التنبيه بالمعلوم

مؤلف: الشيخ محمد بن الحسن الحرّ العاملي
مكتبة العقائد







الإهداء

إلى التي من ذكر بنيها استعبر قلبه، وهمِلت دمعته

ومن أصابته حيرة قرأ لروحها الفاتحة، ودعا الله بجاهها فاستجاب

زوجة الكرّار

حبيبة الزهراء

اُمّ قمر بني هاشم

اُمّ الشهداء الأربعة

اُمّ البنين، فاطمة بنت حِزام

نسألها الدعاء

ومنه القبول والاستجابة

أبوذر



مقدّمة التحقيق

الحمد لله ربّ العالمين، وأفضل الصّلاة والسلام على خير الأنام
محمّد وآله الطيّبين الطاهرين، وأصحابه المنتجبين، ومن دعا بدعوته إلى
يوم الدين.

لقد كانت العصمة ولا تزال معركة لآراء الباحثين والعلماء منذ العصر
الاسلامي الأول، بل منذ الأيّام الاُولى لبعثة الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله
حيث بدأت عملية التشكيك بعصمة الرسول صلّى الله عليه وآله، والتي أخذت
طرقاً وأساليب مختلفة وعلى شكل اشاعات مغرضة مخطط لها مسبقاً،
وبلغت قمة التشكيك بالعصمة في ذلك اليوم المشؤوم الذي حال فيه الفاروق
بين الرسول والكتاب الذي أراد كتابته للاُمّة حتى لا تضلّ بعده، فقال عمر: انّ
الرسول ليهجر! فنسب الهجر إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله الذي لا ينطق
عن الهوى.

وقبل أن نعرج إلى بعض هذه الشائعات ومعرفة السبب الحقيقي
الذي دفع القوم للتشكيك بعصمة الرسول، بل والصاق بعض الأعمال به
لا تليق بأبسط الناس. لنتحدّث قليلاً عن المعنى اللغوي والاصطلاحي
للعصمة.

يقول ابن منظور: العصمة في كلام العرب المنع وهذا طعام يعصم:


أي يمنع من الجوع والعاصم: المانع الحامي، والإعتصام، الإمتساك
بالشيء(١) .

وفي المصباح المنير قال: عصمهُ الله من المكروه، يعصمه: من باب
ضرب، حفظه ووقاه(٢) .

وفي مجمع البحرين قال حول قوله تعالى:( لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ ) :
أي لا مانع اُعصم به.

وعصمة الله للعبد: منعه من المعصية وقال المعصوم: هو الممتنع من
جميع محارم الله(٣) .

وقال الرازي: العصمة: المنع(٤) .

هذا لغة - أمّا اصطلاحاً:

فالمراد من المعصية: هي تنزيه النبيّ صلّى الله عليه وآله عن أفعال معيّنة
تخلّ بجلالة مقام النبوّة والهدف منها.

وهذا التنزيه هو نعمة ولطف من الله تعالى لأنبيائه عليهم السلام.

قال الشيخ المفيد: العصمة: لطف يفعله الله بالمكلّف، بحيث يمنع
منه وقوع المعصية، وترك الطاعة، مع قدرته عليهما(٥) .

وقال الطوسي: العصمة: هي كون المكلّف بحيث لا يمكن أن يصدر عنه

__________________

(١) لسان العرب ١٢: ٤٠٣.

(٢) المصباح المنير: ٤١٤.

(٣) مجمع البحرين: ج ٦ باب عصم.

(٤) مختار الصحاح ٤٣٧.

(٥) النكت الاعتقادية: ٣٣.


المعاصي من غير إجبار له على ذلك(١) .

وقال السيّد عبد الله شبّر: العصمة: عبارة عن قوة العقل من حيث لا
يغلب، مع كونه قادراً على المعاصي كلّها، كجائز الخطأ، وليس معنى العصمة
أنّ الله يجبره على ترك المعصية بل يفعل به الطافاً، يترك معها المعصية باختياره
مع قدرته عليها(٢) .

وعلى ضوء هذه الأقوال تكون العصمة:

أ - لطف ربّاني بالنبيّ صلّى الله عليه وآله وبدونه لا تحصل له.

ب - لا تعني جبر المعصوم على الفعل، أو الترك.

ج - تحصل بأسبابها الطبيعية التي يجعلها الله، ككمال العقل، والفطنة،
وقوّة الإستعداد ...

د - ثابتة عن الذنب، والقبيح والخطأ والنسيان والسهو ...

أمّا أقسام العصمة فيمكن إجمالها في خمسة أقسام هي:

١ - العصمة عن الذنب والقبيح.

٢ - العصمة عن السهو أو النسيان.

٣ - العصمة عن الإخلال بالمروءات كالأكل في الطرقات.

٤ - العصمة عن الخطأ.

٥ - العصمة عن المرجوحات كفعل المكروهات وترك الأولويات.

ونعود الآن لذكر أهم الشائعات التي أثارها القوم للتشكيك بعصمة
الرسول صلّى الله عليه وآله:

__________________

(١) قواعد العقائد: ٩٣.

(٢) حقّ اليقين ١: ٩١.


الشائعة الاُولى: و نصّها كما يلي: فقد روى عبد الله بن عمرو بن العاص
بقوله: « كنت أكتب كلّ شيء أسمعه من رسول الله اُريد حفظه، فنهتني
قريش وقالوا: تكتب كلّ شيء سمعته من رسول الله، ورسول الله بشر يتكلّم
في الغضب والرضى؟! فأمسكت عن الكتابه، فذكرت ذلك لرسول الله،
فأومأ بإصبعه إلى فمه، وقال: اُكتب: فوالّذي نفسي بيده ما خرج منه
إلاّ حقّاً »(١) .

ولهذا نهى أبوبكر ومن بعده عمر عن كتابة أحاديث الرسول صلّى الله
عليه وآله، بل إنّ الثاني إتّخذ سياسة صارمة ضد كلّ من يحاول نشر أحاديث
رسول الله صلّى الله عليه وآله.

الشائعة الثانية: ونصّها: « أنّ رسول الله كان يغضب فيلعن ويسبّ
ويؤذي من لا يستحقّها، ودعا الله أن تكون لمن بدرت منه زكاة
وطهوراً »(٢) .

فرسول الله الذي وصفه سبحانه وتعالى قوله( وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ
عَظِيمٍ
) (٣) ، يسبّ ويلعن، وإنّ الّذين لعنهم رسول الله أمثال أبي سفيان ومعاوية
ويزيد، والحكم بن العاص مزكّون مطهّرون بنص دعاء النبي لهم!

الشائعة الثالثة: ونصّها: « أنّ بعض اليهود سحروا رسول الله حتى ليخيّل
إليه أنّه يفعل الشيء وما فعله »(٤) .

__________________

(١) سنن أبي داود ٣: ٣١٨ ح ٢٦٤٦، سنن الدرامي ١: ١٢٥، مسند أحمد ٢: ١٦٢، مستدرك الحاكم
١: ١٠٥.

(٢) صحيح البخاري ٤: ٩٦، صحيح مسلم ٤: ٢٠٠٧.

(٣) سورة القلم: ٤.

(٤) صحيح البخاري ٤: ١٤٨ وج ٧: ١٧٦ وج ٨: ٢٢، صحيح مسلم ٤: ١٧١٩ ح ٤٣.


الشائعة الرابعة: انّ الرسول يهجر.

وملخّص قصّة الهجر هذه: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال
للمجتمعين حوله في مرضه الّذي توفّي فيه: قربوا أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا
بعده أبداً.

فقال عمر على الفور: حسبنا كتاب الله، إنّ رسول الله قد هجر - أي
يهذي - ولهذا فإنّ ابن عباس أطلق على هذا اليوم الذي حال فيه عمر بين
رسول الله وكتابة وصيّته، ب‍ « يوم الرزية »(١) .

وقد صرّح عمر بعد بأنّ رسول الله ( أراد أن يصرّح باسم علي بن أبي
طالب، فمنعته )(٢) .

الشائعة الخامسة: النبي مجتهد.

والقصد منها إقناع المسلمين بانّ رسول الله صلّى الله عليه وآله ليس أكثر
من مجتهد يقول برأيه، فإن أصاب فله أجر، وإن أخطأ فله أجران!

ولهذا اتّبعوا سياسة التبرير في تصرفاتهم المخالفة للقرآن والسنّة، فهم
اجتهدوا كما اجتهد الرسول، فعمر اجتهد بمنع رسول الله من كتابة وصيّته
واتّهامه بالهذيان، وأبوبكر اجتهد بتخلّفه عن سرية اُسامة(٣) ، التي لعن رسول
الله المتخلّفين عنها، وخالد بن الوليد اجتهد عندما قتل مالك بن نويرة وتزوّج

__________________

(١) راجع صحيح البخاري ٦: ١١ وج ٩: ١٣٧، صحيح مسلم ٢: ١٦ وج ٥: ٧٥، مسند أحمد ١:
 ٢٢٢ و ٣٥٥، تاريخ الطبري ٣: ١٩٣، الكامل في التاريخ: ٢: ٣٢٠، شرح نهج البلاغة لابن أبي
الحديد ١٢: ٨٧.

(٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٢: ٧٩.

(٣) برّر ابن أبي الحديد تخلّف أبوبكر وعمر عن جيش اُسامة بقوله: « إنّ الرسول كان يبعث السرايا عن
اجتهاد لا عن وحي يحرم مخالفته ». انظر: شرح نهج البلاغة ١٧: ١٨٨.


زوجته في نفس الليلة. واجتهد عثمان بإعادة طريد الرسول الحكم بن العاص
إلى المدينة معزّزاً مكرّماً وأعطاه صدقات المسلمين(١) .

وروى الحاكم عن عبد الرحمن بن عوف: « كان لا يولد لأحد مولود إلاّ
أتى به النبي فدعا له، فاُدخل عليه مروان بن الحكم، فقال الرسول: هذا
الوزغ بن الوزغ، الملعون بن الملعون »(٢) . ومع هذا أصبح هذا الوزغ بالاجتهاد
خليفة للمسلمين وأميراً للمؤمنين، بل واُعطي فدكاً بعد أن سُلبت من فاطمة
الزهراء عليها السلام بضعة النبي صلّى الله عليه وآله(٣) .

الشائعة السادسة: ونصّها: « أنّ النبي سمع رجلاً يقرأ في المسجد، فقال
الرسول: رحمه الله أذكرني كذا وكذا آية اسقطتها من سورة كذا »(٤) .

والقصد من هذه الشائعة كما هو واضح التشكيك بذاكرة النبي صلّى الله
عليه وآله، وانّه يسقط بعض آيات القرآن.

إذن فالرسول - وفق هذه الشائعات وغيرها - يسهو وينسى ويغضب
ويرضى ويهذي ويجتهد، فهو كسائر البشر، لا يختلف عنهم في شيء.

وبما أنّ كتابنا هذا يتحدّث عن السهو والنسيان عند النبي صلّى الله عليه
وآله فسوف يقتصر حديثنا حول هذه الشبهه تاركين - للقارىء العزيز - حرية
إختيار الكتب الكثيرة التي تحدّثت عن موضع العصمة.

والمسلمون لهم آراء متضاربة في هذه المسألة؛ فعلماء الشيعة مجمعون
على عصمة الأنبياء والأئمّة عليهم السلام عن الذنب والسهو والنسيان

__________________

(١) تاريخ اليعقوبي ٢: ١٦٨.

(٢) مستدرك الحاكم ٤: ٤٧٩.

(٣) المعارف لابن قتيبة: ١١٢.

(٤) صحيح البخاري ٣: ٢٢٥ وج ٦: ٢٣٨ - ٢٣٩، صحيح مسلم ١: ٥٤٣ ح ٢٢٤.


والخطأ وفعل القبائح وما ينفر الناس منهم قبل البعثة وبعدها. فهو ( مذهب
أصحابنا )(١) .

ولم يعلم من خالف أقطاب الشيعة في ذلك إلاّ الشيخ الصدوق
وشيخه محمد بن الحسن بن الوليد اللذين التزما بجواز السهو على النبي
صلّى الله عليه وآله، وذلك بإسهاء الله له، وهو يخالف سهو الناس لأنّه من
الشيطان(٢) .

والروايه التي اعتمد عليها الشيخ الصدوق - والتي ستطّلع على
تفاصيلها - نقلت بطريق الخاصّة والعامّة(٣) ، مع تضارب شديد في مضامينها،
ففي رواية إنه صلوات الله عليه نسى ركعتين فذكّره ذو الشمالين(٤) !

وفي رواية اُخرى تعلل هذا السهو: إنّما أراد الله أن يفقّههم(٥) .

وفي اُخرى: إنّ الله عزّ وجلّ هو الّذي أنساه رحمة للاُمّة(٦) .

وهذه القصّة نقلت كما ذكرنا عند العامّة بألسنة مختلفة، فتارة ذكروا أنّ
الصلاة كانت عصراً، وتارة أنّها ظهراً، وتارة أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله دخل
الحجرة، ثم خرج ليكمل الصلاة.

ولا سبيل لنا لاثبات عصمة الأنبياء والأئمّة عليهم السلام عن السهو
والنسيان إلاّ بأحد هذين الطريقين:

__________________

(١) بحار الأنوار ١١: ٩٠.

(٢) سيأتي الحديث عن هذا الرأي والآراء المعارضة له خلال الصفحات القادمة.

(٣) راجع الكافي ٣: ٣٥٥ ح ١، مسند أحمد ٢: ٢٧١، صحيح البخاري ١: ١٥٣.

(٤) الكافي ٣: ٣٥٥ ح ١.

(٥) الكافي ٣: ٣٥٦ ح ٣.

(٦) من لا يحضره الفقيه ١: ح ١٠٣١.


الأوّل: إثبات محذور عقلي لو قيل بخلافها.

الثاني: ثبوت روايات لا معارض لها في المقام، بشرط عدم تطرّق
احتمال السهو لنفس الروايات المستدلّ بها.

أمّا الأوّل: فقد يقال إنّ عدم اللياقة في المقام، يختلف عنه في غيره، فإنّ
فاعل القبح والذنب لا يليق بأن يأمر غيره بما يفعله لكون الذنب فعلاً
مذموماً وقبيحاً في نفسه ونبوّته بالتالي غير لائقة، بينما لا ينطبق ذلك على
السهو والنسيان لعدم قبحمها في نفسهما، فما المانع من إرسال نبي، أو رسول
يسهو، أو ينسى، ما دام ذلك ليس قبيحاً؟

وأيضاً فإنّ السهو والنسيان حالتان طبيعيّتان في الانسان، بخلاف الذنب
والقبح، فإنّ التلبّس بهما لا يعتبر عقلائياً حالة طبيعية يعذرون فاعلهما، وإنْ
كان غالباً ممّا لابدّ من صدوره من بني النوع، وهذا فرق جوهري بين السهو،
وبين الذنب.

ولعلّك تقول، وكما ذكر جمع غفير من الأصحاب: إنّ تجويز السهو
عليهم يسري عليهم إلى جوازه في موارد التشريع، ممّا يسقط تصديقه من
النفوس بالكليّة، وهو خلاف الغرض.

ويجاب: بأنّ هذا يندفع بالتأكد مرّة بعد اُخرى بعد طُرُوّ السهو في
موارد التبليغ والتشريع، إلاّ أنّ الصحيح، وكما عليه الطائفة، عصمة النبي صلّى
الله عليه وآله عن السهو وعن النسيان وذلك:

أوّلاً: إنّ الإلتزام بسهو النبي، ما خلا مورد التبليغ، أو مطلقاً، بشرط
توضيحه لموارد السهو، والتأكيد عليها، يلازم ضياع الدين والشريعه بالكليّة،
بسبب ضعف الوثوق بصحيح الشرع.


وذلك لأنّه إنْ اُريد من التبليغ، الأحكام الشرعيّة التكليفية والوضعية،
خرج الكثير من اُمور الدين كالإرشادات العامّة، والمواعظ الدينية، والإرشاد
إلى فوائد الأغذية، وقوانين الطب، وقصص الماضين، والتي لها جميعاً مدخل
جوهري في الأديان وحقائقها.

فيكون إحتمال السهو فيها بقوة إلغائها.

إنْ قلت: إنَّ تعطيلها غير وارد لعدم الإلتزام بكثرة موارد السهو.

قلنا: إذا صحّ السهو القليل، مع وجود محاذير معينة، ولو بسيطة،
مضافة إلى ألطاف العصمة(١) ، فعدمه يكون أفضل وأقرب إلى سلامة الشريعة،
كما أنّ الخلاف لا يزال وإلى الآن في تشخيص الأحكام وأقسامها، فربّ
حكم وضعي لا يراه الآخر كذلك وبالعكس هذا حال أهل العلم، فكيف
بالعوام من الناس.

فالقول بالعصمة في موارد التبليغ على التفسير المذكور، يعني تضييع
الدين، وجعل العلماء يفحصون كل مورد يردهم، هل هو حكم أم لا؟ وما هو
دليله؟ وما هي وجوه الخلاف فيه؟ وأذا قلنا إنّ المراد بالتبليغ جميع شؤون
الدين فربّ سائل يسأل بأنه لا يوجد أمر يفعله النبي صلّى الله عليه وآله
والأئمّة عليهم السلام إلاّ وله ربط بالدين حتى طريقة أكله، وملبسه وما
شاكلها من هذه الاُمور البسيطة.

ثانياً: إنّ هذا الرأي يودّي إلى إضعاف هيبة الأنبياء، خصوصاً عند اُولئك
الّذين يتربّصون بهم شرّاً، ويحاولون بشتى الوسائل إثارة الشبهات حولهم

__________________

(١) ألطاف العصمة: هي المقدّمات والأسباب التي يحصل بها هذا اللطف المسمّى بالعصمة لدى
الأنبياء والأئمّة عليهم السلام.


والتشكيك بهم، وهذا خلاف هدف الله وغرض الله جلّ شأنه، من إرادة توقير
الأنبياء، وتعظيمهم، ورفع شأنهم.

ثالثاً: إنّ المقتضيات(١) تؤثر أثرها إنْ لم يمنع ذلك مانع والأنبياء،
من دون شك، مؤهّلون للألطاف، وقدرة الله لا شبهة فيها، والمانع مفقود،
والحاجة لعصمتهم عن مثيل الشك والنسيان ليست بقليلة، ومعه يحسن على
الحكيم أن يلطف بهم بعصمتهم عمّا نحن بصدده، بعمنى عدم اللياقة في حقّه
تعالى ترك ذلك، فيكون الدليل المذكور عقلياً على عصمة الأنبياء من السهو
والنسيان.

رابعاً: الروايات الخاصّة: والإستدلال بها مبنيّ على مقدّمتين:(٢)

أ - أنّه لا يوجد محذور عقلي في ثبوت العصمة عن السهو والنسيان،
فيكون ثبوتها من الممكنات، مع عدم إجماع على وقوع السهو والنسيان.

ب - أنّ الأنبياء والأئمّة عليهم السلام، مصدّقون فيما ينقلون، بل إنّ
الذين جوّزوا الكبائر على الأنبياء استثنوا الكذب، إلاّ شواذ منه(٣) .

فإذا تمّت تلك المقدّمتين نقول:

إنّ الروايات واردة في كمالهم وعصمتهم وعدم سهوهم، بل ما هو

__________________

(١) أنّ المقتضيات وإن كانت ذاتية، ولكن لا يمنع أن تكون مقدّماتها ملطوفاً بها من نوع الغذاء، وطبيعة
السكن، والعمل، وشرف الأبوين وغيرها.

(٢) انظر: عصمة الأنبياء للسيّد علي حسين مكّي ص ٦٠.

(٣) فقد نقل عن الخوارج - فرقة منهم تسمّى الفضيلية - تجويز الكفر على الأنبياء، لأنّ كلّّّّّّّّّ ذنب يصدر
عنهم كفر، ونقل عن الأشاعرة والحشوية تجويز الصغائر والكبائر على الأنبياء ما خلا الكفر
والكذب، ونقل أيضاً انّ المعتزلة يجوّزون الصغائر أو غير المنفر منها على الأنبياء كما هو مذهب
البعض، أو على سبيل التأويل، كما هو مذهب بعض آخر. « انظر: اليواقيت والجواهر في بيان عقائد
الأكابر ».


أعظم من ذلك.

فقد روي عن الإمام الرضا عليه السلام إنّه قال: « ويحك يا علي! ولا
تنسب إلى أنبياء الله الفواحش »(١) ، وهذه تنفي صدور الفواحش سهواً، أو
عمداً.

وعن الصادق عليه السلام: « وهم الأنبياء، وصفوته من خلقه،
حكماء، مؤدّبين بالحكمة، مبعوثين بها، غير مشاركين للناس في أحوالهم »
وهي شاملة السهو والنسيان.

كما أنّ الروايات الواردة في حقّ كلّ نبي يستشف منها القول بعصمته عن
هذا السهو والنسيان.

خامساً: وهناك دليل خاصّ بنبيّنا صلوات الله عليه وآله، وهو قوله
تعالى:( لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) ، حيث تدلّ هذه الآية المباركة على
حسن التأسّي به، وهي مطلقة شاملة لكل فعاله وأقواله.

وختاماً نرجوإن نكون قد وفّقنا في تحقيق هذا السفر القيّم، ونعتذر عن
أي نقص فيه، فالكمال له وحده، والعذر عند كرام الناس مقبول.

محمود البدري

١٠ / ربيع الثاني / ١٤١٧ ه‍ ق

__________________

(١) بحار الأنوار ١١: ٧٢.


ترجمة المؤلّف(١)

اسمه ونسبه:

هو المحدّث الكبير والفقيه النحرير، صاحب التأليفات القيّمة والآثار
الخالدة، شيخ الاسلام وزعيم الشيعة في عصره، محمد بن الحسن بن علي بن
محمد بن الحسين، المعروف بالحر العاملي، حيث يرجع نسبه إلى الحر
الرياحي، المستشهد مع الإمام السبط في كربلاء، سلام عليه وعلى آله
وأصحابه المستشهدين بين يديه.

ولادته:

ولد في قرية مشغرة - إحدى قرى جبل عامل(٢) - ليلة الجمعة ثامن عشر
من شهر رجب عام ثلاث وثلاثين بعد الألف من الهجرة النبويّة على مهاجرها

__________________

(١) راجع ترجمة المؤلّف في: سلافة العصر للسيّد علي خان: ٣٥٩، الغدير للعلاّمة الأميني ١١:
٣٣٦، رياض العلماء للأفندي ٥: ٦٧، جامع الرواة للأردبيلي ٢: ٩٠، مستدرك الوسائل للنوري
٣: ٣٩، هدية العارفين للبغدادي ٦: ٣٠٤، الأعلام للزركلي ٦: ٩٠، معجم المؤلّفين لكحالة ٩:
٢٠٤، لؤلؤة البحرين: ٧٦.

(٢) جبل عامل وفي الأصل يقال: جبال عاملة، ثم لكثرة الاستعمال قيل: جبل عامل: نسبة إلى عاملة
ابن سبأ، وسبأ هو الذي تفرّق أولاده بعد سيل العرم حتى ضرب بهم المثل.

ومشغرة: قرية من قرى دمشق من ناحية البقاع. « انظر: معجم البلدان ٥: ١٣٤ ».


التحية والسلام.

اُسرته:

نشأ الحر وترعرع في أحضان العلم والمعرفة، فبيت آل الحر من البيوت
الكبيرة والمعروفة، والتي غذّت الطائفة الشيعيّة بثلّة من أعاظم العلماء
والمجتهدين.

فقد كان والده عالماً، فاضلاً، أديباً، فقيهاً حافظاً.

ومنهم عمّه الفاضل الشيخ محمد بن علي بن محمد الحر العاملي، ابن
بنت الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني.

ومنهم جدّه الشيخ علي بن محمد الحر العاملي، الذي وصفه في « الأمل »
بالعلم والفضل والعبادة وحسن الأخلاق. وهناك الكثير غير هؤلاء.

أساتذته وتلامذته:

قرأ الشيخ الحر العاملي عند أساتذة كبار كان لهم أثر كبير في نشأته
ونموه إلى أن وصل إلى المستوى الذي وصله، ومن هؤلاء:

١ - الشيخ الحسن بن علي بن محمد - أبوه - ( المتوفي ١٠٦٢ ه‍ ).

٢ - الشيخ محمد بن علي الحر.

٣ - الشيخ عبد السلام بن محمد الحر.

٤ - الشيخ زين الدين بن محمد بن الحسن صاحب المعالم ابن
زين الدين الشهيد الثاني.

٥ - الشيخ حسين الظهيري.


ويروي الشيخ الحر العاملي بالاجازة عن أبي عبد الله الحسين بن
الحسين بن يونس العاملي، وعن العلاّمة المجلسي، والإجازة بينهما
مدبجة(١) .

وقال رحمه الله: وهو آخر من أجاز لي وأجزت له، وذكر المجلسي نظير
ذلك في مجلد الاجازات من البحار.

أمّا المجازين منه - إضافة إلى العلاّمة المجلسي - الشيخ محمد فاضل بن
محمد المشهدي، والسيّد نور الدين بن السيد نعمة الله الجزائري، والشيخ
محمود بن عبد السلام البحراني.

أسفاره:

أقام الشيخ في بلده جبل عامل أربعين سنة، ثم سافر إلى العراق لزيارة
المراقد المقدّسة، ومن ثم إلى ايران لزيارة مرقد ثامن الحجج الإمام علي بن
موسى الرضا عليهما السلام وذلك عام ١٠٧٣ ه‍ حيث استقر به المقام هناك.

وقد حجّ الحر العاملي إلى بيت الله الحرام مرّتين عامي ١٠٨٧
و ١٠٨٨ ه‍.

أمّا تلامذته، فكان مجلسه عامراً بالعشرات من الطلبة المجدّين في
طلب العلم والمخلصين لعلوم أهل البيت عليهم السلام.

أقوال العلماء في حقّه:

نظراً لما يمتاز به الشيخ الحر العاملي من المكانة العلمية المرموقة، فقد

__________________

(١) الإجازة المدبجة: هي أن يجيز كل من العاملين للآخر مروياته، وتقع غالباً بين أكابر العلماء.


حظي بثناء الكثير من العلماء المعروفين الذين يعتبر ثناؤهم شهادة علمية راقية
لم ينالها إلاّ القليل.

فممّن أثنى عليه معاصره السيّد علي خان شارح الصحيفة السجادية
حيث قال:

الشيخ محمد بن الحسن بن على بن محمد الحر الشامي العاملي، عَلَم
عِلم لا تباريه الأعلام، وهضبة فضل لا يفصح عن وصفها الكلام، أرَّجت
أنفاس فوائده أرجاء الأقطار، وأحيت كلّ أرض نزلت بها فكأنّها لبقاع الأرض
أمطار. تصانيفه في جبهات الأيّام غرر، وكلماته في عقود السطور درر(١) .

وقال عنه العلاّمة الأميني في كتابه الغدير:

فشيخنا المترجم له درّة على تاج الزمن، وغرّة على جبهة الفضيلة، متي
استكنهته تجد له في كل قدر مغرفة، وبكل فن معرفة، ولقد تقاصرت عنه جمل
المدح وزمر الثناء، فكأنَّه عاد جثمان العلم وهيكل الأدب وشخصية الكمال
البارزة(٢) .

وكذلك أثني عليه العديد من العلماء الآخرين أمثال: الافندي في
رياض العلماء(٣) ، والأردبيلي في جامع الرواة(٤) ، والنوري في خاتمة مستدرك
الوسائل(٥) ، والبغدادي في هدية العارفين(٦) ، والزركلي في الأعلام(٧) ، وكحالة

__________________

(١) سلافة العصر: ٣٥٩.

(٢) الغدير ١١: ٣٣٦.

(٣) رياض العلماء ٥: ٦٧.

(٤) جامع الرواة ٢: ٩٠.

(٥) مستدرك الوسائل ٣: ٣٩.

(٦) هدية العارفين ٦: ٣٠٤.

(٧) الأعلام ٦: ٩٠.


في معجم المؤلّفين(١) ، وغيرهم.

شعره:

وكما أنّ شيخنا الحر العالي فقيهاً، وعالماً، ومحدّثاً، فهو كذلك شاعر
يمتاز شعره بطول النفس في النظم، وله قصائد كثيرة في مدح أو رثاء النبي
وأهل بيته صلوات الله عليهم أجمعين.

وقد تجمع لديه ما يقارب عشرين ألف بيت ضمّها ديوانه، ومن قصائده
الرائعة همزيّته التي نيفت على الأربعمائة بيت، والتي حوت على معاجز جمّة
من معاجز النبيّ صلّى الله عليه وآله، وفضائل أهل البيت عليهم السلام، ومن
أبيات القصيدة قوله:

كيف تحظى بمجدك الأوصياء

وبه قد توسّل الأنبياء

ما لخلق سوى النبيّ وسبطيه

السعيدين هذه العلياء

فبكم آدم استغاث وقد مسّ‍

‍ته بعد المسرّة الضراء

يوم أمس في الأرض فرداً غريباً

ونأت عنه عرسه حواء

وبكى نادماً على ما بدا من‍

‍ه وجهد الصب الكئيب البكاء

فتلقى من ربه كلمات

شرفتها من ذكركم أسماء

ومن شعره اللطيف كذلك هذه الأبيات التي يمزج فيها المدح بالغزل
فيقول:

__________________

(١) أمل الآمل ١: ١٤٥.


لئن طاب لي ذكر الحبائب إنّني

أرى مدح أهل البيت أحلى وأطيبا

فهن سلبن العلم والحلم في الصبا

وهم وهبونا العلم والحلم في الصبا

هواهن لي داء هواهم دواؤه

ومن يك ذا داء يرد متطببا

لئن كان ذاك الحسن يعجب ناظراً

فانّا رأينا ذلك الفضل أعجبا

مؤلفاته:

كان الشيخ الحرّ قدّس سرّه عالماً فاضلاً أفنى عمره الشريف في خدمة
الشريعة المقدّسة والمذهب الحقّ مذهب أهل البيت عليهم السلام، وقد أثرى
المكتبة الاسلامية بالكثير من الكتب المهمّة، يكفينا أن أحدها هو كتاب
وسائل الشيعة والذي جمع فيه أحاديث أهل البيت عليهم السلام في مختلف
العلوم.

ولنترك الشيخ رحمه الله يحدّثنا عن كتبه بنفسه كما ذكرها هو في أمل
الآمل:

١ - تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة: وهو كتاب
جامع للأحاديث الفقهيّة التي يعتمد عليها الفقهاء في استنباط الأحكام
الشرعيّة.

٢ - فهرست وسائل الشيعة: ويشتمل على عناوين الأبواب، وعدد
أحاديث كلّ باب، ومضمون الأحاديث، وقد أطلق عليه كتاب من لا يحضره
الإمام، لاشتماله على جميع ما روي من فتاواهم عليهم السلام.

٣ - هداية الاُمّة إلى أحكام الأئمّة عليهم السلام: وهو منتخب من
وسائل الشيعة مع حذف الأسانيد والمكرّرات.

٤ - الفوائد الطوسيّة: مجموع فوائد بلغت المائة فائدة في مطالب

متفرقة.

٥ - إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات: ويبحث في الدلائل على
النبوّة الخاصّة والإمامة لكلّ إمام إمام حتى الإمام الثاني عشر عجّل الله فرجه.

٦ - أمل الآمل في علماء جبل عامل: وقد قسّمه إلى قسمين: الأول
خاصّ بعلماء جبل عامل، والثاني عام لعلماء الشيعة في بقية الأقطار.

٧ - الفصول المهمّة في اُصول الأئمّة عليهم السلام: ويشتمل على
القواعد الكليّة المنصوصة في اُصول الدين واُصول الفقه وفروع الفقه.

٨ - العربية العلوية واللغة المرويّة.

٩ - الايقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة: ويحتوى على أكثر من
ستمائة حديث وأربع وستين آية.

١٠ - رسالة الاثنى عشرية في الردّ على الصوفيّة: وفيها نحو ألف حديث
في الردّ عليهم عموماً وخصوصاً في كلّ ما اختصّ بهم.

١١ - رسالة في خلق الكافر وما يناسبه.

١٢ - كشف التعمية في حكم التسمية: وهي رسالة في تسمية المهدي
عجّل الله فرجه الشريف.

١٣ - رسالة الجمعة: وهي جواب من ردّ أدلة الشهيد الثاني في رسالته
في الجمعة.

١٤ - رسالة نزهة الأسماع في حكم الاجماع.

١٥ - رسالة تواتر القرآن.

١٦ - رسالة الرجال.

١٧ - رسالة أحوال الصحابة.

١٨ - تنزية المعصوم عن السهو والنسيان: - وهو هذا الكتاب الّذي بين

يديك - وسيأتيك تفصيل الحديث عنه.

١٩ - رسالة بداية الهداية في الواجبات والمحرّمات المنصوصة من أوّل
الفقه الى آخره: وهي في غاية الاختصار، انتهى فيها إلى أن الواجبات (١٥٣٥)
والمحرّمات (١٤٤٨).

٢٠ - الجواهر السنيّة في الأحاديث القدسيّة: وهو أول من جمع هذه
الأحاديث كما يقول صاحب الأعيان(١) .

٢١ - الصحيفة السجادية الثانية: حيث جمع فيها الأدعية
المنسوبة إلى الإمام السجاد عليه السلام، والتي لا توجد في الصحيفة
الكاملة.

٢٢ - ديوان شعر يقارب عشرين ألف بيت، أكثره في مدح ورثاء النبي
صلّى الله عليه وآله والأئمّة المعصومين عليهم السلام. ويتضمّن كذلك
بالاضافة إلى الشعر النظم التعليمي، ففيه:

منظومة في المواريث.

منظومة في الزكاة.

منظونة في الهندسة.

منظومة في تواريخ النبي صلّى الله عليه وآله والأئمّة عليهم السلام.

٢٣ - أجازات كثيرة لتلامذته.

٢٤ - كان عازماً على أن يشرح وسائل الشيعة بكتاب اسمه تحرير
وسائل الشيعة وتحبير مسائل الشريعة(٢) ، ولكن الأجل لم يمهله لتنفيذ ما عزم

__________________

(١) أعيان الشيعة ٩: ١٦٨.

(٢) أمل الآمل ١: ١٤٥.


عليه، فلم يصدر منه إلاّ جزء واحد.

وفاته:

قال أخوه الشيخ أحمد الحر في كتابه الدرّ المسلوك:

في اليوم الحادي والعشرين، من شهر رمضان، سنة ١١٠٤ ه‍ كان مغرب
شمس الفضيلة والاضافة والافادة، ومحاق بدر العلم والعمل والعبادة، شيخ
الاسلام والمسلمين، وبقية الفقهاء والمحدّثين، الناطق بهداية الاُمّة وبداية
الشريعة، الصادق في النصوص والمعجزات ووسائل الشيعة، الإمام الخطيب
الشاعر الأديب، عبد ربّه العظيم العلي، الشيخ أبو جعفر بن الحسن الحر
العاملي، المنتقل إلى رحمته باريه عند ثامن مواليه:

في ليلة الوسطى وكان بها

وفاة حيدر الكرار ذي الغيرِ

يا من له جَنّة المأوى غدت نُزلاً

ارقد هناك فقلبي منك في سعرِ

طويت عنّا بساط العلم معتلياً

فاهنأ بمقعدِ صدق عند مقتدرِ

تاريخ رحلته عاماً فجعت به

أسرى لنعمة باريه على قدرِ

وهو أخي الأكبر، صلّيت عليه في المسجد تحت القبّة جنب المنبر،
ودفن في إيوان حجرة في صحن الروضة الملاصق لمدرسة ميرزا جعفر، وكان
فد بلغ عمره اثنين وسبعين، وهو أكبر منّي بثلاث سنين إلاّ ثلاثة أشهر(١) .

__________________

(١) الفوائد الرضوية: ٤٧٦.


حول الكتاب

قال عنه العلاّمة آغا بزرگ الطهراني:

« التنبيه في التنزيه » يعني تنزيه المعصوم عن السهو والنسيان للشيخ
محمد بن الحسن الحر العاملي صاحب « الأمل »، لم يسمّه فيه ما ذكره بعنوان
الرسالة، ولكن في كشف الحجب في آخر الكتاب نفسه سمّاه ب‍ « التنبيه
بالمعلوم من البرهان على تنزيه المعصوم عن السهو والنسيان » أوّله:

« الحمد لله الذي اختار الأنبياء والأوصياء حفظة للايمان وجعلهم
حجّة ». وقد أورد فيه الأدلّة والبراهين وردّ الشبهات وأوّل ظواهر بعض
الأخبار والآيات مرتّباً ذلك في اثني عشر فصلاً:

١ - عبارات النافين.

٢ - عبارات المجوّزين.

٣ - الآيات النافية.

٤ - الروايات النافية.

٥ - الوجوه العقلية للنفي.

٦ - مفاسد جواز السهو.

٧ - شبه المجوّزين.

٨ - تضعيف الشبه.


٩ - اضطرابها وبطلانها.

١٠ - تأويلاتها.

١١ - جوابات ابن بابويه.

١٢ - نظائر أحاديث السهو في الضعف.

رأيته في مكتبة المولى محمد علي الخوانساري في النجف(١) .

أمّا المحقّق البحراني رحمه الله فقد قال في اللؤلؤة خلال ترجمته
للمؤلّف:

وله كتب منها الجواهر السنيّة في الأحاديث القدسيّة - إلى أن قال: -
ورسالة في تنزيه المعصوم عن السهو والنسيان(٢) .

وكتابنا هذا - كما هو واضح من اسمه - ينزّه الأنبياء والأئمّة عليهم السلام
عن السهو والنسيان، فنراه يقول في مقدّمته:

« هذه رسالة في بيان السهو عن أهل العصمة، وذكر نبذة ممّا يدلّ على
ذلك من الأدلّة العقليّة، والنصوص النقليّة، وكلام جماعة من الأصحاب في
هذا الباب، وردّ شبهة من جوّز السهو عليهم في العبادة، وتأويل الأحاديث
الّتي تدلّ على ذلك بظاهرها، وذكر بعض نظائرها وما يناسب هذا المطلب ».

أمّا السبب الّذي دفع المصنّف على تأليف هذه الرسالة فيذكره ويقول:

« والذي دعاني إلى تأليف هذه الرسالة، التماس بعض الأفاضل واشتباه
الأمر على بعض آخر، وكون هذه المسألة من المهمّات، ولم أجد من تعرّض
لها بكلام شاف، واستدلال واف، إلاّ من قلّ مع قصور ما وجدته عن البيان كما

__________________

(١) الذريعة ٤: ٤٣٨.

(٢) لؤلؤة البحرين: ٧٦.


ينبغي، وأرجو ان تزول الشبهة بهذه الرسالة بالكلّيّة، ويتّضح الحقّ عند كلّ من
له بصيرة وروية ».

ومن المعروف انّ علماء الطائفة أجمعوا على رفع السهو والنسيان
باستثناء ابن بابويه وشيخه ابن الوليد، لذا نرى المصنّف رحمه الله يفرد فصلاً
خاصّاً في الردّ عليهم.

ملاحظة حول عنوان الكتاب:

هناك مسألة جديرة بالمناقشة؛ وهي أنّ الكثير من المؤلّفين الّذين
تحدّثوا عن هذا الموضوع ومنهم شيخنا الحر العاملي حاولوا التفريق بين
السهو والنسيان، فعطفوا ب‍ « الواو » بينهما - أي بين السهو والنسيان - وكان من
الأفضل العطف ب‍ « أو »، لعدم وجود فرق جوهري بين اللفظين، ولعدم طرح
المسألة بعنوانين عند الأصحاب كما يظهر للمتأمّل.

وبالرغم من انّ الشيخ في استدلاله لا يفرّق بين مورد السهو ومورد
النسيان، لكنّا نجد ان عنوان الرسالة يتكرر في طيّات بحوث الرسالة بكثرة ممّا
يوحي للقارىء بانّ هناك فرقاً بينهما.

والّذي يؤيّد كلامنا هذا - أي أفضلية العطف ب‍ « أو » بدل « الواو » - هو إنّ
القاموس عندما عرض لتفسير السهو، فسّره بالنسيان ومن هنا يقال لمن
نسي التشهد، أنّ عليه سجدتي السهو.

نعم يمكن إبراز بعض المفارقات الخفيّة بينهما، من قبيل أنَّ النسيان
يطلق على الخفاء، فمن خفي في ذهنه مطلب ما، يقال له ناسي، والسهو قد
يطلق على من مضى في أمر مع كونه قاصداً لغيره، دون خفاء الأوّل. فمن قرأ
سورة التوحيد، بدل الفاتحة، هو ساه، وليس ناسياً لأحدهما. نعم هو ناسي لما

يريد أنْ يذكره في تلك اللحظة، بحيث حسب أنّه أراد سورة التوحيد، أو إنّه
أطلقها دون تأمّل وتفكّر وهذا فرق خفي بينهما فتأمّل.

وهناك مسألة اُخرى جديرة بالانتباه، وهي الخلط أحياناً بين الخطأ
والسهو والنسيان، فالخطأ قد يكون لأجل عدم الإطّلاع نهائياً، فمن أطلق النار
على عصفور، فأصاب شخصاً، يعتبر مخطىء، وليس بساهٍ أو ناسٍ، إذ قد
يكون المصاب ظاهراً، أو معلوماً له من قبل ...

