غيبة الامام المهدي عند الامام الصادق عليهما السلام

مؤلف: السيد ثامر هاشم العميدي
الإمامة
ISBN: 964-319-447-7

غيبة الإمام المهدي

عند الإمام الصادق عليهماالسلام

السيد

ثامر هاشم العميدي



بسم الله الرحمن الرحيم

( وَنُريدُ أن نَمُنَّ عَلَى الَّذينَ استُضعِفُوا

فِي الأرضِ وَنَجعَلَهُم أئمَّة وَنَجعَلَهُمُ الوَارثِينَ)



مقدّمة المركز

الحمد لله الواحد الأحد ، وصلواته وسلامه على نبينا محمد واله حجج الله على العباد إلى الأبد ، أما بعد

فان من المسلمات التي تركت بصماتها واضحة في تاريخ الفكر الإسلامي ، وبناء حاضره وأثّرت فيه برسم معالم مستقبله ؛ هو الاعتقاد الراسخ بإخبار أهل البيتعليهم‌السلام جميعا عن الإمام المهديعليه‌السلام قبل ولادته وغيبته ، وعلى هذا فليس البحث في غيبة الإمام المهدي قبل ولادتهعليه‌السلام تسجيلا حرفيا لقضية من قضايا الماضي ، بقدر ما هو وصل بين جزء من تاريخ هذه العقيدة في عصر الإمام الصادقعليه‌السلام والتعرف على جذورها في تلك الفترة ، وادراك عمقها وامتدادها في عصور الإسلام ، وبين تاريخ تحقّقها على صعيد الواقع ؛ لما بينهما من ارتباط وثيق.

ولا شكّ أن من يكون حليف القرآن وقرينه ـ والقرآن فيه تبيان لكل شيء ـ قادر على من يوقفنا على ما في ظاهره وباطنه ، ويحدّثنا عن غيبة الإمام المهدي قبل ولادتهعليه‌السلام ، كما لو كان معه. « ومن غرق في بحر المعرفة لم يطمع في شط ، ومن تعلّى إلى ذروة الحقيقة لم يخف من حط » ؛ ولهذا قال القاضي ابن أبي ليلى لمّا سأله نوح بن دراج : « أكنت تاركا قولا قلته أو قضاء قضيته لقول أحد؟ قال : لا ، الا رجل واحد! قلت : من هو؟ قال : جعفر بن محمد » ، ذلك هو إمامنا الصادقعليه‌السلام ، الحارس الأمين لمنظومة القيم والمفاهيم الإسلامية بنظر الكل ، حيث لم يدع مجالا لأحد من يشوهها أو يحرفها. ومن عاش في كبد الحقيقة ، لا تكون الإستضاءة بأقواله استضاءة بجزء من الماضي ؛ لأن الحقيقة في الحياة ليس لها عمر محدّد ، بل تحمل عناضر الخلود والبقاء معها ، وكلما دار عليها الزمان تتجدّد ؛ ولهذا كانت حركتهعليه‌السلام وفعله وقوله وتقريره تجسيدا حيّا لحركة الرسالة في خطواتها الفكرية والروحية والعلمية ، في مساحات الزمن الماضي والحاضر والمستقبل ، اذ امتازعليه‌السلام بواقعية مع الحياة على ضوء الإسلام ، فكان غنيا بمفاهيم الرسالة ، متمسّكا بمنهجها ، دقيقا في فكرها ، واضحا في تجسيدها حريصا على لونها ، مقتديا بها في ضرورة العلم والعمل والتفكير والتخطيط. وعلى هذا فلس ما جاء عنهعليه‌السلام بحاجة في عرضه إلى أكثر من تجريده عن أيّة أفكار دخيلة عليه أو أقوال مزيفة مكذوبة منسوبة اليه ، ولم يعرفها أحد من أصحابه ولم يروِها شيعته. وممّا عُلم عنهعليه‌السلام وبنحو اليقين ، منه لم يغادر الحياة شهيدا إلا وقد جعل العقيدة بالمهديعليه‌السلام ، عميقة الفكر ، ثابتة الأساس ، متينة الحجة ، واضحة مشخصّة ، مع تطويقه سائر الدعايات المضادّة التي عملت ولا زالت تعمل على تشويه تلك العقيدة ، حتى أحالها إلى رماد. ومن أقواله الثابتة ثبوت الحقيقة ، والواضحة وضوح الشمس في رائعة النهار ، تصريحه بهوية الإمام المهديعليه‌السلام ، وإمامته ، وغيبته ، وظهوره في آخر الزمان ؛ بما يمكن معه القول الحازم بأنه


أرادعليه‌السلام تحريك هذه العقيدة في وجدان الأمة على الدوام ، لما تمتلكه من فلسفة قادرة على خلق العمل الصالح وتهذيب النفوس بالورع ومحاسن الأخلاق ، مع التطلّع الجادّ إلى بناء المستقبل ، بما يناسب حجم اللقاء بالمهديعليه‌السلام في يومه الموعود. ولكي تدرك ـ مع هذا ـ منها ليست بانتظار فكرة طموحة قابلة للزوال ، وانّما هي بانتظار حقيقة من حقائق الإسلام الكبرى التي لابدّ وأن تقع في مستقبل تاريخه. وبهذا تستطيع أن تفهم من العقيدة بمهدي مجهول يخلقة الله في آخر الزمان عقيدة لا تثير اليقظة في العقول ، ولا تحرّك الوعي في الأحساس ولا تفتح القلوب ، شأنها شأن الأفكار الميتة التي قد تأخذ فراغا في الفكر ، ولكنها لا تهب الحياة شيئا.

واذا كانت اساليب الكذب والافتراء أعجز من أن تقتل فكرة أو تخنق مبدأ ، وطرق الغشّ والتضليل أضعف من أن تحجب نور الحقيقة وتهمش دور العقيدة ، فان من الغباء اذن جعل العقيدة بالإمام المهديعليه‌السلام انهزاما عن الواقع وانعزالا عن الحياة ، او هروبا وانسحابا عن مشاكل الأمة!! هذا في الوقت الذي يُسمع فيه نداء أهل البيتعليهم‌السلام من عمق التاريخ الإسلامي بضرورة أن يكون انتظار الإمام المهديعليه‌السلام في غيبته محفّزا إيجابيا ودافعا قويا لتحقيق ما أراده الله ورسوله صلي الله عليه وآله في أن يكون بناء الحياة بشكل أفضل.

وهكذا عاشت عقيدتنا بالإمام المهديعليه‌السلام ولا زالت في قلب المعركة معركة الحق والباطل ، ولن يكون غريبا اذن أن يرى المتتبع لهذه العقيدة اتجاهات دخيلة عليها نمت ضمن نطاق اسلامي من طراز خاص يحتضن تلك الاتجاهات تارة ، ويغذّيها بتشجيع الزيف والخداع لأجل من يتبوّأ أنصاره مكانا واسعا خدمة لفكرة محرّفة وغاية مسمومة ، وبدعاية كذوب على أنها نتاج إسلامي موضوعي خالص تارة أخرى ؛ تبريرا لما بُعتقد من خرافات وأوهام ، ومن هنا صار دعمها طريقا منتجا لإشاعتها ونشرها في الوسط الإسلامي حيث اتصالها بالحسّ الديني العميق ؛ وهكذا فقدت العقيدة بمهدي مجهول ـ كواحدة من تلك الخرفات ـ مبررات وجودها ؛ إذ لا انسجام لها مع الواقع ، ولا مع الحياة ، ولا مع المبادي الإسلامية في تلك العقيدة التي أفاض بها هذا الكتاب وحصرها بواحد من أهل البيتعليهم‌السلام وهو ملاذ الفقهاء أُستاذ العلماء في عصره ، وامام الأُمّة في زمانه الصادقعليه‌السلام .

وأخيرا فإْن هذا الكتاب الماثل بين يديك عزيزي القارئ إنما هو صفعة قوية بوجه أولئك الذين أنكروا ولادة الإمام المهديعليه‌السلام وكذبوا بغيبته ، ولبنة جديدة تُضاف إلى صرح الثقافة المهدوية الحقّة ، ودليل على الطريق.

والله الهادي إلى سواء السبيل

مركز الرسالة


المُقَدَّمةُ

الحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى الله على نبيّنا محمد وآله الطيّبين الطاهرين ، صلاة زاكية نامية متّصلة متواترة لا غاية لأمدها ولا نهاية لآخرها ، وسلّم تسليما كثيرا. وبعد

فإنّ الحديث عن الإمام المهدي الحجة ابن الحسنعليهما‌السلام خصب الميادين متعدّد الجوانب ، واسع الاطراف ، ولا حصر للمؤلفات التي كُتِبَت ـ شرقا وغربا ـ حوله ، حتي يُخال للباحث وهو يرى كثرة المؤلفات والبحوث المعدّة حول هذا الموضوع منه قد أُغلِقَ تماما ، ومن طْرقه من جديد لن يأتي بشيءٍ جديد.

ومع كل هذا قد نبغ في الآونة الاخيرة من يتّهم متكلمي الإمامية في أوآخر القرن الثالث وبداية الرابع الهجريين ، بأنهم ـ ولأجل أن يستمر المذهب الاثني عشري بعد وفاة الإمام العسكري بلا عقب ـ حاولوا ببراعتهم الكلامية اقناع عامّة المذهب بولادة الحجة ابن الحسن الغائب الذي لم يُولد بعد!!.

وقد كنت آمل في كتاب ( المهدي المنتظر في الفكر الإسلامي ) ـ الذي صدر سنة ١٤١٧ / هـ ، وطبع ثلاث مّرات ، وتُرجم إلى خمس لغات ـ أن ينبّه على مدارك ذلك الاتهام ويخفّف من غلواء مرّوجيه عبر الأقمار الصناعية ّكلما اتيحت لهم الفرصة ، ولكنهم بقوا كما بدأوا! ومن هنا وجدت نفسي أمام اختيار صعب ، فعدت اليهم مرّة أخرى لأرسم الصورة الواضحة لعمق العقيدة المهدوية في الفكر الشيعي قبل ولادة متكلمي الشيعة ـ الذين اتهموا باختلاق مفهوم


الغيبة والغائب ـ بأكثر من مائة عام ؛ ولهذا جاء البحث محصورا بالغيبة والغائب عند الإمام الصادقعليه‌السلام وحده ، فنقول :

عاش الإمام الصادقعليه‌السلام في عصرّين مختلفين : عصر ضعف الدولة الأموية حتى آلت إلى السقوط سنة ١٣٢ هـ على أيدي العباسيين ، و عصر انشغال بني العباس في تثبيت أقدامهم بالسلطة. ومعنى هذا ، من الدولة الأموية في عهد الإمام الصادقعليه‌السلام ـ الذي تولّى الإمامة بعد وفاة أبيه الإمام الباقرعليهما‌السلام سنة ( ١١٤ هـ ) ـ لم تكن قادرة على ممارسة نفس دورها الإرهابي في الحدّ من نشاط أهل البيتعليهم‌السلام كما كانت تمارسه في عهود آبائهعليهم‌السلام

كما منّ الدولة العباسية لم تعلن ارهابها على الإمامعليه‌السلام في بداية حكمها كما أعلنته عليه بعد حين وعلى الأئمة المعصومين من أولادهعليهم‌السلام فيما بعد ، وصولا إلى دورهم البغيض في غيبة آخر الأئمة الإمام المهديعليه‌السلام

ومن هنا وجد الإمامعليه‌السلام الفرصة النسبية سانحة للإنطلاق في أرحب الميادين ، ولهذا نجد اسمه الشريف يتردّد على ألسنة المؤرّخين والمحدّثين والمفسّرين والفلاسفة والمتكلّمين أكثر من سائر الأئمة الآخرينعليهم‌السلام ، ولعلّ خير ما يعبرّ لنا عن هذه الحقيقة هو الإمام الصادقعليه‌السلام نفسه فيما رواه عنه أوثق تلامذته.

فعن أبان بن تغلب قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : « كان أبيعليه‌السلام يفتي في زمن بني أميه من ما قتل البازي والصقر فهو حلال ، وكان يتقيهم ، وأنا لا أتّقيهم ، وهو حرام ما قتل »(١) .

__________________

١ ـ فروع الكافي / الكليني ٦ : ٢٠٨ / ٨ كتاب الصيد ، باب صيد البزاة والصقور ،


ونحو هذا ما رواه الحلبي عن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام أيضا(١) ، ونظيره ما رواه زرارة وأبو عمر الأعجمي عن الإمام الصادقعليه‌السلام من المنع عن مسح الخفيّن في الوضوء تقيّة وكذلك في النبيذ ومتعة الحج(٢) .

فهذه النصوص وأمثالها تصوّر لنا بوضوح حالة الانفراج السياسي النسبي الذي عاشه الإمام الصادقعليه‌السلام في ظلّ الدولتين.

وقد كانت وظيفة الإمام الصادقعليه‌السلام صعبة للغاية ، اذ شاهد خطورة الموقف الإسلامي ، وعاصر تلوّث المجتمع المسلم بالمفاهيم الدخيلة الوافدة إليه عن طريق الفلسفات الأجنبية التي تسلّلت رويداّ إلى ساحته عبر القنوات الكثيرة التي شقّتها حروب العصر الأموي ( ٤٠ ـ ١٣٢ هـ ) ، وبدايات العصر العباسي الأول ( ١٣٢ ـ ٢٣٤ هـ ) ، وما نتج عن هذا وذاك من نشوء التيّارات الفكرية الخطيرة ، وانقسام المسلمين إلى مذاهب وفرق عديدة ، مع بروز حركة الزندقة والإلحاد بفعل تلك الرواسب الثقافية المسمومة ، فضلا عن استشراء حالة الفساد الإداري والخُلقي في عاصمة الخلافة ـ دمشق أولا ، وبغداد ثانيا ـ ومن ثَمَّّ تصدير الانحراف إلى شرائح المجتمع من قصور الخلفاء أنفسهم ، ويشهد على كلّ هذا ما وصل إلينا من أدب البلاطين في ذينك العصرين ، وفي كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني أمثلة لا حصر لها تصوّر لنا حالة البذخ

__________________

والفقيه / الصدوق ٣ : ٢٠٤ / ٩٣٢ ، والتهذيب / الشيخ الطوسي ٩ : ٣٢ / ١٢٩ ، والاستبصار / الشيخ الطوسي ٤ : ٧٢ / ٢٦٥

١ ـ فروع الكافي ٦ : ٢٠٧ / ١ ، من الباب السابق ، والتهذيب ٩ : ٣٢ / ١٣٠ ، والاستبصار ٤ : ٧٢ / ٢٦٦.

٢ ـ فروع الكافي ٣ : ٣٢ / ٢ باب مسح الخفّين من كتاب الطهارة ، و ٢ : ٢١٧ / ٢ باب التقية ، والمحاسن / البرقي : ٢٥٩ / ٣٠٩ ، والخصال / الصدوق ٣٢ : ٧٩.


الاقتصادي ، والترف الفكري ، والتحلّل الخلقي الذي أصاب الأمة على أيدي حكّامهم وأمرائهم في الدولتين الأموية والعباسيّة.

فليس أمام الإمام الصادقعليه‌السلام اذن إلا اعادة تشكيل وعي الأمة من جديد ، وتعبئة أكبر ما يمكن من طاقات أفرادها للنهوض بمهمّة التغيير الكبرى ، وهو ما استطاععليه‌السلام أن يحققه في تلك الفترة القصيرة ؛ اذ استطاع وبكلّ جدارة أن يعيد للإسلام قوّته ونظارته ، بعد أن أرسى قواعد الفكر الصحيح على أُسسه. فوقف كالطود الأشمّ بوجه تلك العواصف الكثيرة التي أوشكت أن تعصف بكلّ شيء من بقايا الحقّ وأهله ، وجاهد جهادا علميا عظيما ، حتى تمكّن بحكمته وعطائه وعلمه وإخلاصه لله عزّ شأنه وتفانيه في دين جدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يصبغ الساحة الفكرية والثقافية في عصره ـ بعد أن تدنت بها القيم والأخلاق ـ بمعارف الإسلام العظيم ، ومفاهيمه الراقية ، واستطاع تحويل تلك المفاهيم إلى غذاء روحي يومي ، فنقلها من الواقع النظري إلى حيّز التطبيق الفعلى مبتدأ ذلك بروّاد مدرسته العظيمة التي كانت تضمّ ما يزيد على أربعة آلاف رجل ، ّوكلّهم من تلامذته ، حتى صاروا مشاعل نور أضاءت لكل ذي عينين من أفراد الأمة ما أظلمّ عليه.

وهكذا استمرّت مدرسة الإمام الصادقعليه‌السلام في أداء رسالتها يغذّيها ـ من بعده ـ الأئمة من وُلدهعليهم‌السلام بفيض من علم النبوّة ونور الولاية ، ولم يخبُ ضوؤها بتعاقب الزمان وتجدّد الملوان ، ويشهد لخلودها واتّساعها منّك واجد في كلّ عصر قطبا من أقطابها يشار له بالبنان ، وتشدّ إليه الرحال من كلّ فجّ عميق.

وما كان هذا ليتمّ بسهولة لولا الجهاد العلمي الحثيث المتواصل الذي بذله الإمام الصادقعليه‌السلام حتى اكتسب الواقع الثقافي الإسلامي بفضل مدرسته


المباركة مناعة قويّة ضدّ وباء الانحراف ، ذلك الوباء الذي كان ضاربا أطنابه على مرافق عديدة من الفكر الإسلامي ، فضلا عمّا تركه من تشويش وتضادّ في جزئيّات العقيدة ، ناهيك عمّا أصاب ( الإمامة ) من تداعيات خطيرة في المجتمع المسلم ، حتى أبيحت وضح النهار لكل جبّار عنيد ، وصار كلّ من غلب بحدّ السيف أوصياء مفروض الطاعة! هذا في الوقت الذي صحّ فيه عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم برواية الفريقين منه قال : « الخلفاء إثنا عشر كلّهم من قريش »(١) ، وصحّ أيضا قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهليّة »(٢) ، كما تواتر عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حديث الثقلين الذي جعل الكتاب وعترته أهل بيته صنوين متلازمين ما بقيت الدنيا ، وعاصمين من الضلالة لكل من تمسّك بهما ، إنهما لن يفترقا

__________________

١ ـ صحيحح البخاري ٤ : ١٦٤ باب الاستخلاف من كتاب الأحكام ، وصحيح مسلم ٢ : ١١٩ باب الناس تبع لقريش من كتاب الامارة أخرجه من تسعة طرق ، ومسند أحمد ٥ : ٩٠ و ٩٣ و ٩٧ و ١٠٠ و ١٠٦ و ١٠٧. وإكمال الدين الشيخ الصدوق ١ : ٢٧٠١٦ و ١ : ٢٧٢١٩ ، والخصال الشيخ الصدوق ٢ : ٤٦٩ و ٤٧٥.

٢ ـ أصول الكافي ١ : ٣٠٣٥ ، و ١ : ٣٠٨١ ، ٢ ، ٣ و ١ : ٣٧٨٢ ، وروضة الكافي ٨ : ٢٩١٢٣ ، والإمامة والتبصرة من الحرية الصدوق الأول ٢١٩ ٦٩ و ٧٠ و ٧١ ، وقرب الإسناد الحميري : ٣٥١ ١٢٦٠ ، وبصائر الدرجات الصفار : ٢٥٩ و ٥٠٩ و ٥١٠ ، واكمال الدين ٢ : ٤١٢ ـ ٤١٣١٠ و ١١ و ١٢ و ١٥ باب ٣٩ ، ورجال الكشي في ترجمة سالم بن أبي حفصة : ٢٣٥ رقم الترجمة ( ٤٢٨ ).

ونحوه في صحيحح البخاري ٥ : ١٣ باب الفتن ، وصحيح مسلم ٦ : ٢١ ـ ٢٢ ١٨٤٩ ، ومسند أحمد ٢ : ٨٣ و ٣ : ٤٤٦ و ٤ : ٩٦ ، والمعجم الكبير الطبراني ١٠ : ٣٥٠ ١٠٦٨٧ ، ومسند الطيالسي : ٢٥٩ ، ومستدرك الحاكم ١ : ٧٧ ، وسنن البيهقي ٨ : ١٥٦ و ١٥٧.


حتى يردا على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والحوض.(١)

وهكذا تعيّن المقصود بالاثني عشر ، واتضح المعنى بامام زمان كل جيل من أجيال الأمة بما لا يحتاج معه الي مزيد تأمّل أو تفكير.

وفي الصحيح عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « سُئل أمير المؤمنينعليه‌السلام عن معنى قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي ) من العترة؟ فقالعليه‌السلام : منا ، والحسن ، والحسين ، والائمّة التسعة من ولد الحسين ، تاسعهم مهدّيهم ، لا يفارقون کتاب الله عزّوجلّ ولا يفارقهم حتى يردوا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حوضه(٢) .

ولو لم يكن الأمركما قلناه لجعل صلّى الله عيله وآله مناط الاعتصام من الضلالة بطاعة من وصل إلى السلطة وقاد المسلمين طوعا أو كرها. وأما من تكون النجاة بالتمسّك بالثقلين دون غير هما بمنطوق الحديث ومفهومه ، فالعقل يأبى أن يكون الإمام القدوة غير المنجي من الضلالة.

وفي هذا البحث مقطع قصير من مقاطع الإمامة ، بل مفصل خطير من مفاصلها وهو « غيبة الإمام المهدي عند الإمام الصادقعليهما‌السلام » ، ونظرا لاتّصال

__________________

١ ـ سيأتي تخريج حديث الثقلين الشريف في الفصل الثاني من الباب الأول في هذا البحث.

٢ ـ رواه الفضل بن شاذان في إثبات الرجعة كما في مختصره : ٢٠٨ / ٦ ، عن ابن أبي عمير ، عن غياث بن ابراهيم ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام . وأخرجه الصدوق بسند صحيحح ، عن ابن أبي عمير ، عن غياث ، عنهعليه‌السلام . إكمال الدين ١ : ٢٤٠ ـ ٢٤١ ، ٦٤ باب ٢٢ ، وعيون أخبار الرضاعليه‌السلام ١ : ٦٠ / ٥٥ ، ومعاني الأخبار : ٩٠ / ٤ باب معنى الثقلين والعترة.


هذا الموضوع الحسّاس اتصالا وثيقا بحياتنا المعاصرة فكرا وسلوكا وعقيدة ، ارتأيت أن أبحث هذا الموضوع عند الإمام الصادقعليه‌السلام لنرى كيف طرح الإمام الصادقعليه‌السلام موضوع غيبة الإمامعليه‌السلام ؟ وإذا كان هناك ما يوضّح لنا هوية الإمام الغائب المنتظر بلا لبس أو إبهام ، فهل وُجِدَ مثله في فكر الإمام الصادقعليه‌السلام ؟ أو منه طرح موضوع الغيبة مجرّدا عن هوية الغائب وترك علامات استفهام حول اسمه ونسبه الشريف؟

لقد حرص الإمام الصادقعليه‌السلام على إشاعة مفهوم غيبة الإمام المهدي المنتظرعليه‌السلام ، وبثّ الفكر المهدوي الأصيّل في وجدان الأُمة التي اختلط عليها الحابل بالنابل ، وامتزج عندها الحقّ بأضغاث الباطل نتيجة لما لحق هذا الفكر من تضادّ وتشويش أدّيا إلى ظهور دعاوى المهدوية الباطلة التي حاولت الالتفاف على الحقيقة المهدوية الناصعة.

ومن هنا قام الإمام الصادقعليه‌السلام بتهيئة الأجواء العلميّة لفهم الغيبة ومعرفة من هو المهدي الذي سيغيب ، وذلك من خلال اتخاذ الخطوات الآتية :

تتمثّل الخطوة الأولى بدعم العقيدة المهدوية وإرجاعها إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي أكّدها بأقوى ما يمكن حتى تواترت عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ بيان الإمامعليه‌السلام حكم من أنكرها.

وتتمثّل الخطوة الثانية بترسيخ القواعد الكاشفة عن هوية الإمام المهديعليه‌السلام من دون الخوض في تفاصيل الهوية الشريفة.

وانحصرت الخطوة الثالثة في مجال تشخيص هوية الإمام الغائبعليه‌السلام وكيفية الانتفاع به في غيبته.


وهكذا يسّر الإمام الصادقعليه‌السلام السبل الكفيلة لمعرفة الإمام الغائب قبل ولادته بعشرات السنين ، وهو ما تكفّل به الباب الأول من البحث ، وذلك في ثلاثة فصول عالجت الخطوات الثلاث المذكورة على الترتيب.

وأما عن مفهوم الغيبة فقد احتضنه الإمام الصادقعليه‌السلام وأولاه أهمية خاصة ، وهو ما تكفّل به الباب الثاني في فصول أربعة.

تناولت : العناية بالغيبة وبيان معطياتها ، وتأكيد الإمام الصادقعليه‌السلام على وقوعها وطولها ، وبيان ما مطلوب في زمانها ، وأخيرا الكشف عن عللها.

وعقدنا الباب الثالث لنرى من خلاله موقف الإمام الصادقعليه‌السلام من دعاوى المهدوية التي أدركها ، وعاصر بعضها ، أو التي نشات باطلا بعده وذلك في خمسة فصول ، رد فيها الإمام الصادقعليه‌السلام على دعاوى الكيسانية والأموية والحسنية والعباسية والناوويسة والواقفية ، مع إعطاء القواعد اللازمة والضوابط العامّة المتقنة لمعرفة قيمة أيّة دعوى من هذا القبيل ثم جاء الفصل السادس والأخير ليكشف عن أجوبة الإمام الصادقعليه‌السلام على الشبهات المثارة حول الموضوع ؛ الأمر الذي أدّى إلى تعرية جميع المزاعم التاريخية التي حاولت الالتفاف على مفهوم الغيبة ، أو هوية الإمام الغائبعليه‌السلام سواء تلك التي ظهرت في زمان الإمام الصادقعليه‌السلام ، أو قبله ، أو التي نشأت بعد حين وتلاشت فجأة حيث اتضح الصبح لذي عينين.

وآخر دعوانا من الحمدلله ربّ العالمين

وصلّى الله على نبينا وسيدنا محمد وآله الهداة الأطهار الميامين.


الباب الأول

في معرفة الإمام الغائبعليه‌السلام قبل ولادته

الفصل الأول :

دعم الإمام الصادق عليه‌السلام للعقيدة المهدوية وبيان حكم من أنكرها

الفصل الثاني :

ترسيخ الإمام الصادق عليه‌السلام للقواعد الكاشفة عن هوية الإمم الغائب

الفصل الثالث :

تشخيص الإمام الصادق عليه‌السلام لهوية الغائب وكيفية الانتفاع به في غيبته



الفصل الأول

دعم الإمام الصادقعليه‌السلام للعقيدة المهدوية

وبيان حكم من أنكرها

اتّخذ الإمام الصادقعليه‌السلام جملة من الأمور اللازمة في مجال التثقيف العقائدي والفكري الموصل تلقائيا إلى معرفة مفهوم الغيبة وصاحبها ، وإدراك هويته من قبل من يولد بعشرات السنين ، وذلك من خلال تأكيده المباشر على أمرين ، وهما :

الأمرالأول ـ ثبوت أصل العقيدة المهدوية ، ودعمها :

من الواضح أنّ الحديث عن الغيبة والغائب ابتداءّ ، وبيان ما يجب فعله أو تركه في زمان الغيبة ، ونحو هذا من الأمور ذات الصلة المباشرة بهذا المفهوم ، لا يجدي نفعا ما لا يُعْلَم بأصل العقيدة المهدوية ، ولهذا أراد الإمام الصادقعليه‌السلام تنبيه الامة على أصل هذه العقيدة ، وذلك من خلال دعمها بما تواتر عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بشأنها ، حتى لا يكون هنالك شكٌّ في الأصل الثابت عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو ما اتّفقت الأمة على نقله.


فعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « لو لم يبقَ من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملأُها عدلا كما مُلئت جورا »(١) .

وعن أبي سعيد الخدري قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول على المنبر : « إنّ المهدي من عترتي من أهل بيتي ، يخرج في آخر الزمان ، ينزّل الله له من السماء قطرها ، ويخرج له من الأرض بذرها ، فيملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملأها القوم ظلما وجورا »(٢) .

وعن أبي سعيد الخدري أيضا ، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « المهدي مني أجلى الجبهة ، أقنى المنف ، يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا »(٣) .

وعن ام سلمة قالت : « سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول المهدي من عترتي من ولد فاطمة »(٤) .

وعن حذيفة بن اليمان ، قال : « خطبنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فذكّرنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما هو كائن ، ثم قال : لو لم يبقَ من الدنيا إلاّ يوم واحد ، لطوّل الله عزّوجلّ

__________________

١ ـ كتاب الغيبة/الشيخ الطوسي : ١١١.

٢ ـ سنن أبي داود ٤ : ١٠٧ / ٤٢٨٣ ، ومسند أحمد ١ : ٩٩ ومصنف ابن أبي شيبة ١٥ : ١٩٨ / ١٩٤٩٤.

٣ ـ سنن أبي داود ٤ : ١٠٧ / ٤٣٨٥ ، ومصنف عبدالرزاق ١١ : ٣٧٢ / ٢٠٧٧٣.

٤ ـ سنن ابن ماجة ٢ : ١٣٨٦ / ٤٠٨٦ باب ٣٤ ، وسنن أبي داود ٤ : ١٠٧ / ٤٢٨٤ ، ومستدرك الحاكم ٤ : ٥٥٧ ، والمعجم الكبير / الطبراني ٢٣ : ٢٦٧ / ٥٦٦.


ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلا من ولدي اسمه اسميّ ، فقام سلمان الفارسي رضي الله عنه : يا رسول الله من أي وُلْدِك؟ قال : من ولدي هذا ، وضرب بيده على الحسين(١) . وغيرها من الأحاديث الكثيرة الاُخرى.

وممّا يؤيّد عمق الاعتقاد بالمهديعليه‌السلام في الوجود الإسلامي ، هو منه لا يكاد يخلو كتاب حديثي من كتب المسلمين إلاّ وقد صرّح بهذه الحقيقة الثابتة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثبوتا قطعيا ، ويكفي في ذلك أن من أخرج أحاديث المهديعليه‌السلام من محدثي العامّة فقط بالغوا زهاء تسعين محدثا ، وقد أسندوها إلى أكثر من خمسين صحابيا(٢) ، وأما من قال بصحتها أو تواترها فقد بلغوا ثمانية وخمسين عالما من علمائهم فيما تتبعّناه(٣) ، وإذا ما علمنا موقف أهل البيتعليهم‌السلام وعرفنا عقيدة شيعتهم بالإمام المهديعليه‌السلام ، تيقّنا من حصول إجماع الأُمة بكل مذاهبها على ضرورة الاعتقاد بالمهديعليه‌السلام .

وفي هذا الصدد توجد أحاديث كثيرة عن الإمام الصادقعليه‌السلام في تثبيت أصل القضية المهدوية ، وهو ما اتفقت عليه كلمة المسلمين من ظهور رجل في آخر الزمان من ذرية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يلقب بالمهدي ليملأ الأرض

__________________

١ ـ عقد الدرر : ٥٦ باب ١ ، وفرائد السمطين ٢ : ٣٢٥ ـ ٣٢٦ / ٥٧٥ باب ٦١ ، والمنار المنيف / ابن القيم ١٤٨ / ٣٣٩ فصل ٥٠ ، وكشف الغمة / الإربلي ٣ : ٢٥٩.

٢ ـ راجع کتابنا : المهدي المنتظر في الفكر الإسلامي : ٢٦ ـ ٣٢.

٣ ـ راجع كتابنا : دفاع عن الكافي ١ : ٤٣٤ ـ ٤٠٥ تحت عنوان : ( من قال بصحّة أحاديث المهديعليه‌السلام أو تواترها من أهل السنة ).


قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا ، وانه يقتل الدجال وينزل عيسى بن مريمعليه‌السلام لنصرته ، ومأتم بصلاته. ويدلّ عليه :

١ ـ عن معمر بن راشد ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام في حديث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جاء فيه : « ومن ذرّيتي المهدي ، إذا خرج نزل عيسى بن مريم لنصرته ، فقدّمه وصلى خلفه »(١) .

وفي هذا الحديث تثبيت واضح لأصل القضية المهدوية ، وإشارة مجملة إلى هوية الإمام المهدي بأنّه من ذريّة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، مع التنبيه على مقامه ، بأن عيسىعليه‌السلام سيكون ـ بأمر الله ـ وزيرا للمهدي وناصرا له فيه آخر الزمان وأنّه يأتم بصلاته.

وحديث نزول عيسى لنصرة الإمام المهديعليه‌السلام أخرجه البخاري في صحيحه ، عن أبي هريرة(٢) ، وأخرجه مسلم في صحيحه من طرق شتّى عن أبي هريرة أيضا(٣) وجابر الأنصاري(٤) ، والترمذي عن أنس(٥) ، وأبو نعيم عن عبد الله بن عمرو(٦) وحذيفة(٧) ، وابن المنذر ، عن شهر

__________________

١ ـ أمالى الشيخ الصدوق : ٢٨٧ / ٣٢٠ / ٤ مجلس / ٣٩.

٢ ـ صحيح البخاري ٤ : ٢٠٤ باب نزول عيسىعليه‌السلام .

٣ ـ صحيح مسلم ١ : ١٣٥ / ٢٤٤ و ٢٤٥ و ٢٤٦ باب نوزل عيسىعليه‌السلام حاكما بشريعة نبينا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٤ ـ صحيح مسلم ١ : ١٣٥ / ٢٤٧ من الباب السابق.

٥ ـ سنن الترمذي ٥ : ١٥٢ / ٢٨٩٦.

٦ ـ الحاوي للفتاوى / السيوطي ٢ : ٧٨.

٧ ـ الحاوي للفتاوى ٢ : ٨١.


ابن حوشب ، عن أُم سلمة(١) ، وابن أبي شيبة ، عن ابن سيرين مرسلا(٢) .

ولايقال هنا إنّ تحديد هوية الإمام المهديعليه‌السلام من بين الذرية الطاهرة غير معلوم في حديث الإمام الصادقعليه‌السلام ، لأّنا لا زلنا في صدد تثبيت أصل القضية المهدوية على لسان الإمام الصادقعليه‌السلام ، وإثبات هذا الأصل لا يمكن اغفاله ، خصوصا ومن في المسلمين من شكّك فيه أنكره جملة وتفصيلا ، ومع هذا فإن في مثبتات الأصل المذكور تشخيصا أعلى لموضوع الهوية كما سيأتي.

جدير ذكره أن كون المهدي من ذرية الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعني كونه من ذرية أمير المؤمنينعليه‌السلام من فاطمةعليها‌السلام ، بمعنى أنه لابدّ وأن يكون إما من ذرية الإمام الحسن السبط ، أو من ذرية الإمام الحسين السبطعليهما‌السلام لانحصار ذرية الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بهما وبأولادهما. ومن هنا جاءت الأحاديث الأخرى المثبتة لأصل القضية مصرّحة بهذا المعنى.

٢ ـ عن أبان بن عثمان ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حديث قاله لعليعليه‌السلام : « كان جبريلعليه‌السلام عندي آنفا ، و أخبرني أنّ القائم الذي يخرج في آخر الزمان فيملأ الأرض عدلا ، من ذريتك ، من ولد الحسين »(٣) .

٣ ـ وعن معاوية بن عمار ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

__________________

١ ـ تفسير القمي ١ : ١٥٨ ، وانظر : الدر المنثور / السيوطي ٢ : ٧٣٤.

٢ ـ المصنّف / ابن أبي شيبة ١٥ : ١٩٨ / ١٩٤٩.

٣ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ٢٤٧ ـ ٢٤٨ / ١ باب ١٤.


في حديث آخر : « إن جبريلعليه‌السلام أتاني فأقرأني من ربي السّلام ، وقال يا محمد ومنكم القائم يصلي عيسى بن مريم خلفه ، إذا أهبطه الله إلى الأرض ، من ذرية علي وفاطمة ، من وُلد الحسينعليه‌السلام »(١) .

هذا ، وأما ما قد يقال من في بعض الأحاديث ما يثبت كون المهدي حسنيا لا حسينيا ، فالجواب باختصار أنه لا يوجد حديث صحيح البتة يثبت هذا المعنى من طرق العامة ، وإنما وُجِد ذلك في حديثين فقط ، أرسل الطبري أحدهما(٢) ولا حجة في المرسل ، والآخر رواه أبو داود في سننه ، قال : « حُدِّثْتُ عن هارون بن المغيرة ، قال : حدّثنا عمر بن أبي قيس ، عن شعيب بن خالد ، عن أبي إسحاق ، قال : قال على رضي الله عنه ـ ونظر إلى ابنه الحسن ـ : ( إنّ ابني هذا سيد كما سمّاه النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ، وسيخرج من صلبه رجلٌ يُسمّى باسم نبيّكم ، يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق ) ثمّ ذكر قصّه : يملأ الأرض عدلا »(٣) ، انتهى.

وسند الحديث مجهول ومنقطع ؛ لأنّه قال : « حُدِّثْتُ » ولم يذكر اسم مَن حدّثه ، فهو مجهول إذن ، وهو منقطع أيضا ؛ لأنّ أبا إسحاق ـ والمراد به : السبيعي ـ لم تثبت له رواية واحدة سماعا عن أمير المؤمنين علىعليه‌السلام كما صرّح بهذا المنذري في شرح حديث أبي داود(٤) ، وقد كان عمره يوم

__________________

١ ـ روضة الكافي / الكليني ٨ : ٤٢ / ١٠.

٢ ـ تهذيب الآثار / الطبري ـ كما في الحاوي للفتاوى / السيوطي ٢ : ٦٦.

٣ ـ سنن أبي داود ٤ : ١٠٨ / ٤٢٩٠.

٤ ـ مختصر سنن أبي داود / المنذري ٦ : ١٦٢ / ٤١٢١.


شهادة أمير المؤمنين عليعليه‌السلام نحو سبع سنين ؛ لمنه وُلد لسنتين بقيتا من زمان عثمان(١) ، هذا فضلا عن اختلاف النقل عن أبي داود ، فمنهم من نقله من كتاب السنن وفيه لفظ ( الحسين ) بدلا من لفظ ( الحسن ) ، وكذلك وجود أحاديث كثيرة اُخرى من طرق العامّة تثبت أنه من ولد الحسينعليه‌السلام (٢) .

وأما الشيعة الإمامية فليس في تراثها المهدوي الزاخر بهوية المهديعليه‌السلام ما يشير ـ بأدنى عبارة من حديث أو أثر ـ إلى كون المهدي من ولد الإمام الحسن السبطعليه‌السلام .

الأمر الثاني ـ بيان حكم من أنكر أصل العقيدة المهدوية :

من خلال ما تبيّن في الأمر الأول يتّضح جدّا من إنكار أصل العقيدة المهدوية جملة وتفصيلا هو من قبيل الردّ على الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومن قبيل الازدراء باجماع هذه الأُمة بكل فصائلها وتياراتها على قبول أصل العقيدة المهدوية وإن اختلفوا في تفاصيلها.

وقد ورد في الحديث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما يبين حكم من أنكر الإمام المهديعليه‌السلام .

فعن جابر بن عبد الله الانصاريرضي‌الله‌عنه قال : « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من كذّب بالدجّال فقد كفر ، ومن كذّب بالمهدي فقد كفر »(٣) .

__________________

١ ـ تهذيب التهذيب / ابن حجر العسقلاني ٨ : ٥٦ / ١٠٠.

٢ ـ اُنظر كتابنا : المهدي المنتظر في الفكر الإسلامي : ٦٢ ففيه بطلان حديث أبي داود من سبعة وجوه.

٣ ـ الروض الاُنُف / السهيلي ٢ : ٤٣١ ، وعقد الدرر / المقدسي الشافعي : ٢٠٩ ،


وهذا ما أكدّه علماء المذاهب الأربعة فيما حكاه لنا علاء الدين علي المتقي بن حسام الدين الشهير بالمتقي الهندي الحنفي ( ت / ٩٧٥ هـ ) ، إذ قال تحت عنوان : « فتاوى علماء العرب من أهل مكة المشرفة في شأن المهدي الموعود في آخر الزمان » إذ ورد عليهم سؤال بهذا الموضوع ، قال المتقي : « وهذه صورة السئوال : اللهم أرنا الحقَّ حقا وارزقنا اتباعه ، وأرِنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه.

ما يقول السادة العلماء أئمة الدين وهداة المسلمين ـ أيدّهم الله بروح القدس ـ في طائفة اعتقدوا شخصا من بلاد الهند مات سنة عشر وتسعمائة(١) ببلد من بلاد العجم ، يسمى : ( فره ) أَنه المهدي الموعود به في آخر الزمان ، وأنّ من أنكر هذا المهدي فقد كفر؟ ثم حكم من أنكر المهدي الموعود؟ افتونا ـ رضي الله تعالى عنكم ».

قال : « وكان هذا الاستفتاء في سنة اثنتين وخمسين وتسعمّائة »(٢) .

وقد نقل المتّقي الهنديرحمه‌الله ما أفتى به فقهاء مكّة بشأن السوال المذكور ، مبينا اسم كل فقيه منهم ، واسم مذهبه ،

__________________

والحاوي للفتاوى / السيوطي ٢ : ٢٤٤ ، قال : « وأخرج أبوبكر الاسكاف في فوائد الأخبار ، عن جابر بن عبد الله ثم ساق الخبر!! ».

١ ـ ذكره في أول كتاب البرهان فقال في ص ٦٧ منه : « وطائفة من بلاد الهند يعتقدون شخصا شريفا ولد في الهند اسمه : السيد محمد بن سيد خان الجونفوري ـرحمه‌الله وله نحو أربعين سنة ـ أنّه هو المهدي الموعود به في آخر الزمان » وكتاب البرهان أّلفه كردّ على ضلالة هذه الطائفة.

٢ ـ البرهان في علامات مهدي آخر الزمان / المتّقي الهندي : ١٧٧.


كالآتي :

١ ـ فتوى ابن حجر الهيتمي الشافعي.

٢ ـ فتوى الشيخ أحمد أبي السرور بن الصبا الحنفي.

٣ ـ فتوى الشيخ محمد بن محمد الخطابي المالكي.

٤ ـ فتوى الشيخ يحيى بن محمد الحنبلي.

وسنذكر خلاصة ما ذكر كل واحد منهم.

أما الفقيه الشافعي :

فقد نصّ على تواتر أحاديث المهدي ذاكرا علامات خروجة المتواترة ومحيلا في ذلك إلى كتابه ( القول المختصر في علامات المهدي المنتظر ).

وقد وضّح أنَّ إنكار هذه الطائفة ظهور المهديعليه‌السلام ، إن كان إنكارا للسُّنّة رأسا فهم كفار ، ويجب قتلهم ، وإن كان محضَ عنادٍ لأئمة الإسلام لا للسُّنّة. قال : « فهو يقتضي تعزيرهم البليغ ، وإهانتهم بما يراه الحاكم لائقا بعظيم جريمتهم وقبح طريقتهم ، وفساد عقيدتهم من حبسٍ ، وضرب ، وصفع وغيرها ، ممّا يزجرهم عن هذه القبائح ، ويكفّهم عن تلك الفضايح ، ويرجعهم إلى الحق رغما على أُنوفهم ، ويردّهم إلى اعتقاد ما ورد به الشرع ردعا عن كفرهم وإكفارهم »(١) .

__________________

١ ـ البرهان في علامات مهدي آخر الزمان : ١٧٨ ـ ١٧٩.


وأما الفقيه الحنفي :

فقد أفتى ببطلان هذه الدعوى ، وقال بحق أصحابها : « ويجب قمعهم أشدَّ القمع ، وردعهم أشدُّ الردع ؛ لمخالفة اعتقادهم ما وردت به النصوص الصحيحة والسُّنن الصربحة التي تواترت الأخبار بها ، واستفاضت بكثرة رواتها من أنّ المهديرضي‌الله‌عنه الموعود بظهوره في آخر الزمان يخرج مع سيدنا عيسى على نبينا وعليه‌السلام »(١) ، ثمّ حكم عليهم بالكفر أيضا.

وأما الفقيه المالكي :

فقد أفتى ببطلان دعوى هذه الطائفة أيضا ، فقال : « اعتقاد هؤلاء الطائفة في الرجل الميت أنَّه المهدي الموعود بظهوره في آخر الزمان باطل ، للأحاديث الصحيحة الدالّة على صحّة صفة المهدي ، وصفة خروجه ، وما يتقدم بين يدي ذلك من الفتن »(٢) ثم بيّن أنَّ اعتقادهم بهذا الرجل بأنّه هو المهدي وتكفير من خافهم ، هو الكفر بعينه ، وأفتى بوجوب استتابتهم ورجوعهم إلى الاعتقاد الحق ، وإلاّ قتلوا.

وأما الفقيه الحنبلي :

فقد قال : « لا ريب في فساد هذا الاعتقاد ، لما اشتمل عليه من مخالفة الأحاديث الصحيحة بالعناد. فقد صحَّ عنه عليه الصلاة والسّلام كما

__________________

١ ـ البرهان في علامات مهدي آخر الزمان : ١٨٠.

٢ ـ البرهان في علامات مهدي آخر الزمان : ١٨١.


رواه الثقات ، عن الرواة الأثبات ، أنَّه أخبر بخروج المهدي في آخر الزمان ، وذكر مقدمات لظهوره ، وصفات في ذاته ، وأُمور تقع في زمانه »(١) .

وأخيرا طالب حاكم المسلمين « أن يخرج عليهم أحكام المرتدين باستتابتهم ثلاثا ، فإن تابوا وإلاّ يَضرِبُ أعناقهم بالسيف كي يرتدع أمثالهم من المبتدعين [ و ] يريح الله المسلمين منهم أجمعين »(٢) .

ومما يؤيد صحة تلك الفتاوى على لسان إمامنا الصادقعليه‌السلام الأحاديث الآتيه :

١ ـ عن صفوان بن مهران الجمال ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : « من أقر بجميع الأئمة وجحد المهدي كان كمن أقر بجميع الأنبياء وجحد محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نبوته »(٣) .

وقد مرّ عن الإمام الصادقعليه‌السلام في الإشارة إلى حديث الثقلين ما يوضّح المراد بالأئمةعليهم‌السلام ، وسيأتي ذلك أيضا.

٢ ـ وعن غياث بن إبراهيم ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام ، عن آبائهعليهم‌السلام ، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال : « من أنكر القائم من ولدي فقد أنكرني »(٤) .

____________

١ ـ البرهان في علامات مهدي آخر الزمان : ١٨٢.

٢ ـ البرهان في علامات مهدي آخر الزمان : ١٨٣.

٣ ـ اكمال الدين / الصدوق ٢ : ٣٣٣ / ١ باب ٣٣.

٤ ـ إكمال الدين ٢ : ٤١٢ / ٨ باب ٣٩.


جدير بالذكر من لفظ « القائم » وإن كان وصفا لجميع الأئمةعليهم‌السلام ، إلاّ أنه ينصرف عند الاطلاق إلى الإمام المهديعليه‌السلام كما هو صريح جميع الروايات.

ومما يؤيّد ذلك وعلى لسان الإمام الصادقعليه‌السلام :

ـ حديث عبد الله بن سنان ، قال : « قلت لأبي عبد الله :( يوم نَدعوا كلَ أناسٍ بِإِمامِهِمْ ) (١) ؟ قال : إمامهم الذي بين أظهرهم ، وهو قائم أهل زمانه »(٢) .

ـ وحديث أبي خديجة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، وقد سُئل عن القائمعليه‌السلام ، فقال : « كلنا قائم بأمر الله ، واحد بعد واحد حتى يجيء صاحب السيف ، فإذا جاء صاحب السيف جاء بأمر غير الذي كان »(٣) .

ـ وحديث محمد بن عجلان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : « إذا قام القائمعليه‌السلام دعا الناس إلى الإسلام جديدا ، وهداهم إلى أمر قد دُثِرَ ، فضلّ عنه الجمهور ، وإنّما سُمّي القائم مهديا ؛ لأنه يهدي إلى أمر قد ضلّوا عنه ، وسُمّي بالقائم ؛ لقيامه بالحق »(٤) .

__________________

١ ـ سورة الإسراء : ١٧ / ٧١.

٢ ـ أصول الكافي ١ : ٥٣٦ ـ ٥٣٧ / ٣ باب إن الائمةعليهم‌السلام كلهم قائمون بأمر الله تعالى هادون إليه.

٣ ـ أصول الكافي ١ : ٥٣٦ / ٢ ، والإرشاد ٢ : ٣٨٤.

٤ ـ الإرشاد ٢ : ٣٨٣ ، وكشف الغمة ٣ : ٢٥٤ ـ ٢٥٥.


ـ هذا ، وفي حديث الحكم بن أبي نعيم ، عن الإمام الباقرعليه‌السلام ما يشير بكل وضوح إلى اشتهار وصف الإمام المهديعليه‌السلام بالقائم صفوف أصحاب الأئمةعليهم‌السلام (١) .

٣ ـ وفي الصحيح عن علي بن رئاب ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، في قول الله عزّوجلّ :( يومَ يأتي بعضُ آياتِ ربّكَ لا ينفعُ نفسا إيمانُها لم تكن آمنت من قبلُ ) (٢) ، قالعليه‌السلام : « الآيات : هم الأئمة ، والآية المنتظرة : هو القائمعليه‌السلام ، فيومئذٍ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل قيامه بالسيف ، وإن آمنت بمن تقدمه من آبائهعليهم‌السلام (٣) .

وهذا الحديث الصحيح صريح بهلاك منكري الإمام المهديعليه‌السلام في غيبة ، ما لم يتداركوا أنفسهم ويتوبوا إلى الله عزّوجلّ قبل انسداد باب التوبة بظهور الإمام المنتظرعليه‌السلام . ومنه يعلم وهن اعتذار بعض من اتّبعوا أهواءهم بأنهم لو أدركوا ظهور الإمام المهديعليه‌السلام لآمنوا به وأسرعوا إلى مبايعته وتصديقه. الأمر الذي يشير إلى ضرورة التصدي إلى تلك الأعذار الواهية والذرائع الخاوية ، واجتثاث جذورها من الأعماق( ولئنِ اتّبعتَ أهواءهمْ من بعدِ ما جاءكَ من العلمِ إنكَّ إذا لّمنَ

__________________

١ ـ أنظر الحديث في أصول الكافي ١ : ٥٣٦ / ١ من الباب السابق.

٢ ـ سورة الأنعام : ٦ / ١٥٨.

٣ ـ إكمال الدين : ١٨ ، من المقدمة. وأخرجه الشيخ الصدوق من طريق صحيح آخر ، عن علي بن رئاب ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام في إكمال الدين : ٣٠ ، من المقدمة أيضا.


الظّالمين ) (١)

٤ ـ وعن غياث أيضا ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام ، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « من أنكر القائم من ولدي في زمان غيبته مات ميتة جاهلية »(٢) .

ويلحظ هنا ذكر الغيبة في تثبيت أصل القضية وفي حكم من أنكرها معا ، ومنه يكتشف عمق مفهوم الغيبة المواكب لأصل القضية.

ومن هنا كان الخطر الذي يكمن وراء إنكار الإمام المهديعليه‌السلام عظيما ، والنتحجة التي تضمّنتها الأحاديث الثلاثة تتماشى مع روح القرآن الكريم تماما ، قال تعالى :( أفتؤمنون ببعض الكتابِ وتكفرونَ ببعضٍ ) (٣) فما دام الكلّ من الله عزّوجلّ فلا معنى للتبعيض فيه أصلا ، ولهذا فمن آمن بالقرآن الكريم وأنكر سورة واحدة من سورة القصار فقد كفر وخرج عن ملة الإسلام ، فكذلك الحال هنا.

وقد يقال : بأن هذا قياس مع الفارق ؛ إذ ليس في القرآن الكريم صحيح وضعيف ، بل هو كله من كلام الله عزّوجلّ المنقول إلينا بالتواتر ، والحديث ليس كذلك إذ فيه الصحيح والضعيف والموضوع الذي لا أصل له ، ومن ثَمَّ فإن الوعيد الشديد المذكور واقع على من أنكر أصل القضية

__________________

١ ـ سورة البقرة : ٢ / ١٤٥.

٢ ـ إكمال الدين ٢ : ٤١٢ ـ ٤١٣ / ١٢ باب ٣٩.

٣ ـ سورة البقرة : ٢ / ٨٥.


المهدوية ، كمن يقول مثلا : ( لا مهدي في آخر الزمان )! وحينئذٍ لا يضرّ الوعيد المذكور بمن آمن بمهدي مجهول يخلقه الله في آخر الزمان ؛ لأنه إيمان بالأصل المتّفق عليه بين جميع فئات المسلمين وطوائفهم ومذاهبهم.

والجواب : إن معرفة مقام أهل البيتعليهم‌السلام بأنهم الامتداد الطبيعي لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنهم خلفاؤه ، وأوصياؤه ، وطاعتهم طاعته ، ومعصيتهم معصيته ، وحديثهم حديثه ، وقول أيٍّ منهم حجة ، وأنّ من مات ولم يعرف إمام زمانه منهم مات ميتة جاهليّة ، كميتة أبي سفيان على الكفر والنفاق ، كل ذلك يدّلُ على أنهمعليهم‌السلام كالقرآن الكريم لا يجوز تبعيض الإيمان بهم مطلقا ، ويؤيد هذا ، من نجاة المسلمين من الضلالة مرهونة باتباع القرآن والعترة معا ؛ لأنهما صنوان لا يفترقان عمر الدنيا كما في حديث الثقلين الشريف ، وهو حديث متواتر بلا أدنى شبهة ، هذا فضلا عن الأحاديث الكثيرة المتواترة في وجوب التمسّك بهم والرّد إليهم ، والكون معهم ، فإنّ ظاهرها إنّ من لم يأخذ منهم أو عمن أخذ منهم ، لا يعدّ في العرف طائعا لهم ، ولا رادا إليهم ، ولا متمسّكا بهم ، ولا كائنا معهم ، وإذا لم يصدق عليه ذلك ، لم تصدق عيه صفة الإيمان وإن نطق بالشهادتين وصام وصلّى وأدّى فرائض الله كلها ، بل في أسلامه خدش عظيم.

وأما عن دعوى التحقيق في تلك الأحاديث لاحتمال أن تكون موضوعة أو ضعيفة ، وبالتالى فلا يلزم منها الوعيد المذكور. فهي دعوى غير صحيحة أصلا ؛ إذ لا تحتاج المسألة إلى تحقيق ما ورد فيها من أحاديث ، بل لو لم يوجد أيّ حديث عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيتهعليهم‌السلام في مثل


هذا الموضوع أصلا ، لكان الاعتقاد بهلاك منكر الإمام المهديعليه‌السلام هو المتعين ، لثبوت كونه خاتم الأئمة الاثني عشرعليهم‌السلام ثبوتا متواترا.

علما من في هذا الكتاب وحده من الأحاديث المروية عن الإمام الصادقعليه‌السلام وحده ، ما يكفي لإثبات هذه الحقيقة ، فكيف الحال إذن لو أُضيف لها ما روي عن أهل البيتعليهم‌السلام كافة ، لا شكّ أنها ستفوق الحدَّ المطلوب في تحقّق التواتر بدرجات.

ومن شاء فليرجع إلى أُمّهات الكتب المعتمدة المعدّة في هذا الغرض كإكمال الدين للشيخ الصدوق ، وكتّاب الغيبة للشيخ النعماني ، وكتاب الغيبة للشيخ الطوسي ، وغيرها من الكتب المعتبرة الأخرى ، التي اشتملت على مئات الأحاديث الواردة في هذاالموضوع.


الفصل الثاني

ترسيخ الإمام الصادقعليه‌السلام للقواعد

الكاشفة عن هوية الإمام الغائب

هناك جملة وافرة من الأحاديث النبويّة الشريفة ، التي يمكن عدها ـ وبكل اطمئنان ـ من القواعد الأساسية التي أصّلتها الشريعة الإسلامية في مقام بيان منزلة ومعرفة الأئمة الاثني عشرعليهم‌السلام ، ابتداء من أمير المؤمنين الإمام على بن أبي طالب ، وانتهاء بالإمام الحجة ابن الحسن العسكريعليهم‌السلام ، بحيث لو ضمّ بعضها إلى بعض لتكشّفت من خلالها هوية الإمام الغائب ، وبصورة لا تحتاج معها إلى أي دليل آخر في مسالة ولادته ، وإمامته وغيبته وطول عمره وظهوره في آخر الزمان ليملأ الأرض عدلا وقسطا بعد ما ملئت ظلما وجورا ، وهو ما اتّضح لطلائع التشيّع ، وآمنوا به قبل ولادة الإمام المهديعليه‌السلام بعشرات السنين ، نتيجة لتلك الأخبار التي أفصحت عن كل هذا قبل زمان تحقّقه.

ومن الطبيعي من لا يتّفق هذا المنهج القائم على الإيمان بالغيب مع معطيات الفلسفة المادية التي لا تؤمن بالغيب أصلا ، ومن هنا أصبح الدليل


المادي في تلك الفلسفة هو الحاكم في مجال العقيدة عند من تأثر بتلك الفلسفة وروّج لها من المستشرفين وغيرهم.

وأما في المنظور الإسلامي فيكفي الاعتقاد بالغيب ثبوت الإخبار عنه بالطريق الشرعي ، كوجوده في القرآن الكريم ، أو في الصحيح من الحديث النبوي الشريف ، أو من حديث أهل البيتعليه‌السلام الذين زكّاهم الله تعالى ، وأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا.

والحديث عن دور الإمام الصادقعليه‌السلام في موضوع الثقافة المهدوية بوجه عام ، والغيبة والغائب بوجه خاص ، ينبغي أن لا تغيب عنه المقدمات التي اعتمدها الإمام الصادقعليه‌السلام في بناء تلك الثقافة بناء محكما ، وذلك من خلال القيام بترسيخ القواعد اللازمة في ذهنية الأمة ، والعمل الدؤوب على نشرها ، حتى استطاععليه‌السلام من خلال التأكيد عليها ، وبيان مصداقها الخارجي أن يجعل العقيدة بالإمام المهدي وغيبتهعليه‌السلام ـ قبل أن يولد بأكثر من مائة عام ـ من القلاع الشامخة الحصينة التي لايمكن لأحد تسلّق أسوارها ، فضلا عن السطو عليها بهدف النيل منها أو تشويهها ، ومن تلك القواعد :

القاعدة الاولى :

قاعدة العصمة والمرجعية العلميّة والسياسية لأهل البيتعليهم‌السلام

وهذه القاعدة كغيرها من القواعد الأخرى الآتية كانت معروفته من قبل ، بفضل ما ورد بشأنها في القرآن الكريم وأحاديث الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل البيت من آباء الإمام الصادقعليهم‌السلام ، ولكنها لم تصل مداها الأرحب


كما ينبغي ، بسبب الظرف السياسي الخانق الذي حال دون وصول أهل البيتعليهم‌السلام إلى الخلافة بعد وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مباشرة ، وبالتالى حال دون أن تأخذ مفعولها في الوسط الإسلامي.

ومن هنا يبرز دور الإمام الصادقعليه‌السلام في ترسيخ تلك القواعد بناء على ما ذكرناه سلفا من توفر الانفراج السياسي النسبي الذي حصل لهعليه‌السلام بعد انهيار دولة البغاة ونشأة امبراطورية الطغاة.

ولسعة ما اعتمده الإمام في التأكيد على هذه القاعدة ، فسوف نكتفي بحدود اهتمامهعليه‌السلام بحديث الثقلين الشريف ، الذي اعتنى به الإمام للغرض المذكور ، بعد أن رأى محأولات الالتفاف على هذا الحديث الشريف من قبل السلطات الحاكمة حيث سخّرت له من يصرفه عن مؤدّاه من فقهاء ورواة السلطةٍ وقضاتهم وولاتهم. الأمر الذي يكشف عن ادراكهم خطورة هذا الحديث على المستويين الثقافي والسياسي معا. وسوف نتحدث عنه تحت عنوان :

حديث الثقلين وأثره في بلورة القاعدة :

أولا ـ صحة الحديث وبيان تواتره :

جرى الاستدلال على صحّة هذه القاعدة ببيان اُصولها من القرآن الكريم والسنة النبوية الثابتة والسيرة الذاتية لأهل البيتعليهم‌السلام مع الدليل العقلي ، وسنقتصر ـ كما ذكرنا ـ على دليل واحد من السنة النبوية وهو حديث الثقلين الشريف ، فنقول :


إنّ النيل من صحّة حديث الثقلين الشريف لا يجدي نفعا بعد وروده عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من طرق كثيرة جدا وبألفاظ واحدة ومتقاربة ، توجب تواتره بأبهى صورة.

فقد أخرج الترمذي ، عن أبي سعيد الخذري ، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله الشريف : « إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلوا بعدي ، أحدهما أعظم من الآخر : كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يتفرّقا حتّى يردا عليّ الحوض ، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما »(١) .

وأخرجه عن أبي سعيد ـ من العامّة ـ : أحمد بن حنبل ، وابن أبي عاصم ، وأبو يعلى الموصلي ، وابن الجعد ، وابن سعد ، وابن أبي شيبة ، والطبراني في معاجمه الثلاثة ، والحمويني(٢) .

كما أخرجه عن أبي سعيد ـ من الإمامية ـ : محمد بن

__________________

١ ـ سنن الترمذي ٥ : ٦٦٢ / ٣٧٨٦

٢ ـ مسند أحمد ٣ : ١٧ و ٢٦ و ٥٩ ، وفضائل الصحابة له أيضا ٢ : ٥٨٥ / ٩٩٠ و ٢ : ٧٧٩ / ١٣٨٢ ، والسنة لابن أبي عاصم ٢ : ١٠٢٣ ـ ١٠٢٤ / ١٥٩٧ و ١٥٩٨ ، ومسند أبي يعلى الموصلي ٢ : ٦ / ١٠١٧ ، و ٢ : ٨ ـ ٩ / ١٠٢٣ ، ومسند ابن الجعد ١ : ٣٩٧ / ٢٧١١ ، والطبقات الكبرى لابن سعد ٢ : ١٩٤ ، والمصنف لابن أبي شيبة ٧ : ١٧٦ / ٢٧ ، ومعاجم الطبراني الثلاثة : الكبير ٣ : ٦٥ ـ ٦٦ / ٢٦٧٨ و ٢٦٧٩ و ٢٦٧٩ ، الصغير ١ : ١٣١ و ١٣٥ ، والأوسط ٤ : ٢٦٢ ـ ٢٦٣ / ٣٤٦٣ و ٤ : ٣٢٨ / ٣٥٦٦ ، وفرائد السمطين ٢ : ١٤٤ ـ ١٤٦ / ٤٣٨ و ٤٣٩ و ٤٤٠ باب ٣٣.


العباس المفسّر ، والشيخ الصدوق ، والشيخ المفيد ، والشيخ الطوسي(١) .

ولم تقتصر رواية حديث الثقلين على أبي سعيد الخدري فحسب ، بل رواه آباء الإمام الصادقعليهم‌السلام ، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهم : أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام (٢) ، والإمام الحسن السبطعليه‌السلام (٣) ، والإمام الباقرعليه‌السلام (٤) . كما ورد ـ فيما بعد ـ عن الإمامين :

__________________

١ ـ تأويل الآيات الظاهرة للإسترابادي : ٦١٦ ، وإكمال الدين ١ : ٢٣٥ / ٤٦ ، و ١ : ٢٣٧ ـ ٢٣٨ / ٥٤ و ٥٧ ، و ١ : ٢٤٠ / ٦١ باب ٢٢ ، ومعاني الأخبار : ٩٠ / ١ و ٢ باب معنى الثقلين ، والخصال : ٦٥ / ٩٧ ، وأمالي الشيخ المفيد : ١٣٤ / ٣ مجلس / ١٣٦ ، وأمالي الشيخ الطوسي : ٢٥٥ / ٤٦٠ ( ٥٢٩ ) مجلس / ٩.

٢ ـ أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب السنة ٢ : ١٠٢٦ ، والبزار في مسنده ٣ : ٨٩ / ٨٦٤ ، والطحاوي في مشكل الآثار ٢ : ٢١١ ـ ٢١٢ / ١٩٠٠ ، والحمويني الشافعي في فرائد السمطين ٢ : ١٤٤ / ٤٣٧ باب ٣٣.

ورواه من الإمامّية : الكليني في اُصول الكافي ٢ : ٤١٤ / ١ ، والصدوق في إكمال الدين ١ : ٢٣٥ / ١٩ و ١ : ٢٣٧ / ٥٤ و ١ : ٢٣٩ / ٥٨ و ١ : ٢٤٠ / ٢٤ باب ٢٢ وكذلك في عيون أخبار الرضاعليه‌السلام ١ : ٥٧ / ٢٥ باب ٦ و ٢ : ٣٤ / ٤٠ باب ٣١ ، و ٢ : ٦٨ / ٢٥٩ ، ومعاني الأخبار : ٩ ـ ٩١ / ٤ و ٥ ، والشيخ النعماني في كتاب الغيبة : ٤٢.

٣ ـ أخرجه الشيخ المفيد في أماليه : ٣٤٨ / ٤ مجلس / ٤١ ، والشيخ الطوسي في أماليه : ١٢١ / ١٨٨ مجلس / ٥ ، و : ٦٩١ / ٤٦٩ مجلس / ٣٩ ، والخزاز في كفاية الأثر : ١٦٢ ، والطبري في بشارة المصطفى : ١٠٦.

٤ ـ أخرجه الصفّار في بصائر الدرجات : ٤١٣ ـ ٤١٤ / ٣ و ٦ باب ١٧ ، وثقة


الكاظم(١) ، والرضاعليهما‌السلام (٢) .

وأما حديث الإمام الصادقعليه‌السلام فسيأتي في ترسيخ هذه القاعدة.

كما روى حديث الثقلين الشريف عدد من الصحابة ، وهم : جابر بن عبد الله الأنصاري(٣) ، وحذيفة ابن أسيد(٤) ، وزيد بن أرقم(٥) ،

__________________

الإسلام الكليني في فروع الكافي ٣ : ٤٢٢ / ٦ باب تهيئة الإمام للجمعة ، والكشي في رجاله ١ : ٢١٩ / ٢١٨ في ترجمة ثوير بن أبي فاختة ، والشيخ الصدوق في معاني الأخبار : ٥٨ / ٥٩ ، وعمّاد الدين الطبري في بشارة المصطفى : ١٢.

١ ـ أخرجه الشريف الرضي في خصائص الأئمة : ٧٢.

٢ ـ أخرجه الشيخ الصدوق في عيون أخبار الرضاعليه‌السلام ١ : ٢٢٨ / ١ باب ٢٣ ، والأمالي : ٥٢٢ / ١ مجلس / ٧٩.

٣ ـ أخرجه الترمذي في سننه ٥ : ٦٦٢ ـ ٦٦٣ / ٣٧٨٦ ، والطبراني في المعجم الكبير ٣ : ٦٦ / ٢٦٨٠ و ٥ : ٣٨٠ / ٤٧٥٤ ، وابن أبي شيبة في المصنف ٧ : ١٧٥ / ٢٧ ، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة ١ : ٨١ / ٩٥.

وأخرجه من الإمامية : الصفار في بصائر الدرجات : ٤١٤ / ٥ باب ١٧ ، والصدوق في إكمال الدين ١ : ٢٣٦ / ٥٣ باب ٢٢ ، والشيخ الطوسي في أماليه : ٥١٦ / ١١٣١ ( ٣٨ ) مجلس / ١٨.

٤ ـ أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٣ : ١٨٠ ـ ١٨١ / ٣٠٥٢ ، والخطيب البغددي في تاريخ بغداد ٨ : ٤٤٢ / ٤٥٥١ في ترجمة زيد بن الحسن الأنماطي ، وأبو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء ١ : ٣٥٥ / ٥٧ في ترجمة حذيفة بن أسيد. وأخرجه من الإمامية : الخزاز في كفاية الأثر : ١٢٧ ، والصدوق في الخصال : ٦٥ / ٩٨ من أربعة طرق.

٥ ـ أخرجه مسلم في صحيحة ٤ : ١٤٩٢ ـ ١٤٩٣ / ٢٤٠٨ ( ٣٦ ) و ( ٣٧ ) ، وابن


وزيد بن ثابت الأنصاري(١) ، وجندب بن جنادة أبو ذرّالغفاري(٢) ،

__________________

خزيمة في صحيحة ٤ : ٦٢ ـ ٦٣ / ٢٣٥٧ ، و النسائي في خصائص الإمام عليعليه‌السلام ١١٧ ـ ١٢٠ / ٧٩ ، وأحمد بن حنبل في مسنده ٤ : ٣٦٦ و ٣٧١ ، وفي فضائل الصحابة أيضا ٢ : ٥٧٢ / ٩٦٨ ، والدارمي في سننه ٢ : ٥٢٤ / ٣٣١٦ ، وابن أبي عاصم في السنة ٢ : ١٠٢٢ ـ ١٠٢٣ / ١٥٩٥ و ١٥٩٦ ، و ٢ : ١٠٢٥ ـ ١٠٢٦ / ١٥٩٩ ، وابن أبي شيبة في المصنف ٧ : ١٧٦ / ٢٧ ، والطبراني في المعجم الكبير ٥ : ١٦٦ ـ ١٦٧ / ٤٩٦٩ و ٤٩٧١ ، و ٥ : ١٦٩ ـ ١٧٠ / ٤٩٨٠ و ٤٩٨١ ، و ٥ : ١٨٢ ـ ١٨٤ / ٥٠٢٥ و ٥٠٢٧ و ٥٠٢٨ ، ٥ : ١٨٦ / ٥٠٤٠ ، والحاكم في المستدرك على الصحيحين ٣ : ١١٨ / ٤٥٧٦ ، و ٣ : ١٦٠ ـ ١٦١ / ٤٧١١ ، والطحاوي في مشكل الآثار ٤ : ٢٥٠ ـ ٢٥٤ / ٣٧٩٦ و ٣٧٩٧ باب ٥٤٨ ، والبيهقي في كتاب الاعتقاد ١ : ٣٢٥ ، والسنن الكبرى أيضا ١٠ : ١١٣ ـ ١١٤ ، والخوارزمي الحنفي في المناقب : ١٥٤ و ١٨٢ ، والرافعي في التدوين في أخبار قزوين ٣ : ٤٦٥ / ٥٢.وأخرجه من الإمامية : الصدوق في إكمال الدين ١ : ٢٣٤ / ٤٤ و ٤٥ ، و ١ : ٢٣٧ ـ ٢٤٠ / ٥٤ و ٥٥ و ٥٦ و ٦٢ باب ٢٢ من ستة طرق.

١ ـ أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده ٥ : ١٩٠ ، وفي فضائل الصحابة له أيضا ٢ : ٧٨٦ ، وابن أبي عاصم في السنة ١ : ٥٠٩ / ٧٧٢ ، و ٢ : ١٠٢١ / ١٥٩٣ ، وابن أبي شيبة في المصنف ٧ : ٤١٨ / ٤١ ، والطبراني في المعجم الكبير ٥ : ١٥٣ ـ ١٥٤ / ٤٩٢١ و ٤٩٢٢ و ٤٩٢٣ ، والحمويني في فرائد السمطين ٢ : ١٤٤ / ٤٣٧ باب ٣٣.

وأخرجه من الإمامية : ابن شاذان في مائة منقبة : ١٦١ / ٨٦ ، والصدوق في إكمال الدين ١ : ٢٣٦ / ٥٢ باب ٢٢ ، و ١ : ٢٣٩ / ٦٠ باب ٢٢ ، والأمالي : ٥٠٠ / ٦٨٦ ( ١٥ ) مجلس / ٦٤.

٢ ـ أخرجه علي بن إبراهيم في تفسيره ١ : ١٠٩ في تفسير سورة آل عمران ،


وأبو هريرة(١) ، وأم سلمة(٢) ، والبراء بن عازب(٣) ، وحذيفة بن اليمان(٤) ، وعبد الله ابن عباس(٥) ، وعمر بن الخطاب(٦) .

ثانيا ـ من صحح الحديث من العلماء :

من الواضح أنّ اتفاق الصحابة ـ الذين سبق ذكرهم ـ على رواية حديث الثقلين الشريف بلفظ : « كتاب الله وعترتي » ، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوجب تواتره ، وإذا ما أُضيف إلى ذلك موقف أهل البيت من هذا الحديث عُلم تواتره بأبهى صورة على منهم صرّحوا بحسن الكثير من طرقه تارة ، وصيتها اُخرى. ولو جُمعت طرق الحديث تلك لكانت وحدها دليلا كافيا على تواتر الحديث. وإليك جملة يسيرة بأسماء من قال بحسن الحديث أو صحّته ، و هم :

محمد ابن إسحاق ( ت / ١٥٠ هـ )(٧) ، ومحمد بن عيسى الترمذي

__________________

والشيخ الصدوق في إكمال الدين ١ : ٢٣٦ ـ ٢٣٩ / ٥٢ و ٥٩ و ٦٠ باب ٢٢ ، والخصال ٢ : ٤٥٧ / ٢ ، والأمالي : ٥٠٠ / ٦٨٦ ( ١٥ ) مجلس / ٦٤.

١ ـ أخرجه الخزاز القمّي في كفاية الأثر : ٨٧.

٢ ـ أخرجه الشيخ الطوسي في أماليه : ٤٧٨ / ١٠٤٥ ( ١٤ ) مجلس / ١٧.

٣ ـ أخرجه عماد الدين الطبري في بشارة المصطفى : ١٣٦.

٤ ـ أخرجه الخزاز في كفاية الأثر : ١٣٦ ، والسيد ابن طاوس في إقبال الأعمال : ٤٥٤.

٥ ـ أخرجه الشيخ الصدوق في أماليه : ٦٤ / ١١ مجلس / ١٥ ، والشيخ المفيد في أماليه : ٤٥ ـ ٤٧ / ٦ مجلس / ٦ ، وابن شاذان القمي في مائة منقبة : ١٤٣ / ٧٥.

٦ ـ أخرجه الخزاز في كفاية الأثر : ٩١.

٧ ـ لسان العرب / ابن منظور ٤ : ٥٣٨ ( عَتَرَ ).


( ت / ٢٩٧ هـ )(١) ، ويحيى بن زكريا الحافظ النيسابوري ( ت / ٣٠٧ هـ )(٢) ، ومحمد بن جرير بن رستم الطبري المفسّر العامي ( ت / ٣١٠ هـ )(٣) ، وأبو بكر محمد بن إسحاق السلمي المعروف بابن خزيمة ( ت / ٣١١ هـ )(٤) ، وأحمد بن محمد بن عقدة الزيدي الجارودي الحافظ ( ت / ٣٣٣ هـ ) وهو من المعتقدين بتواتر الحديث ؛ إذ أخرجه عن أكثر من مائة من الصحابة وبطرق شتّى في كتاب الولاية كما صرّح بهذا السيد ابن طاوس(٥) .

والأزهري اللغوي المشهور ( ت / ٣٧٠ هـ )(٦) ، والحاكم النيسابوري ( ت / ٤٠٥ هـ )(٧) ، وأبو سعيد السجزي ( ت / ٤٧٧ هـ ) وهو من المعتقدين بتواتر الحديث ؛ إذ أخرجه من طرق شتّى(٨) ، والبغوي ( ت / ٥١٠ هـ )(٩) ،

__________________

١ ـ سنن الترمذي ٥ : ٦٦٢ ـ ٦٦٣ / ٣٧٨٦ باب مناقب أهل البيتعليهم‌السلام .

٢ ـ الفوائد المنتقاة والغرائب الحسان عن الشيوخ الكوفيين / محمد بن علي الصوري : ٧٣.

٣ ـ كنز العمّال ١ : ٣٧٩ / ١٦٥٠.

٤ ـ راجع : صحيح ابن خزيمة ١ : ٣ من المقدمة.

٥ ـ انظر : الاقبال / السيد ابن طاوس ٢ : ٢٣٩ ـ ٢٤٠.

٦ ـ تهذيب اللغة / الأزهري ٢ : ١٥٧ ( عَتَرَ ).

٧ ـ مستدرك الحاكم ٣ : ١١٨ / ٤٥٦٧ كتاب معرفة الصحابة ـ ذكر مقتل عثمان ، و ٣ : ١٦٠ ـ ١٦١ / ٤٧١١ ، و ٣ : ٦١٣ / ٦٢٧٢.

٨ ـ الاقبال / السيد ابن طاوس ٢ : ٢٣٩ الفصل ٢.

٩ ـ مصابيح السنة / البغوي ٤ : ١٨٥ / ٤٨٠٠ ، و ٤ : ١٨٩ / ٤٨١٦ باب مناقب أهل البيتعليهم‌السلام ، وشرح السنة / البغوي ١٤ : ١١٧ / ٣٩١٣ و ١٤ : ١١٨ / ٣٩١٤.


