خاتمة المستدرك الوسائل الجزء 19

مؤلف: الحاج ميرزا حسين النوري الطبرسي
متون حديثية





بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى أهل بيته المطهّرين، وصحبه الأوفياء المخلصين، والرحمة على أرواح علمائنا الأبرار الذين نشروا علوم آل محمّدعليهم‌السلام الذين من تمسك بحبلهم اهتدى، وتمسك بالعروة الوثقى، وبلغ السعادة القصوى، ونال الدرجات العلى، ومن تخلّف عنهم هوى وغوى.

وبعد:

عمد الأوائل من رجال الشيعة الإماميّة إلى جمع كل ما روي من حديث المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحديث أهل البيتعليهم‌السلام ابتداء من صدر الإسلام وحتى أواسط القرن الثالث الهجري، ولم تثن طلائعهم أزمة منع التدوين المعروفة التي عاشها الحديث الشريف عند غيرهم قرنا من الزمان، ولم توقف همتهم تلك العواصف الكثيفة التي حاولت بمكرها ودهائها أن تحجب نور الشمس عن العالمين( وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ) بل ازدادوا إيمانا بأن الحظر المفروض على التدوين سيلبس هذا الدين لباسا لا يمت بصلة إلى الإسلام، وربما يطمس معالمه


بمرور الأيام فيضيع الحق أو يخفى ويلتبس على كثير من العامة، كما حصل.

ونتيجة لهذا الإدراك تجمّع لديهم - في أقل من ثلاثة قرون - ما يزيد على ستة آلاف وستمائة كتاب حفظت بأسمائها وأسماء مؤلفيها. وقد اشتهرت من بينها مجموعة من الكتب عرفت باسم « الأصول الأربعمائة » وهي أربعمائة مصنّف لأربعمائة مصنّف من أصحاب الإمامين الباقر محمّد بن علي ( ت / ١١٤ ه‍ ) والصادق جعفر بن محمّد ( ت / ١٤٨ ه‍ )عليهما‌السلام ، ومن أصحاب سائر الأئمّةعليهم‌السلام على رأي البعض.

وقد تميّزت هذه الأصول الأربعمائة عن سائر مؤلفات الشيعة في القرون الثلاثة الأولى من عمر الإسلام بمميزات كثيرة لعلّ من أهمها حصول الإجماع على اعتبارها حاكية لكلام المعصوم، ما اشتمل على نصّ كلامهعليه‌السلام سماعا بلا واسطة في النقل والتدوين.

ولمّا كانت مؤلّفات الشيعة ليست كلّها بمثابة الأصول الأربعمائة في قوة الحجية، لهذا قام اللاحقون من أقطاب علماء الشيعة - بعد انتهاء ذلك العصر الزاهر بحياة الأئمةعليهم‌السلام - بإعمال دورهم في التسابق إلى دراسة هذا التراث الضخم والنظر فيه وتدقيقه وتحقيقه بحسب ما لديهم من القرائن الكثيرة، فاجتهدوا في الوصول إلى الحق ما استطاعوا إليه سبيلا، وكان فيهم من هو في مرتبة عالية من مراتب النظر والتحقيق، وعلى درجة راقية من التعمق والتدقيق.

وقد كان لعملهم هذا أثره الملموس، إذ تركوا لغيرهم، كتبا كثيرة، مادتها: الأصول الأربعمائة، وغيرها من الكتب الأخرى التي بلغت من الاعتبار عند هؤلاء الأعلام درجة من الوثوق بها ما يوجب الركون إليها واعتمادها.


وقد اتّصفت كتب المرحلة اللاحقة بجودة التصنيف وتوزيع المطالب الحديثية على أبوابها الفقهيّة، ومن أشهرها كتب المحمدين الثلاثة -قدس‌سرهم الشريف -: وهي:

١ - الكافي: لأبي جعفر محمّد بن يعقوب الكليني الرازي، المعروف بثقة الإسلام ( ت / ٣٢٩ ه‍ ).

٢ - كتاب من لا يحضره الفقيه: لأبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، المشتهر بالصدوق ( ت / ٣٨٠ ه‍ ).

٣ - تهذيب الأحكام: لأبي جعفر محمّد، بن الحسن الطوسي، المشتهر بشيخ الطائفة ( ت / ٤٦٠ ه‍ ).

٤ - الاستبصار: لشيخ الطائفة أيضا.

وتمييزا لهذه الكتب عن غيرها أطلق عليها اسم « الأصول الأربعة » باعتبار أنها أضبط وأجمع كتب الحديث الشريف، وامتازت عن غيرها باحتوائها الشامل على أحاديث الأحكام الشرعية الفرعية، وإن كان الكافي منها مشتملا على كثير من أحاديث الأصول والمواعظ، وكتاب من لا يحضره الفقيه منها يحتوي على مجموعة من المواعظ، مع ما لمؤلفيها من مقام عال، ومنزلة رفيعة، وشأن جليل، حيث انتهى كل منهم إلى رئاسة محدّثي المذهب الإمامي في عصره، وهذا ما يسرّ لكتبهم هذه أن تحتلّ موقع الصدارة بين كتب الحديث الأخرى التي قد لا تقل عنها اعتبارا بالإضافة إلى وثاقة مؤلفيها وشهرتهم أيضا.

وهكذا بقيت كتب هذه المرحلة وعلى رأسها الكتب الأربعة مدار الدرس لقرون متعاقبة، فكان - ولا تزال - معوّل الفقهاء ومرجع العلماء، حتى دفعت الهمة إلى جمع شتات الأخبار المتفرقة في الكتب المعروفة الانتساب إلى أهلها، المعتبرة في مادتها، وضمّها إلى ما في هذه الكتب


الأربعة ونظائرها، وجعل الكل في كتاب واحد، سهل الطريقة، حسن التبويب، جيد الترتيب، ليلبّي حاجة الفقيه من حيث الاستدلال بالحديث على مسائل الفقه كافّة دون الرجوع إلى عشرات بل مئات الكتب الأخرى للغرض المذكور نفسه.

وممن يسر الله تعالى - وله الحمد - لهذه المهمة الشاقّة المضنية - التي لا يقتصر أمرها على الجمع والتدوين، وإنما على التدقيق والتحقيق - رجل عالم مشهور، وفقيه متضلع، ومحدث ثقة أمين، اجتمعت في شخصه خصال الورع، والزهد، والتقوى، والعبادة، مع نفاذ البصيرة، وصفاء السريرة، والولاء التام لآل خير الأنام عليهم الصلاة والسلام ذلك هو العبقريّ الشيخ الحرّ العامليّ ( ت / ١١٠٤ ه‍ ) -قدس‌سره الشريف -.

أدرك الشيخ الحر - رضي الله تعالى عنه - أهمية هذا العمل الجبار وقيمته العلمية، فاسترخص لأجله ما يقرب من عشرين عاما من عمره الشريف، جمع خلالها الكثير من كتب الحديث عند الشيعة التي كانت تدور عليها رحى الاستدلال والاستنباط، فجمعها ضمن منهج سليم، استعرض خطواته في مقدمة كتابه الذي أعده لهذه الغاية، ذلك الكتاب هو « تفصيل وسائل الشيعة » الذي تشرفت مؤسستنا بإعادة تحقيقه وطبعه وفق أحدث الأساليب العلمية، فظهر بحلته الجديدة في ثلاثين مجلدا.

وما ان أتم الشيخ الحر كتابه هذا حتى تلقفته الحواضر العلمية الشيعية في كل مكان، ورزق فضيلة الشهرة بين الفقهاء والعلماء، وطلبة العلوم الشرعية، إذ يسّر لهم الوقوف على خمسة وثلاثين ألفا وثمانمائة وثمانية وستين حديثا، فلا غرو إذا أن يكون « وسائل الشيعة » جامعا مأمونا للكتب الحديثية الكثيرة، التي طالما استنزفت من جهود رواد الحركة الفقهية الشيء الكثير، وأن يكون من أكثر كتب الحديث فائدة عند الشيعة الإماميّة.


ولا يخفى أن « وسائل الشيعة » وإن كان فريدا في بابه، إلاّ أن مصنفه -قدس‌سره - لم يسجل كل ما وصل إلى عصره من حديث العترة الطاهرةعليهم‌السلام بل ترك الكثير من الأحاديث لأسباب سيأتي بيانها عند الحديث عن الفائدة الأولى من فوائد هذه الخاتمة.

ومن هنا برزت الحاجة من جديد إلى كتاب آخر يكمل الشوط الذي انتهى إليه صاحب « الوسائل » فيلم شتات الأخبار الأخرى، ويجمع الأحاديث التي لم يسجلها الشيخ الحر -قدس‌سره الشريف - ويجعلها دررا منسقة، طالما اشتاق العلماء أن يروها مجتمعة.

وقد قيض الله تعالى لهذا العمل الضخم رجلا عبقري التتبع، بصيرا، ناقدا، واسع المعرفة، مفرط النباهة، حاد الذكاء، هو فارس ميدان الحديث في عصره، حيث انتهت إليه رئاسة الحديث وأهله، لا عن تقليد وإنكار للجديد، وإنما عن نظر وجد، فأحيا من خلال ما شيده من معارف رسوما وأطلالا أوشكت الأيام أن تجعلها ركاما مسلوب الجمال ألا وهو:

خاتمة المحدّثين الشيخ ميرزا حسين النوري النجفي، المتوفى بها سنة ١٣٢٠ ه‍.

لقد وقف المحدّث النوري على جملة وافرة من الأخبار التي لم يحوها كتاب الوسائل، وذلك في بضع سنين من التصفح الطويل في كتب الشيعة الإمامية، والتتبع الفريد لكل ما لم يورده الشيخ الحر، ومن هنا كانت انطلاقه « مستدرك الوسائل » إكمالا لما استهدفه الأصل نفسه، وجمعا لكلّ ما ربما يستفاد منه في باب الأحكام الشرعية، ولوجوبه، أو في نظر بعض.

قال الشيخ البحاثة الإمام آقا بزرگ الطهراني ( ت / ١٣٨٩ ه‍ ) وهو يصف عمل أستاذه النوري في مكتبته العظيمة المشتملة على ألوف من الكتب والآثار النادرة العزيزة الوجود، أو الفريدة، ما نصه:


« فلا يخرج منها إلاّ للضرورة، وفي الصباح يأتيه من كان يعينه على مقابلة ما يحتاج إلى تصحيحه ومقابلته مما صنفه أو استنسخه من كتب الحديث وغيرها. وكان إذا دخل عليه أحد في حال المقابلة اعتذر منه، أو قضى حاجته باستعجال، لئلا يزاحم وروده إشغاله العلمية ومقابلته.

أما في الأيام الأخيرة، وحينما كان مشغولا بتكميل ( المستدرك ) فقد قاطع الناس على الإطلاق، حتى انه لو سئل عن شرح حديث، أو ذكر خبر، أو تفصيل قضية، أو تاريخ شيء، أو حال راو، أو غير ذلك من مسائل الفقه والأصول، لم يجب بالتفصيل بل يذكر للسائل مواضع الجواب ومصادره فيما إذا كان في الخارج، وأما إذا كان في مكتبته فيخرج الموضوع من أحد الكتب ويعطيه للسائل ليتأمله، كل ذلك خوف مزاحمة الإجابة الشغل الأهم من القراءة والكتابة ».

وقد شهد بمكانة المستدرك وأهميته فحول العلماء، وأقطاب الفقهاء، وكبار المحققين، وأعاظم المجتهدين في عصره، كالشيخ الأعظم الميرزا محمّد تقي الشيرازي ( ت / ١٣٣٨ ه‍ ).

وشيخ الشريعة الأصفهاني ( ت / ١٣٣٩ ه‍ ).

والشيخ المحقق محمّد كاظم الخراساني ( ت / ١٣٢٩ ه‍ ) - صاحب الكفاية - الذي نقل عنه أنه كان يقول: ان الحجة للمجتهد في عصرنا هذا لا تتم قبل الرجوع إلى المستدرك.

وهذه شهادة تكشف عن أهمية المستدرك في نظر الفقهاء، وتجعله كتابا متحدا مع الوسائل في أهدافه وغاياته، أو كما يقول النوري -قدس‌سره -: صار الوسائل ومستدركة كتابين كأنهما نجمان مقترنان يهتدى بهما على مرور الدهور والأزمان، أو بحران ملتقيان يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان.


خاتمة المستدرك

إذا كانت أحاديث المستدرك تعرب عن سعة اطلاع الشيخ النوري -قدس‌سره - في عالم الرواية، وتكشف عن تتبعه النادر لكل شاردة وواردة من روايات أهل البيتعليهم‌السلام فإن خاتمة المستدرك هي المرآة العاكسة لنبوغه في علوم الحديث الشريف، ولوحة فنية معبّرة بصدق عن شخصيته العلمية بكل أبعادها.

إذ نجد في فوائد هذه الخاتمة الاثنتي عشرة، تعرضه إلى الكثير من المطالب الرجالية العالية، والمباحث العويصة المرتبطة بعلم الحديث، مع العناية الفائقة في دراسة التوثيقات الرجالية العامة، واختلاف المشارب والمسارب فيها، وكشف النقاب عن اختلاف المباني العلمية في هذا الاتجاه، ومن ثم مناقشتها نقاشا طويلا هادئا متزنا، بيد أنه قد يثور قلمه أحيانا، ويغضب في مناقشة ما يراه تهافتا، وعندها يترك العنان ليراعه ليدبج ملحمة من الأدلة - إن صح التعبير - على إبطال رأي من الآراء.

لقد ركز المصنف في فوائد هذه الخاتمة على مناقشة المباني العلمية في التوثيقات الرجالية العامة، خصوصا تلك التي تخالف مبناه، ولا تتفق مع وجهة نظره بوجه من الوجوه.

ولقد كان حريصا على تتبع الأقوال في كل مسألة يريد بحثها في هذا المضمار، ومن ثم استعراض مهارة في الدفاع عن وجهة نظره وإبطال ما خالف مبناه، وبسط ذلك على وفق منهج ثابت على الرغم من كثرة الآراء والأقوال التي حشدها في هذه الخاتمة. كل ذلك بهدف إنشاء هيكل جديد بالمعارف الحديثية.

وبغض النظر عن المباني التي شيدت صروحها في فوائد هذه


الخاتمة، نجد رعيلا من الفقهاء قد وقفوا إزاءها موقف الإعجاب، لما فيها من تحقيق ينم عن قابلية فذة ونادرة، ولهذا لم يكتم بعض الأصوليين إعجابه الشديد بهذه الفوائد، فصرح على رؤوس الاشهاد بأنهم - في بحوثهم الرجاليّة - كلهم عيال على النوري، مشيرا بذلك إلى ما في فوائد هذه الخاتمة من إبداع قل نظيره في فوائد كتب الحديث والرجال عند الشيعة الإمامية.

فالخاتمة إذا معرض فكري حافل بمختلف وجوه الآراء، إلى جنب الكثير من المخالفات والمنافرات في عويصات المسائل الحديثية، وهذا ما أملى على الشيخ النوري نوعا من الإسهاب في كشف غياهب تلكم المطالب عن موضوع ما رسم لها من فائدة في هذه الخاتمة.

والحق أنها روضة رائعة من رياض علم الحديث، فيها من آيات الجمال ما يثير إعجاب الناظر، ومن أفانين الورد وأريج الزهر ما ينعش المتنزه، ولكن تلك الروضة الغناء لم تخل من أشواك، وعلى الخبير المنقب أن يتحاشاها.

ومن آيات حسنها وجمالها انك واجد فيها مجموعة هائلة من رواة الحديث الشريف، مع دراسة تفصيلية لبعض المجهولين منهم، ممن لا دليل - في الظاهر - على كونه من المعروفين.

وما ان تحت الخطى مع المصنف في روضته حتى يكشف لك عن أحوالهم بقرائن قد لا تخطر على بال أهل هذا الفن، وقد يريك أمورا لم ترد في كتاب رجالي قط تشهد على حسن حالهم فضلا عن وثاقتهم، وما أكثر ما يوقفك على أشياء لها دخل كبير في معرفة أحوال الغابرين، ولكن لم يلتفت إليها إلاّ القليل من النابغين في هذا الحقل المهم من الدراسة والتحقيق، وعندها ينتزع منك الاعتراف - شئت أم أبيت - بأن في هذه الخاتمة إحياء


لرواة كثيرين لفّهم النسيان بغشائه السميك عبر الأزمان، حتى لم يعد لهم ذلك الدور المهم في نقل الحديث وروايته، والتفاني العظيم من أجل الحفاظ على رواية حديث أهل البيتعليهم‌السلام من التلف والاندثار.

ومن مهارته العجيبة أنك تراه يعمد أحيانا إلى الغوص في تفاصيل حياة المهجورين، ثم لا يلبث أن يثبت لك أنهم من العلماء الأجلاء، أما برواية صريحة صحيحة اقتنصها من كتاب بعد موضوعه عن هذا الفن فلم يلتفت إليه أربابه، وإما باعتماده القرائن الكثيرة التي برهن عليها قبل إدخالها ميزان الجرح والتعديل.

انه دفاع عجيب لم يتصد إليه أحد قبله ولا بعده، مع قوة الأسلوب، وروعة البيان حتى يخيل إليك ان التدقيق والتحقيق في علم الرجال ما هو إلاّ من السحر الحلال.

ولم يقتصر بدفاعه هذا على أولئك الرواة، بل اعتنى عناية فائقة بكثير من الكتب والأصول الدراسة، وبيّن أنها كانت في الاعتبار والاشتهار كالشمس في رائعة النهار، مع البرهان على انها عند أشهر العلماء المعوّل، إذ لا غناء لهم عنها ولا متحول.

وهذا هو ما نص عليه المصنف -قدس‌سره - في الفائدة الأوّلى من فوائد هذه الخاتمة.

ولما كان الشيخ النوري لم يترك مقدمة لهذه الخاتمة يبين فيها منهجه، ويكشف من خلالها عما في هذه الفوائد من الخرائد والفرائد، اكتفاء منه بمقدمة المستدرك، لذا ارتأينا أن نخص كل فائدة من فوائد هذه الخاتمة بشيء من التعريف بمحتواها العام، مع التركيز على أهم ما يمكن أن يقال في هذا المقام، ممهدين لذلك بما يوضح للقارئ الكريم جوانب الاتفاق والافتراق بين فوائد هذه الخاتمة وبين فوائد خاتمة الوسائل، لما في ذلك من


أهمية بالغة في بيان حقيقة الاستدراك على فوائد خاتمة الوسائل. ومن ثم الرجوع إلى ما وعدنا به آنفا، فنقول:

أفردت لكل من خاتمة المستدرك وخاتمة الوسائل اثنتا عشرة فائدة، وقد امتازت فوائد الوسائل - تبعا لمنهج الشيخ الحر في الاختصار وتحاشي ضخامة الكتاب - إلى اختصار شديد بحيث لم تزد بتمامها على جزء واحد كما في الطبعة الأخيرة من الوسائل، بينما امتازت فوائد المستدرك بسعتها لضخامة المطالب المبحوثة فيها، هذا على الرغم من وجود التماثل البين بين عناوين فوائد الخاتمتين، وان افترقت كل منهما بفوائد لم تعنون في الأخرى، كما يتضح من الجدول التالي:

اسم الفائدة مختصرا

ترتيبها في خاتمة المستدرك

ترتيبها في خاتمة الوسائل

١

٢

٣

٤

٥

٦

٧

٨

٩

١٠

حول الكتب المعتمدة

صحة الكتب المعتمدة ووثاقة مؤلفيها

طرق المؤلف إلى مشايخه

فيما يتعلق بكتاب الكافي

طرق الشيخ الصدوق في كتاب الفقيه

طرق الشيخ الطوسي في التهذيب

حول أصحاب الإجماع

أمارة عامة لوثاقة المجاهيل من أصحاب

الإمام الصادقعليه‌السلام

في إرجاع الأحاديث الحسنة إلى الصحيحة

الرواة الثقات والممدوحين

الأولى

الثانية

الثالثة

الرابعة

الخامسة

السادسة

السابعة

الثامنة

التاسعة

العاشرة

الرابعة

السادسة، والتاسعة

الخامسة

الثالثة

الأولى

الثانية

السابعة

-

-

الثانية عشرة


١١

١٢

١٣

١٤

١٥

موقف الأخباريين من حجية القطع

في شرف علم الحديث الشريف

القرائن الدالة على ثبوت الخبر

في جواب الاعتراضات المحتملة

حول الأحاديث المضمرة

الحادية عشرة

الثانية عشرة

-

-

-

-

-

الثامنة

العاشرة

الحادية عشرة

ومن الجدير بالإشارة أن فوائد خاتمة الوسائل ( الثامنة، والعاشرة، والحادية عشرة ) قد بحثها صاحب المستدرك ضمنا وفي أكثر من فائدة، لا سيما في الفائدتين الرابعة والخامسة.