نسخة الكتاب:

وقد اعتمدنا في تحقيقنا لهذا الكتاب على ثلاث نسخ وهي:

١ - نسخة ثمينة تعود إلى زمن المؤلّف جاء في آخرها أنّها بقلم
مؤلّفها العبد محمد بن الحسن الحر العاملي، وهي محفوظة في مكتبة
آية الله فاضل الخوانساري في مدينة خوانسار، وتقع ضمن مجموعة
تحمل الرقم ١٨٩، وقد كتبت بتاريخ ١٠٧٨ ه‍، وقد تكرّم علينا
سماحة العلاّمة السيّد أحمد الحسيني حفظه الله بصورة منها، وقد رمزنا
لها بالرمز « ب ».

٢ - نسخة مصحّحة كتبت في سنة ١٢٥٤ ه‍ بقلم محمد جديد الاسم ابن
السيد الحسين الخراساني، وقد ذكر بانه استنسخها على نسخة بقلم المؤلف
كتبت في آخر شهر رمضان بتاريخ ١٠٧٨ ه‍، وتقع ضمن مجموعة رسائل
تحمل الرقم ٧٢٦ وهي موجودة في مكتبة آية الله المرعشي النجفي قدّس
سرّه، وقد كتب بهامشها رسالة في التصوّف باللغة الفارسية، وكذلك ذكر
بهامشها التعليقات بقلم بهاء الحسيني، ولم نعرف من هو. وقد رمزنا لها
بالرمز « ج ».


٣ - نسخة مصحّحة اُخرى حصلنا عليها من مكتبة آية الله فاضل
الخوانساري، وهي تقع ضمن مجموعة تحوي عدّة رسائل للمصنّف رحمه الله
وهي تحمل الرقم ٢٤٠، ولا يوجد تاريخ معين يشير إلى زمن كتابة هذه
النسخة لأن صفحتها الأخيرة تنتهي بالعبارة: « تمت الرسالة الموسومة بالتنبيه
بالبرهان في تنزيه المعصوم عن السهو والنسيان بيد العبد إبراهيم بن محمد
علي العاملي ».

والظاهر أن صفحتها الأخيرة الحاوية على تاريخ نسخها قد فقدت،
ولكن الرسائل الباقية الموجودة ضمن هذه المجموعة قد حويت على تواريخ
متفاوتة ولكنها متقاربة، ولهذا فان تاريخ كتابة هذه النسخة قد يكون بحدود
سنة ١١٢٥ ه‍، وقد رمزنا بالحرف « د ».

وكذلك اعتمدنا على نسخة مطبوعة قام بطباعتها ونشرها السيّد مهدي
اللاجوردي الحسيني، معتمداً على نسخة خطّية حصل عليها اثناء زيارته
للنجف الأشرف، ولم يشر إلى مكان النسخة وتاريخ نسخها.


منهجيّة التحقيق

كان أوّل عملي هو اعتماد النسخة « ب » الأصل المعتمد لتحقيق هذا
الكتاب، لأنها أقدم النسخ الموجودة، ومقابلة هذه النسخة مع النسختين
الاُخرتين « ج » و « د »، والاشارة إلى موارد الاختلاف فيما بينها، وكذلك قمنا
بمراجعة النسخة المطبوعة التي حصلنا عليها(١) ، ثم بعد انتهاء هذه المرحلة
قمنا بارجاع الأحاديث إلى مصادرها الأصليّة، حيث طابقت الأحاديث
والأقوال مع مصادرها، وبعد ذلك ضبطت النصّ ضبطاً متقناً - على قدر الوسع
والإمكان - وكما يلي:

١ - طابقت الآيات القرآنيّة الشريفة مع القرآن الكريم وأثبتّها كما هي في
القرآن.

٢ - ما أضفته من المصادر أو ذُكر في إحدى النسخ ولم يذكر في الاُخرى
جعلته بين [ ] وأشرت لذلك في محلّه.

٣ - اقتصرت في الإشارة لموارد الاختلافات - بين النسخ والمصادر -

__________________

(١) وهي كما ذكرنا قام بطباعتها ونشرها السيّد مهدي اللاجوردي الحسيني، حيث ذكر في مقدّمة
الكتاب بأنّه حصل على نسخة فوتوغرافية اثناء زيارته للنجف الأشرف.

وللأسف فبالرغم من انّ ناشر هذه النسخة قد ذكر بأنّه قام بتصحيح النسخة، إلاّ انّا وجدناها مليئة
بالاخطاء المطبعية وغيرها وكذلك في تخريجاتها، بل حتى الآيات القرآنيّة الشريفة لم تخلو من
العديد من الأخطاء، لذا كان اعتمادنا عليها قليلاً، ومن أجل المراجعة فقط.


المهمّة منها فقط.

٤ - قمت باتّحاد الأحايث الواردة في الكتاب مع المصادر الحديثيّة
المعتبرة.

٥ - أنشأتُ عدّة فهارس فنّية كي تعين الباحث على بلوغ مرامه،
وألحقتها في آخر الكتاب.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.



صورة الصفحة الاُولى من النسخة الخطّيّة « ب »


صورة الصفحة الأخيرة من النسخة الخطّيّة « ب »


صورة الصفحة الاُولى من النسخة الخطّيّة « ج »


صورة الصفحة الأخيرة من النسخة الخطّيّة « ج »


صورة الصفحة الاُولى من النسخة الخطّيّة « د »


صورة الصفحة الأخيرة من النسخة الخطّيّة « د »


مقدّمة المؤلّف

الحمد لله الّذي اختار الأنبياء والأوصياء حفظة للإيمان، وجعلهم حجّة
على الإنس والجان، واصطفاهم على العالمين في كلّ وقت وآن، وأذهب عنهم
الرجس وطهّرهم تطهيراً بنصّ القرآن، ونزّههم عن السهو والشكّ والنسيان،
صلّى الله وسلّم عليهم [ جميعاً ](١) في جميع الأزمان.

أما بعد؛

فيقول [ العبد ](٢) الفقير إلى الله الغني، محمّد بن الحسن الحرّ العاملي
عامله الله بلطفه الخفي: هذه رسالة في نفي السهو عن أهل العصمة عليهم
السلام، وذكر نبذة ممّا يدلّ على ذلك من الأدلّة العقليّة، والنصوص النقليّة،
وكلام جماعة من الأصحاب في هذا الباب، وردّ شبهة من جوّز السهو عليهم
في العبادة، وتأويل الأحاديث الّتي تدلّ على ذلك بظاهرها، وذكر بعض
نظائرها وما يناسب هذا المطلب.

والّذي دعاني إلى تأليف هذه الرسالة، التماس بعض الأفاضل
واشتباه الأمر على بعض آخر، وكون هذه المسألة من المهمّات، ولم أجد

__________________

(١) ليس في ج.

(٢) من ج فقط.


من تعرّض لها بكلام شاف، واستدلالٍ واف، إلاّ من قلّ مع قصور ما وجدته
عن البيان كما ينبغي، وأرجو إن تزول الشبهة بهذه الرسالة بالكلّيّة،
ويتّضح الحقّ عند كلّ من له بصيرة وروية، وهي مرتّبة على اثني عشر فصلاً،
تبرّكاً بالعدد الشريف.

الأول: في ذكر جملة من عبارات علمائنا المصرّحين بنفي السهو
عن النبيّ صلّى الله عليه وآله والأئمّة عليهم السلام في العبادات
وغيرها.

الثاني: في ذكر عبارة من جوّز السهو على النبيّ صلّى الله عليه وآله
والإمام عليه السلام في العبادة دون التبليغ، وهو ابن بابويه رحمه الله.

الثالث: فيما يدلّ على نفي السهو عن النبيّ صلّى الله عليه وآله والأئمّة
عليهم السلام مطلقاً من الآيات القرآنيّة(١) .

الرابع: فيما يدلّ على ذلك من الأحاديث المعتمدة.

الخامس: فيما يدلّ على ذلك من الوجوه العقليّة.

السادس: في بيان بعض المفاسد المترتّبة(٢) على تجويز السهو على المعصوم.

السابع: في ذكر شبهة من جوّز السهو عليه.

الثامن: في ذكر ضعفها.

التاسع: في بيان اضطرابها وبطلانها.

__________________

(١) في ب: العرابية.

(٢) في ب: المرتّبة.


العاشر: في بيان تأويل أحاديث السهو.

الحادي عشر: في الجواب عن استدلال ابن بابويه بالتفصيل.

الثاني عشر: في ذكر بعض النظائر [ والأشباه ](١) لأحاديث السهو التي لا
يجوز حملها على ظاهرها.

__________________

(١) من د فقط.



الفصل الأول

في ذكر جملة من عبارات علمائنا وفقهائنا
المصرّحين بنفي السهو عن النبيّ
والأئمّة عليهم السلام في
العبادات وغيرها(١)

أقول: قد صرّحوا بذلك في أكثر كتبهم في الفروع، وصرّحوا في جميع
كتب الاُصول، بنفي السهو عنهم عليهم السلام على وجه العموم والإطلاق

__________________

(١) إنّ الكلام في مسألة سهو النبي صلّى الله عليه وآله مبسوط في أغلب كتب المقالات والكلام؛
ومذهب الشيعة الإماميّة في هذه المسألة هو: نفي السهو والنسيان عن الرسول الأكرم صلّى الله عليه
وآله والأئمّة عليهم السلام، وقد أجمعوا على ذلك، إلاّ من شذّ كالصدوق وشيخه اللذان نسبا السهو
إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وذلك من خلال خبر ذي اليدين الذي رووه؛ وقد كتب في ردّهما
وتفنيد ما استندا عليه كثير من العلماء والفقهاء، وفي مقدّمة هؤلاء الشيخ المفيد محمد بن النعمان
قدّس سرّه، والسيد المرتضى؛ وقد كتب أحدهما رسالة مفردة في الردّ على الصدوق في هذه
المسألة: وقد أدرجها بتمامها العلاّمة المجلسي قدّس سرّه في بحار الأنوار « ١٧ / ١٠٤ »؛ كما انّه
فصّل الكلام في المسألة، وأطنب في بيان شذوذ تلك الأخبار التي استند إليها القائلون بالسهو.

ولذلك ردّ هذه المسألة السيد عبد الله شبّر قدّس سرّه في كتابه حقّ اليقين « ١ / ٩٣ » ومصابيح
الأنوار: « ٢ / ١٣٣ ».

ولم يقتصر ردّ الصدوق في هذه المسألة على الكتب الكلامية فحسب؛ بل، تجد ردّه في كثير من
الكتب الفقهية أيضاً كالتذكرة والمنتهى للعلاّمة وغيرها.


الشامل للعبادة وغيرها، وأوردوا أدلّة كثيرة شاملة للعبادة، ولا يحضرني
جميع تلك الكتب، فأنا أذكر ما أمكن إيراده الآن من ذلك.

قال الشيخ الأجل رئيس الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي
قدّس الله سرّه في التهذيب بعد ما روى حديثاً: ان رسول الله صلّى الله عليه وآله
ما سجد سجدتي السهو قطّ ولا يسجدهما فقيه(١) .

قال محمد بن الحسن: الّذي أفتي به ما تضمّنه هذا الخبر،
وأمّا الأخبار التي قدّمناها من انّ النبي سها فسجد، فانها موافقة
للعامّة، وانّما ذكرناها لأن ما تضمّنته من الأحكام معمول به على ما
بيّناه(٢) . انتهى.

وقال في موضع آخر بعدما أورد حديثين بعنوان المنافاة، يتضمّنان قصة
ذي الشمالين ما هذا لفظه: على انّ في الحديثين الأوّلين ما يمنع من التعلّق
بهما، وهو حديث ذي الشمالين وسهو النبي صلّى الله عليه وآله وهذا ممّا تمتنع(٣)
العقول منه.(٤) انتهى.

وقال في كتاب الاستبصار في باب السهو في صلاة المغرب، بعدما أورد
حديثين بعنوان المنافاة، وجمع بينهما وبين الأحاديث السابقة، ثمّ قال: مع انّ
الحديثين ما يمنع من التعلّق بهما، وهوحديث ذي الشمالين وسهو النبي صلّى

__________________

(١) التهذيب ٢: ١٨٠ ح ٧٢٦، عنه بحار الأنوار ١٧: ١٠٢ ح ٨.

(٢) والخبر أقوى ممّا تقدّم سنداً، وفيما تقدّم دليل على أن هذا المضمون كان مشهوراً بين العامّة،
فالأخبار واردة في شرح ما يقولونه.

(٣) في ب: تمنع.

(٤) التهذيب ٢: ١٨٠ ح ٧٢٤ و ٧٢٥.


الله عليه وآله، وذلك ممّا تمنع منه الأدلّة القاطعة في انّه لا يجوز عليه السهو
والغلط(١) .

وقال في الاستبصار أيضاً بعد ذكر حديث في باب من صلّى بقوم
على(٢) غير وضوء مضمونه: إنّ عليّاً عليه السلام صلّى بقوم على غير طهر ثم
نادى مناديه: انّ أمير المؤمنين عليه السلام صلّى بكم على غير طهر،
فاعيدوا(٣) .

قال: هذا خبر شاذ مخالف للأحاديث، وما هذا حكمه لا يعمل عليه،
وقد تضمّن أيضاً من الفساد ما يقدح في صحّته، وهو انّ أمير المؤمنين عليه
السلام صلّى بالناس على غير وضوء، وقد آمننا من ذلك دلالة عصمته عليه
السلام. انتهي.

وقال في التهذيب(٤) أيضاً مثل ذلك عند ذكر هذا الحديث.

وقال الشيخ المفيد قدّس سرّه في رسالة منسوبة إليه(٥) في الردّ على من
ذهب إلى تجويز السهو على النبي صلّى الله عليه وآله والأئمّة عليهم السلام في
العبادة. - وربّما نسبت الرسالة إلى السيّد المرتضى(٦) -، والأول أرجح، قال

__________________

(١) الاستبصار ١: ٣٧١.

(٢) كذا في « ب، د » والمصدر، وفي ج: من.

(٣) الاستبصار ١: ٤٣٣ ح ٥.

(٤) التهذيب ٣: ٤٠ ح ٦.

(٥) وهي رسالة في عدم سهو النبي صلّى الله عليه وآله، حيث ردّ فيها على الرواية التي تزعم انّ النبي
صلّى الله عليه وآله صلّى صلاة رباعيّة وسلّم فيها على ركعتين - سهواً -.

(٦) الرسالة المنسوبة للسيّد المرتضى قدّس سرّه هي غير هذه الرسالة، وهي رسالة في تنزيه الأنبياء
والأئمّة عليهم السلام.


فيها ما هذا لفظه:

وقد وقفت بها أيّها الأخ على ما كتبت به في معنى ما وجدته(١) لبعض
مشايخك(٢) ، فيما يضاف إلى النبي صلّى الله عليه وآله من السهو في الصلاة،
والنوم عنها حتى خرج وقتها.

ثم نقل مضمون عبارة الصدوق الآتية - إلى أن قال -: وسألت - أعزّك الله
[ بطاعته ](٣) - أن اُثبت لك ما عندي فيما حكيته [ عن هذا الرجل ](٤) ، واُبيّن عن
الحقّ في معناه، وأنا مجيبك إلى ذلك، والله الموفّق للصواب.

اعلم، انّ الّذي حكيت عنه [ ما حكيت، ممّا قد أثبتناه ](٥) قد تكلّف
ما ليس من شأنه، فأبدى [ بذلك ](٦) عن نقصه في العلم وعجزه، ولو كان
ممّن وفّق لرشده لما تعرّض له، لما لا يحسنه، ولا هو من صناعته، ولا
يهتدي إلى معرفته، لكن الهوى مُردٍ لصاحبه(٧) ، نعوذ بالله من سلب التوفيق،
ونسأله العصمة من الضلال، ونستهديه في سلوك نهج الحق، [ وواضح الطريق

__________________

(١) في د: رجوته.

(٢) ويقصد به الشيخ الصدوق قدّس سرّه، والذي روى حديثاً مسنداً إلى الحسن بن محبوب، عن
الرباطي، عن سعيد الأعرج، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام: إن الغلاة من المفوّضة
لعنهم الله ينكرون سهو النبي صلّى الله عليه وآله، ويقولون: لو جاز أن يسهو عليه السلام في الصلاة
جاز أن يسهو في التبليغ، لأنّ الصلاة عليه فريضة كما أن التبليغ عليه فريضة...» إلى آخر كلامه.

ثمّ قال: وكان شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد ; يقول: أول درجة في الغلو نفي
السهو عن النبي صلّى الله عليه وآله ». انظر: من لا يحضره الفقيه ١: ٢٣٣ / ١٠٣١.

(٣) ليس في ج.

(٦، ٥، ٤) ليس في النسخ / وما أثبتناه من الرسالة المنسوبة للشيخ المفيد في عدم سهو النبي صلّى
الله عليه وآله.

(٧) مُرد لصاحبه: أي مُهلك.


بمنّه ](١) .

الحديث الذي روته الناصبة والمقلّدة من الشيعة: « أنّ النبي صلّى الله
عليه وآله سها في صلاته، فسلّم في ركعتين ناسياً، فلمّا نُبّه على غلطه فيما
صنع، أضاف إليهما ركعتين، ثمّ سجد سجدتي السهو »(٢) ، من الأخبار الآحاد
التي لا تثمر علماً، ولا توجب عملاً، ومن عمل على شيء منها فعلى الظن
يعتمد في عمله بها دون اليقين، وقد نهى الله تعالى عن العمل بالظنّ في الدين،
وحذّر من القول فيه بغير علم ويقين.

فقال:( وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ) (٣) .

وقال:( إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (٤) .

وقال:( وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) (٥) .

__________________

(١) من المصدر.

(٢) ورد الحديث بالفاظ مختلفة، وفي أوقات متعددة في الكثير من كتب الحديث وعند الفريقين. فقد
روى الشيخ الكليني في الكافي « ٣: ٣٥٥ » بسنده يرفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال في حديث
طويل: فإنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله صلّى بالناس الظهر ركعتين، ثمّ سها فسلّم، فقال له ذو
الشمالين: يا رسول الله، أنزل في الصلاة شيء؟

فقال: وما ذاك؟!

قال: إنّما صلّيت ركعتين.

فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: أتقولون مثل قوله؟

قالوا: نعم، فقام صلّى الله عليه وآله فأتمّ بهم الصلاة وسجد بهم سجدتي السهو الخ.

ورواه مسلم في صحيحه ١: ٤٠٣ ح ٥٧٣، والنسائي في سننه ٣: ٢٠ - ٢٥، وأبو داود في سننه ١:
١١٨ - ١٢٢ ح ٤٣٥ - ٤٣٧.

(٣) سورة البقرة: ١٦٩.

(٤) سورة الزخرف: ٨٦.

(٥) سورة الإسراء: ٣٦.


وقال:( وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا ) (١) .

وقال:( إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ) (٢) .

وأمثال ذلك في القرآن [ ممّا يتضمّن الوعيد على القول في دين الله بغير
علم، والذم والتهديد لمن عمل فيها بالظنّ واللوم له على ذلك، والخبر عنه بأنّه
مخالف الحقّ فيما استعمله في الشرع والدين ](٣) كثيرة.

وإذا كان خبر سهوه صلّى الله عليه وآله من أخبار الآحاد(٤) الّتي من عمل
عليها كان عاملاً بالظنّ، حرم الاعتقاد بصحّته، ولم يجز القطع به، ووجب
العدول عنه إلى ما يقتضيه اليقين من كماله صلّى الله عليه وآله وعصمته،
وحراسة الله تعالى له من الخطأ(٥) في عمله، والتوفيق له فيما قال وعمل من
شريعته، وفي هذا القدر كفاية في ابطال حكم من حَكَم على النبي صلّى الله
عليه وآله بالسهو في صلاته.(٦) « انتهى ».

ويأتي باقي الرسالة المذكورة إن شاء الله تعالى.

وقال المحقّق في المختصر النافع:

وفي رواية الحلبي: عن أبي عبد الله عليه السلام انّه سمعه يقول
فيهما - يعني سجدتي السهو -: بسم الله وبالله وصلّى الله على محمد

__________________

(١) سورة يونس: ٣٦.

(٢) سورة يونس: ٦٦.

(٣) من المصدر.

(٤) لقد اصطلح العلماء الحديث على تقسيم الخبر من حيث رواته إلى متواتر وآحاد، وعدّوا كل حديث
لا تتوفر فيه شروط التواتر من نوع الآحاد، سواء كان الراوي له واحداً أو أكثر.

(٥) في « ب، د »: وحراسته من الخطأ.

(٦) من رسالة عدم سهو النبيّ صلّى الله عليه وآله للشيخ المفيد.


وآل محمد.

وسمعته مرّة اُخرى يقول: بسم الله وبالله، السلام عليك أيها النبي ورحمة
الله وبركاته.

والحقّ رفع منصب الإمامة عن السهو في العبادة(١) .

ورفع منصب النبوّة يلزمه بطريق الأولويّة، ولا ريب انّه مراده كما لا
يخفى، إذ النبي صلّى الله عليه وآله إمام كما وقع التصريح به في القرآن
والحديث.

ويمكن أن يكون مراده إنّ معنى قول الحلبي: سمعته يقول في سجدة
السهو كذا: انّه سمعه يقول ذلك فيهما على وجه الفتوى والتعليم لا انّه سها
وسجد.

فقوله عليه السلام في سجدة السهو كذا؛ أي هذا دعاؤها
وذكرها من غير أن يكون سجد، كما قالوا عليهم السلام: في القتل مائة
من الابل.

وقال العلاّمة قدّس سرّه في التذكرة ما هذا لفظه:

وخبر ذي اليدين عندنا باطل؛ لأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله معصوم لا
يجوز عليه السهو، مع أن جماعة من أصحاب الحديث طعنوا فيه(٢) ، لأنّ راويه
أبو هريرة وكان اسلامه بعد موت ذي اليدين بسنتين، فإن ذا اليدين قتل يوم

__________________

(١) المختصر النافع: ٤٥، ط دار الكتاب العربي بمصر.

(٢) انظر: ارشاد الساري ٢: ٣٦٥، عمدة القارىء ٤: ٢٦٤.


بدر وذلك بعد الهجرة بسنتين، وأسلم أبو هريرة بعد الهجرة بسبع سنين(١) .

قال المحتجّون به: إنّ المقتول يوم بدر هو ذو الشمالين واسمه عبد الله
ابن عمرو بن نضلة الخزاعي(٢) ، وذو اليدين عاش بعد النبيّ صلّى الله عليه
وآله، ومات في أيّام معاوية وقبره بذي خُشب(٣) ، واسمه الخرباق(٤) ، لأنّ
عمران بن الحصين روى هذا الحديث، فقال فيه: فقام الخرباق فقال:
أقصرت الصلاة(٥) ؟

واُجيب بأنّ الأوزاعي قال: فقام ذو الشمالين، فقال: أقصرت الصلاة،
[ أم نسيت يا رسول الله ](٦) ؟(٧)

وذو الشمالين قتل يوم بدر لا محالة(٨) .

__________________

(١) الطبقات الكبرى ٤: ٣٢٧، تهذيب التهذيب ١٢: ٢٩٠، تهذيب الأسماء واللغات ١: ١٨٦، شرح
صحيح مسلم للنووي ٣: ٢٤٥، الإصابة ١: ٤٢٢.

(٢) في التذكرة: فضلة، وفي أسد الغابة ( ٣: ٣٣٠ ): عبد عمرو بن نضلة الخزاعي، وقال في مكان آخر
( ٢: ١٤١ ) عمير بن عبد عمرو بن نضلة بن عمرو بن غبشان بن سلم بن مالك بن أقصى بن حارثة بن
عمرو بن عامر.

(٣) ذو خُشبْ: محرّكة، موضع باليمن. وخُشُبْ، كجُنُبْ: واد باليمامة وواد بالمدينة. « القاموس
المحيط ١: ٦٢، معجم البلدان ٢: ٣٧٢ ».

(٤) قيل: إنّ ذا اليدين اسمه الخرباق بن عمرو من بني سليم، وإن ذا الشمالين اسمه عمير بن عبد عمرو
ابن نضلة الخزاعي؛ وقيل: إنّ ذا اليدين وذا الشمالين واحد؛ وقيل غير ذلك، وسمّي بذي اليدين
لأنّه كان يعمل بيديه جميعاً؛ وقيل: لأنّه كان في يديه طول.

راجع: تهذيب الأسماء واللغات١: ١٨٥، الإصابة ١: ٤٢٢ و ٣: ٣٣، الطبقات الكبرى ٣: ١٦٧،
شرح صحيح مسلم للنووي ٣: ٢٤١.

(٥) سنن ابن ماجة ١: ٣٨٤ ح ١٢١٥، سنن النسائي ٣: ٢٦، سنن أبي داود ١: ٢٦٧ ح ١٠١٨.

(٦) ليس في ب.

(٧) صحيح مسلم ١: ٤٠٤ ح ٩٩، سنن النسائي٣: ٢٢، الموطأ ١: ٩٤ ح ٥٩، سنن البيهقي٢: ٣٣٥.

(٨) حكاه الشيخ في الخلاف ١٠: ٤٠٥، المسألة ١٥٤.


وروي من طريق الخاصّة أنّ ذا اليدين كان يقال له ذو الشمالين، عن
الصادق عليه السلام(١) . « انتهى كلام العلاّمة »(٢) .(٣)

__________________

(١) انظر: الكافي ٣: ٣٥٧ ح ٦، التهذيب ٢: ٢٤٥ ح ١٤٣٣.

(٢) تذكرة الفقهاء ١: ١٣٠، مسألة: « يجب ترك الكلام بحرفين فصاعداً مما ليس بقرآن ولا دعاء ».
الطبعة الحجرية.

(٣) قال السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي في كتابه أبو هريرة وخلال حديثه عن الوجوه
الحاكمة بامتناع هذا الحديث ما نصّه:

أحدها: انّ مثل هذا السهو الفاحش لا يكون ممّن فرّغ للصلاة شيئاً من قلبه، أو أقبل عليها بشيء من
لبّه، وإنّما يكون من الساهين عن صلاتهم، اللاهين عن مناجاتهم، وحاشا أنبياء الله من أحوال
الغافلين، وتقدّسوا عن أقوال الجاهلين، فإنّ أنبياء الله عزّ وجلّ ولا سيّما سيّدهم وخاتمهم أفضل
ممّا يظنون على انّه لم يبلغنا مثل هذا السهو عن أحد ولا أظن وقوعه إلاّ ممّن يمثل حال القائل:

اُصلّي فما أدري إذا ما ذكرتها

أثنتين صلّيت الضحى أم ثمانيا؟

وأمّا وسيّد النبيّين، وتقلّبه في الساجدين، انّ مثل هذا السهو لو صدر مني لاستولى عليَّ الحياء،
وأخذني الخجل، واستخفَّ المؤتمّون بي وبعبادتي، ومثل هذا لا يجوز على أنبياء الله أبداً.

الثاني: انّ الحديث قد اشتمل على إنّ النبي صلّى الله عليه وآله قال: لم أنس ولم تقصر، فكيف يمكن
أن يكون قد نسي بعد هذا؟ ولو فرضنا عدم وجوب عصمته عن مثل هذا السهو، فإنّ عصمته عن
المكابرة والتسرّع بالأقوال المخالفة للواقع ممّا لابدّ منه عند جميع المسلمين.

الثالث: انّ أبا هريرة قد اضطرب في هذا الحديث وتعارضت أقواله فتارة يقول: صلّى بنا
احدى صلاتي العشي أمّا الظهر وأمّا العصر - على سبيل الشك - واُخرى يقول: صلّى بنا صلاة العصر
- على سبيل القطع بانّها العصر - وثالثة يقول: بينا أنا اُصلّي مع رسول الله صلاة الظهر - على سبيل
القطع بأنّها الظهر - وهذه الروايات كلّها ثابتة في صحيحي البخاري ومسلم كليهما، وقد ارتبك فيها
شارحوا الصحيحين ارتباكاً دعاهم الى التعسّف والتكلّف كما تكلّفوا وتعسّفوا في الردّ على الزهري
إذ جزم بانّ ذا اليدين وذا الشمالين واحد لا اثنان، وقد أوضحنا ذلك في كتابنا ( تحفة المحدّثين ).

الرابع: ان ما اشتمل هذا الحديث عليه من قيام النبي صلّى الله عليه وآله عن مصلاّه ووضع يده
على الخشبة، وخروج سرعان من المسجد وقولهم أقصرت الصلاة؟ وقول ذي اليدين أنسيت أم
قصرت؟ وقوله النبي صلّى الله عليه وآله لم أنس ولم تقصر. فقاله: قد نسيت.

وقوله النبي لأصحابه: أحقٌّ ما يقول. قالوا: بلى، نعم. وغير ذلك ممّا نقله أبو هريرة لما يمحو صورة
الصلاة بتاتاً.

والمعلوم من الشريعة المقدّسة يقيناً بطلان الصلاة بكل ماح لصورتها فلا يمكن بعد هذا بناؤه


وقال في الرسالة السعدية:

اختلف المسلمون هنا.

فذهبت طائفةٌ: إلى أنّ النبي صلّى الله عليه وآله لا يجوز عليه الخطأ

__________________

صلّى الله عليه وآله على الركعتين الأوّليّتين لانّه يناقض الحكم المقطوع بثبوته عنه صلّى الله عليه
وآله فتأمّل.

إنّ ذا اليدين المذكور في الحديث إنّما هو ذو الشمالين ابن عبد عمرو حليف بني زهرة، وقد استشهد
في بدر، نصّ على ذلك إمام بني زهرة وأعرف الناس بحلفائهم محمد بن مسلم الزهري كما في
الاستيعاب والاصابة وشروح الصحيحين كافة وهذا هو الذي صرح به الثوري في أصحّ الروايتين
عنه وأبو حنيفة حين تركوا العمل بهذا الحديث، وأفتوا بخلاف مفاده - كما في أواخر باب السهو
والسجود له من شرح النووي لصحيح مسلم - وحسبك حديث النسائي مما يدل على ان ذا اليدين
وذا الشمالين واحد - واليك لفظه: قال فقال له ذو الشمالين ابن عبد عمرو: أنقصت الصلاة أم نسيت؟
فقال النبي: ما يقول ذو اليدين فصرّح بان ذا الشمالين هو ذو اليدين.

ومثله بل أصرح منه ما أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة عن أبي سلمة عن عبد الرحمن وأبي
بكر بن سليمان بن أبي خيثمة كليهما عن أبي هريرة، قال: صلّى رسول الله صلّى الله عليه وآله الظهر
أو العصر فسلّم في ركعتين، فقال له ذو الشمالين ابن عبد عمرو ( قال ): وكان حليفاً لنبي زهرة
أخففت الصلاة أم نسيت؟. فقال النبي صلّى الله عليه وآله ما يقول ذو اليدين؟ قالوا صدق،
الحديث.

وأخرج أبو موسى من طريق جعفر المستغفري كما في ترجمة عبد عمرو بن يضلة من الاصابة
بالاسناد الى محمد بن كثير عن الاوزاعي عن الزهري عن كل من سعيد بن المسيب وأبي سلمة
وعبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة قال: سلم رسول الله صلّى الله عليه وآله في الركعتين فقام عبد
عمرو بن نضلة رجل من خزاعة حليف لبني زهرة فقال: أقصرت الصلاة أم نسيت؟. الحديث، وفيه
قول النبي صلّى الله عليه وآله: صدق ذو الشمالين؟

فهذه الأحاديث كلها صريحة في أن ذا اليدين المذكور في حديث أبي هريرة انّما هو ذو الشمالين ابن
عبد عمرو حليف بني زهرة، ولا ريب في ان ذا الشمالين المذكور قتل يوم بدر قبل أن يسلم أبو
هريرة بأكثر من خمس سنين، وان قاتله اسامة الجشمي، نصّ على ذلك ابن عبد البر وسائر أهل
الاخبار فكيف يمكن ان يجتمع مع أبي هريرة في الصلاة خلف رسول الله صلّى الله عليه وآله يا اولي
الالباب؟؟. ( انظر: أبو هريرة لشرف الدين: ٨٦ - ٩٠ ).


والسهو.

وذهبت طائفة اُخرى: إلى جواز ذلك؛ حتى قالوا: إنّ النبي صلّى الله
عليه وآله كان يصلّي الصبح يوماً، فقرأ مع «الحمد»، « والنجم إذا هوى »، إلى
أن وصل إلى قوله تعالى:( أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّىٰ *وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَىٰ ) (١)
قرأ: « تلك الغرانيق العلى(٢) ، منها الشفاعة ترتجى » ثم استدرك ذلك(٣) .

وهذا في الحقيقة كفر.

وانّه صلّى الله عليه وآله صلّى يوماً العصر ركعتين وسلّم - ثمّ ذكر حديث
ذي الشمالين -.

ثم قال العلاّمة: وهذا المذهب في غاية الرداءة.

والحقّ: الأول، فانّه لو جاز عليه السهو والخطأ، لجاز ذلك في جميع
أقواله وأفعاله، فلم يبق وثوق باخباراته عن الله تعالى، ولا بالشرائع والأديان،
لجواز أن يزيد فيها وينقص سهواً، فتنتفي فائدة البعثة.

ومن المعلوم بالضرورة: إنّ وصف النبيّ بالعصمة، أكمل وأحسن من

__________________

(١) سورة النجم: ١٩ و ٢٠.

(٢) هكذا في اسطورة الغرانيق. وفي الرسالة السعدية: « الاُولى » بدل « العلى ».

(٣) لقد فنّد اسطورة الغرانيق هذه الكثير من العلماء، منهم: العلاّمة السيّد مرتضى العسكري الّذي وفّق
إلى بيان بطلانها واختلاقها: متناً، وسنداً. وراجع كذلك ما كتبه العلاّمة عبد الحسين شرف الدين في
كتابه القيّم « أبو هريرة ».

ومن القدماء الّذين تناولوا هذه المسألة: محمد بن إسحاق بن خُزيمة « ت ٣١١ ه‍ » حيث قال عن
روايات الغرانيق: إنّها من وضع الزنادقة، وقد صنّف فيها كتاباً.

وكذلك الشيخ أحمد بن عبد الفتّاح بن يوسف المجيري في كتابه « منهل التحقيق في مسألة
الغرانيق - مخطوط ». انظر: الاعلام ١: ١٥٢.


وصفه بضدّها، فيجب المصير إليه، لما(١) فيه من دفع الضرر المظنون، بل
المعلوم.(٢) « انتهى كلام العلامة ».

وهو صريح في منافاة السهو في العبادة للعصمة.

ونقل المقداد في شرح نهج المسترشدين عن أصحابنا وجوب عصمة
النبي والإمام عليهما السلام عن السهو في كل من الأقسام الأربعة بتبليغ الشرع
والاعتقاد الديني والدنيوي(٣) ، واستدلَّ على ذلك بأدلّة ذكرها(٤) .

__________________

(١) في د: إليها فيه.

(٢) الرسالة السعدية: ٧٦، ط النجف الأشرف.

(٣) في د: والاعتقاد الديني والدنيوي، والفعل الديني والدنيوي.

(٤) ارشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين: ٣٠٣.

قال العلاّمة في نهج المسترشدين: ومن هذا علم أنّه لا يجوز أن يقع منه الصغائر والكبائر، لا عمداً
ولا سهواً ولا غلطاً في التأويل.

ويجب أن يكون منزّها عن ذلك كلّه من أوّل عمره إلى آخره.

وقال الفاضل المقداد في ارشاد الطالبين في شرحه لهذه العبارة:

أقول: اعلم انّه لمّا استدل على مطلوبه أشار إلى خلاف الناس هنا، ومحصّل الأقوال هنا أن نقول:
أفعال الأنبياء لا تخلو من أقسام أربعة:

الأول: الاعتقاد الديني.

الثاني: الفعل الصادر عنهم من الأفعال الدينية.

الثالث: تبليغ الأحكام ونقل الشريعة.

الرابع: الأفعال المتعلّقة بأحوال معاشهم في الدنيا ممّا ليس بديني.

فالقسم الأول: اتّفق أكثر الناس على عصمتهم فيه خلافاً للخوارج فانّهم جوّزوا عليهم الكفر،
لاعتقادهم أنّ كلّ ذنب صدر عنهم فهو كفر، وجوّزوا صدور الذنب عنهم، فقد جوّزوا عليهم الكفر،
خلافاً لابن فورك حيث جوّز بعثه من كان كافراً، لكن قال: هذا الجائز لا يقع.

وبعض الحشويّة قال بوقعه، وبعضهم جوّز عليهم الكفر للتقيّة وهذا باطل، لأنّه يفضي إلى اخفاء
الدين بالكليّة، لأن أولى الزمان بالتقيّة حين اظهار الدعوة، لأن الأكثر من الناس يكون منكراً.

وأمّا القسم الثاني: فقال ما عدا الإمامية: انّه يجوز عليهم قبل البعثة فعل جميع المعاصي، كبائر كانت
أو صغائر، واختلفوا في زمان البعثة؛ فقالت الأشاعرة: لا يجوز عليهم الكبائر مطلقاً، وأمّا الصغائر


وقال شيخنا الشيخ بهاء الدين في جواب المسائل المدنيات(١) : عصمة
الأنبياء والأئمّة عليهم السلام من السهو والنسيان، ممّا انعقد عليه اجماعنا،
وخروج الشخص المعلوم النسب غير قادح في الاجماع، وأيضاً نسبة السهو
إليه في هذه المسألة أولى من نسبته إلى الأنبياء.

قال: ومراد الصدوق رحمه الله بكون سهوه من الله، انّ سبب سهوه
كتسليط النوم عليه واقع منه تعالى لمصلحة دينية أو دنيوية، فإنّ أفعاله تعالى
معلّلة بالاغراض وليس من الشيطان، إذ لا قدرة له على تسلط النوم عليه
ومراده بكون سهونا من الشيطان انّ سببه الوساوس الشيطانية، والخواطر
الملهية واقعة بفعله.

قال: والرواية المتضمّنة لنومه صلّى الله عليه وآله عن الصلاة صحيحة
السند، قد تلقّاها الأصحاب بالقبول، حتى قال الشهيد في الذكرى: انّه لم

__________________

فتجوز سهواً.

وقالت المعتزلة: بامتناع الكبائر مطلقاً، وأمّا الصغائر فاختلفوا فيها، فقال بعضهم: أنّه تجوز على
سبيل التأويل، كما يقال: بانّ آدم أوّل النهي عن الشجرة بالنهي عن الشخص وكان المراد النوع، فإنّ
الاشارة قد تكون إلى النوع كقوله صلّى الله عليه وآله: « هذا وضوء لا يقبل الله تعالى الصلاة إلاّ به »
( الرسالة السعدية: ٩٥ ).

وقال بعضهم: على سبيل القصد، لكنّها تقع محيطة لكثرة ثوابهم. والحشوية جوّزوا الإقدام على
الكبائر، ومنهم من منع تعمّدها وجوّز تعمّد الصغائر.

وأمّا القسم الثالث: فأجمع الكلّ على عدم جواز الخطأ فيه.

وأمّا القسم الرابع: فجوّز أكثر الناس السهو.

وأصحابنا حكموا بعصمتهم مطلقاً، قبل النبوّة وبعدها عن الصغائر والكبائر عمداً وسهواً، بل وعن
السهو مطلقاً ولو في القسم الرابع، ويدلّ عليه ما تقدّم.

(١) لم نعثر على هذه الرسالة.


نجد(١) لها ردّاً(٢) ، فقبول من عدا الصدوق من الأصحاب لها شاهد صدق بانّهم
لا يعدون(٣) ذلك سهواً والعرف يدلّ عليه(٤) . « انتهى ».

وقال الشهيد في الذكرى بعد ذكر خبر ذي اليدين: وهو متروك بين
الإماميّة لقيام الدليل العقلي على عصمة النبيّ صلّى الله عليه وآله عن السهو،
ولم يصر إلى ذلك غير ابن بابوية، ونقل عن شيخه محمد بن الحسن بن الوليد
انّه قال: أوّل درجة الغلو نفي السهو عن النبيّ صلّى الله عليه وآله.

وهذا حقيق بالإعراض عنه، لأنّ الأخبار معارضة بمثلها فيرجع إلى
قضية العقل، ولو صحّ النقل لوجب تأويله على انّ اجماع الإماميّة في الأعصار
السابقة على هذين الشيخين واللاّحقة لهما على نفي السهو عن النبيّ صلّى الله
عليه وآله والأئمّة عليهم السلام(٥) . « انتهى ».

وقال المحقّق الطوسي في التجريد: ويجب في النبي العصمة - إلى أن
قال: - والذكاء والفطنة وقوة الرأي وعدم السهو وكل ما ينفر عنه. انتهى.

وقال العلاّمة الحلّي في شرحه نحو هذه العبارة، بل أبلغ منها(٦) .

وقال المفيد في شرح اعتقادات ابن بابوية كلاماً طويلاً بليغاً في أن
القول بنفي السهو عن النبي صلّى الله عليه وآله والأئمّة عليهم السلام ليس في

__________________

(١) في ج: يجد.

(٢) في د: رادّاً.

(٣) في ب: يودون.

(٤) راجع الذكرى: ١٣٤ ط الحجرية.

(٥) الذكرى: ٢١٥ ط الحجرية.

(٦) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: ٣٤٩.

وأخرجه في البحار ١٧: ١٠٩ عن التجريد.


الغلو، بل القول بجوازه من التقصير في الاعتقاد(١) .

