨٤ .
(٥) تفسير القمّي : ٢ / ١٣٢ .
(٦) الكافي : ١ / ٢٠٧ ، الباب ٦٤ ، الحديث ١٤ .
(٧) سورة الزُّمر : الآية ٦٨ .
(٨) سورة يس : الآية ٥٣ .
وقد استثنى سبحانه من المحضَرين عباده المخلصين ، إذ قال :( فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ) (١) .
ثمَّ عرّفهم سبحانه بقوله حكاية عن إبليس حين رُجم :( قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) (٢) .
فبيّن أن لا سبيل للشيطان إليهم ، ولا يتحقّق إغواؤه فيهم ، وقد ذكر أيضاً أنّ إغواءه إنّما هو بالوعد ، حيث قال سبحانه :( وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ) (٣) ، إلى أن قال : ( فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (٤) .
واستُنتِج من ذلك ـ كما ترى ـ أنّ اللوم راجع إلى أنفسهم ، وأنّ الذنب راجع إلى الشرك ، وأنّهم بمقتضى شقائهم الذاتي ظالمون ، وأنّ الظالمين لهم عذاب أليم فالمخلصون هم المخلصون عن الشرك بذاتهم ، لا يرون لغيره سبحانه وجوداً ، ولا يحسّون لغيره اسماً ولا رسماً ، ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرّاً ، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً ، وهذا هو مفهوم الولاية .
وبالجملة : فأولياء الله سبحانه هم المستثنون من حكم الصعقة والفزع ، لا يموتون بالنفخة حين يموت بها مَن في السموات والأرض ، وقد قال سبحانه : ( يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ) (٥) ،
ـــــــــــــ
(١) سور الصافّات : الآيتان ١٢٧ و ١٢٨ .
(٢) سورة ص : الآيتان ٨٢ و ٨٣ .
(٣) سورة إبراهيم : الآية ٢٢ .
(٤) سورة إبراهيم : الآية ٢٢ .
(٥) سورة الأنبياء : الآية ١٠٤ .
وقال :( وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ) (١) .
فبيّن سبحانه طيّها وبلوغها أجلها يومئذٍ بمَن فيها ؛ وبذلك يظهر أنّ المخلصين المستثنين ليسوا فيها ، بل مقامهم فيما وراء السموات والأرض ، وهم مع ذلك في الجميع ، قال سبحانه : ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) (٢) ، فهم من الوجه .
وقال سبحانه :( فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ ) (٣) ، فهم المحيطون بالعالم بإحاطته سبحانه ، وقد بيّنه سبحانه بوجه آخر بعد ما بيّن أنّ أهل الجنّة في السماء ، وأهل النّار في النّار ، بقوله :( وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ ) (٤) ، وسيأتي كلام فيه في غير هذا المقام .
ومن هنا يظهر أنّهم في فراغ وأمن من سائر الأُمور الجارية ، والشدائد والأهوال الواقعة بين النفختين ، قال سبحانه :( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ) (٥) .
والدكّ هو : الدقّ ، تقول : دككت الشيء ، إذا ضربته وكسرته حتّى تسوِّي به الأرض .
وقال تعالى :( يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ) (٦) ، وقال سبحانه :( يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً ) (٧) ،
ـــــــــــــ
(١) سورة الزُّمر : الآية ٦٧ .
(٢) سورة القصص : الآية ٨٨ .
(٣) سورة البقرة : الآية ١١٥ .
(٤) سورة الأعراف : الآية ٤٦ .
(٥) سورة الحاقّة : الآيات ١٣ ـ ١٥ .
(٦) سورة النازعات : الآيتان ٦ و ٧ .
(٧) سورة المزمّل : الآية ١٤ .
وقال سبحانه :( إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ) (١) ، وقال سبحانه :( وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ ) (٢) ، وقال: ( وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ ) (٣) ، وقال :( فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ) (٤) ، وقال : ( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ) (٥) ، وقال :( وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ ) (٦) ، وقال :( وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ ) (٧) ، وقال :( وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ ) (٨) .
وهذه الآيات بظاهرها قريبة الانطباق بأشراط الساعة ومقدّمات القيامة وخراب الدنيا وانقراض أهلها .
واعلم أنّ هذا هو المصحّح لعدّ الساعة تالية للدنيا وبعدها ، كما أنّ الموت هو المصحّح لعدّ البرزخ بعد الدنيا ، وإلاّ فكما أنّ المثال محيط بعالم المادة وهو الدنيا ، فكذلك نشأة البعث محيطة بالدنيا والبرزخ ، على ما يعطيه البرهان السابق واللاحق ، ومع الغضّ عن الإحاطة أيضاً فانطواء بساط الزمان ، وانقطاع الحركات بين النشأتين ، يوجب انقطاع النسبة الزمانيّة ، ويبطل بذلك قبل وبعد .
ـــــــــــــ
(١) سورة الحجّ : الآيتان ١ و ٢ .
(٢) سورة التكوير : الآية ٣ .
(٣) سورة القارعة : الآية ٥ .
(٤) سورة القيامة : الآيات ٧ ـ ٩ .
(٥) سورة التكوير : الآية ١ .
(٦) سورة الانفطار : الآية ٢ .
(٧) سورة التكوير : الآية ٤ .
(٨) سورة التكوير : الآية ٦ .
واعلم أنّ هناك آيات أُخر قريبة السياق من الآيات المذكورة آنفاً ، غير أنّها تعطي نحواً آخر من المعنى :
قال سبحانه :( وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً ) (١) ، فإنّ تسيير الجبال ، بنقل أمكنتها وجعلها كثيباً مهيلاً وكالعهن المنفوش ، لا ينتهي إلى كونها سراباً ، وذلك ظاهر .
وقال سبحانه : ( وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ) (٢) ، فإنّ ظرف (ترى) إمّا حال الخطاب أو حال النفخ ، كما يؤيّده وقوع الآية بعد آية النفخ ، فتنطبق على زلزلة الساعة ، وهي التي بها تذهل كلّ مرضعة عمّا أرضعت ، وتضع كلّ ذات حمل حملها ، وترى الناس سكارى ، وهي لا تلائم قوله تعالى :( تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ) ؛ فإنّها تدلّ على أنّ الجبال حينئذٍ على ظاهر كيفيّتها الجسمانيّة من الأُبّهة والعظمة والاستقرار والتمكّن ، مع أنّها من غير هذه الحيية غير مستقرة ، بل سارية .
ومن الدليل عليه قوله :( صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ) (٣) ؛ فإنّه لا يلائم فناء الجبال واندكاكها ، بل يُشعر بأنّها في صنعها متقَنة ، غير هيِّنة الفساد ولا يسيرة الانفكاك ، فهو سُير لا ينافي استحكام أساسها وإتقان وجودها في محلّه ، بل اندكاك في عين الاستحكام ، فكونها سراباً يجتمع مع إتقان صنعها وبقاء هوّيتها ووجودها .
ـــــــــــــ
(١) سورة النبأ : الآية ٢٠ .
(٢) سورة النمل : الآية ٨٨ .
(٣) سورة النمل : الآية ٨٨ .
الفصل الرابع: في صفات يوم القيامة
قال تعالى :( يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) (١) ، وقال : ( يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ) (٢) ، وقال :( مَا لَكُم مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍ ) (٣) ، وقال : ( يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً ) (٤) ، وقال :( وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً ) (٥) ، وقال : ( وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ) (٦) ، إلى غير ذلك من الآيات .
وقد اشتملت على وصف يوم القيامة بأوصاف غير مختصّة به ظاهراً ، فإنّ المُلْك
ـــــــــــــ
(١) سورة غافر : الآية ١٦ .
(٢) سورة غافر : الآية ٣٣ .
(٣) سورة الشورى : الآية ٤٧ .
(٤) سورة الدخان : الآية ٤١ .
(٥) سورة النساء : الآية ٤٢ .
(٦) سورة الانفطار : الآية ١٩ .
والقوّة والأمر لله دائماً ، والموجودات بارزة له غير خافية عليه ، ولا عاصم ولا ملجأ منه سبحانه دائماً ، لكنّه سبحانه قال :( وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ ) (١) .
فأخبر بتقطّع الأسباب ، وانقطاع الروابط يومئذٍ ، فأفاد أنّ جميع التأثيرات والارتباطات التي بين الموجودات في نظامها الموجود في عالم الأجسام والجسمانيّات وما يتلوه ، ستقطع وتزول ، فلا يؤثّر شيء منها في شيء ، ولا يتأثّر شيء عن شيء ، ولا ينتفع ولا يستضرّ شيء بشيء ولو كان الظرف ظرفها ، واليوم يومها ، لما تخلّف شيء من أحكامها ، ولم تزل عن مستقرّها ، إلاّ ببطلان الذوات وانقلاب المهيّات ، ومن المحال ذلك ، ولا تبديل لكلمات الله .
فإذن المرفوع الزائل هو وجوداتها السرابيّة ، وهي وجوداتها القائمة بالحقّ سبحانه ، الثابتة به ، الباطلة في أنفسها ، فلا تبقى إلاّ نسبتها إلى الحقّ سبحانه ، وتبطل بقيّة النسب وإذ هي باطلة في نفسها ، فهو انكشاف بطلانها لا نفسه ، وظهور حقيقة الأمر ، وهو أن لا وجود إلاّ له سبحانه ولا تأثير لغيره ، فلا مُلك إلاّ له ، ولا مَلِك إلاّ هو ، وهو قوله سبحانه :( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) (٢) ، وقوله :( يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ) (٣) ، وقوله :( لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) (٤) .
ويشهد لما ذكرنا من انكشاف بطلان الوجودات السرابيّة والأسباب الظاهريّة
ـــــــــــــ
(١) سورة البقرة : الآيتان ١٦٥ و ١٦٦ .
(٢) سورة الفاتحة : الآية ٤ .
(٣) سورة الانفطار : الآية ١٩ .
(٤) سورة غافر : الآية ١٦ .
لا نفس بطلانها ؛ قوله تعالى :( وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ ) إلى أن قال : ( لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ) (١) الآيات ؛ حيث ذكر بطلان الأسباب عند الموت مع أنّها في محلّها لم تزل ، وإنّما هو انكشاف بطلانها .
وفي (نهج البلاغة) في خطبة لهعليهالسلام :(وإنّ الله سبحانه يعود بعد فناء الدنيا ، وحده لا شيء معه ، كما كان قبل ابتدائها ، كذلك يكون بعد فنائها ، بلا وقتٍ ولا مكانٍ ، ولا حين ولا زمان عُدمت عند ذلك الآجال والأوقات ، وزالت السنون والساعات ، فلا شيء إلاّ الله الواحد القهار ، الذي إليه مصير جميع الأمور) (٢) .
وفي (الاحتجاج) عن هشام بن الحكم في خبر الزنديق ، فيما سأله عن الصادقعليهالسلام ، إلى أن قال : أيتلاشى الروح بعد خروجه من قالبه أم هو باقٍ ؟( بل هو باقٍ إلى وقت ينفخ في الصُّور ، فعند ذلك تبطل الأشياء ، فلا حسّ ولا محسوس ، ثمَّ أُعيدت الأشياء كما بدأها مدبّرها ، وذلك بعد أربعمئة سنة لا خلق فيها ، وذلك بين النفختين) (٣) .
وفي (تفسير القمّي) عن الصادقعليهالسلام ـ في حديث :(ثمَّ يقول الله عزّ وجلّ : ( لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ) ؟ فيردّ على نفسه : ( لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) ) (٤) .
وفي التوحيد عن أمير المؤمنينعليهالسلام ـ في حديث :(ويقول الله : ( لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ) ؟ ثمَّ تنطق أرواح أنبيائه ورسله وحججه ، فيقولون : ( لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) ) (٥) .
ـــــــــــــ
(١) سورة الأنعام : الآيتان ٩٣ و ٩٤ .
(٢) نهج البلاغة : ٢٧٦ ، من خطبة لهعليهالسلام في التوحيد .
(٣) الاحتجاج : ٢ / ٨٦ .
(٤) تفسير القمّي : ٢ / ٢٦٠ .
(٥) التوحيد : ٢٢٧ ، الباب ٣٢ ، الحديث ١ .
وفي (تفسير القمّي) عن السجّادعليهالسلام ـ في حديث ـ قال :(فعند ذلك ينادي الجبّار بصوت جهوري يُسمع في أقطار السموات والأرضين : ( لِّمَنِ الْمُلْكُ ) ؟ فلا يجيبه مجيب ، فعند ذلك ينادي الجبّار مجيباً لنفسه : ( لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) ) (١) الحديث .
أقول : فانظر إلى بياناتهمعليهمالسلام ، وهم لسان واحد ، كيف جمعت بين فناء السموات والأرض وتحقّقها ، وزوال السنين والساعات وثبوتها ، وعدم مجيب لندائه سبحانه غير نفسه ، ووجود المجيب ، ثمَّ انظر إلى قوله سبحانه في جوابه لنداء نفسه :( لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) ، ومكان الاسمين ، وتدبّر في أطراف الكلام تعرف صحّة ما ذكرناه .
ثمَّ إنّه إذا زال الوجود المستقلّ عن الأشياء ، وعادت الثبوتات إلى تحقّقات وهميّة سرابيّة ، وبطلت عامّة التسبيبات والتشبّثات ، وهو قوله سبحانه : ( مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ) (٢) ، وقوله : ( مَا لَكُم مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍ ) (٣) ، وقوله :( مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ) (٤) ، وقوله :( يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلىً عَن مَّوْلًى شَيْئاً ) (٥) ، وقوله :( يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ ) (٦) ، وقوله : ( وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ ) (٧) ،
ـــــــــــــ
(١) تفسير القمّي : ٢ / ٢٥٥ .
(٢) سورة غافر : الآية ٣٣ .
(٣) سورة الشورى : الآية ٤٧ .
(٤) سورة الحاقّة : الآيتان ٢٨ و ٢٩ .
(٥) سورة الدخان : الآية ٤١ .
(٦) سورة إبراهيم : الآية ٣١ .
(٧) سورة البقرة : الآية ١٢٣ .
وقوله :( ثمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ ) (١) .
وقولهم :( بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُو ... ) ، يقولون : إنّا قبل يوم القيامة لم ندعُ غير الله ، ولم نعبد له شريكاً ، فهو ظهور كونهم في الدنيا مغرورين بسرابها ولعبها ، وقد كان باطلاً بالحقيقة ، فقال سبحانه :( كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ ) ، وقريب منه قوله سبحانه : ( ثمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ) (٢) ، وقال :( شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ) (٣) ، وقوله :( تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ ) (٤) .
ومرجع الجميع إلى قوله سبحانه :( مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ) (٥) ، وقوله :( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) (٦) .
ثمَّ إنّه إذا بطلت الأسباب بينهم ، وهي المراتب المترتّبة المقدّرة في الوجود والتأثيرات التي بينها ، ظهر حكم الباطن ومن المعلوم أنّ الظاهر ظاهر بالباطن ، فاتّحد حينئذٍ الغيب والشهادة ؛ إذ كلّ شيء فهو في نفسه ووجوده شهادة ، وإنّما الغيب معنى نسبي يتحقّق بفقدان شيء لشيء وغيبوبته عنه إمّا حسّاً أو غيره .
ـــــــــــــ
(١) سورة غافر : الآيتان ٧٣ و ٧٤ .
(٢) سورة يونس : الآية ٢٨ .
(٣) سورة يونس : الآية ٢٨ .
(٤) سورة القصص : الآية ٦٣ .
(٥) سورة يوسف : الآية ٤٠ .
(٦) سورة الذاريات : الآية ٥٦ .
وبالجملة : بسبب ارتفاع الأسباب يرتفع كلّ حجاب شيئاً عن شيء ، وهو قوله سبحانه :( يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ) (١) ، وقوله :( وَبَرَزُواْ لِلّهِ جَمِيعاً ) (٢) ، وقوله : ( فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) (٣) .
ومن هذا الباب قوله :( يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ) (٤) ، وقوله : ( أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ ) (٥) ، وقوله :( يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ* إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) (٦) .
ويمكن أن ينزَّل على ما هاهنا ما ورد من الآيات والأخبار في بروز الأرض .
وفي (الكافي) عن الصادقعليهالسلام ، في قوله تعالى :( يَوْمَ لَا يَنفَعُ ) (٧) الآية ، قال :(القلب السليم الذي يلقى ربّه وليس فيه أحد سواه ) ، قال :(وكلّ قلب فيه شرك أو شكّ فهو ساقط ، وإنّما أرادوا بالزهد في الدنيا تفرُّغ قلوبهم للآخرة) (٨) .
أقول : وقوله سبحانه :( كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ) (٩) ، لا ينافي ما ذكرنا ، فإنّه ـ كما سيجيء ـ ينفي التشريف الذي يقع للمؤمنين ، وتصديقٌ لِمَا قضى به سبحانه : أنّ الجزاء بالأعمال ، وأنّ لكلّ نفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت .
ـــــــــــــ
(١) سورة غافر : الآية ١٦ .
(٢) سورة إبراهيم : الآية ٢١ .
(٣) سورة ق : الآية ٢٢ .
(٤) سورة الطارق : الآية ٩ .
(٥) سورة العاديات : الآيات ٩ ـ ١١ .
(٦) سورة الشعراء : الآيتان ٨٨ و ٩٨ .
(٧) سورة الشعراء : الآية ٨٨ .
(٨) الكافي : ٢ / ٤٠ ، باب الإخلاص ، الحديث ٥ .
(٩) سورة المطفّفين : الآية ١٥ .
وقد حَجَبَ هؤلاء أنفسهم في الدنيا عنه سبحانه ، فلا بدّ من ظهور مصداقه يوم القيامة ، وذلك كقوله سبحانه :( يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ ) (١) .
ثمَّ إنّ بطلان الأسباب وزوال الحُجب ، وظهور الباطن الذي هو محيط بالظاهر ، مقوّمٌ له قائمٌ عليه ، يعطي كون الساعة محيطة بهذه النشأة وما فيها وما يتلوها ، فالظاهر موجود للباطن حاضر عنده دون العكس ، وهو قوله سبحانه :( وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً ) (٢) ، وقوله :( فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) (٣) ، وقوله :( وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ) (٤) ، وقوله :( وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ) (٥) ، وقوله :( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ ) (٦) .
ومن هذا الباب قوله سبحانه :( وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) (٧) ،
ـــــــــــــ
(١) سورة القلم : الآيتان ٤٢ و ٤٣ .
(٢) سورة الإسراء : الآية ٥١ .
(٣) سورة الملك : الآية ٢٧ .
(٤) سورة سبأ : الآية ٥١ .
(٥) سورة النحل : الآية ٧٧ .
(٦) سورة آل عمران : الآية ٣٠ .
(٧) سورة الشورى : الآية ١٤ .
فالسبق إلى الشيء يوجب حيلولة ، فقولك : سبقت إلى مكان كذا ، يوجب وجود شيء آخر سبقته ، وحلت بينه وبين المكان قبل أن يصل إليه فسبقُ كلمة سبحانه إلى أجل مسمّى ، وهو قوله : ( وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ) (١) ، يعطي أنّه محيط بهم قريب ، لولا السدّ الذي سدّه سبحانه تجاهه ؛ لغشيهم فصل القضاء .
ومن هذا الباب قوله :( كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ) (٢) ، وقوله :( كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ ) (٣) ، وقوله :( قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ * قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) (٤) ، وقوله :( وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ ) (٥) .
ثمَّ إنّ ما مرّ من ظهور الباطن وبطلان الظاهر ، يوجب ظهور الحقّ سبحانه يومئذٍ ، وارتفاع حُجب المهيّات ، وانتهاك أستار الهويّات ، وبلوغ الكلّ إلى غاية الغايات من سيرهم ، ومنتهى النهايات من كدحهم ورجوعهم ، وهو قوله سبحانه :( يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا ) (٦) ، وقوله سبحانه :( وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى ) (٧) ،
ـــــــــــــ
(١) سورة البقرة : الآية ٣٦ .
(٢) سورة النازعات : الآية ٤٦ .
(٣) سورة الأحقاف : الآية ٣٥ .
(٤) سورة المؤمنون : الآيات ١١٢ ـ ١١٤ .
(٥) سورة الروم : الآية ٥٦ .
(٦) سورة النازعات : الآيات ٤٢ ـ ٤٤ .
(٧) سورة النجم : الآية ٤٢ .
وقوله : ( يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ ) (١) ، وقوله :( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) (٢) ، وقوله : ( وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ ) (٣) ، وقوله : ( وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) (٤) ، وقوله :( أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ ) (٥) ، وآيات أُخر في هذا المعنى ، وقوله :( وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ ) (٦) ، وقوله :( يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) (٧) .
فهم لزعمهم أنّها أمر زماني في سلسلة متّصلة بزمانهم سألوا توقيتها ، فصرفهم سبحانه بما يقرب من إفهامهم ثمَّ لمّا ألحّوا فيه ، أجابهم بأنّ علمها لا يبرز من عند الله ، ويأبى بذاته عن الطلوع لغيره سبحانه ، لا أنّه يقبل الحصول للغير وإنّما أخفى إخفاءً لمصلحة أو غيرها ، كما في معلوماتنا ؛ ولذلك عقبهُ سبحانه بقوله :( وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) .
ثمَّ إنّ حُجب المراتب والهويّات ، حيث ارتفعت يومئذٍ ، ولم يحتجب شيء عن
ـــــــــــــ
(١) سورة الانشقاق : الآية ٦ .
(٢) سورة البقرة : الآية ٢٤٥ .
(٣) سورة العنكبوت : الآية ٢١ .
(٤) سورة المائدة : الآية ١٨ .
(٥) سورة الشورى : الآية ٥٣ .
(٦) سورة الملك : الآيتان ٢٥ و ٢٦ .
(٧) سورة الأعراف : الآية ١٨٧ .
شيء ، فالوعاء وعاء النور ، وقد تبدّلت الهويات فصارت متنوّرة ، وهو قوله سبحانه :( وَفُتِحَتِ السَّمَاء فَكَانَتْ أَبْوَاباً ) (١) ، وقوله :( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) (٢) ، وقوله :( وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ) (٣) ، إلى أن قال : ( وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ) (٤) ، وقوله :( وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ) (٥) ، وقوله :( وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ) (٦) ، وقوله :( وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا ) (٧) .
وفي (تفسير القمّي) عن السجادعليهالسلام في حديث في قوله سبحانه : ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ ) ، قالعليهالسلام :(يعني بأرض لم تُكتسب عليها الذنوب ، بارزة ليس عليها جبال ولا نبات ، كما دحاها أوّل مرّة ، ويعيد عرشه على الماء كما كان أوّل مرّة مستقلاًّ (٨)
ـــــــــــــ
(١) سورة النبأ : الآية ١٩ .
(٢) سورة إبراهيم : الآية ٤٨ .
(٣) سورة الزُّمر : الآية ٦٧ .
(٤) سورة الزُّمر : الآية ٦٩ .
(٥) سورة العنكبوت : الآية ٦٤ .
(٦) سورة الانشقاق : الآيتان ٣ و ٤ .
(٧) سورة الزلزلة : الآية ٢ .
(٨) قولهعليهالسلام : (مستقلاً بعظمته وقدرته) تفسير لكون عرشه على الماء ، وله شواهد من الكتاب تدلّ على أنّ الماء إشارة إلى منبع كلّ حياة وقدرة وعظمة ، أن تحمل نقوش الخلقة ظهرت الموجودات ، وإذا انمحت عاد العرش على الماء ، فافهم والله الهادي (منه قُدِّس سِرُّه) .
بعظمته وقدرته) ـ الحديث(١) .
وما ذكرناه في الاستفادة من الآيات في تنوّر الموجودات ، لا ينافي آيات أُخر تنفي النور عن الكافرين ، كقوله سبحانه :( وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ ) (٢) ، وقوله :( وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ) (٣) ، وقوله : ( يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ ) (٤) .
وقد قال سبحانه في المؤمنين :( يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم ) (٥) الآية ، وقال تعالى :( لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ) (٦) الآية .
وقوله سبحانه :( كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ) (٧) ، وقوله :( أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ) (٨) ، فإنّ ذلك ظهور ظلمات اكتسبتها أنفسهم في الدنيا ، ولا بدّ أن يبدو لهم في الآخرة ، فتلك ظلمة مع نور قد حُرم المشركون عن إفاضتها ، وكتبه الله للمؤمنين ، وقد مرّ نظير هذا المطلب في ارتفاع الحجب بين الإنسان وبين ربّه .
ومن هذا الباب قوله سبحانه :( كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ) (٩) ،
ـــــــــــــ
(١) تفسير القمّي : ٢ / ٢٥٥ .
(٢) سورة النور : الآية ٤٠ .
(٣) سورة طه : الآية ١٢٤ .
(٤) سورة الحديد : الآية ١٣ .
(٥) سورة الحديد : الآية ١٢ .
(٦) سورة الحديد : الآية ١٩ .
(٧) سورة الأنعام : الآية ١٢٢ .
(٨) سورة البقرة : الآية ٢٥٧ .
(٩) سورة الأنعام : الآية ٢٤ .
وقوله سبحانه : ( فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) (١) ، وقوله سبحانه : ( فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ) (٢) .
وهناك روايات أيضاً في أنّ المشركين يكذبون يوم القيامة ، فهذه كما ذكرنا في غيرها أيضاً ظهور للمعصية التي اقترفوها في الدنيا يومئذٍ ، ولا ينافي عدم قابليّة اليوم للكذب ؛ فكلّ ما يعمله الإنسان من عمل ، أو يكسبه من فضيلة أو رذيلة ، لا بدّ وأن يظهر يوم القيامة ، وقد قال سبحانه :( وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً ) (٣) .
وسيجيء في (فصل : الأعراف) ما يتمّ به هذا البيان ، ويتبيّن به أنّ الأمر واحد في نفسه ، لكنّه للمؤمنين رحمة وكرامة ، وللكافرين نقمة وعذاب ، فاحسن التدبّر فيه فإنّه دقيق .
ـــــــــــــ
(١) سورة النحل : الآية ٢٨ .
(٢) سورة المجادلة : الآية ١٨ .
(٣) سورة النساء : الآية ٤٢ .
الفصل الخامس: في قيام الإنسان إلى فصل القضاء
حيث إنّ المعاد رجوع الأشياء بتمام ذاتها إلى ما بُدِئَ منها ، وهو واجب بالضرورة ، كما مرّت الإشارة إليه ، فمن الضروري أن يكون ذلك بتمام وجودها فما وجوده ذو مراتب وجهات متّحدة بعضها مع بعض ، يرجع إلى هناك بتمام وجوده بالضرورة ، فلحوق بدن الإنسان بنفسه في المعاد ضروري ، غير أنّ النشأة متبدّلة إلى نشأة الكمال الأخير والحياة التامّة ، فالبدن ـ كالنفس الحيّة ـ حيّ نوراني .
ويشير إلى ذلك ما في (الاحتجاج) عن الصادقعليهالسلام في كلامه مع الزنديق ، قالعليهالسلام :(إنّ الروح مقيمة في مكانها : روح المحسن في ضياء وفسحة ، وروح المُسِيْءِ في ضيق وظلمة ، والبدن يصير تراباً منه خُلق ، وما تقذف به السباع والهوام من أجوافها ، ممّا أكلته ومزّقته ، كلّ ذلك في التراب ، محفوظ عند مَن لا يعزب عنه مثقال ذرّة في ظلمات الأرض ، ويعلم عدد الأشياء ووزنها .
وإنّ تراب الروحانيّين بمنزلة الذهب في التراب ، فإذا كان حين البعث ، مطرت الأرض مطر النشور ، فتربو الأرض ، ثمَّ تمخض مخض السقاء ، فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا غسل بالماء ، والزبد هو اللبن إذا مخضّ ، فيجتمع تراب كلّ قالب فينتقل بإذن القادر إلى حيث الروح ، فتعود الصور بإذن المصور كهيئتها ، وتلج الروح فيها ، فإذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئاً) (١) .
ـــــــــــــ
(١) الاحتجاج : ٢ / ٨٦ .
أقول : وقولهعليهالسلام :(فإذا كان حين البعث ، مطرت الأرض مطر النشور ...) (الحديث) ورد في هذا المعنى عدّة روايات منهمعليهمالسلام أيضاً ، وهو مستفاد من تمثيله سبحانه البعث والإحياء بإحياء الأرض بعد موتها ، قال سبحانه : ( وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ) (١) ، وقال سبحانه :( وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ* ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ ) (٢) .
فالآيات كما ترى تعطي أنّ للإنسان المادي ، أو لبدنه فقط ، تبدّلات حتّى يصل الغاية التي غيَّاها سبحانه له .
ومثلها قوله سبحانه :( وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ ) (٣) ، يفيد أنّ الذي جعل الشجر الأخضر بالتدريج ، والتصرّف بعد التصرّف ناراً يضادّ الخضرة ، قادر على أن يجعل العظام الرميم حيّة .
وفي هذا المجرى قوله سبحانه :( نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ* عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ ) (٤) ، ومثله قوله : ( نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً ) (٥) .
ـــــــــــــ
(١) سورة ق : الآية ١١ .
(٢) سورة الحجّ : الآيات ٥ ـ ٧ .
(٣) سورة يس : الآيات ٧٨ ـ ٨٠ .
(٤) سورة الواقعة : الآيتان ٦٠ و ٦١ .
(٥) سورة الإنسان : الآية ٢٨ .
والمراد بتبديل الأمثال : ورود خَلْق بعد خَلْق ، قال تعالى : ( بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ) (١) ، وقال: ( كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ) (٢) .
وليس المراد بها الأمثال المصطلح عليها في العلوم العقليّة ، وبالاتّحاد النوعي والاختلاف الشخصي ، فإنّ مثل الشيء ، بهذا المعنى ، غير الشيء ، فلا تتمّ الحجّة على منكري الحشر حينئذٍ بقوله : ( أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ) (٣) ؛ إذ خلق مثلهم على ذلك ليس إعادة لهم بالضرورة ، بل المراد بخلق مثلهم وتبديل أمثالهم التبدّلات فيهم ، بحيث لا تخرج عن أنفسهم ، كما أنّه سبحانه في مثل هذا النظْم بدل المثل بالعين ، فقال :( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى ) (٤) ، وقال سبحانه : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) (٥) ، فالمراد بمثل الشيء نفس الشيء ، وهو نوع من التلطّف في الكلام.
فهذا كلّه يتضمّن تبدّلات الأبدان وورودها طوراً بعد طور ، وركوبها طبقاً عن طبق ، حتّى تنتهي إلى الساعة ، فتحلّق بالأنفس ، قال سبحانه :( وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ) (٦) ،
ـــــــــــــ
(١) سورة ق : الآية ١٥ .
(٢) سورة الرحمن : الآية ٢٩ .
(٣) سورة يس : الآية ٨١ .
(٤) سورة الأحقاف : الآية ٣٣ .
(٥) سورة الشورى : الآية ١١ .
(٦) سورة الانفطار : الآية ٤ .
وقال : ( أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ ) (١) ، فعبّر بكلمة (مَا) ، ثمَّ قال :( فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ ) (٢) .
وهذا هو لحوق الأبدان بالأرواح كما ترى ، وللأرواح مع ذلك سير في مسيرها ، وحركة في طريقها ، قال سبحانه :( مِنْ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) (٣) ، فبيّن أنّ الروح كالملائكة تعرج إليه سبحانه في معارجه ، والمعراج السلّم ومثله قوله سبحانه :( رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ) (٤) .
وقد جمع سبحانه أهل السعادة والشقاء جميعاً في قوله :( وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا ) (٥) ، وقوله :( وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ) (٦) .
وقال سبحانه في أهل الجنة : ( كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً ) (٧) ، وقال في أهل النار :( مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً ) (٨) ، إذ قد أخبر سبحانه أن لا وقود لجهنّم غير أهلها ، فخبوّها نفاد مَن فيها بالإحراق .
ـــــــــــــ
(١) سورة العاديات : الآية ٩ .
(٢) سورة النازعات : الآيتان ١٣ و ١٤ .
(٣) سورة المعارج : الآيتان ٣ و ٤ .
(٤) سورة غافر : الآية ١٥ .
(٥) سورة الأنعام : الآية ١٣٢ .
(٦) سورة الإسراء : الآية ٢١ .
(٧) سورة البقرة : الآية ٢٥ .
(٨) سورة الإسراء : الآية ٩٧ .
الفصل السادس: في الصراط
قال سبحانه : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ ) (١) ، وقال :( احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ ) (٢) ، فأخبر تعالى أنّ للجحيم صراطاً يُهدى الظالمون إليه ، مع أزواجهم ، وهم الشياطين ؛ كما يدلّ عليه قوله سبحانه :( فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً ) (٣) ، إلى أن قال :( وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً * ثمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً ) (٤) .
والصراط كما تدلّ عليه هذه الآيات : صراط على الجحيم ، أو فيها ؛ إذ قد أخبر سبحانه بالورود والنجاة والترك في هذه الآيات ، وبالمِلءِ الحتمي في قوله : ( وَلَوْ
ـــــــــــــ
(١) سورة النساء : الآيتان ١٦٨ و ١٦٩ .
(٢) سورة الصافّات : الآيات ٢٢ ـ ٢٥ .
(٣) سورة مريم : الآية ٦٨ .
(٤) سورة مريم : الآيتان ٧١ و ٧٢ .
شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) (١) .
وهذا الصراط الممدود على جهنّم ممرّ الخلائق أجمعين من برّ وفاجر ، ثمَّ ينجي الله الذين اتّقوا ويذر الظالمين فيها جثيّاً .
ولقد كرّر سبحانه في هذه الآيات لفظ الظلم ، ومثله قوله سبحانه : ( الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ) (٢) والطغيان : الإفراط في الظلم والاستكبار :( فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ) (٣) ، وقال سبحانه : ( إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً ) (٤) .
والظلم إمّا بتفريط في جنب النّاس ، وإمّا تفريط في جنب النفس ، وإمّا بتفريط في جنب الله ، وهو الولاية التي لأولياء الله والجميع يحصل بإتّباع الهوى والشيطان ، وأصله الاغترار بزينة الحياة الدنيا والإخلاد إلى هذه الأوهام التي نسمّيها مجموعاً بنظام التمدّن ، وهو التناصر بالأوهام غير الحقائق ؛ ولعلّ هذا هو المسئول عنه في قوله سبحانه :( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ* مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ) (٥) .
وممّا مرّ يظهر معنى ما ورد من الروايات في الباب ؛ ففي (تفسير القمّي) في قوله تعالى : ( وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ) (٦) الآية ،
ـــــــــــــ
(١) سورة السجدة : الآية ١٣ .
(٢) سورة الفجر : الآية ١١ .
(٣) سورة الفجر : الآيات ٢٤ ـ ٢٦ .
(٤) سورة النبأ : الآية ٢١ .
(٥) سورة الصافّات : الآيات ٢٤ ـ ٢٦ .
(٦) سورة الفجر : الآية ٢٣ .
عن الباقرعليهالسلام ، قال :
(لمّا نزلت هذه الآية : ( وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ) سئل عن ذلك رسول الله ( صلىاللهعليهوآلهوسلم ) ، فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : أخبرني الروح الأمين أنّ الله ـ لا إله غيره ـ إذا برز الخلائق ، وجمع الأوّلين والآخرين ، أتى بجهنّم تُقاد بألف زمام ، آخذ بكلّ زمان مئة ألف يقودها من الغلاظ الشداد ، لها هدة وغضب ، وزفير وشهيق .
وإنّها لتزفر زفرة ، فلولا أنّ الله أخّرهم للحساب ، لأهلكت الجميع ثمَّ يخر منها عنق فيحيط بالخلائق ، البرّ منهم والفاجر ، ما خلق الله عبداً من عباد الله ، ملكاً ولا نبيّاً ، إلاّ ينادي : ربّ نفسي نفسي ، وأنت ـ يا نبيّ الله ـ تناديِ : أُمّتي أُمّتي!
ثمَّ يوضع عليها الصراط أدقّ من الشعر ، وأحدّ من حدّ السيف ، عليه ثلاث قناطر : فأمّا واحدة فعليها الأمانة والرحم ، والثانية فعليها الصلاة ، والثالثة فعليها ربّ العالمين ـ لا إله غيره ـ فيكلّفون الممرّ عليها ، فيحبسهم الرحم والأمانة ، فإن نجوا منها حبستهم الصلاة ، فإن نجوا منها كان المنتهى إلى ربّ العالمين ، وهو قوله : ( إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ) (١) .
... فمتعلّق بيد وتزل بقدم ويستمسك بقدم ، والملائكة حولها ينادون : يا حليم ، اعف واصفح ، وعد بفضلك ، وسلّم سلّم ، والنّاس يتهافتون في النّار كالفراش فيها فإذا نجا ناج برحمة الله ، مرّ بها ، فقال : الحمد لله ، وبنعمته تتمّ الصالحات وتزكو الحسنات ، والحمد لله الذي نجّاني منكِ ـ بعد اليأس ـ بمنّه وفضله ، إنّ ربّنا لغفور شكور) (٢) .
وروى الكليني في (الكافي)(٣) والصدوق في (الأمالي) (٤) ما في معناه .
وفي (العلل) عن الصادقعليهالسلام ، في تفسير قوله :( إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ ) ، قالعليهالسلام :(لا يجاذبه قَدما عبد حتّى يُسأل عن أربع : عن شبابه فيما أبلاه ، وعن عمره فيما أفناه ،
ـــــــــــــ
(١) سورة الفجر : الآية ١٤ .
(٢) تفسير القمّي : ٢ / ٤٥١ .
(٣) الكافي : ٨ / ٢٤٦ ، الحديث ٤٨٦ .
(٤) أمالي الصدوق : ١٧٦ ، المجلس الثالث والثلاثون ، الحديث ٣ .
وعن ماله من أين جمعه وفيما أنفقه ، وعن حبّنا أهل البيت) (١) .
وروى القمّي في تفسيره عن الصادقعليهالسلام ، والصدوق في (الأمالي) و(العيون) عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم :(أنّ المسئول عنه ولاية أمير المؤمنين عليهالسلام ) (٢) .
وفي (المجمع) عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال :(يرد النّاس النّار ثمَّ يصدرون بأعمالهم ، فأوّلهم كلمع البرق ، ثمَّ كمرّ الريح ، ثمَّ كمحضر الفَرس ، ثمَّ كالراكب ، ثمَّ كشدّ الرجُل ، ثمَّ كمشيه) (٣) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :(تقول النار للمؤمن يوم القيامة : جزْ يامؤمن ، فقد أطفأ نورُك لهبي) (٤) .
وعن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أيضاً ، أنّه سئل عن قوله تعالى : ( وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ) (٥) الآيات ، فقال :(إذا دخل أهل الجنّة الجنّة ، قال بعضهم لبعض : أليس قد وعدنا ربّنا أن نرد النّار ، فقال : قد وردتموها وهي خامدة) (٦) .
أقول : وبالتأمّل فيما قدّمنا ، وفي ما سيجيء في الشفاعة ، يتّضح معنى هذه الأحاديث ، والله الهادي .
ـــــــــــــ
(١) علل الشرائع : ١ / ٢٥٦ ، الباب ١٥٩ .
(٢) تفسير القمّي : ٢ / ٢٢٤ .
(٣) تفسير مجمع البيان : ٦ / ٨١٢ .
(٤) تفسير مجمع البيان : ٦ / ٨١٢ .
(٥) سورة مريم : الآية ٧١ .
(٦) بحار الأنوار : ٨ / ٢٥٠ ، الباب ٢٤ (النار أعاذنا الله وسائر المؤمنين من لهبها) ، وفيه : (فيقال لهم) بدل (فقال) .
الفصل السابع: في الميزان
قال سبحانه :( وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ ) (١) ، بيّن سبحانه أنّ الوزن حقّ ثابت يوم القيامة .
ثمَّ قال : ( فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ) و( وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ) ؛ ولعلّ الجمع باعتبار عدد الزِّنات ، والثقل في الحسنات والخفّة في السيّئات ، مع أنّ ظاهر الأمر يقتضي العكس ، كما قال :( وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) (٢) ،( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ) (٣) ، وقال :( ثمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ) (٤) .
وبناء على ما بيّنه سبحانه من بوار السيّئات وبقاء الحسنات ، قال تعالى :( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ ) (٥) ، فالثقل إنّما هو للحسنات دون السيّئات ؛ وفي قوله سبحانه :( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ ) إشارة إلى ذلك .
ـــــــــــــ
(١) سورة الأعراف : الآيتان ٨ و ٩ .
(٢) سورة فاطر : الآية ١٠ .
(٣) سورة المجادلة : الآية ١١ .
(٤) سورة التين : الآية ٥ .
(٥) سورة الرعد : الآية ١٧ .
ثمَّ إنّه سبحانه قال : ( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ) (١) ، ففسّر الموازين بالقسط ، وهو العدل في مقابلة الظلم ، وبيّن وجه الثقل في الحسنات والخفّة في السيّئات .
وفي (التوحيد) عن أمير المؤمنينعليهالسلام في قوله تعالى :( فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ) ، قال : (إنّما يعني الحسنات ، تُوزن الحسنات والسيّئات ، والحسنات ثِقْل الميزان ، والسيّئات خفّة الميزان) (٢) .
وفي (الاحتجاج) عنهعليهالسلام :(هي قلّة الحسنات وكثرتها) (٣) ـ الحديث .
ويتبيّن بما مرّ معنى قوله سبحانه : ( أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً ) (٤) ؛ إذ لا معنى لوضع الميزان والوزن مع الحبط .
وبه يتبيّن أنّ الوزن بالميزان يوم القيامة يختصّ بالأعمال غير المحبَطة ؛ ولذلك فالآية لا تنافي قوله سبحانه :( فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ ) (٥) .
ـــــــــــــ
(١) سورة الأنبياء : الآية ٤٧ .
(٢) التوحيد : ٢٦٢ ، الباب ٣٦ ، الحديث ٥ .
(٣) الاحتجاج : ١ / ٣٢١ ، وفيه : (قلّة الحساب وكثرته) بدل (قلّة الحسنات وكثرتها) .
(٤) سورة الكهف : الآية ١٠٥ .
(٥) سورة المؤمنون : الآيات ١٠٢ ـ ١٠٦ .
وفيما مرّ يظهر معنى ما ورد عنهمعليهمالسلام من الروايات :
ففي (الاحتجاج) عن الصادقعليهالسلام ، حيث سأل عنه الزنديق : أوَليس توزن الأعمال ؟ قال :(لا ؛ لأنّ الأعمال ليست أجساماً ، وإنّما هي صفة ما عملوا وإنّما يحتاج إلى وزن الشيء من جهل عدد الأشياء ، ولا يعرف ثقلها ولا خفّتها ، وأنّ الله لا يخفى عليه شيء) ، قال : فما معنى الميزان ؟ قالعليهالسلام :(العدل) ، قال : فما معناه في كتابه : ( فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ) ؟ قال : (فمَن رَجَحَ عمله) (١) ـ الخبر .
وفي (التوحيد) عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، في خبر مَن ادّعى التناقض بين آيات القرآن ، قالعليهالسلام :(وأمّا قوله : ( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ ) ، فهو ميزان العدل ، يُؤخذ به الخلائق يوم القيامة ، يدين الله تبارك وتعالى الخلق بعضهم من بعض بالموازين) (٢) ـ الخبر .
وفي (الكافي) و(المعاني) عن الصادقعليهالسلام وقد سئل عن قوله تعالى :( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ) ، قال :(الأنبياء والأوصياء) (٣) .
أقول : ووجهه واضح ممّا مرّ .
وفي (الكافي) عن السجّادعليهالسلام ، في كلام له في الزهد : (واعلموا ـ عباد الله ـ أنّ أهل الشرك لا يُنصب لهم الموازين ، ولا يُنشر لهم الدواوين ، وإنّما يحشرون إلى جهنّم زُمَراً وإنّما نصبُ الموازين ونشرُ الدواوين لأهل الإسلام ، واتّقوا الله عباد الله) (٤) ـ الخبر .
ـــــــــــــ
(١) الاحتجاج : ٢ / ٨٦ .
(٢) التوحيد : ٢٦١ ، الباب ٣٦ ، الحديث ٥ .
(٣) الكافي : ١ / ٤٧٥ ، الباب ١٦٤ ، الحديث ٣٦ معاني الأخبار : ٣١ ، باب معنى الموازين ، الحديث ١ .
(٤) الكافي : ٨ / ٦٦ ، الحديث ٢٩ .
الفصل الثامن: في الكتب
قال سبحانه :( وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً * اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ) (١) .
بيّن سبحانه أنّه ألزم الإنسان طائره ، وهو عمله الذي يتفاءل به ويتشاءم ، فطائر الإنسان عمله الذي قلّده ؛ ولذلك وصفه بأنّه في عنقه وقد كانت الأعمال التي تُحفظ للإنسان وعليه غير محسوسة ولا ظاهرة ؛ إذ الحسّ في الدنيا لا يجاوز سطح الأشياء ، والاستدلال فيها إنّما هو بالآثار ، لكنّ نشأة القيامة تُبلى فيها السرائر ،( وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً ) ؛ فلذلك وصف الطائر بأنّه سيخرج له كتاباً منشوراً ، وقال سبحانه :( أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ ) (٢) .
ونسب الإحصاء والبداء واللزوم إلى نفس الأعمال ؛ إذ كان الكتاب مشتملاً على نفسها ، أو حقائقها دون الخطوط التي نصطلح عليها فيما عندنا من الكتابة ، وهو قوله سبحانه :( يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ
ـــــــــــــ
(١) سورة الإسراء : الآيتان ١٣ و ١٤ .
(٢) سورة المجادلة : الآية ٦ .
(٣) سورة الأنعام : الآية ٢٨ .
*وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) (١) ، وقوله سبحانه : ( وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ) (٢) .
ومن هذا الباب قوله سبحانه :( يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى) (٣) ، وقوله :(يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ) (٤) .
وقد مرّ أنّ هذا اليوم محِيط بجميع المراتب الوجوديّة ، فالأعمال كما تحضر بأنفسها تحضر بحقائقها التي ظهرت منها ، وهو قوله سبحانه : ( وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) (٥) ، وهذا هو الكتاب المخصوص الذي يشتمل على نفس الأعمال .
ثمَّ قال سبحانه :( هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) (٦) ، وهذا هو الكتاب المبين ، الذي مكتوب فيه ما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة كما في الأخبار ، ومنه النسخ الجزئيّة كلّها ، ومنه تستنسخ الأعمال في نشأة ظهورها ، وهو المشتمل على حقائقها والحجّة على الكلّ ، ولعلّه المراد بقوله سبحانه :( وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ ) (٧) .
وفي (الكافي) عن الصادقعليهالسلام في حديث اللوح ، وهو الكتاب المكنون الذي منه النسخ كلّها :( أوَلستم عرباً ! فكيف لا تعرفون معنى الكلام ؟! وأحدكم يقول لصاحبه : انسخ ذلك الكتاب ، أوَليس إنّما ينسخ من كتاب أُخذ من الأصل ، وهو قوله :
ـــــــــــــ
(١) سورة الزلزلة : الآيات ٦ ـ ٨ .
(٢) سورة الأحقاف : الآية ١٩ .
(٣) سورة الفجر : الآية ٢٣ .
(٤) سورة القيامة : الآية ١٣ .
(٥) سورة الجاثية : الآية ٢٨ .
(٦) سورة الجاثية : الآية ٢٩ .
(٧) سورة الزُّمر : الآية ٦٩ .
( إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) (١) ) (٢) .
وفي (تفسير العيَّاشي) عن خالد بن نجيح ، عن الصادقعليهالسلام قال : (إذا كان يوم القيامة ، دُفع إلى الإنسان كتابه ، ثمَّ قيل له : اقرأ) ، قلت : فيعرف ما فيه ؟ فقال :(إنّ الله يذكِّره ، فما من لحظة ولا كلمة ولا نقل قَدِم ، ولا شيء فعله ، إلاّ ذكّر ، كأنّه عمله تلك الساعة ؛ فلذلك قالوا : ( يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ) (٣) ) (٤) .
وفيه أيضاً : عن خالد بن يحيى ، عن الصادقعليهالسلام ، قريب منه(٥) .
أقول : وقد فسّرعليهالسلام القراءة بالذِّكر ، وقد ذكرنا في رسالتي الأفعال والوسائط في الكتاب كلاماً أبسط من هذا(٦) .
ـــــــــــــ
(١) سورة الجاثية : الآية ٢٩ .
(٢) لم نعثر عليه في الكافي ، راجع تفسير القمّي : ٢ / ٣٩٨ .
(٣) سورة الكهف : الآية ٤٩ .
(٤) تفسير العيَّاشي : ٢ / ٢٥٤ ، الحديث ٣٤ .
(٥) تفسير العيَّاشي : ٢ / ٣٥٤ ، الحديث ٣٥ ، وفيه : عن (خالد بن نجيح) بدل (خالد بن يحيى) .
(٦) جاء في رسالة الأفعال : ( على أنّ كلّ فعل متحقّق في دار الوجود مع إسقاط جهات النقص عنه ، وتطهيره من أدناس المادة والقوّة والإمكان .
وبالجملة : كلّ جهة عدميّة فهو فعله سبحانه ، بل حيث كان العدم وكلّ عدمي بما هو عدمي مرفوعاً عن الخارج حقيقة ؛ إذ ليس فيه إلاّ الوجود وأطواره ورشحاته ، فلا فعل في الخارج إلاّ فعله سبحانه وتعالى وهذا أمر يدلّ عليه البرهان والذوق أيضاً ...) .
الرسائل التوحيدية / قم ـ ١٣٦٥ هـ / رسالة الأفعال : ٥٥ و ٥٦ .
وجاء في رسالة الوسائط :
( وممّا يدل على ذلك ؛ قوله تعالى : ( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ) [الحجر : ٢١] ، تدلّ بعمومها على أنّ لجميع موجودات عالمنا هذا وجودات مخزونة عنده تعالى ، ذات سعة غير محدودة ولا مقدّرة ؛ إذ ظاهرها أنّ التقدير إنّما يحدث مع التنزيل ، وليس التنزيل بالتجافي وتخلية المحلّ بالنزول .
وبعبارة أُخرى : إنّ في كلّ شيء وجهاً إلهيّاً ، ووجهاً كونيّاً خلقياً ، وهذا الوجه حيث إنّه بمقدار، فهو محدود مثالي ، وقد أفاد قوله تعالى : ( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا ... ) الآية ، وجهاً آخر غير محدود ولا مقدّر ) .
الرسائل التوحيديّة / قم ـ ١٣٦٥ / رسالة الوسائط : ١٠٩ ـ ١١٠ .
ثمَّ إنّه سبحانه قال :( إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ) (١) ، فعمّم الكتابة لأعمالهم التي فعلوها بلا واسطة ، وما يترتّب عليها من الآثار ، فالكّل محاسب به ؛ ويظهر به معنى قوله :( يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ) (٢) .
وفي (تفسير القمي) عن الباقرعليهالسلام :(بما قدّم من خير وشرّ وما أخّر ، فما سنّ من سُنّة يُستنّ بها ، فإن كان شرّاً كان عليه مثل وزرهم ولا ينقص من وزرهم شيئاً ، وإن كان خيراً كان له مثل أُجورهم ولا ينقص من أُجورهم شيئاً) (٣) .
ثمَّ عَقَبَه سبحانه بقوله :( وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ) (٤) .
ومن هنا يظهر أنّ اللوح المحفوظ يحاسب به العباد كما يحاسبون بالألواح المخصوصة لكلّ واحد منهم .
ويظهر ـ أيضاً ـ أنّ الكتاب الذي ذكره سبحانه بقوله :( هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ ... ) (٥) ، هو اللوح المحفوظ ، وصف الكتاب في هذه الآية بالإمامة ، وهو المتبوعيّة في الأعمال ، ووصفه هناك باستنساخ الأعمال منه ؛ فهو واحد .
ـــــــــــــ
(١) سورة يس : الآية ١٢ .
(٢) سورة القيامة : الآية ١٣ .
(٤) سورة يس : الآية ١٢ .
(٥) سورة الجاثية : الآية ٢٩ .
ثمَّ بيّن سبحانه تفاوت أخذهم الكتاب بالسعادة والشقاوة ، فقال :( يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ ) (١) ، إلى أن قال :( وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ ) (٢) .
واليمين والشمال جانبا الإنسان : القوي والضعيف ، أو اليدان التاليتان لهما ، أو جانبا السعادة والشقاوة .
وليس المراد وضع الكتاب في يد الإنسان اليمنى أو اليسرى ، على ما يفهمه الظاهريّون من المحدّثين وغيرهم ؛ إذ لم يقل سبحانه أُوتي كتابه ليمينه أو لشماله ، بل أتى بالباء المفيد للوساطة .
ويشهد به قوله سبحانه :( فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً ) (٣) ، فقد وضع مكان الشمال قوله :( وَرَاء ظَهْرِهِ ) .
وقوله سبحانه : ( يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَـئِكَ يَقْرَؤُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً * وَمَن كَانَ فِي هَـذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً ) (٤) ، فقد قال سبحانه : إنّه يدعوهم بإمامهم ، ولم يقل : إلى إمامهم وقد قال : كلّ أُمّة تدعى إلى كتابها ، ولم يقل : بكتابها ، فالدعوة بالإمام غير الدعوة إلى الكتاب .
ـــــــــــــ
(١) سورة الحاقّة : الآيات ١٨ ـ ٢٠ .
(٢) سورة الحاقّة : الآيتان ٢٥ و ٢٦ .
(٣) سورة الانشقاق : الآيات ٧ ـ ١١ .
(٤) سورة الإسراء : الآيتان ٧١ ـ ٧٢ .
ثمَّ فصّله سبحانه بأنّ طائفة منهم بعد ذلك يؤتى كتابه بيمينه ، أي بوساطة اليمين ، فيمينه إمامه الحقّ الذي يُدعى به ، ثمَّ بدّل الإيتاء بالشمال بقوله :( وَمَن كَانَ فِي هَـذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى ) ، فظهر به أنّ الإيتاء باليمين نور واهتداء في الآخرة ، كما قال سبحانه :( يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم ) (١) ، وقال :( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ) (٢) .
ومن هنا يظهر أنّ النور هو الإمام ، والمراد هو اللحوق به ، والكلام فيه كثير ، وبالجملة : فيشبه أن يكون المراد باليمين والشمال ، البركة والشأمة ، والسعادة والشقاوة ، دون اليدَين اليمنى واليسرى .
