منازل الآخرة والمطالب الفاخرة

مؤلف: الشيخ عباس القمي
كتب الأخلاق
ISBN: 964-470-223-9

منازل الآخرة والمطالب الفاخرة

المؤلف: الشيخ عباس القمي

المحقق: السيد ياسين الموسوي



بسم الله الرحن الرحيم

الحمد لله غير مقنوطٍ من رحمته ، ولا مخلوٍّ من نعمته ، ولا مأيوسٍ من مغفرته والصلاة والسلام على أشرف بريّته محمّد وآله سيّما المعصومين من أهل بيته وعترته ، معادن العلم وينابيع الحكم.

من المناسب أن نبدأ كلمتنا بكلامٍ لمولانا أمير المؤمينعليه‌السلام كان كثيراً ما ينادى به أصحابه :

تجهّزوا رحمكم الله! فقد نودي فيكم بالرحيل ، وأقلّوا العُرجة على الدنيا ، وانقلبوا بصالح ما بحضرتكم من الزاد ، فإنّ أمامكم عقبة كؤوداً منازل مخوفة مهولة لابدّ من الورود عليها والوقوف عندها.

(نهج البلاغة : ٣٢١ ، الكلام ٢٠٤).

الكتاب الماثل بين يديكم أيّها الكرام بيان مختصر لتلكم العقبات والمنازل المشار إليها في كلام إمام الموحدّين وسيّد المبشّرين والمنذرين بعد رسول ربّ العالمين ؛ من جملة تأليف المحدّث الكامل والمذكّر العامل المرحوم الحاج الشيخ عبّاس القمّي ـ تغمّده الله برحمته ـ وقد كان كتبه باللغة الفارسيّة ، ولأهميته وتعميماً للفائدة اهتمّ الفاضل النبيل والسيّد الجليل سماحة المحقق السيّد ياسين الموسوي ـ دامت إفاضاته ـ بترجمة هذا السفر القيّم إلى العربيّة مع مزيا شتّى نافعة ، ذكرها هو نفسه في التقديم.


وبما أنّ مؤسّستنا منذ تأسيسها تهدف إلى نشر الكتب الدينية النافعة ، قامت بطبع هذا الأثر الخالد بعد ملاحظته وتصحيحه وتكميل بعض نواقصه الفنيّة أو التحقيقية ، رجاء أن يكون لمن وُفّق لقرائته تذكرة وتعيها اُذن واعية.

وختاماً نرى من الضروري أن نلفت نظر القارىء الكريم إلى أنّ عمل الترجمة محفوف بصعوبات تتأتّى من اختلاف خصوصيّات كلّ لغة وأساليبها ـ خصوصاً في التشبيهات والكنايات والأمثال ـ والمترجم وإن كان عارفاً باللغتين ومتعهّداً للأمانة قد يفوت عنه انتقال بعض المفاهيم الدقيقة ، خصوصاً فيما يرتبط بالشعر والأدب ، وهذه الترجمة أيضاً لا تخلو عن هذه المشكلة ، لكن « مالا يدرك كلّه لا يترك كلّه ». ولله الحمد ولأوليائه صلواته وتحيّاته.

مؤسّسة النشر الاسلامي

التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرّفة


الإهداء

بسم الله الرحمن الرحيم

الى الصامدين بوجه الباطل ، دفاعاً عن قباب علي والحسين والعباس ومسلم ..

الى الطالبين بثار الشهيد الصدر وجميع الشهداء الأبرار

الى المقاومين الأبطال الجنود المجهولين في الأرض المعروفين في السماء

الى من يقاتل على أرض العراق نيابة عن كل مسلم في الدنيا

الى المجاهدين الذين امتلأ العراق منهم ، واتّحد الغرب والشرق على سلب حقّهم ، واخماد جذوتهم واطفاء نورهم ، ويأبى الله تعالى إلاّ أن يتم نوره ولو كره المشركون ..

إليكم يا شرف العراق أحمل جهدي المتواضع هذا اقدمه هدية في درب الحقّ والدفاع عن أهل البيتعليهم‌السلام ..

إليكم جميعاً : من بقي يقاتل حتّى الرمق الأخير يقاوم ويتحمل عطش الهجير وجوع الأيّام وارهاب صدام

والى من استشهد في هذا الطريق وسجّل اسمه في سجّل الشهداء وبقي اسمه في الخالدين ، وإن كان عند الناس جندياً مجهولاً لم يعرفوه ولم يعرفوا مقاومته ، ولم يعرفوا عطشه وجوعه وبسالته وشجاعته ، مع أنه جاهد نيابة عنهم جميعاً واستشهد مدافعاً عن مبادئهم جميعاً وعن شرفهم الديني جميعاً لأنه قاتل من أجل تحرير عتبات أهل البيتعليهم‌السلام في العراق من احتلال الكفار ومن هدّمها


وبقيت قباب علي والحسين والعباس ومسلم تشهد على الكفار وحشيّتهم وتشهد لاولئك الأبرار انّهم أنصار الله عزّ وجلّ وأنصار رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنصار أهل البيتعليهم‌السلام.

لا يهمّكم يا رفقاء الدرب فالمشوار مهما طال فالنصر لكم بإذن الله عزّ وجلّ ..

وهنيئاً لكم أيها المجاهدون فإن لكم في الجنّة باباً يقال له باب المجاهدين وتدخلون الجنّة وأنتم متقلدين سيوفكم ، والجمع بَعدُ في الموقف لم يتمّ حسابهم وما يجرى عليهم من الأهوال ؛ فتسبقوا الكل ، وتسبق إليكم ملائكة الجنّة مرحّبة بكم(١) .

* * *

__________________

(١) اقتباس من الحديث الشريف المروي في الأمالي للشيخ الصدوق : ص ٤٦٢.


مقدمة التحقيق والتعريب :

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين ، واللعنة الدائمة على أعدائهم ومنكري فضائلهم أجمعين من الأولين الى قيام يوم الدين.

يعيش العالم الاسلامي والمسلمون عموماً من يوم الغزو الاستعماري والفكري للبلاد الاسلامية صراعاً شديداً مع العدو الغازي ، وقد تنوعت أساليب الصراع بتنوع الظروف ووجهات المعارك العسكرية والفكرية ، وباختلاف أشكال الحروب الفكرية الشرقية والغربية ، وقد خرج الاسلام الحنيف والامّة المرحومة منتصرة بجميع معاركها المقدّسة التي خاضتها ضد الكفّار والمنافقين مع ما كابدته الامّة من ألم وعذاب وفقدان الأحبة وتحمّل مشاق الغربة وما الى ذلك ، وما زالت المعارك مستمرة ، فإن الاستعمار لا يريد أن ينفض يده من هذه الأرض الطيبة ومن استعمار واستعباد هذا الشعب المسلم العظيم.

وتفنن الاستعمار بأساليبه العدوانية ، وأكد على ضرروة ايجاد حواجز عقائدية وفكرية ونفسية بين الانسان المسلم وبين شخصيته الاسلامية ، ودخل اليه من جميع الجوانب المختلفة ليخترق هذا الكيان العظيم ، وقد وفق لفترات من الزمن أن يسيطر أو يخترق بعض السواتر أو الحواجز والموانع ، ولكنه ببسالة أهل الحقّ عاد خائباً خاسراً أكثر مواقعه التي احتلها بصعوبة ومشقة.


وكان أبرز سلاح استخدمه العدو الكافر والمنافق في حروبه الاستعمارية هو الرجوع الى المادية بشكليها الشرقي (الالحادي) والغربي بالابتعاد عن المُثل الاخلاقية والقيم الانسانية وابدالها بالابتذال والخلاعة واحياء النوازع الذاتية والانانية في الانسان ، وابعاد العنصر الغيبي والروحي من تفكيره.

وكان الشيطان أكبر معين للعدو ، وقد وقف الى جنبه يعينه بما يستطيع لينجح بمشروعه المادي ، فإنهما قد اجتمعا على هدف واحد بل هما في الواقع حركة واحدة.

وجاءت المفاجأة العظمى بانتصار الحركة الروحية والدينية بغتةً بقيادة الامام الخمينيرحمه‌الله ، فتراجعت تلك الجيوش المادية أمام قوة الروحانية العظيمة التي بعثتها حركة الامام الخميني5 في المجتمع الاسلامي وفي الانسان المسلم في كل أرجاء العالم.

ولكن العدو استخدم شتى الأساليب لقمع تلك القوة التي كسرته وأبشع اسلوب أكد عليه مرّة اُخرى هو مشروع المادية.

وأنا على يقين بأنه سوف يعود مرّة اُخرى خائباً خاسراً أمام قوة الطرح الاسلامي ، وأصالته الروحية الاسلامية.

وأعتقد أنّ من أهم العناصر التي تنجح معركتنا الكبيرة هو عرض الاسلام بشتى مواضيعه الى المسلمين والى العالم كافّة.

ومن أهم تلك الجوانب هو التأكيد على تثبيت الروحانية الأصيلة في نفوس المسلمين ، وليس هنا محل تفصيل لهذا الموضوع المهم ، ولكننا ملزمون بالتأكيد عليه لأننا مازلنا نعيش المعركة المادية بضراوتها وقوتها. ولابدّ أن ندحر الفكر المادي بشتى أشكاله ونخلّص المسلمين من شرّه ، لأننا إذا أردنا أن نحافظ على الشخصية الاسلامية فانّ من أهم مرتكزاتها ومميزاتها هو روحانيتها وعمق علاقتها بالغيب ، ولا يمكننا أن نوفق بالنجاح في معركتنا هذه الاّ بعد أن ندحر ما حاوله العدو من التشكيك بهذه الأصالة واختراق العقل المسلم بالتشكيك


بالروحانية وانّها تمثل نوعاً من أنواع اللاواقعية والفردية والانزواء والتخلف.

ولا يمكنني أن احصر وجهة الدفاع عن الروحانية بنوع خاص من الأساليب والطروحات ، وانّما الصحيح العكس ، فانّنا نحتاج الى أساليب متنوعة ومتعددة من اجل الحفاظ على تلك الأصالة والدفاع عنها لنحتفظ بالتالي بشخصية إنساننا المسلم كما كان دائماً قوياً بفكره وعقيدته وشخصيته وبنائه للحضارة الانسانية.

ووجدت في كتاب (منازل الآخرة) للعلاّمة الأخلاقي الكبير والمحدّث الجليل الشيخ عباس القميرحمه‌الله معيناً يمكننا أن نطرحه للجيل المسلم ليساهم في بناء الحصانة الدفاعية في شخصيته ؛ ولذلك عجلت بنقل الكتاب من اللغة الفارسية التي كتب بها الى اللغة العربية مع أعمال اُخرى أضفتها الى الترجمة لأضفي عليه ما يمكنه أن يعين في زيادة فائدته.

واستعنت بروحانية مؤلفه الرجل الجليل الذي أثرى المكتبة الاسلامية بنفائس مؤلفاته وتحقيقاته وما زالت تأخذ موقعاً كبيراً في حركتنا الفكرية والأخلاقية ، وأبرز تلك الكتب التي خرجت من يراعه الشريف كتابه (مفاتيح الجنان) الذي هو المنهاج الروحي طبق ما ورد عن أهل بيت العصمة والطهارةعليهم‌السلام ، والذي حظي برواج كبير بين أتباع المذهب الحقّ ، ولا تكاد تجد بيتاً من بيوتهم يخلو منه.

ويتلخص عملنا في هذا الكتاب بالاُمور التالية :

١ ـ قمنا بترجمة هذا الكتاب (منازل الآخرة) من اللغة الفارسية الى اللغة العربية ، وقد راعينا المحافظة على المعنى الفارسي بما يؤديه من الألفاظ العربية مع المحافظة على الأصل العربي من الروايات والأخبار والقصص التي ترجمها المؤلّف من العربية الى الفارسية ، ولذلك فقد قمنا بقدر الوسع بتتبع تلك الأخبار لارجاعها الى الأصل العربي. وعليه فانّ جيمع الآثار الواردة في هذه الترجمة قد نقلناها من اُصولها التي ترجمت منها الى الفارسية.

٢ ـ قمنا بتحقيق روايات وأحاديث الكتاب إضافةً الى التعليق على بعض


المطالب التي ظننا وجود حاجة للتعليق عليها.

٣ ـ ذكرنا في الهامش بعض الروايات التي اختزلها المؤلّف ، أو التي أشار إليها ولم يذكرها. وكذلك ذكرنا بعض الروايات التي رأينا فائدة في ذكرها.

٤ ـ أضفنا في آخر الكتاب فصلاً في الجنّة وأحوالها كما ألمحنا اليه في عنوان (موضوع الكتاب) من هذا التقديم.

٥ ـ كتبنا ترجمة بأحوال المؤلّف5 تحت عنوان (حياة العلاّمة الشيخ القمّيرحمه‌الله ).

٦ ـ كتبنا بحثاً حول موضوع الكتاب بمقدار ما تصورناه من ضرورة لتكوين رؤية متكاملة عن الموضوع عند القارىء المثقف.

مع أني أرتقب من القارىء الكريم غضّ الطرف عن الزلل والنقص لانّ الممكن محكوم بهما ، ولكن أنتظر النقد الذاتي والموضوعي لأجل تلاقي الأخطاء بالطبعات القادمة إن شاء الله تعالى.

والله عزّ وجلّ الموفّق للصواب ، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

قم المقدّسة

عش آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

ياسين الموسوي

غفر الله تعالى له ولوالديه بمحمّد وآله الطاهرين


كلمة المترجم حول :

موضوع الكتاب

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين.

عندما نريد التعرّف على الرؤية الاسلامية للكون والانسان والحياة فإننا لابدّ وأن ننطلق من أحد طريقين أولهما الطريق الأتمّ والأكمل الذي يبدأ الحركة النزولية بالنفوس النزولي من المبدأ الى الانسان ، لأن الرؤية الاسلامية تؤكد على دور الانسان من الخلق والوجود بحيث اعتبرته خليفة الله عزّ وجلّ وأن الله تعالى خلقه على صورته ولا يتمّ الإيمان بالله عزّ وجلّ وتوحيده إلاّ بالإيمان بالانسان الكامل ( وهو النبي والأوصياءعليهم‌السلام ).

والرؤية الثانية صعودية حيث تنطلق من الانسان لمعرفة الله عزّ وجلّ والتقرب إليه ، وهذه الطريقة هي الاسلوب العام لهداية البشر ، فقد بعث الله تعالى الانبياء وتبعهم بالائمة والاوصياءعليهم‌السلام وجعلهم القدورة للعالمين(١) ، ويمكن لعامّة الناس أن يتبعوا الرسل وأوصياءهمعليهم‌السلام ويقتدوا بهم لتوصلوا الى القرب بعد

__________________

(١) قال تعالى في سورة الاحزاب آية ٢١ :( لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) .

وقال تعالى في سورة الممتحنة آية ٤ :( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ ) .

وقال تعالى في سورة الممتحنة آية ٦ :( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) .


المعرفة للحقّ تعالى : ( مَن أراد الله بدأ بكم )(١) .

والرؤية الاسلامية واحدة بكلا الطريقين ، فإن المعادلة الفلسفية الكونية الاسلامية ترتكز على فهم العلاقة بين الله تعالى والانسان سواء كان انساناً كلياً كاملاً ـ وهم كمّل الخلق ـ أو كان انساناً عادياً في طريق الكدح الى الله تعالى صعودياً أو تسافلياً. والصعودي هم المؤمنون الذين يسعون جاهدين لارتقاء مدارج الكمال والتسافل(٢) مختص بمن سلك الطريق المعاكس لاولئك السالكين.

وفي الرؤية الاسلامية الكونية أن لِمَوقِع الانسان الكوني المَركَزي والمهم صار الانسان خليفة الله تعالى وصار حراً بسلوكه الفكري والحركي ومسؤولاً عن عقائده وأعماله وتصرفاته وحركاته وسكناته.

ولهذا الموقع المهم للانسان اهتمت العقيدة الاسلامية بتربيته ليكون أهلاً للمسؤولية الكبرى التي وقعت على عاتقه بادارة كثير مما خلق الله تعالى لأنه عزّ وجلّ سخّر كل شيء له وجعله رهن ارادة الانسان وحركته كما نصت على ذلك كثير من الآيات الكريمة منها قوله تعالى :( أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ) (٣) .

ومنها قوله تعالى :( وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) (٤) .

ومنها قوله تعالى :( وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ ) (٥) .

ومنها قوله تعالى :( وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي

__________________

(١) الزيارة الجامعة الكبير/ التهذيب : ج ٦ ، ص ٩٩. الفقيه : ج ٢ ، ص ٥٩٦.

(٢) قال تعالى في سورة التين الآية ٤ ـ ٦ :( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ *ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ *إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ) .

(٣) سورة لقمان : الآية ٢٠.

(٤) سورة الجاثية : الآية ١٣.

(٥) سورة الانبياء : الآية ٧٩.


بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ ) (١) .

ومنها قوله تعالى متحدثاً عن داودعليه‌السلام :( إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ * وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ ) (٢) .

ومنها قوله تعالى متحدثاً عن سليمانعليه‌السلام :( فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (٣) .

والانسان مجمع العوالم ومظهر الكمالات وقد صدق من قال :

وتحسب انّك جرم صغير وفيك

طوى العالم الأكبر(٤)

وقد ساعدت العقيدة الاسلامية الانسان للتعرف على كيفية ترقّيه الكمالي ليكون مؤهلاً للتصدي الى موقعه الطبيعي الذي اراده الحقّ تعالى من خلقه له.

كما أن الرؤية الاسلامية قد وضحت للانسان مفهوم الحياة التي اكسبته القدرة والحيوية والحركة والفعل ، لأن الانسان بدون حياة غير قادر على الفعل والاختيار وغير قادر على القيام بالمهمات الكبرى وغيرها. إذ أن الحياة هي الجهاز المحرّك للانسان.

ولكن : هل معنى ذلك أن مهمة الانسان ودوره سوف ينتهي بموته؟ وينهدم كل شيء بناه عندما كان يتحرك كانت حياته معطاءة؟

وهنا توضيح الرؤية الاسلامية أن الانسان هو مركز التلقي للارادة الإلهية إما مباشرة ـ وهم الانبياء والرسل والمحدّثون ـ وإما بواسطة ، وهم باقي الناس.

وتوضيح أيضاً أن الانسان هو مركز الحركة الكونية.

__________________

(١) سورة الانبياء : الآية ٨١.

(٢) سورة ص : الآية ١٨ ـ ٢٠.

(٣) سورة ص : الآية ٣٦ ـ ٣٩.

(٤) نسب هذا البيت من الشعر للامام عليعليه‌السلام راجع الديوان المنسوب للامام عليعليه‌السلام جمع وترتيب عبدالعزيز الكرم : ص ٥٧.


كما أنها توضح أيضاً أن الانسان خُلِقَ ليتحرك ويدير المركز الحركي الكوفي بمعنى من المعاني الصحيحة التي لا مجال الى بيان تفصيلها في هذه العجالة ؛ بل بينت الرؤية الاسلامية ـ طبق نظام تفصيلي ـ المركز الحركي الكوني للانسان الكامل والانسان العادي ، والعلاقات الكونية بالانسان وغير ذلك.

كما أن النظام التفصيلي تعرض لشرح مفهوم الحياة للانسان باعتباره فاعل الحركة الكونية الكبيرة.

وذكرت أن الانسان خلق ليبقى وأنه لا ينتهي ولا يفنى بمجرد أن تنتهي مهمته في هذه الدنيا(١) التي تشكل اُولى المراحل الحياتية له.

واكدت على أن هذه الحياة مهمة في طريقه الحركي نحو الصعود والتكاثر ، لأنها المكان الذي يستطيع أن يبني الانسان فيه موقعه في العوالم الاُخرى التي سوف تلي هذه الدنيا التي يعيش فيها.

ومن الفوارق الأساسية بين هذه الدنيا والعوالم الاُخرى ، هو أن الانسان جاء الى هذه الدنيا بغير اختياره وبدون طلب أو ارادة منه ، ولكنّ سكناه في هذه الدنيا وبقاءه فيها انّما هي بارادته.

وأما العوالم الاُخرى فانّه سوف يعمّرها ويدخلها بارادته ويختار موقعه في تلك العوالم بارادة تامّة منه.

وللانسان أن يبني تلك العوالم وهو في هذه الدنيا لأن (الدنيا مزرعة الآخرة)(٢) .

__________________

(١) روى الشيخ الصدوقرحمه‌الله في كتابه علل الشرائع : ج ١ ، ص ١١ باب ٩ ، ح ٥ بسند صحيح عن مسعدة بن زياد. قال : قال رجل لجعفر بن محمّد : يا أبا عبد الله ، إنا خلقنا للعجب؟! قال : وما ذاك ، لله أنت. قال : خلقنا للفناء؟! فقال : مَه ، يا بن أخ! خلقنا للبقاء ، وكيف تفنى جنة لا تبيد ، ونارٌ لا تخمد ، لكن قل : انما نتحرك من دارٍ الى دار.

وروى الشيخ الطوسي في أماليه ج ١ ، ص ٢٢٠ ، المجلس ٨ ، ح ٢٧ بإسناده الى أمير المؤمنين عليه‌السلام انه قال في كلام له عليه‌السلام : ( أيها الناس إنا خلقنا واياكم للبقاء لا للفناء ، ولكنكم من دارٍ الى دارٍ تنقلون ، فتزودوا لما انتم صائرون عليه وخالدون فيه ).

(٢) عوالي اللآلي لابن أبي جمهور : ج ١ ، ص ٢٦٧ ، الفصل ١٠ ، ح ٦٦.


فقد يولد الانسان في هذه الدنيا وبدون اختيار منه في عائلة غنية أو فقيرة ، ولكنه قادر على أن يغير طريقه حياته في هذه الدنيا بارادته على ضوء حركته الذاتية فإنه( لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ) (١) و( فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ) (٢) وقال تعالى :( وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا ) (٣) .

وقال تعالى :( إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ ) (٤) وكذلك فانّ الانسان يولد في العوالم الاُخرى بارادته ويحدد المكان والبيئة والموقع الاجتماعي فيها باختياره وهو في الدنيا ، فانّ العوالم الاُخرى انّما تبنى بأعمال الانسان في هذه الدنيا التي يعيش فيها.

روى ثقة الاسلام الكليني في الكافي الشريف بإسناده عن الامام الصادقعليه‌السلام قال :

جاء رجل الى أبي ذر ، فقال : يا أبا ذر مالنا نكره الموت؟

فقال : لانّكم عمّرتم الدنيا ، وأخربتم الآخرة ، فتكرهون ان تنقلوا من عمران الى خراب.

فقال له : فكيف ترى قدومنا على الله؟

فقال : أما المحسن منكم فكالغائب يقدم على أهله ، وأما المسيء فكالآبق يرد على مولاه »(٥) .

* وروي عن سويد بن غفلة أنه قال : « دخلت على أمير المؤمنينعليه‌السلام بعد ما بويع بالخلافة وهو جالس على حصير صغير ليس في البيت غيره ، فقلت : يا أمير المؤمنين بيدك بيت المال ولست أرى في بيتك شيئاً مما يحتاج إليه البيت »؟

فقالعليه‌السلام : « يابن غفلة! أن اللبيب العاقل لا يتأثث في دار النقلة ، ولنا دار أمن

__________________

(١) سورة النجم : الآية ٣٩.

(٢) سورة الملك : الآية ١٥.

(٣) سورة الاسراء : الآية ١٩.

(٤) سورة طه : الآية ١٥.

(٥) الكافي : ج ٩ ، ص ٤٥٨ ، ح ٢٠.


قد نقلنا إليها خير متاعنا ، وإنّا عن قليل إليها صائرون »(١) .

وعلى ضوء الرؤية الاسلامية للانسان وللحياة وللكون فانّ حياة الانسان سوف لا تنتهي بموته ، بل بالعكس فانّ هذه الحياة الاُولى التي يعيش فيها ضيقة وصبعة ، وسوف يتخلّص من كثير من صعوباتها وضيقها بانتقاله الى العوالم الاُخرى ولكن ذلك يعتمد على ما يبذله من جهد في بناء مواقعه الحياتية في العوالم الاُخرى وهو في الدنيا.

كما أنه سوف يعاني الامرّين والأشد في تلك العوالم فيما إذا لم يهتم في هذه الدنيا ببناء عوالمه تلك لأنه قد يمكنه تجاوز كثير من الأخطاء العمدية في هذه الحياة الدنيا ، ويمكنه أن يتخلّص بالتواءاته من كثير من المواقف الحرجة والحسابات القانونية والاجتماعية ، لأن هذه الدنيا هي دنيا العمل بلا حساب ، وأما تلك العوالم فهي بالعكس تماماً فلا ينفعه دهاؤه ولا تنفعه حيله ، لأن تلك العوالم حساب بلا عمل ، اضافة الى أن هذه الدنيا يحكمها الغموض ويسيطر عليها قانون التمويه لاختفاء الحقائق وراء مظاهر لا تمثلها ولا تمت اليها بصلة ، ولكن العوالم الاُخرى بعكس ذلك فهي عوالم الحقائق( فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) (٢) .

وذلك اليوم( يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ) (٣) والحقائق تكشفت ، فيسعى الانسان جاهداً الى أن يتحرّك ويعمل ليعوض عمّا سبق ويتخلّص من الورطات الجديدة التي وقع فيها ولكنه لا يستطيع.

ولذلك ففي الرؤية الاسلامية أن الحياة الحقيقية هي تلك الحياة التي سيعيشها الانسان بعد انتقاله إليها بعد بالموت ، وقد عبّر القرآن الكريم عن تلك الحياة( وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) (٤) أي أن الانسان في تلك العوالم

__________________

(١) عدة الداعي لابن فهد الحلي : ص ١٠٩ ، باب ٢. وعنه في البحار : ج ٧٠ ، ص ٣٢١ ، ٣٢٢.

(٢) سورة ق : الآية ٢٢.

(٣) سورة القلم : الآية ٤٢.

(٤) سورة العنكبوت : الآية ٦٤.


مملوءٌ حياة وحركة ، فإن لفظة الحيوان على وزن فعلان الذي يتضمن الكثرة والفوران ، فالحياة الحقيقة المملوءة حيوية وحركة انّما هي بعد الموت.

ولو قرأت الروايات التي تحدّثت عن تلك العوالم لرأيت أحداثاً كثيرة جداً لابدّ له أن يمرّ عليها.

الانسان وهو في هذه الدنيا يجهل تلك الأحداث والعوالم والمنازل ، لأنه بعيد عنها مكاناً وزماناً ، فانّ المكان الذي يعيشه في هذه الحياة الدنيا يختلف عن المكان الذي سوف يعيشه في تلك العوالم( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) (١) .

وانّ الزمان الذي يحكمه في هذه الدنيا يختلف كلياً عن الزمان الذي يكون في تلك العوالم فمن تلك الأيّام ما تطول فتكون خمسين ألف سنة كما في قوله تعالى :( فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) (٢) .

ومنها ما يقصر فيكون ألف سنة كما في قوله تعالى :( وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ) (٣) .

وقال تعالى :( فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ) (٤) .

* * *

ولأهمية تلك الأحداث في حياة الانسان فقد جدّ للتعرف عليها بشتى الطرق والوسائل العلمية ، وقد أثرت أهداف كل باحث في انتخاب طريقته الخاصّة به للتعرف على تلك العوالم ، فالفيسلوف مثلاً يحاول أن يبحث بأدواته العلمية للتعرّف على تلك العوالم لتتمّ في عقله ونفسه الصورة العقلية والفكرية عن الانسان والحياة والعوالم الغيبية الاُخرى التي لم يدركها ببصره وحواسه.

بينما ينهج الاخلاقي بدراسة تلك العوالم لأجل أن ينذر أو يبشر نفسه والآخرين الذين يهتم بوعظهم وصلاحهم ، فيحسنوا ويصلحوا أحوالهم وأعمالهم.

__________________

(١) سورة ابراهيم : الآية ٤٨.

(٢) سورة المعارج : الآية ٤.

(٣) سورة الحج : الآية ٤٧.

(٤) سورة السجدة : الآية ٥.


ومهما اختلف القوم فالمسألة ليست داخلة ضمن معدودات الترف الفكري ، بل انّها من المسائل الحياتية المهمة جداً سواءاً نوقشت بالطريقة الفلسفية أو بالطريقة الأخلاقية أو غيرها.

وبما أن بداية العوالم الاُخرى تبتدأ بالموت وتنتهي بالمعاد فلذلك كانت مسألة الموت والمعاد من المسائل المهمّة التي عولجت بعدة طرق من البحث ، فقد اهتم بها الفكر الاسلامي والعقيدة الاسلامية فعدت خامس اصول الدين بعد التوحيد والعدل والنبوة والامامة ، ولأهميتها فقد اهتم بها الفكر الفلسفي والكلامي الاسلامي وقد نوقشت قضايا المعاد لإثبات النشأة الآخرة وحشر الاجسام ونشر الأرواح والنفوس ، والمعاد الجسماني ، أو الروحاني ، والبحث في بقاء النفوس وتجرّدها والنفوس التي تحشر والنفوس التي لا تحشر ، وهل أن الاجسام التي ترزق المعاد هي تلك الاجسام التي أحسنت في الدنيا ، وهي التي عصت الحقّ تعالى فيها ، أم انّها أجسام اُخرى لم تكن في الدنيا ولم تحسن فيها ولم تسيء فيها. وقد اتفق العِلمان في بعض مسائلهما وقد اختلفا في مسائل اُخرى كما هو ديدنهما ، ولكن كالعادة لكل منهما طريقته بالاستدلال والبرهنة ـ وليس هنا محل الاطالة والاطناب والتفصيل ـ ولكن الشيء الذي لابدّ من الاشارة إليه هنا هو انّ العلمين قد ناقشا قضايا الموت والمعاد من وجهة عقائدية طبق قوانين الاثبات ، يعني أن قضايا الموت والمعاد التي نوقشت في هذين العلمين ـ وإن اختلف الحجم الكمّي للمسائل أو الاسلوب الاستدلالي وطريقته ـ ولكنهما حصرا البحث بمقدار ما يرتبط بالاثبات أو النفي لما يراد معرفته ، أو بما يتعلق بالعقيدة الاسلامية.

أما الفكر العرفاني الاسلامي فقد ركز اهتماماته اهتماماته على مسائل الموت والمعاد باعتبار أن بها يتحقق الوصول الى وطن سلوك العارفين(١) ، وأن الموت وما بعده

__________________

(١) الوطن عند العرفاء هو محل هبوط الحقيقة التي تهوي اليها النفوس الكلية ، وهو دار هجرة السالكين في طي منازل السلوك واعظمها هجرتهم من وجودهم الاعتباري والرحيل الى الوطن الحقيقي فيكون بالله بعد أن يفنى في الله تعالى.


غاية تجوهر نفوسهم ووصولها الى الغاية القصوى بلقاء الله تعالى.

فانّ للسالك غايتان أقربهما غاية تجوهر النفس بقطعها وطيّها المراحل الاُولى التي هي مقدمة الغاية القصوى ، ولا يمكنه أن يحصّل الغاية القصوى إلاّ بعد حصوله على الغاية الاُولى والغاية القصوى هي لقاء الله تعالى.

بينما الغاية الاُولى هي لقاء أعماله وما كسبته يداه وتتم بالموت والمعاد ، قال عزّ وجلّ :( وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ) (١) وصار الموت والقبر وما بعده والمعاد غاية اولى ، لأن الانسان سوف يبعث كما مات لما روي عن الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انّه قال : « كما تعيشون تموتون ، وكما تموتون تبعثون » ، وفي الخبر عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « يبعث كل عبد على ما مات عليه » وفي الخبر الآخر عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « يموت الرجل على ما عاش عليه ويحشر على ما مات عليه ».