وقال العلاّمة في المنتهى في مسألة التكبير في سجدتي السهو بعدما
روى حديثاً في سهو النبي صلّى الله عليه وآله: والجواب: هذا الحديث عندنا
باطل لاستحالة السهو على النبي صلّى الله عليه وآله(٢) .

وقال في مسألة اُخرى: قال الشيخ: وقول مالك باطل لاستحالة السهو
على النبي صلّى الله عليه وآله(٣) .

وقال في المختلف بعدما ذكر حديث السهو: انّه مشتمل على ما
هو متروك بالاجماع وهو سهو النبي صلّى الله عليه وآله - ثم قال -:
وأمّا اشتماله على السهو فانّه يحمل على الترك لتعريف العباد أحكام
السهو لما علم أنّ الصحابة كانوا يصيرون إلى أقواله إذا اقترنت بأقواله
غالباً(٤) .

ولهذا شكى إلى اُمّ سلمة ذلك فأراد تعريفهم أحكام الصلاة بالقول
والفعل ويكون قد صلّى بهم ركعتين واجبتين(٥) غير الرباعية لهذه الفائدة على
انّ ابن بابويه قال قولاً ضعيفاً لا يصار إليه ثم ذكر عبارته الآتية - ثم قال: - هذا
آخر كلام ابن بابويه وهو خارج عن سنن الصواب، والحق رفع منصب النبي
صلّى الله عليه وآله عن السهو وقد بيّناه في كتبنا الكلامية إذ هو الموضع

__________________

(١) شرح اعتقادات الصدوق: ١٣٥، والمطبوع ضمن مصنّفات الشيخ المفيد.

(٢) منتهى المطلب ١: ٤١٨، ط الحجرية.

(٣) منتهى المطلب ١: ٤١٩، ط الحجرية.

(٤) في « ب، ج »: غائباً.

(٥) في د: واختير.


المختص به.(١) انتهى.

[ ويحكي عن الشيخ بهاء الدين رحمه الله: إنّ سائلاً سأله عن قول ابن
بابويه: إنّ النبيّ قد سهى، فقال: بل ابن بابويه قد سهى، فانّه أولى بالسهو من
النبي صلّى الله عليه وآله.

وهذا جواب حسن في غاية الجودة.

ويمكن أن يجاب بمثله عن قول ذي اليدين ورواية من روى السهو
فانّهما أحقّ بالغلط والسهو. ويأتي تحقيق المقام إن شاء الله تعالى ](٢) .

وقد صرّح علمائنا في كتب الاُصوليين(٣) بما يقتضي نفي السهو.

أمّا في كتب اُصول الدين ففي مقام اثبات العصمة، ونفي الخطأ والسهو
والنسيان عن النبيّ صلّى الله عليه وآله والإمام عليه السلام بقول مطلق
قبل النبوّة والإمامة وبعدهما، أعمّ من أن يكون في العبادة أو غيرها،
والاستدلال على ذلك بأدلّة واضحة في شمول العبادة كما يأتي إن شاء
الله تعالى.

وأمّا في كتب اُصول الفقه، فحيث يذكرون انّ السنّة التي يجب اتّباعها
والعمل بها، والتعويل عليها هي قول النبيّ والإمام، أو فعلهما، أو تقريرهما.

ثمّ يبحثون عن الفعل، ويقسّمونه إلى أقسام، ويحضرونه في شقوق
حاصلها الوجوب والندب والإباحة، ولا يذكرون الكراهة فضلاً عن التحريم

__________________

(١) مختلف الشيعة ٢: ٣٥٩.

(٢) من ج فقط.

(٣) في هامش ج: الاُصولين؛ أي اُصول الدين واُصول الفقه. « منه رحمه الله ».


أو السهو، ثمّ يحكمون بان فعله صلّى الله عليه وآله دالّ على الجواز صريحاً،
وعلى الاستحباب والوجوب مع القرينة الدالّة على وجهه، وأنّ تركه صلّى
الله عليه وآله دالّ على نفي الوجوب صريحاً، وعلى الكراهة والتحريم
مع القرينة، وكلّ ذلك يقتضي أن يكون فعله صلّى الله عليه وآله حجّة عندهم
مطلقاً، وانّه نوع من التبليغ لوجوب اتّباعه والاقتداء به بنصّ القرآن، وغيره
من الأدلّة.

وبالجملة فعبادته صلّى الله عليه وآله تبليغ قطعاً، وتبليغه عبادة، فبطل
الفرق بينهما كما يأتي نقله، ألا ترى إلى قوله صلّى الله عليه وآله: « صلّوا كما
رأيتموني اُصلّي »(١) ، و« خذوا عنّي مناسككم »(٢) إلى غير ذلك.

وهذه الإشارة كافية عن نقل عبارات الأصحاب في كتب الاُصوليين
فارجع إليها فانّها دالّة على ما قلناه.

وقد صرّح ابن طاووس في الطرائف(٣) وغيره بمثل ما تقدّم من عبارات

__________________

(١) انظر: شرح الموطأ ١: ١٤٢، المغني لابن قدامة ١: ٤٦٠، كنز العمّال ٧: ٢٠١، صحيح البخاري
٢: ٥٢، سن الدرامي ١: ٢٣٠، مسند أحمد ٥: ٥٣، وفيه « تروني » بدلاً من « رأيتموني ».

وأخرجه العلاّمة الحلّي في الرسالة السعدية: ٩٦.

(٢) السنن الكبرى للبيهقي ٥: ١٢٥، التمهيد لابن عبد البر ٢: ٦٩ و٩١ و٩٨، فتح الباري ١: ٢١٧ و
٤٩٩، اتحاف السادة المتّقين للزبيدي ٤: ٤٣٧، البداية والنهاية ٥: ١٨٤ و ٢١٥، إرواء الغليل
للألباني ٤: ٢٧١.

(٣) قال ابن طاووس في الطرائف: ومن ذلك ما رواه في الجمع بين الصحيحين للحميدي في الحديث
الخامس والأربعين بعد المائتين من المتّفق عليه من مسند أبي هريرة في حديث يزيد بن إبراهيم
عن محمد بن أبي هريرة قال: صلّى بنا رسول الله صلّى الله عليه وآله إحدى صلاتي العشي - قال
محمد - يعني إبن سيرين - وأكثر ظنّي العصر -، فسلّم في ركعتين، ثمّ قام إلى خشبة في مقدّم
المسجد فوضع يده عليها مغضباً، وفيهم أبو بكر وعمر فهابا أن يكلّماه، وخرج سرعان الناس
فقالوا: أقصرت في الصلاة؟ وهناك رجل يدعوه النبي صلّى الله عليه وآله ذا اليدين، فقال: يا

الأصحاب.

وقد صنّفوا في ذلك كتباً ورسائل، منها رسالة الشيخ المفيد التي نقلنا
بعضها وننقل باقيها إن شاء الله تعالى

ومنها ما ذكره النجاشي في كتاب الرجال حيث قال:

إسحاق بن الحسين بن بكران أبو الحسين الغفري(١) التمّار كثير السماع،

__________________

نبي الله أنسيت أم قصرت الصلاة؟

فقال: لم انس ولم تقصر الصلاة.

قال: بلى، قد نسيت.

قال: صدق ذو اليدين، فقام فصلّى ركعتين، ثمّ سلّم، ثمّ كبّر، فسجد مثل سجوده وأطول، ثمّ رفع
رأسه وكبّر.

( قال عبد المحمود: ) يا بشرى لمن فارق هؤلاء الأربعة مذاهب القائلين عن نبيّهم مثل هذه
المقالات، المصدّقين عنه لهده الروايات.

ومن طريف هذا الحديث أنّ أبا بكر وعمر كانا ذاكرين انّه غلط وسهى، ليت شعري من عرف من
الرواة باطنهما حتى شهد لهما بذلك، أو من شهد لهما بالعصمة حتى يصدّقهما أنّهما كانا أكمل من
نبيّهم وأحضر فكراً وأشدّ بصيرة، وليت شعري من أين لهما أنّه غلط وسهى، وهلا جوّزوا أن يكون
قد قصرت الصلاة وصارت ركعتين ونسخت منها ركعتان؟! وكيف استجازا سوء الظن به بما قالا فيه
انّه سهى وغلط قبل أن يعترف به كما زعموا؟!

وليت شعري كيف استحسن رواة هذا الحديث ومصحّحوه أن يذكروا عن نبيّهم أنّه غلط وسهى، ثمّ
يذكرون أنّ أبا بكر وعمر من دون الصحابة ودون بني هاشم وعترة نبيّهم على وجه التنزيه لهما
وانّهما هابا أن يكلّماه، يعني أنّهما كانا منزّهين في هذه عن السهو.

وليت شعري من يروي عنهما ما تقدّم وما سيأتي ذكره ان شاء الله تعالى من الإقدام على الإنكار على
نبيّهم في عدّة مقالات ومقامات، وكيف يستحسن أن يكذّبوا انفسهم ويناقضوا ويباهتوا ويتولّوا في
هذه الرواية انّهما هاباه « انظر: الطرائف: ٣٦٥ - ٣٦٧ ».

(١) كذا ورد اسمه في سائر النسخ، وفي د: « أبو الحسن » بدل « أبو الحسين »، وفي رجال النجاشي:
اسحاق بن الحسن بن بكران أبو الحسين العَقرائيّ.


[ ضعيف في مذهبه، ](١) رأيته بالكوفة وهو مجاور بها، وكان يروي كتاب
الكليني عنه [ وكان في هذا الوقت(٢) غلوّاً ](٣) ، ولم أسمع منه شيئاً، له كتاب الرد
على الغلاة، وكتاب نفي السهو عن النبي، وكتاب عدد الأئمّة(٤) . وغير ذلك مما
لا يحضرني ذكره والله الموفق.

__________________

(١ و ٢) من المصدر.

(٣) قال السيّد الخوئي قدّس سرّه: الظاهر انّ جملة ( هذا الوقت ) في كلامه إشارة إلى زمان رواية
إسحاق كتاب الكليني، والمراد انّ روايته لهذا الكتاب كان في عنفوان شبابه ولم يكن النجاشي في
ذلك الزمان موجوداً، ولأجله لم يسمع منه شيئاً وانّما أدركه في زمان شيبه وهو مجاور الكوفة.
راجع المعجم رجال الحديث ٣: ٤٥.

(٤) رجال النجاشي: ٧٤ رقم « ١٧٨ ».



الفصل الثاني

في ذكر عبارة من جوّز السهو على النبي
والإمام في العبادة الخاصّة

وهو ابن بابويه وحده كما وقع التصريح به سابقاً، وان نسبه إلى بعض
مشايخه كما يأتي، فانّه لم يوجد لمن نسبه إليه تصريح به غير نقل ابن بابويه
عنه، وهو محتمل للسهو والغلط والاشتباه.

قال أبو جعفر بن بابويه في كتاب من لا يحضرن الفقيه: وروى الحسن بن
محبوب، عن الرباطي، عن سعيد الأعرج، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام
يقول: إنّ الله تبارك وتعالى أنام رسول الله صلّى الله عليه وآله عن صلاة الفجر
حتى طلعت الشمس، ثمّ قام فبدأ فصلّى الركعتين اللتين قبل الفجر، [ ثمّ صلّى
الفجر ](١) ، وأسهاه في صلاته، فسلّم في الركعتين - ثمّ وصف ما قاله ذو
الشمالين - وانّما فعل ذلك به، رحمة لهذه الاُمّة لئلاّ يعيّر الرجل المسلم إذا
هو نام عن صلاته أو سها فيها، فيقال: قد أصاب ذلك رسول الله صلّى الله

__________________

(١) من المصدر.


عليه وآله(١) .

ثم قال ابن بابويه بعد ذكر هذا الحديث:

قال مصنّف هذا الكتاب:

إنّ الغلاوة والمفوّضة - لعنهم الله - ينكرون سهو النبي صلّى الله عليه وآله
ويقولون: لو جاز أن يسهو عليه السلام في الصلاة جاز أن يسهو في التبليغ،
لأنّ الصلاة عليه فريضة كما أن التبليغ عليه فريضة.

وهذا لا يلزمنا؛ وذلك لأنّ جميع الأحوال المشتركة يقع على
النبيّ صلّى الله عليه وآله فيها ما يقع على غيره، وهو متعبّد بالصلاة كغيره
ممّن ليس بنبيٍّ(٢) ، وليس كلّ من سواه بنبيٍّ [ كهو ](٣) ، فالحالة التي اختصّ
بها هي النبوّة والتبليغ من شرائطها، ولا يجوز أن يقع عليه في التبليغ ما
يقع [ عليه ](٤) في الصلاة، لأنّها عبادة مخصوصة، والصلاة عبادة مشتركة،
وبها تثبت له العبوديّة، وبإثبات النوم له عن خدمة ربّه عزّ وجلّ من غير
إرادة له وقصد منه إليه نفي الربوبيّة عنه، لأنّ الّذي لا تأخذه سنةٌ ولا نومٌ
هو الله الحيّ القيّوم، وليس سهو النبي صلّى الله عليه وآله كسهونا، لأنّ
سهوه من الله عزّ وجلّ، وإنّما أسهاه ليعلم أنّه بشر مخلوق فلا يُتّخذ
معبوداً(٥) دونه، وليعلم الناس بسهوه حكم السهو متى سهوا، وسهونا من

__________________

(١) من لا يحضر الفقيه ١: ٣٥٨، ومن قوله: « وانّما فعل ذلك الخ » يمكن أن يكون من تتمّة الخبر،
ويمكن أن يكون من كلام المصنّف.

(٢) في ب: مبني.

(٣و ٤) من المصدر.

(٥) كذا في النسخ، وفي المصدر: يُأخذ ربّاً معبوداً.


الشيطان وليس للشيطان(١) على النبيّ صلّى الله عليه وآله والأئمّة عليهم السلام
سلطانٌ،( إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ ) (٢) وعلى من
تبعه من الغاوين.

ويقول الدافعون لسهو النبيّ صلّى الله عليه وآله: إنّه لم يكن في الصحابة
من يقال له: ذو اليدين، وإنّه لا أصل للرجل ولا للخبر، وكذبوا! لأنّ الرجل
معروف وهو أبو محمد عمير بن عبد عمرو المعروف بذي اليدين فقد نقل عنه
المخالف والمؤالف، وقد أخرجت عنه أخباراً في كتاب وصف [ قتال ](٣)
القاسطين بصفّين.

وكان شيخنا محمد بن الحسن بن الوليد يقول: أوّل درجة في الغلو نفي
السهو عن النبيّ صلّى الله عليه وآله.

فلو جاز أن تردّ الأخبار الواردة في هذا المعنى، لجاز أن تردّ جميع
الأخبار! وفي ردّها إبطال الدِّين والشريعة، وأنا أحتسب الأجر في تأليف
كتاب منفرد في إثبات سهو النبي صلّى الله عليه وآله والردّ على منكريه إن شاء
الله تعالى.(٤) « انتهى كلام ابن بابويه ».

__________________

(١) في د: الشيطان.

(٢) سورة النحل: ١٠٠، وذكر الآية هنا لا يناسب المقام لأنّها قي شأن الفسّاق أو الكفّار الذين
يتولّونه، ويفهم من كلام المصّف في ذكر الآية انّ السهو الشيطاني لا يكون إلاّ ممّن يتّخذ الشيطان له
وليّاً مع انّ العلماء من المؤمنين يعرض لهم الشكّ في الصلاة ولم يتّخذوا الشيطان لهم وليّاً.

(٣) من المصدر.

(٤) راجع من لا يحضره الفقيه ١: ٣٥٨ - ٣٦٠.

أقول: خلاصة كلام الصدوق قدّس سرّه أن ما يجوز السهو عليه إسهاه الله إيّاه لمصلحة كنفي الربوبيّة
عنه حتى لا يُتّخذ ربّاً، وإثبات انّه بشر مخلوق، وإعلام الناس حكم سهوهم في العبادات


وهو كما ترى ضعيف جداً لما يأتي بيانه ان شاء الله.

ونقله الشيخ المفيد رحمه الله في أوّل رسالته، ثمّ ذكر بعده الكلام الذي
نقلناه سابقاً.

واعلم إنّ الطبرسي رحمه الله في مجمع البيان، عند قوله تعالى:( وَإِذَا
رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا
- إلى قوله -وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ
الذِّكْرَىٰ
) (١) نقل عن الجبائي أنّه قال: في هذه الآية دلالة على بطلان قول
الإمامية في أنّ النسيان لا يجوز على الأنبياء.

ثمّ قال الطبرسي: وهذا [ القول ](٢) غير صحيح، لأنّ الإمامية لا يجوّزون
السهو عليهم فيما يؤدّونه عن الله، فأمّا ما سواه فقد جوّزوا عليهم أن ينسوه أو
يسهوا عنه ما لم يؤدّ ذلك إلى إخلال بالعقل.(٣) « انتهى ».

وأقول: نقل الجبائي عن الإمامية صحيح كما عرفت، ولم يعتبر قول من
شذّ منهم، واعتراض الطبرسي عليه حاصله:

إنّ الإمامية غير مجمعين على ذلك، بل جوّز بعضهم السهو والنسيان
فيجب حمل قوله: جوّزوا، على معنى جوّز بعضهم، وإلاّ كان الكلام غير

__________________

وأمثاله، وأما السهو الذي يعترينا فإنّه من الشيطان، والرسول صلّى الله عليه وآله منزّه عن ذلك،
وليس للشيطان عليه سلطان ولا سبيل، فالسهو عند الصدوق نوعين نوع من الشيطان وهو مختص
ببني البشر باستثناء المعصومين، وسهو من الله والذي يشمل المعصومين وغيرهم لمصلحة يقدّرها
الله سبحانه وتعالى.

(١) سورة الأنعام: ٦٨.

(٢) ليس في د.

(٣) مجمع البيان ٧: ٣١٧.


صحيح كما لا يخفى.

ثمّ أنّه لم يصرّح الطبرسي بجواز ذلك في هذا الكلام كما ترى، مع انّ
الآية محتملة لكون الخطاب عاماً كما في( وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا ) (١) أو الخطاب
للنبي صلّى الله عليه وآله، والمراد غيره كما في قوله تعالى( لَئِنْ أَشْرَكْتَ
لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ
) (٢) .

ويحتمل كون النسيان بمعنى الترك(٣) ، وابن بابويه أيضاً لابدّ من تأويله
للآية كما يأتي إن شاء الله.

__________________

(١) سورة الأنعام: ٢٧ و ٣٠.

(٢) سورة الزمر: ٦٥.

(٣) وهو إحتمال بعيد لا يوافق سياق الآية ومعناها.



الفصل الثالث

في ذكر جملة ممّا يدلّ على نفي السهو والشك
والنسيان عن النبي والائمة عليهم السلام

وبطريق العموم والإطلاق الشامل للعبادة وغيرها، من الآيات القرآنيّة،
وحجّيتها على العصمة وغيرها معلومة. وذلك ممكن من آيات كثيرة، بعضها
دالّ مع ضميمة مقدّمة اُخرى ثابتة، أو رواية اُخرى معتمدة، ولنقتصر من ذلك
على اثني عشر آية:

الاُولى: قوله تعالى:

( إِنَّ اللهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ) (١) .

قال رئيس المفسّرين أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي قدّس سرّه في
كتاب مجمع البيان:

الاصطفاء والاجتباء والاختيار نظائر، وهو افتعال من الصفوة، وهذا من

__________________

(١) سورة آل عمران: ٣٣.


أحسن(١) البيان الّذي يمثّل به المعلوم بالمولى(٢) ، وذلك أنّ الصافي هو الخالص(٣)
من شوائب الكدر فيما يشاهد، فمثّل الله خلوص هؤلاء القوم من الفساد ظاهراً
وباطناً بخلوص الصافي من شوائب الأدناس - إلى أن قال - وآل عمران؛ قيل:
هم آل إبراهيم وفي قراءة أهل البيت عليهم السلام وآل محمد. وقالوا أيضاً: آل
إبراهيم: آل محمد، ويجب ان يكونوا معظّمين، معصومين، منزّهين عن القبائح
والنقص، لأنّ الله لا يختار الأمر يكون كذلك(٤) ، ويكون ظاهره مثل باطنه في
الطهارة والعصمة.

وفي الآية دلالة على تفضيل الأنبياء على الملائكة، لأنّ العالمين يعمّ
الملائكة وغيرهم من المخلوقات، والله سميع لما تقوله الذرّيّة، عليم بما
يضمرونه، فلذلك فضّلهم على غيرهم لما في معلومه من استقامتهم في أفعالهم
وأقوالهم.(٥) « انتهى ».

أقول: والاستدلال بالآية من وجوه.

أحدها: دلالتها على العصمة التي يلزمها وجوب اتّباعهم في أقوالهم
وأفعالهم.

وثانيها: استلزامها لاستحالة الخطأ عليهم مطلقاً.

وثالثها: دلالتها على طهارة ظاهرهم وباطنهم، كما ذكر، وصفائهم

__________________

(١) في د: من حسن.

(٢) في د: بالمرئي.

(٣) كذا في النسخ، وفي المصدر: النقي.

(٤) كذا في النسخ: وفي المصدر: ولا يصطفي إلاّ من كان كذلك.

(٥) مجمع البيان ٣: ٤٣٣.


عن [جميع ](١) شوائب الكدر، فلا يتطرّق إليهم سهو ولا نسيان، لعدم سببه
وموجبه.

ورابعها: أنّ الاستقامة في الأقوال والأفعال الذي يستفاد من الآية ينافيه
تجويز السهو، لأنّه يستلزم عدم استقامة الأفعال والأقوال، إذ صلّى الصلاة
ركعتين على قولهم، وسلّم وتكلّم وترك ركعتين واجبتين، وأين هذا
من الاستقامة؟

الثانية: قوله تعالى:

( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ) (٢) .

دلّت على وجوب متابعته عليه السلام في أفعاله وأوامره وأقواله، فلو
جاز عليه السهو لوجبت متابعته فيه، وهو باطل قطعاً وأقلّه أنّه يلزم جواز
المتابعة، وبطلانه أيضاً واضح على أنّه لو جاز السهو لاحتمل كلّ من أفعاله وأقواله
ذلك، فلا يكون حجّة أصلاً، وهو ظاهر الفساد اتّفاقاً وخلاف مدلول
الآية قطعاً ومناف لوجوب العصمة في النبي والإمام.

الثالثة: قوله تعالى:

( لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ
وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا
) (٣) .

استدلّ بعض علمائنا بها على وجوب الاقتداء بالنبيّ صلّى الله عليه وآله،

__________________

(١) ليس في ج.

(٢) سورة آل عمران: ٣١.

(٣) سورة الأحزاب: ٢١.


ومطلبنا حاصل وإن لم تثبت تلك المقدّمات لصراحتها في حسن الاقتداء به
وترجيحه، ولو احتمل فعله السهو لما جاز الاقتداء به عموماً، بل مطلقاً ولا
كان فعله حجّة على الجواز، ولا تركه حجّة على نفي الوجوب مع انّ فعله كلّه
نوع من التبليغ، فانّ عبادته لا يتميّز منها ما هو تبلغ عن غيره، بل ينبغي الجزم
بأنّ جميعها تبليغ، وإلاّ لما علم دوام التكليف.

الرابعة: قوله تعالى:

( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (١) .

وهي دالّة على عصمتهم بالوجوه المقرّرة في الاُصول والتفاسير
والروايات الكثيرة من العامّة والخاصّة باختصاصها بأهلها(٢) ، وهي شاملة
للتطهير من كلّ عيب ونقص وكذب وخطأ وغلط، ومنافية لحديث ذي
الشمالين كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

الخامسة: قوله تعالى:

( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَىٰ *إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ ) (٣) .

__________________

(١) سورة الأحزاب: ٣٢.

(٢) من الكتب التي ذكرت اختصاص الآية بأهل البيت عليهم السلام راجع على سبيل المثال: مسند
أحمد ٣: ٢٥٩ و٣: ٢٨٥، تفسير الطبري ٢٢: ٦، اسد الغابة ٥: ٥٢١ وج ٥: ١٧٦، الدر المنثور ٥:
١٩٩، كنز العمّال ٥: ٩٦، مشكل الآثار ١: ٣٣٢، مستدرك الحاكم ٣: ١٧٢، كفاية الطالب: ٩٣،
مقاتل الطالبيين: ٥١، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٤: ١١، مجمع الزوائد ٩: ١٤٦، الجامع
الصحيح ٥: ٣٦٠، تفسير ابن كثير ٣: ٤٨٣، سنن البيهقي ٢: ١٥٢، المناقب لابن المغازلي: ٣٠١،
أسباب النزول: ٢٣٩، ذخائر العقبى: ٢١، شواهد التنزيل ٢: ١٠ - ٩٢، فضائل الخمسة ١: ٢٢٤،
الصواعق المحرقة: ١٤٣، تهذيب التهذيب ٢: ٢٩٧، تاريخ بغداد ١٠: ٢٧٨، الرياض النضرة ٢:
١٨٨، الاستيعاب ٢: ٥٩٨، مسند أبي داود ٨: ٢٧٤، رشفة الصادي: ١٢.

(٣) سورة النجم: ٣ و ٤.


دلّت على إنّ الرسول صلّى الله عليه وآله لا ينطق إلاّ عن وحي،
فيستحيل أن يسلّم في الصلاة في غير محلّه، ثمّ يتكلّم قبل تمام صلاته، ثمّ
يكذّب ذا الشمالين وهو صادق على قولكم، ثمّ يعترف بخطأه، وكلّ ذلك
ينافي مدلول الآية.

السادسة: قوله تعالى:

( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (١) .

دلّت على وجوب التسليم والانقياد لأقواله وأفعاله وجه العموم
والإطلاق، فلو جاز السهو لاحتمل كلّ فعل وقول ذلك، ومنافاته لمدلول الآية
واضح، ومنافاة حديث ذي الشمالين له أوضح.

السابعة: قوله تعالى:

( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) (٢) .

روى الطبرسي وغيره من طرق العامّة والخاصّة أنّها نزلت في
أمير المؤمنين عليه السلام، وأنّه قال: « ما سمعت شيئاً من رسول الله صلّى الله
عليه وآله فنسيته »(٣) .

وهذا عام مطلق في التبليغ وغيره، فيستحيل النسيان على النبي صلّى
الله عليه وآله بطريق الأولويّة مع الوجوه السابقة والآتية.

الثامنة: قوله تعالى:

__________________

(١) سورة الحشر: ٧.

(٢) سورة الحاقة: ١٢.

(٣) مجمع البيان ٢٩: ٣٤٥، عنه بحار الأنوار ٧: ٨٢ - ٨٥.


( سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَىٰ ) (١) .

وهي عامّة، فإنّ المفعول لا يتعيّن تقديره بالقراءة، ولا قائل بالفرق بين
ما قبل نزول الآية وقبل القراءة وما بعدها، فالفارق خارق للاجماع.

التاسعة: قوله تعالى:

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (٢) .

روي في عدّة أحاديث إنّ المراد التسليم له صلّى الله عليه وآله والانقياد
لأقواله وأفعاله ودلالته، ذلك على المراد ظاهرة ممّا مرّ وأدلّة التسليم من
القرآن الحديث كثيرة ولو جاز السهو لنا في وجوب التسليم.

العاشرة: قوله تعالى:

( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ
هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ
*الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ ) (٣) الآية.

ودلالتها ظاهرة ممّا مرّ.

الحادية عشرة: قوله تعالى:

( فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ
تَهْتَدُونَ
) (٤) .

ودلالتها أوضح ممّا تقدّم.

__________________

(١) سورة الأعلى: ٦.

(٢) سورة الأحزاب: ٥٦.

(٣) سورة الأعراف: ١٥٦ و ١٥٧.

(٤) سورة الأعراف: ١٥٨.


الثانية عشرة: قوله تعالى:

( فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ *الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ ) (١) .

ولو كان الرسول صلّى الله عليه وآله سهى في صلاته لدخل في هذا
التهديد والذمّ، وهو محال.

وأمّا مثل قوله تعالى:( وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ
عَزْمًا
) (٢) ، فقد نقل الطبرسي رحمه الله، عن ابن عبّاس، إنّ معناه: فترك(٣) .

وروى الكليني رحمه الله هذا المعنى في حديث طويل عن أبي عبد الله
عليه السلام قال: « إنّما هو: فترك »، وذلك في باب فيه نكت ونتف من التنزيل
في الولاية(٤) ، وفي غيره من المواضع أيضاً(٥) .

فتأويلهم عليهم السلام للنسيان هنا بالترك، مع أنّه لا تعلّق له بالتبليغ دالّ
على ما قلناه، ومناف لجواز النسيان على المعصوم، مضافاً إلى ما مضى ويأتي
مع عدم ما يدلّ على الاثبات صريحاً.

ومثلها قوله تعالى حكاية عن موسى:( لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ ) (٦) .

وقوله تعالى حكاية عن فتاة:( فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلاَّ

__________________

(١) سورة الماعون: ٤ و ٥.

(٢) سورة طه: ١١٥.

(٣) مجمع البيان ١٦: ٣٢.

(٤) الكافي ١: ٤١٦ - ٤٣٦.

(٥) الكافي ٢: ٨ ح ١.

(٦) سورة الكهف: ٧٣.


الشَّيْطَانُ ) (١) .

فقد روى المفسّرون المحدّثون إنّ المراد في الآيتين بالنسيان: الترك(٢) ،
وهو دالّ على ما قلناه، ولا شكّ أنّه أحد معانيه اللغوية، فيجب الحمل عليه هنا
لما مضى، ويأتي.

والعجب ممّن يتأوّل جميع الآيات والروايات المنافية بظاهرها للعصمة،
ثمّ يتوقّف في مثل هذا مع وضوحه وظهورها وقرب تأويله جداً، والآية
الأخيرة لابدّ من تأويلها على قول ابن بابويه أيضاً؛ أمّا بأن يقول: فتاه غير
معصوم، وأمّا بأن يقول: المراد ما ألزمني بتركه عمداً اشتغالي بمجاهدة
الشيطان، وأنّما كان التأويل لازماً لابن بابويه أيضاً، لأنّه لا يجوزعليهم السهو
والنسيان الحاصلين من الشيطان، بل يقول: إنّ سهوهم من الله كما مرّ.

__________________

(١) سورة الكهف: ٦٣.

(٢) انظر: مفاتيح الغيب ٤: ٩٢، أنوار التنزيل ٢: ٥٩٨.


الفصل الرابع

في ذكر ما يدلّ على نفي السهو والشكّ والنسيان عن أهل العصمة عليهم السلام من الأحاديث المعتبرة المنقولة من الكتب المعتمدة

وذلك أيضاً كثير جدّاً، ولا يحضرني جميع تلك الأحاديث، فأنا أذكر
تيسّر منها والله الموفق.

الحديث الأوّل:

ما رواه الشيخ الجليل رئيس المحدّثين محمد بن علي بابويه في آخر
كتاب من لا يحضره الفقيه، الذي لم يورد فيه إلاّ ما يفتي به، ويحكم بصحّته،
ويعتقد أنّه حجّة بينه وبين ربّه، وكلّ ما فيه مستخرج من اُصول معتمدة، عليها
المعوّل، وإليها المرجع.

فروى فيه عن محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، عن أحمد بن
محمد بن سعيد بن عقدة الكوفي، قال: حدّثنا علي بن الحسن بن فضال، عن
أبيه، عن أبي الحسن علي بن موسى الرضاعليه السلام: للإمام علامات،


يكون أعلم الناس، وأحكم الناس، وأتقى الناس، وأحلم الناس، [ وأشجع
الناس، وأسخى الناس، ](١) وأعبد الناس، [ ويولد مختوناً، ](٢) ويكون مطهّراً،
ويرى من خلفه كما يرى من بين يديه، [ ولا يكون له ظلّ، وإذا وقع
على الأرض من بطن اُمّه وقع على راحتيه، رافعاً صوته بالشهادتين، ](٣) ولا
يحتلم، وتنام عينيه ولا ينام قلبه، ويكون محدّثاً، [ ويستوي عليه درع رسول
الله صلّى الله عليه وآله، ](٤) ولا يرى له بول ولا غائط، لأنّ الله عزّ وجلّ وكّل
الأرض بابتلاع ما يخرج(٥) منه.(٦) « الحديث ».

ووجه دلالته على المقصود هنا ظاهر، وحال النبي صلّى الله عليه وآله
يجب أن يكون أعظم من الإمام عليه السلام.

ورواه أيضاً في كتاب عيون الأخبار(٧) في باب ما جاء عن الرضا عليه
السلام من علامات الإمام، والطريق واحد.

الثاني:

ما رواه الشيخ الأجل ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني في كتاب
العقل والجهل.

عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد عن علي بن حديد، عن

__________________

(١ - ٤) من المصدر.

(٥) كذا في « ب، ج »، وفي المصدر: يجري.

(٦) من لا يحضره الفقيه ٤: ٤١٨ مفصلاً.

ورواه في معاني الأخبار: ١٠٢ ح ٤، الخصال: ٥٢٧ ح ١، وأخرجه الطبرسي في الاحتجاج:
٤٣٦، عنها بحار الأنوار ٢٥: ١١٦ ح ١.

(٧) عيون أخبار الرضا عليه السلام ١: ٢١٢ ح ١ عنه بحار الأنوار ٢٥: ١١٦ ح ١.


سماعة بن مهران قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام وعنده جماعة من
مواليه، [ فجرى ذكر العقل والجهل ](١) فقال: اعرفوا العقل وجنوده، والجهل
وجنوده تهتدوا.

قال سماعة: فقلت: جعلت فداك، لا نعرف إلاّ ما علّمتنا(٢) .

فقال أبو عبد الله عليه السلام: إنّ الله خلق العقل - إلى ان قال: - ثمّ جعل
للعقل خمسة وسبعين جنداً ...

[ فقال الجهل: يا ربّ، هذا خلق مثلي فأعطني من الجند مثل ما أعطيته،
فقال: نعم، فأعطاه خمسة وسبعين جنداً، ](٣) فكان ممّا أعطى الله العقل من
الخمسة والسبعين الجند(٤) الخير، وجعل ضدّه الشر - إلى أن قال: - والعلم
وضدّه الجهل، والتسليم وضدّه الشكّ، والتذكّر وضدّه السهو، والحفظ وضدّه
النسيان، - وذكر باقي جنود العقل والجهل ثم قال: - فلا تتم(٥) هذه الخصال
كلّها من اجناد العقل إلاّ في نبي أو وصي نبي أو مؤمن قد امتحن الله قلبه
للايمان، وأمّا سائر ذلك من موالينا فإنّ أحدهم لا يخلو من أن يكون فيه بعض
هذه الجنود حتى يستكمل، وينقّى من جنود الجهل، فعند ذلك يكون في
الدرجة العليا مع الأنبياء والأوصياء.(٦) الحديث.

__________________

(١) من المصدر.

(٢) في الكافي: عرّفتنا.

(٣) من المصدر.

(٤) المذكور في الرواية ثمانية وسبعون جنداً، ولكنه تكرر ذكر بعض الجنود.

(٥) كذا في النسخ، وفي المصدر: تجتمع.

(٦) الكافي ١: ٢٠ ح ١٤، مفصلاً.

وأخرجه الشيخ الصدوق في الخصال: ٥٥٨ ح ١٣.


أقول: كما ترى صريح في أنّ الأنبياء والأوصياء جامعون لجميع
جنود العقل التي من جملتها العلم والتسليم والتذكّر والحفظ، وخالون
خالصون منزّهون عن جميع جنود الجهل التي من جملتها الجهل والشكّ
والسهو والنسيان، وهو واضح الدلالة على ما قلنا.

الثالث:

ما رواه الكليني أيضاً في باب اختلاف الحديث.

عن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن
إبراهيم بن عمر اليماني، عن أبان بن أبي عبّاس، عن سليم بن قيس
الهلالي، عن أمير المؤمنين عليه السلام - في حديث طويل يذكر في
آخره حاله مع رسول الله صلّى الله عليه وآله، وانّه علّمه جميع علومه -
قال: ودعا الله أن يعطيني علمها فهمها وحفظها، فما نسيت آية من كتاب
الله، ولا علماً أملأه [ عليّ ](١) وكتبته، منذ دعا الله لي بما دعا، وما ترك
شيئاً علّمه الله من حلال ولا حرام، ولا أمر ولا نهي، كان أو يكون، ولا
كتاب منزل على أحد قبله من طاعة أو معصية إلاّ علّمنيه وحفظته، فلم أنس
حرفاً واحداً، ثمّ وضع يده على صدري ودعا الله أن يملأ قلبي علماً وفهماً
وحكماً ونوراً.

فقلت: بأبي أنت واُمّي يا نبي الله، منذ دعوت الله لي بما دعوت
لم أنس شيئاً ولم يفتني شيء لم أكتبه، أفتتخوّف عليّ النسيان
فيما بعد؟

__________________

(١) من « د » والمصدر.


فقال: لا، لست أتخوّف عليك النسيان والجهل(١) .

أقول: معلوم إنّ حال النبي صلّى الله عليه وآله اعظم من حال الإمام عليه
السلام، وظاهر أنّ كثيراً من الأشياء المذكورة ليست من قسم التبليغ، وأنّه
يستحيل نسيانه لشيء منها فيبطل الفرق.

وعلم أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله يستحيل أن ينسى عدد صلاته ويحكم
بأنّ الثنتين أربع، مع علمه بأكثر ما كان، وما يكون أن لم يكن كلّه، وآخر
الحديث مطلق عام في التبليغ وغيره.

الرابع:

ما رواه الشيخ رئيس الطائفة في التهذيب بإسناده عن عبد الله بن بكير،
عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: هل سجد رسول الله صلّى الله عليه
وآله سجدتي السهو قط؟

قال: لا، ولا يسجدها فقيه(٢) .

قال الشيخ رحمه الله: الّذي أفتي به ما تضمّنه هذا الحديث.

وأمّا الأخبار الّتي قدّمناها من أنّ النبي صلّى الله عليه وآله سهى فسجد
فأنّها موافقة للعامّة.(٣) انتهى.

وهو دالّ على محلّ النزاع بخصوصه صريح في معارضة حديث
ذي الشمالين وردّه غير محتمل للتقيّة مع احتمال حديث ذي الشمالين أن

__________________

(١) الكافي ١: ٦٢ ذيل ح ١، مفصلاً.

(٢) التهذيب ٢: ٣٥١، عنه بحار الأنوار ١٧: ١٠٢ ح ٨.

(٣) التهذيب ٢: ٣٥١.


يكون ورد عن الصادق عليه السلام على طريق التقية في الرواية، كما يأتي
تحقيقه ان شاء الله تعالى.

الخامس:

الحديث المشهور المستفيض بين العامّة والخاصّة عن رسول الله صلّى
الله عليه وآله قال: صلّوا كما رأيتموني اُصلّي(١) .

وجه الدلالة فيه: أنّه أمر بالاقتداء به في صلاته، ومتابعته فيها غير مقيّد
بصلاة خاصّة، فلو كان احتمال السهو والغلط والخطأ والنسيان جائزاً عليه، لما
جاز الإقتداء به في شيء منها، ولجاز على كلّ صلاة منها أن تكون سهواً إلاّ
صلاة واحدة، وهي التي يقصد التبليغ مع اشتباهها، واحتمال كلّ واحدة من
الصلاة لها، ويلزم على تقدير تجويز السهو عدم إمكان العلم بنسخها أو امتناع
نسخها مع أنّ النسخ جائز اتّفاقاً بخلاف السهو على انّه لم يعيّن صلاة واحدة
للتبليغ.

السادس:

الحديث المشهور أيضاً بين الخاصّة والعامّة من قول عليه السلام: خذوا
عنّي مناسككم(٢) .

وجه دلالته كما تقدّم.

واعلم أنّي لم أجد هذين الخبرين في كتب حديث الإمامية وانّما
وجدتهما في كتب الاستدلال ويمكن كون أصلهما من روايات العامّة لكن

__________________

(١) تقدّمت تخريجاته في ص: ٦٣.

(٢) تقدّمت تخريجاته في ص: ٦٣.


مضمونهما يوجد في عموم الروايات السابقة والآتية.

السابع:

ما رواه الكليني في أوّل كتاب الحجّة.

عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن إبراهيم، عن يونس بن
يعقوب، عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث أنّه قال لهشام بن الحكم: ألا
تخبرني كيف صنعت بعمر بن عبيد وكيف سألته؟

فذكر حديثه معه - يقول في آخره هشام: - فقلت له: أنّ الله لم يترك
جوارحك حتى جعل لها إماماً تتيقّن به ما شككت فيه(١) ، ويترك هذا الخلق
كلّهم في حيرتهم وشكّهم واختلافهم، لا يقيم لهم إماماً يردّون إليه شكّهم
وحيرتهم؟

قال: فسكت ولم يقل لي شيئاً.

قال: فضحك أبو عبد الله عليه السلام وقال: من علّمك هذا؟

قال هشام: هذا شيء أخذته منك وألفته.

قال: هذا والله مكتوب في صحف إبراهيم وموسى(٢) .

أقول: هذا دالّ على انّ علّة الاحتياج إلى النبيّ والإمام عليهما السلام هو
إزالة الشكّ، فلو جاز الشكّ عليهما لاحتاجا إلى الرعيّة كما احتاج الرسول
صلّى الله عليه وآله ذي الشمالين على قولكم، فتنتفي الفائدة المذكورة.

__________________

(١) كذا في النسخ، وفي المصدر: يتيقّن به ما شكّ فيه.

(٢) الكافي ١: ١٦٩ ح ٣، مفصّلاً.