وقد عبّر سبحانه في سورة الواقعة عن الطائفتين تارةً بقوله : ( وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ ) (٣) ،( وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ ) (٤) ، وتارةً يقول :( فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ) (٥) ، وتارةً يقول : ( وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ ) (٦) .
فوضع في مكان أصحاب الشمال المكذّبين الضالّين ، فهم أصحاب شقاء وأصحاب
ـــــــــــــ
(١) سورة الحديد : الآية ١٢ .
(٢) سورة الحديد : الآية ١٩ .
(٣) سورة الواقعة : الآية ٢٧ .
(٤) سورة الواقعة : الآية ٤١ .
(٥) سورة الواقعة : الآيتان ٨ و ٩ .
(٦) سورة الواقعة : الآيات ٩٠ ـ ٩٣ .
تكذيب وضلال ، وكأنّه إشارة إلى قوله : ( وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ) ، إلى أن قال :( أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ ) (١) .
وقد عرفت هناك كون الآية في أصحاب الشقاء من ضلال الملِّيِّين ، ونَقَضَة عهد الأئمّة الحقّ وأمّا الكفّار الجاحدون ، فلا يقيم سبحانه لهم وزناً ، فلا كتاب لهم ولا حساب .
وبالجملة : فأصحاب الشمال هم الأشقياء ، أصحاب الضلال ؛ ولذلك فهم يقولون في ما حكى عنهم سبحانه : ( مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ ) (٢) .
فهذه الأُمور هي الصادّة إيّاهم عن إتّباع الحقّ بعد الإذعان به فكلّ من أصحاب السعادة والشقاوة مدعوٌّ بإمامه ، ملحق به ، يؤتى بكتابه به ، وهو اللحوق الذي تشتمل عليه أخبار الطينة والسعادة والشقاوة الذاتيتين ، وسيأتي ذكر منه إن شاء الله ؛ ولذلك كان أصحاب الشقاء يؤتَون كتابهم بشمالهم ووراء ظهرهم ؛ إذ أئمّتهم قدّامهم ، ووجوههم منكوسة مطموسة ، قال سبحانه في فرعون :( يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ) (٣) ، وقال سبحانه :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا ) (٤) ، وقال سبحانه: ( قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً ) (٥) ، وقد مرّ أنّ النور هو الإمام الحقّ .
ـــــــــــــ
(١) سورة المؤمنون : الآيات ١٠٣ ـ ١٠٦ .
(٢) سورة الحاقّة : الآيتان ٢٨ و ٢٩ .
(٣) سورة هود : الآية ٩٨ .
(٤) سورة النساء : الآية ٤٧ .
(٥) سورة الحديد : الآية ١٣ .
هذا ، والاعتبار أيضاً يساعد هذا المعنى ؛ فإنّ الإنسان بوجوده الدنيوي ـ أعني بدنه الحيّ بقواه وإحساساته ، على ما نزل من عند الحكيم الخبير ودبّره العليم القدير ـ متوجّه القوى والإحساسات إلى جهتي القدّام واليمين وأمّا جهتا الشمال والوراء ، فعندهما نفاد القوى وهلاك الإحساس .
والإنسان إذا شقي وأخلد إلى الأرض واتّبع هواه ، أقبل إلى الأرض ووجهه لها ، وإذا قام لربّه وأُحضر لحسابه واتّبع( الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ ) ، سار ووجهه إلى خلفه ، فحالهم حال ضرير منكوس الوجه ، مدهوش ، ساع إلى غاية لا يدري ما يفعل ، ولا ماذا يُفعل به .
واعلم أنّ الإمام الحقّ على أنّه مهيمن على أُناس دعوا به ، كذلك هو مهيمن على إمام الباطل وحزبه ، قال سبحانه :( إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ) (١) ، فوصف الكتاب المحصي لكلّ شيء من السعادة والشقاوة بالإمامة .
وقال أيضاً :( هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) (٢) ، فالإمام ـ الذي هو الكتاب ـ حاكم في الفريقين : السعيد والشقيّ ، مهيمن على الطائفتين جميعاً .
وهذا غير منافٍ لما مرّ أنّ الدعوة إلى الكتاب غير الدعوة بالإمام ، فإنّه سبحانه ما وصف صُحفَ الأعمال بالإمامة ، بل وصفها بالإلزام والمتابعة ، وقال :( أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ ) (٣) الآية .
وإنّما وصف بالإمامة اللوحَ المحفوظ ، الذي منه تُستنسخ الأعمال وصُحف الأعمال ، وهو الأصل المتبوع ، والإمام المقتدى الذي عليه مدار أُمور العالم برمّتها .
واعلم أنّه سبحانه فسّر الإمامة في آيات كثيرة بالولاية ، غير أنّه وصف نفسه بالولاية دون الإمامة ؛ لاقتضائه سنخيّة ما بين الإمام والمأموم ، وهو واضح .
ـــــــــــــ
(١) سورة يس : الآية ١٢ .
(٢) سورة الجاثية : الآية ٢٩ .
(٣) سورة الإسراء : الآية ١٣ .
وبالجملة : فإمام الحقّ وليّ المؤمنين ، وأئمّة الباطل أولياء الكافرين ؛ والوجه في جميع ذلك واضح، وبه تنحلّ عُقد الأخبار التي تدلّ على حكومة أرباب الولاية في أمر النّاس يوم القيامة ، وسيأتي عدّة منها .
واعلم ـ أيضاً ـ أنّ الكتاب يؤتى للطائفتين من النّاس ، وهنا جماعة غيرهم ، وهم السابقون المقرّبون ، قال سبحانه : ( وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) (١) .
فهؤلاء هم المخلصون المستثنون من حكم الصور والإحضار والميزان ، وقد استثنوا من حكم إعطاء الكتاب أيضاً وستجيء مزايا أُخر من أحوالهم في يوم القيامة ، فحكم الكتاب واقع على غيرهم من أصحاب الأعمال ، إلاّ المستثنون من المعاندين الجاحدين ، كما مرّ ، قال سبحانه :( وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ ) (٢) .
فهي فيمَن له عمل فإمّا مَن ارتفع عن سطح العمل ، ممّن ليس له إلاّ الله تعالى ، كالمخلصين ، ومَن حبط عمله من المكذّبين المنكرين للقاء الله ، فلا كتاب له أصلاً ، ثمَّ قال سبحانه : ( وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً ) (٣) .
ويشبه أن يكون الكتاب غير الطائر الملزم في عنقه ؛ إذ لم يقل سبحانه : ونخرجه ، وكان حقّ الكلام ذلك لو كان كذلك ؛ فالآية في مساق قوله : ( وَإِذَا
ـــــــــــــ
(١) سورة الواقعة : الآيات ٧ ـ ١١ .
(٢) و (٣) سورة الإسراء : الآية ١٣ .
الصُّحُفُ نُشِرَتْ ) (١) .
ثمَّ قال سبحانه :( اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ) (٢) ، ويظهر منه أنّ حال الكتاب وقراءته يومئذٍ غير حال الكتاب وقراءته عندنا في الدنيا ، وإنّما هو الذِّكر ، قال سبحانه :( يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ) (٣) ، وهذا في تفاصيل الأعمال .
وقال :( بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ) (٤) ، وهذا في الإجمال .
وقد مرّت الرواية في كيفيّة قراءة الكتاب ، والله أعلم .
ـــــــــــــ
(١) سورة التكوير : الآية ١٠ .
(٢) سورة الإسراء : الآية ١٤ .
(٣) سورة القيامة : الآية ١٣ .
(٤) سورة القيامة : الآية ١٤ .
الفصل التاسع: في الشهداء يوم القيامة
قال سبحانه: ( وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ) (١) .
وقد عدّ سبحانه أصنافاً من الشهداء على الأعمال يوم القيامة ، والشهادة على الشيء هي تلقِّيه بالحضور والرؤية ، ويسمّى تحمّلها وحكايتها كلاهما : شهادة .
ومن المعلوم أنّ الشهادة على الأعمال ليست على مجرّد صورها الظاهرة ، بل على ما هي عليها من الطاعة والعصيان ، والسعادة والشقاوة ؛ إذ هو قضيّة القضاوة وسيّما من أحكم الحاكمين .
وهذا الأوصاف غير ممكنة الإحراز إلاّ بارتباط الشاهد على محتد هذه الأعمال ، من الضمائر والسرائر وخصوصيّات انشاءات الأعمال من الإرادات والقصود ، فالشهادة يومئذٍ على أنّه تشريف للشاهد بالإذن في كلامه كما قال سبحانه :( لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ) (٢) .
إنّما يختصّ بها من أتاه الله سبحانه هذه الكرامة في الدنيا ، وهو الوقوف على حقائق الأعمال ومحتدها من الضمائر والسرائر ، قال سبحانه :
ـــــــــــــ
(١) سورة الزُّمر : الآية ٦٩ .
(٢) سورة هود : الآية ١٠٥ .
( لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً ) (١) ، والصواب خلاف الخطأ .
وقال :( إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (٢) ، فالشهادة يومئذٍ إنّما تتحقّق ممّن حفظ أعمال العاملين على حقيقتها من غير خطأ وعوج .
وأنت إذا تأمّلت هذه البنيّة الإنسانيّة على قواها وحواسّها ، وجدت أنّ هذه الشهادة والتلقّي مستحيلة في حقّها بالنسبة إلى أعمال الحاضرين ، فضلاً عن الغائبين ، ومع الحضور من الشاهد فضلاً عن الغيبة ، ومع القرب فضلاً عن البعد ، وهو واضح فليس إلاّ أنّ ذلك بأمر آخر وقوّة أُخرى وراء ما عند الإنسان المتعارف من القوّة والإحساس ، يمسّ باطن الإنسان ذي الأعمال كمسّه بظاهره ، وبالغائب كالحاضر ، وبالبعيد كالقريب فهو نور غير جسماني ، لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه الجسم في تأثيراته وأعماله من خصوصيّات الزمان والمكان والحال ، فهو نور يُبصَر به السرائر ، ويميّز به الطيّب من الخبيث ، قال سبحانه: ( كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ) (٣) ، وقال سبحانه :( كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ) (٤) .
وقد مرّ في الفصل السابق أنّ أصحاب اليمين وأصحاب الشمال يؤتون كتابهم بإمامهم الحقّ(٥) .
وقال سبحانه أيضاً : ( وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ
ـــــــــــــ
(١) سورة النبأ : الآية ٣٨ .
(٢) سورة الزخرف : الآية ٨٦ .
(٣) سورة المطفّفين : الآيات ١٨ ـ ٢١ .
(٤) سورة المطفّفين : الآيات ٧ ـ ١٠ .
(٥) راجع الصفحة : ١٢٥ .
إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) (١) ، والخطاب عامّ غير مختصّ بالمنافقين ، وهو يقتضي خصوصيّة المراد بقوله :( وَالْمُؤْمِنُونَ ) الآية .
وفيه تلويح بأنّ رؤية الرسول والمؤمنين لأعمالهم ستندرج في ضم ما سينبئهم سبحانه بما كانوا يعملون .
وروى القمّي في تفسيره عن الصادقعليهالسلام :(أنّ أعمال العباد تعرض على رسول الله كلّ صباح ، أبرارها وفجّارها ، فاحذروا ، وليستحيي أحدكم أن يعرض على نبيّه العملَ القبيح) (٢) .
وروى العيّاشي في تفسيره عن الصادقعليهالسلام أنّه سئل عن قوله :( وَقُلِ اعْمَلُواْ ) الآية ، فقال :(والمؤمنون هم الأئمّة) (٣) .
والأخبار الواردة في (الكافي)(٤) و(الأمالي)(٥) ، و(المناقب) ، و(البصائر)(٦) ، والتفسيرين : للقمّي(٧) والعيّاشي(٨) في هذا المعنى فوق حدّ الاستفاضة .
وبالجملة : فتحمُّل هذه الشهادة هو بشهادة نفس الأعمال ، وكذلك أدائها يوم القيامة ، وكذلك المجازاة بها يومئذٍ ، قال تعالى : ( وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ *
ـــــــــــــ
(١) سورة التوبة : الآية ١٠٥ .
(٢) تفسير القمّي : ٢ / ٤٢١ .
(٣) تفسير العيّاشي : ٢ / ١١٥ ، الحديث ١٢٥ .
(٤) الكافي : ١ / ٢٤٥ ، الباب ٨٥ ، الحديث ٢ .
(٥) أمالي الطوسي : ٤٠٩ ، المجلس الرابع عشر ، الحديث ٩١٨ .
(٦) بصائر الدرجات : ٩ / ٤٤٧ ، الباب ٥ ، الحديث ٣ .
(٧) تفسير القمّي : ١ / ٣٣٢ .
(٨) تفسير العيّاشي : ٢ / ١١٥ ، الحديث ١٢٥ .
وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ ) (١) .
وأمّا أصناف الشهداء ، فمنهم الشهداء الأولياء المقرّبون من البشر ، كالأنبياء والصالحين من الأولياء ، قال سبحانه : ( وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء ) .
وتمييز النبيّين من الشهداء كأنّه نوع تشريف لهم كما قيل .
وقال سبحانه : ( وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمّة شَهِيداً ثمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ) (٢) ، والأُمّة : الجماعة من النّاس ، وإذا أُضيفت إلى شيء كنبيّ أو زمان أو مكان تميّزت به ، فالآية عامّة لجميع الأولياء ولو اجتمع عدّة منهم في أُمّة نبي ، وقال سبحانه : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّة وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) (٣) .
والبيان السابق في معنى الشهيد يوضّح أنّ هذه العطيّة والكرامة منه سبحانه ليست عامّة لجميع أُمّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، بل هي خاصّة لبعض الأُمّة والخطاب الواقع لجمع الأُمّة بظاهره باعتبار وجودهم فيها ، وهو ذائع دائر في الخطابات كقوله سبحانه : ( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء ) (٤) إلى آخر الآية ، فإنّه شامل بظاهره لجميع مَن معه ، وفيهم المنافقون والفاسقون بإجماع الأُمّة ، وأمثاله كثيرة .
وبالجملة : فالشهداء من هذه الأُمّة شهداء على الناس ، والرسول شهيد عليهم ، فالأُمّة الشهيدة وسط بين الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم والنّاس كما ذكره سبحانه .
وكذلك قوله سبحانه : ( هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ
ـــــــــــــ
(١) سورة الزمر : الآيتان ٦٩ و ٧٠ .
(٢) سورة النحل : الآية ٨٤ .
(٣) سورة البقرة : الآية ١٤٣ .
(٤) سورة الفتح : الآية ٢٩ .
أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ ) (١) ، وهذه الآية في اختصاص الشهداء أصرح من سابقتها .
وفي قوله سبحانه :( هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ ) إشارة إلى دعاء إبراهيم مع ولده إسماعيلعليهماالسلام عند بناء الكعبة :( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمّة مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ) (٢) .
ودعاؤهعليهالسلام حيث إنّه لولْد إبراهيم وإسماعيل معاً ، ولمَن في مكّة ؛ فهو لقريش وحيث إنّهعليهالسلام دعا أوّلاً بإسلامهم لله ، (وإراءة) الله إيّاه مناسكهم وتوبته لهم ، ثمَّ دعا ببعث رسول يطهّرهم ويزكّيهم ، فهم جمع من قريش جمعوا بين طهارة الذات(٣) والهداية والاهتداء إلى عهود الله ، وبين الإيمان برسوله والتزكّي والتطهّر بتزكيته وتطهيره ، فهم أشخاص مخصوصون بكرامة الله سبحانه من بين الأُمّة .
وقوله :( لِيَكُونَ الرَّسُولُ ) ، بيان لغاية قوله :( هُوَ اجْتَبَاكُمْ ) .
وما ذكرناه في معنى الآية هو الذي تفسّره به الأخبار الواردة عن أئمّة أهل البيت .
ففي (الكافي)(٤) ، و(تفسير العيّاشي)(٥) عن الباقرعليهالسلام :(نحن الأُمّة الوسطى ، ونحن شهداء الله على خلقه وحججه في أرضه) .
وعن (شواهد التنزيل) عن أمير المؤمنينعليهالسلام :(إيّانا عنى بقوله : ( وَتَكُونُوا شُهَدَاء
ـــــــــــــ
(١) سورة الحجّ : الآية ٧٨ .
(٢) سورة البقرة : الآيتان ١٢٨ و ١٢٩ .
(٣) أهل السعادة الذاتية والسعادة المكتسبة ، وبعبارة أُخرى : طهارة الذات والتبعيّة (منه قُدِّس سرُّه) .
(٤) الكافي : ١ / ٢١٣ ، الحديث ٢ .
(٥) تفسير العيّاشي : ١ / ٨١ ، الحديث ١١٠ ، مع اختلاف يسير .
عَلَى النَّاسِ ) ، فرسول الله شاهد علينا ، ونحن شهداء الله على خلقه وحجّته في أرضه ، ونحن الذين قال الله : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّة وَسَطاً ) (١) .
وفي المناقب عن الباقرعليهالسلام ـ في حديث :(ولا يكون شهداء على الناس إلاّ الأئمة والرُّسل فأمّا الأُمّة ، فإنّه غير جائز أن يستشهدها الله وفيهم مَن لا تجوز شهادته في الدنيا على خرمة بقل) (٢) .
وفي (تفسير العيّاشي) عن الصادقعليهالسلام قال :(ظننتَ أنّ الله تعالى عنى بهذه الآية جميع أهل القبلة من الموحّدين ؟! افترى أنّ مَن لا تجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمر ، يطلب الله شهادته يوم القيامة ويقبلها منه بحضرة جميع الأُمم الماضية ؟! كلا ، لم يعنِ الله مثل هذا من خلقه ، يعني الأئمّة الذين وجبت لهم دعوة إبراهيم ، وهم الأُمّة الوسطى ، وهم خير أُمّة أُخرجت للنّاس) (٣) .
والأخبار في هذا المعنى كثيرة مستفيضة .
ومن هنا يظهر معنى قوله سبحانه( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمّة بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيداً ) (٤) ، فحيث إنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ليس شاهداً على النّاس من أُمّته بلا واسطة ، بل على الشهداء منهم ، فالمشار إليهم بقوله : ( عَلَى هَـؤُلاء ) هم الشهداء من كلّ أُمّة المذكور في الآية .
وأصرح منها قوله سبحانه :( وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمّة شَهِيداً عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَـؤُلاء ) (٥) ؛ وذلك لمكان قوله تعالى :( مِّنْ أَنفُسِهِمْ ) ، وقوله : ( نَبْعَثَ ) و( وَجِئْنَا ) .
فرسول الله كما أنّه شهيد على الشهداء من أُمّته ، شهيد على جميع الشهداء .
ـــــــــــــ
(١) شواهد التنزيل : ١ / ١١٩ ، الحديث ١٢٩ .
(٢) مناقب آل أبي طالب : ٤ / ١٩٤ .
(٣) تفسير العيّاشي : ١ / ٨٢ ، الحديث ١١٤ .
(٤) سورة النساء : الآية ٤١ .
(٥) سورة انحل : الآية ٨٩ .
وروى القمّي في قوله تعالى : ( شَهِيداً عَلَى هَـؤُلاء ) ، يعني على الأئمّة ، فرسول الله شهيد على الأئمّة ، وهم شهداء على الناس(١) .
وفي (الاحتجاج) عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، في حديث يذكر فيه أحوال أهل الموقف ، قال :(فيقام الرُّسل فيسألون عن تأدية الرسالات التي حملوها إلى أُممهم ، فأخبروا أنّهم قد أدّوا ذلك إلى أُممهم ، ويسأل الأُمم فيجحدون كما قال الله : ( فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ) (٢) ، فيقولون : ( مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ ) (٣) .
فيستشهد الرُّسل رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فيشهد بصدق الرُّسل ويكذِّب مَن جحدها من الأُمم فيقول لكلّ أُمّة منهم : بلى ، قد جاءكم بشير ونذير ، واللهُ على كل شيء قدير ، أي مقتدر بشهادة جوارحكم بتبليغ الرُّسل إليكم رسالاتهم ؛ ولذلك قال الله لنبيّه : ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمّة بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيداً ) ) (٤) ـ الحديث .
وروى العيّاشي في تفسيره عن أمير المؤمنينعليهالسلام في صفة يوم القيامة ، قالعليهالسلام :(يجتمعون في موطن يستنطق فيه جميع الخلق ، فلا يتكلّم أحد إلاّ مَن أذن له الرحمن وقال صواباً ، فيقام الرُّسل فيسأل ، فذلك قوله لمحمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم : ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمّة بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيداً ) وهو الشهيد على الشهداء ، والشهداء هم الرُّسل) (٥) .
وقد مرّ كلام في معنى الجحد والحلف والكذب الواقع في هذه الأحاديث .
ـــــــــــــ
(١) تفسير القمّي : ١ / ١٦٧ .
(٢) سورة الأعراف : الآية ٦ .
(٣) سورة الأعراف : الآية ١٩ .
(٤) الاحتجاج : ١ / ٣١٨ .
(٥) تفسير العيّاشي : ١ / ٢٦٨ ، الحديث ١٣٢ .
ومن الشهداء الملائكة الكَتَبَة ، قال سبحانه :( وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ) (١) ، وقال :( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) (٢) ، إلى أن قال :( وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ) (٣) ، وقال سبحانه : ( وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ) (٤) ، إلى غير ذلك من الآيات .
ومن الشهداء : الجوارح والأعضاء ، قال سبحانه : ( الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (٥) ، وقال سبحانه وتعالى :( يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (٦) ، وقال سبحانه :( وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم
ـــــــــــــ
(١) سورة يونس : الآية ٦١ .
(٢) سورة ق : الآيات ١٦ ـ ١٨ .
(٣) سورة ق : الآية ٢١ .
(٤) سورة الانفطار : الآيات ١٠ ـ ١٢ .
(٥) سورة يس : الآية ٦٥ .
(٦) سورة النُّور : الآية ٢٤ .
مِّنْ الْخَاسِرِينَ ) (١) .
وسياق الآيات واردة في أهل النار ، فشهادة الجوارح مخصوصة بهم ، وهي من الشواهد على شمول خطابات الفروع لغير المؤمنين .
وقوله تعالى : ( وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ ) ، وجه تخصيصهم السؤال بالجلود دون الجميع ، أنّ السمع والبصر أرفع من المادة ، وأقرب إلى الحياة والفهم ، بخلاف الجلود ـ وهي الفروج وما يتلوها في الحكم ـ فهي أوغل في المادة ، وشهادتها أعجب وأقطع .
وقوله تعالى : ( قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ) ، جوابها لهم .
وقد عدلوا عن الشهادة إلى النطق ، ثمَّ إلى الإنطاق ؛ إشعاراً بأنّ الأمر إلى الله لا إليهم ، فلا وجه لعتابهم له بوضعهم موضع المستقلّ التامّ الاختيار في أمرهم ، بعد ما كان نطق كلّ شيء منه سبحانه وليس لشيء من الأمر شيء ؛ ولذا أردف ذلك بقوله : ( وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) .
فالبدء والعَوْد كلاهما له سبحانه ، وهو القائم على كلّ نفس فليس سبحانه غائباً عن شيء ، بل هو الرقيب ، وإنّما يرقب الشيء بالشيء ، ويحتجب بالشيء عن الشيء ؛ ولذا أردفه سبحانه بقوله :( وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ ) كأنّه يقول : ما كنتم تحتجبون عن شهادة الجوارح ، لا لأنّكم لا تحذرون منها ، ومن نتيجة شهادتها ، ولكن ظننتم استقلال الأشياء وغيبة الحقّ سبحانه عنها ، وأنّ كلّ واحد منها منفصل عن الحقّ ، ليس مرصاداً له سبحانه ، فظننتم أنّه لا يعلم كثيراً ممّا تعملون .
وهذه هي الغفلة عن الحقّ سبحانه ، وأنّه على كلّ شيء شهيد ، وأنّ كلّ ما يحضر عند شيء أو يعلمه شيء ، فهو حاضر عنده بعينه ، معلوم له بعينه :( وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ ) .
واعلم أنّ هذا الأصل ـ وهو أنّ علم الوسائط وقدرتها وسائر كمالاتها بعينها له سبحانه ـ كثير الفروع في القرآن ، كقوله سبحانه :( وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ
ـــــــــــــ
(١) سورة فصّلت : الآيات ١٩ ـ ٢٣ .
فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) (١) ، وقوله :( أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ) (٢) ، وقوله : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ) (٣) ، إلى غير ذلك من الآيات ، فترى أنّه سبحانه خلط علمه بعلم الألواح والكتبة .
وبما مرّ من المعنى يظهر معنى قوله : ( ثمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) (٤) ، وقد تكرّر هذا اللفظ في القرآن كثيراً .
ثمَّ اعلم أنّه يتحصّل من الآيات المزبورة ، أنّ الحياة سارية في جميع الأشياء ؛ إذ إيجاد النطق والكلام عند شيء ليس شهادة منه إلاّ إذا كان الكلام له ، وهو الحياة وكذلك إفاضة الحياة يوم القيامة ـ فحسب ـ لشيء ، وإنبائه عن واقعة قبل اتّصافه بالحياة كوقائع الدنيا ، ليس شهادة منه ؛ إذ لا حضور ولا تحمّل .
وبهذا يظهر معنى قوله سبحانه وتعالى :( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ) (٥) ، وقوله تعالى في وصف آلهتهم :( أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) (٦) .
ـــــــــــــ
(١) سورة يونس : الآية ٦١ .
(٢) سورة الزخرف : الآية ٨٠ .
(٣) سورة ق : الآيات ١٦ ـ ١٧ .
(٤) سورة التوبة : الآية ٩٤ .
(٥) سورة الأحقاف : الآيتان ٥ و ٦ .
(٦) سورة النحل : الآية ٢١ .
وفيما مرّ من المعاني أخبار كثيرة :
ففي (الكافي) عن الباقر في حديث : (وليست تشهد الجوارح على مؤمن ، إنّما تشهد على مَن حقّت عليه كلمة العذاب فأمّا المؤمن ، فيؤتى كتابه بيمينه) (١) الحديث .
أقول : يشيرعليهالسلام إلى ما في ذيل آيات الشهادة المذكورة :( وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ ) (٢) .
وفي (تفسير القمّي)(٣) و(الفقيه)(٤) عن الصادقعليهالسلام في قوله تعالى :( شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ ) (٥) الآية ، قال : (يعني بالجلود : الفرج والأفخاذ) .
وفي (تفسير القمّي) ، قالعليهالسلام :(إذا جمع الله الخلق يوم القيامة ، دُفع إلى كلّ إنسان كتابه ، فينظرون فيه فينكرون أنّهم عملوا من ذلك شيئاً ، فتشهد عليهم الملائكة ، فيقولون : يا ربّ ، ملائكتك يشهدون لك ، ثمَّ يحلفون أنّهم لم يعملوا من ذلك شيئاً ، وهو قوله : ( يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ) . فإذا فعلوا ذلك ، ختم على ألسنتهم وتنطق جوارحهم بما كانوا يكسبون) (٦) .
ومن الشهداء : الزمان والمكان والأيّام الشريفة والشهور والأعياد والجمع
ـــــــــــــ
(١) الكافي : ٢ / ٥٨ ، الباب ٢٠٣ ، الحديث ١ .
(٢) سورة فصّلت : الآية ٢٥ .
(٣) تفسير القمّي : ٢ / ٢٦٨ .
(٤) ورد الحديث في وصيّة أمير المؤمنينعليهالسلام لابنه محمّد بن الحنفيّة (رضي الله عنه) ، حيث استشهد الإمام بقوله تعالى : (( وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ ) ، يعني بالجلود : الفروج ) راجع : مَن لا يحضره الفقيه : ٢ / ٣٧٠ ، الباب ٢٢٧ ، الحديث ١ .
(٥) سورة فصّلت : الآية ٢٠ .
(٦) تفسير القمّي : ٢ / ٢٦٧ .
والأرض والبقاع والمساجد وغيرها ، قال سبحانه :( وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) (١) .
والبيان المذكور آنفاً يوضّح هاهنا أنّ الأيّام من الشهود ، ويظهر به أنّ كلمة (من) في قوله : ( مِنْكُمْ ) ، ابتدائيّة لا تبعيضيّة ، والشهداء هي الأيّام .
وقال سبحانه :( ثمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ) (٢) ، والبيان السابق عائد هاهنا أيضاً وقال سبحانه : ( وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ) (٣) .
وفي الكافي : عن الصادق ، قال :(إنّ النهار إذا جاء قال : يا بن آدم ، اعمل فيَّ يومك هذا خيراً أشهدُ لك به عند ربّك يوم القيامة ، فإنّي لم آتكَ فيما مضى ، ولا آتكَ فيما بقي وإذا جاء الليل قال مثل ذلك) (٤) .
وروي هذا المعنى ابن طاووس في كتاب (محاسبة النفس) عن الإمامين الباقر والصادقعليهماالسلام (٥) .
وروى الصدوق في (العلل) عن عبد الله الزرّاد ، قال : سأل كهمس أبا عبد اللهعليهالسلام ، فقال : يصلّي الرجل نوافله في موضع أو يفرّقها ؟ فقال : (لا بل هاهنا وهاهنا ،
ـــــــــــــ
(١) سورة آل عمران : الآية ١٤٠ .
(٢) سورة لقمان : الآيتان ١٥ و ١٦ .
(٣) سورة الزلزلة : الآيات ٢ ـ ٥ .
(٤) الكافي : ٢ / ٤٤٧ ، الباب ٣٨٩ ، الحديث ١٢ .
(٥) محاسبة النفس : ١٥ .
فإنّها تشهد له يوم القيامة) (١) .
ومن الشهداء : القرآن والأعمال والعبادات ، وسيأتي ملخّص الكلام فيها في (فصل : الشفاعة) إن شاء الله .
واعلم أنّ البرهان أيضاً يفيد ما مرّ من شهادة الشهود ؛ فإنّ الأعمال لا تتحقّق بينها وبين شيء من الموجودات نسبة ، إلاّ وهي متحقّقة بين الذات وبين ذلك الموجود ، فإنّ الأعمال من تنزّلاتها ووجوداتها قائمة الذات بتلك الذوات فببقاء الذات تبقى الصادرات عنها بحسب ما يتحقّق بها من الوجود ، وببقائها تبقى النسب التي إلى الأشياء ، وببقاء النسب تبقى الأشياء ؛ ضرورة كون وجوداتها رابطة لا تتحقّق إلاّ بطرفين ، وبحياتها تحيي الجميع ، وبحضورها عن الحقّ سبحانه وبين يديه تعالى بتمام ذاتها وشهادتها وبيانها ما عندها له سبحانه يفعل الجميع ذلك ، والله العالم .
من المعلوم أنّ الحساب ـ وهو : كشف المجهول العددي باستعمال الطرق الموصلة إليه ـ إنّما يتأتّى بلحاظ ظرف العلم والجهل وأمّا إذا فرض نفس الواقع ـ مع الغضّ عن العلم والجهل ـ فلا موضوع لهذا المعنى الذي نسمّيه حساباً وإنّما الذي في الواقع والخارج هو ترتّب النتيجة على المقدّمات ، والمعلوم على العلّة ، فالوضع الذي هو (٦ × ٨ ـ ٣ × ٦) ، يتدرّج فيه باستعمال الأسباب والأعمال الحسابيّة للحصول على النتيجة ، وهي (٣٠) بالنسبة إلينا لجهلنا أوّلاً بذلك ، وتحصيلنا العلم بالحساب ثانياً ، إنّ النتيجة هي الثلاثون .
ـــــــــــــ
(١) علل الشرائع : ٢ / ٣٩ ، الباب ٤٦ ، الحديث ١ .
الفصل العاشر : في الحساب
وأمّا ما في الخارج ، فإنّما هو عدد مع عدد ، لا انفكاك بينهما ولا فصل ، أو ترتّب النتيجة على تراكم أُمور واقعيّة موجودة في الخارج، ليس بينهما فرجة زمانيّة ولا فاصلة مكانيّة .
وعلمه سبحانه بالأشياء الواقعيّة حيث كان عين تلك الأشياء الواقعيّة على ما تعطيه الأُصول البرهانية ، دون الصور المنتزعة عن الخارج مثل علومنا الحصوليّة ، كان القول في علمه سبحانه عين القول في الأُمور الواقعيّة ، فحسابه سبحانه عين حساب الواقع ، وهو ترتّب نتائج الأُمور عليها فيما كان هناك أثر مترتّب .
وقد أخبر سبحانه أنّ لكلّ شيء أثراً في جانبي السعادة والشقاوة يترتّب عليه في الدنيا ، قال سبحانه :( قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) (١) ، قال :( نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) (٢) ، وقال :( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ ) (٣) ، وقال : ( ثمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ) (٤) ، وقال :( وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً ) (٥) ، وقال : ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) (٦) .
ومن هذا الباب قوله سبحانه :( وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) (٧) ، وقوله : ( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ) (٨) .
والآيات في هذا المعنى كثيرة جدّاً ، وهي على كثرتها تفيد : أنّ نتائج الأُمور تتبعها لا محالة في الدنيا والآخرة ، كما أنّ البرهان أيضاً يفيد ذلك .
ـــــــــــــ
(١) سورة يوسف : الآية ٩٠ .
(٢) سورة يوسف : الآية ٥٦ .
(٣) سورة الأعراف : الآية ٩٦ .
(٤) سورة الروم : الآية ١٠ .
(٥) سورة الطلاق : الآيات ٨ ـ ١٠ .
(٦) سورة الزلزلة : الآيتان ٧ و ٨ .
(٧) سورة الشورى : الآية ٣٠ .
(٨) سورة التغابن : الآية ١١ .
ثمَّ إنّ الأُمور ونتائجها لا توجد بنفسها ولا بإيجادها ، بل بإفاضة منه سبحانه لوجودها ، فاستتباعها نتائجها استفاضتها منه سبحانه لنتائجها المترتّبة عليها كما أنّ ارتزاق المرزوقين استفاضتها منه سبحانه ما يديم به بقاؤها من الوجود ، فالحساب كالرزق بوجه ، فلا تزال سحابة الفيض تشرب من بحر الرحمة وتمطر مطر الفيض على بحر الإمكان ، فكلّ قطرة لاحقة تستمدّ بها سابقتها ، وهو الرزق ، وترفع بها حاجتها التي تستحقّها وتقتضيها ، وهو الحساب فكما أنّ إفاضة الرزق لها دائم مستمرّ ضروري ، كما قال سبحانه : ( إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ ) (١) ، فكلّ الحساب بينهما دائم مستمرّ ضروري .
وفي (النهج) سُئِلعليهالسلام : كيف يحاسب الله الخلق على كثرتهم ؟ فقالعليهالسلام :(كما يرزقهم على كثرتهم) ، فقيل : فكيف يحاسبهم ولا يرونه ؟ قال : (كما يرزقهم ولا يرونه) (٢) ، وهو أنفس كلام في هذا الباب .
وبالجملة : الأُمور ـ ومنها الأعمال ـ لا تنفكّ عن حسابها عند تحقّقها في الخارج أدنى انفكاك ، قال سبحانه : ( وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) (٣) ، وقال سبحانه :( أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ) (٤) ، إذ مع اختصاص الحكم به سبحانه وعدم وجود حاكم غيره يضادّ بحكمه حكمَه ، ويدفع به أمرَه بنحو من الأنحاء : بإبطال وتعويق ، وتضعيف وإنظار ، لا يتصوّر لحكمه سبحانه بطء وتعويض وتأخير ، ولا يمكن فيه مساءة ولا صعوبة ولا يسر ولا عسر ولا غيرها .
فهذه المعاني إذا أُطلقت ، يراد بها حصول معانيها بالنسبة إلى إدراك المحاسَبيِن (بصيغة المفعول) كقوله سبحانه :( وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ ) (٥) ،
ـــــــــــــ
(١) سورة الذاريات : الآية ٢٣ .
(٢) نهج البلاغة : ٥٢٨ ، حِكم أمير المؤمنين ، رقم ٣٠٠ .
(٣) سورة الرعد : الآية ٤١ .
(٤) سورة الأنعام : الآية ٦٢ .
(٥) سورة الرعد : الآية ٢١ .
وقوله :( فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً ) (١) ، وقوله :( تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) (٢) .
وروى في (المجمع) عن أبي سعيد الخدري ، قال : قيل : يا رسول الله ، ما أطول هذا اليوم ؟ فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم :(والذي نفس محمّد بيده ، إنّه ليخفّف على المؤمن حتّى يكون أخفّ عليه من صلاة مكتوبة يصلّيها في الدنيا) (٣) .
وفيه ـ أيضاً ـ عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال :(لو وَلِيَ الحساب غيرُ الله ، لمكثوا فيه خمسين ألف سنة من قبل أن يفرغوا ، واللهُ سبحانه يفرغ من ذلك في ساعة) (٤) .
أقول : وبهذين الخبرين يظهر معنى قوله تعالى : ( كَانَ ) الآية .
فيُخفّف ذلك على المؤمنين ؛ لأنّ وجوههم( يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) ، فيرون الأمر على حقيقته( وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ ) ، ويطول على الكافرين والفاسقين ؛ لـ( إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ) . فالاختلاف من جانب الناس وغيره وأمّا بالنسبة إلى سبحانه ، فأمره واحد لا اختلاف فيه .
وبالجملة : فأمر الحساب كما عرفت جارٍ دائماً وأمّا اختصاص يوم القيامة بوقوع الحساب فيه ، فهو من قبيل اختصاصه في كلامه تعالى بخصال أُخرى غير مختصّة به ظاهراً ، كاختصاص المُلك يومئذٍ لله ، وبروز الناس يومئذٍ لله ، وكون الأمر يومئذٍ لله ، وغير ذلك وقد عرفت ـ فيما مرّ ـ معنى ذلك ، فوقوع الحساب فيه هو ظهور النتيجة حقيقةً بتمام المعنى ، فهو ظهور نتيجة الخِلقة ، ووصول الممكن إلى غاية سيره في سبيله من الله إليه ، قال سبحانه :( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ
ـــــــــــــ
(١) سورة الطلاق : الآية ٨ .
(٢) سورة المعارج : الآية ٤ .
(٣) و (٤) تفسير مجمع البيان : ١٠ / ٥٣١ .
مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ) (١) ، وقال :( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ) (٢) ، وقال :( وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى ) (٣) .
ومن هنا يظهر أنّ الإنسان كلّما قرب من طريق السعادة ، ملازماً للصراط المستقيم ، كان الحساب عليه يسيراً ، فإنّه أقرب إلى النتيجة المقصودة من الخِلقة ، قال سبحانه :( فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً ) (٤) .
وكلّما بعد عن الحقّ ونكب عن مستقيم الصراط ، كان الحساب عليه عسيراً ؛ فإنّه أبعد عمّا أودع الله عزّ وجلّ في فطرته من نتيجة الخِلقة وغاية الوجود ، قال سبحانه :( فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ) (٥) ، وقال :( وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً ) (٦) ، وقال :( وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ ) (٧) .
وينتهي الأمر من الطرفين إلى مَن لا حساب له ، ممَّن لا يليه إلاّ ربّه ، فلا عمل له ، فلا كتاب ولا حساب ، وهم المخلَصون المقرّبون ، قال سبحانه : ( فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ) (٨) .
وممّن لا مولى لهم فحبطت أعماهم ، فلا كتاب لهم فلا وزن ولا حساب .
ـــــــــــــ
(١) سورة الأنبياء : الآية ٤٧.
(٢) سورة المؤمنون : الآية ١١٥ .
(٣) سورة النجم : الآية ٤٢ .
(٤) سورة الانشقاق : الآيتان ٧ و ٨ .
(٥) سورة المدّثر : الآيتان ٩ و ١٠ .
(٦) سورة النبأ : الآية ٤٠ .
(٧) سورة الحاقّة : الآيتان ٢٥ و ٢٦ .
(٨) سورة الصافّات : الآيتان ١٢٧ و ١٢٨ .
روي في (المعاني) عن الباقرعليهالسلام ، قال :( قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : كلّ محاسَب معذَّب ، فقال قائل : يا رسول الله ، فأين قول الله : ( فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً ) ؟ قال صلىاللهعليهوآلهوسلم : ذلك العرض يعني التصفّح) (١) .
أقول : وهذا حديث أطبق الفريقان على رواية معناه واتّفقوا على صحّته .
وروى العيّاشي وغيره بطُرق متعدّدة عن الصادقعليهالسلام في قوله سبحانه :( وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ ) (٢) (إنّ معناه الاستقصاء (والمداقّة) ، وأنّه يحسب لهم السيّئات ، ولا يحسب لهم الحسنات) (٣) .
وممّا مرّ يتّضح أمر السؤال ، وهو من توابع الحساب ، فإنّ السؤال ، وهو استيضاح ما عند المسئول من حقيقة الأمر والأمر يومئذٍ يدور مدار تفريغ ما عند النفس بحسب الحقيقة من تبعاتها ولواحقها وأذنابها ، التي اكتسبتها من السعادة والشقاوة ، وتفريغ حسابها وتوفية نتيجته لها ، قال سبحانه : ( يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ) (٤) ، وهي مكامن النفوس ، وقال سبحانه :( بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ) (٥) ، وقال سبحانه :( وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً ) (٦) ، وقال سبحانه :( وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ ) (٧) .
ـــــــــــــ
(١) معاني الأخبار : ٢٦٢ ، باب كلّ محاسب معذّب ، الحديث ١ .
(٢) سورة الرعد : الآية ٢١ .
(٣) تفسير العيّاشي : ٢ / ٢٢٥ ، الحديث ٣٩ .
(٤) سورة الطارق : الآية ٩ .
(٥) سورة الأنعام : الآية ٢٨ .
(٦) سورة النساء : الآية ٤٢ .
(٧) سورة البقرة : الآية ٢٨٤ .
وما ورد أنّ الآية منسوخة بقوله تعالى :( إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ) (١) ، فمعنى النسخ هو التفسير والبيان ، دون بيان غاية الكم وانقضائها ، فإنّ ذلك مختصّ بالشرائع والأحكام غير جائز في الحقائق .
وقال سبحانه :( فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (٢) ، وقال :( فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ) (٣) ، وقال :( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ ) (٤) .
واعلم أنّ هذه الآيات تعطي عموم السؤال والحساب لجمع الأعمال والنِّعم ، وهو المحصّل من جماعة الأخبار .
ففي نوادر الراوندي بإسناده عن موسى بن جعفرعليهالسلام ، عن آبائهعليهمالسلام ، قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :(كلّ نعيم مسئول عنه يوم القيامة ، إلاّ ما كان في سبيل الله) (٥) .
وفي أمالي المفيد مسنداً عن ابن عيينة ، قال : سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول :(ما من عبد إلاّ ولله عليه حجّة ، إمّا في ذنبٍ اقترفه ، وإمّا في نعمةٍ قصّر عن شكرها) (٦) .
وفي كتاب الحسين بن سعيد ، عن الصادقعليهالسلام :(الدواوين يوم القيامة ثلاثة : ديوان فيه النِّعم ، وديوان فيه الحسنات ، وديوان فيه الذنوب فيقابل بين ديوان النعم وديوان الحسنات ، فتستغرق عامّة الحسنات وتبقى الذنوب) (٧) ، والأخبار في هذه المعاني كثيرة .
ـــــــــــــ
(١) سورة النجم : الآية ٣٢ .
(٢) سورة الحجر : الآيتان ٩٢ ـ ٩٣ .
(٣) سورة الأعراف : الآية ٦ .
(٤) سورة الصافّات : الآية ٢٤ .
(٥) نوادر الراوندي : ١٣٧ ، الحديث ١٨٢ .
(٦) ورد في بحار الأنوار نقلاً عن أمالي المفيد : ٧ / ٢٦٢ ، باب ١١ محاسبة العباد ، الحديث ١٣ .
(٧) بحار الأنوار : ٧ / ٢٦٧ ، الباب ١١ كتاب العدل ، ح٣٤ .
وأجمعها معنى ما رواه الصدوق في (التوحيد) عن ابن أُذينة ، عن الصادقعليهالسلام ، قال : قلت له : جعلت فداك ، ما تقول في القضاء والقدر؟ قال :(أقول : إنّ الله إذا جمع العباد يوم القيامة ، سألهم عمّا عهد إليهم ، ولم يسألوا عمّا قضي عليهم) (١) الحديث .
نعم ، روى أصحابنا عن عليّ والباقر والصادق والرضاعليهمالسلام في قوله سبحانه :( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) (٢) أنّ المراد بالنعيم هو الولاية ، لا ما ترتفع به الحوائج الإنسانية من مأكول ومشروب وملبوس وغيرها .
فعن الصادقعليهالسلام أنّه قال لأبي حنيفة :(بلغني أنّك تفسّر النعيم في هذه الآية بالطعام الطيّب والماء البارد في اليوم الصائف) ، قال : نعم ، قالعليهالسلام :(لو دعاك رجل وأطعمك طعاماً طيباً ، وسقاك ماء بارداً ، ثُمَّ امتنّ عليك به ، إلى ما كنت تنسبه؟) قال : إلى البخل ، قالعليهالسلام :(أفيبخل الله تعالى ؟! ) ، قال : فما هو ؟ قالعليهالسلام :(حبّنا أهل البيت) (٣) .
وفي (الاحتجاج) عن عليّعليهالسلام ـ في حديث ـ أن النعيم الذي يسأل عنه العباد :( رسول الله ومَن حلّ محلّه من أصفياء الله فإنّ الله أنعم بهم على من اتّبعهم من أوليائهم) (٤) .
وفي (المحاسن) عن أبي خالد الكابلي ، عن الباقرعليهالسلام في حديث بعد ذكر الآية ، قالعليهالسلام :(إنّما تسألون عمّا أنتم عليه من الحقّ) (٥) الحديث .
والاعتبار العقلي يساعد هذا المعنى ، فإنّ الولاية ـ وهي معرفة الله والتحقّق بها ـ
ـــــــــــــ
(١) التوحيد : ٣٥٤ ، الباب ٦٠ ، الحديث ٣ .
(٢) سورة التكاثر : الآية ٨ .
(٣) بحار الأنوار : ٧ / ٤٩ ، باب ١١ كتاب العدل ، مع اختلاف يسير .
(٤) الاحتجاج : ١ / ٣٣٢ .
(٥) المحاسن : ٢ / ١٦٣ ، الباب ٦ ، الحديث ٨٣ .
حيث كانت غاية الخلقة ، فلا غاية غيرها فكلّ إفاضة إنّما تكون نعمة وملائمة للكمال والراحة إذا وقعت في طريق الغاية ، أو لوحظت من حيث صحّة وقوعها في طريقها ، لكنّها بعينها إذا وقعت في طريق يضادّ الغاية صارت نقمة ، وإذا لم تقع في طريق أصلاً كانت لغواً باطلاً فكلّ شيء نعمة من حيث إيصاله الإنسان إلى ساحة الولاية وأمّا مع الغضّ عن ذلك ، فلا نعمة .
فصحّ أنّ النعمة المطلقة هي التوحيد والنبوّة والولاية كما في بعض الروايات وصحّ أنّ النعمة بالنسبة إلينا هي الولاية كما في بعض آخر ، فافهم والله الولي الحقّ .
الفصل الحادي عشر : في الجزاء
قال سبحانه :( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ) (١) .
ومجازاة المحسن بالجنّة والمسيء بالنّار فيها آيات كثيرة جدّاً ، وقد جعلها سبحانه أحد الدليلين على وقوع الحشر ، فقال :( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ * أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ) (٢) .
فإنّ الحكيم من حيث هو حكيم ، كما يستحيل أن يفعل فعلاّ لا غاية له ولا نتيجة متولّدة من فعله كما هو مفاد الدليل الأوّل ، كذلك يستحيل عليه أن يهمل أمر جماعة فيهم الصالح والطالح ، والظالم والمظلوم ، فلا يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته .
ثمَّ إنّك ترى أنّه سبحانه أقرّ النسبة بين العمل والجزاء ، فالإحسان يجزى بالإحسان ، والإساءة تجازى بالإساءة .
ثمَّ جاوز وعده ووعيده مطلق الإحسان والإساءة ؛ فأيّد بذلك أنّ بين الأعمال وجزائها نِسباً خاصّة وارتباطات مخصوصة .
ـــــــــــــ
(١) سورة النجم : الآية ٣١ .
(٢) سورة ص : الآيتان ٢٧ و ٢٨ .
ثمَّ جاز كلامه سبحانه ذلك بأن أخبر بالعينيّة والإتّحاد بين العمل وجزائه ، قال سبحانه : ( وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ) (١) .
فصدر الآية يحكي عن النسبة المذكورة ، ووسطها عن الاتّحاد بين العمل والجزاء ، وذيلها عن الجزاء العادل ، وهو سبب النسبة والعينيّة المذكورتين .
وما ذكرناه من معنى الحساب وحقيقته في الفصل السابق ، عائد هاهنا أيضاً إليه تعالى ، وقال سبحانه :( وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ) (٢) ، وقال : ( وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ) (٣) ، وقال :( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) (٤) ، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالّة على أنّ ما يعمله الإنسان من خير أو شرّ سيُرَدّ إليه بعينه .
ثمَّ شرح سبحانه معنى هذه العينيّة فقال :( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَـئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (٥) ، فبيّن أنّ معصيتهم على كونها في هذه النشأة في صورة كتمان ما أنزل الله وشراء الثمن القليل بذلك ، فهي بعينها متصوّرة في الباطن بصورة أكل النّار كما ورد مثله في أكل مال اليتيم ظلماً .
ـــــــــــــ
(١) سورة الأحقاف : الآية ١٩ .
(٢) سورة البقرة : الآية ٢٨١ .
(٣) سورة البقرة : الآية ٢٨١ .
(٤٩ سورة الزلزلة : الآيتان ٧ و ٨ .
(٥) سورة البقرة : الآية ١٧٤ .
ثمَّ أردف سبحانه ذلك بقوله : ( أُولَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ) (١) ، فبيّن أنّ هؤلاء بدّلوا الهدى والمغفرة بهذا الضلال والعذاب والهدى والمغفرة مرتَّبان على الاستقامة والتقوى ، كما أنّ أكل النّار والضلالة والعذاب تترتّب على الكتمان والشراء المذكورين فالتعرّض منه سبحانه بالتبديل فيما يترتّب على المعاصي ، دون ظاهر نفس المعاصي ، وتبديله سبحانه أكل النّار وأخواته بمعنى عامّ ـ وهو الضلال والعذاب ـ بيان منه تعالى لكون تبديل صورة الأفعال مطّرداً في جانبي الطاعات والمعاصي جميعاً ، فافهم وتدبّر .
ثمَّ بيّن سبحانه ذلك في المؤمنين خاصّة فقال :( اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ ) (٢) ، وقال :( أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ) (٣) ، وهو روح الإيمان وقال : ( وَلَكِن جَعَلْنَاهُ) أي النور المنزل على رسول الله ( نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا ) (٤) ، وهو روح القدس وقال :( يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ) (٥) ، وقال :( لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ) (٦) ، إلى غير ذلك من الآيات .
ـــــــــــــ
(١) سورة البقرة : الآية ١٧٥ .
(٢) سورة البقرة : الآية ٢٥٧ .
(٣) سورة المجادلة : الآية ٢٢ .
(٤) سورة الشورى : الآية ٥٢ .
(٥) سورة الحديد : الآية ٢٨ .
(٦) سورة الحديد : الآية ١٩ .
وبالجملة : فصُوَر علومهم وأخلاقهم وأعمالهم أنوار إلهية طاهرة موهوبة ، تطهّرهم من الأرجاس وتنجيهم من الظلمات ، فيشاهدون به عظمة الله وكبريائه وملكوت السموات والأرض ، طوبى لهم وحسن مآب .
ثمَّ بيّن ذلك في الكافرين والفاسقين ، فقال عزّ من قائل : ( وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ) (١) ، وقال : ( وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَن يَشَإِ اللّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) (٢) ، وقال :( أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً ) (٣) ، وقال :( وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ) (٤) ، وقال : ( وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) (٥) ، وقال :( كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ) (٦) ، إلى أن قال :( وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ ) (٧) ، وقال :( فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ) (٨) ،
ـــــــــــــ
(١) سورة البقرة : الآية ٢٥٧ .
(٢) سورة الأنعام : الآية ٣٩ .
(٣) سورة مريم : الآية ٨٣ .
(٤) سورة الأنعام : الآية ١٢١ .
(٥) سورة الزخرف : الآية ٣٦ .
(٦) سورة الأنعام : الآية ١٠٨ .
(٧) سورة الأنعام : الآية ١٠٨ .
(٨) سورة الأنعام : الآية ١٢٥ .
وقال :( إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ ) (١) ، وقال :( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) (٢) .
فأخبر سبحانه أنّ الشرك بالله والمعاصي على اختلاف تصوّراتها ، تُوجب خروجهم من النور إلى عام الظلمات ، فيضلّهم الله عزّ وجلّ في الظلمات ، ويصمّهم ، ويبكمهم ، ويُرسل الشياطين إليهم ، وهم قرناؤهم إلى يوم القيامة فيقطب أبصارهم وأفئدتهم فلا يقصدون إلاّ السراب الباطل ، ولا يقدرون أن يروموا الحقّ ويتناولوه( كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ) ، بل الأغلال في أعناقهم والسدود من بين أيديهم ومن خلفهم وهم المغشيُّون ، وليس كلّ ذلك إلاّ صور الأعمال ونتيجة الحساب فيما يُعتبر فيه ثواب وعقاب .
وكثير من الأخبار يشهد بذلك :
فعن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :(كما تعيشون تموتون ، وكما تموتون تُبعثون) (٣) ـ الخبر ، وهو من جوامع الكلم ، وهو مع قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم :(النّاس معادن كمعادن الذهب والفضّة) (٤) ـ الخبر ، يعطيان علم مبدأ الإنسان ومعاده بالاستيفاء .
وفي (الكافي) عن الصادقعليهالسلام ، قال :(إذا وُضع الميّت في قبره ، مثُل له شخص فقال : يا هذا ، كنّا ثلاثة : كان رزقك فانقطع بانقطاع أجَلِك ، وكان أهلك فخلَّفوك وانصرفوا عنك ، وكنت عملك فبقيت معك أمَا إنّي كنت أهون الثلاثة عليك) (٥) .