وقد وجدنا الشيخ الحر -قدس‌سره - قد اقتصر في الفائدة الأولى على ترتيب طرق الصدوق فقط، بينما بحثت هذه الطرق تفصيلا في خاتمة المستدرك في الفائدة الخامسة، مع إعطاء دراسة تامة لكل رجل من رجال هذه الطرق، بل وتعيين من روى عنه من الثقات المشهورين مع تعيين رواياتهم في الكتب الأربعة وغيرها من كتب الحديث عن الشيعة الإمامية، ولم يستثن - من هذه الدراسة - أحد من الرواة إلاّ الثقات المشهورين شهرة واسعة جدا مع الإجماع على وثاقتهم.

ومثل هذا الفارق نجده أيضا فيما تخصص من فوائد الخاتمتين لمشيخة التهذيب والاستبصار، حيث الاكتفاء بنقلها كما هي من غير ترتيب في خاتمة الوسائل تلافيا للتكرار الذي ينجم من الترتيب، لاعتماد الشيخ الطوسي -قدس‌سره - على شطر من طرقه في بيان طرقه الأخرى، في حين أضيفت لدراسة هذه الطرق في خاتمة المستدرك جميع طرق الشيخ إلى كتب الشيعة في الفهرست، مع بيان الحكم - بالصحة أو الضعف - على كل طريق، ولا شك ان هذا الحكم على كل طريق من طرق الشيخ في


الفهرست بالصحة أو الضعف، هو نتيجة لدراسة رجالية موسعة شملت جميع من ذكر في الفهرست، ولم يشذ عن ذلك إلاّ من كان معاصرا للشيخ وله كتاب رواه عنه مباشرة، إذ لا طريق.

إلى غير ذلك من المميزات التي انفردت بها إحداهما عن الأخرى، إلاّ أن القاسم المشترك بينهما هو الاعتماد على المباني الاخبارية التي تختلف عن مباني الأصوليين إزاء بعض النتائج المقرّرة في هاتين الخاتمتين، اختلافا يضيق في بعض الأحيان فيعود لفظيا لا تفاوت فيما يرتبه المبنيان عليه من آثار، ولكنه قد يتسع أحيانا اخرى اتساعا بحيث لا يمكن الجمع بين آثارهما بحال.

إلاّ أن ما نجده في البحوث الرجالية والدرائية والكتب المعدة لهذا الغرض - بعد عصر الشيخ النوري - يؤكد على أن لثمرات « خاتمة المستدرك » أهمية لا يسع أرباب أي مبنى - في هذا الحقل - تركها أو الإعراض عنها بحال من الأحوال على الرغم من اعتماد المباني الخاصة فيها.

وقد اضطرنا هذا الاختلاف المبنوي - أحيانا - إلى الإشارة السريعة إلى أهمه خصوصا فيما يتعلق بالتوثيقات العامة المتركزة في الفوائد: « الرابعة، والخامسة، والسادسة » وأعرضنا عن بيان الاختلافات الأخرى، التزاما بإظهار نص المؤلف بصورة واضحة خالية من التعقيد والتصحيف والتحريف كما هو منهجنا في التحقيق.

وبهذا المقدار من الحديث عن خاتمة المستدرك قد آن الأوان لأن تحظى فوائده بما وعدنا به من تعريف فنقول:


الفائدة الأولى

خصصت هذه الفائدة لبيان مصادر المستدرك، وهي أقصر فائدة في فوائد هذه الخاتمة، إذ لم يذكر المصنف فيها سوى مقدمة يسيرة تعرب عن جهده في صياغة ما أنشأه من معارف مهمة ذات صلة بالحديث الشريف ومن ثم تعداد الكتب التي اعتمدها في تسجيل ما استدركه على الشيخ الحر من الأحاديث.

ولقد كان الابتداء بها في هذه الخاتمة موفقا من حيث الترتيب الفني لهذه الفوائدة وتسلسلها على خلاف ما هو عليه في ترتيب فوائد خاتمة الوسائل إذ ابتدأت بنقل مشيخة الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه.

وعلى أية حال، فإنّ تنظيم فوائد خاتمة المستدرك ابتداء بمصادره وانتهاء بترجمة مؤلفة قد أضفى على هذه الخاتمة نوعا من الجمال، لانسجام العرض مع الترتيب.

ولما كان الشيخ الحر العاملي -قدس‌سره - قد أشار إلى كتب أهملها حين تدوين « الوسائل » لذا قد يكون « المستدرك » موحيا بالاعتماد على هذه الكتب ونظائرها.

ومن هنا يظهر اهتمام المصنف بهذه الفائدة وتقديمها على ما سواها، لأنها الأساس الذي شيّد عليه صرح المستدرك.

وما كان الشيخ النوري مغامرا ليختار أرضا رخوة يقيم عليها مثل هذا البناء، لينهار قبل تمامه، كما سنوضحه في هذه السطور، فنقول:

صرح الشيخ الحر العاملي -قدس‌سره - في الفائدة الرابعة من


خاتمة الوسائل بأسماء الكتب التي نقل منها أحاديث « الوسائل » فكانت على نحوين وهما:

الأول : كتب نقل منها مباشرة، وهي اثنان وثمانون كتابا.

الثاني: كتب نقل منها بالواسطة، وهي ستة وتسعون كتابا.

وبهذا يكون مجموع الكتب التي صرح الشيخ الحر باعتمادها في الوسائل - سواء بالواسطة أو غيرها - مائة وثمانية وسبعين كتابا.

وهذا العدد لا يمثل جميع ما وصل إلى عصر الشيخ الحر من كتب الشيعة قطعا.

وأيضا صرح الشيخ الحر في هامش له على بداية الفائدة المذكورة ( ٣٠: ١٥٩ - ١٦٠ ) بأنه قد ترك النقل من كتب اخرى غير معتمدة عنده لسببين وهما:

الأول : عدم العلم بثقة بعض مؤلفي هذه الكتب.

الثاني : ثبوت ضعف بعضهم عنده.

ثم عدد من هذه الكتب ثلاثة عشر كتابا.

والشيخ النوري -قدس‌سره - لم يعتمد على هذه الكتب الثلاثة عشر كلّها، بل ترك سبعة منها لعدم اعتمادها عنده أيضا، ولعل من ألّفها هم « البعض » الذي ثبت ضعفه عند الشيخ الحر - طاب ثراه -.

أما « البعض » الآخر من هذه الكتب التي لم يكن لدى الشيخ الحر علم بثقة مؤلفيها، فلا يبعد ان تكون هي الستة المعتمدة في أحاديث المستدرك، وهي:

١ - كتاب مصباح الشريعة المنسوب إلى الإمام الصادقعليه‌السلام .

٢ - كتاب الفقه الرضوي المنسوب إلى الإمام الرضاعليه‌السلام .

٣ - كتاب غوالي اللآلئ لابن أبي جمهور الأحسائي.


٤ - كتاب الشهاب لابن سلامة القضاعي.

٥ - كتاب جامع الأخبار لمحمّد بن محمّد السبزواري.

٦ - كتاب الدرر والغرر للآمدي.

وهذه الكتب الستة لا تمثّل إلاّ جزءا يسيرا جدا من أحاديث المستدرك التي اقتنصها المصنف - بعد تصفح طويل في تراث الشيعة - من كتب كثيرة، لم يصرح بها الشيخ الحر لا سلبا ولا إيجابا. وقد ذكر المصنف منها في هذه الفائدة اثنين وسبعين كتابا، كانت سبعة منها هي من مصادر بحار الأنوار، ولو أردنا تصنيف هذه الكتب لوجدناها مشتملة على بعض الأصول الأربعمائة، ونوادر قدماء الأصحاب، ورسائلهم، ومسائلهم، وصحائفهم، وتفاسيرهم وغيرها مما لم يكن عند الشيخ الحر العاملي وقت تأليف الوسائل.

ومن الملفت للنظر هو أن بعض مؤلفي الكتب المذكورة في هذه الفائدة هم من مؤلفي الكتب المعتمدة في الوسائل، كالصدوق الأول علي ابن الحسين بن بابويه القمي ( ت / ٣٢٩ ه‍ ) والشيخ الصدوق محمّد ابن علي بن الحسين بن بابويه القمي ( ت / ٣٨١ ه‍ ) والشيخ المفيد ( ت / ٤١٣ ه‍ )، والطبرسي صاحب مجمع البيان ( ت / ٥٥٨ ه‍ )، والسيد ابن طاوس ( ت / ٦٦٤ ه‍ )، والشهيد الأول ( ت / ٧٨٦ ه‍ )، - قدس الله تعالى أرواحهم -.

وهذا يعني استقصاء المصنف لمؤلفات الأعلام الذين لا شك ولا شبهة في وثاقتهم، ومن ثم فرز ما لم يعتمد الحرّ منها في الوسائل، إما لعدم الوقوف عليها، أو لعدم وصول نسخة صحيحة منها إلى الشيخ الحر وقت التأليف.

ومثاله اعتماد الشيخ الحر على عشرة كتب من كتب السيد ابن طاوس ( ت / ٦٦٤ ه‍ ) إلاّ أن الشيخ النوري استدرك عليه ما فاته من أحاديث في


« فلاح السائل » و « سعد السعود » حيث لم ينقل عنهما في الوسائل، ولا يشك أحد بصحة انتساب هذين الكتابين لهذا الفقيه الجليل، ومن هنا كانت أهمية هذه الفائدة إذ رسمت صورة واضحة لجهد المصنف في تتبع ما لم يورده الشيخ الحر من مؤلفات أعاظم الشيعة المعلومة النسبة إليهم.

وممّا يلحظ في هذه الفائدة أنها لم تسجّل جميع مصادر المستدرك، وما ترك ذكره فيها أكثر مما ذكر، لا عن غفلة من المصنف بل لنكتة مهمة وهي أن ما اعتمده النوري من الكتب ولم يشر إليه في هذه الفائدة إنما هو لاعتماده من قبل الشيخ الحر نفسه، وهذه ميزة مهمة للمستدرك تكشف عن تتبع مصنفه لما في مصادر الوسائل من أحاديث تركها الشيخ الحر، مع أنها تنطوي على أحكام فقهية بنظر النوري، ومروية بالأسانيد التي احتج بها الشيخ الحر، وهذه الكتب كثيرة نذكر منها:

كتاب المحاسن للبرقي، كامل الزيارات لابن قولويه، رجال الكشي، قرب الاسناد للحميري، تفسير علي بن إبراهيم القمي، تفسير العياشي، الكافي لثقة الإسلام الكليني، وكتاب من لا يحضره الفقيه، وعيون أخبار الرضاعليه‌السلام ، والخصال، وإكمال الدين، وثواب الأعمال، ومعاني الأخبار للشيخ الصدوق، وأمالي الشيخ المفيد، والاختصاص له أيضا، وأمالي الطوسي، وكتاب الغيبة، ومصباح المتهجد له أيضا، ونهج البلاغة جمع السيد الشريف الرضي، وكنز الفوائد للكراجكي، والاحتجاج للطبرسي، وغيرها.

نعم، ذكر النوري في هذه الفائدة أربعة من الكتب المشتركة الاعتماد عليها بينه وبين صاحب الوسائل وهي:

١ - صحيفة الإمام الرضاعليه‌السلام .

٢ - كتاب علاء بن رزين.


٣ - تفسير النعماني.

٤ - كتاب المزار لابن المشهدي.

ولعل السبب في ذلك هو أن الأول منها قد اعتمده الشيخ الحر برواية الشيخ أبي علي الطبرسي، بينما اعتماده في المستدرك برواية غيره، وهي نسخة معتبرة، فيها ما لم يتوفر بنسخة الشيخ الحر.

أمّا الثلاثة الأخرى فباعتبار الوقوف المباشر عليها من غير واسطة - دون ما في الوسائل - ولا يخفى ما في هذا الفرق من مبررات الاستدراك.

وخلاصة المقام: أن الفائدة الأولى من فوائد المستدرك جديرة بأن تنال اهتمام الباحثين، وأن تحظى بدراسة مقارنة مع الفائدة الرابعة من فوائد خاتمة الوسائل، لكي تتضح جهود الشيخ النوري في تتبع ما لم يقع في متناول الشيخ الحر من تراث الشيعة، ذلك التراث الذي أوشك أن يضمحل دوره في الفقه الشيعي بعد عصر الوسائل.


الفائدة الثانية

بعد ان فرغ المصنف -رحمه‌الله تعالى - من تعداد أسماء الكتب التي اعتمدها في المستدرك في الفائدة الأولى، انتقل إلى هذه الفائدة لدراسة ما ذكره هناك من الكتب دراسة تفصيلية، مع شرح دقيق ومستوعب لمكانة مؤلفيها، وبيان منزلتهم العلمية، ودرجة وثاقتهم، ومدى الاعتماد عليهم في عالم الرواية.

ولقد وجدنا المصنف -رحمه‌الله تعالى - في هذه الفائدة حريصا جدا على إعطاء صورة واضحة لكل كتاب اعتمده وكان محط تأمل البعض من العلماء، إما للشك في صحة نسبته إلى مؤلفه، أو لجهالة حال مصنفه، أو لحكم البعض على عدم وثاقته، أو لعدم وصول نسخة صحيحة - من هذا الكتاب أو ذاك - إلى المتأخرين مما أدى إلى إهماله، أو لغيره هذا وذاك من الدواعي الأخرى التي حملت الأعلام على الاعراض عن الكتب المتصفة بهذه الأسباب أو بعضها. كل ذلك فرض على صاحب المستدرك -قدس‌سره - أن يدخل في هذا الباب من البحث الذي لم يطرقه أحد غيره، لا قبله - كما صرح به في آخر المطاف - ولا بعده فيما نعلم.

وحيث كانت الإحاطة بما في هذه الفائدة متعذرة عبر هذه السطور، لذا سيكون الحديث عنها مقتصرا على ما يضمن الوصول إلى تلك الإحاطة الموكول أمرها إلى القارئ الكريم نفسه، فنقول:

يمكن حصر الحديث عما في هذه الفائدة بالمحاور الثلاثة التالية.

المحور الأول : ما يتعلق بالكتب المذكورة في هذه الفائدة.

المحور الثاني : ما يتعلق بمؤلفي هذه الكتب.


المحور الثالث : ما له ارتباط ما بأحد المحورين أو بهما معا.

وسوف نذكر بيانا ملخصا لما جاء في كل محور من هذه المحاور وعلى النحو التالي.

المحور الأول : ( ما يتعلق بالكتب المذكورة في هذه الفائدة ).

لقد اشتمل هذا المحور على أمرين مهمين في بيان حقيقة الكتب المذكورة في هذه الفائدة وهما:

أحدهما : في وصف هذه الكتب.

والآخر : في إثبات اعتبارها.

أما الأول : فيتلخص بالنقاط التالية:

١ - العناية في تحديد اسم الكتاب - موضع بحث الفائدة - بالضبط، مع عرض سائر الاختلافات في ضبطه إن وجدت لدى العلماء، ثم انتخاب ما يمثل الواقع اعتمادا على أدلة كثيرة، قد يرتبط بعضها بعصر المؤلف أو تلامذته.

٢ - التأكيد على ما في أول الكتاب وآخره من كلام مصنفه، ولا يخفى ما في هذا العمل من أهمية كبيرة بالنسبة إلى الكتاب.

٣ - الاهتمام الملحوظ في بيان تاريخ تأليف الكتاب المبحوث عنه، وتاريخ الفراغ من تأليفه، ولما كان هذا الأمر غير متيسر بالنسبة إلى كثير من الكتب، صار معوّل الشيخ النوري -قدس‌سره - على ما في نسخه منها من حيث بيانه لتاريخ نسخها ووقت الفراغ منه، مع بيان اسم الناسخ، وقد وجدنا بعض نسخه الخطية يرجع تاريخها إلى القرن الرابع الهجري، كما في نسخته من كتاب درست بن منصور ونوادر علي بن أسباط وغيرهما.

٤ - لغة جميع كتب هذه الفائدة هي اللغة العربية، حيث لم يعتمد فيها إلاّ على النص العربي للحديث الشريف لما في الاعتماد على النص


المترجم من مضيعة لبلاغة الحديث الشريف وروعة نظمه، وقد نبّه المصنف على هذا في كتاب روض الجنان لأبي الفتوح الرازي الآتي في هذه الفائدة.

٥ - الإشارة إلى ما في هذه الكتب من أحاديث الأحكام، فبعضها غزير المادة الفقهية، وبعضها الآخر لا شيء فيه من ذلك بل موضوعه السنن والأخلاق والآداب العامة، وبعضها قد جمع بين الأمرين.

واما الثاني : فغالبا ما يبتدئ بعرض اختلاف العلماء في الكتاب المبحوث عنه، من حيث طعنهم بالكتاب، أو شكهم بصحة نسبته إلى مؤلفه، مع بيان سائر الوجوه التي اعتمدها من قال بعدم اعتباره، ومن ثم الانتقال إلى الدفاع عن هذا الكتاب، وبيان قيمته العلمية، وذلك بالاعتماد على كثير من الشواهد والأدلة، نذكر أبرزها وهي:

١ - استقصاء ما كتبه أعلام الشيعة من شروح لهذا الكتاب المطعون فيه، وبيان ما في عملهم هذا من دليل عنايتهم به، وإلاّ فأي ثمرة تترتب على تظافر جهود العلماء في شرحه لو كان الكتاب غير جدير بالاهتمام والاعتبار؟! كما نلحظه في كتاب الشهاب للقاضي القضاعي محمّد بن سلامة المالكي المصري المتوفى بها ليلة الخميس ١٦ ذي القعدة / ٤٥٤.

٢ - بيان الطرق الموصلة إلى الكتاب تفصيلا، وقد يتوسع النوري -قدس‌سره - في كثير من الأحيان في تفصيل هذه الطرق فيذكر العديد منها، لإثبات صحة نسبة الكتاب إلى مصنفه بشكل لا يدع مجالا للشك في صحة هذه النسبة.

٣ - ذكر أسماء العلماء الذين اعتمدوا الكتاب وصرّحوا باعتباره، وقد يسجل النوري -قدس‌سره - العشرات من أسماء العلماء القدامى والمعاصرين له في هذا المضمار.

٤ - تفصيل من روى عن هذا الكتاب من قدامي الأصحاب في كتبهم


الحديثية المعتبرة، كما هو الحال في كتاب عاصم بن حميد المعتمد من قبل المحمدين الثلاثة - رضي الله عنهم - في كتبهم الأربعة.

٥ - الغوص في بحر الإجازات العلمية التي منحها المشايخ العظام إلى فضلاء عصرهم وتلامذتهم، لاستخراج ما فيها من تقريظ ومدح لهذا الكتاب أو ذاك مع الإجازة بروايته، كما ان في تبيين هؤلاء المشايخ لطرقهم إلى هذه الكتب واتصالها بمؤلفيها ما يؤكد صحة نسبتها إليهم، هذا فضلا عن طرق النوري -قدس‌سره - إلى هذه المصنفات كما مرّ آنفا.

٦ - اهتمام الشيخ النوري -قدس‌سره - بإجراء المقارنة بين محتوى كتبه تلك مع ما في الكتب الأربعة، وغيرها من كتب الشيعة المهمة في مجال التعرف على أحاديث أهل البيتعليهم‌السلام لا سيما كتب الشيخ الصدوق والطوسي وأضرابهما، كل ذلك بهدف التأكيد على ان الاختلاف بين الاثنين نادر وقليل جدا.

٧ - اقتناص أدلة الأحكام الفقهية المقررة لدى بعض الفقهاء والمأخوذة من روايات هذه الكتب، أو الموافقة لها من حيث المضمون.

٨ - إثبات ان بعض الكتب التي تركها صاحب الوسائل -قدس‌سره - قد اعتمد عليها من حيث لا يعلم، كما هو الحال في كتاب الجعفريات الذي لم يذكره الشيخ الحر -رحمه‌الله - ضمن مصادر الوسائل، إلاّ ان خبر الوسائل ( ١٠: ٣٢ / ١٣٥ ) قد أخذ من كتاب الإقبال للسيّد ابن طاوس -رضي‌الله‌عنه - مع أنّ الأخير نقله من كتاب الجعفريات نصا، وهذا تتبع نادر يستحق الثناء. على أن فيه ما يدل على اعتماد أكابر الفقهاء العبّاد على كتاب الجعفريات.

٩ - الإطالة في الدفاع عن بعض الكتب، مع عرض عشرات الأدلة على اعتبارها واعتمادها وشهرتها لدى العلماء، كما هو الحال في كتاب


دعائم الإسلام، ومصباح الشريعة، وكتاب الفقه الرضوي وغيرها.