الثامن:

ما رواه أيضاً في باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته.

عن أبي محمد القاسم بن العلاء، رفعه عن عبد العزيز بن مسلم، عن
الرضا عليه السلام - في حديث طويل يقول فيه: - الإمام عالم لا يجهل، راع لا
ينكل - إلى أن قال: -

الإمام واحد دهره، لا يدانيه عالم(١) ، ولا يوجد منه بدل، [ ولا له مثل ](٢)
ولا نظير.

أنّ الأنبياء والائمّة صلوات الله عليهم يوفّقهم الله ويؤتيهم من مخزون
علمه وحكمه ما لا يؤتيه غيرهم، فيكون علمهم فوق أهل زمانهم(٣) . - ثم
قال: -

أنّ العبد إذا اختاره الله عزّ وجلّ لاُمور عباده شرح صدره لذلك، وأودع
قلبه ينابيع الحكمة، وألهمه العلم إلهاماً، فلم يع بعده بجواب، ولا يحيّر فيه
عن الصواب، فهو معصوم مؤيّد، موفّق مسدد، قد أمن من الخطأ والزلل والعثار(٤) ،
يخصّه الله بذلك ليكون حجّة(٥) على عباده.(٦) الحديث.

__________________

(١) كذا في النسخ، وفي المصدر: لا يدانيه أحد، ولا يعادله عالم.

(٢) من المصدر.

(٣) هكذا في الأصل: وفي الكافي: الزمان.

(٤) في « ب، ج »: العناد.

(٥) كذا في النسخ، وفي المصدر: حجّته.

(٦) الكافي ١: ١٩٨ - ٢٠٣ ح ١، مفصلاً.

ورواه في عيبة النعماني: ٢١٦ - ٢٢٤ ح ٦ بإسناده عن محمد بن يعقوب.

وأورده في تحف العقول: ٤٣٨ عن عبد العزيز بن مسلم.


أقول: هذا الموصوف بهذه الصفات وغيرها ممّا هو أعظم منها، تضمّنها
الحديث المذكور وغيره، كيف يتصوّر أن يجهل فعل نفسه في الحال؟ وكيف
يحتاج إلى علم غيره؟ وكيف يعني بالجواب، ويتحيّر عن الصواب، ويقع في
الخطأ والزلل والعثار(١) ، كما تضمّنه حديث ذي الشمالين على قول من حمله
على ظاهره؟

التاسع:

ما رواه الصدوق في كتاب العلل في باب العلّة التي من أجلها صارت
الإمامة في ولد الحسين دون الحسن عليهم السلام.

عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن
الحسين بن سعيد، عن حمّادبن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن
الفضيل(٢) ، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله
[ لأمير المؤمنين عليه السلام ](٣) : اُكتب ما أملي عليك(٤) .

قال عليه السلام: يا نبيّ الله، أو تخاف عليّ النسيان؟

فقال صلّى الله عليه وآله: لست أخاف عليك النسيان، وقد دعوت الله

__________________

ورواه الصدوق في كمال الدين: ١٧٥ ح ٣١، ومعاني الأخبار: ٩٨ ح ٢، والأمالي: ٥٣٦ ح ١، وعيون أخبار الرضا عليه السلام ١: ٢١٦ ح ١.

وأورده في الاحتجاج: ٤٣٣ عن القاسم بن مسلم.

وأخرجه في بحار الأنوار ٢٥: ١٢٠ - ١٢٩ ح ٤ عن جميع المصادر أعلاه.

(١) في « ب، ج »: العناد.

(٢) كذا في النسخ، وفي المصدر: أبي الطفيل.

(٣) من المصدر.

(٤) في هامش ج: يعني أمير المؤمنينعليه‌السلام .


لك أن يحفظك ولا ينسيك، ولكن اُكتب لشركائك.

قال: قلت: ومن كان شركائي [ يا نبيّ الله ](١) ؟ قال: الائمة من ولدك.(٢)
الحديث.

أقول: معلوم من تتبّع الأحاديث إنّ تلك العلوم التي كتبها ليست كلّها ممّا
يتعلّق بالتبليغ على ان النسيان في الموضعين مطلق غير مقيّد بشيء فكيف لا
يخاف على الوحي النسيان، ويقع ذلك من النبيّ صلّى الله عليه وآله
فينسى نصف صلاته ويحتاج إلى رعيّته ليذكّروه ما نسي، ويدلّوه على خطأه،
ويعرفوه جهله وتركه للواجب وفعله للحرام - أعني التسليم والكلام -، ويردّوه
عن الشكّ والسهو؟

العاشر:

ما رواه الكليني رحمه الله في باب إنّ الائمّة ورثوا علم النبيّ وجميع
الأنبياء والأوصياء.

عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن إبراهيم، عن يونس، عن
هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: إنّ الله لا يجعل
حجّة(٣) في أرضه يسأل عن شيء فيقول: لا أدري(٤) .

أقول: فكيف يسأل عن صلاته التي صلاّها في تلك الساعة فيقول: لا

__________________

(١) من المصدر.

(٢) علل الشرائع: ٢٠٨ ح ١.

(٣) كذا في النسخ، وفي المصدر: حجّته.

(٤) الكافي ١: ٢٢٧ ح ١ مفصلاً، عنه بحار الأنوار ٤٨: ١١٤ ح ٢٥، والعوالم ٢: ٣٠٦ ح ١.

وأخرجه الشيخ الصدوق في التوحيد: ٢٧٣ ح ١.


أدري، ثمّ يحتاج إلى سؤال الناس وعلمهم، إنّ هذا لعجيب!

الحادي عشر:

ما رواه أيضا في باب الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة
عليها السلام.

عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن صالح بن سعيد، عن
أحمد بن أبي بشر، عن بكر بن كرب الصيرفي، قال: أبا عبد الله عليه
السلام يقول: إنّ عندنا ما لانحتاج معه إلى الناس، وإن الناس ليحتاجون إلينا.
الحديث - إلى ان قال: - وإنّكم لتأتونا بالأمر فنعرف إذا أخذتم به، ونعرف إذا
تركتموه(١) .

الثاني عشر:

ما رواه في باب شأن من أنزلناه في ليلة القدر وتفسيرها.

عن محمد بن أبي عبد الله؛ ومحمد بن الحسن، عن سهل بن زياد؛
ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد جميعاً، عن الحسن بن العبّاس
الجريشي، عن أبي جعفر الثاني في حديث طويل قال: ولعمري ما في الأرض
ولا في السماء من ولي الله إلاّ هو مؤيّد ومن اُيّد لم يُخطِ(٢) .

الثالث عشر:

ما رواه الكليني أيضاً في باب نادر وفيه ذكر الغيب.

__________________

(١) الكافي ١: ٢٤١ ح ٦.

(٢) الكافي ١: ٢٤٢ ح ١.


عن محمد بن يحيى، عن عبد الله بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن
محبوب، عن علي بن رئاب، عن سدير الصيرفي، عن أبي جعفر عليه السلام
انّه قيل له:( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا - فقال: -إِلاَّ مَنِ ارْتَضَىٰ مِن
رَّسُولٍ
) (١) وكان والله محمد ممّن ارتضاه.(٢) الحديث.

أقول: هذا دالّ بطريق الأولويّة كأمثاله، وقد تقدّم تقرير مثله.

الرابع عشر:

ما رواه أيضاً فيه عنه، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن الحسن بن
علي، عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقة، عن عمّار الساباطي قال:
سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الإمام يعلم الغيب؟

قال: لا، ولكن إذا أراد أن يعلم الشيء أعلمه الله ذلك(٣) .

أقول: فإذا كان يقدر على أن يعلم ما يشاء من الغيب بتعليم الله أيّاه،
فكيف يجوز أن يجهل فعل نفسه الّذي فعله تلك الساعة وليس من علم
الغيب؟!

الخامس عشر:

ما رواه أيضاً في باب انّ الائمّة عليهم السلام إذا شاؤا أن يعلموا.

عن علي بن محمد وغيره، عن سهل بن زياد، عن أيّوب بن نوح،
عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن بدر بن الوليد، عن أبي

__________________

(١) سورة الجن: ٢٧.

(٢) الكافي ١: ٢٥٦ ح ٢ مفصلاً، عنه بحار الأنوار ٦٧: ٢٨١.

(٣) الكافي ١: ٢٥٧ ح ٤.


الربيع الشامي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إنّ الإمام إذا شاء أن
يعلم علم(١) .

السادس عشر:

ما رواه أيضاً فيه عن أبي علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن
صفوان، عن ابن مسكان، عن بدر بن الوليد، عن أبي الربيع، عن أبي عبد الله
عليه السلام قال: إنّ الإمام إذا شاء أن يعلم اُعلم(٢) .(٣)

السابع عشر:

ما رواه فيه عن محمد بن يحيى، عن عمران بن موسى، عن موسى بن
جعفر، عن عمرو بن سعيد المدائني، عن أبي عبيدة المدائني، عن أبي عبد الله
عليه السلام قال: إن الإمام إذا أراد أن يعلم شيئاً أعلمه الله ذلك(٤) .

أقول: فيستحيل جهل الرسول صلّى الله عليه وآله لصلاته واحتياجه
إلى ذي الشمالين.

الثامن عشر:

ما رواه أيضاً في باب أنّ الائمّة عليهم السلام يعلمون علم ما كان وما
يكون، وانّه لا يخفى عليهم شيء.

__________________

(١) الكافي ١: ٢٥٨ ح ١.

(٢) كذا في « ب، ج »، وفي المصدر: علم.

(٣) الكافي ١: ٢٥٨ ح ٢.

(٤) الكافي ١: ٢٥٨ ح ٣.


عن أحمد بن محمد - يعني العاصمي(١) - ومحمد بن يحيى عن محمد بن
الحسين، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر، عن عبد الله بن حمّاد، عن سيف
التمّار، عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث انّه قال: وربُّ الكعبة، [ وربُّ
البيت ](٢) - ثلاثاً - لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أنّي أعلم منهما،
ولأنباتهما بما ليس في أيديهما، لأنّهما اُعطيا علم ما كان، ولم يعطيا علم ما
يكون، وما هو كائن حتى تقوم الساعة، وقد ورثناه من رسول الله صلّى الله
عليه وآله وراثة(٣) .

التاسع عشر:

ما رواه أيضاً فيه عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن
محمد بن سنان، عن يونس بن يعقوب، عن الحارث بن المغيرة؛ وعبد الأعلى
وأبي عبيدة وعبد الله بن بشر الخثعمي كلّهم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
والله انّي لأعلم ما في السماوات، وما في الأرض، وما في الجنة، وما في النار،
وأعلم ما كان وما يكون، ثمّ قال: علمت ذلك من كتاب الله عزّ وجلّ، إنّ الله
يقول:« فيه تبيان كل شيء » (٤) .(٥)

__________________

(١) كذا في النسخ، ولم تذكره المصادر، ولعلّها من المصنّف رحمه الله.

(٢) من المصدر، وفي البحار: « البنيّة » بدل « البيت ».

(٣) الكافي ١: ٢٦١ ح ١ مفصلاً، عنه البحار ١٣: ٣٠٠ ح ٢٠.

وأخرجه في بصائر الدرجات: ١٢٩ ح ١، عنه البحار ١٧: ١٤٤ ح ٣٢ وج ٢٦ / ١١١ ح ٩، وفيه
بيان نافع.

(٤) لعلّه نقل بالمعنى، فأنّ الآية تقول:( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ) ، وهي في سورة
النحل: ٨٩.

(٥) الكافي ١: ٢٦١ ح ٢ مفصلاً.


العشرون:

ما رواه فيه عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن عمر بن
عبد العزيز، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة قال: سمعت أبا جعفر عليه
السلام يقول: لا والله لا يكون عالم(١) جاهلاً أبداً، عالماً بشيء جاهلاً بشيء،
ثمّ قال: الله أجلّ وأعزّ وأكرم من أن يفرض طاعة عبد يحجب عنه علم سمائه
وأرضه(٢) ثم قال: لا يحجب ذلك عنه(٣) .

الحادي والعشرون:

ما رواه الكليني أيضاً في باب التفويض إلى رسول الله والائمّة عليهم
السلام في اُمر الدين.

عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن اُذينة، عن
فضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ان الله عزّوجلّ أدّب
نبيّه فأحسن أدبه، فلمّا أكمل له الأدب قال( إِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (٤) ، ثّم
فوّض إليه أمر الدين والاُمّة ليسوس عباده، فقال:( مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ
وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا
) (٥) .

وإنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله كان مسدّداً موفّقاً مؤيّداً بروح

__________________

(١) يعني العالم المفترض الطاعة، وهو المعصوم عليه السلام.

(٢) المراد بعلم السماء علم حقيقة السماء وما فيها من الكواكب وحركاتها وأوضاعها ومن فيها من
الملائكة وأحوالهم وأطوارهم، أو المراد به العلم الذي يأتي من جهة السماء وكذا علم الأرض
يحتمل الوجهين، ويمكن التعميم فيهما معاً.

(٣) الكافي ١: ٢٦٢ ح ٦، بصائر الدرجات: ١٢٤ ح ٢، عنه البحار ٢٦: ١٠٩ ح ٢.

(٤) سورة القلم: ٤.

(٥) سورة الحشر: ٥٩.


القدس، لا يزل ولا يخطىء في شي ممّا يسوس به الخلق، فتأدّب بآداب
الله عزّ وجلّ(١) . الحديث.

أقول: لا ريب إنّ عبادته عليه السلام من جملة السياسة للخلق، وأنّ
فعله حجّة كما أنّ قوله حجّة، وإنّا مأمورون بالإقتداء به مطلقاً كما مضى ويأتي
إن شاء الله.

الثاني والعشرون:

ما رواه أيضاً في باب مواليد الائمّة عليهم السلام.

عن علي بن محمد، عن بعض أصحابنا، عن ابن أبي عمير، عن حريز،
عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: للإمام عشرة علامات: يولد
مطهّراً مختوناً - إلى أن قال: - ولا يجنب، وتنام عينيه ولا ينام قلبه، ولا
يتثأب، ولا يمتطّى، ويرى من خلفه كما يرى من أمامه، وهو محدّث
حتى تنقضي أيّامه(٢) .

أقول: وجه دلالته ظاهرة، بل هو دالّ على نفي السهو عنهم عليهم
السلام في حال النوم فضلاً عن حال اليقظة.

الثالث والعشرون:

ما رواه في باب التسليم وفضل المسلمين.

عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد البرقي، عن أحمد بن

__________________

(١) الكافي ١: ٢٦٦ ح ٤ مفصلاً.

(٢) الكافي ١: ٣٨٨ ح ٨٦ مفصلاً، عنه البحار ٢٥: ١٦٨ ح ٣٧.


محمد بن أبي نصر، عن حمّاد بن عثمان، عن عبد الله الكاهلي(١) قال: قال
أبو عبد الله عليه السلام: لو أنّ قوماً عبدوا الله وحده لا شريك له، وأقاموا
الصلاة، وآتوا الزكاة، وحجّوا البيت، وصاموا شهر رمضان، ثمّ قالوا لشيء
صنعه الله أو صنعه(٢) رسول الله صلّى الله عليه وآله: ألا صنع خلاف الّذي صنع؟
أو وجدوا ذلك في قلوبهم لكانوا بذلك مشركين، ثمّ تلا هذه الاية:( فَلا وَرَبِّكَ
لا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ
وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا
) (٣) ، ثمّ قال: عليكم بالتسليم(٤) .

أقول: هذا شامل للعبادة وغيرها، أو خاصّ بها، فلو احتمل السهو لما
ثبت شرك من قال: « ألا صنع خلاف الّذي صنع؟ » ومنافاته لحديث
ذي الشمالين.

الرابع والعشرون:

ما رواه أيضاً في الباب المذكور.

عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد [ بن عيسى ](٥) ، عن ابن
سنان، عن ابن مسكان، عن سدير قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: إنّي
تركت مواليك مختلفين يتبّرء بعضهم من بعض.

__________________

(١) كذا في النسخ، وفي المصدر: أبي عبد الله الكاهلي.

(٢) في « ب، ج »: وضعه.

(٣) سورة النساء: ٦٥.

(٤) الكافي ١: ٣٩٠ ح ٢.

(٥) من المصدر.


قال: وما أنت وذاك، إنّما أمر(١) الناس بثلاثة؛ معرفة الأئمّة، والتسليم
لهم فيما ورد عليهم، والردّ إليهم فيما اختلفوا فيه(٢) .

أقول: وأحاديث وجوب التسليم كثيرة جداً وهي شاملة للأقوال
والأفعال، ومنافية لاحتمال السهو، ويأتي تمام تحقيق المقام إن شاء الله.

الخامس والعشرون:

ما رواه الكليني في باب من شكّ في صلاته كلّها، ولم يدر زاد أو نقص.

عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن صفوان، عن العلاء،
عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا كثر عليك السهو
فامض في صلاتك، فانّه يوشك أن يدعك، إنّما هو من الشيطان(٣) .

ورواه رئيس المحدّثين أبو جعفر بن بابويه في كتاب من لا يحضره
الفقيه في باب أحكام السهو في الصلاة بإسناده عن محمد بن مسلم.

[ والقرائن دالّة على أنّه أخذه من كتابه كغيره على ما يظهر من أوّل
الكتاب وآخره، وإلاّ لما انتظمت روايات كلّ راوٍ في سند واحد، وصورة
ايراده هكذا:

وروى محمد بن مسلم، ](٤) عن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا كثر

__________________

(١) من الأصل، وفي الكافي: كلّف.

(٢) الكافي ١: ٣٩٠ ح ١.

(٣) الكافي ٣: ٣٥٩ ح ٨.

(٤) ليس في ب.


عليك السهو فدعه، فانّه يوشك أن يدعك، إنّما هو من الشيطان(١) .

أقول: هذا صريح في حصر السهو مطلقاً في كونه من الشيطان، ومثله
كثير، وهو الصحيح الذي يوافق الاعتبار والأخبار، وليس للشيطان سلطان
على المعصوم لنص القرآن والحديث واعتراف الخصم، ولا يتصوّر وقوع
السهو الحقيقي من الله أصلاً كما يأتي تحقيقه إن شاء الله.

السادس والعشرون:

ما رواه ابن بابويه أيضاً في الباب المذكور بإسناده عن عمر بن يزيد انّه
قال: شكوت إلى أبي عبد الله عليه السلام السهو في المغرب.

فقال: صلّها بقل هوالله أحد وقل يا أيّها الكافرون. ففعلت ذلك فذهب
عنّي(٢) .

أقول: وفي معناه أحاديث كثيرة، وإذا كانوا يعلمون ما يدفع السهو،
ويعلّمونه الناس، فكيف يجوز أن لا يعلموا بعلمهم في ذلك مع أنّه من
أعظم المهمّات؟ ولا يجوز عليهم التهاون والتغافل وعدم المبالاة بالعبادات
الواجبة.

السابع والعشرون:

ما رواه أيضاً فيه بإسناده عن إسماعيل بن مسلم، عن الصادق، عن
آبائه عليه السلام إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله أتاه رجل فقال: [ يا

__________________

(١) من لا يحضره الفقيه ١: ٣٣٨.

(٢) من لا يحضره الفقيه ١: ٣٣٨.


رسول الله، ](١) أشكو إليك ما ألقى من الوسوسة في صلاتي حتّى لا أعقل ما
صلّيت من زيادة أو نقصان.

فقال له: إذا دخلت في صلاتك فاطعن فخذك الأيسر باصبعك
اليمنى المسبحة، ثم قل: بسم الله وبالله، توكّلت على الله، أعوذ بالله السميع
العليم من الشيطان الرجيم، فإنّك تنحره وتطرده وتزجره عنك(٢) .

أقول: وفي معناه كثير، ودلالته كما تقدّم، بل أوضح.

وقد رواه الكليني في الباب المشار إليه سابقاً عن علي بن إبراهيم، عن
أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله(٣) .

الثامن والعشرون:

ما رواه الكليني في الباب المذكور عن علي بي إبراهيم، عن أبيه؛
ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز،
عن زرارة؛ وأبي بصير قالا: قلنا له: الرجل يشكّ كثيراً في صلاته
حتى لا يدري كم صلّى، وما بقى عليه؟

قال: يعيد.

قلنا له: فانّه يكثر عليه ذلك كلّما أعاد شكّ.

قال: يمضي في شكّه. - ثم قال: - لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم
بنقص الصلاة فتطمّعوه، فإنّ الشطان خبيث يعتاد لما عوّد، فليمض

__________________

(١) ليس في د.

(٢) من لا يحضره الفقيه ١: ٣٣٨.

(٣) الكافي ٣: ٣٥٨ ح ٤.


أحدكم ولا يكثرن نقص الصلاة، فإنّه إذا فعل ذلك مرّات لم يعد إليه
الشكّ.

وقال زرارة: إنّما يريد الخبيث أن يطاع، فإذا عصي لم يعد إلى أحدكم(١) .

أقول: هذا كالصريح في أنّ الشكّ إنّما هو من الشيطان، وقد مرّ تمام
الكلام، ويأتي له مزيد تحقيق إن شاء الله.

التاسع والعشرون:

ما رواه الكليني في باب من حافظ على صلاته أو ضيّعها.

عن جماعة، عن أحمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن
فضالة، عن حسين بن عثمان، عن سماعة، عن أبي بصير قال: سمعت أبا
جعفر عليه السلام يقول: كلّ سهو في الصلاة يطرح منها، غير أن الله يتمّ
بالنوافل.

إنّ أوّل ما يحاسب به العبد الصلاة، فإن قبلت، قُبل ما سواها، إنّ الصلاة
إذا ارتفعت في وقتها رجعت إلى صاحبها وهي بيضاء مشرقة تقول: حفظتني
حفظك الله، وإذا ارتفعت في غير وقتها بغير(٢) حدودها ارتفعت(٣) وهي سوداء
مظلمة تقول: ضيّعتني ضيّعك الله(٤) .

أقول: المراد انّ كلّ سهو ينقض الصلاة فلا تقبل كلّها وكذلك تأخيرها

__________________

(١) الكافي ٣: ٣٥٨ ح ٢.

(٢) في ب: يعني.

(٣) كذا في النسخ، وفي المصدر: رجعت إلى صاحبها.

(٤) الكافي ٣: ٢٦٨ ح ٤.


عن وقتها، ومعلوم انّه يستحيل كون صلاة النبيّ صلّى الله عليه وآله والإمام
عليه السلام غير مقبولتين، فينا في ذلك حديث ذي الشمالين.

الثلاثون:

ما رواه الكليني في باب ما يقبل من صلاة الساهي.

عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن
النضر بن سويد، عن هشام بن سالم، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه
السلام قال: من صلّى فأقبل على صلاته لم يحدّث نفسه ولم يسه فيها، أقبل
الله عليه ما أقبل عليها، وربّما رفع ربعها أو نصفها، أو ثلثها، أو
خمسها.(١) الحديث.

أقول: فهل يجوز أن يقال: إنّ صلاة النبيّ صلّى الله عليه وآله كانت
ناقصة غير كاملة وغير مقبولة، وإنّ الله لم يكن مقبلاً عليه فيها كلها، بل كان
معرضاً عنه بسبب عدم اقباله في صلاته، وإلاّ فإنّه مع الاقبال لا يتصوّر وقوع
السهو الحقيقي، وإذا كان على قولكم قد ترك نصف صلاته، فكيف يكون
أتى بالاقبال فيها كلّها كما ينبغي.

الحادي والثلاثون:

ما رواه أيضاً في الباب المذكور.

عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي عمير، عن هشام
ابن سالم، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: انّ العبد ليرفع

__________________

(١) الكافي ٣: ٢٦٣ ح ١.


له من صلاته نصفها، أو ثلثها، أو ربعها، أو خمسها، فما يرفع له إلاّ ما أقبل
عليه بقلبه.(١) الحديث.

الثاني والثلاثون:

ما رواه أيضاً فيه عنه، عن أحمد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن
محمد، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في
حديث أنّ رجلاً قال له: ما أظنّ أحداً أكثر سهواً منّي.

فقال أبو عبد الله عليه السلام: يا بامحمد، أنّ العبد ليرفع له ثلثا(٢) صلاته
ونصفها وثلاثة أرباعها وأقل وأكثر على قدر سهوه فيها(٣) .

الثالث والثلاثون:

ما رواه أيضاً فيه عن علي بن إبراهيم، عن أبيه؛ ومحمد بن إسماعيل،
عن الفضل بن شاذان جميعاً، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن الفضيل بن
يسار، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليه السلام انّهما قالا: إنّما لك من صلاتك
ما أقبلت عليه فيها(٤) ، فإن أوهمها كلّها أو غفل عن أدابها لعنت(٥) فضرب بها
وجه صاحبها(٦) .

أقول: والأحاديث في هذا المعنى أيضاً كثيرة ودلالتها ظاهرة كما مرّ.

__________________

(١) الكافي ٣: ٣٦٢ ح ٢.

(٢) كذا في النسخ، وفي المصدر: ثلث.

(٣) الكافي ٣: ٣٦٣ ح ٣.

(٤) كذا في « ب، د »، وفي « ج »: فيهما، وفي المصدر: منها.

(٥) كذا في النسخ، وفي المصدر: أدائها لفت.

(٦) الكافي ٣: ٣٦٣ ح ٤.


الرابع والثلاثون:

ما رواه ابن بابويه في عيون الأخبار في باب ما جاء عن الرضا
عليه السلام في علامات الإمام بعدما أورد الحديث السابق في أوّل
الفصل قال:

وحديث آخر إنّ الإمام مؤيّد بروح القدس، وبينه وبين الله عزّ
وجلّ عمود من نور، يرى فيه أعمال العباد، وكلّما احتاج إليه لدلالة
اطّلع عليها والإمام يولد ويلد، ويصحّ ويمرض، ويأكل ويشرب،
ويبول ويتغوّط، وينكح وينام، ولا ينسى ولا يسهو(١) ، ويفرح ويحزن.(٢)
الحديث.

أقول: هذا دالّ على المقصود في أوله وآخره صريحاً إلاّ أنّ في بعض
النسخ وينسى ويسهو بالاثبات والنسخ الصحيحة كما ذكرنا بالنفي وسقوط
لفظ « لا » أقرب إلى الاعتبار من زيادتها بغير أصل، خصوصاً مع كون الجمل
السابقة مثبتة وكذا الآتية، فيجري الناسخ على الاثبات في الجميع مع انّ النسخ
الصحيحة كما قدّمنا، وهذا موجود في الخصال(٣) خال من هذه اللفظة، لم
يتعرّض لها باثبات ولا نفي، وعلى تقدير صحّة الاثبات يجب تأويله لما
مضى ويأتي، ومعلوم أنّ النسيان ورد بمعنى الترك كثيراً، والسهو ورد
بمعنى النسيان ايضاً كثيراً(٤) .

__________________

(١) في بعض نسخ العيون: وينسى ويسهو. وهو موافق لرأي الصدوق.

(٢) عيون أخبار الرضا ١: ٢١٤ مفصلاً، عنه البحار ١٤: ٣٣٨ ح ١١ و ٢٥: ١١٧ ح ٢، البرهان ١:
٢٨٥ ح ٣، كشف الغمّة ٣: ٨١.

(٣) الخصال: ٥٢٨ ح ٢.

(٤) قال الصدوق رحمه الله: اعتقادنا في الأنبياء والرسل والأئمّة والملائكة انّهم معصومون مطهّرون
من كلّ دنس، وأنّهم لا يذنبون ذنباً لا صغيراً ولا كبيراً، و( لاَّ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا


قال صاحب القاموس(١) : سها في الأمر سهواً نسيه.

وقال أيضاً: النسيان والنسوة الترك.

ووردت الأحاديث بتفسير النسيان في القرآن بالترك في قوله تعالى:
( وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ ) (٢) وغير ذلك.

فمعنى رواية الصدوق من قوله: وينسى ويسهو انّه قد يترك شيئاً
لاشتغاله بغيره ردّاً على الغلاة القائلين بأنّه لا يشغله عن شيء، ويحتمل
الحمل(٣) على التقيّة، ويحتمل كونه من كلام ابن بابويه لا من الحديث المرسل،
وحينئذٍ لا حجّة فيه، وأمّا أوّله فمعلوم انّه من جملة الحديث وهو دال
على المطلوب.

الخامس والثلاثون:

ما رواه ابن بابويه في الخصال عن أحمد بن محمد بن الهيثم العجلي، عن
أحمد بن زكريا [ القطّان ](٤) ، عن بكر بن عبد الله بن حبيب، عن تميم بن بهلول،
عن معاوية(٥) ، عن سليمان بن مهران، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما
السلام قال: عشر خصال من صفات الإمام العصمة والنصوص، وأن يكون
أعلم الناس وأتقاهم لله، [ وأعلمهم بكتاب الله، وأن يكون صاحب الوصيّة

__________________

يُؤْمَرُونَ ) [ سورة التحريم: ٦ ]، ومن نفى عنهم العصمة في شيء من أحوالهم فقد جهلهم فهو كافر،
واعتقادنا فيهم انهم معصومون موصوفون بالكمال والتمام والعلم من اوائل اُمورهم وأواخرها، ولا
يوصفون في شيء من أحوالهم بنقص ولا عصيان ولا جهل. « الاعتقادات: ٩٩ ».

(١) القاموس المحيط للفيروزآبادي ٤: ٣٤٦.

(٢) سورة طه: ١١٥.

(٣) كذا في النسخ، وفي المصدر: حمله.

(٤) من المصدر.

(٥) كذا في النسخ، وفي المصدر: أبي معاوية.


الظاهرة، يكون له المعجز الدليل، ](١) وتنام عينه ولا ينام قلبه، ويرى من خلفه
كما يرى من بين يديه.(٢) الحديث.

السادس والثلاثون:

ما رواه الكليني في باب مولد أبي محمد الحسن بن علي عليه السلام.

عن علي بن محمد؛ ومحمد بن أبي عبد الله، عن إسحاق بن محمد
النخعي، عن الأقرع قال: كتبت إلى أبي محمد عليه السلام أسأله عن الإمام
هل يحتلم؟ وقلت في نفسي [ بعد ما فصل الكتاب ](٣) : الاحتلام شيطنة، وقد
أعاذ الله تبارك وتعالى أولياءه من ذلك.

فورد في الجواب: حال الأئمّة في المنام حالهم في اليقظة، لا يغير
النوم شيئاً منهم، وقد أعاذ الله أولياءه من لمّة(٤) الشيطان كما حدّثتك
نفسك(٥) .

السابع والثلاثون:

ما رواه ابن بابويه في عيون الأخبار في أوائل الجزء الثاني بإسناده
عن الرضا عليه السلام قال: ما يتقلّب جناح طائر في الهواء إلاّ وعندنا
منه علم(٦) .

أقول: فكيف يجوز على من هذا شأنه أن يكون جاهلاً بفعل نفسه؟!

__________________

(١) من المصدر.

(٢) الخصال: ٣٩٧.

(٣) من المصدر.

(٤) كذا في « ج، د » والمصدر، وفي ب: ملّة.

(٥) الكافي ١: ٥٠٩ ح ١٢.

(٦) عيون أخبار الرضا عليه السلام ٢: ٣٣٣، عنه البحار ٢٦: ١٩.


الثامن والثلاثون:

ما رواه علي بن عيسى في كشف الغمّة نقلاً من كتاب الدلائل لعبد الله
ابن جعفر الحميري في دلائل الرضا عليه السلام في جملة حديث عن
الحسن بن علي الوشاء، عن الرضا عليه السلام قال: يا حسن، منامنا
ويقظتنا واحد(١) .

التاسع والثلاثون:

ما رواه ابن بابويه في كتال من لا يحضره الفقيه في باب صفة وضوء
رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: وروي أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله
توضّأ ثم مسح على نعليه، فقال له المغيرة: أنسيت يا رسول الله؟ فقال: بل أنت
نسيت، هكذا أمرني ربّي(٢) .

أقول: هذا يفهم منه الإنكار والغضب ونفي النسيان عن نفسه مطلقاً؛ إذ
لو كان جائزاً لما جاز الإنكار والغضب ونفي النسيان عن نفسه مطلقاً، إذ لو كان
جائزاً لما جاز الإنكار على من يستفهم عنه، ألا ترى إلى قوله: بل أنت نسيت،
مع أنّه بحسب الظاهر لم يقع منه نسيان، فلابدّ من حمله على المجاز أو على أنّ
المراد أنّ السهو من شأنك لا من شأني، ولعلّه أقرب.

الأربعون:

ما رواه السيّد المرتضى في رسالة المحكم والمتشابه(٣) نقلاً عن تفسير

__________________

(١) كشف الغمّة ٢: ٣٠٣.

(٢) من لا يحضره الفقيه ١: ٣٧.

(٣) رسالة المحكم والمتشابه: ١٨١ والمطبوعة ضمن جامع الأخبار والآثار للسيد الأبطحي
الأصفهاني.


النعماني باسناده عن إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن
آبائه، عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث صفات الإمام: فمنها أن يعلم
الإمام المولى عليه انّه معصوم من الذنوب كلّها صغيرها وكبيرها لا يزلّ في
الفتيا ولا يخطىء في الجواب ولا يسهو ولا ينسى ولا يلهو بشيء من اُمور
الدنيا - ألى أن قال: - وعذلوا من أخذ الأحكام من أهلها ممّن فرض الله
طاعتهم ممّن لا يزلّ ولا يخطىء ولا ينسى.

الحادي والأربعون:

ما رواه محمد بن مسعود العيّاشي في تفسيره عن جميل بن درّاج، عن
بعض أصحابنا، عن أحدهما عليهما السلام قال: سألته كيف أخذ الله آدم
بالنسيان؟

فقال: انّه لم ينس، وكيف ينسى وهو يذكّره ويقول له ابليس(١) ( مَا نَهَاكُمَا
رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخَالِدِينَ
) (٢) .(٣)

الثاني والأربعون:

كل ما دلّ على العصمة في الأحاديث فهو دالّ على المقصود هنا، وهذا
القسم أكثر من أن يحصى، ومعلوم أنّ العصمة شاملة لنفي السهو مطلقاً لغة
وعرفاً، بدليل تبادر الفهم وعدم تبادر التفصيل وعدم قيام الدليل، ويأتي ما
يوضح هذا ان شاء الله.

__________________

(١) في ج: ويقول وابليس، وفي د: ويقابله ابليس.

(٢) سورة الأعراف: ٢٠.

(٣) تفسير العيّاشي ٢: ١٠، البرهان ٢: ٦، بحار الأنوار ١١: ١٨٧ ح ٤٣.


الفصل الخامس

فيما يدل على نفي الخطأ والغلط والسهو والشكّ والنسيان عن
النبيّ صلّى الله عليه وآله والأئمّة عليهم السلام مطلقاً،
من الأدلّة العقليّة وإن كان بعضها منضمّاً
إلى مقدّمة نقليّة وذلك وجوه:

الأوّل:

أنّه لو جاز شيء من ذلك عليهم لزم التنفير عنهم، وعدمم قبول أقوالهم
وأفعالهم وهو نقض للغرض، ولا يقال: كيف يلزم التنفير ولم يحصل لمجوّزي
السهو عليهم في العبادة؟ لانّا نقول: تنفير الأكثر أو البعض كاف، وهو معارض
لوجوب العصمة، مع أنّ من لا يقول بها لا ينفر منهم.

وهذا الوجه استدلّ به السيد المرتضى(١) وغيره وأوردوا له نظيراً وهو: انّ
عبوس الوجه عند حضور الطعام منفر عن أكله، ومع ذلك ليس بمانع منه، لأنّ

__________________

(١) تنزيه الأنبياء: ١١٩.


بعضهم يأكل ولا ينفر منه.

الثاني:

إنّا مأمورون باتّباع النبيّ صلّى الله عليه وآله [ والإمام عليه السلام ](١) ،
وترك الاعتراض عليهما، فلو جاز الخطأ والسهو والنسيان، لوجب متابعتهم،
وكنّا مأمورين به، والأمر باتّباع الخطأ قبيح، ولا يرد الراوي والمفتي والشاهد،
لعدم عموم حكمهم، وعدم اشتراط العصمة هناك.

الثالث:

انّ وجه الاحتياج إلى النبي صلّى الله عليه وآله والإمام عليه السلام هو
جواز الخطأ على الاُمّة، فلو جاز عليهما لاحتاجا إلى نبي أو أمام لاشتراك
العلّة، ولزم الترجيح بلا مرجّح، ثمّ أمّا أن يدور، أو أن يتسلسل، وهما باطلان
كما تقرّر.

الرابع:

انّ تبليغ النبيّ صلّى الله عليه وآله والإمام عليه السلام عبادة، وعبادتهما تبليغ
لما علم وجوب المبايعة(٢) وكون فعلهما وقولهما حجّة، والمقدّمتان قطعيّتان، فلا
سهو ولا نسيان.

الخامس:

انّه لو جاز عليهما الخطأ والنسيان لاحتاجا إلى الرعيّة لينهوهم

__________________

(١) ليس في ب.

(٢) في ج: المتابعة.


عن خطأهم، فيتساوى المعصوم وغير المعصوم، ولا يكون قول أبي بكر:
إذا زغت فقوّموني، مانعاً من إمامته، وإن كان محتاجاً إلى رعيّته، وهو
باطل قطعاً.

السادس:

انّه لو جاز السهو والنسيان من المعصوم في العبادة، لجاز في التبليغ،
والفرق ليس عليه دليل قاطع، ولا يفهمه كلّ أحد، بل كلّ من وقف
على أحدهما جواز للآخر قطعاً، وأقلّه أنّ الأكثر الغالب لا يفرّقون بينهما، فلا
يوثق بشيء من أقواله وأفعاله، وتختلّ عصمته، وهو باطل قطعاً.

السابع:

انّه حافظ للشرع، فلو جاز عليه الخطأ والسهو والنسيان؛ لادّى
الى التضليل والإغراء بالجهل والتبديل، وصار احتمال النسخ مساوياً لاحتمال
السهو، واحتمال الصحّة مقاوماً لاحتمال الفساد، وهو نقيض الغرض
المطلوب من العصمة.

الثامن:

انّه لو جاز السهو على المعصوم لم يوثق بشيء من أقواله ولا أفعاله وهو
نقض للغرض من نصبه.

بيان ذلك: إنّ التبليغ يحصل بالمرّة الاُولى من فعله وقوله، وهي غير
معلومة لمن بعده، ولا لأكثر الصحابة أيضاً، فإنّ أقواله وأفعاله منقولة من غير
تاريخ، وكذا قراءته للقرآن، فإنّها عبادة، فيلزم أن يجوز غلطه فيه وتبديله كلّه،

وهو باطل قطعاً.

التاسع:

انّه لو جاز السهو والنسيان على المعصوم، لجاز تركه للواجبات
وفعله للمحرّمات سهواً، لأنّ فعل الواجب عبادة، وترك الحرام عبادة، وإذا
جاز السهو في ترك بعضها، جاز في ترك الجميع، فلا تصدّق العصمة التي
تستلزم انتفاء المعاصي مطلقاً، والتفصيل يحتاج إلى دليل وينافي العصمة
قطعاً.

العاشر:

انّه لو جاز السهو والنسيان وترك الواجبات والاتيان بالمحرّمات
عن غير عمد، كما يقتضيه حديث ذي الشمالين من ترك ركعتين واجبتين
في الواقع والاتيان بالسلام والكلام المحرّمين في الواقع، لكان ظالماً،
لأنّ الظلم وضع الشيء في غير موضعه، والظالم لا يكون إمام لقوله تعالى:
( لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (١) والمراد عهد الإمامة كما يفهم من الآية
والحديث الوارد في تفسيرها، وقد أشار إلى هذا بعض المحقّقين في
استدلاله.

الحادي عشر:

انّه لو جاز السهو والنسيان والخطأ على المعصوم في العبادة دون التبليغ،

__________________

(١) سورة البقرة: ١٢٤.


لجازت(١) جميع المعاصي والكفر عليه قبل كونه نبيّاً أَو أماماً، واللازم باطل
بالأدلّة العقليّة والنقليّة، واعتراف الخصم هنا فكذا الملزوم.

وبيان الملازمة عدم الاحتياج إلى العصمة في الموضعين كما ادّعيتموه؛
لأنّ الضرورة إلى استحالة الخطأ والسهو والنسيان إن كانت مخصوصة بالتبليغ،
فلا تبليغ في الحالة السابقة، وهو واضح، بل ذلك أولى بالجواز مع ظهور بطلانه
فكذا هنا.

الثاني عشر:

لو جاز الخطأ والسهو على المعصوم لزم افحامه، لأنّ الرعيّة لا تتّبعه إلاّ
فيما علمت صوابه، ولا يعلم صوابه إلاّ منه فيدور.

الثالث عشر:

انّه لو جاز ذلك، لم يحصل العلم بقوله: إنّ هذا الفعل سهو أو غير سهو،
لجواز السهو على ذلك القول أيضاً، لأنّه خارج عن التبليغ، ألا ترى انّه
على قولكم قد نفى السهو عن نفسه في حديث ذي الشمالين، ولم يكن مطابقاً
للواقع.

الرابع عشر:

انّه لو جاز عليه السهو والنسيان في غير التبليغ، لجاز منه الكذب سهواً
في غير التبليغ أيضاً، فلا يوثق بشيء من أقواله في غيره وبطلانه قطعي.