وسبط ابن الجوزي ( ت / ٦٩٤ هـ )(١) ، وابن منظور ( ت / ٧١١ هـ )(٢) ، والمزي ( ت / ٧٤٢ هـ )(٣) ، والذهبي ( ت / ٧٤٨ هـ )(٤) ، وابن كثير الدمشقي ( ت / ٧٧٤ هـ )(٥) ، والمحاملى في أماليه على ما سيأتي عن السيوطي ، ونور الدين الهيثمي ( ت / ٨٠٧ هـ )(٦) ، والبوصيري ( ت / ٨٤٠ هـ )(٧) ، وابن حجر العسقلاني ( ت / ٨٥٢ هـ )(٨) ، والسخاوي ( ت / ٩٠٢ هـ ) وهو من المعتقدين بتواتر الحديث إذ أخرجه من طرق كثيرة صحح الكثير منها(٩) ، والسيوطي ( ت / ٩١١ هـ ) وهو من المعتقدين بتواتره أيضا كما يظهر من كثرة طرقه ، وقد صحح بعضها ، وأشار إلى تصحيح من سبقه لها كالمحالي وغيره(١٠) ، والسمهودي ( ت / ٩١١ هـ ) وهو من المعتقدين بتواتره أيضا كما

__________________

١ ـ تذكرة الخواص / سبط بن الجوزي : ٢٩٠.

٢ ـ لسان العرب / ابن منظور ٤ : ٥٣٨ ( عَتَرَ ).

٣ ـ تحفة الأشراف / المزي ٣ : ١٩٣ / ٣٦٥٩.

٤ ـ تلخيص المستدرك / الذهبي ٣ : ٥٣٣ ( مطبوع بهامش مستدرك الحاكم ).

٥ ـ السيرة النبوية / ابن كثير ٤ : ١٦٨ ، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير ٧ : ١٨٥ في تفسير الآية ( ٢٣ ) من سورة الشورى المباركة ، والبداية والنهاية / ابن كثير أيضا ٥ : ٢٢٨ ـ ٢٢٩ ، و ٥ : ٢٣١.

٦ ـ مجمع الزوائد / الهيثمي ١ : ١٧٠ ، و ٩ : ١٦٢ ـ ١٦٣.

٧ ـ مختصر اتحاف السادة المهرة / البوصيري ٨ : ٤٦١ ، و ٩ : ١٩٤.

٨ ـ المطالب العالية / ابن حجر العسقلاني ٤ : ٦٥ / ٣٩٧٢.

٩ ـ استجلاب ارتقاء الغرف / السخاوي : ٨٨ ـ ١٢٢ بعنوان : « حديث الثقلين ».

١٠ ـ مسند الإمام عليعليه‌السلام / السيوطي : ١٩٢ / ٦٠٥ ، وجامع الآحاديث /


يظهر بوضوح من طرقه لديه مع تصحيحة لكثير من تلك الطرق(١) ، ومحمد بن يوسف الشامي ( ت / ٩٤٢ هـ )(٢) ، وابن حجر الهيتمي ( ت / ٩٧٤ هـ ) وهو من المعتقدين بتواتر الحديث ، وله كلام طويل في تصحيح جملة وافرة من طرقه(٣) ، وعبد الرؤوف محمد بن على المناوي ( ت / ١٠٣١ هـ )(٤) ، وعلى بن برهان الدين الحلبي ( ت / ١٠٤٤ هـ )(٥) ، ومحمد بن معتد خان الحارثي المعروف بالبدخشاني ( ت / ١١٢٦ هـ )(٦) ، ومحمد بن محمد بن معين المعروف بالسندي ( ت / ١١٦١ هـ )(٧) ، والزبيدي الحنفي ( ت / ١٢٠٥ هـ )(٨) ، والحسين بن أحمد الصنعناني ( ت / ١٢٢١ هـ )(٩) ، والقندوزي الحنفي ( ت / ١٢٧٠ هـ ) وهو من المعتقدين بتواتر الحديث ؛ إذ

__________________

السيوطي ١٦ : ٢٥٥ / ٧٨٦٣ ، والخصائص الكبرى / السيوطي ٢ : ٤٦٦ ، والدر المنثور / السيوطي أيضا ٥ : ٧٠٢ في تفسير الآية ( ٢٣ ) من سورة الشورى المباركة.

١ ـ جواهر العقدين / السمهودي : ٢٣١ و ٢٣٢ و ٢٣٤ و ٢٣٦ و ٢٣٨ و ٢٤٦ وقال في هذا المورد الأخير : « وهو كثير الطرق جدا وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد ، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان ».

٢ ـ سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد / محمد بن يوسف الشامي ١١ : ٦.

٣ ـ الصواعق المحرقة / ابن حجر الهيتمي : ٤٢ و ٤٣ و ٤٤ و ١٤٥ و ١٤٩ و ١٥٠ و ٢٢٨.

٤ ـ فيض القدير شرح الجامع الصغير ، المناوي ٢ : ١٧٤ / ١٦٠٨.

٥ ـ السيرة الحلبية / الحلبي ٣ : ٣٨٤.

٦ ـ نزل الأبرار بما صحّ من مناقب أهل البيت الأطهار / البدخشاني : ٣٣.

٧ ـ دراسات اللبيب في الأسوة الحسنة بالحبيب / السندي : ٢٣٣.

٨ ـ اتحاف السادة المتقين / الزبيدي ١٤ : ٥٣٤.

٩ ـ الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير / الصنعاني ١ : ٣٩.


أخرجه من طرق كثيرة جدا صحح معظمها(١) ، والآلوسي المفسّر الوهابي ( ت / ١٢٧٠ هـ ) فقد صحح الحديث وقال معقّبا بعد التصحيح ، إنّه : « يقتضي أن النساء المطهّرات غير داخلات في أهل البيت الذين هم أحد الثقلين »(٢) .

وصححه جمال الدين القاسمي ( ت / ١٣٣٢ هـ )(٣) .

وصححه محمود شكري الآلوسي ( ت / ١٣٤٢ هـ ) مصرّحا بأنّ من خالف الثقلين فهو ضالّ ، ومذهبه باطل وفاسد لا يُعبأ به ، ومن جحد بهما فقد غوى ، ووقع في مهاوى الردى(٤) ، ولله درّ القائل : والحقّ ينطق منصفا وعنيدا.

وصححه ـ كذلك ـ الأمولوي حسن زمان ( من أعلام القرن الرابع عشر الهجري )(٥) ، والألباني الوهّابي ( ت / ١٤١٣ هـ )(٦) .

وإذا ما لوحظ بمن مسلم بن الحجاج النيسابوري ( ت / ٢٦١ هـ ) قد أخرج الحديث في صحيحة ، عن أبي سعيد الخدري كما تقدم ، وإنّ علماء

__________________

١ ـ ينابيع المودة ١ : ١٢٠ / ٤٤ و ٤٥ ، و ١ : ١٢١ / ٤٨ ، ٢ : ٤٣٢ / ١٩١ ، وغيرها.

٢ ـ روح المعاني / الآلوسي الوهّابي ١١ : ١٩٧ في تفسير الآية ( ٣٣ ) من سورة الأحزاب المباركة.

٣ ـ محاسن التأويل / القاسمي ١٤ : ٣٠٧.

٤ ـ مختصر التحفة الإثني عشرية / محمود شكري الآلوسي : ٥٢.

٥ ـ القول المستحسن في فخر الحسن / المولوي حسن زمان : ٥٩٤.

٦ ـ صحيح الجامع الصغير / الألباني الوهّابي ١ : ٢٨٦ / ١٣٥١ ، و ١ : ٤٨٢ / ٢٤٥٧ و ٢٤٥٨ ، وسلسلة الأحاديث الصحيحة / الألباني الوهّابي أيضا ، رقم الحديث ( ١٧٦١ ).


العّامة مطبقون على صحّة هذا الكتاب ، فلا معنى إذن للاكثار من أسماء علمائهم الذين صحّحوا الحديث.

ويدلّّ على ذلك أقوالهم الآتية :

١ ـ قال العينى في عمدة القاري : « اتفق علماء الغرب والشرق على أنه ليس بعد كتاب الله تعالى أصحّ من صحيحي البخاري ومسلم »(١) .

٢ ـ وقال الكشميري الديوبندي في فيض الساري : « واعلم أنه انعقد الإجماع على صحة البخاري ومسلم »(٢) .

٣ ـ وقال حاج خليفة في كشف الظنون : « إن السلف والخلف قد أطبقوا على من أصحّّ الكتب بعد كتاب الله سبحانه وتعالى ، صحيح البخاري ثم صحيح مسلم »(٣) .

٤ ـ وكان أبو على النيسابوري يرى : « أنه ما من شيء تحت أديم السماء إلاّ وصحيح مسلم أصحّ أنه »(٤) .

٥ ـ وذهب الذهبي ، والسرخسي ، وابن تيمية ، وعمر بن الصلاح الشهرزوري ، والحميدي ، ابن طاهر ، وأبو إسحاق الشيرازي ، القاضي عبدالوهّاب المالكي ، إلى القول بمن ما وُجد في الصحيحين يفيد القطع!! واحتجّوا بالإجماع على قبوله ، وجزم السيوطي بأن القطع هو

__________________

١ ـ عمدة القاري في شرح صحيح البخاري / العيني ١ : ٥.

٢ ـ فيض الساري على صحيح البخاري / الكشميري الديوبندي ١ : ٥٧.

٣ ـ كشف الظنون / حاج خليفة ١ : ٦٤١.

٤ ـ وفيات الأعيان / ابن خلكان ٤ : ٢٠٨.


الصواب!!(١) .

هذه هي رتبة حديث الثقلين الشريف بلفظ : « كتاب الله وعترتي » عند علماء العامّة ، وبهذا تُعلم قيمة إعراض البخاري في صحيحه عن رواية هذا الحديث ، وقيمة الشبهات التي أثارها ويثيرها بعض الجهلة من هنا وهناك بشأن صحة هذا الحديث تارة أو دلالته تارة اُخرى(٢) .

ثالثا ـ علم الصحابة بالمعنيين بحديث الثقلين :

إنّ العودة السريعة إلى أزمان صدور الحديث(٣) تؤكد لنا أهمية حديث الثقلين ( القرآن والعترة ) ، وقيمة إرجاع الأمة فيه إلى العترة لأخذ الدين الحقّ عنهم ، وتزداد أهميته كثيرا بالوقوف على أسباب ألتاكيد عليه في مناسبات مختلفة ونُوَب متفرِّقة ؛ منها في يوم الغدير ، وآخرها في

__________________

١ ـ شرح الزرقاني على المنظومة البيقونية لأبي الفتوح البيقوني : ٥٧ ـ ٥٩ ، القسم الأول ( الحديث الصحيح ) ، وفيض الساري ١ : ٥٧.

٢ ـ راجع : حديث الثقلين / السيد على الحسيني الميلاني. ( كتبه ردّا على بعض من تخرّص باطلا بشأن حديث الثقلين الشريف ).

٣ ـ الثابت هو أن حديث الثقلين الشريف قد أكّده رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على أُمّته في أكثر من مكان وزمان ؛ فمرّة في حجة الوداع كما في حديث جابر ، واُخرى عند منصرفه من الطائف كما في حديث عبدالرحمن بن عوف ، وثالثة في الجحفة قرب غدير خم كما في حديث زيد بن أرقم وغيره ، ورابعة في مرض موتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما في حديث اُم سلمة وقد امتلأت الحجرة من أصحابه ، وخامسة في المسجد النبوي الشريف قبل وفاتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيومين أو ثلاثة ، وغيرها كما يتضح من مراجعة مصادر الحديث السابقة.


مرضهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الأخير.

هذا فضلا عن تأكيدهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المستمر على الاقتداء بعترته أهل بيته ، والاهتداء بهديهم ، والتحذير من مخالفتهم ، وذلك بجعلهم : تارة كسفن للنجاة ، واُخرى أمانا للأُمّة ، وثالثة كباب حطّة.

وفي الواقع لم يكن الصحابة بحاجة إلى سوال واستفسار من النبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لتشخيص المراد بأهل البيت ، وهم يرونه وقد خرج للمبالهة وليس معه غير أصحاب الكساء وهو يقول : « اللّهم هؤلاء أهلى » وهم من أكبر الناس معرفة بخصائص هذا الكلام ، وإدراكا لما ينطوي عليه من قصر واختصاص.

خصوصا وقد علموا كيف جذبصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طرف الكساء من يد اُم سلمة ومنعها من الدخول مع أهل بيته قائلا لها « إنك إلى خير »(١) .

وشاهدوه أيضا وهو يقفصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على باب فاطمةعليه‌السلام صباح كل يوم ولمدة وتسعة أشهر وهو يقرأ :( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) (٢) .(٣)

__________________

١ ـ تفسير الطبري ٢٢ : ٥ ـ ٧ ، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي المالكي ١٤ : ١٨٢ ، وتفسير ابن كثير ٣ : ٤٩٢ ، والدر المنثور / السيوطي ٣ : ٦٠٣ ـ ٦٠٤ ، وفتح الغدير / الشوكاني ٤ : ٢٧٩ كلهم في تفسير آية التطهير ، واُنظر : سنن الترمذي ٥ : ٦٩٩ / ٣٨٧١ ومستدرك الحاكم ٢ : ٤٢٦.

٢ ـ سورة الأحزاب : ٣٣ / ٣٣.

٣ ـ راجع : الأحاديث الواردة في وقوف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على باب فاطمةعليها‌السلام وهو يقرأ آية التطهير في تفسير الطبري ٢٢ : ٦.


وکلّ هذا يکفي لمن شاهد ذلك أو سمع به من الصحابة لأن يعرف من هم أهل البيتعليه‌السلام ، وأما ما يقال بأن معرفة الصحابة بأهل البيت كانت مقتصرة على أصحاب الكساءعليهم‌السلام ، في حين أشار الحديث إلى استمرار وجودهم مع القرآن ليكونا لأن تمسّك بهما عاصمين من الضلالة إلى يوم القيامة ، وهذا يبرر لهم السؤال عمّن سيأتي بعد أصحاب الكساءعليهم‌السلام من أهل البيت لكي تعرف الأمة أسماءهم ولا يشتبه أحد بهم.

والجواب : إن حاجة الصحابة والأجيال اللاحقة فيما بعد ليس أكثر من تشخيص أولهم ليكون المرجع للقيام بمهمَّته بعد النبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى يأخذ دوره في عصمة الأُمّة من الضلالة ، وهو بدوره مسؤول عن تعيين من يليه في هذه المهمَّة ، وهكذا حتى يرد آخر عاصم من الضلالة مع القرآن على النبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الحوض.

واذا علمت أنَّ عليَّاعليه‌السلام قد تعيّن بنصوص لاتُحصى ، ومنها : في حديث الثقلين نفسه ، فليس من الضروري اذن أنْ يتولّى النبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنفسه تعيين من يلي أمر الأُمّة بأسمه في كل عصر وجيل ، أنْ لم نقل إنَّه غير طبيعي لولا أنْ تقتضيه بعض الاعتبارات(١) .

فالمقياس إذنْ في معرفة امام كلِ عصر وجيل : إمَّا أن يكون بتعيينهم دفعة واحدة ، أو بنصّ السابق على إمامة الالحق وهو المقاس الطبيعي المألوف الذي دأبت عليه الأنبياء والأوصيّاءعليهم‌السلام ، وعرفته البشرية في سياساتها منذ أقدم العصور وإلى يوم الناس هذا.

__________________

١ ـ راجع : الأصول العامة للفقه المقارن / السيد محمد تقي الحكيم : ١٧٥.


ومع هذا فإن الصحابة لم يكونوا على جهل تام بهوية من سيأتي بعد أصحاب الكساءعليهم‌السلام ، إذ علموا مسبقا بعدد الأئمة بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهم اثنا عشر على لسان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما سيأتي في القاعدة الرابعة ، وفيهم من علم أسماءهمعليهم‌السلام من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مباشرة كجابر بن عبد الله الأنصاري(١) ، وابن عباس(٢) وسلمان الفارسي رضي الله عنه(٣) ، هذا فضلا عمن علم منهم بانحدار بقية أهل البيت من صلب الإمام الحسينعليه‌السلام ، وإن عددهم لا يزيد ولا ينقص عن تسعة ، وإن تاسعهم هو المهدي الموعود ، ومن جملة من علم ذلك ، أبو سعيد الخدري ، وأبو أيوب الأنصاري ، وعلى الهلالى ، وغير هم كثير(٤) .

وإذا ما عدنا إلى واقع أهل البيتعليهم‌السلام نجد النصّ قد توفَّر على إمامتهم بكلا طريقيه : النص المستطيل الشامل ، وتعيين السابق للاحق ، ومن سَبَر الواقع التاريخي لسلوكهم علم يقينا بمنهم ادّعوا لأنفسهم

__________________

١ ـ اُصول الكافي ١ : ٥٣٢ / ٩ باب ١٢٦ ، وإكمال الدين ١ : ٣١٣ / ٤ باب ٢٨ ، وينابيع المودة ٣ : ١٧٠ باب ٩٤.

٢ ـ ينابيع المودة ٣ : ١٦٢ باب ٩٤ و ٢ : ٨٣ المودة العاشرة ( في عدد الأئمة ، وإنّ المهدي منهمعليهم‌السلام ).

٣ ـ أُصول الكافي ١ : ٥٢٥ / ١ باب ١٢٦.

٤ ـ اُنظر : البيان في أخبار صاحب الزمان / الكنجي الشافعي : ٥٠١ ـ ٥٠٢ ، والفصول المهمة / ابن الصباغ المالكي : ٢٩٥ ـ ٢٩٦ فصل ١٢٠ ، وينابيع المودة / القندوزي الحنفي ٣ : ١٤٩ باب ٩٤ ، وفي كفاية الأثر للخزاز جمع غفير من الصحابة الذين وَعوا هذه الحقيقة ورووها لمن بعدهم.


الإمامة في عرض السلطة الزمنية ، واتّخذوا من أنفسهم كما اتّخذهم الملايين من أتباعهم أئمَّة وقادة للمعأرضة السلمية للحكم القائم في زمانهم ، مع إرشاد كلِ إمام أتباعه على مَنْ يقوم بأمر الإمامة من بعده ، وعلى هذا جرت سيرتهم ، فكانوا عرضة للمراقبة والسجون والاستشهاد بالسم تارة ، وفي سوح الجهاد تارة اُُخرى وعلى أيدي القائمين بالحكم أنفسهم(١) .

ثم لو فرض من أحدهم لم يعيّن لأتباعه مَنْ يقوم بأمر الإمامة من بعده ، مع فرض توقّف النصّ عليه ، فإنّ معنى ذلك بقاء ذلك الإمام خالدا مع القرآن في كل عصر وجيل ؛ لمن دلالة « لن يفترقا حتى يردا علىَّ الحوض » على استمرار وجود امام من العترة في كل عصر كإستمرار وجود القرآن الكريم ظاهرة واضحة ، ولهذا ذهب ابن حجر الى القول : « وفي احاديث الحثّ على التمسّك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهّل منهم للتمسّك به الى يوم القايمة ، كما أن الكتاب العزيز كذلك ، ولهذا كانوا أمانا لأهل الأرض ، ويشهد لذلك الخبر : « في كل خَلَفٍ من أمتي عدول مِنْ أهل بيتي »(٢) .

رابعا ـ تأكيد الإمام الصادقعليه‌السلام على حديث الثقلين :

لم يتولّ الإمام الصادقعليه‌السلام مهمّة الدفاع عن حديث الثقلين بنسبته إلى

__________________

١ ـ راجع : الأصول العامة للفقه المقارن : ١١٨.

٢ ـ الصواعق المحرقة : ١٤٩.


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فحسب ، بل أكد على صلته المباشرة بالحديث باعتباره واحدا من أهل البيت ، واعتبره نصّا في خلافتهمعليه‌السلام ، كما بيّن صلة هذا الحديث بمعرفة المؤمنين وتمييزهم عن غيرهم ، ومنه أمر صريح بوجوب اقتداء الأمة بالمعنيين به ، وبيان من هم المعنيون بالحديث الشريف ، كما سيأتي.

١ ـ عن عبد الحميد بن أبي الديلم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في حديث طويل ، ذكر فيه الإمام الصادقعليه‌السلام ما يدلّّ على خلافة أمير المؤمنينعليه‌السلام بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مباشرة ، من القرآن والسنة ، وكان من جملة الأحاديث التي بيّنهاعليه‌السلام في مقام بيان النصّ هو حديث الثقلين الشريف(١) .

٢ ـ وعن ذريح المحاربي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( إنّي قد تركت فيكم الثقلين : كتاب الله ، وأهل بيتي ). فنحن أهل بيتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم »(٢) .

٣ ـ وسأل أبو بصير الإمام الصادق عن أهل البيتعليه‌السلام قائلا : « ومن أهل بيته؟ قالعليه‌السلام : الأئمة الأوصياء ».

ثم سأله قائلا : « من أمتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قالعليه‌السلام : « المؤمنون الذين صدّقوا بما جاء من عند الله ، المتمسّكون بالثقلين. اللذين أمروا بالتمسّك بهما : كتاب الله ، وعترته أهل بيته ، اللذَيْنِ أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم

__________________

١ ـ اُصول الكافي ١ : ٢٩٣ / ٣ باب الإشارة والنصّ على أمير المؤمنينعليه‌السلام .

٢ ـ بصائر الدرجات ١ : ٤١٤ / ٤ باب ١٧.


تطهيرا. وهم الخليفتان على الأمة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم »(١) .

٤ ـ وعن مسعدة بن صدقة ، قال : قال أبو عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إنّ الله جعل ولايتنا أهل البيت قطب القرآن ، وقطب جميع الكتب ، عليها يستدير محكم القرآن ، وبها نوّهت الكتب ، ويستبين الإيمان. وقد أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يقتدى بالقرآن وآل محمد ، وذلك حيث قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في آخر خطبة خطبها : إنّي تارك فيكم الثقلين : الثقل الأكبر ، والثقل الأصغر. فأما الأكبر فكتاب ربّي ، وأما الأصغر فعترتي اهل بيتي ، فاحفظوني فيهما ، فلن تضلوا ما تمسّكتم بهما »(٢) .

٥ ـ وعن عبدالرحمن بن أبي نجران ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في حديث طويل جاء فيه : « ومن أراد الله تعالى به الخير ، جعله من المصدّقين المسلّمين للأئمة الهادين بما منحهم الله تعالى من كرامته ، وخصّهم به من خيرته ، وحباهم به من خلافته على جميع بريّته دون غيرهم من خلقه ؛ إذ جعل طاعتهم طاعته ، يقول عزّوجلّ :( اطيعوا الله وأطيعوا الرّسول وأولى الأمر منكم ) (٣) ، وقوله :( من يطع الرّسول فقد أطاع الله ) (٤) . فندب الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الخلق إلى الأئمة من ذريته ، الذين أمرهم الله تعالى بطاعتهم ، ودلهم عليهم ، وأرشدهم إليهم ، بقولهعليه‌السلام : إنّي

__________________

١ ـ روضة الواعظين / الفتال النيسابوري : ٢٩٤ مجلس من مناقب آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٢ ـ تفسير العياشي ١ : ٥ / ٩ في فضل القرآن الكريم.

٣ ـ سورة النساء : ٤ / ٥٩.

٤ ـ سورة النساء : ٤ / ٨٠.


مخلّف فيكم الثقلين : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ، حبل ممدود بينكم وبين الله ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا )(١) .

ومن الواضح من عناية إمامنا الصادقعليه‌السلام بحديث الثقلين ، وبيان أغراضه ، وتحديد المعنيّين به ، وهم الأئمة الاثنا عشر ، ومنهم أوصياء الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وخلفاؤه ، وأولهم أمير المؤمنينعليه‌السلام وآخرهم المهديعليه‌السلام ، وأنهم مطهرون ، وطاعتهم مفروضة ، ومرجعيتهم ثابتة ، كل ذلك لم ينطلق من فراغ ، وإنما جاء كرد فعل معاكس للتيارات الفكرية والمذهبية المختلفة التي أوجدها النظام السياسي المضاد ، بغية تمكنها من جرف الحقيقة وتعميتها ، ويكفي أنها ـ على صعيد حديث الثقلين ـ قد وسّعت دائرة ( اهل البيت ) لتشمل بني العباس وغيرهم ممن ليس لهم في هذا الأمر نصيب.

ولهذا اضطر الإمام الصادقعليه‌السلام إلى تأكيد اختصاصهم بهذا الحديث الدالّ على عصمتهم ومرجعيتهمعليه‌السلام بكل قوة.

خامسا ـ دلّالة حديث الثقلين :

دلّّ حديث الثقلين الشريف على أمور كثيرة ، سنشير إلى أهمها بالنقاط الآتية :

١ ـ إنه دلّ على أن أهل البيتعليهم‌السلام أفضل الأمة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قاطبة ؛ لأنهم قُرِنوا بالكتاب العزيز ، فكان فضلهم على سائر الناس بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فضلهم القرآن الكريم على سائر الكتب.

__________________

١ ـ كتاب الغيبة / النعماني ١ : ٥٤ / ٣ باب ما جاء في الإمامة.


٢ ـ إنّهمعليهم‌السلام أنفس شيء تركه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع القرآن ، كما يفهم من وصفهما بالثقلين ، والثقل في اللغة هو الشيء النفيس الخطير.

٣ ـ دلّ الحديث على إمامتهم وخلافتهم ووجوب تسليم الحكم وإدارة شؤون الدولة إليهم بعد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مباشرة ؛ لأن وظيفة الحاكم الأعلى في الدولة الإسلامية في المنظور القرآني والنبوي من يقود الرعية إلى شاطيء الأمان لا أن يضلها ويحرفها عن دين الله وشرعه القويم أما بتقصير أو قصور ، ويكاد لفظ الحديث من يكون صريحا بهذا ؛ لان معنى نجاة الرعية في الدولة الإسلامية أن لا تضل عن الطريق المستقيم ، وقد حصر الحديث النجاة من الضلالة بالتمسّك بالثقلين : كتاب الله وعترته أهل بيتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٤ ـ دلّ أيضا على أن مقولة ( حسبنا كتاب الله ) مقولة شيطانية ، لا يراد بها إلاّ إضلال الأمة وهلاكها ، لمن الحديث حصر النجاة بالتمسّك بالثقلين ( كتاب الله والعترة ). وأين هذا من تلك المقولة؟

٥ ـ دلّ على أن من تمسّك بغير هما يكون من الهالكين ولابدّ ، ومن باب أولى أن يكون ذلك الغير ( المتمسَّك به ) من الهالكين ، لأنه سيكون من أئمة الضلال ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون خليفة أو حاكما أو قاضيا أو رئيسا أو أميرا أو سلطان ؛ إذ خدع الناس بأخذ معالم دينهم منه ، فتمسّكوا به لا بالثقلين.

وقد صرح محمود شكري الآلوسي بهذا ، فقال عمن خالفهما وتمسّك بغيرهما : ( فهو ضالّ ، ومذهبه باطل ، وفاسد لايعبأبه ، ومن جحد بهما فقد


غوى ، ووقع في مهأوي الردى )(١) .

٦ ـ دلّ على مرجعية أهل البيتعليهم‌السلام العلميّة ، وأنهم أعلم الناس بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما في الكتاب والسنة المطهرة ، إذ لا يعقل مطلقا أن يكونوا أمانا للأُمة من الضلالة في حال تمسّكها بهم وهناك من هو أعلم منهم بالكتاب والسنة ، ولو وُجِد فرضا لعدّه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمكان أهل البيتعليه‌السلام أو لجعله ثقلا ثالثا مع الكتاب العزيز والعترة الطاهرة ، وأما أن يتركه ـ على تقدير وجوده ـ فهو محال. الأمر الذي يدلُّ على عدمه ، ويؤيّده من الله عزّوجلّ لم يُذْهِب الرجس عن أحدٍ من الصحابة ويطهّره تطهيرا وإنّما انحصر ذلك بأهل البيتعليهم‌السلام دون غير هم.

٧ ـ دلّ الحديث على وجوب الآخذ منهم مباشرة أو بالواسطة ، وعلى محبتهم وتوقيرهم ، وطاعتهم المطلقة وعدم الرد عليهم في شيءٍ البتة لأنهمعليهم‌السلام مع القرآن صنوان لا يفترقان ، كل منهما يشهد للآخر ، فيكون الراد عليهم كالجاحد بكتاب الله ، وكالراد على الله تعالى ورسوله.

٨ ـ دلّ الحديث على حجية سنتهمعليهم‌السلام ، وان سنة كل واحد منهمعليه‌السلام هي سنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأن حديثهم حديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سواء رُفِع منهم إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو لم يُرفع ، ومن الحكم على حديثهمعليهم‌السلام بالإرسال لا يكون إلاّ من جاهل بحديث الثقلين أو من معاند متعصب أو ناصب.

__________________

١ ـ مختصر التحفة الاثني عشرية / الآلوسي : ٥٢.


٩ ـ دلّ الحديث الشريف على عصمة أهل البيتعليهم‌السلام من جهتين :

الاُولى : أنهمعليهم‌السلام مع القرآن والقرآن معهم لا يفترقان عمر الدنيا ، فعصمتهم كعصمة الكتاب من هذه الجهة.

الثانية : أن من لا يدلّ على ضلالة أبدا ولو مرّة واحدة في حياته عن سهو أو اشتباه لا يكون إلاّ معصوما ، وقد صرّح الحديث بأن من يتمسك بهما لا يضلّ أبدا إلى يوم القيامة.

جدير بالذكر من الإمام الصادقعليه‌السلام قد صرّح بعصمة الأنبياء والأوصياءعليهم‌السلام جميعا فقال : « الأنبياء وأوصيائهم لا ذنوب لهم ؛ لأنهم معصومون مطهرون »(١) .

وقالعليه‌السلام « عشر خصال في صفات الإمام » ثم عدّعليه‌السلام العصمة في أول تلك الخصال(٢) .

وقد مرّ عنهعليه‌السلام ما يشير إلى عصمتهم ومرجعيتهمعليهم‌السلام باُسلوب المزاوجة بين الآيات الدالة على العصمة كآية التطهير ، والطاعة كآية أولي الأمر من جهة ، وبين حديث الثقلين من جهة اُخرى ، ليلتفت السامع والمتلقي إلى وحده الموضوع والهدف والنتيجة.

__________________

١ ـ الخصال / الشيخ الصدوق ٢ : ٦٠٨ / ٩.

٢ ـ الخصال ٢ : ٤٢٨ / ٥.


القاعدة الثانية :

قاعدة حصر الأئمة باثني عشر أوصياء كلهم من عترة النبي أهل بيتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

وهذه القاعدة تكشف للعيان بأن الثقل الذي أوصى به الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع القرآن ليكونا للمتمسك بهما عاصما من الضلالة ، إنما هو الثقل المتمثّل بهذا العدد من الأئمة لا غير ، وأنه ليس للأُمة أن تزيد عليهم أوصياء ولا تنقص منهم واحدا ، وهذه القاعدة مستفادة من الحديث الصحيح الثابت عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقد أخرج البخاري بسنده عن جابر بن سمرة قال : « سمعت النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلم يقول : يكون اثنا عشر أميرا ، فقال كلمة لم أسمعها ، فقال أبي : إنّه قال : كلّهم من قريش »(١) .

وفي صحيح مسلم : « ولا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة ، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش »(٢) .

وفي مسند أحمد بسنده ، عن مسروق قال : « كنّا جلوسا عند عبد الله ابن مسعود وهو يقرأ القرآن ، فقال له رجل : يا أبا عبدالرحمن! هل سألتم رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم كَمْ يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال

__________________

١ ـ صحيح البخاري ٤ : ١٦٤ كتاب الأحكام ، باب الاستخلاف ، وأخرجه الصدوق ، عن جابر بن سمرة أيضا في إكمال الدين ١ : ٢٧٢ / ١٩ ، والخصال ٢ : ٤٦٩ و ٤٧٥.

٢ ـ صحيح مسلم ٢ : ١١٩ ـ كتاب الأمارة ، باب الناس تبع لقريش ، أخرجه من تسعة طرق.


عبد الله : ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك ، ثم قال : نعم ، ولقد سألنا رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] ، فقال : « اثني عشر كعدّة نقباء بني إسرائيل »(١) .

وقد جاء في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنه قال : « سألت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين حضرته وفاته ، فقلت : يا رسول الله! إذا كان ما نعوذ بالله منه ، فإلى من؟ فأشارصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى عليعليه‌السلام فقال : إلى هذا ، فإنه مع الحق ، والحق معه ، ثم يكون من بعده أحد عشر أوصياء ، مفترضة طاعتهم كطاعته »(٢) .

وعن ابن عباس أيضا ، قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : « معاشر الناس من أراد أن يتولّى الله ورسوله فليقتد بعلي بن أبي طالب بعدي ، والأئمة من ذريتي ، فإنهم خزّان علمي. فقام جابر بن عبد الله الأنصاري ، فقال : يا رسول الله! وما عِدّة الأئمة؟ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ياجابر سألتني ـ رحمك الله عن الإسلام باجمعه. عِدّتهم عِدة الشهور ، وهي عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض ، وعِدّتهم عِدّة العيون التي انفجرت لموسى بن عمرانعليه‌السلام حين ضرب بعصاه الحجر فانفجرت

__________________

١ ـ مسند أحمد ٥ : ٩٠ و ٩٣ و ٩٧ و ١٠٠ و ١٠٦ و ١٠٧ ، وأخرجه الصدوق ، عن ابن مسعود في إكمال الدين ١ : ٢٧٠ / ١٦.

٢ ـ إعلام الورى ٢ : ١٦٣ ـ ١٦٤ الركن الرابع. أخرجه عن الدوريستي ، عن أبيه ، عن الصدوق ، عن ماجيلويه ، عن عمه ، عن البرقي ، عن أبيه ، عن خلف بن حماد ، عن الأعمش ، عن عباية بن ربعي ، عن ابن عباس ، وهؤلاء كلهم من مشاهير الرواة ولم يتهم أحدهم بكذب وكلهم ما بين ثقة مشهور ، أو حسن معتمد.


أنه اثنتا عشرة عينا ، وعدّتهم عدّة نقباء بني إسرائيل( وبعثنا منهمْ اثني عَشَرَ نقيبا ) (١) فالأئمة يا جابر اثنا عشر أولهم : علي بن أبي طالب ، وآخرهم : القائم المهدي صلوات الله عليهم »(٢) .

وقد جاء إمامنا الإمام الصادقعليه‌السلام ليؤكّد هذه القاعدة بكل قوة :

١ ـ فعن عبد العزيز القراطيسي قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « الأئمة بعد نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اثنا عشر نجباء مفهمون ، من نقّص منهم واحدا ، أو زاد فيهم واحدا ، خرج من دين الله ، ولم يكن من ولايتنا على شيء »(٣)

٢ ـ وفي الصحيح عن الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، عن آبائه ، عن الحسن السبطعليهم‌السلام قال : « سألت جدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الأئمة بعده فقال : الأئمة بعدي بعدد نقباء بني إسرائيل ، اثنا عشر ، أعطاهم الله علمي وفهمي ، وأنت منهم ياحسن »(٤) .

٣ ـ وعن إبراهيم بن مهزم ، عن أبيه ، عن الإمام الصادق ، عن أبيه ، عن آبائه ، عن عليعليهم‌السلام ، قال : « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الأئمة اثنا عشر من أهل بيتي أعطاهم الله فهمي وعلمي وحكمي ، وخَلَقهم من طينتي ، فويل

__________________

١ ـ سورة المائدة : ٥ / ١٢.

٢ ـ مائة منقبة / ابن شاذان : ٧١ المنقبة رقم / ٤١.

٣ ـ الاختصاص / الشيخ المفيد : ٢٣٣.

٤ ـ اثبات الرجعة / الفضل بن شاذان ، كما في اثبات الهداة / الحر العاملي ٣ : ٩٣ ـ ٩٤ / ٨٠٩ باب ٩ فصل / ٦٠.


للمتكبرين عليهم بعدي ، القاطعين فيهم صلتي الحديث »(١) .

٤ ـ وعن سماعة بن مهران قال : « كنتُ أنا وأبو بصير ، ومحمد بن عمران ـ مولى أبي جعفرعليه‌السلام ـ في منزل بمكة ، فقال محمد بن عمران : سمعتُ أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : نحن اثنا عشر مهديا. فقال له أبو بصير : تالله ، لقد سمعتُ ذلك من أبي عبد اللهعليه‌السلام ؟ فحلف مرَّة أو مرَّتين أنّه سمع ذلك منه ، فقال أبو بصير : لكنّي سمعته من أبي جعفرعليه‌السلام »(٢) .

ويستفاد من مجمل هذه الأحاديث أمور ، وهي :

الأول : إنّ عدد الخلفاء أو الأمراء أو الأئمة لا يتجأوز الاثني عشر وكلهم من قريش بلا خلاف بين الفريقين. وهذا العدد منطبق مع ما تعتقده الشيعة الإمامية بعدد الأئمة ، وهم كلهم من قريش.

وأما التعبير بـ ( الأمراء أو الخلفاء ) فهو وإن لم ينطبق في الظاهر على مقولة الإمامية إلاّ من المقصود بذلك ليس الإمرة القسرية أو الاستخلاف بالقوة وإنّما المراد بذلك هو من يستمدّ سلطته من الشارع المقدّس ، ولا ينافي ذهاب السطلة عن أهل البيتعليهم‌السلام في واقعها الخارجي ؛ لتسلّط الآخرين عليهم. وفي كلام النوربشتي ما يشير إلى هذه الحقيقة ، قال : « السبيل في هذا الحديث وما يتعقّبه في هذا المعنى أنه يُحَمل على المقسطين

__________________

١ ـ إكمال الدين ١ : ٢٨١ / ٣٣ باب ٢٤ ، وعيون أخبار الرضاعليه‌السلام ١ : ٦٦ / ٣٢ باب النصوص على الرضاعليه‌السلام بالأئمة الاثني عشرعليهم‌السلام .

٢ ـ أصول الكافي١ : ٥٣٤ ـ ٥٣٥ / ٢٠ باب ١٢٦ ، وإكمال الدين ٢ : ٣٣٥ / ٦ وذيل الحديث نفسه أيضا.


منهم فإنهم هم المستحقّون لاسم الخليفة على الحقيقة »(١) .

الثاني : إنّ هؤلاء الاثني عشر معنيون بالنصّّ كماهو مقتضى تشبيههم بنقباء بني إسرائيل ، قال تعالى :( ولقدْ أخذَ اللهُ ميثاقَ بني إسرائيلَ وبعثنا منهم اثني عَشَرَ نقيبا ) (٢) .

الثالث : إنّ هذه الأحاديث تفترض عدم خلّو الزمان من الاثني عشر جميعا ، وأنّه لابدّ من وجود أحدهم ما بقي الدين إلى أن تقوم الساعة.

ويؤيّده ما أخرجه البخاري بسنده ، عن عبد الله بن عمر ، قال : « قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] : لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان »(٣) .

وأخرجه مسلم في صحيحه أيضا وبلفظ : « لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي في الناس اثنان »(٤) .

وهو كما ترى ينطبق تمام الانطباق على ما تقوله الشيعة الإمامية بأنّ الإمام الثاني عشر ( المهديعليه‌السلام ) حيّ كسائر الأحياء ، وأنّه لابدّ من ظهوره في آخر الزمان ليملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا على وفق ما بشّر به جدّه المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وآباؤه الأطهارعليهم‌السلام .

__________________

١ ـ عون المعبود في شرح سنن أبي داود / النوربشتي ١١ : ٢٦٢ / ٤٢٥٩.

٢ ـ سورة المائدة : ٥ / ١٢.

٣ ـ صحيح البخاري : ح ( ٣٥٠١ ) كتاب المناقب ، باب مناقب قريش.

٤ ـ صحيح مسلم : ح ( ١٨٢٠ ) كتاب الإمارة ، باب الناس تبع لقريش ، والخلافة في قريش.


ومن الواضح من جميع علماء العامة لم يتّفقوا على تسمية الاثني عشر خليفة كما نطقت بذلك أحاديثهم! حتى من بعضهم اضطرّ إلى إدخال يزيد بن معاوية لعنه الله وأمثاله من حثالات التاريخ كمروان وعبدالملك ونظرائهم من العتاة المردة وصولا إلى عمر بن عبدالعزيز!! كل ذلك لأجل اكتمال نصاب الاثني عشر!!

وهذا تفسير خاطىء سقيم لا يسمن ولا يغني من جوع وغير منسجم مع نصّ الحديث من كل وجه ؛ إذ يلزم منه خلو جميع عصور الإسلام بعد عصر عمر بن عبدالعزيز الأموي من الخليفة ، بينما المفروض من الدين لا يزال قائما بوجودهم إلى قيام الساعة.

إنّ أحاديث الخلفاء اثنا عشر تبقى بلا تفسير لو تخلّينا عن حملها على هذا المعنى ، لبداهة من السلطة الظاهرية قد تولّاها من قريش أضعاف العدد المنصوص عليه في هذه الاحاديث ، فضلا عن انقراضهم أجمع ، وعدم النصّ على أحد منهم ـ أمويين أو عباسيين ـ باتفاق جميع المسلمين.

وبهذا الصدد يقول القندوزي الحنفي : « قال بعض المحقّقين : إنّ الأحاديث الدّالة على كون الخلفاء بعدهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اثني عشر ، قد اشتهرت من طرق كثيرة ، فبشرح الزمان وتعريف الكون والمكان عُلم أن مراد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من حديثه هذا : « الأئمة اثنا عشر » ، من أهل بيته وعترته ، إذْ لا يُمكن أن يُحْمَلَ هذا الحديث على الخلفاء بعده من أصحابه لقلّتهم عن اثني عشر ، ولا يُمكن أن نحمله على الملوك الامويّة لزيادتهم على اثني عشر ، ولظلمهم الفاحش إلاّ عمر بن عبدالعزيز ، ولكونهم غير


بني هاشم ؛ لمن النبيّ!صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « كلهم من بني هاشم » في رواية عبدالملك ، عن جابر ، وإخفاء صوتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذا القول يرجّح هذه الرواية : لمنهم لا يُحسنون خلافة بني هاشم. ولا يُمكن أنْ يحمل على الملوك العبّاسية ؛ لزيادتهم على العدد المذكور ، ولقلّة رعايتهم ويؤيد هذا المعنى ـ أي : أنَّ مراد النبيِّ!صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الأئمة الاثنا عشر من أهل بيته ـ ويرجّحه حديث الثقلين »(١) .

ولا يخفى من حديث : « الخلفاء اثنا عشر » قد سبق التسلسل التاريخي للأئمَّة الاثني عشر ، وضبط في كتب الصحاح وغيرها قبل تكامل الواقع الإمامي ، فهو ليس انعكاسا لواقع ، وإنّما هو تعبير عن حقيقة رّبانية نطق بها من لا ينطق عن الهوى ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « الخلفاء بعدى اثنا عشر » ليكون ذلك شاهدا ومصدقا لهذا الواقع المبتدىء بأمير المؤمنين عليّ ، والمنتهي بالإمام المهديعليه‌السلام ، وهو التطبيق الوحيد المعقول لذلك الحديث(٢) .

فالصحيح إذنْ من يُعتبر الحديث من دلائل النبوّة في صدقها عن الإخبار بالمغيّبات ، أما محأولات تطبيقه على من عرفوا بنفاقهم وجرائمهم وسفكهم للدماء من الامويين والعباسيين وغيرهم فهو يخالف الحديث مفهوما ومنطوقا على الرغم ممّا في ذلك من إساءة بالغة إلى مقام النبيّ!صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ يعني ذلك منه أخبر ببقاء الدين إلى زمان عمر بن عبدالعزيز مثلا ، لا

__________________

١ ـ ينابيع المودة ٣ : ١٠٥ باب ٧٧ في تحقيق حديث « بعدي اثنا عشر خليفة ».

٢ ـ بحث حول المهدي / السيد الشهيد محمد باقر الصدر : ٥٤ ـ ٥٥.


إلى من تقوم الساعة!!

وقد علمتَ أن الإمام الصادقعليه‌السلام قد قطع الطريق أمام كل التفسيرات المنحرفة لحديث : « الخلفاء اثني عشر » مبيّنا المراد بمصاديق هذا الحديث واقعا كما تقدم.

القائدة الثالثة :

قاعدة التسلسلت العمودي للإمامة بعد الإمام الحسينعليه‌السلام :

تهدف هذه القاعدة إلى الإطاحة بجميع الدعاوى الباطلة التي زعمتها بعض الفرق المندرسة التي أتت عليها حملة التثقيف الواسعة التي قادها الإمام الصادقعليه‌السلام وجعلتها هشيما تذروه الرياح ، إذ نسفت تلك القاعدة ما زعمه الكيسانية من إمامة محمد بن الحنفيةرضي‌الله‌عنه ، كما نسفت مزاعم الفطحية بإمامة عبد الله الأفطح ، وبددت طموح من قال بإمامة السيد محمد بن الإمام الهاديعليه‌السلام ، وكذلك من قال بإمامة جعفر الكذاب ، وزيادة على ذلك فإنها حصرت الإمامة بذرية الحسينعليه‌السلام كما سنرى.

وعليه لابدّ وأن يكتمل عدد الأئمة الاثني عشر ، خصوصا وإن هذه القاعدة الشريفة قد عرفت قبل اكتمال التسلسل التاريخي للأئمةعليهم‌السلام كما عُرِف حديث الخلفاء أو الأئمة اثنا عشر كلهم من قريش قبل اكتمال التسليل التاريخي للأئمة أيضا.

ومن هنا ركزّ الإمام الصادقعليه‌السلام على هذه القاعدة ، وممّا يؤيّد ذلك على لسانه الشريف أحاديث شتّى نكتفي ببعضها ، وهي :

١ ـ في الصحيح عن الحسين بن ثوير بن أبي فاختة ، عن أبي


عبد اللهعليه‌السلام قال : ( لا تعود الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين أبدا إنما جرت من علي بن الحسين كما قال الله تبارك وتعالى( وأولوا الأرحامِ بعضهم أولى ببعض في كتابِ اللهِ ) (١) ، فلا تكون بعد علي بن الحسينعليه‌السلام إلاّ في الأعقاب وأعقاب الأعقاب )(٢) .

٢ ـ وفي الصحيح عن حمّاد بن عيسى ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام منه قال : « لا تجتمع الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسينعليهما‌السلام إنّما هي في الأعقاب وأعقاب الأعقاب »(٣) .

٣ ـ وفي الصحيح عن عيسى بن عبد الله بن عمر بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « قلت له : إن كان كون ـ ولا أراني الله ـ فبمن أئتمُّ؟ فأومأ إلى ابنه موسى ، قال ، قلت : فإن حدث بموسى حدث فبمن أئتمُّ؟ قال : بولده ، قلت : فإن حدث بولده حدث وترك إخا كبيرا ، وابنا صغيرا ، فبمن أئتم؟ قال : بولده ثم واحدا فواحدا »(٤) .

ومن روائع ترسيخ هذه القاعدة في نفوس الشيعة ما ورد في الصحيح عن محمد بن إسماعيل بن بزيع ، عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام أنه سُئِلَ : « أتكون الإمامة في عم أو خال؟ قال : لا ، فقلت : ففي أخ؟ قال : لا ، قلت : ففي من؟ قال : في وَلَدِي. قال محمد بن إسماعيل بن بزيع : وهو ـ يؤمئذ ـ لا

__________________

١ ـ سورة الانفال : ٨ / ٧٥.

٢ ـ اُصول الكافي ١ : ٢٨٥ / ١ باب ثبات الإمامة في الأعقاب.

٣ ـ أصول الكافي١ : ٢٨٦ / ٤ من الباب السابق.

٤ ـ اُصول الكافي ١ : ٢٨٦ / ٥ من الباب السابق.


ولد له »(١) .

القاعدة الرابعة :

عدم خلو الأرض من امام من الائمة الاثني عشرعليهم‌السلام مطلقا :

وهذه القاعدة الشريفة تعد في طليعة القواعد التي أرستها الشريعة الإسلامية ، وقد جاء تاكيد الإمام الصادقعليه‌السلام على هذه القاعدة باعتبار من فهم الأمة لحديث الثقلين ودلالاته ومعرفتها بالاثني عشر أوصياء من أهل البيت الذين هم خلفاء النبيّ!صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، مع التسلسل العمودي للأئمة بعد الحسينعليه‌السلام بموجب القاعدة الثالثة ، يعني ـ مع هذه القاعدة ـ بمن زماننا هذا إلى ما شاء الله تعالى لابدّ وأن يكون فيه إمام من الأئمة الاثني عشرعليهم‌السلام حيّا كسائر الأحياء ، والثابت لدى جميع الأمة هو مضي أحد عشر أوصياء من الأئمة الاثني عشرعليهم‌السلام وهم :

١ ـ أمير المؤمنين الإمام علي عليه‌السلام استشهد بالكوفة سنة ٤٠ هـ عن ( ثلاث وستين سنة ).

٢ ـ الإمام الحسن السبط عليه‌السلام استشهد مسموما في المدينة سنة ٥٠ هـ عن ٤٨ سنة.

٣ ـ الإمام الحسين السبط عليه‌السلام استشهد في كربلاء سنة ٦٠ هـ عن ٥٧ سنة وخمسة أشهر.

٤ ـ الإمام على بن الحسين السجاد عليه‌السلام استشهد مسموما في المدينة سنة ٩٥ هـ

__________________

١ ـ اُصول الكافي ١ : ٢٨٦ / ٣ من الباب السابق.


عن ٥٧ سنة ( سمّه هشام الاموي ).

٥ ـ الإمام محمد بن علي الباقر عليه‌السلام استشهد مسموما في المدينة سنة ١١٤ هـ عن ٥٧ سنة ( سمّه هشام الاموي ).

٦ ـ الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه‌السلام استشهد مسموما بالمدينة سنة ١٤٨ هـ عن ٦٥سنة ( سمّه المنصور العباسي بالعنب ).

٧ ـ الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه‌السلام استشهد مسموما ببغداد سنة ١٨٣ هـ في حبس هارون عن ٥٥ سنة ( سمّه هارون ).

٨ ـ الإمام علي بن موسى الرضا عليه‌السلام استشهد مسموما بخراسان سنة ٢٠٣ هـ عن ٥٥ سنة ( سمّه المأمون بالعنب ).

٩ ـ الإمام محمد بن علي الجواد عليه‌السلام استشهد مسموما ببغداد سنة ٢٢٠ هـ عن ٣٥ سنة ( سمّه المعتصم ).

١٠ ـ الإمام علي بن محمد الهادي عليه‌السلام استشهد مسموما بسامراء سنة ٢٥٤ هـ عن ٤١ سنة ( سمّه المعتز ).

١١ ـ الإمام الحسن بن علي العسكري عليه‌السلام استشهد مسموما بسامراء سنة ٢٦٠ هـ عن ٢٨ سنة ( سمّه المعتمد ).

وقاعدة عدم خلو الأرض من إمام حجة إما ظاهرا مشهورا أو غائبا مستورا قد عرفتها الشيعة منذ عهد أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ولعلهعليه‌السلام هو أول من أشاعها في حديثهعليه‌السلام لكميل بن زياد النخعي الثقة ، ذلك الحديث الذي وصفه ابن القيم بقوله : « وهو حديث مشهور عند أهل الفن ويستغنى عن


الاسناد لشهرته عندهم »(١) وهذا الحديث رواه عن أمير المؤمنينعليه‌السلام كميل ابن زياد النخعي الثقة كما في نهج البلاغة(٢) وقد رواه عنه الجّم الغفير من المحدثين(٣) .

وفي الكافي وحده ثلاثه عشر حديثا في خصوص هذه القاعدة(٤) .

وفي إكمال الدين للشيخ الصدوق خمسة وستين حديثا في خصوص هذه القاعدة أيضا(٥) .

فأصالة هذه القاعدة وعمقها التاريخي في الفكر الديني ممّا لا نقاش فيه أصلا.

واللسان العربي الأصيل ذو ذائقة خاصة في تذّوق معنى هذه القواعد الشريفة وفهم دلالتها ، ولهذا فهو لا يُعذر على سوء فهمه لدلالتها ، بخلاف من لن يتأدّب بآدابها ويتمرّس على فنونها ولم يعم الله بصيرته ، ولم يطبع على قلبه.

ويبقى السؤال هنا بعد من عرفت مضي أحد عشر أوصياء ، هو : أين الإمام الثاني عشرعليه‌السلام ؟ ومن عساه سيكون غير ابن الإمام الحادي عشر

__________________

١ ـ اعلام الموقعين / ابن القيم ٢ : ١٣٥ تحت عنوان : « مضار زلة العلم ».

٢ ـ نهج البلاغة بشرح ابن أبي الحديد ١٨ : ٣٥١ ، وبشرح الشيخ محمد عبده ٤ : ٦٩١ / ٤٧.

٣ ـ راجع تخريجه في كتابنا ( دفاع عن الكافي ) ١ : ٤٧٩ ـ ٤٨٠.

٤ ـ اُصول الكافي ١ : ١٣٦ ـ ١٣٧ / ١ ـ ١٣ باب أن الأرض لا تخلو من حجة.

٥ ـ إكمال الدين ١ : ٢١١ ـ ٢٤١ / ١ ـ ٦٥ باب من الأرض لا تخلو من حجة.


الحسن العسكريعليه‌السلام الذي راح شهيدا على يد عُتاة بني العبّاس؟

إن القواعد التي عرفتها طلائع التشيع قبل ولادة الإمام العسكريعليه‌السلام بعشرات السنين تأبى من قبول أي تسويف أو تأويل متعسف حيال هوية ابنه الإمام الثاني عشرعليه‌السلام .

نعم ، قد يقال ، بأن هذا من الناحية النظرية مقبول إلى حد ما ، ولكن يجب تحقّقه في مساحة الواقع التاريخي بولادة الحجة ابن العسكريعليه‌السلام ، حتى تكون النظرية قابلة للتطبيق!

وللإجابة على هذا التساؤل نحتاج إلى بسط عريض يبعدنا عن أصل الموضوع ، ومع هذا فلن نهمله دون الإشارة السريعةإلى ما يثبت ولادة الإمام المهديعليه‌السلام ، فنقول باختصار شديد :

بلغ مجموع من اعترف بولادة الإمام المهديعليه‌السلام من علماء العامة فقط وبحسب ما قمنا به من إحصاء سابق مائة وثمانية وعشرين عالما ، وقد ذكرنا في ذيل كل اسم ما يدل على اعترافه بكل دقة وتفصيل. وهم لم يعترفوا بولادة ابن الحسن العسكريعليه‌السلام بناء على تلك القواعد ، وإنّما اعترفوا بذلك على أساس متين من الواقع التارخي لحدث الولادة المباركة.

وأما مجموع من رأى الإمام المهديعليه‌السلام في حياة أبيه الإمام العسكريعليه‌السلام فقد بلّغ بأحصائنا تسعة وسبعين نفرا ، وذكرنا من وكلائهعليه‌السلام أنّ أهل آذربيجان ، والآهواز ، وبغداد والكوفة ، وقم ، ونيسابور ، وهمدان زهاء ثلاثة عشر شخصا(١) ، هذا فضلا عمّا خرج من

__________________

١ ـ راجع كتابنا دفاع عن الكافي ١ : ١٦٧ ـ ٦١١ من الباب الأول.


توقيعات عن الإمام المهديعليه‌السلام في زمان السفراء الأربعة ، مجموع الصحيح الثابت منها على نحو القطع يوجب تواتر ولادته وحياته الشريفة ، وأما الاحاديث الصحيحة المثبتة لإقرار الإمام العسكريعليه‌السلام بولادة ابنه الإمام المهديعليه‌السلام ، وشهادة الأصحاب بذلك ، فضلا عن الخدم والجواري فتحتاج إلى كتاب مستقل ، كما أثبتنا في بحث آخر اتفاق ثمانية من علماء الأنساب على ولادة الإمام المهديعليه‌السلام وتثبيت نسبه الشريف ، وفيهم المعاصر للغيبة الصغرى(١) .

الأمر الذي يشير إلى انطباق تلك القواعد الشريفة على الواقع التاريخي بأبهى صورة وأقوى دليل وأمتن برهان.

ثم كيف لا تجد تلك القواعد مصداقها الخارجي وهي صادرة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومؤكدة على لسان العروة الوثقى في الدين الهداة الميامين من آل طه وياسين؟

إنّ الذين أطاعوا الله ورسوله في آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما كان التصديق بانباء الغيب عندهم موقوفا على تحقّقها ، ولهذا فهم آمنوا بها ورووها وكانوا على ثقة من تحققّها ولو بعد حين( الم *ذلك الكتابُ لا ريب فيه هدى للمتّقين *الذين يؤمنون بالغيبِ ويقيمونَ الصّلاة وممّا رزقناهم ينفقون ) (٢) ، ولهذا لم يناقشوا في تلك الأخبار ولا وقفوا حيالها موقف الرافض المشكك ، بل كانوا يعدون العدّة لانتظار ذلك اليوم الموعود ،

__________________

١ ـ راجع كتابنا المهدي المنتظر في الفكر الإسلامي : ١١٩ ـ ١٢٣.

٢ ـ سورة البقرة : ٢ / ١ ـ ٣.


ويتحرقون شوقا إلى ساعة الخلاص على يد المنتظر أرواحنا فداه ، وبقيت أجيالهم هكذا إلى حين ولادتهعليه‌السلام وغيبته ، ولا زال خلفهم الصالح على ذات الطريق ، وقد كان من ثواب انتظارهم ما أخرجوه عن الإمام الصادقعليه‌السلام بقوله : « من مات منكم وهو منتظر لهذا الأمر كان كمن هو مع القائم في فسطاطه ، لا بل كمن قارع معه بسيفه لا والله إلاّ كمن استشهد مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم »(١) .

هذا ، وأما عن دور الإما الصادقعليه‌السلام في ترسيخ هذه القاعدة ، فيمكن الاشارة إليه بالأحاديث الآتية :

١ ـ عن الوشاء ، عن الإمام الرضاعليه‌السلام قال : « إن أبا عبد اللهعليه‌السلام ، قال : إن الحجة لا تقوم لله عزّوجلّ على خلقه إلاّ بإمام حتى يعرف »(٢) .

وقد عرفت من الأرض لا تخلو من حجة ، وفي هذا الحديث حصر للحجة بالإمام ، لئلا يتوهم أحد فيزعم أنّه فلا أو فلان أو فلان أو معاوية بن أبي سفيان!

٢ ـ وعن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إن الله جلّ وعزّ ، أجلّ وأعظم من أن يترك الأرض بغير إمام »(٣) .

__________________

١ ـ المحاسن : ١٥٠ / ١٥١ باب ٣٨ وفي الباب أحاديث كثيرة بهذا اللفظ تارة ، وبمعناه اخرى.

٢ ـ اُصول الكافي ١ : ١٧٧ / ١ و ٢ و ٣ باب أن الحجة لا تقوم لله على خلقه إلاّ بإمام.

٣ ـ بصائر الدرجات : ٤٨٥ / ٣ باب أن الأرض لا تخلو من حجة ، واُصول الكافي ١ : ١٧٨ / ٦ باب أن الأرض لاتخلو من حجة ، وإكمال الدين ١ : ٢٣٤ / ٤٣ باب ٢٢.


٣ ـ وعن عبد الله بن خراش ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « سآله رجل ، فقال : تخلو الأرض ساعة لا يكون فيها إمام؟ فقال : لا تخلو الأرض من الحق »(١) .

٤ ـ وعن أبي حمزة الثمالى قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : تبقى الأرض بغير امام؟ فقالعليه‌السلام : « لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت »(٢) .

٥ ـ وعن يونس بن يعقوب ، قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : « لو لم يكن في الدنيا إلاّ اثنان لكان الإمام أحدهما »(٣) .

وروى حمزة بن الطيار ، عن الإمام ابي عبد الله الصادقعليه‌السلام نحوه(٤) .

__________________

١ ـ إكمال الدين ١ : ٢٣٣ / ٤٠ باب ٢٢.

٢ ـ بصائر الدرجات : ٤٨٨ / ٢ باب من الأرض لا تبقى بغير امام ، واُصول الكافي ١ : ١٧٩ / ١٠ باب من الأرض لا تخلو من حجة ، والإمامة والتبصرة : ٣٠ / ١٢ باب من الأرض لا تخلو من حجة ، وكتاب الغيبة / النعماني : ١٣٨ ـ ١٣٩ / ٨ باب ٨ ، واكمال الدين ١ : ٢٠١ / ١ باب العلة التي من أجلها يحتاج إلى الإمامعليه‌السلام ، وعلل الشرائع ١ : ١٩٦ / ٥ باب ١٥٣ ، و ١ : ١٩٨ / ١٦ و ١٨ من الباب السابق ، وكتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ٢٢٠ / ١٨٢.

٣ ـ بصائر الدرجات : ٤٨٧ / ٢ باب من الأرض لاتخلو منهمعليه‌السلام ، اُصول اُلكافي ١ : ١٨٠ / ٥ باب منه لو لم يبق في الأرض إلاّ رجلان لكان أحدهما الحجة.

٤ ـ بصائر الدرجات : ٤٨٧ ـ ٤٨٨ / ٣ باب من الأرض لا تخلو منهمعليهم‌السلام ، واُصول الكافي ١ : ١٨٠ / ٤ باب منه لو لم يبق في الأرض إلاّ رجلان لكان أحدهما الحجة ، والإمامة والتبصره : ٢٨ / ٩ باب من الأرض لا تخلو من حجة ، ومختصر بصائر الدرجات لسعد بن عبد الله القمي / الشيخ حسن بن سليمان الحلي : ٨ ، وكتاب


٦ ـ وعن ذريح المحاربي ، عن الإمام أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « منّا الإمام المفروض طاعته ، من جحده مات يهوديا أو نصرانيا ، والله ما ترك الله الأرض منذ قبض الله آدم إلاّ وفيها إمام يهتدى به إلى الله ، حجة على العباد ، من تركه هلك ، ومن لزنه نجا ، حقا على الله تعالى »(١) .

وإلى هنا قد تبيّن لنا من قاعدة العصمة والمرجعية السياسية العلمية قد حصرها حديث الثقلين الشريف بعد النبيّ!صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالقرآن الكريم وأهل البيتعليهم‌السلام ، وإن أهل البيتعليهم‌السلام قد حصرتهم القاعدة الثانية باثني عشر أوصياء : امير المؤمنينعليه‌السلام والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسينعليه‌السلام ، و إن الإمامة لا تكون إلا في عقب الإمام الحسينعليه‌السلام كما وضحته القاعدة الثالثة.

ثم جاءت القاعدة الرابعة لتبين لنا من أولئك الأئمة الاثني عشرعليهم‌السلام لا تخلو الأرض من واحد منهم على الاطلاق ؛ لأنهم حجج الله في بلاده على عباده منذ وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإلى قيام الساعة ، وقد ثبت مضي أحد عشر أوصياء منهمعليهم‌السلام ، وبقي الموعود المنتظر الثاني عشر ابن الإمام العسكريعليه‌السلام .

وإن الأمة ملزمة بمعرفته باسمه ونسبه كما هو صريح القاعدة الخامسة

__________________

الغيبة / النعماني : ١٣٩ / ١ باب ٩ ، وإكمال الدين ١ : ٢٠٣ / ١٠ باب ٢١ ، وعلل الشرائع ١ : ١٩٧ / ١٠ باب ١٥٣.

١ ـ الإمامة والتبصرة : ٣١ / ١٥ باب أنّ الأرض لا تخلو من حجة ، ورجال الكشي ٢ : ٦٧٠ ـ ٦٧١ / ٦٩٨ في ترجمة ذريح المحاربي ، وإكمال الدين ١ : ٢٣٠ / ٢٨ باب ٢٢ ، وعلل الشرائع ١ : ١٩٧ / ١٣ باب ٥٣.


التي اشتهرت عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم برواية الفريقين ، كما صحّت روايتها عن أهل البيتعليه‌السلام ، لا سيما الإمام الصادقعليه‌السلام ومن طرق شتى ، وهي :

القاعدة الخامسة

قاعدة وجوب معرفة إمام الزمان من أهل البيتعليهم‌السلام

ويدلُّ على ترسيخ الإمام الصادقعليه‌السلام لهذه القاعدة والتثقيف الواسع عليها أحاديثه الشريفة الكثيرة في خصوص وجوب معرفة إمام الزمان ، وسنكتفي في حدود تأكيده على حديث : « من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية » ، كالآتي :

١ ـ عن بشير الدهان ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( من مات وهو لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية ) فعليكم بإطاعته ، قد رأيتم أصحاب عليعليه‌السلام ، وأنتم تأتمّون بمن لا يعذر الناس بجهالته ، ولنا كرائم القرآن ، ونحن قوم افترض الله طاعتنا ، ولنا الأنفال ، ولنا صفو المال »(١) .

٢ ـ وعن معاوية بن وهب قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية »(٢) .

وبهذا اللفظ ، وما قاربه ما رواه عيسى بن السري(٣) والحسين بن

__________________

١ ـ المحاسن ١ : ٢٥١ ـ ٢٥٢ / ٤٧٤ باب من مات ولم يعرف إمام زمانه ، وروضة الكافي ٨ : ١٢٨ ـ ١٢٩ / ١٢٣.

٢ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ١٢٩ / ٦ باب ٧.

٣ ـ اُصول الكافي ٢ : ١٩ ـ ٢١ / ٦ ، و ٢ : ٢١ / ٩ باب من مات وليس له إمام من


أبي العلاء(١) وعبد الأعلى(٢) وأيوب بن الحرّ(٣) وأبو بكر الحضرمي(٤) وعبد الله ابن أبي يعفور(٥) ؛ كلهم عن الإمام الصادقعليه‌السلام .

٣ ـ وعن الفضيل بن يسار قال : « ابتدأنا أبو عبد اللهعليه‌السلام وقال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من مات وليس عليه إمام فميته ميتة جاهلية ، فقلت : قال ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ فقال : إي والله ، قد قال ، قلت : فكل من مات وليس له إمام فميتته ميتة جاهليته؟ قال : نعم »(٦) .

٤ ـ وعن عمار بن إسحاق ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية : كفر ، وشرك ، وضلال »(٧) .

وفي رواية اخرى عنه : « ميتة كفر وضلال ونفاق »(٨) .

وللشيخ المفيدرضي‌الله‌عنه كلام مهم حول هذا الحديث ، قال : « عن

__________________

أئمة الهدىعليهم‌السلام ، وتفسير العياشي ١ : ٢٥٢ ـ ٢٥٣ / ١٧٥ في تفسير سورة النساء.

١ ـ المحاسن ١ : ٢٥٢ / ٤٧٦ باب من مات لا يعرف إمامة.

٢ ـ اُصول الكافي ١ : ٣٧٨ ـ ٣٧٩ / ٢ باب ما يجب على الناس عند مضي الإمامعليه‌السلام .

٣ ـ المحاسن ١ : ٢٥٢ ـ ٢٥٣ / ٤٧٧ باب من مات لا يعرف إمامه.

٤ ـ الإمامة والتبصرة : ٨٢ ـ ٨٣ / ٧٩ باب من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية.

٥ ـ اُصول الكافي ١ : ٣٧٦ / ٢ باب من مات وليس له إمام من أئمة الهدىعليه‌السلام .

٦ ـ اُصول الكافي ١ : ٣٧٦ / ١ باب من مات وليس له إمام من أئمة الهدىعليه‌السلام .

٧ ـ الإمامة والتبصرة : ٨٣ / ٧١ باب من مات وليس له إمام مات ميته جاهلية ، ومثله في اكمال الدين ٢ : ٤١٢ / ١١ باب ٣٩.

٨ ـ اُصول الكافي ١ : ٣٧٦ / ٣ باب من مات وليس له إمام من أئمة الهدىعليه‌السلام .


النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنه قال : « من مات وهو لا يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية ».

ثم قال : وهذا صريح بأن الجهل بالإمام يخرج صاحبه عن الإسلام »(١) .

وقال قدّس سرّه في الرسالة الأولى في الغيبة : « سأل سائل فقال : أخبروني عما روي عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال : ( من مات وهو لا يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية ). هل هو ثابت صحيح؟ أم هو معتلّ بغمّ؟

( فأجاب الشيخ المفيد قائلا ) : بل هو خبر صحيح يشهد له أجماع أهل الآثار ، ويقوي معناه صريح القرآن حيث يقول جلّ اسمه :( يوم ندعوا كل اناس بامامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرأون كتابهم ولا يظلمون فتيلا ) (٢) ، وقوله تعالى :( فكيف إذا جئنا من كل أمّة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ) (٣) ، وأي كثيرة من القرآن »(٤) .

وفي الصحيح عن الإمام الصادقعليه‌السلام ما يوضح أهمية هذه القاعدة وصلتها بمقام أهل البيتعليه‌السلام .

فقد روى ثقة الإسلام الكليني رضي الله عنه ، عن على بن إبراهيم الفقيه المفسر

__________________

١ ـ الغفصاح في الإمامة / الشيخ المفيد : ٢٨ ـ ٢٩.

٢ ـ سورة الإسراء / ٤١.

٣ ـ سورة النساء : ٤ / ٤١.

٤ ـ الرسالة الأولى في الغيبة / الشيخ المفيد : ١١ ـ ١٢ مطبوعة ضمن الجزء السابع من سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد.


الثبت الثّقة ، عن محمد بن عيسى الفقيه الحليل الثبت الثقة ، عن يونس ابن عبدالرحمن الفقيه العظيم الحليل الثبت الثقة ، عن حماد بن عثمان الثبت الثقة ، عن عيسى بن السّري الثبت الثقة قال : « قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : حدثني عمّا بنى عليه دعائم الإسلام ، إذا منا أخذت بها زُكّي عملى ولم يضرني جهل ما جهلت بعده ، فقالعليه‌السلام : شهادة من لا إله إلاّ الله ، وأن محمدا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « والإقرار بما جاء به من عند الله ، وحقّ في أموال من الزكاة ، والولاية التي أمر الله عزّوجلّ بها ، ولاية آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : من مات ولا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية. قال الله عزّوجلّ :( أطيعوا الله وأطيعوا الرّسول وأولي الأمر منكم ) (١) فكان عليعليه‌السلام ، ثم صار من بعده حسن ، ثم من بعده حسين ، ثم من بعده علي ابن الحسين ، ثم من بعده محمد بن علي ، ثم هكذا يكون الامر. إنّ الأرض لا تصلح إلاّ بإمام ، ومن مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية ، وأحوج ما يكون أحدكم إلى معرفته إذا بلغت نفسه هاهنا ـ قال : وأهوى بيده إلى صدره ـ يقول حينئذٍ : لقد كنت على أمرٍ حسن »(٢) .

وقد روى هذه الرواية صفوان بن يحيى الثقة عن عيسى بن السري أيضا(٣) ، الأمر الذي يعزز من صدقها ويؤكّد سماعها من الإمام الصادقعليه‌السلام

__________________

١ ـ سورة النساء : ٤ / ٥٩.

٢ ـ اصول الكافي ٢ : ٢١ / ٩ باب دعائم الإسلام.

٣ ـ رجال الكشي : ٤٢٤ / ٧٩٩ في ترجمة أبي اليسع عيسى بن السري.


حقا.

ونظير الرواية المذكورة في الصحّة ، ما أخرجه ثقة الإسلام الكليني بسند صحيح ، عن بشير الكناسي ، قال : « سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : وصلتم وقطع الناس ، وأحببتم وأبغض الناس ، وعرفتم ومنكر الناس وهو الحق ، إن الله اتّخذ محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عبدا قبل من يتخذه نبيا ، وإن علياعليه‌السلام كان عبدا ناصحا لله عزّوجلّّ فنصحه ، وأحبّ الله عزّوجلّ فأحبه. إن حقّنا في كتاب الله بيّن ، لنا صفو المال ، ولنا الانفال ، وإنا قوم فرض الله عزّوجلّ طاعتنا ، وإنكم تأتمّون بمن لا يُعذر الناس بجهالته. وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية ) ، عليكم بالطاعة »(١) .

هذا ، وأما من ادّعى من المراد بالإمام الذي من لا يعرفه سيموت ميتة جاهلية هو السطان أو الحاكم أو الملك ونحو ذلك وإن كان فاسقا ظالما كما هو حال سلاطين بني امية وبني العباس ، أو طاغية مستبدا كما هو عليه واقعنا المعاصر ، فعليه من يثبت بالدليل من معرفة هذه النماذج القذرة من الدين أولا ، ثم يبيّن للعقلاء الثمرة المترتبة على وجوب معرفة الظالم الفاسق الطاغية المستبد بحيث يكون من مات ولم يعرفه مات ميتة جاهلية.

ومن عظيم ما يُروى فيمن ادّعى ذلك : الصحيح الوارد عن

__________________

١ ـ روضة الكافي ٨ : ١٢٨ ـ ١٢٩ / ١٢٣.


ابن أبي يعفور ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : « ثلاثة لا يكلمهم لله يوم القيامة ، ولا يزكيهم ، ولهم عذاب ألىم : من ادعى إمامة من الله ليست له ، ومن جحد أوصياء من الله ، ومن زعم من لهما في الإسلام نصيبا »(١) .

إن دلالة ما مرّ على ضرورة معرفة الإمام الحق الذي أمر الله تعالى بطاعته ، لا تتمّ في زماننا هذا إلاّ مع القول بولادة الإمام المهدي الحجة ابن الحسن العسكريعليه‌السلام وغيبته واعتقاد ظهوره في آخر الزمان ليملأ الدنيا قسطا وعدلا بعدما مُلئت ظلما وجورا.

ولا يخفى من المراد من هذه القاعدة ليس مجرد معرفة الإمام باسمه ونسبه مثلا ، وإنما المطلوب إلى جانب المعرفة تلك : طاعة الإمام ، وعدم مخالفته بشيء ، والردّ إليه ، والتسليم له.

وفي الصحيح الثابت ما قاله إمامنا الصادقعليه‌السلام لزيد الشحام : « أتدري بما أمروا؟ أُمروا بمعرفتنا ، والردّ إلينا ، والتسليم لنا »(٢) .

وفي الصحيح عن أبي بصير قال : « قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : أرأيت الرادَّ عليَّ هذا الأمر كالرادِّ عليكم؟ فقالعليه‌السلام : يا أبا محمد! من رد عليك هذا الأمر فهو كالرادّ على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم »(٣) .

__________________

١ ـ اُصول الكافي ١ : ٣٧٣ / ٤ باب من ادّعى الإمامة وليس لها بأهل.

٢ ـ بصائر الدرجات : ٥٢٥ ـ ٥٢٦ / ٣٢ باب ، ٢٠ ( من الجزء العاشر ).

٣ ـ المحاسن : ١٨٥ / ١٩٤.


وكل هذا يعزّز ما ذكرناه سابقا في حكم مَن أنكر الإمام المهدي ابن الإمام الحسن العسكريعليهما‌السلام .


الفصل الثالث

تشخيص الإمام الصادقعليه‌السلام لهوية الغائب

وكيفية الانتفاع به في غيبته

أولا ـ منهج الإمام الصادق عليه‌السلام في تشخيص هوية الإمام الغائبعليه‌السلام :

يرجع الفضل في معرفتنا بذلك المنهج المحكم إلى محدّثي الإمامية الذين عاشوا في الغيبة الصغرى ( ٢٦٠ ـ ٣٢٩ هـ ) أو بعدها ، كالبرقي ( ت / ٢٧٤ وقيل سنة / ٢٨٠ هـ ) ، والصفّار ( ت ، ٢٩٠ هـ ) ، وثقة الإسلام الكليني ( ت ، ٣٢٩ هـ ) ، والصدوق الأول ( ت ، ٣٢٩ هـ ) ، و النعماني ( ت / بعد سنة ٣٤٢ هـ ) ، و الشيخ الصدوق ( ت / ٤٦٠ هـ ) ، والشيخ المفيد ( ت / ٤١٣ هـ ) ، والشيخ الطوسي ( ت / ٤٦٠ هـ ) ، وغيرهم من أعلام الإمامية المتقدمين الذين استفرغوا الوسع في جمع الحديث الشريف وتحقيقه وتدوينه ، بعتمادهم على مصّنفات الشيعة في القرون الثلاثة الأولى ، لا سيمّا الكتب المعروفة بالأصول الأربعمّائة ، وغيرها من المصنّفات المعتمدة المؤلّفة في عصور الأئمة التي شاع اعتمادها ، حتى صار مرجعهم إليها ومعوّلهم عليها ، واودعوا ما جمعوا منها في مؤلّفاتهم المعروفة ، مع حسن تبويبها


وتصنيفها ، الأمر الذي ساعد على استخراج المادّة المطلوبة منها بيسر وسهولة ، هذا فضلا عن الكتب الأخرى المصنّفة في خصوص الإمام المهديعليه‌السلام وغيبته. ولا شكّ بمن الرجوع إلى تلك الكتب ـ بصنفيها ـ سوف يكشف بالتأكيد عن غيبة الإمام المهدي عند جدّه الإمام الصادقعليهما‌السلام بكل وضوح ، ولا يضرّ وجود الإجمال في بعضها مع وجود التفصيل ، كما لا يقدح الإبهام في دلالاتها مع توفّر البسط والتوضيح ؛ إذ لم يقتصر إمامنا الصادقعليه‌السلام على إخبار شيعته بمجرّد غيبة إمام من أهل البيتعليهم‌السلام حتى يمكن القول بعدم دلالة ما أخبر به على غياب شخص أعين. وإنما أخبرهم كذلك بشخص من سيغيب ، وحدّد رقمه من بين الأئمة الاثني عشر ، وذكر اسمه وكنيته ، وسلّط الضوء على كامل هويّته ، وما يقوله المبطلون في ولادته ، وطول امد غيبته ، وما يجب على المؤمنين من انتظار فرجه ، مع تبيين واسع لعلامات ظهوره ، ومكان الظهور ، وعدد منصاره ، ومدّة حكمه بعد ظهوره ، وقوّة دولته ، وسعة العدل فيها ، والرخاء العميم في جنباتها ، وسيطرة دين الإسلام في ظلالها على سائر الأديان كلها في مشارق الأرض ومغاربها ، بما لا يبقى مع تلك الأخبار أدنى مجال للقول بمهدي مجهول يخلقه الله تعالى في آخر الزمان.

