جمال الدين الحسيني حياته ونضاله

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: سيد هادي خسروشاهي
شخصيات إسلامية

جمال الدين الحسيني حياته ونضاله

سيد هادي خسروشاهي


نشريّه شماره: ١٥٧

مركز الثقافة الإسلاميّة في أوروبا

روما - ايطاليا

الطبعة الثانية

١٤٠٦هـ - ١٩٨٥م

الطبعة الأولى مِنْ هذا الكتاب، نُشِرَتْ على سِتّ حلقاتٍ في مجلّة (العالَم) الأسبوعيّة

الصادِرة في لندن.


المقدمة



بِسْمِ اللّهِ الرّحْمنِ الرّحِيمِ

المقدِّمَةُ

حين تغفوا بعضُ الأمم لفترةٍ مِنْ تأريخها، يعبثُ بمصيرها أبالسةُ جهنّم وَزَبَانِيَةُ سقر، ولا تستفيق حتّى يمنّ الله عليها برجالٍ يعرفون الحقّ، ويتّبعون سواء السبيل، حاملين في أعناقهم رسالةً تدعو إلى الإصلاح والتوحيد؛ للنهوض بهذه الأمّة من جديد، محاولين تخليصها مِنْ تسلّط العتاة وتحكّمهم وتجبّر المستكبرين واستعلائهم، معيدين لهذه الشعوب تصوّرها الصحيح للعقيدة، عبر صراعٍ شديدٍ وطويلٍ مع الفئات الباغية، كي تستوي كلمةُ الحقّ وتعلو بعد أنْ تنهار الممالك والعروش، التي قامتْ خلال هذه المدّة مِنَ الزمن.

وكلّما بعث اللهُ مبشِّراً ونذيراً، قام له مناوئون، وكلّما جاء رجل صالح، هبّت لمحاربته زَبَانِيَةٌ مِن عبدة الطاغوت، حتّى إذا اكتملت الصورة بدا الصراع بين الخير والشر واضحاً مجسَّداً برجلٍ بسيطٍ مؤمنٍ قد هداه الله الصراط المستقيم، وبين مؤسسات وأجهزة وسلطات وعروش، لا يهمّها سوى عَرَضَ الدنيا ولا تحسب للآخرة أيّ حسابٍ.

ولقد جاء التأريخ بأمثلةٍ كثيرةٍ، وأنْبَتَ رجالاً كثيري وشهد صراعاتٍ مريرةً لا تنتهي بين الخير والشر. لا تنتهي لأنّ الحملة المسعورة التي يشنّها الفجّار تبقى مستمرةً، حتّى بعد موت الصالحين، ويبقى هَمُّ المستكبرين تحطيم الصورة المُثْلى للقدوة الصالحة؛ كي لا يكون له أدنى تأثير على الأجيال التالية بعد موته، لذلك تعمد الفئة الباغية دائماً على تفتيت الأرضيّة الصلبة التي خلّفتها الدعوة لله وذلك من خلال التشكيك بصاحبها من جهة والافتراء والتزوير في أعماله وأقواله من جهة أخرى.

مِنْ هؤلاء واحدٌ تعرّض في حياته لِمَا تعرّض، ويتعرّض - بعد موته وفي الخمس سنوات الأخيرة من أيامنا إلى - حملة افتراءٍ منظّمةٍ تحاول النيل من تأريخه الجهادي وتراثه الفكري ومنهجه الإسلامي، بالاستناد إلى معلوماتٍ ملفّقةٍ ووثائق مزوَرةٍ مِنْ جِهة،ٍ وبالتشكيك في سلوكه السياسي وعلاقاته المتنوِّعة مِنْ جِهةٍ أخرى.


لقد امتدّتْ يد الإثم مرةً أخرى إلى العالم المناضل السيّد جمال الدين الأفغانيّ، فحاولتْ أنْ تنسب إلى اسمه وأصله ومكان ولادته تشويهاتٍ، ما أنزل الله بها من سلطان إلى درجةِ إصدار كتابٍ عَنْه تحت عنوان (إيرانيٌّ غامضٌ في مصر)!!.

ونحن في هذه المقدِّمة لا يهمّنا على الإطلاق أنْ يكون الأفغاني من مواليد إيران أو أفغانستان، لأنّ الحكم على الرجل يأتي منْ خلال جهاده الطويل وفكره السليم، ودعوته المستمرّة؛ لتحقيق وحدة المسلمين.

ولكن يهمّنا أنْ نعلنَ وبصراحةٍ إسلاميّةٍ، بأنّ هذه الأقلام المحسوبة على الإسلام والمُمْعِنَة في نبش تأريخ أعلام الثورة الإسلاميّة - وخاصةً جمال الدين - لا تريد إلاّ ضربَ الصحوة الإسلاميّة قبل تبديلها بالثورة الإسلاميّة، وفي كل مكانٍ، ولكنْ كيف وبأيِّ وسيلةٍ؟

فالهجوم على شخصيّة السيّد جمال الدين الحسيني وجهاده، تحت سِتَار (الدراسة الأكاديميّة)! ثم تعريب ونشر أكاذيب الكاتبتين: الأميركية (نيكي كدى)، والإيرانية (هما ناطق) لا يأتي إلاّ لأجل تشويه سمعة السيّد، بين الشباب الثوريِّ المسلم، فهم لا يبغون إلاّ أَنْ يقولوا لشباب مصر، جيلِ الشهيد سيّد قطب وخالد الإسلامبولي، بأنّ خطّ الجهاد - الاستشهادي - الذي تسيرون عليه ضدّ نظام الحكم، ليس بأصيل، بل إنّه يمتدّ إلى جذور (ماسونيّة)!!

وَلِيَقُوْلُوا للمسلمين في الباكستان والهند وإفريقيا الشماليّة، بأنّ أطروحة السيّد، في الكفاح ضدّ المستعمِر، لا تمثِّل طموحاتكم في تحقيق العدالة الاجتماعيّة.

وَلِيَقُوْلُوا للمسلمين العرب والأفغان بأنّ السيّد كان شيعيّاً إيرانيّاً غامِضاً! وعلى مَنْ يريد انتهاج درب جمال الدين أنْ يفهم، أنّه يرتبط بحركةٍ إسلاميّةٍ غير سُنِّيَّةٍ!

ويقولوا للإيرانيين، بأنّ السيّد كان أفغانيّاً سُنيّاً! فما بالكم بالاهتمام به وبأفكاره؟... ولكنّ الأسئلة المتتالية، قد تبقى في ذهن الشباب، وفي كلّ مكانٍ: إذا كان السيّد ماسونيِّاً فلماذا كانتْ تطرُدُهُ الطواغيتُ ومِنْ كلّ بلدٍ؟ وإذا كان طائفيّاً فكيف كان مع الشيعة في إيران والعراق، ومع السنّة في أفغانستان والهند ومصر و..؟ وإذا كان إيرانيِّاً طائفيِّاً! غامِضاً، فلماذا كان يفكّرُ في وحدة المسلمين، وإذا كان أفغانيّاً


سنيِّاً فكيف يحرِّض علماء الشيعة في إيران والعراق للقيام بالثورة ضدّ الطواغيتِ والاستعمار؟ وإذا...

والشباب، شباب الثورة الإسلاميّة يجيبون على هذه الأسئلة وغيرها بأنفسهم، رغم ما يكتبه (كُتّاب السلاطين):

فالسيّد الحسيني لم يكنْ لا إيرانيِّاً ولا أفغانيِّاً ولا مصريِّاً ولا عراقيِّاً، ولا... ولا... بل كان عالماً مجاهِداً أسدآباديّاً وكابوليّاً وإسلامبوليّاً... كما جاء في تواقيعه المتعددِّة؛ لأنّه وقف ضدّ الطغاة في كل مكانٍ، وطالب بإقامة الحكم الإسلاميّ والوحدة الإسلاميّة، ودعا لنصرة المسلمين في أفغانستان والهند ومصر والسودان.... وكان مصريّاً وسودانيّاً أيضاً؛ حيث واجه الاحتلال البريطاني لمصر والسودان (راجع مقالاته في العروة الوثقى)، وقبل وبعد هذا كلّه فهو كان حسينيّاً كربلائيّاً؛ لأنّه رفع راية الرفض، ورفرف علم الحريّة، وقد تسلّمها مِنْ جدّه الشهيد الإمام الحسين (عليه السلام). وبذلك كان السيّد الحسينيّ إسلاميّاً يدافع عن كلّ العالم الإسلامي، ولأجل هذا فهو حتّى في ضمائر الشباب في كلٍ مِنْ مصر والعراق وإيران وأفغانستان والهند وباكستان وتونس والمغرب وفلسطين... وفي كلّ خليّةٍ تنبض بالرفض لكلّ أنواع التبعيّة والاستعمار.

أجل، أيُّها الإخوة! سوف يبقى جمال الدين الحسينيّ الرمزَ الثائر بين الشباب، رغم الأقلام الفاسِدة التي تريد اغتيال فكره وجهاده بعد اغتياله جسديّاً بواسطة عملاء الطاغوت؛ لتنتزعه مِنْ قلوب الشباب الثائر، لأنّه كان يرجو المسلمين بأنْ: (يكونَ سلطانُ جميعهم القرآنَ، وَوِجْهَةِ وَحْدَتِهِم الدين) ولأنّه كان يُعَلِّمُ دائماً: (فلابدّ إذنْ مِنْ بعث القرآن وبعث تعاليمه الصحيحة بين الجمهور وشرحها على وجهها الثابِت، مِنْ حيث يأخذ بهم إلى ما فيه سعادتهم دنيا وآخرة..).

... يريدون اغتياله نهائيّاً، لأنّه قال:(خيرُ لونٍ لرايةِ الاستقلال دماءُ المجاهدين الأبطال) وهذا ما تخشاه الطواغيت! وتريد الأقلام المرتزِقة نفْيهُ على الإطلاق والى الأبد!..

.. وإذا كان السيّد الحسينيّ قد توفّي دون تحقيق حلم الوحدة بين المسلمين، وإقامة


الحكم الإسلامي في البلاد، فإنّ الفكرة بَقِيَتْ حيّةً عند الضمائر الحيّة، وكان لها الصدى في قلوب الأُمّة، حتّى نجحتْ الثورةُ الإسلاميّة الكبرى في إيران، بقيادة الإمام الخميني، وكانتْ الضربة القاضية القاسية لعروش كلّ الطواغيت والسلاطين وعبدتهم، من الكُّتَّاب والوُعَّاظ الذين - كانوا ولا يزالون! - يعيشون في عالم الأضغاث والأحلام!.

***

واليوم وبعد مرور الذكرى المئوية لصدور جريدة (العروة الوثقى) وهي المجلّة الإسلاميّة العالميّة الأولى، التي أصدرها الأفغاني بالتعاون مع تلميذه وصديقه الشيخ محمّد عبده، وكَرَدٍّ على حملات التشويه والافتراء، نُعِيْدُ طباعةَ المجموعة الكاملة (١٨ عدداً) مع نبذةٍ صغيرةٍ عنْ حياة العالم المناضل وأفكاره، وذلك كهديّةٍ للعالَم الإسلامي، ودفاعاً عنْ الحقّ والعدل، وخدمةً للتأريخ.

سيد هادي خسروشاهي

روما - ايطاليا

محرم ١٤٠٦هـ أكتوبر ١٩٨٥


حَيَاةُ الأَفْغَانِيّ وَنِضَالُهُ



حَيَاةُ الأفْغَانِي وَنِضَالُهُ

في حياته كان مالئاً للدنيا وشاغلاً للنّاس، وبعد ما يَقْرُب مِنْ قرنٍ على وفاته، لم يزل بِقَلَقِهِ وتوهُّجه مالئاً للدنيا وشاغلاً للنّاس. في حياته، كان صديقاً للعامّة، للفقراء، وكان قريباً مِن الحكّام والوجهاء والقادة. وبعد قرنٍ على وفاته، لم يزل في صفِّ النّاس، عامّةَ النّاس، وإنْ اختلف حوله القومُ ومَنْ يمثّلهم.

عاش حياته القصيرة محلِّقاً كنِسْرٍ شرقيّ، يطوف بالبلاد والحواضِر، وطموحه يكاد يحيط بكلِّ البلاد والحواضِر، حمل هموم الأُمّة وكأنّها عائلته الصغيرة، وعمل لمشروع نهضتها وصعودها في كلّ دقيقةٍ مِنْ عُمُرِهِ، وكأنّ ما يعمل له كان قاب قوسين أو أدنى، ومات كأبطال الأساطير بعد أنْ أثقلتْه أحزانُ الإحباط والفشل والوحدة.

كان حرّاً شريفاً أبيّاً. وما يُثير الحزن، أنّه مات متألِّماً وحيداً ولمْ يكنْ يدري أنّ مشروعه ما كان ينتهي، بل كانتْ تلك بدايته فقط.. أو لعلّه كان يدري.

إنّ الرجل الذي يُدِيْنُ له كلُّ الإسلاميين اليوم، مِنْ (ارخبيل الملايو) إلى (وادي الذهب) بأنّه حامل بذرة البداية وحاضنها وناثرها على كلِّ البلاد. إنّه السيّد جمال الدين الأفغاني - الأسدآبادي.

الصقْرُ المحَلِّقُ

كان مولده في أسدآباد حوالي ١٨٣٨م، وفي السنين الأولى من عمره كان يجلس في النجف للدراسة، وبعد خمس سنوات يعود إلى بلدته وفي نيَّته الذهاب للهند؛ لإكمال دراسة العلوم والمعارف التي لم يستطِع دراستها في العراق، وقد سأله والدُه البقاء والاكتفاء بما تعلّم، ولكنّ طموحه العظيم كان يدفع به إلى


قَدَرِهِ، قال: (إنَّني كصقرٍ محلِّقٍ، يرى فضاء هذا العالم الفسيح ضيّقاً لطيرانه، وإنّني أتعجّب منكم إذْ تريدون أنْ تحبسوني في هذا القفص الضيّق الصغير!).

كان القرن التاسع عشر قد بدأ في قطع سنوات نصفه الثاني حين بدأ جمال الدين رحلته الطويلة المرهِقة، وكانتْ أوروبا قد سارت شوطاً هائلاً في مشروعها التصنيعي الداخلي ومشروعها الاستعماري الخارجي، لقد زحف الغرب الاستعماري على العالم فاحتلّ معظم أجزاء أفريقيا والهند وشمال إفريقيا الإسلامي - ما عدا ليبيا - وكان يطمح إلى أنْ يدمِّر ما تبقَّى مِنْ الوطن الإسلامي بتدمير الدولة العثمانيّة. وبالتالي بسط هيمنته على كلّ العالم القديم. وفي( كلكتا) حيث قضى الأفغاني حوالي العام في العلم والدراسة، كان واقع الرحلة يحيط به من كلّ الجهات. وقد مضى مِنَ الهند إلى (جدة حاجا) وهو في حوالي التاسعة عشرة مِنْ عُمُرِهِ، ومنها إلى النجف وكربلاء، ثُمّ إلى بلدته أسدآباد، وإلى طهران ثُمّ خراسان، ومنها قرَّرَ التوجه إلى أفغانستان حيث استقر في كابول وبدأ حياته العامّة هناك - كما يقول محمّد عماره - ألّفَ أوَّل كتبه حول تأريخ أفغانستان وقد كتبه بالعربية وسمّاه (تتمّة البيان في تأريخ الأفغان).

كانتْ أفغانستان في ذلك الوقت ميداناً للدسائس الانكليزية، حيث كان الاستعمار البريطاني يأمل السيطرة عليها بإذكاء الصراع بين أُمرائها، وشحن أحدهما ضد الآخر، وقد دخل الأفغاني إلى حمى الصراع الذي كان طرفاه حينها الأمير دوست محمّد خان، وثيق الصلة بالاستعمار البريطاني، والأمير محمّد أعظم خان الذي كان معادِيَاً للانكليز، وقد انحاز الأفغاني للجانب المعادي للإنكليز وكان ذلك أوّل موقفٍ سياسيّ له وأوّل خيارٍ واعٍ لازَمَهُ حتّى نهاية حياته.

استمرّتْ حياةُ الأفغانيّ في أفغانستان حتى ١٨٦٨م، أثناءها تولّى منصب الوزير الأوّل - كما يُقال! - في حكومة الأمير محمد أعظم خان، وخاض حرب ١٨٦٢م ضدّ دوست محمّد خان وجماعته، وقد انتقل التأييد الانكليزي بعد


وفاته إلى شير علي خان، الذي استطاع أخيراً إيقاع الهزيمة في معسكر محمّد أعظم، وكان ذلك مقدّمة الشدّة على الأفغاني الذي عُزِلَ مِنْ كلّ مناصبه وعاش محاصَراً مراقَباً في كابول، إلى أنْ وافقتْ الحكومة على طلبه بمغادرة البلاد مشترِطةً عدم ذهابه إلى إيران؛ حتّى لا يَلْتَحِق بمحمّد أعظم الذي كان يعيش منفيّاً فيها.

ولمْ يكنْ أَمَامَهُ مِنْ طريقٍ إلاّ الهند، حيث كان الانكليز يحتلُّون البلاد، ويحتفظون له بملفِّ عدائه ومحاربته لنفوذهم في كابول. ورغم استقبال العلماء والوجهاء وقادة الرأي مِنَ المسلمين الهنود له، ورغبتهم في لقائه والالتفات حوله، وهو الذي سبقتْه أخبارُه إليهم، إلاّ أنّ حكومة الهند البريطانيّة لم تكنْ - مطلقاً - على استعداد لتحمّل بقائه، وبعد أشهرٍ فقط مِنْ وصوله إلى الهند كان الانكليز يُرْكِبُوْنَهُ إِحْدَى سُفُنِهِم المسافِرة إلى مصر سِرَّاً؛ حتّى لا يُثَار النّاس.