__________________

(١) في هامش ج: تأنيث المسند إلى لفظ الجميع باعتبار المضاف إليه. « منه رحمه الله ».


الخامس عشر:

انّه لوكانت العصمة مختصّة بالتبليغ، لجاز عليه وقوع المعصية سهواً بعد
تبيلغ انّها معصية، ووجب علينا أمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر، وهو ينافي
نصبه أو سقوط وجوبهما هنا، وهو خلاف الأدلّة.

السادس عشر:

انّه لو جاز ذلك لما أمكن الاحتجاج والاستدلال بشيء من أفعاله ولا
أقواله لاحتمالها للسهو والنسيان على قولكم، وهو باطل قطعاً للاجماع
على الاستدلال بها من غير فرق أصلاً، ولاحتجاج أهل العصمة عليهم السلام
بها في أحاديث متواترة تتضمّن استدلالهم بها على العامّة والشيعة، وهو أظهر
من أن يخفى، وأكثر من أن يحصى، والتبليغ يحصل بالمرّة الاُولى من القول
والفعل على انّه يحتاج إلى ثبوت قصد التبليغ، ولم ينقل ولا يمكن معرفة ذلك
الآن قطعاً.

السابع عشر:

انّه إذا صدر منه فعل على سبيل السهو والنسيان؛ فأمّا أن يجب اتّباعه،
وهو باطل قطعاً، ومناف للغرض من نصبه، وأمّا أن لا يجب اتّباعه، وهو
خلاف نص قوله تعالى( إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي ) (١) .

الثامن عشر:

انّه لو جاز عليه السهو والنسيان والخطأ والغلط كما تقولون، لما قبلت

__________________

(١) سورة آل عمران: ٣١.


شهادته وحده، فضلا عن دعواه لنفسه، ولجاز تكذيبه، وأقلّه التوقّف في
تصديقه.

وقد ورد في باب ما يقبل من الدعاوي بغير بيّنة في كتاب من لا يحضره
الفقيه وغيره أحاديث دالّة على وجوب قتل من لم يقبل دعوى الرسول صلّى
الله عليه وآله إلاّ ببيّنة، مع أنّ ذلك ليس من التبليغ قطعاً.

التاسع عشر:

انّه لو كان نصب النبي صلّى الله عليه وآله والإمام عليه السلام واجباً
على الله سبحانه استحال عليهما الخطأ والسهو والنسيان مطلقاً، والمقدّم حقّ
فالتالي مثله.

بيان الشرطيّة: انّه لو جاز ذلك لجاز الخطأ في جميع عباداتهما، وذلك
فساد عظيم، والله حكيم لا تجوز عليه المفسدة.

العشرون:

انّه لو جاز ذلك لأمكن وقوع اتلاف مال الغير منهما وغصبة نسياناً
ولأمكن نسيانهما للحقّ الّذي في ذمّتهما، بل يمكن حينئذ صدور القتل منهما
لبعض المؤمنين نسياناً ووجوب الديّة عليهما، وإذا ادّعى أصحاب هذه
الحقوق يحتاج إلى إمام آخر يحكم عليهما، ويدور أو يتسلسل، وجميع ذلك
باطل قطعاً.

الحادي والعشرون:

أنّه إذا وقع الشروع في مقدّمات القتل والنهب والغصب ونحو ذلك

نسياناً؛ فأمّا أن يجب الانكار عليهما فيسقط محلّهما من القلوب، فيصير
الرئيس مرؤوساً ويحتاجان إلى غيرهما، وأمّا ان لا يجب، وهو خلاف النصّ
والإجماع في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذا إذا تركا واجباً
نسياناً.

الثاني والعشرون:

إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عبادة واجبة بالضرورة من
الدين، وأحقّ الناس بها النبي صلّى الله عليه وآله والإمام عليه السلام،
وليس ذلك من قسم التبليغ لاختصاصها بالآحاد والجزئيات، وظهور كون
التبليغ بقواعد كلّية للأحكام الشرعية سلّمنا، لكن الأمر والنهي باليد من
ضرب وغيره خارج عن التبليغ قطعاً(١) ، وحينئذٍ يجوز عليهما السهو والنسيان
والخطأ والغلط، فيأمران بالمنكر وينهيان عن المعروف، ولا يخفى فساده،
وبطلانه ضروري.

الثالث والعشرون:

انّ الجهاد عبادة لا تبليغ، فيجوز عليهما على قولكم السهو والغلط
والنسيان بأن يتركوا جهاد الكفار ويجاهدوا المؤمنين، بل المعصومين عليهم
السلام ويقتلوهم عن غير عمد ولو بأن يرمى النبي صلّى الله عليه وآله والإمام
عليه السلام رمحاً أو سهماً ليقتل كافراً فيخطىء أو ينسى فيصيب مؤمناً أو
معصوماً، وهكذا مرّة بعد اُخرى، وهو أقوى فساداً، ولا تفاوت في فساده بين

__________________

(١) في هامش ج: مطلقاً.


العمد والخطأ، ولا يرد أنّ الله يستحيل منه التخلية بين المعصوم وبين مثل هذا
النسيان، لأنّهما دعوى من غير دليل، وإنّما تتمّ على قولنا على أنّ الله قد
خلّى بين المكلّفين وبين تعمّد مثل ذلك.

الرابع والعشرون:

انّ النبيّ صلّى الله عليه وآله لو لم يكن معصوماً من السهو والنسيان لما
صلح أن يكون شهيداً على الناس، لاحتمال نسيانه الشهاده، فإنّها ليست من
قسم التلٍبيغ مطلقاً، فينافي قوله تعالى( وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا
شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا
) (١) .

الخامس والعشرون:

الإمام يجب أن يخشى، وإلاّ لانتفت فائدة بعثته والأمر بطاعته، ولقوله
تعالى:( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ
) (٢) ، ومن فعل معصية سهواً فهو ظالم، وكذا كلّ من سها لانّه وضع الشيء
في غير موضعه، والظالم لا يجوز أن يخشى لقوله تعالى:( إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا
مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ
) (٣) .

السادس والعشرون:

لو جاز السهو والنسيان على المعصوم في غير تبليغ، لجاز عليه تعدّي
حدود الله سهواً، وإذا صدر ذلك منه، كان ظالماً لقوله تعالى:( وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ

____ ______________

(١) سورة البقرة: ١٤٣.

(٢) سورة النور: ٦٣.

(٣) سورة البقرة: ١٥٠.


اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) (١) ( وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (٢) ، ولما تقدّم
الظالم لا يناله عهد الإمامة لما مرّ.

السابع والعشرون:

لو جاز السهو والنسيان على المعصوم في غير التبليغ، لجاز أن يقاتل
المؤمنين، بل المعصومين ويحاربهم نسياناً وسهواً، وإذا جاز ذلك، جاز
للمؤمنين محاربته على وجه المدافعة، لما تقرّر من أدلّتها العقليّة والنقليّة،
كقوله تعالى:( فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ) (٣)
وقوله:( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ) (٤) وغير ذلك، والأحاديث في
ذلك كثيرة، وإذا جار ذلك وأدّى إلى القتل، كان قتله جائزاً، بل واجباً، وهو
باطل قطعاً.

الثامن والعشرون:

لو جاز عليه السهو والنسيان، لجاز عليه الكذب سهواً في غير التبليغ
على قولكم، وكلّ كاذب ظالم لقوله تعالى:( فَمَنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ
ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
) (٥) وبدلالة معناه اللغوي، والظالم لا يكون إماماً لما
مرّ، ولا يظن انّ افتراء الكذب بمعنى التعمّد؛ إذ هو غير مخصوص به لغة، بل
هو أعمّ كما يظهر من الصحاح وغيرها، وتخصيصه بالعمد في قوله تعالى:

__________________

(١) سورة الطلاق: ١.

(٢) سورة البقرة: ٢٢٩.

(٣) سورة البقرة: ١٩٤.

(٤) سورة البقرة: ١٩٠.

(٥) سورة آل عمران: ٩٤.


( أَفْتَرَىٰ عَلَى اللهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ ) (١) كما ذكره بعض علماء المعاني لا يدلّ
على خلاف ما قلناه، لأنّه يمكن إرادة هذا المعنى هناك بقرينة المقابلة وسياق
المقام كما لا يخفى.

التاسع والعشرون:

لو جاز ذلك على المعصوم، لجاز نسيانه للحقوق التي في ذمّته من
القرض وقيمة المبيعات وغير ذلك، وإذا طلبوها جاز له أن يمنعهم منها لعدم
علمه بثبوتها في ذمّته، ومعلوم انّ ذلك خارج عن التلبيغ، فيلزم أن يكون قد
ظلم الناس حقوقهم، فلا يكون إماماً لما تقدّم، ومعلوم أنّ ترك الواجب هنا
صادر عن عمد، فيكون صدق الظلم أوضح، والجهل ليس بموجب لعدم صدقه
قطعاً.

الثلاثون:

انّ أقامة الحدود عبادة لا تبليغ، وهو واضج، فلو جاز عليه السهو
والنسيان والغلط والخطأ في العبادة، لجاز أن ينسى إقامة الحدود بالكلّيّة،
ولجاز تغييرها وتعدّي حدود الله وزيادتها ونقصانها، بل إقامتها على غير
مستحقّها حتى القتل نسياناً وغلطاً وسهواً، وذلك يلزم منه غاية الفساد،
وينقض الغرض من نصب النبي والإمام.

الحادي والثلاثون:

انّه لو سها المعصوم في صلاة جماعة، فاختلف عليه من خلفه،

__________________

(١) سورة سبأ: ٨.


فقال بعضهم: صلّيت ركعتين. وقال غيره: صلّيت أربعاً؛ فأمّا أن يجب
عليه أن يحكم بينهم، ولا سبيل له إلى ذلك لجهله وعدم امكان الترجيح
لاحتمال التساوي، وأمّا أن لا يجب عليه، فيجوز لهم التمادي في الخصومة،
وأن تنتهي إلى الحرب وقتل النفوس، وهو فساد عظيم لا يجوز على الحكيم
الأمر به، ولا التعريض له على أنّه موجب لنقض الغرض من نصب
المعصوم.

الثاني والثلاثون:

تلزم في الصورة المفروضة أنّه لا يجب عليهم أن يحكّموه فيما شجر
بينهم، لعدم قدرته على الحكم، أو يجب عليهم، وهو عبث يستحيل وجوبه،
والقسمان باطلان بقوله تعالى:( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ
فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا
) (١)
وغيرها.

الثالث والثلاثون:

انّه لو جاز على المعصوم السهو والنسيان، لجاز أن يكون غير ضابط،
ويكون كثير السهو؛ إذ لا فرق بين القليل والكثير في التجويز، والفارق
خارق للإجماع، فإنّ مجوّز السهو لم يقيّده بالقلّة، وكذا نافى السهو، ولو
جاز عليه ذلك لكان غير مقبول الشهادة ولا الرواية، ولكان حاله أسوء
من حال كثير من رعيّته، فيلزم تقديم المفضول على الفاضل، وهو باطل
عقلاً ونقلاً.

__________________

(١) سورة النساء: ٦٥.


الرابع والثلاثون:

انّ حديث جنود العقل والجهل، وهو حديث الثاني المذكور سابقاً(١)
يدلّ على انّه يمكن أن يترقّى غير المعصوم بسبب متابعة العقل، والعمل
بمقتضاة، وكثرة العبادات، واستعمال جنود العقل واكتسابها إلى حدّ ينتفي عنه
السهو والنسيان، وقد ذكروا في حقّ كثير من الفصحاء والفضلاء والعلماء نحو
ذلك، كما يظهر من كتب التواريخ والرجال فمنهم عبد الكريم بن أحمد بن
طاوس(٢) المذكور في الرجال أنّه ما دخل سمعه قط شيء، فكاد ينساه، وغير
ذلك، فيلزم على قول من جوّز السهو على المعصوم أن يكون هذا القسم كلّهم
أفضل منه وأحسن حالا، فيستحيل تقدّمه عليهم لما مرّ.

الخامس والثلاثون:

انّ كلّ فعل أو قول للنبيّ صلّى الله عليه وآله والإمام عليه السلام حجّة
ودليل على حكم من أحكام الشرع قطعاً، وكلّ دليل يمتنع معه نقيض المدلول،
وإلاّ لم يكن دليلاً فقولهما وفعلهما يمتنع نقيضه ويستحيل كونه خطأ غير
صواب، وذلك يستلزم العصمة ونفي السهو مطلقاً.

__________________

(١) تقدّمت تخريجاته في ص: ٨٣.

(٢) هو الشريف النقيب غياث الدين عبد الكريم بن جلال الدين أحمد بن سعد الدين إبراهيم بن موسى
بن جعفر بن محمد بن أحمد بن محمد بن أبي عبد الله المعروف « الطاووس »، ولد في الحائر
الحسيني في شعبان سنة ٦٤٨ ه‍، ونشأ في مدينة الحلة المزيدية حيث كانت موطن آبائه، وتوفّي
بمشهد الإمام الكاظم عليه السلام سنة ٦٩٣ ه‍، وحمل نعشه إلى النجف الأشرف حيث مرقد أمير
المؤمنين عليه السلام ودفن هناك.

قال عنه معاصروه: كان عالماً، فقيهاً، ذكياً، امتاز بقوة حافظته، فما دخل ذهنه شيء قط فنساه،
وحفظ القرآن وعمره إحدى عشرة سنة. « راجع في ترجمته: مجمع الرجال ٤: ١٠٠، الحوادث
الجامعة لابن الفوطي: ٤٨٠ ».


السادس والثلاثون:

كلّ دليل عقلي أو نقلي دلّ على العصمة وهو أكثر من أن يحصى،
وناهيك بكتاب الألفين(١) وأمثاله، ومعلوم أنّ العصمة تستلزم نفي المعصية
عمداً وسهواً، وتستلزم نفي السهو والنسيان مطلقاً، كما يتبادر إلى الفهم من
معناها لغة وعرفاً، والتفصيل لا يمكن فهمه منها قطعاً، ودليله غير تام كما
ستعرفه ان شاء الله.

__________________

(١) كتاب الألفين في إمامة أمير المؤمنين عليه السلام للعلاّمة الحلّي، والذي ذكر فيه ما يقارب ألف وثمانية وثلاثون دليلاً في إمامة أمير المؤمنين عليه السلام.


الفصل السادس

في بيان بعض المفاسد المترتّبة على تجويز
السهو على المعصوم عليه السلام

وقد عرفت كثيراً من ذلك سابقاً، ونذكرها هنا على وجه الاختصار إشارة
إلى شيء من ذلك، ونقتصر على اثني عشر.

الأول: حطّ منزلته من القلوب، وسقوط محلّه من النفوس، ألا ترى أنّه
منزّه عن الأمراض التي توجب ذلك من الجذام والبرص وغير ذلك، وعن دناءة
النسب، وكفر الآباء والاُمّهات، وعن رؤية بوله وغائطه ونحو ذلك ممّا هو دون
السهو في العبادة الموجب لنقصانها أو بطلانها وعدم قبولها.

الثاني: احتياج المعصوم إلى رعيّته كما تقدّم.

الثالث: عدم امكان الفرق بين السهو والنسخ.

الرابع: عدم كون فعله وقوله حجّة مطلقاً واشتباه التبليغ بغيره غالباً.

الخامس: امكان وقوع المعصية، وفعل المحرّم، وترك الواجب سهواً،
وهو باطل إجماعاً من الإمامية.


السادس: اختصاص العصمة بوقت التبليغ، وجواز المعصية قبله عمداً
وسهواً، وهو أوضح بطلاناً.

السابع: وجوب أمر الرعيّة له بالمعروف، ونهيهم إيّاه عن المنكر كما
مرّ.

الثامن: جواز كونه غير مقبول الشهادة في بعض الصور.

التاسع: جواز قتله للمؤمنين، بل المعصومين سهواً، وترك جهاد الكفّار
نسياناً.

العاشر: جواز تعدي الحدود سهواً.

الحادي عشر: جواز الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف في الصور
الجزئيّة سهواً.

الثاني عشر: جواز كون بعض رعيّته أفضل منه في بعض الصور، فيلزم
تقديم المفضول على الفاضل، وهو باطل والله تعالى أعلم.


الفصل السابع

في ذكر شبهة من جوّز السهو على المعصوم
في العبادة دون التبليغ

وهي أخبار يسيرة معارضة بما هو أكثر منها وأقوى مع أنّها مضطربة
محتملة للتأويل والوجوه الكثيرة.

روى الشيخ في التهذيب بسنده عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن
محمد، [ عن الحسين ](١) عن فضالة، عن سيف بن عميرة، عن أبي بكر
الحضرمي، عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث يقول في آخره: إنّ رسول
الله صلّى الله عليه وآله سها فسلّم في ركعتين، ثم ذكر حديث ذي الشمالين،
فقال: ثمّ قام فأضاف إليها ركعتين(٢) .

__________________

(١) من المصدر.

(٢) التهذيب ٢: ١٨٠ ح ٧٢٤ مفصلاً، الاستبصار ١: ٣٦٦، بحار الأنوار ١٧: ١٠١ ح ٤.

وللحديث صدر هو هكذا: قال: صلّيت بأصحابي المغرب، فلمّا أن صلّيت ركعتين سلّمت، فقال
بعضهم: انّما صلّيت ركعتين فأعدت، فأخبرت أبا عبد الله عليه السلام فقال: لعلك أعدت؟ فقلت:
نعم، فضحك ثم قال: انّما كان يجزيك أن تقوم وتركع ركعة، ان رسول الله صلّى الله عليه وآله ...


وعن سعد، عن محمد بن الحسين، عن جعفر بن بشير، عن الحارث بن
المغيرة النصري. عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: أليس قد انصرف
رسول الله صلّى الله عليه وآله في ركعتين فأتمّ بركعتين(١) .

وبإسناده عن أحمد بن محمد، عن البرقي، عن منصور بن العبّاس،
عن عمرو بن سعيد، عن الحسن بن صدقة، قال: قلت لأبي الحسن
الأوّل عليه السلام: أسلّم رسول الله صلّى الله عليه وآله في الركعتين
الأوّلتين؟

فقال: نعم.

قلت: وحاله حال؟

قال: إنّما أراد الله عزّ وجلّ ان يفقّههم(٢) .

وعنه: عن علي بن النعمان، عن سعيد الأعرج قال: سمعت أبا عبد الله
عليه السلام يقول: صلّى رسول الله صلّى الله عليه وآله ثمّ سلّم في ركعتين،
فسأله من خلفه: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيء؟

قال: وما ذاك؟

قالوا: انّما صلّيت ركعتين.

__________________

(١) التهذيب ٢: ١٨٠ ح ٧٢٥، عنه بحار الأنوار ١٧: ١٠١ ح ٣.

وقد علّق الشيخ الطوسي على هذا الحديث والحديث السابق قائلاً: مع انّ في الحديثين ما يمنع من
التعلّق بهما وهو حديث ذي الشمالين وسهو النبي صلّى الله عليه وآله وهذا ممّا تمنع العقول منه.

(٢) التهذيب ٢: ٣٤٥ ح ١٤٣٢.

وأورده في الكافي ١: ٩٩.


فقال: أكذلك(١) يا ذا اليدين؟ وكان يدعى ذا الشمالين.

فقال: نعم، فبنى على صلاته، فأتمّ الصلاة أربعاً، وقال: إنّ الله عزّ وجلّ
هو الّذي أنساه رحمة للاُمّة، ألا ترى لو إنّ رجلاً صنع هذا لعيّر وقيل ما تقبل
صلاتك، فمن دخل عليه اليوم ذلك.

قال: قد سنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وصارت اُسوة، وسجد
سجدتين لمكان الكلام(٢) .

وبإسناده عن الحسين بن سعيد، عن ابن عمير، عن جميل قال:
سألت أبا عبد الله عليه السلام: رجل صلّى ركعتين ثمّ قام(٣) قال:
يستقبل(٤) ، قلت: فما يروي الناس فيه؟ فذكر [ له ](٥) حديث ذي الشمالين
فقال: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله لم يبرح من مكانه، ولو برح
لاستقبل(٦) .

وعنه: عن فضالة، عن حسين بن عثمان، عن سماعة، عن أبي بصير
قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل صلّى ركعتين ثمّ قام فذهب في
حاجته، قال: يستقبل الصلاة. فقلت: ما بال رسول الله صلّى الله عليه وآله لم
يستقبل حين صلّى ركعتين؟

__________________

(١) كذا في النسخ، وفي المصدر: أكذاك.

(٢) التهذيب ٢: ٣٤٥ ح ١٤٣٣.

وأورده في الكافي ١: ٩٩، عنه بحار الأنوار ٨٨: ٢١٨، وج ١٧: ١٠٥ ح ١٣.

(٣) كذا في النسخ والمصدر، وفي البحار: قام فذهب في حاجته.

(٤) في هامش ج: أي يستأنف. « منه رحمه الله ».

(٥) من المصدر.

(٦) التهذيب ٢: ٣٤٥، عنه بحار الأنوار ١٧: ١٠٠ ح ١.


فقال: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله لم ينتقل(١) من موضعه(٢) .

وعنه: عن الحسن، عن زرعة، عن سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام
قال: من حفظ سهوه فأتمّه(٣) فليس عليه سجدتا السهو، فإنّ رسول الله صلّى الله
عليه وآله صلّى بالناس ركعتين، ثمّ سها، فقال له ذو الشمالين: أنزل في الصلاة
شيء؟

فقال: وما ذاك؟

قال: انّما صلّيت ركعتين.

فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: أتقولون مثل قوله؟

قالوا: نعم، فقام وأتمّ بهم الصلاة، وسجد سجدتي السهو.(٤) الحديث.

وبإسناده عن سعد، عن أبي الجوزاء، عن الحسين بن علوان، عن
عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن آبائه عن علي عليه السلام
قال: صلّى بنا رسول الله صلّى الله عليه وآله الظهر خمس ركعات ثمّ انفتل،
فقال له بعض القوم: يا رسول الله، هل زيد في الصلاة شيء؟

قال: وما ذاك(٥) ؟

قال: صلّيت بنا خمس ركعات.

__________________

(١) كذا في « ب، ج »، وفي « د » والمصدر: ينفتل.

(٢) التهذيب ٢: ٣٤٦، عنه بحار الأنوار ١٧: ١٠٠ ح ٢.

(٣) في هامش ج: أي بعد تذكّره.

(٤) التهذيب ٢: ٢٤٦، عنه بحار الأنوار ١٧: ١٠٥ ذ ح ١١، وج ٨٨: ١٤٨.

(٥) في ب: وما زاد.


قال: فاستقبل القبلة وكبّر وهو جالس، ثمّ سجد سجدتين ليس فيهما
قراءة ولا ركوع، ثمّ سلّم، وكان هما المرغمتان(١) .

قال: الشيخ هذا الخبر شاذ لا يعمل عليه؛ لأنّا قد بينّا انّ من زاد في
الصلاة وعلم ذلك يجب عليه استئناف الصلاة، وإذا شكّ في الزيادة فأنّه يسجد
السجدتين المرغمتين، ويجوز أن يكون عليه السلام انّما فعل ذلك لأنّ قول
واحد له لم يكن ممّا يقطع به، ويجوز أن يكون غلطاً منه، وإنّما سجد
السجدتين احتياطاً.

ثمّ أورد الحديث السابق في أوّل الرسالة الدالّة على نفي السهو، وأورد
ذلك الكلام وغيره مما تقدّم.

وبإسناده عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي بن فضال، عن أبي
جميلة، عن زيد الشحّام قال: سألته عن رجل وذكر الحديث - إلى أن قال -:
فإنّ نبي الله صلّى بالناس ركعتين ثمّ نسي حتى انصرف فقال له ذو الشمالين: يا
رسول الله، أحدث في الصلاة شيء؟

فقال: أيّها الناس، أصدق ذو الشمالين؟

فقالوا: نعم، لم تصلّ إلاّ ركعتين، فقام فأتم ما بقي من صلاته(٢) .

وبإسناده عن علي بن الحكم، عن عبد الرحمن العزرمي، [ عن أبيه، ](٣)
عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: صلّى عليّ بالناس على غير طهر، وكانت

__________________

(١) التهذيب ٢: ٢٤٩، عنه بحار الأنوار ١٧: ١٠١ ح ٥.

(٢) التهذيب ٢: ٣٥٢، عنه بحار الأنوار ١٧: ١٠١ ح ٦.

(٣) ليس في ب.


الظهر، ثمّ دخل فخرج مناديه أنّ أمير المؤمنين عليه السلام صلّى على غير
طهر، فأعيدوا، وليبلغ الشاهد الغائب(١) .

أقول: قد تقدّمت عبارة الشيخ الّتي أوردها هنا في أوّل الرسالة(٢) .

وبإسناده عن محمد بن علي بن محجوب، عن أحمد، عن الحسين، عن
فضالة، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
اغتسل أبي من الجنابة فقيل له: قد بقيت لمعة من ظهرك لم يصبها الماء فقال له:
ما كان عليك لو سكت ثمّ مسح تلك اللمعة بيده(٣) .

وروى الكليني، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن عثمان
ابن عيسى، عن سماعة بن مهران قال: سألته، عن رجل نسى أن يصلّي الصبح
حتّى طلعت الشمس، قال: يصلّيها حين يذكرها، فإنّ رسول الله صلّى الله عليه
وآله رقد عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، ثمّ صلاّها حين استيقظ، ولكنّه
تنحّى عن مكانه ذلك، ثمّ صلّى(٤) .

وعن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن النعمان، عن
سعيد الأعرج قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: نام رسول الله صلّى الله
عليه وآله عن الصبح والله عزّ وجلّ أنامه حتّى طلعت الشمس عليه وكان ذلك
رحمة من ربّك للناس، ألا ترى لو أنّ رجلاً نام حتّى تطلع الشمس لعيّره الناس
وقالوا: لا تتورّع لصلاتك، فصارت اُسوة حسنة وسنّة فإن قال رجل لرجل:

__________________

(١) التهذيب ٣: ٤٣٣ ح ٥٢.

(٢) في ص: ٥٠.

(٣) التهذيب ١: ٣٦٥ ح ١.

(٤) الكافي ٣: ١٩٤، عنه بحار الأنوار ١٧: ١٠٣ ح ٩.


نمت عن الصلاة، قال: قد نام رسول الله صلّى الله عليه وآله، فصارت اُسوة
ورحمة، رحم الله بها هذه الاُمّة(١) .

وروي الكليني أيضاً حديثي سماعة السابقين وجعلها حديثاً واحداً(٢) .

وروى ايضاً حديث الحسن بن صدقة السابق(٣) .

وروى ابن بابويه في عيون الأخبار في باب ما جاء عن الرضا عليه
السلام في وجه دلائل الأئمّة، وفي ردّ الغلاة والمفوّضة:

عن تميم بن عبد الله بن تميم القرشي، عن أبيه، عن أحمد بن علي
الأنصاري، عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: قلت للرضا عليه السلام:
انّ في سواد الكوفة قوماً يزعمون أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله لم يقع عليه
السهو في صلاته. فقال: كذبوا لعنهم الله، إنّ الّذي لا يسهو هو الله لا إله
إلاّ هو.(٤) الحديث.

وروى ابن إدريس في آخر السرائر نقلاً من كتاب محمد بن علي بن
محبوب، عن العبّاس، عن حمّاد، عن ربعي، عن الفضيل(٥) قال: ذكرت لأبي
عبد الله عليه السلام السهو فقال: ويفلت من ذلك أحد، ربّما أقعدت الخادم
خلفي لحفظ صلاتي(٦) .

__________________

(١) الكافي ٣: ٢٩٤ ح ٩، الفقيه ١: ٢٣٣ ح ١٠٣١ بطريق آخر والفاظ قريبة منه.

(٢) الكافي ٣: ٢٩٤ ح ٩.

(٣) الكافي ٣: ٣٥٦ ح ٣.

(٤) عيون أخبار الرضا عليه السلام ٢: ٢٠٣، عنه بحار الأنوار ١٧: ١٠٥ ح ١٤.

(٥) في ب: الفضل.

(٦) السرائر: ٤٨٦، عنه الوسائل ٣: ٢٤٧.


وروى الكليني في حديث أوّل كتاب كتب في الأرض إنّ الله عرض
على آدم ذرّيته، فلمّا نظر إلى داود، وعرف قصر عمره قال: قد وهبت له
من عمري أربعين سنة. فقال الله لجبرئيل وميكائيل: اُكتبوا عليه كتاباً فانّه
سينسى(١) .

أقول: هذا غاية ما يمكن أن يستدلّ به من جوّز السهو، ويأتي وجهه إن
شاء الله.

__________________

(١) الكافي ٧: ٣٨٧.


الفصل الثامن

في بيان ضعف هذه الأخبار، وعدم جواز العمل بها،
وحلمها على ظاهرها

وذلك ظاهر بعد ما تقدّم، ونزيده توضيحاً فنقول:

هذه الأخبار ضعيفة لوجوه اثني عشر:

الأول: كونها معارضة لظاهر القرآن في الآيات السابقة وغيرها، وقد
أمر الأئمّة عليهم السلام بعرض الحديثين المتعارضين على القرآن والعمل بما
وافقه، وترك ما خالفه في أحاديث كثيرة.

فإن قلت: هذه أيضاً موافقة لبعض الآيات.

قلت: قد عرفت إنّ تلك الآيات قليلة جداً، مأوّلة في الأحاديث، وإذا
كان الأئمّة عليهم السلام قد فسّروها بما يوافق هذه الآيات، علم أنّها ليست من
المحكمات، بل هي من المتشابهات، والحديث الموافق للمحكمات يتعيّن
العمل به لنصّ القرآن والحديث.

الثاني: كونها معارضة لأحاديث كثيرة أقوى منها، فيتعيّن العمل
بمعارضاتها لكثرتها بالنسبة إليها، وقد عرفت جملة منها، وأشرنا إلى أقسام


اُخر لو جمعت لبلغت أضعاف ما ذكرنا.

الثالث: كونها معارضة لإجماع الشيعة الإمامية، وقد علم دخول
المعصوم في هذا الإجماع بالنصوص عنهم عليهم السلام، كما عرفت [ على ان ](١)
هذا(٢) المخالف يحتمل حمل كلامه على محمل صحيح يخرج عن المخالفة
كما يأتي إن شاء الله.

ورواية الكليني لبعض تلك الأحاديث المتضمّنة للسهو لا يدلّ
على اعتقاده بظاهرها(٣) ، لأنّه كما عرفت قد روى كثيراً من معارضاتها، ولعلّه فهم
منها ما فهمناه ممّا يأتي.

الرابع: كونها معارضة للمشهور بين الإمامية عى تقدير عدم ثبوت
الاجماع، وقد أمر الأئمّة عليهم السلام بترجيح الحديث الموافق للاجماع من
الإمامية، بل وللشهرة بينهم كما في حديث عمر بن حنظلة وغيره.

الخامس: كون أسانيد أكثرها ضعيفة، فإنّ في سند الأوّل سيف بن
عميرة، وقد اختلف في توثيقه وتضعيفه، وقد نقل الشهيد في شرح الإرشاد(٤)
تضعيفه عن جماعة من الأصحاب، وقد نقلوا أيضاً(٥) انّه فاسد المذهب واقفي،
ومن هذا شأنه كيف يعمل بحديثه فيما يخالف المذهب؟

وأبو بكر الحضرمي غير معلوم الحال، لم يتحقّّق له توثيق ولا مدح يعتدّ
به، ولا ثبت صحّة مذهبه.

__________________

(١) ليس في د.

(٢) في د: وهذا.

(٣) في د: لظاهرها.

(٤) روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان: ٣٤٠، ط الحجرية.

(٥) معجم رجال الحديث ٨: ٥٤١.


والثالث في سنده البرقي، وهو محمد بن خالد، وقد ذكروا انّه
ضعيف في الحديث يعتمد المراسيل، ويروي عن الضعفاء، ومنصور بن
العّباس ضعيف جداً غال، وعمرو بن سعيد فاسد المذهب فطحي، والحسن
ابن صدقة غير معلوم الحال، وحديث أبي بصير فيه ضعف لفساد مذهبه
ومذهب سماعة.

وكذا حديث سماعة الذي يرويه عنه زرعة، وحديث زيد أضعف لوجود
من هو فاسد المذهب ضعيف زيدي في سنده.

وحديث زيد الشحّام أضعف لأنّ أبا جميلة المفضّل بن صالح ضعيف
جداً، وابن فضال فاسد المذهب، وحديث العزرمي أيضاً فيه ضعف وجهالة،
وحديث أبي بصير فيه اشتراك، [ وتصريح ابن مسكان أحياناً بالرواية عن
ليث المرادي لا يوجب تعينه دائماً، ولا يدفع الإشتراك بين الثقة والضعيف ](١)
ومع ذلك لا اشعار فيه بالسهو أصلاً، وحديث سماعة فيه مع فساد مذهب
رواية انّه لا يدلّ على سهو، ولا تقصير بوجه، وكذا حديث سعيد الأعرج،
وحديث عبد السلام بن صالح ضعيف جداً [ ليس من رواية أحد يوجد له
توثيق ولا مدح غير رواية عبد السلام، بل هم من المجاهيل والضعفاء، ](٢)
وعبد السلام من رجال العامّة المنكرين للعصمة بالكلّيّة، فهذه قرينة دالّة
على التقيّة إن صحّت الرواية.

وحديث قصّة داود فيه مع قطع النظر عن سنده، انّ النسيان هنا
مثل النسيان في قوله تعالى:( وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ ) (٣) .

__________________

(١و ٢) من ج فقط.

(٣) سورة طه: ١١٥.


وقد فسّره الأئمّة عليهم السلام بالترك(١) ، فالمعنى إنّه سينسى(٢) ؛ أي
سيترك(٣) هذه الهيئة ويريد الرجوع فيها.

وأمّا إقعاد الخادم خلفه، فلا يدلّ على جواز السهو عليه فضلا عن
وقوعه، بل الحكمة؛ أمّا حصول الثواب للخادم، أو ليتعلّم منه الصلاة، أو
لتحفظ عنه القراءة والأذكار، أو ليتعلّم الناس الاعتناء بالصلاة، أو للإشارة
إلى جواز الاعتماد على قول الغير في عدد الركعات، أو لئلاّ يخلو في بيت
وحده كما وقع التصريح به في الحديث، أو لئلاّ يعيّر أحد أحداً بالسهو، كما
صرّح به أيضاً، أو لتعليم الناس التحفّظ من السهو أو غير ذلك من الحكم
والمصالح ونظيره أمر الله الحفظة بكتابة أعمال بني آدم وحفظهما( وَمَا كَانَ
رَبُّكَ نَسِيًّا
) (٤) ( لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى ) (٥) فما أجبتم: فهو جوابنا.

فقد ظهر إنّ الأحاديث الّتي يمكن الحكم بصحّتها في الجملة ثلاثة،
فكيف تقاوم جميع ما مرّ وما أشرنا إليه ممّا نذكره؟

السادس: كونها معارضة للأدلّة العقليّة الكثيرة الّتي أوردنا بعضها
وأشرنا إلى الباقي، وموافقة معارضها للأدلّة المذكورة.

السابع: كونها مستلزمة للمفاسد السابقة وغيرها على تقدير ابقائها
على ظاهرها.

__________________

(١) روي هذا المعنى عن ابن عبّاس، عن اُبي بن كعب، عن رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: قال موسى
عليه السلام:( لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ ) يقول: بما تركت من عهدك. «انظر: بحار الأنوار ١٧: ١١٩».

(٢) في ج: إنّك ستنسى.

(٣) في ج: ستترك.

(٤) سورة مريم: ٦٤.

(٥) سورة طه: ٥٢.


الثامن: كونها موافقة للتقيّة، فإنّ جميع العامّة يخالفون الإمامية في
مسألة العصمة، الأحاديث المعارضة لها لا تحتمل التقيّة، وقد أمر الأئمّة
عليهم السلام في أحاديث كثيرة بعرض الحديث على مذهب العامّة، والأخذ
بما خالفهم، وترك ما وافقهم.

ومعلوم إنّ أكثر أسباب الاختلاف في أحاديث أهل العصمة عليهم
السلام هو ملاحضة التقيّة، ومعلوم أيضاً انّ التقيّة كما تدعوا إلى الفتوى بما وافق
العامّة، كذلك تدعوا إلى الرواية بما يوافقهم، ويأتي له نظائر إن شاء الله.

التاسع: كونها محتملة للتأويل، بل للتأويلات المتعدّدة، وعدم احتمال
معارضاتها لذلك لكثرتها وتعاضدها، ووجود الأدلّة العقليّة والإجماع وغير
ذلك، فتعيّن تأويل ما يحتمله ليوافق ما لا يحتمله.

العاشر: كونها لا تخلومن اجمال واشكال في مواضع متعدّدة، وذلك
من إمارات التقيّة.

الحادي عشر: وجود الاضطراب والتناقض فيها كما يأتي بيان بعضه إن
شاء الله.

الثاني عشر: كون كثير من رواتها فاسدي المذهب، وذلك أيضاً من
إمارات التقيّة؛ إذ نفهم من التتبّع انّ أكثر أحاديثها رواه من هو فاسد المذهب أو
ضعيف.

إذا عرفت ذلك ظهر لك أنّ أكثر المرجّحات المأمور بها في الأحاديث
موجودة هنا في أحاديث نفي السهو إن لم يكن كلها، وأنّها موافقة لجميع أدلّة
الشرع المعتبرة عند الاُصوليين والاخباريين، وأنّ معارضاتها ضعيفة عند
الفريقين على تقدير حملها على ظاهرها، والله أعلم.


تذنيب

قال بعض المحقّقين من المتأخّرين: قد روي ما يدلّ على وقوع السهو
من الرسول صلّى الله عليه وآله من طريق العامّة مع اضطراب في المتن
واختلاف فيه، ففي رواية إنّ ذا اليدين قال له: أقصرت الصلاة أم نسيت يا
رسول الله؟ فقال: كل ذلك لم يكن. فقال له: بعض ذلك قد كان(١) .

وفي صحيح البخاري(٢) انّه قال في الجواب: لم تقصر ولم أنس.

وفي الصحيحين(٣) انّه لما قال له الخرباق وشهد له(٤) بعض الصحابة، قام
صلّى الله عليه وآله يجرّ ردائه فدخل الحجرة، ثمّ خرج عليهم، ثمّ
صلّى ركعتين، فسلّم، ثمّ سجد للسهو سجدتين.

وقد وقع منهم في نقل القصّة اضطراب، فتارة نقلوا انّه كان في صلاة
الظهر، وتارة في صلاة العصر، وهذه الأحاديث الّتي من طرق العامّة بافترائهم
عليه من وجوه:

الأوّل: الاضطراب المذكور في القصّة والمتن.

__________________

(١) صحيح البخاري ١: ١٢٣، صحيح مسلم ١: ٤٠٣ ح ٥٧٣، سنن النسائي ٣: ٢٠ - ٢٥، سنن أبو
داود ١: ١١٨ - ١٢٢ ح ٤٣٥ - ٤٤٧.

(٢) صحيح البخاري ١: ١٧٥.

(٣) صحيح البخاري ١: ١٢٤، صحيح مسلم ١: ٤٠٣.

(٤) في ب: عليه، وفي د: له عليه.


الثاني: إنّ قوله عليه السلام « كلّ ذلك لم يكن »، إن كان مع تجويزه
السهو على نفسه مع وقوعه، فكيف يجزم بأنّ كلّ ذلك لم يكن، أو بأنّها لم
تقصر ولم ينس، وأقلّه أن يقول: ظنّي إنّ ذلك لم يكن، أو بأنّها لم تقصر ولم
أنس، وهل يليق بمرتبته عليه السلام إنكار ذلك مع احتماله في حقّه حتّى أنّه
يتجاوز الحدّ في إخراجه عن مرتبته من تأوّل قوله؟ كلّ ذلك لم يكن انّ المراد
به رفع الايجاب الكلّي ليكون الواقع السهو، وهذا يليق بمن يحتال في الجواب
لئلاّ يعترف بما نسب إليه ولا يفتضح بظهور خطأه، فهل يليق به مثل ذلك؟ مع
انّ قوله: لم تقصر ولم أنس، وقول ذي اليدين: بعض ذلك قد كان، يدلاّن
على انّه أراد السلب الكلّي ويرفعان هذه الحيلة في الجواب، وربّما ترقوا إلى
انّ هذا سهو آخر.

فيالله العجب من تجويز سهوين عليه، وعدم تجويز سهو واحد
على ذي اليدين! ومن تكذيبه، وتصديق ذي اليدين! فعلى هذا كان ذو اليدين
أحقّ منه بالنبوّة، حيث لا يجوز عليه ولا على من شهد له السهو الواحد، وجاز
على رسول الله صلّى الله عليه وآله سهوان في وقت واحد!!

الثالث: كونه قام غضباناً يجرّ رداءه، فهذا الغضب إن كان في قولهم
الحقّ، فهل يليق لمن قال تعالى في شأنه:( وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (١) ، وكان
رسولاً لاظهار الحقّ، وإرشاد الخلق، أن يغضب من ذلك، والذي يليق بحاله
عليه السلام إن كان غضب من ذلك، أن يكون من افترائهم عليه، وشهادة
بعضهم لبعض، وهذا هو المناسب لغضبه، واللائق به، مع انّ الغضب الذي
ذكروه لا يخلو من أن يكون لافترائهم عليه، أو من خجله بإنكار ذلك، أو من

__________________

(١) سورة القلم: ٤.


