عين الحياة
المؤلف: الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي ( العلامة المجلسي )
المحقق: السيد هاشم الميلاني
بسم الله الرحمان الرحیم
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذررحمهالله ] :
يا أباذر انّ الله تبارك وتعالى لم يوح إليّ أن أجمع المال ، ولكن أوحى إليّ : أن سبّح بحمد ربّك وكن من الساجدين ، واعبد ربّك حتى يأتيك اليقين.
يا أباذر انّي ألبس الغليظ ، واجلس على الأرض ، والعق أصابعي ، وأركب الحمار بغير سرج ، وأردف خلفي ، فمن رغب عن سنتي فليس منّي.
يا أباذر حبّ المال والشرف أذهب لدين الرجل من ذئبين ضاريين في زرب الغنم فأغارا فيها حتى أصبحا ، فماذا أبقيا منها؟
انّ الانسان بمقتضى قوله « الناس نيام إذا ماتو انتبهوا » لا يدري ما أصابه من هذين الذئبين لكن بطلوع صبح الموت عليه يفيق من نومه ويرى ما أصاب دينه منهما.
و هذه الكلمات الشريفة تشتمل على ثلاث خصال :
أولاً : حبّ المال وجمع الدرهم والدينار حرصاً ، وهذا من أقبح الصفات الذميمة ، وموجب لارتكاب المحرمات والظلم والطغيان والفساد ، وبما انّ القلب لا يمكن له ان يحب سوى محبوب واحد فحب هذه الأمور تخرج حب الله تعالى عن القلب ، ويكون غرضه الوحيد في جميع اُموره تحصيل الثروة ، وهذا هو معنى عبادة المال كما ذكرناه في باب النية.
وعلاج هذه الخصلة بعد التوسل بالله تعالى انّما هي التفكر في فناء الدنيا وزوالها ، وانّ ما جمعه لا ينفعه ، وما أنفقه في سبيل الله يبقى ذخراً له أبد الآباد.
والتفكر أيضاً في عظمة رتبة العلم والعبادة والكمالات والآثار المترتبة عليها في الدنيا والآخرة كي يتضح له انّ الشيء الباطل الذي سوف يزول عنه لا يمكن أن يجعل مانعاً لتحصيل تلك الكمالات الأبدية الكائنة مع الانسان دائماً.
وأن يتأمّل في عقوبات الله تعالى عند كسب المال الحرام ، بل حسابه تعالى على الحلال في حين أنه لو أنفقها في سبيل الله لعوّض بواحد عشراً ، وبسبعمائة سبعمائة الفاً في اليوم الذي لا حيلة للانسان فيه وتقصر يده عن كلّ شيء.
وليعلم انّ الله ضمن الرزق ، والاعتماد عليه لا على المال ، ويعتبر بأحوال الذين جمعوا أموالاً طائلة فلم تغن عنهم شيئاً ، وصارت عليهم وزراً ووبالاً ، لكن توجّه البعض نحو العبادة وتحصيل الآخرة ، فمضى عمرهم بأحسن الوجوه ، كما قال أبو عبداللهعليهالسلام : ان كان الحساب حقّاً فالجمع لماذا(١) .
وقالعليهالسلام في حديث آخر : كان في بني اسرائيل مجاعة حتى نبشوا الموتى فأكلوهم ، فنبشوا قبراً فوجدوا فيه لوحاً فيه مكتوب : أنا فلان النبي ينبش قبري حبشيّ ، ما قدّمناه وجدناه ، وما أكلناه ربحناه ، وما خلّفناه خسرناه(٢) .
ونقل عن ابن عباس انّه قال : انّ أول درهم ودينار ضربا في الأرض نظر اليهما إبليس ، فلمّا عاينهما أخذهما فوضعهما على عينيه ، ثم ضمهما الى صدره ، ثم صرخ صرخة ، ثم ضمهما الى صدره.
ثم قال : أنتما قرة عيني وثمرة فؤادي ، ما اُبالي من بني آدم إذا أحبوكما أن لا يعبدو وثناً ، وحسبي من بني آدم أن يحبوكما(٣) .
__________________
١ ـ البحار ٧٣ : ١٣٧ ح ١ باب ١٢٣ ـ عن أمالي الصدوق.
٢ ـ البحار ٧٣ : ١٣٧ ح ٢ باب ١٢٣ ـ عن أمالي الصدوق.
٣ ـ أمالي الصدوق : ١٦٨ ح ١٤ مجلس ٣٦ ـ عنه البحار ٧٣ : ١٣٧ ح ٣ باب ١٢٣.
وروي عن عليّ بن موسى الرضاعليهالسلام أنّه قال : لا يجتمع المال الاّ بخصال خمس : ببخل شديد ، وأمل طويل ، وحرص غالب ، وقطيعة الرحم ، وايثار الدنيا على الآخرة(١) .
وروي بسند معتبر انّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال لأصحابه : أيكم مال وارثه أحبّ إليه من ماله؟ قالوا : ما فينا أحد يحبّ ذلك يا نبيّ الله ، قال : بل كلّكم يحبّ ذلك ، ثم قال : يقول ابن آدم : مالي مالي ، وهل لك من مالك الاّ ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت ، وما عدا ذلك فهو مال الوارث(٢) .
وقال : ما بلى الله العباد بشيء أشدّ عليهم من اخراج الدراهم(٣) .
وقال : الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم ، وهما مهلكاكم(٤) .
وقال : الذهب والفضة حجران ممسوخان ، فمن أحبهما كان معهما(٥) .
وروي عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : الفتن ثلاث ، حبّ النساء وهو سيف الشيطان ، وشرب الخمر وهو فخ الشيطان ، وحبّ الدينار والدرهم وهو سهم الشيطان.
فمن أحبّ النساء لم ينتفع بعيشه ، ومن أحبّ الأشربة حرمت عليه الجنّة ، ومن أحبّ الدينار والدرهم فهو عبد الدنيا.
وقال : قال عيسى بن مريمعليهالسلام : الدينار داء الدين ، والعالم طبيب الدين ،
__________________
١ ـ الخصال : ٢٨٢ ح ٢٩ باب ٥ ـ عنه البحار ٧٣ : ١٣٨ ح ٥ باب ١٢٣.
٢ ـ أمالي الطوسي : ٥١٩ ح ٤٨ مجلس ١٨ ـ عنه البحار ٧٣ : ١٣٨ ح ٦ باب ١٢٣.
٣ ـ الخصال : ٨ ح ٢٧ باب ١ ـ عن البحار ٧٣ : ١٣٩ ح ٩ باب ١٢٣.
٤ ـ الخصال : ٤٣ ح ٣٧ باب ٢ ـ عنه البحار ٧٣ : ١٣٩ ح ١٠ باب ١٢٣.
٥ ـ الخصال : ٤٣ ح ٣٨ باب ٢ ـ عنه البحار ٧٣ : ١٣٩ ح ١١ باب ١٢٣.
فاذا رأيتم الطبيب يجرّ الداء إلى نفسه فاتهموه ، واعلموا أنّه غير ناصح لغيره(١) .
ثانيا : حب الجاه والاعتبارات الباطلة الدنيوية ، وضرر هذا بالنسبة الى الخواص أكثر من حبّ الدينار والدرهم ، وهو مخفي في النفس ، وكثيرٌ ما يتصور شخص أنّه قد أزال هذ الصفة عن نفسه لكن يعرف بعد المجاهدات الكثيرة انّها موجودة فيه.
وهذه من أمهات الصفات الذميمة ومبطلة للاخلاص ، وتجعل الانسان عابداً للناس ، وتوقعه في مهالك عظيمة ، واستلام المناصب الباطلة ، وتهوّن الله والدين في عينه ، وتقوّي اعتبارات الدنيا في النفس حتى يكون مآله إلى الكفر.
وعلاجه بعد التوسل بذات الله تعالى التفكير في احتياج الناس ، ومعرفة انّهم لن يملكوا نفعه وضرّه ، وانّ أموره في الدنيا والآخرة مع الله تعالى ، والعلم بأنّ اعتبار الدنيا فانٍ وسرعان ما يزول.
والاعتبار بأحوال الذين كانت الدنيا لهم أياماً قليلة ، فسرعان ما قذفتهم في الذلة والمسكنة ، وسوف تكون تلك الاعتبارات وبالاً ووزراً عليهم بعد الموت ، وانّ الاعتبارات الواقعية كالعلم والعمل لن يزولا أبداً ، فليتفكر في أحاديث أهل البيتعليهمالسلام الواردة في هذا الباب ويستفيد من حكمهم.
نقل انّه سئل عليّ بن الحسينعليهالسلام أي الأعمال أفضل عند الله؟ قال : ما من عمل بعد معرفة الله عزّ وجلّ ومعرفة رسولهصلىاللهعليهوآله أفضل من بغض الدنيا ، فإنّ لذلك لشعباً كثيرة ، وللمعاصي شعب.
فأوّل ما عصى الله به الكبر معصية ابليس حين أبى واستكبر وكان من
__________________
١ ـ الخصال : ١١٣ ح ٩١ باب ٣ ـ عنه البحار ٧٣ : ١٣٩ ح ١٢ باب ١٢٣.
الكافرين ، ثم الحرص وهي معصية آدم وحوّاءعليهماالسلام حين قال الله عزّ وجلّ لهما:
( فَكُلا مِن حَيث شِئتُمَا وَلاَ تَقرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ) (١) .
فأخذا ما لا حاجة بهما إليه ، فدخل ذلك على ذريتهما إلى يوم القيامة ، وذلك انّ أكثر ما يطلب ابن آدم ما لا حاجة به إليه ، ثم الحسد وهي معصية ابن آدم حيث حسد أخاه فقتله ، فتشعب من ذلك حبّ النساء ، وحبّ الدنيا ، وحبّ الرئاسة ، وحبّ الراحة ، وحبّ العلوّ ، وحبّ الثروة.
فصرن سبع خصال ، فاجتمعن كلهنّ في حب الدنيا ، فقال الأنبياء والعلماء بعد معرفة ذلك : حبّ الدنيا رأس كل خطيئة ، والدنيا دنياآن دنيا بلاغ ودنيا ملعونة(٢) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام أنّه قال : من طلب الرئاسة هلك(٣) .
وقالعليهالسلام في حديث آخر : اياكم وهؤلاء الرؤساء الذين يترأّسون ، فوالله ما خفقت النعال خلف رجل الاّ هلك وأهلك(٤) .
وروي بسند صحيح عن أبي الحسنعليهالسلام انّه ذكر رجلاً ، فقال : انّه يحبّ الرئاسة ، فقال : ما ذئبان ضاريان في غنم قد تفرّق رعاؤها بأضرّ في دين المسلم من الرئاسة(٥) .
__________________
١ ـ الأعراف : ١٩.
٢ ـ الكافي ٢ : ٣١٦ ح ٨ ـ عنه البحار ٧٣ : ١٩ ح ٩ باب ١٢٢.
٣ ـ الكافي ٢ : ٢٩٧ ح ٢ ـ عنه البحار ٧٣ : ١٥٠ ح ٢ باب ١٢٤.
٤ ـ الكافي ٢ : ٢٩٧ ح ٣ ـ عنه البحار ٧٣ : ١٥٠ ح ٣ باب ١٢٤.
٥ ـ الكافي ٢ : ٢٩٧ ح ١ ـ عنه البحار ٧٣ : ١٤٥ ح ١ باب ١٢٤.
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام أنّه قال : ملعون من ترأس ، معلون مَن همّ بها ، ملعون من حدّث بها نفسه(١) .
وروي بسند صحيح عن محمد بن مسلم أنّه قال : سمعت أبا عبداللهعليهالسلام يقول : أترى لا أعرف خياركم من شراركم؟ بلى والله وانّ شراركم من أحبّ أن يوطأ عقبه ، انّه لابدَّ من كذّاب أو عاجز الرأي(٢) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنه قال : أول ما عصى الله تبارك وتعالى بست خصال : حب الدنيا ، وحب الرئاسة ، وحب الطعام ، وحب النساء ، وحب النوم ، وحب الراحة(٣) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام أنّه قال لسفيان بن خالد : يا سفيان اياك والرئاسة فما طلبها أحد الاّ هلك ، فقلت له : جعلت فداك قد هلكنا إذ ليس أحد منّا الاّ وهو يحبّ أن يذكر ويقصد ويؤخذ عنه.
فقال : ليس حيث تذهب ، انّما ذلك أن تنصب رجلاً دون الحجة فتصدّقه في كلّ ما قال ، وتدعو الناس إلى قوله(٤) .
الثالث : التواضع لله وللخلق وتجنب الكبر ، وهذا من أفضل الصفات الكمالية ، لأن الممكن ذليل وفانٍ ولا قيمة له ، وانّ العزّة والكمال لله رب العالمين ، وكلّما تواضع الانسان رفعه الله وجعله قابلاً للكمالات ، كما انّ التراب لتواضعه جعل فيه آلاف المعادن والنباتات والفواكه والرياحين والورود ، وتكوين الانسان
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٢٩٨ ـ عنه البحار ٧٣ : ١٥١ ح ٥ باب ١٢٤.
٢ ـ الكافي ٢ : ٢٩٩ ح ٨ ـ عنه البحار ٧٣ : ١٥٢ ح ٨ باب ١٢٤.
٣ ـ الخصال : ٣٣٠ ح ٢٧ باب ٦ ـ عنه البحار ٧٣ : ١٥٣ ح ٩ باب ١٢٤.
٤ ـ معاني الأخبار : ١٧٩ ح ١ ـ عنه البحار ٧٣ : ١٥٣ ح ١١ باب ١٢٤.
الذي هو مجمع المعارف والحقائق ومسجود الملائكة وأشرف المخلوقات.
وكانت النار متكبرة فخُلق منها الشيطان الرجيم ، فلابدَّ أن يكون الانسان متواضعاً في جميع اُموره من أكل ولبس وشرب وجلوس وقيام ومعاشرة الناس ، وطاعة الله وما شاكل ، ولا يطلب العلوّ والرفعة والتفوّق في الأمور ولينظر إلى أصله كيف كان ، حيث كان منياً يُمنى يتغذّى من دم الحيض ، وبعد خروجه إلى الحياة الدنيا نجده يحمل في جوفه أنواع النجاسات والقاذورات من دم وبلغم وبول وغائط وغير ذلك مما ينفر الانسان حين انفصالها منه.
ثم يصير بعد الموت جيفة لا شيء أشدّ عفونة منه ويمتلىء جسمه بالدود والقروح ، هذه أوساخ الجسم ، وأمّا أوساخ الروح بسبب الأخلاق الذميمة والجهل أنكى منه بمئات الآلاف.
فجدير بهذا الانسان الاعتراف بالنقص والعجز دائماً ، وكلّما ازداد الانسان كمالاً ازداد علمه بنقصه وعجزه فيزداد تواضعاً كما هو ظاهر من أطوار الأنبياء والأوصياءعليهمالسلام .
وبما انّ التواضع عمل العباد ، والرفعة والعلوّ لله تعالى فكلّما ازداد الانسان تواضعاً في أعماله رفعه الله تعالى أكثر ، وكلّما تكبر وترفّع ـ وهو ليس بلباسه ـ أذلّه الله أكثر ، كما ورد في خبر صحيح عن أبي عبداللهعليهالسلام أنّه قال : انّ في السماء ملكين موكّلين بالعباد ، فمن تواضع لله رفعاه ، ومن تكبّر وضعاه(١) .
وقالعليهالسلام في حديث آخر : فيما أوحى الله عزّ وجلّ إلى داودعليهالسلام : يا داود كما انّ أقرب الناس من الله المتواضعون كذلك أبعد الناس من الله
____________
١ ـ الكافي ٢ : ١٢٢ ح ٢ ـ عنه البحار ٧٥ : ١٢٦ ح ٢٤ باب ٥١.
المتكبرون(١) .
وقالعليهالسلام في حديث آخر : أوحى الله عزّ وجلّ إلى موسىعليهالسلام أن يا موسى أتدري لم أصطفيتك بكلامي دون خلقي؟ قال : يا ربّ ولم ذاك؟
قال : فأوحى الله تبارك وتعالى إليه أن يا موسى انّي قلّبت عبادي ظهراً لبطن ، فلم أجد فيهم أحداً أذلّ لي نفساً منك ، يا موسى انّك إذا صلّيت وضعت خدّك على التراب(٢) .
وروي بسند معتبر انّه قال : من التواضع أن ترضى بالمجلس دون المجلس ، وأن تسلّم على من تلقى ، وأن تترك المراء وان كنت محقّاً ، وأن لا تحبّ أن تحمد على التقوى(٣) .
وروي بسند معتبر عن عليّ بن موسى الرضاعليهالسلام انّه قال : التواضع أن تعطي الناس ما تحبّ أن تعطاه.
وفي حديث آخر قال : قلت : ما حدّ التواضع الذي إذا فعله العبد كان متواضعاً؟ فقال : التواضع درجات ، منها أن يعرف المرء قدر نفسه فينزلها منزلتها بقلب سليم ، لا يحبّ ان يأتي إلى أحد الاّ مثل ما يؤتى إليه ، إن رأى سيّئة درأها بالحسنة ، كاظم الغيظ ، عاف عن الناس ، والله يحبّ المحسنين(٤) .
وروي في حديث معتبر آخر أنّه نظر أبو عبداللهعليهالسلام إلى رجل من أهل المدينة قد اشترى لعياله شيئاً وهو يحمله ، فلمّا رآه الرجل استحيى منه ، فقال أبو
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ١٢٣ ح ١١ ـ عنه البحار ٧٥ : ١٣٢ ح ٣٤ باب ٥١.
٢ ـ الكافي ٢ : ١٢٣ ح ٧ ـ عنه البحار٧٥ : ١٢٩ ح ٢٩ باب ٥١.
٣ ـ الكافي ٢ : ١٢٢ ح ٦ ـ عنه البحار ٧٥ : ١٢٩ ح ٢٨ باب ٥١.
٤ ـ الكافي ٢ : ١٢٤ ح ١٣ ـ عنه البحار ٧٥ : ١٣٥ ح ٣٦ باب ٥١.
عبداللهعليهالسلام : اشتريته لعيالك وحملته إليهم ، أما والله لولا أهل المدينة لأحببت أن أشتري لعيالي الشيء ثم أحمله إليهم(١) .
وروي بسند معتبر عنهعليهالسلام انّه قال : مرّ عليّ بن الحسين صلوات الله عليهما على المجذومين وهو راكب حماره وهم يتغدّون ، فدعوه إلى الغداء.
فقال : أما انّي لولا انّي صائم لفعلت ، فلمّا صار إلى منزله أمر بطعام فصنع ، وأمر أن يتنوّقوا فيه(٢) ، ثم دعاهم فتغدّوا عنده وتغدّى معهم(٣) .
وجاء في وصيّة أمير المؤمنينعليهالسلام لابنه الحسنعليهالسلام : عليك بالتواضع فانّه من أعظم العبادة(٤) .
وعن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : ما تواضع أحد الاّ رفعه الله(٥) .
وروي بسند معتبر عن الامام موسى الكاظمعليهالسلام انّه قال : انّ نوحاًعليهالسلام كان في السفينة وكان فيها ما شاء الله ، وكانت السفينة مأمورة ، فطافت بالبيت وهو طواف النساء ، فخلّى سبيلها نوح فأوحى الله عزّ وجلّ إلى الجبال : انّي واضع سفينة نوح عبدي على جبل منكنّ.
فتطاولت وشمخت وتواضع الجودي وهو جبل عندكم ، فضربت السفينة بجؤجؤها الجبل ، قال : فقال نوح عند ذلك : يا ماري أتقن ، وهو بالسريانية ، ربّ اصلح(٦) .
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ١٢٣ ح ١٠ ـ عنه البحار ٧٥ : ١٣٢ ح ٣٢ باب ٥١.
٢ ـ أي يتكلّفوا فيه ويعملوه لذيذاً حسناً.
٣ ـ الكافي ٢ : ١٢٣ ح ٨ ـ عنه البحار ٧٥ : ١٣٠ ح ٣٠ باب ٥١.
٤ ـ البحار ٧٥ : ١١٩ ح ٥ باب ٥١ ـ عن أمالي الطوسي.
٥ ـ البحار ٧٥ : ١٢٠ ح ٧ باب ٥١ ـ عن أمالي الطوسي.
٦ ـ البحار : ١١ : ٣٣٨ ح ٧٣ باب ٣ عن الكافي ٢ : ١٢٤ ح ١٢.
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : أرسل النجاشي إلى جعفر بن أبي طالب وأصحابه ، فدخوا عليه وهو في بيت له جالس على التراب وعليه خلقان الثياب.
قال : فقال جعفر : فأشفقنا منه حين رأيناه على تلك الحال ، فلمّا رأى ما بنا وتغيّر وجوهنا قال : الحمد لله الذي نصر محمداً وأقرّ عينه ، ألا ابشرّكم؟ فقلت : بلى أيّها الملك.
فقال : انّه جاءني الساعة من نحو أرضكم عينٌ من عيوني هناك فأخبرني انّ الله عزّ وجلّ قد نصر نبيه محمداًصلىاللهعليهوآله وأهلك عدوّه ، واُسر فلان وفلان وفلان ، التقوا بواد يقال له : بدر كثير الأراك ، لكأني أنظر إليه حيث كنت أرعى لسيّدي هناك وهو رجل من بني ضمره.
فقال له جعفراً : أيّها الملك فمالي أراك جالساً على التراب وعليك هذه الخلقان؟ فقال له : يا جعفر انّا نجد فيما أنزل الله على عيسىعليهالسلام انّ من حق الله على عباده أن يحدثوا له تواضعاً عند ما يحدث لهم من نعمة ، فلمّا أحدث الله عزّ وجلّ لي نعمة بمحمدصلىاللهعليهوآله أحدثت لله هذا التواضع.
فلمّا بلغ النبيصلىاللهعليهوآله قال لأصحابه : انّ الصدقة تزيد صاحبها كثرة فتصدّقوا يرحمكم الله ، وانّ التواضع يزيد صاحبه رفعة فتواضعوا يرفعكم الله ، وانّ العفو يزيد صاحبه عزّاً فاعفوا يعزّكم الله(١) .
وروي عن أبي محمد العسكريعليهالسلام انّه قال : أعرف الناس بحقوق اخوانه وأشدّهم قضاء لها أعظمهم عند الله شأناً ، ومن تواضع في الدنيا لاخوانه
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ١٢١ ح ١ ـ عنه البحار ٧٥ ـ ١٢٤ ح ٢٣ باب ٥١.
فهو عند الله من الصدّيقين ومن شيعة عليّ بن أبي طالبعليهالسلام حقّاً.
ولقد ورد على أمير المؤمنين أخوان له مؤمنان أب وابن ، فقام اليهما وأكرمهما وأجلسهما في صدر مجلسه وجلس بين يديهما ، ثم أمر بطعام فاُحضر فأكلا منه ، ثم جاء قنبر بطست وابريق خشب ومنديل لييبس ، وجاء ليصبّ على يد الرجل ماءً ، فوثب أمير المؤمنينعليهالسلام فأخذ الابريق ليصب على يد الرجل.
فتمرّغ الرجل في التراب وقال : يا أمير المؤمنين الله يراني وأنت تصب على يدي؟! قال : اقعد واغسل يدك فإنّ الله عزّ وجلّ يراك وأخوك الذي لا يتميز منك ولا يتفضل عليك يخدمك ، يريد بذلك خدمة في الجنة مثل عشرة أضعاف عدد أهل الدنيا ، وعلى حسب ذلك في ممالكه فيها.
فقعد الرجل ، فقال له عليعليهالسلام : أقسمت عليك بعظيم حقّي الذي عرفته وبجلته ، وتواضعك لله حتى جازاك عنه بأن ندبني لما شرفك به من خدمتي لك لما غسلت يدك مطمئناً كما كنت تغسل لو كان الصاب عليك قنبراً ، ففعل الرجل ذلك.
فلمّا فرغ ناول الابريق محمد بن الحنفية وقال : يا بني لو كان هذا الابن حضرني دون أبيه لصببت على يده ، ولكنّ الله عزّ وجلّ يأبى أن يسوّي بين ابن وأبيه إذا جمعهما مكان ، لكن قد صبّ الأب على الأب ، فليصب الابن على الابن ، فصب محمد بن الحنفية على الابن.
ثم قال الحسن بن عليّ العسكريعليهالسلام : فمن اتبع علياًعليهالسلام على ذلك فهو الشيعي حقّاً(١) .
__________________
١ ـ الاحتجاج ٢ : ٥١٧ ح ٣٤٠ ـ عنه البحار ٧٥ : ١١٧ ح ١ باب ٥١.
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : جاء رجل إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقد بلي ثوبه ، فحمل إليه اثنى عشر درهماً ، فقالصلىاللهعليهوآله : يا عليّ خذ هذه الدراهم فاشتر لي بها ثوباً ألبسه.
قال عليّعليهالسلام : فجئت إلى السوق فاشتريت له قميصاً باثني عشر درهماً وجئت به إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فنظر إليه فقال : يا عليّ غير هذا أحبّ إليّ ، أترى صاحبه يقيلنا؟ فقلت : لا أدري ، فقال : أُنظر.
فجئت إلى صاحبه فقلت : ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله قد كره هذا يريد غيره فأقلنا فيه ، فردّ عليّ الدراهم وجئت بها إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فمشى معي(١) إلى السوق ليبتاع قميصاً ، فنظر إلى جارية قاعدة على الطريق تبكي ، فقال لها رسول اللهصلىاللهعليهوآله : وما شأنك؟
قالت : يا رسول الله انّ أهلي أعطوني أربعة دراهم لأشتري لهم حاجة ، فضاعت فلا أجسر أن أرجع إليهم ، فأعطاها رسول اللهصلىاللهعليهوآله أربعة دراهم وقال : ارجعي إلى أهلك ، ومضى رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى السوق فاشترى قميصاً بأربعة دراهم ولبسه وحمد الله عزّوجلّ ، فرأى رجلاً عرياناً يقول : من كساني كساه الله من ثياب الجنّة ، فخلع رسول اللهصلىاللهعليهوآله قميصه الذي اشتراه وكساه السائل.
ثم رجع إلى السوق فاشترى بالأربعة التي بقيت قميصاً آخر ، فلبسه وحمد الله عزّوجلّ ورجع إلى منزله فاذا الجارية قاعدة على الطريق تبكي ، فقال لها رسول اللهصلىاللهعليهوآله : مالك لا تأتين أهلك؟ قالت : يا رسول الله انّي قد أبطأت
__________________
١ ـ هكذا في الامالي للصدوق والبحار لكن في الخصال : « معه ».
عليهم أخاف أن يضربوني ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : مري بين يدي ودلّيني على أهلك.
وجاء رسول اللهصلىاللهعليهوآله حتى وقف على باب دارهم ، ثم قال : السلام عليكم يا أهل الدار ، فلم يجيبوه ، فأعاد السلام فلم يجبيوه ، فأعاد السلام فقالوا : وعليك السلام يا رسول الله ورحمة الله وبركاته ، فقال عليه الصلاة والسلام : مالكم تركتم إجابتي في أوّل السلام والثاني؟ فقالوا : يا رسول الله سمعنا كلامك فأحببنا أن نستكثر منه.
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : انّ هذه الجارية أبطأت عليكم فلا تؤذوها ، فقال : يا رسول الله هي حرّة لممشاك ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : الحمد لله ما رأيت اثني عشر درهماً أعظم بركة من هذه ، كسا الله بها عاريين ، وأعتق نسمة(١) .
وروي بسند معتبر عن محمد بن مسلم انّه قال : دخلت على أبي جعفرعليهالسلام ذات يوم وهو يأكل متّكئاً ، [ قال : وقد كان يبلغنا انّ ذلك يكره ، فجعلت أنظر إليه فدعاني إلى طعامه ، فلمّا فرغ ](٢) قال : يا محمد لعلّك ترى انّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله رأته عين وهو يأكل وهو متكىء مِن أن بعثه الله إلى أن قبضه.
قال : ثمّ رد على نفسه فقال : لا والله ما رأته عين يأكل وهو متّكىء من أن بعثه الله إلى أن قبضه ، ثم قال : يا محمد لعلّك ترى انّه شبع من خبز البرّ ثلاثة أيام متوالية من أن بعثه الله إلى أن قبضه ، ثم ردّ على نفسه ثم قال : لا والله ما شبع من خبز البرّ ثلاثة أيام متوالية منذ بعثه الله إلى أن قبضه.
__________________
١ ـ الخصال : ٤٩٠ ح٦٩ أبواب ١٢ ـ أمالي الصدوق : ١٩٧ ح ٥ مجلس ٤٢ ـ عنهما البحار ١٦ : ٢١٤ ح ١ باب ٩.
٢ ـ ليس ما بين المعقوفتين من المتن الفارسي.
أما انّي لا أقول انّه كان لا يجد ، لقد كان يجيز(١) الرجل الواحد بالمائة من الإبل ، فلو أراد أن يأكل لأكل ، ولقد أتاه جبرئيلعليهالسلام بمفاتيح خزائن الأرض ثلاث مرات يخيّره من غير أن ينقصه الله تبارك وتعالى مما أعدّ الله له يوم القيامة شيئاً ، فيختار التواضع لربّه جلّ وعزّ.
وما سئل شيئاً قط فيقول : لا ، إن كان أعطى ، وإن لم يكن قال : يكون ، وما أعطى على الله شيئاً قط الاّ سلّم ذلك إليه حتى إن كان ليعطي الرجل الجنة فيسلم الله ذلك له.
ثم تناولني بيده وقال : ان كان صاحبكم(٢) ليجلس جلسة العبد ، ويأكل أكلة العبد ، ويطعم الناس خبز البرّ واللحم ، ويرجع الى أهله فيأكل الخبز والزيت ، وان كان ليشتري القميص السنبلاني ثم يخير غلامه خيرهما ، ثم يلبس الباقي فاذا جاز أصابعه قطعه ، وإذا جاز كعبه حذفه.
وما ورد عليه أمران قط كلاهما لله رضى الاّ أخذ بأشدّهما على بدنه ، ولقد ولّى الناس خمس سنين فما وضع آجرة على آجرة ، ولا لبنة على لبنة ، ولا أقطع قطيعة ، ولا أورث بيضاء ولا حمراء الاّ سبعمائة درهم فضلت عن عطاياه أراد أن يبتاع لأهله بها خادماً ، وما أطاق أحدٌ عمله ، وان كان عليّ بن الحسينعليهالسلام لينظر في الكتاب من كتب عليّعليهالسلام فيضرب به الأرض ويقول : من يطيق هذا(٣) .
وروي بسند آخر انّ أمير المؤمنينعليهالسلام أتى البزازين فقال لرجل : بعني ثوبين ، فقال الرجل : يا أمير المؤمنين عندي حاجتك ، فلما عرفه مضى عنه ، فوقف
__________________
١ ـ من الجائزة بمعنى العطية.
٢ ـ يعني أمير المؤمنينعليهالسلام .
٣ ـ الكافي ٨ : ١٢٩ ح ١٠٠ ، عنه البحار ١٦ : ٢٧٧ ح ١١٦ باب ٩.
على غلام فأخذ ثوبين بثلاثة دراهم والآخر بدرهمين.
فقال : يا قنبر خذ الذي بثلاثة ، فقال : أنت أولى به تصعد المنبر وتخطب الناس ، فقال : وأنت شابّ ولك شره الشباب ، وأنا استحيي من ربي أن أتفضل عليك ، سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول : ألبسوهم مما تلبسون ، وأطعموهم مما تأكلون.
فلما لبس القميص مدّ كمّ القميص فأمر بقطعه واتخاذه قلانس للفقراء ، فقال الغلام : هلّم أكفّه ، قال : دعه كما هو فإنّ الأمر أسرع من ذلك ، فجاء أبو الغلام فقال : انّ ابني لم يعرفك وهذان درهمان ربحهما ، فقال : ما كنت لأفعل ، قد ماكست وماكسني واتفقنا على رضى(١) .
وترصّد غداءه عمرو بن حريث ، فأتت فضّة بجراب مختوم فأخرج منه خبزاً متغيراً خشناً ، فقال عمرو : يا فضة لو نخلت هذا الدقيق وطيبتيه ، قالت : كنت أفعل فنهاني ، وكنت أضع في جرابه طعاماً طيباً فختم جرابه.
ثم انّ أمير المؤمنينعليهالسلام فتّه في قصعة وصبّ عليه الماء ، ثم ذرّ عليه الملح وحسر عن ذراعه ، فلمّا فرغ قال : يا عمرو لقد حانت هذه ـ ومدّ يده إلى محاسنه ـ وخسرت هذه إن أدخلها النار من أجل الطعام ، وهذا يجزيني(٢) .
وقال الصادقعليهالسلام : كان أمير المؤمنينعليهالسلام يحطب ويستسقي ويكنس ، وكانت فاطمةعليهاالسلام تطحن وتعجن وتخبز.
وروي أنّهعليهالسلام اشترى تمراً بالكوفة ، فحمله في طرف ردائه ، فتبادر
__________________
١ ـ البحار ٤٠ : ٣٢٤ ضمن حديث ٦ باب ٩٨ عن المناقب.
٢ ـ البحار ٤٠ : ٣٢٥ ح ٧ باب ٩٨ عن المناقب.
الناس إلى حمله وقالوا : يا أمير المؤمنين نحن نحمله ، فقالعليهالسلام : ربّ العيال أحقّ بحمله.
وكان يقول :
لا ينقص الكامل من كماله |
ما جرّ من نفع إلى عياله |
وجاء في رواية اُخرى انّهعليهالسلام كان يمشي في خمسة حافياً ويعلّق نعليه بيده اليسرى ، يوم الفطر ، والنحر ، والجمعة ، وعند عيادة المريض ، وتشيع الجنازة ، ويقول : انّها مواضع الله وأحبّ أن أكون فيها حافياً.
ونقل انّهعليهالسلام كان يمشي في الأسواق وحده ، وهو ذاك يرشد الضال ، ويعين الضعيف ، ويمرّ بالبياع والبقال فيفتح عليه القرآن ويقرأ :
( تِلكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجعَلُها لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرضِ وَلا فَسَاداً وَالعَاقِبَةُ لِلمُتَّقِين (١) ) (٢) .
وروي عن إبراهيم بن العباس انّه قال : ما رأيت أبا الحسن الرضاعليهالسلام جفا أحداً بكلامه قط ، وما رأيت قطع على أحد كلامه حتى يفرغ منه ، وما ردّ أحداً عن حاجة يقدر عليها.
ولا مدّ رجليه بين يدي جليس له قط ، ولا اتكأ بين يدي جليس له قط ، ولا رأيته شتم أحداً من مواليه ومماليكه قط ، ولا رأيته تفل قط ، ولا رأيته يقهقه في ضحكه قط بل كان ضحكه التبسم.
وكان إذا خلا ونصبت مائدته أجلس معه على مائدته مماليكه حتى البواب
__________________
١ ـ القصص : ٨٣.
٢ ـ البحار ٤١ : ٥٤ ح ١ باب ١٠٥ ـ عن المناقب.
والسائس ، وكانعليهالسلام قليل النوم بالليل ، كثير السهر ، يحيى أكثر لياليه من أوّلها إلى الصبح ، وكان كثير الصيام وكان كثير المعروف والصدقة في السرّ ، وأكثر ذلك يكون منه في الليالي المظلمة(١) .
ونقل عن محمد بن عباد انّه قال : كان جلوس الرضاعليهالسلام في الصيف على حصير ، وفي الشتاء على مسح ، ولبسه الغليظ من الثياب حتى إذا برز للناس تزيّن لهم(٢) .
وروي انّه دخل الرضاعليهالسلام الحمام فقال له بعض الناس : دلكني ، فجعل يدلكه فعرفوه ، فجعل الرجل يستعذر منه وهو يطيّب قلبه ويدلّكه(٣) .
____________
١ ـ عيون أخبار الرضاعليهالسلام ٢ : ١٨٤ ح ٧ ـ عنه البحار ٤٩ : ٩٠ ح ٤ ـ العوالم ٢٢ : ١٧٤ ح ٣.
٢ ـ البحار ٤٩ : ٨٩ ح ١ باب ٧ ـ عن عيون أخبار الرضاعليهالسلام .
٣ ـ البحار ٤٩ : ٩٩ ح ١٦ باب ٧ ـ عن المناقب.
قال [ أبوذر ] قلت : يا رسول الله الخائفون ، الخاضعون ، المتواضعون ، الذاكرون لله كثيراً أهم يسبقون الناس إلى الجنّة؟
قال : لا ولكن فقراء المسلمين ، فانّهم يتخطفون رقاب الناس فيقول لهم خزنة الجنة : كما أنتم حتى تحاسبوا ، فيقولون : بم نحاسب ، فوالله ما ملكنا فنجور ونعدل ، ولا أفيض علينا فنقبض ونبسط ، ولكنا عبدنا ربنا حتى دعانا فأجبنا.
ا علم انّ الأحاديث في مدح الفقر والفقراء ومعاشرتهم وذمّ اهانتهم واذلالهم كثيرة ، ووردت أحاديث أيضاً في ذمّ الفقراء ، وكذلك في الأغنياء وردت أحاديث في مدحهم وأحاديث في ذمهم ، وجمع أكثر المحققين بين هذه الأحاديث بأنّ الفقر الممدوح هو الفقر إلى الله ، والفقر المذموم هو الفقر إلى الناس ، والغنى الممدوح هو غنى النفس ، والغنى المذموم هو الغنى بكثرة الأموال مع الحرص والطمع.
ويظهر من بعض الأحاديث انّ الفقر المذموم هو أن يكون الانسان قليل البضاعة في الدين ، وذلك انّ أيّ شيء خلقه الله تعالى في الدنيا وجعله بين الناس فهو لطف ورحمة ، وبما انّ العالم عالم تكليف واختيار فلكل شيء جهتان ، وخلق الله تعالى ذلك الشيء لجهة فيها الصلاح ، والناس يجعلونه وسيلة لجهة الشرّ.
كما في المال فإنّ الله تعالى جعله في الدنيا لتحصيل السعادة ، والقوّة على العبادة ، والوصول إلى الكمالات لمن تركه ، فلولاه لما كانت القوّة على العبادة ، ولما ترتب الثواب على الصدقات والخيرات ، ولما ترتب الثواب على تركه ،
ولكن جعله أيضاً فتنة يجلب أنواع القبائح وانّما جعل هذه الجهة فيه ليكون تاركه مأجوراً.
لكن البعض يستفيد منه في غير ما وضع له فيسبب شقائهم ، فكلّما ذمّ المال والغنى فانّما هو لجهة الشر التي فيه حيث يأخذ الناس بها ، وإلاّ فالله تعالى جعل أصله وسيلة للخير ، وكلّما مدح فانّما هو لأجل جهة الصلاح التي فيه.
وكذلك الفقر والاحتياج انّما هما وسيلة لتحصيل السعادة بالصبر على مشاقهما ونيل الثواب العظيم ، والتوجه إلى الله والاستعانة به والقرب منه بسببه ، وبتركه المحرمات لله في عين احتياجه اليهما حتى ينال أعلى درجات الزهد والورع.
لكن قد لا يصبر الانسان على ذلك ويبتلى بسؤال المخلوق وهذا من أقبح النقائص والعيوب ، وقد يرتكب المحرمات ، وقد يسيء الظن بالله تعالى وينسبه إلى الظلم والجور فيكفر لذلك كما جاء في الحديث انّه : كاد الفقر أن يكون كفراً(١) .
فعلم انّ أصل الفقر نعمة ورحمة ولكن قد يجعله الانسان باختياره وسيلة الشقاء ، فكلّما ورد المدح انّما هو لجهة الخير ، وكلّما ورد الذمّ فهو لجهة الشر ، وبما انّ الفقر والاحتياج يوجبان اصلاح النفوس اكثر ، وانّ الغنى يورث الطغيان والفساد مدح الفقر أكثر ، وذمّ الغنى أكثر أيضاً ، كما يقول الله تعالى :
( اِنَّ الاِنسَانَ لَيَطغَى * أَن رَّآَهُ استَغنَى ) (٢) .
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٣٠٧ ح ٤ ـ عنه البحار ٧٣ : ٢٤٦ ح ٤ باب ١٣١.
٢ ـ العلق ٦ و٧.
وهنا التفاتة لطيفة وهو انّ من المستحيل استغناء الانسان بل كلّما ازداد غنىً ازداد احتياجاً ، فلذا لم يقل : لما استغنى ، بل قال : أن رآه استغنى ، أي زعم انّه استغنى.
وطلب الله العبادة لجعلها وسيلة للسعادة ، وقرّر المعاصي كي يصل الانسان إلى السعادة بتركها ، وربما جعل شخص العبادة وسيلة الشقاء وجعل المعصية وسيلة السعادة بتركها أو بالتوبة والندامة ان ارتكبها غفلة وجهلاً ، فيصل إلى أعلى مراتب الكمال ، ولولا خلق المعصية لا يؤجر الناس بتركها ويثابون ، وأنّي يكون العجز والانكسار من التائبين؟ ولولا ترك الأولى من آدم وداود وسائر الأنبياءعليهمالسلام فمن أين يحصل ذلك البكاء والنحيب الموجب للقرب والكمالات اللامتناهية؟
ولقد جاء في الأثر إنّكم إن لم تذنبوا ولم تقدروا على الذنب لخلق الله خلقاً آخر قادراً على الذنب كي يعصي ويذنب ، انّ الكلام هنا دقيق جداً والعقول قاصرة عن ادراك هذا المعنى على الأكثر.
لكن لو تفكّرت مليّاً لوجدت انّ كلّما خلقه الله في هذا العالم فهو لطف وخير وعين الصلاح للعباد ، لكن العباد يستعملونه في غير ما وضع له ، كما لو أعطى كريماً إلى رجل داراً كبيراً وجعل فيه كل ما يحتاج إليه وبنى له إلى جنب ذلك جبّاً ، فلو ترك هذا الرجل الدار المنيفة وجعل من الجبّ سكناً له فأيّ لوم على هذا الكريم؟
وعدم التفكر في هذه المسائل التي هي من فروع مسائل القضاء والقدر أفضل ، والعلم الاجمالي بانّ الله تعالى عليم حكيم لا يظلم ، وما يفعله عين الصواب والحكمة ، لأنّ التفكر في هذا الباب يوجب الزلل ، وانّ أكثر العقول لم
تحط به علماً ، وقد نهى الأئمةعليهمالسلام عن الخوض في هذه المسائل ، وبعد جمعنا بين الأخبار على وجه الاجمال ننقل بعض الأخبار.
روي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : انّ فقراء المسلمين يتقلّبون في رياض الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفاً ، ثم قال : سأضرب لك مثل ذلك ، انّما مثل ذلك مثل سفينتين مرّ بهما على عاشر ، فنظر في احداهما فلم ير فيها شيئاً ، فقال : أسربوها ، ونظر في الأخرى فإذا هي موقورة ، فقال : احبسوها(١) .
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : شيئان يكرههما ابن آدم ، يكره الموت والموت راحة للمؤمن من الفتنة ، ويكره قلّة المال وقلّة المال أقلّ للحساب(٢) .
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام : أهلك الناس اثنان ، خوف الفقر ، وطلب الفخر(٣) .
وروي بسند معتبر عن أبي الحسن موسى بن جعفرعليهالسلام انّه قال : لا تستخفوا بفقراء شيعة عليّ وعترته من بعده ، فإنّ الرجل منهم ليشفع في مثل ربيعة ومضر(٤) .
وقال أبو عبداللهعليهالسلام : المصائب منح من الله والفقر مخزون عند الله(٥) .
وروي في حديث آخر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : انّ الله
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٢٦٠ ح١ ـ عنه البحار ٧٢ : ٦ ح ٤ باب ٩٤.
٢ ـ الخصال : ٧٤ ح ١١٥ باب ٢ ـ عنه البحار ٧٢ : ٣٩ ح٣٣ باب ٩٤.
٣ ـ الخصال : ٦٨ ح ١٠٢ باب ٢ ـ عنه البحار ٧٢ : ٣٩ ح ٣٤ باب ٩٤.
٤ ـ أمالي الصدوق : ٢٥٢ ح ١٦ مجلس ٥٠ ـ عنه البحار ٧٢ : ٣٥ ح ٢٧ باب ٩٤.
٥ ـ الكافي ٢ : ٢٦٠ ح ٢ ـ عنه البحار ٧٢ : ٧ ح ٥ باب ٩٤.
جعل الفقر أمانة عند خلقه ، فمن ستره أعطاه الله مثل أجر الصائم القائم ، ومن أفشاه إلى من يقدر على قضاء حاجته فلم يفعل فقد قتله ، أما انّه ما قتله بسيف ولا رمح ولكنّه قتله بما نكى من قلبه(١) .
وقال أبو عبداللهعليهالسلام : كلّما ازداد العبد ايماناً ازداد ضيقاً في معيشته ، وقال : لولا الحاح المؤمنين على الله في طلب الرزق لنقلهم من الحال التي هم فيها إلى حال أضيق منها ، وقال : ما اُعطي عبد من الدنيا الاّ اعتباراً ، وما زوي عنه الاّ اختباراً(٢) .
وقالعليهالسلام في حديث آخر : ليس لمصاص(٣) شيعتنا في دولة الباطل الاّ القوت ، شرّقوا ان شئتم أو غرّبوا لن ترزقوا الاّ القوت(٤) .
وقال في حديث آخر : انّ الله عزّوجلّ يلتفت يوم القيامة إلى فقراء المؤمنين شبيهاً بالمعتذر إليهم ( وفي حديث آخر : ليعتذر إلى عبده المؤمن المحوج في الدنيا كما يعتذر الأخ إلى أخيه )(٥) .
فيقول : وعزّتي وجلالي ما أفقرتكم في الدنيا من هوان بكم عليّ ، ولترونّ ما أصنع بكم اليوم ، فمن زوّد أحداً منكم في دار الدنيا معروفاً فخذوا بيده فادخلوه الجنة.
قال : فيقول رجل منهم : يا رب انّ أهل الدنيا تنافسوا في دنياهم فنكحوا
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٢٦٠ ح ٣ ـ عنه البحار ٧٢ : ٨ ح ٦ باب ٩٤.
٢ ـ الكافي ٢ : ٢٦١ ح ٤ و٥ و٦ ـ عنه البحار ٧٢ : ٨ ح ٧ و٨ باب ٩٤.
٣ ـ المصاص : خالص كلّ شيء ، يقال : فلان مصاص قومه ، إذا كان أخلصهم نسباً.
٤ ـ الكافي ٢ : ٢٦١ ح ٧ ـ عنه البحار : ٧٢ : ١٠ ح ١٠ باب ٩٤.
٥ ـ الكافي ٢ : ٢٦٤ ح ١٨ ـ عنه البحار ٧٢ : ٢٥ ح ٢٠ باب ٩٤.
النساء ، ولبسوا الثياب اللينة ، وأكلوا الطعام ، وسكنوا الدور ، وركبوا المشهور من الدواب ، فأعطني مثل ما أعطيتهم.
فيقول تبارك وتعالى : لك ولكل عبد منكم مثل ما أعطيت أهل الدنيا منذ كانت الدنيا إلى أن انقضت الدنيا سبعون ضعفاً(١) .
وقالعليهالسلام في حديث آخر : جاء رجلٌ موسر إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله نقيّ الثوب ، فجلس إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فجاء رجلٌ معسر درن الثوب فجلس إلى جنب الموسر ، فقبض الموسر ثيابه من تحت فخذيه.
فقال له رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أخفت أن يمسّك من فقره شيء؟ قال : لا ، قال : فخفت أن يصيبه من غناك شيء؟ قال : لا ، قال : فخفت أن يوسّخ ثيابك؟ قال : لا ، قال : فما حملك على ما صنعت؟ فقال : يا رسول الله انّ لي قريناً يزيّن لي كلّ قبيح ، ويقبح لي كلّ حسن ، وقد جعلت له نصف مالي.
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله للمعسر : أتقبل؟ قال : لا ، فقال له الرجل : ولم؟ قال : أخاف أن يدخلني ما دخلك(٢) .
وقالعليهالسلام في حديث آخر : في مناجاة موسىعليهالسلام : يا موسى إذا رأيت الفقر مقبلاً فقل : مرحباً بشعار الصالحين ، وإذا رأيت الغنى مقبلاً فقل : ذنب عجّلت عقوبته(٣) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : طوبى للمساكين
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٢٦١ ح ٩ ـ عنه البحار ٧٢ : ١١ ح ١١ باب ٩٤.
٢ ـ الكافي ٢ : ٢٦٢ ح ١١ ـ عنه البحار ٧٢ : ح١٣ باب ٩٤.
٣ ـ الكافي ٢ : ٢٦٣ ح ١٢ ـ عنه البحار ٧٢ : ١٥ ح ١٤ باب ٩٤.
بالصبر ، وهم الذين يرون ملكوت السماوات والأرض(١) .
وقالصلىاللهعليهوآله : يا معشر المساكين طيبوا نفساً ، وأعطوا الله الرضا من قلوبكم ، يثبكم الله عزّوجلّ على فقركم ، فإن لم تفعلوا فلا ثواب لكم(٢) .
وروي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : إذا كان يوم القيامة أمر الله تبارك وتعالى منادياً ينادي بين يديه : أين الفقراء؟ فيقوم عنق من الناس كثير ، فيقول : عبادي ، فيقولون : لبيك ربنا.
فيقول : انّي لم اُفقركم لهوان بكم عليّ ، ولكنّي انّما اخترتكم لمثل هذا اليوم ، تصفّحوا وجوه الناس فمن صنع إليكم معروفاً لم يصنعه الاّ فيّ ، فكافوه عنّي بالجنة(٣) .
وروي عن محمد بن الحسين بن كثير الخزاز ، عن أبي عبداللهعليهالسلام قال : قال لي : أما تدخل السوق؟ أما ترى الفاكهة تباع ، والشيء مما تشتهيه؟ فقلت : بلى ، فقال : أما انّ لك بكلّ ما تراه فلا تقدر على شرائه حسنة(٤) .
وروي بسند صحيح عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : إذا كان يوم القيامة قام عنق من الناس حتى يأتوا باب الجنة فيضربوا باب الجنة ، فيقال لهم : من أنتم؟ فيقولون : نحن الفقراء.
فيقال لهم : أقبل الحساب؟ فيقولون : ما أعطيتمونا شيئاً تحاسبونا عليه ، فيقول الله عزّوجلّ : صدقوا ، أدخلوا الجنة(٥) .
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٢٦٣ ح ١٣ ـ عنه البحار ٧٢ : ١٥ ح ١٥ باب ٩٤.
٢ ـ الكافي ٢ : ٢٦٣ ح ١٤ ـ عنه البحار ٧٢ : ١٧ ح ١٦ باب ٩٤.
٣ ـ الكافي ٢ : ٢٦٣ ح ١٥ ـ عنه البحار ٧٢ : ٢٤ ح ١٧ باب ٩٤.
٤ ـ الكافي ٢ : ٢٦٤ ح ١٧ ـ عنه البحار ٧٢ : ٢٥ ح ١٩ باب ٩٤.
٥ ـ الكافي ٢ : ٢٦٤ ح ١٩ ـ عنه البحار ٧٢ : ٢٥ ح ٢١ باب ٩٤.
وقال أبو الحسن موسىعليهالسلام : انّ الله عزّوجلّ يقول : انّي لم اُغن الغنيّ لكرامة به عليّ ، ولم اُفقر الفقير لهوان به عليّ ، وهو مما ابتليت به الأغنياء بالفقراء ، ولولا الفقراء لم يستوجب الأغنياء الجنة(١) .
وقال أبو عبداللهعليهالسلام : مياسير شيعتنا اُمناؤنا على محاويجهم ، فاحفظونا يحفظكم الله(٢) .
وروي بسند صحيح انّ أمير المؤمنينعليهالسلام قال : الفقر أزين للمؤمن من العذار على خدّ الفرس(٣) .
وقالعليهالسلام في حديث آخر : الفقر هو الموت الأكبر(٤) .
وقال أبو عبدالله عليه : الفقر الموت الأحمر ، فقلت لأبي عبداللهعليهالسلام : الفقر من الدينار والدرهم؟ فقال : لا ، ولكن من الدين(٥) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : ألا ومن استخفّ بفقير فقد استخفّ بحق الله ، والله يستخف به يوم القيامة الاّ أن يتوب من أكرم فقيراً مسلماً لقى الله يوم القيامة وهو عنه راض(٦) .
وقال عليّ بن موسى الرضاعليهالسلام : من لقى فقيراً مسلماً فسلّم عليه خلاف سلامه على الغني لقى الله عزّوجلّ يوم القيامة وهو عليه غضبان(٧) .
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٢٦٥ ح ٢٠ ـ عنه البحار ٧٢ : ٢٦ ح ٢٢ باب ٩٤.
٢ ـ الكافي ٢ : ٢٦٥ ح ٢١ ـ عنه البحار ٧٢ : ٢٧ ح ٢٣ باب ٩٤.
٣ ـ الكافي ٢ : ٢٦٥ ح ٢٢ ـ عنه البحار ٧٢ : ٢٨ ح ٢٤ باب ٩٤.
٤ ـ البحار ٧٢ : ٤٢ ح ٤٥ باب ٩٤ ـ عن الخصال حديث الأربعمائة.
٥ ـ الكافي ٢ : ٢٦٦ ح ٢ ـ عنه البحار ٧٢ : ٥ ح ٣ باب ٩٤.
٦ ـ البحار ٧٢ : ٣٧ ح ٣٠ ـ عن أمالي الصدوق في مناهي النبيصلىاللهعليهوآله .
٧ ـ أمالي الصدوق : ٣٥٩ ح ٥ مجلس ٦٨ ـ عنه البحار ٧٢ : ٣٨ ح ٣١ باب ٩٤.
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذررحمهالله ] :
يا أباذر انّ الدنيا مشغلة للقلوب والأبدان ، وانّ الله تبارك وتعالى سائلنا عمّا نعّمنا في حلاله ، فكيف بما نعّمنا في حرامه؟
يا أباذر انّي قد دعوت الله جلّ ثناؤه أن يجعل رزق من يحبني الكفاف ، وأن يعطي من يبغضني كثرة المال والولد.
اعلم انّ هذا الحديث يدلّ على انّ في الحلال حساب أيضاً ، وقد مضت الأحاديث على انّ المؤمنين لا يحاسبون على التصرف في الحلال ، ويمكن أن يكون المراد من المؤمنين هم الخلّص من المؤمنين ، والمراد من السؤال عن الحلال هنا هو السؤال من بعض أفراد المسليمن ، أو يكون المراد من عدم الحساب عدم انتقاص الحسنات بازاء تلك الأمور ، والمراد من السؤال هو التفحص عنها.
و اعلم انّ الأحاديث في مدح الكفاف كثيرة كما نقل عن عليّ بن الحسينعليهالسلام انّه قال : مرّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله براعي ابل فبعث يستسقيه ، فقال : أمّا ما في ضروعها فصبوح الحيّ(١) ، وأمّا ما في آنيتنا فغبوقهم(٢) ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : اللهم اكثر ماله وولده.
ثم مرّ براعي غنم فبعث إليه يستسقيه ، فحلب له ما في ضروعها واكفأ ما في
__________________
١ ـ الصبوح ـ بالفتح ـ : شرب الغداة أو ما حلب أول النهار.
٢ ـ الغبوق ـ بالفتح ـ : الشرب بالعشي أو ما حلب آخر النهار.
إنائه في إناء رسول اللهصلىاللهعليهوآله وبعث إليه بشاة وقال : هذا ما عندنا وان أحببت أن نزيدك زدناك.
قال : فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله اللهم ارزقه الكفاف ، فقال له بعض أصحابه : يا رسول الله دعوت للذي ردّك بدعاء عامّتنا نحبّه ، ودعوت للذي أسعفك بحاجتك بدعاءٍ كلّنا نكرهه ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : انّ ما قلّ وكفى خيرٌ مما كثر وألهى ، اللهم ارزق محمداً وآل محمد الكفاف(١) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام أنّه قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : اللهم ارزق محمداً وآل محمد ومن أحبّ محمداً وآل محمد العفاف والكفاف ، وارزق من أبغض محمداً وآل محمد المال والولد(٢) .
وروي بسند آخر عنهعليهالسلام انّه قال : انّ الله عزّوجلّ يقول : يحزن عبدي المؤمن ان قتّرت عليه وذلك أقرب له منّي ، ويفرح عبدي المؤمن ان وسّعت عليه وذلك أبعد له منّي(٣) .
وقالعليهالسلام في حديث آخر : قال الله عزّوجلّ : انّ من أغبط أوليائي عندي عبداً مؤمناً ذا حظّ من صلاح ، أحسن عبادة ربّه ، وعبدالله في السريرة ، وكان غامضاً في الناس ، فلم يشر إليه بالأصابع ، وكان رزقه كفافاً ، فصبر عليه فعجلت به المنية ، فقلّ تراثه ، وقلّت بواكيه(٤) .
____________
١ ـ الكافي ٢ : ١٤٠ ح ٤ ـ عنه البحار ٧٢ : ٦١ ح ٤ باب ٩٥.
٢ ـ الكافي ٢ : ١٤٠ ح ٤ ـ عنه البحار ٧٢ : ٥٩ ح ٣ باب ٩٥.
٣ ـ الكافي ٢ : ١٤١ ح ٥ ـ عنه البحار ٧٢ : ٦١ ح ٥ باب ٩٥.
٤ ـ الكافي ٢ : ١٤١ ح ٦ ـ عنه البحار ٧٢ : ٦٢ ح ٦ باب ٩٥.
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذررحمهالله ] :
يا أباذر طوبى للزاهدين في الدنيا ، الراغبين في الآخرة الذين اتخذوا أرض الله بساطاً ، وترابها فراشاً ، وماءها طيباً ، واتخذوا كتاب الله شعاراً ، ودعاءه دثاراً ، يقرضون الدنيا قرضاً.
يا أباذر حرث الآخرة العمل الصالح ، وحرث الدنيا المال والبنون.
وقد أشار إلى تفسير قوله تعالى :
( مَن كَانَ يُرِيدُ حَرثَ الاَخِرَةِ نَزِد لَهُ فِي حَرثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرثَ الدُنيَا نُؤتِهِ مِنهَا وَمَالَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ ) (١) .
والحاصل انّ من عمل للآخرة يوفّق في أعماله ، وتصبّ البركات على حياته ، وتضاعف حسناته في الآخرة ، ومن كان عمله للدنيا فانّه يصل إليه رزقه المقرر لكن لا على وجه يدّعيه ، ويجد ثواب عمله في الدنيا كالشيطان ، ولم يكن له في الآخرة من نصيب ، فلذا ترى انّ أعمال المرائين وأصحاب البدع في الدنيا تنفعهم أياماً قليلة بتسويل الشيطان لكنّهم يحرمون في الآخرة.
والذين أخلصوا نياتهم في الدنيا فقد لا تترتب ثمرة على أعمالهم في الدنيا وذلك ليجدوا أُجورهم في الآخرة كاملة ، ولم يشب عملهم بالأغراض الفاسدة الدنيوية لأنّ الله لم يجعل أيّ عمل من دون أجر ، حتى انّ كفار الهند الذين
__________________
١ ـ الشورى : ٢٠.
يتحملون تلك المشاق والرياضات للأُمور الفاسدة الدنيوية يصلون إليها كما نسمع.
مثلاً يريدون أن تكشف لهم السفليات ، وقد يصلون إليه لكن يحرمون من السعادة الأخروية ، وربما تعبّد مسلم سنين متمادية مع الاخلاص ولم يعطه الله تعالى ذلك الأمر لأنّ ثوابه في الآخرة ، ولم ير من مصلحته اعطاءه في الدنيا لأنّه يقع في الأنانية والعجب ويبتعد عن الله تعالى ، حتى انّه ورد إذا كمل ايمان المؤمن يسلب الله منه حتى الرؤيا.
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : انّ المؤمن مكفّر ، وذلك انّ معروفه يصعد إلى الله عزّوجلّ فلا ينتشر في الناس ، والكافر مشهور وذلك انّ معروفه للناس ينتشر في الناس ولا يصعد إلى السماء(١) .
وروي عن موسى بن جعفرعليهالسلام انّه قال : كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله مكفّراً لا يشكر معروفه ، ولقد كان معروفه على القرشي والعربي والعجمي ، ومن كان أعظم معروفاً من رسول الله على هذا الخلق؟ وكذلك نحن أهل البيت مكفرون لا يشكر معروفنا ، وخيار المؤمنين مكفرون لا يشكر معروفهم(٢) .
وروي أيضاً عن المفضل بن عمر انّه قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : انّ من قبلنا يقولون : انّ الله تبارك وتعالى إذا أحبّ عبدا نوّه به منوّهٌ من السماء أنّ الله يحبّ فلاناً فأحبّوه فتلقى له المحبة في قلوب العباد ، فاذا أبغض الله تعالى عبداً نوّه منوّهٌ من السماء انّ الله يبغض فلاناً فأبغضوه ، قال : فيلقى الله له البغضاء في
__________________
١ ـ البحار ٧٥ : ٤٢ ح ٢ باب ٣٦ عن علل الشرائع.
٢ ـ البحار ٧٥ : ٤٢ ح ٣ باب ٣٦ ـ عن علل الشرائع.
قلوب العباد.
قال : كانعليهالسلام متكئاً فاستوى جالساً ، فنفض يده ثلاث مرّات يقول : لا ، ليس كما يقولون ، ولكنّ الله عزّوجلّ إذا أحبّ عبداً أغرى به الناس في الأرض ليقولوا فيه ، فيؤثمهم ويؤجره ، وإذا أبغض الله عبداً حبّبه إلى الناس ليقولوا فيه فيؤثمهم ويؤثمه.
ثم قالعليهالسلام : من كان أحبّ إلى الله من يحيى بن زكرياعليهالسلام ؟ أغراهم به حتى قتلوه ، ومن كان أحبّ إلى الله عزّوجلّ من عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ؟ فلقى من الناس ما قد علمتم ، ومن كان أحبّ إلى الله تعالى من الحسين بن عليّ صلوات الله عليه؟ فأغراهم به حتى قتلوه(١) .
واعلم انّ في كلام رسول اللهصلىاللهعليهوآله إشعار بأفضلية القرآن على الدعاء حيث قال : « واتخذوا كتاب الله شعاراً ، ودعاءه دثاراً » والشعار اللباس الملاصق للجسم ، والدثار يطلق على ما يلبس فوق ثياب أُخرى ، وانّ ما يلاصق الجسم أكثر اختصاصاً بالانسان من غيره.
والأحاديث هنا مختلفة ، ففي بعضها ترجيح قراءة القرآن وأفضليتها ، وفي بعضها أفضلية الدعاء ، وجمع البعض بينها بأنّه ان عرف معنى القرآن فهو أفضل والاّ فالدعاء أفضل ، وقال البعض على عكسه.
والذي يوافق الصواب هو انّ الأمر يختلف بالنسبة إلى أحوال العباد ، والانسان لابد أن يكون طبيب نفسه فيلزمها ما يناسبها في كلّ وقت وحين ، ففي مقام الخوف مثلاً فإن كان قليلاً في نفس المؤمن فليقرأ الأدعية المشتملة على
__________________
١ ـ معاني الأخبار : ٣٨١ ح ١١ باب نوادر المعاني ـ عنه البحار ٧١ : ٣٧١ ح ٢ باب ٩١.
التخويف كي تكمل هذه الصفة فيه لوجود جذورها في النفس ، وان كان زائداً فليقرأ أدعية الرجاء فإنّ الخوف الكثير يوجب اليأس والقنوط ، وكذلك في باب الرجاء وسائر الصفات النفسية ، وكذلك الأمر في قراءة القرآن.
وربما يقرأ الانسان آية أو دعاء دائماً ولا يؤثر في نفسه ، لكن إذا قرأها في وقت مناسب لحاله ، لأثرت في نفسه تأثيراً لا يتصور مثله ، وتفاض عليه معارف لا تحصى ، والكلام هنا كثير سنبينه في مكان آخر إن شاء الله تعالى.
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذررحمهالله ] :
يا أباذر انّ ربي أخبرني ، فقال : وعزتي وجلالي ما أدرك العابدون درك البكاء عندي ، وانّي لأبني لهم في الرفيق الأعلى قصراً لا يشركهم فيه أحد ، قال : قلت : يا رسول الله أيّ المؤمنين أكيس؟ قال : أكثرهم للموت ذكراً ، وأحسنهم له استعداداً.
يا أباذر إذا دخل النور القلب انفسح القلب واتسع ، قلت : فما علامة ذلك بأبي أنت واُمي يا رسول الله؟ قال : الانابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل نزوله.
ا علم اننا ذكرنا الأحاديث التي جاءت في فضل البكاء لله سابقاً ، ومن المعلوم عقلاً وشرعاً كون التضرّع إلى الله تعالى يورث خير الدنيا والآخرة ، وللبكاء مراتب كثيرة وكلّ يقتبس منها حسب رتبته ومقامه.
فمنهم من يبكي طلباً للخبز من الله ، ومنهم من يبكي للخلاص من جهنم أو الدخول في الجنة ، ومنهم من يطلب القرب حتى يصل الأمر إلى درجة المحبين الملتذين بكل دمعة آلاف اللذائذ التي لا تقاس بغيرها ، وكما انّ في الآخرة لا شريك لهم في قصورهم كذلك في الدنيا لا يعلم أحد مدى لذتهم.
وكذلك مضت الأحاديث في ذكر الموت والاستعداد له بالأعمال الصالحة كي لا يتحسّر الانسان حين حلوله ، وشرحنا أيضاً معنى القلب وانّ ضياءه بالعلم والمعرفة والمحبة والنيات الصادقة ، والصفات الحسنة ، وكما انّ الضياء الظاهري يزيد رؤية العين ولا ينقصها ، كذلك العلم والمعارف يوجبان البصيرة في القلب ،
ويمكن للنفس الناطقة ـ المعبّر عنها بالقلب ـ التمييز بين الحق والباطل ، والأخذ بطريق الحق.
وكذلك كلٌّ من الصفات الحسنة والنيات الصحيحة الدالة والهادية نحو الأعمال الحسنة تكون بمنزلة مصابح بل شمس للنفس ، وقلوب الكمل مملوءة بمصابيح العلم والمعرفة ، وأنواع الكمالات الروحانية.
وانشراح القلب كناية عن الاستعداد لقبول الحقّ والمعارف الالهيّة ، لأنّ قلوب الأشقياء كالظرف المملوّ الذي لا يسع لأيّ شيء ، فلذا لا يمكن للهداية أن تجد طريقها إليه ، وانّ قلوب المؤمنين مختلفة في السعة والانشراح لتقبل المعارف وذلك بسبب كمال الدين ونقصه ، فبعضها بمنزلة كأس تسع لقليل من العلوم والمعارف ولو أُفيض عليها أكثر من ظرفيتها لا تطيقه فتفيض.
والانشراح يكثر بالعبادات والكمالات ، فيكون الانسان مستعداً لقبول المعارف أكثر حتى يصبح كالبحر لا يتأثر بكثرة صبّ أنهار الحقائق ، فتلك الأنوار تسبب الانشراح وهو يسبب الادراك ومعرفه قبائح الدنيا وأضرارها حتى يتركها ، ويعلم محاسن الأعمال الحسنة والدرجات الأخروية الرفيعة والكمالات المعنوية فيكون طالباً لها ومستعداً للموت بتحصيلها.
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذررحمهالله ] :
يا أباذر اتق الله ولا ترى الناس انّك تخشى الله فيكرموك وقلبك فاجر.
يا أباذر ليكن لك في كل شيء نية [ صالحة ] حتى في النوم والأكل.
يا أباذر ليعظم جلال الله في صدرك ، فلا تذكره كما يذكره الجاهل عند الكلب : « اللهم اخزه » وعند الخنزير : « اللهم اخزه ».
لقد ذكر أحاديث ذمّ الرياء في أوّل الكتاب ، وروي عن أبي الحسن موسى ابن جعفرعليهالسلام أنّه قال : قال عيسىعليهالسلام للحواريين : بحق أقول لكم : لا يغني عن الجسد أن يكون ظاهره صحيحاً وباطنه فاسداً ، كذلك لا تغني أجسادكم التي قد أعجبتكم وقد فسدت قلوبكم.
وما يغني عنكم أن تنقوا جلودكم وقلوبكم دنسة ، لا تكونوا كالمنخل يخرج منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة ، كذلك أنتم تخرجون الحكمة من أفواهكم ويبقى الغلّ في صدوركم.
يا عبيد الدنيا انّما مثلكم مثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه ، يا بني اسرائيل زاحموا العلماء في مجالسهم ولو جثواً على الركب ، فإنّ الله يحيي القلوب الميتة بنور الحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل المطر(١) .
وروي بسند معتبر عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : طوبى لكلّ عبد
__________________
١ ـ البحار ١ : ١٤٦ ضمن حديث ٣٠ باب ٤ ـ عن تحف العقول.
نؤمة(١) لا يؤبه له ، يعرف الناس ولا يعرفه الناس ، يعرفه الله منه(٢) برضوان ، اولئك مصابيح الهدى ، ينجلي عنهم كل فتنة مظلمة ، ويفتح لهم باب كلّ رحمة ، ليسوا بالبذر المذاييع ، ولا الجفاة المرائين(٣) .
واعلم انّ من استقرت عظمة الله في نفسه ، وظهر له دناءة الدنيا وأهلها وحقارتها ، وعرف قدر أوقات عمره العزيز لا يعمل أيّ عمل حتى يعلم رضى الله فيه وانّه مفيد لآخرته ، فلا يضيّع عمره بالبطالة.
فاذا أكل وكان هدفه الأولى تحصيل الآخرة ولكي لا يضعف عن عبادة الله تعالى ويتقوى على الطاعة ، فلو كان هدفه هذا المعنى واقعاً من دون خطور في الذهن ، يكون أكله بهذه النية عبادة ويصير كلّه نوراً ، والقوّة الحاصلة منه تصرف نحو العبادة وطاعة الله تعالى.
وكذلك ينام كي يكون له حضور القلب عند العبادة ، ويكون عاملاً بقول الله تعالى حتى لا يضعف بدنه وعقله ، وإذا ذهب إلى بيت الخلاء قصد الطهارة من النجاسات والخبائث حتى يصير عند العبادة طاهراً مصفّاً ، ويقيم الصلاة بحضور القلب ، وقد مضى مجمل من تحقيق هذا المقام في أول الكتاب ، ويشير النبيّصلىاللهعليهوآله هنا إلى أنّه لابدَّ لك في كلّ عمل من نية ولا تفعل شيئاً من دون قصد القربة حتى النوم والأكل.
وما قالهصلىاللهعليهوآله : « ليعظم جلال الله في صدرك فلا تذكره كما يذكره الجاهل » فالمراد لا ينبغي ذكر الله تعالى في أيّ مقام من دون اعتناء واحترام ،
__________________
١ ـ النومة بوزن الهمزة : الخامل الذكر الذي لا يؤبه له.
٢ ـ أي من لدنه.
٣ ـ الكافي ٢ : ٢٢٥ ح ١٢ عنه البحار ٧٥ : ٨٠ ح ٢٩ باب ٨١.
ولم يكن غرضك ذكر الله والتوسل إليه ، والاّ فقد مضى حسن ذكر الله في كلّ حال.
وجاء الحث في الأحاديث بالتوسل إلى الله في الصغير والكبير من الأمور ، والاستعانة به ، وطلب جميع الحاجات صغيرة وكبيرة منه ، وهذا المعنى عين تعظيم الله تعالى بأن يرى نفسه وقدرته كلا شيء ، وانّه محتاج إلى الله في جميع الأمور ، وليعلم انّ الحوائج كلّها صغيرة وكبيرة سواء عند قدرته ، وتفصيل هذا المعنى سيأتي بعد هذا إن شاء الله.
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذررحمهالله ] :
يا أباذر انّ لله ملائكة قياماً من خيفته ما رفعوا رؤوسهم حتى ينفخ في الصور النفخة الآخرة ، فيقولون جميعاً : سبحانك وبحمدك ما عبدناك كما ينبغي لك أن تعبد ، ولو كان لرجل عمل سبعين نبياً لاستقلّ علمه من شدّة ما يرى يؤمئذٍ.
ولو انّ دلواً صب من غسلين في مطلع الشمس لغلت منه جماجم من في مغربها ، ولو زفرت جهنم زفرة لم يبق ملك مقرّب ، ولا نبيّ مرسل الاّ خر جاثياً لركبتيه ، يقول : ربّ نفسي نفسي حتى ينسى إبراهيم إسحاق ، يقول : يا ربّ خليلك إبراهيم فلا تنسي.
ا علم انّ الاقرار بالجنة والنار من العقائد التي تدل على كفر منكرها ، وانّ الاقرار بهما من ضروريات المذهب وواجب الدين ، ولابدّ من الاذعان بوجودهما الآن.
روي بسند معتبر عن أبي الصلت الهروي انّه قال : قلت للرضاعليهالسلام : يا ابن رسول الله أخبرني عن الجنة والنار أهما اليوم مخلوقتان؟ فقال : نعم ، انّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قد دخل الجنة ، ورأى النار لما عرج به إلى السماء.
قال : فقلت له : فإنّ قوماً يقولون : انهما اليوم مقدّرتان غير مخلوقتين ، فقالعليهالسلام : ما اولئك منّا ولا نحن منهم ، من أنكر خلق الجنة والنار فقد كذّب النبيصلىاللهعليهوآله وكذبنا ، وليس من ولايتنا على شيء ، وخلّد في نار جهنّم
ثم يستدلّ الامامعليهالسلام بآيات وأحاديث تدلّ على خلقهما(١) .
وروي بسند معتبر عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام قال : والله ما خلت الجنة من أرواح المؤمنين منذ خلقها(٢) .
والآيات والأخبار الدالة على هذا المطلب كثيرة ، ولابدّ من الاعتقاد بخلود الكفار في النار وانّ العذاب ولن يرتفع عنهم أبداً ، وكذلك غير الشيعة الاثني عشرية من أصحاب الفرق المتعصبين والكاملين عقلاً بحيث تمت عليهم الحجة ، ولكن لو كانوا ضعيفي العقل ولم يرسخوا في المذهب الباطل ، ولهم محبّة بأهل البيتعليهمالسلام كالنساء وجمع آخر من ضعفة العقول الذين لا يميزون بين الحق والباطل جيداً فحالهم موقوف لأمر الله تعالى ، يمكن أن ينجيهم من النار بفضله.
والفساق وذووا الذنوب الكبيرة من شيعة آل العصمة يستحقون الشفاعة والرحمة ، ويمكن أن يعفو الله عنهم بفضله الواسع ولا يدخلهم النار ، وان دخلوها فلا يخلدون فيها البتة بل ينجون منها ويدخلون الجنة.
ومن أنكر ضرورياً من ضروريات الدين الذي انتحله كوجوب الصلاة والصوم والحج والزكاة والنار والمعاد الجسماني وغيرها مما هو ضروري في الدين فهو كافر مرتد مخلّد في نار جهنم وإن تظاهر بالاسلام بحسب الظاهر ، ولا يسع المقام التفصيل في الكلام.
روي بسند صحيح عن أبي بصير ، عن أبي عبداللهعليهالسلام قال : قلت له : يا ابن رسول الله خوفني فإنّ قلبي قد قسا.
__________________
١ ـ البحار ٨ : ١١٩ ح ٦ باب ٢٣ ـ التوحيد للصدوق : ١١٨ ضمن حديث ٢١.
٢ ـ الخصال : ٣٥٩ ضمن حديث ٤٥ باب السبعة ، عنه البحار ٨ : ١٣٣ ح ٣٧ باب ٢٣.
فقال : يا أبا محمد استعدّ للحياة الطويلة فإنّ جبرئيل جاء إلى النبيصلىاللهعليهوآله وهو قاطب ، وقد كان قبل ذلك يجيء وهو متبسّم ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : يا جبرئيل جئتني اليوم قاطباً ، فقال : يا محمد قد وضعت منافخ النار ، فقال : وما منافخ النار يا جبرئيل؟
فقال : يا محمد انّ الله عزّوجلّ أمر بالنار فنخ عليها ألف عام حتى استودّت ، فهي سوداء مظلمة ، لو انّ قطرة من الضريع قطرت في شراب أهل الدنيا لمات أهلها من نتنها.
ولو أنّ حلقة واحدة من السلسلة التي طولها سبعون ذراعاً وضعت على الدنيا لذابت الدنيا من حرّها ، ولو أنّ سربالاً من سرابيل أهل النار علّق بين السماء والأرض لمات أهل الدنيا من ريحه.
قال : فبكى رسول اللهصلىاللهعليهوآله وبكى جبرئيل ، فبعث الله اليهما ملكاً ، فقال لهما : انّ ربكما يقرؤكما السلام ويقول : قد أمنتكما أن تذنبا ذنباً اُعذبّكما عليه ، فقال أبو عبداللهعليهالسلام : فما رأى رسول اللهصلىاللهعليهوآله جبرئيل متبسّماً بعد ذلك.
ثم قال : انّ أهل النار يعظّمون النار ، وانّ أهل الجنة يعظّمون الجنة والنعيم ، وانّ جهنّم إذا دخلوها هووا فيها مسيرة سبعين عاماً ، فاذا بلغوا أعلاها قمعوا بمقامع الحديد واُعيدوا في دركها فهذه حالهم ، وهو قول الله عزّوجلّ :
( كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخرُجُرا مِنهَا مِن غَمٍّ اُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ ) (١) .
ثم تبدلّ جلودهم غير الجلود التي كانت عليهم ، قال أبو عبداللهعليهالسلام :
__________________
١ ـ الحج : ٢٢.
حسبك؟ قلت : حسبي حسبي(١) .
روي بسند معتبر عن عمرو بن ثابت ، عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام قال : انّ أهل النار يتعاوون فيها كما يتعاوى الكلاب والذئاب مما يلقون من أليم العذاب ، فما ظنّك يا عمرو بقوم لا يقضى عليهم فيموتوا ، ولا يخفف عنهم من عذابها؟
عطاش فيها ، جياع ، كليلة أبصارهم ، صمّ بكم عمي مسودة وجوههم ، خاسئين فيها نادمين ، مغضوب عليهم ، فلا يرحمون من العذاب ، ولا يخفف عنهم وفي النار يسجرون ، ومن الحميم يشربون ، ومن الزقوم يأكلون ، وبكلاليب(٢) النار يحطمون ، وبالمقامع يضربون ، والملائكة الغلاظ الشداد لا يرحمون.
فهم في النار يسحبون على وجوههم ، مع الشياطين يقرنون ، وفي الأنكال والأغلال يصفّدون ، إن دعوا لم يستجب لهم ، وان سألوا حاجة لم تقض لهم ، هذه حال من دخل النار(٣) .
وروي في تفسير قوله تعالى :( من وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسقَى مِن مَاءٍ صَدِيدٍ ) قال : ما يخرج من فروج الزواني ، قوله :( يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغه وَيَأتِيهِ المَوتُ مَن كُلٍّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ ) (٤) قال : يقرّب إليه فيكرهه ، وإذا اُدني منه شوى وجهه ، ووقعت فروة رأسه ، فاذا شرب قطعت أمعاؤه ، ومزّقت تحت قدميه ، وانّه ليخرج من أحدهم مثل الوادي صديداً وقيحاً.
ثم قال : وانّهم ليبكون حتى تسيل دموعهم على وجوههم جداول ، ثم
__________________
١ ـ البحار ٨ : ٢٨٠ ح ١ باب ٢٤ ـ عن تفسير القمي.
٢ ـ الكلاليب جمع الكلاب والكلوب : حديدة معطوفة الرأس يجرّ بها الجمر.
٣ ـ البحار ٨ : ٢٨١ ح ٣ باب ٢٤ ـ عن أمالي الصدوق.
٤ ـ إبراهيم ١٦ ـ ١٧.
ينقطع الدموع فيسيل الدماء حتى لو انّ السفن اُجريت فيها لجرت(١) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : للنار سبعة أبواب ، باب يدخل منه فرعون وهامان وقارون ، وباب يدخل منه المشركون والكفار ممن لم يؤمن بالله طرفة عين.
وباب يدخل منه بنو أمية هو لهم خاصة لا يزاحمهم فيه أحد ، وهو باب لظى ، وهو باب سقر ، وهو باب الهاوية تهوى بهم سبعين خريفاً ، وكلّما هوى بهم سبعين خريفاً فار بهم فورة قذف بهم في أعلاها سبعين خريفاً ، ثم تهوى بهم كذلك سبعين خريفاً ، فلا يزالون هكذا أبداً خالدين مخلدين.
وباب يدخل منه مبغضونا ومحاربونا وخاذلونا وانّه لأعظم الأبواب وأشدّها حرّاً(٢) .
ونقل عن ابن عباس انّه قال : قدم يهوديّان فسألا أمير المؤمنينعليهالسلام فقالا : أين تكون الجنّة ، وأين تكون النار؟ قال : أما الجنة ففي السماء ، واما النار ففي الأرض(٣) .
ونقل بسند معتبر انّه سئل أبو عبداللهعليهالسلام عن معنى الفلق ، قال : صدع(٤) في النار فيه سبعون ألف دار ، في كلّ دار سبعون ألف بيت ، في كلّ بيت سبعون ألف أسود ، في جوف كلّ أسود سبعون ألف جثّ سمّ ، لابدّ لأهل النار أن يمرّوا عليها(٥) .
__________________
١ ـ البحار ٨ : ٢٨٨ ح ٢٥ باب ٢٤ عن تفسير القمي.
٢ ـ الخصال : ٣٦١ ح ٥١ باب ٧ ـ عنه البحار ٨ : ٢٨٥ ح ١١ باب ٢٤.
٣ ـ البحار ٨ : ٢٨٦ ح ١٣ باب ٢٤ ـ عن الخصال : ٥٩٧ ضمن حديث ١ باب الواحد إلى المائة.
٤ ـ الصدع : الشق في شيء صلب ( القاموس المحيط ).
٥ ـ البحار ٨ : ٢٨٧ ح ١٧ باب ٢٤ ـ عن معاني الأخبار.
وقالعليهالسلام في حديث آخر : انّ ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم ، وقد اطفأت سبعين مرّة بالماء ثم التهبت ، ولولا ذلك ما استطاع آدميّ أن يطيقها ، وانه ليؤتى بها يوم القيامة حتى توضع على النار فتصرخ صرخة لا يبقى ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل الاّ جثا على ركبتيه فزعاً من صرختها(١) .
وجاء في حديث آخر [ عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : ] انّ في جهنّم لواد يقال له غسّاق ، فيه ثلاثون وثلاثمائة قصر ، في كلّ قصر ثلاثون وثلاثمائة بيت ، في كلّ بيت ثلاثون وثلاثمائة عقرب ، في حمة(٢) كلّ عقرب ثلاثون وثلاثمائة قلّة سمّ ، لو انّ عقرباً منها نضحت سمّها على أهل جهنّم لوسعتهم سمّاً(٣) .
وجاء في حديث آخر : انّ الله جعلها [ أي جعل جهنّم ] سبع دركات أعلاها الجحيم يقوم أهلها على الصفا منها ، تغلي أدمغتهم فيها كغلي القدور بما فيها.
والثانية لظى ، نزّاعة للشوى ، تدعو من أدبر وتولّى ، وجمع فأوعى.
والثالثة سقر ، لا تبقي ولا تذر ، لوّاحة للبشر ، عليها تسعة عشر.
والرابعة الحطمة ، ومنها يثور شرر كالقصر ، كأنّها جمالات صفر ، تدقّ كلّ من صار إليها مثل الكحل ، فلا يموت الروح ، كلما صاروا مثل الكحل عادوا.
والخامسة الهاوية ، فيها ملأ يدعون : يا مالك أغثنا ، فاذا أغاثهم جعل لهم آنية من صفر من نار فيه صديد ماء يسيل من جلودهم كأنّه مهل ، فاذا رفعوه ليشربوا منه تساقط لحم وجوههم فيها من شدّة حرّها ، وهو قول الله تعالى :
__________________
١ ـ البحار ٨ : ٢٨٨ ح ٢١ باب ٢٤ ـ عن تفسير القمي.
٢ ـ حُمَةُ العقرب ـ مخففة الميم ـ : سمّها ( لسان العرب ).
٣ ـ البحار ٨ : ٣١٤ ح ٨٩ باب ٢٤.
( وَاِن يَستَغِثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالمُهلِ يَشوِي الوُجُوهَ بِئسَ الشَّرَابُ وَسَآءَت مُرتَفَقَاً ) (١) .
والسادسة هي السعير ، فيها ثلاثمائة سرادق من نار ، في كلّ سرادق ثلاثمائة قصر من نار ، في كلّ قصر ثلاثمائة بيت من نار ، في كلّ بيت ثلاثمائة لون من عذاب النار ، فيها حيات من نار ، وعقارب من نار ، وجوامع من نار ، وسلاسل من نار ، وأغلال من نار ، وهو الذي يقول الله :
( اِنَّا أَعتَدنَا لِلكَافِرينَ سَلاَسِلاً وَأَغلاَلاً وَسَعِيراً ) (٢) .
والسابعة جهنم ، وفيها الفلق وهو جبّ في جهنم إذا فتح أسعر النار سعراً ، وهو أشدّ النار عذاباً ، وأمّا صعوداً فجبل من صفر من نار وسط جهنّم ، وأمّا أثاماً فهو واد من صفر مذاب يجري حول الجبل ، فهو أشدّ النار عذاباً(٣) .
وروي عن أبي الحسن موسى بن جعفرعليهالسلام أنّه قال : انّ في النار لوادياً يقال له سقر ، لم يتنفّس منذ خلقه الله ، لو أذن الله عزّوجلّ له في التنفس بقدر مخيط لأحرق ما على وجه الأرض ، وانّ أهل النار ليتعوّذون من حرّ ذلك الوادي ، ونتنه وقذره وما أعد الله فيه لأهله.
وانّ في ذلك الوادي لجبلاً يتعوّذ جميع أهل ذلك الوادي من حرّ ذلك الجبل ونتنه وقذره وما أعدّ الله فيه لأهله ، وانّ في ذلك الجبل لشعباً يتعوّذ جميع أهل ذلك الجبل من حرّ ذلك الشعب ونتنه وقذره وما أعد الله فيه لاهله ، وانّ في
__________________
١ ـ الكهف : ٢٩.
٢ ـ الانسان : ٤.
٣ ـ البحار ٨ : ٢٨٩ ح ٢٧ باب ٢٤ ـ عن تفسير القمي.
ذلك الشعب لقليباً(١) يتعوّذ أهل ذلك الشعب من حرّ ذلك القليب ونتنه وقذره وما أعدّ الله فيه لأهله.
وانّ في ذلك القليب لحيّة يتعوّذ جميع أهل ذلك القليب من خبث تلك الحية ونتنها وقذرها وما أعدّ الله في أنيابها من السمّ لأهلها ، وانّ في جوف تلك الحية لسبعة صناديق فيها خمسة من الأُمم السالفة واثنان من هذه الأُمة.
قال [ الراوي : ] قلت : جعلت فداك ومن الخمسة ، ومن الاثنان؟ قال : وأمّا الخمسة فقابيل الذي قتل هابيل ، ونمرود الذي حاجّ إبراهيم في ربّه ، فقال : أنا اُحيي واُميت ، وفرعون الذي قال : أنا ربكم الأعلى ، ويهود الذي هوّد اليهود ، ويونس الذي نصّر النصارى ، ومن هذه الأُمة أعرابيان(٢) .
وروي بسند صحيح عن أبي عبداللهعليهالسلام في خبر المعراجّ انّه قال : قال النبيصلىاللهعليهوآله : سمعت صوتاً أفزعني ، فقال لي جبرئيل : أتسمع يا محمد؟ قلت : نعم ، قال : هذه صخرة قذفتها عن شفير جهنم منذ سبعين عاماً فهذا حين استقرّت ، قالوا : فما ضحك رسول اللهصلىاللهعليهوآله حتى قبض.
قال : فصعد جبرئيل وصعدت حتى دخلت سماء الدنيا ، فما لقيني ملك الاّ وهو ضاحك مستبشر حتى لقيني ملك من الملائكة لم أر أعظم خلقاً منه ، كريه المنظر ، ظاهر الغضب ، فقال لي مثل ما قالوا من الدعاء الاّ أنّه لم يضحك ، ولم أر فيه من الاستبشار ما رأيت ممن ضحك من الملائكة.
فقلت : من هذا يا جبرئيل؟ فانّي قد فزعت منه ، فقال : يجوز أن تفزع منه
__________________
١ ـ القليب : البئر.
٢ ـ الخصال : ٣٩٨ ح ١٠٦ باب ٧ ـ عنه البحار ٨ : ٣١٠ ح ٧٧ باب ٢٤ ـ وللمجلسيرحمهالله في البحار ذيل الحديث كلام حول ( أعرابيان ) فلاحظ.
فكلّنا يفزع منه ، انّ هذا مالك خازن النار لم يضحك قط ، ولم يزل منذ ولاّه الله جهنم يزداد كلّ يوم غضباً وغيظاً على أعداء الله وأهل معصيته ، فينتقم الله به منهم ، ولو ضحك إلى أحد كان قبلك أو كان ضاحكاً إلى أحد بعدك لضحك إليك ، ولكنّه لا يضحك.
فسلّمت عليه ، فردّ السلام عليّ وبشّرني بالجنة ، فقلت لجبرئيل ـ وجبرئيل بالمكان الذي وصفه الله مطاع ثم أمين ـ : ألا تأمره أن يريني النار؟ فقال له جبرئيل : يا مالك أر محمداً النار.
فكشف عنها غطاءها ، وفتح باباً منها ، فخرج منها لهب ساطع في السماء ، وفارت وارتفعت حتى ظننت ليتناولني مما رأيت ، فقلت : يا جبرئيل قل له : فليردّ عليها غطاءها ، فأمرها فقال لها : ارجعي ، فرجعت إلى مكانها الذي خرجت منه(١) .
وروي في تفسير قوله تعالى :( فَالَّذِينَ كَفَرُوا ) يعني بني اُميّة( قُطِّعَت لَهُم ثِيَابٌ مِن نَّارٍ ) إلى قوله :( حَدِيد ) (٢) قال : يغشاهم النار كالثوب للانسان ، فتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرّته ، وتقلص شفته العلياء حتى تبلغ راسه ،( وَلَهُم مَّقَامِعُ مِن حَدِيدٍ ) .
قال : الأعمدة التي يضربون بها ، وقوله :( كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخرُجُوا مِنهَا مِن غَمٍّ اُعِيدُوا فِيهَا ) (٣) أي ضرباً بتلك الأعمدة(٤) .
وجاء في حديث : لو انّ مقمعاً من حديد وضع في الأرض فاجتمع له
__________________
١ ـ البحار ٨ : ٢٩١ ح ٣٠ باب ٢٤ عن تفسير القمي.
٢ ـ الحج : ١٩.
٣ ـ الحج : ٢٢.
٤ ـ البحار ٨ : ٢٩٢ ح ٣٢ باب ٢٤ ـ عن تفسير القمي.
الثقلان ما أقلوه من الأرض(١) .
وروي عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : وأمّا أهل المعصية فخذلهم في النار ، وأوثق منهم الأقدام ، وغلّ منهم الأيدي إلى الأعناق ، وألبس أجسادهم سرابيل القطران ، وقطّعت لهم منها مقطّعات من النار ، هم في عذاب قد اشتدّ حرّه ، ونار قد اُطبق على أهلها فلا يفتح عنهم أبداً ، ولا يدخل عليهم ريحاً أبداً ، ولا ينقضي منهم عمر أبداً.
العذاب أبداً شديد ، والعقاب أبداً جديد ، لا الدار زائلة فتفنى ، ولا آجال القوم تقضى ، ثم حكى نداء أهل النار ، فقال :( وَنَادَوا يَا مَالِكُ لِيَقضِ عَلَينَا رَبُّكَ ) قال : أي نموت ، فيقول مالك :( اِنَّكُم مَّاكِثُونَ ) (٢) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : انّ في النار لناراً تتعوّذ منها أهل النار ، ما خلقت الاّ لكلّ متكبر جبّار عنيد ، ولكلّ شيطان مريد ، ولكلّ متكبر لا يؤمن بيوم الحساب ، وكلّ ناصب لآل محمد.
وقال : انّ أهون الناس عذاباً يوم القيامة لرجل في ضحضاح من نار ، عليه نعلان من نار ، وشراكان من نار ، يغلي منها دماغه كما يغلي المرجل ، ما يرى انّ في النار أحداً أشدّ عذاباً منه ، وما في النار أحد أهون عذاباً منه(٣) .
وجاء في حديث آخر : الفلق جبّ في جهنّم يتعوّذ منه أهل النار من شدّة حرّه ، سأل الله أن يأذن له أن يتنفّس ، فأذن له ، فتنفس فأحرق جهنّم.
قال : وفي ذلك الجبّ صندوق من نار يتعوّذ أهل تلك الجبّ من حرّ ذلك
__________________
١ ـ كنز العمال ١٤ : ٥٢٣ ح ٣٩٤٩٠.
٢ ـ البحار ٨ : ٢٩٢ ح ٣٤ باب ٢٤ ـ عن تفسير القمي.
٣ ـ البحار ٨ : ٢٩٥ ح ٤٤ باب ٢٤ ـ عن تفسير القمي.
الصندوق وهو التابوت ، وفي ذلك التابوت ستة من الاوّلين وستة من الآخرين ، فأمّا الستة من الأولين فابن آدم الذي قتل أخاه ، ونمرود إبراهيم الذي ألقى إبراهيم في النار ، وفرعون موسى ، والسامري الذي اتخذ العجل ، والذي هوّد اليهود ، والذي نصّر النصارى.
وأما الستة من الآخرين فهو الأول والثاني والثالث والرابع وصاحب الخوارج وابن ملجم(١) .
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : لو كان في هذا المسجد مائة ألف أو يزيدون ، ثم تنفّس رجل من أهل النار فأصابهم نفسه لاحترق المسجد ومن فيه.
وقال : انّ في النار لحيّات مثل أعناق البخت ، يلسعن أحدهم فيجد حموتها أربعين خريفاً ، وانّ فيها لعقارب كالبغال يلسعن أحدهم فيجد حموتها أربعين خريفاً.
قال ابن عباس : لجهنّم سبعة أبواب ، على كلّ باب سبعون ألف جبل ، في كلّ جبل سبعون ألف شعب ، في كلّ شعب سبعون ألف وادي ، في كلّ واد سبعون ألف شق ، في كلّ شق سبعون ألف بيت.
في كلّ بيت سبعون ألف حية طول كل حية مسيرة ثلاثة أيام ، أنيابها كالنخل الطوال ، تأتي ابن آدم فتأخذه بأشفار عينيه وشفتيه ، فيكشط كلّ لحم على عظمه وهو ينظر ، فيهرب منها فيقع في نهر من أنهار جهنّم يذهب به سبعين خريفاً(٢) .
____________
١ ـ البحار ٨ : ٢٩٦ ح ٤٦ باب ٢٤ ـ عن تفسير القمي.
٢ ـ روضة الواعظين : ٥٠٨ و٥٠٩ ، مجلس في ذكر جهنّم وكيفيتها.
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : ما خلق الله خلقاً الا جعل له في الجنة منزلاً وفي النار منزلاً ، فاذا سكن أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد : يا أهل الجنة اشرفوا ، فيشرفون على النار وترفع لهم منازلهم فيها ، ثم يقال لهم : هذه منازلكم التي لو عصيتم الله دخلتموها. قال : فلو انّ أحداً مات فرحاً لمات أهل الجنة في ذلك اليوم فرحاً لما صرف عنهم من العذاب.
ثم ينادي مناد : يا أهل النار ارفعوا رؤوسكم ، فيرفعون رؤوسهم ، فينظرون إلى منازلهم في الجنة وما فيها من النعيم ، فيقال لهم : هذه منازلكم التي لو أطعتم ربكم دخلتموها ، قال : فلو انّ أحداً مات حزناً لمات أهل النار حزناً ، فيورث هؤلاء منازل هؤلاء ، ويورث هؤلاء منازل هؤلاء ، وذلك قوله الله :
( اُولَئِكَ هُمُ الوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِردَوسَ هم فِيهَا خَالِدُون (١) ) (٢) .
وروي بسند صحيح عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : ينادي مناد من عند الله ـ وذلك بعد ما صار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار ـ : يا أهل الجنة ويا أهل النار هل تعرفون الموت في صورة من الصور؟ فيقولون : لا ، فيؤتى بالموت في صورة كبش أملح ، فيوقف بين الجنة والنار.
ثم ينادون جميعاً : اشرفوا وانظروا إلى الموت ، فيشرفون ، ثم يأمر الله به فيذبح ، ثم يقال : يا أهل الجنة خلود فلا موت أبداً ، ويا أهل النار خلود فلا موت أبداً ، وهو قوله:
( وَأَنذِرهُم يَومَ الحَسرَةِ إِذ قُضِىَ الأَمرُ وَهُم فِي غَفلَةٍ ) (٣) .
__________________
١ ـ المؤمنون ١٠ و١١.
٢ ـ البحار ٨ : ٢٨٧ ح ١٩ باب ٢٤ ـ عن تفسير القمي.
٣ ـ مريم : ٣٩.
أي قضي على أهل الجنة بالخلود فيها ، وقضي على أهل النار بالخلود فيها(١) .
__________________
١ ـ البحار ٨ : ٣٤٦ ح ٤ باب ٢٦ ـ عن تفسير القمي.
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذررحمهالله ] :
يا أباذر لو انّ امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت من سماء الدنيا في ليلة ظلماء لأضاءت لها الأرض أفضل مما يضيء بالقمر ليلة البدر ، ولوجد ريح نشرها جميع الأرض.
ولو انّ ثوباً من ثياب أهل الجنة نشر اليوم في الدنيا لصعق من ينظر إليه ، وما حملته أبصارهم.
روي بسند صحيح عن أبي بصير أنه قال : قلت لأبي عبداللهعليهالسلام : جعلت فداك يا ابن رسول الله شوقني ، فقال : يا أبا محمد انّ الجنة توجد ريحها من مسيرة ألف عام ، وانّ أدنى أهل الجنة منزلاً لو نزل به الثقلان الجن والانس لوسعهم طعاماً وشراباً ولا ينقص مما عنده شيء ، وانّ أيسر أهل الجنة منزلة من يدخل الجنة فيرفع له ثلاث حدائق ، فاذا دخل أدناهنّ رأى فيها من الأزواج والخدم والأنهار والثمار ما شاء الله.
فاذا شكر الله وحمده قيل له : ارفع رأسك إلى الحديقة الثانية ففيها ما ليس في الأولى ، فيقول : يا ربّ أعطني هذه ، فيقول : لعلّي ان أعطيتكها سألتني غيرها ، فيقول : ربّ هذه هذه ، فاذا هو دخلها وعظمت مسرّته شكر الله وحمده.
قال : فيقال : افتحوا له باب الجنة ، ويقال له : ارفع رأسك ، فاذا قد فتح له باب من الخلد ، ويرى أضعاف ما كان فيما قبل ، فيقول عند تضاعف مسرّاته : ربّ لك الحمد الذي لا يحصى إذ مننت عليّ بالجنان ، وأنجيتني من النيران ، فيقول : ربّ
أدخلني الجنة ، وأنجني من النار.
قال أبو بصير : فبكيت وقلت له : جعلت فداك زدني ، قال : يا أبا محمد انّ في الجنة نهراً في حافيتها جوار نابتات ، إذا مرّ المؤمن بجارية أعجبته قلعها وأنبت الله مكانها اُخرى ، قلت : جعلت فداك زدني ، قال : المؤمن يزوّج ثمانمائة عذراء ، وأربعة آلاف ثيب ، وزوجتين من الحور العين ، قلت : جعلت فداك ثمانمائة عذراء؟
قال : نعم ، ما يفترش منهنّ شيئاً الاّ وجدها كذلك ، قلت : جعلت فداك من أيّ شيء خلقن الحور العين؟ قال : من الجنّة ، ويرى مخّ ساقيها من وراء سبعين حلّة ، قلت : جعلت فداك ألهنّ كلام يتكلّمن به في الجنّة؟ قال : نعم ، كلام يتكلّمن به لم يسمع الخلائق بمثله ، قلت : ما هو؟
قال : يقلن : نحن الخالدات فلا نموت ، ونحن الناعمات فلا نبأس ، ونحن المقيمات فلا نظعن ، ونحن الراضيات فلا نسخط ، طوبى لمن خلق لنا ، وطوبى لمن خلقنا له ، نحن اللواتي لو انّ قرن إحدانا علّق في جوّ السماء لأغشى نوره الأبصار(١) .
وروي بسند معتبر عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : انّ للجنة ثمانية أبواب ، باب يدخل منه النبيون والصديقون ، وباب يدخل منه الشهداء والصالحون ، وخمسة أبواب يدخل منها شيعتنا ومحبّونا ، فلا أزال واقفاً على الصراط أدعو وأقول : ربّ سلّم شيعتي ومحبّي وأنصاري ومن تولاّني في دار الدنيا.
فاذا النداء من بطنان العرش : قد اُجيبت دعوتك وشفّعت في شيعتك ،
__________________
١ ـ البحار ٨ : ١٢٠ ح ١١ باب ٢٣ ـ عن تفسير القمي.
ويشفع كلّ رجل من شيعتي ، ومن تولاّني ، ونصرني ، وحارب من حاربني بفعل أو قول في سبعين ألف من جيرانه وأقربائه ، وباب يدخل منه سائر المسلمين ممن شهد أن لا اله الاّ الله ، ولم يكن في قلبه مقدار ذرّة من بغضنا أهل البيت(١) .
وروي بسند صحيح عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : انّ لله كرامة في عباده المؤمنين في كلّ يوم جمعة ، فاذا كان يوم الجمعة بعث الله إلى المؤمن ملكاً معه حلّة ، فينتهي إلى باب الجنة ، فيقول : استأذنوا لي على فلان ، فيقال له : هذا رسول ربّك على الباب ، فيقول لأزواجه : أيّ شيء ترين عليّ أحسن؟
فيقلن : يا سيدنا والذي أباحك الجنة ما رأينا عليك شيئاً أحسن من هذا بعث إليك ربّك ، فيتزر بواحدة ويتعطّف بالاخرى ، فلا يمرّ بشيء الاّ أضاء له حتى ينتهي إلى الموعد ، فاذا اجتمعوا تجلّى لهم الربّ تبارك وتعالى ، فاذا نظروا إليه خرّوا سجداً ، فيقول : عبادي ارفعوا رؤوسكم ليس هذا يوم سجود ولا يوم عبادة ، قد رفعت عنكم المؤونة.
فيقولون : يا ربّ وأيّ شيء أفضل مما أعطيتنا؟ أعطيتنا الجنة ، فيقول : لكم مثل ما في أيديكم سبعين ضعفاً ، فيرجع المؤمن في كلّ جمعة بسبعين ضعفاً مثل ما في يديه وهو قوله :( وَلَدَينَا مَزِيدٌ ) (٢) وهو يوم الجمعة.
انّ ليلها ليلة غرّاء ، ويومها يوم أزهر ، فأكثروا فيها من التسبيح والتكبير والتهليل والثناء على الله ، والصلاة على محمد وآله.
قال : فيمرّ المؤمن فلا يمرّ بشيء الاّ أضاء له حتى ينتهي إلى أزواجه ، فيقلن :
__________________
١ ـ الخصال : ٤٠٧ ح ٦ باب ٨ ـ عنه البحار ٨ : ١٢١ ح ١٢ باب ٢٣.
٢ ـ ق : ٣٥.
والذي أباحنا الجنة يا سيدنا ما رأينا قطّ أحسن منك الساعة ، فيقول : اني قد نظرت بنور ربيّ ، ثم قال : أنّ أزواجه لا يغرن ، ولا يحضن ، ولا يصلفن.
قال : قلت : جعلت فداك انّي أردت أن أسألك عن شيء أستحي منه ، قال : سل ، قلت : هل في الجنّة غناء؟ قال : انّ في الجنّة شجراً يأمر الله رياحها فتهبّ ، فتضرب تلك الشجرة بأصوات لم يسمع الخلائق بمثلها حسناً ، ثم قال : هذا عوض لمن ترك السماع في الدنيا من مخافة الله.
قال : قلت : جعلت فداك زدني ، فقال : انّ الله خلق جنّة بيده ولم ترها عين ، ولم يطّلع عليها مخلوق ، يفتحها الرب كلّ صباح فيقول : ازدادي ريحاً ، ازدادي طيباً ، وهو قول الله :( فَلا تَعلَمُ نَفسٌ مَّا اُخفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُوا يَعمَلُونَ (١) ) (٢) .
وروي عن أمير المؤمينعليهالسلام انّه قال : طوبى شجرة في الجنة أصلها في دار النبيصلىاللهعليهوآله وليس من مؤمن الاّ وفي داره غصن منها ، لا تخطر على قلبه شهوة شيء الاّ أتاه به ذلك الغصن ، ولو انّ راكباً مجدّاً سار في ظلّها مائة عام ما خرج منها ، ولو طار من أسفلها غراب ما بلغ أعلاها حتى يسقط هرماً ، ألا ففي هذا فارغبوا(٣) .
وروي بسند معتبر آخر عنهعليهالسلام انّه قال : انّ في الجنة لشجرة يخرج من أعلاها الحلل ، ومن أسفلها خيل عقاق ، مسرجة ملجمة ، ذوات أجنحة ، لا تروث ولا تبول ، فيركبها أولياء الله ، فتطير بهم في الجنة حيث شاؤوا.
__________________
١ ـ السجدة : ١٧.
٢ ـ البحار ٨ : ١٢٦ ح ٢٧ باب ٢٣ عن تفسير القمي.
٣ ـ أمالي الصدوق : ١٨٣ ح ٧ مجلس ٣٩ ـ عنه البحار ٨ : ١١٧ ح ٢ باب ٢٣.
فيقول الذين أسفل منهم : يا ربنا ما بلغ بعبادك هذه الكرامة؟ فيقول الله جل جلاله : انّهم كانوا يقومون الليل ولا ينامون ، ويصومون النهار ولا يأكلون ، ويجاهدون العدو ولا يجبنون ، ويتصدقون ولا يبخلون(١) .
وروي بسند صحيح عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : طوبى شجرة في الجنة في دار أمير المؤمنينعليهالسلام ، وليس أحد من شيعته الاّ في داره غصن من أغصانها ، وورقة من ورقها ، يستظلّ تحتها اُمّة من الامم(٢) .
وقالعليهالسلام في حديث آخر : كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يكثر تقبيل فاطمة عليها وعلى أبيها وبعلها وأولادها ألف ألف التحية والسلام ، فأنكرت ذلك عائشة.
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : يا عائشة اني لما اُسري بي إلى السماء دخلت الجنة ، فأدناني جبرئيل من شجرة طوبى وناولني من ثمارها ، فأكلته فحوّل الله ذلك ماء في ظهري ، فلمّا هبطت إلى الأرض واقعت خديجة ، فحملت بفاطمة ، فما قبّلتها قطّ الاّ وجدت رائحة شجرة طوبى منها(٣) .
وعن عبدالله بن عباس ، عن النبيصلىاللهعليهوآله قال : انّ حلقة باب الجنة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب ، فاذا دقّت الحلقة على الصفحة طنّت وقالت : يا عليّ(٤) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه
__________________
١ ـ أمالي الصدوق : ٢٣٩ ح ١٤ مجلس ٤٨ ـ عنه البحار ٨ : ١١٨ ح ٤ باب ٢٣.
٢ ـ البحار ٨ : ١٢٠ ح ٩ باب٢٣ ـ عن تفسير القمي.
٣ ـ البحار ٨ : ١٢٠ ح ١٠ باب ٢٣ ـ عن تفسير القمي.
٤ ـ البحار ٨ : ١٢٢ ح ١٣ باب ٢٣ ـ عن أمالي الصدوق.
وآله وسلّم : لمّا اُسري بي إلى السماء دخلت الجنة ، فرأيت فيها ملائكة يبنون لبنة من ذهب ، ولبنة من فضة ، وربّما أمسكو.
فقلت لهم : ما لكم ربما بنيتم وربما أمسكتم؟ فقالوا : حتى تجيئنا النفقة ، فقلت لهم : وما نفقتكم؟ فقالوا : قول المؤمن في الدنيا : « سبحان الله والحمد لله ولا اله الاّ الله والله أكبر » فاذا قال بنينا ، وإذا أمسك أمسكنا(١) .
ونقل عن جابر بن عبدالله الأنصاري انّه قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : مكتوب على باب الجنة لا اله الاّ الله ، محمد رسول الله ، عليّ أخو رسول الله ، قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بألفي عام(٢) .
ونقل عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : انّ الله تبارك وتعالى خلق في الجنة عموداً من ياقوتة حمراء عليه سبعون ألف قصر ، في كلّ قصر سبعون ألف غرفة خلقها الله عزّوجلّ للمحتابين والمتزاورين(٣) .
وروي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : قال عليّعليهالسلام : يا رسول الله أخبرنا عن قول الله عزّوجلّ :( غُرَفٌ مَبنِيَّةٌ مِن فَوقِهَا غُرَفٌ ) (٤) بماذا بنيت يا رسول الله؟
فقال : يا عليّ تلك غرف بناها الله عزّوجلّ لأوليائه بالدر والياقوت والزبرجد ، سقوفها الذهب ، محبوكة بالفضة ، لكلّ غرفة منها ألف باب من ذهب ، على كلّ باب منها ملك موكل به ، فيها فرش مرفوعة ، بعضها فوق بعض من الحرير
__________________
١ ـ البحار ٨ : ١٢٣ ح ١٩ باب ٢٣ ـ عن تفسير القمي.
٢ ـ الخصال : ٦٣٨ ح ١١ ، عنه البحار ٨ : ١٣١ ح ٣٤ باب ٢٣.
٣ ـ الخصال : ٦٣٨ ح ١٣ ـ عنه البحار ٨ : ١٣٢ ح ٣٥ باب ٢٣.
٤ ـ الزمر : ٢٠. وفيه : «غرف من فوقها غرف مبنية ».
والديباج بألوان مختلفة ، وحشوها المسك والكافور والعنبر ، وذلك قول الله عزّوجلّ :( وَفُرُشٍ مَّرفُوعَةٍ ) (١) .
إذا أدخل المؤمن إلى منازله في الجنة ، ووضع على رأسه تاج الملك والكرامة ، ألبس حلل الذهب والفضة والياقوت والدر المنظوم في الاكليل تحت التاج.
قال : والبس سبعين حلّة حرير بألوان مختلفة ، وضروب مختلفة منسوجة بالذهب والفضة واللؤلؤ والياقوت الأحمر ، فذلك قوله عزّوجلّ :( يُحَلَّونَ فِيهَا مِن أََسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤلُؤاً وَلِبَاسُهُم فِيهَا حَرِيرٌ ) (٢) .
فاذا جلس المؤمن على سريره اهتز سريره فرحاً ، فاذا استقر لولي الله جلّ وعزّ منازله في الجنان استأذن عليه الملك الموكلّ بجنانه ليهنّئه بكرامة الله عزّوجلّ ايّاه ، فيقول له خدّام المؤمن من الوصفاء والوصائف : مكانك فإنّ وليّ الله قد اتكأ على أريكته ، وزوجته الحوراء تهيّأ له ، فاصبر لوليّ الله.
قال : فتخرج عليه زوجته الحوراء من خيمة لها تمشي مقبلة وحولها وصائفها ، وعليها سبعون حلّة منسوجة بالياقوت واللؤلؤ والزبرجد ، وهي من مسك وعنبر ، وعلى رأسها تاج الكرامة ، وعليها نعلان من ذهب مكلّلتان بالياقوت واللؤلؤ ، شراكهما ياقوت أحمر ، فاذا دنت من وليّ الله فهمّ أن يقوم إليها شوقاً فتقول له : يا وليّ الله ليس هذا يوم تعب ولا نصب ، فلا تقم أنا لك وأنت لي.
قال : فيعتنقان مقدار خمسمائة عام من أعوام الدنيا لا يملّها ولا تملّه ، قال :
__________________
١ ـ الواقعة : ٣٤.
٢ ـ الحج : ٢٣.
فاذا فتر بعض الفتور من غير ملالة نظر إلى عنقها ، فاذا عليها قلائد من قصب من ياقوت أحمر ، وسطها لوح صفحته درّة مكتوب فيها : أنت ياوليّ الله حبيبي ، وأنا الحوراء حبيبتك ، إليك تناهت نفسي ، واليّ تناهت نفسك ، ثم يبعث الله إليه ألف ملك يهنّئونه بالجنّة ويزوّجونه بالحوراء.
قال : فينتهون إلى أوّل باب من جنانه ، فيقولون للملك الموكلّ بأبواب جنانه : استأذن لنا على وليّ الله فإنّ الله بعثنا إليه نهنّئه ، فيقول لهم الملك : حتى أقول للحاجب فيعلمه بمكانكم.
قال : فيدخل الملك إلى الحاجب وبينه وبين الحاجب ثلاث جنان حتى ينتهي إلى أول باب ، فيقول للحاجب : انّ على باب العرصة ألف ملك أرسلهم رب العالمين تبارك وتعالى ليهنّئوا وليّ الله ، وقد سألوني أن آذن لهم عليه.
فيقول الحاجب : انّه ليعظم عليّ أن أستأذن لأحد على وليّ الله وهو مع زوجته الحوراء ، قال : وبين الحاجب وبين وليّ الله جنتان.
قال : فيدخل الحاجب إلى القيم فيقول له : انّ على باب العرصة ألف ملك أرسلهم ربّ العزّة يهنّئون وليّ الله فاستأذن لهم ، فيتقدّم القيّم إلى الخدام فيقول لهم : ان رسل الجبّار على باب العرصة ، وهم ألف ملك أرسلهم الله يهنّئون وليّ الله فأعلموه بمكانهم.
قال : فيعلمونه ، فيؤذن للملائكة فيدخلون على وليّ الله وهو في الغرفة ، ولها ألف باب ، وعلى كلّ باب من أبوابها ملك موكلّ به ، فاذا أذن للملائكة بالدخول على وليّ الله فتح كلّ ملك بابه الموكل به.
قال : فيدخل القيّم كل ملك من باب من أبواب الغرفة ، قال : فيبلّغونه رسالة
الجبار جلّ وعزّ ، وذلك قول الله تعالى :( وَالمَلاَئِكَةُ يَدخُلُونَ عَلَيهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيكُم ... ) (١) .
قال : وذلك قوله جلّ وعزّ :( وَإذَا رَأَيتَ ثَمَّ رَأيتَ نَعِيمَاً وَمُلكاً كَبِيراً ) (٢) يعني بذلك وليّ الله وما هو فيه من الكرامة والنعيم والملك العظيم الكبير ، انّ الملائكة من رسل الله عزّ ذكره يستأذنون عليه ، فلا يدخلون عليه الاّ باذنه ، فلذلك المُلك العظيم الكبير قال : والأنهار تجري من تحت مساكنهم ، وذلك قول الله عزّوجلّ :( تَجرِي مِن تَحتِهِمُ الأنهَارُ ) (٣) .
والثمار دانية منهم ، وهو قوله عزّوجلّ :( وَدَانِيَةً عَلَيهِم ظِلاَلُها وَذُلَّلَت قُطُوفُهَا تَذلِيلاً ) (٤) من قربها منهم يتناول المؤمن من النوع الذي يشتهيه من الثمار بفيه وهو متكىء ، وانّ الأنواع من الفاكهة ليقلن لوليّ الله : يا وليّ الله كلني قبل أن تأكل هذا قبلي.
قال : وليس من مؤمن في الجنة الاّ وله جنان كثيرة ، معروشات وغير معروشات ، وأنهار من خمر ، وأنهار من ماء ، وأنهار من لبن ، وأنهار من عسل ، فاذا دعا وليّ الله بغذائه اُتي بما تشتهي نفسه عند طلبه الغذاء من غير أن يسمّى شهوته.
قال : ثم يتخلّى مع اخوانه ويزور بعضهم بعضاً ، ويتنعّمون في جنّاتهم في ظل ممدود في مثل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، وأطيب من ذلك لكل مؤمن سبعون زوجة حوراء ، أربع نسوه من الآدميين ، والمؤمن ساعة مع الحوراء ،
__________________
١ ـ الرعد : ٢٣ ـ ٢٤.
٢ ـ الانسان : ٢٠.
٣ ـ الكهف : ٣١.
٤ ـ الانسان : ١٤.
وساعة مع الآدميّة ، وساعة يخلو بنفسه على الأرائك متكئاً ينظر بعضهم إلى بعض.
وانّ المؤمن ليغشاه شعاع نور وهو على أريكته ، ويقول لخدّامه : ما هذا الشعاع اللامع لعلّ الجبار لحظني؟ فيقول له خدّامه : قدوس قدوس جلّ جلال الله ، بل هذه حوراء من نسائك ممن لم تدخل بها بعد ، قد أشرقت عليك من خيمتها شوقاً إليك وقد تعرّضت لك ، وأحبّت لقاءك ، فلما أن رأتك متكئاً على سريرك تبسّمت نحوك شوقاً إليك ، فالشعاع الذي رأيت والنور الذي غشيك هو من بياض ثغرها وصفائه ونقائه ورقته.
قال : فيقول وليّ الله ، أئذنوا لها فتنزل إليّ ، فيبتدر إليها ألف وصيف وألف وصيفة يبشرونها بذلك ، فتنزل إليه من خيمتها وعليها سبعون حلّة منسوجة بالذهب والفضة ، مكلّلة بالدر والياقوت والزبرجد ، صبغهنّ المسك والعنبر بألوان مختلفة يرى مخ ساقها من وراء سبعين حلّة طولها سبعون ذراعاً ، وعرض ما بين منكبيها عشرة أذرع.
فاذا دنت من وليّ الله أقبل الخدّام بصحائف الذهب والفضة ، فيها الدر والياقوت والزبرجد ، فينثرونها عليها ، ثم يعانقها وتعانقه ، فلا يملّ ولا تملّ.
قال : ثم قال أبو جعفرعليهالسلام : أما الجنان المذكورة في الكتاب فانّهن جنّة عدن ، وجنّة الفردوس ، وجنّة نعيم ، وجنّة المأوى.
قال : انّ لله عزّوجلّ جناناً محفوفة بهذه الجنان ، وانّ المؤمن ليكون له من الجنان ما أحبّ واشتهى ، يتنعّم فيهنّ كيف يشاء ، وإذا أراد المؤمن شيئاً أو اشتهى انّما دعواه فيها إذا أراد أن يقول : « سبحانك اللهم » فاذا قالها تبادرت إليه الخدم بما اشتهى من غير أن يكون طلبه منهم أو أمر به ، وذلك قول الله عزّوجلّ :( دَعوَاهُم
فِيها سُبحَانَكَ اللّهمّ وَتَحِيَّتُهُم فِيهَا السَّلاَمٌ ) (١) يعني الخدام.