ـــــــــــــ
(١) سورة يس : الآيتان ٨ و ٩ .
(٢) سورة النور : الآية ٣٩ .
(٣) عوالي اللئالي : ٤ / ٧٢ .
(٤) بحار الأنوار : ٥٨ / ٦٥ ، الباب ٤٢ كتاب السماء والعالم ، الحديث ٥١ .
(٥) الكافي : ٣ / ٢٢٨ ، الباب ١٥٩ ، الحديث ١٤ .
وعن البهائي (رحمه الله) قال : روى أصحابنا عن قيس بن عاصم قال : وفدت مع جماعة من بني تميم على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فدخلت عليه وعنده الصلصال بن الدلهمس ، فقلت : يا رسول الله ، عظنا موعظة ننتفع بها ، فإنّا قوم نعير في البرية ، فقال رسول الله :(يا قيس ، إنّ مع العزّ ذلاًّ ، وإنّ مع الحياة موتاً ، وإنّ مع الدنيا آخرة ، وإنّ لكلّ شيء حسيباً ، وإنّ لكلّ أجل كتاباً وإنّه لا بدّ لك ـ يا قيس ـ من قرين يدفن معك وهو حيّ وأنت ميّت ، فإن كان كريماً أكرمك ، وإن كان لئيماً أسلمك ثمَّ لا يحشر إلاّ معك ولا تحشر إلاّ معه ، ولا تسأل إلاّ عنه فلا تجعله إلاَّ صالحاً : فإنّه إن صلح أنستَ به ، وإن فسدَ لا تستوحِش إلاّ منه ، وهو فعلُك) (١) ـ الخبر .
والأخبار في تمثيل الصوم والصلاة والزكاة والولاية والصبر والرفق والقرآن والتسبيح والتهليل ، وسائر العبادات والمعاصي ، بصور تعطيها معانيها ، أكثر من أن تُحصى ، والبرهان المذكور سابقاً يُعطى ذلك .
وأيضاً الثواب والعقاب إنّما هما على الطاعة والمعصية ، أي موافقة الأمر ومخالفته ، وهو كما ذكرناه في" رسالة الإنسان في الدنيا " أمرٌ اعتباريٌ وهميٌ ، والثواب والعقاب الآجلان من الأُمور الحقيقيّة الواقعيّة ، والنسبة الرابطة بين الأمرين ـ الاعتباري والحقيقي ـ ممتنعة ، إلاّ بكون الآخر الاعتباري مكتنَفاً بأمر حقيقي ، وحيث إنّ الإنسان بثبوته تثبت الطاعة والمعصية ولو فرضنا رفع ما عداه وبارتفاعه يرتفعان ، ولو فرضنا وضع ما عداه فهذا الأمر الحقيقي مع الإنسان ، وهو مجموع النفس والبدن والبدن يتبدّل بالتدريج قطعاً مع بقاء صفة الطاعة والمعصية والسعادة والشقاوة ، فالذي يدور مداره الأمر هو الروح الذي هو الإنسان ، فمع الإنسان معنى هو المصحّح للنسبة المذكورة ، وهو المعاني المخصوصة من خصوصيّات الطاعات والمعاصي .
ـــــــــــــ
(١) أمالي الصدوق : ٥٠ ، المجلس الأوّل ، الحديث ٤ .
الفصل الثاني عشر: في الشفاعة
قال سبحانه :( وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ) (١) ، وقال :( وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ) (٢) ، وقال : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ ) (٣) .
تنفي الآيات قبول شفاعة من نفسٍ في نفس ، غير أنّ هناك آيات أُخر تخصّص هذا العموم وتفسّره كما تخصّص عموم عدم النصر وتفسّره ، قال سبحانه :( يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) (٤ ،
ـــــــــــــ
(١) سورة البقرة : الآية ٤٨ .
(٢) سورة البقرة : الآية ١٢٣ .
(٣) سورة البقرة : الآية ٢٥٤ .
(٤) سورة الدخان : الآيتان ٤١ و ٤٢ .
وقال :( مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ) (١) ، وقال : ( وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ) (٢) .
فبيّن سبحانه أنّ الشفاعة يومئذٍٍ لا تقع ولا تنفع إلاّ بإذن للشافع في شفاعته وللمشفوع في الشفاعة له ، وقد فسّر الإذن للشافع بقوله :( يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً ) (٣) ، فإذنه سبحانه رضاه بقوله ، أي كون قوله ـ وهو شفاعته ـ مرضياً .
وقال سبحانه :( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً ) (٤) ، فالقول المرضي هو القول الصواب وقد أسلفنا في (فصل الشهادة) أنّ مرجع ذلك إلى انتهاء أعمال العاملين ولحقوها بهذا الذي أذن له القول الصواب ، وحضورها له ووساطته في إفاضة الفيوضات الإلهيّة لهم ، ويرجع ذلك إلى تمكين الحقّ سبحانه للشافع من شهادة حقائق الأعمال والعلم بها كما قال سبحانه :( وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (٥) .
وبالجملة : فإذن سبحانه في قولٍ هو الرضا عنه ، ومن المعلوم أنّ الرضا لا يتعلّق إلاّ بكمال الشيء من حيث إنّه كمال ، فالقول المرضي عنه هو كمال القول ، وهو كونه صواباً فالمأذونون مرضيّون في قولهم ، صائبون في علمهم ، مرضيّون في ذاتهم ؛ إذ القول في آثار الذات ، ولا يُستكمل أثر من آثار الذات إلاّ بعد استكمال نفسه التي هي المبدأ وهو ظاهر ،. دون العكس ؛ إذ الذات يمكن أن يقع مرضيّاً لطهارة محتده ، وخلوص عقائده ، ولا يقع مرضيّاً في أفعاله وآثاره لورود مانع حاجب .
ـــــــــــــ
(١) سورة البقرة : الآية ٢٥٥ .
(٢) سورة سبأ : الآية ٢٣ .
(٣) سورة طه : الآية ١٠٩ .
(٤) سورة النبأ : الآية ٣٨ .
(٥) سورة الزخرف : الآية ٨٦ ، فقد أخذ سبحانه في تملّك الشافع للشفاعة قيدين ، وهما : العلم ، وكون الشفاعة بالحقّ دون الباطل والظاهر أنّ المراد بالشهادة هو تحمّل الأداء وإن كان مرجعهما واحداً (منه قُدِّس سِرُّه) .
والحاصل : أنّ الشافعين هم الذين رضي الله عنهم ، ورضي قولهم ، أي شهد كمالهم ، وكمال قولهم لا يشوبه نقص ولا خطأ ، أي أنّ علمهم علمه سبحانه ، لم يختلط بشبهات الأوهام وخطأ الأهواء ، فإنّ العلم فيما يحيط به ويصدق هو له سبحانه ، قال تعالى :( وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء ) (١) .
ولذلك فإنّ النبيّين ، وهم السابقون من المرضيّين ، ينفون العلم عن أنفسهم إذا خاطبهم الله سبحانه :( يَوْمَ يَجْمَعُ اللّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ) (٢) ، مع أنّ العلوم التي معهم أكثر وأصدق من علوم غيرهم بلا شكّ ، فهؤلاء باقون على طهارة الذات الأصليّة ، موفون بعهدهم الذي واثقوه مع ربّهم ، قال سبحانه :( لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً ) (٣) .
وبالجملة : فالشافعون هم المرضيّون ذاتاً وأعمالاً .
ومثل ذلك في الذات مأخوذ في جانب المشفوعين ، قال سبحانه : ( وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى ) (٤) ، فالارتضاء مطلق وليس ناظراً إلى الأعمال ، فإنّ الشفاعة إنّما هي فيها فالارتضاء إنّما تعلّق بهم لا بأعمالهم ، أي أنّ نفوسهم طاهرة بالإيمان ، ويشهد به أيضاً قوله
ـــــــــــــ
(١) سورة البقرة : الآية ٢٥٥ .
(٢) سورة المائدة : الآية ١٠٩ .
(٣) سورة مريم : الآية ٨٧ .
(٤) سورة الأنبياء : الآية ٢٨ .
سبحانه :( وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ) (١) ، يشعر بأنّ الإيمان ـ وهو مقابل الكفر ـ مرضي له .
ثمّ إنّه سبحانه قال :( فَإِنَّ اللّهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ) (٢) ، فبانَ بذلك أنّ نفع الشفاعة هو تبدّل السيّئات ـ التي توجب الفسق ـ بغيرها من الحسنات بسببها حتّى يحصل الرضا ، رضى الربّ وقد وعد سبحانه مغفرة الصغائر من المعاصي لمَن اجتنب الكبائر منها ، فقال :( إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ) (٣) ، وقال سبحانه : ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ) (٤) .
فلم يبق لسخط الربّ سبحانه وعدم رضاه إلاّ الكبائر في المستحقّ بها للشفاعة ، وقد صحّ عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فيما رواه الفريقان قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم :(إنّما شفاعتي (٥) لأهل الكبائر من أُمّتي) (٦) ، أو ما في معناه .
فالشفاعة إنّما توجب تبدّل هذه الكبائر ، قال سبحانه :( إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ) (٧) .
فالشفاعة ـ كما ترى ـ تحلّ محلّ العمل الصالح ، وقال سبحانه : ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ
ـــــــــــــ
(١) سورة الزُّمر : الآية ٧ .
(٢) سورة التوبة : الآية ٩٦ .
(٣) سورة النساء : الآية ٣١ .
(٤) سورة النجم : الآية ٣٢ .
(٥) ويظهر ممّا قدّمناه من القول في باب الشهادة من عموم شفاعتهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أنّ المراد بالشفاعة هو الشفاعة الخاصّة في الحديث ، أو أنّ (من أُمّتي) متعلّق بقوله : (شفاعتي) (منه قُدِّس سِرُّه) .
(٦) مَن لا يحضره الفقيه : ٣ / ٣٦٩ ، الباب ١٧٩ معرفة الكبائر ، الحديث ٣٣ .
(٧) سورة الفرقان : الآية ٧٠ .
الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) (١) .
فالشفاعة كالعمل الصالح تفيد رفع الكلم الطيّب ـ وهو الإيمان ـ إلى الله سبحانه فالشفاعة توجب لحوق المذنبين من المؤمنين فقط بالصالحين منهم ، فمثل الشفاعة كمثل البدن إذا اعتراه مرض أو قرحة خطيرة ، فإنّ المزاج إذا كان قويّا ، والطبيعة البدنيّة سلامة ، أصلحت الصحّة ودفعت المرض عنه ، وإلاّ احتيجّ إلى علاج بالضدّ ، ودواء يبطل فعل المرض وينصر الطبيعة في إعادتها صحّة البدن إليه ، وتبديلها المواد الفاسدة المجتمعة فيه إلى الصالحة الملائمة له .
فالفاعل للصحّة على كلّ حال هي الطبيعة ، غير أنّها مستقلّة في فعلها حيناً ما ، ومحتاجة إلى ناصر ينصرها حيناً ما ؛ ولذلك فإنّه سبحانه يكرّر القول : ( لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ) (٢) ، وأصرح من ذلك محلاًّ قوله سبحانه : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) (٣) ، فبيّن أوّلاً أنّه سيلحق ذرّيتهم بآبائهم في درجاتهم ، لا في أصل الرحمة لقوله :( وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ) الآية .
فعدّ هذا اللحوق من الكسب ، مع أنّ أعمالهم دون ذلك ، فعلمنا به أنّ الإيمان يوجب اتّصالاً ما من الداني بالعالي ، وإذا حجبهما من الاستواء في الدرجات حاجبٌ مانعٌ من القصور ، أصلحه الإيمان ، وارتفعا جميعاً إلى درجة واحدة وهذه حال الشفاعة توجب لحوق المشفوع بالشافع ، ثمّ إصلاح أعماله السيّئة وجعلها حسنة بذلك .
ـــــــــــــ
(١) سورة فاطر : الآية ١٠ .
(٢) سورة البقرة : الآية ٢٨٦ .
(٣) سورة الطور : الآية ٢١ .
وفي قوله :( يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ) الآية(١) ، إشارة إلى ذلك ؛ إذ لولا أصل محفوظ بين المبدّل والمبدّل منه ، كان التبديل إعداماً للمبدّل وإيجاداً للمبدّل منه .
واعلم أنّ المغفرة في ذلك كالشفاعة ، وسيأتي في فصلي" الأعراف " و" المغفرة " ما يتبيّن به هذا المعنى فضل تبيُّن .
ومن هنا يتبيّن أنّ الشفاعة نوع تصرّف في الأعمال بتبدُّلها ؛ ولذلك خصّه سبحانه بنفسه في قوله : ( ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ) (٢) .
وهذا يؤيّد ما ذكرناه من مقام الشافع ، أنّ الشفاعة لا تتمّ إلاّ بكمال القرب منه سبحانه ، ويظهر ذلك أيضاً من قوله :( وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ) (٣) .
والتفزيع عن القلب كشف الفزع ، وهو الدهشة والصعقة التي توجب غيبوبته عن نفسه ، قوله سبحانه : ( ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ) (٤) إذا ضمّ إلى الآية الأُولى ـ والسياقان واحد ـ أفادت أنّ تمليكه تعالى الشفاعة لغيره يتحقّق بعد الإذن ، أي بعد الإذن يتحقّق كون فعل الشافع في شفاعته وقوله فعل الله سبحانه .
وأصرح منه قوله :( مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ) (٥) ، فالإذن هو الموجب لهذا الذي نسمّيه كمال القرب ، وهو الجاعلُ فعلَ الشافعِ فعلَه سبحانه ، وقد مرّ تفسير الإذن بالرضا .
ـــــــــــــ
(١) سورة الفرقان : الآية ٧٠ .
(٢) سورة السجدة : الآية ٤ .
(٣) سورة سبأ : الآية ٢٣ .
(٤) سورة يونس : الآية ٣ .
(٥) سورة البقرة : الآية ٢٥٥ .
وقد قال سبحانه أيضاً :( يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ اللَّهُ ) (١) ، فبيّن به أنّ الذي نسمّي (شفاعة) قائم بالرحمة ، فهو رحمته سبحانه كما يستشمّ أيضاً من قوله سبحانه :( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ) (٢) .
ثمّ إنّه سبحانه قال لرسوله : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً ) (٣) ، وهو كلام مطلق يعطي أنّ لهصلىاللهعليهوآلهوسلم من الله سبحانه مقاماً غير مقام الشفاعة ، أرفع منها ، وهو مقام الإذن الذي يحصل بعده وبسببه الشفاعة فهوصلىاللهعليهوآلهوسلم شفيع الشفعاء ـ كما مرّ ـ وإنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم شهيد الشهداء .
واعلم أنّ مساقَ هذه الآية في تفضيلهصلىاللهعليهوآلهوسلم على العالمين غيرُ مساقِ قوله :( وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ) (٤) الآية ؛ فإنّ الظاهر منها أنّ تفضيلهم إنّما هو بجمع الآيات الباهرات لهم ، وهو كذلك ، وليس تفضيلاً في قرب التقوى من الله تعالى ؛ ويدلّ على ذلك النقمات والسخطات ونزول الرجز بهم وليس تفضيل أُمّة على العالمين كتفضيل الواحد على العالمين ، وخاصّة بالرحمة التي هي الواسطة التامّة بين الله سبحانه وبين الموجودات ، وهي شيء في البين وليس بشيء في البين ، فهو سبحانه يخلق كلّ شيء بذاته ، ويرزق كلّ شيء بذاته ، ويبدأ ويدبّر ويعيد كلّ شيء بذاته ، ويفعل ذلك كلّه برحمته .
ـــــــــــــ
(١) سورة الدخان : الآيتان ٤١ و ٤٢ .
(٢) سورة الأعراف : الآية ١٥٦ .
(٣) سورة الأنبياء : الآية ١٠٧ .
(٤) سورة الجاثية : الآية ١٦ .
وفي هذا المعنى خطابه تعالى لهصلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله :( عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً ) (١) .
ولفظ (يبعث) كأنّه تضمَّنَ معنى الإقامة ، وهو كلام مطلق لم يعترضه في كلامه سبحانه تقييد ، فهو مقام محمود بكلّ حمد من كلّ حامد ، فهو مقام فيه كلّ جمال وكمال ؛ لاقتضاء الحمد ذلك ، فكلّ جمال وكمال مترشّح من هناك ، وقد قال سبحانه :( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (٢) .
فخصّ كلّ حمد من كل حامد بنفسه ، فالمقام المحمود مقام متوسط بينه سبحانه وبين الحمد ، فهو كالرحمة شيء وليس بشيء ، وهي المسمّاة بالولاية الكبرى .
وقال سبحانه :( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ) (٣) ، وهذا أيضاً كلام مطلق ومن المعلوم أنّ العطية المطلقة منه سبحانه هي الرحمة المطلقة ، فيرجع مضمون الآية إلى الآيتين ، وهما :( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) (٤) ،( عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً ) (٥) .
وتزيد عليهما بالرضى ، ولم يقل سبحانه : حتّى ترضى ، فإنّ العطيّة هذه غير تدريجيّة بتواتر الأمثال وتعاقب الجزئيّات ، وهاهنا كلام كثير لكنّه أرفع سطحاً ممّا جرينا عليه في هذه الرسالة .
ـــــــــــــ
(١) سورة الإسراء : الآية ٧٩ .
(٢) سورة الفاتحة : الآية ٢ .
(٣) سورة الضحى : الآية ٥ .
(٤) سورة الأنبياء : الآية ١٠٧ .
(٥) سورة الإسراء : الآية ٧٩ .
فالمحصّل من جميع ما مرّ : أن محمّداًصلىاللهعليهوآلهوسلم على أنّ له الشفاعة للمذنبين من أُمّته ، له مقام الإذن في الشفاعة .
والأخبار في ذلك كثيرة متظافرة :
فقد روى القمّي في تفسيره عن الباقرعليهالسلام ـ في حديث ـ ثمّ قال :(ما من أحد من الأوّلين والآخرين إلاّ وهو محتاج إلى شفاعة محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم يوم القيامة) (١) ـ الحديث .
وروى هذا اللفظ في المحاسن عن الصادقعليهالسلام (٢) .
وروى العيّاشي في تفسيره عن الصادقعليهالسلام ـ في حديث طويل : ثمّ قال أبو عبد اللهعليهالسلام :(ما من نبيّ من لدن آدم إلى محمّد إلاّ وهم تحت لواء محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم ) (٣) ـ الحديث .
وروى القمّي في تفسيره عن سماعة ، عن الصادقعليهالسلام قال : سألته عن شفاعة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم القيامة ، قال :(يَلجم النّاسَ يوم القيامة العرق ، ويرهقهم الفلق ، فيقولون : انطلقوا بنا إلى آدم يشفع لنا ، فيأتون آدم فيقولون : اشفع لنا عند ربّك ، فيقول : إنّ لي ذنباً وخطيئة فعليكم بنوح فيأتون نوحاً فيردّهم إلى مَن يليه ، ويردّهم كلّ نبيّ إلى مَن يلي حتّى ينتهوا إلى عيسى ، فيقول : عليكم بمحمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم فيعرضون أنفسهم عليه ويسألونه فيقول : انطلقوا فينطلق بهم إلى باب الجنّة ويستقبل باب الرحمان ، ويخرّ ساجداً ، فيمكث ما شاء الله ، فيقول الله عزّ وجلّ : ارفع رأسك واشفع تشفّع ، وسلْ تعطَ وذلك قوله : (عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً) ) (٤) .
وروى العيّاشي في تفسيره ما يقرب منه(٥) .
وهذا المعنى وارد في إنجيل برنابا بنحو أبسط فيما بشّر به المسيح عيسى بن مريمعليهالسلام بمحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ـــــــــــــ
(١) تفسير القمّي : ٢ / ٢٠٢ .
(٢) المحاسن : ١ / ٢٩٣ ، الحديث ١٨٨ .
(٣) تفسير العيّاشي : ٢ / ٣٣٤ ، الحديث ١٤٥ .
(٤) تفسير القمّي : ٢ / ١٧٠ .
(٥) تفسير العيّاشي : ٢ / ٣٣٣ ، الحديث ١٤٥ .
وروى فرات بن إبراهيم في تفسيره عن بشر بن شريح ، قال : قلت لمحمّد بن عليّعليهالسلام : أيَّةُ آيةٍ في كتاب الله أرجى ؟ قالعليهالسلام :(ما يقول فيها قومُك ؟) ، قلت : يقولون :( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ) (١) ، قال :(لكنّا أهل بيت لا نقول ذلك) ، قال : قلت : فأيُّ شيء تقولون فيها : قال :( ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ) واللهِ الشفاعة ، واللهِ الشفاعة) (٢) .
القول في أقسام الشافعين
منهم : الأنبياء والأولياء من البشر ، وقد سبق الكلام فيه .
ـــــــــــــ
(١) سورة الزُّمر : الآية ٥٣ .
(٢) تفسير فرات الكوفي : ٥٧٠ .
ومنهم : الملائكة ، قال سبحانه :( وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى ) (١) ، إلى غير ذلك من الآيات .
ومنهم : المؤمنون ، قال سبحانه :( وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ * فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (٢) ، فقد استشعروا أنّ هناك صديقاً حميماً ينفع البعض ؛ لمكان قولهم : (لَنَا) الآية ويظهر منه أنّ الشافع والحميم إنّما ينفع المؤمنين .
وفي (الكافي) عن الباقرعليهالسلام :(إنّ الشفاعة لمقبولة ، وما تُقبل في الناصب وإنّ المؤمن ليشفع جاره وما له حسنة ، فيقول : يا ربّ ، جاري كان يكفّ عنّي الأذى ، فيشفع فيه ، فيقول الله تبارك وتعالى : أنا ربّك وأنا أحق مَن كافى عنك فيدخله الله الجنّة وما له من حسنة وإنّ أدنى المؤمنين شفاعة ليشفع لثلاثين إنساناً ، فعند ذلك يقول أهل النار : ( فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ) ) (٣) .
والروايات في هذا المعنى كثيرة .
ـــــــــــــ
(١) سورة النجم : الآية ٢٦ .
(٢) سورة الشعراء : الآيات ٩٩ ـ ١٠٢ .
(٣) الكافي : ٨ / ٨٨ ، الحديث ٧٢ .
ومن الشفعاء : القرآن والأمانة والرَّحِم عُدّت من الشفعاء في الروايات ، ففي فردوس الديلمي عن أبي هريرة عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال :(الشفعاء خمسة : القرآن ، والأمانة ، والرحم ، ونبيّكم ، وأهل بيت نبيّكم) (١) .
أقول : ولعلّ شفاعة الثلاثة الأُول يستفاد من قوله سبحانه في وصف كتابه :( وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) (٢) ، وقد قال سبحانه :( يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ اللَّهُ ) (٣) ، وقوله سبحانه :( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً ) (٤) .
فبيّن سبحانه أنّ غاية عرض الأمانة على الإنسان وتحمّله لها هو التوبة على المؤمنين ، والعذاب على المنافقين والمشركين بسببها ، وهي الشفاعة ، وقد فسّرنا الآية سابقاً بالولاية ، ولا تنافي ؛ وذلك لأنّ المأخوذ في كلامه سبحانه الأمانة دون الولاية ، فهو أخذ الخاصّ من العامّ ، وانطباقه به .
وقوله سبحانه : ( إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ *
ـــــــــــــ
(١) مناقب آل أبي طالب / ابن شهر آشوب : ٢ / ١٤ فصل : في أنّه الساقي والشفيع بحار الأنوار : ٨ / ٤٣ ، الباب ٢١ الشفاعة ، الحديث ٣٩ الجامع الصغير / السيوطي : ٢ / ٨٦ ، الحديث ٤٩٤٢ .
(٢) سورة النحل : الآية ٨٩ .
(٣) سورة الدخان : الآيتان ٤١ و ٤٢ .
(٤) سورة الأحزاب : الآيتان ٧٢ و ٧٣ .
فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ ) (١) ، والحميم هو القريب ذو الرحم ؛ والدليل على شفاعته قوله تعالى : (لَهُ) الآية .
وفي (الكافي) عن سعد الخفّاف ، عن الباقرعليهالسلام أنّه قال :(يا سعد ، تعلّموا القرآن ، فإنّ القرآن يأتي يوم القيامة في أحسن صورة نظر إليها الخَلق) ، ثمَّ ذكرعليهالسلام :(أنّه يأتي صفّ المسلمين ، ثمَّ صفّ الشهداء ، ثمَّ الأنبياء ، ثمَّ الملائكة ، وكلّ يحسب أنّه منهم ، ثمَّ يشفع فيشفّع ، ويسال فيُعطى) . وفي آخره قال سعد : قلت : جعلت فداك يا أبا جعفر ، وهل يتكلّم القرآن ؟ فتبسّمعليهالسلام ثمَّ قال :(رحم الله الضعفاء من شيعتنا ، إنّهم أهل تسليم) ، قال سعد : فتغيّر لذلك لوني ، وقلت : هذا شيء لا استطيع التكلّم به في الناس ، فقال أبو جعفرعليهالسلام :(وهل الناس إلاّ شيعتنا ، فمَن لم يُعرف بالصلاة فقد أنكر حقّنا) ، ثمَّ قال :(يا سعد ، أُسمعك كلام القرآن ؟ ) ، قال سعد : فقلت : بلى صلّى الله عليك ، فقال :( ( إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ) (٢) ، فالنهي كلام الفحشاء ، والمنكر رجال ، ونحن ذكر الله ، ونحن أكبر) (٣) ـ الحديث .
وهو مشتمل على معانٍ جمّة يستفاد بها أُخرى ، والذي يرتبط بما نحن فيه ، أنّ المعاني التي تشترك في اللفظ مع المعاني والأحوال الموجودة في الأحياء ، كالأمر والنهي والنفع والشفاعة وغيرها ، ستتمثّل في البرزخ بصورها ، وتتحقّق في الحشر بحقيقتها ولمزيد البيان موضعٌ آخر ، على أنّها مستفاد من البرهان المذكور سابقاً ، وهاهنا روايات أُخر متفرّقة في أبواب المعارف والعبادات .
ومن الشفعاء : الأعمال الصالحة ، قال سبحانه :( إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً
ـــــــــــــ
(١) سورة الحاقّة : الآيات ٣٣ ـ ٣٥ .
(٢) سورة العنكبوت : الآية ٤٥ .
(٣) الكافي : ٢ / ٥٩١ ، كتاب فضل القرآن ، الحديث ١ .
صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ) (١) ، فقد مرّ أنّ معنى الشفاعة تبديل سيّئة المذنب بالحسنة(٢) ؛ لقربٍ بين الشافع والمشفوع له ، والرواية السابقة في شفاعة القرآن تعطي معنى كلّياً في شفاعة الأعمال .
ـــــــــــــ
(١) سورة الفرقان : الآية ٧٠ .
(٢) راجع الصفحة : ١٦٣ .
الفصل الثالث عشر: في الأعراف
قال سبحانه :( وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ ) (١) .
أعراف الحجاب : أعاليه ، والأعراف : التلال المرتفعة من كثبان الرمل ، واتّصال الأعراف في الآية الشريفة بالحجاب ، يُؤيّد المعنى الأوّل ، وكون الرجال عليها يُؤيّد المعنى الثاني لكن لا مغايرة ؛ فالحجاب ما يحجب شيئاً عن شيء ، فهؤلاء الرجال في مقام عالٍ مرتفع مطلّ على الفريقين : أهل الجنّة وأهل النار ، مشرف على المقامين : الجنّة والنار ، ولذلك كانوا على الأعراف ليعرفوا كلاًّ بسيماهم ، وقد وصف سبحانه الأمر بلسان آخر في قوله :( يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ ) (٢) .
فقوله :( انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ ) كقوله في ذيل آية الأعراف :( وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ ) (٣) .
واختصاص المنافقين بالباب لمكان نفاقهم واشتراكهم مع المؤمنين في ظاهر أمرهم ، فيعذّبون من ظاهر الحجاب من قبل الباب .
ـــــــــــــ
(١) سورة الأعراف : الآية ٤٦ .
(٢) سورة الحديد : الآية ١٣ .
(٣) سورة الأعراف : الآية ٥٠ .
وبالجملة : فقد بيّن سبحانه أنّ هذا الحجاب والسور شيء واحد ذو ظاهر وباطن ، وأنّ الرحمة للفائزين في باطنه ، وأنّ العذاب للهالكين في ظاهره فكأنّهم لو جازت أنظارهم ظاهره ، أصابوا النعيم وغشيتهم الرحمة وكأنّ المؤمنين والكافرين ليس قبلهم إلاّ شيء واحد ، وإنّما الاختلاف من ناحية إدراكهم كحالهم في الدنيا ، وهو السبيل إلى الله ، سلكه المؤمنون في الدنيا صراطاً مستقيماً ، وانحرف فيه غيرهم ؛ ولذلك قال سبحانه ـ قبل آية الأعراف :( وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ ) (١) ، فالسبيل واحد ، وهو الله وإلى الله ، سلكه سالك بالاستقامة وآخر قصده عِوجاً ومنحرفاً .
وهذا المعنى مكرّر الورود تصريحاً وتلويحاً في القرآن :
قال سبحانه : ( يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ * أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ ) (٢) .
وقال :( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ) (٣) .
وقال :( فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُم
ـــــــــــــ
(١) سورة الأعراف : الآيتان ٤٤ و ٤٥ .
(٢) سورة الروم : الآيتان ٧ و ٨ .
(٣) سورة النور : الآية ٣٩ .
مِّنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى ) (١) .
وقال سبحانه :( إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ) (٢) .
والآيات في هذا المعنى كثيرة جدّاً ؛ يمنعنا عن الاستقصاء فيها وبيانها ما شرطنا على أنفسنا في صدر الرسالة من الاختصار ، ومن أبلغها في هذا الباب قوله سبحانه :( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْراً ) (٣) .
وقد مرّ أنّ النعمة في هذه الآية هي الولاية ، وهي السبيل إلى الله ويقابله الكفر : ( وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ ) (٤) ، فغاية هؤلاء البوار ؛ لجمودهم على الظاهر وإعراضهم عن الباطن ، والظاهر بائر والباطن ثابت قاطن كما يشير إليه قوله سبحانه :( وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ) (٥) ، وقوله : ( فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ ) (٦) ، وقوله :( لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا تَأْثِيماً ) (٧) ، وقوله :( لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا كِذَّاباً ) (٨) ، فغاية المؤمنين هو محلّ الصدق ، والحقّ ليس فيه لغو ولا كذب بخلاف غيرهم .
ـــــــــــــ
(١) سورة النجم : الآيتان ٢٩ و ٣٠ .
(٢) سورة يونس : الآيتان ٧ و ٨ .
(٣) سورة إبراهيم : الآية ٢٨ .
(٤) سورة إبراهيم : الآيتان ٢٨ و ٢٩ .
(٥) سورة يونس : الآية ٢ .
(٦) سورة القمر : الآية ٥٥ .
(٧) سورة الواقعة : الآية ٢٥ .
(٨) سورة النبأ : الآية ٣٥ .
وكيف كان ، فأصحاب الأعراف هم المهيمنون على المكانين ، المشرفون على الفريقين وليست هذه الكثبان كثبان رمل من مادة أرضنا ، فقد قال سبحانه في وصف الأرض : ( لَا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلَا أَمْتاً ) (١) ، بل إنّما هو مقامهم المرتفع عن ساحة أهل الجمع ، فهم غير محضَرين ، فهم المخلصون الذين حفظهم الله سبحانه من صعقة النفخ وفزع اليوم ، ومقامهم الحجاب ، وفيه الرحمة التي وسعت كلّ شيء ، والنّار التي أحاط بأهلها سرادقُها ؛ وهو المستشعر بقوله تعالى : ( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) (٢) .
ولم يقل سبحانه : (فأذن بينهم مؤذّن) كما لا يخفى .
وهم الحاكمون يوم القيامة ، قال سبحانه :( وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُواْ مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ * أَهَـؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ اللّهُ بِرَحْمَةٍ ) (٣) .
وهي الجنّة كما مرّ ، وكما يدلّ عليه قوله :( ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ) (٤) .
وهم أصحاب الروح المأذون لهم في الكلام والقول الصواب في قوله سبحانه :( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً ) (٥) .
وقد فصّلنا القول في معنى الروح وإيمانه وعلمه في" رسالة الإنسان قبل الدنيا " في قوله سبحانه : ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ ) (٦) .
فهم ـ أعني أصحاب الأعراف ـ هم المعنيّون ظاهراً بقول سبحانه :
ـــــــــــــ
(١) سورة طه : الآية ١٠٧ .
(٢) سورة الأعراف : الآية ٤٤ .
(٣) سورة الأعراف : الآيتان ٤٨ و ٤٩ .
(٤) سورة الأعراف : الآية ٤٩ .
(٥) سورة النبأ : الآية ٣٨ .
(٦) سورة الشورى : الآية ٥٢ .
( وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (١) فقد قضوا بخسرانهم .
وهم أيضاً المعنيّون بقوله تعالى :( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) (٢) ، فزعمهم ذلك لِمَا قُيُّدوا في الدنيا ، فلم تتّسع أنظارهم بأزيد من أن يدركوا ساعة من دهرهم واقعون فيها ، ففاتهم ما كانوا عليه قبل النزول في الدنيا ، وما سيكونون عليه بعد الارتحال من الدنيا ووقعوا فيها بحسب سيطرة الزمان ، لا تزال ساعة تبطن وساعة تظهر ، فهم يَقسمون حين البعث ما لبثوا غير ساعة ، وهذا الوهم الشبيه بالحقيقة قد قرّره سبحانه بقوله :( كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ ) (٣) ، وقوله :( قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ * قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) (٤) .
ولذلك فليس قولهم وقَسَمُهم على ما يقولون ويدعون ، تقليلاً منهم لمدّة مكثهم في الأرض بالنسبة إلى البقاء الأبدي الذي شاهدوه حين البعث ؛ ولذلك أردف ذلك بقوله : ( كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ ) (٥) .
وقولة أُولي العلم والإيمان :( لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ ) ، كأنّه
ـــــــــــــ
(١) سورة الشورى : الآية ٤٥ .
(٢) سورة الروم : الآيتان ٥٥ و ٥٦ .
(٣) سورة الأحقاف : الآية ٣٥ .
(٤) سورة المؤمنون : الآيات ١١٢ ـ ١١٤ .
(٥) سورة الروم : الآية ٥٥ .
إشارة إلى قوله :( وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) (١) ، وقد مرّ معنى الآية في الكلام في الأجل والموت .
وإذ كان اللبث وانتهاؤه مفروغاً منه ، أردفوه بقولهم : ( فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ ) ، وهو النتيجة ، وقالوا : ولكنّكم كنتم لا تعلمون بهذا الانتهاء والتحديد ، وأنّ الساعة كلمح البصر أو هي أقرب ، وأنّ جهنّم لمحيطة بالكافرين .
واعلم أنّ صدور هذه الدعوى الباطلة من المبعوثين ، ثمَّ ظهور بطلانها لهم وأمثال ذلك ، كالمخاصمات التي تقع بين الضعفاء والمتكبّرين ، والأتباع والمتبوعين ، يوم القيامة على ما حكاه سبحانه عنهم ، لا ينافي ما مرّ من أنّ اليوم يوم تظهر فيه الحقائق وترتفع فيه الحُجب ؛ فإنّ الظهور بنفسه يتحقّق عن خفاء وينحلّ إلى مراتب ، غير أنّ الأمر طويل عسير عند البعض ، وقليل نزر يسير عن آخرين .
والأخبار الواردة في الباب تؤيّد ما مرّ من المعاني :
فقد روى العيّاشي عن سلمان قال : سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول لعليّعليهالسلام أكثر من عشر مرّات :(يا عليّ ، إنّك والأوصياء من بعدك أعرافٌ بين الجنّة والنار ، لا يدخل الجنّة إلاّ مَن عرفكم وعرفتموه ، ولا يدخل النّار إلاّ مَن أنكركم وأنكرتموه) (٢) .
وروى القمّي في تفسيره عن الصادقعليهالسلام :(كلّ أُمّة يحاسبها إمام زمانها ، ويعرف الأئمة أولياءهم وأعداءهم بسيماهم (٣) ، وهو قوله : ( وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ ) (٤) ، فيَعطون أولياءهم كتابهم بيمنيهم ، فيمروا إلى الجنّة بلا حساب ،
ـــــــــــــ
(١) سورة الشورى : الآية ١٤ .
(٢) تفسير العيّاشي : ٢ / ٢٢ ، الحديث ٤٤ .
(٣) وكأنّهم المراد فاعلاً للفعل المجهول في قوله سبحانه :( يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ ) (الرحمن : ٤١) فهو سبحانه لا يُخفي له منهم شيء ، والمجرمون في شغل عن المعرفة (منه قدِّس سرُّه) .
(٤) سورة الأعراف : الآية ٤٦ .
ويعطون أعداءهم كتابهم بشمالهم ، فيمرّوا إلى النّار بلا حساب) (١) .
ومثله في (الكافي)(٢) عن أمير المؤمنينعليهالسلام في قوله تعالى : ( وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ ) الآية .
ومن المحتمل أن يُرجععليهالسلام الضمير في سيماهم إلى قوله : (رِجَالٌ) و(كُلاًّ) جميعاً .
وروى القمي عن الباقرعليهالسلام أنّه سئل عن أصحاب الأعراف ، فقال :(إنّهم قوم استوت حسناتهم وسيّئاتهم فقصرت بهم الأعمال ، وإنّهم لكما قال الله عزّ وجلّ) (٣) .
أقول : يشيرعليهالسلام إلى قوله :( وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ ) (٤) الآية .
وفي الجوامع عن الصادقعليهالسلام : (الأعراف : كثبان بين الجنّة والنار يُوقف عليها كلّ نبيّ وكلّ خليفة مع المذنبين من أهل زمانه ، كما يقف صاحب الجيش مع الضعفاء من جنده ، وقد سبق المحسنون إلى الجنّة ، فيقول ذلك الخليفة للمذنبين الواقفين معه :
انظروا إلى إخوانكم المحسنين قد سبقوا إلى الجنّة ، فيسلِّم عليهم المذنبون ، وذلك قوله تعالى : ( سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ) أن يدخلهم الله إيّاها بشفاعة النبيّ والإمام وينظر هؤلاء إلى النار فيقولون : ( رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) (٥) .
وينادي أصحاب الأعراف ـ وهم الأنبياء والخلفاء ـ رجالاً من أهل النار ورؤساء الكفّار ، يقولون لهم مقرّعين : ما أغنى عنكم جمعكم واستكباركم ؟! هؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة إشارة لهم إلى أهل الجنّة الذين كان الرؤساء يستضعفونهم ويحتقرونهم بفقرهم ، ويستطيلون عليهم بدنياهم ، ويقسمون أنّ الله لا يدخلهم الجنّة أُدخلوا الجنّة .
ـــــــــــــ
(١) تفسير القمّي : ٢ / ٤٠٤ .
(٢) الكافي : ١ / ٢٣٩ ، الباب ٦٤ ، الحديث ٩ .
(٣) وقد ورد في الكافي : ٢ / ٣٨٨ ، الباب ٣٦٠ أصحاب الأعراف ، الحديث ١ .
(٤) سورة الأعراف : الآية ٤٦ .
(٥) سورة الأعراف : الآية ٤٧ .
يقول أصحاب الأعراف لهؤلاء المستضعفين عن أمر من أمر الله عزّ وجلّ لهم بذلك : ( ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ) (١) ، أي لا خائفين ولا محزونين) (٢) .
أقول : وخصوصيات هذا الحديث مستفادة من خصوصيّات آيات الأعراف ، والأخبار في هذه المعاني كثيرة مروية في تفسيري : القمّي والعيّاشي ، وفي الكافي والبصائر والمجمع والاحتجاج .
والبرهان المذكور سابقاً ربّما استفاد منه هذا الموقف ، وهو وصل قوم إلى مقام ينشعب منه مقام الفريقين ولحوق الضعفاء والمتوسّطين بهم ؛ وبه يظهر أنّ الأعراف ليس موقفاً ذا مرتبة واحدة ، بل ذو مراتب ، ولذلك لا نرى تصريحاً منه سبحانه أنّ المستضعفين على الأعراف كالرجال الذين يحكمون فيها ، وإنّما المفهوم أنّهم عندهم ، يشيرون إليهم ويخاطبونهم ويأمرونهم ويؤمنونهم .
ـــــــــــــ
(١) سورة الأعراف : الآية ٤٩ .
(٢) وقد ورد في بحار الأنوار : ٨٠ / ٣٣٢ ، الباب ٢٥ ، مع اختلاف يسير .
الفصل الرابع عشر: في الجنّة
بسط الكلام فيها وشرح ما تضمّنته الآيات والأخبار ـ على كثرتها فيها ـ أوسع من مجال هذه الرسالة ؛ فقد وردت في كتاب الله تعالى في وصف الجنّة ما يقرب من ثلاثمئة آية ، وذكْرُها مطّرد في جميع سور القرآن إلاّ عشرين سورة ، هي : سورتا الممتحنة والمنافقين ، وثماني عشرة سورة من السور القصار ، لكنّا نتعرّض لكلّيات أوصافها على حسب المقدور .
فاعلم أنّ المستفاد من كلامه سبحانه أنّ هناك ارتباطاً مخصوصاً بين الأرض وبين الجنّة ، قال سبحانه :( وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) (١) .
ولعلّ قولهم : ( صَدَقَنَا وَعْدَهُ ) الآية ، إشارة إلى قوله سبحانه :( أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) (٢) .
والوراثة هي أن تُملك شيئاً بعد ما ملكه آخر قبلك ، وتخول منه ما خوّله سلفُك .، فالميراث يحتاج إلى شيء ثابت اعتورته يد بعْدَ يد ، وقام به خلف بعد سلف وكان مقتضى ظاهر السياق في بيان صدق الموعد أن يقال : (وأورثنا الأرض نتبوّأ منها) ، أو يقال : (وأورثنا الجنّة نتبوّأ منها) ، فالعدول عن ذلك إلى ما ترى يعطي ارتباطاً ما ، واتّحاداً مخصوصاً بين الأرض والجنّة كما ترى .
ـــــــــــــ
(١) سورة الزُّمر : الآية ٧٤ .
(٢) سورة الأنبياء : الآية ١٠٥ .
وقد أخبر سبحانه بتبديل الأرض يوم القيامة تارةً ، فقال :( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ ) (١) ، وبإشراقها الأرض بنور ربّها تارةً ، فقال :( وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ) (٢) ، وبقبضها تارةً ، فقال : ( وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (٣) .
ويشير إلى ما مرّ بقوله : ( وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ) (٤) ، وأصرح منه قوله سبحانه : ( وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ * وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) (٥) .
فقد فُسّر ووُصف ، عقبى الدار ، بجنّات عدن يدخلونها ، والدخول يستدعي خروجاً ما سابقاً ، فمثلهم كمثل الذي يسكن أرضاً ثمّ يعمر فيها داراً يسكنها ، ثمّ يزيِّن قبّة من قبابها فيدخلها ، فإنّما هو أوج بعد حضيض ، أو ارتقاء بعد ارتقاء ، قال سبحانه :( كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً ) (٦) .
ـــــــــــــ
(١) سورة إبراهيم : الآية ٤٨ .
(٢) سورة الزُّمر : الآية ٦٩ .
(٣) سورة الزُّمر : الآية ٦٧ .
(٤) سورة الرعد : الآية ٤٢ .
(٥) سورة الرعد : الآيات ٢٢ ـ ٢٤ .
(٦) سورة البقرة : الآية ٢٥ .
وهناك آيات أُخر تشعر بذلك ، كقوله سبحانه :( إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (١) ، وقوله :( تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً ) (٢) ، وقوله :( تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) (٣) .
وفي (المجمع) عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم :(ما من أحد إلاّ وله منزل في الجنّة ومنزل في النّار فأمّا الكافر فيرث المؤمنَ منزله من النار ، والمؤمنُ يرث الكافر منزله من الجنّة ، فذلك قوله : ( أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) ) (٤) .
أقول : والرواية ـ لو صحّت ـ لم تنافِ ما ذكرناه من وراثة الأرض ، وكذلك سياق قوله سبحانه : ( قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (٥) ، وهو ظاهر هذا ، والبرهان السابق تستفاد منه هذه الوراثة .
ثمّ اعلم أنّه سبحانه كرّر الوعد بتطهير الجنّة وأهلها ، وتطييبها من الكدورات والظلمات ، قال تعالى :( سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ) (٦) ، فالتفريع بالفاء : يعطي طيب المنزل كطيب النازل .
وقال سبحانه :( سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ) (٧) ، والتفريع فيها يعطي طيب المنزل ، وهو الأرض ، بطيب النازل بالصبر ، والفرق من جهة أنّ السلام الأوّل شكر ، والثاني في مقام البشرى .
ـــــــــــــ
(١) سورة الأعراف : الآية ١٢٨ .
(٢) سورة مريم : الآية ٦٣ .
(٣) سورة الأعراف : الآية ٤٣ .
(٤) تفسير مجمع البيان : ٤ / ٦٤٩ .
(٥) سورة الأعراف : الآية ١٢٨ .
(٦) سورة الزُّمر : الآية ٧٣ .
(٧) سورة الرعد : الآية ٢٤ .
وقال سبحانه : ( وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ) (١) ، وقال :( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ * لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ ) (٢) ، وقال : ( لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ) (٣) ، إلى غير ذلك من الآيات ، وأجمعها معنى قوله سبحانه :( ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ) (٤) .
فالخوف إنّما يكون من المكروه المحتمل ، والحزن على مكروه واقع ، فقد نفى سبحانه كلّ نقيصة ، وعدم واقع في الموجود ومحتمل ، فأصحاب الجنّة مبرَّءون عن النواقص والإعدام ، وكاملون في وجوداتهم ، فلا مزاحمة من مزاحمات الدنيا هناك أصلاً ، فهي المرفوعة عنهم ، فهم المفلِحون المغشيّون بالأمن والسلام ، قال سبحانه : ( ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ ) (٥) ، وقال : ( لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا تَأْثِيماً * إِلَّا قِيلاً سَلَاماً سَلَاماً ) (٦) .
ثمّ اعلم أنّه سبحانه وعدهم فيها كلّ لذّة وبهجة وجمال وكمال ،
ـــــــــــــ
(١) سورة التوبة : الآية ٧٢ .
(٢) سورة الحجر : الآيتان ٤٧ و ٤٨ .
(٣) سورة فاطر : الآية ٣٥ .
(٤) سورة الأعراف : الآية ٤٩ .
(٥) سورة الحجر : الآية ٤٦ .
(٦) سورة الواقعة : الآيتان ٢٥ و ٢٦ .
قال تعالى :( لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ) (١) ، وقال سبحانه : ( نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ ) (٢) .
وأكثر الروايات واردة في وصف خصوصيّات من قصورها ، وحورها ، وطيورها ، وأشجارها ، وأثمارها ، وأنهارها ، وفواكهها ، وظلّها ، وشرابها ، وغلمانها ، وخلودها ، وينبغي لك أن تفهم منها معانيها مطلقة غير مشوبة بالنواقص والأعدام .
ثم اعلم أنّه سبحانه وعدهم أمراً وراء ذلك ، فقال : ( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (٣) ، وهذا الوعد بعدما وصف سبحانه عطاءه بكلّ صفة جميلة بليغة ، يعطي أنّه أمر وراء ما يسعه إفهام النفوس .
وقد روى القمّي في تفسيره عن عاصم بن صمد ، عن الصادقعليهالسلام في حديث يصف فيه الجنّة ، قال : قلت : جعلت فداك ، زدني ، فقال :(إنّ الله خلق جنّة بيده ، ولم ترها عين ، ولم يطّلع عليها مخلوق ، يفتحها الربّ كلّ صباح فيقول : ازدادي ريحاً ازدادي طيباً ، وهو قول الله : ( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ) (٤) .
أقول : وقوله : ( جَزَاء بِمَا ) الآية ، يعطي أنّ هذا الذي فوق فهم الأفهام أُخفيت للإنسان بإزاء العمل جزاء له ، وقد قال سبحانه : ( لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا ) (٥) ، فكلّ ما تتعلّق به المشيئة مملوك للإنسان هناك .
ـــــــــــــ
(١) سورة الزُّمر : الآية ٣٤ .
(٢) سورة فصّلت : الآيتان ٣١ و ٣٢ .
(٣) سورة السجدة : الآية ١٧ .
(٤) تفسير القمّي : ٢ / ١٧٠ .
(٥) سورة ق : الآية ٣٥ .
وقال أيضاً :( وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الْأَوْفَى ) (١) .
فكلّ ما يحبّه الإنسان هناك أعمّ ممّا يسعه الفهم ، وما لا يسعه مملوك له ؛ لمكان قوله : (لَهُمْ) الآية ، وواقع تحت المشيئة المطلقة لقوله :( مَا يَشَآؤُونَ ) الآية .
لكنّ الآية تفيد أنّ للإنسان كمالاً فوق مرتبة الفهم ، يمكن أن يملكه بالعمل ، وهو ظاهر ؛ ولعلّ ذلك ما يفيده قوله سبحانه :( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) (٢) ، وهو المشاهدة بالقلوب في غير جهة ولا جسم ولا تشبيه ؛ لقوله تعالى : ( فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ) (٣) ، حيث رتّب اللقاء على العلم النافع والعمل الصالح .
ثمّ إنّه سبحانه قال :( لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ) (٤) ، فإثباته المزيد لديه بعد ما أخبر أنّ لهم كلّ ما يتعلّق به مشيئتهم يعطي أنّه أمر لا يقع تحت مطلق المشيئة ، ولا شكّ أنّه كمال ، وأنّ كلّ كمال يقع تحت المشيئة ، فليس إلاّ أنّه كمال غير محدود ، فلا يقع تحت المشيئة ؛ إذ كلّ ما يقع تحتها يصير محدوداً .
وفي تفسير القمّي في قوله : ( وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ) ، قالعليهالسلام : (ينظرون إلى رحمة الله) (٥) .
أقول : ولعلّ الرواية مستفادة من قوله تعالى : ( لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (٦) .
ـــــــــــــ
(١) سورة النجم : الآيات ٣٩ ـ ٤١ .
(٢) سورة القيامة : الآيتان ٢٢ و ٢٣ .
(٣) سورة الكهف : الآية ١١٠ .
(٤) سورة ق : الآية ٣٥ .
(٥) تفسير القمّي : ٢ / ٣٣٤ .
(٦) سورة النُّور : الآية ٣٨ .
فبيّن أنّ المزيد الذي هو رزق بغير حساب من الفضل ، وقد قال : ( وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً ) (١) ، فالفضل من الرحمة ، وهي الرحمة من غير استحقاق .
وقال سبحانه :( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ) (٢) ، فهذا المكتوب لهم الذي لا يسعه شيء هو المزيد ، ولئن تدبّرت في قوله سبحانه :( فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ ) (٣) ، وقوله :( أَهَـؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ اللّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ ) (٤) الآية ، وقوله :( إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ) (٥) ، وقوله :( وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ) (٦) ، أنّ الرحمة هي الجنّة بوجه ، بل إنّ الجنّة من مراتبها .
ـــــــــــــ
(١) سورة النُّور : الآية ٢١ .
(٢) سورة الأعراف : الآية ١٥٦ .
(٣) سورة الحديد : الآية ١٣ .
(٤) سورة الأعراف : الآية ٤٩ .
(٥) سورة الأعراف : الآية ٥٦ .
(٦) سورة ق : الآية ٣١ .
الفصل الخامس عشر: في النار
أعاذنا الله سبحانه منها ، والآيات الواردة في تفاصيل العذاب والإخبار بها أكثر عدداً من آيات الجنّة ، فهي تقرب من أربعمئة آية ، وما خلت عن ذكرها تصريحاً أو تلويحاً إلاّ اثنتا عشرة سورة من السور القصار .
وكيف كان فجملة حالهم أنّهم محرومون من الحياة الحقيقيّة الأُخرويّة قال سبحانه :( قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ ) (١) ، وقال :( إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) (٢) ، وقال :( وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ ) (٣) .
وقد قال سبحانه في وصف الآخرة : ( وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ) (٤) ، هي الرحمة الإلهيّة التي هي منبع كلّ كمال وجمال ، كما قال :( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ) (٥) .
ـــــــــــــ
(١) سورة الممتحنة : الآية ١٣ .
(٢) سورة يوسف : الآية ٨٧ .
(٣) سورة الحجر : الآية ٥٦ .
(٤) سورة العنكبوت : الآية ٦٤ .
(٥) سورة الأعراف : الآية ١٥٦ .
وهي تفيد أنّهم في عين حرمانهم منها مشمولون لها ، وقد قال :( وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ) (١) ، وقال : ( فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ ) (٢) .
ويتحصّل منه أنّهم في عين مشموليّتهم للرحمة محرومون عنها ؛ لكونها في باطنِ حجابٍ هم لا يجاوزون ظاهره ، وقد مرّ بيانه في" فصل : الأعراف " (٣) فالحجاب هو الذي يمنعهم من النعيم ، وظاهره هو الذي يعذّبون به وقد بيّن سبحانه أنّهم إنّما يعذّبون بأعمالهم السيّئة بأقسامها ، فأعمالهم هي أنواع عذابهم والأصل الذي تنشعب منه هذه الأنواع ، هو أصل الحجاب لهم ، وهو الغفلة ، قال تعالى :( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) (٤) ، وقال سبحانه :( كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ) (٥) ، فهم متوقّفون في حجاب أعمالهم .
وقد قال سبحانه : ( وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً) (٦) ، وقال : ( أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ) (٧) ،
ـــــــــــــ
(١) سورة الأعراف : الآية ٤٦ .
(٢) سورة الحديد : ١٧٥ .
(٣) راجع الصفحة : ١٧٥ .
(٤) سورة الأعراف : الآية ١٧٩ .
(٥) سورة المطفّفين : الآيتان ١٤ و ١٥ .
(٦) سورة الفرقان : الآية ٢٣ .
(٧) سورة النور : الآية ٣٩ .
وقال :( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ ) (١) ، وقال : ( وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ ) (٢) ، فمقامهم سراب الأوهام دون الحقيقة ، والظاهر دون الباطن ، والبوار والهلاك دون الحياة ، ومواطنها كلّها هي الدنيا التي حياتها متاع الغرور ؛ ولذلك فلها ارتباط خاصّ بجهنّم ، قال سبحانه :( وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً ) (٣) ، وقال سبحانه في سورة السجدة :( وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) (٤) .