أما الكتب المعلومة الانتساب إلى أعاظم رجالات الشيعة، فيجدها غير محتاجة إلى الدعم - وهو الصواب - لذا لم يتحدث عنها إلاّ قليلا، وربما ترك الحديث عنها لعدم أهميته قياسا إلى أهمية الحديث عن غيرها من الكتب الأخرى، وقد اختص هذا بكتب المشاهير كالشيخ المفيد وشيخ الطائفة -قدس‌سرهما الشريف - وغيرهما.

إلى غير ذلك من الأمور الأخرى المتصلة بهذا المحور والتي لا مجال لإيضاحها في هذه العجالة.

المحور الثاني: ما يتعلق بمؤلفي هذه الكتب.

توسع المصنف في حديثه عن مؤلفي هذه الكتب، وقد أبدى مهارة في إجلالهم، وبيان منزلتهم العلمية، ومكانتهم عند أرباب النظر، مع فضلهم في الحفاظ على السنة بشقيها - النبوية والإمامية - وصيانتها من التلف أو الضياع.

هذا ويمكن إجمال ما في هذا المحور بالنقاط التالية:

١ - ضبط أسماء المؤلفين كاملة، مع مناقشة جميع الاختلافات الواردة في ذلك.

٢ - الاعتناء البالغ بالتضعيفات الموجهة إلى أي مؤلف كان من مؤلفي كتب هذه الفائدة. وهذه التضعيفات على نحوين:

أحدهما : تضعيفات أهل السنة.

والآخر : تضعيفات علماء الشيعة.

أما الأول : فلا يكلف النوري نفسه -قدس‌سره - بالردّ عليه، ويهمله تماما، بل ويعد الردّ عليه من تضييع العمر، وقد وجدناه -رحمه‌الله - في غير هذه الفائدة يعد قدح أهل السنة برجال الشيعة ورواتهم من حسن الراوي، وهو


كذلك، إذ يكفي في التضعيف عندهم أن يكون الرجل شيعيا حتى ولو كان من عبّاد هذه الأمة وزهادها!! حتى لكأن اجتماع النقيضين أهون عند متعصبيهم من اجتماع التشيع والوثاقة في فرد مسلم!!! ناهيك عن كثرة امتداحهم وتوثيقاتهم بكتب الرجال لكلاب أهل النار من أحفاد ذي الثدية فيما نصت عليه صحاحهم.

وأمّا الثاني : فهو موضع اهتمام النوري -رحمه‌الله - إذ نراه يستعرض جميع الأقوال المضعفة لأي من أولئك المؤلفين، ثم ينتقل بعد ذلك إلى مناقشة هذه التضعيفات منتهيا إلى الحكم بجلالته وعلو قدره ومنزلته، وله في إثبات ذلك منها:

أ - النص الصريح - من أحد العلماء المتضلعين في فن الرجال - على وثاقته.

ب - إيراد الكثير من أسانيد الكتب الأربعة المتصلة بقدامى مؤلفي بعض هذه الكتب خصوصا ما كان داخلا منهم في عداد أصحاب الأصول الأربعمائة المعروفة عند الشيعة، وذلك للدلالة على كونه معتمدا في الرواية من قبل رواة الشيعة الأوائل.

ج - رواية أجلاء الشيعة وأصحاب الإجماع: كابن أبي عمير، وصفوان، والبزنطي - الذين عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة - عن قدامي هؤلاء المؤلفين.

د - بيان موقف العلماء إزاء من ضعّف، وتصريحهم بخلافه.

ه - الإكثار من توظيف استدلالات الفقهاء في مجال الأحكام الفرعية لخدمة التوثيق حين يكون الاستدلال برواية رواها المؤلف أو وقع في إسنادها.

٣ - إثبات تشيع من يدعى تسننه من أولئك المؤلفين، وله في إثبات


ذلك طرق طريفة، لعل من أهمها كون المدعى تسننه هو « من دعاة الرفض » عند أهل السنة.

٤ - المسكوت عنهم في كتب الرجال من أولئك المؤلفين قد نالوا حظا وافرا من البحث والتمحيص في هذه الفائدة، كما في شرحه لأصل زيد الزراد. ولقد كان المصنف آية عجيبة في توثيق من لم يذكر منهم في كتب الرجال بمدح أو قدح كأبي محمّد جعفر بن أحمد القمي صاحب كتاب المسلسلات وغيرها من الكتب، إذ أكّد جلالته بمختلف الطرق.

المحور الثالث : ما له ارتباط بموضوع الفائدة.

فرض هذا الباب من البحث على الشيخ النوري -قدس‌سره - التطرق إلى الكثير من الأمور الأخرى التي لم تذكر في أي من المحورين السابقين وكان لبعضها ارتباط جانبي بأحد المحورين، ولبعضها الآخر صلة وطيدة بموضوع هذه الفائدة.

وفيما يلي أهم تلكم الأمور، التي تكرر ذكر بعضها بين فترة واخرى، مجملة بالنقاط التالية:

١ - تنبيه المصنف -قدس‌سره - على طريقة حصوله على بعض مصادر المستدرك الفريدة، وقد يجزم أحيانا بافتقار مكتبات الشيعة في العراق إليها، لحصوله عليها من بلاد الهند، أو إيران أو غيرهما من البلدان النائية عن مكان تأليف خاتمة المستدرك، مما يكشف هذا عن اتصاله الوثيق برجال الفكر وعشاق التراث الشيعي ومكتبات الشيعة في مختلف بقاع العالم الإسلامي.

٢ - إشارة المصنف إلى أخطائه -رحمه‌الله - إزاء ما ذكره عن بعض هذه الكتب أو بعض المؤلفين في مؤلفاته السابقة كدار السلام، والنجم الثاقب وغيرهما. كما هو الحال في كتاب الدعوات للقطب الراوندي الآتي


في هذه الفائدة برقم / ٣٤، حيث سبق وان نسبه إلى غير مؤلفه في كتبه السابقة.

٣ - التصريح باعتماده على مؤلفاته السابقة في شرح حال بعض الكتب المذكورة في هذه الفائدة كما يظهر ذلك من كتاب جامع الأخبار الآتي برقم / ٥١ والذي لم يقطع المصنف بنسبته إلى شخص معين، بل جعله مرددا بين اثنين، والصحيح انه لمحمّد بن محمّد السبزواري كما أثبته المحقق الأستاذ علاء آل جعفر في مقدمة تحقيقه للكتاب المذكور.

٤ - الإحالة إلى الفوائد الأخرى في هذه الخاتمة لا سيما الفائدة الثالثة فيما له علاقة بمؤلفي هذه الكتب في الفائدتين.

٥ - تعرضه إلى بيان بعض الطرق إلى الكتب التي اعتمدها الشيخ الحر العاملي ولم يعتمدها هو في المستدرك من هذه الطرق بل من طرق اخرى، لاختلاف النسخ تبعا لاختلاف طرقها، كما نجده في نسختيهما من صحيفة الامام الرضاعليه‌السلام .

٦ - تعرضه إلى بيان التصحيفات الحاصلة في أسماء الرواة الذين وقعوا في الأسانيد التي استفاد منها النوري في مجال التوثيقات العامة أو لأغراض أخرى في هذه الفائدة.

٧ - تناوله لبعض الأمور المهمة المرتبطة بعلم الحديث الشريف، كبحثه عن الصحابة وحجية الحديث المرسل وغير ذلك من الأمور الأخرى ذات الصلة بدراية الحديث وروايته.

هذا وقد تسجل بعض المؤاخذات على المصنف -رحمه‌الله - لعل أهمها ما يأتي:

١ - اعتماده على كتاب واحد مجهول المؤلف وإن اعتذر عن الاستدراك به على الشيخ الحر باعتبار ان ما سجله منه ليس محتجا به وإنما


هو كشاهد ومؤيد.

٢ - تصريحه باعتماده على بعض الكتب التي افتقرت إلى المادة الفقهية تماما معللا ذلك بالحرص على حفظ مآثر الشيعة الإمامية من الضياع كما في كتاب مصباح الشريعة مما يجب - لو صح الاستدراك بهذا - ان تطرد العلة لتشمل سائر كتب الشيعة الأخرى التي هي من قبيل مصباح الشريعة.

٣ - اعتماده - كما صرح هو -قدس‌سره - على كتاب واحد غير شيعي مع ان الاستدراك هو على « تفصيل وسائل الشيعة »!

٤ - لم يعر الاهتمام بالدفاع عن التوثيقات الرجالية العامة التي اعتمدها في مجال التوثيق في هذه الفائدة، بل ولم يشر إلى مواضع دفاعه عنها في الفوائد الأخرى من هذه الخاتمة كالرابعة والخامسة والسابعة وغيرها، حتى لكأنها مسلمة عند الجميع وليس الأمر كذلك.


الفائدة الثالثة

في ذكر المشايخ العظام

خصصت هذه الفائدة - التي هي أكبر الفوائد بعد الخامسة - لبيان طريق المصنف إلى أصحاب الكتب التي تقدمت الإشارة إليها في الفائدتين الأولى والثانية، منضمة إليها مئات الطرق الأخرى إلى من ألّف وصنف - من السلف الصالح - في علوم الشريعة الغراء من فقه وحديث وتفسير وأصول ونحو ذلك، ابتداء من عصر المصنف المتوفى سنة - ١٣٢٠ ه‍ )قدس‌سره -، وانتهاء بأصحاب الكتب الأربعة المشهورة، وما تلاها في الاعتبار.

وقد استهلّ هذه الفائدة ببحث ممتاز عن الإجازات العلمية ودورها المهم في رواية الحديث باعتبارها من أهم طرق تحمّل الحديث وآداب نقله، مستعرضا لكثير من الإجازات التي استجازها المشايخ العظام، أو منحوها لمن استجازهم، ذاكرا نتفا من استجازة علماء الشيعة وفقهائهم عن فقهاء أهل السنة ومحدثيهم وأرباب العلوم الأدبية، لرواية جميع مؤلفاتهم ومصنفاتهم التي يحتاجون إلى النقل منها، كما حدث ذلك لهم بالشام ومصر ومكة وفلسطين. كما بين في هذا البحث الكيفية التي تتم بها معرفة مشايخ الإجازات بعيدا عن كتب الرجال ونصوصهم - كما بحث أيضا عن أصناف التحمل الأخرى -، إلاّ انه لم يولها ما أولى الإجازة من اهتمام.

ومن مظاهر اعتداده الفائق بالإجازة انه خصص مساحة واسعة في هذا البحث للرّد على دعوى انحصار الإجازة في التيمن إلاّ أن يكون متعلقها كتابا خاصا فتفيد الضمان وتعهد صحته وحفظه من الغلط والتصحيف، حيث أثبت حاجة الفقهاء الأوائل إليها مطلقا حتى في الكتب المتواترة عن


أصحابها، ثم ساق كثيرا من الأدلة التي تضاد هذه الدعوى، مشيرا إلى احتياط بعضهم في إتيان أمور بلا دليل وإنما لمواظبة بعض من سبق من الفقهاء عليها، متسائلا كيف لا تكون الإجازة كذلك بعد أن دأب عليها جميع الفقهاء؟

ولهذا نجده لا يرى حجية فتوى الفقيه الذي لم يستجز أحدا في الرواية، لأن الإجازة في نظره هي طريق الاحتياط الوحيد الذي لا ينبغي للفقيه مجانبته.

وبعد أن فرغ المصنف -قدس‌سره - من بحث الإجازات العلمية في عالم الرواية والتحديث، انتقل إلى موضوع هذه الفائدة، ألا وهو بيان طرقه مفصّلة إلى المشايخ العظام.

ابتدأ المصنف بمشايخه الخمسة، وهم:

الأول : الشيخ مرتضى الأنصاري.

الثاني : الشيخ عبد الحسين الطهراني.

الثالث : السيد مهدي القزويني.

الرابع : المولى علي بن ميرزا خليل الطهراني.

الخامس : الميرزا محمد هاشم الخوانساري.

وهؤلاء الخمسة -قدس‌سرهم - قد أجازوا المصنف برواية جميع مصنفاتهم ومؤلفاتهم وما سمعوه أو قرأوه على مشايخهم، وهم بدورهم استجازوا مشايخهم الذين هم استجازوا أيضا ممن تقدم على طبقتهم، وهكذا الحال بالنسبة إلى الطبقات الأخرى الممتدة على ما يقرب من ألف عام.

إن القارئ الكريم ليجد في هذه الفائدة جهدا فريدا في تفصيل مشايخ هذه الطبقات التي تزداد تعقيدا كلما ابتعد عن عصر المصنف لكون كل


مجيز منهم - مع كثرتهم - مستجيزا من غيره.

فالشيخ الأنصاري - مثلا - الذي ابتدأ به المصنف، له طريقان إلى المشايخ العظام.

أحدهما : عن الشيخ النراقي.

والآخر : عن السيد صدر الدين محمّد بن صالح الموسوي.

ولكل من هذين الطريقين طرق اخرى، تتفرع منها طرق كثيرة، وتتشعب من فروعها طرق أكثر.

فالشيخ النراقي مثلا يروي عن المشايخ العظام - بالإجازة - من أربعة طرق.

الأول : من طريق السيّد بحر العلوم.

الثاني : من طريق والده الشيخ مهدي النراقي.

الثالث : من طريق السيّد محمد مهدي الشهرستاني.

الرابع : من طريق الشيخ جعفر كاشف الغطاء.

والسيد بحر العلوم يروي - بالإجازة أيضا - عن المشايخ العظام من ثمانية طرق، والأول من هذه الثمانية له طريق، والثاني طريقان، والثالث طريق، والرابع طريق، والخامس طريقان، والسادس طريق، والسابع ثلاثة طرق، والثامن أربعة طرق. وهكذا الحال فيما يتفرع ويتشعب من طرق جديدة اخرى. هذا كله في الطريق الأول للشيخ الأنصاري -قدس‌سره - وقس عليه طريقه الثاني بل وطرق مشايخ النوري الأربعة -رحمهم‌الله تعالى -.

والشيخ النوري -قدس‌سره - لم يكن بعمله هذا مجدولا لسلسلة الإجازات بهذا النمط، ولا رابطا لحلقاتها بعضها ببعض ابتداء من نفسه الشريفة وانتهاء بأصحاب الكتب الأربعة الذين انتهت إليهم إجازات


المشايخ كالكليني والصدوق والطوسي وأضرابهم ممن اتصلوا بأهل البيتعليهم‌السلام عبر سلسلة من الرواة فحسب، بل تجاوز هذا النمط من الترتيب، ولو لم يكن عمله في هذه الفائدة إلاّ هو لكان جديرا بأن يحظى باهتمام العلماء الأعلام خصوصا المشتغلين منهم بفن الحديث الشريف رواية ودراية، لما فيه من فوائد وعوائد تكشف للعيان مبلغ اهتمام الشيعة البالغ في الحفاظ على طريقة التحديث المثلي في سائر العصور.

نعم لم يكتف المصنف -قدس‌سره - بذلك، حيث أطال الوقوف على عدد غفير من المشايخ العظام، مبينا منزلتهم العلمية، وما أحاطت بحياتهم من حوادث وقصص طريفة لم يلتفت إليها العلماء، ولم تعتن بها كتب الرجال.

فهو يذكر أسمائهم، وكناهم، وأنسابهم، وأحسابهم، وألقابهم، ومناطق سكناهم، ورحلاتهم، وأسفارهم، وإجازاتهم، وعلاقات بعضهم ببعض، ودرجة القربى فيما بينهم سببا أو نسبا، مع شيء من أقوالهم، وأشعارهم، ومناظراتهم، ونوادرهم، وتهانيهم بأفراحهم، وتعازيهم بأحزانهم، وتراحمهم، وتوادهم، وتعاطفهم، مع تفصيل مصنفاتهم ومؤلفاتهم، وبيان تقواهم وتمسكهم بحبل الولاء وعرى الايمان، وما قيل بشأنهم، بل لم ينس حتى منامات بعضهم في حق بعض، ومن ضاعت منه كتبه، أو تلفت، أو سرقت، أو ظهرت بعد وفاته ونسبت لغيره اشتباها، وكثير ما يؤكد على تاريخ ولاداتهم، ووفياتهم، ومن صلّى على جنائزهم، ومكان قبورهم، بما يعد تاريخا عظيما وسجلا حافلا لكل ما اتصل بمشايخ الإجازات - تغمدهم الله تعالى برحمته الواسعة وأجزل الثواب لهم - وعلى امتداد عشرة قرون تقريبا.

وقد انتهى به المطاف - على هذا النهج - إلى الشيخ أبي علي الحسن ابن شيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي - أعلى الله تعالى


مقامه - لانتهاء أكثر إجازات مشايخ الشيعة إليه، وبه تمم المصنف -رحمه‌الله تعالى - الطرق إلى أرباب المؤلفين والمشايخ من الخلف والسلف الصالحين، واتصال السند إلى أصحاب المجاميع التي تدور عليها رحى مذهب الشيعة كالكتب الأربعة وما يتلوها في الاعتبار.

وأما عن شرح طرق هؤلاء الأصحاب -قدس‌سرهم - إلى مصنفات الرواة من الكتب والأصول المعروفة فلم يبحثها في هذه الفائدة، واكتفى بالإحالة إلى فهارسهم وكتبهم المسندة التي ضمت مشيختهم تفصيلا.

ثم عرّج بعد هذا على بيان نبذة من أحوال جملة من هؤلاء المشايخ الذين انتهت إليهم سلسلة الإجازات، وقد خص بالذكر منهم اثني عشر شيخا وهم:

الشيخ الكراجكي، الشيخ النجاشي، شيخ الطائفة الطوسي، الشريف الرضي، السيد المرتضى علم الهدى، الشيخ المفيد، الشيخ ابن قولويه، الشيخ الصدوق، الشيخ النعماني، ثقة الإسلام الكليني، الشيخ علي بن بابويه، الشيخ الكشي.

وقد تحدث عن كل واحد منهم -قدس‌سرهم - بما لا مزيد عليه إذ ذكر أنسابهم، وأحسابهم، وفضائلهم، ومآثرهم، مع شيء من قصصهم، وأخبارهم، وما يتصل بهم، مؤكدا على اعتراف أهل السنة بفضلهم وتعظيمهم وتبجيلهم.

أما عن الشيخ أبي جعفر محمّد بن يعقوب الكليني - طاب ثراه - فقد أحال المصنف إلى ما كتبه عنه وعن كتابه الكافي في الفائدة الرابعة.

وقبل أن نعرّف القارئ الكريم بما في الفائدة الرابعة من فوائد هذه الخاتمة، نود أن نبين له بأن الشيخ النوري -قدس‌سره - قد رسم لسلسلة الإجازات بسائر الطبقات ابتداء من نفسه، وانتهاء بالسفير الرابع لمولانا


ومقتدانا الإمام الحجة أرواحنا فداه، مشجرة رائعة مفصلة تضمنت أسماء المشايخ العظام، وقد كان المصنف حريصا جدا على كل ما رسمه فيها من حيث سعة الدوائر فيها وضيقها مع تلوينها، زيادة على ما رسمه من خطوط لها دلالتها في اتصال المشايخ بعضهم ببعض، وقد وجدنا في مشجرته اختلافا يسيرا مع ما أثبته في هذه الفائدة، أشرنا إلى محله في هامش المتن.

وقد ارتأت مؤسستنا إعادة ترتيب هذه المشجرة بشكل واضح ينسجم مع سهولة تتبع القارئ لسلسلة المشايخ عبر طبقاتهم أجمع، لما في مشجرة المصنف من صعوبة بالغة حيث أودع فيها - وبمساحة ضيقة - من الدوائر الصغيرة والكبيرة والمتوسطة ما يقرب من عدد المشايخ المذكورين في متن هذه الفائدة، كل هذا مع تشابك خطوطها طولا وعرضا، مما يصعب معه تتبع أسماء مشايخ الإجازات عبر طبقاتهم.

وسوف يكون لنا حديث آخر عن هذه المشجرة في محله من هذا الكتاب لغرض التعريف بها وإزالة ما يكتنفها من غموض نسبي إن شاء الله تعالى.


الفائدة الرابعة

في شرح حال كتاب الكافي لثقة الإسلام الكليني

افتتح المصنف -قدس‌سره - هذه الفائدة بنبذة من أقوال علماء الإمامية في مدح كتاب الكافي، كالشيخ المفيد، والمحقق الكركي، والشهيد الثاني وأضرابهم.

ثم تعرض بعد ذلك إلى بيان معنى الحديث الصحيح عند القدماء، مؤكدا ان اتصاف الحديث عندهم بالصحة هو أعم منه عند المتأخرين الذين اصطلحوا عليه بما لم يكن معروفا لدى القدماء الذين اكتفوا بإطلاقه على ما اعتضد بما يقتضي اعتمادهم عليه، أو اقترن بما يوجب الوثوق به والركون إليه.

كوجوده في أكثر الأصول الأربعمائة.

أو تكرره في أصل أو أصلين.

أو كثرة طرقه.

أو لوجوده في أصل معروف الانتساب إلى من أجمعت الشيعة على تصديقه.