ردّهم عليه والاخيران لا ينسبهما إليه من يقول بنبوّته، وأقبح منه خروجه
وإتمام الصلاة، فإنّه إذا اجترء على الإنكار، جاز عليه الإصرار، وهو أخفّ
قبحاً من الاعتراف بعد الإنكار.

هذا ما تضمّنته أحاديثهم.

وأما أحاديثنا: فإنّها وإن لم يكن فيها ذلك، لكن لكونها موافقة لما عليه
العامّة مع شهرته بينهم، وعدم عمل الإماميّة به إلاّ من شذّ، ومخالفتها لأدلّة
العقل تركوا العمل بها. « انتهى ».

وقد تقدّم كلام العلاّمة في التذكرة(١) وما ذكره في تضعيف حديث
ذي الشمالين في أول الرسالة.

__________________

(١) في ص: ٥٣.


الفصل التاسع

في بيان اضطراب حديث السهو وضعفه وعدم جواز التعويل
عليه وحمله على ظاهره، مضافاً إلى ما تقدّم

وهذا الفصل كلّه من كلام الشيخ المفيد في الرسالة التي نقلنا صدرها
سابقاً، وننقل ما فيها بتمامه هنا، وهي مشتملة على فصول كما هي عادته في
كثير من رسائله.

قال الشيخ الأجل المفيد رحمه الله بعدما نقلناه سابقاً ما هذا لفظه:

فصل(١)

على انّهم [ قد ](٢) اختلفوا في الصلاة التي زعموا انّه عليه السلام سها
فيها، فقال بعضهم: هي(٣) الظهر. وقال بعضهم: هي العصر. وقال بعضهم:

__________________

(١) سقط هذا الفصل من « ب »، وأثبتناه من « ج، د ».

(٢) ليس في ج.

(٣) في د: في، وكذا في المورد الآتي.


هي عشاء الآخرة.

وهذا الاختلاف دليل على وهن الحديث، وحجّة في سقوطه، ووجوب
ترك العمل به وإطراحه.

فصل

على إنّ في الخبر ما يدّل على اختلافه(١) ، وهو ما رووه من انّ ذا
اليدين قال للنبي صلّى الله عليه وآله لما سلّم في الركعتين والأوّليّتين من الصلاة
الرباعية: أقصرت للصلاة يا رسول الله، أم نسيت؟

فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله - كما زعم -: كلّ ذلك لم يكن(٢) .

فنفى صلّى الله عليه وآله ان تكون الصلاة قد قصرت، ونفى أن يكون قد
سها فيها.

فليس يجوز عليه عندنا وعند الحشوية المجيزين عليه السهو، أن
يكون(٣) النبي صلّى الله عليه وآله متعمّداً(٤) ولا ساهياً، وإذا كان قد أخبر انّه لم
يسه - وكان صادقاً في خبره - فقد ثبت كذب ذي اليدين ومن أضاف إليه
السهو، وكذا وضح بطلان دعواه في ذلك بلا ارتياب.

__________________

(١) في ج: خلافه.

(٢) راجغ الخلاف للشيخ الطوسي ١: ٤٠٢ - ٤٠٧، المسألة ١٥٤ من كتاب الصلاة، وقد ناقش فيه
وطعن على من قال في السهو.

(٣) كذا في النسخ، وفي المصدر والبحار: يكذب.

(٤) في ج: معتمداً.


فصل

وقد تأوّل بعضهم ما حكوه من قوله: « كلّ ذلك لم يكن » على ما يخرجه
عن الكذب مع سهوه في الصلاة، بأن قالوا: إنّه صلّى الله عليه وآله نفى أن
يكون وقع الأمران معاً، يريد أنّه لم يكن يجتمع قصر الصلاة والسهو، فكان قد
حصل أحدهما ووقع.

وهذا باطل من وجهين:

الأوّل: انّه لو كان أراد ذلك، لم يكن جواباً عن السؤال، والجواب عن
غير السؤال، لغوٌ لا يجوز وقوعه من النبي صلّى الله عليه وآله.

والثاني: انّه لو كان كما ادّعوه، لكان صلّى الله عليه وآله ذاكراً به من غير
اشتباه في معناه، لأنّه قد أحاط علماً بانّ أحد الشيئين كان دون صاحبه، ولو
كان كذلك لارتفع السهو الّذي ادّعوه، وكانت دعواهم له باطلة بلا ارتياب، ولم
يكن أيضاً لجمع كلية وجود أحد الأمرين(١) معنى لمسألته حين(٢) سأل عن
قول ذي اليدين، هل هو على ما قال، أو على غير ما قال؟ لأن هذا السؤال يدلّ
على اشتباه الأمر عليه فيما ادّعاه ذو اليدين، ولا يصحّ وقوع مثله من متيقّن لما
كان في الحال.

__________________

(١) كذا في النسخ، وفي المصدر: مع تحقيقه وجود أحد الأمرين، وفي البحار: ولم يكن أيضاً معنى لمسألته.

(٢) في « ج، د »: لمسألة من.


فصل

وممّا يدلّ على بطلان الحديث أيضاً اختلافهم في الخبر أنّ(١)
الصلاة الّتي ادّعوا فيها، والبناء على ما مضى منها، أو الإعادة
لها.

فأهل العراق يقولون: انّه أعاد الصلاة، لأنّه تكلّم فيها، والكلام في
الصلاة يوجب الإعادة عندهم.

وأهل الحجاز ومن مال إلى قولهم يزعمون: انّه بنى على ما مضى، ولم
يعد شيئاً، ولم يقض، سجد لسهوه سجدتين.

ومن تعلّق بهذا الحديث من الشيعة يذهب فيه إلى مذهب أهل العراق،
لانّه تضمّن كلام النبيّ صلّى الله عليه وآله في الصلاة عمداً، والتفاته عن القبلة
إلى من خلفه، وسؤاله عن حقيقة ما جرى، ولا يختلف الفقهاء وهم في ذلك
يوجبون الإعادة(٢) .

والحديث متضمّن(٣) انّ النبي صلّى الله عليه وآله بنى على ما مضى ولم
يعد، وهذا الاختلاف الّذي ذكرناه في هذا الحديث أدلّ دليل على بطلانه،
وأوضح حجّة في وضعه واختلاقه(٤) .

__________________

(١) كذا في النسخ، وفي المصدر والبحار: جبران.

(٢) كذا في النسخ، وفي المصدر والبحار: فقهاؤهم في أنّ ذلك يوجب الإعادة.

(٣) في د: يتضمّن.

(٤) كذا في النسخ، وفي المصدر والبحار: واختلافه.


فصل

على إنّ الرواية له من طريق الخاصّة والعامّة كالرواية من الطريقين معاً
أنّ النبي صلّى الله عليه وآله سها في صلاة الفجر(١) ، وكان قد قرأ في
الاُولى منهما سورة النجم حتى انتهى إلى قوله:( أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّىٰ *وَمَنَاةَ
الثَّالِثَةَ الأُخْرَىٰ
) (٢) ، فألقى الشيطان على لسانه « تلك الغرانيق العلى، وان
شفاعتهم لترتجى » ثمّ نبّه على سهوه، فخرّ ساجداً، فسجد المسلمون، وكان
سجودهم اقتداء به، وأمّا المشركون فكان سجودهم سروراً بدخوله معهم في
دينهم(٣) .

قالوا: وفي ذلك أنزل الله تعالى:( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلا نَبِيٍّ
إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ
) (٤) يعنون في قراءته. واستشهدوا على ذلك
ببيت من الشعر وهو:

__________________

(١) انظر الكافي ٣: ٢٩٤ ح٩ و٣٥٧ ح٦، التهذيب ٢: ٣٤٥ ح ١٤٣٣، من لا يحضره الفقيه ١: ٢٣٣
ح ١٠٣١.

(٢) سورة النجم: ١٩ و ٢٠.

(٣) ذكر الخبر الجصاص في أحكام القرآن ٣: ٢٤٦ - ٢٤٧، وأسقطه من عين الاعتبار، وذكر ذلك
أيضاً القرطبي في تفسيره ١٢: ٨١ - ٨٥.

(٤) سورة الحج: ٥٢.

حكى الشيخ الطبرسي في مجمع البيان ( ٤: ٩ ) في تفسير الآية الكريمة قول الشريف المرتضى
قدّس سرّه حيث قال: لا يخلو التمنّي في الآية من أن يكون معناه التلاوة، كما قال حسّان بن ثابت:

تمنّى كتاب الله أوّل ليله

وآخره لاقى حمام المقادر

ولم يسنبه ابن منظور في لسان العرب ( ١٥: ٢٩٤ - منى - ) إلى حسّان، بل ذكره باللفظ المتقدّم
وباللفظ التالي:

تمنّى كتاب الله آخر ليله

تمني داود الزبور على رسل


تَمَنّى كتاب الله يتلوه قائماً

وأصبح ظمآناً ومسّد(١) قارياً

فصل

وليس حديث سهو النبي صلّى الله عليه وآله في الصلاة أشهر في
الفريقين من روايتهم: إنّ يونس عليه السلام ظنّ أنّ الله يعجز على الظفر به، ولا
يقدر على التضييق عليه، وتأوّلوا قوله تعالى:( فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ ) (٢)
على ما رووه واعتقدوا فيه(٣) .

وفي أكثر رواياتهم: انّ داود عشق امرأة اُوريا بن صبنان(٤) فاحتال في
قتله، ثم نقلها إليه(٥) .

وروايتهم: انّ يوسف بن يعقوب عليه السلام همّ بالزنا وعزم عليه(٦) ،
وغير ذلك من إمثاله.

ومن رواياتهم: التشبيه لله بخلقه، والتجوير له في حكمه(٧) .

فيجب على الشيخ الّذي حكينا - أيّها الأخ - عنه أن يدين الله بكلّ ما
تضمّنته هذه الأخبار(٨) ليخرج بذلك عن الغلو على ما ادّعاه، فان دان بها،

__________________

(١) كذا في «ب، ج»، وفي «د» والمصدر: وسّد، وفي بعض نسخ المصدر: «وقد فاز» بدل « وسّد ».

(٢) سورة الأنبياء: ٨٧.

(٣) انظر تفسير القرطبي ١١: ٣٣١.

(٤) كذا في ب، وفي ج: صبثان، وفي د: صبان، وفي المصدر: حنان.

(٥) تفسير القرطبي ١٥: ١٨١.

(٦) أحكام القرآن لابن العربي ٤: ١٦٢٦.

(٧) تفسير القرطبي ٩: ١٦٦.

(٨) روي الشيخ الصدوق في أماليه: ٩٢ المجلس ٢٢ ضمن الحديث رقم (٣) جملة من هذه الأخبار


خرج عن التوحيد والشرع، وان ردّها ناقض في اعتلاله(١) ، وإن كان ممّا لا
يحسن فالمناقضة لضعف بصيرته، ونسأل الله التوفيق.

فصل

والخبر المروي(٢) أيضاً في النبي صلّى الله عليه وآله عن صلاة الصبح(٣)

__________________

التي رويت عن رواة جمهور المسلمين، وما جاء في الردّ على تلك الأخبار من قبل الإمام الصادق
عليه السلام.

(١) في هامش ج: اعتداله.

(٢) في ب: وليس سهو النبي والخبر المروي والظاهر انّه اشتباه من الناسخ.

(٣) أخرج الكليني في الكافي ( ٣: ٢٩٤ ح ٩ ) والصدوق في الفقيه ( ١: ٢٣٣ ح ١٠٣١ ) عن سعيد
الأعرج قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إنّ الله تبارك وتعالى أنام رسول الله صلّى الله عليه
وآله عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس الحديث.

وأخرج الشيخان بالإسناد إلى أبي هريرة واللفظ لمسلم ( ج ١: ٢٥٤ باب قضاء الصلاة الفائتة ) قال:
عرسنا مع نبي الله فلم نستيقظ حتى طلعت الشمس، فقال النبي صلّى الله عليه وآله: ليأخذ كل رجل
منكم راحلته فإنّ هذا منزل حضره الشيطان، قال أبو هريرة: ففعلنا، ثمّ دعا بالماء فتوضأ ثمّ سجد
سجدتين، ثمّ اُقيمت الصلاة فصلّى صلاة الغداة.

وقد ذكر السيد شرف الدين ملاحظات قيّمة حول هذا الحديث، نورد هنا بعضها إتماماً للفائدة:

أحّدها: أنهم ذكروا في خصائص النبي صلّى الله عليه وآله أنه كان لا ينام قلبه إذا نامت عيناه،
وصحاحهم صريحة بذلك، وهذا من أعلام النبوّة، وآيات الاسلام، فلا يمكن والحال هذه أن تفوته
صلاة الصبح بنومه عنها، إذ لو نامت عيناه فقلبه في مأمن من الغفلة ولا سيّما عن ربّه لا تأخذه عن
واجباته سنةٌ ولا نوم، وقد صلّىٰ مرّة صلاة الليل فنام قبل أن يوتر، فقالت له إحدىٰ زوجاته: يا
رسول الله، تنام قبل أن توتر؟ فقال لها: تنام عيني ولا ينام قلبي. أراد صلّى الله عليه وآله أنّه في
مأمن من فوات الوتر بسبب ولوعه فيها، ويقظة قلبه تجاهها فهو هاجع في عينه، يقظان في قلبه،
منتبه الى وتره، وإذا كانت هذه حالة في نومه قبل صلاة الوتر فما ظنّك به إذا نام قبل صلاة الصبح.
ثانيها: إنّ أبا هريرة صرّح - كما في صحيح مسلم - بأنّ هذه الواقعة قد اتّفقت لرسول الله صلّى الله
عليه وآله وهو قافل من غزوة خيبر، فكيف يدّعي أبو هريرة حضوره فيها؟ وأين كان أبو هريرة من
غزوة خيبر؟ وانّما أسلم بعد خروج النبي صلّى الله عليه وآله إليها باتفاق أهل العلم، وإجماع


من جنس الخبر عن سهوه في الصلاة، فإنّه من أخبارالآحاد التي لا توجب
علماً ولا عملاً، ومن عمل عليه فعلى الظن يعتمد في ذلك دون اليقين، وقد
سلف قولنا في نظير ذلك بما يغني عن إعادته في هذا الباب، مع انّه يتضمّن
خلاف ما عليه عصابة الحقّ فإنّهم لا يختلفون في أنّ من فاتته صلاة فريضة
فعليه أن يقضيها أي(١) وقت ذكرها من ليل أو نهار، ما لم يكن الوقت مضيّقاً
لصلاة فريضة حاضرة.

وإذا حرم [ على الإنسان ](٢) أن يؤدّي فريضة قد دخل وقتها ليقضي
فرضاً قد فاته، كان حظر النوافل عليه قبل قضاء ما فاته من الفرض أولى.

هذا مع الراوية عن النبي صلّى الله عليه وآله إنّه قال: « لا صلاة لمن عليه
صلاة »(٣) ، يريد أنّه لا نافلة لمن عليه فريضة.

__________________

أهل الأخبار.

ثالثها: انّ أبا هريرة يقول في هذا الحديث: ليأخذ كلّ رجل منكم برأس راحلته، فانّ هذا منزل
حضره الشيطان قال: ففعلنا. وقد علمت ممّا أسلفناه انّ الشيطان لا يدنو من النبي أبداً، وعلم الناس
كافة انّ أبا هريرة كان في تلك الأوقات لا يملك شبع بطنه، فمن أين له الراحلة ليأخذ برأسها كما
زعم إذ قال: ففعلنا؟

رابعها: أنّه قال في هذا الحديث: ثم دعا بالماء فتوضّأ، ثمّ سجد سجدتين ثم صلّىٰ صلاة الغداة؛ أمّا
صلاة الغداة فانّها قضاء عمّا فات، لكن السجدتين لم نعرف لهما وجهاً ولا محلاً من الاعراب!

خامسها: إنّ النبي صلّى الله عليه وآله كان يومئذ في جيش مؤلف من ألف وستمائة رجل فيهم مائتا
فارس. فالعادة تأبىٰ أن يناموا بأجمعهم فلا ينتبه أحد منهم أصلاً، وعلىٰ فرض عدم انتباههم من
أنفسهم فلابدّ بحكم العادة المألوفة أن ينتبهوا بصهيل مائتي فرس وضربها الأرض بحوافرها في
طلب علفها عند حضور وقته من الصبح فما هذا السبات العميق الشامل لجميع من كان ثمة من
انسان وحيوان؟ ولعل هذا من خوارق أبي هريرة!! « انظر: أبو هريرة: ١٠٨ - ١١٤ ».

(١) كذا في النسخ، وفي المصدر: في كلّ.

(٢) من المصدر.

(٣) نصب الراية ٢: ١٦٦.


فصل

ولسنا ننكر ان يغلب النوم على الأنبياء عليهم السلام في أوقات الصلاة
حتّى تخرج، فيقضوها بعد ذلك، وليس عليهم في ذلك عيب ولا نقص، لانّه
ليس ينفك بشر من غلبة النوم، ولأنّ النائم لا عيب عليه.

وليس كذلك السهو، لأنّه نقص عن الكمال في الانسان، وهو عيب
يختصّ به من اعتراه، وقد يكون من فعل الساهي تارة، كما يكون من فعل غيره
والنوم لا يكون إلاّ من فعل الله تعالى، فليس من مقدور العباد على حال، ولو
كان مقدورهم لم يتعلّق به نقص وعيب لصاحبه لعمومه جميع البشر، وليس
كذلك السهو، لأنّه يمكن التحرز منه.

ولأنّا وجدنا الحكماء يجتنبون أن يودعوا أموالهم وأسرارهم ذوي
السهو والنسيان، ولا يمتنعون من إيداع ذلك من يغلبهم من النوم أحياناً، كما لا
يمتنعون من إيداعه من تعتريه الأمراض والأسقام.

ووجدنا الفقهاء [ يطرحون ](١) ما يرويه ذوو السهو من الحديث إلاّ أن
يشركهم فيه غيرهم من ذوي اليقظة، والفطنة، والذكاء، والحذاقة.

فعلم فرق ما بين السهو والنوم بما ذكرناه.

ولو جاز أن يسهو النبيّ صلّى الله عليه وآله في صلاته وهو قدوة(٢) فيها
حتى يسلّم قبل تمامها وينصرف عنها قبل اكمالها، ويشهد الناس ذلك فيه

__________________

(١) من المصدر.

(٢) في د: قدرة.


ويحيطوا به علماً من جهته، لجاز أن يسهو في الصيام حتى يأكل ويشرب نهاراً
في شهر رمضان بين أصحابه وهم يشاهدونه ويستدركون عليه الغلط،
وينبّهونه عليه، بالتوقيف على ما بيناه(١) .

ولجاز أن يجامع النساء في شهر رمضان نهاراً ولم يؤمن عليه السهو في
مثل ذلك حتى يطأ المحرمات عليه من النساء وهو ساه في ذلك، ظانّ أنّهنّ
أزواجه، ويتعدّى من ذلك إلى وطيء ذوات المحارم ساهياً.

ويسهو في الزكاة فيؤخّرها عن وقتها، ويؤدّيها إلى غير أهلها ساهياً،
ويخرج منها بعض المستحقين ناسياً.

ويسهو في الحجّ حتى يجامع في الاحرام، ويسعى قبل الطواف، ولا
يحيط علماً بكيفية رمي الحجار(٢) ، ويتعدّى من ذلك إلى السهو في كلّ أعمال
الشريعة حتى ينقلها(٣) عن حدودها، ويضعها في غير أوقاتها، ويأتي بها
إلى غير حقائقها.

ولم ينكر أن السهو عن تحريم الخمر، فيشربها ناسياً أو يظنها شراباً
حلالاً، ثمّ يتيقظّ بعد ذلك لما هي عليه من صفتها.

ولم ينكر أن يسهو فيما يخبر به عن نفسه وعن غيره ممّن ليس بربه بعد
أن يكون منصوباً في الاداء، ويكون مخصوصاً بالاداء.

وتكون العلّة في جواز ذلك كلّه أنّها عبادة مشتركة بينه وبين اُمّته كما

__________________

(١) في بعض نسخ المصدر والبحار: على ما جناه.

(٢) كذا في ب، وفي ج: الحجارة، وفي « د » والمصدر والبحار: الجمار.

(٣) كذا في النسخ، وفي المصدر والبحار: يقلبها.


كانت الصلاة عبادة مشتركة بينهم وبينه حسب اعلال(١) الرجل الذي ذكرت عنه -
أيّها الأخ - ما ذكرت من إعتلاله، ويكون ذلك أيضاً لاعلام الخلق أنّه مخلوق
ليس بقديم معبود، وليكون حجّة على الغلاوة الّذين اتّحذوه ربّاً، وليكون أيضاً
سبباً لتعليم الخلق أحكام السهو في جميع ما ذكرناه من أحكام الشريعة، كما
كان سبباً في تعليم الخلق حكم السهو في الصلاة، وهذا ما لا يذهب إليه مسلم
ولا غال ولا موحّد، ولا يجزيه على التقرير(٢) في النبوّة ملحد، وهو لازم لمن
حكيت عنه ما حكيت، فيما أفتى به من سهو النبي صلّى الله عليه وآله، واعتلّ
به، ودلّ على ضعف عقله، وسوء اختياره، وفساد تخيّله.

وينبغي أن يكون كلّ من منع السهو عن النبي صلّى الله عليه وآله غالياً
وخارجاً عن حدّ الاقتصاد، وكفى بمن صار إلى هذا المقام خزياً.

فصل

ثمّ العجب حكمه بأنّ سهو النبي صلّى الله عليه وآله من الله، وسهو من
سواه من الله وسائر البشر من غيرها(٣) من الشيطان(٤) بغير علم فيما ادّعاه، ولا حجّة
ولا شبهة يتعلّق بها أحد من العقلاء، اللّهمّ إلاّ أن يدّعي الوحي في ذلك، ويتبيّن
به عن ضعف عقله لكافة الألبّاء.

ثمّ العجب من قوله: إنّ سهو النبيّ صلّى الله عليه وآله من الله دون

__________________

(١) كذا في النسخ، وفي المصدر والبحار: اعتلال.

(٢) في هامش « ج » والبحار: التقدير.

(٣) كذا في النسخ، وفي المصدر والبحار: غيرهم.

(٤) في ب: من غير الشيطان.


الشيطان، لأنّه ليس للشيطان على النبي صلّى الله عليه وآله سلطان، و( إِنَّمَا
سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ
) (١) ، وعلى من اتّبعه من
الغاوين.

ثمّ هو يقول: إنّ هذا السهو الّذي من الشيطان [ يعمّ جميع البشر سوى
الأنبياء والأئمّة، فكلّهم من أولياء الشيطان ](٢) ، وانّهم غاوون مشركون(٣) ؛ إذ
كان للشيطان عليهم سبيل وسلطان، وكان سهوهم منه دون الرحمن، ومن لم
يتيقّظ لجهله في هذا الباب، كان في عداد الأموات.

فصل

فأمّا قول الرجل المذكور: إنّ ذا اليدين معروف، وانّه يقال له: أبو محمد
ابن عبد عمرو(٤) ، وقد روى الناس عنه.

فليس الأمر كما ذكر، وقد عرّفه بما مرّ من(٥) معرفته من تكنيته وتسميته
بغير معروف بذلك، ولو انّه يعرفه بذي اليدين لكان أولى من تعريفه وتسميته(٦)
بعمرو(٧) ، فإنّ المنكر له يقول: من ذو اليدين؟ ومن هو عمرو(٨) ؟ ومن هو ابن

__________________

(١) سورة النحل: ١٠٠.

(٢) ليس في ب.

(٣) في ب: مشتركون، وفي د: ومشركون.

(٤) في ج: أبو عمرو محمد بن عبد عمرو، وفي المصدر والبحار: أبو محمد عمير بن عبد عمرو.

(٥) كذا في « ب، ج »، وفي « د » والمصدر والبحار: يرفع.

(٦) في « ب، د » والمصدر: بتسميته.

(٧) في المصدر والبحار: بعمير.

(٨) كذا في النسخ، وفي المصدر: عمير.


عبد عمرو؟ وهذا كلّه مجهول غير معروف.

ودعواه انّه قد روى الناس عنه، دعوى لا برهان عليها، وما وجدناه في
اُصول الفقهاء ولا الرواة حديثاً عن هذا الرجل، ولا ذكراً له.

ولو كان معروفاً كمعاذ بن جبل، وعبد الله بن مسعود، وأبي هريرة
وأمثالهم، لكان ما تفرّد به غير معمول عليه، لما ذكرنا من سقوط العمل
بأخبار الآحاد، فكيف وقد بيّنّا أنّ الرجل مجهول غير معروف؟ فهو متناقض
باطل بما لا شبهة فيه عند العقلاء.

ومن العجب بعد هذا كلّه انّ خبر ذي اليدين يتضمّن أنّ النبي صلّى الله
عليه وآله سها فلم يشعر بسهوه أحد من المصلّين معه من بني هاشم
والمهاجرين والأنصار ووجوه الصحابة، وسادات(١) الناس، ولا نظر إلى ذلك
وعرفه إلاّ ذو اليدين المجهول، الّذي لا يعرفه أحد، ولعلّه من بعض الأعراب أو
شعر(٢) القوم به فلم ينبّهه أحد منهم على غلطه، ولا أرى صلاح الدين والدنيا
بذكر ذلك له صلّى الله عليه وآله إلاّ المجهول من الناس.

ثمّ لم يكن يستشهد على صحّة قول ذي اليدين فيما خبّر به من سهوه إلاّ
أبا بكر وعمر، فإنّه سألهما عمّا ذكره ذو اليدين ليعتمد(٣) قولهما فيه، ولم يثق
بغيرهما في ذلك، ولا سكن إلى أحد سواهما في معناه.

[ وانّ ](٤) شيعيّاً يعتمد على هذا الحديث في الحكم على النبي صلّى الله

__________________

(١) كذا في النسخ، وفي المصدر: وسراة.

(٢) كذا في النسخ، وفي المصدر: أشعر.

(٣) في ب: ليعقد.

(٤) ليس في ب.


عليه وآله بالغلط والنقص وارتفاع العصمة عنه من العباد لناقص العقل، ضعيف
الرأي، قريب إلى ذوي الآفات المسقطة عنهم التكليف.

والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل.

تمّ جواب أهل الحائر فيما سألوا عنه من سهو النبي صلّى الله عليه وآله.

انتهى كلام الشيخ المفيد في الرسالة المشار إليها سابقاً وربّما نسبت(١)
إلى السيد المرتضى(٢) .

ولعل ما ذكره من سقوط العمل بأخبار الآحاد قرينة ذلك.

وفيه نظر، لأنّ الشيخ المفيد لا يعمل في مثل ذلك بأخبار الآحاد أيضاً،
بل قد نسب المحقّقون إلى المفيد وإلى أكثر علمائنا نفي العمل بخبر الواحد
الخالي عن القرينة.

__________________

(١) كذا في النسخ، وفي المصدر والبحار: نسبته.

(٢) أخرجها العلاّمة المجلسي رحمه الله بتمامها في بحار الأنوار ( ١٧: ١٢٢ - ١٢٩ ). وقال في أوّلها:
ولنختم هذا الباب بإيراد رسالة وصلت إلينا تنسب إلى الشيخ السديد المفيد، أو السيّد النقيب
والجليل المرتضى قدّس سرّه روحهما، وإلى المفيد أنسب.

وقال في آخرها: هذا آخر ما وجدنا من تلك الرسالة، وكان المنتسخ سقيماً، وفيما أورده رحمه الله
مع متانته اعتراضات يظهر بعضها ممّا أسلفنا، ولا يخفى على من أمعن النظر فيها، هو الموفّق
للصواب.


الفصل العاشر

في بيان تأويل أحاديث السهو

قد عرفت أنّها ضعيفة بالنسبة إلى معارضاتها، فتعيّن صرفها عن ظاهرها
لتوافق الحقّ الصحيح، والنصّ الصريح، فإنّ في الأحاديث محكماً ومتشابهاً،
ولا شكّ في وجوب ردّ المتشابه إلى المحكم، وانّما وقعت الفتن الدينية
والاختلافات في المسائل الشرعيّة غالباً بسبب الغفلة عن المعارض، أو
بسبب اشتباه المحكم بالمتشابه.

وقد روى رئيس المحدّثين في عيون الأخبار في باب الأخبار المتفرّقة
عقيب باب هاروت وماروت عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، [ عن أبيه، ](١) عن
أبي حيون مولى الرضا عليه السلام عن الرضا عليه السلام قال: من ردّ متشابه
القرآن إلى محكمه هدي إلى صراط مستقيم.

ثمّ قال: إنّ في أخبارنا متشابهاً كمتشابه القرآن، ومحكماً كمحكم
القرآن، فردّوا متشابهها إلى محكمها، ولا تتبعوا متشابهها دون محكمها

__________________

(١) ليس في « ب، ج ».


فتضلّوا(١) .

إذا عرفت هذا فنقول تأويل أحاديث السهو والجمع بينها وبين ما دلّ
على نفي السهو من الكتاب والسنّة والاجماع والأدلّة العقليّة ممكن من وجوه
اثني عشر:

الأوّل: الحمل على وقوع الرواية على وجه التقيّة، فانّك قد عرفت
إجماع المخالفين للإماميّة على نفي العصمة، وروايتهم لحديث السهو،
ولعلّه لا أصل له، ويكون من مخترعاتهم وموضوعاتهم، وقد كان الأئمّة عليهم
السلام يفتون بالتقيّة تارة، ويوافقون العامّة في الرواية تارة بحسب مقتضى
الحال، لدفع المفسدة، وإتّقاء الضرر عن الأئمّة والشيعة، ويأتي له نظائر إن شاء
الله تعالى.

وهذا وجه قريب متّجه منصوص عنهم عليهم السلام وجوب الترجيح
عند الاختلاف لما هو معلوم من سببه، وقد تقدّمت اشارة إليه، ومن
القرائن عليه رواية جماعة من العامّة له كما عرفت سابقاً، وقد اشار
الشيخ في التهذيب إلى حمل أحاديث السهو على التقيّة، كما تقدّم في أول
الرسالة(٢) .

الثاني: الحمل على انّ النبيّ صلّى الله عليه وآله قد كان صلّى في
الواقع أربع ركعات، فلمّا ادّعوا عليه السهو واتّهموه به، أو ظنّوا ذلك
واتّفقوا عليه، قام فصلّى ركعتين مع علمه بانّ صلاته كانت تامّة، لكن

__________________

(١) عيون أخبار الرضا عليه السلام ١: ٢٩٠.

(٢) في ص: ٨٤.


لعدم اقتضاء المصلحة لم يبيّن حقيقة الحال، لأنّه كان يترتّب على ذلك
مفسدة اُخرى، وأقلّها أنّهم كانوا منافقين لا يصدقونه في دعوى استحالة
السهو عليه، ومن المعلوم انّ أكثر المظهرين للإسلام في أوّل الأمر كانوا كذلك،
وإنّ الرسول صلّى الله عليه وآله كان مأموراً بمداراتهم كما تضمّنه باب
المداراة في اُصول الكليني وغيره، وكان يقرّر الشريعة في قلوبهم بالتدريج
بحسب ما يقبلون، كما هو موجود أيضاً في أحاديث كثيرة في اُصول الكافي
وغيره.

وقد روى الكليني في كتاب العقل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما
كلّم رسول الله صلّى الله عليه وآله العباد بكنه عقله قط(١) .

وقال: إنّا معاشر الأنبياء اُمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم(٢) .

ولا يخفى انّه لم يقع التصريح بانّه صلّى الله عليه وآله صلّى بهم
ركعتين اُخريتين إلاّ في حديث واحد، والظاهر انّ كلّ واحد منهم أتمّ
صلاته وحده وعلى تقدير الجماعة لا يبعد أن يكون مأموراً بذلك، ويكون
مخصوصاً به عليه السلام؛ وقيل اختصاص مشروعية صلاة الجماعة
بالفرائض، فقد كانوا يصلّون جماعة قبل الصلاة كما هو مروي في
أحاديث كثيرة.

الثالث: أن يكون صلّى في الواقع أربع ركعات، فلمّا ظنّوا سهوه واتّفقوا
على ذلك أمره الله بأن لا يظهر لهم الحال، وأن يتمّ بهم الصلاة ويسجد سجدتين

__________________

(١) الكافي ١: ٢٣ ح ١.

(٢) الكافي ١: ٢٣ ح ١٥ وج ٨: ٢٦٨ ح ٣٩٤.


ليعلموا أحكام السهو ولئلاّ يعيّر أحد أحداً بالسهو، والفرق بين هذا والأوّل انّ
المعروف هنا أمر خاص وهناك عام، ويكون من فوائد ذلك أنّه لو أظهر حقيقة
الحال واستحالة السهو لخرج كثير منهم إلى الغلو لضعف الإيمان جداً في ذلك
الوقت.

الرابع: أن يكون صلّى في الواقع ركعتين عمداً قبل أن تفرض الصلاة
أربع ركعات، فقد روى انّ الصلاة كانت قد فرضت ركعتين ركعتين، فكانت
الخمس صلوات عشر ركعات، ثمّ زاد رسول الله صلّى الله عليه وآله سبع
ركعات، ثمّ أوجبها الله على الناس(١) ، وقد كان الكلام أيضاً غير محرّم في
الصلاة ثمّ صار محرّم.

وممّن صرّح بذلك السيّد المرتضى في تنزيه الانبياء(٢) وغيره فلعلّه
صلّى ركعتين قبل أن تفرض الأخيرتان، وكان قد أمر الناس بها على وجه
الاستحباب، فظنّوا الوجوب، فتعمّد الترك واظهار صورة(٣) السهو لدفع
المفسدة السابقة، وتحصيل المصالح المتقدّمة وغيرها.

الخامس: أن يكون صلّى في الواقع ركعتين بعد فرض الأخيرتين، وكان
مأموراً أمراً خاصّاً به، بأن يفعل ذلك إظهاراً لصورة سهو، وهي في الواقع عمد
لأجل المصالح السابقة، والحكم المشار إليها، فيصدّق انّ ذلك كان من الله كما
وقع التصريح به سابقاً، وكما فهمه ابن بابويه.

__________________

(١) الكافي ٨: ٣٤٠ ح ٥٣٦، عنه الوسائل ٣: ٣٤ باب عدد الفرائض ح ١٢.

(٢) تنزيه الأنبياء: ١٠٨.

(٣) في ج: سورة.


يعني انّ هذه الصورة(١) سهو كان مأموراً بها من الله، وهي في الواقع عمد،
فإنّ صدور السهو الحقيقي من الله لا يمكن تصوّره، وإنّما يمكن فرض أن يكون
الله قد أمر بذلك لحكمة ظاهرة أو خفيّة.

السادس: أن يكون مجبوراً على ترك الأخيرتين في ذلك الرقت، [ أو
بسلب قدرته عنهما، أو بمحوهما من خاطره بالكليّة، ](٢) ويصير غير مكلّف
بهما، ويكون ذلك أيضاً خاصّاً به في الواقعة معينة للحكم السابقة، وللردّ
على الغلاة والمفوّضة معاً.

ومعلوم أنّ من جملته الغلو في التفويض، قول جماعة زعموا إنّ للعبد
قدرة تامّة لا يقدر أحد على سلبها حتى لو أراد الله منعه، من فعله لما قدر
على منعه، وقد ذكرت ذلك في رسالة خلق الكافر.

وظاهر كون سهوه من الله يقتضي أن يكون أمره به أو جبره عليه،
وعلى كلّ حال لا يكون وقع منه سهو حقيقي، بل هو مجاز، وباب المجاز
واسع، والمشابهة هنا ظاهرة لكن الجبر باطل، ويمكن أن يقال: إنّ هذه الصورة
نادرة والجبر باطل مع بقاء التكليف، فلو سلب الله قدرة عبد عن واجب
واسقطه عنه، لم يكن فيه مفسدة.

السابع: أن يكون السهو والنسيان بمعنى الترك، فإنّه أحد معانيه اللغوية،
وقد استعمل فيه كثيراً كما أشرنا إليه سابقاً.

وقد قال صاحب القاموس وغيره(٣) : سها في الأمر سهواً نسيه.

__________________

(١) في « ج، د »: صورة.

(٢) من المصدر والبحار.

(٣) القاموس المحيط للفيروزآبادي ٤: ٣٤٦.


وقال أيضاً النسيان والنسوة: الترك.

وإذا كان هذا من معاينة اللغوية، وهو المناسب لحال النبيّ صلّى الله
عليه وآله وجب حمله عليه، ويكون ذلك حكماً مختصّاً به عليه السلام
للحكم السابقة، وقد عرفت إنّ الأئمّة عليهم السلام فسّروا النسيان
المنسوب الى آدم عليه السلام وغيره من أهل العصمة عليهم السلام في
القرآن بالترك، وهو معنى صحيح، ويحتاج إلى ضميمته وجه من الوجوه
السابقة أو نحوها.

الثامن: أن يكون النبيّ صلّى الله عليه وآله صلّى في الواقع ركعتين
عمداً قبل وجوب الصلاة وفرضها، وكانوا يصلّون في وقت استحباب الصلاة،
وذلك قبل ليلة المعراج مدّة طويلة، وكانوا يصلّون جماعة، فلعلّهم كانوا
يصلّون تلك الصلاة الخاصّة أربع ركعات دائماً، ولا يستلزم ذلك الوجوب،
وأن توهّمه ذو الشمالين وبعض المنافقين لجهلهم، فيكون ترك ركعتين
لأجل المصالح السابقة، لا لوقوع السهو والنسيان، بل لنفي الغلو وإبطال
التفويض، وتعليم أحكام السهو والنهي على التعبير بالسهو، أو عن الإفراط
في التعبير، أو المبالغة في إثبات البشرية، أو نحو ذلك من الحكم الظاهرة أو
الخفيّة.

ولم ينقل في أحاديث السهو إنّ أمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم
السلام أو أحداً من المؤمنين المخلصين أو العلماء المعتبرين كان حاضراً،
وعلى هذا الوجه وبعض الوجوه السابقة، يكون نقل القصّة على وجه
الإجمال، وعدم بيان حقيقة الحال، وإطلاق لفظ السهو كلّه لملاحظة التقيّة،
وعدم الخروج عن رعاية تلك الحكم والمصالح للمكلّفين بحسب الإمكان،

مع انّهم عليهم السلام قد بيّنوا ذلك في أحاديث كثيرة عامّة وخاصّة صريحة
في المعارضة، وقد تقدّم بعضها.

التاسع: أن يكون صلّى الله عليه وآله صلّى في الواقع ركعتين نافلة،
فظنّوها فريضة، فاقتدوا به، فلمّا فرغ قالوا ما قالوا، وظنّوا ما ظنّوا، فلم
يرخص له في إظهار الحال.

ثمّ قام فصلّى ركعتين اُخرى نافلة، وكان ذلك من نافلة الظهر أو غيرها،
فلم يكلّمهم بكنه عقله، لأنّه مأمور بأن يكلّم الناس على قدر عقولهم كما
مضى، ولدفع المفسدة فعل ما فعل، وسجد سجدتين شكراً فظنّوا انّه سها، وأتمّ
صلاته وسجد للسهو.

ونقلها العامّة بناء على اعتقاد أهل النفاق، ورواها الأئمّة عليهم السلام
لملاحظة التقيّة، ولا ينكر من المنافقين مثل هذا الجهل، بل العمد فيها يقتضي
سوء الظن بالنبيّ صلّى الله عليه وآله ووجوب بيان الحقّ عليه صلّى الله عليه
وآله لا ينافي ما قلناه، لأنّه قد يستلزم مفسدة، وقد يعلم عدم قبوله، وليس
ذلك من باب التقيّة، بل يكون مأموراً بما قال وما فعل في أقواله وأفعاله عليه
السلام من هذا القبيل ما لا يعدّ ولا يحصى.

وقد روى الكليني في باب الروضة بسنده عن رسول الله صلّى الله عليه
وآله انّه قال: والله لولا أن يقول الناس إنّ محمداً استعان بقوم فلمّا ظفر بعدوّه
قتلهم، لقدّمت كثيراً من أصحابي فضربت أعناقهم(١) .

وقد روى العامّة والخاصّة عنه صلّى الله عليه وآله انّه قال لعلي عليه

__________________

(١) الكافي ٨: ٣٤٥ ح ٥٤٢، عنه بحار الأنوار ٢٢: ١٤١ ح ١٢٣.


السلام: يا علي، والله لولا انّي أخاف أن تقول فيك طوائف من اُمّتي ما قالت
النصارى في المسيح، لقلت فيك اليوم قولاً لا تمرّ بملأ إلاّ أخذوا التراب من
تحت قدميك يتبرّكون به(١) ومثل ذلك كثير جداً.

العاشر: أن تكون الركعتان الأخيرتان لم تكن واجبة على النبيّ صلّى الله
عليه وآله أصلاً، فإنّه هو الّذي زادها وأوجبها على الاُمّة، فأجاز الله له ذلك كما
مرّ، ويحتمل كونها غير واجبة عليه، ويكون ذلك من خواصّه، وإن لم ينقل إلينا
تصريح بذلك، فليس كلّ خواصّه قد نقلت.

وإذا لم تكن الأخيرتان واجبة عليه، فلا يبعد في تركهما عمداً، ثمّ
الإتيان بهما لأجل الحكمة والمصلحة السابقة وغيرها.