وهذه أبلغ الآيات في الكشف عن شأن جهنّم ، ولذلك ورد عنهمعليهمالسلام ، كما في (ثواب الأعمال) عن الصادقعليهالسلام :(مَن اشتاق إلى الجنّة وإلى صفتها فليقرأ الواقعة ، ومَن أحبّ أن ينظر إلى صفة النّار فليقرأ سجدة لقمان) (٥) .
وفي معنى الآية السابقة قوله :( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ) (٦) .
وممّا ظهر يظهر معنى صنف آخر من الآيات كقوله سبحانه :( فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ) (٧) ،
ـــــــــــــ
(١) سورة إبراهيم : الآيتان ٢٨ و ٢٩ .
(٢) سورة فاطر : الآية ١٠ .
(٣) سورة مريم : الآيتان ٧١ و ٧٢ .
(٤) سورة السجدة : الآية ١٣ .
(٥) ثواب الأعمال : ١١٧ .
(٦) سورة التين : الآيات ٤ ـ ٦ .
(٧) سورة البقرة : الآية ٢٤ .
وقوله :( قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ) (١) ، والمراد بالحجارة ـ بقرينة المورود ـ هي الأصنام المتخّذة من الحجارة المعبودة من دون الله .
وقوله سبحانه :( وَأُولَـئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ) (٢) .
وقوله سبحانه :( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ) (٣) .
وقد استدرك سبحانه المعبودين من دون الله من عباده الصالحين بقوله ـ بعد الآية ـ : ( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ) (٤) .
وقوله سبحانه :( نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ) (٥) الآيات .
واعلم أنّ ما مرّ أُصول صفة النار ، وهي المستفادة من البرهان السابق .
ـــــــــــــ
(١) سورة التحريم : الآية ٦ .
(٢) سورة آل عمران : الآية ١٠ .
(٣) سورة الأنبياء : الآية ٩٨ .
(٤) سورة الأنبياء : الآية ١٠١ .
(٥) سورة الهُمزة : الآيتان ٦ و ٧ .
الفصل السادس عشر: في عموم المعاد
قال سبحانه : ( مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ) (١) .
أفاد أنّ خِلقة ما في السموات والأرض وما بينهما مقرون بالحقّ وأجل مسمّى ، (والباء للسبيّة أو للمصاحبة) ، وقد عرفت في الفصل الأوّل أنّ الأجل المسمّى هو الحياة عند الله ، حياة تامّة سعيدة من غير فناء وزوال ، ولا شوب بمزاحمات الحياة الدنيا وآلامها وأعراضها وأغراضها ، وهي حياة الدار التي نزلت منها كما قال سبحانه :( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ) (٢) .
فمنبع حياة جميع هذه الموجودات ، على كثرتها وتفصيلها ، حياة تامّة غير محدودة ، ومعادها إلى ما بدئت منه .
وهذا هو الذي يعطيه كون الخِلقة بالحقّ ، فإنّ الباطل هو الفعل الذي لا ينتهي إلى غاية تكون هي المنتهى إليها والمراد بالفعل ، ومن المحال ، أن يكون المراد والغاية بالفعل نفس الفعل ، وبالخلق نفس الخلق ، إلاّ أن يكون كاملاً في أصل وجوده ، غير متدرِّج من النقص إلى الكمال ، ثابتاً غير متغيّر ، فالبراهين مطبقة على ذلك على أنّه من القضايا التي قياساتها معها .
ـــــــــــــ
(١) سورة الأحقاف : الآية ٣ .
(٢) سورة الحجر : الآية ٢١ .
ومثل الآية السابقة قوله سبحانه :( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ) (١) وحيث لم يفرّق سبحانه في السياقين بين الموجودات الحيّة باعتقادنا وغيرها ، والعاقلة وغيرها ؛ علمنا بذلك أنّ حكم المعاد والحشر يعمّ الجميع .
ثمّ إنّه سبحانه قال في خصوص الأحياء من خليفة الأرض :( وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ) (٢) ، وظاهر آخر الآية أنّ حشرهم إنّما هو لكونهم أُمماً أمثال الناس ، غير باطل الخلق ؛ ففيهم غاية مقصودة من الخلقة ، وهي العود فالفرق والنشر مقصود للجمع والحشر ، كما أنّ الجمع والحشر مقصود للفرق والنشر ، يعطي ذلك قوله سبحانه : ( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ) (٣) .
وكذلك صفاته وأسماؤه تعالى ، فاعتبِرْ إن كنت من أهله إن شاء الله .
فحشرهم إلى ربّهم نتيجة كونهم أُممّاً أمثال الناس أو كالنتيجة له ؛ ويبيّن السبب في ذلك قوله تعالى : ( مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) الآية .
فإنّه الكتاب الحقّ الذي يقول فيه :( هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ ) ، وحقيقة الكتاب تُعطي أن لا تكون الاختلافات التي تجعل الدواب والطير أُمّةٍ أُمّة ، تفترق كلّ أُمّة عن غيرها بأشكال وصور وأفعال وخواصّ فيها لغواً باطلاً ، بل مؤثّراً في الغاية والمنتهى ، من دون استهلاك لها وزوال في الوسط قبل البلوغ إلى الغاية ؛ وإلاّ كان الاختلاف باطلاً وتفريطاً في الكتاب ، مخلاًّ لإتقانه .
ـــــــــــــ
(١) سورة ص : الآية ٢٧ .
(٢) سورة الأنعام : الآية ٣٨ .
(٣) سورة الحجر : الآية ٢١ .
فقد تحصّل أن الحيوانات الأرضيّة أُمم أمثال الناس ، بينهم ولهم ما للناس من العود إلى ربّهم والاجتماع عنده سبحانه ، وقال سبحانه أيضاً : ( وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ ) (١) ، فعمّم الحكم إلى كلّ ذي روح في السموات والأرض.
ومثله قوله سبحانه :( إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً ) (٢) .
وقوله : (عَبْداً) الآية ، يعطي أنّ لكلّ منها عبودية بحسب نفسه ، ونُسكاً إليها يتقرّب به إلى ربّه ، وقد مرّ تفسير الفرد .
واعلم أنّ قوله :( وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً ) ـ على ما تفسِّره الآيات من معنى (الفرد) ـ يعطي لقوله :( وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ ) الآية ، معنىً آخر غير ما يتسابق إلى الفهم من معنى الجمع ، وقد تكرّر إطلاق الجمع والحشر على البعث في الآيات ، كقوله :( لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ ) (٣) ، وقوله : ( يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ) (٤) .
وبذلك يتّضح معنى قوله سبحانه :( وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً ) (٥) ، وقوله :( وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً ) (٦) ، وقوله :( لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ
ـــــــــــــ
(١) سورة الشورى : الآية ٢٩ .
(٢) سورة مريم : الآيات ٩٣ ـ ٩٥ .
(٣) سورة النساء : الآية ٨٧ .
(٤) سورة التغابن : الآية ٩ .
(٥) سورة الزُّمر : الآية ٧٣ .
(٦) سورة الزُّمر : الآية ٧١ .
جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ) (١) .
ولنرجع إلى ما كنّا فيه .
يُشير إلى بعث غير ذوي الروح والشعور قوله سبحانه :( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ) (٢) .
وضمير (كانوا) في الموضعين راجع إلى المعبودات من غير الله ، كما يدلّ عليه قوله سبحانه :( ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ * إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ) (٣) وكُفرُهم قولهم على ما حكاه سبحانه : ( تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ ) (٤) .
وبالجملة فقوله :( مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ ) (٥) إلخ ، ظاهر الدلالة على أنّ المعبودات من غير الله ، من النبات والجماد ، غير البشر والملائكة ، فهم مبعوثون ليوم القيامة ؛ بدلالة قوله :( وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء ) (٦) إلخ .
ويدلّ عليه بعينه قوله سبحانه : ( أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) (٧) .
واعلم أنّ ظاهر هذه الآيات ملازمة البعث مع الحياة والعلم كما يفيده حال
ـــــــــــــ
(١) سورة الأنفال : الآية ٣٧ .
(٢) سورة الأحقاف : الآيتان ٥ و ٦ .
(٣) سورة فاطر : الآيتان ١٣ و ١٤ .
(٤) سورة القصص : الآية ٦٣ .
(٥) سورة الأحقاف : الآية ٥ .
(٦) سورة الأحقاف : الآية ٦ .
(٧) سورة النحل : الآية ٢١ .
الضمائر في الآيات ، فما ألطف إشارة قوله :( وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ ) (١) .
وقد مرّ في" فصل الشهود " أنّ ظواهر الآيات تعطي سراية الحياة والعلم إلى جميع الموجودات .
واعلم أنّ ما ذكرناه من شمول البعث لغير البشر والمَلَك ، من سائر ما خلق الله تعالى في السموات والأرض وما بينهما ، هو الذي تدلّ عليه الأخبار ، إلاّ أنها متفرّقة مثل :
ما يدلّ على أنّ كلب أصحاب الكهف وناقة صالح والنِّعم التي حجّ عليها ثلاث سنين أو سبعاً تدخل الجنّة ، وأنّ الوحوش والكلاب تدخل النار تنهش المجرمين ، قال تعالى :( وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ) (٢) .
وما ورد أنّ الله تعالى يأخذ يوم القيامة للجماء من القرناء ، رواه في (المحاسن) عن أمير المؤمنينعليهالسلام (٣) وفي (المجمع) عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم (٤) .
وما ورد من قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ حين رأى ناقة معقولة عليها جهازها ـ :(أين صاحبها ؟! مروه فليستعدّ غداً للخصومة) ، رواه في (الفقيه) عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم (٥) .
وما ورد عنهمعليهمالسلام في مانع الزكاة ، أنّه :(تنهشه كلّ ذات ناب بنابها وتطأهُ كلّ ذات ظلف بظلفها) (٦) .
وما ورد في الضحايا ، إلى غير ذلك .
واعلم أنّ الآيات غير متعرّضة لحال بعث مَن خلقه الله تعالى فيما وراء السموات والأرض ، وهم جماعة من خلق الله تعالى لا يَحدّ وجودهم حدّ ، ولا يقدِّر ذواتهم قدر ، فهم أرفع من الحدّ والقدر ، فلا يُتصوّر في حقّهم بعث وإعادة غير أصل خلقهم ، والصفات التي تبرز يوم القيامة حاصلة عندهم دائماً ، وقد ذكرناها في الفصل الرابع فالبدء والعود في حقّهم واحد ؛ ولذلك لم يرد في كلامه سبحانه ما يشعر بالبعث في حقّهم .
ـــــــــــــ
(١) سورة الشورى : الآية ٢٩ .
(٢) سورة التكوير : الآية ٥ .
(٣) المحاسن : ١ / ٦٨ ، باب الثلاثة ، الحديث ١٨ .
(٤) تفسير مجمع البيان : ١٠ / ٦٧٣ .
(٥) مَن لا يحضره الفقيه : ٢ / ١٨٩ ، الباب ٩٣ ، الحديث ١ .
(٦) تفسير العياشي : ١ / ٢٢١ ، الحديث ١٧٧ .
هذا ، ويلحق بهم في ذلك المخلَصون ، فقد مرّت نبذة من حالهم في تضاعيف الفصول الماضيّة ، فهم عند الله لا يحجبهم عنه حجاب مستور ، ليسوا في سماء ولا أرض ، وهم الميهمنون على الجميع ، المتوسطون بينه وبين خلقه في المبدأ والمعاد وهم المستثنون من حكم قبض ملك الموت وأعوانه ، والآمنون من فزع النفخة وصعقتها وهم غير محضرين لعرصة المحشر ، وهم السالكون في الحجاب ، الحاكمون بين الناس ولبيان أزيد من هذا من صفاتهم مقام آخر .
واعلم أنّ ما مرّ هو المستفاد من البرهان على ما تعطيه الأُصول السابقة ، فإنّ الغاية عين الفاعل بالضرورة ، فما بدأ منه شيء في وجوده ، وتعيّن من لدنه في ذاته ، لا بُدّ أنْ يكون هو المنتهي إليه وجوده .
ومن هنا يظهر أنّ كلاًّ من الجنّة والنار ذات مراتب ودرجات ، فمراتب الجنّة آخذة من تحت إلى فوق ، ومراتب النّار بالعكس من ذلك .
ومن هنا يظهر أنّ كلّ درجة عالية في الجنّة مرتبة لفاعل ذي الدرجة الدانية ولو تصوّر في النّار مثل ذلك لكان الأمر بعكسه .
ومن هنا يظهر معنى اللحوق والشفاعة ، وقد مرّ مراراً ، ويظهر معنى جمّ غفير من الآيات والروايات ، والله الهاد وهو المعين .
خاتمة :
وقد عزمنا فيما مرّ على تخصيص فصل مستقلّ في آخر الرسالة بالكلام في معنى المغفرة ؛ لكن ضيق المجال ، وتراكم الأشغال منعنا عن الكلام ، وحجب دون المرام ، والله سبحانه أسأل أن يوفّقني أن ألحق فصلاً بهذه الرسالة يتبيّن به ما كنّا نريده من وضع الكلام في ذلك ، وأرجوه إن يشاء ذلك فإنّه على كلّ شيء قدير .
واعلم أنّ نوع الكلام في مباحث المعاد طويل الذيل ، مبسوط الأطراف ؛ ويهديك إلى ذلك أن تتدبّر في ما ورد في كلّ من المبدأ والمعاد من الآيات القرآنيّة والبيانات الإلهية .
والذي صدّنا عن الغور في أكثر ممّا تشاهده في تضاعيف الفصول السابقة ، هو إيثار الاختصار ، على أنّ بسط المقال بأزيد ممّا رأيت غير ميسّر ولا ميسور عند الباحثين عن الحقائق ؛ ولذلك فالإشارة في هذه المطالب تغلب العبارات ، ولذلك غيّرنا أُسلوب هذه الرسالة عن سائر الرسائل المتقدّمة عليها(١) .
رسالة الولاية
العلاّمة السيد محمد حسين الطباطبائي (طاب ثراه)
تحقيق : الشيخ علي الأسدي
مكتبة فدك
ـــــــــــــ
(١) وفي ذيل هذه الرسالة ذكر المؤلّفقدسسره قائلاً :
الحمد لله على الإتمام بالدوام ، والصلاة على أوليائه المقرّبين ، سيّما سيّدنا محمّد وآله والسلام .
وقع الفراغ في العشر الأُوَل من شهر جمادي الثانية من شهور سنة ألف وثلثمئة وواحد وستّين هجريّة قمريّة ، وأنا العبد " محمّد حسين الحسني الحسيني الطباطبائي " .
كُتبت في قرية شادآباد من أعمال بلدة تبريز
تمهيد :
هذه" رسالة في الولاية " بقلم وارث الفلسفة الإسلامية المعاصر ، العلاّمة الفقيد السيّد محمد حسين الطباطبائيقدسسره ، صاحب التفسير الكبير المعروف :( الميزان في تفسير القرآن ) .
وتدور فصول الرسالة حول الكمال الإنساني الذي يبلغه أولياء الله ، والدرجة الرفيعة التي يتسنّمها هؤلاء في سلّم الرُّقيّ الفكري والنفسي والعملي ويخلص المؤلّف في رسالته إلى أنّ هدف الرسالات السماوية ، يتمثّل في دفع الإنسان نحو كماله المطلوب وإيصاله إلى درجة الأولياء الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون إلى درجة الإنسان المرتبط بالحقيقة المطلقة حيث تزول الجبال ولا يزول وكلّ تفاصيل التشريع إنّما تستهدف خلق المناخ الفكري والنفسي والاجتماعي اللازم لمثل هذه المسيرة التكامليّة .
وبعد ، فالرسالة مكتوبة على طريقة سلفنا الصالح (رضوان الله عليهم) في معالجة القضايا الفكريّة ، وبلغتهم وهي طريقة ولغة لا يستأنس بها المحدَثون ، ولكن يركن إليها المتعوّدون على الغوص في بحار التراث الإسلامي ، ويجدون فيها عمقاً وأصالة لا تتوفّر عادة في النصوص المسطّحة الحديثة .
نأمل من نشر هذه الرسالة أن يستفيد منها المعنيّون ، والله من وراء القصد .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على أوليائه المقرّبين سيّما سيّدنا محمّد وآله الطاهرين .
" رسالة في الولاية " ، وأنّها هي الكمال الأخير الحقيقي للإنسان ، وأنّها الغرض الأخير من تشريع الشريعة الحقّة الإلهية على ما يستفاد من صريح البرهان ، ويدلُّ عليه ظواهر البيانات الدينيّة .
والكلام موضوع في فصول ، والله سبحانه المستعان :
الفصل الأوّل : في أنّ لظاهر هذا الدين باطناً ، ولصورته الحقّة حقائق
نقول : إنّ الموجودات تنقسم باعتبار إلى قسمين ، فإنّ كلّ معنى عقلناه ، إمّا أن يكون له مطابق في الخارج موجود في نفسه ، سواء كان هناك عاقل أو لم يكن ، كالجواهر الخارجيّة من الجماد والنبات والحيوان وأمثالها .
وإمّا أن يكون مطابقه موجوداً في الخارج بحسب ما نعقله ، غير موجود لولا التعقّل ، كالمِلك فإنّا لا نجد في مورد الملكيّة ، وراء جوهر المملوك ـ وهو الأرض مثلاً ـ وجوهر المالك ـ وهو الإنسان مثلاً ـ شيئاً آخر في الخارج يسمّى بالمِلك ، بل هو معنى قائم بالتعقّل ؛ فلولاه لا ملك ولا مالك ولا مملوك ، بل هناك إنسان وأرض فحسب .
ويسمّى القسم الأوّل بالحقيقة ، والقسم الثاني بالاعتبار .
وقد برهنّا في كتاب الاعتبارات على أنّ كلّ اعتبار فهو متقوّم بحقيقة تحتها .
ثمّ إنّا إذا تتبّعنا وتأمّلنا وجدنا جميع المعاني المربوطة بالإنسان ، والارتباطات التي بين أنفس هذه المعاني ، كالملك وسائر الاختصاصات والرئاسة والمعاشرات ومتعلّقاتها وغير ذلك ، أُموراً اعتبارية ، ومعاني وهميّة ، ألزم الإنسان باعتبارها احتياجُه الأوّلي إلى الاجتماع والتمدّن لجلب الخير والمنافع ، ودفع الشرّ والمضارّ .
فكما أنّ للنبات نظاماً طبيعيّاً في دائرة وجوده ، من سلسلة عوارض منظّمة طبيعية طارئة عليه ، يستحفظ بها جوهره بالتغذّي والنموّ وتوليد المثل ؛ فكذلك الإنسان ـ مثلاً ـ له نظام طبيعي من عوارض يستحفظ بها جوهره في أركانه ، إلاّ أنّ هذا النظام محفوظ بمعاني وهميّة ، وأُمور اعتباريّة ، بينها نظام اعتباري ، وتحتها النظام الطبيعي يعيش الإنسان بحسب الظاهر بالنظام الاعتباري ، وبحسب الباطن والحقيقة بالنظام الطبيعي ، فافهم ذلك!
وبالجملة ، فهذا النظام الاعتباري موجود في ظرف الاجتماع والتمدّن ، فحيث لا اجتماع ولا اعتبار ، وهذا بعكس النقيض .
ثمّ إنّ ما تعرّض لبيانه وشرحه الدينُ ، من المعارف المتعلّقة بالمبدأ ، ومن الأحكام والمعارف المتعلقة بما بعد هذه النشأة الدنيويّة ، كلّ ذلك بيان بلسان الاعتبار ؛ يشهد بذلك التأمّل الصادق وحيث لا ظرف اجتماع ولا تعاون في غير ظرف الأحكام ، وقد أُدّيت بلسان الاعتبار ، فهناك حقائق أُخر مبنيّة بهذا اللسان ، وكذلك مرحلة الأحكام .
وبعبارةٍ أُخرى : ما قبل هذه النشأة الاجتماعيّة من العوالم السابقة على وجود الإنسان الاجتماعي ، وما بعد نشأة الاجتماع ممّا يستقبله الإنسان من العوالم بعد الموت ، حيث لا اجتماع مدنيّاً فيها ، لا وجود لهذه المعاني الاعتباريّة فيها البتّة .
فالمعارف المشروحة في الدين المتعلّقة بها ، تحكي عن حقائق أُخر بلسان الاعتبار ، وكذلك مرحلة الأحكام ، فإنّ الدين الإلهي يجعل الأمور الموجودة فيما بعد هذه النشأة ، مترتّبة على مرحلة الأحكام والأعمال ، ومنوطة ومربوطة حقيقة بها ، ووجود الربط بين شيئين حقيقة ؛ يوجب اتّحادهما في نوع الوجود وسنخه ، كما برهنّا عليه في محلّه .
وحيث إنّ تلك الموجودات أُمور حقيقيّة خارجيّة ، فالنسب إنَّما هي بينها وبين الحقائق التي تحت هذه الأُمور الاعتباريّة لا أنفسها ؛ فقد ثبت أنّ لظاهر هذا الدين باطناً وهو المطلوب .
تتمّة : فيما يدلُّ على ذلك من الكتاب والسُّنّة .
نقول : إنّ من المسلّم عند عامّة مَن يرى الرجوع إلى الكتاب والسُّنّة معاً ، أنّ هناك معارف وأسراراً وعلوماً خفيّة مخفيّة عنّا ، لا يعلمها إلاّ الله عزّ اسمه ، أو مَن شاء وارتضى والكتاب الإلهي مشحون بذلك ، وكفى فيه قوله سبحانه :( وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) (١) أي أنّ الحياة الحقيقيّة الصادقة هي الحياة الآخرة ؛ بدليل عدّه سبحانه الحياة الدنيا لعباً ولهواً ، وقصْرِه الحياة في الحياة الآخرة بقصر الأفراد ، أو على طريق قصر القلب كما يشهد به قوله سبحانه : ( يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ) (٢) .
وهذه الآية تشعر بأنّ للحياة الدنيا شيئاً آخر غير ظاهره ، وأنّه هي الآخرة لمكان الغفلة ، كما يستفاد من كلامك تقول لصاحبك : إنّك أخذت بظاهر كلامي وغفلت عن شيء آخر دلّ قولك هذا على أنّ المغفول عنه باطن الكلام ، وهو الشيء الآخر .
ويدلّ على هذا قوله سبحانه :
( فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى ) (٣) ، حيث يتحصّل منه أنّ ذكر الله سبحانه هو السبيل إليه ، والتولّي عنه ضلال عن سبيله ، وأنّ ذكره سبحانه لا يحصل إلاّ بالإعراض عن الحياة الدنيا ، وأنّ المعرِض عن ذكره إنّما يبلغ علمه الحياة الدنيا ، لا يتجاوزه إلى غيره الحاصل بالذكر فهناك شيء غير الحياة الدنيا ، وفي طوله ربّما بلغه العلم ، وربّما وقف دون الحياة الدنيا .
ـــــــــــــ
(١) سورة العنكبوت : الآية ٦٤ .
(٢) سورة الروم : الآية ٧ .
(٣) سورة النجم : الآيتان ٢٩ و ٣٠ .
هذا ، والزائد على هذا المقدار يطلب ممّا سيجيء في أواخر الفصول إن شاء الله العزيز .
ومن الأخبار في هذا الباب ، ما في (البحار) ، عن (المحاسن) ، عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أنّه قال : (إنّا معاشر الأنبياء نكلّم النّاس على قدر عقولهم) (١) .
أقول : وهذا التعبير إنّما يحسن إذا كان هناك من الأُمور ما لا يبلغه فهم السامعين من النّاس ، وهو ظاهر .
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم :( نكلّم ) ، ولم يقل : نقول ، أو نبيّن ، أو نذكر ، ونحو ذلك ، يدلُّ على أنّ المعارف التي بيّنها الأنبياءعليهمالسلام إنّما وقع بيانها على قدر عقول أُممهم ، ميلاً من الصعب إلى السهل ، لا أنّه اقتصر بهذا المقدار من المعارف الكثيرة إرفاقاً بالعقول ، اقتصاراً من المجموع بالبعض .
وبعبارةٍ أُخرى : التعبير ناظر إلى الكيف دون الكمّ ، فيدلّ على أنّ هذه المعارف حقيقتها التي هي عليها ، وراء هذه العقول التي تسير في المعارف بالبرهان والجدل والخطابة ، وقد بيّنها الأنبياءعليهمالسلام بجميع طرق العقول من البرهان والجدل والوعظ كلّ البيان ، وقطعوا في شرحها كلّ طريق ممكن .
ومن هنا يعلم أنّ لها مرتبة فوق مرتبة البيان اللفظي ؛ لو نزلت إلى مرتبة البيان دفعتها العقول العادية ؛ إمّا لكونها خلاف الضرورة عندهم ، أو لكونها منافية للبيان الذي بيّنت لهم به ، وقبلته عقولهم .
ومن هنا يظهر أنّ نحو إدراك هذه المعارف بحقائقها غير نحو إدراك العقول ، وهو الإدراك الفكري ، فافهم ذلك!
ـــــــــــــ
(١) بحار الأنوار : ١ / ١٠٦ ، باب ٣ ـ احتجاج الله تعالى على النّاس بالعقل ، الحديث ٤ .
ومنها : الخبر المستفيض المشهور :(إنّ حديثنا صعب مستصعب ، لا يحتمله إلاّ مَلك مقرّب ، أو نبيّ مرسل ، أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان) (١) .
ومنها ـ وهو أدلّ على المقصود من سابقه ـ : ما في (البصائر) مسنداً عن أبي الصامت ، قال : سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول :(إنّ من حديثنا ما لا يحتمله مَلك مقرّب ، ولا نبيّ مرسل ، ولا عبد مؤمن) ، قلت : فمَن يحتمله ؟ قال :(نحن نحتمله) (٢) .
أقول : والأخبار في هذا المساق أيضاً مستفيضة ، وفي بعضها : قلت : فمَن يحتمله جعلت فداك ؟ قال :(مَن شئنا) (٣) .
وفي (البصائر) ـ أيضاً ـ عن المفضّل ، قال : قال أبو جعفرعليهالسلام :(إنّ حديثا صعب مستصعب ، ذكوان ، أجرَد ، لا يحتمله ملك مقرّب ، ولا نبيّ مرسل ، ولا عبد امتحن الله قلبه للإيمان أمّا الصعب فهو الذي لم يركب بعد ، وأمّا المستصعب فهو الذي يهرب منه إذا رُئِيَ ، وأمّا الذكوان فهو ذكاء المؤمنين ، وأمّا الأجرد فهو الذي لا يتعلّق به شيء من بين يديه ولا من خلفه ، وهو قول الله : ( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ ) (٤) ، فأحسن الحديث حديثنا ، لا يحتمل أحد من الخلائق أمره بكماله حتّى يحدّه ؛ لأنّه من حدّ شيئاً فهو أكبر منه ، والحمد لله على التوفيق ، والإنكار هو الكفر) (٥) .
ـــــــــــــ
(١) بحار الأنوار : ٢ / ١٨٣ ، باب ٢٦ ـ أنّ حديثهمعليهمالسلام صعب مستصعب ، الحديث ١ أمالي الصدوق ـ المجلس الأوّل : ٥٢ ، الحديث ٦ / ٦ ، ومثله في الكافي : ١ / ٤٥٥ ، باب فيما جاء أنّ حديثهم صعب مستصعب ، الحديث ١٠٤٥ / ١ .
(٢) المصدر المتقدّم : ١٩٣ ، الحديث ٣٦ بصائر الدرجات : ٢٣ ، باب في أئمّة آل محمّدعليهمالسلام حديثهم صعب مستصعب ، الحديث ١١ .
(٣) بحار الأنوار : ٢ / ١٩٢ ، باب أنّ حديثهمعليهمالسلام صعب مستصعب .
(٤) سورة الزُّمر : الآية ٢٣ .
(٥) بصائر الدرجات : ٤٤ / ١٦ ، باب في أئمّة آل محمّدعليهمالسلام حديثهم صعب مستصعب ، بحار الأنوار : ٢ / ١٩٤ ، باب ٢٦ ، الحديث ٣٩ .
قوله :(لا يُحتمل) إلى قوله :(حتّى يحدّه) مع ما في صدر الحديث من نفي الاحتمال ، يدلّ على أنّ حديثهمعليهمالسلام أمر ذو مراتب ، يمكن أن يحتمل بعض مراتبه بواسطة التحديد ويشهد له تعبيره عن الحديث في رواية أبي الصامت بقولهعليهالسلام :( من حديثنا ) ، فيكون حينئذٍ مورد هذه الرواية مع الرواية الأُولى :( لا يحتمله إلاّ ) ، مورداً واحداً لكونه مشكّكاً ذا مراتب ، ويكون أيضاً كالتعميم للنبويّ السابق :(إنّا معاشر الأنبياء نكلِّم الناس على قدر عقولهم) (١) .
هذا ، وتحديد كلّ واحد من الخلائق حديثهمعليهمالسلام ؛ لكون ظرفه الذي به يحتمل ما يحتمل ، وهو ذاته محدوداً ، فيصير به ما يحتمله محدوداً ؛ وهو السبب في عدم إمكان الاحتمال بكماله ، فهو أمر غير محدود ، وعليه يكون خارج عن حدود الإمكان ؛ لأنّه مقامهم من الله سبحانه ، حيث لا يحدُّه حدّ ، وهو الولاية المطلقة .
وسيجيء ـ إنّ شاء الله العزيز ـ في بعض الفصول الأخيرة كلام يكون أبسط من هذا .
ومنها : أخبار أُخر تؤيّد ما مرّ ، كما عن (البصائر) مسنداً ، عن مُرازم ، قال أبو عبد اللهعليهالسلام :(إنّ أمرنا هو الحقّ وحقُّ الحقّ ، وهو الظاهر وباطن الظاهر ، وباطن الباطن ، وهو السرّ وسرُّ السرّ ، وسرُّ المستسَرّ ، وسرّ مقنّع بالسرّ) (٢) .
وما في بعض الأخبار أنّ للقرآن ظهراً وبطناً ، ولبطنه بطناً ، إلى سبعة أبطن(٣) .
ـــــــــــــ
(١) تقدّم ذكره في الصفحة ٢٠٨ ، الهامش رقم ١ .
(٢) بحار الأنوار : ٢ / ٧١ ، باب ١٣ ـ النهي عن كتمان العلم والخيانة ، وجواز الكتمان عن غير أهله ، الحديث ٣٣ بصائر الدرجات : ١ / ٤٩ ، نادر من الباب في أنّ علم آل محمّدعليهمالسلام سرّ مستتر ، الحديث ٤ ، مع اختلاف يسير .
(٣) عوالي اللآلي : ٤ / ١٥٩ ، الحديث ١٥٩ ، الجملة الثانية في الأحاديث المتعلّقة بالعلم وأهله وحامليه .
وما في خبر آخر أنّ ظاهره حكم ، وباطنه علم(١) .
وما في بعض أخبار الجبر والتفويض ، كما عن (التوحيد) مسنداً عن مهزم ، عن الصادقعليهالسلام في حديث ، قال : فقلت له : فأيُّ شيء هذا أصلحك الله ؟ قال : فقلّب يده مرّتين ، أو ثلاثاً ، ثمّ قالعليهالسلام :(لو أجبتك فيه لكفرت) (٢) .
وفي الأبيات المنسوبة إلى السجّادعليهالسلام قوله :
ورُبَّ جوهرِ علمٍ لو أبوح به |
لقيل لي : أنت ممّن يعبد الوثنا |
ومن الروايات ، أخبار الظهور التي تفضي بأنّ القائم المهديعليهالسلام بعد ظهوره ، يبثُّ أسرار الشريعة ، فيصدِّقه القرآن(٣) .
وما في (البصائر) ، مسنداً عن مسعدة بن صدقة ، عن جعفرعليهالسلام ، عن أبيهعليهالسلام ، قال : ذكرت التقيّة يوماً عند عليّ بن الحسينعليهالسلام ، فقالعليهالسلام :(واللهِ! لو علم أبو ذرّ ما في قلب سلمان لقتله ، وقد آخى بينهما رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ) (٤) الحديث .
وفي الخبر : أنّ أبا جعفرعليهالسلام حدّث جابراً بأحاديث ، وقال :(لو أذعتها فعليك لعنة
ـــــــــــــ
(١) الكافي : ٢ / ٥٩٢ ، كتاب فضل القرآن ، الحديث ٢ .
(٢) بحار الأنوار : ٥ / ٥٣ ، باب ١ ـ نفي الظلم والجور عنه تعالى ، الحديث ٨٩ التوحيد : ٣٦٣ ، باب نفي الجبر والتفويض ، الحديث ١١ .
(٣) فمنها : ما ورد في نهج البلاغة : الخطبة ١٣٨ ، حيث قال : (فيريكم كيف عدل السيرة ، ويحيي ميّت الكتاب والسنّة).
ومنها : ما في الغيبة / النعماني : ٢٣٩ ، الحديث ٣٠ ، (تؤتون الحكمة في زمانه حتّى إنّ المرأة لتقضي في بيتها بكتاب الله تعالى وسنّة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ) ، وأيضاً في إلزام الناصب : / ٢٢٢ ، فقد ورد في الحديث : (منّا الإمام الذي يكون عنده الكتاب والعلم والسلاح) .
(٤) بصائر الدرجات : ٤٥ ، الحديث ٢١ ، باب في أئمّة آل محمّدعليهمالسلام حديثهم صعب مستصعب .
الله والملائكة والناس أجمعين) (١) .
وما في (البصائر) أيضاً : عن المفضّل ، عن جابر ، حديث ملخّصه أنّه شكى ضيق نفسه عن تحمّلها وإخفائها بعد أبي جعفرعليهالسلام ، إلى عبد اللهعليهالسلام ، فأمره أن يحفر حفيرة ، ويدلي رأسه فيها ، ثمّ يحدّث بما تحمله ، ثمّ يطمّها ، فإنّ الأرض تستر عليه(٢) .
وما في (البحار) : عن (الاختصاص) و(البصائر) ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليهالسلام ، في حديث : (يا جابر ، ما سترنا عنكم أكثر ممّا أظهرنا لكم) (٣) .
أقول : ومتفرّقات الأخبار في هذه المعاني أكثر من أن تحصى ، وقد عَدُّوا جمعاً من أصحاب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وأئمّة أهل البيت من أصحاب الأسرار ، كسلمان الفارسي ، وأُويس القرني ، وكميل بن زياد النخعي ، وميثم التمّار الكوفي ، ورُشيد الهجري ، وجابر الجُعفي (رضوان الله تعالى عليهم أجمعين) .
ـــــــــــــ
(١) ورد في الحديث : (إن أنت حدّثت به فعليك لعنتي ولعنة آبائي) راجع رجال الكشّي : ٢٦٥ ، الحديث ٣٣٩ ، ما ورد في جابر بن يزيد الجعفي .
(٢) لم أعثر على هذا الحديث في البصائر ، ولكن راجع بحار الأنوار : ٤٦ / ٣٤٤ ، باب ٨ ـ أحوال أصحابه وأهل زمانه من الخلفاء ، الحديث ٣٧ روضة الكافي : ١٣٥ ، الحديث ١٤٩ ، حديث الذي أضاف رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالطائف رجال الكشّي : ٢٦٦ ، الحديث ٣٤٣ ، ما ورد في جابر بن يزيد الجعفي .
(٣) بحار الأنوار : ٤٦ / ٢٣٩ ، باب ١٦ ـ معجزاته ومعالي أُموره ، الحديث ٢٣ الاختصاص : ٢٧٢ ، حديث في زيارة المؤمن لله بصائر الدرجات : ٣٩٥ ، باب في الأئمةعليهمالسلام أنّهم أُعطوا خزائن الأرض ، الحديث ٥ .
الفصل الثاني : في أنّه حيث لم يكن النظام نظام الاعتبار ، فكيف يجب أن يكون الأمر في نفسه ؟
وبعبارة أُخرى : هذه الأسرار الباطنة الكامنة في الشريعة من أي سنخ هي ؟
نقول : البراهين العقليّة مطبِقة على أنّ العليّة والمعلوليّة بنحو الكمال والنقص والترشّح ، كترشّح الظلّ من ذي الظلّ ، وأيضاً على أنّ النواقص من لوازم مرتبة المعلوليّة ، وعلى أنّ هذه النشأة مسبوقة الوجود بعوالم أُخر ، بنحو العليّة والمعلوليّة ، حتّى ينتهي إلى الحقّ الأوّل سبحانه .
هذا ، ويستنتج من جملتها أنّ جميع الكمالات الموجودة في هذه النشأة موجودة فيما فوقها بنحو أعلى وأشرف ؛ وأنّ النواقص التي فيها مختصّة بها غير موجودة فيما فوقها ، ولا سارية إليها البتّة وهذا إجمالٌ ، بيان تفصيله وشرحه على ما هو حقّه متعسّرٌ أو متعذّرٌ .
مثال ذلك : أنّ كمالات هذه النشأة ، كالطعام اللذيذ والشراب الهنيء والصورة الجميلة وأمثالها ، وهي من أعظم ما يستلَذُّ بها في هذه النشأة ، أوّل ما فيها أنّها غير دائمي الوجود ، وأنّ بروزها في أيام قلائل ، وهي محفوفة بآلاف من الآفات الطبيعيّة والعاهات الخارجيّة ، أو المشوّهات الممكنة التي لو طرء عليها واحد منها ، بطل جمالها .
فالاستلذاذ بها ، وكذلك نفس الاستلذاذ والمستلِذّ ، الجميع واقف بين أُلوف وأُلوف من المنافيات ، لو مال إلى واحد منها بطل وفسد الأمر .
ثمّ إنّا بعد التأمّل الوافي ، نجد أنّ جميع هذه النواقص والمنافيات راجعة إلى المادّة ، إمّا ابتداءً ، أو بالواسطة ، كالنواقص الخُلقيّة والوهميّة ، فحيث لا مادة ، لا شيء من النواقص الراجعة إليها .
فهي مقصورة على هذه النشأة ، فالنشأة التي فوق هذه النشأة معرّاة من هذه النواقص ، مبرّاة من هذه العيوب ، وإنّما هي صور بلا مواد ، ولذائذ مثاليّة بلا منافٍ البتّة .
ومرادنا من المادّة هي الجوهر الغير المحسوس الذي يقبل الانفعال ، دون الجسميّة التي هي صورة غير المادة ، فافهم ذلك .
ثمّ إذا تأمّلنا ثانياً ، وجدنا الحدود المثالية في أنفسها نواقص ، وأنّ للمحدود في نفسه مرتبة خالية عن الحدّ ؛ إذ هو خارج عن ذاته على ما بُرهن عليه في محلّه .
فهناك نشأة أُخرى ، يوجد فيها نفس هذه اللذائذ والكمالات بنحو بحت ، أي خالية عن الحدود ، فإنّ لذائذ الأكل والشرب والنكاح والسمع والبصر ـ مثلاً ـ في مرحلة المثال موجودة أيضاً ، ولكن لكلِّ واحد منها محلّ لا يتعدّاه فلا تجد لذّة النكاح ـ مثلاً ـ من السمع والأكل ، ولا كمال الأكل من الشرب ، وكذلك ما في هذا الفرد من الأكل في الفرد الآخر منه ، وعلى هذا القياس .
وليس ذلك كلّه إلاّ من جهة الحدود الوجوديّة بحسب ظرف الوجود ، فالنشأة التي فوق نشأة المثال الساقطة فيها الحدود ، يوجد فيها جميع هذه الكمالات واللذائذ بنحو الوحدة والجمع والكلّية والإرسال .
هذا ، وهذه كلّها معانٍ متفرّعة عن أُصول مبرهن عليها في محلّها مسلّمة عند أهلها .
هذا كلُّه بالنسبة إلى ما قبل هذه النشأة المادية وأمّا بالنسبة إلى ما بعدها ، فالكلام فيه نظير الكلام ، غير أنّ نشأة المثال في العود قبل نشأة العقل بالنسبة إلينا ، بخلاف البدو ، فإنّها بعدها فيه .
نعم ، بين البدء والعود فرق آخر ، وهو أنّ مادّة الصور المثاليّة هي النفس ، وهي التي توجد لها تلك الصور بإذن ربّها ، وحيث إنّها متوقّفة حيناً ما في نشأة المادة ومتعلّقة بها ، وهي عالم الوهم والاعتبار ، فهي فيها تأخذ ملكات وأحوالاً ، ربّما لاءمت نشأتها السابقة ، وربّما لم تلائمها فإنّ هذه النشأة شاغلة حاجبة عمّا ورائها ، فربّما استقرّت المَلَكات على ما هي عليه من الحُجب ، وذلك بالإخلاد إلى الأرض ، والغفلة عن الحقّ ، وربّما استقرّت على غير هذا الوجه بالانصراف عن زخارف هذه النشأة ، والإعراض عن عرَض هذا الأدنى ، وقصر التعلّق بها على ما تقتضيه ضرورة التعلّق بالمادّة ، وصرف الوجه إلى ما ورائها والأُنس بها .
فهذه النفس بعد الانقطاع عن المادّة ، تُشرف على الصور الملائمة لذاتها من عالم الأنوار المثالية والروحيّة ، وقد كانت ما تستأنس بها من قبل في الأيّام الخالية ، فتطلع على روح وريحان وجنّة نعيم ، وتتضاعف صورها الكمالية ولذائذها الروحية بالنسبة إلى مثال النزول والبدو .
وكذا عالم التجرّد التام بالضرورة ، من جهة ازدياد معلوماتها في نشأة المادة ، فتشاهد أنواراً وأسراراً ، وملائكة مثالية ، وأرواحاً صوريّة برزخية ، وجميع أنواع لذائذها التي تشاهدها وهي متعلّقة بالمادة في نشأتها ، من مطعوم ومشروب وملبوس ومنكوح ومسموع ومبصَر وغيرها على أهنأ ما يكون كلُّ ذلك على طريق تمثيل ما فوقها في ظرفها على نسق ما في مراتب النزول .
هذا ، وليس معها ألم مادي ولا وهمي ، ولا يمسّها نصب ولا لغوب ، وهذا كلّه حين كونها في عالم المثال .
وإذا كانت مَلَكاتها غير حاجبة عن الكلّيات ، أشرفت أحياناً على أنوار عالم التجرّد ووجودها ، وهي في البهاء والسناء والجمال والكمال بحيث لا يقدّر بقدر الصور ، ولا يقاس بقياس المثال ، ويتكرّر هذا الإشراف حتّى تتمكّن النفس منه تمام التمكّن ، وتأخذها مقاماً ، وترتقي درجة ، فتشرف حينئذ على منشأة الأسماء ، وهي عالم المحض من كلّ معنى ، والبحت من كلّ بهاء وسناء ، فتشاهد علْماً بحتاً ، وقدرة بحتة ، وحياة بحتة ، ومن الوجود والثبوت والبهاء والسناء والجمال والجلال والكمال والسعادة والعزّة والسرور والحبور ، من كلّ منها ، البحت المحض ، حتّى تلحق بالأسماء والصفات ، ثمّ تندمج باندماجها في الذات المتعالية ، ثمّ تغيب بغيبها ، وتفنى بفناء نفسها ، وتبقى ببقاء الله سبحانه وتعالى عن كلّ نقص ( وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى ) (١) ،( إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ) (٢) . هذا إذا كانت ملكاتها مقدّسة ملائمة لعالم القدس .
وإذا كانت ملائمة لثقل هذه النشأة غير ملائمة لعالم القدس ، فينعكس كلّما تشاهده ألماً عليها ، وعذاباً من أنواعه ، كلّما أرادت أن تخرج من غمّ بواسطة أصل ذاتها ، أُعيدت فيها بواسطة رداءة ملكاتها ، وقيل لها : ذوقي عذاب الحريق .
هذا ، وليس الأمر على ما تزعمه العامّة من أنّ جنّة السعداء حديقة فقط ، وأنّ نار الأشقياء حفرة نار فقط ، بل هي نشآت تامّة وسيعة أوسع من هذه النشأة بما لا يوصف .
وقد ظهر ممّا قدّمنا أنّ بين البدء والعود فرقاً من وجهين :
أحدهما : أنّ العود أوسع من البدء ، من حيث اتّساع النفس بمعلوماتها في نشأة المادة .
وثانيهما : أنّ الطريق متشعّب في العود إلى طريقَي السعادة والشقاوة ، واللذّة والألم ، والجنّة والنّار ، بخلاف البدء وهذا لا ينافي سبق شقاوة الأشقياء وجفاف القلم الأعلى .
واعلم أنّ هذه المعاني بين ما هو ضروري ، وما أُقيم عليه البرهان في محلّه .
وممّا مرّ من البيان ، يظهر وجه ارتباط الأعمال والمجاهدات الشرعيّة بما وعده وأوعده الحقّ سبحانه بلسان أنبيائه المرسلين ، وسيجيء زيادة توضيح لذلك بعد يسير .
ـــــــــــــ
(١) سورة النجم : الآية ٤٢ .
(٢) سورة العلق : الآية ٨ .
تتمّة : فيما يدلُّ على ما مرّ من الكتاب والسُّنّة .
نقول : إذا نظرنا نظر المتدبّر إلى خصوصيّات شريعة الإسلام ، بل جميع الملل الإلهيّة ، وجدنا أنّ المقصود الوحيد فيها ، هو صرف وجه الإنسان إلى ما وراء هذه النشأة الطبيعيّة وهذه سبيلُها ، تدعو إلى الله على بصيرة ، فهي في جميع جهاتها تروم إلى هذا المرام ، وتطوف على هذا المطاف ، بأيٍّ طريق أمكن .
ثمّ إنّ الناس من حيث درجات الانقطاع إلى الله سبحانه والإعراض عن هذه النشأة المادّية ، على ثلاث طبقات :
الطبقة الأُولى : إنسان تامّ الاستعداد ، يمكنه الانقطاع قلباً عن هذه النشأة ، مع تمام الإيقان باللازم من المعارف الإلهية ، والتخلّص إلى الحقّ سبحانه وهذا هو الذي يمكنه شهود ما وراء هذه النشأة المادّية ، والإشراف على الأنوار الإلهيّة ، كالأنبياءعليهمالسلام ، وهذهطبقة المقرّبين .
الطبقة الثانية : إنسان تامُّ الإيقان ، غير تامّ الانقطاع ؛ من جهة ورود هيآت نفسانيّة وإذعانات قاصرة ، تُيْئسه أن يذعن بإمكان التخلّص إلى ما وراء هذه النشأة المادّية ، وهو فيها .
فهذه طبقة تعبد الله كأنّها تراه ، فهي تعبد عن صدق من غير لعب ، لكن من وراء حجاب إيماناً بالغيب ، وهم المحسنون في عملهم .
وقد سُئل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن الإحسان ، فقال :(أن تعبد الله كأنّك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك) (١) .
والفرق بين هذه الطبقة وسابقتها ، فرق ما بين إنّ وكأنّ .
الطبقة الثالثة : غير أهل الطبقتين الأُوليين ، من سائر الناس وعامّتهم .
ـــــــــــــ
(١) بحار الأنوار : ٦٧ / ١٩٦ ، باب ٥٣ ـ النيّة وشرائطها ومراتبها وكمالها ـ الرابعة : من يعبده حياءً ، الحديث ٢ .
وهذه الطائفة ، باستثناء المعاند والمكابر الجاحد ، طائفة يمكنها الاعتقاد بالعقائد الحقّة الراجعة إلى المبدأ والمعاد ، والجريان عملاً على طبقها في الجملة لا بالجملة ؛ وذلك من جهة الإخلاد إلى الأرض وإتباع الهوى وحبّ الدنيا ، فإنّ حبّ الدنيا وزخارفها يوجب الاشتغال بها ، وكونها هي المقصود من حركات الإنسان وسكناته ، وذلك يوجب انصراف النفس إليها ، وقصر الهمّة عليها والغفلة عمّا ورائها ، وعمّا توجبه الاعتقادات الحقّة من الأحوال والأعمال ؛ وذلك يوجب ركودها ووقوفها ، أعني الاعتقادات الحقّة على حالها ، من غير تأثير لها وفعليّة للوازمها ، وجمود الأعمال والمجاهدات البدنيّة على ظاهر نفسها وأجسادها ، من غير سريان أحوالها وأحكامها إلى القلب وفعليّة لوازمها ، وهذا من الوضوح بمكان .
مثال ذلك : إنّا لو حضرنا عند مَلِك من الملوك ، وجدنا من تغيّر حالنا وسراية ذلك إلى أعمالنا البدنيّة من حضور القلب والخشوع والخضوع ما لا نجده في الصلاة البتّة ، وقد حضرنا فيها عند ربّ الملوك .
ولو أشرف على شخصنا مَلِك من الملوك ، وجدنا ما لا نجده في أنفسنا ، ونحن نعتقد أنّ الله سبحانه يرى ويسمع ، وأنّه أقرب إلينا من حبل الوريد ، ونعتمد على الأسباب العادية التي تخطئ وتصيب ، اعتماداً لا نجد شيئاً منه في أنفسنا ، ونحن نعتقد أنّ الأمر بيد الله سبحانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد .
ونركن إلى وعد إنسان ، أو عمل سبب ، ما لا نركن جزءاً من ألف جزء منه إلى مواعيد الله سبحانه فيما بعد الموت والحشر والنشر ، وأمثال هذه التناقضات لا تحصى في اعتقادنا وأعمالنا ؛ وكلُّ ذلك من جهة الركون إلى الدنيا ، فإنّ انكباب النفس على المقاصد الدنيوية يوجب قوّة حصول صورها في النفس ، على أنّها متسابقة إليها ، تذهل صورة ، وتتمكّن صورة ، وتخرج أخرى آناً بعد آن وذلك يوجب ضعف صور هذه الأُصول والمعارف الحقّة ، فيضعف حينئذٍ تأثيرها بإيجاد لوازمها عند النفس ، وحبُّ الدنيا رأس كلّ خطيئة .
وهذه الطائفة لا يمكنها من الانقطاع إلى الله سبحانه أزيد من الاعتقادات الحقّة الإجماليّة ، ونفس أجساد الأعمال البدنيّة التي توجب توجّهاً ما وقصداً ما ـ في الجملة ـ إلى المبدأ سبحانه في العبادات .
ثمّ إنّا إذا تأمّلنا في حال هذه الطبقات الثلاث ، وجدناها تشترك في أُمور ، وتختصُّ بأُمور فما يمكن أن يوجد من أنحاء التوجّه والانقطاع في الطبقة الثالثة ، يمكن أن يوجد في الأوّليين من غير عكس ، وما يمكن أن يوجد في الثانية يوجد في الأُولى من غير عكس .
ومن هنا يتبيّن أنّ تربية الطبقات الثلاث مشتركة ومختصّة ؛ ولهذا نجد الشريعة المقدّسة الإسلاميّة تعيّن أحكاماً نظرية وعمليّة عامّة فيما لا يمكن إهماله بالنسبة إلى طبقة من الطبقات ، من الواجبات والمحرّمات .
ثمّ تؤسّس بقايا ما يتعلّق بجميع جزئيّات الأُمور وكلّياتها ، بحسب ما يناسب ذوق أهل الطبقة الثالثة ، من المستحبّ والمكروه والمباح ، ويمكَّن ذلك في قلوبهم بالوعد والوعيد ، بالجنّة والنّار ، ويحفظ ذلك بالعادة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإنّ التكرّر أقوى برهان عند العامّة .
ثمّ هي تسلك بالنسبة إلى الطبقة الثانية بما سلكته هي بالنسبة إلى الثالثة ، مع زيادات خاصّة من الأحكام الخُلقيّة وغيرها .
وعمدة الفرق بين الطائفتين في قوّة العلم وتأثيره ، وضعف ذلك كما عرفت .
ثمّ تسلك بالنسبة إلى الطبقة الأُولى بأدقّ من مسلكه في الثانية والثالثة ، فربّ مباح أو مستحبّ أو مكروه بالنسبة إليها ، هو واجب أو محرّم بالنسبة إلى الطبقة الأُولى ، فحسنات الأبرار سيّئات المقرّبين ، إلاّ أنّ ذلك كذلك عندهم لا يتعدّاهم إلى غيرهم .
وتخصّها أيضاً بأُمور وأحكام غير موجودة في الثانية والثالثة ؛ ولا غير هذه الطبقة تكاد تفهم شيئاً من تلك المختصّات ، ولا يهتدي إلى طريق تعليمها .
وذلك كلُّه لِمَا أنّ ميِّز طبقتهم وأساسها المحبّة الإلهية دون محبّة النفس فالفرق بينها وبين الآخرين في نحو العلم والإدراك ، دون قوّته وضعفه ، وتأثيره وعدمه .
ولئن شئت أن تعقل شيئاً من ذلك في الجملة ، فعليك بالتأمّل التامّ في أطوار الاتّحاد : فللمعاشرة أحكام ، وللصداقة أحكام ، وللخلّة أحكام ، ولكلّ من المحبّة والعشق والوجد والوله وما يسمّى (فناء) ، أحكام أُخر ، وكلّ حكم مختصّ بمرتبة نفسه لا يتعدّاها إلى غيرها أبداً .
والمحصّل : أنّ الشرائع الإلهية ، وخاصة الشريعة الإسلامية ، تروم في جميع جزئيّات الأُمور وكلّياتها ، نحو غرضها المذكور ، وهو توجيه وجه الإنسان لله ، وصرفه إليه سبحانه وذلك بتكوين المَلَكات والأحوال المناسبة لذلك ، بواسطة الدعوة إلى الاعتقادات الحقّة ، والأعمال المولِّدة للحالات الزاكية النفسانيّة الموصلة إلى المَلَكات المقدّسة .
ويظهر ذلك تمام الظهور لمَن تتبّع تضاعيف الكتاب والسُّنّة ، فمن الواضح منها أنّ الميزان هو الإطاعة والتمرّد ، والتقرّب والتباعد ، بالنسبة إلى الحق سبحانه على اختلاف أنواع الأحكام .
ثمّ إنّ الظاهر من الشريعة أنّ ما وعده الله سبحانه في كتابه ، وبلسان رسوله ، من المقامات والكرامات وغير ذلك ، على طبق هذه الأحوال والملكات ، فلها نسبة معها ، أعني أنّ للنفس بواسطتها نسبة معها ، وتلك المقامات والمنازل هي التي بيّنتها الشريعة المقدّسة في معارف المبدأ والمعاد .