أو لأخذه من الكتب التي شاع بين القدماء الوثوق بها والاعتماد عليها.

أو لاندراجه في أحد الكتب التي عرضت على أحد الأئمّةعليهم‌السلام .

أو لاشتهاره ومطابقته لدليل قطعي.

أو لغير هذا وذاك من الأمور الخارجية الأخرى.


ثم بين المصنف أن هذه القرائن لم تراع في اصطلاح المتأخرين للحديث الصحيح لفقدانها كلا أو جلا، وانما كانت عنايتهم بالأمور الداخلية للخبر، والحالات النفسية للراوي كالوثاقة والتثبت والضبط.

ومن هنا يرى المصنّف ان الحكم بصحة حديث أحد من قدماء الأصحاب، من دون الإضافة إلى كتابه - كأن يقال عنه في كتب الرجال: صحيح الحديث - لا يصح أن يكون ذلك الحكم لأجل الأمور الخارجية المتوقفة على كل ما رواه ودونه وعرضه عليها فحسب، بل لا بدّ وأن يكون ناظرا لما علم من حال ذلك الشخص، وما عرف من سيرته وطريقته من الوثاقة والتثبت والضبط، والبناء على نقل الصحيح من هذه الجهة.

وعليه فقول النجاشي - مثلا - في حق ثقة الإسلام الكليني: « كان أوثق الناس في الحديث وأثبتهم » رجال النجاشي ( ص ٣٧٧ رقم ١٠٢٦ ) يثبت هذا المعنى، ويبعد من احتمال تلقي الكليني عن الضعيف والمجهول، لأنه ينافي كونه: أوثق الناس. وأثبتهم.

وقد تنبه المصنف إلى ما قد يرد عليه من نفي الملازمة بين قول النجاشي، ورواية ثقة الإسلام عن ضعيف أو مجهول عند من يقول باجتهاد الكليني في تقييم رواة الكافي، لا سيما وان النجاشي نفسه قد ضعف رجالا وقعوا في أسانيد الكافي، وحكم بجهالة بعضهم، ورمى آخرين بالغلو بل ووضع الحديث أيضا، مما يدل على ان اجتهاد ثقة الإسلام إزاء بعض الرواة لم يكن مسلّما عند الجميع!

لذا بين المصنف ما قاله العلماء قبله بشأن اختلاف القدماء مع المتأخرين في معنى الحديث الصحيح، حيث كان الأوائل ينظرون إلى الحديث من زاوية القرائن المتقدمة وباعتبار ما وثقوا بكونه صادرا عن المعصومعليه‌السلام فهو أعم من أن يكون منشأ وثوقهم كون الراوي من


الثقات أو أمارات أخر، ولهذا صرّح بعض المتأخرين بأن بين صحيحهم وصحيح القدماء: العموم المطلق.

وبناء عليه فان حكم الكليني بصحة حديث لا يستلزم صحته باصطلاح المتأخرين، لاحتمال كون منشأ الحكم غير وثاقة الراوي.

هذا بناء على اختلاف صحيح القدماء عن صحيح المتأخرين عند بعض العلماء، لكن المصنف يرى ان شهادة الكليني بصحة اخبار الكافي تفيد الوثوق برواتها، لأنها بحكم توثيق الجميع بالمعنى الأعم.

ثم تعرض بعد ذلك لنقد الخبر الذي شاع مؤخرا بشأن الكافي، من أنه عرض على الإمام الحجةعليه‌السلام وانه قال عنه: « ان هذا كاف لشيعتنا » فبين انه لا أصل له ولا أثر في مؤلفات أصحابنا، ولم تأت به رواية قط لا صحيحة ولا ضعيفة، بل صرّح المحدث الأسترآبادي - وهو شيخ الأخباريين في عصره - بأنه لا أصل له ولا حقيقة، مع ان الأسترآبادي -رحمه‌الله تعالى - رام أن يجعل تمام أحاديث الكافي قطعية الصدور لما عنده من القرائن التي لا تنهض بذلك كما صرح به المصنف.

الا ان المصنف -قدس‌سره - وان نفى صحة هذا الخبر الا انه احتمل وقوع ما يصحح معناه، وهو عرض كتاب الكافي على أحد نواب الإمامعليه‌السلام حيث استبعد أن يكون هذا الكتاب في طول مدة تأليفه البالغة عشرين عاما لم يعرض على أحد الوكلاء - رضي الله تعالى عنهم - ولم يطلبه أحد منهم مع اهتمامهم البالغ بمصنفات ذلك العصر وتأكدهم من سلامة رواياتها ومطابقتها مع الواقع! لقد بيّن المصنف وجوها عديدة في تقريب هذا الاحتمال، والحق انها كلها حدسية استحسانية لا تفيد القطع، وإلاّ لشاع ذلك واشتهر. أما عن الوثوق المترتب على الظن المتاخم للعلم بكونهمعليهم‌السلام راضين


بفعل الكليني -قدس‌سره - ومجوزين للعمل بأخبار كتابه، فهو ليس بحجة عند من يرى ان طريق الوثوق الوحيد - كما هو عليه أكثر علماء الشيعة من المحققين والأصوليين - هو ما اكتشف من القرائن الرجالية المعوّل عليها في تقييم كل خبر من أخبار الكافي.

ثم ناقش المصنف ما أثير من لدن البعض حول حجية أخبار الكافي، ولعل أهم ما في هذه الفائدة هو هذا لما فيه من ثمرة الوقوف على آراء العلماء الآخرين بشأن الكافي وان لم يستقصها المصنف بل اقتصر على قدر ضئيل منها.

ويمكن تحديد مناقشة المصنف بالجوانب التالية:

١ - الرد على من ناقش في حكم القدماء بصحة أخبارهم.

٢ - مناقشة من ذهب إلى عدم شهادة الكليني على صحة أخبار الكافي، وقد نقل في مقام الردّ مقاطع من خطبة كتاب الكافي للتدليل على صحة ما اختاره من حصول هذه الشهادة.

٣ - ناقش من تمسك بعدم حجية أخبار الكافي بتضعيف القدماء كالشيخ المفيد -قدس‌سره - وغيره لبعض هذه الأخبار، وحملها على وجود المعارض لتلك الأخبار مع كونه أقوى منها.

٤ - ناقش التصنيف الجديد للحديث الذي ظهر على يد ابن إدريس والعلاّمة الحليين -قدس‌سرهما -.

٥ - ردّ تصنيف أحاديث الكافي وفق المصطلح الجديد.

٦ - وجّه رواية الكليني عن غير الأئمةعليهم‌السلام مع التصريح في خطبة الكافي بما يشبه التقييد برواية الآثار الصحيحة الواردة عن الصادقينعليهما‌السلام .

٧ - ناقش شبهة صاحب رياض العلماء في فصل الروضة عن الكافي وان


أخباره كلها مروية عن الإمام بلا واسطة، وانه لا تقية في أخباره، ولم يطل الكلام حول هذه الشبهة لعدم وجود ما يدل عليها، وعدم وجود الموافق لصاحبها أصلا، مع قيام الأدلة القطعية على خلافها.

٨ - أكد في مناقشاته بعدم تصريح الأخباريين - حتى من قال منهم بقطعية أخبار الكافي - بأن ما رواه ثقة الإسلام صحيح بالمصطلح الجديد، أي: لا قائل منهم بأن رجال أسانيد الكافي كلهم من عدول الإمامية وفي جميع الطبقات.

وانه لم يدع أحد منهم ان ما في الكافي مقدم على ما يوجد في غيره في جميع الحالات حتى عند التعارض، بل قد يقدم عليه غيره، إذا اشتمل على مزايا توجب تقديمه.

٩ - العدّة المجهولة في الكافي، لم يعتن بشأنها كثيرا، مع ان بعضهم قد ردّها مطلقا، لأنه -قدس‌سره - يرى رجال هذه العدد - المعلومة والمجهولة - من مشايخ الإجازة، وقد كان رأيه في الفائدة الثالثة في مشايخ الإجازات بأنهم فوق مستوي التوثيق.

وأخيرا لا بدّ من الإشارة السريعة إلى ما حققه المصنف -رحمه‌الله - في هذه الفائدة بشأن عدّة الكافي التي يروي ثقة الإسلام بتوسطها عن سهل ابن زياد، وهل ان محمّد بن الحسن المذكور فيها هو الصفار الثقة الجليل كما صرح به جميع من سبق المصنف؟ أو هو شخص آخر.

لقد نفى النوري -قدس‌سره - أن يكون المراد هو الصفار وذلك لوجوه سبعة، قد لا يخلو بعضها من مناقشة، إلاّ ان الوجه الرابع منها هو من أقوى الوجوه السبعة على الإطلاق.

على ان المصنف لم يكتف بهذا، بل ناقش الآراء التي شخّصت الصفار في رجال هذه العدّة.


الفائدة الخامسة

في شرح مشيخة كتاب من لا يحضره الفقيه

وهي أكبر الفوائد حجما، إطلاقا

في هذه الفائدة دراسة رجالية قيّمة لحشد هائل من رواة الشيعة الإمامية من حملة حديث العترةعليهم‌السلام . إذ يجد القارئ الكريم فيها جهدا رجاليا رائعا، وعبقرية فذة في تحقيق الأخبار الرجالية المتعارضة، حيث أزاح مؤلفها النوري -قدس‌سره - الستار عن رجال كثيرين لفّهم الزمان بغشاء النسيان، وأودعهم تأمل البعض في وثاقتهم في زاوية الإهمال، حيث أسفر بحثه عن جلالتهم وتبديد الشك والريب عنهم.

أنها فائدة كاسمها ولكن ليس ككل الفوائد، إذ اشتملت على موارد للظماء ومناهل عذبة ارتوى من فيضها قلم كل من تأخر عنه من أساطين الفن أجمع، لما فيها من تراجم لإعلام مشيخة الفقيه ورواته بما ليس له نظير في كتاب رجالي قط.

ابتدأ المصنف في هذه الفائدة بنقل ما قيل عن مكانة الشيخ الصدوق وأهمية كتابه - من لا يحضره الفقيه - وما امتاز به هذا الكتاب عن غيره بمميزات أهلته لأن يحتل موقعا متقدما بين الكتب الموثوق بها جدا عند الشيعة الإمامية.

ثم بين بعد ذلك مسلك الشيخ الصدوق - رضي الله تعالى عنه - في هذا الكتاب ومنهجه في الأسانيد، الذي اختلف عن منهج ثقة الإسلام الكليني -رحمه‌الله تعالى -.

حيث كان الكليني يذكر تمام سلسلة السند في كل حديث يرويه في


جميع أبواب وكتب الكافي - أصولا، وفروعا، وروضة - بينما سلك الصدوق طريقة أخرى، وهي اختصار الأسانيد فيما يرويه من الأحاديث وذلك بحذف أوائل السند والرواية مباشرة عن المعصومعليه‌السلام بواسطة من رواه عنه من أصحابه، وهكذا سار في أغلب أحاديث الفقه، ثم وضح طريقه إلى من روى عنه من أصحاب الأئمةعليهم‌السلام في آخر الكتاب، وذلك بتفصيل طرقه إليهم عبر مشايخه، وهو ما يعرف: بمشيخة الفقيه - التي خصصت لها هذه الفائدة - وهذه المشيخة هي المرجع في اتصال أسانيد الكتاب.

ثم بين المصنف اهتمام العلماء بهذه المشيخة، وشرحهم لها، وعدّد جملة من تلك الشروح، منبها إلى ما سيذكره في هذه الفائدة من تنبيهات هامة، مصرحا بأنها بمثابة الشرح والإيضاح لما ذكره الشيخ الحر العاملي -قدس‌سره - في الفائدة الأولى من فوائد خاتمة وسائل الشيعة، ولهذا نرى المصنف قد اعتمد ترتيب خاتمة الوسائل في ذكر طرق الصدوق - رضي الله تعالى عنه - فابتدأها - كما ابتدأ الشيخ الحر فائدته الأولى - بطريق الصدوق إلى أبان بن تغلب، ومنتهيا بما كان من وصية أمير المؤمنينعليه‌السلام لابنه محمّد بن الحنفية، فكان عدد الطرق ثلاثمائة وخمسة وثمانين طريقا، تشعبت منها وتفرعت طرق كثيرة جدا، واشتملت هذه الطرق - بشعبها وفروعها - على الجم الغفير من رواة الشيعة. وربما لا نجد طريقا واحدا من بين هذه الطرق إلاّ وقد ضمّ من رجالات الشيعة من كان قطبا للرواية ومحورا لرواية الحديث الشريف في ذلك العصر البهي المستضيء بنور أهل البيتعليهم‌السلام .

فلا بدع إذا في أن نجد المصنف قد شغف بأولئك العظام حبا بعد أن تأكد من نزاهتهم وسلامتهم من كل شين، وبعد أن برهن على صدقهم ودلّ على وثاقتهم، وعرف ولاءهم لأئمتهمعليهم‌السلام ووفاءهم لهم، والنصح


لأمة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ووقف على ورعهم وتقواهم عن كثب، حيث استفرغ الجهد في البحث عنهم بشكل منقطع النظير.

على أنّ هذا الكلام لا يعني أنّ رجال مشيخة الفقيه كلهم بهذه المثابة، وهذا لا شك فيه أصلا عند أحد من علماء الشيعة من الأصوليين والأخباريين جميعا، إذ وجد في طرق الصدوق بعض الرواة الضعفاء أو المجاهيل الذين لم تذكرهم كتب الرجال.

ومن هنا يأتي دور المصنف -قدس‌سره - في بيان ما يراه من أحوال هؤلاء بدراسة تفصيلية يكشف من خلالها إمكانية الاعتماد على روايتهم وقبولها.

كأن يكون أحدهم من مشايخ الإجازة، وقد فصّل المصنف القول في مشايخ الإجازة وعلو مقامهم بحيث يراهم في غنى عن التوثيق لأنّهم فوق مستوي التوثيق.

أو لرواية الأجلّة المعروفين بصدقهم ووثاقتهم عنهم.

ومن أمارات التوثيق بالمعنى العام المعتمدة في هذا الحقل، أن يكون المضعّف هو ممن ذكره الشيخ الطوسي -قدس‌سره الشريف - في أصحاب الصادقعليه‌السلام لتصريح العلماء بما قام به ابن عقدة من تأليف كتاب في الرجال جمع فيه أربعة آلاف رجل كلهم من الثقات من أصحاب الإمام الصادقعليه‌السلام ، ومن البداهة أنّ كتب الرجال الشيعية - بما فيها رجال الشيخ - لم يبلغ أصحاب الإمام الصادقعليه‌السلام فيها هذا العدد، فيكون ذلك قرينة على التوثيق فيما يراه المصنف.

ومنها: تصحيح العلماء القدامى والمتأخرين - لا سيما العلاّمة الحلي -قدس‌سره الشريف - لطرق وقع فيها أمثال هؤلاء الذين ضعّفوا أو حكي تضعيفهم في كتب الرجال.


ومنها: اعتماد المصنف على تصريح علماء الشيعة الأوائل بالأخذ بمرويات بعضهم، لا سيما الشيخ المفيد، والطوسي وأضرابهما.

ومنها: ترجيح الأخبار الرجالية التي تفيد التوثيق على غيرها لمسوغات كثيرة وأسباب علمية بسّط الكلام عنها في محله.

ومنها أيضا: رواية أصحاب الإجماع عن شخص تعدّ من أمارات الوثاقة له بالمعنى العام.

أو رواية من صرحت كتب الرجال بأنّه لا يروي إلاّ عن ثقة، عنه.

وقد يجد المصنف - أحيانا - في تضعيفات بعض من عرف بالتعصب من أهل السنة لرجال الشيعة قرينة على التوثيق لا سيما وأنّ المعروف عن بعضهم تضعيف من اشتهر بولاية وانقطاعه لأئمة أهل البيتعليهم‌السلام ، وعدّه من الضعفاء لا لشيء البتة وإنّما لكونه داعية إلى الحق الذي يسمونه ( الرفض ) كما هو الحال في علم الشيعة جابر الجعفي - رضوان الله تعالى عليه - ومؤمن الطاق الذي أطلق عليه رجالهم: شيطان الطاق!!.

ولهذا يعدّ المصنف مدحهم - النادر - لرجال الشيعة كقدحهم لا نفع فيه ولا ضرر كما في شرحه للطريق رقم [٩٧].

إلى غير ذلك من الأمور الأخرى الكثيرة التي اعتمدها النوري -قدس‌سره - في مقام التوثيق والتي يطول المقام هنا بايضاحها والتعريف بها، لذا نتركها روما للاختصار.

وقد يضطر المصنف إلى الإطالة في بيان وثاقة بعض هؤلاء الرواة، لا سيما من حفلت ترجمته بكثرة الأقوال في كتب الرجال مع الاختلاف الحاصل بينهم في توثيقه واعتبار ما يرويه من الأحاديث، كما هو الحال في أحمد بن هلال، وسهل بن زياد وغيرهما.

ومن منهج المصنف في دراسته لرجال مشيخة كتاب من لا يحضره


الفقيه أنه يهتم بتدوين اسم الراوي كاملا، مع بيان نسبه، وولائه، ومذهبه إن كان ممن ينتسب إلى المذاهب الفاسدة كالواقفية أو الفطحية وغيرهما.

مع التأكيد على من اتفق معه في الاسم والمعاصرة، وكيفية التمييز بينهما، منبها على السهو أو الغلط الحاصل في ضبط الاسم أحيانا، مع الإشارة إلى من روى عنهم أو رووا عنه ومن نبغ من أسرته في العلم والرواية، ولم ينس أيضا ذكر مصنفاته، وربما نبّه إلى طرق النجاشي وشيخ الطائفة -قدس‌سرهما - إليها، كل ذلك مشفوعا بعدد جم من رواياته في كتب الحديث المشهورة، وتسمية من روى عنه، فان كان مقلا من الرواية نبّه عليه، وإن كان مكثرا أطال في بيان مروياته وأكثر من الحديث في ترجمته وبيان حاله.

ولتمكن المصنف -رحمه‌الله - في فن الرجال، نراه لا يكاد يدع من أقوال علماء الرجال قولا واحدا فيمن تناوله بالبحث إلاّ وناقشه، حيث يستعرض في مقام خلاصة الرأي في الراوي جميع وجوه الذم فيه، وقد يستخلص منها - في الغالب - بفطنة وذكاء وجوها تضاد الذم، وقد يحملها على محامل أخرى جديرة بالعناية والاهتمام لما فيها من موافقة قول القادح للموثّق.

ومن جملة ما يلفت نظر القارئ الكريم في هذه الفائدة عناية مصنفها -قدس‌سره - بدراسة وتحقيق ما نسبه علماء الرجال من عامية ووقف - ونحوهما - إلى بعض الرواة.

أما نسبة الغلو إلى البعض الآخر، فقد اهتم بها اهتماما ملحوظا وقد ردّها بحجج قوية مشفوعة بالتحقيق العلمي الرائع في مواضع متعددة من هذه الفائدة، بما يمكن معه استخلاص رأيه النهائي في بيان الأسباب الداعية إلى اتهام بعض الرواة بمسألة الغلو، بأنها نتيجة روايتهم لجملة من الأخبار الدالة على جلالة قدر الأئمة من أهل البيتعليهم‌السلام مع ان مروياتهم تلك


ليس فيها من الغلو شيئا كما هو الحق في عدد من الرواة الذين نزّهت ساحتهم من هذه التهمة، هذا فضلا عن إطلاق البعض لهذه النسبة على ما لا يستلزمها أصلا، كل ذلك بسبب الاحتياط والتشدد والتنفير من الغلو ورواته.

كما اهتم المصنف في هذه الفائدة ببعض المباحث الدرائية في مصطلح الحديث التي فرضت عليه لاتصالها بمن ترجم إليه من الرواة.

منها: دراسة بعض ألفاظ الجرح والتعديل ودلالاتها.

ومنها: الاهتمام بدراسة بعض ألفاظ نقل الحديث، لا سيما ما دلّ منها على جهالة حال المروي عنهم التي تلحق الحديث بصنف المراسيل.

ومنها: مسألة الاحتجاج بالحديث المرسل، وآراء العلماء في ذلك، حيث اهتم به كثيرا كما في ترجمة محمّد بن أبي عمير - رضي الله تعالى عنه -.

ومنها: دلالة بعض الألفاظ والعبارات على التوثيق الإجمالي أو المدح العام، كتكنية الامامعليه‌السلام لأحد الأصحاب، أو ترضيه وترحمه عليه، وقد يتوسع في دلالة ترضي وترحم غير الامام عليه.

ومنها: تصنيف الحديث إلى صحيح وحسن وموثق وضعيف عند المتأخرين، والإشارة السريعة إلى كل صنف من أصنافه، إلى غير ذلك من الأمور المهمة المتفرقة المبثوثة في ثنايا تراجم رجال مشيخة الفقيه.