قال :( وَآخِرُ دَعوَاهُم اَنِ الحَمدُ لله رَبِّ العَالَمِين ) (٢) يعني بذلك عندما يقضون من لذّاتهم من الجماع والطعام والشراب يحمدون الله عزّوجلّ عند فراغتهم(٣) .
وروي بسند صحيح عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه سئل عن قوله تعالى :( فِيهِنَّ خَيرَاتٌ حِسَانٌ ) (٤) قال : هنّ صوالح المؤمنات العارفات.
قال : قلت :( حُورٌ مَّقصُورَاتٌ فِي الخِيَامِ ) (٥) قال : الحور هنّ البيض المضمومات المخدّرات في خيام الدر والياقوت والمرجان ، لكلّ خيمة أبواب ، على كلّ باب سبعون كاعباً(٦) حجّاباً لهنّ ، ويأتيهنّ في كلّ يوم كرامة الله عزّ ذكره ليبشر الله عزّوجلّ بهنّ المؤمنين(٧) .
وروي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : أحسنوا الظن بالله واعلموا انّ للجنّة ثمانية أبواب ، عرض كلّ باب منها مسيرة أربعين سنة(٨) .
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : ما في الجنّة شجرة الاّ ساقها من ذهب.
وقالصلىاللهعليهوآله : انّ أهل الجنة لا يتغوّطون ، ولا يبولون ، طعامهم جشأ
__________________
١ ـ يونس : ١٠.
٢ ـ يونس : ١٠.
٣ ـ الكافي ٨ : ٩٧ ضمن حديث ٦٩ ـ عنه البحار ٨ : ١٥٨ ضمن حديث ٩٨ باب ٢٣.
٤ ـ الرحمن : ٧٠.
٥ ـ الرحمن : ٧٢.
٦ ـ الكاعب : الجارية حين تبدو ثديها للنبود أي الارتفاع عن الصدر.
٧ ـ الكافي ٨ : ١٥٦ ح ١٤٧ ـ عنه البحار ٨ : ١٦١ ح ١٠٠ ح ٢٣.
٨ ـ الخصال : ٤٠٨ ح ٧ باب ٨ ـ عنه البحار ٨ : ١٣١ ح ٣٢ باب ٢٣.
ورشح كالمسك.
وقالصلىاللهعليهوآله : والذي أنزل الكتاب على محمد انّ أهل الجنة ليزدادون جمالاً وحسناً كما يزدادون في الدنيا قباحة وهرماً.
وقالصلىاللهعليهوآله : انّ أدنى أهل الجنّة منزلاً من له ثمانون ألف خادم ، واثنان وتسعون درجة(١) .
وروي بسند معتبر انّه سأل الزنديق أبا عبداللهعليهالسلام ، فقال : من أين قالوا : انّ أهل الجنة يأتي الرجل منهم إلى ثمرة يتناولها ، فاذا أكلها عادت كهيئتها؟ قال : نعم ذلك على قياس السراج يأتي القابس فيقتبس منه فلا ينقص من ضوئه شيء وقد امتلأت الدنيا منه سرجاً.
قال : أليسوا يأكلون ويشربون؟ وتزعم انّه لا تكون لهم الحاجة ، قال : بلى لانّ غذاءهم رقيق لا ثقل له ، بل يخرج من أجسادهم بالعرق.
قال : فكيف تكون الحوراء في كلّ ما أتاها زوجها عذراء؟ قال : انّها خلقت من الطيب لا تعتريها عاهة ، ولا تخالط جسمها آفة ، ولا يجري في ثقبها شيء ، ولا يدنّسها حيض ، فالرحم ملتزقة ، إذ ليس فيه لسوى الإحليل مجرى.
قال : فهي تلبس سبعين حلّة ويرى زوجها مخّ سقاها من وراء حللها وبدنها؟ قال : نعم كما يرى أحدكم الدراهم إذا اُلقيت في ماء صاف قدره قيد رمح(٢) .
وروي بسند معتبر عن عبدالله بن عليّ انّه لقى بلال مؤذن رسول الله صلّى الله
__________________
١ ـ روضة الواعظين : ٥٠٥ ـ مجلس في ذكر الجنّة وكيفيتها.
٢ ـ البحار ٨ : ١٣٦ ح ٤٨ باب ٢٣ ـ عن الاحتجاج.
عليه وآله وسلّم ، فسأله فيما سأله عن وصف بناء الجنّة ، قال : اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم ، سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول : انّ سور الجنّة لبنة من ذهب ، ولبنة من فضة ، ولبنة من ياقوت ، وملاطها المسك الأذفر ، وشرفها الياقوت الأحمر والأخضر والأصفر.
قلت : فما أبوابها؟ قال : أبوابها مختلفة ، باب الرحمة من ياقوتة حمراء ، قلت : فما حلقته؟ قال : ويحك كفّ عني فقد كلّفتني شططاً ، قلت : ما أنا بكاف عنك حتى تؤدي إليّ ما سمعت من رسول اللهصلىاللهعليهوآله في ذلك.
قال : اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم أما باب الصبر فباب صغير ، مصراع واحد من ياقوتة حمراء لا حلق له ، وأما باب الشكر فانّه من ياقوتة بيضاء لها مصراعان مسيرة ما بينهما خمسمائة عام ، له ضجيج وحنين ، يقول : اللهم جئني بأهلي ، قلت : هل يتكلّم الباب؟ قال : نعم ينطقه ذو الجلال والاكرام ، وأما باب البلاء ، قلت : أليس باب البلاء هو باب الصبر؟
قال : لا ، قلت : فما البلاء؟ قال : المصائب والأسقام والأمراض والجذام ، وهو باب من ياقوتة صفراء مصراع واحد ما أقلّ من يدخل منه ، قلت : رحمك الله زدني وتفضّل عليّ فانّي فقير.
قال : يا غلام لقد كلّفتني شططاً ، أما الباب الأعظم فيدخل منه العباد الصالحون ، وهم أهل الزهد والورع والراغبون إلى الله عزّوجلّ المستأنسون به ، قلت : رحمك الله فاذا دخلو الجنة ماذا يصنعون؟
قال : يسيرون على نهرين في مصافّ في سفن الياقوت ، مجاذيفها(١) اللؤلؤ ،
__________________
١ ـ المجذاف : ما يجذف به السفينة.
فيها ملائكة من نور ، عليهم ثياب خضر شديدة خضرتها ، قلت : رحمك الله هل يكون من النور أخضر؟ قال : انّ الثياب هي خضر ولكن فيها نور من نور ربّ العالمين جلّ جلاله ، يسيرون على حافتي ذلك النهر ، قلت : فما اسم ذلك النهر؟
قال : جنة المأوى ، قلت : هل وسطها غير هذا؟ قال : نعم ، جنّة عدن وهي في وسط الجنان ، فأما جنة عدن فسورها ياقوت أحمر ، وحصباؤها اللؤلؤ ، قلت : فهل فيها غيرها؟
قال : نعم جنة الفردوس ، قلت : وكيف سورها؟ قال : ويحك كفّ عني حيّرت عليّ قلبي ، قلت : بل أنت الفاعل بي ذلك ، ما أنا بكاف عنك حتى تتمّ لي الصفة وتخبرني عن سورها.
قال : سورها نور ، فقلت : والغرف التي هي فيها ، قال : هي من نور ربّ العالمين ، قلت : زدني رحمك الله ، قال : ويحك إلى هذا انتهى بنا رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، طوبى لك إن أنت وصلت إلى بعض هذه الصفة ، وطوبى لمن يؤمن بهذا(١) .
عزيزي هذه سعة رحمة الله وتلك التي مرّت شدّة غضبه ، وهذا العيش المشوب بمئات الآلاف من أوساخ الدنيا الفانية لا يجدر به أن تحرم نفسك هذه الرحمة ، وتبليها بذلك العذاب الشديد ، ولم يُجعل طريق نجاة إلى أحد سوى العمل الصالح.
وقد طلب العمل الصالح من الشريف والوضيع ، والعالم والجاهل ، والشاب والشيخ ، وان اطمأننت برحمة الله فقد لا نكون مؤهّلين لها ، وان اعتمدت على
__________________
١ ـ البحار ٨ : ١١٦ ح ١ باب ٢٣ ـ عن أمالي الصدوق : ١٧٧ ضمن حديث ١ مجلس ٣٨.
الشفاعة من أين لك العلم بشمولها لك ، وان قلت انّي من الشيعة ، فأيّ أوصاف الشيعة التي بُيّنت وذُكرت في محلّها تكون فيك؟
انّ الشيعة بمعنى التابع ، فبأيّ شيء تابعنا أئمتنا كما ينبغي؟ لقد أفنينا عمرنا بالآمال والغفلة ، ولا ينفع الندم عند حلول الموت ، ألا تفكر انّ هذا الجسم الذي لا يطيق حرّ الشمس كيف يطيق ذلك العذاب؟ أنت لا تتحمل ألم الشوك إذا دخل في جسمك أو لدغ النحل ، فكيف بك بسمّ الحيّات والعقارب ، نرجو أن يهدي الله تعالى جميع المؤمنين إلى طريق النجاة ويفيقهم عن نوم الغلفة بمحمد وآله الطاهرين.
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذررحمهالله ] :
يا أباذر اخفض صوتك عن الجنائز ، وعند القتال ، وعند القرآن.
يا أباذر إذا تبعت جنازة فليكن عملك فيها التفكر والخشوع ، واعلم انّك لا حق به.
اعلم انّه يمكن أن يكون المراد من خفض الصوت هو التكلم بصوت هادىء في هذه المواطن الثلاث لأنّها زمان الانتباه ، والصياح يدلّ على الغفلة ، أو يكون كناية عن ترك الكلام سوى ذكر الله والدعاء ، كما روي عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال :
اغتنموا الدعاء عند خمسة مواطن ، عند قراءة القرآن ، وعند الأذان ، وعند نزول الغيث ، وعند إلتقاء الصفين للشهادة ، وعند دعوة المظلوم ، فانّه ليس لها حجاب دون العرش(١) .
ويحتمل أن يكون كناية عن السكوت المطلق ، لأنّ عند تشييع الجنازة والقتال يكون التفكر والاعتبار ، فلابدّ أن يفكر في قلبه ويذكر الله ، وأن يسكت عند قراءة القرآن وينصت له لأنّ ظاهر الآية الكريمة وبعض الأحاديث وجوب السكوت والانصات عند قراءة القرآن وحرمة التكلّم.
وذهب أكثر العلماء إلى انّ وجوبه يختصّ بمن اقتدى بإمام الجماعة الذي يقرأ بصوت عال ، فيجب السكوت والانصات ، وان لم يكن واجباً فسنّة مؤكّدة وله
__________________
١ ـ أمالي الصدوق : ٩٧ ح ٧ مجلس ٢٣ ـ عنه البحار ٩٣ : ٣٤٣ ح ١ باب ٢١.
ثواب عظيم.
فقد روي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام
أنّه قال : من استمع إلى حرفاً
من كتاب الله عزّوجلّ من غير قراءة كتب الله له حسنة ، ومحا عنه سيئة ، ورفع له
درجة(١)
.
ويحتمل أن يكون المراد منه في الجنائز ترك الجزع والفزع والصياح المنافي للصبر والرضى بالقضاء ، كما روي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : صوتان ملعونان يبغضهما الله ، إعوال عند مصيبة ، وصوت عند نعمة ، يعني النوح والغناء(٢) .
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام وقد تبع جنازه ، فسمع رجلاً يضحك ، فقال : كأنّ الموت فيها على غيرنا كتب ، وكأنّ الحقّ فيها على غيرنا وجب ، وكأنّ الذي نرى من الأموات سفر عما قليل إلينا راجعون ، نبوّئهم أجداثهم ، ونأكل تراثهم ، كأنّا مخلّدون بعدهم.
ثم قد نسينا كلّ واعظ وواعظة ، ورُمينا بكلّ فادح وجائحة(٣) ، طوبى لمن ذلّ في نفسه ، وطاب كسبه ، وصلحت سريرته ، وحسنت خليقته ، وأنفق الفضل من ماله ، وأمسك الفضل من لسانه ، وعزل عن الناس شرّه ، ووسعته السنّة ، ولم يُنسب الى البدعة(٤) .
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٦١٢ ح ٦ باب ثواب قراءة القرآن.
٢ ـ البحار ٨٢ : ١٠١ ضمن حديث ٤٨ باب ٥٩.
٣ ـ الجائحة : الآفة تهلك الأصل والفرع.
٤ ـ نهج البلاغة قصار الحكم رقم ١٢٢ و١٢٣ ـ عنه البحار ٨١ : ٢٦٨ ح ٢٧ باب ٥٠.
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذررحمهالله ] :
يا أباذر انّ فيكم خلقين ، الضحك من غير عجب ، والكسل من غير سهو.
لقد ذمّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله في هذه الفقرة خصلتين :
الأولى : كثرة الضحك ، وهذا ناشىء من الغفلة والغرور ، والاّ فمن اطلع على أحوال نفسه وذنوبه وحذر الأهوال التي أمامه فهو قليل الضحك كثير الحزن ، كما جاء في صفات المؤمن انّ بشره في وجهه وحزنه في قلبه.
ولقد ذمّ أيضاً أن يكون الانسان عبوساً بحيث ينفر الناس منه ، بل المؤمن لابد أن يكون مرحاً متبسّماً ، ولا بأس بالمزاح والطبع الحسن لكن الإكثار من الضحك والمزاح مذموم.
فقد روي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : كثرة المزاح يذهب بماء الوجه ، وكثرة الضحك يمحو الايمان ، وكثرة الكذب يذهب بالبهاء(١) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : لا تمزح فيذهب نورك(٢) .
وقالعليهالسلام في حديث آخر : انّ داود قال لسليمانعليهالسلام : يا بنيّ اياك وكثرة الضحك ، فإنّ كثرة الضحك تترك العبد فقيراً يوم القيامة(٣) .
____________
١ ـ أمالي الصدوق : ٢٢٣ ح ٤ مجلس ٤٦ ـ عنه البحار ٧٦ : ٥٨ ح ١ باب ١٠٦.
٢ ـ البحار ٧٦ : ٥٨ ح ٢ باب ١٠٦ ـ عن أمالي الصدوق.
٣ ـ قرب الاسناد : ٦٩ ح ٢٢١ ـ عنه البحار ٧٦ : ٥٨ ح ٣ باب ١٠٦.
وقالعليهالسلام في حديث آخر : ثلاث فيهنّ المقت من الله عزّوجلّ ، نوم من غير سهر ، وضحك من غير عجب ، وأكل على الشبع(١) .
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : عجب لمن أيقن بالنار كيف يضحك(٢) .
وقالصلىاللهعليهوآله : اياك وكثرة الضحك فانّه يميت القلب(٣) .
وقال أبو عبداللهعليهالسلام : كم ممن أكثر ضحكه لاعباً يكثر يوم القيامة بكاؤه ، وكم ممن أكثر بكاؤه على ذنبه خائفاً يكثر يوم القيامة في الجنة سروره وضحكه(٤) .
وقالعليهالسلام : كان ضحك النبيّصلىاللهعليهوآله التبسم ، فاجتاز ذات يوم بفئةٍ من الأنصار وإذا هم يتحدّثون ويضحكون بملء أفواههم ، فقال : يا هؤلاء من غرّه منكم أمله ، وقصر به في الخير عمله ، فليطلع في القبور ، وليعتبر بالنشور ، واذكروا الموت فانّه هادم اللذات(٥) .
وقال أبو عبداللهعليهالسلام : كثرة الضحك تميث الدين كما يميث الماء الملح(٦) .
وقالعليهالسلام : انّ من الجهل الضحك من غير عجب ، قال : وكان يقول : لا
__________________
١ ـ الخصال : ٨٩ ح ٢٥ باب ٣ ـ عنه البحار ٧٦ : ٥٨ ح ٤ باب ١٠٦.
٢ ـ معاني الأخبار : ٣٣٤ ضمن حديث ١ ـ عنه البحار ٧٦ : ٥٩ ح ٦ باب ١٠٦.
٣ ـ البحار ٧٦ : ٥٩ ح ٦ باب ١٠٦.
٤ ـ البحار ٧٦ : ٥٩ ح ٧ باب ١٠٦ ـ عن عيون أخبار الرضاعليهالسلام .
٥ ـ أمالي الطوسي : ٥٢٢ ح ٦٣ مجلس ١٨ ـ عنه البحار ٧٦ : ٥٩ ح ٨ باب ١٠٦.
٦ ـ الكافي ٢ : ٦٦٤ ح ٦ ـ الوسائل ٨ : ٤٨١ ح ٢ باب ٨٣.
تبدينّ عن واضحة(١) وقد عملت الأعمال الفاضحة ، ولا يأمن البيات من عمل السيئات(٢) .
وقالعليهالسلام : إذا أحببت رجلاً فلا تمازحه ولا تماره(٣) .
وقالعليهالسلام : القهقهة من الشيطان(٤) .
وروي بسند معتبر عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : اياكم والمزاح ، فانّه يجرّ السخيمة ، ويورث الضغينة ، وهو السب الأصغر(٥) .
وروي عن أبي الحسنعليهالسلام انّه قال في وصيّة له لبعض ولده : اياك والمزاح فانّه يذهب بنور ايمانك ، ويستخف بمروءتك(٦) .
وروي بسند صحيح عن معمر بن خلاد انّه قال : سألت أبا الحسن [ الرضا ]عليهالسلام فقلت : جعلت فداك الرجل يكون مع القوم فيجري بينهم كلام يمزحون ويضحكون؟ فقال : لا بأس ما لم يكن ، فظننت انّه عنى الفحش.
ثم قال : انّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان يأتيه الأعرابي فيهدي له الهدية ثم يقول مكانه : أعطنا ثمن هديتنا ، فيضحك رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وكان إذا اغتمّ يقول : ما فعل الأعرابي ليته أتانا(٧) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : ما من مؤمن الاّ وفيه دعابة ، قلت : وما
__________________
١ ـ الواضحة : الاسنان التي تبدو عند الضحك.
٢ ـ الكافي ٢ : ٦٦٤ ح ٧ ـ الوسائل ٨ : ٤٧٩ ح ١ باب ٨٢.
٣ ـ الكافي ٢ : ٦٦٤ ح ٩ ـ الوسائل ٨ : ٤٨١ ح ٣ باب ٨٣.
٤ ـ الكافي ٢ : ٦٦٤ ح ١٠ ـ الوسائل ٨ : ٤٧٩ ح ١ باب ٨١.
٥ ـ الكافي ٢ : ٦٦٤ ح ١٢ ـ الوسائل ٨ : ٤٨٢ ح ٩ باب ٨٣.
٦ ـ الكافي ٢ : ٦٦٥ ح ١٩ ـ الوسائل ٨ : ٤٨١ ح ٨ باب ٨٣.
٧ ـ الكافي ٢ : ٦٦٣ ح ١ ـ الوسائل ٨ : ٤٧٧ ح ١ باب ٨٠.
الدعابة؟ قال : المزاح(١) .
وروي عن يونس الشيباني انّه قال : قال أبو عبداللهعليهالسلام : كيف مداعبة بعضكم بعضاً؟ قلت : قليل ، قال : فلا تفعلوا فإنّ الداعبة من حسن الخلق ، وانّك لتدخل بها السرور على أخيك ، ولقد كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يداعب الرجل يريد أن يسرّه(٢) .
وقالعليهالسلام في حديث آخر : ضحك المؤمن التبسم(٣) .
وروي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : إذا قهقهت فقل حين تفرغ : « اللهم لا تمقتني »(٤) .
وروي عن أبي الحسن الاوّلعليهالسلام انّه قال : كان يحيى بن زكريّاعليهالسلام يبكي ولا يضحك ، وكان عيسى بن مريمعليهالسلام يضحك ويبكي ، وكان الذي يصنع عيسىعليهالسلام أفضل من الذي كان يصنع يحيىعليهالسلام (٥) .
الخصلة الثانية : الكسل والضعف في العبادة ، وهو من صفات المنافقين ، وناشىء من ضعف الايمان واليقين ، وموجب الحرمان من السعادات الأبدية ، بل انّ المؤمن لابدّ أن يكون نشطاً في العبادة ، متوجهاً نحوها بكلّ جدّ ، وأن يعمل الأعمال الصالحة بشوق وشعف ، ولا يؤخرها فإن للتأخير آفات.
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : كان أبي يقول : إذا هممت بخير فبادر ،
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٦٦٣ ح ٢ ـ الوسائل ٨ : ٤٧٧ ح ٣ باب ٨٠.
٢ ـ الكافي ٢ : ٦٦٣ ح ٣ ـ الوسائل ٨ : ٤٧٨ ح ٤ باب ٨٠.
٣ ـ الكافي ٢ : ٦٦٤ ح ٥ ـ الوسائل ٨ : ٤٧٩ ح ٣ باب ٨١.
٤ ـ الكافي ٢ : ٦٦٤ ح ١٣ ـ الوسائل ٨ : ٤٧٩ ح ٢ باب ٨١.
٥ ـ الكافي ٢ : ٦٦٥ ح ٢٠ ـ الوسائل ٨ : ٤٧٧ ح ٢ باب ٨٠.
فانّك لا تدري ما يحدث(١) .
وقالعليهالسلام في حديث آخر : من همّ بخير فليعجّله ولا يؤخّره ، فإنّ العبد ربما عمل العمل فيقول الله تبارك وتعالى : قد غفرت لك ولا أكتب عليك شيئاً أبداً ، ومن همّ بسيّئة فلا يعملها ، فانّه ربما عمل العبد السيئة فيراه الله سبحانه فيقول : لا وعزتي وجلالي لا أغفر لك بعدها أبداً(٢) .
وقال أبو جعفرعليهالسلام : من همّ بشيء من الخير فليعجّله ، فإنّ كلّ شيء فيه تأخير فإنّ للشيطان فيه نظرة(٣) .
وقالعليهالسلام في حديث آخر : انّ الله ثقّل الخير على أهل الدنيا كثقله في موازينهم يوم القيامة ، وانّ الله عزّوجلّ خفّف الشرّ على أهل الدنيا كخفته في موازينهم يوم القيامة(٤) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : اياك وخصلتين ، الضجر والكسل ، فانّك ان ضجرت لم تصبر على حق ، وان كسلت لم تؤدّ حقّاً(٥) .
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ١٤٢ ح ٣ ـ عنه البحار ٧١ ـ ٢٢٢ ح ٣٢ باب ٦٢.
٢ ـ الكافي ٢ : ١٤٢ ح ٦ ـ عنه البحار ٧١ : ٢٢٣ ح ٣٥ باب ٦٢ ـ أمالي المفيد : ١٢٧.
٣ ـ الكافي ٢ : ١٤٣ ح ٩ ـ عنه البحار ٧١ : ٢٢٥ ح ٣٨ باب ٦٢.
٤ ـ الكافي ٢ : ١٤٣ ح ١٠ ـ عنه البحار ٧١ : ٢٢٥ ح ٣٩ باب ٦٢.
٥ ـ البحار ٧٣ : ١٥٩ ح ٢ باب ١٢٧ ـ عن أمالي الصدوق.
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذررحمهالله ] :
يا أباذر ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة والقلب ساه.
يا أباذر الحق ثقيل مرّ ، والباطل خفيف حلو ، وربّ شهوة ساعة تورث حزناً طويلاً.
يا أباذر لا يفقه الرجل كلّ الفقه حتى يرى الناس في جنب الله تعالى أمثال الأباعر ، ثم يرجع إلى نفسه فيكون هو أحقر حاقر لها.
يا أباذر لا تصيب حقيقة الايمان حتى ترى الناس كلّهم حمقى في دينهم ، عقلاء في دنياهم.
لقد مضى في أوّل الكتاب ذكر بعض شرائط العبادة وحضور القلب ، والظاهر عند كل أحد انّ الحق يثقل استماعه وعمله على الانسان ، كما انّ أكثر الناس لو قيل لهم انّ هذا العمل خير لكم ينزعجون وإن كان صلاحهم فيه.
وانّ الأعمال الباطلة سواء أكانت في المعاصي والشهوات أم في إحداث البدع سهلة على الطبع ، حلوة في المذاق ، وأكثر الناس يأنسون بسماع الباطل كما يفرح أرباب العزة بالمدح وان علموا بكذبه ، وانّ ذكر أعمالهم السيئة بالحسن ، ومدحهم بالخير والصلاح ملائم لطبعهم مع علمهم بأنّ هذا لا ينفعهم ولا يصلحهم ، ولا يدفع العذاب عنهم.
و اعلم انّ لعدم الاعتناء بالناس وجهين : أحدهما ممدوح والآخر مذموم ، أما الممدوح الذي هو من أرفع الكمالات أن يرى الله مالك نفعه وضرره ، ولا دخل للناس في ذلك ، فلا يلتفت إليهم في العبادات ، ولا يخشى لومهم في الأعمال
الحسنة التي يريد فعلها ، ويختار رضى الله فيما لو دار الأمر بين رضاه ورضى المخلوق ، ويحصل هذا المعنى من طريق معرفة عظمة الله تعالى ، وكلّما ازداد الانسان يقيناً ازدادت هذه الصفة كمالاً.
وأما المذموم هو أن يحتقر الناس ، ولا يعتبرهم شيئاً مذكوراً ويتكبّر عليهم ، وهذا ناشىء عن العجب والغفلة عن عيوب نفسه والاعتقاد بكمال نفسه ، وهذا من أقبح الصفات الذميمة ، وقد أشار النبيصلىاللهعليهوآله في كلامه هذا إلى كلا القسمين ، بأن يرى الناس في جنب الله أباعر لا يلاحظهم في طاعة الله تعالى ، كما لو صلّى شخص وإلى جنبه أباعر فلا يلاحظها البتة ، فلابدّ أن تسهل عنده عظمة الناس في جنب عظمة الله سبحانه.
ثم أشارصلىاللهعليهوآله إلى المعنى الثاني بأنّه لو رجع إلى نفسه يكون أحقر حاقر لها ، أي لا يكون الباعث له على عدم الاعتناء بالناس الاعتقاد بعظمة نفسه.
روي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : من أرضى سلطاناً بسخط الله خرج من دين الله(١) .
وروي عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : لا دين لمن دان بطاعِة مَن عَصى الله تبارك وتعالى(٢) .
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : من طلب رضا الناس بسخط الله ، جعل الله حامده من الناس ذاماً(٣) .
وقالصلىاللهعليهوآله في حديث آخر : لا تسخطوا الله برضا أحد من خلقه ،
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٣٧٣ ح ٥ ـ عنه البحار ٧٣ : ٣٩٣ ح ٥ باب ١٤٢.
٢ ـ البحار ٢ : ١١٧ ضمن حديث ١٩ باب ١٦.
٣ ـ الكافي ٢ : ٣٧٢ ح ١ ـ عنه البحار ٧٣ : ٣٩١ ح ١ باب ١٤٢.
ولا تتقربوا إلى أحد من الخلق بتباعد من الله عزّوجلّ ، فإنّ الله ليس بينه وبين أحد من الخلق شيء يعطيه به خيراً أو يصرف به عنه سوءاً الاّ بطاعته وابتغاء مرضاته.
انّ طاعة الله نجاح كلّ خير يبتغى ، ونجاة من كلّ شرّ يتقى ، وانّ الله يعصم من أطاعه ولا يعتصم منه من عصاه ، ولا يجد الهارب من الله مهرباً فإنّ أمر الله نازل باذلاله ولو كره الخلائق(١) .
انّ الله تعالى قد مدح أمير المؤمنينعليهالسلام وخواصه بأنّهم يجاهدون في سبيله ولا يخافون في الله لومة لائم.
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام : لا تأخذكم في الله لومة لائم ، يكفكم الله من أرادكم وبغى عليكم(٢) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من حقّر مؤمناً مسكيناً أو غير مسكين لم يزل الله عزّوجلّ حاقراً له ماقتاً حتى يرجع عن محقرته اياه(٣) .
وقد مضت بعض أحايث هذا الموضوع وستذكر بعضها ، وما قالهصلىاللهعليهوآله : « الناس كلّهم حمقى في دينهم ، عقلاء في دنياهم » يمكن أن يكون المراد أغلب الناس ، أو يكون المراد من لفظ الناس أهل الدنيا.
__________________
١ ـ البحار ٧٣ : ٣٩٤ ح ١٠ باب ١٤٢ ـ عن أمالي الصدوق.
٢ ـ البحار ٧٣ : ٣٦٠ ح ٣ باب ٨٩ ـ عن أمالي الطوسي.
٣ ـ الكافي ٢ : ٣٥١ ح ٤.
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذررحمهالله ] :
يا أباذر حاسب نفسك قبل أن تحاسب ، فهو أهون لحسابك غداً ، وزن نفسك قبل أن توزن ، وتجهّز للعرض الأكبر يوم تعرض لا تخفى على الله منك خافية.
اعلم انّ الذي يريد النجاة من عذاب الله والفوز بالسعادة الأبدية لابدّ أن لا يأمن من نفسه ولا ينخدع بها ، ويكون متفحّصاً لعيوبها دائماً كما يتفحّص عيوب أعدائه لأنّ العيوب مختفية في النفس ، وتظهر له عيوب اخرى بعد ازالة كلّ عيب من نفسه ، كما ذكر رسول اللهصلىاللهعليهوآله من انّ المؤمن لا ينتفي عنه عيب الاّ بدا له عيب آخر.
و لابدّ أن يكون الانسان محاسباً لنفسه دائماً ، وليعلم انّه سيجيء يوم يحاسب على أعماله ، فليحاسب نفسه اليوم وليعد الجواب لأنّ التغافل لا يفيد في رفع حساب الآخرة ، كالطير الذي يغمض عينيه إذا اريد اصطياده.
واعلم انّ العمر رأس المال في تحصيل السعادة الأبدية ، فليحاسب نفسه كلّ يوم وانّه بماذا صرف دقائق عمره ، ان صرفها في الطاعة نفعته ، وإن صرفها في المعصية ضرّته ، وان لم يصرفها في أيّ شيء فلقد أتلف رأس المال وضيّعه وأعطاه للشيطان.
ففي الصورة الأولى يشوق نفسه ويرغبها في الزيادة ، وفي الصورة الثانية والثالثة يلومها ويؤذيها ، ويأخذ منها غرامة مهما أمكن من توبة وإنابة ، ويتدارك ما
فات بما بقي ، وإن كان ما مضى لا يتدارك لأنّ لكل زمان حظ من الأعمال الصالحة ، والعمل الذي تعمله في كلّ زمان فهو حقّ ذلك الزمان وما فات ذهب عنك.
وإن لم تطع النفس ولم تقبل فجادلها وجاهدها وألجمها بالفكر الصحيح ، وتذكر الآيات والأخبار والوعيد ، فإنّ الانسان بمثابة الفرس الجموح الذي يعدو في صحراء وعرة فيها الحفر الكثيرة والآبار عن يمين الطريق ويساره ، فإن غفلت لحظة تجد نفسك في قعر بئر الضلالة.
روي بسند معتبر عن موسى بن جعفرعليهالسلام انّه قال : ليس منّا من لم يحاسب نفسه في كلّ يوم ، فإن عمل خيراً استزاد الله وحمد الله ، وإن عمل شرّاً استغفر الله منه وتاب إليه(١) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال لرجل : انّك جُعلت طبيب نفسك ، وبُيّن لك الداء ، وعُرّفت آية الصحة ، ودُللت على الدواء ، فانظر كيف قيامك على نفسك(٢) .
وقالعليهالسلام في حديث آخر : اجعل قلبك قريناً برّاً أو ولداً واصلاً ، واجعل عملك والدا ًتتبعه ، واجعل نفسك عدوّاً تجاهدها ، واجعل مالك عارية تردّها(٣) .
وقالعليهالسلام في حديث آخر : اقصر نفسك عمّا يضرّها من قبل أن تفارقك ، واسع في فكاكها كما تسعى في طلب معيشتك ، فإنّ نفسك رهينة بعملك(٤) .
وقالعليهالسلام في حديث آخر : خذ لنفسك من نفسك ، خذ منها في الصحة
__________________
١ ـ الاختصاص : ٢٤٣ ـ عنه البحار ٧٠ : ٧٢ ح ٢٤ باب ٤٥.
٢ ـ الكافي ٢ : ٤٥٤ ح ٦ ـ الوسائل ١١ : ١٢٢ ح ٣ باب ١.
٣ ـ الكافي ٢ : ٤٥٤ ح ٧ ـ الوسائل ١١ : ١٢٢ ح ٤ باب ١.
٤ ـ الكافي ٢ : ٤٥٥ ح ٨ ـ الوسائل ١١ : ٢٣٦ ح ٢ باب ٣٩.
قبل السقم ، وفي القوة قبل الضعف ، وفي الحياة قبل الممات(١) .
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام : لا يصغر ما ينفع يوم القيامة ، ولا يصغر ما يضرّ يوم القيامة ، فكونوا فيما أخبركم الله عزّوجلّ كمن عاين(٢) .
وقالعليهالسلام في وصيته لابنه الحسنعليهالسلام : يا بنيّ للمؤمن ثلاث ساعات ، ساعة يناجي فيها ربّه ، وساعة فيها يحاسب فيها نفسه ، وساعة يخلو فيها بين نفسه ولذّتها فيما يحلّ ويحمد(٣) .
وقال أبو عبداللهعليهالسلام : ألا فحاسبو أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، فإنّ في القيامة خمسين موقفاً كلّ موقف مقام ألف سنة(٤) .
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام : من لم يتعاهد النقص من نفسه غلب عليه الهوى ، ومن كان في النقص فالموت خير له(٥) .
وقال عليّ بن الحسينعليهالسلام : ابن آدم لا تزال بخير ما كان لك واعظ من نفسك ، وما كانت المحاسبة من همّك ، وما كان الخوف لك شعاراً ، والحزن لك دثاراً ، ابن آدم انّك ميّت ومبعوث وموقوف بين يدي الله عزّوجلّ ومسؤول ، فأعدّ جواباً(٦) .
____________
١ ـ الكافي ٢ : ٤٥٥ ح ١١ ـ باب محاسبة العمل.
٢ ـ الكافي ٢ : ٤٥٦ ح ١٤ ـ باب محاسبة العمل.
٣ ـ البحار ٧٠ : ٦٥ ح ٦ باب ٤٥ ـ عن أمالي الطوسي.
٤ ـ البحار ٧٠ : ٦٤ ح ٤ باب ٤٥ ـ عن أمالي الطوسي.
٥ ـ البحار ٧٠ : ٦٤ ح ٣ باب ٤٥ ـ عن معاني الأخبار : ١٩٨ ضمن حيث ٤ باب معنى الغايات.
٦ ـ أمالي الطوسي : ١١٥ ح ٣٠ مجلس ٤ ـ عنه البحار ٧٠ : ٦٤ ح ٥ باب ٤٥.
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذررحمهالله ] :
يا أباذر استح من الله فانّي والذي نفسي بيده لا أزال حين أذهب إلى الغائط متقنّعاً بثوبي استحي من الملكين الذين معي.
يا أبا ذر أتحب أن تدخل الجنة؟ قلت : نعم فداك أبي وأمي ، قال : فاقصر من الأمل ، واجعل الموت نصب عينيك ، واستح من الله حق الحياء ، قال : قلت : يا رسول الله كلّنا نستحي من الله.
قال : ليس ذلك الحياء ، ولكن الحياء أن لا تنسى المقابر والبلى ، والجوف وما وعى ، والرأس وما حوى ، ومن أراد كرامة الآخرة فليدع زينة الدنيا ، فإذا كنت كذلك أصبت ولاية الله.
لقد أشارصلىاللهعليهوآله في هذا المقام إلى خصال من الأخلاق الكريمة.
[ الخصلة ] الاُولى : في الحياء ، وهو تأثر النفس وانزجارها من أمر ظهر لها قبحه ، وهو على قسمين ، قسم من أفضل الصفات الكمالية ويورث الفوز والسعادة ، وقسم يوجب الحرمان من الكمالات.
أمّا ما كان كمالاً منه ، فهو انّ الانسان بعد ما ميّز بين الحق والباطل والحسن والقبيح بالعلم استحى من الله ومن الخلق في ترك العبادات ، ومحاسن آداب الشريعة ، وارتكاب المعاصي وقبائح الآداب التي علم قبحها من الشرع ، وقد ذكرنا مجملاً عن تفسير الحياء في أول الكتاب.
ومن الواضح انّ المتصف بصفة الحياء إذا أراد فعل قبيح تفكر بحضور الله
تعالى واطلاعه على أفعاله ، وكذلك اطلاع النبي والأئمةعليهمالسلام وعرض أعمال الأُمة عليهم في كلّ يوم ، وكذلك اطلاع الملكين الموكلين به ، ولو رفع الله ستره عنه لاطلع على فعله جميع ملائكة السماء ، وسينفضح يوم القيامة أمام مائة وأربع وعشرين ألف نبيّ ، وجيمع الملائكة وسائر العباد ، فلو تفكر في هذه الأمور وأذعن بها عن يقين وايمان فلا يتوجه إلى ذلك العمل البتة ، وكذلك الأمر في فعل الطاعات.
وأمّا الحياء المذموم بأن يرى الانسان أمراً من الحق قبيحاً بعقله الناقص فيتركه ، وهذا ناشىء من الجهل ، كما لو أشكلت عليه مسألة فلا يسألها ويستحي ويبقى في الجهالة ، أو يترك عبادة لكون بعض الأشقياء لا يستحسنها ، وهذا الحياء يوجب الحرمان من السعادة ، ويقول الله تعالى :
( وَاللهُ لاَ يَستَحي مِنَ الحَقِّ ) (١) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : الحياء حياءان ؛ حياء عقل وحياء حمق ، فحياء العقل هو العلم ، وحياء الحمق هو الجهل(٢) .
وقال أبو عبداللهعليهالسلام : الحياء من الايمان ، والايمان في الجنة(٣) .
وقالعليهالسلام في حديث آخر : الحياء والايمان مقرونان في قرن ، فاذا ذهب أحدهما تبعه صاحبه(٤) .
__________________
١ ـ الاحزاب : ٥٣.
٢ ـ الكافي ٢ : ١٠٦ ح ٦ ـ عنه البحار ٧١ : ٣٣١ ح ٦ باب ٨١.
٣ ـ الكافي ٢ : ١٠٦ ح ١ ـ عنه البحار ٧١ : ٣٢٩ ح ١ باب ٨١.
٤ ـ الكافي ٢ : ١٠٦ ح ٤ ـ عنه البحار ٧١ : ٣٣١ ح ٤ باب ٨١.
وقالعليهالسلام في حديث آخر : لا ايمان لمن لا حياء له(١) .
وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أربع من كنّ فيه وكان من قرنه إلى قدمه ذنوباً بدلها الله حسنات ، الصدق ، والحياء ، وحسن الخلق ، والشكر(٢) .
وقال أبو عبداللهعليهالسلام : من رقّ وجهه ، رقّ علمه(٣) . [ فالحياء في طلب العلم ليس بحسن ].
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : لم يبق من أمثال الأنبياء الاّ قول الناس : إذا لم تستح فاصنع ما شئت(٤) . [ فترك الحياء يوجب ارتكاب جميع القبائح ].
وقالصلىاللهعليهوآله في حديث آخر : الحياء على وجهين فمنه الضعف ، ومنه قوّة واسلام وايمان(٥) .
وقال أبو عبداللهعليهالسلام : قال عيسى بن مريم صلوات الله عليه : إذا قعد أحدكم في منزله فليرخي عليه ستره ، فإنّ الله تبارك وتعالى قسّم الحياء كم قسّم الرزق(٦) .
ويظهر من هذا الحديث الشريف استحباب التقنّع عند التغوّط ، لأنّ الحالة بئس الحالة فالتقنّع يناسب الحياء ، وبما انّه يطّلع على عيوبه الظاهرة من الفضلات والقاذورات فليتذكر عيوبه الباطنة ، والأخلاق الذميمة والذنوب ، وليستح منها فانّها
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ١٠٦ ح ٥ ـ عنه البحار ٧١ : ٣٣١ ح ٥ باب ٨١.
٢ ـ الكافي ٢ : ١٠٧ ح ٧ ـ عنه البحار ٧١ : ٣٣٢ ح ٧ باب ٨١.
٣ ـ الكافي ٢ : ١٠٦ ح ٣ ـ عنه البحار ٧١ : ٣٣٠ ح ٣ باب ٨١.
٤ ـ البحار ٧١ : ٣٣٣ ح ٨ باب ٨١ ـ عن أمالي الصدوق وعيون أخبار الرضاعليهالسلام .
٥ ـ قرب الاسناد : ٤٦ ح ١٥٠ ـ عنه البحار ٧١ : ٣٣٤ ح ١٠ باب ٨١.
٦ ـ قرب الاسناد : ٤٦ ح ١٥١ ـ عنه البحار ٧١ : ٣٣٤ ح ١١ باب ٨١.
أسوء من الأوساخ الظاهرية وتشير الأدعية في آداب الخلاء إلى هذا المعنى.
ونقل أكثر العلماء في مستحبات الخلاء تغطية الرأس ، واعتقد بعض باستحباب كلا الحالتين ، والتقنّع يشمل تغطية الرأس أيضاً وله فائدة اُخرى بدنية ، وهي منع وصول الروائح النتنة إلى الدماغ.
الخصلة الثانية : عفة البطن عن المحرمات والمكروهات ، والواجب منها الاجتناب عن أكل الحرام ، والمستحب منها ترك ما نُهي عنه نَهي كراهة أو كان مشبوهاً ، وظاهر الشرع يحكم بحليتها ، ويحتمل وجود الحرام فيه كالذين تحرم أكثر مكاسبهم.
وهذا التكليف من أعظم تكاليف الله ، والسعي في تحصيل الحلال من أصعب الأمور ، كما ورد من أنّ الحلال قوت المنتخبين ، وجاء في بعض الروايات انّ أمير المؤمنينعليهالسلام كان يمهر جرابه حذراً من اختلاط المشتبه به.
واعلم انّ للطعام مدخل عظيم في آثار الأعمال والبعد من الله والقرب إليه ، لانّ قوة الجسم من الروح الحيوانية ، وهي بخار تحصل من الدم ، والدم يحصل من الأطعمة ، فإذا وصل الطعام الحلال إلى الأعضاء والجوارح يلزم كلّ واحد منها إلى العمل المرضيّ ، وتنصرف تلك القوّة كلّها في العبادة.
وإذا دخلت لقمة الحرام في الجسم ووصلت قوتها إلى الأعضاء والجوارح فبما انّها نتيجة لحرام فلا يصدر عن نتيجة الحرام عمل الخير ، فإن ظهرت هذه القوة في العين تصرفها في المعاصي والمفاسد ، وإن ظهرت في الأذن تصرفه إلى سماع أنواع الباطل ، وكذلك في سائر الأعضاء والجوارح ، وإن صارت نطفة كان الولد من جهةٍ وَلَد حرام ويميل إلى الشرّ ، والحديث القائل إنّ الراغب في غيبة
المسلمين لم يكن ولد حلال ، يمكن حمله على هذا المعني.
ولقمة الحلال أيضاً تصير نوراً عبادة ومعرفة ، وتوجب القرب نحو الله تعالى ، وتنوّر القلب ، وقد علم هذا المعنى بالتجربة.
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام أنّه قال : من سرّه أن يستجاب دعاؤه فليطيّب كسبه(١) .
وروي بأسانيد معتبرة عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : انّ أفضل العبادة عفّة البطن والفرج(٢) .
وقال له رجل : اني ضعيف العمل قليل الصوم ، ولكن أرجوا ان لا آكل إلاّ حلالا ، قال : فقال له : أي الأجتهاد أفضل من عفة بطن وفرج(٣) .
وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أكثر ما تلج به أمتي النار الأجوفان : البطن والفرج(٤) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : من سلم من أمتي من أربع خصال فله الجنة : من الدخول في الدنيا ، واتباع الهوى ، وشهوة البطن ، وشهوة الفرج(٥) .
وروي بسند معتبر عن أبي جعفرعليهالسلام (٦) انّه قال لنجم : يا نجم كلّكم في
__________________
١ ـ البحار ٩٣ : ٣٧٣ ضمن حديث ١٦ باب ٢٤ ـ عن عدّة الداعي.
٢ ـ الكافي ٢ : ٧٩ ح ٢ ـ عنه البحار ٧١ : ٢٦٩ ح ٢ باب ٧٧.
٣ ـ الكافي ٢ : ٧٩ ح ٤ ـ عنه البحار ٧١ : ٢٦٩ ح ٤ باب ٧٧.
٤ ـ الكافي ٢ : ٧٩ ح ٥ ـ عنه البحار ٧١ : ٢٦٩ ح ٥ باب ٧٧.
٥ ـ الخصال : ٢٢٣ ح ٥٤ باب ٤ ـ عنه البحار ٧١ : ٢٧١ ح ١٤ باب ٧٧.
٦ ـ في المتن الفارسي عن أبي عبداللهعليهالسلام ولم نجدها.
الجنة معنا الاّ أنّه ما أقبح بالرجل منكم أن يدخل الجنّة قد هتك ستره ، وبدت عورته ، قال : قلت له : جعلت فداك وانّ ذلك لكائن؟ قال : نعم ان لم يحفظ فرجه وبطنه(١) .
وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أنّ أخوف ما أخاف على اُمتي من بعدي هذه المكاسب الحرام ، والشهوة الخفية ، والربا(٢) .
وقال أبو عبداللهعليهالسلام : إذا اكتسب الرجل مالاً من غير حلّه ، ثم حجّ فلبّى نودي : «لا لبيك ولا سعديك» ، وان كان من حلّه فلبّى ، نودي : «لبيك وسعديك»(٣) .
وروي عنهعليهالسلام انّه قال : تشوّقت الدنيا لقوم حلالاً محضاً فلم يريدوها فدرجوا ، ثمّ تشوّقت لقوم حلالاً وشبهة ، فقالوا : لا حاجة لنا في الشبهة ، وتوسعوا من الحلال.
ثم تشوّقت لقوم آخرين حراماً وشبهة ، فقالوا : لا حاجة لنا في الحرام وتوسعوا في الشبهة ، ثم تشوّقت لقوم حراماً محضاً فيطلبونها فلا يجدونها ، والمؤمن في الدنيا يأكل بمنزلة المضطرّ(٤) .
وقال أبو الحسن موسىعليهالسلام : انّ الحرام لا ينمى ، وان نمى لا يبارك له فيه ، وما أنفقه لم يؤجر عليه ، وما خلّفه كان راده إلى النار(٥) .
ونقل بسند معتبر عن سماعة انّه قال : سألت أبا عبداللهعليهالسلام عن رجل
__________________
١ ـ الخصال : ٢٥ ح ٨٨ باب الواحد ـ عنه البحار ٧١ : ٢٧٠ ح ٩ باب ٧٧.
٢ ـ الكافي ٥ : ١٢٤ ح ١ ـ الوسائل ١٢ : ٥٢ ح ١ باب ١.
٣ ـ الكافي ٥ : ١٢٤ ح ٣ ـ الوسائل ١٢ : ٥٩ ح ٣ باب ٤.
٤ ـ الكافي ٥ : ١٢٥ ح ٦ ـ الوسائل ١٢ : ٥٣ ح ٤ باب ١.
٥ ـ الكافي ٥ : ١٢٥ ح ٧ ـ الوسائل ١٢ : ٥٣ ح ٥ باب ١.
أصاب مالاً من عمل بني اُميّة وهو يتصدّق منه ، ويصل منه قرابته ، ويحجّ ليغفر له ما اكتسب ، وهو يقول : انّ الحسنات يذهبن السيئات.
فقال أبو عبداللهعليهالسلام : انّ الخطيئة لا تكفّر الخطيئة ، ولكنّ الحسنة تحطّ الخطيئة(١) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام في تفسير قوله عزّوجلّ :( وَقَدِمنَا إلى مَا عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلنَاهُ هَباءً مَنثُوراً ) (٢) .
فقال : إن كانت أعمالهم لأشدّ بياضاً من القباطي ، فيقول الله عزّوجلّ لها : كوني هباء ، وذلك أنّهم كانوا إذا شرع لهم الحرام أخذوه(٣) .
الخصلة الثانية : عفة الفرج عن المحرمات والمكروهات والشبهات ، وهذا أيضاً من التكاليف الالهية الشاقة ، وتحقيقه ما مضى من انّ اجتناب الزنا واجب ، والزنا من الذنوب الكبيرة ، وتستحب العفة عمّا دلّ الشرع على كراهته.
وانّ الشبهات على قسمين ، يكون أحدها باعتبار التشكيك في مسألة ، والاحتراز منها هنا مستحب أيضاً على المشهور ، لكنّ البعض اعتبر هذا الاحتياط واجباً الاّ أن يكون طرف الحرمة ضعيفاً ، وثانيها يرجع إلى نفس الشبهة ، كما لو اشترى جارية بأموال مشبوهة ، أو جعل مالاً مشبوهاً مهراً ، أو غصب مهر المرأة ، أو لم يعطها مع القدرة عليه.
والزنا ينقسم على الأعضاء والجوارح ، فزنا الفرج معلوم ، وزنا العين النظر الى الأجنبية والصبيان بشهوة ، وزنا الاذن سماع الغناء المهيج والمثير للشهوة ، وزنا
__________________
١ ـ الكافي ٥ : ١٢٦ ح ٩ ـ الوسائل ١٢ : ٥٩ ح ٢ باب ٤.
٢ ـ الفرقان : ٢٣.
٣ ـ الكافي ٥ : ١٢٦ ح ١٠ ـ الوسائل ١٢ : ٥٣ ح ٦ باب ١.
اليد لمس الأجنبية ، وكذلك سائر الأعضاء.
روي بسد معتبر عن أبي جعفر الباقر وأبي عبداللهعليهماالسلام قالا : ما من أحد الاّ وهو يصيب حظّاً من الزنا ، فزنا العينين النظر ، وزنا الفم القبلة ، وزنا اليدين اللمس ، صدّق الفرج ذلك أم كذّب(١) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : انّ أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة رجل أقر نطفته في رحم تحرم عليه(٢) .
وروي عن موسى بن جعفرعليهالسلام انّه قال : اتق الزنا فانّه يمحق الرزق ، ويبطل الدين(٣) .
وقال أبو عبداللهعليهالسلام : للزاني ست خصال ، ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة ، فأمّا التي في الدنيا فانّه يذهب بنور الوجه ، ويورث الفقر ، ويعجّل الفناء ، وأمّا التي في الآخرة ، فسخط الرب جلّ جلاله ، وسوء الحساب ، والخلود في النار(٤) .
وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إذا كثر الزنا من بعدي كثر موت الفجأة(٥) .
وقال أبو عبداللهعليهالسلام : قال يعقوب لابنه : يا بنيّ لا تزن ، فلو أنّ الطير زنا لتناثر ريشه(٦) .
__________________
١ ـ الكافي ٥ : ٥٥٩ ح ١١ ـ الوسائل ١٤ : ١٣٨ ح ٢ باب ١٠٤.
٢ ـ البحار ٧٩ : ٢٦ ح ٢٨ باب ٦٩.
٣ ـ الكافي ٥ : ٥٤١ ح ٢ ، باب الزاني.
٤ ـ الخصال : ٣٢١ ح ٤ باب ٦ ـ عنه البحار ٧٩ : ٢٢ ح ١٧ باب ٦٩.
٥ ـ الكافي ٥ : ٥٤١ ح ٤ ، باب الزاني.
٦ ـ البحار ٧٩ : ٢٧ ح ٣٠ باب ٦٩.
وقالعليهالسلام في حديث آخر : اجتمع الحواريّون إلى عيسىعليهالسلام فقالوا له : يا معلّم الخير أرشدنا ، فقال لهم : انّ موسى كليم اللهعليهالسلام أمركم أن لا تحلفوا بالله تبارك وتعالى كاذبين ، وأنا آمركم أن لا تحلفوا بالله كاذبين ولا صادقين.
قالوا : يا روح الله زدنا ، فقال : انّ موسى نبيّعليهالسلام أمركم أن لا تزنوا ، وأنا آمركم أن لا تحدّثوا أنفسكم بالزنا فضلاً عن ان تزنوا ، فإنّ من حدّث نفسه بالزنا كان كمن أوقد في بيت مزوّفق فأفسد التزاويق الدخان وان لم يحترق البيت(١) .
وقال أبو عبداللهعليهالسلام لمفضل : يا مفضل أتدري لم قيل : من يزن يوماً يزن به؟ قلت : لا جعلت فداك ، قال : انّها كانت بغيّ في بني اسرائيل ، وكان في بني اسرائيل رجل يكثر الاختلاف إليها ، فلمّا كان في آخر ما أتاها أجرى الله على لسانها أما انك سترجع إلى أهلك فتجد معها رجلاً.
قال : فخرج وهو خبيث النفس ، فدخل منزله غير الحال التي كان يدخل بها قبل ذلك اليوم ، وكان يدخل باذن فدخل يومئذ بغير إذن ، فوجد على فراشه رجلاً ، فارتفعا إلى موسىعليهالسلام ، فنزل جبرئيلعليهالسلام على موسىعليهالسلام ، فقال : يا موسى من يزن يوماً يزن به ، فنظر اليهما فقال : عفّوا تعفّ نساؤكم(٢) .
وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أخبرني جبرئيلعليهالسلام انّ ريح الجنّة يوجد من مسيرة ألف عام ما يجدها عاق ، ولا قاطع رحم ، ولا شيخ زان(٣) .
وعن أمير المؤمنينعليهالسلام قال : كذب من زعم انّه ولد من حلال وهو
__________________
١ ـ الكافي ٥ : ٥٤٢ ح ٧ باب الزاني ـ الوسائل ١٤ : ٢٤٠ ح ١ باب ٥.
٢ ـ الكافي ٥ : ٥٥٣ ح ٣.
٣ ـ معاني الأخبار : ٣٣٠ ح ١ ـ عنه البحار ٧٣ : ١٠٣ ح ٩٠ باب ١٢٢.
يحبّ الزنا(١) .
وقال أبو عبداللهعليهالسلام : برّوا آباءكم يبرّكم أبناؤكم ، وعفّوا عن نساء الناس تعف عن نسائكم(٢) .
وقال : علامات ولد الزنا ثلاث : سوء المحضر ، والحنين إلى الزنا ، وبغضنا أهل البيت(٣) .
وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أربع لا تدخل بيتاً واحدة منهنّ الاّ خرب ولم يعمر بالبركة : الخيانة ، والسرقة ، وشرب الخمر ، والزنا(٤) .
وقالصلىاللهعليهوآله : لمّا اسري بي مررت بنسوان معلّقات بثديهنّ ، فقلت : من هؤلاء يا جبرئيل؟ فقال : هؤلاء اللواتي يورثن أموال أزواجهنّ أولاد غيرهم(٥) .
وعنهصلىاللهعليهوآله قال : من نكح امرأة حراماً في دبرها ، أو رجلاً أو غلاماً حشره الله عزّوجلّ يوم القيامة أنتن من الجيفة ، يتأذّى به الناس حتى يدخل جهنّم ، ولا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ، وأحبط الله عمله ، ويدعه في تابوت مشدود بمسامير من حديد ، ويضرب عليه في التابوت بصفائح حتى يشبّك في تلك المسامير ، فلو وضع عرق من عروقه على أربعمائة ألف امّة لماتوا جميعاً ، وهو من أشدّ اهل النار عذاباً.
ومن زنى بامرأة يهوديّة أو نصرانيّة أو مجوسيّة أو مسلمة ، حرّة أو أمة أو من
____________
١ ـ البحار ٧٩ : ١٨ ح ١ باب ٦٩ ـ عن أمالي الصدوق.
٢ ـ أمالي الصدوق : ٢٣٨ ح ٦ مجلس ٤٨ ـ عنه البحار ٧٩ : ١٨ ح ٢ باب ٦٩.
٣ ـ أمالي الصدوق : ٢٧٨ ح ٢٢ مجلس ٥٤ ـ عنه البحار ٧٩ : ١٩ ح ٣ باب ٦٩.
٤ ـ أمالي الصدوق : ٣٢٥ ح ١٢ مجلس ٦٢ ـ عنه البحار ٧٩ : ١٩ ح ٤ باب ٦٩.
٥ ـ البحار ٧٩ : ١٩ ح ٦ باب ٦٩ ـ عن تفسير القمي.
كانت من الناس ، فتح الله عزوجلّ عليه في قبره ثلاثمائة ألف باب من النار تخرج عليه منها حيّات وعقارب وشهب من نار ، فهو يحترق إلى يوم القيامة ، يتأذّى الناس من نتن فرجه ، فيعرف به إلى يوم القيامة حتى يؤمر به إلى النار ....
ومن اطلع في بيت جاره فنظر إلى عورة رجل ، أو شعر امرأة ، أو شيء من جسدها كان حقّاً على الله أن يدخله النار مع المنافقين الذين كانوا يتبعون عورات الناس في الدنيا ، ولا يخرج من الدنيا حتى يفضحه الله ، ويبدي عورته للناس في الآخرة.
ومن قدر على امرأة أو جارية حراماً فتركها مخافة الله عزّوجلّ حرّم الله عزّوجلّ عليه النار ، وآمنه من الفزع الأكبر ، وأدخله الجنة ....
ومن صافح امرأة حراماً جاء يوم القيامة مغلولاً ثم يؤمر به إلى النار ، ومن فاكه امرأة لا يملكها حبس بكلّ كلمة كلّمها في الدنيا ألف عام في النار ، والمرأة اذا طاوعت الرجل فالتزمها ، أو قبّلها ، أو باشرها حراماً ، أو فاكهها ، أو أصاب منها فاحشة ، فعليها من الوزر ما على الرجل ، فإن غلبها على نفسها كان على الرجل وزره ووزرها
ومن ملأ عينيه من امرأة حراماً حشاهما عزّوجلّ يوم القيامة بمسامير من نار ، وحشاهما ناراً حتى يقضى بين الناس ، ثم يؤمر به إلى النار ...
ومن فجر بامرأة ولها بعل انفجر من فرجهما من صديد واد مسيرة خمسمائة عام يتأذّى أهل النار من نتن ريحهما ، وكانا من أشدّ الناس عذاباً.
واشتدّ غضب الله عزّوجلّ على امرأة ذات بعل ملأت عينها من غير زوجها أو غير ذي محرم منها ، فانّها ان فعلت ذلك أحبط الله كلّ عمل عملته ، فإن أوطأت
فراشه غيره كان حقّاً على الله أن يحرقها بالنار بعد ان يعذّبها في قبرها(١) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : حرمة الدبر أعظم من حرمة الفرج ، انّ الله أهلك اُمّة بحرمة الدبر ولم يهلك أحداً بحرمة الفرج(٢) .
وعن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال : من جامع غلاماً جاء جنباً يوم القيامة ، لا ينقيه ماء الدينا ، وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له جهنم وساءت مصيراً.
ثم قال : انّ الذكر ليركب الذكر ، فيهتزّ العرش لذلك ، وانّ الرجل ليؤتى في حقبه ، فيحسبه الله على جسر جهنّم حتى يفرغ من حساب الخلائق ، ثم يؤمر به إلى جهنّم فيعذّب بطبقاتها طبقة طبقة حتى يردّ إلى أسفلها ولا يخرج منها(٣) .
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام : اللواط ما دون الدبر ، والدبر هو الكفر(٤) .
وقال أبو جعفر الباقرعليهالسلام : قال الله عزّوجلّ : وعزتي وجلالي لا يقعد على استبرقها ولا حريرها [ أي الجنّة ] من يؤتى في دبره(٥) .
وقال أبو عبداللهعليهالسلام : إذا كان يوم القيامة يؤتى بهنّ [ أي بالمساحقات ] قد البسن مقطّعات من نار ، وقنعن بمقانع من نار ، وسرولن من النار ، وادخل في أجوافهنّ إلى رؤوسهنّ أعمدة من نار ، وقذف بهنّ في النار(٦) .
وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : من قبّل غلاماً من شهوة ألجمه الله يوم
__________________
١ ـ البحار ج ٧٦ : ٣٦١ و٣٦٢ و٣٦٣ و٣٦٦ ، حديث ٣٠ باب ٦٧ ـ عن ثواب الأعمال.
٢ ـ الكافي ٥ : ٥٤٣ ح ١.
٣ ـ الكافي ٥ : ٥٤٤ ح ٢.
٤ ـ الكافي ٥ : ٥٤٤ ح ٣.
٥ ـ الكافي ٥ : ٥٥٠ ح ٥ ـ البحار ٧٩ : ٦٧ ح ١٣ باب ٧١.
٦ ـ الكافي ٥ : ٥٥٢ ضمن حديث ٢ ـ البحار ٧٩ : ٧٥ ضمن حديث ٣ باب ٧٢.
القيامة بلجام من نار(١) .
[الخصلة الرابعة : ] حفظ العين من المحرمات والمكروهات ، وتحصل مفاسد عظيمة في النفس من العين بل انّها باب أكثر المعاصي ، فمنها يأتي خيال كثير من المعاصي في النفس ، والنظر إلى النساء الأجنبيات ، والنظر إلى فرج غير امرأته دائماً أو منقطعاً وأطفاله حرام.
وكذلك يحرم النظر إلى الصبيان مصحوباً باللذة والشهوة مما يوجب العشق المجازي الذي هو كفر في الحقيقة لأنّه يصبح بتوجّهه إلى معشوقه في جميع الأحوال عابد وثن ، فيبعد من الله ويطيع معشوقه في كلّ فسق أو كفر يأمره به.
وري بسند معتبر انّ أبا عبداللهعليهالسلام سئل عن العشق ، فقال : قلوب خلت عن ذكر الله ، فأذاقها الله حبّ غيره(٢) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : اياكم وأولاد الأغنياء والملوك المرد ، فإنّ فتنتهم أشدّ من فتنة العذاري في خدورهنّ(٣) .
وعن أبي عبداللهعليهالسلام قال : النظرة سهم من سهام ابليس مسموم ، من تركها لله عزّوجلّ لا لغيره أعقبه الله أمناً وايماناً يجد طعمه(٤) .
وقالعليهالسلام في حديث آخر : النظرة بعد النظرة تزرع في القلب الشهوة ، وكفى بها لصاحبها فتنة(٥) .
__________________
١ ـ الكافي ٥ : ٥٤٨ ح ١٠ ـ البحار ٧٩ : ٧٢ ح ٢٧ باب ٧١.
٢ ـ البحار ٧٣ : ١٥٨ ح ١ باب ١٢٦ ـ عن أمالي الصدوق.
٣ ـ الكافي ٥ : ٥٤٨ ح ٨.
٤ ـ الوسائل ١٤ : ١٣٩ ح ٥ باب ١٠٤ ـ عن الفقيه ٤ : ١٨ ح ٤٩٦٩.
٥ ـ الوسائل ١٤ : ١٣٩ ح ٦ باب ١٠٤ ـ عن الفقيه ٤ : ١٨ ح ٤٩٧٠.
وقالعليهالسلام في حديث آخر : ما يأمن الذين ينظرون في أدبار النساء أن ينظر بذلك في نسائهم(١) .
ومن النظر المذموم المورث للمفاسد النظر إلى زينة الدنيا وأهلها نظر طالب ومتمنّى ، لانه يوجب الميل نحو الدنيا وارتكاب المحرمات ، كما يقول الله تعالى.
( وَلاَ تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إلى مَا مَتَّعنَا بِهِ أَزوَجاً مِّنهُم زَهرَةَ الحَيَاةِ الدُنيَا لِنَفتِنَهُم فِيهِ وَرِزقُ رَبِّكَ خَيرٌ وَأَبقَى ) (٢) .
ورزق ربك الذي يأتيك كلّ يوم ، أو الرزق غير المتناهي في الآخرة المقرّر لك ، أو الرزق المعنوي من المعارف والكمالات خير لك وأبقى وأدوم من الأموال الفانية الدنيوية التي لا اعتبار لها.
ومضى بعض تكاليف اللسان والاذن وسائر ما يحتويه الرأس ، وسيأتي بعضها الآخر في محلّها المناسب إن شاء الله.
__________________
١ ـ الوسائل ١٤ : ١٤٤ ح ١ باب ١٠٨ ـ الفقيه ٤ : ١٩ ح ٤٩٧٣.
٢ ـ طه : ١٣١.
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذررحمهالله ] :
يا أباذر يكفي من الدعاء مع البر ما يكفي الطعام من الملح.
يا أباذر مثل الذي يدعو بغير عمل كمثل الذي يرمى بغير وتر.
وتوضيح هذه المطالب العالية يتم في طي نجوم ثلاثة :
( النجم الأول )
في فضل الدعاء وفوائده
اعلم انّ الدعاء والتضرّع والمناجات من أفضل العبادات ، وأقرب الطرق لوصول العبد إلى ساحة قاضي الحاجات ، وبكثرة الدعاء والمناجات يزداد اليقين بالله تعالى وبصفاته الكمالية ، ويزداد توكلّه وتفويضه إلى الله تعالى ، ويوجب قطع الطمع والعلائق عن الخلق ، وهذه الطريقة هي المنقولة من جميع الأئمةعليهمالسلام بأنهم كانوا مشغولين بالتضرّع والمناجات بعد أداء الفرائض والسنن سيّما سيد الساجدينعليهالسلام ، كما قال الله تعالى :
( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادعُونِي استَجِب لَكُم اِنَّ الَّذِينَ يَستَكبِرُونَ عَن عِبَادَتِي سَيَدخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرينَ ) (١) .
وجاء في أحاديث كثيرة عن أئمتنا الأطهارعليهمالسلام انّ المراد من العبادة في
__________________
١ ـ غافر : ٦٠.
الآية هو الدعاء ، فالله تعالى أمر أوّلاً بالدعاء ثم وعد الاجابة ، ثم عدّ الدعاء عبادة وتركه تكبّراً ، وأوعد على تركه جهنّم.
وقال تعالى في موضع آخر :
( وَإذاَ سَأَلَكَ عَبَادِي عَنَّي فَانِّي قَرِيبٌ اُجِيبُ دَعوَةَ الدَّاعِ إذَا دَعَانِ فَليَستَجيِبُوا لِي وَليُؤمِنوا بِي لَعَلَّهُم يَرشُدُونَ ) (١) .
فليستجيبوا لي أي فليستجيبوا في الدعاء الذي طلبته منهم ، أو بما انّي اُجيب دعاءهم فليستجيبوا لي في أداء جميع تكاليفي ، وليؤمنوا بي أي يؤمنوا بوعدي في اجابة الدعاء ، أو فليثبتوا في ايمانهم لعلّهم يرشدون.
روي بسند معتبر انّ أبا جعفر الباقرعليهالسلام سُئل أيّ العبادة أفضل؟ فقال : ما من شيء أفضل عند الله عزّوجلّ من أن يسأل ويطلب مما عنده ، وما أحد أبغض إلى الله عزّوجلّ ممن يستكبر عن عبادته ، ولا يسأل ما عنده(٢) .
وروي عن ميسّر بن عبد العزيز ، عن أبي عبداللهعليهالسلام قال : قال لي : يا ميسّر ادع ولا تقل انّ الأمر قد فرغ منه ، انّ عند الله عزّوجلّ منزلة لا تنال الاّ بمسألة ، ولو انّ عبداً سدّ فاه ولم يسأل لم يعط شيئاً ، فسل تعط ، يا ميسّر انّه ليس من باب يقرع الاّ يوشك أن يفتح لصاحبه(٣) .
وقالعليهالسلام في حديث آخر : من لم يسأل الله عزّوجلّ من فضله فقد افتقر(٤) .
__________________
١ ـ البقرة : ١٨٦.
٢ ـ الكافي ٢ : ٤٦٦ ح ٢ ـ باب فضل الدعاء ـ الوسائل ٤ : ١٠٨٨ ح ٢ باب ٣.
٣ ـ الكافي ٢ : ٤٦٦ ح ٣ ، باب فضل الدعاء ـ الوسائل ٤ : ١٠٩١ ح ١ باب ٦.
٤ ـ الكافي ٢ : ٤٦٧ ح ٤ ، باب فضل الدعاء ـ الوسائل ٤ : ١٠٨٤ ح ٦ باب ١.
وقالعليهالسلام : عليكم بالدعاء فانكم لا تقربون بمثله ، ولا تتركوا صغيرة لصغرها أن تدعوا بها ، انّ صاحب الصغار هو صاحب الكبار(١) .
وقالعليهالسلام : قال أمير المؤمنينعليهالسلام : أحبّ الأعمال إلى الله عزّوجلّ في الأرض الدعاء ، وأفضل العبادة العفاف ، قال : وكان أمير المؤمنينعليهالسلام رجلاً دعّاء(٢) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : الدعاء سلاح المؤمن ، وعمود الدين ، ونور السماوات والأرض(٣) .
وقالصلىاللهعليهوآله في حديث آخر لأصحابه : ألا أدلّكم على سلاح ينجيكم من أعدائكم ، ويدرّ أرزاقكم؟ قالوا : بلى ، قال : تدعون ربكم بالليل والنهار ، فانّ سلاح المؤمن الدعاء(٤) .
وقال أبو عبداللهعليهالسلام (٥) : انّ الدعاء أنفذ من السنان(٦) .
وقالعليهالسلام : الدعاء يرد القضاء بعد ما ابرم ابراماً ، فأكثر من الدعاء فانّه مفتاح كلّ رحمة ، ونجاح كلّ حاجة ، ولا ينال ما عند الله عزّوجلّ الاّ بالدعاء ، وانّه ليس باب يكثر قرعه الاّ يوشك أن يفتح لصاحبه(٧) .
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٤٦٧ ح ٦ ، باب فضل الدعاء ـ الوسائل ٤ : ١٠٨٩ ح ١ باب ٤.
٢ ـ الكافي ٢ : ٤٦٧ ح ٨ ، باب فضل الدعاء ـ الوسائل ٤ : ١٠٨٩ ح ٤ باب ٣.
٣ ـ الكافي ٢ : ٤٦٨ ح ١ باب انّ الدعاء سلاح المؤمن ـ الوسائل ٤ : ١٠٩٤ ح ٣ باب ٨.
٤ ـ الكافي ٢ : ٤٦٨ ح ٢ باب انّ الدعاء سلاح المؤمن ـ الوسائل ٤ : ١٠٩٥ ح ٥ باب ٨.
٥ ـ رويت في المتن الفارسي عن عليّ بن موسى الرضاعليهالسلام ولم نجدها.
٦ ـ الكافي ٢ : ٤٦٩ ح ٦ ـ الوسائل ٤ : ١٠٩٤ ح ٢ باب ٨.
٧ ـ الكافي ٢ : ٤٧٠ ح ٧ ـ باب انّ الدعاء يردّ البلاء ـ الوسائل ٤ : ١٠٨٦ ح ٧ باب ٢.
وقالعليهالسلام في حديث آخر : عليك بالدعاء فانّه شفاء من كلّ داء(١) .
وروي عن موسى بن جعفرعليهالسلام انّه قال : ما من بلاء ينزل على عبد مؤمن فيلهمه الله عزّوجلّ الدعاء الاّ كان كشف ذلك البلاء وشيكاً ، وما من بلاء ينزل على عبد مؤمن فيمسك عن الدعاء الاّ كان ذلك البلاء طويلاً ، فاذا نزل البلاء فعليكم بالدعاء والتضرّع إلى الله عزّوجلّ(٢) .
وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : داووا مرضاكم بالصدقة ، وادفعوا أبواب البلاء بالدعاء ، وحصّنوا أموالكم بالزكاة ، فانّه ما يصاد ما صيد من الطير الاّ بتضييعهم التسبيح(٣) .
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام : ادفعوا أمواج البلاء عنكم بالدعاء قبل ورود البلاء ، فو الذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ، للبلاء أسرع إلى المؤمن من انحدار السيل من أعلى التلعة إلى أسفلها ، ومن ركض البراذين.
وقالعليهالسلام : ما زالت نعمة ولا نضارة عيش الاّ بذنوب اجترحوا ، انّ الله ليس بظلاّم للعبيد ، ولو أنّهم استقبلوا ذلك بالدعاء والانابة لم تنزل ، ولو انّهم إذا نزلت بهم النقم ، وزالت عنهم النعم فزعوا إلى الله بصدق من نيّاتهم ولم يهنوا ولم يسرفوا لأصلح الله كلّ فاسد ، ولردّ عليهم كلّ صالح(٤) .
وقال أبو عبداللهعليهالسلام : ثلاث لا يضرّ معهنّ شيء ، الدعاء عند الكربات ،
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٤٧٠ ح ١ ، باب انّ الدعاء شفاء من كلّ داء ـ الوسائل ٤ : ١٠٩٩ ح ١ باب ١١.
٢ ـ الكافي ٢ : ٤٧١ ح ٢ ـ باب الهام الدعاء ـ الوسائل ٤ : ١٠٩٨ ح ١ باب ١٠.
٣ ـ قرب الاسناد : ١١٧ ح ٤١٠ ـ عنه البحار ٩٣ : ٢٨٨ ح ٣ باب ١٦.
٤ ـ البحار ٩٣ : ٢٨٩ ح ٥ باب ١٦ ـ عن الخصال.
والاستغفار عند الذنب ، والشكر عند النعمة(١) .
وقالعليهالسلام في حديث آخر : انّ الله جعل أرزاق المؤمنين من حيث لم يحتسبوا ، وذلك انّ العبد إذا لم يعرف وجه رزقه كثر دعاؤه(٢) .
وقالعليهالسلام في حديث آخر : من اُعطي أربعاً لم يحرم أربعاً ، من اُعطي الدعاء لم يحرم الاجابة ، ومن اُعطي الاستغفار لم يحرم التوبة ، ومن اُعطي الشكر لم يحرم الزيادة ، ومن اُعطي الصبر لم يحرم الأجر(٣) .
( النجم الثاني )
في آداب الدعاء
اعلم انّ الدعاء هو التكلم مع قاضي الحاجات ، وعرض الحوائج عليه فلابدّ أن يفهم الانسان معنى الدعاء ، وأن يدعو مع حضور القلب ، وليراع على الاقلّ الآداب التي يراعيها في طلب الحوائج من مخلوق مثله في العجز وعدم القدرة ، فليراعيها في طلب الحوائج من الله العظيم الخالق والرازق والمالك لجميع الأمور ، وظاهرٌ انّ الذي يريد حاجة من مخلوق يراعي أموراً فيها البتة.
الأول منها : أن يعلم ما يقول ، فلو تكلّم مع شخص عظيم من دون أن يعلم ما يقول وبقلب لاه ، فإن لم يعاقبوه لا يعتنو بكلامه ، فلابدّ أن يكون حاضر القلب عند المناجات مع الله تعالى ، ويعلم ما يقول وبما يجرى على لسانه ، ويطلب بجد
__________________
١ ـ أمالي الطوسي : ٢٠٤ ح ٥١ مجلس ٧ ـ عنه البحار ٩٣ : ٢٨٩ ح ٦ باب ١٦.
٢ ـ أمالي الصدوق : ١٥٣ ح ٦ مجلس ٣٤ ـ عنه البحار ٩٣ : ٢٨٩ ح ٧ باب ١٦.
٣ ـ الخصال : ٢٠٢ ح ١٦ باب ٤ ـ عنه الوسائل ٤ : ١٠٨٧ ح ١٦ باب ٢.
وجهد ولا يكون غير مهتمّ بحوائجه.
كما روي عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : لا يقبل الله عزّوجلّ دعاء قلب لاه ، وكان عليّعليهالسلام يقول : إذا دعا أحدكم للميت فلا يدعو له وقلبه لاه عنه ، ولكن ليجتهد له في الدعاء(١) .
وقال أبو عبداللهعليهالسلام : انّ الله عزّوجلّ لا يستجيب دعاء بظهر قلب قاس(٢) .
وقالعليهالسلام في حديث آخر : انّ الله عزّوجل لا يستجيب دعاء بظهر قلب ساه ، فاذا دعوت فأقبل بقلبك ثم استيقن بالاجابة(٣) .
الثاني : انّ من يلوذ إلى شخص لدفع الشدائد لابدّ أن يكون ملازماً له دائماً ، ويأتيه في غير الشدائد لكي لا يستحي في اللجوء إليه في الشدائد ، فكذلك لابدّ أن يدعو الانسان في حال النعمة ، ويتضرّع ولا ينس الله تعالى بكثرة النعم ووفورها حتى تقضى حاجاته سريعاً في الشدائد والمحن إذا لجأ إليه ، مع انّ الانسان لا يخلو في كلّ آن من مئات الآلاف من حوائج الدنيا والآخرة.
كما روي بسند صحيح عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من تقدّم في الدعاء استجيب له إذا نزل به البلاء ، وقالت الملائكة : صوت معروف ، ولم يحجب عن السماء ، ومن لم يتقدّم في الدعاء لم يستجيب له إذا نزل به البلاء ، وقالت الملائكة : انّ ذا صوت لا نعرفه(٤) .
____________
١ ـ الكافي ٢ : ٤٧٣ ح ٢ ، باب الاقبال على الدعاء ـ الوسائل ٤ : ١١٠٦ ح ٣ باب ١٦.
٢ ـ الكافي ٢ : ٤٧٤ ح ٤ ، باب الاقبال على الدعاء ـ الوسائل ٤ : ١١٠٦ ح ٤ باب ١٦.
٣ ـ الكافي ٢ : ٤٧٣ ح ١ باب الاقبال على الدعاء ـ الوسائل ٤ : ١١٠٥ ح ٢ باب ١٦.
٤ ـ الكافي ٢ : ٤٧٢ ح ١ باب التقدم في الدعاء ـ الوسائل ٤ : ١٠٩٦ ح ١ باب ٩.
وقالعليهالسلام في حديث آخر : من سرّه أن يستجاب له في الشدّة فليكثر الدعاء في الرخاء(١) .
الثالث : انّ من يحتاج إلى مخلوق يقدّم إليه الخدمات اللائقة حتى يكون مرضيّاً عنده ، ويجتنب عمّا يكرهه لغرض قضاء حاجته إذا حتاج إليه ، فكذلك عند الله ، فكلّ من عبدالله وأطاعه أكثر ، كان دعاؤه أقرب للاجابة ، كما أشار النبيصلىاللهعليهوآله في هذا الحديث الشريف إليه حيث قال : « مثل الذي يدعو بغير عمل ، كمثل الذي يرمي بغير وتر ».
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام : خير الدعاء ما صَدَرَ عن صَدرٍ تقيّ ، وقلب نقيّ ، وفي المناجات سبب النجاة ، وبالاخلاص يكون الخلاص ، فاذا اشتدّ الفزع فإلى الله المفزع(٢) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال له رجل : جعلت فداك انّ الله يقول :( اُدعُونِي اَستَجِب لَكُم ) (٣) فانّا ندعو فلا يستجاب لنا.
قال : لانكم لا تفون الله بعهده ، وانّ الله يقول :( أَوفُوا بِعهدِي اُوفِ بِعَهدِكُم ) (٤) والله لو وفيتم لله لوفى الله لكم(٥) .
وروي عن نوف البكالي انّه قال : قال أمير المؤمنينعليهالسلام : انّ الله عزّوجلّ أوحى إلى عيسى بن مريمعليهالسلام : قل للملأ من بني اسرائيل لا يدخلوا بيتاً من بيوتي الاّ بقلوب طاهرة ، وأبصار خاشعة ، واكفّ نقيّة.
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٤٧٢ ح ٤ باب التقدم في الدعاء ـ الوسائل ٤ : ١٠٩٦ ح ٣ باب ٩.
٢ ـ البحار ٩٣ : ٣٤١ ح ١٢ باب ٢٠.
٣ ـ غافر : ٦.
٤ ـ البقرة : ٤٠.
٥ ـ البحار ٩٣ : ٣٦٨ ح ٣ باب ٢٤ ـ عن تفسير القمي.
وقل لهم : اعلموا انّي غير مستجيب لأحد منكم دعوة ولأحد من خلقي قبله مظلمة(١) .
ومضى في الأبواب السابقة انّ من سرّه أن يستجاب له دعوته فليطب مكسبه(٢) .
والظاهر انّ الانسان كلّما ازداد قرباً كان دعاؤه أقرب للاجابة ، كما في السلاطين فإنّ كلّ من كان أقرب كان قضاء حاجته أسرع ، وكما قلنا أيضاً انّ كلّما ازدادت المناسبة مع الفاعل تزداد قابلية الاستفاضة ، والمانع من الفيض انّما هو من طرف القابل ، فكلّما كمل القابل ازدادت قابلية الرحمة ، وازداد الفيض.
الرابع : من شرائط استجابة الدعاء كمال معرفة الرب الذي يطلب منه الحوائج ، وأشرنا سابقاً إلى مجمل منه بأن الفيض يكون على قدر معرفة الانسان لربّه ، فكلّما كان في القدرة والرحمة والكرم والعظمة والجلال وسائر الصفات الكمالية أعرف يكون تأثيرها أكثر عنده.
وإلى هذا المعنى يشير الحديث القدسي المروي بأسانيد متضافره بـ « انّي عند ظنّ عبدي المؤمن » أي كلّما كان ظنّه أحسن كانت معاملتي معه أفضل.
روي بسند معتبر عن أبي الحسن موسىعليهالسلام انّه قال : قال قوم للصادقعليهالسلام : ندعو فلا يستجاب لنا قال : لانكم تدعون من لا تعرفونه(٣) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : إذا دعوت فظنّ أنّ حاجتك
__________________
١ ـ الخصال : ٣٣٧ ح ٤٠ باب ٦ ـ عنه البحار ٩٣ : ٣٥٦ ح ٩ باب ٢٢.
٢ ـ الكافي ٢ : ٤٨٦ ح ٩ باب الثناء قبل الدعاء.
٣ ـ التوحيد : ٢٨٨ ح ٧ باب ٤١ ـ عنه البحار ٩٣ : ٣٦٨ ح ٤ باب ٢٤.
بالباب(١) .
وقالعليهالسلام في حديث آخر : إذا أراد أحدكم الاّ يسأل الله شيئاً الاّ اعطاه ، فلييأس من الناس كلّهم ، ولا يكون له رجاء الاّ من عند الله عزّوجلّ ، فاذا علم الله ذلك من قلبه لم يسأل الله شيئاً الاّ أعطاه(٢) .
ويأتي هذا المعنى في السؤال من المخلوقين أيضاً ، فكلّ من عرف عظمة الملك ووسعة ملكه وخزائنه وكرمه أكثر ، توقّع العطاء منه أكثر ، والملك أيضاً يكرمه حسب توقعه ومعرفته ، والكلام هنا كثير لا تسعه هذه الرسالة.
الخامس : من شرائط الاجابة المبالغة والالحاح في الدعاء ، والالحاح إلى المخلوقين قبيح لقلة كرمهم وتحمّلهم ، لكنّ الله تعالى يحب الالحاح والمبالغة في المسألة لوسعة كرمه ولطفه ورحمته غير المتناهية ، كما روي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : انّ الله عزّوجلّ كره الحاح الناس بعضهم على بعض في المسألة وأحبّ ذلك لنفسه ، انّ الله عزّوجلّ يحب أن يسأل ويطلب ما عنده(٣) .
وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : رحم الله عبداً طلب من الله عزّوجلّ حاجة ، فألحّ في الدعاء ، استجيب له أو لم يستجب له(٤) .
وقال أبو عبداللهعليهالسلام : انّ العبد إذا دعا لم يزل الله تبارك وتعالى في حاجته ما لم يستعجل(٥) .
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٤٧٣ ح ١ باب اليقين في الدعاء.
٢ ـ أمالي الطوسي : ٣٦ ح ٧ مجلس ٢ ـ عنه البحار ٩٣ : ٣٥٥ ح ٤ باب ٢٢.
٣ ـ الكافي ٢ : ٤٧٥ ح ٤ باب الالحاح في الدعاء ـ الوسائل ٤ : ١١٠٩ ح ٢ باب ٢٠.
٤ ـ الكافي ٢ : ٤٧٥ ح ٦ باب الالحاح في الدعاء ـ الوسائل ٤ : ١١٠٩ ح ٤ باب ٢٠.
٥ ـ الكافي ٢ : ٤٧٤ ح ١ باب الالحاح في الدعاء ـ الوسائل ٤ : ١١٠٦ ح ٢ باب ١٧.
وقالعليهالسلام في حديث آخر : انّ الله تبارك وتعالى يعلم ما يريد العبد إذا دعاه ، ولكنّه يحبّ أن تبثّ إليه الحوائج ، فاذا دعوت فسمّ حاجتك(١) .
السادس : من آداب الدعاء الاخفاء فيه ، لأنّ طلب الحوائج خفية أحبّ عند الكرماء ، والدعاء المخفيّ أقرب للاخلاص وأبعد من الرياء ، كما روي عن عليّ بن موسى الرضاعليهالسلام انّه قال : دعوة تخفيها أفضل عند الله من سبعين دعوة تظهرها(٢) .
وان كانت له حاجة عظيمة فليستعن بدعاء المؤمنين ، ولا بأس بالدعاء في اجتماعاتهم أيضاً ، وان كان منظوره حقارة دعائه ونفسه وأمن من الرياء ، فالدعاء في المجامع أفضل وبركات أنفاس المؤمنين واجتماعاتهم كثيرة ، فيدخل نفسه في البركات والرحمة العامة النازلة عليهم فإنّ ذلك فوز عظيم ، كما روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال :
« ما من رهط أربعين رجلاً اجتمعوا فدعوا الله عزّوجلّ في أمر الاّ استجاب الله لهم ، فإن لم يكونوا أربعين فأربعة يدعون الله عزّوجلّ عشر مرّات إلاّ استجاب الله لهم ، فإن لم يكونوا أربعة فواحد يدعو الله أربعين مرّة فيستجيب الله العزيز الجبار له »(٣) .
وقالعليهالسلام : ما اجتمع أربعة رهط قطّ على أمر واحد ، فدعوا الله الاّ تفرّقوا عن اجابة(٤) .
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٤٧٦ ح ١ باب تسمية الحاجة في الدعاء ـ الوسائل ٤ : ١٠٩١ ح ١ باب ٥.
٢ ـ الكافي ٢ : ٤٧٦ ح ١ باب اخفاء الدعاء ـ الوسائل ٤ : ١١١٣ ح ٢ باب ٢٢.
٣ ـ الكافي ٢ : ٤٨٧ ح ١ باب الاجتماع في الدعاء ـ الوسائل ٤ : ١١٤٣ ح ١ باب ٣٨.
٤ ـ الكافي ٢ : ٤٨٧ ح ٢ باب الاجتماع في الدعاء ـ الوسائل ٤ : ١١٤٣ ح ٢ باب ٣٨.
وقالعليهالسلام : كان أبيعليهالسلام إذا حزنه أمر جمع النساء والصبيان ثم دعا وأمّنوا(١) .
وقالعليهالسلام : الداعي والمؤمّن في الأجر شريكان(٢) .
السابع : رعاية الأوقات التي تظنّ الاجابة فيها لأنّ الله تعالى جعل لبعض الأماكن والأزمنة دخلاً في استجابة الدعاء ، كما روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : اطلبوا الدعاء في أربع ساعات ، عند هبوب الرياح ، وزوال الافياء ، ونزول القطر ، وأوّل قطرة من دم القتيل المؤمن ، فإنّ أبواب السماء تفتح عند هذه الأشياء(٣) .
وقالعليهالسلام : يستجاب الدعاء في أربعة مواطن ، في الوتر ، وبعد الفجر ، وبعد الظهر ، وبعد المغرب(٤) .
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام : اغتنموا الدعاء عند أربع ، عند قراءة القرآن ، وعند الأذان ، وعند نزول الغيث ، وعند التقاء الصفّين للشهادة(٥) .
وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : خير وقت دعوتم الله عزّوجلّ فيه الأسحار(٦) .
وروي [ عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : كان أبي ] إذا طلب الحاجة طلبها عند
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٤٨٧ ح ٣ باب الاجتماع في الدعاء ـ الوسائل ٤ : ١١٤٤ ح ٣ باب ٣٩.
٢ ـ الكافي ٢ : ٤٨٧ ح ٤ باب الاجتماع في الدعاء ـ الوسائل ٤ : ١١٤٤ ح ١ باب ٣٩.
٣ ـ الكافي ٢ : ٤٧٨ ح ١ باب الأوقات والحالات التي ترجى فيها الأجابة ـ الوسائل ٤ : ١١١٤ ح١ باب ٢٣.
٤ ـ الكافي ٢ : ٤٧٧ ح ٢ باب الاوقات والحالات التي ترجى فيها الاجابة.
٥ ـ الكافي ٢ : ٤٧٧ ح ٣ باب الاوقات والحالات التي ترجى فيها الاجابة ـ الوسائل ٤ : ١١١٤ ح ٢ باب ٢٣.
٦ ـ الكافي ٢ : ٤٧٧ ح ٦ باب الاوقات والحالات التي ترجى فيها الاجابة ـ الوسائل ٤ : ١١١٧ ح ٢ باب ٢٥.
زوال الشمس ، فاذا أراد ذلك قدّم شيئاً فتصدّق به ، وشمّ شيئاً من الطيب ، وراح إلى المسجد ، ودعا في حاجته بما شاء الله(١) .
وقال أبو جعفر الباقرعليهالسلام : أنّ الله عزّوجلّ يحبّ من عباده المؤمنين كلّ عبد دعّاءٍ ، فعليكم بالدعاء في السحر إلى طلوع الشمس ، فانّها ساعة تفتح فيها أبواب السماء ، وتقسم فيها الأرزاق ، وتقضى فيها الحوائج العظام(٢) .
وقال أبو عبداللهعليهالسلام : انّ في الليل لساعة ما يوافقها عبدٌ مسلم ثم يصلّي ويدعوا الله عزّوجلّ فيها الاّ استجاب له في كلّ ليلة ، قلت : أصلحك الله وأيّ ساعة هي من الليل؟ قال : إذا مضى نصف الليل ، وهي السدس الأوّل من أوّل النصف(٣) .
وقالعليهالسلام في حديث آخر : ثلاثة أوقات لا يُحجب فيها الدعاء عن الله تعالى : في أثر المكتوبة ، وعند نزول المطر ، وظهور آية معجزة لله في أرضه(٤) .
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام : من كانت له إلى ربّه عزّوجلّ حاجة ، فليطلبها في ثلاث ساعات : ساعة في يوم الجمعة ، وساعة تزول الشمس حين تهبّ الرياح وتفتح أبواب السماء ، وتنزل الرحمة ، ويصوّت الطير ، وساعة في آخر الليل عند طلوع الفجر ، فإنّ ملكين يناديان : هل من تائب يتاب عليه؟ هل من سائل يعطى؟ هل من مستغفر فيغفر له؟ هل من طالب حاجه فتقضى له؟
فأجيبوا داعي الله ، واطلبوا الرزق فيما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، فانّه أسرع في طلب الرزق من الضرب في الأرض ، وهي الساعة التي يقسم الله
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٤٧٧ ح ٧ باب الاوقات والحالات التي ترجى فيها الاجابة الوسائل ٤ : ١١١٦ ح ١ باب ٢٤.
٢ ـ الكافي ٢ : ٤٧٨ ح ٩ باب الاوقات والحالات التي ترجى فيها الاجابة ـ الوسائل ٤ : ١١١٧ ح ٣ باب ٢٥.
٣ ـ الكافي ٢ : ٤٧٨ ح ١٠ باب الأوقات والحالات التي ترجى فيها الاجابة ـ الوسائل ٤ : ١١١٨ ح ١ و٢ باب ٢٦.
٤ ـ أمالي الطوسي : ٢٨٠ ح ٨٠ مجلس ١٠ ـ عنه البحار ٩٣ : ٣٤٣ ح ٣ باب ٢١.
فيها الرزق بين عباده.
وقالعليهالسلام : تفتح لكم أبواب السماء في خمس مواقيت : عند نزول الغيث ، وعند الزحف ، وعند الأذان ، وعند قراءة القرآن ، ومع زوال الشمس ، وعند طلوع الفجر(١) .
وقال أبو عبداللهعليهالسلام في الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة : ما بين فراغ الامام من الخطبة إلى أن تستوي الصفوف ، وساعة اُخرى من آخر النهار إلى غروب الشمس(٢) .
وقالعليهالسلام : انّ ساعة الاستجابة أوّل الزوال(٣) .
وروي عن علي بن الحسينعليهالسلام عن فاطمة بنت النبي صلوات الله عليها قالت : سمعت النبيّصلىاللهعليهوآله يقول : انّ في الجمعة لساعة لا يراقبها رجل مسلم يسأل الله عزّوجلّ فيها خيراً الاّ أعطاه ايّاه.
قالت : فقلت : يا رسول الله أيّ ساعة هي؟ قال : إذا تدلّى نصف عين الشمس للغروب ، قال : وكانت فاطمةعليهاالسلام تقول لغلامها : اصعد على الضراب ، فاذا رأيت نصف عين الشمس قد تدلّى للغروب فأعلمني حتى أدعو(٤) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : عليك بالدعاء وأنت ساجد ، فإنّ أقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد(٥) .
__________________
١ ـ البحار ٩٣ : ٣٤٣ ح ٤ باب ٢١ ـ الوسائل ٤ : ١١١٧ ح ١ باب ٢٥ ـ عن الخصال.
٢ ـ البحار ٩٣ : ٣٤٨ ضمن حديث ١٤ باب ٢١ ـ عن دعوات الراوندي.
٣ ـ مضمون النص.
٤ ـ معاني الأخبار : ٣٩٩ ح ٥٩ باب نوادر المعاني ـ عنه البحار ٨٩ : ٢٦٩ ح ٨ باب ٩٥.
٥ ـ الكافي ٣ : ٣٢٤ ضمن حديث ١١ باب السجود والتسبيح والدعاء فيه
الثامن : من شرائط الدعاء وآدابه التضرّع والانكسار والابتهال ، كما روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : إذا رق أحدكم فليدع ، فإنّ القلب لا يرقّ حتى يخلص(١) .
وقالعليهالسلام : إذا اقشعرّ جلدك ، ودمعت عيناك ، فدونك دونك ، فقد قصدك قصدك(٢) .
وقالعليهالسلام [ لابي بصير : ] ان خفت أمراً يكون ، أو حاجة تريدها فابدأ بالله ومجّده ، وأثن عليه كما هو أهله ، وصلّ على النبيّصلىاللهعليهوآله ، وسل حاجتك ، وتباك ولو مثل رأس الذباب ، انّ أبيعليهالسلام كان يقول : انّ أقرب ما يكون العبد من الرب عزّوجلّ وهو ساجد باك(٣) .
والتضرع في الدعاء ـ على ما يوافق الأحاديث المعتبرة ـ هو انّه إذا كان في مقام الرغبة والرجاء يستقبل ببطن كفيه إلى السماء ، كما تصنع فيما لو أردت شيئاً من أحد ، وان كنت في مقام الخوف استقبل بظهر كفيك إلى السماء أي أنّي آيس من أعمالي ولا أقدر على الطلب منك لكثرة سوء أعمالي.
ويحرّك اصبع سبابته اليمنى في حال التضرع يميناً وشمالاً بأنّي لا أعلم أأكون من أصحاب اليمين أم من أصحاب الشمال ، أو انّي من المحسنين أم من المسيئين.
وترفع سبابة يدك اليسرى عند التبتل والانقطاع ، وتضعه كالذي يطلب شيئاً من شخص بابرام ، أو أشارة إلى انّي لا أعلم أترفعني أم تضعني ، وان كثر البكاء
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٤٧٧ ح ٥ ـ الوسائل ٤ : ١١٢٠ ح ١ باب ٢٨.
٢ ـ الكافي ٢ : ٤٧٨ ح ٨ ـ الوسائل ٤ : ١١٢١ ح ٣ باب ٢٨.
٣ ـ الكافي ٢ : ٤٨٣ ح ١٠ ـ الوسائل ٤ : ١١٢٢ ح ٤ باب ٢٩.
وظهرت أسباب وعلائم الاجابة ترفع يديك من قبل رأسك أو تقدمها من امامك كأنّه اعطيت حاجتك ، فترفع يدك لتأخذها.
عزيزي انظر إلى الله تعالى من ذلك الجلال والعظمة والاستغناء كيف يعامل سائلي احسانه ، وأيّ جسارات أجاز لهم ، كيف قرّب نفسه إليهم مع رفعة شأنه ، فدعاهم بهذه الوسائل إلى معرفته.
وانظر إلى العباد مع غاية احتياجهم ودناءتهم بأيّ نحو من الاستغناء يتعاملون مع ربّهم ويسلكون معه ، ويولّون عن هكذا ربّ كريم دائم الاحسان للصالحين والطالحين ، ويتوجهون إلى الممكنات العاجزة اللئيمة ، فيحرمون أنفسهم من رحمة الله تعالى.
التاسع : اعلم انّ الذي تكون له حاجة عند عظيم ، يتملق أوّلاً لخدّام وحرس ذلك الشخص كي يسهل الدخول إلى مجلسه وتقضى حاجته سريعاً ، وحجّاب وحرّاس باب ملك الملوك الفقراء والمساكين ، فليتصدّق قبل طلب الحوائج كي تقضى سريعاً.
وكما انّه يعطي الرشوة إلى الحجّاب إذا أراد حاجة من السلطان ، كذلك فليتصدّق إذا طلب حاجة من الله سواء أكانت قليلة أم كثيرة.
العاشرة : انّ من كانت له حاجة قد يجعل عند الكرماء حاجة غيره وسيلة لحاجته ، بأن يقدّم حاجة الغير حتى يستحسنه ذلك الكريم بأنّه يهتمّ بأمور غيره أكثر من امور نفسه ، وهذا يوجب سرعة اجابة حاجته ، أو انّه يطلب لغيره ما يريده لنفسه حتى يعلم الكريم انّه مع احتياجه إلى ذلك الشيء يطلبه لغيره ، فيجيبها لذلك على وجه كامل.
أو انّه يشرك غيره مع نفسه في طلب الحوائج ، وهذا أيضاً يحسن عند الكرماء بأنّ الانسان لا يفكر دائماً لنفسه ، ولا ينسى الغير حينما يصله احسان ، كما علّم الله تعالى العباد في سورة الفاتحة أن يشكروا غيرهم في عرض العبادة وطلب الاستعانة [ حيث يقولون : اياك نعبد واياك نستعين ].
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إذ دعا أحدكم فليعمّ ، فانّه أوجب للدعاء(١) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قدّم أربعين من المؤمنين ثم دعا استجيب له(٢) .
وعن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال : ليس شيء أسرع اجابة من دعوة غائب لغائب(٣) .
وقال أبو جعفر الباقرعليهالسلام : أسرع الدعاء نجحاً للاجابة دعاء الأخ لأخيه بظهر الغيب ، يبدء بالدعاء لأخية ، فيقول له ملك موكّل به : آمين ، ولك مثلاه(٤) .
وقال أبو عبداللهعليهالسلام : دعاء المرء لأخيه بظهر الغيب يدرّ الرزق ، ويدفع المكروه(٥) .
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : ما من مؤمن دعا للمؤمنين والمؤمنات الاّ ردّ الله عزّوجلّ عليه مثل الذي دعا لهم به من كلّ مؤمن ومؤمنة مضى من أوّل الدهر أو هو آتٍ إلى يوم القيامة.
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٤٨٧ ح ١ باب العموم في الدعاء ـ الوسائل ٤ : ١١٤٥ ح ١ باب ٤٠.
٢ ـ الكافي ٢ : ٥٠٩ ح ٥ باب من تستجاب دعوته ـ الوسائل ٤ : ١١٥٤ ح ١ باب ٤٥.
٣ ـ الكافي ٢ : ٥١٠ ح ٧ باب من تستجاب دعوته.
٤ ـ الكافي ٢ : ٥٠٧ ح ٤ باب الدعاء للاخوان بظهر الغيب ـ الوسائل ٤ : ١١٤٦ ح ٣ باب ٤١.
٥ ـ الكافي ٢ : ٥٠٧ ح ٢ باب الدعاء للاخوان بظهر الغيب ـ الوسائل ٤ : ١١٤٥ ح ١ باب ٤١.
انّ العبد ليؤمر به إلى النار يوم القيامة فيسحب ، فيقول المؤمنون والمؤمنات : يا ربّ هذا الذي كان يدعو لنا فشفّعنا فيه ، فيشفّعهم الله عزّوجلّ فيه ، فينجو(١) .
وروي عن إبراهيم بن هاشم قال : رأيت عبدالله بن جندب في الموقف ، فلم أر موقفاً كان أحسن من موقفه ، ما زال مادّاً يديه إلى السماء ودموعه تسيل على خدّيه حتى تبلغ الأرض.
فلمّا صدر الناس قلت له : يا أبا محمد ما رأيت موقفاً قطّ أحسن من موقفك ، قال : والله ما دعوت الاّ لاخواني ، وذلك أنّ ابا الحسن موسىعليهالسلام أخبرني انّ من دعا لاخيه بظهر الغيب نودي من العرش : ولك مائة ألف ضعف ، فكرهت أن أدع مائة ألف مضمونة لواحدة لا أدري تستجاب أم لا(٢) .
وعن عليّ بن الحسينعليهالسلام قال : انّ الملائكة إذا سمعوا المؤمن يدعو لأخيه المؤمن بظهر الغيب ، أو يذكره بخير قالوا : نعم الأخ لأخيك ، تدعوا له بالخير وهو غائب عنك ، وتذكره بخير ، قد أعطاك الله عزّوجلّ مثلي ما سألت له ، وأثنى عليك مثلي ما أثنيت عليه ، ولك الفضل عليه.
وإذا سمعوه يذكر أخاه بسوء ويدعو عليه ، قالوا له : بئس الأخ أنت لأخيك ، كفّ أيّها المستر على ذنوبه وعورته ، وأربع على نفسك ، واحمد الله الذي ستر عليك ، واعلم انّ الله عزّوجلّ أعلم بعبده منك(٣) .
وعن أبي عبداللهعليهالسلام قال : إذا ظلم الرجل فظلّ يدعو على صاحبه ، قال
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٥٠٧ ح ٥ باب الدعاء للاخوان بظهر الغيب ـ الوسائل ٤ : ١١٥١ ح ١ باب ٤٣.
٢ ـ الكافي ٢ : ٥٠٨ ح ٦ باب الدعاء للاخوان بظهر الغيب ـ البحار ٩٣ : ٣٨٤ ح ٨ باب ٢٦ ـ عن أمالي الصدوق.
٣ ـ الكافي ٢ : ٥٠٨ ح ٧ باب الدعاء للاخوان بظهر الغيب.
الله جلّ جلاله : انّ هاهنا آخر يدعو عليك يزعم انّك ظلمته ، فإن شئت أجبتك وأجبت عليك ، وان شئت أخّرتكما فتوسعكما عفوي(١) .
الحادي عشر : من جملة آداب الدعاء تمجيد الله تعالى ومدحه بالعظمة والجود والكرم عند المسألة ، وكذلك ذكر نعم الله على نفسه وعلى غيره وشكره عليها ، كما لو ذهب شخص إلى عظيم لحاجة فانّه لا يبتدىء بها أوّلاً بل انّ الأدب أن يبتدىء قبل المسألة بمدحه بما يليق به.
والله تعالى علّم هذه الآداب في سورة الحمد ، فقد وصف نفسه بالرحمانيّة والرحيميّة وسائر صفات اللطف والرحمة ، ثم جعل العبادة قبل عرض الحاجة [ اياك نعبد ] لأنّه يحسن لذوي الحوائج جعل هديّة على قدر وسعهم [ وهي العبادة ] ، ثم علّمهم سلب الاستعانه والهداية [ عن أنفسهم ].
انّ حمد الله على نعمه التي وهبها ايّاه توجب مزيد النعم ـ كما وعد الله تعالى بذلك ـ حيث يقول : أنت ربّ دائم الاحسان فلا يبعد أن تحسن الآن أيضاً.
وكذلك من حسن الطلب ذكر نعم الله على الغير ، بانّك أحسنت إلى جميع المخلوقين فيجدر أن تحسن إليّ أيضاً ، كما لو ذهب شخص إلى عظيم وقد نظم بحقّه شعراً أو مدحه نثراً حيث يذكر في طيّها كرمه وجوده حتى يكرمه أيضاً ، فلذا ورد أنّ أفضل الدعاء « الحمد لله ».
وبما انّ الذنوب توجب الحرمان من الخيرات والسعادت فلابدّ من الاستغفار بعد الدعاء كي ترفع الموانع ، ويحصل له قرب من الله أيضاً بالحمد والثناء حتى تقضى حاجته سريعاً.
__________________
١ ـ أمالي الصدوق : ٢٦١ ح ٣ مجلس ٥٢ ـ عنه البحار ٩٣ : ٣٢٤ ح ٣ باب ١٨ ـ الوسائل ٤ : ١١٧٦ ح ٢ باب ٦٨.
ووردت في هذه المضامين أحاديث كثيرة ، كما روي عن المفضل انّه قال : قلت لأبي عبداللهعليهالسلام جعلت فداك علّمني دعاء جامعاً ، فقال لي : احمد الله فانّه لا يبقى أحد يصلّي الاّ دعا لك ، يقول : سمع الله لمن حمده(١) .
وقالعليهالسلام : اياكم إذا أراد أحدكم أن يسأل من ربّه شيئاً من حوائج الدنيا والآخرة حتى يبدأ بالثناء على الله عزّوجلّ ، والمدح له ، والصلاة على النبيصلىاللهعليهوآله ، ثم يسأل الله حوائجه(٢) .
وقالعليهالسلام : انّما هي المدحة ، ثم الثناء ، ثم الاقرار بالذنب ، ثم المسألة ، انّه والله ما خرج عبد من ذنب الاّ بالاقرار(٣) .
وقالعليهالسلام : إذا طلب أحدكم الحاجة فليثن على ربّه وليمدحه ، فإنّ الرجل إذا طلب الحاجة من السلطان هيّأ له من الكلام أحسن ما يقدر عليه ....
وقال : انّ رجلاً دخل المسجد فصلّى ركعتين ثم سأل الله عزّوجلّ ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : عجّل العبد ربّه ، وجاء آخر فصلّى ركعتين ، ثم أثنى على الله عزّوجلّ ، وصلّى على النبي وآله ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : سل تعط(٤) .
انّ من شرائط الدعاء الصلاة على النبي وآلهعليهمالسلام لأنّ من كانت له حاجة عند سلطان فحريّ به أن يأتي بتحفة إلى المقرّبين لدى السلطان كي يشفعوا له ، وحتى لو لم يشفعوا له فإنّ السلطان إذا علم ذلك يكون مورد قبوله ، فيقضي حاجته.
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٥٠٣ ح ١ باب التحميد والتمجيد.
٢ ـ الكافي ٢ : ٤٨٤ ح ١ باب الثناء قبل الدعاء ـ الوسائل ٤ : ١١٢٦ ح ١ باب ٣١.
٣ ـ الكافي ٢ : ٤٨٤ ح ٣ باب الثناء قبل الدعاء ـ الوسائل ٤ : ١١٢٧ ح ٥ باب ٣١.
٤ ـ الكافي ٢ : ٤٨٥ ح ٦ باب الثناء قبل الدعاء ـ الوسائل ٤ : ١١٢٦ ح ٢ باب ٣١.
وكذلك لو مدحت شخصاً محبوباً عند رجل شريف عظيم طلباً للرفعة حتى لو لم يحتج ذلك المحبوب إلى هذا الثناء ، فيستحسن ذلك الشريف هذا المدح والثناء ، فلذا كانت الصلوات موجبة لقبول الدعاء ، وقد ذكرنا هنا نكتة لطيفة كاملة حول الشفاعة الكبرى ، وأسهبنا الكلام حولها في شرح الصحيفة الكاملة.
روي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : لا يزال الدعاء محجوباً حتى يصلّى على محمد وآل محمد(١) .
وقالعليهالسلام : من دعا ولم يذكر النبيّصلىاللهعليهوآله ، رفرف الدعاء على رأسه ، فاذا ذكر النبيّصلىاللهعليهوآله رفع الدعاء(٢) .
وقالعليهالسلام : من كانت له إلى الله عزّوجلّ حاجة ، فليبدأ بالصلاة على محمد وآله ، ثم يسأل حاجته ، ثم يختم بالصلاة على محمد وآل محمد ، فإنّ الله عزّوجلّ أكرم من أن يقبل الطرفين ويدع الوسط ، إذ كانت الصلاة على محمد وآل محمد لا تحجب عنه(٣) .
وقالعليهالسلام : إذا ذكر النبيّصلىاللهعليهوآله فأكثروا الصلاة عليه ، فانّه من صلّى على النبيصلىاللهعليهوآله صلاة واحدة صلّى الله عليه ألف صلاة في ألف صفّ من الملائكة ، ولم يبق شيء مما خلقه الله الاّ صلّى على العبد لصلاة الله عليه وصلاة ملائكته ، فمن لم يرغب في هذا فهو جاهل مغرور ، قد برىء الله منه ورسوله وأهل بيته(٤) .
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٤٩١ ح ١ باب الصلاة على النبيصلىاللهعليهوآله ـ الوسائل ٤ : ١١٣٦ ح ٥ باب ٣٦.
٢ ـ الكافي ٢ : ٤٩١ ح ٢ باب الصلاة على النبيصلىاللهعليهوآله ـ الوسائل ٤ : ١١٣٦ ح ٦ باب ٣٦.
٣ ـ الكافي ٢ : ٤٩٤ ح ١٦ باب الصلاة على النبيصلىاللهعليهوآله ـ الوسائل ٤ : ١١٣٧ ح ١١ باب ٣٦.
٤ ـ الكافي ٢ : ٤٩٢ ح ٦ باب الصلاة على النبيصلىاللهعليهوآله ـ الوسائل ٤ : ١٢١١ ح ٤ باب ٣٤.
وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله الصلاة عليّ وعلى أهل بيتي تذهب بالنفاق(١) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قال « يا ربّ صلّ على محمد وآل محمد » مائة مرّة قضيت له مائة حاجة ، ثلاثون للدنيا [ والباقي للآخرة ](٢) .
وقالعليهالسلام
: ما في الميزان شيء أثقل من الصلاة على محمد وآل محمد ،
وانّ الرجل لتوضع أعماله في الميزان فتميل به ، فيخرج الصلاة عليه فيضعها في ميزانه فيرجح به(٣)
.
وروي بسند معتبر عن الصباح بن سيابه ، عن أبي عبداللهعليهالسلام قال : ألا اعلّمك شيئاً يقي الله به وجهك من حرّ جهنّم؟ قال : قلت : بلى ، قال : قل بعد الفجر : اللهم صلّ على محمد وآل محمد ، مائة مرة يقي الله به وجهك من حرّ جهنّم(٤) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : من صلّى عليّ يوم الجمعة مائة مرة ، قضى الله له ستين حاجة ، منها للدنيا ثلاثون حاجة ، وثلاثون للآخرة(٥) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : إذا كان ليلة الجمعة نزل من السماء ملائكة بعدد الذر ، في أيديهم أقلام الذهب ، وقراطيس الفضّة ، لا
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٤٩٢ ح ٨ باب الصلاة على النبيصلىاللهعليهوآله ـ الوسائل ٤ : ١٢١١ ح ٣ باب ٣٤.
٢ ـ الكافي ٢ : ٤٩٣ ح ٩ باب الصلاة على النبيصلىاللهعليهوآله ـ الوسائل ٤ : ١١٣٦ ح ٨ باب ٣٦.
٣ ـ الكافي ٢ : ٤٩٤ ح ١٥ باب الصلاة على النبيصلىاللهعليهوآله ـ الوسائل ٤ : ١٢١٠ ح ١ باب ٣٤.
٤ ـ البحار ٩٤ : ٥٨ ح ٣٦ باب ٢٩ ـ عن ثواب الأعمال : ١٥٥. ٥ ـ البحار ٩٤ : ٦٠ ح ٤٣ باب ٢٩ ـ عن ثواب الأعمال : ١٥٦.
تكتبون إلى ليلة السبت الاّ الصلاة على محمد وآل محمد صلّى الله عليه وعليهم...
وقال : انّ من السنّة أن تصلّي على محمد وعلى أهل بيته في كل يوم جمعة ألف مرّة ، وفي سائر الايام مائة مرّة(١) .
وقال أبو جعفر الباقرعليهالسلام : ما من شيء يعبد الله به يوم الجمعة أحبّ إليّ من الصلاة على محمد وآل محمد(٢) .
وروي بسند آخر انّه إذا صلّيت يوم الجمعة الجمعة فقل :
«اللهم صلى على محمد وآل محمد ، الأوصياء المرضيين بأفضل صلواتك ، وبارك عليهم بأفضل بركاتك ، والسلام عليه وعليهم ورحمة الله وبركاته ».
فانّه من قالها في دبر العصر كتب الله له مائة ألف حسنة ، ومحى عنه مائة ألف سيئة ، وقضى له بها مائة ألف حاجة ، ورفع له بها مائة ألف درجة(٣) .
وروي انّ من قالها سبع مرّات ردّ الله عليه من كلّ عبد حسنة ، وكان عمله في ذلك اليوم مقبولاً ، وجاء يوم القيامة وبين عينيه نور(٤) .
وجاء في بعض الأحاديث هذه الزيادة : « والسلام عليه وعليهم وعلى أرواحهم وأجسادهم ورحمة الله وبركاته » ولا بأس بقراءة أيّ منهما.
وقال عليّ بن موسى الرضاعليهالسلام : من لم يقدر على ما يكفّر به ذنوبه ، فليكثر من الصلوات على محمد وآله ، فانّها تهدم الذنوب هدماً(٥) .
__________________
١ ـ الكافي ٣ : ٤١٦ ح ١٣ باب فضل يوم الجمعة وليلته.
٢ ـ الكافي ٣ : ٤٢٩ ح ٣ باب نوادر الجمعة.
٣ ـ الكافي ٣ : ٤٢٩ ح ٤ باب نوادر الجمعة.
٤ ـ الكافي ٣ : ٤٢٩ ح ٥ باب نوادر الجمعة.
٥ ـ أمالي الصدوق : ٦٨ ضمن حديث ٤ مجلس ١٧ ـ عنه البحار ٩٤ : ٤٧ ح ٢ باب ٢٩.
وقال عليّ النقيعليهالسلام : انّما اتخذ الله عزّوجلّ إبراهيم خليلاً لكثرة صلاته على محمد وأهل بيته صلوات الله عليهم(١) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّ من صلّى على محمد وآله هكذا :
«صلوات الله وصلوات ملائكته وأنبيائه ورسله وجميع خلقه على محمد وآل محمد ، والسلام عليه وعليهم ورحمة الله وبركاته ».
خرج من الذنوب كهيئة يوم ولدته أُمّه(٢) .
وروي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام بأسانيد معتبرة انّه قال : إذا عطس أحدكم فليقل : الحمد لله رب العالمين ، وصلّى الله على محمد وأهل بيته(٣) .
وروي بسند معتبر آخر انّه : من سمع عطسة فحمد الله عزّوجلّ وصلّى على النبيصلىاللهعليهوآله وأهل بيته ، لم يشتك عينيه ولا ضرسه(٤) .
وروي بأسانيد كثيرة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : من صلّى عليّ ولم يصلّ على آلي لم يجد ريح الجنّة ، وانّ ريحها لتوجد من مسيرة خمسمائة عام(٥) .
وروي بسند معتبر عنهصلىاللهعليهوآله انّه قال لأمير المؤمنينعليهالسلام : ألا ابشّرك؟ أخبرني جبرئيل آنفاً بالعجب أخبرني انّ الرجل من امتي إذا صلّى
__________________
١ ـ الوسائل ٤ : ١٢١٢ ح ٩ باب ٣٤ ـ البحار ٩٤ : ٥٤ ح ٢٣ باب ٢٩ ـ عن علل الشرائع.
٢ ـ البحار ٩٤ : ٥٥ ح ٢٧ باب ٢٩ ـ عن معاني الأخبار ، بتصرف.
٣ ـ الكافي ٢ : ٦٥٥ ضمن حديث ٩ باب العطاس والتسميت.
٤ ـ الكافي ٢ : ٦٥٦ ح ١٧ باب العطاس والتسميت.
٥ ـ أمالي الصدوق : ١٦٧ ح ٩ باب ٣٦ ـ عنه البحار ٩٤ : ٥٦ ح ٢٩ باب ٢٩.
عليّ وأتبع بالصلاة عليّ أهل بيتي فتحت له أبواب السماء ، وصلّت عليه الملائكة سبعين صلاة ، وان كان مذنباً خطّاءً.
ثم تتحات عنه الذنوب كما يتحاتّ الورق من الشجر ، ويقول الله تبارك وتعالى : لبيك يا عبدي وسعديك ، ويقول الله لملائكته : يا ملائكتي أنتم تصلّون عليه سبعين صلاة ، وأنا اصلّي عليه سبعمائة صلاة.
وإذا صلّى عليّ ولم يتبع بالصلاة عليّ أهل بيتي كان بينها وبين السماء سبعون حجاجاً ، ويقول جلّ جلاله : لا لبيك ولا سعديك ، يا ملائكتي لا تصعدوا دعاءه الاّ أن يلحق بنبيي عترته ، فلا يزال محجوباً حتى يلحق بي أهل بيتي(١) .
وورد في حديث آخر : من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ ، فلم يغفر له ، فأبعده الله(٢) .
وقالصلىاللهعليهوآله : انّ البخيل كلّ البخيل الذي إذا ذكرت عنده لم يصلّ عليّ(٣) .
وقالصلىاللهعليهوآله : من نسي الصلاة عليّ أخطأ طريق الجنّة(٤) .
وروي بسند معتبر عن مالك الجهني انّه قال : ناولت أبا عبدالله الصادقعليهالسلام شيئاً من الرياحين ، فأخذه فشمّه ووضعه على عينيه ، ثم قال : من تناول ريحانة فشمّها ووضعها على عينيه ثم قال : اللهم صلّى على محمد وآل محمد ، لم تقع على
__________________
١ ـ البحار ٩٤ : ٥٦ ح ٣٠ باب ٢٩ ـ عن أمالي الصدوق ـ الوسائل ٤ : ١٢٢٠ ح ١٠ باب ٤٢.
٢ ـ البحار ٩٤ : ٤٧ ح ١ باب ٢٩.
٣ ـ البحار ٩٤ : ٦١ ح ٤٧ باب ٢٩ ـ الوسائل ٤ : ١٢٢١ ح ١٤ باب ٤٢ عن الارشاد.
٤ ـ أمالي الطوسي : ١٤٤ ح ٤٩ مجلس ٥ ـ عنه البحار ٩٤ : ٥٣ ح ٢٠ باب ٢٩.