وقد مرّ في تتمّة الفصل الأوّل أنّ هذه المعارف هي التي لها الحقائق والبواطن التي هي فوق مرتبة البيان(١) ، وهي فوق تحمّل العامّة من الناس ، لا تطيقها أفهامهم .
فقد ظهر أنّ هذه الأُمور كيف هي .
ـــــــــــــ
(١) راجع : الصفحة ٢٠٨ وما بعدها من هذا الكتاب .
الفصل الثالث : [وسائل الاتّصال بالعالم الغيبي وطرق معرفته](١)
لا ريب عند أرباب الملل الإلهية أنّ الأنبياءعليهمالسلام لهم اتّصال بما وراء هذه النشأة ، واطّلاع على الأُمور الباطنة على اختلاف مراتبهم .
فهل هذا موقوفٌ عليهم مقصورٌ بهم ، هبة إلهيّة ، أو أنّه ممكن في غيرهم ، غير موقوف عليهم ؟
وبعبارة أُخرى : هل هذا أمر اختصاصي بهم لا يوجد في غيرهم في هذه النشأة إلاّ بعد الموت ، أو أمر اكتسابي ؟ والثاني هو الصحيح .
نقول : وذلك لأنّ النسبة بين هذه النشأة وما ورائها ، نسبة العلّية والمعلوليّة ، والكمال والنقص ، وهي التي نسمّيها بنسبة الظاهر والباطن وحيث إنّ الظاهر مشهود بالضرورة ، وشهود الظاهر لا يخلو من شهود الباطن ؛ لكون وجوده من أطوار وجود الباطن ، ورابطاً بالنسبة إليه ، فالباطن أيضاً مشهود عند شهود الظاهر بالفعل وحيث إنّ الظاهر حدّ الباطن وتعيُّنه ، فلو أعرض الإنسان عن الحدّ بنسيانه بالتعمل والمجاهدة ، فلا بدّ من مشاهدته للباطن ، وهو المطلوب .
توضيح ذلك : إنّ تعلّق النفس بالبدن واتّحادها به ، هو الذي يوجب أن تذعن النفس بأنّها هي البدن وعينه ، وأنّ ما تشاهده من طريق الحواسّ منفصل الوجود عن نفسها ؛ لِمَا ترى من انفصاله عن البدن والوقوف على هذا الحدّ يوجب نسيانها لمرتبتها العُليا من هذه المرتبة ، وهي مرتبة المثال ، وأعلى منها غيرها .
وبنسيان كلّ مرتبة ينسى خصوصيّاتها وموجودات عالمها ، وهي مع ذلك تشاهد إنّيّتها ، وهي التي نعبّر عنها بـ (أنا) ، مشاهدة ضرورية لا تنفكّ عنها .
ثمّ بالانقطاع عن البدن لا يبقى حاجب عنها ولا مانع ، وعلى هذا فلو رجع الإنسان بالعلم النافع والعمل الصالح إلى نفسه وإنّّيّته ، فلا بدّ من مشاهدتها ومشاهدة مراتبها وموجودات عالمها من أسرار الباطن .
فقد بان أنّ من الممكن أن يقف الإنسان ، وهو في هذه النشأة ، على الحقائق المستورة الخفيّة التي تستقبله فيما بعد الموت الطبيعي في الجملة .
ـــــــــــــ
(١) ليس في الأصل وإنّما اختاره المحقّق .
تتمّة : [فيما يدلّ على ما تقدّم من الكتاب والسنّة] (١)
ويشهد على ذلك عمدة الآيات والأخبار التي سننقلها إن شاء الله فيما بعد ، إلاّ أنّ عمدة إنكار عامّة المنكرين لهذه السعادة متوجّهة إلى شهود الحقّ سبحانه ، فقد زعموا استحالته ؛ واستدّلوا على ذلك بأنّ وجود الحقّ سبحانه وجود مجرّد مبرَّأ عن الأعراض والجهات والأمكنة ، فيمتنع عليه تعلّق الرؤية البصريّة لاستلزامها جسماً ذا كيفيّة وجهة ووضع خاصّ .
هذا ، وتمسّك محدّثوهم بالأخبار النافية للرؤية ، وأوّلوا جميع الآيات والروايات التي تثبتها بحملها على المجاز ونحو ذلك .
وأنت خبير بأنّ دليلهم مخصوص بنفي الرؤية البصرية ، ولا يدّعيها أحد غير شرذمة من متكلّمي العامّة وظاهريِّيهم على ما ينسب إليهم والأخبار النافية ، في مقام الردّ عليهم ، كما هو ظاهر لمَن راجع مناظراتهم واحتجاجاتهمعليهمالسلام .
بل المثبتون للرؤية والشهود إنّما يثبتون شيئاً آخر ، وهو شهود الموجود الإمكاني ـ على فقره وعدم استقلال ذاته المحض ، بتمام وجوده الإمكاني ، لا بالبصر الحسّي أو الذهن الفكري ـ وجود مبدعه الغني المحض .
وهذا معنى يثبته البراهين القاطعة ، ويشهد عليه ظواهر الكتاب والسُّنّة ، بل مقتضى البراهين استحالة انفكاك الممكن عن هذا الشهود وإنّما المطلوب العلم بالشهود ، وهو المعرفة ، لا أصل الشهود الضروري ، وهو العلم الحضوري .
ـــــــــــــ
(١) ليس في الأصل وإنّما اختاره المحقّق .
وبالجملة : لكون عمدة نفيهم متوجّهة إلى ذلك ؛ خصّصنا بعض أدلّتها بالذِّكر ، والباقي محول إلى ما سيجيء إن شاء الله .
قال تعالى : ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) (١) .
وقال :( وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى ) (٢) .
وقال :( وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ ) (٣) .
وقال :( وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ ) (٤) .
وقال :( وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) (٥) .
وقال :( أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ ) (٦) .
ـــــــــــــ
(١) سورة القيامة : الآيتان ٢٢ و ٢٣ .
(٢) سورة النجم : الآية ٤٢ .
(٣) سورة العنكبوت : الآية ٢١ .
(٤) سورة الخرف : الآية ١٤ .
(٥) سورة المائدة : الآية ١٨ .
(٦) سورة الشورى : الآية ٥٣ .
وقال :( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) (١) .
وقال :( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ ) (٢) .
وقال :( مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ ) (٣) .
أقول : وهذان اللفظان ، أعني (اللقاء) و(الرجوع) كثير الدور في الكتاب والسُّنّة .
وقال سبحانه :( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاء رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ ) (٤) .
وسياق الآية الأُولى ، وهو قوله :( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ ) إلى :(حَتَّى يَتَبَيَّنَ ) ، يعطي أنّ المراد بالشهيد هو المشهود دون الشاهد .
وكذلك قوله :( أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاء رَبِّهِمْ ) ، وهذا كالاعتراض ، وجوابه قوله سبحانه :( أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ ) .
وسياق هذه الآية الأخيرة ، وهو قوله : (أَلَا إِنَّهُ) ينافي ما يقولون : إنّ معنى اللقاء هو الموت ، أو القيامة مجازاً ؛ لبروز آياته وظهور حقّيّته سبحانه يومئذٍ ، فكأنّه تعالى مرئي مشاهد لا يراب فيه ؛ وذلك لأنّه سبحانه ردّ عليهم ريبهم في لقائه بإحاطته بكلِّ شيء ، وإحاطته في الدنيا ويوم الموت ويوم القيامة سواء ، فلا وجه لتعبيره عن الموت أو عن القيامة من جهة إحاطته باللقاء .
ـــــــــــــ
(١) سورة البقرة : الآية ٢٤٥ .
(٢) سورة السجدة : الآية ٢٣ .
(٣) سورة العنكبوت : الآية ٥ .
(٤) سورة فصّلت : الآيتان ٥٣ و ٥٤ .
على أنّ الآية حينئذٍ لا ترتبط بالآية السابقة ، بل معنى الآية ـ والله العالم ـ كفى في حقّيّته وثبوته سبحانه أنّه مشهود على كلّ شيء ، لكن يريهم آياته في الآفاق وفي أنفسهم لارتيابهم في شهوده ولقائه ، ولا يجوز لهم وكيف يجوز لهم الارتياب والامتراء وهو بكلّ شيء محيط ، فهو الأوّل والآخر ، والظاهر والباطن عند كلّ شيء ،( فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ ) (١) ،( مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ ) (٢) ،( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ) (٣) .
والذي هذا شأنه ، لا يتأنّى الامتراء في شهوده ولقائه ، لكن يجوز الشكّ في أنّ آياته ستظهر ظهوراً لا ارتياب فيه من هذه الجهة ، فافهم .
وهذا الذي ذكرناه لا ينافي ما رواه في (التوحيد) عن عليّعليهالسلام ، أنّ ما ورد في القرآن من كلمة اللقاء فُهم منه البعث ، الحديث [ توحيد الصدوق / ص ٢٦٧ ] فإنّ كلامنا في المفهوم المستعمل فيه ، كما هو ظاهر ، دون المصداق فمن المعلوم أنّ البعث من مصاديق اللقاء كما سيأتي جملة من الآيات والروايات في ذلك ، وكما هو ظاهر قوله سبحانه : ( وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـذَا ) (٤) ، وقوله سبحانه :( وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ كَافِرُونَ ) (٥) .
ومن الروايات ما في (المحاسن) ، مسنداً عن زُرارة ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله تعالى : ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ) (٦) ، قال :(كان ذلك معاينة الله ، فأنساهم المعاينة ، وأثبت الإقرار في صدورهم ولولا
ـــــــــــــ
(١) سورة البقرة : الآية ١١٥ .
(٢) سورة المجادلة : الآية ٧ .
(٣) سورة الحديد : الآية ٤ .
(٤) سورة الأنعام : الآية ١٣٠ .
(٥) سورة السجدة : الآية ١٠ .
(٦) سورة الأعراف : الآية ١٧٢ .
ذلك ، ما عرف أحد خالقَه ولا رازقَه ، وهو قول الله : ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) (١) ) (٢) .
ومنها : ما في (تفسير القمّي) مسنداً عن ابن مُسْكان ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، في قوله تعالى :( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ) (٣) إ لى قوله : (بَلَى) ، قلت : معانية كان هذا ؟ قال :(نعم ، فثبتت المعرفة ، ونسوا الموقف ، وسيذكرونه ولولا ذلك ، لم يدرِ أحد مَن خالقُه ورازقه ، فمنهم مَن أقرَّ بلسانه في الذرّ ولم يؤمن بقلبه فقال : ( فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ ) (٤) ) (٥) .
ومنها : ما في (تفسير العياشي) عن زرارة ، قال : سألت أبا جعفرعليهالسلام عن قول الله :( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ ) إلى : (أَنفُسِهِمْ) ، قال :(أخرج الله من ظهر آدم ذرّيته إلى يوم القيامة ، فخرجوا كالذرّ ، فعرّفهم نفسه ، واراهم نفسه ، ولولا ذلك ما عرف أحد ربّه ، وذلك قوله : ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) (٦) ) (٧) .
ومنها : ما في (التوحيد) مسنداً عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال : قلت له : أخبرني عن الله عزّ وجلّ هل يراه المؤمنون يوم القيامة ؟ قال :(نعم ، وقد رأوه قبل يوم القيامة) ، فقلت : متى؟ قال :(حين قال لهم : ( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى ) (٨) ) ، ثمّ سكت ساعة ، ثمّ قال :(وإنّ المؤمنين ليرونه في الدنيا قبل يوم
ـــــــــــــ
(١) سورة الزخرف : الآية ٨٧ .
(٢) المحاسن : ١ / ٤٣٨ ، كتاب مصابيح الظلم ، ٤٣ ـ باب بدء الخلق ، الحديث ١٠١٥ / ٤١٧ .
(٣) سورة الأعراف : الآية ١٧٢ .
(٤) سورة الأعراف : الآية ١٠١ .
(٥) تفسير القمّي : ١ / ٢٤٨ ، تفسير سورة الأعراف : الآية ٢٤٨ .
(٦) سورة لقمان : الآية ٢٥ .
(٧) تفسير العيّاشي : ٢ / ١٧٣ ، تفسير سورة الأعراف : الآية ١٠١ ، ت ١٦٥٤ / ١١٢ .
(٨) سورة الأعراف : الآية ١٧٢ .
القيامة ، ألست تراه في وقتك هذا ؟ ) ، قال أبو بصير : فقلت له : جعلت فداك ، فأُحدِّث بهذا عنك ؟ فقال :(لا ، فإنّك إذا حدَّثت به فأنكره منكر ، جاهل بمعنى ما تقوله ، ثمّ قدّر أنّ ذلك تشبيه كَفَر (١) وليست الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين ، تعالى الله عمّا يصفه المشبّهون والملحدون) (٢) .
ومنها : ما في (التوحيد) عن هشام ـ في حديث الزنديق ـ حين سأل الصادقعليهالسلام عن حديث نزوله إلى سماء الدنيا ، فأجاب :(بأنّه ليس كنزول جسم عن جسم إلى جسم) ، إلى أن قال :(ولكنّه ينزل إلى سماء الدنيا بغير معاناة ولا حركة ، فيكون هو كما في السماء السابعة على العرش ، كذلك في سماء الدنيا ، إنّما يكشف عن عظمته ، ويُري أولياءه نفسه حيث شاء ، ويكشف ما شاء من قدرته ، ومنظره بالقرب والبعد سواء) (٣) .
ومنها : ما في (التوحيد) عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، في حديث :(وسأل موسى وجرى على لسانه من حمد الله عزّ وجلّ : ربِّ أرني أنظُرْ إليك فكانت مسألته تلك أمراً عظيماً ، وسأل أمراً جسيماً ، فعوقب ، فقال الله تبارك وتعالى : لن تراني في الدنيا حتّى تموت ، فتراني في الآخرة) (٤) ـ الحديث .
ومنها : ما في عدّة من أخبار الجنّة: (أنّ الله سبحانه يتجلّى فيها لوليّه ، ثمّ يقول له : ولك في كلّ جمعة زورة) (٥) .
ـــــــــــــ
(١) كَفَرَ : فعل ماض جواب إذا .
(٢) التوحيد : ١١٣ ، باب ما جاء في الرؤية ، الحديث ٢٠ .
(٣) انظر هامش التوحيد : ٢٤٢ ، باب الردّ على الثنويّة والزنادقة ، الحديث ١ ، طبع ونشر مؤسّسة النشر الإسلامي / جامعة المدرّسين بحار الأنوار : ٣ / ٣٣٠ ، كتاب التوحيد ، باب ١٤ ـ نفي الزمان والحركة والانتقال عنه تعالى ، الحديث ٣٥ .
(٤) التوحيد : ٢٥٦ ، باب الردّ على الثنويّة والزنادقة ، الحديث ٥ .
(٥) بحار الأنوار : ٨ / ٢١٥ ، باب ٢٣ ـ الجنّة ونعيمها ، الحديث ٢٠٥ .
وفي (جوامع الجامع) ، الحديث :(سَتَرَون ربّكم كما ترون القمر ليلة البدر) (١) .
ومن الروايات ما ورد في خصوص رسول الله والأئمّةعليهمالسلام ، ففي (التوحيد) مسنداً عن محمّد بن الفضيل ، قال : سألت أبا الحسنعليهالسلام : هل رأى رسول الله ربّه عزّ وجلّ ؟ فقال :(نعم ، بقلبه رآه ، أمَا سمعت الله عزّ وجلّ يقول : ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) (٢) ، أي لم يره بالبصر ولكن رآه بالفؤاد) (٣) .
ومنها : ما في (التوحيد) عن الرضاعليهالسلام في حديث :(كان ( يعني رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم )إذا نظر إلى ربّه بقلبه ، جعله في نور مثل نور الحجب ، حتّى يستبين له ما في الحجب) (٤) .
ومنها : ما في (كامل الزيارة) لابن قولويه ، مسنداً عن ابن أبي يعفور ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال :(بينما رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في منزل فاطمة عليهاالسلام والحسين في حجره ؛ إذ بكى وخرّ ساجداً ، ثمّ قال : يا فاطمة ، يا بنت محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم ، إنّ العليَّ الأعلى تراءى لي في بيتك هذان في ساعتي هذه ، في أحسن صورة وأهيَأ هيئة ، وقال لي : يا محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم ، أتحبُّ الحسين عليهالسلام ؟ فقلت : نعم ، قرّة عيني ، وريحانتي ، وثمرة فؤادي ، وجلدة ما بين عينيّ ، فقال لي : يا محمّد ، ووضع يده على رأس الحسين بورك من مولود عليه بركاتي وصلواتي ورحمتي ورضواني) (٥) ـ الحديث .
ومنها : قول أمير المؤمنينعليهالسلام مستفيضاً :(لم أعبد ربّاً لم أره) (٦) .
ـــــــــــــ
(١) تفسير جوامع الجوامع / الطبرسي : ١ / ٧٠٠ ، تفسير سورة الأعراف : ١٤٣ ـ ١٤٥ بحار الأنوار : ٩١ / ٢٥١ ، باب ٤٠ ـ أحراز مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام ، الحديث ١١ .
(٢) سورة النجم : الآية ١١ .
(٣) التوحيد : ١١٢ ، باب ما جاء في الرؤية ، الحديث ١٧ .
(٤) المصدر المتقدّم : ١١٠ ، الحديث ١٣ .
(٥) كامل الزيارات : ١٤١ ، باب لعنُ الله تبارك وتعالى ولعن الأنبياء قاتلَ الحسين بن عليّعليهالسلام ، الحديث ١٦٦ / ١ .
(٦) الكافي : ١ / ١١٩ ، باب في إبطال الرؤية ، الحديث ٢٦٠ / ٦ .
ومنها : قولهعليهالسلام :(ما رأيت شيئاً إلاّ ورأيت الله قبله) (١) .
وبالجملة ، فالأخبار في هذا المعنى كثيرة جدّاً ، مستفيضة أو متواترة .
وليس المراد من الرؤية فيها هو قوّة العلم الحاصل بالدليل ؛ فإنّه علم فكري ، والأخبار الكثيرة الأُخرى تنفي كونه معرفة بالحقيقة ، فضلاً عن كونه رؤية وشهوداً ، فإذن المطلوب ثابت ، والحمد لله .
الفصل الرابع : في أنّ الطريق إلى هذا الكمال ـ بعد إمكانه ـ ما هو؟
نقول : حيث إنّ نسبة الحقائق إلى ما في هذه النشأة المادية والنفس البدنيّة نسبة الباطن إلى الظاهر ، وكلّ خصوصيّة وجوديّة متعلّقة بالظاهر ، متعلّقةٌ بباطنه بالحقيقة ، وبنفس الظاهر بعَرضه وتبعه ، فالإدراك الضروري الذي للنفس إلى نفسها متعلّقة بباطنها أوّلاً وبالحقيقة ، وبنفسها بعرضه وتبعه .
فالحقيقة التي في باطن النفس أقدم إدراكاً عند النفس من نفسها وأبده ، وما هي في باطن باطنها أقدم منها وأبده البديهيّات .
وحيث إنّ الوجود صرف عندها ، لا يتصوّر له ثانٍ ولا غير ، فلا يتصوّر بالنسبة إلى إدراكها دفع دافع ، ولا منع مانع ، وهذا برهان تامّ غير مدفوع البتّة .
ثمّ نقول : إنّ كلّ حقيقة موجودة ، فهي مقتضية لتمام نفسها في ذاتها وعوارضها وهذه مقدّمة ضروريّة في نفسها ، غير أنّها محتاجة إلى تصوّر تامّ : فإذا فرضنا حقيقة مثل (أ) مثلاً ، ذات عوارض مثل : (ب) (ج) (د) , فهذه الحقيقة في ذاتها تقتضي أن تكون (أ) , لا ناقصاً من (أ) والناقص من (أ) ليس هو (أ) , وقد فرضناها (أ) .
وأيضاً هي تقتضي عوارض مثل : (ب) (ج) (د) , وهي هي والناقص من (ب) (ج) (د) , ليس هو (ب) , ليس هو (ب) (ج) (د) , وقد فرضناها (ب) (ج) (د) لا غير ، وهو ظاهر .
وهذا الذي تقتضيه كلّ حقيقة في ذاتها وعوارضها ، هو الذي نسمّيه بالكمال والسعادة .
ـــــــــــــ
(١) شرح الأسماء الحسنى / الملاّ هادي السبزواري : ١ / ٤ نظرات في التصوّف والكرامات / محمّد جواد مغنية : ٧١ ، صدر المتألّهين ، ولكن ورد فيها : (ما رأيت شيئاً إلاّ رأيت الله معه) .
ثمّ ِإنّ حقيقة كلّ كمال هي التي تتقيّد في ذاتها بقيد عدمي ، وهو النقص ، فإنّ كلّ كمال فهو في ذاته واجد لذاته ، فلا يفقد من ذاته شيئاً إلاّ من جهة قيد عدمي معه بالضرورة فحقيقة (أ) مثلاً واجدة لما فرض أنّه (أ) فانفصال وجود هذا الشخص من (أ) من ذلك الشخص من (أ) ، ليس إلاّ لوجود قيد عدمي عند كلّ واحد من الشخصين ؛ يوجب فقد حقيقة (أ) في كلّ منهما شيئاً من ذاتها لا من عوارضها ، وهو محال بالانقلاب أو الخلف ، بالنظر إلى ذات (أ) المفروض في ذاته ، بل الفاقد لخصوصيّة هذا الشخص هو ذلك الشخص من (أ) .
فلحقيقة (أ) مرتبتان : مرتبةٌ في ذاتها لا تفقد فيها شيئاً من ذاتها ، ومرتبةٌ عند هذا الشخص وعند ذلك الشخص ، فيها يصير شيء من كمالها مفقوداً .
وليس ذلك من التشكيك في شيء ؛ فإنّا إذا فرضنا هذا الشخص مرتبة منها ، فهو أيضاً (أ) وعاد المحال ، بل الشخص بحيث إذا فرض معه الحقيقة كان هذا الشخص ، وإذا قطع عنها النظر لم يكن شيئاً ؛ إذ لا يبقى معه إلاّ قيد عدمي ، فهو هو معها وليس هو دونها ، فليس في مورد الشخص إلاّ الحقيقة ، والشخص أمر عدمي وهمي اعتباري وهذا المعنى هو الذي نصطلح عليه بالظهور ، فافهم.
ويظهر من هنا أنّ حقيقة كلّ كمال هو المطلق المرسل الدائم منه ، وأنّ قرب كلّ كمال من حقيقته بمقدار ظهور حقيقته فيه ، أي اقترانها بالقيود والحدود فكلّ ما ازدادت القيود قلّ الظهور ، وبالعكس .
ويظهر من هنا أنّ الحقّ سبحانه هو الحقيقة الأخيرة لكلّ كمال ، حيث إنّ له صِرف كلّ كمال وجمال ، وأنّ قرب كلّ موجود منه على قدر قيوده العدميّة وحدوده .
ويظهر من ذلك أنّ وصول كلِّ موجود إلى كماله الحقيقي مستلزم لفنائه ، حيث إنّه مستلزم لفناء قيوده وحدوده في ذاته ، أو في عوارضه فقط ، وبالعكس ، فناءُ كلِّ موجود مستلزم لبقاء حقيقته في مورده فقط ، قال تعالى :( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) (١) .
فالكمال الحقيقي لكلّ موجودٍ ممكنٍ هو الذي يفنى عنده ، فالكمال الحقيقي للإنسان أيضاً هو الذي يصير عند كماله الإنساني مطلقاً مرسلاً ، ويفنى عنده الإنسان لا كمال له غير ذلك البتّة .
وقد مرّ في البرهان السابق أنّ شهود الإنسان لذاته الذي هو عين ذاته ، شهود منه لجميع حقائقه ولحقيقته الأخيرة ، وحيث أنّه فان ٍعند ذلك ؛ فالإنسان شاهد في عين فنائه .
وإن شئت قلت : إنّ حقيقته هي الشاهدة لنفسها ، والإنسان فانٍ .
هذا ، فالكمال الحقيقي للإنسان وصولُه إلى كماله الحقيقي ذاتاً وعوارض ؛ أي وصوله إلى كماله الأخير ذاتاً ووصفاً وفعلاً ، أي فنائه ذاتاً ووصفاً وفعلاً في الحقّ سبحانه ؛ وهو التوحيد الذاتي والاسمي والفعلي ، وهو تمكّنه من شهود أن لا ذات ولا وصف ولا فعل إلاّ لله سبحانه ، على الوجه اللائق بقُدس حضرته جلّت عظمته ، من غير حلول واتّحاد ـ تعالى عن ذلك .
وهذا البرهان من مواهب الله سبحانه المختصّة بهذه الرسالة والحمد لله .
ثمّ إنّ المتحصّل من البرهان المذكور في أوّل الفصل أنّ شهود هذه الحقائق ومعرفتها منطوية في شهود النفس ومعرفتها ، فأقرب طُرق الإنسان إليها طريق معرفة النفس وقد تحصّل أيضاً سابقاً أنّ ذلك بالإعراض عن غير الله ، والتوجّه إلى الله سبحانه .
ـــــــــــــ
(١) سورة الرحمن : الآيتان ٢٦ ـ ٢٧ .
تتمّة :
إذا تتبّعنا الكتاب والسُّنّة ، وتأمّلنا فيها تأملاً وافياً ، وجدنا أنّ المدار في الثواب والعقاب ، هو الإطاعة والانقياد ، والتمرّد والعناد فمن المسلّم المحصّل منهما أنّ المعاصي ـ حتّى الكبائر الموبقة ـ لا توجب عقاباً إذا صدرت ممّن لا يشعر بها أو ممَّن يجري مجراه ، وأنّ الطاعات لا توجب ثواباً إذا صدرت من غير تقرّب وانقياد ، إلاّ إذا كانت ممّا الانقياد ملازم لذاته كبعض الأخلاق الفاضلة الشريفة .
وكذلك صدور المعصية ممّن لا يشعر بكونها معصية ، إذا قصد الإطاعة ، لا يخلو من حسن ، وصدور الطاعة بقصد العناد واللعب لا يخلو من قبح وكذلك مراتب الطاعة والعصية تختلف حسب اختلاف الانقياد والتمرّد اللذين تشتمل عليهما ؛ فقد ورد :(أفضل الأعمال أحمزها) (١) . وورد متواتراً في متفرّقات أبواب الطاعات والمعاصي اختلاف مراتبها فضلاً وخسّة ، وثواباً وعقاباً والعقل السليم ـ أيضاً ـ حاكم بذلك وأكثر الآيات القرآنيّة تحيل الناس إلى ما يحكم به العقل والميزان ـ بناءً على حكم العقل ـ هو الانقياد للحقّ والعناد لا غير ، وهذان أمران مختلفان بحسب المراتب بالضرورة .
وحيث إنّ السعادة والشقاوة تدوران مدارهما ، فلهما عرض عريض بحسب المراتب الموجودة من الانقياد والتمرّد .
ومن هنا يظهر أنّ المختصّ من السعادة بالمنتحل بدين الحقّ ، إنّما هو كمالها وأمّا مطلق السعادة ، فغير مختصّ بالمنتحل بدين الحقّ ، بل ربّما وجد في غير المنتحل أيضاً ، إذا وجد فيه شيء من الانقياد ، أو فقد شيء من العناد بحسب المرتبة .
ـــــــــــــ
(١) بحار الأنوار : ٧٩ / ٢٢٨ ، كتاب الصلاة ، باب ١ ـ فضل الصلاة وعقاب تاركها ، الحديث ٥٥ مفتاح الفلاح : ٤٥ ، الباب الأوّل : فيما يعمل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، فصل ، وقد ورد : (أفضل العبادة أحمزها) ـ انظر شرح نهج البلاغة : ١٠ / ٥٠ ، حِكم أمير المؤمنينعليهالسلام ، الحكمة رقم ٢٤٦ .
وهذا هو الذي يحكم به العقل ويظهر من الشرع ، فإنّما الشرع يعيّن حدود ما حكم به العقل ، كما في الحديث المشهور عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال :(إنّما بعثت لأُتمّم مكارم الأخلاق) (١) .
وذلك كما ورد في كسرى وحاتم أنّهما غير معذّبين لوجود صفتي العدل والجود فيهما .
وفي (الخصال) عن الصادق ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن عليّعليهمالسلام ، قال :
(إنّ للجنّة ثمانية أبواب :
باب يدخل منه النبيُّون والصدّيقون .
وباب يدخل منه الشهداء والصالحون .
وخمسة أبواب يدخل منها شيعتنا ومحبّونا فلا أزال واقفاً على الصراط أدعو وأقول : ربّ سلِّم شيعتي ومُحبّيَّ وأنصاريَ ومَن تولاّني في دار الدنيا ، فإذا النداء من بُطنان العرش : قد أُجيبت دعوتك ، وشُفّعت في شيعتك ويشفع كلُّ رجل من شيعتي ومَن تولاّني ونصرني وحارب مَن حاربني ، بفعل أو قول ، في سبعن ألف من جيرانه وأقربائه .
وباب يدخل منه سائر المسلمين ، ممّن يشهد أن لا إله إلاّ الله ، ولم يكن في قلبه مثقال ذرّة من بغضنا أهل البيت) (٢) .
وفي (تفسير القمّي) مسنداً عن ضُريس الكناسي ، عن أبي جعفرعليهالسلام ، قال : قلت له : جُعلت فداك ، ما حال الموحّدين المقرّين بنبوّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم من المذنبين الذين يموتون وليس لهم إمام ، ولا يعرفون ولايتكم ؟ فقال :
(أمّا هؤلاء ، فإنّهم في حُفرهم لا يخرجون منها فمَن كان له عمل صالح ، ولم يظهر منه عداوة ، فإنّه يُخدُّ له خدّاً إلى الجنّة التي خلقها الله بالمغرب ، فيدخل عليه الروحُ في حفرته إلى يوم القيامة ، حتّى يلقى الله ، فيحاسبه بحسناته وسيّئاته ، فإمّا إلى الجنّة وإمّا إلى النّار ، فهؤلاء المُرجَون لأمر الله) .
ـــــــــــــ
(١) مستدرك الوسائل : ١١ / ١٨٧ ، باب استحباب التخلّق بمكارم الأخلاق ، الحديث ١٢٧٠١ / ١ .
(٢) الخصال : ٢ / ٤٠٧ ، باب الثمانية ـ للجنّة ثمانية أبواب ، الحديث ٦ .
قال :(وكذلك يفعل بالمستضعفين والبُلّه والأطفال وأولاد المسلمين الذين لم يبلغوا الحُلم وأمّا النصّاب من أهل القبلة ، فإنّه يخدُّ لهم خدّاً إلى النار التي خلقها الله في المشرق ، فيدخل عليهم اللهب والشَّرَر والدخان وفورة الحميم إلى يوم القيامة ، ثمّ بعد ذلك مصيرهم إلى الجحيم) (١) .
وفي دعاء كميل المروي عن عليّعليهالسلام :
(فباليقين أقطع لولا ما حكمت به من تعذيب جاحديك ، وقضيت به من إخلاد معانديك ، لجعلت النّار كلّها برداً وسلاماً ، وما كانت لأحد فيها مقرّاً ولا مقاماً ، لكنّك تقدَّست أسمائك ، أقسمت أن تملأها من الكافرين ، من الجنّة والنّاس أجمعين ، وأن تخلّد فيها المعاندين) (٢) ـ الدعاء .
وأكثر الآيات القرآنيّة إنّما توعد الذين قامت لهم البيّنة ، وتمّت عليهم الحجّة ، وتقيّد الكفر بالجحود والعناد ، قال تعالى : ( وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ) (٣) ، وقال تعالى : ( لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ) (٤) .
وبالجملة : فالميزان كلّ الميزان في السعادة والشقاوة ، والثواب والعقاب ،
ـــــــــــــ
(١) تفسير القمّي : ٢ / ٢٦٠ ، تفسير سورة غافر : الآية ٧٥ .
(٢) المصباح / الكفعمي : ٥٥٩ ، دعاء أمير المؤمنينعليهالسلام في ليلة نصف من شعبان .
(٣) سورة المائدة : الآية ١٠ و ٨٦ .
(٤) سورة الأنفال : الآية ٤٢ .
هو سلامة القلب وصفاء النفس ، قال سبحانه :( يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) (١) ، وقال سبحانه :( يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ) (٢) .
وجميع الملل الإلهية تروم في تربية الناس هذا المرام وهذا مسلّم من سلائقها وما تندب إليها ، وهو الذي يراه الحكماء المتألّهون من السابقين .
وأمّا شريعة الإسلام ، فأمرها في ذلك أوضح ، غير أنّها ـ كما مرّ في أوار الفصل الثاني ـ تدعو إلى كلّ سعادة ممكنة إلاّ أنّ معرفة الربّ من طريق النفس حيث كانت أقرب طريقاً ، وأتمّ نتيجة ، فإتيانها لها أقوى وآكد ؛ ولذلك ترى الكتاب والسُّنّة يقصدان هذا المقصد ، ويدعوان إلى هذا المدّعى بأيّ لسان أمكن :
قال سبحانه :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) (٣) ، وهذه الآية كعكس النقيض ؛ لقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الحديث المشهور بين الفريقين :(مَن عرف نفسه عَرف ربّه) (٤) ، أو : (فقد عرف ربّه) (٥) .
قال سبحانه :( عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) (٦) .
ـــــــــــــ
(١) سورة الشعراء : الآيتان ٨٨ و ٨٩ .
(٢) سورة الطارق : الآية ٩ .
(٣) سورة الحشر : الآيتان ١٨ و ١٩ .
(٤) غرر الحكم : ٢٣٢ ، معرفة النفس وعلائمه ، الحديث ٤٦٣٧ .
(٥) بحار الأنوار : ٢ / ٣٢ ، باب ٩ ـ استعمال العلم والإخلاص في طلبه ، الحديث ٢٢ .
(٦) سورة المائدة : الآية ١٠٥ .
وقد روى الآمدي في كتاب (الغرر والدرر) من كلمات عليّعليهالسلام القصار ، ما يبلغ نيفاً وعشرين حديثاً في معرفة النفس(١) ، منها : أنّهعليهالسلام قال :(الكيّس مَن عرف نفسه وأخلص أعماله) .
وقالعليهالسلام :(المعرفة بالنفس أنفع المعرفتين)
وقالعليهالسلام :( العرَّاف مَن عرف نفسه فأعتقها ، ونزّهها عن كلّ ما يبعّدها ويوبقها) .
وقالعليهالسلام :(أعظم الجهل جهل الإنسان أمر نفسه) .
وقالعليهالسلام : (أكثر الناس معرفة لنفسه أخوفهم لربّه) .
وقالعليهالسلام :(أفضل العقل معرفة الإنسان [المرء]نفسه ، فمَن عرف نفسه عقل ، ومَن جهلها ضلّ) .
وقالعليهالسلام :(عجبت لمَن ينشد ضالّته ، وقد أضلّ نفسه فلا يطلبها ؟! ) .
وقالعليهالسلام :(عجبت لمَن يجهل نفسه كيف يعرف ربّه ؟! ) .
وقالعليهالسلام :(غاية المعرفة أن يعرف المرء نفسه) .
وقالعليهالسلام :(كيف يعرف غيره مَن يجهل نفسه ؟! ) .
وقالعليهالسلام :(كفى بالمرء معرفة أن يعرف نفسه) .
وقالعليهالسلام :(كفى بالمرء جهلاً أن يجهل نفسه) .
وقالعليهالسلام :(مَن عرف نفسه تجرّد) .
وقالعليهالسلام :(مَن عرف نفسه جاهدها) .
وقالعليهالسلام :(مَن جهل نفسه أهملها) .
وقالعليهالسلام :(مَن عرف نفسه عرف ربّه) .
ـــــــــــــ
(١) غرر الحكم : ٢٣٢ ، معرفة النفس وعلائمه ـ جهل النفس ، الحديث ٤٦٢٩ وما بعده .
وقالعليهالسلام :(مَن عرف نفسه جلّ أمره) .
وقالعليهالسلام :(مَن جهل نفسه كان بغيره أجهل) .
وقالعليهالسلام :(مَن عرف نفسه كان لغيره أعرف) .
وقالعليهالسلام :(مَن عرف نفسه فقد انتهى إلى غاية كلّ معرفة وعلم) .
وقالعليهالسلام :(مَن لم يعرف نفسه بَعُد عن سبيل النجاة ، وخبط في الضلال والجهالات) .
وقالعليهالسلام :(معرفة النفس أنفع المعارف) .
وقالعليهالسلام :(نال الفوز الأكبر مَن ظفر بمعرفة النفس) .
وقالعليهالسلام : (لا تجهل نفسك ، فإنّ الجاهل معرفة نفسه جاهل بكلّ شيء) .
أقول : وهذه الأحاديث تدفع ـ كما ترى ـ تفسير مَن يُفسّر من العلماء (رحمه الله) قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم :(مَن عرف نفسه فقد عرف ربّه) (١) ـ الحديث ، بأنّ المراد : استحالة معرفة النفس لتعلُّيقها بمعرفة الربّ ، وهو مستحيل ويدفعه الروايات السابقة ، وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (أعرفكم بنفسه أعرفكم بربّه) (٢) ـ الحديث النبوي .
مع أنّ معرفته سبحانه لو كانت مستحيلة ، فإنّما هي المعرفة الفكريّة من طريق الفكر ، لا من طريق الشهود ومع التسليم ، فإنّما المستحيل معرفته بمعنى الإحاطة التامّة .
وأمّا المعرفة بقدر الطاقة الإمكانيّة ، فغير مستحيلة .
هذا ، وبالجملة : فكون معرفة النفس أفضل الطرق وأقربها إلى الكمال ، ممّا لا ينبغي الريب فيه ، وإنّما الكلام في كيفيّة السير من هذا المسير .
ـــــــــــــ
(١) تقدّم ذكره في الصفحة ٢٣٧ ، الهامش رقم ٥ .
(٢) جامع الأخبار : ٤ ، الفصل الأوّل : في معرفة الله تعالى .
فقد زعم البعض أنّ كيفيّة السير من هذا الطريق غير مبيّنة شرعاً ، حتّى ذكر بعض المصنّفين أنّ هذا الطريق في الإسلام كطريق الرهبانيّة التي ابتدعتها النصارى من غير نزول حكم إلهي به ، فقبل الله سبحانه ذلك منهم ، فقال سبحانه : ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ) الآية(١) .
قال : فكذلك طريق معرفة النفس غير واردة في الشريعة ، إلاّ أنها طريقة إلى الكمال مرضيّة ، انتهى ملخّصاً .
ومن هنا ربّما يوجب عند بعض أهل هذا الطريق ، وجوه من الرياضات ومسالك مخصوصة ، لا تكاد توجد ـ أو لا توجد ـ في مطاوي الكتاب والسُّنّة ، ولم يشاهَد في سيرة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والأئمّة من أهل بيتهعليهمالسلام .
وذلك كلّه بالبناء على ما مرّ ذكره ، وأنّ المراد هو العبور والوصول بأيّ نحو أمكن بعد حفظ الغاية وكذلك الطُّرق المأثور عن غير المسلمين من متألّهي الحكماء وأهل الرياضة ، كما هو ظاهر لمَن راجع كتبهم ، أو الطُّرق المأثورة عنهم .
لكنّ الحقّ الذي عليه أهل الحقّ ، وهو الظاهر من الكتاب والسُّنّة ، أنّ شريعة الإسلام لا تجوّز التوجّه إلى غير الله سبحانه للسالك إليه تعالى بوجه من الوجوه ، ولا الاعتصام بغيره سبحانه إلاّ بطريق أمرَ بلزومه وأخْذِه .
وإنّ شريعة الإسلام لم تهمل مثقال ذرّة من السعادة والشقاوة إلاّ بيّنتها ، ولا شيئاً من لوازم السير إلى الله سبحانه ، يسيراً أو خطيراً ، إلاّ أوضحتها ، فلكلّ نفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت ، قال سبحانه : ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ) (٢) ،
ـــــــــــــ
(١) سورة الحديد : الآية ٢٧ .
(٢) سورة النحل : الآية ٨٩ .
وقال سبحانه : ( وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ) (١) ، وقال سبحانه :( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ ) (٢) ، وقال سبحانه :( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (٣) إلى غير ذلك .
والأخبار في هذا المعنى من طريق أهل البيت مستفيضة ، بل متواترة .
وممّا يظهر أنّ حظّ كلّ امرئ من الكمال بمقدار متابعته للشرع ، وقد عرفت أنّ هذا الكمال أمر مشكّك ذو مراتب ونِعم ما قال بعض أهل الكمال : إنّ المَيل من متابعة الشرع إلى الرياضات الشاقّة ، فرار من الأشقّ إلى الأسهل ، فإنّ الشرع قتل مستمرّ للنفس ، دائمي ما دامت موجودة ، والرياضة الشاقّة قتل دفعي ، وهو أسهل إيثاراً .
وبالجملة : فالشرع لم يهمل بيان كيفيّة السير من طريق النفس .
بيان ذلك : أ نّ العبادة تتصّور على ثلاثة أقسام :
أحدها : العبادة طمعاً في الجنّة .
والثاني : العبادة خوفاً من النار .
والثالث : العبادة لوجه الله ، لا خوفاً ولا طمعاً .
وغير القسم الثالث ، حيث إنّ غايته الفوز بالراحة أو التخلّص من العذاب ، فغايته حصول مشتهى النفس فالتوجّه فيه إلى الله سبحانه إنّما هو لحصول مشتهى النفس ، ففيه جعل الحقّ سبحانه واسطة لحصول المشتهى .
والواسطة ، من حيث هي واسطة ، غير مقصودة إلاّ بالتبع والعَرض ، فهي بالحقيقة ليست إلاّ عبادة للشهوة .
ـــــــــــــ
(١) سورة الروم : الآية ٥٨ .
(٢) سورة آل عمران : الآية ٣١ .
(٣) سورة الأحزاب : الآية ٢١ .
بقي القسم الثالث ، وهو العبادة بالحقيقة ، وقد وقع التعبير عنه مختلفاً ، ففي (الكافي) مسنداً عن هارون ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال :(إنّ العبّاد ثلاثة : قوم عبدوا الله عزّ وجلّ خوفاً ، فتلك عبادة العبيد وقوم عبدوا الله تبارك وتعالى طلب الثواب ، فتلك عبادة الأُجراء وقوم عبدوا الله عزّ وجلّ حبّاً له ، فتلك عبادة الأحرار ، وهي أفضل العبادة) (١) .
وفي (نهج البلاغة) :(أنّ قوماً عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجّار ، وأنّ قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد ، وأنّ قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار) (٢) .
وفي (العلل) ، و(المجالس) ، و(الخصال) : مسنداً عن يونس ، عن الصادق جعفر بن محمدعليهالسلام : (أنّ النّاس يعبدون الله عزّ وجلّ على ثلاثة أوجه : فطبقة يعبدونه رغبة في ثوابه ، فتلك عبادة الحرصاء ، وهو الطمع وآخرون يعبدونه خوفاً من النار ، فتلك عبادة العبيد ، وهي رهبة ولكنّي أعبده حبّاً له عزّ وجلّ ، فتلك عبادة الكرام ، وهو الأمن ؛ لقوله عزّ وجلّ : ( وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ) (٣) ، ولقوله عزّ وجلّ : ( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ) (٤) . فمَن أحبّ الله عزّ وجلّ أحبّه اللهُ ، ومَن أحبّه الله كان من الآمنين وهذا مقام مكنون لا يمسُّه إلاّ المطهّرون) (٥) .
وعن (المناقب) :(كان ( يعني رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم )يبكي حتى يغشى عليه ، فقيل له :
ـــــــــــــ
(١) الكافي : ٢ / ١١١ ، باب العبادة ، الحدث ١٦٦٥ / ٥ .
(٢) نهج البلاغة : ٥١٠ ، حِكم أمير المؤمنينعليهالسلام ، الحكمة ٢٣٧ .
(٣) سورة النمل : الآية ٨٩ .
(٤) سورة آل عمران : الآية ٣١ .
(٥) العلل : ١ / ١٢ ، باب علّة خلق الخَلق واختلاف أحوالهم ، الباب ٨ أمالي الصدوق ـ المجلس العاشر : ٩١ ، الحديث ٦٥ / ٥ الخصال : ١ / ١٨٨ ، باب الثلاثة ـ الناس يعبدون الله عزّ وجلّ على ثلاثة أوجه ، الحديث ٢٥٩ ، ولكن ورد فيها : (فَرَقاً من النار) بدل (خوفاً من النار) .
أليس قد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ؟ فقال : أفلا أكون عبداً شكوراً ؟! ) (١) ـ الحديث .
أقول : والشكر والحبّ مرجعهما واحد ، فإن الشكر هو الثناء على الجميل من حيث هو جميل ، فتكون العبادة توجّهاً وتذلّلاً له سبحانه ؛ لأنّه جميل بالذات ، فهو سبحانه المقصود لنفسه لا لغيره ، كما قال سبحانه : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) (٢) .
فغاية خلقهم ، أي وجودهم ، أي كمال وجودهم ، هو عبادته سبحانه ، أي التوجّه إليه وحده والتوجّه وسط غير مقصود بالذات ، فهو سبحانه غاية وجودهم ؛ ولذا فسّر العبادة هاهنا في الأخبار بالمعرفة .
وقال سبحانه : ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ) (٣) .
وقال سبحانه :( هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) (٤) .
وكذلك الحبّ انجذاب النفس إلى الجميل من حيث هو جميل ، وعنده سبحانه الجمال المطلق .
وقال سبحانه : ( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي ) (٥) .
وقال سبحانه :( وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ ) (٦) ، وستأتي رواية الديلمي .
وفي دعاء كميل :(واجعل قلبي بحبّك متيّماً) .
وفي مناجاة عليعليهالسلام :(إلهي أقمني في أهل ولايتك مقام [مَن]رجا الزيادة
ـــــــــــــ
(١) مناقب ابن شهر آشوب ٤ / ١٦١ ، باب إمامة أبي محمّد علي بن الحسينعليهالسلام / زهده .
(٢) سورة الذاريات : الآية ٥٦ .
(٣) سورة الإسراء : الآية ٢٣ .
(٤) سورة غافر : الآية ٦٥ .
(٥) سورة آل عمران : الآية ٣١ .
(٦) سورة البقرة : الآية ١٦٥ .
من محبّتك) (١) .
وحديث الحبّ كثير الدور في الأدعية .
وإن تعجب فعجب قول مَن يقول : إنّ المحبّة لا تتعلّق به سبحانه حقيقة ، وما ورد من ذلك من خلال الشريعة مجاز يراد به امتثال الأمر والانتهاء من النهي !! وهذا دفع للضرورة ، ومكابرة مع البداهة .
ولعمري كم من الفرق بين مَن يقول : إنّ المحبّة لا تتعلّق بالله سبحانه ، ومَن يقول : إنّ المحبّة لا تتعلّق إلاّ بالله سبحانه .
ولنرجع إلى ما كنّا فيه ، ونقول : حيث إنّ العبادة ، وهي التوجّه إلى الله سبحانه ، لا تتحقّق من دون معرفة ما ، وإن كانت هي أيضاً مقدِّمة أو محصِّلة للمعرفة ، فإتيانها بحقيقتها المقدورة يحتاج إلى سير في المعرفة ، وإن كانتا كالمتلازمتين كما في خبر إسماعيل بن جابر ، عن الصادقعليهالسلام :(العلم مقرون إلى العمل ، فمَن عَلِمَ عَمِلَ ، ومَن عَمِلَ عَلِمَ) (٢) ـ الحديث .
وبعبارة أُخرى : يلزم أن تقع العبادة عن معرفة حتى تنتج معرفة ، كما في النبوي ، قالصلىاللهعليهوآلهوسلم :(مَن عَمِلَ بما عَلِمَ أورثه الله علْمَ ما لم يعلم) (٣) الحديث وهو معنى قول
ـــــــــــــ
(١) بحار الأنوار : ٩١ / ٩٨ ، باب ٣٢ ـ أدعية المناجاة ، الحديث ١٣ .
(٢) بحار الأنوار : ٢ / ٤٠ ، باب ٩ ـ استعمال العلم والإخلاص في طلبه ، الحديث ٧١ الكافي : ١ / ٦٣ ، باب استعمال العلم ، الحديث ١٠٨ / ٢ ، وقد خلت بعض الأحاديث من : (ومن عمل علم) بحار الأنوار : ٢ / ٣٦ ، الباب المتقدّم ، الحديث ٤٣ .
(٣) كشف الخفاء / العجلوني : ٢ / ٢٨٧ ، الحديث ٣٤٦ و : ٣٤٧ ، الحديث ٢٥٤٢ ، ولكن ورد فيها : (علم ما لم يعمل) تفسير الصافي / الفيض الكاشاني : ٤ / ١٢٣ ، تفسير سورة العنكبوت : الآية ٦٩ ، وقد ورد : (كفي ما لم يعلم) ـ راجع : التوحيد : ٤٠٥ ، الحديث ١٧ ، باب التعريف والبيان والحجّة ، والوسائل : ٢٧ / ١٦٤ ، باب وجوب التوقّف والاحتياط في القضاء والفتوى ، الحديث ٣٣٤٩٨ / ٣٥ .
الله سبحانه : ( مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ ) (١) ؛ لما ترى من تفاوت الجزاءين في الآية .
وكذا قوله تعالى : ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) (٢) .
والاعتبار العقلي أيضاً يساعده ، فإنّ الحبّ أو الشوق إلى الشيء هو الموجب للتوجّه إليه فالتوجّه ، وهو العمل ، يثبت الحبّ والشوق ، وذلك العلم وكلّما تأكّد ثبوت الشيء ، ثمّ ظهور آثاره وكلّ ما يرتبط به ويتعلّق عليه .
وبالجملة فهذه المعرفة المحتاجة إلى العمل ، والتي يتصوّر تحصيلها على أحد وجهين : سير آفاقي ، وسير أنفسي .
والأوّل هو التفكّر والتدبّر ، والاعتبار بالموجودات الآفاقية الخارجة عن النفس ، من صنائع الله وآياته في السماء والأرض ؛ ليورث ذلك اليقين بالله وأسمائه وأفعاله ، لأنّها آثار وأدلّة ، والعلم بالدليل يوجب العلم بالمدلول بالضرورة .
والثاني هو الرجوع إلى النفس ، ومعرفة الحقّ سبحانه من طريقها ؛ إذ هي غير مستقلّة الوجود محضاً ، ومعرفة ما هو كذلك من حيث هو كذلك ، لا تنفكّ عن معرفة المستقلّ الذي يقوّمه ، أو المعرفتان واحدة بوجه .
فهذان طريقان ، إلاّ أنّ الحقّ أنّ السير الآفاقي وحده لا يوجب معرفة حقيقة ، ولا عبادة حقيقة ؛ لأنّ إيجاب الموجودات الآفاقيّة للمعرفة ، إنّما هو لكونها آثاراً وآيات ، لكنّها توجب علماً حصوليّاً بوجود الصانع تعالى وصفاته وهذا العلم متعلّق بقضيّة ذات موضوع ومحمول واقع عليها ، وهما من المفاهيم ، والحقّ سبحانه قد قام البرهان على أنّه سبحانه وجود محض ، لا مهيّة له ، فيستحيل دخوله في الذهن ؛ لاستلزام ذلك مهيّة خالية في نفسها عن الوجودين ، موجودة تارة بوجود خارجي ، وأُخرى بوجود ذهني ، وهي مفقودة هاهنا .
ـــــــــــــ
(١) سورة الشورى : الآية ٢٠ .
(٢) سورة فاطر : الآية ١٠ .
فكلُّ ما وضعه الذهن وتصوّره واجباً ، وحكم عليه بمحمولاته من الأسماء والصفات ، فهو غيره سبحانه البتّة ، وإلى ذلك يشير ما في توحيد الصدوق : مسنداً عن عبد الأعلى ، عن الصادقعليهالسلام ـ في حديث :(ومَن زعم أنّه يعرف الله بحجاب أو بصورة أو بمثال فهو مشرك ؛ لأنّ الحجاب والمثال والصورة غيره ، وإنّما هو واحد موحّد ، فكيف يُوحِّد مَن زعم أنّه عرفه بغيره ؟َ إنّما عرف الله مَن عرفه بالله فمَن لم يعرفه به فليس يعرفه ، إنّما يعرف غيره والله خالق الأشياء لا من شيء يسمّى بأسمائه ، فهو غير أسمائه ، والأسماء غيره ، والموصوف غير الواصف فمَن زعم أنّه يؤمن بما لا يعرف ، فهو ضالّ عن المعرفة لا يدرك مخلوقٌ شيئاً إلاّ بالله ، والله خِلوّ من خلقه ، وخلقه خِلوّ منه) (١) ـ الحديث .
قولهعليهالسلام :(وإنّما هو واحد موحّد) ، أي : واحد محض لا كثرة فيه ، ففيه إشارة إلى (برهان امتناع أن يكون معرفة الغير مستلزمة لمعرفته سبحانه) ، بأن يقال : إنّ العلم عين المعلوم بالذات ، كما برهن عليه في محلّه ، فيمتنع أن يكون العلم بالشيء علماً بشيء آخر مباين له ، وإلاّ كان المتباينان واحداً ، هذا خلف .
فاستلزام العلم بشيء علماً بشيء آخر ؛ موجب لوجود اتّحاد ما بين الشيئين ، وحيث فرضا شيئين ففيهما جهة اتّحاد وجهة اختلاف ، فكلّ منهما مركّب من جهتين ، والحقّ سبحانه واحد بسيط الذات ، لا تركّب فيه بوجه ، فيمتنع أن يعرف بغيره ، وإليه يشيرعليهالسلام بقوله :( ليس بين الخالق والمخلوق شيء ) ، وقولهعليهالسلام :
(فمَن زعم أنّه يؤمن بما لا يعرف ، فهو ضالّ عن المعرفة ...) ، تفريع لقولهعليهالسلام السابق :(إنّما عرف الله مَن عرفه بالله ...) .
ـــــــــــــ
(١) التوحيد : ١٣٨ ، باب صفات الذات وصفات الأفعال ، الحديث ٧ ، و : ١٨٧ ، باب أسماء الله تعالى والفرق بين معانيها ، الحدث ٦ ، باختلاف يسير .