وبعد أن فرغ المصنف من شرح طرق الصدوق في هذه الفائدة، شرع -رحمه‌الله - بتنظيم فهرس تفصيلي - مرتبا على الحروف - لأهم ما ورد من التراجم الرجالية التي بلغت زهاء مائتين وتسعة عشر ترجمة، علما بأنّه قد ترك ذكر الكثير من الرواة الذين لم يتوسع بتراجمهم.

ثم بين بعد ذلك مشايخ الصدوق مرتبين على الحروف فبلغوا زهاء


مائتين وأربعة مشايخ.

وأخيرا اختتم هذه الفائدة ببيان عدد أخبار « كتاب من لا يحضره الفقيه » وعدد مراسيله موزعة على الأبواب، موضحا من أرسل الحديث من رواة « الفقيه » ورأيه في هذا الإرسال.


الفائدة السادسة

في نبذ ممّا يتعلّق بكتاب التهذيب

في هذه الفائدة تصنيف تام - من حيث الصحة وعدمها - لكل طرق الشيخ الطوسي ( ت / ٤٦٠ ه‍ ) -قدس‌سره الشريف - في كتابه التهذيب.

ولما كانت مشيخة التهذيب - التي سيأتي الحديث عنها لاحقا - هي نفس مشيخة الإستبصار، كان لا بدّ من التعرض لطرق الشيخ التي نص عليها في الاستبصار، وحيث ان الفهرست قد اشتمل على ما يقرب من ألف طريق للشيخ إلى أرباب الأصول والمصنفات التي أخرج عنها في التهذيب كان لا بدّ من الرجوع إلى هذه الطرق بغية الوصول إلى معرفة ما لم يذكره منها في مشيخة التهذيب.

ومن هنا جاءت عناية الأعلام بدراسة جميع طرق الشيخ في هذه الكتب الثلاثة: « التهذيب، والاستبصار، والفهرست » وعدم الفصل بينها إذ من الممكن الحكم بصحة طريق ضعيف في واحد منها بلحاظ ما في الآخر، لا سيما وان الشيخ - رضي الله تعالى عنه - قد أحال في مشيخة التهذيب - كما سيأتي - إلى طرقه في الفهرست.

ومن بين هؤلاء الأعلام الذين اهتموا بمثل هذه الدراسة هو المصنف -قدس‌سره - كما سيتضح من التعريف لهذه الفائدة.

ابتدأها المصنف -قدس‌سره - بالإشارة السريعة إلى موقع كتاب التهذيب بين كتب الحديث الأخرى عند فقهاء الشيعة الإمامية، فهو أعظمها في الفقه منزلة، وأكثرها منفعة، إذ لا يمكن استغناء الفقيه عنه لما اشتمل عليه من الفقه والاستدلال، والتنبيه على الأصول والرجال، والتوفيق بين


الأخبار، والجمع بينها بشاهد النقل والاعتبار، إلى غير ذلك من المميزات الأخرى لهذا الكتاب التي لم يحوها كتاب غيره في بابه.

وبعد الإشارة إلى أهمية التهذيب ومنزلته، انتقل إلى بيان طريقة شيخ الطائفة - رضي الله تعالى عنه - في رواية أحاديث العترة الطاهرةعليهم‌السلام مبينا عدم جريانها على نسق واحد في كتابيه: التهذيب والاستبصار.

فهو - رضي الله تعالى عنه - قد يعتمد طريقة ثقة الإسلام الكليني تارة بأن يذكر جميع رجال السند فيهما ابتداء من شيخه وانتهاء بالراوي عن المعصومعليه‌السلام وهذا غالبا ما يكون في أوائل الكتابين، وتارة يعتمد طريقة الصدوق في « من لا يحضره الفقيه » فيقتصر على ذكر بعض رجال السند ممن بعدوا عن عصره، وذلك بحذف صدر السند لغرض الاختصار، وهذا غالبا ما يكون في أواخر الكتابين، ثم يستدرك - في نهاية المطاف - على ما حذفه من الإسناد بخاتمة يبين فيها طرقه إلى من روى عنه من المشايخ بصورة التعليق، لكي يتم من خلال ذلك وصل سلسلة السند بينه وبين الراوي عن المعصومعليه‌السلام إلاّ أنّ هذه المشيخة لم تكن مستوعبة لكل الطرق المعلقة، ولم يكن الشيخ غافلا عن هذا وإنما ترك تفصيله إلى فهارس الشيوخ المصنفة لرواية الأصول والمصنفات التي نقل الشيخ منها ولم يذكر طرقه إلى أصحابها، ومن بين هذه الفهارس التي أحال إليها كتابه المعروف بالفهرست.

ولما كان ميرزا محمد الأردبيلي ( ت / ١١٠٠ ه‍ ) -قدس‌سره - قد أعدّ رسالة درس فيها طرق الشيخ - رضي الله تعالى عنه - في كتبه الثلاثة، وأطلق عليها اسم: « رسالة تصحيح الأسانيد » ثم اختصرها في الفائدة الرابعة من فوائد كتابه المعروف بـ « جامع الرواة »، لذا اختار المصنف -قدس‌سره - هذه الرسالة من بين نظائرها المعدّة لهذا الغرض، نظرا لما امتازت به عن


غيرها من فوائد مهمة تعرب عن تضلع الميرزا الأردبيلي -رحمه‌الله تعالى - بهذا الحقل من البحث والدراسة، فأورد مختصرها كاملا في هذه الفائدة، مشيرا إلى منهج مؤلفه الأردبيلي -رحمه‌الله تعالى - بعد اطرائه على ما قام به من جهد عظيم في معرفة أحوال أحاديث التهذيبين وذلك برجوعه إلى مشيختهما مع الفهرست.

وقبل بيان جهد المصنف في هذه الفائدة، وما طرحه من آراء فيها، يحسن بنا أن نبين - باختصار - الهيكل العام لرسالة تصحيح الأسانيد، فنقول:

اشتملت هذه الرسالة على نحوين من الدراسة، وهما:

الأول : دراسة طرق الشيخ في المشيخة(١) والفهرست.

الثاني : البحث في الطرق المذكورة في كلّ من التهذيب والاستبصار.

أمّا الأول : فيتلخص نشاط الأردبيلي فيه بثلاثة أمور وهي:

١ - الحكم بالصحة على الطريق المتفق على صحته.

٢ - الحكم بالضعف على الطريق المتفق على ضعفه.

٣ - ترك الحكم على الطريق المختلف فيه عند عدم إمكان الترجيح، مع ذكر اسم الراوي الذي بسببه صار الطريق مختلفا فيه.

وقد شمل هذا النحو جميع طرق الشيخ في المشيخة والفهرست إلاّ ما استسيغ تركه(٢) كما نبهنا عليه في محله.

__________________

(١) تقدم القول بأن مشيخة التهذيب والاستبصار واحدة، وهو كذلك، إلاّ أنّا وجدنا - في سير التحقيق - اختلافا يسيرا جدا بينهما وذلك بتشعب طريق واحد في أحدهما إلى طرق أكثر مما تشعب إليه ذلك الطريق في الآخر، وهذا لا يضر بوحدة المشيختين، كما نبهنا عليه في محله.

(٢) كأن يترك فرعا من الطريق لا أصلا، أو يختار - أحيانا نادرة - أصح الطريقين إلى راو واحد، ويدع الآخر.


أمّا الثاني : فهو يرتبط ارتباطا وثيقا بالطرق الضعيفة، والمرسلة، والمجهولة إلى المشايخ في المشيخة والفهرست، وان كان محور البحث ليس فيها أصلا، لاختصاصه بالمتابعة والاستقصاء التام لكافة ما ذكره الشيخ إلى هؤلاء المشايخ من طرق متصلة الاسناد ( صحيحة، أو حسنة، أو موثقة ) في أصل التهذيب والاستبصار، لكي يقارن هذه بتلك، وحينئذ يخرج الضعيف من حيّزه، ويتصل المرسل، ويعرف المجهول، ولهذا لا يذكر - في الغالب - في رسالته طريقا صحيحا، أو حسنا، أو موثقا من أصل الكتابين لمن كان الطريق إليه صحيحا في المشيخة أو الفهرست. وهذا العمل الممتاز الذي خدم به الأردبيلي -قدس‌سره - أحاديث الكتابين لم يسبقه أحد إليه بهذا الشكل المستوعب فيما نعلم.

أمّا دور المصنف النوري -رحمه‌الله تعالى - في هذه الفائدة، فقد اختصره هو بعبارة واحدة قبل شروعه بنقل ما في رسالة تصحيح الأسانيد، فقال:

« وربما نبهت على فائدة في بعض الطرق أدرجتها بقولي: قلت، وفي آخره: انتهى ».

ثم شرع بعد ذلك بنقل طرق الشيخ على نحو ما في مختصر رسالة تصحيح الأسانيد.

هذا ويمكن الوقوف على جهد المؤلف في هذه الفائدة، حيث ضمنها بكثير من الفوائد المهمة التي حملته على قطع الرسالة بين حين وآخر كما نبه عليه، وذلك بلحاظ تعليقاته المصدرة بقوله: ( قلت )، ولعل أهمها ما يأتي:

١ - التأكيد - أحيانا كثيرة - على وثاقة من حكم بسببه على الطريق بالضعف وذلك بالرجوع إلى كتب الرجال.

٢ - محاولته في وصل بعض الطرق التي حكم عليها بالإرسال.


٣ - الإشارة إلى حكم المشهور على بعض الطرق، وحكمها عنده، مع بيان السبب الداعي إلى الحكم بخلاف المشهور.

٤ - التنبيه على وثاقة أو حسن بعض الرواة في جامع الرواة مع تضعيف بعض الطرق بسببهم في رسالة تصحيح الأسانيد سهوا.

٥ - بيان رأيه في الطرق المرسلة، إذا كان المرسل من أصحاب الإجماع.

٦ - مخالفة صاحب الرسالة في حكمه بالاتحاد بين راويين، وبيان التعدد بوجوه كما هو الحال في محمّد بن جعفر الأسدي الذي حكم الأردبيلي باتحاده مع محمّد بن جعفر الرزاز.

٧ - التوسع - أحيانا - في بيان بعض الأمور المتعلقة بالرواة الذين حكم عليهم بالضعف أو الجهالة، بما يؤكد من خلالها على حسن حالهم.

٨ - التنبيه على خلو مشيخة التهذيب من بعض الطرق التي نصت الرسالة على وجوده فيها، وهذه الملاحظة مهمة جدا، إذ صرح الأردبيلي -رحمه‌الله تعالى - بوجود بعض الطرق في المشيخة ولا أثر له فيها فعلا، وقد تكرر ذلك منه بما يقرب من مائة مورد تقريبا، ومن البعيد جدا أن تكون كل هذه التصريحات من سهو القلم.

هذا، ولم نهتد - بعد طول البحث والتأمل - إلى السر في ذلك، وربما قد نبحث الموضوع في مقال مستقل بشكل مفصل.

٩ - التصريح بأن الحكم بالضعف أو الجهالة على بعض طرق الشيخ إلى المصنفات والأصول في الفهرست لا يضر بعد وصول هذه الكتب سالمة إلى عصر المصنف، وقيامه بشرح حالها بما يؤكد الاعتماد عليها كما مر في الفائدة الثالثة.

١٠ - الاهتمام ببيان ما في فهارس الشيوخ المصنفة لروايات الأصول


والمصنفات، حيث أحال إليها الشيخ الطوسي -قدس‌سره - كما تقدم.

ومن هذه الفهارس التي رجع إليها المصنف لمعرفة تلكم الطرق هي:

مشيخة الصدوق، ومشيخة أبي غالب الزراري المفصلة في رسالته المعروفة في آل أعين، ومشيخة النجاشي في كتابه المعروف برجال النجاشي.

وقد أكثر المصنف الرجوع إلى هذه الكتب الثلاثة.

١١ - بيان سبب حكم الأردبيلي -رحمه‌الله تعالى - على بعض بعض الطرق بالضعف أو الإرسال أو الجهالة، وإبداء الرأي في ذلك أحيانا.

١٢ - كثرة الإحالة من المصنف إلى ما تقدم في الفوائد السابقة من تراجم الرواة وشرح حال كتبهم، إذ لا يمكن التعقيب بما ذكره فيها على من ضعف هنا في هذه الفائدة، وبهذا فقد ربط أكثر الطرق الضعيفة أو المجهولة بما فصله في الفوائد السابقة عن رجال هذه الطرق.

هذا وبعد فراغه من تتبع طرق الشيخ والتعليق عليها نبّه على أربعة أمور - جعلها خاتمة لهذه الفائدة - وهي:

التنبيه الأول : الرد على تضعيف الأردبيلي -رحمه‌الله تعالى - لبعض الطرق ردا إجماليا، إذ التعرض لكل حكم بالتفصيل يوجب الاطناب الممل.

التنبيه الثاني : البناء على إحراز وثاقة مشايخ الإجازة بحصول الظن من الامارات على ذلك، مع التصريح بعدم قوله بأن مشيخة الإجازة تعدّ من أمارات التوثيق.

ثم نبه إلى ما تقدم من أمور في الفوائد السابقة والتي يمكن من خلالها الحكم بوثاقة مشايخ الإجازة، مشيرا في هذه الفائدة لأهمها لكثرة الحاجة إليها.

التنبيه الثالث : رأيه فيما يخص أبواب الزيادات في كتاب التهذيب،


مع نقله لكلام المحدث الجزائري ومناقشته.

التنبيه الرابع : في بيان عدد الأحاديث والأبواب في كتاب التهذيب.


الفائدة السابعة

في ذكر أصحاب الإجماع وعدّتهم

في هذه الفائدة بحث مبسوط عن المصطلح الرجالي المعروف عند الشيعة الإمامية بـ: ( أصحاب الإجماع ) تناول فيه المصنف الأمور التالية:

الأول : في نقل أصل العبارة: ( أصحاب الإجماع ) وبيان مصدرها، وفيه بيان كونهم على ثلاث طبقات وهي:

الأولى : من أصحاب الإمام الباقر ( ت / ١١٤ ه‍ )عليه‌السلام .

الثانية : من أصحاب الإمام الصادق ( ت / ١٤٨ ه‍ )عليه‌السلام .

الثالثة : من أصحاب الإمام الكاظم ( ت / ١٨٣ ه‍ )عليه‌السلام .

الثاني : في بيان عدد أصحاب الإجماع والاختلاف الحاصل بين العلماء في عددهم، وقد نقل المصنف في المقام كلمات الكشي، وابن داود، والمجلسي، والأسترآبادي، والحائري، والداماد، والكني.

الثالث : تفصيل موقف علماء الشيعة من هذا الإجماع، وقد ابتدأ بموقف الشيخ الطوسي -قدس‌سره الشريف - مؤكدا على تلقي الشيخ لهذا الإجماع بالقبول، وقد استدل على ذلك بوجوه نشير إليها اختصارا.

منها: ما ذكره السيد ابن طاوس من أن ما اختاره الشيخ الطوسي من رجال الكشي - الذي هو الأصل لهذه العبارة - يمثل مختاره ومرضية ومقبولة، لأنّه اختصر الكثير منه، فلا بدّ وأن يكون قد أثبت ما يراه صحيحا.

وقد يرد هذا الاستدلال بوجود روايات قدح في رجال الكشي بحق من وثقهم الشيخ في الرجال والفهرست، ولو كانت مرضية ومقبولة من قبل الشيخ لما كان لتوثيق من وردت بحقه معنى غير التهافت، وهذا ما لا يقوله أحد.


ومنها: ما استفاده المصنف من كلام للشيخ الطوسي في عدّة الأصول لدعم تلقي الشيخ لهذا الإجماع بالقبول.

ومنها: ما يخص رأي الشيخ في عبد الله بن بكير - وهو من أصحاب الإجماع - ودعوى الإجماع على تصحيح ما يصح عنه.

ثم بين المصنف موقف ابن شهرآشوب، والعلاّمة الحلي، وابن داود، والشهيدين الأول والثاني، في كلام طويل محيلا إلى كلمات غيرهم من الأعلام كبهاء الدين العاملي، والمحقق الداماد، والمجلسيين، وصاحب الذخيرة، والكاظمي، والطريحي، وغيرهم من الأعلام.

الرابع : في بيان وجه حجية هذا الإجماع بعد وضوح عدم كون المراد منه هو الإجماع المصطلح الكاشف عن رأي الامام المعصومعليه‌السلام بأحد الوجوه المذكورة في محله.

ثم بيّن المصنف -قدس‌سره - من ذهب من العلماء إلى أن هذا الإجماع دلّ - بالدلالة الالتزامية - على أن أصحاب الإجماع هم في أعلى درجات الوثاقة، مؤكدا أن هذا القول إنما يتم فيما لو كان مفاد العبارة المنقولة عن الكشي ( وثاقتهم ) وأما على ما هو المشهور من كون المراد ( صحة أحاديثهم ) بالمعنى المصطلح عند القدماء فلا دلالة التزامية في المقام.

ولهذا اختار -قدس‌سره - في بيان وجه الحجية لهذا الإجماع هو إجماع الأصحاب على اقتران أحاديث ( أصحاب الإجماع ) بما يوجب الحكم بصحتها.

الخامس : حول تفسير عبارة: ( تصحيح ما يصح عنهم ) التي أطلقت في حق جماعة.

حاول المصنف استقصاء أقوال من سبقه من العلماء في مجال تفسيرها، وحصرها بأربعة أقوال، سنشير إليها في غاية الاختصار وهي:


القول الأول : ويمثله المحقق الداماد، وخلاصته: عدم الحكم بصحة الحديث المنقول عنهم ونسبته إلى أهل البيتعليهم‌السلام من دون اعتبار العدالة فيمن يروون عنه، فالصحيح إذن هو الرواية لا المروي.

وقد ردّه المصنف ردا جميلا وذلك بتفسيره ( ما ) الموصولة في قولهم ( ما يصح عنهم ) بما يربطها بمتن الحديث لا سنده حتى تكون بمعنى صحة الرواية لا المروي.

القول الثاني : أنها لا تفيد أكثر من كون الجماعة ثقات، وقد نسب هذا القول إلى القيل في كلام الأستاذ الأكبر الوحيد البهبهاني.

وناقشه المصنف بأن العبارة تختلف عن قولهم ( ثقة ) مع وضوح التغاير والتباين بين مفاد قولهم والعبارة. ثم نقل كلمات كثير من الأعلام مرجحا ما قاله صاحب الفصول الغروية في المقام.

القول الثالث : المراد هو صحة ما رووه حيث تصح الرواية إليهم ولا يلاحظ ما بعدهم إلى المعصومعليه‌السلام وهذا هو ما نسب إلى المشهور كما في الرواشح، وصرح به بهاء الدين العاملي، والوحيد البهبهاني، وحجة الإسلام الشفتي، وهو مما كان قد بنى عليه العلماء الأعلام كالعلاّمة وابن داود والشهيد الثاني والمجلسيين وغيرهم رضي الله تعالى عنهم.

القول الرابع : المراد هو توثيق الجماعة ومن بعدهم، وهذا القول والقول الثاني هما من فروع القول الثالث وهو قول المشهور الذي اختاره المصنف واستدل عليه بوجوه كثيرة لا مجال في تفصيلها.

ثم عرّج بعد ذلك على توضيح معنى الصحيح عند القدماء مع بيان أمارات الصحة عندهم بما يستفاد منه الاطمئنان بدعوى انحصار مصطلح الصحيح في خبر الثقة ولو من غير الإمامي. وقد استدل بجملة من الأدلة على إثبات كون المناط في الصحة عندهم حالات نفس السند من غير


ملاحظة اقترانه بأمر خارجي.

كما بحث المصنف في هذه الفائدة ما يفرق بين عمل القدماء بالحسن أو الضعيف مع الشهرة، بما يدل على أن هذين الصنفين من الحديث غير داخلين في الصحيح عندهم، وإنما سبب العمل بالضعيف أحيانا هو لانجباره بالشهرة رواية كانت أو فتوى، إلاّ أنه اختار دخول الكثير من الأحاديث الحسان في قسم الصحاح عندهم على ما سيبينه في فوائد لاحقة.

ردّ المصنف في هذه الفائدة على من ذهب إلى نقد طريقة القدماء في حكمهم بالصحة على بعض الأحاديث بأسباب لا تقتضي بنظره ذلك.

كما ردّ أيضا على من تأمّل في كون الصحيح بالمعنى المصطلح الجديد فردا من الصحيح بالمعنى الأعم مع احتماله الفرق بينهما.

وقد بحث المصنف أيضا عن القرائن التي يصير بها خبر الواحد حجة، وقسم تلك القرائن على قسمين:

القرائن الداخلية : ويعني بها الوثاقة بالمعنى الأعم، أو العدالة بالمعنى الأعم - أي: عدالة كل راو على مذهبه - ويعبر عنها تارة بالوثاقة بالمعنى الأعم، واخرى بالمعنى الأخص، فيدخل فيها الايمان على اختلاف المذاهب، وغيرها من التثبت والضبط.