الحادي عشر: أن يكون حديث ذي الشمالين لا أصل له، ويكون
من مخترعات العامّة وممّا نسبوه إلى الرسول صلّى الله عليه وآله بغير
أصل، وتكون رواية الأئمّة عليهم السلام له، ونقلهم ايّاه لأجل تعليم
الشيعة الاحتجاج به على العامّة فيما تضمّنه من الأحكام الشريعة الّتي
خالف فيها كثير منهم، والاحتجاج على العامّة بما يعتقدونه حجّة من
أحاديثهم الموضوعة، وأكاذيبهم المخترعة، قد وقع من الأئمة عليهم السلام
ومن خواصّ أصحابهم على وجه الإلتزام(٢) والمعارضة في أحاديث كثيرة
جداً، ولا يأبي هذا الوجه من أحاديث السهو شيء، فقد أشاروا عليهم
السلام لأصحابهم إشارات بمثل ذلك، بل صرّحوا في بعض الروايات،

__________________

(١) الكافي ٨: ٥٧ ح ١٨، تفسير البرهان للبحراني ٤: ١٥٠ - ١٥١، نور الثقلين ٤: ٦٠٩.

(٢) في ج: الإلزام.


فإن كان ذلك بعيداً في بعض أحاديث السهو فلعلّه من باب الرواية
بالمعنى.

واعلم انّي كنت أنكر على بعض علمائنا في كتب الاستدلال أنّهم
يستدلّون على ما يختارونه أوّلاً ببعض الاستنباطات الظنّيّة حتى بالقياس، ثمّ
يقولون ويؤيّده صحيحة زرارة مثلاً، وربّما يستدلّون أوّلاً بما رواه العامّة عن
عائشة وعمر وأبي هريرة وأمثالهم، ثمّ بأحاديث الخاصّة ويوردونها على وجه
التأييد، ومعلوم انّه ينبغي أن يكون الأمر بالعكس، ثمّ تفطّنت انّ فعلهم هذا
لأجل الاحتجاج على العامّة لأنّهم يقولون أقوالهم وأقوال الشيعة، ثمّ يختارون
قولاً ويحتجّون عليه.

ثمّ وجدت للسيّد المرتضىرضي‌الله‌عنه تصريحاً بمثل ذلك في بعض
رسائله، فقال ما ملخّصه: إنّا نستدلّ في الظاهر بطريقة العامّة، وربّما
نستدلّ بأحاديثهم، وإنّما دليلنا في الواقع، ونفس الأمر هو إجماع الطائفة
المحقّة.

أقول: ومراده كما يفهم من مواضع من كلامه بالإجماع هنا أعمّ من
الاجماع على الفتوى بحيث لا يخالف أحد منهم، والإجماع على النقل بأن
يرووا الحديث في بعض الاُصول الأربعة الّتي أجمعوا على صحّتها وثبوتها
عنهم عليهم السلام، وقد سرى الوهم من هنا إلى بعض المتأخّرين فظنّوا إنّ
استدلالهم بتلك الاستنباطات الظنّيّة واقعي تحقيقي، مع أنّ الشيخ في كتاب
العدّة(١) والسيّد المرتضى في مواضع من كلامه وغيرهما من المحقّقين

__________________

(١) عدّة الاُصول ١: ٢٧٦.


يصرّحون بخلافه.

الثاني عشر: أن يكون حديث ذي الشمالين وأحاديث السهو من
المتشابهات التي تعارضها المحكمات، ويكون لها معنى آخر لم نطّلع عليه ولم
يخطر لنا ببال، فإنّ كثيراً من المتشابهات بهذه الصورة، ويجب علينا التوقّف
فيها وردّ أمرها إلى الله وإليهم عليهم السلام، وإنّما نذكر ما نذكر على وجه
الاحتمال وبذل الجهد في ردّ المتشابه إلى المحكم بحسب الإمكان كما أمرنا به
الأئمّة عليهم السلام.

ومن المعلوم أنّه مع وجود المعارضات الكثيرة الّتي تقدّم بعضها،
وأشرنا إلى باقيها، وترتّب المفاسد الكثيرة كما مرّ لا سبيل إلى حمل
أحاديث السهو على ظاهرها، والجزم بإمكان السهو من المعصوم ووقوعه
منه، والتطرّق إلى سوء الظنّ بأقواله وأفعاله، معاذ الله من أن نشكّ
في ذلك.


الفصل الحادي عشر

في الجواب عن استدلال ابن بابويه في الكلام السابق،
وعن أحاديث السهو بالتفصيل

وقد صار ذلك واضحاً، لكنّا نزيده توضيحاً فنقول:

أمّا الخبر الّذي أورده عن سعيد الأعرج فلا يفهم وقوع سهو حقيقي
واقعي من الرسول صلّى الله عليه وآله، بل يظهر منه إنّ تلك الواقعة لم تكن من
قسم السهو الواقع منه، بل هي من الله، وحينئذٍ فهو دالّ على مطلبنا، لا
على مطلبكم، لأن فيه تنزيهاً للرسول عن السهو، ونسبته إلى الله، ومعلوم انّ
وقوع هذا الفعل من الله؛ أمّا أن يكون بطريق الأمر به، أو الجبر عليه( وَمَا كَانَ
رَبُّكَ نَسِيًّا
) (١) .

وعلى كلّ حال لا سهو، وكذلك النوم، بل ذكر لفظ أنام رسوله أوّلاً، ثمّ
لفظ أسهاه ثانياً يدلّ على إنّ الحكم في المقامين واحد، وانّه لا اختيار له في

__________________

(١) سورة مريم: ٦٤.


شيء منهما، ولا فعل فعلاً حقيقيّاً، وهذه قرينة قويّة جداً.

وأمّا نسبة إنكار السهو المذكور إلى الغلاة والمفوّضة، فلا يدلّ
على بطلانه، فقد عرفت أنّه لا يختصّ بهم لذهاب عظماء علماء الإماميّة إليه،
ولعلّ الغلاة والمفوّضة يذكرون وقوع هذه الصورة بالكلّيّة.

أمّا الغلاة فلاعتقادهم أنّه لا يقدر أحد على منع الرسول صلّى الله عليه
وآله والأئمّة عليهم السلام من شيء، ولا يأمرهم أحد بشيء.

وأمّا المفوّضة فبعضهم يقولون: إنّ الله فوض أمر الخلق والرزق إلى النبيّ
والأئمّة عليهم السلام، وبعضهم يقولون: إنّ للعبد قدرة لا يقدر الله أن يسلبه
إيّاها، ولا يمنعه من شيء من أفعاله وحينئذٍ يستقيم الردّ عليهم بهذه الواقعة،
لأنّها على تقدير تسليمها، أمّا أمر من الله، أو جبر منه، وهو ينافي اعتقاد
الفريقين، وإذا حمل على السهو المجازي الظاهري استقام كلام ابن بابويه
أيضاً، وصار النزاع لفظياً في مجرّد التسمية بالسهو، فإنّه لا يظهر من كلامه
تجويز سهو حقيقي أصلاً، وهذا توجيه غير بعيد.

وأمّا الفرق بين العبادة المشتركة والتبليغ الّذي هو عبادة مختصّة، فممّا
لا يوافقه عليه أحد، وأكثر الناس لا يفهمون الفرق، بل كلّ من ثبت عنده سهوه
عليه السلام يتطرّق إلى تجويزه في التبليغ.

وأمّا على التفسير الّذي فسّرنا به كلامه، فيستقيم في ذلك، لأنّ(١) فرض
الجبر على تبليغ الباطل، والأمر به محال قطعاً ظاهر البطلان، مناف للكحمة،
ناقض الغرض.

__________________

(١) في ب: إلى أنّ.


وأمّا قوله: إنّ سهوه من الله، وسهو غيره من الشيطان، فهو يقرّب ما قلناه،
لأن نسبة السهو هنا إلى الله والى الرسول لابدّ فيها من ارتكاب تجويز، بأن
يكون أحدهما فاعلاً حقيقياً، والآخر مجازياً، فإن كان الفاعل الحقيقي هو
الرسول صلّى الله عليه وآله من غير أمر من الله، فلا فرق بين سهونا وسهوه، إلاّ
بأنّ سهوه من نفسه من غير مدخلية الشيطان، وتبطل النسبة إلى الله حينئذٍ لأنّ
معناها على هذا التقدير التخلية والتمكين وعدم المنع، وذلك حاصل في سهونا
أيضاً، فانتفت المزيّة بالكليّة، وبطل الفرق كما لا يخفى، لأنّ ما ذكر غير صالح
للفرق، ولا موجب لنسبة الفعل إلى الله حقيقة، بل يوجب أن يكون النبيّ أسوء
حالاً منّا في السهو، لأنّ لنا عذرين، وله عذر واحد.

وإن كان الفاعل الحقيقي هو الله؛ أمّا بالخبر الخاص على تقدير تسليمه،
أو بالأمر له بما فعله، ففيه تصريح بنفي السهو عن المعصوم، وهو عين المدّعي،
وإنّما نفينا عنه السهو الحقيقي، ولا حرج في إطلاق المجازي، مع انّ
الأولى ترك إطلاقه أيضاً في غير الضرورة، كرواية هذه الأخبار وتأويلها.

هذا ولا يخفى إنّ الحمل على وقوع الأمر يستلزم الإسناد المجازي
أيضاً، ولا تصوّر فيه، وقرينة قول ابن بابويه: إنّ سهوه من الله وسهونا
من الشيطان.

ومعلوم إنّ الشيطان لا يجبر الإنسان على السهو ولا على غيره، بل يأمره
بما يريد ويوسوس إليه به، لكن النسبة إلى الله مع أمره به أقرب من النسبة إليه
مع التخلية بمراتب، وإلاّ جاز إسناد جميع أفعال المعصوم وغيره إلى الله تعالى.

وأمّا ما نقله عن محمد بن الحسن بن الوليد، فقبوله للتوجيه الّذي قلناه،

والمحمل الصحيح الّذي ذكرناه أوضح، وكذلك دليلهما، فتزول المخافة.

وأمّا الكتاب الّذي وعد بتأليفه فلم يصل إلينا، فإن كان صرّح فيه بتجويز
السهو الحقيقي أو وقوعه، بطل حمل كلامه على المحمل الصحيح، ولم يبطل
حمل الأخبار عليه لوجود معارضاتها، وكثرة اجمالاتها(١) .

وأمّا حديث(٢) أبي بكر الحضرمي ففيه مع الإغماض عن سنده أنّه نسب
السهو إلى الرسول صلّى الله عليه وآله، فينافي إجماع الفريقين، لأنّ من جوّز
السهو عليه قال: انّه من الله، فلابد له من تأويله بالحمل على المجاز، أو
الاعتراف ببطلان الفرق الّذي ذكره، والقول بالمساواة بين سهونا وسهوه.

وأمّا حديث الحارث فليس فيه تصريح بالسهو أصلاً، بل ظاهره العمد
لإطلاق اسناد الفعل، وهو يتمّ على جملة من الوجوه السابقة.

وأمّا حديث الحسن بن صدقة ففيه مع ضعف سنده جداً أنّه تضمّن منه
الفعل إلى الرسول صلّى الله عليه وآله من غير تصريح [ بالسهو، ثمّ نسب الفعل
الى إرادة الله من غير تصريح به أيضاً ](٣) ، وظاهر الحال كون الإسنادين
على وجه الحقيقة، وهو لا يتمّ كما مرّ فالأقرب أن يكون الفعل من الرسول
صلّى الله عليه وآله عمداً، والأمر بذلك من الله كما تقدّم.

وحديث سعيد الأعرج قد عرفت حاله، وهذه الرواية أخفّ إشكالاً من
السابقة، ولفظ أسهاه يمكن حمله على الترك من غير بعد بأن يكون أمره به.

__________________

(١) في ب: اجمالاتنا.

(٢) في د: وأحاديث.

(٣) ليس في ب.


وأما حديث جميل فلا تصريح فيه بشيء، وانّما قال: فذكر حديث
ذي الشمالين، ووجهه ما تقدّم في مثله، بل أقرب الوجوه ممّا مضى، ويأتي
ممكن فيه.

وأمّا حديث أبي بصير ففيه مع(١) الاغماض عن سنده، وفساد مذهب
راويه، ومذهب غيره من الرواة انّه لم يصرّح بالسهو ولا فيه إشعار به.

وأمّا حديث سماعة فسنده كذلك، ويستقيم في متنه أكثر ما مرّ من
الوجوه إن لم يكن كلّها، مع أنّ قوله: من حفظ سهوه فأتمّه، ثمّ إيراده حديث
ذي الشمالين يدلّ على انّ رسول الله صلّى الله عليه وآله كان حافظاً لعدد
صلاته وأتمّها، فليس عليه سجدتا السهو وحينئذٍ لم يكن منه سهو حقيقي،
بل هو مجازي بقرينة قوله: حفظ، وقرينة ما تقدّم من المعارضات العقليّة
والنقليّة على انّه ينافي كثيراً من أحاديث السهو الّتي تضمّنت انّه صلّى الله عليه
وآله سجد للسهو، وهذا التناقض يضعف الاحتجاج بها، بل أوّله يناقض
آخره.

والتعليل الّذي تضمّنه قوله: فإنّ الخ، لا يخفى ما فيه من المنافرة
لأوّله، والإجمال والاشكال من امارات التقيّة، وقد تقدّم حديث عبد الله بن
بكير المتضمّن لنفي سجود السهو عنه عليه السلام، وانّه ما سجدهما قط، ولا
يسجدهما فقيه، أي حافظ لعدد صلاته، متيقّظ من الفقه - أي الفهم - أو فقيه
كامل الفقه والعلم - أعني المعصوم كما حمله عليه بعض المحقّقين -.

وأمّا حديث زيد بن علي فهو أضعف سنداً ودلالة لمخالفته للإجماع

__________________

(١) في ب: من.


وشذوذه، وعدم عمل أحد بمضمونه، وعدم موافقته لاعتقاد علي عليه السلام
وأكثر شيعته بل كلّهم، ولاختصاص رواة(١) الزيدية بنقله، ولاشتماله على لفظ
المرغمتين، وانّما سمّيت سجدتا السهو بهما لأنّهما ترغمان أنف الشيطان.

وإذا كان سهوه عليه السلام على تقدير تسليمه من الله لا من الشيطان،
لا يجوز إطلاق هذا اللفظ سلّمنا، لكن؛ من أين ثبت إنّ بعض القوم أصاب،
وإنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله أخطأ؟ بل يجب الجزم بالعكس، وإلاّ لكان
أمير المؤمنين عليه السلام أحقّ باستدراك ذلك من كلّ أحد، فتكون صلاتهم
في الواقع تامّة، والسجود المذكور محمولاً على بعض الوجوه السابقة،
والمرغمتان إرغاماً للمنافقين الّذين أرادوا إبطال صلاته وإعادتها.

وأمّا حديث زيد الشحّام فوجهه ما تقدّم مع ضعف سنده جداً.

وأمّا حديث العزرمي فقد عرفت عبارة الشيخ فيه، وفيها كفاية.

ويزيده وضوحاً: الأوجه السابقة من التقيّة وغيرها، وأقوى من جميع
ذلك، الحمل على كذب المنادي وغلطه، فهو أحقّ بالسهو والغلط، بل الافتراء
وتعمّد الكذب، فلعلّه كان من بعض الأعداء والمنافقين الّذين يريدون تغطية
قبائح المتقدّمين(٢) ، فقد نقلوا ذلك عن الثاني.

وأمّا حديث أبي بصير فليس فيه تصريح بوقوع سهو أصلاً، بل نقله
لذلك بلفظ قيل، يدلّ على عدم صحّته، وإلاّ لحكم به أوّلاً.

وأوضح من ذلك قوله: ما كان عليك لو سكت ولو كان صادقاً لما قال له

__________________

(١) في ب: برواية.

(٢) في هامش ب: الخلفاء الثلاثة الغاصبة للخلافة لعنهم الله. « منه رحمه الله ».


ذلك، لأنّه كان عليه استحقاق العقاب لو كان القول واجباً، وفوت الثواب إن
كان راجحاً، ولا يكاد يتصوّر المساواة والمرجوحية، لأنّه من المعاونة
على البرّ والتقوى، ونصيحة المؤمن للمؤمن.

وأمّا حديث سماعة، فلا إشكال فيه، فليس ذلك بفعل اختياري،
ولو لم يرد(١) التصريح بذلك لمنعناه، أو حملناه على ما قلناه لما
تقدّم من انّه تنام عينيه ولا ينام قلبه، ولكن النادر لا ينافي ذلك النص
لما يأتي.

وأمّا حديث سعيد الأعرج فلا اشكال فيه أيضاً، لأنّه صريح في انّ الله
جبره على ذلك، والزمه به، وجعل نومه غالباً، ولم يقع منه صلّى الله عليه وآله
تقصير ولا شيء، ولا ينافي العصمة، وفيه ردّ على الغلاة والمفوّضة معاً كما مرّ،
وفيه أيضاً اشارة إلى أنّ السهو على تقدير وقوعه كان كذلك، لكن الأقرب
هناك الحمل على الأمر دون الجبر.

وأمّا حديث عبد السلام بن صالح ففيه مع ضعف سنده جداً أنّه لا ينافي
ما قلنا، بل يؤيّده لانّه لم يقل يقع منه سهو، بل قال يقع عليه السهو، فدلّ
على أنّه مجبور أو مأمور.

والظاهر أنّهم كانوا ينكرون وقوع هذه القضيّة بالكلّيّة، ويعدونها محالاً
لاعتقادهم الغلو والتفويض، فلا يجوّزون ذلك على وجه الحقيقة ولا المجاز
ولا الأمر والمنع والإكراه، فورد الردّ عليهم وتكذيبهم، ولا أقل من الاحتمال
المانع من الاستدلال.

__________________

(١) في ج: يروي.


وقد ورد في الخصال عن أبي جعفر عليه السلام إنّ أمير المؤمنين عليه
السلام علّم أصحابه في مجلس واحد أربعمائة كلمة ممّا يصلح للمسلم في
دينه ودنياه.

فمن ذلك أنّه قال: إيّاكم والغلو فينا، قولوا إنّا عبيد مربوبون، [ وكذا
قوله: ](١) وقولوا(٢) في فضلنا ما شئتم(٣) .

ويفهم من هذا الحديث: إنّ نفي السهو عن المعصوم ليس من الغلو، وإنّما
الغلو نفي الحقيقي والمجازي معاً لمنافاته للعبودية.

وروى الطبرسي في الاحتجاج في احتجاج الرضا عليه السلام
على الغلاة والمفوّضة قال: لا تتجاوزوا بنا العبودية، ثمّ قولوا فينا ما شئتم، ولن
تبلغوا(٤) .

وأمّا الحديثان الأخيران فقد عرفت الوجه فيهما، والله تعالى أعلم.

__________________

(١) ليس في ج.

(٢) في د: وقوله.

(٣) الخصال: ٦١١ ح١٠، عنه بحار الأنوار ١٠: ٨٩ - ١١٦ ح١، وج٢٥: ٢٧٠ ح١٥، وج٧٠: ٣٦
ح ٣٠، وج ٧٥: ٣٩٥ ح ١١.

(٤) الاحتجاج ٢: ٤٣٨، عنه بحار الأنوار ٢٥: ٢٧٣ ح ٢٠.

وقال العلاّمة المجلسي في البحار ما نصّه: اعلم أن أصل هذا الخبر في غاية الوثاقة والاعتبار على
طريقة القدماء، وإن لم يكن صحيحاً بزعم المتأخّرين، واعتمد عليه الكليني وذكر أكثر أجزائه
متفرقة في أبواب الكافي، وكذا في غيره من أكابر المحدّثين.


الفصل الثاني عشر

في ذكر بعض النظائر والأشباه لأحاديث السهو الّتي يجب
تأويلها، ولا يجوز إبقائها على ظاهرها

وذلك كثير جداً، ولنقتصر من هذا القسم على اثني عشر:

الأوّل: ما رواه الشيخ أبو جعفر ابن بابويه في كتاب من لا يحضره الفقيه
في باب ما يصلّى فيه قال:

قال الصادق عليه السلام في قول الله عزّ وجلّ لموسى عليه السلام
( فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ المُقَدَّسِ طُوًى ) (١) قال: كانتا من جلد حمار ميّت(٢) .

وقد روى ابن بابويه في كتاب كمال الدين(٣) والشيخ الطبرسي في كتاب
الاحتجاج(٤) وغيرهما(٥) عن سعد بن عبد الله، عن صاحب الزمان عليه السلام

__________________

(١) سورة طه: ١٢.

(٢) من لا يحضره الفقيه ١: ٢٤٨.

(٣) كمال الدين ٢: ٤٦٠.

(٤) الاحتجاج ٢: ٤٦٣.

(٥) بحار الأنوار ١٣: ٦٥ ح ٤.


ما هو صريح في إنكار هذه الرواية، وإنّ موسى عليه السلام أجلّ قدراً من أن
يجهل ذلك، أو يخفى عليه مثله، وبالغ عليه السلام في ردّها وإبطالها وقال: من
قال ذلك، فقد افترى على موسى واستجهله في نبوّته، ثمّ ذكر انّ معنى:
( فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ) ؛ أي اخلع من قلبك حبّ أهلك. الحديث.

فانظر إلى أنّهم عليهم السلام تارة كانوا يروون ما يوافق التقيّة، وينقلون
عن الأنبياء خلاف الواقع، لأجل موافقة العامّة، ورعاية المصلحة، ودفع
المفسدة، ويفسّرون القرآن بذلك، لأجل ما ذكر فلا ينكر روايتهم لحديث
السهو، وإن لم يكن واقعاً على وجه الحقيقة لما فيه من الحكم والمصالح
السابقة.

الثاني: ما رواه الشيخ الجليل الثقة علي بن إبراهيم بن هاشم القمّي في
تفسيره من قصة هاروت وماروت نقلاً عن الأئمّة عليهم السلام انّهم رووها كما
يرويها العامّة، والقصّة طويلة موجودة هناك(١) .

وقد أنكرها الامام الحسن العسكري عليه السلام كما رواه رئيس
المحدّثين أبو جعفر بن بابويه في كتاب عيون الأخبار(٢) في باب ما جاء عن
الرضا عليه السلام في هاروت وماروت، قال: حدّثنا محمد بن القاسم المفسّر،
عن يوسف بن محمد بن زياد؛ وعلي بن محمد بن سيّار، عن أبويهما، عن
الحسن بن علي، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام في قوله تعالى:( وَمَا أُنزِلَ
عَلَى المَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ
) (٣) - إلى ان قال: - وكان بعد نوح عليه

__________________

(١) تفسير القمّي ١: ٥٦ - ٥٧.

(٢) عيون أخبار الرضا عليه السلام ١: ٢٦٩.

(٣) سورة البقرة: ١٠٢.


السلام قد كثر السحرة والمموّهون(١) ، فبعث الله ملكين إلى نبي ذلك الزمان
بذكر ما يسحر به السحرة وما يبطل به سحرهم، ويردّ به كيدهم، فتلقّاه النبي
عن الملكين وأدّاه إلى عباد الله بأمر الله، وأمرهم أن يقفوا به على السحر، وأن
يبطلوه، ونهاهم أن يسحروا به الناس، وهذا كما يدلّ على السمّ ما هو [ وعلى ما
يدفع به غائلة السمّ ](٢) ، ثمّ قال عزّ وجلّ:( وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولا إِنَّمَا
نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ
) (٣) .

يعني: إنّ ذلك النبيّ عليه السلام أمر ملكين أن يظهرا للناس بصورة
بشرين، ويعلّماهم ما علّمهم الله من ذلك، وذكر الحديث - إلى أن قال: - يوسف
ابن محمد بن زياد؛ وعلي بن محمد بن سيّار، فقلنا للحسن أبي القاسم(٤) عليه
السلام: فإنّ عندنا قوماً يزعمون إنّ هاروت وماروت ملكان اختارتهما(٥)
الملائكة لما كثر عصيان بني آدم، [ وأنزلهما مع ثالث لهما ](٦) ، وأنّهما افتتنا
بالزهرة، وأراد الزنا بها، وشربا الخمر، وقتلا النفس المحرّمة، وإن الله عزّ وجلّ
يعذّبهما ببابل، وإنّ السحرة منها يتعلّمون السحر، وإنّ الله مسخ تلك المرأة هذا
الكوكب الّذي هو الزهرة.

فقال الإمام عليه السلام: معاذ الله من ذلك، إن ملائكة الله معصومون
محفوظون من الكفر والقبائح بالطاف الله تعالى، قال الله عزّ وجلّ:( لاَّ يَعْصُونَ

____ ______________

(١) في هامش ج: التمويه: التدليس. « منه رحمه الله ».

(٢) من المصدر.

(٣) سورة البقرة: ١٠٢.

(٤) كذا في « ب، ج »، وفي « د » والمصدر: القائم.

(٥) كذا في النسخ، وفي المصدر: اختارهما الله من.

(٦) من المصدر.


اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) (١) .

وقال تعالى:( [وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ](٢) وَمَنْ عِندَهُ - يعني
الملائكة -لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ ) (٣) وذكر آيات اُخر، ثمّ
قال عليه السلام: لو كان كما يقولون، كان الله قد جعل هؤلاء الملائكة خلفاء
على الأرض، وكانوا كالأنبياء في الدنيا أو كالأئمّة، فيكون من الأنبياء والأئمّة
قتل النفس والزنا؟

ثمّ [ قال عليه السلام ](٤) : أو لست تعلم إنّ الله لم يخل الأرض من نبيّ أو
إمام من البشر أوليس الله يقول:( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ [مِن رَّسُولٍ ](٥) ) (٦) يعني إلى
الخلق( إِلاَّ رِجَالاً ) (٧) ، فأخبر انّه لم يبعث الملائكة إلى الأرض ليكونوا أئمّة
وحكّاماً، وإنّما اُرسلوا إلى أنبياء الله. الحديث.

أقول: فظهر انّ رواية علي بن إبراهيم محمولة على التقيّة، وموافقة
للعامّة لدفع الضرر كما يقتضيه الحال، وهو نظير وقريب لحديث السهو.

الثالث: ما رواه ابن بابويه في عيون الأخبار(٨) من جملة الأحاديث
الدالّة على مدح زيد بن علي وأصحابه في باب مفرد، قال: حدّثنا علي بن

__________________

(١) سورة التحريم: ٦.

(٢ و ٥) من المصدر.

(٣) سورة الأنبياء: ١٩.

(٤) ليس في ب.

(٦) سورة الأنبياء: ٢٥، الحج: ٥٢.

(٧) سورة يوسف: ١٠٩،( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم ) .

(٨) عيون أخبار الرضا عليه السلام ١: ٢٥١.


أحمد بن محمد بن عمران(١) الدقّاق، قال: حدّثنا علي بن الحسين القاضي،
قال: حدّثنا الحسن(٢) بن علي الناصري، عن أحمد بن رشيد، عن عمّه أبي
معمّر [ سعيد ](٣) بن خيثم، عن أخيه معمّر، عن الصادق عليه السلام، عن آبائه،
عن علي عليه السلام قال: يخرج من ولدي رجل يقال له زيد يُقتل بالكوفة،
ويصلب بالكناسة(٤) ، يخرج من قبره حين ينشر، تفتح لروحه أبواب السماء،
ويبتهج به أهل السمارات [ والأرض ](٥) ، تجعل روحه في حوصلة طير أخضر،
ليسرح في الجنّة حيث يشاء.

أقول: هذا محمول على التقيّة في الرواية، كما جوّزناه في أحاديث
السهو.

لما رواه الكليني في باب أرواح المؤمنين عن علي بن إبراهيم، عن أبيه
عن ابن محبوب، عن أبي ولاّد الحنّاط، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت
له: جعلت فداك يروون أرواح المؤمنين في حواصل طيور خضر حول العرش
فقال: لا، المؤمن أكرم على الله من أن يجعل روحه في حوصلة طير، ولكن في
أبدان كأبدانهم(٦) .

وفي الباب المذكور وغيره عدّة أحاديث بهذا المعنى.

الرابع: ما رواه الشيخ في الاستبصار في باب وجوب المسح

__________________

(١) في ج: عمروان. والظاهر انّه تصحيف.

(٢) في ب: الحسين.

(٣) ليس في ب.

(٤) في ج: الكناسية.

(٥) من المصدر.

(٦) الكافي ٣: ٢٤٤ ح ١ و ٢٤٥ ح ٦ و ٧.


على الرجلين، بإسناده عن محمد بن الحسن الصفّار، عن عبد الله بن منبّه، عن
الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي
عليه السلام، قال: جلست أتوضّأ فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله:
تمضمض واستنشق واستن(١) ثمّ غسلت وجهي ثلاثاً، فقال: يا علي، قد
تجزيك [ من ذلك ](٢) المرّتان، قال: فغسلت ذراعي، ومسحت برأسي مرّتين،
فقال: قد يجزيك من ذلك المرّة، وغسلت قدمي، فقال لي: يا علي، خلّل بين
الأصابع لا تخلّل بالنار(٣) .

قال الشيخ: هذا خبر موافق للعامّة، وقد ورد مورد التقيّة، لانّ المعلوم
الذي لا يتخالج فيه الشكّ من مذاهب أئمّتنا عليهم السلام القول بالمسح
على الرجلين، وذلك أشهر من أن يدخل فيه شكّ أو ارتياب. انتهى.

أقول: فانظر إلى انّه حمله على التقيّة مع عدم جوازها على الرسول
صلّى الله عليه وآله عند الشيخ، لا عند غيره من الشيعة إلاّ النادر، ولا عند
أحد من المسلمين، ولا وجه لها إلاّ أن يكون أمير المؤمنين والحسين وعلي بن
الحسين عليهم السلام قد رووا تلك الرواية كما يرويها العامّة للتقيّة، فكذلك
أحاديث السهو من باب التقيّة في الرواية.

الخامس: ما رواه الشيخ أيضاً في الاستبصار في باب أكثر أيّام النفاس
بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن العلاء، عن محمد بن مسلم
قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن النفساء كم تقعد؟

__________________

(١) استن: استنان: استعمال السواك.

(٢) من المصدر.

(٣) الاستبصار ١: ٦٥ ح ٨.


فقال: إنّ أسماء بنت عميس أمرها رسول الله صلّى الله عليه وآله أن
تغتسل لثمان عشر، ولا بأس بان تستظهر ليوم أو يومين(١) .

أقول: ذكر الشيخ لهذا الحديث وأمثاله ثلاثة أوجه من وجوه الجمع بينها
وبين ما عارضها. أحدها: الحمل على ضرب من التقيّة، لأنها موافقة لمذاهب
العامّة. انتهى.

وإذا جاز حمل الحديث الصحيح المنقول من كتب الحسين بن سعيد،
عن الثقات الأثبات، عن محمد بن مسلم الّذي أجمعت الطائفة على تصحيح ما
يصحّ عنه على التقيّة مع عدم جوازها على الرسول صلّى الله عليه وآله
فأحاديث السهو أولى بالحمل على التقيّة لمعارضته الأدلّة العقليّة والنقليّة كما
عرفت.

السادس: ما رواه الشيخ في الاستبصار أيضاً في باب حكم من أصبح
جنباً في شهر رمضان بعد ذكر أحاديث كثيرة في عدم الجواز بإسناده عن
سعد بن عبد الله، عن محمد بن الحسين؛ ومحمد بن علي، عن محمد بن
عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن حمّاد بن عثمان، عن حبيب
الخثعمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وآله
يصلّي صلاة الليل في شهر رمضان، ثمّ يجنب، ثمّ يؤخّر الغسل متعمّداً
حتى يطلع الفجر(٢) .

قال الشيخ بعد ذكر حديث آخر مثله: الوجه في هذين الخبرين أن

__________________

(١) الاستبصار ١: ١٥٥ ح ٢.

(٢) الاستبصار ٢: ٩ ح ٣ و ٤، وص ٨٨ ح ٦.


نحملهما على ضرب من التقيّة وعلى ما بيّناه، لانّه(١) رواية العامّة عن
النبيّ صلّى الله عليه وآله، ويحتمل أنّه أخّر الغسل عمداّ لعذر من برد أو
غيره. انتهى.

والكلام فيه كالّذي قبله، بل هذا أوضح في تجويزه وقوع التقيّة
في الرواية ولا يخفى انّه يمكن حمل الفجر على الفجر الأوّل وهو
قريب جدّاً.

السابع: ما رواه أيضاً في الاستبصار في باب تحليل المتعة بعد ذكر
أحاديث كثيرة في الإباحة، بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبي
الجوزاء، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن
آبائه، عن على عليه السلام قال: حرّم رسول الله صلّى الله عليه وآله لحوم حمر
الأهلية ونكاح المتعة(٢) .

قال الشيخ: الوجه في هذه الرواية أن نحملها على التقيّة لأنّها موافقة
لمذهب العامّة والأخبار الاُولى موافقة لظاهر الكتاب، وإجماع الطائفة
المحقّة(٣) . انتهى.

وجميع ما قاله متّجه في أحاديث السهو لما عرفت.

الثامن: ما رواه أيضاً في الاستبصار في باب حكم لحم الحمار الأهلية

__________________

(١) كذا في النسخ، وفي المصدر: لأنّ ذلك.

(٢) الاستبصار ٣: ١٢٤ ح ٥.

(٣) في هامش ج: العجب انّ الشيخ زين الدين في شرح اللمعة ذكر أنّ أخبارنا دالّة على اباحة المتعة
ولا معارض لها أصلاً وتعجّب من ذلك. وفيه غفلة عن هذا المعارض وغيره. « منه رحمه الله ».


والخيل والبغال بعد رواية أحاديث متعدّدة في الجواز على كراهيّة(١) ، بإسناده
عن محمد بن يعقوب، عن الحسين بن محمد، عن معلّى بن محمد، عن
بسطام بن مرّة، عن إسحاق بن حسّان، عن الهيثم بن واقد، عن علي بن
الحسن العبدي، عن أبي هارون، عن أبي سعيد الخدري(٢) ، قال: أمر رسول
الله صلّى الله عليه وآله بلالاً بأن ينادي بأن رسول الله صلّى الله عليه وآله حرّم
الجرّي والضبّ والحمار الأهلية(٣) .

قال الشيخ: الوجه في هذا الخبر أن نحمله على التقيّة.

أقول: فعلم انّ مثل الكليني والحسين بن محمد الاشعري وغيرهم من
علمائنا ورواتنا قد اقتدوا بالأئمّة عليهم السلام في التقيّة في الرواية، فلا ينكر
حمل حديث السهو على ذلك بعدما عرفت من معارضاته.

التاسع: ما تضمنه القرآن الكريم من قوله تعالى:( وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ -
الى أن قال: -فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا - إلى أن قال: -وَمَا أَنسَانِيهُ إِلاَّ
الشَّيْطَانُ
) (٤) فهذا لا يمكّن ابن بابويه حمله على ظاهره قطعاً، لأنّ سهو
المعصوم عنده لا يمكن كونه من الشيطان، وفتاه هنا يوشع بن نون وصيّ
موسى عليه السلام كما هو معلوم، فلابدّ من تأويله النسيان هنا بالترك عمداً
للاشتغال بالشيطان ومدافعته، أو نحو ذلك، فلا ينكر حمل السهو والنسيان في
حديث ذي الشمالين على الترك كما تقدّم.

__________________

(١) في ب: كراهية.

(٢) في ب: الخرزي.

(٣) الاستبصار ٤: ٧٥.

(٤) سورة الكهف. ٦٠ - ٦٣.


العاشر: ما تضمّنه القرآن الكريم من منافيات العصمة، ونسبة المعصية
والضلال، بل الكفر إلى الأنبياء عليهم السلام، وهو كثير كقوله تعالى:
( وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ) (١) ، وقوله حكاية عن إبراهيم:( هَٰذَا رَبِّي ) (٢) إشارة
إلى الزهرة تارة، والى القمر اُخرى، والى الشمس ثالثة.

وقوله تعالى في حقّ محمد صلّى الله عليه وآله:( لِّيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ
مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ
) (٣) وقوله تعالى في حقّه:( وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَىٰ ) (٤) ، وغير ذلك
ممّا تضمّنه كتاب تنزيه الأنيباء للسيّد المرتضى وغيره(٥) .

وقد أولوا جميع ذلك لمخالفته الأدلّة العقليّة والنقليّة بالحمل على المجاز
والاضمار ونحوهما(٦) بأن نحمل المعصية من آدم على ترك الاُولى، وحمل
النهي على التنزيه لا التحريم، وحمل قول إبراهيم على الاستفهام الإنكاري،
أو على اعتقاد قومه في حقّه، وحمل ذنب الرسول صلّى الله عليه وآله
على مخالفة الاُولى، أوعلى ذنب اُمّته أو بعضهم أو ذنبه عند قومه، وحمل
الضلال على الضلال في الطريق بأن يكون اشتبه عليه الطريق بين مكّة
والمدينة وقت الهجرة، لا الضلال في الدين أو حمل الضلال على معنى
الحبّ فإنّه أحد معانيه اللغوية، وغير ذلك ممّا هو مذكور في الكتاب
المذكور وغيره.

__________________

(١) سورة طه: ١٢١.

(٢) سورة الأنعام: ٧٨.

(٣) سورة الفتح: ٢.

(٤) سورة الضحى: ٧.

(٥) ككتاب تنزيه الأنبياء لفيض الله البغدادي.

(٦) في ج: ونحوها.


فالعجب ممّن يؤوّل جميع ذلك بوجوه قريبة أو بعيدة لضرورة الجمع
بين الأدلّة مع انّها لا دخل لها في التبليغ، بل هي من الاُمور المشتركة،
والعبادات العامّة الشاملة لنا ولهم، ثمّ يتوقّف في حديث ذي الشمالين
مع احتماله لجميع ما تقدّم وغيره، ومعارضته بجميع ما ذكرناه وغيره ممّا
لم نذكر.

الحادي عشر: ما تضمّنته الأحاديث أيضاً من نسبة الذنوب والمعاصي
الى الأنبياء والأئمّة عليهم السلام وإقرارهم بها، وهذا القسم أيضاً كثير محمول
على ما مضى، أو نحوه لما تقدّم.

الثاني عشر: ما تضمّنته الأدعية المأثورة في الصحيفة الكاملة وغيرها
من الأدعية المرويّة عن الأنبياء والأئمّة عليهم السلام من الإقرار بالذنوب
والمعاصي، وإظهار الندم والتوبة والاستغفار، والاعتراف باستحقاق العذاب،
ودخول النار، وهو أكثر من أن يحصى.

وقد أجمعوا على تأويله وصرفه عن ظاهره، لقوّة معارضاته بالنسبة
إليه جداً واحتماله للتأويلات الكثيرة، وعدم احتمال معارضاته لشيء من
ذلك، فتارة يحملونه على المجاز بأن يسمّى ترك المندوب، أو صرف نفس
واحد في غير عبادة من أكل أو شرب أو جماع ذنباً ومعصية قياساً على فعل
العبد ذلك في حضور سيّده، أو على المبالغة في التواضع لله، وهضم النفس،
أو على تعليم الناس، أو على التقيّة، أو على إرادة الشفاعة في ذنوب الاُمّة
والشيعة، وجعل ذنوبهم بمنزلة ذنب الشافع، أو على جعل الإقرار معلّقاً بفرض
عدم العصمة، أي لو لم تعصمنا لعصينا، أو على نحو ذلك من الوجوه المحرّرة
في محلّها.


فالعجب ممّن يصرف جميع ذلك عن ظاهره مع عدم تعلّقه بالتبليغ، ثمّ
يتوقّف في صرف حديث ذي الشمالين عن ظاهره، وحمله على بعض ما تقدّم
أو نحوه، بالجملة فليس في ذلك بمحلّ شكّ ولا ريب ولا توقّف، والله
تعالى أعلم.

تمّت الرسالة الموسومة بالتنبيه بالمعلوم من البرهان
في تنزيه المعصوم عن السهو والنسيان
بقلم مؤلّفها العبد محمد بن الحسن الحرّ العاملي عامله الله
بلطفه الخفي في أواخر شهر رمضان سنة ١٠٧٨.




(١)

فهرس الآيات القرآنيّة

الآية

رقمها

الصفحة

البقرة - ٢ -

وَمَا أُنزِلَ عَلَى المَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ ...

١٠٢

١٧٤

وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولا إِنَّمَا ...

١٠٢

١٧٥

لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ...

١٢٤

١١٢

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا ...

١٤٣

١١٧

إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ ...

١٥٠

١١٧

وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ...

١٦٩

٥١

وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ...

١٩٠

١١٨

فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ...

١٩٤

١١٨

وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ...

٢٢٩

١١٧

آل عمران - ٣ -

قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي ...

٣١

٧٥ و ١١٤


إِنَّ اللهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ ...

٣٣

٧٣

فَمَنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ...

٩٤

١١٨

النساء - ٤ -

فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ وَيُسَلِّمُوا ...

٦٥

٩٧ و ١٢٠

الأنعام - ٦ -

وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا ...

٢٧ و ٣٠

٧١

وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا ...

٦٨

٧٠

هَٰذَا رَبِّي ...

٧٨

١٨٢

الأعراف - ٧ -

مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ ...

٢٠

١٠٨

وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا ...

١٥٦ و ١٥٧

٧٨

يونس - ١٠ -

وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ ...

٣٦

٥٢

إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ ...

٦٦

٥٢

يوسف - ١٢ -

إِلاَّ رِجَالاً

١٠٩

١٧٧


النحل - ١٦ -

إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ ...

١٠٠

٦٩ و ١٥٢

الاسراء - ١٧ -

وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ...