وفي العام ١٨٦٩م وصل السيّد جمال الدين الأفغاني إلى القاهرة، وكانتْ تموج يومها بالأحداث والتيّارات، ما بين أوروبا الزاحِفة ببريق مدنيّتها وصعودها المادِّي والآستانة حيث الانتماء التأريخي السياسي، وحلم بقاء الإسلام والمسلمين، وما بين أُمّةٍ تريد حقوقها في الحريّة الحقيقيّة والعدالة، وقصر الخديوي المتردد بين الخوف على السلطة وأحلام الإمبراطوريّة التي غذّتها جغرافيّاً مصرُ ومركزها العظيم.

وفي القاهرة التفّ حولَه الناس، مِنْ طلاّب الأزهر إلى كبار رجال الدولة والسياسة، ولكنّ مشروعه كان يتبلْوَر في ذهنه، والصقرُ المحلِّق - الساكن روحه - يدفعه إلى موقعٍ آخر، كان جمال الدين الأفغاني قد بدأ يدرك آفاق أزمة الأمّة وتخلّفها وتكالب دول الغرب عليها، ووجد أنّ الأمل في الإصلاح، إنْ كان ما يزال هناك وقت لذلك! لابدّ أنْ يبدأ مِنَ المركز مِنَ الآستانة.

وهكذا بعد أربعين يوماً فقط مِنَ الإقامة في القاهرة، كان السيّد جمال الدين يَحْمِلُ كُتُبَهُ التي رافقتْه إلى كلِّ محطّاتِ رحلته، ويُبْحِرُ إلى الآستانة عاصمة الدولة العثمانيّة. ولم يكنْ السلطان عبد الحميد قد تولّى الحكم بعد.


وقد استقبلتْه الآستانة في البداية استقبالاً حارّاً وعُيِّنَ هناك عضواً في (المجلس الأعلى للمعارف) وبدأ نشاطه الواسع ثقافياً بشكلٍ أساسي، وسياسياً بشكلٍ ثانوي. وكان في محاضراته وندواته وأحاديثه يركّز على تحرير الإسلام مِنَ التواكل، والفكر مِنَ الخُرافة، ويدعو إلى عقلانيّة الفكر الإسلامي وبرهانيّته. ولكنّ الأمور لمْ تجرِ مجرىً حسناً، فقد بدأ الوهج الذي أحاط به يُثير الحسد والغيرة في عاصمةٍ كانتْ تعيش آخر مراحلها، وقد تحوّلتْ مِنْ عاصمةٍ للقوّة والفتح إلى مركزٍ للتآمر والدسائس والأطماع منْ كلِّ جهةٍ.

وكانتْ محاضرته التي ألقاها في دار الفنون (مثل كلِّيَّة للتكنولوجيا في وقتنا الحاضر) والتي تحدّثَ فيها عن (الصناعات) موضِّحاً أفكاره حول النهضة، كانتْ تلك المحاضرة بدايةً لعاصفةٍ كبيرةٍ، كانتْ نذرها تتجمّع حوله منذ زمنٍ، وقد تطوّرتْ الأمور إلى أنْ انقسمتْ الآستانة إلى معسكرين، أحدهما مع الأفغانيّ، والثاني مع شيخ الإسلام الذي كان يمثِّل السلطة الرسميّة الدينيّة في الدولة، التي تسيطِر عليها المتصوِّفة والفكر الصوفي منْذُ زمنٍ بعيدٍ. ومع اشتداد الهجوم عليه، طلب منه السلطان مغادرة الآستانة لفترةٍ مؤقّتةٍ ريثما يهدأ الضجيج المُثار حوله، فغادرها ليصل القاهرة مرّةً أخرى في آذار (مارس) ١٨٧١م.

مؤازَرَةُ مُحَمَّد عَبْدَه

يقول الشيخُ محمّد عبده، صديقُ جمال الدين ورفيقه وتلميذه لفترةٍ طويلةٍ مِنَ الزمن، واصِفاً مصر في تلك الفترة ووصول الأفغاني إليها: (إنّ أهالي مصر قبل سنة ١٢٩٣هـ - ١٨٧٧م كانوا يَرَوْنَ شؤونهم العامّة بل والخاصة مُلْكَاً لحاكمهم الأعلى، ومَنْ يستنيبه عَنْهُ في تدبير أمورهم يتصرّف فيها حسب إرادته.. ولا يرى أحدٌ منهم لنفسه رأياً يَحقّ له أنْ يُبديه في إدارة بلاده.. أو إرادةٍ يتقدّمُ بها إلى عملٍ مِن الأعمال يرى فيه صلاحاً لأُمّته، ولا يعلمون مِنْ علاقةٍ بينهم وبين الحكومة سوى أنّهم محكومون مُصْرَفُوْنَ


فيما تُكَلِّفُهُمْ الحكومةُ به وتضرُّ به عليهم، وكانوا في غاية البُعد عنْ معرفة ما عليه الأُمم الأخرى، سواءً أكانتْ إسلاميّة أو أوروبيّة، ومع كثرةِ مَنْ ذَهَبَ مِنْهم إلى أوروبا، وتعلّم فيها مِنْ عهد محمّد علي إلى ذلك التأريخ الذي ذكرناه ١٨٧٧م، لم يشعر الأهالي بشيءٍ مِنْ ثمرات تلك الأسفار، ولا فوائد تلك المعارك التي اكتسبها، ومع إنّ إسماعيل باشا أبدع (مجلس الشورى) في مصر سنة ١٢٨٣هـ - ١٨٦٦م وكان من حقّه أن يُعلِم الأهالي أنّ لهم شأناً في مصالح بلادهم، وأنّ لهم رأياً يرجع إليه فيها، لم يحس أحدٌ منهم، ولا مِنْ أعضاء المجلس أنفسهم بأنّ لهم ذلك الحقّ الّذي يقتضيه تشكيل هذه الهيئة الشوريّة..

.. هل كان يمكن لأحدٍ أنْ يعمل على خلاف ما يُؤمَر به؟! هل كان يمكن الشخص أنْ يميل بفكره عن الطريق التي رُسِمَتْ له، أو الوِجْهَة التي يتوجّه إليها الحاكم! لو حدّثه الفكر السليم بأنّ هناك وِجْهَةً خيراً مِنْ ذلك، هل كان يمكنه أنْ ينطِق بما حدّثه به فكره؟! كلا، فإنّه كان بجانب كلّ لفظٍ نفيٌ عَنِ الوطن، أو إزهاق للروح، أو تجريد مِنَ المال..

.. وبينما الناس على هذا، لا كاتِبَ ينبِّههم ولا خطيبَ يَعِظُهُم، إذْ عُرِضَ أمرٌ قلَّما يلتفتْ إليه، وإنْ كان ممّا جرتْ به السنّة الإلهية في كلِّ زمانٍ.

جاء إلى هذه الديار في سنة ١٢٨٦هـ. رجلٌ غريبٌ بصيرٌ في الدين، عارفٌ بأحوال الأمم، واسعُ الاطلاع، جمُّ المعارف، جريء القلب، وهو المعروف بالسيّد جمال الدين الأفغاني، اشتغل بالتدريس لبعض العلوم العقليّة.. وكان طلبةُ العلم ينتقلون بما يكتبونه مِنْ تلك المعارف إلى بلادهم أيّام البطالة، والزائرون يذهبون بما ينالونه إلى أحيائهم، فاستيقظتْ مشاعرٌ، وانتبهتْ عقولٌ، وخفَّ حجابُ الغفلة).


أخْصَبُ السَنَوَاتِ

في مصر أمضى جمال الدين أخصب سنوات حياته وأكثرها إنتاجاً وأَثَراً، فقد اهتمّ بالإسلام عِلْمَاً وتُراثاً، وكَشَفَ أمَامَ مَنِ التفُّوا حوله واستمعوا له قيمةً، أنْ يبعث تراث الأُمّة في عصرنا المزدهر مِنْ جديدٍ، وقيمةً، أنْ تتمثّل الأمّة تأريخها وتراثها؛ لتنهض في مواجهة الاستعمار الغربي. وقد أدرك أنّ حالة الهبوط والانحطاط قد أصابتْ كلّ أدوات الحضارة، بما فيها اللُّغة وأسلوب الخِطاب. ومِنْ حولِ الأفغاني نشأتْ لغةٌ جديدةٌ وبلاغةٌ جديدةٌ، وفي فترةٍ قصيرةٍ أخذ أصدقاء وتلاميذ جمال الدين يُصْدِرون الصحفَ والمجلاتِ، التي أثّرتْ تأثيراً كبيراً في الحياة الفكريّة والسياسيّة في مصر في النصف الثاني مِن القرن التاسع عشر.

وقد بدأ العمل بإصدار صحيفة (مصر) التي ترأّس تحريرها أديب إسحق. ثم (التجارة) باسم إسحق وسليم النقّاش معاً. و(امرأة الشرق) التي أصدرها تلميذه إبراهيم اللقاني.

وكان الأفغاني يدرك أنّ حسم قضية مصر لن يكون في نهاية الأمر إلاّ باستنهاض شعب مصر، وفي كلِّ ندواته ومحاضراته كان يوجّه حديثه مباشرةً للمصريين، كلِّ المصريين، لأنْ يقفوا مِن أجل حقوقهم ضدّ طبقة المترفين من الشراكِسَة وباقي المماليك، وأنْ يَعُوا أطماعَ المستعمِر الأوروبّي التي كان يراها تهدِّدُ كلَّ مستقبل مصر. وبعد زمنٍ قليلٍ كان الأفغاني يؤسِّسُ أوّل وأهمّ أحزاب مصر الحديثة، (الحزب الوطني) الذي ضمّ معظم وجوه الرأي والفكر وأحرار السياسة والجيش في مصر. وقد كان هذا الحزب هو الأبُ الشرعيّ لثورة عرابي عام ١٨٨١م.

ولكنّ قنصلَي الدولتين الاستعماريّتين بريطانيا وفرنسا أدركا بعد زمنٍ قصيرٍ أيَّ عاصفةٍ تلك التي تتجمّع تحت عباءة السيِّد جمال الدين، وبدأتْ حملةً مِنَ الدسِّ والتحريض لدى الخديوي توفيق، الذي لم يكن بحاجةٍ إلى


كثيرٍ مِنَ التحريض. فالرجل - الأفغانيّ - كان خطراً على مصالح الاستعمار الأوروبي، بالدرجة نفسها التي كان يشكّل فيها خطراً على أدوات الاستعمار، ولم تكنْ تجربته في أفغانستان ببعيدة عن أذهان كلّ الأطراف.

وفي ليلٍ حارٍّ من ليالي القاهرة في ٢٤ آب (أغسطس) ١٨٧٩م اقْتِيْدَ الأفغانيّ وحيداً مِنْ أمام منزله إلى مركز الشرطة، ومع أوّل شعاع للفجر أُخِذَ إلى قطار السويس، وفي ميناء المدينة أُركب أوّل سفينةٍ مُغَادِرَةٍ بَرَّ مصر. في القاهرة كان الخديوي ورجاله يغطّون فِعْلَتَهُم بسيلٍ مِنَ الاتهامات والطعن في ظهر الرجل،الذي كان قبلها - بأيّامٍ قليلةٍ فقط - نجمُ مصر الفكر والسياسة. كان ما حدث في ذلك الصيف القاهري الحار، انقلاباً حقيقيّاً قامتْ به السفارات الأجنبية والقصر على قيادة الشعب المصري الجماهيرية؛ لإجهاض حركته المتوقّعة، ولكنّ الانقلاب لم يكنْ كامِلاً، فبعد عامَيْنِ فقط كان تلاميذُ الأفغانيّ يتصدّون لتوفيق، ويضيئون تأريخ مصر الحديثة في ثورة عرابي.

وصلتْ سفينة الأفغانيّ إلى بومباي التي قضى فيها حوالي العامين، عاملاً بجُهدٍ لا يُوْصَف؛ مِنْ أجل توثيق علاقاته بِكُلِّ القوى والفعاليات السياسية في البلاد، وعندما بدأتْ الحركة العرابية في مصر ضيّق عليه الانكليزُ الحصارَ خوفاً مِنْ أنْ تؤدِّي اتصالاته إلى تصعيدٍ في الحركة، وقد نُقِلَ مِنْ بومباي إلى( كلكتا) وعندما وصلتْه أخبارُ فشل العرابيين في مصر واحتلال الانكليز لأرض الكنانة، بدأ مشروع الأفغاني الكبير في النضوج، والذي تمثّل فيما بعد بتشكيلٍ إسلاميٍّ عَالَمِيٍّ تحت اسم (العروة الوثقى) ضمّ الكثير مِنْ قادةٍ ورجالِ الأُمّة الإسلاميّة في العالم.

الهِجْرَةُ إلَى بَارِيْسَ

اختار الأفغانيّ في تلك الفترة باريس مركزاً لنشاطاته السياسية؛ بسبب


عوائق وقفتْ في وجه نشاطه السياسي في غيرها. إذْ كانت مصر البلد الإسلامي الوحيد الذي يحظى بِحُرِّيَّةِ الصحافة، وتتركّز فيه النشاطات الثقافيّة والسياسيّة، فقد احتلّها الانكليزُ أبانَ الثورة العرابية العام ١٨٨٢م واعتقلوا المفكِّرِيْنَ والثوّار، وسَجنوا منهم بعضاً ونَفَوا البعضَ الآخر، وأغلقوا الجرائدَ والصحفَ وأوقفوا سياق الحرِّيَّات العامّة.

وأمّا الهند فقد كانتْ مستعمَرَةً بريطانيةً منذ العام ١٨٥٧م، وغير ملائمةٍ لأيّ حركةٍ موقِظَةٍ. وفي طهران لمْ يستطعْ الشاه أنْ يحتمل آراء جمال الدين الثوريّة. وأمّا إسطنبول وبالرغم مِنْ وجود أصدقاء ومريدين للأفغانيّ، كانتْ هنالك تيّاراتٌ وشخصيّاتٌ عديدةٌ لمْ تسمحْ له بحريَّةِ العمل. أمّا القسم الآخر فقد سقط تحت الحكم الاستبدادي، ولم يبقَ للأفغاني خيارٌ إلاّ أنْ يُسافِر إلى أوروبا؛ لكي يستأنف مِنْ هناك نشاطه. وكان طبيعيّاً أنْ يختار الأفغاني باريس، وليس لندن، حيث كان كفاحه السياسي الرئيسي موجَّهَاً ضدّ الانكليز واستبدادهم وجرائمهم في البلدان الإسلاميّة.

وصل الأفغاني إلى باريس بعد عام من فشل ثورة عرابي في مصر، والتحق به تلميذُه وصديقه محمّد عبده، الذي كان منفيّاً في بيروت. وفي غرفةٍ صغيرةٍ على سطوح إحدى عمارات شارع (مارتل) أصدر الأفغاني مع صديقه عبده الأعدادَ الأولى مِنَ الجريدة التي تَرَكَتْ بصماتها على كلِّ ذلك الجيل، والتي أخذتْ اسم الجمعيّة السريّة (العروة الوثقى) التي سبق للأفغاني أنْ أسّسها واختار أعضاءها من صفوة المفكرين الملتزمين، من مختلف البلدان الإسلامية ومِنْ أصدقائه ومريديه.

وقد أخذ اسم الجمعية مِنَ الآية القرآنية الكريمة:( فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى‏ لاَ انفِصَامَ لَهَا ) . ويدل اسم الجمعيّة على أهدافها الوحدويّة الإسلاميّة، وعلى تمسّكها بالدين، ونضالها ضدّ الطواغيت. وكان اهتمام الجمعية موجَّهاً للدفاع عنْ


حقوق الشعوب المُسلِمَة وبصورةٍ خاصةٍ عَنِ المصريين، بعد أنْ احتل الانكليز بلدهم. يقول الأفغاني (إنّ الحالة السيِّئة التي أصبحتْ فيها الديارُ المصريّة لمْ يَسْهُل احتمالها على نفوسِ المسلمين عموماً. إنّ مصر تعتبر عندهم مِنَ الأراضي المقدّسة، ولها في قلوبهم منزلةٌ لا يحلّها سواها؛ نظراً لموقعها مِنَ الممالك الإسلاميّة، ولأنّها باب الحرمين الشريفين، فإنْ كان هذا الباب أميناً، كانتْ خواطرُ المسلمين مطمئنّةً على تلك البقاع). وحاولتْ الجمعيّة كذلك أنْ تَتَّصِلَ ببعض السياسيين الأوروبيين لحفظ حقوق المسلمين (إنّ الجمعيّة قد عقدتْ الروابط الأكيدة مع الذين يَتَمَلْمَلُوْنَ مِنْ مُصابهم، ويحبّون العدالةَ العامّة، ويحامُون عنها مِنْ أهل أوروبا). وأمّا سريّةُ الجمعيّةُ، فقد كانتْ أمراً فرضتْه عليها الظروفُ السياسيّة في الشرق حينذاك.


العُرْوَةُ الوُثْقَى: فَجْرُ الصَحَافَةِ الإسْلامِيّةِ



العُرْوَةُ الوُثْقَى: فَجْرُ الصَحَافَةِ الإسْلامِيَةِ

وحصل أنْ اتفق أعضاءُ جمعيّةِ العروةِ الوثقى على إصدار جريدةٍ عربيةٍ، كما تُشير المقالة الافتتاحيّة للجريدةِ: (واختاروا أنْ يكون لهمْ في هذه الأيّام جريدةٌ بأَشْرَفَ لسانٍ عندهم، وهو اللسان العربي، وأنْ تكون في مدينةٍ حُرّةٍ، كمدينةِ باريس ليتمكّنوا بواسطتها من بثِّ آرائهم وتوصيل أصواتهم إلى الأقطار القاصية؛ تنبيهاً للغافل وتذكيراً للذاهِل).

وقد كتب على غلافها: ( بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ ) . العروة الوثقى لا انفصال لها.

مدير السياسة جمال الدين الحسينيّ الأفغانيّ.

المحرِّرُ الأوّل: الشيخ محمّد عبده

تُرْسَلُ الجريدةُ إلى جميعِ الجهات الشرقيّة.