والقرائن الخارجية : وهي مطابقة الخبر لأكثر ما في الأصول الثابتة، أو كثرة رواة الخبر وغير ذلك مما تقدمت الإشارة إليه في الفوائد السابقة.

ثم فرق بينهما على أساس اتصاف الراوي بالأولى، ودخول خبره في صنف الحجة بما يمكن الحكم بصحة حديثه من جهتها مطلقا.

بخلاف الثانية التي لا يمكن الحكم بصحة حديث الراوي إلا بعد الوقوف على اقترانه بها، لأنها أوصاف لنفس الخبر ولا يمكن تصحيحه دون اتصافه بها، وقد جعل بحثه عن تلك القرائن تمهيدا للقول بأنه لو صحت


أعمية صحيح القدماء فإنه لا يكون من جهة القرائن الخارجية وإنما من جهة القرائن الداخلية للخبر، وذلك لوجهين:

أحدهما : حكم الأصحاب بصحة كل ما صح عن أصحاب الإجماع من غير تخصيص بشيء.

الآخر : إن جل الأحاديث تنتهي إلى أصحاب الإجماع، وفي هذا الوجه مقارنة لطيفة بين ما وصل للشيعة من أحاديث أهل البيتعليهم‌السلام وبين ما قاله أصحاب الأئمةعليهم‌السلام في عدد ما يحفظون من أحاديثهم. ثم نقل بعضا من كلمات الأوائل -قدس‌سرهم - بما يدعم به هذا الوجه، حتى انتهى به البحث إلى اختيار دلالة ما ذكر عن أصحاب الإجماع على وثاقتهم ووثاقة من بعدهم إلى المعصومعليه‌السلام مطابقة أو التزاما على مسلك المشهور، ثم نبه على أمور ثلاثة:

الأول : في بيان المراد من الوثاقة المستفادة من الإجماع، ودلالة الإجماع عليها.

الثاني : تأكيد كون أعاظم أصحاب الأئمةعليهم‌السلام لا يفتون ولا يقولون شيئا ما لم يسمعوه منهمعليهم‌السلام .

الثالث : في ذكر جماعة من الثقات - دون أصحاب الإجماع - وصف حديثهم بالصحة، مع بيان دلالة قولهم: صحيح الحديث.


الفائدة الثامنة

في ذكر أمارة عامة لوثاقة المجهولين

من أصحاب الإمام الصادقعليه‌السلام

هذه الأمارات العامة التي اعتمدها المصنف كثيرا في توثيق ما لم يوثق من أصحاب الإمام الصادقعليه‌السلام في كتب الرجال الواصلة إلى عصره، وأفرد لها هذه الفائدة، خلاصتها ما قام به الشيخ الثقة الجليل القدر والعظيم المنزلة أحمد بن محمّد بن سعيد الهمداني الكوفي أبو العباس المعروف بابن عقدة الزيدي الجارودي الحافظ ( ٢٤٩ - ٣٣٣ ه‍ ) من تأليف كتاب ضخم في الرجال جمع فيه من ثقات أصحاب الإمام الصادقعليه‌السلام أربعة آلاف رجل، مع التنصيص منه على وثاقتهم، وقد وردت الإشارة إلى كتاب ابن عقدة في سائر كتب التراجم القديمة والحديثة.

بيد أن المذكور من أصحاب الإمام الصادقعليه‌السلام في رجال الشيخ ( ت / ٤٦٠ ه‍ ) - وهو أوسع كتاب رجالي في تسمية أصحاب الأئمةعليهم‌السلام بحسب الأبواب - هو أقل مما ذكره ابن عقدة ونص عليه سائر العلماء، حيث بلغوا في رجال الشيخ (٣٢٢٤) ثلاثة آلاف ومائتين وأربعة وعشرين راويا، من بينهم أربعة عشر رجلا ممن لم يسمّ ( روى بواسطة عن الامام الصادقعليه‌السلام ) وثلاث عشرة امرأة من النساء الروايات عنهعليه‌السلام هذا مع عدم مراعاة المكرر ذكره منهم أو المتحد مع غيره.

وهذا العدد يقل عما ذكره ابن عقدة بسبعمائة وستة وسبعين اسما.

إلاّ أنّ ما احصاه المصنف من أصحاب الإمام الصادقعليه‌السلام في رجال الشيخ، يقل عمّا ذكرناه بمائة وأربعة وسبعين اسما، وقد يؤول هذا


الفارق إلى إسقاطه من لم يسمّ منهم، مع حذفه المكرر والمتحد مع غيره.

وإذا علمنا أن الشيخ الطوسي لم ينص على وثاقة كل من ذكره بل اقتصر على عدد قليل منهم، وترك أغلبهم حتى صاروا بحكم المجهولين في الظاهر، بل وضعف عددا آخر منهم مع ضياع كتاب ابن عقدة - وهذا مما يؤسف عليه حقا ويحزّ في النفوس ألما مع أنه ليس الكتاب الرجالي الأول المفقود - أصبح الوقوف عند هذه الأمارة، وإطالة النظر في مؤداها، وإجالة الفكر في مفادها من المطالب الرجالية المهمة عند علماء هذا الفن ومنذ أمد بعيد يكاد يقترب من عصر ابن عقدة نفسه.

حيث وردت الإشارة إليها تلميحا أو تصريحا في كثير من كلمات الأعلام - رضي الله تعالى عنهم - كالشيخ المفيد، وشيخ الطائفة، ومحققها وعلامتها الحليين، وابن شهرآشوب، والشيخ محمّد بن علي الفتال، والسيد النيلي، والشهيد الأول، والشيخ حسين والد الشيخ البهائي، والتقي المجلسي، والمحقق الداماد وغيرهم مما فصله المصنف في هذه الفائدة، وقد استفاد من مجموع كلماتهم - زيادة على ما حققه في المقام - وثاقة جميع من ذكره الشيخ في باب أصحاب الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمّد الصادقعليهما‌السلام .

ثم بين المصنف موقف الشيخ النجاشي الرجالي الشهير من كتاب ابن عقدة، وما ذكره في كتابه - المعروف برجال النجاشي - من أصحاب الإمام الصادقعليه‌السلام مع إشارته في تراجم الكثير منهم إلى وثاقتهم عند ابن عقدة والأخذ بهذا التوثيق.

كما بين أيضا موقف شيخ الطائفة من هذا الكتاب، مشيرا إلى أن ما ذكره الشيخ قد أخذ من كتاب ابن عقدة حرفيا.

ثم ذكر بعد ذلك اعتماد المحقق الداماد على هذه الأمارة وتصريحه


بوثاقة ما لم يوثقه الشيخ، ناقلا كلامه في مجال معرفة المجاهيل، وطعنه بمن يضعف الرجال لأوهى الأسباب ومن غير تحصيل، وقد أيده المصنف غاية التأييد.

ثم نبّه على أمور مهمة، نشير إليها باختصار وهي:

الأول: في بيان كيفية استقصاء أصحاب الأئمةعليهم‌السلام وطريقة العلماء في ذلك، وقد حقق المصنف سبب النقص الحاصل في عدد أصحاب الإمام الصادقعليه‌السلام في رجال الشيخ عما هو عليه في رجال ابن عقدة وانتهى إلى نتائج مهمة حرية بوقوف الباحثين - من ذوي الاختصاص - عليها.

الثاني : في مجال تزكية العدل الإمامي لغيره من غير تعرضه أو غيره لمذهبه، كقوله: « فلان ثقة » مع بيان دلالة هذه الكلمة، وعلاقتها بقول سائر العلماء بأن ابن عقدة الحافظ جمع أربعة آلاف ثقة من أصحاب أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام .

كما سلّط الإضواء على توثيق المزكي العادل غير الإمامي لعلاقة ذلك بابن عقدة نفسه لكونه زيديا جاروديا، وناقش من يستشكل على هذا التوثيق أو يتوقف عن الاعتماد عليه، وقد أجاد في مناقشته معتمدا على وجوه في الرد بسط القول فيها، مع الاستفادة الملحوظة من أقوال العلماء، ومن توثيقات شيخ الرجاليين النجاشي ذات العلاقة بتوثيقات ابن عقدة بما يستخلص منها حصول الوثوق والاطمئنان بخبر من وثقه ابن عقدة، وفي هذا - على رأي المصنف - كفاية لمن اقتصر في الحجة من الأخبار بالموثوق بصدورها من جهة السند.

الثالث : وهو من أهم ما ذكره من الأمور التي ودّ التنبيه عليها، لتعلقه بمسألة تعارض الأخذ بهذه الأمارة مع تضعيفات الشيخ الطوسيقدس‌سره


الشريف - لعدد من أصحاب الإمام الصادقعليه‌السلام في كتابيه: الرجال والفهرست.

وقد أجاب المصنف عن تضعيفات الشيخ بوجوه ثلاثة هي باختصار:

١ - سلامة المقدمات التي توصل بها إلى هذه الأمارة، ولا يضر حينئذ خروج بعض الأفراد منها، ولو لم يصح الأخذ بهذه الأمارة لكان شذوذ فرد من قاعدة يعد نسفا لها، وهذا ما لم يقل به أحد.

٢ - حمل معنى الضعف بما لا ينافي الوثاقة عند المتقدمين، أما ما كان من الضعف منافيا لها بشكل لا يحتمل التأويل كما هو الحال في أبي الخطاب مثلا فقد فصّل جوابه في الوجه الثالث.

٣ - اختلاف الموثّق مع الجارح تبعا لاختلاف حال الراوي، بمعنى: نظر الموثق إلى الراوي في أيام استقامته فوثقه، ونظر الجارح إليه في أيام اعوجاجه وانحرافه عن الحق فضعفه.


الفائدة التاسعة

في الأخبار الحسنة والألفاظ الدالة على التوثيق

وأمارات الوثاقة

تعرض المحدث النوري -رحمه‌الله تعالى - في هذه الفائدة إلى بحث مهم قلما اعتنت به كتب الدراية قبله، ألا وهو كيفية اقتراب الحديث الحسن من الحديث الصحيح، مع مراعاة موقف المتأخرين الذين قالوا بعدم حجية الحسن لاشتراطهم في حجية الخبر عدالة رواته. مع بحثه عما دلّ من الألفاظ على التوثيق، وكشف النقاب عن الأمارات الدالة على الوثاقة.

وقد مهّد المصنف لبيان حقيقة هذه المسائل بأمرين مهمين، وهما:

الأوّل : اختلاف العلماء في معنى العدالة الشرعية واتفاقهم على ترتيب آثارها بحق من ثبت حسن ظاهره.

الثاني : اتفاق أهل الدراية على دلالة بعض ألفاظ التعديل وبعض ألفاظ المدح، وعدّهم الحديث من جهة من قيل بحقه لفظ تعديل متفق عليه صحيحا، وحسنا إن كان اللفظ المتفق عليه لفظ مدح. هذا مع تصريحهم بأن مثل ( شيخ الطائفة ) أو ( عميدها ) أو ( رئيسها ) ونحو ذلك من الألفاظ إنما تستعمل للمشاهير من أقطاب المذهب ممن يستغني عن التوثيق.

ثم تعرض بعد ذلك إلى عدّهم حديث بعض الأعاظم حسنا، متخذا من الشيخ إبراهيم بن هاشم القمي مثالا على ذلك، لعدم النص عليه بالوثاقة بل بالمدح المعتد به. وقد ناقش هذا المدح مبينا عدم تخلفه عن حسن الظاهر بستر المعاصي واجتناب الكبائر وأداء الفرائض والاستقامة في القول والفعل مما يعد كاشفا عن الملكة. كما ناقش بعض ألفاظ المدح الأخرى


مؤكدا عدم صلاحية إطلاقها على غير من حسن ظاهره كقولهم: ( صالح )، ( زاهد )، ( شيخ جلي ) ونحوها.

ثم خلص إلى أنّ عدم الطعن فيمن وصف بواحد منها مع ذكره في جملة حملة الشريعة ورواة الشيعة يزيد في حسن حديثه ويكشف عن حسن سيرته ونقاء سريرته.

ثم بحث بعد ذلك مسألة مهمة للغاية، وهي عدم تفريق بعض العلماء في مقام العمل وفي موارد الترجيح عند التعارض بين من مدح ومن وثق صراحة، مؤكدا عدم تقديمهم الصحيح على الحسن عند التعارض، ممثّلا بما دأب عليه الشيخ في التهذيب والاستبصار من الجمع بين المتعارضين من غير طعن في سند الحديث الحسن أصلا.

ولهذا يرى المصنف -قدس‌سره - ان توصيفهم لبعض بالوثاقة ولآخر بالصلاح، ولثالث بالزهد أو الديانة مثلا إنما هو لتفننهم في التعبير.

ولقد ساق أمثلة كثيرة ممن قيل بحقهم مثل هذه الألفاظ في أهم كتب الرجال الشيعية على الإطلاق، مع اتفاق سائر العلماء على وثاقتهم وجلالتهم وعلو منزلتهم ومكانتهم في هذه الطائفة، كما هو الحال في زرارة، وأبان بن تغلب والبزنطي وأضرابهم.

أما عن اكتفاء بعضهم بكلمة ( عظيم المنزلة ) ونظائرها في مجال التوثيق فقد استفاد منه - بعد أن نقل كلماتهم - إمكانية اتحاد اصطلاح القدماء مع اصطلاح المتأخرين في ( الصحيح ) من جهة، وأعمية صحيح القدماء من جهة دخول الحديث الموثق فيه أيضا.

ثم أكد بعد ذلك على ضوابط التصحيح والتحسين والتضعيف، والنظر إلى أصول هذا الفن، والتأمل في ألفاظ المدح، والنظر في مداليلها وما اقترنت بها من أمور يستشف منها حسن الظاهر الكاشف عن الملكة، وبهذا


يصير الممدوح ثقة، والخبر الحسن صحيحا.

ثم عطف الكلام إلى تبيين مثل هذه القرائن التي سبق وأن بحثها تفصيلا فيما سبق من فوائد مشيرا إليها في هذه الفائدة على وجه الاجمال مبينا من أخذ بها من العلماء.

ثم كشف النقاب عن الرواية عن الضعفاء في عرف القدماء، وكيف انهم كانوا يعدونها من أعظم المطاعن وذلك بأدلة كثيرة استخرجها من تراجم العلماء، ثم ضرب أمثلة أخرى على من عدت أحاديثه حسنة ووردت في حقه من الأوصاف الجليلة التي لا تنفك عن الوثاقة بل حسن الظاهر أيضا.

ومن هنا نعى المصنف -قدس‌سره - تقسيم الحديث إلى أقسامه المعروفة، إذ حكموا من خلال هذا التقسيم على حسن أكثر الصحاح وأخرجوها عن دائرة الحجية مع ثبوت احتجاج من سبقهم بها.

لقد حاول المصنف -قدس‌سره - في هذه الفائدة أن يفتح نافذة على تقسيم الحديث عند المتأخرين، ليطل الباحثون من خلالها على هذا المصطلح الجديد وينظروا ما فيه وعلى ضوء ما طرحه من مفاهيم.


الفائدة العاشرة

في استدراك ما فات الوسائل

من الثقات والممدوحين

هذا هو العنوان الذي اختاره المصنف -رحمه‌الله تعالى - لهذه الفائدة التي سجل فيها ثلاثة آلاف وأربعمائة وتسعة وعشرين اسما لتكون مكملة لما سجله الشيخ الحر -رحمه‌الله تعالى - في الفائدة الأخيرة من فوائد خاتمة الوسائل، وإن لم يجر المصنف فيها على منهج الشيخ الحر كما سترى.

وقبل بيان ما يتعلق بهذه الفائدة من أمور يحسن الرجوع بالقارئ العزيز إلى الفائدة الثانية عشرة والأخيرة من فوائد وسائل الشيعة، ومن ثم تسليط الضوء على منهج المصنف في هذه الفائدة، لكي يتضح عن كثب طبيعة الاستدراك المسجلة هنا فنقول:

خصصت الفائدة الثانية عشرة من فوائد خاتمة وسائل الشيعة لذكر أحوال رجال السند بغض النظر عن وقوعهم في أسانيد الوسائل أولا، وهذا هو ما صرّح به الشيخ الحر في أول الفائدة المذكورة حيث قال: « وإنما نذكر هنا من يستفاد من وجوده في السند قرينة على صحة النقل وثبوته واعتماده ».

ولم يقصد الشيخ الحرّ ذكر ما في كتب التراجم الشيعية من الأعلام، ولا جميع من ذكر في كتب الرجال من الثقات والممدوحين، بل اكتفى ببعض من ذكر في أسانيد كتب الشيعة دون البعض الآخر، حسبما بينه من قرائن وأمارات وأسباب التوثيق والاعتماد، التي قد تنطبق على الكثيرين جدا ممن ليس لهم في فائدة الوسائل عين ولا أثر، فهو قد أعطى ضابطة كلية - إن صح


التعبير - لمعرفة الرواية المقبولة سندا ولم يرد إحصاء الموارد التي تنطبق عليها هذه الضابطة.

ويدلنا على ذلك ما جاء في الفائدة المذكورة من أمور وهي:

١ - قوله في أول الفائدة المذكورة: « لكني لم أذكر كل أصحاب الكتب » - وإذا ما علمنا انه ضبط في آخر الفائدة الرابعة ما يزيد على ستة آلاف وستمائة كتاب من كتب الشيعة - وان جميع ما ذكره من أسماء في الفائدة المذكورة من أصحاب الكتب وغيرهم لا يزيد على ألف وخمسمائة اسم، اتضح لنا ان الشيخ الحر ليس بصدد الإحصاء في الفائدة الأخيرة.

٢ - ما ذكره عن الشهيد الثاني من وثاقة جميع رواة حديث الشيعة الذين كانوا في زمن الشيخ الكليني، والذين من بعده إلى زمن الشهيد الثاني، وهذا هو اختيار الشيخ الحر ومرضية إذ لم يتعقبه بشيء، ولا شك أن عدد رواة الشيعة في تلك الفترة - وهي تزيد على ستة قرون أكثر مما سجله الشيخ الحر العاملي من أسماء الثقات والممدوحين في الفائدة الأخيرة التي ضمت بعض أسماء المتأخرين عن عصر ثقة الإسلام لا كلهم.

٣ - تصريحه بوثاقة أربعة آلاف رجل من أصحاب الصادقعليه‌السلام ، والموجود في رجال الشيخ الطوسي - حسبما أحصيناه - ثلاثة آلاف ومائتين وأربعة وعشرين اسما في باب أصحاب الإمام الصادقعليه‌السلام ، وما ذكره الشيخ الحر في الفائدة الأخيرة من الوسائل من أصحاب سائر الأئمةعليهم‌السلام وغيرهم ممن لم يدرك ذلك العصر البهي هو أقل من نصف العدد المذكور في باب أصحاب الإمام الصادقعليه‌السلام من رجال الشيخ.

هذا فضلا عن استثناء من ضعف من الرواة مع من لم تنطبق عليه موجبات الاعتماد والتوثيق.


ومن خلال قراءتنا التفصيلية لما ورد في هذه الفائدة من أسماء خرجنا بجملة وافرة من النتائج لعل أولاها بالذكر هنا هو أنّا وجدنا الشيخ النوري أراد بهذه الفائدة تعميم النفع والفائدة، وذلك بإحصاء ما في كتب الرجال والتراجم وغيرها من أسماء الثقات والممدوحين من الذين لم يسجلهم الشيخ الحر عن علم مؤكد بأكثرهم إن لم يكن بجميعهم، مع عدم الالتزام بمنهج الشيخ الحر الذي يجب مراعاته في الاستدراك المصطلح وهو نظر المتأخر - في استدراك ما فات على المتقدم - إلى منهج صاحب الأصل والكيفية التي سار عليها في تدوينه.

وقد بينا أن من منهج الشيخ الحر في فائدة الوسائل الأخيرة هو الاقتصار على ذكر بعض من له رواية ووثق أو مدح في كتب الرجال مع ترك الأكثر منهم من دون الالتفات إلى ما في كتب التراجم من الأعلام.

ومن هنا نرى ان في عنوان فائدة المستدرك مسامحة ظاهرة، وقد يكون المصنف -رحمه‌الله تعالى - ملتفتا إليها إذ لم يذكر مثلا عبارة: « ما غفل عنه الشيخ الحر » أو: « ما لم يطّلع عليه » ونحوهما مما مرّ في الفائدة الأولى وغيرها، بل قال في مقدمة هذه الفائدة: « ما لم يذكره » وعدم ذكر الاسم - مع لحاظ منهج الشيخ الحر - له مسوغات كثيرة لا تدل على الغفلة.