٣٦

٥١

الكهف - ١٨ -

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ ...

٦٠ - ٦٣

١٨١

فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلاَّ ...

٦٣

٧٩

لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ ...

٧٣

٧٩

مريم - ١٩ -

وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ...

٦٤

١٣٦ و١٦٥

طٰه - ٢٠ -

فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ المُقَدَّسِ ...

١٢

١٧٣ و ١٧٤

لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى

٥٢

١٣٦

وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ ...

١١٥

٧٩ و١٠٥ و١٣٥

وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ

١٢١

١٨٢


الأنبياء - ٢١ -

وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَ ...

١٩

١٧٦

وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ

٢٥

١٧٦

فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ

٨٧

١٤٦

الحج - ٢٢ -

وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ ..

٥٢

١٤٥

وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ

٥٢

١٧٦

النور - ٢٤ -

فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ

٦٣

١١٧

الأحزاب - ٣٣ -

لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ...

٢١

٧٥

إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ ...

٣٢

٧٦

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا ...

٥٦

٧٨

طٰه - ٢٠ -

أَفْتَرَىٰ عَلَى اللهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ ...

٨

١١٩


الزمر - ٣٩ -

لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ

٦٥

٧١

الزخرف - ٤٣ -

إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

٨٦

٥١

الفتح - ٤٨ -

لِّيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ ...

٢

١٨٢

النجم - ٥٣ -

وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَىٰ *إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ ...

٣ و ٤

٧٦

أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّىٰ *وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ ...

١٩ و ٢٠

٥٧ و ١٤٥

الحشر - ٥٨ -

وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ ...

٧

٧٧ و ٩٥

الطلاق - ٦٥ -

وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ

١

١١٧

التحريم - ٦٦ -

لاَّ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا ...

٦

١٧٥


القلم - ٦٨ -

إِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ

٤

٩٥ و ١٣٩

الحاقة - ٦٩ -

وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ

١٢

٧٧

الجن - ٧٢ -

عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَىٰ مِن رَّسُولٍ

٢٧

٩٢

الأعلى - ٧٨ -

سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَىٰ

٦

٧٧

الضحى - ٩٣ -

وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَىٰ

٧

١٨٢

الماعون - ١٠٧ -

فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ *الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ ...

٤ و ٥

٧٩


(٢)

فهرس الأحاديث

الحديث

المعصوم عليه‌السلام

الصفحة

إذا دخلت صلاتك فاطعن فخذك الأيسر

الرسول

٩٩

إذا كثر عليك السهو فامض في صلاتك

الكاظم

٩٨

اعرفوا العقل وجنوده، والجهل وجنوده تهتدوا

الصادق

٨٢

اُكتب ما أملي عليك

الرسول

٩٠

الامام عالم لا يجهل، راع لا ينكل

الرضا

٨٨

إن الإمام إذا أراد أن يعلم شيئاً أعلمه الله ذلك

الصادق

٩٢

أنّ الإمام إذا شاء أن يعلم علم

الصادق

٩٢، ٩٣

إنّ الإمام مؤيّد بروح القدس

الرضا

١٠٣

انّ العبد ليرفع له من صلاته نصفها

الكاظم

١٠٠

إنّ الله تبارك وتعالى أنام

الصادق

٦٦

ان الله عزّ وجلّ أدّب نبيّه فأحسن أدبه

الصادق

٩٤

إنّ الله لا يجعل حجّته في أرضه يسأل

الصادق

٨٧

إنّا معاشر الأنبياء اُمرنا أن نكلّم الناس علىٰ قدر

الرسول

١٥٦


إنّ أسماء بنت عميس أمرها رسول الله

الكاظم

١٧٨

إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله سها فسلّم

الصادق

١٢٣

إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله لم يبرح

الصادق

١٢٧

إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله لم ينفتل من

الصادق

١٢٧

ان رسول الله ما سجد سجدتي السهو قطّ

الصادق

٥٠

إنّ عليّاً عليه السلام صلّى بقوم على غير طهر

الصادق

٥٠

إنّ عندنا ما لا نحتاج معه إلىٰ الناس

الصادق

٨٩

إنّما أراد الله عزّ وجلّ أن يفقّههم

الرضا

١٢٧

إنّما لك من صلاتك ما أقبلت عليه منها

الصادق

١٠٣

إيّاكم والغلو فينا، قولوا إنّا عبيد مربوبون

علي

١٧٣

أليس قد انصرف رسول الله صلّى الله عليه

الصادق

١٢٧

أنّ الله لم يترك جوارحك حتىٰ جعل لها

الصادق

٨٦

أنّ النبي صلّى الله عليه وآله سها في صلاته

الصادق

٥٢

أولست تعلم إنّ الله لم يخل الأرض قطّ من نبيّ

العسكري

١٧٧

بسم الله وبالله وصلّى الله على محمد وآل محمد

الصادق

٥٤

بل أنت نسيت، هكذا أمرني ربّي

الرسول

١٠٥

جلست أتوضّأ فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله

علي

١٧٩

حال الأئمّة في النوم حالهم في اليقظة

الصادق

١٠٥

حرّم رسول الله صلّى الله عليه وآله لحوم

علي

١٨١

خذوا عنّي مناسككم

الرسول

٦٤، ٨٥

صلّوا كما رأيتموني اُصلّي

الرسول

٦٤، ٨٥

صلّها بقل هو الله أحد وقل يا أيّها الكافرون

الصادق

٩٧


صلّىٰ عليّ بالناس على غير طهر

الصادق

١٢٨

عشر خصال من صفات الإمام والعصمة

الصادق

١٠٥

قد وهبت له من عمري أربعين سنة

آدم

١٣٢

كانتا من جلد حمار ميّت

الصادق

١٧٥

كان رسول الله صلّى الله عليه وآله يصلّي صلاة الليل

الصادق

١٨١

كذبوا لعنهم الله، إنّ الّّذي لا يسهو هو الله

الرضا

١٣١

كلّ سهو في الصلاة يطرح منها

الكاظم

١٠١

لا، المؤمن أكرم علىٰ الله من أن يجعل روحه في

الصادق

١٧٩

لا تتجاوزوا بنا العبودية، ثمّ قولوا فينا ما

الرضا

١٧٤

لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم بنقص الصلاة فتطمّعوه

الصادق

٨٩

لا والله لا يكون عالم جاهلاً أبداً، عالماً

الكاظم

٩٤

لا، ولا يسجدها فقيه

الصادق

٨٥، ١٠٧

لا، ولكن إذا أراد أن يعلم الشيء اعلمه

الصادق

٩٣

للإمام علامات، يكون أعلم الناس

الرضا

٨٠

لو أنّ قوماً عبدوا الله وحده لا شريك له

الصادق

٩٥

ما أظنّ أحداً أكثر سهواً منّي

الصادق

١٠٢

ما سمعت شيئاً من رسول الله صلّى الله

الإمام علي

٧٧

ما كان عليك لو سكت ثمّ مسح تلك اللمعة بيده

الصادق

١٢٩

ما كلّم رسول الله صلّى الله عليه وآله العباد بكنه

الصادق

١٥٩

ما ينقلب جناح طائر في الهواء إلاّ

الرضا

١٠٧

معاذ الله من ذلك، إن ملائكة الله معصومون

العسكري

١٧٧

من صلّىٰ فأقبل علىٰ صلاته لم يحدّث نفسه

الصادق

١٠٢


من قال ذلك، فقد افترىٰ علىٰ موسىٰ

صاحب الزمان

١٧٥

نام رسول الله صلّى الله عليه وآله عن الصبح

الصادق

١٣١

والله انّي لأعلم ما في السماوات، وما في

الصادق

٩٣

والله لولا أن يقول الناس إنّ محمداً استعان بقوم

الرسول

١٦٣

ودعا الله أن يعطيني فهمها وحفظها

علي

٨٣

وربُّ الكعبة، وربُّ البيت

الصادق

٩٣

وكان والله محمد ممّن ارتضاه

الكاظم

٩١

وما أنت وذاك، إنّما أمر الناس ثلاثة

الكاظم

٩٧

ويفلت من ذلك أحد، ربّما أقعدت الخادم خلفي

الصادق

١٣٢

يا حسن، منامنا ويقظتنا واحد

الرضا

١٠٧

يا علي، والله لولا انّي أخاف أن تقول فيك طوائف

الرسول

١٦٣

يا نبيّ الله، أوتخاف عليّ النسيان

علي

٨٧

يخرج من ولده رجل يقال له زيد يُقتل

الصادق

١٧٩

يصلّيها حين يذكرها

الصادق

١٣١

يولد مطهّراً مختوناً

الكاظم

٩٥


(٣)

فهرس الأعلام والرواة(١)

آل ابراهيم: ٧٣.

آل عمران: ٧٣.

أبان بن أبي عيّاش: ٨٣.

إبراهيم بن عمر اليماني: ٨٣،
٨٨.

ابن إدريس: ١٣١.

ابن الجوزاء: ١٢٧.

ابن أبي عمير: ٩٣، ٩٤.

ابن بابويه = الصدوق: ٤٩، ٥٢،
٦١، ٦٢، ٦٧، ٧٠، ٧٧، ٨٠،
٨٧، ١٠٠، ١٠٣، ١٠٥،
١٣١، ١٦٠، ١٦٧، ١٦٨،
١٧٣، ١٧٥، ١٧٨.

ابن سنان: ٩٤.

ابن طاووس: ٦٥.

ابن عبّاس: ٧٧.

ابن عمير: ١٢٨.

ابن فضال: ١٣٥.

ابن محبوب: ١٧٨.

ابن مسكان: ٩١، ٩٣، ٩٩،
١٣٠، ١٣٥.

أبو الجوزاء: ١٧٩.

أبو الحسين العقرابي التمّار: ٦٥.

أبو بصير: ١٢٨، ١٣٠، ١٣٥،
١٧٠.

أبو بصير الذرمي: ١٨١

__________________

(١) نظراً لتكرر اسم الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أغلب صفحات الكتاب، لذا لم نورد اسمه ضمن هذا
الفهرس.


أبو بصير الناوي: ١٨١.

أبو بكر: ١٠٩، ١٥٣.

أبوبكر الحضرمي: ١٢٥، ١٣٤،
١٧٠.

أبو جعفر عليه السلام: ٩٣، ٩٥،
٩٦، ٩٩، ١٠٠، ١٠٣، ١٧٢،
١٧٩.

أبو عبد الله عليه السلام: ٥٤، ٦٧،
٧٧، ٨١، ٨٣، ٨٥، ٨٧،
٨٧، ٩٠ - ٩٣، ٩٥ - ٩٧،
٩٩، ١٠٢، ١٠٣، ١٠٥،
١٢٨، ١٢٩ - ١٣١، ١٥٩،
١٧٩، ١٨٠.

أبو محمد عمير بن عبد عمرو:
٦٩.

أبو هارون: ٥٥، ١٥٤، ١٨٢.

أبي الحسن الأول: ١٢٨.

أبي ربيع الشامي: ٩١، ٩٢.

أبي الطفيل: ٨٩.

أبي جميلة: ١٣٠.

أبي حمزة: ٩٣، ١٠٣.

أبي دجير: ٩٩، ١٠٢، ١٠٣.

أبي عبد الله الكاهلي: ٩٥.

أبي عبيدة: ٩٣.

أبي عبيدة المدائني: ٩٢.

أبي علي الأشعري: ٩٢.

أبي محمد القاسم بن العلاء: ٨٦،
٩٧.

أبي معاوية: ١٠٥.

أبي معمّر: ١٧٨.

أبي ولادة الحنّاط: ١٧٩.

أحمد: ١٠١، ١٣٠.

أحمد بن الحسن بن علي: ٩٢.

أحمد بن أبي بشير: ٩٠.

أحمد بن رشيد: ١٧٨.

أحمد بن زكريا القطّان: ١٠٥.

أحمد بن سعيد بن عقرة الكوفي:
٨١.

أحمد بن علي الأنصاري: ١٣٢.

أحمد بن عمر: ١٢٦، ١٢٧.

أحمد بن محمد: ٨٩، ٩٣، ٩٤،
٩٥، ٩٦، ١٣٠، ١٣١.

أحمد بن محمد البرقي: ٩٥.

أحمد بن محمد بن الهيثم العجلي:


١٠٥.

أحمد بن محمد بن أبي نصر:
٩٤، ١٨٠.

أحمد بن محمد بن علي بن حديد:
٨١.

أحمد بن محمد بن عيسى: ٨٧،
٩٧.

إسحاق بن الحسين بكر: ٦٧.

إسحاق بن حسّان: ١٨١.

إسحاق بن محمد النجفي: ١٠٥.

أسماء بنت عميس: ١٧٩.

إسماعيل بن مسلم: ٩٨.

الأقرع: ١٠٤.

اُوريا بن صبنان: ١٣٦.

الأوزاعي: ٥٧.

أيوب بن نوح: ٩٠.

البخاري: ١٣٨.

بدر بن الوليد: ٩٠، ١٠١.

البرقي: ١٢٧، ١٣٥.

بسطام بن نقرة: ١٨١.

بكر بن عبد الله بن حبيب: ١٠٤.

بكر بن كرب الصيرفي: ٨٩.

بهاء الدين: ٦١، ٦٤.

تميم بن بهلول: ١٠٥.

تميم بن عبد الله بن تميم القرشي:
١٣٢.

الجبائي: ٩٠.

جبرائيل: ١٣٢.

جعفر بن بشير: ١٢٦.

جعفر بن محمد الصادق عليه
السلام: ٩٨، ١٠٧، ١٢٧.

جميل: ١٢٨، ١٧٠.

الحارث بن المغيرة: ٩٣.

الحارث بن المغيرة النقري:
١٢٧.

حبيب الخثعمي: ١٨٠.

حريز: ٩٤، ٩٩، ١٠٣.

حسن الشربي: ١٧٣، ١٧٤.

الحسن بن إبراهيم: ٨٧، ٩٠.

الحسن بن أحمد: ١٨١.

الحسن بن صدقة: ١٢٧، ١٣١،
١٣٥، ١٦٩.

الحسن بن علي الناوي: ١٧٧.

الحسن بن علي الوشاء: ١٠٥.


الحسن بن علي عليه السلام:
١٠٥، ١٦١، ١٧٥.

الحسن بن فضال: ١٣٠.

الحسن بن محبوب: ٦٩، ٨٩.

الحسن بن محمد الأشعري:
١٨١.

الحسين بن سعيد: ٨٨، ٩٩،
١٠٢، ١٢٨، ١٧٩.

الحسين بن عثمان: ٩٩، ١٢٨.

الحسين بن علوان: ١٢٩، ١٧٩،
١٨٠.

الحسين عليه السلام: ١٢٦،
١٣٠، ١٦١، ١٧٩.

الحلبي: ٥٤، ٥٦.

حمّاد: ١٣٢.

حمّاد بن عثمان: ٩٥، ١٨٠.

حمّاد بن عيسى: ٨٣، ٨٩، ٩٩،
١٠٣.

الخرباق: ٥٥، ٥٦، ١٣٨.

داود عليه السلام: ١٣٥.

ذو الشمالين: ٥٠، ٥٦، ٦١،
١٢٥، ١٢٧، ١٢٩، ١٣٠،

١٦٣، ١٦٤، ١٨٤.

ذو اليدين: ٥٧، ١٢٧، ١٣٨،
١٣٩، ١٤٣، ١٤٥، ١٥٣.

الربيعي: ١٣٢.

زرارة: ٩٥، ٩٩، ١٦٣.

زرعة: ١٢٨.

زيد الشحام: ١٧١.

زيد الشحّام: ١٣٠، ١٣٥.

زيد بن علي: ١٢٩، ١٧٠،
١٧٧، ١٧٨، ١٨٠.

سدير الصيرفي: ٩١.

سعد: ١٢٩.

سعد بن عبد الله: ٨٩، ١٢٦،
١٧٥، ١٧٩.

سعيد الأعرج: ٦٨، ١٢٧،
١٣١، ١٣٥، ١٦٦، ١٦٩،
١٧٢.

سعيد بن الهيثم: ١٧٧.

سليمان بن مهران: ١٠٥.

سليم بن قيس الهلالي: ٨٣.

سماعة: ٩٩، ١٢٨، ١٣١،
١٧٠، ١٧١.


سماعة بن مهران: ٨٢، ٨٣.

سهل بن زياد: ٩١.

سيف بن التمّار: ٩٢.

سيف بن عميرة: ١٢٦، ١٣٤.

صاحب الزمان عليه السلام:
١٧٤.

الصادق عليه السلام: ٥٧، ٨٥،
٩٤، ٨٩، ٩٦، ١٧٤، ١٧٧.

صالح بن سعيد: ٨٩.

صفوان بن يحيى: ٩٠، ٩١، ٩٧.

الطبرسي: ٦٩، ٧٠، ٧٢، ٧٧،
٧٩.

الطبري: ١٧٣، ١٧٤.

الطوسي: ١٠٧، ١٢٦.

عائشة: ١٦٣.

العبّاس: ١٣٢.

عبد الرحمن العزرمي: ١٣٠.

عبد السلام بن صالح الهروي:
١٢٥، ١٢٨، ١٦٥.

عبد العزيز بن مسلم: ٨٧.

عبد الكريم بن أحمد بن طاووس:
١٢١.

عبد الله بن بشر الخثعمي: ٩٣.

عبد الله بن بكير: ٨٤.

عبد الله بن جعفر الحميري: ١٠٦.

عبد الله بن حمّاد: ٩١.

عبد الله بن سعود: ١٤٨.

عبدالله بن فضلة الخزاعي: ٥٥.

عبد الله بن محمد بن عيسى: ٩٠.

عبد الله بن منيّة: ١٧٨.

عثمان بن عيسى: ١٣١.

العزرمي: ١٣٥، ١٧١.

العلاء: ١٧٩.

علي عليه السلام: ٥١، ١١٩،
١٥٢، ١٦٧، ١٦٨، ١٧٠.

علي بن إبراهيم: ٨٥، ٨٩، ٩٣،
٩٧، ٩٨، ١٠٢، ١٧٨، ١٧٩.

علي بن إبراهيم بن هاشم: ٨٤.

علي بن إبراهيم بن هاشم القمّي:
١٧٦.

علي بن الحسن بن فضال: ٧٣.

علي بن الحسين: ١٧٩.

علي بن الحسين الصبري: ١٧١.

علي بن الحسين القاضي: ١٧٧.


علي بن الحكم: ١٧٠.

علي بن النعمان: ١٢٧، ١٣١.

علي بن أحمد بن محمد الرقّاق:
١٧٨.

علي بن رئاب: ٨٩.

علي بن عيسى: ١٠٦.

علي بن محمد: ٩١، ٩٥، ١٠٥.

علي بن موسى الرضا عليه
السلام: ٧٥، ٨٢، ٨٨، ١٧٥.

عمار الساباطي: ٩٠.

عمر: ١٥٣، ١٦٣.

عمران بن الحصين: ٥٧.  

عمران بن موسى: ٩١.

عمر بن اُذينة: ٩٣.

عمر بن حنظلة: ١٣٤.

عمر بن عبد العزيز: ٩٢.

عمر بن يعقوب: ١٨١.

عمرو بن خالد: ١٢٩، ١٧٩،
١٨٠.

عمرو بن سعيد: ٩١، ١٢٨،
١٣٥.

عمرو بن سعيد المدائني: ٩٢.

عمرو بن عبيد: ٨٥.

عمير بن عبد عمرو: ١٥٣.

فضالة: ١٢٦، ١٢٨، ١٣٠،
١٧٩.

الفضل بن شاذان: ٩٩، ١٠٣.

الفضيل: ١٣٢.

الفضيل بن يسار: ٩٣، ١٠٣.

القاسم بن محمد: ١٠٣.

الكليني: ٦٥، ٧٨، ٨٢، ٨٥،
٨٧، ٩١، ٩٣، ٩٥، ٩٩، ١٠٠
، ١٠٤، ١٣١، ١٣٢، ١٥٣،
١٥٧، ١٦٢، ١٧٨، ١٨١.

ليث المرادي: ١٣٥.

ماروت: ١٥٥، ١٧٥، ١٧٦.

محمد بن إبراهيم بن إسحاق
الطالقاني: ٨٠.

محمّد بن إسماعيل: ٩٩.

محمد بن إسماعيل: ١٠١.

محمد بن الحسن: ( الحر العاملي ):
٤٣، ٥٠.

محمد بن الحسن الصفار: ١٧٨.

محمد بن الحسن الطوسي: ٥٠.


محمد بن الحسن بن الوليد: ٦٧،
٦٨، ١٦٩.

محمد بن الحسين: ٩٦، ١٢٦،
١٨٠.

محمد بن الفضيل: ٩٣.

محمد بن القاسم: ١٧٥.

محمد بن أبي عبيد الله: ١٠٥.

محمد بن أحمد بن يحيى: ١٨٠.

محمد بن خالد: ١٣٥.

محمد بن سنان: ٩٣.

محمد بن عبد الجبار: ٩٢.

محمد بن علي: ١٨٠.

محمد بن علي بن محبوب:
١٣٠، ١٣٢.

محمد بن عيسى: ١٣١، ١٨٠.

محمد بن مسلم: ٩٧، ١٠٠،
١٠١، ١٧٩.

محمد بن يحيى: ٨٩، ٩١، ٩٣،
٩٧، ١٠٢.

المرتضى: ٥١، ١٠٨، ١٥٤،
١٥٩، ١٦٣، ١٦٤.

معاذ بن جبل: ١٥٣.

معاوية: ٥٥.

معمّر: ١٦٧.

المفضل بن صالح: ١٣٥.

المفضل بن محمد: ١٨١.

المفيد: ٥١، ٦٥، ٦٩، ١٤٣،
١٥٣.

المنصور بن العبّاس: ١٢٧، ١٣٥.

موسى عليه السلام: ١٦٤.

موسى بن جعفر عليه السلام: ٩٢.

ميكائيل: ١٣٢.

النجاشي: ٦٥.

النضر بن سويد: ١٠١.

هاروت: ١٥٢، ١٧٥، ١٧٦.

هشام بن الحكم: ٨٥، ٨٩.

هشام بن سالم: ١٠١. ١٠٢.

الهيثم بن واقد: ١٨١.

يوسف بن محمد بن زياد: ١٧٥،
١٧٦.

يوسف بن يعقوب عليه السلام:
١٤٨.

يونس عليه السلام: ١٤٥.

يونس بن يعقوب: ٨٦، ٨٩، ٩٤.


(٤)

فهرس مصادر التحقيق

١ - القرآن الكريم

٢ - أبو هريرة: للعلاّمة عبد السلام شرف الدين الموسوي

٣ - اتحاف السادة المتّقين:

٤ - الاحتجاج: لأحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي، ( من أعلام القرن
السادس ). مطبعة سعيد - مشهد -.

٥ - احقاق الحق: لنور الله الحسيني المرعشي ( ت ١٠١٩ ه‍ ). مكتبة آية
الله المرعشي النجفي - قم -.

٦ - الاختصاص: لمحمد بن محمد بن النعمان المفيد ( ت ٤١٣ ه‍ ). مؤسسة
الأعلمي - بيروت -.

٧ - اختيار معرفة الرجال - رجال الكشي -: لمحمد بن الحسن الطوسي
( ت ٤٦٠ ه‍ ). مطبعة البعثة - قم -.

٨ - ارشاد الساري:

٩ - ارشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين:

١٠ - إرواء الغليل: للألباني.

١١ - الاستعياب - في هامش الاصابة -: لعبدالله بن محمد بن البر


( ت ٤٦٣ ه‍ ) دار صادر - بيروت -.

١٢ - الاستبصار: للشيخ الطوسي

١٣ - اُسد الغابة: لابن الأثير، لمحمد عبد الكريم الجزري ( ت ٦٣٠ ه‍ ).
المطبعة الاسلامية - طهران -.

١٤ - الاصابة في معرفة الصحابة: لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني ( ت
٥٨٢ ه‍ ). دار صادر - بيروت -.

١٥ - اعتقادات الصدوق: لمحمد بن علي بن بابويه القمّي. نسخة مخطوطة.

١٦ - الأعلام: لخير الدين الزركلي ( ت ١٣٩٦ ه‍ ). دار العلم للملايين -
بيروت -.

١٧ - الأمالي: لمحمد بن علي بن الحسين الصدوق ( ت ٣٨١ ه‍ ). مؤسسة
الأعلمي - بيروت -.

١٨ - الأمالي: لمحمد بن محمد بن النعمان المفيد ( ت ٤١٣ ه‍ ). المطبعة الاسلامية
- قم -.

١٩ - الأمالي: لمحمد بن الحسن الطوسي. ( ت ٤٦٠ ه‍ ). مكتبة الداوري - قم -.

٢٠ - أمالي المرتضى: لعلي بن الحسين الموسوي العلوي ( ت ٤٣٦ ه‍ ). دار
احياء الكتب العربية - بيروت -.

٢١ - الامامة والتبصرة: لعلي بن الحسين بن بابويه ( ت ٣٢٩ ه‍ ) مؤسسة آل
البيت عليهم السلام - بيروت -.

٢٢ - ايضاح الاشتباه: للحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي ( ت ٧٦٦ ه‍ ).
مؤسسة النشر الاسلامي - قم -.


٢٣ - بحار الأنوار: لمحمد باقر المجلسي ( ت ١١١٠ ه‍ ). مؤسسة الوفاء -
بيروت -.

٢٤ - البداية والنهاية: لاسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي ( ت ٧٤٢ ه‍ ). دار
الفكر - بيروت -.

٢٥ - بصائر الدرجات: لمحمد بن الحسن الصفار ( ت ٢٩٠ ه‍ ). مطبعة
الأحمدي - طهران -.

٢٦ - تاريخ الطبري: لمحمد بن جرير الطبري ( ت ٣١٠ ه‍ ) دار سويدان -
بيروت -.

٢٧ - تاريخ اليعقوبي: لاحمد بن جعفر اليعقوبي ( ت ٢٨٤ ه‍ ) دار صادر -
بيروت -.

٢٨ - تذكرة الحفاظ: لمحمد بن احمد الذهبي ( ت ٧٤٨ ه‍ ) دار احياء التراث
العربي - بيروت -.

٢٩ - تذكرة الخواص: لابن الجوزي يوسف بن فرغلي مؤسسة أهل البيت -
بيروت -.

٣٠ - تذكرة الفقهاء:

٣١ - تفسير البرهان: لهاشم بن سليمان بن عبد الجواد البحراني، ( من أعلام
القرن الحادي عشر ). مطبعة الشمس - طهران -.

٣٢ - تفسير جامع البيان: لمحمد بن جرير الطبري ( ت ٣١٠ ه‍ ). دار المعرفة -
بيروت -.

٣٣ - تفسير العياشي: لمحمد بن مسعود بن عياش. المكتبة العلمية - طهران -.

٣٤ - تفسير القمي: لعلي بن ابراهيم القمي ( ت ٣٠٧ هـ ). مطبعة النجف، اُفست
مؤسسة دار الكتب - قم -.


٣٥ - التفسير الكبير: للفخر الرازي ( ت ٦٠٦ ه‍ ).

٣٦ - تفسير مجمع البيان: للفضل بن الحسن الطبرسي. مطبعة العرفان -
صيدا -.

٣٧ - تفسير نور الثقلين: لعبد علي بن جمعة الحويزي ( ت ١١١٢ ه‍ ). اُفست
المطبعة العلمية - قم -.

٣٨ - تنزيه الأنبياء: للسيّد المرتضى، منشورات مكتبة بصيرتي - قم -.

٣٩ - تنقيح المقال: لعبد الله بن محمد المامقاني ( ت ١٣٥١ ه‍ ) دار الكتب
الاسلامية - طهران -.

٤٠ - تهذيب الأحكام: لمحمد بن الحسن الطوسي ( ت ٤٦٠ ه‍ ). دار الكتب
الاسلامية - طهران.

٤١ - تهذيب التهذيب: لاحمد بن علي بن حجر ( ت ٥٨٢ ه‍ ). دار الفكر -
بيروت -.

٤٢ - تهذيب الكمال في أسماء الرجال: ليوسف بن عبد الرحمن المزني ( ت
٧٤٢ ه‍ ) مؤسسة الرسالة - بيروت -.

٤٣ - التوحيد: لمحمد بن علي بن الحسين الصدوق ( ت ٣٨١ ه‍ ). جماعة
المدرسين في الحوزة العلميّة - قم -.

٤٤ - جامع الاصول: لابن الاثير، المبارك بن محمد الجزري ( ت ٦٠٦ ه‍ ).
دار الفكر - بيروت -.

٤٥ - الجرح والتعديل: لعبد الرحمن بن ادريس الرازي ( ت ٣٢٧ ه‍ ). اُفست
دار احياء التراث العربي - بيروت -.

٤٦ - خصائص الأئمة: للشريف الرضي ( ت ٤٠٦ ه‍ ). الاستانة الرضوية -

مشهد -.

٤٧ - الخصال: لمحمد بن علي بن بابويه ( ت ٣٨١ ه‍ ). جماعة المدرسين في
الحوزة العلمية - قم -.

٤٨ - خلاصة الرجال ( رجال العلامة الحلي ): للحسن بن يوسف الحلّي ( ت
٧٢٦ ه‍ ). المطبعة الحيدرية، النجف الاشرف طبع بالافست
مطبعة الخيام - قم -.

٤٩ - الدر المنثور: لعبد الرحمن جلال الدين السيوطي ( ت ٩٩١ ه‍ ).
دار الفكر - بيروت -.

٥٠ - دلائل الامامة: لمحمد بن جرير الطبري ( ت ٤٠٠ ه‍ ) المكتبة العربية -
حلب -.

٥١ - دلائل النبوة: لاحمد بن عبد الله الاصبهاني ( ت ٤٣٠ ه‍ ). المكتبة
العربية - حلب -.

٥٢ - دلائل النبوّة: لاحمد بن الحسين البيهقي ( ت ٤٥٨ ه‍ ) دار الكتب العلمية
- بيروت -.

٥٣ - الذريعة الىٰ تصانيف الشيعة: لآقا بزرگ الطهراني. دار الاضواء -
بيروت، واُفست مؤسسة اسماعيليان - قم -.

٥٤ - رجال البرقي: لاحمد بن محمد بن خالد ( ت ٢٨٠ ه‍ ). المطبعة
الحيدرية - النجف -.

٥٥ - رجال ابن داود: للحسين بن علي بن داود الحلي ( ت ٧٠٧ ه‍ ). المطبعة
الحيدرية - النجف الأشرف -.

٥٦ - رجال الطوسي: لمحمد بن الحسن الطوسي ( ت ٤٦٠ ه‍ ). المطبعة
الحيدرية - النجف الأشرف -.


٥٧ - رجال النجاشي: لاحمد بن علي بن احمد النجاشي ( ت ٤٥٠ ه‍ ).

٥٨ - الرسالة السعدية: للعلاّمة الحلّي طبعة النجف الأشرف.

٥٩ - رسالة في عدم سهو النبي: للشيخ المفيد - مخطوط -.

٦٠ - سنن الترمذي: لمحمد بن عيسى بن سورة ( ت ٢٧٩ ه‍ ). دار احياء
التراث العربي - بيروت -.

٦١ - سنن الدارقطني: للدارقطني، علي بن عمر ( ت ٣٨٥ ه‍ ) دار المحاسن -
القاهرة -. أُفست دار المعرفة - بيروت -.

٦٢ - سنن أبي داود: لسليمان بن الاشعث السجستاني ( ت ٢٧٥ ه‍ ). دار
الكتب العلمية - بيروت -.

٦٣ - السنن الكبرىٰ: لاحمد بن الحسين بن علي البيهقي ( ت ٤٥٨ ه‍ ). دار
احياء التراث العربي ودار الفكر - بيروت -.

٦٤ - سنن اين ماجة: لمحمد بن يزيد القزويني ( ت ٢٧٥ ه‍ ). دار الفكر -
بيروت -.

٦٥ - سنن النسائي: لاحمد بن شعيب بن علي النسائي ( ت ٣٠٣ ه‍ ). دار احياء
التراث العربي ودار الفكر - بيروت -.

٦٦ - السيرة الحلبية: لعلي بن برهان الدين الحلبي ( ت ١٤٠٤ ه‍ ). المكتبة
الاسلامية - بيروت -.

٦٧ - السيرة النبوية: لعبد الملك بن هشام ( ت ٢١٨ ه‍ ) دار احياء التراث
العربي - بيروت -.

٦٨ - شرح تجريد العقائد: لعلاء الدين بن محمد القوشجي ( ت ٨٧٩ ه‍ ). اُفست
منشورات رضي بيدار - عزيزي - قم -.

٦٩ - شرح نهج البلاغة: لابن أبي الحديد المعتزلي ( ت ٦٥٥ ه‍ ). دار احياء
الكتب العربية - بيروت -.


٧٠ - صحيح البخاري: لمحمد بن اسماعيل بن ابراهيم الجعفي. دار احياء
التراث العربي - بيروت -.

٧١ - صحيح مسلم: لمسلم بن الحجاج القشيري النيشابوري ( ت ٢٦١ ه‍ ).
دار الفكر - بيروت -.

٧٢ - طبقات الحفاظ: لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ( ت ٩١١ ه‍ ). دار
الكتب العلمية - بيروت -.

٧٣ - الطبقات الكبرى: لمحمد بن سعد. دار صادر - بيروت -.

٧٤ - الطرائف: لابن طاووس.

٧٥ - علل الشرائع: لمحمد بن علي بن الحسين القمي. المطبعة الحيدرية -
النجف اُفست دار احياء التراث العربي - بيروت -.

٧٦ - عيون اخبار الرضا عليه السلام: لمحمد بن علي بن الحسين بن بابويه
( ت ٣٨١ ه‍ ). انتشارات العالم - طهران -.

٧٧ - فرائد السمطين: لابراهيم بن محمد بن المؤيد ( ت ٧٣٠ ه‍ ). مؤسسة
المحمودي - بيروت -.

٧٨ - فرحة الغري: لعبد الكريم بن طاووس ( ت ٩٦٣ ه‍ ). المطبعة الحيدرية -
النجف -.

٧٩ - الفصول المهمّة: لابن الصبّاغ المالكي ( ت ٨٥٥ ه‍ ). مطبعة العدل -
النجف -.

٨٠ - الفهرست: لمحمد بن الحسن الطوسي ( ت ٤٦٠ ه‍ ). المكتبة المرتضوية -
النجف -.

٨١ - القاموس المحيط: لمحمد بن يعقوب الفيروزآبادي دار الفكر - بيروت -.

٨٢ - قرب الاسناد: لعبد الله بن جعفر الحميري ( ت ٣١٠ ه‍ ). مكتبة نينوى
الحديثة - طهران -.


٨٣ - الكافي: لمحمد بن يعقوب الكليني ( ت ٣٢٨ ه‍ ). المطبعة الاسلامية -
طهران -.

٨٤ - الكامل في التاريخ: لابن الاثير، علي بن محمد. دار صادر - بيروت -.

٨٥ - كفاية الاثر: لعلي بن محمد الخزاز من اعلام القرن الرابع الهجري. مطبعة
الخيام - قم -.

٨٦ - كفاية الطالب: لمحمد بن يوسف الشافعي ( ت ٦٥٨ هـ ). مطبعة
الفارابي - طهران -.

٨٧ - كمال الدين وتمام النعمه ( إكمال الدين وإتمام النعمة ): لمحمد بن علي بن
الحسين بن بابويه ( ت ٣٨١ ه‍ ). مؤسسة النشر الاسلامي - قم -.

٨٨ - كنز الفوائد: لمحمد بن علي الكراجكي ( ت ٤٤٩ ه‍ ). دار الاضواء -
بيروت -.

٨٩ - لسان العرب: لابن منظور ( ت ٧١١ ه‍ ). نشر أدب الحوزة - قم -.

٩٠ - مجمع البحرين: لفخر الدين بن محمد علي الطريحي. مكتبة مرتضوي -
طهران -.

٩١ - مجمع الزوائد: لعلي بن أبي بكر الهيثمي ( ت ٨٠٧ ه‍ ). دار الكتاب العربي -
بيروت -.

٩٢ - المختصر النافع: للمحقّق الحلّي، طبعة دار الكتاب العربي بمصر.

٩٣ - مراصد الاطلاع: لعبد المؤمن عبد الخالق البغدادي ( ت ٧٣٩ ه‍ ). دار
المعرفة - بيروت -.

٩٤ - مروج الذهب: لعلي بن الحسين المسعودي ( ت ٣٤٦ ه‍ ). مطبعة الصدر -
قم -.

٩٥ - المستدرك على الصحيحين: للحاكم النيسابوري ( ت ١٤٥ ه‍ ). دار
الفكر - بيروت -.


٩٦ - مسند أحمد: لاحمد بن محمد بن حنبل. دار الفكر - بيروت -.

٩٧ - مسند الطيالسي: لسليمان بن داود بن الجارود ( ت ٢٠٤ ه‍ ). دار
المعرفة - بيروت -.

٩٨ - معجم البلدان: لياقوت الحموي ( ت ٢٢٦ ه‍ ). دار احياء التراث العربي -
بيروت -.

٩٩ - معجم رجال الحديث: لابي القاسم الخوئي ( ت ١٤١٣ ه‍ ). مدينة العلم
- قم -.

١٠٠ - المقنعة: لمحمد بن محمد بن النعمان ( ت ٤١٣ ه‍ ). مؤسّسة النشر
الاسلامي - قم -.

١٠١ - من لا يحضره الفقيه: لمحمد بن علي بن الحسين بن بابويه ( ت ٣٨١ ه‍ ).
دار صعب ودار التعارف - بيروت -.

١٠٢ - منتخب كنز العمال: في هامش مسند احمد بن حنبل. دار الفكر -
بيروت -.

١٠٣ - نثر الدر: لمنصور بن الحسين الآبي ( ت ٤٢١ ه‍ ). الهيئة المصرية
للكتاب - القاهرة -.

١٠٤ - النهاية: لابن الاثير، المبارك بن محمد الجزري ( ت ٦٠٦ ه‍ ). المكتبة
الاسلامية.

١٠٥ - نهج المسترشدين: للعلاّمة الحلي

١٠٦ - الهداية الكبرى: لابي عبد الله الخصيبي ( ت ٣٣٤ ه‍ ). مؤسسة البلاغ -
بيروت -.

١٠٧ - اليقين - لابن طاووس: لعلي بن موسى بن طاووس ( ت ٦٦٤ ه‍ ).
المطبعة الحيدرية - النجف -.


الفهرس

الإهداء ٧

ترجمة المؤلّف.. ٢٠

حول الكتاب.. ٢٩

منهجيّة التحقيق. ٣٤

مقدّمة المؤلّف.. ٤٣

الفصل الأول. ٤٧

في ذكر جملة من عبارات علمائنا وفقهائنا المصرّحين بنفي السهو عن النبيّ والأئمّة عليهم السلام في  العبادات وغيرها ٤٧

الفصل الثاني. ٦٧

في ذكر عبارة من جوّز السهو على النبي  والإمام في العبادة الخاصّة ٦٧

الفصل الثالث.. ٧٣

في ذكر جملة ممّا يدلّ على نفي السهو والشك  والنسيان عن النبي والائمة عليهم السلام ٧٣

الفصل الرابع. ٨١

في ذكر ما يدلّ على نفي السهو والشكّ والنسيان عن أهل العصمة عليهم السلام من الأحاديث المعتبرة المنقولة من الكتب المعتمدة ٨١

الفصل الخامس.. ١٠٩

فيما يدل على نفي الخطأ والغلط والسهو والشكّ والنسيان عن النبيّ صلّى الله عليه وآله والأئمّة عليهم السلام مطلقاً، من الأدلّة العقليّة وإن كان بعضها منضمّاً إلى مقدّمة نقليّة وذلك وجوه: ١٠٩

الفصل السادس.. ١٢٣

في بيان بعض المفاسد المترتّبة على تجويز  السهو على المعصوم عليه السلام ١٢٣

الفصل السابع. ١٢٥

في ذكر شبهة من جوّز السهو على المعصوم  في العبادة دون التبليغ. ١٢٥


الفصل الثامن. ١٣٣

في بيان ضعف هذه الأخبار، وعدم جواز العمل بها،  وحلمها على ظاهرها ١٣٣

تذنيب.. ١٣٨

الفصل التاسع. ١٤١

في بيان اضطراب حديث السهو وضعفه وعدم جواز التعويل  عليه وحمله على ظاهره، مضافاً إلى ما تقدّم ١٤١

الفصل العاشر ١٥٥

في بيان تأويل أحاديث السهو ١٥٥

الفصل الحادي عشر ١٦٥

في الجواب عن استدلال ابن بابويه في الكلام السابق،  وعن أحاديث السهو بالتفصيل. ١٦٥

الفصل الثاني عشر ١٧٣

في ذكر بعض النظائر والأشباه لأحاديث السهو الّتي يجب  تأويلها، ولا يجوز إبقائها على ظاهرها ١٧٣

فهرس الآيات القرآنيّة ١٨٧

فهرس الأحاديث.. ١٩٣

فهرس الأعلام والرواة ١٩٧

فهرس مصادر التحقيق. ٢٠٤


التنبيه بالمعلوم

التنبيه بالمعلوم

مؤلف: الشيخ محمد بن الحسن الحرّ العاملي
المحقق: محمود البدري
الناشر: مكتبة الإعلام الإسلامي
تصنيف: مكتبة العقائد
الصفحات: 214