الأرض حتى يغفر له(١) .
( النجم الثالث )
في علّة عدم استجابة بعض الأدعية
اعلم انّ الله تعالى وعد باستجابة دعاء العباد ، فلا يمكن أن يخلف وعده ، ويمكن الجواب على بعض الأدعية التي لا تستجاب بوجوه :
الوجه الأول : بما انّ الله حكيم حليم فأفعاله تكون منوطة بالحكمة والمصلحة ألبتة ، فالوعد الذي وعده مشروط بالحكمة أي إذا وجدت المصلحة استجيب الدعاء ، كما لو قال كريم : كلّ من طلب مني شيئاً أعطيته ، فيجيء شخص ويقول له : أعطني حية قاتلة وَضَعها في يدي ، أو أعطني سمّاً قاتلاً كي أشربه ، والحال انّ هذا السائل لا يعلم بضررهما وانهما يوجبان هلاكه.
فعدم الاعطاء حينئذٍ أنسب بالكرم بل انّ العطاء جور ، ومن الواضح انّ أكثر أماني الخلائق مضرّة لهم وهم لا يعلمون ويطلبونها جهلاً.
وأشار الامام زين العابدينعليهالسلام في دعاء طلب الحوائج من الصحيفة الكاملة إلى هذا المعنى ، حيث قال :
« يا من لا تبدّل حكمته الوسائل »(٢) .
فان قال قائل : إذا كان الأمر لا يتغير لوجود المصالح فما فائدة الدعاء؟ نقول
__________________
١ ـ أمالي الصدوق : ٢١٩ ح ٧ مجلس ٤٥ ـ عنه البحار ٩٥ : ٣٤٧ ح ٢ باب ١٢٦ ـ الوسائل ١ : ٤٦١ ح ٣ باب ١١٤.
٢ ـ الصحيفة الكاملة ، دعاء رقم ١٣ في طلب الحوائج.
يمكن أن يكون أمر لا مصلحة في اعطائه الاّ بالدعاء أي انّ المصلحة مشروطة بالدعاء ، فالامور اذاً على ثلاثة أقسام ، فبعضها تصلح للعطاء من دون دعاء ، وبعضها الآخر لا تصلح للعطاء حتى بالدعاء ، فهذه لا تعطى مطلقاً.
والقسم الثالث تصلح للعطاء بالدعاء ولولاه لا مصلحة في اعطائها ، فبما انّ الانسان لا يميّز بعقله بين هذه الأمور فلابد أن يدعو ولا ييأس إن لم يجاب إليه ، وليعلم انّ هذا لا مصلحة فيه لذا لم يجبه الله ، كما قال أبو عبداللهعليهالسلام : ادع ولا تقل قد فرغ من الأمر ، فإنّ الدعاء هو العبادة(١) .
وسنذكر تفصيل الكلام بعد هذا.
الوجه الثاني :
ان لكلّ شيء شروطاً وموانع فاذا لم تتوفر الشروط ولم ترفع
الموانع لا تترتب ثمرة على ذلك الفعل ، كما انّ الله تعالى أمر بالصلاة للمغفرة ، وللصلاة شرائط لا تقبل بدونها ، فاذا صلّى شخص من دون وضوء لم يصلّ في الحقيقة ولم يستحق المغفرة ، وكذلك لها موانع تمنع التأثير ، كما قالوا انّ الصلاة توجب القرب ، فلو صلّى أحد وفعل جميع القبائح فتأثير هذه القبائح الموجبة للبعد والحرمان تمنع تأثير الصلاة في القرب....
فللدعاء أيضاً شرائط كما ذكرناها سابقاً كالتضرع والاهتمام والمعرفة ، ورفع الموانع التي مضى ذكرها ، فلو أخلّ بكل منها ولم يستجب دعاؤه لا يكون منافياً لوعد الله تعالى ، ونكتفي بهذا المقدار لذكر الأحاديث المتضمّنة لهذا المعنى سابقاً في باب الشرائط.
الوجه الثالث : انّ الله تعالى قد يستجيب الدعاء لكن يرى المصلحة في
____________
١ ـ الكافي ٢ : ٤٦٧ ح ٥ باب فضل الدعاء والحث عليه.
تأخيره ، أمّا لكونه يضرّ العبد في هذا الوقت ، أو يريد أن يكثر العبد من الدعاء كي يزيده في مراتب القرب ، ولو أعطاه حاجته سريعاً لترك الدعاء ولم يفز بتلك الدرجات العالية ، وقد تستجاب حاجة مؤمن بعد عدة سنوات من دعائه.
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام أنه سئل : يستجاب للرجل الدعاء ثم يؤخر؟ قال : نعم ، عشرين سنة(١) .
وقالعليهالسلام : كان بين قول الله عزّوجلّ :( قَد اُجِبَيت دَّعوَتُكُما ) (٢) وبين أخذ فرعون أربعين عاماً(٣) .
وري بسند صحيح عن ابن أبي نصر انّه قال : قلت لأبي الحسن [ الرضا ]عليهالسلام : جعلت فداك انّي قد سألت الله حاجة منذ كذا وكذا سنة وقد دخل قلبي من ابطائها شيء ، فقال : يا أحمد اياك والشيطان أن يكون له عليك سبيل حتى يقنّطك ، انّ ابا جعفر [ الباقر ]عليهالسلام كان يقول :
« انّ المؤمن يسأل الله عزّوجلّ حاجة ، فيؤخّر عنه تعجيل اجابته حبّاً لصوته ، واستماع نحيبه ».
ثم قال : والله ما أخّر الله عزّوجلّ عن المؤمنين ما يطلبون من هذه الدنيا خير لهم ممّا عجّل لهم فيها ، وأيّ شيء الدنيا ، انّ أبا جعفرعليهالسلام كان يقول : ينبغي للمؤمن أن يكون دعاؤه في الرخاء نحواً من دعائه في الشدة ، ليس إذا اُعطي فتر.
فلا تملّ الدعاء فانّه من الله عزّوجل بمكان ، وعليك بالصبر ، وطلب الحلال ، وصلة الرحم ، وايّاك ومكاشفة الناس فانّا أهل البيت نصل من قطعنا ،
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٤٨٩ ح ٤ باب من أبطأت عليه الاجابة ـ الوسائل ٤ : ١١٠٨ ح ٤ باب ١٩.
٢ ـ يونس : ٨٩.
٣ ـ الكافي ٢ : ٤٨٩ ح ٥ باب من أبطأت عليه الاجابة ـ الوسائل ٤ : ١١٠٨ ح ٢ باب ١٩.
ونحسن إلى من أساء إلينا ، فنرى والله في ذلك العاقبة الحسنة.
انّ صاحب النعمة في الدنيا إذا سأل فاعطي طلب غير الذي سأل ، وصغرت النعمة في عينه ، فلا يشبع من شيء ، واذا كثرت النعم كان المسلم من ذلك على خطر للحقوق التي تجب عليه وما يخاف من الفتنة فيها.
أخبرني عنك لو أنّي قلت لك قولاً أكنت تثق به منّي؟ فقلت له : جعلت فداك إذا لم أثق بقولك فبمن أثق وأنت حجة الله على خلقه؟
قال : فكن بالله أوثق فانّك على موعد من الله ، أليس الله عزّوجل يقول :( وإذا سألك عبادي عني فأني قريب اجيب دعوة الداع إذا دعان ) (١) وقال :( لا تَقنَطَوا مِن رَّحمَةِ اللهِ ) (٢) وقال :( والله يَعِدُكُم مَّغفِرَةَ مِنهُ وَفَضلاً ) (٣) فكن بالله عزّوجلّ أوثق منك بغيره ، ولا تجعلوا في أنفسكم الاّ خيراً فانّه مغفور لكم(٤) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه ربما دعا الرجل بالدعاء فاستجيب ، له ثم اخّر ذلك إلى حين ليزداد من الدعاء(٥) .
وقالعليهالسلام : انّ العبد ليدعو ، فيقول الله عزّوجلّ للملكين : قد استجبت له ولكن احبسوه بحاجته فانّي احبّ أن أسمع صوته ، وانّ العبد ليدعو ، فيقول الله تبارك وتعالى : عجّلو له حاجته ، فانّي أبغض صوته(٦) .
__________________
١ ـ البقرة : ١٨٦.
٢ ـ الزمر : ٥٣.
٣ ـ البقرة : ٢٦٨.
٤ ـ الكافي ٢ : ٤٨٨ ح ١ باب من أبطأت عليه الاجابة ـ الوسائل ٤ : ١١٠٧ ح ١ باب ١٩.
٥ ـ الكافي ٢ : ٤٨٩ ح ٢ باب من أبطأت عليه الاجابة ـ بتغير وتصرّف.
٦ ـ الكافي ٢ : ٤٨٩ ح ٣ باب من أبطأت عليه الاجابة ـ الوسائل ٤ : ١١١٢ ح ٣ باب ٢١.
وقالعليهالسلام : لا يزال المؤمن بخير ورجاء رحمة من الله عزّوجلّ ما لم يستعجل ، فيقنط ويترك الدعاء ، قلت له : كيف يستعجل؟ قال : يقول : قد دعوت منذ كذا وكذا وما أرى الاجابة(١) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : بينا إبراهيم خليل الرحمنعليهالسلام في جبل بيت المقدس يطلب مرعى لغنمه إذ سمع صوتاً ، فإذا هو برجل قائم يصلّي ، طوله اثنا عشر شبراً ، فقال له : يا عبدالله لمن تصلّي؟ قال لإله السماء.
فقال له إبراهيمعليهالسلام : هل بقي أحد من قومك غيرك؟ قال : لا ، قال : فمن أين تأكل؟ قال : أجتني من هذه الشجر في الصيف وأكله في الشتاء ، قال له : فأين منزلك؟ قال : فأومأ بيده إلى جبل.
فقال له إبراهيمعليهالسلام : هل لك أن تذهب بي معك فأبيت عندك الليلة؟ فقال : انّ قدامي ماء لا يخاض ، قال : كيف تصنع؟ قال : أمشي عليه ، قال : فاذهب بي معك فلعلّ الله أن يرزقني ما رزقك.
قال : فأخذ العابد بيده ، فمضيا جميعاً حتى انتهيا إلى الماء ، فمشى ومشى إبراهيمعليهالسلام معه حتى انتهيا إلى منزله ، فقال له إبراهيمعليهالسلام : أيّ الأيّام أعظم؟ فقال له العابد : يوم الدين ، يوم يدان الناس بعضهم من بعض.
قال : فهل لك أن ترفع يدك وأرفع يدي فندعو الله عزّوجلّ أن يؤمننا من شرّ ذلك اليوم؟ فقال : وما تصنع بدعوتي ، فوالله انّ لي لدعوة منذ ثلاث سنين فما اُجبت فيها بشيء.
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٤٩٠ ح ٨ باب من أبطأت عليه الاجابة ـ الوسائل ٤ : ١١٠٧ ح ٣ باب ١٧.
فقال له إبراهيمعليهالسلام : أولاً أخبرك لأيّ شيء احتبست دعوتك؟ قال : بلى ، قال له : أنّ الله عزّوجلّ إذا أحبّ عبداً احتبس دعوته ليناجيه ويسأله ويطلب إليه ، وإذا أبغض عبداً عجّل له دعوته أو ألقى اليأس في قلبه منها.
ثم قال له : وما كانت دعوتك؟ قال : مرّ بي غنم ومعه غلام له ذؤابة ، فقلت : يا غلام لمن هذا الغنم؟ فقال : لابراهيم خليل الرحمن ، فقلت : اللهم ان كان لك في الأرض خليل فأرينه ، فقال له إبراهيم : فقد استجاب الله لك أنا إبراهيم خليل الرحمن ، فعانقه ، فلمّا بعث الله محمداًصلىاللهعليهوآله جاءت المصافحة(١) .
الوجه الرابع : انّ الله تعالى يكرم من طلب حاجة ولم تكن في صلاحه بأضعاف مضاعفة خيراً من تلك الحاجة في الدنيا والآخرة ، فانّه تعالى لم يرد دعاءهم بل قضى حاجتهم بوجه أكمل ، كما لو طلب شخص درهماً من سلطان وأعطاه السلطان درّة تسوى مائة ألف دينار ، فلا يقول عاقل انّ الملك ردّ حاجة السائل ، بل يمدحه باعطائه أضعاف ما طلبه السائل.
فكذلك عند ملك الملوك فإنّ هؤلاء السائلين الجهلة ، يطلبون من الله المطالب الخسيسة ولكن ذلك الكريم على الاطلاق يهب لهم في قبالها نعم لا تنتهي ، ورحمة لا تحد ولا تحصى ، وهم لا يعرفون قدرها ويشكون لعدم حصول تلك المطالب الخسيسة الدنيّة ، لكن ما أعد لهم في الآخرة من الدرجات الرفيعة والمراتب العالية في الجنّة أكثر بكثير مما طلبوه ....
روي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : انّ المؤمن ليدعو الله عزّوجلّ في حاجته ، فيقول الله عزّوجلّ : أخّروا اجابته ، شوقاً إلى صوته ودعائه ، فاذا
__________________
١ ـ البحار ١٢ : ٧٦ ح ١ باب ٤ ـ عن أمالي الصدوق : ٢٤٤ ح ١١ مجلس ٤٩.
كان يوم القيامة قال الله عزّوجلّ : عبدي دعوتني فأخّرت اجابتك وثوابك كذا وكذا ، ودعوتني في كذا وكذا فأخّرت اجابتك وثوابك كذا وكذا.
قال : فيتمنّى المؤمن انّه لم يستجب له دعوة في الدنيا مما يرى من حسن الثواب(١) .
وما يعطيهم الله في الدنيا من مراتب القرب والكمال غير متناهٍ ، وهذه المراتب ملازمة للدعاء.
واعلم يا عزيزي أن الله سبحانه وتعالى يتعامل مع العبيد الجهّال بنوع من اللطف والشفقة يلائم جهلهم ، ويوردهم ساحة كبريائه بالحكمة وبأنواع الفنون وبما يلائم هوى طبعهم الجموح ، كما لو أراد سلطان صيد صقر فإن قال له في البداية : تعال إليّ كي أضعك على يدي واعزّك ، فلا فائدة فيه ، بل لابدّ أن يخدعه بالطعام والأكل كي يألفه ثم يضعه على يده ، وليعود إليه إذا بعثه نحو صيد معين.
وأيضا انّ الأب الشفيق إذ أراد إرسال إبنه إلى المعلم لتعلّم العلوم والحقائق ، فلو أقام له مئات الآلاف من البراهين والأدلة لا يفيد ، بل لابد أن يشوّقه إلى المدرسة أولاً بالطعام والثياب الملونة وما شاكل ، فإذا ذاق لذة الحقائق والحكم سوف لا يردعه عنها أيّ أمر عظيم.
وكذلك هذه الحيوانات العديمة الشعور ، والمغرورين المضاهين للأطفال في الطبع والسيرة ، فبما انّهم لا يعرفون فضلاً وكمالاً ولذة سوى الأكل والشرب واللبس والدينار والدرهم والخيل والحشم وسائر اللذات الجسمية ، فإنّ الحيكم والكريم على الاطلاق مع غاية عظمته واستغنائه وجلاله قد دعاهم إلى ساحته ،
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٤٩٠ ح ٩ باب من أبطأت عليه الاجابة ـ الوسائل ٤ : ١١١٢ ح ٥ باب ٢١.
بأن اطلبوا منّي كلّ ما تريدون حتى ملح طعامكم.
وذلك حتى يأتوا إليه من هذا الطريق ، ويفوزوا بالقرب والمعرفة بالدعاء والتوسل والمناجات ، وليجدوا حلاوة حبّه ، ويلجؤوا إليه في جميع الأمور ، ويصرفوا وجوههم عن الخلق.
ما أكثر هذا الكرم غير المتناهي حيث يوصل الانسان إلى القرب بالماء والملح والطعام وأهواء النفس ، وذاك الجاهل الغبيّ يشكل وينزعج بعدم قضاء حاجته « انّ الانسان لكفور ».
ألا تعلم انّ أصل الدعاء عبادة ، وأنت تعبد الله في ضمنه وتناجي ملك الملوك ، وحصلت على الأجر الأخروي ، ووطأت بساط قرب ربّ الأرباب ، وجعلته أنيساً لك وصاحب سرّك ، وسمعت من يقول « لبيك » من عرش الرفعة بسمع اليقين والايمان ، ولو فهمت معنى المناجات ولذّتها ، وسمعت بقلبك السرّ الخفي ، وأدركت لطف ومحبّة ذلك المحبوب الحقيقي حين التضرّع والدعاء لهانت عليك حوائجك بل نفسك ولنسيتها.
لو أجيز لك الدخول على ملوك الدينا العاجزين ، ورأيت التفاتة مختصرة منهم لنيسيت حوائجك كلّها ، هيات هيهات ، ألا يكفي لهذا الجسم الترابي حيث أجيز بالمكالمة وعرض الحوائج مع ربّ الأرباب مشافهة ، وأودعت مفاتيح خزائن الرحمة في لسانه ، وتكفّلوا أموره ومصالحه ، ويقول له ربّ العزة : أُدع أنت ودع خيرك إليّ ، لكنّه يعصي ويتجاسر عليه بعلمه الناقص وجهله الكامل ويتحكّم أيضاً.
ولولا اضطراب عقولهم بالغفلة لكان الواجب على من سمع هذه الأحاديث
المتواترة حيث يقول ربّ العزّة : « أخّروا اجابته ، شوقاً إلى صوته ودعائه » أن يموت شوقاً على عدم انقضاء حوائجه ، ولا يحوم حول طلبة اُخرى.
ولما كان الكلام دقيقاً ، وكانت العبائر غير موصلة للمعنى ، وكان المطلب وسيعاً نختصر الكلام ونختمه بذكر من يستجاب دعاؤه ومن لا يستجاب.
روي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : ثلاثة دعوتهم مستجابة : الحاج فانظروا كيف تخلفونه ، والغازي في سبيل الله فانظروا كيف تخلفونه ، والمريض فلا تغيظوه ولا تضجروه(١) .
وروي [ عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : ] كان أبيعليهالسلام يقول : خمس دعوات لا تحجبن عن الرب تبارك وتعالى : دعوة الامام المقسط ، ودعوة المظلوم ، يقول الله عزّوجل : لأنتقمنّ لك ولو بعد حين ، ودعوة الولد الصالح لوالديه ، ودعوة الوالد الصالح لولده ، ودعوة المؤمن لاخيه بظهر الغيب ، فيقول : ولك مثله(٢) .
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : اياكم ودعوة المظلوم فانّها ترفع فوق السحاب حتى ينظر الله عزّوجلّ إليها ، فيقول : ارفعوها حتى استجيب له ، واياكم ودعوة الوالد فانّها أحدّ من السيف(٣) .
وقالصلىاللهعليهوآله : أربعة لا تردّ لهم دعوة حتى تفتح لهم أبواب السماء ، وتصير إلى العرش : الوالد لولده ، والمظلوم على من ظلمه ، والمعتمر حتى يرجع ،
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٥٠٩ ح ١ باب من تستجاب دعوته.
٢ ـ الكافي ٢ : ٥٠٩ ح ٢ باب من تستجاب دعوته.
٣ ـ الكافي ٢ : ٥٠٩ ح ٣ باب من تستجاب دعوته.
والصائم حتى يفطر(١) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : ثلاث دعوات لا يحجبن عن الله تعالى : دعاء الوالد لولده إذا برّه ، ودعوته عليه إذا عقّه ، ودعاء المظلوم على ظالمه ، ودعاؤه لمن انتصر له منه ، ورجل مؤمن دعا لأخٍ له مؤمن واساه فينا ، ودعاؤه إذ لم يواسه مع القدرة عليه واضطرار أخيه إليه(٢) .
وروي عنهعليهالسلام بسند معتبر آخر انّه قال : خمسة لا يستجاب لهم : رجل جعل الله بيده طلاق امرأته فهي تؤذيه وعنده ما يعطيها ولم يخل سبيلها ، ورجل أبق مملوكه ثلاث مرّات ولم يبعه ، ورجل مرَّ بحائط مائل وهو يقبل إليه ولم يسرع المشي حتى سقط عليه ، ورجل أقرض رجلاً مالاً فلم يشهد عليه ، ورجل جلس في بيته وقال : اللهم ارزقني ولم يطلب(٣) .
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذر : ]
يا أباذر انّ الله يصلح بصلاح العبد ولده وولد ولده ، ويحفظه في دويرته والدور حوله ما دام فيهم.
انّ مفاد هذه الكلمات الشريفة الترغيب في الصلاح والسداد والعبادة والطاعة ، وانّ الله تعالى يصلح ويسدّد أولاد وذرية عباده الصالحين كي يبقى ذكر خيرهم في الدنيا والآخرة ، وتصل إليهم ثمرة صلاحهم.
ويدفع الله تعالى ببركته البلايا من أقربائه وأصدقائه وجيرانه بل يدفع بهم البلاء عن بلادهم ، كما روي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : انّ
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٥١٠ ح ٦ باب من تستجاب دعوته.
٢ ـ أمالي الطوسي : ٢٨٠ ح ٧٩ مجلس ١٠ ـ عنه البحار ٩٣ ـ ٣٥٦ ح ٦ باب ٢٢.
٣ ـ الخصال : ٢٩٩ ح ٧١ باب ٥ ـ عنه البحار ٩٣ : ٣٥٦ ح ١٠ باب ٢٢.
الله تبارك وتعالى إذا رأى أهل قرية قد أسرفوا في المعاصي وفيها ثلاثة نفر من المؤمنين ، ناداهم جلّ جلاله وتقدّست أسماؤه :
« يا أهل معصيتي لولا من فيكم من المؤمنين المتحابّين بجلالي ، العامرين بصلاتهم أرضي ، ومساجدي ، والمستغفرين بالأسحار خوفاً منّي ، لأنزلت بكم عذابي ثم لا اُبالي »(١) .
__________________
١ ـ البحار ٨٧ : ١٣٧ ضمن حديث ٣ باب ٧٥.
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذررحمهالله ] :
يا أباذر انّ ربك عزّوجلّ يباهي الملائكة بثلاثة نفر : رجل في أرض قفر فيؤذّن ثم يقيم ثم يصلّي ، فيقول ربك للملائكة : انظروا إلى عبدي يصلّي ولا يراه أحد غيري ، فينزل سبعون ألف ملك يصلّون ورائه ، ويستغفرون له إلى الغد من ذلك اليوم.
ورجل قام من الليل فصلّى وحده ، فسجد ونام وهو ساجد ، فيقول تعالى : انظروا إلى عبدي روحه عندي وجسده ساجد.
ورجل في زحف يفر أصحابه ويثبت هو يقاتل حتى يقتل.
ا علم انّه وردت أحاديث في مدح اخفاء العبادة ، فقد روي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : أعظم العبادة أجراً أخفاها(١) .
وفي حديث آخر : العمل الصالح إذا كتمه العبد وأخفاه أبى الله عزّوجلّ الاّ أن يظهره ليزيّنه به مع ما يدّخر له من ثواب الآخرة(٢) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : أحبّ الأعمال إلى الله عزّوجلّ الصلاة وهي آخر وصايا الأنبياء ، فما أحسن الرجل يغتسل أو يتوضّأ ، فيسبغ الوضوء ثم يتنحّى حيث لا يراه أنيس ، فيشرف الله عليه وهو راكع أو ساجد.
انّ العبد إذا سجد فأطال السجود نادى ابليس : يا ويله أطاعوا وعصيت ،
____________
١ ـ قرب الاسناد : ١٣٥ ح ٤٧٥ ـ عنه البحار ٧٠ : ٢٥١ ح ١ باب ٥٥.
٢ ـ البحار ٧٨ : ٤٤٥ ضمن حديث ١ باب ٣٣.
وسجدوا وأبيت(١) .
وهناك أحاديث كثيرة تدلّ على انّ اتيان العبادات الواجبة كالصلاة الواجبة ، والزكاة وغيرها علانية أفضل كي لا يُتّهم الانسان بترك الواجبات ، ويسبّب رغبة الآخرين ، ولا يكون فيها رياء لأنّها حقٌّ واجبٌ ولازم ، ولا فخر ولا رياء في أداء الحقوق الواجبة.
كما روي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : كلّما فرض الله عليك فإعلانه أفضل من إسراره ، وكلّما كان تطوّعاً فإسراره أفضل من اعلانه ، ولو انّ رجلاً يحمل زكاة ماله على عاتقه فقسّمها علانية كان ذلك حسناً جميلاً(٢) .
وبهذا المضمون أحاديث كثيرة سيّما اتيان الصلاة الواجبة جماعة في المساجد والمجامع ولها فضل غير متناه ، وما ورد في اخفاء العبادة انّما هو في العبادات المستحبة ، أو يكون المراد عدم إذاعتها للناس سمعةً وعدم الافتخار بها.
وما ورد في هذا الحديث بما انّه يشتمل على الأذان والإقامة لا يمكن حمله على الصلاة المستحبة ، لأنّ الأذان والإقامة فيها بدعة ، فيحمل على انّه بقي في الصحراء وحيداً ومع وحدته لم ينس الله تعالى بل يتوجه نحو العبادة بالآداب والشرائط.
والله تعالى يتدارك له بأذانه وإقامته ، فيرسل ملائكة تقتدي به كي لا يفوته ثواب الجماعة ، وهذا لا يعني انّ الانسان يترك الجماعة اختياراً ويذهب إلى الصحراء حيث لا يوجد أحد ، فيحرم نفسه من فضل الجماعة.
__________________
١ ـ الوسائل ٣ : ٢٦ ح٢ باب ١٠ ـ الكافي ٣ : ٢٦٤ ح ٢ باب فضل الصلاة.
٢ ـ الوسائل ٦ : ٢١٥ ح ١ باب ٥٤.
واعلم انّ صلاة الليل سنّة وطريقة الأنبياء وأولياء الله ، وتشتمل على فضائل لا نهاية لها ، وبما انّ الانسان حين المناجات مع قاضي الحاجات في النهار يكون مشغول البال للمشاغل الدنيوية ، ولا يحصل عنده حضور القلب ، وبما انّ الناس يطّلعون على أحواله فيصعب عليه الاخلاص.
لكنه بعد نومه في أول الليل وقيامه في آخره تكون نفسه خالية من التخيلات والوساوس ، ويسهل عليه حضور القلب ، ويكون العمل أقرب للاخلاص لعدم اطلاع أحد عليه ، كما يقول الله تعالى :
( اِنّ نَاشِئَةَ الَّيلِ هِيَ أَشَدُّ وَطئَاً وَأَقوَمُ قِيلاً ) (١) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام في تفسير هذه الآية انّه قال : يعني بقوله : « وأقوم قيلاً » قيام الرجال عن فراشه بين يدي الله عزّوجلّ لا يريد به غيره(٢) .
مع انّ لله على عباده في ظلام ذلك الليل أنوار وفيوضات ورحمات يجد لذتها المتعبدون.
وروي بأسانيد كثيرة عن النبي والأئمةعليهمالسلام انّ شرف المؤمن صلاته بالليل ، وعزّه كفّ الأذى عن الناس(٣) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : عليكم بصلاة الليل فانّها سنّة نبيكم ، ودأب الصالحين قبلكم ، ومطردة الداء عن أجسادكم.
وقال أبو عبداللهعليهالسلام : صلاة الليل تبيّض الوجه ، وصلاة الليل تطيّب
__________________
١ ـ المزمل : ٦.
٢ ـ البحار ٨٧ : ١٤٨ ضمن حديث ٢٢ باب ٧٥.
٣ ـ البحار ٨٧ : ١٤١ ح ١٠ و١١ باب ٧٥ ـ عن الخصال.
الريح ، وصلاة الليل تجلب الرزق(١) .
وقالعليهالسلام : المال والبنون زينة الحياة الدنيا ، وثمان ركعات من آخر الليل [ والوتر ] زينة الآخرة(٢) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه جاءه رجل فشكا إليه الحاجة ، فأفرط في الشكاية حتى كاد أن يشكوا الجوع ، فقال لهعليهالسلام : يا هذا أتصلّي بالليل؟ قال : فقال الرجل : نعم.
قال : فالتفت أبو عبداللهعليهالسلام إلى أصحابه فقال : كذب من زعم انّه يصلّي بالليل ويجوع بالنهار ، انّ الله عزّوجل ضمن بصلاة الليل قوت النهار(٣) .
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام : قيام الليل مصحّة للبدن ، ومرضاة للرب عزّ وجلّ ، وتعرّض للرحمة ، وتمسّك بأخلاق النبيين(٤) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : انّ العبد ليقوم في الليل فيميل به النعاس يميناً وشمالاً ، وقد وقع ذقنه على صدره ، فيأمر الله تبارك وتعالى أبواب السماء ، فتفتح ثم يقول لملائكته : انظروا إلى عبدي ما يصيبه في التقرب إليّ بما لم أفرض عليه راجياً منّي لثلاث خصال :
« ذنباً أغفره ، أو توبة اجدّدها ، أو رزقاً أزيده فيه ، اشهدكم ملائكتي انّي قد جمعتهنّ له »(٥) .
__________________
١ ـ البحار ٨٧ : ١٤٩ ح ٢٥ باب ٧٥ ـ عن ثواب الأعمال.
٢ ـ معاني الأخبار : ٣٢٤ ح ١ ـ عنه البحار ٨٧ : ١٥٠ ح ٢٦ باب ٧٥.
٣ ـ البحار ٨٧ : ١٥٣ ح ٣١ باب ٧٥ ـ عن ثواب الأعمال.
٤ ـ البحار ٨٧ : ١٤٤ ضمن حديث ١٧ باب ٧٥ ـ عن ثواب الأعمال.
٥ ـ البحار ٨٧ : ١٤٨ ضمن حديث ٢٢ باب ٧٥ ـ عن علل الشرائع.
وقالعليهالسلام : صلاة الليل تحسن الوجه ، وتحسن الخلق ، وتطيّب الريح ، وتدرّ الرزق ، وتقضي الدين ، وتذهب بالهمّ وتجلوا البصر(١) .
وقالعليهالسلام : انّ البيوت التي يصلّى فيها بالليل بتلاوة القرآن ، تضيء لأهل السماء كما يضيء نجوم السماء لأهل الأرض(٢) .
وقالعليهالسلام في قول الله عزّوجلّ :( اِنَّ الحَسَنَاتِ يُذهِبنَ السَّيَّئَاتِ ) (٣) قال : صلاة المؤمن بالليل تذهب بما عمل من ذنب النهار(٤) .
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : من رزق صلاة الليل من عبد أو أمة ، قام لله عزّوجلّ مخلصاً ، فتؤضّأ وضوءاً سابغاً ، وصلّى لله عزّوجلّ بنيّة صادقة ، وقلب سليم ، وبدن خاشع ، وعين دامعة ، جعل الله تبارك وتعالى خلفه تسعة صفوف من الملائكة ، في كلّ صفّ ما لا يحصي عددهم الاّ الله تعالى ، أحد طرفي كلّ صفّ في المشرق والآخر بالمغرب ، قال : فاذا فرغ كتب له بعددهم درجات(٥) .
وعنهصلىاللهعليهوآله قال : انّ العبد إذا تخلّى بسيّده في جوف الليل المظلم وناجاه ، أثبت الله النور في قلبه ، فاذا قال : يا رب يا رب ، ناداه الجليل جلّ جلاله : لبيك عبدي ، سلني اُعطيك ، وتوكل عليّ أكفك.
ثم يقول جلّ جلاله لملائكته : ملائكي أُنظروا إلى عبدي فقد تخلّى في
__________________
١ ـ البحار ٨٧ : ١٥٣ ضمن حديث ٣١ باب ٧٥ ـ عن ثواب الأعمال.
٢ ـ البحار ٨٧ : ١٥٣ ح ٣٢ باب ٧٥ ـ عن ثواب الأعمال.
٣ ـ هود : ١١٤.
٤ ـ البحار ٨٧ : ١٤٨ ضمن حديث ٢٣ باب ٧٥ ـ عن علل الشرائع.
٥ ـ البحار ٨٧ : ١٣٦ ح ٣ باب ٧٥ عن أمالي الصدوق.
جوف هذا الليل المظلم ، والبطالون لاهون ، والغافلون نيام ، اشهدوا انّي قد غفرت له(١) .
وقالصلىاللهعليهوآله : ما زال جبرئيل يوصيني بقيام الليل حتى ظننت انّ خيار امتي لن يناموا(٢) .
وقالصلىاللهعليهوآله لعليّعليهالسلام : يا عليّ ثلاث فرحات للمؤمن في الدنيا : لقاء الاخوان ، والافطار من الصيام ، والتهجد من آخر الليل(٣) .
وقالصلىاللهعليهوآله : ما اتخذ الله إبراهيم خليلاً الاّ لاطعامه الطعام ، وصلاته بالليل والناس نيام(٤) .
وروي بسند صحيح عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يبيتنّ الاّ بوتر(٥) .
وروي انّه جاء رجل إلى أمير المؤميننعليهالسلام فقال : يا أمير المؤمنين انّي قد حرمت الصلاة بالليل ، فقال أمير المؤمنينعليهالسلام : أنت رجل قد قيّدتك ذنوبك(٦) .
وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : الركعتان في جوف الليل أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها(٧) .
وعنهصلىاللهعليهوآله قال : قالت أُمّ سليمان بن داود لسليمانعليهالسلام : اياك
__________________
١ ـ البحار ٨٧ : ١٣٧ ح ٤ باب ٧٥ عن أمالي الصدوق.
٢ ـ البحار ٨٧ : ١٣٩ ضمن حديث ٧ باب ٧ عن أمالي الصدوق.
٣ ـ الخصال : ١٢٥ ضمن حديث ١٢١ باب ٣ ـ عنه البحار ٨٧ : ١٤٢ ح ١٣ باب ٧٥.
٤ ـ البحار ٨٧ : ١٤٤ ح ١٨ باب ٧٥ عن علل الشرائع.
٥ ـ البحار ٨٧ : ١٤٥ ح ١٩ باب ٧٥ عن علل الشرائع.
٦ ـ البحار ٨٧ : ١٤٦ ضمن حديث ١٩ باب ٧٥ عن علل الشرائع.
٧ ـ البحار ٨٧ : ١٤٨ ح ٢٣ باب ٧٥ عن علل الشرائع.
وكثرة النوم بالليل ، فإنّ كثرة النوم بالليل تدع الرجل فقيراً يوم القيامة(١) .
وروي بسند معتبر انّ رجلاً سأل عليّ بن أبي طالبعليهالسلام عن قيام الليل بالقرآن ، فقال له : أبشر من صلّى من الليل عُشر ليلة لله مخلصاً ابتغاء مرضات الله قال الله عزّوجلّ لملائكة : اكتبو لعبدي هذا من الحسنات عدد ما أنبت في الليل من حبّة وورقة وشجرة ، وعدد كلّ قصبة وخوط(٢) ومرعى.
ومن صلّى تُسع ليلة أعطاه الله عشر دعوات مستجابات ، وأعطاه كتابه بيمينه يوم القيامة ، ومن صلّى ثُمن ليلة خرج من قبره يوم يبعث ووجهه كالقمر ليلة البدر حتى يمرّ على الصراط مع الآمنين ، ومن صلّى سدس ليلة كتب من الأوّابين ، وغفر له ما تقدّم من ذنبه.
ومن صلّى خُمس ليلة زاحم إبراهيم خليل الرحمن في قبته ، ومن صلّى ربع ليلة كان في أوّل الفائزين حتى يمرّ على الصراط كالريح العاصف ، ويدخل الجنّة بغير حساب ، ومن صلّى ثلث ليلة لم يبق ملك الاّ غبطه بمنزلته من الله عزّوجلّ وقيل : ادخل من أيّ أبواب الجنّة الثمانية شئت.
ومن صلّى نصف ليلة فلو أعطى ملء الأرض ذهباً سبعين ألف مرّة لم يعدل جزاءه ، وكان له ذلك أفضل من سبعين رقبة يعتقها من ولد إسماعيل ، ومن صلّى ثلثي ليلة كان له من الحسنات قدر رمل عالج ، أدناها حسنة أثقل من جبل أحد عشر مرّات.
ومن صلّى ليلة مائة تامة تالياً لكتاب الله عزّوجلّ ، راكعاً ساجداً وذاكراً اُعطي من
__________________
١ ـ الخصال : ٢٨ ح ٩٩ باب ١ ـ عنه البحار ٨٧ : ١٥٢ ح ٢٩ باب ٧٥.
٢ ـ الخوط ـ بالضم ـ : الغصن الناعم لسنة ، أو كلّ قضيب.
الثواب ما أدناه يخرج من الذنوب كما ولدته امّه ، ويكتب له عدد ما خلق الله من الحسنات ، ومثلها درجات ، ويثبت النور في قبره ، وينزع الاثم والحسد من قلبه ، ويجار من عذاب القبر ، ويعطى براءة من النار ، ويبعث من الآمنين.
ويقول الرب تبارك وتعالى لملائكته : ملائكتي انظروا إلى عبدي أحيا ليلة ابتغاء مرضاتي ، أسكنوه الفردوس ، وله مائة ألف مدينة ، في كلّ مدينة جميع ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ، وما لا يخطر على بال سوى ما أعددت له من الكرامة والمزيد والقربة(١) .
والأحاديث في هذا الباب كثيرة ، وقد ذكر كيفية صلاة الليل وأدعيتها في كتب الدعاء والحديث فليرجع الطالب إليها ، وقد ألّف والديرحمهالله رسالات صغيرة وكبيرة في هذا الباب ولو ذكرنا هنا كيفيات وأحكام العبادات لطال بنا المقام.
__________________
١ ـ البحار ٨٧ : ١٧٠ ح ٤ باب ٧٧ ـ عن أمالي الصدوق : ٢٤٠ ح ١٦ مجلس ٤٨.
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذررحمهالله ] :
يا أباذر ما من رجل يجعل جبهته في بقاع الأرض الاّ شهدت له بها يوم القيامة ، وما من منزل ينزله قوم الاّ وأصبح ذلك المنزل يصلى عليهم أو يلعنهم.
يا أباذر ما من صباح ولا رواح الاّ وبقاع الأرض ينادي بعضها بعضاً : يا جارتي هل مرّ بك ذاكر لله ، أو عبد وضع جبهته عليك ساجداً لله؟ فمن قائلة : لا ، ومن قائلة : نعم ، فاذا قالت : نعم ، اهتزّت وابتهجت ، وترى أنّ لها الفضل على جارتها.
اعلم انّ الانسان احاطه الغرور بحيث أصبحت الجمادات أكثر وعياً منه وأعرف قدراً لعبادة الله تعالى وطاعته ، ويمكن توجيه هذه الأخبار بوجوه.
الأول : أن تحمل على حقيقتها ، وانّ للجمادات شعور ضعيف : كما يقول الله تعالى :( وَاِن مِن شَيءٍ اِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفقَهُونَ تَسبِيحَهُم ... ) (١) .
الثاني : انّ هذا الكلام مقدّر ، أي انّها لو كانت تشعر لقالت هكذا.
الثالث : أن يكون المراد من بقاع الأرض سكّان تلك البقاع من الملائكة وصالحي الجن ، العابدين الله فيها ، وروي بسند معتبر انّ أبا عبداللهعليهالسلام سئل : يصلّى الرجل نوافله في موضع أو يفرّقها؟ فقال : لا بل يفرّقها هاهنا وهاهنا ، فانّها تشهد له يوم القيامة(٢) .
__________________
١ ـ الاسراء : ٤٤.
٢ ـ الكافي ٣ : ٤٥٥ ح ١٨ باب تقديم النوافل
وروي بأسانيد معتبرة انّه : ما اجتمع قوم في مجلس لم يذكروا الله ولم يذكرونا ، الاّ كان ذلك المجلس حسرة عليهم يوم القيامة(١) .
__________________
١ ـ البحار ٧٥ : ٤٦٨ ح ٢٠ باب ٩٥ ـ عن عدّة الداعي.
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذررحمهالله ] :
يا أباذر انّ الله جلّ ثناؤه لما خلق الأرض وخلق ما فيها من الشجر لم تكن في الأرض شجرة يأتيها بنو آدم الاّ أصابوا منها منفعة ، فلم تزل الأرض والشجر كذلك حتى تكلّم فجرة بني آدم بالكلمة العظيمة ، قالوا : «اتخذ الله ولداً » فلمّا قالوها اقشعرّت الأرض ، وذهبت منفعة الأشجار.
يقول الله تعالى :( تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرنَ مِنهُ وَتنشَقُّ الأَرضُ وَتَخِرُّ الجِبَالُ هَدّاً * أن دَعَوا لِلرَّحمَنِ وَلَداً ) (١) .
ولقد تكلم كفّار قريش بهذه الكلمة الشنيعة حيث زعموا أن البنات أولاد الله تعالى ، وجعلت اليهود عزيراً ابن الله ، وجعلت المسيح عيسى ابن الله ، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
روي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : لم يخلق الله عزّوجلّ شجرة الاّ ولها ثمرة تؤكل ، فلما قال الناس : «اتخذ الله ولداً » أذهب نصف ثمرها ، فلمّا اتخذوا مع الله الهاً شاك الشجر(٢) .
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : انّ نبياً من أنبياء الله بعثه الله تعالى إلى قومه ، فبقي فيهم أربعين سنة فلم يؤمنوا به ، فكان لهم عيد في كنيسة
____________
١ ـ مريم : ٩٠.
٢ ـ علل الشرائع : ٥٧٣ ح ١ باب ٣٧٤ ـ عنه البحار ٦٦ : ١١٢ ح ٣ باب ١.
فاتبعهم ذلك النبي ، فقال لهم : آمنوا بالله.
قالوا له : ان كنت نبيّاً فادع لنا الله أن يجيئنا بطعام على لون ثيابنا ، وكانت ثيابهم صفراء ، فجاء بخشبة يابسة ، فدعا الله تعالى عليها ، فاخضرت وأينعت وجاء بالمشمش حملاً.
فأكلوا ، فكلّ من أكل ونوى أن يسلم على يد ذلك النبيّ خرج ما في جوف النوى من فيه حلواً ، ومن نوى انّه لا يسلم خرج ما في جوف النوى من فيه مرّاً(١) .
وملخص هذه الكلمات انّ الانسان يحرم نفسه من الرحمة الظاهرية والمعنويّة بأعماله السيئة من القول والفعل ، وكما شاك الشجر الظاهري بأفعال الانسان القبيحة ، فكذلك لم تثمر ولم تفد الأشجار المعنوية من العلم والكمالات النابتة في مزارع الصدور وبساتين القلوب.
ولمّا جاء الشيطان بالتصوف الباطل ، وأذاعه بين الناس ، وجعل الله تعالى متّحداً مع كل دنّي ووضيع اقشعرّت قلوب العلماء ، والناس تركوهم ولم يستفيدوا من ثمرات علمهم وحكمتهم ، وصار الجهل بين الناس كمالاً ، وقد شبه الله الكلمة الطيبة بالشجرة حيث قال :
( أَلم تَرَ كَيفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبِةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصلُهَا ثَابِتٌ وَفَرعُها فِي السَّمَاءِ *تُوتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِاذنِ رَبِّها وَيَضرِبُ اللهُ الامثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُم يَتَذَكَّرُون *وَمَثَلُ كِلمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اُجتَثَّت مِن فَوقِ الأرضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ) (٢) .
ووجه انطباق هذا التمثيل على العقلاء ظاهر بأنّ الايمان والعقائد الحقّة
__________________
١ ـ علل الشرائع : ٥٧٣ ح ١ باب ٣٧٥ ـ عنه البحار ٦٦ : ١٩٠ ح ٣ باب ١٤.
٢ ـ إبراهيم : ٢٤ و٢٥ و٢٦.
ثابتة الأصل والجذر لا تتزلزل بالتشكيكات والتسويلات ولا تزول ، كما أنّ مذهب الشيعة الحقّ ما زال مع أعدائه الأقوياء ، وانّ المذاهب الباطلة بقيت أياماً ثمّ اضمحلّت في أقلّ زمان.
فشجرة الحق ثابتة الجذر والأصل وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين باذن الله من العبادات والمعارف والكمالات ، والأشقياء محرومون منها.
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذررحمهالله ] :
يا أباذر انّ الأرض لتبكي على المؤمن إذا مات أربعين صباحاً.
تجري هنا نفس الاحتمالات الجارية في الفقرة السابقة ، مع انّ المجاز هنا انّه لو اريد ذكر ميتٍ بعظمةٍ أن يقال : تبكي عليه السماوات والأرض ، لكن عدم تأويل هذه الأخبار وحملها على ظاهرها أقرب للاحتياط.
روي بسند معتبر عن موسى بن جعفرعليهالسلام انّه قال : إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة وبقاع الأرض التي كان يعبد الله عليها ، وأبواب السماء التي كان يصعد فيها بأعماله ، وثلم في الإسلام ثلمة لا يسدّها شيء ، لأنّ المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام كحصن سور المدينة لها(١) .
واعلم انّ فضل المؤمن أكثر من أن يحدّ ويحصى ، كما روي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : انّ الله عزّوجلّ لا يوصف ، وكيف يوصف وقال في كتابه :( مَا قَدَرُوا اللهََ حَقَّ قَدرِهِ ) (٢) فلا يوصف بقدر الاّ كان أعظم من ذلك.
وانّ النبيّصلىاللهعليهوآله لا يوصف ، وكيف يوصف عبد احتجب الله عزّوجلّ بسبع ، وجعل طاعته في الأرض كطاعته في السماء ، فقال :( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُم عَنهُ فَانتَهُوا ) (٣) ومن أطاع هذا فقد أطاعني ، ومن عصاه فقد
__________________
١ ـ الكافي ١ : ٣٨ ح ٣ باب فقد العلماء.
٢ ـ الحج : ٧٤.
٣ ـ الحشر : ٧.
عصاني ، وفوّض إليه.
وانّا لا نوصف ، وكيف يوصف قوم رفع الله عنهم الرجس وهو الشك ، والمؤمن لا يوصف ، وانّ المؤمن ليلقى أخاه فيصافحه ، فلا يزال الله ينظر اليهما والذنوب تتحاتّ عن وجوههما كما يتحاتّ الورق عن الشجر(١) .
وروي [ عن إسحاق بن عمار ] ، عن أبي عبداللهعليهالسلام أنّه قال : انّ المؤمنين إذا اعتنقا غمرتهما الرحمة ، فاذا التزما لا يريدان بذلك الاّ وجه الله ، ولا يريدان غرضاً من أغراض الدنيا قيل لهما : مغفوراً لكما فاستأنفا ، فاذا أقبلا على المساءلة قالت الملائكة بعضها لبعض : تنحّوا عنهما فإنّ لهما سرّاً وقد ستر الله عليهما.
[ قال إسحاق : ] فقلت : جعلت فداك لا يكتب عليهما لفظهما وقد قال الله عزّ وجلّ :( مَا يَلفِظُ مِن قَولٍ اِلاَّ لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) (٢) .
قال : فتنفّس أبو عبداللهعليهالسلام الصعداء ، ثم بكى حتى اخضلّت دموعه لحيته وقال : يا إسحاق انّ الله تبارك وتعالى انّما أمر الملائكة أن تعتزل عن المؤمنين إذا التقيا اجلالاً لهما ، وانّه وان كانت الملائكة لا تكتب لفظهما ولا تعرف كلامهما ، فانّه يعرفه ويحفظه عليهما عالم السرّ وأخفى(٣) .
وروى عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : انّ الله عزّوجلّ أعطى المؤمن ثلاث خصال : العزّة في الدنيا ، والفلح في الآخرة ، والمهابة في صدور الظالمين(٤) .
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام : المؤمن يتقلب في خمسة من النور : مدخله نور ،
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ١٨٢ ح ١٦ باب المصافحة.
٢ ـ ق : ١٨.
٣ ـ الكافي ٢ : ١٨٤ ح ٢ باب المعانقة.
٤ ـ الخصال : ١٥٢ ح ١٨٧ باب ٣.
ومخرجه نور ، وعلمه نور ، وكلامه نور ، ومنظره يوم القيامة إلى النور(١) .
وروي بسند معتبر انّه كان قوم من خواص الصادقعليهالسلام جلوساً بحضرته في ليلة مقمرة مصحية ، فقالوا : يا ابن رسول الله ما أحسن أديم هذه السماء ، وأنور هذه النجوم والكواكب؟
فقال الصادقعليهالسلام : انكم لتقولون هذا وانّ المدبّرات الأربعة جبرئيل وميكائيل واسرافيل وملك الموتعليهمالسلام ينظرون إلى الأرض فيرونكم واخوانكم في أقطار الأرض ونوركم إلى السماوات واليهم أحسن من نور هذه الكواكب ، وانّهم ليقولون كما تقولون : ما أحسن أنوار هؤلاء المؤمنين(٢) .
وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : انّ المؤمن يعرف في السماء كما يعرف الرجل أهله وولده ، وانّه لأكرم على الله عزّوجلّ من ملك مقرّب(٣) .
وقالصلىاللهعليهوآله : المؤمن ينظر بنور الله(٤) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : انّما سمّي المؤمن لأنّه يؤمن من عذاب الله تعالى ، ويؤمن على الله يوم القيامة فيجيز له(٥) .
وكما يظهر من الأحاديث المعتبرة انّ الأعمال دخيلة في الايمان ، وانّ ارتكاب الكبائر وترك الفرائض يخرجان من الايمان ، كما أشرنا إليه سابقاً على وجه الاجمال ، وقد يعبّر عن العبد المخلص بالمؤمن ، وقد يعبّر عنه بالشيعي أو
__________________
١ ـ الخصال : ٢٧٧ ح ٢٠ باب ٥ ـ عنه البحار ٦٨ : ١٧ ح ٢٤ باب ١٥.
٢ ـ البحار ٦٨ : ١٨ ح ٢٥ باب ١٥ ـ عن عيون أخبار الرضاعليهالسلام .
٣ ـ البحار ٦٨ : ١٨ ح ٢٦ باب ١٥ ـ عن عيون أخبار الرضاعليهالسلام .
٤ ـ البحار ٦٧ : ٧٥ ح ٩ باب ٢ ـ عن عيون أخبار الرضاعليهالسلام .
٥ ـ البحار ٦٧ : ٦٣ ح ٧ باب ١ ـ عن قضاء الحقوق للصوري.
وليّ الله ، وقد يطلقون المؤمن والشيعي على من كمل اعتقاده وصحّ.
فلا وجه للاغترار بالأحاديث الواردة في فضل المؤمن والشيعي ، والأجر المذخور لهم ، ولو رجع شخص إلى الأحاديث الواردة في صفات المؤمنين والشيعة لعلم قلّتهم ، كما روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : المؤمن أعزّ من الكبريت الأحمر(١) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : ينبغي للمؤمن أن يكون فيه ثماني خصال :
« وقوراً عند الهزاهز ، صبوراً عند البلاء ، شكوراً عند الرخاء ، قانعاً بما رزقه الله ، لا يظلم الأعداء ولا يتحامل للأصدقاء ، بدنه منه في تعب والناس منه في راحة ، انّ العلم خليل المؤمن ، والحلم وزيره ، والعقل أمير جنوده ، والرفق أخوه ، والبرّ والده »(٢) .
وروي عن علي بن الحسينعليهالسلام انّه قال : المؤمن يصمت ليسلم ، وينطق ليغنم ، لا يحدّث أمانته الأصدقاء ، ولا يكتم شهادته من الأعداء(٣) ، ولا يعمل شيئاً من الخير رياء ، ولا يتركه حياء ، ان زكّي خاف ممّا يقولون ويستغفر الله لما لا يعلمون ، لا يغرّه قول من جهله ، ويخاف احصاء ما عمله(٤) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : المؤمن له قوّة في دين ، وحزم في لين ، وايمان في يقين ، وحرص في فقه ، ونشاط في هدى ، وبرّ في استقامة ، وعلم
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٢٤٢ ح ٢ ـ عنه البحار ٦٧ : ١٥٩ ح ٣ باب ٨.
٢ ـ الكافي ٢ : ٤٧ ح ١ ـ عنه البحار ٦٧ : ٢٦٨ ح ١ باب ١٤.
٣ ـ في الكافي والبحار : « من البعداء ».
٤ ـ الكافي ٢ : ٢٣١ ح ٣ ـ عنه البحار ٦٧ : ٢٧٠ ح ٢ باب ١٤.
في حلم ، وكيس في رفق ، وسخاء في حقّ ، وقصد في غنى ، وتجمّل في فاقة ، وعفو في قدرة ، وطاعة في نصيحة ، وانتهاء في شهوة ، وورع في رغبة ، وحرص في جهاد ، وصلاة في شغل ، وصبر في شدّة.
وفي الهزاهز وقور ، وفي المكاره صبور ، وفي الرخاء شكور ، ولا يغتاب ، ولا يتكبر ، ولا يقطع الرحم ، وليس بواهن ، ولا فظّ ، ولا غليظ ، ولا يسبقه بصره ، ولا يفضحه بطنه ، ولا يغلبه فرجه ، ولا يحسد الناس.
يُعَيَّر ولا يُعَيِّر ، ولا يسرف ، ينصر المظلوم ، ويرحم المسكين ، نفسه منه في غناء ، والناس منه في راحة ، لا يرغب في عزّ الدنيا ، ولا يجزع من ذلّها ، للناس همّ قد أقبلوا عليه ، وله همّ قد شغله ، لا يُرى في حكمه نقص ، ولا في رأيه وهن ، ولا في دينه ضياع ، يرشد من استشاره ، ويساعد من ساعده ، ويكيع(١) عن الخنا والجهل(٢) .
وروي بسند معتبر انّ أمير المؤمنينعليهالسلام سأل رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن صفات المؤمن ، فقالصلىاللهعليهوآله :
« عشرون خصلة في المؤمن فإن لم تكن فيه لم يكمل ايمانه ، انّ من أخلاق المؤمنين يا علي الحاضرون الصلاة ، والمسارعون إلى الزكاة ، والمطعمون المسكين ، الماسحون رأس اليتيم ، المطهرون أطمارهم(٣) ، المتزرون على أوساطهم.
الذين ان حدّثوا لم يكذبوا ، وإذا وعدوا لم يخلفوا ، وإذا ائتمنوا لم يخونوا ،
__________________
١ ـ أي يهرب عن الفحش في القول والجهل والسفاهة.
٢ ـ الكافي ٢ : ٢٣١ ح ٤ ـ عنه البحار ٦٧ : ٢٧١ ح ٣ باب ١٤.
٣ ـ أي ثيابهم البالية بالغسل أو بالتشمير.
وإذا تكلّموا صدقوا ، رهبان بالليل ، اُسد بالنهار ، صائمون النهار ، قائمون الليل ، لا يؤذون جاراً ، ولا يتأذّى بهم جار ، الذين مشيهم على الأرض هون ، وخطاهم الى بيوت الأرامل وعلى أثر الجنائز ، جعلنا الله وإياكم من المتقين »(١) .
وقال أبو عبداللهعليهالسلام : انّ شيعة علي كانوا خمس البطون ، ذبل الشفاه ، أهل رأفة وعلم وحلم ، يعرفون بالرهبانية ، فأعينوا على ما أنتم عليه بالورع والاجتهاد(٢) .
وقال أبو جعفر الباقرعليهالسلام : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده انّ المؤمن من ائتمنه المسلمون على أموالهم وأنفسهم(٣) .
وقال أبو عبداللهعليهالسلام : المؤمنون هيّنون ، ليّنون كالجمل الأنف(٤) ان قيد انقاد ، وان أُنيخ على صخرة استناخ(٥) .
وقالعليهالسلام في حديث آخر : ثلاثة من علامات المؤمن : العلم بالله ، ومن يحبّ ، ومن يكره(٦) .
وروي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : صلّى أمير المؤمنينعليهالسلام بالناس الصبح بالعراق ، فلمّا انصرف وعظهم ، فبكى وأبكاهم من خوف الله.
ثم قال : أما والله لقد عهدت أقواماً على عهد خليلي رسول الله صلّى الله عليه وآله
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٢٣٢ ح ٥ ـ عنه البحار ٦٧ : ٢٧٦ ح ٤ باب ١٤ ـ مثله أمالي الصدوق : ٤٣٩ ح ١٦ مجلس ٨١.
٢ ـ الكافي ٢ : ٢٣٣ ح ١٠ ـ عنه البحار ٦٨ : ١٨٨ ح ٤٣ باب ١٩ ـ مثله صفات الشيعة : ٩ ح ١٨.
٣ ـ الكافي ٢ ٢٣٣ ح ١٢ ـ عنه البحار ٦٧ : ٣٥٤ ح ٥٦ باب ١٤.
٤ ـ أي المأنوف وهو الذي عقر الخشاش أنفه فهو لا يمتنع على قائده للوجع الذي به وقيل : الأنف الذلول ( كافي ).
٥ ـ الكافي ٢ : ٢٣٤ ح ١٤ ـ عنه البحار ٦٧ : ٣٥٥ ح ٥٨ باب ١٤.
٦ ـ الكافي ٢ : ٢٣٥ ح ١٥ ـ عنه البحار ٦٧ : ٣٥٧ ح ٦٠ باب ١٤.
وسلّم وانّهم ليصبحون ويمسون شعثاً غبراً خمصاً ، بين أعينهم كركب المعزي ، يبيتون لربّهم سجّداً وقياماً ، يراوحون بين أقدامهم وجباههم ، يناجون ربهم ، ويسألونه فكاك رقابهم من النار ....
كأنّ زفير النار في آذانهم ، إذا ذكر الله عندهم مادوا كما يميد الشجر ، كأنّما القوم باتوا غافلين ، قال : ثم قام ، فما رئي ضاحكاً حتى قبض صلوات الله عليه(١) .
وقالعليهالسلام : شيعتنا المتباذلون في ولايتنا ، المتحابّون في مودتنا ، المتزاورون في إحياء أمرنا ، الذين إذا غضبوا لم يظلموا ، وإن رضوا لم يسرفوا ، بركة على من جاوروا ، سلم لمن خالطوا(٢) .
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : من عرف الله وعظّمه منع فاه من الكلام ، وبطنه من الطعام ، وعفى نفسه بالصيام والقيام ، قالوا : بآبائنا يا رسول الله هؤلاء أولياء الله؟
قال : انّ أولياء الله سكتوا فكان سكوتهم ذكراً ، ونظروا فكان نظرهم عبرة ، ونطقوا فكان نطقهم حكمة ، ومشوا فكان مشيهم بين الناس بركة ، لولا الآجال التي قد كتبت عليهم لم تقرّ أرواحهم في أجسادهم خوفاً من العذاب وشوقاً الى الثواب(٣) .
وروي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : سئل النبيصلىاللهعليهوآله عن خيار العباد ، فقال : الذين إذا أحسنوا استبشروا ، وإذا أساؤوا استغفروا ، وإذا اعطوا
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٢٣٥ ح ٢١ و٢٢ ملّفقاً ، باب المؤمن وعلاماته وصفاته.
٢ ـ الكافي ٢ : ٢٣٦ ح ٢٤ ـ عنه البحار ٦٨ : ١٩٠ ح ٤٦ باب ١٩.
٣ ـ الكافي ٢ : ٢٣٧ ح ٢٥ ـ عنه البحار ٦٩ : ٢٨٨ ح ٢٣ باب ٣٧.
شكروا ، وإذا ابتلوا صبروا ، وإذا غضبوا غفروا(١) .
وروي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال لجابر الجعفي : يا جابر أيكتفي من ينتحل التشيع أن يقول بحبنا أهل البيت ، فوالله ما شيعتنا الاّ من اتقى الله وأطاعه ، وما كانوا يعرفون يا جابر الاّ بالتواضع ، والتخشع ، والأمانة ، وكثرة ذكر الله ، والصوم ، والصلاة ، والبرّ بالوالدين ، والتعاهد للجيران من الفقراء ، وأهل المسكنة ، والغارمين ، والأيتام ، وصدق الحديث ، وتلاوة القرآن ، وكفّ الالسن عن الناس الاّ من خير ، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء.
قال جابر : فقلت : يا ابن رسول الله ما نعرف اليوم أحداً بهذه الصفة ، فقال : يا جابر لا تذهبنّ بك المذاهب ، حسب الرجل أن يقول : أحب علياً وأتولاّه ، ثم لا يكون مع ذلك فعّالاً؟ فلو قال : انّي احبّ رسول الله فرسول اللهصلىاللهعليهوآله خير من عليّعليهالسلام ، ثم لا يتبع سيرته ولا يعمل بسنّته ما نفعه حبّه ايّاه شيئاً.
فاتقوا الله واعملوا لما عند الله ، ليس بين الله وبين أحد قرابة ، أحبّ العباد إلى الله عزّوجلّ وأكرمهم عليه أتقاهم وأعملهم بطاعته ، يا جابر والله ما يتقرب إلى الله تبارك وتعالى الاّ بالطاعة ، وما معنا براءة من النار ، ولا على الله لأحد من حجة ، من كان لله مطيعاً فهو لنا وليّ ، ومن كان لله عاصياً فهو لنا عدوّ ، وما تنال ولايتنا الاّ بالعمل والورع(٢) .
وروي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : انّما شيعة عليعليهالسلام الشاحبون ، الناحلون ، الذابلون ، ذابلة شفاههم ، خميصة بطونهم ، متغيّرة
____________
١ ـ الكافي ٢ : ٢٤٠ ح ٣١ ـ عنه البحار ٦٩ : ٣٠٥ ح ٢٦ باب ٣٧.
٢ ـ الكافي ٢ : ٧٤ ح ٣ ـ عنه البحار ٧٠ ـ ٩٧ ح ٤ باب ٤٧ ـ صفات الشيعة : ١١ حديث ٢٢.
ألوانهم ، مصفرّة وجوههم ، إذا جنّهم الليل اتخذوا الأرض فراشاً ، واستقبلوا الأرض بجباههم ، كثير سجودهم ، كثيرة دموعهم ، كثير دعاؤهم ، كثير بكاؤهم ، يفرح الناس وهم يحزنون(١) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : انّما شيعة جعفر من عفّ بطنه وفرجه ، واشتدّ جهاده ، وعمل لخالقه ، ورجا ثوابه ، وخاف عقابه ، فاذا رأيت اولئك فاولئك شيعة جعفر(٢) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : يا علي طوبى لمن أحبّك وصدّق بك ، وويل لمن أبغضك وكذّب بك ، محبّوك معروفون في السماء السابعة ، والأرض السابعة السفلى وما بين ذلك ، هم أهل الدين ، والورع ، والسمت الحسن ، والتواضع لله عزّوجلّ.
خاشعة أبصارهم ، وجلة قلوبهم لذكر الله عزّوجلّ ، وقد عرفوا حقّ ولايتك ، ألسنتهم ناطقة بفضلك ، وأعينهم ساكبة تحنّناً عليك وعلى الأئمة من ولدك ، يدينون الله بما أمرهم به في كتابه ، وجاءهم به البرهان من سنّة نبيه.
عاملون بما يأمرهم به اُولوا الأمر منهم ، متواصلون غير متقاطعين ، متحابّون غير متباغضين ، انّ الملائكة لتصلّي عليهم وتؤمّن على دعائهم ، وتستغفر للمذنب منهم ، وتشهد حضرته ، وتستوحش لفقده إلى يوم القيامة(٣) .
وجاء في رواية أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام خرج ذات ليلة من المسجد وكانت ليلة قمراء ، فأمّ الجبانة ولحقه جماعة يقفون أثره ، فوقف عليهم ثم قال : من
__________________
١ ـ الخصال : ٤٤٤ ح ٤٠ باب ١٠ ـ عنه البحار ٦٨ : ١٤٩ ح ٢ باب ١٩.
٢ ـ الخصال : ٢٩٥ ح ٦٣ باب ٥ ـ صفات الشيعة : ١١ ح ٢١.
٣ ) البحار ٦٨ : ١٥٠ ح ٣ باب ١٩ ـ عن عيون أخبار الرضاعليهالسلام .
أنتم؟ قالوا : شيعتك يا أمير المؤمنين ، فتفرّس في وجوههم ثم قال : فمالي لا أرى عليكم سيماء الشيعة؟ قالوا : وما سيماء الشيعة يا أمير المؤمنين؟
فقال : صفر الوجوه من السهر ، عمش العيون من البكاء ، حدب الظهور من القيام ، خمص البطون من الصيام ، ذبل الشفاه من الدعاء ، عليهم غبرة الخاشعين(١) .
وقال أبو عبداللهعليهالسلام : لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يكون كامل العقل ، ولا يكون كامل العقل حتى تكون فيه عشر خصال : الخير منه مأمول ، والشرّ منه مأمون ، يستقلّ كثير الخير من نفسه ، ويستكثر قليل الخير من غيره ، ويستكثر قليل الشر من نفسه ، ويستقلّ كثير الشر من غيره.
ولا يتبرّم بطلب الحوائج قبله ، ولا يسأم من طلب العلم عمره ، الذلّ أحبّ اليه من العزّ ، والفقر أحبّ إليه من الغنى ، حسبه من الدنيا قوت ، والعاشرة وما العاشرة لا يلقى أحداً الاّ قال : هو خير منّي وأتقى.
انّما الناس رجلان : رجل خير منه وأتقى ، وآخر شرّ منه وأدنى ، فاذا لقي الذي هو خير منه تواضع له ليلحق به ، وإذا لقي الذي هو شرّ منه وأدنى قال : لعلّ شرّ هذا ظاهر وخيره باطن ، فاذا فعل ذلك علا وساد أهل زمانه(٢) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : لقى رسول اللهصلىاللهعليهوآله يوماً حارثة بن النعمان الأنصاري ، فقال له : كيف أصبحت يا حارثة؟ قال : أصبحت يا رسول الله مؤمناً حقّاً ، قال : انّ لكلّ ايمان حقيقة فما حقيقة ايمانك؟
قال : عزفت نفسي عن الدنيا ، وأسهرت ليلي ، وأظمأت نهاري ، فكأنّي
__________________
١ ـ البحار ٦٨ : ١٥٠ ح ٤ باب ١٩ ـ عن الارشاد.
٢ ـ أمالي الصدوق : ١٥٣ ح ٥ مجلس ٦ ـ عنه البحار ٦٧ : ٢٩٦ ح ٢١ باب ١٤.
بعرش ربّي وقد قرب للحساب ، وكأنّي بأهل الجنّة فيها يتراودون ، وأهل النار فيها يعذّبون.
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أنت مؤمن نوّر الله الايمان في قلبك ، فأثبت ثبتك الله ، فقال له : يا رسول الله ما أنا على نفسي من شيء أخوف منّي عليها من بصري ، فدعا له رسول اللهصلىاللهعليهوآله فذهب بصره(١) .
وروي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : بينا رسول اللهصلىاللهعليهوآله في بعض اسفاره إذ لقيه ركب فقالوا : السلام عليك يا رسول الله ، فقال : ما أنتم؟ فقالوا : نحن مؤمنون يا رسول الله؟ قال : فما حقيقة ايمانكم؟ قالوا : الرضا بقضاء الله ، والتفويض إلى الله ، والتسليم لأمر الله.
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : علماء ، حكماء ، كادوا أن يكونوا من الحكمة أنبياء ، فإن كنتم صادقين فلا تبنوا ما لا تسكنون ، ولا تجمعوا ما لا تأكلون ، واتقوا الله الذي إليه ترجعون(٢) .
والأخبار في هذا الباب أكثر من أن تحد وتحصى ، وانّ أفضل الأخبار في هذا الباب لهو حديث همام الذي كتب له والديرحمهالله الملك المنان عليه شرحاً وافياً ، نرجو من الله توفيق جميع المؤمنين باكتساب هذه الكمالات ، والفوز بهذه السعادات.
__________________
١ ـ معاني الأخبار : ١٨٧ ح ٥ ـ عنه البحار ٦٧ : ٢٩٩ ح ٢٥ باب ١٤.
٢ ـ الكافي ٢ : ٥٢ ح ١ ـ عنه البحار ٦٧ : ٢٨٦ ح ٨ باب ١٤.
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذررحمهالله ] :
يا أباذر إذا كان العبد في أرض قفر فتوضّأ أو تيمم ثم أذّن وأقام وصلّى أمر الله عزّ وجلّ الملائكة فصفّوا خلفه صفّاً لا يرى طرفاه ، يركعون بركوعه ، ويسجدون بسجوده ، يؤمّنون على دعائه.
يا أباذر من أقام ولم يؤذّن لم يصلّ معه الاّ ملكاه اللذان معه.
اعلم انّ الأذان والاقامة من سنن رسول اللهصلىاللهعليهوآله المؤكدة ، والأحاديث في فضلهما لا تحد ولا تحصى ، وحكم بعض العلماء بوجوبهما في صلاة الجماعة ، وبعض آخر بوجوب الاقامة في جميع الصلوات ، والأذان في صلاة الصبح والليل ، والاحتياط في عدم ترك الاقامة مطلقاً ، وكذلك لا يترك الأذان في صلاة الصبح والليل مهما أمكن.
والاحتياط أن يراعي في الاقامة الشرائط التي لابد من مراعتها في الصلاة كالقيام ، والاتجاه نحو القبلة ، والطهارة ، وعدم الكلام ، وعدم الحركة ، وهما يختصان بالصلوات الخمسة ، أما في غيرها من الصلوات الواجبة والمستحبة فهي بدعة.
روي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : ألا ومن أذّن محتسباً يريد بذلك وجه الله عزّوجلّ أعطاه الله ثواب أربعين ألف شهيد ، وأربعين ألف صدّيق ، ويدخل في شفاعته أربعين ألف مسيء من أمتي إلى الجنّة.
ألا وانّ المؤذّن إذا قال : « أشهد أن لا اله الاّ الله » صلّى عليه تسعون ألف ملك ،
واستغفروا له ، وكان يوم القيامة في ظلّ العرش حتى يفرغ الله من حساب الخلائق ويكتب ثواب قوله : « أشهد أن محمداً رسول الله » أربعون ألف ألف ملك ، ومن حافظ على الصف الاوّل والتكبيرة الأولى لا يؤذي مسلماً أعطاه الله من الأجر ما يعطي المؤذّنون في الدنيا والآخرة(١) .
وروي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : من أذّن عشر سنين محتسباً يغفر الله له مدّ بصره وصوته في السماء ، ويصدّقه كلّ رطب ويابس سمعه ، وله من كلّ من يصلّي معه في مسجده سهم ، وله من كلّ من يصلّي بصوته حسنة(٢) .
وفي حديث بلال عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : المؤذنون أمناء المؤمنين على صلاتهم وصومهم ولحومهم ودمائهم ، لا يسألون الله عزّوجلّ شيئاً الاّ أعطاهم ، ولا يشفعون في شيء الاّ شفعوا.
من أذّن أربعين عاماً محتسباً بعثه الله يوم القيامة وله عمل أربعين صديقاً عملاً مبروراً متقبّلاً من أذّن عشرين عاماً بعثه الله عزّوجلّ يوم القيامة وله من النور مثل نور السماء الدنيا.
من أذّن عشر سنين أسكنه الله عزّوجلّ مع إبراهيم في قبّته أو في درجته من أذّن سنة واحدة بعثه الله عزّوجلّ يوم القيامة وقد غفرت ذنوبه كلّها بالغة ما بلغت ، ولو كانت مثل زنة جبل أحد ....
من أذّن في سبيل الله صلاة واحدة ايماناً واحتساباً وتقرّباً إلى الله عزّوجلّ
__________________
١ ـ البحار ٨٤ : ١٣٠ ح ٢٢ باب ٣٥ ـ عن أمالي الصدوق.
٢ ـ الوسائل ٤ : ٦١٤ ح ٥ باب ٢.
غفر الله له ما سلف من ذنوبه ، ومنّ عليه بالعصمة فيما بقي من عمره ، وجمع بينه وبين الشهداء في الجنة(١) .
وفي رواية اخرى عنهصلىاللهعليهوآله قال : من أذّن في مصر من أمصار المسلمين سنة وجبت له الجنة(٢) .
وقالصلىاللهعليهوآله : للمؤذن فيما بين الأذان والاقامة مثل أجر الشهيد المتشحط بدمه في سبيل الله(٣) .
وروي بسند معتبر عن هشام بن إبراهيم انّه شكا إلى أبي الحسن الرضاعليهالسلام سقمه وأنّه لا يولد له ولد ، فأمره أن يرفع صوته بالأذان في منزله ، قال : ففعلت فأذهب الله عنّي سقمي وكثر ولدي(٤) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : إذا تولعت بكم الغول فأذّنوا(٥) .
وروي في أحاديث صحيحة عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من صلّى بأذان وإقامة صلّى خلفه صفّان من الملائكة ، ومن صلّى باقامة بغير أذان صلّى خلفه صفّ واحد(٦) .
وفي بعض الأحاديث انّ طول كلّ صف ما بين المشرق والمغرب ، وفي بعضها الآخر انّ أقلّه ما بين المشرق والمغرب وأكثره ما بين السماء والأرض.
__________________
١ ـ البحار ٨٤ : ١٢٤ ضمن حديث ٢١ باب ٣٥ ـ عن أمالي الصدوق.
٢ ـ البحار ٨٤ : ١٤٧ ضمن حديث ٤٠ باب ٣٥ ـ عن ثواب الأعمال.
٣ ـ البحار ٨٤ : ١٤٧ ضمن حديث ٤٠ باب ٣٥ ـ عن ثواب الأعمال.
٤ ـ الوسائل ٤ : ٦٤١ ح ١ باب ١٨.
٥ ـ الوسائل ٤ : ٦٧٢ ح ١ باب ٤٦.
٦ ـ البحار ٨٤ : ١٤٧ ضمن حديث ٤١ باب ٣٥ ـ عن ثواب الأعمال.
وروي بسند معتبر عن أبي الحسن الرضاعليهالسلام انّه قال : من أذّن وأقام صلّى خلفه صفّان من الملائكة ، وإن أقام بغير أذان صلّى عن يمينه واحد ، وعن شماله واحد(١) .
وعن أمير المؤمنينعليهالسلام قال : من صلّى باقامة صلّى خلفه ملك(٢) .
ويمكن الجمع بين هذه الأخبار بأنّ الصفين للأذان الكامل ، والصف الواحد لغير الكامل ، ويحمل الاختلاف في الاقامة إلى اختلاف الأعذار ، فإن ترك الأذان لعذر موجّه قويّ صلّى خلفه صف واحد ، وإن تركه لعذر سهل غير موجّه صلّى خلفه ملكان ، وإن تركه بغير عذر صلّى خلفه ملك واحد.
__________________
١ ـ الوسائل ٤ : ٦٢٠ ح ٤ باب ٤.
٢ ـ البحار ٨٤ : ١٤٧ ح ٤١ باب ٣٥ ـ عن ثواب الأعمال.
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذررحمهالله ] :
يا أباذر ما من شاب يَدَع لله الدنيا ولهوها ، وأهرم شبابه في طاعة الله الا أعطاه الله أجر اثنين وسبعين صديقاً.
يا أباذر الذاكر في الغافلين كالمقاتل في الفارين.
انّ الصّديق من صدّق الأنبياء وتابعهم في القول والفعل أكثر من غيره ، ويمكن توجيه هذه الأحاديث الواردة في ثواب الأعمال والأفعال بوجهين :
الأول : أن يكون المراد الصديقين من سائر الأُمم ، أي انّ الشاب الصالح له أجر اثنين وسبعين صدّيقاً من سائر الأُمم.
الثاني : انّ كلّ عمل يستحق مقداراً من الأجر والثواب والله تعالى يعطي أضعافه بفضله ، فالمراد انّ ما يعطيه الله لذلك الشاب الصالح يساوي استحقاق أجر اثنين وسبعين صديقاً ، وهناك وجوه اُخر ونكتفي بهذين الوجهين لكونهما أظهر من غيرهما.
روي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : ثلاثة يدخلهم الله الجنة بغير حساب امام عادل ، وتاجر صدوق ، وشيخ أفنى عمره في طاعة الله عزّوجلّ(١) .
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : سبعة يظلّهم الله عزّوجلّ في ظلّه يوم لا ظلّ الاّ ظلّه ، امام عادل ، وشاب نشأ في عبادة الله عزّوجلّ ، ورجل قلبه
__________________
١ ـ الخصال : ٨٠ ح ١ باب ٣ ـ عنه البحار ٧٥ : ٣٣٦ ح ٥ باب ٨١.
متعلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه.
ورجلان كانا في طاعة الله عزّوجلّ فاجتمعا على ذلك وتفرّقا ، ورجل ذكر الله عزّوجلّ خالياً ففاضت عيناه من خشية الله عزّوجلّ ، ورجل دعته امرأة ذات حسب وجمال فقال : انّي أخاف الله عزّوجل ، ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما يتصدّق بيمينه(١) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ القرآن وهو شابّ مؤمن اختلط القرآن بلحمه ودمه ، وجعله الله عزّوجلّ مع السفرة الكرام البررة ، وكان القرآن حجيزاً عنه يوم القيامة ، يقول : يا ربّ انّ كلّ عامل قد أصاب أجر عمله غير عاملي ، فبلّغ به أكرم عطاياك.
قال : فيكسوه الله العزيز الجبار حلّتين من حلل الجنّة ، ويوضع على رأسه تاج الكرامة ثم يقال له : هل أرضيناك فيه؟ فيقول القرآن : يا ربّ قد كنت أرغب له فيما هو أفضل من هذا.
فيعطي الأمن بيمينه ، والخلد بيساره ، ثم يدخل الجنّة فيقال له : اقرأ واصعد درجة ، ثم يقال له : هل بلغنا به وأرضيناك؟ فيقول : نعم ، قال : ومن قرأه كثيراً وتعاهده بمشقّة من شدّة حفظه أعطاه الله عزّوجلّ أجر هذا مرّتين(٢) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : ذاكر الله عزّوجلّ في الغافلين كالمقاتل عن الفارّين ، والمقاتل عن الفارّين له الجنّة(٣) .
والأحاديث بهذه المضامين كثيرة.
__________________
١ ـ الخصال : ٣٤٢ ح ٧ باب ٧.
٢ ـ الكافي ٢ : ٦٠٣ ح ٤ ـ الوسائل ٤ : ٨٣٣ ح ١ باب ٦.
٣ ـ الكافي ٢ : ٥٠٢ ح ٢ ـ الوسائل ٤ : ١١٨٩ ح ٢ باب ١٢.
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذررحمهالله ] :
يا أباذر الجليس الصالح خير من الوحدة ، والوحدة خير من السكوت ، والسكوت خير من املاء الشر(١) .
يا أباذر لا تصاحب الاّ مؤمناً ، ولا يأكل طعامك الاّ تقي ، ولا تأكل طعام الفاسقين.
يا أباذر أطعم طعامك من تحبه في الله ، وكل طعام من يحبّك في الله عزّوجلّ.
ا علم انّه قد ثبت بالتجربة انّ للمصاحبة دخل عظيم في الأخلاق والأعمال ، فلابدّ أن يهتمّ الانسان في مصاحبة الأخيار لعلّ أفعالهم الحميدة والمرضية تؤثر فيه ويتّصف بأخلاقهم الحسنة ، وأن يحترز من مصاحبة الأشرار حذراً من تأثير قبائحهم فيه ، وانّ صحبة الأشرار الذين هم شياطين الانس أضرّ للانسان من شياطين الجن ، لأنّ الانسان يتقبّل من مجانسه أكثر من غيره ، بل انّ أكثر الاغواء يكون من شياطين الانس.
روي عن موسى بن جعفرعليهالسلام انّه قال : انّ صاحب الشرّ يعدي ، وقرين السوء يردي ، فانظر من تقارن(٢) .
وروي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : قال أبي عليّ بن الحسين عليه
____________
١ ـ الاملاء لغةً أن يتكلّم شخص ويكتبه آخر ، فذكرصلىاللهعليهوآله الشرّ هنا اشعاراً بأنّ كلّ ما يقوله من لغو وباطل فهو يمليه على كاتبيه ، كما قال أمير المؤمنينعليهالسلام لرجل يتكلّم بفضول الكلام : « يا هذا انّك تملي على حافظيك ». منهرحمهالله .
٢ ـ الوسائل ٨ : ٤١٢ ح ٢ باب ١١.
السلام : يا بنيّ انظر خمسة فلا تصاحبهم ولا تحادثهم ولا ترافقهم في طريق ، قلت : يا أبة من هم عرّفهم؟
قال : ايّاك ومصاحبة الكذاب فانّه بمنزلة السراب يقرّب لك البعيد ويبعّد لك القريب ، واياك ومصاحبة الفاسق فانّه بايعك بأكلة أو أقلّ من ذلك ، واياك ومصاحبة البخيل فانّه يخذلك في ماله أحوج ما تكون إليه.
واياك ومصاحبة الأحمق فانّه يريد أن ينفعك فيضرّك ، واياك ومصاحبة القاطع لرحمه فانّي وجدته ملعوناً في كتاب الله عزّوجلّ في ثلاثة مواضع.
وروى بسند صحيح عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : لا تصاحبوا أهل البدع ولا تجالسوهم فتصيروا عند الناس كواحد منهم ، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : المرء على دين خليله وقرينه(٢) .
وروي بسند معتبر عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه كان يقول مراراً في خطبه : ينبغي للمؤمن أن يجتنب مواخاة ثلاث : الماجن ، والأحمق ، والكذاب.
فأمّا الماجن فيزيّن لك فعله ، ويحبّ أن تكون مثله ، ولا يعينك على أمر دينك ومعادك ، ومقارنته جفاء وقسوة ، ومدخله ومخرجه عليك عار.
وأمّا الأحمق فانّه لا يشير عليك بخير ، ولا يرجى لصرف السوء عنك ولو أجهد نفسه ، وربّما أراد منفعتك فضرّك ، فموته خير من حياته ، وسكوته خير من نطقه ، وبعده خير من قربه.
وأمّا الكذاب فانّه لا يهنئك معه عيش ، ينقل حديثك وينقل إليك الحديث ،
__________________
١ ـ البحار ٧٤ : ١٩٦ ح ٢٩ باب ١٤ ـ عن الاختصاص : ٢٣٩ ـ ومثله الكافي ٢ : ٣٧٦ ح ٧.
٢ ـ الكافي ٢ : ٣٧٥ ح ٣ ـ عنه البحار ٧٤ : ٢٠١ ح ٤٠ باب ١٤.
كلّما أفنى اُحدوثة مطّها بأخرى حتى انّه يحدث بالصدق فما يصدّق ، ويغري بين الناس بالعداوة ، فينبت السخائم في الصدور ، فاتقوا الله وانظروا لأنفسكم(١) .
وقال أبو جعفر الباقرعليهالسلام : اتبع من يبكيك وهو لك ناصح ، ولا تتبع من يضحك وهو لك غاش ، وستردّون على الله جميعاً فتعلمون(٢) .
وقال أبو عبداللهعليهالسلام : أحبّ اخواني إليّ من أهدى إليّ عيوبي(٣) .
وقالعليهالسلام : لا تكون الصداقة الاّ بحدودها ، فمن كانت فيه هذه الحدود أو شيء منها فانسبه إلى الصداقة ، ومن لم يكن فيه شيء منها فلا تنسبه إلى شيء من الصداقة.
فأوّلها أن تكون سريرته وعلانيته لك واحدة ، والثاني أن يرى زينك زينه وشينك شينه ، والثالثة أن لا تغيّره عليك ولاية ولا مال ، والرابعة أن لا يمنعك شيئاً تناله مقدرته ، والخامسة وهي تجمع هذه الخصال أن لا يسلّمك عند النكبات(٤) .
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : أسعد الناس من خالط كرام الناس(٥) .
وروي انّه : قالت الحواريّون لعيسى : يا روح الله من نجالس؟ قال : من يذكركم الله رؤيته ، ويزيد في علمكم منطقه ، ويرغبكم في الآخرة عمله(٦) .
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٣٧٦ ح ٦ ـ عنه البحار ٧٤ : ٢٠٥ ح ٤٣ باب ١٤.
٢ ـ الكافي ٢ : ٦٣٨ ح ٢ باب من يجب مصادقته ومصاحبته.
٣ ـ الكافي ٢ : ٦٣٩ ح ٥ باب من يجب مصادقته ومصاحبته.
٤ ـ الكافي ٢ : ٦٣٩ ح ٦ باب من يجب مصادقته ومصاحبته.
٥ ـ البحار ٧٤ : ١٨٥ ح ٢ باب ١٣ ـ عن أمالي الصدوق.
٦ ـ الكافي ١ : ٣٩ ح ٣ باب مجالسة العلماء.
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام : من وقف نفسه موقف التهمة فلا يلومنّ من أساء به الظن ، ومن كتم سرّه كانت الخيرة بيده ، وكلّ حديث جاوز اثنين فشا ، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك ، ولا تظننّ بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً.
وعليك باخوان الصدق ، فأكثر من اكتسابهم ، فانّهم عدة عند الرخاء ، وجنّة عند البلاء ، وشاور في حديثك الذين يخافون الله ، وأحب الاخوان على قدر التقوى ، واتقوا شرار النساء وكونوا من خيارهنّ على حذر ، إن أمرنكم بالمعروف فخالفوهنّ كيلا يطمعن منكم في المنكر(١) .
وسئلعليهالسلام : أيّ صاحب شر؟ قال : المزين لك معصية الله(٢) .
وقالعليهالسلام : مجالسة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار(٣) .
وقال أبو عبداللهعليهالسلام : أنظر إلى كلّ من لا يفيدك منفعة في دينك فلا تعتدنّ به ، ولا ترغبنّ في صحبته ، فإنّ كلّ ما سوى الله تبارك وتعالى مضمحل وخيم عاقبته(٤) .
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : ثلاثة مجالستهم تميت القلب : مجالسة الأنذال ، والحديث مع النساء ، ومجالسة الأغنياء(٥) .
وقال أبو عبداللهعليهالسلام : أربعة يذهبن ضياعاً : مودّة تمنحها من لا وفاء له ،
__________________
١ ـ أمالي الصدوق : ٢٥٠ ح ٨ مجلس ٥٠ ـ عنه البحار ٧٤ : ١٨٦ ح ٧ باب ١٣.
٢ ـ البحار ٧٤ : ١٩٠ ح ٣ باب ١٤ ـ عن أمالي الطوسي.
٣ ـ البحار ٧٤ : ١٩١ ح ٤ باب ١٤ ـ عن عيون أخبار الرضاعليهالسلام .
٤ ـ قرب الاسناد : ٥١ ح ١٦٧ ـ عنه البحار ٧٤ : ١٩١ ح ٥ باب ١٤ ـ والوسائل ٨ : ٤١٢ ح ٥ باب ١١.
٥ ـ الخصال : ٨٧ ح ٢٠ باب ٣ ـ عنه البحار ٧٤ : ١٩١ ح ٦ باب ١٤.
ومعروف عند من لا يشكر له ، وعلم عند من لا استماع له ، وسرّ تودعه عند من لا حصانة له(١) .
وقال أبو جعفر الباقرعليهالسلام : لا تجالس الأغنياء ، فإنّ العبد يجالسهم وهو يرى انّ لله عليه نعمة ، فما يقوم حتى يرى أن ليس لله عليه نعمة(٢) .
وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أربع يمتن القلب : الذنب على الذنب ، وكثرة مناقشة النساء ـ يعني محادثتهنّ ـ ومماراة الأحمق تقول ويقول ولا يرجع إلى خير أبداً ، ومجالسة الموتى ، فقيل له : يا رسول الله وما الموتى؟ قال : كلّ غنيّ مترف(٣) .
واعلم انّ لإطعام المؤمنين فضلاً كثيراً ، ولابدّ من كثرة الإطعام لعلّ أن يكون مؤمناً فيهم فيدرك ثواب إطعام المؤمن.
روي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : من أطعم مؤمناً من جوع أطعمه الله من ثمار الجنّة ، ومن كساه عرى كساه الله من استبرق وحرير [ وصلّى عليه الملائكة ما بقي في ذلك الثوب سلك ](٤) ومن سقاه شربة على عطش سقاه الله من الرحيق المختوم ، ومن أعانه أو كشف كربته أظلّه الله في ظلّ عرشه يوم لا ظلّ الاّ ظلّه(٥) .
وروي بسند معتبر عن الإمام علي النقيعليهالسلام انّه قال : لمّا كلّم الله موسى
__________________
١ ـ الخصال : ٢٦٤ ح ١٤٤ باب ٤ ـ عنه البحار ٧٤ : ١٩٤ ح ٢٠ باب ١٤.
٢ ـ أمالي الصدوق : ٢٠٩ ح ٣ مجلس ٤٤ ـ عنه البحار ٧٤ : ١٩٤ ح ٢١ باب ١٤.
٣ ـ الخصال : ٢٢٨ ح ٦٥ باب ٤ ـ عنه البحار ٧٤ : ١٩٤ ح ٢٢ باب ١٤.
٤ ـ ما بين المعقوفين ليس من أصل الرواية بل أخذناه من رواية اُخرى.
٥ ـ أمالي الصدوق : ٢٣٣ ح ١٥ مجلس ٤٧ ـ عنه البحار ٧٤ : ٣٨٢ ح ٨٨ باب ٢٣ ـ الوسائل ١٧ : ٢٠١ ح ٣ باب ١١.
بن عمرانعليهالسلام قال موسى : الهي ما جزاء من أطعم مسكيناً ابتغاء وجهك؟
قال : يا موسى آمر منادياً ينادي يوم القيامة على رؤوس الخلائق انّ فلان بن فلان من عتقاء الله من النار(١) .
وروي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : ثلاث درجات : افشاء السلام ، وإطعام الطعام ، والصلاة بالليل والناس نيام(٢) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من أشبع مؤمناً وجبت له الجنّة...(٣) .
وقالعليهالسلام : لأن أطعم رجلاً من المسلمين أحبّ إليّ من أن أطعم أفقاً من الناس ، [ قلت : وما الاُفق؟ قال : ] مائة ألف أو يزيدون(٤) .
وروي بسند صحيح عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : من أطعم ثلاثة نفر من المسلمين أطعمه الله من ثلاث جنان في ملكوت السماوات الفردوس ، وجنّة عدن ، وطوبى ، وشجرة تخرج من جنّة عدن غرسها ربنا بيده(٥) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من أطعم مؤمناً حتى يشبعه لم يدر أحدٌ من خلق الله ماله من الأجر في الآخرة لا ملك مقرّب ، ولا نبيّ مرسل الاّ الله ربّ العاليمن ، ثم قال : من موجبات المغفرة اطعام المسلم السغبان(٦) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : من سقى مؤمناً
__________________
١ ـ البحار ٧٤ : ٣٨٢ ح ٨٩ باب ٢٣ ـ عن أمالي الصدوق.
٢ ـ البحار ٧٤ : ٣٨٢ ح ٩١ باب ٢٣ ـ عن الخصال : ٨٤ ضمن حديث ١٠ باب ٣.
٣ ـ الكافي ٢ : ٢٠٠ ح ١ باب اطعام المؤمن.
٤ ـ الكافي ٢ : ٢٠٠ ح ٢ باب اطعام المؤمن ـ الوسائل ١٦ : ٤٥٠ ح ٢ باب ٣٠.
٥ ـ الكافي ٢ : ٢٠٠ ح ٣ باب اطعام المؤمن ـ عنه البحار ٧٤ : ٣٧١ ح ٦٥ باب ٢٣.
٦ ـ الكافي ٢ : ٢٠١ ح ٦ باب اطعام المؤمن ـ عنه البحار ٧٤ : ٣٧٣ ح ٦٨ باب ٢٣.
شربة من ماء من حيث يقدر على الماء أعطاه الله بكلّ شربة سبعين ألف حسنة ، وان سقاه من حيث لا يقدر على الماء فكأنّما أعتق عشر رقاب من ولد إسماعيل(١) .
وروي بسند معتبر عن حسين بن نعيم انّه قال : قال أبو عبداللهعليهالسلام : أتحبّ اخوانك يا حسين؟ قلت : نعم ، قال : تنفع فقراءهم؟ قلت : نعم ، قال : أما انّه يحقّ عليك أن تحبّ من يحبّ الله ، أما والله لا تنفع منهم أحداً حتى تحبّه.
أتدعوهم إلى منزلك؟ قلت : نعم ما آكل الاّ ومعي منهم الرجلان والثلاثة والأقلّ والأكثر ، فقال أبو عبدالله : أما أنّ فضلهم عليك أعظم من فضلك عليهم ، فقلت : جعلت فداك أطعمهم طعامي وأوطئهم رحلي ويكون فضلهم عليّ أعظم؟ قال : نعم انّهم إذا دخلوا منزلك دخلوا بمغفرتك ، ومغفرة عيالك ، وإذا خرجوا من منزلك خرجوا بذنوبك وذنوب عيالك(٢) .
وقالعليهالسلام : من أطعم مؤمناً موسراً كان له يعدل رقبة من ولد إسماعيل ينقذه من الذبح ، ومن أطعم مؤمناً محتاجاً كان له يعدل مائة رقبة من ولد إسماعيل ينقذها من الذبح(٣) .
وقالعليهالسلام : لإطعام مؤمن أحبّ إليّ من عتق عشر رقاب وعشر حجج(٤) .
ونهى رسول اللهصلىاللهعليهوآله من اجابة الفاسقين إلى طعامهم.
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٢٠١ ح ٧ باب اطعام المؤمن ـ عنه البحار ٧٤ : ٣٧٤ ح ٦٩ باب ٢٣.
٢ ـ الكافي ٢ : ٢٠١ ح ٨ باب اطعام المؤمن ـ عنه البحار ٧٤ : ٣٧٥ ح ٧٠ باب ٢٣.
٣ ـ الكافي ٢ : ٢٠٣ ح ١٩ باب اطعام المؤمن ـ عنه البحار ٧٤ : ٣٧٨ ح ٨١ باب ٢٣.
٤ ـ الكافي ٢ : ٢٠٤ ح ٢٠ باب اطعام المؤمن ـ عنه البحار ٧٤ : ٣٧٩ ح ٨٢ باب ٢٣.
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذررحمهالله ] :
يا أباذر انّ الله عزّوجلّ عند لسان كلّ قائل ، فليتق الله امرؤ ، وليعلم ما يقول.
يا أباذر اترك فضول الكلام ، وحسبك من الكلام ما تبلغ به حاجتك.
يا أباذر كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكلّ ما يسمع.
يا أباذر ما من شيء أحقّ بطول السجن من اللسان.
لقد مرّ الكلام سابقاً في فضل السكوت وترك الكلام الباطل ، وما قالهصلىاللهعليهوآله من أنّه كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما يسمع ، يمكن أن يكون المراد أنه لو نقله بجزم وقطع يكون كذباً فينبغي عند ارادة نقل حدث نسبته إلى قائله.
كما روي بسند معتبر عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : إذا حدّثتم بحديث فأسندوه إلى الذي حدّثكم ، فإن كان حقّاً فلكم ، وإن كان كذباً فعليه(١) .
ويحتمل أن يكون المراد بأنكم تصيرون كاذبين عند الناس ومشهورين به وإن نسبتموه إلى قائله حتى تتخلّصوا من الكذب ، لكن من كثر تحدّثه وظهر الكذب منه لا يعتمد على كلامه.
ويحتمل أن يكون المراد انكم إذا نقلتهم شيئاً اُذكروا مأخذه ، ولا تنقلوا عمّن لا يعتمد على كلامه ، فإنّ سماع الكلام الذي لا أصل له ونقله يكون بمنزلة الكذب في القباحة والشناعة ، والله العالم.
__________________
١ ـ البحار ٢ : ١٦١ ح ١٥ باب ٢١ ـ عن منية المريد.
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذررحمهالله ] :
يا أباذر ان من اجلال الله تعالى اكرام ذي الشيبة المسلم ، واكرام حملة القرآن العاملين به ، واكرام السلطان المقسط.
واليك بيان هذه الكلمات الشريفة في طيّ ثلاثة ينابيع :
( الينبوع الأول )
في اكرام ذي الشيبة المسلم
اعلم انّه يجب اكرام جميع المسلمين سيّما الشيوخ منهم ، لأنّ الشيبة من رحمة الله والله تعالى يحترمها ، فاجلالها تعظيم الله سبحانه ، كما ورد في الخطب والأحاديث الكثيرة انّه ارحموا صغاركم ووقّروا كباركم.
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنه قال : بجّلوا المشايخ ، فأن من إجلال الله تبجيل المشايخ(١) .
وروي بسند معتبر عنهصلىاللهعليهوآله قال : من عرف فضل شيخ كبير فوقّره لسنّه ، آمنه الله من فزع يوم القيامة(٢) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : ثلاثة لا يجهل حقّهم الاّ
__________________
١ ـ أمالي الطوسي : ٣١١ ح ٧٨ مجلس ١١ ـ عنه البحار ٧٥ : ١٣٦ ح ٢ باب ٥٢.
٢ ـ البحار ٧٥ : ١٣٧ ح ٣ باب ٥٢ ـ عن ثواب الأعمال.
منافق معروف بالنفاق : ذو الشيبة في الإسلام ، وحامل القرآن ، والامام العادل(١) .
وقالعليهالسلام : من أكرم مؤمناً فبكرامة الله بدأ ، ومن استخف بمؤمن ذي شيبة أرسل الله إليه من يستخف به قبل موته(٢) .
وروى بسند معتبر عنهعليهالسلام انّه قال : انّ الله عزّوجلّ ليكرم ابن السبعين ، ويستحيي من ابن الثمانين(٣) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : إذا بلغ المرء أربعين سنة آمنه الله عزّوجلّ من الادواء الثلاثة ، الجنون والجذام والبرص ، فاذا بلغ الخمسين خفّف الله حسابه.
فاذا بلغ الستين رزقه الانابة إليه ، فاذا بلغ السبعين أحبّه أهل السماء ، فاذا بلغ الثمانين أمر الله باثبات حسناته وإلقاء سيئاته ، فاذا بلغ التسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخّر ، وكتب أسير الله في أرضه(٤) [ وشفّع في أهل بيته ].
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : كان الناس لا يشيبون ، فأبصر إبراهيمعليهالسلام شيباً في لحيته ، فقال : يا رب ما هذا؟ فقال : هذا وقار ، فقال : ربّ زدني وقاراً(٥) .
وقالعليهالسلام : من شاب شيبة في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة(٦) .
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٦٥٨ ح ٤ باب وجوب اجلال ذي الشيبة المسلم.
٢ ـ الكافي ٢ : ٦٥٨ ح ٥ باب وجوب اجلال ذي الشيبة المسلم.
٣ ـ الخصال : ٥٤٥ ح ٢٢ أبواب الاربعين وما فوقه.
٤ ـ الخصال : ٥٤٦ ح ٢٥ أبواب الاربعين وما فوقه.
٥ ـ البحار ٧٦ : ١٠٦ ح ٤ باب ١٠ ـ عن علل الشرائع.
٦ ـ مكارم الاخلاق : ٦٨ باب ٤ في الشيب ـ عنه البحار ٧٦ : ١٠٧ ح ٦ باب ١٠.
( الينبوع الثاني )
في بيان فضل القرآن وحامله وفضل بعض الآيات والسور
وهو يشتمل على سواقي :
( الساقية الأولى )
في فضل القرآن
روي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : عليكم بالقرآن فانّه شافع مشفّع ، وماحل مصدّق ، ومن جعله أمامه قاده إلى الجنّة ، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار ، وهو الدليل يدلّ على خير سبيل ، وهو كتاب فيه تفصيل ، وبيان ، وتحصيل ، وهو الفصل ليس بالهزل ، وله ظهر وبطن ، فظاهره حكم وباطنه علم.
ظاهره أنيق ، وباطنه عميق ، له نجوم وعلى نجومه نجوم(١) ، لا تحصى عجائبه ، ولا تبلى غرائبه ، فيه مصابيح الهدى ، ومنار الحكمة ، ودليلٌ على المعرفة لمن عرف الصفة ، فليجل جال بصره ، وليبلغ الصفة نظره.
ينج من عطب(٢) ، ويتخلص من نشب ، فإنّ التفكر حياة قلب البصير ، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور ، فعليكم بحسن التخلّص وقلّة التربّص(٣) .
وقالصلىاللهعليهوآله : القرآن هدى من الضلالة ، وتبيان من العمى ، واستقالة
____________
١ ـ اي الأئمةعليهمالسلام الذين عندهم علوم القرآن ( منه رحمه الله ).
٢ ـ العطب : الهلاك.
٣ ـ الكافي ٢ : ٥٩٩ ضمن حديث ٢ ـ الوسائل ٤ : ٨٢٨ ح ٣ باب ٣.
من العثرة ، ونور من الظلمة ، وضياء من الأحداث ، وعصمة من الهلكة ، ورشد من الغواية ، وبيان من الفتن ، وبلاغ من الدنيا إلى الآخرة ، وفيه كمال دينكم ، وما عدل أحدٌ عن القرآن الاّ إلى النار(١) .
وقال أبو عبداللهعليهالسلام : ان العزيز الجبار أنزل عليكم كتابه وهو الصادق البار ، فيه خبركم وخبر من قبلكم ، وخبر من بعدكم ، وخبر السماء والأرض ، ولو أتاكم من يخبركم عن ذلك لتعجّبتم(٢) .
وروي بأسانيد متواترة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : انّي تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر ، كتاب الله تبارك وتعالى حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما(٣) .
( الساقية الثانية )
في فضل حامل القرآن
روي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام (٤) انّه قال : انّ الدواوين يوم القيامة ثلاثة ، ديوان فيه النعم ، وديوان فيه الحسنات ، وديوان فيه السيئات.
فيقابل بين ديوان النعم وديوان الحسنات ، فتستغرق النعم عامّة الحسنات ويبقى ديوان السيئات ، فيدعى بابن آدم المؤمن للحاسب ، فيتقدم القرآن أمامه في أحسن صورة ، فيقول : يارب أنا القرآن ، وهذا عبدك المؤمن قد كان يتعب نفسه
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٦٠٠ ضمن حديث ٨ ، كتاب فضل القرآن.
٢ ـ الكافي ٢ : ٥٩٩ ح ٣ ، كتاب فضل القرآن.
٣ ـ البحار ٩٢ : ١٣ ح ٢ باب ١ ـ عن عيون أخبار الرضاعليهالسلام .
٤ ـ في المتن الفارسي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ولم نجدها عنه.
بتلاوتي ، ويطيل ليله بترتيلي ، وتفيض عيناه إذا تهجّد ، فأرضه كما أرضاني.
قال : فيقول العزيز الجبار : عبدي أبسط يمينك ، فيملأها من رضوان الله العزيز الجبار ، ويملأ شماله من رحمة الله ، ثم يقول : هذه الجنّة مباحة لك فاقرأ واصعد ، فاذا قرأ آية صعد درجة(١) .
وقال : [ يقول الله تعالى للقرآن : ] وعزّتي وجلالي وارتفاع مكاني لأكرمنّ اليوم من أكرمك ، ولأهنينّ من أهانك(٢) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : تعلّموا القرآن فانّه يأتي يوم القيامة صاحبه في صورة شاب جميل ، شاحب اللون ، فيقول له القرآن : أنا الذي كنت أسهرت ليلك ، وأظمأت هواجرك ، وأجففت ريقك ، وأسلت دمعتك ، أؤول معك حيثما اُلت ، وكلّ تاجر من وراء تجارته وأنا اليوم لك من وراء تجارة كلّ تاجر ، وسيأتيك كرامة من الله عزّوجلّ فأبشر.
فيؤتى بتاج فيوضع على راسه ، ويعطى الأمان بيمينه ، والخلد في الجنان بيساره ، ويكسى حلّتين ، ثم يقال له : اقرء وارقه ، فكلّما قرأ آية صعد درجة ، ويكسى أبواه حلّتين ان كانا مؤمنين ، ثم يقال لهما : هذا لما علّمتماه القرآن(٣) .
وقال علي بن الحسينعليهماالسلام : عليك بالقرآن ، فإنّ الله خلق الجنّة بيده ، لبنة من ذهب ولبنة من فضة ، جعل ملاطها(٤) المسك ، وترابها الزعفران ، وحصبائها اللؤلؤ ، وجعل درجاتها على قدر آيات القرآن ، فمن قرأ القرآن قاله له : اقرأ وارق ،
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٦٠٢ ح ١٢ ، كتاب فضل القرآن ـ عنه البحار ٧ : ٢٦٧ ح ٣٤ باب ١١.
٢ ـ الكافي ٢ : ٦٠٢ ضمن حديث ١٤ ، كتاب فضل القرآن.
٣ ـ الكافي ٢ : ٦٠٣ ح ٣ باب فضل حامل القرآن.
٤ ـ الملاط : الطين الذي يجعل بين سافي البناء يملط به الحائط.
ومن دخل منهم الجنة لم يكن في الجنّة أعلى درجة منه ما خلا النبيّون والصدّيقون(١) .
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : أشراف أمتي حملة القرآن ، وأصحاب الليل(٢) .
وقالصلىاللهعليهوآله : حملة القرآن عرفاء أهل الجنة(٣) .
وقالصلىاللهعليهوآله : لا يعذّب الله قلباً وعى القرآن(٤) .
وروي بسند معتبر عنهصلىاللهعليهوآله انّه قال : أنّ أهل القرآن في أعلا درجة من الآدميّين ما خلا النبيّين والمرسلين ، فلا تستضعفوا أهل القرآن حقوقهم ، فإنّ لهم من الله لمكاناً(٥) .
( الساقية الثالثة )
صفات قرّاء القرآن وأصنافهم
اعلم انّ لفظ حملة القرآن يراد منه عدة معان :
الأول : أن يتعلّم لفظ القرآن بشكل صحيح وهذا أوّل مراتب حملة القرآن ، ويكون التفاضل فيها بزيادة علم القراءة ومعرفة آدابها ومحسناتها ، وبكثرة حفظ السور والآيات القرآنية.
__________________
١ ـ مستدرك الوسائل ٤ : ٢٥٦ ح ١ باب ١٠ ـ البحار ٩٢ : ١٩٨ ح ٨ باب ٢٣ ـ عن تفسير القمي.
٢ ـ الخصال : ٧ ح ٢١ باب ١ ـ أمالي الصدوق : ١٩٤ ح ٦ مجلس ٤١ ـ عنهما البحار ٩٢ : ١٧٧ ح ٢ باب ١٩.
٣ ـ الخصال : ٢٨ ح ١٠٠ باب ١ ـ معاني الأخبار ص ٣٢٣ ح ١ ـ عنهما البحار ٩٢ : ١٧٧ ح ٣ باب ١٩.
٤ ـ أمالي الطوسي : ٦ ح ٧ مجلس ١ ـ عنه البحار ٩٢ : ١٧٨ ح ٦ باب ١٩.
٥ ـ البحار ٩٢ : ١٨٠ ح ١٤ باب ١٩ ـ عن ثواب الأعمال.
الثاني : معرفة معاني القرآن ، وكان القرّاء سابقاً يعلّمون المعاني أيضاً ، وهذه أعلى من معرفة اللفظ ، ويكون التفاضل فيها بزيادة فهم معاني القرآن من الظواهر والبواطن ونقصانه.
الثالث : العمل بأحكام القرآن ، والتخلّق بأخلاقه ، والخلّو من الصفات التي نهى عنها ، فالحامل الحقيقي للقرآن هو من حمل الألفاظ والمعاني ، وتخلّق بصفاته الحميدة.
واعلم انّ القرآن احسان الله المعنوي كما روي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّ القرآن مائدة الله ، ومن الواضح انّ مائدة الكرماء تكون جامعة وفيها لكلّ شخص نعمة حسب شأنه ، وما من أحد الاّ وله حظ من القرآن.
فينتفع الكثير نفعاً دنيوياً وأُخروياً بكتابة ألفاظه ، حتى من هيّأ الدواة والقرطاس ، ومن يكتب ومن يعطي الاجور وغيرهم ممن له دخل في كتابة القرآن ، فإن فعلوا لله كان نفعهم في الدارين معاً ، وإن فعلوا للدنيا انتفعوا نفعاً دنيوياً.
وهناك من ينتفع به نفعاً دنيوياً وأخروياً أيضاً بتعليم وتعلم ألفاظه ، وكلّ ذي علم من العلوم الكثيرة ينتفع بالقرآن ، فعالم الصرف يستفيد من وجوه تُصاريفه واشتقاقاته ، والنحوي يستشهد بأنواع اعرابه ، والمعاني والبيان يأخذ النكات الغريبة ، ويستفيد أصحاب البلاء من بركة آياته الكريمة بالتلاوة والكتابة ، ويلجأ إلى سوره وآياته أرباب المطالب الدنيوية والأخروية ويجدون سؤلهم فيه.
ومن وجوه اعجاز القرآن آياته وسوره وتأثيراته الغريبة ، ولجوء أرباب التكسير وأصحاب الأعداد وغيرهما إليه ، وانتفاع جميع العلماء بمعانيه الغريبة من
متكلم وحكيم وفقيه ورياضيّ ، وعلماء الأخلاق والطب والشعراء والأُدباء وغيرهم من الذين ينتفعون بظاهر القرآن.
وينتفع من كل بطن من بطونه بفوائد وحكم ومعارف غير متناهية من يكون قابلاً لها كأصحاب العرفان وأرباب اليقين ، فالحامل الكامل للقرآن المجيد هم الذين يستفيدون من جميع منافع القرآن على وجه كامل ، وهم النبي الأكرم وأهل بيته الأطهار صلوات الله عليهم.
ولقد علم بالأحاديث المتواترة أنّ لفظ القرآن يختصّ بهم ، وانّ القرآن التام الكامل عندهم ، وانّ العلوم القرآنية الموجودة تنسب كلّها إلى أمير المؤمنينعليهالسلام بالاتفاق ، ووردت أحاديث متواترة أيضاً انّ معنى القرآن لا يفهمه غيرهم وعندهم علم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة ، وانّ جميع الشرائط والأحكام في القرآن وعلمها مخزون عندهم.
وانّ للقرآن سبعة أبطن أو سبعين بطناً وعلم جميع هذه البطون عندهم ، وكذلك يختصون بالعمل بجميع شرائع القرآن وأحكامه لأنّهم معصومين من جميع الخطايا ، ومتصفين بجميع الكمالات البشرية.
وانّ أكثر القرآن ورد في مدحهم وذم مخالفيهم ، كما ورد انّ ثلث القرآن نزل في أهل البيت ، وثلث منه في ذم أعدائهم ، وثلث منه في الفرائض والأحكام ، والظاهر انّ الصفات الممدوحة في القرآن ترجع إلى مدح صاحبها ، وهم أصحاب تلك الصفات على الوجه الكامل ، وكذا الصفات المذمومة فيه ترجع إلى ذمّ صاحبها وهم أعداء أهل البيتعليهمالسلام .
واعلم انّ القرآن ليس شيئاً قائماً بالذات بل هو عرض له ظهورات مختلفة
في أماكن مختلفة ، فانّه كان في علم واجب الوجود ، ثم ظهر في اللوح ، ثم انتقل إلى الروح وجبرئيلعليهماالسلام ، ثم ظهر في نفس النبيصلىاللهعليهوآله المقدسة بواسطة جبرئيل أو بدون واسطة ، ثم سرى إلى قلوب الأوصياء والمؤمنين وظهر على هيئة كتاب.
ولجوهر القرآن احترام وهيبة خاصة فلذا يصبح كلّ مكان ظهر القرآن فيه محترماً ومهيباً ، وكلّما كان ظهوره في مكان أكثر كانت حرمته أكثر. فالنقوش والألفاظ والأوراق والجلد المجاور لها ـ مع كونها أدنى مراتب ظهوره ـ لها درجة من الحرمة بحيث يحكم بكفر من أساء الأدب إليها ، فكيف بقلب المؤمن الحامل للقرآن ، فحرمته أكثر من حرمة تلك النقوش والأوراق.
كما ورد من انّ حرمة المؤمن أعظم من حرمة القرآن ، وكلّما ظهرت المضامين الحسنة والأخلاق القرآنية في المؤمن أكثر كان احترامه أكثر ، وكلّما ظهر خلافها من الأخلاق الذميمة والنقائص والمعاصي سبّبت نقصان ظهورات القرآن ونقصان حرمة المؤمن.
اذاً فإنّ لهذه الأوصاف والظهورات القرآنية ازدياد حتى تصل إلى غايتها في النبي الأكرم وأهل بيته الأطهار صلوات الله عليهم ، كما جاء في وصف النبيصلىاللهعليهوآله أنه كان خلقه القرآن ، بل لو نظرت جيدا لرأيت أنه صلوات الله عليهم حقيقة القرآن ، حيث كانوا لفظ القرآن ومعناه وخلقه.
وكما عرفت من انّ القرآن الحقيقي يطلق على ما يحتوى النقوش والالفاظ إذاً فإنّ نقوش القرآن بحسب المعنى واللفظ انّما هو في قلوبهم المطهرّة ، كما انّ أمير المؤمنينعليهالسلام كان يقول كثيراً : « أنا كلام الله الناطق ».
وهذا هو معنى ما ورد عن أبي عبدالله(١) عليهالسلام حيث قال في حديث طويل من انّ القرآن يأتي يوم القيامة في أحسن صورة ويشفع لحملته ، فقال الراوي : قلت : جعلت فداك وهل يتكلّم القرآن؟ فتبسّم ثم قال : رحم الله الضعفاء من شيعتنا انّهم أهل تسليم ، ثم قال : نعم والصلاة تتكلم ولها صورة وخلق تأمر وتنهى.
قال الراوي : فتغيّر لذلك لوني وقلت : هذا شيء لا أستطيع أنا اتكلّم به في الناس ، فقال : وهل الناس الاّ شيعتنا ، فمن لم يعرف الصلاة فقد أنكر حقّنا ، ثم قال : اسمعك كلام القرآن قال : فقلت : بلى صلى الله عليك ، فقال : «اِنَّ الصَّلاةَ تَنهى عَنِ الفَحشَاءِ واَلمُنكَرِ وَلَذِكرُ اللهِ اَكبَر » فالنهي كلام ، والفحشاء والمنكر رجال ، ونحن ذكر الله ونحن أكبر(٢) .
وبما انّ لهذا المطلب دخلاً كبيراً في توضيح أخبار أهل البيتعليهمالسلام فإنّ الزيادة في توضيحه أصوب.
اعلم انّ لكل شيء صورة ومعنى وجسداً ، سواء فيه الأخلاق وغيرها ، لكن الحشوية تمسكوا بالظواهر ولم يخرجوا منها ، فحرموا أنفسهم عن كثير من الحقائق ، وتمسك بعض آخر بالبواطن والمعاني تاركين الظواهر فألحدوا لذلك ، وصاحب الدين من أذعن بكليهما.
مثلاً انّ للجنّة صورة وهي الجدران والأشجار والأنهار والحور والقصور ، ولها أيضا معنى وهو الكمالات والمعارف واللذات المعنويّة وهذه في الجنة
__________________
١ ـ وجدناه في الكافي عن سعد الخفاف ، عن أبي جعفرعليهالسلام .
٢ ـ لاحظ الكافي ٢ : ٥٩٨ ضمن حديث ١ ، باب كتاب فضل القرآن.
الصوريّة ، والحشويّ يقول : انّ الجنة لا تكون غير لذة الأكل والشرب والجماع.
والمحلد يقول : انّ الجنّة ليس لها جدران وأبواب ، وهذه كناية عن اللذات المعنوية ، فلهذا أنكروا ضروريّ الدين فكفروا لذلك ، لكن صاحب اليقين يعلم انّ كليهما حقّ ، وتكون اللذات المعنوية في ضمنها ، كما أشرنا في أوّل الكتاب إلى هذا المعنى.
وكذلك الأمر في الصراط ، فهو حق ، وورد انّ أهل البيتعليهمالسلام هم الصراط المستقيم ، وورد أيضاً انّ الصراط حبّ عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، وجاء انّ الصراط جسر على جهنّم ، فهذا كلّه حق ، لأنّ صراط الآخرة مثال للصراط الدنيوي ، وقالوا لنا : استقيموا في الدنيا على صراط دين الحق وولاية أهل البيتعليهمالسلام .
وهناك شعب وطرق كثيرة في اليمين والشمال من المذاهب المختلفة والذنوب الكبيرة ، فمن توجّه نحوها انحرف عن الصراط ، وهو في غاية الدقة وقد كمنت الشياطين في طريقه ، وله سبل منها العبادات الشاقة ، وترك المعاصي ، وقد ضلّ فيها الكثير وتاه.
فهذا انموذج كامل عن صراط الآخرة الذي في غاية الدقة والصعوبة وقد وضع على جهنّم ، فمن كان في الدنيا مستقيماً عليه يسير عليه حتى يصل الجنّة سريعاً ، ومن انحرف عنه بسبب اعتقاد فاسد أو كبيرة مهلكة فسوف تزل قدماه في نفس تلك العقبة والكمين ، ويسقط في جهنّم.
وكذلك الحيات والعقارب فهي في الآخرة صورة الأخلاق الذميمة ، وانّ الأشجار والحور والقصور صورة الأفعال الحسنة وثمرتها ، وكذلك الصلاة فإنّ لها
في الدنيا روح وجسم ، فجسمها هو الأفعال المخصوصة ، وروحها ولاية علي بن أبي طالب وأولاده الكرامعليهمالسلام .
وانّما عمل الروح تقويم الجسد وتكون منشأ لحركات بدن المؤمن ، فالصلاة من دونه ولاية لا توجب كمالاً ولا قرباً ، ولا تنجى من العذاب كالجسم الميّت.
فالولاية روح الصلاة ، وبما انّ الصلاة الكاملة تصدر منهم وان صدرت من غيرهم فانّما هو ببركتهم ، فبقاء الصلاة اذاً بهم ولذلك فهم روح الصلاة ، وبما انّ وصف الصلاة قد كمل فيهم وأصبح خلقهم فكأنّما اتحدوا بالصلاة ، فكما انّ لفظ الانسان يطلق على الجسم أو الروح أو الجسم والروح معاً فكذلك الصلاة تطلق على هذه الأفعال وعلى تلك الذوات المقدسة ، وعليها حال كونها متصفة بهذه الصفات ، فالمراد بظاهر الصلاة في القرآن هذه الأفعال ، ويراد من باطنها الولاية ، ولا منافات بينهما.
ولقد أنكر جمع من الملاحدة الاسماعيلية العبادة لكونهم لم يفهموا هذه الأحاديث ، فكفروا لذلك ، ويقولون : انّ الصلاة كناية عن شخص ، والصوم كناية عن شخص آخر ولا عمل ، ووقع جمع من الحشوية في التفريط فانكروا هذه الأحاديث وردّوها.