مَنْ شاء أنْ يبعث إليْنا بتحارير أو رسائل، في أيِّ موضوعٍ كان، رغبةَ نشره في الجريدة أو التنبيه على أمرٍ مهمٍ، فَلْيُرْسِلْهَا إلى إدارة الجريدة بهذا العنوان:martelaParis ٦Rue

مُسَاهَمَاتُ القَادَةِ السِيَاسِيِّيْنَ

وتُشير بعضُ المصادر إلى مساهمة سعد زغلول باشا (١٨٥٧ - ١٩٢٧) في العمل. كما أنّه توجد في بعض الوثائق الأُخرى إشارةً إلى مساهمة إبراهيم المويلحي (١٨٤٦ - ١٩٠٦). ومِنَ المعروف أنّ الأفغانيّ ترك حقيبةً مِنَ الوثائقَ والأوراقَ عند صديقه الحاج محمّد حسن أمين الضرب، في إحدى رِحْلَتَيْهِ إلى طهران. وقد نَشَرَتْ جامعةُ طهران قِسْمَاً مِنْ هذه الوثائق قبل سنواتٍ. وتوجد


ما بين الوثائق مقالةٌ بقلم الكاتب المصري إبراهيم المويلحي، حوالي العام ١٨٨٦م، حيث يُشير فيها المويلحي إلى وصوله إلى الأربعين مِنَ العُمُرِ، ويتحدّثُ في مقالةٍ إلى خلافه مع رياض باشا، الذي أجبره على ترك مصر والإقامة في أوروبّا. وفي العام ١٨٨٣م كان يعيش في ايطاليا وهناك سمع خبر قدوم الأفغاني إلى باريس. وكانتْ بينهما صداقةٌ وطيدةٌ في مصر. ويقول: (بعد أنْ سمعتُ أنّ الأفغانيّ قد جاء إلى باريس مِنَ الهند كتبتُ إليه، واتفقنا أنْ نَنْشُرَ جريدةَ العروةَ الوثقى).

والظاهر أنّ المويلحي كغيره مِنْ أصدقاء ومريدي الأفغانيّ كان عضواً في جمعيّة العروة الوثقى، ولم تكنْ له مساهمةٌ مباشرةٌ مستمِرَّةٌ في المجلّة. ولم تكنْ هيئةُ تحريرِ المجلّة تَضُمُّ إلاّ الأفغانيّ وعَبْدَه ومترجِمَاً، كما يشير إلى هذا محمَد رشيد رضا في (تأريخ الأُستاذ الإمام) بقوله: (ولمْ يكنْ مُحَرِّرٌ سِوَاه، إلاّ مَنْ كانَ يُتَرْجِمُ بعضَ الأخبار مِنَ الجرائد الأُوروبيّة، وَيُلْقِيْهَا إلى الشيخ لِيُصَحِّحَهَا، وينفخُ فيها روحَ البشر).

تَوْزِيْعُ الجَرِيْدَةِ مَجّانَاً

كانتْ الجريدةُ تُرْسَلُ إلى البلدانِ الإسلاميّة مجّاناً، وقد كُتِبَ في الصفحة الأُولى مِنْ كلِّ عددٍ: (تُرْسَلُ الجريدةُ إلى جميعِ الجِهاتِ الشرقيّةِ مجّاناً. وقد عُيِّنَتْ أُجرةُ البريد: خمسة فرنكات في السنة لِمَنْ تَسْمَحُ بها نفسُه). وكذلك ذَكَرَ مُحَرِّرُ الجريدةِ في مقالته الافتتاحية في العدد الأوّل: (إنّ المجلّة) تُرْسَلُ إلى الذين نَعْرِفُ أسماءهم مجّاناً، بدون مقابل؛ لِيَتَدَاوَلَهَا الأميرُ والحقيرُ والغنيُّ والفقيرُ، ومَنْ لَمْ يصل إلينا اسمه فما عليه إِلاّ أنْ يكتب إلى إدارةِ الجريدةِ بالاسم المعروف به، ومَحَلِّ إقامته على النهج الذي يُرِيْدُهُ).

وكانَ المصدرُ الماليُّ للمجلّة يأتي مِنْ جمعيّة العروة الوثقى. وقد تساءل بعضُ الباحثين عَنِ احتمال أنْ يكون السلطان العثماني قد أرسل مساعداتٍ


للمجلّةِ، لأنّ المويلحي يقول في ترجمته الذاتيّة ((وأنشأ الأفغانيّ الجريدةَ في باريس، ودافع عَنْ حقوق الدين، ودعا المسلمين للوحدة بِاسْمِ أمير المؤمنين (أي: الخليفة العثماني) وأبغض هذا الخديوي)). والظاهر أنّه لمْ تكنْ هناك مساعدةٌ مباشِرَةٌ مِنَ الآستانة، رغم أنّ السياسة الوحدويّة الإسلاميّة للمجلّة تصبُّ لصالح السلطان. وممّا يؤيِّد ذلك، كثرةُ المشاكِل الماليّة التي واجهتْ المجلّة بعد ثمانية أشهر، وأدّتْ إلى توقّف نشرها.

مَكَانَةُ (العُرْوَةِ)

صَدَرَ العددُ الأوّل مِنَ العروة الوثقى في يوم الخميس ١٣ آذار (مارس) العام ١٨٨٤م (١٥ جمادي الأُولى ١٣٠١هـ) واستمرّتْ حوالي ثمانية أشهر، حتّى توقّفتْ بعد صدور العدد الثامن عشر والأخير منها في ١٧ تشرين الأول (اكتوبر) عام ١٨٨٤.

برغم أَعْدَادِهَا القليلة وفترة حياتها القصيرة، فقد احتلّتْ العروة الوثقى في تأريخ الحركة والصحافة الإسلامية الحديثة مكانةً مرموقةً، لم تصل إليها أيُّ جريدةٍ حتى الآن. فقد كانتْ الصحيفةُ الإسلاميّةُ الوحيدةُ التي حَقَّقَتْ لنفسها عالميّةَ الانتشار؛ إذْ كانتْ تُوَزَّع في مُخْتَلَفِ أنحاء العالم مِنْ مصرَ والشام والعراق والجزيرة العربية وإيران وإلى أفغانستان والهند. وبفضل انتشارها الواسع استطاعتْ العروةُ الوثقى أنْ تُبَلِّغَ رِسَالَتَهَا الإيقاظيّة إلى مختلف الشعوب المسلمة في أقاصي العالَم وأَدَانِيْهِ. وكانتْ في عصرها أعظمُ صحيفةٍ إسلاميّةٍ وعربيّةٍ وأعمقُ تأثيراً، حيث تجاوز مدى تأثيرها زمنَ نَشْرِهَا القصير، بَلْ وَقَرْنَهَا كُلَّهُ. ولدرجةِ تأثير العروة الوثقى على العقول يكفيك أنْ نشير إلى قصّة محمّد رشيد رضا (١٨٦٥ - ١٩٣٥) مُنْشِئ مجلّة (المَنَار) والتحوّل الذي أحدثتْه العروةُ الوثقى في نفسه، بحيث غيّرتْ مسيرةَ حياتِهِ. كان محمّد رشيد رضا في مَطْلَع شبابه مُتَزَهِّدَاً مُتَصَوِّفَاً، وفي العام ١٨٩٣م وعمره ٢٨ سنة، رأى في


محفوظاتِ والدِهِ بعضَ نُسَخِ (العروة الوثقى). ويصوِّر هو نفسُهُ ذلك الانقلاب الروحي الذي اعْتَلَجَ في داخله بقوله: (فكانَ كلُّ عددٍ مِنْها كَسِلْكٍ مِنَ الكهرباء، اتصل بي فأحدث في نفسي مِنَ الهزّة والانفعال والحرارة والاشتعال، ما قذف بي مِنْ طورٍ إلى طورٍ ومن حالٍ إلى حالٍ. وكان الأثرُ الأعْظَمُ لتلك المقالات الإصلاحيّة الإسلاميّة، ويليه تأثير المقالات السياسية في المسألة المصريّة). ويقول رشيد رضا (إنّ الإسلام ليس روحانيّاً أُخرويّا فقط، بل هو دينٌ رَوْحَانِيٌّ جِسْمَانِيٌّ أُخْرَوِيٌّ دُنْيَوِيٌّ، مِنْ مَقَاصِدِهِ هِدَايَةُ الإنسان إلى السيادة في الأرض بالحق؛ ليكونَ خليفةَ اللهِ في تقرير المَحَبَّةِ والعدل).

أُنْشِئَتْ العروةُ الوثقى؛ لهدفِ إيقاظ الشعوب الشرقيّة عموماً، والمسلمين خصوصاً، والدفاع عن حقوقهم، والتنبيه إلى خطط المستعمرين، وتدخُّلاتهم في البلاد الإسلاميّة والدعوة إلى المقاومةِ. وتشيرُ المقالةُ الافتتاحيّةُ للعروة إلى سياسةِ الجريدة قائلةً: (سَتَأْتِي في خِدْمَةِ الشرقيين على ما في الإمكان، مِنْ بيانِ الواجباتِ التي كانَ التفريطُ فيها موجِبَاً للسقوط والضَعْفِ، وتوضيح الطرق التي يَجِبُ سُلُوكُهَا؛ لتدارك ما فاتَ، والاحتراس من غوائل ما هو آتٍ.. وتَكْشِفُ الغطاءَ ما استطاعتْ عن الشُبَه التي شَغَلَتْ أوهامَ المُتْرَفِين ولَبَسَتْ عليهم مسالكَ الرشد.. وإنّ الظهور في مَظْهَرِ القوّة لدفع الكوارث، إنّما يَلْزَمُ له التمسّك ببعضِ الأُصولِ التي كانَ عليها آباءُ الشرقيين وأسلافُهُم، وهي ما تمسّك به أعزُّ دولةٍ أُوروبيةٍ وأَمْنَعَهَا.. وَتُنَبِّه على أنّ التكافُؤ في القوى الذاتيّة والمُكْتَسَبَةِ، هو الحافظ للعلاقات والروابط السياسيّة. وَتَهْتَمّ بِدَفْعِ ما يُرْمَى به الشرقيون عموماً والمسلمون خصوصاً مِنَ التُهَمِ الباطلةِ التي يُوَجِّهُهَا إلَيْهِم مَنْ لا خبرةَ لَهُ بِحَالِهِمْ، ولا وقوفَ له على حقائق أُمورهم، وإبطال زعْم الزاعمين: إنّ المسلمين لا يتقدّمون إلى المدنيّة ما داموا على أُصولهم التي فاز بها آباؤُهُمُ الأوّلون.. وتُراعِي في جميعِ سَيْرِها تقويةَ الصِلات العموميّةِ بين الأُمم، وتمكين الأُلفة في أفرادها، وتأييد المنافع المُشْتَرَكَةِ بينها).


شِعارَاتُ الأُمّةِ والمَجَلّةِ

انطلاقاً مِنْ هذه الأهداف، تناولتْ الجريدةُ خلال أعدادها موضوعاتٍ عِدّة كانَ مِنْ أهمِّها:

١ - المقاومة ضِدَّ الاستعمار الأُوروبِّي، وخاصّةً البريطاني. تحكي الجريدةُ عَنْ جرائم الاستعمار في الهند ومصر، وتُثِيْرُ المسلمين ضِدَّهُ وتدعوهم إلى المقاومة والجهاد: (إنّ السَّعْيَ لإعلاء كلمة الحقّ، وبَسْطَة المُلْك، وعموم السيادة، واجبُ المسلمين. فلا تجد آيةً مِنْ آياتِ القرآنِ الشريفِ إلاّ وهي داعيةٌ إليه، جاهزةٌ بمطالبة المسلمين بالجدِّ فيه، حاظرةٌ عليهم أنْ يتوانَوا في أداء المفروض منه)، (يا أيّها المصريّون: هذه دِيَارُكُمْ وأموالُكم وأعراضُكم وعقائدُ دينِكم وأخلاقُكم وشريعتُكم، قبض العدوُّ على زِمَامِ التصرّف فيها غِيْلَةً واخْتِلاسَاً..). وإلى جانب ذلك كان هناك انتقاداتٌ عَدِيْدَةٌ للسياسيين ورجال الدين المصريين، كالشيخ الميرغني، الذين نادَوا بوجوب طاعة الانكليز وبِتَرْكِ المقاومة، كما تَنْتَقِدُ الجريدةُ السياسيين العملاءَ وغيرَ الوطنيين، كتوفيق باشا ونوبار باشا. ويتحدّثُ الأفغانيُّ عَنْ حركة المهدي في السودان وجهادِهِ ضِدَّ الانكليز، وَيُؤَيِّدُ مواقفَ المهدي وصمودَه ضِدَّ الاستعمار، ويُهَاجِمُ بلا ترددٍ السياسةَ البريطانيةَ والحاكمَ الانكليزي للسودان (غوردون). ويدعو الدولة العثمانيّة لِئَلاّ تُشَارِك بجيش مع الانكليز ضِدَّ المهدي، وَمِنَ المعروف أنّ بريطانيا عَجَزَتْ عَنْ أَنْ تَنَالَ مِنْ ثورةِ الأفغانيّ، وهجومهِ الرهيبِ على الاستعمارِ والمستعمرين رغم نفوذها، فَلَجَأَتْ إلى سِلاح المالِ والمُلْكِ وأَرْسَلَتْ إلى الأفغانيّ تدعوه لزيارةِ لندن؛ لتسأله رأيه في حركة المهدي، ولتحصل منه على فتوى شرعيّة تُنَاهِضُهُ بها، ثُمّ عَرَضَتْ عليه عرشَ السودان قائلةً: (إنّها تعْلَم مَقْدِرَتَهُ، وتقدِّرُ رأيَه حقَّ قَدْرِه، ولأنَّها تُريد أنْ تسلك مع الحكومات الإسلاميّة مسلكَ المودَّةِ والولاء!) وكان مِمَّا قَالَهُ له اللورد سالسبوري حسب الوقائع الرسميّة: (لذلك تصوّرْنا أنْ نُرْسِلَكَ إلى السودان


بِصِفَةِ سلطانٍ عليهِ، فَتَسْتَأْصِل جذورَ فتنةِ المهديّ، وتمهِّد لإصلاحات بريطانيا فيه).

ورفض الأفغانيّ أنْ يَقَعَ في الفخِّ البريطانيِّ، وَسَخَرَ مِنَ العَقْلِيَّةِ الانكليزيّة قائلاً: (إنّ السودان ليس مُلْكَاً لبريطانيا حتّى تتصرّف في عرشِه). ويَذْكُرُ الأفغانيّ في عددٍ آخر رِضَى السلطان العثماني عَنْ حركةِ المهدي.

٢ - الوحدة الإسلامية: وكانتْ مِنْ أهمّ المسائل التي اهتمّتْ بها العروةُ الوثقى. وقد دعتْ العلماءَ والشعوبَ إلى الوحدةِ وتَرْك التعصُّبات الطائفيّة: (من الواجب على العلماء بحق الوراثة التي شُرِّفُوا بها أنْ ينهضوا لإحياء الرابطة الدينيّة). (إنّ أقوى رابطةٍ تربط بين المسلمين هي الرابطةُ الدينيّةُ.. وما توجّهتْ عنايةُ الإفرنج إلى بثِّ الأفكار السابقة (أي الأفكار الإباحيّة والإلحاديّة) بين أرباب الديانة الإسلاميّة؛ إلاّ لِيُنْقِضُوا بذلك بناءَ الملَّةِ الإسلاميّةِ ويُمزّقوا إرَبَاً وشِعَبَاً). (الميلُ للوحدة والتطلّعُ للسيادة وصدقُ الرغبةِ في حفظ حوزة الإسلام، كلّ هذه صفاتٌ كامنةٌ في نفوسِ المسلمين).

ويدعو الأفغانيُّ المصريين إلى الوحدة ضدَّ عدوِّهم المستعمِر، ويدعو العثمانيين إلى مُسَانَدَةِ مُسْلِمي الهند. كما أنّه يدعو الإيرانيين والأفغانيين أنْ يتَّحِدُوا ضدَّ الإنكليز. إنّ الوحدة الإسلاميّة عِنْد الأفغانيّ لَمْ تكنْ قضيّةً سياسيّةً مرحليّةً فحسب، بل اعتبرها جُزءاً مِنَ الأُصول الأساسيّة التي يدعو إليها الإسلام، وهي أمرٌ ضروريٌّ سياسيّاً ودينيّاً وحضاريّاً: (هل آنَ الأوان ليصبحَ العالمُ الإسلاميُّ مِنْ( أدرنة إلى بشاور) دولةً إسلاميةً متّصِلةَ الأرض، متّحِدةَ العقيدة، يجمع أهلَها القرآنُ؟.. أليس لكلّ واحدٍ مِنْهم أنْ ينظر إلى أخيه بما حكم الله مِنْ قوله:( إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) ؟ فَيَقِفُوْنَ بالوحدة سدّاً يُحُوْلُ عنْهم هذه السيول المتدفِّقة عليهم مِنْ جميعِ الجوانب. لا ألْتَمِسُ بقولي هذا أنْ يكون مالكُ الأمر - في الجميع - شخصاً واحداً. فإنّ هذا رُبّما كان عسيراً، ولكنْ أرجو أنْ يكونَ سلطانُ جَمِيْعِهِم القرآنَ، وَوِجْهَةُ وِحْدَتِهِم الدينَ.. ولكلِّ ذي مُلْكٍ على مُلْكِهِ


يسعى بجهده؛ لحفظ الآخر ما استطاع، فإنّ حياتَه وبقاءَه ببقائِهِ).