وغاية السالك أن يبذل جهده لتقوم عليه قيامته وقد تحققت تمام انسانيته ليحشر يوم القيامة وهو انسان مبصر وقد ذكر أهل المعرفة انّه لا يمكن للسالك أن ينال غايته القصوى بلقاء الله عزّ وجلّ إلاّ بعد ان تقوم عليه قيامات وكلّما تقوم عليه قيامة من قياماته في الاُولى(٢) فقد تمّت له حركة من حركاته السلوكية ـ وذلك اذا امكنه أن يحافظ على مقامها أو يرتقي الى الأعلى منها الى حين تقوم عليه قيامته بموته الطبيعي ـ وانقضى عنه مقام من مقامات القرب ، واذا لم يتمكن السالك من طي تلك المقامات فإنه سوف يطويها ـ إن وفقه الحقّ تعالى وكان ذلك العبد محسوباً عنده تبارك وتعالى من السالكين ـ وفي الآخرة ولكنه سوف يطويها بالقهر والقوة والغلبة ، بينما طَويه لها في الاُولى ـ لو وفق لها بلطفه تعالى وتوفيقه العبد للمجاهدات وقطع فيافي السلوك ـ سوف تكون على نحو آخر وقد يكون التوفيق الالهي نصيبه بأنه يطويها أو يطوي بعضها وهي خامدة باختلاف أحوال

__________________

(١) سورة الكهف : الآية ٤٩.

(٢) (الاُولى) بالاصطلاح أوسع مفهوماً من (الدنيا) ، فإن الانسان السالك قد يكون في الاُولى ولكنه لا يكون في هذه الدنيا ولا عكس.


السائرين ومقاماتهم.

وتبتدىء القيامات بالقيامات الأنفسية وهي القيامة الأنفسية الصغرى ثمّ الوسطى ، ثمّ الكبرى ، وتنتهي بالقيامات الآفاقية(١) ، وقد عبّر الشيخ الكاشاني عن القيامة بمعناها العام انّها : ( الانبعاث بعد الموت الى حيوات أبدية )(٢) ، ويشير بـ ( الحيوات ) الى تعدد الحياة بعد تعدد القيامة ، فإنه بعد كل قيامة حياة غير الحياة التي عاشها قبل قيامته تلك.

وقد قسّمها الكاشافي الى ثلاثة أقسام :

أولها : الانبعاث بعد الموت الطبيعي الى حياة أحد البرازخ العلوية أو السفلية بحسب حال الميت في الحياة الدنيوية لقولهعليه‌السلام : « كما تعيشون تموتون ، وكما تموتون تبعثون ».

وهي القيامة الصغرى المشار إليها في قولهعليه‌السلام : « من مات فقد قامت قيامته ».

وثانيها : الانبعاث بعد الموت الارادي الى الحياة القلبية الأبدية في العالم القدسي ، كما قيل مت بالارادة تحيا بالطبيعة.

وهي القيامة الوسطى ، المشار إليها في قوله تعالى :( أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا ... ) (٣) .

وثالثها : الانبعاث بعد الفناء في الله الى الحياة الحقيقية عند البقاء بالحقّ.

وهي القيامة الكبرى المشار إليها بقوله تعالى( فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَىٰ ) (٥) (٤) .

فالقيامة لا تبتدأ عند أهل المعرفة من موت الانسان الطبيعي وانّما هي معه في

__________________

(١) قد وضحنا ذلك في شرحنا على رسالة السير والسلوك المنسوبة الى الآية العظمى السيّد محمّد مهدي الطباطبائي الملقب ببحر العلوم5 : ١١٥٥ ـ ١٢١٢ هـ ق.

(٢) اصطلاحات الصوفية للشيخ كمال الدين عبد الرزاق القاشاني : ١٤٦.

(٣) سورة الانعام : الآية ١٢٢.

(٤) سورة النازعات : الآية ٣٤.

(٥) اصطلاحات الصوفية للقاشاني : ص ١٤٦.


الحياة الدنيا ، ووفقاً لهذا القانون الكوفي فإنهم يثبتون انّ الجنّة والنار تلازم صاحبها في هذه الدنيا ابتداءً من جنّة الأعمال ونار الأعمال ولكن قد حجبتهما الحجب الظلمانية عند الانسان فلا يراهما إلاّ بعد الممات ، وذلك لأنه يتخلّص من الحجب الظلمانية واغلظها الجسم العنصري الذي حبس روحه ونفسه وعقله فيه فلم ير الحقائق إلاّ بعد أن يتخلّص منه وينطلق في العوالم الاُخرى التي تسكن إليها وفيها الأرواح والنفوس فتكشف لها بعض الحقائق الكبرى طبق المواصفات النسبية مع التكامل الروحي والنفسي لكل إنسان.

وأما نار الأعمال وجهنمها في هذه الدنيا وكذلك جنّة الأعمال وفردوسها فهي محجوبة عن الناس إلاّ النفوس الكلية والنفوس القوية التي منحها الحقّ تعالى قدرة رؤية تلك الحقائق.

واستشهد على هذه الحقيقة بعدة آيات منها قوله تعالى :( يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ) (١) وقوله تعالى :( أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ) (٢) .

فالمقصود بالاحاطة هي الاحاطة المطلقة ابتداءاً من هذه الدنيا الى ذلك العالم الآخر والعوالم التي تلي عالم الحياة الدنيا.

كما ان هناك نصوص كثيرة جداً تشهد على هذه الحقائق يحتاج تفصيلها الى بحوث مستقلة.

ولم ينكر أهل المعرفة تلك العوالم التي يلاقيها الانسان بعد موت جسمه بل العكس من ذلك فإنهم يعتبرون أن الارواح عندما تتجرد عن أجسامها تكون أقدر على معرفة تلك الحقائق الثابتة ، وحينئذٍ فمن الطبيعي أن تكون النفوس التي قطعت القيامات الأنفسية أقدر على ادراك القيامات الافاقية ، ولذلك فهي تكون أسرع في قطع القيامات التي قطعتها في الاُولى ، وسوف تمر بها كالبرق الخاطف ، وقد أشارت الى هذه الحقائق مجموعة من الروايات الشريفة فمنها الروايات التي

__________________

(١) سورة العنكبوت : الآية ٥٤.

(٢) سورة الكهف : الآية ٢٩.


وردت لأخذ الاستعداد والتهيؤ لدخول القبر ، لأن الانسان قادم على عالم لم يدخله من قبل ولم يتعرف عليه.

* روى ثقة الاسلام الكليني في الكالفي الشريف بإسناده عن محمّد بن عجلان قال : قال أبو عبداللهعليه‌السلام : « لا تفدح ميتك بالقبر ولكن ضعه أسفل منه بذراعين ، أو ثلاثة ، ودعه يأخذ اهبته »(١) .

* وروى عنه بإسناده عن يونس قال : حديث سمعته عن أبي الحسن موسىعليه‌السلام ما ذكرته وأنا في بيت إلاّ ضاق عليّ ؛ يقول : « اذ أتيت بالميت شفير قبره فامهله ساعة فانّه يأخذ اهبته للسؤال »(٢) .

* وروى الشيخ الطوسيرحمه‌الله في تهذيب الأحكام بمضمرة أبي عطية قال : « اذا أتيت بأخيك الى القبر فلا تفدحه ، ضعه أسفل من القبر بذراعين أو ثلاثة حتّى يأخذ اهبته ثمّ ضعه في لحده »(٣) .

وذكر الصدوقرحمه‌الله في الفقيه قال : « وإذا حمل الميت الى قبره فلا يفاجأ به القبر لأن للقبر أهوالاً عظيمة ويتعوذ حامله بالله من هول المطلع ، ويضعه قرب شفير القبر ، ويصبر عليه هنيئة ثمّ يقدمه ويصبر عليه هنيئة ليأخذ اهبته ثمّ يقدمه الى شفير القبر »(٤) .

والرواية صريحة بانّ روح الميت المجردة تدرك مالم تدركه في هذه الحياة الدنيا.

وقد يكون الانسان قد تعرّف على هذا المنزل من خلال مجاهداته ورياضاته النفسية والروحية ، ولكنه يبقى غير واصل الى مقام حساب منكر ونكير فلذلك فعليه ان يستعد لحسابهما ، وأما لو كان ذلك الانسان قد جاهد نفسه وقطع ذلك

__________________

(١) الكافي : ج ٣ ، ص ١٩١ ، كتاب الجنائز ، باب (في وضع الجنازة دون القبر) ، ح ١.

(٢) الكافي : ج ٣ ، ص ١٩١ ، كتاب الجنائز ، باب (في وضع الجنازة دون القبر) ، ح ٢.

(٣) تهذيب الاحكام للطوسي : ج ١ ، ص ٣١٢ ، باب ١٣ ، ح ٧٥ ، ورقم الحديث العام ٩٠٧.

(٤) من لا يحضره الفقيه للصدوق : ج ١ ، ص ١٠٧ ، تحت الرقم ٤٤ ، والرقم ٤٩٧ ، باب ٢٥ (الصلاة على الميت).


المنزل بمجاهداته في الاُولى فحينئذٍ يكفى حسابهما كما دلت الروايات التي أشارت بعضها الى الأعمال التي تدفع هول حساب منكر ونكير(١) .

وهكذا بالنسبة للمنازل البرزخية الاُخرى ، وحتّى هول يوم القيامة وما فيه من مواقف يمرّ بها الانسان فإن كان قطعها في الاُولى فإنه يكفاها في الآخرة ، وقد وضّحت هذه الحقيقة مجموعة من الروايات منها التي وردت في الصراط فانّه ان كفيه الانسان في الاُولى فانه يمرّ عليه يوم القيامة كالبرق الخاطف.

وحتّى جهنم ولزوم المرور عليها والورود فيها الذي نصّ عليه القرآن الكريم بقوله تعالى :( وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ) (٢) ، فانّ هناك من لا يمرّ عليها بالآخرة ، لأنه مرّ بها وعليها في الاُولى ، كما ورد عن جابر بن عبدالله الانصاريرحمه‌الله انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سئل عنه(٣) فقال : « اذا دخل أهل الجنّة الجنّة قال بعضهم لبعض : أليس قد وعدنا ربنا ان نرد النار؟ فيقال لهم : قد وردتموها وهي خامدة »(٤) .

__________________

(١) منها ما رواه الصدوقرحمه‌الله في كتاب (فضائل الشيعة) : ص ٤٦ ، ح ١ ، بإسناده عن ابن عمر قال : سألنا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن علي بن أبي طالبعليه‌السلام فغضبصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ قال :

والحديث الشريف طويل ، الى أن يقول : « ألا ومن أحبّ علياً بعث الله اليه ملك الموت كما يبعث الى الانبياء ، ودفع الله عنه هول منكر ونكير ، وبيّض وجهه ، وكان مع حمزة سيد الشهداء الحديث ».

وفي حديث آخر عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « ألا ومن مات على حب آل محمّد بشّره ملك الموت بالجنّة ثمّ منكر ونكير ». رواه الزمخشري في الكشّاف : ج ٤ ، ص ٢٢٠ ، في تفسير الآية ٢٣ من سورة الشورى.

ونقله المجلسي في البحار : ج ٢٣ ، ص ٢٣٣ ، وفي : ج ٢٧ ، ص ١١١ ، عن الكشاف نقله الرازي في تفسيره ، واليّد ابن طاووس في الطرائف ، وفي البحار : ج ٦٨ ، ص ١٣٧ ، ح ٧٦ ، عن جامع الاخبار.

(٢) سورة مريم : الآية ٧١.

(٣) يعني سئل عن قوله تعالى :( وان منكم إلاّ واردها كان على ربك حتماً مقضياً ) .

(٤) تفسير البيضاوي : ج ٣ ، ص ٦١ ، في تفسير الآية ٧١ من سورة مريم. ونقله عنه المجلسي في البحار : ج ٨ ، ص ٢٥٠.


* وروى الفيض الكاشانيرحمه‌الله : لما سئل بعض أئمتناعليهم‌السلام من عموم الآية المذكورة فقال : « جزناها وهي خامدة »(١) .

واما اذا لم يقطع الانسان تلك المنازل في الاُولى فانّه مضطر لا محالة الى قطعها بعد تجرّد روحه وموته وانقطاعه عن الجسم العنصري ، لأنه حين انكشاف ما غطّي عليه ، ويرى كل ما كان يسمع به كما قال تعالى :( فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) (٢) فعندما تقوم قيامته الصغرى وقيامته الكبرى فسوف يرى تلك المنازل ـ التي لم يقطعها ولم يتعرف عليها أو لم يصدّق بها ـ رأي العين ، وعليه أن يقطعها ولكنه يتحمل صعوبة ومشاق كسله في الاُولى ، أو جهله ، أو عناده وكفره ، فسوف يمرّ عليها جاهلاً ويقع فيها مظلماً ، لأنه لم يهيّىء لسفره هذا نوراً يمشي به وفيه عندما يدخل الآخرة فلذلك تجده أعمى بلا هادي ولا دليل كما قال تعالى :( وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا ) (٣) .

وقال تعالى :( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ ) (٤)

وقال تعالى :( وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ ) (٥) .

والعرفاء الصالحون اعتبروا قطع تلك المنازل في الاُولى السبب الاساس لقطع تلك المنازل في الآخرة بيسر وسهولة ، لأنهم رأوا من أخبر به النص الشريف من ضرورة الاعداد لسفر الآخرة ومنازله وموافقه ، ولا يتم ذلك الاعداد إلاّ بمعرفة السفر ومعرفة مراحله ومنازله وأخذ العدة لكل مرحلة ولكل منزل ثمّ يسير تلك المنازل منزلاً فمنزلاً وموقفاً فموقفاً وقطعها في الاُولى بالمجاهدات والرياضات كما أخبر به الهادي ، وانّ اتباع الهادي في الاُولى سوف يؤمن وجوده في الآخرة

__________________

(١) علم اليقين : ج ٢ ، ص ٩٧١ ، المقصد الرابع ، الباب ٩ ، الفصل ٢ (في معنى الصراط).

(٢) سورة ق : الآية ٢٢.

(٣) سورة الاسراء : الآية ٧٢.

(٤) سورة طه : الآية ١٢٣ ـ ١٢٦.

(٥) سورة النور : الآية ٤٠.


ويقطع تلك المراحل بهديه وهدايته وبنوره وحضوره كما دلّ عليه العقل والنص الشريف المتواتر عند جميع طوائف المسلمين بوجوب طاعة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والائمة الاثني عشر من بعدهعليهم‌السلام.

وليس معنى ذلك أنه لا يوجد عذاب القبر ولا يوجد حساب القبر وضغطته والبرزخ وغير ذلك ، بل العكس تماماً فعلى المؤمن أن يؤمن بالموت الحقيقي وعذاب القبر ومساءلة منكر ونكير والمعاد الجسماني.

قال الشيخ الصدوقرحمه‌الله : « اعتقادنا في المساءلة في القبر انّها حقّ »(١) .

وقال الشيخ المفيدرحمه‌الله : « جاءت الآثار الصحيحة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انّ الملائكة تنزل على المقبورين فتسألهم عن أديانهم »(٢) .

ولكن لكل واحد من تلك الامور مقامات وحالات تختلف باختلاف مقامات وحالات الانسان نفسه الذي يمرّ بها.

وطريقة العرفاء بمعرفة أحوال الموت وما بعده انّما هي شرح للأحاديث الشريفة المروية عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيته المعصومينعليهم‌السلام ، وليس فيها أكثر من ذلك. واذا وجد في كلام أحد منهم ـ اعوذ بالله تعالى ـ غير ذلك فهو غير صحيح قطعاً وانّما هو من تخيلاته.

فانّك تجد المعارف الجليلة التي وردت عن أهل البيتعليهم‌السلام مشروحة عند من رزقه الله تعالى تلك المعارف. ولا يصح لأي عارف أن يحصل على تلك المعارف والعلوم إلاّ من طريق أهل البيتعليهم‌السلام « من أتاكم نجى ومن لم يأتكم هلك الى الله تدعون وعليه تدلون وبه تؤمنون وله تسلمون وبامره تعملون والى سبيله ترشدون وبقوله تحكمون ، سعد من والاكم ، وهلك من عاداكم وخاب من جحدكم ، وضل من فارقكم ، وفاز من تمسك بكم وأمن من لجأ إليكم ، وسلم من صدقكم ، وهدي من اعتصم بكم ، من اتبعكم فالجنة مأواه ، ومن خالفكم فالنار مثواه ، ومن جحدكم كافر ومن حاربكم مشرك ، ومن رد عليكم في اسفل

__________________

(١) تصحيح الاعتقاد : ص ٧٧.

(٢) المصدر السابق.


درك من الجحيم »(١) .

وكذلك : « من أراد الله بدأ بكم ومن وحده قبل عنكم ومن قصده توجه بكم »(٢) .

نعم انّ طريقة أهل المعرفة تختلف عن طريقة الفلاسفة والأخلاقيين بفهم الحقائق ، لأنهم يعتمدون على المشاهدة الصحيحة التي تحصل بعد المجاهدات السلوكية فتنكشف لهم الحقائق ويرونها بالضبط كما وردت عن الشارع الحكيم سلام الله عليه ، وهي نفس النتائج التي يحصل عليها الفيلسوف عندما يستخدم القوانين العقلية والاُسس المنطقية ، ولكن الفرق بينهما هو في الاقتناع العقلي والمشاهدة العقلية والتي تسمّى بالمشاهدة القلبية أيضاً. وألطف بيان لهذه الحقيقة

__________________

(١) لا تغفل ان توحيد الحقّ تعالى الصرف لا يتوفر إلاّ لمحمّد وآل محمّدعليهم‌السلام كما ورد في الروايات المستفيضة. منها ما روي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « يا علي ما عرف الله إلاّ أنا وأنت ، وما عرفني إلاّ الله وأنت ، وما عرفك إلاّ الله وأنا ». مختصر بصائر الدرجات للشيخ حسن الحلي : ص ١٢٥.

وروي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انه قال : « يا علي ، ما عرف الله حق معرفته غيري وغيرك ، وما عرفك حق معرفتك غير الله وغيري ». مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب : ج ٣ ، ص ٢٦٧ ـ ٢٦٨ ، في (فصل : في المفردات). ونقله المجلسي في البحار : ج ٣٩ ، ص ٨٤.

وانتبه وتدبّر واعرف واعلم انّ أركان التوحيد هي معرفتهم صلوات الله عليهم جميعاً كما ورد في الروايات المستفيضة منها : ما رواه الصدوق بسند صحيح في معاني الأخبار عن أبي حمزة الثمالي عن سيد العبادين علي بن الحسين عليهما السلام في حديث طويل قال فيه : « ونحن أركان توحيده ، ونحن موضع سره ».

وروى الشيخ الطوسي بسند صحيح عن الامام الرضا عليه السلام : « فإنهم معادن كلماتك وأركان توحيدك » مصباح المتهجد : ص ٣٦٦.

ورواه السيّد ابن طاووس في جمال الاسبوع : ص ٥٠٦ ـ ٥١١ ، الطبعة الحجرية. وفي : ص ٥١٢ ـ ٥١٩. ورواه الكفعمي في المصباح : ص ٥٤٨ الطبعة الحجرية.

(٢) راجع الزيارة الجامعة المروية عن الامام الهاديعليه‌السلام في التهذيب للشيخ الطوسي : ج ٦ ، ص ٩٨. وفي من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق : ج ٢ ، ص ٣٧٢. ورواها الصدوق في عيون أخبار الرضا : ج ٢ ، ص ٢٧٤. ونقلها المجلسي في البحار : ج ١٠٢ ، ص ١٢٩ ، ١٣٠.


ما نقل عن ابن سينا وأبي سعيد ( انّ الرجلين تلاقيا في موضع ، فلما افترقا ، سئل كلّ منهما عن صاحبه ، فقال الشيخ أبو سعيد : ما أنا اراه هو يعلم. وقال الشيخ أبو علي : ما اعلمه هو يراه )(١) . وأما اختلاف طريقة أهل المعرفة عن طريقة الأخلاقين انّ اولئك يشرحون أحوال الانسان وسلوكه وفق ما جاء به التنزيل وطبق قوانين السير والسلوك النظري والعملي بتكميل قلب الانسان ليصل بالأحوال والمقامات بحيث يكون قادراً على تلقي الفيوضات الالهية والمعارف الكلية لتطهير روحه وقلبه وعقله من كل غريب ونجس واخلاص نفسه للتوحيد الصرف ولقاء الحقّ عزّ وجلّ ، وعرفوا قوانين الوجود التكونينية ورأوا رأي العين وادركوا خفاياها وأسرارها ، وكلها خفايا وأسرار. والعرفان فلسفة كاملة فيها جميع الاجوبة الثبوتية عن كل شيء ولا يوجد العرفان في ورق ولا في كتاب وانّما هو في قلب العبد المؤمن كما ورد في النص الشريف في الحديث القدسي : « لم تسعني سمائي ولا أرضي ، ووسعني قلب عبدي المؤمن »(٢) .

كما أن العرفان العملي هو المدرسة السلوكية للانسان الطالب أو السالك أو الواصل لايصاله الى غايته الاُولى والقصوى ، ولا يتمّ له ذلك بالنظري قطعاً وانّما لابدّ من العمل والكدح كما ورد في الروايات المستفيضة عن الامام الصادقعليه‌السلام : « العلم مقرون الى العمل فمن علم عمل ومن عمل علم ، والعلم يهتف بالعمل فان اجابه وإلاّ ارتحل عنه »(٣) .

وعن الامام الصادقعليه‌السلام انّه قال : « انّ العالم اذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل المطر عن الصفا »(٤) .

وعن الامام السجادعليه‌السلام انّه قال : « مكتوب في الانجيل لا تطلبوا علم

__________________

(١) روضات الجنات : ٣ ، ص ١٨٤.

(٢) راجع المحجة البيضاء : ج ٥ ، ص ٢٦ ، وفيه (أرضي ولا سمائي). البحار : ج ٥٨ ، ص ٣٩.

(٣) الكافي : ج ١ ، ص ٤٤ ، (باب استعمال العلم) ، ح ٢.

(٤) المصدر السابق.


ما لا تعلمون ولمّا تعملوا بما علمتم ، فإن العلم اذا لم يعمل به لم يزدد صاحبه إلاّ كفراً ولم يزدد من الله إلاّ بعداً »(١) .

وأما طريقة الأخلاقيين فانّها تعتمد على الأساليب الوعظية والتنبيهية ويستفيدون من القصة كاسلوب خطابي يشد السامع أو القارىء الى تذكر الله عزّ وجلّ ، كما انّهم يستشهدون بالروايات والآثار والمنقولات والمسموعات لأجل تلك الغاية الكريمة.

وطريقة الأخلاقيين مفيدة جداً للعامّة لتقويمهم وارجاعهم الى الطريق المستقيم وتعريفهم بالصحيح والخطأ ، ولكنها غالباً ما تكون مؤقتة بزمان الموعظة وما بعدها بفترات محدودة باختلاف حالات السامعين والقارئين ، لأن طريقة الأخلاقيين لا تدخل الى عمق الانسان وتعرف مقامه ثمّ ترقيه مرقاة فمرقاة وتزيل الملكات الظلمانية وتحييه بالملكات النورانية وترقيه في مدارج الكمال كما تفعله الطريقة العرفانية. اضف الى ذلك أن الأخلاقين غالباً ما يستخدمون اسلوباً واحداً في الوعظ لمجاميع مختلفين في الأحوال والملكات والمقامات بل غالباً ما يستخدمون اسلوباً واحداً مع الانسان في جميع أحواله وملكاته بينما أن لكل انسان واردات واحوال ومقامات تختلف باختلاف مجاهداته.

وعلى كل حال فانّنا لا نريد هنا أن نبين جميع خصوصيات الطريقة العرفانية وطريقة الأخلاقيين ، وانّما أردنا أن نوضح انّ هناك فوارق عدة بين الطريقتين ، وكليهما مفيدة بل أن العرفاء وأهل السير والسلوك لا يستغنون عن استخدام الاسلوب الاخلاقي في تكميل النفوس خصوصاً في مخاطباتهم للعامة ، فأنّه أجدى لمثل ذلك المقام عند الخطاب لعامّة الناس وأنفع.

ولكن هناك مؤاخذة اُخرى على الاسلوب الاخلاقي لفهم قضايا الموت والعالم الآخر اضافة للملاحظة السابقة بانّه يهتم بالجانب التحذيري والتخويفي بذكر الأهوال ، والمصاعب التي سوف يلاقيها الانسان ابتداءاً من سكرات الموت

__________________

(١) المصدر السابق.


فما بعدها ، مما يولد عند الانسان السامع أو القارىء حالة من الرهبة والخوف فتعكس على شخصيته فتؤدي في أحيان كثيرة الى حالة تشاؤمية وقد توقعه بالانعزال عن الحياة العامّة وتعميق الشعور الفردي والإنزوائي واللا ابالية عنده فيخرج من قانون السلوك المتوازن الى حالة التطرف الواحدي.

وبالتأكيد فانّ أي باحث موضوعي لا يمكنه أن يطرح الأحكام بشكل قطي وعمومي في مثل هذه الحالات التي تتعرض لموضوع واسع وشائك ، فإن الاسلوب الأخلاقي يختلف من شخص لآخر ، وقد تكون الملاحظة المتقدمة ظاهرة عند أغلب الأخلاقيين ولكنها لا تصلح أن تبقى بلا استثناء ، مع انّي أظنّ انّ الملاحظة لم تخلو من مبالغة وتضخيم وإن كانت بشكل عام لم تخلو من واقعية ، بل انّ الاسلوب التخويفي للانسان المكلف ضروري لتقويمه واعادته لجادة الصراط المستقيم ، وقد رأينا الكتاب الكريم قد هدد العباد وحذّرهم وأوعدهم بما يجري عليهم بعد هذه العوالم منها قوله تعالى :( وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ) (١) .

وقال تعالى :( وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ) (٢) .

وقال تعالى :( قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) (٣) .

وكذلك كان موقف السنّة المطهرة فقد روى الكلينيرحمه‌الله في الكالفي الشريف بإسناده عن الامام الصادقعليه‌السلام انّه قال : « من خاف الله أخاف منه كلّ شيء ، ومن لم يخف الله اخافه الله من كل شيء »(٤) .

وروى أيضاً بإسناده عن اسحاق بن عمار قال : قال أبو عبداللهعليه‌السلام :

« يا اسحاق خف الله كأنك تراه وان كنت لا تراه فانّه يراك ، فانّ كنت ترى انّه لا يراك فقد كفرت ، وإن كنت تعلم انّه يراك ثمّ برزت له المصية فقد جعلته من أهون الناظرين عليك »(٤) .

__________________

(١) سورة البقرة : ٤٠.

(٢) سورة آل عمران : الآية ٢٨.

(٣) سورة الانعام : الآية ١٥.

(٤) الكافي : ج ٢ ، ص ٦٨ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب (الخوف والرجاء) ، ح ٣.

(٥) المصدر السابق.


وروى أيضاً بسند صحيح عن الامام الصادقعليه‌السلام انّه قال : « المؤمن بين مخافتين : ذنب قد مضى لا يدري ما صنع الله فيه ، وعمر قد بقي لا يدري ما يكتسب فيه من المهالك فهو لا يصبح إلاّ خائفاً ولا يصلحه إلاّ الخوف »(١) .

وأجاد العلاّمة المازندراني في شرح معنى الخوف الذي ورد في هذه الروايات الشريفة حيث قال :

( الخوف حالة نفسانية موجبة لتألمها بسبب توقع مكروه سببه ممكن الوقوع أو توقع فوات أمر مرغوب فيه ، ولو كان وقوع سببه معلوماً ، أو منظونا ظنّاً غالباً يسمّى ذلك انتظار المكروه أيضاً كما يسمى خوفاً ، والتألم فيه أزيد.

وأما الخوف والتألم بسبب توقع مكروه علم قطعاً عدم وقوع شيء من أسبابه فذلك وسواس وماليخوليا

وسبب الخوف من الله معرفته ، ومعرفه جلاله ، وعظمته ، وكبريائه ، وغنائه عن الخلق ، وغضبه ، وقهره ، وكمال قدرته على الخلق ، وعدم مبالاته بتعذيبهم واهلاكهم ، ومعرفة عيوب نفسه ، وتقصيره في الطاعات والأخلاق ، والآداب مع التفكر في أمر الآخرة وشدائدها.

كلما زادت تلك المعارف زاد الخوف وثمرته في القلب والبدن والجوارح ، اذ بالخوف يميل القلب الى ترك الشهوات ، والندامة على الزلات ، والعزم على الخيرات ، ويخضع ويراقب ، ويحاسب ، وينظر الى عاقبة الامور ، ويحترز من الرذائل كالكبر والحسد والبخل ، ويذبل البدن ، ويصفر اللون من الغم والسهر ، وتشتغل الجوارح بوظائفه ويحصل له بترك الشهوات العفّة والزهد ، وبترك المحرمات التقوى ، وبترك ما لا يعني الورع والصدق والاخلاص ، ودوام الذكر والفكر ، ويترقى منها الى مقام المحبة ، ثمّ منه الى مقام الرضا )(٢) .

__________________

(١) المصدر السابق ص ٧١.

(٢) شرح اصول الكافي وروضته للعلاّمة محمّد صالح المازندراني المتوفي سنة ١٠٨١ هـ أو ١٠٨٦ هـ : ج ٨ ، ص ٢٠٥ ـ ٢٠٦.


( والخوف غير القنوط )(١) .

وانّ الاشكال المتقدم انّما هو على القنوط وليس على الخوف ، لأن الخوف لم يترك الأمل وهو الرجاء ، بل يقف الى جانبه يوازنه ، لأن الأمل ـ الرجاء ـ بلا خوف معناه الغرور والحماقة.

وعلى كل حال فالخوف اسلوب مطلوب لتأديب النفس ولكنه لابدّ وأن يلازمه الرجاء ليتوازن ميزان النفس فلا افراط ولا تفريط ، فكلما ازداد الخوف ازداد الرجاء والأمل.

وعلى السالك أن ينتبه الى حالة الخوف أن لا تكون ملكة نفسانية عنده ، وكذلك الرجاء ، بحيث يكونا الداعي الى عبادته تعالى ، كما يلزم المرشد أن ينتبه في وعظه وارشاده وهدية أن لا يكون تأكيده على الخوف والرجاء بحيث تكونا ملكة عند من يرشده ويعظه. فانّ حالة الخوف وحالة الرجاء مع أهميتهما لاستقامته ولكنهما ليستا غايتين تامتين ، وانّما الغاية التامّة أن يكون السالك يعبد الحقّ لغاية اسمى وهي ارادته للحقّ عزّ وجلّ ومعرفة معنى العبودية والمعبود والعابد والعبادة ليتمّ معنى الشكر كما في كلمات أمير المؤمنينعليه‌السلام : « الهي ما عبدتك خوفاً من عقابك ولا طمعاً في ثوابك ، ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك »(٢) .

وفي رواية اُخرى عنهعليه‌السلام : « ما عبدتك خوفاً من نارك ، ولا طمعاً في جنتك ، ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك »(٣) .

في نهج البلاغة عنهعليه‌السلام قال : « انّ قوماً عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار ، وانّ قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد ، وانّ قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار »(٤) .

* * *

__________________

(١) المصدر السابق.

(٢) راجع البحار : ج ٤١ ، ص ١٤.

(٣) راجع البحار : ج ٧ ، ص ١٨٦ ، وفي : ص ١٩٧. وفي : ص ٢٣٤. وفي : ج ٧٢ ، ص ٢٧٨.

(٤) نهج البلاغة شرح محمّد عبده : ج ٤ ، ص ٥٣.


وعلى كل حال فقط أصاب بعض الباحثين عندما جمع بين الطرق الثلاثة ـ الفلسفية والعرفانية والأخلاقية ـ في عرض تلك العوالم المهمّة من حياة الانسان ، فانّ لكل طريقة خصوصياتها المتميزة التي تساعد الانسان للتعرف عليها.

كتاب منازل الآخرة والمطالب الفاخرة

ويدخل كتاب ( منازل الاخرة ) للعلاّمة الثقة المحدّث الشيخ عباس القمّي5 في ضمن الكتب الأخلاقية المهمّة التي تحدثت عن العوالم التي سوف يلاقيها الانسان بعدما ينتهي من هذه الحياة الدنيا التي عاشها ، وقد أجاد المؤلّفرحمه‌الله في استقصائها بشكل منظم ومرتب ابتداءاً من سكرات الموت ، وانتهاءاً بدخول الجنة أو النار ، خصوصاً انّه اعتمد فيها على ما جاء عن النبي الاعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيتهعليهم‌السلام ، وقد حاول جاهداً أن يبتعد عن ما نقله الآخرون من خرافات الصوفية أو قصص الاسرائليات والوضاعين التي شحنت بها الكتب الأخلاقية المؤلفة بهذا المجال كتكاب الاحياء وغيره.