وهكذا حكم الإمام الصادقعليه‌السلام من خلال ما وصلنا من أحاديث الشريفة بزيف دعاوى المهدوية السابقة على عصره ، والمعاصرة له ، واللاحقه به ، وبيّن كذبها جميعا ؛ كمهدوية محمد بن الحنفية ( ت / ٧٣ هـ ، وقيل غيرها ) ومهدوية عمر بن عبدالعزيز الأموي ( ت / ١٠١ هـ ) ، ومهدوية محمد بن عبد الله بن الحسن الذي قتله المنصور الدوانيقي سنة /


١٤٥ هـ ، ومهدوية الملقّب زورا بالمهدي العباسي ( ت / ١٦٩ هـ ).

ولم يكتف الإمام الصادقعليه‌السلام بهذا كله ، وإنّما حاول تنبيه الشيعة إلى ما سيحصل بعده من قول الناووسيّة بمهدويتّهعليه‌السلام ، وقول الواقفية بمهدوية ابنه الإمام الكاظم بعد وفاتهعليه‌السلام .

ومن هنا نفى الإمام الصادقعليه‌السلام المهدوية عن نفسه ، وعن ولده الإمام الكاظمعليه‌السلام بوضوح وصراحة تامّين ؛ لكي لا يغتر أحد بمقولة الناووسية ، ولا يعبأ بمقولة الواقفية ، ولا يصغي لغيرهما كالفطحية وأمثالها ، ممّا نتج عن ذلك التنبيه الواعي المدورس من تبخّرت تلك المزاعم الباطلة وذهبت أدراج الرياح ، واضمحلّت فرقها الفاسدة بعد ظهورها على مسرح الأحداث ، وزالت بأسرها عن صفحة الوجود كلمح في البصر ، وعاد مثلها كمثل الفقاعات التي تظهرعلى سطح الماء الساخن فجأة ثم سرعان ما تنفجر و تتلاشى ، بحيث لا ترى لها رسما ولا طللا ، وهكذا كانت تلك الفرق! محا الله تعالى آثارها ودثر أخبارها ، حتى صارت أثرا بعد عين ، وذهبت جفاء كالزبد الذي لا يمكث في الأرض إلاّ قليلا.

وفي مقام بيان منهج الإمام الصادقعليه‌السلام في تشخيص هوية المهدي الموعود بظهوره في آخر الزمانعليه‌السلام ، نقف على اسلوبين في هذا المهنج الشريف وهما :

الأسلوب الأول ـ اسلوب التمثيل والتشبيه لتقريب الهوية :

وخير ما يدلّ على هذا الأسلوب أحاديث الإمام الصادقعليه‌السلام التي بينت أوجه الشبه بين الإمام المهديعليه‌السلام وبين بعض الأنبياءعليه‌السلام ، ومن


مراجعة ما حكاه القرآن الكريم في قصصهمعليهم‌السلام ، وما بيّنته الأحاديث النبويّة الشريفة في هذا المجال ؛ يعلم بأن هدف الإمام الصادقعليه‌السلام في تبيان أوجه الشبه تلك إنّما هو بهدف التوعية المطلوبة وذلك على مستويين :

المستوى الأول :

مستوى من لم يعاصر الإمام المهديعليه‌السلام ، ويضم هذا المستوى جميع من ما توا قبل ولادتهعليه‌السلام من أصحاب الإمام الصادق وأصحاب ولدهعليهم‌السلام وصولا إلى الإمام العسكريعليه‌السلام ؛ إذ بإمكان هذه الطبقة أن تستحضر هذا الأسلوب لكي تعرف قيمة ما يظهر بزمانها من دعاوى المهدوية ، ويتأكّد لها ـ حينئذ ـ بطلان تلك الدعاوى لعدم انطباق التشبيه والتمثيل الواردين في الإمام المهديعليه‌السلام عليها.

وما قد يقال بمن هذه الطبقة من الأصحاب لا تحتاج في الواقع إلى كل ذلك ؛ إذ يكفيها معرفة إمام زمانها فحسب ، وعلى أبعد تقدير معرفة من سيليه على أمر الإمامة ، وأما معرفة هوية من سيأتي بعد ذلك من الائمةعليه‌السلام فهي غير مسؤولة عنها ولا ملزمة بها ، وأما عن دعاوى المهدوية التي عاصرتها ، فبإمكانها السؤال من إمام زمانها نفسه عن مدى مصداقيتها ، وحينئذ ستنتفي حاجتها إلى هذا الاسلوب ، خصوصا وإن في أحاديث أهل البيتعليهم‌السلام ما يدلّ على ذلك. ويكفي في هذا ما ذكره ثقة الإسلام الكليني في باب ( إنّه من عرف إمامه لم يضرّه تقدم هذا الأمر أو تأخّر ) ، حيث ضمّ سبعة أحاديث بهذا المعنى ، وهذا نموذج منها :

١ ـ عن زرارة ، قال : « قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : اعرف إمامك ، فإنّك إذا


عرفت لم يضرّك ، تقدم هذا الأمر أو تأخّر »(١) .

وعن إسماعيل بن محمد الخزاعي ، قال : « سأل أبو بصير أبا عبد اللهعليه‌السلام وأنا أسمع ، فقال : تراني أدرك القائمعليه‌السلام ؟ فقال : يا أبا بصير الست تعرف امامك؟ فقال : اي والله وأنت هو ، وتناول يده. فقال : « والله ما تبالي يا أبا بصير ألا تكون محتبيا بسيفك في ظلال رواق القائم صلوات الله عليه »(٢) .

٣ ـ وعن فضيل بن يسار ، قال : « سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول : من مات وليس له إمام فميتته ميتة جاهلية ، ومن مات وهو عارف لإمامه لم يضرّه ، تقدم هذا الأمر أو تاخّر ، ومن مات وهو عارف لامامه كان كمن هو مع القائم في فسطاطه »(٣) .

وكل هذا يدلّ على انتفاء حاجة الاصحاب إلى التوعية المطلوبة على المستوى الاول في تبيان اوجه الشبه بين المهدي الموعودعليه‌السلام وبين الانبياء السابقينعليهم‌السلام .

فكيف تكون تلك التوعية اذن هدفا من اهداف الإمام الصادقعليه‌السلام مع انتفاء حاجة الاصحاب اليها؟

والجواب باختصار هو أن أحاديث الاكتفاء بمعرفة إمام الزمان إنما

__________________

١ ـ اصول الكافي ١ : ٣٧١ / ١ باب انه من عرف إمامه لم يضرّه ، تقدم هذا الأمر أو تأخّر.

٢ ـ اصول الكافي ١ : ٣٧١ / ٤ ، من الباب السابق.

٣ ـ اصول الكافي ١ : ٣٧١ ـ ٣٧٢ / ٥ ، من الباب السابق.


جاء التأكيد عليها في مقابل استعجال بعض أصحاب الأئمةعليهم‌السلام في مسألة ظهور الفرج على يد الإمام المهديعليه‌السلام ، إذ سبق إلى أذهانهم دوره الشريف في انشاء دولة آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، دولة الحق الشامل وذلك من خلال ما بشّر به النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الأطهارعليهم‌السلام ، والمعروف من انتظار الفرج في ظلّ الاستبداد والعنف السياسي المقيت المتواصل ، عادة ما يكون مدعاة للسام والضجر ، وقد ينتج عنه اليأس من الظهور ، والشكّ في أصل القضية ، ولهذا حاول الإمام الصادقعليه‌السلام تنبيه هذه الشريحة على القاعدة القرآنية القائلة :( يوم ندعو كلَ أناسٍ بإمامهم ) (١) وذلك من خلال أحاديث الشريفة المصرّحة بوجوب معرفة إمام الزمان الحقّ ، واذا ما أضيف هذا الى تنبيههعليه‌السلام على مسالة عدم التوقيت ، مع ضرورة البقاء في حالة تاهّب وانتظار مع بيان فضل الانتظار بانه من أنواع العبادة ، علم انّ الهدف أن وراء ذلك إنّما هو لاجل تثبيت القلوب والقضاء على عوامل الياس التي قد تنشأ نتيجة الانتظار الطويل ، وها لا يعأرض اية خطوة من خطوات كشف الطريق ، كبيان مستقبل الأمة على يد الإمام المهدي ، وتشخيص هويتهعليه‌السلام بالتلميح تارة وبالتصريح تارة اخرى.

واما عن حاجتهم إلى هذا على الرغم أن معرفتهم إمام زمانهم ، فهي حاجة كل إنسان إلى معرفة ما في المستقبل ، اذ المطلوب أن لا يعيش الانسان يومه فحسب ، بل لابدّ وان تكون عنده نبوءات عن مستقبله ، والا كان فاشلا ، ولهذا نجد في عالمنا المعاصر مؤسسات علمية وثقافية

__________________

١ ـ سورة الإسراء : ١٧ / ٧١.


كثيرة تعنى بشؤون المستقبل ، فضلا عن وجود مجلات علمية متخصصة بالدراسات المستقبلية.

ومن هنا صار التنبؤ بالشيء قبل وقوعه من الأمور الاحترازية المهمّة لكلّ مجتمع ، وعلى هذا جرى أسلوب الإمام الصادقعليه‌السلام في خصوص مسألة الإمام المهديعليه‌السلام ، فأخبر عنه وفصّل هويته الشريفة قبل ولادته بعشرات السنين.

كما لا يمكن اغفال دور هذا المستوى من التوعية في حمل الأمانة ونقلها إلى الاجيال اللاحقة ، خصوصا أجيال الغيبة الكبرى لإمام العصر والزمانعليه‌السلام التي لم تشاهد الإمام ولم تره ، ولكنها آمنت به واستيقنت منفسهم وجوده ، ولولا تلك الأخبار وغيرها لشكت حتى في أخبار ولادتهعليه‌السلام ، نظرا لما أحاطها من سرية وتكتم كانا مقصودين من أبيه الإمام العسكريعليه‌السلام مباشرة إلاّ للخاصّة فالخاصّة كوكلاء الإمام ، وأعمدة التشيّع يوم ذاك من الثقات الأجلاّء المعروفين ، ومن لابدّ من اطلاعه كالخدم والجواري ونحوهم.

المستوى الثاني :

مستوى من عاش حدث الولادة المباركة للإمام المهديعليه‌السلام ورآه في زمان أبيه أو في زمان غيبته الصغرى أو سمع بذلك ممن علم بالحدث أو شاهد الإمام مباشرة ، وهم جلّ الشيعة في ذلك الوقت.

وبإمكان هذه الطبقة أن تلاحظ قوّة انطباق تلك الاخبار على الواقع التاريخي بعد وفاة الإمام العسكريعليه‌السلام وحينئذ تزداد يقينا على يقين ولن


تضعّف من بصيرتها كثرة المهرجّين والمشعوذين.

ويدلّ على هذا الأسلوب الشريف :

١ ـ عن أبي بصير قال : « قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : إن في صاحب هذا الأمر سننا من الأنبياءعليهم‌السلام : سنة من موسى بن عمران ، وسنة من عيسى ، وسنة من يوسف ، وسنة من محمد صلوات الله عليهم. فأما سنة من موسى بن عمران ، فخائف يترقب ، وأما سنة من عيسى ، فيقال فيه ما قيل في عيسى ، وأما سنة من يوسف ، فالسِّتْر ، يجعل الله بينه وبين الخلق حجابا ، يرونه ولا يعرفونه ، وأما سنة من محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فيهتدي بهداه ، ويسير بسيرته »(١) .

٢ ـ وعن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : « في القائمعليه‌السلام سنة من موسى بن عمرانعليه‌السلام ، فقلت : وما سنتّه من موسى بن عمران؟ قالعليه‌السلام : خفاء مولده ، وغيبته عن قومه »(٢) .

٣ ـ وفي حديث آخر عنهعليه‌السلام ، إنّ في المهدي الغائبعليه‌السلام : « سنة من أربعة أنبياء : سنة من موسى خائف يترقب ، وسنة من يوسف يعرفهم وهم له منكرون ، وسنة من عيسى وما قتلوه وما صلبوه ، وسنة من محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقوم بالسيف »(٣) .

٤ ـ وفي حديث آخر عنهعليه‌السلام ، إنّ فيه : « سنة من نوح وهو طول

__________________

١ ـ إكمال الدين ٢ : ٣٥٠ ـ ٣٥١ / ٤٦ باب ٣٣.

٢ ـ إكمال الدين ١ : ١٥٢ / ١٤ باب ٦.

٣ ـ دلائل الإمامة : ٢٥١.


عمره ، وظهور دولته ، وبسط يده في هلاك أعدائه ، يخرج بالسيف كما خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وسنة من داود وهو حكمه بالإلهام »(١) .

وعن زيد الشحّام ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام في حديث طويل جاء فيه : « إن صالحاعليه‌السلام غاب عن قومه زمانا ـ إلى أن قالعليه‌السلام ـ وإنّما مَثَلُ القائمعليه‌السلام مَثَلُ صالح »(٢) .

٦ ـ وفي الصحيح عن سدير الصير في قال : « سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : إنّ في صاحب هذا الأمر شبها من يوسفعليه‌السلام قال : فقلت له : كمنك تذكر حياته أو غيبته؟ قال : فقال ليعليه‌السلام : وما ينكر من ذلك هذه الأمة أشباه الخنازير؟ إن إخوة يوسفعليه‌السلام كانوا أسباطا أولاد ألانبياء ، تاجروا بيوسف وبايعوه وخاطبوه ، وهم إخوته وهو أخوهم ، فلم يعرفوه حتى قال : أنا يوسف وهذا أخي. فما تنكر هذه الأمة الملعونة أن يفعل الله عزّوجلّ بحجّته في وقت من الأوقات كما فعل بيوسف؟ إن يوسفعليه‌السلام كان إليه ملك مصر ، وكان بينه وبين والده مسيرة ثمانية عشر يوما ، فلو أراد أن يعلمه لقدر على ذلك ، لقد سار يعقوبعليه‌السلام وولده ـ عند البشارة ـ تسعة أيّام من بدوهم إلى مصر. فما تنكر هذه الأمة من يفعل الله جلّ وعزّ بحجّته كما فعل بيوسف ، أن يمشي في أسواقهم ويطأ بسطهم حتى يأذن الله في ذلك له كما أذن ليوسف؟ قال : « أئنك لأنت يوسف؟ قال : أنا يوسف »(٣) .

__________________

١ ـ الخرائج والجرائح ٢ : ٩٣٦ باب ١٧.

٢ ـ إكمال الدين ١ : ١٣٦ ـ ١٣٧ / ٦ باب ٣.

٣ ـ أصول الكافي ١ : ٣٣٦ ـ ٣٣٧ / ٤ باب في الغيبة ، وإكمال الدين ٢ : ٣٤١ / ٢١ باب ٣٣.


وفيه إشارة واضحة إلى غيبة الإمامعليه‌السلام ، وما فعله جعفر الكذّاب ـ وهو عمّ الإمام المهديعليه‌السلام ـ شبيه بما فعله أولاد يعقوبعليه‌السلام بأخيهم يوسف!

وفي حديث سدير هذا ما يدلّ على شيوع مفهوم غيبة الإمام المهدي بين أصحاب الإمام الصادقعليه‌السلام بفضل ما وصل إليهم من أحاديث آبائه الأطهارعليهم‌السلام ، فضلا عمّا قام به الإمام الصادقعليه‌السلام من ايضاح كل ما يحيط بالإمام المهديعليه‌السلام تفصيلا ، وخير ما يدلُّ على سبق مفهوم الغيبة إلى علم الأصحاب ، هو استفسار سدير الصيرفي ـ في هذا الحديث ـ من الإمام الصادقعليه‌السلام بقوله : كأنّك تذكر حياته أو غيبته!

ويدلّ عليه أيضا ما رواه المفضل بن عمر ، قال : كنت عند أبي عبد اللهعليه‌السلام وعنده في البيت اُناس ، فظننت أنه إنّما اراد بذلك غيري ، فقال : « أما والله! ليغيبنّ عنكم صاحب هذا الأمر الحديث »(١) .

فقول المفضّل : ( فظننت منه إنّما أراد بذلك غيري ) يدلّ بوضوح على علم المفضّل بالغيبة ، لسماعه أخبارها قبل زمان صدور هذا الحديث.

٧ ـ وعن عبدالرحمن بن الحجاج عن الإمام الصادق ، عن آبائهعليهم‌السلام ، عن الإمام الحسينعليه‌السلام قال : « في التاسع من ولدي سنة من يوسف ، وسنة من موسى بن عمرانعليهما‌السلام ، وهو قائمنا أهل البيت ، يصلح الله تبارك وتعالى أمره في ليلة واحدة »(٢) .

__________________

١ ـ اصول الكافي ١ : ٣٣٨ / ١١ ، باب في الغيبة.

٢ ـ إكمال الدين ١ : ٣١٦ ـ ٣١٧ / ١ باب ٣٠.


٨ ـ وعن أبي بصير ، قال : « سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : إنّ سنن الأنبياءعليهم‌السلام بما وقع بهم في الغيبات حادثة في القائم منّا أهل البيت حذو النعل بالنعل والقذّة بالقذّة ».

قال أبو بصير ، فقلت : يا ابن رسول الله! ومن القائم منكم أهل البيت؟ فقال : « يا أبا بصير هو الخامس من وُلْد ابني موسى ، ذلك ابن سيدة الإماء ، يغيب غيبة يرتاب فيها المبطلون ، ثم يظهره الله عزّوجلّ ، فيفتح الله على يده مشارق الأرض ومغاربها ، وينزل روح الله عيسى بن مريمعليه‌السلام فيصلّي خلفه ، وتشرق الأرض بنور ربّها ، ولاتبقى في الأرض بقعهٌ عبد فيها غير الله عزّوجلّ إلاّ عبد الله فيها ، ويكون الدين كله لله ولو كره المشركون »(١) .

الاسلوب الثاني ـ أسلوب التصريح في بين الهوية :

لقد مرّت شذرات متفرقة تشير إلى هذا الأسلوب أيضا ، والمراد به : التصريح يالهوية بحسب ما يقتضيه مقام السائل وعقلية المستمع يومذاك ، وما يحيط بالإمام من ظروف يترك تقديرها للإمام نفسهعليه‌السلام ، فضلا عمّا تقتضيه المصلحة التي ينظرها الإمام ، او يتو خّاها من خلال هذا الأُسلوب.

ولهذه الاعتبارات المتعدّدة لم يجر التصريح بهوية الإمام المهديعليه‌السلام على نسق واحد ، إذ تارة يكون بتحديد الهوية من طرفها البعيد ، وتارة اُخرى يقرّب التحديد ، وثالثة يشتدّ قربا والتصاقا بالهوية الشخصية للإمام

__________________

١ ـ إكمال الدين ٢ : ٣٤٥ ـ ٣٤٦ / ٣١ باب ٣٣.


الموعودعليه‌السلام .

وبعبارة اُخرى إن هناك جملة وافرة من احاديث الإمام الصادقعليه‌السلام الواردة في مقام التصريح بالهوية ، ومع هذا فلم ينفك عن بعضها الاجمال ، بل انحصرت في دائرته ؛ إذ لم تشخّص غائبا بالتحديد وإن صرّحت بشيء من هويته. ومع هذا فإنّ الإجمال المذكور لا يضرّ حتى مع فرض عدم وجود التفصيل ، لأنّه إجمال منحصر بعصور الأئمة قبل اكتمال تسلسلهم التاريخي ، أو بعبارة أخرى : إن الإجمال المذكور قد اختزن في داخله نوعا من التفصيل ، ولكنّه لم يتّضح إلاّ بعد حين ، حتى عاد الإجمال نفسه في غنى عمّا يوضّحه من خارجه. خصوصا إذا ما لوحظ الأسلوب الاول من التشخيص ، وضُمّ إلى هذا الاجمال.

فتشبيه ظرف الغائب بظرف يوسفعليه‌السلام ، كما مرّ في الأسلوب الأول وإن لم يشخّص لنا من هو الغائب بالتحديد ، إلاّ أنّه بيّن لنا بعد حين مراد الإمام بهذا لتشبيه ؛ إذ كما فعل إخوة يوسف باخيهم ، فعل جعفر الكذّاب بابن اخيه العسكريعليه‌السلام ، خصوصا مع تاكيد الإمام الصادقعليه‌السلام على من سنن الانبياء حاصلة في الغائب المنتظر حذو القذّة ، وفيها الكثير ممّا يعيّن لنا الغائب بدقّة.

وهكذا الحال في المكوّنات الاُخرى للوحدة الموضوعية للغيبة ، كذكر الغيبتين ونحو ذلك ممّا سياتي في الباب الثاني ، وإذا ما حصل الربط بين اجزاء تلك المكوّنات ، من قبيل كون الغائب هو الثاني عشر ، ومنه التاسع من ولد الحسينعليه‌السلام ، تبدّد الإجمال المذكور كليا ؛ لوجود المصداق الواقعي الذي انطبقت عليه جميع تلك الأخبار ، ولم يتخلّف عنها خبر واحد.


ومع هذا فلم يكتف إمامنا الصادقعليه‌السلام بحدود هذه الامور ، وانّما ذهب الى أبعد من ذلك بكثير في تشخيص هوية الإمام المهدي الغائبعليه‌السلام ، متدرّجا في بيانه انطلاقا من كون الغائب المنتظر هو من ولد الحسينعليه‌السلام ، مع نفي المهدوية عن نفسه الشريفة ، وعن ولده الكاظمعليهما‌السلام ؛ لئلا يدّع مدع بانظباقها على غير المراد ، مرورا بكون من سيغيب هو الثاني عشر من أهل البيتعليهم‌السلام وآخرهم ، وأنّه السادس من ولده ، ومن ذريّة الإمام الكاظمعليه‌السلام وتحديدا : أنّه الخامس من ولد السابع ، وأنّه خفي الولادة ، مع تسمية أمّهعليه‌السلام ، وهكذا إلى أن يصل إلى القمة في البيان ، بذكر اسمه ، واسم أبيه ، وكامل نسبه الشريف ، كما سنرى وعلى النحو الآتي :

١ ـ عن معاوية بن عمار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، عن آبائهعليهم‌السلام ، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حديث قدسي شريف جاء فيه : « ومنكم القائم يصلي عيسى بن مريم خلفه إذا أهبطه الله تعالى إلى الأرض ، من ذريّة علي وفاطمة ، من وُلْد لحسين »(١) .

٢ ـ عن عبيد الله بن العلاء ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام في حديث طويل عن أمير المؤمنينعليه‌السلام جاء فيه قوله للإمام الحسينعليه‌السلام : « ثم يقوم القائم المأصول والإمام المجهول ، له الشرف والفضل ، وهو من ولدك يا حسين طوبى لمن أدرك زمانه ، ولحق أوانه ، وشهد أيّامه »(٢) .

__________________

١ ـ روضة الكافي ٨ : ٤٩ / ١٠ ، وانظر : أمالي الشيخ الطوسي : ٢٨٧ ـ ٢٨٩ / ٤ مجلس رقم / ٣٩.

٢ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ٢٧٤ ـ ٢٧٦ / ٥٥ باب ١١.


٣ ـ وقال أبو بصير للإمام الصادقعليه‌السلام وقد دخل عليه : «...إنّي أريد أن ألمس صدرك ، فقال : افعل ، قال : فمسست صدره ومناكبه ، فقال : ولم يا أبا محمد؟ فقلت : جعلت فداك إنّي سمعت أباك وهو يقول : إن القائم واسع الصدر ، مسترسل المنكبين ، عريض ما بينهما. فقال : يا أبا محمد! إنّ ابي لبس درع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكانت تستخب على الأرض ، وإنّي لبستها فكانت وكانت ، وإنّها تكون من القائم كما كانت من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مشمِّرة ، كمنه ترفع نطاقها ، وليس صاحب هذا الأمر من جاز الأربعين »(١) . يعني نفسه الشريفة.

وفي هذا الحديث نفي صريح للمهدوية عن نفسه الشريفة ، حيث تو هّمت شرذمة قليلة بمنهعليه‌السلام هو المهدي ، وهو قول يُنسب إلى الناووسية.

ويؤيده أيضا ما أورده المتقي الهندي في البرهان ، قائلا : « وأخرج المحاملي في أمالية ، عن جعفر بن محمد بن على بن حسين [عليهم‌السلام ] قال : « يزعمون أنّي أنا المهدي! وإنّي إلى أجلي أدنى منّي إلى ما يدّعون »(٢) .

وما رواه خلّاد الصفّار ، قال : سئل أبو عبد اللهعليه‌السلام : هل ولد القائمعليه‌السلام ؟ فقال : « لا ولو أدركته لخدمته أيّام حياتي »(٣) .

__________________

١ ـ بصائر الدرجات / الصفّار : ١٨٨ ـ ١٨٩ / ٥٦ ، والخرائج والجرائح / القطب الراوندي ٢ : ٦٩١ باب ١٤.

٢ ـ البرهان في علامات مهدي آخر الزمان / المتقي الهندي : ١٧٤ / ١٢ باب ١٢.

٣ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ٢٤٥ / ٤٦ باب ١٣.


وفي هذا الحديث نفي صريح لمهدوية محمد بن الحنفية رضي الله عنه ، ومهدوية عمر بن عبدالعزيز الأموي ، ومهدوية محمد بن عبد الله بن الحسن الحسني ، ومهدوية محمد بن عبد الله العباسي الملقّب كذبا على الله ورسوله بالمهدي!

وفيه أيضا ما يكشف عن عظمة ومقام الإمام المهديعليه‌السلام ِ ، بحيث تمنّى إمام الخلق في زمانه ، وحجة الله البالغة على عباده أن يقوم بخدمته لو أدركهعليهما‌السلام .

٤ ـ وعن أبي حمرة الثمالى قال : « دخلت على أبي عبد اللهعليه‌السلام فقلت له : أنت صاحب هذا الأمر؟ فقال : لا ، فقلت : فولدك؟ فقال : لا ، فقلت : فولد ولدك هو؟ فقال : لا ، قلت : فولد ولد ولدك؟ قال : لا ، قلت : فَمن هو؟ قال : الذي يملأها عدلا كما ملئت ظلما وجورا على فترة من الأئمة ، كما من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث على فترة من الرسل »(١) . ولواسترسل أبو حمزةرضي‌الله‌عنه في سواله لحدّد الإمام الصادقعليه‌السلام من هو المهدي بالضبط ؛ نظرا لما سيأتي في تشخيص الإمام الصادقعليه‌السلام لاسم المهدي وحسبه بدّقة.

٥ ـ وعن أبي بصير ، عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « سمعتهعليه‌السلام يقول : منّا اثنا عشر مهدّيا مضى ستة و بقي ستة ، يصنع الله بالسادس ما أحبّ »(٢) .

٦ ـ وقال السيد الحميري بعد توبته ورجوعه إلى الحقّ إلى الإمام

__________________

١ ـ أصول الكافي ١ : ٣٤١ / ٢١ باب في الغيبة ، وكتاب الغيبة / النعماني : ١٨٦ ـ ١٨٧ / ٣٨ باب ١٠ ، وعقد الدرر / المقدسي : ٢١٠ ـ ٢١١ باب ٧.

٢ ـ إكمال الدين ٢ : ٣٣٨ / ١٣ باب ٣٣.


الصادقعليه‌السلام : « يا بن رسول الله! قد روي لنا أخبار عن آبائكعليهم‌السلام في الغيبة وصية كونها ، فاخبرني بمن تقع؟

فقالعليه‌السلام : إنّ الغيبة ستقع بالسادس من ولدي ، وهو الثاني عشر من الأئمة الهداة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، وآخرهم القائم بالحقّ بقيّة الله تعالى في الأرض وصاحب الزمان ، والله لو بقي في غيبه ما بقي نوح في قومه لم يخرج من الدنيا حتى يظهر ، فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما »(١) .

وهذا الخبر يؤكّد إسهام جميع أهل البيتعليهم‌السلام في تنبيه الشيعة إلى غيبة قائمهم المنتظرعليه‌السلام ، وفيه تفسير للعدد المذكور في الحديث الخامس المتقدم ، زيادة على ما فيه من تأكيد بقاء الإمام المهديعليه‌السلام حيّا في غيبته.

ويؤيده قول الإمام الصادقعليه‌السلام في حديث آخر : « ما تنكرون أن يمدّ الله لصاحب هذا الأمر في العمر كما مدّ لنوحٍعليه‌السلام في العمر »(٢) .

٧ ـ وفي حديث طويل عن الصادقعليه‌السلام جاء فيه : « يظهر صاحبنا وهو من صلب هذا وأومأ بيده إلى موسى بن جعفرعليهما‌السلام ، فيملأها عدلا كما ملئت جورا وظلما ، وتصفو له الدنيا »(٣) .

٨ ـ وعن أبي بصير ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : « صاحب هذا الأمر

__________________

١ ـ إكمال الدين ٢ : ٣٤٢ / ٢٣ باب ٣٣.

٢ ـ كتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ٤٢١ / ٤٠٠.

٣ ـ كتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ٤٢ / ٢٣.


تعمى ولادته على الخلق ؛ لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج »(١) .

ولا يعرف التاريخ أحدا من أهل البيتعليهم‌السلام قد خفيت ولادته على الخلق سوى إمامنا ابن العسكريعليهما‌السلام .

هذا ، وفي الصحيح عن ابن فضّال ، عن الإمام الرضاعليه‌السلام قال : « كأنّي بالشيعة عند فقدهم الثالث من ولدي [ أي : الإمام العسكريعليه‌السلام ] كالنعم يطلبون المرعى فلا يجدونه ، قلت له : ولم ذاك يا ابن رسول الله؟ قال : لأنّ امامهم يغيب عنهم ، فقلت : ولم؟ قال : لئلا يكون لأحد في عنقه بيعةإذا قام بالسيف »(٢) .

٩ ـ وعن أبي بصير ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام في حديث جاء فيه : « فقلت : يا ابن رسول الله ومن القائم منكم أهل البيت؟ فقال : يا أبا بصير هو الخامس من ولد ابني موسى ، ذلك ابن سيدة الإماء ، يغيب غيبة يرتاب منها المبطلون ، ثم يظهره الله عزّوجلّ ، فيفتح الله على يده مشارق الأرض ومغاربها ، وينزل روح الله عيسى بن مريمعليه‌السلام فيصلي خلفه ، وتشرق الأرض بنور ربها ، ولا يبقى في الأرض بقعة عبد فيها غير

__________________

١ ـ إكمال الدين ٢ : ٤٧٩ ـ ٤٨٠ / ١ باب ٤٤ ، وأخرجه الصدوق من طريق آخر عن أبي بصير ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام في إكمال الدين ٢ : ٤٨٠ / ٥ باب ٤٤ ، وقد ورد نحوه من طرق أخرى عن الإمام الصادقعليه‌السلام ، كرواية هشام بن سالم في اصول الكافي ١ : ٣٤٢ / ٢٧ باب في الغيبة ، ورواية إبراهيم بن عمر اليماني في كتاب الغيبة للنعماني : ١٩١ / ٤٥ باب ١٠ ، ورواية جميل بن صالح في إكمال الدين ٢ : ٤٧٩ ـ ٤٨٠ / ٢ باب ٤٤.

٢ ـ إكمال الدين ٢ : ٤٨٠ / ٤ باب ٤٤.


الله عزوجلّ إلاّ عبد الله فيها ، ويكون الدين كله لله ولو كره المشركون »(١) .

١٠ ـ وعن المفضّل بن عمر ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام في حديث جاء فيه : « والأئمة من ولد الحسن آخرهم القائم الذي يقوم بعد غيبته ، فيقتل الدجّال ، ويطهّر الأرض من كل جور وظلم »(٢) .

١١ ـ وعن هارون بن موسى بن جعفر ، عن أبيهعليه‌السلام قال : « قال سيدي جعفر بن محمدعليه‌السلام : الخلف الصالح من ولدي ، وهو المهدي ، اسمه محمد ، وكنيته أبو القاسم/ يخرج في آخر الزمان ، يقال لأمّه صقيل »(٣) .

أقول : « صقيل ، ونرجس ، وسوسن كلها أسماء لمسمّى واحد وهو أُمّ الإمام المهديعليه‌السلام وقد ورد الأثر الصحيح في ذلك ، وهذا الحديث نقله الإربلي من كتاب ابن الخشّاب المسمّى تاريخ مواليد ووفيّات أهل البيتعليه‌السلام وابن الخشّاب من معاصري الإمام العسكريعليه‌السلام ويروي الكليني عنه بالواسطة ، وهو من ّمشايخ علي بن إبراهيم بن هاشم القمّي المتوفّى في الغيبة الصغرى.

١٢ ـ وعن صفوان بن مهران ، وعبد الله بن أبي يعفور ؛ عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : « أنّ أقرّ بجميع الأنبياء وجحد المهدي كان كمن أقر بجميع الأنبياء وحجد محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نبوّته ، فقيل له : يا ابن رسول الله : فمن

__________________

١ ـ إكمال الدين ٢ : ٣٤٥ ـ ٣٤٦ / ٣١ باب ٣١.

٢ ـ إكمال الدين ٢ : ٣٣٥ ـ ٣٣٦ / ٧ باب ٣٣.

٣ ـ كشف الغمّة / الاربلي ٣ : ٣٧٩ في ذكر الإمام الحجةعليه‌السلام .


المهدي من ولدك؟ قال : الخامس من ولد السابع ، يغيب عنكم شخصه ، ولايحلّ لكم تسمية »(١) .

والنهي عن التسمية معلل بالخوف من الطلب ، فيكون مقيّدا بزمان مخصوص كما يعلم من أخبار أُخر.

وفي هذا الحديث وغيره مّما مرّ ويأتي إبطال لقول الواقفية بمهدوية الإمام الكاظمعليه‌السلام ، وقولهعليه‌السلام : « الخامس من ولد السابع ، يغيب عنكم شخصه » تعريض بقول الواقفية بأن المهدي صاحب الغيبة هو الإمام السابع أي : الكاظمعليه‌السلام ! في حين منه الخامس من ولد السابععليهم‌السلام .

١٣ ـ وسمع الحسين بن علوان الكلبي ـ وهو من رواة العامة ـ حديثا من طرقهم في خصوص علم النبي موسىعليه‌السلام بأوصياء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الاثني عشر من بعده ، قال : فذكرت ذلك لجعفر بن محمدعليه‌السلام ، فقال : « حق ذلك ، هم اثنا عشر من آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : علي ، والحسن ، والحسين ، وعلي بن الحسين ، ومحمد بن علي ، ومن شاء الله.

قلت : جعلت فداك ، إنّما أسألك لتفتيني بالحق.

فقالعليه‌السلام : أنا ، وابني هذا ـ وأشار إلى ابنه موسىعليه‌السلام ـ والخامس من ولده يغيب شخصه ، ولا يحلّ ذكره باسمه »(٢) .

١٤ ـ وعن المفضل بن عمر قال : « دخلت على سيدي جعفر بن

__________________

١ ـ إكمال الدين ٢ : ٣٣٣ / ١ باب ٣٣ وأخرجه من طريق آخر عن عبد الله بن أبي يعفور ٢ : ٣٣٨ / ١٢ من الباب السابق.

٢ ـ مقتضب الأثر : ٤١.


محمدعليها‌السلام فقلت : يا سيدي لو عهدت إلينا في الخلف من بعدك؟ فقال لي : يا مفضّل! الإمام من بعدي ابني موسى ، والخلف المأمول المنتظر محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن على بن موسى »(١) .

١٥ ـ وفي الصحيح عن مسعدة بن صدقة قال : « كنت عند الصادقعليه‌السلام ، إذ أتاه شيخ كبير قد انحنى متكئا على عصاه ، فسلّم ، فردّ أبو عبد اللهعليه‌السلام الجواب ، ثم قال : يا ابن رسول الله ناولني يدك أقبلها ، فأعطاه يده فقبّلها ثم بكى ، فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام : ما يبكيك يا شيخ؟ قال : جعلت فداك أقمت على قائمكم منذ مائة سنة أقول هذا الشهر وهذه السنة ، وقد كبرت سني ودقّ عظمي واقترب أجلي ولا أرى ما أحب ، أراكم مقتّلين مشرّدين ، وأرى عدوّكم يطيرون بالأجنحة ، فكيف لا أبكي! فدمعت عينا أبي عبد اللهعليه‌السلام ، ثم قال :

يا شيخ إن أبقاك الله حتى ترى قائمنا كنت معنا في السنام الأعلى ، وإن حلّت بك المنّية ، جئت يوم القيامة مع ثقل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ونحن ثقله ، فقالعليه‌السلام : اني مخلّف فيكم الثقلين فتمسّكوا بهما لن تضلّوا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي. فقال الشيخ : لا أبالى بعد ما سمعت هذا الخبر. قال : يا شيخ! إنّ قائمنا يخرج من صلب الحسن ، والحسن يخرج من صلب عليّ ، وعليّ يخرج من صلب محمد ، ومحمد يخرج من صلب عليّ ، وعليّ يخرج من صلب ابني هذا ـ وأشار إلى موسىعليه‌السلام ـ وهذا خرج من صلبي ، نحن اثنا عشر كلنا معصومون مطهرون يا شيخ والله لو لم يبق

__________________

١ ـ إكمال الدين ٢ : ٣٣٤ / ٤ باب ٣٣.


من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل ألله ذلك اليوم حتى يخرج قائمنا أهل البيت ، ألا وأن شيعتنا يقعون في فتنة وحيرة في غيبته ، هناك يثبّت الله على هداه المخلصين ، اللهمّّ أعنهم على ذلك »(١) .

١٦ ـ وعن أبي الهيثم بن أبي حبّة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : « إذا اجتمعت ثلاثة أسماء متوالية : محمد وعلي ، والحسن ، فالرابع القائم »(٢) .

وقولهعليه‌السلام : « إذا اجتمعت ثلاثة أسماء » ، أي : من الائمة بعده ، الذين هم من وُلْدِهعليهم‌السلام .

ومن الواضح أن هذه الأسماء الثلاثة الشريفة قد اجتمعت متوالية حقا ، وشكّلت الحلقة الأخيرة من أسماء الأئمة الاثني عشرعليهم‌السلام قبل القائم المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف كالآتي :

١ ـ ( محمد ) : وهو اسم الإمام التاسع المعروف بالجوادعليه‌السلام .

٢ ـ ( عليّ ) : وهو اسم الإمام العاشر المعروف بالهاديعليه‌السلام .

__________________

١ ـ كفاية الأثر / الخزاز : ٢٦٠ ، واخرجه عمّاد الدين الطبري في بشارة المصطفى : ٢٧٥ ، عن معاوية بن وهب ، قال : كنت جالسا عند جعفر بن محمدعليه‌السلام إذ جاء شيخ قد انحنى من الكبر ، فقال : السّلام عليك ورحمة الله وبركاته ، فقال له أبو عبد الله : وعليك السّلام ورحمة الله ياشيخ ، ادْنُ مني ، فدنا منه وقبل يده وبكى الحديث.

٢ ـ إكمال الدين ١ : ٣٣٣ / ٢ باب ٣٣ ، وكتاب الغيبة / النعماني : ١٧٩ ـ ١٨٠ / ٢٦ باب ١٠ ، وإثبات الوصية / المسعودي : ٢٢٧ ، وكفاية الأثر / الخزاز القمي : ٢٨٠ ـ ٢٨١.


٣ ـ ( الحسن ) : وهو اسم الإمام الحادي عشر المعروف بالعسكريعليه‌السلام ابن الإمام علي الهادي ابن الإمام محمد الجواد ، وهو والد الإمام القائمعليهم‌السلام .

ثانيا ـ بيان الإمام الصادقعليه‌السلام لكيفية الانتفاع بالحجة الغائبعليه‌السلام :

نطقت أحاديث أهل البيتعليه‌السلام وبصورة متواترة بأن الله تعالى لا يخلي أرضه من حجة على عباده منذ أن خلق الله آدم وإلى قيام الساعة ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الحجة ظاهرا مشهوراَ ، أو خائفاَ مستورا كما مرّ في القاعدة الرابعة من قواعد الفصل السابق.

والتسليم بهذه القاعدة يعني الاعتقاد بوجود الإمام المهديعليه‌السلام في أرض الله عزّوجلّ وإن لم يره أحد ، وهو بحد ذاته كاف لنمو الفضيلة ، وخلق جوّ من التآلف والمودّة بين المؤمنين الذين يعيشون في حالة انتظار دائم وترقّب شديد لظهورهعليه‌السلام ، الأمر الذي يؤدي إلى حفظ المجتمع المسلم من التشتّت والضياع ، ومنعه ن الانحدار وراء الشهوات ، وصونه من كل انحراف.

كما من نفس وجود الإمامعليه‌السلام فيه منافع كثيرة ترتبط بحياة الناس جميعا ، من نزول بركات السماء ، وعدم المؤاخذة بالعقاب العاجل ونحوها ، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة مبينا أهميتة الحجة وهي في زمن نزوله منحصرة برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال تعالى :( وما كان الله ليعذّبهم أنت فيهم وما كان الله معذّبهم وهم يستغفرون ) (١) ، وأما بعدهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلا شكّ في منها بآله الكرامعليهم‌السلام .

__________________

١ ـ سورة الانفال : ٨ / ٣٣.


لقد حاول الإمام الصادقعليه‌السلام تقريب صورة الانتفاع بالإمام الحجة الغائبعليه‌السلام بمثال مادي محسوس ، ليكون ذلك أدعى إلى الإذعان والتصديق.

فعن سليمان بن مهران الأعمش ، عن الإمام الصادق ، عن أبيه الإمام الباقر ، عن أبيه الإمام على بن الحسينعليهم‌السلام ، قال : « نحن أئمة المسلمين ، وحجج الله على العالمين ولم تخل الأرض منذ خلق الله آدم من حجة الله ولا تخلوا إلى أن تقوم الساعة من حجة الله فيها ، ولولا ذلك لم يعبد الله. قال سليمان : فقلت للصادقعليه‌السلام : فكيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور؟ قالعليه‌السلام : كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب »(١) .

وكما من السحاب لا يمنع من فوائد الشّمس الكثيرة ، ولولاها لا نعدمت الحياة ، فكذلك لا تمنع الغيبة من الفوائد العظيمة المترتّبة على وجود الإمامعليه‌السلام ، وهذا ما يفسّر لنا معنى قول الإمام الصادقعليه‌السلام : « لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت »(٢) .

جدير بالذكر من حديث الإمام الصادقعليه‌السلام المتقدم برواية الأعمش هو جزء من حديث عظيم لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، برواية جابر بن عبد الله الانصاري ، قال رضي الله عنه : « لمّا منزل الله عزّوجلّ على نبيّه محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( يا أيّها الذين آمنوا اطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر

__________________

١ ـ إكمال الدين ١ : ٢٠٧ / ٢٢ باب ٢١ ، وأمالي الصدوق : ١٥٦ ـ ١٥٧ / ١٥ مجلس / ٣٤ ، وفرائد المسطين / الجويني الشافعي ١ : ٤٥ ـ ٤٦ / ١١.

٢ ـ أصول الكافي ١ : ١٧٩ / ١٠ ، باب من الأرض لا تخلوا من حجة ، وكتاب الغيبة / النعماني : ١٣٨ / ٨ باب ٨.


منكم ) (١) قلت : يا رسول الله عرفنا الله ورسوله ، فمن اولو الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟ فقالعليه‌السلام : « هم خلفائي يا جابر ، وأئمة المسلمين ( من ) بعدي أولهم عليّ بن أبي طالب ، ثم الحسن والحسين ، ثم عليّ بن الحسين ، ثم محمد بن عليّ المعروف في التوراة بالباقر ، وستدركه يا جابر ، فإذا لقيته فأقرئه منّي السّلام ، ثم الصادق جعفر بن محمد ، ثم موسى بن جعفر ، ثم عليٍّ بن موسى ، ثم محمد بن عليّ ، ثم عليّ بن محمد ، ثم الحسن بن عليّ ، ثم سميّي وكنيي حجة الله في أرضه ، وبقيّته في عباده ابن الحسن بن على ، ذاك يفتح الله تعالى ذكره على يديه مشارق الأرض ومغاربها ، ذاك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامته إلاّ من امتحن الله قلبه للإيمان » ، قال جابر : فقلت له : يا رسول الله فهل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته؟ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « اي والذي بعثني بالنبوَّة إنّهم يستضيئون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن تجلّلها سحاب ، يا جابر هذا من مكنون سرالله ، ومخزون علمه ، فاكتمه إلاّ عن أهله »(٢) .

وتشبيه فائدة الإمام المهديعليه‌السلام في غيبته بفوائد الشمس المجللة بالسحاب يوحي إلى أمور ، قد تعرض لها العلامة المجلسي في ذيل هذا الخبر ، ولا بأس بنقلها كما هي لفائدتها.

قال رحمة الله : « بيان ـ التشبيه بالشمس المجللة بالسحاب يوحي إلى أمور :

__________________

١ ـ سورة النساء : ٤ / ٥٩.

٢ ـ إكمال الدين : ١ : ٢٥٣ / ٣ باب ٢٣.


الأول : إن نور الوجود والعلم والهداية ، يصل إلى الخلق بتوسّطهعليه‌السلام ؛ إذ ثبت بالأخبار المستفيضة منهم العلل الغائية لايجاد الخلق ، فلولا هم لم يصل نور الوجود إلى غيرهم ، وببركتهم والاستشفاع بهم ، والتوسل إليهم يظهر العلوم والمعارف على الخلق ، ويكشف البلايا عنهم ، فلولاهم لا ستحقّ الخلق بقبائح أعمالهم أنواع العذاب ، كما قال تعالى :( وما كان الله ليعذّبهم ومنت فيهم ) (١) ولقد جرّبنا مرارا لا نحصيها أن عند انغلاق الأمور وإعضال المسائل ، والبعد عن جناب الحقّ تعالى ، وانسداد أبواب الفيض ، لمّا استشفعنا بهم ، وتوسلنا بانوارهم ، فبقدر ما يحصل الارتباط المعنوي بهم في ذلك الوقت ، تنكشف تلك الأمور الصعبة ، وهذا معاين لمن أكحل الله عين قلبه بنور الإيمان.

الثاني : كما من الشمس المحجوبة بالسحاب مع انتفاع الناس بها ـ ينتظرون في كل آن انكشاف السحاب عنها وظهورها ، ليكون انتفاعهم بها أكثر ، فكذلك في أيام غيبتهعليه‌السلام ، ينتظر المخلصون من شيعته خروجه وظهوره ، في كل وقت وزمان ، ولا يبأسون عنه.

الثالث : إن منكر وجودهعليه‌السلام مع وفور ظهور آثاره كمنكر وجود الشمس إذا غيبها السحاب عن الأبصار.

الرابع : إن الشمس قد تكون غيبتها في السحاب أصلح للعباد ، من ظهورها لهم بغير حجاب ، فكذلك غيبتهعليه‌السلام أصلح لهم في تلك الأزمان ؛ فلذا غاب عنهم.

الخامس : إن الناظر إلى الشمس لا يمكنه النظر إليها بارزة عن

__________________

١ ـ سورة الانفال : ٨ / ٣٣.


السحاب ، وربّما عمي بانظر إليها لضعف الباصرة عن الاحاطة بها ، فكذلك شمس ذاته المقدّسة ربّما يكون ظهوره أضرّ لبضائرهم ، ويكون سببا لعماهم عن الحق ، وتحتمل بصائرهم الإيمان به في غيبته ، كما ينظر الإنسان إلى الشمس تحت السحاب ولا يتضرر بذلك.

السادس : إن الشمس قد تخرج من السحاب وينظر إليها واحد دون واحد ، فكذلك يمكن أن يظهرعليه‌السلام في أيام غيبته لبعض الخلق دون بعض.

السابع : إنهمعليهم‌السلام كالشمس في عموم النفع ، وإنما لا ينتفع بهم من كان أعمى كما فسّر به في الأخبار قوله تعالى :( ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضلّ سبيلا ) (١) .

الثامن : إن الشمس كما من شعاعها يدخل البيوت ، بقدر ما فيها من الروازن والشبابيك ، وبقدر ما يرتفع عنها من الموانع ، فكذلك الخلق إنما ينتفعون بأنوار هدايتهم بقدر ما يرفعون الموانع عن حواسهم ومشاعرهم التي هي روزان قلوبهم من الشهوات النفسانية ، والعلائق الجسمانية ، وبقدر ما يدفعون عن قلوبهم من الغواشي الكثيفة الهيولانية إلى أن ينتهي الأمر إلى حيث يكون بمنزلة من هو تحت السماء يحيط به شعاع الشمس من جميع جوانبه بغير حجاب »(٢) .

__________________

١ ـ سورة الإسراء : ١٧ / ٧٢.

٢ ـ بحار الأنوار / العلاّمة المجلسي ٥٢ : ٩٣ ـ ٩٤ ذيل الحديث الثامن ، باب علّة الغيبة وكيفية انتفاع الناس بهعليه‌السلام .


الباب الثاني

غيبة الإمام الثاني عشرعليه‌السلام قبل حدوثها

الفصل الأول :

عناية الإمام الصادق عليه‌السلام بالغيبة ، وبيان معطياتها

الفصل الثاني :

تأكيد الإمام الصادق عليه‌السلام على غيبة الإمام المهدي عليه‌السلام ، وطولها

الفصل الثالث :

في بيان الإمام الصادق عليه‌السلام ما مطلوب في زمان الغيبة

الفص الرابع :

في بيان الإمام الصادق عليه‌السلام علل الغيبة



الفصل الأول

في العناية بالغيبة وبيان معطياتها

أولا ـ أسرار العناية بالغيبة في الحديث الشريف :

شغلت غيبة الإمام المهديعليه‌السلام قبل وبعد حلولها سنة / ٢٦٠ هـ مكانا واسعا في الفكر الشيعي ، وأخذت حيّزا كبيرا في تراثهم الروائي والكلامي ، وامتدّت آثارها بعد وفاة آخر السفراء الأربعة محمد بن علي السمري ( ت / ٣٢٩ ) ( رض ) ، لتشمل الفقه الساياسي الروائي والمستنبط معا ولعلّ في ما صنّفه محدّثوهم وأعلامهم قبل عصر الغيبة الصغرى وفي أثنائها أو بعدها ، خير دليل على مدى العناية الفائقة التي أولاها سائر أهل البيتعليه‌السلام بهذا الموضوع الخطير ؛ لأنّهمعليهم‌السلام أدركوا أنّ معنى غياب القائد هو تشتّت القاعدة ما لم يتمّ التمهيد لغيبتهعليه‌السلام بشكل مكثّف حتى يتمّ استقبالها من قبل القاعدة وهضمهم لها بشكل تدريجي ، وكأنّها حدث طبيعي ، بحيث لا ينتج عنها شرح في المذهب قد يؤدّي إلى اهتزاز عقيدة آتباعه في مالو سُكِت عن هذا الأمر وواجهه الشيعة فجأة ، ومن هنا تمّ ترويض الشيعة على قبول غيبة القائد كحقيقة آتية ولابدّ ، وكان لكلّ إمام


دوره الخاصّ في التمهيد لتلك الحقيقة الكبرى في تاريخ التشيّع لا سيمّا الإمام الصادقعليه‌السلام الذي كان دوره مميّزا في ذلك ؛ تبعا لما ذكرناه في ديباجة البحث من الفرصة التي سنحت له أكثر من غيره للتحليق عاليا في سماء الفكر والعقيدة حتى اصطبغ مذهب الإمامية الواسع باسمه الشريف

وقد انعكست أحاديث أهل البيتعليهم‌السلام في غيبة الإمام المهديعليه‌السلام على الفكر الشيعي بصورة واضحة جلية ، وذلك من جهة عناية هذا الفكر بتلك الأحاديث عناية فائقة ، فأفردوا لها مؤلفات عديدة ورسائل كثيرة كونت بمجموعها رؤية واضحة لطلائع التشيع حول غيبة الإمام المهديعليه‌السلام قبل ولادته بعشرات السنين. وما مزاعم الفرق الشيعية ـ التي نشأت في إطار التشيّع فجاة واندرست بعيد نشأتها بسرعة ـ بغيبة من ادعيت له الإمامة زورا ، كقول الكيسانية بغيبة محمد بن الحنفية في جبل رضوى ، وقول الواقفية بغيبة الإمام الكاظمعليه‌السلام ، إلاّ صورة معبرة عن انتشار مفهوم الغيبة في الوسط الشيعي انتشارا واسعا ، لدرجة توفرت معها للوجود الشيعي الإمامي الاثني عشري حصانة رائعة ضدّ كل الدعاوى المنحرفة التي برزت في إطاره ، حتى استطاع بفضل فلسفة الإخبار بالغيبة وتشخيص صاحبها قبل ولادته بعشرات السنين ، أن يشقّ طريفه بأمان رغم كل العواصف التي اعترضت سبيله.

ثانيا ـ الغيبة في مؤلفات الشيعة :

إنّ كتب الغيبة ، شاهدة على عناية الكفر الشيعي بها منذ اقدم العصور وإلى يومنا هذا ، من أمثال كتاب الغيبة لإبراهيم بن صالح الانماطي


الكوفي(١) ، وكتاب ترتيب الأدلّة فيما يلزم خصوم الإمامية دفعه عن الغيبة والغائب لأحمد بن الحسين الآبي(٢) ، وكتاب الشفاء والجلاء في الغيبة لأحمد ابن على الرازي(٣) ، وكتاب الغيبة لأحمد بن محمد بن عمران المعروف بابن الجندي أحد مشايخ النجاشي(٤) ، وكتاب الغيبة للسيد الحسن بن حمزة المعروف بالطبري المرعش ( ت / ٣٥٨ هـ )(٥) ، وكتاب الغيبة وذكر القائمعليه‌السلام للحسن بن محمد بن يحيى العلوي ( ت / ٣٥٨ )(٦) ، وكتاب الغيبة والحيرة لعبد الله بن جعفر الحميري من أصحاب الإمامين الهادي والعسكريعليهما‌السلام (٧) ، وكتاب الغيبة وكشف الحيرة لأبي الحسن سلامة بن محمد بن إسماعيل ( ت ـ ٣٣٩ هـ )(٨) ، وكتاب الغيبة لأبي الفضل العباس بن هشام الناشري الأسدي أحد أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام ومات في إمامة الإمام الجوادعليه‌السلام سنة ٢٢٠ هـ أو قبلها بسنة واحدة(٩) ، وكتاب الإمامة والتبصرة من الحيرة للصدوق الأول أحد معاصري الغيبة الصغرى كلها

__________________

١ ـ رجال النجاشي : ١٥ / ١٣ ، وفهرست الشيخ الطوسي : ٣٩ / ٩ ، ومعالم العلماء لابن شهر آسوب : ٥ / ٥.

٢ ـ معالم العلماء : ٢٤ / ١١٣.

٣ ـ رجال النجاشي : ٩٧ / ٢٤٠ ، وفهرست الشيخ : ٧٦ / ٩١ ، ومعالم العلماء : ٨٢ / ١٨.

٤ ـ رجال النجاشي : ٨٥ / ٢٠٦.

٥ ـ رجال النجاشي : ٦٤ / ١٥٠.

٦ ـ رجال النجاشي : ٦٤ / ١٤٩.

٧ ـ رجال النجاشي : ٢١٩ / ٥٧٣ ، وفهرست الشيخ : ١٦٧ / ٤٣٩.

٨ ـ رجال النجاشي : ١٩٢ / ٥١٤.

٩ ـ رجال النجاشي : ٢٨٠ / ٧٤١.


( ت / ٣٢٩ هـ ) وهو « مطبوع » ، وكتاب الغيبة لأبي محمد عبد الوهاب البادرائي(١) ، وكتاب أخبار القائمعليه‌السلام للشيخ على بن محمد بن إبراهيم المعروف بعلان الكليني الرازي(٢) من معاصري الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام وهو خال ثقة الإسلام الكليني الذي روى عن كتابه هذا معظم أحاديث باب مولد الحجةعليه‌السلام في اصول الكافي ، وكتاب الغيبة للشيخ النعماني تلميذ الكليني وهو « مطبوع » ، وكتاب الغيبة لعلي بن محمد ابن على أبي الحسن القلاّء(٣) ، وكتاب إزالة الران عن قلوب الاخوان في الغيبة للفقيه أبي على محمد بن أحمد المشهور بابن الجنيد(٤) ، وكتاب الغيبة وكشف الحيرة لمحمد ابن أحمد الصفواني البغدادي من مشاهير تلامذة الكليني(٥) ، وكتاب الغيبة لأبي النظر محمد بن مسعود العياشي المفسّر المشهور ( ت/ ٣٢٠ هـ )(٦) ، وكتاب الغيبة لإبراهيم بن إسحاق النهاوندي(٧) ، وكتاب أخبار المهديعليه‌السلام لعباد بن يعقوب الرواجني(٨)

__________________

١ ـ رجال النجاشي : ٢٤٧ / ٦٥٢.

٢ ـ رجال النجاشي : ٢٦٠ / ٦٨٢.

٣ ـ رجال النجاشي : ٢٥٩ / ٦٧٩.

٤ ـ رجال النجاشي : ٣٩٣ / ١٠٥٠.

٥ ـ معالم العماء : ٩٧ / ٦٦٥.

٦ ـ رجال النجاشي : ٣٥٠ /٩٤٤ ، وفهرست الشيخ ٢١٢ /٦٠٤ ، ومعالم العلماء : ٩٩ / ٦٦٨.

٧ ـ رجال النجاشي : ١٩ / ٢١ ، وفهرست الشيخ : ٣٩ / ٩.

٨ ـ معالم العلماء : ٨٨ / ٦١٢.


مات رحمه الله سنة ٢٥٠ هـ(١) ، أي : قبل حلول ولادة الإمام المهديعليه‌السلام بخمس سنين ، ومصنفات الشيخ المفيد في الغيبة ككتاب الغيبة ، وكتاب جوابات الفارقيين في الغيبة ، والرسائل العشر في الغيبة وهو « مطبوع » ، والنقض على الطلحي في الغيبة ، ومختصر في الغيبة كما صرح بذلك النجاشي(٢) ، وكتاب إكما الدين وإتمام النعمة للشيخ الصدوق ( ت / ٣٨١ هـ ) وهو « مطبوع » ، وفيه من أحاديث الغيبة الكثير جدا ، وله ثلاث رسائل في الغيبة(٣) ، وكتاب المقنع في الغيبة للسيد المرتضى علم الهدى ( ت / ٤٣٦ هـ ) وهو « مطبوع » ، وكتاب الغيبة للشيخ الطوسي ( ت / ٤٦٠ هـ ) وهو « مطبوع » ، وكتاب الاستطراف في ذكر ما ورد في الغيبة في الإنصاف للكراجكي ( ت / ٤٤٩ هـ )(٤) ، وكتاب الغيبة لأبي الفرج المظفر بن على بن الحسين الحمداني(٥) ، وكتاب الغيبة لمحمد بن زيد بن على الفارسي(٦) ، وكتاب الغيبة وما جاء فيها عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمةعليهم‌السلام لتاج العلى العلوي ( ت / ٦١٠ هـ )(٧) ، وكتاب الغيبة لأبي بكر محمد بن القاسم البغدادي(٨) ،

__________________

١ ـ وصفه أهل السنة بالرفض ، وادّعى بعض الشيعة عاميته!! وهو ثقة إمامي كما حققنا ذلك في محلة.

٢ ـ رجال النجاشي : ٣٩٩ ـ ٤٠٢ / ١٠٦٧.

٣ ـ رجال النجاشي : ٣٨٩ / ١٠٤٩.

٤ ـ الذريعة / آغا بزرك الطهراني ٣ : ٩٢ / ٢٩٢.

٥ ـ الذريعة ١٦ : ٨٢ / ٤٠٦.

٦ ـ الذريعة ١٦ : ٧٩ / ٤٠٠.

٧ ـ الذريعة ١٦ : ٧٥ / ٣٧٥

٨ ـ الذريعة ١٦ : ٨٠ / ٤٠٣.


وغيرها مما لا وسع في تتبعها.

وهذه الكتب وإن ضاع أكثرها ـ لا سيما المُؤَلَّف منها قبل ولادة الإمام المهديعليه‌السلام ـ إلاّ من فيما وصل منها كفاية في الكشف عن الحقيقة التامة لمن أرادها.

ثالثا ـ علم الشيعة بالغيبة قبل حدوثها :

اتّضح ممّا تقدم من غيبة الإمام المهدي بن الإمام العسكريعليهما‌السلام كانت معلومة في الوسط الشيعي قبل حدوثها بعشرات السنين ، وذلك من خلال ما سمعوه من أهل البيتعليه‌السلام مباشرة ، ولهذا ألّفوا فيما سمعوه بهذا الخصوص كتبا عديدة ، وقد شهد غير واحد من أعلام الإمامية وأجّلائهم المشهورين على هذه الحقيقة.

قال الشيخ الصدوق : « إنّ الأئمةعليهم‌السلام قد أخبروا بغيبتهعليه‌السلام ، ووصفوا كونها لشيعتهم فيما نقل عنهم ، واستحفظ في الصحف ، ودوّن في الكتب المؤلّفة من قبل أن تقع الغيبة بمائتي سنة أو أقل أو أكثر ، فليس أحد من اتباع الأئمةعليهم‌السلام إلاّ وقد ذكر ذلك في كثير من كتبه ورواياته ودوّنه في مصنّفاته ، وهي الكتب التي تعرف بالاصول ، مدوّنة مستحفظة عند شيعة آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من قبل الغيبة بما ذكرنا من السنين »(١) .

وإلى هذا أشار الشيخ الطوسي في كتابه الغيبة ، فقال بعد استدلاله بجملة من الاخبار الموجودة في الكتب المؤلّفة قبل زمان الإمام المهديعليه‌السلام ما هذا لفظه : « موضع الاستدلال من هذه الأخبار ما تضمّن الخبر بالشيء

__________________

١ ـ إكمال الدين ١ : ١٩ ، من المقدّمة.


قبل كونه فكان كما تضمّنه »(١) .

كما شهد بهذا أيضا ابن قبة الرازي وهو من فحول متكلمي الإمامية في عصره ، فقد نقل الشيخ الصدوق عنه قوله في هذا الخصوص : « وهذه كتبهم فمن شاء من ينظر فيها فلينظر »(٢) .

كما شهد الإربلي في كشف الغمّة ، والطبري الإمامي في دلائل الإمامة بعد نقل حديث عن الإمامين الباقر والصادقعليهما‌السلام صريح بغيبة الإمام المهديعليه‌السلام ، بأنّهما نقلاه من كتاب المشيخة للحسن بن محبوب الزرّاد(٣) والحسن بن محبوب مات رحمه الله سنة ٢٢٤ / هـ ، أي قبل زمان ولادة الإمام المهديعليه‌السلام بإحدى وثلاثين سنة ، وغير ذلك من الأحاديث الأخرى التي صرّحت بغيبة الإمام الثاني عشرعليه‌السلام قبل حدوثها على أرض الواقع بعشرات السنين ، وستأتي الإشارة إلى بعضها في مكان آخر.

على أن الاتساع الأفقي الحاصل في كل طبقة من طبقات الرواة في بعض أحاديث الغيبة حتى ينتهي الأمر هكذا إلى أحد المتقدمين من أصحاب الائمةعليهم‌السلام أو إلى من مات قبل زمان الغيبة بآماد كثيرة ، قرينة شاهدة على سماع أحاديث غيبة الإمام الثاني عشر من رواة ماتوا قبل حلولها بأزمان كثيرة ، وإلاّ فماذا يُفهم من هذا الاتساع الأفقي في كل طبقة غير صحة ما شهد به الصدوق وغيره من وجود تلك الأخبار في الكتب

__________________

١ ـ كتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ١٧٣.

٢ ـ إكمال الدين : ١٠٧ ، من المقدّمة.

٣ ـ كشف الغمّة / الاربلي ٣ : ٤٥٣ ـ ٤٥٤ ، ودلائل الإمامة / الطبري : ٥٣٥ / ٥٢٠.


المؤلفة قبل زمان الغيبة بكثير؟

وسوف يأتي ما يدل على وجود مثل هذه القرينة في أحاديث الغيبتين وغيرهما ، ومن ثم فإّّن ما في موضوع كتابنا هذا أقوى من كل شهادة على علم الشيعة بالغيبة قبل حدوثها.

رابعا ـ إخبار الإمام الصادقعليه‌السلام بالشيء قبل وقوعه ، وعلم الغيب :

إنّ ظاهرة الاخبار بالشيء قبل وقوعه كانت ظاهرة معروفة في حياة الأئمةعليهم‌السلام ، وقد أذعن لها الشيعة برمّتهم ، واعترف بهذا غيرهم أيضا.

قال ابن خلدون ( ت / ٨٠٨ هـ ) في تاريخه في الفصل الثالث والخمسين عن الإمام الصادقعليه‌السلام ما هذا لفظه : « وقد صحّ عنه أنّه كان يحذّر بعض قرابته بوقائع تكون لهم فتصحّ كما يقول ، وقد حذّر يحيى أبن عمّه زيد من مصرعه وعصاه ، فخرج وقتل بالجوزجان كما هو معروف وإذا كانت الكرامة تقع لغيرهم فما ظنّك بهم علما ودينا وآثارا من النبوّة ، وعناية من الله بالاصل الكريم تشهد لفروعه الطيّبة »(١) .

وقال أيضا : « ووقع لجعفر وأمثاله من أهل البيت كثير من ذلك ، مستندهم فيه ـ والله أعلم ـ الكشف بما كانوا عليه من الولاية ، وإذا كان مثله لا ينكر من غيرهم من الأولياء في ذويهم وأعقابهم ، وقد قال صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : ( إنّ فيكم محدّثين ) ، فهم أولى الناس بهذه الرتب الشريفة ، والكرامات الموهوبة »(٢) .

__________________

١ ـ تاريخ ابن خلدون ١ : ٥٨٩ الفصل / ٥٣.

٢ ـ تاريخ ابن خلدون ١ : ٥٩٤ ـ ٥٩٥ الفصل / ٥٣.


وقال على بن محمد الجرجاني ( ت / ٨١٦ هـ ) في شرح المواقف لعضد الدين الايجي ( ت / ٧٥٦ هـ ) في المقصد الثاني ، مبحث العلم الواحد الحادث هل يجوز تعلّقه بمعلومين؟ ما هذا نصّه : « وفي كتاب قبول العهد الذي كتبه على بن موسى رضي الله عنهما إلى المأمون : إنك قد عرفت من حقوقنا ما لم يعرفه آباؤك ، فقبلت منك عهدك ، إلاّ أن الجَفْرَ والجامعة يدلّان على منه لا يتمّ »(١) .

وقد نقل هذا الكلام بعينه الكاتب الحلبي المعروف بحاجي خليفه ( ت / ١٠٦٧ هـ ) ، وأضاف عليه قوله : « وكان كما قال ؛ لمن المأمون استشعر فتنة من بني هاشم ، فسمّه/ كذا في مفتاح السعادة »(٢) .

وقد زعم بعض خصوم الشيعة بمن اخبار اهل البيتعليهم‌السلام عن الإمام المهديعليه‌السلام التي يدّعي الشيعة وجودها في الكتب المؤلّفة في عصر الإمام الصادقعليه‌السلام اخبار مكذوبة نظرا لما تضمنته من علم الغيب وهو منفي عن غير الله عزّوجلّ!

وهذا جهل فضيع ، لمن العلم المنفي عن غيره تعالى هو ما كان للشخص لذاته بلا واسطة في ثبوته له ؛ لمكان الإمكان فيه ذاتا وصفة ، وكل ممكن لا يثبت له شيء من هذا العلم بلا واسطة ، وما وقع لاهل البيتعليهم‌السلام فهو ليس من العلم المنفي في شيء ؛ لمن متلقّى عن

__________________

١ ـ شرح المواقف ٦ : ٢٢.

٢ ـ كشف الظنون / حاجي خليفة ١ : ٥٩١ ـ ٥٩٢ تحت عنوان : علم الجفر والجامعة. ومفتاح السعادة كتاب الّفه طاشكبري زاده ( ت / ٩٦٨ هـ ).


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، عن الوحي ، عن الله عزّوجلّ ، ولا مانع أيضا من أن يفيضه الله تعالى عليهم ؛ لأنّهمعليه‌السلام « محدّثون » كما مرّ في كلام ابن خلدون ما يشير إلى هذا ، وفي الصحيح عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : « نحن إثنا عشر محدَّثا »(١) .

ولا مانع أيضا من القول بقول الآلوسي ( ت / ١٢٧٠ هـ ) ، بشأن علم الخواص ، قال : « إنّهم أُظْهِرُوا أو أُطلعُوا ـ بالبناء للمفعول ـ على الغيب ، أو نحو ذلك ممّا يُفهم الواسطة في ثبوت العلم لهم »(٢) .

ومن هنا يظهر بوضوح وجه المغالطة في نسبة إخبار أولياء الله بالشيء قبل حدوثه إلى علم الغيب المنفي غير الله عزّوجلّ ، هذا فضلا عمّا في تلك المغالطة من إنكار لشيء مادّي ملموس!! أعني المصنّفات الكثيرة المؤلّفة في غيبة الإمام المهديعليه‌السلام قبل ولادته ، وفيها من الاخبار الكثيرة المتواترة ما يكشف عن غائب بالتحديد وشخص أعين لا مجال للاشتباه فيه أو الترديد ، وهو ما شهد به غير واحد ممّن ذكرناه.

خامسا ـ مكونات الوحدة الموضوعية للغيبة عند الإمام الصادقعليه‌السلام :

نعني بمكونات الوحدة الموضوعية للغيبة عند الإمام الصادقعليه‌السلام :

__________________

١ ـ أصول الكافي ١ : ٥٣٤ ـ ٥٣٥ / ٢٠ ، وبصائر الدرجات : ٣١٩ / ٢ باب ٥ ، وإكمال الدين ٢ : ٣٣٥ / ٦ باب ٣٣, وعيون اخبار الرضاعليه‌السلام ٢ : ٥٩ ـ ٦٠ / ٢٣ باب ٦.

٢ ـ تفسير روح المعاني / الألوسي ٢٠ : ١١ مبحث في : ( قل لا يعلمُ من في السّموات والأرض الغيب إلاّ الله ) سورة النمل : ٢٧ / ٦٥.


المفردات التي اشتملت عليها أحاديث الإمام الصادقعليه‌السلام في موضوع الغيبة في معزل عمّا تقدم من أحاديثهعليهم‌السلام في تشخيص هوية الإمام الغائب ، لنرى هل كونت فيما بينها نسيجا موحّدا؟ أو كانت مجرّد أحاديث متفرقة لا يمكن صياغة عقد منها بعد ترتيبها في نظام واحد؟

ثم لو أمكن لها ذلك ، فهل استطاعت تلك الأحاديث من تتّسم بالعمق والشمول والسعة؟ أم انها انتظمت في سلكها لا غير.

وبعبارة اُخرى : هل استطاعت أحاديث الإمام الصادقعليه‌السلام ـ كما ندعيه نحن في هذه الدراسة ـ من تكوين وحدة موضوعية متجانسة كافية في مقام معرفة من هو الإمام الغائب على وجه التحديد ، وبلا أدنى حاجة إلى التماس أحاديث اُخرى عن اهل البيتعليهم‌السلام للكشف عن هوية الإمام الغائب ، أو أنها وقفت في سياقها التاريخي ولم تستوعب الاجابة على ما يحيط بغيبة الإمام الغائب من تساؤلات؟

ونود قبل بيان مكونات تلك الوحدة التوفر على مسألة مهمة تتصل اتصالا مباشرا بعلم الحديث الشريف فنقول :

اتسم أكثر الحديث الصحيح الوارد عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل البيتعليهم‌السلام بمعارف غنية كثيرة ، وذات دلالات متنوعة على الرغم من مركزية الدلالة الأم في تلك الاحاديث وظهورها بشكل واضح.

ومن هنا نجد في أغلب كتب الحديث اضطرار المحدّث إلى إعادة


الحديث الواحد في أبواب متعددة من كتابه ، وما ذاك إلاّ علامة على ذلك الغنى المطّرد في دلالة الحديث الواحد على أكثر من موضوع.

ولم تخرج أحاديث الإمام الصادقعليه‌السلام في موضوع الغيبة عن هذه القاعدة ، إذ عادة ما نجد فيها ما يشير إلى اُمور أخرى مهمة ذات صلة ثيقة بالغيبة أو بالكشف عن صاحبها الموعودعليه‌السلام ، ومن هنا جرى تصنيفها على أساس مركزية الدلالة لا على أساس ما تضمنته من عناوين اُخرى هي صالحة بالتأكيد للانطباق على عناوين اخرى من هذا البحث.

وبهذا نعود إلى مكونات الوحدة الموضوعية للغيبة عند إمامنا الصادقعليه‌السلام لنبحثها في الفصول الثلاثة المتبقية من هذا الباب ، كالآتي.


الفصل الثاني

تأكيد الإمام الصادقعليه‌السلام على

غيبة الإمام المهديعليه‌السلام ، وطولها

كان الإمام الصادقعليه‌السلام مدركا تماما ماللغيبة من معنى ، إنه اختفاء القائدة فجاة ، الأمر الذي يحتاج معه إلى ترويض العقل الشيعي لقبول هذا الغياب المفاجي الذي لم تشهد مثله الشيعة في تاريخها من قبل ، إنها غيبة طويلة ، لابدّ من التركيز عليها وبيان إرهاصاتها التاريخية ، وما سيرافقها من أحداث ، وما يتزامن معها من فتن ، وهو ما وضحه الإمام الصادقعليه‌السلام بكل دقة وتفصيل.

أولا ـ تأكيد الإمام الصادقعليه‌السلام على غيبة الإمام المهديعليه‌السلام :

ويدلّ على ذلك أحاديث كثيرة نذكر منها :

١ ـ عن زرارة ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام : « إن للقائم غيبة قبل أن يقوم ، قلت : ولِمَ؟ قال : إنه يخاف ، وأومأ بيده إلى بطنه ، يعني :


القتل »(١) .

تضمن هذا الحديث الصحيح الإشارة إلى بعض علل الغيبة ، إعني : الخوف من القتل ، وهي العلّة الظاهرة على مسرح الأحداث التاريخية التي اعقبت وفاة الإمام الحسن العسكري والد الإمام المهديعليهما‌السلام ، وإلاّ فهناك علل اُخرى وردت عن الإمام الصادقعليه‌السلام أيضا ، من قبيل أن لا يكون في عنق الإمام المهديعليه‌السلام نوع التزام للحاكم قبيل الظهور من عهد أو بيعة ، وجريان السنن السابقة في غيبات الأنبياءعليهم‌السلام ، في غيبة الإمام المهديعليه‌السلام ونحو ذلك من العلل غير المنظورة في ابتداء زمن الغيبة ، كما سيأتي في بيان علل الغيبة.

وفي الحديث أيضا إخبار بشيئين قبل أوان حدوثهما :

أحدهما : غيبة الإمام المهديعليه‌السلام ، وقد وردت في الحديث نصا ، ولم تتحقّق إلاّ في شخص الإمام الثاني عشرعليه‌السلام ، لثبوت بطلان من أدّعيت غيبته ، بوفاته وتغسيله ، وكفنه ، والصلاة على جنازته ، ودفنه كما هو حال دعوى الكيسانية بغيبة محمد بن الحنفيةرضي‌الله‌عنه ، ودعوى الواقفية بغيبة الإمام الكاظمعليه‌السلام . ونحو ذلك الى الدعاوى الأخرى الباطلة.