وكذلك الإيمان ، بما أنّه كمل بأمير المؤمنينعليهالسلام فهوعليهالسلام متصف به بشكل كامل وبقاء الايمان بوجوده ، وانّ ولايته الركن الاعظم للايمان ، والايمان سرى في جيمع أعضائه وجوارحه ، ويُرى أنوار الايمان من أفعاله دائماً ، ولا يبعد اطلاق الايمان على الامام عليّ صلوات الله عليه في بطن القرآن ، وكذلك أعداءهم
في باب الكفر والمعاصي.
فالروح والمحل والمعنى الحقيقي للصلاة والايمان والزكاة وغيرها من العبادات انّما هو علي بن أبي طالب وأولاده الكرامعليهمالسلام ، وانّ المحل الحقيقي للفحشاء والمنكر والكفر والفسوق والعصيان خلفاء الجور وسائر أعداء أهل البيتعليهمالسلام ، فإنّ بقاء الكفر والمعاصي بسببهم.
وفضّلت الكعبة كذلك بهمعليهمالسلام لأنّهما محلّ نزول الفيض اللهي ومعبد محبّي الله ، وانّ قلوب الأئمة المعصومينعليهمالسلام ومحبيهم التي هي محال معرفة الله وحبّه أشرف من الكعبة ، وفي الحقيقة أنهم الكعبة الواقعية ، لكن لا ينبغي لأحد انكار حرمة هذه الكعبة الظاهرية أو انكار الحج فيكفر ، بل لابدّ أن يذهب أولاً إلى الكعبة الظاهرية ثم إلى الباطنية فيستفيد من أنوار كليهما.
روي بأسانيد معتبرة عن أبي عبدالله وأبي جعفر الباقرعليهماالسلام قال : انّما امر الناس أن يأتوا هذه الأحجار ، فيطوفوا بها ثم يأتونا فيخبرونا بولايتهم ويعرضوا علينا نصرهم(١) .
ولا يمكننا بسط الكلام أكثر من هذا لكن لو أدركت هذا المعنى جيّداً لاتضح عندك ما غمض عليك من الأخبار ، ولفهمت معنى نهي الصلاة [ عن الفحشاء ] بانّها توجب القرب للكمّل ونهيهم عن المعاصي ومتابعة العاصين ، وانّ الأئمةعليهمالسلام الذين هم روح الصلاة ينهون كذلك.
بل انّ نفس تلك الصلاة التي كملت فيهمعليهمالسلام وأوجبت رقيّهم إلى أعلى درجات القرب تتكلّم بلسناهم وتمنعك ، هذا ولعلّ الكلام أكثر من هذا المقدار
__________________
١ ـ الوسائل ١٠ : ٢٥٢ ح ١ باب ٢ ـ البحار ٩٩ : ٣٧٤ ح ٣ باب ٦٦.
يوهم معاني الكفر فلنرجع إلى نقل الأخبار في وصف حاملي القرآن.
روي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : قرّاء القرآن ثلاثة : رجل قرأ القرآن فاتخذه بضاعة ، واستدرّ به الملوك ، واستطال به على الناس ، ورجل قرأ القرآن فحفظ حروفه ، وضيّع حدوده ، وأقامه اقامة القدح ، فلا كثّر الله هؤلاء من حملة القرآن.
ورجل قرأ القرآن فوضع دواء القرآن على داء قلبه ، فأسهر به ليله ، وأظمأ به نهار ، وقام به في مساجده ، وتجافى به عن فراشه ، فباولئك يدفع الله العزيز الجبار البلاء ، وباولئك يديل الله عزّوجلّ من الأعداء ، وباولئك ينزّل الله عزّوجلّ الغيث من السماء ، فوالله لهؤلاء في قرّاء القرآن أعزّ من الكبريت الأحمر(١) .
وروي بسند معتبر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم انّه قال : انّ أحق الناس بالتخشّع في السر والعلانية لحامل القرآن ، وانّ أحقّ الناس في السر والعلانية بالصلاة والصوم لحامل القرآن ، ثم نادى بأعلى صوته : يا حامل القرآن تواضع به يرفعك الله ، ولا تعزّز به فيذلّك الله ، يا حامل القرآن تزيّن به لله يزيّنك الله به ولا تزيّن به ، للناس فيشينك الله به.
من ختم القرآن فكأنّما أدرجت النبوة بين جنبيه ولكنّه لا يوحي إليه ، ومن جمع القرآن فنوله لا يجهل مع من يجهل عليه ، ولا يغصب فيمن يغضب عليه ، ولا يحدّ فيمن يحدّ ، ولكنّه يعفو ويصفح ويغفر ويحلم لتعظيم القرآن ، ومن أوتي القرآن فظنّ أنّ أحداً من الناس أوتي أفضل ممّأ أوتي فقد عظّم ما حقّر الله ، وحقّر ما عظّم الله(٢) .
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٦٢٧ ح ١ باب النوادر ـ الوسائل ٤ : ٨٣٦ ح ٣ باب ٨.
٢ ـ الكافي ٢ : ٦٠٤ ح ٥ باب فضل حامل القرآن ـ الوسائل ٤ : ٨٣٥ ح ١ باب ٨.
وعنهصلىاللهعليهوآله قال : من قرأ القرآن ثم شرب عليه حراماً أو أثر عليه حبّ الدنيا وزينتها استوجب عليه سخط الله ألا أن يتوب ، ألا وانّه ان مات على غير توبة حاجّه يوم القيامة فلا يزايله الاّ مدحوضاً(١) .
( الساقية الرابعة )
في آداب قراءة القرآن
وتشتمل على شرائط كثيرة :
أوّلاً : الترتيل ، كما قال تعالى :( وَرَتِّلِ القُرآنَ تَرتِيلاً ) (٢) ومن الترتيل ما هو واجب ومنه ما هو مستحب ، فالواجب منه على المشهور أداء الحروف من المخارج ، وحفظ أحكامه والوقف والوصل ، كما في كلمتين متلاحقتين فلا ينبغي الفصل بينهما بسكوت طويل أو قطع النفس بل لابدّ أن يلحق آخر الكلمة ألاولى بأول الكلمة اللاحقة ، وان اراد الرقف فلايقف على الحركة كما سئل أمير المؤمنينعليهالسلام عن معنى الترتيل فأجابعليهالسلام بأنّه حفظ الوقف وأداء الحروف عن المخارج(٣) .
والترتيل المستحب قراءته بألتأني بحيث لا تدخل الحروف في الأُخرى وتسبب عدم التمييز بينها ، ولا يقرأ بالتأني الكثير فتتناثر الحروف وينفصل الكلام.
وقال عليعليهالسلام أيضاً وقد سئل عن الترتيل : بيّنة تبياناً ، ولا تهذّه هذّ
__________________
١ ـ الوسائل ٤ : ٨٣٦ ح ٤ باب ٨.
٢ ـ المزمل : ٤.
٣ ـ مضمون النص.
الشعر ، ولا تنثره نثر الرمل ، ولكن افزعوا قلوبكم القاسية ، ولا يكن همّ أحدكم آخر السورة(١) .
ثانياً : القراءة بالتدبر والتفكر والتوجه إلى المعاني والخشوع ، والتدبر بمواعظ القرآن ، والعبرة بأحوال الماضين ، وأن يطلب الرحمة إذا وصل إلى آية فيها رحمة ، وأن يستعيذ إذا وصل إلى آية فيها عذاب ، كما روي بأسانيد كثيرة عن أمير المؤمنين وسائر الأئمة صلوات الله عليهم بأنّه لا فائدة في قراءة ليس فيها تدبّر.
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : انّ القرآن نزل بالحزن فاقرؤوه بالحزن(٢) .
وروي عن حفص قال : سمعت موسى بن جعفرعليهماالسلام يقول لرجل : أتحبّ البقاء في الدنيا؟ فقال : نعم ، فقال : ولم؟ قال : لقراءة قل هو الله أحد.
فسكت عنه ، فقال له بعد ساعة : يا حفص من مات من أوليائنا وشيعتنا ولم يحسن القرآن علّم في قبره ليرفع الله به درجته فإنّ درجات الجنّة على قدر آيات القرآن ، يقال له : اقرأ وارق ، فيقرأ ثم يرقى.
قال حفص : فما رأيت أحداً أشدّ خوفاً على نفسه من موسى بن جعفرعليهماالسلام ولا أرجأ الناس منه ، وكانت قراءته حزناً ، فاذا قرأ فكأنّه يخاطب انساناً(٣) .
ونقل عن رجاء بن أبي الضحاك الذي صاحب الامام علي بن موسى الرضاعليهالسلام في سفره نحو خراسان قال : كان يكثر بالليل في فراشه من تلاوة القرآن ، فاذا مرّ بآية فيها ذكر جنّة أو نار بكى ، وسأل الله الجنّة وتعوّذ من النار ، وكانعليهالسلام
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٦١٤ ح ١ باب ترتيل القرآن.
٢ ـ الكافي ٢ : ٦١٤ ح ٢ باب ترتيل القرآن ـ الوسائل ٤ : ٨٥٧ ح ١ باب ٢٢.
٣ ـ الكافي ٢ : ٦٠٦ ح ١٠ باب فضل حامل القرآن.
يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في جميع صلواته بالليل والنهار ، وكان إذا قرأ « قل هو الله أحد » قال سرّاً : « الله أحد » فاذا فرغ منها قال : « كذلك الله ربنا » ثلاثاً.
وكان إذا قرأ سورة الجحد قال في نفسه سرّاً : « يا أيها الكافرون » فاذا فرغ منها قال : « ربي الله وديني الإسلام » ثلاثاً ، وكان إذا قرأ « والتين والزيتون » قال عند الفراغ منها : « بلى وأنا على ذلك من الشاهدين » وكان إذا قرأ « لا أُقسم بيوم القيامة » قال عند الفراغ منها : « سبحان اللهم بلى ».
وكان يقرأ في سورة الجمعة « قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة للذين اتقوا والله خير الرازقين » ، وكان إذا فرغ من الفاتحة قال : « الحمد لله رب العالمين » وإذا قرأ « سبّح اسم ربك الأعلى » قال سرّاً : « سبحان ربي الأعلى » وإذا قرأ « يا أيها الذين آمنوا » ، قال : « لبيك اللهم لبيك » سرّاً(١) .
وروي بسند معتبر عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : إذا قرأتم من المسبّحات(٢) الأخيرة فقولوا : « سبحان الله الأعلى » وإذا قرأتم « أن الله وملائكته يصلون على النبي » فصلوا عليه فالصلاة كنتم أو في غيرها ، وإذا قرأتم والتين ، فقولوا في آخرها : « ونحن على ذلك من الشاهدين » ، وإذا قرأتم « قولوا آمنّا بالله » فقولوا : « آمنّا بالله » حتى تبلغوا إلى قوله : « مسلمين »(٣) .
وروي بسند معتبر آخر انّ عليّ بن موسى الرضاعليهماالسلام كان يختم القرآن في كلّ ثلاث ، ويقول : لو أردت أن أختمه في أقرب من ثلاث لختمت ، ولكنّي ما مررت بآية قط الاّ فكّرت فيها ، وفي أيّ شيء أُنزلت ، وفي أيّ وقت ، فلذلك
__________________
١ ـ البحار ٤٩ : ٩٤ ضمن حديث ٧ باب ٧ ـ عن عيون أخبار الرضاعليهالسلام .
٢ ـ المسبحات كلّ سورة ابتدأت بسبّح أو يسبّح ( منه رحمه الله ).
٣ ـ البحار ٩٢ : ٢١٧ ح ١ باب ٢٧ ـ عن الخصال.
صرت أختم في كلّ يوم(١) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام في « قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون » : « أعبد ربي » ، وفي « ولي الدين » : « ديني الإسلام عليه أُحيي وعليه أموت ان شاء الله »(٢) .
وروي عن عليّ بن الحسينعليهماالسلام انّه قال : آيات القرآن خزائن العلم ، فكلّما فتحت خزانة فينبغي لك أن تنظر ما فيها(٣) .
وعنهعليهالسلام : لو مات مَن بين المشرق والمغرب لما استوحشت بعد أن يكون القرآن معي.
وعنهعليهالسلام إذا قرأ « مالك يوم الدين » يكررها حتى كاد أن يموت(٤) .
ولعمري كيف يستوحش من كان الله أنيسه ، فاذا أراد أن يتكلّم تكلّم مع الله وناجاه ، وإن أراد أن يتكلّم معه قرأ القرآن فإنّ الله تعالى قد يخاطبه وهو يجيب عالماً بذلك الخطاب قائلاً : لبيك ، وقد يتكلم الأنبياء معه كأنّه يسمع منهم مشافهة ، بل انّ الأنبياء كانوا يتكلّمون في عهدهم مع جمع من العميان ومن في آذانهم صمم فالخبير الواعي يستجيب أكثر منهم لأنّ خطاباتهم تعمّ جميع العالمين.
وقد يقصّ الله تعالى له القصص وينقل له أحوال الماضين ، وهو يكاد يموت فرحاً من هذه الكرامة ، وقد يضع له مائدة فيها ألوان النعم ، والعارف يلتذ بنعم الجنّة بما انّها من الحبيب ، فكذلك يلتذ بوعده أيضاً بل يكون أكثر لذّة ، وانّ
__________________
١ ـ الوسائل ٤ : ٨٦٣ ح ٦ باب ٢٧.
٢ ـ قرب الاسناد : ٤٤ ح ١٤٤ ـ عنه البحار ٩٢ : ٣٣٩ ح ١ باب ١٢١.
٣ ـ مستدرك الوسائل ٤ : ٢٣٨ ح ٣ باب ٣.
٤ ـ الكافي ٢ : ٦٠٢ ح ١٣ ، كتاب فضل القرآن.
المحبين يلتذّون بشراب طهورِ الجنّة في هذه النشأة أكثر منها في تلك النشأة.
وقد يذكر الله أوصافه للقارىء ، ويسيّره في بساتين صفاته الكماليّة ، فتارة في بستان الرحمانية ويريه ما هيّأ من الموائد وألوان النعم للكافر والمسلم ، وماله من النعم الخفيّة على العصاة والمذنبين ، وقد يسيّره في بستان الرحيمية ويريه ما أكرم به محبيه من الألطاف الخاصة.
وقد يسيّره في بستان الرازقية فيرى انّه ما من ورقة ولا شجرة ولا نبات الاّ ولها حظّ من رازقيته تعالى حتى تلك الورقة الضعيفة التي نبتت في آخر الشجرة ، فيصل رزقها من الجذر المستقر في الأرض بقدر مقسوم لا يزيد ولا ينقص.
وقد يسيّره في بستان قدرته اللامتناهية ، وقد يفتح له كنوز العلم والمعارف اللامتناهية ، ويعرض عليه من أنواع جواهر الحقائق ما يطيقه ، وكذلك في صفات الجلال والجمال والرفعة والكمال.
وربما نقل له أحوال محبيه وذكر كمالاتهم ، ويُظهر له لطفه بعباده حيث يذكر محبيه قبل آلاف السنين بغاية اللطف والشفقة ، ويمدحهم على النعم التي وهبها لهم ، ويذكر صبرهم وتحملهم للمشاق لأجله.
فإنّه تعالى يريد انماء رجاء العباد بذكر وسعة حلمه وكرمه بالنسبة إلى الماضين ، فما أكرمه ربّاً حيث يرغّب عباده في غاية اللطف والمداراة بالحور والقصور والأطعمة والأشربة ـ كالأب الشفيق والمعلّم العطوف ـ وذلك لأجل إيصالهم إلى درجة الكمال.
وربّما هدّدهم بأنواع العذاب ، فالتالي للقرآن بتدبر وتفكر ، والذي فتحت أبواب بساتين فيض الله اللامتناهي على عقله ، وأدركت عين قلبه أنوار المعارف
فانّه يرى ما رتّب له في كلّ صفحة من صفحاته من بساتين الحقائق ، وأنواع أنوار المعارف والهداية ، وما أحضر لأُنّسه في محفل مملوّ من صفوة الله ومحبّيه.
وما أعد له من أنواع النعم الروحانية وأصناف اللذائذ العقلانية ، وما هيأ له من أقداح مملوّة بشراب لطف الله الطهور ومحبته ، فالله تعالى مضيّفه والأنبياء والأوصياء والصديقون أصحابه ، فلا لوم على من مات فرحاً وسروراً.
ثالثاً : الطهارة عند التلاوة ، كما روي عن محمد بن الفضيل ، عن أبي الحسن الرضاعليهالسلام قال : سألته أقرأ المصحف ثم يأخذني البول فأقوم فأبول واستنجي ، وأغسل يدي وأعود إلى المصحف فأقرأ فيه؟ قال : لا ، حتى تتوضّأ للصلاة(١) .
ويحمل هذا الشرط على الاستحباب بل انّ ظاهر الأحاديث المعتبرة استحباب قراءة الجنب والحائض غير سور السجدة ، وحكم البعض بكراهة قراءة أكثر من سبع آيات ، وقيل انّ قراءة أكثر من سبعين آية أشدّ كراهة ، لكن الأحاديث الصحيحة تدلّ على جواز قراءتهما للقرآن مهما أراد الاّ سور السجدة فهي محرّمة عليهما.
رابعاً : الاستعاذة ، ولا خلاف في استحبابها إذا شرع في القراءة والتلاوة ، وهناك خلاف بين القرّاء في كيفيتها ، والمشهور عند علماء الشيعة أحد الوجهين ، الأول : « أعوذ بالله من الشيطان الرجيم » وهذا أشهر بين الشيعة والسنة ، الثاني : « أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ».
وجاء في بعض روايات الشيعة بعده « وأعوذ بالله أن يحضرون » وجاء في بعضها الآخر « انّ الله هو السميع العليم » وفي بعضها « أعوذ بالله من الشيطان
__________________
١ ـ قرب الاسناد : ٣٩٥ ح ١٣٨٦ ـ عنه البحار ٩٢ : ٢١٠ ح ٢ باب ٢٦ ـ الوسائل ٤ : ٨٤٧ ح ١ باب ١٣.
الرجيم انّ الله هو الفتاح العليم » والوجهان الأولان أشهر وأولى.
خامساً : استقبال القبلة عند القراءة ، في المجالس وغيرها كما روي من انّه أشرف المجالس ما استقبل به القبلة(١) .
وقد ذكرت بعض الآداب في كتب التفسير والقراءة وذكرها هنا يوجب التطويل.
( الساقية الخامسة )
في كيفية ختم القرآن
روي بسند معتبر عن رجل قال لأبي عبداللهعليهالسلام : أقرأ القرآن في ليلة ، قال : لا يعجبني أن تقرأه في أقلّ من شهر(٢) .
وروي بسند معتبر انّه : سأل أبو بصير أبا عبداللهعليهالسلام فقال له : جعلت فداك أقرأ القرآن في ليلة؟ فقال : لا ، فقال : في ليلتين؟ فقال : لا ، حتى بلغ ستّ ليال فأشار بيده فقال : ها.
ثم قال أبو عبداللهعليهالسلام : يا أبا محمد انّ من كان قبلكم من أصحاب محمدصلىاللهعليهوآله كان يقرأ القرآن في شهر وأقلّ ، انّ القرآن لا يقرأ هذرمة ولكن يرتل ترتيلاً ، إذا مررت بآية فيها ذكر النار وقفت عندها وتعوّذت بالله من النار.
فقال أبو بصير : أقرأ القرآن في رمضان في ليلة؟ فقال : لا ، فقال : في ليلتين؟ فقال : لا ، فقال : في ثلاث؟ فقال : ها ـ وأومأ بيده ـ نعم شهر رمضان لا يشبهه شيء
__________________
١ ـ البحار ٧٥ : ٤٦٩ ح ٤ باب ٩٦ ـ عن كتاب الغايات.
٢ ـ الكافي ٢ : ٦١٧ ح ١ باب في كم يقرأ القرآن ويختم ـ الوسائل ٤ : ٨٦٢ ح ١ باب ٢٧.
من الشهور ، له حق وحرمة ، أكثر من الصلاة ما استطعت(١) .
وروي بسند معتبر آخر انّ أبا عبداللهعليهالسلام سئل : في كم يختم القرآن؟ فقال : اقرأه أخماساً ، اقرأه أسباعاً ، أما انّ عندي مصحفاً مجزي أربعة عشر جزءاً(٢) .
وروي عن علي بن المغيرة ، عن أبي الحسن(٣) عليهالسلامعليهالسلام قال : قلت له : انّ أبي سأل جدّك عن ختم القرآن في كلّ ليلة ، فقال له جدّك : كلّ ليلة ، فقال له : في شهر رمضان ، فقال له جدّك : في شهر رمضان ، فقال له أبي : نعم ما استطعت.
فكان أبي يختمه أربعين ختمة في شهر رمضان ، ثم ختمته بعد أبي ، فربما زدت وربما نقصت على قدر فراغي وشغلي ونشاطي وكسلي ، فاذا كان في يوم الفطر جعلت لرسول اللهصلىاللهعليهوآله ختمة ، ولعليّعليهالسلام اخرى ، ولفاطمةعليهاالسلام أخرى ، ثم للأئمةعليهمالسلام حتى انتهيت إليك فصيّرت لك واحدة منذ صرت في هذا الحال ، فأيّ شيء لي بذلك؟
قال : لك بذلك أن تكون معهم يوم القيامة ، قلت : الله أكبر فلي بذلك؟ قال : نعم ، ثلاث مرات(٤) .
( الساقية السادسة )
في ثواب تعليم القرآن وتعلّمه وحفظه
روي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : انّ الذي يعالج القرآن
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٦١٨ ح ٥ باب في كم يقرأ القرآن ويختم ـ الوسائل ٤ : ٨٦٢ ح ٣ باب ٢٧.
٢ ـ الكافي ٢ : ٦١٧ ح ٣ باب في كم يقرأ القرآن ويختم ـ الوسائل ٤ : ٨٦٢ ح ٢ باب ٢٧.
٣ ـ في المتن الفارسي أبي عبداللهعليهالسلام .
٤ ـ الكافي ٢ : ٦١٨ ح ٤ باب في كم يقرأ القرآن ويختم ـ الوسائل ٤ : ٨٦٤ ح ١ باب ٢٨.
ليحفظه بمشقّة منه وقلّة حفظ له أجران(١) .
وقالعليهالسلام : ينبغي للمؤمن أن لا يموت حتى يتعلّم القرآن ، أو يكون في تعليمه(٢) .
وقالعليهالسلام : من شدد عليه القرآن كان له أجران(٣) .
وروي بسند معتبر عن يعقوب الأحمر انّه قال : قلت لأبي عبداللهعليهالسلام : جعلت فداك انّه قد أصابني هموم وأشياء لم يبق شيء من الخير الاّ وقد تفلّت منّي منه طائفة حتى القرآن لقد تفلّت منّي طائفة منه.
قال : ففزع عند ذلك حين ذكرت القرآن ، ثم قال : انّ الرجل لينسي السورة من القرآن فتأتيه يوم القيامة حتى تشرف عليه من درجة من بعض الدرجات ، فيقول : السلام عليك ، فيقول : وعليك السلام من أنت؟ فيقول : أنا سورة كذا وكذا ، ضيعتني وتركتني أما لو تمسّكت بي بلغت بك هذه الدرجة ، ثم أشار بإصبعه ، ثم قال :
« عليكم بالقرآن فتعلّموه ، فإنّ من الناس من يتعلّم ليقال : فلان قارىء ، ومنهم من يتعلّمه ويطلب به الصوت ليقال : فلان حسن الصوت ، وليس في ذلك خير ، ومنهم من يتعلّمه فيقوم به في ليله ونهاره ولا يبالي من علم ذلك ومن لم يعلمه »(٤) .
ووردت أحاديث كثيرة في ذم نسيان القرآن توافق هذا الخبر ، وظاهر
____________
١ ـ البحار ٩٢ : ١٨٧ ح ٧ باب ٢٠ ـ الوسائل ٤ : ٨٣٢ ح ٢ باب ٥.
٢ ـ الكافي ٢ : ٦٠٧ ح ٣ باب من يتعلم القرآن بمشقة ـ الوسائل ٤ : ٨٢٤ ح ٤ باب ١.
٣ ـ الكافي ٢ : ٦٠٦ ح ٢ باب من يتعلم القرآن بمشقة ـ الوسائل ٤ : ٨٣٢ ح ٣ باب ٥.
٤ ـ البحار ٩٢ : ١٨٩ ح ١٣ باب ٢٠ ـ عن عدة الداعي ـ مثله الكافي ٢ : ٦٠٧ ح ١.
بعضها الآخر ترك العمل بمعانيه ، ومن الواضح قبح المعنى الثاني ، وكذلك الأول إن كان ناتجاً من عدم اعتناء ، وان كان النسيان بسبب ضعف الحافظة ومن دون اختيار لا يكون قصوراً في حقّه ، وما ورد من الأخبار بنفي القصور عنه تحمل على هذا المعنى.
روي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : ألا ومن تعلّم القرآن ثم نسيه متعمّداً لقى الله يوم القيامة مغلولاً ، يسلّط الله عليه بكل آية نسيها حيّة تكون قرينته الى النار الاّ أن يغفر له(١) .
وقالصلىاللهعليهوآله : خياركم من تعلّم القرآن وعلّمه(٢) .
وروي عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : انّ الله عزّوجلّ ليهمّ بعذاب أهل الأرض جميعاً حتى لا يريد أن يحاشي منهم أحداً اذا عملوا بالمعاصي ، واجترحوا السيئات ، فاذا نظر إلى الشيب ناقلي أقدامهم إلى الصلوات ، والولدان يتعلّمون القرآن رحمهم وأخّر ذلك عنهم(٣) .
( الساقية السابعة )
في ثواب قراءة القرآن
روي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : القرآن عهد الله إلى خلقه ، فقد ينبغي للمرء المسلم أن ينظر في عهده ، وأن يقرأ منه في كلّ يوم خمسين
__________________
١ ـ البحار ٩٢ : ١٨٧ ح ٥ باب ٢٠ ـ عن أمالي الصدوق.
٢ ـ البحار ٩٢ : ١٨٧ ح ٢ باب ٢٠ ـ عن أمالي الطوسي.
٣ ـ البحار ٩٢ : ١٨٥ ح ١ باب ٢٠ ـ عن علل الشرائع.
آية(١) .
وروي عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : البيت الذي يقرأ فيه القرآن ، ويذكر الله عزّوجلّ فيه تكثر بركته ، وتحضره الملائكة ، وتهجره الشياطين ، ويضيء لأهل السماء كما تضيء الكواكب لأهل الأرض ، وانّ البيت الذي لا يقرأ فيه القرآن ولا يذكر الله عزّوجلّ فيه تقلّ بركته ، وتهجره الملائكة ، وتحضره الشياطين(٢) .
وقال أبو عبداللهعليهالسلام : انّ البيت إذا كان فيه المرء المسلم يتلو القرآن يتراءاه أهل السماء كما يتراأى أهل الدنيا الكواكب الدريّ في السماء(٢) .
وروي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : من قرأ القرآن قائماً في صلاته كتب الله له بكلّ حرف مائة حسنة ، ومن قرأه في صلاته جالساً كتب الله له بكلّ حرف خمسين حسنة ، ومن قرأ في غير صلاته كتب الله له بكلّ حرف عشر حسنات(٤) .
وروى بسند صحيح عنهعليهالسلام انّه قال : ما يمنع التاجر منكم المشغول في سوقه إذا رجع إلى منزله أن لا ينام حتى يقرأ سورة من القرآن ، فتكتب له مكان كل آية يقرؤها عشر حسنات ، ويمحى عشر سيئات(٥) .
وروي عن بشر بن غالب [ الاسدي ] عن الحسين بن عليّعليهالسلام قال : من قرأ آية من كتاب الله عزّوجلّ في صلاته قائماً يكتب له بكلّ حرف مائة حسنة ،
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٦٠٩ ح ١ باب في قراءة القرآن.
٢ ـ الكافي ٢ : ٦١٠ ح ٣ باب البيوت التي يقرأ فيها القرآن.
٣ ـ الكافي ٢ : ٦١٠ ح ٢ باب البيوت التي يقرأ فيها القرآن.
٤ ـ الكافي ٢ : ٦١١ ح ١ باب ثواب قراءة القرآن.
٥ ـ الكافي ٢ : ٦١١ ح ٢ باب ثواب قراءة القرآن.
فاذا قرأها في غير صلاة كتب الله له بكلّ حرف عشر حسنات ، وإن استمع القرآن كتب الله له بكلّ حرف حسنة.
وإن ختم القرآن ليلاً صلّت عليه الملائكة حتى يصبح ، وإن ختمه نهاراً صلّت عليه الحفظة حتى يمسي ، وكانت له دعوة مجابة ، وكان خيراً له مما بين السماء إلى الأرض ، قلت : هذا لمن قرأ القرآن فمن لم يقرأ؟ قال : يا أخا بني أسد انّ الله جواد ماجد كريم ، إذا قرأ ما معه أعطاه الله ذلك(١) .
وروي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : من ختم القرآن [ بمكة ] من جمعة إلى جمعة أو أقلّ من ذلك أو أكثر ، وختمه في يوم الجمعة كتب له من الأجر والحسنات من أوّل جمعة كانت في الدنيا إلى آخر جمعة تكون فيها ، وان ختمه في سائر الأيام فكذلك(٢) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : من قرأ عشر آيات في ليلة لم يكتب من الغافلين ، ومن قرا خمسين آية كتب من الذاكرين ، ومن قرأ مائة آية كتب من القانتين ، ومن قرأ مائتي آية كتب من الخاشعين ، ومن قرأ ثلاثمائة آية كتب من الفائزين.
ومن قرأ خمسمائة آية كتب من المجتهدين ، ومن قرأ الف آية كتب له قنطار من تبر ـ القنطار خمسة عشر ألف مثقال من ذهب ، والمثقال أربعة وعشرون قيراطاً ـ أصغرها مثل جبل أحد ، وأكبرها ما بين السماء إلى الأرض(٣) .
وروي عن علي بن الحسينعليهماالسلام انّه قال : من استمع حرفاً من كتاب الله
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٦١١ ح ٣ باب ثواب قراءة القرآن.
٢ ـ الكافي ٢ : ٦١٢ ح ٤ باب ثواب قراءة القرآن.
٣ ـ الكافي ٢ : ٦١٢ ح ٥ باب ثواب قراءة القرآن.
عزّوجلَّ من غير قراءة كتب الله له حسنة ، ومحا عنه سيئة ، ورفع له درجة ، ومن قرأ نظراً من غير صوت كتب الله له بكلّ حرف حسنة ، ومحا عنه سيئة ، ورفع له درجة ، من تعلّم منه حرفاً ظاهراً كتب الله له عشر حسنات ، ومحا عنه عشر سيئات ، ورفع له عشر درجات.
قال : لا أقول بكلّ آية ، ولكن بكلّ حرف باء أو تاء أو شبههما ، قال : ومن قرأ حرفاً ظاهراً وهو جالس في صلاته كتب الله له به خمسين حسنة ، ومحا عنه خمسين سيئة ، ورفع له خمسين درجة ، ومن قرأ حرفاً وهو قائم في صلاته كتب الله له بكلّ حرف مائة حسنة ، ومحا عنه مائة سيئة ، ورفع له مائة درجة ، ومن ختمه كانت له دعوة مستجابة مؤخرّة أو معجّلة(١) .
وقال موسى الكاظمعليهالسلام : من استكفى بآية من القرآن من الشرق إلى الغرب كفى إذا كان بيقين(٢) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : شكا رجل إلى النبيّصلىاللهعليهوآله وجعاً في صدره ، فقال : استشف بالقرآن ، فإن الله عزّوجلّ يقول :( وَشَفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ ) (٣) .
وروي بسند معتبر عن أمير المؤمينعليهالسلام انّه قال : من قرأ مائة آية من القرآن من أيّ القرآن شاء ، ثم قال : يا الله سبع مرات ، فلو دعا على صخرة لفلقها الله(٤) .
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٦١٢ ح ٦ باب ثواب قراءة القرآن.
٢ ـ الكافي ٢ : ٦٢٣ ح ١٨ باب فضل القرآن.
٣ ـ الكافي ٢ : ٦٠٠ ح ٧ كتاب فضل القرآن ـ والآية في سورة يونس رقم ٥٧.
٤ ـ أعلام الدين : ٣٦٨.
وروي بسند معتبر عن أبي الحسن موسىعليهالسلام انّه قال : إذا خفت أمراً فاقرأ مائة آية من القرآن من حيث شئت ، ثم قل : اللهم اكشف عني البلاء ثلاث مرّات(١) .
وروي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : لكلّ شيء ربيع وربيع القرآن شهر رمضان(٢) .
( الساقية الثامنة )
في فضل القراءة في المصحف ، وفي حفظه
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ القرآن في المصحف متّع ببصره ، وخفّف عن والديه وان كانا كافرين(٣) .
وقالعليهالسلام : انّه ليعجبني أن يكون في البيت مصحف يطرد الله عزّوجلّ به الشياطين(٤) .
وقالعليهالسلام : ثلاثة يشكون إلى الله عزّوجلّ : مسجد خراب لا يصلّى فيه أهله ، وعالم بين جهّال ، ومصحف معلّق قد وقع عليه الغبار لا يقرأ فيه(٥) .
وروي عن إسحاق [ بن عمار ] ، عن أبي عبداللهعليهالسلام قال : قلت له : جعلت فداك انّي أحفظ القرآن على ظهر قلبي فأقراه على ظهر قلبي أفضل أو أنظر في
__________________
١ ـ البحار ٩٢ : ١٧٦ ح ١ باب ١٨ ـ عن مكارم الاخلاق : ٣٦٣.
٢ ـ الكافي ٢ : ٦٣٠ ح ١٠ باب النوادر.
٣ ـ الكافي ٢ : ٦١٣ ح ١ باب قراءة القرآن في المصحف.
٤ ـ الكافي ٢ : ٦١٣ ح ٢ باب قراءة القرآن في المصحف.
٥ ـ الكافي ٢ : ٦١٣ ح ٣ باب قراءة القرآن في المصحف.
المصحف؟ قال : فقال لي : بل اقرأه وانظر في المصحف فهو أفضل ، أما علمت انّ النظر في المصحف عبادة(١) .
وقالعليهالسلام : ست خصال ينتفع بها المؤمن بعد موته : ولد صالحٌ يستغفر له ، ومصحفٌ يقرأ فيه ، وقليب يحفره ، وغرس يغرسه ، وصدقة ماء يجريه ، وسنّة حسنّة يؤخذ بها بعده(٢) .
وجاء في مناهي النبيّصلىاللهعليهوآله انّه نهى أن يمحى شيء من كتاب الله عزّوجلّ بالبزاق أو يكتب منه(٣) .
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّه قال : النظر إلى عليّ بن أبي طالب عبادة ، والنظر إلى الوالدين برأفة ورحمة عبادة ، والنظر في الصحيفة ـ يعني صحيفة القرآن ـ عبادة ، والنظر إلى الكعبة عبادة(٤) .
( الساقية التاسعة )
في فضائل وفوائد بعض السور والآيات القرآنية
« سورة الفاتحة » :
روي بسند معتبر عن علي بن موسى الرضاعليهماالسلام أنّه قال : أنّ بسم الله الرحمن الرحيم أقرب إلى اسم الله الأعظم من سواد العين إلى بياضها(٥) .
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٦١٣ ح ٥ باب قراءة القرآن في المصحف.
٢ ـ الخصال : ٣٢٣ ح ٩ باب ٦ ـ عنه البحار ٩٢ : ٣٤ ح ١ باب ٢.
٣ ـ البحار ٩٢ : ٣٤ ح ٣ باب ٢ ـ عن أمالي الصدوق.
٤ ـ أمالي الطوسي : ٤٥٤ ح ٢٢ مجلس ١٦ ـ عنه الوسائل ٤ : ٨٥٤ ح ٥ باب ١٩.
٥ ـ البحار ٩٢ : ٢٣٣ ح ١٥ باب ٢٩ ـ عن عيون أخبار الرضاعليهالسلام .
وروي بسند معتبرعن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من نالته علّة فليقرأ في جيبه الحمد سبع مرّات ، فإن ذهبت العلّة والاّ فليقرأ سبعين مرّة ، وأنا الضامن له العافية(١) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : من قرأ فاتحة الكتاب أعطاه الله بعدد كلّ آية انزلت من السماء فيجزى بها ثوابها(٢) .
وروي عن الامام الحسن العسكريعليهالسلام انّه قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : قال الله عزَّوجلَّ : قسمت الفاتحة بيني وبين عبدي ، فنصفها لي ، ونصفها لعبدي ، ولعبدي ما سأل.
إذ قال العبد :( بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيم ) قال الله عزّوجلّ : بدأ عبدي باسمي ، وحقٌّ عليّ أن أتمم له أُموره ، وأُبارك له في أحواله.
فاذا قال :( اَلحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ ) قال الله جلّ جلاله : حمدني عبدي ، وعلم انّ النعم التي له من عندي ، وانّ البلايا التي دفعت عنه فبتطويلي ، أشهدكم أنّي أضيف له نعم الدنيا إلى نعم الآخرة ، وادفع عنه بلايا الآخرة ، كما دفعت عنه بلايا الدنيا.
فاذا قال :( اَلرَّحمَنِ الرَّحِيم ) قال الله عزّوجلّ : شهد لي بأنّي الرحمن الرحيم ، أشهدكم لأُوفّرنّ من رحمتي حظّه ، ولاُجزلنّ من عطائي نصيبه.
فاذا قال :( مَالِكِ يَومِ الدِّينِ ) قال الله جلّ جلاله : أشهدكم كما اعترفت بأنّي أنا المالك ليوم الدين ، لاُسهلنّ يوم الحساب حسابه ، ولاُقبلنّ حسناته ، ولأتجاوزنّ
__________________
١ ـ أمالي الطوسي : ٢٨٤ ح ٩١ مجلس ١٠ ـ عنه البحار ٩٢ : ٢٣١ ح ١٣ باب ٢٩.
٢ ـ البحار ٩٢ : ٢٢٨ ضمن حديث ٧ باب ٢٩ ـ عن أمالي الصدوق.
عن سيئاته.
فاذا قال العبد :( اِيَّاكَ نَعبُدُ ) قال الله عزّوجلّ : صدق عبدي ، اياي يعبد ، لاثيبنّه عن عبادته ثواباً يغبطه كلّ من خالفه في عبادته لي.
فاذا قال العبد :( وَاِيَّاكَ نَستَعِينُ ) قال الله عزّوجلّ : بي استعان واليّ التجأ ، اشهدكم لاعينّنه على أمره ، ولاغيثنّه في شدائده ، ولآخذنّ بيده يوم القيامة عند نوائبه.
فاذا قال :( اِهدِنَا الصِّرَاط المُستَقِيمَ ) إلى آخر السورة ، قال الله عزّوجلّ : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل ، فقد استجبت لعبدي ، وأعطيته ما أمل ، وآمنته مما منه وجل(١) .
وروي بسند آخر انّه : ما قرئت الحمد على وجع سبعين مرّة الاّ سكن(٢) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : لو قرئت الحمد على ميّت سبعين مرّة ثم ردّت فيه الروح ما كان ذلك عجباً(٣) .
وروي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : من لم يبرأه الحمد لم يبرأه شيء(٤) .
وروي أيضا أنّ أبا عبداللهعليهالسلام قال لبعض أصحابه وقد شكا إليه الحمى : حلّ أزرار قميصك ، وأدخل رأسك في قميصك ، وأذّن وأقم ، واقرأ سورة الحمد سبع مرّات ، قال : ففعلت ذلك فكأنّما نشطت عن عقال(٥) .
__________________
١ ـ مستدرك الوسائل ٤ : ٣٢٧ ح ١ باب ٤٤ ـ البحار ٩٢ : ٢٢٦ ح ٣ باب ٢٩.
٢ ـ الكافي ٢ : ٦٢٣ ح ١٥ باب فضل القرآن ـ الوسائل ٤ : ٨٧٣ ح ٢ باب ٣٧.
٣ ـ الكافي ٢ : ٦٢٣ ح ١٦ باب فضل القرآن ـ الوسائل ٤ : ٨٧٣ ح ١ باب ٣٧.
٤ ـ الكافي ٢ : ٦٢٦ ح ٢٢ باب فضل القرآن ـ الوسائل ٤ : ٨٧٤ ح ٣ باب ٣٧.
٥ ـ البحار ٩٢ : ٢٣٥ ضمن حديث ٢٠ باب ٢٩ ـ عن طب الأئمة.
وجاء في حديث آخر : انّه اشتكى إلى الصادقعليهالسلام رجل من الصداع ، فقال : ضع يدك على الموضع الذي يصدعك واقرأ آية الكرسي ، وفاتحة الكتاب وقل : « الله أكبر ، الله أكبر ، لا اله الاّ الله ، والله أجلّ وأكبر ممّا أخاف وأحذر ، أعوذ بالله من عرق نعّار ، وأعوذ بالله من حرّ النار »(١) .
« سورة البقرة وآل عمران » :
روي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ البقرة وآل عمران جاءتا يوم القيامة تظلاّنه على رأسه مثل الغمامتين ، أو مثل العباءتين(٢) .
وروي بسند معتبر عن عليّ بن الحسينعليهماالسلام انّه قال : قال رسولصلىاللهعليهوآله : من قرأ أربع آيات من أول البقرة ، وآية الكرسي ، وآيتين بعدها ، وثلاث آيات من آخرها ، لم ير في نفسه وماله شيئاً يكرهه ، ولا يقربه شيطان ، ولا ينسى القرآن(٣) .
وروي عن عليّ بن موسى الرضاعليهالسلام قال : من قرأ آية الكرسي عند منامه لم يخف الفالج إن شاء الله ، ومن قرأها دبر كلّ صلاة لم يضرّه ذو حمة(٤) .
وروي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام قال : من قرأ آية الكرسي مرّة صرف الله عنه ألف مكروه من مكروه الدنيا ، وألف مكروه من مكروه الآخرة ، أيسر مكروه الدنيا الفقر ، وأيسر مكروه الآخرة عذاب القبر(٥) .
__________________
١ ـ البحار ٩٥ : ٥٨ ضمن حديث ٢٧ باب ٥٩ ـ عن مكارم الأخلاق.
٢ ـ البحار ٩٢ : ٢٦٥ ح ٨ باب ٣٠ ـ عن ثواب الأعمال.
٣ ـ البحار ٩٢ : ٢٦٥ ح ٩ باب ٣٠ ـ عن ثواب الأعمال.
٤ ـ البحار ٩٢ : ٢٦٦ ح ١٠ ، باب ٣٠ ـ عن ثواب الأعمال.
٥ ـ البحار ٩٢ : ٢٦٢ ح ١ باب ٣٠ ـ عن أمالي الصدوق : ٨٨ ح ٦ مجلس ٢١.
وجاء في وصية أبي ذر انّه سأل النبيّصلىاللهعليهوآله أيّ آية أنزلها الله عليك أعظم؟ قال : آية الكرسي(١) .
وروي بسند آخر انّه شكى رجل إليه [ أي إلى أبي عبداللهعليهالسلام ] حمّى قد تطاولت ، فقال : اكتب آية الكرسي في إناء ، ثم دفه بجرعة من ماء واشربه(٢) .
وروي عن موسى بن جعفرعليهالسلام انّه قال : سمع بعض آبائيعليهمالسلام رجلاً يقرأ أمّ القرآن ، فقال شكر وأجر ، ثم سمعه يقرأ « قل هو الله أحد » فقال : آمَنَ وأَمِنَ ، ثم سمعه يقرأ ( انا أنزلناه ) فقال : صدّق وغفر له ، ثم سمعه يقرأ آية الكرسي ، فقال : بخ بخ نزلت براءة هذا من النار(٣) .
وروي بسند معتبر عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : إذا اشتكى أحدكم عينه فليقرأ آية الكرسي وليضمر في نفسه أنّها تبرأ ، فانّه يعافى ان شاء الله.
وقالعليهالسلام : من قرأ ( قل هو الله أحد ) من قبل أن تطلع الشمس احدى عشر مرة ومثلها ( انا أنزلناه ) ومثلها ( أية الكرسي ) منع ماله مما يخاف.
وقالعليهالسلام : ليقرأ أحدكم إذا خرج من بيته الآيات من آل عمران(٤) ، وآية الكرسي ، وانّا أنزلناه ، وأم الكتاب ، فإنّ فيها قضاء حوائج الدنيا والآخرة(٥) .
وروي بسند معتبر عن عليّ الرضاعليهالسلام انّه قال : قال رسولصلىاللهعليهوآله : من قرأ آية الكرسي مائة مرة كان كمن عبد الله طول حياته(٦) .
____________
١ ـ البحار ٩٢ : ٢٦٢ ح ٣ باب ٣٠ ـ عن معاني الأخبار والخصال.
٢ ـ البحار ٩٥ : ٢٤ ضمن حديث ١١ ـ عن مكارم الاخلاق.
٣ ـ البحار ٩٢ : ٢٦٢ ح ٢ باب ٣٠ عن أمالي الصدوق.
٤ ـ أي قوله تعالى :( انّ في خلق السماوات والأرض ) إلى آخر السورة ( منه رحمه الله ).
٥ ـ البحار ٩٢ : ٢٦٢ ح ٤ باب ٣٠ ـ عن الخصال.
٦ ـ البحار ٩٢ : ٢٦٣ ح ٥ باب ٣٠ ـ عن عيون أخبار الرضاعليهالسلام .
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم انّه قال : منّ عليّ ربّي وقال لي : وأعطيتك لك ولأُمتك كنزاً من كنوز عرشي فاتحة الكتاب ، وخاتمة سورة البقرة(١) .
وروي عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّ قال : ما أرى رجلا أدرك عقله الإسلام ، وولد في الإسلام يبيت ليلة سوادها حتى يقرأ هذه الآية( اللهُ لا اِلهَ اِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ ) فقرأ الآية الى قوله :( العَلِيُّ العَظِيمُ ) (٢) .
ثم قال : فلو تعلمون ما هي لما تركتموها على حالٍ ، انّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أخبرني قال : اعطيت آية الكرسي من كنز تحت العرش ، ولم يؤتها نبيّ كان قبلي.
قال عليّعليهالسلام : فما بتّ ليلة قطّ منذ سمعتها من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتى أقرأها انّي أقرأها ثلاث مرّات في ثلاثة أحايين من كلّ ليلة(٣) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : من قرأ آية الكرسي دبر كلّ صلاة مكتوبة كان في أمان الله إلى صلاة أخرى(٤) .
وفي حديث آخر انّه قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لعليّعليهالسلام : يا عليّ عليك بتلاة آية الكرسي في دبر صلاة المكتوبة ، فانّه لا يحافظ عليها الاّ نبيّ أو صدّيق أو شهيد(٥) .
__________________
١ ـ معاني الأخبار : ٥١ ضمن حديث ١ ـ عنه البحار ٩٢ : ٢٣٠ ح ١٠ باب ٢٩.
٢ ـ البقرة : ٢٥٥.
٣ ـ أمالي الطوسي : ٥٠٨ ح ١٩ مجلس ١٨ ـ عنه البحار ٩٢ : ٢٦٤ ح ٧ باب ٣٠.
٤ ـ مضمون النص.
٥ ـ قرب الاسناد : ١١٨ ح ٤١٥ ـ عنه البحار ٨٦ : ٢٤ ح ٢٤ باب ٦٠.
وروي بسند عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : لمّا أمر الله عزّوجلّ هذه الآيات أن يهبطن إلى الأرض تعلّقن بالعرش وقلن : أي ربّ إلى أين تهبطنا ، إلى أهل الخطايا والذنوب؟
فأوحى الله عزّوجلّ اليهنّ : أن اهبطن فوعزّتي وجلالي لا يتلوكنّ أحد من آل محمد وشيعتهم في دبر ما افترضت عليه من المكتوبة في كلّ يوم الاّ نظرت إليه بعيني المكنونة في كلّ يوم سبعين نظرة ، أقضي له في كلّ نظرة سبعين حاجة ، وقبلته على ما فيه من المعاصي ، وهي أمّ الكتاب ، و( شَهِدَ اللهُ أنَّهُ لاَ اَلهِ اِلاَّ هُوَ وَالمَلاِئَكَةُ وَاُولُو العِلم ) وآية الكرسي ، وآية الملك(١) .
وروي بسند معتبر عن أبي الحسن الثالث [ عليّ النقيّ ]عليهالسلام انّه قال : دخل أشجع السلمي على الصادقعليهالسلام وقال : يا سيدي أنا كثير الأسفار ، وأحصل في المواضع المفزعة ، فتعلّمني ما آمن به على نفسي.
قال : فاذا خفت أمراً فاترك يمينك على أمّ رأسك ، واقرأ برفيع صوتك :( أَفَغيرَ دِين اللهِ يَبغُونَ وَلَهُ اَسلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرضِ طَوعاَ وَكرها وَاِلَيهِ يُرجَعُونَ ) (٢) .
قال أشجع : فحصلت في واد نعتت فيه الجنّ ، فسمعت قائلاً يقول خذوه ، فقرأتها ، فقال قائل : كيف نأخذه وقد احتجز بآية طيبة(٣) .
« سورة النساء » :
روي عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة النساء في كلّ جمعة
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٦٢٠ ح ٢ باب فضل القرآن.
٢ ـ آل عمران : ٨٣.
٣ ـ البحار ٩٥ : ١٤٨ ح ١ باب ١٠٤ ـ عن أمالي الطوسي.
أمن ضغطة القبر(١) .
« سورة المائدة » :
روي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة المائدة في كلّ خميس لم يلبس ايمانه بظلم ولا يشرك أبدا(٢) .
« سورة الانعام » :
روي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : نزلت سورة الأنعام جملة واحدة شيّعها سبعون ألف ملك حتى أنزلت على محمدصلىاللهعليهوآله ، فعظّموها وبجّلوها ، فإنّ اسم الله فيها في سبعين موضعاً ، ولو علم الناس ما فيها ما تركوها(٣) .
ونقل عن عبدالله بن عباس قال : من قرأ سورة الأنعام في كلّ ليلة كان من الآمنين يوم القيامة ولم ير النار بعينه أبداً(٤) .
وروي بسند معتبر عن علي الرضاعليهالسلام انّه قال : نزلت سورة الأنعام جملة واحدة ، شيّعاها سبعون ألف ملك ، لهم زجل بالتسبيح والتهليل والتكبير [ حتى نزلت على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ](٥) فمن قرأها سبّحوا له إلى يوم القيامة(٦) .
وروي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : إذا كانت بك علّة تتخوف على نفسك منها فاقرأ سورة الأنعام ، فانّه لا ينالك من تلك العلّة ما تكره(٧) .
__________________
١ ـ البحار ٩٢ : ٢٧٣ ح ١ باب ٣١ ـ عن ثواب الأعمال.
٢ ـ البحار ٩٢ : ٢٧٣ ح ١ باب ٣٢ ـ عن ثواب الأعمال ـ الوسائل ٤ : ٨٨٨ ح ٣ باب ٥١.
٣ ـ البحار ٩٢ : ٢٧٥ ح ٣ باب ٣٣ ـ عن ثواب الأعمال.
٤ ـ البحار ٩٢ : ٢٧٤ ح ٢ باب ٣٣ ـ عن ثواب الأعمال.
٥ ـ ليس ما بين المعقوفتين من أصل الرواية وانّما هو زيادة من الترجمة.
٦ ـ البحار ٩٢ : ٢٧٤ ح ١ باب ٣٣ ـ عن تفسير القمي ١ : ١٩٣.
٧ ـ مكارم الاخلاق : ٣٦٣ ـ مثله البحار ٩٢ : ٢٧٥ ح ٤ باب ٣٣.
« سورة الأعراف » :
روي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة الأعراف في كلّ شهر كان يوم القيامة من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، فإن قرأها في كلّ جمعة كان ممن لا يحاسب يوم القيامة ، أما انّ فيها محكماً فلا تدعوا قراءتها ، فانّها تشهد يوم القيامة لمن قرأها(١) .
وروي بسند معتبر عن الأصبغ بن نباتة ، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه انّه قال : والذي بعث محمداًصلىاللهعليهوآله بالحقّ ، وأكرم أهل بيته ما من شيء تطلبونه من حرز من حرق ، أو غرق ، أو سرق ، أو إفلات دابة من صاحبها ، أو ضالّة ، أو آبق الاّ وهو في القرآن ، فمن أراد ذلك فليسألني عنه.
قال : فقام إليه رجل ، فقال : يا أمير المؤمنين أخبرني عمّا يؤمن من الحرق والغرق ، فقال : اقرأ هذه الآيات :( اِنَّ وَلِيّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ) (٢) ،( وَمَا قَدَرُوا اللهً حَقَّ قَدرِه ـ إلى قوله ـسُبحَانَهَ وَتَعَالى عَمَّا يَشرِكُونَ ) (٣) فمن قرأها فقد أمن الحرق والغرق ، قال : فقرأها رجل واضطرمت النار في بيوت جيرانه وبيته وسطها فلم يصبه شيء.
ثم قام إليه رجل آخر ، فقال : يا أمير المؤمنين انّ دابتي استصعبت عليّ وأنا منها على وجل ، فقال : اقرأ في أذنها اليمنى( وَلَهُ اَسلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرضِ طَوعاَ وَكَرهاَ وَإلَيهِ يُرجَعُونَ ) (٤) فقرأها فذلّت له دابته.
__________________
١ ـ البحار ٩٢ : ٢٧٦ ح ١ باب ٣٤ عن ثواب الأعمال.
٢ ـ الاعراف : ١٩٦.
٣ ـ الزمر : ٦٧.
٤ ـ آل عمران : ٨٣.
وقام إليه رجل آخر ، فقال : يا أمير المؤمنين انّ أرضي أرض مسبعة ، وانّ السباع تغشى منزلي ولا تجوز حتى تأخذ فريستها ، فقال : اقرأ( لَقَد جَاءَكُم رَسُولٌ مِن أَنفُسِكُم عَزِيرٌ عَلَيهِ مَا عَنِتُّم حَرِيصٌ عَلَيكُم بِالمُؤمِنينَ رَءُوفٌ رَحِيم *فَاِن تَوَلَّوا فَقُل حَسبِي الله لاَ اِله اِلاَّ هُوَ عَلَيهِ تَوَكَّلتُ وَهُوَ رَبُّ العَرشِ العَظِيمِ ) (١) فقرأهما الرجل فاجتنبته السباع.
ثم قام إليه آخر ، فقال : يا أمير المؤمنين انّ في بطني ماء أصفر ، فهل من شفاء؟ فقال : نعم بلا درهم ولا دينار ، ولكن اكتب على بطنك آية الكرسي وتغسلها وتشربها وتجعلها ذخيرة في بطنك ، فتبرأ باذن الله عزّوجلّ ، ففعل الرجل فبرأ باذن الله.
ثم قام إليه آخر ، فقال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن الضالة فقال : اقرأ يس في ركعتين وقل : يا هادي الضالة ردّ عليّ ضالّتي ، ففعل فردّ الله عزّوجلّ عليه ضالّته.
ثم قام إليه آخر ، فقال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن الآبق ، فقال : اقرأ( او كَظُلُمَاتٍ فِي بَحرٍ لُجِّىٍّ يَغشَاهُ مَوجٌ مِّن فَوقِهِ مَوجٌ ـ إلى قوله ـوَمَن لَّم يَجعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ ) (٢) فقالها الرجل فرجع إليه الآبق.
ثم قام إليه آخر ، فقال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن السرق فانّه لا يزال قد يسرق لي الشيء بعد الشيء ليلاً ، فقال له : اقرأ اذا أويت إلى فرشاك( قُلِ ادعُوا الله اَوِ ادعُوا الرَّحمَنَ أَيّاً مَّا تَدعُوا ـ إلى قوله ـوَكَبِّره تَكبِيراً ) (٣) .
__________________
١ ـ التوبة : ١٢٨ ـ ١٢٩.
٢ ـ النور : ٤٠.
٣ ـ الاسراء : ١١٠ و١١١.
ثم قال أمير المؤمنينعليهالسلام : من بات بأرض قفر ، فقرأ هذه الآية( اِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استَوَى عَلَى العَرِشِ ـ إلى قوله ـتَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ ) (١) حرسته الملائكة ، وتباعدت عنه الشياطين.
قال : فمضى الرجل فاذا هو بقرية خراب ، فبات فيها ولم يقرأ هذه الآية ، فتغشّاه الشيطان وإذا هو آخذ بخطمه ، فقال له صاحبه : أنظره ، واستيقظ الرجل فقرأ الآية ، فقال الشيطان لصاحبه : أرغم الله أنفك أحرسه الآن حتى يصبح.
فلمّا أصبح رجع إلى أمير المؤمنينعليهالسلام فأخبره وقال : رأيت في كلامك الشفاء والصدق ، ومضى بعد طلوع الشمس فاذا هو بأثر شعر الشيطان مجتمعاً في الأرض(٢) .
« سورة الأنفال والتوبة » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة الأنفال ، وسورة براءة في كلّ شهر لم يدخله نفاق أبدا ، وكان من شعية أمير المؤمنينعليهالسلام (٣) .
« سورة يونس » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة يونس في كلّ شهرين أو ثلاثة ، لم يخف عليه أن يكون من الجاهلين ، وكان يوم القيامة من المقرّبين(٤) .
« سورة هود » :
روي عن أبي جعفرعليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة هود في كلّ جمعة بعثه
__________________
١ ـ الاعراف : ٥٤.
٢ ـ الكافي ٢ : ٦٢٤ ح ٢١ ، باب فضل القرآن.
٣ ـ البحار ٩٢ : ٢٧٧ ح ١ باب ٣٥ ـ عن ثواب الأعمال ـ الوسائل ٤ : ٨٨٨ ح ٤ باب ٥١.
٤ ـ البحار ٩٢ : ٢٧٨ ح ١ باب ٣٦ ـ عن ثواب الأعمال ـ الوسائل ٤ : ٨٨٨ ح ٥ باب ٥١.
الله عزّ وجلّ يوم القيامة في زمرة النبيين ، ولم يعرف له خطيئة عملها يوم القيامة(١) .
وروي بسند معتبر عن أمير المؤمينعليهالسلام انّه قال : من خاف منكم الغرق فليقرأ :( بِسمِ اللهِ مَجريهَا وَمُرسَاهَا اِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (٢) ،( بِسمِ اللهِ المَلِك الحَقُّ المُبِينُ ) ،( وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدرِهِ وَالأَرضُ جَمِيعاَ قَبضَتُهُ يَومَ القِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطوِيّاتٌ بِيَمِيِنهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشرِكُونَ ) (٣) (٤) .
« سورة يوسف » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة يوسف في كلّ يوم أو في كلّ ليلة بعثه الله يوم القيامة وجماله كجمال يوسف ، لا يصيبه فزع يوم القيامة ، وكان من خيار عباد الله الصالحين(٥) .
« سورة الرعد » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من أكثر قراءة سورة الرعد لم يصبه الله بصاعقة أبداً ، ولو كان ناصباً ، وان كان مؤمناً أدخله الله الجنّة بلا حساب ، وشفّع في جميع من يعرف من أهل بيته واخوانه(٦) .
« سورة إبراهيم والحجر » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام : انّه قال : من قرأ سورة إبراهيم والحجر في
__________________
١ ـ البحار ٩٢ : ٢٧٨ ح ١ باب ٣٧ ـ عن ثواب الأعمال.
٢ ـ هود : ٤١.
٣ ـ الزمر : ٦٧.
٤ ـ البحار ٧٦ : ٢٤٣ ضمن حديث ٢٤ باب ٤٨ ـ عن الخصال.
٥ ـ البحار ٩٢ : ٢٧٩ ح ١ باب ٣٨ ـ عن ثواب الأعمال ـ الوسائل ٤ : ٨٨٩ ح ٦ باب ٥١.
٦ ـ البحار ٩٢ : ٢٨٠ ح ١ باب ٣٩ ـ عن ثواب الأعمال ـ الوسائل ٤ : ٨٨٩ ح ٧ باب ٥١.
ركعتين جميعاً في كلّ جمعة لم يصبه فقر أبداً ، ولا جنون ، ولا بلوى(١) .
« سورة النحل » :
روى عن أبي جعفر الباقر(٢) عليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة النحل في كلّ شهر كفى المغرم في الدنيا ، وسبعين نوعاً من أنواع البلاء أهونه الجنون والجذام والبرص ، وكان مسكنه في جنّة عدن ، وهي وسط الجنان(٣) .
« سورة بني اسرائيل » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة بني اسرائيل في كلّ ليلة جمعة لم يمت حتى يدرك القائمعليهالسلام فيكون من أصحابه(٤) .
وروي عن عمر بن حنظلة انّه قال : شكوت إلى أبي جعفرعليهالسلام صداعاً يصيبني ، قال : إذا أصابك فضع يدك على هامتك ، فقل :( لَو كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ اِذاً لاَّبتَغَوا اِلى ذِي العَرشِ سَبِيلاً ) (٥) ( وَاِذا قِيلَ لَهُم تَعَاَلوا اِلى مَا أنزَلَ اللهُ وَالِى الرَّسُوِل رَأَيتَ المُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً ) (٦) (٧) .
« سورة الكهف » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة الكهف كلّ ليلة جمعة لم
__________________
١ ـ البحار ٩٢ : ٢٨٠ ح ١ باب ٤٠ ـ عن ثواب الأعمال.
٢ ـ هكذا في البحار والوسائل وتفسير العياشي وسائر المصادر ، لكن في المتن « عن أبي عبداللهعليهالسلام ».
٣ ـ البحار ٩٢ : ٢٨١ ح ١ باب ٤١ ـ عن ثواب الأعمال ـ الوسائل ٤ : ٨٨٩ ح ٨ باب ٥١.
٤ ـ البحار ٩٢ : ٢٨١ ح ١ باب ٤٢ ـ عن ثواب الأعمال.
٥ ـ الاسراء : ٤٢.
٦ ـ النساء : ٦١.
٧ ـ البحار ٩٥ : ٥٨ ضمن حديث ٢٧ ح ٥٩.
يمت الاّ شهيداً ، وبعثه الله مع الشهداء ، ووقف يوم القيامة مع الشهداء(١) .
وروي بسند معتبر عنهعليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة الكهف في كلّ ليلة جمعة كانت كفّارة له لما بين الجمعة إلى الجمعة(٢) .
وجاء في بعض الروايات انّ من قرأها يوم الجمعة بعد صلاة الظهر والعصر كان له نفس الأجر.
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال : من قرأ هذه الآية عند منامه( قُل اِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مثِّلُكُم ...) (٣) إلى آخرها ، سطع له نور إلى المسجد الحرام حشو ذلك النور ملائكة يستغفرون له حتى يصبح(٤) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : ما من عبد يقرأ آخر الكهف عند النوم إلا تيقّظ في الساعة التي يريد(٥) .
« سورة مريم » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من أدمن قراءة سورة مريم ، لم يمت حتى يصيب منها ما يعينه في نفسه وماله وولده ، [ وكان في الآخرة من أصحاب عيسى بن مريمعليهالسلام ] وأعطي في الآخرة مثل ملك سليمان بن داود في الدنيا(٦) .
« سورة طه » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : لا تدعوا قراءة سورة طه فإنّ الله يحبّها
__________________
١ ـ البحار ٩٢ : ٢٨٢ ح ١ باب ٤٣ ـ عن ثوب الأعمال.
٢ ـ البحار ٩٢ : ٢٨٢ ح ٢ باب ٤٣ ـ عن ثواب الأعمال.
٣ ـ الكهف : ١١٠.
٤ ـ البحار ٩٢ : ٢٨٢ ضمن حديث ٣ باب ٤٢ ـ عن عدة الداعي.
٥ ـ مستدرك الوسائل ٤ : ٢٩٥ ح ١ باب ٢٨.
٦ ـ البحار ٩٢ : ٢٨٤ ح ١ باب ٤٤ ـ عن ثواب الأعمال ـ الوسائل ٤ : ٨٨٩ ح ٩ باب ٥١.
ويحبّ من قرأها ، ومن أدمن قراءتها أعطاه الله يوم القيامة كتابه بيمينه ، ولم يحاسبه بما عمل في الإسلام ، وأعطي في الآخرة من الأجر حتى يرضى(١) .
« سورة الأنبياء » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة الأنبياء حبّاً لها كان ممن رافق النبيين أجمعين في جنات النعيم ، وكان مهيباً في أعين الناس في الحياة الدنيا(٢) .
« سورة الحج » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة الحج في كلّ ثلاثة أيّام لم تخرج سنته حتى يخرج إلى بيت الله الحرام ، وان مات في سفره أُدخل الجنة ، قلت : فإن كان مخالفاً؟ قال : يخفّف عنه بعض ما هو فيه(٣) .
« سورة المؤمنون » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة المؤمنين ختم الله له بالسعادة ، إذا كان يدمن قراءتها في كلّ جمعة ، وكان منزله في الفردوس الأعلى مع النبيين والمرسلين(٤) .
« سورة النور » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : حصّنوا أموالكم وفروجكم بتلاة سورة النور ، وحصّنوا بها نساءكم ، فإنّ من أدمن قراءتها في كلّ يوم أو في كلّ ليلة
____________
١ ـ البحار ٩٢ : ٢٨٤ ح ١ باب ٤٥ ـ عن ثواب الأعمال ـ الوسائل ٤ : ٨٨٩ ح ١٠ باب ٥١.
٢ ـ الوسائل ٤ : ٨٨٩ ح ١١ باب ٥١ ـ البحار ٩٢ : ٢٨٥ ح ١ باب ٤٦.
٣ ـ البحار ٩٢ : ٢٨٥ ح ١ باب ٤٧ ـ عن ثواب الأعمال ـ الوسائل ٤ : ٨٩٠ ح ١٢ باب ٥١.
٤ ـ البحار ٩٢ : ٢٨٥ ح ١ باب ٤٨ ـ عن ثواب الأعمال ـ اعلام الدين : ٣٧٢.
لم يزن أحد من أهل بيته أبداً حتى يموت ، فاذا هو مات شيّعه إلى قبره سبعون ألف ملك كلّهم يدعون ويستغرون الله له حتى يدخل في قبره(١) .
وروي بسند معتبر عن رجل قال : قلت لأبي الحسن الأولعليهالسلام : أشكو اليك ما أجد في بصري وقد صرت شبكوراً ، فإن رأيت أن تعلّمني شيئاً ، قال : اُكتب هذه الآية :( اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرضِ ...) (٢) ثلاث مرات في جام ، ثم اغسله وصيّره في قارورة واكتحل به ، قال : وما اكتحلت الاّ أقلّ من مائة ميل حتى رجع بصري أصحّ ما كان(٣) .
« سورة الفرقان » :
روي عن موسى بن جعفرعليهماالسلام انّه قال : لا تدع قراءة سورة( تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرقَانَ عَلى عَبدِهِ ) فإنّ من قرأها في كلّ ليلة لم يعذّبه الله أبداً ولم يحاسبه ، وكان منزله في الفردوس الأعلى(٤) .
« سورة الطواسين الثلاث » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ الطواسين الثلاثة في ليلة الجمعة كان من أولياء الله وفي جوار الله وكنفه ، ولم يصبه في الدنيا بؤس أبداً ، وأعطي في الآخرة من الجنّة حتى يرضى وفوق رضاه ، وزوّجه الله مائة زوجة من الحور العين(٥) .
__________________
١ ـ البحار ٩٢ : ٢٨٦ ح ١ باب ٤٩ ـ عن ثواب الأعمال ـ الوسائل ٤ : ٨٩٠ ح ١٣ باب ٥١.
٢ ـ النور : ٣٥.
٣ ـ البحار ٩٥ : ٨٩ ضمن حديث ٨ باب ٧٩ ـ عن مكارم الاخلاق.
٤ ـ البحار ٩٢ : ٢٨٦ ح ١ باب ٥٠ ـ عن ثواب الأعمال ـ الوسائل ٤ : ٨٩٠ ح ١٤ باب ٥١.
٥ ـ البحار ٩٢ : ٢٨٦ ح ١ باب ٥١ ـ عن ثواب الأعمال ـ اعلام الدين : ٣٧٢.
« سورة العنكبوت ، والروم » :
روي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة العنكبوت والروم في شهر رمضان ليلة ثلاث وعشرين ، فهو والله من أهل الجنة ، ولا أستثني فيه أبداً ، ولا أخاف أن يكتب الله عليّ في يميني إثماً ، وانّ لهاتين السورتين من الله مكاناً(١) .
« سورة لقمان » :
روي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة لقمان في كلّ ليلة وكلّ الله به في ليلته ملائكة يحفظونه من ابليس وجنوده حتى يصبح ، ومن قرأها بالنهار لم يزالوا يحفظونه من ابليس وجنوده حتى يمسي(٢) .
« سورة السجدة » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة السجدة في كلّ ليلة الجمعة أعطاه الله كتابه بيمينه ، ولم يحاسبه بما كان منه ، وكان من رفقاء محمد وأهل بيتهصلىاللهعليهوآله (٣) .
« سورة الأحزاب » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من كان كثير القراءة لسورة الأحزاب كان يوم القيامة في جوار محمدّصلىاللهعليهوآله وأزواجه ، ثم قال : سورة الأحزاب فيها فضائح الرجال والنساء من قريش وغيرهم انّ سورة الأحزاب فضحت
__________________
١ ـ البحار ٩٢ : ٢٨٧ ح ١ باب ٥٢ ـ عن ثواب الأعمال ـ اعلام الدين : ٣٧٣.
٢ ـ البحار ٩٢ : ٢٨٧ ح ١ باب ٥٣ ـ الوسائل ٤ : ٨٩٠ ح ١٥ باب ٥١ ـ عن ثواب الأعمال.
٣ ـ اعلام الدين : ٣٧٣ ـ البحار ٩٢ : ٢٨٧ ح ١ باب ٥٤.
نساء قريش من العرب ، وكانت أطول من سورة البقرة ، لكن نقصوها وحرّفوها(١) .
« سورة سبأ وفاطر » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة سبأ وسورة فاطر في ليله لم يزل في ليلته في حفظ الله وكلاءته ، فإن قرأهما في نهاره لم يصبه في نهاره مكروه ، وأعطي من خير الدنيا والآخرة ما لم يخطر على قلبه ، ولم يبلغه مناه(٢) .
وروي بسند معتبر عن موسى بن جعفرعليهماالسلام انّه قال : لم يقل أحد قط إذا أراد أن ينام( اِنَّ اللهَ يُمسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَا اِن أَمسكَهُمَا مِن أَحَدٍ مِن بَعدِهِ إنَّهُ كَانَ حَلِيما غَفُوراً ) (٣) فسقط عليه البيت(٤) .
وروي بسند آخر انّه شكى رجل من أهل مرو إلى أبي عبدالله الصداع قال : ادن منّي ، فمسح على رأسه ثم قال :( اِنَّ اللهَ يُمسِكُ السَّمَاوَاتِ والأرضَ أَن تَزُولاَ ...) (٥) إلى آخر الآية.
« سورة يس » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : انّ لكلّ شيء قلب وقلب القرآن يس ، من قرأها في نهاره قبل أن يمسي كان في نهاره من المحفوظين والمرزوقين حتى يمسي ، ومن قرأها في ليلة قبل أن ينام وكلّ الله به ألف ملك يحفظونه من شرّ كلّ شيطان رجيم ومن كلّ آفة.
__________________
١ ـ البحار ٩٢ : ٢٨٨ ح ١ باب ٥٥ ـ عن ثواب الأعمال.
٢ ـ اعلام الدين : ٣٧٣ ـ البحار ٩٢ : ٢٨٨ ح ١ باب ٥٦ باختلاف يسير.
٣ ـ فاطر : ٤١.
٤ ـ البحار ٧٦ : ٢٠١ ح ١٦ باب ٤٤ ـ عن ثواب الأعمال.
٥ ـ البحار ٩٥ : ٦٠ ح ٢٩ باب ٥٩.
وإن مات في يومه أو في ليلته أدخله الله الجنة ، وحضر غسله ثلاثون ألف ملك كلّهم يستغفرون له ، ويشيّعونه إلى قبره بالاستغفار له ، فاذا أُدخل في لحده كانوا في جوف قبره يعبدون الله وثواب عبادتهم له ، وفسح له في قبره مدّ بصره ، وأُومن من ضغطة القبر ، ولم يزل له في قبره نور ساطع إلى أعنان السماء إلى أن يخرجه الله من قبره.
فاذا أخرجه لم يزل ملائكة الله معه يشيّعونه ويحدّثونه ويضحكون في وجهه ويبشّرونه بكلّ خير حتى يجوزوا به الصراط والميزان ، ويوقفوه من الله موقفاً لا يكون عند الله خلقاً أقرب منه الاّ ملائكة الله المقرّبون وأنبياؤه المرسلون ، وهو مع النبيين واقف بين يدي الله ، لا يحزن مع من يحزن ، ولا يهتمّ مع من يهتمّ ، ولا يجزع مع من يجزع.
ثم يقول له الرب تبارك وتعالى : اشفع عبدي أُشفعك في جميع ما تشفع ، وسلني عبدي أُعطك جميع ما تسأل ، فيسأل فيعطى ، ويشفع فيشفّع ، ولا يحاسب فيمن يحاسب ، ولا يوقف مع من يوقف ، ولا يذل مع من يذلّ.
ولا يكبت بخطيئة ولا بشيء من سوء عمله ، ويعطى كتاباً منشوراً حتى يهبط من عند الله ، فيقول الناس بأجمعهم : سبحان الله ما كان لهذا العبد من خطيئة واحدة ، ويكون من رفقاء محمدصلىاللهعليهوآله (١) .
وروي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : من قرأ يس في عمره مرّة واحدة كتب الله له بكلّ خلق في الدنيا ، وبكلّ خلق في الآخرة وفي السماء ، بكلّ واحد ألفي ألف حسنة ، ومحى عنه مثل ذلك ، ولم يصبه فقر ، ولا
__________________
١ ـ البحار ٩٢ : ٢٨٨ ح ١ باب ٥٧ ـ مستدرك الوسائل ٤ : ٣٢٣ ح ٤ باب ٤١ ـ اعلام الدين : ٣٧٣.
غرم ، ولا هدم ، ولا نصب ، ولا جنون ، ولا جذام ، ولا وسواس ، ولا داء يضرّه.
وخفّف الله عنه سكرات الموت وأهواله ، وولي قبض روحه ، وكان ممن يضمن الله له السعة في معيشته ، والفرح عند لقائه ، والرضا بالثواب في آخرته ، وقال الله تعالى لملائكته أجمعين ، من في السماوات ومن في الأرض : قد رضيت عن فلان فاستغفروا له(١) .
وروي عن الرضاعليهالسلام انّه شكى إليه رجل البواسير ، فقال : اكتب يس بالعسل واشربه(٢) .
وورد في حديث آخر عن أبي عبداللهعليهالسلام لدفع البياض والبرص كتابة يس بالعسل وشربه(٣) .
« سورة الصافات » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة الصافات في كلّ يوم جمعة لم يزل محفوظاً من كلّ آفة ، مدفوعاً عنه كلّ بلية في الحياة الدنيا ، مرزوقاً في الدنيا بأوسع ما يكون من الرزق.
ولم يصبه الله في ماله ولا ولده ولا بدنه بسوء من شيطان رجيم ، ولا من جبار عنيد ، وان مات في يومه أو في ليلته أماته الله شهيداً ، وبعثه شهيداً ، وأدخله الجنّة مع الشهداء في درجة من الجنّة(٤) .
وروي بسند معتبر عن سليمان الجعفري انّه قال : رأيت أبا الحسن(٥) يقول
__________________
١ ـ البحار ٩٢ : ٢٨٩ ح ٢ باب ٥٧ ـ عن ثواب الأعمال.
٢ ـ البحار ٩٥ : ٨٢ ح ٢ باب ٧٣ ـ عن مكارم الاخلاق.
٣ ـ راجع البحار ٩٥ : ٨٠ ضمن حديث ٥ باب ٧١ بتلخيص.
٤ ـ البحار ٩٢ : ٢٩٦ ح ١ باب ٥٨ ـ عن ثواب الأعمال.
٥ ـ أي الامام الكاظمعليهالسلام .
لابنه القاسم : قم يا بنيّ فاقرأ عند رأس أخيك « والصافات صفّاً » حتى تستتمّها ، فقرأ فلمّا بلغ( أَهُم أَشَدُّ خَلقاً أَم مَّن خَلَقنَا (١) ) قضى الفتى.
فلمّا سجّي وخرجوا أقبل عليه يعقوب بن جعفر فقال له : كنّا نعهد الميت إذا نزل به يقرأ عنده « يس والقرآن الحكيم » وصرت تأمرنا بالصافات ، فقال : يا بنيّ لم تقرأ عند مكروب من موت قط الاّ عجّل راحته(٢) .
وروي بسند معتبر عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : من أراد أن يكتال بالمكيال الأوفى فليقل في دبر كلّ صلاة : « سبحان ربك رب العزة عمّا يصفون ، وسلام على المرسلين ، والحمد لله رب العالمين »(٣) .
وجاء في حديث آخر انّ من قرأها حين يقوم من مجلس كانت كفارة ذنوب أهل ذلك المجلس.
« سورة ص » :
روي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة « ص » في ليلة الجمعة أعطي من خير الدنيا والآخرة مالم يعط أحد من الناس الاّ نبيّ مرسل أو ملك مقرب ، وأدخله الله الجنة وكلّ من أحبّ من أهل بيته حتى خادمه الذي يخدمه(٤) .
« سورة الزمر » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة الزمر أعطاه الله تعالى
__________________
١ ـ الصافات : ١١.
٢ ـ الكافي ٣ : ١٢٦ ح ٥ باب إذا عسر على الميت الموت ـ عنه البحار ٤٨ : ٢٨٩ ح ٦ باب ٤٦.
٣ ـ البحار ٨٦ : ٢٣ ح ٢٣ باب ٣٨ عن قرب الاسناد.
٤ ـ البحار ٩٢ : ٢٩٧ ح ١ باب ٥٩ ـ عن ثواب الأعمال.
شرف الدنيا والآخرة ، وأعزّه بلا مال ولا عشيرة ، حتى يهابه من يراه ، وحرّم جسده على النار ، وبنى له في الجنّة ألف مدينة ، في كلّ مدينة ألف قصر ، في كلّ قصر مائة حوراء ، وله مع هذا عينان تجريان ، وعينان نضّاختان ، وحور مقصورات في الخيام ، ومن كلّ فاكهة زوجان(١) .
« سورة المؤمن » :
روي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : من قرأ ( حم المؤمن ) في كلّ ليلة ، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخّر ، وألزمه كلمة التقوى ، وجعل الآخرة خيراً له من الدينا(١) .
« سورة السجدة » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ ( حم السجدة ) كانت له نوراً يوم القيامة مدّ بصره وسروراً ، وعاش في الدنيا محموداً مغبوطاً(٣) .
« سور الشورى » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ ( حمعسق ) بعثه الله يوم القيامة ووجهه كالثلج أو كالشمس حتى يقف بين يدي الله عزّوجلّ ، فيقول : عبدي أدمت قراءة ( حمعسق ) ولم تدر ما ثوابها ، أما لو دريت ما هي وما ثوابها لما مللت قراءتها.
ولكن سأخبرك جزاك ، أدخلوه الجنة وله فيها قصر من ياقوته حمراء ،
__________________
١ ـ اعلام الدين : ٣٧٥ ـ البحار ٩٢ : ٢٩٧ ح ١ باب ٦٠ ـ عن ثواب الأعمال.
٢ ـ الوسائل ٤ : ٨٩١ ح ١٩ باب ٥١ ـ البحار ٩٢ : ٢٩٨ ح ١ باب ٦١ ـ عن ثواب الأعمال.
٣ ـ البحار ٩٢ : ٢٩٨ ح ١ باب ٦٢ ـ الوسائل ٤ : ٨٩١ ح ٢٠ باب ٥١ ـ عن ثواب الأعمال.
أبوابها وشرفها ودرجها منها ، يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها ، وله فيها جوار أتراب من الحور العين ، وألف جارية ، وألف غلام من الولدان المخلّدين ، الذين وصفهم الله عزَّوجلَّ(١) .
« سورة الزخرف » :
روي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : من أدمن قراءة حم الزخرف آمنه الله في قبره من هوام الأرض ، ومن ضمّة القبر حتى يقف بين يدي الله ، ثم جاءت حتى تكون هي التي تدخله الجنّة بأمر الله(٢) .
« سورة الدخان » :
روي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة الدخان في فرائضه ونوافله بعثه الله من الآمنين يوم القيامة ، وأظلّه تحت عرشه ، وحاسبه حساباً يسيراً ، وأعطاه كتابة بيمينه(٣) .
وقال رجل لأبي جعفر الباقرعليهالسلام يا ابن رسول الله كيف أعرف انّ ليلة القدر تكون في كلّ سنة؟ قال : إذا أتى شهر رمضان فاقرا سورة الدخان في كلّ ليلة مائة مرّة ، فاذا أنت ليلة ثلاث وعشرين فانّك ناظر إلى تصديق الذي سألت عنه(٤) .
« سورة الجاثية » :
روى عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة الجاثية كان ثوابها أن لا يرى النار أبداً ، ولا يسمع زفير جهنّم وشهيقها ، وهو مع محمدصلىاللهعليهوآله (٥) .
__________________
١ ـ البحار ٩٢ : ٢٩٨ ح ١ باب ٦٣ ـ عن ثواب الأعمال ـ اعلام الدين : ٣٧٥.
٢ ـ الوسائل ٤ : ٨٩١ ح ٢٢ باب ٥١ ـ البحار ٩٢ : ٢٩٩ ح ١ باب ٦٤.
٣ ـ البحار ٩٢ : ٢٩٩ ح ١ باب ٦٥.
٤ ـ الكافي ١ : ٢٥٢ ضمن حديث ٨ باب في شأن انا أنزلناه ـ الوسائل ٧ : ٢٦٥ ح ١ باب ٣٤.
٥ ـ البحار ٩٢ : ٣٠١ ح ١ باب ٦٦ ـ اعلام الدين : ٣٧٦.
« سورة الأحقاف » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ في كلّ ليلة أو في كلّ جمعة سورة الأحقاف لم يصبه الله بروعة في الحياة الدنيا ، وآمنه من فزع يوم القيامة ان شاء الله تعالى(١) .
وروي أيضاَ عنهعليهالسلام قال : الحواميم رياحين القرآن ، فاذا قرأتموها فاحمدوا الله واشكروه كثيراً لحفظها وتلاوتها ، انّ العبد ليقوم ويقرأ الحواميم فيخرج من فيه أطيب من المسك الأذفر والعنبر.
وانّ الله عزّوجلّ ليرحم تاليها أو قارئها ، ويرحم جيرانه وأصدقاءه ومعارفه وكلّ حميم وقريب له ، وانّه في القيامة يستغفر له العرش والكرسي وملائكة الله المقرّبون(٢) .
« سورة محمد صلىاللهعليهوآله » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة «اَلَّذِينَ كَفَرُوا » لم يذنب أبداً ، ولم يدخله شك في دينه أبداَ ، ولم يبتله الله بفقر أبداً ، ولا خوف من سلطان أبداً ، ولم يزل محفوظاً من الشك والكفر أبداً حتى يموت ، فاذا مات وكلّ الله به في قبره ألف ملك يصلّون في قبره ، ويكون ثواب صلاتهم له ، ويشيّعونه حتى يوقفوه موقف الآمنين عند الله عزَّ وجلَّ ، ويكون في أمان الله وأمان محمدصلىاللهعليهوآله (٣) .
« سورة الفتح » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : حصّنوا أموالكم ونساءكم وما ملكت
__________________
١ ـ البحار ٩٢ : ٣٠١ ح ١ باب ٦٧ ـ اعلام الدين : ٣٧٦.
٢ ـ البحار ٩٢ : ٣٠١ ح ١ باب ٦٨ ـ اعلام الدين : ٣٧٦.
٣ ـ البحار ٩٢ : ٣٠٣ ح ١ باب ٦٩ ـ اعلام الدين : ٣٧٦.
أيمانكم من التلف بقراءة ( انّا فتحنا ) ، فانّه إذا كان ممن يدمن قراءتها نادى مناد يوم القيامة حتى تسمع الخلائق : أنت من عبادي المخلصين ، ألحقوه بالصالحين من عبادي ، وأدخلوه جنّات النعيم ، واسقوه من الرحيق المختوم بمزاج الكافور(١) .
« سورة الحجرات » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة الحجرات في كلّ ليلة أو في كلّ يوم كان من زوّار محمدصلىاللهعليهوآله (٢) .
« سورة ق » :
روي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : من أدمن في فرائضه ونوافله قراءة سورة « ق » ، وسّع الله عليه رزقه ، وأعطاه كتابه بيمينه ، وحاسبه حساباً يسيراً(٣) .
« سورة الذاريات » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة والذاريات في يومه أو في ليلته أصلح الله عزّوجلّ له معيشته ، وأتاه برزق واسع ، ونوّر له في قبره بسراج يزهر إلى يوم القيامة(٤) .
« سورة الطور » :
روي عن أبي عبدالله وأبي جعفرعليهماالسلام قالا : من قرأ سورة الطور جمع الله له خير الدنيا والآخرة(٥) .
____________
١ ـ البحار ٩٢ : ٣٠٣ ح ١ باب ٧٠ ـ عن ثواب الأعمال.
٢ ـ البحار ٩٢ : ٢٠٢ ح ١ باب ٧١ ـ الوسائل ٤ : ٨٩٢ ح ٢٦ باب ٥١ ـ عن ثوب الأعمال.
٣ ـ البحار ٩٢ : ٣٠٤ ح ١ باب ٧٢ ـ عن ثواب الأعمال.
٤ ـ البحار ٩٢ : ٣٠٤ ح ١ باب ٧٣ ـ الوسائل ٤ : ٨٩٢ ح ٢٧ باب ٥١ ـ عن ثواب الأعمال.
٥ ـ البحار ٩٢ : ٣٠٤ ح ١ باب ٧٤ ـ الوسائل ٤ : ٨٩٢ ح ٢٨ ، باب ٥١ ـ عن ثواب الأعمال.
« سورة النجم » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من كان يدمن قراءة والنجم في كلّ يوم أو في كلّ ليلة عاش محموداً بين الناس ، وكان مغفوراً له ، وكا محّبباً بين الناس(١) .
« سورة اقترب » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة ( اقتربت الساعة ) أخرجه الله من قبره على ناقة من نوق الجنّة(٢) .
« سورة الرحمن » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : لا تدعوا قراءة سورة الرحمن والقيام بها ، فانّها لا تقرّ في قلوب المنافقين ، ويأتي بها ربّها يوم القيامة في صورة آدمي في أحسن صورة ، وأطيب ريح ، حتى تقف من الله موقفاً لا يكون أحد أقرب إلى الله منها.
فيقول لها : من الذي كان يقوم بك في الحياة الدنيا ويدمن قراءتك؟ فتقول : يا ربّ فلان وفلان فتبيّض وجوههم ، فيقول لهم : اشفعوا فيمن أحببتم ، فيشفعون حتى لا يبقى لهم غاية ولا أحد يشفعون له ، فيقول لهم : ادخلوا الجنّة ، واسكنوا فيها حيث شئتم(٣) .
وروي بسند معتبر عنهعليهالسلام انّه قال : يستحبّ أن تقرأ في دبر الغداةُ يوم الجمعة الرحمن كلّها ، ثم تقول كلّما قلت :( فَبِأَىِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكذِّبَانِ ) : لا بشيء من آلائك ربّ أكذّب(٤) .
__________________
١ ـ البحار ٩٢ : ٣٠٥ ح ١ باب ٧٥ ـ الوسائل ٤ : ٨٩٢ ح ٢٩ باب ٥١ ـ عن ثواب الأعمال.
٢ ـ البحار ٩٢ : ٣٠٥ ح ١ باب ٧٦ ـ الوسائل ٤ : ٨٩٣ ح ٣٠ باب ٥١ ـ عن ثواب الأعمال.
٣ ـ البحار ٩٢ : ٣٠٦ ح ١ باب ٧٧ ـ عن ثواب الأعمال.
٤ ـ الكافي ٣ : ٤٢٩ ح ٦ باب نوادر الجمعة ـ عنه البحار ٩٢ : ٣٠٦ ح ٣ باب ٧٧.
وقالعليهالسلام في حديث معتبر آخر : من قرأ سورة الرحمن فقال عند كلّ( فَبِأَىِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكذِّبَانِ ) : لا بشيء من آلائك ربّ أكذّب ، فإن قرأها ليلاً ثم مات مات شهيداً ، وان قرأها نهاراً فمات مات شهيداً(١) .
« سورة الواقعة » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ كلّ ليلة جمعة الواقعة أحبّه الله وحبّبه إلى الناس أجمعين ، ولم ير في الدنيا بؤساً ولا فقراً ولا آفة ، وكان من رفقاء أمير المؤمنينعليهالسلام ، وانّها نزلت فيه خاصة(٢) .
وروي بسند معتبر آخر عنهعليهالسلام انّه قال : من اشتاق إلى الجنّة وإلى صفتها فليقرء الواقعة ، ومن أحبّ أن ينظر إلى صفة النار فليقرء ، سجدة لقمان(٤) .
وروي بسند صحيح عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام أنه قال : من قرأ الواقعة كل ليلة قبل ان ينام لقى الله عز وجل ووجهه كالقمر ليلة البدر(٤) .
وروي بسند معتبر عن إسماعيل بن عبد الخالق ، عن أبي عبداللهعليهالسلام قال : كان أبي يصلّي بعد العشاء الآخرة ركعتين وهو جالس يقرأ فيهما مائة آية ، وكان يقول : من صلاّهما وقرأ بمائة آية لم يكتب من الغافلين.
قال إسماعيل بن عبدالخالق : انّ أبا جعفرعليهالسلام كان يقرأ فيهما بالواقعة والاخلاص(٥) .
__________________
١ ـ البحار ٩٢ : ٣٠٦ ح ٢ باب ٧٧ ـ عن ثواب الأعمال.
٢ ـ اعلام الدين : ٣٧٨ ـ البحار ٩٢ : ٣٠٧ ح ١ باب ٧٨ ـ عن ثواب الأعمال.
٣ ـ البحار ٩٢ : ٣٠٧ ح ٢ باب ٧٨ ـ عن ثواب الأعمال.
٤ ـ البحار ٩٢ : ٣٠٧ ح ٢ باب ٧٨ ـ عن ثواب الأعمال.
٥ ـ فلاح السائل : ٢٥٩ فصل ٢٩ في صلاة الوتيرة ـ عنه البحار ٨٧ : ١٠٨ ح ٥ باب ٧٤.
« سورة المجادلة والحديد » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة الحديد والمجادلة في صلاة فريضة أدمنها لم يعذّبه الله حتى يموت أبداً ، ولا يرى في نفسه ولا في أهله سوءاً أبداً ، ولا خصاصة في بدنه(١) .
« سورة الحشر » :
روي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : من قرأ سورة الحشر لم يبق جنّة ولا نار ، ولا عرش ولا كرسي ، ولا الحجب والسماوات السبع ، والأرضون السبع ، والهوى والريح ، والطير ، والشجر ، والجبال ، والشمس والقمر ، والملائكة الاّ صلّوا عليه ، واستغفروا له ، وان مات في يومه أو ليلته كان شهيدا(٢) .
« سورة الممتحنة » :
روي عن عليّ بن الحسينعليهماالسلام انّه قال : من قرأ سورة الممتحنة في فرائضه ونوافله امتحن الله قلبه للايمان ، ونوّر له بصره ، ولا يصيبه فقر أبداً ، ولا جنون في بدنه ، ولا في ولده(٣) .
« سورة الصف » :
وروي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة الصف وأدمن قراتها في فرائضه ونوافله صفّه الله مع ملائكته وأنبيائه المرسلين ان شاء الله(٤) .
__________________
١ ـ البحار ٩٢ : ٣٠٧ ح ١ باب ٧٩ ـ عن ثواب الأعمال.
٢ ـ البحار ٩٢ : ٣٠٨ ح ١ باب ٨٠ ـ الوسائل ٤ : ٨٩٣ ح ٣١ باب ٥١ ـ عن ثواب الأعمال.
٣ ـ البحار ٩٢ : ٣١٠ ح ١ باب ٨١ ـ عن ثواب الأعمال.
٤ ـ البحار ٩٢ : ٣١٠ ح ١ باب ٨٢ ـ عن ثوب الأعمال.
« سورة الجمعة والمنافقين » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من الواجب على كل مؤمن إذا كان لنا شيعة أن يقرأ في ليلة الجمعة بالجمعة « سبح اسم ربك الأعلى » ، وفي صلاة الظهر بالجمعة والمنافقين ، فاذا فعل ذلك فكأنّما يعمل بعمل رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وكان جزاءه وثوابه على الله الجنة(١) .
« سور التغابن » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة التغابن في فريضة كانت شفيعة له يوم القيامة ، وشاهد عدل عند من يجيز شهادتها ، ثم لا يفارقها حتى تدخله الجنة(٢) .
وروي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : من قرأ بالمسبّحات كلّها قبل بأن ينام لم يمت حتى يدرك القائمعليهالسلام : وان مات كان في جوار النبيصلىاللهعليهوآله (٣) .
« سورة الطلاق والتحريم » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة الطلاق والتحريم في فريضة أعاذه الله من أن يكون يوم القيامة ممّن يخاف أو يحزن ، وعوفي من النار ، وأدخله الله الجنة بتلاوته اياهما ، ومحافظته علهيما ، لأنّهما للنبيّصلىاللهعليهوآله (٤) .
__________________
١ ـ البحار ٩٢ : ٣١١ ح ١ باب ٨٣ ـ عن ثواب الأعمال.
١ ـ البحار ٩٢ : ٣١٢ ح ١ باب ٨٤ ـ عن ثواب الأعمال.
١ ـ البحار ٩٢ : ٣١٢ ح ١ باب ٨٥ ـ عن ثواب الأعمال.
٤ ـ البحار ٩٢ : ٣١٢ ح ١ باب ٨٦ ـ عن ثواب الأعمال.
« سورة الملك » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ( تَبَاركَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلكُ ) في المكتوبة قبل أن ينام ، لم يزل من في أمان الله حتى يصبح ، وفي أمانه يوم القيامة حتى يدخل الجنّة(١) .
وروي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : سورة الملك هي المانعة تمنع من عذاب القبر ، وهي مكتوبة في التوراة سورة الملك ، ومن قرأها في ليلته فقد أكثر وأطاب ولم يكتب بها من الغافلين ، وانّي لأركع بها بعد العشاء الآخرة وأنا جالس.
وانّ والديعليهالسلام كان يقرؤها في يومه وليلته ، ومن قرأها إذا دخل عليه في قبره ناكر ونكير من قبل رجليه ، قالت رجلاه لهما : ليس لكما إلى ما قبلي سبيل قد كان هذا العبد يقوم عليّ فيقرأ سورة الملك في كلّ يوم وليلة.
وإذا أتياه من قبل جوفه ، قال لهما : ليس لكما إلى ما قبلي سبيل ، قد كان هذا العبد أوعاني سورة الملك ، وإذا أتياه من قبل لسانه قال لهما : ليس لكما إلى ما قبلي سبيل ، قد كان هذا العبد يقرأ بي في كلّ يوم وليلة سورة الملك(٢) .
« سورة ن » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة نون والقلم في فريضة أو نافلة آمنه الله عزّوجلّ من أن يصيبه فقر أبداً ، وأعاذه الله إذا مات من ضمّة القبر(٣) .
__________________
١ ـ البحار ٩٢ : ٣١٣ ح ١ باب ٨٧ ـ عن ثواب الأعمال.
٢ ـ الكافي ٢ : ٦٣٣ ح ٢٦ باب النوادر ـ الوسائل ٤ : ٨٧٦ ح ١ باب ٣٩.
٣ ـ البحار ٩٢ : ٣١٦ ح ١ باب ٨٨ ـ عن ثواب الأعمال.
« سورة الحاقة » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : أكثروا من قراءة الحاقّة ، فإنّ قراءتها في الفرائض والنوافل من الايمان بالله ورسوله ، لأنّها انّما نزلت في أمير المؤمنينعليهالسلام ومعاوية ، ولم يسلب قارئها دينه حتى يلقى الله عزّوجل(١) .
« سورة المعارج » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : أكثروا من قراءة ( سأل سائل ) ، قال : من أكثر قراتها لم يسأله الله تعالى يوم القيامة عن ذنب عمله ، وأسكنه الجنة مع محمد وأهل بيته صلوات الله عليهم(٢) .
« سورة نوح » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من كان يؤمن بالله ويقرأ كتابه لا يدع قراءة سورة( انّا أَرسَلنَأ نُوحاً اِلى قَومِهِ ) فأيّ عبد قرأها محتسباً صابراً في فريضة أو نافلة أسكنه الله تعالى مساكن الأبرار ، وأعطاه ثلاث جنان مع جنّته كرامة من الله ، وزوّجه مأتي حوراء ، وأربعة آلاف ثيّب إن شاء الله(٣) .
« سورة الجن » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من أكثر قراءة( قُل اُوَحِيَ اِليَّ ) لم يصبه في الحياة الدنيا شيء من أعين الجنّ ، ولا نفثهم ، ولا سحرهم ، ولا من كيدهم ، وكان مع محمد عليه الصلاة والسلام(٤) .
__________________
١ ـ البحار ٩٢ : ٣١٧ ح ١ باب ٨٩ ـ عن ثواب الأعمال.
٢ ـ البحار ٩٢ : ٣١٧ ح ١ باب ٩٠ ـ عن ثواب الأعمال ـ الوسائل ٤ : ٨٩٣ ح ٣٢ باب ٥١.
٣ ـ البحار ٩٢ : ٣١٧ ح ١ باب ٩١ ـ عن ثواب الأعمال.
٤ ـ البحار ٩٢ : ٣١٨ ح ١ باب ٩٢ ـ عن ثواب الأعمال.
« سورة المزمل » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة المزمل في العشاء الآخرة ، أو في آخر الليل ، كان له الليل والنهار شاهدين مع سورة المزمل ، وأحياه الله حياة طيبة ، وأماته الله ميتة طيبة(١) .
« سورة المدثر » :
روي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : من قرأ في الفريضة سورة المدثر كان حقّاً على الله عزّوجلّ أن يجعله مع محمدصلىاللهعليهوآله في درجته ، ولا يدركه في حياة الدنيا شقاء أبداً ان شاء الله(٢) .
« سورة لا أقسم » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من أدمن قراءة لا أقسم وكان يعمل بها ، بعثه الله عزّوجلّ مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله من قبره في أحس صورة ، ويبشّره ويضحك في وجهه ، حتى يجوز على الصراط والميزان(٣) .
« سورة الدهر » :
روي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : من قرأ( هَل اَتى عَلَى الاِنسَانِ ) في كلّ غداة خميس زوّجه الله من الحور ثمانمائة عذراء ، وأربعة آلاف ثيب وحوراء من حور العين ، وكان مع محمدصلىاللهعليهوآله (٤) .
وروي بسند معتبر عن عليّ بن عمر [ العطار ] قال : دخلت إلى أبي الحسن
__________________
١ ـ البحار ٩٢ : ٣١٨ ح ١ باب ٩٣ ـ عن ثواب الأعمال.
٢ ـ البحار ٩٢ : ٣١٨ ح ١ باب ٩٤ ـ عن ثواب الأعمال.
٣ ـ البحار ٩٢ : ٣١٩ ح ١ باب ٩٥ ـ عن ثواب الأعمال.
٤ ـ البحار ٩٢ : ٣١٩ ح ١ باب ٩٦ ـ عن ثواب الأعمال.
العسكريعليهالسلام يوم الثلاثاء ، فقال ، لم أرك أمس ، قال : كرهت الحركة في يوم الاثنين.
قال : يا علي من أحبّ أن يقيه الله شرّ يوم الاثنين فليقرأ في أوّل ركعة صلاة الغداة( هَل اَتَى عَلَى الاِنسَانِ ) ، ثم قرأ أبو الحسنعليهالسلام :( فَوَقَاهُمُ اللهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَومِ وَلَقَّاهُم نَضرَةً وَسُرُراً ) (١) (٢) .
وورد في حديث رجاء بن أبي الضحاك انّ علي بن موسى الرضاعليهالسلام كان يقرأ في صباح يوم الاثنين في الركعة الأولى سورة ( هل أتى على الانسان ) وفي الثانية سورة ( هل أتاك حديث الغاشية ).
« سورة المرسلات وعمّ والنازعات » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ( وَالمُرسَلاَتِ عُرفاً ) عرّف الله بينه وبين محمدصلىاللهعليهوآله ، ومن قرأ( عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ) لم يخرج سنته إذا كان يدمنها في كلّ يوم حتى يزور بيت الله الحرام ان شاء الله ، ومن قرأ( وَالنَازِعَاتِ ) لم يمت الاّ ريّاناً ولم يبعثه الله الاّ ريّاناً ، ولم يدخل الجنة الاّ ريّناً(٣) .
« سورة عبس وكوّرت » :
روى عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة( عَبَسَ وَتَوَلّى ) و( اِذا الشَّمسُ كَوِّرَت ) كان تحت جناح الله من الجنان(٤) ، وفي ظلّ الله وكرامته في
__________________
١ ـ الدهر : ١١.
٢ ـ البحار ٥٩ : ٣٩ ح ٧ باب ١٨ ـ عن أمالي ابن الشيخ.
٣ ـ البحار ٩٢ : ٣١٩ ح ١ باب ٩٧ ـ عن ثواب الأعمال.
٤ ـ هكذا في ثواب الأعمال والبحار والوسائل ، وفي المتن الفارسي : من الخيانة.
جنانه(١) .
« سورة الانفطار والانشقاق والمطففين » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ هاتين السورتين وجعلهما نصب عينيه في صلاة الفريضة والنافلة « إذ السماء انفطرت ، وإذا السماء انشقّت » لم يحجبه من الله حاجب ، ولم يحجزه من الله حاجز ، ولم يزل ينظر إلى الله ، وينظر الله إليه حتى يفرغ من حساب الناس(٢) .
وروي عنهعليهالسلام انّه قال : من قرأ في الفريضة « ويل للمطففين » أعطاه الله الأمن يوم القيامة من النار ، ولم تره ولا يرها ، ولا يمرّ على جسر جهنّم ، ولا يحاسب يوم القيامة(٣) .
« سورة البروج » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ ( والسماء ذات البروج ) في فرائضه ، فانّها سورة النبيين ، كان محشره وموقفه مع النبيين والمرسلين والصالحين(٤) .
« سورة الطارق » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من كانت قراءته في فرائضه بالسماء والطارق كانت له عند الله يوم القيامة جاه ومنزلة ، وكان من رفقاء النبيين
__________________
١ ـ ثواب الأعمال : ١٢١ ـ عنه البحار ٩٢ : ٣٢٠ ح ١ باب ٩٨ ، والوسائل ٤ : ٨٩٤ ح ٣٦ باب ٥١.
٢ ـ البحار ٩٢ : ٣٢٠ ح ١ باب ٩٩ ـ عن ثواب الأعمال.
٣ ـ البحار ٩٢ : ٣٢١ ح ١ باب١٠٠ ـ عن ثواب الأعمال.
٤ ـ البحار ٩٢ : ٣٢١ ح ١ باب ١٠١ ، عن ثواب الأعمال.
واصحابهم في الجنّة(١) .
« سورة الأعلى » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ ( سبّح اسم ربك الأعلى ) في فريضة أو نافلة قيل له يوم القيامة : اُدخل من أيّ أبواب الجنان شئت [ إن شاء الله ](٢) .
« سرة الغاشية » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من أدمن قراءة ( هل أتاك حديث الغاشية ) في فريضة أو نافلة ، غشّاه الله برحمته في الدنيا والآخرة ، وآتاه الله الأمن يوم القيامة من عذاب النار(٣) .
« سورة الفجر » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : اقرؤوا سورة الفجر في فرائضكم ونوافلكم ، فانّها سورة الحسين بن عليّعليهماالسلام ، من قرأها كان مع الحسينعليهالسلام يوم القيامة في درجته من الجنّة(٤) .
« سورة البلد » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من كان قراءته في الفريضة ( لا أقسم بهذ البلد ) كان في الدنيا معروفاً انّه من الصالحين ، وكان في الآخرة معروفاً انّ له من الله مكاناً ، وكان يوم القيامة من رفقاء النبيين والشهداء والصالحين(٥) .
____________
١ ـ البحار ٩٢ : ٣٢٢ ح ١ باب ١٠٢ ـ عن ثواب الأعمال.
٢ ـ البحار ٩٢ : ٣٢٢ ح ١ باب ١٠٣ ـ عن ثواب الأعمال.
٣ ـ البحار ٩٢ : ٣٢٣ ح ١ باب ١٠٤ ـ عن ثواب الأعمال.
٤ ـ البحار ٩٢ : ٣٢٣ ح ١ باب ١٠٥ ـ عن ثواب الأعمال.
٥ ـ البحار ٩٢ : ٣٢٤ ح ١ باب ١٠٦ ـ عن ثواب الأعمال.
« سورة الشمس والليل والضحى وألم نشرح » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من أكثر قراءة ( والشمس وضحاها ، والليل إذا يغشى ، والضحى ، وألم نشرح ) في يوم أو في ليلة ، لم يبق شيء بحضرته الاّ شهد له يوم القيامة حتى شعره وبشره ولحمه ودمه وعروقه وعصبه وعظامه وجميع ما أقلّت الأرض منه.
ويقول الرب تبارك وتعالى : قبلت شهادتكم لعبدي ، واجزتها له ، انطلقوا به إلى جنّاتي حتى يتخيّر منها حيث ما أحبّ ، فأعطوه إياها من غير منٍّ منّي ، ولكن رحمة منّي وفضلاً منّي عليه ، فهنيئاً هنيئاً لعبدي(١) .
« سورة التين » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة ( والتين ) في فرائضه ونوافله أعطي من الجنّة حتى يرضى [ إن شاء الله ](٢) .
« سورة العلق » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ في يومه أو ليلته ( اقرأ باسم ربّك ) ثم مات في يومه أو في ليلته مات شهيداً ، وبعثه الله شهيداً ، وأحياه شهيداً ، وكان كمن ضرب بسيفه في سبيل الله مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله (٣) .
« سورة القدر » :
روي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من جهر بقراءة إنّا أنزلناه
__________________
١ ـ البحار ٩٢ : ٣٢٤ ح ١ باب ١٠٧ ـ عن ثواب الأعمال.
٢ ـ البحار ٩٢ : ٣٢٦ ح ١ باب ١٠٨ ـ عن ثواب الأعمال.
٣ ـ البحار ٩٢ : ٣٢٦ ح ١ باب ١٠٩ ـ عن ثواب الأعمال.
في ليلة القدر كان كمن استشهد في سبيل الله وكالمتشحّط بدمه ، ومن قرأها في فريضة ناداه المنادي من قبل الله تعالى : غفر الله ذنوبك فاستأنف العمل(١) .
وروي بسند معتبر عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : من قرأ قل هو الله أحد وإنّا أنزلناه قبل أن تطلع الشمس لم يصبه في ذلك اليوم ذنب وإن جهد إبليس(٢) .
وروي بسند معتبر عن موسى الكاظمعليهالسلام انّه قال : انّ لله يوم الجمعة ألف نفحة من رحمته يعطي كلّ عبد منها ما شاء ، فمن قرأ ( انّا أنزلناه في ليلة القدر ) بعد العصر يوم الجمعة مائة مرّة وهب الله له تلك الألف ومثلها(٣) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : إذا أتى شهر رمضان فاقرأ كلّ ليلة إنّا أنزلناه ألف مرّة فاذا أتت ليلة ثلاثة وعشرين فاشدد قلبك وافتح أذنيك لسماع العجائب ممّا ترى(٤) .
وروي بسند معتبر عنهعليهالسلام انّه قال : لو قرأ رجل ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان انّا أنزلناه ألف مرّة لأصبح وهو شديد اليقين بالاعتراف بما تختص فينا ، وما ذلك الاّ لشيء عاينه في نومه(٥) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قطع ثوباً جديداً وقرأ انّا أنزلناه في ليلة القدر ستة وثلاثين مرّة ، فاذا بلغ « تنزل الملائكة » رش عليه ماء
__________________
١ ـ مضمون النص.
٢ ـ البحار ٨٦ : ٢٤٩ ح ١١ باب ٤٥ عن الخصال.
٣ ـ البحار ٩٢ : ٣٢٧ ح ١ باب ١١٠ ـ عن أمالي الصدوق.
٤ ـ البحار ٩٦ : ٣٧٩ ح ٣ باب ٤٩ عن أمالي الصدوق.
٥ ـ الوسائل ٧ : ٢٦٤ ح ٢ باب ٣٣.
رشاً خفيفاً ثم صلّى ركعتين ودعا بعدهما ، فقال في دعائه : « الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمّل به في الناس ، واُواري به عورتي ، وأصلّي به لربي » أكل في سعة حتى يبلى ذلك الثوب(١) .
وروي بسند معتبر عن الرضاعليهالسلام انّه : إذا لبس ثوباً جديداً دعا بقدح من ماء وقرأ عليه انا انزلناه عشراً ، وقل هو الله أحد عشراً ، وقل يا أيها الكافرون عشراً ، ثم رشّ ذلك الماء على ذلك الثوب ، ثم قال : فمن فعل ذلك لم يزل كان في عيشة رغد ما بقي من ذلك الثوب سلك(٣) .
وروي بسند معتبر عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : إذا كسى الله تعالى المؤمن ثوباً جديداً فليتوضّأ وليصلّ ركعتين يقرأ فيهما أم الكتاب وآية الكرسي وقل هو الله أحد وانّا أنزلناه ، ثم ليحمد الله الذي ستر عورته ، وزيّنه في الناس ، وليكثر من قول « لا حول ولا وقوة الاّ بالله » فانّه لا يعصي الله فيه وله بكلّ سلك فيه ملك يقدّس له ويستغفر له ، ويترحتم عليه(٣) .
وجاء في رواية أخرى انّه : من أخذ قدحاً وجعل فيه ماء وقرأ عليه انا أنزلناه خمساً وثلاثين مرّة ورش الماء على ثوبه لم يزل في سعة حتى يبلى ذلك الثوب(٤) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام في العوذة قال : تأخذ قُلّة جديدة فتجعل فيها ماء ، ثم تقرأ عليها ( انّا أنزلناه في ليلة القدر ) ثلاثين مرّة ، ثم تعلّق
__________________
١ ـ البحار ٩١ : ٣٨٣ ح ١١ باب ٤ ـ عن اعلام الدين.
٢ ـ مكارم الأخلاق : ١٠٢ فصل ١ باب ٦.
٣ ـ الكافي ٦ : ٤٥٩ ح ٥ باب القول عند لباس الجديد ـ الوسائل ٣ : ٣٧١ ح ١ باب ٢٦.
٤ ـ مكارم الاخلاق : ١٠٢ فصل ١ باب ٦.
وتشرب منها وتتوضّأ منها ، ويزاد فيها ماء ان شاء الله(١) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام قال : دخل رجل عليه فقال : يا ابن رسول الله ولد لي ثمانية بنات رأس على رأس ولم أر قطّ ذكراً ، فادع الله عزّوجلّ أن يرزقني ذكراً.
فقال الصادقعليهالسلام : إذا أردت المواقعة وقعدت مقعد الرجل من المرأة فضع يدك اليمنى على يمين سرّة المرأة واقرأ ( انّا انزلناه في ليلة القدر ) سبع مرّات ، ثم واقع أهلك فانّك ترى ما تحبّ ، وإذا تبيّنت الحمل فمتى ما تقلّبت الليل فضع يدك على يمنة سرّتها واقرأ انّا انزلناه في لية القدر سبع مرّات.
قال الرجل : ففعلت ذلك فولد لي سبع ذكور رأس على رأس(٢) .
وروي بسند معتبر عن أبي عمرو [ الخذّاء ] انّه قال : ساءت حالي فكتبت إلى أبي جعفر [ الجواد ]عليهالسلام ، فكتب إليّ : أدم قراءة( اِنّا اَرسَلنَا نُوحاً اِلى قَومِهِ ) (٣) .
قال : فقرأتها حولاً فلم أر شيئاً ، فكتبت إليه أخبره بسوء حالي وانّي قد قرأت ( انا أرسلنا نوحاً إلى قومه ) حولاً كما أمرتني ولم أر شيئاً ، قال : فكتب إليّ قد وفى لك الحول فانتقل منها إلى قراءة انّا أنزلناه.
قال : ففعلت فما كان يسيراً حتى بعث إليّ ابن أبي داود فقضى عنّي ديني ، وأجرى عليّ وعلى عيالي ، ووجّهني إلى البصرة في وكالته بباب كلاّء ، وأجرى عليّ خمسمائة درهم.
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٦٢٣ ح ١٩ باب فضل القرآن.
٢ ـ البحار ١٠٤ : ٨٦ ح ٥٠ باب ١٠٤ ـ عن نوادر الحكمة.
٣ ـ نوح : ١.
وكتبت من البصرة على يدي علي بن مهزيار إلى أبي الحسنعليهالسلام : انّي كنت سألت أباك عن كذا وكذا ، وشكوت إليه كذا وكذا ، وانّي قد نلت الذي أحببت ، فأحببت أن تخبرني يا مولاي كيف أصنع في قراءة انا أنزلناه ، أقتصر عليها وحدها في فرائضي وغيرها أم أقرأ معها غيرها ، أم لها حدّ أعمل به؟
فوقّععليهالسلام وقرأت التوقيع « لا تدع من القرآن قصيرة وطويلة ، ويجزئك من قراءة انا أنزلناه ، يومك وليلتك مائة مرّة »(١) .
وروي بسند معتبر عن موسى الكاظمعليهالسلام انّه قال : من قرأ ( انا أنزلناه في ليلة القدر ) بعد صلاة العصر عشر مرّات ، مرّت له على مثل أعمال الخلائق(٢) .
وروي بسند معتبر انّه : كان أبو جعفر الثانيعليهالسلام إذا دخل شهر جديد يصلّي أوّل يوم منه ركعتين يقرأ في الركعة الأولى الحمد وقل هو الله أحد لكلّ يوم إلى آخره مرّة(٣) ، وفي الركعة الأخرى الحمد مرّة وانّا أنزلناه مثل ذلك ، ويتصدّق بما يسهل ، يشتري به سلامة ذلك الشهر كلّه(٤) .
وروي بسند معتبر عن أبي علي بن راشد انّه قال : قلت لأبي الحسن [ عليّ النقي ]عليهالسلام : جعلت فداك انك كتبت إلى محمد بن الفرج تعلّمه أنّ أفضل ما تقرأ في الفرائض بانّا أنزلناه وقل هو الله أحد ، وانّ صدري ليضيق بقراءتهما في الفجر ، فقالعليهالسلام : لا يضيقنّ صدرك بهما فإنّ الفضل والله فيهما(٥) .
__________________
١ ـ الكافي ٥ : ٣١٦ ح ٥٠ باب النوادر ـ عنه البحار ٩٢ : ٣٢٨ ح ٧ باب ١١٠ ـ المستدرك ٤ : ٣٦١ ح ١٤١ باب ٤٤.
٢ ـ مستدرك الوسائل ٥ : ٩٧ ح ٣ باب ٢٥ وفيه عن امام الجواد عن أبيه عن جدّهعليهمالسلام .
٣ ـ أي ثلاثون مرّة.
٤ ـ البحار ٩١ : ٣٨١ ح ١ باب ٤ ـ عن دعوات الراوندي : ١٠٦ ح ٢٣٤.
٥ ـ الكافي ٣ : ٣١٥ ح ١٩ باب قراءة القرآن ـ الوسائل ٤ : ٧٦٠ ح ١ باب ٢٣.
وروي بسند صحيح انّه : كتب محمد الحميري إلى القائمعليهالسلام ، روي في ثواب القرآن في الفرائض وغيرها انّ العالمعليهالسلام قال : عجباً لمن لم يقرأ في صلاته ( انّا أنزلناه في ليلة القدر ) كيف تقبل صلاته؟ وروي ما زكت صلاة من لم يقرأ فيها ( قل هو الله أحد ) ، وروي انّ من قرأ في الفريضة ( الهمزة ) أعطي من الثواب قدر الدنيا ، فهل يجوز أن يقرأ الهمزة ويدع هذه السور التي ذكرناها مع ما قد روي انّه لا تقبل صلاته ولا تزكوا الاّ بهما؟
التوقيع : الثواب في السور على قدر ما روي ، وإذا ترك سورة ممّا فيها الثواب وقرأ ( قل هو الله أحد وانّا أنزلناه ) لفضلهما أعطي ثواب ما قرأ ، وثواب السورة التي ترك ، ويجوز أن يقرأ هاتين السورتين وتكون صلاته تامّة ، ولكن يكون قد ترك الفضل(١) .
« سورة البيّنة » :
روي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : من قرا سورة ( لم يكن ) كان بريئاً من الشرك ، وأُدخل في دين محمدصلىاللهعليهوآله ، وبعثه الله عزَّ وجلَّ مؤمناً ، وحاسبه حساباً يسيراً(٢) .
« سورة الزلزلة » :
روي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : لا تملّوا من قراءة إذا زلزلت الأرض زلزالها ، فانّه من كانت قراءته بها في نوافله لم يصبه الله عزّوجلّ بزلزلة أبداً ، ولم يمت بها ولا بصاعقة ولا بآفة من آفات الدنيا حتى يموت.
__________________
١ ـ البحار ٨٥ : ٣١ ح ٢١ باب ٤٥ ـ الوسائل ٤ : ٧٦١ ح ٦ باب ٢٣ ـ عن الاحتجاج.
٢ ـ البحار ٩٢ : ٣٣٢ ح ١ باب ١١١ عن ثواب الأعمال.
وإذا مات نزل عليه ملك كريم من عند ربّه ، فيقعد عنه رأسه فيقول : يا ملك الموت ارفق بوليّ الله فانّه كان كثيرا ما يذكرني ويذكر تلاوة هذه السورة ، وتقول له السورة مثل ذلك ، ويقول ملك الموت : قد أمرني ربي أن أسمع له وأطيع ، ولا أخرج روحه حتى يأمرني بذلك ، فاذا أمرني أخرجت روحه.
ولا يزال ملك الموت عنده حتى يأمره بقبض روحه ، وإذا كشف له الغطاء فيرى منازله في الجنّة ، فيخرج روحه من ألين ما يكون من العلاج ، ثم يشيّع روحه إلى الجنّة سبعون ألف ملك يبتدرون بها إلى الجنّة(١) .
« سورة العاديات » :
روي عن أبي عبد اللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة العاديات وأدمن قراءتها بعثة الله عزّوجلّ مع أمير المؤمنينعليهالسلام يوم القيامة خاصّة ، وكان في حجره ورفقائه(٢) .