٣ - أسبابُ تخلُّفِ المسلمينَ: ناقشتْ العروةُ الوثقى أسبابَ تخلُّفِ المسلمين، وتحدّثتْ عَنْ بعضها: كتفرّق المسلمين، وَتَشَتُّتِ قِوَاهم، وعقيدةِ بَعْضِهِمْ بِالجَبْر، وجهلِ الحُكّامِ، وعدمِ المعرفةِ بحقائق الإسلام، والتمسُّكِ بالأوهام، وإهمالِ العلم. وانتقدتْ نظرَ الشرقيين إلى الغربيين: (إنّ نظر الشرقيين إلى الأُوروبّيين بغير الحقيقة جَعَلَهُم وَهْمَاً، وَهُمْ بهذا الظنّ يستسلمون لأعدائهم كَرْهَاً، ويُجارُوْنَهُم في أهوائهم نِفاقاً). كذلك انتقدتْ بعضَ الأُدباء المسلمين وشُعراءِهم؛ لأنّهم (يَحصرُون رواياتِهم في حكاياتٍ مضحكةٍ وقِصَصٍ هَزَلِيَّةٍ.. ورجاءنا فيهم أنْ يسلكوا مسالكَ أُدباءِ الأُممِ المتقدِّمةِ. وأنْ يأخذوا في مُنْشَآتِهِم وأشعارِهم طريقاً يُنْهِضُونَ فيه الهِمَمَ الخامدةَ، ويحرِّكونَ القلوبَ الجامدةَ، ويُحيُونَ مكارمَ الشِيَم،ويُورِدُوْنَ الأُمّةَ مَوْرِدَ سَابِقِيْهَا مِنَ الأُمَمِ).

وكما اعتقد الأَفغانيُّ وأصحابُه أنّ اللهَ جَعَلَ (بقاء الأُمم ونماءها في التحلِّي بالفضائل، وجَعَلَ هلاكها ودمارها في التخلِّي عنها، سُنَّةً ثابتةً لا تَخْتَلِفُ باختلافِ الأُممِ ولا تتبدّل بتبدُّلِ الأجيال والفضائل، مِثْلُ الاستقامةِ في الرأي، والصدق في القول، والعدل والحميّة على الحقِّ، والقيام بِنَصْرِهِ والتعاون على حِمَايَتِهِ..).

وَتَوَقَّفَتْ أَخِيْرَاً

ظهرتْ جريدةُ العروةُ الوثقى في فترةٍ حسّاسةٍ كان الاستعمار فيها في ذروة كبريائه وَمَدِّهِ، ونَظَرَاً إلى تأثيرها العميق الواسع على عقول المسلمين، ومواقفها الإسلاميّة الصارِمة ضدَّ الاستعمار البريطاني، فقد حاول الانكليز - منْذُ البداية - دفع هذا الخطر الكبير. وحتّى قبل إصدارها، بعد أنْ تَبَلْوَرَتْ فكرةُ نَشْرِ الجريدة، أَدْرَكَ الاستعمارُ عظمةَ الخطرِ. يحكِي محرِّرُ العروة الوثقى: (عزمنْا على إنْشاء جريدتنا هذه فعَلِمَ بذلك بعضُ مُحَرِّرِي الجرائد الفرنسيّة، فكتبوا عنها قبل صدورها غيرَ مُتَبَيِّنِيْنَ لمَشْرَبِها، ولا كاشفينَ عَنْ حقيقةِ مَسِيْرِهَا. فلمّا وَقَفَ عَلَى


الخبر مُحرِّرُوا الجرائد الانكليزيّة المُهِمّة، أَخَذَتْهُم الحِدَّةُ وَاحْتَدَمَتْ فيهم نارُ الحميّة، وأنْذَرُوا حكومتَهم بما تُؤثِّر هذه الجريدة في سياسة الانكليز ونفوذها في البلاد الشرقية، وَلَجُوا في إغرائها، وأَلَحُّوا عليها أنْ تُعَدَّ كلّ وسيلةٍ؛ لمنع الجريدة مِنَ الدخول إلى البلاد الهنديّة والبلاد المصريّة، بل تطرَّفوا! فنصحوا أنْ تلزم الدولةُ العثمانيّة بالحَجْر عليها. كل هذا كان مِنْهُم قبل صدور أوَّل عددٍ مِنْ جريدتنا).

عُقُوْبَةُ شِرَاءِ مَجَلَّةٍ!

وبعد أنْ انتشرتْ الجريدةُ واكتشف الاستعمارُ مدى تأثيرها، بدأ بخلق مشاكل عِدّةٍ. إلاّ أنّه لم يستطعْ مَنْع طبعها في باريس، وحاول أنْ يجدَ طُرُقَاً أُخرى، وذلك بتعقُّب قُرَّائِها واضْطِهَادِهِم، وكذلك مَنْع دخولها البلاد. فأصدرتْ الحكومةُ الهنديّة البريطانيّة قانوناً يُعَاقِبُ بِمُوْجَبْهِ مَنْ يَحوز عدداً مِنَ العروة الوثقى، بالحَبْسِ لمدّة سنتين، وبغرامةٍ مقدارها ١٠٠ جنيه. وكذلك ألزَمَ الانكليزُ مجلسَ الوزراء المصري بإصدار قرارٍ يمنع العروةَ الوثقى مِنْ دخولها في البلاد المصريّة، كما أنّ حيازة الجريدة حُسِبَتْ جريمةٌ (وكلُّ مَنْ توجَد عنده العروةُ الوثقى يَغْرَمُ مَبْلَغَاً مِن ٥ جنيهات إلى ٢٥ جُنيهاً). وهذه العقوبات التي فرضها الانكليزُ على قُرَّاءِ العروة الوثقى أوجدتْ خوفاً في قلوب المصريِّين، حيث امتنع كثيرٌ منْهم مِن استلام أَعْدَاد الجريدة كما يُشير إليه محرِّرُها: (إنَّنا نَأْسَفُ غايةَ الأسف مِمَّا بَلَغَنَا مِنْ بعضِ المصريين مِنْ أنّهم يمتنِعون عن استلام ما يُرسَل بأسمائهم مِنْ أَعْدَاد هذه الجريدة خوفاً ورهبةً، مع أنّهم أَحَقُّ الناس بالإقدام على أُمورٍ عِظام في هذه الأوقات. فإنّ الآمال في خَلاصِهِم قويةٌ، والوسائل إليه قريبةٌ، فكيف يَصِل ببعضِهم الخوفُ إلى الامتناع عَنِ استلام جريدةٍ هم أولى بها مِنْ غيرهم؛ إذْ أَهَمُّ ما فيها الدفاعُ عنْهم).

ونَجَحَ الانكليزُ في معركتهم ضدَّ العروة الوثقى، وبعد أنْ مُنِعَتْ مِنَ الدخول إلى الهند ومصر، لم تستطعْ الجريدةُ أنْ تصِلَ إلى قُرَّائِها المُشْتَاقِيْنَ، وتُبَلِّغَ رسالتَها.


وفرضتْ هذه الظروف عليها التوقّف، فتوقَّفتْ نِهائِياً بعد صدور العدد الثامن عشر في ١٦/١٠/١٨٨٤م، ٢٦ ذي الحجة ١٣٠١هـ.

ولكنَّ المناضِلَين الأفغانيّ وعبده قالا: (لا يُعجِزُنا بَثُّ أفكارِنا في البلاد الشرقيّة، سواءً كان بهذه الجريدة أو بأيَّةِ وسيلةٍ أُخرى، إذا دعا الحال، فإنَّ أنصارَ الحق كثيرون).

يقول الأديبُ والعالِمُ اللبنانيُّ الشيخُ حسين الجسر (١٨٤٥ - ١٩٠٩) عَنْ تأثير العروة الوثقى: (إنّه ما كان أحدٌ لِيَشُكَّ في أنّ جريدةَ العروة الوثقى ستُحْدِثُ انقلاباً عظيماً في العالَمِ الإسلاميِّ، لو طَالَ عليها الزمانُ..) وكان الزعيمُ العراقيُّ سليمان الكيلاني يقول كُلَّمَا شَاهَدَ عدداً مِنْ أَعْدَادِهَا: (يُوْشَكُ أنْ تقعَ ثورةٌ مِنْ تأثير هذه الجريدة، قبل أنْ يجيء العدد الذي بعد هذا!).



أَفْكَارُ الأفْغَانِيِّ تَعُمُّ الأُمّةَ



أَفْكَارُ الأفْغَانِيِّ تَعُمُّ الأُمَّةَ

في ١٨٨٦ غادر جمالُ الدين باريس إلى إيران، ومنها إلى روسيا، ثم إيران، ثم لندن، لحوالي العام.

وفي سنة ١٣٦٠هـ/ ١٨٩٢م عَادَ ثانيةً إلى اسطنبول، فَوَجَدَ حَظْوَةً كُبْرَى لدى السلطان عبدالحميد، الذي كان قد تولّى الحكم في سنة ١٨٧٦م، وكان قلِقَاً مهموماً، وهو يُدرِك خطر أُوروبّا على السلطنة التي صمدتْ وحمَتْ حدودَ الوطنِ لأكثر مِنْ ثلاثةِ قرونٍ، وقد جاء الزمنُ الذي طغتْ فيه سلبيّاتُ تكوينها على إيجابياته، فيما أُوروبا في أَوْجِ قوَّتها وصعودها، وأَنْظَارِهَا تكادُ تَلْتَهِمُ الدولةَ العثمانيّة بما فيها. كان عبد الحميد يُدرِك أنّ إنقاذه وإنقاذ البلاد لن يأتي إلاّ إذا استطاع أنْ يُعِيْدَ توحيدَ الأُمّةِ والبلاد حوله، توحيداً حقيقيّاً نهضويّاً، أكثر منه توحيداً سياسيّاً. وكان عبد الحميد يَعْرِفُ تأريخَ الأفغانيّ ونضالاته واتصالاته الوثيقة بِكُلِّ أجزاء الوطن الإسلاميّ، من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، وهكذا بدأتْ العلاقةُ القصيرة المُضْطَرِِبَة بينهما.

الأفغانيُّ مِنْ جِهَتِهِ كانَ مُنَاضِلاً واقعيّاً، يُدرِك ما في الدولة العثمانيّة مِنْ سلبياتٍ وعوامل تدهورٍ، وكان يَعْرِفُ أثرَ الإرث التأريخيّ لالتفاف الأُمّة حول سُلْطَانِهَا، وحتّى قبل أنْ تبدأ علاقتُه المباشِرة بـ(عبد الحميد) كان واضِحَاً في (العروة الوثقى) وهو يُبْدِي تأييدَه للسلطان ويدعو للالتفات حولَهُ، في الوقت الذي كان يُوَجِّهُ فيه الانتقاد لسلبيّاتِ الحُكْمِ وانحرافاتِهِ.

بِمُواجَهَةِ حاشِيَةِ السُلْطَانِ

وفي الآستانة بعد قليلٍ مِنْ وصوله، بدأتْ الأمورُ تتكشّفُ أمامه، كان عبد الله النديم الصحفيُّ والأديبُ والثائِرُ المصريّ قد سبقه، منفيّاً مِنْ مصر إلى


الآستانة، وكان واحداً مِنْ تلاميذه في القاهرة، أَوْضَحَ لَهُ مِنَ البداية: أنَّ الأُمور لَنْ تكون بالسهولة التي يتصوّرها، وأَنَّ حاشية السلطان لا تَحمِلُ مِنَ الإخلاص لا اسماً ولا جوهراً، وإنّ مشاريعه لإعادة تشكيل النظام السياسيِّ للدولة، وآراءه في عَقْلَنَة الفكر، وطموحه حول توحيد الأُمّة، لنْ تَجِدَ أُذُنَاً صاغيةً، وإنْ وَجَدَتْ فلنْ تَجِدَ إرادةً فاعلةً.

كان عبد الحميد (طَيِّبَ القلب كثيرُ الأخطاء) وكان يَحْمِلُ على ظهره كلَّ الخوف، وسلبيّاتِ تُرَاثِ التآمُرِ في عاصمةِ دَوْلَتِهِ، في الوقت الذي كان فيه مؤمِنَاً واعِيَاً للأخطار، التي تهدِّدُ الدولة. كان يسْتمِع لجمال الدين مِنْ جانبٍ، ومِنْ الجانبِ الآخَرِ يَجِدُ العشراتِ مِنَ الداسِّين عليه، وعلى رأسهم أبو الهدى الصيّادي، الشيخ الصوفيّ السياسيّ، الذي كان شيخُ طريقةٍ، وقريباً مِنَ السلطان، ومِنْ أكبر أقطاب التآمُرِ في عاصمة الدولة العثمانيّة.

وشيئاً فشيئاً ورغم الجُهد الهائل الذي بَذَلَهُ الأفغاني في الآستانة، وعَبْر اتصالاته في الهند وإيران ومصر لتوحيد بلاد المسلمين، إلاّ أنّ آمالَه في إنجاز شيءٍ حقيقيٍّ بدأتْ في التلاشي، لم يكنْ حماسُهُ ولا إيمانُهُ ولا طاقتُهُ هي التي نفدتْ، ولكنّ تهاوي المرحلة كان أكبر مِنْ عزمِهِ وإيمانِهِ.

وفي العام ١٣١٥هـ/ ١٨٩٧م ماتَ الأفغانيُّ عن ٥٩ عاماً، بعد أنْ كانَ النِّسْرُ المُحَلِّقُ داخله قد ذَوَى مُنْهَكَاً تَعِبَاً. وقد أُثير الكثيرُ مِن الجَدَلِ حول وفاته، وقال البعضُ إنّه مَاتَ مَسْمُوْمَاً، ولكنّ ذلك لمْ يَعُد ذا أهميّةٍ كبيرةٍ الآنَ، فكيفيّة موته كانتْ مسألةً صغيرةً.. صغيرةً أمام قانون موته، الذي أوضح إلى أيّ درجةٍ، والى أيّ حدٍ كان مِن الصعب أنْ يُوْقِفَ الانهيار.

تُرَاثُهُ الفِكْرِيّ

لَمْ يتركْ الأفغانيُّ الكثيرَ مِنَ التراثِ المكتوبِ، وتكاد مصادره المعروفة اليوم تقتصِر على كتابه الأوّل: (تتمّة البيان في تأريخ الأفغان) وكتابه الثاني: (الرد


على الدهريين)، مُذَاكَرَتُهُ التي أملاها على تلميذه محمّد المخزومي، والتي طُبِعَتْ بعنوان (تأمُّلات الأفغانيّ)، ثُمّ مقالاته في العروة الوثقى. ولكن ما سَجَّلَهُ الآخرون مِمَّنْ كانوا قريبين منه كان كافياً؛ لنتعرّف على طبيعة تفكيره، وكان مِنْ أهمّ هؤلاء ما كَتَبَهُ رشيد رضا، مُؤَرِّخَاً لمحمّد عبده، وناقلاً عنْه معرفته للأفغانيّ في كتابه (تأريخ الأُستاذ الإمام)، ولكنّ الدراسات والأبحاث حول الأفغانيّ لَمْ تتوقّفْ حتّى يومِنا هذا، وتكاد لا توجد وثيقةٌ حول حياته باقيةً ولم يتمّْ كشفها.

وفي الرد على الدهرِيين صوَّب الأفغانيّ نقداً قاسياً ضِدَّ أتْبَاع الفلسفة الطبيعيّة الانتقائية التي أخذ بها أحمد خان في الهند وكان قد التقاه فيها سنة ١٨٨٩، ولكنّ انتقاده كان أوسعَ مِنْ أحمد خان، فقد هاجم أيضا ديمقريطس وداروين، وأنكر عليهم إنكارهم لوجود الله تصريحاً أو تلميحاً.

وقد عَمَدَ إلى التدليل على الدَّوْر العظيم الذي لَعِبَهُ الدِّينُ في المَدنيّة والرُّقِيِّ الإنسانيّ. وقال الأفغانيّ: إنّ الدين عَلَمُ الإنسان، وأعطاه طبيعته الروحيّة التي جعلتْه أشرف المخلوقات، مِمّا أوصله إلى الترفُّعِ عَنِ الانقياد لميوله البَهِيْمِيَّةِ، والى العيش بسلامٍ مع أَقْرَانِهِ. وقال: إنّ الأُمّة الإسلاميّة قامتْ أصلاً على أُسُسٍ دينيةٍ وخُلُقِيَّةٍ راسخةٍ، إلاّ أنّ قيام الدهريّة (الفلسفة الطبيعية) في مصر وبلاد الفرس في القرن العاشر تحت سِتِارِ الإسماعيليّة، لَمْ تَلْبَثْ أَنْ قوَّضتْ أُسُسَ العقيدةِ، وزرعتْ بذورَ الشكِّ في نفوسِ المسلمين. وأكَّد على: (أنَّ فقدان الشكيْمة الخُلُقِيَّة لدى المسلمين كان أَهَمَّ الأسباب وراءَ الضعف الذي دَبَّ في نُفُوْسِهِم، فاستطاعتْ جماعةٌ مِنْ قَزَمِ الإفرنْج أنْ تَكْتَسِحَ بلادَهم وأنْ يُقيموا فيها).

وقد وجّه الأفغانيُّ كذلك مآخذَ حاسِمَةً إلى اتجاهات الفلسفة الأُوروبيّة في عصره، ابتداءً مِنْ العدميّة إلى الاجتماعيّة والاشتراكيّة. وقال إنّ هؤلاء (بِحُجَّةِ مساعدة الفقراء والضعفاء أرادوا إلغاءَ الامتيازاتِ الإنسانيَّةِ كافةً، وإباحة كلّ المُمْتَلَكَات).


حِوَارٌ مَعَ المُسْتَشْرِقِيْنَ

وفي الردِّ على المُسْتَشْرِقِ الفرنسي أرنست رينان، عالج الأفغانيُّ النقطتين الرئيسيتين في محاضرة رينان العنصرية: الأُولى: إنّ الديانةَ الإسلاميّة كانتْ - بما لها مِنْ نشأةٍ خاصّةٍ - تُناهِضُ العِلْم. والثانية: إنّ العربَ أُمّةٌ غير صالحةٍ بطبيعتها لعلوم ما وراء الطبيعة، ولا للفلسفة.