الآخر : وهو لا يقل أهميّة عن الاخبار الأول ، وقد تحقّق على طبق ما أخبر بهعليه‌السلام ، وهو الإشارة إلى من الأمة سوف لن تنصف آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومنها ستبقى على حالها ببخس حقّهم من السلطة ، وابعادهم عما جعله

__________________

١ ـ اُصول الكافي ١ : ٣٣٨ / ٩ ، و ا : ٣٤٠ / ١٨ باب في الغيبة.


الله تعالى لهم من الخلافة ، ومن القائمين على السلطة سيتمادون بغيّهم ، ويضاعفون تعسّفهم على أهل بيت نبيهمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لدرجة يضطرّ معها الإمام المهديعليه‌السلام إلى الاختفاء عنهم.

وقد تحقّق هذا في سنة ( ٢٦٠ / هـ ) بغيبة إمامنا الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.

٢ ـ وعن المفضّل بن عمر ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : « أما والله ليغيّبن إمامكم سنينا من دهركم ، ولتمحصن حتى يقال : مات أو هلك بأي وادي سلك ، ولتدمعنَّ عليه عيون المؤمنين ، ولتكفمن كما تكفأ السفن في أمواج البحر ، ولا ينجو إلاّ من أخذ الله ميثاقه ، وكتب في قلبه الإيمان ، وأيده بروح منه ، ولترفعنّ اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يدرى أيٌّ من أيٍّ ، قال : فبكيت ، فقال لي : ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ فقلت : وكيف لا أبكي وأنت تقول : اثنتاعشرة راية مشتبهة لا يدرى أيٌّ من أيٍّ!! فكيف نصنع؟ قال : فنظر إلى شمس داخلةٍ في الصفّة ، فقال : يا أبا عبد الله ترى هذه الشمس؟ قلت : نعم ، قال : والله لأمرنا أبين من هذه الشمس »(١) .

وفي حديث المفضّل هذا تأكيد لما سيكون في زمان الغيبة من تمحيص واختبار ، حتى يقال ما يقال حينئذٍ ، ويفهم من الحديث من

__________________

١ ـ إكمال الدين ٢ : ٣٤٧ / ٣٥ باب ٣٣ ، واُصول الكافي ١ : ٣٣٨ ـ ٣٣٩ / ١١ باب في الغيبة ، و ١ : ٣٣٦ / ٣ من الباب السابق ، وكتاب الغيبة / النعماني : ١٥١ ـ ١٥٣ / ٩ و ١٠ ، ودلائل الإمامة : ٥٣٢ ـ ٥٣٣ / ٥١٢ ، وكتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ٣٣٧ ـ ٣٣٨ / ٢٨٥. والتنوين في ( سنين ) على لغة بني عامر ، فلاحظ.


القائل بهذا هم من الشيعة أنفسهم ، نتيجة الدعاية الواسعة التي يشنّها الطرف الآخر ، المتمثّل بالسلطة وأعوانها ، وبعض عملائها كجعفر الكذّاب عمّ الإمام المهديعليه‌السلام ، زيادة على شدّة البليّة ، وطول المحنة ، وكثرة الفتن ، كل ذلك عوامل مباشرة في حصول الاضطراب عند ذوي النفوس الضعيفة من الشيعة ، وتزلزل عقيدتهم ، كالذي حصل لدى شر ذمة منهم في تأييد بعض المقولات الفاسدة التي ظهرت بعد وفاة الإمام العسكريعليه‌السلام ، من قبيل مدعيات جعفر الكذّاب ونظرائه. وفي مقابل هذا تجد في صفوفهم المصداق الواقعي لقوله تعالى :( لا تجد قوما يؤمنونَ باللهِ واليومِ الآخرِ يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدّهم بروح منه ) (١) .

وقولهعليه‌السلام : « ولترفعنّ اثنتا عشرة راية مشتبهة » إشارة إلى تشتّت الآراء ، واختلاف النوازع ، وتعدّد الأهواء ، وكثرة أتباع الدنيا ، ودعواتهم الباطلة ، وغير ذلك من صور الظلم ومستلزماته ، وقدكان هذا وما زال موجودا بين الناس على المستوى المذهبي الإسلامي ، وعلى المستوى السياسي والاقتصادي ، وغير ذلك من حقول الحياة المختلفة ؛ لانّ الحقّ والباطل في صراع دائم ، وإذا ما غَلَبَ الباطلُ انحرف المجتمع وانقسم على ذاته ، وتناحر في داخله على طول خط انحرافه. وامّا عن دعاة السوة والأئمة المضلّين ، فما أكثرهم في التاريخ ، فقد كانوا ولا زالوا يتمثّلون بالعلماء المزيفين الضالعين مع الاجهزة الحاكمة المتعسفة الظالمة

__________________

١ ـ سورة المجادلة : ٥٨ / ٢٢.


عبر التاريخ.

وهذا هو ما أشار إليه الإمام الصادقعليه‌السلام بعبارة : « ولا ينجو إلاّ من أخذ الله ميثاقه ، وكتب في قلبه الإيمان ، وأيّده بروح منه ».

ولما كانت علامات الحق واضحة لائحة ، وإنّها أبين من ضوء الشمس الداخل من الكوّة الصغيرة ، فضلا عمّا يحيط بالمهديعليه‌السلام من التاييد الالهي ، وما يتلطّف عليه الله عزّوجلّ بالآيات الباهرة والمعجزات الظاهرة ، مع علومه وأخلاقه وكمالاتهعليه‌السلام ، فلا خوف إذن على المؤمنين من رايات الضّلال التي سترفع بوجوههم على أمل صرفهم عن المنقذ العظيم ، لمنهم أبعد ما يكون عن الاشتباه بها ، وإنّما الذي سيقع في حضيضها هو ليس إلاّ من لا يطلب الحقّ ويريد الشبهة في الدين ابتغاء الفتنة.

وهكذا حاول الإمام الصادقعليه‌السلام بهذا الحديث وأمثاله أن يكشف للامّة المعالم الصحيحة لمعرفة الحقّ والحقيقة.

وإذا كان المفضّل قد ارسل دمعة حرى لسماعة نبأ الغيبة وحيرة الناس يومئذ ، فقد كان الإمام الصادقعليه‌السلام غزير الدمعة على ولده المهدي ، بالغ التوجّع ، شديد الحسرة ، وكم رُؤيعليه‌السلام مهموما مغموما وهو يخبر الشيعة بغيبة المؤمّل المنتظر ، وكمنهعليه‌السلام كان يعيش حالة الاُمّة ، وهي واقفة مكتوفة الأيدي على ما يصنعه العباسيون ، وقضاتهم ، وشَرَطَتهم ببيت النبوّة ومهبط الوحي والتنزيل ، بالبحث والتنقيب عن خاتم الأئمة ،


ومصادرة ميراثه من أبيهعليهما‌السلام ، وتمزق قلوب أتباعه ، ولكنه التمحيص والبلاء الذي لابدَّ منه. ويدلُّ على ذلك ما في الحديث المؤلّم الآتي :

٣ ـ عن سدير الصيرفي ، والمفضّل بن عمر ، وأبي بصير, وابان بن تغلب ؛ كلهم عن الإمام الصادقعليه‌السلام في حديث طويل جاء فيه قولهعليه‌السلام : « سيدي! غيبتك نفت رُقادي ، وضيقت عليّ مِهادي ، وابتزّت مني راحة فؤادي ، سيدي! غيبتك أوصلت مصابي بفجايع الأبد » وحين سألوهعليه‌السلام عن سر توجعه ، قالعليه‌السلام : « نظرت في كتاب الجَفْر صبيحة هذا اليوم وتأولت فيه مولد قائمنا ، وغيبته ، وابطاءه ، وطول عمره ، وبلوى المؤمنين في ذلك الزمان ، وتولد الشكوك في قلوبهم من طول غيبته »(١) .

هذا وقد مرّ الكلام عن الجَفْر واعتراف ابن خلدون ، والجرجاني ، وصاحب كشف الظنون بصحّة كتاب الجفر ، وأكّدوا صراحة على إخبار الصادق والرضاعليهما‌السلام من هذا الكتاب بحوادث مستقبلة وقعت على طبق ما أخبرا به.

وهذا الحديث قد تضمّن من الآيات الدلالة على الإمام الثاني عشرعليه‌السلام الكثير الذي لا ينطبق إلاّ عليهعليه‌السلام .

__________________

١ ـ إكمال الدين ٢ : ٣٥٢ ـ ٣٥٧ / ٥٠ باب ٣٣ ، وينابيع المودة / القندوزي الحنفي ٣ : ٣١٠ ـ ٣١١ / ٢ باب ٨٠.


ومن خلال معرفتنا بوفبات رواة الحديث عن الإمام الصادقعليه‌السلام مباشرة يتضح لنا انهم أدركوا الإمام الكاظمعليه‌السلام وبعضهم عاصره ، وعليه لابدّ وأن يكون الحديث هذا بعد ولادة الإمام الكاظمعليه‌السلام بسنين كثيرة الامر الذي يدلّ قولهعليه‌السلام : « وتاولت فيه مولد قائمنا » أنه لا مجال للتصديق بدعوى مهدوية الإمام الكاظمعليه‌السلام التي تزعمتها رؤوس الواقفية طمعا في أموالهعليه‌السلام بعد وفاته لأنه كانعليه‌السلام مولودا في ذلك الحين.

ويزيد هذا الأمر وضوحا ان الإمام الصادقعليه‌السلام لم يكتف بالتصريح بطول الغيبة وتولد الشكوك في القلوب من طولها ، لئلاّ يكون هذا اغراء بمقولة الواقفية الذين قالوا بأن الإمام موسى بن جعفر الكاظمعليهما‌السلام قد غاب في حبس هارون لعنه الله ، وإنما صرح الإمام الصادقعليه‌السلام بطول العمر ، الأمر الذي زيّف قولهم وأبطله قبل انطلاقه ، ومما زاده زيفا ودحضته الأيام وكذّبه التاريخ هو عُمْرُ الإمام الكاظمعليه‌السلام حيث استشهد وهو في سن الخامسة والخمسين ، فأين طول العمر إذن؟

وقد جاءت هذه الفوائد في غمرة التأكيد على حصول الغيبة بالإمام الثاني عشرعليه‌السلام ، وإلاّ فسيأتي ما يدلّ على طولها صراحة في العنوان الآتي.

ثانيا ـ تصريح الإمام الصادقعليه‌السلام بطول غيبة الإمام المهديعليه‌السلام :

١ ـ عن محمد بن حمران ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : « القائم منا منصور بالرعب ، مؤيد بالنصّر ، تطوى له الأرض ، وتظهر له الكنوز


كلها ، ويظهر الله تعالى به دينه على الدين كله ولو كره المشركون ، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب ، ولا يبقى في الأرض خراب إلاّ عمّر ، وينزل روح الله عيسى بن مريمعليه‌السلام فيصلي خلفه. ثم قال ابن حمران : قيل له : يا ابن رسول الله! متى يخرج قائمكم؟ قالعليه‌السلام : إذا تشبه الرجال بالنساء ، والنساء بالرجال ـ ثم ذكرعليه‌السلام جملة من علامات الظهور إلى أن قال : ـ وذلك بعد غيبة طويلة »(١) .

٢ ـ وعن سدير الصيرفي ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : « إنّ للقائم منّا غيبة يطول أمدها. قال : فقلت له : يا ابن رسول الله! ولم ذلك؟ قال : لأن الله عزّوجلّ أبي إلاّ أن تجري فيه سنن الأنبياءعليهم‌السلام في غيباتهم ، وأنه لابدّ له يا سدير من استيفاء مدد غيباتهم ، قال الله تعالى :( لَتَركَبَنَّ طبقا عَنْ طَبَقٍ ) (٢) أي : سنن من كان قبلكم »(٣) .

٤ ـ وعن حماد بن عبدالكريم الجلالب ، قال : « ذُكِرَ القائم عند أبي عبد اللهعليه‌السلام فقال : أما أنه لو قد قام ، لقال الناس : أنى يكون هذا ، وقد بُلِيَت عظامه منذ كذا وكذا »(٤) .

__________________

١ ـ مختصر اثبات الرجعة / الفضل بن شاذان : ٢١٦ ـ ٢١٧ / ١٨.

٢ ـ سورة الانشقاق : ٨٤ / ١٩.

٣ ـ علل الشرائع / الشيخ الصدوق ١ : ٢٤٥ / ٧ باب ١٧٩ ، وإكمال الدين ٢ : ٤٨٠ ـ ٤٨١ / ٦ باب ٤٤.

٤ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ١٥٥ / ١٤ باب ١٠ ، وأخرجه قبل هذا عن زائدة بن قدامة ، عن بعض رجاله عن الإمام الصادقعليه‌السلام في الحديث رقم ١٣ من الباب المذكور.


٤ ـ وعن سليمان بن خالد ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كيف إذا استيأستم من المهدي؟ فيطلع علكيم صاحبكم مثل قرن الشمس ، يفرح به أهل السماء والأرض. فقيل : يا رسول الله! وأنى يكون ذلك؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا غاب عنهم المهدي وأيسوا منه »(١) . كناية عن طول غيبتهعليه‌السلام .

ثالثا ـ تصريح الإمام الصادقعليه‌السلام بان للمهديعليه‌السلام غيبتين ( صغرى وكبرى )

روى حديث الغيبتين ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام كل من : أبي بصير ، وزرارة ، وإسحاق بن عمار ، وحازم بن حبيب ، وعبيد بن زرارة ، والمفضّل ابن عمر ، كما ورد حديث الغيبتين على لسان إمامنا الباقرعليه‌السلام في مارواه عنه إبراهيم بن عمر اليماني ، ومحمد بن مسلم الثقفي وكذلك ورد حديث الغيبتين على لسان الإمام زين العابدينعليه‌السلام ، كما سيأتي مفصلا بعد قليل.

والمراد بالغيبتين : الغيبة الصغرى التي حصلت بعد وفاة الإمام العسكريعليه‌السلام مباشرة ، وتمتد هذه الغيبة من زمان وفاة الإمام العسكريعليه‌السلام في الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول ( سنة / ٢٦٠ هـ ) إلى وقت وفاة رابع السفراء أبي الحسن علي بن محمد السمريرضي‌الله‌عنه ، وذلك في النصف من شعبان ( سنة / ٣٢٩ هـ ) ، فتكون مدة الغيبة الصغرى ثمان وستين سنة ، وأربعة أشهر ، وثلاثة وعشرين يوما.

وقد كان للإمام المهديعليه‌السلام في تلك الغيبة أكثر من عشرين وكيلا

__________________

١ ـ دلائل الإمامة : ٤٦٨ / ٤٥٥ ( ٥٩ ).


موزعين على شتى المدن والامصار الإسلامية ، لكنّ الثقل الأعظم في أيصال تعاليم الإمام إلى قواعده الشعبية كان على كاهل السفراء الأربعة قدس الله أرواحهم الزكية ، وهم :

أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري الأسدي وبقي في السفارة بحدود خمس سنين ، ثم جاء من بعد وفاتهرضي‌الله‌عنه ( سنة / ٢٦٥ هـ تقريبا ) ابنه أبو جعفر محمد بن عثمان ، فقام مقام أبيه ، وتوفيرضي‌الله‌عنه ( سنة / ٣٠٤ هـ ) ، وقيل : ( سنة / ٣٠٥ هـ ) ، وبقي في السفارة زهاء أربعين سنة ، ثم جاء بعد وفاته السفير الثالث أبو القاسم الحسين بن روح طاب ثراه ، وبقي في السفارة إلى حين وفاتهرضي‌الله‌عنه في شهر شعبان ( سنة / ٣٢٦ هـ ) ، ثم تلاه على ذلك السفير الرابع أبو الحسن علي بن محمد السمري ، وبموت السمريرضي‌الله‌عنه في النصف من شهر شعبان ( سنة / ٣٢٩ هـ ) ، انتهت مدة الغيبة الصغرى ، ثم حلّت بعدها الغيبة الكبرى لإمام العصر والزمان أرواحنا فداه ، ولا يعلم أحدٌ بامدها ومدتها إلاّ الله عزّوجلّ ، وفيها انقطعت السفارة ليتولى مراجع الدين من الشيعة دور النيابة عن الإمامعليه‌السلام وفقا للقواعد الشرعيه التي وردت على لسان أهل البيتعليهم‌السلام بما في ذلك إمامنا المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.

وهكذا عرف الشيعة الإمامية ، دسائس الكذابين والمهرجين ، الذين حاولوا صرف أخبار الغيبتين إلى مدعيات الواقفية وقولهم بغيبة الإمام الكاظمعليه‌السلام ، متناسين التاريخ الذي نطق بشهادة الإمام الكاظمعليه‌السلام ، كما نطق بصاحب الغيبتينعليه‌السلام إجمالا وتفصيلا.


١ ـ عن أبي بصير ، قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : « كان أبو جعفرعليه‌السلام يقول : للقائم من آل محمد عليه وعليهم‌السلام غيبتان : واحدة طويلة ، والأخرى قصيرة. قال : فقال لي : نعم يا أبا بصير ، إحداهما أطول من الاُخرى »(١) .

وهذا الحديث أخرجه النعماني عن الحسن بن محبوب ، ونقله الطبري الإمامي في دلائل الإمامة ، والاربلي في كشف الغمّة ؛ كلاهما من كتاب المشيخة للحسن بن محبوب مع التصريح بهذا ، ورواه الفضل بن شاذان الموفّي في حياة الإمام العسكريعليه‌السلام ولم يشهد أيّا من الغيبتين عن شيخه الحسن بن محبوب مباشرة ، والحسن بن محبوب مات سنة ٢٢٤ هـ.

جدير بالذكر أنه قد ثبت عن الإمام الباقرعليه‌السلام ما قاله أبو بصير في هذا الحديث. ففي الصحيح عن إبراهيم بن عمر اليماني قال : « سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول : « إنّ لصاحب هذا الأمر غيبتين »(٢) .

كما سمعه محمد بن مسلم الثقفي يقولعليه‌السلام : « إنّ للقائم غيبتين ، يقال له في إحداهما : هلك ، ولا يُدْرى في أيّ واد سلك ».

وفي حديث ثابت الثمالي ، عن الإمام زين العابدين علي بن الحسينعليهما‌السلام ، قال : « وإن للقائم من غيبتين إحداهما أطول من

__________________

١ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ١٧٢ ـ ١٧٣ / ٧ باب ، ودلائل الإمامة : ٥٣٥ / ٥٢٠ ، وكشف الغمة : ٤٥٣ ـ ٤٥٤ ، وإثبات الرجعة للفضل بن شاذان كما في مختصره للشيخ الحر العاملي : ١٩٥ ، وإعلام الورى / الطبرسي ٢ : ٢٥٨ ـ ٢٥٩.

٢ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ١٧١ / ٣ باب ١٠.


الاخرى »(١) .

وقد صحّ حديث الغيبتين عن الإمام الصادقعليه‌السلام من طرق شتّى.

٢ ـ ففي الصحيح عن زرارة ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : « للقائم غيبتان أحداهما أطول من الأخرى »(٢) .

٣ ـ وعنه أيضا ، قال : « سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : إنّ للقائم غيبتين ، يرجع في أحداهما ، وفي الأخرى لا يُدرى أين هو ، يشهد المواسم ، يرى الناس ولا يرونه »(٣) .

٤ ـ وعن عبيد بن زرارة ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : « للقائم غيبتان يشهد في إحداهما المواسم يرى الناس ولا يرونه »(٤) .

٥ ـ وفي الصحيح عن إسحاق بن عمار ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : « للقائم غيبتان إحداهما قصيرة ، والأخرى طويلة ، الغيبة الأولى لا يُعلم بمكانه فيها إلاّ خاصّة شيعته ، والأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلاّ خاصّة

__________________

١ ـ إكمال الدين : ٣٢٣ / ٨ باب ١٨.

٢ ـ دلائل الإمامة : ٥٣٠/ ٥٠٦.

٣ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ١٧٥ / ١٥ باب ١٠.

٤ ـ اصول الكافي١ : ٣٣٩ / ١٢ باب في الغيبة ، ونحوه في ١ : ٣٣٧ ـ ٣٣٨ / ٦ من الباب السابق ، وكتاب الغيبة / النعماني : ١٧٥ ـ ١٧٦ / ١٦ باب ١٠ ، ودلائل الإمامة : ٥٣١ / ٥٠٩ ، و : ٤٨٢ / ٤٧٧ ونحوه في أصول الكافي ١ : ٣٣٧ ـ ٣٣٨ / ٦ باب في الغيبة ، وإكمال الدين ٢ : ٣٤٦ / ٣٣ باب ٣٣ ، و ٢ : ٣٥١ / ٤٩ باب ٣٣ و ٢ : ٤٤٠/ ٧ باب ٤٣ وكتاب الغيبة / النعماني : ١٧٥/ ١٣ و ١٤ باب ١٠ ، وكتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ١٦١ / ١١٩.


مواليه »(١) .

٦ ـ وفي الصحيح عن حازم بن حبيب ، قال : « قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام : يا حازم إنّ لصاحب هذا الأمر غيبتين يظهر في الثانية ، فمن جاءك يقول إنه نفض يده من تراب قبره فلا تصدّقه ».

وهذا الحديث سمعه أبو محمد على بن محمد العلوي من عبد الله بن جبلة ، وقد نقله الشيخ الطوسي من كتاب العلوي هذا مباشرة(٢) ، كما نقله الفضل بن شاذان ( ت / ٢٦٠ هـ ) عن عبد الله بن جبلة أيضا(٣) ، وسمعه عبيس بن هشام ( ت / ٢٢٠ هـ أو قبلها بسنة ) من عبد الله بن جبلة(٤) ، وعبد الله بن جبلة هذا مات سنة ٢١٩ هـ بلا خلاف ، ومع هذا ، فلم ينحصر الطريق إلى حازم بن حبيب به ، إذ أخرج النعماني حديث حازم ابن حبيب بطريق ثانٍ ليس فيه ابن جبله(٥) ، الأمر الذي يؤكّد صحّة ما سبق ذكره من شهادات أعلام الطائفة بوجود هذه الأحاديث في الكتب المؤلّفة قبل الغيبة بعشرات السنين. وبنفس هذه الطريقة يمكن الاستدلال

__________________

١ ـ أصول الكافي ١ : ٣٤٠ / ١٩ ، وكتاب الغيبة / النعماني : ١٧٠ / ١ و ٢ باب ١٠ من طريقين.

٢ ـ كتاب الغيبة / الشيخ الطوسي ٥٤ / ٤٦ ، وفيه : « قال : وحدّثني عبد الله بن جبلة الخ » ، والقائل هو العلوي المذكور ؛ إذ صرح الشيخ ـ قبل ذلك ـ بالنقل من كتابه. راجع كتاب الغيبة ص : ٤٣.

٣ ـ كتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ٤٢٣ ـ ٤٢٤ / ٤٠٧.

٤ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ١٧٢ / ٦ باب ١٠.

٥ ـ كتاب الغيبة / النعماني ١٧٢ / ذيل الحديث السادس باب ١٠.


على إثبات وجود معظم الاحاديث السابقة كذلك بغضّ النظر عن الشهادات المتقدمة ، ولولا خشية الإطالة لبيّنا ذلك مفصّلا.

٧ ـ وعن المفضّل بن عمر ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام ، قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : « لصاحب هذا الأمر غيبتان : إحداهما يرجع منها إلى أهله ، والأخرى يقال : هلك ، في أي وادٍ سلك »(١) .

٨ ـ وعن المفضّل بن عمر أيضا ، عن الصادقعليه‌السلام قال : « إنّ لصاحب هذا الأمر غيبتين : إحداهما تطول حتى يقول بعضهم : مات ، وبعضهم يقول : قتل ، وبعضهم يقول : ذهب الحديث »(٢) .

والذي ينبغي التنبيه عليه في هذه الأحاديث الشريفة ، توضيح ما جاء فيها من أن الإمام المهدي في غيبتهعليه‌السلام يرى الناس ولا يرونه ، بمعنى أنه يختفي جسمه الشريف عن الأنظار في الوقت الذي يكون فيه موجودا في مكانٍ ما مع الناس ـ في الموسم أو غيره ـ ولكن الناس لا ترى في ذلك المكان شيئا.

وهناك أحاديث كثيرة عن اهل البيتعليهما‌السلام بهذا المعنى المعبّر عن الأسلوب الوقائي الذي يستخدمه الإمام المهديعليه‌السلام في كيفية احتجابه عن الناس ، ونجاته من براثن الظلم ؛ لأنّه في اختفائه بهذا الاسلوب يكون في

__________________

١ ـ اصول الكافي ١ : ٣٤٠ / ٢٠ باب في الغيبة.

٢ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ١٧١ ـ ١٧٢ / ٥ باب ١٠ ، وكتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ٦١ / ٦٠ ، و ١٦٢ / ١٢٠ ، وعقد الدرر / المقدسي الشافعي : ١٧٨ ـ ١٧٩ باب ٥ ، والبرهان / المتّقي الهندي : ١٧١ ـ ١٧٢ / ٤.


مأمنٍ قطعيّ حقيقي من أية مطاردة ، أو تنكيل ، أو خوف حيثما كان على وجه الأرض.

وربّما قد يستكثر بعضهم تزويد الإمام المهديعليه‌السلام بمثل هذه القدرة على الاختفاء! وهو استكثار في غير محله ؛ لأنّ توقّف وجود وسلامة الأهداف الالهية الكبرى على المعجزة ـ وطول عمر الإمام المهديعليه‌السلام واختفاؤه منها ـ يعني حتمية التدخّل الإلهي في ايجاد تلك المعجزة من أجل تحقيق الهدف المطلوب.

فالقدرة على الاختفاء مع طول العمر ، أمران لابدّ منهما في حفظ الإمام المهديعليه‌السلام ، وإلاّ كيف يتسنّى له القيام بالمسؤولية الإسلامية الكبرى في آخر الزمان لو كان ظاهرا للعيان ، غير مكترث بالمخاطر التي تحّفه من كل مكان؟

إنّ أهمية ذلك اليوم الموعود الذي سيعمّ فيه الإسلام أقطار الأرض ، وينتشر العدل في ربوع المعمورة كلها ، أهمية عظيمة عند الله تعالى ، وعند رسوله الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ إذ ستتحقّق من خلاله الأغراض الأساسية من خلق البشرية ، كما ستتحقّق به آمال الأنبياء والمرسلينعليهم‌السلام ، وتتكلل جهودهم بوجود ذلك المجتمع العادل ، وظهور دولة الحقّ.

ومن ثَمَّ فإنّ ولادة الإمام المهدي ابن الإمام العسكريعليهما‌السلام التي ثبتت ثبوتا قطعيا لا ريب فيه ، تقرّب من حقيقة تلك الأحاديث وتحكم على صحّتها ؛ لمنها عبّرت وبكل وضوح عن تعلّق الغرض الإلهي بحفظ المهديعليه‌السلام وصيّانته عن الأعداء بالاختفاء ، وعن بقاء وجوده الشريف


بطول العمر وذلك عن طريق الاعجاز الالهي وفاء بالغرض الكبير.

هذا ، ويعلم من أحاديث كثيرة اُخرى أنّ اُسلوب الاختفاء المذكور ليس هو الاسلوب الوحيد الذي يكتنف حياة الإمام المهديعليه‌السلام ، وانّما لهعليه‌السلام أن يخرج عن هذا النمط من الاختفاء إلى الظهور المؤقّت في زمان الغيبة كلما اقتضت المصلحة ذلك ، ولكن بصورة لا يستشعر من خلالها كل من يراه بأنه المهدي الموعودعليه‌السلام .


الفصل الثالث

في بيان ما مطلوب في زمان الغيبة

بعد تأكيد الإمام الصادقعليه‌السلام على ثبوت أصل العقيدة المهدوية عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتنبيه الأمة على حكم من أنكرها ، وإخباره ـ كما مرّ ـعليه‌السلام بهوية الإمام المهديعليه‌السلام وغيبته وما سيجري عليه بعد ولادته ، فلابدّ من اتخاذ الاحتياطات اللازمة لانقاذ الأمة وارشادها إلى ما يعصمها من الضلالة ، وهو ما قام بهعليه‌السلام خير قيام حيث اضطلععليه‌السلام بمهمة التوعية والتثقيف الاسلامي بما هو مطلوب في مرحلة غياب الإمام المهديعليه‌السلام ، كما سيتضح من العناوين الآتية :

أولا ـ الوصية بعدم إنكار الغيبة ، والنهي عن الانحراف ، ولزوم التصديق :

إنّ معنى إنكار الغيبة ، هو إنكار وجود الإمام المهديعليه‌السلام ، وبالتالى هو عين الانحراف وعدم التصديق ، وقد مرّ ما يغني عن إعادته في خصوص من أنكر وجود الإمام ، ومن رد على آل البيتعليهم‌السلام ، كمن ركب رأسه ، واتبع هواه.


ومن هنا حاول الإمام الصادقعليه‌السلام التركيز على هذه المفاصل الأساسية ، لتتّخذ الأمة حذرها ، وتكون في يقظة دائمة مما يحاول أعداء الحقّ إثارته من خرافات وشبهات حول خاتم الأئمة الإمام المهدي أرواحنا فداه.

ويدلُّ على ذلك أحاديث لا حصر لها ، نذكر منها :

١ ـ عن هشام بن سالم ، عن الإمام الصادق ، عن آبائهعليهم‌السلام ، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « القائم من ولدي اسمه اسمي ، وكنيته كنيتي ، وشمائله شمائلي ، وسنته سنتي ، يقيم الناس على ملّتي وشريعتي ، ويدعوهم إلى كتاب ربي عزّوجلّ ، من أطاعه فقد أطاعني ، ومن عصاه فقد عصاني ، ومن أنكره في غيبته فقد أنكرني ، ومن كذبه فقد كذبني ، ومن صدق فقد صدقني ، إلى الله أشكو المكذبين لي في أمره ، والجاحدين لقولي في شأنه ، والمضلين لأمتي عن طريقته( وسيعلمُ الذينَ ظلموا أيَّ منقلبٍ ينقلبونَ ) (١) »(٢) .

٢ ـ وعن محمد بن مسلم ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام ، قال : « إن بلغكم عن صاحب هذا الأمر غيبة فلا تنكروها »(٣) .

__________________

١ ـ سورة الشعراء : ٢٦ / ٢٢٧.

٢ ـ إكمال الدين ٢ : ٤١١ / ٦ باب ٣٩ ، وإعلام الورى / الطبرسي ٢ : ٢٢٧ الفصل الثاني.

٣ ـ اصول الكافي ١ : ٣٣٨ / ١٠ و ١ : ٣٤٠ / ١٥ باب الغيبة ، وكتاب الغيبة / النعماني : ١٨٨ / ٤٢ باب ١٠ ، وكتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ١٦٠ ـ ١٦١ / ١١٨.


ويُستفاد من هذين الحديثين لا سيّما الأول جملة من الأمور لا بأس بالاشارة السريعة إليها ، وهي :

١ ـ وجوب معرفة الإمام المهديعليه‌السلام باسمه وكنيته وأصله الشريف.

٢ ـ إنّه متّبع لسنة جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٣ ـ وجوب طاعته مطلقا ، كما وجبت طاعة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مطلقا.

ومن جملة طاعة المهديعليه‌السلام ما أوصى بهعليه‌السلام ـ في تواقيع مشهورة عنهعليه‌السلام ـ من الورع والتقوى ووجوب الانتظار ، والرجوع في أخذ معالم الدين الحنيف من الفقيه الصائن لنفسه ، المتبع آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أخلاقهم وهديهم وحلالهم وحرامهمعليهم‌السلام .

٤ ـ إنّ لهعليه‌السلام غيبة لابدَّ منها ، مع التحذير والوعيد الشديد لمن أنكرها.

٥ ـ ضرورة الابتعاد التام عن المعاندين في أمر الإمام المهديعليه‌السلام لما ورد فيهم من اوصاف أقلها إضلال الأمة عن الحق وأهله ، والواجب بغضهم وعدم مجالستهم أو التقرب أو التودّد إليهم ، أو سماع كلامهم ، اللهمّّ إلاّ من قبيل العمل لهدايتم ، وإلاّ فلا ، لأنهم اتّبعوا شهواتهم فضلوا وأضلو.

ومن ضمّ هذين الحديثين إلى ما تقدم ، تتّضح سخافة القول بنجاة من يعتقد بمهدي مجهول يخلقه الله تعالى من سلالة الإمام الحسن السبطعليه‌السلام في آخر الزمان! لما في تلك الأحاديث الشريفة من دلالة واضحة على ولادة


الإمام المهديعليه‌السلام وهويته ، وإلاّ كيف يأتي الأمر بتصديقه ، وطاعته ، وهو لم يعرف بعد؟! بل كيف يتواتر النهي عن آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كلّهم في عدم إنكار غيبته ، وهو لم يولد بعد؟!

ثانيا ـ وجوب الثّبات على الولاية في زمن الغيبة :

قام أهل البيتعليهم‌السلام بتأسيس القواعد المتينة في علاج ما يعترض الأمة من عقبات تقف حيال المبادئ الإسلامية التي آمنوا بها وضّحوا من أجلها.

وقد كان إمامنا الصادقعليه‌السلام حريصا على مستقبل التشيّع بإزاء ما يراه من تلبّد الافق الإسلامي بالرياح الصفراء التي تحاول العبث بكل شيء لتغطّيه بغبارها الكثيف ، ذلك المستقبل الذي يمثّل إرادة السماء ، وطموع الرسالة ، في بقاء ثلّة على الحقّ لا يضرّها من ناوأها حتّى يأتي الله بأمره ، ثلّة خيّره تكمّل مسيرة طلائع التشيّع الذين لم تثنهم عن الحق اعتى العواصف وأقسى همجية الجاهلية الاولى ، من أمثال : سلمان ، وعمار ، وأبي ذرّ ، وأضرابهم رضي الله تعالى عنهم.

مستقبل لا حياة فيه بغير التمسّك بعرى آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والاستماتة من أجل بقاء نهجهم محفورا في قلوب الاتباع ، خالدا في ضمير الزمن.

وفي هذه الفقره ما يشير إلى الخطوات التي أمر الإمام الصادقعليه‌السلام باتخاذها كضمانات أكيدة في ديمومة مستقبل التشيّع بعده ، خصوصا في صورة اختفاء الإمامعليه‌السلام ، سواء كان ذلك بحبس من السلطات الغاشمة كما


حصل مع ولده الإمام الكاظمعليه‌السلام ، أو بغير ذلك من وسائل الضغظ والتعسّف كما حصل لبقية الائمةعليهم‌السلام ، أو بغيبة كما هو الحال مع الإمام المهديعليه‌السلام .

فالأحاديث الآتية إذن هي أعمّ من اختصاصها بإمام أعين ، وانّما هي قاعدة عامّة يمكن للقواعد الشيعية تطبيقها على موردها كلما ضاق الخناق في زمانهم على واحد من الائمة الستة من ولد الإمام الصادقعليه‌السلام ، وإن كان بعضها صريحا في خصوص الإمام السادس من ولد الإمام الصادقعليه‌السلام ثاني عشر الائمة الهداة الميامين : المهدي أرواحنا فداه.

ومن تلك الأحاديث الشريفة :

١ ـ عن عبد الله بن سنان ، قال : « دخلت أنا وأبي على أبي عبد اللهعليه‌السلام فقال : فكيف أنتم إذا صرتم في حال لا ترون فيها إمام هدى ولا علما يُرى ، لا ينجو منها إلاّ من دعا دعاء الغريق ، فقال له أبي : إذا وقع هذا ليلا فكيف نصنع؟ فقال : أما أنت فلا تدركه ، فإذا كان ذلك فتمسكوا بما في أيديكم حتى يتضح لكم الأمر »(١) .

٢ ـ وعن منصور الصيقل قال : « قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : إذا أصبحت وأمسيت يوما لا ترى فيه أوصياء من آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فاجبب من كنت تحب ، وابغض من كنت تبغض ، ووال من كنت توالي ، وانتظر الفرج

__________________

١ ـ إكمال الدين : ٢ : ٣٤٨/٣٤٩/٤٠ باب ٣٣ ، وكتاب الغيبة / النعماني : ١٥٩/٤ باب ١٠.


صباحا ومساء »(١) .

٣ ـ وعن أبان بن تغلب قال : « قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام : يأتي على الناس زمان يصيبهم فيه سبطة ، يأرز العلم فيها بين المسجدين كما تأرز الحيّة في جحرها فبينما هم كذلك ، إذا أطلع الله عزّوجلّ لهم نجمهم ، قال : قلت : وما السبطة؟ قال : الفترة والغيبة لإمامكم! قال : قلت : فكيف نصنع فيما بين ذلك؟ فقال : كونوا على ما أنتم عليه حتى يطلع الله لكم نجمكم »(٢) .

٤ ـ وعن زرارة قال : « قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : يأتي على الناس زمان يغيب عنهم إمامهم. فقلت له : ما يصنع الناس في ذلك الزمان؟ قال : يتمسكون بالأمر الذي هم عليه حتى يتبين لهم »(٣) .

٥ ـ وعن أبي بصير ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : « طوبى لمن تمسك بأمرنا في غيبة قائمنا فلم يزغ قلبه بعد الهداية »(٤) .

٦ ـ وعن يمان التمّار قال : « كنا عند أبي عبد اللهعليه‌السلام جلوسا فقال لنا : إن لصاحب هذا الأمر غيبة ، المتمسك فيها بدينه كالخارط للقتاد ـ ثم فقال هكذا بيده ـ فأيكم يمسك شوك القتاد بيده؟ ثم أطرق مليا ، ثم قال : إنّ

__________________

١ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ١٥٨ / ٣ باب ١٠ ، واصول الكافي ١ : ٣٤٢ / ٢٨ باب الغيبة.

٢ ـ اكمال الدين : ٣٤٩ / ٤١ باب ٣١ ، وكتاب الغيبة / النعماني : ١٥٩ / ٦ باب ١٠.

٣ ـ إكمال الدين ٢ : ٣٥٠ / ٤٤ باب ٣٣.

٤ ـ إكمال الدين ٢ : ٣٥٨ / ٥٥ باب ٣٣ ، ومعاني الأخبار / الشيخ الصدوق : ١١٢ / ١ باب معنى طوبى.


لصاحب هذا الأمر غيبة ، فليتّقِ الله عبدٌ وليتمسّك بدينه »(١) .

ثالثا ـ التأكيد على انتظار الإمام الغائبعليه‌السلام في غيبته :

يُعدّ الانتظار في مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام من الوظائف الاساسية في عصر الغيبة ، وقد نبّه الإمام الصادقعليه‌السلام على هذه الوظيفة الكفيلة ببناء الفرد بناء إسلاميا صحيحا ، فضلا عن كونها عبادة.

فقد أحرج الترمذي والطبراني عن عبد الله ، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « سلوا الله من فضله ، فإنّ الله عزّوجلّ يُحبُّ من يسأل ، وأفضل العبادة انتظار الفرج »(٢) .

وهناك أحاديث كثيرة بهذا المعنى ، عن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالبعليه‌السلام (٣) ، وزين العابدينعليه‌السلام (٤) ، وكذلك عن ابن مسعود(٥) ،

__________________

١ ـ اُصول الكافي ١ : ٣٣٥ ـ ٣٣٦ / ١ باب في الغيبة ، وكتاب الغيبة / النعماني : ١٦٩ / ١١ باب ١٠ ، وإكمال الدين ٢ : ٣٤٣ / ٢٥ باب ٣٣ ، واثبات الوصية / المسعودي : ٢٦٧ ، وكتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ٤٥٥ / ٤٦٥ ، والقتاد : شجر صلب ، شوكه كالابر. وخرط القتاد : مثل يضرب عند ارتكاب صعائب الامور.

٢ ـ سنن الترمذي ٥ : ٥٦٥ / ٣٥٧١ باب ١١٦ ، والمعجم الكبير / الطبراني ١٠ : ١٢٤ ـ ١٢٥ / ١٠٠٨٨.

٣ ـ إكمال الدين ٢ : ٢٨٧. ٦ باب ٢٥ ، والجامع الصغير / السيوطي : ٤١٧ / ٢٧١٩ عن ابن عساكر وابن أبي الدنيا.

٤ ـ امالى الشيخ الطوسي : ٤٠٥ / ٩٠٧ مجلس رقم / ١٤.

٥ ـ مجمع البيان / الطبرسي ٣ : ٤٠.


وأنس(١) ، وابن عبّاس(٢) ، وابن عمر(٣) .

ومن هنا قام الإمام الصادقعليه‌السلام ببيان صفات وواجبات المنتظر للإمام المهديعليه‌السلام ، مسلّطا الضوء على آثار الانتظار وفوائده ، محثّا عليه ، مبشرا المنتظرين لظهورهعليه‌السلام بأنهم من الاولياء الصاحين ، والقدوة الربانيين. ونحو هذا من الأمور الاخرى التي يمكن عرضها ـ من خلال احاديثهعليه‌السلام ـ بالصورة الآتية :

١ ـ توقف قبول العمل على الانتظار :

عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : « ألا أخبركم بما لا يقبل الله عزّوجلّ من العباد عملا إلاّ به؟ ، فقلت : بلى ، فقالعليه‌السلام : شهادة أن لا إله إلاّ الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ، والاقرار بما أمر الله ، والولاية لنا ، والبراءة من أعدائنا ، والورع والاجتهاد ، والانتظار للقائمعليه‌السلام »(٤) .

ويمكن التماس الدليل على صحة توقف العمل على انتظار الفرج من القرآن الكريم في عَدِّهِ اليأس من رَوْح الله صفة للكافرين ، كما في قوله تعالى :( ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلاّ القوم الكافرون ) (٥) ، وقال بشمن الكافرين :( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل

__________________

١ ـ تاريخ بغداد / الخطيب البغدادي ٢ : ١٥٤ ـ ١٥٥.

٢ ـ تلخيص المتشابه بالرسم / الخطيب البغدادي ١ : ٢٨٨ ، ومسند الشهاب ١ : ٦٢ / ٤٦.

٣ ـ أمالي الشجري ١ : ٢٢٨ ، ومسند الشهاب ١ : ٦٣ / ٤٧.

٤ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ٢٠٠ / ١٦ باب ١١.

٥ ـ سورة يوسف : ١٢ / ٨٧.


فجعلناهُ هناء منثورا ) (١) .

٢ ـ وصف المنتظرين بأنهم من الأولياء :

عن أبي بصير ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام في قوله تعالى : ( يَوم يأتِي بعضُ آياتِ رَبِّكَ لا ينفعُ نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا )(٢) قالعليه‌السلام : « يعنى : خروج القائم المنتظر منّا ، ثم قال : يا أبا بصير طوبى لشيعة قائمنا ، المنتظرين لظهوره في غيبته ، والمطعين له في ظهوره ، أولئك أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون »(٣) .

٣ ـ منزلة المنتظر لإمام الزمانعليه‌السلام :

عن العلاء بن سيابة ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : « من مات منكم على هذا الأمر منتظرا ، كان كمن هو في الفسطاط الذي للقائمعليه‌السلام »(٤) .

وعن الفيض بن المختار ، قال : « سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : من مات منكم وهو منتظر لهذا الأمر كان هو مع القائم في فسطاطه ، قال : ثم مكث هنيهة ، ثم قال : بل كمن قارع معه بسيفه ، ثم قال : لا والله إلاّ كمن استشهد مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم »(٥) .

__________________

١ ـ سورة الفرقان : ٢٥ / ٢٣.

٢ ـ سورة الأنعام : ٦ / ١٥٨.

٣ ـ إكمال الدين : ٢ : ٣٥٧ / ٥٤ باب ٣٣ ، وينابيع المودة / القندوزي الحنفي ٣ : ٢٣٨ / ١٠ باب ٢٧١.

٤ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ٢٠٠ / ١٥ باب ١١.

٥ ـ المحاسن / البرقي : ١٥٠ / ١٥١ باب ٣٨.


وعن إبراهيم الكوفي ، عن الصادقعليه‌السلام : « المنتظر للثاني عشر كالشاهر سيفه بين يدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يذبّ عنه »(١) .

٤ ـ ما يجب أن يتحلّى به المنتظر وبيان أجر انتظاره :

عن أبي بصير ، عن الإمام الصادق ، قالعليه‌السلام : « من سره من يكون من أصحاب القائم فلينتظر ، وليعمل بالورع ، ومحاسن الأخلاق وهو منتظر ، فإن مات وقام القائم بعده ، كان له من الأجر مثل أجر من أدركه ، فجدوا وانتظروا »(٢) .

ومن الصفات الاخرى التي ينبغي على المنتظر التحلي بها ، صفة التديّن ، والابتعاد عن المعاصي والآثام بحيث يراعي تقوى الله تعالى دائما ، ويرشدنا إلى هذا ، حديث الإمام الصادقعليه‌السلام : « إن لصاحب هذا الأمر غيبة ، فليتق الله عبد وليتمسك بدينه »(٣) .

٥ ـ توجّع المنتظر وحزنه وبكاؤه على المهديعليه‌السلام في غيبته :

عن سدير الصيرفي ، قال : « دخلت أنا ، والمفضّل بن عمر ، وأبو بصير ، وأبان بن تغلب على مولانا أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام ، فرأيناه جالسا على التراب وعليه مسح خيبري مطوق بلا جيب ، مقصّر الكميّن ،

__________________

١ ـ إكمال الدين : ٢ : ٦٤٧ / ٨ باب ٥٥.

٢ ـ كتاب الغيبة / النعماني ٢٠٠ / ١٦ باب ١١.

٣ ـ اصول الكافي ١ : ٣٣٥ ـ ٣٣٦ / ١ باب في الغيبة ، وكتاب الغيبة / النعماني : ١٦٩ / ١١ باب ١٠ ، وإكمال الدين ٢ : ٣٤٣ / ٢٥ باب ٣٣ ، واثبات الوصية / المسعودي : ٢٦٧ ، وكتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ٤٥٥ / ٤٦٥.


وهو يبكي بكاء الواله الثكلى ذات الكبد الحرّى ، قد نال الحزن من وجنتيه ، وشاع التغيير في عأرضيه وأبلى الدموع محجريه ، وهو يقول :

سيدي! غيبتك نفت رُقادي ، وضيّقت عليّ مِهادي ، وابتزّت مني راحة فؤادي ، سيدي! غيبتك أوصلت مصابي بفجايع الأبد »(١) .

٦ ـ النهي عن قسوة القلوب في فترة الانتظار :

أخرج الصدوق عن سماعة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : « نزلت هذه الآية في القائمعليه‌السلام :( ولا يكونوا كالذينَ أوتوا الكتابَ من قبلُ فطالَ عليهمُ الأمدُ فقستْ قلوبهم وكثيرٌ منهم فاسقونَ ) (٢) »(٣) .

ويوضح المعنى المذكور ، ما أخرجه النعماني في كتاب الغيبة ، عن أحمد ابن الحسن الميثمي ، عن رجل من أصحاب أبي عبد الله جعفر بن محمدعليهما‌السلام ، قال : « سمعته يقول : نزلت هذه الآية التي في سورة الحديد :( ولا يكونوا كالذينَ اوتوا الكتابَ من قبلُ فطال عليهمُ الأمدُ فقستْ قلوبهم وكثيرٌ منهم فاسقونَ ) في أهل زمان الغيبة ، ثم قال عزّوجلّ :( اعلموا من اللهَ يحيى الأرضَ بعدَ موتها قد بيّنّا لكم الآيات لعلّكم تعقلون ) (٤) وقال : إنّما الأمد أمد الغيبة »(٥) .

__________________

١ ـ اكمال الدين ٢ : ٣٥٢ ـ ٣٥٧ / ٥٠ باب ٣٣ ، وينابيع المودّة / القندوزي الحنفي ٣ : ٣١٠ ـ ٣١١ / ٢ باب ٨٠.

٢ ـ سورة الحديد : ٥٧ / ١٦.

٣ ـ إكمال الدين ٢ : ٦٦٨ / ١٢ باب ٥٨.

٤ ـ سورة الحديد : ٥٧ / ١٧.

٥ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ٢٤ / من مقدمة المؤلف ، وتأويل الآيات / الاستر آبادي ٢ : ٦٦٢ / ١٤ ، عن الشيخ المفيد.


ثم قال الشيخ النعماني معلّقا على هذا الحديث ـ : « فإنه أراد عزّوجلّ : يا امّة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أو يا معشر الشيعة ، لا تكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الامد. فتأويل هذه الآية جاء في أهل زمان الغيبة وأيامها دون غيرهم من أهل الأزمنة »(١) .

٧ ـ تهيئة وسائل القوة في فترة الانتظار :

والمطلوب من المنتظر أن يعيش حالة التأهّب التامّ والاستعداد الكامل لنصرة الإمام المهديعليه‌السلام ، وما يتطلب ذلك من الاعداد النفسي والمادي معا بحيث ، يكون كالجندي الذي ينتظر قائده لخوض معركه حاسمة فاصلة. وإلى هذا المعنى يشير حديث الإمام الصادقعليه‌السلام : « ليعدّنّ أحدكم لخروج القائم ولو سهما »(٢) .

٨ ـ ضرورة اعطاء العهد والبيعة للإمام المهديعليه‌السلام في غيبته :

ويدلّ عليه دعاء العهد المروي عن الإمام الصادقعليه‌السلام ، وهو دعاء عظيم في بابه ، وقد جاء فيه قولهعليه‌السلام : « اللهمّّ إنّي أجدد له ـ أي : للمهديعليه‌السلام ـ يومي هذا ، وما عشت من أيامي عهدا وعقدا وبيعة له في عنقي ، لا أحول عنها ولا أزول أبدا »(٣) .

٩ ـ طلب الرجعة في الدعاء في حال الموت قبل ظهورهعليه‌السلام :

كما في دعاء العهد أيضا ، من قولهعليه‌السلام : « اللهمّ إن حال بيني وبينه

__________________

١ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ٢٤ من المقدمة ( في ذيل الحديث المذكور ).

٢ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ٣٢٠ / ١٠ باب ٢١.

٣ ـ زاد المعاد / المجلسي : ٢٢٣.


الموت الذي جعلته على عبادك حتما مقضيا ، فاخرجنى من قبري مؤتزرا كفني ، شاهرا سيفي ، مجرّدا قناتي ، ملبّيا دعوة الداعي في الحاضر والبادي ».

١٠ ـ الإكثار من الدعاء في فترة الانتظار :

والادعية الواردة عن أهل البيتعليهم‌السلام في هذا كثيرة جدا ، وفيها تنوع رائع من الدعاء يطلّ الداعي من خلاله على عالم فسيح ، وينفتح على حياة أخرى ملؤها التوحيد ، والعبودية الخالصة لله ، والذوبان في مناجاته سبحانه ، والاخلاص لدينه ، والمحبّة والانقياد لرسله وأوليائهعليهم‌السلام .

وفي أدعية الإمام الصادقعليه‌السلام تجسيد حيّ لهذه المعاني كلها ؛ وفيما يأتي صورة مختصرة لما تضمنته بعض أدعيته الشريفة في هذا الخصوص :

أ ـ الدعاء بالثبات على الدين في زمان الغيبة :

عن عبد الله بن سنان ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام ، قال : « ستصيبكم شبهة ، فتبقون بلا علم يرى ، ولا إمام هدى ، ولا ينجو منها إلاّ من دعا بدعاء الغريق ، قال : يقول يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك »(١) . ومن الواضح من هذا الدعاء أعمّ من حصره بزمان حبس الإمام الكاظمعليه‌السلام وانقطاعه عن قواعده الشعبية ، بل يشمل أهل زمان الغيبة أيضا.

ب ـ الدعاء بطلب المعرفة المنجية من الضلال :

ويدلّ عليه حديث زرارة ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام ، وفيه : « فقلت

__________________

١ ـ إكمال الدين ٢ : ٣٥١ ـ ٣٥٢ / ٤٩ باب ٣٣.


وما تأمرني لو ادركت ذلك الزمان؟ قال : ادع الله بهذا الدعاء : ( اللهم عرّفني نفسك ، فإنّك إن لم تعرّفني نفسك لم أعرفك ، اللهمّ عرّفني نبيّك ، فإنّك إن لم تعرّفني نبيّك لم أعرفه قطّ ، اللهمّ عرّفني حجّتك فإنّك إن لم تعرّفني حجّتك ضللت عن ديني ) »(١) .

ج ـ الدعاء المعبر عن الشوق والمحبة للإمام المهديعليه‌السلام :

ومن آداب دعاء المنتظر للفرج في زمان الغيبة من يجعل من الدعاء وسيلة معبرة عن حبّه وشوقه للإمام المهديعليه‌السلام ، وذلك باهداء التحية والسّلام العاطر لهعليه‌السلام ، كما في دعاء الإمام الصادقعليه‌السلام :

« بسم الله الرحمن الرحيم. اللهمّ بلّغ مولانا صاحب الزمان أينما كان وحيثما كان ، من مشارق الأرض ومغاربها ، سهلها وجبلها ، عنّي وعن والديّ وعن ولدي وأخواني ، التحية والسّلام ، عدد خلق الله وزنة عرش الله ، وماأحصاه كتابه ، وأحاط علمه »(٢)

وهذا الدعاء هو مقطع من دعاء العهد المروي عن الإمام الصادقعليه‌السلام (٣) .

د ـ الدعاء للإمام المهديعليه‌السلام بتعجيل الفرج :

ويدلّ عليه مارواه عبّادبن محمد المدائني ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام ، في دعاء

__________________

١ ـ اصول الكافي / الكليني ١ : ٣٤٢ / ٢٩ باب في الغيبة ، و ١ : ٣٣٧ / ٥ من الباب السابق ، واكمال الدين ٢ : ٣٤٢ / ٢٤.

٢ ـ بحار الأنوار ٨٦ : ٦١ / ٦٩ نقله من كتاب اختيار المصباح لابن باقي.

٣ ـ راجع : زاد المعاد / المجلسي : ٢٢٣.


جاء فيه : « وانجز لوليّك ، وابن نبيك ـ الداعي إليك بإذنك ، وأمينك في خلقك ، وعينك في عبادك ، وحجّتك على خلقك ، عليه صلواتك وبركاتك ـ وعده.اللهم أيّده بنصرك ، وعجّل فرجه ، وأمكنه عن أعدائك وأعداء رسولك يا أرحم الراحمين.

قال ، قلت : أليس قد دعوت لنفسك جُعلت فداك؟

قالعليه‌السلام : قد دعوت لنور آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وسائقهم والمنتقم بأمر الله من أعدائهم »(١) .

ومنه أيضا ما رواه حمّاد بن عثمان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، وقد دخلت عليه الليلة الحادية والعشرون من شهر رمضان المبارك.

وقد روى لنا حمّاد ما فعله الإمام الصادقعليه‌السلام من عبادات في تلك الليلة الشريفة ، ومنها دعاء الإمامعليه‌السلام في سجوده : « لا إله إلاّ انت مقلّب القلوب والابصار ـ إلى من قالعليه‌السلام ـ وأسالك بجميع ما سألتك ومالم أسألك من عظيم جلالك ما لو علمته لسألتك به ، أن تصلي على محمد وأهل بيته ، وأن تأذن لفرج من بفرجه فرج أوليائك وأصفيائك من خلقك ، وبه تبيد الظالمين وتهلكهم ، عجّل ذلك يا ربّ العالمين.

قال : فلمّا رفع رأسهعليه‌السلام ، قلت جعلت فداك سمعتك وأنت تدعو بفرج من بفرجه فرج أصفيا الله واوليائه ، أولست أنت هو؟ قال :عليه‌السلام : لا ، ذاك قائم آل محمدعليهم‌السلام »(٢) .

__________________

١ ـ فلاح السائل / السيد بن طاوس : ٣٠٩ / ٢٠٩.

٢ ـ اقبال الاعمّال / السيد ابن طاوس : ٤٩٠ ـ ٤٩٢ في أدعية اليوم الحادي والعشرين من شهر رمضان.


هـ ـ الدعاء للمهدي بكل خير وتمني رؤيتهعليه‌السلام :

كما في دعاء العهد ، من قول الإمام الصادقعليه‌السلام : « اللهم أرني الطلعة الرشيدة ، والغرّة الحميدة ، وأكحل ناظريّ بنظرة مني إليه ، وعجّل فرجه وسهّل مخرجه ، واوسع منهجه ، واسلك بي محجّته ، وانفذ أمره ، واشدد أزره ، وقوّ ظهره ، وعمّر اللهم به بلادك ، وأحيي به عادك ، فإنّك قلت وقولك الحقّ( ظهر الفساد في البرّ والبحر بما كسبت أيدي الناس ) (١) .

فاظهر اللهم لنا وليك ، وابن وليك ، وابن بنت نبيك المسمى باسم رسولك صلواتك عليه وآله في الدنيا والآخرة ، حتى لا يظفر بشيء من الباطل إلاّ مزّقه ، ويحقّ الحق ويحقّقه ، واجعله اللهم مفزعا لمظلوم عبادك ، وناصرا لمن لايجد له ناصرا غيرك ، ومجدّدا لما عُطّل من أحكام كتابك ، ومشيّدا لما ورد من أعلام دينك وسنن نبيكصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . واجعله اللهم ممن حصّنته من بأس المعتدين.

اللهم وسرّ نبيك محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم برؤيته ، ومن تبعه على دعوته ، وارحم استكانتنا بعده.

اللهم اكشف هذه الغمّة عن هذه الأمة بحضوره ، وعجّل لنا ظهوره( إنّهم يرونهُ بعيدا ، ونراهُ قريبا ) (٢) برحمتك يا أرحم الراحمين »(٣) .

__________________

١ ـ سورة الروم : ٣٠ / ٤١.

٢ ـ سورة المعارج : ٧٠ / ٦ ـ ٧.

٣ ـ زاد المعاد / المجلسي : ٢٢٣.


و ـ الدعاء لنيل شرف خدمة الإمام المهديعليه‌السلام ونصرته :

كما في دعاء العهد الشريف المروي عن الصادقعليه‌السلام : « اللهم اجعلنى من أنصاره ، وأعوانه ، والذابين عنه ، والمسارعين في قضاء حوائجه ، والتابعين إلى إرادته ، والمستشهدين بين يديه »(١) .

ومن الواضح أنّ ما يعنيه التاكيد والحثّ على انتظار الغائب ، هو بقاء الإمام الغائب حياّ في غيبته كسائر الأحياء ، وفي هذا ما يتضمّن الردّ ـ على من قال كما مرّ في فصول البحث ـ : مات ، أو هلك ، في أيّ وادٍ سلك!

رابعا ـ الكشف عن حال الناس في زمان الغيبة لاخذ العِظة والعبرة :

حاول الإمام الصادقعليه‌السلام إزاحة الستار عن الغيب ؛ لينبئ عمّا سيكون بعد أكثر من مائة عام ، وحينئذ لابد ومن يذكرعليه‌السلام شيئا يتصل بهوية الإمام المهديعليه‌السلام ؛ لارتباط الأحداث المقبلة بولادته وغيبتهعليه‌السلام نظير ضلال أكثر الخلق بغيبته ، وارتياب المبطلين فيها ، وتمييز أهل الضلالة في ذلك الحين لتجنّبهم ، وما سيقوم الجهلاء حينئذ لكي لا يصغى إليهم ، وتأكيد شك المعرضين وأمثالهم بولادته وغيبته ، لئلا تتأثّر الأمة بمدعياتهم ، مع بيان الوسيلة المثلى التي ينبغي مراعاتها بغية الخلاص مما سيقع فيه الكثيرون ، وهي الدعاء الذي ما عبد الله بمثله.

١ ـ عن أبي بصير ، عن الإمام الصادق ، عن آبائهعليهم‌السلام ، عن

__________________

١ ـ زاد المعاد / المجلسي : ٢٢٣.


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : قال : « المهدي من ولدي ، اسمه اسمي وكنيته كنيتي ، أشبه الناس بي خَلْقا وخُلُقا ، تكون له غيبة وحيرة حتى تضلّ الخلق عن أديانهم ، فعند ذلك يقبل كالشهاب الثاقب ، فيملأها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا »(١) .

٢ ـ وعن عبد الله بن الفضل الهاشمي قال : « سمعت الصادق جعفر بن محمدعليهما‌السلام يقول : إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة لابد منها ، يرتاب فيها كل مبطل »(٢) .

٣ ـ وعن فرات بن الأحنف ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام في حديث عن امير المؤمنينعليه‌السلام جاء فيه : « وليبعثنّ الله رجلا من ولدي في آخر الزمان يطالب بدمائنا ، وليغيبنّ عنهم تمييزا لأهل الضّلالة ، حتى يقول الجاهل : ما لله في آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من حاجة »(٣) .

٤ ـ وعن زرارة ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : « لابد للغلام من غيبة ، قلت : ولِمَ؟ قال : يخاف ـ وأومأ بيده إلى بطنه ـ وهو المنتظر ، وهو الذي

__________________

١ ـ اكمال الدين ١ : ٢٨٧ م ٤ باب ٢٥ ، وإعلام الورى / الطبرسي ٢ : ٢٢٦ الفصل الثاني ، وينبيع المودة ٣ : ٣٩٦ ـ ٣٩٧ / ٤٩ باب ٩٤.

٢ ـ علل الشرائع / الشيخ الصدوق ١ : ٢٤٥ ـ ٢٤٦ / ٨ باب ١٧٩ ، وإكمال الدين ٢ : ٤٨١ ـ ٤٨٢ / ١١ باب ٤٤ ، والخرائج والجرائح / القطب الراوندي ٢ : ٣٠٣ ، والاحتجاج / الطبرسي ٢ : ٩٥٥ ـ ٩٥٦ ، والصراط المستقيم / البياضي ٢ : ٢٣٧.

٣ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ١٤٠ ـ ١٤١ / ١ باب ١٠.


يشكّ الناس في ولادته ، فمنهم من يقول : حملٌ ، ومنهم من يقول : مات أبوه ولم يخلف ، ومنهم من يقول : ولد قبل موت أبيه بسنتين ، قال زرارة : فقلت : وما تأمرني لو أدركت ذلك الزمان؟ قال : ادع الله بهذا الدعاء : ( اللهم عرّفني نفسك ، فإنّك إن لم تعرّفني نفسك لم أعرفك ، اللهم عرّفني نبيك ، فإنّك إن لم تعرّفني نبيك لم اعرفه قطّ ، اللهم عرّفني حجّتك ، فإنّك إن لم تعرّفني حجّتك ضللت عن ديني ) ».

وقد سُمع هذا الحديث قبل حلول الغيبة الصغرى بنحو خمسين عاما ، وقد جاء التصريح بهذا في ذيل الحديث من الكافي(١) .

وقد تحقّق هذا الحديث بعد وفاة الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام ، إذ جاء في الخبر الصحيح الثابت من طرق عديدة ما فعله الحاكم العباسي ، وما تنطّع وبه جلاوزته وأعوانه.

وفي الحديث تكذيب صريح لجميع تلك الاقوال حيث لم يكن المهديعليه‌السلام في ذلك الوقت ( حَمْلا ) ، بل كان ابن خمس سنين ، كما هو الثابت من تاريخ ولادته المشرّفة.

وفي هذا الحديث أيضا رد لمن قال بانّه ولد قبل موت أبيه بسنتين.

وجواب شاف على مزاعم المتخرصين الذين أنكروا ولادته وغيبته وإمامتهعليه‌السلام .

__________________

١ ـ أصول الكافي / الكليني ١ : ٣٤٢ / ٢٩ باب في الغيبة.


وتعريف بالمبطلين الذين ارتابوا ، فاتّبعوا الشبهات الواهية ، ويتمسكوا بعرى الدين الوثيقة.


الفصل الرابع

في بيان الإمام الصادقعليه‌السلام علل الغيبة

وما يرافقها من تمحيص واختبار

أولا ـ عُلل الغيبة :

تضمّنت الأحاديث الواردة عن الإمام الصادق في ولده الإمام المهديعليه‌السلام سؤال بعض الأصحاب عن أسباب الغيبة وعللها ، ومن خلال الإجابة على اسئلتهم يتضح من للغيبة عللا ظاهرة واُخرى لم ينكشف وجهها ، وبالرجوع إلى ما وقفنا عليه من تلك الأحاديث سواء التي سُئل فيها الإمام عن علة الغيبة ، أو التي جاءت على لسانه الشريف من غير سؤال ، وجدنا العلل الآتية :

العّلة الاُولى ـ الخوف من القتل :

وهذه هي العلة الظاهرة التي أيّدتها الاحاديث التاريخية بكل قوة ؛ إذ تواترت الاخبار على معنى واحد ، خلاصته معرفة السلطة العباسيّة بمن الإمام الثاني عشرعليه‌السلام يمثل الخطر الأكيد على وجودهم ، ومن هنا كانوا يترقبون انتظار ولادته على حذر شديد ، الأمر الّذي يفسر لنا محاولة


الإمام العسكريعليه‌السلام اخفاء ولادة ولده المهدي الموعودعليه‌السلام عن عامة الناس إلاّ الاقرب فالأقرب.

وقد صحّ الخبر ـ ومن طرق شتى ـ بما فعله الحاكم العباسي بعد وفاة الإمام العسكريعليه‌السلام ورواه الشيعة كلهم ، ويكفي أنه وكل القوابل على نساء الإمام العسكريعليه‌السلام وإمائه بعد وفاته ليفتشهن ، كل ذلك لأجل الفتك بالإمام الثاني عشرعليه‌السلام وإن كان حملا.!!

فالخوف من القتل كسبب من أسباب الغيبة لا نقاش فيه أصلا من الناحية التاريخية ، ومع هذا فقد جاء الخبر عن إمامنا الصادقعليه‌السلام بذلك قبل حدوثه.

١ ـ عن إبان بن عثمان وغيره ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لابد للغلام من غيبة ، فقيل له : ولِمَ يا رسول الله؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يخاف القتل »(١) .

٢ ـ وعن زرارة ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام منه قال : « إن للقائم غيبة قبل أن يقوم ، قلت : ولِمَ؟ قال : إنّه يخاف ، وأومأ بيده إلى بطنه ، يعني : ألقتل »(٢) .

وسيأتي عن الإمام الصادقعليه‌السلام ما يبين هذه العلة في الغيبة ، وذلك من خلال تأكيده على من في الإمام المهديعليه‌السلام سنة من الأنبياء السابقين. ومن جملتها : سنة من موسى خائفا يترقّب والذي حكاه القرآن الكريم على

__________________

١ ـ علل الشرائع ١ : ٢٤٣ / ١ باب ١٧٩.

٢ ـ اصول الكافي ١ : ٣٣٨ / ٩ و ١ : ٣٤٠ / ١٨ ، و ١ : ٣٤٢ / ٢٩ ، باب في الغيبة.


لسان موسىعليه‌السلام أنه حين ما فرّ من قومه وغاب عنهم زمانا ، ثم عاد ـ بعد حين ـ إليهم ، خاطبهم قائلا :( ففررتُ منكم لمَّا خفتكمْ فوهَبَ لي ربِّي حكما وجعلني من المرسلينَ ) (١) .

فكذلك حال إمامنا المهدي ـ أرواحنا فداه ـ فيم سيخاطب به الناس بعد انتهاء أمد غيبته موضحا لهم علّتها ؛ وقد جاء عن الإمام الصادقعليه‌السلام ما هو صريح بورود هذه العلة على لسان الإمام المهديعليه‌السلام في ما سيتلوه من كتاب الله تعالى عند ظهوره الشريف.

عن المفضل بن عمر ، عن ابي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : « إذا قام القائمعليه‌السلام تلا هذه الآية :( ففررتُ منكم لمّا خفتكم ) »(٢) .

العلة الثانية ـ لكي لا تكون في عنق المهديعليه‌السلام بيعة لأحد :

وهي ما رواه أبو بصير عن الإمام الصادقعليه‌السلام وغيره ، قال : « صاحب هذا الأمر تعمى ولادته على الخلق ؛ لئلا يكون في عنقه بيعة إذا خرج »(٣) .

ففي هذا الحديث الصريح بخفاء الولادة إشارة إلى أن المهديعليه‌السلام سوف لن يكون متعبدا بالتقيّة ، وإنّما الفرض عليه إقامة دولة الحق بالسيف ، في حين أن فرض الجهاد ، ومنابذة الاعداء والخروج بالسيف على الظالم ، والقيام بالحرب لم يكن فرض أكثر الأئمة الأطهار من آباء المهديعليه‌السلام ،

__________________

١ ـ سورة الشعراء : ٢٦ / ٢١.

٢ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ١٧٤ / ١١ باب / ١٠.

٣ ـ اكمال الدين ٢ : ٤٧٩ ـ ٤٨٠ / ١ و ٥ باب ٤٤.


ولهذا ورد بسندٍ صحيح عن الإمام الحجةعليه‌السلام قوله ـ جوابا على ما سأله أحمد بن إسحاق ـ : « وأما علة ما وقع من الغيبة ، فإنّ الله عزّوجلّ يقول :( يا ايها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسوكم ) (١) . إنّه لم يكن أحد من آبائي إلاّ وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه ، وإنّي أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي »(٢) .

وهذا يعني انتفاء أي التزام بعهد أو ميثاق أو بيعة للإمام المهديعليه‌السلام مع الحاكم المستبد ، وإلاّ رجع الأمر إلى مواجهة الطغاة ، والعودة إلى علة الخوف من القتل ، حيث لم يكن فرض الإمام المنقذ هو التقية.

ويؤيده ما رواه سورة بن كليب ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام في حديث جاء فيه : « فإذا قام قائمنا سقطت التقية ، وجرّد السيف ، ولم يأخذ من الناس ولم يعطهم إلاّ السيف »(٣) .

العلة الثالثة ـ السنن التاريخية :

ويراد بتلك السنن أن ما جرى على الامم السابقة لابد وأن يجري على هذه الأمة أيضا ، وقد حفلت كتب الصحاح الستة عند العامّة وغيرها

__________________

١ ـ سورة المائدة : ٥ / ١٠١.

٢ ـ إكمال الدين ٢ : ٤٨٣ / ٤ باب ٤٥ ، وكتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ٢٩٢ / ٢٤٧ ، والخرائج والجرائح ٣ : ١١١٣ ، والاحتجاج ٢ : ٤٦٩ ، وإعلام الورى : ٤٥٢ فصل ٣ : كلهم في ذكر التوقيعات الواردة من جهتهعليه‌السلام .

٣ ـ تأويل الآيات / الاسترآبادي ٢ : ٥٣٩ ـ ٥٤٠ / ١٣ في تأويل الآية ٣٤ من سورة فصّلت الشريفة.


بأحاديث كثيرة في هذا المعنى لاحاجة لنا بها ، وأما في خصوص الإمام المهديعليه‌السلام فقد مرّ أن سننا من الأنبياءعليهم‌السلام في غيباتهم ، وهي لابد وأن تتحقق فيهعليه‌السلام .

ويدل على ماقلناه ، ما رواه سدير الصيرفي عن الإمام الصادقعليه‌السلام ، قال : « إنّ للقائم منا غيبة يطول أمدها ، قال : فقلت له : يا ابن رسول الله! ولم ذلك؟ قال : لأنّ الله عزّوجلّ أبى إلاّ أن تجري فيه سنن ألأنبياء : في غيباتهم ، وأنه لابد له يا سدير من استيفاء مدد غيباتهم ، قال الله تعالى :( لتركبنّ طبقا عن طبق ) (١) أي : سنن من كان قبلكم »(٢) . وأما عن سبب جريان تلك السنن في الإمام المهديعليه‌السلام فعلمه عند الله عزّوجلّ.

العلة الرابعة ـ وهي علة خافية لم يؤذن بكشفها :

ويؤيد ذلك ما رواه عبد الله بن الفضل الهاشمي ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام ، قال : « إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة لابد منها ، يرتاب فيها كل مبطلٍ ، فقلت : ولم جعلت فداك؟ قال : لأمر لم يؤذن لنا في كشفه لكم؟ قلت : فما وجه الحكمة في غيبته؟ قال : وجه الحكمة في غيبته وجه الحكمة في غيبات من تقدمه من حجج الله تعالى ذكره ، إنّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلاّ بعد ظهوره ، كما لم ينكشف وجه الحكمة فيما أتاه الخضرعليه‌السلام من خرق السفينة ، وقتل الغلام ، وإقامة الجدار لموسىعليه‌السلام

__________________

١ ـ سورة الانشقاق : ٨٤ / ١٩.

٢ ـ علل الشرائع / الشيخ الصدوق ١ : ٢٤٥ / ٧ باب ١٧٩ باب علة الغيبة ، واكمال الدين ٢ : ٤٨٠ ـ ٤٨١ / ٦ باب ٤٤.


إلى وقت افتراقهما. يا ابن الفضل! إنّ هذا الأمر أمر من ( أمر ) الله تعالى ، وسرٌّ من سرّ الله ، وغيب من غيب الله ، ومتى علمنا أنه عزّوجلّ حكيم صدّقنا بمن أفعاله كلها حكمة ، وإن كان وجهها غير منكشف »(١) .

لقد فرّق هذا الحديث بين علة الغيبة ، ووجه الحكمة في غيبة الإمامعليه‌السلام أما العلة ، فقد علّمها الله تعالى لأوليائه ، غير أنه عزّوجلّ لم يؤذن لهم في كشفها ، وبهذا يتبيّن اشتباه بعضم في جعل تلك العلة الخافية علينا من أسرار الله عزّوجلّ التي لم يطلع عليها أحدا من أوليائهعليهم‌السلام ! والصحيح منه سبحانه استأثر بوجه الحكمة في غيبة الإمام ، ولم يستأثر بالعلة نفسها كما هو صريح هذا الحديث الشريف.

ثانيا ـ أحاديث التمحيص والاختبار وبيان فلسفتها :

أحاديث التمحيص والاختبار :

تعدّ مسألة تمحيص الناس واختبارهم في زمان الإمام المهديعليه‌السلام مسألة متواترة عن الإمام الصادقعليه‌السلام فحسب ، فقد رواها عنه أبان ابن تغلب ، وأبو بصير ، والربيع بن محمد المسلّي ، وزرارة ، وسدير الصيرفي ، وعبد الله بن الفضل الهاشمي ، وعبد الله بن يعفور ، وعبد الرحمن بن سيابة ، وفرات بن الأحنف ، والمفضّل بن عمر ، ومهزم بن أبي برده الأسدي ، وأخرجها محدثو الشيعة ، عن هؤلاء ، عن الإمامعليه‌السلام من طرق شتى فيما

__________________

١ ـ إكمال الدين ٢ : ٤٨١ ـ ٤٨٢ / ١١ باب ٤٤ ، وعلل الشرائع ١ : ٢٤٥ ـ ٢٤٦ / ٨ باب ١٧٩ باب علة الغيبة.


تتبعناه وسنكتفي ببعض منها ، كالآتي :

١ ـ عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام منه قال : « مع القائمعليه‌السلام من العرب شيء يسير ، فقيل له : إنّ من يصف هذا الأمر منهم لكثير! قال : لابد للناس من أن يمحّصوا ، ويميّزوا ، ويغربلوا ، وسيخرج من الغربال خلق كثير »(١) .

والذي قال للإمامعليه‌السلام ذلك هو عبد الله بن يعفور كما هو صريح روايات اُخرى(٢) .

٢ ـ وعن عبدالرحمن بن سيابة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : « كيف أنتم إذا بقيتم بلا إمام هدى ولا علم ( يرى ) يتبرّأ بعضكم من بعض ، فعند ذلك تُميّزون وتُمحصّون وتُغربلون »(٣) .

٣ ـ وعن مهزم بن أبي بردة الأسلمي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : « والله لَتُكسَّرنَّ تكسّر الزجاج وإنّ الزجاج ليعود فيعاد ، والله لَتُكسّرُنَّ تكسّر الفخار فإنّ الفخار ليتكسّر فلا يعود كما كان ، والله لَتُغَربُلنّ ، والله لتميّزن ، والله لتمحّصن ، حتى لايبقى منكم إلاّ الأقل ، وصعّر كفّه »(٤) .

وأخرج الشيخ الطوسي عن الربيع بن محمد المسلّي ، عن الإمام

__________________

١ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ٢٠٤ / ٦ باب ١٢.

٢ ـ كتاب الغيبة / النعماني ٢٠٤ ـ ٢٠٥ / ٧ من الباب السابق.

٣ ـ إكمال الدين ٢ : ٣٤٧ ـ ٣٤٨ / ٣٦ باب ٣٣.

٤ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ٢٠٧ / ١٣ باب ١٢.


الصادقعليه‌السلام ؛ نحوه(١) .

٤ ـ وعن المفضّل بن عمر ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : « أما والله ليغيبنّ إمامكم سنين من دهركم ، ولتمحّصن حتى يقال : مات أو هلك ، بإي وادٍ سلك »(٢) .