كما أن المؤلّف القمّيرحمه‌الله أجاد عندما لم يطنب بالتخويف بل أوجز بما يؤدي الغرض الوعظي والتأدبي وانّه أحسن كثيراً عندما أضاف ( المنجيات ) من تلك المصاعب والأهوال الى جنب الأهوال التي سوف يقع بها الانسان في الآخرة.

وانّ المؤلّفرحمه‌الله قد استخدم الاسلوب الصحيح في موعظته حينما استفاد من الخوف والرجاء الذي ورد في الروايات وأكدت عليه الأحاديث الشريفة بضرورة توفرهما جميعاً بقلب المؤمن ليحصل على النجاة بسلوكه الرباني منها : ما رواه الكلينيرحمه‌الله في الكافي الشريف بإسناده عن الامام الصادقعليه‌السلام قال : « كان أبيعليه‌السلام يقول : انه ليس من عبد مؤمن إلاّ في قلبه نوران : نور خيفة ، ونور رجاء ،


لو وزن هذا لم يزد على هذا ، ولو وزن هذا لم يزد على هذا »(١) .

وروي الكليني أيضاً في الكافي الشريف بإسناده عن الحسن بن أبي سارة قال :

« سمعت أبا عبداللهعليه‌السلام يقول : لا يكون المؤمن مؤمناً حتّى يكون خائفاً راجياً ، ولا يكون خائفاً راجياً حتّى يكون عاملاً لما يخاف ويرجو »(٢) .

قال المجلسيرحمه‌الله : (لابدّ أن يكون العبد دائماً بين الخوف والرجاء لا يغلب أحدهما على الآخر اذ لو رجّح الرجاء لزم الأمن لا في موضعه ، وقال تعالى :( أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ) (٣) .

ولو رجح الخوف لزم اليأس الموجب للهلاك كما قال سبحانه :( إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) (٤) .

وقيل : يستحبّ أن يغلب في حالة الصحّة الخوف ، فاذ انقطع الأجل يستحبّ أن يغلب الرجاء ليلقى الله على حالة هي أحبّ إليه اذ هو سبحانه الرحن الرحيم ، ويحب الرجاء.

وقيل ثمرة الخوف : الكف عن المعاصي ، فعند دنو الأجل زالت تلك الثمرة فينبغي غلبة الرجاء.

وقال بعضهم : (الخوف ليس من الفضائل والكمالات العقلية في النشأة الآخرة ، وانّما هو من الامور النافعة للنفس في الهرب عن المعاصي ، وفعل الطاعات ما دامت في دار العمل. وأما عند انقضاء الأجل والخروج من الدنيا فلا فائدة فيه.

وأما الرجاء فإنه باق أبداً الى يوم القيامة لا ينقطع ، لأنه كلما نال العبد من رحمة الله أكثر كان ازدياد طمعه فيما عند الله أعظم وأشدّ لأنّ خزائن جوده وخيره ورحمته غير متناهية لا تبيد ولا تنقص )(٥) .

__________________

(١) الكافي : ج ٢ ، ص ٦٧.

(٢) الكافي : ج ٢ ، ص ٧٠.

(٣) سورة الاعراف : الآية ٩٩.

(٤) سورة يوسف : الآية ٨٧.

(٥) مرآة العقول للعلاّمة المجلسي : ج ٨ ، ص ٣٢.


وقد علّق المجلسيرحمه‌الله بقوله : (والحقّ أن العبد ما دام في دار التكليف لابدّ له من الخوف والرجاء. وبعد مشاهدة امور الآخرة يغلب عليه أحدهما لا محالة بحسب ما يشاهده من أحوالها)(١) .

* ولكن مع ذلك فإن المؤلّفرحمه‌الله قد خالف طريقته حيث ركز في آخر الكتاب على الخائفين وامثلتهم ، ولم يذكر من أحال الرجاء والجنّة ووصفها شيئاً ليتوازن الخوف بالرجاء ، ولذلك ارتأينا ان نذكر مقتطفات من المأثور في الرجاء والجنّة ليكون قلب القارىء مستقيماً في ميزانه. خصوصاً انّك قد قرأت قبل قليل ما نقله العلاّمة المجلسيرحمه‌الله عن بعضهم انه كان يقول : (يستحبّ أن يغلب في حالة الصحّة الخوف ، فاذا انقطع الأجل يستحبّ أن يغلب الرجاء ليلقى الله على حالة هي أحبّ إليه اذ هو سبحانه الرحمن الرحيم ويحب الرجاء الخ)(٢) .

وقد رأينا انّ الأنسب أن نلحق تلك الروايات حول الجنّة بفصل في آخر الكتاب تحت عنوان (ذكر عدة أخبار في وصف الجنّة ونعيمها).

هل للآخرة منازل؟

انّ للآخرة منازل تبتدىء من منزل الموت ثمّ القبر وأحواله والبرزخ والحشر والنشور والحساب والعرض والصراط والميزان والشفاعة ومنازل النيران ومنازل الجنّة وما الى ذلك.

وقد فصّل العلاّمة السيّد هاشم البحراني المتوفى سنة ١١٠٧ أو ١١٠٩ هـ. ق الحديث عن جميع تلك المنازل وغيرها في كتابه معالم الزلفى.

أما المؤلّف القمّي فانّه اختصر تلك المنازل في كتابه الكريم (منازل الآخرة) ، وأجاد بجمعها وعرضها بما يمكن لكل انسان أن يقرأ ويتعرف على تلك العوالم

__________________

(١) المصدر السابق.

(٢) راجع نهج البلاغة : ج ٢ ، ص ١٨٣ ، تحقيق محمّد عبدة ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج ١١ ، ص ٥ ، الارشاد للشيخ المفيد : ج ١ ، ص ٢٣٤ ، الطبعة المحققة. ونقله المجلسي في البحار : ج ٧٣ ، ص ١٠٦ ، ح ١٠٢. وفي : ج ٧٣ ، ص ١٣٤ ، ح ١٣٨.


ويستفيد منها بشكل مختصر مفيد.

وقد استلهم المؤلفرحمه‌الله عنوانه هذا من الروايات الشريفة التي تحدثت عن تلك العوالم ، منها ما ذكره هو في مقدمة هذا الكتاب عن أمير المؤمنينعليه‌السلام انّه كان ينادي في كل ليلة حين يأخذ الناس مضاجعهم للمنام ، بصوت يسمعه كافة أهل المسجد ومن جاوره من الناس « تزودوا رحمكم الله فقد نودي فيكم بالرحيل ، واقلوا العرجة على الدنيا ، وانقلبوا بصالح ما يحضركم من الزاد فانّ مامكم عقبة كؤوداً ومنازل مخوفة مهولة لابدّ من الورود [المرر. خ. ل] عليها والوقوف عندها [عليها. خ. ل] ».

والمنزل جمعه منازل وهو مكان النزول ويطلق على الدار أيضاً ، وقد سمّت أماكن نزول القوافل والمسافرين منازل أيضاً ، كما انّها تطلق على مسافة معينة من الطريق.

سفر القيامة والاستعداد له :

ولأن الانسان مسافر في حياته(١) الى الله تعالى فعليه انّ يعدّ مؤنة السفر

__________________

(١) فأما أن الانسان مسافر في هذه الدنيا الى الآخرة بسفر القيامة فقد تظافرت الروايات الشريفة في ذلك فمنها :

* في النهج عن أمير المؤمنينعليه‌السلام انّه قال : « مَن تذكر بُعد السفر استعدّ » (نهج البلاغة : ج ٤ : ص ٦٨ ، شرح محمّد عبدة).

* وروي عن أمير المؤمنينعليه‌السلام انّه قال : « قام فينا الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله خطيباً ، فقال : يا أيها الناس انّكم في دار هدنة ، وانتم على ظهر سفر ، والسير بكم سريع ، فعدّوا الجهاز لبعد المسافة » (كنز العمال للمتقي الهندي : ج ١٦ ، ص ١٣٦ ، رقم الحديث العام ٢٤٤١٦٣).

* وروي الشيخ الصدوق رحمه الله بإسناده الى سفيان بن عيينة انّه قال : رأى الزهري علي بن الحسين عليه السلام ، ليلة باردة مطيرة ، وعلى ظهره دقيق وحطب وهو يمشي ، فقال له « يابن رسول الله ما هذا؟! قال : اُريد سفراً عدّ له زاداً حمله الى موضع حريز. فقال الزهري : فهذا غلامي يحمله عنك ، فابى ، قال : أنا احمله عنك ، فإني ارفعك عن حمله. فقال علي بن الحسين : لكني لا أرفع نفسي عمّا ينجيني في سفري ، ويحسن ورودي على ما اراد عليه ، اسألك بحق الله لمّا مضيت لحاجتك ، وتركتني. فانصرفت عنه فلما كان بعد أيّام ، قلت له : يا بن رسول الله


ويهتم بها خصوصاً أن السفر طويل ولا عودة منه ولا محالة من قطعه.

وقد اهتمّ علماء الآخرة لهذا السفر الشريف فابتدأوه بارادتهم قبل أن يحل في ساحتهم ، وطووا كثيراً من منازله وما زالت أبدانهم تعيش في هذه الحياة الدنيا ، وقد انكشف لهم كثير من تلك المنازل وتعرفوا على عوالم عظيمة منها ولا يمكن لأحد ان يعلمها أو يشاهدها أو يدركها إلاّ بعد مجاهدات سلوكية ومقامات سيرية.

وقد ثبتوا بعضاً من تلك المنازل والمقامات والأحوال تحت عنوان ( السير والسلوك ) ولعل افضلها ما ثبت في رسالة « السير والسلوك » المنسوبة لأية الله العظمى السيّد محمّد مهدي بحر العلوم5 .

وسواء جاهد الانسان واختار آخرته وهو بعد في الدنيا ولم يرحل منها ، أو ترك الامور تجري عليه ضمن قوانين القدر المحتوم والقضاء المبرم ، فأنّه سوف يلاقي يومه الذي وعد به ، ويحل عليه السفر الطويل ويرى تلك المنازل رأي العين عندما يتحقق قوله تعالى :( فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) (١) .

وذلك اليوم لا ينفع نفساً إيمانها لم تؤمن من قبل ولم تهيّىء لسفرها عدته ، ونجى المخفون.

ولذلك أكدت الروايات الكثيرة جداً على ضرورة الاعداد لسفر الآخرة(٢) .

__________________

لست أرى لذلك السفر الذي ذكرته أثراً؟ قال : بلى يا زهري ، ليس ما ظننته ، ولكنه الموت ، وله كنت استعد ، انّما الاستعداد للموت تجنب الحرام ، وبذل الندى والخير » (علل الشرائع : ص ٢٣١ ، ح ٥. ونقله المجلسي في البحار : ج ٤٦ ، ص ٦٥ ، ح ٢٧. والبحراني في العوالم : مجلد أحوال الامام زين العابدينعليه‌السلام : ص ١٠٦).

(٢) سورة ق : الأية ٢٢.

(٣) وأما الاستعداد للموت فمن تلك الروايات :

* روى الصدوق عليه‌السلام في أماليه عن الامام العسكري عليه‌السلام عن آبائه عليهم‌السلام انّه قيل لأمير المؤمنين عليه‌السلام : ما الاستعداد للموت؟ قال : « اداء الفرائض ، واجتناب المحارم ، والاشتمال على المكارم ، ثمّ لا يبالي أوقع على الموت ، ام وقع الموت عليه » (الأمالي للصدوق :


ضرورة ذكر الموت :

اضافة الى أن طريقة أهل البيتعليهم‌السلام ألزمت المؤمن ـ كما توضحه الروايات الشريفة ـ أن يعيش الموت ويديم ذكره له ليعدّ ليومه ذلك الذي ينتظره لا محالة ، فانّ انحراف الانسان عن الجادة المستقيمة ينشأ من الطغيان الذي يعتريه ، وقد يصل به الى مستوى بحيث يعمى عن كل الحقائق وما يحيط به ، ولا تنفعه لتخفيف نسبة طغيانه وغروره كل النصائح والتوجيهات لأن طغيانه قد يكبر عليها ولكنه يصطدم بصخرة تتكسر عليها كل مراتب الطغيان والغرور وهي صخرة الموت وما بعد الموت ، وقد صور كتاب الله المجيد هذه الحقيقة بقوله تعالى :( إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ * إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ ) (١) .

فمهما اعتور الانسان الموحد(٢) من الطغيان والغرور والانحراف عن الأوامر

__________________

ص ٩٧ ، المجلس ٢٣ ، ح ٨. ونقله عنه في البحار : ج ٧١ ، ص ٢٦٣ ، ح ١).

* وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام انّه قال في خطبة خطبها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتسعة أيّام : « وانّ من عرف الأيّام لم يغفل عن الاستعداد ، لن ينجو من الموت غني بماله ، ولا فقير لاقاله » (الامالي للصدوق : ص ٢٦٣ ـ ٢٦٤ ، المجلس ٥٢ ، ح ٩. ونقله عنه في البحار : ج ٧١ ، ص ٢٦٣ ، ح ٢).

* وروى الشيخ الطوسي في أماليه بإسناده عن أبي اسحاق الهمداني قال : لما ولّى أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام محمّد بن أبي بكر مصر واعمالها كتب له كتاباً ، وامره أن يقرأه على أهل مصر وليعمل بما وصّاه به فيه وكان من جملة ما جاء فيه : « يا عباد الله انّ الموت ليس منه فوت ، فاحذروه قبل وقوعه ، واعدوا له عدته ، فانّكم طرد الموت ، إن اقمتم له اخذكم ، وإن فررتم منه ادرككم ، هو الزم لكم من ظلكم » (الأمالي للطوسي : ص ٢٧. ونقله عنه في البحار : ج ٧١ ، ص ٢٦٤ ، ح ٦.

(١) سورة العلق : الآية ٦ ـ ٨.

(٢) أما الانسان الملحد فإن رؤيته لله وللآخرة لا تقل عن رؤية الموحدين لأنه يحس بفطرته وجود عالم آخر بعد انتهائه من رحلته في عالم الدنيا كما أن جميع القوانين العقلية تنص عليه.

ومهما أنكر الملحد بطغيانه حقائق الوجود والعلة فانّه يعترف أن لحياته نهاية ، ولكنها نهاية لمشوار قطعه وعرف شيئاً من مجرياته ، وبقيت الغازه واسراره تحتاج الى توضيح وشرح وهو يقرّ بباطن نفسه أن لتلك الالغاز والاسرار اجوبه ، ولا يوجد لغز أو سرّ يبقى في الكتمان وانما لابدّ له من يوم يظهر ويعرف ، ولذلك فهو يقرّ بقرارة نفسه أن هناك يوماً


الالهية فهو يعلم جازماً انّه لا محالة من موته ورجوعه الى الحقّ عزّوجلّ وسوف يحاسبه على جميع القضايا التي صدرت منه سواءاً كانت كبيرة أو صغيرة ؛ فلذلك ورد في الحديث الشريف : « كفى بالموت واعظاً »(١) .

وحباً بالانسان ورأفة بعد فقد جاءت الأخبار المتظافرة ناصحة الانسان الموحد أن يديم ذكر الموت ، منها :

* روى الحسين بن سعيد الاهوازي : بسند صحيح عن أبي عبيدة الحذاء قال : قلت لأبي جعفرعليه‌السلام : جعلت فداك حدثني بما انتفع به.

فقال : « يا أبا عبيدة ، اكثر ذكر الموت فما اكثر ذكر الموت انسان إلاّ زهد في الدنيا »(٢) .

* وروى الصدوق بإسناده الى أمير المؤمنينعليه‌السلام انّه قال في حديث الأربعمائة :

« اكثروا ذكر الموت ، ويوم خروجكم من القبور ، وقيامكم بين يدي الله عزّوجل تهون عليكم المصائب »(٣) .

* وروي في مصباح الشريعة عن الامام الصادقعليه‌السلام انّه قال :

__________________

تنكشف فيه تلك الحقائق.

فليس الموت نهاية الانسان ، وانّما فيه اسرار وألغاز سوف تنكشف له بعد موته.

وهذا التصوير يفسر الدليل العقلي الذي يقيمه علماء الكلام على ضرورة وجود الآخرة والمعاد ، فإن الظلم في الدنيا لابدّ له من حكم عدل وإن مات الظالم على ظلمه فليس من العدل استدال الستارة على ظلمه الى الابد ، وانما يحكم العقل بضرورة وجود ذلك اليوم.

(١) رواه الكليني في الكافي : ج ٣ ، ص ٢٧٥ ، ح ٢٨. وقريب منه في : ج ٢ ، ص ٨٥ ح ١ ، والطوسي في الامالي : ج ١ ، ص ٢٧ ، المجلس ١ ، ح ٣١. ونقله المجلسي في البحار في عدة مواضع منها : ج ٦ ، ص ١٣٢ ، ح ٣٠. وفي : ج ٣٣ ، ص ٤٥٤ ، ح ٧٢٠. وفي : ج ٦٤ ، ص ٢٩ ، ح ٨. وفي ج ٧١ ، ص ٢٠٩ ، ح ٢١. وفي : ج ٧١ ، ص ٢٦٤ ، ح ٤ ، وفي ج ٧١ ، ص ٣٢٥ ، ح ٢٠. وفي ٧٣ ، ص ٣٤٢ ، ح ٢٥ ، وفي ٧٧ ، ص ١٣٩ ، ح ١. وفي ج ٧٧ ، ص ٣٩٠ ، ح ١١.

(٢) كتاب الزهد للحسين بن سعيد الاهوازي : ص ٧٨ ، باب ١٤ ، ح ٢١٠. وعنه في البحار : ج ٦ ، ص ١٢٦. وفي : ج ٧١ ، ص ٢٦٦.

(٣) الخصال : ص ٦١٦. ونقله عنه في البحار : ج ٦ ، ص ١٣٢.


« ذكر الموت يميت الشهوات في النفس ، ويقطع منابت الغفلة ، ويقوي القلب بمواعد الله ، ويرقّ الطبع ، ويكسر أعلام الهوى ، ويطفىء نار الحرص ، ويحقر الدنيا ، وهو معنى ما قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : فكر ساعة خير من عبادة سنة ، وذلك عندما تحلّ اطناب خيام الدنيا ، وتشدّها في الآخرة ، ولا شك [ولا يسكن نزول على ذكر. خ. ٧] بنزول الرحمة على ذاكر الموت بهذه الصفة. ومن لا يعتبر بالموت ، وقلة حيلته ، وكثرة عجزه ، وطول مقامه في القبر ، وتحيّره في القيامة ؛ فلا خير فيه ».

قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : « اذكروا هادم اللذات ».

فقيل : وما هو يا رسول الله؟

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : الموت.

فما ذكره عبد على الحقيقة في سعة إلاّ ضاقت عليه الدنيا ، ولا في شدة إلاّ اتسعت عليه.

والموت أول منزل من منازل الآخرة ، وآخر منزل من منزل الدنيا ، فطوبى لمن اُكرم عند النزول بأوّلها ، وطوبى لمن أحسن مشايعته في آخرها.

والموت أقرب الأشياء من بني آدم وهو يعدّه أبعد ، فما أجرأ الانسان على نفسه وما أضعفه من خلق.

وفي الموت نجاة المخلصين وهلاك المجرمين ، ولذلك اشتاق من اشتاق الى الموت ، وكره من كره.

قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : « من أحبّ لقاء الله احبّ الله لقاءه ، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه »(١) .

* وروي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله انّه قال :

« أفضل الزهد في الدنيا ذكر الموت. وأفضل العبادة ذكر الموت. وأفضل التفكر ذكر الموت ، فمن اثقله ذكر الموت وجد قبره روضة من رياض الجنّة »(٢) .

* * *

__________________

(١) مصباح الشريعة : ص ١٧١ ـ ١٧٢. ونقله في البحار : ج ٦ ، ص ١٣٣.

(٢) جامع الاخبار : ص ١٦٥ ، الفصل ١٣١. ونقله عنه في البحار : ج ٦ ، ص ١٣٧ ح ٤١.


وفي نفس الوقت فانّ الحقّ تعالى يطلب من الانسان التوازن في تفكيره ، وحياته ، وشخصيته ، وفهمه لجميع الأشياء الكونية. فهو يأمر الانسان بتعمير الأرض والسعي الجاد ، قال تعالى :( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) (١) .

وقال تعالى :( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) (٣) .

وقال تعالى :( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) (٤) .

وقال تعالى :( إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ) (٥) .

وقال تعالى :( وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ) (٦) .

وقال تعالى :( فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ ) (٧) .

وقال تعالى :( وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ) (٨) .

* وروى الكليني في الكافي ، والطوسي في التهذيب بإسنادهما عن المعلى بن خنيس قال : « سأل أبو عبداللهعليه‌السلام عن رجل وأنا عنده ، فقيل له قد اصابته الحاجة. قال : فما يصنع اليوم؟ قيل : في البيت يعبد ربّه عزّوجلّ.

قال : فما يصنع اليوم؟ قيل : في البيت يعبد ربّه عزّوجلّ.

قال : فمن أين قوته؟!

قيل : من عند بعض اخوانه.

فقيل أبو عبداللهعليه‌السلام : والله للذي يقوّته أشدّ عبادة منه »(٩) .

__________________

(١) سورة التوبة : الآية ١٠٥.

(٢) سورة المؤمنون : الآية ٥١.

(٣) سورة هود : الآية ٧.

(٤) سورة الكهف : الآية ٧.

(٥) سورة الكهف : الآية ٣٠.

(٦) سورة الاعراف : الآية ١٠.

(٧) سورة الجمعة : الآية ١٠.

(٨) سورة النبأ : الآية ١١.

(٩) التهذيب : ج ٦ ، ص ٣٢٤ ، باب ٢٢ ، ج ١٠. الكافي : ج ٥ ، ص ٧٨ ، ح ٤.


* وروى الصدوق في الفقيه عن الامام الصادقعليه‌السلام عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :

« عليكم بالطلب ، ثمّ قال : انّي لأبغض الرجل فاغراً فاه الى ربّه يقول : ارزقني ، ويترك الطلب »(١) .

* وروى الكليني في الكافي بإسناده عن الامام الباقرعليه‌السلام قال :

« انّي لأبغض الرجل ، أو أبغض للرجل أن يكون كسلانا عن أمر دنياه ، ومن كسل عن أمر دنياه فهو عن آخرته أكسل »(٢) .

* وروي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال :

« إن قامت الساعة وفي يد أحدكم الفسيلة ، فإن استطاع أن لا تقوم الساعة حتّى يغرسها فليغرسها »(٣) .

* وروي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله انّه قال : « من غرس غرساً فأثمر أعطاه الله من الأجر قدر ما يخرج من الثمرة »(٤) .

* وروي عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله انّه قال : « إن الله حين اهبط آدم الى الارض أمره أن يحرث بيده فيأكل من كده »(٥) .

ومع اهتمام الرؤية الاسلامية من خلال نصوص الشريعة بتعمير الأرض والعمل لبناء الحضارة والمدنية الانسانية الصالحة ، فانّ الاسلام يؤكد على تعمير الآخرة وبنائها كما تقدمت بعض النصوص الشريفة المؤكدة لهذه الحقيقة ، لأنها تكشف أن الحياة الحقيقيّة هي الحياة الخالدة والتي تكون بعد الموت ، ولذلك فانّ عمران الدنيا لابدّ وأن ينسجم بالتوازي مع عمران الآخرة مع ملاحظة أخذ الشرط

__________________

(١) الفقه : ج ٣ ، ص ١٩٢ ، ح ٣٧٢١.

(٢) الكافي : ج ٥ ، ص ٨٥ ، ح ٤.

(٣) مستدرك الوسائل للشيخ النوري : ج ١٣ ، ص ٤٦٠ كتاب المزارعة والمساقاة باب : ١ ، ح ٥ وعنه في جامع أحاديث الشيعة : ١٨ ، ص ٤٣١ ، أبواب المزارعة والمساقاة باب : ١ ح ١٠.

(٤) مستدرك الوسائل : ج ١٣ ، ص ٤٦٠ ، أبواب المزارعة والمساقاة ، باب ١ ، ح ٤. وعنه جامع احاديث الشيعة : ج ١٨ ، ص ٤٣١ ، أبواب المزارعة والمساقاة ، باب ١ ، ح ٩.

(٥) مستدرك الوسائل : ج ٥٤ ، ص ٤٧٥ باب : ١٨ ، ح ٥٢٠٣. جامع احاديث الشيعة : ج ١٨ ، ص ٤٣٤ أبواب المزارعة والمساقاة باب : ٥ ، ح ٢. تفسير العياشي : ج ١ ، ص ٤٠ ، ح ٢٤.


الغائي في العمران الدنيوي وهو الآخرة ، قال تعالى :( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) (١) .

وبما أن هدف الآخرة لا ينسجم مع الانسياب وراء الدنيا واغراءاتها فلذلك كان الموقف العقائدي والأخلاقي الاسلامي أن يحدد السعي الدنيوي ، وليس هذا التحديد من حيث الكم ، وانّما هو من حيث النوع والنية والأهداف.

وهو المعبّر عنه في كثير من النصوص الاسلامية بطول الأمل ، وحبّ الدنيا.

وأهم الفوارق بين التحديد الكمّي والتحديد النوعي هو أن الاسلام العظيم يشجع على العمران والبناء الحضاري بمختلف أوجه النشاط المتعلق به ضمن قانون ( العمل الصالح ).

ولكنه يشترط في ذلك العمل أن يكون لخدمة الأهداف الالهية ، ولأجل رقي الحضارة الانسانية وتقدمها واصلاح نقاط الخلل في البنى الاجتماعية والانسانية والحضارية.

وأما الأهداف الشخصية فانّها محددة بالكم ، يعني أن لا يركض الانسان وراء هدف صغير بجمع المال لنفسه وأهله الخاصين به ، بل لابدّ وأن تكون حركته في هذا المجال محدودة بمقدار الحاجة ، وعليه ان يصبّ جلّ اهتماماته بالخدمة العامّة.

ونكتفي بهذا المقدار من توضيح معالم الرؤية الاسلامية المقدّسة لهذا الموضوع الفكري والحياتي المهم.

مع التأكد على أن ما سجلته هنا بهذه الأوراق لا يعدو عن أكثر من طرح الخطوط العامّة لهذا الموضوع الفكري والعقائدي المهم ، وقد يرزقنا الله تعالى التوفيق لتفصيله بموضوع مستقل من جهة المفهوم الاسلامي للعالم.

* * *

__________________

(١) سورة القصص : الآية ٧٧.


حياة العلاّمة الشيخ القمّيرحمه‌الله

الحمد لله ربّ العالمين ثمّ الصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطاهرين ، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين :

وبعد ، يقول العبد الفقير ياسين الموسوي غفر الله تعالى ذنبه وأحسن عاقبته وحشره مع أجداده الطاهرين انّه جرت العادة بين المحققين والمترجمين أن يكتبوا ترجمة عن المؤلّف وأحواله وقد اقتفينا أثرهم في ذلك ، فخرجت من قلمنا هذه الأوراق المتواضعة عن المرحوم المؤلّف ، وقد راعينا فيه الاختصار سائلين المولى عزّوجلّ أن يتقبّله منّا بقبول حسن وأن يديم لطفه علينا بمحمّد وآله وهو حسبي.

هويته الشخصية :

اسمه : الشيخ عباس بن محمّد رضا بن أبي القاسم القمّي(١) .

اسرته : والده الحاجّ محمّد رضا كان من صلحاء أهل قم وزهادهم ، وله تعلّق بحضور مجالس الوعظ والارشاد ومجالس سيّد الشهداءعليه‌السلام ، وكان يرجع إليه بعض معارفه لمعرفة بعض الأحكام الشرعية ، مع انّه كان يمتهن الاشغال الحرة(٢) .

وأما اُمّه : فقد كانت من النساء الصالحات وكان الشيخ القمّي دائماً يذكرها

__________________

(١) الفوائد الرضوية للقمّي : ص ٢٢٠.

(٢) حاج شيخ عباس قمّي مرد تقوى وفضليت (فارسي) للشيخ علي الدواني : ص ٣٥.


بالخير ويقول إن القسم المهم من التوفيق الذي حصل لي يعود الى امي فانّها كانت تمتنع عن ارضاعي بالمقدار اذا كانت غير طاهرة ، وكانت تسعى دائماً الى ارضاعي وهي على طهارة.

وكان يقول : إن امي من النساء المتّقيات وكانت تمتاز بعدم تفويتها الصلاة في وقتها(١) .

وأما ولادته : فقالرحمه‌الله : ( ولادتي على الظاهر سنة ١٢٩٤ )(٢) .

وقال العلاّمة الطهراني : ( ولد في قم في نيّف وتسعين ومائتين وألف )(٣) .

نشأته العلمية :

ولد القمّي في وسط اجتماعي امتاز بالتديّن وحبّ العلم ، وكانت قم تمتلىء بمجالس الذكر والوعظ وقد انتشرت فيها مظاهر اقامة الشعائر الدينية ، وفتح القمّي عينيه في حضن الجو الروحي فتأثر به ، وقد نقل عنه انّه كان ضعيف البنية ولكنه كان قوي الروح وصاحب قلب مطمئن بالله عزّوجلّ ، وقد تشبعت نفسيته بحب البحث والمعرفة من طفولته.

ووصف في طفولته بانّه كان يتكلم ويتحدّث وكأنه رجل صاحب تجارب ومع أنه كان طفلاً ولكنّه لم تكن لديه عادات الأطفال من حب اللعب وغيره.

كما نقل انّه حينما كان يرغب اليه اترابه أن يشاركهم في لعبهم البريء ، كان الطفل عباس يرفض ذلك ، وحينما يصرون عليه يجيبهم بشرط أن يقصّ عليهم بعض القصص الدينية ، وبما أن طبع الأطفال يميل الى القصة فكانوا يحلقون حوله ويقص عليهم من قصص الصالحين ، ثمّ يذكرهم بانّهم يعيشون في مكان مقدّس فهو يحتضن مرقد السيّدة المطهرة المعصومة فاطمة بنت الامام موسى بن جعفرعليهم‌السلام ، كما انّه مدفن جماعة كثيرة من عظماء الدين وعلماء الشيعة. ثمّ يدعوهم لترك الألعاب غير اللائقة والأعمال اللا مرضية لئلاّ يهتكوا حرمة هذا المكان المقدّس ،

__________________

(١) محدث قمّي حديث اخلاص تأليف عبدالله زاده : ص ١٥.

(٢) الفوائد الرضوية للقمي : ص ٢٢٠.

(٣) نقباء البشر : ج ٣ ، ص ٩٩٨.


ثمّ يعرجون بدعوة منه الى زيارة مرقد السيّدة الطاهرة سلام الله عليها(١) .

عند الشيخ أرباب :

وبما انّه كان متعلقاً من نعومه أظفاره بطلب العلوم الاسلامية وتحصيل المعارف الدينية ، فقد نشأ على حب العلم وأهله ، فقرأ مقدمات العلوم ، وسطوح الفقه والاصول على عدد من علماء قم وفضلائها كالميرزا محمّد الأرباب وغيره(٢) .

وقد أثرت شخصية استاذه فيه ، ويعتبر المؤثر الأول في نشأته العلمية ، ولذلك لم يذكر لنا التاريخ اسماً من اساتذته الآخرين في تلك المرحلة غير الشيخ محمّد أرباب. علماً انّ قم لم تكن آنذاك قد افتخرت بالحوزة العلمية الكبيرة التي فارقتها منذ زمن طويل نسبيّاً وانتقلت الى مدينة ( سلطان آباد ).

( والشيخ محمّد الأرباب من تلاميذ الميرزا الشيرازي الكبيررحمه‌الله ، وقد حضر عنده عدة سنوات ، ثمّ أكمل دراسته في النجف الأشرف ، وبقي هناك سنوات عدة ، ثم رجع الى قم وكان بها من المروجين المحققين المصنفين )(٣) .

ووصف أيضاً : بانّه كان من أعاظم علماء قم ، وأكابر فقهاء واُدباء الدهر ، فهو الخطيب الفحل والواعظ الشهير ، ونادرة العصر في فنّ الخطابة ، وكان له الدور البارز في تأسيس الجامعة العلمية مع المحروم آية الله الشيخ عبد الكريم الحائري ولكنه لم يعمّر في هذه الحوزة الفتية فقد توفي بعد سنة من تأسيسها ١٣٤١ هـ. ق(٤) .

وقد تأثّر المؤسس الحائريرحمه‌الله لوفاته كثيراً ، فخاطب عائلته ضمن تعزيته لهم بانّكم لستم وحدكم صرتم يتامى بل إنّي فقدت أخاً.