قال الأفغانيُّ في مَقَالَتِهِ التي نشرتْها صحيفةُ (ديبا) الفرنسيّة في ١٩ آيار (مايو) سنة ١٨٨٣م: (فأمّا عَنِ النقطة الأُولى، فإنّ المرءَ لَيَتَساءل بعد أنْ يقرأَ المحاضرةَ عَنْ آخِرِهَا، أَصَدَرَ هذا الشر عَنِ الديانةِ الإسلاميّة نفسِهَا؟ أَمْ كان مَنْشَؤُهُ الصورةَ التي انتشرت بها الديانة الإسلاميّة في العالم؟ أَمْ أَنّ أخلاقَ الشعوبِ التي اعتنقتْ الإسلامَ وعاداتها ومَلَكَاتِهَا الطبيعيّة هي جميعاً مصدرُ ذلك؟ لا رَيْبَ إنّ قُصْرَ الوقتِ المُخَصَّصِ للـ(مسيو رينان) قد حال دون جلائه هذه النقطة.. فرؤساء الكنيسة الكاثوليكيّة المبجّلون لم يُلْقُوا أسلحتَهم بعد، كما أَعْلَمُ، وهم عاكِفُوْنَ على محاربة ما يسمّونه بالتدليس والضلال، (يعني العلم والفلسفة).

وقال عَنِ النقطة الثانية: (صحيحٌ، إنّ العرب أخذوا عن اليونان فلسفتَهم، كما أخذوا عَنِ الفرس ما اشتهروا به، بَيْدَ أنّ هذه العلوم التي أخذوها بحقِّ الفتح قد رَقَّوْهَا، ووسّعوا نطاقَها، ووضّحوها، ونسّقوها تنْسيقاً مَنْطِقِيّاً، وبَلَغُوا بها مَرْتَبَةً مِنَ الكمال، تدلُّ على سلامةِ الذوقِ، وتَنْطَوِي على التثبيت والدقّةِ النادِرَيْنِ، وقد كان الفرنسيون والانكليز والألمان لا يَبْعُدُوْنَ عن رُومَا وبيزنْطة بُعْدَ العرب عنها، وكان مِنَ السهل عليهم أنْ يستغلُّوا كنوزَ علومِ تلك المَدَنِيَّتَيْنِ، ولكنَّهم لم يفعلُوا، حتّى جاء اليومُ الذي ظهر فيه منارُ المدنيةِ العربيةِ على قمّةِ جبال البَرَانِس، يُرْسِلُ ضوءَه وبهاءَه على الغرب. فَأَحْسَنَ الأُوروبِّيُّون إذْ ذاك استقبال أرسطو، بعد أنْ تقمَّص الصورةَ العربيّةَ، وَلَمْ يكونوا يفكِّرون فيه وهو في ثوبه اليوناني، على مَقْرُبَةٍ مِنْهم).


العِرَاكُ بَيْنَ الشَرْقِ وَالغَرْبِ

وفي حياةِ الأفغانيِّ تَصَاعَدَتْ الأطماعُ الاستعماريّةُ الأُوروبيّةُ في الشرق الإسلاميِّ، حيثُ: أُطلِقَ على الدولةِ العثمانيّةِ لقبُ (الرجل المريض) وأصبح مُصْطَلَحُ (المسألة الشرقيّة) إشارةً إلى التداول الدائر في العواصم الاستعماريّة، حول خططها واتفاقاتها ومشاريعها؛ للهيمنة على المنطقة. ولكنّ الأفغانيَّ كان يَفْهَمُ المسألةَ الشرقيّةَ فهماً آخر، كَتَبَ يقول: (مختصرُ المسألةِ الشرقيّةِ، هي العِراكُ بين الغربيِّ والشرقيِّ، وقد لَبَسَ كلٌّ مِنْهما لصاحبه دِرْعَاً مِنَ الدين..

إنّ فَتْحَ القسطنطينية، تلك العاصمة العَصْماء، مِنْ قِبَلِ السلطان محمّد الفاتِح، هي التي ولَّدَتْ الحِقْدَ في الملوك المسيحيين ضدّ المسلمين، وأخذتْ مِنْ ذلك الوقتَ، تُجَمِّع كيدَها وتَحْصُرُ هَمَّهَا؛ لمناصبة الدولة العثمانيّة، وتَعْمَلُ على إذْلالِها وضَعْضَعَتِهَا، وإخراجها مِن فتوحاتها الأوروبيّة بكلِّ وسيلةٍ، وفي كلِّ سانحةٍ وفرصةٍ.

والأكثر في الحروب والتغلُّب، والانتصار فيهما، إنّما يكون بالقوّة والعلم، ولو أنّ الدولةَ العثمانيّةَ رَاعَتْ مِنْ يوم تأسّسَتْ، أو مِنْ يوم ما استقلّتْ به سنة ٦٩٩، وراقبتْ حركاتِ العالَمِ الغربيِّ، وَجَرَتْ معه حيثما جرى في مِضْمَارِ المدنيّةِ والحضارةِ، وَقَرَنَتْ إلى فتوحاتِها المادِّيّة، القوّةَ العِلْمِيَّةَ، على نحو ما فعلتْ اليابان أقلَّهُ، لَمَا كان ثَمَّة مسألةٌ شرقيّةٌ، أو لَمَا ظَهَرَ ذلك التباينُ الذي لا يَثْبُتْ معه الحكمُ طويلاً، وهو تَحَكّمُ الجهلِ بالعِلم، أو حكوماتُ جهلٍ تحْكمُ حكوماتِ علمٍ، ولا يتسنّى اليوم للسيف المجرّد أنْ يحكمَ بأُمّةٍ، يدافِعُ عنْها مُدافِعُ العِلم).

الإسْلامُ وَالاسْتِعْمَارُ

وقال: (الْتَزَمَ الأتراكُ، والسلاطينُ العِظامُ مِنْهُم جانبَ الدين، وكان على مَنَصَّةِ المَشْيَخَةِ الإسلاميّة علماءٌ أَعْلامٌ، وفقهاءٌ، وأَجِلاّءٌ عالِمون عامِلون


بحقيقةِ الإسلامِ وأَحْكَامِهِ، فعَدَلُوا في الرعيّة، وآمنوا مَنْ دَخَلَ في ذِمَّتِهم، وَسَهَّلُوا لَهُمْ الصِّعابَ، وحافظوا على جامِعَتِهم مِنْ دينٍ ولسانٍ وعادةٍ، فَرَضَخَ المُسْتَعْمَرُونَ (بالفتح) مِنْ الطوائف النصرانيّة؛ لقوّةِ العثمانيين وعدْلهم وعلْمهم بالنسبة لجهلِ غيرِهم في تلك الأَعْصُر.

فظلّ النصارى في طاعة العثمانيين، وظلُّوا في كلّ المعاني رعيةً لهم مادامتْ تلك المُؤَهِّلات والصفات في الفريقين، القوّة والعِلْم في الحاكِم، والضعف والجهل في المحكوم. حتى إذا انعكس الأمر وبَانَ الجهل مصدر الضعف في الأُمّة الحاكِمَة، وظهر العِلْم مصدرَ القوّة في الأُمم المحكومة، نهضتْ للتخلّص مِنْ رِبْقَة الاستعْباد لِمَنْ دونهم في العِلم، واسْتَبْسَلَتْ في الرجوع لِحُكْم ذاتها بذاتها. وقد سهّل عليهم كلّ صعبٍ في هذا السبيل، إقرار الدولة لهم على جامِعاتهم الكبرى، منْ دينٍ ولسانٍ وتأريخٍ، تلك النعمة التي كانتْ وتكون على الدولة أكبرَ نِقْمَةٍ، ولا مناصَ لها مِنْ تحمّل أعباء ذلك، وهي سُنَّةُ الوجود).

وكان جمال الدين كبير الاهتمام بالتدهْور والضعْف العام، الذي أصاب الدولة العثمانيّة وبلاد المسلمين، وقد أشار إلى سَبَبَيْن رَئِيْسِيِّيْن أَدَّيَا إلى ذلك الضعف: أوَّلهما: (لو أنّ الدولة قبلتْ مِنْ يوم استقلالها، وعمِلتْ بالفكرة مِنْ عهد السلطان محمّد الفاتِح، أو السلطان سليم، بأنْ يُتَّخَذ اللسان العربي وهو لسان الدين، لساناً رسميّاً، وتسعى بكل قوّتها وجُهدها لتعريب الأتْراك، لكانتْ في أمْنع قوةٍ وآمن حصنٍ مِنَ الانتقاص والخروج عَنْ سلطانهم، ولكنّها فعلتْ العكس، إذْ فكّرتْ بتتريك العرب، وما أَسْفَهَهَا سياسةً، وأسْقَمَهُ مِنْ رأي، لأَنْ تُدَيِّن الأتراك بالدين الإسلاميّ، على جهلٍ باللسان العربيّ، جعل لهم في القلوب منزلةً.. فما قولُك لو تعرَّبَتْ.. وزال داعي النفور والانقسام (بالتركي والعربي)..


الحُرِّيَّات / الشُوْرَى

على أنّ دفاعه عَنِ الحرّيّات والشورى، ومشاركة جماهير الناس في الحُكم، وإدارة البلاد، كانتْ السِمَة التي طَغَتْ على كلِّ أفكارِ ودعوةِ الأفغانيّ، في كلّ البلاد التي طافها أو أقام بها. يَروي الأفغانيّ في خاطراته حواراً دارَ بينه وبين خديوي مصر إذْ قال الخديوي: (إنّني أُحب كلَّ خيرٍ للمصريين، ويسرّني أنْ أرى بلادي وأبناءها في أعلى درجاتِ الرقيِّ والفلاح، ولكنّ أكثر الشعب خاملٌ جاهلٌ.. إنّ دروسكم وأقوالكم المهيجة ستؤدِّي بالشعب والبلاد في تَهْلُكَةٍ).

فردَّ الأفغانيّ بِأدبٍ: (لِيَسْمَحَ لي سموّ أمير البلاد أنْ أقول بِحُرِّيّةٍ وإخلاصٍ: إنّ الشعب المصري كسائر شعوب العالم لا يخلو مِنْ وجود الخامل والجاهل بين أفراده. ولكنّ هذا لا يمنع مِنْ وجود العالِم والعاقِل أيضا، فبالمِنْظار الذي تنظُرون به إلى الشعب المصريّ.. يُنْظَرُ به لِسُمُوّكُم!.. وإذا قبِلتُم نُصْحي وأسرعْتم؛ لإشراك الأُمّة في حُكم البلاد، فتأمرون بإجراء انتخاب نوّاب عَنِ الأُمّة تَسُنُّ القوانين.. فإنّ ذلك أثْبَت لعرشكم وأدْوَم لِسلطانكم).

وقد سأله شاه إيران غاضِبَاً: (أَيَصُحُّ أنْ أكون يا حضرة السيّد وأنا مَلِكُ ملوكِ الفرس كَأَحد أفراد الفلاّحين؟).

فردّ الأفغانيّ: (إعْلم يا حضرة الشاه، إنّ تاجك وعظمة سُلطانك وقوائم عرشك ستكون بالحكم الدستوري أعظم وأثْبَت مِمّا هي الآن. لا شكّ يا عظمةَ الشاه إنّك رأيتَ وقرأتَ عن أُمّةٍ استطاعت أنْ تعيش بدون أنْ يكون على رأسها مَلِكٌ، ولكنْ هل رأيْتَ مَلِكَاً عاش بدون أُمّةٍ ورعيّةٍ؟ ).

وفي كلّ لقاءاته بالسلطان عبد الحميد، كان جمال الدين يحثّه على فتح الأبواب مِن حوله، وتوثيق علاقته المباشرة بالناس، ويوضِّح له الصِلَة الوثيقة بين الشورى والقرآن، وحِكْمَة تنظيم أُمور البلاد على أساسٍ دستوريٍّ ثابتٍ.

(لا ريبَ لو تيسَّر ذلك لَكانَ إعادة عصر الرشيد للمسلمين ميسوراً. وجَمْعُ شِتات المَمَالِك الإسلاميّة - تحت لواء سلطانٍ عادلٍ هُمَامٍ، مثل الفاتِح أو السلطان


سليمان، أو السلطان سليم - غيرُ عسيرٍ..).

وشَرَحَ السببَ الثاني الذي كان يراه لا يَقُل في تأثيره عَنِ الأوّل، بأنْ جُعِلَتْ القسطنطينية عاصمةً للدولة، وهي أرضٌ فُتِحَتْ حديثاً وليستْ في مركز الدولة و(لأنّ المُسْتَعْمَرَةَ مهما عَظُمَ موقِعُها وطاب هواؤُها، لا يصحُّ أنْ تُتَّخَذَ قاعدةً أو عاصمةً للمُلْك؛ لأسباب أهمّها: إنّ المُسْتَعْمَرة كالثوب العارية، قابل للاسترداد، والمَمَالك لا تسقط ولا تتبعثَر أجزاؤها إلاّ مِنْ ضعْف السلطان في عواصمها. ومنها: بُعْد المُستَعْمَرَة على الغالب عن مجموع القوّة، وإحاطتها بأعداء المَلِك وأعوانه..).

الرُؤْيَةُ السِيَاسِيَّةُ

ومع إدراكه لفوات الآوان في إصلاح ما سبق مِنْ أخطاءٍ، إلاّ أنّه كان يملك رؤيةً لتغيير واقع الحال، وكانتْ رؤيتُه تعتمِد على فَهْمِه التأريخيّ الواقعيّ والاجتماعي لبلاد المسلمين، وقد ذَكَرَ في تأمُّلاته التي أملاها على المخزوميّ: أنّه اقترح على السلطان عبد الحميد مباشرةً أنْ يعيد التشكيل الإداري للدولة العثمانيّة، مِنْ ولاياتٍ إلى خديويات؛ بحيث يصبح العراق وشمال الشام خديوية، والمثلّث الضامُّ لدمشق وبيروت حتّى القدس خديويّةً، والحجاز خديويّةً أُخرى.. الخ. بحيث تتمتّع هذه المناطق بما يشبه الإدارة الذاتيّة كما كانتْ الأُمور في مصر، قبل الاحتلال البريطاني. وكان الأفغانيّ يرى أنّ هذا الوضع سيُنْعِشُ الأوضاع في أجزاء الدولة ويَجعلُها أكثر قدرةً على التحرّك والنهوض، وإنّ ذلك في النهاية قد يدفع بإيران وأفغانستان إلى اللحاق بالاتحاديّة الإسلاميّة الناهِضَة.

ولكنّ عبد الحميد - كما يذكر الأفغانيّ - رَفَضَ الفكرة وأبدى عدمَ قناعتِهِ بها.

لا يمكننا - على الإطلاق - أنْ نقول، إنّ الأفغانيّ عاش حياةً، وترك رؤيةً،


صائِبَتَيْن بلا أخطاء، فقد كان مثله مثل كل عِظامِ التأريخ، أخذ قيمتَه مِنْ أنّ عموم مسيرتِه ورؤيته كانتْ صحيحةً إلى حدٍ كبيرٍ، وأنّه حاول حتّى الرمق الأخير أن يُحقِّق ما آمَنَ به.

لقد فَهِمَ الأفغانيّ جوهر الغرب الاستعماري، فقاتل ضدّه بصلابةٍ، في الهند ومصر واسطنبول وإيران، ومع الحركة المهديّة في السودان، وأدرك أهميّةَ وحدةِ الأُمّة مِنْ جديدٍ، فحمل رايةَ الوحدة في كلّ قُطرٍ حلّ به، وأمام كلّ حاكمٍ الْتَقَاهُ.

وأدرك سرّ التخلّف والتهاوي في العالم الإسلاميّ، ولذا فقد كان نقديّاً متقدِّماً وحضاريّاً مُبْدِعَاً. كان بلا شك مُدافِعاً صلباً عَنِ الحرّية، وعَنْ دور الشعوب في إدارة شؤونها.

أُسْتَاذُ الرُوَّاد

ويستطيع الباحِث اليوم أن ينظر إلى القرن الأخير من تأريخ أُمَّتِنا فيجد: أنّ جيلاً بأكمله مِنْ رُوّاد النهضة الإسلاميّة الحديثة، مِنْ محمّد عبده إلى عبد العزيز جاويش وعبد الله النديم ومصطفى كامل، كانوا جميعاً مِنْ تلاميذه، وأنّ الثورة العرابيّة في مصر، وثورة الدستور في إيران، كانت أثراً مِنْ آثاره، بل إنّنا نستطيع القول: إنّ النهضة الإسلاميّة المعاصِرة مِنْ إيران إلى أفغانستان إلى مصر، تنتمي جميعها إلى الأفغانيّ انتماءً شرعيّاً.

وفي أوراقه التي وُجِدَتْ بعد وفاته بسنين عديدةٍ، كَشَفَتْ بعض القصائد الشِعْريّة التي كَتَبَها جمال الدين ولمْ يهتم بنشرها في حياته وفي إحداها يقول:

(طغاةُ إيرانَ يَحْرِقونَ

مِنّي الجسدَ والروحَ

سأحْزِمُ أمتِعَتي وأرحلُ

صوبَ أرضِ تركيا

أرحلُ مُرْهَقَاً وحزيْناً وشَقِيّاً،


طالِبَاً العدل

في مَحْكَمَةِ السلْطَانِ

فإنْ لمْ يُخفِّفْ السلطانُ

عنْ قلبي المُثْقَل

فَسَوْفَ أرحلُ

طالباً العدْل

فِي محْكمةِ اللهِ).

وقد مات السيّد جمال الدين وحيداً في اسطنبول مع نهاية القرن التاسع عشر، تَعِيساً بائِساً، وكأنّه ينظر إلى النهاية الآتية. كانتْ صَرَخَاتُه أكبر مِنْ أنْ يستجيب لها عصرُه ومُعاصِروه.. فذهبَ، وبعده بسنواتٍ قليلةٍ كانتْ الدولة العثمانيّة كلُّها تنْهار وتذْهبُ، وتَنْتهي بنهايتها مرحلة تأريخيّة بأكملها ولِيَحْتَدِم الصراع داخل الأُمّة بين عشرات المتناقِضَات وهي تتجهّز للمرحلة المقبِلة.