فلسفة التمحيص والاختبار :

تكشف الأحاديث الاربعة المتقدمة وغيرها من الاحديث الأخرى الواردة في موضوعها عن التخطيط الالهي المقتضي لامتحان المسلمين واختبارهم في غيبة إمام الزمانعليه‌السلام ، لمن الغيبة لا سيّما إذا كانت طويلة وزائدة على عمر الإنسان الطبيعي بعشرات المرّات ، ستورث الشكّ في النفوس الضعيفة في بقاء صاحب الغيبة حيّا طوال تلك الفترة ، وقد يؤول هذا الشكّ إلى الطعن باستمرار وجوده الشريف!

والمراد بالتمحيص : التفية بأخذ الشيء الحيد وابعاد الشيء الردي.

وبالتمييز : التفرقة بين شيئين بموجب خصائص معينة ، والمراد هنا معرفة الناس على حقيقتها بالاختبار.

وبالغربلة : نخل الشيء بالغربال.

وفي حديث الإمام الباقرعليه‌السلام : « والله لتميّزنّ ، والله لتمحّصنّ ، والله

__________________

١ ـ كتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ٣٤٠ / ٢٨٩.

٢ ـ كتاب الغيبة / النعماني ٢٠٤ / ٦ من الباب السابق.


لتغربلنّ كما يغربل الزوان من القمح »(١) .

والزوان : حبوب صغيرة تختلط بالحنطة وتكون على شكلها ولكنها ليست منها ، فانظر إلى دقة التمثيل وروعته ، فكما تخرج الزوان عن القمح بالغربال فكذلك يخرج ضعفاء الإيمان بقانون التمحيص ، وغربالهم ليس إلاّ الظروف الصعبة التي يمر بها الإنسان في حياته ، وما تحيط بتلك الحياة من مصالح ضيقة وشهوات ومغريات.

وقول الإمام الصادقعليه‌السلام : « وسيخرج من الغربال خلق كثير » ليس اعتباطا إذن ، وإنّما هو يحكي عن حقيقة ثابتة نطق بها القرآن الكريم بذم الكثرة ومدح القلة في كثير من الآيات البينات :( وكثير منهم فاسقون ) (٢) ( وما آمن معه إلاّ قليل ) (٣) .

وكل هذا يشير إلى أن أكثر البشر يتبعون الباطل ، وينحرفون مع الشهوات ، ويندفعون تجاه مصاليهم ، حتى ليكونوا عونا للظالمين ، ويدا لهم ، وفي مقابل هذا تبقى في نتيجة الامتحان والتمييز والتمحيص الطويل ثلة لا يضرها من ناوأها حتى يقاتل آخرها الدجال ؛ لأنهم يمثلون الحق صرفا الذي لا باطل معه أصلا.

ونظرة واحدة إلى القرآن الكريم تكشف آن قانون التمحيص الالهي لم

__________________

١ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ٢٠٥ / ٨ من الباب السابق.

٢ ـ سورة الحديد : ٥٧ / ١٦.

٣ ـ سورة هود : ١١ / ٤٠.


يختص بفئة أو اُمّة من الناس ، بل هو قانون عام للبشريّة في جميع مراحل تاريخها ، ويدلنا على ذلك :

قوله تعالى :( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتّى يميز الخبيث من الطّيّب ) (١) .

وقوله تعالى :( ليميز الله الخبيث من الطيّب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فير كمه جميعا فيجعله في جهنّم أولئك هم الخاسرون ) (٢) .

وقوله تعالى :( وليمحّص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين * أم حسبتم أن تدخلوا الجنّة ولمّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصّابرين ) (٣) .

ومن غير شك أن قانون التمحيص لابد وأن يكون أشد وآكد إذا ما اقترن أمره باعداد النخبة الصالحة التي ينبغي أن تعيش الاستعداد الكامل لنصرة الاحق وأهله من خلال انتظارها لدولة الحق المرتقبة على بد المنقذ العظيم الإمام المهديعليه‌السلام .

لقد أراد الله عزّوجلّ أن يكون التمحيص في الغيبة الكبرى لإمام العصر والزمان عظيما ؛ ليتضح من خلاله ما إذا كانت تصرفات الانسان وأقواله منسجمة مع الدين أو لا. ولا شكّ أن من يعبرالاختبار الصعب

____________

١ ـ سورة آل عمران : ٣ / ١٧٩.

٢ ـ سورة الانفال : ٨ / ٣٧.

٣ ـ سورة آل عمران : ٣ : ١٤١ ـ ١٤٢.


سوف لن يهمل وظيفته الاجتماعية الكبرى : الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، باعتبارهما من أبرز وظائف عصر الانتظار المتقوم بالإيمان ، والتضحية ، والصمود.

ولا يخفى بأن الغرض من أحاديث التمحيص والاختبار كلها إنّما هو يصبّ في خدمة أجيال الغيبة ؛ لكي ينتبهوا من غفلتهم ويلحظوا ما ينبغي ملاحظته من أمور :

كعدم الاغترار بلمع السراب من كلام المشعوذين الكاذبين.

ومعرفة مكائد السفهاء وأعداء الحق ، من الذين في قلوبهم مرض والمفتونين.

والتعوّذ من زخارف إبليس وأشياعه في كل زمان ومكان.

والتمسّك بالثقلين : كتاب الله والعترة الطاهرةعليهم‌السلام .

وعدم استطالة المدى في غيبة المولىعليه‌السلام ؛ لمن الظهور الشريف آت لا محالة ومثلة مثل الساعة :( لا يُجلّيها لوقتها إلاّ هو ثقلت في السّموات والأرض لا تاتيكم إلاّ بغتة ) (١) .

والتدرّع بالصبر على النتظار الحبيب صاحب الطلعة الرشيدة والغرّة الحميدة.

وارتفابه ببصيرة لا حيرة فيها ، ويقينا لا شكّ معه.

__________________

١ ـ سورة الاعراف : ٧ / ١٨٧.


والاعتقاد الحازم بأن الله تعالى سيصلح له أمره في ليلة واحدة وحينئذٍ سيقبل كالشهاب الثاقب.


الباب الثالث

دور الإمام الصادقعليه‌السلام في رد الشبهات

المثارة حول الغيبة والغائب

الفصل الأول :

شبهة الكيسانية بمهدوية محمد بن الحنفيةرضي‌الله‌عنه

الفصل الثاني :

شبهة مهدوية عمر بن عبدالعزيز الاموي المرواني

الفصل الثالث :

شبهة مهدوية محمد بن عبد الله الحسيني

الفصل الرابع :

دعوى مهدوية المهدي العباسي

الفصل الخامس :

موقف الإمام الصادقعليه‌السلام من المهدويات الأخرى

الفصل السادس :

دور الإمام الصادقعليه‌السلام في رد الشبهات الأخرى



تمهيد :

على الرغم من كثرة الكتب المؤلّفة في غيبة الإمام المهديعليه‌السلام قبل حصولها ، وكثرة الأحاديث الواردة في بيان هوية الإمام المهدي ، وغيبته ، وطول عمره الشريف قبل ولادته بعشرات السنين ، وانتشار العقيدة المهدوية في الوسط الإسلامي في القرون الثلاثة الأولى ـ انتشارا واسعا على الرغم من كل ذلك بقي علم الكلام الإسلامي في عصر الإمام الصادقعليه‌السلام بكل اتجاهاته خاليا تماما من اية إثارة بخصوص الإمام المهديعليه‌السلام ، هذا في الوقت الذي تناول فيه شتى المباحث الكلامية في التوحيد ، والعدل ، والنبوة ، والإمامة ، والمعاد ، وغيرها.

والسرّ في ذلك أنه لم تكن هناك ثمة شبهات كيبرة تذكر في زمان الإمام الصادقعليه‌السلام بشأن الغيبة والغائب ، خصوصا وإن الإمام المهديعليه‌السلام لم يكن مولودا في ذلك الحين ولم تبتل الأمة بغيبته الطويلة التي صارت فيما بعد مثارا اللجدل. هذا إذا ما استثنينا بعض المحأولات المنحرفة التي كانت تستهدف استغلال عقيدة الأمة بمهديها فادّعت المهدوية زورا وبطلانا ، وتصدّى لها إلإمام الصادقعليه‌السلام بكل قوّة حتى قبرت وهي في مهدها.


ويبدو أن متكلمي المعتزلة والزيدية وغيرهم من خصوم الإمامية الذين ماتوا قبل ولادة الإمام المهديعليه‌السلام كانوا في حرج شديد إزاء أخبار الإمام الصادقعليه‌السلام وأهل البيتعليهم‌السلام كافة بخصوص ولدهم المهديعليه‌السلام ، إذ شكلت بمجموعها تحدّيا صارخا لهم ، ولم يجدوا وسيلة في رد أخبار أهل البيتعليهم‌السلام تلك حتى وإن لم يعتقدوا بإمامتهم ، إذ تكفيهم بذلك سائر موجبات قبول الخبر من الوثاقة والضبط والصدق والحفظ والحريجة في الدين ، سيما وإن تلك الأخبار أنبأت عن مستقبل قد يكون بعيدا على أولئك المتكلمين ، وبالتالى هم ليسوا من أهله(١) ، ولهذا نراهم قد خفّفوا من غلوائهم تجاه هذه المسألة ، واهملوها تماما ، ولم يتصدّ أحد منهم قط إلى تكذيب أخبارها على الرغم من كونها بين أيديهم ، وكأنهم ـ بهذا ـ قد تحفّظوا على أنفسهم فلم يرموا بها شططا في كل اتجاه.

وما إن انقضى عصر أُولئك المتكلمين إلاّ وقد اصطدم خَلَفَهُم بالواقع ، خصوصا وقد شاهدوا رجوع القواعد الشيعية برمّتها ـ في كل صغيرة

__________________

١ ـ بحث المتكلمون في مسائل كثيرة لم يكونوا من أهلها في ذلك الحين ، وكانت تمسّ مستقبل الانسان ومصيره في الصميم ، كما هو الحال في بحثهم مسألة البرزخ ، والصراط ، والميزان ونحوها كثير.

والامر هنا مختلف تماما ، إذ لا يقبل جدلا ولا تأويلا ، فالإخبار عن شخص بذكر اسمه ونسبه وحسبه وكنيته ولقبه وسيرته وحليته وأخلاقه وأوصافه بأنه هو المهدي الموعود به في آخر الزمان ، لا يدع مجالا للمتكلمين في تأويل ذلك أو صرفه عن مدلّو له ، اللهمّ إلاّ أن يضطرّهم اعتقادهم الفاسد إلى تكذيب مثل هذا الإخبار ، وهو ما لم يحصل من المتكلمين في زمان الإمام الصادقعليه‌السلام .


وكبيرة ـ إلى سفراء الإمام المهديعليه‌السلام ووكلائه المنبثّين في طول بلاد الإسلام وعرضها.

ومن هنا لم يشأ بعضهم ترك الحبل على غاربه ، فحاول عبثا إثارة بعض الشبهات والاشكالات ، حتى اضطرّ أخيرا إلى تكذيب تلك الأخبار التي كانت مدونة في عهد أسلافهم الذين عجزوا من تكذيبها.

وما إن دخلت العقيدة المهدوية في علم الكلام وأخذت حيزها الواسع فيه ، وذلك بعد تحقّقها على أرض الواقع بولادة الإمام المهديعليه‌السلام وغيبته سنة / ٢٦٠ هـ ، إلاّ وقد تصدّى طلائع المتكلمين من الإمامية في عصر الغيبة الصغرى كابن قبة الرازي والنوبختيين وغيرهم إلى بيان زيف تلك الشبهات وأذاقوها ألوانا من مرارة التفنيد ، كما نجده في كثير من نقولات الشيخ الصدوق عن أولئك المتكلمين في رد شبهات الزيدية والمعتزلة وغيرهم في هذا الخصوص(١) .

والطريف في تلك الشبهات أنها كانت تعتمد على أشياء قد سبق وإن تعرّض لها الإمام الصادقعليه‌السلام ، نظير تمسّكهم بدعاوى المهدوية ، وطول عمر الإمام المهديعليه‌السلام ، والفائدة من غيبته ، ونحو هذا من الأمور التي لم تزل تثار إلى وقتنا هذا بما يمكن معه القول بأن سائر الاشكالات التي يثيرها بعض الكتّاب لم تكن جديدة أصلا ؛ إذ مضى عليها أكثر من ألف عام بل حتى أجوبتها ليست جديدة هي الأخرى وعمر معظمها أطول

__________________

١ ـ راجع : ما كتبه الشيخ الصدوق في مقدمة كتابه إكمال الدين وإتمام النعمة ، ستجد فيها ردّا واسعا على شبهات الزيدية والمعتزلة وغيرهم في العقيدة المهدوية.


من عمر الإمام المهديعليه‌السلام ، كما سنرى بعد قليل.

ومن هنا يتبين لنا وبكل وضوح أن دور الإمام الصادقعليه‌السلام في صيانة الفكر المهدوي الأصيل كان دورا سابقا لزمانه بقرون عديدة ، إلاّ ما كان بصدد رد بعض دعاوى المهدوية المعاصرة لهعليه‌السلام ، إذ كانعليه‌السلام يتعمّد إلى إثارة ما يمكن أن يقال عاجلا أو آجلا ثم يتعرّض ـ بذات الوقت ـ إلى الإجابة الشافية المختصرة.

وكثيرا ما يكون في حديثهعليه‌السلام جواب لشبهة مقدرة من دون إثارة صريحة لها ، وربّما قد يكون الجواب ـ أحيانا ـ ردّا على سؤال في هوية الإمام المنتظر ، أو ولادته ، أو غيبته ، ونحو ذلك من أمور أخرى ، صارت أجاباتها ردودا لما أُثير بعد ذلك من شبهات.

وفي ما يلي دراسة لأهم الشبهات المثارة حول العقيدة المهدوية ، وموقف الإمام الصادقعليه‌السلام منها وذلك في فصول.


الفصل الأول

شبهة الكيسانية بمهدوية محمد بن الحنفية رضي الله عنه

أولا ـ أسباب ظاهرة ادّعاء الهدوية في التاريخ :

تمثّل ظاهرة ادّعاء المهدوية في التاريخ الإسلامي عنصر الفساد والانحراف الذي يقف دائما ـ وباسم الدين ـ في الصفّ المناوئ للأهداف الكبرى في الشريعة ، وذلك باستغلال إيمان الأمة بالإمام المهديعليه‌السلام الذي بشّر به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بشكل تخطى مضمونه سائر الحدود المطلوبة في تحقّق التواتر وعلى جميع الأصول المحرّرة في معرفته.

وقد يسأل بعضهم فيقول : كيف استطاعت إذن أن تشقّ تلك الظواهر طريقها في المجتمع الإسلامي وبهذا الوقت المبكّر من تاريخه؟ والجواب منوط بمعرفة الاسباب المؤدّية الى استغلال الدين باسمه وعلى اكثر من صعيد ، ويأتي في طليعتها :

١ ـ عدم تحصّن الأمة بالثقلين « كتاب الله والعترة الطاهرةعليهم‌السلام » كما ينبغي.

٢ ـ ضعف الوازع الديني عند أدعياء المهدوية على مرّ التاريخ ، مما


هوّن عليهم ذلك ارتكاب مثل هذاالأمر الخطير.

٣ ـ تشر ذم الأمة إلى فئات متناحرة ومحاولة كل منها كسب الأنصار والمؤيدين بشتى الطرق الملتوية ، من بذل المال ، أو الالتفاف على الدين.

٤ ـ قلّة الثقافة المهدوية في نفوس بعض القواعد الشعبية التي روّجت لمهدوية هذا الشخص أو ذاك ، كما نجده عند الكيسانية في إشاعتهم مهدوية محمد بن الحنفيةرضي‌الله‌عنه .

٥ ـ الافتتان ببعض الشخصيات ، ومحاولة رفعها فوق قدرها واعطائها من الألقاب والصفات ما لا تستحق ، كما هو الحال في وصف عمر بن عبدالعزيز الاموي المرواني بـ ( المهدي ) مثلا.

ومما زاد الطين بلّة : ثقافة الاستبداد السياسي التي ورثتها الأمة وتربّت عليها بعد وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مباشرة ، فهي في الوقت الذي تجاهلت فيه مبدأ النصّ والتعيين ، لم تراع حرية الاختيار واختفت الشورى تماما بحيث لم تتحقّق ولو مرّة واحدة ـ سهوا أو اشتباها ـ في حياتها ، ثم تطور الامر سوءا حتى اُبيح للسلطان أن يتّخذ الدين مطيّه لتحقيق مآربه واهدافه السياسية ، ولو بعبور الخطوط الحمراء في الشريعة واستغلالها لصالحه كما هو الحال في الدولتين الاموية والعباسية ، وخير مثال على ما نحن فيه محاولة التفاف أبي جعفر الدوانيقي عبد الله المنصور ( الخليفة ) العباسي ( ١٣٦ ـ ١٥٨ هـ ) على العقيدة المهدوية ، وانتزاعها من محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى ( المهدي الحسني ) الذي ادعاها بدوره! طمعا بالسلطة ، فأطاح المنصور العباسي بثورته وقتله وأخاه إبراهيم ( سنة / ١٤٥ هـ ) ، ثم أقدم ( سنة / ١٤٧ هـ ) على تعيين ابنه محمد ( ١٥٩ ـ


١٦٩ هـ ) وليّا للعهد ولقبّه بالمهدي!(١) ، وغيرها من الاسباب الاخرى التي أفضت بطبيعتها إلى ولادة خط الانحراف العقائدي وتمكين ظواهري السلبية في المجتمع ، في حين صمد الخط الملتزم بمبادئه الاسلامية الثابتة ، وتصدت قيادته الواعية إلى كل انحراف ؛ لتصون العقيدة المهدوية من العابثين والطامعين ، كما نجد ذلك واضحا في موقف الإمام الصادقعليه‌السلام من أولى تلك الدعاوى المزعومة والشبهات الفاسدة التي ظهرت في مقولة الكيسانية فنقول :

ثانيا ـ براءة ابن الحنفية رضي‌الله‌عنه من القول بمهدويته :

مات السيد محمد بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام المعروف بمحمد بن الحنفيةرضي‌الله‌عنه سنة ( ٧٣ /هـ ) وقيل غيرها(٢) ، وهو لا يعرف عن دعوى الكيسانية في إمامته ومهدويته وغيبته شيئا يذكر ، حيث روّجت الكيسانية له ذلك جهلا ـ بعد وفاته ـ ؛ تأثّرا بسموّ أخلاقه ونبله وعلمه ، زيادة على كونه أخا للسبطين وابنا لامير المؤمنينعليهم‌السلام ، مع عناد بعضهم على القول بإمامته ومهدويته وغيبته حتى بعد وفاته ودفنه!

وكان محمد بن الحنفيةرضي‌الله‌عنه قد سمع بعضهم وهم يسلّمون عليه بالمهدوية ، ولكنه لم يحمل تحيتهم على معنى مهدي آخر الزمانعليه‌السلام بل على كونه من جملة العباد الصالحين الذين يهدون إلى الحق وبه يعملون ، وقد

__________________

١ ـ راجع : تاريخ الخلفاء / السيوطي : ٢١٠.

٢ ـ اختلفت الروايات في وفاة السيد محمد بن الحنفيةرضي‌الله‌عنه ما بين سنة ( ٧٣ و ٨٠ و ٨١ و ٨٢ و ٩٢ و ٩٣ /هـ ) راجع : تهذيب الكمال / المزي ٢٦ : ١٥٢ / ٥٤٨٤.


نبّههم على ذلك في وقته.

ويدلّ عليه ما أخرجه ابن سعد في طبقاته بسنده عن أبي حمزة قال : « كانوا يسلّمون على محمد بن علي : سلام عليك يا مهدي. فقال : أجل ، أنا مهدي اهدي إلى الرشد والخير ، ولكن اسمي اسم نبي الله ، وكنيتي كنية نبي الله ، فإذا سلّم أحدكم فليقل : سلام عليك يا محمد ، أو السّلام عليك يا أبا القاسم »(١) .

ولم أجد في جميع المصادر أكثر صراحة من هذه الرواية في الدلالة على وصفه بالمهدوية في حياته. في حين انّها لاتدلّ على إرادة المهدي الموعود به في آخر الزمان ، كما لا تدلّ على رضاه ، ولا تبنيه ذلك كما يظهر من كلامه المتقدم.

ثالثا ـ اعتراف ابن الحنفية بإمامة السجادعليه‌السلام ، ونفي الإمامة عن نفسه :

كان السيد محمد بن الحنفيةرضي‌الله‌عنه عالما بإمام زمانه ، ولم يدّع الإمامة ولا المهدوية لنفسه ، كما لم يقبل بمقولة من ادعاها له من أصحابه ؛ ولهذا أمر بالسّلام عليه ـ كما مرّ ـ إمّا باسمه ، أو بكنيته.

ويدلّ على ما ذكرناه ما جاء عن أبي بصير قال : « سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول : كان أبو خالد الكابلي يخدم محمد بن الحنيفة دهرا ، وما كان يشكّ في منه إمام ، حتى أتاه ذات يوم فقال له : جعلت فداك ، إنّ لي حرمة

__________________

١ ـ الطبقات الكبرى / ابن سعد ٥ : ٩٤ في ترجمة محمد بن الحنفية ، وتاريخ دمشق / ابن عساكر ٥٤ : ٣٤٧ / ٦٧٩٧ ، وتاريخ الإسلام / الذهبي ٦ : ١٨٨ / ١٣٨ في وفيات سنة ( ٨١ ـ ١٠٠ / هـ ) ، وسير أعلام النبلاء / الذهبي ٤ : ١٢٣ / ٣٦ في ترجمة محمد بن الحنفية.


وموّدة وانقطاها فأسألك بحرمة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمير المؤمنينعليه‌السلام إلاّ أخبرتني : منت الإمام الذي فرض الله طاعته على خلقه؟ قال ، فقال : يا أبا خالد حلّفتني بالعظيم. الإمام عَلَىَ بن الحسينعليه‌السلام عليّ وعليك وعلى كل مسلم ، فأقبل أبو خالد لمّا أن سمع ما قاله محمد بن الحنفية ، جاء إلى على بن الحسينعليه‌السلام فلمّا استأذن عليه ، فأخبر أن أبا خالد بالباب ، فأذن له فلمّا دخل عليه ، دنا منه ، قال : مرحبا بك يا كنكر! ما كنت لنا بزائر ، ما بدا لك فينا؟ فخرّ أبو خالد ساجدا شكرا لله تعالى مما سمع من علي بن الحسينعليهما‌السلام ، فقال : الحمد لله الذي لم يمتني حتى عرفت إمامي ، فقال له على بن الحسينعليهما‌السلام : وكيف عرفت إمامك يا أبا خالد؟ قال : إنّك دعوتني باسمي الذي سمتني أمي التي ولدتني ، وقد كنت في عمياء من أمري ولقد ، خدمت محمد بن الحنفية دهرا من عمري ولا أشكّ إلاّ وأنه إمام! حتى إذا كان قريبا سألته بحرمة الله تعالى ، وبحرمة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبحرمة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فأرشدني إليك ، وقال : هو الإمام عليّ ، وعليك ، على خلق الله كلهم »(١) .

فكيف يدّعي الكيسانية إذن امامته ومهدويته وغيبته ، وهذه هي أقوالهرضي‌الله‌عنه ؟

رابعا ـ من روّج له المهدوية والإمامة بعد وفاته :

ظهر القول بإمامة ومهدوية وغيبة ابن الحنفيةرضي‌الله‌عنه بعد وفاته على يد الكيسانية التي زعمت باطلا بكل هذه الاقاويل التي ما أنزل الله بها من

__________________

١ ـ رجال الكشي : ١٢٠ ـ ١٢١ / ١٩٢ في ترجمة أبي خالد الكابلي.


سلطان.

وكان من رؤوسهم الذين تعصّبوا لمحمد بن الحنفية وقالوا بإمامته ومهدويته وغيبته وإنّه حيٌّ لم يمت ، حيان السراج كما سيأتي في بيان موقف الإمام الصادقعليه‌السلام من هذه الدعوى.

ومن مشاهيرهم الذين لعبوا دورا إعلاميا كبيرا في إشاعة هذه الدعوة ، كثير عزّة الشاعر المعروف وقد ضمّ ديوانه جملة من القصائد الشعرية التي تعرب عن عقيدته تلك ، يقول في بعضها :

ألا إن الأئمة من قريش

ولاة الحق أربعة سواء

على والثلاثة من بنيه

هم الأسباط ليس بهم خفاء

فسبط سبط إيمان وبرٍّ

وسبط غيّبته كربلاء

وسبط لا تراه العين حتىٍ

يقود الخيل يقدمها لواء

تغيّب لا يرى عنهم زمانا

برضوى عنده عسل وماء(١)

ويقول في أُخرى :

هو المهدي خَبَّرناه كعب

أخو الأحبار في الحقب الخوالى(٢)

ومن جميل ما يروى ، هو ما قاله مصعب بن عبد الله ، قال : « قيل

__________________

١ ـ ديوان كثير عزّة ٢ : ١٨٦ ، ومروج الذهب ٣ : ٨٨ ، و الأغاني / أبو الفرج الأصبهاني ٩ : ١٢ في ذكر أخبار كثير ونسبه ، وعيون الأخبار / ابن قتيبة الدينوري ٢ : ٥٤٣ من كتاب العلم والبيان.

٢ ـ ديوان كثير ١ : ٢٧٥ ، ومروج الذهب ٣ : ٨٧ ، والأغاني ٩ : ١٣ ـ ١٤.


لكثير : لقيت كعب الأحبار؟ قال : لا ، قيل : فلم قلت : خبرناه كعبُ...؟ قال : بالوهم »!(١) .

ومن جملتهم أيضا السيد الحميري ، وهو من مشاهير الكيسانية قبل لقائه بالإمام الصادقعليه‌السلام ، ومعرفة الحقيقة منه وقد كانت له قصائد كثيرة يذكر فيها مهدوية ابن الحنفية ، منها ما ذكره المسعودي :

يا شعب رضوى ما لمن بك لا يرى

وبنا إليه من الصبابة أولق

حتى متى؟ وإلى متى؟ وكم المدى؟

يا ابن الوصي وأنت حيّ ترزق(٢)

لقاء السيد الحميري الكيساني بالإمام الصادقعليه‌السلام :

شاءت الأقدار أن يلتقي السيد الحميري بالإمام الصادقعليه‌السلام ، مما كان لهذا اللقاء أثره الفعّال في تغيير السيد الحميري عقيدته الكيسانية ورجوعه من القول بإمامة ومهدوية محمد بن الحنفيةرضي‌الله‌عنه ، إلى الحق واعتقاده مذهب الإمامية ، وهو ما صرّح به ابن المعتز في طبقات الشعراء(٣) ، والمرزباني في أخبار السيد(٤) ، والشيخ الصدوق(٥) ، والشيخ المفيد(٦) ، والشيخ الطوسي(٧)

____________

١ ـ تهذيب الكمال ٢٦ : ١٥٠ / ٥٤٨٤.

٢ ـ مروج الذهب / المسعودي ٣ : ٨٨.

٣ ـ طبقات الشعراء / ابن المعتز : ٢٢ ـ ٣٦.

٤ ـ أخبار السيد / المرزباني : ١٦٤.

٥ ـ إكمال الدين ١ : ٣٢ ـ ٣٥ من المقدمة.

٦ ـ الفصول المختارة : ٢٤١ ، والإرشاد ٢ : ٢٠٦.

٧ ـ أمالي الشيخ الطوسي : ٦٢٧ / ١٢٩٣ ، المجلس رقم / ٣٠.


وابن شهر آشوب(١) ، والاربلي(٢) ، وغيرهم ممن ترجم للسيد الحميريرضي‌الله‌عنه .

وهكذا أصبح السيد ـ بفضل هدايته على يد الإمام الصادقعليه‌السلام ـ من شعراء أهل البيت المجاهرين بولايتهم من الطبقة الأولى ، حتى وصفه علماء الشيعة بالمعظم(٣) ، ولهذا قال ابن عبد ربّه الأندلسي الأموي : « ومن الروافض ، السيد الحميرى ، وكان يلقى له وسائد في مسجد الكوفة يجلس عليها ، وكان يؤمن بالرجعة »(٤) .

السيد الحميري يودع كيسانيته ويتعرف على هوية الإمام المهديعليه‌السلام :

لقد اعترف السيد الحميري بدور الإمام الصادقعليه‌السلام وفضله في إزاحة شبهة الكيسانية عنه ، وهو ما حكاه لنا الشيخ الصدوق بقوله :

« فلم يزل السيد ضالا في أمر الغيبة يعتقدها في محمد بن الحنفية حتى لقي الصادق جعفر بن محمدعليهما‌السلام ، ورأى منه علامات الإمامة ، وشاهد فيه دلالات الوصية ، فسأله عن الغيبة ، فذكر له منها حقّ ، ولكنها تقع في الثاني عشر من الأئمةعليهم‌السلام ، وأخبره بموت محمد بن الحنفية ، وإن أباه

__________________

١ ـ المناقب / ابن شهر آشوب ٣ : ٥٢٨.

٢ ـ كشف الغمّة ٢ : ٤٠.

٣ ـ وصفه بهذا الوصف ابن داود الحلّي في رجالة : ٥٩ / ١٩٣ ، وقال العلّامة في الخلاصة : ٥٧ / ٥٠ : « إسماعيل بن محمد الحميرى ، ثقة ، جليل القدر ، عظيم الشمن والمنزلة ، رحمه الله ».

٤ ـ العقد الفريد / ابن عبد ربه الاندلسي الاموي ٤ : ١٢٢.


ـ يعني : الإمام الباقرعليه‌السلام ـ شاهد دفنه ، فرجع السيد عن مقالته واستغفر من اعتقاده ، ورجع إلى الحق عند اتضاحه له ، ودان بالإمامة.

ثم أخرج الصدوق ـ بعد كلامه هذا ـ بسنده عن السيد الحميري قوله : كنت أقول بالغلوّ وأعتقد غيبة محمد بن عليٍّ ـ ابن الحنفيّة ـ قد ضللت في ذلك زمانا ، فمنَّ الله عليَّ بالصادق جعفر بن محمدعليهما‌السلام وأنقذني به من النّار ، وهداني إلى سواء الصراط ، فسألته بعد ما صحّ عندي بالدَّلائل التي شاهدتها منه أنه حجة الله على وعلى جميع أهل زمانه وأنه الإمام الذي فرض الله طاعته وأوجب الاقتداء به ، فقلت له : يا ابن رسول الله قد روي لنا أخبار عن آبائكعليهم‌السلام في الغيبة وصية كونها فأخبرني بمن تقع؟ فقالعليه‌السلام : إن الغيبة ستقع بالسادس من ولدي وهو الثاني عشر من الأئمة الهداة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أوَّلهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام وآخرهم القائم بالحق بقيّة الله في الأرض وصاحب الزّمان ، والله لو بقي في غيبته ما بقي نوح في قومه لم يخرج من الدنيا حتى يظهر فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما. قال السيد : فلمّا سمعت ذلك من مولاي الصادق جعفر بن محمدعليهما‌السلام تبت إلى الله تعالى ذكره على يديه ».

مع قصيدة السيد الحميري التي سجل فيها اعترافه بالحق :

قال السيدرحمه‌الله بعد كلامه السابق مباشرة وبلا فصل ـ وهو من تتمة رواية الشيخ الصدوق ـ مالفظه : « وقلت قصيدتي التي أولها :


فلمّا رأيت الناس في الدِّين قد غووا

تجعفرت باسم الله فيمن تجعفروا

ـ إلى أن قال ـ إلى آخر القصيدة ، وقلت بعد ذلك قصيتدة اُخرى :

١ أيا راكبا نحو المدينة جسرة

عذافرة يطوي بها كل سبسب

٢ إذا ما هداك الله عاينت جعفرا

فقل لوليِّ الله وابن المهذَّب

٣ ألا يا أمين الله وابن أمينه

أتوب إلى الرَّحمن ثمَ تأوَّبي

٤ إليك من الأمر الذي كنت مطنبا

أحارب فيه جاهدا كلَ معرب

٥ وما كان قولى في ابن خولة مطنبا

معاندة منّي لنسل المطيّب

٦ ولكن روينا عن وصيِّ محمد

وماكان فيما قال بالمتكذِّب

٧ بمنَ وليَّ الأمر يفقد لا يُرى

ستيرا كفعل الخائف المترقّب

٨ فتقسم أموال الفقيد كمنما

تغيّبه بين الصفيح المنصّب

٩ فيمكث حينا ثمَ يشرق شخصه

مضيئا بنور العدل اشراق كوكب

١٠ يسير بنصر الله من بيت ربّه

على سؤدد منه وأمر مسبّب

١١ يسير إلى أعدائه بلوائه

فيقتلهم قتلا كحرَّان مغضب

١٢ فلمّا رُوي منَ ابن خولة غائب

صرفنا إليه قولنا لم نكذِب

١٣ وقلنا هو المهديُ والقائم الذي

يعيش به من عدله كلُ مجدب

١٤ فإن قلت لا فالحقُ قولك والذي

أمرت فحتمٌ غير ما متعصّب

١٥ وأشهد ربّي من قولك حجة

على الناس طرّا من مطيع ومذنب


١٦ بمنَ وليَّ الأمر والقائم الذي

تطلّع نفسي نحوه بتطرُّب

١٧ له غيبة لا بدّ من أن يغيبها

فصلّى عليه الله من متغيّب

١٨ فيمكث حينا ثمَ يظهر حينه

فميلك من في شرقها والمغرب

١٩ بذاك أدين الله سرّا وجهرة

ولست وإن عوتبت فيه بمعتب »(١)

الكشف عمّا في قصيدة السيد الحميري من دلالات :

لا بأس بمتابعة قصيدته والكشف ـ باختصار ـ عمّا في أبياتها من دلالة كالآتي :

البيت الثاني والثالث : فيهما تصريح باعتقاد السيد الحميري بأن الإمام الصادقعليه‌السلام هو ولي الله في زمانه وأمين الله على وحيه وابن أمينه.

الرابع والخامس : فيهما تصريح بالتوبة من الاعتقاد القديم بمهدوية ابن الحنفية.

السادس : في بيان سبب اعتقاده القديم الفاسد وهو تطبيق الروايات الواردة في المهدي وغيبته عن الوصي ويعني به أمير المؤمنينعليه‌السلام على غير موردها الحقيقي ومصداقها الواقعي.

السابع : يدلُّ على أن الوصيعليه‌السلام بشأن المهدي هو غيبته ( يفقد لا يرى ) وأن سببها الخوف ( ستيرا كفعل الخائف المترقّب ) وهذا هو المؤيّد بروايات كثيرة عن الإمام الصادقعليه‌السلام كما مرّ مفصلا في هذا

__________________

١ ـ إكمال الدين وإتمام النعمة : ١ : ٣٢ ـ ٣٥ من المقدّمة.


البحث.

الثامن : يشير إلى أن المروي عن الوصيعليه‌السلام صريح بتقسيم أموال الإمام المهديعليه‌السلام وهو حي « فتقسم أموال الفقيد » أي الغائب الحيّ الموجود وهو ما حصل فعلا لإمامنا المهدي من أزلام السلطة العباسية وأذنابها في حديث طويل رواه الشيعة برمّتهم وصحّ لديهم من عدّة طرق.

التاسع والعاشر والحادي عشر : في خصوص كون المروي عن الوصي في المهديعليه‌السلام ، هو أنه لابدَّ وأن يغيب حينا من الدهر ، ثم يكون ظهوره في مكّة المكرّمة ، وأن الله تعالى سيمكنّه من أعدائه جميعا ، وهذا هو ما نقوله ونعتقده طبقا للمتواتر من الأخبار.

الثاني عشر إلى الخامس عشر : في الكشف عن عقيدته السابقة بمهدوية ابن الحنفيةرضي‌الله‌عنه ، وإعلان رجوعه عنها ، واعتقاده الحق بفضل الإمام الصادقعليه‌السلام ، ويتضمّن الاخير اعتقاده بأن امامة الإمام الصادقعليه‌السلام من الله تعالى ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنه معصوم من الخطأ والزلل ، وإلاّ فما معنى ان يشهد الله تعالى على أن الصادقعليه‌السلام حجة الله على سائر الخلق؟ وكيف يختار الله تعالى حجته على عباده ولايكون معصوما؟

وما يقال بان الشعر عامّة ليس حجة ، فهو كذلك ، ولكن الأمر مختلف هاهنا ، فالأبيات تتلى على مسامع الإمامعليه‌السلام ولو كان فيها أدنى زلل لنبّه عليه الإمام الصادقعليه‌السلام

السادس عشر إلى التاسع عشر : صريحة بلا بدية غيبة ولي الأمر الإمام


القائم المهديعليه‌السلام ، وأنه لابدّ من ظهورهعليه‌السلام بعد انتهاء أمد غيبته ، وحينئذٍ سيتحقّق حلم الأنبياءعليهم‌السلام جميعا بإقامة ودولة الحق العظمى في جميع الأرض على يده الشريفة ، وفي الأخير إعلان بتمسّك السيد الحميرى بهذا الدين الحق ، وإنه لا يخشي فيه لومة لائم.

كما أن أجواءِ القصدية وأبياتها تكشف عن أن احاديث غيبة الإمام المهديعليه‌السلام الواصلة إلينا لم تكن قط من صنع أية حركة أو طائفة ، ولا هي من صنع متكلمي الشيعة في القرنين الثالث والرابع الهجريين كما يفتري بذلك بعض المهرجين ، وإنما هي ـ في حدود أجواء القصيدة فقط ـ من اخبار أهل البيتعليهم‌السلام منذ عهد أمير المؤمنين الإمام عليعليه‌السلام وصولا إلى الإمام الصادقعليه‌السلام ، فضلا عمّا في غيرها وهو كثير.

كما تكشف أجواء القصيدة أيضا عن دور الإمام الصادقعليه‌السلام في التصدّي الحازم لمزاعم المهدوية كالكيسانية ، وبثه الوعي اللازم تجاه العقيدة المهدوية الصحيحة ، مع استغلال كل فرضة سانحة لغرس مبادي الدين النقية التي تقوم عليها نظرية الحكم في الاسلام كما يفهم من تقرير الإمامعليه‌السلام لمفردات تللك القصيدة الرائعة التي جاءت زاخرة بفكر الإمامة ومفعمة بعقيدة النص والتعيين.

وأما من خلو الأبيات الشعرية من التصريح بهوية الإمام المهديعليه‌السلام فلا يدلّ على عدم تحديد الهوية للسيد الحميري من قبل الإمام الصادقعليه‌السلام خصوصا وقد مرّ في كلامه المنثور ما هو صريح بهذا التحديد. وربّما قد يكون التحديد مذكورا في رائيته المتقدمة حيث اقتصر على بعض


أبياتها ، ولو وصلت إلينا كاملة فربّما وجدنا بها أسماء أهل البيتعليهم‌السلام جميعا.

والمهم هو أن رجوع مثل السيد الحميري عن عقيدة الكيسانية واعتناق المذهب الإمامي الاثني عشري يعبّر عن دور الإمام الصادقعليه‌السلام في معالجة دعاوى المهدوية في زمانه مما كان له أكبر الأثر في هدم تلك الدعاوى الباطلة وتلاشيها واحدة بعد اخرى.

خامسا ـ ملاحقة الإمام الصادقعليه‌السلام لحجج الكيسانية ونسفها :

لم يتوقف الإمام الصادقعليه‌السلام في إبطال دعوى الكيسانية على صعيد هذا اللقاء بالسيد الحميري ، وإنّما راح أبعد من ذلك بكثير يوم بيّن لبعض رؤؤس الكيسانية زيف عقيدتهم ، ولكنهم ركبوا رؤوسهم عنادا وصلفا( وَمَنْ يُضْلِلِ اللهَ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَيِبلا ) (١) . ومن أولئك : حيان السرّاج.

عن عبدالرحمن بن الحجاج قال : « قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : أتاني ابن عم لي يسألني أن آذن لحيان السرّاج ، فأذنت له ، فقال لي يا أبا عبد الله إني أريد أن أسألك عن شيء أنا به عالم إلاّ أني أحب أن أسألك عنه ، أخبرني عن عمّك محمد بن علي مات؟ قال ، فقلت : أخبرني أبي أنه كان في ضيعة له فأتى ، فقيل له : أدرك عمك! قال : فأتيته ـ وقد كانت أصابته غشية ـ فأفاق فقال لي : أرجع إلى ضيعتك. قال : فأبيت ، فقال لترجعن ، قال : فانصرفت ، فما بلغت الضيعة حتى أتوني ، فقالوا : ادركه! فأتيته ،

__________________

١ ـ سورة النساء : ٤ / ١٤٣.


فوجدته قد اعتقل لسانه فدعا بطست ، وجعل يكتب وصيته ، فما برحت حتى غمضته ، وغسلته ، وكفنته ، وصلّيت على ، ودفنته.

فإن كان هذا موتا فقد والله مات. قال : فقال لي رحمك الله شبّه على أبيك. قال ، قلت : يا سبحان الله! منت تصدف على قلبك. قال فقال لي : وما الصدف على القلب؟ قال ، قلت : الكذب »(١) .

وعن بريد العجلي قال : « دخلت على ابي عبد اللهعليه‌السلام فقال لي : لو كنت سبقت قليلا أدركت حيان السرّاج. قال : وأشار إلى موضع في البيت ، فقالعليه‌السلام : كان ههنا جالسا فذكر محمد بن الحنفية وذكر حياته وجعل يطريه ويقرظه فقلت له : ياحيان أليس تزعم ويزعمون وتروي ويروون لم يكن في بني إسرائيل شيء إلاّ وهو في هذه الأمة مثله؟ قال : بلى. قال : فقلت : هل رأينا ورأيتم أو سمعنا وسمعتم بعالم مات على أعين الناس ، فنكح نساؤه ، وقسّمت أمواله. وهو حيٌّ لا يموت؟ فقالم ولم يرد عليَّ شيئا »(٢) .

وعن عبد الله بن مسكان قال : « دخل حيان السرّاج على أبي عبد اللهعليه‌السلام فقال له : ياحيان! ما يقول أصحابك في محمد بن على ( بن ) الحنفيّة؟ قال : يقولون هو حي يرزق. فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام : حدّثني أبي أنه كان فيمن عاده في مرضه ، وفيمن أغمضه ، وفيمن أدخله حفرته وقسّم ميراثه. قال : فقال حيان : إنّما مثل محمد بن الحنفية في هذه الأمة مثل

__________________

١ ـ رجال الكشي : ٣١٤ ـ ٣١٥ / ٥٦٩.

٢ ـ رجال الكشي : ٣١٤ / ٥٦٨.


عيسى بن مريم ، فقال : ويحك ياحيان شُبّه على أعدائه! فقال : بلى شبّه على أعدائه فقال : تزعم أن أبا جعفر عدو محمد بن على! لا ولكنك تصدف ياحيان »(١) .

وبهذا ونظائره استطاع الإمام الصادقعليه‌السلام أن يبيّن للناس جميعا تهافت مقولة الكيسانية وكذبها ، أما أدّى بالنتيجة إلى تبخر تلك المزاعم وإزالتها من صفحة الوجود بعد انقراض المتعصّبين لها ، وبصورة لم تترك معها أدنى تأثير ـ ولو طفيف ـ على خط الإمامة العريض الواضح ، كما لم تؤثّر شيئا على علم القواعد الشيعية بمن سيغيب من أئمة الهدىعليهم‌السلام .

__________________

١ ـ رجال الكشي : ٣١٥ ـ ٣١٦ / ٥٧٠.


الفصل الثاني

شبهة مهدوية عمر بن عبد العزيز الاموي المرواني

أولا ـ الآثار الموضوعة في مهدويته :

وضع المغرمون بعمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي المرواني ( ت / ١٠١ هـ ) ما شاء لهم من يضعوا من الأقوال على لسان عمر وابنه عبد الله ، وهي وإن كانت كلها آثارا موقوفة لا حجة بها ، ولكن لا بأس بذكرها لتستشعر من خلالها ذلك الكذب المفضوح.

١ ـ أخرج البيهقي عن عبد الله بن دينار ، عن عمر قال : « يا عجبا! يزعم الناس أن الدنيا لن تنقضي حتى يلي رجل من آل عمر يعمل بمثل عمل عمر. قال : فكانوا يرونه بلال بن عبد الله بن عمر ، قال : وكان بوجهه أثر ، قال : فلم يكن هو ، وإذا هو عمر بن عبدالعزيز وأمه ابنه عاصم بن عمر بن الخطاب »(١) .

وفي هذا الأثر اللاحجة ، محمد بن على المقري الضعيف عندهم بلا خلاف ، زيادة على عدم دلالته على المهدوية.

__________________

١ ـ دلائل النبوة / البيهقي ٦ : ٤٩٢ باب ما جاء في إخبارهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالشر الذي يكون بعد الخير الذي جاء به ، وتاريخ دمشق ٤٥ : ١٥٥ / ٥٢٤٢.


ولعل أطرف ما في هذا الأثر وروده في ( باب ما جاء في إخبارهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالشر الذي يكون بعد الخير الذي جاء به ) من كتاب دلائل النبوة للبيهقي!!!

٢ ـ وأخرج ابن حماد بسنده عن نافع ، عن عمر : « يكون رجل من ولدي بوجهه شين يلي ، فيملأها عدلا. قال نافع : لا أحسبنه إلاّ عم بن عبدالعزيز »(١) .

وهذا الاثر كسابقه ، وفيه عثمان بن عبد الحميد بن لاحق مجهول ، ونافع مولى ابن عمر كذّاب مشهور. وكان يقول له مولاه : لا تكذب عليَّ كما كذب عكرمة على ابن عباس.

٣ ـ وأخرج ابن سعد في طبقاته عن نافع أيضا ، عن ابن عمر قال : « كنت اسمع ابن عمر كثيرا يقول : ليت شعري من هذا الذي من ولد عمر في وجهه علامة ، يملأ الأرض عدلا »(٢) .

وهذا الاثر كسابقه ، وفيه نافع الكذاّب أيضا.

ثانيا ـ كذبهم على الإمام الباقرعليه‌السلام في دعم تلك المهدوية :

لأجل تمرير مهدوية عمر بن عبد العزيز وإضفاء طابع القداسة عليه حاول أنصاره تشويش هذه العقيدة في نفوس المسلمين وتقريبهم نحو الخط الأموي المقيت ، ولو بالكذب الفاضح على أهل البيتعليهم‌السلام في نصرة

__________________

١ ـ الملاحم والفتن / ابن حماد : ٧٦ / ٢٨٦.

٢ ـ الطبقات الكبرى / ابن سعد ٥ : ٣٣١ ، وحلية الاولياء / أبو نعيم ٥ : ٢٥٤ / ٣٣١ ، ودلائل النبوة / البيهقي ٦ : ٤٩٢.


الامويين ومهدوية عمرهم.

ومن هنا وضعوا على لسان الإمام الباقرعليه‌السلام ما أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ، عن مسلمة أبي سعيد في حديث رواح ، عن العرزمي ، قال : « سمعت محمد بن على يقول : النبي منا ، والمهدي من بني عبد شمس ، ولا نعلمه إلاّ عمر بن عبد العزيز.قال : وهذا في خلافة عمر بن عبدالعزيز »!!(١) .

ومثله ما أخرجه ابن عساكر في تاريخه ، وأبو عمرو الداني ، عن مولى لهند بنت اسماء ، قال : « لمحمد بن علي : إن الناس يزعمون من فيكم مهديا ، فقال : إن ذاك كذاك ، ولكنه من بني عبد شمس ، قال كمنه عنى عمر بن عبدالعزيز »(٢) .

ثالثا ـ رد اكذوبتهم على الإمام الباقرعليه‌السلام :

إن ما ذكره ابن سعد ، وابن عساكر من أوضح الكذب وأسخفه ، وما أحاديث الإمام الصادق في كتابنا هذا إلاّ هي أحاديث أبيه الباقرعليهما‌السلام ، نظرا لما قاله الإمام الصادق بن درّاج : « ما سمعت مني فاروه عن أبي ».

وقوله لجملة من أصحابه : « حديثي حديث أبي ».

__________________

١ ـ الطبقات الكبرى / ابن سعد ٥ : ٣٣٣ ، وتاريخ دمشق ٤٥ : ١٨٧ / ٥٤٢٤

٢ ـ تاريخ دمشق ٤٥ : ١٨٧ ـ ١٨٨ / ٥٤٢٤ ، والسنن الواردة في الفتن / أبو عمر الداني ٥ : ١٠٧٣ / ٥٨٧ باب من قال : أن المهدي عمر بن عبد العزيز ، وقد جعل هذا الحديث المكذوب في أول الباب.


وقوله لابي بصير حين قال له : الحديث أسمعه أنك أرويه عن أبيك ، أو أسمعه من أبيك ، أرويه عنك؟ قالعليه‌السلام : « سواء إلاّ أنك ترويه عن أبي أحبّ إلىّ »(١) .

على من مذهب الإمام الباقرعليه‌السلام في الإمام المهديعليه‌السلام كنار على علم ، وإليك صورة واضحة عمّا نطقت به أحاديثه الشريفة في المهديعليه‌السلام ، من قبيل :

إن الله تعالى أخذ الميثاق للإمام المهديعليه‌السلام من الأنبياءعليهم‌السلام كلهم(٢) ، وفيه شبه من بعضهم كغيبة موسى عن قومه ، وطول عمر نوح ، ومحنة يوسفعليهم‌السلام (٢) .

وقد أغبطه موسى لمّا رآه مكتوبا في أسفاره(٤) ، ليس من بني أميه ولا من آل مروان الملعونين قاطبة(٥) ، وإنما من آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٦) ، اسمه اسم

__________________

١ ـ راجع هذه الأقوال في اصول الكافي ١ : ٥١ ـ ٥٣ / ٤ و ١٤ باب رواية الكتب والحديث ، وفضل الكتابة ، والتمسك بالكتب ، من كتاب فضل العلم.

٢ ـ بصائر الدرجات : ٧٠ / ٢ باب ٢.

٣ ـ الإمامة والتبصرة من الحيرة / الصدوق الأول : ٩٣ / ٨٤ باب ٢٣ ، وإثبات الوصية : ٢٢٦ ، وإكمال الدين ١ : ١٥٢ / ١٦ باب ٦ ، و ١ : ٣٢٦ / ٦ باب ٣٢ ، و ١ : ٣٢٩ / ١٢ با ٣٢ ، وكتاب الغيبة / النعماني : ١٦٣ ـ ١٦٤ / ٣ و ٥ ، باب ١٠ ، و : ٢٢٨ / ٨ باب ١٣ ، وكتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ١٠٣.

٤ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ٢٤٠ / ٣٤ باب ١٣.

٥ ـ كامل الزيارات / ابن قولويه القمي : ١٩٦ / ٧ باب ٧١.

٦ ـ إثبات الوصية / المسعودي : ٢٢٦ ، وكتاب الغيبة / النعماني : ٢٣٤ / ٢٢ باب ١٣ ، و : ٢٤٠ / ٣٤ باب ١٣ ، والإرشاد ٢ : ٣٧١ و ٣٨٦.


نبي(١) بل سميي(٢) من أهل البيت(٣) ، وإنه لمهدينا(٤) ، وقائمنا(٥) ، ومعنى المهدي(٦) ، والقائم(٧) .

من ولد أمي الزهراء البتولعليها‌السلام (٨) ، ومن صلب جدي الحسينعليه‌السلام (٩) ، أصغرنا سنا وأخملنا شخصا(١٠) ، وابن امة(١١) .

__________________

١ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ١٧٨ ـ ١٧٩ / ٢٢ ـ ٢٤ باب ١٠ ، ودلائل الإمامة : ٢٦١.

٢ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ٢٣١ / ١٤ باب ١٣.

٣ ـ الأصول الستة عشر : ٦٣ ، وروضة الكافي ٨ : ٣٢٤ / ٥٩٧ ، ورجال الكشي : ٢١٧ / ٣٩٠ ، وتفسير فرات الكوفي : ٤٤ ، وكتاب الغيبة / النعماني : ٢٣٨ ـ ٢٣٩ / ٣٠ باب ١٣ ، وكتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ٢٨٢.

٤ ـ سنن الدار قطني ٢ : ٦٥ / ١٠ ، والتذكرة في أحوال الموتى والآخرة / القرطبي ٢ : ٧٠٣ ، وبصائر الدرجات : ٢٤ / ١٧ باب ١١ ، وإكمال الدين ٢ : ٦٥٣ / ١٨ باب ٥٧.

٥ ـ أصول الكافي ١ : ٢٣١ / ١ باب ما عند الآئمة من آيات الأنبياءعليهم‌السلام من كتاب الحجة ، وعلل الشرائع : ١٦١ / ٣ باب ١٢٩ ، وكتاب الغيبة / النعماني : ٢٨٣ / ١ باب ١٥ ، و : ٣٢٠ / ١ باب ٢٢ ، ودلائل الإمامة : ٢٤١ ، وكتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ٢٨٣.

٦ ـ دلائل الإمامة : ٢٤٩ ، والخرائج والجرائح ٢ : ؛ ٨٦٢ / ٧٨ باب ٢٠.

٧ ـ علل الشرائع : ١٦٠ / ١ باب ١٢٩ ، ودلائل الإمامة : ٢٣٩.

٨ ـ عقد الدرر / المقدسي الشافعي : ١١٠ باب ٤ فصل ٣ ، وروضة الكافي ٨ : ١٧٨ / ٢٥٥ ، والإرشاد ٢ : ٣٧٠ ، وكتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ١١٤ و ٢٦٥ ، وكشف الغمة / الإربلي ٣ : ٢٤٨ ، والخرائج والجرائح ٣ : ١١٥٧باب ٢٠.

٩ ـ ألاصول الستة عشر : ٧٩ ، والإرشاد ٢ : ٣٤٧.

١٠ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ١٨٤ / ٣٥ باب ١٠ ، ودلائل الإمامة : ٢٥٨.

١١ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ١٦٣ / ٣ باب ١٠.


تخفى على الناس ولادته(١) ، وتمتحن بذلك شيعته(٢) ، ومن الناس من ينكر ولادته(٣) ، ومنهم من يقول : مات أو هلك ، في أي واد سلك!(٤) ، وإنه لمن أهل بيتي(٥) ، وهوالسابع من ولدي(٦) ، نحن الأئمة الأوصياء(٧) ، كعدّة نقباء بني إسرائيل اثني عشر أوصياء ، تسعة من ولد الحسينعليه‌السلام ، تاسعهم قائمهم(٨) ، مع تفصيل اسمائهمعليهم‌السلام (٩) ، ولعن أول من ظلم حقهم وآخر تابع له على ذلك(١٠) ، وإنه لابدّ من غيبته(١١) ، في سنة مئتين

__________________

١ ـ أصول الكافي ١ : ٣٤٢ / ١٦ باب في الغيبة ، من كتاب الحجة ، وإثبات الوصية : ٢٢٢ ـ ٢٢٣ وإكمال الدين ١ : ٣٢٥ / ٢ باب ٣٢ ، وكتاب الغيبة / النعماني : ١٦٧ / ٧ باب ١٠ ، و : ١٦٩ / ١٠ باب ١٠ ، و : ٢٢٨ / ٣ و ٩ باب ١٣.

٢ ـ أصول الكافي ١ : ٣٧٠ / ٥ باب التمحيص والامتحان ، من كتاب الحجة ، وكتاب الغيبة/ النعماني : ٢٠٨ ـ ٢٠٩ / ١٦ باب ١٢ ، و : ٢٥٠ / ٨ باب ١٢ ، وكتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ٢٦٠.

٣ ـ إكمال الدين ١ : ٣٢٧ / ٧ باب ٣٢.

٤ ـ إكمال الدين ١ : ٣٢٦ / ٥ باب ٣٢ ، وكتاب الغيبة / النعماني : ١٥٤ / ١٢ باب ١٠.

٥ ـ تفسير العياشي ١ : ١٠٣ / ٣٠٢ ، وكتاب الغيبة / النعماني : ٣٠٨ / ٣ باب ١٩.

٦ ـ كفاية الأثر في النص على الأئمة الإثني عشرعليهم‌السلام / الخزاز القمي : ٢٥٠.

٧ ـ إكمال الدين ١ : ٣٢٨ / ٨ باب ٣٢ ، والإرشاد ٢ : ٣٤٥.

٨ ـ كفاية الأثر : ٢٥٠ ، والإرشاد ٢ : ٣٤٥ ، و ٣٤٦ ، و ٣٤٧.

٩ ـ مهج الدعوات في منهج العبادات / السيد رضي الدين بن طاوس : ٣٣٤ ـ ٣٣٦ ، وجمال الإسبوع / السيد رضي الدين بن طاوس : ٤٥٤ ـ ٤٦٤.

١٠ ـ كامل الزيارات : ١٩٦ / ٧ باب ٧١.

١١ ـ أصول الكافي ١ : ٣٣٨ / ٨ باب في الغيبة ، من كتاب الحجة ، وإكمال الدين


وستين(١) استبقاء على مهجته(٢) .

لهفي عليه من شريد طريد ، وفريد وحيد ، موتور بأبيه(٣) ، ومطلوب تراثه(٤) .

له غيبتان : تطول الثانية منهما(٥) ، طوبى للمنتظرين له في غيبته(٦) ، والمتأهبين لنصرته(٧) ، الذين وثقوا بأنه لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد ، لطوّله الله تعالى ، حتى ترى ـ في آخر الزمان ـ طلعته(٨) . بعد فتن

__________________

١ : ٣٢٩ ـ ٣٣٠ / ١٣ و ١٥ باب ٢٢ ، و ٢ : ٤٥١ / ٨ باب ٤٤ ، وعلل الشرائع ١ : ٢٤٦ / ٩ باب ١٧٩ ، وكتاب الغيبة / النعماني : ١٤٥ / ١٢ ، و : ١٥٦ / ١٧ ، و : ١٧٣ / ٨ ، و : ١٧٦ ـ ١٧٧ / ١٨ ، و ٢٠ ، و : ١٩٢ / ٤ ( كلها في الباب / ١٠ ).

١ ـ أصول الكافي ١ : ٣٤١ / ٢٢ و ٢٣ باب في الغيبة ، من كتاب الحجة.

٢ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ١٧٦ / ١٨ ، و ١٩ باب ١٠.

٣ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ١٧٨ / ٢٢ باب ١٠.

٤ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ١٧٧ / ٢٠ باب ١٠.

٥ ـ كتاب المشيخة / الحسن بن محبوب ، كما في أعلام الورى للطبرسي : ٤١٦ باب ٣ ، فصل ١ ، وكتاب الغيبة / النعماني : ١٧١ ـ ١٧٣ / ٣ و ٧ و ٨ باب ١٠.

٦ ـ الأصول الستة عشر : ٧١ ، وأصول الكافي ١ : ٣٧٢ / ٦ باب أنه من عرف إمامه لم يضرّه تقدم هذا الأمر أو تأخّر ، من كتاب الحجة ، و ٢ : ٢١ ـ ٢٣ / ١٠ و ١٣ باب دعائم الإسلام ، من كتاب الإيمان والكفر ، إكمال الدين ٢ : ٣٤٦ / ٣٢ باب ٣٣ ، وكتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ٢٠٣ ، وأمالي الشيخ الطوسي ١ : ٢٣٦ ـ ٢٣٧.

٧ ـ المحاسن / البرقي : ١٧٣ / ١٤٨ باب ٣٨ ، وروضة الكافي ٨ : ٦٧ ـ ٦٨ / ٣٧ ، وإكمال الدين٢ : ٦٤٤ / ٢ باب ٥٥.

٨ ـ السنن الواردة في الفتن / أبو عمرو الداني : ١٦١ ـ ١٦٢ ، وعقد الدرر / المقدسي


وعلامات كثيرة ، ككسوف الشمس وخسوف القمر(١) ، وخسف بالبيداء(٢) ، والصيحة في شهر رمضان(٣) وفتنة السفياني(٤) ، وقتل النفس الزكيّة(٥) ، وخروج الدجال(٦) ، ومدد المشرق المُوَطِئ لدولته(٧) ، وهتاف السماء : أن الحق مع آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٨) ، وندائها باسم المهدي واسم أبيه(٩) ، وحتى يسمعه أهل المشرق والمغرب(١٠) .

__________________

الشافعي : ٦١ باب ٤ فصل ١ ، والحاوي للفتاوى / السيوطي ٢ : ٨١ ، والبرهان في علامات مهدي آخر الزمان / المتقي الهندي : ١٠٤ / ٧ باب ٤ فصل ١.

١ ـ روضة الكافي ٨ : ١٧٩ ـ ١٨٠ / ٢٥٨ ، وإكمال الدين ٢ : ٦٥٥ / ٢٥ باب ٧٥ ، وكتاب الغيبة / النعماني : ٢٧١ / ٤٥ و ٤٦ باب ١٤ ، والإرشاد ٢ : ٣٧٤.

٢ ـ كتاب الفتن / نعيم بن حماد : ٩٠ و ٩٥ ، وعقد الدرر : ٨٤ باب ٤ فصل ٢ ، والإرشاد ٢ : ٣٧٢.

٣ ـ كتاب الغبية / النعماني : ٢٥٣ / ١٣ باب ١٤.

٤ ـ الإرشاد ٢ : ٣٧١ و ٣٧٣ و ٣٧٤.

٥ ـ اكمال الدين ٢ : ٦٥٢ / ١٤ باب ٥٧ ، والإرشاد ٢ : ٣٧١ و ٣٧٤ ، وكتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ٢٦٦ ـ ٢٦٧ ، وكشف الغمّة ٣ : ٢٤٩ ، والخرائج الجرائح : ٢٨٦ ، وإعلام الورى : ١٢٦ باب ٤ فصل ١.

٦ ـ بصائر الدرجات : ١٤١ / ٧ باب ١١.

٧ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ٢٥٣ / ١٣ باب ١٤.

٨ ـ كتاب الفتن / ابن حماد ٩٢ ، والحاوي للفتاوى ٢ : ٧٥ ، والإرشاد ٢ : ٣٧١ ، و ٣٧٢.

٩ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ٢٤٦ / ٢٧ باب ١٤ ، و : ٢٧٩ / ٦٥ باب ١٤ ، والخرائج والجرائح ٣ : ١١٦٠ باب ٢٠ ، وكتاب الغيبة للسيد على بن عبد الحميد على ما في بحار الأنوار / العلامة المجلسي ٥٢ : ٣٠٥ / ٧٨ باب ٥٦.

١٠ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ٢٥٧ / ١٤ باب ١٤.


وهكذا الى أن يَمُنَّ الله تعالى بظهوره ، وتكون في البيت العتيق ـ بين الركن والمقام ـ بيعته(١) ، وسيخطب في كعبته(٢) . معه عدّة أهل بدر من أصحابه(٣) ما اجلّ صفاتهم(٤) ، وأعظم شجاعتهم(٥) .

عنده عصا موسى لتلقف ما يأفكون(٦) ، وحجره المبارك الميمون(٧) ، وخاتم سليمان(٨) ، وسلاح النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورايته(٩) ، وعهده(١٠) ، ومواريثه(١١) ، وكتب سيد الأوصياء أمير المؤمنينعليه‌السلام (١٢) .

__________________

١ ـ الاصول الستة عشر : ٧٩ ، وكتاب الغيبة / النعماني : ٢٦٢ / ٢٢ باب ١٤ ، وكتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ٢٨٤.

٢ ـ كتاب الفتن /ابن حماد : ٩٥ ، وعقد الدرر : ١٤٥ باب ٧.

٣ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ٣١٥ / ٨ و ٩ باب ٢٠.

٤ ـ إكمال الدين ٢ : ٦٧٣ / ٢٥ باب ٥٨.

٥ ـ حلية الأولياء / أبو نعيم الاصبهاني ٣ : ١٨٤ ، وينابيع المودّة / القندوزي : ٤٤٨ باب ٧٩.

٦ ـ بصائر الدرجات : ١٨٣ ـ ١٨٤ / ٣٦ باب ٤ ، وأصول الكافي ١ : ٢٣١ / ١ باب ما عند الأئمة من آيات الأنبياءعليهم‌السلام من كتاب الحجة ، وإكمال الدين ٢ : ٦٧٣ ـ ٦٧٤ / ٢٧ باب ٥٨ ، والاختصاص : ٢٦٩.

٧ ـ بصائرالدرجات : ١٨٨ / ٥٤ باب ٤ ، و أصول الكافي ١ : ٢٣١ / ٣ من الباب السابق وإكمال الدين ٢ : ٦٧٠ / ١٧ باب ٥٨.

٨ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ٢٣٨ / ٢٨ باب ١٣.

٩ ـ الأصول الستة عشر : ٧٩.

١٠ ـ كتاب الغيبة للسيد علي بن عبد الحميد على ما في البحار ٥٢ : ٣٠٥ / ٧٨ باب ٢٦.

١١ ـ الأصول الستة عشر : ٧٩.

١٢ ـ بصائر الدرجات : ١٦٢/ ٢ باب ١.


تنصره ملائكة بدر الكبرى في حروبه(١) ، وينزل عيسى بن مريم فيصلي خلفه(٢) ، ويفتح الله على يده مشارق الأرض ومغاربها ، فيملأها عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا(٣) .

لا يرحم في سيرته أعداءَه(٤) ، ولكن ما أجمل عدله(٥) ، وقضائه(٦) ، وما أكثر عطائه(٧) ، لا تخشى رعيّته فقرا والرخاء العميم في دولته(٨) ، ولا كفرا ؛ إذ سيجدد الاسلام بعد غربته(٩) ، وينشره حتى لا يرى ـ على وجه الأرض ـ دين غيره(١٠) ، وسيدعو الخلق الى كتاب الله وسنة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،

__________________

١ ـ تفسير العياشي ١ : ١٩٧ / ١٣٨ ، وكتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ٢٨٤.

٢ ـ تفسير فرات الكوفي : ٤٤ ، وإكمال الدين ١ : ٣٣١ ـ ٣٣٢ / ١٧ باب ٣٢.

٣ ـ من لا يحضره الفقيه / الشيخ الصدوق ١ : ٢٣٤ / ٧٠٦ ، والإرشاد ٢ : ٣٨٥ ، وكتاب الغيبة للسيد علي بن عبد الحميد على ما في البحار الأنوار ٥٢ : ٣٩٠ / ٢١٢ باب ٢٧.

٤ ـ كتاب الغيبة : النعماني : ٢٣١ / ١٤ باب ١٣ ، و : ٢٣٣ / ١٨ باب ١٣ والإرشاد ٢ : ٣٨٤.

٥ ـ من لايحضره الفقيه ١ : ٣٣٤/٧٠٦ ، والإرشاد ٢ : ٣٨٥.

٦ ـ كتاب الغيبة للسيد على بن عبد الحميد على ما في بحار الأنوار ٥٢ : ٣٨٩ / ٢٠٧ باب ٢٧.

٧ ـ علل الشرائع : ١٦١ / ٣ باب ١٢٩ ، وكتاب الغيبة / النعماني : ٢٣٧ / ٢٦ باب ١٣.

٨ ـ كتاب الغيبة/ النعماني : ٢٣٨ ـ ٢٣٩ / ٣٠ باب ١٣ ، كتاب الغيبة للسيد على ابن عبد الحميد على ما في بحار الأنوار ٥٢ : ٣٩٠ / ٢١٢ باب ٢٧.

٩ ـ كتاب الغيبة للسيد علي بن عبد الحميد على ما في بحار الأنوار ٥٢ : ٣٩٠ / ٢١٢ باب ٢٧.

١٠ ـ دلائل الإمامة : ٢٤١ ، وكتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ٢٨٣.


والولاية لأمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام والبراءة من أعدائه(١) ، وأول ما يزور من العراق النجف(٢) ، ثم يجعل الكوفة عاصمته ، ويختار فيها منزله(٣) ، ومن أدركه فليسلم عليه بقوله : « السّلام عليكم يا أهل بيت النبوّة ، ومعدن العلم ، وموضع الرسالة »(٤) .

وهذا غيض ، من فيض ، إغترفتاه على عجّل من بحر الإمام الباقرعليه‌السلام وحده ، لخّصنا فيه مضامين بعض أحاديثه الشريفة في الإمام المهديعليه‌السلام وما تركناه أكثر وأكثر.

وقد توزع ما ذكرناه على خمسين رجلا من أصحابهعليه‌السلام ، وهم :

١ ـ أبو ايوب المخزومي ، ٢ ـ أبو بصير ، ٣ ـ أبو بكر الحضرمي ، ٤ ـ أبو الجارود ، ٥ ـ أبو حمزة الثمالى ، ٦ ـ أبو خالد الكابلي ، ٧ ـ أبو عبيدة الحذاء ، ٨ ـ ابو مريم عبد الغفار بن القاسم ، ٩ ـ أحمد بن عمر ،

__________________

١ ـ كتاب الغيبة للسيد على بن عبد الحميد على ما في بحار المنوار ٥٢ : ٣٠٨ / ٨٣ باب ٢٦.

٢ ـ بصائر الدرجات : ١٨٨ / ٥٤ باب ٤ ، وأصول الكافي ١ : ٢٣١ / ٣ باب ما عند الأئمة من آيات الأنبياءعليهم‌السلام ، من كتاب الحجة ، وتفسير العياشي ١ : ١٠٣ / ٣٠٢ ، وإكمال الدين ٢ : ٦٧٠ / ١٧ باب ٥٨ ، وكتاب الغيبة / النعماني : ٢٣٨ / ٢٨ باب ١٣ ، و : ٣٠٨ / ٣ باب ١٩ ، والإرشاد ٢ : ٣٧٩ ـ ٣٨٠.

٣ ـ كامل الزيارات : ٣٠ / ١١ باب ٨ ، والإرشاد ٢ : ٣٧٩ ـ ٣٨٠ ، وتهذيب الاخبار / الشيخ الطوسي ٦ : ٣١ / ١ باب ١٠ ، وكتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ٢٧٥ و ٢٨٠.

٤ ـ كتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ٢٨٢ ، ونحوه في إكمال الدين ٢ : ٦٥٣ / ١٨ باب ٥٧.


١٠ ـ إسماعيل الجعفي ، ١١ ـ بدر بن الخليل الازدي ، ١٢ ـ بريد العجلي ، ١٣ ـ بشير بن أبي أراكه النبال ، ١٤ ـ بكير بن أعين ، ١٥ ـ ثابت بن عمرو ، ١٦ ـ جابر الجعفي ، ١٧ ـ حصين الثعلبي ، ١٨ ـ حمران بن أعين ، ١٩ ـ زرارة بن أعين ، ٢٠ ـ زيد الكناسي ، ٢١ ـ سالم الأشل ، ٢٢ ـ سلام ابن أبي عميرة ، ٢٣ ـ سلام بن المستنير ، ٢٤ ـ سليمان بن الحسن ، ٢٥ ـ سليمان بن خالد ، ٢٦ ـ سيف بن عميرة ، ٢٧ ـ شرحبيل ، ٢٨ ـ صالح ابن ميثم ٢٩ ـ ضريس ، بن عبد الملك الكناسي ، ٣٠ ـ عبد الله بن أبي يعفور ، ٣١ ـ عبد الله بن حماد الأنصاري ، ٣٢ ـ عبد الله بن عطاء ، ٣٣ ـ عبد الحميد الواسطي ، ٣٤ ـ عبدالرحيم القصير ، ٣٥ ـ عبد الملك بن أعين ، ٣٦ ـ علقمة بن محمد الحضرمي ، ٣٧ ـ عمار الدهني ، ٣٨ ـ عمرو ابن عبد الله بن هند الجملي ، ٣٩ ـ مالك الجهني ، ٤٠ ـ محمد بن علي السلمي ، ٤١ ـ محمد بن فضل ، ٤٢ ـ محمد بن مسلم الثقفي ، ٤٣ ـ معروف ابن خربوذ ، ٤٤ ـ منصور الصيقل ، ٤٥ ـ ميمون البان ، ٤٦ ـ ناجية القطان ، ٤٧ ـ هارون بن هلال ، ٤٨ ـ يحيى بن أبي العلاء ، ٤٩ ـ يحيى بن سابق ، ٥٠ ـ يحيى بن سالم.

وبهذا يتبين لك مذهب الإمام الباقرعليه‌السلام في الإمام المهديعليه‌السلام ، وبه تتضح قيمة ما رواه ابن سعد في طبقاته أولا ، وما أخرجه ابن عساكر ثانيا ، من إكذوبتين ما أنزل الله بهما من سلطان.

على أن مسلمة بن أبي سعيد الذي روى عنه ابن سعد ، لا خير فيه عندهم ، وأهمله أكثرهم.


ومولى هند بنت أسماء الذي أخرج له ابن عساكر ، لا عين له ولا أثر في مصادرهم ، فهو نكرة مهمل غارق في الاهمال.

ونكتفي بهذا القدر في ابطال ما نسبوه إلى الإمام الباقرعليه‌السلام لنرى الاقوال الواردة في تعزيز القول بمهدوية عمر بن عبد العزيز ، وقد نسبت إلى بعض التابعين وغيرهم ، ولم يثبت معظمها ، لضعف رواتها :

رابعا ـ الأقوال الواردة في مهدوية عمر بن عبد العزيز :

ومن الأقوال الواردة في مهدوية عمر بن العزيز الأموي المرواني :

١ ـ قول الحسن البصري : « ما أرى مهديا فهو عمر بن عبد العزيز »(١) .

وقوله : « إن كان مهدي فعمر بن عبد العزيز ، وإلاّ فلا مهدي إلاّ عيسى ابن مريمعليه‌السلام »(٢) .

٢ ـ قول أبي قلابة : « عمر بن عبد العزيز هو المهدي حقا »(٣) .

٣ ـ قول قتادة : « كان يُقال المهدي ابن أربعين سنة ، يعمل بأعمال بني إسرائيل ، فإن لم يكن عمر فلا أدري من هو؟ »(٤) .

__________________

١ ـ الملاحم والفتن / ابن حماد : ٢٦٤ / ١٠٣٩.

٢ ـ حلية الأولياء ٥ : ٢٥٧ / ٣٣١ ، وتاريخ دمشق ٤٥ : ١٨٦ / ٥٢٤٢.

٣ ـ الملاحم والفتن / ابن حماد : ٢٦٤ / ١٠٣٨.

٤ ـ السنن الواردة في الفتن / أبو عمرو الداني ٥ : ١٠٧٤ / ٥٨٨ ، وتاريخ دمشق ٤٥ : ١٨٦ ـ ١٨٧ / ٥٢٤٢.


٤ ـ قول وهب بن منبّه : « إن كان في هذه الأمة مهدي فهو عمر بن عبد العزيز »(١) .

وقال ابن كثير في البداية والنهاية بعدما أورد قول وهب بن منبّه : « ونحو هذا قال قتادة وسعيد بن المسيب وغير واحد »(٢) .

٥ ـ قول سعيد بن المسيب لرجل سأله : من المهدي؟ فقال : « عمر بن عبد العزيز هو المهدي »(٣) .

خامسا ـ من ردَّ هذه الأقوال ورفضها من العامة :

رفض طاوس كل هذه الأقوال حين سأله إبراهيم بن ميسرة ، قال : « قلت لطاوس : عمر بن عبد العزيز المهدي؟ قال : قد كان مهديا وليس به ، إنّ المهدي إذا كان زيد المحسن في إحسانه وتيب عن المسيء من إساءته ، وهو يبذل المال ، ويشتدّ على العمال ، ويرحم المساكين »(٤) .

ورواه ابن حماد من طريق آخر بلفظ : « قلت لطاوس : عمر بن عبد العزيز المهدي؟ قال : لم ، إنه لا يستكمل العدل كله »(٥) .

__________________

١ ـ حلية الأولياء ٥ : ٢٥٤ / ٣٣١ ، وتاريخ دمشق ٤٥ : ١٨٧ / ٥٢٤٢.

٢ ـ البداية والنهاية / ابن كثير ٩ : ٢٢٥ في حوادث سنة ١٠١ / هـ في ترجمة عمر بن عبد العزيز ، فصل ( وقد كان منتظرا فيما يؤثر من الأخبار )!

٣ ـ الطبقات الكبرى / ابن سعد ٥ : ٣٣٣ ، وتاريخ دمشق ٤٥ : ١٨٨ / ٥٢٤٢.

٤ ـ المصنّف / ابن أبي شيبة ٨ : ٦٧٩ / ١٩٨ ، والملاحم والفتن / ابن حماد : ٢٥٣ / ٩٨٩.

٥ ـ الملاحم والفتن / ابن حماد : ٢٥٢ / ٩٨٧.


وعلّق عليه السمهودي بقوله : « أي : بل هو مهدي من جملة المهديين غير الموعود به في آخر الزمان ، قال أحمد ـ في إحدى الروايتين عنه ـ وغيره : عمر بن عبد العزيز متّهم »(١) .

ومن الواضح إمكان إضافة العشرات من علماء العامة إلى قائمة تكذيب القول بمهدوية عمر بن عبد العزيز ، وهم من رووا أحاديث المهديعليه‌السلام في تلك الفترة ، وما أكثر هم ، بل لا يوجد من العامة ولا من غيرهم ـ اليوم ـ من يقول البتّةَ بتلك المهدوية الزائفة التي انتهت بموته.