وقوله :(لا يدرك مخلوق شيئاً إلاّ بالله) بمنزلة البرهان عليه ، بأنّ كلّ شيء معروف بالله ، الذي هو نور السموات والأرض ، فكيف يعرف بغيره ؟! لأنّه مقوِّم كلِّ ذات غير متقوّم بالذات والعلم بغير المستقلّ ذاتاً بعد العلم بالمستقلّ الذي يقوّمه ؛ لأنّ وقوع العلم يقتضي استقلالاً في المعلوم بالضرورة ، فالعلم بغير المستقلّ إنّما هو يتبع المستقلّ الذي هو معه .
هذا ، وحيث أوهم ذلك حلولاً أو اتّحاداً (تعالى الله عن ذلك) ، أعقبعليهالسلام ذلك بقوله :(والله خِلوّ من خلقه ، وخلقه خِلوّ منه ...) .
والقول بكون إدراك المخلوق كلَّ شيء بالله ، لا ينافي صدر الرواية من نفي استلزام العلم بالشيء علماً بغيره ؛ لأنّ العلم الذي في صدر الرواية علم حصولي ، والذي في الدليل حضوري .
هذا ، والروايات في نفي أن تكون المعرفة الفكريّة معرفة بالحقيقة كثيرة جدّاً .
فقد تحصّل أنّ شيئاً من هذه الطرق ، غير طريق معرفة النفس ، لا يوجب معرفة بالحقيقة .
وأمّا طريق معرفة النفس ، فهو المنتج لذلك ، وهو أن يوجّه الإنسان وجهه للحقّ سبحانه ، وينقطع عن كلّ صارف شاغل عن نفسه إلى نفسه ، حتّى يشاهد نفسه كما هي ، وهي محتاجة بذاتها إلى الحقّ سبحانه .
وما هذا شأنه لا ينفكّ مشاهدته عن مشاهدة مقوّمه كما عرفت فإذا شاهد الحقّ سبحانه ، عرفه معرفة ضروريّة ، ثمّ عرف نفسه به حقيقة ؛ لكونها قائمة الذات به سبحانه ، ثمّ يعرف كلِّ شيء به تعالى .
وإلى هذا يشير ما في (تحف العقول) عن الصادقعليهالسلام ـ في حديث : (مَنْ زعم أنّه يعرف الله بتوهم القلوب فهو مشرك ومَن زعم أنّه يعرف الله بالاسم دون المعنى فقد أقر بالطعن ؛ لأنّ الاسم محدث ومَن زعم أنه يعبد الاسم والمعنى فقد جعل مع الله شريكاً ومن زعم أنّه يعبد [المعنى]بالصفة لا بالإدراك ، فقد أحال على غائب ومَن زعم أنّه يعبد الصفة والموصوف ، فقد أبطل التوحيد ؛ لأنّ الصفة غير الموصوف ومَن زعم أنّه يضيف الموصوف إلى الصفة ، فقد صغَّر بالكبير ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) ) (١) .
قيل له : فكيف سبيل التوحيد ؟
قالعليهالسلام :(باب البحث ممكن ، وطلب المخرج موجود إنَّ معرف عين الشاهد قبل صفته ، ومعرفة صفة الغائب قبل عينه) .
قيل : وكيف تعرف عين الشاهد قبل صفته؟
قالعليهالسلام :(تَعْرِفُهُ ، وتَعْلَمُ عَلَمه ، تعرف نفسه به ، ولا تعرف نفسك بنفسك من نفسك ، وتعلم أنّ ما في له وبه ، كما قالوا ليوسف : ( قَالُواْ أَإِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـذَا أَخِي ) (٢) ، فعرفوه به ، ولم يعرفوه بغيره ، ولا أثبتوه من أنفسهم بتوهّم القلوب) (٣) ـ الخبر .
قولهعليهالسلام :(وتعلم عَلَمه ...) (بفتح العين واللام) بمعنى العلامة ، أو خصوص الاسم ، أي تعرفه ثمّ تعلم علائمه وأوصافه به ونفسك به ، لا بغيره ، وكونه بكسر العين وسكون اللام وجب تكلّفاً في التوجيه .
وأنت بعد التأمّل في معنى هذه الرواية الشريفة التي هي من غرر الروايات ، وخاصّة في تمثيله بمعرفة إخوّة يوسفعليهالسلام له ، تقدر أن تستخرج جميع الأُصول الماضية في الفصول السابقة من هذه الرواية وحدها ، فلا نطيل البيان .
ـــــــــــــ
(١) سورة الأنعام : الآية ٩١ .
(٢) سورة يوسف : الآية ٩٠ .
(٣) تحف العقول : ٢٣٨ ، ما روي عن الإمام أبي عبد الله الصادقعليهالسلام ـ كلامهعليهالسلام في وصف المحبّة لأهل البيت والتوحيد والإيمان .
وبالجملة ، فإذا شاهد ربّه ، عرفه وعرف نفسه وكلّ شيء به ، وحينئذٍ يقع التوجّه العبادي موقعه ، ويحلّ محلّه ؛ إذ بدونه كلُّ ما توجّهنا إليه فقد تصوّرنا شيئاً ، كائناً ما كان وهذا المفهوم المتصوّر ، والصورة الذهنيّة ، وكذا مطابقة المحدود المتوهّم ، غيره سبحانه ، فالمعبود غير المقصود .
وهذا حال عباده غير العارفين من العلماء بالله ، وقبول هذا النحو من العبادة ـ مع ما عرفت من شأنها ـ من فضل الله تعالى محضاً ، قال سبحانه :( وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِن أَحَدٍ أَبَداً ) (١) .
وهذا بخلاف عبادة العارفين بالله المخلصين له ، فإنّهم لا يتوجّهون في عبادتهم لا إلى مفهوم ، ولا إلى مطابق مفهوم ، بل إلى ربّهم جلّت عظمته وبهر سلطانه ، قال سبحانه :( سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ* إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ) (٢) .
ومن هنا يظهر أنّ المراد بالمخلَصين هم الذين أُخلصوا (بالبناء للمجهول) لله سبحانه ، فلا حجاب بينهم وبينه ؛ وإلاّ لم يقع وصفهم موقعه وحيث إنّ الخلق هم الحجاب ، كما قال سيّدنا موسى بن جعفرعليهالسلام :(ليس بينه وبين خلقه حجاب إلاّ خَلْقه) (٣) ـ الحديث ، فهم لا يرون الخلق وإنّما يقصدون الحقّ سبحانه .
وفي ( تفسير العسكريعليهالسلام ) :(وقال محمّد بن عليّ الباقر عليهالسلام : لا يكون العبد عابداً لله حقّ عبادته حتّى ينقطع عن الخَلق كلّهم إليه ، فحينئذٍ يقول : هذا خالص لي فيقْبَله بكرمه) (٤) .
ـــــــــــــ
(١) سورة النور : الآية ٢١ .
(٢) سورة الصافات : الآيتان ١٥٩ و ١٦٠ .
(٣) بحار الأنوار : ٣ / ٣٢٧ ، باب ١٤ ـ نفي الزمان والمكان والحركة والانتقال عنه تعالى ، الحديث ٢٧ .
(٤) تفسير الإمامعليهالسلام : ٣٢٨ ، التواضع وفضل خدمة الضيف ، الحديث ١٨١ .
وقال جعفر بن محمّدعليهالسلام : (ما أنعم الله على عبد أجلَّ من أن لا يكون في قلبه مع الله غيره) (١) .
وقال محمّد بن علي ، يعني الجوادعليهالسلام :(أفضل العبادة الإخلاص) (٢) .
وممّا مرّ من البيان أيضاً ؛ يظهر معنى قوله سبحانه حكاية عن إبليس :( فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) (٣) ، وقوله سبحانه :( فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ) (٤) الآيات ؛ إذ هؤلاء مستغرِقون فيه سبحانه ، ولا يرون إبليس ، ولا وسوسته ، ولا إحضاراً ، ولا حساباً وإليه الإشارة في الحديث القدسي :(أوليائي تحت قبائي ، أو ردائي) (٥) ، وإلى ذلك يرجع حديث الأمن المتقدّم [راجع : ص ٢٤٢] عن يونس .
والمحصّل أنّ طريق معرفة النفس هي الموصلة إلى هذه الغاية ، وهي أقرب الطرق فحسب ؛ وذلك بالانقطاع عن غير الله ، والتوجّه إلى الله سبحانه بالاشتغال بعرفة النفس كما يحصل من خبر موسىعليهالسلام المتقدّم :(ليس بينه وبين خلقه حجاب إلاّ خلقه ، احتجب بغير حجاب محجوب ، واستتر بغير ستر مستور) (٦) ـ الحديث .
وهذا الحديث الشريف أجمل بيان لأحسن طريق ؛ فيبتدئ بالأسباب الواردة شرعاً للانقطاع ، من التوبة والإنابة ، والمحاسبة والمراقبة ، والصمت والجوع ، والخلوة والسهر ، ويجاهد بالأعمال والعبادات ، ويؤيّد ذلك بالفكر والاعتبار ، حتّى يورث ذلك انقطاعاً منها إلى النفس ، وتوجّهاً إلى الحقّ سبحانه ، ويطلع من الغيب طالع ، ويتعقّبه شيء من النفحات الإلهيّة والجذبات الربّانية ، ويوجب حبّاً وإشرافاً ، وذلك هو الذِّكر .
ـــــــــــــ
(١) مستدرك الوسائل : ١ / ١٠١ ، باب وجوب الإخلاص في العبادة والنيّة ، الحديث ٩١ / ٨ .
(٢) بحار الأنوار : ٦٧ / ٢٤٩ن باب ٤٥ ـ الإخلاص ومعنى قربه تعالى ، الحديث ٢٥ .
(٣) سورة ص : الآيتان ٨٢ و ٨٣ .
(٤) سورة الصافّات : الآيتان ١٢٧ و ١٢٨ .
(٥) راجع : فهرست النسخ الخطّية / مكتبة آية الله الگلپايگاني : ١ / ٣٩ ، ٦ ـ تلازم بين رجعت وولايت : ٧٨ پ ـ ٨٣ ر (اعتقادات فارسي) ، وشرح الأسماء الحسنى / الملاّ هادي السبزواري : ٢ / ٦٦ ، ولكن ورد فيها : (أوليائي تحت قبابي) .
(٦) تقدّم ذكره في الصفحة ٢٤٩ ، الهامش رقم ٣ .
ثمّ لا يزال بارق يلمع ، وجذبة تطلع ، وشوق يدفع ، حتّى يتمكّن سلطان الحبّ في القلب ، ويستولي الذِّكر على النفس ، فيجمع الله الشمل ، ويختم الأمر وإنّ إلى ربّك المنتهى .
واعلم أنّ مثل هذا السائر الظاعن مثل مَن يسلك طريقاً قاصداً إلى غاية ، فإنّما الواجب عليه أن لا ينسى المقصد ، وأن يعرف من الطريق مقدار ما يعبر منه ، وأن يحمل من الزاد قدر ما يحتاج إليه فلو نسي مقصده آناً ما ، هام على وجهه حيران ، وضلّ ضلالاً بعيداً ولو ألْهَاه الطريق ومشاهدته وما فيه ، بطل السير وحصل الوقوف ولو زاد حمل الزاد تعوّق السعي وفات المقصد ، والله المستعان سبحانه .
فإن قلت : هب أنّه ثبت بهذا البيان ـ على طوله ـ أن أقرب الطرق إلى الله سبحانه طريق معرفة النفس ، لكن لم يثبت بذلك وجود بيان خاصّ في الشريعة لهذا الطريق ، يتبيّن به كيفيّة الدخول والخروج فيه ، وشئون سلوكه على دقّته وخطره وكثرة أهواله ومخاطره وعظم تهلكته وبواره فأين البيان الوافي بجميع هذه الخصوصيات ، والفارق بين المنجيات والمهلكات ؟
قلت : قد أشرنا في الفصل الثاني من هذه الرسالة إلى أنّ البيانات الواردة في الكتاب والسنّة بيان واحد ، وإنّما الاختلاف في ناحية الأخذ والتفاوت في إدراك المدركين .
والسير إليه سبحانه الذي هو أيضاً نتيجة الفهم والعلم ، يختلف باختلافه ، وينشعب بانشعابه ولعمري هو من الوضوح بمكان ، وقد ذكرنا هناك أنّ الناس على طبقات مختلفة ، كلّ طبقة تأخذ على طِبْق فهمها ، وتعمل على وتيرتها .
فإذا فرضنا واحداً من العامّة بغيته الدنيا وزخارفها ، يبيت وهو يفكّر في تدبير معاش غده ، كيف يبيع ويشتري ، وأين يذهب غداً ، ومَن يلاقي ، ويصبح همّه تدبير أمر يومه ، وإصلاح شأنه في الدنيا إذا سمع داعي الله ، بشيراً ونذيراً ، يبشّر بمغفرة من الله ورضوان وجنّات لهم فيها نعيم مقيم ، ويُنذر بنار وقودها الناس والحجارة وسائر ما أعدّ الله للظالمين ، فلقصور همّته ، واختصاص همّه بما يشبعه ويرويه ، لا يجد مجالاً للغور في آيات الله وكلماته ، وإنّما يؤمن بإجمال ما سعى ، ويدين من الأعمال الصالحة بما لا يزاحم ما يبتغيه من الدنيا فالدنيا عنده هي الأصل ، والدين تبع ، فلذلك يضادُّ فعلُه قولَه ، وعملُه علمَه .
تراه يقول : إنّ الله سميع بصير ، وهو يقترف كلّ منكر ، ويترك كلّ واجب وتراه يؤمن بأنّ الله سمع بصير ، وهو يقترف كلّ منكر ، ويعبد كلّ وليّ من دون الله يهرع إلى كلّ شيطان يدعوه إلى عذاب السعير ، إذا استشعر هناك يسير شيء من زخارف الدنيا ولا يرقى فهمه ـ إن استفهمته ـ أنّه لا يرى غير الجسم والجسمانيّات شيئاً وفوق هذه الأوهام الدائرة أمراً .
يؤمن بأنّ لله عرشاً يصدر عنه أحكام خلقه ، ويُجريه عمّال ملائكته في السموات والأرض ، وهي مُلكه ، وأُولوا العقل من الخلق رعيّته ، وهم هذه الأبدان المحسوسة ، كلّفهم بتكاليف ما دارت الدنيا على الاختيار ، ثمّ يميت الله الخلق ، ويعدمهم بعد الوجود ثمّ يأتي على الدنيا وهي خربة يوم يحيي الله فيه الخلق ، ويجمعهم ليوم الجمع ، ثمّ يجزي الصالحين بجنّة ما فيها غير مشتهى النفس ، وهي البدن الدنيوي ، والظالمين بنار ما فيها غير اللهب والشرر كلّ ذلك على نسق ما يتّخذه المَلِك منّا من لوازم الأُبّهة والعزّة وإجراء الحكم ومجازاة الرعيّة وسياسة المُلك ، لا شيء أرفع من ذلك .
فهذه طبقة ، وذلك مقامه في العمل والعلم .
وإذا فرضنا واحداً من الزاهدين والعابدين ـ وهم الناظرون بنظر الاعتبار إلى فناء الدنيا وزخارفها وغرورها ونفادها ، وبقاء ما عند الله سبحانه ، المستعدّون للزهد والعبادة ـ سمع داعيَ الحقّ يدعوه إلى الانسلال من أكاذيب مشتهيات الدنيا ، والإقبال إلى عبادة الله ، لتحصيل النجاة من أليم العذاب ، والفوز بنعمة لا تفنى ومُلك لا يبلى ، تمكّنت خشية الله في قلبه ، وصار الموت نصب عينه ، فأخرجتْ حبَّ الدنيا وهمَّ المعاش من قلبه ، ولم يكن له همّ إلاّ الزهد عن الدنيا ، أو صالح العمل لله طمعاً في مرضاته فيهذّب صفات نفسه ، ويصلح جهات عمله ، ويتّقي ما يسخط الله سبحانه فيما يستقبله ، كلّ ذلك طمعاً في نعيم مخلّد ، وحذراً من عذاب سرمد .
ولو أجدت التأمّل في حاله ، وما يريده في مجاهدته ، وجدته لا يريد إلاّ مشتهى نفسه ، فهو يحبّ نفسه لِمَا سمع من الحقّ أنّها خُلقت للبقاء لا للفناء ، فيحبُّها ، ويحبّ مشتهاها ، ويزهد في الدنيا لِمَا يرى من فنائها وزوالها .
فلو أنّ الدنيا دامت بأهلها ، وتخلّدت نعمها ومشتهياتها ، وانمحت عنها مكارهها ، لم ينقص من مبتغى هذا العامل المجاهد شيئاً ومن هنا تعلم أنّ الكمال عند هذا الرجل هو مشتهيات النفس من النعم الدنيويّة المادّية ، لكنّه يراها مقرونة بالنواقص والموانع ، فيطلب مشتهيات من جنسها خالية من كدورتها فيرى الدار الآخرة من عرصات الدنيا وخواتمها ، ويعتقد أنّ يوم القيامة من أيّامها .
فنفسه واقفة على هذه المرتبة الجسميّة ، لم ترقَ عنها ليأسها عما هو أشرف منها فلا يريد كمالاً اشرف من الكمال الجسمي ، إذا لم يعهده ولم يعتقد به ، فهو نازل عن مرتبة العلم بالله ، واقف في مرتبة العمل ، يتقلّب بين أطوار الحياة من قول وعمل ، وخلق حسن ، كأنّ أستار الغيب مرتفعة عنه ، وكأنّ ما وراء الحجاب مكشوف له ، لا يستفزُّ عن عينه ، وليس كذلك .
وهو المأيوس عن مشاهدة ما وراء الحجاب ، وقد وطّن نفسه لِمَا بعد الموت فإنّما له صالح العمل وجزيل الثواب فحسب ، لا يرزق خيراً من ذلك :( وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ) (١) .
وهؤلاء أيضاً طبقة ، وذلك مقامهم في العلم والعمل ، يشتركون مع الطبقة الأُولى في العلم ، ويفترقون عنهم في العمل .
وإذا فرضنا واحداً من المحبّين المشتاقين ، وهو رجل أخذته بارقة الحبّ ، وجذبته جذبة الشوق إلى لقاء الله سبحانه ، فانهدّت أركانه ، واضطربت أحشاؤه ، وحار قلبه ، وطار عقله ، وانسلّ عن الدنيا وزخارفها ، ولم يقع همّه على العقبى ونعيمها ، ولا دين للمحبّ إلاّ المحبوب ، ولا مطلوب له إلاّ المطلوب .
إذا سمع الله سبحانه يقول لعباده :( فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ ) (٢) ، ويقول :( إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ) (٣) ، ذمّ الدنيا وزخارفها ، وأعرض عن زخارفها لأنّه سبحانه يذمُّها ، ولو أنّه مدحها لمدحها على فنائها وخسّتها .
وإذا سمعه سبحانه يقول : ( وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ) (٤) ، مدح الآخرة لأنّه سبحانه يمدحها ، ولو أنّه ذمّها لذمّها على بقائها وشرفها .
ـــــــــــــ
(١) سورة الشورى : الآية ٢٧ .
(٢) سورة لقمان : الآية ٣٣ .
(٣) سورة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم : الآية ٣٦ .
(٤) سورة العنكبوت : الآية ٦٤ .
وإذا سمعه يقول :( أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) (١) ،( إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ ) (٢) ،( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ) (٣) ، و( هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ) (٤) ، لم يبقَ شيء إلاّ وتعلّق قلبه به ، واعتكفت نفسه عليه ، لا للَعبٍ يلعبه وما للمحبّ الحيران واللعب ؟! بل لأنّ ربّه سبحانه قائم على أعمال كلّ شيء ، قريب منه ومعه ، شهيد عليه ، محيط به ، فهو يسعى نحوه سبحانه ، ويقصده لكن بالأشياء لا وحده .
وإذا سمعه سبحانه يقول :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) (٥) ، تفطَّن أن تعلّقه بنفسه ليس كتعلّقه بغيرها من الأشياء ، وأنّه الاهتداء إلى مطلوبه البتّة وهو سبحانه جعله (أي المحبّ) سالكاً إليه ؛ إذ قال :( يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ ) (٦) .
وإذا سمعه سبحانه يقول :( وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً ) (٧) ، ويقول :( وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * َإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ) (٨) ، ويقول :( وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ) (٩) ـ والنسيان ، هو الإعراض عن الذِّكر ـ عرف أنّ نسيان نفسه ، والتعلّق بالأشياء ، علامة نسيان ربّه .
وأنّه لو أعرض عن ذكره وتعلّق بالأشياء ، لسلكه ذلك إلى عذاب صعداً ـ ولا عذاب عند المحبّين إلاّ حجاب البُعد ـ ولأضلّه القرين عن السبيل .
ـــــــــــــ
(١) و (٢) سورة فصّلت : الآيتان ٥٣ و ٥٤ .
(٣) سورة الحديد : الآية ٤ .
(٤) سورة الرعد : الآية ٣٣ .
(٥) سورة المائدة : الآية ١٠٥ .
(٦) سورة الانشقاق : الآية ٦ .
(٧) سورة الجنّ : الآية ١٧ .
(٨) سورة الزُّخرف : الآيتان ٣٦ و ٣٧ .
(٩) سورة الحشر : الآية ١٩ .
وحينئذٍ يتحقّق أن السبيل هو نفسه ، وطريقة التعلّق به للسلوك إلى ربّه ؛ لأنّ ربّه معه وقائم عليه محيط به فعند ذلك ينقطع عن كلّ شيء إلى نفسه ، ويتعلّق بها ، ويصفّيها ، ويهذّبها بفاضل الأخلاق وصالح الأعمال ، والتحرّز عن الموبقات ، والفرار عن المهلكات ؛ لأنّه سبحانه يأمر بها ، ويحبُّها لا لجنّة يطمع فيها ، ولا لنار يخاف منها ، بل لوجه الله ، لا يريد بذلك جزاء ولا شكوراً .
كلّ ذلك وهو متعلّق بنفسه ابتغاء لقاء ربه ، محدق بها ، متوجّه القلب إليها ليله ونهاره ، لكنّه لا يعطيها استقلالاً ، ولا يدع لها تمكّناً وحاشاه! وأنّى يقع صادق الحبّ على محبوبين ؟! وحقّ الطلب على مطلوبين؟! بل المحبوب محبوب لذاته ، وكلّ ما يحبّه هو محبوب لأجله ، فهو المحبوب في نفسه وفي غيره .
وأنت تعلم أنّ المحبّ لا يريد إلاّ المحبوب ، يلوي (يفرّ) إليه من كلّ ما يصدّه عنه ، ويميل إليه من كلّ ما يشغله عنه لا همّ له إلاّ الخلوة بمحبوبه والوصول إليه من كلّ حاجب يحجب عنه وكلّما مكث على وصفه ، اشتدّ وجده واشتعل نار شوقه ، وربّما دفعه الشوق إلى الغيبة عن نفسه ، وفنائها عن نظره ، والاشتغال فقط بربّه ، فلا يبقى إلاّ وجهُ ربِّه ذو الجلال والإكرام .
وهؤلاء أيضاً طبقة ، ومقامهم في العلم والعمل ما عرفت .
وقد عرفت أنّ الفارق حقيقة بين هذه الطبقات الثلاث ، اختلاف حالهم في الإدراك ، وبذلك يفترقون في فهم المدلول من كلام واحد إلى مدلولين اثنين أو إلى ثلاث .
فبيان الطريق ليس من شئون الشرع ، وإنّما هو الفهم يختلف اختلافاً .
ولقد سمعت بعض مشايخي ، وقد سُئل عن طريق معرفة النفس : لِمَ لَم يُبيَّن شرعاً ، وهو أقرب الطرق إلى الله سبحانه ؟
فقال مُدّ ظلّه : وأيّ بيان في الشرع لا يروم هذا المقصد ، ولا يشرح هذا الطريق ؟!
ومن هنا ربّما يذكر بعض هذه الطبقة في تفسير بعض الآيات والأخبار ، معاني بعيدة عن فهم العادي كلّ البعد .
هذا ، والذي ينبغي أن يعلم هاهنا أنّ هذا الطريق مركّب من فعل وترك ، وهو رفض غير الله ، والتوجّه إلى الله سبحانه ، وهما كالمتلازمين أو متلازمان ؛ إذ قد مرّ أنّ العلم بالله أبده البديهيات ، وإنّما الحاجب عنه هو الغفلة دون الجهل ، وذلك بالاشتغال بحطام الدنيا ، وعرَض هذا الأدنى ، فما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه .
فالاشتغال بها يوجب حبّاً وتعلّق الهمّة كلّها بها ، فيشغل ذلك حيّز القلب ، فلا يصفو مرآته حتّى ينعكس فيها جمال الحقّ سبحانه ، وتحصل المعرفة ، فإنّ الأمر أمر القلب .
وإن شئت اختبار صدق ما ذكرناه ، أمكنك اعتباره بأن تأخذ لنفسك مكاناً خالياً ، لا يكون فيه شاغل زائد من النور والصوت والأثاث وغيرها .
ثمّ تقعد قعوداً لا يشغلك بفعل زائد مع غمض العين .
ثمّ تتوجّه إلى صورة ما خياليّة ، بأن تشخص بعين خالك إلى صورة (أ) مثلاً ، وتتنبّه لكلّ صورة خيالية تطرقك لتستعمل الإعراض عنه إلى صورة (أ) ، فإنّك تجد في بادئ الأمر صوراً خياليّة معترضة مزدحمة عندك مظلمة مشوّشة ، لا يتميّز بعضها عن بعض ، من أفكار اليوم والليلة ، ومقاصدك وإرادتك ، حتّى ربّما تتيقّظ بعد مضي نحو ساعة أنّك في مكان كذا ، أو مع شخص كذا ، أو في عمل كذا هذا مع أنّك قد شخصت ببصر خيالك نحو (أ) ، وهذا التشويش يدوم معك مدّة .
ثمّ لو دمت على هذه التخلية أيّاماً ، ترى بعد برهة أنّ الطوارق والخواطر تقلّ فتقلّ ، ويتنوّر الخيال ، حتّى كأنّك ترى ما يخطر في قلبك من هذه الخواطر ببصر الحسّ ، ثمّ تقلّ فتقلّ كلّ يوم تدرُّجاً ، حتى لا يبقى مع صورة (أ) صورة أُخرى البتّة .
هذا ، ومن ذلك تعرف صحّة ما قلنا: إنّ الاشتغال بالمشاغل الدنيويّة توجب نسيانك نفسَك ، والغفلة عمّا وراء هذه النشأة ، وأنّ التخلّص نحو الباطن ، يحصل بالإعراض عن الظاهر ، والإقبال إلى ما ورائه فلو رمت نحو مشاهدة نفسك بمثل الطريق المذكور مثلاً ، وجدت أضعاف ما ذكرناه من الخواطر المانعة ، وهي صور المشتهات والمقاصد الدنيويّة .
فالطريق المتعيّن للمعرفة أن تصفّي قلبك عن الدنيا ، وكلّ حجاب غير الله سبحانه فكلّما ذُكر من الأسباب ، من المراقبة والخلوة وغيرهما ، إنّما هو لتحصيل هذه الحالة القلبيّة ، ثمّ تتوجّه بقلبك نحو الحقّ سبحانه ، وتشرف عليه عزّ اسمه .
وهذا هو الذكر ، وهو الإشراف على الحقّ سبحانه ، وهو آخر المفاتيح ، والله الهادي .
واعلم أنّ الذكر بهذا المعنى كثير الورود في الكتاب والسُّنّة :
قال سبحانه :( وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا ) (١) .
وفي قوله سبحانه :( فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً ) (٢) ، فمن المعلوم أنّ الشدّة لا يوصف به الذكر اللفظي .
وقال سبحانه :( وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ ) (٣) .
ـــــــــــــ
(١) سورة الكهف : الآية ٢٨ .
(٢) سورة البقرة : الآية ٢٠٠ .
(٣) سورة غافر : الآية ١٣ .
وقال سبحانه :( وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ ) (١) .
إلى غير ذلك من الآيات ، وقد مرّ بعض الأخبار المشتملة عليه(٢) .
وفي دعاء كميل ، قالعليهالسلام :(أسألك بحقّك وقدسك ، وأعظم صافتك وأسمائك ، أن تجعل أوقاتي في الليل والنهار بذكرك معمورة ، وبخدمتك موصولة ، وأعمالي عندك مقبولة ؛ حتى تكون أعمالي وأورادي كلّها ورداً واحداً ، وحالي في خدمتك سرمداً) (٣) ـ الدعاء .
ـــــــــــــ
(١) سورة البقرة : الآية ٢٦٩ .
(٢) راجع : الصفحة ٢٤٩ وما بعدها من هذا الكتاب .
(٣) المصباح / الكفعمي : ٥٥٩ ، دعاء أمير المؤمنينعليهالسلام في ليلة نصف شعبان .
الفصل الخامس : فيما ناله الإنسان بكماله
وهذا الفصل كالتوضيح لما مرّ في الفصل الثاني من الكلام .
نقول : قد عرفت أنّ كمال الإنسان فناؤه بأقسامه الثلاثة ، وبعبارة أُخرى : التوحيد الفعلي والاسمي والذاتي .
وقد عرفت أيضاً أنّ كلّ موجود فقربه من الحقّ سبحانه على قدر حدود ذاته وأعدامه ، فالوسائط التي بين نشأة الإنسان البدنيّة وبين الحقّ سبحانه ، مترتّبة بحسب حدود ذواتها .
فالإنسان في سيره إلى الحقّ سبحانه لا بدّ أن يعبر من جميع مراتب الأفعال والأسماء والذوات ، حتّى ينال التوحيدات الثلاثة وحيث إنّه لا ينال مرتبة من مراتب كماله إلاّ بفنائه وبقاء ذلك الكمال في المحلّ ، فهو في كلّ مرتبة واقف على مجرى جميع أنواع الفيوضات المترشّحة من تلك المرتبة إلى ما دونها ، متحقّق به ، حتّى ينال توحيد الذات ، ولا يبقى له اسم ولا رسم ، والمُلك يومئذٍ لله .
وهذا البرهان على وجازته ، مشتمل على جميع مقامات الأولياء ، منبئ عن شئونهم ، كافٍ لمَن فهمه .
وأمّا خصوصيّات مقاماتهم ، فلا يحيط بها إلاّ ربّهم عزّ اسمه .
تتمّة :
مقامات الأولياء وخاصّة أسرارهم مع الله سبحانه ؛ حيث إنّ ولاية أمرهم لله سبحانه ، وقد فنت أسماؤهم ورسومهم فيه تعالى ، لا يمكن الإحاطة بها ، وقد قال سبحانه :( وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ) (١) .
وكفى لهم شرفاً أنّ ولاية أمرهم لله سبحانه ، وهو المربّي لهم والمبشّر لهم ، قال سبحانه :( أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) (٢) .
ثمَّ عرّفهم سبحانه ، فقالِ :( الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ) (٣) ، فوصفهم بتلبّسهم بالإيمان بعد تلبّسهم بالتقوى ومن المعلوم أنّ التقوى التي هي التحذّر عمّا يسخط الله ، إنّما تتحقّق بعد الإيمان بالله ورسوله .
فعلمنا بذلك أنّ هذا الإيمان المذكور في الآية غير الإيمان الذي يتقدّم على التقوى ، وليس إلاّ تأكّد الإيمان ، بحيث لا يتخلّف عنه مقتضاه فإنّ أصل الإيمان ، وهو الإذعان في الجملة ، يجامع الشرك في الجملة وسائر المعاصي ، قال سبحانه : ( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ ) (٤) . لكنّ الكامل التامّ منه يلازم الجري على ما توجبه أُصول الدين وفروعه ، فيرجع معناه إلى التسليم للرسول في كلّ ما جاء به ، كما قال سبحانه :( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ) (٥) .
ـــــــــــــ
(١) سورة طه : الآية ١١٠ .
(٢) سورة يونس : الآية ٦٢ .
(٣) سورة يونس : الآية ٦٣ .
(٤) سورة يوسف : الآية ١٠٦ .
(٥) سورة النساء : الآية ٦٥ .
وتسليمك لأحد أن تفنى إرادتك في إرادته ، فلا تريد إلاّ ما يريد ، ولا تشاء إلاّ ما يشاء ، وهو التبعيّة التامّة ، كما قال سبحانه :( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ ) (١) ، وقال :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ ) (٢) .
فقيّد الإيمان ثانياً بالرسول ، وهذا الإيمان هو اليقين التامّ بالله سبحانه وأسمائه وصفاته ، وبحقيّة ما جاء به رسوله ، والتبعيّة والتسليم التامّ للرسول فأفعالهم طبق أفعاله ، وغايتهم غايته ، وهو إمامهم ، ولا غاية لهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلاّ ابتغاء وجه ربّه ، والإعراض التامّ عن الدنيا ، قال سبحانه : ( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ) (٣) .
ثمَّ وعدهم سبحانه ، فقال : ( وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ) (٤) ، وقَدَمَ الصدق هو المكانة الثابتة والمقام المكِّي ، فبه يكنّى عن ذلك عرفاً ، وهو مرتبتهم من الله سبحانه عنده .
وقد قال سبحانه :( مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ ) (٥) ، فاخبر بأنّ ما عنده باقٍ دائم ، غير فانٍ ولا هالك .
وقال أيضاً :( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) (٦) ، فأخبر بالهلاك لكلّ شيء غير وجهه .
ـــــــــــــ
(١) سورة آل عمران : الآية ٣١ .
(٢) سورة الحديد : الآية ٢٨ .
(٣) سورة الكهف : الآية ٢٨ .
(٤) سورة يونس : الآية ٢ .
(٥) سورة النحل : الآية ٩٦ .
(٦) سورة القصص : الآية ٨٨ .
فبان بذلك أنّ ما عنده سبحانه وجه له ، ووجه الشيء غر منفصل عن الشيء ، وهو ما يواجهك به ، فهؤلاء متمكّنون بقَدَمهم الصدق في سبحات وجهه تعالى ، مستهلكون في غمار أنواره ، خارجون عن حيطة العمّال ، غير مختصّين بمكان دون مكان( فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ ) (١) ، وقال سبحانه أيضاً :( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) (٢) .
وقد أطبق القرّاء على قراءة (ذو) بالرفع ، وليست صفة مقطوعة ؛ يشهد به قوله تعالى :( تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ) (٣) ، و( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ) (٤) ، فهو صفة وجه .
والجلال والإكرام جامعان لصفات الجلال والجمال جميعاً ، فلا يشذّ عنهما صفة من صفاته العليا ، ولا اسم من أسمائه الحسنى فهؤلاء متمكّنون بينها وفيها ، لا اسم لهم ولا رسم إلاّ صفاته وأسمائه سبحانه ، وارتفع الحجاب ؛ إذ لم يبق منهم ولا معهم ولا دونهم شيء ، ولا غير وجهه ذي الجلال والإكرام شيء ، فافهم .
وبذلك يظهر معنى ما في حديث مجيء الملائكة بالكتاب من الله إلى وليّه بالجنّة ، وفيه مكتوب :(من المَلك الحيِّ القيُّوم إلى المَلك الحيِّ القيُّوم) ـ الحديث .
وقد وعدهم سبحانه بالقرب منه تعالى ، وسمّاهم المقرّبين ؛ إذ عرّف المقرّبين بالسابقين في قوله سبحانه :( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) (٥) ، وعرّف السابقين بتقييدهم بالخيرات ، فقال سبحانه :( ثمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ
ـــــــــــــ
(١) سورة البقرة : الآية ١١٥ .
(٢) سورة الرحمن : الآيتان ٢٦ و ٢٧ .
(٣) سورة الرحمن : الآية ٧٨ .
(٤) سورة الأعلى : الآية ١ .
(٥) سورة الواقعة : الآيتان ١٠ و ١١ .
اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ ) (١) ، وقال سبحانه أيضاً : ( إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ ) (٢) ، فقد نفى كلّ شرك علماً وعملاً ، إلى أن قال :( أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ) (٣) ، فهؤلاء هم المؤمنون حقّاً المستكملون للعلم بالله والعمل لله ، السابقون المقرّبون الموقنون .
ثمَّ وعدهم سبحانه بأنّه يكشف الغطاء عن قلوبهم ، فقال : ( كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ) (٤) وعلّيّون هو العالم العلوي .
وقال سبحانه :( وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) (٥) ، وهذه الغاية من قبيل قوله تعالى :( وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ ) (٦) ، وقوله :( وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء ) (٧) ، لا من قبيل قوله : ( لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) (٨) .
فإذن تفيد الآية أنّه سبحانه يُري عباده الموقنين ملكوت السموات والأرض .
ـــــــــــــ
(١) سورة فاطر : الآية ٣٢ .
(٢) سورة المؤمنون : الآيات ٥٧ ـ ٥٩ .
(٣) سورة المؤمنون : الآية ٦١ .
(٤) سورة المطفّفين : الآيات ١٨ ـ ٢١ .
(٥) سورة الأنعام : الآية ٧٥ .
(٦) سورة يوسف : الآية ٢١ .
(٧) سورة آل عمران : الآية ١٤٠ .
(٨) سورة النساء : الآية ١٦٥ .
وقد أفاد في قوله سبحانه :( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) (١) ، أنّ الملكوت هو عالم الأمر ، وهو العالم العلو .
وفي الحديث :(لولا أنّ الشياطين يحُومون على قلوب بني آدم ، لنظروا إلى ملكوت السموات والأرض) (٢) .
ومن الشاهد على أنّ اليقين يعقّبه الله سبحانه بذلك ، قوله تعالى : ( كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ) (٣) ، وقوله : ( كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (٤) .
ـــــــــــــ
(١) سورة يس : الآيتان ٨٢ ـ ٨٣ .
(٢) بحار الأنوار : ٦٠ / ٣٣٢ ، باب ٣ ـ إبليس لعنه الله وقصصه ، وبدء خلقه ، ومكائده ، المسألة الثامنة ، الحديث ١٧٧ .
(٣) سورة التكاثر : الآيات ٥ ـ ٧ .
(٤) سورة المطفّفين : الآية ١٤ .
ويستفاد من الآية الشريفة أنّ مشاهدة آيات الله المستورة عن أعين غير أهل اليقين ، المضروب عليها بالغطاء والحجاب ، إنّما هي بعين القلب دون عين الحسّ البدني ، فللقلب عين ، كما أنّ له سائر الأعضاء الحسّاسة .
وفي هذا المعنى آيات كثيرة في كتاب الله ، كقوله عزّ وجلّ :( وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ ) ( يس : ٩ ) ، وقوله :( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ) ( البقرة : ١٧١ ) ، وقوله :( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) ( الحجّ : ٤٦ ) .
وهذه الآية تفسّر المراد بالعين والأُذن وغيرهما ، وأنّ المراد بهنّ جميعاً في باب الهداية والضلالة ، إنّما هي جوارح القلب الباطن ، دون الجسم المحسوس الظاهر .
ومن هذا الباب سائر المعاني المصرّح بها في حقّ المهتدين والضالّين ، كقوله :
( اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ) ( البقرة : ٢٥٧ ) ، وقوله :( إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً ) ( يس : ٨ ) ، إلى غير ذلك من الآيات فللقلب عالم ، كما أنّ للحسّ عالماً ؛ وله من الأحكام والآثار ما يشبه عالم الحسّ .
ويشير سبحانه أيضاً بذلك أنّ اكتساب المعاصي يزيل حكم اليقين ، كما قال : ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ) (١) ، وقال :( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ ) (٢) ، بل لا بدّ مع اليقين من صالح العمل ، حتّى ينتج النتيجة ، ويسمح بالثمرة ، قال :( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) (٣) .
هذا ، ولنعد إلى ما كنّا فيه ، ونقول :
ووعدهم سبحانه أنّه يبدّل حياتهم ، أي وجودهم ، فقال :( أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ) (٤) ، فبيّن أنّ لهم حياة معها نور يمشون به في النّاس ، أي يعاشرونهم والمعاشرة إنّما هي بالقوى والحواسّ ، فلهم حياة نورانيّة وحواسّ وقوى ربّانيّة .
وقال أيضاً :( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا ) (٥) ، فبيّن أنّ هذا النور روح عاقل فاهم من عالم الأمر ، كما قال :( أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي
ـــــــــــــ
(١) سورة النمل : الآية ١٤ .
(٢) سورة الجاثية : الآية ٢٣ .
(٣) سورة فاطر : الآية ١٠ .
(٤) سورة الأنعام : الآية ١٢٢ .
(٥) سورة الشورى : الآية ٥٢ .
قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ) (١) .
ثمَّ أخبر سبحانه أنّه يهديهم لنوره جلّ وعزّ ، وهو النور على كلّ نور ، به يضيء السموات والأرض ، فقال سبحانه : ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) (٢) .
ثمَّ مثّل بهذا النور الذي به يضيء السموات والأرض بقوله :( مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ) (٣) ، فلنوره حجابان من نور يستضيئان به ، وتستضيء بهما السموات والأرض : أحدهما المشكاة ، وهي الأقلّ ضياءً ، يستضيء بما فيه ، وهي الزجاجة ، وهي تستضيء بالمصباح فالمصباح هو القيّم بنور الزجاجة والمشكاة والزجاجة قيّم بنور المشكاة ، وهي آخر ما يضيء ويُستضاء به منها .
ولعلّ نور الأرض بها ، وفوقها الزجاجة ، ولعلّ نور السماء بها كما قال سبحانه :( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ) الآية(٤) ولم يقع في الآية الشريفة لِمَا وراء السموات والأرض ذكر ، ولا للمصباح المذكور فيها بيان ، غير ما يلوح من قوله : ( يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ... ) ، فافهم .
ثمَّ ذكر سبحانه أنّ ما مثّل به من المشكاة مع ما فيه( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ
ـــــــــــــ
(١) سورة المجادلة : الآية ٢٢ .
(٢) و (٣) سورة النور : الآية ٣٥ .
(٤) سورة السجدة : الآية ٥ .
وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ ) (١) .
فعرّفهم سبحانه بأنّهم لا يغفلون عن الذكر والعمل الصالح ، فهؤلاء غير محجوبين عن ذكره تعالى ، ولا يلتفتون إلى غيره إلاّ به سبحانه ، فهم المخلصون له سبحانه وقد مرّ شمّةٌ من حال المخلَصين في الفصل السابق ، عند ذكر الآيات الواردة في حالهم ، قال تعالى :( سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ) (٢) .
وقال تعالى :( كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) (٣) .
وقال تعالى :( فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) (٤) .
وقال تعالى :( فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ) (٥) .
وقال تعالى :( وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ) (٦) .
فبيّن أنّه منزّه عن كلّ ثناء إلاّ ثناؤهم ، وأنّه يصرف السوء والفحشاء عنهم ، وأنّ وسوسة إبليس تمسُّ كُلاً إلاّ إيّاهم ، وأنّ أهوال الساعة ، من الصعقة وفزع الصور وإحضار الجمع وإعطاء الكتاب والحساب والوزن ، غير شاملة لهم ، وهم مستثنون منها ، وأنّ جزاؤهم ليس في مقابل الأعمال ؛ إذ لا عمل لهم .
فهذه نبذة من مواهب الله سبحانه في حقّ أوليائه .
وقد تحصّل من الجميع أنّ من مواهب الله في حقّهم إفناؤهم في أفعالهم وأوصافهم وذواتهم
ـــــــــــــ
(١) سورة النور : الآيتان ٣٦ و ٣٧ .
(٢) سورة الصافّات : الآيتان ١٥٩ و ١٦٠ .
(٣) سورة يوسف الآية ٢٤ .
(٤) سورة ص : الآيتان ٨٢ و ٨٣ .
(٥) سورة الصافات : الآيتان ١٢٧ و ١٢٨ .
(٦) سورة الصافات : الآيتان ٣٩ و ٤٠ .
فأوّل ما يفنى منهم الأفعال ، وأقلُّ ذلك ـ على ما ذكره بعض العلماء ـ ستّة : الموت والحياة ، والمرض والصحّة ، والفقر والغنى فيشاهدون ذلك من الحقّ سبحانه في مقام أفعالهم ، فكأنّ فعلهم فعله سبحانه ، كما يشير إليه ما في (الكاف) و(التوحيد) عن الصادقعليهالسلام في قوله تعالى :( فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ ) (١) : (إنّ الله عزّ وجلّ لا يأسف كأسَفنا ، ولكنّه خَلَق أولياء لنفسه ، يأسفون ويرضون ، وهم مخلوقون مربوبون ، فجعل رضاهم رضا نفسه ، وسخطهم سخط نفسه ؛ لأنّه جعلهم الدُّعاة إليه ، والأدلاّء عليه ، فلذلك صاروا كذلك وليس أنّ ذلك يصل إلى الله كما يصل إلى خلقه ، ولكن هذا معنى ما قال من ذلك .
وقد قال أيضاً : (مَن أهان لي وليّاً فقد بارزني بالمحاربة ، ودعاني إليها) ، وقال أيضاً : ( مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ ) (٢) ، وقال أيضاً : ( إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) (٣) .
فكلّ هذا وشبهه على ما ذكرت لك ، وهكذا الرضا والغضب وغيرهما من الأشياء ممّا يشاكل ذلك) (٤) ـ الحديث .
يشير عليه السلام بقوله :( ممّا يشاكل ...) إلى الآيات الكثيرة ، والأخبار الواردة في المقام ، كقوله تعالى :( وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى ) (٥) ،
ـــــــــــــ
(١) سورة الزخرف : الآية ٥٥ .
(٢) سورة النساء : الآية ٨٠ .
(٣) سورة الفتح : الآية ١٠ .
(٤) الكافي : ١ / ١٦٤ ، باب النوادر ، الحديث ٣٥٦ / ٦ التوحيد : ١٦٤ ، باب معنى رضاه عزّ وجلّ وسخطه ، الحدث ٢ ، مع اختلاف يسير .
(٥) سورة الأنفال : الآية ١٧ .
وقوله تعالى :( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) (١) ، والضمير إلى النطق .
وقوله سبحانه :( لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ ) (٢) .
وكقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (فاطمة بضعة منّي : مَن آذاها فقد آذاني ، ومَن آذاني فقد آذ الله) (٣) ـ الحديث ، وستأتي رواية الديلمي إن شاء الله .
ثمَّ تفنى منهم الأوصاف وأُصولها على ما يظهر من أخبار أهل البيتعليهمالسلام ، [وهي] خمس : الحياة ، والعلم ، والقدرة ، والسمع ، والبصر وقام الحقّ سبحانه في ذلك مقامهم .
ففي (الكافي) عن أبي جعفر ـ في حديث : (إنّ الله جلّ جلاله قال : ما تقرَّب إليَّ عبد من عبادي بشيء أحبّ عليّ ممّا افترضت عليه وإنّه ليتقرب إليَّ بالنافلة حتى أُحبّه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يُبصر به ، ولسانه الذي ينطق به ، ويده التي يبطش بها إن دعاني أجبته ، وإن سألني أعطيته) (٤) ـ الحديث .
وهو من الأحاديث الدائرة بين الفريقين ، وتصديق ذلك من كتاب الله العزيز ، قوله :( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ) (٥) ، وقوله : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ
ـــــــــــــ
(١) سورة النجم : الآيتان ٣ و ٤ .
(٢) سورة آل عمران : الآية ١٢٨ .
(٣) بحار الأنوار : ٣٠ / ٣٥٣ ، تتمّة كتاب الفتن والمحن ، [٢٠] باب ، الحديث ١٦٤ عوالي اللآلي : ٤ / ٩٣ أمّا الخاتمة ، فتشمل جملتين ، الجملة الثانية المتعلّقة بالعلم وأهله وحامليه ، الحديث ١٣١ .
(٤) الكافي : ٢ / ٣٦٢ ، باب مَن آذى المسلمين واحتقرهم ، الحديث ٢٧٣١ / ٨ .
(٥) سورة آل عمران : الآية ٣١ .
وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ) (١) ، وتطبيق الآيتين بسياقيهما وهما يأمران بإتّباع الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم والإيمان به ، وهما واحد يفيدان محبة الله سبحانه لعبده ، هي رحمة على رحمة ، ويورث له نوراً يمشي به في الناس ، أي يعاشرهم ويعيش فيهم ، وقد كان يعاشر ويعيش بقوى نفسه وأسبابها من سمع وبصر ويد ولسان ، فتبدّل إلى نور من ربّه .
هذا ، وفي (إثبات الوصيّة) للمسعودي ، عن أمير المؤمنين ـ في خطبة : (سبحانك ، أيُّ عين تقوم نصب بهاء نورك ، وترقى إلى نور ضياء قدرتك ؟! وأيّ فهم يفهم ما دون ذلك إلاّ أبصار كشفت عنها الأغطية ، وهتكت عنها الحجب العميّة فرّقت أرواحها إلى أطراف أجنحة الأرواح ، فناجوك في أركانك ، ووَلَجُوا [ألحُّوا ]بين أنوار بهائك ، ونظروا من مرتقى التربة إلى مستوى كبريائك فسمّاهم أهل الملكوت زوّاراً ، ودعاهم أهل الجبروت عمّاراً) (٢) ـ الخطبة .
وقد مرّ حديث هشام في الفصل الثالث(٣) .
وهذه المعاني كثيرة الورود في الأدعية ، ففي مناجاة عليّعليهالسلام في أيّام شعبان :(إلهي وألهمني ولهاً بذكرك إلى ذكرك ، واجعل همّتي في روح نجاح أسمائك ومحلّ قُدسك) .
إلى أن قال :
(إلهي هبْ لي كمال الانقطاع إليك ، وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك ، حتى تخرق أبصار القلوب حجب النور فتصل إلى معدن العظمة ، وتصير أرواحنا معلّقة بعز قُدسك .
إلهي واجعلني ممّن ناديته فأجابك ، ولاحظته فصعق لجلالك ، فناجيته سرّاً ، وعمل لك جهراً) .
ـــــــــــــ
(١) سورة الحديد : الآية ٢٨ .
وهذا النور روحٌ حيّ ، يحيي بها الإنسان كما مرّت الإشارة إليه في قوله تعالى :( أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ) الآية ؛ إذ ظاهر السياق أنّ قوله :( وَجَعَلْنَا لَهُ ... ) بيان لأحييناه .
(٢) بحار الأنوار : ٢٥ / ٣٠ ، أبواب خلقهم وطينتهم وأرواحهم (صلوات الله لعيهم) ـ باب ١ ـ بدو أرواحهم وأنوارهم وطينتهمعليهمالسلام ، الحديث ٤٦ إثبات الوصيّة / المسعودي : ١٢٩ ، خطبة أمير المؤمنينعليهالسلام ، مع اختلاف يسير.
(٣) تقدّم في : الصفحة ٢٢٨ من هذا الكتاب ، فراجع .
إلى أن قال :
(إلهي وألحقني بنور عزّك الأبهج ، فأكون لك عارفاً ، وعن سواك منحرفاً) (١) ـ المناجاة وهي جامعة للمقدمة وذي المقدّمة جميعاً ، أعني السلوك والشهود .
وفي (عدّة الداعي) لابن فهد ، عن وهب بن منبّه ـ فيما أوحى الله إلى داود :(يا داود ، ذكري للذاكرين ، وجنّتي للمطيعين ، وحبّي للمشتاقين ، وأنا خاصّة للمحبّين) (٢) .
ثمَّ تفنى منهم الذات ، وينمحي الاسم والرسم ، ويقوم الحقّ سبحانه مقامهم وقد ذُكر في آخر" رسالة التوحيد " أنَّ هذا المقام أجلّ من أن يقع عليه لفظ ، وأن تمسّه إشارة ، وأنّ إطلاق المقام عليه مجاز ، وأنّه ممّا فتحه الله لنبيّه محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولحقه الطاهرون من آله .
وأقول الآن : أنّه يلحقهم أولياءٌ من أُمّته ؛ للروايات الكثيرة الدالّة على أنّ الله سبحانه يلحق بهم شيعتهم بالدرجات العليا في الآخرة .
وفي رواية الديلمي الآتية :(وينقل من دار الفناء إلى دار البقاء ، ومن دار الشيطان إلى دار الرحمن) ـ الحديث .
ومنه يظهر أنّ ما وعده الله سبحانه للأُمم من المقامات والكرامات في الآخرة ، مرزوق للأولياء في الدنيا ، وفيها اللحوق بإمامهم .
وهذا المقام الذي عرفت أنّه أجلّ من المقام ، قد عبّر عنه الأئمة في الأخبار المستفيضة النافية للصفات ، فللأولياء من الأُمّة اللحوق بهم بنحو الوراثة في ذلك ، فافهم .
ـــــــــــــ
(١) إقبال الأعمال / السيّد ابن طاووس الحلّي : ٦٨٧ ، فصل : فيما نذكره من الدعاء في شعبان مروي عن ابن خالويه .
(٢) عدّة الداعي : ٢٥٢ ، الباب الخامس : فيما أُلحق بالدعاء ، وهو الذكر ، الحديث ١٥ .
ومن المواهب سيرهم في خلال العوالم المتوسّطة بينهم في الدنيا وبين ربّهم عزّ اسمه كما مرّ .
ففي (البحار) عن (إرشاد) الديلمي ، وذكر سندين لهذا الحديث ، وفيه :
(قال الله تعالى : يا أحمد ، هل تدري أيُّ عيش أهنأ ، وأي حياة أبقى ؟
قال : اللهمّ لا .
قال : أمّا العيش الهنيء ، فهو الذي لا يفتر صاحبه عن ذكري ، ولا ينسى نعمتي ، ولا يجهل حقّي يطلب رضاي في ليله ونهاره .
أمّا الحياة الباقية ، فهي التي يعمل لنفسه حتّى تهون عليه الدنيا ، وتصغر في عينه [عينيه ]، وتعظُم الآخرة عنده ، ويؤثر هواي على هواه ، ويبتغي مرضاتي ، ويعظّم حقّ عظمتي ، ويذكر عملي به ، ويراقبني بالليل والنهار عند كلّ سيّئة أو معصية ، وينقّي قلبه عن كلّ ما أكره ، ويبغض الشيطان ووساوسه ، ولا يجعل لإبليس على قلبه سلطاناً وسبيلاً .
فإذا فعل ذلك ، أسكنتُ قلبه حبّاً ، حتى أجعل قلبه لي ، وفراغه واشتغاله وهمّه وحديثه من النعمة التي أنعمت بها على أهل محبّتي من خلقي وأفتح عين قلبه وسمعه ، حتّى يسمع بقلبه وينظر بقلبه إلى جلالي وعظمتي وأُضِيق عليه الدنيا ، وأُبغّض إليه ما فيها من اللّذات ، وأُحذّره من الدنيا وما فيها ، كما يحذر الراعي [على ]غنمه من مراتعَ الهلكة فإذا كان هكذا ، يفرُّ من الناس فراراً ، وينقل من دار الفناء إلى دار البقاء ، ومن دار الشيطان إلى دار الرحمن .