« سورة القارعة » :
روي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : من قرأ وأكثر من قراءة القارعة آمنه الله عزّوجلّ من فتنة الدجال أن يؤمن به ، ومن فيح جهنّم يوم القيامة(٣) .
« سورة التكاثر » :
روى عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة ( ألهاكم التكاثر ) في فريضة كتب الله له ثواب وأجر مائة شهيد ، ومن قرأها في نافلة كتب له ثواب
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٦٢٦ ح ٢٤ باب فضل القرآن.
٢ ـ البحار ٩٢ : ٣٣٥ ح ١ باب ١١٣ ـ عن ثواب الأعمال.
٣ ـ البحار ٩٢ : ٣٣٥ ح ١ باب ١١٤ ـ عن ثواب الأعمال.
خمسين شهيداً ، وصلّى معه في فريضته أربعون صفاً من الملائكة إن شاء الله(١) .
وروي بسند معتبر عنهعليهالسلام قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : من قرأ ألهاكم التكاثر عند النوم وقي من فتنة القبر(٢) .
« سور العصر » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ ( والعصر ) في نوافله بعثه الله يوم القيامة مشرقاً وجهه ، ضاحكاً سنّه ، قريراً عينه ، حتى يدخل الجنّة(٣) .
« سورة الهمزة » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرا ( ويل لكلّ همزة ) في فرائضه نفت عنه الفقر ، وجلبت عليه الرزق ، وتدفع عنه ميتة السوء(٤) .
« سورة الفيل وقريش » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ في فرائضه « ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل » شهد له يوم القيامة كلّ سهل وجبل ومدر بأنّه كان من المصلين ، وينادي له يوم القيامة مناد : صدقتم على عبدي ، قبلت شهادتكم له وعليه ، أدخلوه الجنّة ولا تحاسبوه فانّه ممّن أُحبّه وأُحبّ عمله(٥) .
وروي عنهعليهالسلام أيضاً : من أكثر قراءة ( لإيلاف قريش ) بعثه الله يوم القيامة على مركب من مراكب الجنّة ، حتى يقعد على موائد النور يوم القيامة(٦) .
__________________
١ ـ البحار ٩٢ : ٣٣٦ ح ١ باب ١١٥ ـ عن ثواب الأعمال.
٢ ـ البحار ٩٢ : ٣٣٦ ح ٢ باب ١١٥ ـ عن ثواب الأعمال.
٣ ـ البحار ٩٢ : ٣٣٦ ح ١ باب ١١٦ ـ عن ثواب الأعمال.
٤ ـ البحار ٩٢ : ٣٣٧ ح ١ باب ١١٧ ـ عن ثواب الأعمال.
٥ ـ البحار ٩٢ : ٣٣٧ ح ١ باب ١١٨ ـ عن ثواب الأعمال.
٦ ـ البحار ٩٢ : ٣٣٧ ح ٢ باب ١١٨ ـ عن ثواب الأعمال.
واعلم انّ المشهور بين العلماء عدم استغناء أحدهما عن الأُخرى في الفريضة بل لابد من قراءتهما معاً ، وكذلك الأمر في سورتي الضحى وألم نشرح.
« سورة الماعون » :
روي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة ( أرأيت الذي يكذب بالدين ) في فرائضه ونوافله كان فيمن قبل الله عزّوجلّ صلاته وصيامه ، ولم يحاسبه بما كان منه في الحياة الدنيا(١) .
« سورة الكوثر » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من كان قراءته ( انّا أعطيناك الوثر ) في فرائضه ونوافله سقاه الله من الكوثر يوم القيامة ، وكان محدّثة(٢) عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله في أصل طوبى(٣) .
« سورة الكافرين » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ ( قل يا أيها الكافرن وقل هو الله أحد ) في فريضة من الفرائض ، غفر الله له ولوالديه وما ولداً ، وان كان شقياً محي من ديوان الأشقياء وأثبت في ديوان السعداء ، وأحياه الله سعيداً ، وأماته شهيداً ، وبعثه شهيداً(٤) .
وروي بسند صحيح عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : كان أبي صلوات الله عليه يقول : قل هو الله أحد ثلث القرآن ، وقل يا أيها الكافرون ربع القرآن(٥) .
__________________
١ ـ البحار ٩٢ : ٣٣٨ ح ١ باب ١١٩ ـ عن ثواب الأعمال.
٢ ـ أي مجلسه.
٣ ـ البحار ٩٢ : ٣٣٨ ح ١ باب ١٢٠ ـ عن ثواب الأعمال.
٤ ـ البحار ٩٢ : ٣٤٠ ح ٥ باب ١٢١ ـ عن ثواب الأعمال.
٥ ـ الكافي ٢ : ٦٢١ ح ٧ باب فضل القرآن ـ الوسائل ٤ : ٨٦٧ ح ٣ باب ٣١.
وروي بسند معتبر عنهعليهالسلام قال : من قرأ إذا أوى إلى فراشه( قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد ) كتب الله عزّوجلّ له براءة من الشرك(١) .
وروي بسند معتبر عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : صلّى بنا رسول اللهصلىاللهعليهوآله صلاة السفر ، فقرأ في الأولى( قل يا أيها الكافرون ) وفي الأخرى( قل هو الله أحد ) ثم قال : قرأت لكم ثلث القرآن وربعه(٢) .
وروي بسند صحيح عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : لا تدع أن تقرأ بقل هو الله أحد ، وقل يا أيها الكافرون في سبع مواطن : في الركعتين قبل الفجر ، وركعتي الزوال ، وركعتين بعد المغرب ، وركعتين من أوّل صلاة الليل ، وركعتي الاحرام ، والفجر إذا أصبحت بها ، وركعتي الطواف.
وفي رواية أخرى انّه يبدأ في هذا كله بقل هو الله أحد [ وفي الركعة الثانية بقل يا أيها الكافرون ] الاّ في الركعتين قبل الفجر ، فانّه يبدأ بقل يا أيها الكافرون [ ثم يقرأ في الركعة الثانية بقل هو الله أحد ](٣) .
« سورة النصر » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرا( إذا جاء نصر الله والفتح ) في نافلة أو فريضة نصره الله على جميع أعدائه ، وجاء يوم القيامة ومعه كتاب ينطق ، قد أخرجه الله من جوف قبره ، فيه أمان من جسر جهنّم ومن النار ، ومن زفير جهنّم.
فلا يمرّ على شيء يوم القيامة الاّ بشّره وأخبره بكلّ خير حتى يدخل الجنة ،
____________
١ ـ الكافي ٢ : ٦٢٦ ح ٢٣ باب فضل القرآن ـ الوسائل ٤ : ٨٧١ ح ٢ باب ٣٤.
٢ ـ البحار ٩٢ : ٣٣٩ ح ٢ باب ١٢١ ـ عن عيون أخبار الرضاعليهالسلام .
٣ ـ الكافي ٣ : ٣١٦ ح ٢٢ باب قراءة القرآن ـ الوسائل ٤ : ٧٥١ ح ١ و ٢ باب ١٥.
ويفتح له في الدنيا من أسباب الخير ما لم يتمنّ ، ولم يخطر على قلبه(١) .
« سورة اللهب » :
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : قال إذا قرأتم( تبت يدا أبي لهب وتب ) فادعوا على أبي لهب فانّه كان من المكذّبين الذين يكذّبون بالنبيصلىاللهعليهوآله وبما جاء به من عند الله عزّوجلّ(٢) .
« سورة الاخلاص » :
روي عن أبي جعفرعليهالسلام (٣) انّه قال : من قرأ قل هو الله أحد مرّة بورك عليه ، ومن قرأها مرّتين بورك عليه وعلى أهله ، ومن قرأها ثلاث مرّات بورك عليه وعلى أهله وعلى جيرانه ، ومن قرأها اثني عشر مرّة بنى الله له اثني عشر قصراً في الجنّة ، فيقول الحفظة : اذهبوا بنا إلى قصور أخينا فلان فننظر إليها.
ومن قرأها مائة مرة غفرت له ذنوب خمسة وعشرين سنة ما خلا الدماء والأموال ، ومن قرأها أربعمائة مرة كان له أجر أربعمائة شهيد كلّهم قد عقر جواده وأُريق دمه ، ومن قرأها ألف مرّة في يوم وليلة لم يمت حتى يرى مقعده في الجنّة أو يُرى له(٤) .
وروي بسند معتبر آخر عنهعليهالسلام انّ النبيّصلىاللهعليهوآله صلّى على سعد بن معاذ ، فقال : لقد وافى من الملائكة سبعون ألفاً وفيهم جبرئيل يصلّون عليه ، فقلت له : يا جبرئيل بما يستحقّ صلاتكم عليه؟ فقال : بقراءته قل هو أحد قائماً
__________________
١ ـ البحار ٩٢ : ٣٤٣ ح ١ باب ١٢٢ ـ عن ثواب الأعمال.
٢ ـ البحار ٩٢ : ٣٤٣ ح ١ باب ١٢٣ ـ عن ثواب الأعمال.
٣ ـ لقد رواها المؤلّفرحمهالله عن أبي عبداللهعليهالسلام ولم نجدها الاّ بالاسناد المذكور في المتن.
٤ ـ الكافي ٢ : ٦١٩ ح ١ باب فضل القرآن ـ الوسائل ٤ : ٨٦٦ ح ١ باب ٣١.
وقاعداً وراكباً وماشياً وذاهباً وجائياً(١) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : من قرأ( قل هو الله أحد ) مائة مرّة حين يأخذ مضجعه غفر الله له ذنوب خمسين سنة(٢) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : احتجز من الناس كلّهم بقل هو الله أحد ، اقرأها عن يمينك وعن شمالك ، ومن بين يديك ، ومن خلفك ، ومن فوقك ، ومن تحتك ، فاذا دخلت على سلطان جائر فاقرأها حين تنظر إليه ثلاث مرّات ، واعقد بيدك اليسرى ، ثم لا تفارقها حتى تخرج من عنده(٣) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من مضى به يوم واحد فصلّى فيه خمس صلوات ولم يقرأ فيها بقل هو الله أحد ، قيل له : يا عبدالله لست من المصلّين(٤) .
وروي عنهعليهالسلام أيضاً بسند آخر انّه قال : من مضت له جمعة ولم يقرأ فيها بقل هو الله أحد ثم مات ، مات على دين أبي لهب(٥) .
وقالعليهالسلام : من أصابه مرض أو شدّة فلم يقرأ في مرضه أو في شدّته بقل هو الله أحد ، ثم مات في مرضه أو في تلك الشدة التي نزلت به ، فهو من أهل النار(٦) .
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٦٢٢ ح ١٣ باب فضل القرآن ـ الوسائل ٤ : ٨٧٦ ح ٢ باب ٣١.
٢ ـ الكافي ٢ : ٦٢٠ ح ٤ باب فضل القرآن ـ الوسائل ٤ : ٨٧٠ ح ٢ باب ٣٣.
٣ ـ الكافي ٢ : ٦٢٤ ح ٢٠ باب فضل القرآن ـ الوسائل ٤ : ٨٦٧ ح ٤ باب ٣١.
٤ ـ البحار ٩٢ : ٣٤٤ ح ١ باب ١٢٤ ـ عن ثواب الأعمال.
٥ ـ البحار ٩٢ : ٣٤٤ ح ٢ باب ١٢٤ ـ عن ثوب الأعمال ـ الوسائل ٤ : ٨٦٨ ح ٦ باب ٣١.
٦ ـ البحار ٩٢ : ٣٤٥ ح ٣ باب ١٢٤ ـ عن ثواب الأعمال ـ الوسائل ٤ : ٨٦٨ ح ٧ باب ٣١.
وقالعليهالسلام : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع أن يقرأ في دبر الفريضة بقل هو الله أحد ، فانّه من قرأها جمع الله له خير الدنيا والآخرة ، وغفر الله له ولوالديه وما ولدا(١) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ( قل هو الله أحد ) إحدى عشر مرّة في دبر الفجر ، لم يتبعه في ذلك اليوم ذنب ، وان رغم أنف الشيطان(٢) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : [ من أوى إلى فراشه فقرأ( قل هو الله أحد ) إحدى عشر مرّة ] حفظه الله في داره ودويرات حوله(٣) .
وروي بسند معتبر عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : من قرأ( قل هو الله أحد ) حين يأخذ مضجعه وكلّ الله به خمسين ألف ملك يحرسونه ليلته(٤) .
وروي عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : من قرأ( قل هو الله أحد ) حين يأخذ مضجعه غفر الله له ذنوب خمسين سنة(٥) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ( قل هو الله أحد ) مرّة واحدة ، فكأنّما قرأ ثلث القرآن ، وثلث التوراة ، وثلث الانجيل ، وثلث الزبور(٦) .
وروي عن الصادقعليهالسلام انّ الله عزّوجلّ عوّض فاطمةعليهاالسلام من فدك
__________________
١ ـ البحار ٩٢ : ٣٤٥ ح ٤ باب ١٢٤ ـ عن ثواب الأعمال.
٢ ـ البحار ٩٢ : ٣٤٩ ح ١٥ باب ١٢٤ ـ عن ثواب الأعمال.
٣ ـ البحار ٩٢ : ٣٤٩ ح ١٤ باب ١٢٤ ـ عن ثواب الأعمال ـ الوسائل ٤ : ٨٧١ ح ٣ باب ٣٣.
٤ ـ البحار ٩٢ : ٣٥١ ضمن حديث ٢٢ ـ عن عدة الداعي.
٥ ـ أمالي الصدوق : ٢١ ح ٣ مجلس ٤ ـ عنه البحار ٩٢ : ٣٤٨ ح ١٣ باب ١٢٤.
٦ ـ التوحيد للصدوق : ٩٥ ح ١٥ باب ٤ في تفسيرقل هو الله أحد ـ عنه البحار ٩٢ : ٣٤٨ ح ١١ باب ١٢٤.
طاعة الحمّى لها ، فأيّما رجل أحبّها وأحبّ ولدها فأصابته الحمى فقرأ ألف مرّة( قل هو الله أحد ) ثم سأل بحق فاطمةعليهاالسلام زالت عنه الحمى باذن الله تعالى(١) .
وقال علي الرضاعليهالسلام : إذا أصاب أحدكم الصداع أو غير ذلك ، فبسط يديه وقرأ فاتحة الكتاب ، وقل هو الله أحد ، والمعوذتين ، ومسح بهما وجهه يذهب عنه ما يجده(٢) .
« سورة المعوذتين » :
روى بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : كان سبب نزول المعوذتين انّه وعك رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فنزل عليه جبرئيل بهاتين السورتين ، فعوّذه بهما(٣) .
وروي بسنتد معتبر عن صابر [ مولى بسّام ] قال : أمّنا أبو عبداللهعليهالسلام في صلاة المغرب ، فقرأ المعوذتين ثم قال : هما من القرآن(٤) .
وروي بسند معتبر عن أبي الحسن الرضاعليهالسلام انّه قال : ما من أحد في حدّ الصبى يتعهّد في كلّ ليلة قراءة قل أعوذ برب الفلق ، وقل أعوذ برب الناس ، كلّ واحدة ثلاث مرّات ، وقل هو الله أحد مائة مرّة ، فإن لم يقدر فخمسين الاّ صرف الله عزّوجلّ عنه كلّ لمم أو عرض من أعراض الصبيان والعطاش ، وفساد المعدة ، وبدور الدم أبداً ما تعوهد بهذا حتى يبلغه الشيب(٥) .
__________________
١ ـ مكارم الاخلاق : ٣٦٦.
٢ ـ مكارم الاخلاق : ٣٦٥.
٣ ـ البحار ٩٢ : ٣٦٣ ح ١ باب ١٢٥ ـ عن تفسير القمي.
٤ ـ الوسائل ٤ : ٧٨٦ ح ٢ باب ٤٧.
٥ ـ الكافي ٢ : ٦٢٣ ح ١٧ باب فضل القرآن.
وروي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : من أوتر بالمعوذتين وقل هو الله أحد قيل له : يا عبدالله أبشر فقد قبل الله وترك(١) .
وروي بسند صحيح عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قال بعد الجمعة الحمد مرّة ، وقل هو الله أحد سبعاً ، وقل أعوذ برب الفلق سبعاً ، وقل أعود برب الناس سبعاً ، وآية الكرسي وآية السخرة ، وآخر قوله( لَقَد جَاءَكُم رَسُولٌ مِن اَنفُسِكُم ...) (٢) إلى آخرها ، كانت كفّارة ما بين الجمعة إلى الجمعة(٣) .
وروي عن معمر بن خلاّد انّه قال : كنت مع الرضاعليهالسلام بخراسان على نفقاته ، فأمرني ان أتخذ له غالية ، فلمّا اتخذتها فأعجب بها فنظر إليها فقال لي : يا معمر انّ العين حق ، فاكتب في رقعة « الحمد لله ، وقل هو الله أحد ، والمعوذتين ، وآية الكرسي » واجعلها في غلاف القارورة.
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : العين حق وليس تأمنها منك على نفسك ، ولا منك على غيرك ، فاذا خفت شيئاً من ذلك فقل : « ما شاء الله لا قوّة الاّ بالله العلي العظيم » ثلاثاً.
وقالعليهالسلام : إذا تهيّأ أحدكم تهيئة تعجبه فليقرأ حين يخرج من منزله المعوذتين ، فانّه لا يضرّه شيء باذن الله تعالى(٤) .
وروي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : من أصابه فزع عند منامه فليقرأ إذا اوى إلى فراشه المعوذتين وآية الكرسي(٥) .
__________________
١ ـ البحار ٩٢ : ٣٦٤ ح ٣ باب ١٢٥ ـ عن ثواب الأعمال.
٢ ـ التوبة : ١٢٨.
٣ ـ الوسائل ٥ : ٧٩ ح ١ باب ٤٨.
٤ ـ البحار ٩٥ : ١٢٨ ح ٩ باب ٩٦ ـ عن مكارم الاخلاق : ٣٨٦.
٥ ـ البحار ٧٦ : ١٩٥ ضمن حديث ١٢.
( الينبوع الثالث )
في بيان مجمل من أحوال السلاطين والأُمراء ومعاشرتهم
وذكر عدلهم وجورهم
وفيه جداول :
( الجدول الأوّل )
في عدلهم وجورهم
اعلم انّ عدل الملوك والأمراء من أعظم مصالح الناس ، وانّ عدلهم وصلاحهم يوجب صلاح جميع العباد وعمارة البلاد ، وانّ فسقهم وفجورهم يورث اختلاف النظام وميل أكثر الناس إلى أفعالهم ، كما روي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : صنفان من أمتي إذا صلحا صلحت أمتي ، وإذا فسدا فسدت أمتي ، قيل : يا رسول الله ومن هما؟ قال : الفقهاء والأمراء(١) .
وروي بسند أخر عنهصلىاللهعليهوآله أنه قال : رجلان لا تنالهما ، صاحب سلطان عسوف خشوم وغال في الدين مارق(٢) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : انّي لأرجو النجاة لهذه الامة لمن عرف حقّنا منهم الاّ لأحد ثلاثة ، صاحب سلطان جائر ، وصاحب هوى ، والفاسق المعلن(٣) .
__________________
١ ـ الخصال : ٣٦ ح ١٢ باب ٢ ـ عنه البحار ٧٥ : ٣٣٦ ح ١ باب ٨١.
٢ ـ الخصال : ٦٣ ح ٩٣ باب ٢ ـ عنه البحار ٧٥ : ٣٣٦ ح ٣ باب ٨١.
٣ ـ الخصال : ١١٩ ح ١٠٧ باب ٣ ـ عنه البحار ٧٥ : ٣٣٧ ح ٦ باب ٨١.
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : تكلّم النار يوم القيامة ثلاثة ، أميراً وقارئاً وذا ثروة من المال ، فتقول للأمير : يا من وهب الله له سلطاناً فلم يعدل ، فتزدرده كما يزدرد الطير حبّ السمسم.
وتقول للقارىء : يا من تزيّن للناس وبارز الله بالمعاصي فتزدرده ، وتقول للغني :
يا من وهب الله له دنيا كثيرة واسعة فيضاً وسأله الفقير اليسير قرضا فأبى الاّ بخلاً ، فتزدرده(١)
.
وروي عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : احذروا على دينكم رجلاً آتاه الله عزّوجلّ سلطاناً فزعم انّ طاعته طاعة الله ، ومعصيته معصية الله ، وكذب لأنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، لا ينبغي للمخلوق أن يكون حبّه لمعصية الله ، فلا طاعة في معصية ، ولا طاعة لمن عصى الله.
انّما الطاعة لله ولرسوله ولولاة الأمر ، وانّما أمر الله عزّوجلّ بطاعة الرسول لأنّه معصوم مطهّر لا يأمر بمعصيته ، وانّما أمر بطاعة أولي الأمر لأنّهم معصومون مطهّرون لا يأمرون بمعصيته(٢) .
وروي عنهعليهالسلام قال : انّ في جهنّم رحى تطحن ، أفلا تسألوني ما طحنها؟ فقيل له : فما طحنها يا أمير المؤمنين؟ قال : العلماء الفجرة ، والقرّاء الفسقة ، والجبابرة الظلمة ، والوزراء الخونة ، والعرفاء الكذبة(٣) .
وقالعليهالسلام : انّ الله يعذّب ستة بستة ، العرب بالعصبية ، والدّهاقنة بالكبر ،
__________________
١ ـ الخصال : ١١١ ح ٨٤ باب ٣ ـ عنه البحار ٧٥ : ٣٣٧ ح ٧ باب ٨١.
٢ ـ الخصال : ١٣٩ ح ١٥٨ باب ٣ ـ عنه البحار ٧٥ : ٣٣٧ ح ٨ باب ٨١.
٣ ـ الخصال : ٢٩٦ ح ٦٥ باب ٥ ـ عنه البحار ٧٥ : ٣٣٨ ح ١٤ باب ٨١.
والأمراء بالجور ، والفقهاء بالحسد ، والتجار بالخيانة ، وأهل الرستاق بالجهل(١) .
وروي بأسانيد معتبرة انّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال : انّي لعنت سبعة لعنهم الله وكلّ نبيّ مجاب قبلي ، فقيل : ومن هم؟
فقال : الزائد في كتاب الله ، والمكذّب بقدر الله ، والمخالف لسنّتي ، والمستحلّ من عترتي ما حرّم الله ، والمتسلّط بالجبريّة ليعزّ من أذل الله ، ويذلّ من أعزّ الله ، والمستأثر على المسلمين بفيئهم مستحلاً له ، والمحرّم ما أحلّ الله عزّوجلّ(٢) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أنه قال : أول من يدخل النار أمير متسلط لم يعدل ، وذو ثروة من المال لم يعطي المال حقه ، وفقير فخور(٣) .
وروي بسند معتبر عن أبي الحسن الرضاعليهالسلام انّه قال : إذا كذب الولاة حُبس المطر ، وإذا جار السلطان هانت الدولة ، واذا حُبست الزكاة ماتت المواشي(٤) .
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : لا يؤمّر رجل على عشرة فما فوقهم الاّ جيء به يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه ، فإن كان محسناً فكّ عنه ، وان كان مسيئاً زيد غلاًّ إلى غلّه(٥) .
وروي عنهصلىاللهعليهوآله قال : ألا ومن تولّى عرافة قوم حبسه الله عزّوجلّ على شفير جهنّم بكلّ يوم ألف سنة(٦) .
__________________
١ ـ الخصال : ٣٢٥ ح ١٤ باب ٦ ـ عنه البحار ٧٥ : ٣٣٩ ح ١٥ باب ٨١.
٢ ـ الخصال : ٣٤٩ ح ٢٤ باب ٧ ـ عنه البحار ٧٥ : ٣٣٩ ح ١٧ باب ٨١.
٣ ـ البحار ٧٥ : ٣٤١ ح ٢٢ باب ٨١ ـ عن عيون أخبار الرضاعليهالسلام .
٤ ـ أمالي الطوسي : ٧٩ ح ٢٦ مجلس ٣ ـ عنه البحار ٧٥ : ٣٤١ ح ٢٣ باب ٨١.
٥ ـ أمالي الطوسي : ٢٦٤ ح ٢٣ مجلس ١٠ ـ عنه البحار ٧٥ : ٣٤١ ح ٢٤ باب ٨١.
٦ ـ البحار ٧٥ : ٣٤٣ ح ٣٤ باب ٨١ ـ عن أمالي الصدوق.
وروي بسند معتبر عن [ أبي قتادة ، قال : كنت عند أبي عبداللهعليهالسلام ] فدخل عليه زياد القندي ، فقال له : يا زياد وليت لهؤلاء؟ قال : نعم يا ابن رسول الله ، لي مروءة وليس وراء ظهري مال ، وانّما اُواسي اخواني من عمل السلطان.
فقال : يا زياد اما إذا كنت فاعلاً ذلك ، فاذا دعتك نفسك إلى ظلم الناس عند القدرة على ذلك فاذكر قدرة الله عزّوجلّ على عقوبتك ، وذهاب ما أتيت إليهم عنهم ، وبقاء ما أتيت إلى نفسك عليك(١) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : انّ الله عزّوجلّ جعل لمن جعل له سلطاناً مدّة من ليالي وأيّام وسنين وشهور ، فإن عدلوا في الناس أمر الله عزّوجلّ صاحب الفلك أن يبطي بادارته ، فطالت أيامهم ولياليهم وسنوهم وشهورهم.
وان هم جاروا في الناس ولم يعدلوا أمر الله عزّوجلّ صاحب الفلك فأسرع ادارته ، وأسرع فناء لياليهم وأيامهم وسنيهم وشهورهم ، وقد وفى تبارك وتعالى لهم بعدد الليالي والأيّام والشهور(٢) .
وروي بسند معتبر انّ أمير المؤمنينعليهالسلام قال لنوف البكالي : يا نوف اقبل وصيّتي ، لا تكوننّ نقيباً ، ولا عريفاً ، ولا عشّاراً ، ولا بريداً(٣) .
وروي بسند معتبر عن علي بن موسى الرضاعليهالسلام انّه قال : انّ العدالة والإحسان علامة دوام النعمة(٤) .
__________________
١ ـ أمالي الطوسي : ٣٠٣ ح ٤٩ مجلس ١١ ـ عنه البحار ٧٥ : ٣٤١ ح ٢٦ باب ٨١.
٢ ـ البحار ٧٥ : ٣٤٢ ح ٢٩ باب ٨١ ـ عن علل الشرائع.
٣ ـ البحار ٧٥ : ٣٤٣ ح ٣٣ باب ٨١ ـ عن أمالي الصدوق.
٤ ـ مضمون النص.
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : ثلاثة هم أقرب الخلق إلى الله عزّوجلّ يوم القيامة حتى يفرغ الله من الحساب ، رجل لم تدعه قدرة في حال غضبه إلى أن يحيف على من تحت يده ، ورجل مشى بين اثنين فلم يمل مع أحدهما على الآخر بشعيرة ، ورجل قال بالحقّ فيما له وعليه(١) .
وروي بسند معتبر عنهعليهالسلام قال : العدل أحلى من الماء يصيبه الظمآن ، ما أوسع العدل إذا عدل فيه وان قل(٢) .
وقالعليهالسلام : العدل أحلى من الشهد ، وألين من الزبد ، وأطيب ريحاً من المسك(٣) .
وروي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : [ لمّا حضرت علي بن الحسينعليهماالسلام الوفاة ضمّني إلى صدره ثم قال : يا بنيّ أوصيك بما أوصاني به أبيعليهالسلام حين حضرته الوفاة ، وبما ذكر انّ أباه أوصاه به ] ، فقال : يا بنيّ اياك وظلم من لا يجد عليك ناصراً الاّ الله(٤) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من أصبح لا ينوي ظلم أحد غفر الله له ما أذنب ذلك اليوم ما لم يسفك دماً ، أو يأكل مال يتيم حراماً(٥) .
وروي بأسانيد صحيحة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : اتقوا الظلم فانّه ظلمات يوم القيامة(٦) .
____________
١ ـ الكافي ٢ : ١٤٥ ح ٥ باب الانصاف والعدل ـ عنه البحار ٧٥ : ٣٣ ح ٢٦ باب ٣٥.
٢ ـ الكافي ٢ : ١٤٦ ح ١١ باب الانصاف والعدل ـ عنه البحار ٧٥ : ٣٦ ح ٣٢ باب ٣٥.
٣ ـ الكافي ٢ : ١٤٧ ح ١٥ باب الانصاف والعدل ـ عنه البحار ٧٥ : ٣٩ ح ٣٧ باب ٣٥.
٤ ـ أمالي الصدوق : ١٥٤ ح ١٠ مجلس ٣٤ ـ عنه البحار ٧٥ : ٣٠٨ ح ١ باب ٧٩.
٥ ـ الكافي ٢ : ٣٣١ ح ٧ باب الظلم ـ عنه البحار ٧٥ : ٣٢٣ ح ٥٥ باب ٧٩.
٦ ـ الكافي ٢ : ٣٣٢ ح ١٠ باب الظلم ـ عنه البحار ٧٥ : ٣٣٠ ح ٦٣ باب ٧٩.
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من ارتكب أحداً بظلم بعث الله عزّوجلّ عليه من يظلمه بمثله ، أو على ولده ، أو على عقبه من بعده(١) .
وقالعليهالسلام : انّ الله عزّوجلّ أوحى إلى نبيّ من أنبيائه في مملكة جبّار من الجبارين أن أئت هذا الجبار فقل له : انني لم أستعملك على سفك الدماء واتخاذ الأموال ، وانّما استعملتك لتكفّ عنّي أصوات المظلومين ، فانّي لم أدع ظلامتهم وان كانوا كفاراً(٢) .
وقالعليهالسلام : أما انّ المظلوم يأخذ من دين الظالم أكثر مما يأخذ الظالم من مال المظلوم ، ثم قال : من يفعل الشر بالناس فلا ينكر الشر إذا فُعل به ، اما انه انّما يحصد ابن آم ما يزرع ، وليس يحصد أحد من المرّ حلواً ولا من الحلو مرّاً(٣) .
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام : بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد(٤) .
وروي بسند معتبر انّ رجلاً قال لأبي جعفر الباقرعليهالسلام : انّي لم أزل والياً منذ زمن الحجاح إلى يومي هذا ، فهل لي من توبة؟ قال : فسكت ، ثم أعدت عليه ، فقال ، لا حتى تؤدّي إلى كلّ ذي حقّ حقّه(٥) .
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : من ظلم أحداً ففاته فليستغفر الله عزّوجلّ له ، فانّه كفّارة له(٦) .
__________________
١ ـ البحار ٧٥ : ٣١٣ ح ٢٣ باب ٧٩ ـ عن ثواب الأعمال.
٢ ـ الكافي ٢ : ٣٣٣ ح ١٤ باب الظلم ـ عنه البحار ٧٥ : ٣٣١ ح ٦٥ باب ٧٩.
٣ ـ الكافي ٢ : ٣٣٤ ح ٢٢ باب الظلم ـ عنه البحار ٧٥ : ٣٢٨ ح ٥٨ باب ٧٩.
٤ ـ البحار ٧٥ : ٣٠٩ ح ٤ باب ٧٩ ـ عن أمالي الصدوق.
٥ ـ الكافي ٢ : ٣٣١ ح ٣ باب الظلم ـ عنه البحار ٧٥ : ٣٢٩ ح ٥٩ باب ٧٩.
٦ ـ البحار : ٧٥ : ٣١٣ ح ٢٧ باب ٧٩ ـ عن ثواب الأعمال.
( الجدول الثاني )
في كيفية معاشرة الحكام مع الرعايا وبيان
حقوق الرعايا عليهم
روي بسند معتبر عن علي بن الحسينعليهماالسلام انّه قال : وأمّا حقّ رعيّتك بالسلطان فأن تعلم انّهم صاروا رعيتك لضعفهم وقوتك ، فيجب أن تعدل فيهم ، وتكون لهم كالوالد الرحيم ، وتغفر لهم جهلهم ، ولا تعاجلهم بالعقوبة ، وتشكر الله عزّوجلّ على ما آتاك من القوّة عليهم(١) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من تولّى أمراً من أمور الناس ، فعدل ، وفتح بابه ، ورفع ستره ، ونظر في أمور الناس كان حقّاً على الله عزّوجلّ أن يؤمن روعته يوم القيامة ، ويدخله الجنّة(٢) . وروي بسند معتبر انّه : دخل الباقرعليهالسلام على عمر بن عبدالعزيز فوعظه ، وكان فيما وعظه : « يا عمر افتح الأبواب وسهّل الحجاب ، وانصر المظلوم ، وردّ المظالم »(٣) .
وروي بسند معتبر عن أمير المؤميننعليهالسلام انّه قال : أيّما وال احتجب عن حوائج الناس احتجب الله يوم القيامة عن حوائجه ، وإن أخذ هديّة كان غلولاً ، وإن أخذ رشوة فهو مشترك(٤) .
__________________
١ ـ البحار ٧٤ : ٥ ضمن حديث ١ باب ١ ـ عن الخصال. ٢ ـ أمالي الصدوق : ٢٠٣ ح ٢ مجلس ٤٣ ـ عنه البحار ٧٥ : ٣٤٠ ح ١٨ باب ٨١.
٣ ـ البحار ٧٥ : ٣٤٤ ح ٣٦ باب ٨١ ـ عن الخصال : ١٠٥ ضمن حديث ٦٤ باب ٣.
٤ ـ البحار ٧٥ : ٣٤٥ ح ٤٢ باب ٨١ ـ عن ثواب الأعمال.
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من ولي شيئاً من أمور المسلمين فضيّعهم ضيّعه الله عزّوجلّ(١) .
الأحاديث هنا كثيرة وبما انّها لا تفيد عامّة الخلق لذا نكتفي في هذا الباب بما ذكر ، ومن أراد الاطلاع على آداب الأُمراء والحكّام فليرجع إلى رسائل وكتب أمير المؤمنينعليهالسلام الشافية حيث كتبها إلى عمّاله وأمرائه سيّما كتابه إلى مالك الأشتر ، وسهل بن حنيف ، ومحمد بن أبي بكر.
واعلم انّ الله تعالى أعطى لكلّ أحد سلطنة كما نقل ( كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيته ) ، فيسأل يوم القيامة عن سلوكه مع رعيته ، كما سلّط الملوك على الرعايا وسلّط الأُمراء والوزراء على بعض الرعايا ، وأرباب المزارع والأموال على العمّال ، وأصحاب البيوتات والأزواج والأولاد على الغلمان والجواري والخدم.
وجعل ربّ البيت واسطة رزقهم ، وأيضاً جعل العلماء رعاة طلبة العلم ، وجعل طلبة العلم رعيتهم ، وسلّط كلّ شخص على بعض الحيوانات ، وولى كلّ شخص على قواه وأعضائه وجوارحه حيث يأمرهم بما لا يوجب العقاب يوم القيامة.
وجعل الأعمال والأخلاق والعبادات محكومة لكلّ أحد وأمر برعايتها ، اذاً لا يوجد في العالم من لم يكن له حظّ من الولاية والحكومة وفي معاشرة كلّ صنف من الأصناف عدل وجور ، وأعطي لكلّ شخص نعمة حسب ما استولى عليه ، وطلب منه الشكر على قدر تلك النعمة.
وشكر كلّ نعمة توجب المزيد والفوز ، وانّما شكرها يكون بمعاشرتها طبقاً
__________________
١ ـ البحار ٧٥ : ٣٤٥ ح ٤١ باب ٨١ ـ عن ثواب الأعمال.
لما أمر الله تعالى ، ورعاية الحقوق التي جعلت لها ، فاذا ائتمر بذلك زادها الله تعالى ، وان كفر ولم يشكر سلبها الله منه ، كما انّ الملوك إذا شكر وما في قدرتهم واستيلائهم وراعوا أحوال رعيتهم وحقوقهم دام ملكهم والاّ فسرعان ما يزول ، كما قيل أنّ الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم.
وكذلك الأمر فيمن له خدم وغلمان ، فإن ظلمهم ولم يرع حقّهم فسرعان ما تزول سلطته عنهم ، وان سلك العالم مع رعيته بسوء فسرعان ما يسلب علمه ، وإن أقسط زيد في علمه ، وإن صرف الانسان أعضاءه وجوارحه في المعاصي فسرعان ما تبتلي تلك الأعضاء بالبلاء ولم ينتفع منها.
فعقاب الآخرة وثوابها انّما هما لرعاية هذه الحقوق وعدمها ، وإذا أردت تفصيل هذه الحقوق فارجع إلى الحديث الطويل المرويّ عن علي بن الحسينعليهمالسلام في الحقوق ، والى ما ترجمه والدي عليه الرحمة والغفران منها في شرح ( من لا يحضره الفقيه ) فهو يشتمل على جميع الحقوق ، ولا يسع هذا الكتاب أكثر من هذا.
( الجدول الثالث )
في ثواب اعانة المؤمنين ، وادخال السرور في قلوبهم
ودفع الظلم عنهم ، وذمّ من يقدر على نفعهم ولم يفعل
روي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : تبسّم الرجل في وجه أخيه حسنة ، وصرفه القذى عنه حسنة ، وما عبد الله بشيء أحبّ إلى الله من إدخال السرور على المؤمن(١) .
__________________
١ ـ الوسائل ١١ : ٥٦٩ ح ٢ باب ٢٤ ـ الكافي ٢ : ١٨٨ ح ٢ باب ادخال السرور على المؤمنين.
وقالعليهالسلام : انّ فيما ناجى الله عزّوجلّ به عبده موسىعليهالسلام قال : انّ لي عباداً أُبيحهم جنّتي ، واحكّمهم فيها ، قال : يا رب ومن هؤلاء الذين تبيحهم جنتّك وتحكّمهم فيها؟ قال : من أدخل على مؤمن سروراً.
ثم قال : انّ مؤمناً كان في مملكة جبّار ، فولع به فهرب منه إلى دار الشرك ، فنزل برجل من أهل الشرك ، فأظلّه(١) وأرفقه وأضافه ، فلمّا حضره الموت أوحى الله عزّوجلّ إليه : وعزّتي وجلالي لو كان لك في جنّتي مسكن لأسكنتك فيها ، ولكنّها محرّمة على من مات بي مشركاً ، ولكن يا نار هيديه ولا تؤذيه(٢) ، ويؤتى برزقه طرفي النهار ، قلت : من الجنّة؟ قال : من حيث شاء الله(٣) .
وروي بأسانيد معتبرة عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : أوحى الله عزّوجلّ إلى داودعليهالسلام انّ العبد من عبادي ليأتيني بالحسنة فابيحه جنّتي ، فقال داود : يا ربّ وما تلك الحسنة؟ قال : يدخل على عبدي المؤمن سروراً ولو بتمرة ، قال داود : يا ربّ حقّ لمن عرفك أن لا يقطع رجاءه منك(٤) .
وروي بسند معتبر آخر عنهعليهالسلام انّه قال : من أدخل السرور على المؤمن فقد أدخله على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ومن أدخله على رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقد وصل ذلك إلى الله ، وكذلك من أدخل عليه كرباً(٥) .
وقالعليهالسلام : من أحبّ الأعمال إلى الله عزّوجلّ ادخال السرور على
__________________
١ ـ فأظلّه أي أسكنه منزلاً يظلّه من الشمس.
٢ ـ هيديه أي خوّفيه وأزعجيه ، ولا تؤذيه أي لا تحرقيه.
٣ ـ الكافي ٢ : ١٨٨ ح ٣ باب ادخال السرور على المؤمنين ـ عنه البحار ٧٤ : ٢٨٨ ح ١٦ باب ٢٠.
٤ ـ الكافي ٢ : ١٨٩ ح ٥ باب ادخال السرور على المؤمنين ـ عنه البحار ٧٤ : ٢٨٩ ح ١٨ باب ٢٠.
٥ ـ الكافي ٢ : ١٨٩ ح ١٤ باب ادخال السرور على المؤمنين ـ عنه البحار ٧٤ : ٢٩٧ ح ٢٧ باب ٢٠.
المؤمن ، اشباع جوعته ، أو تنفيس كربته ، أو قضاء دينه(١) .
وروي عن سدير الصراف انّه قال : كنت عند أبي عبداللهعليهالسلام فذكر عنده المؤمن وما يجب من حقّه ، فالتفت إليّ أبو عبداللهعليهالسلام ، فقال لي : يا أبا الفضل ألا أحدّثك بحال المؤمن عند الله؟ فقلت : بلى ، فحدّثني جعلت فداك.
فقال : إذا قبض الله روح المؤمن صعد ملكاه إلى السماء فقالا : يا ربّ عبدك ونعم العبد ، كان سريعاً إلى طاعتك ، بطيئاً عن معصيتك ، وقد قبضته إليك ، فما تأمرنا من بعده؟ فيقول الجليل الجبّار : اهبطا إلى الدنيا وكونا عند قبر عبدي ومجّداني وسبّحاني وهلّلاني وكبّراني ، واكتبا ذلك لعبدي حتّى أبعثه من قبره.
ثم قال لي : ألا أزيدك؟ قلت : بلى ، فقال : إذا بعث الله المؤمن من قبره خرج معه مثال يقدمه أمامه ، فكلّما رأى المؤمن هولاً من أهوال يوم القيامة قال له المثال : لا تجزع ولا تحزن ، وأبشر بالسرور والكرامة من الله عزّوجلّ ، فما يزال يبشره بالسرور والكرامة من الله سبحانه حتى يقف بين يدي الله عز وجل ، ويحاسبه حساباً يسيراً ، ويأمر به إلى الجنّة والمثال أمامه.
فيقول له المؤمن : رحمك الله نعم الخارج معي من قبري ، مازلت تبشّرني بالسرور والكرامة من الله عزّوجلّ حتى كان ، فمن أنت؟ فيقول له المثال : أنا السرور الذي أدخلته على أخيك المؤمن في الدنيا ، خلقني الله لاُبشّرك(٢) .
وروي بسند معتبر عن المشمعل [ الأسدي ] انّه قال : خرجت ذات سنة حاجّاً ، فانصرفت إلى أبي عبدالله الصادق جعفر بن محمدعليهماالسلام ، فقال : من أين
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ١٩٢ ح ١٦ باب ادخال السرور على المؤمنين ـ عنه البحار ٧٤ : ٢٩٧ ح ٢٩ باب ٢٠.
٢ ـ البحار ٧٤ : ٢٨٣ ح ٣ باب ٢٠ ـ عن أمالي الطوسي.
بك يا مشمعل؟ فقلت : جعلت فداك كنت حاجّاً ، فقال : أو تدري ما للحاجّ من الثواب؟ فقلت : ما أدري حتى تعلمني.
فقال : انّ العبد إذا طاف بهذا البيت أُسبوعاً ، وصلّى ركعتيه ، وسعى بين الصفا والمروة ، كتب الله له ستة آلاف حسنة ، وحطّ عنه ستة آلاف سيّئة ، ورفع له ستة آلاف درجة ، وقضى له ستة آلاف حاجة للدنيا كذا ، وادخر له للآخرة كذا.
فقلت له : جعلت فداك انّ هذا لكثير ، فقال : أفلا أخبرك بما هو أكثر من ذلك؟ قال : قلت : بلى ، فقالعليهالسلام : لقضاء حاجة امرىء مؤمن أفضل من حجة وحجّة وحجّة حتى عدّ عشر حجج(١) .
وقالعليهالسلام : ما قضى مسلم لمسلم حاجة الاّ ناداه الله تبارك وتعالى : عليّ ثوابك ، ولا أرضى لك بدون الجنّة(٢) .
وروي بسند معتبرعن المفضل ، عن أبي عبداللهعليهالسلام قال : قال لي : يا مفضل اسمع ما أقول لك واعلم انّه الحق وافعله وأخبر به علية اخوانك(٣) ، قلت : جعلت فداك وما علية اخواني؟ قال : الراغبون في قضاء حوائج اخوانهم.
قال : ثم قال : ومن قضى لأخيه المؤمن حاجة قضى الله له يوم القيامة مائة ألف حاجة من ذلك ، أوّلها الجنة ، ومن ذلك أن يدخل قرابته ومعارفه واخوانه الجنّة بعد أن لا يكونوا نصّاباً(٤) .
وروي أيضاً عن المفضل بن عمر ، عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : انّ الله عزّ
__________________
١ ـ البحار ٧٤ : ٢٨٤ ح ٤ باب ٢٠ ـ عن أمالي الصدوق.
٢ ـ قرب الأسناد : ٣٩ ح ١٢٤ ـ عنه البحار ٧٤ : ٢٨٥ ح ٨ باب ٢٠.
٣ ـ علية أخوانك ـ بالكسر ـ : أي شريفهم ورفيعهم وجمعه ( عليّ ).
٤ ـ الكافي ٢ : ١٩٢ ح ١ باب قضاء حاجة المؤمن ـ عنه البحار ٧٤ : ٣٢٢ ح ٩٠ باب ٢٠.
وجلّ خلق خلقاً من خلقه انتجبهم لقضاء حوائج فقراء شيعتنا ليثيبهم على ذلك الجنة ، فإن استطعت أن تكون منهم فكن(١) .
وقالعليهالسلام : لقضاء حاجة امرء مؤمن أحبّ إليّ من عشرين حجّة كلّ حجّة ينفق فيها صاحبها مائة ألف(٢) .
وروي بسند معتبر عن أبي الحسن موسىعليهالسلام انّه قال : من أتاه أخوه المؤمن في حاجة فانّما هي رحمة من الله تبارك وتعالى ساقها إليه ، فإن قبل ذلك فقد وصله بولايتنا وهو موصول بولاية الله ، وإن ردّه عن حاجته وهو يقدر على قضائها سلّط الله عليه شجاعاً من نار ينهشه في قبره إلى يوم القيامة ، مغفوراً له أو معذّباً ، فإن عذره الطالب كان أسوء حالاً(٣) .
وروي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : انّ المؤمن لترد عليه الحاجة لأخيه فلا تكون عنده فيهتمّ بها قلبه ، فيدخله الله تبارك وتعالى بهمّه الجنّة(٤) .
وروي عن أبي الحسن موسىعليهالسلام انّه قال : انّ لله عباداً في الأرض يسعون في حوائج الناس ، هم الآمنون يوم القيامة ، ومن أدخل على مؤمن سروراً فرّح الله قلبه يوم القيامة(٥) .
وروي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : من مشى في حاجة أخيه المسلم أظلّه الله بخمسة وسبعين ألف ملك ، ولم يرفع قدماً الاّ كتب الله له حسنة ، وحطّ عنه بها سيئة ، ويرفع له بها درجة ، فاذا فرغ من حاجته كتب الله عزّوجلّ له
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ١٩٣ ح ٢ باب قضاء حاجة المؤمن ـ عنه البحار ٧٤ : ٣٢٣ ح ٩١ باب ٢٠.
٢ ـ الكافي ٢ : ١٩٣ ح ٤ باب قضاء حاجة المؤمن ـ عنه البحار ٧٤ : ٣٢٤ ح ٩٣ باب ٢٠ وفي المتن عشرين ألف.
٣ ـ الكافي ٢ : ١٩٦ ح ١٣ باب قضاء حاجة المؤمن ـ عنه البحار ٧٤ : ٣٣٠ ح ١٠٢ باب ٢٠.
٤ ـ الكافي ٢ : ١٩٦ ح ١٤ باب قضاء حاجة المؤمن ـ عنه البحار ٧٤ : ٣٣١ ح ١٠٤ باب ٢٠.
٥ ـ الكافي ٢ : ١٩٧ ح ٢ باب السعي في حاجة المؤمن ـ عنه البحار ٧٤ : ٣٣٢ ح ١٠٦ باب ٢٠.
بها أجر حاجّ ومعتمر(١) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من أغاث أخوه المؤمن اللهفان اللهثان عند جهده ، فنفّس كربته وأعانه على نجاح حاجته كتب الله عزّوجلّ له بذلك ثنتين وسبعين رحمة من الله ، يعجّل له منها واحدة يصلح بها أمر معيشته ، ويدّخر له احدى وسبعين رحمة لأفزاع يوم القيامة وأهواله(٢) .
وقالعليهالسلام : [ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله ] : من أعان مؤمناً نفّس الله عزّوجل عنه ثلاثاً وسبعين كربة ، واحدة في الدنيا ، وثنتين وسبعين كربة عند كربه العظمى ، قال : حيث يتشاغل الناس بأنفسهم(٣) .
وقالعليهالسلام : أيما مؤمن نفّس عن مؤمن كربة وهو معسر يسّر الله حوائجه في الدنيا والآخرة ، قال : ومن ستر على مؤمن عورة يخافها ستر الله عليه سبعين عورة من عورات الدنيا والآخرة ، قال : والله في عون المؤمن ما كان المؤمن في عون أخيه ، فانتفعوا بالعظة ، وارغبوا في الخير(٤) .
وروي بسند معتبر آخر انّه قالعليهالسلام : ما من مؤمن يخذل أخاه وهو يقدر على نصرته الاّ خذله الله في الدنيا والآخرة(٥) .
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : من فرّج عن مؤمن كربة فرّج الله عنه [ اثنتين وسبعين كربة من كرب الآخرة ] واثنتين وسبعين كربة من كرب
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ١٩٧ ح ٣ باب السعي في حاجة المؤمن ـ عنه البحار ٧٤ : ٣٣٢ ح ١٠٧ باب ٢٠.
٢ ـ الكافي ٢ : ١٩٩ ح ١ باب تفريج كرب المؤمن ـ عنه البحار ٧٤ : ٣١٩ ح ٨٥ باب ٢٠.
٣ ـ الكافي ٢ : ١٩٩ ح ٢ باب تفريج كرب المؤمن ـ عنه البحار ٧٤ : ٣٢٠ ح ٨٦ باب ٢٠.
٤ ـ الكافي ٢ : ٢٠٠ ح ٥ باب تفريج كرب المؤمن ـ عنه البحار ٧٤ : ٣٢٢ ح ٨٩ باب ٢٠.
٥ ـ البحار ٧٥ : ١٧ ح ١ باب ٣٣ ـ عن أمالي الصدوق.
الدنيا(١) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : أربعة ينظر الله عزّوجلّ إليهم يوم القيامة : من أقال نادماً ، أو أغاث لهفان ، أو أعتق نسمة ، أو زوّج عزباً(٢) .
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام : من ردّ على المسلمين عادية ماء ، أو عادية نار ، أو عادية عدوّ مكابر للمسلمين غفر الله له ذنبه(٣) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : أُقعد رجل من الأخيار في قبره فقيل له : انّا جالدوك مائة جلدة من عذاب الله ، فقال : لا أطيقها ، فلم يزالوا به حتى انتهوا إلى جلدة واحدة ، فقالوا : ليس منها بدّ.
فقال : فيما تجلدونيها؟ قالوا : نجلدك لأنّك صلّيت يوماً بغير وضوء ، ومررت على ضعيف فلم تنصره ، قال : فجلدوه جلدة من عذاب الله عزّوجلّ ، فامتلى قبره ناراً(٤) .
وروي بسند معتبر آخر عنهعليهالسلام انّه قال : أيّما رجل مسلم أتاه رجل مسلم في حاجة وهو يقدر على قضائها ، فمنعه اياها ، عيّره الله يوم القيامة تعييراً شديداً ، وقال له : أتاك أخوك في حاجة قد جعلت قضاءها في يدك ، فمنعته ايّاها زهداً منك في ثوابها ، وعزّتي لا أنظر إليك اليوم في حاجة معذّباً كنت أو مغفوراً لك(٥) .
____________
١ ـ الوسائل ١١ : ٥٨٧ ح ٧ باب ٢٩.
٢ ـ الخصال : ٢٢٤ ح ٥٥ باب ٤ ـ عنه البحار ٧٥ : ١٩ ح ١٣ باب ٣٣.
٣ ـ قرب الاسناد ك ١٣٢ ح ٤٦٣ ـ عنه البحار ٧٥ : ٢٠ ح ١٤ باب ٣٣.
٣ ـ قرب الاسناد ١٣٢ ح ٤٦٣ ـ عنه البحار ٧٥ : ٢٠ ح ١٤ باب ٣٣.
٤ ـ البحار ٧٥ : ١٧ ح ٤ باب ٣٣ عن ثواب الأعمال وعلل الشرائع.
٥ ـ أمالي الطوسي : ٩٩ ح ٦ مجلس ٤ ـ عنه الوسائل ١١ : ٦٠٠ ح ٤ باب ٣٩.
وقالعليهالسلام : انّ الله تبارك وتعالى آلى على نفسه أن لا يجاوره خائن ، قال [ الراوي : ] قلت : وما الخائن؟ قال : من ادخر عن مؤمن درهماً ، أو حبس عنه شيئاً من أمر الدنيا ، قال : أعوذ بالله من غضب الله.
فقال : انّ الله تبارك وتعالى آلى على نفسه أن لا يسكن جنّته أصنافاً ثلاثة : الراد على الله عزّوجلّ ، أو رادّ على امام هدى ، أو من حبس حقّ امرء مؤمن ، قال : قلت : يعطيه من فضل ما يملك؟ قال : يعطيه من نفسه وروحه ، فإن بخل عليه مسلم بنفسه فليس منه ، انّما هو شرك الشيطان(١) .
وقالعليهالسلام : أيّما مؤمن منع مؤمناً شيئاً ممّا يحتاج إليه وهو يقدر عليه من عنده أو من عند غيره ، أقامه الله يوم القيامة مسوّداً وجهه ، مزرقة عيناه ، مغلولة يداه إلى عنقه ، فيقال : هذا الخائن الذي خان الله ورسوله ثم يؤمر به إلى النار(٢) .
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : من منع طالباً حاجته وهو قادر على قضائها فعليه مثل خطيئة عشّار ، فقام إليه [ عوف بن مالك ] فقال : ما يبلغ خطيئة عشار يا رسول الله؟ قال : على العشّار كلّ يوم وليلة لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً(٣) .
( الجدول الرابع )
في ذمّ تحقير المؤمن وايذائه واهانته وطرده وضربه
روي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : أيّما مؤمن كان بينه وبين
__________________
١ ـ الخصال : ١٥١ ح ١٨٥ باب ٣ ـ عنه البحار ٧٥ : ١٧٣ ح ٣ باب ٥٩.
٢ ـ الكافي ٢ : ٣٦٧ ح ١ باب من منع مؤمناً شيئاً ـ الوسائل ١١ : ٥٥٩ ح ١ باب ٣٩.
٣ ـ البحار ٧٦ : ٣٦٩ ضمن حديث ٣٠ باب ٦٧ ـ عن ثواب الأعمال.
مؤمن حجاب ضرب الله عزّوجلّ بينه وبين الجنّة سبعين ألف سور ، ما بين السور إلى السور مسيرة ألف عام(١) .
وروي بسند معتبر عن [ محمد بن سنان قال : كنت عند الرضاعليهالسلام فقال لي : يا محمد ](٢) انّه كان في زمن بني اسرائيل أربعة نفر من المؤمنين ، فأتى واحد منهم الثلاثة وهم مجتمعون في منزل أحدهم في مناظرة بينهم ، فقرع الباب فخرج إليه الغلام ، فقال : أين مولاك؟ فقال : ليس هو في البيت.
فرجع الرجل ودخل الغلام إلى مولاه ، فقال له : من كان الذي قرع الباب ، قال : كان فلان فقلت له : لست في المنزل ، فسكت ولم يكترث ولم يلم غلامه ولا اغتمّ أحد منهم لرجوعه عن الباب وأقبلوا في حديثهم.
فلمّا كان من الغدّ بكّر إليهم الرجل فأصابهم وقد خرجوا يريدون ضيعة لبعضهم فسلّم عليهم وقال : أنا معكم ، فقالوا له : نعم ، ولم يعتذروا إليه وكان الرجل محتاجاً ضعيف الحال ، فلمّا كانوا في بعض الطريق إذا غمامة قد أظلّتهم فظنّوا انّه مطر ، فبادروا ، فلمّا استوت الغمامة على رؤوسهم اذاً مناد ينادي من جوف الغمامة : أيتها النار خذيهم وأنا جبرئيل رسول الله.
فاذا نار من جوف الغمامة قد اختطفة الثلاثة النفر وبقي الرجل مرعوباً يعجب ممّا نزل بالقوم ولا يدري ما السبب ، فرجع إلى المدينة ، فلقى يوشع بن نونعليهالسلام فأخبره الخبر وما رأى وما سمع.
فقال يوشع بن نونعليهالسلام : أما علمت انّ الله سخط عليهم بعد أن كان عنهم راضياً وذلك بفعلهم بك ، فقال : وما فعلهم بي؟ فحدّثه يوشع ، فقال الرجل : فأنا
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٣٦٤ ح ١ باب من حجب أخاه المؤمن ـ عنه البحار ٧٥ : ١٩٠ ح ٣ باب ٦١.
٢ ـ لم يكن ما وضعناه بين المعقوفتين من المتن الفارسي.
أجعلهم في حلّ وأعفوا عنهم ، قال : لو كان هذا قبل لنفعهم فأمّا الساعة فلا ، وعسى أن ينفعهم من بعد(١) .
وروي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : أيما مسلم أتى مسلماً زائراً أو طالب حاجة وهو في منزله فاستأذن له ولم يخرج إليه لم يزل في لعنة الله حتى يلتقيا(٢) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : من نظر إلى مؤمن نظرة ليخيفه بها أخافه الله عزّوجلّ يوم لا ظلّ الاّ ظلّه(٣) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من روّع مؤمناً بسلطان ليصيبه منه مكروه فلم يصبه فهو في النار ، ومن روّع مؤمناً بسلطان ليصيبه منه مكروه فأصابه فهو مع فرعون وآل فرعون في النار(٤) .
وقالعليهالسلام : من أعان على مؤمن بشطر كلمة لقى الله عزّوجلّ يوم القيامة مكتوب بين عينيه : آيس من رحمتي(٥) .
وروي بأسانيد معتبرة عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : انّ في جهنّم لجبلاً يقال له : الصعداء ، وانّ في الصعداء لواد يقال له : سقر ، وانّ في قعر سقر لجبّاً يقال له : هبهب ، كلّما كشف غطاء ذلك الجبّ ضجّ أهل النار من حرّه ، وذلك منزل الجبّارين(٦) .
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٣٦٤ ح ٢ باب من حجب أخاه المؤمن ـ عنه البحار ٧٥ : ١٩١ ح ٤ باب ٦١.
٢ ـ الكافي ٢ : ٣٦٥ ح ٤ باب من حجب أخاه المؤمن ـ عنه البحار ٧٥ : ١٩٢ ح ٥ باب ٦١.
٣ ـ الكافي ٢ : ٣٦٨ ح ١ باب من أخاف مؤمناً ، عنه البحار ٧٥ : ١٥١ ح ١٩ باب ٥٧.
٤ ـ الكافي ٢ : ٣٦٨ ح ٢ باب من أخاف مؤمناً ـ عنه البحار ٧٥ : ١٥١ ح ٢٠ باب ٥٧.
٥ ـ الكافي ٢ : ٣٦٨ ح ٣ باب من أخاف مؤمناً ـ عنه البحار ٧٥ : ١٥٢ ح ٢١ باب ٥٧.
٦ ـ البحار ٧٥ : ٣٤٦ ح ٤٥ باب ٨١ ـ عن ثواب الأعمال.
وروي بسند معتبر عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : لا يحلّ لمسلم أن يروّع مسلماً(١) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : من دفع مؤمناً ليذلّه بها ، أو لطمه لطمة ، أو أتى إليه أمراً يكرهه لعنته الملائكة حتى يرضيه من حقّه ويتوب ويستغفر ، فايّاكم والعجلة إلى أحد فلعلّه مؤمن وأنتم لا تعلمون ، وعليكم بالاناءة واللين ، والتسرع من سلاح الشياطين ، وما من شيء أحبّ إلى الله من الاناة واللّين(٢) .
وروي عنهصلىاللهعليهوآله انّه قال : ألا ومن لطم خدّ مسلم أو وجهه بدّد الله عظامه يوم القيامة ، وحشره مغلولاً حتى يدخل جهنّم....
ألا ومن علّق سوطاً بين يدي سلطان جائر جعل الله ذلك السوط يوم القيامة ثعباناً من النار طوله سبعون ذراعاً ، يسلّط الله عليه في نار جهنّم وبئس المصير(٣) .
[ وقالصلىاللهعليهوآله : ] من سعى بأخيه إلى سلطان لم يبد له منه سوء ولا مكروه أحبط الله عزّوجلّ كلّ عمل عمله ، فإن وصل إليه منه سوء أو مكروه أو أذى جعله الله في طبقة مع هامان في جهنّم(٤) .
وروي بسند معتبر انّه سأل أمير المؤمنينعليهالسلام رسول الله صلّى الله وآله وسلّم عن صاحب حكم جائر على رعيته ولم يصلح أُمورهم ما حاله؟ فأجاب صلّى الله عليه
__________________
١ ـ البحار ٧٥ : ١٤٧ ح ١ باب ٥٧ ـ عن عيون أخبار الرضاعليهالسلام .
٢ ـ البحار ٧٥ : ١٤٨ ح ٤ باب ٥٧ ـ عن علل الشرائع.
٣ ـ البحار ٧٦ : ٣٣٤ و ٣٣٦ ضمن حديث ١ باب ٦٧ ـ عن أمالي الصدوق.
٤ ـ البحار ٧٦ : ٣٦٥ ح ٣٠ باب ٦٧.
وآله وسلّم بأنّه يكون رابع الشيطان وقابيل وفرعون(١) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال في رجل قتل رجلاً مؤمناً ، قال : يقال له : مت أيّ ميتة شئت ، إن شئت يهودياً ، وإن شئت نصرانياً ، وإن شئت مجوسياً(٢) .
وروي بأسانيد معتبرة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : انّ أعتى الناس على الله عزّوجلّ من قتل غير قاتله ، ومن ضرب من لم يضربه(٣) .
وقالصلىاللهعليهوآله : لا يغرّنّكم رحب الذراعين بالدم فإنّ له عند الله قاتلاً لا يموت ، قالوا : يا رسول الله وما قاتل لا يموت؟ فقال : النار(٤) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً ، قال : لا يوفّق قاتل المؤمن متعمّداً للتوبة(٥) .
وروي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : انّ الرجل ليأتي يوم القيامة ومعه قدر محجمة من دم فيقول : والله ما قتلت ولا شركت في دم ، فيقال : بلى ذكرت عبدي فلاناً فترقى ذلك حتى قتل ، فأصابك من دمه(٦) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : لا يدخل الجنّة سافك للدم ، ولا شارب للخمر ، ولا مشّاء بنميم(٧) .
وروي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : [ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله ] :
__________________
١ ـ مضمون النص.
٢ ـ الوسائل ١٩ : ٩ ح ١ باب ٣ ـ الكافي ٧ : ٢٧٣ ح ٩ باب القتل.
٣ ـ البحار ٧٥ : ١٤٩ ح ٩ باب ٥٧ ـ عن ثواب الأعمال.
٤ ـ الوسائل ١٩ : ٤ ح ٤ باب ١ ـ الكافي ٧ : ٢٧٢ ح ٤ باب القتل.
٥ ـ الوسائل ١٩ : ٥ ح ٨ باب ١ ـ الكافي ٧ : ٢٧٢ ح ٧ باب القتل.
٦ ـ الوسائل ١٩ : ٨ ح ١ باب ٢ ـ الكافي ٧ : ٢٧٣ ح ١٠ باب القتل.
٧ ـ الوسائل ١٩ : ٥ ح ٩ باب ١ ـ الكافي ٧ : ٢٧٣ ح ١١ باب القتل.
اوّل ما يحكم الله فيه يوم القيامة الدماء ، فيوقف ابنا آدم فيفصل بينهما ، ثم اللذين يلونهما من أصحاب الدماء حتى لا يبقى منهم أحد ، ثم الناس بعد ذلك حتى يأتى المقتول بقاتله ، فيتشخّب في دمه وجهه ، فيقول : هذا قتلني ، فيقول : أنت قتلته؟ فلا يستطيع أن يكتم الله حديثاً(١) .
وقال أبو عبداللهعليهالسلام (٢) : أوحى الله إلى موسى بن عمران أن يا موسى قل للملأ من بني اسرائيل : اياكم وقتل النفس الحرام بغير حقّ ، فإنّ من قتل منكم نفساً في الدنيا قتلته مائة ألف قتلة مثل قتلة صاحبه(٣) .
وروي عن أبي جعفرعليهالسلام أنه قال : من قتل مؤمنا متعمّدا أثبت الله على قاتله جميع الذنوب ، وبرئ المقتول منها(٤) .
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم انّه قال : والذي نفسي بيده لو انّ أهل السماوات والأرض اجتمعوا على قتل مؤمن أو رضوا به لادخلهم الله في النار(٥) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : يجيء يوم القيامة رجل إلى رجل حتى يلطخه بالدم والناس في الحساب ، فيقول : يا عبدالله مالي ولك؟ فيقول : أعنت عليّ يوم كذا وكذا بكلمة فقتلت(٦) .
__________________
١ ـ الوسائل ١٩ : ٤ ح ٦ باب ١ ـ الكافي ٧ : ٢٧١ ح ٢ باب القتل.
٢ ـ في المتن الفارسي عن الامام الباقرعليهالسلام ولم نجدها.
٣ ـ الوسائل ١٩ : ٦ ح ١٥ باب ١.
٤ ـ الوسائل ١٩ : ٧ ح ١٦ باب ١.
٥ ـ البحار ٧٥ : ١٥٠ ضمن حديث ١٢ باب ٥٧.
٦ ـ الوسائل ١٩ : ٩ ح ٣ باب ٢.
( الجدول الخامس )
في حقوق الملوك ورعايتهم والدعاء لصلاحهم
وعدم التعرض لسطواتهم
اعلم انّ للملوك الذين دانوا بدين الحقّ حقوقاً كثيرة على الرعية حيث انهم يحرسونهم ويدفعون أعداء الدين عنهم ويحفظون عرضهم ومالهم وأنفسهم ، فلابدّ من الدعاء لهم ومعرفة حقّهم سيّما لو سلكوا طريق العدالة ، كما أشارصلىاللهعليهوآله إلى انّ اكرام السلطان المقسط من اجلال الله تعالى ، وان كان يراد من ظاهره الامام ومن انتسب إليه كما ورد في حديث آخر بهذا المضمون ، وجاء فيه الامام المقسط بدل السلطان المقسط ، لكن الأحاديث العامة سنذكرها لاحقاً.
وان انحرف الملوك عن جادة الصلاح والعدالة فلابدّ من الدعاء لاصلاحهم أو أن يصلح الانسان نفسه حتى يصلح الله الملوك ، لأنّ قلوب الملوك وجميع الخلائق في قبضة الله ، ولابدّ من رعاية مطلق الملوك سواء الجائر والظالم أو المقسط ، وتجب التقية عندهم كي يحفظوا أنفسهم عن ضررهم وعدم التعرض لقهرهم.
قال الامام السجادعليهالسلام في حديث الحقوق : وحقّ السلطان أن تعلم انّك جعلت له فتنة وانّه مبتلى فيك بما جعل الله عزّوجلّ له عليك من السلطان ، وانّ عليك ان لا تتعرّض لسخطه ، فتلقى بيديك إلى التهلكة ، وتكون شريكاً له فيما يأتي إليك من سوء(١) .
__________________
١ ـ البحار ٧٤ : ٤ ضمن حديث ١ باب ١ ـ عن الخصال.
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال [ بعد ذكره لاخراج نمرود إبراهيمعليهالسلام بعد ما ألقاه في النار ] : فتحمّل إبراهيمعليهالسلام بماشيته وماله ، وعمل تابوتاً وجعل فيه سارة وشدّ عليها الاغلاق غيرة منه عليها ، ومضى حتى خرج من سلطان نمرود وصار إلى سلطان رجل من القبط ....
فمرّ بعاشر له(١) ، فاعترضه العاشر ليعشر ما معه ، فلمّا انتهى إلى العاشر ومعه التابوت قال العاشر لإبراهيمعليهالسلام : افتح هذا التابوت حتى نعشر ما فيه ، فقال له إبراهيمعليهالسلام : قل ما شئت فيه من ذهب أو فضة حتى نُعطي عشره ولا نفتحه ، قال : فأبى العاشر الاّ فتحه.
قال : وغضب إبراهيمعليهالسلام على فتحه ، فلمّا بدت له سارة وكانت موصوفة بالحسن والجمال ، قال له العاشر : ما هذه المرأة منك؟ قال إبراهيمعليهالسلام : هي حرمتي وابنة خالتي ، فقال له العاشر : فما دعاك إلى أن خبيتها في هذا التابوت؟ فقال إبراهيمعليهالسلام : الغيرة عليها أن يراها أحد ، فقال له العاشر : لست أدعك تبرح حتى أعلم الملك حالها وحالك.
قال : فبعث رسولاً إلى الملك فأعمله ، فبعث الملك رسولاً من قبله ليأتوه بالتابوت ، فأتوا ليذهبوا به ، فقال لهم إبراهيمعليهالسلام : اني لست أفارق التابوت حتى تفارق روحي جسدي ، فاخبروا الملك بذلك فأرسل الملك أن أحملوه والتابوت معه.
فحملوا إبراهيمعليهالسلام والتابوت وجميع ما كان معه حتى أُدخل على الملك ، فقال له الملك : افتح التابوت ، فقال إبراهيمعليهالسلام : أيها الملك انّ فيه حرمتي وابنة
__________________
١ ـ أي الذي يأخذ العشر.
خالتي وأنا مفتد فتحه بجميع ما معي ، قال : فغضب الملك إبراهيم على فتحه ، فلمّا رأى سارة لم يملك حلمه سفهه أن مدّ يده إليها ، فأعرض إبراهيمعليهالسلام بوجهه عنها وعنه غيرة منه وقال : اللهم احبس يده عن حرمتي وابنة خالتي ، فلم تصل يده إليها ولم ترجع إليه.
فقال له الملك : انّ الهك هو الذي فعل بي هذا؟ فقال له : نعم انّ الهي غيور يكره الحرام وهو الذي حال بينك وبين ما أردت من الحرام ، فقال له الملك : فادع الهك يردّ عليّ يدي فإن أجابك فلم أعرض لها ، فقال إبراهيمعليهالسلام : الهي ردّ عليه يده ليكفّ عن حرمتي.
قال : فردّ الله عزّوجلّ عليه يده ، فأقبل الملك نحوها ببصره ثم أعاد بيده نحوها فأعرض إبراهيمعليهالسلام عنه بوجهه غيرة منه وقال : اللّهم احبس يده عنها ، قال : فيبست يده ولم تصل إليها [ وفعل هكذا ثلاث مرّات ].
فلمّا رأى ذلك الملك من الغيرة ما رأى ، ورأى الآية في يده عظّم إبراهيمعليهالسلام وهابه وأكرمه واتقاه وقال له : قد أمنت من أن أعرض لها أو لشيء ممّا معك فانطلق حيث شئت ولكن لي إليك حاجة ، فقال إبراهيمعليهالسلام : ما هي؟ فقال له : أحبّ أن تأذن لي أن أخدمها قبطيّة عندي جميلة عاقلة تكون لها خادماً.
قال : فأذن له إبراهيمعليهالسلام ، فدعا بها فوهبها سارة وهي هاجر أمّ إسماعيل ، فسار إبراهيمعليهالسلام بجميع ما معه وخرج الملك معه يمشي خلف إبراهيمعليهالسلام اعظاماً لابراهيمعليهالسلام وهيبة له ، فأوحى الله تبارك وتعالى إلى إبراهيم أن قف ولا تمشى قدّام الجبار المتسلّط ويمشي هو خلفك ، ولكن اجعله أمامك وامش خلفه وعظّمه وهبه فانّه متسلّط.
فوقف إبراهيمعليهالسلام وقال للملك : امض فإنّ الهي أوحى إليّ الساعة أن
أعظّمك وأهابك وأن أقدّمك أمامي وأمشي خلفك اجلالاً لك ، فقال له الملك : أوحى إليك بهذا؟ فقال له إبراهيم : نعم ، فقال له الملك : أشهد أنّ الهلك لرفيقٌ حليمٌ كريمٌ(١) .
وجاء فيما أوصى به النبيصلىاللهعليهوآله إلى عليّعليهالسلام ، قال : ثمانية إن أُهينوا فلا يلوموا الاّ أنفسهم : الذاهب إلى مائدة لم يدع إليها ، والمتأمرّ على ربّ البيت ، وطالب الخير من أعدائه ، وطالب الفضل من اللئام ، والداخل بين اثنين في سرّ لهم لم يدخلاه فيه ، والمستخفّ بالسلطان ، والجالس في مجلس ليس له بأهل ، والمقبل بالحديث على من لا يسمع منه(٢) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : ثلاثة من عازّهم(٣) ذلّ : الوالد ، والسلطان ، والغريم(٤) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّه قال : قال الله جلّ جلاله : أنا الله لا اله الاّ أنا ، خلقت الملوك وقلوبهم بيدي ، فأيّما قوم أطاعوني جعلت قلوب الملوك عليهم رحمة ، وأيّما قوم عصوني جعلت قلوب الملوك عليهم سخطة ، ألا لا تشغلوا أنفسكم بسبّ الملوك توبوا إليّ أعطف قلوبهم عليكم(٥) .
وروي بسند معتبرعن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : إذا أراد الله عزّوجلّ برعيّة خيراً جعل لها سلطاناً رحيماً ، وقيّض له وزيراً عادلاً(٦) .
__________________
١ ـ الكافي ٨ : ٣٧١ ضمن حديث ٥٦٠ ـ عنه البحار ١٢ : ٤٥ ضمن حديث ٣٨ باب ٢.
٢ ـ الخصال : ٤١٠ ح ١٢ باب ٨ ـ عنه البحار ٧٥ : ٣٧١ ح ١٢ باب ٨٢.
٣ ـ المعازة : المغالبة والمنازعة.
٤ ـ الخصال : ١٩٥ ح ٢٧٠ باب ٣ ـ عنه البحار ٧٥ : ٣٣٨ ح ١٠ باب ٨١.
٥ ـ البحار ٧٥ : ٣٤٠ ح ٢١ باب ٨١ ـ عن أمالي الصدوق : ٢٩٩ ح ٩ مجلس ٥٨.
٦ ـ أمالي الصدوق : ٢٠٣ ح ٣ مجلس ٤٣ ـ عنه البحار ٧٥ : ٣٤٠ ح ١٩ باب ٨١.
وروي بسند معتبر عن موسى بن جعفرعليهماالسلام انّه قال لشيعته : يا معشر الشيعة لا تذلوا رقابكم بترك طاعة سلطانكم ، فإن كان عادلاً فاسألوا الله ابقاءه ، وان كان جائراً فاسألوا الله اصلاحه ، فإنّ صلاحكم في صلاح سلطانكم ، وانّ السلطان العادل بمنزلة الوالد الرحيم ، فأحبوا له ما تحبون لأنفسكم ، واكرهوا له ما تكرهون لأنفسكم(١) .
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : طاعة السلطان واجبة ، ومن ترك طاعة السلطان فقد ترك طاعة الله عزّوجلّ ودخل في نهيه ، انّ الله عزّوجلّ يقول :( لاَ تُلقُوا بِأَيدِيكُم اِلَى التَّهلُكَةِ ) (٢) (٣) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من تعرّض لسلطان جائر فأصابته منه بليّة ، لم يؤجر عليها ولم يرزق الصبر عليها(٤) .
( الجدول السادس )
في مفاسد التقرب إلى الملوك وعدم الاعتماد عليهم
والنهي عن اعانة الظالمين وعن الرضا بظلمهم وعن مدحهم
وعن أكل طعامهم
اعلم انّ في التقرب إلى الملوك والأمراء خسارة الدنيا والعقبى ، وانّ اعتبارات الدنيا المشوبة بمئات الآلاف من المحن والذل سرعان ما تنفد ويبقى
__________________
١ ـ أمالي الصدوق : ٢٧٧ ح ٢١ مجلس ٥٣ ـ عنه البحار ٧٥ : ٣٦٩ ح ٢ باب ٨٢.
٢ ـ البقرة : ١٩٥.
٣ ـ أمالي الصدوق : ٢٧٧ ح ٢٠ مجلس ٥٣ ـ عنه البحار ٧٥ : ٣٦٨ ح ١ باب ٨٢.
٤ ـ البحار ٧٥ : ٣٧٢ ح ١٦ باب ٨٢ ـ عن ثواب الأعمال.
الانسان منكوباً في الدنيا ومغضوباً عليه في الأخرى ، ويكفي في وضوح هذا الأمر مشاهدة أحوال أرباب الدول والملوك وسرعة انقضاء ممالكهم ، والمطلّع على أحوالهم يعلم انّه مع ما لهم من الاعتبار لا راحة لهم حتى لحظة واحدة ويتمنون عيشة الفقراء والضعفاء.
وللتقرب منهم مفاسد كثيرة :
الاُولى : الاعانة على الظلم لأنّ من الواضح انّ معاشرتهم ومخالطتهم كثيراً ما لا تتحصل بدون اعانة على ظلم.
ثانياً : حبّهم والميل القلبي إليهم لأنّ كثرة المعاشرة توجب المحبة والودّ ، والله تعالى أمر أن لا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار ، والأخبار في النهي عن مراودتهم كثيرة.
ثالثاً : الرضا بأفعالهم القبيحة ، وهذا أيضا يحصل بكثرة المعاشرة ، والراضي بظلم شريك فيه.
رابعاً : نسيان بل استحسان أعمالهم القبيحة بكثرة مشاهدة أطوارهم السيّئة ، والميل والرغبة نحوها والابتلاء بها.
خامساً : أن المتعارف في مجالسهم ذكر أيّ باطل وقبيح شاؤوا ومدحهم بها ، وهذا عين النفاق والافتراء على الله والرسول.
سادساً : لا يمكن للانسان منع الظلم في مجالسهم حسب المتعارف مضافاً إلى أن يلتزم بقول ما يرتضون ، فيكون تاركاً للنهي عن المنكر وهو من الذنوب الكبيرة.
سابعاً : لابدّ أن يكون مريداً لبقائهم على الظلم كي يبقى معززاً عندهم ، أو
يريد العزّة بسبب حبّهم وهذا غير جائز أيضا.
ثامناً : لابدّ من دخول دورهم وقصورهم المشتبهة بالحرام ، وكذا وطيء فراشهم المشتبه ، وأكل طعامهم المشتبه ، وهذا كلّه ممّا يوجب قساوة القلب ، بل انّه سوف يقطع بحرمة هذه الأمور بكثرة مصاحبته لهم ومع ذلك لابدّ أن يتصرف فيها ويغمض الطرف ولا يقول شيئاً ، وهناك مفاسد كثيرة أخرى لا يسعها الكتاب ، وهناك أحاديث كثيرة في هذا المضمون.
روي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : ليست لبخيل راحة ، ولا لحسود لذّة ، ولا لملوك وفاء ، ولا لكذّاب مروّة(١) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : أقلّ الناس وفاء الملوك ، وأقلّ الناس صديقاً الملوك(٢) .
وروي بسند معتبرعن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : إذا كان صديق فولي ولاية فأصبته على العشر ممّا كان لك عليه قبل ولايته ، فليس بصديق سوء(٣) .
وروي بسند معتبر عن موسى الكاظمعليهالسلام انّه قال : [ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ] أربع يفسدن القلب ، وينبتن النفاق في القلب كما ينبت الماء الشجر : استماع اللهو ، والبذاء ، واتيان باب السلطان ، وطلب الصيد(٤) .
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : من لزم السلطان افتتن ، وما يزداد من السلطان قرباً الاّ ازداد من الله تعالى بعداً(٥) .
__________________
١ ـ الخصال : ٢٧١ ح ١٠ باب ٥ ـ عنه البحار ٧٥ : ٣٣٨ ح ١٣ باب ٨١.
٢ ـ البحار ٧٥ : ٣٤٠ ح ١٧ باب ٨١ ـ عن أمالي الصدوق.
٣ ـ أمالي الطوسي : ٢٧٩ ح ٧١ مجلس ١٠ ـ عنه البحار ٧٥ : ٣٤١ ح ٢٥ باب ٨١.
٤ ـ الخصال : ٢٢٧ ح ٦٣ باب ٤ ـ عنه البحار ٧٥ : ٣٧٠ ح ١٠ باب ٨٢.
٥ ـ أمالي الطوسي : ٢٦٤ ح ٢١ مجلس ١٠ ـ عنه البحار ٧٥ : ٣٧١ ح ١٣ باب ٨٢.
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال [ في الورع من الناس ] : الذي يتورّع من محارم الله ويجتنب هؤلاء ، وإذا لم يتّق الشبهات وقع في الحرام وهو لا يعرفه ، وإذا رأى المنكر فلم ينكره وهو يقوى عليه فقد أحبّ أن يُعصى الله.
ومن أحبّ أن يُعصى الله فقد بارز الله بالعداوة ومن أحبّ بقاء الظالمين فقد أحبّ أن يعصى الله ، أنّ الله تبارك وتعالى حمد نفسه على إهلاك الظلمة(١) .
وروي بسند معتبر عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : العالم بالظلم ، والمعين عليه ، والراضي به شركاء ثلاثة(٢) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : قال عيسى بن مريم لبني اسرائيل : لا تعينوا الظالم على ظلمه فيبطل فضلكم(٣) .
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : من مدح سلطاناً جائراً وتخفّف له طمعاً فيه كان قرينه إلى النار من دلّ جائراً على جور كان قرين هامان في جهنّم من تولّى خصومة ظالم أو أعان عليها نزل به ملك الموت قال له : أبشر بلعنة الله ونار جهنّم وبئس المصير(٤) .
وروي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : لا يحضرنّ أحدكم رجلاً يضربه سلطان جائر ظلماً وعدواناً ، ولا مقتولاً ولا مظلوماً إذا لم ينصره لأنّ نصرة المؤمن على المؤمن فريضة واجبة إذا هو حضره والعافية أوسع ما لم يلزمك الحجّة الظاهرة(٥) .
__________________
١ ـ معاني الأخبار : ٢٥٢ ح ١ معنى الورع ـ عنه البحار ٧٥ : ٣٦٩ ح ٦ باب ٨٢.
٢ ـ الخصال : ١٠٧ ح ٧٢ باب ٣ ـ عنه البحار ٧٥ : ٣١٢ ح ١٦ باب ٧٩.
٣ ـ البحار ٧٥ : ٣٧٠ ح ٧ باب ٨٢ ـ عن معاني الأخبار.
٤ ـ البحار ٧٥ : ٣٦٩ ح ٣ باب ٨٢ ـ عن أمالي الصدوق.
٥ ـ البحار ٧٥ : ١٧ ح ٢ باب ٣٣ عن قرب الإسناد.
وروي بسند معتبر عن محمد بن مسلم انّه قال : مرّ بي أبو جعفر [ وأبو عبداللهعليهماالسلام ] وأنا جالس عند قاض بالمدينة ، فدخلت عليه من الغد فقال لي : ما مجلس رأيتك فيه أمس؟
قال : قلت له : جعلت فداك انّ هذا القاضي لي مكرم فربما جلست اليه ، فقال لي : وما يؤمنك أن تنزل اللعنة فتعمّ من في المجلس(١) .
وجاء فيما أوصى به أمير المؤمنينعليهالسلام لابنه الحسنعليهالسلام عند وفاته : أحبّ الصالح لصلاحه ، ودار الفاسق عن دينك وابغضه بقلبك(٢) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من عذر ظالماً بظلمه سلّط الله عليه من يظلمه ، فإن دعا لم يستجب له ، ولم يأجره الله على ظلامته(٣) .
وروي بسند معتبر عنهعليهالسلام قال : أنّ أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتى يحكم الله بين العباد(٤) .
وروي عنهعليهالسلام في قول الله عزّوجلّ :( وَلاَ تَركَنُوا اِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ) (٥) قال : هو الرجل يأتي السلطان فيحبّ بقاءه إلى أن يدخل يده إلى كيسه فيعطيه(٦) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : إذا كان يوم القيامة
__________________
١ ـ الكافي ٧ : ٤١٠ ح ١ باب كراهية الجلوس إلى قضاة الجور.
٢ ـ البحار ٧٥ : ٣٦٩ ح ٤ باب ٨٢ ـ عن أمالي المفيد والطوسي.
٣ ـ البحار ٧٥ : ٣٧٢ ح ١ باب ٨٢ ـ عن ثواب الأعمال.
٤ ـ الكافي ٥ : ١٠٧ ح ٧ باب عمل السلطان وجوائزهم.
٥ ـ هود : ١١٣.
٦ ـ الكافي ٥ : ١٠٨ ح ١٢ باب عمل السلطان وجوائزهم.
نادى مناد : أين الظلمة وأعوانهم؟ من لاق لهم دواّةً ، أو ربط لهم كيساً ، أو مدّ لهم مدّة قلم ، فاحشروهم معهم(١) .
وقالصلىاللهعليهوآله : ما اقترب عبد من سلطان الاّ تباعد من الله ، ولا كثر ماله الاّ اشتد حسابه ، ولا كثر تبعه الاّ كثرت شياطينه(٢) .
وقالصلىاللهعليهوآله : اياكم وأبواب السلطان وحواشيها ، فإنّ أقربكم من أبواب السلطان وحواشيها أبعدكم من الله عزّوجلّ ، ومن آثر السلطان على الله عزّوجلّ أذهب الله عنه الورع وجعله حيران(٣) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : صونوا دينكم بالورع ، وقوّوه بالتقيّة والاستغناء بالله عن طلب الحوائج من السلطان ، واعلموا انّه أيّما مؤمن خضع لصاحب سلطان أو من يخالطه على دينه طلباً لما في يديه من دنياه أخمله الله ومقته عليه ووكله إليه.
فان هو غلب على شيء من دنياه وصار في يده منه نزع الله البركة منه ، ولم يأجره على شيء ينفقه في حج ولا عمرة ولا عتق(٤) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من أعان ظالماً على مظلوم لم يزل الله عزّوجلّ عليه ساخطاً حتى ينزع عن معونته(٥) .
__________________
١ ـ البحار ٧٥ : ٣٧٢ ح ١٧ باب ٨٢ ـ عن ثواب الأعمال.
٢ ـ البحار ٧٥ : ٣٧٢ ح ١٨ باب ٨٢ ـ عن ثواب الأعمال.
٣ ـ البحار ٧٥ : ٣٧٢ ح ١٩ باب ٨٢ ـ عن ثواب الأعمال.
٤ ـ البحار ٧٥ : ٣٧٠ ح ١٥ باب ٨٢ ـ عن ثواب الأعمال.
٥ ـ البحار ٧٥ : ٣٧٣ ح ٢٢ باب ٨٢ ـ عن ثواب الأعمال.
( الجدول السابع )
في بيان وجوه مسوّغة للدخول في بيوت الحكّام والأُمراء
اعلم انّه قد تجب المعاشرة مع الملوك والحكام ، ويجب الدخول في بيوتهم لأسباب :
أولاً : للتقية كما ذكر سابقاً ، فمن خاف بسبب هجرهم ضرراً على نفسه أو ماله أو عرضه فلابد من الذهاب إليهم دفعاً لما يكره ويخاف ، وقد كان الأئمة المعصومونعليهمالسلام يترددون على خلفاء بني العباس عليهم اللعنة ، والمنسوبين إليهم تقية ، وكانواعليهمالسلام يداروهم ويتعاملون معهم باللين والمجاملة.
ثانياً : أن يذهب لدفع ضرر عن مظلوم أو جلب نفع لمؤمن ، وقد يجب هذا الأمر أيضاً كما مرّت الأحاديث في غوث المظلوم وقضاء حوائج المؤمنين ، بل انّ من قدر على دفع ظلم عن مؤمن ولم يفعل رعاية لعزّة نفسه واعتبارها كان شريكاً في ذلك الظلم وسوف يعاقب وسيذلّه الله تعالى ، كما ورد من انّ لكل شيء زكاة وزكاة الاعتبار والجاه صرفه في قضاء حوائج المؤمنين ، وكما انّ المال يزداد بالزكاة فإنّ الجاه سيزداد كذلك بالزكاة ، وكما انّ المال يتلف بعدم الزكاة فكذلك في الجاه والاعتبار.
روي بسند معتبر عن موسى الكاظمعليهالسلام انّه قال : أبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته فانّه من أبلغ سلطاناً حاجة من لا يستطيع ابلاغها ثبت الله قدميه على الصراط يوم القيامة(١) .
__________________
١ ـ أمالي الطوسي : ٢٠٣ ح ٥٠ مجلس ٧ ـ عنه البحار ٧٥ : ٣٨٤ ح ٣ باب ٨٤.
وروي بسند معتبر آخر عنهعليهالسلام انّه قال : لئن أسقط من جالق(١) فأتقطّع قطعة قطعة أحبّ إليّ من أن أتولّي لأحد منهم عملاً أو أطأ بساط أحدهم الاّ لتفريج كربة عن مؤمن ، أو فكّ أسره ، أو قضاء دينه ....
انّ أهون ما يصنع الله بمن تولّى لهم عملاً أن يضرب عليه سرادق من نار إلى أن يفرغ الله من حساب الخلائق(٢) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : ما من جبّار الاّ ومعه مؤمن يدفع الله به عن المؤمنين وهو أقلهم حظاً في الآخرة ـ يعني أقلّ المؤمنين حظّاً لصحبة الجبار ـ(٣) .
وروي بسند معتبر عن أبي الحسن موسىعليهالسلام انّه قال : انّ لله عزّوجلّ مع السلطان أولياء يدفع بهم عن أوليائه(٤) .
ثالثاً : أن يذهب إليهم بقصد هدايتهم ان كانوا من أهلها فلعلّه يهدي أحدهم أو يتعظ هو بأحوالهم ويعتبر ، كما روي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام من انّ لقمان كان يذهب إلى القضاة والملوك والأمراء فيعظهم ويترحّم عليهم للبلاء الذي ابتلوا به ولعلاقتهم بأمور الدنيا الفانية ، وكان يعتبر من أحوالهم ، وكان يأخذ من أفعالهم بما يغلب به النفس ، وكان يجاهد النفس والهوى.
واعلم يا عزيزي انّه ربما تكون هذه الوجوه المذكورة ـ وكثير غيرها مما لا يسع المجال لذكرها ـ غرض الانسان من التقرب إلى الملوك ، لكن كثيراً ما تعكس
__________________
١ ـ الجالق : الجبل المرتفع.
٢ ـ الكافي ٥ : ١٠٩ ح ١ باب شرط من أذن له في أعمالهم.
٣ ـ الكافي ٥ : ١١١ ح ٥ باب شرط من أذن له في أعمالهم.
٤ ـ الكافي ٥ : ١١٢ ح ٧ باب شرط من أذن له في أعمالهم.
النفس أغراضها الفاسدة وتخيلاتها الباطلة من حبّ الجاه والعزّة والمال والمنصب بهذه الصور المذكورة.
فتخدع الانسان ويزعم انّه يفعل هذا لله لكنّه لو تفحّص لعلم انّ غرضه الدنيا لا غير ، وانّ أهواء النفس كثيراً ما تشتبه في هذا القسم مع الأغراض الصحيحة ، فلابدّ أن لا ينخدع الانسان بالنفس والشيطان ولابدّ من عدم التعرّض لهذه المهالك ، هدانا الله وجميع المؤمنين إلى مسالك اليقين.
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذررحمهالله ] :
يا أباذر لا يزال العبد يزداد من الله بعداً ما ساء خلقه.
اعلم ان الخلق يطلق على صفة أصبحت ملكة للنفس وعادة لها ، وانّ الأخلاق الحسنة عند الله تعالى أفضل من الأعمال الحسنة ، وكذلك انّ الأخلاق السيّئة أقبح من الأعمال السيئة ، وربّما كانت عبادة ذي الخلق السيء أكثر من عبادة ذي الأخلاق الحسنة لكن درجة الأخير عند الله تعالى أرفع وأعلى من الأوّل.
و الاعتماد كل الاعتماد على الأخلاق دون الأعمال التي لا تنبعث من ملكات النفس الحسنة بل سرعان ما تتبدل.
واعلم ان الخلق قد يكون أمراً فطرياً وذلك ان الله تعالى فطر النفس وخلقها مجبولة على بعض الصفات ، وقد يكون بالكسب أيضاً وذلك بكثرة المداومة على الأعمال الصالحة ، كما في السخاء مثلاً فانّه يكون في البعض فطرياً بينما تجد البعض الآخر وقد أصبح الشح سيماءه.
فاذا أراد ازالته لابدّ من المداومة على الاحسان والانفاق لكي يميل الطبع البخيل نحو السخاء والكرم ويتجنب البخل فيصبح السخاء خلقه ، وقد يميل البعض بحسب أصل الخلقة نحو السخاء لكنّه يبّخل نفسه بإغواء الشيطان حتى يصبح البخل خلقه ، وكذلك الأمر في سائر الأخلاق الحسنة.
انّ صاحب الخلق الحسن أكمل من غيره لكن من يجتهد في تحصيل
الخلق الحسن يحتمل أن يكون ثوابه أكثر لتحمّله المشقّة ، وقد يطلق الخلق الحسن الوارد في الأحاديث على مطلق الصفات الحسنة التي أصبحت ملكة للنفس ، وقد يطلق على خصوص الخُلق الذي يعاشر به الخَلق وكذلك الخلق السيىء.
واعلم انّ الخلق السيىء من أقبح الصفات الذميمة ، وتجد الناس متأذّية من صاحبه بخلاف الخلق الحسن فانه من أحسن الصفات حيث يستر جميع المعايب بل هو من أعظم أركان الايمان كما روي بسند صحيح عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : انّ أكمل المؤمنين ايماناً أحسنهم خلقاً(١) .
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : ما يوضع في ميزان امرىء يوم القيامة أفضل من حسن الخلق(٢) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : ما يقدم المؤمن على الله عزّوجلّ بعمل بعد الفرائض أحبّ إلى الله تعالى من أن يسع الناس بخلقه(٣) .
وقالعليهالسلام : انّ حسن الخلق يبلغ بصاحبه درجة الصائم القائم(٤) .
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : أكثر ما تلج به أمتي الجنّة تقوى الله ، وحسن الخلق(٥) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : انّ الخلق الحسن يميث(٦) الخطيئة
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٩٩ ح ١ باب حسن الخلق ـ عنه البحار ٧١ : ٣٧٢ ح ١ باب ٩٢.
٢ ـ الكافي ٢ : ٩٩ ح ٢ باب حسن الخلق ـ عنه البحار ٧١ : ٣٧٤ ح ٢ باب ٩٢.
٣ ـ الكافي ٢ : ١٠٠ ح ٤ باب حسن الخلق ـ عنه البحار ٧١ : ٣٧٥ ح ٤ باب ٩٢.
٤ ـ الكافي ٢ : ١٠٣ ح ١٨ باب حسن الخلق ـ عنه البحار ٧١ : ٣٨١ ح ١٦ باب ٩٢.
٥ ـ الكافي ٢ : ١٠٠ ح ٦ باب حسن الخلق ـ عنه البحار ٧١ : ٣٧٥ ح ٦ باب ٩٢.
٦ ـ الميث والموث الاذابة.
كما تميث الشمس الجليد(١) .
وقالعليهالسلام : انّ البر وحسن الخلق يعمران الديار ، ويزيدان في الأعمار(٢) .
وقالعليهالسلام : انّ الخلق منيحة يمنحها الله عزّوجلّ خلقه ، فمنه سجية ومنه نيّة ، [ قال الراوي : ] فقلت : فأيّتها أفضل؟ فقال : صاحب السجيّة هو مجبول لا يستطيع غيره ، وصاحب النية يصبر على الطاعة تصبّراً فهو أفضلهما(٣) .
وقالعليهالسلام : انّه الله تبارك وتعالى ليعطي العبد من الثواب على حسن الخلق كما يعطي المجاهد في سبيل الله يغدو عليه ويروح(٤) .
وروي بسند معتبر عن العلاء بن كامل انّه قال : قال أبو عبداللهعليهالسلام : إذا خالطت الناس فإن استطعت أن لا تخالط أحداً من الناس الاّ كانت يدك العليا عليه فافعل ، فإنّ العبد يكون فيه بعض التقصير من العبادة ويكون له حسن الخلق ، فيبلغه الله بحسن خلقه درجة الصائم القائم(٥) .
وقالعليهالسلام : بينا رسول اللهصلىاللهعليهوآله ذات يوم جالس في المسجد إذ جاءت جارية لبعض الأنصار وهو قائم فأخذت بطرف ثوبه ، فقام لها النبيّصلىاللهعليهوآله ، فلم تقل شيئاً ولم يقل لها النبيّصلىاللهعليهوآله شيئاً حتى فعلت ذلك ثلاث مرّات.
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ١٠٠ ح ٧ باب حسن الخلق ـ عنه البحار ٧١ : ٣٧٥ ح ٧ باب ٩٢.
٢ ـ البحار ٧١ : ٣٩٥ ح ٧٣ باب ٩٢.
٣ ـ الكافي ٢ : ١٠١ ح ١١ باب حسن الخلق ـ عنه البحار ٧١ : ٣٧٧ ح ٩ باب ٩٢.
٤ ـ الكافي ٢ : ١٠١ ح ١٢ باب حسن الخلق ـ عنه البحار ٧١ : ٣٧٧ ح ١٠ باب ٩٢.
٥ ـ الكافي ٢ : ١٠١ ح ١٤ باب حسن الخلق ـ عنه البحار ٧١ : ٣٧٨ ح ١٢ باب ٩٢.
فقام لها النبي في الرابعة وهي خلفه ، فأخذت هدبة(١) من ثوبه ثم رجعت ، فقال لها الناس : فعل الله بك وفعل ، حبست رسول اللهصلىاللهعليهوآله ثلاث مرّات لا تقولين له شيئاً ولا هو يقول لك شيئاً ، ما كانت حاجتك إليه؟
قالت : انّ لنا مريضاً فأرسلني أهلي لآخذ هدبة من ثوبه ليستشفي بها ، فلمّا أردت أخذها رآني فقام فاستحييت منه أن آخذها وهو يراني وأكره أن أستأمره في أخذها ، فأخذتها(٢) .
وروي بأسانيد كثيرة عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : انّ سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخلّ العسل(٣) .
وقالعليهالسلام : من أساء خلقه عذّب نفسه(٤) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : أبى الله لصاحب الخلق السيّىء بالتوبة لأنّه إذا تاب من ذنب وقع في اعظم من الذنب الذي تاب منه(٥) .
وقالصلىاللهعليهوآله : المؤمن ليّن هيّن ، سمح ، له خلق حسن ، والكافر فظّ ، غليظ ، له خلق سيّىء ، وفيه جبريّة(٦) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : انّ الله تبارك وتعالى رضي لكم
__________________
١ ـ الهدبة : خمل الثوب أو طرفه.
٢ ـ الكافي ٢ : ١٠٢ ح ١٥ باب حسن الخلق ـ عنه البحار ٧١ : ٣٧٩ ح ١٣ باب ٩٢.
٣ ـ الكافي ٢ : ٣٢١ ح ١ باب سوء الخلق ـ عنه البحار ٧٣ : ٢٩٦ ح ١ باب ١٣٥.
٤ ـ أمالي الصدوق : ١٧١ ح ٣ مجلس ٣٧ ـ عنه البحار ٧٣ : ٢٩٦ ح ٢ باب ١٣٥.
٥ ـ البحار ٧٣ : ٢٩٩ ح ١٢ باب ١٣٥ ـ عن نوادر الراوندي.
٦ ـ أمالي الطوسي : ٣٦٦ ح ٢٨ مجلس ١٣ ـ عنه البحار ٧١ : ٣٩١ ح ٥٣ باب ٩٢.
الإسلام ديناً فأحسنوا صحبته بالسخاء وحسن الخلق(١) .
وسئل أبو عبداللهعليهالسلام ما حدّ حسن الخلق؟ قال : تلين جانبك ، وتطيب كلامك ، وتلقي أخاك ببشرٍ حسنٍ(٢) .
وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : انّ جبرئيل الروح الامين نزل عليّ من عند ربّ العالمين ، فقال : يا محمد عليك بحسن الخلق ، فإنّ سوء الخلق يذهب بخير الدنيا والآخرة ، ألا وانّ أشبهكم بي أحسنكم خلقاً(٣) .
وقالصلىاللهعليهوآله : أقربكم منّي مجلساً يوم القيامة أحسنكم خلقاً وخيركم لأهله(٤) .
وروي عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : انكم لن تسعوا الناس بأموالكم ، فسعوهم بطلاقة الوجه وحسن اللقاء(٥) .
وقالعليهالسلام لنوف : يا نوف حسن خلقك يخفّف الله حسابك(٦) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : أتي رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقيل له : انّ سعد بن معاذ قد مات ، فقام رسول الله وقام أصحابه ، فحمل فأمر بغسل سعد وهو قائم على عضادة الباب.
فلمّا ان حنّط وكفّن وحمل على سريره ، تبعه رسول اللهصلىاللهعليهوآله بلا
__________________
١ ـ أمالي الصدوق : ٢٢٣ ح ٣ مجلس ٤٦ ـ عنه البحار ٧١ : ٣٩١ ح ٥٠ باب ٩٢.
٢ ـ معاني الأخبار : ٢٥٣ ح ١ ـ عنه البحار ٧١ : ٣٨٩ ح ٤٢ باب ٩٢.
٣ ـ أمالي الصدوق : ٢٢٣ ضمن حديث ٥ مجلس ٤٦ ـ عنه البحار٧٣ : ٢٩٦ ح ٣ باب ١٣٥.
٤ ـ البحار ٧١ : ٣٨٧ ح ٣٤ باب ٩٢ ـ عن عيون أخبار الرضاعليهالسلام .
٥ ـ البحار ٧١ : ٣٨٤ ح ٢٢ باب ٩٢ ـ عن عيون أخبار الرضاعليهالسلام .
٥ ـ البحار ٧١ : ٣٨٣ ح ٢٠ باب ٩٢ ـ عن أمالي الصدوق.
حذاء ولا رداء ، ثم كان يأخذ يمنة السرير مرّة ويسرة السرير مرّة حتى انتهى به إلى القبر ، فنزل رسول اللهصلىاللهعليهوآله حتى لحدّه وسوّى عليه اللبن ، وجعل يقول : ناولني حجراً ، ناولني تراباً رطباً ، يسدّ به ما بين اللبن.
فلمّا أن فرغ وحثا التراب عليه وسوّى قبره قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : انّي لأعلم انّه سيبلي ويصل إليه البلى ، ولكنّ الله عزّوجلّ يحب عبداً إذا عمل عملاً فأحكمه ، فلمّا أن سوّى التربة عليه قالت أمّ سعد من جانب : هنيئاً لك الجنّة ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : يا أمّ سعد مه ، لا تجزمي على ربّك ، فإنّ سعداً قد أصابته ضمّة.
قال : فرجع رسول اللهصلىاللهعليهوآله ورجع الناس ، فقالوا : يا رسول الله لقد رأيناك صنعت على سعد ما لم تصنع على أحد ، انّك تبعت جنازته بلا رداء ولا حذاء ، فقال :صلىاللهعليهوآله : انّ الملائكة كانت بلا حذاء ولا رداء ، فتأسّيت بها.
قالوا : وكيف تأخذ يمنة السريرة مرّة ويسرة السريرة مرّة؟ قال : كانت يدي في يد جبرئيل آخذ حيث ما أخذ ، فقالو : أمرت بغسله وصلّيت على جنازته ولحّدته ثم قلت : أن سعد أصابته صمّة ، فقالصلىاللهعليهوآله : نعم انّه كان في خلقه مع أهله سوء(١) .
وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : خصلتان لا تجتمعان في مسلم : البخل وسوء الخلق(٢) .
__________________
١ ـ البحار ٧٣ : ٢٩٨ ح ١١ باب ١٣٥ ـ عن علل الشرائع ـ مثله أمالي الصدوق : ٣١٤ ح ٢ مجلس ٦١.
٢ ـ الخصال : ٧٥ ح ١١٧ ـ عنه البحار ٧٣ : ٢٩٧ ح ٥ باب ١٣٥.
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذررحمهالله ] :
يا أباذر الكلمة الطيبة صدقة ، وكلّ خطوة تخطوها إلى الصلاة صدقة.
يا أباذر من أجاب داعي الله ، وأحسن عمارة مساجد الله كان ثوابه من الله الجنّة ، فقلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله كيف نعمر مساجد الله؟ قال : لا ترفع فيها الأصوات ، ولا يخاض فيها بالباطل ، ولا يشترى فيها ولا يباع ، واترك اللغو ما دمت فيها ، فإن لم تفعل فلا تلومنّ يوم القيامة إلاّ نفسك.
يا أباذر انّ الله تعالى يعطيك ما دمت جالساً في المسجد بكلّ نفس تنفّست فيه درجة في الجنة ، وتصلّى عليك الملائكة ، وتكتب لك بكلّ نفس تنفّست فيه عشر حسنات ، وتمحى عنك عشر سيّئات.
يا أباذر أتعلم في أيّ شيء نزلت هذه الآية( اصبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ ) (١) قلت : لا فداك أبي وأمي ، قال : في انتظار الصلاة.
يا أبا ذر اسباغ الوضوء في المكاره من الكفارات ، وكثرة الاختلاف إلى المسجد فذلكم الرباط.
يا أباذر يقول الله تبارك وتعالى : انّ احبّ العباد إليّ المتحابّون [ بحلالي ] من أجلي ، المتعلّقة قلوبهم بالمساجد ، والمستغفرون بالأسحار ، أولئك إذا أردت بأهل الأرض عقوبة ذكرتهم فصرت العقوبة عنهم.
يا أباذر كلّ جلوس في المسجد لغو الاّ ثلاثة : قراءة مصلّ ، أو ذكر الله ، أو سائل عن علم.
__________________
١ ـ آل عمران : ٢٠٠.
اعلم انّ كلّ فقرة من هذا الكلام وردت فيه أحاديث كثيرة ومرّ ذكر بعضها سابقاً في ضمن بيان فضل المساجد وغيره ، وليعلم انّه لابد للممكنات المحتاجة من مكان كالدار والقصر والعرش والكرسي لكن الله الغنيّ بما انه لا يحدّه مكان ، وبما انّ نسبة جميع الأماكن إليه سواء جعل لطلاّب العبادة والمعرفة والقرب إليه أماكن ، كما في الملوك فإنّ لهم عرشاً يظهرون كمالهم وعظمتهم للناس عليه.
فكذلك الله تعالى ( من دون تشبيه بهم ) فإنّ له عروشاً ولم يحتج إلى أيّ منها ، فمن عروشه جميع الممكنات فإنّها مظهر قدرته وعظمته ومحل استقرارهما ، ولو نظرت في كلّ ذرّة من ذرّات الممكنات لتراءت لك صفات كماله تعالى ، فانّك ترى ظهور قدرته فيه وظهور علمه وحكمته ولطفه ورحمته ، لا بالمعنى الباطل الذي يذهب إليه الملحدون بانّه تعالى متحد مع جميع الأشياء وهو تعالى كلّ شيء ( تعالى شأنه عمّا يقولون ).
بل انّه أظهر آثار صفات كماله في كلّ الأشياء ، وانّك ترى في كلّ شيء آلاف الآثار من القدرة والعلم واللطف والرحمة ، وجعل تعالى من بين عروشه عرشاً أعظم من غيرها لظهور آثار قدرته فيه أكثر من غيره ، ودعا خواص أحبّائه إلى مشاهدته والاّ فنسبته تعالى إلى هذا العرش وإلى السماء والأرض والبحار والصحارى سواء.
ومن العروش أيضاً عرش محبته ومعرفته ، أي انّه اختار قلوب محبيه وجعلها محلّ عظمته ومعرفة صفات كماله وجلاله وجماله ، كما ورد من انّ ( قلب المؤمن عرش الرحمن ) ، وجعل أماكن أُخر لطالبي عبادته وقربه وجعلها مهبط فيضه اللامتناهي ورحمته الكثيرة ، انّ ديوانه الأعظم هو العرش الأعلى الذي أجاز لخاص الخاص الدخول فيه.
وجعل في الأرض أيضاً دواوين ولم يزيّنها بالذهب والفضة والياقوت واللؤلؤ كدواوين العجزة الناقصين ، لأنّ الحَسَنَ ذاتاً لا يحتاج إلى تزيين ، انّ هؤلاء زينوا قصورهم المعيوبة بالحلي الزهيد ، وكلّما زادوا في تزيينها انجلى قبحها وشناعتها أكثر ، لكن القادر ذا الجلال يجعل الصخر الأسود واحدة فوق الأخرى ويعبّىء فيها مئات آلاف من الأنوار المعنوية وفيوضه اللامتناهية ويدعوا الناس من الأطراف والأكناف إليها.
فيذهبون ويتمرّغون على التراب وتلك الأحجار ، ويأخذون حظّهم من تلك الأنوار اللامتناهية ، ولو جعل في الكعبة ياقوتة واحدة لذهب الناس إليها لأجل الياقوت لا لأجل الحيّ الذي لا يموت ، فلم تظهر عظمته ونفاذ حكمته.
ثم جعل دواوين وأماكن أُخر من دون زينة وتجمّل لخواص المقربين ، وأظهر فيها من أنوار جلاله بحيث انّ الملوك مع شوكتهم ونخوتهم يقذفون أنفسهم عندها على التراب ، وذو البصيرة يعلم ما وضع فيها من أنوار وفيوضات روحانية بدل الذهب والياقوت واللؤلؤ حتى تحتار فيه أبصار القلوب.
ومن أماكن قربه المساجد حيث جعلها محلّ قربه وفيضه وقال تعالى فيها : « وانّ بيوتي في الأرض المساجد » ، وفرش لمحبيه ذوي البصائر الفرش المذهبة بالعزّة والكرامة واللطف والمرحمة على الحصران المندرسة.
وأشعل لهم في الليالي المظلمة مشاعل النور والهداية ومحاريب العبادة ، وجعل قلوبهم متعلّقة بتلك الأماكن بحيث لا يستبدلون سلك حصير منها بملك قيصر ، وإذا فارقوها لا يمكنهم الصبر عنها كالسمك الخارج من الماء.
ومن الفوائد العظيمة للمساجد الاجتماع ولقاء الاخوان المؤمنين حيث يجتمعون ويستفيدون ويعين كلّ واحد الآخر على سلوك طريق العبادة ، ويفوزون
معاً بفضيلة الجماعة ، فإنّ اتيان الصلاة جماعة من سنن سيد المرسلين المؤكّدة ولها فوائد جمّة ، وتكون أقرب للقبول ، وذلك ظاهر لأنّ من ذهب وحده مثلاً إلى ملك من الملوك لا تكون حاجته مقضيّة كما ولو ذهب مع جماعة كثيرة ، ولم يكن من دأب الكبار والعظماء إذا جاءهم جمع أن يقبلوا عمل واحد منهم يدعوا الآخرين محرومين.
وكما انّ الانسان يحتاج في الصلاة أو في أيّ عمل آخر إلى الأُذن والعين واللسان وسائر الأعضاء والجوارح لأنّ كلّ واحد منها يعمل عملاً خاصّاً لا يصدر ذلك العمل من العضو الآخر ، فيحصل الانسان على المطلوب من مجموعها ، فكذلك الأمر في صلاة الجماعة.
لأنّ الانسان الكامل من جميع الوجوه نادر الوجود لذا كان من الأفضل اجتماع ثُلّة من الناس يتصف أحدهم بالعلم والآخر بالزهد أو حضور القلب وغير ذلك ، وجعل عبادتهم وعملهم موحداً جماعياً حيث يكون تام الأجزاء والشرائط ، ومن خواصه القبول والاستجابة في الدعاء والقرب وسائر الفوائد العظيمة.
ولقد علم بالتجربة والاختبار انّ هذا الاجتماع يوجب كسب الكمالات من الآخرين وربط القلوب ، فمن المجرب ان صاحب حضور القلب حين حضوره في صلاة الجماعة فانه يفيض على الآخرين من صفائه ، ومن الفوائد أيضاً رصّ الصفوف امام الشيطان وجنوده فلا يجترؤن على التسلّط عليهم ، كما ورد انّه لا يتجعلوا مجالاً فارغاً في الصفوف فيدخل الشيطان فيها ، وورد أيضاً انّه لا تقفوا خارج الصفوف فإنّ الذئب يفتك بالشاة الخارجة عن الشياة.
انّ فوائد صلاة الجماعة كثيرة ولو ذكرناها لطال بنا الكلام ، ونكتفي هنا بذكر أحاديث في فضل صلاة الجماعة والتعقيب.
روي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : انّ صفوف أمتي في الأرض كصفوف الملائكة في السماء ، والركعة في جماعة أربعة وعشرون ركعة ، كلّ ركعة أحبّ إلى الله عزّوجلّ من عبادة أربعين سنة ، وأمّا يوم القيامة يجمع الله فيه الاوّلين والآخرين للحساب ، فما من مؤمن مشى إلى الجماعة الاّ خفف الله عليه عزّوجلّ أهوال يوم القيامة ثم يأمر به إلى الجنّة(١) .
وقالصلىاللهعليهوآله : من صلّى صلاة الفجر في جماعة ثم جلس يذكر الله عزّوجلّ حتى تطلع الشمس ، كان له في الفردوس سبعون درجة بُعد ما بين كلّ درجتين كحضر(٢) الفرس الجواد المضمر(٣) سبعين سنة.
ومن صلّى الظهر في جماعة كان له في جنات عدن خمسون درجة بُعد ما بين كلّ درجتين كحضر الفرس الجواد خمسين سنة ، ومن صلّى العصر في جماعة كان له كأجر ثمانية من ولد إسماعيل كلّ منهم ربّ بيت يعتقهم ، ومن صلّى المغرب في جماعة كان له كحجّة مبرورة وعمرة متقبلة ، ومن صلّى العشاء في جماعة كان له كقيام ليلة القدر(٤) .
وقالصلىاللهعليهوآله لأصحابه : ألا أدلّكم على شيء يكفّر الله به الخطايا ويزيد الحسنات؟ قيل : بلى يا رسول الله ، قالصلىاللهعليهوآله : إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطى إلى هذه المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، وما منكم من أحد يخرج من بيته متطهّراً فيصلّي الصلاة في الجماعة مع المسلمين ، ثم يقعد
__________________
١ ـ البحار ٨٨ : ٦ ح ٨ باب ٨٣ ـ عن الخصال وأمالي الصدوق.
٢ ـ الحضر بالضم : العدو.
٣ ـ المضمر : الذي يضمر خيله لغزو أو سباق ، وتضمير الخيل أن يظاهر عليها بالعلف حتى تسمن ثم لا تعلف الاّ قوتاً لتخفّ.
٤ ـ البحار ٨٨ : ٦ ح ٧ باب ٨٣ ـ عن أمالي الصدوق.
ينتظر الصلاة الأُخرى الاّ والملائكة تقول : اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه(١) .
وقالصلىاللهعليهوآله في حديث معتبر آخر : من أمّ قوماً بإذنهم وهم به راضون ، فاقتصد بهم في حضوره ، وأحسن صلاته بقيامه وقراءته وركوعه وسجوده وقعوده ، فله مثل أجرالقوم ولا ينقص من أجورهم شيء ....
ألا ومن مشى إلى مسجد يطلب فيه الجماعة كان له بكلّ خطوة سبعون ألف حسنة ، ويرفع له من الدرجات مثل ذلك ، وان مات وهو على ذلك وكلّ الله به سبعين ألف ملك يعودنه في قبره ، ويونسونه في وحدته ، ويستغرون له حتى يُبعث(٢) .
وجاء فيما أوصى به النبيصلىاللهعليهوآله عليّاعليهالسلام : يا عليّ ثلاث درجات : إسباغ الوضوء في السبرات ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، والمشي بالليل والنهار إلى الجماعات(٣) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : اشترط رسول اللهصلىاللهعليهوآله على جيران المسجد شهود الصلاة ، وقال : لينتهينّ أقوام لا يشهدون الصلاة أو لآمرنّ مؤذّناً يؤذّن ثم يقيم ، ثم آمر رجلاً من أهل بيتي وهو عليّ فليحرقنّ على اقوام بيوتهم بحزم الحطب ، لأنّهم لا يأتون الصلاة(٤) .
وقالعليهالسلام : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : من سمع النداء في المسجد فخرج منه من غير علّة فهو منافق الاّ أن يريد الرجوع إليه(٥) .
__________________
١ ـ البحار ٨٨ : ٧ ح ٩ باب ٨٣ ـ عن أمالي الصدوق.
٢ ـ البحار ٨٨ : ٨ ح ١١ باب ٨٣ ـ عن أمالي الصدوق.
٣ ـ البحار ٨٨ : ١٠ ح ١٦ باب ٨٣ ـ عن الخصال.
٤ ـ البحار ٨٨ : ٨ ضمن حديث ١١ باب ٨٣ ـ عن أمالي الصدوق.
٥ ـ البحار ٨٨ : ٩ ح ١٣ باب ٨٣ ـ عن أمالي الصدوق.
وروي بسند معتبر عنهعليهالسلام انّه قال : من صلّى خمس صلوات في اليوم والليلة في جماعة فظنّوا به خيراً ، وأجيزوا شهادته(١) .
وقالعليهالسلام : من صلّى الغداة والعشاء الآخرة في جماعة فهو في ذمّة الله عزّوجلّ ، ومن ظلمه فانّما يظلم الله ، ومن حقّره فانّما يحقّر الله عزّوجلّ(٢) .
وروي بأسانيد معتبرة عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : المنتظر وقت الصلاة بعد الصلاة من زوّار الله عزّوجلّ ، وحقّ على الله تعالى أن يكرم زائره وأن يعطيه ما سأل.
وقالعليهالسلام اطلبوا الرزق فيما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، فانّه أسرع في طلب الرزق من الضرب في الأرض [ للتجارة ](٣) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : قال الله عزّ وجلّ : يا ابن آدم اذكرني بعد الغداة ساعة وبعد العصر ساعة اكفيك ما أهمّك(٤) .
وقالصلىاللهعليهوآله : من صلّى الفجر ثم جلس في مجلسه يذكر الله عزّوجلّ حتى تطلع الشمس ستره الله عزّوجلّ من النار(٥) .
وقالصلىاللهعليهوآله في حديث آخر : كان له من الأجر كحاجّ بيت الله ، وغفر له(٦) .
__________________
١ ـ البحار ٨٨ : ٨ ح ١١ باب ٨٣ ـ عن أمالي الصدوق.
٢ ـ الوسائل ٥ : ٣٧٨ ح ٢ باب ٣ ـ من لا يحضره الفقيه ١ : ٣٧٧ ح ١٠٩٨.
٣ ـ البحار ٨٥ : ٣١٨ ح ٢ باب ٥٨.
٤ ـ من لا يحضره الفقيه ١ : ٣٢٩ ح ٩٦٥ باب التعقيبات.