سادسا ـ المهدوية الأموية المروانية في الميزان :

إنّا لا نحتاج ـ في الواقع ـ إلى ما قاله طاوس وغيره في الردّ على مهدوية عمر بن عبد العزيز ؛ إذ لم تكن الأمة الإسلامية ـ في عصر الإمام الصادقعليه‌السلام ( ١١٤ ـ ١٤٨ هـ ) ـ بحاجة إلى من يبيّن لها زيف تلك الأقوال ووهنها ؛ لِعلم الأمة ـ حينئذٍ ـ بأن عمر بن عبد العزيز الأموي قد تولّى السلطة سنة / ٩٩ هـ ، ومات سنة / ١٠١ هـ ، وإنه جاء إليها بعهد من سليمان بن عبدالملكالأموي ( ٩٦ ـ ٩٩ هـ ) ، وقد بايع الأمويون لمن في كتاب العهد الذي كتبه سليمان بيده ثم ختمه ، ولم يفضّه أحد إلى من هلك هذا الطاغية سنة / ٩٩ هـ باتفاق المؤرخين.

ومع أن الأُمويين ليسوا من أهل الحل والعقد ، فهم لم يعرفوا لمن بايعوا إلاّ بعد هلاك سليمان!!

____________

١ ـ جواهر العقدين / السمهودي : ٣١١ ، القسم الثاني من الفصل الثالث.


وقد كان (المهدي الأموي ) يعتقد بأن سليمان بن عبدالملك إمام مفروض الطاعة(١) ! في الوقت الذي وصفه الحديث بأنه ثاني الجبارين(٢) الأربعة من ولد عبد الملك بن مروان وأنَّ معاوية الوغد كان كذلك في عقيدته ، حتى أنه ما ضرب أحدا في سلطانه غير رجل واحد تناول من معاوية ، فضربه هذا ( المهدي ) ثلاثه اسواط!!(٣) .

ومن ثم سلمها ( مهدي الامويين ) ـ عند احتضاره ـ إلى الجبّار الثالث يزيد بن عبد الملك ( ١٠١ ـ ١٠٥ هـ ) ، وعلى وفق ما رسم له من قبل الجبّار الثاني سليمان ، وهكذا أبقاها عمر بن عبد العزيز في الشجرة الملعونة كعلامة فارقة من علامات ( عدله ) الذي اغترّ به الكثيرون.

نعم لم تكمن الأمة بحاجة إلى من يدلّها على زيف التاريخ الاموي ، وانحراف صانعيه وعتوهم وكفرهم ونفاقهم ، واستسلامهم لا إسلامهم منذ أن بزغ نجمهم على يد باغيتهم ، وانتهاء بقتل حمارهم وانقضاء دولتهم التي مزقت مثل الاسلام أي ممزق ، وعادت بالمجتمع الإسلامي إلى حضيض الجاهلية ، ونقضت الإسلام عروة فعروة. حتى صارت كلمة ( اموي )

____________

١ ـ منع عمر بن عبد العزيز مروان بن عبدالملك من الردّ على اخيه سليمان بن عبدالملك في كلام وقع بينهما ، قائلا له : إنّه إمامك!! راجع : تاريخ الخلفاء / السيوطي : ١٨١.

٢ ـ سليمان هذا أحد الجبابرة الأربعة من ولد عبد الملك بن مروان ، وهم : الوليد ، وسليمان ، ويزيد ، وهشام. وقد وصفهم الحديث بالجبابرة الأربعة. اخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١٩ : ٣٨٢ / ٨٩٧ ، فراجع.

٣ ـ تاريخ الخلفاء / السيوطي : ١٩٠.


وحدها ، كافية على انحراف من تطلق عليه واستهتاره بكل القيم ، إلاّ من خرج بدليل منهم ، وقليل ما هم. فلا غرو إذن في أن تشمئز من ذكرها النفوس وتقشعر الابدان.

والنبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي بشّر بمهدي أهل البيتعليهم‌السلام حذّر أُمته من الامويين ، بأنهم ليسوا من خلفاء هذه الأمة ، وإنما هم من الملوك ، وأن ملكهم عضوض كسروي(١) .

وقد رآهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في منامه ، وهم ينزون على منبره الشريف نزو القردة فساءه ذلك ، فما استجمع ضاحكا حتى فارق الحياةصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنزل الله تعالى في ذلك( وما جعلنا الرّويا الّتي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ) (٢) أي :بنو أميه (٣) .

____________

١ ـ كما في حديث سفينة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مسند أحمد ٦ : ٢٨٩ ـ ٢٩٠ / ٢١٤١٢ و ٢١٤١٦ و ٢١٤٢١ ، والطبعة القديمة ٥ : ٢٢٠ ـ ٢٢١ ، وسنن أبي داود ٤ : ٢١٠ / ٤٦٤٦ ـ ٤٦٤٧ ، باب الخلفاء من كتاب السنة ، ومستدرك الحاكم ٣ : ١٥٦ / ٤٦٩٧ والطبعة القديمة ٣ : ١٤٥ ، وحديث أبي هريرة في المستدرك ٣ : ٧٥ / ٤٤٤٠ ، والطبعة القديمة٣ : ٧٢.

٢ ـ سورة الإسراء : ١٧ / ٦٠.

٣ ـ راجع : الكشف والبيان ( تفسير الثعلبي ) ٦ : ١١١ ، والتفسير الكبير / الفخر الرازي مج ١٠ ج ٢٠ ص ٢٣٨ ، والدر المنثور / السيوطي ٥ : ٣١٠ ، وكذلك : تفسير القمي ١ : ٤١١ ـ ٤١٢ وتفسير العياشي ٣ : ٥٧ ـ ٥٨ / ٢٥٣٧ و ٢٥٣٩ و ٢٥٤٣ ، ومجمع البيان / الطبرسي ٦ : ٥٤٨ ؛ كلهم في تفسير الآية ( ٦٠ ) من سورة الإسراء. وقد روى ذلك الحاكم النيسابوري في مستدركه بسنده عن أبي هريرة


وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بني أميه : إنهم «يرودّون الناس عن الإسلام القهقرى » ، أو : « يردّون الناس على أعقابهم القهقرى »(١) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إذا بلغت بنو أميه أربعين رجلا اتّخذوا عبادالله خولا ، ومال الله نحلا ، وكتاب الله دغلا »(٢) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «هلاك هذه الأمة على يدى أغيلمة من قريش ».

أخرجه الحالم ثم قال : « هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، ولهذا الحديث توابع وشواهد عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصحّابته الطاهرين ، والأئمة من التابعين لم يسعني إلاّ ذكرها ، فذكرت بعض ما حضرني ، منها : »(٣) .

ثم ذكر جملة من تلك الأحاديث ، ولا بأس بالاشارة السريعة إليها وهي :

١ ـ حديث عبدالرحمن بن عوف قال : « كان لا يولد لأحد مولود إلاّ أتي به النيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فدعا له ، فأدخل عليه مروان بن الحكم [ جدّ عمر بن

____________

مرفوعا ، وقال : « هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه » واعترف الذهبي في خلاصة المستدرك بأنه صحيح على شرط مسلم. راجع مستدرك الحاكم ٤ : ٥٢٧ / ٨٤٨١ ، والطبعة القديمة ( وبذيلها خلاصة الذهبي ) ٤ : ٤٨٠.

١ ـ روضة الكافي ٨ : ٢٨٥ / ٥٤٣ ، وتفسير العياشي ٣ : ٥٧ ـ ٥٨ / ١٥٤٠ و ١٥٤١ ، ونحوه في اصول الكافي ١ : ٤٢٦ / ٧٣ باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية ، من كتاب الحجة.

٢ ـ مستدرك الحاكم ٤ : ٥٢٥ ـ ٥٢٦ / ٨٤٧٥ ـ ٨٤٧٦ ، والطبعة القديمة ٤ : ٤٧٩.

٣ ـ مستدرك الحاكم ٤ : ٥٢٦/ ذيل الحديث رقم ٨٥٧٦ ، والطبعة القديمة ٤ : ٤٧٩.


عبد العزيز ] فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «هو الوزغ ابن الوزغ الملعون ابن الملعون ».

قال الحاكم : « هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه »(١) .

٢ ـ وحديث أبيذر ، قال : « سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا ، اتّخذوا مال الله دولا ، وعبادالله خولا ، ودين الله دغلا ».

قال الحاكم : « هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه »(٢) ، وقد أخرج له الحاكم شاهدا من رواية أبي سعيد(٣) .

٣ ـ وحديث أبي برزة ، قال : «كان أبغض الأحياء إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : بنو أُميه ، وبنو حنيفة ، وثقيف ».

قال الحاكم : « هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه »(٤) .

٤ ـ وحديث محمد بن زياد ، قال : « لما بايع معاوية لابنه يزيد ، قال مروان : سُنَّة أبي بكر وعمر ، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر : سنة هر قل وقيصر ، فقال مروان : أنزل ألله فيك :( والّذي قال لوالديه أفٍّ لَكُمَا ) (٥) .

____________

١ ـ مستدرك الحاكم ٤ : ٥٢٦ / ٨٥٧٧ ، والطبعة القديمة ٤ : ٤٧٩.

٢ ـ مستدرك الحاكم ٤ : ٥٢٦ ـ ٥٢٧ / ٨٤٧٨ ، والطبعة القديمة ٤ : ٤٧٩ ـ ٤٨٠ ، وقد اعترف الذهبي بصحّته على شرط مسلم.

٣ ـ مستدرك الحاكم ٤ : ٥٢٧ / ٨٤٧٩ و ٨٤٨٠ ، والطبعة القديمة ٤ : ٤٨٠.

٤ ـ مستدرك الحاكم ٤ : ٥٢٨ / ٨٤٨٢ ، والطبعة القديمة ٤ : ٤٨٠ ـ ٤٨١ ، وقد اعترف الذهبي بصحته على شرط البخاري ومسلم معا.

٥ ـ سورة الأحقاف : ٤٦ / ١٧.


قال فبلغ عائشة ، فقالت : كذب والله ما هو به ، ولكن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعن أبا مروان ومروان في صلبه ، فمروان قصص من لعنة الله عزّوجلّ ».

قال الحاكم : « هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه »(١) .

وقد أخرج الطبراني عن الإمام الحسن السبطعليه‌السلام قوله لمروان : «فوالله لقد لعنك الله على لسان نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنت في صلب أبيك »(٢) .

٥ ـ وحديث عمرو بن مرّة الجهني قال : « إن الحكم بن أبي العاص استأذن على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فعرف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صوته وكلامه ، فقال : إئذنوا له عليه لعنة الله وعلى من يخرج من صلبه إلاّ المؤمن منهم وقليل ما هم ، يشرفون في الدنيا ويضعون في الآخرة ، ذوو مكر وخديعة ، يعطون في الدنيا ، وما لهم في الآخرة من خَلاق ».

قال الحاكم : « هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وشاهده حديث عبد الله بن الزبير » ، ثم أورد حديث ابن الزبير وفيه : «إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعن الحكم وولده » وقال : « هذا الحديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. »(٣) .

ومن مقارنة هذا الشاهد بحديث عمرو بن مرّة الجهني ، يتقوّى احتمال

____________

١ ـ مستدرك الحاكم ٤ : ٥٢٨ / ٨٤٨٣ ، والطبعة القديمة ٤ : ٤٨١.

٢ ـ المعجم الكبير / الطبراني ٣ : ٨٥ / ٢٧٤٠.

٣ ـ مستدرك الحاكم ٤ : ٥٢٨ ـ ٥٢٩ / ٨٤٨٥ ، والطبعة القديمة ٤ : ٤٨١ ـ ٤٨٢ ، وقال الحاكم في ذيل الحديث : « ليعلم طالب العلم إن هذا باب لم أذكر فيه ثلث ما روي ، وإن أول الفتن في هذه الأمة فتنتهم ، ولم يسعني فيما بيني وبين الله أن أخلى الكتاب من ذكرهم ».


زيادة عبارة ( إلاّ المؤمن منهم ، وقليل ما هم ) على حديث الجهني ، خصوصا ومن لعن بني أميه قاطبة قد صحّ من طرقنا ، فلاحظ.

هذا وقد روى الحاكم ـ في مكان آخر ـ عن أبي سعيد الخدري ، قال : « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إنّ أهل بيتي سيلقون من بعدي من امتي قتلا وتشريدا ، وإنّ أشدّ قومنا لنا بغضا : بنو أُمية ، وبنو المغيرة ، وبنو مخزوم ».

قال الحاكم : « هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه »(١) .

وحين أخذ مروان به الحكم أسيرا يوم الجمل ، وخلّى سبيله أمير المؤمنين عليعليه‌السلام ، فقيل له : « يبايعك يا أمير المؤمنين »؟ فقالعليه‌السلام : «أو لم يبايعتي بعد قتل عثمان؟ لا حاجة لي في بيعته ، إنها كفّ يهودية ، لو بايعني بكفّه لغدر بسُبّته ، أمٍا إنّ له إمرة كلعقة الكلب أنفه ، وهو أبو الأكبُش الأربعة [ يعني : الوليد ، وسليمان ، ويزيد ، وهشام ]وستلقى الأمة منه ومن وُلْدِهِ يوما أحمر »(٢) .

وقد وصف أمير المؤمنين علىعليه‌السلام فتنتهم بقولهعليه‌السلام :

« ألا وإن أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني أميه فانها فتنة عمياء مظلمة وأيم الله لتجدن بني أميه لكم أرباب سوء بعدي كالناب الضروس لا يزالون بكم حتى لا يتركوا منكم إلاّ نافعا لهم أو غير ضائرٍ بهم ، ولا يزال بلاؤهم عنكم حتى لا يكون انتصار أحدكم منهم إلاّ كانتصار العبد من ربّه ، والصاحب من مستصحبه ، ترد عليكم فتنتهم

____________

١ ـ مستدرك الحاكم ٤ : ٥٣٤ / ٨٥٠٠ ، والطبعة القديمة ٤ : ٤٨٧.

٢ ـ نهج البلاغة : ١٠٩ ، رقم / ٧٣ ، ( من كلام لهعليه‌السلام قاله لمروان بن الحكم بالبصرة ).


شوهاء مخشيّة ، وقطعا جاهليّة ، ليس فيها منار هدى ، ولا علم يُرى »(١) .

ونتيجة لهذه الأحاديث وغيرها ممالم نذكره وهو كثير جدا في مثالب بني أميه جميعا ، صار العالمون بها ، والمطّلعون على سيرة بني أميه أول كافر بمهدوية عمر بن العزيز عند لحظة انطلاقتها من على أفواه الكذّابين والمجرمين.

جدير بالذكر من ابن المبارك ( ت / ١٨١ هـ ) ، وهو كما يقول المزي : « أحد الائمّة الأعلام ، وحفّاظ الإسلام »(٢) يرى أن معاوية ـ على جرائمة الكبرى ، وموبقاته التي لا أول لها ولا آخر ـ أفضل من عمر بن عبدالعزيز ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأُموي المرواني(٣) .

وكان هناك من : « يفسّق عمر بن عبد العزيز ، ويستهزئ به ، ويكفّره »(٤) .

فيكون عمر مع هذا هو المهدي؟!

سابعا ـ موقف الإمام الصادقعليه‌السلام من تلك المهدوية :

بعد اتضاح موقف القرآن الكريم ، والسنة النبوية المطهرة من الأمويين والمروانيين ، ودولتهم ( الشجرة الملعونة ) ، وما قاله أمير المؤمنينعليه‌السلام في

____________

١ ـ نهج البلاغة : ١٧٢ خطبة رقم / ٩٣ ( في التنبيه على فضله وعلمهعليه‌السلام ، مع بيان فتنة بني أميه وانحراف دولتهم ).

٢ ـ تهذيب الكمال ١٦ : ٦ / ٣٥٢٠.

٣ ـ راجع : الشريعة / الآجري ٣ : ٥٢٠ / ٢٠١٢. الأثر رقم / ٧١٣.

٤ ـ راجع : شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد المعتزلي ٢٠ : ٣٢.


فتنتهم وانحرافهم ؛ فماذا يتوقع بعد هذا إذن أن يقوله الإمام الصادقعليه‌السلام في تلك الدولة الخبيثة المنحرفة من رأسها إلى أساسها؟

روى سفيان بن عيينة عن الإمام الصادقعليه‌السلام بأن بني أميه لم يطلقوا تعليم الشرك للناس ؛ لكي إذا حملوهم عليه لم يعرفوه(١) .

وروى الحكم بن سالم ، عمّن حدّثه عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : « إنّا وآل أبي سفيان أهل بيتين تعادينا في الله ، قلنا : صدق الله ، وقالوا : كذب الله! قاتل أبو سفيان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقاتل معاوية بن أبي طالبعليه‌السلام ، وقاتل يزيد بن معاوية الحسين بن علىعليه‌السلام ، والسفياني يقاتل القائمعليه‌السلام »(٢) .

واما من اغتر بماورد في سيرة عمر بن عبدالعزيز من رد المظالم وأشباهها كارجاع فدك إلى بني فاطمةعليها‌السلام ووصفهم له بالعدالة!!

فجوابه ما ذكرناه في أول رد هذه المقولة ، بأنه استلم السطلة من الشجرة الملعونة ، ومقتضى العدلّ من يتنحى عنها ولا يتقدم ـ بنص الحديث الصحيح ـ على قوم نهي من التقدم عليهم ، أو على الاقلّ أن يرجعها إليهم بعد وفاته لا أن يرجعها إلى تلك الشجرة الخبيثة التي اجتثت فما لها من قرار.

وما قيمة رد المظالم في قبال اغتصاب الحق الأكبر؟!

__________________

١ ـ أصول الكافي : ٢ : ٤١٥ ـ ٤١٦ / ١ ، كتاب الايمان والكفر.

٢ ـ معاني االأخبار / الصدوق : ٣٤٦ / ١ ، باب معنى قول الصادقعليه‌السلام ، إنّا وآل أبي سفيان أهل بيتين تعادينا في الله عزّوجلّ.


سأل عبد الأعلى مولى آل سام أبا عبد الله الصادقعليه‌السلام بقوله : قلت له :( قل اللهمّ مالك الملك توتي الملك من ّتشاء وتنزع الملك ممن تشاءُ ) (١) أليس قد أتى الله عزّوجلّ بني أميه الملك؟

قالعليه‌السلام : ليس حيث تذهب إليه ، إن الله عزّوجلّ أتانا الملك وأخذته بنو أميه ، بمنزلة الرجل يكون له الثّوب فيأخذه الآخر ، فليس هو للذي أخذه »(٢) .

ومن هنا لم يتعرض إمامنا الصادقعليه‌السلام إلى إبطال مهدوية عمر بن عبد العزيز بصورة مباشرة ، لعلم الأمة كلها بذلك ، وإنما نبّه الأمة على جرائم بني أميه ، ولم يستثن أحدا منهم قط ، كما هو شأن الأحاديث السابقة في مثالبهم ، مبيناعليه‌السلام ما يكفي لدحض كل دعوى زائفة بهذا الشأن سواء التي عاصرها أو التي جائت بعد حين ، وذلك عن طريق تصريحه تارة بأن المهديعليه‌السلام لم يولد بعد ، وأخرى بأنه من ذريّة الحسينعليه‌السلام ، وثالثة ببيان هويته الكاملة كما لاحظنا ذلك في الفصول السابقة مما لم يبق ـ بهذا ـ مجالا لاستمرار أية حجة للتمسك بأمثال تلك الدعاوى الباطلة ، وغيرها من دعاوى المهدوية الزائفة كما سنرى.

__________________

١ ـ سورة آل عمران : ٣ / ٢٦.

٢ ـ روضة الكافي ٨ : ٢٢٢ / ٣٨٩.


الفصل الثالث

شبهة مهدوية محمد بن عبد الله الحسني

أولا ـ منشأ هذه الشبهة وتداعياتها :

اختلطت الأهداف الجهادية بالسياسة المحضة وراء انطلاق إشاعة مهدوية محمد بن عبد الله بن الحسن المحض ، بن الحسن السبطعليه‌السلام ، وذلك في اجتماع الأبواء في أواخر العصر الاموي ، و الذي ضمّ وجوه بني هاشم من الحسنيين والزيديين وبني العباس ، بهدف تنظيم صفوفهم ، والبيعة إلى واحد منهم ، ودعوة الناس إلى نصرنه ؛ للاطاحة بالحكم الأموي الذي أهلك الحرث والنسل ، وعاث في الأرض فسادا. وقد شجّعهم على ذلك الثورات العلوية السابقة المتلاحقة التي أنهكت حكم الطاغوت ، ولاح لهم في الأفق أنه بات يعدّ أيامه الأخيرة ؛ ليذهب وشيكا في مزابل التاريخ بلا رجعة.

وقد تمخّض اجتماع الهاشميين عن بيعتهم لمحمد بن عبد الله بن الحسن المحض ، ولقّب بالمهدي ؛ ليقوم بدور القائد الملبي لطموح الأمة في القضاء على البغي والعدوان ، وإشاعة العدلّ والمساواة وبين الناس. وقد اختاروا شعار « الرضا من آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » لانطلق دعوتهم ؛ لأنه الشعار الذي


يضمن عدم استبداد أيّ من الهاشميين على حساب بني عمومتهم ، ويمثّل المساواة بين الاطراف المتنازعة على السلطة المرتقب ممن حضر اجتماع الأبواء.

ولكن سرعان ما التفّ العباسيون بدهاء على ثمار تلك الدعوة التي أتت أكلها بقتل مروان الحمار آخر طغاة الامويين سنة ( ١٣٢ / هـ ) فاستفردوا بالسلطة ، وصاروا حربا شعواء على العلويين بأشدّ أما كان عليه حالهم أيام دولة الطلقاء.

وهكذا تحقّقت نبوءة الإمام الصادقعليه‌السلام بشأن بني الحسن في ذلك الاجتماع كما سنرى ، إلاّ من القائد المنكوب محمد بن عبد الله لم يقدر على تحمّل الصدمة ، فاخذ يعدّ العدة في الخفاء للثار من العباسيين الذين استحوذوا على السلطة ونكثوا بيعته ، وبقي هكذا إلى أن استخلف المنصور الدوانيقي بعد هلاك أخيه السفاح ( ١٣٢ ـ ١٣٦ هـ ) ، فكان همّه معرفة أمر محمد وأخيه إبراهيم ابني عبد الله بن الحسن اللذين اختفايا عنه ، ولم يقف أحد من عيونه على أثر لهما في أي مكان ، وزاد من تخوّفه ان ابن عمّهما الحسن بن زيد بن الحسن قد حرّضه على محمد قائلا : « والله ما آمن وثوبه عليك ، فإنه لا ينام عنك » ولهذا كان موسى بن عبد الله بن الحسن يقول بعد ذلك : « اللهم اطلب الحسن بن زيد بدمائنا »(١) الأمر الذي حمل المنصور على سجن أبيه عبد الله بن الحسن وأخوته وأعمّامه وبني عمومته في المدينة المنورة عند مروره بها حاجا سنة ( ١٤٤ / هـ ) ، ثم ساقهم عند عودته من

__________________

١ ـ الكامل في الأثير / ابن الأثير ٥ : ١٣٧ ـ ١٣٨ في حوادث سنة / ١٤٤ هـ.


المدينة إلى الربذة مصفّدين بالأغلال ، ومنها إلى طوامير العراق في الهاشمية عاصمة أخيه السفّاح. وهنا اضطّر القائد المنكوب إلى ارسال أخيه إبراهيم إلى البصرة ، وعجّل هو بظهوره في المدينة ليختار الموت على الحياة ، ويلحق بموكب الشهداء من بني الحسن السبطعليه‌السلام .

وبهذا كانت نهايته صريعا على أحجار الزيت ، كما كانت نهاية أخيه إبراهيم بباخمرا ، وحينما أدركت فلول أنصارهما المنهزمة زيف تلك المهدوية ، وعلمت البقية الباقية من بني الحسن وغير هم صدق ما قاله الإمامعليه‌السلام من قبل في اجتماع الأبواء وغيره.

ترى ، فمن كان وراء إشاعة مهدوية محمد بن عبد الله الحسني التي جرّت الويلات على الحسنيين؟ حتى حمّ لنكبتهم الإمام الصادقعليه‌السلام زهاء عشرين يوما وخيف عليه(١) .

لا شكّ من وراءها اصناف من الناس اشتركت كلها في تلك الاشاعة ، ويأتي في طليعتهم عبد الله بن الحسن ، إذ كان يشيع بين آونة واخرى من ابنه محمد هو المهدي المبشّر بظهوره في آخر الزمان ، وهو الرجل الوحيد الذي جاءت به الرواية ، وكان يحلف بالله تعالى على ذلك!

قال ابن أخي الزهري : « تجالسنا بالمدينة أنا وعبد الله بن حسن ، فتذاكرنا المهدي ، فقال عبد الله بن حسن : المهدي من ولد الحسن بن على [عليهما‌السلام ] ، فقلت : يأبى ذلك علماء أهل بيتك. فقال عبد الله : المهدي والله

__________________

١ ـ اصول الكافي ١ : ٣٦١ / ١٧ ، باب ما يُفصل به بين دعوى المُحِقِّ والمُبطل في أمر الإمامة ، من كتاب الحجة.


من ولد الحسن بن على [عليهما‌السلام ] ، ثم من ولدي خاصة »(١) .

هذا فضلا عن اقواله الكثيرة الأخرى في مهدوية ابنه محمد(٢) ، وهكذا اغترّت العامة بكلامه ، وخدع حتى الفقهاء بها لمنزلة قائلها ، وفضله ، وشرفه ، ونسبه الكريم ؛ من أمثال الفقيه عبد الله بن جعفر بن عبدالرحمن بن المسوّر بن مخرمة الزهري ، الذي ندم على اعتقاده بمهدوية محمد هذا بعد مقتله ، حيث استدعاه جعفر بن سليمان العباسي والي المدينة وقال له : « ما حملك على الخروج مع محمد على ما أنت عليه من العلم والفقه؟ قال : ما خرجت معه وأنا أشك في أنه المهدي ؛ لما روي لنا في أمره ، فما زلت أرى أنه هو ، حتى رأيته مقتولا ، ولا اغتررت بأحد بعده »(٣) .

ولهذا قال الذهبي في ترجمة هذا الرجل : « له فضل ، وشرف ، ومروءة ، وله هفوة. نهض مع محمد بن عبد الله بن حسن وظنّه المهدي ثم أنه ندم فيما بعد ، وقال لا غرّني أحد بعده »(٥) .

وكذلك الحال مع الفقيه المدني محمد بن عجلان الذي « شبّه عليه وظن منه المهدي الذي جاءت به الرواية »(٥) .

__________________

١ ـ تهذيب الكمال ٢٥ : ٤٦٨ / ٥٣٣٨ في ترجمة محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى.

٢ ـ سنشير لها لاحقا في بيان دور الإمام الصادقعليه‌السلام في إبطال تلك المهدوية ، فلاحظ.

٣ ـ مقاتل الطالبيين / أبو الفرج الأصبهاني : ٢٥٦.

٤ ـ سير أعلام النبلاء / الذهبي ٧ : ٣٢٩ / ١١٤.

٥ ـ مقاتل الطالبيين : ٢٥٤ ، وانظر : تاريخ الطبري ٧ : ٥٩٩ في حوادث سنة ١٤٥ هـ ، وتهذيب الكمال ٢٥ : ٤٦٩ / ٥٣٣٨.


كما خرج مع محمد : عبد الله بن يزيد بن هرمز الفقيه المدني المشهور(١) ، وعبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم الأنصاري ، وقال الذهبي : « وكان سفيان الثوري ينقم عليه خروجه مع محمد بن عبد الله بن الحسن. وكان من فقهاء المدينة »(٢) ، كما ان مالك بن أنس حين استُفتي في الخروج مع محمد بن عبد الله ، وقيل له : إن في أعناقنا بيعة لأبي جعفر؟ فقال : « إنما بايعتم مكرهين ، وليس على مكره يمين ، فأسرع الناس إلى محمد ولزم مالك بيته »(٣) ، كما كان أبو حنيفة يجاهر في أمر إبراهيم ، ويأمر بالخروج معه(٤) ، وكان شعبة بن الحجاج كذلك(٥) وهؤلاء الثلاثة : مالك ، وأبو حنيفة ، وشعبة لم يعتقدوا بمهدوية محمد ، وإلاّ لما اكتفوا بحدود الإفتاء كما هو ظاهر.

ومهما يكن ، فإن اعتقاد بعض الفقهاء بمهدويته ، وخروج بعضهم معه ، وافتاء آخرين لصالح دعوته ، كل ذلك أدّى إلى شيوع القول بمهدويته بين عامة الناس من أهل المدينة ، ويكفي أن انخدع أهل بيته الحسنيّون ، قال أبو الفرج : « وكان أهل بيته يسمّونه المهدي ، ويتصورون أنه الذي جاءت

__________________

١ ـ تاريخ الطبري ٧ : ٥٩٩.

٢ ـ سير أعلام النبلاء ٧ : ٢١ / ٤ ، في ترجمة عبد الحميد بن جعفر.

٣ ـ تاريخ الطبري ٧ : ٥٦٠ ، والكامل في التاريخ ٥ : ١٤٩ ، والبداية والنهاية / ابن كثير ١٠ : ٨٤ ؛ كلهم في حوادث سنة / ١٤٥ هـ ، وعمدة الطالب : ١٠٥ ، في اخبار محمد ذي النفس الزكية.

٤ ـ مرآة الجنان / اليافعي ١ : ٢٣٥ في حوادث سنة / ١٤٥ هـ.

٥ ـ المصابيح / أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسني : ٤٥٣/ ٢٤.


فيه الرواية »(١) .

وأما عن انصاره ومؤيديه الذين لا حريجة لهم في الدين ، فقد ارتكبوا جريمة وضع الحديث في مهدويته! ولما كان محمد بن عبد الله الحسني تمتاما(٢) ، فقد وضعوا الحديث في اسمه واسم أبيه وصفته ، ورفعوه إلى أبي هريرة بأنه قال : « إن المهدي اسمه محمد بن عبد الله في لسانه رتَّةٌ »(٣) .

كما كان للشعراء الدور البارز في إشاعة مهدوية محمد بن عبد الله الحسني ، نظرا لدور الشعر الإعلامي البارز في ذلك الحين ، حيث اغتنموا الفرصة ، وأدلوا دلوهم ، وأشادوا بمهدويته وفي هذا الصدد قال مسلمة بن علي :

إن الذي يـروي الرواةُ لبيـِّنٌ

إذا ما ابن عبد الله فـيهم تجرّدا

له خاتـم لم يعطـه الله غـيره

وفيه علامات من البِرِّ والهُدى(٤)

يشير بهذا البيت إلى أن في كتف محمد بن عبد الله خالا ، وقد جاءت الرواية في صفة المهدي بأن له خالا ، فوافقت الصفة الموصوف!!

__________________

١ ـ مقاتل الطالبيين : ٢٠٧ ، والمصابيح : ٤٢٧ / ٩.

٢ ـ تاريخ الطبري ٧ : ٥٦٣ ، وعمدة الطالب في منساب آل أبي طالب / ابن عنبه : ١٠٣ ، في أخبار عبد الله المحض وعقبه.

٣ ـ مقاتل الطالبيين : ٢١٤.

٤ ـ المصابيح : ٤٣٧ / ١٣ ، وقد نسب أبو الفرج في المقاتل : ٢١٥ هذين البيتين إلى مسلمة بن أسلم الجهني.


وقال شاعر آخر :

إن كان في الناس لنا مهدّي

يـقيم فـينا سـيرة النبيّ

فإنّه محمد التقيّ(١)

والعجيب من أمر أولئك الشعراء المضلين أنهم حتّى بعد مصرع محمد ابن عبد الله بن الحسن ، وفصل رأسه عن جسده وحمله إلى العراق ، لم يتركوا القول بمهدويته ، كما نجده في قصيدة لعبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير يرثي فيها محمدا ، يقول فيها :

إلاّعلى المهدي وابني مصعب

أجريت دمعك ساكبا تهتانا(٢)

ونتيجة لهذه الدعاية الواسعة في شخص محمد بن عبد الله بن الحسن ، مع قربه القريب من أهل البيتعليهم‌السلام ، وتأكيد هذه الدعاية من قبل ابيه الذي كان ـ كما يقول ابن الأثير ـ : « لا يحدّث أحدا قط إلاّ قلبه عن رأيه »(٣) ، نتيجة لهذا وغيره كما مرّ فقد « لهجت العوام بمحمد تسميه المهدي ، حتى كان يقال : محمد بن عبد الله المهدي عليه ثياب يمنية وقبطية »(٤) ، وكان الناس إذا رأوه في أزقة المدينة صاحوا : « يا أهل المدينة! المهدي ، المهدي »(٥) .

__________________

١ ـ مقاتل الطالبيين : ٢١٥.

٢ ـ تاريخ الطبري ٧ : ٦٠١ ـ ٦٠٢ ومقاتل الطابيين : ٢٦٧.

٣ ـ الكامل في التاريخ ٥ : ١٤٤ في حوادث سنة / ١٤٤ هـ.

٤ ـ مقاتل الطالبيين : ٢٢٩.

٥ ـ الكامل في التاريخ ٥ : ١٤١ في حوادث سنة / ١٤٤ هـ.


ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ ، إذ كان محمد بن عبد الله نفسه يدّعي بأنه المهدي « طمعا أن يكون هو المذكور في الأحاديث »(١) ، ويغري الناس بالدعوة إلى نفسه على أنه المهدي الموعود ، قال ابن دأب : « لم يزل محمد بن عبد الله بن الحسن مذ كان صبيّا يتوارى ويراسل الناس بالدعوة إلى نفسه ويسمّى المهدي »(٢) .

وكان يخاطب الناس وهو على المنبر بقوله : « إنكم لا تشكّون إنّي أنا المهدي ، وأنا هو »(٣) .

وأما مكاتباته التي جرت بينه وبين عبد الله بن محمد المنصور العباسي ، فقد كان يبدوؤها بالبسملة ويكتب بعدها : « من عبد الله المهدي محمد بن عبد الله ، إلى عبد الله بن محمد »(٤) .

وفي هذا إشارة ذكية إلى غدر المنصور بمحمد وتذكيره بما كان يقوله له في أواخر العصر الأموي ، حيث كان يقول أبو الدوانيق في محمد هذا : « هذا محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن مهدينا أهل البيت »(٥) .

وقال عبد الله في سعيد الجهني : « بايع أبو جعفر ـ يعني المنصور ـ محمدا مرّتين ، أنا حاضر إحداهما بمكّة في المسجد الحرام ، فلما خرج أمسك له

__________________

١ ـ البداية والنهاية ١٠ : ٨٤ في حوادث سنة / ١٤٥ هـ.

٢ ـ مقاتل الطالبيين : ٢١٢ و ٢١٣.

٣ ـ مقاتل الطالبيين : ٢١٢.

٤ ـ تاريخ الطبري ٧ : ٥٦٧.

٥ ـ مقاتل الطالبيين : ٢١٢.


بالركاب ، ثم قال : أما أنه إن أفضى إليكم الأمر نسيب لي هذا الموقف »(١) .

ويدلُّ على ذلك ، أن عثمان بن محمد بن خالد الذي خرج مع محمد قد أُتِيَ به إلى المنصور فقال له : « هيه يا عثمان ، منت الخارج عليّ مع محمد؟ قال : بايعته أنا وأنت بمكّة ، فوفيت ببيعتي ، وغَدَرْتَ بيعتك فأمر به فَقُتِل »(٢) .

وكل هذا يشير إلى أن للعباسيين سهما في إشاعة مهدوية الحسني التي وصلت إلى أسماع الامويين منفسهم قبل سقوط دولتهم ، فقد روى أبو الفرج أن مروان الحمار آخر طغاة الأمويين قال لعبد الله ـ وقد دخل عليه ذات يوم ـ : « ما فعل مهديكم؟ قال : لا تقل ذاك فليس كما يبلغك. فقال : بلى ، ولكن يصلحه الله ويرشده »(٣) .

هذا ، وأما ما ذكره النوبختي بشأن محمد هذا بقوله : « فلما توفّي أبو جعفر ـ يعني الإمام الباقرعليه‌السلام ـ افترقت أصحابه فرقتين ، فرقة منها قالت بإمامة محمد بن عبد الله بن الحسن الخارج بالمدينة المقتول بها ، وزعموا أنه القائم ، وأنه الإمام المهدي ، وأنه لم يُقتل ، وقالوا : إنّه حيّ لم يمت مقيم بجبل بقال له العلمية ، وهو الجبل الذي في طريق مكة ، وهو عنده مقيم فيه حتى يخرج ؛ لأن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال ـ بزعمهم ـ القائم المهدي اسمه اسمي ، واسم أبيه اسم أبي. وكان المغيرة بن سعد قال بهذا القول لما توفّي أبو جعفر محمد

__________________

١ ـ مقاتل الطالبيين : ١٨٧ ـ ١٨٨ و : ٢٥٩.

٢ ـ الكامل في التاريخ ٥ : ١٦٢ ، في ذكر بعض المشهورين ممن كان مع محمد بن عبد الله الحسني.

٣ ـ مقاتل الطالبيين : ٢٢٩.


ابن علىعليهم‌السلام ، وأظهر المقالة بذلك ، فبرئت منه الشيعة أصحاب أبي عبد الله جعفر بن محمدعليهما‌السلام ، ورفضوه »(١) .

فهو غريب جدا ، فضلا عمّا فيه من خلط وتهافت ؛ لأن القول بمهدوية محمد بن عبد الله بن الحسن لم يُعْرَف إلاّ في زمان مروان الحمار آخر ملوك الأمويين ( ت / ١٣٢ هـ ) ولم يشتهر إلاّ في أواخر إمامة الإمام الصادقعليه‌السلام ، أي قبل خروج محمد ، وقتله سنة ( ١٤٥ / هـ ) بمدّة قصيرة ، نتيجة لما قدّمناه من موقف الفقهاء والشعراء ودور الإعلام الحسني في إشاعة مهدويته بين الناس ، في حين يدلّ كلام النوبختي على حصول هذه المقالة بعد وفاة الإمام الباقرعليه‌السلام سنة ( ١١٤ / هـ ) مباشرة ، ومحمد بن عبد الله لم يُعْرَف بما ذُكِر في ذلك الوقت ، ثم لا معنى لأن ينفي المغيرة قتله وادعاء غيبته وإمامته في حياته ، إذ لم يدع أحد اغتياله مثلا في فترة اختفائه عن المنصور حتى ينفي المغيرة ذلك.

فكيف باظهارها بعد وفاة الإمام الباقرعليه‌السلام إذن؟

ولأجل تصحيح تلك المقالة وقبولها ، لابدّ من افتراض صدورها بعد قتل محمد بن عبد الله الحسني ، أو على الأقل في زمان اختفائه وخوفه من المنصور.

ولكن إذا ما علمنا من صاحبها ـ وهو المغيرة ـ قد قتل بسبب شعوذته وسحره وكفره سنة ( ١١٩ / هـ ) ، في زمان هشام بن عبدالملك(٢) ، ومحمد بن

__________________

١ ـ فرق الشيعة / النوبختي : ٧٤ ـ ٧٥.

٢ ـ تاريخ الطبري ٧ : ١٢٩ ، في حوادث سنة / ١١٩ هـ.


عبد الله في ريعان شبابه! اتّضح ما في الكلام المذكور من خلط وتهافت.

والصحيح هو براءة سائر القواعد الشعبية الشيعية القائلة بإمامة الصادقعليه‌السلام من القول بمهدوية محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى ، أيّا كان مرّوجها وقائلها ؛ أخذا بما لديهم من أحاديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأهل بيته الأطهارعليهم‌السلام ، وتمسكا بما كان يقوله الإمام الصادقعليه‌السلام للحسنيين وأنصارهم ، وما كان يحذّرهم به ، وينهاهم لا عن دعوى المهدوية فحسب ، بل عن الخروج على المنصور وهو في أوج قوة دولته ، استبقاء على مهجهم ، لأنهم عضده وبنو عمومته. ومن هنا كانعليه‌السلام غزير الدمعة عليهم في حياتهم وبعد نكبتهم ؛ إذ كان يعلم بما لم يحيطوا به خبرا. وهو ما اعترف به سائر المؤرخين وصرّح به ابن خلدون وغيره فيما تقدم ، من أن الإمام الصادقعليه‌السلام كان يحذّر بني عمومته بأشياء تقع لهم في المستقبل ، وكانت تقع على طبق ما أخبر.

ثانيا ـ موقف الإمام الصادقعليه‌السلام من مهدوية الحسني :

إنّ ما يعنينا هنا هو موقف الإمام الصادقعليه‌السلام من تلقيب محمد بن عبد الله بن الحسن بالمهدي ، وإشاعة ذلك بنحو أدّى إلى الالتفاف على إيمان الأمة بما بشّر به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالمهدي الموعود المنتظرعليه‌السلام ، وأما عن ثورتهم فلا يعنينا أمرها في بحثنا هذا بقدر ما يعنينا التركيز على موقف الإمام الصادقعليه‌السلام المؤيّد والمساند لكل الانتفاضات العلوية ضد الحكم الجائر المتمثّل بالسلطتين الأموية والعباسية ، ولكنه في ذا الوقت كانعليه‌السلام حريصا على أن تتهيّأ الأجواء المناسبة لنجاح هذه الانتفاضة أو تلك ؛


لكي تؤتي ثمارها في القضاء على الظلم والفساد وإفشاء العدل والمساواة بين الناس.

وهذا القدر لابدّ منه لكي لا يُفهم بأن الإمام الصادقعليه‌السلام كان يقف ـ وحاشاه من ذلك ـ أمام الرغبة الصادقة في نيل شرف الشهادة بكل غال ونفيس من أجل إعلاء كلمة الله في أرضه ، ومقارعة الباطل بكل قوة وصلابة.

وقد كان أبو جعفر المنصور يعلم هذا جيدا ، ولهذا كان يصف الإمام الصادقعليه‌السلام بأنه الشجى المعترض في حلقه(١) .

نعم كان يعلم بأن الإمام الصادقعليه‌السلام سوف ينهى محمد النفس الزكية من ادعاء المهدوية ، ولكنه لا يمنعه من إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا ما استطاع إليه سبيلا.

ولا شكّ أنه يتذكّر كلام الإمام الصادقعليه‌السلام يوم كتب المنصور نفسه إليهعليه‌السلام قائلا : « لم لا تغشانا كما يغشانا سائر الناس؟ فأجابهعليه‌السلام : ليس لنا ـ من أمر الدنيا ـ ما نخافك من أجله ، ولا عندك من أمر الآخرة ما نرجوك له ، ولا أنت في نعمة فنهنيك بها ، ولا نراها نقمة فنعزّيك بها ، فما نصنع عندك؟ قال فكتب له : تصحبنا لتنصحنا ، فأجابهعليه‌السلام : من أراد الدنيا لا ينصحك ، ومن أراد الآخرة لا يصحبك »(٢) .

__________________

١ ـ دلائل الإمامة / الطبري : ٢٩٧ ـ ٢٩٨ / ٢٥٣ ( ٨٩ ) ، والخرائج والجرائح / القطب الراوندي ٢ : ٦٤٠ ـ ٦٤١ / ٤٧.

٢ ـ التذكرة الحمدونية / ابن حمدون ١ : ١١٣ ـ ١١٤ / ٢٣٠ ، وعنه الإربلي في كشف الغمّة ٢ : ٣٩٥ ، في مواعظ الإمام الصادقعليه‌السلام .


ولهذا نجد أول عمل قام به المنصور بعد قتله محمد بن عبد الله أنه استدعى الإمام الصادقعليه‌السلام وغلظ عليه الكلام ثم قال : « يا جعفر! قد علمت بفعل محمد بن عبد الله الذي يسمونه النفس الزكية ، وما نزل به ، وإنما انتظر الآن أن يتحرّك منكم أحد فألحق الصغير بالكبير »(١) .

إن علم الإمام الصادقعليه‌السلام بعد تحقّق الحدّ الأدنى المطلوب من ثورة محمد النفس الزكية قبل إعلانها ، وفشل حركته المحتم ، وما سيلحق ذلك من نتائج سياسية خطيرة على البيت العلوي عموما ، وعلى الإمام الصادقعليه‌السلام خاصة ، كان محفّزا للإمامعليه‌السلام أن يبين ما بينه لقادة الثورة وللمجتمع المدني يومذاك ، لعلّهم يتريثوا إلى حين تهيئة المستلزمات المطلوبة لنجاح الثورة.

ونكتفي بهذا القدر لنعود إلى معالجة القضية الأكبر التي لا زالت عند بعض المتخرّصين مادة للهجوم على الحقيقة المهدوية بحجة وجود أدعيائها الكثيرين في التاريخ الشيعي كما هو الحال في مهدوية محمد بن عبد الله بن الحسن ؛ لنرى كيف عالج إمامنا الصادقعليه‌السلام تلك الدعوى وبين زيفها ، فنقول :

عبّر موقف الإمام الصادقعليه‌السلام في ردوده على دعوى مهدوية محمد بن عبد الله بن الحسن تعبيرا رائعا عن إمامته هوعليه‌السلام أولا ، وعن زيف تلك الدعوى ثانيا ، وعلى أكثر من صعيد ، كالآتي :

__________________

١ ـ الفصول المهمّة / ابن الصباغ المالكي : ٢٢٤.


إخبارهعليه‌السلام القيادة الحسنية بنتائج تلك الدعوى وقتل صاحبها :

١ ـ فقد روى أبو الفرج الأصبهاني ، والشيخ المفيد ، وابن شهرآشوب ، أنه اجتمع العباسيون والحسنيون بالابواء وذلك في أواخر زمان الحكم الأموي ، فقام صالح بن على يحضّهم على أن يعقدوا البيعة لرجل منهم ، فعندها حمدالله عبد الله بن الحسن وأثنى عليه ثم قال : قد علمتم من ابني هذا هو المهدي ، فهلموا فلنبايعة ، فبايعوه جميعا ، وفيهم أبو جعفر المنصور ، ولما علم الإمام الصادقعليه‌السلام باجتماعهم هذا أرسل محمد ابن عبد الله الأرقط بن على بن الحسينعليه‌السلام ، فسألهم : لأي شيء اجتمعتم؟ فقال عبد الله : اجتمعنا لنبايع المهدي محمد بن عبد الله ، ثم جاء الإمام الصادقعليه‌السلام ، « فأوسع له عبد الله بن الحسن إلى جنبه ، فتكلم بمثل كلامه ، فقال الإمام : لا تفعلوا ، فإنّ هذا الأمر لم يأت بعد إن كنت ترى من ابنك هذا هو المهدي! فليس به ، ولا هذا أوانه فغضب عبد الله وقال لقد علمت خلاف ما تقول ، والله ما اطلعك الله على غيبه ، ولكن يحملك على هذا الحسد لابني. فقالعليه‌السلام : والله ما ذاك يحملني ، ولكن هذا وأخوته وأبناؤهم دونكم ، وضرب بيده على ظهر أبي العباس ، ثم ضرب بيده على كتف عبد الله بن الحسن ، وقال : إنها والله ما هي إليك ولا إلى ابنيك ، ولكنها لهم ، وإن ابنيك لمقتولان ثم نهض وتوكّأ على يد عبدالعزيز بن عمران الزهري ، فقال : أرأيت صاحب الرداء الأصفر؟ ـ يعني أبا جعفر المنصور ـ قال : نعم ، قال : فإنّا ـ والله نجده يقتله. قال له عبدالعزيز : أيَقْتُل محمدا؟ قال : نعم. قال : فقلت في نفسي : حسده ورب الكعبة.

قال : ثم والله ما خرجت من الدنيا حتى رأيته قتلهما.


قال : لما قال جعفر ذلك ، نفض القوم فافترقوا ولم يجتمعوا بعدها ، وتبعه عبد الصمد وأبو جعفر المنصور ، فقالا : يا أبا عبد الله! أتقول هذا؟

قال : نعم ، أقوله والله ، وأعلمه »(١) .

٢ ـ وفي المناقب لابن شهر آشوب : « أنه لما بويع محمد بن عبد الله بن الحسن على أنه مهدي هذه الأمة جاء أبوه عبد الله إلى الصادقعليه‌السلام ، وقد كان ينهاه ، وزعم أنه يحسده ، فضرب الصادق يده على كتف عبد الله ، وقال : إيها والله! ما هي اليك ولا إلى ابنك ، وإنما هي لهذا ـ يعني : السفاح ـ ثم لهذا ـ يعني المنصور ـ يقتله على أحجار الزيت ، ثم يقتل أخاه بالطفوف وقوائم فرسه في الماء ، فتبعه المنصور ، فقال : ما قلت يا أبا عبد الله؟ فقال : ما سمعته وإنه لكائن. قال : فحدثني من سمع المنصور أنه قال : انصرفت من وقتي فهيأت أمري ، فكان كما قال »(٢) .

٣ ـ وفي رواية المسعودي ، قال : « فجمع عبد الله ـ أي ابن الحسن ـ أهل بيته ، وهمَّ بالأمر ، ودعا أبا عبد اللهعليه‌السلام للمشاورة ، فحضر ، فجلس بين المنصور وبين السفاح وعبد الله ابني محمد بن على بن عبد الله بن العباس ، ووقعت المشاورة ، فضرب أبو عبد اللهعليه‌السلام يده على منكب أبي العباس عبد الله السفاح ، فقال : لا والله! إمّا أن يملكها هذا أولا ، ثم ضرب

__________________

١ ـ مقاتل الطالبيين : ١٨٥ ـ ١٨٧ ، و ٢٢٥ ـ ٢٢٧ ، والارشاد / الشيخ المفيد ٢ / ١٩٠ ـ ١٩٣ ، والمناقب / ابن شهر آشوب ٤ : ٢٤٩ ، في معرفتهعليه‌السلام باللغات وإخباراته بالغيب.

٢ ـ المناقب / ابن شهر آشوب ٤ : ٢٤٩.


بيده الأخرى على منكب أبي جعفر عبد الله المنصور ، وقال : وتتلاعب بها الصبيان من ولد هذا »(١) .

٤ ـ وأخرج ثقة الإسلام عن موسى بن عبد الله بن الحسن ، عن أبيه في حديث طويل جاء فيه قولهعليه‌السلام لعبد الله : « يا ابن عم اني أعيذك بالله من التعرض لهذا الأمر أمسيت فيه ، وإنّي لخائف عليك أن يكسبك شرّا ».

وقولهعليه‌السلام في ابنه أنه « المقتول بسده اشجع ، عند بطن مسيلها لا والله لا يملك أكثر من حيطان المدينة فاتق الله وارحم نفسك وبني أبيك والله لكأنني به صريعا مسلوبا بزّته بين رجليه لبنة ».

وخرج عبد الله مغضبا فلحقة أبو عبد اللهعليه‌السلام ، وأخبره بأنه وبني أبيه سيقتلون ثم قال : « فإن أطعتني ورأيت أن تدفع بالتي هي أحسن فافعل ، فو الله الذي لا إله إلاّ هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الكبير المتعال على خلقه لوددت أني فديتك بوُلْدي وبأحبّهم إليّ وبأحبّ أهل بيتي إليّ ، وما يعدلك عندي شيء فلا ترى أني غششتك.

قال موسى بن عبد الله بن الحسن : فما أقمنا بعد ذلك إلاّ قليلا عشرين ليلة أو نحوها حتى قدمت رسل أبي جعفر المنصور فأخذوا أبي وعمومتي ، سليمان بن حسن ، وحسن بن حسن ، وإبراهيم بن حسن ، وداود بن حسن ، وعلى بن حسن ، وسليمان بن داود بن حسن ، وعلى بن إبراهيم بن

__________________

١ ـ إثبات الوصية / المسعودي : ١٥٨.


حسن ، وحسن بن جعفر بن حسن ، وطباطبا إبراهيم بن إسماعيل بن حسن ، وعبد الله بن داود ، فصفدوا في الحديد ».

واطلع عليهم أبو عبد اللهعليه‌السلام وهم في تلك الحال ، وكان عامة ردائه مطروح بالأرض ، وحمّ عشرين ليلة لم يزل باكيا فيها الليل والنهار حتى خيف عليه.

ثم ظهر بعد هذا محمد بن عبد الله ودعا الناس لبيعته ، واحضروا الإمام الصادقعليه‌السلام لمبايعتهم بالقوة ، وامتنع قائلا لمحمد : « أما والله لكمني بك خارجا من سدة أشجع إلى بطن الوادي ، وقد حمل عليك فارس معلم ، في يده طرادة نصفها أبيض ونصفها أسود ، على فرس كميت أقرح ، فطعنك فلم يصنع فيك شيئا ، وضربت خيشوم فرسه فطرحته ، وحمل عليك آخر خارج من زقاق آل أبي عمار الدُئليين ، عليه غديرتان مضفورتان ، وقد خرجتا من تحت بيضة ، كثير شعر الشاربين ، فهو والله صاحبك فلا رحم الله رمته »(١) .

ثم شهد بعد ذلك موسى بن عبد الله بن الحسن ـ راوي الخبر ـ على حصول كل ما أخبر به الإمام الصادقعليه‌السلام ، حتى لكأنهعليه‌السلام كان يُخبر عن

__________________

١ ـ واسم هذا الرجل لعنه الله حميد بن قحطبه ، فهو الذي احتزّ رأس رأس محمد عد أحجار الزيت المكان الذي ذكره الإمام الصادقعليه‌السلام ، وذلك بعد عصر يوم الأثنين لأربع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة / ١٤٥ هـ ، كما في تاريخ الطبري ٧ : ٥٨٩ و ٥٩٤ ، والكامل في التاريخ ٥ : ١٦٣ ، والبداية والنهاية ١٠ : ٨٩ ، كلهم في حوادث سنة / ١٤٥ هـ ، وعمدة الطالب : ١٠٥.


معاينة.(١) .

تفهيم الناس بمصير المهدي الحسيني ومهدويته :

بعد فراغ الإمام الصادقعليه‌السلام من مواجهة بني الحسن وبالحقيقة المرّة ، والمصير المحتوم الذي ينتظرهم على يد الجلاّد العباسي أبي الدوانيق ، اتجه كلامه ـ هذه المرّة ـ إلى الناس ، لا سيما أصحابه ، ليكونوا دعاة خير لمن لهج بمهدوية ابن عبد الله ولم يصله موقف الإمام المعلن أمام القيادة الحسنية وجها لوجه ، وفي أكثر من مكان.

١ ـ عن عنبسة العابد ، قال : « كان جعفر بن محمدعليهما‌السلام ، إذا رأى محمد ابن عبد الله بن حسن ، تغرغرت عيناه ، قم يقول : بنفسي هو ، إنّ الناس ليقولون إنّه المهدي!! وإنه لمقتول ، وليس هذا في كتاب أبيه عليعليه‌السلام من خلفاء هذه الأمة »(٢) .

٢ ـ وعن المعلّى بن خُنَيس ، قال : « كنت عند أبي عبد اللهعليه‌السلام ، إذ أقبل محمد بن عبد الله ، فسلّم ، ثم ذهب ، فَرَقّ له أبو عبد اللهعليه‌السلام ، ودمعت عيناه.

فقلت له : لقد رأيتك صنعت به ما لم تكن تصنع؟

فقالعليه‌السلام : رققت له : لأنه ينسب إلى أمر ليس له ، لم أجده في كتاب

__________________

١ ـ أصول الكافي ١ : ٣٥٨ ـ ٣٦٦ / ١٧ ، باب ما يفصَل به بين دعوى المحق والمبطل في أمر الإمامة ، من كتاب الحجة ، وبعضه في الكامل في التاريخ ٥ : ١٤٤ في حوادث سنة / ١٤٤ هـ.

٢ ـ الإرشاد ٢ : ١٩٣.


علىعليه‌السلام من خلفاء هذه الأمة ، ولا من ملوكها »(١) .

٣ ـ وعن عيسى بن عبد الله ، قال : حدثتني أمّ الحسين بنت عبد الله بن محمد بن على بن الحسينعليهم‌السلام ، قالت : « قلت لعمي جعفر بن محمدعليهما‌السلام : إنّي ـ فديتك ـ ما أمر محمد هذا؟ قال : فتنة ، يُقتل فيها محمد عند بيت رومة ، ويقتل أخوه لأبيه وأمّه بالعراق وحوافر فرسه في الماء »(٢) .

٤ ـ وفي الصحيح عن عبدالملك بن أعين ، قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : « إنّ الزيديّة والمعتزلة قد أطافوا بمحمد بن عبد الله ، فهل له من سلطان؟ فقال :عليه‌السلام : والله إنّ عندي لكتابين فيهما تسمية كل نبي ، وكل ملك يملك الأرض ، لا والله ما محمد بن عبد الله في واحد منهما »(٣) .

٥ ـ وفي رواية للطبري ، قال : « خرج مع محمد ، حمزة بن عبد الله بن محمد بن على ، وكان ـ أي : حمزة ـ من أشد الناس مع محمد ، قال : فكان جعفر [عليه‌السلام ] يقول له : هو والله مقتول »(٤) .

٦ ـ وفي الصحيح عن فُضَيل بن سُكَّرة ، قال : « دخلت على أبي عبد اللهعليه‌السلام ، فقال : يا فُضَيْل! أتدري في أيِّ شيءٍ كنت أنظر قُبَيل؟ قال ،

__________________

١ ـ روضة الكافي ٨ : ٣٢٣ / ٥٩٤.

٢ ـ تاريخ الطبري ٧ : ٦٠٠ ـ ٦٠١ ، ومقاتل الطالبيين : ٢٢٠ ، والكامل في التاريخ ٥ : ١٦٣ في حوادث سنة / ١٤٥ هـ.

٣ ـ أصول الكافي ١ : ٢٤٢ / ٧ ، باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة وأصحّف فاطمةعليها‌السلام ، من كتاب الحجة.

٤ ـ تاريخ الطبري ٧ : ٦٠١ ، في حوادث سنة / ١٤٥ هـ.


قلت : لا. قال : كنت أنظر في كتاب فاطمةعليها‌السلام ، ليس من ملك يملك الأرض إلاّ وهو مكتوب فيه باسمه واسم أبيه ، وما وجدت لولد الحسن فيه شيئا »(١) .

جدير بالذكر من آباء الإمام الصادقعليه‌السلام قد أخبروا بهذا أيضا. ففي الصحيح عن عبدالرحيم بن روح القصير ، عن أبي جعفر الباقرعليهما‌السلام ، في قول الله عزّوجلّ :( النبيُّ أولى بالمؤمنينَ من أنفسهم وأزواجهُ أمّهاتهم وأولوا الارحامِ بعضهم أولى ببعضٍ في كتابِ الله ) (٢) فيمن نزلت؟

فقالعليه‌السلام : « نزلت في الإمرة ، إنّ هذه الآية جرت في ولد الحسينعليه‌السلام من بعده ، فنحن أولى بالأمر ، وبرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من المؤمنين والمهاجرين والانصار. قلت : فولد جعفر [ ابن أبي طالب ] لهم فيها نصيب؟ قال : لا. قلت فلولد العباس فيها نصيب؟ فقال : لا. فعددت عليه بطون بني عبدالمطلب ، كل ذلك يقول : لا. قال : ونسيت ولد الحسنعليه‌السلام ، فدخلت بعد ذلك عليه ، فقلت له : هل لولد الحسنعليه‌السلام فيها نصيب؟ فقال : لا والله يا عبد الرحيم ، ما لمحمدي فيها نصيب غيرنا »(٣) .

كما أخبر أمير المؤمنين علىعليه‌السلام بمصير محمد بن عبد الله الحسني ، فقد اورد الثقفي ، وابن أبي الحديد المعتزلي ، جملة من إخباراتهعليه‌السلام الغيبيّة ،

__________________

١ ـ أصول الكافي ١ : ٢٤٢ / ٨ ، باب فيه ذكر الصحيفة والجفر ، من كتاب الحجة.

٢ ـ سورة الأحزاب : ٣٣ / ٦.

٣ ـ أصول الكافي ١ : ٢٨٨ / ٢ ، باب ما نص الله عزّوجلّ ورسوله صلّى الله عليهم وآله على الأئمةعليه‌السلام واحدا فواحدا ، من كتاب الحجة.


ومنها قوله في محمد هذا : « إنه يقتل عند أحجار الزيت » وكقولهعليه‌السلام فيه أيضا : « يأتيه سهم غرب يكون فيه منيّته ، فيا بؤسا للرامي ، شلّت يده ، ووهن عضده »(١) .

تأكيدهعليه‌السلام على سبق دعوى المهدوية لزمان المهديعليه‌السلام :

أراد الإمام الصادقعليه‌السلام ـ بعد أن أخذ دوره المطلوب في نصح وتحذير القيادة الحسنية وقاعدتها بوجوب الكف عن أشاعة مهدوية ابن عبد الله ـ أن يكون تطلّع الأمة إلى الله تعالى من خلال عقيدتها بالإمام المهديعليه‌السلام المبشر بظهوره في آخر الزمان ، تطلعا صحيحا وموجها ، الأمر الذي يقتضى تزويدها بما يمكن معه أن تقيّم كل دعوى من هذا القبيل ؛ ولهذا جاء التأكيد على سبق دعوى المهدوية لزمان ظهور المهديعليه‌السلام .

ويدل عليه ما مرّ بنا من قوله ـ في اجتماع الابواء ـ لعبد الله بن الحسن : « إن كنت ترى أن أبنك هذا هو المهدي! فليس به ، ولا هذا أوانه ».

فقولهعليه‌السلام : « فليس به » صريح بأن المهدي الموعودعليه‌السلام ليس هو محمد ابن عبد الله الحسني ، إذ لم يولد الإمام المهديعليه‌السلام بعد ، ولا أقلّ من حديث كون الأئمة أثنا عشر آخرهم المهدي ، وهو الحديث الذي عرفته الأمة كلها ، فأين الأحد عشر الذين سبقوا ابن عبد الله حتى يكون هو خاتمتهم؟

وقولهعليه‌السلام : « ولا هذا أوانه » ناظر إلى الامور التي تسبق الظهور وجاء

__________________

١ ـ الغارات / الثقفي : ٦٨٠ ، وشرح نهج البلاغة ٧ : ٤٨ في شرح الخطبة رقم / ٩٢.


بها الحديث الشريف على لسان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيته الأطهارعليهم‌السلام ، وهو ما سنوضحه في رد مهدوية ( المهدي العباسي ).

بيان الاختلاف بين هوية الإمام المهديعليه‌السلام وهوية ( المهدي الحسني ) :

بين الإمام الصادقعليه‌السلام الاختلاف الحاصل بين هوية الإمام المهديعليه‌السلام وهوية ( المهدي الحسني ) ، في اسم الأب ، والكنية ، والنسب ، مع الاختلاف في اسم الأم ، وأصلها.

والمعروف في اسم الحسني مدّعي المهدوية ، أنه محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى ، بن الإمام الحسن السبط ، بن أمير المؤمنين الإمام على بن أبي طالبعليهما‌السلام .

ويكنى : أبا عبد الله.

وأمّه : هند بنت أبي عبيدة بن عبد الله بن ربيعة بن الأسود بن المطلب ابن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب(١) .

وبناء على ذلك :

فإن اسم أبيه : ( عبد الله ).

وكنيته : ( أبو عبد الله ).

وأصله : ( حسني ).

__________________

١ ـ عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب : ١٠٣ ، ومقاتل الطالبيين : ٢٠٦ ، وذكر في نسب الأم ، مكان ( ربيعة ) : زمعة.


واسم أمه : هند ، وهي إمرأة عربية ، قرشية ، حرة.

وقد بيّن الإمام الصادقعليه‌السلام إن هذه الأمور الأربعة في هوية ( المهدي الحسني ) ، تخالف تماما هوية الإمام المهديعليه‌السلام ، كالآتي :

١ ـ الاختلاف في اسم الأب ، والكنية :

وقد كانت حجة الحسنيين في مهدوية محمد النفس الزكية حديث ( اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي ) وقد وافق اسمه اسم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واسم أبيه لاسم أبي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وهذا الحديث على فرض صحته ليس بدليل ، وإلاّ لاقتضى أن يكون في الأمة آلاف المهديين ، ـ بقطع النظر عن غيره من أحاديث المهدي ـ إذ ما أكثر من تسمى بـ ( محمد بن عبد الله ) في هذه الأمة. فكيف الحال لو كان الحديث موضوعا لا اصل له؟

وقد مرّ عليك دور أنصار المهدي الحسني في وضع هذا الحديث نصرة لمهديهم ، وأما وروده بعد قتل الحسني على السنة الرواة وكبار المحدثين من العامة ، فمآله السلطة العباسية التي سخرت من يضع لها في مهدوية محمد بن عبد الله المنصور العباسي كما سنبينه في محله.

وقد رد الإمام الصادقعليه‌السلام على هذا الحديث المزعوم ، بقوله الشريف في المهدي « اسمه اسم نبي ، واسم أبيه اسم وصي »(١) .

ولم يعترف الإمام الصادقعليه‌السلام ولا أحد من أهل البيتعليهم‌السلام قط بهذه العبارة ( اسم أبيه اسم أبي ) ولم ترو عنهم ، ولا من طرقهم البتة. الأمر الذي

__________________

١ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ١٨١ / ٢٩ باب ١٠.


يكشف عن كونها مزيدة ـ فيما بعد ـ على أصل الحديث ، وقد اعترف أحد كبار علماء الحديث من العامة وهو أبو الحسن الآبري ( ت/ ٣٦٣ هـ ) في كتابه ( مناقب الشافعي ) بأن الأصل في هذه الزيادة هو أبو الصلت زائدة ابن قدامة(١) ، وزائدة هذا ضعيف في الحديث وكان مولعا بزيادة ما يراه مناسبا على أصل الحديث ، الأمر الذي يكشف عن خبثه وتلاعبه في السنة المطهرة.

كما اعترف الكنجي الشافعي ( ت/ ٦٥٨ هـ ) بسقوط ما زاده زائدة بن قدامة عن الاعتبار ، حتى قال في زيادته تلك : ( إن تلك الزيادة لا اعتبار لها )(٢) .

كما اكّد الإمام الصادقعليه‌السلام ـ مرة أخرى ـ زيف الحديث الذي احتج به الحسنيون ، نافيا نسبته الى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومصححا لما ورد في اسم المهدي وكنيته عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ففي الصحيح « عن أبي بصير ، عن الصادق جعفر بن محمد ، عن آبائهعليهم‌السلام ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : المهدي من ولدي ، اسمه اسمي ، وكنيته كنيتي ، أشبه الناس بي خَلقا وخُلقا ، تكون له غيبة وحيرة حتى تضل الخلق عن أديانهم ، فعند ذلك يقبل كالشهاب الثاقب ، فيملأها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا »(٣) .

__________________

١ ـ راجع : البيان في أخبار صاحب الزمان / الكنجي الشافعي : ٤٨٢.

٢ ـ البيان في اخبار صاحب الزمان : ٤٨٥.

٣ ـ إكمال الدين ١ : ٢٨٧ / ٤ باب ٢٥.


وهذا الحديث نفسه رواه جابر بن عبد الله الانصاريرضي‌الله‌عنه ، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١) ، وفيه ما يوضح الاختلاف الحاصل في الكنية أيضا ، فمحمد بن عبد الله قد تكنّى ـ كما مرّ ـ بـ : ( أبي عبد الله ) ؛ في حين أن الإمام المهديعليه‌السلام يكني بـ : ( أبي القاسم ).

جدير بالذكر أن محمد بن الحنفيةرضي‌الله‌عنه قد أدعيت له المهدوية ـ كما مرّ ـ قبل محمد بن عبد الله بن الحسن بأكثر من خمسين عاما ، وقد تكنى محمد بن الحنفية بـ ( أبي القاسم ) ، ولكن لم يعترض أحد من الأمة قط على الكيسانية ويقول لهم مثلا : إن مهديهم ( محمد بن الحنفية ) اسم أبيه ( على ) والمفروض أن يكون اسمه بحسب الحديث المزعوم : ( عبد الله ) ، الأمر الذي يدل على كون ( الزيادة المذكور فيه ) قد وضعت بعد حين.

٢ ـ الاختلاف في النسب من جهة الأب :

كذلك بين الإمام الصادقعليه‌السلام الاختلاف الحاصل بين نسب الإمام المهديعليه‌السلام ونسب محمد ( النفس الزكية ) ـ الذي تقمص المهدوية ـ من جهة الآباء ؛ إذ لا خلاف بين احد أن محمد بن عبد الله ( النفس الزكية ) حَسَني ؛ لأنه من سلالة أبي محمد الحسن بن على بن أبي طالبعليهما‌السلام .

بينما نسب الإمام المهديعليه‌السلام ليس كذلك ؛ إذ هو حُسَيني ، بل هو التاسع من ولد الإمام الحسينعليه‌السلام كما مرّ عن الإمام الصادقعليه‌السلام في أحاديث شتّى ، فضلا عمّا أثبته الواقع التاريخي في تشخيص هوية الإمام

__________________

١ ـ إكمال الدين ١ : ٢٨٦ / ١ باب ٢٥.


المهديعليه‌السلام .

جدير بالذكر أنه لا يوجد في عالم الرواية سوى حديثين فقد في خصوص كون نسب المهدي الموعود به في آخر الزمان حسنيا.

أحدهما : حديث أبي داود في سننه ، وقد سبق أن ناقشنا هذا الحديث وبينا ضعفه وزيفه من عدّة جهات.

والآخر : أرسله الطبري المفسّر العامّي في تهذيب الآثار(١) ، ولا عبرة به لإرساله ، ولأنه ليس من طرقنا.

في حين وردت عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيته الأطهارعليهم‌السلام وخصوصا الإمام الصادقعليه‌السلام روايات كثيرة تزيد على مائة رواية ، وكلها صريحة بما ذكرناه.

نكتفي بواحدة منها ، وهي ما رواه أبان بن عثمان ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام ، قال : « بينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذات يوم بالبقيع حتى أقبل علىعليه‌السلام فسأل عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقيل منه بالبقيع ، فأتاه علىعليه‌السلام ، فسلم عليه ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اجلس ، فاجلسه عن يمينه ـ إلى أن قال ـ ثم إلتفت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى عليّعليه‌السلام فقال : « ألا أبشرك؟ ألا أخبرك يا علىّ؟ فقال : بلى يا رسول الله ، فقال : كان جبرئيلعليه‌السلام عندي آنفا وأخبرني أن القائم الذي يخرج في أخر الزمان فيملأ الأرض عدلا ، من ذريتك ، من ولد الحسين »(٢) .

__________________

١ ـ نقله عنه السيوطي في الحاوي للفتاوى ٢ : ٦٦.

٢ ـ كتاب الغيبة / النعماني ٢٤٧ ـ ٢٤٨ / ١ باب ١٤.


ومثله حديث معاوية بن عمار ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام (١) .

لماذا حصر الإمامة والمهدي في ذريّة الحسين دون الحسنعليهما‌السلام ؟

إذا ما تجاوزنا هذا ، وعدنا إلى مسألة الإمامة بلحاظ كون المهدي الموعود هو قائم الأئمة ومن ذريتهم ، نجد أنها قد انحصرت بذرية الإمام الحسين السبطعليه‌السلام لا في الروايات الصحيحة الكثيرة التي تفوق حد الحصر فحسب ، بل في واقعها الخارجي أيضا ، حيث عرفت الأمة بكل أجيالها من تصدّى من آل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمسألة الإمامة ، متحديا بذلك السلطات الحاكمة في زمانه ، ويكفي فيما نحن فيه استماتة الحسنيين في كسب تأييد الإمام الصادقعليه‌السلام لدعوتهم ، حتى كان عبد الله بن الحسن يقول لما أخذ في أمر إبنه محمد وأجمع على لقاء أصحابه : « لا أجد هذا الأمر يستقيم إلاّ أن ألقى أبا عبد الله جعفر بن محمد »(٢) ، وأنه حين صارحهم في اجتماعهم بحقيقة الأمر ونهضعليه‌السلام ، تفرقوا ولم يجتمعوا بعدها كما مرّ.

وأما السؤال عن سبب حصر الإمامة بذرية الإمام الحسينعليه‌السلام دون ذرية الحسنعليه‌السلام ؟

فجوابه المحكم عند الإمام الصادقعليه‌السلام نفسه ؛ إذ قالعليه‌السلام : « إن موسى وهارونعليهما‌السلام كانا نبيين مرسلين وأخوين ، فجعل الله عزّوجلّ النبوّة في صلب هارون دون صلب موسىعليهما‌السلام ، ولم يكن لأحد أن يقول لم فعل الله

__________________

١ ـ روضة الكافي ٨ : ٤٢ / ١٠.

٢ ـ أصول الكافي ١ : ٣٥٨ / ١٧ باب ما يفصل بن دعوى المحق والمبطل في أمر الإمامة ، من كتاب الحجة.


ذلك؟ وإن الإمامة خلافة الله عزّوجلّ في أرضه ، وليس لأحد أن يقول لم جعلها الله في صلب الحسين دون صلب الحسنعليهما‌السلام ؛ لمن الله تبارك وتعالى هو الحكيم في أفعاله( لا يُسألُ عَمَّا يفعلُ وَهمْ يُسألونَ ) (١) »(٢) .

ومن هنا ندرك أن السرّ في مسألة حصر الإمامة بذرية الإمام الحسينعليه‌السلام أعمق بكثير مما قد نتصوّره سببا لاختيار الله عزّوجلّ لتلك الصفوة الطاهرة من عباده ، كسمو أرواحهم ، وعظمة اخلاقهم ، وانقطاعهم لله عزّوجلّ ، ونحو ذلك من الأسباب الظاهرة التي تندرج في قائمة المثل العليا في الإسلام ؛ وإلاّ لتساوواعليهم‌السلام مع المتقين الأبرار الذين سلكوا طريقتهم المثلى ، ومضوا على محجّتهم الواضحة.

٣ ـ الاختلاف من جهة الأم اسما ونسبا :

أما عن الاختلاف في اسم الأم ، فهو أوضح من نار على علم ، وأين اسم ( هند ) من اسم ( نرجس )؟ ويقال لهاعليها‌السلام ( صقيل ) كما مرّ عن الإمام الصادق في بيان هوية الإمام المهديعليهما‌السلام ؛ من باب تسمية الشيء ببعض صفاته ، ولهذا تعددت اسمائها لجمال خَلْقها وخُلقها سلام الله عليها.

وأما الاختلاف في نسب الأم ؛ فإن أم محمد بن عبد الله بن الحسن ،

____________

١ ـ سورة الانبياء : ٢١ / ٢٢.

٢ ـ إكمال الدين ٢ : ٣٥٨ ـ ٣٥٩ / ٥٧ باب ٣٣.


هي : هند بنت أبي عبيدة.

وأمها : قريبة بنت يزيد بن عبد الله بن وهب.

وأمها : خديجة بنت محمد بن طليب بن أزهر بن عبد عوف.

وأمها : أم مسلم بنت عبدالرحمن بن أزهر بن عبد عوف.

وأمها : قدة بنت عرفجة بن عثمان بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم.

وأمها : الدنيبة بنت عبد عوف بن عبد الحرث بن زهرة.

وأمها : بنت العداء بن هرم بن رواحة.

وأمها : رزا بنت وهب بن ثعلبة بن وائلة من بني فهر.

وأمها : من بني الاحمر بن الحرث بن عبد مناف بن كنانة(١) .

فهو إذن من جهة الأمّهات لم تلده إلاّ عربية قرشية في جميع أمهاته وجداته ، ولهذا يقال له : صريح قريش.

بينما يعدّ الإمام المهديعليه‌السلام من جهة الأم ابن خيرة الإماء كما مرّ في أحاديث الهونية عن الإمام الصادقعليه‌السلام ، وفي روايات أخرى عنهعليه‌السلام انه ابن سيدة الإماء.

ومن طريف ما يروى في الردّ على مهدوية الحسني من هذه الجهة ، ما عن ابن أبي حازم في قصة من احتج عليه من أنصار محمد بن عبد الله بن

__________________

١ ـ مقاتل الطالبيين : ٢٠٦.


الحسن المثنى ـ وكانوا من المغيرية أصحاب المغيرة بن سعيد الكذاب ـ بأن محمدا هذا ابن مُهَيْرَة ـ أي : عربية حرّة محضة ، فجاء إلى الإمام الصادقعليه‌السلام وأخبره باحتجاجهم ، فأجابهعليه‌السلام بقوله : « أو لم تعلموا منه ـ يعني : الإمام المهديعليه‌السلام ـ ابن سبية »(١) .

ثالثا ـ من نتائج توعية الإمام الصادقعليه‌السلام :

لعل من أبرز نتائج الثقافة المهدوية التي بثّها الإمام الصادقعليه‌السلام في ذلك الحين ، تنصل قادة المعأرضة الحسنية للسلطة العباسية من دعوى المهدوية جملة وتفصيلا ، بما في ذلك عبد الله بن الحسن الذي رجاها في ابنه محمد ، وكذلك محمد نفسه الذي إدعاها كما مرّ.