الافْتِرَاءُ لِتَحْقِيْقِ الاحْتِوَاء



الافْتِرَاءُ لِتَحْقِيْقِ الاحْتِوَاء

هكذا كان السيّد الأفغانيّ: رجل الثورة الإسلاميّة، في كلِّ مكانٍ يزرعها، وفي كلِّ قلبٍ، له - مِنْ كلِّ حادثةٍ - عِبْرَةٌ، ومِنْ كلِّ وقتٍ مُنْطَلَقٌ، وفي كلّ ساحةٍ صراعٌ مريرٌ ضدّ عُتاة الأرض وطواغيت البشر، وكلّ مَنْ تجلَّى فيهم الكِبر والاعتداء.

لقد ركّز السيِّد الشهيد على مِحور المشكلة، التي كانتْ الأمّة تعانيها وتئِنُّ مِنْ آثارها، وما كان هذا المِحور إلاّ تشكيلاً مِنْ عُنْصُرَيْنِ، وربّما كان أحدهما عامِلاً في خَلْق الآخر:

هذان العنصران هما التحريفُ في التصوّر، والميوعةُ في الإحساس. وفي هاتَيْنِ النقْطَتَيْن كمَنْ سَرَّ الداءَ العِضال لهذه الأُمّة، مِمَّا أورثها ضعفاً هائلاً في الثقة بالنفس، وتَمْييعاً فظيعاً في المواقِف، وهزيمةً نفسيةً أمام الغزو المُعادِي.

ومِنْ هنا انطلق رَحِمَهُ اللهُ؛ لِيُعيد للأُمّة تصوّرها الصحيح عَنِ العقيدة، وعَنْ تلاحم العقيدة مع العمل، ويُحرِّك فيها الإحساس الثوري المتفاعِل مع العقيدة، والمُنْطَلَق على أساسها.

وتكفي نظرةٌ سريعةٌ على أقواله وأفعاله وكتاباته وخُططه؛ لِنَحكم بالتالي على الرجل بأنّه كان مُسَخِّرَاً حياته للقضاء على محور الداء في هذه الأمّة، واقفاً نفسه لتطويق آثار الداء، عاملاً على التوعية المطلوبة بهذه الآثار.

وفي هذا السبيل نسيَ السيِّد كلَّ انتسابٍ قَوْمِيٍّ أو عِرقيٍّ أو نَسَبِيٍّ أو أرضيٍّ؛ ليحقق امتداده العالمي، وثار على التقاليد البالية التي مَنَعَتْ رجلَ العِلم الديني مِنَ الخوض في غِمار السياسة ليَنْغَمِس كلِّيّاً في عالمها، باعتبارها أحد الميادين الرئيسيّة التي يجب أنْ يُجاهد فيها العلماء.


وراح يُعْلِنُها بالتالي دعوةً كريمةً، وصرخةً مدوِّيةً تدعو إلى الإصلاح والوحدة، وهما مفهومان يتلاحمان في شخصيّته وسيرته ودعوته العالميّة..

فإذا انضمَّ لكلِّ هذا الوعي الإخلاصُ، فإنَّ مِنَ الطبيعيّ أنْ يتْبعَه التفاني والتضحية ونسيان الراحة، وكلُّ ما يَمُتُّ إليها، وحينئذ يأتي النصرُ الإلهي المؤزّر لعباده الصالحين.

وهكذا كان الأمر، وسرتْ النيران لِتعصفَ بالعروش في إيران وتركيا ومصر، وهكذا تساقطتْ العروش الكرتونية التي حملتْ في أَمْخاخِها العمالةَ والاستكبار، ومشتْ دعوةُ جمال الدين في الأفئدة الحُرَّة؛ لتصوغ مُصْلِحِين مِن أمثال محمّد عبده، هذا الرجل العظيم الذي خَلَّدَ أُستاذه في كتاباته وأعماله معاً.

ومضى الزعيم المسلم إلى ربّه بعد أنْ غرس الروح الثوريّة في مُجْمَل الحياة الإسلاميّة؛ لتفرّع بعد ذلك بما يحقق أهدافه السامِيَة.

وظنّ الاستعمار أنّه ماتَ وماتتْ معه أفكارُه، وربّما ظنَّ أنّه يستطيع أنْ يُسَخِّرَ شخصيتَه لتغطية بعض عملياته هو، وراح يزرع عملاءَه هنا وهناك آمناً.

إلاّ أنّه فوجِيءَ بَعد مُدَّةٍ بالعملاق الإسلاميّ يتحرّك فيَهُزّ الأرض تحت أقدام العملاء، بل وينْطلِق مِنْ أرضٍ كان يعتبرها جزيرة الأمان، مِنْ إيران الثورة، فإذا بأكبر قلعةٍ استعماريةٍ تهتزُّ، وأعْتَى مُتكبِّرٍ يسقط بكلّ حقارةٍ، في قمامة التأريخ.

وقد لاحظ أنّ هذه الثورة المباركة تَحْمِلُ ملامحَ واضحةً، تتشابه مع ملامح شخصيّة الأفغانيّ، ولكنْ بشكلٍ أروع وأجلى وأبعد تأثيراً.

إنّها ثورةٌ دينيةٌ يقودها رجل العِلم الديني، وتَشْعَلُها الجماهير المسلمة، معلنةً لزوم عودة التصوّر الصحيح إلى العالَم الإسلاميّ كلِّه، وضرورة بَعْث الحماس الإسلاميّ في كلّ قطّاعاته وذلك لاستعادة الأمجاد الإسلاميّة


الكبرى.

وتستجيب الجماهير الإسلاميّة في كلّ مكانٍ لهذه الانْطلاقة، وتتفاعل معها مِمّا أفْقَدَهُ رشده وصوابه.

إلاّ أنّه بعد أنْ استعاد صوابه راح يخطّط لضرب الثورة في الصميم، ومُذْ فَشِلَتْ مخططاته لضرب الثورة راح يضرب تأثيرها، ويحاول الفصل بينها وبين جماهيرها بشتى الأساليب التشويهيّة.

وكان ضَرْبُ الأفغانيّ الثائر جزءاً مِنَ الخطّة؛ لتحقيق الأهداف الاستعماريّة، وذلك على يد العملاء الصليبيين والرجعيين والمغفّلين المتعصِّبين.

وعدنا نَسْمَعُ عَنِ الرجل كلَّ التُّهَمِ تُكال كيلاً، حتّى ولو كانتْ في إطار ما يسمّى بالتحقيقات العلميّة الموضوعيّة. فإذا بالأفغانيّ البطل المُتفاني يتحوّل إلى بابِيّ، رافضِيّ، بهائِيّ، ماسونِيّ، رَجعِيّ، قومِيّ، مُهادِن للعملاء، يُحِبُّ الشهرة، والمغامرة. بل راحتْ تَتَّهِم الشيخ محمّد عبده بأنّه كان يعلم الكثير عَنْ أُستاذه، إلاّ أنّه أخفاه تقيةً!!

وهكذا نُسِيَتْ كلُّ مواقفه الرائعة في إيقاظ الشعوب والأُمّة الإسلامية، وأعرض هؤلاء عَنِ الشهادات والأوسِمَةِ الحقيقيّةِ التي حملتْها هذه الشخصيةُ الرائعةُ، وعَنِ الآثار العلميّة والسياسيّة والحَماسيّة التي تَرَكَهَا نوراً يَضِيْءُ الدربَ للأجيال، وعَنِ الزهد الذي طبع مُجْمَل حياته.

كلُّ هذه الحقائق التي لا ريبَ فيها نُسِيَتْ في سبيل تحقيق تلك المآربَ الرخيصةِ.

قِصَّةُ الحَمْلَةِ المَسْعُوْرَةِ

أمَّا كيفَ بَدَأَتْ الحملةُ الإعلاميّة لتشويه صورة الأفغانيّ؟ وكيف جرى الإعداد لها؟ فهو ما كشفتْه مصادرُنا مِنْ خِلال وثيقةٍ مدوَّنةٍ، ونُورِدُ مُلَخَّصاً


مِنْها كما جاءت في مجلّة (الشهيد) الإسلاميّة مع بعض التصرُّف:

إنّه قرار المخابرات الأميركيّة.. الذي تُنَفِّذَهُ الأنظِمةُ الرجعيّةُ بأموال شعوبهم المنهوبة التي يشترون بها الصحفيين والمزوِّرين. والهدف (إسقاط شخصيّة السيّد المجاهِد جمال الدين الحُسيْني)، المعروف بالأفغاني.. وبالتالي إسقاط اعتبار الحركة الإسلاميّة المتصاعِدة، الذي يُعْتَبَر السيّد المُجاهِد أحد رموزها ومُلْهِمِيْهَا..

ورغم اعتقادنا أنّ السيّد المجاهِد في قلوب الناس بجهاده وتأريخه الرائع.. إلاّ أنّنا نخوض في بعض تفاصيل هذه الحملة؛ لكي تَنْكشِف لنا - وبصورةٍ أوضح - حقيقةُ دور الأنظِمة الرجعيّة الحاقِدَة على الإسلام وقادته الرساليين.. وهذه إحدى جرائم هذه الأنظمة الرجعيّة التي لا تَقُلُّ بشاعةً عَنْ جرائمهم الأُخرى، ضدّ شعوبهم المظلومة.

بعد انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران، وتنامِي الوَعي الإسلاميّ واتساع الصحوة الإسلاميّة في العالَم، أخذتْ أقلامٌ خَبِيْثةٌ ورخيصةٌ تصبُّ كلَّ جهودها، في إطار كَيْل التهم والافتراءات على ماضي الشخصيّة الإسلاميّة الفذّة، الشهيد السيّد جمال الدين الأفغانيّ.

وطبعاً تأتي هذه الاتهامات على صَفَحَاتِ مَجلَّةٍ أو كتابٍ يُسَبِّح بحمد طاغوتٍ أو دكتاتورٍ مُلْحِدٍ!...

فمَجَلَّتَي (التضامن) و(المجلّة) الناطِقَتان بالعربيّة، تتولَّيان هذه الحملة المُزجاة ضدّ شخصيّةِ المفكِّر الإسلاميّ الشهيد جمال الدين الحسينيّ، فقد فوَّضَتْ أقلامُ عملاءِ الملوك والسلاطين؛ كَي يَبُتَّ في سيرةِ السيّد الحسينيّ..

وكاتب البحث أو المجلّة كان أكثر خُبْثَاً في اختيار عنوان البحث.. إذْ ابتدأ في عَنْوَنَةِ البحث بعبارة (إيرانيٌّ غامِضٌ في مِصر) أو (المجلّة تَفْتَتِح ملفَّ الأفغانيّ) وهذه العبارة يَشِيْع استخدامها في أزقَّة المحاكِم وعلى الملفَّات القضائيّة، فهو يحاول أنْ يَنْتَقِل بالقارئ المُسْلِمِ عموماً إلى صُلْبِ


بحثه، ولكنّه يريد أنْ يوقِفَه على باب البحث المكتوب فوقها (المجلّة تَفْتَتِح ملفَّ الأفغانيّ) و(إيرانيٌّ غامِضٌ)؛ ليشعره - لا أقل - أنّه مَدْعُوٌّ للدخول إلى قاعة محكمةِ رَجُلٍ غامِضٍ! والمُتَّهَم فيها هو سيرة وأفكار السيِّد جمال الدين الحسينيّ..

إذن فالباحث - مُنْذُ البداية - لا نستطيع أنْ نَتَعَهَّدَ فيه الصدق والأمانة والنيّة الخالِصَة في نَقْل مشاهِدَ عَنْ حياة السيّد الحسينيّ، وحتّى في رَدِّه على بعض مقتطفاتٍ مِنَ الكُتُبِ والبحوث التي كان يستعرضها، لم يقصد القربة إلى الله والدفاع عن السيّد الجليل، بل لأنّ الوقائع الموجودةَ تخالِفُ ما جاء في تلك الكُتُبِ والبحوث، فهو لا يريد أنْ يقبل بها بِكُلِّ علاقتها؛ كي لا يضع نفسه موضع الاتِّهام، بأنّه يَنْسَاقُ مع ما ذَهَبَ إليه أعداء السيّد الحسينيّ في كتاباتهم..

والبحث الذي قَدَّمَتْهُ المَجَلَّتَانِ على حلقاتٍ، وَتَبِعَهُ بعد ذلك عددٌ مِنَ التعليقات والتعقيبات.. في الحقيقة لا نستطيع أبداً أنْ نعتبره بحثاً، فهو عبارةٌ عَنْ إعادة الحياة في وثائقَ وكُتُبٍ نُشِرَتْ في العام ١٩٦٣ وما تلاه..

فالمَجَلّتَانِ أرادَتَا أنْ تَعْبَثَا بسيرة السيّد الحسينيّ، إنّما عَبْر تسليط الأضواء على كتابٍ نَشَرَتْهُ جامعةُ طهران العام ١٩٦٣، وعَبْرَ استعراض مُجْمَل ما كُتِبَ عَنِ السيِّد الحسينيّ، وكلُّ هذه الكتابات - كما تقول المَجلَّتَان - كُتِبَتْ بعد ظهور الكِتَاب الآنِفِ الذِكْر المَوْسُوْمِ بـ (مجموعة إسناد ومدارك چاب نشده درباره سيد جمال الدين مشهور به أفغاني) وترجمته بالعربية (مجموعةُ وثائقٍ غيرُ مَنْشُوْرَةٍ تتعلَّقُ بالسيِّد جمال الدين المشهور بالأفغانيّ).

والكتاب - مِنْ عنوانه - يطرح نفسه على أنّه مجموعة وثائق تخصُّ السيِّد الحُسينيّ.. أمّا الحقيقة، فإنّ الوثائق ما هي إلاّ افتراءات.

فعمليّة الطعن بسيرة السيِّد الحُسَيْنِي حين صَدَرَ الكتاب كانَتْ عمليةً


مقصودةً، يمكن تِبْيَانَهَا مِنْ خِلال النقاط التالية..

١ - تأريخ صدور الكتاب في العام ١٩٦٣، يكفي لأنْ يوضِحَ حقيقةَ كِذْبِ الوثائقَ، فعام ١٩٦٣ شَهَدَ غَلَيَاناً إسلاميّاً داخل إيران، أعقبه انتفاضةٌ إسلاميّةٌ عارِمَةٌ، قادَتْها الحوزةُ العلميةُ في قم بقيادة الإمام الخميني، وكانتْ نتائج الانتفاضة - التي سُمِّيَتْ بانتفاضة ١٥ خرداد (حزيران - يونيو) - تقديم خمسة عشر ألف شهيد وعشرات الآلاف مِنَ الجرحى والمُعْتَقَلِين، أمّا إفرازاتها: فإنّها ثبّتَتْ الخطَّ الإسلامي في قاموس نهضة الشعب الإيراني المُسْلِم، ضدّ حكم الشاه..

وكانتْ الانتفاضة الإسلاميّة هذه امتداداً لثورة الدستور وثورة التنباك، الذي كان السيِّد الحسينيّ واحداً مِنْ قياداتِها البارزين..

ولمّا كانتْ ثورة التنباك وثورة الدستور تُغَذِّي في الشعب الإيراني روحَ الثورة والنهوض خصوصاً بعد أحداث انتفاضة ١٥ خرداد (حزيران - يونيو)، ولمّا كان السيّد جمال الدين الحسينيّ في مقدِّمة تلك الثورات - وبالتالي فهو أحد مُلْهِمِي الانتفاضة الحاليّة وجذورها -.. عَمَدَتْ حكومةُ الشاه محمّد رضا إلى إصدار الكتاب المذكور؛ كي تَرمي بذلك عِدَّة أهداف بِحَجَرٍ.. فتشويه سُمْعَة السيّد الحُسينيّ يعني إلحاق التشويه بسُمْعَة ثورتَي التنباك والدستور، ويكون الهدف الآخر الأكثر مراداً هو تشويه قيادة الإمام الخميني، وانتفاضة ١٥ خرداد (حزيران - يونيو) التي هي قيادة السيّد الحسينيّ وثورتا التنباك والدستور.

٢ - إنّ كلّ الكِتَابات التي كَتَبَهَا كُتّابٌ إيرانيون ومستشرِقون، جاءتْ بعد إصدار حكومة الشاه لهذا الكِتَاب أو (الوثائق!)، بالإضافة أنّ كلّ هذه الكتابات اسْتَنَدَتْ إلى الكِتَاب المَعْني..

فهنا يأتي الشكُّ، أين كانتْ الوثائق أوّلاً قبل العام ١٩٦٣ ولماذا الآن؟ أين كانتْ كتابات المستشرِقين والكُتَّاب الإيرانيين الآخرين ولماذا بعد


١٩٦٣؟!. لماذا الاستناد إلى كِتَاب (مجموعة وثائق غير منشورة) فقط مِنْ دون الاستعانة بكُتُبٍ وبحوثٍ أُخرى لِكُتَّاب آخرين؟ أو حتّى كتابات ومقالات السيّد الحسينيّ ذاته؟!

إذنْ.. فالعمليّة كانتْ مُدبَّرة ومستهدَفة، وإلاّ ليس مِنْ محض الصُدفة أنْ تصدر كلُّ الكتب المستنِدَة إلى الكِتاب المعني بعد عام ١٩٦٣، وكلّ كاتب مِنْ هؤلاء يأخذ أيّ وثيقةٍ ليجعلها رأسمال للطعن بالسيّد الجليل، حتّى مِنْ دون تحكيم العقل أو لغةِ الكِتِابِ والبحث، في وقتٍ هناك بحوثٌ وكُتُبٌ صادرةٌ قبل ١٩٦٣ لا تأتي بما أتى به ذلك الكِتاب!