وقد تتلمذ على يدي الشيخ الارباب كثير من الفضلاء واساتذة قم من أمثال

__________________

(١) محدث قمّي حديث اخلاص : ص ٢٤ ـ ٢٥ باختصار.

(٢) نقباء البشر : ج ٣ ، ص ٩٩٨.

(٣) هدية الرازي : ص ١٤٧ ـ ١٤٨.

(٤) محدث قمّي : ص ٢٨.


المرحوم آية الله الفيض(١) .

وقد نقل عن كتاب ( تحفة الفاطميين ) ما ترجمته ملخصاً :

( المرحوم الحاجّ الميرزا محمّد صاحب كتاب الأربعين الحسينية من الآيات الالهية والبراهين القاطعة له من الفقاهة والاجتهاد مقام سامي ، ورتبة عالية ، وقد سافر في اوائل شبابه الى العتبات الشريفة. وحضر عند الميرزا الشيرازي ، واستفاد منه وكانت عمدة تلمّذه في الفقه والاصول على يد الحاجّ الميرزا حبيب الله الرشتي ، والملاّ كاظم الخراساني ، وبعدما اكمل دراسته للعلوم الدينية وحصل على القوة القدسية واجيز بالاجتهاد عاد الى وطنه ( قم ) ، وظهرت له الرئاسة العامّة والشهرة التامّة ، وذاعت شهرة فقاهته وفضيلته جميع الأصقاع ، وقرعت كل الأسماع )(٢) .

وقال الشيخ عباس القمّي عن استاذه الارباب وقد عنونه تحت ( محمّد بن محمّد تقي القمّي : شيخنا العالم الفاضل الفقيه المحدّث الحكيم المتكلم الشاعر المنشي الأديب الأريب ، حسن المحاضرة ، جيد التقرير والتحرير ، جامع المعقول والمنقول أدام الله تعالى بقاءه ، صاحب الأربعين الحسينية ، وشرح قصيدة « لاُم عمرو » للسيد الحميري ، وشرح البيان للشيخ الشهيد ، ورسالة في الرد على البابية ، وتعليقات وحواشي كثيرة على العلوم ، وله أشعار لطيفة في مرثية مولانا أبي عبداللهعليه‌السلام .

وكان حفظه الله تعالى كمحمد بن أحمد بن عبدالله البصري الملقب بالمفجع المعروف بكثرة بكائه وتفجعه على أهل البيتعليهم‌السلام اسأل الله أن يمتعنا بطول بقائه )(٣) .

وذكر اسمه مع السيّد حسن متولي حرم السيّدة المعصومة سلام الله عليها والشيخ محمّد تقي البافقي والميرزا محمود الروحاني الذين جاؤوا وطلبوا

__________________

(١) آثار الحجة للشيخ محمّد الرازي : ج ١ ، ص ٢٢٠.

(٢) المصدر السابق : ١ ، ص ٢٢١ ـ ٢٢٢.


بإلحاح من آية الله الشيخ عبد الكريم الحائري البقاء والسكنى في قم وتأسيس الحوزة العلمية المباركة فيها ، وبعد اصرارهم وما كان من استخارته وقد كانت الآية الشريفة( وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ) وافق على البقاء ، وتأسست بواسطة تلك المساعي الحميدة الحوزة العلمية في قم(١) .

هجرته العلمية الى النجف الأشرف :

وكانت النجف عاصمة العلم الشيعي من يوم هجرة شيخ الطائفة ورئيسها الشيخ محمّد بن الحسن الطوسي ٣٨٥ ـ ٤٦٠ هـ. الى هذه المدينة المقدّسة بعد حوادث سنة ٤٤٩ هـ. وذكر ابن الاثير في تاريخه في حوادث هذه السنة أن (فيها نهبت دار أبي جعفر الطوسي بالكرخ ، وهو فقيه الامامية ، وأُخِذ ما فيها ، وكان قد فارقها الى المشهد الغربي)(٢) .

وقال ابن حجر العسقلاني نقلاً عن ابن النجار انّه ( احرقت كتبه واستتر هو مات بمشهد علي )(٣) .

وذكر ابن كثير انّه ( احرقت داره بالكرخ وكتبه سنة ثمان وأربعين )(٤) .

وعن بداية هذه الجامعة العلمية الكبرى تحدث المؤرخ الكبير المرحوم العلاّمة الشيخ اغا بزرك الطهراني فقال : ( ولما رأى الشيخ الخطر محدقاً به هاجر بنفسه الى النجف الأشرف ، لائذاً بجوار مولانا أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وصيّرها مركزاً للعلم ، واخذت تشدّ اليها الرحال ، وتعلق بها الآمال ، وأصبحت مهوى رجال العلم ، ومهوى افئدتهم ، وقام فيها صرح الاسلام ، وكان الفضل في ذلك لشيخ الطائفة )(٥) .

نعم كانت النجف ( مأوى للعلماء ، ونادياً للمعارف قبل هجرة الشيخ إليها ،

__________________

(١) تاريخ قم لناصر الشريعة : في الحاشية للشيخ علي الدواني : ص ٢٧٦.

(٢) الكامل في التاريخ : ج ٦ ، ص ١٩٨ تحقيق علي شيري.

(٣) لسان الميزان : ج ٥ ، ص ١٥٣ ، الرقم العام ٧٢٣٧ ، والرقم الخاص ٤٥٢.

(٤) البداية والنهاية : ج ١٢ ، ص ١٠٤ ، في حوادث سنة ستين وأربعمائة.

(٥) حياة الشيخ الطوسي / الطهراني : ص (ز) في مقدمة تفسير التبيان ، للشيخ الطوسي : ج ١.


وكان هذا الموضع ملجأ للشيعة منذ انشأت فيه العمارة الاُولى على مرقد الامام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، لكن حيث لم تأمن الشيعة على نفوسها من تحكمات الأمويّين والعباسيين ، ولم يستطيعوا بث علومهم ورواياتهم كان الفقهاء والمحدّثون لا يتجاهرون بشيء مما عندهم ، وكانوا متبددين حتّى عصر الشيخ الطوسي والى أيّامه. وبعد هجرته انتظم الوضع الدارسي ، وتشكلت الحلقات )(١) .

( وقد تخرّج منها خلال هذه القرون المتطاولة آلاف مؤلفة من أساطين العلم وأعاظم الفقهاء ، وكبار الفلاسفة ، ونوابغ المتكمين ، وأفاضل المفسرين ، وأجلاء اللغويين ، وغيرهم ممن خبروا العلوم الاسلامية بأنواعها ، وبرعوا فيها ايّما براعة ، وليس أدل على ذلك من آثارهم المهمّة التي هي في طليعة التراث الاسلامي ، ولم تزل زاهية حتّى هذا اليوم ، يرتحل إليها رواد العلوم والمعارف من سائر الأقطار والقارات فيرتوون من مناهلها العذبة وعيونها الصافية )(٢) .

وكان المنهاج الدراسي العلمي عند الامامية الى قبل الهجمة الاستعمارية الكافرة على النجف الأشرف التي شهدت غاية عنفها من سنة ١٩٦٩ م وما زالت المعركة حامية الوطيس ـ ان يبدأ الدراس للعلوم الاسلامية دراساته في احدى الحوزات العلمية المبثوثة في كثير من بلدان الشيعة حتّى اذا انتهى من مراحله الاُولى والمتوسطة فانّه يلزمه الهجرة الى النجف الأشرف ليكمل دراسته وتربيته العلمية ، لما جمعت من فحول علمائها وكبار مجتهدي الامامية ، والمدارس ودور السكن للطلاب والعلماء وغير ذلك من الوسائل اللازمة لعيش العلماء والطلاب(٣) .

__________________

(١) المصدر السابق.

(٢) المصدر السابق : ص (و) ـ (ز).

(٣) لقد كانت مهبط الشيعة وعاصمة العلم ، ومقرّ كبار العلماء ، كما كانت النجف تضم أكبر حورزة علمية اسلامية في العالم الاسلامي ، ولكنّ الكفّار سعوا الى تفتيت تلك العاصمة الطاهرة ، فضربوها بشتى الوسائل ، وكادوا ينجحوا اخيراً ويصلوا الى اُمنيتهم الشيطانية على يد المجرم صدام التكريتي عندما ضرب هذه العاصمة المقدسة بأقوى ضربات الكفار بما عمله من المصائب التي تقطع الاحشاء والقلوب مع آية الله العظمى المرحوم الامام السيد محسن الحكيم الى ان ذهب الى ربّه شاكياً ما لاقاه من محن وخطوب.


فكان من الطبيعي ان يهاجر المرحوم الشيخ عباس القمّي الى النجف الأشرف بعد ان أكمل دراساته الاولية المسمّاة بالمقدمات والسطوح في مدينة قم المقدّسة على يد مجموعة من العلماء والأفاضل.

وفي سنة ١٣١٦ هاجر الى النجف الأشرف ، فأخذ يحضر حلقات دروس العلماء ، إلاّ انّه لازم خاتمة المحدّثين الشيخ حسين النوريرحمه‌الله وكان يقضي معه أكثر أوقاته في استنساخ مؤلفاته ومقابلة بعض كتاباته. وتحدث الطهراني ، زميل القمّي عن بداية نشوء هذه العلاقة العلمية بين العَلَمين ، حيث قال :

( وفي سنة ١٣١٦ هاجر الى النجف الأشرف ، فأخذ يحضر حلقات دروس العلماء ، إلاّ انّه لازم شخينا الحجة الميرزا حسين النوري. وكان يصرف معه أكثر وقته في استنساخ مؤلفاته ومقابلة كتاباته وكنت سبقته في الهجرة الى النجف بثلاث سنين ، وفي الصلة بالمحدّث النوري بسنتين حيث هاجر النوري الى النجف في سنة ١٣١٤ هـ ولا أزال أتذكر جيداً يوم تعرّف المترجم له على شيخنا النوري ، وأول زيارته له ، كما أتذكر ان واسطة التعارف كان العلاّمة الشيخ علي القمّي لأنه من أصحابه الأوائل ومساعديه الافاضل ).

ومع أن العمر قصر في حياة الاستاذ النوريرحمه‌الله فلم تدم العلاقة بينهما أكثر من أربع سنوات تقريباً(١) ومع ذلك فقد كان له تأثير كبير في شخصية القمّي وبنائها ،

__________________

وباخراج المرجع الديني الأعلى للشيعة في العالم آية الله العظمى ، ومجدد المذهب الامام الخميني رحمه‌الله ، وتضييق الخناق عليه ، وشدّ الحصار على داره. وقتل المرجع الديني آية الله العظمى الامام الشهيد السيّد محمد باقر الصدر. وتهجير الآلاف من المجتهدين ، وكبار العلماء. والفضلاء والمؤلفين ، والمحققين ، والمحصلين ، والاساتذة ، والطلاب ، وقتل المئات منهم ، وحبس وتشريد مئات آخرين. نسأل الله تعالى بحق محمّد وآل محمّد أن يردّ كيده الى نحره ، ويعجل هلاكه ، ويعجل النصر للاسلام والمسلمين ، وأن يعيد عزّ وجلّ الى النجف الأشرف حياتها ونضارتها ، فترجع كما كانت دائماً حيّةً معطاءةً.

(١) نقباء البشر : ج ٣ ، ص ٩٩. فقد قرأت قبل قليل أن بداية نشوء العلاقة بينهما كانت بعد هجرة القمّي الى النجف الأشرف سنة ١٣١٦ هـ ، وكانت وفاة استاذه النوري في سنة ١٣٢٠ هـ.


كما صرّح هو بذلك في كتاب ( الفوائد الرضوية ) وغيره.

وبعد وفاة الشيخ النوريرحمه‌الله فقد أتمّ دراسته بالحضور على المجتهدين الآخرين من اساتذة الحورة العلمية النجفية.

وبقي يتحرك بسيره العلمي ضمن البرنامج الذي اختطه في حياة استاذه النوري ، مواصلاً مع زملائه الآخرين طريقه ، يقول الطهراني : ( بقيت الصلة بيننا نحن تلاميذ النوري وملازميه ، فقد كانت حلقات دورس العلماء والمشاهير تجمعنا في الغالب الاّ ان صلتي بالمترجم له كانت أوثق من صلاتي بغيره ، حيث كنّا نسكن غرفة واحدة في بعض مدارس النجف ، ونعيش سوية ، ونتعاون على قضاء لوازمنا وحاجاتنا الضرورية حتّى تهيئة الطعام وبقينا على ذلك بعد وفاة شيخنا أيضاً ، ونحن نواصل القراءة على مشايخنا الاجلاّء الآخرين )(١) .

وقد تخلل وجوده في النجف الأشرف للتحصيل العلمي ، سفره الى حج بيت الله الحرام وزيارة قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وأئمة البقيععليهم‌السلام ، في حياة استاذه النوريرحمه‌الله في سنة ١٣١٨ هـ. وعاد من هناك الى ايران عن طريق مدينة شيراز من دون أن يمرّ على النجف الأشرف ، فزار وطنه قم ، وجدد العهد بوالديه وذويه ، ثمّ رجع الى النجف وعاد الى ملازمة الشيخ النوري وحصل على الاجازة منه(٢) .

واستمرّ بعد وفاة الاستاذ يواصل دراسته العلمية عند أساطين العلم الآخرين الى سنة ١٣٢٢ هـ فعاد فيها الى ايران فهبط الى قم وبقي يمارس أعماله العلمية ، ولم يذكر المؤرخون لحياته انّه حضر ـ بعد رجوعه من النجف الأشرف ـ عند أحد من علماء قم المقدّسة وانما اكدوا أن بعد عودته من النجف الأشرف الى موطنه الأصلي انصرف الى البحث والتأليف(٣) ويظهر مما سجّلوه عن حياته انّه وبعد عودته سنة ١٣٢٢ هـ بدأت حياته الفكرية بالانتاج.

في قم المقدّسة :

وقد رجع الى وطنه بسبب المرض الذي اعتراه ولازمه الى آخر عمره ، حيث

__________________

(١) نقباء البشر : ج ٣ ، ص ٩٩٩.

(٢ و ٣) المصدر السابق.


اصيب بمرض (الربو) ، ولكنه لم يتمكن من منعه عن ممارسة ابحاثه ونشاطه العلمي ، بل استمر بعمله العلمي بقوة وحيوية.

وتعددت أوجه حركته بالتأليف والوعظ والارشاد والخطابة ، وبطبيعي الحال فإنه لم يكن مشهوراً في هذه الفترة من حياته ولكنه تمكن أن يفتتح أبواباً لحركته العلمية.

وفي سنة ١٣٢٩ هـ سافر الى الحج للمرّة الثانية من قم(١) .

هجرته الى مشهد المقدّسة :

ولم يطل العهد بالقمّي ببقائه في قم المقدّسة فما لبث ان عزم على الهجرة الى مشهد المقدّسة سنة ١٣٣١ هـ(٢) أو سنة ١٣٣٢ ، فهبط الامامعليه‌السلام في خراسان واتخذ منه مقراً دائماً له.

وقد ذكر انّه نزح من موطنه الأصلي بسبب بعض المشاكل التي أشار إليها في مقدمة كتابه الفوائد الرضوية حيث قال ما تعريبه ملخصاً : (حتّى كانت سنة ١٣٣٢ فخطر في ذهني أن التجأ الى إمام الاتقياء وزبدة الاصفياء ، معين الغرباء ، والشهيد بالسم أبي الحسن علي بن موسى الرضا صلوات الله عليه وعلى آبائه وابنائه وذلك لشدة البلايا والمحن وكثرة الهموم والغموم التي حلت بهذا الداعي وتفصيلها طويل )(٣) وقيل أن سبب بقائه في مشهد انّه كان بطلب من آية الله الحاجّ السيّد حسين القمّي ، فاستجاب العلاّمة المحدّث لهذا الطلب وعزم على البقاء الدائم في هذه الأرض الطيبة(٤) .

__________________

(١) نقباء البشر : ج ٣ ، ص ٩٩٩.

(٢) المصدر السابق : وفي رسالة له باللغة الفارسية الى مؤلف كتاب آثار الحجّة : ج ٢ ، ص ١٣٤ ، قال ما تعريبه ملخصاً : وقد هاجرت الى قم (دار الايمان) وبقيت فيها الى سنة ١٣٢٩ ثمّ تشرفت بالحج مرّة ثانية ، ورجعت الى قم وبقيت هناك حوالي السنتين ثمّ هاجرت الى مولانا الامام المعصوم أبي الحسن الرضاعليه‌السلام ومازلنا حتّى هذه السنة وهي سنة ١٣٤٦ في هذا المكان الشريف ....

(٣) الفوائد الرضوية : ص ٢.

(٤) راجع كتاب : ( حاج شيخ عباس قمّي مرد تقوى وفضليت ).


وانصرف في مشهد الى طبع بعض مؤلفاته ، وعكف على تصنيف غيرها(١) .

ووفق الى حجّ بيت الله الحرام وزيارة قبر النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله وأئمة البقيععليهم‌السلام للمرّة الثالثة من مشهد(٢) .

وقد لمع اسم الشيخ القمّي في هذه المدينة المقدّسة وانتشر في بلدان العالم الشيعي خصوصاً بعد طبع كتابه مفاتيح الجنان.

كما أنّه كان لمجالس وعظه الأثر الكبير في اقبال المؤمنين وأهل المعرفة إليه وكان يرتقي المنبر في بيت آية الله السيد حسين القمّي في العشرة الاُولى من محرم الحرام للوعظ والارشاد وذكر الحسينعليه‌السلام .

ولم يمتهن الخطابة الحسينية ، وانّما اتخذها وسيلة لتبليغ رسالته الإلهية وقد نحج في ذلك بمقدار كبير.

كما أنه دعي الى إمامة صلاة الجماعة في أحد أروقة الحرم الرضوي على مشرفه آلاف التحية والسلام ، ولكنه انقطع ولم يستمر.

كما أنّه كان يدرس الأخلاق في ليالي الخميس والجمعة في مدرسة (ميرزا جعفر) العلمية في مشهد وكان يحضر تحت منبره حدود الألف مستمع(٣) .

رجوعه الى قم المقدّسة :

ومع أنه قد شدّ العزم على البقاء الدائمي في مشهد الامام الرضاعليه‌السلام ولكنه قد انثى عن عزمه الأول بعد قدوم آية الله الشيخ عبد الكريم الحائري الى قم المقدّسة سنة ١٣٤٠ هـ فهاجر الى قم المقدّسة وصمم على البقاء في هذه المدينة المقدّسة بطلب من علمائها وشخصياتها.

وبدأ الحائري يرتّب الحوزة العلمية ويمدّها بالعلماء الأبرار (فنظم من كان فيها من طلاب العلم تنظيماً عالياً ، وأعلن عن عزمه على جعلها مركزاً علمياً يكون

__________________

(١) نقباء البشر : ج ٣ ، ص ٩٩٩.

(٢) آثار الحجّة : ج ٢ ، ص ١٣٤.

(٣) راجع محدث قمّي حديث اخلاص : ص ٣٨.


له شأنه في خدمة الاسلام واشادة دعائمه فوضع العطاء على الطلاب والعلماء ، وبذل عليهم بسخاء ، وسنّ نظاماً للدارسة ، وقرر ترتيباً مقبولاً للاشراف على تعليم الطلاب واجراء الامتحان السنوي وغصت المدارس باهاليها ، وزاد عدد الطلاب والعلماء في أوائل هجرته إليها على الألف ، وقام بأعباء اعاشتهم ، وتنظيم أدوارهم بهدوء وحكمة )(١) .

وقد شارك العلماء الافذاذ مؤسسو الحوزة العلمية فهرعوا من كل صوبٍ ومكان لمآزرته ومساعدته واعانته على مشروعه الالهي الكبير خصوصاً بعد ما اشتدت المحن والبلايا بالضغوط الجائرة التي أوجدها رضا بهلوي بتطبيق علمنة البلاد الايرانية ومنع المظاهر الاسلامية بكل اشكالها حتّى انّه منع الحجاب ولبس الزي العلمائي وغيرها من الأعمال القبيحة.

وكلّما اشتدت المحنة كلما ازداد دعم العلماء للحوزة العلمية في قم ، ويبدو أن فكرة انتقال الشيخ القمّي الى قم المقدسة بعد ما كان قد عزم على البقاء في مشهد ، جاءت أثر تصاعد تلك المضايقات ، واشتداد المحن ، فان الشيخ القمّي قد كتب رسالة عن حياته وذكر فيها انه ما زال مستوطناً المشهد الرضوي المقدّس ، وكانت السنة هي سنة ١٣٤٦(٢) .

قال العلاّمة الطهراني : ( ولما حلّ العلاّمة المؤسس الشيخ عبد الكريم الحائري مدينة قم ، وطلب اليه علماؤها البقاء فيها لتشييد حوزة علمية ومركز ديني واجابهم الى ذلك كان المترجم له من أعوانه وانصاره ، فقد أسهم بقسط بالغ في ذلك ، وكان من أكبر المروجين للحائري ، والمؤيدين لفكرته ، والعاملين معه باليد واللسان )(٣) .

وكتب العلاّمة الطهراني عن حركة الحائري :

« وقد برهن الحائري على بطولة ورجولة وشجاعة وصبر وجلد وثبات

__________________

(١) نقباء البشر : ج ٣ ، ص ١١٥٩ ـ ١١٦٠.

(٢) آثار الحجة : ج ٢ ، ص ١٣٤.

(٣) نقباء البشر : ج ٣ ، ص ١٠٠٠.


وعزيمة جبارة ، فقد لاقى في طريق العمل من الصعاب والمتاعب ما يكفي لتراجع أكبر الرجال قلباً ، وأقواهم شكيمة ، وأوسعهم صدراً ، حيث كان لانتهاء حكم القاجاريين وتولي البهلوي تأثير بارز في تقليص جهوده والحدّ من نشاطه اذ رافقت ذلك احداث ووقائع جسام. وكانت سيرة البهلوي واضحة في عزمه الأكيد وتصميمه على القضاء على الدّين ومحمو كل أثر لرجاله وشعائرة ورسومه ؛ فقد سجن العلماء الكبار ، ونفى عدداً منهم ، ودس السمّ لأخرين ، وفعل الأفاعيل من هذا القبيل.

وفي هذه الظروف كان الحائري يعمل على توسيع دائرة الحوزة العلمية في قم ونشر الدعوة ودعم هيكل الدين ، واشادة مجد الاسلام باعمال أحكامه وتطبيق نظامه.

في ذلك الوقت ، وفي تلك الظروف السود ، قاوم هذا العالم المخلص ديكتاتورية الملك واباحيته ، ووقف في وجهه مجنّداً كل امكانياته وقابلياته ، وموطناً نفسه للعظائم ، ومضحياً في سبيل دعوته بكل ما يملك ، ولم تفتّ في عضده ، أو توهن من عزيمته ، أو تسرب ألياس والقنوط الى نفسه كل تلك المحاولات اللئيمة والمساعي الخبيثة التي بذلها سماسرة السوء ، وزبانية الشر ، وأعداد الدين والخير والفضيلة.

وهكذا بقي يقاوم كل ما يعترض طريقه من عقبات وعراقيل حتّى كلّل سعيه بالنجاح وانتصر ، وباء خصومه بالصفقة الخاسرة ، وعادوا يجرون أذيال الفشل( وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَىٰ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ ) (٢) ».

ولكن الاسلام في ايران قد لاقى عدواً وحشياً تحت الحماية الغريبة والشرقية استطاع لفترة حكمه أن يحدّ من أي نشاط ديني في ايران بالارهاب وهتك الحرمات وقتل آلاف الشيعة في المشهد الرضوي في حادثة كوهر شاد

__________________

(١) سورة فصّلت : الآية ١٦.

(٢) نقباء البشر : ج ٣ ، ص ١١٦١ ـ ١١٦٢.


ومنع الحجاب ومنع الزي العلمائي ومنع اقامة العزاء على سيد الشهداءعليه‌السلام وتدنيس حرمة الحوزات العلمية والمراقد المطهرة ونفي عشرات العلماء من كبار المجتهدين والخطباء. وأدت تلك الأعمال القبيحة للمدعو رضا بهلوي الى هجرة كبار علماء ايران الى النجف الأشرف ، وانزواء آية الله الحائري قابعاً في زاوية بيته ولكنه لم يرفع اليد عن الحوزة وشؤونها بل استمرّ بالتدريس والادارة ، فانّه قد تحمل كل شيء من أجل هذا البناء المقدّس المهم ، وبالفعل فقد تمكن الحائري أن ينتصر بمشروعه على كل مؤامرات الاستعمار وتمكنت هذه الحوزة المباركة ان تقود حركة الامة والتي كان نتاجها الجمهورية الاسلامية المباركة. ويبدو أن فاجعة كوهر شاد قد أثرت على حياة الشيخ الحائري فان وفاته كانت في ١٨ ـ ذي القعدة الحرام ـ من سنة ١٣٥٥ هـ. ق بينما كانت حادثة الهجوم على المرقد الرضوي الشريف في ١٢ ـ ربيع الثاني سنة ١٣٥٤ هـ. ق.

وأما شيخنا القمّي (أعلى الله مقامه) فانه كان في مدينة همدان وقد سمع بالفاجعة الكبرى بهتك حرمة الحرم الرضوي وقتل المؤمنين والعلماء ، واعتقال الآيات العظام حبسهم وتهجير بعضهم ، فعجل بالمجيء الى قم المقدّسة ليرى موقف العلماء الآخرين ، ولكنه فوجىء كالباقين بالأحداث العظام والضربات المتتاليات وقتل أو حبس أو تهجير كل انسان يقف أمام مشاريع البهلوي ، مهما كان عنوانه وبالفعل فقد نفى آية الله السيّد حسين القمي(١) الى العراق ، وجرّد آية

__________________

(١) السيّد حسين ابن السيّد محمود القمّي ، ولد في قم المقدّسة في ١٢٨٢ هـ. ق ودرس فيها مقدّمات العلوم ثمّ هاجر الى العراق فحضر أبحاث كبار علمائه ومنهم السيّد المجدد الشيرازي والميرزا حبيب الله الرشتي والمولى علي النهاوندي والشيخ محمّد كاظم الخراساني والسيّد محمّد كاظم اليزدي ، والشيخ محمّد تقي الشيرازي وحاز على درجة سامية من العلم وكان معروفاً بالصلاح والتقى والنسك والزهد وكثرة العبادة ، أما في الفقه والاصول فقد كان فاضلاً للغاية وخبيراً جداً له تسلط عليهما واستحضار وتضلع وبراعة ، وفي سنة ١٣٣١ هبط المشهد الرضوي عليه‌السلام فصار من أكبر مراجع التقليد في ايران ، وعندما أعلن المقبور المدعو رضا بهلوي الإسفار الالزامي ومنع الحجاب تحرك السيّد القمّي الى طهران للوقوف أمام


الله الشيخ آقا زادة ـ نجل آية الله العظمى الشيخ محمّد كاظم الخراساني صاحب كتاب كفاية الاصول وقائد حركة المشروطة من الزي العلمائي ، ونفى آية الله السيّد يونس الاردبيلي وآية الله الشيخ محمّد تقي البافقي الى ري سنة ١٣٤٦ هـ. ق الى أن توفي هناك في ١٢ جمادى الاولى سنة ١٣٦٥ هـ. ق وغيرهم من الأعلام فلم يطل الشيخ القمّي المكث في قم فهاجر مرّة اُخرى الى النجف الأشرف منثنياً عن عزمه الأول بالبقاء في مشهد المقدّسة.

علماً انّه عندما كان في مشهد المقدّسة فانّه كان يقضي شتاء كل سنة في النجف الأشرف ويبقى هناك حوالي ستة أشهر ثمّ يرجع الى مشهد المقدّسة فيقيم الستة الأشهر الباقية ، ولكنه بعد حادثة كوهر شاد غيّر برنامجه السكني وبقى في النجف الأشرف الى آخر عمره ، وهجر موطنه الاصلي قم المقدّسة.

حياته العلمية :

بقراءة ما كتبه المؤرخون عن الشيخ القمّيرحمه‌الله تنطبع صورة تتلازم فيها شخصيته بالعلم تلازماً شديداً يكاد لا ينفك ، فترى القمّي من نعومة أظفاره الى ساعة وفاته لم يفارق البحث والتدريس والقلم والقرطاس ؛ وكانت لشخصية استاذه النوريرحمه‌الله الأثر الواضح في تعميق هذه الصورة الجميلة فيه ، وتتضح من خلال تتبع حياته العلمية ولو بشكل مختصر وسريع بالنقاط التالية :

أساتذته :

سبق وإن عرفت من كلام زميلهالعلاّمة الطهراني رحمه‌الله أن القمّي حضر في

__________________

أعماله القبيحة ، ولكنه اعتقل ونفاه الى العتبات المقدّسة في العراق فسكن كربلاء والتف العلماء حوله وصار مهوى قلوب الشيعة ومن كبار مراجع التقليد في البلد ولما توفي السيّد أبو الحسن في ١٣٦٥ هـ. ق رشح السيّد القمّي للزعامة العامّة إلاّ أن الأجل لم يمهله حيث كانت وفاته يوم الاربعاء ١٤ ربيع الأول ١٣٦٦ هـ. ق ونقل الى النجف الأشرف ودفن في الصحن وكان السيّد القمّي هو الذي زوج الشيخ عباس القمّي ـ المترجم ـ بابنة أخيه السيّد أحمد وطلب منه البقاء في مشهد المقدّسة فاتخذها في ذلك الوقت ـ وطناً دائمياً له.


النجف الأشرف حلقات دروس العلماء في حياة استاذهم النوري ولكنه لازم الشيخ حسين النوري وكان يصرف معه أكثر وقته في المجالات العلمية(١) وأكد الطهراني انّه بقيت تلك الحلقات الدراسية للعلماء والمشاهير تجمعهم(٢) يعني بقي العلاّمة القمّي ملازماً لدروس اولئك العلماء حيث صرح الطهراني بقوله : ( وبقينا على ذلك بعد وفاة شيخنا أيضاً ونحن نواصل القراءة على مشايخنا الأجلاء الآخرين )(٣) .

ولكن المؤسف انّه لم يذكر أحد ممن ترجم القمّي أسماء اساتذته الآخرين واقتصروا على ذكر خاتمة المحدّثين النوري ، وصرحوا بانّه حضر عند الاساتذة الآخرين ، ومع احتمال أن مدة حضوره عندهم أكثر من فترة حضوره عند العلاّمة النوريرحمه‌الله من حيث الزمن ، ولكن بقي النوري مختصاً بتأثيره الواضح عليه كما صرح هو نفسه في أكثر من موضع كما سيأتي الاشارة إليه في محله.

ولكن يمكننا معرفة اولئك الاساتذة من خلال ما سجّله زميله من الدرس والتحصيل العلاّمة الطهراني فأنه قد صرح وبمواضع عدة انّهما كانا يشتركان بالحضور في الدرس والمباحثة عند العلماء المعروفين. وقد عدّ ضمن اساتذة الطهراني كلٌّ من :

١ ـ خاتمة المحدّثين الحاج ميرزا حسين النوري المتوفى سنة ١٣٢٠ هـ.

٢ ـ السيّد مرتضى الكشميري المتوفى سنة ١٣٢٣ هـ.

٣ ـ الشيخ محمّد طه نجف المتوفى سنة ١٣٢٣ هـ.

٤ ـ الحاج ميرزا حسين بن الحاج ميرزا خليل المتوفى سنة ١٣٢٦ هـ.

٥ ـ الشيخ محمّد كاظم الخراساني صاحب الكفاية المتوفى سنة ١٣٢٩ هـ.

٦ ـ السيّد محمّد كاظم اليزدي المتوفى سنة ١٣٣٧ هـ.

٧ ـ الميرزا محمّد تقي الشيرازي المتوفى سنة ١٣٣٨ هـ.

__________________

(١) نقباء البشر : ج ٣ ، ص ٩٩.

(٢ و ٣) المصدر السابق : ص ٩٩٩.


٨ ـ شيخ الشريعة الاصفهاني المتوفى سنة ١٣٣٩ هـ.

ونظراً لتأثير استاذه النوري وتأثره في شخصيته ومنهجه العلمي يلزمنا معرفة شيء من أحواله.