فقد روى يحيى بن مساور ، عن يحيى بن عبد الله بن الحسن قال : « لما حُبِسَ أبي ـ عبد الله بن الحسن ـ وأهل بيته ، جاء محمد بن عبد الله الى أمي ، فقال : يا أم يحيى ، أدخلي على أبي السجن ، وقولي له : يقول لك محمد : بأنه يُقْتَل رجل من آل محمد ـ يعني بذلك نفسه ـ خير من أن يُقْتل بضعة عشر رجلا. قالت : فاتبعته ، فدخلت عليه السجن ، فاذا هو متكىء على برذعة ، في رجله سلسلة ، قالت : فجزعت من ذلك ، فقال : مهلا يا أم يحيى فلاتجزعي فما بتُّ ليلة مثلها!قالت : فابلغته قول محمد ، قالت : فاستوى جالسا ثم قال : حفظ الله محمدا ، لا ولكن قولي له فليأخذ في الأرض مذهبا ، فو الله ما يحتج عندالله غدا ، إلاّ أنّا خلقنا وفينا من

__________________

١ ـ كتاب الغيبة / النعماني ٢٢٩ ـ ٢٣٠ / ١٢ باب ١٣.


يطلب هذا الأمر »(١) .

وروى ابن الأثير ما خلاصته : إنّ المنصور العباسي لما حبس بني الحسن في المدينة وصيّرهم بعد رجوعه من الحج الى الربذة كانا محمد وإبراهيم يأتيانه كهيئة الأعراب فيتشاوران مع أبيهما ، وإنه قال لهما : « إن منعكما أبو جعفر ـ يعني المنصور ـ من تعيشا كريمين ، فلا يمنعكما أن تموتا كريمين »(٢) .

وهذه الكلمات تكاد تنطق بتحول عقيدة الأب في ابنه ، وتنازل الابن نفسه عن دعوى المهدوية وتنصله منها.

أما قول محمد لأبيه في رواية أخيه يحيى ، فيكشف دوران أمره بين تسليم نفسه للقتل مقابل الافراج عن أبيه وباقي الحسنيين ، او التضحية بها وبأهل بيته المسجونين ، وكلاها يعبر عن تبخر ذلك الوهم الكبير في من يملأ الأرض عدلا وقسطا بعدما ملئت ظلما وجورا.

وأما أبوه عبد الله فقد آثر لهما ـ برواية ابن الأثير ـ مصارع الكرام على العيش بذلّ الاستسلام ، ولو كان يعتقد مهدوية ابنه محمد كما كان قبل دخوله السجن ، لأخذ بروع محمد ابنه ، وطمأنه على حياته ومستقبل مهدويته ، بأنها أعظم من أن تزول على يد الدوانيقي المخذول ، ولقال له : يا بني عجّل بالظهور ، فإن روح الله عيسى بن مريمعليه‌السلام سينزل لنصرتك ،

__________________

١ ـ مقاتل الطالبيين : ١٩٣.

٢ ـ الكامل في التاريخ ٥ : ١٤٤ ، في حوادث سنة / ١٤٤ هـ.


وسيصلي خلفك ، حتى تكون مشارق الأرض ومغاربها أن ملكك.

بفضل هذه التوعية أيضا أنكر آخرون أن يكون محمد بن عبد الله هو المهدي.

منهم : جد محمد بن عبد الله لأمه مروان بن محمد ، الذي أثّر فيه حديث الإمام الصادقعليه‌السلام في بيان هوية الإمامعليه‌السلام ، والذي لابدّ ومن يكون قد وصل الى أسماعه.

ويدل عليه ما قاله أبو العباس الفلسطي ، قال : « قلت لمروان جد محمد بن عبد الله ؛ فإنه ـ يعني : ابن عبد الله ـ يدّعي هذا الأمر ويتسمى بالمهدي! فقال : ما لي وله ، ما هو به ، ولا من أبيه ، وإنه لابن أم ولد »(١) يعني ابن سبّية.

ومنهم : خديجة بنت عمر بن على بن الحسينعليهما‌السلام ، حيث كانت تسخر من القول بمهدوية محمد بن عبد الله بن الحسن(٢) .

ومنهم : الكلبي النسابة ، حيث أخذ معرفة هذا الأمر وحقيقته من الإمام الصادقعليه‌السلام مباشرة ، ولم يطع عبد الله بن الحسن في شيءٍ مما قاله(٣) .

__________________

١ ـ مقاتل الطالبيين ٢١٩ و ٢٢٨.

٢ ـ أصول الكافي ١ : ٣٥٨ / ١٧ باب ما يفصل به بين دعوى المحق والمبطل في أمر الإمامة ، من كتاب الحجة.

٣ ـ اصول الكافي ١ : ٣٤٨ ـ ٣٥١ / ٦ من الباب السابق.


ومنهم : موسى بن عبد الله بن الحسن أخي محمد بن عبد الله بن الحسن ، الذي اعترف بصحة وقوع كل ما أخبر به الإمام الصادقعليه‌السلام ، وقد مر حديثه.

ومنهم : إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وهو شيخ كبير ، قتله الحسنيون بعدما أبي عن بيعة محمد هذا ، لحديث رواه عن الإمام الباقرعليه‌السلام في مصرعه وقد أيّده الإمام الصادقعليه‌السلام ، وقد قتله أنصار محمد في مساء ذلك اليوم الذي امتنع فيه عن البيعة لهم(١) .

ومنهم : علماء آل أبي طالب كما مرّ في كلام أبي الفرج ، ويأتي الإمام الصادقعليه‌السلام في طليعتهم ، وقد يكونعليه‌السلام هوالمعني أولا وآخرا بكلامه.

ومنهم : بعض الحسنيين كما مرّ في قول ابن أخى الزهري لعبد الله ابن الحسن لمّا أصرّ على أن المهدي هو ابنه محمد ، فقال له : « يأتي ذلك أهل بيتك » وفيه إشارة إلى وجود جملة من بني الحسن لا يرون صحّة القول بمهدويته ؛ نظرا لما وصل اليهم من أخبار المهدي الموعودعليه‌السلام ، فضلا عمّا كان يقوله إمامنا الصادقعليه‌السلام للحسنيين ويخلص لهم النصيحة في ذلك.

ومنهم : عمرو بن عبيد ، الذي « كان ينكر أن يكون محمد بن عبد

__________________

١ ـ اصول الكافي ١ : ٣٦٣ ـ ٣٦٤ / ١٧ من الباب السابق؟


الله هو المهدي ، ويقول : كيف وهو يقتل؟ »(١) .

ومنهم : أبو جعفر المنصور العباسي كما سيأتي في دعوى مهدوية أبنه محمد الملقّب زورا بـ : ( المهدي العباسي ).

__________________

١ ـ مقاتل الطالبييين : ٢١٨.


الفصل الرابع

دعوى مهدوية المهدي العباسي

محمد بن عبد الله المنصور ( ١٥٨ ـ ١٦٩ / هـ )

أولا ـ من كان وراء القول بمهدويته :

١ ـ أبو جعفر المنصور :

يُعَدُّ المنصور الدوانيقي ( الخليفة ) العباسي ( ١٣٦ ـ ١٥٨ / هـ ) الرجل الأول وراء القول بمهدوية ابنه ( محمد ) ، بعدما كان في طليعة من أشاع القول بمهدوية محمد النفس الزكيّة ، مع أنه لم يكن معتقدا بها ولا بمهدوية أبنه قط ، وإنّما رامها لأسباب سياسية بحتة كما سيوافيك.

وقد كان المنصور ـ قبل وصول أخيه السفّاح إلى السلطة ( سنة / ١٣٢ هـ ) متملقا للحَسنيين ، مداهنا معهم ، يحسب لمستقبله السياسي ألف حساب ؛ إذ سبق له ومن أمسك بركاب محمد النفس الزكيّة ، طالبا منه أن يذكر له هذا الموقف فيما لو أثمرت مهدويته ، وصار خليفة للمسلمين!! ولكنه سرعان ما نكث بيعته ، وغدر به بعد تولي السلطة بموت السفّاح ( سنة / ١٣٦ هـ ) ، فكفر بمهدويته ، وأطاح بحركته ، وأقدم على قتله وأخيه إبراهيم ( سنة / ١٤٥ هـ ). وبعد مرور سنتين ـ أي : في


( سنة / ١٤٧ هـ ) ـ احتال على عمّه عيسى بن موسى الذي كان السفّاح قد عهد إليه بالخلافة بعد المنصور ؛ فخلعه منها ، وعهد بها إلى ولده ( محمد ) ولقّبه المهدي!(١) .

وترجع محأولات المنصور في استغلال العقيدة المهدوية لصالحة إلى أواخر السلطة الأموية ، يوم كان ابنه ( محمد ) طفلا صغيرا لا يتجاوز الخامسة من عمره ؛ إذ وُلِدَ ( سنة / ١٢٧ وقيل : ١٢٦ هـ ) ، أي : قبل تسلَّم العباسيين السلطة بخمس أو ست سنين. ومنذ ذلك التاريخ ظلّ حلم المهدية يراود مخيلة المنصور إلى أن تمكن من إعلانه رسميا على الملأ ( سنة / ١٤٧ هـ ) ، قبل شهادة الإمام الصادقعليه‌السلام ( سنة / ١٤٨ هـ ) بسنة واحدة

ويدلّ على ما ذكرناه ما قاله أبو سلمة المصبحي ، قال : حدثني مولى لابي جعفر ، قال : أرسلني أبو جعفر ـ يعني المنصور ـ فقال : اجلس عند المنبر فاسمع ما يقول محمد بن عبد الله ، قال : فذهبت وجلست عند المنبر فسمعت محمد بن عبد الله بن الحسن يخاطب الناس و يقول : « إنكم لا تشكّون إنّي أنا المهدي ، وأنا هو. قال : فأخبرت أبا جعفر بذلك ، فقال : كذب عدو الله بل هو ابني »(٢) .

أقول : ليت أحدا قال له في ذلك الحين : وأنت يا عدو الله ألم تكذب وتقول في محمد بن عبد الله بن الحسن نفسه : هذا مهدينا أهل البيت؟

__________________

١ ـ راجع : تاريخ الخلفاء / السيوطي : ٢١٠.

٢ ـ مقاتل الطالبيين : ٢١٢.


ومن الواضح إنَّ هذا التراجع من المنصور لم يكن في زمان سلطته ولا في زمان أخيه السفاح ؛ إذ كان المهدي الحسني في تلك الفترة متواريا عن انظار ولاة المدينة لبني العباس ، وبقي هكذا إلى أن فاجأ المنصور بالثورة عليه سنة / ١٤٥ هـ ، وعليه فلا بدّ وأن يكون هذا التحول بُعيد مبايعته لمحمد بن عبد الله الحسني ووصفه بالمهدي ، إذ علم من الإمام الصادقعليه‌السلام مصير تلك المهدوية والسلطة معا ، فما يمنعه إذن من استخدام سلاح الحسنيين أنفسهم في الدعوة إلى ابنه ، لا سيما وأن اسمه ( محمد ) ، واسم أبيه المنصور ( عبد الله ) يمنعه ، والحديث الموضوع : ( واسم ابيه اسم أبي ) لم يزل ساري المفعول في زمانه.

وقد مرّ عنه قوله ـ بعدما سمع من الإمام الصادقعليه‌السلام ما سمع ـ بأنه ما خرج من المجلس إلاّ ودبّر أمره!! فانظر كيف نظر وفكّر فدبر؟!

وروى أبو الحجّاج الجمّال ما هو صريح بتراجع المنصور عن القول بمهدوية محمد النفس الزكيّة قبل قتله ، قال أبو الحجّاج : « إنّي لقائم على رأس أبي جعفر المنصور ، وهو يسألني عن مخرج محمد بن عبد الله بن الحسن ، فبلغه أن عيسى بن موسى هُزِم ، وكان أرسله إلى قتال محمد. قال : وكان المنصور متكئا ، فجلس ، فضرب بقضيب معه مصلاه ، وقال : كلا فأين لعب صبياننا بها على المنابر ، ومشاورة النساء »(١) .

والسؤال هنا : أنه لو كان معتقدا بمهدوية الحسني ، فلماذا هذا التحوّل

__________________

١ ـ مقاتل الطالبيين ٢٤١ ، وتاريخ الطبري ٧ : ٥٩٨ ، والبداية والنهاية ١٠ : ٩٠ في حوادث سنة / ١٤٥ هـ.


السريع؟ ثم من أين لأبي جعفر الدوانيقي أن يعلم بكل هذا لو لم يأخذه من عين صافية؟

نعم ، أخذه من الإمام الباقرعليه‌السلام في زمان الدولة الاموية(١) كما أخذه من الإمام الصادقعليه‌السلام يوم خاطب عبد الله بن الحسن بمحضر منه ومن أخيه السفاح قائلا : « إن هذا الأمر والله ليس إليك ولا إلى إبنيك ، وإنّما هو لهذا ـ يعني السفاح ـ ثم لهذا ـ يعني المنصور ـ ثم لِوُلْدِهِ من بعده ، لا يزال فيهم حتى يأمّروا الصبيان ، ويشاوروا النساء »(٢) .

وهكذا كان للمنصور العباسي الدور الأول في خداع الأمة والتحايل على عقيدتها في الإمام المهدي الموعودعليه‌السلام تارة بادّعائها للحسني ، وأخرى لولده ، هذا في الوقت الذي كان يعتقد فيه اعتقادا راسخا بأن المهدي الموعود غيرهما. والدليل عليه ما قاله يوسف بن فتيبة بن مسلم ، قال : « أخبرني أخي مسلم بن قتيبة ، قال : أرسل إلى أبو جعفر ـ المنصور ـ ، فدخلت عليه ، فقال : قد خرج محمد بن عبد الله وتسمّى بالمهدي ، ووالله ما هو به. واُخرى أقولها لك لم أقلها لأحد قبلك ، ولا أقولها لأحد بعدك : وابني هذا والله ما هو بالمهدي الذي جاءت به الرواية ، ولكنني تيمّنت به ، وتفاءلت به »(٣) .

ويدلّ عليه أيضا ما أخرجه الشيخ المفيد عن سيف بن عميرة ، قال :

__________________

١ ـ كما في روضة الكافي ٨ : ١٧٨ / ٢٥٦.

٢ ـ مقاتل الطالبيين : ٢٢٦.

٣ ـ مقاتل الطالبيين / أبو الفرج الأصبهاني : ٣٠٧.


« كنت عند أبي جعفر المنصور ، فقال ابتداء ، ياسيف بن عميرة ، لا بدّ من منادٍ ينادي من السماء باسم رجل من ولد أبي طالب.

فقلت : جعلت فداك! أتروي هذا؟ قال : أي والذي نفسي بيده ، لسماع أذني له ، ثم قال : يا سيف إنه لحقّ ، وإذا كان فنحن أول من يجيبه ، أما أن النداء إلى رجل من بني عمّنا.

فقلت : رجل من ولد فاطمة؟

فقال : نعم يا سيف ، لولا إني سمعته من أبي جعفر محمد بن على يحدّثني به ، وحدّثني به أهلُ الأرض كلّهم ما قبلته منهم! ولكنه محمد بن علي »(١) .

أقول : ومع كل هذا فلم يرتدع حتى أعلن مهدوية ابنه رسميا على الملأ ، ولم يفصح لأحد بما أفصح به من قبل لمسلم بن قتيبة كما مرّ ، وبقي معاندا للحقّ فأشاع تلك البدعة الشنعاء ، وقد وقف إلى جانبه الوضّاعون والشعراء المتملّقون كما سنرى.

٢ ـ الوضّاعون :

كان للوضّاعين الكذّابين دور كبير في إشاعة مهدوية المهدي العباسي على الناس أمثال :

مقاتل بن سليمان المشهور بالكذب ووضع الحديث ، ولما كان هذا الرجل الكذوب على علم بأن خروج الدجال من علامات ظهور المهدي الموعود من عقيدة الأمة بلا خلاف ، ومن هنا أراد اقناع الناس بأن

__________________

١ ـ الإرشاد / الشيخ المفيد ٢ : ٣٧٠ ـ ٣٧١.


ظهور الدجال سيكون في زمان محمد بن عبد الله المنصور الملقب كذبا على الله ورسوله بالمهدي ، ولهذا كان يقول : « إن لم يخرج الدجال الأكبر سنة خمسين ومائة فاعلموا أني كذّاب!! ، وكان يحدث بهذا الحديث عن الكلبي ويقول : حدثنا أبو النظر! فلقيه الكلّبي ، وقال له : أنا أبو النظر وما حدثتك بهذا قط! فقال مقاتل : اسكت يا أبا النظر ، فإن تزيين الحديث لنا إنما يكون بالرجال »!

ومن جرأته في الكذب على الله ورسوله ، أنه قال للمهدي العباسي ذات يوم : « إن شئت وضعت لك أحاديث في العباس! فقال : لا حاجة لي فيها » ويظهر مما سيأتي أن كثرة تلك الأحاديث الموضوعة في العباس وولده جعلت ابن المنصور في غنى عن أحاديث مقاتل ، في حين كان المفروض عليه أن يُلَقِّن هذا الدجال درسا بليغا ليكون عبرة لأن اعتبر ، ولكن ( الخليفة ) و ( أمير المؤمنين ) و ( المهدي ) لم يفعل!!

وقد سبق لمقاتل هذا ، وأن قال للمنصور : « انظر ما تحب أن أُحَدِّث فيك »! وكل هذا وغيره مما نقله مترجموه ، واتفقوا على كذبه ودجله(١) .

إلى غير ذلك من أصناف الوضّاعين والكذّابين ، والمجاهيل والمهملين ، والضعفاء والمتروكين الذين أسهموا في إشاعة وترويج مهدوية المهدي

__________________

١ ـ تجد هذه الأقوال وغيرها في كتاب الجرح والتعديل / ابن ابي حاتم ٤ : ١ / ٣٥٤ ، والمجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين / ابن حبان ٣ : ١٤ ، والضعفاء والمتروكين / الدارقطني : ٣٧٦ / ٥٢٧ ، والكامل في ضعفاء الرجال / ابن عدي ٦ : ٢٤ ـ ٢٧ ، والضعفاء والمتروكين / ابن الجوزي ٣ : ١٣٦ ، وميزان الاعتدال / الذهبي ٤ : ١٧٣.


العباسي ، من أمثال :

إبراهيم بن المهاجر ، وأحمد بن راشد الهلالي وإسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر ، والحسن بن أحمد العطاردي ، وزيد بن عوف أبي ربيعة القطعي ، وسالم الأعشى ، ومحمد بن جابر بن سيّار الحنفي ، ومحمد بن زياد أبي بكر ، ومحمد بن مخلد ، ومحمد بن الوليد المقريء مولى بني العباس ، وإليك جملة من رواياتهم :

الأحاديث الموضوعة في ترويج مهدوية المهدي العباسي :

لا بأس هنا بالإشارة السريعة إلى تلك الأحاديث الموضوعة والملفقة المقلوبة في مهدوية محمد بن المنصور الذي عرف بشرب الخمور :

منها : حديث رجل مجهول رفعه إلى كعب الأحبار وفيه : « المهدي من ولد العباس » ، رواه ابن حماد ، عن الوليد ، عن شيخ ، عن يزيد بن الوليد الخزاعي ، عن كعب(١) .

ولم يعرف أحد اسم هذا الشيخ ، والإسناد منقطع لاشتماله على أحد الرواة بلفظ مبهم ، ويسمى مجهولا أيضا ، زيادة على إرساله ؛ إذ لم يرفعه كعب ، هذا فضلا عمّا في كعب الأحبار من كلام.

ومنها : ما أسنده بعضهم إلى ابن عباس مرفوعا : « هذا عمي أبو الخلفاء الأربعين أجود قريش كفا وأجملها ، من وُلْدِه : السفاح ، والمنصور ، والمهدي ، بي يا عم فتح الله هذا الأمر ويختمه برجل من ولدك ».

__________________

١ ـ الفتن / ابن حمّاد : ١٠٣ ؛ وعنه الخطيب في تاريخ بغداد ١ : ٨٥ باب من أخبار أبي جعفر المنصور.


أورده ابن الجوزي في الموضوعات(١) وابن عراق في تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الموضوعة(٢) ، والسيوطي في اللآلىء المصنوعة في الآحاديث الموضوعة ، وقال : « موضوع ، المتهم به الغلابي »(٣) .

وهذا خطأ فظيع ؛ لمن الغلابي ثقة جليل مشهور ، وهو محمد بن زكريا البصري ( ت / ٢٩٨ هـ )(٤) ، والمتهم به غيره ، ويؤيّده أن الإسناد المذكور لهذا الحديث ضعيف ومنقطع(٥) . ولله درّ من قال في السيوطي بأنه كحاطب ليل.

ومن أمارات وضعه ، منه مخالف لعدد سلاطين بني العباس ، لأنك لو أعددتهم ابتداء من السفاح وانتهاء بالمستعصم قتيل التتار لوجدتهم في العراق سبعة وثلاثين رجلا ، وفي مصر ابتداء من المستنصر بالله وإلى نشوء الدولة الفاطمية ستة عشر رجلا(٦) ، وبهذا يكون مجموع خلفاء بني العباس ثلاثة وستين ، وبه يستبيّن كذب واضعه ودجله ، هذا فضلا عن وضوح كذبه بمعأرضة حديثه للصحيح من كون الخلفاء إثني عشر لا غير.

هذا ، وقد أخرج الحاكم نحوه من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن

____________

١ ـ الموضوعات / ابن الجوزي ١ : ٣٤٥.

٢ ـ تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الموضوعة / ابن عراق ٢ : ١١ / ٢٢.

٣ ـ اللآليء المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ١ : ٤٣٤ ـ ٤٣٥.

٤ ـ رجال النجاشي : ٣٤٦ ـ ٣٤٧ / ٩٣٦.

٥ ـ كما في البداية والنهاية / ابن كثير ٦ : ٢٤٦.

٦ ـ كما في تاريخ الخلفاء للسيوطي.


المهاجر ، عن أبيه(١) .

وحديث إسماعيل هذا واهٍ جدا ، قال الذهبي : « وإسماعيل مجمع على ضعفه ، وأبوه ليس بذاك »(٢) .

وأخرج الحديث المذكور الخطيب البغدادي في تاريخه من رواية محمد ابن مخلد بن حفص(٣) .

وحديثه ليس بشيء ، فقد ذكره الذهبي في ترجمة أحمد بن الحجاج بن الصلت ، قائلا : « رواه عنه محمد بن مخلد ، فهو آفته ، والعجب أن الخطيب ذكره في تاريخه ولم يضعفه ، وكأنه سكت عنه لإنتهاك حاله »(٤) .

ومنها : حديث محمد بن الوليد المقريء مولى العباسيين ، رفعه إلى عثمان بن عفان ، قال : « سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : المهدي من ولد العباس عمي ».

وهذا الحديث أورده ابن الجوزي في العلل المتناهية(٥) والألباني الوهابي في سلسلة الأحاديث الضعيفة(٦) ، والسيوطي في الجامع الصغير ، وقال : « حديث ضعيف »(٧) ، وهذا اشتباه منه ؛ إذ الصحيح أنه مكذوب

__________________

١ ـ مستدرك الحاكم ٤ : ٥٩٩ / ٨٥٦٨ ، والطبعة القديمة ٤ : ٥١٤.

٢ ـ تلخيص المستدرك / الذهبي ( مطبوع بهامش مستدرك الحاكمـ الطبعة القديمة ) ٤ : ٥١٤.

٣ ـ تاريخ بغداد ٤ : ٩٣ / ١٧٤٢ في ترجمة محمد بن نوح بن سعيد المؤذن.

٤ ـ ميزان الاعتدال ١ : ٨٩ / ٣٢٨.

٥ ـ العلل المتناهية ٢ : ٨٥٨ / ١٤٣٨.

٦ ـ سلسلة الأحاديث الضعيفة ١ : ١٨٠ ـ ١٨١ / ٨٠.

٧ ـ الجامع الصغير / السيوطي ٢ : ٦٧٢ / ٩٢٤٢.


لا اصل له كما صرح بهذا غير واحد.

قال المناوي في شرح الجامع الصغير بخصوص هذا الحديث : « قال ابن الجوزي : فيه محمد بن الوليد المقريء ، قال ابن عدي : يضع الحديث ، ويصله ، ويسرق ، ويقلب الأسانيد والمتون. وقال ابن أبي معشر : كذاب »(١) .

وأورده صاحب الصواعق ، ثم نقل عن الذهبي قوله : « تفرّد به محمد ابن الوليد مولى بني هاشم ـ يعني : العباسيين ـ وكان يضع الحديث »(٢) .

وقد ترجم الذهبي لهذا الكذاب قائلا : « قال ابن عدي : كان يضع الحديث ، وقال أبو عروبة : كذاب ، فمن أباطيله » ثم ساق له ثلاثة أخبار كلها كذب على الله تعالى ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأشدها خرافة ثالثها. ثم قال : « قال ابو حاتم : ليس بصدوق ، وقال الدار قطني : ضعيف »(٣) .

ومنها : حديث أحمد بن راشد الهلالي ، عن سعيد بن خثيم ، رفعه إلى أم الفضل ، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « يا عباس إذا كانت سنة خمس وثلاثين ومائة ، فهي لك ولولدك منهم : السفاح ، ومنهم المنصور ، ومنهم المهدي »(٤) .

ويبدو من هذا الهلالي كان غبيا جاهلا بالتاريخ ، ولهذا فقد خالف

__________________

١ ـ فيض القدير في شرح الجامع الصغير / عبد الرؤوف المناوي الشافعي ٦ : ٢٧٨ / ٩٢٤٢.

٢ ـ الصواعق المحرقة / ابن حجر الهيثمي : ١٦٦.

٣ ـ ميزان الاعتدال ٤ : ٥٩ ـ ٦٠ /٨٢٩٣.

٤ ـ تاريخ بغداد ١ : ٨٤ ـ ٨٥ ، باب من أخبار أبي جعفر المنصور.


بخبره هذا واضحات التاريخ ، حيث لم يبدا حكم بني العباس بما قاله هذا الكذّاب ، وإنّما ابتدا حكمهم في ( سنة / ١٣٢ هـ ) بلا خلاف ، ولهذا قال الذهبي في ترجمته : « أحمد بن راشد الهلالي ، عن سعيد بن خثيم بخبر باطل في ذكر بني العباس ـ ثم أورد خبره وقال ـ فهو الذي إختلقه بجهل »(١) .

ونكتفي بهذا القدر من التوضيح مع الإشارة السريعة إلى بقية ما وقفنا عليه من أحاديث المهملين والكذّابين الذين وضعوا الأحاديث في مهدوية المهدي العباسي :

كمحمد بن زياد أبو بكر ، وسالم الأعشى ، وهما مهملان ، وحديثهما عن ابن عباس موضوع(٢) .

ومحمد بن جابر بن سيار الحنفي ( ضعيف ) ، والحسن بن أحمد العطاردي ( مجهول ) ، وقد وقعا في سند حديث واحد مكذوب على أبي سعيد الخدري(٣) .

وأبي ربيعة زيد بن عوف القطعي وحديثه موضوع(٤) .

والضحّاك ، عن ابن عباس ، وحديثه موضوع ، لانه لم يسمع من ابن

__________________

١ ـ ميزان الاعتدال ١ : ٩٧ / ٣٧٥.

٢ ـ الموضوعات / ابن الجوزي ٢ : ٤٤٧ ، ترتيب الموضوعات / الذهبي : ٣٢٢ / ١١٧٢ ، والهلاليء ، المصنوعة ١ : ٣٩٨.

٣ ـ تاريخ بغداد ٩ : ٣٩٩ / ٥٠٠٧.

٤ ـ العلل المتناهية ١ : ٢٩٠ / ٤٦٩.


عباس شيئا ، ولعل الآفة من المجهول الذي سمعه الضحاك منه ، كما في قول ابن حبان(١) .

جدير بالذكر ، أنه وردت عن أهل البيتعليهم‌السلام جملة من الأخبار الصريحة بأن المراد بالمنصور في الروايات هو الإمام الحسينعليه‌السلام وبالسفاح هو امير المؤمنين علىعليه‌السلام ، وذلك بعد الرجعة(٢) .

ومهما يكن ، فإنّ بني العباس حاولوا خداع الأمة على أكثر من صعيد من آجل تمرير أهدافهم السياسية في القضاء على خصومهم من العلويين وغيرهم ، ومن ثم تحسين صورتهم في أعين الناس الذين كانوا يرونهم عصابة إغتصبت ثمار جهود متواصلة من النضال العلوي ضد الحكم الأموي الجائر ، ومن هنا كانوا بحاجة إلى تحسين تلك الصورة التي أرادوا جلي سحنتها بكل ثمن ، وأخيرا وجدوا بغيتهم عند حفنة من الوضاعين والمتروكين فوضغوا لهم : « أُريت بني مروان يتعاورون منبري فساءني ذلك ، ورأيت بني العباس يتعاورون منبري فسرني ذلك »(٣) .

والمقطع الأول من الحديث المذكور صحيح بلا إشكال ، وقد تقدم في اكذوبة مهدوية عمر بن عبد العزيز الأموي المرواني. ولكن المقطع الثاني منه : « ورأيت بني العباس » موضوع بلا شبهة ، والذي وضعه يزيد بن

__________________

١ ـ لسان الميزان ٦ : ٤٥١ ـ ٤٥٢ / ٧٩٧٦ في ترجمة محمد بن الفرج الأزرق.

٢ ـ راجع : تفسير العياشي ٢ : ٣٢٦ / ٢٤ ، وكتاب الغيبة / النعماني : ٣٣١ ـ ٣٣٢ / ٣ باب ٢٦ ، ومختصر بصائر الدرجات : ٣٨ ، و ٣٩ ، و ٤٩ ، و ٢١٣ ، و ٢١٤ ، والاختصاص / الشيخ المفيد : ٢٥٧ ـ ٢٥٨ ، وكتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ٢٨٦.

٣ ـ المعجم الكبير / الطبراني ٢ : ٩٦ / ١٤٢٥.


ربيعة ، المتروك(١) .

هذا وقد رأينا كيف سخّر العباسيون جملة من الرعاع لنصرتهم بالإلتفاف على أحاديث الرايات السود التي صحّ الحديث بخروجها من المشرق في آخر الزمان لنصرة الإمام المهديعليه‌السلام وتوطيد سلطانه الشريف ، وهي أحاديث صحيحة رواها الفريقان وصحح الحاكم بعض طرقها على شرط البخاري ومسلم معا(٢) ، ولهذا حاولوا صرف الأنظار إلى ما يوحي للأمّة بمن تلك الرايا السود ، هي الرايات السود التي أقبل بها داعيتهم أبو مسلم الخراساني من خراسان لإنشاء دولتهم ، ولم يصعب عليهم إيجاد أن يضع لهم الحديث في ذلك. الأمر الذي يكشف لنا عن من اختيار العباسيين لبس السواد ـ كشعار لهم ـ لم يكن جزافا ، وبلا هدف ، وإنّما جاء منسجما مع وسائلهم في الوصول إلى السلطة وسبل تثبيتها ، بالغدر والقتل تارة ، وبالكذب على الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تارة أخرى.

وقد تنبه ابن كثير إلى كذبهم هذا ، فقال معقبا حديث الرايات في سنن الترمذي(٣) : « وهذه الرايات السود ليست هي التي أقبل بها أبو مسلم الخراساني بل رايات سود أخر تأتي بصحبة المهدي »(٤) .

٣ ـ الشعراء :

كما كان للشعراء دور كبير أيضا في إفشاء مهدوية ( المهدي ) العباسي ،

__________________

١ ـ مجمع الزوائد ٥ : ٢٤٤ قال : « وفيه يزيد بن ربيعة ، وهو متروك ».

٢ ـ مستدرك الحاكم ٤ : ٥٤٧ / ٨٥٣٢ ، والطبعة القديمة ٤ : ٥٠٢.

٣ ـ سنن الترمذي ٤ : ٥٣١ / ٢٢٦٩.

٤ ـ النهاية في الفتن والملاحم / ابن كثير ١ : ٥٥.


وقد كان نصيبهم في هذا كبيرا ، حيث تقرّبوا إلى العباسيين بمدائح مكذوبة ، ونعتوهم بصفات لا توجد فيهم ، طمعا في ما حازوه من أموال الأمة. من امثال : مروان بن أبي حفصة ، وسِلْم الخاسر وغيرهما من الشعراء.

فمن قول مروان بن أبي حفصة :

مهدي أمته الذي أمست به

للذلّ آمنة وللإعدام(١)

وقال سلم الخاسر :

له شيمةٌ عند بذل العطا

ء لا يعرف الناس مقدارها

ومهدي أمّتنا والذي

حماها وأدرك أوتـارها

فامر له ( المهدي ) بخمسمائة ألف درهم!(٢) .

ومدح سِلْم ـ ذات يوم ـ بعض العلويين : فبلّغ ذلك المهدي العباسي فتوعده وهمّ به ، فاعتذر له بقصيدة يقول فيها :

إني أتتنـي على المهدي معـتبةٌ

تكاد من خوفها الأحشاء تضطرب(٣)

ومن سخافة شعر سِلْم الخاسر ، إنه وصف محمد بن عبد الله المنصور العباسي بالمهدوية ، وهو يراه جثّة هامدة!! فقال يرثيه :

وباكية على المهدي عبرى

كأن بها ـ وما جُنّتْ ـ جنونا(٤)

__________________

١ ـ تاريخ الخلفاء / السيوطي ٢٢٠.

٢ ـ الأغاني / أبو الفرج الأصبهاني ١٩ : ٢٧٩ في ترجمة سلم الخاسر.

٣ ـ الأغاني ١٩ : ٢٧٥.

٤ ـ تاريخ الخلفاء ٢٢٠.


وقال ابو العتاهية في جارية المهدي العباسي ( عتبة ) وكان يحبّها :

نفسي بشيءٍ الدنيا معلّقةٌ

الله والقائم المهدي يكفيها

إنّي لآيس منها ثم يطمعني

فيها احتقارك للدنيا وما فيها(١)

وسيأتي في شخصية المهدي العباسي ما يدلُّ على انغماسه في ملذات الدنيا وزخارفها بلا زهدٍ في شيءٍ منها.

وقال أحد شعراء البلاط مهنئا المهدي العباسي بولاية العهد :

يا ابن الخليفة أن أُمة أحمد

تاقت إليك بطاعة أهواؤها

ولتملأن الأرض عدلا كالذي

كانت تحدّث أمة علماؤها

ختى تمنّى لو ترى أمواتها

من عدل حكمك ما ترى أحياؤها

فعلى أبيك اليوم بهجة ملكها

وغدا عليك إزارها ورداؤها(٢)

وهذه الأبيات تكشف بكل وضوح عن دور المنصور في إشاعة تلك المهدوية الباطلة على الناس كذبا ودجلا وجرأة على الله تعالى ورسوله الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ثانيا ـ شخصية المهدي العباسي في الميزان :

كان ( المهدي العباسي ) يحب الغناء ويستخفّه الطرب! ولا غرو في ذلك بعد نشأته في بيت الغناء والطرب ، فأخوه إبراهيم كان من أشهر المغنين في

__________________

١ ـ مروج الذهب / المسعودي ٣ : ٣٢٦ ـ ٣٢٧.

٢ ـ تاريخ الخلفاء / السيوطي : ٢٢٢ في حديثه عن المهدي العباسي.


زمانه ، وأخته عُلَيّة ـ وما أدراك ما عُلَيّة؟ مطربة مغنية ، شغفت بخادمها ـ رشأ ـ حبّا!!(١) .

وفي هذا يقول أبو الفراس الحمداني :

منكم «عُلَيّةُ» أم منهم؟ وكان لكم

شيخ المغين « ابراهيمُ » أم لهم(٢)

ومن أطرف ما يصوّر لنا قيمة شخصية المهدي العباسي ، ما ذكره السيوطي في ترجمته ، قال ـ بعدما أورد له حديثا في البسملة ـ : « قال الذهبي : هذا إسناد متصل ، لكن ما علمت أحدا احتجّ بالمهدي ولا بأبيه ـ المنصور ـ في الأحكام »(٣) . وليت شعري! ما تلك الإزدواجية وذلك النفاق في تسميته بعد كل هذا إذن بخليفة المسلمين ، وأمير المؤمنين ، والمهدي؟

( أفَمن يَهدِى إلى الحَقِّ أحَقِّ أَن يُتَّبع أَم مَن لا يَهديِ إلاّ أن يُهدَى فما لكُم كيفَ تَحكُمُونَ ) (٤) .

ولإهمال هذا المهدي المزيف شؤون الرعية ، وانغماسه في لهوه وملذاته ؛ تدخلت النساء في شؤون دولته ، لا سيما زوجته الخيزران الذي استفحل أمرها في عهده وبقيت هكذا حتى استولت على زمام الأمور في

__________________

١ ـ راجع : أشعار أولاد الخلفاء وأخبارهم من كتاب الأوراق / أبو بكر محمد بن يحيى الصولي : ٦٢.

٢ ـ ديوان أبي فراس الحمداني : ٣٠٤. قصيدة رقم / ٣٠٣ البيت رقم / ٥٤.

٣ ـ تاريخ الخلفاء : ٢٢٤.

٤ ـ سورة يونس : ١٠ / ٣٥.


عهد ابنه الهادي العباسي ( ١٦٩ ـ ١٧٠ هـ )(١) ، وإذا ما أضيف إلى هذا مجونه وفسقه كما مرّ في شخصيته ، فكيف يسمّى بخليفة الله في أرضه؟!

والعجيب من ( المهدي العباسي ) إنّه لم تمنعه ( مهدويته ) ولا ( خلافته ) من الفسق والفجور وشرب الخمور علنا بلا حجاب عن ندمائه(٢) .

وهو القائل في نديمه عمر بن بزيع :

ربّ تـمـم لي نعيمي

بأبي حفصٍ نـديـمي

إنّـما لـذّة عـيشي

في غِـنَـاءٍ وكُـرُومِ

وجـِوارٍ عـطـراتٍ

وسَـمَـاعٍ ونَـعِيمِ(٣)

هذا فضلا عن تقريبه لأمثال مولى آل مروان اليهودي مروان بن أبي حفصة الشاعر ، وغيره من شعراء البلاط الماجنين. وما كان يطربه من شعرهم الماجن إلاّ ما ينشده مولى آل مروان ، لا سيما قصيدته الهائية في النيل من آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولد الزهراء البتولعليها‌السلام ؛ ليهبه ( المهدي ) بعد ذلك ثمن كفره ، فيعطيه على كل بيت منها ألف درهم ، وكانت مائة بيت!(٤) .

__________________

١ ـ تاريخ الطبري ٣ : ٤٦٦

٢ ـ ذكر السيوطي من مجون هذا الرجل وفسقه أنه كان لا يحتجب عن ندمائه ( في الشراب ) خلافا لأبيه المنصور الذي كان يحتجب عنهم فأشير عليه من يحتجب فقال : « إنّما اللذة مع مشاهدتهم »!! راجع : تاريخ الخلفاء : ٢١٦ في ترجمة المنصور العباسي و : ٢٢٢ في ترجمة المهدي العباسي.

٣ ـ تاريخ الخلفاء : ٢٢٢.

٤ ـ تاريخ بغداد ١٣ : ١٤٦ / ٧١٢٧ في ترجمة مروان بن أبي حفصة الشاعر


ومروان هذا هو الذي أنشد هارون بعد هلاك ( المهدي العباسي ) قصيدته التي يقول فيها :

أنى يكـون وليس ذاك بكائنٍ

لبـني البنات وراثـة الأعـمامِ

ليقبض ـ بعد هذا ـ ثمن جرأته على الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من ( الخليفة ) مائة ألف درهم ؛ ثم لم يلبث أن زاده اللارشيد ـ بغضا للحق وأهله ـ عشرة الآف أخرى!!(١) .

أليس هذا من جملة البلاء المقصود في الصحيح عن الإمام الصادقعليه‌السلام : « إن الله عزّوجلّ أعفى نبيّكمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يلقى من أمّته ما لقيت الأنبياء من أممها ، وجعل ذلك علينا »؟(٢) .

بلى والله إنه لمن البلاء الذي صبّ على أهل البيتعليهم‌السلام صبّا ، وأعظم منه ادّعاء الخلافة نهبا وغصبا ، والمهدوية كذبا ونصبا.

ترى! فكيف واجه الإمام الصادقعليه‌السلام هذا الادّعاء الكاذب والأفك المبين؟

ثالثا ـ موقف الإمام الصادقعليه‌السلام من المهدوية العباسية :

إنّ أغلب الخطوط العامّة في منهج الإمام الصادقعليه‌السلام في رد دعاوى المهدوية السابقة على ظهور إكذوبه مهدوية بن العباس ، صالحة للردِّ على تلك الأكذوبة ، كما من توضيحهعليه‌السلام لمعالم المهدوية الحقّة ، إبتداء أو جوابا على سؤال ؛ يعتبر ردّا محكما على سائر الدعاوى المهدية الباطلة في التاريخ

__________________

١ ـ تاريخ بغداد ١٣ : ١٤٥ / ٧١٢٧.

٢ ـ روضة الكافي ٨ : ٢٠٩ / ٣٥٢ ، ورجاله ثقات كلهم.


لا سيّما تلك التي عاصرها الإمام الصادقعليه‌السلام ومنها مهدوية المهدي العباسي. ممّا يعني هذا من معرفة موقفهعليه‌السلام من هذه المسألة يتطلب معرفة موقفه أن سابقاتها والوقوف على منهجه في توضيح هوية الإمام المهديعليه‌السلام وهو ما سبق تفصيله.

على أن محمد بن عبد الله المنصور يكنى : أبا عبد الله ، وعلى هذا ، فهويته الشخصية مطابقة لهوية ( المهدي الحسني ) من جهة : الاسم ، والكنية ، واسم الأب ، واللقب ( المهدي ). وتختلف معها في النسب ، واسم الأمّ ؛ إذ ذاك ( حسني ) ، وهذا ( عباس ). وأمّ ذاك ( هند ) ، وأمّ هذا ( أمّ موسى بنت منصور الحميرية )(١) .

وقد مر عن الإمام الصادقعليه‌السلام منا يبيّن الفرق الكبير بين هوية الإمام المهديعليه‌السلام وبين تلك الهويات الزائفة.

ولعل الشيء الذي لا بدّ من ذكره هنا ليعبّر لنا عن موقف الإمام الصادقعليه‌السلام من مهدوية العباسي بصورة مباشرة هو رأية في بني العباس وسلطتهم ، وخير ما يوضح لنا ذلك أحاديثه الشريفة ، وهي على أصنافٍ كثيرة ، نشير إلى بعضها اختصارا ، وهي :

١ ـ الأمر بالتقية من بني العباس :

ويدلُّ عليه أحاديث التقيّة الواردة عن الإمام الصادقعليه‌السلام وهي كثيرة ، وتظهر صلتها المباشرة بما نحن فيه إذا علمنا بتصريح الإمام الصادقعليه‌السلام ـ كما تقدم في فصول البحث ـ بارتفاع التقيّة في زمان ظهور

__________________

١ ـ مروج الذهب ٣ : ٣١٩ ، وتاريخ الخلفاء : ٢١٨.


الإمام المهديعليه‌السلام ، ومعنى هذا : أن الأمر بالتقيّة في زمانه دليل على إشعار الناس بزيف مهدوية المهدي العباسي وكذب مروّجيها له.

٢ ـ الأمر بكتمان أمر أهل البيتعليهم‌السلام عن العباسيين :

ويدلُّ عليه أحاديث الإمام الصادقعليه‌السلام في الكتمان ، وهي كثيرة أيضا ، وصلتها بموضوعنا أوضح من أن تحتاج إلى بيان ؛ لأن معنى تلك الأحاديث : هو أن تصان أسرار آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا تذاع على مسامع السلطة العباسية وجواسيسها واتباعها وأنصارها ؛ خشية على الآلعليهم‌السلام من القتل أو السجن أو النفي وغير ذلك من وسائل الإرهاب والبطش والتنكيل ؛ ولهذا كان إمامنا الصادقعليه‌السلام يحذّر أصحابه من خطر إذاعة أسرارهم ، ويقول لهم : « من أذاع علينا شيئا من أمرنا فهو كمن قتلنا عمدا ولم يقتلنا خطأ »(١) .

وكانعليه‌السلام يأمرهم بمواساة أهل البيتعليهم‌السلام في ظلّ تلك السياسة الظالمة الرعناء ويحثهم على كتم الأسرار ، بقولهعليه‌السلام : « نفس المهموم لظلمنا تسبيح ، وهمّه لنا عبادة ، وكتمان سرّنا جهاد في سبيل الله »(٢) .

٣ ـ الأمر بالابتعاد عن العباسيين وقضاتهم في المرافعات ووصفهم بالطاغوت :

ويدلّ عليه الأحاديث الصريحة الآمِرة بعدم الرجوع إلى العباسين ولا إلى أحد من ولاتهم أو قضاتهم بشيءٍ من المرافعات القضائية.

__________________

١ ـ أصول الكافي ٢ : ٢٧٥ / ٩ باب الإذاعة ، من كتاب الإيمان والكفر.

٢ ـ أمالي الشيخ المفيد : ٣٣٨ / ٣ المجلس رقم / ٤٠ ، وأمالي الشيخ الطوسي : ١١٥ / ١٧٨ المجلس رقم / ٤.


فقد جاء في مقبلوله عمر بن حنظلة ، قال : « سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث ، فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة ، أيحلّ ذلك؟ قالعليه‌السلام : من تحاكم إليهم في حقٍّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتا ، وإن كان حقا ثابتا له ، لأنه أخذه بحكم الطاغوت وقد أمر الله أن يكفر به ، قال الله تعالى :( يريدونَ أن يتحاكموا إلى الطّاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ) (١) .

قلت فكيف يصنعان؟ قال : « ينظرون إلى من كان منكم ممّن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكما ، فإنّي قد جعلته عليكم حاكما الحديث »(٢) .

أو ليس في سلب الشرعية عن أيّة مرافعة إلى العباسيين أو إلى قصاتهم ؛ لأنها مرافعة بين يدي الطاغوت ، ما يدلّ على فساد تلك الدولة ، ووضوح موقف الإمام الصادقعليه‌السلام من مهدوية أخى مطربها إبراهيم ومغنيتها عُليّة؟

٤ ـ أحاديثهعليه‌السلام الواردة في ذمّ بني العباس صراحة :

كحديثهعليه‌السلام في وصفهم بأنهم أولاد نثيلة لا يستحقّون من الملك فتيلا(٣) .

__________________

١ ـ سورة النساء : ٤ / ٦٠.

٢ ـ أصول الكافي ١ : ٦٧ ـ ٦٨ / ١٠ باب اختلاف الحديث ، من كتاب فضل العلم.

٣ ـ روضة الكافي ٨ : ٢١٦ ـ ٢١٧ / ٣٧٢ ، ونثيلة : أَمةُ لأمّ الزبير وأبي طالب ،


وحديث أبي بصير ، قال : « سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : اتّقوا الله وعليكم بالطاعة لأئمتكم فإنّكم في سلطان من قال الله تعالى :( وإن كانَ مكرهم لتزولَ منهُ الجبالُ ) (١) ، يعني بذلك : ولد العباس »(٢) .

وحديث جميل بن درّاج قال : « سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول :( وإن كان مكرهم لتزولَ منه الجبالُ ) وإن كان مكر لد العباس بالقائم لتزول منه قلوب الرجال »(٣) .

وسئلعليه‌السلام في قوله تعالى :( فلمّا نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتّى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ) (٤) قالعليه‌السلام : « أخذ بني أميه بغتة ، ويؤخذ بني العباس جهرة »(٥) .

وجرى ـ ذات يوم ـ في مجلس الإمام الصادقعليه‌السلام ذِكْرُ دور بني العباس ، كدار صالح ، ودار عيسى بن على ، فقال رجل ممّن حضر :

__________________

وعبد الله بن المطلّب. وهي أمّ العباسيين. ولم يعتقها أحد من هؤلاء الثلاثة ، مما يعني هذا : أن العباسيين عبيد لأولاد الثلاثة ، فكيف يكون المهدي منهم؟! بل كيف تصحّ خلافة العبيد؟!

١ ـ سورة ابراهيم : ١٤ / ٤٦.

٢ ـ أمالي الشيخ الطوسي : ٦٦٧ / ١٣٩٨ ( ٥ ) المجلس رقم / ٣٦.

٣ ـ تفسير العياشي ٢ : ٤٢٠ / ٤٨ في تفسير سورة إبراهيم.

٤ ـ سورة الأنعام : ٦ / ٤٤.

٥ ـ تفسير العياشي ٢ : ٩٨ / ٢٤ في تفسير سورة الأنعام.


« أراناها الله خرابا ، أو : أخربها بأيدينا » فنهاه الإمام الصادقعليه‌السلام ؛ لإمكان أن تكون منازل للمؤمنين ، قائلا : « أما سمعت الله تعالى يقول :( وسكنتم في مساكن الذين ظلموا منفسهم ) (١) »(٢) .

وحديثهعليه‌السلام في تشبيه المهدي ببني الله موسىعليهما‌السلام ، قال : « أما مولد موسىعليه‌السلام فإنّ فرعون لمّا وقف على من زوال ملكه على يده ، أمر بإحضار الكهنة ، فدلّوا على نسبه ومنه يكون من بني إسرائيل ، فلم يزل يأمر أصحابه بشقّ بطون الحوامل من نساء بني إسرائيل حتّى قتل في طلبه نيّفا وعشرين ألف مولود ، وتعذّر عليه الوصول إلى قتل موسىعليه‌السلام بحفظ الله تعالى إيّاه.

كذلك بنو أميه وبنو العبّاس لمّا أن وقفوا على من زوال مملكة الامراء والجبابرة منهم على يدي القائم منّا ، ناصبونا للعداوة ، ووضعوا سيوفهم في قتل أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وإبادة نسله طمعا منهم في الوصول إلى قتل القائمعليه‌السلام ، فأبى الله من يكشف أمره لواحد من الظلمة إلاّ أن يتمّ نوره ولو كره المشركون »(٣) .

كما من الإمام الباقرعليه‌السلام قد أنبأ عن دولة العباسيين قبل نشأتها ووصف سيرة ملوكها بقولهعليه‌السلام : « خبيثة سيرتهم »(٤) .

____________

١ ـ سورة ابراهيم : ١٤ / ٤٥.

٢ ـ تفسير العياشي ٢ : ٤٢٠ / ٤٧ في تفسير سورة إبراهيم.

٣ ـ كتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ١٦٩ ـ ١٧٠ / ١٢٩.

٤ ـ تفسير العياشي ٢ : ١٣٦ / ٣ في تفسير سورة الأعراف.


ووصفهم الإمام الكاظمعليه‌السلام بالطواغيت وأولياء الظلمة ؛ إذ قال لعلى ابن يقطين ـ الذي كان وزيرا للمهدي العباسي ، وبعده للهادي ، وأخيرا لهارون(١) ـ : « إن لله مع كل طاغية وزيرا من أوليائه ، يدفع به عنهم »(٢) .

وقال على بن يقطين للإمام الكاظمعليه‌السلام لمّا قدم الى العراق : « أما ترى حالى وما أنا فيه؟ فقالعليه‌السلام : يا على إنّ لله تعالى أولياء مع أولياء الظلمة ، ليدفع بهم عن أوليائه ، وأنت منهم يا على »(٣) .

٥ ـ تذكير الإمام الصادقعليه‌السلام الأمة بهوية المهديعليه‌السلام :

نعم ، رفض الإمام الصادقعليه‌السلام القول بمهدوية العباسي ، كما رفض بشدّة سائر المهدويات الزائفة ، مصرّحا بأن القائم المهديعليه‌السلام الموعود بظهوره في آخر الزمان لا يكون إلاّ من أهل البيتعليهم‌السلام ؛ ولهذا تكررت عبارة : « قائمنا أهل البيت » في كثير من أحاديثه الشريفة التي رواها عنهعليه‌السلام : أبان بن تغلب(٤) ، وإبراهيم الكرخي(٥) ، وأبو شعبة

__________________

١ ـ راجع : ذيل تاريخ بغداد / ابن النجار ١٩ : ٢٠٢ / ١٠٥٤ في ترجمة علي بن يقطين ( والكتاب مطبوع مع ذيول تاريخ بغداد ).

٢ ـ رجال الكشي : ٤٣٥ / ٨٢٠.

٣ ـ رجال الكشي : ٤٣٣ / ٨١٧.

٤ ـ المحاسن ١ : ١٦٩ / ٢٥٣ باب عقاب من منع الزكاة من كتاب عقاب الأعمال ، جاء في مانع الزكاة ، من أبواب الزكاة.

٥ ـ تفسير القمي ٢ : ٢٩٢ في تفسير الآية : ٢٥ من سورة الفتح ، وعلل الشرائع ١ : ١٤٧ / ٣ باب ١٢٢.


الحلبي(١) ، وحمّاد بن عثمان(٢) ، وداود بن كثير الرقّي(٣) ، والمعلّى بن خنيس(٤) ، وغيرهم(٥) .

ومنها : أحاديثه في هوية الإمام المهديعليه‌السلام ، وقد مضى أكثرها ، ونشير هنا إلى واحد منها :

عن المفضل بن عمر عن الإمام الصادقعليه‌السلام ، قال : « إن الله تبارك وتعالى خلق أربعة عشر نورا قبل خلق الخلق بأربعة عشر ألف عام ، فهي أرواحنا. فقيل له : يا ابن رسول الله! ومن الأربعة عشر؟ فقال : محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعلي ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين ،عليهم‌السلام ، والائمة من ولد الحسينعليهم‌السلام ، آخرهم القائم الذي يقوم بعد غيبته ، فيقتل الدجال ، ويطهّر الأرض من كل جَوْرٍ وظلم »(٦) .

ونكتفي بهذا القدر ؛ لنرى موقف الإمام الصادقعليه‌السلام ـ وهو يخبر عن

__________________

١ ـ مختصر إثبات الرجعة للفضل بن شاذان : ٢٠٦ / ٢.

٢ ـ أصول الكافي ١ : ٤١١ / ٤ باب سيرة الإمام في نفسه وفي المطعم والملبس إذا وُلي الأمر.

٣ ـ عيون المعجزات / الشيخ حسين بن عبدالوهاب : ٩٥ ـ ٩٧.

٤ ـ إثبات الهداة / الحر العاملي ٧ : ١٤٢ باب ٣٢ ، نقله من كتاب المهذب من فهد الحلي.

٥ ـ راجع : الاعتقادات للشيخ الصدوق / الشيخ المفيد ٥ : ٤٨ باب الاعتقاد في النفوس والأرواح ( مطبوع ضمن سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد ، المجلد الخامس ) ، ودعائم الإسلام / القاضي النعمان ١ : ٢٨٤ كتاب الصوم والاعتكاف.

٦ ـ إكمال الدين ٢ : ٣٣٥ ـ ٣٣٦ / ٧ باب ٣٣.


المهديعليه‌السلام قبل ولادته ـ من الدعاوى المهدوية التي ظهرت بعد انتقالهعليه‌السلام إلى الرفيق الأعلى ( سنة / ١٤٨ هـ ).


الفصل الخامس

موقف الإمام الصادقعليه‌السلام من المهدويات الاخرى

أولا ـ موقفه عليه‌السلام من قول الناووسية بمهدويته :

ادّعت الناووسية بعد وفاة الإمام الصادقعليه‌السلام أنه « حي لم يمت ولا يموت حتى يظهر ويلي أمر الناس وأنه هو المهدي وسميت بذلكـ يعني الناووسيةـ لرئيس لهم من أهل البصرة يقال له : فلان بن فلان الناووس »(١) وقيل أن اسمه عجلان بن ناووس.

ولا داعي للإطالة في رد هذه المقولة الفاسدة التي أباد الله أهلها كلمح في البصر ، فاندثرت فجأة ولم يبق لا أثر ، وعادت مقولتهم مجرّد حكاية في كتب التراث لا يحفل بها أحد من البشر سوى المهرجين والمشعوذين من هنا وهناك الذين فضحوا أنفسهم بالتمسّك بامثال دعوى الناووسية وغريها من دعاوى المهدية الأخرى ؛ لأنها كالقشّة في مهب الريح ، بحيث لو أعرضنا عن ذكرها في هذا البحث لما ضرّه شيئا. إذ لو قيل : من اعلم الناس بحياة أبي حنيفة ، ونشأته ، وتربيته ، وفقهه ، وعقائده ، وسيرته ، وعطائه ، وأصحابه ، ووفاته ، وكيفية تشييعه ، ودفنه ، ومكان قبره ،

__________________

١ ـ الفرق / النوبختي : ٧٨.


وتجديده ، وزيارته ، ومن هو خليفته من بعده؟

لما اختلف العقلاء في الإجابة على أن الاحناف لا سيّما كبرائهم ووجوههم وعلمائهم هم أولى الناس بمعرفة مثل هذه الأمور.

وإذا كان الأمر كذلك ، وهو كذلك ، فَلِمَ لا يكون الشيعة الإمامية الاثني عشرية من أعرف الناس بأئمتهم الأثني عشرعليهم‌السلام ، بل لِمَ لا يكونون من أعرف الخلق بإمامهم الصادقعليه‌السلام الذي اقترن مذهبهم باسمه الشريف ، إذ عرف مذهب الإمامية الاثني عشرية باسم المذهب الجعفري.

أليس من المضحك حقا أن نرد على إجماع الشافعية على قول للشافعي ، لإنكاره من قبل أحد مغموري المعتزلة مثلا؟ فكذلك الحال هنا فيما لو تمسّك بعضهم بقول الناووسية وغيرهم وترك إجماع الإمامية! وهو ما حصل فعلا من لدن بعض المشعوذين أخيرا!!.

وإذا اتضح هذا ، نقول :

كان إمامنا الصادقعليه‌السلام حريصا على رسم معالم الطريق المهدوي الحق لا للجيل الذي عاصره فحسب ، بل لأجيال الأمة كلها حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

ومن هنا نجا موقفه الصريح من القول بمهدويته ، ينطلق أولا من النصّ الصريح الواضح على إمامة ولده موسى بن جعفر الكاظمعليهما‌السلام من بعده. مع نفي المهدوية عن نفسه الشريفة بكلّ قوّة وصراحة.

فقد سأله بعضهم ، هل أنت الإمام المهدي ، وكان الإمام الصادقعليه‌السلام قد تجاوز الأربعين ، فأقرع سمع السائل بالجواب قائلا : « وليس صاحب


هذا الأمر من جاز الأربعين »(١) .

وأصرح منه قولهعليه‌السلام : « يزعمون إني أنا المهدي ، وإني إلى أجلي أدنى إلى ما يدّعون »(٢) وهذا الحديث يعرب عن علمهعليه‌السلام بما سيقوله سفهاء الناووسية بعد وفاته ؛ إذ لم نجد من زعم له ذلك في حياته.

وسأله آخر ـ كما في رواية خلّاد الصفار ـ قائلا : هل وُلِدَ الإمام المهديّ الذي يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا؟ فأجابهعليه‌السلام بقوله : « لا ، ولو أدركته لخدمته أيّام حياتي »(٣) .

وأما عن النص الوارد عن الإمام الصادقعليه‌السلام في إمامة ابنه الكاظمعليه‌السلام من بعده ، فهو كثير ، إذ طالما أعلم الشيعة بذلك مخاطبا لهم بقولهعليه‌السلام : « الإمام من بعدي ابني موسى »(٤) .

هذا فضلا عن العلم اليقيني بوفاة الإمام الصادقعليه‌السلام في المدينة المنورة ( سنة / ١٤٨ هـ ) ، وهو الأمر الذي أجمعت عليه الأمة بأسرها ، فكيف يكون بعد كل هذا هو المهدي الموعود به في آخر الزمان؟.

وإذا ما أضيف إلى هذا دورهعليه‌السلام في تشخيص من هو الإمام المهديعليه‌السلام ، كما مرّ مفصلا ، اتضح فساد مقولة الناووسية وغيرها من

__________________

١ ـ بصائر الدرجات : ١٨٨ ـ ١٨٩ / ٥٦.

٢ ـ البرهان في علامات مهدي آخر الزمان / المتقي الهندي : ١٧٤ / ١٢ باب ١٢ أخرجه عن المحاملى في أماليه.

٣ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ٢٤٥ / ٤٦ باب ١٣.

٤ ـ إكمال الدين ٢ : ٣٣٤ / ٤ باب ٣٣ ، وانظر : أصول الكافي ١ : ٣٠٧ ـ ٣١١ / ١ ـ ١٦ باب الإشارة والنص على أبي الحسن موسىعليه‌السلام ، من كتاب الحجّة.


المقولات الزائفة على أحسن الوجوه وأتمّها.

ثانيا ـ موقفهعليه‌السلام من قول الواقفية بمهدوية الإمام الكاظمعليه‌السلام :

زعمت الواقفية بعد شهادة الإمام الكاظمعليه‌السلام سنة ( ١٨٣ / هـ ) في حبس السندي بن شاهك ببغداد وبأمر هارون الرشيد العباسي لعنه الله ؛ أنه حي لم يمت ولا يموت حتى يملك شرق الأرض وغربها ، ويملأها كلها عدلا كما ملئت جَورا ، وأنه القائم المهدي!.

وزعموا أنه خرج من الحبس ـ ولم يره أحد ـ نهارا ، ولم يعلموا به ، وأن السطان وأصحابه ادّعوا موته ، وموّهوا على الناس وكذبوا ، وأنه غاب عن الناس واختفى!

وقال بعضهم : إنه القائم وقد مات ولا تكون الإمامة لغيره حتى يرجع فيقوم ويظهر ، وزعموا أنه رجع بعد موته إلاّ أنه مختفٍ في موضع من المواضع ، حيّ ، يأمر وينهى ، وأن أصحابه يلقونه ويرونه!.

وقال بعضهم : إنه مات ولكن هو القائم ، وسيرجع في وقت قيامه ؛ ليملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا!

وأنكر بعضهم قتله ، وقالوا : مات ورفعه الله إليه ، وأنه يردّه عند قيامه.

وهذه الأقوال كلها تنسب إلى الواقفية المعروفة باسم ( الكلاب الممطورة )(١) والسبب الذي دعاهم إلى انكار وفاة الإمام الكاظمعليه‌السلام

__________________

١ ـ راجع : الفرق / النوبختي : ٩٠ ـ ٩١.


والقول بمهدويته ، هو الطمع فيما بأيديهم من أموالهعليه‌السلام ، قال الشيخ الطوسيرضي‌الله‌عنه : « فروى الثقات أن أول من أظهر هذا الاعتقاد : على بن أبي حمزة البطائني ، وزياد بن مروان القندي ، وعثمان بن عيسى الرواسي ؛ طمعوا في الدنيا ومالوا إلى حطامها ، واستمالوا قوما ، فبذلوا لهم شيئا ممّا اختانوه من الأموال ، نحو حمزة بن بزيع ، وابن المكاري ، وكرام الخثعمي ، وأمثالهم »(١) وقد شهد على ذلك يونس بن عبدالرحمن الفقيه الثقة المشهور فقال : « مات أبو إبراهيم ـ يعني الإمام الكاظم ـعليه‌السلام ، وليس من قوّامه أحد إلاّ عنده المال الكثير ، وكان ذلك سبب وقفهم وجحدهم موته ؛ طمعا في الأموال.

كان عند زياد بن مروان القندي سبعون ألف دينار ، وعند علي بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار.

فلمّا رأيت ذلك ، وتبينت الحق ، وعرفت من أمر أبي الحسن الرضاعليه‌السلام ما علمت ؛ تكلمت ودعوت الناس إليه ، فبعثا إلىّ وقالا : ما يدعوك إلى هذا؟ إن كنت تريد المال فنحن نغنيك ، وضمنا لي عشرة الآف دينار ، وقالا لي : كفّ ، فأبيت وقلت لهما : إنّا روينا عن الصادِقينَعليهما‌السلام أنهم قالوا : إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه ، فإن لم يفعل سُلِبَ نور الإيمان. وما كنت لأدع الجهاد وأمر الله على كلِّ حال. فناصباني وأضمرا لي العداوة »(٢) .

__________________

١ ـ كتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ٦٣ ـ ٦٤ / ٦٥.

٢ ـ كتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ٦٤ / ٦٦ ، وعلل الشرائع : ٢٣٥ / ١ ، وعيون اخبار الرضاعليه‌السلام ١ : ١١٢ / ٢.


ولما لم نكن بصدد دراسة هذه الفرقة ، لذا سنهمل سائر الأدلّة القاطعة في بطلان مدعياتهم ، ونكتفي بموقف الإمام الصادقعليه‌السلام مراعاة أنا لمنهج البحث العلمي مع فسح المجال أمام صفحات مقبلة لحديث أهم ، فنقول :

إن ممّا يوضح ذلك الموقف منهجهعليه‌السلام تجاه العقيدة المهدوية مِن جهة ، والإمامة من جهة أخرى ؛ إذ بيّن ـ كما مرّ ـ من هو المهدي الحق الذي تنتظره الأمة بيانا شافيا كافيا ، كان بيّن في أحاديث الإمامة من هم أئمة المسلمين على الحقيقة ، مع بيان عددهم ، وأسمائهم ، وأن آخرهم المهديعليه‌السلام ، وله في هذا أحاديث كثيرة وفيما يأتي نموذج منها :

١ ـ ما رواه ثقة الإسلام الكليني بسند صحيح عن عيسى بن عبد الله ابن محمد بن عمر بن أمير المؤمنين عليعليه‌السلام ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : « قلت له : إن كان كون ـ ولا أراني الله ذلك ـ فبمن أئتمُّ؟ قال : فأومأ إلى ابنه موسىعليه‌السلام ، قلت : فإن حدث بموسى حـدث فبمن أئتمُّ؟ قال : بولده الحديث »(١) .

ولو كان الإمام الكاظمعليه‌السلام كما تزعم الواقفية هو المهدي ، لنبّه الإمام الصادقعليه‌السلام السائل على ذلك ، لا أن يأمره بالإئتمام بعد موسى بولده الإمام الرضاعليهما‌السلام

٢ ـ وأخرج الصدوق عن إبراهيم الكرخي قال : « دخلت على أبي عبد اللهعليه‌السلام وإنّي لجالس عنده إذ دخل أبو الحسن موسى بن جعفرعليهما‌السلام وهو غلام ، فقمت إليه ، فقبلته وجلست ، فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام :

__________________

١ ـ أصول الكافي ١ : ٣٠٩ / ٧ باب الإشارة والنص على أبي الحسن موسىعليه‌السلام ، من كتاب الحجة.


يا إبراهيم أما أنه صاحبك بعدي ، أما ليهلكن فيه أقوام ويسعد آخرون ، فلعن الله قاتله ، وضاعف على روحه العذاب ، أما ليخرجن الله من صلبه خير أهل الأرض في زمانه ، سمي جدّه ، ووارث علمه ، وأحكامه ، وفضائله ، معدن الإمامة ، ورأس الحكمة »(١) .

وهذا الحديث صريح بهلاك الواقفية ، وفساد مقولتهم ، إذ تضمّن الإخبار عن ثلاثة أشياء كلها في الردّ على مقولتهم.

الأول : الإشارة إلى الواقفية انفسهم بقوله : ( ليهلكن فيه أقوام ) ؛ إذ ادّعوا حياته بعد وفاته وأنكروا إمامة الرضاعليه‌السلام .

الثاني : الإخبار بشهادته قتلا في سبيل الله مع لعن قاتله ، وهو هارون الرشيد لعنه الله تعالى.

الثالث : إن المهدي الموعود ليس هو الإمام الكاظمعليه‌السلام ، وإنّما هو من صلبه.

٣ ـ وفي حديث آخر عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : « يظهر صاحبنا وهو من صلب هذا ، وأومأ بيده إلى ولده موسىعليه‌السلام فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا وظلما ، وتصفوا له الدنيا »(٢) .

وهذا صريح بعدم مهدوية الإمام الكاظمعليه‌السلام ، وإن المهدي الموعود من ولدهعليهم‌السلام .

٤ ـ وسئل الإمام الصادقعليه‌السلام كما في حديث عبد الله بن أبي يعفور :

__________________

١ ـ إكمال الدين ١ : ٣٣٤ / ٥ باب ٣٣.

٢ ـ إكمال الدين ٢ : ٤٧٩ ـ ٤٨٠ / ا و ٥ باب ٤٤.


يا ابن رسو الله فمن المهدي من ولدك؟ قالعليه‌السلام : الخامس من ولد السابع يغيب عنكم شخصه الحديث »(١) .

وفي هذا الحديث تعريض بالواقفية التي ادّعت مهدويّة الإمام السابع من أئمة الاثني عشرعليهم‌السلام وهو الإمام الكاظمعليه‌السلام ، في حين منه الخامس من ولد السابع ، أي الإمام الحجة بن الحسن العسكريعليهما‌السلام .

ثالثا : دورهعليه‌السلام في تشخيص المهدويّات الباطلة كلها :

ليس من العسير على الأمة أن تدرك زيف دعاوى المهدوية الباطلة ، لا سيّما إذا كان الموصوف بها من غير ولد الزهراء البتولعليها‌السلام ، لعلم الأمة بمن المهدي الموعود بظهوره في آخر الزمان لا بدّ وأن يكون ـ على طبق ما أخبر به الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ من ولد فاطمةعليها‌السلام .

وأما لو ادّعيت المهدوية لواحد منهم ، كالإمام الصادقعليه‌السلام كما في قول الناوويسة ، والكاظمعليه‌السلام في قول الواقفية ، فالأمر مختلف هنا ؛ لأن من لا يؤمن بالنصّّ قد ينخدع بتلك الدعاوى ، كما رأينا انخداع فقهاء العامّة بدعوى مهدوية ( النفس الزكيّة ) لأنه من ّولد فاطمةعليها‌السلام إذ جدّه لابيه الإمام الحسن السبطعليه‌السلام ، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى فإنّ القواعد الشيعية لم تكن كلها عالمة بالمنصوص عليهم وإن كان متيقنة من وجود النصّ ، إذ ليس بمقدور الإمامعليه‌السلام إيصال صوته إلى تلك القواعد العريضة في ظلّ التطورات السياسية السريعة التي

__________________

١ ـ إكمال الدين ٢ : ٣٣٣ / ١ و ١٢ باب ٣٣.


كانت تجري في الخطّ المعاكس لتيار أهل البيتعليهم‌السلام ، ومن هنا جاء التمسّك بمبدأ التقيّة والكتمان كما رأينا في الردّ على مهدوية المهدي العباسي.

وإنّما كان النصّ معروفا عند ثقات أصحاب الأئمةعليهم‌السلام وعند من أُخْبِرُوا بواسطتهم ، كما يظهر ذلك بوضوح من خلال متابعة النصوص الكثيرة الواصلة الينا.

وأما من لم يصله من ذلك شيئا فلا شكّ أنه عُرضَة للتصديق بمثل هذه الأقوال ، ولهذا نرى جملة من الشيعة قد صادقت على القول بمهدوية هذا الإمام أو ذاك ، حتى إذا ما تبيّن لها الصواب تراجعت بسرعة والتحقت بالحق وأهله ، الأمر الذي يفسّر لنا تلاشي تلك الفرق واندثارها بسرعة بعد نشأتها. في حين نرى الكثرة الكاثرة تقف ـ وبكلّ صلابة ـ موقف الرافض العنيد حيال تلك المهدويات ، مصرحة بوجود النص بالإمامة والمهدوية على شخص مسمى بعينه.

ولا شكّ أن الإمام الصادقعليه‌السلام كان يدرك هذا كله ، ومن هنا أرادعليه‌السلام تنبيه الأمة كلها على معرفة صدق دعوى هذه المهدوية أو تلك من كذبها ، وذلك من خلال تأكيد بعض الحقائق الإسلامية التي لا صلة لها بالنصّ ، ولكنها بذات الوقت ضوابط شرعية دقيقة لمعرفة الحقيقة المهدوية ، وهذا الاسلوب كفيل بأن يجعله في مأمن من مراقبة السلطة وملاحقتها مع تحقيق الغرض المطلوب ، بخلاف مالو نادى بالنصّ على كل من هبّ ودبّ.

ومن تلك الحقائق الإسلامية : علائم ظهور الإمام المهديعليه‌السلام


وأوصاف دولته الكريمة ، وحال الإسلام في زمان ظهوره.

وإذا كانت قيادة تلك الدعاوى وقواعدها قد نسيت أو تناست تلك الحقائق بإشاعة دعاوى المهدوية الباطلة ، فما على الإمام إلاّ أن ينبّه على مثل ذلك الغلط الفاحش ؛ لأن تصدي الشريعة إلى بيان تلك الأمور ليس اعتباطا ، وإنّما عن حكمة بالغة ، وإذا ما عرفها المسلمون فلا شكّ أنهم سيكونون في مأمن من الإنزلاق وراء كل مهدوية باطلة في التاريخ.

ومن هنا رأى الإمام الصادقعليه‌السلام ـ وهو يعيش في خضم هذه المسألةـ من يعيد للذاكرة الإسلامية ما أغفلته من علائم ظهور الإمام المهديعليه‌السلام ؛ مضيفا إليها شيئا من صفات دولته الكريمة وحال الإسلام يومئذٍ ، بحيث لا يمكن لأحد رؤية شيءٍ منها في زمان أيّة مهدوية باطلة لا أصل لها ولا رصيد.

ولما كانت علائم ظهور الإمام المهديعليه‌السلام وصفات دولته الشريفة كثيرة جدا في آحاديث الإمام الصادقعليه‌السلام ، لذا سنكتفي منها بالإشارة الى المحتّم من تلك العلامات ، مع الاقتصار على اهم تلك الصفات ، وذلك في ثلاثة عناوين ، كالآتي :

بيان علامات ظهور الإمام المهديعليه‌السلام :

تقع علامات الظهور في قسمين : محتوم لابدّ من وقوعه ، وغير محتوم ؛ وسنكتفي بالأول ، كدليل صحيح على سبق دعوى المهدوية لكل تلك العلامات التي لم تقع إلى الآن ، ولابدّ من وقوعها في المستقبل إن عاجلا أو آجلا ، وفيما يأتي جملة من أحاديث الإمام الصادقعليه‌السلام الناطقة بتلك العلامات :


١ ـ عن حمران بن أعين ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : « من المحتوم الذي لابدّ منه أن يكون قبل قبام القائم : خروج السفياني ، وخسف بالبيداء ، وقتل النفس الزكية ، والمنادي من السماء »(١) .

ونحوه ما رواه : أبو حمزة الثمالى(٢) ، ومحمد بن علي الحلبي(٣) ، ومحمد ابن الصامت(٤) ؛ كلهم ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام .

٢ ـ وعن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « النداء من المحتوم ، والسفياني من المحتوم واليماني من المحتوم ، وقتل النفس الزكيّة من المحتوم ، وكفّ تطلع من السماء من المحتوم. قال : وفزعة تطلع في شهر رمضان ، توقظ النائم ، وتفزع اليقظان ، وتخرج الفتاة من خدرها »(٥)

ومثله ماروا ابن أبي يعفور عن الإمام الصادقعليه‌السلام (٦) .

٣ ـ وعن عمر بن حنظلة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « خمس علامات قبل قيام القائم : الصيحة ، والسفياني ، والخسف وقتل النفس الزكية ، واليماني »(٧) .

__________________

١ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ٢٦٤ / ٢٦ باب ١٤.

٢ ـ إكمال الدين ٢ : ٦٥٦ / ١٤ باب ٥٧.

٣ ـ روضة الكافي ٨ : ٢٥٨ / ٤٨٤.

٤ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ٢٦٢ / ١١ باب ١٤.

٥ ـ كتاب غيبة / النعماني : ٢٥٢ / ١١ باب ١٤.

٦ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ٢٥٧ ـ ٢٥٨ / ١٦ باب ١٤.

٧ ـ روضة الكافي ٨ : ٢٥٨ / ٤٨٣ ، وكتاب الغيبة / النعماني : ٢٥٢ / ٩ باب ١٤ ، وكتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ٤٣٦ / ٤٢٧ ، ودلائل الإمامة / الطبري : ٢٦١.


ورواه ميمون البان ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام أيضا(١) .

وقد روى آخرون بعض هذه العلامات وغيرها ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام ، كما في رواية الحسن بن زياد الصيقل(٢) ، ورواية فضيل بن محمد بن راشد البجلي(٣) ، وأبراهيم(٤) ، والطيار(٥) ، وابي بصير(٦) ، ومحمد ابن مسلم(٧) ، وأبي حمزة الثمالى(٨) ، وبكر بن محمد الأزدي(٩) ، وصالح بن ميثم التمّار(١٠) ، وغيرهم(١١) .