المجلّتان جاءَتَا لِتَنْضَمَّا في صفوف أمثال هؤلاء الكُتّاب، مستفيدة مِنَ الكِتَاب المذكور؛ لتسيء إلى سمعة السيّد الحسينيّ، ولتزيد في إثبات ما هو منفي!، وانتقتْ مِنَ الوثائق في حياة السيّد الحسينيّ الذاتيّة، فكيف بحياته السياسيّة؟! وحتّى مِنْ دون مراعاة لشعور المسلمين الذين يَمُجُّونَ مثل هذه الافتراءات البعيدة عَنِ الواقع.. ولكنّها الحملة المسعورة ضدّ السيِّد الجليل التي يغيب عندها الضمير الحيُّ!!

حينما تقرأ دراسة المجلّتان، أو قُلْ استنساخ ما جاء في كِتاب جامعة طهران وكِتاب (نيكي كدي) الأميركية، ترى أنّهما تُحاوِلان أنْ تقولا للمسلمين: إنّ السيّد جمال الدين الحسيني لمْ يكنْ إلاّ أُلْعُوبة بِيَد السلاطين والملوك.. ولم يكنْ يَمْلِك مِنْ أمره وإرادته شيئاً..

في الواقع إنّ السيّد الحسينيّ كانتْ له عِدّة علاقات مع هؤلاء السلاطين، ولكنّ علاقته كانتْ في نِطاق إسداء النُصح لهؤلاء السلاطين.. وحينما يَصدر مِنْهُم الانحراف يقف بوجههم لِيُقَوِّمَ ذلك الانحراف، وعندما لا يُذْعِنُ السلطان لذلك، يأخذ السيّد الحسينيّ بفضحه، وبعض هذه العلاقات كان السيّد الحسينيّ يرتجي مِنْ ورائه خدمةَ الإسلام، كَطَلَبِهِ مِنَ المسلمين مؤازرة سلطان الآستانة في تركيا ضدّ


المؤامرات الانكليزيّة، إذْ ما دام الخطر قادماً مِنَ الخارج وعلى يد قوّاتٍ صليبيّةٍ، ترمي مِنْ احتلالها للدول الإسلاميّة ضربَ الإسلام. فإنّ الموقف يتطلّب كما كان يرى السيّد الحسينيّ: أنْ لا يَتْرُك المسلمون نصرةَ سلطان الآستانة لِئَلاّ تقع الأُمّةُ الإسلاميّة أسيرةَ الاستعمار والصليبيّة.

ولم يكنْ عَمَل السيّد هذا بِمَنْقَصَةٍ، إنّما كان الإسلام في خطرٍ، وهذا الموقف يذكِّرُنَا بمَوقِف المرجعيّة الإسلاميّة في العراق عندما طلبتْ مِنَ المسلمين أنْ يَنْضَمُّوا ضِمْنَ صفوف القوّات المُسلّحة العثمانيّة ضدّ قوّات الغزو الاستعماري البريطاني، فالخطر على الإسلام كان داهِمَاً..

أمّا عمله السياسيّ الجادّ ضدّ الاستعمار البريطاني في مصر، فإنّ المجلّتين تُحاوِلان أنْ تُسْدِلا سِتاراً كثيفاً عليه مِنْ خلال نقل مقتطفاتٍ مِنْ كِتابٍ، مِنْ تأليف كاتبةٍ إيرانيةٍ وكاتبةٍ أميركية، اسْتَنَدَتَا على كِتابِ ما سُمِّيَ بالوثائق، وبحث لكاتبٍ مصريٍّ حاقِدٍ على الإسلام والمسلمين فكيف بالسيّد الحسينيّ؟!

فالكاتبتان تقولان: (يُخْطِيءُ المرءُ إذا أراد أنْ يَنْسُبَ إلى جمال الدين مَذْهَبَاً، وإنّ فيه عقيدةً متجانِسَةً..) ورغم هذا التحامُل الشديد على السيّد الجليل والتقليل مِنْ شأْنه، بحيث اتَّهَمَتَاهُ بالعِلْمانيّة والتعامل مع الانجليز، وصِلَتِهِ بحركته البابيّة المُنَافِيَة لعقائد المسلمين، فإنّ كاتب البحث في (المجلّة) مثلاً يأتي ويُثَمِّنُ جهودَهما فيَكْتُبُ: (ومع أنّ المُؤَلِّفَةَ لم تطَّلِع على كتابات الأفغانيّ في الصحف المصريّة، واكتفتْ بما كُتِبَ عنه بالعربيّة، ومع أنّها أيضا أوجزتْ الفصلَ الخاصَّ بآرائه وفِكره، واعتمدتْ على كتاباته الفارسيّة والفرنسيّة أساساً، فكِتَابَهَا يُقَدِّمُ دراسةً موضوعيّةً حتّى لو اختلفْنا معها كثيراً)!!.. وأيَّةُ موضوعيّةٍ هذه إذا كانتْ مَرَاجِعُ كِتَابِها وثائقَ مبتورةً، حِيْكَتْ في أرْوِقَةِ وكالة المخابرات؟!

ولكي يزيد كاتب (المجلّة) في طعْن السيّد الحسينيّ ينقل عَنْ ذلك


الكاتبُ الصليبيّ الأميركيّ الجنسيّة قولَه في الحسينيّ: (وأهمّ مِنْ كلِّ هذا أَنّه بنى لنفسه،وبُنِيَتْ له في مصر أُسطورة حتّى غدا الناس في مصر يقدِّسونه دون أنْ يقرأوا له،ويضعونه فوق مستوى النقد..) ولكنّ الشمس لا يضيرها أبداً سحابةٌ كثيفةٌ، فالعين لا يمكِن لها أنْ تُنْكِر وجودها.. والسيّدُ الحسينيُّ الشمسُ التي تحاوِل بعضُ الكتابات العائِمة أنْ تُغيِّبها.. إلاّ أنّ الشمس أقدر على إذابة هذه السحابات الداكِنة..

لقد أعار السيّد الحسينيّ لله وللشعب المصري المُسْلِم نفسَه ووقته وجُمْجُمَتَه، إذْ لم يرتَح له بالٌ، وهو يحس بأَقْدَام الاستعمار البريطاني توغِلُ في صدرِه، فانطلق يُحَرِّضُ الشعب المصريّ المُسْلِم على الثورة والانتفاضة ضدّ الاستعمار البريطاني، فراح يُنادي في أهل مصر.. (فيا أيُّها المصريّون: هذه دياركم وأموالكم وأعراضكم وعقائد دينكم وأخلاقكم وشريعتكم، قَبَضَ العدوُّ على زِمامِ التصرّف فيها غيلةً واختلاساً، زَحَفَ العدوُّ إليكم تحت راية المحبّة، ثم قلب لكم ظهرَ المُجَن، وتناول بيده الظالمة شؤونكم العامّة، مِنْ عسكريةٍ وماليّةٍ وإدارةٍ وقضاءٍ، ولم يبقَ لكم شيئاً إلاّ الحرمان مِنْ خدمة أوطانكم، وأنتم أحقُّ بها وطالما دافعْتُم عنها في الأيّام السابقة..).

وفي المقال الافتتاحي، لأوّلِ عددٍ مِنْ جريدة (العروة الوثقى)، يصوِّر جمالُ الدين حادثَ الاحتلال البريطاني لمصر على أنّه كارثةٌ على العالم الإسلاميّ، وقد أهاب المسلمين - بباعِثٍ مِنْ دينهم - أنْ يتكاتفوا؛ لدفع بلاء هذا الاحتلال..

يقول:

(.. إنّ الخطر الذي أَلَمَّ بمصر، نفرتْ له أحشاء المسلمين، وانْكَلَمَتْ به قلوبهم، ولا تزال الأُمّة تَسْتَفِزَّهُم مادام الجرح نقّاراً، وما هذا بغريب على المسلمين، فإنّ رابطتهم المِلِّيَّة أقوى مِنْ رابطة الجنس واللغة، ومادام القرآن يُتْلَى بينهم، وفي آياته ما لا يذهب على إفهام قارئه، فلنْ يستطيعَ الدهر أنْ يَذُلَّهُم..).


وما يُضْحِكُ؛ أنْ تَتَّهِم المجلّةُ السيِّدَ الحسينيّ باستلام أموال مِنَ الحكومة الفرنسيّة، فإذا كان السيّد غايتُهُ المالُ، لَمَا احتاج لأنْ يُجْهِد نفسَه، ويَدخُل في طُرُق وَعِرَة وشائِكة مِنْ أجل خدمة المسلمين، ولَمَا احتاج إلى أنْ يُعَرِّضَ نفسَه للهجرة أو الإهانة مِنْ قِبَلِ أزلام الأنظِمة الحاكِمة،كما حدث له في إيران، عندما هاجَمَهُ خمسمائة مِنَ المسلمين وأخذوه جَرّاً على الرغم مِنْ مرضه الشديد، حتّى قال جمالُ الدين الحسينيّ في ذلك:

(كيف يُهَان هذا الهوان وهو الرفيعُ النَسَبِ، العزيزُ الحَسَبِ، العظيمُ الجاه، العالي المَنْزِلَة في دينِه وشرفِه وعقلِه، ورغبته في الخير؟ كيف يرجوه الشاه أنْ يأتي بَلَدَه وَيَعِدَهُ أنْ يُنَفِّذَ إصلاحه، ويُعْلِي كلمته، ثم يعاملُهُ معاملةً، العبد يُطْرَد، والذليل يُصْفَع، والحقير يُهَان؟).

ولكي تقول الهجمة الشرِسَة التي يقودها العملاء عبرَ مجلّة (المجلّة) و(التضامُن) وغيرهما، ضدّ السيِّد الحسينيّ: (بأنّه ماسونيّ). فإنّ كاتب البحث لكي لا يربط الحديث به، يذهب إلى أحد الكُتّاب الموجودين، الذي أخذ عَنْ كتاب (مجموعة وثائق..) فيقتبس منه العبارة التالية:

(وفي مصر أيضا جَرَّتْهُ - الحسينيّ - تطوّرات الأحداث وتَغَلْغُلُ الأجانب في آخر عصر إسماعيل إلى النزول في مَعْمَعَتِهَا، فَنَشَطَ في المَحافِل الماسونيّة..).

قبل كلّ شيء لا بُدّ أنْ نعرف ماذا تعني الماسونيّة؟

الماسونيّة: تَرْتَكِزُ على ثلاث ركائز كما يزعم أصحابها، والركائز هي: حُرِّيّةٌ. مساواةٌ. آخاءٌ، ولكنّ في الواقع هي بعيدة عَنْ ذلك و(الجمعيّات الماسونيّة، أو التنظيم الماسونيّ، هو مِنْ أدقِّ وأعْقَد الأساليب الخفيّة المُسْتَتِرَة في استقطاب حركة المجتمعات وتوجيهها).

وقد عُرِفَ عَنْ التنظيمات الماسونيّة أنّها ضِدّ الإسلام الحنيف، وضِدَّ كلّ شيءٍ يَتَّصِف بالخير، وما شعاراتهم إلاّ لَذَرّ الرماد في العيون، وهي


يافطة يرفعونها؛ لإغواء مَنْ يروم الخير والسعادة البشريّة، وأيضا يافطة لتشويش الرؤية والبصيرة على الآخرين، والتنظيمات الماسونيّة عدوّةُ الإنسانيّة، وتُحرِّكها الدوائر الصهيونيّة الامبرياليّة؛ لتحكيم سيطرة الاستكبار العالمي على المستضعَفين والمحرومين.

نعم إنّ السيّد تعرّف على الماسونيّة حينما كانتْ دوائر النظام الملكي، والاستكبار العالمي والدوائر الصهيونيّة، تتلبّس لباس الخير والإصلاح، وعندما لَمِسَ مِنْ أوّل وَهْلَةٍ أنّها معاديةٌ لمصالح الشعب المصري المسلِم، أخذ يُعَرِّيْهَا ويوضِّح للشعب المصري المسلِم حقيقتَها الهدّامة المناصِرَة للنظام الحاكم، فيذكر السيّد الحسينيّ بهذا الخصوص ما يلي:

(أوّل ما شوّقني للعمل في (بناية الأُمراء) عنوانٌ كبيرٌ خطيرٌ: حريةٌ، مساواةٌ، إخاءٌ. وإنّ غَرَضَهَا (منفعة الإنسان/ سعي وراء دكّ صروح الظلم/ تشييد معالم العدل المطلق) ولكنْ كنتُ انتظر أنْ أسمع وأرى في مصر كلّ غريبةٍ وعجيبةٍ، ولكنْ ما كنتُ لأتخيّل أنّ الجبن يمكنه أنْ يَدخُل مِنْ بين اسطوانتي المحافِل الماسونيّة!، إذا لم تتدخّل الماسونيّة في سياسة الكون، وفيها كلّ بناءٍ حرٍّ، وإذا كانتْ آلات البِنَاء التي بيدها لا تُسْتَعْمَل لهدم القديم، وتشييد معالم حرِّيَّةٍ صحيحةٍ، وآخاء مساواةٍ، وإذا كانتْ لا تَدَكُّ صروح الظلم والعتوِّ والجَور، فلا حملتْ يد الأحرار مِطرقةً، ولا قامتْ لبنايتهم زاويةٌ قائمةٌ).

هذه العبارات الصادقة التي توضِّح حقيقة السيّد جمال الحسينيّ وموقفه الحازم مِن المحافل الماسونيّة، تتغافى عنها الأقلام المحمومة، وما همّها سوى قذف السيّد بأباطيلَ محبوكةً.

وأخيراً حينما نتساءل عمَّن روّج لهذه التُرّهات فإنّنَا سنجد في طليعتهم عميلاً صليبيّاً - هو لويس عوض - بطل الغارة على التراث الإسلاميّ الأصيل، وحامل كلّ ما يمثّل النفوذ الثقافي الغربيّ، إلى الجسم العربي.


لمعرفة حقيقة الرجل راجع الصورة التالية عَنْ نَصِّ استقالته مِنْ حزب الوفد، حيث يُصرّح بأنّ (الله ليس مصدر السلطات)!.

نَصُّ الاسْتِقَالَة

السيِّد الأُستاذ فؤاد سراج الدين

رئيس حزب الوفد الجديد

تحيةً طيبةً وبعد، فأتشرّف بإبلاغكم أنّي انْضَمَمْتُ إلى (الوفد الجديد) عند تأسيسه في ١٩٧٨، اعتقاداً منّي بأنّ الوفد الجديد قائمٌ على أُسس الديمقراطيّة العِلْمَانيّة التي قام عليها الوفد القديم منذ ١٩١٩.

هذه الأُسس، في اختصارٍ شديدٍ ودونَ لفٍ أو دورانٍ، هي أنّ (الأُمّة مصدر السلطات)، لا أنّ الله مصدر السلطات، وبالتالي فإنّ شؤون البشر تُنَظِّمُها دساتيرُ وقوانينُ وضْعيّةٌ، مِنْ صُنْعِ البشر بالحقّ الطبيعيّ بحسب تطوّر المجتمعات، لا دساتير وقوانين إلهيةٌ واجبةُ النفاذ، في كل زمانٍ ومكانٍ بالحق الإلهي، ولا يجوز تعديلها بأغلبيّة ثُلْثَي الأعضاء، أو بأغلبيّة النصف زائدَ واحدٍ.

وقد فوْجِئْتُ في الفترة الأخيرة بتصريحاتٍ على مستوى القِمّة في قيادة حزب الوفد الجديد، تُعلِن رفض الحزب للعلمانيّة التي أُؤْمِنُ بها أساساً للعقد الاجتماعي، بما أقنعني بأنّ (الوفد الجديد) الذي تشرّفتُ بالانضمام إليه في ١٩٧٨ يختلف اختلافاً جوهريّاً عَنِ الوفد الذي أَسَّسَهُ سعد زغلول، وقاده مصطفى النحّاس في فترة ما بين الثورتَين.

وبناءً عليه، فقد قرَّرْتُ مع الأسف الشديد الاستقالة مِنْ عضويّة حزب (الوفد الجديد)، مُتمنِّيَا أنْ تُثْبِتَ الأيّامُ خطأَ مخاوفي وتقديراتي، وأنْ يتمكّنْ الحزب تحت قيادتكم الرشيدة مِنَ المشاركة في بناء الوطنيّة المصريّة والديمقراطيّة المصريّة في ظِلّ سياسته الجديدة.

وتفضّلوا بقبولِ وافرِ احترامي وتمنِّياتي

(د. لويس عوض)


ولكي تكتمِل المسرحيّة، فقد أوعزتْ الرجعيّةُ العربيّة بِنَقْدِ كتابات عوض، - هذا طبعاً مع كيل المديح له، وردِّ كلِّ الاعتراضات الأُخرى عليه - ونَقْده أحياناً، وبالتالي إرجاع الجميع إلى ما أُسْمِيَ بالوثائقَ التي شجّع نظامُ الشاه على نشرها مِن قِبَل جامعة طهران، في السنة نفسِها التي ثارَ فيها الشعب ضِدَّ نظامه، أي العام ١٩٦٣م (ثورة ١٥ خرداد) ليجعلها المَرجِعَ الوحيد لدراسة حياة هذه الشخصيّة العظيمة.

إلاّ أنَّ كلّ المحاولات باءتْ بالفشل، ولم تَنْطَلِ الحيلةُ على المفكّرين الواعين، وبقي الأفغانيّ بطلاً عظيماً تفتخر به الأُمّة وتَعْتَزُّ، بعد أنْ قدّم لها أروع الأمثال في الإيمان والوعي والجهاد والتضحية والإخلاص.

لمعرفة حقيقية الرجل راجع صورة عنْ نَصِّ استقالته مِنْ حزب الوفد المنشور في الكتاب.

مُؤَامَرَةٌ خَطِيْرَةٌ.. تَتَطَلَّبُ يَقَظَةً كَبِيْرَةً

هل البَتُّ في تَتَبُّع حياة السيّد جمال الدين الحسينيّ وفي هذا الوقت بالذات عمليةٌ خالِصةٌ لا تحوم حولها الشبهات؟!