اُستاذه النوري :

لقد كان أهم تحصيله العلمي والذي أثر في مستقبل حياته عند الشيخ النوريرحمه‌الله كما تقدمت الاشارة به ، وقد سجل هذه الملاحظة جميع المؤرخين له ، قال المدرس ما ترجمته مختصراً : ( ولازم الحاج الميرزا حسين النوري واستفاد منه كثيراً ، وفي نفس الوقت قام بمساعدات كثيرة لاستاذه المعظم في بعض تأليفاته )(١) .

ومهما تكن نوعية تلك المشاركة والمساعدات لاستاذه فلا ينقص من حظ استاذه شيء ، وانّما تعكس اهتمام الاستاذ به وتشخيصه لجوانب الميول العلمية في نفس التلميذ ، كما انّها تعكس طريقة الاستاذ في تربية تلاميذه التربية العلمية بايجاد حالة تحسيسهم بمواقع القوة العلمية في نفوسهم وتقويتها والاشراف بنفسه على عملية النمو العملي ، كما تظهر تلك المشاركة ان هذا التلميذ كان محط اهتمام وعناية استاذه وتثبت انّه كانت للتلميذ ملكات وقدرات هائلة استحق بها هذا الاهتمام.

وبالفعل فإن جهود الاستاذ لم تذهب سدىً ، وانّما جاءت على أحسن ما يرام فصنعت من القمّي مؤلفاً ناجحاً وخطيباً بارعاً ، ولم يئس القمّي ذلك لاستاذه وانّما أظهر فضل الاستاذ عليه في كل مناسبة وفرت له أن يصرح بذلك فقد قال وهو يصف قربه إليه وتعلقه به ، وانّه لم يفارقه حتّى وقت ارتحاله من هذه الدنيا ما ترجمته :

( وكنت وقت ارتحاله في خدمته وكنت عنده بمنزله أولاده ، وكم كانت

__________________

(١) ريحانة الادب : ج ٤ ، ص ٤٨٧.


المصيبة مرّة ومازلت أحس بمرارتها في فمي ، ومازلت أتجرع الغصص لفقدانه )(١) .

ويقول أيضاً : ( ويحق لي أن أقول : ولقد عشت بعد الشيخ عيشة الحوت في البر ، وبقيت في الدهر ولكن بقاء الثلج في الحرّ ، فلقد كانت له عليّ من الحقوق الواجب شكرها ما يكل شبا براعتي ويراعي عن ذكرها.

وهو شيخي الذي أخذت عنه في بدء حالي ، وانضويت الى موائد فؤائده يعملات رحالي ، فوهبني من فضله ما لا يضيع ، وحنّ عليّ حنو الظئر على الرضيع.

ففرش لي حجر علومه ، وألقمني ثَدي معلومه ، فعادت علي تركات انفاسه ، واستضأت من ضياء نبراسه ، فما يسفح به قلمي انّما هو من فيض بحاره ، وما يفنح به كلمي انّما هو نسيم أسحاره ، وأنا أتوسل الى ربّ الثواب والجزاء أن يجعل نصيبه من رضوانه أوفى الانصباء ، وكم لهرحمه‌الله من الله تعالى ألطاف خفيه ، ومواهب غيبية ونِعَم جليلة )(٢) .

وقال أيضاً : ( لازمت خدمته برهة من الدّهر في السفر والحضر ، والليل والنهار ، وكنت استفيد من جنابه في البين الى أن نعب بيننا غراب البين فطوى الدهر ما نشر ، والدهر ليس بمأمون على بشر )(٣) .

وأما شيخه النوري فهو : الحسين بن محمّد تقي بن علي محمّد النوري الطبرسي ولد في ١٨ شوال سنة ١٢٥٤ في قرية نور احدى كور طبرستان وهي ( مازندران ).

وكان والده من العلماء الأجلاء درس في اصفهان على المحقّق المولى علي النوري وفي كربلاء عند السيّد محمّد المجاهد نجل صاحب الرياض ، ثمّ هاجر الى النجف الأشرف وحضر عند علمائها ثمّ عاد الى بلاده حائزاً على درجة

__________________

(١) الفوائد الرضوية : ص ١٥٠.

(٢) الفوائد الرضوية : ص ١٥٠ ـ ١٥١ بتصرف يسير.

(٣) المصدر السابق : ص ١٥٢.


الاجتهاد وأسس حوزة علمية في منطقته وصار مرجعاً للتقليد فيها.

وقد توفي أبوه في ربيع الأول سنة ١٢٦٣ هـ. وكان للنوري من العمر ثمان سنوات(١) وأثر اليتم فيه فلم ينسه الى آخر حياته حيث كتب في ترجمة حياته : ( وتوفي والدي العلاّمة أعلا الله تعالى مقامه وأنا ابن ثمان سنين ، فبقيت سنين لا أحد يربيني )(٢) .

فنشأرحمه‌الله تعالى عصامياً معتمداً على نفسه ، وقد وضحت عصاميته جلية في مستقبل حياته ، وهو تفسر صبره وتحمله المشاق واصراره ومثابرته(٣) .

وكان له شغف خاص بالعلم وتحصيله فحين بلغ أوان حلمه لازم العالم الجليل الفقيه النبيه الزاهد الورع النبيل المولى محمّد علي المحلاتي.

ثمّ هاجر الى النجف الأشرف فحضر عن الشيخ الأعظم الشيخ مرتضى الانصاري المتوفى سنة ١٢٨١ هـ ، ولازم الآية الكبرى الشيخ عبد الحسين الطهراني الشهير بشيخ العراقيين ، كما انّه لازم درس السيّد المجدد الشيرازي حتّى وفاته سنة ١٣١٢ هـ.

وعدّ من شيوخه الشيخ فتح علي السلطان آبادي والحاجّ الملا علي كني ومن مشايخ اجارته السيّد مهدي القزويني كما أنّه تتلمذ على الفقيه الكبير الشيخ علي الخليلي.

وخرّجت مدرسته العلمية مجموعة من الفضلاء والعلماء الاجلاء أشهرهم الشيخ عباس القمّي ، والشيخ اغا بزرك الطهراني(٤) والشيخ محمّد حسين آل كاشف الغطاء(٥) والسيد عبد الحسين شرف الدين(٦) .

__________________

(١) نقباء البشر : ج ٢ ، ص ٥٤٤.

(٢) خاتمة المستدرك / النوري : ج ٣ ، ص ٨٧٧ ، الطبعة الحجرية.

(٣) حياة العلاّمة الشيخ حسين النوري / السيّد ياسين الموسوي : ص ٩ ، ط ١.

(٤) نقباء البشر : ج ٢ ، ص ٥٤٥.

(٥) نقباء البشر : ج ٢ ، ص ٦١٧. معارف الرجال : ج ٢ ، ص ٢٧٥.

(٦) معارف الرجال : ج ١ ، ص ٢٧٣ ، ج ٢ ، ص ٥٢.


وكانت لشخصية الاستاذ القوية ومنهجهُ الايماني القويم وجاذبيته الشخصية والمدرسية جذبت اولئك التلاميذ الافذاذ وخرّجت علماءأً يبقى الزمن يفتخر بهم ويبقى اتباع مذهب الحقّ يتباهون بوجود أمثالهم كالشيخ القمّي والشيخ الطهراني صاحب موسوعة الذريعة وغيرها.

وعرف عنه شغفه بجمع الكتب لا سيّما القديمة منها والاصول وقد جمع مكتبة من نفائس الكتب والمخطوطات ندرت أن تجتمع عند غيره وقد حصل على بعض الاصول التي لم يحصل عليها غيره حتّى الشيخ المجلسي5 والحر العاملي5 (١) .

وله في تحصيل الكتب النادرة حالات أبهرت معاصريه وكان يبذل الكثير من أجلها وقد نقلت عنه عدة حكايات غريبة تعكس ذلك ؛ منها ما نقله تلميذه الطهراني حيث قال : ( مرّ ذات يوم في السوق فرأى أصلاً من الاصول الاربعمائة في يد امرأة عرضته للبيع ، ولم يكن معه شيء من المال ، فباع بعض ما عليه من الألبسة واشترى الكتاب )(٢) .

وله مؤلفات كثيرة تدل على تتبعه واحاطته بالأخبار مما يندر في أحد غيره بعد المجلسيرحمه‌الله من أشهرها مستدرك الوسائل ، والنجم الثاقب ، ودار السلام وجنّة المأوى والصحيفة السجادية الرابعة والصحيفة العلوية الثانية والفيض القدسي في أحوال المجلسي ، وكشف الأستار عن وجه الغائب عن الأنصار والكلمة الطيبة ونفس الرحمان في فضائل سيدنا سلمان وغيرها.

وقد وهب حبّ طلابه له حبّاً كبيراً قلّما نجده بين الاستاذ وتلاميذه ، وبمراجعة سريعة الى ما كتبه الشيخ القمّي عن استاذه تجد مصداق ذلك ، وهكذا فيما كتبه تلميذه الآخر الشيخ الطهراني عندما أراد أن يكتب ترجمة لاستاذه : ( ارتعش القلم بيدي عندما كتبت هذا الاسم ، واستوقفني الفكر عندما رأيت نفسي عازماً على ترجمة استاذي النوري ، وتمثل لي بهيئته المعهودة بعد ان مضى على

__________________

(١) حياة العلاّمة النوري : ص ٥٨ ، ط ١.

(٢) نقباء البشر : ج ٢ ، ص ٥٥٥.


فراقة خمسة وخمسون سنة فخشعت اجلالاً لمقامه ، ودهشت هيبة له ، ولا غرابة فلو كان المترجم له غيره لهان الأمر ، ولكن كيف بي وهو من اولئك الأبطال غير المحدودة حياتهم واعمالهم فمن الصعب جداً أن يتحمل المؤرخ الأمين وزر الحديث عنها ، ولا أرى مبرراً في موقفي هذا سوى الاعتراف بالقصور عن تأدية حقّه )(١) وإن تأثّر هؤلاء الافذاذ به وبهذا المقدار الكبير من التأثّر لم يكن عن عاطفة جوفاء وصداقة عابرة ، بل لهم الحقّ في ذلك ، لأنه اعطاهم كل وقته ، ولم يترك شيئاً لنفسه دونهم بل فضلهم على نفسه وقدمهم على شخصه مع مقامه العلمي ووجاهته الاجتماعية.

وتميز بمنهج علمي سوف نستعرضه عند الحديث عن المنهج العلمي عند القمّي إن شاء الله تعالى.

توفي في ليلة الاربعاء لثلاث بقين من جمادي الثانية سنة ١٣٢٠ هـ. ودفن في الصحن العلوي الشريف وكان لجثمانه كرامة منقولة في المصادر التي ترجمت له.

حبّه للعلم :

امتازت مدرسة النوري (الاستاذ وتلاميذه كالشيخ القمّي والشيخ الطهراني بحب العلم وزقه الى درجة الثمالة ، وقد نقلت عن كل واحد منهم قصص تثير الاعجاب والتقدير.

وقد انصرف القمّي ـ كباقي أفراد هذه المدرسة المحترمة ـ الى العلم والتأليف والتصنيف والترجمة والبحث والدرس والمقابلة وما الى ذلك ، قال زميله الطهراني : (وكان دائم الاشتغال ، شديد الولع في الكتابة والتدوين والبحث والتنقيب لا يصرفه عن ذلك شيء ، ولا يحول بينه وبين رغبته فيه واتجاهه اليه حائل )(٢) .

وقال نجله الشيخ علي محدّث زاده ما تعريبه : ( وكان والدي دائم الاشتغال

__________________

(١) مقدمة المستدرك : ج ١ ، ص (ز).

(٢) نقباء البشر : ج ٣ ، ص ٩٩٩.


بالكتابة ، وحتّى في حال مرضه فانّه كان يشتغل بالقراءة والكتابة في اليوم والليلة سبعة عشرة ساعة على الأقل )(١) .

ونقل عنه أيضاً انّه قال : ما تعريبه : (وكنت من أيّام طفولتي مع المرحوم الوالد وكنّا اذا خرجنا خارج المدينة فانّه يستمرّ بالكتابة والمطالعة من أول الصبح الى العشاء )(٢) .

ونقل عنه أيضاً انّه كان له ولع شديد بالقراءة والكتابة لا يملّ منهما ولا يتعب حتّى انّه اذا ذهب مع بعض أصحابه الى بستان للاستجمام مثلاً فانّه وبمجرد أن ينتهي من الطعام مع أصحابه ينعزل بمكان هادىء جنب جدول ماء أو تحت شجرة ويبدأ بالقراءة والكتابة.

ونقل عن بعض اصحابه انّه كان يجلس معهم للطعام فاذا انتهوا وأرادو أن يتحدثوا قام عنهم مع قلمه وقرطاسه ويبدأ بالكتابة والمطالعة فحينما كانوا يطلبون منه البقاء معهم ليتحدثوا معه ويستفيدوا منه فكان يجبيهم : انّنا جميعاً نذهب ولكن هذه الاشياء تبقى.

ونقل عن كتاب ( پندهائي از رفتار علماء اسلام ) : أن المرحوم الحاج الشيخ عباس القمّي صاحب كتاب مفاتيح الجنان سافر مع جماعة من التجار الى سورية وقد تحدث اولئك وقالوا : انّنا كلّما ذهبنا للنزهة فانّه يبقى مشغولاً بالقراءة والتأليف ، وكلما اصررنا عليه أن يأتي معنا فكان يمتنع شديداً ، وكنّا ننام في الليل ويبقى هو يقرأ ويؤلف )(٣) .

ومع أن الشيخ القمّيرحمه‌الله كان قد ابتلى بمرض الربو ( ضيق التنفس ) وكان يصعب عليه المقام والقعود أحياناً ولا يقدر أن يرفع الكتاب من الارض ولكن كان يشتغل ليلاً ونهاراً ولا يدع للتعب مجالاً أن يدخل الى نفسه ، وكان يبقى

__________________

(١) مقدمة كتاب (فيض العلام في عمل الشهور ووقائع الأيّام) للقمّي : ص ٨.

(٢) مردان علم در ميدان عمل : ج ١ ، ص ٩٦.

(٣) عن كتاب (پندهائي از رفتار علماي اسلام) : ص ١٧.


 في أكثر الليالي يقظاً وقليلة تلك الليالي التي ينام فيها ، وكانت من عادته أن لا يضع شيئاً تحت رأسه وانما يضع يده تحت رأسه وينام. وكانت قراءته من أجل الكتابة والتأليف. وكان جيد الكتابة وسريعها ، وقد كتب كثيراً حتّى ثفنت أطراف أصابعه التي يمسك بها القلم ، ومن النادر أن لا يمسك القلم في ليلة ونهارها.

وقد حصل حبّه وعلاقته بالكتاب بحيث انّه بمجرد أن يحصل على ما مال قليل يسرع بصرفه في شراء كتاب ، وقد نقل عن الشيخ عباس القمّي انّه قال : ( في الزمان الذي كنت ادرس في قم كنت في ضائقة مالية شديدة حتّى كنت اجمع القران(١) مع القران الى ان تصير ثلاثة تومانات مثلاً فحينها اذهب من قم الى طهران مشياً على الأقدام(٢) واشتري بتلك التومانات كتاباً ثمّ ارجع الى قم ماشياً أيضاً واستمرّ في دراستي )(٣) وكان المحدّث القمّي يعشق الكتاب بشكل عام ويطرب له ويرمق إليه بأريحية ومحبة ، ولكنه كان ينظر الى كتب الشيعة وبالخصوص كتب الحديث نظرة قداسة كما سوف يأتي ذلك بمحله من هذه الرسالة.

مشاركته في تأسيس الحوزة العلمية في قم المقدّسة :

تقدمت الاشارة عن رحلة آية الله العظمى المرحوم الحاجّ الشيخ عبد الكريم الحائري الى قم المقدّسة وعزمه على تأسيس الحوزة العلمية في قم المقدّسة واعادة مجدها ، ودعا العلماء الى هذه المدينة ليشاركوه مشروعه الالهي الكبير وقد أجابه مجموعة من العلماء الأعلام من مختلف الأقطار ، وقد وجه الدعوة الى الشيخ عباس القمّي فما كان أسرع من أن يجيبه على دعوته مع أنه كان قد شدّ العزم وصمم على سكنى المشهد الرضوي الى آخر عمره ولكنه فضّل تحمل المشاق ونكران الذات من أجل خدمة الاسلام العظيم فانّه عندما جدّ الجد ، وعلم أن واجبه الشرعي يحتم عليه الانتقال الى مدينة قم المقدّسة للمشاركة مع آية الله الحائري

__________________

(١) القران : أصغر عملة مالية في ايران ، وكل عشرة قرانات تعادل توماناً واحداً.

(٢) المسافة بين قم وطهران حوالي ١٤٥ كم.

(٣) عن كتاب (شيخ عباس قمّي مرد تقوى وفضيلت) : ص ١٨.


الحائري الغى عزمه الأول وجاء يبذل الجهد والوسع للقيام بالواجب المقدّس.

وقد قال زميله الطهراني عن تصميم القمّي الجديد : ( ولما حلّ العلاّمة المؤسس الشيخ عبد الكريم الحائري مدينة قم وطلب اليه علماؤها البقاء فيها لتشييد حوزة علمية ومركز ديني واجابهم الى ذلك كان المترجم له من أعوانه وأنصاره ، فقد أسهم بقسط بالغ في ذلك وكان من أكبر المروجين للحائري والمؤيدين لفكرته والعاملين معه باليد واللسان )(١) .

ومهما يكن دور القمّي في بناء تلك الحوزة فانّ استجابته في تلك الأيّام الصعبة والحرجة تنم عن غيرته على الدين الحنيف وجهاده ، فهو يشارك في مشروع جديد لا يعلم مصير بقائه في المستقبل ، ولم يحتوي على مغريات الدنيا من الجاه والمال شيئاً وانّما الدافع الوحيد لدعمه ومؤازرته لصاحب المشروع هو الحرص الأكيد لبذل كل شيء من أجل العقيدة المقدسة وتأسيس الحوزة التي تحفظ الشرع المبين وتدافع عنه ، ومجابهة الانحراف والكفر.

ولم يذكر المؤرخون سنة هجرة القمّي الى قم بعد تأسيس الحورة العلمية ، ولكنه ذكر في رسالة له حول ترجمة نفسه بانّه هاجر الى مشهد مولانا الامام المعصوم أبي الحسن الرضاعليه‌السلام وبقي هناك الى تلك السنة وهي سنة ١٣٤٦ هـ(٢) ولعل هجرته الى قم كانت بعد هذا التاريخ ، وأما مساندة الحائري في مشروعه فلعله كان يدعمه وهو في مشهد المقدّسة ، أو يكرر سفره الى قم خصوصاً انّه ذكر في رسالته تلك بانّه قد تكرر منه السفر الى العتبات العاليات في العراق(٣) ، فلعل طريفه كان يمرّ من قم ، ولعله كان يطيل المكث في موطنه الاصلي ويقوم بواجبه بمساندة المؤسس.

وكيف ما كان فقد ذكر انّه كان لسفر القمّي الى قم أثر كبير في هجرة كثير من

__________________

(١) نقباء البشر : ج ٣ ، ص ١٠٠٠.

(٢) الرسالة مثبتة في كتاب آثار الحجة : ج ٢ ، ص ١٣٤.

(٣) آثار الحجّة : ج ٢ ، ص ١٣٤.


الطلاب من المدن الاُخرى الى قم خصوصاً من مشهد والنجف الأشرف(١) .

منهجه العلمي :

سبق ونبهنا انّنا باستتباع كلمات تلاميذ الشيخ النوري ، ومؤلفاتهم وسيرتهم العملية وجدناهم يشكلون منهجاً واحداً ، وإن كان الفضل الأكبر يعود الى استاذهم خاتمة المحدّثين.

وقد ذكرنا في بحث سابق(٢) منهج الشيخ النوري العلمي بشكل مفصل ، ولا فائدة من تكرار الموضوع ، ولكننا نعجل العناوين المهمة لاعطاء صورة عامّة عن منهج القمّي العلمي الذي يشكل حلقة من حلقات هذه المدرسة العلمية المهمّة التي كان لها دور كبير وما زال.

١ ـ انصرافه الكلي للعلم والتأليف والتصنيف والترجمة والبحث والدرس والمقابلة وما الى ذلك كما تقدم في العنوان السابق. وقد كان يشتغل سبعة عشرة ساعة في اليوم مع ما ابتلي به من مرض ، وقد أخذ هذه الصفة من سيرة استاذه الذي نقلت عنه حكايات غريبة باهتمامه العلمي واقتنائه للكتب. وانتقل ذلك العشق والحب الى التلاميذ ، فاي عشق ذلك للعلم والمعرفة توفر عند هؤلاء العظماء الذين حفظوا المذهب من الضياع والانحراف ، وأي معاناة لا قوها في سبيل العلم والمعرفة.

وعلى الدهر ـ اذا أراد ان يكون منصفاً ، وانّى له ذلك ـ أن يخلدهم على صفحات أيّامه في أعلى مراتب الفخر والاعتزاز.

تجد اولئك العظماء يواصلون سيرهم في التعلم والتعليم لرفد الانسانية بالعلوم الحقة المستقاة من آل محمّد صلى الله عليهم أجمعين ، الى آخر ساعات حياتهم في هذه الدنيا فيموت أحدهم وبيده القلم ويجاهد به ويناضل دونه ، يقول

__________________

(١) محدث قمّي حديث اخلاص : ص ٥٨.

(٢) في رسالة (حياة العلاّمة حسين النوري) : ص ٨٧ ـ ٩٧ ، ط ١ سنة ١٤١٥ هـ. ق ـ قم المقدّسة.


العلاّمة القمّي في ( فوائده الرضوية ) عند عدّ مؤلفات استاذه : ( تحية الزائر وبلغة المجاور ، وهي آخر مؤلفاته رضوان الله عليه ، ولم يمهله الأجل حتّى يتمها ، ومنّ الله تعالى عليّ باتمامها )(١) .

فما وقع القلم من يدي النوري الى آخر ساعة من حياته في هذه الدنيا ، فإذا جاءت سكرة الموت بالحقّ ، ولحق بالرفيق الأعلى ، وكان في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، أخذ القلم تلميذه الفذّ الوفي المجاهد ليتم المسير ، ويواصل المشوار الذي بدأه استاذه ، فيتم أعمال استاذه العلمية.

٢ ـ حفظ تراث أهل البيتعليهم‌السلام. أ ـ فانّ لتفادم الزمن ، وبُعْد التاريخ عن مصادر الشريعة المقدسة سبّب اختفاء وضياع كثير من تلك الآثار الشريفة خصوصاً ما لحق اتباع هذه المدرسة الهادية من المحن والخطوب والمصائب الكثيرة التي سجّلها المؤرخون لتك الفترات الحرجة والمظلمة التي مرّ بها شيعة أهل البيتعليهم‌السلام.

وقد بذل المتأخّرون وسعهم لجمع ذلك التراث العظيم الذي يعدّ الثقل الثاني كالعلاّمة المجلسي والفيض الكاشاني والسيّد عبدالله شبر والحر العاملي والسيّد هاشم البحراني وغيرهم من العظاء.

وقد جاء دور النوري ومدرسته ليتمموا الحركة التي خطها اولئك الصالحون ، فخرجت تلك المؤلفات العظيمة كالمستدرك للاستاذ النوري وسفينة البحار للقمّي والذريعة ، وطبقات أعلام الشيعة للطهراني.

ب ـ وقد تبنت هذه المدرسة الطريقة الاُولى في أخذ الحديث بالتأكيد على ضرورة الاجازة فيه بالطرق المتعارفة حتّى للكتب المتواترة كالكتب الأربعة ، بينما تحول مبنى الفقهاء المتأخّرين الى عدم الاهتمام العلمي بهذه الطريقة ولا يرون وجود ضرورة علمية للاستجازة من أصحاب الاجازات لتواتر تلك الكتب فلا حاجة واقعية لأخذ الاجازة ، ولا أثر للاجازة في جواز العمل بتلك

__________________

(١) الفوائد الرضوية : ص ١٥١.


الكتب ، واعتبروا الاجازة أمراً تشريفياً للبركة لا أثر له في النقل والرواية.

بينما اصرّ مؤسس هذه المدرسة على ضرورتها(١) .

ولسنا هنا بصدد بيان الحقّ مع ايّ الرأيين ، وانّما نذكر هذا الاختلاف لنتبين منهج العلاّمة القمّي ورأيه في ذلك ليس إلا ، ويعدّرحمه‌الله تعالى من أعمدة المدرسة الثانية ، يقول ولده المرحوم الشيخ علي محدث زاده :

( كانت ولادة المرحوم ثقة المحدّثين المحدّث القمّي في قم وقد قضى طفولته وشبابه في قم ، وقد أكمل دراسته في العلوم الأدبية هناك طبق المتعارف عليه في ذلك الزمان الى ان سافر الى النجف الأشرف في سن الثامنة عشرة من عمره ، وهناك كانت علاقته بشكل أكثر بالأحاديث المروية التي هي العلم الموروث عن أهل بيت العصمة والطهارة.

وكان من المتعارف عليه عند العلماء والمفكرين الأوائل أن يسافروا في طلب علم الحديث والاستفادة من مشايخه واساتذته ويتحملون في سبيل ذلك المشاق والمصاعب.

ولذلك فقد اختار الحضور عند خاتمة المحدّثين وثقة الاسلام والمسلمين الحاجّ الميرزا حسين النوريرحمه‌الله ، وبقي مدة عند هذا العالم الكبير لكسب العلم والاستفادة منه )(٢) .

فهو من بداية تحصيله العلمي اختار طريق الحديث والرواية ولهذا لازم النوري الى أن لاقى النوري ربّه.

وبدراسة دقيقة لمجموع ما تركه القمّي من مؤلفات قيّمة تظهر هذه الحقيقة ، وليس معنى ذلك انّ المنهج العلمي للقمّي هو المسلك الاخباري بالمعنى الاصطلاحي المقابل للمنهج العلمي الاصولي ، وانّما الصحيح العكس فانّ مؤسس المدرسة كان من شيوخ واساتذة وكبار مجهتدي المنهج العلمي الاصولي ولكنه

__________________

(١) راجع تفصيل الكلام في حياة العلاّمة النوري ـ المؤلّف : ص ٩٣ ـ ٩٧ ، ط ١.

(٢) مقدمة تتمة المنتهى : ص ٤.


اهتمّ بتراث أهل البيتعليهم‌السلام وبالحديث والرواية ولا تعارض بينهما.

وكذلك القمّي فانّه تبع استاذه بمنهجه الاصولي المهتم بالأخبار والحديث والروايات ، ولشدة تعلقه واهتمامه بالحديث صار اطلاق لقب ( المحدّث ) و ( العلاّمة المحدّث ) منصرفاً إليه.

قال المدرس عند وصفه للقمّي ما ترجمته : ( من أفاضل علماء عصرنا الحاضر ، وكان عالماً فاضلاً كاملاً محدثاً متتبعاً ماهراً ، وهو المقصود بعبارة المؤلّف في هذا الكتاب بـ ( الفاضل المحدّث المعاصر )(١) .

مؤلّفاته :

عندما ندرس آثاره التي تركها من المؤلّفات القيمة والكتب المعتبرة الجليلة نجدها تتميز بعدة أشياء :

١ ـ كثرة التأليف :

كما ستجد صدق هذه الدعوى من خلال هذا الفهرس الذي سنوافيك به عن قريب إن شاء الله تعالى.

٢ ـ جودة ومتانة وعمق التأليف.

فقد نقرأ في فهارس المؤلّفين أن هناك من أكثر في التصنيف والكتابة ، ولكن بعد الاطلاع على ما كتبوه تذهب الفرحة سدى حيث نجد أن تلك المكتوبات لم تتجاوز النقل ـ بمعنى النسخ ـ عن كتب الآخرين ، وقد جمعت في كثير من الأحيان بشكل غير علمي ومنهج غير سليم ، بل تعكس جهل صاحبها وحبه بانّ يذكر اسمه مع المؤلفين ليس إلاّ.

فالاكثار وحده غير كاشف عن علوّ شأن صاحب التأليفات وإنما لابدّ مع ذلك أن يلازم الاكثار العمق والمتانة والجدّة والافادة والتحقيق والتدقيق.

وهذا بالفعل ما نجده فيما كتبه العلاّمة القمّي رضي الله تعالى عنه ، ولذا صارت

__________________

(١) ريحانه الأدب : ج ٤ ، ص ٤٨٧.


مؤلفاته محط أنظار العلماء ، ومرجعاً علميّاً للمؤلفين والمصنفين.

قال العلاّمة حرز الدين : ( صاحب المؤلّفات المفيدة وقد حظي الشيخ بمؤلّفاته حيث نالت كل اعجاب وتقدير )(١) ، وقد وفقه الله تعالى توفيقاً منقطع النظير في كتابه (مفاتيح الجنان) فقلما نجد بيتاً من بيوت الشيعة في العالم يخلو من كتابه النفيس (مفاتيح الجنان). وهذا توفيق الهي حظي به هذا العالم الجليل.

فهرس مؤلّفاته :

وإليك ثبتاً بفهرس مؤلّفاته :

١ ـ الأنوار البهية في تاريخ النبي وآلهعليهم‌السلام. مجلد واحد باللغة العربية ، طبع عدّة مرّات.

٢ ـ الآيات البينات في أخبار أمير المؤمنينعليه‌السلام عن الملاحم والغائبات(٢) .

٣ ـ بيت الأحزان في مصائب سيدة النسوان. عربي ، طبع مرّتين.

٤ ـ الباقيات الصالحات. في الأعمال والأدعية والأذكار والأوراد. طبع في حاشية كتابه (المفاتيح) وطبع أخيراً مستقلاً بطبعتين في بيروت.

٥ ـ تحفة طوسية ونفحة قدسية(٤) . أو ( رسالة مشهد نامة ) فارسي مطبوع ، وهو مختصر في شرح بناء الحرم الرضوي على صاحبه السلام وذكر أبنية الأماكن المتعلقة به مع عدّة زيارات مهمّة ومعتبرة(٥) .

٦ ـ تتمة المنتهى في تاريخ الخلفاء ، وهو المجلد الثالث من كتابه ( منتهى الآمال ) بالفارسية ، طبع عدّة مرّات بتصحيح نجله المرحوم الشيخ علي محدث زادة.

٧ ـ تحفة الأحباب في نوادر الأصحاب ، في أحوال صحابة الرسول

__________________

(١) معارف الرجال : ج ١ ، ص ٤٠١.

(٢ و ٣) الفوائد الرضوية : ص ٢٢٢.

(٤) عدّ الشيخ الرازي في آثار الحجّة : ج ٢ ، ص ١٣٥ كتاب التحفة الطوسية مستقلاً عن كتاب النفخة القدسية.

(٥) مقدمة بيت الأحزان : ص ١٣.


وأصحاب أئمة الهدى صلوات الله عليهم بترتيب الحروف الهجائي ، مطبوع.

٨ ـ ترجمة مصباح المتهجد للشيخ الطوسي الى اللغة الفارسية ، طبع في حاشية المصباح.

٩ ـ ترجمة جمال الاسبوع للسيّد ابن طاووس الى اللغة الفارسية ، طبع في حاشيته.

١٠ ـ ترجمة المسلك الثاني من كتاب ( الملهوف في قتلى الطفوف ) للسيد ابن طاووس ـ في حاشيته ـ طبع بخط المؤلّف.

١١ ـ ترجمة ( زاد المعاد ) للعلاّمة المجلسي الى اللغة العربية وذكره المؤلّف في كتبه الناقصة التي لم يتمّها حين كتابة ترجمته لنفسه في كتاب الفوائد الرضوية(١) .

١٢ ـ ترجمة تحفة الزائد للعلاّمة المجلسي الى اللغة العربية وهو كصاحبه المتقدم حيث لا ندري هل أن المؤلّف اتمّ ترجمة هذين الكتابين أم لا؟

١٣ ـ تتميم تحية الزائر لاستاذه النوري وقد تقدم الحديث عنه.

١٤ ـ تتميم بداية الهداية وأصل الكتاب للشيخ الاجل المحدّث الشيخ الحر العاملي صاحب كتاب الوسائل.

١٥ ـ جهل حديث : بالفارسية. طبع عدّة مرّات.

١٦ ـ حكمة بالغة ومائة كلمة جامعة. شرح مائة كلمة من كلمات أمير لشرح النصّاب للفاضل اليزدي. مطبوع.

١٧ ـ الدرّة اليتيمة في تتمات الدرة الثمينة. شرح نصّاب الصبيان ، وهو تتميم لشرح النصّاب للفاضل اليزدي. مطبوع.