المراد بقتل النفس الزكيّة كعلامة من علامات الظهور :

إنّ قتل النفس الزكيّة ـ كعلامة من علامات ظهور الإمام المهديعليه‌السلام ـ لا إشكال في صحته أصلا ؛ إذ ورد في روايات كثيرة على لسان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيته الأطهارعليهم‌السلام ، لاسيمّا الإمام الصادقعليه‌السلام ، بحيث يُستغنى بكثرتها عن فحص أساتيدها ، فضلا عمّا فيها من الصحيح

__________________

١ ـ إكمال الدين ٢ : ٦٤٩ / ١ باب ٥٧ ، والخصال : ٣٠٣ / ٨٤ باب ٥.

٢ ـ كتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ١٧٧ ـ ١٣٤.

٣ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ٢٦٣ / ٢٣ باب ١٤.

٤ ـ تأويل الآيات / الأسترآبادي ٢ : ٥٤١ / ١٧.

٥ ـ روضة الكافي ٨ : ١٤٦ / ١٨١.

٦ ـ روضة الكافي ٨ : ٣١٢ / ٥٧٥ ، وكتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ٤٥٢ / ٤٥٨

٧ ـ كتاب الغيبة / الشيخ الطوسي ٤٤٩ / ٤٥٢.

٨ ـ كتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ٤٣٥ / ٤٢٥.

٩ ـ كتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ٤٤٦ / ٤٤٣.

١٠ ـ كتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ٤٤٥ / ٤٤٠.

١١ ـ راجع : كتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ٤٥٠ / ٤٥٣ ، و : ٤٥٤ / ٤٦١.


وهو كثير. ولكن المهمّ هنا هو أن المراد بالنفس الزكيّة في هذه الرواية وغيرها ، ليس محمد بن عبد الله بن الحسن ، وإن تلقّب بهذا واشتهر به.

ولو قيل لمحمد نفسه : هل أنت النفس الزكيّة المشار له في الروايات؟ لما أجاب بغير ( لا ) قطعا ، وإلاّ لتنازل عن دعوى المهدوية لنفسه وحكم ببطلانها ؛ لوضوح أن النفس الزكيّة غير الإمام المهديعليه‌السلام .

ومن ثم فإن النفس الزكيّة في لسان جميع الروايات يُقتل في المسجد الحرام بين الركن والمقام وفي بعضها تحديد لزمان استشهاده في الخامس والعشرين من ذي الحجة الحرام ، قبل ظهور الإمام المهديعليه‌السلام بخمس عشرة ليلة(١) ، وفي بعض الروايات أن اسمه محمد بن الحسن(٢) ، وأين هذا من محمد بن عبد الله الحسني المقتول في المدينة المنورة في الرابع عشر من شهر رمضان المبارك سنة / ١٤٥ هـ بلا خلاف؟ فكيف يشتبه به أنه النفس الزكيّة واقعا إذن؟! على أنه لا مانع من توصيفه بهذا مع الالتفات إلى ما قدمناه.

وبهذا يتبين اشتباه أبي الفرج الأصبهاني بقوله في محمد بن عبد الله الحسني : « وكان أهل بيته يسمونه المهدي ، ويقدرون انه الذي جاءت فيه الرواية ، وكان علماء آل ابي طالب يرون فيه أنه النفس الزكيّة ، وأنّه المقتول بأحجار الزيت »(٣) .

ومورد اشتباهه في قوله : « وكان علماء آل أبي طالب يرون فيه منه

__________________

١ ـ كتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ٤٤٥ / ٤٤٠.

٢ ـ كتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ٤٦٤ / ٤٨٠.

٣ ـ مقاتل الطالبين : ٢٠٧.


النفس الزكيّة »! يشير بهذا إلى الإمام الصادقعليه‌السلام الذي لم يرَ فيه ما قال ، وإنما ورد توصيفه بذلك في روايات الشيعة جريا على المتعارف المشهور ، كما هو الحال في وصفه بالمهدي الحسني الذي لايعبر عن إعتقاد بمهدويته.

بيان التطور العلمي في زمان الظهور :

ولعل أروع الأدلّة التي ساقها الإمام الصادقعليه‌السلام في باب تأكيده على كذب جميع دعاوى المهدوية السابقة ، إشاراتهعليه‌السلام إلى التطوّر العلمي الهائل ، والتقنيات العلمية التي ستكون في زمان ظهور الإمام المهديعليه‌السلام ، والتي كانت مفقودة في عصره وجلّ العصور اللاحقة تماما ، لدرجة كانت الإشارة لها في ذلك الحين مدعاة للتعجب ، ولولا الاعتقاد الراسخ بصدق قائلها ، لأعرض عنها المحدثون ولم يذكروا شيئا منها ؛ لعدم استيعاب عقلية ذلك العصر لها وتصورها ، ومن هذه الإشارات :

١ ـ عن عبد الله بن مسكان ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : « إن المؤمن في زمان القائم ، وهو بالمشرق ، ليرى أخاه الذي في المغرب ، وكذا الذي في المغرب يرى أخاه الذي في المشرق »(١) .

٢ ـ وعن أبي بصير ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : « إنه إذا تناهت الأمور إلى صاحب هذا الأمر ، رفع الله تبارك وتعالى له كل منخفض من الأرض ، وخفض له كل مرتفع منها ، حتى تكون الدنيا عنده بمنزلة راحته ، فأيكم لو كانت في راحته شعرة لم يبصرها؟ »(٢) .

__________________

١ ـ بحار الأنوار / العلامة المجلسي ٥٢ : ٣٩١ / ٢١٣ باب ٢٧ ، نقله من كتاب الغيبة للسيد على بن عبد الحميد.

٢ ـ إكمال الدين ٢ : ٦٧٤ / ٢٩ باب ٥٨.


٣ ـ وعن أبي الربيع الشامي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إن قائمنا إذا قام مدّ الله عزّوجلّ لشيعتنا في أسماعهم وأبصارهم ، [ لا ] يكون بيتهم وبين القائم بريد ، يكلمهم فيسمعون ، وينظرون اليه وهو في مكانه »(١) .

بيان سيادة الإسلام في زمان الظهور على كلِّ الأديان :

وهذا الدليل الذي أشار له القرآن الكريم ـ كما سيأتي ـ وصرح به الإمام الصادقعليه‌السلام ، هو الآخر من الأدلّة العظيمة على زيف دعاوى المهدوية الباطلة في التاريخ كادّعاء المنصور مهدوية ابنه ( المهدي العباسي ) ، وغيره ممن ادعوا لأنفسهم ، أو ادّعي لهم ذلك زورا وبطلانا.

وعدم تحقق هذا الدليل في سائر العصور الإسلامية أوضح من أن يحتاج إلى إثبات ، في حين وَعَدَ الله تبارك وتعالى بتحقّقه ، وجاءت الروايات على أنه لايكون ذلك إلاّ عند ظهور مهدي آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

١ ـ عن أبي بصير ، قال : « قال أبو عبد اللهعليه‌السلام في قول الله عزّوجلّ :( هُوَ الّذي أرسلَ رسولهُ بالهدَى وَدِينِ الحقِّ ليظهرَهُ على الدِّينِ كلِّهِ وَلَوْ كرهَ المشركونَ ) (٢) ؛ والله ما نزل تأويلها بعد ، ولاينزل تأويلها حتى يخرج القائمعليه‌السلام ، فإذا خرج القائم لم يبقَ كافر بالله العظيم ، ولا مشرك بالإمام إلاّ كره خروجه ، حتى أن لو كان كافرٌ أو مشركٌ في بطن صخرة ، لقالت : يا مؤمن في بطني كافر فاكسرني واقتله »(٣) .

__________________

١ ـ روضة الكافي ٨ : ٢٤٠ ـ ٢٤١ / ٣٢٩.

٢ ـ سورة الصف : ٦١ / ٩.

٣ ـ إكمال الدين ٢ : ٦٧٠ / ١٦ باب ٥٨ ، وأخرجه في تأويل الآيات ٢ : ٦٨٨ / بطريق آخر عن أبي بصير ، عنهعليه‌السلام .


وروى محمد بن الفضيل ، عن الإمام الكاظمعليه‌السلام نحوه(١) .

٢ ـ وعن رفاعة بن موسى قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول في قوله تعالى :( وله أسلمَ من في السموات والأرض طوعا وكرها ) (٢) : « إذا قام القائمعليه‌السلام لا تبقى أرض إلاّ نودي فيها بشهادة أن لا إله الا الله ، وأن محمدا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم »(٣) .

وروى ابن بكير ، عن الإمام الكاظمعليه‌السلام نحوه(٤) .

٣ ـ وعن على بن عقبة ، عن أبيه ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام ، قال : « إذا قام القائمعليه‌السلام حكم بالعدل ، وارتفع في أيامه الجور ، وآمنت به السبل ، وأخرجت الأرض بركتها ، وردّ كل حقّ إلى اهله ، ولم يبقَ أهل دين حتى يظهروا الإسلام ، ويعترفوا بالإيمان »(٥) .

٤ ـ وعن زرارة ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام ، قال : « سُئل أبي عن قول الله تعالى :( وقاتلوا المشركيِنَ كافّةَ كما يقاتلونكم كافّة ) (٦) ، فقال : أنه لم يجيء تأويل هذه الآية ، ولو قد قام قائمنا بعد ، سيرى من يدركه ما يكون من تأويل هذه الآية ، وليبلغن دين محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما بلغ الليل حتى

__________________

١ ـ أصول الكافي ١ : ٤٣٢ / ٩١ باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية ، من كتاب الحجة.

٢ ـ سورة آل عمران : ٣ / ٨٣.

٣ ـ تفسير العياشي ١ : ١٨٣ / ٨١.

٤ ـ تفسير العياشي ١ : ١٨٣ / ٨٢.

٥ ـ الإرشاد : ٣٨٤ ـ ٣٨٥ ، وكشف الغمة ٣ : ٢٥٥.

٦ ـ سورة التوبة : ٩ / ٣٦.


لا يكون شرك على وجه الأرض كما قال الله تعالى :( يعبدوننِي لاَ يشركونَ بِي شيئا ) (١) »(٢) .

٥ ـ وعن محمد بن حمران ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام . وكذلك : محمد ابن مسلم ، عن أبي جعفر الباقرعليه‌السلام ، قالا : « إن القائم منّا ، منصور بالرعب ، مؤيد بالنصر ، تطوى له الأرض ، وتظهر له الكنوز كلها ، ويظهر الله به دينه على الدين كله ولوكره المشركون ، ـ ثم ذكراعليهما‌السلام جملة من علامات الظهور وقالا : ـ فعند ذلك خروج قائمنا »(٣) .

٦ ـ وسأل المفضل بن عمر الإمام الصادقعليه‌السلام عن قول الله تعالى :( ليظهرهُ على الدّينِ كلِّهِ ) (٤) قائلا : ما كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ظهر على الدين؟

فقالعليه‌السلام : « يا مفضل! لو كانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ظهر على الدين كله ما كان مجوسية ، ولا نصرانية ، ولا يهودية ، ولا صابئة ، ولا فرقة ، ولا خلاف ، ولاشك ، ولاشرك ، ولا عبدة أصنام ، ولا أوثان ، ولا اللّات ، ولا العزّى ، ولا عبدة الشمس ، ولاعبدة القمر ، ولا النجوم ، ولا النار ، ولا الحجارة. وإنّما قوله :( ليظهره على الدّين كلّه ) في هذا اليوم وهذا المهدي وهذه الرجعة ، وهو قوله :( وقاتلوهم حتى لا تكونَ فتنةٌ و يكونَ الدينُ ُكُلّهُ

__________________

١ ـ سورة النور : ٢٤ / ٥٥

٢ ـ مجمع البيان / الطبرسي ٢ : ٥٤٣ ، وتفسير العياشي ٢ : ٥٦ / ٤٨.

٣ ـ اثبات الهداة / الحر العاملي ٣ : ٥٧٠ / ٦٨٦ باب ٣٢ فصل ٤٤ ، نقله من كتاب اثبات الرجعة للفضل بن شاذان.

٤ ـ سورة التوبة : ٩ / ٣٣.


لله ) (١) »(٢) .

ومن الواضح أن الدين الإسلامي في زمان تلك الدعاوى العريضة في التاريخ لم يتمكن من الظهور على عاصمة الدولة الإسلامية ؛ لفساد ( الخلفاء ) أنفسهم ، وفسقهم ، وشربهم الخمور علنا.

__________________

١ ـ سورة الانفال : ٨ / ٣٩.

٢ ـ الهداية الكبرى / الخصيبي : ٧٤ ـ ٨٢ ، ومختصر بصائر الدرجات لسعد بن عبد الله القمي / اختصره الشيخ حسن بن سليمان الحلي : ١٧٨ ـ ١٧٩.


الفصل السادس

دور الإمام الصادقعليه‌السلام

في رد الشبهات الأخرى

ذكرنا في بداية دور الإمام الصادقعليه‌السلام في رد الشبهات ، أنه كان يتعمد أحيانا إلى إثارة ما سيقوله الناس بعد ولادة الإمام المهديعليه‌السلام وغيبته من شبهات ، ثم يتعرّض بذات الوقت إلى إجابتها ، وغالبا ما تكون إجابتهعليه‌السلام ببيان نظير الحالة المشتبه بها من القرآن الكريم.

صحيح أن الإمام الصادقعليه‌السلام لم يكن بحاجة إلى إثارة مثل هذه الأمور ، خصوصا وأنها لم تحصل في زمانه ، والذي دفعه إلى ذلك ، حرصه على مستقبل هذه العقيدة ، وعلى خط الإيمان الثابت بها ، وزرع الثقة العالية في النفوس من خلال الوقوف على إجابة تلك الأقوال قبل نشأتها.

وما هنا كان دورهعليه‌السلام في رد تلك الشبهات سابقا لزمانه بعشرات السنين ، وفي هذا السياق سنقتبس عنوان الشبهة وجوابها معا من كلام الإمام الصادقعليه‌السلام سواء كان في حديث او مقطع من حديث ، مع التذكير بثلاثه أمور :

أحدها : إن الإمام الصادقعليه‌السلام لم يكن بصدد مناقشة تلك الشبهات ، إذ لا يعرف لها قائل بزمانه ، وإنّما كانعليه‌السلام بصدد ما سيقال مستقبلا ،


وتزييفه قبل حصوله على أرض الواقع ؛ لكي تعى الأمة ـ من جهة ـ صدق كل ما أخبر به أهل البيتعليهم‌السلام بشأن ولدهم المهديعليه‌السلام ، مع تنبيه القواعد الشيعية اللاحقة على سخافة تلك الشبهات تجاه عقيدتهم في المهديعليه‌السلام من جهة أخرى.

والآخر : اشتراك اهل البيتعليهم‌السلام جميعا في التنبيه على ما سيكون بعد ولادة الإمام المهديعليه‌السلام من أحداث وأقوال وشبهات ، وأن هنا لا تكاد تجد ـ في الوقت الراهن ـ مناقشة أية شبهة بهذا الخصوص لم تعتمد على ما ورد في ردّها من قبل أهل البيتعليهم‌السلام ، إلاّ نادرا.

والثالث : إن قوّة ما وصل إلينا من أدلّة وبراهين على صدق عقيدتنا بالإمام المهديعليه‌السلام ، أضحت كقوّة مشاهدتهعليه‌السلام عيانا ، وعاد إنكارها كإنكار الواقع المادي المحسوس!

ولايخفى بأن ، من جملة الواصل إلينا في ذلك هو أحاديث الإمام الصادقعليه‌السلام التي أخبرت عمّا سيقوله السفهاء في المهديعليه‌السلام مستقيلا ، وقدتحقّق إخباره على طبق ما أخبر بهعليه‌السلام ، ترى فكيف يصدّق العاقل بقول السفيه ، ويعرض عن قول الصادق المؤتمن؟! الأمر الذي يبرّر لنا اختصار الكلام في تلك الشبهات ما أمكن كالآتي :

أولا ـ شبهة طول العمر :

وجوابها في قول الإمام الصادقعليه‌السلام :

١ ـ إن في الإمام المهديعليه‌السلام : « سنة من نوح وهو طول عمره »(١) .

__________________

١ ـ الخرائج والجرائح ٢ : ٩٣٦ باب ١٧.


٢ ـ وقولهعليه‌السلام : « والله لو بقي في غيبته ما بقي نوح في قومه لم يخرج من الدنيا حتى يظهر ، فيملأ ، الأرض قسطا وعدلا كما مُلئمت ظلما وجورا »(١) .

٣ ـ وقولهعليه‌السلام : « يمدّ الله لصاحب هذا الأمر كما مدّ لنوحعليه‌السلام في العمر »(٢) .

٤ ـ وقولهعليه‌السلام : « نظرت في كتاب الجفر صبيحة هذا اليوم وتأولت فيه مولد قائمنا وغيبته ، وابطاءه ، وطول عمره ، وبلوى المؤمنين في ذلك الزمان ، وتولّد الشكوك في قلوبهم من طول غيبته »(٣) .

٥ ـ وقولهعليه‌السلام « وما ينكرون لصاحب هذا الأمر؟ فان لصاحب الزمان شبها من موسى و رجوعه من غيبته بشرخ الشباب »(٤) .

٦ ـ وقولهعليه‌السلام : « لو قد قام قائمنا لأنكره الناس ـ يعني : معظمهم ـ لأنه يرجع إليهم شابا ، موفّقا لا يثبت عليه إلاّ من قد أخذ الله ميثاقه في الذرِّ الاوّل »(٥) .

لأنهم يحسبون أنهعليه‌السلام لو بقي حيّا في تلك الفترة الطوية لكان شيخا هرما كبيرا ، ويؤيّد هذا.

__________________

١ ـ إكمال الدين ٢ : ٣٤٢ / ٢٣ باب ٣٣.

٢ ـ كتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ٤٢١ / ٤٠٠.

٣ ـ إكمال الدين ٢ : ٣٥٢ ـ ٣٥٧ / ٥٠ باب ٣٣.

٤ ـ منتخب الأنوار المضيئة : ١٨٨ فصل ١٢ ، وصححه.

٥ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ١٨٨ / ٤٣ باب ١٠ ، و : ٢١١ / ٢٠ باب ١٢.


٧ ـ قولهعليه‌السلام : « وإن أعظم البليّة أن يخرج إليهم صاحبهم شابا وهم يحسبونه شيخا كبيرا »(١) أي : أن طول العمر.

٨ ـ وقولهعليه‌السلام في بيان وجه الشبه بين الإمام المهديعليه‌السلام ونبي الله نوح والخضرعليهم‌السلام :

« وأما إبطاء نوحعليه‌السلام فإنّه لما استنزل العقوبة ( من السماء ) بعث الله إليه جبرئيلعليه‌السلام معه سبع نويات فقال : يا نبيِّ الله إنّ الله جلّ اسمه يقول لك : إنّ هؤلاء خلائقي وعبادي لست أبيدهم بصاعقة من صواعقي إلاّ بعد تأكيد الدعوة ، وإلزام الحجة ، فعاود إجتهادك في الدعوة لقومك فإنّي مثيبك عليه ، واغرس هذا النوى ، فانّ لك في نباتها وبلوغها وإدراكها إذا اثمرت الفرج والخلاص ، وبشّر بذلك من تبعك من المؤمنين.

فلما نبتت الأشجار وتأزّرت وتسوّقت واغصنت وزها الثمر عليها بعد زمان طويل استنجز من الله العدة فأمره الله تعالى أن يغرس من نوى تلك الاشجار ، ويعاود الصبر والاجتهاد ، ويؤكّد الحجة على قومه ، فأخبر بذلك الطوائف التي آمنت به فارتدّ منهم ثلاثمائة رجل وقالوا : لو كان ما يدّعيه نوح حقا لما وقع في عدته خلف.

ثم إنّ الله تعالى لم يزل يأمره عند إدراكها كل مرَّة أن يغرس تارة بعد أُخرى إلى أن غرسها سبع مرّات ، وما زالت تلك الطوائف من المؤمنين ترتدَّ منهم طائفة بعد طائفة إلى أن عادوا إلى نيّف وسبعين رجلا ،

__________________

١ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ١٨٩ / ذيل ح ٤٣ باب ١٠.


فأوحى الله عزَّوجلَّ عند ذلك إليه وقال : الآن أسفر الصبح عن اللّيل لعينك حين صرّح الحق عن محضه وصفا الأمر للإيمان من الكدر بارتداد كل من كانت طينته خبيثة وكذلك القائمعليه‌السلام فإنّه تمتدُّ غيبته ليصرِّح الحق عن محضه ، ويصفو الإيمان من الكدر بارتداد كلِّ من كانت طينته خيبثة من الشيعة الذين يخشى عليهم النفاق إذا أحسّوا بالاستخلاف والتمكين والامن المنتشر في عهد القائمعليه‌السلام وأما العبد الصالح ـ أعني الخضرعليه‌السلام ـ فإنّ الله تعالى ما طوّل عمره لنبوَّة قرَّرها له ولا لكتاب نزّل عليه ، ولا لشريعة ينسخ بها شريعة من كان قبله من الأنبياءعليهم‌السلام ، ولا لإمامة يلزم عبادة الاقتداء بها ، و لا لطاعة يفرضها ، بلى إن الله تعالى لمّا كان في سابق علمه أن يقدّر من عمر القائمعليه‌السلام في أيّام غيبته منا يقدّره ، وعلم ما يكون من إنكار عباده بمقدار ذلك العمر في الطول ، طوّل عمر العبد الصالح من غير سبب أوجب ذلك إلاّ لعلّة الاستدلال به على عمر القائمعليه‌السلام ، ليقطع بذلك حجة المعاندين لئلّا يكون للنّاس على الله حجة »(١) .

ثانيا ـ شبهة القول بعدم الولادة ، أو الوفاة بعد حصولها :

وأساس هذه الشبهة ما ذكره النوبختي والأشعري والشيخ المفيد وغيرهم من وجود بعض الإختلاف بين الناس بعد وفاة الإمام العسكريعليه‌السلام فمنهم من قال إن الإمام العسكريعليه‌السلام مات بلا عقب ، ومنهم من قال مات

__________________

١ ـ كتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ١٧٠ ـ ١٧٣ / ١٢٩ ، وإكمال الدين ٢ : ٣٥٢ / ٥٠ باب ٣٣.


بعد ولادته ، ومنهم من قال ولد قبل وفاة أبيه بسنتين ، والجواب :

١ ـ قال الإمام الصادقعليه‌السلام : « أما والله ليغيبن إمامكم سنين من دهركم ، ولَتُمَحِّصُنَّ حتى يُقال : مات ، أو هلك ، بأي وادٍ سلك »(١) .

٢ ـ وفي الصحيح عنهعليه‌السلام قوله لزرارة في الإمام المهديعليه‌السلام : « يا زرارة وهو الذي يُشكّك في ولادته ، فمنهم من يقول : مات أبوه بلا خلف ، ومنهم من يقول : حمل ، ومنهم من يقول : غائب ، ومنهم من يقول : وُلِدَ قبل وفاة أبيه بسنتين ، وهو المنتظر غير أن الله يحبّ أن يمتحن قلوب الشيعة فعند ذلك يرتاب المبطلون يا زرارة »(٢) .

٣ ـ وقالعليه‌السلام : « أما إنّه لو قد قام ، لقال الناس : أنى يكون ذلك ، وقد بُليت عظامه منذ كذا وكذا!! »(٣) .

ويصب في الجواب أيضا أحاديث شك الناس بسبب خفاء الولادة ، وأحاديث التمحيص والاختبار وكثير غيرها أما ذكرناه في محله من هذا البحث.

٤ ـ وقولهعليه‌السلام في تشبيه غيبة الإمام المهديعليه‌السلام بغيبة النبي عيسىعليه‌السلام قال : « وأما غيبة عيسىعليه‌السلام فإنّ اليهود والنصارى اتّفقت على أنّه قتل فكذّبهم الله عزّوجلّ بقوله :( وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه

__________________

١ ـ كتاب الغيبة / النعماني ٢٠٤ / ٦ باب ١٢.

٢ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ١٦٦ ـ ١٦٧ / ٦ باب ١٠ أخرجه من ثلاث طرق ، عن زرارة.

٣ ـ كتاب الغيبة / النعماني : ١٥٥ / ١٣ و ١٤ باب ١٠.


لهم ) (١) .

كذلك غيبة القائم فإنّ الأمة ستنكرها لطولها فمن قائل يقول : إنه لم يولد ، وقائل يفتري بقوله : إنّه ولد ومات ، وقائل يكفر بقوله : إنَّ حادي عشرنا كانت عقيما ، وقائل يمرق بقوله : إنّه يتعدّى إلى ثالث عشر فصاعدا ، وقائل يعصي الله بدعواه : إنّ روح القائمعليه‌السلام ينطق في هيكل غيره »(٢) .

ثالثا ـ شبهةحول استمرار وجوده الشريف :

وقد نبّه الإمام الصادقعليه‌السلام على هذه الشبهة ، وأكدّ حياة الإمام المهدي واستمرار وجوده الشريف ، بقوله : « وينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلّي خلفه وذلك بعد غيبة طويلة »(٣) .

وهذا يتضمّن استمرار وجوده الشريف في غيبته وإلاّ كيف يصلّي عيسىعليه‌السلام خلفه؟

وقولهعليه‌السلام : في الصحيح لحازم بن حبيب : « يا حازم إن لصاحب هذا الأمر غيبتين يظهر في الثانية ، فمن جاءك يقول أنه نفض يده من تراب قبره فلا تصدّقه »(٤) وفي هذا تأكيد على استمرار وجوده الشريف في غيبته

__________________

١ ـ سورة النساء : ٤ / ١٥٧.

٢ ـ كتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ١٧٠ / ١٢٩ ، وإكمال الدين ٢ : ٣٥٢ / ٥٠ باب ٣٣.

٣ ـ مختصر اثبات الرجعة / الفضل بن شاذان : ٢١٦ ـ ٢١٧ / ١٨.

٤ ـ كتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ٥٤ / ٤٦.


مهما طال بها الزمان.

وهناك أحاديث اُخرى صرّحت بطول الغيبة الثانية كقولهعليه‌السلام : « إنّ لصاحب هذا الأمر غيبتين : إحداهما تطول حتى يقول بعضهم : مات ، وبعضهم يقول : قُتل ، وبعضهم يقول : ذهب »(١) . وغيرها من الأحاديث التي سبقت في تأكيدهعليه‌السلام على أنّ للمهديعليه‌السلام غيبتين.

كما أن الأحاديث المتقدمة في طول العمر كلها تصبّ في الجواب على هذه الشبهة أيضا.

رابعا ـ شبهة حول هوية الإمام الغائبعليه‌السلام :

ومفاد هذه الشبهة ـ كما عند بعضهم ـ أنه ادُّعِيَتْ الغيبة عند أكثر فرق الشعية التي زعمت إمامة أئمّتهم والقول بمهدويتهم وغيبتهم كالكيسانية والناووسة والواقفية وغيرها.

الأمر الذي أدّي ـ بزعمهم ـ إلى عدم معرفة الحقيقة في خضم هذه المدعيات!!

وقدمرّ الجواب مفصلا في هذا الباب على سائر تلك الفرق.

ويزيد الأمر وضوحا ما قاله الإمام الصادقعليه‌السلام في تحديد هوية الإمام الغائب في أحاديث شتى ، نكتفي بالتذكير بواحد منها وهو ما قالهعليه‌السلام للسيد الحميري : « إن الغيبة ستقع بالسادس من ولدي ، وهو الثاني عشر من الأئمة الهداة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الحديث » وقد بيّنعليه‌السلام فيه وفي غيره

__________________

١ ـ كتاب الغيبة / الشيخ النعماني : ١٧١ ـ ١٧٢ / ٥ باب ١٠ ، وعقد الدرر / المقدسي الشافعي : ١٧٨ ـ ١٧٩ باب ٥.


من هم الأئمة الاثني عشرعليهم‌السلام ، فراجع.

خامسا ـ شبهة جواز تأخير الاعتقاد بالمهديعليه‌السلام إلى زمان ظهوره!

وتهدف هذه الشبهة إلى عذ العامّة في البقاء على الاعتقاد بمهدي مجهول يخلقه الله في آخر الزمان ، وإنهم لا مانع لديهم ـ فيما يدّعون من ترك هذا الاعتقاد ، والالتحاق بصفوف الشيعة فيما لو ظهر الإمام الحجة ابن الحسنعليه‌السلام في المستقبل!!(١) .

وقبل بيان موقف الإمام الصادقعليه‌السلام من هذا الشبهة أود التنبيه على خمس ملاحظات وهي :

١ ـ إنّ معنى الإعتقاد بمهدي مجهول في آخر الزمان ، مع احتمال رفضه في المستقبل ، يعني فساد الدليل المثبت لهذا الاعتقاد وعدم صحّته.

٢ ـ إن شرط الاعتقاد بضروري من الضروريات في المنظور الإسلامي ، أن يكون متواترا ، والمتواتر لا ينقلب إلى غير متواتر ، وقد سبق وأن بيّنا دليل القول بمهدي مجهول يخلقه الله في آخر الزمان ، وأنه ـ بزعمهم ـ حسني واسمه محمد بن عبد الله ، وهو روايتان فقط ، إحداهما مجهولة ، والأُخرى مرسلة وأما الحديث الذي أشار لهذا بلفظ ( اسمه اسمي واسم أبيه اسم

__________________

١ ـ لم أجد هذه الشبهة في كتاب ، ولكن قالها أحد رجال العامّة في كلمة له ألقاها في مهرجان الغدير المنعقد في مؤسسة السيد الخوئي في لندن ، أخبرني بهذا سماحة العلامة المحقّق آية الله السيّد علي الحسيني الميلاني ( حفظه الله ) الذي حضر المهرجان وغادره بعد تسويف طلبه في التعقيب على هذه الكلمة!


أبي ) فهو حديث موضوع كما بيّناه ، فأين هذا التواتر إذن؟!

٣ ـ إن الاعتقاد بمهديٍّ لم يُخْلَق بعد! إما أن يكون هو امام الزمان ، أو لا يكون ، والأول لا يعقل لخلو زماننا منه ؛ إذ لم يُخْلَق ، والثاني لا يفيد طاعته ولا نصرته ولا انتظاره.

٤ ـ إن قاعدة عدم خلو الزمان من إمام ، تعني خرافة الاعتقاد بمهدي معدوم لم يخلق ، إذ اللازم وجوده.

٥ ـ إن شرط الإيمان بالمهديعليه‌السلام أن يكون في حياته لا بعد ظهوره كما سياتي.

ومع فرض كون المهدي هو المجهول جدلا ، فسيكون الإيمان به فاقدا للشرط المذكور ، وهو الحياة ؛ لأنه معدوم لم يخلق بعد.

ومع القول بأنه الحجة ابن الحسن العسكريعليه‌السلام وهو الحق ، فسوف لن يقبل من جاحديه اعتقادهم بخرافة لا أصل لها ولا واقع ، كما لن يقبل منهم توبتهم عند ظهوره لو أدركوهعليه‌السلام .

وبهذا يتبيّن أن القول المذكور في مهرجان الغدير المنعقد في لندن ، لقلقة لسان ليس له معنى :

ويدلُّ على ما ذكرناه :

١ ـ قول الصادقعليه‌السلام : « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : طوبى لمن أدرك قائم أهل بيتي وهو معتقدٍ به في حياته ، يتولّى وليه ، ويتبرأ من عدوّه ، ويتولّ


الائمّة الهادية من قبله ، أولئك رفقائي ، وذوو ودّي وأكرم أُمّتي عليّ ـ وفي رواية اُخرى ـ وأكرم خلق الله عليَّ »(١) .

٢ ـ وفي حديث آخر عنهعليه‌السلام عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « من انكر القائم من ولدي في زمان غيبته ، مات ميته جاهلية »(٢) .

٣ ـ وعن هشام بن سالم ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام ، وعن آبائهعليهم‌السلام عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حديث في شمائل وأوصاف وسيرة المهديعليه‌السلام جاء فيه : « ومن انكره في غيبته فقد أنكرني »(٣) .

٤ ـ وفي الصحيح عن علي بن رئاب ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام في قول الله عزّوجلّ :( يوم يأتي بعضُ آيات ربّكَ لا ينفعُ نفسا إيمانُها لم تكنْ آمنت من قبلُ ) (٤) ، قالعليه‌السلام : « والآيات : هم الأئمة ، والآية المنتظرة : القائمعليه‌السلام ، فيومئذٍ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل قيامه بالسيف وإن آمنت بمن تقدم من آبائهعليهم‌السلام »(٥) .

وإذا ما اُضيف إلى هذا أحاديث الانتظار الواردة عن الإمام الصادقعليه‌السلام من قبيل قوله : « المنتظرين لظهوره في غيبته والمطيعين له في ظهوره أولئك أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون »

__________________

١ ـ إكمال الدين ١ : ٢٨٦ / ٣ ب ٢٥ ؛ وكتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ٤٥٦ / ٤٦٦.

٢ ـ إكمال الدين ٢ : ٤١٢ ـ ٤١٣ / ١٢ باب ٣٩.

٣ ـ إكمال الدين ٢ : ٤١١ / ٦ باب ٣٩.

٤ ـ سورة الأنعام : ٦ / ١٥٨.

٥ ـ إكمال الدين : ١٨ ، و ٣٠ من المقدّمة أخرجه من طريقين صحيحين.


وغيره من الاحاديث المتقدّمة ، علمنا من أصحاب هذه المقولة ـ وهم لم يضمنوا بقاءهم على قيد الحياة إلى زمان الظهور ـ لم يحصدوا سوى الخسران المبين.

سادسا ـ شبهة جعفر الكذّاب عمِّ الإمام المهديعليه‌السلام :

وخلاصتها : ما ذكره علماء الشيعة الإمامية من أن أقرب الناس إلى الإمام المهديعليه‌السلام وهو جعفر بن الإمام الهاديعليه‌السلام المعروف بجعفر الكذّاب ، قد شهد أمام القضاء العباسي بأن أخاه العسكري مات بلا عقب ؛ طمعا في أمواله.

جدير بالذكر ، أنه لم يروِ أحد من أهل الإسلام ما قاله جعفر ، إلاّ الإمامية وحدهم فقط وجميع من تمسّك بهذه الشبهة قاطبة كان مصدرهم الوحيد إليها كتب الشيعة فقط ، لأن من ذكرها من العامّة كافّة إنّما نقلها بالاعتماد على مثل النوبختي ، أو سعد بن عبد الله القمي ، أو الشيخ المفيد ، أو الشيخ الطوسي ، وغيرهم من متقدمي علماء الإمامية الذين لولاهم لما عرف أحد ما فعله جعفر.

وفي هذا وحده ما يكفي لدخص مقولته ، والازدراء بم تمسّك بها ، لأنّها حجّة داحضة سخيفة.

وقد اشارت أحاديث الإمام الصادقعليه‌السلام المساقة في شبهة إنكار ولادة الإمام المهديعليه‌السلام آنفا ، إلى قول جعفر الكذّاب هذا كما في جملة : « ومنهم من يقول مات أبوه بلا خلف ».


وهناك أحاديث أُخر أكثر صراحة من هذا ، وهي المتقدمة في بيان ما في المهدي من شبه بالأنبياءعليهم‌السلام ، إذ مرّ فيها حديثهعليه‌السلام بأن فيه شبها من يوسفعليهما‌السلام .

ومن مقارنة ما حصل في حياتي المُشَبَّه ( المهديعليه‌السلام ) والمشبّه به ( يوسفعليه‌السلام ) يعلم وجه الشبه بين ما فعله أولاد النبي يعقوبعليه‌السلام ، وهم أسباط النبيين وأقرب الخلق نسبا بنبي الله وخليله إبراهيم ، بأخيهم يوسف الصدّيق ، حين كذبوا على أبيهم في أمره( وجاءوا أباهم عشاء يبكونَ *قالوا يا أبانا إنّا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذّئب وما أنتَ بمؤمن لنا ولو كنّا صادقينَ *وجاءوا على قميصه بدم كذب ) (١) !

وبين ما فعله جعفر الكذّاب ، وهو أقل شأنا ودينا من أولاد يعقوبعليه‌السلام ، لتقرّبه لطواغيت بني العباس ، مع فسقه ولعبه بالطنبور ، وجشعه ، وحبّه للجاه والمال ، وشربه الخمور بشهادة ابن وزير الدولة أحمد بن عبيد الله بن خاقان(٢) كل هذا دفعه إلى ذلك الموقف الخسيس الذي هو أشبه ما يكون بموقف أولاد يعقوبعليهم‌السلام ، وفيه شبه عظيم أيضا

__________________

١ ـ سورة يوسف : ١٢ / ١٦ ـ ١٨.

٢ ـ اصول الكافي ١ : ٥٠٣ / ١ باب مولد أبي محمد الحسن بن على العسكريعليه‌السلام ، وإكمال الدين ١ : ٤٠ من المقدّمة ، و ٢ : ٤٧٥ / ٢٥ باب ٤٣ ، والارشاد ٢ : ٣٢١ ، والفصول العشرة في الغيبة / الشيخ المفيد ٣ : ٦١ ـ ٦٢ الفصل الثاني ، ( مطبوع ضمن سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد ، المجلد الخامس ) وأعلام الورى : ٣٥٧.


بموقف أبي لهب عمَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حيث جحد نبوة ابن أخيه نبيّنا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكذب رسالته ، وألّب عليه ، وكان ـ لعنه الله أولى من غيره بالإيمان بنبي الرحمةصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والتصديق برسالته ، وبذل الغالى والرخيص لأجل نصرته.

سابعا ـ شبهتم حول لفظ ( القائم ) ولفظ ( المهدي ) :

ومفاد هذه الشبهة أن أكثر الأحاديث المستدلّ بها في تشخيص هوية المهديعليه‌السلام عند الشيعة ، ورد ذكره فيها بلفظ ( القائم ) ولا اختصاص للإمام الثاني عشر عند الشيعة بهذا اللفظ ، كما ان لفظ ( المهدي ) لا يدلّ على كون المقصود به هو الإمام الثاني عشر لوجود روايات تشير إلى وصف أئمة الشيعة بمنهم مهديون كلّهم ، وإذا كان كلا اللفظين أعمّ من اختصاصهما به فلا مجال للاستدلّال بتلك الأحاديث على مهدويته وغيبته!

والجواب ، إنه حتى لو كان لفظ ( القائم ) و ( المهدي ) لا ينصرفان عند الاطلاق إلى الإمام الثاني عشر الحجة ابن الحسن العسكريعليهما‌السلام ، فهناك الكثير من القرائن التي دلّت على هذا المعنى واقترن بها اللفظان ، كذكر الغيبتين مثلا ، هذا فضلا عن الأحاديث التي لا تحتاج إلى قرينة ، وهي التي شخّصت من هو القائم باسمه ونسبه الشريف كما مرّ مفصلا في بيان الإمام الصادقعليه‌السلام لهوية الإمام المهديعليه‌السلام ولا حاجة إلى إعادتها.

والصحيح في المقام هو أن لفظ ( القائم ) قد وصف به الأئمةعليهم‌السلام جميعا ، ولكنه لا ينصرف إلى أحد من أهل البيتعليهم‌السلام إلاّ بقرينة حالية أو مقالية ،


وأما عند الإطلاق فينصرف إلى الإمام الحجة ابن الحسن العسكريعليهما‌السلام وكذلك الحال مع لفظ ( المهدي ).

وبعبارة اُخرى : عندما نستقصي الأخبار نرى أن سائر الأئمةعليهم‌السلام قد وصفوُا بهذا الوصف مع إضافة مثل « القائم بدين الله » و نحوه ، وأما « القائم » على الإطلاق فلم يُطلق إلاّ على الإمام الثاني عشر منهمعليهم‌السلام .

ثامنا ـ الشبهة الواردة حول سيرتهعليه‌السلام :

وردت في أحاديث المهديعليه‌السلام عند الإمامية ما هو صريح بسيرتهعليه‌السلام عند ظهوره ، وأنه يأتي بعمل جديد. وقد زعم بعضهم أن معنى هذا من مهدي الشيعة سينسخ بسيرته الدين المحمدي!

وهذه ليست شبهة في الواقع وإنما كلام فارغ هدفه التشنيع لا أكثر ولم يتخرصه سوى الوهابية فيما أعلم ، ومهما يكن الهدف فقد أجاب الإمام الصادق على هذا الافتراء قبل ولادة مؤسس الفرقة الوهّابية بعدة قرون.

١ ـ فعن هشام بن سالم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، عن آبائهعليهم‌السلام عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « القائم من ولدي اسمه اسمي ، وكنيته كنيتي ، وشمائله شمائلي ، وسنّته سنّتي ، يقيم الناس على ملّتي وشريعتي ويدعوهم إلى كتاب ربي عزّوجلّ »(١) .

٢ ـ وعن أبي بصير ، عن ابي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إن في صاحب هذا الأمر سننا من الأنبياء : سنّة من موسى ، وسنّة من عيسى ، وسنّة من

__________________

١ ـ إكمال الدين ٢ : ٤١١ / ٦ باب ٣٩.


يوسف ، وسنّة من محمد صلوات الله عليهم ـ إلى أن قال ـ وأما سنة من محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيهتدي بهداه ويسير بسيرته »(١) .

والإطالة في هذا إطالة في الواضحات ، ويكفي ما ذكرناه في بيان الإمام الصادقعليه‌السلام لسيادة الإسلام على كل الأديان في زمان ظهور المهديعليه‌السلام وعلى يده.

تاسعا ـ شبهات حول الغيبة :

وخلاصة هذه الشبهات تدور حول ثلاثة أسئلة ، وهي :

١ ـ لماذا الغيبة؟

٢ ـ وما هو وجه الحكمة فيها؟

٣ ـ وكيف يتحقّق انتفاع الأمة من الإمام المهدي الغائب وهي لا يمكنها أن تصل إليه؟

وتدور هذه الأسئلة الثلاثة على محور واحد ، وهو منافاة الغيبة ـ كما يُزعم ـ للغاية من نصب الإمام ، وعلى هذا يكون وجود الإمام وعدمه سواء!

وأصل كل هذا مبني على أن الغاية من نصب الإمام لا تتحقّق إلاّ بمشاهدته لأخذ معالم الدين عنه!

وقد خفي على هؤلاء بأن الثمرة من وجود الإمام لا حصر لها بأخذ المسائل عنه ، وإنّما هناك ثمرات أُخر تترتّب على وجوده الشريف.

__________________

١ ـ إكمال الدين ٢ : ٣٥٠ ـ ٣٥١ / ٤٦ باب ٣٣.


ويمكن إدراكها من خلال علمنا بأن هناك جملة من الأمور المطلوبة منا شرعا لذاتها إزاء الإمام المهديعليه‌السلام ، بغض النظر عن إمكانية الوصول إليه أو عدمه ، ومنها على سبيل المثال :

السعي الدؤوب وراء معرفة هويته الشخصية ، وإلاّ فلن يتحقّق ركن الإيمان بالاعتقاد بأنه إمام الزمان الذي من لا يعرفه سوف لن يغادر الدنيا إلاّ بميتة جاهلية ، كما نطقت بذلك احاديث الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند الفريقين ، واكدها الإمام الصادقعليه‌السلام باحاديث شتّى كما مرّ.

وعلى هذا يكون نفس التصديق بوجود الإمام المهديعليه‌السلام أمرا مطلوبا لذاته بغض النظر عن مشاهدته أو لا. لا فرق بين هذا وبين وجوب التصديق بوجود النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالنسبة للمسلمين الذين عاشوا في عصرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يلتقوا به ولم يشاهدوه.

ونحن ملزمون بالتعبدّ بما جاء عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل البيتعليهم‌السلام . والأحاديث السابقة وكثير مثلها ؛ كلها صريحة بوجوب هذا الاعتقاد.

ومن ثَمَّ ورد عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل البيتعليهم‌السلام ما يشير إلى عدم انحصار الفائدة من وجود الإمام بالتصرّف في الأمور ، وفيما يأتي جملة من الأحاديث الشريفة الدالّة على ذلك :

١ ـ عن أبي ذر الغفاريرضي‌الله‌عنه ، قال : « سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : إنّما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ، ومن تخلّف عنها غرق ، ومثل باب حطّة يحطّ الله بها الخطايا »(١) .

__________________

١ ـ أمالي الشيخ الطوسي : ٧٣٣ / ١٥٣٢ ( ٢ ) مجلس رقم / ٤٥.


وهذا صريح بأن الدخول بولاية أهل البيتعليهم‌السلام ، والتمسّك بحبلهم قد جعله الله طريقا لرضوانه ومغفرته ، وهذا أمر عظيم أعمّ من نفع مشاهدتهم والسؤال مباشرة منهمعليهم‌السلام .

٢ ـ وعن جابربن عبد الله ، وأبي موسى الأشعري ، وابن عباس ، قالوا : « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : النجوم أمان لأهل السماء ، وأهل بيتي أمان لأُمتي ، فإذا ذهبت النجوم ذهبت أهل السماء ، وإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض »(١) .

٣ ـ وعن أياس بن سلمة ، عن أبيه ، قال : « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : النجوم أمان لأهل السماء ، وأهل بيتي أمان لأُمتي »(٢) .

٤ ـ وعن سليمان بن مهران الأعمش ، عن الإمام الصادق ، عن أبيه محمد بن على ، عن أبيه على بن الحسينعليهم‌السلام ، قال : « نحن أئمة المسلمين وحجج الله على العالمين ، وسادة المؤمنين ، وقادة الغرّ المحجّلين ، وموالي المؤمنين ، ونحن أمان أهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء ، ونحن الذين بنا يمسك الله السماء أن تقع على الأرض إلاّ بإذنه ، وبنا يمسك الأرض أن تميد بأهلها ، وبنا يُنزِل الغيث ، وبنا ينشُر الرحمة ، ويخرج بركات الأرض ، ولولا ما في الأرض منا لساخت بأهلها ، ولم تخلُ الأرض منذ خَلَق الله أدمَ من حُجّة لله فيها ، ظاهر مشهور أو غائب مستور ، ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجة الله

__________________

١ ـ أمالي الشيخ الطوسي : ٣٧٩ / ٨١٢ ( ٦٣ ) مجلس رقم / ١٣.

٢ ـ أمالي الشيخ الطوسي : ٢٥٩ / ٤٧٠ ( ٨ ) مجلس رقم / ١٠ ، والمعجم الكبير / الطبراني ٧ : ٢٢ / ٦٢٢٠.


فيها ، ولولا ذلك لم يُعْبَد الله.

قال سليمان : فقلت للصادقعليه‌السلام : فكيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور؟

قالعليه‌السلام : كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السَّحَاب »(١) .

٥ ـ وعن الإمام الباقرعليه‌السلام قال : « ونحن الذين بنا تُنَزَّل الرحمة ، وبنا تُسْقَون الغيث ، ونحن الذين بنا يصرف الله عزّوجلّ عنكم العذاب ، فمن أبصرنا ، وعرف حقّنا ، وأخذ بأمرنا فهو منّا وإلينا »(٢) .

٦ ـ وقال الإمام الصادقعليه‌السلام : « كان أمير المؤمنينعليه‌السلام صلوات الله عليه باب الله الذي لا يؤتى إلاّ منه ، وسبيله الذي من سلك بغيره هلك ، وبذلك جرت الأئمةعليهم‌السلام واحدا بعد واحد ، جعلهم الله أركان الأرض أن تميد بهم ، والحجة البالغة على من فوق الأرض ومن تحت الثرى »(٣) .

وكل هذا يدلُّ بما لا يقبل الشكّ على أن نفس وجودهمعليهم‌السلام تترتّب عليه فوائد أعظم من فائدة مشاهدتهم والوصول إليهم ؛ لمن في هذا

__________________

١ ـ أمالي الشيخ الصدوق : ٢٥٢ ـ ٢٥٣ / ٢٧٧ ( ١٥ ) مجلس رقم / ٣٤ ، وإكمال الدين ١ : ٢٠٧ / ٢٢ باب ٢١ ، وراجع ما تقدم في بيان الإمام الصادقعليه‌السلام لكيفية الانتفاع بالحجة الغائب : ص ١٠٢ من هذا البحث.

٢ ـ أمالي الشيخ الطوسي : ٦٥٤ / ١٣٥٤ ( ٤ ) مجلس رقم / ٣٤.

٣ ـ أُصول الكافي ١ : ١٩٧ / ٢ باب إن الأئمّة هم أركان الأرض ، من كتاب الحجة ، وأمالي الشيخ الطوسي : ٢٠٥ ـ ٢٠٦ / ٣٥٢ ( ٢ ) مجلس رقم ٨. وإكمال الدين ١ : ٢٠٥ ـ ٢٠٦ / ٢٠ باب ٢١ ، وبصائر الدرجات : ٨٢ ـ ٨٣ / ١٠ باب ٣ ، وفرائد السمطين/الجويني الشافعي ٢ : ٢٥٣ ـ ٢٥٤ / ٥٢٣ باب ٤٨.


الوجود ضمان لبقاء العالم « فإذا ذهب أهل بيتي ، ذهب أهل الأرض ».

ويؤكّد هذا المعنى قول الإمام الصادقعليه‌السلام : « لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت »(١) ، وغيره من الأحاديث الأخرى التي تقدمت في القاعدة الرابعة من قواعد الفصل الأول من الباب الأول.

ولهذا قرّب الإمام الصادقعليه‌السلام صورة الانتفاع بالإمام الغائبعليه‌السلام بمثال الشمس وهو مثال محسوس لا ينكر صحّته أحد ، وقد مرّ في حديث الأعمش ، عنهعليه‌السلام .

هذا زيادة على وجود منافع أُخر مترتبة على وجود الإمامعليه‌السلام لها ارتباط مباشر بحياة الناس جميعا ، كعدم المؤاخذة بالعقاب العاجل ، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة مبينا أهمية الحجة وهي في زمان نزول القرآن منحصرة برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبعده بأهل بيتهعليهم‌السلام ، قال تعالى :( وما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم وما كان الله معذّبهم وهم يستغفرون ) (٢) ، فجعل سبحانه وجود النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سببا في تأجيل عقاب المستحقّين للعقوبة ، فكذلك الحال في وجود الإمام المهديعليه‌السلام .

وثمة شيء آخر وهو ما يُثار بين فترة وأخرى وخلاصته : إنّ الإمامية تقول بعدم الفرق بين الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلاّ من جهة الوحي ؛ لأن الغرض من وجود النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو نفسه في وجود الإمام ، وإن النبي قد تعرّض لأجل تبليغ الأحكام إلى ما تعرّض بخلاف الإمام المهدي عند

__________________

١ ـ كتاب الغيبة / الشيخ الطوسي : ٢٢٠ / ١٨٢.

٢ ـ سورة الأنفال : ٨ / ٣٣.


الشيعة الذي لم يتصدَّ لكل ذلك ، وإنّما غاب منذ نعومة أظفاره ولم يزل!

والجواب نقضا وحلاّ :

أما النفض : فأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أخفى دعوته عن عامة الناس إلاّ الأقرب فالأقرب ، ولم يجاهر بها لمدّة ثلاث سنين(١) ، وهذا لا ينكره إلاّ مكابر ، وهو في كلتا الحالتين نبي مرسل.

وأما الحل : فأن هذا قياس مع الفارق ؛ لمن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مؤسس للدين فيجب عليه التبليغ والدعوة إلى نفسه ابتدأ بخلاف الإمام ، إذ لا يجب عليه تبليغ الأحكام ولا الدعوة لنفسه ، لمن الحجة تمّت على الناس بدعوة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إليه ، فالواجب على الناس إذن أن يذهبوا إلى الإمام ويتفحّصوا عن معرفته وأخذ الأحكام منه.

ففي الصحيح ، عن هشام بن سالم قال : « سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن قول الله تعالى :( فاسألوا أهل الذكّر إن كنتم لا

____________

١ ـ راجع : السيرة النبوية / ابن هشام ١ : ٢٨٠ ، والسيرة النبوية / ابن كثير ١ : ٤٢٧ ، والسيرة الحلبية/ ابن برهان الحلبي ١ : ٢٨٣ ، والسيرة النبوية / دحلان ١ : ٢٨٢ ( مطبوع بهامش السيرة الحلبية ) ، وتاريخ الطبري ١ : ٥٤١ ، والكامل في التاريخ / ابن الأثير ٢ : ٦٠ ، والبداية والنهاية / ابن كثير ٣ : ٣٧ ، وتاريخ الخميس م الدياربّكري ١ : ٢٨٧ تحت عنوان :( ذكر ما وقع في السنة الثانية والثالثة من إخفاء الدعوة ) .

وراجع أيضا : سائر كتب التفسير في تفسيرها لسورة الحِجْر الآية ٩٤ من قوله تعالى :( فاصدع بما تؤمر وأعرض عنِ المشركين ) ، وكذلك الآية ٢١٤ من سورة الشعراء ، من قوله تعالى :( وأنذر عشيرتك الأقربين ) .


تعلمونَ ) (١) ، منهم؟ قالعليه‌السلام : نحن ، قال ، قلت : علينا أن نسألكم؟ قال : نعم ، قال ، قلت : عليكم أن تجيبونا؟ قال : ذلك إلينا »(٢) .

وفي الصحيح ، عن زرارة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، مثله(٣) .

وأما لو تخلّت الناس عن هذا الواجب ، وبقي الإمام وحده ، يخاف عدوه ، ويخشى فتكه ، فما المانع من تدخّل الله عزّوجلّ في غيبة ، باعتبارها السبب الأصلح الذي يحفظ الهدف الأسمى من وجوده؟

وبهذا نكون قد فرغنا من الإجابة ـ على آخر الشبهات المثارة حول العقيدة المهدوية الحقّة ، وبها تمّ البحث ، وقد وافق الفراغ منه يوم السبت الخامس والعشرين من شهر شوال ١٤٢٤ هـ ، ذكرى شهادة الإمام الصادقعليه‌السلام .

والحمدلله أولا وآخرا

وصلّى الله على نبينا محمد أشرف الأنبياء والمرسلين

وعلى آله الغرّ الهداة الأطهار الميامين

__________________

١ ـ سورة النحل : ١٦ / ٤٣ ، وسورة الأنبياء : ٢١ / ٧.

٢ ـ بصائر الدرجات : ٥٩ / ٤ باب ١٩.

٣ ـ بصائر الدرجات : ٥٩ / ٧ باب ١٩.


الخلاصة

اكتسبت غيبة الإمام المهديعليه‌السلام أهمية خاصة باعتبارها واحدة من أُمّهات المسائل الكبرى في تاريخ الفكر الشيعي ؛ لارتباطها العضوي بعقيدة النصّ والتعيين من جهة ، واتّصالها الوثيق بحياتنا المعاصرة من جهة أُخرى ، فضلا عمّا تركته من مسائل تعبّدية محضة تقوم على أساس فكرة الانتظار ، مما انعكس هذا بطبيعته على سلوك المنتظر وتصرّفه ، واطّراد هذا على مجمل علاقاته بالفرد والمجتمع والدولة.

ولثراء مفهوم الغيبة بحيث طفح على لسان الشريعة بشكل واضح ، حتى كُتبت مصنّفات كثيرة في الغيبة قبل أوانها. صار استجلاء عمقها ، وبيان أصالتها ومفروضا في بحث كهذا ، الأمر الذي أدّى إلى رصد المنهج الذي استخدمه الإمام الصادقعليه‌السلام في موضوع الغيبة قبل حدوثها على أرض الواقع ، وما سبق ذلك من محاولة إعادة تشكيل وعي الأمة من جديد ، وتعبئة أكبر ما يمكن من طاقات أفرادها للنهوض بمهمّة التغيير الكبرى ، على أثر ما حصل في ظل الدولتين ( الأمويّة ، والعباسيّة ) من انحراف خطير ، كان من جملته بروز دعاوى المهدوية الباطلة التي أدركها الإمام الصادقعليه‌السلام وعاصر بعضها.

ومن هنا قام الإمام الصادقعليه‌السلام بمسؤليته ـ كإمام مفترض الطاعة ـ


خير قيام ، فبين أولا زيف تلك الدعاوى ، وقام بتمهيد المفهوم الصحيح للغيبة والغائب ؛ إذ وجدعليه‌السلام من معنى غياب الإمام المهديعليه‌السلام عن السّاحة فجاة ـ ما لم يتم التّمهيد له وبشكل مكثّف ـ يعني تشتّت القاعدة أو تشر ذمها. فكان لابد من ترويض القاعدة على قبول الغيبة عند حدوثها. وهو ما قام به الإمام الصادقعليه‌السلام وأوضحه بجلاء. وقد تبيّن هذا في البحث بنوع من التفصيل.

ومن ثَمَّ ، فإن الإخبار عن الشيء قبل حدوثه كان ظاهرة معروفة في عهود أهل البيتعليهم‌السلام كافة ، ولم تكن ظاهرة جديدة في إخبارات الإمام الصادقعليه‌السلام ، الأمر الذي تطلَّب منّا التعرض على إبطال ما قد يُدّعى من أن نسبة إخبار أولياء الله عزّوجلّ بالشيء قبل حدوثه إلى علم الغيب المنفي عن غير الله تعالى ، بمخالفة تلك النسبة لما هو عند جميع المسلمين ، زيادة على ما فيها من إنكار لشيء مادي ملموس ، وهو الكتب المؤلّفة في الغيبة قبل حصولها بزمان كثير. فضلا عن كثرة شهادات المتقدمين من أعلام الإمامية ـ في الغيبة الصغرى أو بعدها ـ على وجود تلك الأخبار في الكتب المؤلّفة قبل زمان الغيبة بعشرات السنين ، زيادة على نقل بعضهم من هذه الكتب ، وتسميتها ، وتسمية مؤلفيها صراحة ، وهو ما سجله البحث موثّقا.

كما برهن البحث على أن الإمام الصادقعليه‌السلام لم يقتصر في التّمهيد لمفهوم الغيبة بما لا يمكن معه معرفة من هو الغائب بالتحديد ؛ كما قد يُدّعى من أحاديث الغيبة عند الإمام الصادقعليه‌السلام قد اتّصفت بالإجمال ولم تشخص غائبا معيّنا!! وإنّما تناولعليه‌السلام في عرض مكوّنات الوحدة


الموضوعية للغيبة مسائل شتى ، حتى صار معها الإجمال الوارد في بعض احاديثهعليه‌السلام مختزنا للتفصيل ، وعاد في غنى عما يوضّحه أنّ الخارج ؛ لوضوح عدم انطباق أيٍّ من تلك المكونات التي وُصِفت بالإجمال ـ كحديث الغيبتين وغيره ـ على شخص آخر غير الإمام الثاني عشرعليه‌السلام .

هذا فضلا عمّا قام به الإمام الصادقعليه‌السلام من دفع مضنّة الاختلاف في الإجمال في دلالته على شخص ، معين ، فثّبت أولا أصل القضية المهدية ، ثم بيّن حكم من انكر هذا الأصل ، واكد وقوع الغيبة بالامام الثاني عشر من اهل البيتعليهم‌السلام ، وأمر بعدم إنكارها ، ونهى عن الانحراف في زمانها ، ولزوم التصديق بها ، ووجوب الثبات على الولاية في زمن الغيبة ، مع التصريح بوجود غيبتين للإمام المهديعليه‌السلام : قصيرة وطويلة ، والكشف عن حال الناس فيهما ووجوب الانتظار ، وتبيين من هو الغائب جملة وتفصيلا ، بالانطلاق من كونه من ذريّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، من ولد على وفاطمةعليهما‌السلام ، ومنه التاسع من ولد الإمام الحسينعليهم‌السلام ، وهو ثاني عشر الأئمّةعليهم‌السلام ، ومن وُلْدِه ، من ذريّة ابنه موسى بن جعفرعليهما‌السلام ، مع تأكيد كونه الخامس من ولد السابع ، والتصريح بخفاء ولادته ، وشك الناس فيها ، وألإشارة إلى ماسيجرى عليه من أقرب المقربين إليه ، وتشبيه ذلك بما جرى ليوسف الصدّيقعليه‌السلام على يد أخوته ، ثم بيان هويّته الكاملة بكل دقة وتفصيل بذِكر اسمه الصريح ، وكنيته ، واسم أبيه ، وبين حسبه الزكي ، ونسبه الشريف.

ولم تَفْتُ الإمام الصادقعليه‌السلام الإجابة المحكمة على ما سيُثار ـ في


مستقبل الأيام ـ حول العقيدة المهدوية من شبهات وأوها ؛ ليعبِّرعليه‌السلام بهذا عن حرصه البالغ على وصول هذه الحقيقة المهدوية إلى أجيال الأمة صافية ناصعة ، لتطلّ عليهم كالشمس في إشراقتها ، منذ أن وقف التاريخ على أعتاب قدسها ليشهد سنا نورها ، وإلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.

وهكذا استوعبت غيبة الإمام المهدي عند جَدّه الإمام الصادقعليهما‌السلام الإجابة الشافية على جميع ما يحيط بها من تساؤلات ؛ إذ لم يدععليه‌السلام ملحظا كليّا أو جزئيّا في قضيّة الغيبة والغائب إلاّ وقد تعرّض لبيانه بكل دقة وتفصيل ، ولم يذرعليه‌السلام نقطة استفهام واحدة حول هذا الموضوع بلا جواب محكم. الأمر الذي قام عليه البحث وبرهن عليه في فصوله السابقة.


المحتويات

غيبة الإمام المهدي عند الإمام الصادق عليهماالسلام........................... ١

مقدّمة المركز............................................................. ٥

المُقَدَّمةُ................................................................. ٧

الباب الأول في معرفة الإمام الغائب عليه‌السلام قبل ولادته......................... ١٥

الفصل الأول......................................................................... ١٧

دعم الإمام الصادق عليه‌السلام للعقيدة المهدوية............................................... ١٧

وبيان حكم من أنكرها................................................................ ١٧

الأمرالأول ـ ثبوت أصل العقيدة المهدوية ، ودعمها :.............................. ١٧

الأمر الثاني ـ بيان حكم من أنكر أصل العقيدة المهدوية :.......................... ٢٣

أما الفقيه الشافعي :....................................................... ٢٥

وأما الفقيه الحنفي :........................................................ ٢٦

وأما الفقيه المالكي :....................................................... ٢٦

وأما الفقيه الحنبلي :....................................................... ٢٦

ومما يؤيد صحة تلك الفتاوى على لسان إمامنا الصادق عليه‌السلام الأحاديث الآتيه :...... ٢٧

الفصل الثاني......................................................................... ٣٣

ترسيخ الإمام الصادق عليه‌السلام للقواعد..................................................... ٣٣

الكاشفة عن هوية الإمام الغائب........................................................ ٣٣

القاعدة الاولى :.............................................................. ٣٤

قاعدة العصمة والمرجعية العلميّة والسياسية لأهل البيت عليهم‌السلام...................... ٣٤

حديث الثقلين وأثره في بلورة القاعدة :.......................................... ٣٥

أولا ـ صحة الحديث وبيان تواتره :........................................... ٣٥

ثانيا ـ من صحح الحديث من العلماء :....................................... ٤٠

ثالثا ـ علم الصحابة بالمعنيين بحديث الثقلين :................................. ٤٦


رابعا ـ تأكيد الإمام الصادق عليه‌السلام على حديث الثقلين :........................ ٥٠

خامسا ـ دلّالة حديث الثقلين :............................................. ٥٣

القاعدة الثانية :.............................................................. ٥٧

قاعدة حصر الأئمة باثني عشر أوصياء كلهم من عترة النبي أهل بيته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم......... ٥٧

القائدة الثالثة :.............................................................. ٦٤

قاعدة التسلسلت العمودي للإمامة بعد الإمام الحسين عليه‌السلام :..................... ٦٤

القاعدة الرابعة :............................................................. ٦٦

عدم خلو الأرض من امام من الائمة الاثني عشر عليهم‌السلام مطلقا :.................... ٦٦

القاعدة الخامسة.............................................................. ٧٤

قاعدة وجوب معرفة إمام الزمان من أهل البيت عليهم‌السلام............................. ٧٤

الفصل الثالث........................................................................ ٨١

تشخيص الإمام الصادق عليه‌السلام لهوية الغائب.............................................. ٨١

وكيفية الانتفاع به في غيبته............................................................. ٨١

أولا ـ منهج الإمام الصادق عليه‌السلام في تشخيص هوية الإمام الغائب عليه‌السلام :............ ٨١

الأسلوب الأول ـ اسلوب التمثيل والتشبيه لتقريب الهوية :.......................... ٨٣

المستوى الأول :........................................................... ٨٤

المستوى الثاني :........................................................... ٨٧

الاسلوب الثاني ـ أسلوب التصريح في بين الهوية :................................. ٩١

ثانيا ـ بيان الإمام الصادق عليه‌السلام لكيفية الانتفاع بالحجة الغائب عليه‌السلام :......... ١٠٢

الباب الثاني............................................................. ١٠٧

غيبة الإمام الثاني عشر عليه‌السلام قبل حدوثها.................................. ١٠٧

الفصل الأول....................................................................... ١٠٩

في العناية بالغيبة وبيان معطياتها....................................................... ١٠٩

أولا ـ أسرار العناية بالغيبة في الحديث الشريف :.......................... ١٠٩

ثانيا ـ الغيبة في مؤلفات الشيعة :....................................... ١١٠


ثالثا ـ علم الشيعة بالغيبة قبل حدوثها :................................. ١١٤

رابعا ـ إخبار الإمام الصادق عليه‌السلام بالشيء قبل وقوعه ، وعلم الغيب :....... ١١٦

خامسا ـ مكونات الوحدة الموضوعية للغيبة عند الإمام الصادق عليه‌السلام :....... ١١٨

الفصل الثاني....................................................................... ١٢١

تأكيد الإمام الصادق عليه‌السلام على...................................................... ١٢١

غيبة الإمام المهدي عليه‌السلام ، وطولها..................................................... ١٢١

أولا ـ تأكيد الإمام الصادق عليه‌السلام على غيبة الإمام المهدي عليه‌السلام :........... ١٢١

ثانيا ـ تصريح الإمام الصادق عليه‌السلام بطول غيبة الإمام المهدي عليه‌السلام :......... ١٢٧

ثالثا ـ تصريح الإمام الصادق عليه‌السلام بان للمهدي عليه‌السلام غيبتين ( صغرى وكبرى ) ١٢٩

الفصل الثالث...................................................................... ١٣٧

في بيان ما مطلوب في زمان الغيبة...................................................... ١٣٧

أولا ـ الوصية بعدم إنكار الغيبة ، والنهي عن الانحراف ، ولزوم التصديق :... ١٣٧

ثانيا ـ وجوب الثّبات على الولاية في زمن الغيبة :.......................... ١٤٠

ثالثا ـ التأكيد على انتظار الإمام الغائب عليه‌السلام في غيبته :.................. ١٤٣

١ ـ توقف قبول العمل على الانتظار :........................................ ١٤٤

٢ ـ وصف المنتظرين بأنهم من الأولياء :........................................ ١٤٥

٣ ـ منزلة المنتظر لإمام الزمان عليه‌السلام :.......................................... ١٤٥

٤ ـ ما يجب أن يتحلّى به المنتظر وبيان أجر انتظاره :............................ ١٤٦

٥ ـ توجّع المنتظر وحزنه وبكاؤه على المهدي عليه‌السلام في غيبته :...................... ١٤٦

٦ ـ النهي عن قسوة القلوب في فترة الانتظار :.................................. ١٤٧

٧ ـ تهيئة وسائل القوة في فترة الانتظار :........................................ ١٤٨

٨ ـ ضرورة اعطاء العهد والبيعة للإمام المهدي عليه‌السلام في غيبته :.................... ١٤٨

٩ ـ طلب الرجعة في الدعاء في حال الموت قبل ظهوره عليه‌السلام :..................... ١٤٨

١٠ ـ الإكثار من الدعاء في فترة الانتظار :..................................... ١٤٩

أ ـ الدعاء بالثبات على الدين في زمان الغيبة :............................... ١٤٩


ب ـ الدعاء بطلب المعرفة المنجية من الضلال :............................... ١٤٩

ج ـ الدعاء المعبر عن الشوق والمحبة للإمام المهدي عليه‌السلام :...................... ١٥٠

د ـ الدعاء للإمام المهدي عليه‌السلام بتعجيل الفرج :.............................. ١٥٠

هـ ـ الدعاء للمهدي بكل خير وتمني رؤيته عليه‌السلام :............................. ١٥٢

و ـ الدعاء لنيل شرف خدمة الإمام المهدي عليه‌السلام ونصرته :.................... ١٥٣

رابعا ـ الكشف عن حال الناس في زمان الغيبة لاخذ العِظة والعبرة :.......... ١٥٣

الفصل الرابع....................................................................... ١٥٧

في بيان الإمام الصادق عليه‌السلام علل الغيبة................................................ ١٥٧

وما يرافقها من تمحيص واختبار....................................................... ١٥٧

أولا ـ عُلل الغيبة :.................................................... ١٥٧

العّلة الاُولى ـ الخوف من القتل :........................................ ١٥٧

العلة الثانية ـ لكي لا تكون في عنق المهدي عليه‌السلام بيعة لأحد :.............. ١٥٩

العلة الثالثة ـ السنن التاريخية :.......................................... ١٦٠

العلة الرابعة ـ وهي علة خافية لم يؤذن بكشفها :.......................... ١٦١

ثانيا ـ أحاديث التمحيص والاختبار وبيان فلسفتها :...................... ١٦٢

أحاديث التمحيص والاختبار :.............................................. ١٦٢

فلسفة التمحيص والاختبار :................................................ ١٦٤

الباب الثالث............................................................. ١٦٩

دور الإمام الصادق عليه‌السلام في رد الشبهات.................................. ١٦٩

المثارة حول الغيبة والغائب................................................ ١٦٩

تمهيد :............................................................. ١٧١

الفصل الأول....................................................................... ١٧٥

شبهة الكيسانية بمهدوية محمد بن الحنفية رضي الله عنه................................... ١٧٥

أولا ـ أسباب ظاهرة ادّعاء الهدوية في التاريخ :............................ ١٧٥

ثانيا ـ براءة ابن الحنفية رضي‌الله‌عنه من القول بمهدويته :......................... ١٧٧


ثالثا ـ اعتراف ابن الحنفية بإمامة السجاد عليه‌السلام ، ونفي الإمامة عن نفسه :... ١٧٨

رابعا ـ من روّج له المهدوية والإمامة بعد وفاته :............................ ١٧٩

لقاء السيد الحميري الكيساني بالإمام الصادق عليه‌السلام :........................... ١٨١

السيد الحميري يودع كيسانيته ويتعرف على هوية الإمام المهدي عليه‌السلام :........... ١٨٢

مع قصيدة السيد الحميري التي سجل فيها اعترافه بالحق :........................ ١٨٣

الكشف عمّا في قصيدة السيد الحميري من دلالات :........................... ١٨٥

خامسا ـ ملاحقة الإمام الصادق عليه‌السلام لحجج الكيسانية ونسفها :........... ١٨٨

الفصل الثاني....................................................................... ١٩١

شبهة مهدوية عمر بن عبد العزيز الاموي المرواني........................................ ١٩١

أولا ـ الآثار الموضوعة في مهدويته :..................................... ١٩١

ثانيا ـ كذبهم على الإمام الباقر عليه‌السلام في دعم تلك المهدوية :............... ١٩٢

ثالثا ـ رد اكذوبتهم على الإمام الباقر عليه‌السلام :............................. ١٩٣

رابعا ـ الأقوال الواردة في مهدوية عمر بن عبد العزيز :...................... ٢٠٣

خامسا ـ من ردَّ هذه الأقوال ورفضها من العامة :.......................... ٢٠٤

سادسا ـ المهدوية الأموية المروانية في الميزان :.............................. ٢٠٥

سابعا ـ موقف الإمام الصادق عليه‌السلام من تلك المهدوية :.................... ٢١٢

الفصل الثالث...................................................................... ٢١٥

شبهة مهدوية محمد بن عبد الله الحسني................................................. ٢١٥

أولا ـ منشأ هذه الشبهة وتداعياتها :..................................... ٢١٥

ثانيا ـ موقف الإمام الصادق عليه‌السلام من مهدوية الحسني :................... ٢٢٥

إخباره عليه‌السلام القيادة الحسنية بنتائج تلك الدعوى وقتل صاحبها :.................. ٢٢٨

تفهيم الناس بمصير المهدي الحسيني ومهدويته :................................. ٢٣٢

تأكيده عليه‌السلام على سبق دعوى المهدوية لزمان المهدي عليه‌السلام :..................... ٢٣٥

بيان الاختلاف بين هوية الإمام المهدي عليه‌السلام وهوية ( المهدي الحسني ) :.......... ٢٣٦

١ ـ الاختلاف في اسم الأب ، والكنية :...................................... ٢٣٧

٢ ـ الاختلاف في النسب من جهة الأب :.................................... ٢٣٩


لماذا حصر الإمامة والمهدي في ذريّة الحسين دون الحسن عليهما‌السلام؟.................. ٢٤١

٣ ـ الاختلاف من جهة الأم اسما ونسبا :...................................... ٢٤٢

أما عن الاختلاف في اسم الأم............................................ ٢٤٢

وأما الاختلاف في نسب الأم.............................................. ٢٤٢

ثالثا ـ من نتائج توعية الإمام الصادق عليه‌السلام :............................. ٢٤٤

الفصل الرابع....................................................................... ٢٤٩

دعوى مهدوية المهدي العباسي........................................................ ٢٤٩

محمد بن عبد الله المنصور ( ١٥٨ ـ ١٦٩ / هـ )........................................ ٢٤٩

أولا ـ من كان وراء القول بمهدويته :..................................... ٢٤٩

١ ـ أبو جعفر المنصور :..................................................... ٢٤٩

٢ ـ الوضّاعون :............................................................ ٢٥٣

الأحاديث الموضوعة في ترويج مهدوية المهدي العباسي :......................... ٢٥٥

٣ ـ الشعراء :.............................................................. ٢٦١

ثانيا ـ شخصية المهدي العباسي في الميزان :............................... ٢٦٣

ثالثا ـ موقف الإمام الصادق عليه‌السلام من المهدوية العباسية :.................. ٢٦٦

١ ـ الأمر بالتقية من بني العباس :............................................. ٢٦٧

٢ ـ الأمر بكتمان أمر أهل البيت عليهم‌السلام عن العباسيين :......................... ٢٦٨

٣ ـ الأمر بالابتعاد عن العباسيين وقضاتهم في المرافعات ووصفهم بالطاغوت :....... ٢٦٨

٤ ـ أحاديثه عليه‌السلام الواردة في ذمّ بني العباس صراحة :............................. ٢٦٩

٥ ـ تذكير الإمام الصادق عليه‌السلام الأمة بهوية المهدي عليه‌السلام :....................... ٢٧٢

الفصل الخامس..................................................................... ٢٧٥

موقف الإمام الصادق عليه‌السلام من المهدويات الاخرى...................................... ٢٧٥

أولا ـ موقفه عليه‌السلام من قول الناووسية بمهدويته :........................... ٢٧٥

ثانيا ـ موقفه عليه‌السلام من قول الواقفية بمهدوية الإمام الكاظم عليه‌السلام :........... ٢٧٨

ثالثا : دوره عليه‌السلام في تشخيص المهدويّات الباطلة كلها :................... ٢٨٢


بيان علامات ظهور الإمام المهدي عليه‌السلام :..................................... ٢٨٤

المراد بقتل النفس الزكيّة كعلامة من علامات الظهور :........................... ٢٨٦

بيان التطور العلمي في زمان الظهور :.......................................... ٢٨٨

بيان سيادة الإسلام في زمان الظهور على كلِّ الأديان :.......................... ٢٨٩

الفصل السادس..................................................................... ٢٩٣

دور الإمام الصادق عليه‌السلام............................................................ ٢٩٣

في رد الشبهات الأخرى.............................................................. ٢٩٣

أولا ـ شبهة طول العمر :.............................................. ٢٩٤

ثانيا ـ شبهة القول بعدم الولادة ، أو الوفاة بعد حصولها :.................. ٢٩٧

ثالثا ـ شبهةحول استمرار وجوده الشريف :............................... ٢٩٩

رابعا ـ شبهة حول هوية الإمام الغائب عليه‌السلام :............................ ٣٠٠

خامسا ـ شبهة جواز تأخير الاعتقاد بالمهدي عليه‌السلام إلى زمان ظهوره!......... ٣٠١

سادسا ـ شبهة جعفر الكذّاب عمِّ الإمام المهدي عليه‌السلام :................... ٣٠٤

سابعا ـ شبهتم حول لفظ ( القائم ) ولفظ ( المهدي ) :................... ٣٠٦

ثامنا ـ الشبهة الواردة حول سيرته عليه‌السلام :................................. ٣٠٧

تاسعا ـ شبهات حول الغيبة :.......................................... ٣٠٨

الخلاصة........................................................................... ٣١٥

المحتويات........................................................................... ٣١٩


غيبة الامام المهدي عند الامام الصادق عليهما السلام

غيبة الامام المهدي عند الامام الصادق عليهما السلام

مؤلف: السيد ثامر هاشم العميدي
الناشر: مركز الرسالة
تصنيف: الإمامة
ISBN: 964-319-447-7
الصفحات: 325