إنّنا لسنا فقط نشكُّ بذلك، بل لنا قناعتُنا وبالأرقام والوقائع، كما بيَّنَّا بأنّ هناك مؤامرةً خطِيرةً تستهدِف اغتيال سيرة السيّد الحسينيّ الجهاديّة، وإبدالها بسيرة مِلْؤُها التشنُّجَات والتناقُضات والانتهاكات الصارِمة للإسلام.. وإنّ المسألة ليستْ متعلِّقة بكاتبٍ أو مجلّةٍ أو صحيفةٍ، إنَّها مسألةُ نِظامٍ قائمٍ يحاول استخدام تلك الأقلام لمصلحته الشخصية، ألا وهو نظام آل سعود الحاكم في الجزيرة العربيّة، وليس هذا النظام وحده مشترِكاً في هذه الجريمة، بل هو على رأس أنظمة الإسلام الأميركي المُتَحَكِّمَة بمصائر المسلمين، في الخليج ومصر والمغرب وتونس والعراق وأفغانستان وتركيا.


وهي مؤامرةٌ تَقِف خلفها الدوائر الغربيّة والشرقيّة والصهيونيّة تستهدف:

(١) إظهار السيّد جمال الدين الحسينيّ على أنَّه رجلٌ مغامِرٌ لم ينوِ الإسلام في عمله، وأنَّه للظهور وحبِّ الشهرة!!

(٢) تشويه قداسة الثورة الإسلاميّة في إيران، والتي تدين للسيّد جمال الدين الحسينيّ بأفكاره وأعماله الإسلاميّة الكبيرة.

(٣) إبعاد الحركات الإسلاميّة العامِلَة - في الساحة الإسلاميّة الشاسِعة - عَن السيّد الحسينيّ، وعَن الثورة الإسلاميّة في إيران،ومعظم العلاقات الروحيّة والسياسيّة التي تدينها الحركات؛ لقيادة الإمام الخميني.

(٤) إبعاد الشعوب الإسلاميّة عَنِ الاحتكاك بالحركات الإسلاميّة والانتظام في صفوفها..

(٥) الطعن بالحركة الإسلاميّة المصريّة، وبالخصوص تلك التي رفعتْ سلاح القوّة لمواجهة النظام، ويجيء الطعن؛ نتيجةً لِهَتْكِ حرمة السيّد جمال الدين الحسينيّ، التي تَتَّخِذَهُ الحركةُ الإسلاميّة العامِلَة في مصر قدوتَها على طريق الجهاد الإسلامي.. وهذه النقطة لها أهمِّيَّتها؛ ذلك أنّ التحرُّك الإسلاميَّ داخل مصر نحو إقامة نظامٍ إسلاميّ، هو ما يُقْلِقُ الدوائر الصهيونيّة التي تخشى أنْ تقع (إسرائيل) أمام مواجهةٍ مع نظامٍ إسلاميّ.

وقد لا يتصوّر أحدُنا أنّ ربطَ عمليّة تشويه سيرة السيّد الحسينيّ بالكيان الصهيوني يمكن أنْ يكون بهذه السهولة، ولكنْ عليك أنْ تُصدِّق إذا علِمْتَ أنّ (إسرائيل) تفكِّر بقصف المفاعِل النووي الباكستاني داخل باكستان، بعد تصاعد الصحوة الإسلاميّة في الباكستان..

فإماتة أفكار السيّد الحسينيّ داخل نفوس أبناء الحركة الإسلاميّة المصريّة - كما تعتقد الدائر الاستكباريّة - مِن المُمْكِن أنْ يقضي على روح التحرّك في الفرد المصريّ المُسلِم!


(٦) ضرب الوحدة الإسلاميّة، وبالذات الوحدة الإسلاميّة بين الحركات الإسلاميّة العامِلَة، بين المجاهِد المصريّ والعراقيّ والإيرانيّ، التونسيّ والمغربيّ، الأفغانيّ والإيرانيّ، الإيرانيّ والمصريّ، الخليجيّ والتركيّ وهكذا..

الوحدة الإسلاميّة بين الشيعيّ والسنُّيّ، وبالخصوص على نِطاق الحركات الإسلاميّة، الوحدة الإسلاميّة التي مثّلَها السيّد الحسينيّ بعمله في صفوف علماء جامِع الأزهر والحوزات العلميّة الشيعيّة.. في الوحدة الإسلاميّة التي تمثّلَتْ في تعاضد السيّد جمال الدين الحسينيّ والشيخ محمّد عبده.

إنّ المؤامرة التي تُدَبِّرها الأنظِمَة الرجعيّة أكبرُ مِنْ أنْ نتصوّر، وهي بِكُبْر الثورة الإسلاميّة، التي أخذتْ تُزَلزِل الأرض مِنْ تحت أقدام الطواغيت في عالمنا الإسلاميّ.. وعلى الإعْلام الإسلاميّ أنْ يَنْتبه إلى هذه المؤامرة الخطيرة ويفضحها.. ويطرح حقيقةَ السيّد جمال الدين الحسينيّ.. حقيقته التي تبقى مَنَاراً للعامِلِيْنَ في سبيل الله والمُستضعَفِيْنَ.. قال تعالى:

( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ، ويأبى اللّهُ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) .

***

وإنّنا كما أشرنا أوّلاً، وفاءً لذكرى الرجل الكبير، واحتفالاً بالذكرى المِئويّة لإصدار مجلّة (العروة الوثقى) مِنْ باريس، نقدّم المجموعة الكاملة لهذه المجلّة للقرّاء في العالَم الإسلاميّ والعربيّ، سائلين المولى العليّ القدير أنْ يبعث في جماهيرنا الإسلاميّة روحاً ثوريّةً وتحسُّسَاً بالأهداف الكبرى وشوقاً صَنَّاعَاً للغد الأمثل.

والله الموفّق.

سيد هادي خسروشاهي

روما - ايطاليا


- أُلقِيَتْ في حفل الاحتفاء بمرور رُفَات جمال الدين الأفغاني مِنَ العراق في طريقه إلى أفغانستان، الذي أُقيم في الحضرة الكيلانية صباح يوم ١٤ كانون الأوّل ١٩٤٤.

- نُشِرَتْ في العدد الخاص الذي أصدره الشاعر مِنْ جريدته (الرأي العام) عَنْ جمال الدين الأفغانيّ.. العدد ١١٧٥ في ١٦ كانون الأوّل ١٩٤٤.

جَمَالُ الدِّيْن..

هَـوَيْتَ لِنُصْرَةِ الحقّ السُهادا

فـلولا  الموتُ لم تُطِقِ الرُّقادا

ولـولا  الموتُ لم تَتْرُكْ جِهاداً

فَـلَلْتَ  بـه الطغاةَ ولا جِلادا

ولـولا الموتُ لم تُفْرِحْ فُرادى

صَـعَقْتُهُم، ولـم تُحزِنْ سوادا

ولولا  الموتُ لم يَذهبْ حريقٌ

بِـيَانِعَةٍ وقـد بَـلَغْتَ حَصادا

وإنْ كـانَ الـحدادُ يَـرُدُّ مَيتاً

وتَـبلُغُ  مـنه ثـاكلةٌ مُـرادا

فـانَّ الـشَّرقَ بين غدٍ وأمسٍ

عـليكَ  بِـذِلَّةٍ لِـبْسَ الحِدادا

تـرفَّع أيُّـها الـنجمُ المسجَّى

وزد  فـي دارة الشَّرَفِ اتّقادا

ودُرْ بـالفكر فـي خَلَدِ الليالي

وجُـلْ في الكون رأياً مُستعادا

وكُنْ  بالصَّمتِ أبلغَ منك نُطْقاً

وأورى فـي مُـحاجَجةٍ زنادا

فـانَّ  الـموتَ أقصُر قَيْدَ باعٍ

بـأنْ يـغتالَ فِـكراً واعتقادا

* * *

جـمالَ الـدين، يا رُوحاً عَليّاً

تـنزَّلَ بـالرسالة ثـمَّ عـادا

تـجشَّمْتَ المهالِكَ في عَسوفٍ

تـجشَّمَهُ سِـواك فـما استقادا

طَـريقِ الخالدينَ، فمَنْ تَحامى

مـصايرَهُمْ  تَـحاماه وحـادا

كثير  الرُعْب بالأشلاء، غطَّتْ

مَـغاورَهُ الـجماجِمُ والـوهادا

جـماجِمُ رائِـدي شَرَفٍ وحقٍّ

تـهاوَوا  فـي مَجاهلِه ارْتيادا

وأشـباحُ الـضحايا في طواهُ

عـلى السارينَ تَحْتَشِدُ احتشادا

وفـوقَ طُروسه خُطَّتْ سُطورٌ

دمُ  الأحـرار كـان لها مِدادا

شـقَقْتَ فِـجاجَهُ لَمْ تخْشَ تَيْهاً

ومُـذْأَبَةً،  ولـيلاً، وانـفُرادا

لأنَّـكَ حـاملٌ مـا لا يُوازي

بـقـوَّتهِ: الـعقيدةَ والـفؤادا

وتـختلِفُ  الدُروبُ وسالكوها

وغـايـتُها، دُنـوّاً وابـتعادا

ويَـختلِفُ  الـبُناةُ، ورُبَّ بانٍ

بَـنى  مِنْ فِكرةٍ صَرْحَاً وشادا

وأنْـتَ ازْدَدْتَ مِن سُمٍّ زُعافٍ

تَـذَوَّقَه سِـواك فـما استزادا


نـضالِ المُسْتَبِدِّ، يَرَى انْكِشَافَاً

عَـمـايتَه، وَعَـثْرَتَهُ سَـدادا

إذا  اسـتحلى غَوايتَه وأصغى

إلـى  الـمتزلِّفِيْنَ لـه تمادى

خَـشِيْتَ اللهَ عَـنْ علمٍ، وحقّ

إذا لـم تَخشَ في الحقِّ العبادا

وجَـدْتَ الـلذَّةَ الكُبرى فكانتْ

طـريفَ  الفِكْرِ والهِمَمِ التِلادا

وأعـصاباً تَـشُدُّ على الرَّزايا

إذا طـاشَتْ وتَـغْلِبُهَا اتّـئادا

ولـمَّا  كـنتَ كالفجر انبلاجاً

(وكـالعنقاء  تكْبُرُ أنْ تُصادا)

مَـشَيْتَ بقلبٍ ذي لَبَدٍ هَصوْرٍ

(تُـعانِدُ  مـن تُريدُ له العِنادا)

صليبَ العُودِ، لم يغمزْك خوفٌ

ولم  تَسْهُلْ على التَرفِ انعقادا

ولـم تَـنْزِلْ على أهواء طاغٍ

ولا عـمّـا تُـريدُ لِـمَا أرادا

ولـم تَـجِد الأمـانيَ والمنايا

مُـبرِّرةً عـن الـحقِّ ارتدادا

ولَـمْ أرَ فـي الرجالِ كمُستَمِدٍّ

مِـن الـحقّ اعتزازاً واعتدادا

وكان  مُعسكران: الظُلمُ يَطغَى

ومـظلومٌ،  فـلم تَقِفِ الحِيادا

ولـمْ  تـحتج أنَّ البَغْيَ جيشٌ

وأنَّ  الـزاحِفِيْنَ لـه فُـرادى

ولا أنَّ الـلـيالِي مُـحرِجَاتٌ

وأنّ الـدَّهْرَ خـصمٌ لا يُعادى

وأنَّ  الأمـرَ مـرهونٌ بوقتٍ

يـنادِي حـينَ يأزَفُ لا يُنادى

مَـعاذيرٌ  بـها ادَّرَعَتْ نُفوسٌ

ضِعَافٌ  تَرهبُ الكُرَبَ الشِّدادا

تُـريدُ الـمجدَ مُـرتمِيَاً عليها

جـنىً غَـضّاً تَـلَقَّفُهُ ازدِرادا

***

جمالَ  الدين كنتَ وكانَ شرقٌ

وكـانتْ  شِرعةٌ تَهَبُ الجِهادا

وكـانتْ جَـنَّةٌ في ظِلِّ سيفٍ

حَـمَى الـفَرْدُ الذمارَ به وذادا

وإيـمانٌ  يـقودُ الناسَ طوعاً

إلـى الغَمَراتِ فَتوىً واجتهادا

ونـاسٌ لا الـحَضارةُ دنَّسَتْهُمْ

ولا  طـالُوا مع الطَمَعِ امتِدادا

وكـانَتْ (عُروةٌ وُثْقَى) تُزَجَّى

لِـمُـنْقَسِمِيْنَ  حُـبّاً واتـحادا

ونـيَّةُ  سَـاسَةٍ بَسُطَتْ فبانَتْ

ووجْـهُ سِـيَاسَة جَـلَّى وكادا

وحُـكْمٌ كالدّجى عُريانُ صَافٍ

فلم  يُنْكِرْ، إذا انتَسبَ، السَّوَادا

ولـم يُـدخِلْ مِنَ الألوانِ ظِلاً

يـلوذُ بـه انْـتِقَاصَاً وازْدِيادا

دَجَـا قَسْراً وسادَ، وكان شَهماً

صـريحاً أنَّـه بـالرّغمِ سادا


وجِـئْتَ  ورُفْقَة لك كالدَّراري

لِـضُـلالٍ بـغَيْهَبِهِ، رشـادا

تَـصُدُّ  عُـبابَهُ وجـهاً لوجهٍ

وتَـزْحَمُهُ  انْـعِكَاسَاً واطِّرادا

***

جـمالَ  الدين كنتَ وكانَ عهدٌ

سُـقِيْتَ لَمَا صمَدْتَ له العِهادا

نَـما  واشـتَطَّ واشتدَّتْ عُراه

وزادَ الـصامدونَ لـهُ اشتدادا

مَشتْ  خمسونَ بعدَك مرْخياتٍ

أعِـنَّـتَها، هـجاناً لا جـيادا

مـحمَّلَةً  وُسُـوقاً مِـنْ فُجورٍ

وشـامِخَةً كَـمُحْصَنَةٍ تَـهادى

تَـحَوَّرَتِ  السِيَاسَةُ عَنْ مَداها

إلـى أنْـأَى مَـدَىً وأقلَّ زادا

وبـاتَ الـشرقُ لَـيْلَتَهُ سَلِيْمَاً

عـلى حَـالَيْن ما اختَلَفا مُفادا

عـلى  حُكْمَيْنِ مِنْ شَفْعٍ وَوِتْرٍ

عُـصارةُ  كـلِّ ذلك أنْ يُسادا

ولُـطِّفَتِ  الإبـادةُ، فهو حُرُّ

بـأيِّ يـدٍ يُـفَضِّلُ أنْ يُـبادا

ومُـدَّتْ  إصْـبَعٌ لـذويهِ فيهِ

فـعاثَتْ فـوقَ مَا عاثُوا فَسادا

فـكَمْ في الشَّرقِ مِنْ بَلدٍ جَرِيحٍ

تَشَكَّى  لا الجُرُوحَ بَلِ الضِّمادا

تَـشَكَّى بَـغْيَ مُـقْتَادٍ بِغَيْضٍ

تـأبَّى  أنْ يُـطَاوِعَه انـقِيَادا

فَـكَانَتْ  حِـيْلةٌ أنْ يَـمْتَطِيْهِ

رَضِـيْعُ لُـبَانِهِ فَـبَغَى وَزَادَا

صَـدىً لـلأجنبيّ، وَرُبَّ قَفْرٍ

أَعَـادَ  صَـدىً فَسُرَّ بِمَا أعادا

وكـانَ  أَجَـلَّ مِنْ زُمَرٍ إذا مَا

تَـجَنَّى الـمُسْتَبِيْحُ، بها تفادى

فَكَانُوا  مِنْهُ في العَوْراتِ سِتْراً

وكَـانُوا  فـوق جَمْرَتِهِ رَمَادا

تَـرَوَّى  مِـنْ مَطَامِعِهِ وَأَبْقَى

لَـهُم مِنْ سُؤر مَا وَرَدَ، الثمادا

وكـانَ إذا تـهضَّمهُ غَـرِيْبٌ

أَقَـامَ لـه الـقيامةَ والـمِعَادا

فـأسلَمَهُ  الـغريبُ إلى قَرِيْبٍ

يُـسَخِّرُهُ  كـما شَاءَ اضطِهَادا

وكـانَ الأجْـنَبِيُّ وَقَـدْ تَوَلَّى

زِمَـامَ الأمرِ واغتَصَبَ البِلادا

يَـرَى  أَدْنَى الحُقوقِ لَهُمْ عليه

مُـساغَ الـنقْد والـكَلِمَ المعادا

فَـأَضْحَوا  يَحْسِبونَ النَقْدَ فَتْحَاً

لـو  اسطاعُوا لِما يَصِمُّ انتقادا

فَـبِئْسَ مُـنىً لِـمَصْفُوْدٍ ذَلِيْلٍ

لَـوَ أنّ يَدَيْه لمْ تَضَعَا الصِفَادا

وَبِئْسَ  مَصيرُ مُفتَرِشِيْنَ جَمْرَاً

تَـمَنِّيْهِم لَـو افـتَرَشَوا القَتَادَا

وَكَانُوا  كالزُّرُوْعِ شَكَتْ مُحُولاً

فَلَمَّا  استَمْطَرَتْ مُطِرَتْ جَرَادَاً

مُحَمَّد مَهْدِي الجَوَاهِرِيّ


الفهرس

المقدمة ٣

حَيَاةُ الأَفْغَانِيّ وَنِضَالُهُ ٩

العُرْوَةُ الوُثْقَى: فَجْرُ الصَحَافَةِ الإسْلامِيّةِ ٢٠

أَفْكَارُ الأفْغَانِيِّ تَعُمُّ الأُمّةَ ٣٢

الافْتِرَاءُ لِتَحْقِيْقِ الاحْتِوَاء ٤٤


جمال الدين الحسيني حياته ونضاله

جمال الدين الحسيني حياته ونضاله

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: سيد هادي خسروشاهي
الناشر: مركز الثقافة الإسلاميّة في أوروبا
تصنيف: شخصيات إسلامية
الصفحات: 64