٥ ـ البحار ٨٥ : ٣٢٠ ح ٤ باب ٥٨ ـ عن أمالي الصدوق.
٦ ـ البحار ٨٥ : ٣٢٠ ح ٥ باب ٥٨ ـ عن أمالي الصدوق.
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : انّ الله عزّوجلّ فرض عليكم صلوات الخمس في أفضل الساعات فعليكم بالدعاء في أدبار الصلوات(١) .
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : التعقيب بعد الغداة وبعد العصر يزيد في الرزق(٢) .
وروي عنهصلىاللهعليهوآله انّه قال : من أدّى فريضة فله عند الله دعوة مستجابة(٣) .
والأحاديث في فضل التعقيب كثيرة ، ووردت تعقيبات مخصوصة عن النبي وأهل بيته صلوات الله عليهم أجمعين لابد من تحصيلها والمداومة عليها ، ومن لم يجدها فَلِقراءة القرآن أو أيّ ذكر آخر ثواب وأجر التعقيب ، وليسأل الله تعالى حوائجه بعد الصلاة بأيّ لغة ولسان يعرفه.
__________________
١ ـ البحار ٨٥ : ٣٢٠ ح ٦ باب ٥٨ ـ عن الخصال.
٢ ـ البحار ٧٦ : ٣١٥ ضمن حديث ٢ باب ٦٠ ـ عن جامع الأخبار.
٣ ـ البحار ٨٥ : ٣٢١ ح ٧ باب ٥٨ ـ عن عيون أخبار الرضاعليهالسلام .
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذررحمهالله ] :
يا أباذر كن بالعمل بالتقوى أشدّ اهتماماً منك بالعمل فانّه لا يقل عمل بالتقوى ، وكيف يقلّ عمل يتقبل ، يقول الله عزّوجلّ :( اِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ ) .
يا أباذر لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك شريكه ، فيعلم من أين مطعمه ، ومن أين مشربه ، ومن أين ملبسه ، أمن حلّ ذلك أم من حرام؟
يا أباذر من يبال من أين اكتسب لم يبال الله عزّوجلّ من أين أدخله النار.
يا أباذر من سرّه أن يكون أكرم الناس فليتق الله عزّوجل.
يا أباذر انّ أحبكم إلى الله جلّ ثناؤه أكثركم ذكراً له ، وأكرمكم عند الله عزّوجلّ أتقاكم له ، وأنجاكم من عذاب الله أشدّكم له خوفاً.
يا أباذر انّ المتقين الذين يتقون الله عزّوجلّ من الشيء الذي لا يُتّقى منه خوفاً من الدخول في الشبهة.
يا أباذر من أطاع الله عزّوجلّ فقد ذكر الله ، وان قلّت صلاته وصيامه وتلاوته للقرآن.
يا أباذر أصل الدين الورع ، ورأسه الطاعة.
يا أباذر كن ورعاً تكن أعبد الناس ، وخير دينكم الورع.
يا أباذر فضل العلم خير من فضل العبادة ، واعلم انكم لو صلّيتم حتى تكونوا كالحنايا ، وصمتم حتى تكونوا كالأوتار ما ينفعكم الاّ بورع.
يا أباذر انّ أهل الورع والزهد في الدنيا هم أولياء الله حقّاً.
اعلم انّ التقوى رأس مال جميع السعادات ، وهو شرط عظيم لقبول الطاعات كما يدلّ عليه نص القرآن ، والتقوى في الاصطلاح حفظ النفس وصيانتها من كلّ ما يضرّ بالآخرة ، وله مراتب كثيرة :
المرتبة الأولى : التقوى من الشرك والكفر الموجب للخلود في النار ، ولا تصح أيّ عبادة وعمل بدونه.
المرتبة الثانية : التقوى في ترك جميع المحرمات واتيان جميع الواجبات.
المرتبة الثالثة : التقوى في ترك المكروهات واتيان المستحبات ، وهذه المرتبة تكمل بشكل تدريجي بحيث يصبح الالتفات نحو غير المعبود الحقيقي منافياً لهذه الرتبة.
انّ هاتين المرتبتين تتكثّر إلى مراتب كثيرة لها دخل في الكمال وقبول الأعمال ، وكلّما كمل الانسان في هذه المراتب كان عمله أقرب للقبول ، وتترتب على أعماله حينئذٍ فوائد وآثار أكثر ، كالقرب والمحبّة والمعرفة والانصاف والأخلاق الحسنة ، وإلى هذه المرتبة الأخيرة يشير قوله تعالى :( اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ) (١) .
ان الورع يقرب في المعنى من التقوى ، وقد يطلق على ترك المحرّمات أو ترك المحرمات والشبهات ، وقد يطلق على معاني التقوى أيضاً.
فقد روي انّه سئل أبو عبداللهعليهالسلام عن قوله تعالى :( اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ) قال : يُطاع فلا يُعصى ، ويُذكر فلا يُنسى ، ويُشكر فلا يُكفر(٢) .
__________________
١ ـ آل عمران : ١٠٢.
٢ ـ معاني الأخبار : ٢٤٠ ح ١ ـ عنه البحار ٧٠ : ٢٩١ ح ٣١ باب ٥٦.
وسئل أمير المؤمنينعليهالسلام أي الأعمال أفضل؟ قال : التقوى(١) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : انّ قليل العمل مع التقوى خير من كثير العمل بلا تقوى ، [ قال الراوي : ] قلت : كيف يكون كثير بلا تقوى؟
قال : نعم مثل الرجل يطعم طعامه ، ويرفق جيرانه ، ويوطىء رحله ، فاذا ارتفع له الباب من الحرام دخل فيه فهذا العمل بلا تقوى ، ويكون الآخر ليس عنده فاذا ارتفع له الباب من الحرام لم يدخل فيه(٢) .
وروي بسند معتبر عن عمرو بن سعيد ، عن أبي عبداللهعليهالسلام قال : قلت له : انّي لا ألقاك الاّ في السنين ، فأخبرني بشيء آخذ به ، فقال : أوصيك بتقوى الله والورع والاجتهاد ، واعلم انّه لا ينفع اجتهاد لا ورع فيه(٣) .
وقالعليهالسلام : اتقوا الله وصونوا دينكم بالورع(٤) .
وقالعليهالسلام : عليكم بالورع ، فانّه لا ينال ما عند الله الاّ بالورع(٥) .
وروي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : انّ أشدّ العبادة الورع(٦) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال لأبي الصباح الكناني : ما أقلّ والله من يتبع جعفراً منكم ، انّما أصحابي من اشتدّ ورعه ، وعمل لخالقه ، ورجا ثوابه ، فهؤلاء أصحابي(٧) .
__________________
١ ـ البحار ٧٠ : ٢٨٨ ح ١٦ باب ٥٦ ـ عن أمالي الصدوق.
٢ ـ الكافي ٢ : ٧٦ ح ٧ باب الطاعة والتقوى.
٣ ـ الكافي ٢ : ٧٦ ح ١ باب الورع ـ عنه البحار ٧٠ : ٢٩٦ ح ١ باب ٥٧.
٤ ـ الكافي ٢ : ٧٦ ح ٢ باب الورع ـ عنه البحار ٧٠ : ٢٩٧ ح ٢ باب ٥٧.
٥ ـ الكافي ٢ : ٧٦ ح ٣ باب الورع ـ عنه البحار ٧٠ : ٢٩٧ ح ٣ باب ٥٧.
٦ ـ الكافي ٢ : ٧٧ ح ٥ باب الورع ـ عنه البحار ٧٠ : ٢٩٧ ح ٥ باب ٥٧.
٧ ـ الكافي ٢ : ٧٧ ح ٦ باب الورع ـ عنه البحار ٧٠ : ٢٩٨ ح ٦ باب ٥٧.
وروي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : قال الله عزّوجلّ : ابن آدم اجتنب ما حرّمت عليك تكن من أورع الناس(١) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه سئل عن الورع من الناس؟ فقال : الذي يتورّع عن محارم الله عزّوجلّ(٢) .
وقالعليهالسلام : انّا لا نعد الرجل مؤمناً حتى يكون بجميع أمرنا متّبعاً مريداً ، ألاّ وانّ من اتباع أمرنا وارادته الورع ، فتزيّنوا به يرحمكم الله ، وكبّدوا أعداءنا به ينعشكم الله(٣) .
وقالعليهالسلام : أورع الناس من وقف عند الشبهة ، أعبد الناس من أقام الفرائض ، أزهد الناس من ترك الحرام ، [ أشد الناس اجتهاداً من ترك الذنوب ](٤) .
وروي عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : من أحبّنا فليعمل بعملنا ، وليستعن بالورع فانّه أفضل ما يُستعان به في أمر الدنيا والآخرة(٥) .
وقالعليهالسلام : شكر كلّ نعمة الورع عمّا حرّم الله عزّوجلّ(٦) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : عليكم بالورع ، فانّه الدين الذي نلازمه وندين الله به ، ونريده ممّن يوالينا ، لا تتعبونا بالشفاعة(٧) .
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٧٧ ح ٧ باب الورع ـ عنه البحار ٧٠ : ٢٩٨ ح ٧ باب ٥٧.
٢ ـ الكافي ٢ : ٧٧ ح ٨ باب الورع ـ عنه البحار ٧٠ : ٢٩٩ ح ٨ باب ٥٧.
٣ ـ الكافي ٢ : ٧٨ ح ١٣ باب الورع ـ عنه البحار ٧٠ : ٣٠٢ ح ١٢ باب ٥٧.
٤ ـ الخصال : ١٦ ح ٥٦ باب ١ ـ عنه البحار ٧٠ : ٣٠٥ ح ٢٥ باب ٥٧.
٥ ـ البحار ٧٠ : ٣٠٦ ح ٣٠ باب ٥٧ ـ عن الخصال حديث الأربعمائة.
٦ ـ الخصال : ١٤ ح ٥٠ باب ١ ـ عنه البحار ٧٠ : ٣٠٧ ح ٣١ باب ٥٧.
٧ ـ أمالي الطوسي : ٢٨١ ح ٨٢ مجلس ١٠ ـ عنه البحار ٧٠ : ٣٠٦ ح ٢٩ باب ٥٧.
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذررحمهالله ] :
يا أباذر من لم يأت يوم القيامة بثلاث فقد خسر ، قلت : وما الثلاث فداك أبي وأمي؟ قال : ورع يحجزه عمّا حرّم الله عزّوجلّ عليه ، وحلم يردّ به جهل السفيه ، وخلق يداري به الناس.
ا علم انّ الحلم وكظم الغيظ والعفو والصفح عن اساءة الناس من صفات الأنبياء والأئمة صلوات الله عليهم ، ومن صفات أولياء الله تعالى ، ويشهد العقل والشرع بحسن هذه الصفات الجميلة ، كما روي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال في خطبته : ألا أخبركم بخير خلائق الدنيا والآخرة؟ العفو عمن ظلمك ، وتصل من قطعك ، والاحسان إلى من أساء إليك ، واعطاء من حرمك(١) .
وروي عن عليّ بن الحسينعليهالسلام انّه قال : اذا كان يوم القيامة جمع الله تبارك وتعالى الأولين والآخرين في صعيد واحد ، ثم ينادي مناد ، أين أهل الفضل؟
قال : فيقوم عنق من الناس ، فتلقّاهم الملائكة فيقولون : وما كان فضلكم؟ فيقولون : كنّا نصل من قطعنا ، ونعطي من حرمنا ، ونعفو عمّن ظلمنا ، قال : فيقال لهم : صدقتم ادخلوا الجنّة(٢) .
وروي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : الندامة على العفو أفضل وأيسر
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ١٠٧ ح ١٠ باب العفو ـ عنه البحار ٧١ : ٣٩٩ ح ١ باب ٩٣.
٢ ـ الكافي ٢ : ١٠٧ ح ٤ باب العفو ـ عنه البحار ٧١ : ٤٠٠ ح ٤ باب ٩٣.
من الندامة على العقوبة(١) .
وروي عن علي بن الحسينعليهماالسلام انّه قال : ما تجرّعت جرعة أحبّ إليّ من جرعة غيظ أُكافي بها صاحبها(٢) .
وقال أبو جعفر الباقرعليهالسلام : قال لي أبي : يا بنيّ ما من شيء أقرّ لعين أبيك من جرعة غيظ عاقبتها صبر(٣) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : ما من عبد كظم غيظاً الاّ زاده الله عزّوجلّ في الدنيا والآخرة ، وقد قال الله عزّوجلّ :( وَالكَاظِمينَ الغَيظَ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاس وَاللهُ يُحِبُّ المُحسِنِينَ ) (٤) واثابه الله مكان غيظه ذلك(٥) .
وروي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : من كظم غيظاً وهو يقدر على إمضائه حشا الله قلبه أمناً وايماناً يوم القيامة(٦) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : اصبر على أعداء النعم ، فانّك لن تكافي من عصى الله فيك بأفضل من أن تطيع الله فيه(٧) .
وروي عن علي بن الحسينعليهماالسلام انّه قال : انّه ليعجبني الرجل أن يدركه حلمه عند غضبه(٨) .
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ١٠٨ ح ٦ باب العفو ـ عنه البحار ٧١ : ٤٠١ ح ٦ باب ٩٣.
٢ ـ الكافي ٢ : ١٠٩ ح ١ باب كظم الغيظ ـ عنه البحار ٧١ : ٤٠٦ ح ٢٠ باب ٩٣.
٣ ـ الكافي ٢ : ١١٠ ح ١٠ باب كظم الغيظ ـ عنه البحار ٧١ : ٤١٢ ح ٢٨ باب ٩٣.
٤ ـ آل عمران : ١٣٤.
٥ ـ الكافي ٢ : ١١٠ ح ٥ باب كظم الغيظ ـ عنه البحار ٧١ : ٤٠٩ ح ٢٤ باب ٩٣.
٦ ـ الكافي ٢ : ١١٠ ح ٧ باب كظم الغيظ ـ عنه البحار ٧١ : ٤١١ ضمن حديث ٢٥ باب ٩٣.
٧ ـ أمالي الصدوق : ٨٨ ح ٥ مجلس ٢١ ـ عنه البحار ٧١ : ٤١٦ ح ٣٨ باب ٩٣.
٨ ـ الكافي ٢ : ١١٢ ح ٣ باب الحلم ـ عنه البحار ٧١ : ٤٠٤ ح ١٣ باب ٩٣.
وروي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : انّ الله عزّوجلّ يحبّ الحييّ الحليم(١) .
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : ما أعزّ الله بجهل قط ، ولا أذلّ بحلم قط(٢) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : كفى بالحلم ناصراً ، وقال : اذا لم تكن حليماً فتحلّم(٣) .
وقالعليهالسلام : اذا وقع بين رجلين منازعة نزل ملكان ، فيقولان للسفيه منهما : قلت وقلت وأنت أهل لما قلت ، ستجزى بما قلت ، ويقولان للحليم منهما : صبرت وحلمت سيغفر الله لك إن أتممت ذلك ، قال : فإن ردّ الحليم عليه ارتفع الملكان(٤) .
وقالعليهالسلام : انّا أهل بيت مروّتنا العفو عمّن ظلمنا(٥) .
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : قال عيسى بن مريم ليحيى بن زكرياعليهمالسلام : اذا قيل فيك ما فيك فاعلم انّه ذنب ذكرته فاستغفر الله منه ، وان قيل فيك ما ليس فيك فاعلم انّه حسنة كتبت لك لم تتعب فيها(٦) .
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام : ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة : شريف من وضيع ،
____________
١ ـ الكافي ٢ : ١١٢ ح ٤ باب الحلم ـ عنه البحار ٧١ : ٤٠٤ ح ١٤ باب ٩٣.
٢ ـ الكافي ٢ : ١١٢ ح ٥ باب الحلم ، عنه البحار ٧١ : ٤٠٤ ح ١٦ باب ٩٣.
٣ ـ الكافي ٢ : ١١٢ ح ٦ باب الحلم ـ عنه البحار ٧١ : ٤٠٤ ح ١٥ باب ٩٣.
٤ ـ الكافي ٢ : ١١٢ ح ٩ باب الحلم ـ عنه البحار ٧١ : ٤٠٦ ح ١٩ باب ٩٣.
٥ ـ البحار ٧١ : ٤١٤ ح ٣١ باب ٩٣ ـ عن أمالي الصدوق.
٦ ـ البحار ٧١ : ٤١٥ ح ٣٧ باب ٩٣ ـ عن أمالي الصدوق.
وحليم من سفيه ، وبرّ من فاجر(١) .
وقال أبو عبداللهعليهالسلام : ثلاث من كنّ فيه زوّجه الله من الحور العين كيف يشاء : كظم الغيظ ، والصبر على السيوف لله عزّوجلّ ، ورجل أشرف على مال حرام فتركه لله عزّوجلّ(٢) .
وقالعليهالسلام : ثلاث خصال من كنّ فيه استكمل خصال الايمان : من صبر على الظلم ، وكظم الغيظ ، واحتسب وعفى وغفر ، كان ممن يدخله الله عزّوجلّ الجنّة بغير حساب ، ويشفّعه في مثل ربيعة ومضر(٣) .
وروي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : من ملك نفسه اذا رغب ، واذا رهب ، واذا غضب حرّم الله جسده على النار(٤) .
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : ثلاث من لم تكن فيه فليس منّي ولا من الله عزّوجلّ ، قيل : يا رسول الله وما هنّ؟ قال : حلم يردّ به جهل الجاهل ، وحسن خلق يعيش به في الناس ، وورع يحجزه عن معاصي الله عزّوجلّ(٥) .
وقالصلىاللهعليهوآله : انّ العفو يزيد صاحبه عزّاً ، فاعفوا يعزّكم الله(٦) .
وقالصلىاللهعليهوآله : من كظم غيظاً ملأ الله جوفه ايماناً ، ومن عفى من
__________________
١ ـ الخصال : ٨٦ ح ١٦ باب ٣ ـ عنه البحار ٧١ : ٤١٦ ح ٤٢ باب ٩٣.
٢ ـ الخصال : ٨٥ ح ١٤ باب ٣ ـ عنه البحار ٧١ : ٤١٧ ح ٤٣ باب ٩٣.
٣ ـ الخصال : ١٠٤ ح ٦٣ باب ٣ ـ عنه البحار ٧١ : ٤١٧ ح ٤٤ باب ٩٣.
٤ ـ البحار ٧١ : ٤١٧ ح ٤٥ باب ٩٣ ـ عن تفسير القمي.
٥ ـ الخصال : ١٤٥ ح ١٧٢ باب ٣ ـ عنه البحار ٧١ : ٤١٨ ح ٤٦ باب ٩٣.
٦ ـ البحار ٧١ : ٤١٩ ح ٤٩ باب ٩٣ ـ عن أمالي الطوسي.
مظلمة أبدله الله بها عزّاً في الدنيا والآخرة(١) .
وروي بسند معتبر انّه سئل أمير المؤمنينعليهالسلام : أيّ الخلق أقوى؟ قال : الحليم ، وسئل من أحلم الناس؟ قال : الذي لا يغضب(٢) .
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة ، وأحزم الناس أكظمهم للغيظ(٣) .
وروي بأسانيد معتبرة في تفسير قوله تعالى :( فَاصفَحِ الصَّفحَ الجَمِيلَ ) (٤) قال : العفو من غير عتاب(٥) .
وروي بسند معتبر عن أبي الحسن الثالث [ عليّ النقي ]عليهالسلام انّه قال : كان فيما ناجى الله موسى بن عمرانعليهالسلام أن قال : الهي ما جزاء من صبر على أذى الناس وشتمهم فيك؟ قال : أُعينه على أهوال يوم القيامة(٦) .
وروي بسند معتبر عن عليّ بن موسى الرضاعليهالسلام انّه قال : أوحى الله عزّوجلّ إلى نبيّ من أنبيائه : اذا أصحبت فأوّل شيء يستقبلك فكله ، والثاني فاكتمه ، والثالث فاقبله ، والرابع فلا تؤيسه ، والخامس فاهرب منه.
قال : فلمّا أصبح مضى فاستقبله جبل أسود عظيم ، فوقف وقال : أمرني ربي عزّوجلّ أن آكل هذا ، وبقي متحيّراً ثم رجع إلى نفسه فقال : انّ ربّي جلّ جلاله لا
__________________
١ ـ البحار ٧١ : ٤١٩ ح ٥١ باب ٩٣ ـ عن أمالي الطوسي.
٢ ـ البحار ٧١ : ٤٢٠ ح ٥٢ باب ٩٣ ـ عن أمالي الصدوق.
٣ ـ البحار ٧١ : ٤٢٠ ح ٥٥ باب ٩٣ ـ عن معاني الأخبار.
٤ ـ الحجر : ٨٥.
٥ ـ البحار ٧١ : ٤٢١ ح ٥٦ باب ٩٣ ـ عن معاني الأخبار.
٦ ـ البحار ٧١ : ٤٢١ ح ٥٦ باب ٩٣ ـ عن معاني الأخبار.
يأمرني الاّ بما أطيق ، فمشى إليه ليأكله ، فلمّا دنا منه صغر حتى انتهى إليه فوجده لقمة ، فأكلها فوجدها أطيب شيء أكله.
ثم مضى فوجد طشتاً من ذهب ، فقال : أمرني ربي عزّ وجلّ أن أكتم هذا ، فحفر له وجعله فيه وألقى عليه التراب ، ثم مضى فالتفت فاذا الطشت قد ظهر ، فقال : قد فعلت ما أمرني ربيّ عزّوجلّ.
فمضى فاذا هو بطير وخلفه بازيّ فطاف الطير حوله ، فقال : أمرني ربّي عزّوجلّ أن أقبل هذا ، ففتح كمّه فدخل الطير فيه ، فقال له البازيّ : أخذت منّي صيدي وأنا خلفه منذ أيام ، فقال : أمرني ربي عزّوجلّ أن لا أويس هذا ، فقطع من فخذه قطعة فالقاها إليه ثم مضى ، فلمّا مضى فاذا هو بلحم ميتة منتن مدود ، فقال : أمرني ربي عزّ وجلّ أن أهرب من هذا ، فهرب منه.
فرجع فرأى في المنام كأنّه قد قيل له : انّك قد فعلت ما أمرت به فهل تدري ماذا كان؟ قال : لا ، قيل له : أمّا الجبل فهو الغضب ، انّ العبد اذا غضب لم ير نفسه وجهل قدره من عظم الغضب ، فاذا حفظ نفسه وعرف قدره وسكّن غضبه كانت عاقبته كاللقمة الطيبة التي أكلتها.
وأمّا الطشت فهو العمل الصالح اذا كتمه العبد وأخفاه أبى الله عزّوجلّ الاّ أن يظهره ليزيّنه به مع ما يدّخر له من ثواب الآخرة ، وأمّا الطير فهو الرجل الذي يأتيك بنصيحة فاقبله واقبل نصيحته ، وأمّا البازي فهو الرجل الذي يأتيك في حاجة فلا تؤيسه ، وأمّا اللحم المنتن فهي الغيبة فاهرب منها(١) .
عزيزي ، لو أردت العلم بفضل الحلم وكظم الغيظ فانظر إلى أحوال انبياء
__________________
١ ـ البحار ٧١ : ٤١٨ ح ٤٧ باب ٩٣ ـ عن الخصال : ٢٦٧ ح ٢ باب ٥.
الله وكيف لاقوا المتاعب والأذى من فجار أممهم من المنحرفين ، ولكنهم كظموا الغيظ سيّما رسول اللهصلىاللهعليهوآله مع ما لقى من كفّار قريش وغيرهم من الأذى والمحن ومع كلّ هذا لم يدع عليهم ولو مرّة واحدة.
وانظر إلى معدن الآداب ومفخر أولي الألباب كيف سلك مع أجلاف العرب وما لقى منهم من الاهانة والتجاسر وهوصلىاللهعليهوآله يعفو ويصفح ، كما روي انّ النبيصلىاللهعليهوآله أدركه أعرابيّ فأخذ بردائه فجبذه جبذة شديدة وقد أثرت به حاشية الرداء من شدّه جبذته ، ثم قال له : يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك ، فالتفت إليه رسول اللهصلىاللهعليهوآله فضحك وأمر له بعطاء(١) .
وبعد هذا أنزل الله تعالى :( وَاِنَّك لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (٢) .
انّ قريش مع ما صنعت به من الأذى لكن لما فتح مكة وأسروا وحضروا مسجد الحرام من دون سلاح وقفصلىاللهعليهوآله عند باب الكعبة وهم ينتظرون العقوبة فسألوه عمّا يصنع بهم ، فقال : أفعل ما فعل يوسف باخوته ، لا تثريب عليكم اليوم ولو أسلمتم يغفر الله لكم(٣) .
روي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : انّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أُتي باليهودية التي سمّت الشاة للنبيّصلىاللهعليهوآله ، فقال لها : ما حملك على ما صنعت؟ فقالت : قلت : إن كان نبياً لم يضرّه ، وإن كان ملكاً أرحت الناس منه ، قال : فعفا رسول اللهصلىاللهعليهوآله عنها(٤) .
__________________
١ ـ البحار ١٦ : ٢٣٠ ضمن حديث ٣٥ باب ٩ ـ عن مكارم الاخلاق.
٢ ـ القلم : ٤.
٣ ـ مضمون النص.
٤ ـ الكافي ٢ : ١٠٨ ح ٩ باب العفو ـ عنه البحار ١٦ : ٢٦٥ ح ٦٢ باب ٩.
وروي بسند معتبر عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : انّ يهودياً كان له على رسول اللهصلىاللهعليهوآله دنانير فتقاضاه ، فقال له : يا يهوديّ ما عندي ما أعطيك ، فقال : فانّي لا أفارقك يا محمد حتى تقضيني ، فقال : اذاً أجلس معك.
فجلس معه حتى صلى في ذلك الموضع الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والغداة ، وكان أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله يتهدّدونه ويتواعدونه ، فنظر رسول اللهصلىاللهعليهوآله إليهم فقال : ما الذي تصنعون به؟ فقالوا : يا رسول الله يهوديّ يحبسك؟ فقالصلىاللهعليهوآله : لم يبعثني ربّي عزّوجلّ بأن أظلم معاهداً ولا غيره.
فلما علا النهار قال اليهوديّ : أشهد أن لا اله الاّ الله ، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله ، وشطر مالي في سبيل الله ، أما والله ما فعلت بك الذي فعلت الاّ لأنظر إلى نعتك في التوراة ، فانّي قرأت نعتك في التوراة :
« محمد بن عبدالله مولده بمكة ، ومهاجره بطيبة ، وليس بفظّ ولا غليظ ، ولا سخّاب ، ولا متزيّن بالفحش ، ولا قول الخناء ».
وأنا أشهد أن لا اله الاّ الله ، وأنّك رسول الله ، وهذا مالي فاحكم فيه بما أنزل الله ، وكان اليهودي كثير المال.
ثم قالعليهالسلام : كان فراش رسول اللهصلىاللهعليهوآله عباءة ، وكانت مرفقته أدم حشوها ليف ، فثنّيت له ذات ليلة فلمّا أصبح قال : لقد منعني الفراش الليلة الصلاة ، فأمر رسول اللهصلىاللهعليهوآله أن يجعل بطاق واحد(١) .
وانظر ما لقى أمير المؤمنينعليهالسلام من المحن من أصحاب رسول الله صلّى الله
__________________
١ ـ البحار ١٦ : ٢١٦ ح ٥ باب ٩ ـ عن أمالي الصدوق.
عليه وآله وسلّم ومن أصحابه لكنه عفا عنهم عند القدرة ، كما عفا عن أصحاب الجمل الذين قاتلوه وقتلو أصحابه ، وأرسل عائشة إلى المدينة في غاية الاحترام ، وأرسل معها سبعين امرأة.
وأخلى سبيل مروان بن الحكم مع ما لقى منه من الأذى ، وكذلك صنع مع أصحاب النهروان وغيرهم ، وأوصىعليهالسلام ابنه الحسنعليهالسلام أن لا يضرب ابن ملجم اللعين أكثر من ضربة واحدة ، وأن لا يمثّل به ، وأن يُعطى من الماء والغذاء الذي كان هوعليهالسلام يأكله.
وقد كان آلاف الخوارج في اصحابه ونسبوهعليهالسلام ـ وهو مفخر الايمان ـ إلى الكفر علانية ، لكنّه كان يعفي ويصفح ولم يتعرّض لهم.
روي انّ أمير المؤمنينعليهالسلام مرّ بأصحاب التمر ، فاذا هو بجارية تبكي ، فقال : يا جارية ما يبكيك؟ فقالت : بعثني مولاي بدرهم فابتعت من هذا تمراً فأتيتهم به فلم يرضوه ، فلمّا أتيته به أبى أن يقبله.
قال : يا عبدالله انّها خادم وليس لها أمر فاردد إليها درهما وخذ التمر ، فقام إليه الرجل فلكزه(١) ، فقال الناس : هذا أمير المؤمنين ، فربا الرجل واصفر وأخذ التمر وردّ إليها درهمها ، ثم قال : يا أمير المؤمنين ارض عنّي ، فقال : ما أرضاني عنك ان أصلحت أمرك.
ودعاعليهالسلام غلاماً له مراراً فلم يجبه ، فخرج فوجده على باب البيت ، فقال : ما حملك على ترك اجابتي؟ قال : كسلت عن اجابتك وأمنت عقوبتك ، فقال : الحمد لله الذي جعلني ممّن يأمنه خلقه ، امض فأنت حرّ لوجه الله(٢) .
__________________
١ ـ اللكز : الدفع والضرب بجمع الكف.
٢ ـ البحار ٤١ : ٤٨ ح ١ باب ١٠٤ ـ عن مناقب ابن شهرآشوب ٢ : ١١٢ في حلمه وشفقته.
وروي انّه لما أدرك عمرو بن عبد ود لم يضربه ، فوقعوا في عليّعليهالسلام فردّ عنه حذيفة ، فقال النبيّصلىاللهعليهوآله : مه يا حذيفة فإنّ عليّاً سيذكر سبب وقفته ، ثمّ انّه ضربه ، فلمّا جاء سأله النبي عن ذلك ، فقال : قد كان شتم أمّي وتفل في وجهي ، فخشيت أن أضربه لحظ نفسي ، فتركته حتى سكن ما بي ثم قتلته في الله(١) .
وروي أيضاً انّه نظر عليّعليهالسلام إلى امرأة على كتفها قربة ماء ، فأخذ منها القربة فحملها إلى موضعها وسألها عن حالها ، فقالت : بعث عليّ بن أبي طالب صاحبي إلى بعض الثغور فقتل وترك عَلَيَّ صبياناً يتامى ، وليس عندي شيء ، فقد ألجأتني الضرورة إلى خدمة الناس.
فانصرف وبات ليلته قلقاً ، فلما أصبح حمل زنبيلاً فيه طعام ، فقال بعضهم : أعطني أحمله عنك ، فقال : من يحمل وزري عنّي يوم القيامة؟ فأتى وقرع الباب ، فقالت : من هذا؟ قال : أنا ذلك العبد الذي حمل معك القربة فافتحي فإنّ معي شيئاً للصبيان.
فقالت : رضي الله عنك وحكم بيني وبين عليّ بن أبي طالب ، فدخل وقال : انّي أحببت اكتساب الثواب فاختاري بين أن تعجنين وتخبزين وبين أن تعلّلين الصبيان لأخبز أنا ، فقالت : أنا بالخبز أبصر وعليه أقدر ، ولكن شأنك والصبيان ، فعلّلهم حتى أفرغ من الخبز.
قال : فعمدت إلى الدقيق فعجنته ، وعمد عليّعليهالسلام إلى اللحم فطبخه وجعل يلقّم الصبيان من اللحم والتمر وغيره ، فكلّما ناول الصبيان من ذلك شيئاً
__________________
١ ـ المناقب لابن شهرآشوب ٢ : ١١٥ فصل في حلمه وشفقته.
قال له : يا بنيّ اجعل عليّ بن أبي طالب في حلّ ممّا أمر في أمرك.
فلمّا اختمر العجين قالت : يا عبدالله اسجر التنور ، فبادر لسجره ، فلمّا أشعله ولفح في وجهه جعل يقول : ذق يا عليّ هذا جزاء من ضيّع الأرامل واليتامى ، فرأته امرأة تعرفه فقالت : ويحك هذا أمير المؤمنين ، قال : فبادرت المرأة وهي تقول : واحيائي منك يا أمير المؤمنين ، فقال : بل واحيائي منك يا أمة الله فيما قصرت في أمرك(١) .
وروي أيضاً انّه دخل ضرار بن ضمرة الليثي على معاوية فقال له : صف لي عليّا فقال : أو تعفني من ذلك ، فقال : لا أعفيك.
فقال : كان والله بعيد المدى(٢) ، شديد القوى ، يقول فصلاً ، ويحكم عدلاً ، يتفجّر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواحيه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويستأنس بالليل ووحشته.
كان والله غزير العبرة ، طويل الفكرة ، يقلّب كفّيه ويخاطب نفسه ، ويناجي ربّه ، يعجبه من اللباس ما خشن ، ومن الطعام ما جشب ، كان والله فينا كأحدنا ، يدنينا اذا أتيناه ، ويجيبنا اذا سألناه.
وكان مع دنوّه منّا وقربنا معه لا نكلّمه لهيبته ، ولا نرفع عيننا لعظمته ، فان تبسم فمن مثل اللؤلؤ المنظوم ، يعظّم أهل الدين ، ويحبّ المساكين ، لا يطمع القوي في باطله ، ولا ييأس الفقير من عدله.
فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله ، وغارت
__________________
١ ـ البحار ٤١ : ٥٢ ضمن حديث ٣ باب ١٠٤ ـ عن مناقب ابن شهرآشوب ٢ : ١١٥ فصل في حلمه وشفقته.
٢ ـ بعيد المدى : المدى الغاية وهو كناية عن علوّ همته في تحصيل الكمالات ، أو عن رفعة محلّه في السعادات حيث لا يصل إليه أحد في شيء من فضائله ( البحار ).
نجومه وهو قائم في محرابه ، قابض على لحيته ، يتململ تململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين ، فكأنّي الآن أسمعه وهو يقول : يا دنيا دنيّة أبي تعرّضت؟ أم اليّ تشوّقت؟ هيهات هيهات غريّ غيري لا حاجة لي فيك ، قد طلّقتك ثلاثاً لا رجعة لي فيها ، فعمرك قصير ، وخطرك يسير ، وأملك حقير ، آه آه من قلّة الزاد ، وبعد السفر ، ووحشة الطريق ، وعظم المورد.
فوكفت(١) دموع معاوية على لحيته فنشفها بكمّه ، واختنق القوم بالبكاء ، ثم قال : كان والله أبو الحسن كذلك ، فكيف صبرك عنه يا ضرار؟ قال : صبر من ذبح ولدها على صدرها ، فهي لا ترقى عبرتها ولا تسكن حسرتها ، ثم قام وخرج وهو باك(٢) .
وروي بسند معتبر عن أبي ذر انّه قال : أهديت لجعفر جارية قيمتها أربعة آلاف درهم ، فلمّا قدمنا المدينة أهداها لعليّعليهالسلام تخدمه ، فجعلها عليّ في منزل فاطمة ، فدخلت فاطمةعليهاالسلام يوماً فنظرت إلى رأس عليّعليهالسلام في حجر الجارية ، فقالت : يا أبا الحسن فعلتها ، فقال : لا والله يا بنت محمد ما فعلت شيئاً فما الذي تريدين؟ قالت : تأذن لي في المصير إلى منزل أبي رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟ فقال لها : قد أذنت لك.
فتجلّلت بجلالها ، وتبرقعت ببرقعها ، وأرادت النبيصلىاللهعليهوآله ، فهبط جبرئيلعليهالسلام فقال : يا محمد انّ الله يقرئك السلام ويقول لك : انّ هذه فاطمة قد اقبلت تشكو عليّاً فلا تقبل منها في عليّ شيئاً.
__________________
١ ـ وكفت : أي سالت.
٢ ـ البحار ٤١ : ١٢٠ ح ٢٨ باب ١٠٧ ـ عن ارشاد القلوب.
فدخلت فاطمة ، فقال لها رسول اللهصلىاللهعليهوآله : جئت تشكين علياً؟ قالت : اي وربّ الكعبة ، فقال لها : ارجعي إليه فقولي له : رغم أنفي لرضاك ، فرجعت إلى عليعليهالسلام فقالت له : يا أبا الحسن رغم أنفي لرضاك ـ تقولها ثلاثاً ـ فقال لها عليّ : شكوتني إلى خليلي وحبيبي رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، واسوأتاه من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، أشهد الله يا فاطمة انّ الجارية حرّة لوجه الله وأنّ الأربعمائة درهم التي فضلت من عطائي صدقة على فقراء أهل المدينة.
ثم تلبس وانتعل وأراد النبيّصلىاللهعليهوآله ، فهبط جبرئيلعليهالسلام فقال : يا محمد انّ الله يقرئك السلام ويقول لك : قل لعليّ : قد أعطيتك الجنّة بعتقك الجارية في رضى فاطمة ، والنار بالأربعمائة درهم التي تصدّقت بها ، فأدخل الجنّة من شئت برحمتي وأخرج من النار من شئت بعفوي ، فعندها قال عليّعليهالسلام : أنا قسيم الله بين الجنّة والنار(١) .
وروي أيضاً عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : رأى النبيصلىاللهعليهوآله فاطمة وعليها كساء من أجلّة الابل وهي تطحن بيديها وترضع ولدها ، فدمعت عينا رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال : يا بنتاه تعجّلي مرارة الدنيا بحلاوة الآخرة.
فقالت : يا رسول الله الحمد لله على نعمائه والشكر لله على آلائه ، فأنزل الله
____________
١ ـ البحار ٤٣ : ١٤٧ ح ٣ باب ٦ ـ عن علل الشرائع ص ١٦٣ ح ٢ باب ١٣٠ ـ أقول : لا يخفى استبعاد المتتبع لأحوال أهل البيت لصحة هذه الرواية فإنّ فيها انّ أباذر كان مسافراً إلى الحبشة ولم يثبت هذا بل ورد في حديث انّه بعد ما أسلم ذهب إلى بلده ثم عاد بعدما ظهر أمر رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وأيضاً يستبعد صدور أعمال من الزهراءعليهاالسلام ( وهي سيدة نساء العالمين ) لا يليق بشأنها ومرتبتها ، زهراء التي لم تخالف عليّاً ولم تعمل خلاف رضاه طرفة عين كيف يمكن أن تأتي أبيها وتشتكي عنهعليهالسلام وهي أجلّ شأناً من هذا ، والله العالم.
( وَلَسوفَ يُعطِيكَ رَبُّكَ فَتَرضَى ) (١) (٢) .
وروي بسند معتبر انّ شاميّا رآه [ أي رأى الامام الحسنعليهالسلام ] راكباً فجعل يلعنه والحسن لا يردّه ، فلمّا فرغ أقبل الحسنعليهالسلام فسلّم عليه وضحك ، فقال : أيها الشيخ أظنّك غريباً ولعلّك شبّهت ، فلو استعتبتنا أعتبناك ، ولو سألتنا أعطيناك ، ولو استرشدتنا أرشدناك ، ولو استحملتنا أحملناك.
وإن كنت جائعاً أشبعناك ، وإن كنت عرياناً كسوناك ، وإن كنت محتاجاً أغنيناك ، وإن كنت طريداً آويناك ، وإن كان لك حاجة قضيناها لك ، فلو حرّكت رحلك إلينا وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك كان أعود عليك ، لأنّ لنا موضعاً رحباً ، وجاهاً عريضاً ، ومالاً كثيراً.
فلمّا سمع الرجل كلامه بكى ثم قال : أشهد أنك خليفة الله في أرضه ، الله أعلم حيث يجعل رسالته ، وكنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إليّ والآن أنت أحبّ خلق الله إليّ ، وحوّل رحله إليه ، وكان ضيفه إلى أن ارتحل وصار معتقداً لمحبتهم(٣) .
وروي انّه جرى بينه [ أي بين الامام الحسينعليهالسلام ] وبين محمد بن الحنفية كلام ، فكتب ابن الحنفية إلى الحسين : « أما بعد يا أخي فإنّ أبي وأباك عليّ لا تفضلني فيه ولا أفضلك ، وأمك فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله ولو كان ملؤ الأرض ذهباً ملك أمّي ما وفت بأمّك ، فاذا قرأت كتابي هذا فصر إليّ حتى تترضاني ، فانّك أحقّ بالفضل منّي ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ».
__________________
١ ـ الضحى : ٥.
٢ ـ البحار ٤٣ : ٨٥ ضمن حديث ٨ باب ٤.
٣ ـ البحار ٤٣ : ٣٤٤ باب ١٦ ـ عن مناقب ابن شهرآشوب ٤ : ١٩ ـ عن كامل المبرد.
ففعل الحسينعليهالسلام ذلك ، فلم يجر بعد ذلك بينهما شيء(١) .
وروي عن عليّ بن الحسينعليهماالسلام انّه قال : خرجنا مع الحسين فما نزل منزلاً ولا ارتحل عنه الاّ وذكر يحيى بن زكريّا ، وقال يوماً : من هوان الدنيا على الله انّ رأس يحيى اُهدي إلى بغيّ من بغايا بني اسرائيل(٢) .
ومن وفور حلمه ( وهو معدن الجود والكرم ) عدم دعائه على قاتليه وقاتلي أبنائه وإخوانه وأصحابه ، والحال انّ الله تعالى سخّر له السماوات والأرضين والجنّ والانس والوحوش والطيور وجميع المخلوقات.
ولقد أصابه طبقاً لرواية : ثلاثمائة وستين جرحاً ، وفي رواية : ألف وتسعمائة جرحاً وفي رواية أخرى مائة وثمانين طعنة بالسيف والرمح ، وأربعة آلاف جرح بالسهام ، ومع هذا لم يدع عليهم ، وكان يترحم عليهم ، ويسعى في هدايتهم ، وقد قتلعليهالسلام بقوّته الربانية جمعاً منهم كما في بعض الروايات بأنّهعليهالسلام قتل ألفاً وتسعمائة وخمسين نفراً غير من جرح.
روي بسند معتبر آخر انّه وجد على ظهر الحسين بن عليّعليهالسلام يوم الطف أثر ، فسألوا زين العابدين عن ذلك ، فقال : هذا مما كان ينقل الجراب على ظهره إلى منازل الأرامل واليتامى والمساكين(٣) .
وروي انّ الحسينعليهالسلام كان يقعد في المكان المظلم فيهتدى إليه ببياض جبينه ونحره(٤) .
__________________
١ ـ مناقب بن شهرآشوب ٤ : ٦٦ ـ عنه البحار ٤٤ : ١٩١ ضمن حديث ٣ باب ٢٦.
٢ ـ مناقب ابن شهرآشوب ٤ : ٨٥.
٣ ـ مناقب بن شهرآشوب ٤ : ٦٦ ـ عنه البحار ٤٤ : ١٩٠ ح ٣ باب ٢٦.
٤ ـ مناقب بن شهرآشوب ٤ : ٧٥ في معالي أموره.
وروي بسند معتبر انّه جعلت جارية لعليّ بن الحسينعليهماالسلام تسكب الماء عليه وهو يتوضّأ للصلاة ، فسقط الابريق من يد الجارية على وجهه فشجه ، فرفع عليّ بن الحسين رأسه إليها ، فقالت الجارية : ان الله عزّوجل يقول :( وَالكَاظِمينَ الغَيظَ ) (١) فقال لها : قد كظمت غيظي ، قالت :( وَالعَافِين عِنِ النَّاسِ ) قال لها : قد عفى الله عنك ، قالت :( وَالله يُحِبُّ المُحسِنِينَ ) قال : اذهبي فأنت حرّة(٢) .
وروي انّه كسرت جارية له قصعة فيها طعام فاصفرّ وجهها ، فقال لها : اذهبي فأنت حرّة لوجه الله(٣) .
وروي انّه شتم بعضهم زين العابدينعليهالسلام فقصده غلمانه ، فقال : دعوه فإنّ ما خفي منّا أكثر مما قالوا ، ثم قال له : ألك حاجة يا رجل؟ فخجل الرجل ، فأعطاه ثوبه وأمر له بألف درهم ، فانصرف الرجل صارخاً : أشهد أنّك ابن رسول الله(٤) . وروي انّه سبّهعليهالسلام رجل ، فسكت عنه ، فقال : اياك أعني ، فقالعليهالسلام : وعنك أغضي.
وشتمه آخر فقال : يا فتى انّ بين أيدينا عقبة كؤداً ، فإن جزت منها لا أبالي بما تقول ، وان أتحيّر فيها فأنا شرٌ مما تقول(٥) .
وروي بسند آخر انّ مولى لعليّ بن الحسينعليهماالسلام يتولى عمارة ضيعة له ، فجاء ليطلعها فأصاب فيها فساداً وتضييعاً كثيراً غاظه من ذلك ما رآه وغمّه ، فقرع
__________________
١ ـ آل عمران : ١٣٤.
٢ ـ البحار ٤٦ : ٦٧ ح ٣٦ باب ٥ ـ عن أمالي الصدوق.
٣ ـ مناقب بن شهرآشوب ٤ : ١٥٨ ـ عنه البحار ٤٦ : ٩٦ ضمن حديث ٨٤ باب ٥.
٤ ـ مناقب ابن شهرآشوب ٤ : ١٥٧ عنه البحار ٤٦ : ٩٥ ضمن حديث ٨٤ باب ٥.
٥ ـ مناقب ابن شهرآشوب ٤ : ١٥٧ ـ عنه البحار ٤٦ : ٩٦ ضمن حديث ٨٤ باب ٥.
المولى بسوط كان في يده فأصاب وندم على ذلك.
فلما انصرف إلى منزله أرسل في طلب المولى فأتاه فوجده عارياً والسوط بين يديه ، فظنّ انّه يريد عقوبته ، فاشتد خوفه ، فأخذ عليّ بن الحسين السوط ومدّ يده إليه وقال : يا هذا قد كان منّي إليك ما لم يتقدّم منّي مثله ، وكانت هفوة وزلّة فدونك السوط واقتص منّي.
فقال المولى : يا مولاي والله ان ظننت الاّ انّك تريد عقوبتي وأنا مستحق للعقوبة فكيف اقتص منك ، قال : ويحك اقتصّ ، قال : معاذ الله أنت في حل وسعة ، فكرر ذلك عليه مراراً والمولى كلّ ذلك يتعاظم قوله ويحلّله ، فلمّا لم يره يقتص له قال : أما اذا أبيت فالضيعة صدقة عليك ، وأعطاه اياها(١) .
وروي انّه كان عندهعليهالسلام قوم أضياف فاستعجل خادماً له بشواء كان في التنور ، فأقبل به الخادم مسرعاً فسقط السفود منه على رأس بنيّ لعليّ بن الحسينعليهماالسلام تحت الدرجة فأصاب رأسه فقتله.
فقال عليّ للغلام وقد تحيّر الغلام واضطرب : أنت حرّ فانّك لم تعتمده ، وأخذ في جهاز ابنه ودفنه(٢) .
وانتهىعليهالسلام إلى قوم يغتابونه فوقف عليهم فقال لهم : ان كنتم صادقين فغفر الله لي ، وان كنتم كاذبين فغفر الله لكم(٣) .
وروي بسند معتبر انّه بعث أبو عبداللهعليهالسلام غلاماً له في حاجة فأبطأ ، فخرج أبو عبداللهعليهالسلام على أثره لما أبطأ عليه فوجوده نائماً ، فجلس عند رأسه
__________________
١ ـ مناقب ابن شهرآشوب ٤ : ١٥٨ ـ عنه البحار ٤٦ : ٩٦ ضمن حديث ٨٤ باب ٥.
٢ ـ البحار ٤٦ : ٩٩ ح ٨٧ باب ٥ ـ عن كشف الغمة.
٣ ـ مناقب بن شهرآشوب ٤ : ١٥٨ ـ عنه البحار ٤٦ : ٩٦ ضمن حديث ٨٤ باب ٥.
يروّحه حتى انتبه ، فلما انتبه قال له أبو عبداللهعليهالسلام : يا فلان والله ما ذاك لك تنام الليل والنهار ، لك الليل ولنا منك النهار(١) .
وروي انّه دخل سفيان الثوري على الصادقعليهالسلام فرآه متغيّر اللون فسأله عن ذلك ، فقال : كنت نهيت أن يصعدوا فوق البيت ، فدخلت فاذا جارية من جواريّ ممّن ترّبي بعض ولدي قد صعدت في سلّم والصبيّ معها ، فلمّا بصرت بي ارتعدت وتحيّرت وسقط الصبيّ إلى الأرض فمات ، فما تغيّر لوني لموت الصبيّ وانّما تغيّر لوني لما أدخلت عليها من الرعب ، وكانعليهالسلام قال لها : أنت حرّة لوجه الله لا بأس عليك مرّتين(٢) .
وروي انّه نام رجل من الحاج في المدينة فتوهّم انّ هميانه سرق ، فخرج فرأى جعفر الصادقعليهالسلام مصلّياً ولم يعرفه ، فتعلّق به وقال له : أنت أخذت همياني ، قال : وما كان فيه؟ قال : ألف دينار.
قال : فحمله إلى داره ووزن له ألف دينار ، وعاد إلى منزله ووجد هميانه فعاد إلى جعفر معتذراً بالمال ، فأبى قبوله وقال : شيء خرج من يدي لا يعود إليّ ، قال : فسأل الرجل عنه فقيل : هذا جعفر الصادق ، قال : لا جرم هذا فعال مثله(٣) .
وقد ملأ صيت حلم موسى بن جعفرعليهالسلام وكظم غيظه الآفاق ، ووصلت أخبار مكارم أخلاقه إلى مسامع الخاص والعام ، ولقد كان كلّ واحد من أئمتنا صلوات الله عليهم مقبولاً ومحبوباً لدى الخاص والعام بجميع محاسن الشيم ومحامد الخصال ، واعترف بكمالهم الصديق والعدوّ ، ولو كانت البحار مداداً لما أحصيت
__________________
١ ـ الكافي ٨ : ٨٧ ح ٥٠ ـ عنه البحار ٤٧ : ٥٦ ح ٩٧ باب ٢٦.
٢ ـ مناقب بن شهرآشوب ٤ : ٢٧٤ ـ عنه البحار ٤٧ : ٢٤ ضمن حديث ٢٦ باب ٢٦.
٣ ـ مناقب بن شهرآشوب ٤ : ٢٧٤ ـ عنه البحار ٤٧ : ٢٣ ضمن حديث ٢٦ باب ٢٦.
فضائلهم ، ولو أمهلني الأجل ففي ذهني أن أُءلّف كتاباً في سيرهم وسننهمعليهمالسلام .
والغرض من ذكر هذا أن تلاحظ قادتك وهم زبدة الكائنات كيف كانوا في الحلم والصبر والتواضع ، وكيف كانت معاملتهم مع الخلق كي تتأسى بهم وتُخرج الغرور والعجب من نفسك ولا يخدعك الشيطان بأنّ الانسان لابدّ أن يراعي حرمة نفسه ولا يُهين العلم ، وانّ العمل الفلاني لا يناسب شأننا نعوذ بالله من وساوس الشيطان وشروره.
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذررحمهالله ] :
يا أباذر ان سرّك أن تكون أقوى الناس فتوكّل على الله ، وان سرّك أن تكون أكرم الناس فاتق الله ، وان سرّك أن تكون أغنى الناس فكن بما في يد الله عزّوجلّ أوثق منك بما في يديك.
يا أباذر لو انّ الناس كلّهم أخذوا بهذه الآية لكفتهم( وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجعَل لَّهُ مَخرَجاَ * وَيَرزُقهُ مِن حَيثُ لاَ يَحتَسِب وَمَن يَتَوَكَّل عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسبُهُ اِنَّ اللهَ بَالِغ أَمرِهِ قَد جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَىءٍ قَدراً ) (١) .
يا أباذر يقول الله جلّ ثناؤه : وعزتي وجلالي لا يؤثر عبدي هواي على هواه الاّ جعلت غناه في نفسه ، وهمومه في آخرته ، وضمنت السماوات والأرض رزقه ، وكففت عليه ضيعته ، وكنت له من وراء تجارة كلّ تاجر.
ا علم انّ التوكل والتفويض والرضا والتسليم من عظيم أركان الايمان ، والآيات والأخبار في فضل هذه الخصال لا تعدّ ولا تحصى ، كما روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : رأس طاعة الله الصبر والرضا عن الله فيما أحبّ العبد أو كره ، ولا يرضى عبد من الله فيما أحبّ أو كره الاّ كان خيراً له فيما أحبّ أو كره(٢) .
وقالعليهالسلام : انّ أعلم الناس بالله أرضاهم بقضاء الله عزّوجلّ(٣) .
__________________
١ ـ الطلاق : ٢ و ٣.
٢ ـ الكافي ٢ : ٦٠ ح ١ باب الرضا بالقضاء.
٣ ـ الكافي ٢ : ٦٠ ح ٢ باب الرضا بالقضاء.
وقالعليهالسلام : قال الله عزّوجلّ : عبدي المؤمن لا أصرفه في شيء الاّ جعلته خيراً له ، فليرض بقضائي ، وليصبر على بلائي ، وليشكر نعمائي اكتبه يا محمد من الصديقين عندي(١) .
وروي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : أحقّ خلق الله أن يسلّم لما قضى الله عزّوجلّ ، من عرف الله عزّوجلّ ، ومن رضى بالقضاء أتى عليه القضاء وعظّم الله أجره ، ومن سخط القضاء مضى عليه القضاء وأحبط الله أجره(٢) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه سئل : بأيّ شيء يعلم المؤمن بأنّه مؤمن؟ قال : بالتسليم لله ، والرضا فيما ورد عليه من سرور أو سخط(٣) .
وقالعليهالسلام : لم يكن رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول لشيء قد مضى : لو كان غيره(٤) .
وعنهعليهالسلام : كيف يكون المؤمن مؤمناً وهو يسخط قسمه ، ويحقّر منزلته ، والحاكم عليه الله ، وأنا ضامن لمن لم يهجس في قلبه الاّ الرضا أن يدعو الله فيستجاب له(٥) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : قال الله جلّ جلاله : يا ابن آدم أطعني فيما أمرتك ولا تعلمني ما يصلحك(٦) .
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٦١ ح ٦ باب الرضا بالقضاء ـ عنه البحار ٧٢ : ٣٣٠ ح ١٣ باب ١١٩.
٢ ـ الكافي ٢ : ٦٢ ح ٩ باب الرضا بالقضاء ـ عنه البحار ٧٢ : ٣٣٢ ح ١٦ باب ١١٩.
٣ ـ الكافي ٢ : ٦٢ ح ١٢ باب الرضا بالقضاء ـ عنه البحار ٧٢ : ٣٣٦ ح ٢٤ باب ١١٩.
٤ ـ الكافي ٢ : ٦٣ ح ١٣ باب الرضا بالقضاء.
٥ ـ الكافي ٢ : ٦٢ ح ١١ باب الرضا بالقضاء ـ عنه البحار ٧٢ : ٣٣٥ ح ٢٣ باب ١١٩.
٦ ـ أمالي الصدوق : ٢٦٣ ح ٧ مجلس ٥٢ ، عنه البحار ٧١ : ١٣٥ ح ١٢ باب ٦٣.
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : انّ الغنى والعزّ يجولان فاذا ظفرا بموضع التوكل أوطنا(١) .
وقالعليهالسلام : أوحى الله عزّوجلّ إلى داودعليهالسلام : ما اعتصم بي عبد من عبادي دون أحد من خلقي عرفت ذلك من نيته ثم تكيده السماوات والأرض ومن فيهنّ الا جعلت له المخرج من بينهنّ.
وما اعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي عرفت ذلك من نيته الاّ قطعت أسباب السماوات والأرض من يديه ، وأسخت الأرض من تحته ، ولم أبال بأيّ واد هلك(٢) .
وقالعليهالسلام : أيما عبد أقبل قبل ما يحبّ الله عزّوجلّ أقبل الله قبل ما يحبّ ، ومن اعتصم بالله عصمه الله ، ومن أقبل الله قبله وعصمه لم يبال لو سقطت السماء على الأرض ، أو كانت نازلة نزلت على أهل الأرض فشملتهم بليّة ، كان في حزب الله بالتقوى من كلّ بليّة ، أليس الله عزّوجلّ يقول :( اِنَّ المُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ ) (٣) (٤) .
وروي بسند معتبر عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو فإنّ موسى بن عمرانعليهالسلام خرج يقتبس لأهله ناراً فكلّمه الله عزَّوجلّ فرجع نبياً ، وخرجت ملكة سبأ فأسلمت مع سليمان ، وخرج سحرة فرعون يطلبون العزّة لفرعون فرجعوا مؤمنين(٥) .
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٦٤ ح ٣ باب التفويض إلى الله ـ عنه البحار ٧١ : ١٢٦ ح ٣ باب ٦٣.
٢ ـ الكافي ٢ : ٦٣ ح ١ باب التفويض إلى الله ـ عنه البحار ٧١ : ١٢٥ ح ٢ باب ٦٣.
٣ ـ الدخان : ٥١.
٤ ـ الكافي ٢ : ٦٥ ح ٤ باب التفويض إلى الله ـ عنه البحار ٧١ : ١٢٧ ح ٤ باب ٦٣.
٥ ـ أمالي الصدوق : ١٥٠ ح ٧ مجلس ٣٣ ـ عنه البحار ٧١ : ١٣٤ ح ٩ باب ٦٣.
وروي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : انّ موسى بن عمرانعليهالسلام قال : يا ربّ رضيت بما قضيت ، تميت الكبير وتبقى الطفل الصغير ، فقال الله جلّ جلاله : يا موسى أما ترضاني لهم رازقاً وكفيلاً؟ قال : بلى يا رب فنعم الوكيل أنت ونعم الكفيل(١) .
وروي بسند معتبر عن أمير المؤمنينعليهالسلام انه قال : كان فيما وعظ به لقمان ابنه أن قال له : يا بنيّ ليعتبر من قصر يقينه وضعفت نيته في طلب الرزق انّ الله تبارك وتعالى خلقه في ثلاثة أحوال من أمره ، وآتاه رزقه ولم يكن له في واحدة منها كسب ولا حيلة ، انّ الله تبارك وتعالى سيرزقه في الحال الرابعة.
أمّا أول ذلك فانّه كان في رحم أمّه يرزقه هناك في قرار مكين حيث لا يؤذيه حرّ ولا برد ، ثم أخرجه من ذلك وأجرى له رزقاً من لبن أمّه يكفيه به ويربيه وينعشه من غير حول به ولا قوة.
ثم فطم من ذلك فأجرى له رزقاً من كسب أبويه برأفة ورحمة له من قلوبهما لا يملكان غير ذلك حتى انّهما يؤثرانه على أنفسهما في أحوال كثيرة حتى اذا كبر وعقل واكتسب لنفسه ضاق به أمره ، وظنّ الظنون بربّه ، وجحد الحقوق في ماله ، وقتر على نفسه وعياله مخافة اقتار رزق ، وسوء يقين بالخلف من الله تبارك وتعالى في العاجل والاجل ، فبئس العبد هذا يا بنيّ(٢) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : قال ابليس : خمسة أشياء لي فيهنّ حيلة وسائر الناس في قبضتي ، من اعتصم بالله عن نيّة صادقة واتكل عليه
____________
١ ـ أمالي الصدوق : ١٦٥ ح ٣ مجلس ٣٦ ـ عنه البحار ٧١ : ١٣٤ ح ١٠ باب ٦٣.
٢ ـ الخصال : ١٢٢ ح ١١٤ باب ٣ ـ عنه البحار ٧١ : ١٣٦ ح ١٧ باب ٦٣.
في جميع أموره ، ومن كثر تسبيحه في ليله ونهاره ، ومن رضى لأخيه المؤمن بما يرضاه لنفسه ، ومن لم يجزع على المصيبة حين تصيبه ، ومن رضى بما قسم الله له ولم يهتمّ لرزقه(١) .
وروي بسند معتبر عن علي بن موسى الرضاعليهالسلام انّه قال : سأل الصادقعليهالسلام عن بعض أهل مجلسه ، فقيل : عليل ، فقصده عائداً وجلس عن رأسه فوجده دنفاً(٢) ، فقال له : أحسن ظنّك بالله.
قال : أمّا ظنّي بالله حسن ولكن غمّي لبناتي ، ما أمرضني غير غمّي بهنّ ، قال الصادقعليهالسلام : الذي ترجوه لتضعيف حسناتك ومحو سيئاتك فارجه لاصلاح حال بناتك ، أما علمت انّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال : لما جاوزت سدرة المنتهى ، وبلغت أغصانها وقضبانها رأيت بعض ثمار قضبانها أثداؤه معلّقة يقطر من بعضها اللبن ، ومن بعضها العسل ، ومن بعضها الدهن ، ويخرج عن بعضها شبه دقيق السميذ ، وعن بعضها النبات ، وعن بعضها كالنبق ، فيهوى ذلك نحو الأرض.
فقلت في نفسي : أين مقرّ هذه الخارجات عن هذه الأثداء ، وذلك انّه لم يكن معي جبرئيل لأنّي كنت جاوزت مرتبته واختزل دوني ، فناداني ربي عزّوجلّ في سرّي : يا محمد هذه أبنتها من هذا المكان الأرفع لأغذو منها بنات المؤمنين من أمتك وبنيهم ، فقل لآباء البنات : لا تضيقنّ صدوركم على فاقتهنّ ، فانّي كما خلقتهنّ أرزقهنّ(٣) .
وروي بسند معتبر عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنه قال : أوحى الله عزّوجلّ
__________________
١ ـ الخصال : ٢٨٥ ح ٣٧ باب ٥ ـ عنه البحار ٧١ : ١٣٦ ح ١٨ باب ٣٦.
٢ ـ الدنف : المرض اللازم.
٣ ـ البحار ٧١ : ١٣٧ ح ١٩ باب ٦٣ ـ عن عيون أخبار الرضاعليهالسلام .
إلى داودعليهالسلام : يا داود تريد وأُريد ولا يكون الاّ ما أُريد ، فإن أسلمت لما أُريد أعطيتك ما تريد ، وإن لم تسلم لما أُريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون الاّ ما أريد(١) .
وروي بأسانيد معتبرة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : قال الله جلّ جلاله : من لم يرض بقضائي ، ولم يؤمن بقدري فليلتمس إلهاً غيري(٢) .
وروي عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : من رضى من الله بما قسم له استراح بدنه(٣) .
وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : الدنيا دول ، فما كان لك منها أتاك على ضعفك ، وما كان عليك لم تدفعه قوّتك ، ومن انقطع رجاؤه ممّا فات استراح بدنه ، ومن رضى بما رزقه الله قرّت عينه(٤) .
وروي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : العبد بين ثلاثة ، بلاء وقضاء ونعمة ، فعليه في البلاء من الله الصبر فريضة ، وعليه في القضاء من الله التسليم فريضة ، وعليه في النعمة من الله عزّوجلّ الشكر فريضة(٥) .
واعلم انّ الأحاديث في فضل هذه الخصال الحميدة والتحريض والترغيب نحوها كثيرة ، ولابد من تبيين مجمل من معانيها.
فاعلم انّ التوكل هو أن يفوّض الانسان أموره إلى الله تعالى ويرجو منه الخيرات ودفع الشرور ، وليعلم انّ كل ما يكون فانما هو بتقدير الله تعالى ، ولو شاء
__________________
١ ـ التوحيد للصدوق : ٣٣٧ ح ٤ باب ٥٥ ـ عنه البحار ٧١ : ١٣٨ ح ٢٤ باب ٦٣.
٢ ـ البحار ٧١ : ١٣٨ ح ٢٥ باب ٦٣ ـ عن عيون أخبار الرضاعليهالسلام .
٣ ـ البحار ٧١ : ١٣٩ ح ٢٧ باب ٦٣ ـ عن الخصال ، حديث الأربعمائة.
٤ ـ أمالي الطوسي : ٢٢٥ ح ٤٣ مجلس ٨ ـ عنه البحار ٧١ : ١٣٩ ح ٢٩ باب ٦٣.
٥ ـ الخصال : ٨٦ ح ١٧ باب ٣ ـ عنه البحار ٧١ : ١٤١ ح ٣٥ باب ٦٣.
الله نفع شخص لن يتمكن أحد دفع هذا النفع عنه ، ولو منع عنك خيراً فلو اتفق جميع العالم على ايصاله لك لما تمكّنوا ، ومعنى التفويض يقرب عن هذا أيضاً.
فلابد حينئذٍ أن ييأس الانسان عما في أيدي المخلوقين ، ولا يختار رضاهم على رضى الله تعالى ، ولا يعتمد في جميع الأمور على نفسه وعلى غيره ، وليكن جلّ اعتماده على الله سبحانه ، وهذا من أعلى مراتب التوحيد حيث يجعل القدرة والتصرف والتدبير خاصّاً بالله ، وانّ قدرة المخلوقين مقهورة بقدرته.
روي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : انّ الشرك أخفى من دبيب النمل ، وقال : منه تحويل الخاتم ليذكر الحاجة وشبه هذا(١) .
وكون هذا شركاً لاعتماد الانسان على غير الله تعالى ، وعدم التوكل عليه بل اعتمد على تحويل الخاتم ، فالحاصل انّ كلّ التفات عن الله والتوسل والاعتماد على غيره مرتبة من مراتب الشرك.
روي بسند معتبر انّه سأل النبيصلىاللهعليهوآله عن جبرئيل ما التوكل على الله عزّوجلّ؟ فقال : العلم بانّ المخلوق لا يضرّ ولا ينفع ، ولا يعطي ولا يمنع ، واستعمال اليأس من الخلق ، فاذا كان العبد كذلك لم يعمل لأحد سوى الله ، ولم يرج ولم يخف سوى الله ، ولم يطمع في أحد سوى الله ، فهذا هو التوكل(٢) .
وسئل الرضاعليهالسلام عن معنى التوكل ، فقال : أن لا تخاف مع الله أحداً...(٣) .
ومعنى الرضا بالقضاء انّه بعد التوكل على الله ، والعلم بأنّ أعماله مطابقة لما أمر الله فكلما حدث من الابتلاءات والمحن لابد أن يكون على يقين من وجود
__________________
١ ـ معاني الأخبار : ٣٧٩ ح ١ باب نوادر المعاني ـ عنه البحار ٧١ : ١٤٢ ح ٣٦ باب ٦٣.
٢ ـ معاني الأخبار : ٢٦١ ضمن حديث ١ ـ عنه البحار ٧١ : ١٣٨ ح ٢٣ باب ٦٣.
٣ ـ البحار ٧١ : ١٣٤ ح ١١ باب ٦٣ ـ عن عيون أخبار الرضاعليهالسلام .
الخير والصلاح فيه لحدوثه بتقدير الله ، وهو تعالى قادر على دفعه ولم يكن ظالماً حتى يريد ظلم الانسان ، ولم يكن بخيلاً بأن لا يريد وصول الخير إلى الانسان.
ولم يكن جاهلاً حتى يخفى عليه مصلحة عبده ، وليس بعاجز عن ايصال ما هو خير له إليه ، فكمال الايمان بهذه الصفات الكمالية الالهية يقتضي الرضا من صميم القلب بما يصل إليه من قبل الله تعالى ، ولا يجزع ولا يشتكي ، وليعلم انّه عيّن الخير والصلاح.
روي بسند معتبر انّه سئل أبو الحسن الأولعليهالسلام عن قول الله عزّوجلّ :( وَمَن يَتَوَكَّل عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسبُهُ ) (١) فقال : التوكل على درجات ، منها أن تتوكل على الله في أمورك كلّها ، فما فعل بك كنت عنه راضياً تعلم انّه لا يألوك خيراً وفضلاً ، وتعلم أنّ الحكم في ذلك له ، فتوكّل على الله بتفويض ذلك إليه ، وثق به فيها وفي غيرها(٢) .
ومعنى التسليم أن لا يكون ما جاء من الله ورسوله والأئمةعليهمالسلام من الأحكام والأوامر والنواهي وغيرها ثقيلاً عليه ، وليعتقد بحسنها ولينقاد لها في العمل ويذلّ من دون عناد وعدم رضاية ، كما قال الله تعالى لنبيّهصلىاللهعليهوآله :( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُم ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِم حَرَجاً مِّمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسلِيماً ) (٣) .
واعلم انّ كون هذه الصفات من أصول وأركان الايمان لارتباط أكثر الأعمال والأخلاق بها ، لأنّ التوكل لو كمل في شخص أيس من الخلق ، ولذا يترك
__________________
١ ـ الطلاق : ٣.
٢ ـ الكافي ٢ : ٦٥ ح ٥ باب التفويض إلى الله ـ عنه البحار ٧١ : ١٢٩ ح ٥ باب ٦٣.
٣ ـ النساء : ٦٥.
أكثر المعاصي الحاصلة من الوثوق بالمخلوقين والرجاء منهم ، ولا يختار حينئذٍ المعاصي لرضاهم ولا يداهن في الدين ، وتكون له جرأة لاجراء أحكام الله تعالى ، ولا يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خوفاً من ذهاب نفع عنه من قبل المخلوق ، ولا يغيّر أحكام الله لرضاهم.
واذا علم انّ الرزق من الله فلا يرتكب الحرام لتحصيله ، ولا يذلّ نفسه عند الخلق بالسؤال ، وهكذا رويداً رويداً يعظم الله في نفسه ويصغر المخلوق في عينه ، وبما انّه يرى أن المعطي هو الله تعالى فلذا يزداد حبّاً له بكلّ نعمة أنعمها عليه ، وفوائد هذه الخصلة لا نهاية لها.
واذا رضى بقضاء الله وعلم انّ هذه الأمور من قبله وهي خير محض له ، فيطمئن ولا يجزع من البلاء بل يصبر ويكون من الشاكرين ، ولا تشغله الآلام ، ولا تحجزه عن العبادة ، ولا يعادي الناس لعدم إعطائهم شيئاً له ، ولا يفتتن بمحبة الناس ، ولا ينسى الله اذا أعطي ، ولا يحسد الناس على ما آتاهم الله ، ولا ينازع ولا يجادل في أمور الدنيا ، ويحبّ الجميع في الله ، ويعبد الله خالصاً ، ولا يتبرّم من تغيّر أحوال الزمان.
ولقد سئل بهلول ما حالك؟ قال : كيف يكون حال من تدور السماوات برضاه ، وتسكن الأرض برضاه ، وكلّ ما وقع في السماوات والأرضين فبرضاه واجازته ، قالوا : ما أعظم ادعاؤك؟ قال : لقد علمت من اليوم الأول انّ ما يفعله الله القادر الحكيم انّما هو خير وصلاح فلذا وافقت رضاي برضاه ، وأوكلت أموري إليه ، وجعلت ارادتي ارادته ، فكلّ ما يحدث انّما هو برضاي.
ولهذه الخصلة أيضاً فوائد غير متناهية ، لأن عند انقيادك إلى أحكام الله
يذهب الشك والشبهة عنك ، وتقبل كلّ ما يجيء من قبل الله من الحجج والآيات والأخبار وتؤمن بها ، وتبعّد القيل والقال ـ الذي هو من أهمّ نوافذ الشيطان ـ عن ايمانك ، وهذا ركن أصيل من أركان الايمان ، وضلّ أكثر الناس بسبب تركه ، وقد ذكر سابقاً مجمل منه.
ومن الواضح انّ معنى التوكل ليس هو بالجلوس في الدار واغلاق الباب وترك العمل والكسب بحجة توكلك على الله ، بل التوكل أن تسعى فيما أمره الله ، وتطيع ما قاله ، وتعمل بقدر ما أمرك به ، ولا تطلب الحرام ، ولا تترك الواجبات والمستحبات ، ولا تجمع أكثر من الضرورة حرصاً ، مع الالتفات إلى أن ذلك من الله فلا تعتمد على سعيك وكسبك.
واعلم بأنّ الله يقدر على تأييد عينك وأذنك ولسانك ويدك ورجلك وعقلك وروحك وسائر قواك وأعضائك ، فسعيك هذا بأسباب الله وتوفيقه.
واعلم انّ الله لو لم يهدك إلى ما هو في نفعك لكنت أعجز الناس ، ولتكن على يقين بأنّ المشتري الذي يأتيك انّما قدر مجيئه إليك الرازق الحقيقي قبل خلقك بآلاف السنين ، وجعل مقداراً من رزقك منه ، فلو لم تذهب إلى محلّ كسبك لما وصل هذا الرزق إليك ، وحتى بعد ذهابك إلى محل كسبك فلو لم يرد الله لما أتاك مشتر قط ، ولو لم يقذف الله في قلب ذلك الرجل لما مدّ يده إلى كيسه ، ولما أعطاك ديناراً.
وقد قالوا : افتح باب دكانك واجلس للبيع وتوكل على الله ، ولو تركت الطلب الضروري أثمت ، ولو أوقعت نفسك في التهلكة خالفت قول الله تعالى ، واستحق عليك العقاب ، لأنّ الله أمرك بالتقية وحفظ النفس.
وينبغي اصطحاب الرفيق حين السفر ، وكذا مراجعة الطبيب حين المرض لأجل السلامة لكن يجب أن لا يغيب عن الذهن ان الأمن والسلامة من الله وكثيراً ما نجد أن بعض الناس يُقتل أو يُسرق مع حرصه الشديد على نفسه وماله.
وكذلك الأمر في مسألة حفظ الأموال والأمتعة والدواب ، فالتوكل فيها ليس معناه تركها عرضة للسارقين بحجة التوكل بل لابد من مراعاة شرائط الحفظ ، فقد روي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : لا تدع طلب طلب الرزق من حلّه فانّه أعون لك على دينك ، وأعقل راحلتك وتوكل(١) .
وكذلك في العبادة والطاعة فاسع سعيك ثم اعلم انّ ما يتوقف عليه هذا الأمر من أعضاء وجوارح ومشاعر وقوى ورزق ومسكن ولباس وقوت وسائر الأمور من الله تعالى ، واعلم انّ لهداية الله دخلاً في أمورك.
ولا تنف قدرتك بالكلّية ، حيث لابد من الاعتقاد بأن المعاصي من الانسان ، ويعترف بسوء حاله وذنوبه واستحقاقه العذاب.
واقتصر في مسألة القضاء والقدر على ما قاله أئمة الدين ، فافهمه واعلمه ولا تطلب أكثر منه فإنّ فيه الضلالة ، وقد نهى عنه الأئمةعليهمالسلام ، وقليل ممن فكّر وبحث في هذه المسألة من فحول العلماء وغيرهم ولم يضل ولم ينحرف.
ومن فروع خصلة التسليم ، الانقياد والتسليم في المسائل العويصة التي لا يحيطها العقل ، وليؤمن بمجمل ما قالوه ولا يسبب لنفسه اللعن الأبدي بالقيل والقال كالشيطان ، والكلام في هذا الباب واسع ، ولا تسعه هذه الرسالة المكتوبة على الاستعجال وتشويش الحال.
__________________
١ ـ أمالي الطوسي : ١٩٣ ح ٢٨ مجلس ٧ ـ عنه البحار ١٠٣ : ٥ ح ١٨ باب ١.
ولو ظهر خطأ في هذه الكتابات فأستغفر الله لي ولمن قرأها ، وأرجو شفاعة الرسول والأئمةعليهمالسلام الذين لذت بكلامهم في كلّ باب من هذه الأبواب ، والحمد لله على نعمائه علينا وعلى جميع خلقه كما هو أهله.
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذررحمهالله ] :
يا أباذر لو انّ ابن آدم فرّ من رزقه كما يفرّ من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت.
يا أباذر الا أعلّمك كلمات ينفعك الله عزّوجلّ بهنّ؟ قلت : بلى يا رسول الله قال : احفظ الله تجده أمامك ، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ، واذا سألت فاسأل الله عزّوجلّ ، واذا استعنت فاستعن بالله ، فقد جرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة.
فلو انّ الخلق كلّهم جهدوا أن ينفعوك بشيء لم يكتب لك ما قدروا عليه ، ولو جهدوا أن يضرّوك بشيء لم يكتبه الله عليك ما قدروا عليه ، فإن استطعت أن تعمل لله عزّوجلّ بالرضا واليقين فافعل ، وان لم تستطع فإنّ في الصبر على ما يكره خيراً كثيراً ، وانّ النصر مع الصبر ، والفرج مع الكرب ، وانّ مع العسر يسراً.
انّ الله تعالى أنزل هذه الفقرة الأخيرة في سورة( ألم نشرح ) لتسلّي نبيه ، وعلّمها النبيصلىاللهعليهوآله لأبي ذر ، لأنّه كان يعلم بعلمه الرباني ما يلاقي أبو ذر من المشاق والشدائد بسبب جور المنافقين من أمته ، فعلّمه ذلك كي يقدر على اظهار الحق والصبر لو عجز ، فعمل أبو ذر بذلك كما ذكر في أوّل الكتاب.
و اعلم انّ الصبر من فروع الرضا بالقضاء ، ويوجب الفرج والراحة في الدنيا والعقبى وله أجر جزيل ، وانّ أفضل الصبر الصبر على ترك الذنوب فانّه ثقيل على النفس ، ثم الصبر على الطاعة ، ثم الصبر على البلاء والمصائب.
روي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : الصبر من الايمان بمنزلة
الرأس من الجسد ، فاذا ذهب الرأس ذهب الجسد ، كذلك اذا ذهب الصبر ذهب الايمان(١) .
وروي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : الجنّة محفوفة بالمكاره والصبر ، فمن صبر على المكاره في الدنيا دخل الجنّة ، وجهنّم محفوفة باللذات والشهوات فمن أعطى نفسه لذّتها وشهوتها دخل النار(٢) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : اذا دخل المؤمن في قبره كانت الصلاة عن يمينه ، والزكاة عن يساره ، والبرّ : مظلٌّ عليه ، ويتنحّى الصبر ناحية ، فاذا دخل عليه الملكان اللذان يليان مساءلته قال الصبر للصلاة والزكاة والبرّ. دونكم صاحبكم فإن عجزتم عنه فأنا دونه(٣) .
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : سيأتي على الناس زمان لا ينال الملك فيه الاّ بالقتل والتجبر ، ولا الغنى الاّ بالغصب والبخل ، ولا المحبة الاّ باستخراج الدين واتباع الهوى ، فمن أدرك ذلك الزمان فصبر على الفقر وهو يقدر على الغنى ، وصبر على البغضة وهو يقدر على المحبّة ، وصبر على الذلّ وهو يقدر على العزّ ، آتاه الله ثواب خمسين صدّيقاً ممن صدّق بي(٤) .
وقال أبو جعفر الباقرعليهالسلام : لما حضرت أبي عليّ بن الحسينعليهماالسلام الوفاة ضمّني إلى صدره وقال : [ يا بنيّ أوصيك بما أوصاني به أبي حين حضرته الوفاة ، وبما ذكر انّ أباه أوصاه به ] يا بنيّ اصبر على الحقّ وان كان مرّاً(٥) .
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٨٧ ح ٢ باب الصبر ـ عنه البحار ٧١ : ٨١ ح ١٧ باب ٦٢.
٢ ـ الكافي ٢ : ٨٩ ح ٧ باب الصبر ـ عنه البحار ٧١ : ٧٢ ح ٤ باب ٦٢.
٣ ـ الكافي ٢ : ٩٠ ح ٨ باب الصبر ـ عنه البحار ٧١ : ٧٢ ح ٥ باب ٦٢.
٤ ـ الكافي ٢ : ٩١ ح ١٢ باب الصبر ـ عنه البحار ٧١ : ٧٥ ح ٩ باب ٦٢.
٥ ـ الكافي ٢ : ٩١ ح ١٣ باب الصبر ـ عنه البحار ٧١ : ٧٦ ح ١٠ باب ٦٢.
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : الصبر ثلاثة ، صبر عند المصيبة ، وصبر على الطاعة ، وصبر عن المعصية.
فمن صبر على المصيبة حتى يردّها بحسن عزائها كتب الله له ثلاثمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء إلى الأرض ، ومن صبر على الطاعة كتب الله له ستمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش ، ومن صبر عن المعصية كتب الله له تسعمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش(١) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من ابتلى من المؤمنين ببلاء فصبر عليه كان له مثل أجر ألف شهيد(٢) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : اذا كان يوم القيامة جمع الله الخلائق في صعيد واحد وينادي مناد من عند الله يسمع آخرهم كما يسمع أوّلهم ، يقول : أين أهل الصبر؟
فيقوم عنق من الناس ، فتستقبلهم زمرة من الملائكة فيقولون لهم : ما كان صبركم هذا الذي صبرتم؟ فيقولون : صبّرنا أنفسنا على طاعة الله ، وصبّرناها عن معصية الله ، قال : فينادي مناد من عند الله : صدق عبادي خلّوا سبيلهم ليدخلوا الجنّة بغير حساب(٣) .
واعلم انّ اليقين من أعلى درجات الايمان ، ويطلق على معانٍ :
الأول : اليقين بالقضاء والقدر بحيث يترتب عليه آثار الايمان ويورث
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٩١ ح ١٥ باب الصبر ـ عنه البحار ٧١ : ٧٧ ح ١٢ باب ٦٢.
٢ ـ الكافي ٢ : ٩٢ ح ١٧ باب الصبر ـ عنه البحار ٧١ : ٧٨ ح ١٤ باب ٦٢.
٣ ـ أمالي الطوسي : ١٠٢ ح ١٢ باب ٤ ـ عنه البحار ٧١ : ٨٦ ح ٣٦ باب ٦٢.
الانقطاع إلى الله والتوكل والتفويض والرضا والتسليم ، كما روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : ليس شيء الاّ وله حد ، قال [ الراوي : ] قلت : جعلت فداك فما حدّ التوكل؟ قال : اليقين ، قلت : فما حدّ اليقين؟ قال : ألاّ تخاف مع الله شيئاً(١) .
وقالعليهالسلام : من صحة يقين المرء المسلم أن لا يُرضي الناس بسخط الله ، ولا يلومهم على ما لم يؤته الله ، فإنّ الرزق لا يسوقه حرص حريص ، ولا يردّه كراهية كاره ، ولو انّ أحدكم فرّ من رزقه كما يفرّ من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت.
ثم قال : ان الله بعدله وقسطه جعل الروح والراحة في اليقين والرضا ، وجعل الهمّ والحزن في الشك والسخط(٢) .
وقالعليهالسلام : انّ العمل الدائم القليل على اليقين أفضل عند الله من العمل الكثير على غير يقين(٣) .
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام : لا يجد عبد طعم الايمان حتى يعلم انّ ما أصابه لم يكن ليخطأه ، وانّ ما أخطأه لم يكن ليصيبه ، وانّ الضار النافع هو الله عزّوجلّ(٤) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه جلس إلى حائط مائل يقضي بين الناس ، فقال بعضهم : لا تقعد تحت هذا الحائط فانّه معور(٥) .
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٥٧ ح ١ باب فضل اليقين ـ عنه البحار ٧٠ : ١٤٢ ح ٦ باب ٥٢.
٢ ـ الكافي ٢ : ٥٧ ح ٢ باب فضل اليقين ـ عنه البحار ٧٠ : ١٤٣ ح ٧ باب ٥٢.
٣ ـ الكافي ٢ : ٥٧ ح ٣ باب فضل اليقين ـ عنه البحار ٧٠ : ١٤٧ ح ٨ باب ٥٢.
٤ ـ الكافي ٢ : ٥٨ ح ٧ باب فضل اليقين ـ عنه البحار ٧٠ : ١٥٤ ح ١٢ باب ٥٢.
٥ ـ العوار : العيب.
فقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه : حرس امرأً أجله ، فلما قام سقط الحائط ، قال [ الصادق ](١) : وكان أمير المؤمنين ممّا يفعل هذا وأشباهه وهذا اليقين(٢) .
وروي عن سعيد بن قيس [ الهمداني ] انّه قال : نظرت يوماً في الحرب إلى رجل عليه ثوبان ، فحرّكت فرسي فاذا هو أمير المؤمنينعليهالسلام ، فقلت : يا أمير المؤمنين في مثل هذا الموضع؟ فقال : نعم يا سعيد بن قيس انّه ليس من عبد الاّ وله من الله حافظ وواقية ، معه ملكان يحفظانه من أن يسقط من رأس جبل ، أو يقع في بئر ، فاذا نزل القضاء خليّا بينه وبين كلّ شيء(٣) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : كان قنبر غلام عليّ يحبّ علياً حباً شديداً ، فاذا خرج عليّ صلوات الله عليه خرج على أثره بالسيف ، فرآه ذات ليلة فقال : يا قنبر ما لك؟ فقال : جئت لأمشي خلفك يا أمير المؤمنين.
قال : ويحك أمن أهل السماء تحرسني أو من أهل الأرض؟ فقال : لا بل من أهل الأرض ، فقال : انّ أهل الأرض لا يستطيعون لي شيئاً الاّ باذن الله من السماء فارجع ، فرجع(٤) .
الثاني : اليقين بثواب وعقاب الآخرة بحيث يظهر أثره كاملاً على الأعضاء والجوارح ، كما يظهر ذلك من بعض روايات حارثة حيث قال في وصف يقينه : كأني أنظر إلى عرش ربّي وقد وضع للحساب وكأنّي أسمع عواء أهل النار في النار(٥) . ( ولقد مرّ سابقاً )
__________________
١ ـ لم يكن ما بين المعقوفتين من أصل الرواية.
٢ ـ الكافي ٢ : ٥٨ ح ٥ باب فضل اليقين ـ عنه البحار ٧٠ : ١٤٩ ح ١٠ باب ٥٢.
٣ ـ الكافي ٢ : ٥٨ ح ٨ باب فضل اليقين ـ عنه البحار ٧٠ : ١٥٤ ح ١٣ باب ٥٢.
٤ ـ الكافي ٢ : ٥٩ ح ١٠ باب فضل اليقين ـ عنه البحار ٧٠ : ١٥٨ ح ١٥ باب ٥٢.
٥ ـ الكافي ٢ : ٥٤ ح ٣ باب حقيقة الايمان واليقين.
الثالث : اليقين في جميع الأمور التي لابد من الايمان بها ، وانّ الايمان اذا وصل إلى حدّه الكامل ، وظهر أثره على الأعضاء والجوارح وخلص من الشوائب يسمّى يقيناً.
روي عن أبي الحسن الرضاعليهالسلام انّه قال : الايمان فوق الإسلام بدرجة ، والتقوى فوق الايمان بدرجة ، واليقين فوق التقوى بدرجة ، ولم يقسّم بين العباد أقلّ شيئاً من اليقين(١) .
وروي بسند معتبر انّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال : قلت لجبرئيل : ما تفسير اليقين؟ قال : المؤمن يعمل لله كأنّه يراه ، فإن لم يكن يرى الله فإنّ الله يراه ، وأن يعلم يقيناً انّ ما أصابه لم يكن ليخطأه ، وانّ ما أخطأه لم يكن ليصيبه(٢) .
وسئل الامام الرضاعليهالسلام : أيّ شيء اليقين؟ قال : التوكل على الله ، والتسليم لله ، والرضا بقضاء الله ، والتفويض إلى الله(٣) .
وروي عن أحد صحابة أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : بينا عليّ بن أبي طالبعليهالسلام يعبّىء الكتائب يوم صفين ومعاوية مستقبله على فرس له يتأكل تحته تاكّلاً ، وعليّعليهالسلام على فرس رسول اللهصلىاللهعليهوآله المرتجز ، وبيده حربة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وهو متقلّد سيفه ذوالفقار.
فقال رجل من أصحابه : احترس يا أمير المؤمنين فانّا نخشى أن يغتالك هذا الملعون ، فقالعليهالسلام : لئن قلت ذاك انّه غير مأمون على دينه ، وانّه لأشقى القاسطين ، وألعن الخارجين على الأئمة المهتدين ، ولكن كفى بالأجل حارساً.
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٥٢ ح ٦ باب فضل الايمان على الإسلام ـ عنه البحار ٧٠ : ١٣٩ ح ٥ باب ٥٢.
٢ ـ البحار ٧٠ : ١٧٣ ح ٢٧ باب ٥٢ ـ عن معاني الأخبار.
٣ ـ الكافي ٢ : ٥٢ ضمن حديث ٥ باب فضل الايمان على الإسلام.
ليس أحد من الناس الاّ ومعه ملائكة حفظة يحفظونه من أن يتردّى في بئر ، أو يقع عليه حائط ، أو يصيبه سوء ، فاذا حان أجله خلّوا بينه وبين ما يصيبه ، وكذلك أنا اذا حان أجلي انبعث أشقاها فخضب هذه بهذه ـ وأشار إلى لحيته ورأسه ـ عهداً معهوداً ووعداً غير مكذوب(١) .
وحمل اليقين على القسم الأخير من المعاني أظهر لشموله ، ويمكن حمل الأحاديث الدالة على المعنى الأول والثاني عليه أيضاً بأنّ المراد تبيين فرد من أفراد اليقين ، وبما انّه قد ذكر مجمل عن معنى الايمان نكتفي هنا بهذا المقدار.
__________________
١ ـ التوحيد للصدوق : ٣٦٧ ح ٥ باب ٦٠ ـ عنه البحار ٧٠ : ١٧٢ ح ٢٣ باب ٥٢.
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذررحمهالله ] :
يا أباذر استغن بغنى الله يغنك الله ، فقلت : وما هو يا رسول الله؟ قال : غداء يوم ، وعشاء ليلة ، فمن قنع بما رزقه الله فهو أغنى الناس.
ا علم انّ الغنى وعدم الاحتياج لا يحصل بدون القناعة ، والغنى هو غنى النفس ، وربما كان الانسان غنيّاً بغنى نفسه مع فقره المادي وذلك بالتوكل على الله فلم يحرص على المال ولم ينظر ما في أيدي الناس.
وقد يكون الانسان صاحب ثروة لكنّه تجده ذليلاً بين الناس لجشعه في جمع المال ، فيكون أحوج الناس طبقاً لهوى نفسه وميلها ، واغلب الناس على هذه الشاكلة وقد مرّ سابقاً أن الدنيا كماء البحر المالح كلّما ازداد الانسان منه شرباً ازداد عطشاً ، فكذلك طالب الدنيا كلّما جمع أكثر ازداد حرصه.
روي بسند معتبر عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : من رضي من الدنيا بما يجزيه كان أيسر ما فيها يكفيه ، ومن لم يرض من الدنيا بما يجزيه لم يكن فيها شيء يكفيه(١) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام (٢) انّه قال : من رضي من الله باليسير من المعاش رضي الله عنه باليسير من العمل(٣) .
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ١٤٠ ح ١١ باب القناعة ـ عنه البحار ٧٣ : ١٧٨ ح ٢٣ باب ١٢٩.
٢ ـ رويت الراوية في المتن الفارسي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ولم نجدها.
٣ ـ الكافي ٢ : ١٣٨ ح ٣ باب القناعة ـ عنه البحار ٧٣ : ١٧٥ ح ١٥ باب ١٢٩.
وقال : من قنع بما رزقه الله فهو من أغنى الناس(١) .
والأحاديث في هذا الباب كثيرة ونقنع بهذا المقدار ومن لم يكتف بهذا لم يكتف بأكثر منه.
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ١٣٩ ح ٩ باب القناعة ـ عنه البحار ٧٣ : ١٧٨ ح ٢١ باب ١٢٩.
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذررحمهالله ] :
يا أباذر انّ الله عزّوجلّ يقول : اني لست كلام الحكيم أتقبّل ، ولكن همّه وهواه ، فإن كان همّه وهواه فيما أحبّ وأرضى جعلت صمته حمداً لي ووقاراً وإن لم يتكلم.
يا أباذر انّ الله تبارك وتعالى لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.
يا أباذر التقوى هاهنا ـ وأشار إلى صدره ـ
اعلم انّ مفاد هذه الكلمات قد تكرر سابقاً في بيان النية وغيرها ، وذلك انّ أصل الذكر والشكر والحمد والحكمة والمعرفة والتقوى شيء واحد وهو في قلب الانسان ، فالحكمة الجارية على اللسان من دون اتصاف بها لا تكون الاّ رياء وسمعة ولم تكن لله تعالى ، أما لو كان متصفاً بها وصارت من جبّلته فحينئذٍ يكون كلامه حكمة ، وقوله نافعاً للناس ، وصمته وقاراً ، وأفعاله وأطواره وعظاً للناس.
وتتكلّم جميع أعضائه وجوارحه بالحكمة ، وتنبع من قلبه عيون الحكمة وتجري على لسانه وجوارحه ، ويصل فيضها إلى العالمين ، ويهتدى أناس برؤيته كما ورد في الأحاديث المعتبرة بأنّه كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم بل بأعمالكم الصالحة المأتيّ بها لله.
وكذلك التقوى الحقيقية فهي ما نبع من صميم القلب ، وكان سببه في السرّ والجهر كمال الايمان ، وتصديق عظمة الله ، وتصديق الآخرة ، وغاية درجة الخوف والرجاء ، أما لو كان خوفاً من تشنيع الخلق أو سائر الأغراض الفاسدة فيترك
المعاصي ويأتي بالطاعات لذلك فهو محض الشرك والرياء ولا يكون تقوى ، ونسب الله تعالى التقوى إلى القلب حيث قال :( وَمَن يُعظِّم شَعَائِرً اللهِ فَانَّهَا مِن تَقوَى القُلُوبِ ) (١) .
وبما انّه ذكر من قبيل هذا الكلام مفصّلاً وانّ بسط الكلام يوجب التطويل فنكتفي بهذا المقدار ونجمل الكلام.
__________________
١ ـ الحج : ٣٢.
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذررحمهالله ] :
يا أباذر أربع لا يصيبهنّ الا مؤمن ، الصمت وهو أوّل العبادة ، والتواضع لله سبحانه ، وذكر الله تعالى على كلّ حال ، وقلّة الشيء يعني قلّة المال.
يا أباذر همّ بالحسنة وان لم تعملها لكيلا تكتب من الغافلين.
يا أباذر من ملك ما بين فخذيه وما بين لحييه دخل الجنة قلت : يا رسول الله انّا لنؤاخذ بما تنطق به ألسنتنا؟ قال : يا أباذر وهل يكبّ الناس على مناخرهم في النار الاّ حصائد ألسنتهم ، انّك لا تزال سالماً ما سكتّ فإن تكلّمت كتب لك أو عليك.
يا أباذر انّ الرجل يتكلّم بالكلمة في المجلس ليضحكهم بها فيهوى في جهنّم ما بين السماء والأرض.
يا أباذر ويل للذي يحدث ويكذب ليضحك به القوم ، ويل له ويل له.
يا أباذر من صمت نجا ، فعليك بالصدق لا تخرجنّ من فيك كذبة أبداً ، قلت : يا رسول الله فما توبة الرجل الذي يكذب متعمدّاً؟ فقال : الاستغفار ، والصلوات الخمس تغسل ذلك.
ا علم انّ الصدق من الصفات الجامعة والشاملة لأكثر الصفات والأعمال الحسنة لأنّه يكون في القول وفي العمل ، فصدق الحديث هو أن لا يكذب في كلامه لا على الله ولا على الناس ، ولا يكون عمله مخالفاً لقوله ، لادعائه الطاعة لله ولرسوله ، واليقين بالجنة والنار ، وصدق هذا الادعاء مترتب على عدم ارتكابه الذنوب لأنها منافية لطاعة الله واليقين بالجنة والنار.
ومن لوازم الصدق أيضاً عدم ترك المستحبات وعدم اتيان المكروهات لأنّه ما من أحد الاّ ويدّعي متابعة رضا الله وترك القبائح ، وهذا ما يقتضيه تصديق الجنة وعظمة الله ، وكونه مطلعاً على دقائق الأمور أيضاً ، كما لو كان الانسان عند عظيم فانّه لا يرتكب خلاف الآداب رعايةً لعظمته وتوقّعاً للنفع القليل منه ولا يترك عنده الأولى.
فحريّ بالانسان أن لا يرتكب أيّ خلاف وترك أولى عند ملك الملوك وأعظم العظماء كي يحصل له القرب أكثر ، وتنزل عليه فوائد ومنافع غير متناهية ، فكلّ خلاف وترك أولى بل أيّ توجه إلى غيره ينافي هذا التصديق.
انّ الانسان على الأقل يكرر في اليوم عشر مرّات في الصلاة( اياك نعبد واياك نستعين ) فلو عصى معصية أو توجه إلى غير الله في أمر من الأمور واستعان بغيره لكان كاذباً في قوله ذلك ، وكذلك الرياء في العبادة امام الناس واتيانها بشرائطها ولكنه يكسل اذا خلى لنفسه.
وكذا اتيان سائر الأعمال غير الخالصة يكون من كذب الأفعال ، لأنّ الانسان بهذا العمل يظهر ما ليس متصفاً به ، فلو نظرنا بهذا المنظار لرأينا انّ جميع الأعمال والأخلاق ترجع إلى الصدق ، وقد مدح الله تعالى الصادقين مدحاً كثيراً ....
كما انّ الكذب أصل أكثر الصفات الذميمة ، ويظهر في كثير من الأخبار وقول بعض الأصحاب انّه من الذنوب الكبيرة ، ويظهر من بعض الأخبار حرمته كاذباً وجاداً وهازلاً.
وينبغي أن يعلم هنا أن من الصدق ما هو قبيح ومن الكذب ما هو حسن بل واجب ، فلو سبّب الصدق ضرراً على مؤمن أو قتل نفس محترمة لكان حراماً ، كما
يجب الكذب اذا كان سبباً لنجاة مؤمن من القتل أو الضرر ، وكذلك الكذب على الظالم لو أراد أخذ مال مؤمن ائتمنك عليه بل يجوز القسم بالله بعدم وجود أمانة عندك منه ، وان كانت التورية واجبة مع الامكان كأن ينوي عدم وجود مال أو أمانة يجوز له اعطاؤها ، وكذلك يجوز الكذب عند العشار أو الظالم أو الحاكم اذا سبب الاقرار فوت مال منه.
وكذلك يجوز الكذب لأجل الاصلاح بين مؤمنين بأن تقول لكلّ واحد منهما انّ فلان كان يذكرك بخير ويمجّدك ، وإن كان ذلك الشخص قد ذمّه في الواقع أو شتمه.
وكذلك جوّز الكذب في خلف الوعد مع النساء اللواتي يتوقّعن منه أكثر من اللازم بأن تعدها بشيء ثم لا تفي به ، وإن كان اطلاق الكذب على هذا الفرد مجاز ، وسيظهر بعضها في ضمن الأحاديث.
روي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من صدق لسانه زكا عمله(١) .
وقالعليهالسلام : انّ عليّاًعليهالسلام انّما بلغ ما بلغ به عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله بصدق الحديث وأداء الأمانة(٢) .
وقالعليهالسلام : انّ الصادق أوّل من يصدّقه الله عزّوجلّ يعلم انّه صادق ، وتصدّقه نفسه تعلم انّه صادق(٣) .
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ١٠٤ ح ٣ باب الصدق ـ عنه البحار ٧١ : ٣ ح ٣ باب ٦٠.
٢ ـ الكافي ٢ : ١٠٤ ح ٥ باب الصدق ـ عنه البحار ٧١ : ٤ ح ٥ باب ٦٠.
٣ ـ الكافي ٢ : ١٠٤ ح ٦ باب الصدق ـ عنه البحار ٧١ : ٥ ح ٦ باب ٦٠.
وروي عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : زينة الحديث الصدق(١) .
وقالعليهالسلام : ألا فاصدقوا فإنّ الله مع الصادقين ، وجانبوا الكذب فإنّ الكذب مجانب الايمان ، ألا وانّ الصادق على شفا منجاة وكرامة ، ألا وانّ الكاذب على شفا مخزاة وهلكة(٢) .
وروي عن عليّ بن الحسينعليهماالسلام انّه كان يقول لولده : اتقوا الكذب الصغير منه والكبير في كلّ جدّ وهزل ، فإنّ الرجل اذا كذب في الصغير اجترىء على الكبير ، أما علمتم انّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال : ما يزال العبد يصدق حتى يكتبه الله صديقاً ، وما يزال العبد يكذب حتى يكتبه الله كذّاباً(٣) .
وروي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : انّ الله عزّوجلّ جعل للشر أقفالاً وجعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب ، والكذب شرّ من الشراب(٤) .
وقالعليهالسلام : انّ الكذب هو خراب الايمان(٥) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : الكذب على الله وعلى رسولهصلىاللهعليهوآله من الكبائر(٦) .
وروي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : انّ أوّل من يكذّب الكذاب الله
__________________
١ ـ البحار ٧١ : ٩ ح ١٢ باب ٦٠ وهي مروية عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
٢ ـ البحار ٧٢ : ٢٦٠ ح ٢٧ باب ١١٤.
٣ ـ الكافي ٢ : ٣٣٨ ح ٢ باب الكذب ـ عنه البحار ٧٢ : ٢٣٥ ح ٢ باب ١١٤.
٤ ـ الكافي ٢ : ٣٣٨ ح ٣ باب الكذب ـ عنه البحار ٧٢ : ٢٣٦ ح ٣ باب ١١٤.
٥ ـ الكافي ٢ : ٣٣٩ ح ٤ باب الكذب ـ عنه البحار ٧٢ : ٢٤٧ ح ٨ باب ١١٤.
٦ ـ الكافي ٢ : ٣٣٩ ح ٥ باب الكذب ـ الوسائل ٨ : ٥٧٥ ح ٣ باب ١٣٩.
عزّوجلّ ، ثم الملكان اللذان معه ، ثم هو يعلم انّه كاذب(١) .
وروي بسند معتبر عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : لا يجد عبد طعم الايمان حتى يترك الكذب هزله وجده(٢) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : قال عيسى بن مريمعليهالسلام : من كثر كذبه ذهب بهاؤه(٣) .
وقالعليهالسلام : انّ ممّا أعان الله به على الكذابين النسيان(٤) .
وقالعليهالسلام : الكلام ثلاثة : صدق وكذب واصلاح بين الناس ، قال : قيل له : جعلت فداك ما الاصلاح بين الناس؟ قال : تسمع من الرجل كلاماً يبلغه فتخبث نفسه فتلقاه فتقول : سمعت من فلان قال فيك من الخير كذا وكذا ، خلاف ما سمعت منه(٥) .
وقالعليهالسلام : انّ الله أحبّ الكذب في الاصلاح(٦) .
وقالعليهالسلام : كلّ كذب مسؤول عنه صاحبه يوماً الاّ كذباً في ثلاثة : رجل كائد في حربه فهو موضوع عنه ، أو رجل أصلح بين اثنين يلقى هذا بغير ما يلقى به هذا يريد بذلك الاصلاح ما بينهما ، أو رجل وعد أهله شيئاً وهو لا يريد أن يتم لهم(٧) .
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٣٣٩ ح ٦ باب الكذب ـ عنه البحار ٧٢ : ٢٤٧ ح ٩ باب ١١٤.
٢ ـ الكافي ٢ : ٣٤٠ ح ١١ باب الكذب ـ عنه البحار ٧٢ : ٢٤٩ ح ١٤ باب ١١٤.
٣ ـ الكافي ٢ : ٣٤١ ح ١٣ باب الكذب ـ عنه البحار ٧٢ : ٢٥٠ ح ١٦ باب ١١٤.
٤ ـ الكافي ٢ : ٣٤١ ح ١٥ باب الكذب ـ عنه البحار ٧٢ : ٢٥١ ح ١٨ باب ١١٤.
٥ ـ الكافي ٢ : ٣٤١ ح ١٦ باب الكذب ـ عنه البحار ٧٢ : ٢٥١ ح ١٩ باب ١١٤.
٦ ـ الكافي ٢ : ٣٤١ ضمن حديث ١٧ باب الكذب.
٧ ـ الكافي ٢ : ٣٤٢ ح ١٨ باب الكذب ـ عنه البحار ٧٢ : ٢٤٢ ح ٥ باب ١١٤.
وقالعليهالسلام : المصلح ليس بكذّاب(١) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : ثلاث يحسن فيهنّ الكذب : المكيدة في الحرب ، وعدتك زوجتك ، والاصلاح بين الناس.
وثلاث يقبح فيهنّ الصدق : النميمة ، وإخبارك الرجل عن أهله بما يكرهه ، وتكذيب الرجل عن الخبر(٢) .
وقد مرّت أحاديث الصمت ، وما جاء من التهديد في من أضحك الناس ، فيمكن حمله فيما لو كذب في قوله أو أغتاب مسلماً ، وليعلم انّ من الأمور المذمومة بل التي لها شائبة الحرمة نقل الكذب كقصة حمزة وسائر القصص الكاذبة كما روي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : شرّ الرواية رواية الكذب(٣) .
بل ذهب بعض العلماء إلى حرمة القصص الصادقة لما فيها من اللغو والباطل كال ـ ( شاهنامة )(٤) وغيرها من قصص المجوس والكفار.
وروي في بعض كتب الامامية المعتبرة عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ذكر عليّ بن أبي طالب عبادة ، ومن علامات المنافق أن يتنفر عن ذكره ، ويختار استماع القصص الكاذبة ، وأساطير المجوس على استماع فضائله ، ثم قرأعليهالسلام :( وَاِذَا ذُكِرَ اللهَ وَحدَهُ اشمَأَزَّت قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤمِنُونَ بِالاَخِرَةٍ وَاِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ اِذَا هُم يَستَبشِرُون ) (٥) .
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٣٤٢ ح ١٩ باب الكذب ـ الوسائل ٨ : ٥٧٨ ح ٣ باب ١٤١.
٢ ـ الخصال : ٨٧ ح ٢٠ باب ٣ ـ عنه البحار ٧١ : ٨ ح ١١ باب ٦٠.
٣ ـ البحار ٧٢ : ٢٥٩ ح ٢٥ باب ١١٤ ـ عن أمالي الصدوق.
٤ ـ هي مجموعة شعريّة حماسيّة لشاعرها الشهير الفردوسي.
٥ ـ الزمر : ٤٥.
فسئل صلوات الله عليه عن تفسيرها ، قال : أما تدرون انّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان يقول : اذكروا عليّ بن أبي طالب في مجالسكم فإنّ ذكره ذكري وذكري ذكر الله ، فالذين اشمأزّت قلوبهم عن ذكره ، واستبشروا عن ذكر غيره اولئك الذين لا يؤمنون بالآخرة ولهم عذاب مهين(١) .
وذكر ابن بابويه في كتابه ( الاعتقادات ) انّه : سئل الصادقعليهالسلام عن القصاص أيحلّ الاستماع لهم؟ فقال : لا.
وقال الصادقعليهالسلام : من أصغى إلى ناطق فقد عبده ، فإن كان الناطق عن الله فقد عبد الله ، وإن كان الناطق عن ابليس فقد عبده(٢) .
وروى الكليني هذا المضمون عن الامام الباقرعليهالسلام .
__________________
١ ـ لم نعثر عليها.
٢ ـ الاعتقادات : ٨٤ ـ عنه البحار ٧٢ : ٢٦٤ ح ١ باب ١١٥.
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذررحمهالله ] :
يا أباذر اياك والغيبة فإنّ الغيبة أشدّ من الزنا ، قلت : يا رسول الله ولم ذلك بأبي أنت وأمي؟ قال : لأنّ الرجل يزني ويتوب إلى الله فيتوب الله عليه ، والغيبة لا تغفر حتى يغفرها صاحبها.
يا أباذر سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر ، وأكل لحمه من معاصي الله ، وحرمة ماله كحرمة دمه ، قلت : يا رسول الله وما الغيبة؟ قال : ذكرك أخاك بما يكره ، قلت : يا رسول الله فإن كان فيه ذلك الذي يذكر به؟ قال : اعلم انّك اذا ذكرته بما هو فيه فقد اغتبته ، واذا ذكرته بما ليس فيه فقد بهته.
يا أباذر من ذب عن أخيه المسلم الغيبة كان حقّاً على الله عزّوجلّ أن يعتقه من النار.
يا أباذر من اغتيب عنده أخوه المسلم وهو يستطيع نصره فنصره نصره الله عزّوجلّ في الدنيا والآخرة ، وان خذله وهو يستطيع نصره خذله الله في الدنيا والآخرة.
وتوضيح هذه المطالب يتم في فصول :
( الفصل الأول )
في ذم الغيبة وحرمتها
اعلم انّه لا خلاف بين العلماء في حرمة غيبة المسلمين ، ويدل عليها الآيات والأخبار المتواترة ، وظاهر بعضها انّ الغيبة من الذنوب الكبيرة ، وذهب
بعض العلماء إليه ، وظاهر هذا الحديث حيث ذكرصلىاللهعليهوآله انّها أشدّ من الزنا يدلّ على انّها من أكبر الكبائر ، وأكثر شياعاً من سائر الذنوب.
لأنّ الصفات الذميمة التي تسبب الغيبة كالحسد والحقد والعداوة توجد في أكثر الخلق على وجه كامل ، ولا تختص بالشيخ والشاب والجاهل والعالم والشريف والوضيع ، لأنّ لكلّ شخص عدوّ أو منافسة أو اتحاد مهنةٍ ، والمانع والحاجز الموجود في سائر الذنوب مفقود في الغيبة.
لأنّ الحاجز من ارتكاب الذنوب عند أكثر الناس أمّا القبح العرفي أو عدم القدرة ، ولقد ذهبت قباحة هذا الذنب بالكلّية بل انّ جزءاً من كمال الانسان في هذا الزمان أن يكون لبقاً يسرد الكلام جيداً ، وله القدرة على الاغتياب بشكل جيد.
وقد عمل الشيطان خدعه وأحابيله لتجويز الغيبة ، فتجد أنّ أهل العلم يغتابون مثلاً وذلك بالتلبس بلباس النصيحة والشفقة وكمال المحبة والتدين والخوف من الله.
ولا يحتاج هذا الذنب إلى القدرة أيضاً لأنّه لا يحتاج إلى دينار أو درهم أو معين أو آلة ، والتكلّم في غاية السهولة ، فلذا أصبح أكثر شياعاً من سائر الذنوب ، مع انّ التهديد والتحذير فيه أكثر من سائر الذنوب ، كما قال الله تعالى :( يَا أَيُّهَأ الَّذِينَ آمَنُوا اجتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ اِنَّ بَعضَ الظَّنِّ اِثمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغتَب بَّعضُكُم بَعضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُم أَن يَأكُلَ لَحمَ أَخِيه مَيتاً فَكَرِهتُموهُ وَاتَّقُوا اللهِ اِنَّ اللهَ تَوّابٌ رَّحِيمٌ ) (١) .
روي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قال في مؤمن ما رأته عيناه وسمعته أذناه فهو من الذين قال الله عزّوجلّ :( اِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ
__________________
١ ـ الحجرات : ١٢.
الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُم عَذَابٌ اَليِمٌ ) (١) (٢) .
وقالعليهالسلام : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : الغيبة أسرع في دين الرجل المسلم من الآكلة في جوفه.
قال : وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : الجلوس في المسجد انتظار الصلاة عبادة ما لم يحدث ، قيل : يا رسول الله وما يحدث؟ قال : الاغتياب(٣) .
وروي بسند معتبر عنهعليهالسلام انّه قال : من روى على مؤمن رواية يريد بها شينه وهدم مروءته ليسقط من أعين الناس أخرجه الله من ولايته إلى ولاية الشيطان فلا يقبله الشيطان(٤) .
وعن أبي عبداللهعليهالسلام فيما جاء في الحديث « عورة المؤمن على المؤمن حرام » قال : ما هو أن ينكشف فترى منه شيئاً ، انّما هو أن تروي عليه أو تعيبه(٥) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس في مجلس يسبّ فيه امام ، أو يغتاب فيه مسلم(٦) .
وقالصلىاللهعليهوآله : من اغتاب امرءً مسلماً بطل صومه ، ونقض وضوؤه ، وجاء يوم القيامة تفوح منه رائحة أنتن من الجيفة يتأذّى به أهل الموقف ، فان مات قبل أن يتوب مات مستحلاً لما حرّم الله
__________________
١ ـ النور : ١٩.
٢ ـ الكافي ٢ : ٣٥٧ ح ٢ باب الغيبة والبهت ـ عنه البحار ٧٥ : ٢٤٠ ح ٢ باب ٦٦.
٣ ـ الكافي ٢ : ٣٥٦ ح ١ باب الغيبة والبهت ـ عنه البحار ٧٥ : ٢٢٠ ح ١ باب ٦٦.
٤ ـ الكافي ٢ : ٣٥٨ ح ١ باب الرواية على المؤمن.
٥ ـ الكافي ٢ : ٣٥٩ ح ٣ باب الرواية على المؤمن.
٦ ـ البحار ٧٥ : ٢٤٦ ح ٩ باب ٦٦ ـ عن تفسير القمي.
ألا ومن تطوّل على أخيه في غيبة سمعها فيه في مجلس فردّها عنه ردّ الله منه ألف باب من السوء في الدنيا والآخرة ، فإن هو لم يردّها وهو قادر على ردّها كان عليه كوزر من اغتابه سبعين مرّة(١) .
واعلم انّهم حملوا بطلان الصوم والوضوء على زوال كما لهما لا بطلانهما بمعنى قضائهما واعادتهما فيما بعد.
وروي بسند صحيح آخر عنهصلىاللهعليهوآله انّه قال : أحقّ الناس بالذنب السفيه المغتاب ، وأذلّ الناس من أهان الناس(٢) .
وروي بسند معتبر انّه قال رجل لعليّ بن الحسينعليهماالسلام : انّ فلاناً ينسبك إلى انّك ضاع مبتدع.
فقال له عليّ بن الحسينعليهماالسلام : ما رعيت حقّ مجالسة الرجل حيث نقلت إلينا حديثه ، ولا أديت حقّي حيث أبلغتني عن أخي ما لست أعلمه ، انّ الموت يعمّنا ، والبعث محشرنا ، والقيامة موعدنا ، والله يحكم بيننا ، اياكم والغيبة فانّها ادام كلاب النار ، واعلم انّ من أكثر [ من ذكر ] عيوب الناس شهد عليه الاكثار انّه انّما يطلبها بقدر ما فيه(٣) .
وروي بسند معتبر عن علقمة انّه قال : قال الصادقعليهالسلام وقد قلت له : يا ابن رسول الله أخبرني عمّن تقبل شهادته ومن لا تقبل.
فقال : يا علقمة كلّ من كان على فطرة الإسلام جازت شهادته ، قال : فقلت له : تقبل شهادة مقترف للذنوب؟ فقال : يا علقمة لو لم تقبل شهادة المقترفين
____________
١ ـ البحار ٧٥ : ٢٤٧ ح ١٠ باب ٦٦ ـ عن أمالي الصدوق.
٢ ـ البحار ٧٥ : ٢٤٧ ح ١١ باب ٦٦ ـ عن أمالي الصدوق.
٣ ـ الاحتجاج ٢ : ١٤٥ ح ١٨٣ ـ عنه البحار ٧٥ : ٢٤٦ ح ٨ باب ٦٦.
للذنوب لما قبلت الاّ شهادات الأنبياء والأوصياء صلوات الله عليهم ، لأنّهم هم المعصومون دون سائر الخلق.
فمن لم تره بعينك يرتكب ذنباً ، أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان ، فهو من أهل العدالة والستر ، وشهادته مقبولة ، وان كان في نفسه مذنباً ، ومن اغتابه بما فيه فهو خارج عن ولاية الله عزّوجلّ ، داخل في ولاية الشيطان.
ولقد حدّثني أبي عن أبيه عن آبائهعليهمالسلام انّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال : من اغتاب مؤمناً بما فيه لم يجمع الله بينهما في الجنّة أبداً ، ومن اغتاب مؤمناً بما ليس فيه انقطعت العصمة بينهما ، وكان المغتاب في النار خالداً فيها وبئس المصير(١) .
وروي بسند آخر انّ أمير المؤمنينعليهالسلام قال لنوف البكالي : اجتنب الغيبة فانّها ادام كلاب النار ، ثم قالعليهالسلام : يا نوف كذب من زعم انّه ولد من حلال وهو يأكل لحوم الناس بالغيبة(٢) .
وروي بسند صحيح عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : لا تغتب فتغتب ، ولا تحفر لأخيك حفرة فتقع فيها ، كما تدين تدان(٣) .
وروي انّ من صفات المنافقين : « ان خالفته اغتابك »(٤) .
وروي بسند معتبر عن رسول الله انّه قال : الصائم في عبادة الله ما لم يغتب مسلماً(٥) .
__________________
١ ـ البحار ٧٥ : ٢٤٧ ح ١٢ باب ٦٦ ـ عن أمالي الصدوق.
٢ ـ البحار ٧٥ : ٢٤٨ ح ١٣ باب ٦٦ ـ عن أمالي الصدوق.
٣ ـ أمالي الصدوق : ٣٤٢ ح ١٠ مجلس ٦٥ ـ عنه البحار ٧٥ : ٢٤٨ ح ١٦ باب ٦٦.
٤ ـ البحار ٧٢ : ٢٠٥ ضمن حديث ٥ باب ١٠٦ ـ عن أمالي الصدوق : ٣٩٩ ح ١٢ مجلس ٧٤.
٥ ـ أمالي الصدوق : ٤٤٢ ح ١ مجلس ٨٢ ـ عنه البحار ٧٥ : ٢٤٩ ح ١٨ باب ٦٦.
وروي بسند معتبر آخر عنهصلىاللهعليهوآله انّه قال : من مدح أخاه المؤمن في وجهه واغتابه من ورائه فقط انقطع ما بينهما من العصمة(١) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من اغتاب أخاه المؤمن من غير ترة بينهما فهو شرك شيطان(٢) .
وروي بسند معتبر عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : اياكم وغيبة المسلم ، فإنّ المسلم لا يغتاب أخاه ، وقد نهى الله عزّوجلّ عن ذلك فقال :( وَلاَ يَغتَب بَّعضُكُم بَعضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُم أَن يَأكُلَ لَحمَ أَخِيهِ مَيتاً ) (٣) .
وقالعليهالسلام : من قال لمؤمن قولاً يريد به انتقاض مروّته حبسه الله في طينة خبال حتى يأتي ممّا قال بمخرج(٤) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : انّ الله تبارك وتعالى ليبغض البيت اللحم واللحم السمين ، قال له بعض أصحابه : يا ابن رسول الله انّا لنحب اللحم ، وما تخلو بيوتنا منه ، فكيف ذاك؟
فقال : ليس حيث تذهب انّما البيت اللحم البيت الذي يؤكل فيه لحوم الناس بالغيبة ، وأمّا اللحم السمين فهو المتكبّر المتبختر المختال في مشيه(٥) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : اياكم والظن فإنّ الظن أكذب الكذب ، وكونوا اخواناً في الله كما أمركم الله ، لا تتنافروا ، ولا تجسسوا ،
__________________
١ ـ أمالي الصدوق : ٤٦٦ ح ٢١ مجلس ٨٥ ـ عنه البحار ٧٥ : ٢٤٩ ح ١٩ باب ٦٦.