١٨ ـ الدرّ النظيم في لغات القرآن العظيم مطبوع.

١٩ ـ دوازده ادعية مأثورة. مطبوع بالفارسية.

٢٠ ـ ذخيرة العقبى في مثالب أعداء الزهراءعليه‌السلام . عده المؤلّف في كتبه

__________________

(١) الصفحة : ٢٢٢.


الناقصة(١) .

٢١ ـ دستور العمل. مطبوع.

٢٢ ـ ذخيرة الأبرار في منتخب أنيس التجار مطبوع.

٢٣ ـ سبيل الرشاد في اصول الدين. مطبوع.

٢٤ ـ سفينة البحار ومدينة الحِكم والآثار. وهو فهرس لكتاب بحار الأنوار لما يقصد منه على ترتيب حروف المعجم ، وذكر في كل مادة الحديث الوارد في تلك المادة اذا كان مختصراً وأشار الى مضمونه وموضع الحاجة منه اذا لم يكن مختصراً. ويذكره اذا كان فيه تحقيق لنفاسته ، ويذكره أيضاً اذا كان فيه مطلباً مهمّاً مقتصراً على لبّه وخلاصته. وكتب مختصراً من تراجم مشاهير أصحاب النبي وأئمة الدين صلوات الله عليهم أجمعين ونبذاً من أحوال المعروفين من علماء الفريقين وبعض الشعراء والادباء المعروفين عند ذكر اساميهم وانسابهم وألقابهم. وهو من أعظم مؤلّفاته وقد ( قضى في تأليفه السنين الطوال )(٢) .

٢٥ ـ شرح وجيزة الشيخ البهائيرحمه‌الله . وهو في الدراية.

٢٦ ـ شرح الكلمات القصار لأمير المؤمنينعليه‌السلام المذكورة في آخر نهج البلاغة. ذكره في الكتب التامّة ولم تطبع.

٢٧ ـ شرح الصحيفة السجادية. ذكره المؤلّف في كتبه الناقصة.

٢٨ ـ شرح الأربعين حديث. ذكره المؤلّف في كتبه الناقصة. وذكر أن نسخته موجودة(٣) .

__________________

(١) الفوائد الرضوية : ص ٢٢٢.

(٢) نقباء البشر : ج ٣ ، ص ١٠٠١.

وقال العلاّمة القمّي في مقدمة كتابه سفينة البحار عند ذكر عزمه على تأليف هذا الكتاب المنيف : ( فلما استقر على ذلك عزمي وتمّ جزمي اعتزلت عن مجالس الأخلاء والأحباب واقبلت على تأليف هذا الكتاب الخ) ج ١ ، ص ٣ / س ٣ و ٤.

وقال الشيخ الرازي في : ج ٢ ، ص ١٣٥ : انّه الّفه خلال ٢٧ سنة.

(٣) مقدمة بيت الأحزان : ص ١٥.


٢٩ ـ صحائف النور في عمل الأيّام والسنة والشهور. ذكره المؤلّف في كتبه الناقصة.

٣٠ ـ ضيافة الاخوان. ذكره المؤلّف في كتبه الناقصة.

٣١ ـ طبقات الرجال(١) . عنونه المؤلّف بـ ( كتاب الطبقات )(٢) .

٣٢ ـ طبقات الخلفاء وأصحاب الأئمة والعلماء والشعراء. وهو مطبوع مع كتاب تتمة المنتهى. وهو باللغة الفارسية. واحتمل بعضهم أن الكتاب المتقدم ، تحت عنوان ( طبقات الرجال )(٣) لكن العلاّمة الطهراني عدّ كتاب ( طبقات العلماء ، قرناً قرناً لم يتم )(٤) ، لما يحتمل أن المقصود من الأول كتاب ( طبقات العلماء ) وهو غير هذا الكتاب لاختلاف موضوعهما كما هو ظاهر.

٣٣ ـ علم اليقين وهو مختصر كتاب حقّ اليقين للعلاّمة المجلسي. وهو باللغة الفارسية.

٣٤ ـ الغاية القصوى في ترجمة العروة الوثقى للسيّد اليزدي من أول كتاب الطهارة الى أحكام الاموات ومن كتاب الصلاة الى مبحث الستر والساتر.

وقد ترجمه من اللغة العربية الى اللغة الفارسية.

٣٥ ـ الفوائد الرجبية فيما يتعلق بالشهور العربية ، مشتمل على وقائع الأيّام وفيه جملة من اعمال الشهور ، وذكر المؤلّفرحمه‌الله أن هذا الكتاب أول تصانيفه ، وقد طبع بخط يده الشريفة(٥) .

٣٦ ـ الفصول العلية في المناقب المرتضية.

٣٧ ـ الفوائد الرضوية في أحوال علماء المذهب الجعفرية. مطبوع عدّة طبعات.

٣٨ ـ فيض العلاّم في وقائع الشهور وعمل الأيّام. هكذا عنونه في كتابه

__________________

(١) مقدمة بيت الأحزان : ١٦.

(٢) الفوائد الرضوية : ص ٢٢.

(٣) المصدر السابق : ص ١٦.

(٤) نقباء البشر : ج ٣ ، ص ١٠٠١.

(٥) الفوائد الرضوية : ص ٢٢١.


( الفوائد الرضوية )(١) ، وقد عنونه في مقدمة نفس الكتاب المطبوع بعنوان ( فيض العلاّم في عمل الشهور ووقائع الأيّام )(٢) .

٣٩ ـ فيض القدير فيما يتعلق بحديث الغدير. وهو مختصر لمجلدي غدير عبقات الأنوار للسيّد المحدّث العالم المتكلم المحقّق المدقق المؤيد المسدد محيي السنّة ، وسيف الامه ، فخر الشيعة ، وحامي الشريعة سيّدنا الأجل ، مولانا المير حامد حسين الهندي اسكنه الله بحبوحة جناته وحشرنا تحت لوائه(٣) .

٤٠ ـ الفوائد الطوسية. وهو ( مجموعة شبيهة بالكشكول )(٤) . وعدّه في كتبه التي لم يتمها(٥) .

٤١ ـ قره الباصرة في تاريخ الحجج الطاهرة.

٤٢ ـ الكنى والألقاب. وهو تراجم من عرف بالكنية أو اللقب باللغة العربية وقد طبع مراراً في ثلاث مجلّدات.

وقال العلاّمة المرحوم الشيخ محمّد حرز الدين : ( وكتاب الكنى والألقاب في التراجم ترجم فيه علماء الفريقين بثلاثة أجزاء طبع في صيدا سنة ١٣٥٨ وهو كتاب متين جداً يعتمد عليه وهو أحسن مؤلّفاته )(٦) .

٤٤ ـ كلمات لطيفة.

٤٥ ـ كحل البصر في سيرة سيّد البشر. باللغة العربية. مطبوع مراراً.

٤٦ ـ الكشكول. وهذا غير الكشكول المتقدم بعنوان ( الفوائد الطوسية ) وقد ذكرهما المؤلّف بعنوانين الأول في كتبه التي لم يتمّها والثاني بكتبه التي اتمّها.

٤٧ ـ رسالة في ( كناهان كبيرة وصغيره ) مطبوع باللغة الفارسية وهو في تعداد الذنوب الكبيرة والذنوب الصغيرة.

٤٨ ـ اللآلىء المنثورة في الاحراز والأذكار المأثورة. مطبوع.

٤٩ ـ مختصر الأبواب في السنن والآداب ، وهو مختصر حلية المتقين للعلاّمة

__________________

(١) الفوائد الرضوية ص ٢٢١.

(٢) فيض العلاّم : ص ١٠.

(٣ ـ ٥) الفوائد الرضوية : ص ٢٢٢.

(٦) معارف الرجال : ج ١ ، ص ٤٠١.


المجلس بالفارسية. مطبوع.

٥٠ ـ مفاتيح الجنان في الأعية والأوراد والأذكار والزيارات وأعمال الأيّام والشهور.

وقد ترجم الى عدّة لغات وطبع عشرات المرّات.

٥١ ـ منازل الآخرة والمطالب الفاخرة ، وهو هذا الكتاب.

٥٢ ـ المقامات العليّة. وهو مختصر ( معراج السعادة ) للمحقّق الأوحد المولى الشيخ أحمد النراقي بالفارسية وقد كتبه على نسق كتابة والده المولى الشيخ محمّد مهدي النراقي المسمّى بـ ( جامع السعادات ) بالعربية المطبوع مراراً.

٥٣ ـ منتهى الآمال في ذكر مصائب النبي والآلعليهم‌السلام وهو باللغة الفارسية طبع مراراً.

٥٤ ـ مقاليد الفلاح في عمل اليوم والليلة.

٥٥ ـ مقلاد النجاح وهو مختصر للكتاب المتقدّم.

٥٦ ـ مختصر المجلّد الحادي عشر من كتاب بحار الأنوار للعلاّمة المجلسي. والمجلد الحادي عشر في الطبعة الحجرية يقابل المجلد ( ٤٦ ـ ٤٧ ـ ٤٨ ) في أحوال ( الامام السجاد ، والامام الباقر ، والامام الصادق ، والامام الكاظم )عليهم‌السلام جميعاً.

٥٧ ـ مختصر (الشمائل) للترمذي(١) .

٥٨ ـ مسلّي الفؤاد بفقد الاخوة والأحباب. ذكره في قسم كتبه غير التامّة.

٥٩ ـ غاية المرام في تلخيص دار السلام ، وهو مختصر دار السلام فيما يتعلّق بالرؤيا والمنام لاستاذه الشيخ النوري أعلى الله مقامه.

٦٠ ـ نفس المهموم في مصيبة سيّدنا الحسين المظلومعليه‌السلام .

٦١ ـ نفثة المصدور فيما يتجدد به حزن العاشور.

__________________

(١) وهو مختصر ( الشمائل المحمدية ) للحافظ أبي عيسى محمّد بن عيسى الترمذي المتوفى سنة ٢٧٩. باللغة العربية وقد طبع أخيراً.


قال المؤلفرحمه‌الله في مقدمته :

( بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد : فهذه وجيزة كتبناها لتلحق بكتابنا نفس المهموم في مقتل الحسين المظلوم صلوات الله عليه ، مشتملة على فصول وخاتمة سميتها « نفثة المصدور فيما يتجدد به حزن يوم العاشور » ومن الله تعالى الاستعانة ، وعليه التوكل في كل الامور ).

وقد عنونه البعض « نَفَس المهموم ونفثة المصدور » ويبدو انّهما كتابان من حيث التصنيف وانّ ألحق الثاني بالأول.

وهما باللغة العربية ، وقد ترجما الى اللغة الفارسية.

٦٢ ـ نزهة النواظر في ترجمة معدن الجواهر ، وهو تأليف الشيخ العالم الجليل والثقة الفقيه أبو الفتوح محمّد بن علي الكراجكي تلميذ الشيخ المفيد والسيّد المرتضى رضوان الله عليهم أجمعين. وطبع عدّة مرّات.

٦٣ ـ نقد الوسائل لباب وسائل(١) .

٦٤ ـ هدية الزائرين وبهجة الناظرين. وقد احتوى على زيارات الحجج الطاهرينعليهم‌السلام والمقامات الشريفة وقبور العلماء التي في المشاهد المقدّسة وأعمال الشهور وأعمال الاسبوع وأعمال اليوم والليلة. مطبوع(٢) .

٦٥ ـ هدية الأحباب في المعروفين بالكنى والألقاب والانساب. بالفارسية مطبوع عدّة مرّات.

٦٦ ـ غاية المنى في المعروفين بالألقاب والكنى. هكذا عنونه المؤلّفرحمه‌الله في مقدمة كتابه (هدية الأحباب) وعدّه تحت الرقم(٥) من كتبه غير المطبوعة ، ولعله الكتاب المتقدّم تحت عنوان ( الكنى والألقاب ـ مختصر صغير ) والله تعالى أعلم. وقد عنونه العلاّمة الطهراني ( غاية المنى في ترجمة المعروفين بالألقاب والكنى

__________________

(١) هكذا عنونه المؤلّف في الفوائد الرضوية : ص ٢٢٢.

(٢) الفوائد الرضوية : ص ٢٢١.


من أبناء العامّة )(١) .

٦٧ ـ هداية الانام الى وقائع الأيّام ، مختصر كتاب ( فيض العلاّم ) الذي تقدّم ذكره في مؤلّفاته.

٦٨ ـ ترجمة اعتقادات العلاّمة المجلسي. وقد طبع أخيراً في العدد الخامس من مجلة ( كيهان انديشة )(٢) .

وذكره المؤلّف في كتابه الفوائد الرضوية أن له ( غير ذلك من الرسائل والمؤلّفات المختصرة )(٣) .

وقال ولده في مقدّمة فيض العلاّم : ( وقد بقيت منه آثار مفيدة جداً ونفيسة وهي تصل الى ما يقارب الاربعة والسبعين مجلد وأكثرها قد طبعت )(٤) .

ملامح شخصيته :

جوانب القدوة كثيرة في شخصية القمّي وقد استشهد لها بقصص وقضايا متعددة ، ولا يضرها انّها أحاديث وقائع جزئية ، فالحدث الجزئي تكمن وراءه الدوافع الحقيقة المحركة له والتي تعبر عن الملكة الجمالية المنعكسة بالصورة الجميلة لتلك الحركة أو ذلك الموقف.

ولابدّ من التأكيد انّ التاريخ لم ينصف العظماء في أغلب الأحيان ، ولعل عدم وجود متابعة لحركاتهم ومواقفهم تتبعنا يعد أحد الأسباب التي ساهمت في ذلك الاجحاف ، ولذلك فانّنا ومهما تتبعنا في معرفة جوانب العظمة في اولئك فسوف لا نحصل إلاّ على النزر القليل منها. وهذا ما حصل مع الشيخ القمّي كما حصل مع غيره من اولئك الاجلاء.

ولانّنا نريد أن نعرف القدوة وجوانب العظمة في حياة القمّي فانّنا سوف نتابع ما انتبه إليه الآخرون وذكره المؤرخون في كتبهم ، ونقرّ بانّه فات أولئك وفاتنا

__________________

(١) نقباء البشر : ج ٣ ، ص ١٠٠١.

(٢) مقدمة منازل الآخرة لناشره بالفارسية الطبعة الاخيرة.

(٣) صفحة ٢٢٢.

(٤) صفحة ٨.


الشيء الكثير من تلك الصور الجمالية في حياته(١) .

نكران الذات :

ومن تلك القضايا نقل ولده عن المرحوم سلطان الواعظين الشيرازي ـ مؤلف كتاب ( شبهاي بيشاور ) ـ انّه قال : في بداية انتشار كتاب مفاتيح الجنان ، كنت في سرداب الغيبة في سامراء وكان بيدي الكتاب ازور به فرأيت شيخاً جالساً مشتغلاً بالذكر وكان يلبس قباءاً من الكرباس وعلى رأسه عمامة صغيرة ، فسالني الشيخ : لمن هذا الكتاب؟

فاجبته : للمحدّث القمّي سماحة الشيخ عباس ، ثمّ أخذت بمدحه.

فقال الشيخ : انّه لا يستحق ذلك ، فلا تتعب نفسك بمدحه.

فقلت : قم يا شيخ واخرج من هنا ، ولا تتكلم بعد ذلك بمثل هذا الكلام.

وكان بجنبه أحد الأشخاص فغمزني بيده في خاصرتي وقال : تأدب ، فانّ هذا هو نفسه الشيخ القمّي.

فقمت من مكاني وقبلته من وجهه واعتذرت منه واصررت أن اقبل يده ، ولكنه امتنع وأخذ يدي بقوة وقبّلها وقال : أنت سيّد(٢) .

وعندما كان مقيماً في المهشد الرضوي فانّه كان يرتقي المنبر في شهر رمضان المبارك في مسجد كوهر شاد ، فجاء الشيخ عباس التربتي وهو من العلماء الأبرار والروحانيين الاتقياء من مدينته التي كان مقيماً فيها وهي ( تربة حيدرية ) الى المشهد الرضوي ليستفيد في شهر رمضان المبارك من مواعظ الشيخ عباس القمّي التي يلقيها من على منبره ذلك ، وكانت تربطه بالشيخ القمّي علاقة صداقة قديمة ، فصادف في أحد الأيّام ان وقع نظر الشيخ القمّي وهو على المنبر فرأى الشيخ عباس التربتي جالساً في زاوية من المجلس الذي كان مكتظاً بالناس وهو يستمع

__________________

(١) لابدّ من التنبيه أن أكثر القضايا التي ترجمناها عن الكتب الفارسية قمنا باختصارها وبتصرف لا يخل بمعنى القصة عموماً لأسباب فنية.

(٢) راجع كتاب (حاج شيخ عباس قمّي مرد تقوى وفضيلت) : ص ٦١ و ٦٢.


إليه فقال عند ذلك : أيها الناس لقد شرف مجلسنا الحاجّ الاستاذ فاستفيدوا منه ، ومع اكتظاظ الناس ليستمعوا إليه فانّه نزل من المنبر وطلب من الاخوند الشيخ عباس التربتي أن يرتقي المنبر في ذلك المجلس الضخم الى آخر شهر رمضان المبارك وبعد ذلك لم يصعد الشيخ القمّي المنبر في ذلك الشهر الشريف(١) .

عبادته :

كان متعلقاً بصلاة الليل والتهجد وتلاوة القرآن وقراءة الأدعية والأوراد والأذكار المأثورة عن الائمة المعصومينعليهم‌السلام ، فكان ملتزماً ببرنامجه العبادي طول السنة حيث يقوم من النوم بساعة قبل طلوع الفجر فيبدأ بالعبادة والصلاة ، وكان مواظباً على قيام الليل والتهجد استمرّ عليه الى آخر عمره وكان يعتقد أن أفضل عمل مستحبّ هو قيام الليل والتهجد.

ونقل عنه ابنه الكبير انّه قال : انّي اتذكر بانّه لم يفته القيام في آخر الليل حتّى في أسفاره(٢) .

وقال أحد أبنائه : انّه وفي احدى ليالي الجمعة في النجف الأشرف وبعد صلاة الليل أخذ بقراءة سورة ( يس ) فعندما وصل الى قوله تعالى :( هَٰذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ) كررها مراراً وتغيرت أحواله وهو يقول مكرراً ( اعوذ بالله من النار ) بحيث لم يمكنه أن يتمّ قراءة بقية السورة ، وبقي على ذلك الحال الى أذان الصبح(٣) .

وقد وصف بانّه كان في الحقيقة يعتقد ويعمل بكل ما كتبه في كتابه مفاتيح الجنان من الأوراد والأذكار والأدعية والزيارات والأعمال وغيرها.

مراقبته لنفسه :

كان شديد المراقبة لحركاته وسكناته ويجهد أن لا يعمل عملاً إلاّ طبق رواية

__________________

(١) راجع كتاب ( حاج شيخ عباس قمّي مرد تقوى وفضيلت ) : ص ٦١ و ٦٢.

(٢) فضيلت هاي فراموش شده ( فارسي ) : ص ٨.

(٣) راجع المصدر السابق.


أو حديث شريف ورد عن المصومينعليهم‌السلام.

وكان يراقب نيته التي لا يطّلع عليها أحد إلاّ الله عزّوجلّ ويحاول جاهداً أن يكون اخلاصه للحقّ تعالى في أعلى مراتب الاخلاص والانقطاع عن أحد غيره.

* وقد نقلت حادثة غريبة تصور حالة مراقبته لنفسه ونيته بشكل دقيق فقد طلب منه جماعة من المؤمنين في مشهد المقدّسة أن يصلي بهم صلاة الجماعة في مسجد كوهر شاد ، فبعد الالحاح لبى الطلب وابتدأ امامه الجماعة في احدى أواوين المسجد المتروكة ، ثمّ أخذت الجماعة بالازدياد شيئاً فشيئاً ، ولم تمض عشرة أيّام من اقامته الجماعة الى أن كان في يوم من الأيّام وبعد أن اتمّ صلاة الظهر طلب من أحد الحاضرين أن يصلي صلاة العصر ، ثمّ ذهب ولم يعد الى امامة صلاة الجماعة وعندما سئل عن السبب في انقطاعه قال : في الحقيقة انّي كنت في ركوع الركعة الرابعة فسمعت صوت أحد المصلين خلفي ينادي (يا الله يا الله ، أن الله مع الصابرين) وكان يجيء ذلك الصوت من مكان بعيد فجاء في ذهني كبر الجماعة وضخامتها فصار في نفسي نوع ارتياح غير ارادي ، وعليه فقد علمت بأنّي لست أهلاً لصلاة الجماعة(١) .

* ونقل أيضاً : طلب بعض الخيّرين في أحد السنين من الشيخ القمّي أن يتحمل مصرف مجلس وعظ الشيخ وتعهد أن يدفع له مبلغاً مقداره (٥٠) ديناراً عراقياً وكان مصرف الشيخ آنذاك ثلاثة دنانير للشهر الواحد.

فقال الشيخ القمّي : انّي ارتقي المنبر لأجل الامام الحسينعليه‌السلام وليس لشيء آخر.

ولذلك فانّه لم يقبل منه شيئاً(٢) .

* ونقل عنه ابنه انه قال له مرّة عندما الفت وطبعت منازل الأخرة في قم فقد وقع الكتاب بيد الشيخ عبد الرزاق مسألة كو وكان كل يوم يشرح مسألة من المسائل الشرعية قبل صلاة الظهر في الحرم المطهر للسيّدة

__________________

(١) محدث قمّي : ص ٥٣.

(٢) محدث قمّي : ص ٥٤.


المعصومة سلام الله عليها.

وكان والدي المرحوم الكربلائي(١) محمّد رضا من المتأثّرين به ، وكان الشيخ بعد الرزاق يأخذ كتاب منازل الآخرة في النهار ويقرأ فيه لمستمعيه.

وفي أحد الأيّام جاء والدي الى البيت وقال : يا شيخ عباس ليتك تصير مثل الشيخ (مسألة گو) ويمكنك أن ترتقي المنبر وتقرأ في هذا الكتاب الذي قرأ لنا منه.

فأردت ولعدّة مرّات أن أقول له ان هذا الكتاب من مؤلفاتي ، ولكني امتنعت كل مرّة ولم اتكلم بشيء ، إلاّ انّي قلت له : ادعو الله تعالى أن يوفقني(٢) .

تقديسه لكتب الأخبار :

ذكر طيّب الله رمسه في كتابه الفوائد الرضوية عندما تحدث عن أحوال السيّد نعمة الله الجزائري قال : ( انّه لكثرة مطالعته وكتابته أصاب عينه ضعف واستشفى بتربة قبر سيد الشهداءعليه‌السلام وتراب مراقد أئمة العراقعليهم‌السلام ، وكان يكتحل بذلك التراب فعوفي ببركة ذلك التراب الطيب : ) ودفعاً للاستغراب ذكر قضية الحية واستشفائها ببعض النباتات البرية ، فلا عجب أن يجعل الله تعالى الشفاء من جميع الأمراض في تربة ابن نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ نقل تجربته ، فقال ما تعريبه : ( واذا أصاب عيني ضعف نتيجة كثرة الكتابة فانّي أتبرك بتراب مراقد الأئمةعليهم‌السلام وأحياناً أتبرك بمس كتابة الأحاديث والأخبار ولذلك فعيني سليمة بذلك ولله الحمد ورجائي أن تكون عيني سليمة في الدنيا والآخرة ببركاتهم ان شاء الله تعالى(٣) .

ونقل عن ولده الشيخ محدث زاده انه قال :

( لا انسى عندما كنا في النجف الأشرف انه استيقظ من نومه صباح أحد الأيّام ـ في حدود سنة ١٣٥٧ هـ يعني بسنتين قبل وفاته ـ وقال : إن عيني تؤلمني في هذا

__________________

(١) الكربلائي : لقب مستخدم في ايران يطلق على من وفق لزيارة كربلاء المقدّسة. مقابل (مشهدي) لمن وفق لزيارة مشهد المقدسة.

(٢) محدث قمّي : ص ٥٥ ـ ٥٦.

(٣) الفوائد الرضوية : ص ٦٩٥.


اليوم كثيراً ، ولا أقدر على المطالعة والكتابة.

وكان متألماً جداً ولسان حاله يقول : لعلّ أهل بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد طردوني من بابهم. وكان من عادته أن يقول ذلك أحياناً بتأثر ويبكي ).

وأضاف الشيخ محدث زاده :

( وكنت في ذلك الوقت مشغولاً بالدراسة ، فذهبت الى المدرسة وعندما رجعت في الظهر الى البيت رأيته مشغولاً بالكتابة ، فقلت له : هل تحسنت عينك؟

فقال : قد ذهب الوجع كله.

فسألته : وكيف عالجتها؟

فأجاب : توضأت وجلست قبال القبلة وأخذت كتاب الكافي وفتحته على عيني ، فزال الوجع من عيني؟

وبعد ذلك فانّ عينه لم تؤلمه الى آخر عمره ).

* وكان كتاب الكافي هذا الذي نشره على عينه مخطوطاً بخط الفقيه المشهور الملاّ عبدالله التوني صاحب كتاب ( الوافية ) وكان المحدّث القمّي معتزاً به كثيراً.

* وعندما كان مقيماً في المشهد الرضوي مرض ولده الصغير فأحصر له دواءاً شعبياً وضع فيه قليلاً من السكر وجيء به ليشربه وحينئذٍ وضع المحدّث القمّي اصبعاً من يده اليمنى في ذلك الشراب وحركة في داخل الاناء. فقالت له زوجته : انتظر حتّى اتيك بملعقة.

فأجابها الشيخ : كان قصدي من ذلك الاستشفاء ، لأنّي بهذه اليد كتبت آلافاً من أحاديث الأئمة الطاهرينعليهم‌السلام (١) .

ونقل عنه : انّه كان لا يأخذ كتب الحديث ولا يمسها إلاّ على طهارة ووضوء ، وإذا أراد أن يقرأ في كتب الأحاديث فانّه يجلس على ركبتيه متأدباً ويتوجّه الى القبلة ثمّ يبدأ بالمطالعة.

__________________

(١) راجع (شيخ عباس قمّي مرد تقوى وفضيلت) : ص ٥٦.


احتياطه بالرواية :

كان غالباً يأخذ الكتاب معه عندما يرتقي المنبر ليقرأ منه على المستمعين الحديث الذي يريد أن ينقله لهم ، أو يقرأ التعزية(١) .

وقد نقل عن بعض علماء طهران انّه قال : حضرت تحت منبر الشيخ عباس في بعض أيّام شهر رمضان بمشهد فقال ذات يوم خلال حديثه : انّي رأيت في المنام كأني آتي بالمفطر في شهر رمضان وفسرته بانّي قد اشتبه في نقل الحديث فازيد وانقص غفلة ، ولذلك اصطحبت الكتاب معي في هذا اليوم لاقرأ فيه(٢) .

فمع اطلاعه الواسع ومعرفته بتاريخ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمة المعصومينعليهم‌السلام لكنه ولشدة احتايطه يقرأ الأحاديث والتعزية في الكتاب.

احترامه لأسماء المعصومين عليهم‌السلام :

وقيل انّه كان لا يذكر اسم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو أحد المعصومينعليهم‌السلام إلاّ وهو على طهر ووضوء ويعتبر أن ذكر اسمائهم بغير طهارة ووضوء من سوء الأدب ، ويعتبر الاكتفاء بوضع علامة (ص) بعد اسم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أو (ع) بعد اسم أحد المعصومينعليهم‌السلام نوع حرمان من السعادة الالهية.

قال في منتهى الأمال عند ذكره أحوال الامام الصادقعليه‌السلام ، فنقل عن الشيخ الصدوق عن مالك بن انس ـ مؤسس المذهب المالكي أحد المذاهب الأربعة ـ في وصفه للامام الصادقعليه‌السلام انّه قال : ( فاذا قال ـ أي الامام الصادقعليه‌السلام ـ قال رسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اخضرّ مرّة واصفّر اُخرى حتّى ينكره من يعرفه ) وعقب الشيخ القمّي على الخبر بما تعريبه : (تأمّل جيداً في حال الامام الصادقعليه‌السلام وتعظيمه واجلاله لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كيف يتغير حاله عند نقله الحديث عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وذكره اسمه الشريفصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع انّه ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقطعة من بدنه : فتعلم ذلك واذكر اسم

__________________

(١) مردان علم در ميدان عمل : ص ٩٧.

(٢) راجع (شيخ عباس قمّي مرد تقوى وفضيلت).


الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بغاية التجليل والاحترام وصلّي عليه بعد ذكر اسمه المبارك ، وإذا كتبت اسمه الشريف في مكان فاكتب الصلوات بشكلها الحروفي ولا تكتفي بالرمز والاشارة فتكون كبعض المحرومين من الرحمة الذين يكتفون برمز (ص) أو ( صلعم ) ونحو ذلك. بل لا تذكر اسمه المباركصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا تكتبه اذا لم تكن على وضوء وطهارة ، ومع ذلك كله طلب العذر منهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأنك قصرت باداء حقّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١) .

حبّه لأهل البيت عليهم‌السلام :

والحب لهم صلوات الله عليهم أجمعين علامة الايمان وطهارة المولد ، وكان القمّي كباقي الصالحين من عشاقهمعليهم‌السلام وممن يحيي أمرهم ، ويعتبر التوسل بهم الوسيلة التي تقربه الى الله عزّوجلّ وبهم تقضى له حاجاته.

ونقل عن القمّي انّه كان كثير البكاء في مجالس مصائبهمعليهم‌السلام وتجد ذلك واضحاً فيما ألّفه من الكتب النفيسة التي تعكس علاقته وتعلقه بهمعليهم‌السلام.

احترامه للذرية الطاهرة :

كان يعظم السادة من ذرية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويحترمهم أشد الاحترام ، فقد نقل عنه انّه كان يتأدب أمام أي سيّد من السادة ويقدّمه على نفسه حتّى لو كان طفلاً بحيث لم ير المحدّث القمّي يوماً قد بسط رجليه أمام سيّد سواءاً كان جالساً في غرفة أو بيت أو ساحة(٢) .

والقصة المتقدّمة عن سلطان الواعظين الشيرازي تؤيد هذه الحقيقة(٣) .

* وذكر أيضاً : قبل وفاته بساعات جيء له بعصير تفاح ليشرب ، وكانت في منزله طفلة علوية من السادة ، فقال المحدّث : اعطوا العصير للطفلة العلوية لتشرب أولاً وبعد ذلك آتوني بالباقي.

__________________

(١) منتهى الآمال : ج ٢ ، ص ١٣٨ ـ ١٣٩.

(٢) محدث قمّي : ص ٤٣.

(٣) تقدّمت القصّة في ص ٧٨.


وقد فعل من حوله ذلك فاعطوه للطفلة العلوية فشربت منه مقدراً ثمّ جاؤوا بالباقي فشربه المحدّث ، وقال انّي قصدت من وراء ذلك الاستشفاء(١) .

وقد جاءت في الرويات الكثيرة عن أهل بيت العصمة والطهارة لزوم احترام الذرية الطاهرة ، منها :

روى الصدوق باسناده عن دعبل الخزاعي عن الامام الرضاعليه‌السلام عن آبائه عن عليعليه‌السلام قال : « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أربعة أنا لهم شفيع يوم القيامة : المكرم لذريتي من بعدي ، والقاضي لهم حوائجهم ، والساعي لهم في امورهم عند اضطرارهم ، والمحبّ لهم بقلبه ولسانه »(٢) .

وروى الطوسي بأماليه بإسناده عن الامام موسى بن جعفر عن أبائهعليهم‌السلام عن فاطمة عن أمير المؤمنين صلوات الله عليهما قال : « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ايّما رجل صنع الى رجل من ولدي صنيعة فلم يكافئه عليها فأنا المكافيء له عليها »(٣) .

وفي صحيفة الامام الرضاعليه‌السلام عن آبائهعليهم‌السلام قال : « قال علي بن أبي طالبعليه‌السلام من اصطنع صنيعة الى واحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها في الدنيا ، فأنا اجازيه غداً اذا لقيني يوم القيامة »(٤) .

وروى الشيخ المفيد في أماليه بإسناده عن محمّد بن الحنفية قال : « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ليس منّا من لم يرحم صغيرنا ، ويوقر كبيرنا ، ويعرف حقّنا »(٥) .

خطابته ووعظه :

الوعظ والخطابة والارشاد من المهمات الكبيرة التي قام بها الأنبياء

__________________

(١) عن (حاج شيخ عباس قمّي مرد تقوى وفضيلت) ص ٦٤.