وبعد بيان منهج الشيخ الحر - رضي الله تعالى عنه - في الفائدة الأخيرة من الوسائل، وعلاقة تلك الفائدة بعنوان ما نحن بصدده، آن الأوان للحديث عن أهم الأمور التي تضمنتها هذه الفائدة مبتدئين بمنهج النوري -رحمه‌الله تعالى - في التوثيق والتحسين وعلى النحو الآتي:

أولا: منهج المصنف في التوثيق والتحسين:

لم يختلف منهج المصنف عن منهج الشيخ الحر كثيرا في مجال اعتماد القرائن والأمارات الكلية في التوثيقات الرجالية العامة، وقد بين


المصنف جملة منها في أول الفائدة محيلا إلى ما سيذكره منها في تراجم الرواة في هذه الفائدة ويمكن إجمالها جميعا بما يأتي:

١ - كون الراوي من مشايخ علي بن إبراهيم بن هاشم القمي في تفسيره.

٢ - كونه من مشايخ ابن قولويه في كامل الزيارات.

٣ - كونه من أصحاب الإمام الصادقعليه‌السلام في رجال الشيخ الطوسي.

٤ - رواية أحد الثلاثة عنه وهم: ابن أبي عمير، والبزنطي، وصفوان.

٥ - رواية أحد أصحاب الإجماع عنه على ما هو المشهور.

٦ - رواية الأجلاء المتفق على أمانتهم ووثاقتهم عنه.

٧ - رواية جعفر بن بشير، أو محمّد بن إسماعيل الزعفراني عنه.

٨ - كون الراوي من مشايخ النجاشي.

وقد سبق للمصنف وان أفاض بشرح هذه القرائن والأمارات وأقام مختلف الأدلة على اعتمادها، وأفرد لبعضها فوائد مستقلة كما هو الحال في الفوائد السابعة، والثامنة، والتاسعة.

هذا وقد عثرنا على أمور اخرى استفاد منها المصنف في توثيقاته الرجالية، سنشير إليها جميعا وندل على مكان واحد من أماكن ورودها، وعلى النحو الآتي:

١ - اعتماد كتب الرجال في التوثيق كرجال النجاشي كما في الترجمة [٥٩٧] وقد يبين مستند العلماء في توثيقاتهم وأخذه بها كما في [١٥٠] وغيره.

٢ - اعتماد كتب الحديث في التوثيق والتحسين، إذ استخرج منها الأحاديث المروية عن أهل البيتعليهم‌السلام وفيها نوع مدح وثناء بحق


من ترجم له كما في [٣١٧] وكثير غيره.

٣ - اعتماده مشيخة الإجازة في التوثيق كثيرا كما في [٣٦١] وغيره.

٤ - اعتبار رسائل الأئمةعليهم‌السلام إلى ولاتهم وغيرهم من دلائل الوثاقة والأمانة كما في [٢٢٥٢].

٥ - عدّه طعن أهل السنة برواة الشيعة دليلا على وثاقتهم، لأن من آية جلالة الراوي الشيعي وأمانته وشدة ملازمته لأهل البيتعليهم‌السلام تضعيف العامّة إياه وعده من غلاة الشيعة، كما في [٤٧٩] وكثير غيره.

٦ - الاستفادة من اتحاد الراوي مع غيره تعارض التضعيف مع التوثيق، ومن التعدد الوثاقة كما في [١٩٣٣].

٧ - إثبات الوثاقة من السند والتشيع من المتن، كأن يكون الراوي عنه من الأجلاء كما تقدم في الأمارات المتقدمة، وان يكون المروي فيه فضيلة أو منزلة تثقل روايتها على صدور مبغضي الآلعليهم‌السلام كما في [٢٠٢٥] وكثير غيره.

٨ - اهتمام علماء الرجال بذكر أمور دقيقة في ترجمة الراوي كذكرهم صلاة أحد الأجلاء عليه عند وفاته يكشف - عنده - عن كونه من كبار مشايخ الإجازة كما في [٢٤٥٨].

٩ - التصرف في عبارات التوثيق الواردة في تراجم البعض بكتب الرجال والتي يمكن إرجاعها إلى غير صاحب الترجمة، وجعلها نصا فيه، كما في [٤٣٢].

١٠ - اعتماد الوكالة وترضي المشايخ على أحد الرواة، وترحمهم عليه في مجالات التوثيق والتحسين كثيرا.

١١ - قولهم في حق أحد الرواة: ( صحيح الحديث ) أمارة من أمارات التوثيق عنده كما في [٢٨١٣] وغيره.


على ان بعض هذه الأمور لم يعتمدها الشيخ الحر في توثيقاته الرجالية.

ثانيا: منهجه في التصنيف والاستدراك:

اتبع الشيخ النوري -رحمه‌الله تعالى - منهجا واضحا في تصنيف هذه الفائدة وطريقة ثابتة في الاستدراك، ويمكن إجمال هذا المنهج بالأمور التالية:

١ - عدم ذكر من ذكره الشيخ الحر العاملي -رحمه‌الله تعالى - في الفائدة الأخيرة من الوسائل ووثقه.

٢ - بيان وثاقة من ذكره الشيخ الحر ولم يذكر من وثقه أو مدحه.

٣ - ترتيب الرواة بحسب الأسماء لا الحروف مع عدم العناية بترتيب الآباء، وجعل أسماء الرواة في أبواب حيث ابتدأ بباب الألف ثم باب الباء وهكذا إلى باب الياء، ثم أفرد بابا للكنى، ثم بابا لمن صدر بابن، واخرى في النسب واللقب.

٤ - من ذكرهم من الرواة في باب النسب واللقب لم يبين حالهم من الوثاقة غالبا لمرور أكثرهم في الأبواب المتقدمة في الأسماء، والظاهر أنه أراد وقوف القارئ على أسمائهم، إذ بين المصنف أسماء أصحاب الألقاب.

٥ - مراعاة الاختصار والإيجاز في التراجم غالبا.

٦ - الاكتفاء بذكر أمارة واحدة - في الأعم الأغلب - على وثاقة الراوي.

ثالثا: مصادره في هذه الفائدة:

أمّا عن مصادر الشيخ النوري في هذه الفائدة فهي كثيرة ومتنوعة إذ لم يقتصر فيها على كتب الرجال والحديث، وإنما استفاد من كتب أخرى ككتب التفسير، والعقائد، والتاريخ، والفضائل وغيرها.


ويمكن القول بأن أهم الكتب التي اعتمدها في هذه الفائدة على الإطلاق، هو كتاب الرجال للشيخ الطوسي -قدس‌سره الشريف - إذ اقتبس منه معظم ما في هذه الفائدة من أسماء.

هذا ولم تنحصر استفادة المصنف من كتب الشيعة فحسب، بل استفاد أيضا من كتب أهل السنة في كثير من المواضع، لا سيما في تعيين الوفيات، أو بيان الاتحاد والاشتراك في الأسماء، ونحو ذلك.

رابعا: نوعية الاستدراك:

مرّ أن المصنف لم يراع منهج الأصل المستدرك عليه في هذه الفائدة وان اتبع سائر القرائن والأمارات الكلية في التوثيق المعتمدة في خاتمة الوسائل، وأضاف لها أمورا أخرى لم تعتمد في توثيقات الشيخ الحر -رحمه‌الله تعالى -.

ومن استعراض طوائف الأسماء المستدرك بها في هذه الفائدة يتضح لنا أن المراد هو تعميم الفائدة لا أكثر وليس المراد بتسجيلها هو الاستدراك المتبادر عرفا كما مرّ.

وفيما يأتي صورة شاملة لطوائف الأسماء المسجلة في هذه الفائدة، وعلى النحو الآتي.

١ - الاستدراك بأصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مثل العباس عم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وخبّاب بن الأرتّ، وعثمان بن مظعون، وهند بن أبي هالة ابن خديجة الكبرىعليها‌السلام - وهو ربيب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - وأبي قتادة الأنصاري، والبراء بن معرور، وسفينة مولى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وغيرهم من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم -.

٢ - الاستدراك بأزواج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كأم أيمن


- رضي الله تعالى عنها -.

٣ - الاستدراك بأولاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - صلوات الله وسلامه عليه - كمحمّد بن الحنفية - رضي الله تعالى عنه - أو بأصحابه الذين لازموه وتفانوا فيه أو استشهد بعضهم بين يديهعليه‌السلام . وهم كثر، نذكر منهم: جارية بن قدامة، وثعلبة بن عمر، وأبا عمرة الأنصاري، وحذيفة ابن أسيد وهو من الصحابة أيضا، وأبا الجوشاء وهو صاحب رأيتهعليه‌السلام يوم خرج من الكوفة إلى صفين، وأبا جند بن عمرو وهو الذي عقر الشيطان [ اعني: جمل عائشة ] في البصرة، وابن النباح مؤذنهعليه‌السلام الذي كان يقول في أذانه: حيّ على خير العمل.

٤ - الاستدراك بليوث العرين، والصفوة من العبّاد المؤمنين، والخيرة من أصحاب الأئمة الميامينعليهم‌السلام من الذين ذبوا عن حرم آل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وضحوا بأرواحهم بين يدي خامس أصحاب الكساء عليه الصلاة والسلام في صبيحة عاشوراء، وضربوا باستشهادهم يوم الطف أروع أمثلة التضحية والفداء في سبيل العقيدة والمبدأ، كزاهر مولى عمرو بن الحمق الخزاعي الشهيد في الحملة الأولى، وشوذب مولى شاكر، وعابس بن شبيب، وأبي ثمامة الأنصاري الذي لم ينس الصلاة في لحظات عمره الأخيرة حتى قال له الحسينعليه‌السلام : « ذكرت الصلاة، جعلك الله من المصلين » ومن نصر الحسينعليه‌السلام حيا وميتا مسلم بن عوسجة، ومن رفض الذلّ والهوان، وأبى إلاّ أن يعيش حرا ويمضي سعيدا هاني بن عروة صاحب المقام المحمود، ولمقامه الشريف زيارة مأثورة معروفة لدى الشيعة، وهو من شهداء الحق والفضيلة عند الله سبحانه.

ثم إن المصنف -رحمه‌الله - قد استدرك بهذه الفائدة بينبوع الوثاقة ومعدن العلم والحكمة والفضيلة، وجبل الكرامة، حامي بيوتا مطهرة أذن الله


لها أن ترفع ويذكر فيها اسمه مسلم بن عقيل بن أبي طالبعليه‌السلام .

وهل يصح أن يغفل الشيخ الحر مثل مسلم فيستدرك به عليه؟ وهل ترك ابن عقيل سلام الله عليه فضيلة لغيره أو مكرمة لسواه من غير أهل البيتعليهم‌السلام حتى ينسى؟

ان الأقرب إلى الحق والصواب هو ان المصنف رام بتسجيل هذه الأسماء الزكية الافتخار بأن هكذا عندنا نحن معاشر الشيعة من عيون الرجال.

٥ - الاستدراك بأصحاب سائر الأئمةعليهم‌السلام وأكثر من ذكر منهم هم أصحاب الإمام أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام .

٦ - الاستدراك بمن تأخر عن عصر آخر الأئمةعليهم‌السلام من رواة الشيعة الإمامية.

٧ - الاستدراك بثقات الفرق المنحرفة عن الخط الإمامي كثقات الفطحية والواقفية وغيرهم.

٨ - الاستدراك بالنساء الراويات كما في التراجم [٢٣٥] و [٢٣٦] و [٢٣٧] و [٢٣٨] و [٢٣٩] و [٨٧١] و [١٧٩٠] و [٢٣٠٠] وغيرها.

٩ - الاستدراك بأعلام أهل السنة كمالك بن أنس، ومحمّد بن مسلم ابن شهاب الزهري، وابن أبي ليلى القاضي المعروف، ومقاتل بن سليمان، وغيرهم.

١٠ - الاستدراك ببعض الضعفاء، والدفاع عنهم - مع الأسف - كاستدراكه بمنخّل بن جميل، ويونس بن ظبيان وغيرهما.

ولعل ما سجله من أسماء بما مر في الفقرتين الأخيرتين هو مما لا يؤيده عليه أحد من أعلام الشيعة.


خامسا: الردود والمناقشات:

ردّ المصنف في هذه الفائدة على الكثير من علماء الرجال، كما ناقش البعض منهم مناقشات مطولة أحيانا في تراجم معدودة، وتعجب واستغرب من طائفة أخرى من العلماء نتيجة لحكمهم بعدم الوثاقة على بعض الأعلام الذين وثقهم المصنف في هذه الفائدة، ولقد كان الحق معه في أغلب هذه الردود والمناقشات، لأنه قد اعتمد في أغلبها على أدلة قوية استخرجها من مصادر شتى رجالية وغيرها، إلاّ أنه أخفق في بعضها لا سيما فيما يتعلق بالضعفاء المجمع على ضعفهم تقريبا، وفيما يأتي جملة مختصرة من هذه الردود والمناقشات.

١ - رد نسبة الغلو إلى بعض الرواة، ومناقشة من اتهمهم بذلك مع الاضطرار إلى التوسع في تراجم من اتهم بالغلو وبيان حاله وإثبات خلو أقواله وما رواه من رائحة الغلو، ورجوع من غلا إلى الحق وحسن حاله وصحب الأئمة من آل البيتعليهم‌السلام كما في [١٣٦٣] وغيره.

٢ - رد نسبة وضع كتاب سليم بن قيس الهلالي إلى ابان بن أبي عياش بجملة من الأمور حاول اختصارها كما في [٤] لما مر منه في الفائدة الثانية من تفصيل حال هذا الكتاب وإثبات نسبته إلى مؤلفه.

٣ - رد نسبة الوقف إلى بعض الرواة كما في ترجمة إبراهيم بن أبي بكر برقم [١٨] وغيره.

٤ - الرد على ابن الغضائري كثيرا في التراجم كما في [٢٥١٠] و [١٣٦٣] و [٢١٨٠] وعلى جميع من وافقه من الرجاليين كما نراه في ترجمة الفتح بن يزيد، وعدّه ما جاء في كتبهم من الأوهام.

٥ - مناقشته للنجاشي والعلاّمة في ترجمة صالح بن سهل الهمداني


مع الإطالة في بيان حاله وتبرئته مما قذف به.

٦ - الردّ على الكشي في ترجمة الصحابي عبد الله بن مسعود، مع التعجب ممن اقتصر من الرجال في ترجمته على ما في الكشي.

٧ - الرد على الشيخ سليمان بن عبد الله الماحوزي كثيرا والتعجب منه أحيانا كما في ترجمة طرمّاح بن عدي برقم [١٤١٢]، وترجمة عقيل بن أبي طالب برقم [١٨٢٤]، وكذلك الحال في التراجم [٢٤٩١] و [٢٣٩١] و [٢٤٢١] وغيرها.

٨ - الرد على العلاّمة المجلسي والتعجب مما ذكره في الوجيزة بحق بعض الرواة كما في [٢٣٩٢] و [٢٣٢٨] و [١٤١٧] و [١٨٢٤]، وغيرها.

٩ - الرد على الشيخ أبي علي الحائري ردا مشوبا بالتحامل كما في [٢٢٦٧] و [٢٦٠٨].

١٠ - مناقشته للسيد صاحب المدارك كما في الترجمة [٢٣٩١].

١١ - الرد على جميع الرجاليين تقريبا في ترجمة يونس بن ظبيان برقم [٣٢٦٠] والإطالة في ترجمته أكثر من غيره، وفي جميع ما ذكره من أدلة اختلاف واسع يظهر منه الاتفاق على تضعيفهم ليونس بن ظبيان.

١٢ - الرد على نسبة التسنن إلى بعض الرواة، والتأكيد على تشيعهم بمختلف الأدلة كما في [٩٧٣] وغيره.

١٣ - الرد أحيانا على من ذهب إلى الاتحاد بين راويين مع اختيار التعدد كما في [٢٠٥٤].

سادسا: التنبيهات في التراجم الرجالية:

من خلال تتبعنا لجميع ما ذكره المصنف -رحمه‌الله تعالى - في هذه الفائدة، وقفنا على جملة من التنبيهات المهمة نعرضها على النحو الآتي:

١ - التنبيه على تعدد الرواة مع اتحادهم في الأسماء كما في [٥٢١]


و [٨٤٣] وغيرهما.

٢ - تصحيح الأسماء المصحفة كما في [٢٧٢٦] وغيره.

٣ - التنبيه على المشتركات والإطالة فيها أحيانا كما في [٧٢١] و [٧٢٥].

٤ - الإشارة إلى الأخطاء الحاصلة في التراجم لدى بعض العلماء كما في [٣١٧١] وغيره.

٥ - التنبيه على بعض النكات المهمة في التراجم، منها ما يتعلق برواية الأئمةعليهم‌السلام عن جدهمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فان كان المخاطب من أهل السنة حدثوه بلغة الاسناد، بخلاف ما لو كان من شيعتهم، لما بينهما من فارق الاعتقاد بمنزلة أهل البيتعليهم‌السلام .

٦ - التنبيه كثيرا في توثيقاته للرواة على وجود من سبقه في توثيقهم أو عدهم من الممدوحين.

٧ - التنبيه على اختلاف النسخ الرجالية أو الحديثية، وخطأ النساخ وتحريفاتهم وتصحيفاتهم، وقد أكثر المصنف من هذه التنبيهات المهمة، نشير إلى بعضها اختصارا.

أ - التنبيه على وجود كلمة ( ثقة ) في رجال العلامة بحق صاحب الترجمة [٣٦٧]، ولا وجود لها في معظم النسخ الأخرى، وقد تكرر ذلك في تراجم اخرى كما في [١٦٩٧] و [٤٢٨] وغيرهما.

ب - التنبيه على عدم وجود كلمة ( ثقة ) في نسخته من كتاب رجالي بخط مؤلفه، مع وجودها في النسخ الأخرى لهذا الكتاب ونقل العلماء لها منه أيضا كما في [٧٤٥] ولهذا نراه لا يعتمد على هذا التوثيق بل يستظهره من وجوه اخرى.

جـ - التنبيه على جودة ما اعتمده من النسخ الخطية، كنسخته من


كتاب رجال النجاشي المكتوبة في عهد مؤلفه كما قال في [٦٧٨]، أو نسخة من كتاب التهذيب صحيحة جدا كما قال في [١٥٩٢] وغير ذلك.

د - التنبيه على اختلاف النسخ الرجالية في ضبط ألقاب الرواة كما في [٨٦٩] أو الأسماء كما في [٢٠٤٧].

هـ - التنبيه على الاختلاف الحاصل بين كتب الحديث وكتب الرجال في أسماء الرواة كما في [١٦٩٢] و [٣٣١٣].

و - التنبيه على تصحيفات النساخ وتحريفاتهم بما له علاقة مباشرة في التوثيق أو التجريح كما في [٧٢٨]، أو بما له علاقة في ازدياد طبقات الرواة كتحريفهم ( ابن ) إلى ( عن ) كما في [٣٣٧٤] وغيرها من التحريفات والتصحيفات.

سابعا: أمور اخرى:

هناك بعض الأمور الأخرى التي وقفنا عليها في هذه الفائدة نذكر منها:

١ - ذكره طرفا من أخبار المترجمين في هذه الفائدة ومدى اتصالهم بأهل بيت العصمةعليهم‌السلام كما في جعدة بن هبيرة ابن أخت أمير المؤمنينعليه‌السلام [٣٩٨] الذي قال له عتبة بن أبي سفيان: انما لك هذه الشدة في الحرب من قبل خالك! فقال له جعدة: لو كان خالك مثل خالي لنسيت أباك.

كما يذكر الكثير من فضائلهم لا سيما إذا كانوا من صحابة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما في [٢٧٦] و [١١٩١] و [١٤٢١] وغيرها.

٢ - يذكر ما جرى لبعض الرواة مع الأئمةعليهم‌السلام بما يدل على منزلتهم عندهمعليهم‌السلام ودعائهم لهم بظهر الغيب بما يفيد حسن سيرتهم كما في [٢٦].


٣ - التعرض إلى معاناة أهل البيتعليهم‌السلام وما جناه الأوغاد بحقهم حقدا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مواطن متفرقة من هذه الفائدة كما في [٢١١٤] و [١٤٤٧].

٤ - التعرض إلى ما قاله بعضهم من الشعر، لا سيما العقائدي الهادف كشعر سفيان بن مصعب العبدي [١١٨٩] وغيره.

٥ - التوسع في إيراد بعض القصص والحكايات الطريفة التي تنطوي على عظة نافعة، كما في [١٥٨٣].

٦ - نقله الروايات من كتب الحديث بلا إسناد في الغالب مع الإحالة إلى مصدرها اختصارا، ولكنه قد يذكر الاسناد كاملا لنكتة في المقام كما في [٣٣٦٣]، فراجع.

٧ - اتباعه نظام الإحالة في تراجم الرجال إلى الفوائد المتقدمة لا سيما الفائدة الثانية كما في [٤١٦] والسادسة كما في [١٩٣١] وغيرهما.