٢ ـ معاني الأخبار : ٤٠٠ ضمن حديث ٦٠ ـ عنه البحار ٧٥ : ٢٥٠ ح ٢١ باب ٦٦.
٣ ـ الحجرات : ١٢.
٤ ـ البحار ٧٥ : ٢٥٠ ح ٢٢ باب ٦٦ ـ عن الخصال ، حديث الأربعمائة.
٥ ـ معاني الأخبار : ٣٨٨ ح ٢٤ نوادر المعاني ـ عنه البحار ٧٥ : ٢٥١ ح ٢٤ باب ٦٦.
ولا تتفاحشوا ، ولا يغتب بعضكم بعضاً ، ولا تتنازعوا ، ولا تتباغضوا ، ولا تتدابروا ، ولا تتحاسدوا ، فإن الحسد يأكل الايمان كما تأكل النار الحطب اليابس(١) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : اذكروا أخاكم اذا غاب عنكم بأحسن ما تحبّون أن تذكروا به اذا غبتم عنه(٢) .
وقالعليهالسلام : اعلم انّه لا ورع أنفع من تجنّب محارم الله ، والكف عن أذى المؤمنين واغتيابهم(٣) .
وقالعليهالسلام : أوحى الله عزّوجلّ إلى موسى بن عمرانعليهالسلام : المغتاب ان تاب فهو آخر من يدخل الجنّة ، وان لم يتب فهو أوّل من يدخل النار(٤) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : أربعة يؤذون أهل النار على ما بهم من الأذى ، يسقون من الحميم والجحيم ، ينادون بالويل والثبور ، يقول أهل النار بعضهم لبعض : ما بال هؤلاء الأربعة قد آذونا على ما بنا من الأذى؟
فرجل معلّق في تابوت من جمر ، ورجل يجرّ أمعاءه ، ورجل يسيل فوه قيحاً ودماً ، ورجل يأكل لحمه ، فقيل لصاحب التابوت : ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول : انّ الأبعد قد مات وفي عنقه أموال الناس لم يجد لها في نفسه أداء ولا وفاء.
ثم يقال للذي يجرّ أمعاءه : ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول : انّ الأبعد كان لا يبالي أين أصاب البول من جسده ، ثم يقال للذي يسيل
__________________
١ ـ قرب الاسناد : ٢٩ ح ٩٤ ـ عنه البحار ٧٥ : ٢٥٢ ح ٢٨ باب ٦٦.
٢ ـ البحار ٧٥ : ٢٥٣ ح ٣٠ باب ٦٦ ـ عن أمالي الطوسي.
٣ ـ البحار ٧٥ : ٢٥٣ ح ٣١ باب ٦٦ ـ عن علل الشرائع.
٤ ـ البحار ٧٥ : ٢٥٧ ضمن حديث ٤٨ باب ٦٦ ـ عن مصباح الشريعة.
فوه قيحاً ودماً : ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول : انّ الأبعد كان يحاكى فينظر إلى كلّ كلمة خبيثة فيسندها ويحاكى بها.
ثم يقال للذي يأكل لحمه : ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول : انّ الأبعد كان يأكل لحوم الناس بالغيبة ، ويمشي بالنميمة(١) .
والأحاديث في هذا الباب كثيرة واكتفينا بنقل ما كان سنده معتبراً.
( الفصل الثاني )
في معنى الغيبة
لقد عرّف البعض الغيبة طبقاً لما ورد في الأحاديث ، أعني ذكر المؤمن على نحو الغيبة بحيث لو سمع ساءه وآذاه ، وعرّفها الأكثر بأنّها التنبيه على أمر في انسان معين غائب ، أو كان في حكم المعين وهو يكره نسبة ذلك الأمر إليه مع وجوده فيه ، ويُعدّ ذلك الأمر نقصاً وعيباً في العرف ، سواء أكان هذا التنبيه بالقول أم الاشارة أو الكناية أو التصريح أو الكتابة.
وقيدنا الانسان بكونه معيناً لأنّه لا غيبة لغير المعين ، كما لو قال : انّ في أحد أهالي هذا البلد كذا عيب ، فلا حرمة فيه الاّ أن يقول بنحو يعرفه السامع بالقرائن وان لم يسمّه له ، والمراد من الذي في حكم المعين بأن يقول انّ العيب الفلاني في أحد شخصين مثلاً في زيد أو عمرو ، وذهب البعض إلى هذا النوع من الكلام يعدّ غيبة لكلا الشخصين ، لأنّ جعلهما في معرض هذا الاحتمال نقص لشأنهما ، ولو سمعا ساءهما.
__________________
١ ـ أمالي الصدوق : ٤٦٥ ح ٢٠ مجلس ٨٥ ـ عنه البحار ٧٥ : ٢٤٩ ح ٢٠ باب ٦٦.
وقولنا : أن يكون العيب فيه ، لاخراج البهتان ، لأن المشهور بناين الغيبة والبهتان وان كان البهتان أسوء ، فالغيبة ذكر عيب في الشخص ، والبهتان اثتات عيب له مع عدم وجوده ، كما روي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام أنه قال : الغيبة أن تقول في اخيك ما ستره الله عليه والبهتان أن تقول فيه ما ليس فيه(١) .
وقد تطلق الغيبة على معنى يشمل البهتان أيضا ، كما روي بسند معتبر عن داود بن سرحان أنه قال : سألت أبا عبداللهعليهالسلام عن الغيبة ، قال : هو أن تقول لأخيك في دينه ما لم يفعل ، وتثبت عليه أمرا قد ستره الله عليه لم يقم عليه فيه حدّ(٢) .
وقيدنا كون ذلك الأمر عيبا بحسب العرف لأننا ذكرنا كملا لشخص وساءه لم يكن غيبة ، كما لو قلنا أن فلان يصلي الليل وساءه ، لكن أذا ساءه ذكر أيّ نحو من العيوب سواء في خلقه أو خلقه أو أعماله أو نسبه كان غيبة ، الاّ العيوب الظاهرة وسوف نذكرها.
وظهر من التعريف أن الغيبة لا تختص بالقول الصريح بل تشمل حتى الكناية بأن يذكر شخص فيقول الانسان : الحمد لله حيث لم أبتل بحبّ الرئاسة ، وغرضه الكناية على ذلك الشخص المبتلى ، أو يقول : عافانا الله واياه من حب الدنيا وغرضه اثبات هذا العيب لذلك الشخص ويشرك نفسه لدفع المظنة ، وأمثال هذه الكلمات من التلبيسات الشائعة في الغيبة حيث يظهر الانسان عيوب الغير على وجه أتم وأكمل في طيّ الحمد والثناء واظهار الانكسار والتواضع والنصيحة للناس.
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٣٥٨ ح ٧ باب الغيبة ـ عنه البحار ٧٥ : ٢٤٦ ح باب ٦٦.
٢ ـ الكافي ٢ : ٣٥٧ ح ٣ باب الغيبة ـ عنه البحار ٧٥ : ٢٤٠ ح ٣ باب ٦٦.
وظهر كذلك انّها لا تختص بالكلام فتشمل فيما لو كتب الانسان ذمّ شخص إلى غيره ، أو ظهر عيبه باشارة العين أو الحاجب أو اليد أو المشي أو نوع تكلّمه أو غيرها من الاشارات والحركات الدالة على اظهار نقص شخص وتقليده.
( الفصل الثالث )
في مستثنيات الغيبة
وهي عشرة ـ كما استثناها العلماء ـ :
أولاً : تظلّم المظلوم حيث يأتي إلى شخص ويظهر ظلم من ظلمه كي يدفع هذا الشخص الظلم عنه ، وجوّزه العلماء بأنّ تظلّم المظلوم وسماع ظلامته جائز ، لكن بشرط أن يكون ذلك الشخص قادراً على دفع الظلم ، وكان هذا غرض المظلوم أيضاً بأن يتظلّم عند من يتوقّع نفعه.
ثانياً : في النهي عن المنكر بأن يعلم الانسان أمراً قبيحاً في شخص فيذكره رجاء أن يتركه ، هذا القسم مشروط بشرائط النهي عن المنكر بأن يقطع بقبح ذلك الفعل أولاً وانّه منكر ، ثم يحتمل التأثير وعدم الخوف من الضرر.
فان لم يعلم بقبح ذلك العمل وإن كان خلافاً ، واحتمل انّ هذا الشخص يعمل هذا العمل برأي مجتهد حيث حلّل هذا العمل فحينئذٍ لا يمكنه ذمّه ، وكذلك لو علم انّ قوله لا يؤثّر ولا يفيد ولا يكون باعثاً على ترك العمل القبيح ، وكذلك لا تجوز الغيبة لو خاف ضرراً في جسمه أو ماله أو في عرضه أو خاف ذلك على أحد المؤمنين والمؤمنات.
وكذلك لا يجوز لو أمكن نصحه في الخلوة وعلم انّه سيقبل نصحه فلا
يجوز له هتك ستره في المجالس ، ومع هذه الشرائط فليسعَ أن يكون غرضه رضى الله تعالى وترك المعاصي لا اظهار اغراضه الباطلة بهذه الصورة.
ثالثاً : أن يذكر شخصاً ويذمّه في ضمن مسألة يريد أن يسألها من عالم بأن يقول مثلاً : انّ أبي أخذ مالي أيجوز لي المنازعة معه؟ وليكن سؤاله هنا مهما أمكن بشكل لا يفهم انّ المذموم أبوه ، بأن يقول : ما حكم أب أخذ مال ابنه؟ وان لم يمكنه ذلك فليسع أن لا يسمعه غير ذلك العالم.
رابعاً : نصيحة المستشير ، بأن يستشير شخصٌ آخر في اعطاء ماله لشخص على نحو القرض أو المضاربة ، وكذا لو استشاره في رجل قدم على ابنته مثلاً ، فيجب عليه هنا أن يقول ما يعلم ، ولو علم انّه لو قال بشكل مجمل لا تفعل لم يفعل يجب الاكتفاء به ، ولو لم يرض هذا الشخص المستشير الاّ بالتفصيل حول ذلك العيب الذي له دخل في تلك المعاملة مثلاً فليقل ولا يذكر أكثر منه.
ولا بأس لو منعه من باب الاخوة من المعاملة مع شخص معيّن من دون أن يستشيره ، وهذا فيما لو علم وصول ضرر عظيم على أخيه من قبل ذلك الشخص.
خامساً : ذكر بدع أرباب البدع الضارّة بدين الناس والخادعة لهم بل يجب بيان بدعهم ويلزم منع الناس عن متابعتهم سيما على العلماء ، كما روي بسند صحيح عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : اذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم ، وأكثروا من سبّهم والقول فيهم والوقيعة ، وباهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الإسلام ، ويحذرهم الناس ولا يتعلّمون من بدعهم ، يكتب الله لكم بذلك الحسنات ، ويرفع لكم به الدرجات في الآخرة(١) .
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٣٧٥ ح ٤ باب مجالسة أهل المعاصي ـ الوسائل ١١ : ٥٠٨ ح ١ باب ٣٩.
وروي في حديث صحيح آخر عنهعليهالسلام انّه قال : لا تصحبوا أهل البدع ، ولا تجالسوهم فتصيروا عند الناس كواحد منهم ، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : المرء على دين خليله وقرينه(١) .
والأحاديث في هذا الباب كثيرة ، ومرّ بعضها في باب البدعة ، ولا ضرر على الايمان وأهل الايمان مثل ضرر أرباب البدع ، لأنّ الناس تحترز عن الكفار لظهور كفرهم ، لكنّهم ينخدعون بأهل البدع المتلبسين بالتصنع والرياء وهيئة أهل الخير ، فيجب على العلماء وغيرهم اظهار بطلانهم ، والسعي في خراب بنيانهم ، كي لا يضلّ الجهلاء بمتابعتهم.
سادساً : تبيين خطأ اجتهاد المجتهدين ، فيجوز أن يخطىء مجتهد رأى مجتهد آخر يعتقد بطلانه مع اقامة الأدلة على بطلانه ، كما انّ دأب علماء السلف رضوان الله عليهم بيان أخطاء العلماء المعاصرين لهم والماضين ، وهذا لا يعني نقص أيّ واحد منهم وكلّ منهم يثاب ويؤجر على مساعيه الحميدة لاحياء الدين.
ولابد أن يكتفى في تبيين الخطأ في مسألة على قدر الضرورة ولا يبالغ ولا يشنّع ، وليكن الغرض الوحيد بيان الحق ورضى الله تعالى لا الحسد وسائر الأغراض الباطلة ، وللشيطان هنا طرق وحيل كثيرة.
سابعاً : جرح رواة الأخبار والأحاديث كما ذمّ علماؤنا في كتب رجالهم بعض الرواة لحفظ السنّة والشريعة والتمييز بين الصحيح وغيره ، والمعتبر وغيره ، فهذا جائز لتعلّق الغرض الديني به.
ثامناً : لو كان شخص مشهوراً بصفة ظاهرة ، فيذكر بتلك الصفة لمعرفته
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٣٧٥ ح ٣ باب مجالسة أهل المعاصي ـ الوسائل ١١ : ٥٠٢ ح ١ باب ٣٨.
وتمييزه بأن يقول : الأعرج الفلاني أو الأعور ، وجوّز البعض ذكر هذه العيوب الظاهرة مطلقاً ، وذهب بعض إلى الجواز فيما لو توقف تمييز ذلك الشخص على ذكر هذه الصفات.
والاحتياط يقتضي ذكره بنحو لا يتأذّى لو سمع حيث يكون نقصاً عليه عرفاً ، مثلاً : فلان الأعمى ، فانّه يمكنه استبدال هذه الكلمة بكلمة أخرى لا تستلزم التحقير ، ويدلّ على استثناء هذا الفرد اجمالاً بعض الأخبار المعتبرة.
فروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : الغيبة أن تقول في أخيك ما ستره الله عليه ، وأمّا الأمر الظاهر فيه مثل الحدّة والعجلة فلا ، والبهتان أن تقول فيه ما ليس فيه(١) .
تاسعاً : غيبة من يرتكب الذنوب علانية ويتظاهر بها كأرباب مناصب الجور ، فإنّ مناصبهم فسق وهم يرتكبونها علانية ، فلو ذكر شخص ذلك الذنب المرتكب علانية ، والمعلوم عند الناس ، ولم يبال صاحبه بذكره لم يكن غيبة ، كأن يقال : انّ فلان حاكم المدينة الكذائية ، فانه لو يسمع بذلك يزداد سروراً ، ومناط الغيبة هو الكراهة فيما لو سمع.
ولو فعل ذنباً علانية ويسيئه لو ذكر كمن يذنب في المجامع من دون اخفاء لكن لو ذكر ساءه فالمشهور عدم كونه غيبة ، ووقع الخلاف فيما لو ذُم وذُكرت عيوبه المخفية مع كونه متجاهراً ببعض الكبائر ، ولا يبعد جواز ذمّه على الذنوب التي يرتكبها علانية وان لم تتحقق شرائط النهي عن المنكر ، لكن عدم ذكر ذنوبه المخفيّة أولى وأحوط ، ووردت أحاديث كثيرة لاستثناء هذا الفرد اجمالاً.
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٣٥٨ ح ٧ باب الغيبة ـ عنه البحار ٧٥ : ٢٤٦ ح ٧ باب ٦٦.
فروي بسند معتبر عن أبي الحسن موسىعليهالسلام أنّه قال : من ذكر [ رجلاً ] من خلفه بما هو فيه ممّا لا يعرفه الناس اغتابه ، ومن ذكره بما ليس فيه فقد بهته(١) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : اذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له ولا غيبة(٢) .
وروي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : ثلاثة ليست لهم حرمة : صاحب هوى مبتدع ، والامام الجائر ، والفاسق المعلن الفسق(٣) .
وروي بسند صحيح عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : انّ حرمة الفاسق أقلّ من الجميع(٤) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : من عامل الناس فلم يظلمهم ، وحدّثهم فلم يكذبهم ، ووعدهم فلم يخلفهم ، فهو ممّن كملت مروّته ، وظهرت عدالته ، ووجبت أخوّته ، وحرمت غيبته(٥) .
وروي هذا المضمون بسند معتبر آخر عن أبي عبداللهعليهالسلام .
واستثنى العلماء فرداً آخر قريباً من هذا وهو فيما لو اطلع اثنان على عيب شخص فيتحادثان بينهما في ذلك العيب من دون وجود ثالث ، فذهب الأكثر على انّه لا يعدّ غيبة ، ولم يجوّزه البعض الآخر ، والاحتياط يقتضي الترك.
عاشراً : اطلاع جمع على ذنب يوجب الحد والتعزير الشرعي على شخص ،
____________
١ ـ الكافي ٢ : ٣٥٨ ح ٦ باب الغيبة ـ عنه البحار ٧٥ : ٢٤٥ ح ٦ باب ٦٦.
٢ ـ البحار ٧٥ : ٢٥٣ ح ٣٢ باب ٦٦ ـ عن أمالي الصدوق.
٣ ـ قرب الاسناد : ١٧٦ ح ٦٤٥ ـ عنه البحار ٧٥ : ٢٥٣ ح ٣٣ باب ٦٦.
٤ ـ مضمون النص.
٥ ـ البحار ٧٥ : ٢٥٢ ح ٢٦ باب ٦٦.
فيجوز الشهادة عند الحاكم الشرعي لو كان عددهم من الكثرة بحيث يثبت الأمر عنده ، دون حكّام الجور.
( الفصل الرابع )
في سماع الغيبة
انّ المشهور بين العلماء انّ السامع لو صدّق أو سمع وهو راضي كان كالمغتاب ، كما روي عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : السامع للغيبة أحد المغتابين(١) .
وظاهر بعض الأحاديث المعتبرة وكلام كثير من العلماء وجوب ردّ الغيبة مهما أمكن والمنع منها واعانة الأخ المؤمن بهذه الطريقة ، وان لم يمكنه فليقم ، وإن لم يقدر فليكره بقلبه ولا يرتضيه.
روي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : من اغتيب عنده أخوه المؤمن فنصره وأعانه نصره الله في الدنيا والآخرة ، ومن اغتيب عنده أخوه المؤمن فلم ينصره ولم يدفع عنه وهو يقدر على نصرته وعونه خفضه الله في الدنيا والآخرة(٢) .
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : من ردّ عن عرض أخيه كان له حجاباً من النار(٣) .
__________________
١ ـ غرر الحكم : ٢٢١ ح ٤٤٤٤.
٢ ـ البحار ٧٥ : ٢٥٥ ضمن حديث ٣٨ باب ٦٦ ـ عن ثواب الأعمال.
٣ ـ البحار ٧٥ : ٢٥٣ ضمن حديث ٣٤ باب ٦٦ ـ عن أمالي الطوسي : ١١٥ ح ٣١ مجلس ٤.
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من ردّ عن عرض أخيه المسلم كتب من أهل الجنة البتة(١) .
وقال بعض العلماء : لو سمعنا شخصاً يغتاب شخصاً آخر ولا نعلم انّ ذلك الآخر يستحق الغيبة أم لا ، لا يجوز لنا نهي المتكلّم والحكم بفسقه لأنّ أعمال المسلمين محمولة على الصحة ولعلّه يوجد غرض صحيح في هذا الغيبة ، فنهيه يكون ايذاء المسلم ، ولا يجوز ايذاءه ما لم يعلم انّ فعله محرم.
ولا يبعد التفصيل هنا بأن نقول : إذا كان القائل ممّن لا يحتمل وجود غرض صحيح فيه حسب ظاهره وأحواله يمكنه منعه ، وان كان من أهل الصلاح والورع وكانت أكثر أموره تدور على التدين ويمكن حمله على المحامل الصحيحة ، فإن أمكن منعه بوجه حسن بحيث لا يتأذّى ، أو منعه بذكر مبرّر لفعل ذلك الشخص الغائب فهو ، والاّ فليسكت ولا يحكم بفسق القائل ، ويلزم هنا رعاية الاحتياط من الطرفين مهما أمكن ، والله العالم.
( الفصل الخامس )
في كفارة الغيبة والتوبة عنها
وتعتبر هنا الشروط التي مضت في التوبة ، وبما أنّ الغيبة حقّ الناس فلابد للمستغيب أن يذهب إلى كلّ من هتك عنده عرض ذلك الشخص واغتابه وليذكره بذكر جميل مهما أمكن ، وينسيهم تلك المعايب التي قالها في حقه.
واختلفت الأحاديث في طلب ابراء الذمة من الذي اغتابه ، فروي عن رسول
__________________
١ ـ أمالي الطوسي : ٢٣٣ ح ٦ مجلس ٩ ـ عنه البحار ٧٥ : ٢٥٣ ح ٣٥ باب ٦٦.
اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : الغيبة أشدّ من الزنا ، فقيل : يا رسول الله ولم ذاك؟ قال : صاحب الزنا يتوب فيتوب الله عليه ، وصاحب الغيبة يتوب فلا يتوب الله عليه حتى يكون صاحبه الذي يحلّه(١) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : سُئل النبيصلىاللهعليهوآله ما كفّارة الاغتياب؟ قال : تستغفر لمن اغتبته كلّما ذكرته(٢) .
وروي بسند آخر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : كفّارة الاغتياب أن تستغفر لمن اغتبته(٣) .
وجمعوا بين هذه الأحاديث بأنّ صاحب الحق إن سمع [ تلك الغيبة مثلاً ] وأمكن ابراء الذمة منه فليفعل ، وان لم يسمع أو سمع ولم يمكن طلب ابراء الذمة منه بأن كان ميتاً أو غائباً استغفر له ، والأحوط أن يطلب البراءة منه وان لم يسمع الاّ أن يسبّب أذاه ، والأحوط أيضا أن لا يترك طلب البراءة ولو بصورة مجملة بحيث لا يتأذى ، والله تعالى العالم.
( الفصل السادس )
في ذم البهتان ، واتهام المؤمنين ، وسوء الظن بهم
روي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من بهت مؤمناً أو مؤمنة بما ليس فيه بعثه الله في طينة خبال حتى يخرج ممّا قال ، قلت : وما طينة الخبال؟ قال :
__________________
١ ـ الخصال : ٦٢ ح ٩٠ باب ٢ ـ عنه البحار ٧٥ : ٢٥٢ ح ٢٧ باب ٦٦.
٢ ـ الكافي ٢ : ٣٥٧ ح ٤ باب الغيبة ـ عنه البحار ٧٥ : ٢٤١ ح ٤ باب ٦٦.
٣ ـ أمالي الطوسي : ١٩٢ ح ٢٧ مجلس ٧ ـ عنه البحار ٧٥ : ٢٥٢ ح ٢٩ باب ٦٦.
صديد يخرج من فروج المومسات(١) .
وروي بسند معتبر عن رسول الله صلّى الله وآله وسلّم انّه قال : من بهت مؤمناً أو مؤمنة أو قال فيه ما ليس فيه ، أقامه الله تعالى يوم القيامة على تلّ من نار حتى يخرج ممّا قاله فيه(٢) .
وقالصلىاللهعليهوآله : اياكم والظن فإنّ الظن أكذب الكذب(٣) .
وروي بسند معتبر أنّه : سئل أمير المؤمنينعليهالسلام كم بين الحق والباطل؟ فقال : أربع أصابع ، ووضع أمير المؤمنينعليهالسلام يده على أذنه وعينيه ، فقال : ما رأته عيناك فهو الحق ، وما سمعته أذناك فأكثره باطل(٤) .
وروي بسند معتبر آخر عن [ أبي عبداللهعليهالسلام ] أنّه قال : إذا اتهم المؤمن أخاه انماث(٥) الايمان من قلبه كما ينماث الملح في الماء(٦) .
وقالعليهالسلام : من اتهم أخاه في دينه فلا حرمة بينهما(٧) .
وروي بأسانيد معتبرة عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك منه ، ولا تظنّن بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً(٨) .
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٣٥٧ ح ٥ باب الغيبة ـ عنه البحار ٧٥ : ٢٤٤ ح ٥ باب ٦٦.
٢ ـ البحار ٧٥ : ١٩٤ ح ٥ باب ٦٢ ـ عن عيون أخبار الرضاعليهالسلام .
٣ ـ قرب الاسناد : ٢٩ ح ٩٤ ـ عنه البحار ٧٥ : ١٩٥ ح ٨ باب ٦٢.
٤ ـ الخصال : ٢٣٦ ح ٧٨ باب ٤ ـ عنه البحار ٧٥ : ١٩٥ ح ٩ باب ٦٢.
٥ ـ انماث : اختلط وذاب.
٦ ـ الكافي ٢ : ٣٦١ ح ١ باب التهمة ـ عنه البحار ٧٥ : ١٩٨ ح ١٩ باب ٦٢.
٧ ـ الكافي ٢ : ٣٦١ ح ٢ باب التهمة ـ عنه البحار ٧٥ : ١٩٨ ح ٢٠ باب ٦٢.
٨ ـ الكافي ٢ : ٣٦٢ ح ٣ باب التهمة ـ عنه البحار ٧٥ : ١٩٩ ح ٢١ باب ٦٢.
وقالعليهالسلام : اطلب لأخيك عذراً فإن لم تجد له عذراً فالتمس له عذراً(١) .
وروي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : لا تعجلوا على شيعتنا إن تزل لهم قدم تثبت لهم اُخرى(٢) .
وروي عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس(٣) .
وروي بسند معتبر عن أبي جعفر وأبي عبداللهعليهماالسلام انهما قالا : أقرب ما يكون العبد إلى الكفر أن يواخي الرجل على الدين ، فيحصي عليه عثراته وزلاّته ليعنّفه بها يوماً ما(٤) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : يا معشر من أسلم بلسانه ولم يخلص الايمان إلى قلبه لا تذمّوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فانّه من تتبّع عوراتهم تتبّع الله عورته ، ومن تتبّع الله تعالى عورته يفضحه ولو في بيته(٥) .
وروي بسند معتبر عنهصلىاللهعليهوآله انّه قال : من أذاع فاحشة كان كمبتدئها ، ومن عيّر مؤمناً بشيء لم يمت حتى يركبه(٦) .
وروي في حديث آخر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من أنّب مؤمناً أنّبه الله في الدينا والآخرة(٧) .
__________________
١ ـ البحار ٧٥ : ١٩٤ ح ٤ باب ٦٢ ـ عن الخصال ، حديث الأربعمائة.
٢ ـ البحار ٦٨ : ١٩٩ ح ١ باب ٢٠ عن قرب الاسناد.
٣ ـ البحار ٧٥ : ٤٦ ح ١ باب ٤٠ ـ عن تفسير القمي.
٤ ـ الكافي ٢ : ٣٥٤ ح ١ باب من طلب عثرات المؤمنين ـ عنه البحار ٧٥ : ٢١٧ ح ٢٠ باب ٦٥.
٥ ـ الكافي ٢ : ٣٥٤ ح ٢ باب من طلب عثرات المؤمنين ـ عنه البحار ٧٥ : ٢١٨ ح ٢١ باب ٦٥.
٦ ـ الكافي ٢ : ٣٥٦ ح ٢ باب التعيير.
٧ ـ الكافي ٢ : ٣٥٦ ح ١ باب التعيير.
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : كفى بالمرء عيباً أن ينظر من الناس إلى ما يعمى عنه من نفسه ، ويعيّر الناس بما لا يستطيع تركه ، ويؤذي جليسه بما لا يعنيه(١) .
وروي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : إذا كان الرجل على يمينك على رأي ثم تحوّل إلى يسارك فلا تقل الاّ خيراً ، ولا تبرأ منه حتى تسمع منه ما سمعت وهو على يمينك ، فإنّ القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلّبها كيف يشاء ساعة كذا وساعة كذا ، وانّ العبد ربما وفّق للخير(٢) .
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : من مقت نفسه دون مقت الناس آمنه الله من فزع يوم القيامة(٣) .
واعلم انّ من القبيح سوء الظن بالناس ، وكذلك جعل الانسان نفسه في موضع التهمة ، كما روي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : قال لي أبي : يا بنيّ من يصحب صاحب السوء لا يسلم ، ومن يدخل مداخل السوء يتهم ، ومن لا يملك لسانه يندم(٤) .
وجاء فيما أوصى به أمير المؤمنينعليهالسلام عند وفاته : اياك ومواطن التهمة ، والمجلس المظنون به السوء ، فإنّ قرين السوء يغرّ جليسه(٥) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : أولى الناس
__________________
١ ـ الخصال : ١١٠ ح ٨١ باب ٣ ـ عنه البحار ٧٥ : ٤٧ ح ٤ باب ٤٠.
٢ ـ البحار ٧٥ : ٤٨ ح ٩ باب ٤١ ـ عن علل الشرائع.
٣ ـ الخصال : ١٥ ح ٥٤ باب ١ ـ عنه البحار ٧٥ : ٤٨ ح ١٠ باب ٤١.
٤ ـ الخصال : ١٦٩ ضمن حديث ٢٢٢ باب ٣ ـ عنه البحار ٧٥ : ٩٠ ح ١ باب ٤٦.
٥ ـ البحار ٧٥ : ٩٠ ح ٢ باب ٤٦ ـ عن أمالي الطوسي.
بالتهمة من جالس أهل التهمة(١) .
وروي عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : من وقف نفسه موقف التهمة فلا يلومنّ من أساء به الظن(٢) .
والأحاديث بهذا المضمون كثيرة.
( الفصل السابع )
في ذم الحسد
يعتبر الحسد منشأً للغيبة في أكثر الناس ، لذا فهو يعدّ من أخبث الصفات الذميمة النفسانية حيث انّ أوّل معصية وقعت كانت معصية الشيطان وكان باعثها الحسد ، والمشهور انّ اظهار الحسد من الذنوب الكبيرة ومنافٍ للعدالة ، وأصله من ذنوب القلب وأمراض النفس ، والحسود يعذّب في الدنيا بعين هذه الخصلة أيضاً ، وهذا حال أكثر الملكات السيّئة ، فإنّ الانسان يعذّب بها في الدنيا مع قطع النظر عن عقوبة الآخرة.
وعرّف الحسد برغبة الانسان زوال النعمة عن المحسود ، ولو أراد لنفسه مثلما لذلك الشخص أو أكثر ولا يتضايق من كون هذا الشيء عند ذلك الشخص فهو غبطة ، ويعتبر من الصفات الحسنة.
وصاحب الحسد بما انّه يريد زوال النعمة عن المحسود فكلّما يرى شخصاً في نعمة يتأذّى بكونها عنده ، ولا يمكن أن تنمحى نعم الله عن
__________________
١ ـ البحار ٧٥ : ٩٠ ح ٣ باب ٤٦ ـ عن معاني الأخبار.
٢ ـ البحار ٧٥ : ٩٠ ح ٤ باب ٤٦ ـ عن أمالي الصدوق.
الأشخاص ، فلذا يكون هذا الانسان دائم العذاب من هذا الخُلق السيئ.
وكذلك الحريص يريد انّ يحصل على جميع أموال العالم ، وهذا مما لا يتيسّر له أبداً فلذا تراه دائم الألم ، وذو الخُلق السيىء دائم المنازعة مع الناس ولا يتيسر له أن يكون قاهراً غالباً دائماً فلذا تراه دائم التعب ، وهكذا أمر سائر الأخلاق السيئة.
وليفكر الحسود انّ ذوي النعم لم ينقصوا من مقداره وشأنه شيئاً ، والله الذي أنعم تلك النعم عليهم بامكانه أن ينعم عليه بأضعاف منها من دون أن يقلّل منهم شيئاً ، وليعلم انّه لم يكن في صلاحه اعطاؤه تلك الأمور ، ولو أعطاه الله اياها لصارت وبالاً عليه.
وليفكر انّ حسده وغمّه على المحسود لا يضرّه شيئاً بل يصل الضرر في الدنيا والعقبى إلى نفسه لا غير ، فليتوسل بهذه التفكرات الصحيحة إلى الله تعالى ، وليجادل نفسه ويعارضها كي يخلّصه الله تعالى من شرّ هذه الصفة الذميمة ، فانّه لا صفة بحسب العقل والشرع أخبث منها.
فقد روي بأسانيد معتبرة عن الأئمة صلوات الله عليهم انّ الحسد يأكل الايمان كما تأكل النار الحطب(١) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : قال الله عزّوجلّ لموسى بن عمرانعليهالسلام : يا ابن عمران لا تحسدّن الناس على ما أتيتهم من فضلي ، ولا تمدّن عينيك إلى ذلك ، ولا تتبعه نفسك ، فإنّ الحاسد ساخط لنعمي ، صادّ لقسمي الذي قسمت بين عبادي ، ومن يك كذلك فلست منه وليس منّي(٢) .
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٣٠٦ ح ٢ باب الحسد ـ عنه البحار ٧٣ : ٢٤٤ ح ٢ باب ١٣١.
٢ ـ الكافي ٢ : ٣٠٧ ح ٦ باب الحسد ـ عنه البحار ٧٣ : ٢٤٩ ح ٦ باب ١٣١.
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : انّ المؤمن يغبط ولا يحسد ، والمنافق يحسد ولا يغبط(١) .
وقالعليهالسلام : قال لقمان لابنه : للحاسد ثلاث علامات : يغتاب إذا غاب ، ويتملّق إذا شهد ، ويشمت بالمصيبة(٢) .
وقالعليهالسلام : لا راحة لحسود(٣) .
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٣٠٧ ح ٧ باب الحسد ـ عنه البحار ٧٣ : ٢٥٠ ح ٧ باب ١٣١.
٢ ـ الخصال : ١٢١ ضمن حديث ١١٣ باب ٣ ـ عنه البحار ٧٣ : ٢٥١ ح ١١ باب ١٣١.
٣ ـ البحار ٧٣ : ٢٥٢ ح ١٢ باب ١٣١ ـ عن الخصال.
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذررحمهالله ] :
يا أباذر لا يدخل الجنّة قتات ، قلت : وما القتات؟ قال : النمام.
يا أباذر صاحب النميمة لا يستريح من عذاب الله عزّوجلّ في الآخرة.
روي بسند صحيح عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال [ لأصحابه ] : ألا أنبّئكم بشراركم؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : المشاؤون بالنميمة ، المفرّقون بين الأحبّة ، الباغون للبراء المعايب(١) .
و روي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : محرّمة الجنّة على القتاتين المشائين بالنميمة(٢) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : أربعة لا يدخلون الجنّة : الكاهن ، والمنافق ، ومدمن الخمر ، والقتات وهو النمام(٣) .
وقالعليهالسلام : بينا موسى بن عمرانعليهالسلام يناجي ربّه عزّوجلّ إذ رأى رجلاً تحت ظلّ عرش الله عزّوجلّ فقال : يا رب من هذا الذي قد أظله عرشك؟ فقال : هذا كان باراً بوالديه ، ولم يمش بالنميمة(٤) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه نهى عن النميمة
____________
١ ـ الكافي ٢ : ٣٦٩ ح ١ باب النميمة.
٢ ـ الكافي ٢ : ٣٦٩ ح ٢ باب النميمة.
٣ ـ أمالي الصدوق : ٣٣٠ ح ٥ مجلس ٦٣ ـ عنه البحار ٧٥ : ٢٦٣ ح ١ باب ٦٧.
٤ ـ أمالي الصدوق : ١٥٢ ح ٢ مجلس ٣٤ ـ عنه البحار ٧٥ : ٢٦٣ ح ٢ باب ٦٧.
والاستماع إليها ، وقال : لا يدخل الجنّة قتات يعني نماماً ، وقالصلىاللهعليهوآله : يقول الله عزّوجلّ : حرّمت الجنّة على المنّان والبخيل والقتات وهو النمام(١) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : ثلاثة لا يدخلون الجنّة : السفاك للدم ، وشارب الخمر ، ومشاء بالنميمة(٢) .
وروي بسند صحيح عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : لمّا أسري بي رأيت امرأة رأسها رأس خنزير ، وبدنها بدن الحمار ، وعليها ألف ألف لون من العذاب ، فسئل ما كان عملها؟ فقال : انّها كانت نمامة كذّابة(٣) .
__________________
١ ـ البحار ٧٥ : ٢٦٤ ح ٤ باب ٦٧ ـ عن أمالي الصدوق.
٢ ـ البحار ٧٥ : ٢٦٤ ح ٥ باب ٦٧ ـ عن الخصال.
٣ ـ البحار ٧٥ : ٢٦٤ ح ٧ باب ٦٧ ـ عن عيون أخبار الرضاعليهالسلام .
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذررحمهالله ] :
يا أباذر من كان ذا وجهين ولسانين في الدنيا فهو ذو لسانين في النار.
اعلم انّ من النفاق المعاملة مع الناس بوجه طلق ولسان جميل مع اظهار المحبة ، ويعاديهم في الغياب ويذمّهم ، وهذا من أخسّ الصفات الذميمة.
روي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : بئس العبد عبد يكون ذا وجهين وذا لسانين ، يطري أخاه شاهدا ويأكله غائبا ، ان أعطي حسده ، وان أبتلي خذله(١) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من لقى المسلمين بوجهين ولسانين جاء يوم القيامة وله لسانان من نار(٢) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : يجيء يوم القيامة ذو الوجهين دالعاً لسانه في قفاه ، وآخر من قدّامه يلتهبان ناراً حتى يلهبان جسده ، ثم يقال له : هذا الذي كان في الدنيا ذا وجهين وذا لسانين ، يعرف بذلك يوم القيامة(٣) .
وروي انّه قال الله تبارك وتعالى لعيسى بن مريمعليهالسلام : يا عيسى ليكن لسانك في السر والعلانية لساناً واحداً وكذلك قلبك ، انّي احذّرك نفسك وكفى بي
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٣٤٣ ح ٢ باب ذي اللسانين ـ عنه البحار ٧٥ : ٢٠٦ ح ١٣ باب ٦٣.
٢ ـ الكافي ٢ : ٣٤٣ ح ١ باب ذي اللسانين ـ عنه البحار ٧٥ : ٢٠٤ ح ١٢ باب ٦٣.
٣ ـ الخصال : ٣٧ ح ١٦ باب ٢ ـ عنه البحار ٧٥ : ٢٠٣ ح ٥ باب ٦٣.
خبيراً ، لا يصلح لسانان في فم واحد ، ولا سيفان في غمد واحد ، ولا قلبان في صدر واحد ، وكذلك الأذهان(١) .
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٣٤٣ ح ٣ باب ذي اللسانين ـ عنه البحار ٧٥ : ٢٠٦ ح ١٤ باب ٦٣.
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذررحمهالله ] :
يا أباذر المجالس بالأمانة ، وافشاء سرّ أخيك خيانة ، فاجتنب ذلك ، واجتنب مجلس العشيرة.
اعلم انّ من آداب المجالس عدم افشاء سرّها لما يترتب عليه من المفاسد العظيمة ، وكثيراً ما يتكلّم الانسان عند مصاحبيه بالأسرار ويلقيها اعتماداً على الصداقة والمعرفة ، فقد يسبب ذكرها قتل نفس ، أو تلف مال ، أو حدوث عداواة شديدة ، ويمكن أن يعدّ هذا قسماً من النميمة.
انّ السرّ الذي يدعه الانسان عند أخيه أمانة فاشاعته من أقبح الخيانات ، لأن من لم يحفظ سرّ أخيه وأذاعه بين الآخرين فإن من الأُولى أن لا يكتمه الآخرون فيذيعونه ، وربما وصل إلى مسامع عدوٍّ له فيكون ذلك سبباً في إلحاق الضرر به ، نعم لو تعلّق غرض ديني بنقل ما جرى في مجلس كان ذلك جائزاً.
روي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : المجالس بالأمانة الاّ ثلاثة مجالس : مجلس سُفك فيه دم حرام ، ومجلس استحلّ فيه فرج حرام ، ومجلس استحلّ فيه مال حرام بغير حقّه(١) .
وروي عن موسى بن جعفرعليهالسلام انّه قال : ثلاثة يستظلّون بظلّ عرش الله يوم لا ظلّ الاّ ظلّه : رجل زوّج أخاه المسلم ، أو أخدمه ، أو كتم له سرّاً(٢) .
__________________
١ ـ أمالي الطوسي : ٥٣ ح ٧١ مجلس ٢ ـ عنه البحار ٧٥ : ٤٦٥ ح ٧ باب ٩٥.
٢ ـ الخصال : ١٤١ ح ١٦٢ باب ٣ ـ عنه البحار ٧٥ : ٧٠ ح ١٠ باب ٤٥.
واعلم انّه كما يجب كتمان أسرار الآخرين كذلك يجب على الانسان كتمان أسراره ولا يطلع الناس على أموره المخفية بحيث يخاف ضرر عليه بالافشاء ، فانّه لا يمكن الإعتماد على كلّ صديق ، كما روي بسند معتبر عن أمير المؤميننعليهالسلام انّه قال : من كتم سرّه كانت الخيرة بيده ، وكلّ حديث جاوز اثنين فشا(١) .
قال البعض : انّ المراد كلّ سرّ جاوز الشفتين فشا.
روي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : لا تطلع صديقك من سرّك الاّ على ما لو اطلع عليه عدوّك لم يضرّك ، فإنّ الصديق قد يكون عدوّك يوماً ما(٢) .
وروي عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : أحبب حبيبك هوناً ما فعسى أن يكون بغيضك يوماً ما ، وابغض بغيضك هوناً ما فعسى أن يكون حبيبك يوماً ما(٣) .
__________________
١ ـ البحار ٧٥ : ٦٨ ح ١ باب ٤٥.
٢ ـ البحار ٧٥ : ٧١ ح ١٢ باب ٤٥ ـ عن أمالي الصدوق.
٣ ـ أمالي الطوسي : ٣٦٤ ح ١٨ مجلس ١٣ ـ عنه البحار ٧٤ : ١٧٧ ح ١٤ باب ١١.
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذررحمهالله ] :
يا أباذر تعرض أعمال أهل الدنيا على الله من الجمعة إلى الجمعة في يومين ، الاثنين والخميس ، فيغفر لكلّ عبد مؤمن الاّ عبداً كانت بينه وبين أخيه شحناء ، فيقال : اتركوا عمل هذين حتى يصطلحا.
يا أباذر اياك وهجران أخيك فإنّ العمل لا يتقبل مع الهجران.
يا أباذر أنهاك عن الهجران ، وان كنت لابدّ فاعلاً فلا تهجره ثلاثة أيام كملاً ، فمن مات فيها مهاجراً لأخيه كانت النار أولى به.
روي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : ألا أنبئكم بشرّ الناس؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : من أبغض الناس وأبغضه الناس(١) .
وروي بسند آخر عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال لبنيه : يا بَنيّ اياكم ومعاداة الرجال ، فانّهم لا يخلون من ضربين ، من عاقل يمكر بكم ، أو جاهل يعجل عليكم(٢) .
وروري أيضاً : أربعة القليل منها كثير ، النار القليل منها كثير ، والنوم القليل منه كثير ، والمرض القليل منه كثير ، والعداوة القليل منها كثير(٣) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : من كثر همّه سقم
__________________
١ ـ البحار ٧٢ : ٢٠٣ ضمن حديث ١ باب ١٠٦.
٢ ـ الخصال : ٧٢ ح ١١١ باب ٢ ـ عنه البحار ٧٥ : ٢٠٩ ح ١ باب ٦٤.
٣ ـ الخصال : ٢٣٨ ح ٨٤ باب ٤ ـ عنه البحار ٧٥ : ٢١٠ ح ٢ باب ٦٤.
بدنه ، ومن ساء خلقه عذّب نفسه ، ومن لاحى الرجال سقطت مروءته وذهبت كرامته.
ثم قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : لم يزل جبرئيلعليهالسلام ينهاني عن ملاحاة الرجال كما ينهاني عن شرب الخمر وعبادة الأوثان(١) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من زرع العداوة حصد ما بذر(٢) .
وقالعليهالسلام : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ما أتاني جبرئيل قطّ الاّ وعظني ، فآخر قوله لي : ايّاك ومشارّة(٣) الناس فانّها تكشف العورة ، وتذهب بالعزّ(٤) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : لا هجرة فوق ثلاث(٥) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : لا يفترق رجلان على الهجران الاّ استوجب أحدهما البراءة واللعنة ، وربما استحقّ ذلك كلاهما ، فقال له [ معتّب : ] جعلني الله فداك هذا الظالم فما بال المظلوم؟
قال : لأنّه لا يدعو أخاه إلى صلته ، ولا يتغامس له عن كلامه ، سمعت أبي يقول : إذا تنازع اثنان فعازّ أحدهما الآخر فليرجع المظلوم إلى صاحبه حتى يقول
__________________
١ ـ أمالي الطوسي : ٥١٢ ح ٢٦ مجلس ١٨ ـ عنه البحار ٧٥ : ٢١٠ ح ٤ باب ٦٤.
٢ ـ الكافي ٢ : ٣٠٢ ح ١٢ باب المراء والخصومة ومعاداة الرجال.
٣ ـ المشارّة : المخاصمة.
٤ ـ الكافي ٢ : ٣٠٢ ح ١٠ باب المراء والخصومة ومعاداة الرجل.
٥ ـ الكافي ٢ : ٣٤٤ ح ٢ باب الهجرة ـ عنه البحار ٧٥ : ١٨٥ ح ٢ باب ٦٠.
لصاحبه : أي أخي أنا الظالم ، حتى يقطع الهجران بينه وبين صاحبه ، فإنّ الله تبارك وتعالى حكم عدل يأخذ للمظلوم من الظالم(١) .
وقالعليهالسلام : [ قال أبي : ] قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أيما مسلمَين تهاجرا فمكثا ثلاثاً لا يصطلحان الاّ كانا خارجين من الإسلام ، ولم يكن بينهما ولاية ، فأيّهما سبق إلى كلام أخيه كان السابق إلى الجنّة يوم الحساب(٢) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : لا يزال ابليس فرحاً ما اهتجر المسلمان ، فاذا التقيا اصطكّت ركبتاه ، وتخلّعت أوصاله ، ونادى يا ويله ، ما لقي من الثبور(٣) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : صدقة يحبّها الله اصلاح بين الناس إذا تفاسدوا ، وتقارب بينهم إذا تباعدوا(٤) .
قالعليهالسلام : لأن أصلح بين اثنين أحبّ إليّ من أن أتصدّق بدينارين(٥) .
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٣٤٤ ح ١ باب الهجرة ـ عنه البحار ٧٥ : ١٨٤ ح ١ باب ٦٠.
٢ ـ الكافي ٢ : ٣٤٥ ح ٥ باب الهجرة ـ عنه البحار ٧٥ : ١٨٦ ح ٥ باب ٦٠.
٣ ـ الكافي ٢ : ٣٤٦ ح ٧ باب الهجرة ـ عنه البحار ٧٥ : ١٨٧ ح ٧ باب ٦٠.
٤ ـ الكافي ٢ : ٢٠٩ ح ١ باب الاصلاح بين الناس.
٥ ـ الكافي ٢ : ٢٠٩ ح ٢ باب الاصلاح بين الناس.
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذررحمهالله ] :
يا أباذر من أحبّ أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوّء مقعده من النار.
يا أباذر من مات وفي قلبه مثقال ذرّة من كبر لم يجد رائحة الجنة الاّ أن يتوب قبل ذلك ، فقال رجل : يا رسول الله انّي ليعجبني الجمال حتى وددت انّ علاقة سوطي وفتال نعلي حسن ، فهل يرهب على ذلك؟ قال : كيف تجد قلبك؟
قال : أجده عارفاً للحق ، مطمئنّاً إليه ، قال : ليس ذلك بالكبر ولكن الكبر ان تترك الحق وتتجاوزه إلى غيره ، وتنظر إلى الناس ولا ترى انّ احداً عرضه كعرضك ، ولا دمه كدمك.
يا أباذر أكثر من يدخل النار المستكبرون ، فقال رجل : وهل ينجو من الكبر أحد يا رسول الله؟ قال : نعم من لبس الصوف ، وركب الحمار ، وحلب العنز ، وجالس المساكين.
يا أباذر من حمل بضاعته فقد برىء من الكبر ، يعني ما يشترى من السوق.
يا أباذر من جرّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله عزوجل إليه يوم القيامة.
يا أباذر من رفع ذيله ، وخصف نعله ، وعفر وجهه فقد برىء من الكبر.
يا أباذر من كان له قميصان فليلبسنّ أحدهما ، وليلبسنّ الآخر أخاه.
يا أباذر سيكون ناس من أمتي يولدون في النعيم ، ويغذون به ، همتهم ألوان الطعام والشراب ، ويمدحون بالقول أولئك شرار أمتي.
يا أباذر من ترك لبس الجمال وهو يقدر عليه تواضعاً لله عزّوجلّ فقد كساه حلّة الكرامة.
يا أباذر طوبى لمن تواضع لله تعالى في غير منقصة ، وأذلّ نفسه في غير مسكنة ،
وأنفق مالاً جمعه في غير معصية ، ورحم أهل الذلّ والمسكنة ، وخالط أهل الفقه والحكمة ، طوبى لمن صلحت سريرته ، وحسنت علانيته ، وعزل عن الناس شرّه ، طوبى لمن عمل بعلمه ، وأنفق الفضل من ماله ، وأمسك الفضل من قوله.
يا أباذر البس الخشن من اللباس ، والضيق من الثياب لئلاّ يجد الفخر فيك مسلكاً.
بما أنّ أكثر مطالب هذه الفقرات الشريفة قد مرّت سابقاً فنوضّح باقي الأمور في طيّ مصابيح :
( المصباح الأول )
في ذمّ التكبر
وقد مرّ مجملاً منه في باب التواضع ، فاعلم انّ التكبّر من أقبح الصفات الذميمة ، ويوجب الذل في الدنيا والآخرة ، وهو السبب لكفر وعناد كفّار كلّ قوم ، وانّ أول معصية عُصي بها الرب لهي معصية الشيطان حيث تكبر ولم يسجد لآدمعليهالسلام ، فلعن أبد الآباد.
وكما قال أمير المؤمنينعليهالسلام في الخطبة القاصعة :
الحمد لله الذي لبس العزّ والكبرياء ، واختارهما لنفسه دون خلقه ، وجعلهما حمى(١) وحرماً على غيره ، واصطفاهما لجلاله.
وجعل اللعنة على من نازعه فيهما من عباده ، ثم اختبر بذلك ملائكته المقرّبين ، ليميز المتواضعين منهم من المستكبرين ، فقال سبحانه وهو العالم
__________________
١ ـ الحمى : ما حميته عن وصول الغير إليه والتصرف فيه.
بمضمرات القلوب ومحجوبات الغيوب :( اِنّى خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ * فَاذِا سَوَّيتُهُ وَنَفَختُ فِيهِ مِن رُّوحي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسجَدَ المَلاَئِكَةُ كُلُّهُم أَجمَعُونَ * اِلاَّ اِبلِيسَ ) (١) .
إعترضَتهُ الحميّة فافتخر على آدم بخَلقِهِ ، وتعصّب عليه لأصله ، فعدوّ الله امام المتعصّبين ، وسلف المستكبرين ، الذي وضع أساس العصبيّة ، ونازع الله رداء الجبريّة ، وادّرع لباس التعزّز ، وخلع قناع التذلّل ، ألا ترون كيف صغّره الله بتكبّره ، ووضعه بترفّعه ، فجعله في الدنيا مدحوراً ، وأعدّ له في الآخرة سعيراً.
ولو أراد الله أن يخلق آدم من نورٍ يخطف الأبصار ضياؤه ، ويبهر العقول رواؤه(٢) ، وطيبٍ يأخذ الأنفاس عَرفُهُ(٣) لفعل ، ولو فعل لظلّت له الأعناق خاضعة ، ولخفّت البلوى فيه على الملائكة ، ولكن الله سبحانه يبتلي خلقه ببعض ما يجهلون أصله ، تمييزاً بالاختبار لهم ، ونفياً للاستكبار عنهم ، وإبعاداً للخُيلاء منهم.
فاعتبروا بما كان من فعل الله بابليس إذ أحبط عمله الطويل ، وجَهدُه الجهيد ، وكان قد عبدالله ستة آلاف سنة ، لا يُدرى أمن سني الدنيا أم من سني الآخرة ، عن كبر ساعةٍ واحدةٍ ، فمن ذا بعد ابليس يسلم على الله بمثل معصيته؟
[ كلاّ ما كان الله سبحانه ليدخل الجنة بشراً بأمر أخرج به منها ملكاً ، انّ حكمه في أهل السماء والأرض لواحد ، وما بين الله وبين أحد من خلقه هوادة(٤) في اباحة حمى حرّمه على العالمين ](٥) .
__________________
١ ـ ص : ٧٤ و٧١.
٢ ـ الرواء ـ بضم ففتح ـ : حسن المنظر.
٣ ـ العرف ـ بالفتح ـ : الرائحة.
٤ ـ الهوادة ـ بالفتح ـ : اللين والرخصة.
٥ ـ لم يكن ما وضعناه بين المعكوفتين في المتن الفارسي.
فاحذروا عباد الله عدوّ الله أن يعديكم بدائه ، وأن يستفزّكم(١) بندائه ، وأن يجلب عليكم بخيله ورجله ، [ فلعمري لقد فوّق لكم سهم الوعيد(٢) ، وأغرق(٣) إليكم بالنزع الشديد ، ورماكم من مكان قريب ، فقال :( رَبِّ بِمَا أَغوَيتَنِي لاَُزَيِّنَنَّ لَهُم في الأَرضِ وَلأغوِيَنَّهُم أََجمَعِينَ ) (٤) .
قذفاً بغيب بعيد ، ورجماً بظنّ غير مصيب ، صدّقه به أبناء الحميّة ، واخوان العصبيّة ، وفرسان الكبر والجاهلية ، حتى اذا انقادت له الجامحة منكم ، واستحكمت الطماعيّة منه فيكم ، فنجمت الحال من السرّ الخفي إلى الأمر الجلي ، واستفحل سلطانه عليكم ، ودلف(٥) بجنوده نحوكم.
فأقحموكم(٦) ولجات(٧) الذّل ، وأحلّوكم ورطات القتل ، وأوطؤوكم اثخان الجراحة ، طعناً في عيونكم ، وحزّاً في حلوقكم ، ودقّاً لمناخركم ، وقصداً لمقاتلكم ، وسوقاً بخزائم القهر إلى النار المعدّة لكم.
فأصبح أعظم في دينكم حرجاً ، وأورى(٨) في دنياكم قدحاً ، من الذين أصبحتم لهم مناصبين ، وعليهم متألّبين ، فاجعلوا عليه حدّكم(٩) وله جدّكم.
فلعمر الله لقد فخر على أصلكم ، ووقع في حسبكم ، ودفع في نسبكم ،
__________________
١ ـ يستفزكم : يستنهضكم لما يريد.
٢ ـ فوق السهم : جعل له فوقاً ، والفوق موضع الوتر من السهم.
٣ ـ أغرق النازع : إذا استوفى مدّ قوسه.
٤ ـ الحجر : ٣٩.
٥ ـ دلفت الكتيبة في الحرب : تقدّمت.
٦ ـ أقحموكم : أدخلوكم بغتة.
٧ ـ الولجات : جمع ولجة ـ بالتحريك ـ : كهف يستتر فيه المارة من مطر ونحوه.
٨ ـ أورى : أي أشدّ قرحاً للنار.
٩ ـ حدّكم : غضبكم وحدّتكم.
وأجلب بخيله عليكم ، وقصد برجله سبيلكم ، يقتنصونكم بكلّ مكان ، ويضربون منكم كلّ بنان ، لا تمتنعون بحيلة ، ولا تدفعون بعزيمة ، في حومة ذلّ ، وحلقة ضيق ، وعرصة موت ، وجولة بلاء.
فاطفئوا ما كمن في قلوبكم من نيران العصبيّة وأحقاد الجاهليّة ، فأنّما تلك الحميّة تكون في المسلم من خطرات الشيطان ونخواته ونزعاته ونفثاته ](١) .
واعتمدوا على وضع التذلّل على رؤوسكم ، والقاء التعزّز تحت أقدامكم ، وخلع التكبر من أعناقكم ، واتخذوا التواضع مسلحة بينكم وبين عدوّكم ابليس وجنوده ، فإنّ له من كلّ أمّة جنوداً وأعواناً ورجلاً وفرساناً.
ولا تكونوا كالمتكبّر(٢) على ابن أمّه من غير ما فضلٍ جعله الله فيه سوى ما ألحقت العظمة بنفسه من عداوة الحسد ، وقدحت الحميّة في قلبه من نار الغضب ، ونفخ في أنفه من ريح الكبر الذي أعقبه الله به الندامة ، وألزمه آثام القاتلين إلى يوم القيامة.
[ ألا وقد أمعنتم(٣) في البغي ، وأفسدتم في الأرض مصارحة(٤) لله بالمناصبة ، ومبارزة للمؤمنين بالمحاربة ، فالله الله في كبر الحميّة ، وفخر الجاهلية فانّه ملاقح الشنآن ، ومنافخ الشيطان التي خدع بها الامم الماضية ، والقرون الخالية ، حتى أعنقوا في حنادس جهالته ، ومهاوي ضلالته ، وذللاً عن سياقه ، سلساً في قياده ، أمراً تشابهت القلوب فيه ، وتتابعت القرون عليه ، وكبراً تضايقت الصدور به.
__________________
١ ـ ليس ما وضعناه بين المعكوفتين من المتن الفارسي.
٢ ـ يعني به قابيل.
٣ ـ أمعنتم : بالغتم.
٤ ـ المصارحة : التظاهر.
ألا فالحذر الحذر من طاعة ساداتكم وكبرائكم الذين تكبّروا عن حسبهم ، وترفّعوا فوق نسبهم ، وألقوا الهجينة(١) على ربهم ، وجاحدوا الله على ما صنع بهم ، مكابرة لقضائه ، مغالبة لآلائه ، فانّهم قواعد أساس العصبية ، ودعائم أركان الفتنة ، وسيوف اعتزاء الجاهلية ](٢) .
فاتقوا الله ولا تكونوا لنعمه عليكم أصداداً ، ولا لفضله عندكم حسّاداً ، [ ولا تطيعوا الأعياء الذين شربتم بصفوكم كدرهم ، وخلطتم بصحتكم مرضهم ، وأدخلتم في حقكم باطلهم ، وهم أساس الفسوق ، وأحلاس(٣) العقوق.
اتخذتم ابليس مطايا ضلال ، وجنداً بهم يصول على الناس ، وتراجمة ينطق على ألسنتهم ، استراقاً لعقولكم ، ودخولاً في عيونكم ، ونفثاً في أسماعكم ، فجعلكم مرمى نبله ، وموطئ قدمه ، ومأخذ يده ].
فاعتبروا بما أصاب الأُمم المستكبرين من قبلكم من بأس الله وصولاته ، ووقائعه ومثلاته ، واتعظوا بمثاوي خدودهم ، ومصارع جنوبهم ، واستعيذوا بالله من لواقح الكبر ، كما تستعيذونه من طوارق الدهر.
فلو رخّص الله في الكبر لأحد من عباده لرخّص فيه لخاصة أنبيائه وأوليائه ، ولكنّه سبحانه كرّه إليهم التكابر ، ورضي لهم التواضع ، فألصقوا بالأرض خدودهم ، وعفّروا في التراب وجوههم ، وخفضوا أجنحتهم للمؤمنين ، وكانوا قوماً
__________________
١ ـ الهجينة : الفعلة القبيحة المستهجنة.
٢ ـ اعتزاء الجاهلية : تفاخرهم بأنسابهم ، كلّ منهم يعتزي أي ينتسب إلى أبيه وما فوقه من أجداده.
٣ ـ الأحلاس جمع حلس ـ بالكسر ـ : كساء رقيق يكون على ظهر البعير ملازماً له ، فقيل لكلام ملازم لشيء : حلسه.
مستضعفين ، قد اختبرهم الله بالمخمصة(١) ، وابتلاهم بالمجهدة(٢) ، وامتحنهم بالمخاوف ، ومخضهم بالمكاره.
فلا تعتبروا الرضى والسخط بالمال والولد جهلاً بمواقع الفتنة ، والاختبار في موضع الغنى والاقتدار ، فقد قال سبحانه وتعالى :( أَيَحسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَالٍ وَبَنِينَ * نُسارِعُ لَهُم فِي الخَيرَاتِ بَل لا يَشعُرُونَ ) (٣) فإن الله سبحانه يختبر عباده المستكبرين في أنفسهم بأوليائه المستضعفين في أعينهم.
ولقد دخل موسى بن عمران ومعه أخوه هارونعليهماالسلام على فرعون ، وعليهما مدارع الصوف ، وبأيديهما العصي ، فشرطا له إن أسلم بقاء ملكه ، ودوام عزّه ، فقال : ( ألا تعجبون من هذين يشرطان لي دوام العزّ ، وبقاء الملك ، وهما بما ترون من حال الفقر والذل ، فهلاّ ألقى عليهما أساورة من ذهب؟ ) اعظاماً للذهب وجمعه ، واحتقاراً للصوف ولبسه.
ولو أراد الله سبحانه لأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذهبان ، ومعادن العقيان(٤) ، ومغارس الجنان ، وأن يحشر معهم طيور السماء ووحوش الأرضين لفعل ، ولو فعل لسقط البلاء ، وبطل الجزاء ، واضمحلّت الأنباء ، ولما وجب للقابلين أجور المبتلين ، ولا استحقّ المؤمنون ثواب المحسنين ، ولا لزمت الأسماء معانيها.
ولكنّ الله سبحانه جعل رسله أولي قوّة في عزائمهم ، وضعفة فيما ترى
__________________
١ ـ المخمصة : الجوع.
٢ ـ المجهدة : المشقة.
٣ ـ المؤمنون : ٥٥ ـ ٥٦.
٤ ـ العقيان : نوع من الذهب ينمو في معدنه.
الأعين من حالاتهم ، مع قناعة تملأ القلوب والعيون غنى ، وخصاصة تملأ الأبصار والأسماع أذى.
ولو كانت الأنبياء أهل قوّة لا تُرام ، وعزّة لا تُضام ، وملك تمدّ نحوه أعناق الرجال ، وتشدّ إليه عقد الرحال ، لكان ذلك أهون على الخلق في الاعتبار ، وأبعد لهم في الاستكبار ، ولآمنوا عن رهبة قاهرة لهم ، أو رغبة مائلة بهم ، فكانت النيات مشتركة ، والحسنات مقتسمة.
ولكنّ الله سبحانه أراد أن يكون الاتباع لرسله ، والتصديق بكتبه ، والخشوع لوجهه ، والاستكانة لأمره ، والاستسلام لطاعته ، أُموراً له خاصة ، لا تشوبها من غيرها شائبة ، وكلّما كانت البلوى والاختبار أعظم كانت المثوبة والجزاء أجزل.
ألا ترون انّ الله سبحانه اختبر الأولين من لدن آدم صلوات الله عليه إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار لا تضرّ ولا تنفع ، ولا تبصر ولا تسمع ، فجعلها بيته الحرام الذي جعله للناس قياماً ، ثم وضعه بأوعر بقاع الأرض حجراً ، وأقلّ نتائق(١) الدنيا مدراً(٢) ، وأضيق بطون الأودية قطراً ، بين جبال خشنة ، ورمال دمثة(٣) ، وعيون وشلة(٤) ، وقرى منقطعة ، لا يزكو بها خفّ ، ولا حافر ، ولا ظِلف.
ثم أمر آدمعليهالسلام وولده أن يثنوا أعطافهم(٥) نحوه ، فصار مثابة لمنتجع(٦)
__________________
١ ـ النتائق جمع نتيقة : البقاع المرتفعة.
٢ ـ المدر : قطع الطين اليابس.
٣ ـ دمثة : لينة يصعب السير فيها والاستنبات منها.
٤ ـ وشلة كفرحة : قليلة الماء.
٥ ـ ثنى عطفه إليه : مال وتوجه إليه.
٦ ـ منتجع الاسفار : محلّ الفائدة منها.
أسفارهم ، وغاية لملقى رحالهم ، تهوى إليه ثمار الأفئدة من مفاوز قفار سحيقة(١) ، مهاوي(٢) وفجاج(٣) عميقة ، وجزائر بحار منقطعة ، حتى يهزّوا مناكبهم ذللاً يهلّلون لله حوله ، ويرملون على أقدامهم شعثاً غبراً له.
قد نبذوا السرابيل وراء ظهورهم ، وشوّهوا بأعفاء الشعور محاسن خَلقهم ، ابتلاء عظيماً ، وامتحاناً شديداً ، واختباراً مبيناً ، وتمحيصاً بليغاً ، جعله الله سبباً لرحمته ، ووصلة إلى جنّته.
ولو أراد سبحانه ان يضع بيته الحرام ، ومشاعره العظام ، بين جنات وأنهار وسهل وقرار ، جمّ الأشجار ، داني الثمار ، ملتفّ البنى ، متصل القرى ، بين برّة(٤) سمراء ، وروضة خضراء ، وأرياف(٥) محدقة ، وعراص مغدقة(٦) ، ورياض ناظرة ، وطرق عامرة ، لكان قد صغر قدر الجزاء على حسب ضعف البلاء.
ولو كان الأساس المحمول عليها ، والأحجار المرفوع بها ، بين زمرّدةٍ خضراء ، وياقوتة حمراء ، ونور وضياء ، لخفّفت ذلك مصارعة الشك في الصدور ، ولوضع مجاهدة ابليس عن القلوب ، ولنقى معتلج الريب من الناس.
ولكنّ الله يختبر عباده بأنواع الشدائد ، ويتعبّدهم بأنواع المجاهد ، ويبتليهم بضروب المكاره ، اخراجاً للتكبّر من قلوبهم ، واسكاناً للتذلّل في نفوسهم ، وليجلع ذلك أبواباً فتحاً إلى فضله ، وأسباباً ذللا لعفوه.
__________________
١ ـ السحيقة : البعيدة.
٢ ـ المهاوي : منخفضات الأراضي.
٣ ـ الفجاج : الطرق الواسعة بين الجبال.
٤ ـ البرّة : الحنطة ، والسمراء أجودها.
٥ ـ الارياف : الاراضي الخصبة.
٦ ـ المغدقة : من أغدق المطر كثر ماؤه.
[ فالله الله في عاجل البغي ، وآجل وخامة الظلم ، وسوء عاقبة الكبر ، فانّها مصيدة ابليس العظمى ، ومكيدته الكبرى التي تساور قلوب الرجال مساورة السموم القاتلة ، فما تكدي أبداً ، ولا تشوي أحداً ، لا عالماً لعلمه ، ولا مقلاًّ في طِمره(١) ].
وعن ذلك ما حرس الله عباده المؤمنين بالصلوات والزكوات ومجاهدة الصيام في الأيّام المفروضات ، تسكيناً لأطرافهم(٢) ، وتخشيعاً لأبصارهم ، وتذليلاً لنفوسهم ، وتخفيضاً لقلوبهم ، واذهاباً للخيلاء عنهم ، ولما في ذلك من تعفير عتاق الوجوه بالتراب تواضعاً ، والتصاق كرائم الجوارح بالأرض تصاغراً ، ولحوق البطون بالمتون من الصيام تذلّلاً مع ما في الزكاة من صرف ثمرات الأرض وغير ذلك إلى أهل المسكنة والفقر.
انظروا إلى ما في هذه الأفعال من قمع نواجم الفخر ، وقدع طوالع الكبر(٣) .
وبما انّ خطبة القاصعة طويلة جداً ذكرنا هنا حاصل بعض مضامينها لكثرة فوائدها ، ومن أراد الاطلاع على مفاسد الكبر كما هو حقّه لابدّ أن يطالع تمام الخطبة الشريفة(٤) .
__________________
١ ـ الطِمر : الثوب الخلق أو الكساء البالي من غير الصوف.
٢ ـ الأطراف : الأيدي والأرجل.
٣ ـ نهج البلاغة خطبة رقم ١٩٢ ( القاصعة ).
٤ ـ أقول : نورد تمام الخطبة هنا لمزيد الفائدة والاطلاع على مفاسد الكبر كما هو حقه :
فقالعليهالسلام : « ولقد نظرت فما وجدت أحداً من العالمين يتعصّب لشيء من الأشياء الاّ عن علّة تحتمل تمويه الجهلاء ، أو حجة تليط بعقول السفهاء غيركم ، فانكم تتعصّبون لامر ما يعرف له سبب ولا علّة ، أما ابليس
__________________
فتعصّب على آدم لاصله ، وطعن عليه في خلقته ، فقال : أنا ناريّ وأنت طينيّ.
واما الاغنياء من مترفة الامم ، فتعصّبوا لآثار مواقع النعم ، فقالوا : ( نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بعذّبيين ) فإن كان لابدّ من العصبيّة فليكن تعصّبكم لمكارم الخصال ، ومحامد الافعال ، ومحاسن الأمور التي تفاضلت فيها المجداء والنجداء من بيوتات العرب ويعاسيب القبائل ، بالاخلاق الرغيبه والاحلام العظيمة ، والاخطار الجليلة ، والآثار المحمودة.
فتعصّبوا لخلال الحمد من الحفظ للجوار ، والوفاء بالذمام ، والطاعة للبر ، والمعصية للكبر ، والاخذ بالفضل ، والكف عن البغي ، والاعظام للقتل ، والانصاف للخلق ، والكظم للغيظ ، واجتناب الفساد في الأرض ، واحذروا ما نزل بالأُمم قبلكم من المثلات بسوء الأفعال ، وذميم الأعمال ، فتذكروا في الخير والشر أحوالهم ، واحذروا أن تكونوا أمثالهم.
فاذا تفكرتم في تفاوت حاليهم ، فألزموا كلّ أمر لزمت العزّة به شأنهم ، وزاحت الاعداء له عنهم ، ومدّت العافية به عليهم ، وانقادت النعمة له معهم ، ووصلت الكرامة عليه حبلهم من الاجتناب للفرقة ، واللزوم للاُلفة ، والتحاضّ عليها ، والتواصي بها ، اجتنبوا كلّ أمر كسر فقرتهم ، وأوهن منهم من تضاغن القلوب وتشاحن الصدور وتدابر النفوس ، وتخاذل الأيدي ، وتدبرّوا أحوال الماضين من المؤمنين قبلكم ، كيف كانوا في حال التمحيص والبلاء ، ألم يكونوا أثقل الخلائق أعباء ، وأجهد العباد بلاء ، وأضيق أهل الدنيا حالاً.
اتخذتهم الفراعنة عبيداً فساموهم سوء العذاب ، وجرّعوهم المرار ، فلم تبرح الحال بهم في ذلّ الهلكة ، وقهر الغلبة ، لا يجدون حيلة في امتناع ، ولا سبيلاً إلى دفاع ، حتى إذا رأى الله سبحانه جدّ الصبر منهم على الأذى في محبته ، والاحتمال للمكروه من خوفه ، جعل لهم من مضايق البلاء فرجاً ، فأبدلهم العزّ مكان الذل ، والأمن مكان الخوف ، فصاروا ملوكاً حكّاماً ، وأئمة أعلاماً ، وقد بلغت الكرامة من الله لهم ما لم تذهب الآمال إليه بهم.
فانظروا كيف كانوا حيث كانت الاملاء مجتمعة ، والاهواء مؤتلفة ، والقلوب معتدلة ، والأيدي مترادفة ، والسيوف متناصرة ، والبصائر نافذة ، والعزائم واحدة ، ألم يكونوا أرباباً في أقطار الأرضين ، وملوكاً على رقاب العالمين ، فانظروا إلى ما صاروا إليه في آخر أمورهم حين وقعت الفرقة ، وتشتت الالفة ، واختلفت الكلمة والأفئدة ، وتشعبوا مختلفين ، وتفرّقوا متحاربين ، قد خلع الله عنهم لباس كرامته ، وسلبهم غضارة نعمته ، وبقي قصص أخبارهم فيكم عبراً للمعتبرين.
فاعتبروا بحال ولد إسماعيل وبني إسحاق وبني اسرائيلعليهمالسلام ، فما أشدّ اعتدال الأحوال ، وأقرب اشتباه الأمثال ، تأمّلوا أمرهم في حال تشتتهم وتفرّقهم ليالي كانت الاكاسرة والقياصرة أرباباً لهم ، يحتازونهم عن ريف الآفاق ، وبحر العراق ، وخضرة الدنيا ، إلى منبت الشيح ، ومها في الريح ونكد المعاش ، فتركوهم عالة
____________
مساكين اخوان دبرٍ ووبرٍ ، أذلّ الاُمم داراً ، وأجدبهم قراراً لا يأوون إلى جناح دعوة يعتصمون بها ، ولا إلى ظلّ ألفة يعتمدون على عزّها ، فالاحوال مضطربة ، والايدي مختلفة ، والكثرة متفرّقة ، في بلاء أزل واطباق جهل من بنات موؤدة ، وأصنام معبودة ، وأرحام مقطوعة ، وغارات مشنونة.
فانظروا إلى مواقع نعم الله عليهم حين بعث إليهم رسولاً فعقد بملّته طاعتهم ، وجمع على دعوته ألفتهم ، كيف نشرت النعمة عليهم جناح كرامتها ، وأسالت لهم جداول نعيمها ، والتفت الملّة بهم في عوائد بركتها ، فأصبحوا في نعمتها غرقين ، وفي خضرة عيشها فكهين ، قد تربّعت الأمور بهم في ظلّ سلطان قاهر ، وآوتهم الحال إلى كنف عزّ غالب ، وتعطّفت الأمور عليهم في ذُرى ملك ثابت ، فهم حكام على العالمين ، وملوك في أطراف الأرضين ، يملكون الأمور على من كان يملكها عليهم ، ويمضون الاحكام فيمن كان يمضيها فيهم ، لا تغمز لهم قناة ، ولا تقرع لهم صفاة.
ألا وانكم قد نفضتم أيديكم من حبل الطاعة ، وثلمتم حصن الله المضروب عليكم بأحكام الجاهلية ، فإنّ الله سبحانه قد امتنّ على جماعة هذه الاُمّة فيما عقد بينهم من حبل هذه الألفة التي ينتقلون في ظلّها ، ويأوون إلى كنفها بنعمة لا يعرف أحد من المخلوقين لها قيمة ، لأنّها أرجح من كلّ ثمن ، وأجل من كلّ خطر ، واعلموا انكم صرتم بعد الهجرة أعراباً ، وبعد الموالاة أحزاباً ، ما تتعلّقون من الإسلام الاّ باسمه ، ولا تعرفون من الايمان الاّ رسمه.
تقولون : النار ولا العار ، كأنّكم تريدون أن تُكفئو الإسلام على وجهه انتهاكاً لحريمه ، ونقضاً لميثاقه الذي وضعه الله لكم حرماً في أرضه ، وأمناً بين خلقه ، وانكم ان لجأتم إلى غيره حاربكم أهل الكفر ، ثم لا جبرائيل ولا ميكائيل ولا مهاجرون ولا أنصار ينصرونكم الاّ المقارعة بالسيف حتى يحكم الله بينكم.
وانّ عندكم الأمثال من بأس الله وقوارعه ، وأيامه ووقائعه ، فلا تستبطئوا وعيده جهلاً بأخذه ، وتهاوناً ببطشه ، ويأساً من بأسه ، فإن الله سبحانه لم يلعن القرن الماضي بين أيديكم الاّ لتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فلعن الله السفهاء لركوب المعاصي ، والحلماء لترك التناهي.
ألا وقد قطعتم قيد الإسلام ، وعطّلتم حدوده ، وأمتم أحكامه ، ألا وقد أمرني الله بقتال أهل البغي والنكث والفساد في الأرض ، فأما الناكثون فقد قاتلت ، وأما القاسطون فقد جاهدت ، وأما المارقة فقد دوّخت ، وأما شيطان الردهة فقد كُفيته بصعقة سُمعت لها وجبة قلبه ، ورجّة صدره ، وبقيت بقية من أهل البغي ، ولئن أذن الله في الكرّة عليهم لاُديلنّ منهم الاّ ما يتشذّر في أطراف البلاد تشذّراً.
أنا وضعت في الصغر بكلاكل العرب ، وكسرت نواجم قرون ربيعة ومضر ، وقد علمتم موضعي من رسول اللهصلىاللهعليهوآله بالقرابة القريبة ، والمنزلة الخصيصة ، وضعني في حجره وأنا ولد يضمّني إلى صدره ، ويكنفني في فراشه ، ويُمسّني جسده ، ويشمّني عَرفه ، وكان يمضع الشيء ثم يلقمنيه ، وما وجد لي كذبة في
__________________
قول ، ولا خطلة في فعل.
لقد قرن الله بهصلىاللهعليهوآله من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ، ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره ، ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمّه ، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه عَلَماً ، ويأمرني بالاقتداء به ، ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء ، فأراه ولا يراه غيري ، ولم يجمع بيت واحد يومئذٍ في الإسلام غير رسول اللهصلىاللهعليهوآله وخديجة وأنا ثالثهما ، أرى نور الوحي والرسالة ، وأشمّ ريح النبوّة.
ولقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليهصلىاللهعليهوآله فقلت : يا رسول الله ما هذه الرّنة؟ فقال : هذا الشيطان قد أيس من عبادته ، انّك تسمع ما أسمع ، وترى ما أرى ، الاّ انّك لست بنبيّ ولكنّك لوزير وانّك لعلى خير.
ولقد كنت معهصلىاللهعليهوآله لمّا آتاه الملأ من قريش ، فقالوا له : يا محمد انّك قد ادعيت عظيماً لم يدّعه آباؤك ولا أحد من بيتك ، ونحن نسألك أمراً ان أنت أجبتنا إليه وأريتناه علمنا انّك نبيّ ورسول ، وان لم تفعل علمنا انّك ساحر كذّاب ، فقالصلىاللهعليهوآله : وما تسألون؟ قالوا : تدعو لنا هذه الشجرة حتى تنقلع بعروقها وتقف بين يديك ، فقالصلىاللهعليهوآله : انّ الله على كلّ شيء قدير ، فإن فعل الله لكم ذلك أتؤمنون وتشهدون بالحقّ؟ قالوا : نعم.
قال : فانّي سأوريكم ما تطلبون ، وانّي لأعلم أنكم لا تفيئون إلى خير ، وان فيكم من يطرح في القَليب ، ومن يحزّب الأحزاب ، ثم قالصلىاللهعليهوآله : يا أيتها الشجرة ان كنت تؤمنين بالله واليوم الآخر ، وتعلمين انّي رسول الله فانقلعي بعروقك حتى تقفي بين يديّ باذن الله.
فو الذي بعثه بالحق لانقلعت بعروقها ، وجاءت ولها دويّ شديد ، وقصف كقصف أجنحة الطير حتى وقفت بين يدي رسول اللهصلىاللهعليهوآله مرفرفة ، وألقت بغصنها الأعلى على رسول اللهصلىاللهعليهوآله وببعض أغصانها على منكبي ، وكنت عن يمينهصلىاللهعليهوآله ، فلمّا نظر القوم إلى ذلك قالوا علّواً واستكباراً : فمرها فليأتك نصفها ويبقى نصفها ، فأمرها بذلك ، فأقبل إليه نصفها كأعجب اقبال وأشدّه دويّاً ، فكادت تلتفّ برسول اللهصلىاللهعليهوآله .
فقالوا كفراً وعتوّاً : فمر هذا النصف فليرجع إلى نصفه كما كان ، فأمرهصلىاللهعليهوآله فرجع ، فقلت أنا : لا اله الاّ الله وانّي أوّل مؤمن بك يا رسول الله ، وأوّل من أقرّ بأنّ الشجرة فعلت ما فعلت بأمر الله تعالى تصديقاً بنبوتك ، واجلالاً لكلمتك ، فقال القوم كلّهم : بل ساحر كذّاب ، عجيب السحر خفيف فيه ، وهل يصدّقك في أمرك الاّ مثل هذا ( يعنوني ).
وانّي لمن قوم لا تأخذهم في الله لومة لائم ، سيماهم سيماء الصديقين ، وكلامهم كلام الأبرار ، عمّار الليل
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه سئل عن أدنى الالحاد ، قال : انّ الكبر أدناه(١) .
وقالعليهالسلام : الكبر قد يكون في شرار الناس من كلّ جنس ، والكبر رداء الله فمن نازع الله عزّوجلّ رداءه لم يزده الله الاّ سفالاً(٢) .
وروي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : العزّ رداء الله ، والكبر ازاره ، فمن تناول شيئاً منه أكبه الله في جهنم(٣) .
وقالعليهالسلام : لا يدخل الجنّة من في قلبه مثقال ذرّة من كبر(٤) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : انّ في جهنّم لوادياً للمتكبرين يقال له : سقر ، شكا إلى الله عزّوجلّ شدّة حرّه وسأله أن يأذن له أن يتنفّس ، فتنفّس فأحرق جهنّم(٥) .
وقالعليهالسلام : انّ المتكبرين يجعلون في صور الذر ، يتوطّأهم الناس حتى يفرغ الله من الحساب(٦) .
وقالعليهالسلام : ما من عبد الاّ وفي رأسه حَكَمة(٧) وملك يمسكها ، فاذا تكبّر
__________________
ومنار النهار متمسكون بحبل القرآن ، يُحيون سنن الله وسنن ورسوله ، لا يستكبرون ولا يعلون ، ولا يغلّون ولا يفسدون ، قلوبهم في الجنان ، وأجسادهم في العمل ».
١ ـ الكافي ٢ : ٣٠٩ ح ١ باب الكبر ـ عنه البحار ٧٣ : ١٩٠ ح ١ باب ١٣٠.
٢ ـ الكافي ٢ : ٣٠٩ ح ٢ باب الكبر ـ عنه البحار ٧٣ : ٢٠٩ ح ٢ باب ١٣٠.
٣ ـ الكافي ٢ : ٣٠٩ ح ٣ باب الكبر ـ عنه البحار ٧٣ : ٢١٣ ح ٣ باب ١٣٠.
٤ ـ الكافي ٢ : ٣١٠ ح ٦ باب الكبر ـ عنه البحار ٧٣ : ٢١٥ ح ٦ باب ١٣٠.
٥ ـ الكافي ٢ : ٣١٠ ح ١٠ باب الكبر ـ عنه البحار ٧٣ : ٢١٨ ح ١٠ باب ١٣٠.
٦ ـ الكافي ٢ : ٣١١ ح ١١ باب الكبر ـ عنه البحار ٧٣ : ٢١٩ ح ١١ باب ١٣٠.
٧ ـ الحكمة ـ بالتحريك ـ : اللجام ما أحاط بالحنك.
قال له : اتضع وضعك الله ، فلا يزال أعظم الناس في نفسه ، وأصغر الناس في أعين الناس ، وإذا تواضع رفعه الله عزّ وجلّ ، ثم قال له : انتعش نعشك الله ، فلا يزال أصغر الناس في نفسه ، وأرفع الناس في أعين الناس(١) .
( المصباح الثاني )
في بيان أنواع التكبّر
اعلم انّ التكبر ترفّع النفس واظهار الكبرياء والعظمة وله أنواع :
فالأول الذي هو من أقبح الأنواع ، ويوجب الكفر ، وقد فسّر التكبر به في كثير من الأحاديث أن يتكبر عن عبادة الله ومتابعة الأنبياء والأوصياء والعلماء وأهل الحق ، وعن متابعة نفس الحق ، وعن قبول فضل من فضلّهم الله تعالى ، كتكبر الكفار عن متابعة الأنبياء ، وتكبر المنافقين عن متابعة الأوصياء ، لأنّ أهواءهم كانت تمنعهم من اتباع شخص أقلّ شأناً منهم بحسب عقولهم الناقصة ، وأبصارهم العمياء وأن يقرّوا بفضله كما مرّ في الخطبة القاصعة.
والثاني أن يحقّر الناس ويزعم انّه أفضل منهم.
والثالث الذي تكون نتيجته بناء الدور الرفيعة اظهاراً للزيادة ، ولبس الثياب الفاخرة ، وركوب الجياد الأصيلة وكثرة الخدم بقصد التفوّق والرفعة على أمثاله وأقرانه والفقراء والمساكين.
والرابع أن يتوقع الاحترام والتواضع من الناس لنفسه ويرتفع عليهم ، ويميل طبعهم إلى كون الناس أذلاّء ، ويطلبون العزّة والرفعة في المشي والجلوس
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٣١٢ ح ١٦ باب الكبر ـ عنه البحار ٧٣ : ٢٢٤ ح ١٦ باب ١٣٠.
والقيام وسائر الحركات والسكنات ، ويطلبون من المجالس صدورها ، ويجتنبون الأعمال الحسنة المنافية لوقارهم.
فالأنواع كلّها تتشابه فيما بينها ، وهناك أنواع أخر ترجع إلى ما ذكرناه ، والأخبار على هذه المضامين كثيرة.
روي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : أعظم الكبر أن تسفه الحقّ ، وتغمص الناس ، قلت : وما سفه الحقّ؟ قال : يجهل الحقّ ويطعن على أهله(١) .
وروى أيضاً انّ رجلاً قال لهعليهالسلام : انني آكل الطعام الطيب ، وأشمّ الريح الطيبة ، وأركب الدابة الفارهة ، ويتبعني الغلام ، فترى في هذا شيئاً من التجبّر فلا أفعله؟
فأطرق أبو عبداللهعليهالسلام ثمّ قال : انّما الجبار الملعون من غمص الناس ، وجهل الحق ، قال [ الراوي ] : فقلت : أما الحقّ فلا أجهله ، والغمص لا أدري ما هو ، قال : من حقّر الناس وتجبر عليهم فذلك الجبار(٢) .
وقالعليهالسلام : لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال حبّة من خردل من الكبر ، قال [ الراوي ] : فاسترجعت ، فقال : ما لك تسترجع؟ قلت : لما سمعت منك ، فقال : ليس حيث تذهب انّما أعني الجحود ، انّما أعني الجحود(٣) .
وروي بسند معتبر انّه مرّ رسولصلىاللهعليهوآله على جماعة فقال : على ما اجتمعتم؟ قالوا : يا رسول الله هذا مجنون يصرع فاجتمعنا عليه ، فقال : ليس هذا بمجنون ولكنّه المبتلى ، ثم قال : ألا أخبركم بالمجنون حق المجنون؟ قالوا : بلى يا
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٣١١ ح ١٢ باب الكبر ـ عنه البحار ٧٣ : ٢٢٠ ح ١٢ باب ١٣٠.
٢ ـ الكافي ٢ : ٣١١ ح ١٣ باب الكبر ـ عنه البحار ٧٣ : ٢٢٠ ح ١٣ باب ١٣٠.
٣ ـ الكافي ٢ : ٣١٠ ح ٧ باب الكبر ـ عنه البحار ٧٣ : ٢١٦ ح ٧ باب ١٣٠.
رسول الله.
قال : [ انّ المجنون حق المجنون ] المتبختر في مشيته ، الناظر في عطفيه ، المحرّك جنبيه بمنكبيه ، يتمنّى على الله جنّته وهو يعصيه ، الذي لا يؤمن شرّه ، ولا يرجى خيره ، فذلك المجنون ، وهذا المبتلى(١) .
وقالصلىاللهعليهوآله : إذا مشت أمتي المطيطاء ، وخدمتهم فارس والروم كان بأسهم بينهم. والمطيطاء التبختر ومدّ اليدين في المشي(٢) .
وروي بسند معتبر عنهصلىاللهعليهوآله انّه قال : أخبرني جبرئيلعليهالسلام انّ ريح الجنّة يوجد من مسيرة ألف عام ما يجدها عاقّ ولا قاطع رحم ، ولا شيخ زان ، ولا جارّ ازاره خيلاء ، ولا فتان ، ولا منّان ، ولا جعظري ، قال : قلت : فما الجعظري؟ قال : الذي لا يشبع من الدنيا(٣) .
وعنهصلىاللهعليهوآله بسند آخر : من بنى بنياناً رياء وسمعة حمله يوم القيامة من الأرض السابعة وهو نار تشتعل ثم يطوّق في عنقه ويلقى في النار ، قيل : يا رسول الله كيف يبني رياء وسمعة؟ قال : يبني فضلاً على ما يكفيه استطالة منه على جيرانه ، ومباهاة لاخوانه.
ونهى أن يختال الرجل في مشيه وقال : من لبس ثوباً فاختال فيه خسف الله به من شفير جهنّم ، وكان قرين قارون ، لأنّه أوّل من اختال ، فخسف الله به وبداره الأرض ، ومن اختال فقد نازع الله في جبروته(٤) .
__________________
١ ـ الخصال : ٣٣٢ ح ٣١ باب ٦ ـ عنه البحار ٧٣ : ٢٣٣ ح ٣٢ باب ١٣٠.
٢ ـ معاني الأخبار : ٣٠١ ح ١ ـ عنه البحار ٧٣ : ٢٣٤ ح ٣٥ باب ١٣٠.
٣ ـ معاني الأخبار : ٣٣٠ ح ١ ـ عنه البحار ٧٣ : ٢٣٧ ح ٤٥ باب ١٣٠.
٤ ـ البحار ٧٦ : ٣٣٢ و٣٣٣ ضمن حديث ١ باب ٦٧ ـ عن أمالي الصدوق.
وقالصلىاللهعليهوآله : من بغى على فقير أو تطاول عليه أو استحقره حشره الله يوم القيامة مثل الذّرة في صورة رجل حتى يدخل النار(١) .
( المصباح الثالث )
في علاج التكبر
اعلم انّ علاج الكبر يتم بأمور :
أولاً : بالتفكر في دناءة أصله وعاقبته ، وخسة أحوال البدن وتزلزل بنيانه ، وعدم الاعتماد على الحياة ، وكونه في معرض الفناء والزوال ، وبالتأمّل في صفاته الذميمة وجهله وعجزه.
كما روي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : عجباً للمختال الفخور ، وانّما خلق من نطفة ثم يعود جيفة ، وهو فيما بين ذلك لا يدري ما يُصنع به(٢) .
وروي بسند معتبر عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : عجبت لابن آدم أوّله نطفة ، وآخره جيفة ، وهو قائم بينهما وعاء للغائط ، ثم يتكبّر(٣) .
ثانياً : الممارسة على أمور يحصل من خلالها على ملكة التواضع كالجلوس في المجالس ، والكلام مع الفقراء والمساكين ، وترك صحبة الأغنياء واتيان أمور تنافي التكبر ، كما نقل انّ من خاف الكبر فليأكل مع خادمه ، وليحلب الشاة بيده ، كما روي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من رقّع جيبه ، وخصف نعله ،
__________________
١ ـ البحار ٧٦ : ٣٦٤ ضمن حديث ٣٠ باب ٦٧ ـ عن ثواب الأعمال.
٢ ـ الكافي ٢ : ٣٢٩ ح ٤ باب الفخر والكبر ـ عنه البحار ٧٣ : ٢٢٩ ح ٢٢ باب ١٣٠.
٣ ـ البحار ٧٣ : ٢٣٤ ح ٣٣ باب ١٣٠ ـ عن علل الشرائع.
وحمل سلعته ، فقد أمن من الكبر(١) .
ثالثاً : التفكر في انّ نتيجة الكبر تكون خلاف مقصود الانسان ، لأنّ المتكبر يطلب العزّة وقد علم بخبر المخبر الصادق وبالتجربة انّ المتكبر من أذلّ الناس في الدنيا والآخرة ، وانّ المتواضع من أعزّ الخلق ، والتفكر أيضاً في أطوار أئمة الدين وكيف كان تواضعهم ، وأن يتذكّر الأحاديث الذامة للكبر ، وقد ذكر بعض هذا الكلام في باب التواضع.
( المصباح الرابع )
في اصلاح السريرة
نعني باصلاح السريرة اصلاح الباطن وعدم الاكتفاء بحسن الظاهر ، كما أشار النبيصلىاللهعليهوآله إلى هذا المعنى ، وانّ اصلاح الظاهر مع سوء الباطن شعبة من شعب النفاق ، كما روي عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال لنوف البكالي : يا نوف اياك أن تتزيّن للناس وتبارز الله بالمعاصي ، فيفضحك الله يوم تلقاه(٢) .
وقالعليهالسلام : من أصلح سريرته أصلح الله علانيته ، ومن أصلح فيما بينه وبين الله عز وجل أصلح الله له فيما بينه وبين الناس(٣) .
وروي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : من كان ظاهره أرجح من باطنه خفّ ميزانه(٤) .
__________________
١ ـ البحار ٧٣ : ٢٣٣ ح ٣٠ باب ١٣٠ ـ عن الخصال.
٢ ـ البحار ٧١ : ٣٦٤ ح ٦ باب ٩٠ ـ عن أمالي الصدوق.
٣ ـ البحار ٧١ : ٣٦٤ ح ٧ باب ٩٠ ـ عن أمالي الصدوق.
٤ ـ البحار ٧١ : ٣٦٥ ح ٩ باب ٩٠ ـ عن أمالي الصدوق.
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنه قال : من أسرّ ما يرضي الله عزّوجلّ أظهر الله له ما يسرّه ، ومن أسرّ ما يسخط الله تعالى أظهر الله له ما يخزيه(١) .
وقالصلىاللهعليهوآله : من تزيّن للناس بما يحبّ الله ، وبارز الله في السرّ بما يكره الله ، لقى الله وهو عليه غضبان ، وله ماقت(٢) .
والأحاديث بهذا المضمون كثيرة ، واعلم انّ الانسان مأمور باصلاح ظاهره وباطنه معاً ، والسعي بجعل الباطن موافقاً في الصلاح للظاهر ، لا أن يقبّح الظاهر مثل الباطن ، أو يجعله أقبح من الباطن ، أو يجعل نفسه في معرض التهم كي يسيء الخلق الظنّ به ، كما نسب هذه الأمر إلى ال ـ ( ملامتية ) من الصوفية ، [ فهذا غير جائز ] لأنّ الذنب الظاهر أقبح من الذنب المخفي ، والذنب المخفي أسرع للمغفرة من الظاهر.
والأحاديث في هذا الباب كثيرة ومرّ بعضها ، مضافاً إلى انّ العقل يحكم انّ المولى لا يغضب لمعصية عبده في الخلوة مثلما يغضب لها في العلانية وعند حضور الناس ، بأن يعرّف العبد نفسه عاصياً لمولاه ، وكذلك ورد نهي كثير عن اتهام النفس والتعرض لمواضع التهم ، ومرّت أحاديثه.
( المصباح الخامس )
في لبس الصوف
اعلم انّ الأحاديث اختلفت في لبس الصوف ، فوردت أحاديث أهل السنة
__________________
١ ـ أمالي الطوسي : ١٨٢ ح ٨ مجلس ٧ ـ عنه البحار ٧١ : ٣٦٥ ح ١٠ باب ٩٠.
٢ ـ قرب الاسناد : ٩٢ ح ٣٠٩ ـ عنه البحار ٧١ : ٣٦٤ ح ٤ باب ٩٠.
بمدحه ، ووردت أكثر أحاديث الشيعة بذمّه ، وما دلّ منها على مدحه يحمل على التقيّة ، وهذا الحديث الشريف وبعض الأخبار تدلّ على وجه الجمع بينها.
وذلك انّ الصوف لو لبس تارة في العبادة أو غيرها تواضعاً وانكساراً ، أو لبس لدفع البرد ، أو لكونه أرخص فلا بأس به ، لكنّ المداومة عليه والاختصاص به بحيث يرجّح الانسان نفسه على الآخرين ويجعله ميزة له مذموم وقبيح ، كما يظهر هذا من الفقرة الآتية من الحديث الشريف.
وروي بسند معتبر عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : البسو الثياب من القطن فانّه لباس رسول اللهصلىاللهعليهوآله ولباسنا ، ولم يكن يلبس الصوف والشعر الاّ من علّة(١) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : لا تلبس الصوف والشعر الاّ من علّة(٢) .
وروي عنهعليهالسلام انّه قال : [ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ] خمس لا أدعهنّ حتى الممات : الأكل على الحضيض مع العبيد ، وركوبي الحمار مؤكفاً ، وحلب العنز بيدي ، ولبس الصوف ، والتسليم على الصبيان لتكون سنة من بعدي(٣) .
وروي عن محمد بن الحسين بن كثير انّه قال : رأيت أبا عبداللهعليهالسلام وعليه قميص غليظ خشن تحت ثيابه ، وفوقها جبّة صوف ، وفوقها قميص غليظ [ فمسستها ، فقلت : جعلت فداك انّ الناس يكرهون لباس الصوف.
__________________
١ ـ الكافي ٦ : ٤٥٠ ح ٢ باب لبس الصوف والشعر والوبر.
٢ ـ الكافي ٦ : ٤٤٩ ح ١ باب لبس الصوف والشعر والوبر.
٣ ـ الخصال : ٢٧١ ح ١٢ باب ٥.
فقال : كلاّ كان أبي محمد بن عليّعليهماالسلام يلبسها ، وكان عليّ بن الحسينعليهالسلام يلبسها ] وكانواعليهمالسلام يلبسون أغلظ ثيابهم إذا قاموا إلى الصلاة ، ونحن نفعل ذلك(١) .
ويظهر من أكثر الأحاديث المعتبرة المذكورة في باب زي ولباس رسول الله والأئمة صلوات الله عليهم ـ وقد ذكرنا بعضها في اللمعات ـ انّ لباسهم المعهود والمتعارف لم يكن صوفاً ولا من شعر ، وما دلّ من بعض الأخبار على انّهمعليهمالسلام كانوا يلبسون الصوف ندرة فمحمول على وجه من الوجوه المذكورة في هذا الباب وفي اللّمع الماضية.
____________
١ ـ الكافي ٦ : ٤٥٠ ح ٤ باب لبس الصوف والشعر والوبر.
[ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأبي ذررحمهالله ] :
يا أباذر يكون في آخر الزمان قوم يلبسون الصوف في صيفهم وشتائهم ، ويرون انّ لهم الفضل بذلك على غيرهم ، أولئك تلعنهم ملائكة السماوات والأرض.
يا أباذر ألا أخبرك بأهل الجنّة؟ قلت : بلى يا رسول الله ، قال : كلّ أشعث أغبر ذي طمرين ، لا يؤبه به ، ولم أقسم على الله لأبرّه.
اعلم انّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله بما انّه عالم بجميع العلوم بالوحي الالهي ، ومطلع على جميع الرموز الغيبية ، فلمّا ذكر مدح التواضع والانكسار ولبس الصوف كان يعلم بمجيء جمع من ذوي البدع وأصحاب الضلال بعده يخدعون الناس بهذ اللباس ، فلذا ذكر انّ جمعاً سيأتون هكذا علامتهم وهكذا لباسهم فهم ملعونون ، كي لا ينخدع الناس بهم.
ولم يكن لغير الفرقة الضالة المبتدعة الصوفية هذه العلامة والسمة ، واخبار النبيصلىاللهعليهوآله بوجودهم فيما بعد من معاجزه العظيمة ، وقرن كلامه الذام لهم بالاعجاز كي لا تبقى شبهة لأحد فيه ، ومن أنكر مع هذه الآية البيّنة فعليه لعنة الله تعالى وملائكته.
و لم يكن منشأ لعنهم لبس الصوف فحسب ، بل انّ النبيصلىاللهعليهوآله كان يعلم بالوحي الالهي انّهم سيبطلون شرعه ويحرفون دينه ، وسيذهبون في عقائدهم إلى الكفر والزندقة ، وسيتركون العبادة ويلجؤون إلى المخترعات والمبتدعات التي عملوها ، فيصدون الناس عن العبادة ، فلذا لعنهمصلىاللهعليهوآله ،
وجعل هذه الهيأة واللباس علامة لهم كي يعرفوا.
عزيزي! لو فتحت عصابة العصبيّة عن عينيك ، ونظرت بعين الانصاف لكفاك في بطلان هذه الطائفة المبتدعة الصوفية هذه الفقرة الشريفة من الحديث مع قطع النظر عن الأحاديث الكثيرة الواردة تصريحاً أو تلويحاً على بطلان أطوارهم وأعمالهم ، وذمّ شيوخهم وكبارهم.
ولقد ذمّهم أكثر القدماء والمتأخرين من علماء الشيعة رضوان الله عليهم ، وألّفوا كتباً في ردّهم كعليّ بن بابويه حيث كان يبغث إلى الامام الحجةعليهالسلام رسائل وكان يأتيه الجواب ، وابنه السعيد محمد بن بابويه وهو رئيس محدّثني الشيعة حيث ولد بدعاء صاحب الأمر صلوات الله عليه ، ويشتمل دعاؤهعليهالسلام له على مدحه أيضاً.
وكالشيخ المفيد الذي هو عماد مذهب التشيع وانّ أكثر المحدثين والفضلاء المعروفين من تلامذته ، وخرج التوقيع من صاحب الأمرعليهالسلام له مشتملاً على مدحه ، وقد ألّف كتاباً مبسوطاً في ردّهم.
وكالشيخ الطوسي وهو شيخ طائفة الشيعة وعظيمها ، وتنسب أكثر أحاديث الشيعة إليه ، وكالعلامة الحلّيرحمهالله المشهور في الآفاق بالعلم والفضل ، وكالشيخ علي في كتابه ( مطاعن المجرمية ) وابنه الشيخ حسن في كتابه ( عمدة المقال ) ، والشيخ العالي القدر جعفر بن محمد الدرويستي في كتاب الاعتقاد ، وابن حمزة في كُتب.
والسيد المرتضى الرازي في كتب ، وزبدة العلماء والمتورعين مولانا أحمد الأردبيلي قدس الله أرواحهم وشكر الله مساعيهم ، وغيرهم من علماء الشيعة
رضوان الله عليهم ، وذكر كلام هؤلاء الفضلاء العظماء شأناً والأخبار التي ذكروها في هذا الأمر يوجب التطويل ، وسأقوم بتأليف كتاب مستقل في هذا المطلب إن شاء الله تعالى.
فان كنت تعتقد بيوم الجزاء فهيىء حجتك اليوم كي تجيب غداً عند الله لو طلب منك الحجة بجواب شاف ، ويكون لك عذر موجه ، ولا أدري كيف تكون معذوراً عند الله تعالى بعد ورود هذه الأحاديث الصحيحة من أهل بيت الرسالةعليهمالسلام ، وبعد شهادة هؤلاء العظماء من علماء الشيعة رضوان الله عليهم على بطلان هذه الطائفة والطريقة ومتابعتهم.
أتقول : انّي تابعت الحسن البصري الملعون في عدّة أحاديث؟ أو تابعت سفيان الثوري المعادي للامام الصادقعليهالسلام والمعارض له ، وقد ذكرنا بعض أحواله في أوّل هذا الكتاب؟
أو تعتذر عند الله بمتابعة الغزالي الناصبي يقيناً ، والقائل في كتبه انّه : كما يكون علياً امام فأنا أيضاً امام ، والقائل : انّ من لعن يزيد فهو مذنب ، وألّف كتباً في لعن الشيعة والرد عليهم ككتاب ( المنقذ من الضلال ) وغيرها.
أو تحتج بمتابعة أخيه الملعون أحمد الغزالي القائل بأنّ الشيطان من أكابر أولياء الله ، أو تتشفّع بالمولى الرومي القائل بأنّ أمير المؤمنينعليهالسلام سيشفع لابن ملجم فيدخل الجنّة ، وانّ أمير المؤمنينعليهالسلام قال له : لا ذنب عليك ، هكذا قُدّر وكنت مجبوراً في فعلك.
ولم تجد صفحة من ديوان المثنوي لم يذكر في أشعاره الجبر ، أو وحدة الوجود ، أو سقوط العبادة ، أو غيرها من الاعتقادات الفاسدة ، وكما هو المشهور
منه والذي قبله تابعيه انّ الغناء والمزمار و عبادة.
أو تلجأ إلى محي الدين وقد سمعت خزعبلاته في أوّل الكتاب وآخره ، والقائل انّ جمعاً من أولياء الله يرون الرافضة على صور الخنازير ، والقائل انّي لمّا عرجت رأيت رتبة عليّ أقلّ من رتبة أبي بكر وعثمان ، ورأيت أبا بكر في العرش فلمّا رجعت قلت لعليّ : كيف كنت تدّعي في الدنيا أنّك أفضل منهم ورأيتك الآن في أدنى المراتب(١) .
__________________
١ ـ لا يخفى على القارىء الكريم انّ جمعاً من العلماء الكبار والعرفاء العظام يعتقدون يتشيّع ابن عربي وغيره من العرفاء ، ويقولون : انّ ما يوجد في كتبه من هذا القبيل إنما صدر تقية وذلك مراعاة للظروف الصعبة التي كان يعيشها الشيعة آنذاك ، والمتتبع لتاريخ حياته يذعن بهذا ، مضافاً إلى وجود مطالب في طيّ كتبه تشعر بتشيّعه واعتقاده بالمذهب الحق.
انّ صدر المتألّهين الذي هو من كبار العرفاء والذي قام الامام الراحلقدسسره في رسالته إلى غورباتشف عندما يذكر اسمه : « رضوان الله تعالى عليه وحشره الله مع النبيين والصالحين » فصدر المتألهين هذا كان يخضع ويتواضع كثيراً لابن العربي مع البعد الزمني الذي كان بينهما وكان يعتقد بتشيعه ، وكذلك الشيخ البهائيرحمهالله حيث عبّر عنه في كتابه « الأربعين » في ذيل حديث رقم ( ٣٦ ) ب ـ : العارف الكامل ، وعبّر عنه الامام الراحلقدسسره في تلك الرسالة : « بالرجل العظيم » وطلب من غورباتشف ارسال بعض علمائهم إلى قم للاطلاع على معتقداته.
ويحتمل قويّاً دسّ أُمور في كتبه وتحريفها ، والشاهد على ما نقول ما نقله الشعراني في مبحث « أشراط الساعة » في ظهور المهديعليهالسلام عن فتوحات ابن عربي حيث أنّه نسب الامامعليهالسلام أباً عن جدٍّ حتى أوصله إلى النبيّصلىاللهعليهوآله وقال : انّه من عترة الرسولصلىاللهعليهوآله ومن أبناء فاطمةعليهاالسلام ، لكن لم نجد هذه العبارة في الفتوحات المطبوع ، مع انّ الشعراني كتب هذا المطلب في عام ( ٩٥٨ هـ ).
وما ذكره العلاّمة المجلسيرحمهالله من انّ جمعاً يرون الروافض على صور الخنازير ، فنقول فيه : انّ لفظ الرافضة لا يُطلق على الشيعة الاثنى عشرية فحسب بل يشمل فرقاً أُخرى أيضاً ، كما انّ لفظ الشيعة لا يعادل الفرقة الاثنى عشرية المحقة فحسب ، كما يظهر هذا من قول الشعراني في اليواقيت في مبحث سؤال منكر ونكير وعذاب القبر ونعيمه ، فقال : « وجميع ما ورد فيه حقّ خلافاً لبعض المعتزلة والروافض » ثمّ قال : « والمراد بالروافض الجهمية ».
ويصرّح ابن عربي نفسه في الفتوحات بأنّ علياًعليهالسلام كان أقرب الناس برسول الله صلّى الله عليه وآله
وله ولأمثاله كثير مثل هذه الأمور ، والتوجه إليها يوجب طول الكلام ، فلو انخدعت بدعاويهم ألا تحتمل انّهم فعلوا ذلك لحبّ الدنيا؟ فلو شئت امتحنت هذا القائل بعلمه بجميع أسرار الغيب ، وانكشاف جميع الأشياء له ، وانّه يذهب إلى العرش في كلّ ليلة عشر مرّات ، بسؤال من شكيّات الصلاة ، أو مسألة عويصة من الميراث أو غيره ، أو سألته عن معنى حديث صعب ، فلو كان صادقاً فيما ادعاه لبيّن لك هذا أيضاً.
روي بسند صحيح عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : انّ آية الكذّاب بأن يخبرك خبر السماء والأرض والمشرق والمغرب ، فاذا سألته عن حرام الله وحلاله لم يكن عنده شيء(١) .
فلماذا هذا المدعي لفهم مسألة وحدة الوجود الغامضة ، وقصرت عقول جميع الفضلاء عن فهمها ، فلماذا لم يفهم مطلباً سهلاً حتى لو ذكّر به خمسين
__________________
وسلّم ، وقال أيضاً ما معناه : « انّ نار جهنّم سوف تصير برداً وسلاماً على أهلها ببركة أهل البيتعليهمالسلام » ( اقتبسنا بعض هذه السطور من كتاب نداء التوحيد لمؤلفه الشيخ جوادي آملي ).
ومن العرفاء الذين اتّهموا بالتسنن أيضا ابن الفارض المصري ، لكن يظهر من سيرته وأعماله انّه من الشيعة حيث انّه ردّ صلة الملك ولم يحضر في مجلسه ، ولما أتاه الملك بنفسه لزيارته خرج من الباب الأُخرى ولم يلتق به ورفض في مرضه عطية الملك باتخاذه ضريحاً له عند قبر أُمّه بقبة الشافعي ، فرفض هذه العطيّة ولم يأذن للمك بذلك ، ولم نعهد هذه السيرة من علماء أبناء العامة ، فهذه إن دلّت على شيء فإنّما تدل على تشيعّه.
ويوجد بيتان في ديوان شعره يدلاّن على ولائه الخالص لأهل البيتعليهمالسلام ، فأنه يقول في آخر قصيدته اليائية الساكنة :
ذهب العمر ضياعاً وانقضى |
غير ما أُوليتُ من عِقدي ولا |
|
باطلاً إذ لم أفز منكم بشيء |
عترة المبعوث حقّاً من قُصي |
وقصي جدّ النبي صلى الله وآله وسلّم الرابع ، فهو محمّدصلىاللهعليهوآله بن عبدالله بن عبد المطلب ابن عبد مناف بن قصي.
١ ـ الكافي ٢ : ٣٤٠ ح ٨ باب الكذب ـ عنه البحار ٧٢ : ٢٤٨ ح ١١ باب ١١٤.
مرّة ولم يفهم ما يقوله هؤلاء الذين فهموا دقائق المعاني؟ ومع هذا لو اعترفوا انّ الكشف والانكشاف يجتمع مع الكفر ، وانّ كفار الهند ذو كشف ـ على تقرير انّ كشفهم واقعيّ ولم يريدوا الخدعة ـ فأيّ دلالة له على فضلهم؟
وبما انّ الكلام هنا كثير وذُكر ما يكتفى به لهداية طلاب الحق في أوّل الكتاب ، وفي اللمع السابقة ، وأماكن أخر من الكتاب أختصر في هذا الموضوع ، وأختم هذا الفصل بايراد أحاديث تناسب المقام في الجملة.
روى الشيخ الطبرسي في الاحتجاجات انّه : مرّ [ أمير المؤمنينعليهالسلام وهو بالبصرة ] بالحسن البصري وهو يتوضأ ، فقال : يا حسن أسبغ الوضوء ، فقال : يا أمير المؤمنين لقد قتلت بالأمس أناساً يشهدون أن لا اله الاّ الله ، وحده لا شريك له ، وانّ محمداً عبده ورسوله ، يصلّون الخمس ، ويسبغون الوضوء.
فقال له أمير المؤمنينعليهالسلام : قد كان ما رأيت ، فما منعك أن تعين علينا عدوّنا؟ فقال : والله لأُصدّقنّك يا أمير المؤمنين ، لقد خرجت في أوّل يوم فاغتسلت وتحنّطت وصببت عليّ سلاحي ، وأنا لا أشك في أنّ التخلف عن أمّ المؤمنين عائشة هو الكفر ، فلمّا انتهيت إلى موضع من الخريبة نادى مناد : يا حسن إلى أين؟ ارجع فإنّ القاتل والمقتول في النار.
فرجعت ذعراً وجلست في بيتي ، فلما كان في اليوم الثاني لم أشك انّ التخلّف عن أم المؤمنين عائشة هو الكفر ، فتحنّطت وصببت عليّ سلاحي وخرجت أريد القتال ، حتى انتهيت إلى موضع الخريبة ، فنادى مناد من خلفي : يا حسن إلى أين مرّة بعد أخرى فإنّ القاتل والمقتول في النار.
فقال عليّعليهالسلام : صدقت ، أفتدري من ذلك المنادي؟ قال : لا ، قال عليّ عليه
السلام : ذاك أخوك ابليس ، وصدقك انّ القاتل والمقتول منهم في النار(١) .
وروى أيضاً انّ أمير المؤمنينعليهالسلام قال الحسن البصري : أما انّ لكلّ قوم سامري وهذا سامريّ هذه الامة ، أما انّه لا يقول لا مساس ولكن يقول لا قتال(٢) .
ونقل مباحثات طويلة عنه مع الامام زين العابدين ومحمد الباقرعليهماالسلام تدلّ على شقائه.
وروي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : فليذهب الحسن يميناً وشمالاً ، فوالله ما يوجد العلم الاّ هاهنا(٣) .
واعلم انّ الحسن البصري أحد كبار الصوفية الذين ينسبون أنفسهم إليه ، ويأخذون أكثر الأحاديث عنه ، وقد ذكر مجمل من أحواله ، ومن مشايخهم أيضاً عباد البصري وذكرنا في اللمع السابقة وغيرها بعض من سوء أدبه ومعارضته مع عليّ بن الحسينعليهماالسلام في باب الجهاد وغيره ، وطعن على الامام وعارضه.
روي في الكافي عن الفضيل انّه قال : كان عباد البصري عند أبي عبداللهعليهالسلام يأكل ، فوضع أبو عبداللهعليهالسلام يده على الأرض ، فقال له عباد : أصلحك الله أما تعلم انّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله نهى عن هذا ، فرفع يده فأكل ثمّ أعادها أيضاً ، فقال له أيضاً ، فرفعها ثم أكل فأعادها ، فقال له عباد أيضاً ، فقال له أبو عبداللهعليهالسلام : لا والله ما نهى رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن هذا قط(٤) .
__________________
١ ـ الاحتجاج ١ : ٤٠٢ ضمن حديث ٨٦ ـ عنه البحار ٣٢ : ٢٢٥ ح ١٧٥ باب ٤.
٢ ـ الاحتجاج ١ : ٤٠٤ ح ٨٧ ـ عنه البحار ٤٢ : ١٤١ ح ٢ باب ١٢٣.
٣ ـ الاحتجاج ٢ : ١٩٣ ضمن حديث ٢١٢ ـ عنه البحار ٤٢ : ١٤٢ ح ٣ باب ١٢٣.
٤ ـ الكافي ٦ : ٢٧١ ح ٥ باب الاكل متكئاً ـ عنه البحار ٤٧ : ٣٦٠ ح ٧٠ باب ٣٣.
وروى أيضا بسند صحيح انّ أبا عبداللهعليهالسلام قال لعبّاد بن كثير البصري الصوفي : ويحك يا عباد غرّك أن عفّ بطنك وفرجك ، انّ الله عز وجل يقول في كتابه :( يَا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَولاً سَدِيداً * يُصلِح لكم أعمَالكُم ) (١) اعلم انّه لا يتقبل الله منك شيئاً حتى تقول قولاً عدلاً(٢) .
وروي في كتاب الاحتجاجات عن ثابت البناني انّه قال : كنت حاجّاً وجماعة من عبّاد البصرة مثل أيّوب السجستاني ، وصالح المري ، وعتبة الغلام ، وحبيب الفارسي ، ومالك بن دينار ، فلمّا أن دخلنا مكة رأينا الماء ضيّقاً ، وقد اشتدّ بالناس العطش لقلّة الغيث ، ففزع إلينا أهل مكة والحجاج يسألولننا أن نستسقي لهم ، فأتينا الكعبة وطفنا بها ، ثم سألنا الله خاضعين متضرّعين بها ، فمنعنا الاجابة.
فبينما نحن كذلك إذا نحن بفتى قد أقبل وقد أكربته أحزانه ، وأقلقته أشجانه(٣) ، فطاف بالكعبة أشواطاً ، ثم أقبل علينا فقال : يا مالك بن دينار ، ويا ثابت البناني ، ويا أيوب السجستاني ، ويا صالح المري ، ويا عتبة الغلام ، ويا حبيب الفارسي ، ويا سعد ، ويا عمر ، ويا صالح الأعمى ، ويا رابعة ، ويا سعدانة ، ويا جعفر بن سليمان ، فقلنا : لبيك وسعديك يا فتى.
فقال : أما فيكم أحد يحبّه الرحمن؟ فقلنا : يا فتى علينا الدعاء وعليه الاجابة ، فقال : ابعدوا عن الكعبة فلو كان فيكم أحد يحبّه الرحمن لأجابه ، ثم أتى الكعبة فخرّ ساجداً ، فسمعته يقول في سجوده : سيدي بحبّك لي الاّ سقيتهم الغيث.
قال : فما استتم الكلام حتى أتاهم الغيث كأفواه القرب ، فقلت : يا فتى من
__________________
١ ـ الاحزاب : ٧٠ و٧١.
٢ ـ الكافي ٨ : ١٠٧ ح ٨١ ـ عنه البحار ٤٧ : ٣٥٩ ح ٦٨ باب ٣٣.
٣ ـ الشجن ـ محركة ـ : الهم والحزن.
أين علمت انّه يحبك؟ قال : لو لم يحبّني لم يستزرني ، فلمّا استزارني علمت انّه يحبّني ، فسألته بحبّه لي فأجابني ثم ولّى عنّا فقلت : يا أهل مكة من هذا الفتى؟ قالوا : علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين(١) .
واعلم انّ هؤلاء القوم عند الصوفية من أكابر أولياء الله وهم لا يعرفون امام زمانهم ، ومناظرات ومنازعات طاووس اليماني مع الامام محمد الباقرعليهالسلام كثيرة في كتب الحديث.
وروى ابن شهرآشوب انّه [ قدم إبراهيم بن أدهم الكوفة وذلك على عهد المنصور ، وقدمها جعفر بن محمد العلوي ] فخرج جعفر يريد الرجوع إلى المدينة ، فشيعّه العلماء وأهل الفضل من أهل الكوفة ، وكان فيمن شيّعه سفيان الثوري وإبراهيم بن أدهم ، فتقدّم المشيّعون له ، فاذا هم بأسد على الطريق.
فقال لهم إبراهيم بن أدهم : قفوا حتى يأتي جعفر فننظر ما يصنع ، فجاء جعفرعليهالسلام فذكروا له الأسد ، فأقبل حتى دنا من الأسد فأخذ بأُذنه فنحاه عن الطريق ، ثم أقبل عليهم فقال : أما انّ الناس لو أطاعوا الله حقّ طاعته لحملوا عليه أثقالهم(٢) .
وروى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة انّ قوماً من المتصوّفة دخلوا خراسان على عليّ بن موسى الرضاعليهالسلام فقالوا له : انّ أمير المؤمنين [ أي المأمون الملعون ] فكر فيما ولاّه الله من الأمور فرآكم أهل البيت أولى الناس أن تؤمّوا الناس.