(٢) عيون أخبار الرضا : ج ١ ، ص ٢٥٣ ـ ٢٥٤ ، ونقله عنه في البحار : ج ٩٦ ، ص ٢٢٠ ، ح ١٠.

(٣) الأمالي للطوسي : ج ١ ، ص ٣٦٥ ، وعنه في البحار ج ٩٦ ، ص ٢٢٥ ، ح ٢٣.

(٤) الصحيفة المنسوبة للامام الرضاعليه‌السلام : ص ٢. عيون أخبار الرضا للصدوق : ج ١ ، ص ٢٥٩ ، ونقله في البحار : ج ٩٦ ، ص ٢٣١ ، ح ٢٣١.

(٥) الأمالي للمفيد : ص ١٧ ـ ١٨ ، طبعة النجف. ونقله في البحار : ج ٩٦ ، ص ٢٣١.


والأوصياء صلوات الله عليهم أجمعين ، ولكن لظروف لم تعرف اصولها ، تقلصت هذه المهمّات من مساحة التبليغ واعتبرت ضمن أعراف حوزوية معينة بانّها مهنة اُناس يحترفونها ، ولابدّ للاجلاّء من العلماء أن يتنزهوا عنها لانّها لا تليق وشأنهم ، وقد أخذت هذه الأفكار غير الصائبة تنزوي وتزول خصوصاً بعد انتصار الثورة الاسلامية المباركة حينما تصدى للخطابة والوعظ كبار العلماء والمجتهدين وعلى راسهم إمام الاُمّة ( قدس الله روحه الطاهرة ).

ونجد إيمان القمّي وتقواه وحبّه لهداية المؤمنين قد تصدى لهذه المهمّة الكبيرة من موقع الوظيفة الشرعية بدون أن يحترفها(١) ، وقد سار أثر خطى استاذه النوريرحمه‌الله .

وكانت لمواعظه أثرها الكبير في النفوس لأنه كان يتحدّث بما يعتقد به وبما عمل به قبل أن يتحدّث عنه(٢) .

وقد روى الطوسي في أماليه بالإسناد عن الامام الصادقعليه‌السلام انّه قال : ( من تعلّم لله عزّوجلّ وعمل لله وعلّم لله ، دعي في ملكوت السماوات عظيماً ، وقيل تعلم لله ، وعلم لله )(٣) .

وروى البرقي بإسناده عن الامام الباقرعليه‌السلام قال : في ضمن رواية : « أشدّ الناس حسرة يوم القيامة الذين وصفوا العدل ثمّ خالفوه »(٤) .

وقد نقل عن بعض حضّار مجلسه انّه قال : لقد كان كلام الشيخ القمّي يجعل الانسان بعيداً وممتنعاً عن السيئات والأعمال والذنوب لمدة اسبوع على الأقل ويكون متوجّهاً الى الله تعالى والى العبادة(٥) .

__________________

(١) وكشاهد على ذلك القصة التي تقدمت في ص ٨٠.

(٢) محدث قمّي : ص ٥٧.

(٣) الأمالي للطوسي : ج ١ ، ص ١٧٠ ، المجلس ٦ ، ح ٣٢.

(٤) المحاسن للبرقي : ص ١٢٠ ، (كتاب عقاب الأعمال) ، باب ٦٤ ، ح ١.

(٥) مردان علم در ميدان عمل : ص ٩٧.


* ونقل عن بعض علماء النجف : كانت طريقة الشيخ عباس عندما يرتقي المنبر ويبدأ حديثه ينقل في البداية الخبر ثمّ يذكر سند الحديث ورجال السند ثمّ يتحدّث عن حياتهم وحالهم في الوثاقة وغيره ، فإذا وصل به الحديث الى المعصومعليه‌السلام فانّه يتغير ويتخيل السامع انّه يرى المعصومعليه‌السلام رأي العين.

* ونقل عن أحد كبار علماء مشهد في وقته اغا بزرك الحكيم انّه كان يجب اثنين من العلماء أكثر من غيرهم أحدهما آية الله السيّد حسين القمّي والآخر الشيخ عباس القمّي وكان يقول : من يريد أن يستنير بكلام أهل البيتعليه‌السلام فليحضر منبر الشيخ عباس.

* ونقل عن أحد العلماء انّه كان للمرحوم ( بلور فروش ) القمّي مجلس عزاء سنوي في أيّام الفاطمية الاُولى في البيت الذي سكنه آية الله البروجردي ١٦ سنة ، وكان لا يدعو للخطابة غير الشيخ عباس القمّي ، وكان المجلس يعدّ أحسن مجلس في قم المقدّسة يحضره جميع الطبقات وبالخصوص العلماء ، وكان الناس ينتظرون أيّام الفاطمية ليحظو بمجلس الشيخ القمّي.

* وقد أدخل المؤسس آية الله الشيخ الحائريرحمه‌الله في ايران احياء مصائب سيّدة نساء العالمينعليه‌السلام في الفاطمية الثانية وكان يحضر للمنبر الشيخ عباس القمّي وكان المجلس يكتظ بالعلماء والفضلاء وطلبة العلوم الدينية وسائر الناس.

وكان المرحوم الهسته اي الاصفهاني يخطب أولاً فإذا اتمّ مجلسه ارتقى المنبر الشيخ القمّي بعده ولشدة تعلّق الناس بالشيخ القمّي دون أن يتفرقوا.

* وكان يرتقي المنبر في النجف الأشرف في ( مسجد الهندي ) المعروف صباح كل يوم من العشرة الأولى لمحرم ، وكان مجلسه يزدحم بالناس أكثر من جميع مجالس النجف مع انّه كان يتحدّث لمدة لا تقل عن ساعتين.

وكان في يوم العاشر لا يقرأ إلاّ المقتل ولا يتحدّث عن مصيبة سيّد الشهداءعليه‌السلام ومظلوميته. وكان يضج المجلس بالبكاء ويبكي العلماء


والفضلاء بكاءاً شديداً.

* ووصف نجله الشيخ محدث زاده مجلسه ووعظه ما تعريبه ملخصاً : وكان الناس في أوقات فراغه ، وبالخصوص في أيّام اقامة العزاء يستفيدون منه بمواعظه الطيبة ، وخطبه النافعة. والحقّ فانّ لخطاباته آثاراً خاصّة وذات جذابية تكسب إليها كل القلوب(١) فقد كان واعظاً متّعظاً يرقى المنبر ، ويلقي على سامعيه الأحاديث المنقولة عن الأئمة الطاهرينعليهم‌السلام مع تحفظ على ضبطها ودقة في قراءة ألفاظها.

ويعظ الناس ودموعه منهمرة تسيل على لحيته الكريمة ، وربما منعته من الاستمرار في حديثه ، وخاصّة عند ذكر مصائب المعصومينعليهم‌السلام ، وما ورد عليهم من الآلام والفجائع على أيدي اعدائهم وغاصبي حقوقهم )(٢) .

تقواه وزهده وتواضعه :

قال زميله الطهراني : ( كنا نسكن غرفة واحدة في بعض مدارس النجف ونعيش سوية ، ونتعاون على قضاء لوازمنا وحاجاتنا الضرورية حتّى تهيئة الطعام وبقينا على ذلك بعد وفاة شيخنا وقد عرفته خلال ذلك جيداً ، فرأيته مثال الانسان الكامل ومصداق رجل العلم الفاضل.

وكان يتحلى بصفات تحببه الى عارفيه ، فهو حسن الأخلاق جمّ التواضع ، سليم الذات ، شريف النفس ، يضمّ الى غزارة الفضل تقىً شديداً ، والى الورع زهداً بالغاً ، وقد أنسب بصحبته مدة وامتزجت روحي بروحه زمناً )(٣) .

وقال الشيخ حرز الدينرحمه‌الله في وصفه : ( عالم كامل ثقة عدل متتبع ، بحاثة عصره ، أمين ، مهذب ، زاهد ، عابد ، صاحب المؤلّفات المفيدة )(٤) .

وقال نجله الشيخ محدث زاده : ( وكان باخلاقه وزهده وتقواه وطهارته

__________________

(١) مقدمة منتهى الآمال : ص ٥.

(٢) مقدمة نفس المهموم للحسيني : ص ٦.

(٣) نقباء البشر : ج ٣ ، ص ٩٩٩.

(٤) معارف الرجال : ج ١ ، ص ٤٠١.


وبدون مبالغة ـ مرشداً وداعياً للمجتمع ، بل يمكن أن يقال انّه كان نموذجاً للصالحين والعظماء في عصره )(١) .

* وقد تحدّث الكثير عن زهده فقالوا : انه كان يلبس ملابساً بسيطة فكانت ملابسه عبارة عن قباء كرباس نظيف جداً ومطيّب ، ومرّ عليه الشتاء والصيف عدة مرّات وهو لابس ذلك القباء الكرباسي ، فلم يكن ابداً يفكر في الملابس والكماليات.

* وكان فراش بيته من البسط العاديّة التي تمسى بـ ( گليم ).

* وكان لا يصرف على نفسه من (سهم الامامعليه‌السلام ) ، وكان يقول انّي لا استحقه.

* وكان محتاطاً في طعامه أيضاً ، فمع انّه كان مبتلى بمرض الربو (ضيق التنفس) ، ولم يكن ينسجم مع صحّته أي طعام وانّما لابدّ وأن لا يكون فيه ضرر على صحّته ، ومع ذلك كله فانّه كان لا يهتم الى نوع الغذاء وكميته ، وكان يأكل أي طعام قدم له ، وبأي مقدار ممكن.

* وفي مرّة من المرّات عندما كان الشيخ في النجف الأشرف قدمت له امرأتان كانتا تسكنان في مدينة ( بمبي ) ومن أقرباء ( آقا كوچك ) من وجهاء النجف الأشرف ، والتمستا منه أن يتقبل منهما في كل شهر(٧٥) روبية ليدفعه مقداراً في معيشته. وكان مصرف عائلته شهرياً لا يتجاوز(٥٠) روبية.

ولكن الشيخ امتنع عن قبول هذا المبلغ ، فاصر الميرزا محسن محدّث زاده ـ ولده الصغير ـ أن يقبل ذلك المبلغ ، ولكنه لم يستجب الى أن يئست المرأتان وخرجتا ، فحينما ذهبتا قال الولد للوالد : انّني سوف لا اقترض من السوق شيئاً لمصرف البيت فيما بعد.

فقال الحاج الشيخ عباس : اسكت. فانّي لا ادري بماذا اجيب الله تعالى

__________________

(١) تتمة المنتهى : ص ٥.


وصاحب الزمان ( سلام الله عليه ) يوم القيامة عن هذا المقدار الذي اصرفه فكيف تريدني أن أثقل حملي أكثر من هذا؟

* وكان أحد الأشخاص من تجار طهران يقدم له مبلغاً متواضعاً من المال الى آخر عمره ، وكان هو يقتصد جداً بمعيشته. وقد جاءه في أواخر عمره شخص من همدان الى النجف الأشرف والتقى به في بيته ، وفي أثناء الحديث سأله عن وضعه الداخلي ، فأجابه الشيخ بكل ما هو موجود : فحينما أراد ذلك الشخص أن يخرج قدّم له مبلغاً من المال ، ولكن المحدّث القمّي لم يتقبله ، ومع شدة اصراره فانّه لم يقبله منه.

فعندما ذهب سأله ابنه الكبير : يا أبتي ، لماذا لم تقبله؟

فأجاب : أن رقبتي رقيقة وبدني ضعيف ، فلا طاقة لي يوم القيامة على الجواب ، ثمّ نقل لهم قصدة أمير المؤمينعليه‌السلام في ليلة التاسع عشر من شهر رمضان وبكى ثمّ أخذ بوعظ أهل بيته.

تواضعه :

فكان كثير التواضع للآخرين كباراً وصغاراً في البيت أو في المدرسة ، وكان يظهر الاحترام والأدب لكلّ من يلاقيه في الطريق سواء كان من العلماء أو من غيرهم خصوصاً إذا كان من حملة الحديث وأخبار أهل البيتعليهم‌السلام ، وكان يعدّ نفسه صغيراً أمامهم. وكان إذا دخل مجلساً لا يجلس في صدر المجلس أبداً ، ولا يقدّم نفسه على الآخرين. وكان يحذر جداً من الزهو والاعتداد بالنفس ، أو ياخذه الغرور.

حلاوة معشره :

ولا يتوقع من القضايا السابقة التي نقلت عنهرحمه‌الله انّه كان فظّاً مع الآخرين ضعيف العاطفة ، بل بالعكس فانّ أولئك الذين صاحبوه ونقلوا عنه تلك القضايا الجميلة لم ينسوا ذكر فضيلته الاُخرى بعلاقته مع الآخرين فقد وصفوه بانّه كان


حلو اللسان طيب الحديث ، لم يمنعه أنسه بالكتاب من أن يظهر المحبة للآخرين ، بل كان حتّى في سفره منشرح الوجه مبتسم الثغر مع رفقائه مع قليل من المزاح واللطافة. بل كان يهتم في سفره برفقاء طريقه ويتلطف معهم أكثر من المعتاد.

فكان أصحابه يحبونه كثيراً لحسن خلقه وسلوكه وتعامله اضافة الى تقواه وزهده وغير ذلك من الصفات الجميلة التي اجتمعت في شخصيته(١) .

قالوا فيه :

* قال السيّد الأمين : ( عالم فاضل صالح محدّث واعظ عابد زاهد )(٢) .

* وقال العلاّمة الطهراني : ( وقد عرفته خلال ذلك جيداً فرأيته مثال الانسان الكامل ، ومصداق رجل العلم الفاضل ، وكان يتحلى بصفات تحببه الى عارفيه فهو حسن الأخلاق ، جم التواضع ، سليم الذات ، شريف النفس ، يضمّ الى غزارة الفضل تقى شديداً ، والى الورع زهداً بالغاً

وكان دائم الاشتغال ، شديد الولع في الكتابة والتدوين والبحث والتنقيب لا يصرفه عن ذلك شيء ولا يحول بينه وبين رغبته فيه واتجاهه إليه حائل )(٣) .

* وقال خير الدين الزرگلي : ( باحث إمامي ، من العلماء بالتراجم والتاريخ ، مولده ووفاته بالنجف عاش مدة طويلة في طهران )(٤) . * وقال المدرس : ( من أفاضل علماء عصرنا الحاضر ، عالم فاضل كامل ، محدث ، متتبع ، ماهر ، وهو مقصود المؤلّف من (الفاضل المحدّث المعاصر) في هذا الكتاب )(٥) .

* وقال الأميني : ( وهو من نوابغ الحديث والتأليف في القرن الحاضر ، وأياديه المشكورة على الامة لا تخفى )(٦) .

__________________

(١) المصدر السابق.

(٢) أعيان الشيعة : ج ٧٠ ، ص ٤٢٥.

(٣) نقباء البشر : ج ٣ ، ص ٩٩٩.

(٤) الاعلام : ج ٣ ، ص ٢٦٥.

(٥) ريحانة الأدب : ج ٤ ، ص ٤٨٧ ـ ٤٨٨.

(٦) الغدير : ج ١ ، ص ١٥٧.


دوره في محاربة مؤامرة رفض الدين :

سبق وأن أشرنا الى انّ العصر الذي عاش فيه الشيخ القمّي من أشدّ العصور الحرجة التي مرّت بها امتنا الاسلامية ، فقد اتّحد الشرق والغرب العلماني والمسيحي على قلع الجذور الدينية الاسلامية من بلاد المسلمين بعدها ظهر الضعف في الأنظمة التي حكمت البلاد الاسلامية وبالخصوص الدولة العثمانية والدولة القاجارية.

ولا يسع المقام في هذا المقال شرح كل خيوط المؤامرة الاستكبارية وسبب انحطاط المسلمين وانهيار قوتهم وظهور العجز الكبير في وجودهم السياسي وغيره.

ولكننا لابدّ وأن نثبت هنا حقيقة مهمّة وهي أن الاستعمار الشرقي والغربي استطاع أن يصرف الكثير من المسلمين عن الأسباب الحقيقية للانهيار ، وخداعهم بأنّ السبب الرئيسي هو نفس الدين يعتنقونه.

وقد مؤّهوا عليهم بأنّ أوربا لم تستطع أن تحصل على النهضة السياسية والاقتصادية والفكرية إلاّ بعد التخلص من هيمنة الكنيسة وعزل الدين عن السياسة ، وابعاد (رجال الدين) عن مقدرات الامة وتضييق دائرة حركتهم السياسية والاجتماعية. ولذلك فعلى الامّة الاسلامية اذا أرادت أن تتخلص من الانهيار الحضاري الذي اعتراها بالعصر الحاضر فعليها أن تخطو نفس الخطوات التي سلكتها الدول الصناعية الكبرى برفض الدين والتحجير على رجاله وتضييق دائرة حركتهم واطلاق الحريات للجميع يمارسونها كيفما يشاؤوا.

وبالواقع فانّ اولئك الذين خططوا للقضاء على الامة الاسلامية كانوا يعون ما يقولون ويتحركون ضمن خطط دقيقة مسبقة ، وكانوا يحسون أن نقطة الخطر أمام الاستعمار تكمن في شخصية الانسان المسلم ، وما لم يتمكن الغرب والشرق من مسخ شخصية الانسان المسلم وابدالها بشخصية غريبة عن تاريخ الامة وتقاليدها ، فانّهم لا يستطيعون أن ينفذوا شئياً من خيوط المؤامرة ، وخصوصاً


فانّهم يريدون منها أن تكون قاضية وتستمرّ الى آخر الدنيا بدون امل لنهضة العالم الاسلامي مرّة اُخرى ، فانّهم يحسبونه المارد الذي حطم كبرياءهم في يوم سابق من أيّام التاريخ.

وكانت بداية التجربة في تركيا واستطاعوا أن ينجّحوا المؤامرة هناك لأسباب متعددة لسنا الآن بصدد بيانها.

والمحطة الثانية للمخطط كانت ايران ، وأمّلوا من قزمهم المدعوا بـ ( رضا بهلوي ) أن يقوم نيابة عنهم بتنفيذ المخطط التآمري.

وكان شديداً جداً بالتنفيذ وعنيفاً بما لا يتصور ، خصوصاً انّه قد عُلِّمَ بأنّ العائق أمام نجاح أعماله يتمثل بقوتين أولاهما النظرية والاُخرى التطبيق ، فأما التطبيق فقوة العلماء الشيعة والحوزات العلمية ، فعليه اذا أراد أن ينتصر بمعركته ، فعليه أن يكسر عدة أبراج مهمّة في واقع الامة ، أولها الموقع القيادي للعلماء وهيبتهم في نفوس الامة وطاعة الناس لهم ، وقد قسموا هذا الوجود الى قسمين : أولهما بما يتعلق بهيئة العلماء فانّه نفذ المؤامرة في خلال الاعتداء شخصياً على العلماء بمحاربة الحوزات العلمية ومنع لبس الزي العلمائي ومنع النشاط العلمائي كإقامة مجالس العزاء والوعظ والارشاد الديني ، اضافة الى عدم احترامهم والتجاسر على المجتهدين وقتل بعضهم ونفي البعض الآخر وما الى ذلك من الأعمال الاجرامية.

وأما القسم الثاني فيتم بابعاد الناس عن الدين والتدين وقد نفذ المؤامرة بعدّة أنشطة اجرامية أحدها منع الحجاب والسفور الالزمي ، والمدارس المختلطة ، ونشر أماكن الدعارة والخمور والتشجيع على الفحشاء ، ونشر مؤضة اللادينية بكل ابعادها ، وهو المخطط الثاني المتعلق بالخطة النظرية للقضاء على الدين.

وأهم اسلوب انحرافي استخدمه الاستعمار من خلال عملائه المرتطبين بالشرق والغرب(١) اعتبار الدين لا ينسجم مع تطورات العصر ورقيّه وانّما كان

__________________

(١) إن الفرق بين العميل الشرقي والغربي الدوافع التي تكمن وراء ارتباط العميل فانّ


له قوة الحركة والتحريك في العصور الماضية ، ولذلك فانّه ضعف في نفوس معتنقيه ولم يقدر يقاوم لأجل البقاء كلما تطورت المجتمعات وظهرت الثورات الصناعية والزراعية وغيرهما.

وقد سعى اولئك جاهدين أن يدخلوا بعض المفاهيم التي انتشرت في أوربا تحت عنوان ( الحريات ) و ( الثورة الفرنسية ) وقوانين السياسة والقوانين المدنية والفكر الماركسي وما الى ذلك.

وابتغوا من ذلك ملء الفراغ الذي سوف يولده انسحاب الفكر الديني من نفوس اتباعه المسلمين.

وفي البداية سعوا لابدال الدين بالدين ، أي المسيحية بالاسلام ، فلم يتمكنوا لأسباب موضوعية تعود الى عمق الارتباط الديني والاسلامي أولاً ، والى نشوء تناقض بين ما يطرحون من فكر ( تقدمي ) وبين الدين ( الذي يمثل العائق للتطور كما يزعمون ).

وبذلك رجعوا الى طرحهم السابق برفض الدين وابعاده عن الدولة والمجتمع والانسان.

وحملت تلك الهجمة عناوين ( التحديث ) والتقدم والتحرر والوطنية والمفاهيم الاُخرى المستوردة.

١ ـ ومع أن تلك المفاهيم نشأت تحت ظروف خاصّة عاشتها اُوربا في عصورها الوسطى وما بعدها.

٢ ـ وأن المفاهيم التي تتولد نتيجة ظروف وملابسات معينة لا يمكن نقلها الى

__________________

الدوافع التي تحرك العميل الغربي بالغرب انّما هي دوافع ماديّة أكثر منها فكرية ، ونقصد بالماديّة الاعم من الارتباط العضوي المادي ـ بأخذ الهبات والرواتب وغيرها ـ فتشمل الانسياب وراء الشهوات الجنسية والاباحية والتخلص من القيود الدينية وما الى ذلك.

بينما العميل الشرقي تبع أصحابه منخدعاً بما يسمى بالفكر العلمي المادي المبتنى على اسس مفاهيم الشيوعية الماركسية.


أماكن اُخرى لم تظهر فيها مثل تلك الظروف.

٣ ـ فانّهم أرادوا بالحيلة مرّة وبقوة السلاح والنار مرّة اُخرى أن يرغموا الامة الاسلامية على قبول هذا الاستيراد الغريب بكل معنى الكلمة.

وكانت المعركة بأشدها في البداية ، وهو أمر طبيعي ، ولذلك عانى اولئك الذين عاشوا بداية المعركة أشد المصائب والمحن ، ولاقوا الامرّين ، وكان جهادهم يعادل جهاد جميع الذين جاؤوا من بعدهم. وكان من اولئك الشيخ القمّيرحمه‌الله .

أما كيف عالجوا مشكلة التحديث التي اطلقت على ذلك المخطط الجهنمي وبشكل مختصر مجتنبين التفصيل محيلينه الى محل آخر. وهناك عدّة أساليب حاولت أن تقاوم المؤامرة وقد فشلت بعضها ولم تستطع المقاومة بينما حظيت أساليب اُخرى بالنجاح.

ولا نقصد بذلك القواعد الشعبية والجمهور والتاريخ الذي صنعه المؤمنون الأبطال في مقاومة الكفر بثوبه الجديد.

وانّما نقصد الفكر الذي قاوم ( الموضة اللادينية ) والفكر العلماني والاتهامات الاستعمارية للاسلام ، والهالة الكاذبة التي اعطيت للفكر المستورد.

١ ـ فهناك من تأثّر بالطروحات الجديدة ، ولكنه حاول أن يغير شيئاً بالشعارات واللافتات ، فعزل الدي عن السياسة ، واعطى السياسة وحق العمل السياسي لأولئك الذين ابتعدوا عن الدين ورجاله.

٢ ـ وهناك من ناقش في التراث الديني ودعى الى تطويره بما يتلائم مع متطلبات العصر.

٣ ـ والأخطر من اولئك جميعاً دعاة التحديث الذين يحسبونهم على رجال الدين ومن هم على شاكلتهم والذين اطلقوا على انفهسم عناوين مختلفة مثل المتنورين وغيرهم فانّهم ادعوا بأنّ الأبحاث العقائدية والفقهية والأخلاقية مسائل أكل الدهر عليها وشرب وانّها انقضت ولابدّ من الاهتمام بالمسائل الاقتصادية


والسياسية العصرية.

وقد وجد اتجاه معاكس وكأنما نشأ من ردود الفعل فانّه رفض التحديث بشكل كلي واصرّ على القديم تحت شعار ( عليك بالقديم لا بالمحدثات ) ، وقد رام هؤلاء أن يدافعوا عن اصولهم الدينية ولكنهم اخطأوا المرمى ، بل بالعكس فانّهم وقفوا حجر عثرة في بعض الحالات امام المجاهدين.

كما اخطأ اولئك بفكرة التحديث فانّ الدين نزل من الحقّ تعالى وانّ حلال محمّد حلال الى يوم القيامة وحرام محمّد حرام الى يوم القيامة. وانّ الفكر الديني هو الوحيد الذي يملك القدرة على رقي الانسان وبناء الحضارات السليمة والانسان الصالح.

كما أن القوانين الدينية الثابتة غير قابلة للمساومة والتبديل ، نعم انّ الأساليب في التبليع والارشاد وطريقة الطرح في بعض المسائل المرتبطة بالعرض امور موكولة الى أهل الدين عليهم أن يستفيدوا من الطرق التي تلائم كل مجتمع وكل انسان وتدخل تحت عنوان ( ادعوا الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ).

وليس معنى فتح باب الاجتهاد على مصراعيه ، يقولوا ما يشاؤوا وما تبدعه اذهانهم من آراء ونسبتها الى الدين والاسلام.

فانّ هذا انحراف خطير ، فانّ الانسان ـ وأي انسان ـ لا يمكنه أن ينسب شيئاً الى الدين إلاّ اذا كان أهلاً لفهم الاصول الدينية ومصادر العقيدة والتشريع ، يعني واصلاً الى قدرة الاستنباط للمسألة الشرعية سواء كانت كلية أو فرعية.

وانّ ذلك الانحراف هو الذي أوقع اصحابه في دعوى عدم وجود حاجة الى الفقه والأبحاث الأخلاقية والأبحاث الدينية الاُخرى. بل على العكس انّ الانسان في العصر المادي والمعركة المادية أحوج ما يكون الى المدد الروحي والى الروحانية الدينية ليقاوم بها الفكر المادي بكل اشكاله وحتّى ذلك الفكر المادي الذي حسب نفسه على الدين ، اعوذ بالله تعالى.

ومن هذه النتيجة نعرف سرّ نجاح الشيخ القمّي بحركته الأخلاقية فية عصر


عنفوان المعركة ضد الدين والروحانية. فانّه تمكن من عرض الدين بجانبه الروحاني باسلوب ليّن محبب الى الجمهور لأنه كان يحس بالمعركة ويعرفها ويواجهها بقوة ولكن بطريقته الخاصّة وكان يعرف انّ العدو عندما يريد أن يقضي على روحانية الدولة والمجتمع والانسان المسلم فلابدّ من التأكيد على عودة الروحانية الى الدولة والمجتمع والانسان المسلم.

والحق فانّ حركة الشيخ القمّي لا يمكن لأحد أن يفصلها عن حركة آية الله السيّد حسين القمّي ، كما انّها لا يمكنها أن تفصل عن حركة آية الله الحائري كما أن جميع هذه الحركات متمّمة لحركة آية الله السيّد حسن المدرس وهكذا جميع اولئك الذين تصدوا للعدوان.

وجميع أوجه النشاط الديني الذي قام به سلفنا الصالح يعبر عن حقيقة واحدة هي المقاومة للعدوان المادي الذي أراد أن يقلع الدين من الدولة والمجتمع والانسان.

القدوة في حياة القمّي :

لا اظنني احتاج الى تفصيل القدورة في حياة شيخنا القمّي وانّما يمكن أن نرجع الى كل تلك العناوين المتقدّمة فانّها تصلح أن تكون محفزاً للآخرين للاقتداء بالرجل الصالح في مختلف المواقف.

وانّي على يقين أن أيّ قارىء لتلك القضايا التي نقلت عن المحدّث القمّي سوف يجد فيها شاهداً روحانياً في طريق تكامله الانساني ؛ وإن كان القلم ـ وللأسف الشديد ـ لم يستطع أن يحفظها بجمالها المعنوي في اطار الجمال اللفظي فانّي أقرّ بأنّ القصور الأدبي في التعبير قد اخفى كثيراً من صور الجمال لتلك الوقائع ولكن عن غير قصد ، فالقاصر معذور على كل حال.

وفاته ومدفنه :

لقد سبق وانّ بيّنا بأنّ الشيخ القمّيرحمه‌الله كان قد ابتلى بمرض الربو ( ضيق


النفس ) ويشتد عليه بصيف كل سنة ، ولذلك فهو يسافر الى الأماكن التي تخف فيها الحرارة كمشهد المقدّسة ، ولكنه وبسبب الأوضاع الصعبة فانّه لم يعزم على السفر الى مشهد المقدّسة ، وكان قد اعتاد بعد رحلته الأخيرة الى النجف الأشرف أن يقضي الصيف في سورية ولبنان ، ولكنه بسبب الخلاف السياسي بين العراق وسورية آنذاك لم يستطع السفر الى سورية وبقي في النجف الأشرف يصارع مرضه الذي لم يكتف بثقله الجاثم على الشيخ المريض وانّما استعان عليه بمرض آخر فابتلي الشيخ بمرض الاستسقاء ولمدة ثلاثة أشهر. وقد أخذ منه كثيراً من قوته البدنية بحيث لم يستطع الصلاة من قيام وانّما كان يؤديها من جلوس حتّى توفي في النجف الأشرف بعد النصف من ليلة الثلاثاء ، الثالث والعشرين من شهر ذي الحجّة الحرام من سنة ١٣٥٩ هـ وقد عم البلاد الحزن والألم والتفجع على هذه الخسارة الكبرى بموت هذا العالم الجليل ، ففي الخبر « اذا مات العالم ثلم في الاسلام ثلمة ».

وحمل على الأكتاف الى الصحن العلوي الشريف وقد صلى عليه المرحوم آية الله العظمى السيّد أبو الحسن الاصفهاني ودفن عند رجلي الشيخ النوري في الايوان الثالث على يمين الداخل من الباب القبلي الى الصحن الغروي(١) وكان ذلك بوصية منه على ما قيل.

* * *

__________________

(١) مصفى المقال/ اغا بزرك الطهراني : ص ٢١٥. وفيات العلماء : ص ٢٣٢. نقباء البشر : ج ٣ ، ص ١٠٠٠. تاريخ قم لناصر الشريعة : ص ٢٧٤. معارف الرجال لحرز الدين : ج ١ ، ص ٤٠٢. ريحانة الأدب للمدرسي : ج ٤ ، ص ٤٨٨. وغيرها من المصادر.




مقدمة المؤلّف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين.

وبعد ، فيقول العبد عديم البضاعة والمتمسك بأحاديث أهل بيت الرسالةعليهم‌السلام عباس بن محمّد رضا القمّي ختم الله له بالحسنى والسعادة :

إنّ العقل والنقل يحكمان على الشخص الذي يعزم على السفر أن يهيء الزاد والمؤونة لسفره بمقدار ما يلزمه في ذلك السفر. ثمّ يسافر ؛ وعليه فمن الأجدر ونحن في سفره الآخرة الذي لا مناص لنا عنه ولا يوجد طريق للتخلص منه ـ أن نقدم أمامنا الزاد والمؤونة بما يناسبه ، كما روي عن أبي ذر الغفاريرضي‌الله‌عنه عندما قدم مكّة المعظمة فانّه وقف عند باب الكعبة ونادى على الناس الذين جاؤوا للحج من أطراف الدنيا وقد اجتمعوا في المسجد الحرام ، فقال : ( أيها الناس أنا جندب بن السكن الغفاري : انّي لكم ناصح شفيق فهلمّوا ).

فاكتنفه الناس ، فقال :

انّ أحدكم لو أراد سفراً لاتخذ من الزاد ما يصلحه. ( ولابدّ منه )(١) فطريق يوم القيامة أحق ما تزودتم له.

فقام رجل ، فقال : فارشدنا يا أباذر.

__________________

(١) اثبتت هذه الزيادة في البحار وسقطت من المصدر المطبوع.