٨ - تعرضه إلى مباحث درائية في عدة مواضع من هذه الفائدة، كمناقشته لقول النجاشي: « ليس بذاك » في الترجمة [٢١٥٥] وبيان دلالة هذه الكلمة. وكذلك قولهم: « وحديثه ليس بذلك النقي » في الترجمة [٨٣]، أو المناقشة في لفظة: « وجه » ودلالتها بصورة مختصرة كما في [١٩٢١]، أو بيانه معنى قول النجاشي « وكان علوا » في [١٩٣١]، أو بيانه اختلافهم في دلالة بعض الألفاظ على المدح أو التوثيق أو عدم دلالتها على شيء من ذلك كما في [٦٧٧].

ثامنا: المؤاخذات على ما في هذه الفائدة.

هناك بعض المؤاخذات التي يمكن ان تسجل على الشيخ النوري في هذه الفائدة، وهي:

١ - لقد أشار المصنف إلى أن ذم أهل السنة لأحد رواة الشيعة ينبغي


أن يعد من مدائحه كما في الترجمة [٤] وقد مر عنه في الفوائد السابقة تصريحه بأن مدح أهل السنة وقدحهم سواء، إلاّ أنا وجدناه قد اعتمد توثيق ابن حجر لصاحب الترجمة [٣٦]، وكان عليه ان يقتصر على ما ذكره من أمارات الوثاقة، ولا يردفها بتوثيق ابن حجر مراعاة للتصريحات السابقة.

٢ - قد يعتمد على إثبات وثاقة شخص ما على رواية رواها ذلك الشخص بعينه، ولا يخفى بأن هذا الشخص متهم بجر منفعة لنفسه، كما حصل في الترجمة [١٤٨٥]، وكذلك في [١٥١٢]، هذا مع التفات المصنف -رحمه‌الله تعالى - إلى ذلك، وتبريره على أساس وقوع الأجلة في طريق الرواية، وهو كما ترى!

٣ - الاعتداد بعدم الاستثناء من كتاب نوادر الحكمة في مجال التوثيق كما في [١٨٨٧]، والرد على الاستثناء الحاصل لبعض الرواة كما في [١٦٧٠]. وهذا ما يشكل اضطرابا في منهج التوثيق.

٤ - الاستدراك بمن لم يذكر له في ترجمته أمارة على التوثيق، سوى أنه روى عنه فلان أو فلان، وعند تتبعنا لمثل هذه الموارد وجدنا أن الراوي عنه أيضا غير منصوص على وثاقته، وهي موارد قليلة كما في [١٩٧٠] وغيره.

٥ - اعتماده على أمارات غير متفق عليها في التوثيق، والأكثر على خلافها.

٦ - الخروج عن منهجه في الاختصار كما نص عليه في أول الفائدة، حيث أطال في تراجم كثيرة كما هو الحال في [١٣] و [٣٩] و [٥٥] و [٦١] و [٦٢] و [٦٦] و [٩١] و [٩٥] و [٩٦] و [١٢٠] وكثير غيرها.

٧ - توثيقه لمن لم يوثق قط كمقاتل بن سليمان، ومنخل بن جميل، ويونس بن ظبيان كما أشرنا إليهم فيما تقدم.

٨ - الاستدراك بأهل السنة كمالك بن أنس، والزهري وقد تقدمت


الإشارة إلى ذلك أيضا.

إلى غير ذلك من الهنات الطفيفة الأخرى التي لا تقلل - بنظرنا - من أهمية هذه الفائدة لما فيها من الايجابيات الكثيرة التي نتركها للقارئ العزيز نفسه.


الفائدة الحادية عشرة

حول موقف الأخباريين من حجية القطع

لحجية القطع أكثر من معنى إلاّ أن المراد منها في المباحث الأصولية هو التنجيز والتعذير.

ولما كان ثبوت القطع لدى القاطع أمرا وجدانيا لا يمكن إنكاره، وان من يحصل لديه مثل هذا القطع يكون قطعه حجة ومنجّزا عليه عند سائر الأصوليين، لذا احتدم نقاشهم مع الأخباريين الذين نسب إليهم - كما في هذه الفائدة - القول بعدم حجية القطع.

وقبل بيان موقف المصنف من هذه النسبة يحسن بنا التأكيد على ثلاثة أمور، وهي:

الأول : اتفاق الشيعة الإمامية من الأصوليين والأخباريين على عدم حجية أدلة عقلية ظنية مثل القياس والاستحسان، ونحوهما، اقتداء بأهل البيتعليهم‌السلام حيث تواتر عنهمعليهم‌السلام النهي المطلق عن استعمال مثل هذه الأدلة في استنباط الأحكام الفقهية.

الثاني : اختلافهم في حجية الأدلة العقلية القطعية في مجال استنباط الأحكام الشرعية. حيث ذهب المشهور منهم إلى صحة ذلك، ومنعه الأخباريون، بمعنى عدم تحققه كما سيأتي في هذه الفائدة.

الثالث : المراد من حكم العقل هنا هو ما يصدره على نحو الجزم واليقين، غير مستند بذلك إلى الكتاب والسنة بخصوص الأحكام الشرعية، وليس المراد منه الحكم العقلي الواقع في مبادئ التصديق بالكتاب والسنة ولا الحكم الواقع في طولهما في مرحلة معلولات الأحكام الشرعية كحكم


العقل بوجوب الامتثال فهذا لا إشكال في حجيته عند الجميع.

ثم ان الشيخ النوري -رحمه‌الله تعالى - قد افتتح هذه الفائدة بإنكار هذه النسبة إلى الأخباريين، مصرحا بأن ما يظهر من كلماتهم هو على خلاف ما نسب إليهم من إنكار حجية القطع الحاصل من العقل.

ثم بين أصل اشتهار هذه النسبة إليهم، وهو كلام الشيخ الأنصاري -قدس‌سره الشريف - في رسالته: « حجية القطع ». حيث نقل عنه ما حكاه عن المحدث الأسترآبادي -رحمه‌الله تعالى - من تقسيمه العلوم إلى ما ينتهي إلى مادة قريبة من الإحساس، وإلى أخرى بعيدة عنه مع وقوع الاختلاف في الثاني دون الأول على تفصيل بين في محله.

وقد استفاد الشيخ الأعظم - طاب ثراه - من كلام الأسترآبادي -رحمه‌الله تعالى - عدم حجية إدراكات العقل - عنده - في غير المحسوسات، مبينا من استحسن كلام الأسترآبادي من الأخباريين المتأخرين عنه كالمحدث الجزائري والبحراني - رحمهما الله تعالى - حيث ذهب الأول إلى القول بحكم العقل في البديهيات، أما في النظريات فان وافقه النقل وحكم بحكمه فهما متّفقان، وان تعارضا قدم النقل عليه.

أما الثاني فقد استحسن هذا الكلام وأيّده.

ويرى المحدث النوري ان ما استفاده أستاذه الشيخ الأنصاري من كلام الأسترآبادي غير تام، وان الأسترآبادي لم يقصد حصر المعرفة البشرية بأدوات الحسّ والتجربة: بل غرضه حصر المعرفة بالدليل الشرعي النقلي وإلغاء الدليل العقلي النظري في مجال استكشاف الحكم الشرعي، وانه ليس في كلامه إشارة أو تصريح إلى عدم حجية حكم العقل القطعي. بل الظاهر منه نفي حجية الإدراك الظني والاستنباطات الظنية في نفس الأحكام الشرعية.


وقد استدل المحدّث النوري على ذلك بأمور كثيرة نذكر منها ما يأتي:

أولا : الاستدلال بالمواضع الساقطة من عبارة الأسترآبادي المنقولة، والاستفادة من هذه المواضع بأن مقتضى ما أفاده الأسترآبادي هو عدم جواز الاعتماد على الدليل الظني في أحكامه تعالى سواء كان ظني الدلالة أو الطريق أو كليهما.

مبررا لأستاذه هذا السقط بأنه لم يكن عنده كتاب الفوائد المدنية للاسترآبادي وإنما نقل النص عن حاشية المعالم، وكذلك الحال في نقله عن السيد الجزائري بالواسطة.

ثانيا : نقل عن الفوائد ما يفيد الإشارة إلى كون حكم العقل القطعي حجة عنده ونفي الاستنباطات الظنية، كما نقل نصا آخر صريحا بإفادة هذا المعنى.

ثالثا : نقل نصا آخر يفيد عدم جواز العمل بالظن المتعلق بنفس أحكامه تعالى ثم كشف عن إبطال الأسترآبادي التمسك بالاستنباطات الظنية من الكتاب والسنة والاستصحاب والبراءة والقياس والإجماع في نفس أحكامه تعالى، بما يفيد انه كان لا يرى للعقل إدراكا قطعيا في استنباط الأحكام الشرعية، وإلا لعده من جملة هذه الأمور، بل لقدمه على الاستصحاب وما يليه.

رابعا : نقل نصا من الفوائد يفيد وجوب أخذ أصول الدين وفروعه من أصحاب العصمةعليهم‌السلام وان العقل لا يستقل بإثباتها، خاصة الفروع.

خامسا : اهتم ببيان رأي الأسترآبادي في تقسيم الأخبار على نحوين.

أحدهما: ان تكون صحة مضمون الخبر متواترة، وهذا لا يجوز التناقض فيه.

الآخر: وجود قرينة دالة على صحة مضمونه واعتباره، ومن جملة هذه


القرائن مطابقة المضمون للدليل العقلي القطعي.

سادسا : بين سبب ردّ الأسترآبادي - بنص منه - للترجيحات الاستحسانية بأمرين.

أحدهما: لم يرد من الشارع إمضاء لها بل ورد النهي عنها.

الآخر: عدم ظهور دلالة عقلية قطعية على حجيتها.

وهكذا نجد المصنف -رحمه‌الله تعالى - ينقل ما هو صريح بحجية إدراك العقل إذا كان قطعيا.

وفي آخر ما اقتبسه من نصوص عن الفوائد لرد هذه النسبة نقل عنه كلاما مهما - وهو عنده بخطه - يؤيد فيه صراحة ما ذكره المصنف آنفا، وانه على الرغم من حصره لإدراك الحكم الشرعي عن طريق الدليل النقلي وإلغاء ما سواه، فإنه لو فرض وجود الإدراك العقلي القطعي لذلك لكان حجة عنده.

أما عن المحدث الجزائري فقد دافع عنه النوري أيضا مبينا انه تبع أقوال الأسترآبادي وعنون مطالب كتبه على غرار ما ورد في الفوائد ثم نقل عنه كما نقل عن الأسترآبادي أمورا تبين ان ما أسقطه من أدلة العقل إنما هو الأدلة الاستحسانية التي يعبر عنها بالاستنباط الظني وأورد تصريحه في وجوب تأويل الدليل النقلي إذا تعارض مع الدليل العقلي ذي المقدمات البديهية.

وأما عن بيان موقف الشيخ الحر من هذه المسألة فهو لا يحتاج إلى بيان لتصريح الشيخ الحر -قدس‌سره - بحجية حكم العقل القطعي إذ قال في الفائدة الثامنة في بيان القرائن المعتبرة على ثبوت الخبر: « ومنها: موافقته لدليل عقلي قطعي »(١) ، إلاّ أن المصنف لم يكتف بهذا التصريح بل تابع -رحمه‌الله تعالى - أقوال الشيخ الحر وآراءه في كتبه الأخرى حول هذه

__________________

(١) خاتمة الوسائل - الفائدة الثامنة ٣٠ / ٢٤٧.


المسألة بالذات، وأطال في نقل كلماته بما حاصله عدم وجود دليل عقلي قطعي في شيء من مسائل الفروع ولو فرض وجوده فهو حجة.

اما عن كلام البحراني -قدس‌سره - في الحدائق، والدرة النجفية، فقد بين المصنف عدم اختلافه عن كلام الأسترآبادي ولا كلام الجزائري أو الشيخ الحر.

واستخلص رأيه بأنه يرى عدم استقلال العقل في معرفة الأحكام الشرعية بالقطع واليقين، لا أنه يستقل ولا يكون - مع ذلك - حجة.

أما عن رأي المصنف في هذه المسألة بالذات والذي أفصح عنه في آخر هذه الفائدة فخلاصته: عدم تحقق الصغرى في هذه المسألة، أي: عدم تحقق استقلال العقل في مجال استنباط الأحكام الفرعية على نحو القطع واليقين.


الفائدة الثانية عشرة

في نبذ من فضيلة علم الحديث الشريف

في هذه الفائدة بيان لشرف علم الحديث، وأهميته القصوى، ودوره المتميز في حياة المسلم، ومكانته العظمى من التشريع، مع التأكيد على ضرورة الجدّ في دراسته وتدريسه.

لقد نقل المصنف - طاب ثراه - عن الشهيد الثاني - رضي الله تعالى عنه - كلاما ضافيا في جلالة هذا العلم ورتبته، والمثوبة عليه مع تعريفه، وما خصت به درايته من اهتمام بالغ، وانها المراد بعلم الحديث عند الإطلاق.

كما أورد عنه -قدس‌سرهما - بعض الآثار والأخبار الواردة في فضل علم الحديث الشريف، ثم ساق المصنف ما ورد من عظيم الأثر عن سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء سلام الله عليها بأن حديث المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يعدل عندها سبطي هذه الأمة الحسن والحسين صلوات الله وسلامه عليهم.

وكفى به دلالة على شرفه وتفاني بضعة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أجل الحفاظ على سلامته.

ثم نقل عن صاحب المعالم -قدس‌سره - ما يؤكد على إعطاء الحديث حقه رواية ودراية، لأنه مدار أكثر الأحكام الشرعية. مع الثناء على السلف الصالح الذين بذلوا ما في وسعهم لأجل تحقيق الغاية من وجود الحديث الشريف.

ثم فصل المصنف دور العلماء في هذا الحقل، وأورد عن كشف اللثام كلمة رائعة أوصى بها الفاضل الهندي -رحمه‌الله تعالى - إخوانه العلماء والمجتهدين بهذا الخصوص.


كما أورد عن غيره من العلماء ما يشحذ الهمم للتصدي إلى استخراج الكنوز المودعة في الحديث الشريف.

ثم ختم المصنف الكلام عن شرف الحديث وأهميته ببث حزنه ولوعته على افتقاره من يذاكره في هذا العلم الجليل وكأني به يقول:

أين الوجوه أحبّها

وأودّ لو أني فداها

أمسى لها متفقدا

في العائدين ولا أراها

ثم عطف -رحمه‌الله تعالى - إلى شرح حاله فترجم لنفسه ترجمة مجملة، ذكر فيها تاريخ ولادته، ودراسته ومشايخه ثم سفراته ورحلاته، واختتم الكلام بتعداد مؤلفاته.

رحم الله تعالى شيخنا النوري، فقد كان - كما شهد تلامذته - صواما قواما مخلصا لله في عمله، مجدا في أداء فرائضه، غزير الدمع من خشيته، متشفعا بالنبي وآل بيته صلّى الله عليهم وسلّم.

هذا وقد وافق الفراغ من آخر كلمة في هذه الفائدة بقلمه الشريف اليوم العاشر من ربيع الآخر في السنة التاسعة عشرة بعد الألف والثلاثمائة من الهجرة الشريفة، ولم يمض طويلا هذا القلم المعطاء - بعد إكمال هذه الخاتمة - إذ انتقل صاحبه إلى جوار الملك المنان في ليلة الأربعاء لثلاث بقين من جمادى الآخرة لسنة عشرين بعد الألف والثلاثمائة من الهجرة الشريفة.

تغمده الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته.


منهجية التحقيق:

لله درّ من سمّى المحدث النوري ( قده ) بخاتمة المحدثين، فان ما أجادت به يراعه المباركة لهي بحق تعدّ من أعظم ما سطرته يراع العظماء من أمثاله. ولذلك كان العمل على خاتمة المستدرك من الصعوبة بمكان وغير خجلين من الإقرار بذلك، بالإضافة إلى نقص النسخ الخطية المتوفرة لدينا والتي تم العمل عليها.

وبعد:

فمن مميّزات مؤسّستنا منهجية العمل الجماعي، ولقد كان هذا المنهج هو الأصل في عملنا مع ما للطاقات الفردية الضخمة المتوافرة من مساهمة فعالة في صياغة هذا العمل ليخرج بهذه الحلة الفريدة نظرا لضخامته وتنوعه.

فخاتمة المستدرك والتي تحتوي على (١٢) فائدة هي عبارة عن اثني عشر منهجا مختلفا وكل واحدة منها تحتاج الى جهد خاص وذوق متميز.

وقد تمت الإشارة الى بعض الجهد المبذول في مقدمة الفوائد وما تطلّبته من إمكانات في سبيل الوصول الى عرضها ونشرها بما يتناسب مع مالها من مقام شامخ في نفوس طلبة العلوم. ولذلك لا يسعنا القول بأن العمل الذي أنجز، يمكن حصره في لجان معينة وافراد خاصين نتيجة تشعبه وضخامته، وعليه فقد تمت الاستفادة من كافة الطاقات المتاحة والتي بذلت جهدا مشكورا في التعاون معنا لانجاز هذا العمل.


النسخ المعتمدة في تحقيق الكتاب:

١ - النسخة المحفوظة في مكتبة نصيري بطهران، وهي تشتمل على الفوائد الأولى والثانية والثالثة فقط، جاء في آخرها: كتبه الحقير مهدي بن أبو القاسم الحسيني الكاشاني، هذا وعلى هذه النسخة حاشية لصدر الأفاضل ( دانش ) نصيري اميني، هكذا ذكر ذلك في أولها حفيده فخر الدين نصيري اميني، وكذلك حاشية اخرى ليحيى بن محمّد شفيع الأصفهاني، وتقع هذه النسخة في ٦٩٨ صحيفة من الحجم الوزيري.

٢ - مخطوطة في مكتبة الإمام الرضاعليه‌السلام ، وهي تحتوي على الفوائد السادسة إلى الثانية عشرة، وهي بخط المصنفقدس‌سره ، وقد جاء في أولها:

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وصلّى الله على محمّد وآله آل الله الفائدة السادسة.

وفي آخرها:

ووافق الفراغ من هذا المجلد أيضا يوم العاشر من ربيع الآخر يوم ولادة سيدنا الإمام الزكي أبي محمّد الحسن بن علي الهادي صلوات الله عليهما في السنة المباركة التي أخبر أهل الحساب بتوافق الأضحى والجمعة والنيروز فيها السنة التاسعة عشرة بعد الألف وثلاثمائة بيد العبد المذنب المسيء حسين ابن محمّد تقي النوري الطبرسي حامدا مصليا مستغفرا.

أي قبل سنة واحدة من وفاته كما وانه جاء في الورقة الأولى عبارة هي:

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي شرفني بزيارة هذه النسخة النفيسة التي هي آخر أجزاء مستدرك الوسائل من تصنيف شيخنا العلامة النوري طاب ثراه وهي بخط يده الشريفة في آخر عمره، فإنه توفي سنة ١٣٢٠، حرره


خادمه المجاز منه العبد الفاني الشهير بآقا بزرك الطهراني في ( ٢٠ - ع ٢ - ١٣٨٠ ).

٣ - المطبوعة الحجرية: وهي نسخة محفوظة في مكتبة العلامة الحجة السيد عبد العزيز الطباطبائي نقل فيها جميع ما سبق لاستاذه الشيخ آقا بزرك الطهراني إثباته من حواش وتعليقات على نسخته من خاتمة مستدرك الوسائل، وحيث كان الطهراني - كما هو معروف - من التلامذة المختصين بالمحدث النوريقدس‌سره والذي يعد من كبار الأساتذة المختصين والبارعين في هذا المضمار، فأضفى على هذه النسخة أهمية متميزة عن غيرها من النسخ الحجرية الأخرى - وقيمة أكبر لا تخفى على ذوي الاختصاص.

هذا ما توفر لدينا من نسخ لنخوض بها غمار العمل على خاتمة المستدرك، وقد اعتمدنا صيغة تلفيقية في عملنا مع ما توفر بين أيدينا من مصادر تعدّ قليلة بالنسبة إلى الكم الهائل الذي استفاد منه المصنف ( قده ) في تأليفه لهذا السفر القيم، وإن كنّا لم نأل جهدا في سبيل تهيئة كل ما أمكن تهيئته من مصادر له.

وأخيرا نشكر كافة أصحاب السماحة والاخوة الأفاضل الذين عاضدونا في إصدار هذا السفر العظيم وبهذه الحلة الجديدة والتي هي بحق مصداق من مصاديق عمل خاتمة المحدثينقدس‌سره .

هذا وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.

مؤسّسة آل البيتعليهم‌السلام لإحياء التّراث







خاتمة المستدرك الوسائل الجزء ١٩

خاتمة المستدرك الوسائل

مؤلف: الحاج ميرزا حسين النوري الطبرسي
المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التُّراث
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 98