يا أحمد ، ولأزيّنّنه بالهيبة والعظمة .
فهذا هو العيش الهنيء ، والحياة الباقية ، وهذا مقام الراضين .
فمَن عمل برضاي ، أُلزمه ثلاث خصال : أُعرّفه شكراً لا يخالطه الجهل ، وذكراً لا يخالطه النسيان ، ومحبّة لا يؤثر على محبّتي محبّة المخلوقين فإذا أحبّني أحببته ، وأفتح عين قلبه إلى جلالي ، ولا أُخفي عليه خاصّة خَلقي ، وأُناجيه في ظلم الليل ونور النهار ، حتّى ينقطع حديثه مع المخلوقين ، ومجالسته معهم ، وأُسمعه كلامي وكلام ملائكتي ، وأُعرّفه السرّ الذي سترته عن خَلقي ، وأُلبسه الحياء ، حتّى يستحيي منه الخَلق كلُّهم ، ويمشي على الأرض مغفوراً له ، وأجعل قلبه واعياً وبصيراً ، ولا أُخفي عليه شيئاً من جنّة ولا نار ، واعرّفه ما يمرُّ على الناس في يوم القيامة من الهول والشدّة ، وما أُحاسب الأغنياء والفقراء ، والجهّال والعلماء ، وأُنوِّمه في قبره ، وأُنزل عليه منكراً ونكيراً حتّى يسألاه ، ولا يرى غمرة الموت وظلمة القبر واللحد وهول المطّلع .
ثمَّ أنصب له ميزانه ، وأنشر ديوانه .
ثمَّ أضع كتابه في يمينه ، فيقرؤه منشوراً .
ثمَّ لا أجعل بيني وبينه ترجماناً .
فهذه صفات المحبّين .
يا أحمد ، اجعلْ همّك همّاً واحداً ، واجعل لسانك لساناً واحداً ، واجعل بدنك حيّاً لا تغفل عني مَن يغفل عنّي لا أُبالي بأيِّ واد هلك) (١) ـ الحديث .
وفي (البحار) ، عن (الكافي) و(المعاني) و(نوادر) الراوندي ، بأسانيد مختلفة ، عن الصادق والكاظمعليهماالسلام ، عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ واللفظ المنقول هاهنا كما عن (الكافي) ـ قال :
(استقبل رسولُ اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حارثة بن مالك بن النعمان الأنصاري ، فقال له : كيف أنت يا حارثة بن مالك النعماني؟
فقال : يا رسول الله ، مؤمن حقّاً .
فقال له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لكلّ شيء حقيقة ، فما حقيقة قولك ؟ فقال : يا رسول الله ، عزفت نفسي عن الدنيا ، فأسهرتُ ليلي ، وأظمأت هواجري ، وكأنّي أنظر إلى عرش ربّي وقد وُضع للحساب ، وكأنّي أنظر إلى أهل الجنّة يتزاورون في الجنة ، وكأنّي أسمع عُواء أهل النار في النار .
ـــــــــــــ
(١) بحار الأنوار : ٧٤ / ٢٨ ، أبواب المواعظ والحكم ـ باب ٢ : مواعظ الله عزّ وجلّ في سائر الكتب السماوية ، الحديث ٦ إرشاد القلوب : ١ / ٢٠٤ ، الباب الرابع والخمسون : فيما سأل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ربّه ليلة المعراج .
فقال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : عبدٌ نوّر الله قلبه ، أبصرت فاثبتْ) (١) ـ الحديث .
ولو تدبّرت جيّد التدبّر في هذه الآيات والأخبار التي نقلناها ، وما تركناها اختصاراً أكثر منها ، وأخذت بالإشارات من العبارات ، شاهدت من أنبائهم عجائب يضيق عنها التعبير ، ويقصر دونها باع التوصيف .
والله الهادي وهو المستعان
ولنقطع الكلام في هذا المقام
والحمد لله على الإتمام
وعلى سيّدنا محمّد وآله الصلاة والسلام
عليٌعليهالسلام والفلسفة الإلهية
العلاّمة السيد محمد حسين الطباطبائي (طاب ثراه)
تحقيق : الشيخ علي الأسدي
مكتبة فدك
ـــــــــــــ
(١) بحار الأنوار : ٢٢ / ١٢٦ ، باب ٣٧ ـ ما جرى بينه وبين أهل الكتاب والمشركين بعد الهجرة ، الحديث ٩٨ الكافي : ٢ / ٨٠ ، باب حقيقة الإيمان واليقين ، الحديث ١٥٤٦ / ٣ معاني الأخبار : ١٨٧ ، باب معنى الإسلام والإيمان ، الحديث ٥ النوادر / الراوندي : ٢٠ ، باختلاف يسير .
تقديمٌ : ما معنى الفلسفة الإلهية ؟
الحمد لله ، والصلاة على محمّد وآله الطاهرين .
كان الإنسان ، ولسوف يبقى ، محبّاً للوجود الخارجي ، بخارجيّته وواقعيّته ، لا يهمّه شيء سواه ، ولا يلتفت عنه إلى غيره ، ولا غير هناك .
ومن الواضح ـ بعد هذا ـ أنّ قضاء العقل وحكم الوجدان بالواقعية ، والإذعان بالوجود الخارجي (أن هناك موجوداً خارجاً) هو من العلوم الأوّليّة ، والمعارف الأصليّة ، تتطابق فيه جميع صفات البداهة ، وشرائطها .
فالوليد الحديث السنّ ، بشعوره الطريّ الموهوب له ، إذا تعمّقنا في حالاته ، نرى أنّه أوّل الأمر يتناول الثدي ليتغذّى باللبن المعدّ له فيه تارةً ، ويتناول غير الثدي ـ للغرض نفسه ـ تارةً أُخرى ولكنّه بعد تعدّد ذلك منه ، يقتصر على الثدي في ذلك ويعرض عن غيره ثمَّ بعد ذلك نراه يتناول المأكول ، من فاكهة أو خبزٍ أو نحوهما ، ويتناول غير المأكول كالحصاة والخشبة ونحوهما ، ويلتقم ويمضغ هذا ، كما يلتقم ويمضغ ذاك ثمَّ ـ وبعد تعدّد ذلك منه ـ لا يتناول إلاّ ما يصح أكله ، ويجتنب غيره .
وليس ذلك منه إلاّ لأنّ تصديقه الأوّلي بالواقعيّة الخارجية والوجود الحقّ ، يضطرّه إلى تمييز الحقّ من الباطل ، والصواب من الخطأ وبالجملة : تمييز كلّ واقعيّة من غيرها ، ثمَّ التزام الواقعيّة ، والإعراض عن غيرها .
وإذا توسّعنا في الملاحظة والبحث ، وتصفّحنا أحوال أبناء نوعنا ، أينما كانوا ، وحيثما وجدوا ، وأيّاً كانت الحالة التي هم عليها ، وجدنا أنّهم يسلكون عين هذا المسلك ، ويسيرون في نفس هذا الطريق فلا يدّخرون وسعاً ، ولا يألون جهداً في التمييز بين الحقّ والباطل ، والصواب من الخطأ ، في جميع شئون حياتهم ، التي تنال عنايتهم وتحظى باهتمامهم فلا همّ للإنسان إلاّ أن يحفظ نفسه من الوقوع في الخطأ والغلط ، ومن أن يأخذ غير الواقع على أنّه الواقع ، أو العكس .
وهكذا كان أيضاً حال الأُمم والشعوب الخالية ، فرادى وجماعات ، فإنّهم كانوا يبحثون دائماً عن واقعيّة الأشياء بهدف تمييزها من غيرها ممّا يشتبه بها ، ثمَّ يأخذون بما يرونه حقّاً وصواباً ، بحسب طلبتهم ، وعلى وفق بغيتهم ، ويظهر ذلك بجلاء لكلّ مَن راجع ما يصفه التاريخ من سيرهم وسننهم ، ولاحظ آثارهم العمرانيّة ، وغيرها من أعمالهم .
هذا ، ولم يزل الإنسان محبّاً ، بل ومغرماً ، بهذا النوع من البحث ـ وهذا هو بالذات ما نسمّيه بحثا فلسفيّاً ـ في جميع ما يرتبط به وجوده ، ومختلف شئون حياته ، وإن لم يشعر هو بذلك تفصيلاً ، ويلتفت إليه بالفعل ، فإنّ ذلك الدافع النفسي نحو التمييز ـ والذي يرتبط في الحقيقة بإنسانية الإنسان ـ يقوم بعمله بانتظام ، ومن دون أي عيءٍ أو كلل ويسير الإنسان قُدماً في هذا الخطّ ، في جزئيات مقاصده ومبتغياته ، وما يرتبط بشئون حياته المحدودة لكنّه ربّما عمّم البحث بما جُبل عليه من قريحة التعميم ؛ ليبحث عن الوجود وأنواعه وخواصّه وأحكامه من جهة عامّة ، فيفكّر في العلّة والمعلول ، والإمكان والوجوب ، والقوّة والفعل ، والقِدم والحدوث .
وهذه الأبحاث والدراسات ، وإن كانت ليست بعيدة كلّ البعد عن شعور الإنسان ، حيث إنّه يحسّ ويشعر بها إجمالاً ، إلاّ أنّها هي التي نبّهت الإنسان إلى الانتقال في البحث من عالم الطبيعة إلى ما ورائها كما أنّها هي التي حملته على التوغّل في البحث عن أوائل الوجود ، عندما وجد أنّ العالم المادي في نفسه محتاج ، ومفتقر إلى غيره ، أي لا يقوم وجوده بنفسه من أن يعتمد على ما يدفع عنه حاجته وخلّته ، حيث كان استقلاله في وجوده دائماً محتاجاً ومنتهياً ، إلى ما لا يكون استقلاله في الوجود محتاجاً ومنتهياً إلى شيء آخر وهذه هي الفلسفة الباحثة عن الله عزّ اسمه ؛ لأنّه هو الذي لا يحتاج استقلاله في الوجود إلى أي شيء آخر ، وتحتاج جميع الأشياء إليه في وجودها المستقلّ .
وهذا وإن كان في نفسه واحداً من تلك الموضوعات الكثيرة ، التي تطرح للبحث في الفلسفة العامّة ، إلاّ أنّ الأهمّية التي له تفوق أهمّية أي بحث فلسفي آخر ؛ من حيث إنّه ترك أثراً ظاهراً وهامّاً جدّاً في كلّ الأبحاث والدراسات الفلسفيّة العامّة الأُخرى من دون استثناء ؛ إذ إنّ الحصول على النتيجة فيه ـ وهو التوحيد ـ يحوِّل الأبحاث الفلسفيّة من حال التفرّق والتشتّت إلى حال التوحّد والترابط والتآلف ، ويبرزها في حلّة أبهى ، وزينة أكثر جاذبيّة ، وجمال أشدّ سحراً عندما يربط جميع الموجودات على كثرتها بموجود واحد ، هو باريها ومبديها .
وهذه الحقيقة يجدها الباحث المتتبّع واضحة جليّة فيما ورثه من الأقوال الفلسفية ، من (الهند) و(مصر القديمة) و(بابل) و (الروم) و(اليونان) وأيضاً في المأثور من كلمات المحصّلين من فلاسفة الإسلام .
هذه من جهة ...
ومن جهة ثانية فإنّ ما بأيدينا من الكتب السماوية المنسوبة إلى (موسى) و (عيسى) وغيرهماعليهمالسلام ، ثمَّ ما حكاه الله في كتابه العزيز عن الأنبياءعليهمالسلام على اختلاف طبقاتهم ، ثمَّ ما ختم به (عزّ وجلّ) ذلك ممّا أوحاه على خاتمهم ، كلّ ذلك إذا تأمّل الباحث فيه وتعمّق في درسه ، يرى أنّ البحث في اللاهوت ـ كان ولا يزال ـ ينمو ويتطوّر ويتكامل في الصفاء والجلاء ، ويتدرّج في درجات الكمال وكلّما زاد في الوضوح والصفاء ، كلّما اتّسع أُفقه ، وانحلّت به مبهمات ، واتّضحت به مجاهيل ، بل وتقوّمت به مطالب ساذجة ناقصة وسنزيد هذا المعنى إيضاحاً فيما يأتي إن شاء الله .
الدين والفلسفة
حقّاً لظلم عظيم أن يفرّق بين الدين الإلهي وبين الفلسفة الإلهية ، فهل الدين ـ على اختلاف الأديان سعةً وضيقاً ـ إلاّ مجموعة معارف اعتقادية إلهية يعبّر عنها بالأُصول ، وأُخرى فقهيّة وأخلاقيّة يعبّر عنها بالفروع ؟
هل الأنبياء إلاّ رجال يهدون ـ بأمر الله ـ المجتمع البشري إلى الحياة الفضلى والسعادة الحقيقية؟
وهل السعادة البشرية الحقيقية إلاّ أن ينال الإنسان حقائق المعارف ، بما منحه الله من جهاز دقيقٍ لفهمها وإدراكها ، جهاز مرتبط بأصل خلقة الإنسان وهو جزء من وجوده وأن يصير بعد نيله تلكم المعارف ـ في حياته العمليّة ـ على طريق العدل والاستقامة ؟ وهل له مناص في تحصيل تلك المعارف عن الالتجاء إلى الاستدلال وإقامة البرهان ؟
وإذا كان الحال على ما تقدّم ، فكيف يسوغ للأنبياء أن يدعوا الناس إلى السمع والقبول بلا بيّنة ، وأن يطلبوا منهم السير على غير طريق الاستدلال وإقامة البرهان ، مع أنّ ذلك مخالف لجبلّتهم ، ومنافٍ لما جُهِّزوا به في أصل خلقتهم وبُنية وجودهم .
والأنبياء وإن كانوا قد استمدّوا معارفهم ومبادئ دعوتهم من المبدأ الغيبي ، وارتضعوا ذلك من ثدي الوحي ، إلاّ أنّ الحقيقة هي أنّه لا فرق بين مسلك الأنبياء في دعوتهم إلى صريح الحقّ وبين الحقّ ، سلوك الإنسان بشعوره الفطري إلى نيل المعارف الإلهيّة ، حيث إنّهم على رفعة مكانتهم ، وإشرافهم على الأُفق الأعلى ، قد تنزّلوا إلى مستوى الأفهام البشريّة ، وقد روي عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال : (إنّا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نكلّم النّاس على قدر عقولهم) (١) .
وحاشا ساحة الأنبياءعليهمالسلام أن يحملوا النّاس على أن يخبطوا خبط عشواء ، وأن يسوقوهم سوق البهيمة العمياء ، فإنّهمعليهمالسلام كانوا على عكس ذلك تماماً إذا خاطبوهم خاطبوهم بما يفهمون ، وإذا أتوه بآية معجزة فإنّما يكون ذلك بعد أن تكون أُممهم (الأنبياء) قد اعتبرتها صالحة للدلالة على صدق الدعوى ، فيحتجّ بها الأنبياء على تلك الأُمم التي اعترفت ، بل وقرّرت وأثبتت دلالتها على صدق دعوتهم الحقّة .
وهو ذا القرآن أعدل شاهد على ذلك فيما يدعو إليه المجتمع الإنساني ، من معارف المبدأ والمعاد وكلّيات المعارف الإلهية ، فهو لا يأخذ إلاّ عن حجّة بيّنة ، ولا يدع إلاّ عن حجّة بيّنة ، ولا يمدح إلاّ العلم والاستقلال في الفهم ، ولا يذمّ إلاّ الجهل والتقليد ، قال تعالى :( قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي ) (٢) .
وخلاصة القول : إنّ الدين لا يدعو الإنسان إلاّ إلى نيل الحقائق الإلهية بشعوره الاستدلالي ، الذي جُهِّز به ، وهذا هو بالذات ما يعبّر عنه بـ : (الفلسفة الإلهية) ، فكيف صحّ ـ بعد هذا ـ الفصل بين الدين الإلهي وبين الفلسفة الإلهية ، مع أنّهما شيء واحد ، لا تعدُّد فيه ولا اختلاف ؟!
فلا قيمة إذن لِمَا أصرّ عليه جمع من الباحثين الأوربيّين ، واستحسنه آخرون من المسلمين ، من أنّ الدين يقابل الفلسفة ، وأنّهما معاً يقابلان العلم المعتمد على الحسّ والتجربة وأنّ النوع الإنساني قد مرّ في أربعة أطوار : طور الأساطير ، وطور الدين ، وطور الفلسفة ، وطور العلم .
ـــــــــــــ
(١) أُصول الكافي : ١ / ٣٨ ، الحديث ١٥ / ١٥ ، كتاب العقل والجهل بحار الأنوار ١ / ٨٥ ، باب ١ ـ فضل العقل وذمّ الجهل ، الحديث ٧ .
(٢) سورة يوسف : الآية ١٠٨ .
لا قيمة لأقاويلهم ، فإنّهم أُناس قد استحوذت المادة على عقولهم ، واستأثرت الطبيعة بكلّ تفكيرهم ، فلم يرفعوا أنظارهم عن الأبحاث الماديّة ، ولم يخلعوا عن أنفسهم جلباب الطبيعة ، حتّى ولو سويعة واحدة ثمَّ حكموا من خلال المادة والطبيعة على ما ورائها ، ونفوا كلّ ما لم يتكرّر على حواسّهم ؛ فزعموا أنّ الدين تقليد في أمر منظوم ، وأنّ الفلسفة استدلال على أمر موهوم ، فلا في قضائهم عدلوا ولا في مزعمتهم أصابوا .
ودع عنك أيضاً ما نهج به جمع من الباحثين المسلمين من أنّ الدين يرفض الفلسفة ويبطلها ، ولا ينسجم معها ، وأنّ الموقف الديني هو غير الموقف الفلسفي ، وهدف هذا غير هدف ذاك ...
فهؤلاء يفسّرون الفلسفة على أنّها مجموعة منظّمة من أقاويل رجالٍ ، من يونانيّين وغير يونانيّين ، وفيهم الملحد والمتّقي ، والكافر والمؤمن ، ومنكر الصانع ومثبته ، والمخطئ والمصيب لا يراد من التعرّض بالبحث لهذه الأقاويل إلاّ التشبّه بهم ، ولا من التعلّق بها إلاّ تقليد الجمهور من مشاهيرهم .
ولو كانت الفلسفة هي التي فسّروا ، وحقيقتها هي التي ذكروا ، لكان الأجدر بها أن لا تكون ، ولكان الأحرى بكلّ مَن يحترم نفسه أن لا يتعرّض لها ، ولا يمارسها ، وأن ينكرها الدين ، ويتبرّأ منها ، براءة الذئب من دم يوسف .
ولكنّ الحقيقة هي ـ تماماً ـ خلاف ما زعموا وأمّا ما ذكروه ، فهو طريقة تتبع في بعض الصناعات ، التي طمئنّ فيها إلى إجماع الرجال وشهرتهم ، وتُستقرأ المذاهب فيها وتستقصى ليكون ذلك دليلاً على التلازم بين مسائل متشتّتة ، لا دليل لها إلاّ اتّفاق الباحثين عليها .
وأمّا الفلسفة ـ التي قدّمنا أنّها البحث الاستدلالي عن الحقائق ـ فإنّها لا تعتني بالرجال وأقاويلهم ، و بإجماع العلماء وشهرتهم ، ولا يجوز لها أبداً أن تعتني ؛ إذ كيف يصحّ الاكتفاء عن معرفة الحقّ الصريح وأعيان الأُمور ، بمعرفة ما قيل فيها وعنها ؟! وكيف يجدي في الحصول على سكون النفس واطمئنانها إلى الحقائق والواقعيات ، الالتجاء إلى آراء الناس ومذاهبهم فيها ؟َ
فدع عنك هذه الأقاويل ، وتيقّن أنّ الدين لا يدعو إلاّ إلى الفلسفة الإلهيّة ، وهي الحصول على المعارف الإلهية عن حجّة عقليّة .
فلسفة الإسلام الإلهية ، أو كمال الفلسفة
استمرّت الفلسفة الإلهيّة في الاتّساع ، والقيام بعمليّة الجمع والربط بين مختلف المسائل والموضوعات التي تبحث عنها الفلسفة العامّة ـ على شدّة تفرّقها وتشتّتها ـ باللاهوت حتّى ظهر الإسلام ، وأخذ على عاتقه مهمّة تعليم وتثقيف البشريّة ، فسما بالفلسفة الإلهية إلى أوج كمالها ، وانتهى بها إلى غاية عظمتها .
ولعلّ البعض يحمل كلامنا هذا على نوع من المبالغة والغلوّ في حقّ هذا الدين القويم ، وأنّه إغراق لا مبرّر له في مدحه ، وأنّه إبراز له في حلّة مدلّسة لا قيمة لها إلاّ في سوق التخيّل الشعري ، الذي يبتعد كثيراً عن واقع القضية وحقيقة الأمر .
ولكنّنا بدورنا نقول لهؤلاء ـ بكلّ ثقة واعتزاز ـ : ما عليكم إلاّ أن تختبروا صحّة ما نقول ؛ وذلك بأن تقوموا بالدراسة والبحث والتمحيص لتعاليم الدين الإسلامي فإنّا لا نشكّ أنّ أي باحث منصف ، يحسن الورود والصدور ، لا يلبث أن يرى أنّ الدين الإسلامي في فلسفته الإلهية قد عمّم البحث ، إلى حدّ أنّه لا يشذّ عنه أي شيء في الوجود من الأشياء العينية ، سواء كان ذلك البحث في ذاتها أو صفاتها أو أفعالها ، (ومن تلك الأشياء الإنسان ، في جميع شئون وجوده) ويمضي الإسلام في طريقه هذا ، ولا يقف في بسط البحث اتّساعاً وشمولاً عند حدّ ، حتّى يربط كلّ شيء باللاهوت ، على نحو يليق بساحته تعالى ، ثمَّ يعود فينعطف إلى عالم الحياة الإنسانية ؛ ليعالج جميع شئونها الخُلقيّة والعمليّة فقد جعل المعارف الإلهية أساساً وقاعدة للأخلاق الفاضلة والصفات الجميلة ، ثمَّ جعل الأخلاق الفاضلة والصفات الجميلة أساساً للتشريع .
فمن تعاليم الإسلام [إذن] تنبثق الصفات الفاضلة ، وتتميّز بها عن الصفات الرذيلة ، فيدعو إلى تلك ، ويزجر عن هذه ثمَّ يجعل الصفات الفاضلة هذه أساساً لتشريع القوانين والأنظمة ، التي تنظّم أفعال الإنسان وسلوكه ، وتضمن له الحياة الفاضلة السعيدة بمعناها الشامل .
وبذلك يصير (التوحيد) وحده هو الأصل الحاكم في جميع شئون عالم الوجود بحسب تعاليم الإسلام ، حيث إنّ الإسلام يربط كلّ شيء ـ كما قلنا ـ باللاهوت ، ويُنهي كلّ شيء إليه في مختلف مجالات الحياة ، وجميع أحوالها وشئونها .
وهكذا يشاهد الباحث عن كثب ، أنّ كلّ قضيّة ـ علميّة كانت أو عمليّة ـ في الإسلام ، هي : (التوحيد) قد تلبّس بلباسها ، وظهر في زيّها ، وتنزّل في منزلها فبالتحليل ترجع كلّ مسألة وقضيّة إلى (التوحيد) ، وبالتركيب يصيران شيئاً واحداً ، لا مجال للتجزئة ولا للتفريق بينهما .
وهذا معنى ما قدّمناه من أنّ الإسلام قد انتهى بالفلسفة الإلهية إلى أوج كمالها المتصوّر ؛ إذ إنّ ما أتى به من شأنه أن يُسري حكم اللاهوت إلى كلّ علم وعمل ، و(ليس وراء عبادان قرية) .
وهذا في الحقيقة قوّة هائلة جهّز الله بها دينه القويم ، فبها أقام صرحه ، وشيّد بنيانه فإنّ العلم لا يحفظ ، ولا يتربّى ، ولا يتكامل إلاّ مع العمل ، فما لم يرتبط العلم بالعمل ، فلا مناص لبقائه ، ولا كافل لنمائه على أنّه قد تقرّر في الأبحاث النفسية أنّ الإنسان ـ وهو موجود فعّال ، بقاؤه وكماله مرهونان بفعله ـ بحسب صنعه وتكوينه ، قد صُنع وكوِّن بحيث يهتدي إلى أفعاله عن طريق شعوره بها ، وحاجته إليها ، فيشتاق إلى شيء فيريده ، ويكره شيئاً فيمسك عنه هذا بالنسبة إلى الجزئيّات المحسوسة ، ومنها ينطلق إلى التعميم والتوسعة لكلّ شيء ، وفي كلّ شيء يناله فهمه ، ويقع عليه إدراكه .
فالإنسان يسير ـ بحسب تكوينه وصنعه ـ إلى نيل ما يحتاج إليه في حركاته الجسميّة والروحية من العلوم والمعارف ، فلا حاجة للإنسان إلى ما لا تعلّق له في عمله ، ولا يرتبط به ، ولا يدركه إدراكاً تامّاً ، ولا يصفوا له علم شيء إذا فارق العمل ، وإلى ذلك يشير قول عليّعليهالسلام :(العلم مقرون بالعمل : فمَن عَلِمَ عمِلَ ؛ ومَن عمل علِمَ والعلم يهتف بالعمل ، فإن أجابه وإلاّ ارتحل عنه) (١) .
ويظهر ذلك بوضوح إذا قايسنا حال الفلسفة الإلهية ، التي ربّما يوجد شيء منها لدى الشعوب المتمدّنة اليوم ، بحالها في الإسلام حيث إنّ أُولئك ـ أعني الشعوب المتمدّنة ـ اليوم ، قد فصلوا بين الفلسفة الإلهيّة وبين الأعمال ، فاستقلّت القوانين العملية السائدة بينهم عن الدين استقلالاً تامّاً أمّا الإسلام ، فقد وضع قوانينه العملية على أساس الأخلاق المبنيّة على أصل التوحيد ومن هنا ، فإنّك ترى عياناً أنّ الفضلاء والمفكّرين من أُولئك ، لا يكادون يفقهون حتى المسائل البسيطة من الفلسفة الإلهيّة وأمّا المسلم الواعي المحترم لشئون دينه ، فإنّ لله عزّ اسمه نصيباً في قيامه وقعوده ، ونومه ويقظته ، وحياته وموته ، وظاهر شخصيّته وباطنها ، وهذه الإحاطة التامّة ، ومن أجل سراية التوحيد إلى جميع شئون الرجل الإلهي ، تسنّى له الوقوف في موقف التألّه ، وثبتت له قَدَم صدق في معرفة اللاهوت ، التي أحاط حكمها بكلّ
ـــــــــــــ
(١) الكافي : ١ / ٦٣ ، الحديث ١٠٨ / ٢ ، باب استعمال العلم ، بحار الأنوار : ٢ / ٤٠ ، الحديث ٧١ ، باب ٩ ـ استعمال العلم والإخلاص في طلبه ومثله ما ورد في نهج البلاغة : ٥٣٩ ، الحكمة ٣٦٦ ، حِكَم أمير المؤمنينعليهالسلام ومثله ما ورد في غرر الحِكم : ٤٥ ، الحديث ١٤٢ ـ ١٤٣ ، ثمرةَ العلم العمل به .
شيء ؛ إذ لولا هذه الإحاطة ، ولولا سراية اللاهوت إلى جميع شئون الرجل الإلهي ، لم يتهيّأ له ذلك بديهة ؛ إذ كيف يتمّ الفصل والقضاء فيها مع عزل الأشياء عن حكمها ؟! وكيف عرف الله مَن أنكر أو أهمل سلطانه في شيء من مملكته ؟!
القضاء قضاءان : حقوقي وعلمي
ليس على القاضي في الحقوق إلاّ أن يعرف ماهيّة الموضوع الذي وقع فيه الشجار والخلاف ، وهي قضية جزئية حيّة ، من شأنها أن يتصوّرها كلّ مَن اطّلع على أطرافها وجوانبها ثمّ يقضي بما يتلائم مع القوانين الموضوعة والمتّبعة ، وليس عليه إلاّ أن يتّبع العدل في قضائه ، ولا يفرّق بين ما يراه وبين ما يقضي به وهو إنّما يقضي في أمر اعتباري وضعي ، ويتَّبع في قضائه جريان الأحداث في الخارج ..
وأمّا القاضي في مسألة علميّة ، فإنّه أشدّ محنة وأعظم بلاءً ، ولا سيّما إذا كانت تلك المسألة فلسفية ..
فمن جهة يجذبه الحسّ إلى المحسوسات الجزئيّة المتشخّصة في الخارج ، ولا يدعه يتوجّه إلى الكلّيات والأُمور الخارجة عن حومة المادة والطبيعة ، والتي لا تنفع فيها مقاييس المادة ، ولا تجدي معها الشواهد الطبيعية الجزئية ، بل وتعجز في التعبير عنها اللغات المبيِّنة للمقاصد ، والكاشفة عمّا في الضمائر ؛ حيث إنّ الألفاظ إنّما وضعت لتعبّر عن حوائج مادّية جزئية ، وليست إلاّ قوالب لها ، وإذا ما استعملت في الفلسفة ، فإنّما يكون ذلك بعد تجريدها عن غواشي المادة ، واستبعاد المشخّصات التي توجب جزئيّتها .
وعليه ، فكلّ مكان تستعمل فيه الألفاظ يكون معرضاً للخطأ والالتباس ، ومن ثمّ للزلل والخطل في المعارف التي تؤدّيها تلك الألفاظ وتُجعل قوالب لها .
ومن جهة ثانية تحرفه عواطفه الباطنة ، الداعية له إلى إتّباع الهوى ، فتصرفه عن الحقّ ، الذي هو بغيته ومنيته ، وتحوّل نظره عن هدفه الأسمى هذا إلى أغراض تافهة أُخرى ، تقرّبها منه وتزيّنها له ..
ولهذا فإنّ من الطبيعي أن لا يصل إلى المعارف الحقيقيّة إلاّ أفراد قلائل قد تجرّدوا من جلباب المادة والطبيعة ، وأفلتوا من شراك الهوى ، وتخلّوا عن زبارج وبهارج هذا العرَض الأدنى وإن شئت فقُلْ : لا يصل إليها إلاّ مَن تبرّأ من سيّئات الأعمال ، وتنزّه عن رذائل المَلكات والأحوال ، ونذر نفسه ووجوده لله ، لا همّ له إلاّ الحقّ الصريح ، ولا ينشد إلاّ الواقع الأصيل والصحيح .
هذا وإنّ ثَمَّة مثالاً حيّاً تمثّلت به الفلسفة الإلهية ، التي نعنيها بالكلام المتقدّم ، هذا المثال هو الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام ، الذي هو المثال الحقيقي البارز للفلسفة الإلهية ، والذي لا يخطئ المتمثِّل به ولا يضلّ ..
ومن أجل إدراك هذه الحقيقة ، فما على الباحث إلاّ أن يجيل نظره فيما يذكره التاريخ الصحيح ، ممّا يتعلّق بحياته الحافلة بالفضل والفخار ، وأيضاً الزاخرة بالمحن والبلاء في جنب الله عزّ اسمه ، ثمّ يقيس ـ لو جاز القياس ـ المأثور من كلامهعليهالسلام في المعارف الإلهية ، بالمأثور من كلام غيره من صحابة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وغيرهم من علماء التابعين ، ومَن دونهم ثمّ يتعمّق في البحث ، في غرر كلامه في الفلسفة الإلهية ؛ فإنّه سوف يجد ـ دون أدنى شكّ وشبهة ـ صدق ما ذكرنا ، وحقيقة ما إليه أشرنا .
فقد ولدعليهالسلام قبل البعثة ، وكان أبوه شيخ بني هاشم ، أبو طالب بن عبد المطّلب بن هاشم وأُمّه : فاطمة بنت أسد ثمّ تربّى في حجر النبوّة ولم يزل على ذلك حتّى بُعث النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ فكان أوّل مَن آمن به ، وهو لم يبلغ الحلم ، وقَبِل النبي ذلك منه أحسن القبول .
وكانصلىاللهعليهوآلهوسلم قد شرط لأوّل مَن آمن به الخلافةَ والوصاية في ملأ من قومه ثمّ لم يزلعليهالسلام ملازماً للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ملازمة الظلّ لديه ، قبل الهجرة وبعدها ، إلى حين وفاتهصلىاللهعليهوآلهوسلم فكان هوعليهالسلام آخر مَن فارق النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فارقه حينما وضعه في ملحود قبره الشريف ، وكانصلىاللهعليهوآلهوسلم يخصّه من خلوته وجلوته ، ومسارّته ومحاضرته ، بما لا يخصّ به أحداً سواه ..
وكانعليهالسلام أخطب العرب بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وأفصحهم ، كما أنّه كان أعلم الأُمّة بعدهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو القائل :(علّمني رسول الله ألف باب من العلم ، ينفتح من كلّ باب ألف باب) (١) .
وكان أورع الناس ، وأزهدهم في دنياه ، وأرأف الناس نفساً بالضعفاء والأرامل والأيتام ، وأرقّ الناس للفقراء والمساكين ، وكان لا يختلف عنهم في حياته وزيّه ، حتى في أيّام حكمه وتسلّمه لزمان الخلافة الإسلامية العامّة ..
وهو الشجاع ذو النجدة ، الذي لا يذكر التاريخ مَن يعدله ويدانيه ، وبه وبسيفه قام عمود الدين ، كما أنّه كان أشدّ الناس في جنب الله ، لم يترفّع عن حقّ قطّ ، ولم يهو إلى باطل قطّ ..
وليس غرضنا هنا الثناء عليه ، وبيان فضائله ، فهو لعمري المقياس الذي يقاس به الفضل ، والميزان الذي توزن به الأعمال فإنّ البحث الفلسفي يتجنّب التعرّض لمدح الرجال أو قدحهم ، والثناء عليهم أو الإزراء بهم ، كما أنّنا ليس لنا غرض آخر من ذلك ، كالاحتجاج لمذهب معيّن أو غيره ..
ـــــــــــــ
(١) دلائل الإمامة / ابن جرير الطبري : ١٠٥ ، ذكر معجزاته [الإمام أبي جعفر الباقرعليهالسلام ] ، ومثله ما في بحار الأنوار : ٢٦ / ٢٩ ، الحديث ٣٦ ، أبواب علومهم ، باب ١ ـ جهات علومهم الاختصاص : ٢٨٣ ، حديث في زيارة المؤمن لله الأمالي / الصدوق : ٧٣٢ ، الحديث ١٠٠٤ / ٦ ، المجلس الثاني والتسعون ، ولكنّ الثلاث الأخيرة وردت فيها كلمة (يفتح) بدل (ينفتح) ، فلاحظ .
وإنّما غرضنا من الإيماء إلى بعض صفاته ، وبعض شئون حياته ، هو أن نلفت نظر الباحث الحصيف إلى أن يقوم ببحث نفسي وأخلاقي في جوامع صفاتهعليهالسلام ، ثمّ يقيس بعضها إلى بعض ، ويقارن بينها ؛ ليستنتج أنّه كانعليهالسلام قد أُوتي الكمال الحقيقي في قواه الجسميّة والروحيّة ، كما أنّه أيضاً منح كلّ الكمال لنفسه ، القيِّمة على إدراك الحقائق والتحصيل المعارف فإنّ هذا في الحقيقة هو غاية ما تشترطه الفلسفة ، وبشكل خاصّ الفلسفة الإلهية فمَن يحاول أن يتناولها بالبحث والتمحيص ، ويتعرّف فيها على الحقائق ، وينال المعارف فإنّها لا تنشد إلاّ إنساناً يبلغها نظره ، ويَسَعُها صدره ، وتحرسها تقواه ، وينثرها بيانه فيما ينثر من تعاليم ..
وإنّ العجيب في أمر الإمام عليعليهالسلام أنّه بلغ الغاية في مختلف جهات الفضائل الإنسانية ، فهو بحقّ الإمام في كلّ باب ، والمثال الحقّ في كلّ غاية كريمة على خلاف ما نجده من حال النوابغ ، وشخصيات الأفذاذ من رجال التاريخ .
إنّنا نجد الرجل إذا كان شجاعاً باسلاً ، شديد البأس ، رابط الجأش ، لا تزعزعه الأهوال ، ولا تروّعه مقارعة الأبطال ، نجده ـ عادة ـ قصير الباع في التدبير والتفكير ، قليل الحظّ من الرأفة والرقّة .
ونجد الرجل العابد المتزهّد المتورّع ، مغرقاً في الزهد والعبادة ، وعارفاً بسبل رياضة بدنه ، ومجاهدة نفسه ، ولكنّه قاصر في سياسة الدولة وإدارة الأُمّة ، لا يقوى على تمييز النصيحة من الخديعة ، ولا يلتفت إلى المكائد ولطائف الحيل وهكذا في مختلف الموارد وسائر الأفراد ، فإنّك لا تكاد تجد مَن يجمع أكثر الصفات والخصال الحميدة ، فضلاً عن كلّها وليس ذلك إلاّ لأنّ النفس الإنسانيّة تمتلك قدراً محدوداً من الهمّة ، فإذا اجتمعت الهمّة على أمر ، ضعفت بطبيعة الحال في سائر
الأُمور الأخرى ، وإذا وزّعها على مقاصد شتّى ، وقسّمتها بينها ، ضعف الجميع ، ولم يكن الوصول في الكلّ إلى درجة الكمال المطلوب ؛ إذ( مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ) (١) .
أمّا الإمامعليهالسلام ، فلم تكن فضائله النفسيّة ناشئة عن تهذيب سبقه تروٍّ وتأمّل فكريّان ، ولم يسلّم أمره إلى هوى نفسه ، لتختار له الجهة التي عليه أن يصرف همّته فيها وإنّما أخذته جذبة إلهيّة ، أنْسَته غيره سبحانه ، وأزالت من نفسه كلّ المآرب البشريّة التي تشدّه إلى نفسه ، وتقرّبه منها ، ولم تُبق منها شيئاً ، وانتُزعت كلّ الشهوات الغريزيّة ، التي توجّهه نحو الملذّات الآنيّة ؛ فلا شيء بعد شدّه نحو نفسه ، ولا شيء أيضاً يزيّن له الشهوات والملذّات الدنيويّة ، بل كلّ همّه هو الحقّ ، والحقّ فقط ، فهو الغاية وإليه سوف تكون النهاية ..
ـــــــــــــ
(١) سورة الأحزاب : الآية ٤ .
وهذا هو الذي جعلهعليهالسلام يعطي كلّ موقف حقّه ، وهداه إلى الحقّ فالتزمه وكان معه ، حتّى عند اختلاف الدواعي والبواعث(١) ..
ـــــــــــــ
(١) قد ذكرنا في بحث قرآني في كتابنا : تفسير الميزان : ١/ ٣٥١ ـ ٣٥٧ ، تفسير الآية ١٥٥ و١٥٦ سورة البقرة ، بتصرّف أنّ طرق الأخلاق المشروعة ثلاث :
الأوّل : طريق الحكماء الباحثين في الأخلاق ، ويتلخّص هذا الطريق : بتشخيص الأخلاق الفاضلة وتمييزها عن غيرها ، بواسطة ما هو شائع عند العقلاء تحسيناً وتقبيحاً أي أنّهم يستدلّون على الأخلاق الفاضلة بمدح العقلاء وثنائهم على المتخلّق بها ، وعلى الأخلاق الذميمة بذمّهم وزرايتهم عليه فإذا عرف الإنسان الأخلاق الفاضلة من غيرها بواسطة ذلك الميزان ـ وهو تحسين العقلاء وتقبيحهم ـ فما عليه إلاّ أن يتخلّق بالفاضلة منها ؛ إيثاراً للحسن العامّ الشائع والثناء الجليل ..
فالحكيم الباحث في الأخلاق يقول : الشجاعة والعفّة والصدق ـ مثلاً ـ أُمور يستحسنها العقل ، ويمدحها النّاس ، فعلى الإنسان العاقل ـ إذن ـ أن يتخلّق بها إيثاراً للحسن والكذب والنميمة والخيانة ـ مثلاً ـ يقبّحها العقل ، ويذمّها النّاس ، فعلى العاقل ـ إذن ـ أن يتجنّبها ويبتعد عنها .
الثاني : طريق الأنبياء : وهو الاستدلال على الأخلاق الفاضلة برضى الله سبحانه ، وعلى الأخلاق الرذيلة بسخطه وعقابه فرضى الله وسخطه هي المقياس للأخلاق الفاضلة والرذيلة فعلى الإنسان أن يؤثر منها ما يهدي إلى الجنّة ، ويحترز ممّا يؤدّي منها به إلى النار .
الثالث : الطريق الذي اختصّ به الإسلام ، وهو الاستدلال على الأخلاق الفاضلة بنور التوحيد الخالص ، فإنّ الإنسان إذا علم أنّ الوجود الحقّ هو الله سبحانه ، علم أنّه هو الربّ المالك لِمَا عند غيره من الوجود وآثار الوجود ، من دون أن يملك غيرُه شيئاً ، من ضرٍّ أو نفع ، أو موت أو حياة أو نشور وإذا علم ذلك وتيقّنه ، فلسوف لا يريد حينئذٍ إلاّ ما أراده الله ، ولا يكره إلاّ ما كره الله ؛ حيث إنّه يرى أنّ نفسه لا تملك شيئاً ، حتّى يشغل نفسه بعجب أو مرح أو حزن ، أو غير ذلك من مشتهيات النفوس ولا يرى أيضاً لغيره تعالى أثراً أو خطراً في هذا الوجود ، فلا أحد يملك له نفعاً ليرجوه ويطمع فيما عنده ، أو يدفعه لأن يذلّ له بغير حقّ ، أو أن يبغي عليه بغير الحقّ كما أنّه لا أحد يملك له ضراً لِيَخافه على نفسه فيذلّ له ، أو يبطل حقّاً ويحقّ باطلاً من أجله وعلى هذا القياس ..
فالتوحيد الخالص يعالج الداء ، وبه ومنه يكون الشفاء ، من غير حاجة إلى ما تقدّم في الطريقين السابقين من وسائط ووسائل .
والفرق بين الطريقين المتقدّمين يدفعان الداء ، بمعنى أنّهما يعالجانه بضدّه ، نظير العلاج الجسماني أمّا طريق الإسلام ، فإنّه يرتفع معه موضوع الرذيلة من أصله ، لا أنّها تكون موجودة ثمّ تدفع عن هذا الفرد أو ذاك (منه قُدِّس سِرُّه) .
وهذا يتّضح لنا تماماً إذا راجعنا ما بأيدنا من سيرته وحياته ، كما أنّه يلوح ، بل يتّضح ، من أطراف ما بين أيدينا من كلامهعليهالسلام ، فهو القائل : (ما رأيت شيئاً إلاّ ورأيت الله قبله) (١) ، والقائل :(لو كشفت الغطاء ما ازددت يقيناً) (٢) وهاتان الكلمتان من حيث
ـــــــــــــ
(١) شرح الأسماء الحسنى / الملاّ هادي السبزواري : ١ / ٤ .
(٢) بحار الأنوار : ٤٠ / ١٥٣ ، باب ٩٣ ـ علمه ، وأنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم علّمه ألف باب ، وأنّه كان محدّثاً ، الحديث ٥٤ غرر الحكم : ١١٩ ، الباب الخامس في الإمامة ، الفصل الثاني في عليعليهالسلام ، فضائله ، الحديث ٢٠٨٦ .
معناهما الفلسفي من أروع الكلام وأجمعه ، وقد قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : (لا تلوموا عليّاً فإنّه ممسوح في الله) (١) ، وقال أيضاً :(عَليٌّ مع الحقِّ ، والحقُّ مع عليٍّ) (٢) ، ونحن في غنى عن بيان أنّ هذا الوصف ـ أعني كون إنسان مع الحقّ والحقّ معه ـ إذا حصل عليه الإنسان ، كان خير وسيلة وأجّاها في وصوله إلى المعارف الحقيقيّة ، وحصوله على الفلسفة الإلهيّة .
ـــــــــــــ
(١) ورد الحديث : (لا تسبّوا عليّاً ؛ فإنّه كان ممسوحاً في ذات الله) انظر : ينابيع المودّة / القندوزي : ٢ / ٨٤ ، الحديث ١٤٥ .
وورد : (إنّه ممسوس) كما في كنز العمّال / المتّقي الهندي : ١١ / ٦٢١ ، الحديث ٣٣٠١٧ المعجم الأوسط / الطبراني : ٩ / ١٤٢ المعجم الكبير أيضاً : ٩ / ١٤٨ المناقب / ابن شهرآشوب : ٣ / ٢١ ، فصل في ظالميه ومقاتليه ، في سبّهم إيّاه (صلوات الله عليه) .
(٢) المناقب / ابن شهرآشوب : ٣ / ٢٥٦ ، باب النكت واللطائف ، فصل في مساواته مع داود وطالوت وسليمانعليهمالسلام . الفصول المختارة / المفيد : ٢ / ٣٣٩ .
قياس المأثور من كلامهعليهالسلام بكلام غيره
بعث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في عصر سمّاه القرآن : ( عصر الجاهليّة) ، وما أحراه بهذا الاسم ! وكان عامّة العرب آنذاك أُميّيّن ، لا يقرءون ولا يكتبون ، ولم يكن فيهم أثر للعلم والثقافة ، وليس لديهم شيء من سنن المدنيّة ، بل كانت حياتهم حياة فوضى وهمجيّة ، يرتزقون من قطع الطرق ، وشنّ الغارات ، وينشدون الأشعار في المباهاة بسفك الدماء ، وهتك الحرمات ، والمفاخرة بآبائهم وأسلافهم وقد أثبتت البحوث والدراسات في (الأخلاق الإنسانية وأسبابها) ، أنّ الأُمّة التي هذه حالها ، وعلى ذلك جرت سنّتها ، تكون مرتعاً خصباً للعصبيّة الجاهليّة العمياء ، التي هي السمّ الناقع للفلسفة الإلهية ؛ فإنّ العصبية تذهب باستعداد النفس الإنسانيّة لتقبّل الحقّ ، ولا تبقي من ذلك الاستعداد شيئاً. ومن الصعب جدّاً أن يتهيّأ لأُمّة هذا حالها ظرف صالح ، يخرج تلك الأُمّة من ظلم الجهالة ، وينفي عنها رذائل الأعمال المهلكة ، ويعوّضها عنها :
أوّلاً : بالأعمال الصالحة ، ويلهمها .
ثانياً : الحكمة والموعظة الحسنة ، ثمّ ينتهي الأمر بها .
ثالثاً : إلى الفلسفة الإلهية ، وعند ذلك يتمّ الكمال الإنساني ، وتلتقي سعادة الدنيا وسعادة الآخرة وإلى ربّك المنتهى ..
وإذا تتبّع الباحث الناقد ما وصل إلينا من أخبار ، تفصّل لنا أحوال صحابة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وتحكي أقوالهم يرى هذه الحقيقة التي أشرنا إليها رأي العين ، فإنّ أغلب هذا الأخبار قد تضمّنت عرضاً لأعمالهم الصالحة ، التي يلوح منها اتّباعهم للسنّة النبويّة ، أو متضمّن أحداثاً ترتبط بالدعوة الدينيّة وشؤونها ، وقليل من هذا الأخبار ما يشتمل على الحكمة والموعظة الحسنة وتعاليم الدين وأمّا الذي يشير منها إلى معارف حقيقيّة ، ويرمز إلى فلسفة إلهيّة ، تأخذ الألباب ، وتشدّ القلوب ، وتربطها بسرادق العزّة والكبرياء ، وساحة العزّة والبهاء ، أمّا هذا النمط منها ، فهو أشدّ وأندر ، بل لعلّ الحديث الذي يتعرّض لذلك ـ رغم أنّه غريب في محتواه ومضمونه ـ لا يتجاوز عدد أصابع اليدين ، أو حتّى لا يبلغه وليس فيما ورثناه منهم من الكلام في المعارف ، إلاّ أخبار التجسيم والتشبيه أو التنزيه ، وبعض الأخبار المشتملة على معارف ساذجة وبسيطة ، ومعانٍ عادية ومبتذلة مع أنّ عدد مَن تُرجم له من الصحابة يبلغ الاثني عشر ألف نسمة ولم تأل الأُمّة جهداً في النقل عنهم ، وإحصاء أقوالهم ورواياتهم ..
لكنّنا نجد كلام الإمام علي بن أبي طالب (عليه أفضل السلام) الذي كان يفيض بالمعارف الحقيقية ، وتحار فيه النفس الوالهة الخائضة في الفلسفة الإلهية ، نجد كلامهعليهالسلام يلتقي معه الفكر الإنساني ، ويرتقي معه إلى أن يصل الفكر إلى أوج مرتقاه ، حتّى إذا كلَّ ووقف كان كلامهعليهالسلام السائر وحده في مراقي الحقائق ، لا يشقّ له غبار ، ولا تناله الأوهام ولا الأفكار ..
ولسنا نعني بذلك توحّد كلامه في بلاغته ، أو تفرّده في حلاوته ، أو غير ذلك ، فإنّ ذلك وإن كان حقّاً إلاّ أنّه خارج عمّا نحن بصدده وإنّما نعني كلامه الذي يزخر بالمعارف الحقيقية ، والفلسفة الإلهية نلفت نظر الباحث المتعمّق في الفلسفة الإلهية ، الخائض في معرفة اللاهوت (ونوجّه الكلام إليه) إلى نظير قولهعليهالسلام في بعض كلامه ـ وكم له في كلامه من نظير ـ :
(فَمَنْ وَصَفَ الهَ سُبْحانَهُ فَقَدْ قَرَنَه ، ومَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ ، وَمَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ ، وَمَنْ جَزَّأُهُ فَقَدْ جَهِلَهُ ، ومَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ ، وَمَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ) (١)
وقولهعليهالسلام :(كُلُّ مُسمّىً بِالوَحْدَةِ غَيْرَهُ ، قَلِيلٌ ، وَكُلُّ عَزيز غَيْرَهُ ذَلِيلٌ ، وَكُلُّ قَوِيٍّ غَيْرَهُ ضَعِيفٌ ، وَكُلٌّ مَالِكٍ غَيْرَهُ مَمْلُوكٌ ، وكُلُّ عَالِمٍ غَيْرَهُ مُتَعَلِّمٌ) .
إلى أن قال :(وَكُلُّ ظَاهِرٍ غَيْرَهُ بَاطِنٌ ، وَكُلُّ بَاطِنٍ غَيْرَهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ) (٢) .
وقوله في صفة العالم العلوي :(صور عارية عن المراد ، خالية عن القوّة والاستعداد) (٣) .
ـــــــــــــ
(١) نهج البلاغة : ٣٩ ، الخطبة الأُولى : يذكر فيها ابتداء خلق السماء والأرض ، وخلق آدم بحار الأنوار: ٤ / ٢٤٧ ، الحديث ٥ ، باب ٤ ـ جوامع التوحيد .
(٢) نهج البلاغة : ٩٦ ، الخطبة ٦٥ ـ وفيها مباحث لطيفة من العلم الإلهي بحار الأنوار : ٧٤ / ٣٠٦ ، باب ١٤ ـ خطبه (صلوات الله عليه) المعروفة ، الحديث ٩ .
(٣) ورد الحديث : (صور عارية عن المواد ، عالية عن القوّة والاستعداد) ، كما في غرر الحكم : ٢٣١ ، الحديث ٤٦٢٢ ، الفصل الأوّل في النفس ، شرافة النفس المناقب / ابن شهرآشوب : ٢ / ٤٩ ، باب درجات أمير المؤمنينعليهالسلام ، فصل في المسابقة بالعلم .
ورد أيضاً : (صور عارية من المواد ، عالية عن القوّة والاستعداد) . انظر : بحار الأنوار : ٤ / ١٦٥ ، تتمّة كتاب تاريخ أمير المؤمنينعليهالسلام ، أبواب كرائم خصاله ومحاسن أخلاقه ، الباب ٩٣ ـ علمهعليهالسلام ، وأنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم علّمه ألف باب ، وأنّه كان محدّثاً .
فليتأمّل الباحث في الفلسفة الإلهيّة في سلوكه الفنّي ، وهو ينضّد مسائل التوحيد ، ويرتّب بعضها على بعض . وليتأمّل أيضاً في سيره على طريق البرهان الساطع ، وهو يأخذ بمجامع المواد في كلّ برهان يقيمه ، وحجّة يحتجّ بها ثمّ في دقّة ما كشف عنه من غوامض مسائل اللاهوت ، وبعد مرماه فيها ..
وتفرُّدُ كلامه في هذا المضمار ، وسموّه إلى المنزلة التي يقصر عن الاطّلاع عليها كثير من الأفهام ، دعا بعض المتعصّبين إلى إنكار صدوره كلّه ، أو أكثره منهعليهالسلام أو دعا بعض المحدِّثين إلى أن يتمجمج في بعض كلامهعليهالسلام قائلاً : إنّه لا يشبه كلامه ..
مع أنّ المنقول من كلامهعليهالسلام ذو سياق واحد ، منسجم كلّ الانسجام ، مترابط كلّ الترابط ، يلتوي بعض أطرافه على البعض الآخر ، ويصدِّق بعض أجزائه البعض الآخر كما أنّ أكثر كلامهعليهالسلام مرويّ مسند ، مودع في كتب التاريخ وجوامع الحديث .
يضاف إلى ذلك أنّ كلامهعليهالسلام لا يشبهه شيء من كلام غيره ، فها نحن بين أيدينا الشيء الكثير من كلام غيره ، من مختلف الطبقات الفاضلة في هذه الأُمّة ، كالصحابة وكبار التابعين والمتكلّمين والحكماء والعرفاء والأُدباء والعادة قاضية بأنّ مَن يقدر أن يضع مثل هذا الكلام الزاخر بالعلم والحكمة والثقافة ، المهيمن على سائر الكلام ، وينسبه إلى رجل ليرفع به قدره ، ويشهر أمره ـ العادة قاضية ـ بأن يصدر منه في مختلف أحواله ، وجاري أيّامه ، ما يماثل ذلك الكلام الذي صنعه ونسبه إلى غيره مع أنّ مثل هذا الكلام لم يُنسب ، ولا أُثر عن أحد من هذه الأُمّة على الإطلاق على أنّ مَن يستطيع أن يصنع مثل هذا الكلام ، والذي له هذه القَدَم الثابتة في العلم بالله وآياته ، كيف تطاوعه نفسه أن يحلّى بمثل هذا الكلام غيره ويعطّل نفسه ، بحيث يبقى هو مهملاً ، وفي زوايا الخمول ، إلاّ أن يكون مصاباً في عقله ، والمصاب في عقله عن صنع مثل هذا الكلام ووضعه أعجز ، وعن الورود في شرعة هذه الفلسفة المتعالية أبعد .