__________________
١ ـ الاحتجاج ٢ : ١٤٩ ح ١٨٦ ـ عنه البحار ٤٦ : ٥٠ ح ١ باب ٤.
٢ ـ مناقب ابن شهرآشوب ٤ : ٢٤١ في خرق العادات له ـ عنه البحار ٤٧ : ١٣٩ ضمن حديث ١٨٨ باب ٢٧.
ونظر فيك من أهل البيت ، فرآك أولى الناس بالناس فرأى أن يردّ هذا الأمر اليك ، والامامة تحتاج إلى من يأكل الجشب ، ويلبس الخشن ، ويركب الحمار ، ويعود المريض.
فقال لهم : انّ يوسف كان نبياً يلبس أقبية الديباج المزرّرة بالذهب ، ويجلس على متكآت آل فرعون ويحكم ، انّما يراد من الامام قسطه وعدله ، إذا قال صدق ، وإذا حكم عدل ، وإذا وعد أنجز ، انّ الله لم يحرّم لبوساً ولا مطعماً ، ثم قرأ :( قُل مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الّتي أََخرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيَّباتِ مِن الرِّزقِ ...) (١) (٢) .
وذكرنا في اللمعات كثيراً من قبيل هذه الأحاديث ، وقال الشيخ الطوسي عليه الرحمة والرضوان في كتاب الغيبة : ادعى جمع النيابة كذباً وافتراء وانفضحوا ، لأنّ النواب الحقيقيين كانت تجري المعاجز على أيديهم من قبل المعصوم ، فكان الناس تعرف نيابتهم بها ، وأوّل الكذابين الشريعي الذي ادعى النيابة كذباً ، وافتضح وورد التوقيع بلعنه ، قال الشيخ : قال هارون بن موسى التلعكبري : ثم ظهر منه القول بالكفر والالحاد.
قال : وكلّ هؤلاء المدعين انّما يكون كذبهم أوّلاً على الامام وانّهم وكلاؤه ، فيدعون الضعفة بهذا القول إلى موالاتهم ، ثم يترقّى الأمر بهم إلى قول الحلاّجيّة كما اشتهر من أبي جعفر الشلمغاني ونظرائهم عليهم جميعاً لعائن الله تترى(٣) .
ثم قال : ومن الكذابين الحسين بن منصور الحلاّج ، وروي بسند معتبر عن هبة الله بن محمد الكاتب انّه قال : لما أراد الله تعالى أن يكشف أمر الحلاّج ويظهر
____________
١ ـ الاعراف : ٣٢.
٢ ـ شرح نهج البلاغة ١١ : ٣٤ في ذكر بعض مقامات العارفين والزهاد ـ عنه البحار ٧٠ : ١٢٠ ح ١١ باب ٥١.
٣ ـ كتاب الغيبة : ٣٧٠ ح ٣٦٨ باختلاف.
فضيحته ويخزيه وقع له انّ أبا سهل إسماعيل بن عليّ النوبختي رضي الله عنه ممّن تجوّز عليه مخرقته ، وتتمّ عليه حيلته ، فوجّه إليه يستدعيه ، وظنّ أنّ أبا سهل كغيره من الضعفاء في هذا الأمر بفرط جهله.
وقدّر أن يستجرّه إليه فيتمخرق به ويتسوّف بانقياده على غيره ، فيستتب له ما قصد إليه من الحيلة والبهرجة على الضعفة لقدر أبي سهل في أنفس الناس ، ومحلّه من العلم والأدب أيضاً عندهم ، ويقول له في مراسلته اياه :
انّي وكيل صاحب الزمانعليهالسلام ـ وبهذا أولاً كان يستجرّ الجهال ثم يعلو منه إلى غيره ـ وقد أمرت بمراسلتك واظهار ما تريده من النصرة لك لتقوى نفسك ولا ترتاب بهذا الأمر.
فأرسل إليه أبو سهل رضي الله عنه يقول له : انّي أسألك أمراً يسيراً يخفّ مثله عليك في جنب ما ظهر على يديك من الدلائل والبراهين ، وهو انّي رجل أحبّ الجواري وأصبو اليهنّ ، ولي منهنّ عدّة أتحظّاهنّ ، والشيب يبعدني عنهنّ ويبغضني اليهنّ ، وأحتاج أن أخضبه في كلّ جمعة ، وأتحّمل منه مشقة شديدة لأستر عنهنّ ذلك والا انكشف أمري عندهنّ.
فصار القرب بعداً والوصال هجراً ، وأريد أن تغنيني عن الخضاب وتكفيني مؤنته ، وتجعل لحيتي سوداء ، فانّي طوع يديك ، وصائر إليك ، وقائل بقولك ، وداع إلى مذهبك مع ما لي في ذلك من البصيرة ولك من المعونة.
فلمّا سمع ذلك الحلاّج من قوله وجوابه علم انّه قد أخطأ في مراسلته ، وجهل في الخروج إليه بمذهبه ، وأمسك عنه ولم يرد إليه جواباً ، ولم يرسل إليه رسولاً ، وصيّره أبو سهل رضي الله عنه أُحدوثة وضحكة ويطنز به عند كلّ أحد ، وشهّر
أمره عند الصغير والكبير ، وكان هذا الفعل سبباً لكشف أمره وتنفير الجماعة عنه(١) .
ثم ذكر الشيخ حكاية ضرب عليّ بن بابويه اياه واخراجه من قم بذلّ ولعنه ، ثم قال في ضمن قصة الشلمغاني وهو كذّاب آخر : انّ أمّ أبي جعفر الشلمغاني جاءت إلى أم كلثوم بنت محمد بن عثمان العمري من نواب الامام الحجةعليهالسلام فانكبت على رجليها تقبلهما.
فقالت لها : لم تفعلين هذا؟ فقالت : كيف لا أفعل وأنت مولاتي فاطمة ، وقد انتقل روح النبيصلىاللهعليهوآله إلى أبيك ، وروح أمير المؤمنينعليهالسلام إلى بدن الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح ، وروح مولاتنا فاطمةعليهاالسلام انتقلت إليك.
فأنكرت أم كلثوم هذا الكلام وجاءت إلى الحسين بن روح من السفراء العظماء شأناً وحكت عليه الخبر ، فقال ابن روح لها : يا بنية اياك أن تمضي إلى هذه المرأة بعد ما جرى منها ، ولا تقبلي لها رقعة إن كاتبتك فهذا كفر بالله تعالى والحاد ، قد أحكمه هذا الرجل الملعون [ يعني الشلمغاني ] في قلوب هؤلاء القوم ليجعله طريقاً إلى أن يقول لهم : بأنّ الله تعالى اتحد به وحلّ فيه كما يقول النصارى في المسيحعليهالسلام ، ويعدو إلى قول الحلاّج لعنه الله(٢) .
وذكر الشيخ الطبرسي رضي الله عنه في كتاب الاحتجاجات انّه : خرج التوقيع من صاحب الأمرعليهالسلام على يد الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح بلعن جمع ، منهم الحسين بن منصور الحلاج(٣) .
__________________
١ ـ كتاب الغيبة : ٤٠١ ح ٣٧٦.
٢ ـ كتاب الغيبة : ٤٠٤ ضمن حديث ٣٧٨ بتغيير واختلاف.
٣ ـ راجع الاحتجاج ٢ : ٥٥٣ ، وذكرناه بتغيير حسب ما أورده المؤلّفقدسسره .
عزيزي! كان الغرض من ذكر هذه الأحاديث التي اكتفينا بالقليل من كثيرها بأنّك لو نظرت بعين الانصاف ، وتأملت بفكر صحيح في هذا القليل المذكور لظهر لك انّ هؤلاء القوم كانوا مخالفين للأئمةعليهمالسلام دائماً ، وكان اطلاع العلماء الكبار ورواة أخبار الشيعة المعاصرين لهم أو كانوا قريباً من عصرهم أكثر من اطلاعي واطلاعك.
كان علمهم وفهمهم أكثر منهما في هذا العصر ، فأظهروا البراءة منهم وحكموا بكفرهم وإلحادهم ، فلو تركت طريق أهل البيت عالماً ، وسلكت طريق هؤلاء الضالين لم يكتب ذنبك على غيرك ، هدانا الله واياكم إلى الصراط المستقيم.
( خاتمة )
اعلم بما انّه وردت أذكار وأدعية كثيرة عن الأئمة الأطهار صلوات الله عليهم ، وانّ أكثر أهل البدع يرغبون الناس ويدعونهم إلى الأذكار والأوراد الواصلة اليهم من مشايخهم من العامة ، ولم يتمكن كل أحد من الوصول إلى الكتب المبسوطة التي ألّفها علماؤنا في هذا الباب ، لذا أحببت أن أختتم هذا الكتاب بذكر بعض فضائل الأذكار المنقولة كي يكون فيه مزيداً لانتفاع طلاب الحق بهذا الكتاب ، وهو يشتمل على بابين :
( الباب الأول )
في فضل الأذكار التي لم تختص بوقت دون وقت
وفي فصول :
( الفصل الأول )
في فضل التسبيحات الأربع
روي بسند معتبر عن الحسن بن عليّعليهالسلام انّه قال : جاء نفر من اليهود إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فسأله أعلمهم عن مسائل ، فكان فيما سأله أن قال له : يا محمد أخبرني عن الكلمات التي اختارهنّ الله لابراهيمعليهالسلام حيث بنى البيت ، قال النبيصلىاللهعليهوآله : نعم ، سبحان الله والحمد لله ولا اله الاّ الله والله أكبر ....
قال اليهودي : فما جزاء قائلها؟ قال : إذا قال العبد سبحان الله ، سبّح معه ما
دون العرش فيعطي قائلها عشر أمثلها ، وإذا قال : الحمد لله ، أنعم الله عليه بنعيم الدنيا موصولاً بنعيم الآخرة ، وهي الكلمة التي يقولها أهل الجنّة إذا دخلوها ، وينقطع الكلام الذي يقولونه في الدنيا ما خلا الحمد لله ....
وأما قوله : لا اله الاّ الله ، فالجنّة جزاؤه ، وذلك قوله عزّ وجلّ :( هَل جَزَاءُ الاِحسَانٍ الاّ الاِحسَانُ ) (١) يقول : هل جزاء لا اله الاّ الله الاّ الجنّة ، فقال اليهودي : صدقت يا محمد(٢) .
وروي بسند معتبر آخر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : من قال : سبحان الله ، غرس الله له بها شجرة في الجنّة ، ومن قال : الحمد لله ، غرس الله له بها شجرة في الجنّة ، ومن قال : لا اله الاّ الله ، غرس الله له بها شجرة في الجنّة ، ومن قال : الله أكبر ، غرس الله له بها شجرة في الجنّة.
فقال رجل من قريش : يا رسول الله انّ شجرنا في الجنّة لكثير ، قال : نعم ، ولكن اياكم أن ترسلوا عليها نيراناً فتحرقوها ، وذلك انّ الله عزّ وجلّ يقول :( يَا أََيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ولاَ تُبطِلُوا أَعمَالَكُم ) (٣ ) ( ٤) .
وروي بسند معتبر عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : جاء الفقراء إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقالوا : يا رسول الله انّ للأغنياء ما يعتقون وليس لنا ، ولهم ما يحجّون وليس لنا ، ولهم ما يتصدّقون به وليس لنا ، ولهم ما يجاهدون به وليس لنا.
فقالصلىاللهعليهوآله : من كبّر الله تبارك وتعالى مائة مرّة كان أفضل من عتق
__________________
١ ـ الرحمن : ٦٠.
٢ ـ البحار ٩٣ : ١٦٦ ح ١ باب ٢ ـ عن أمالي الصدوق.
٣ ـ محمد : ٣٣.
٤ ـ البحار ٩٣ : ١٦٨ ح ٣ باب ٢ ـ عن أمالي الصدوق.
مائة رقبة ، ومن سبّح الله مائة مرة كان أفضل من سياق مائة بدنة ، ومن حمد الله مائة مرّة كان أفضل من حملان مائة فرس في سبيل الله بسرجها ولجمها وركبها ، ومن قال : لا اله الاّ الله مائة مرّة كان أفضل الناس عملاً ذلك اليوم إلاّ من زاد.
قال : فبلغ ذلك الأغنياء فصنعوه ، قال : فعادوا إلى النبيصلىاللهعليهوآله فقالوا : يا رسول الله قد بلغ الأغنياء ما قلت فصنعوه ، فقالصلىاللهعليهوآله : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء(١) .
وروي بسند معتبر عن عليّ الرضاعليهالسلام انّه قال : انّ الله تبارك وتعالى أوجب على نفسه أن لا يكبّره مؤمن مائة تكبيرة ، ويحمده مائة تحميدة ، ويسبّحه مائة تسبيحة ، ويهلّله مائة تهليلة ، ويصلّي على محمد وآله محمد مائة مرّة ثم يقول : اللهم زوّجني من الحور العين ، الاّ زوّجه الله حوراء من الجنّة ، وجعل ذلك مهرها.
فمن ثمّ أوحى الله عزّ وجلّ إلى نبيهصلىاللهعليهوآله أن يسنّ مهور المؤمنات خمسمائة درهم ، ففعل ذلك رسول اللهصلىاللهعليهوآله (٢) .
وروي بسند معتبر انّه : اكثروا من التهليل والتكبير فانّه ليس شيء أحبّ إلى الله عزّ وجلّ من التهليل والتكبير(٣) .
وروي بسند معتبر عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : التسبيح نصف الميزان ، والحمد لله يملأ الميزان ، والله أكبر يملأ ما بين السماء والأرض(٤) .
__________________
١ ـ البحار ٩٣ : ١٧٠ ح ١١ باب ٢ ـ عن أمالي الصدوق.
٢ ـ البحار ٩٣ : ١٧٠ ح ١٠ باب ٢ ـ عن علل الشرائع.
٣ ـ الكافي ٢ : ٥٠٦ ح ٢ باب التسبيح والتهليل والتكبير ـ الوسائل ٤ : ١٢٠٩ ح ١ باب ٣٢.
٤ ـ الكافي ٢ : ٥٠٦ ح ٣ باب التسبيح والتهليل والتكبير ـ الوسائل ٤ : ١٢٠٥ ح ١ باب ٣١.
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : أكثروا من سبحان الله والحمد لله ولا اله الاّ الله والله أكبر ، فانّهنّ يأتين يوم القيامة لهنّ مقدّمات ومؤخرات ومعقبات ، وهنّ الباقيات الصالحات(١) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : التفت رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى أصحابه فقال : اتخذوا جنناً ، فقالوا : يا رسول الله أمن عدوّ قد أظلّنا؟ قال : لا ، ولكن من النار قولوا : سبحان الله والحمد لله ولا اله الاّ الله والله أكبر(٢) .
وروي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : من قال سبحان الله من غير تعجّب خلق الله منها طائراً له لسان وجناحان يسبّح الله عنه في المسبحين حتى تقوم الساعة ، ومثل ذلك الحمد لله ولا اله الاّ الله والله أكبر(٣) .
( الفصل الثاني )
في فضل التهليل ، وفضل أنواعه
روي عن رسول الله صلّى عليه وآله وسلّم انّه قال : قال الله جلّ جلاله لموسى : يا موسى لو انّ السماوات وعامريهنّ عندي والأرضين السبع في كفّة ، ولا اله الاّ الله في كفّة مالت بهنّ لا اله الاّ الله(٤) .
وروي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : لقنوا موتاكم « لا اله الاّ الله » فانّها تهدم الذنوب ، فقالوا : يا رسول الله فمن
__________________
١ ـ البحار ٩٣ : ١٧١ ح ١٢ باب ٢ ـ الوسائل ٤ : ١٢٠٦ ح ٣ باب ٣١ ـ عن ثواب الأعمال.
٢ ـ البحار ٩٣ : ١٧١ ح ١٣ باب ٢ ـ عن ثواب الأعمال.
٣ ـ البحار ٩٣ : ١٧٢ ح ١٤ باب ٢ ـ عن ثواب الأعمال.
٤ ـ البحار ٩٣ : ١٩٦ ح ١٨ باب ٥ ـ عن ثواب الأعمال.
قال في صحته؟ فقال : فذاك أهدم وأهدم ، انّ لا اله الاّ الله أُنس للمؤمن في حياته ، وعند موته وحين يبعث.
وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : قال جبرئيل : يا محمد لو تراهم حين يبعثون ، هذا مبيضّ وجهه ينادي : لا اله الاّ الله والله أكبر ، وهذا مسودّ وجهه ينادي : يا ويلاه يا ثبوراه(١) .
وروي بسند آخر عنهصلىاللهعليهوآله انّه قال : ثمن الجنّة لا اله الاّ الله(٢) .
وروي بسند آخر عنهصلىاللهعليهوآله انّه قال : من قال لا اله الاّ الله غرست له شجرة في الجنّة من ياقوتة حمراء ، منبتها في مسك أبيض أحلى من العسل ، وأشدّ بياضاً من الثلج ، وأطيب ريحاً من المسك فيها ثمار أمثال أثداء الأبكار ، تفلق عن سبعين حلّة(٣) .
وروي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : ما من شيء أعظم ثواباً من شهادة أن لا اله الاّ الله(٤) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : خير العبادة قول لا اله الاّ الله(٥) .
وروي عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : ما من عبد مسلم يقول : لا اله الاّ الله الاّ صعدت تخرق كلّ سقف لا تمرّ بشيء من سيئاته الاّ طلستها ، حتى تنتهي إلى
__________________
١ ـ البحار ٩٣ : ٢٠٠ ح ٣٢ باب ٥ ـ عن ثواب الأعمال.
٢ ـ البحار ٩٣ : ٢٠١ ح ٣٣ باب ٥ ـ عن ثواب الأعمال.
٣ ـ البحار ٩٣ : ٢٠١ ح ٣٤ باب ٥ ـ عن ثواب الأعمال.
٤ ـ الكافي ٢ : ٥١٦ ح ١ باب من قال لا اله الاّ الله.
٥ ـ البحار ٩٣ : ١٩٥ ح ١٣ باب ٥ ـ عن التوحيد للصدوق.
مثلها من الحسنات تقف(١) .
وروي بسند صحيح عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قال لا اله الاّ الله مائة مرّة كان أفضل الناس ذلك اليوم عملاً الاّ من زاد(٢) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : ما من شيء الاّ وله حدّ ينتهي إليه الاّ الذكر فليس له حدّ ينتهي إليه ، فرض الله عزّوجلّ الفرائض فمن أداهنّ فهو حدّهنّ ، وشهر رمضان فمن صامه فهو حدّه ، والحج فمن حجّ فهو حدّه الاّ الذكر ، فإنّ الله عزوجل لم يرض منه بالقليل ، ولم يجعل له حداً ينتهي إليه.
ثم تلا هذه الآية :( يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أذكروا اللهَ ذِكراً كَثِيرا * وَسَبِّحُوهُ بُكرَةً وَأَصِيلاً ) (٣) .
فقال : لم يجعل الله عزّ وجلّ له حدّاً ينتهي إليه ، قال : وكان أبيعليهالسلام كثير الذكر ، لقد كنت أمشي معه وانّه ليذكر الله ، وأكل معه الطعام وانه ليذكر الله ، ولقد كان يجدّث القوم وما يشغله ذلك عن ذكر الله ، وكنت أرى لسانه لازقاً بحنكه يقول : لا اله الاّ الله ، وكان يجمعنا فيأمرنا بالذكر حتى تطلع الشمس ، ويأمر بالقراءة من كان يقرأ منّا ، ومن كان لا يقرأ منّا أمره بالذكر.
والبيت الذي يقرأ فيه القرآن ويذكر الله عزّوجلّ فيه تكثر بركته ، وتحضره الملائكة ، وتهجره الشياطين ، ويضيء لأهل السماء كما يضيء الكوكب الدري لأهل الأرض ، والبيت الذي لا يقرأ فيه القرآن ، ولا يذكر الله فيه تقلّ بركته ، وتهجره الملائكة ، وتحضره الشياطين.
__________________
١ ـ البحار ٩٣ : ١٩٥ ح ١٤ باب ٥ ـ عن التوحيد للصدوق.
٢ ـ البحار ٩٣ : ٢٠٥ ح ١ باب ٦ ـ عن ثواب الأعمال.
٣ ـ الأحزاب : ٤٢ و٤١.
وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ألا أخبركم بخير أعمالكم ، أرفعها في درجاتكم ، وأزكاها عند مليككم ، وخير لكم من الدينار والدرهم ، وخير لكم من أن تلقوا عدوّكم فتقتلوهم ويقتلوكم؟ فقالوا : بلى ، فقال : ذكر الله عزّ وجلّ كثيراً.
ثم قال : جاء رجلّ إلى النبيصلىاللهعليهوآله فقال : من خير أهل المسجد؟ فقال : أكثرهم لله ذكراً ، وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : من أعطى لساناً ذاكراً فقد أعطي خير الدنيا والآخرة(١) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : من أكثر ذكر الله عزّوجلّ أحبّه الله ، ومن ذكر الله كثيراً كتبت له براءتان : براءة من النار ، وبراءة من النفاق(٢) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قال لا اله الاّ الله مخلصاً دخل الجنّة ، واخلاصه أن يحجزه لا اله الاّ الله عمّا حرّم الله عزّ وجلّ(٣) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قال لا اله الاّ الله من غير تعجّب خلق الله منها طائراً يرفرف على رأس صاحبها إلى أن تقوم الساعة ، ويذكر لقائلها(٤) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : لقنوا موتاكم لا اله الاّ الله ، فإنّ من كان آخر كلامه لا اله الاّ الله دخل الجنّة(٥) .
____________
١ ـ الكافي ٢ : ٤٩٨ ح ١ باب ذكر الله عزّوجلّ كثيراً ـ الوسائل ٤ : ١١٨١ ح ٢ باب ٥.
٢ ـ الكافي ٢ : ٤٩٩ ح ٣ باب ذكر الله عزّوجلّ كثيراً ـ الوسائل ٤ : ١١٨١ ح ١ باب ٥.
٣ ـ البحار ٩٣ : ١٩٧ ح ٢١ باب ٥ ـ عن ثواب الأعمال.
٤ ـ البحار ٩٣ : ١٩٣ ح ٤ باب ٥ ـ عن ثواب الأعمال.
٥ ـ البحار ٩٣ : ١٩٩ ح ٢٦ باب ٥ ـ عن أمالي الصدوق.
وروي بسند معتبر عن علي الرضاعليهالسلام انّه قال : انّ نوحاً لمّا ركب السفينة أوحى الله عزّوجلّ إليه : يا نوح ان خفت الغرق فهلّلني ألفاً ثم سلني النجاة أُنجك من الغرق ومن آمن معك(١) .
وروي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : جاء جبرئيلعليهالسلام إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال : يا محمد طوبى لمن قال من أمتك « لا اله الاّ الله وحده وحده وحده »(٢) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قال مائة مرّة « لا اله الاّ الله الحقّ المبين » أعاذه الله العزيز الجبار من الفقر ، وأنس وحشة قبره ، واستجلب الغنى ، واستقرع باب الجنة(٣) .
وروي بسند معتبر آخر عنهعليهالسلام انّه قال : من قال في كلّ يوم ثلاثين مرّة « لا اله الاّ الله الحقّ المبين » استقبل الغنى ، واستدبر الفقر ، وقرع باب الجنة(٤) .
وروي بسند معتبر عنهعليهالسلام انّه قال : من قال في كلّ يوم خمس عشرة مرّة : « لا اله الاّ الله حقّاً حقّاً ، لا اله الاّ الله ايماناً وتصديقاً ، لا اله الاّ الله عبودية ورقاً » أقبل الله عليه بوجهه ، فلم يصرف عنه وجهه حتى يدخل الجنّة(٥) .
وروي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : من قال : « أشهد أن لا اله الاّ الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله » كتب الله له ألف
__________________
١ ـ البحار ٩٣ : ٢٠٥ ح ٢ باب ٦ ـ عن عيون أخبار الرضاعليهالسلام .
٢ ـ البحار ٩٣ : ٢٠٥ ح ٣ باب ٦ ـ عن التوحيد للصدوق.
٣ ـ البحار ٩٣ : ٢٠٧ ح ٧ باب ٦ ـ عن ثواب الأعمال.
٤ ـ البحار ٩٣ : ٢٠٧ ح ٨ باب ٦ ـ عن ثواب الأعمال.
٥ ـ البحار ٩٣ : ٢٠٧ ح ٩ باب ٦ ـ عن ثواب الأعمال.
ألف حسنة(١) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : كم قال في كلّ يوم عشر مرّات « أشهد أن لا اله الاّ الله ، وحده لا شريك له ، الهاً واحداً أحداً صمداً ، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً » كتب الله له خمسة وأربعين ألف حسنة ، ومحا عنه خمسة وأربعين ألف سيئة ، ورفع له خمسة وأربعين ألف درجة.
وفي رواية أخرى : كنّ له حرزاً في يومه من السلطان والشيطان ، ولم تحط به كبيرة من الذنوب(٢) .
وفي رواية أخرى : كتب الله عزّ وجلّ له خمساً وأربعين ألف [ ألف ] حسنة ، ومحا عنه خمساً وأربعين ألف [ ألف ] سيئة ، ورفع له في الجنّة خمساً وأربعين ألف [ ألف ] درجة ، وكان كمن قرأ القرآن في يومه اثنتي عشرة مرّة ، وبنى الله له بيتاً في الجنّة(٣) .
( الفصل الثالث )
في فضل التسبيح
روي بسند معتبر عن يونس بن يعقوب انّه قال : قلت لأبي عبداللهعليهالسلام : من قال « سبحان الله » مائة مرّة كان ممّن ذكر الله كثيراً؟ قال : نعم(٤) .
وروي بسند صحيح عنهعليهالسلام انّه قال : من قال سبحان الله وبحمده ،
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٥١٨ ح ١ باب من قال أشهد أن لا اله الاّ الله.
٢ ـ الكافي ٢ : ٥١٩ ح ١ باب من قال عشر مرّات ....
٣ ـ البحار ٩٣ : ٢٠٦ ح ٥ باب ٦ ـ عن ثواب الأعمال.
٤ ـ البحار٩٣ : ١٨١ ح ١٥ باب ٣ ـ عن ثواب الأعمال.
سبحان الله العظيم وبحمده ، كتب الله له ثلاثة آلاف حسنة ، ومحا عنه ثلاثة آلاف سيئة ، ورفع له ثلاثة آلاف درجة ، ويخلق منها طائراً في الجنّة يسبّح ، وكان أجر تسبيحه له(١) .
وروي عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : من قال : « سبحان الله » صلّى عليه كلّ ملك(٢) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قال سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ، ثلاثين مرّة استقبل الغنى ، واستدبر الفقر ، وقرع باب الجنّة(٣) .
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : من قال « سبحان الله وبحمده » كتب الله له ألف ألف حسنة ، ومحا عنه ألف ألف سيئة ، ورفع له ألف ألف درجة ، ومن زاد زاده الله ، ومن استغفر غفر الله له(٤) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من سبّح الله كلّ يوم ثلاثين مرّة دفع الله تبارك وتعالى عنه سبعين نوعاً من البلاء أدناها الفقر(٥) .
وروي بسند آخر نفس المضمون عن أمير المؤمنينعليهالسلام (٦) .
وروي عن أمير المؤمينعليهالسلام انّه قال : انّ الله حبس نور محمد صلّى الله عليه
__________________
١ ـ الوسائل ٤ : ١٢٠٢ ح ١ باب ٢٩.
٢ ـ البحار ٩٣ : ١٧٧ ضمن حديث ٣ باب ٣ بتغيير.
٣ ـ أمالي الصدوق : ٢٣١ ح ١٣ مجلس ٤٧ ـ عنه البحار ٩٣ : ١٧٧ ح ٥ باب ٣.
٤ ـ معاني الأخبار : ٤١١ ح ٩٨ باب نوادر المعاني ـ عنه البحار ٩٣ : ١٧٨ ح ٧ باب ٣.
٥ ـ أمالي الصدوق : ٥٤ ح ٤ مجلس ١٣ ـ عنه البحار ٩٣ : ١٧٨ ح ٨ باب ٣.
٦ ـ راجع البحار ٩٣ : ١٧٨ ح ٩ باب ٣ ـ عن الخصال.
وآله وسلّم في حجاب القدرة اثني عشر ألف سنة وهو يقول : « سبحان ربي الأعلى » ، وفي حجاب العظمة إحدى عشر ألف سنة وهو يقول : « سبحان عالم السرّ » وفي حجاب المنّة عشرة آلاف سنّة وهو يقول : « سبحان من هو قائم لا يلهو » وفي حجاب الرحمة تسعة آلاف سنة وهو يقول : « سبحان الرفيع الأعلى ».
وفي حجاب السعادة ثمانية آلاف سنة وهو يقول : « سبحان من هو دائم لا يسهو » وفي حجاب الكرامة سبعة آلاف سنة وهو يقول : « سبحان من هو غني لا يفتقر » وفي حجاب المنزلة ستة آلاف سنة وهو يقول : « سبحان العليم الكريم » وفي حجاب الهداية خمسة آلاف سنة وهو يقول : « سبحان ذي العرش العظيم ».
وفي حجاب النبوة أربعة آلاف سنة وهو يقول : « سبحان ربّ العزّة عمّا يصفون » وفي حجاب الرفعة ثلاثة الآف سنة وهو يقول : « سبحان ذي الملك والملكوت » وفي حجاب الهيبة ألفي سنة وهو يقول : « سبحان الله وبحمده » وفي حجاب الشفاعة ألف سنة وهو يقول : « سبحان ربي العظيم وبحمده »(١) .
( الفصل الرابع )
في فضل التحميد وأنواعه
روي بسند معتبر انّه سئل أبو عبد اللهعليهالسلام أيّ الأعمال أحبّ إلى الله عزّ وجلّ؟ فقال : أن تحمده(٢) .
وروي عن عليّ بن الحسينعليهماالسلام انّه قال : من قال الحمد لله فقد أدّى
__________________
١ ـ معاني الأخبار : ٣٠٧ ضمن حديث ١ ـ عنه البحار ٩٣ : ١٧٨ ح ١٠ باب ٣.
٢ ـ الكافي ٢ : ٥٠٣ ح ٢ باب التحميد والتمجيد.
شكر كلّ نعمة الله عزّ وجلّ عليه(١) .
وروي بسند معتبر عن عليّ الرضاعليهالسلام انّه قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : من أنعم الله عزّوجلّ عليه نعمة فليحمد الله ، ومن استبطأ الرزق فليستغفر الله ، ومن حزنه أمر فليقل : لا حول ولا قوة الاّ بالله(٢) .
وروي بسند معتبر عنهعليهالسلام أنّه قال : كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله إذا أتاه أمر يسرّه قال : « الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات » واذا أتاه أمر يكرهه قال : « الحمد لله على كل حال »(٣) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام أنه قال : كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يحمد الله في كلّ يوم ثلثمائة مرّة وستين مرّة عدد عروق الجسد ، يقول الحمد لله رب العالمين كثيرا على كلّ حال(٤) .
وروي بسند صحيح عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من نظر إلى ذي عاهة ، أو من قد مثّل به ، أو صاحب بلاء فليقل سرّاً في نفسه من غير أن يسمعه : « الحمد لله الذي عافاني ممّا ابتلاك به ولو شاء لفعل بي ذلك » ثلاث مرّات ، فانّه لا يصيبه ذلك البلاء أبداً(٥) .
وروي بسند معتبر عنهعليهالسلام انّه قال : من قال « الحمد لله كما هو أهله » شغل كتاب السماء ، قلت : وكيف يشغل كتاب السماء؟ قال : يقولون : اللهم انّا لا
__________________
١ ـ البحار ٩٣ : ٢١٠ ح ٤ باب ٧.
٢ ـ البحار ٩٣ : ٢١٠ ح ٥ باب ٧ ـ عن عيون أخبار الرضاعليهالسلام .
٣ ـ أمالي الطوسي : ٤٩ ح ٣٣ مجلس ٢ ـ عنه البحار ٩٣ : ٢١١ ح ٨ باب ٧.
٤ ـ الكافي ٢ : ٥٠٣ ح ٣ باب التحميد والتمجيد.
٥ ـ أمالي الصدوق : ٢٢٠ ح ١٢ مجلس ٤٥ ـ عنه البحار ٩٣ : ٢١٧ ح ٢ باب ٨.
نعلم الغيب [ أي لا نعلم ثواب الحمد الذي أنت أهله ] قال : فيقول : اكتبوها كما قالها عبدي وعليّ ثوابها(١) .
وروي بسند معتبر أخر عنهعليهالسلام انّه قال : من قال كلّ يوم سبع مرّات « الحمد لله على كل نعمة كانت أو هي كائنة » فقد أدّى شكر ما مضى وشكر ما بقي(٢) .
( الفصل الخامس )
في فضل الاستغفار
روي بسند معتبر عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : تعطّروا بالاستغفار لا تفضحكم روائح الذنوب(٣) .
وقالعليهالسلام : الاستغفار يزيد في الرزق(٤) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : خير الدعاء الاستغفار(٥) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : اذا أكثر العبد الاستغفار رفعت صحيفته وهي تتلألأ(٦) .
وروي بسند معتبر عن عليّ بن الحسينعليهالسلام انّه قال : من قال أستغفر الله
__________________
١ ـ البحار ٩٣ : ٢١١ ح ١١ باب ٧ ـ عن ثواب الأعمال.
٢ ـ البحار ٩٣ : ٢١١ ح ١٠ باب ٧ ـ عن ثواب الأعمال.
٣ ـ أمالي الطوسي : ٣٧٢ ح ٥٢ مجلس ١٣ ـ عنه البحار ٩٣ : ٢٧٨ ح ٧ باب ١٥.
٤ ـ البحار ٩٣ : ٢٧٧ ح ٤ باب ١٥.
٥ ـ الكافي ٢ : ٥٠٤ ح ١ باب الاستغفار ـ الوسائل ٤ : ١١٩٨ ح ٢ باب ٢٣.
٦ ـ الكافي ٢ : ٥٠٤ ح ٢ باب الاستغفار ، والوسائل ٤ : ١٩٨ ح ٣ باب ٢٣.
وأتوب إليه فليس بمستكبر ولا جبار(١) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : الاستغفار وقول « لا اله الاّ الله » خير العبادة(٢) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : انّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان لا يقوم من مجلس وان خفّ حتى يستغفر الله عزّ وجلّ خمساً وعشرين مرّة(٣) .
وروي بسند معتبر آخر عنهعليهالسلام انّه قال : كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يستغفر الله عزّ وجلّ في كلّ يوم سبعين مرّة ، ويتوب إلى الله عزّ وجلّ سبعين مرة(٤) . ( أي كان يقول سبعين مرة استغفر الله ، وسبعين مرة وأتوب إلى الله ).
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من عمل سيئة أُجّل فيها سبع ساعات من النهار فإن قال : « استغفر الله الذي لا اله الاّ هو الحيّ القيوم » ثلاث مرّات لم تكتب عليه(٥) .
وروي بسند معتبر عنهعليهالسلام انّه قال : من قال « استغفر الله » مائة مرّة في كلّ يوم غفر الله عزّوجلّ له سبعمائة ذنب ، ولا خير في عبد يذنب في يوم سبعمائة ذنب(٦) .
وروي بسند صحيح عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : ما من مؤمن يقارب في يومه وليلته أربعين كبيرة ، فيقول وهو نادم : « أستغفر الله الذي لا اله الاّ هو الحيّ القوم ،
__________________
١ ـ البحار ٩٣ : ٢٧٧ ح ٣ باب ١٥ عن الخصال.
٢ ـ الكافي ٢ : ٥٠٥ ح ٦ باب الاستغفار ـ الوسائل ٤ : ١٢٠١ ح ١ باب ٢٦.
٣ ـ الكافي ٢ : ٥٠٤ ح ٤ باب الاستغفار ـ الوسائل ٤ : ١٢٠٠ ح ١ باب ٢٤.
٤ ـ الكافي ٢ : ٥٠٤ ح ٥ باب الاستغفار ـ الوسائل ٤ : ١٢٠١ ح ١ باب ٢٥.
٥ ـ الكافي ٢ : ٤٣٧ ح ٢ باب الاستغفار من الذنب ـ الوسائل ١١ : ٣٥١ ح ٢ باب ٨٥.
٦ ـ الكافي ٢ : ٤٣٩ ح ١٠ باب الاستغفار من الذنب ـ الوسائل ١١ : ٣٦٧ ح ٣ باب ٩٢.
بديع السماوات والأرض ، ذو الجلال والاكرام ، وأساله أن يصلّي على محمد وآل محمد ، وأن يتوب عليّ » الاّ غفرها الله عزّوجلّ له ، ولا خير فيمن يقارف في يوم أكثر من أربعين كبيرة(١) .
وروي بسند معتبر عنهعليهالسلام انّه قال : انّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان يتوب إلى الله كل يوم سبعين مرّة من غير ذنب(٢) .
( الفصل السادس )
في فضل أذكارٍ متفرقة
روي بسند صحيح عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : عجبت لمن فزع من أربع كيف لا يفزع إلى أربع :
عجبت لمن خاف كيف لا يفزع إلى قوله عزّوجلّ :( حَسبُنَا اللهُ وَنِعمَ الوَكِيل ) (٣) فانّي سمعت الله جلّ جلاله يقول بعقبها :( فَانَقَلُبوا بِنعَمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضلٍ لَم يَمسَسهُم سُوءٌ ) (٤) .
وعجبت لمن اغتم كيف لا يفزع إلى قوله عزّوجلّ :( لاَ اِلهَ اِلاَّ أنتَ سُبحَانَكَ اِنّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمينَ ) فانّي سمعت الله عزّوجلّ يقول بعقبها :( فَاستَجَبنَا لَهُ وَنَجَّينَاهُ مِنَ الغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي المُؤمِنينَ ) (٥) .
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٤٣٨ ح ٧ باب الاستغفار من الذنب ـ مثله البحار ٩٣ : ٢٧٧ ح ٥ باب ١٥ ـ عن الخصال.
٢ ـ الكافي ٢ : ٤٩٩ ضمن حديث ١ باب نادر قبل الاستدراج ـ الوسائل ١١ : ٣٦٨ ح ٤ باب ٩٢.
٣ ـ آل عمران : ١٧٣.
٤ ـ آل عمران : ١٧٤.
٥ ـ الأنبياء : ٨٨.
وعجبت لمن مكر به كيف لا يفزع إلى قوله :( وَاُفَوّضُ أمري إلى اللهِ اِنّ اللهَ بَصِيرٌ بِالعِبَاد ) فانّي سمعت الله جلّ وتقدّس يقول بعقبها :( فَوَقَاهُ اللهُ سَيِّئآتِ مِا مَكَرُوا ) (١) .
وعجبت لمن أراد الدنيا وزينتها كيف لا يفزع إلى قوله تبارك وتعالى :( مَا شَاءَ اللهُ لاَ قُوَّةَ اِلاَّ بِاللهِ ) فانّي سمعت الله عزّ اسمه يقول بعقبها :( اِن تَرَنِ أَنَا أَقَلّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً * فَعَسى رَبِّى أَن يُؤتِينَ خَيراً مِّن جَنَّتِكَ ) (٢) وعسى موجبة(٣) .
وروي بأسانيد معتبرة عنهعليهالسلام انّه قال : جاء رجل إلى النبيصلىاللهعليهوآله فقال : يا رسول الله قد لقيت شدّة من وسوسة الصدر ، وأنا رجل مدين معيل محوج ، فقال له : كرر هذه الكلمات : « توكلت على الحي الذي لا يموت ، والحمد لله الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولداً ، ولم يكن له شريك في الملك ، ولم يكن له وليّ من الذلّ وكبّره تكبيراً ».
فلم يلبث أن جاءه فقال : أذهب الله عنّي وسوسة صدري ، وقضى عنّي ديني ، ووسّع عليّ رزقي(٤) .
وروي بسند صحيح آخر عنهعليهالسلام انّه قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّ آدم شكا إلى الله عزّوجلّ ما يلقي من حديث النفس والحزن ، فنزل عليه جبرئيل فقال له : يا آدم قل « لا حول ولا قوّة الاّ بالله » فقالها ، فذهب عنه الوسوسة والحزن(٥) .
__________________
١ ـ غافر : ٤٥.
٢ ـ الكهف : ٤٠.
٣ ـ الخصال : ٢١٨ ح ٤٣ باب ٤ ـ أمالي الصدوق : ١٥ ح ٢ مجلس ٢ ـ عنهما البحار ٩٣ : ١٨٤ ح ١ باب ٤.
٤ ـ الكافي ٢ : ٥٥٥ ح ٣ باب الدعاء للدين.
٥ ـ البحار ٩٣ : ١٨٦ ح ٥ باب ٤ ـ عن أمالي الصدوق.
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : من تظاهرت عليه النعم فليقل : « الحمد لله رب العالمين » ومن ألحّ عليه الفقر فليكثر من قول « لا حول ولا قوّة الاّ بالله العليّ العظيم » فانّه كنز من كنوز الجنّة ، وفيه شفاء من اثنين وسبعين داء أدناها الهمّ(١) .
وروي بسند صحيح عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : قال الله تعالى لنبيّهصلىاللهعليهوآله في ليلة المعراج : أعطيتك كلمتين من خزائن عرشي « لا حول ولا قوّة الاّ بالله ، ولا منجا منك الاّ إليك »(٢) .
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : قول لا حول ولا قوة الاّ بالله ، فيها شفاء من تسعة وتسعين داء أدناها الهمّ(٣) .
وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : إذا حزن أحدكم أمر فليقل « لا حول ولا قوة الاّ بالله العليّ العظيم »(٤) .
وفي حديث عن أبي ذر انّه قال : أوصاني رسول اللهصلىاللهعليهوآله أن أستكثر من قول « لا حول ولا قوّة الاّ بالله العليّ العظيم »(٥) .
وروي بسند صحيح عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قال في كلّ يوم مائة مرّة « لا حول ولا قوّة الاّ بالله » دفع الله بها عنه سبعين نوعاً من البلاء أيسرها الهمّ(٦) .
____________
١ ـ البحار ٩٣ : ١٨٦ ح ٦ باب ٤ ـ عن أمالي الصدوق.
٢ ـ البحار ٩٣ : ١٨٦ ح ٧ باب ٤ ـ عن تفسير القمي.
٣ ـ البحار ٩٣ : ١٨٧ ح ٨ باب ٤ ـ عن قرب الاسناد.
٤ ـ البحار ٩٣ : ١٨٨ ح ١٣ باب ٤ ـ عن أمالي الطوسي.
٥ ـ البحار ٩٣ : ١٨٧ ح ٩ باب ٤.
٦ ـ البحار ٩٣ : ١٨٨ : ١٦ باب ٤ ـ عن ثواب الأعمال.
وروي بسند معتبر آخر عنهعليهالسلام انّه قال : إذا دعا الرجل فقال بعد ما دعا : « ما شاء الله لا حول ولا قوّة الاّ بالله » ، [ قال الله عزّوجلّ : استبسل عبدي واستسلم لأمري ] اقضوا حاجته(١) .
وروي بسند معتبر عنهعليهالسلام انّه قال : من قال « ما شاء الله لا حول ولا قوّة الاّ بالله » سبعين مرّة صُرف عنه سبعين نوعاً من أنواع البلاء أيسر ذلك الخنق ، قلت : جعلت فداك وما الخنق؟ قال : لا يعتلّ بالجنون فيخنق(٢) .
وروي عنهعليهالسلام انّه قال : انّ لله ملكاً يقال له إسماعيل ، ساكن في السماء الدنيا إذا قال العبد : يا أرحم الراحمين سبع مرّات ، قال له إسماعيل : قد سمع الله أرحم الراحمين صوتك فسل حاجتك(٣) .
وروي بسند صحيح عنهعليهالسلام انّه قال : من قال : يا الله الله ـ عشر مرّات ـ قيل له : لبيك ما حاجتك(٤) .
وكذلك لو قال يا رب يا رب عشر مرّات.
وروي أيضاً بسند صحيح عنهعليهالسلام انّه قال : إذا قال العبد : « يا الله يا ربي »(٥) حتى ينقطع النفس قال له الرب : سل ما حاجتك(٦) .
وقالعليهالسلام : اشتكى بعض ولد أبيعليهالسلام ، فمرّ به فقال له : قل عشر مرّات
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٥٢١ ح ١.
٢ ـ الكافي ٢ : ٥٢١ ح ٢.
٣ ـ محاسبة النفس لعليّ ابن طاووس : ٦٢ باب ٥ ـ عنه البحار ٩٣ : ٢٣٤ ضمن حديث ٦ باب ١٢.
٤ ـ الكافي ٢ : ٥١٩ ح ١.
٥ ـ جاء في المتن الفارسي ( يا ربّي الله ) ولم نجده.
٦ ـ البحار ٩٣ : ٢٣٣ ح ٣ باب ١٢ ـ عن المحاسن.
« يا الله يا الله يا الله » فانّه لم يقلها أحد من المؤمنين قطّ الاّ قال له الرب تبارك وتعالى : لبيك عبدي سل حاجتك(١) .
وروي بسند معتبر عن عليّ الرضاعليهالسلام انّه قال : رأيت أبيعليهالسلام في المنام فقال : يا بني إذا كنت في شدّة فأكثر من أن تقول « يا رؤوف يا رحيم »(٢) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال لبعض أصحابه : ألا أعلّمك اسم الله الأعظم؟ قال : اقرأ ( الحمد لله ، وقل هو الله ، وآية الكرسي ، وانّا أنزلناه ) ثم استقبل القبلة فادع بما أحببت(٣) .
وروي بسند معتبر عن الرضاعليهالسلام انّه قال : بسم الله الأكبر « يا حيّ يا قيوم »(٤) .
وفي رواية أخرى عن عليّ بن الحسينعليهالسلام انّ هذا الدعاء مشتمل على الاسم الأعظم :
« يا الله يا الله يا الله ، وحدك لا شريك لك ، أنت المنان بديع السماوات والأرض ، ذو الجلال والاكرام ، وذو الأسماء العظام ، وذو العزّ الذي لا يرام ، والهكم اله واحد ، لا اله الاّ هو الرحمن الرحيم ، وصلّى الله على محمد وآله أجمعين »(٥) .
وروي بسند معتبر عن سكين بن عمار انّه قال : كنت نائماً بمكة فأتاني آت في منامي فقال لي : قم فإنّ تحت الميزاب رجلاً يدعو الله باسمه الأعظم ، ففزعت
__________________
١ ـ قرب الاسناد : ١ ح ٢ ـ عنه البحار ٩٣ : ٢٣٣ ح ١ باب ١٢.
٢ ـ البحار ٩٣ : ٢٧٢ ح ٢ باب ١٣ ـ عن مهج الدعوات.
٣ ـ البحار ٩٣ : ٢٢٣ ضمن حديث ١ باب ١١ ـ عن مهج الدعوات.
٤ ـ البحار ٩٣ : ٢٢٣ ضمن حديث ١ باب ١١ ـ عن مهج الدعوات.
٥ ـ راجع البحار ٩٣ : ٢٢٧ ـ ضمن حديث ١ باب ١١ ـ عن مهج الدعوات.
ونمت ، فناداني ثانية بمثل ذلك ، ففزعت ثم نمت ، فلما كان في الثالثة قال : قم يا فلان بن فلان فإنّ هذا فلان بن فلان يسمّيه باسمه واسم أبيه وهو العبد الصالح تحت الميزاب يدعو الله باسمه.
فقال : قمت واغتسلت ثم دخلت الحجر ، فاذا رجل قد ألقى ثوبه على رأسه وهو ساجد ، فجلست خلفه فسمعته يقول :
« يا نور يا قدوس [ ثلاثاً ] ، يا حيّ يا قيّوم [ ثلاثاً ] ، يا حيّ لا يموت [ ثلاثاً ] ، يا حيّ حين لا حيّ [ ثلاثاً ] ، يا حيّ لا اله الاّ أنت [ ثلاثاً ] ، أسألك بلا اله الاّ أنت [ ثلاثاً ] ، أسألك بسم الله الرحمن الرحيم العزيز المتين ثلاثاً ».
قال سكين : فلم يزل يردّد هذه الكلمات حتى حفظتها(١) .
وروي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : ما من مؤمن قال هذه الكلمات سبعين مرّة الاّ وأنا ضامن له في دنياه وفي آخرته ، فأما في دنياه فتتلقاه الملائكة ببشارة عند الموت ، وأما في الآخرة فإنّ له بكلّ كلمة منها بيتاً في الجنة ، يقول « يا أسمع السامعين ، ويا أبصر الناظرين ، ويا أسرع الحاسبين ، ويا أرحم الراحمين ، ويا أحكم الحاكمين »(٢) .
( الباب الثاني )
في أذكار تختص بأوقات
وفيه فصول :
__________________
١ ـ راجع البحار ٩٣ : ٢٢٨ ، ضمن حديث ١ باب ١١ ـ عن مهج الدعوات.
٢ ـ قرب الاسناد : ٢ ح ٥ ـ عنه البحار ٩٥ : ٣٥٠ ح ١باب ١٢٩.
( الفصل الأول )
في تعقيب صلاة الصبح والعشاء والأذكار التي تقرأ
صباحاً ومساءً
روي بأسانيد معتبرة عن أبي الحسن موسىعليهالسلام انّه قال : اذا صلّيت المغرب فلا تبسط رجلك ولا تكلّم أحداً حتى تقول مائة مرّة : « بسم الله الرحمن الرحيم ، لا حول ولا قوّة الاّ بالله العليّ العظيم » ومائة مرّة في الغداة ، فمن قالها دفع الله عنه مائة نوع من أنواع البلاء ، أدنى نوع منها البرص والجذام والشيطان والسلطان(١) .
وروي عن أبي الحسن الرضاعليهالسلام انّه قال : من قال بعد صلاة الفجر : « بسم الله الرحمن الرحيم لا حول ولا قوّة الاّ بالله العليّ العظيم » مائة مرّة كان أقرب إلى اسم الله الأعظم من سواد العين إلى بياضها ، وانّه دخل فيها اسم الله الأعظم(٢) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قال في دبر صلاة الفجر ، ودبر صلاة المغرب سبع مرّات : « بسم الله الرحمن الرحيم لا حول ولا قوة الاّ بالله العليّ العظيم » دفع الله عزّوجلّ عنه سبعين نوعاً من أنواع البلاء أهونها الريح والبرص والجنون وان كان شقياً محي من الشقاء وكتب في السعداء(٣) .
وفي رواية أخرى من قالها ثلاث مرات.
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٥٣١ ح ٢٩ باب القول عند الاصباح والامساء ـ الوسائل ٤ : ١٠٥٠ ح ١٢ باب ٢٥.
٢ ـ البحار ٨٦ : ١٦٢ ح ٤١ باب ٦٥.
٣ ـ الكافي ٢ : ٥٣١ ح ٢٥ باب القول عند الاصباح والامساء ـ عنه البحار ٨٦ : ١٣٢ ح ٩ باب ٦٥.
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قال : « ما شاء الله كان لا حول ولا قوّة بالله العليّ العظيم » مائة مرّة حين يصلّي الفجر لم ير يومه ذلك شيئا يكرهه(١) .
وروي بأسانيد معتبرة عنهعليهالسلام انّه قال : من قال عشر مرّات قبل أن تطلع الشمس وقبل غروبها : « لا اله الاّ الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت ويميت ويحيي وهو حيّ لا يموت ، بيده الخير وهو على كلّ شيء قدير » كانت كفّارة لذنوبه ذلك اليوم(٢) .
وفي رواية أخرى : لم يلق الله عزّ وجلّ عبد بعمل أفضل من عمله الاّ من جاء بمثل عمله(٣) .
وفي رواية أخرى : [ انّ الدعاء قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ] سنّة واجبة [ مع طلوع الفجر والمغرب يقول : « لا اله الاّ الله ، وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت ويميت ويحيي وهو حيّ لا يموت ، بيده الخير وهو على كلّ شيء قدير » عشر مرّات ].
وتقول : « أعوذ بالله السميع العليم من همزات الشياطين ، وأعوذ بك رب أن يحضرون ، انّ الله هو السميع العليم » عشر مرّات ، قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ، فإن نسيت قضيت كما تقضي الصلاة اذا نسيتها(٤) .
وروي بسند معتبر آخر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : من قال حين
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٥٣٠ ح ٢٤ باب القول عند الاصباح والامساء ـ عنه البحار ٨٦ : ١٦٢ ح ٤٢ باب ٦٥.
٢ ـ الكافي ٢ : ٥١٨ ح ١.
٣ ـ الكافي ٢ : ٥١٨ ضمن حديث ٢.
٤ ـ الكافي ٢ : ٥٣٢ ح ٣١.
يطلع الفجر صلى الله على محمد وآل محمد عشر مرّات ، وسبّح خمساً وثلاثين مرّة ، وهلّل خمساً وثلاثين مرّة ، وحمد الله خمساً وثلاثين مرّة لم يكتب في ذلك الصباح من الغافلين ، واذا قالها في المساء لم يكتب في تلك الليلة من الغافلين(١) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من كبّر الله تبارك وتعالى عند المساء مائة تكبيرة كان كمن أعتق مائة نسمة(٢) .
وروي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : من كبّر الله مائة تكبيرة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ، كتب الله له من الأجر كأجر من أعتق مائة رقبة(٣) .
وروي بسند معتبر آخر انّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال : انّ في ابن آدم ثلاثمائة وستين عرقاً ، منها مائة وثمانون متحركة ، ومنها مائة وثمانون ساكنة ، فلو سكن المتحرّك لم ينم ، ولو تحرّك الساكن لم ينم.
وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآله اذا أصبح قال : ( الحمد لله رب العالمين كثيراً على كلّ حال ) ثلاثمائة وستين مرّة ، واذا أمسى قال مثل ذلك(٤) .
وروي بسند معتبر آخر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قال أربع مرّات اذا أصبح : « الحمد لله رب العالمين » فقد أدى شكر يومه ، ومن قالها اذا أمسى فقد أدّى شكر ليلته(٥) .
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٥٣٤ ضمن حديث ٣٥ ـ الوسائل ٤ : ١٢٣٧ ح ٩ باب ٤٩.
٢ ـ البحار ٨٦ : ٢٥٢ ح ١٧ باب ٦٧ ـ عن أمالي الصدوق.
٣ ـ البحار ٨٦ : ٢٥٧ ح ٢٧ باب ٦٧ ـ عن المحاسن.
٤ ـ الكافي ٢ : ٥٠٣ ح ٤ باب التحميد والتمجيد ـ مثله البحار ٨٦ : ٢٥٤ ح ٢٢ باب ٦٧.
٥ ـ الكافي ٢ : ٥٠٣ ح ٥ باب التحميد والتمجيد ـ مثله البحار ٨٦ : ٢٥٤ ح ٢٤ باب ٦٧.
وروي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : مرّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله برجل يغرس غرساً في حائط له ، فوقف له وقال : ألا أدلّك على غرس أثبت أصلاً ، وأسرع أيناعاً ، وأطيب ثمراً وأبقى؟
قال : بلى فدلّني يا رسول الله ، فقال : اذا أصبحت وأمسيت فقل : « سبحان الله والحمد لله ولا اله الاّ الله والله أكبر » ، فإنّ لك ان قلته بكلّ تسبيحة عشر شجرات في الجنّة من أنواع الفاكهة(١) .
وروي بسند معتبر عنهعليهالسلام انّه قال : تقول اذا أصبحت : « أصبحت بالله مؤمناً على دين محمد وسنّته [ ودين عليّ وسنته ] ودين الأوصياء وسنتهم ، آمنت بسرّهم وعلانيتهم وشاهدهم وغائبهم ، وأعوذ بالله ممّا استعاذ منه رسول اللهصلىاللهعليهوآله وعليّعليهالسلام والأوصياء ، وأرغب إلى الله فيما رغبوا إليه ، ولا حول ولا قوّة الاّ بالله »(٢) .
وروي بسند معتبر عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : ما من عبد يقول حين يمسي ويصبح : رضيت بالله ربّاً ، وبالاسلام ديناً ، وبمحمدصلىاللهعليهوآله نبيّاً ، وبالقرآن بلاغاً ، وبعليّ إماماً [ وبالأوصياء من ولده أئمة ] ثلاثاً إلاّ كان حقّاً على الله العزيز الجبار أن يرضيه يوم القيامة(٣) .
وروي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : ما من عبد يقول اذا أصبح قبل طلوع الشمس : « الله أكبر كبيراً سبحان الله بكرة وأصيلاً ، والحمد لله رب العالمين كثيراً ، لا شريك له وصلّى الله على محمد وآله » الاّ ابتدرهنّ ملك
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٥٠٦ ح ٤ باب التسبيح والتهليل والتكبير.
٢ ـ الكافي ٢ : ٥٢٢ ح ٤ باب القول عند الاصباح والامساء ـ عنه البحار ٨٦ : ٢٨٨ ح ٤٩ باب ٦٧.
٣ ـ الكافي ٢ : ٥٢٥ ضمن حديث ١٢ ـ عنه البحار ٨٦ : ٢٩١ ضمن حديث ٥٢ باب ٦٧.
وجعلهنّ في جوف جناحه ، وصعد بهنّ إلى السماء الدنيا فتقول الملائكة : ما معك؟ فيقول : معي كلمات قالهنّ رجل من المؤمنين وهي كذا وكذا ، فيقولون : رحم الله من قال هؤلاء الكلمات وغفر له.
قال : وكلّما مرّ بسماء قال لأهلها مثل ذلك ، فيقولون : رحم الله من قال هؤلاء الكلمات وغفر له ، حتى ينتهي بهنّ إلى حملة العرش ، فيقول لهم : انّ معي كلمات تكلّم بهنّ رجل من المؤمنين وهي كذا وكذا.
فيقولون : رحم الله هذا العبد وغفر له ، انطلق بهنّ إلى حفظة كنوز مقالة المؤمنين ، فإنّ هؤلاء كلمات الكنوز حتى تكتبهنّ في ديوان الكنوز(١) .
وروي بسند عال عن أبي حمزة الثمالي ، عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام قال : قلت له : ما عني بقوله : «وَاِبرَاهيِم الَّذِي وَفّى »(٢) ؟ قال : كلمات بالغ فيهنّ ، قلت : وما هنّ؟
قال : كان اذا أصبح قال : أصبحت وربي محموداً ، وأصبحت لا اُشرك بالله شيئاً ، ولا أدعو معه الهاً ، ولا أتخذ من دونه ولياً ـ ثلاثاً ـ واذا أمسى قالها ثلاثاً(٣) [ ويقال في المساء : أمسيت ].
وروي بسند صحيح عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : انّما سمّي نوح عبداً شكوراً لأنّه كان يقول اذا أصبح وأمسى : « اللهم انّه ما أصبح وأمسى بي من نعمة أو عافية في دين أو دنيا منك وحدك لا شريك لك ، لك الحمد ولك الشكر به عليّ يا ربّ حتى ترضى وبعد الرضا »(٤) .
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٥٢٦ ح ١٤ ـ عنه البحار ٨٦ : ٢٩٢ ح ٥٣ باب ٦٧.
٢ ـ النجم : ٣٧.
٣ ـ الكافي ٢ : ٥٣٤ ح ٣٨.
٤ ـ البحار ٨٦ : ٢٦٢ ح ٣٢ باب ٦٧ ـ عن تفسير العياشي.
وروي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انه قال : من أصبح وعليه خاتم فصّه من عقيق ، متختما به في يده اليمنى فأصبح من قبل أن يرى أحدا ، فقلّب فصّه الى باطن كفّه وقرأ( انا أنزلناه في ليلة القدر ) الى آخرها ، ثم قال :
« آمنت بالله وحده لا شريك له ، وكفرت بالجبت والطاغوت ، وآمنت بسرّ آل محمد وعلانيتهم ، وظاهرهم وباطنهم ، وأولهم وآخرهم » وقاه الله في ذلك اليوم من شرّ ما ينزل من السماء وما يعرج فيها [ وما يلج في الأرض ] وما يخرج منها ، وكان في حرز الله وحرز وليّه حتى يمسي(١) .
وروي بسند معتبر عنهعليهالسلام أنه قال : من استغفر الله بعد صلاة الفجر سبعين مرّة غفر الله له ، ولو عمل ذلك اليوم أكثر من سبعين ألف ذنب(٢) .
وروي بسند معتبر عن أمير المومنينعليهالسلام أنه قال : من قال حين يمسي ثلاث مرات : « سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ، وله الحمد في السماوات والأرض وعشيّا وحين تظهرون » لم يفته خير يكون في تلك الليلة ، وصرف عنه جميع شرّها ، ومن قال مثل ذلك حين يصبح لم يفته خير يكون في ذلك اليوم ، وصرف عنه جميع شرّه(٣) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام أنه قال : من قال اذا صلى المغرب ثلاث مرات : « الحمد لله الذي يفعل ما يشاء ولا يفعل ما يشاء غيره » أعطي خيرا كثيرا(٤) .
__________________
١ ـ مستدرك الوسائل ٣ : ٢٩٧ باب ٣٣ ح ٣٦٢٤.
٢ ـ البحار ٩٣ : ٢٨٠ ح ١٦ باب ١٥ ـ عن ثواب الأعمال.
٣ ـ البحار ٨٦ : ٢٥٣ ح ١٩ باب ٦٧ ـ عن ثواب الأعمال.
٤ ـ الكافي ٢ : ٥٤٥ ح ٢ ـ من لا يحضره الفقيه ١ : ٣٢٦ ح ٩٧٥.
وروي بسند صحيح عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : قال النبيصلىاللهعليهوآله : لما أُسري بي علّمتني الملائكة قولاً أقوله اذا أصبحت وأمسيت « اللهم انّ ظلمي أصبح مستجيراً بعفوك ، وذنبي أصبح مستجيراً بمغفرتك ، وذلّي أصبح مستجيراً بعزّتك ، وفقري أصبح مستجيراً بغناك ، ووجهي البالي الفاني أصبح مستجيراً بوجهك الدائم الباقي الذي لا يفني » وأقول ذلك اذا أمسيت(١) .
وروي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : أتى رجل النبيصلىاللهعليهوآله يقال له شيبة الهذلي ، فقال : يا رسول الله انّي شيخ قد كبرت سنّي ، وضعفت قوّتي عن عمل كنت عودّته نفسي من صلاة وصيام وحج وجهاد ، فعلّمني يا رسول الله كلاماً ينفعني الله به ، وخفّف عليّ يا رسول الله.
فقال : أعدها ، فأعادها ثلاث مرّات ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ما حولك شجرة ولا مدرة الاّ وقد بكت من رحمتك ، فاذا صلّيت الصبح فقل عشر مرّات : « سبحان الله العظيم وبحمده ولا حول ولا قوة الاّ بالله العلي العظيم » فإنّ الله عزّوجلّ يعافيك بذلك من العمى والجنون والجذام والفقر والهرم.
فقال : يا رسول الله هذا للدنيا فما للآخرة؟ فقال : تقول في دبر كلّ صلاة « اللهم اهدني من عندك ، وأفض عليّ من فضلك ، وانشر عليّ من رحمتك ، وأنزل عليّ من بركاتك » [ ثم قالصلىاللهعليهوآله : ] أما انه ان وافى بها يوم القيامة لم يدعها متعمداً فتحت له ثمانية أبواب الجنّة يدخلها من أيّها شاء(٢) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قال كل يوم خمساً
____________
١ ـ البحار ٨٦ : ٢٤٨ ح ٩ باب ٦٧ ـ مستدرك الوسائل ٥ : ٣٨١ ح ١ باب ٤١ ـ عن تفسير القمي.
٢ ـ البحار ٨٦ : ١٩ ح ١٨ باب ٦٠ ـ عن ثواب الأعمال.
وعشرين مرّة : « اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات ، والمسلمين والمسلمات » كتب الله له بعدد كلّ مؤمن مضى ، وبعدد كلّ مؤمن بقي إلى يوم القيامة حسنة ، ومحا عنه سيئة ، ورفع له درجة(١) .
وروي بسند معتبر عن هلقام [ ابن أبي هلقام ] انّه قال : أتيت أبا إبراهيم(٢) عليهالسلام فقلت له : جعلت فداك علمني دعاء جامعاً للدنيا والآخرة وأوجز ، فقال : قل في دبر الفجر إلى أن تطلع الشمس : « سبحان الله العظيم وبحمده استغفر الله وأسأله من فضله ».
قال هلقام : لقد كنت من أسوء أهل بيتي حالاً وانّي اليوم لمن أيسر أهل بيتي(٣) .
وقال الشيخ الطوسي عليه الرحمة والرضوان في تعقيب صلاة الصبح : تقول مائة مرّة : ( استغفر الله وأتوب إليه ) ومائة مرّة ( أسأل الله العافية ) ومائة مرّة ( أستجير بالله من النار وأسأله الجنّة ) ومائة مرّة ( أسأل الله الحور العين ) ، ومائة مرّة سورة ( قل هو الله أحد ).
وتقول مائة مرّة ( صلى الله على محمد وآل محمد ) ومائة مرّة ( سبحان الله والحمد لله ولا اله الاّ الله والله أكبر ولا حول ولا قوّة الاّ بالله العليّ العظيم ) وعشر مرّات ( آية الكرسي ) وعشر مرّات سورة( انّا أنزلناه ) وتقرأ هذا الدعاء عشر مرّات :
« اللهم اقذف في قلوب العباد محبتي ، وضمّن السماوات والأرض رزقي ، وألق الرعب في قلوب أعدائك منّي ، وانشر رحمتك لي ، وأتمم نعمتك عليّ ،
__________________
١ ـ البحار ٩٣ : ٣٨٤ ح ٥ باب ٢٦ ـ عن أمالي الصدوق.
٢ ـ في المتن الفارسي : ( أبا عبداللهعليهالسلام ).
٣ ـ الكافي ٢ : ٥٥٠ ح ١٢.
واجعلها موصولة بكرامتك اياي ، وأوزعني شكرك ، وأوجب لي المزيد من لدنك ، ولا تنسني ذكرك ، ولا تجعلني من الغافلين ».
( الفصل الثاني )
في ما يقرأ عقيب كل صلاة
اعلم انّ من أفضل التعقبيات تسبيح فاطمة الزهراءعليهاالسلام بأن تقول ( الله أكبر ) أربعاً وثلاثين مرّة ، و ( الحمد لله ) ثلاثاً وثلاثين مرّة و ( سبحان الله ) ثلاثاً وثلاثين مرّة.
روي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : ما عبدالله بشيء من التحميد أفضل من تسبيح فاطمةعليهاالسلام ، ولو كان شيء أفضل منه لنحله رسول اللهصلىاللهعليهوآله فاطمةعليهاالسلام (١) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : تسبيح فاطمةعليهاالسلام في كلّ يوم في دبر كلّ صلاة أحبّ إليّ من صلاة ألف ركعة في كلّ يوم(٢) .
وقالعليهالسلام : من سبّح في دبر الفريضة تسبيح فاطمة الزهراءعليهاالسلام المائة مرّة ، وأتبعها بلا اله الاّ الله غفر الله له(٣) .
وروي بسند صحيح عنهعليهالسلام انّه قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأصحابه ذات يوم : أترون لو جمعتم ما عندكم من الآنية والمتاع أكنتم ترونه يبلغ
__________________
١ ـ الكافي ٣ : ٣٤٣ ح ١٤ باب التعقيب.
٢ ـ الكافي ٣ : ٣٤٣ ح ١٥ باب التعقيب.
٣ ـ الكافي ٣ : ٣٤٢ ح ٧ باب التعقيب.
السماء؟ قالوا : لا يا رسول الله ، قال : أفلا أدلكم على شيء أصله في الأرض وفرعه في السماء؟ قالوا : بلى يا رسول الله.
قال : يقول أحدكم اذا فرغ من صلاته الفريضة : « سبحان الله والحمد لله ولا اله الاّ الله والله أكبر » ثلاثين مرّة ، فإنّ أصلهنّ في الأرض وفرعهنّ في السماء ، وهنّ يدفعن الحرق ، والغرق ، والهدم ، والتردي في البئر ، وميتة السوء ، وهنّ الباقيات الصالحات(١) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قال « سبحان الله والحمد لله ولا اله الاّ الله والله أكبر » أربعين مرّة في دبر كلّ صلاة فريضة قبل أن يثني رجليه ثم سأل الله أُعطي ما سأل(٢) .
وروي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : من قال في دبر صلاة الفريضة قبل أن يثني رجليه « أستغفر الله الذي لا اله الاّ هو الحيّ القيوم ، ذو الجلال والاكرام وأتوب إليه » ثلاث مرّات ، غفر الله عزّوجلّ له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر(٣) .
وروي بسند صحيح عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : أقلّ ما يجزئك من الدعاء بعد الفريضة أن تقول : « اللهم انّي أسألك من كلّ خير أحاط به علمك ، وأعوذ بك من كلّ شرّ أحاط به علمك ، اللهم انّي أسألك عافيتك في أموري كلّها ، وأعوذ بك من خزي الدنيا وعذاب الآخرة »(٤) .
__________________
١ ـ معاني الأخبار : ٣٢٤ ح ١ ـ عنه البحار ٨٦ : ٣٠ ح ٣٥ باب ٦٠.
٢ ـ الوسائل ٤ : ١٠٣٢ ح ٦ باب ١٥.
٣ ـ الكافي ٢ : ٥٢١ ح ١ ـ الوسائل ٤ : ١٠٤٤ ح ٤ باب ٢٤.
٤ ـ الكافي ٣ : ٣٤٣ ح ١٦ باب التعقيب ـ الوسائل ٤ : ١٠٤٣ ح ١ باب ٢٤.
وروي بسند معتبر انّه : كتب محمد بن إبراهيم إلى أبي الحسن [ موسى ]عليهالسلام إن رأيت يا سيدي أن تعلّمني دعاء أدعو به في دبر صلواتي يجمع الله به خير الدنيا والآخرة.
فكتبعليهالسلام : تقول « أعوذ بوجهك الكريم ، وعزتك التي لا ترام ، وقدرتك التي لا يمتنع منها شيء ، من شرّ الدنيا والآخرة ، ومن شرّ الأوجاع كلّها »(١) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من صلّى صلاة مكتوبة ثم سبّح في دبرها ثلاثين مرّة لم يبق شيء من الذنوب على بدنه الاّ تناثر(٢) .
وروي بسند معتبر عن أمير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : من أحبّ أن يخرج من الدنيا وقد خلص من الذنوب كما يخلص الذهب الذي لا كدر فيه ، وليس أحد يطالبه بمظلمة فليقرء في دبر الصلاة الخمس نسبة الله عزّوجلّ «قل هو الله أحد » اثني عشر مرّة ، ثمّ يبسط يديه ويقول :
« اللهم انّي أسألك بأسمك باسمك المكنون المخزون الطاهر الطهر المبارك ، وأسألك باسمك العظيم وسلطناك القديم ، يا واهب العطايا ، يا مطلق الاسارى ، يا فكّاك الرقاب من النار ، صلّى على محمد وآله محمد ، وفكّ رقبتي من النار ، وأخرجني من الدنيا آمناً ، وأدخلني الجنّة سالماً ، واجعل دعائي أوّله فلاحاً ، وأوسطه نجاحاً ، وآخره صلاحاً انّك أنت علام الغيوب ».
ثم قالعليهالسلام : هذا من المخبيات ممّا علمني رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأمرني أن أعلّمه الحسن والحسين(٣) .
__________________
١ ـ الكافي ٣ : ٣٤٦ ح ٢٨ باب التعقيب.
٢ ـ الوسائل ٤ : ١٠٣٢ ح ٥ باب ١٥.
٣ ـ معاني الأخبار : ١٣٩ ح ١ ـ عنه البحار ٨٦ : ٢٥ ح ٢٦ باب ٦٠.
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه : انّ النبيصلىاللهعليهوآله لمّا فتح مكة صلّى بأصحابه الظهر عند الحجر الأسود ، فلمّا سلّم رفع يديه وكبّر ثلاثاً وقال :
« لا اله الاّ الله ، وحده وحده وحده ، أنجز وعده ، ونصر عبده ، وأعزّ جنده ، وغلب الأحزاب وحده ، فله الملك وله الحمد ، يحيي ويميت ، وهو على كلّ شيء قدير ».
ثم أقبل على أصحابه فقال : لا تَدَعوا هذا التكبير وهذا القول في دبر كلّ صلاة مكتوبة ، فإنّ من فعل ذلك بعد التسليم وقال هذا القول كان قد أدّى ما يجب عليه من شكر الله تعالى ذكره على تقوية الإسلام وجنده(١) .
وروي بسند صحيح عن أبي نصر البزنطي انّه قال : قلت للرضاعليهالسلام : كيف الصلاة على رسول اللهصلىاللهعليهوآله في دبر المكتوبة؟ وكيف السلام عليه؟ فقالعليهالسلام تقول :
« السلام عليك يا رسول الله ، السلام عليك يا حبيب الله ، السلام عليك يا صفوة الله ، السلام عليك يا أمين الله ، أشهد أنّك رسول الله ، وأشهد أنّك محمد بن عبدالله ، وأشهد أنّك قد نصحت لامتك ، وجاهدت في سبيل ربّك ، وعبدته حتى أتاك اليقين ، فجزاك الله يا رسول الله أفضل ما جزى نبياً عن أمته ، اللهم صلّ على محمد وآل محمد أفضل ما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم انّك حميد مجيد »(٢) .
وطبقاً للأحاديث المعتبرة لابد أن يقال بعد كلّ صلاة : « اللهم صلّ على
__________________
١ ـ علل الشرائع : ٣٦٠ ح ١ باب ٧٨ ـ عنه البحار ٨٦ : ٢٢ ح ٢١ باب ٦٠.
٢ ـ البحار ٨٦ : ٢٤ ح ٢٥ باب ٦٠ ـ عن قرب الاسناد : ٣٨٢ ح ١٣٤٤.
محمد وآل محمد ، وأعذنا من النار ، وارزقنا الجنّة ، وزوّجنا من الحور العين ».
وروي بسند معتبر انّه : سمعنا أبا عبداللهعليهالسلام وهو يلعن في دبر كلّ مكتوبة أربعة من الرجال وأربعا من النساء : التيمي والعدوي وفعلان ومعاوية ، ويسمّيهم ، وفلانة وفلانة وهنداً وأم الحكم أخت معاوية(١) .
وقد مرّت بعض التعقيبات في باب فضائل سور القرآن والآيات ، وذُكر بعضها أيضاً في باب الصلاة ، ونكتفي هنا بهذا المقدار.
( الفصل الثالث )
التعقيب المختص بفريضة الظهر
روي بسند معتبر عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، قال : كان من دعائه عقيب صلاة الظهر :
« لا اله الاّ الله العظيم الحليم ، لا اله الاّ الله ربّ العرش الكريم ، الحمد لله رب العالمين ، اللهم انّي أسألك موجبات رحمتك ، وعزائم مغفرتك ، والغنيمة من كلّ خير ، والسلامة من كلّ اثم ، اللهم لا تدع لي ذنباً الاّ غفرته ، ولا همّاً إلاّ فرّجته ، ولا سقماً الاّ شفيته ، ولا عيباً الاّ سترته ، ولا رزقاً الاّ بسطته ، ولا خوفاً الاّ أمنته ، ولا سوء الاّ صرفته ، ولا حاجة هي لك رضى ولي صلاح الاّ قضيتها يا أرحم الراحمين ، آمين ربّ العالمين »(٢) .
__________________
١ ـ البحار ٨٦ : ٥٨ ح ٦٣ باب ٦٠ ـ عن التهذيب ٢ : ٣٢١ ح ١٣١٣ ـ الكافي ٣ : ٣٤٢ ح ١٠ ـ في الوسائل ٤ : ١٠٣٧ ح ١ باب ١٩.
٢ ـ البحار ٨٦ : ٦٣ ح ٢ باب ٦١ ـ عن فلاح السائل : ١٧١.
( الفصل الرابع )
في تعقبيات صلاة العصر
روي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من استغفر الله عزّوجلّ بعد العصر سبعين مرّة غفر الله له ذلك اليوم سبعمائة ذنب ، فإن لم يكن له فلأبيه ، فإن لم يكن لأبيه فلأُمّه ، فإن لم يكن لأُمّه فلأخيه ، فإن لم يكن لأخيه فلأُخته ، فإن لم يكن لأُخته فللأقرب فالأقرب(١) .
وورد في حديث آخر سبع وسبعين استغفار ، وقد مرّ ذكر الثواب العظيم لقراءة سورة( انا أنزلناه ) عشر مرّات بعد صلاة العصر.
وروي بسند معتبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انّه قال : من قال بعد صلاة العصر في كلّ يوم مرّة واحدة : « استغفر الله الذي لا اله الاّ هو الحيّ القيوم ، الرحمن الرحيم ، ذو الجلال والاكرام ، وأسأله أن يتوب عليّ توبة عبد ذليل خاضع فقير بائس مسكين مستكين مستجير ، لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً » أمر الله تعالى الملكين بتخريق صحيفته كائنة ما كانت(٢) .
( الفصل الخامس )
في تعقيب صلاة العشاء
روي بسند معتبر عن أبي جعفر الجوادعليهالسلام انّه قال : من قرأ( إنّا أنزلناه
__________________
١ ـ أمالي الصدوق : ٢١١ ح ٨ مجلس ٤٤ ـ عنه البحار ٨٦ : ٧٨ ح ٢ باب ٦٢.
٢ ـ البحار ٨٦ : ٨٢ ح ٩ باب ٦٢ ـ عن فلاح السائل : ٢٠١.
في ليلة القدر ) سبع مرّات بعد العشاء الآخرة كان في ضمان الله حتى يصبح(١) .
وذكر الشيخ الطوسي رحمة الله عليه انّه يستحبّ قراءة الحمد وقل هو الله أحد وقل أعوذ برب الناس وقل أعوذ بربّ الفلق عشر مرّات بعد صلاة العشاء وأيضاً يكرر التسبيحات الأربع عشر مرّات ويصلّي على النبيّ وآله عشر مرات.
( الفصل السادس )
في سجدة الشكر
اعلم انّ سجدة الشكر من السنن المؤكّدة بعد كلّ الصلاة ، ووردت الأحاديث الكثيرة في فضلها حتى انّه روي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : سجدة الشكر واجبة على كلّ مسلم ، تتمّ بها صلاتك ، وترضي بها ربّك ، وتعجب الملائكة منك.
وانّ العبد اذا صلّى ثم سجد سجدة الشكر فتح الرب تبارك وتعالى الحجاب بين العبد وبين الملائكة ، فيقول : يا ملائكتي انظروا إلى عبدي أدّى فرضي ، وأتمّ عهدي ، ثم سجد لي شكراً على ما أنعمت به عليه ، ملائكتي ماذا له عندي؟
قال : فتقول الملائكة : يا ربنا رحمتك ، ثم يقول الرب تعالى : ثم ماذا له؟ قال : فتقول الملائكة : يا ربنا جنتك ، فيقول الرب تعالى : ثم ماذا؟ فتقول الملائكة : يا ربنا كفاية مهمّه ، فيقول الرب : ثم ماذا؟
فلا يبقى شيء من الخير الاّ قالته الملائكة ، فيقول الله تعالى : يا ملائكتي ثم
__________________
١ ـ البحار ٨٦ : ١٢٥ ح ٦ باب ٦٤ عن فلاح السائل : ٢٥٧.
ماذا؟ فتقول الملائكة : يا ربنا لا علم لنا ، فيقول الله تعالى لأشكرنّه كما شكرني ، وأقبل إليه بفضلي ، وأُريه رحمتي [ وجهي ](١) .
وروي بأسانيد معتبرة عن أبي جعفر الباقر وأبي عبداللهعليهماالسلام انّه : أوحى الله إلى موسى بن عمرانعليهالسلام : أتدري يا موسى لم انتجبتك من خلقي ، واصطفيتك لكلامي؟ فقال : لا يا رب ، فأوحى الله إليه ، انّي اطلعت إلى الأرض فلم أجد عليها أشدّ تواضعاً لي منك.
فخرّ موسى ساجداً وعفّر خدّيه في التراب تذلّلاً منه لربه عزّوجلّ ، فأوحى الله إليه : ارفع رأسك يا موسى وامرّ يدك موضع سجودك ، وامسح بها وجهك وما نالته من بدنك ، فانّه أمان من كلّ سقم دواء وآفة وعاهة(٢) .
واعلم انّ أقلّ سجدة الشكر أن تقول ثلاثاً : « شكراً لله » كما ورد عن الرضاعليهالسلام ، وعنهعليهالسلام أيضاً أن تقول مائة مرّة ( عفواً ) ومائة مرّة ( شكراً ) ، ولا بأس لو قال في السجدة الأولى مائة مرّة ( عفواً ) أو ( العفو العفو ).
ثم يضع خدّه الأيمن على الأرض ويقرأ أيّ دعاء أو ذكر شاء ك ـ ( يا الله يا رباه يا سيداه ) ، وكذلك يضع خدّه الأيسر على الأرض ويقول مثلما قال أو أيّ دعاء آخر ، ثم يضع جبهته مرّة أخرى على الأرض ويقول مائة مرّة ( شكراً شكراً ).
ويستحب في هذه السجدة بخلاف سجدة الصلاة افتراش الذراعين وإلصاق الصدر والبطن بالأرض ، ويستحب أيضاً طلب حاجاته وحوائج اخوانه المؤمنين ، وأن يبالغ في التضرّع والمناجات ، وأن يطيلها كثيراً ، كما جاء في
__________________
١ ـ التهذيب ٢ : ١١٠ ح ٤١٥ ـ من لا يحضره الفقيه ١ : ٣٣٣ ح ٩٧٩.
٢ ـ أمالي الطوسي : ١٦٥ ح ٢٧ مجلس ٦ ـ عنه البحار ٨٦ : ١٩٩ ح ٧ باب ٦٦.
الأحاديث المعتبرة انّ أقرب ما يكون العبد من الرب وهو ساجد باك(١) .
وكان الأئمةعليهمالسلام يسجدون سجدات طويلة سيّما الامام موسى الكاظمعليهالسلام حيث كان يسجد بعد صلاة الصبح ويرفع رأسه عند الزوال ، ولو كانعليهالسلام في حالة لم يقدر فيها على هداية الناس وارشادهم [ لسجن أو أمور أخر ] لم يزل ساجداً مناجياً لله تعالى(٢) .
وكذلك كانت أحوال كبار أصحابه حتى نقل انّ بعضهم كان يطيل السجود بحيث تأتي الطيور وتصنع عشّاً على ظهره ، والأدعية المنقولة عن أهل البيتعليهمالسلام في السجود كثيرة ، ولا يسع الكتاب ذكرها ، وأحسنها وأجودها ما رواه الكليني بسند حسنٍ عن عبدالله بن جندب قال : سألت أبا الحسن الماضيعليهالسلام عمّا أقول في سجدة الشكر فقد اختلف أصحابنا فيه؟ فقال : قل وأنت ساجد :
« اللهم انّي أُشهدك وأُشهد ملائكتك وأنبياءك وجميع خلقك انّك الله ربّي ، والإسلام ديني ، ومحمد نبيي ، وعلياً ، والحسن ، والحسين ، وعليّ بن الحسين ،
____________
١ ـ الكافي ٢ : ٤٨٣ ح ١٠.
٢ ـ روي الكلينيرحمهالله في الكافي ٣ : ٣٢٦ ح ١٩ عن محمد بن سليمان ، عن أبيه قال : خرجت مع أبي الحسن موسى بن جعفرعليهماالسلام إلى بعض أمواله ، فقال إلى صلاة الظهر ، فلمّا فرغ خرّ لله ساجداً ، فسمعته يقول بصوت حزين وتغرغر دموعه : « ربّ عصيتك بلساني ولو شئت وعزّتك لأخرستني ، وعصيتك ببصري ولو شئت وعزّتك لأكمهتني ، وعصيتك بسمعي ولو شئت وعزّتك لأصمتني ، وعصيتك بيدي ولو شئت وعزّتك لكنعتني ، وعصيتك برجلي ولو شئت وعزّتك لجذمتني ، وعصيتك بفرجي ولو شئت وعزتك لعقمتني ، وعصيتك بجميع جوارحي التي أنعمت بها عليّ وليس هذا جزاؤك منّي ».
قال : ثم احصيت له ألف مرّة وهو يقول : « العفو العفو » قال : ثم ألصق خدّه الأيمن بالأرض فسمعته وهو يقول بصوت حزين : « بؤت إليك بذنبي ، عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي فانّه لا يغفر الذنوب غيرك يا مولاي » ثلاث مرات ، ثم ألصق خدّه الأيسر بالأرض فسمعته يقول : « ارحم من أساء واقترف واستكان واعترف » ثلاث مرات ، ثم رفع رأسه.
ومحمد بن عليّ ، وجعفر بن محمد ، وموسى بن جعفر ، وعليّ بن موسى ، ومحمد ابن عليّ ، وعليّ بن محمد ، والحسن بن عليّ ، والحجة بن الحسن أئمتي ، بهم أتولّى ومن أعدائهم اتبرأ.
اللهم انّي أُنشدك دم المظلوم ـ ثلاثاً ـ اللهم انّي أنشدك بايوائك على نفسك لأوليائك لتظفرنّهم بعدوّك وعدوّهم أن تصلّي على محمد وعلى المستحفظين من آل محمد ، اللهم انّي أسألك اليسر بعد العسر ـ ثلاثاً ـ ».
ثم ضع خدّك الأيمن على الأرض وتقول : « يا كهفي حين تعييني المذاهب ، وتضيق عليّ الأرض بما رحبت ، ويا بارىء خلقي رحمة بي وقد كان عن خلقي غنياً ، صلّ على محمد وعلى المستحفظين من آل محمد ».
ثم ضع خدّك الأيسر وتقول : « يا مذلّ كلّ جبار ، ويا معزّ كلّ ذليل ، قد وعزّتك بلغ بي مجهودي » ثلاثاً ، ثم تقول : « يا حنّان يا منّان ، يا كاشف الكرب العظام » ثلاثاً ، ثم تعود للسجود فتقول مائة مرّة : « شكراً شكراً » ثم تسأل حاجتك ان شاء الله تعالى(١) .
وجاء في رواية انّ الامام الكاظمعليهالسلام قال في السجدة الأُولى ( العفو العفو ) ألف مرّة. وفي رواية انّه كان يقول أبو الحسنعليهالسلام في سجوده : « أعوذ بك من نار حرّها لا يطفأ ، وأعوذ بك من نار جديدها لا يبلى ، وأعوذ بك من نار عطشانها لا يروى ، وأعوذ بك من نار مسلوبها لا يكسى »(٢) .
وروي أيضاً انّه : كان أمير المؤمنينعليهالسلام يقول وهو ساجد : « ارحم ذلّي
__________________
١ ـ الكافي ٣ : ٣٢٥ ح ١٧ ـ مثله البحار ٨٦ : ٢٣٥ ح ٥٩ باب ٦٦ ـ عن مصباح الشيخ.
٢ ـ الكافي ٣ : ٣٢٨ ح ٢٢ ـ عنه البحار ٨٦ : ٢٣٨ ح ٦٠ باب ٦٦.
بين يديك ، وتضرّعي إليك ، ووحشتي من الناس ، وأنسي بك يا كريم »(١) .
( الفصل السابع )
فيما يقرأ عند النوم
اعلم انّه يستحبّ أن يكون الانسان حين النوم متوضّأً ، وأن ينام على جهة اليمين وإلى القبلة ، وأن يقرأ السور والآيات التي ذكرت في باب فضائل القرآن ، وأحسن الأذكار تسبيح الزهراءعليهاالسلام .
روي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : اذا آوى أحدكم إلى فراشه ابتدره ملك كريم وشيطان مريد ، فيقول له الملك : أختم يومك بخير ، وافتح ليلك بخير ، ويقول له الشيطان : اختم يومك باثم ، وافتح ليلك باثم.
قال : فإن أطاع الملك الكريم ، وختم يومه بذكر الله ، وفتح ليله بذكر الله ، اذا أخذ مضجعه وكبّر الله أربعاً وثلاثين مرّة ، وسبّح الله ثلاثاً وثلاثين مرّة ، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين مرّة ، زجر الملك الشيطان عنه ، فتنحّى وكلأه الملك حتى ينتبه من رقدته.
فاذا انتبه ابتدر شيطانه فقال له مثل مقالته قبل أن يرقد ، ويقول له الملك مثل ما قال له قبل أن يرقد ، فإن ذكر الله عزّوجلّ العبد بمثل ما ذكره أوّلاً طرد الملك شيطانه عنه ، فتنحّى وكتب الله عزّوجلّ له بذلك قنوت ليلة(٢) .
__________________
١ ـ البحار ٨٦ : ٢٣٤ ضمن حديث ٥٨ باب ٦٦ عن الكافي ٣ : ٣٢٧ ضمن حديث ٢١ وفيه : « وآنسني بك يا كريم ».
٢ ـ فلاح السائل : ٢٧٩ ـ عنه البحار ٧٦ : ٢٠٩ ضمن حديث ٢٣ باب ٤٤.
وروي بسند معتبر عن الامام الهاديعليهالسلام انّه قال : لنا أهل البيت عند نومنا عشر خصال : الطهارة ، وتوسد اليمين ، وتسبيح الله ثلاثاً وثلاثين ، وتحميده ثلاثاً وثلاثين ، وتكبيرة أربعاً وثلاثين ، ونستقبل القبلة بوجوهنا ، ونقرأ فاتحة الكتاب ، وآية الكرسي ، وشهد الله انّه لا اله الاّ هو إلى آخرها ، فمن فعل ذلك فقد أخذ بحظّه من ليلته(١) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قرأ سورة ( انا أنزلناه في ليلة القدر ) احدى عشرة مرّة عند منامه وكّل الله به احدى عشر ملكاً يحفظونه من كلّ شيطان رجيم حتى يصبح(٢) .
وروي بسند معتبر عنهعليهالسلام أيضاً انّه قال : من قرأ( قل هو الله أحد ) احدى عشرة مرّة حين يأوي إلى فراشه غفر له ذنبه ، وشفّع في جيرانه ، فإن قرأها مائة مرّة غفر ذنبه فيما يستقبل خمسين سنة(٣) .
وروي انّه من أصابه فزع عند منامه فليقرأ اذا آوى إلى فراشه المعوذتين وآية الكرسي.
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من قال حين يأخذ مضجعه ثلاث مرّات : « الحمد لله الذي علا فقهر ، والحمد لله الذي بطن فخبر ، والحمد لله الذي ملك فقدر ، والحمد لله الذي يحيي الموتى ويميت الأحياء ، وهو على كلّ شيء قدير » خرج من الذنوب كهيئة يوم ولدته أمّه(٤) .
__________________
١ ـ فلاح السائل : ٢٨٠ ـ عنه البحار ٧٦ : ٢١٠ ضمن حديث ٢٣ باب ٤٤.
٢ ـ فلاح السائل : ٢٨١ : عنه البحار ٧٦ : ٢١٠ ضمن حديث ٢٣ باب ٤٤.
٣ ـ فلاح السائل : ٢٧٥ : عنه البحار ٧٦ : ٢٠٥ ضمن حديث ٢٣ باب ٤٤.
٤ ـ الكافي ٢ : ٥٣٥ ح ١ باب الدعاء عند النوم والانتباه.
وقالعليهالسلام : ألا أخبركم بما كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول اذا آوى إلى فراشه؟ قلت : بلى ، قال : كان يقرأ آية الكرسي ويقول : « بسم الله آمنت بالله وكفرت بالطاغوت ، اللهم احفظني في منامي وفي يقظتي »(١) .
وروي بسند معتبر عن أبي الحسن موسىعليهالسلام انّه قال : من أحبّ أن ينتبه بالليل فليقل عند النوم : « اللهم لا تنسني ذكرك ، ولا تؤمّني مكرك ، ولا تجعلني من الغافلين ، وأنبهني لأحبّ الساعات إليك ، أدعوك فيها فتستجيب لي ، وأسألك فتعطيني ، وأستغفر فتغفر لي انّه لا يغفر الذنوب الاّ أنت يا أرحم الراحمين ».
قال : ثم يبعث الله تعالى إليه ملكين ينبهانه ، فإن انتبه والاّ أمر أن يستغفرا له ، فإن مات في تلك الليلة مات شهيداً ، وان انتبه لم يسأل الله تعالى شيئاً في ذلك الوقت الاّ أعطاه(٢) .
وروي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انّه قال : يستحب أن يقول كلّ من تقلّب من جنب إلى آخر : « الحمد لله والله أكبر »(٣) .
وروى السيد ابن طاووسرحمهالله بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من أراد أن يرى رسول الله صلّى الله وآله وسلّم في منامه فليصلّ العشاء الآخرة ، وليغتسل غسلاً نظيفاً ، وليصلّ أربع ركعات [ بأربع ] مائة آية الكرسي.
وليصلّ على محمد وآل محمد عليه وعليهمالسلام ألف مرّة ، وليبت على ثوب نظيف لم يجامع عليه حلالاً ولا حراماً ، وليضع يده اليمنى تحت خدّه الأيمن ، وليسبّح مائة مرّة ( سبحان الله والحمد لله ولا اله الاّ الله والله أكبر ولا حول
__________________
١ ـ الكافي ٢ : ٥٣٦ ح ٤ باب الدعاء عند النوم والانتباه.
٢ ـ فلاح السائل : ٢٨٧ ـ عنه البحار ٧٦ : ٢١٦ ضمن حديث ٢٣ باب ٤٤.
٣ ـ مضمون النص.
ولا قوة الا بالله ) وليقل مائة مرة : ( ما شاء الله ) فانّه يرى النبيصلىاللهعليهوآله في منامه(١) .
وقال أيضاً : اذا أردت رؤيا مولاك أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه في منامك فقل عند مضجعك : « اللهم انّي أسألك يا من له لطف خفيّ ، وأياديه باسطة لا تنقضي ، أسألك بلطفك الخفيّ الذي ما لطفت به لعبد الاّ كفى أن تريني مولاي أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب في منامي »(٢) .
وروى أيضاً بسند آخر انّه : اذا أردت أن ترى ميتك فبت على طهر ، وانضجع على يمينك ، وسبّح تسبيح فاطمةعليهاالسلام ثم قل :
« اللهم أنت الحد الذي لا يوصف ، والايمان يعرف منه ، منك بدت الأشياء وإليك تعود ، فما أقبل منها كنت ملجأه ومنجاه ، وما أدبر منها لم يكن له ملجأ ولا منجا منك الاّ إليك ، فأسألك بلا اله الاّ أنت ، وأسألك بسم الله الرحمن الرحيم ، بحقّ محمدصلىاللهعليهوآله سيد النبيين ، وبحقّ عليّ خير الوصيين ، وبحقّ فاطمة سيدة نساء العالمين ، وبحقّ الحسن والحسين الذي جعلتهما سيدي شباب أهل الجنة عليهم أجمعين السلام أن تصلّي على محمد وأهل بيته ، وأن تريني ميتي في الحال التي هو فيها »(٣) .
يقول مؤلّف هذا الكتاب :
انّ الأذكار والأدعية والأعمال والعبادات ببركة أهل بيت الرسالةعليهمالسلام كثيرة بحيث لا يمكن أداء واحد من مائة ألف منها ، فأيّ جدوى حينئذٍ باتيان البدع
__________________
١ ـ فلاح السائل : ٢٨٥ ـ عنه البحار ٧٦ : ٢١٤ ضمن حديث ٢٣ باب ٤٤.
٢ ـ فلاح السائل : ٢٨٥ ـ عنه البحار ٧٦ : ٢١٥ ضمن حديث ٢٣ باب ٤٤.
٣ ـ فلاح السائل : ٢٨٦ ـ عنه البحار ٧٦ : ٢١٥ ضمن حديث ٢٣ باب ٤٤.
الموروثة عن مشايخ أهل السنة إلى جمع من الجهلة ، ولو عمل شخص بما ذكرته في هذا الكتاب ـ وانّي لم أذكر الاّ واحداً من ألف ، وقليلاً من كثير ـ على سبيل الاجمال لأخذ جميع وقته.
انّ طريقة أهل بيت الرسالةعليهمالسلام معلومة ومضبوطة مجملاً ، وهي ظاهرة وواضحة لمن أراد سلوكها ، وأوّل عمل من أعمالهمعليهمالسلام وقد بالغوا في الحثّ عليه هو صلاة احدى وخمسين ركعة ، سبعة عشر منه الصلوات اليومية ، وثمان ركعات نافلة الظهر تُصلّى قبلها ، وثمان ركعات نافلة العصر تُصلّى قبلها ، وأربع ركعات منها نافلة المغرب ، وركعتا الوتيرة تُصلّى بعد صلاة العشاء جلوساً وتحسب ركعة واحدة.
وثمان ركعات نافلة الليل ، وركعتا الشفع ، وركعة الوتر تُصلّى بعد منتصف الليل ، وركعتان لنافلة الصبح تُصلّى قبل صلاة الصبح ، ويسلّم في هذه النوافل بعد كلّ ركعتين ، وهنّ في الفضل والتأكيد بعد رتبة الواجب ، وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآله مواظباً عليهنّ ، ولابد من قضائها لو تركت كما تُقضى الفرائض.
ومن سننهصلىاللهعليهوآله أيضاً صيام ثلاثة أيام من كلّ شهر أي الخميس من أوّل الشهر ، والأربعاء الاُولى من وسطه ، والخميس من آخره ، وأيضاً صيام تمام شهر شعبان ، فكانصلىاللهعليهوآله دائم الصيام لشعبان حتى قبض ، ولابد من قضاء هذه الأيام الثلاثة أيضاً لو تركت.
ومن الأعمال المؤكدة أيضاً التي لها فضائل غير متناهية صلاة جعفر الطيار ، وهي أربع ركعات بتسليمين ، ويستحب في الركعة الأُولى قراءة الحمد ( واذا زلزت الأرض ) وفي الثانية الحمد وسورة العاديات ، وفي الثالثة الحمد وسورة ( اذا جاء نصر الله ) ، وفي الرابعة الحمد وسورة ( قل هو الله أحد ) ، ولا بأس بقراءة
سورة( قل هو الله أحد ) في كلّ ركعة.
وليقل في كلّ ركعة بعد قراءة السورة ( سبحان الله والحمد لله ولا اله الاّ الله والله أكبر ) خمسة عشر مرّة ، وليقولها في كلّ ركوع ، وقيامٍ من ركوع ، وكلّ سجدة ورفع رأسٍ منها عشر مرّات ، ومن المسنون أن يقول في السجدة الأخيرة بعد التسبيحات :
« سبحان من لبس العزّ والوقار ، سبحان من تعطف بالمجد وتكرّم به ، سبحان من لا ينبغي التسبيح الاّ له ، سبحان من أحصى كلّ شيء علمه ، سبحان ذي المن والنعم ، سبحان ذي القدرة والكرم ، سبحان ذي العزّة والفضل ، سبحان ذي القوّة والطول ، اللهم انّي أسألك بمعاقد العزّ من عرشك ، ومنتهى الرحمة من كتابك ، وباسمك الأعظم ، وكلماتك التامة التي تمت صدقاً وعدلاً أن تصلّي على محمد وآل محمد وأهل بيته ».
ثم ليسأل حاجته من الله تعالى ، ويسبّح تسبيح الزهراءعليهاالسلام بعد فراغه من الصلاة.
وورد في الأحاديث المعتبرة انّه من صلّى هذه الصلاة غفرت ذنوبه وان كانت مثل زبد البحر وعدد الرمل ، وكتب له اثنتا عشرة ألف حسنة كلّ حسنة أعظم من جبل أحد ، ويمكن إتيانها في أيّ وقت وعوضاً عن نافلة الليل أو النهار.
وفي الحديث : صلّها في الليل والنهار وإن لم تقدر ففي كلّ أُسبوع مرّة ، وإن لم تقدر ففي كلّ شهرٍ ، وإن لم تقدر ففي كلّ سنة ، ويزاد فضلها في ليلة الجمعة ويومها.
وجاء في حديث معتبر انّه : اذا كنت مستعجلاً فصلّ صلاة جعفر مجرّدة ثم
اقض التسبيح(١) .
ومن لم يحفظ الدعاء وصلاّها فهو مأجور ، ولو جئت بأدعيتها وآدابها المذكورة في كتب الأدعية كان أفضل.
ومنها صلاة أمير المؤمنينعليهالسلام وهي أربع ركعات بتسليمتين ، يقرأ في كلّ ركعة بعد الحمد( قل هو الله أحد ) خمسين مرّة ، وفي الأحاديث المعتبرة انّه من صلّى هذه الصلاة انفتل ولم يبق بينه وبين الله تعالى ذنب الاّ غفر له(٢) .
وروي بسند معتبر عن أبي عبداللهعليهالسلام انّه قال : من صلّى ركعتين [ خفيفتين ](٣) بقل هو الله أحد في كلّ ركعة ستين مرّة ، انفتل وليس بينه وبين الله ذنب(٤) .
وانّي أختم هنا كتاب ( عين الحياة ) وأرجو من ألطاف واهب العطايا العميمة أن يكون هذا البحر الفياض الرباني ، ومنبع ماء الحياة محيياً حياةً خالدةً لاخواني في الايمان ، ويكون فياضاً للقاصي والداني ، وأن لا تنقطع فيوض عطاشى زلال معرفة الله سبحانه من هذا الينبوع السلسبيل ، والعين الزنجبيل إلى يوم القيامة ، عسى أن تُمحى ذنوب هذا الغريق في بحر الخطايا والذنوب ، والضائع بأهواء النفس والشيطان :
وبما انّه كان تراب طريق أهل الايمان ، وخادم أصحاب العلم والعرفان فعسى أن يلحق بهم يوم الحساب ، وألتمس من اخواني في الايمان حين
__________________
١ ـ من لا يحضره الفقيه ١ : ٥٥٤ ح ١٥٤٠.
٢ ـ البحار ٩١ : ١٧٣ ضمن حديث ٥ باب ١١٠.
٣ ـ ليس في المتن الفارسي.
٤ ـ الوسائل ٥ : ٢٤٤ ح ١ باب ١١.
استفادتهم من هذه المائدة بالنعم الروحانية ، وارتوائهم من شراب طهور المعاني والحقائق جرعة جرعة أن لا ينسوا في الحياة والممات هذا الترابي الحقير ، والذرة الذي ليس له مقدار من الدعاء وطلب المغفرة ، ورفع الدرجات.
يقول المترجم : لقد فرغنا بحمد الله وتوفيقه من تعريب وتحقيق هذا الكتاب الشريف القيّم في مساء يوم السبت الثامن من شهر جمادي الآخرة سنة ١٤١٥ هجري قمري ، على مهاجرها وآله آلاف التحية والسلام. وفي الختام أشكر أخينا الفاضل سماحة السيد محمد القبانجي على ما بذله من الجهد في تصحيح هذا الكتاب ، والحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين.
فهرس المصادر
١ ـ الاحتجاج للطبرسي ، الطبعة الأولى عام ١٤١٣ هـ ق ، انتشارات أُسوة.
٢ ـ الاختصاص للشيخ المفيد ، الطبعة الرابعة ، عام ١٤١٤ هـ ق ، جماعة المدرسين.
٣ ـ اختيار معرفة الرجال للطبرسي ، طبع عام ١٤٠٤ هـ ق ، مؤسسة آل البيتعليهمالسلام لإحياء التراث.
٤ ـ الارشاد للشيخ المفيد ، الطبعة الثالثة عام ١٣٩٩ هـ ق ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.
٥ ـ الاستيعاب لابن عبدالبر بهامش الاصابة ، الطبعة الأولى عام ١٣٢٨ هـ ق ، دار احياء التراث العربي.
٦ ـ الاعتقادات في دين الامامية للشيخ الصدوق ، طبع عام ١٤١٢ هـ ق ، دار احياء الاحياء.
٧ ـ أعلام الدين في صفات المؤمنين للديلمي ، الطبعة الأولى عام ١٤٠٨ هـ ق ، مؤسسة آل البيتعليهمالسلام .
٨ ـ أمالي الشيخ الطوسي ، الطبعة الأولى عام ١٤١٤ هـ ق ، تحقيق مؤسسة البعثة.
٩ ـ أمالي الشيخ المفيد ، الطبعة الثالثة ، منشورات المطبعة الحيدرية في نجف الأشرف.
١٠ ـ أمالي الصدوق ، الطبعة الخامسة ، عام ١٤٠٠ هـ ق ، مؤسسة الاعلمي للمطبوعات.
١١ ـ بحار الأنوار للمجلسي ، طبعة بيروت.
١٢ ـ بصائر الدرجات الكبرى في فضائل آل محمدعليهمالسلام لمحمد بن الحسن الفروخ « الصفار » ، طبع عام ١٤٠٤ هـ ق ، مؤسسة الأعلمي.
١٣ ـ تحف العقول عن آل الرسول للحراني ، طبع عام ١٣٩٤ هـ ق ، منشورات مكتبة بصيرتي.
١٤ ـ تفسير العياشي ، محمد بن مسعود بن عياش ، المكتبة العلمية الإسلامية.
١٥ ـ تفسير القمي لعلي بن إبراهيم ، الطبعة الثالثة عام ١٤٠٤هـ ق ، دار الكتاب.
١٦ ـ التفسير الكبير للفخر الرازي ، الطبعة الثالثة ، دار احياء التراث العربي.
١٧ ـ توحيد المفضل املاء الامام الصادقعليهالسلام على المفضل بن عمر ، الطبعة الثالثة ، مكتبة الداوري.
١٨ ـ تهذيب الاحكام للشيخ الطوسي ، الطبعة الرابعة عام ١٣٦٥ هـ ق ، دار الكتب الإسلامية.
١٩ ـ الثاقب في المناقب لابن حمزة محمد بن علي الطوسي ، الطبعة الثامنة عام ١٤١٢ هـ ق ، مؤسسة أنصاريان.
٢٠ ـ ثواب الأعمال وعقاب الأعمال للصدوق ، الطبعة الثانية عام ١٣٦٦ هـ ش ، منشورات الرضي.
٢١ ـ جامع الأخبار لتاج الدين محمد بن محمد الشعيري ، الطبعة الأولى عام ١٤٠٦ هـ ق ، مؤسسة الاعلمي للمطبوعات.
٢٢ ـ جامع السعادات للنراقي ، الطبعة الرابعة ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.
٢٣ ـ الجواهرالسنية في الأحاديث القدسية للحر العاملي ، منشورات مكتبة المفيد.
٢٤ ـ حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم الاصفهاني ، الطبعة الخامسة عام ١٤٠٧ هـ ق ، دار الكتاب العربي.
٢٥ ـ الخرائج والجرائح ، قطب الدين الراوندي ، الطبعة الأولى عام ١٤٠٩ ، هـ ق ، مؤسسة الامام المهديعليهالسلام .
٢٦ ، الخصال للصدوق ، طبع عام ١٤٠٣ هـ ق ، جماعة المدرسين.
٢٧ ـ الدعوات للرواندي سعيد بن هبة الله ، الطبعة الأولى عام ١٤٠٧ هـ ق ، مؤسسة الامام المهديعليهالسلام .
٢٨ ـ روضة الواعظين للفتال النيشابوري ، من منشورات الرضي.
٢٩ ـ سفينة البحار للشيخ عباس القمي ، ( طبعة حجرية ).
٣٠ ـ شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار للقاضي ابن حنيفة النعمان بن محمد الطبعة الأولى عام ١٤١٤ هـ ق ، دار الثقلين.
٣١ ـ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، الطبعة الثانية عام ١٣٨٧ هـ ق ، دار احياء الكتب العربية.
٣٢ ـ صحيح البخاري ، محمد بن إسماعيل البخاري ، الطبعة الأولى عام ١٤٠٧ هـ ق ، دار القلم.
٣٣ ـ صحيح مسلم ، دار الكتب العربي.
٣٤ ـ الصحيفة الكاملة السجادية لمولانا علي بن الحسينعليهالسلام .
٣٥ ـ صفات الشيعة للشيخ الصدوق ، انتشارات اعلمي بطهران مع ترجمته في الهامش.
٣٦ ـ علل الشرائع للصدوق ، طبع عام ١٣٧٩ هـ ق ، منشورات المكتبة الحيدرية في النجف.
٣٧ ـ عمدة عيون صحاح الأخبار في مناقب امام الأبرار لابن البطريق ، طبع عام ١٤٠٧ هـ ق ، مؤسسة النشر الإسلامي.
٣٨ ـ عوالم العلوم والمعارف والأحوال للبحراني ، الطبعة الأُولى عام ١٤٠٧ هـ ق ، مؤسسة الامام المهديعليهالسلام .
٣٩ ـ عيون المعجزات ، الشيخ حسين بن عبدالوهاب ، الطبعة الأولى عام ١٤١٤ هـ ق ، منشورات الرضي.
٤٠ ـ عيون أخبار الرضاعليهالسلام للصدوق ، الطبعة الثانية عام ١٣٦٣ هـ ق ، منشورات مكتة طوس.
٤١ ـ غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ، الطبعة الأولى ، مكتب الأعلام الإسلامي.
٤٢ ـ الفتوحات المكية لابن عربي ، دار صادر.
٤٣ ـ الفتوح لابن أعثم الكوفي ، الطبعة الأولى ، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد.
٤٤ ـ فصوص الحكم لابن عربي ، الطبعة الثانية عام ١٣٧٠ هـ ش ، انتشارات الزهراءعليهاالسلام .
٤٥ ـ فلاح السائل للسيد ابن طاووس علي بن موسى ، منشورات دفتر تبليغات.
٤٦ ـ القاموس المحيط للفيروز آبادي.
٤٧ ـ قرب الاسناد للحميري ، الطبعة الأولى عام ١٤١٣ هـ ق ، مؤسسة آل البيتعليهمالسلام .
٤٨ ـ قصص الأنبياء لقطب الدين الراوندي طبع عام ١٤٠٩ هـ ق ، مجمع البحوث الإسلامية.
٤٩ ـ الكافي للكليني ، طبع عم ١٣٦٥ ، دار الكتب الإسلامية.
٥٠ ـ كتاب الغيبة للشيخ الطوسي ، الطبعة الأولى عام ١٤١١ هـ ق ، مؤسسة المعارف الإسلامية.
٥١ ـ كتاب الوافي للفيض الكاشاني ، الطبعة الأولى عام ١٤٠٦ هـ ق ، مكتبة الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام باصفهان.
٥٢ ـ كشف الغمة في معرفة الأئمة للأربلي ، الطبعة الثانية عام ١٤٠٥ هـ ق ، دار الأضواء.
٥٣ ـ كنز العمال ، علاء الدين الهندي ، طبع عام ١٣٩٩ هـ ق ، مؤسسة الرسالة.
٥٤ ـ مجمع البحرين للطريحي ، مكتبة مصطفوي ، ( طبعة حجرية ).
٥٥ ـ مجمع لبيان في تفسير القرآن للشيخ الطبرسي ، دار مكتبة الحياة.
٥٦ ـ محاسبة النفس لعلي بن طاووس ، الطبعة الأولى عام ١٤١٣ هـ ق ، مجمع البحوث الإسلامية.
٥٧ ـ المحجة البيضاء في تهذيب الأحياء للفيض الكاشاني ، جماعة المدرسين.
٥٨ ـ مدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني ، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ ق ، مؤسسة المعارف الإسلامية.
٥٩ ـ مستدرك الوسائل للمحدث النوري ، الطبعة الأولى عام ١٤٠٨ هـ ق ، مؤسسة آل البيتعليهمالسلام .
٦٠ ـ مشكاة الأنوار في غرر الأخبار لأبي الفضل علي الطبرسي ، الطبعة الثانية عام ١٣٨٥ هـ ق ، منشورات المكتبة الحيدرية.
٦١ ـ معاني الأخبار للصدوق ، طبع عام ١٣٧٩ هـ ق جماعة المدرسين.
٦٢ ـ المعجم الذهبي ، فارسي ـ عربي.
٦٣ ـ المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم.
٦٤ ـ المعجم المفهرس ، لألفاط نهج البلاغة.
٦٥ ـ مكارم الأخلاق للطبرسي ، الطبعة السادسة عام ١٣٩٢ هـ ق ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.
٦٦ ـ المناقب لابن شهر آشوب ، المطبعة العلمية بقم.
٦٧ ـ من لا يحضرة الفقيه للصدوق ، الطبعة الثانية ، جماعة المدرسين.
٦٨ ـ منية المريد في آداب المفيد والمستفيد ، زين الدين علي بن علي العاملي ، مجمع الذخائر الإسلامية.
٦٩ ـ الموطأ ، مالك بن أنس ، دار احياء التراث العربي.
٧٠ ـ الميزان في تفسير القرآن للعلامة الطباطبائي ، الطبعة الثانية عام ١٣٩٢ هـ ق ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.
٧١ ـ نهج الحق وكشف الصدق للعلامة الحلي ، الطبعة الرابعة ١٤١٤ هـ ق ، دار الهجرة.
٧٢ ـ وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة للحر العاملي ، طبع عام ١٣٩١ هـ ق ، دار احياء التراث العربي.
فهرس الموضوعات
عين الحياة ١
حب المال و جمع الدرهم والدينار ٥
مدح الفقر والفقراء ٢٢
مدح الكفاف.. ٣٠
البكاء والرياء ٣٦
الجنّة و النار ٤١
ذم كثرة الضحك في عدة أماكن. ٦٩
ذمّ كثرة الضحك و الكسل. ٧١
عدم الاعتناء بشأن الناس.. ٧٦
محاسببة النفس.. ٧٩
في مدح الحياء و عفة البطن و الفرج و حفظ العين ٨٢
النجم الأول : في فضل الدعاء وفوائده ٩٦
النجم الثاني : في آداب الدعاء ١٠٠
النجم الثالث : في علّة عدم استجابة بعض الأدعية ١٢٠
صلاة الليل. ١٣١
شهادة الأرض بما يعمل فيها ١٣٩
انّ الأعمال السيئة توجب الحرمان. ١٤١
فضل الشاب الصالح.. ١٥٩
آداب المجالسة واطعم الطعام ١٦١
أدب الرواية ١٦٨
الينبوع الأول : في اكرام ذي الشيبة المسلم ١٦٩
الينبوع الثاني : في بيان فضل القرآن وحامله وفضل بعض الآيات والسور ١٧١
الساقية الأولى : في فضل القرآن. ١٧١
الساقية الثانية : في فضل حامل القرآن. ١٧٢
الساقية الثالثة : صفات قرّاء القرآن وأصنافهم ١٧٤
الساقية الرابعة : في آداب قراءة القرآن. ١٨٣
الساقية الخامسة : في كيفية ختم القرآن. ١٨٩
الساقية السادسة : في ثواب تعليم القرآن وتعلّمه وحفظه ١٩٠
الساقية السابعة : في ثواب قراءة القرآن. ١٩٢
الساقية الثامنة : في فضل القراءة في المصحف ، وفي حفظه ١٩٦
الساقية التاسعة : في فضائل وفوائد بعض السور والآيات القرآنية ١٩٧
الينبوع الثالث : في بيان مجمل من أحوال السلاطين والأُمراء ومعاشرتهم ٢٤٧
الجدول الأوّل : في عدلهم وجورهم. ٢٤٧
الجدول الثاني : في كيفية معاشرة الحكام مع الرعايا وبيان حقوق الرعايا عليهم ٢٥٣
الجدول الثالث : في ثواب اعانة المؤمنين ، وادخال السرور في قلوبهم ودفع الظلم عنهم ، وذمّ من يقدر على نفعهم ولم يفعل ٢٥٥
الجدول الرابع : في ذمّ تحقير المؤمن وايذائه واهانته وطرده وضربه ٢٦٢
الجدول الخامس : في حقوق الملوك ورعايتهم والدعاء لصلاحهم وعدم التعرض لسطواتهم ٢٦٨
الجدول السادس : في مفاسد التقرب إلى الملوك وعدم الاعتماد عليهم والنهي عن اعانة الظالمين وعن الرضا بظلمهم وعن مدحهم وعن أكل طعامهم. ٢٧٢
الجدول السابع: في بيان وجوه مسوّغة للدخول في بيوت الحكّام والأُمراء ٢٧٨
حسن الخلق. ٢٨١
الصلاة في المساجد. ٢٨٧
التقوي و الورع. ٢٩٥
الحلم والعفو وكظم الغيظ. ٢٩٩
التوكل والرضا بقضاء الله. ٣١٨
الصبر و اليقين. ٣٣٠
القناعة ٣٣٧
الصدق و الكذب.. ٣٤١
الفصل الأول : في ذم الغيبة وحرمتها ٣٤٨
الفصل الثاني : في معنى الغيبة ٣٥٥
الفصل الثالث : في مستثنيات الغيبة ٣٥٧
الفصل الرابع : في سماع الغيبة ٣٦٢
الفصل الخامس : في كفارة الغيبة والتوبة عنها ٣٦٣
الفصل السادس : في ذم البهتان ، واتهام المؤمنين ، وسوء الظن بهم ٣٦٤
الفصل السابع : في ذم الحسد. ٣٦٨
النميمة ، و ذو اللسانين و الوجهين ، والخيانة ، والهجران ٣٧١
المصباح الأول : في ذمّ التكبر ٣٨١
المصباح الثاني : في بيان أنواع التكبّر ٣٩٤
المصباح الثالث : في علاج التكبر ٣٩٧
المصباح الرابع : في اصلاح السريرة ٣٩٨
المصباح الخامس : في لبس الصوف.. ٣٩٩
لبس الصوف.. ٤٠٢
خاتمة ٤١٥
الباب الأول : في فضل الأذكار التي لم تختص بوقت دون وقت ٤١٥
الفصل الأول : في فضل التسبيحات الأربع ٤١٥
الفصل الثاني : في فضل التهليل ، وفضل أنواعه ٤١٨
الفصل الثالث : في فضل التسبيح. ٤٢٣
الفصل الرابع : في فضل التحميد وأنواعه ٤٢٥
الفصل الخامس : في فضل الاستغفار ٤٢٧
الفصل السادس : في فضل أذكارٍ متفرقة ٤٢٩
الباب الثاني : في أذكار تختص بأوقات.. ٤٣٤
الفصل الأول : في تعقيب صلاة الصبح والعشاء والأذكار التي تقرأ صباحاً ومساءً ٤٣٥
الفصل الثاني : في ما يقرأ عقيب كل صلاة ٤٤٣
الفصل الثالث : التعقيب المختص بفريضة الظهر ٤٤٧
الفصل الرابع : في تعقبيات صلاة العصر ٤٤٨
الفصل الخامس : في تعقيب صلاة العشاء ٤٤٨
الفصل السادس : في سجدة الشكر ٤٤٩
الفصل السابع : فيما يقرأ عند النوم ٤٥٣
فهرس المصادر ٤٦١
فهرس الموضوعات.. ٤٦٧