على أنّ في كلامهعليهالسلام جملاً وفصولاً لم تكن العلوم الاستدلاليّة التي كانت دائرة بين السلف من علماء المسلمين ، من متكلّميهم وفلاسفتهم وغيرهم ، قادرة على تفسيرها وتوجيهها ، إلاّ بضروب من التأويل واللفّ والدوران ، إلى أن تمكّن العلماء في العصور الأخيرة من حلّ عُقَد عدّة من المسائل الحقيقيّة وكشف القناع عن كثير منها وذلك ككلامهعليهالسلام في أنّ كمال التوحيد نفي الصفات(١) ، وأنّ الله لا يحيط به عقل ، وأنّ الله ليس بواحد بالعدد ، وأنّ الله هو الدليل على نفسه ، لا يُعرف بغيره ، وكلّ ما سواه معروف به وغير ذلك .
وإذا كان الأمر كذلك ، فمَن هو الذي يُتوقّع منه ، أو يؤمَّل فيه ، من قدّماء الباحثين أو الرواة في صدر الإسلام ، أن يكون محيطاً بعامّة الحقائق ، ومدركاً لها بهذا العمق ، يودّعها في أوجز كلام ، ثمّ ينسبها إليهعليهالسلام .
ـــــــــــــ
(١) راجع ما تقدّم في : الصفحة ٣٠٠ ، الهامش ١ .
نماذج من كلامهعليهالسلام في الفلسفة الإلهيّة
إنّ الباحثين في الفلسفة العامّة ، والفلسفة الإلهيّة بالخصوص ـ وأُوجّه كلامي إليهم ـ يعلمون أكثر من أي شخص آخر أنّ البحث الفلسفي لا يتيسّر إلاّ بالاستنتاج من البراهين المحضة وهذه البراهين عبارة عن تأليف خاصّ بين مقدّمات بديهيّة وقضايا ضروريّة ، يضطرّ الإنسان إلى التصديق بها اضطراراً مطلقاً ، أو مقدّمات نظريّة مستنتجة من البديهيّة ومنتهية إليها .
فالباحثون ـ على هذا ـ يعلمون أنّ البحث الصحيح عن مواد المسائل في هذا الفن ، إنّما يؤتي ثماره عندما يتجرّد الإنسان عن جميع معلوماته التي اكتسبها عن طريق التقليد ، وسائر الأبواب الاتّفاقية والتي تترك بها آثاراً في الإنسان ، وينفعل معها بما يلائمها من أنواع الانفعالات ، من عادةٍ أو تخيّل أو أي عاطفة من سائر عواطفه الكامنة فيه .
نعم ، إنّ على الإنسان أن يتجرّد من ذلك كلّه ويلقيه جانباً ، بمحض توجّهه نحو البديهيّات والتصديقات التي لا يمكن لأيّ شيء آخر أن يصرف نفسه عنها إذا توجّهت إليها ، وليستنتج منها ـ من ثَمّ ـ أوّل معلوم نظري مكتسب ، ثمّ ينتقل منه إلى الذي قبله ، ثمّ إلى الأقدام فالأقدم ، وهكذا حتّى يبلغ ما هو بالغه من حقائق المعارف .
هذا النوع من الدراسة والبحث لا يؤتي ثماره إلاّ بالتزام بالترتيب والتدرّج في السير العلمي ، من السابق رتبة إلى لاحقه ولا يستقيم البحث إلاّ على هذا النحو ، وإلاّ عاد البحث البرهاني بحثاً جدليّاً ، مبنيّاً على التسليم لأُمور مسلّمة من الفرضيّات والأُصول الموضوعة .
هذا ، ولا يسعنا في هذا المختصر أن نستوفي تفسير ما سوف نورده من نماذج كلامهعليهالسلام ، ولا أن نعطيه حقّه من الدراسة والبحث الفلسفي ، الذي لا بدّ فيه من استفراغ الوسع ومزيد من الجهد ؛ فإنّ كلامهعليهالسلام زاخر بالمقاصد الفلسفيّة الدقيقة وحقائق المعارف الإلهيّة السامية غير أنّنا سوف نشير بعض الإشارة ـ في ضمن ما يأتي ـ إلى مكانة المسألة التي يتعرّض لها في كلامهعليهالسلام ، وموقعها من الأنظار الفلسفيّة(١) ، حتّى يراجعه المراجع إن شاء ، ثمّ يقيس مستوى كلامهعليهالسلام بمستوى كلام غيره ..
ـــــــــــــ
(١) وهذا غاية ما يمكن القيام به في مجال تفسير كلا أحد رجالات العلم من خلال ترجمته .
أُسلوب التحقيق العلمي ، وطريق السير إلى الحقيقة
من كلامهعليهالسلام :(رأس الحكمة لزوم الحقّ) (١) .
وفي هذا المعنى قولهعليهالسلام : (عليكم بموجبات الحقّ فالزموها ، وإيّاكم ومحالات الترَّهات) (٢) .
فيشيرعليهالسلام بذلك إلى طريقة البحث العلمي عن الحقائق ، والطريق الذي من شأنه أن يوصل إليها فقرّرعليهالسلام أنّ ذلك الطريق هو البرهان ، والدليل الذي لا يعبأ معه باتّفاق الرجال على قول ، أو كونه مسلّماً لدى العظماء منهم ، أو مشهوراً بينهم فالحقّ حقّ أنكره النّاس أو عرفوه ، والباطل باطل قبله النّاس أو رفضوه .
ومن لطيف البيان في هذا الباب ، قول السابع من أئمّة أهل البيتعليهمالسلام في وصيّة منه لهشام :
(يا هشام ، لو كان في يدك جوزة ، وقال الناس : لؤلؤة ، ما كان ينفعك وأنت تعلم
ـــــــــــــ
(١) غرر الحكم : ٥٩ ، الحديث ٦٣١ ، وكذلك الحديث ٦٣٢ ، ولكن بزيادة : (وطاعة المحقّ) ، الفصل السادس في الحكمة ، علائم الحكيم .
(٢) المصدر المتقدّم : ٦٩ ، الحديث ٩٦٨ ، الفصل الرابع عشر : في الحقّ والباطل / في العمل بالحقّ .
أنَّها جوزة ولو كان في يدك لؤلؤة ، وقال الناس : إنّها جوزة ، ما ضرّك وأنت تعلم أنها لؤلؤة) (١) الحديث .
ومن كلامهعليهالسلام الذي يرتبط بما نحن فيه ، ما شاع عنه مرسلاً : (لا تنظر إلى مَن قال ، وانظر إلى ما قيل) (٢) وقولهعليهالسلام :(لا علم كالتفكير) (٣) .
ـــــــــــــ
(١) تحف العقول : ٢٨٣ ، وصيّتهعليهالسلام [الإمام الكاظمعليهالسلام ] لهشام ، وصفته للعقل .
(٢) غرر الحكم : ٤٣٨ ، الحديث ١٠٠٣٧ ، الباب الثالث : في المصاحبة والعاشرة ، الفصل السادس : مواعظ في المعاشرة ، ولكن ورد : (وانظر إلى ما قال) ، شرح مئة كلمة / ابن ميثم البحراني : ٦٨ ، الكلمة العاشرة ، وورد أيضاً : (وانظر إلى ما قال) .
(٣) نهج البلاغة : ٤٨٨ ، الحديث ١١٣ ، حكم أمير المؤمنينعليهالسلام ، ولكن ورد فيها : (كالتَّفكُّر) .
بحار الأنوار : ١ / ١٧٩ ، الحديث ٦٣ ، باب ١ ـ فرض العلم ووجوب طلبه ، وورد أيضاً : (كالتَّفكُّر) .
المراحل الخمس لمعرفة الله تعالى
ومن كلامهعليهالسلام :
(أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ وكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ ، وكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ ، وكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الإخْلاصُ لَهُ ، وكَمَالُ الإخْلاصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ ؛ لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّهَا غَيْرُ الْمَوْصُوفِ ، وشَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ فَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ ، ومَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ ، ومَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ ، ومَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ ، ومَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ ، ومَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ ، ومَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ) (١) .
هذا بيان واف لمراتب معرفة الله وبالتعبير الاصطلاحي : شرح لمراتب التفكير الباحث في الفلسفة الإلهيّة ، من حيث سذاجته إلى أن ينتهي الأمر إلى عمقه ودقّته ، كما هو الحال في كلّ ما يتناوله الإنسان في دراساته العلميّة ، حيث بدأ بالسهل الساذج ثمّ يتدرّج في مراتب الدقة والإتقان ، في حدود طاقاته الفكريّة والعقليّة .
ـــــــــــــ
(١) نهج البلاغة : شطر من الخطبة الأُولى : ٣٩ ، يذكر فيها ابتداء خلق السماء والأرض ، وخلق آدمعليهالسلام .
ومراتب معرفة الله تعالى على ما بيّنه الإمامعليهالسلام خمس :
الأُولى : معرفة الله والإقرار بإلوهيته ، وهي : الاعتقاد النظري بأنّ للعالم إلهاً والاعتقاد النظري هذا يشترك فيه المشرك والموحّد ، كالوثنيّة والثنوية وأهل الكتاب والمسلمين .
وكذلك يدخل مع هؤلاء كلّ مَن اعترف بالإله ، وأذعن بوجوده وصدّق به وخضع له ، أو اقتصر على مجرّد العلم النظري ، مع تكبّره واستنكافه عن عبادته تعالى فمرادهعليهالسلام من (الدين) في قوله :(أوَّل الدين معرفته) ، مطلق الدين المقابل للزندقة والإلحاد .
الثانية : التصديق به ، والتصديق هذا هو الذي يوجب خضوع الإنسان له في عبوديّته ، وبهذا التصديق يرسخ الاعتقاد ويثبت ؛ ولذلك كان هذا التصديق كمال المعرفة .
ومن كلامهعليهالسلام في هذا الباب أيضاً قوله :(لا تجعلوا علمكم جهلاً ويقينكم شكّاً إذا علمتم فاعملوا ، وإذا تيقّنتم فأقدموا) (١) .
وقوله : (العلم مقرون بالعمل) (٢) ، وبذلك ـ أي بالعمل ـ يمتاز الموحّد المتعبّد عن الملحد المتكبّر.
الثالثة : توحيده تعالى ، هو : إثبات أنّه تعالى واحد لا شريك له ؛ وبذلك يمتاز دين التوحيد عن أديان الشرك التي تثبت مع الله آلهة أُخرى (تعالى الله عن ذلك) والتوحيد هو كمال التصديق كما قالعليهالسلام :(وكمال معرفته التصديق به) .
الرابعة : الإخلاص له تعالى بالإعراض عمّا سواه علماً وعملاً ، وقصر الوجود الحقّ وحصره فيه تعالى ، وأنّ ما يدعون من دونه هو الباطل .
وإذا كان ذلك ، انتفى عنه تعالى كلّ حدّ واقع أو متوهّم أو مفروض ، فيكون واحداً بكلّ ما لهذه الكلمة من معنى ؛ إذ لا يمكن حتّى فرض شريك أو شركاء له ، فإنّ ذلك (فرض محال ، لا فرض المحال) وقد تكرّر في كلامهعليهالسلام أنّه تعالى واحد لا بالوحدة العدديّة ، التي تقتضي أنّه لو فرض من نسخه آخر صار اثنين ، بل وحدته بحيث لو فرض معها ثانٍ ، لم يحصل التعدّد ، بل كان هذا المفروض الثاني عين ذلك المفروض الأوّل .
ـــــــــــــ
(١) نهج البلاغة : ٥٢٤ ، الحكمة ٢٧٤ ، حِكم أمير المؤمنينعليهالسلام .
(٢) قد أشرنا إلى مصدر هذا الحديث فيما سلف ، فراجع الصفحة ٢٨٩ من هذا الكتاب .
توضيح ذلك : أنّ فرض الإله تعالى يستلزم ـ بحكم العقل ـ فرض وجوده على أي تقدير مفروض فلو فرض هو ولا شيء معه ، كان حقّاً متوحّداً ثابت الوجود ولو فرض ومعه شيء ، كان أيضاً ثابت الوجود ولو فرض غيره فقط ، ولا شيء مفروضاً معه ، كان تعالى أيضاً ثابت الوجود ، وهو ظاهر واضح .
الله تعالى حقّ ثابت على أي تقدير مفروض ، وما كان هذا شأنه لم يكن لوجوده الحقّ قيدٌ أو شرط كيفما فرض ؛ وإلاّ لم يكن ثابت الوجود مع زوال ذلك الحدّ ، وارتفاع ذلك القيد أو الشرط فوجوده تعالى محض الثبوت الحقّ الذي ليس معه حدّ من الحدود العقليّة والوهميّة والخارجيّة ، فهو حقّ غير محدود ، وكلّ ما سواه من الأشياء فهو محدود لا محالة ، وإلاّ لكان موجوداً على أي تقدير كان ، وهذا معناه أنّه واجب الوجود بالذات .
وإذا كان تعالى هو محض الحقّ الذي لا حدّ لوجوده ، ولا نهاية لذاته ، لم يكن للعقل أن يفرض من سنخه موجوداً آخر ، يكون هو الثاني لذلك الأوّل ؛ إذ إنّ (حرف الشيء) لا يتكرّر .
وهذا سنخ من الواحد غير الواحد العددي الذي للعقل أن يفرض معه آخر(١)
(وإن لم يكن في الخارج) فيصير اثنين وهكذا .
وهذا هو الذي يرمي إليهعليهالسلام في قوله :(وكمال توحيده الإخلاص له) ، وقد بيّنهعليهالسلام بياناً برهانيّاً في آخر كلامه .
ـــــــــــــ
(١) ونظير ذلك ما رواه المجلسيرحمهالله في بحار الأنوار (عن التوحيد) : ٣ / ٢٠٦ ـ ٢٠٧ ، كتاب التوحيد ، باب ٦ ـ التوحيد ونفي الشريك ، ومعنى الواحد والأحد ، من أنّ أعرابيّاً قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنينعليهالسلام ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أتقول : إنّ الله واحد ؟ فحمل النّاس عليه ، وقالوا : يا أعرابي ، أمَا ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسّم القلب ؟ فقال أمير المؤمنين : (دعوه ، فإنّ الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم) .
ثمَّ قال : (يا أعرابي ، إن القول في أنّ الله واحد ، على أربعة أقسام : فوجهان لا يجوزان على الله عزّ وجلّ ، ووجهان يثبتان فيه فأمّا اللّذان لا يجوزان عليه :
فقول القائل : واحد يقصد به باب الأعداد ، فهذا ما لا يجوز ؛ لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد ، أمَا ترى أنّه كفر مَن قال : إنّه ثالث ثلاثة .
وقول القائل : هو واحد من الناس ، يريد به النوع من الجنس ، فهذا ما لا يجو عليه ؛ لأنّه تشبيه ، وجلّ ربُّنا عن ذلك وتعالى وأمّا الوجهان اللَّذان يثبتان فيه :
فقول القائل : هو واحد ليس له في الأشياء شبه ، كذلك ربُّنا .
وقول القائل : إنّه عزّ وجلّ أحديُّ المعنى ، يُعنى به : أنّه لا ينقسم في وجودٍ ولا عقلٍ ولا وهمٍ ، كذلك ربُّنا عزّ وجلّ) .
انظر التوحيد : ٨١ ، باب معنى الواحد والتوحيد والمُوحّد ، الحديث ٣ .
وبعد هذا تأتيالمرتبة الخامسة : فإنّه تعالى إذا كان حقّاً على الإطلاق ، ووجوده غير محدود ، فلا يمكن للمفاهيم الذهنيّة أن تحيط به ، ولا أن تنطبق عليه تعالى حقّ الانطباق ؛ لأنّ المفاهيم محدودة في أنفسها ، ولذا ترى أنّ مفهوم العلم يمتاز عن مفهوم القدرة ، وليس في أحدهما أي شيء ، بل أي خبر ، عن الآخر ومفهوم القدرة لا ينطبق على مفهوم الحياة ، ومفهوم الحياة منفصل عن مفهوم العلم ، فكلّ مفهوم لا يسع إلاّ لنفسه ، وليس فيه من المفاهيم الأُخرى أي أثر أو خبر وكذلك ليس في المفاهيم الأُخرى عنه أي خبراً أو أثر (وإن كان ربّما تتّحد مصاديق هذا المفهوم وتتطابق مع مصاديق المفهوم الآخر ، لكنّ الكلام ليس في المصاديق) .
وإذا كان الإله سبحانه ـ على كلّ تقدير ـ غير محدود بحدّ موجود ، وهو حقّ على الإطلاق ، فإنّ المفاهيم الذهنيّة التي يصف العقل بها كل ما أراد أن يَعْرِفَه أو يعرِّفه ، لا تستطيع أن تتناوله فتحيط به ، وتنطبق عليه وهكذا نرى أنّ التعمّق في معنى الإخلاص قد أدّى إلى نفي الصفات عنه تعالى ، فيصحّ ـ إذن ـ أن يقال : إنّ نفي الصفات عنه تعالى هو كمال الإخلاص له وهي المرتبة الخامسة ـ كما قلنا ـ من معرفة الله تعالى ، وقد عناهاعليهالسلام بقوله :(وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه ، لشهادة كلّ صفة أنها غير الموصوف ، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة) (١) .
فهو تعالى ـ كما ورد ـ له الأسماء الحسنى والأمثال العليا ولو لم يكن تعالى يملكها ، لم يمكن أن يجود بها على مَن سواه ، ولم يملكها غيره ، لكنّه أجلُّ من أن يناله إدراك غيره بوصف أو أن يحيط به نعت ، فكلّ مَن وصفه بوصف قد جهله فعند هذا الإخلاص يدرك العقل النظري قصوره وعجزه عن إدراكه تعالى والإحاطة به ؛ فإنّ وسيلة العقل الوحيدة إلى توصيف الأشياء هي المفاهيم والمعاني الذهنيّة ، وقد قدّمنا أنّها ـ أي المفاهيم ـ متمايزة بحسب ذواتها ، منفصل بعضها عن البعض الآخر ، ومن لوازمها المحدوديّة فالعقل عندما يسبغ عليه تعالى وصفاً ما ، فإنّه بنفس حكمه بالاتّحاد بينهما ، يحكم ـ من جهة التوصيف والإثبات ـ بنحو من المغايرة بينهما ، فإذا وصفه فقد قرنه بالوصف ، ولا يتمّ قرنه به إلاّ بالتثنية ، ولا تتمّ التثنية إلاّ بالتجزئة ، ولا تتمّ التجزئة إلاّ بإشارة عقليّة إلى هذا وذاك ، ولا تتمّ الإشارة إلاّ بضرب حدٍّ فاصلٍ بينهما ، يمتاز به أحدهما من الآخر ، ولا يتمّ التحديد إلاّ بعروض الوحدة العددية ، وانتفاء التوحيد الحقّ .
ـــــــــــــ
(١) فمرادهعليهالسلام بيان أنّ مفاهيم الصفات لا تنطبق عليه تعالى على نحو الحقيقة وأمّا مصاديق المفاهيم ، فهي تشهد أنّها هي الموصوفات وبالعكس .
وعند ذلك يتحيّر العقل في قضائه ، ولا يجد مناصاً من أنّ يجلّه تعالى عن التوصيف ، وينفي عنه ثانياً ما وصفه به أوّلاً ، بل وينفي حتماً هذا النفي ، الذي هو توصيف بنحوٍ .
وهذا هو الذي أشار إليهعليهالسلام بقوله قبل هذا الكلام :(الذي لا يُدركه بُعد الهمم ، ولا يناله غوص الفطن ، الذي ليس لصفته حدٌّ محدودٌ ، ولا نعتٌ موجودٌ ، ولا وقتٌ معدودٌ ، ولا أجلٌ ممدودٌ) (١) .
ومن أجمل وألطف كلامه في هذا الباب قوله الآتي نقله :(لا يُشمل بحدٍّ ، ولا يُحسب بعدٍّ ، وإنّما تحدُّ الأدوات أنفسها ، وتشير الآلات إلى نظائرها) (٢) .
فمثل العقل بالنسبة إلى معرفة الله سبحانه ، كمثل الإنسان يغترف ماء البحر بكفّه ، فالكفّ في اغترافها لا تريد إلاّ الماء من غير أن تحدّه بحدّ ، لكنّها لا تنال إلاّ ماء بقدرٍ .
وقد عدّعليهالسلام عجز العقل هذا معرفة ؛ إذ بدأ بالمعرفة ، وختم بهذه المرحلة .
ـــــــــــــ
(١) شطر من الخطبة الأُولى في نهج البلاغة : ٣٩ ، خطبة يذكر فيا ابتداء خلق السماء والأرض ، وخلق آدمعليهالسلام ، وفي غرر الحكم : ٨١ ، الحديث ١٢٨٠ ، الفصل الأوّل في معرفة الله تعالى ، في حقيقته تعالى ، ولكن ورد : (لا يدركه ، وبُعد الهمم لا يبلغه) .
(٢) نهج البلاغة : ٢٧٢ ، الخطبة ١٨٦ ، في التوحيد .
في تحقيق معنى التوحيد
ومن كلامهعليهالسلام في مجال التوحيد أيضاً قوله :
(بَانَ من الأشياء بالقهر لها ، والقدرة عليها ، وبانت الأشياء منه بالخضوع له ، والرجوع إليه من وصفه فقد حدّه ، ومن حدّه فقد عدّه ، ومن عدّه فقد أبطل أزله) (١) .
فنرى أنّهعليهالسلام في كلامه هذا قد بنى نفيه للوحدة العدديّة عن الله تعالى على كونه تعالى أزليّاً ، بيان ذلك : أنّ الأزل هو الوجود غير المسبوق ، والوجود الذي هذا شأنه غير محدود بحدٍّ ، وليس معنى نفي الحدّ عنه أن يكون موجوداً في أزمنة غير متناهية سابقة ؛ إذ إنّ لازم وجوده في أزمنة سابقة غير متناهية هو انطباقه على الزمان ، ولازم الانطباق على الزمان كون الشيء حركة ، أو ذا حركة ، متغيّراً بتغيّرها ، متحوّلاً بتحوّلها ، تعالى الله عن ذلك لا ليس معناه ذلك ، وإنّما معنى نفي الحدّ عن الوجود غير المسبوق أنّ الشيء ذو حقّ من دون أي قيدٍ أو شرط ، أي ثابتاً على كلّ تقدير ، واقعٍ أو مفروضٍ ، لا يطرأ على ثبوته الحقّ تغيّر ولا تبدّل على الإطلاق والوجود الذي هذا شأنه لا يمكن أن يكون في عرض وجوده موجود حقّ آخر ؛ إذ لو كان ، لكان لا بدّ من امتيازه عنه بحدّ فاصلٍ مميّز بينهما ، وهذا يعني أنّ الوجود الحقّ المطلق يصير مقيّداً .
ـــــــــــــ
(١) نهج البلاغة : ٢١٠ ، الرقم ١٥٢ ، في صفات الله جلّ جلاله ، وصفات أئمّة الدين .
فتكون النتيجة أنّ وجوده الحقّ غير متناه ، وكلّ موجود سواه باطل في نفسه ، أي لا يقوم إلاّ بالله سبحانه ، متناهٍ في ذاته ، مفتقر إليه فكلّ شيء غير الله يُفرض وجوده متّصفاً بأحد صفات الكمال ، كالوجود والحياة والعلم والقدرة والإرادة ونحوها ، لا بدّ وأن يكون خاضعاً له تعالى ، مفتقراً إليه ذليلاً لديه ؛ بسبب قيامه به تعالى ومحدوديّته التي تكشف عنها حدوده ، والله سبحانه هو القاهر له ؛ لكونه الحقّ المطلق ..
وهذا ما يرمي إليهعليهالسلام بقوله :(بان من الأشياء بالقهر لها ، والقدرة عليها ، وبانت الأشياء منه بالخضوع له ، والرُّجوع إليه) .
ثمّ إنّه استنتج من ذلك ورتّب عليه نفي الصفات عنه تعالى ، فراجع عبارته المتقدّمة .
وقد قالعليهالسلام في كلام آخر له في معنى الأزل :(واحد لا بعدد ، ودائم لا بأمدٍ ، وقائم لا بعَمَد) (١) ، فبيّنعليهالسلام بهذا الكلام أنّ دوامه تعالى دوام غير زماني .
ـــــــــــــ
(١) توحيد الصدوق : ٦٩ ، باب التوحيد وفي التشبيه ، الحديث ٢٦ ، ولكن ورد : (واحدٌ لا من عدد) ، وفي نهج البلاغة : ٢٦٩ ، الخطبة ١٨٥ ، حمد الله تعالى ، فراجع ، ورواه الصدوق في العيون أيضاً : ١ / ١٢١ ، الحديث ١٥ ، باب ما جاء عن الرضا عليّ بن موسىعليهالسلام ، من الأخبار في التوحيد ، ولكن ورد : (لا من عدد) .
عدّة مسائل : فلسفية غامضة في كلام لهعليهالسلام في التوحيد
ومن كلام لهعليهالسلام في التوحيد :
(دليله آياته ، ووجوده إثباته ، ومعرفته توحيده ، وتوحيده تميّزه من خلقه ، وحكم التمييز بينونة صفةٍ ، لا بينونة عزلةٍ إنّه ربّ خالق غير مربوب مخلوق ، كلّ ما تصوّر فهو بخلافه) .
ثمّ قال بعد ذلك :
(ليس بإله مَن عُرف بنفسه ، هو الدالّ بالدليل عليه ، والمؤدّي بالمعرفة إليه) (١) .
ولعمري إنّ هذا الكلام ليدهش اللُّب ، ويبهر العقل ، ويتضمّن عدّة مسائل من الفلسفة الإلهيّة ، بأوجز بيان ، وأقوم برهان ..
منها : أنّ الواجب (تعالى) يمتنع أن يُعرَف بغيره ، بل هو الدليل على نفسه ، وعلى كلّ شيء ؛ إذ إنّ من الضروري أن تكون دلالة الدليل وتأدية المعرفة مستندة إليه تعالى ، وإلاّ لكان الدليل في خصوص دلالته ، والمعرفة في خصوص تأديتها ، مستقلّين عنه تعالى ـ تعالى الله عمّا يقوله الجاهلون ـ وهذا هو الذي يشير إليهعليهالسلام بقوله :(الدالّ بالدليل عليه) .
ـــــــــــــ
(١) رواه الطبرسي في الاحتجاج : ١ / ٢٠١ ، احتجاجهعليهالسلام فيما يتعلّق بتوحيد الله وتنزيهه ممّا لا يليق به ، ولكن ورد : (تمييزه من خلقه) ، بحار الأنوار : ٤ / ٢٥٣ ، الحديث ٧ ، تتمّة كتاب التوحيد ، أبواب أسمائه تعالى وحقائقها ، باب ٤ ـ جوامع التوحيد .
ومنها : أنّ الواجب (تعالى) لا تُنال ذاته المقدّسة بالمعرفة ، وإنّما الذي تَناله المعرفة شيء من صفاته ، وقد تقدّمت الإشارة منهعليهالسلام إلى ذلك بقوله :(دليله آياته) ، وقوله :(ليس بإله مَن عرف بنفسه) .
ومنها : أن الواجب (تعالى) مستغنٍ عن الإثبات ، بل يمتنع ذلك فيه ؛ إذ إنّه تعالى له الوجود الحقّ الذي لا يحدّه شيء ، ومَن كان هذا شأنه يمتنع أن تناله الأذهان ، ويحيط به العقل ، فيكون وجوده الخارجي وإثباته شيئاً واحداً ، ويتّحد فيه الثبوت والإثبات ، فهو متعال عن العلم والجهل الذهنيّين فإمّا أن يكون معلوماً بالذات لا يجهل بحالٍ ، ولا يغيب عن شيء ولا يفقده شيء وإمّا أن يكون مجهول الذات ، جهلاً تامّاً لكنهه تعالى ، لا يغيب عن شيء ، ولا يفقده شيء ، فهو معلوم غير مجهول وقد بيّنعليهالسلام هذه الحقيقة في كلام آخر له ، فقال :
(المعروف بغير كيفيّة ، ولا يُدرك بالحواسّ ، ولا يُقاس بالناس ، ولا تدركه الأبصار ، ولا تحيط به الأفكار ، ولا تقدّره العقول ، ولا تقع عليه الأوهام فكلّ ما قدّره عقل ، أو عرّف له مثل ، فهو محدود) (١) .
ـــــــــــــ
(١) توحيد الصدوق : ٧٦ ، باب التوحيد ونفي التشبيه ، الحديث ٣٤ .
وممّا ورد عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في هذا المعنى قوله :
(التوحيد : ظاهره في باطنه وباطنه في ظاهره ظاهره موصوف لا يُرى ، وباطنه موجود لا يخفى يُطلب بكلّ مكان ، ولا يخلو منه مكان طرفة عين حاضر غير محدود وغائب غير مفقود)(١) .
وهذا هو السرّ في أنّنا لا نجده (تعالى) يقيم في كتابه المجيد برهاناً على أصل الذات ، وإنّما يبرهن على الصفات ، فيبرهن مثلاً على أنّ للعالم صانعاً وربّاً وخالقاً ومرجعاً ونحو ذلك .
ومنها : أنّ البرهان على وجود الواجب تعالى برهان على توحيده ، فإنّ الذي يدلّ عليه صريح البرهان على وجوده ، هو أنّ الواجب تعالى هو الوجود الحقّ ، غير المحدود بأي حدٍّ على الإطلاق ، وهذا هو بعينه التوحيد فإنّ مَن كان هذا شأنه ، لا يتصوّر له العقل ثانياً ؛ فإنّ حرف الشيء لا يحتمل التعدّد ، وإليه الإشارة بقولهعليهالسلام :(وعرفته توحيده) .
ومنها : أنّ وحدة الواجب تعالى ليست عددية ، حتّى يتميّز في الوجود عن غيره ، وينفصل عنه بحدٍّ يؤدّي التعدّد بل إنّ وحدته بمعنى : أنّه تعالى لا يشاركه شيء في معنى من المعاني ، فهو ربّ خالق ، منه كلّ شيء ، وبه كلّ شيء ، وإليه كلّ شيء ، وغيره مربوب مخلوق ، منه وبه وإليه وجوده .
وهذه المسألة وأمثالها هي من المسائل التي بقيت مجهولة ، لم تحل منذ دُوّنت في الفلسفة الإلهيّة ، حتّى وُفِّق إلى حلِّها بعض فلاسفة المسلمين المتأخّرين ، مستفيداً من كلامهعليهالسلام ومهتدياً بنور علمه.
ـــــــــــــ
(١) معاني الأخبار : ١٠ ، باب معنى التوحيد والعدل ، الحديث ١ .
في علمه تعالى بغيره ، وعلم الغير به ، وتقدّمه على الأشياء
ومن كلامهعليهالسلام :
(الحمد لله الذي أعجز الأوهام عن أن تنال إلاّ وجوده ، وحجب العقول عن أن تتخيّل ذاته ، في امتناعها عن الشبه والشكل ، بل هو الذي لم يتفاوت في ذاته ، ولم يتبعّض بتجزئة العدد في كماله فارق الأشياء لا على اختلاف الأماكن ، وتمكّن منها لا على الممازجة ، وعلمها لا بأداة لا يكون العلم إلاّ بها ، وليس بينه وبين معلومه علم غيره إن قيل : كان ، فعلى تأويل أزليّة الوجود ، وإن قيل : لم يزل ، فعلى تأويل نفي العدم ، فسبحانه وتعالى عن قول مَن عَبَدَ سواه ، واتّخذ إلهاً غيره علوّاً كبيراً) (١) .
يشيرعليهالسلام في هذا الكلام إلى مسألة : أنّه تعالى معلوم لغيره علماً حضوريّاً لا حصوليّاً ؛ وإلاّ لو كان العلم به حصوليّاً ، فإنّ ذاته تتبعّض إذا عرض له الحصول في الذهن والخارج ، هذا ينافي وحدته ، وتميّزه عن غيره .
ويشير أيضاًعليهالسلام إلى مسألة أنّه تعالى عالم بغيره علماً حضوريّاً ، من غير توسّط صورة علميّة بينه وبين معلومه ؛ وإلاّ لاحتاج في علمه إلى الصورة ، التي هي الأداة .
ويشيرعليهالسلام كذلك إلى مسألة تقدّمه على الأشياء بإطلاق وجوده ، المنزّه عن التقييد ، بأي حدٍّ عدلي ، وهو تفسير لأزليّته تعالى .
ـــــــــــــ
(١) توحيد الصدوق : ٧١ ، باب التوحيد ، ونفي التشبيه ، الحديث ٢٧ روضة الكافي : ٢٠ ، الحديث ٤ ، خطبة لأمير المؤمنينعليهالسلام ، وهي خطبة الوسيلة ، باختلاف يسير .
في بيان معنى صفاته (تعالى) العليا
فمن كلام لهعليهالسلام في الباب قوله :
(مستشهد بكليّة الأجناس على ربوبيّته ، وبعجزها على قدرته ، وبفطورها على قِدمته ، وبزوالها على بقائه ، فلا لها محيصٌ عن إدراكه إيّاها ، ولا خروجٌ من إحاطته بها ، ولا احتجابٌ عن إحصائه لها ، و امتناعٌ من قدرته عليها كفى بإتقان الصنع لها آية ، وبمركّب الطبع عليها دلالة ، وبحدوث الفِطْر عليها قِدْمَة ، وبإحكام الصَّنعَة لها عِبرة فلا إليه حدّ منسوب ، ولا له مثل مضروب ، ولا شيء عنه محجوب ، تعالى عن ضرب الأمثال والصفات المخلوقة علوّاً كبيراً) (١) .
توضيح صفاته الثبوتيّة والسلبيّة
فمن كلامهعليهالسلام في هذا الخصوص قوله :
(مَا وَحَّدَهُ مَنْ كَيَّفَهُ ، ولا حَقِيقَتَهُ أَصَابَ مَنْ مَثَّلَهُ ، ولا إِيَّاهُ عَنَى مَنْ شَبَّهَهُ ولا صَمَدَهُ مَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ وتَوَهَّمَهُ كُلُّ مَعْرُوفٍ بِنَفْسِهِ مَصْنُوعٌ ، وكُلُّ قَائِمٍ فِي سِوَاهُ مَعْلُولٌ فَاعِلٌ لا بِاضْطِرَابِ آلَةٍ ، مُقَدِّرٌ لا بِجَوْلِ فِكْرَةٍ ، غَنِيٌّ لا بِاسْتِفَادَةٍ لا تَصْحَبُهُ الْأَوْقَاتُ ، ولا تَرْفِدُهُ الْأَدَوَاتُ سَبَقَ الْأَوْقَاتَ كَوْنُهُ ، والْعَدَمَ وُجُودُهُ ، والِابْتِدَاءَ أَزَلُهُ .
بِتَشْعِيرِهِ الْمَشَاعِرَ عُرِفَ أَنْ لا مَشْعَرَ لَهُ ، وبِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الْأُمُورِ عُرِفَ أَنْ لَا ضِدَّ لَهُ ، وبِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لَا قَرِينَ لَهُ ضَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ ، والْوُضُوحَ بِالْبُهْمَةِ ، والْجُمُودَ بِالْبَلَلِ ، والْحرُورَ بِالصَّرَدِ مُؤَلِّفٌ بَيْنَ مُتَعَادِيَاتِهَا ، مُقَارِنٌ بَيْنَ مُتَبَايِنَاتِهَا ، مُقَرِّبٌ بَيْنَ مُتَبَاعِدَاتِهَا ، مُفَرِّقٌ بَيْنَ مُتَدَانِيَاتِهَا لَا يُشْمَلُ بِحَدٍّ ، ولا يُحْسَبُ بِعَدٍّ ، وإِنَّمَا تَحُدُّ الْأَدَوَاتُ أَنْفُسَهَا ، وتُشِيرُ الْآلَاتُ إِلَى نَظَائِرِهَا ، مَنَعَتْهَا (مُنْذُ) الْقِدْمَةَ ، وحَمَتْهَا (قَدُ) الْأَزَلِيَّةَ ، وجَنَّبَتْهَا (لَوْلَا) التَّكْمِلَةَ بِهَا تَجَلَّى صَانِعُهَا لِلْعُقُولِ ، وبِهَا امْتَنَعَ عَنْ نَظَرِ الْعُيُونِ ولا يَجْرِي عَلَيْهِ السُّكُونُ والْحَرَكَةُ ، وكَيْفَ يَجْرِي عَلَيْهِ مَا هُوَ أَجْرَاهُ ، ويَعُودُ فِيهِ مَا هُوَ أَبْدَاهُ ، ويَحْدُثُ فِيهِ مَا هُوَ أَحْدَثَهُ ؛ إِذاً لَتَفَاوَتَتْ ذَاتُهُ ولَتَجَزَّأَ كُنْهُهُ ، ولَامْتَنَعَ مِنَ الْأَزَلِ مَعْنَاهُ ، ولَكَانَ لَهُ وَرَاءٌ إِذْ وُجِدَ لَهُ أَمَامٌ ، ولَالْتَمَسَ التَّمَامَ إِذْ لَزِمَهُ النُّقْصَانُ ، وإِذاً لَقَامَتْ آيَةُ الْمَصْنُوعِ فِيهِ ولَتَحَوَّلَ دَلِيلاً بَعْدَ أَنْ كَانَ مَدْلُولاً عَلَيْهِ ، وخَرَجَ بِسُلْطَانِ الِامْتِنَاعِ مِنْ أَنْ يُؤَثِّرَ فِيهِ مَا يُؤَثِّرُ فِي غَيْرِهِ ، الَّذِي لَا يَحُولُ ولا يَزُولُ ولا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْأُفُولُ) .
ـــــــــــــ
(١) توحيد الصدوق : ٦٩ ، باب التوحيد ونفي التشبيه ، الحديث ٢٦ بحار الأنوار : ٤ / ٢٢١ ، الحديث ٢ ، تتمّة كتاب التوحيد ، أبواب أسمائه تعالى وصفاته ، باب ٤ ـ جوامع التوحيد ، باختلاف يسير جدّاً .
إلى أن قال :
(وإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَعُودُ بَعْدَ فَنَاءِ الدُّنْيَا وَحْدَهُ لا شَيْءَ مَعَهُ ، كَمَا كَانَ قَبْلَ ابْتِدَائِهَا كَذَلِكَ يَكُونُ بَعْدَ فَنَائِهَا ، بِلَا وَقْتٍ ولا مَكَانٍ ، ولا حِينٍ ولا زَمَانٍ عُدِمَتْ عِنْدَ ذَلِكَ الْآجَالُ والْأَوْقَاتُ ، وزَالَتِ السِّنُونَ والسَّاعَاتُ ، فَلا شَيْءَ إِلاَّ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ الَّذِي إِلَيْهِ مَصِيرُ جَمِيعِ الْأُمُورِ) (١) .
لقد بيّنعليهالسلام في كلماته تلك جمل الصفات الثبوتية والسلبيّة كما وأوضحعليهالسلام أنَّ قبليّته وبعديّته تعالى إنّما هي بالنسبة إلى الخِلقة ، وليس قبليّته وبعديّته تعالى من سنخ القبليّة والبعديّة الزمانيّين وقد أشار إلى هذا في كلامه السابق بقوله :
(وإن قيل : لم يزل ، فعلى تأويل نفي العدم) (٢) .
في رؤيته تعالى
ومن كلام لهعليهالسلام وقد خاطب به رجلاً يقال له : ذعلب ؛ إذ كان قد قال له : يا أمير المؤمنين ، هل رأيت ربّك ؟ فقالعليهالسلام :
(ويلك !! لم تره العيون بمشاهدة الأبصار ، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان ويلك يا ذعلب ! إنّ ربّي... لطيف اللّطافة فلا يوصف باللطف ، عظيم العظمة فلا يوصف بالعِظَم ، كبير الكبرياء لا يوصف بالكِبَر ، جليل الجلالة لا يوصف بالغِلَظ قبل كلّ شيء ، فلا يقال : شيء قبله ، وبعد كل شيء ، فلا يقال : شيء بعده شائي الأشياء لا بهمّة ، درّاك لا بخديعة هو في الأشياء كلّها غير متمازج بها ، ولا بائن عنها ظاهر لا بتأويل المباشرة ، متجلٍّ لا باستهلال رؤية بائن لا بمسافة ، قريب لا بمداناة طيف لا بتجسُّم ، موجود لا بعد عدم فاعل لا باضطرار ، مقدّر لا بحركة ، مريد لا بهمامة ، سميع لا بآلة ، بصير لا بأداة لا تحويه الأماكن ، ولا تصحبه الأوقات ، ولا تحدّه الصفات ، ولا تأخذه السِّنات سبق الأوقات كونُه ، والعدم وجودُه ، والابتداء أزله .
ـــــــــــــ
(١) نهج البلاغة : ٢٧٢ ، الخطبة ١٨٦ ، في التوحيد بحار الأنوار : ٧٤ / ٣١٢ ، باب ١٤ ـ خطبه (صلوات الله عليه) المعروفة ، الحديث ١٤ .
(٢) تقدّم في الصفحة ٣١٨ ، في علمه تعالى بغيره وعلم الغير به .
بتشعيره المشاعر عُرف أن لا مَشْعَر له ، وبتجهيزه الجواهر عُرف أن لا جوهر له ، ، ضادّ النور بالظلمة ، والجَسْوَ بالليل ، والصرد بالحَرُور مؤلّف بين متعادياتها ، مفرِّق بين متدانياتها ، دالّة بتفريقها على مفرّقها ، وبتأليفها على مؤلِّفها ، وقوله عزّ وجلّ : ( وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) (١) ، ففرّق بها بين قبل وبعد ؛ ليعلم أن لا قبل له ولا بعد شاهدة بغرائزها ، مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقتها حجب بعضها عن بعض ؛ ليعلم أن لا حجاب بينه وبين خلْقه غير خلْقه كان ربّاً إذْ لا مربوب ، وإلهاً إذ لا مألوه ، وعالماً إذ لا معلوم ، وسميعاً إذ لا مسموع ) .
ثمَّ أنشأعليهالسلام يقول :
(ولم يزل سيّدي بالحمدِ معروفاً |
ولم يزل سيّدي بالجودِ موصوفاً) (٢) |
فقد رأينا أنّهعليهالسلام في كلماته هذه ، قد شرح معنى التشبيه والتنزيه في صفاته تعالى وبيَّنهما أروع شرح ، وأوفى بيان كما وفسّر معنى تعلّق الرؤية به تعالى ، وأنّها ليست بمباشرة الحمم ، ولا باستهلاك نظرة من العين ، ولا بإدراك توصيف من العقل ، بل يُرى بحقيقة الإيمان ويتّضح معنى قوله :(حقيقة الإيمان) من قوله :(حجب بعضها عن بعض ؛ ليُعلم أن لا حجاب بينه وبين خلْقه غير خلْقه) ؛ حيث دلّ كلامه هذا على أنّ الخلْق تحجبهم أنفسهم عنه تعالى أمّا إذا أخلص المؤمن إيمانه لربّه ، ثمّ أكمل الإخلاص له بنفي الصفات عنه (راجع قوله في الفصل الثاني :
(وكال توحيده الإخلاص له) ، ولم يعد قلبُه متعلّقاً بشيء سوى ربّه ، فحينئذٍ لا يبقى شيء يحجب ربَّه عنه ، ويراه بحقيقة الإيمان .
وقولهعليهالسلام :(حجب بعضها عن بعض ؛ ليُعلم أن لا حجاب بينه وبين خلْقه غير خلْقه) من روائع الكلام الذي لا يسبقه إليه أحد وقد بنى كلامه فيه على ما قدَّمه من كلامه في نفي الحدود التي للمخلوقات ـ نفيها ـ عن خالقها عزّ اسمه .
ـــــــــــــ
(١) سورة الذاريات : الآية ٤٩ .
(٢) توحيد الصدوق : ٣٠١ ، باب حديث ذِعلِب ، الحديث ٢ الكافي : ٢ / ١٥٩ ، باب جوامع التوحيد ، الحديث ٣٤٧ / ٤ ، باختلاف يسير .
ويوجد نظير هذا البيان في كلام سابع أئمّة أهل البيتعليهمالسلام قالعليهالسلام :
(إنّ الله تبارك وتعالى كان لم يزل بلا زمانٍ ولا مكانٍ ، وهو الآن كما كان ..) .
إلى أن قال :
(ليس بينه وبين خلْقه حجاب غير خلْقه احتجب بغير حجاب محجوب ، واستتر بغير ستر مستور) (١) .
وقد بيّنعليهالسلام في قوله :(كان ربّاً إذ لا مربوب ، وإلهاً إذ لا مألوه) أنّ لصفات الواجب الإضافيّة تحقّقاً في الذات قبل تحقّق المضاف إليه ، وهذا من غوامض المسائل الفلسفيّة ومعضلاتها .
وفي قوله :(ولم يزل سيّدي بالحمدِ معروفاً) دلالة على أنّ الخِلقة غير منقطعة من جهة أوّلها ، كما أنّها غير منقطعة من جهة آخرها وفيما ورد عنه وعن أبنائه من أئمّة أهل البيتعليهمالسلام ، أخبارٌ دالّة على أنّ هذا العالم الموجود مسبوق وملحوق بعوالم أُخر لا يحصيها إلاّ الله سبحانه .
في بيان جُمل من الحقائق
ومن كلام لهعليهالسلام في بيان جملة من الحقائق المذكورة سابقاً :
(خَلَقَ الله الخلْق فعلّق حجاباً بينه وبينهم ، فبمباينته إيّاهم مفارقته إنيّتهم ، وإبداؤه إيّاهم شاهدٌ على ألاّ أداة فيه ؛ لشهادة الأدوات بفاقة المؤدِّين وابتداؤه إيّاهم دليل على ألاّ ابتداء له ؛ لعجز كلِّ مبتدأٍ عن إبداء غيره.
أسماؤه تعبير ، وأفعاله تفهيم ، وذاته حقيقة ، وكُنهه تفرقةٌ بينه وبين خلْقه ، قد جهل اللهَ مَن استوصفه ، وتعدّاه مَن مثّله ، وأخطأه مَن اكتنهه .
فمَن قال : أين ؟ فقد بوّأه ، ومَن قال : فيمَ ؟ فقد ضمّنه ، ومَن قال : إلى مَ ؟ فقد نهاه ، ومَن قال : لِمَ ؟ فقد علّله ، ومَن قال : كيف ؟ فقد شبّهه ، ومَن قال : إذ ، فقد وقّته ، ومَن قال : حتّى ، فقد غيّاه) .
ـــــــــــــ
(١) توحيد الصدوق : ١٧٤ ، باب نفي المكان والزمان والسكون والحركة ، الحديث ١٢ بحار الأنوار : ٣ / ٣٢٧ ، كتاب التوحيد ، باب ١٤ ـ نفي الزمان والمكان والحركة والانتقال عنه تعالى ، الحديث ٢٧ .
إلى أن قال :
(لا يتغيّر الله بتغيير المخلوق ، كما لا يتحدّد بتحديد المحدود أحدٌ
لا بتأويل عدد ، صمدٌ لا بتبعيض بَدَد باطنٌ لا بمداخلة ، ظاهر لا بمزايلة ، متجلٍّ لا باشتمال رؤية) (١) .
في معنى الخِلْقَة
ومن كلامهعليهالسلام في معنى الخِلْقَة :
(لم يخلق الأشياء من أصول أزليّة ، ولا من أوائل أبدية ، بل خَلَق ما خَلَق فأقام حدَّه ، وصوّر ما صوّر فأحسن صورَته ليس لشيء منه امتناعٌ ، ولا له بطاعة شيء انتفاعٌ) (٢) .
ينفيعليهالسلام في كلامه هذا أنّ الخِلْقَة إنّما هي عمليّة تركيب وتفريق ، يقعان من الواجب تعالى على المادة القديمة الثابتة المستغنية في وجودها عن الواجب ؛ وبنى بيان ذلك على لزوم إطاعتها للفعل ، فأخر كلامه برهان على أوّله .
ـــــــــــــ
(١) تحف العقول : ٦٢ ، باب ما روي عن أمير المؤمنينعليهالسلام ـ خطبتهعليهالسلام في إخلاص التوحيد التوحيد : ٣٧ ، باب التوحيد ونفي التشبيه ، الحديث ٢ ، باختلاف يسير .
(٢) نهج البلاغة : ٢٣٣ ، الخطبة ١٦٣ ، ابتداع المخلوقين بحار الأنوار : ٤ / ٣٠٦ ، أبواب أسمائه تعالى وحقائقها وصفاتها ـ باب ٤ : جوامع التوحيد ، الحديث ٣٥ .
حول ما وراء الطبيعة
ومن كلامهعليهالسلام ـ وقد سُئل عن العالم العلوي ـ :(صور عارية عن المواد ، خالية عن القوّة والاستعداد ، تجلّى لها فأشرقت ، وطالعها فتلألأت) (١) .
تكاد تجمع الأبحاث والدراسات العقليّة في الفلسفة الإلهيّة ، على إثبات موجودات متوسّطة بين الواجب تعالى وعالم المادة ، تكون نسبتها إلى الماديّات ـ من جهة ـ نسبة الكمال إلى المستكمِل ؛ إذ إنّ الأوّل الكمال فيه فعلي ، والكمال في الثاني تدريجي غير مجتمع فيه .
ومن جهة ثانية نسبتها إلى الماديات نسبة الجسم الصيقلي إلى الجسم غير الصيقلي (الخشن) ، حيث نرى أنّ الصيقلي يرد أشعة الشمس الساطعة عليه ويعكسها دون الخشن .
وهذه الموجودات المتوسّطة تتقبّل الفيوضات من الواجب تعالى ، ثمّ تعكسها وتردّها إلى ما دونها ؛ وذلك لفعليّة الكمال فيها وتدريجيّته فيما دونها .
وهذا البحث متشّعب وطويل ، مذكور في محلّه من الكتب الفلسفيّة ، وكلامهعليهالسلام أوجز كلام ، يتضمّن الحقائق التي أثبتتها البراهين والأدلّة في هذا الباب .
ـــــــــــــ
(١) تقدّم في الصفحة ٣٠٠ ، الهامش رقم ٣ ، فراجع .
الفهرست
مقدِّمة التحقيق. ٢
الميزة الأُولى : موضوعه ٣
الميزة الثانية : مؤلّفه ٥
الإنسان قبل الدنيا ٨
الفصل الأوّل : العِلَّة والمعلول. ٩
الفصل الثاني : بين الخلْق والأمر ١٠
خاتمة تناسب ما مرّ من الكلام ٢٧
الإنسان في الدنيا ٣٦
الفصل الأوّل : صُوَر علومنا الذهنيّة ٣٦
الفصل الثاني : حياة الإنسان ظرف نفسه ٤١
الإنسان بعد الدُّنيا ٤٧
الفصل الأوّل : في الموت والأجل. ٤٨
الفصل الثاني : في البرزخ. ٦٣
الفصل الثالث: في نفخ الصُّورِ ٧٤
الفصل الرابع: في صفات يوم القيامة ٨٥
الفصل الخامس: في قيام الإنسان إلى فصل القضاء ٩٧
الفصل السادس: في الصراط. ١٠١
الفصل السابع: في الميزان. ١٠٥
الفصل الثامن: في الكتب.. ١٠٨
الفصل التاسع: في الشهداء يوم القيامة ١١٨
الفصل العاشر : في الحساب.. ١٣١
الفصل الحادي عشر : في الجزاء ١٣٨
الفصل الثاني عشر: في الشفاعة ١٤٤
القول في أقسام الشافعين. ١٥٣
الفصل الثالث عشر: في الأعراف.. ١٥٨
الفصل الرابع عشر: في الجنّة ١٦٦
الفصل الخامس عشر: في النار ١٧٣
الفصل السادس عشر: في عموم المعاد ١٧٧
خاتمة : ١٨٣
رسالة الولاية ١٨٣
تمهيد : ١٨٤
الفصل الأوّل : في أنّ لظاهر هذا الدين باطناً ، ولصورته الحقّة حقائق. ١٨٤
الفصل الثاني : في أنّه حيث لم يكن النظام نظام الاعتبار ، فكيف يجب أن يكون الأمر في نفسه ؟ ١٩٢
الفصل الثالث : [وسائل الاتّصال بالعالم الغيبي وطرق معرفته] ١٩٩
الفصل الرابع : في أنّ الطريق إلى هذا الكمال ـ بعد إمكانه ـ ما هو؟ ٢٠٧
الفصل الخامس : فيما ناله الإنسان بكماله ٢٣٥
تتمّة : ٢٣٦
عليٌ عليهالسلام والفلسفة الإلهية ٢٥٠
تقديمٌ : ما معنى الفلسفة الإلهية ؟ ٢٥١
الدين والفلسفة ٢٥٣
فلسفة الإسلام الإلهية ، أو كمال الفلسفة ٢٥٦
القضاء قضاءان : حقوقي وعلمي. ٢٥٨
قياس المأثور من كلامه عليهالسلام بكلام غيره ٢٦٦
نماذج من كلامه عليهالسلام في الفلسفة الإلهيّة ٢٧٠
أُسلوب التحقيق العلمي ، وطريق السير إلى الحقيقة ٢٧١
المراحل الخمس لمعرفة الله تعالى. ٢٧٣
في تحقيق معنى التوحيد. ٢٧٨
عدّة مسائل : فلسفية غامضة في كلام له عليهالسلام في التوحيد. ٢٨٠
في علمه تعالى بغيره ، وعلم الغير به ، وتقدّمه على الأشياء ٢٨٣
في بيان معنى صفاته (تعالى) العليا ٢٨٤
توضيح صفاته الثبوتيّة والسلبيّة ٢٨٤
في رؤيته تعالى. ٢٨٥
في بيان جُمل من الحقائق. ٢٨٧
في معنى الخِلْقَة ٢٨٨
حول ما وراء الطبيعة ٢٨٩