فقال : حج حجّةً لعظائم الامور ، وصم يوماً لزجرة النشور وصلّ ركعتين في سواد الليل لوحشة القبور الخبر(١) .

وقد وعظ الامام الحسن المجتبىعليه‌السلام جنادة بن أُمية حين وفاته ، وأول شيء قاله له :

( استعد لسفرك ، وحصّل زادك قبل حلول أجلك )(٢) .

وبما أن سفر الآخرة سفر بعيد ، وفيه أهوال ومواقف صعبة وعقبات شديدة ومنازل عسرة فلذلك فهو محتاج الى زادٍ كثير ، ولابدّ أن لا يَغفل عنه ، وأن يفكر فيه ليلاً ونهاراً. كما روي عن أمير المؤمنينعليه‌السلام انّه كان ينادي في كل ليلة عندما يهجع الناس بصوته الرخيم بحيث يسمعه جميع أهل المسجد جيران المسجد ، فيقول :

« تجهزوا رحمكم الله فقد نودي فيكم بالرحيل »(٣) .

يعني : استعدوا وهيئوا ما تحتاجونه في سفركم رحمكم الله فانّ منادي الموت نادى فيكم على أبوابكم بالرحيل.

« واقلّوا العُرجَة على الدنيا ، وانقلبوا بصالح ما بحضرتكم من الزاد فانّ امامكم

__________________

(١) رواه أبو حنيفة النعمان بن محمّد التميمي المغربي في : دعائم الاسلام / ج ١ ، ص ٢٧٠ ، تحقيق آصف فيضي / دار المعارف / مصر / ١٩٦٣ م / ونقله عنه العلاّمة المجلسي في البحار : ج ٩٦ ، ص ٢٥٨ ، وبقية الحديث الشريف. (وكلمة حق تقولها ، أو كلمة سوء تسكت عنها وصدقة منك على مسكين ، فعلّك تنجو من يوم عسير. اجعل الدنيا كلمةً في كلمةً في طلب الحلال ، وكلمة في طلب الآخرة ، وانظر كلمةً تضرّ ولا تنفع فدعها. واجعل المال درهيمن : درهماً قدمته لآخرتك ودرهماً انفقته على عيالك كلّ يوم صدقة).

(٢) رواه أبو القاسم علي بن محمّد بن علي الخزاز القمّي الرازي في : كفاية الأثر في النص على الأئمة الاثني عشر ص ٢٢٧ ، باب (ما جاء عن الحسنعليه‌السلام ما يوافق هذه الآخبار ونصه على أخيه الحسينعليهما‌السلام ) ح ٥ ، بإسناد عن محمّد بن وهبان البصري ، تحقيق الكوه كمرئي الخوئي / ط قم ١٤٠١ هـ. ق. ونقله عنه المجلسي في البحار : ج ٤٤ ، ص ١٣٩.

(٣) نهج البلاغة : ج ٢ ، ص ١٨٣ ، تحقيق محمّد عبدة. شرح نهج البلاغة : ابن أبي الحديد / ج ١١ ، ص ٥.


عقبة كؤوداً ، ومنازل مخوفة مهولة لابدّ من الورود عليها والوقوف عندها »(١) .

ونحن نشير الى بعض تلك العقبات الصعبة والمنازل المهولة. ونذكر بعض الامور النافعة في درء صعوبات وأهوال ذلك المحلّ بكمال الاختصار. وضمن عدة فصول. وإن وفقني الحقّ تعالى وامهلني الأجل فسوف اصنِّف كتاباً مفصلاً في هذا الباب إن شاء الله تعالى ، ولو انّني لم أر في هذا الزمان مَن يَطلبُ هذه المطالب بشكل جدّي وحقيقي.

وبسبب هذه الملاحظة أيضاً فقد كتبت هذه المختصر بدون اندفاع مع قلة رغبة ، وأسأل الحقّ تعالى التأييد والتوفيق انّه قريب مجيب.

* * *

__________________

(١) نهج البلاغة : ج ٢ ، ص ١٨٣ ، تحقيق محمّد عبده. شرح نهج البلاغة : ابن أبي الحديد / ج ١١ ، ص ٥.



المنزل الأول في هذا السفر

الموت



فصل :

ولهذا المنزل عقبات كؤود ومواقف صعبة ، ونحن نشير الى عقبتين منها :

العقبة الاُولى

سكرات الموت وشدة نزع الروح

( وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ ) (١) .

وهذه العقبة صعبة جداً وانّ شدائدها وصعوباتها تحيط بالمحتضر من جميع الجهات ..

فمن جهة تواجهه شدة المرض ، وشدة الوجع ، واعتقال اللسان ، وذهاب القوة من الجسم ..

ومن جهة اُخرى يواجه بكاء الأهل والعيال ، ووداعهم له ، وغَمَّ يُتم وغربة أطفاله ..

ومن جهة اُخرى يواجه غمَّ مفارقته لماله ومنزله وأملاكه ومدّخراته وأشيائه النفسية التي صرف عمره العزيز من أجل تحصيل المزيد منها ، بل ان أكثر ما عنده عائد للآخرين وقد تملّكه منهم بالظلم والغصب وكم تعلقت من الحقوق الشرعية بأمواله ولم يؤدها وهو الآن في تلك الحالة ينتبه الى ما اتلفته وخربته أعماله

__________________

(١) سورة ق : الآية ١٩.


بعدما انقضى الأمر وانسدّ طريق اصلاحه. فكان كما قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : « يتذكر أمولاً جمعها اغمض في مطالبها وأخذها من مُصرَّحاتها ، ومشتبهاتها قد لزمته تبعات جمعها وأشرف على فراقها تبقى لمن وراءه ينعمون بها فيكون المهنأ لغيره والعبءُ على ظهره »(١)

ومن جهة اُخرى فهو يواجه هول قدومه على نشأة اُخرى هي غير هذه النشأة.

ثمَّ انّ عينيه تريان أشياءاً لم ترها قبل ذلك :

( فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) (٢) .

فيرى رسول الله وأهل بيته الأطهار صلوات الله عليهم وملائكة الرحمة وملائكة العذاب حاضرين عنده ليحكموا فيه وانّه يترقب ايّ حكم يحكمون به ، وأي شيء سوف يوصون به؟

ومن جهة اُخرى قد اجتمع ابليس واعوانه ليوقعوه في الشك ، وهم يحاولون جاهدين أن يسلبوا إيمانه ليخرج من الدنيا بلا إيمان.

ومن جهة اُخرى يعاني من هول حضور ملك الموت ، وبأي صورة وهيئة سوف يجيئه به ، وبأي نحو سوف يقبض روحه. الى غير ذلك

قال أمير المؤمينعليه‌السلام : « فاجتمعت عليه سكرات الموت ، فغير موصوف ما نزل به »(٣) .

وروى الشيخ الكليني عن الامام الصادقعليه‌السلام :

« أنّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه اشتكى عينيه ، فعاده رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإذا

__________________

(١) نهج البلاغة : فيض الاسلام ، ص ٣٣١ ، وراجع نهج البلاغة : ج ١ ، ص ٢١٢ محمّد عبدة ، ونقله عنه في البحار : ج ٦ ، ص ١٦٤ ، كتاب العدل والمعاد / باب سكرات الموت وشدائده : ح ٣٣. شرح نهج البلاغة : ابن أبي الحديد : ج ٧ ، ص ٢٠١.

(٢) سورة ق : الآية ٢٢.

(٣) راجع بحار الانوار : ج ٧٣ ، ص ١٠٩. كتاب الإيمان والكفر : مساوىء الأخلاق : باب حبّ الدنيا وذمها : ح ١٠٩ نقله عن كتابة (عيون الحكم والمواعظ) لعلي بن محمّد الواسطي.


هو يصيح فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أجزعاً أم وجعاً؟ فقالعليه‌السلام : يا رسول الله ما وجعت وجعاً قط أشدّ منه. فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا علي انّ ملك الموت اذا نزل لقبض روح الكافر نزل معه سفود من نار فينزع روحه به فتصيح جهنم. فاستوى عليعليه‌السلام جالساً فقال : يا رسول الله أعد عليَّ حديثك فقد أنساني وجعي ما قُلت.

ثمّ قال : هل يصيب ذلك أحداً من امتك؟

قال : نعم حاكم جائر ، وآكل مال اليتيم ظلماً ، وشاهد زور »(١) .

وأما الأشياء التي تهوِّن سكرات الموت

صلة الرحم :

ما رواه الشيخ الصدوق عن الامام الصادقعليه‌السلام انّه قال :

« مَن أحبَّ أن يخفف الله عز وجلّ عنه سكرات الموت فليكن لقرابته وصولاً ، وبوالديه بارّاً ، فإذا كان كذلك هوَّن الله عليه سكرات الموت ولم يصبه في حياته فقرٌ أبداً »(٢) .

برّ الوالدين :

وروي :

« انّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حضر شاباً عند وفاته فقال له : قل لا إله إلاّ الله ».

قال : فاعتقل لسانه مراراً.

فقال لامرأةٍ عند رأسه : هل لهذا امّ؟

__________________

(١) الكافي : ج ٣ ، ص ٢٥٣ ـ ٢٥٤ ، والإسناد موثق. ونقله عنه المجلسي في البحار : ج ٦ ، ص ١٧٠ ، ح ٤٦ ، وفي البحار : ج ٦١ ، ص ٤٩ ، ح ٢٧.

(٢) الأمالي للصدوق : ص ٣١٨ ، المجلس ٦١ ، ح ١٤. ونقله عنه في البحار : ج ٧٤ ، ص ٦٦ ، ح ٣٣ ، ونقله الفتال النيشابوري في روضة الواعظين ، ص ١٣٦٧ (مجلس في ذكر وجوب بر الوالدين) ، ورواه الطبري في مشكاة الأنوار : ص ١٦٢ ، الفصل ١٤ (في حقوق الوالدين وبرهما) وعنه في البحار : ج ٨٢ ، ص ٦٥ ، ح ٩.


قالت : نعم أنا امّه.

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أفساخِطةٌ أنت عليه؟

قالت : نعم ما كَلَّمتُهُ مُنذُ ستّة حجج.

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لها : ارضي عنه.

قالت :رضي‌الله‌عنه يا رسول الله برضاك عنه.

فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : قل لا إله إلاّ الله.

قال : فقالها. فقال له النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما ترى؟

قال : أرى رجلاً أسود الوجه قبيح المنظر وسخ الثياب منتن الريح قد وليني الساعة ، وأخذ بكَظمَيَّ.

فقال له النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قل : يا من يقبل اليسير ويعفو عن الكثير اقبل مِنّي اليسير واعف عنِّي الكثير انَّك الغفور الرحيم.

فقالها الشاب. فقال له النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : انظر ماذا ترى؟

قال : أرى رجلاً أبيض اللون حسن الوجه طيب الريح حسن الثياب قد وليني ، وأرى الأسود قد تولى عنّي.

فقال له : اعد ، فأعاد. فقال له : ما ترى؟

قال : لست أرى الأسود ، وأرى الابيض قد وليني.

ثمّ طفي على تلك الحال(١) .

__________________

(١) رواه الطوسي في الأمالي : ج ١ ، ص ٦٢ ـ ٦٣ ، ح ٤ وروى الصدوق قريباً منه في : من لا يحضره الفقيه : ج ١ ، ص ١٣٢ ، ح ٣٤٧ ، ونقله عنه الحر العاملي في وسائل الشيعة : ج ٢ ، كتاب الطهارة : أبواب الاحتضار : باب ٣٩ ، ح ٣ ، ونقله النوري في المستدرك : ج ٢ ، باب ٢٩ ، ص ١٢٩ ، ح ١٦١٧ ، الطبعة الحديثة ، وفي ج ١ ، ص ٩٢ ، باب ٢٩ ، ح ١ ، الطبعة الحجرية.

ونقله في المستدرك : ج ١٥ ، باب ٧٥ ، ص ١٨٩ ، ح ١٧٩٦٧ ، الطبعة الحديثة ، ونقله في ج ١٥ ، باب ٧٥ ، ص ١٩٦ ـ ح ١٧٩٣٣ عن القطب الراوندي في لب اللباب ، وسمّى الشاب


يقول المؤلّف :

تأمّل في هذا الحديث جيداً ، وانظر كم هو أثر العقوق فمع انّ هذا الشاب كان من الصحابة وانّ نبي الرحمةصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد عاده زائراً وجلس عند وسادته ، ولقنه بنفسه الشريفة كلمة الشهادة ، ومع كل ذلك فلم يتمكن على النطق بتلك الكلمة إلاّ بعدما رضيت عنه امّه ، وحينئذٍ انطلق لسانه فقال كلمة الشهادة.

كسي المؤمن :

وروي أيضاً عن الامام الصادقعليه‌السلام :

« مَن كسا أخاه كسوة شتاء أو صيف كان حقاً على الله أن يكسوه من ثياب الجنّة ، وأن يهوّن عليه سكرات الموت وأن يوسع عليه في قبره »(١) .

اطعام المؤمن الحلوى :

وروي عن الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

« من اطعم أخاه حلاوة أذهب الله عنه مرارة الموت »(٢) .

* ومِنَ الامور الاُخرى التي تنفع في تعجيل راحة المحتضر قراءة سورة يس

__________________

( الحارث ) ونقله في البحار : ج ٧٤ ، ص ٧٥ ، ح ٦٨ ، وفي البحار : ٨١ ، ص ٢٣٢ ، ح ٧ ، وفي البحار : ج ٩٥ ، ص ٣٤٢ ، ح ١.

(١) رواه الكليني في الكافي : ج ٢ ، ص ٢٠٤ ، كتاب الإيمان والكفر : باب مَن كسا مؤمناً : ح ١ ، ورواه عن المجلسي في البحار : ج ٧٤ ، ص ٣٨٠ ، وتكملة الحديث :

« وأن يلقى الملائكة اذا خرج من قبره بالبشرى وهو قول الله عزّ وجلّ في كتابه : ( وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ) ».

(٢) رواه القطب الراوندي في الدعوات : ص ١٤١ ، فصل (في ذكر أشياء من المأكولات والمشروبات وكيفية تناولها) ، ح ٣٥٩ ، ونقله المجلسي في البحار ، ج ٦٦ ، ص ٢٨٨ ، وفي ج ٧٥ ، ص ٤٥٦ ، ح ٣٣ ، ونقله في المستدرك : ج ١٦ ، ص ٣٥٥ ، ح ٢٠١٥٢ ، الطبعة الحديثة.


والصافات(١) وكلمات الفرج عنده(٢) .

* وروى الشيخ الصدوق عن الامام الصادقعليه‌السلام :

« مَن صام يوماً من آخر هذا الشهر(١) كان ذلك أماناً من شدة سكرات الموت ،

__________________

(١) روى الكليني في الكافي الشريف : كتاب الجنائز : باب اذا عسر على الميت الموت واشتد عليه النزع : ح ٥ ، ج ٣ ، ص ١٢٦ بالإسناد عن سليمان الجعفري قال : رأيت أبا الحسن يقول لابنه القاسم : قم يابني فاقرا عند رأس أخيك ( والصفات صفاً ) حتّى تستتمها ، فقرأ فلما بلغ (أهم اشدّ خلقاً أمّن خلقنا ) قضى الفتى ، فلّما سُجِّي وخرجوا أقبل عليه يعقوب بن جعفر ، فقال له : كنّا نعهد الميت اذا نزل به يقرأ عنده ( يس والقرآن الحكيم ) وصرت تأمرنا بالصافات ، فقال : يا بني لم يقرأ عبدٌ مكروبٌ من موت قط إلاّ عجّل الله راحته).

وفي الوسائل : كتاب الطهارة : أبواب الاحتضار ، باب ٤١ ، ح ١ ، عن الكافي بدل ( لم يقرأ عبدُ الخ ) ( لم تقرأ عند مكروب « ومن موت » قط الاّ عجل الله راحته ).

(٢) وردت في روايات كثيرة : منها ما رواه الكليني في الكافي الشريف بروايات عدة منها :

بإسناد صحيح عن زرارةرحمه‌الله عن أبي جعفرعليه‌السلام قال :

اذا ادركت الرّجل عند النزع فلقنه كلمات الفرج ( لا إله إلاّ الله الحليم الكريم ، لا إله إلاّ الله العلي العظيم ، سبحان الله ربّ السماوات السبع وربّ الأرضين السبع وما فيهنَّ وما بينهنَّ وما تحتهنّ وربّ العرش العظيم والحمد لله ربّ العالمين ).

الكافي : كتاب الجنائز : باب تلقين الميت : ح ٣ ، ج ٣ ، ص ١٢٢.

وروى في ح ٧ ، ج ٣ ، ص ١٢٤ بالإسناد الى عبدالله بن ميمون القداح عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال : كان أمير المؤمنينعليه‌السلام اذا حضر أحداً من أهل بيته الموتُ قال له : قل : لا إله إلاّ الله العلي العظيم سبحان الله رب السماوات السبع ورب الأرضين السبع وما فيهنَّ وما بينهما ّ وربّ العرش العظيم والحمد لله رب العالمين ( فاذا قالها المريض قال : اذهب فليس عليك بأسٌ ).

وروى في ح ٩ ، ج ٣ ، ص ١٢٤ ، بإسناد صحيح عن أبي عبداللهعليه‌السلام :

انّ رسول الله صلى الله عليه وآله دخل على رجل من بني هاشم وهو يقضي. فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : قل : ( لا إله إلاّ الله العلي العظيم ، لا إله إلاّ الله الحليم الكريم ، سبحان الله ربّ السماوات السبع وربّ الأرضين السبع وما بينهنّ وربّ العرش العظيم والحمد لله ربّ العالمين ) فقالها : فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ( الحمد لله الذي استنقذه من النار ).

أقول : الظاهر انّ الكلمات وحدة. أتم الروايات الصحيحة الاُولى والله تعالى أعلم.

(٣) يعني شهر رجب الأَصب.


وأماناً له من هول المطلع وعذاب القبر »(١) .

* واعلم انّ لصيام أربعة وعشرين يوماً من رجب ثواب عظيم فمن جملته :

« ومَن صامِ مِن رجب أربعةً وعشرين يوماً فإذا نزل به من ملك الموت تراءى له في صورة شاب عليه حلّة من ديباج أخضر على فرس من أفراس الجنان وبيده حرير أخضر ممسّك بالمسك الاذفر وبيده قدح من ذهب مملوء من شراب الجنان ، فسقاه عند خروج نفسه ، يهوّن به عليه سكرات الموت ثمّ يأخذ روحه في تلك الحرير فتفوح منها رائحة يستنشقها أهل سبع سماوات فيظل في قبره ريّان حتّى يرد حوض النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم »(٢) .

* وقد روي عن الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

« مَن صلى الليلة السابعة من رجب أربع ركعات بالحمد مرّة وقل هو الله أحد ثلاث مرّات ، وقل اعوذ برب الفلق ، وقل اعوذ برب الناس ، ويصلي على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند الفراغ عشر مرّات ، ويقول الباقيات الصالحات (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر) عشر مرّات ؛ اظله الله تحت ظلّ عرشه ويعطيه ثواب مَن صام شهر رمضان واستغفرت له الملائكة حتّى يفرغ من هذه الصلاة ويسهّل عليه النزع وضغطة القبر ولا يخرج من الدنيا حتّى يرى مكانه في الجنّة وآمنه الله من الفزع الأكبر »(٣) .

* وروى الشيخ الكفعمي عن الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

« مَن قال هذه الكلمات في كل يوم عشراً غفر الله تعالى له أربعة آلاف كبيرة ، ووقاه من شرّ الموت ، وضغطة القبر ، والنشور ، والحساب ، والأهوال كلها وهو مائة هول أهونها الموت ، ووقي مِن شرِّ ابليس وجنوده ، وقضي دينه وكُشِفَ همّه وغمّه وفرِّج كربه ».

__________________

(١) رواه الصدوق في فضائل الأشهر الثلاثة : ص ١٨ ، ح ٣ ، ورواه في الأمالي : ص ٢٣ ، المجلس الرابع ، ح ٧ ، ونقله المجلسي في البحار : ج ٩٧ ، ص ٣٢ ـ ٣٣ ، ح ٦.

(٢) رواه الصدوق في الأمالي : ص ٤٣٢ ، المجلس ٨٠ ، ح ١.

(٣) رواه السيّد ابن طاووس في اقبال الأعمال : ص ٦٥١ ـ ٦٥٢ الطبعة الحجرية.


وهي هذه :

« أعدَدتُ لِكُلّ هولٍ لا إله إلاّ الله ، وَلِكُلّ هَمٍّ وَغَمٍّ ما شاء اللهُ ، وَلِكُلّ نِعمَةٍ الحَمدُ للهِ ، وَلِكُلّ رَخاءٍ الشُّكرُ للهِ ، وَلِكُلِّ اُعجُوبَةٍ سُبحان اللهِ ، وَلِكُلّ ذَنبٍ أستَغفِرُ الله ، وَلِكلّ مُصيبَةٍ إنا لله وإنا اليه راجعون ، وَلِكُلّ ضيقٍ حَسبيَ اللهُ ، وَلِكلّ قَضاءٍ وَقَدَرٍ تَوَكَّلتُ على اللهِ ، وَلِكُلّ عَدُوٍّ اعتَصَمتُ باللهِ ، وَلِكُلّ طاعةٍ وَمَعصِيَةٍ لا حَولَ ولا قوهَ إلاّ بالله العَليِّ العظيم »(١) .

* واعلم انّ للذكر الشريف الآتي فضل عظيم اذا قيل سبعين مرّةً ، فمن جملة هذا الفضل انّه يبشر حين موته وهذا الذكر هو :

« يا أسمع السامعين ويا أبصر الناظرين ويا أسرع الحاسبين ويا أحكم الحاكمين »(٢) .

* وروى الشيخ الكليني عن الامام الصادقعليه‌السلام انّه قال :

« لا تملّوا مِن قراءة اذا زلزت الارض زلزالها فانّه من كانت قراءته بها في نوافله لم يصبه الله عزّ وجل بزلزلة أبداً ، ولم يمت بها ، ولا بصاعقة ولا بآفة من آفات الدنيا حتّى يموت وإذا مات نزل عليه ملك كريم من عند ربه فيقعد عند

__________________

(١) نقله المجلسي أعلى الله تعالى مقامه في البحار : ج ٨٧ ، ص ٥ عن البلد الأمين. ولم نجده في النسخة المطبوعة. ورواه المؤلّف في السفينة : ج ٢ ، ص ٣٩٧ ، ورواه النوري في المستدرك : ج ٥ ، ص ٣٨٩ ، ح ٦١٤٠ الطبعة الحديثة.

والخبر موجود في مصباح الكفعمي المطبوع : ص ٨٣ ، باختلاف يسير بالفاظ الخبر. أما الدعاء فواحد في مصباح الكفعمي وفي البحار وفي السفينة.

(٢) ذكره القطب الراوندي في الدعوات : ص ٢١٥ ، ح ٥٨٠.

ونقله المجلسي في البحار : ج ٨٢ ، ص ٦٤ ، ح ٨ ، ونقله في ج ٩٥ ، ص ٤٦٢ ، كتاب الذكر والدعاء ، باب الدعوات المأثورة غير المؤقتة ، ج ٢٠ ، وقد نقل الرواية في كلا الموضوعين عن دعوات الراوندي. وقد رواها القطب عن الامام الصادق عليه السلام مرسلة ، قال عليه السلام : « من قال سبعين مرّة : يا أسمع السامعين ، ويا أبصر الناظرين ( المبصرين خ. ل ) ويا أسرع الحاسبين ويا أحكم الحاكمين ، فأنا ضامن له دنياه وآخرته أن يلقاه الله ببشارة عند الموت ، وله بكل كلمة بيت في الجنة » انتهى الحديث.


رأسه فيقول : يا ملك الموت ارفق بوليّ الله فانّه كان كثيراً يذكرني »(١) .

* * *

العَقبَةُ الثانِيَةُ

العديلةُ عند الموت

يعني العدول من الحقّ الى الباطل في وقت الموت ، وذلك أن يحضر الشيطان عند المحتضر ، ويوسوس له حتّى يوقعه في الشك ، فيخرجه من الإيمان.

ولذا ورد في الأدعية الاستعاذة منها(٢) .

وقال فخر المحققينرحمه‌الله :

((٣) فإذا أراد الانسان أن يسلم من هذه الأشياء فليستحضر أدلة الإيمان والاصول الخمس بالأدلة القطعية ويصفي خاطره ، ويخلي سرّه ، فيحصل له يقين تام فيقول عند ذلك :

« اللّهمَّ يا أرحم الراحمين انّي قد اودعتك يقيني هذا وثبات ديني وأنت خير مستودع وقد أمرتنا بحفظ الودائع فردّه عليّ وقت حضور موتي » ثمّ يخزي

__________________

(١) الكافي : ج ٢ ، ص ٦٢٦.

(٢) منها ما رواه السيّد ابن طاووسرحمه‌الله في الاقبال ، في عمل أول ليلة من رجب انّه كان أبو الحسن الأولعليه‌السلام يقول وهو ساجد بعد فراغه من صلاة الليل ثمّ ذكر دعاءاً الى أن قال : « اللّهمّ انّي اعوذ بك من العديلة عند الموت ، ومن شر المرجع في القبور ، ومن الندامة يوم الازفة الخ ».

راجع اقبال الأعمال : ص ٦٣٢ ، وعنه في بحار الأنوار : ج ٩٨ ، ص ٣٨٣ ، ح ٣.

ومنها : ما في ( فقه الرضا عليه السلام ) ص ١٤١ ، الطبعة الحديثة المحققة ، ونقله النوري رحمه الله في المستدرك : ج ٥ ، ص ١٤٣ ، كتاب الصلاة ، أبواب سجدتي الشكر ، باب ٥ ، ح ٥٥٢٢ ، عن الامام الصادق عليه السلام انّه كان يقول في سجدته : « الّلهمّ انّي اعوذ بك من العديلة ».

وفي البحار : ج ٨٦ ، ص ٢٢٩ ، ح ٥١ ( الّلهمّ انّي اعوذ بك من العديل عند الموت).

(٣) وأول كلامه5 : « انّ العديلة عند الموت تقع ، فانّه يجيء الشيطان ويعدل الانسان عند الموت ويخرجه من الإيمان فيحصل له عقاب النيران وفي الدعاء قد تعوّذ الائمةعليهم‌السلام منها فإذا أراد الانسان أن يسلم الخ ».


الشيطان ويتعوذ منه بالرحمن ، ويودع ذلك الله ويسأله أن يَردّه عليه وقت حضور موته. فعند ذلك يسلم من العديلة عند الموت قطعاً )(١) .

فعلى طبق رأي هذا الأجل فانّ قراءة دعاء العديلة المعروف واستحضار معناه في الذهن نافع للحفظ من خطر العديلة عن الموت.

* وروى الشيخ الطوسيرحمه‌الله عن محمد بن سليمان الديلمي قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام ، فقلت له : جعلت فداك أن شيعتك تقول انّ الإيمان مستقر ومستودع فعلمني شيئاً اذا أنا قلته استكملت الإيمان.

قالعليه‌السلام : قل في دبر كل صلاة فريضة :

« رَضيتُ باللهِ ربّاً وَبِمحمَّدٍصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نَبيّاً وبالاسلام ديناً وَبِالقُرآنِ كِتاباً وَبالكَعبَةِ قِبلَةً وَبِعَلِيٍّ وَليّاً واِماماً وَبِالحَسَنِ والحُسَينِ وَعَلي بن الحسينِ وَمُحمَّدِ بن علي وجَعفَرِ بن مُحَمَّدٍ وَموُسى بن جَعفَرٍ وَعَليَّ بن مُوسى ومُحَمَّدِ بن عَليٍّ وعَلي بن مُحَمَّدِ وَالحَسَنِ بن عَليِّ والحُجَّةِ بن الحَسَنِ صَلواتُ الله عَلَيهِم أَئِمَةً ، الُّلهمَّ إنّي رَضيتُ بِهم أئِمَّةً فارضِني لَهُم إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قديرٌ »(٢) .

ومن الاُمور النافعة لهذه العقبة :

المواظبة على أوقات الصلوات الفريضة. ففي الحديث أن ملك الموت قال :

« انّه ليس في شرقها ولا في غربها أهل بيت مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إلاّ وأنا اتصفحهم في كل يوم خمس مرّات.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : انّما يتصفحهم في مواقيت الصلاة ، فان كان ممّن يواظب

__________________

(١) نقل النصّ العلاّمة الثاني السيّد هاشم البحراني في كتاب (معالم الزلفى) ص ٧١ الطبعة الحجرية ، عن ارشاد المسترشدين ، وتكملة النص : « ويقول أيضاً إن أراد السلامة مِن منكر ونكير لفظ الشهادتين والاقرار بالأئمةعليهم‌السلام بيقين صادق وصفاء خاطر ثمّ يقول : يا الله يا رحمن يا رحيم اودعتك هذه الاقرار بك وبالنبي والأئمة وأنت خير مستودع فرده عليّ في القبر عند مساءَلة منكر ونكير فانّه يسلم من مساءَلة منكر ونكير قطعاً » انتهى كلامه رفع مقامه.

(٢) التهذيب للشيخ الطوسي : ج ٢ ، ص ١٠٩ ، ح ٤١٢.


عليها عند مواقيتها لقنه شهادة أن لا إله إلاّ الله محمّداً رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ونحّى عنه ملك الموت ابليس »(١) .

* وروى عن الامام الصادقعليه‌السلام انّه كتب إلى بعض الناس :

« إن أدرتَ أن يُختَمَ بخير عَمَلُكَ حتّى تُقبَض وأنت في أفضل الأعمال ، فعظّم لله حقّه أن تبذل [لا تبذل. خ. ل] نِعَمة في معاصيه ، وأن تَغتَرَّ بحلمه عنك ، واكرم كلَّ مَن وجدته يذكرنا [ لا تبذل منّا. خ.(٢) ] » أو ينتحل مودتنا ، ثمَّ ليس عليك ، صادقاً كان أو كاذباً ؛ انّما لك نيتك ، وعليه كذبه »(٣) .

* يقول الفقير : ومن النافع لحصول حسن العاقبة والوصول من الشقاوة الى السعادة : قراءة الدعاء الحادي عشر من الصحيفة الكاملة :

« يا مَن ذكره شرف للذاكرين الخ »(٤) .

وقراءة دعاء التمجيد المنقول في الكافي وغيره ، وقد نقله في كتاب ( الباقيات الصالحات ) بعد أدعية الساعات(٥) .

__________________

(١) الكافي : ج ٣ ، ص ١٣٦ ، كتاب الجنائز ، باب (اخراج روح المؤمن والكافر) ، ح ٢ ، ونقله عنه الحر العاملي في الوسائل : ج ٢ ، ص ٦٦٣ ، كتاب الطهارة ، أبواب الاحتضار ، باب ٣٦ ، ح ٤ ، وفي الوسائل ج ٣ ، ص ٧٩ ، كتاب الصلاة ، أبواب المواقيت ، باب ١ ، ح ٥.

(٢) في نسخة (عيون أخبار الرضاعليه‌السلام ) للشيخ الصدوق.

(٣) رواه الصدوق في عيون أخبار الرضا : ج ٢ ، ص ٤ ، ونقله عن المجلسي في البحار : ج ٧٣ ، ص ٣٥١ ، ح ٤٩ ، وج ٧٤ ، ص ٣٠٣ ، وج ٧٨ ، ص ١٩٥ ، ح ١٥ ، عن الخصال للصدوق عن المفسر أحمد بن الحسن الحسيني عن أبي محمّد العسكري عن آبائهعليهم‌السلام قال : كتب الصادقعليه‌السلام الى بعض الناس : « إن اردت الخ » ولكننا لم نجده في الخصال المطبوع.

(٤) الصحيفة السجادية الكاملة : الدعاء ١١ ، (دعاؤه بخواتم الخير) الفقرة الاُولى.

(٥) أقول : روى الكليني بسنده موثق عن الامام الصادقعليه‌السلام في الكافي الشريف : ج ٢ ، ص ٥١٦ ، كتاب الدعاء باب (ما يمجد به الرب تبارك وتعالى نفسه) ، ح ٢.

ورواه الصدوق في ثواب الأعمال : ص ٢٨ ، بسند موثق أيضاً ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : « انّ الله تبارك وتعالى يمجد نفسه في كل يوم وليلة ثلاث مرّات. فمن مجّد الله بما مجّد به نفسه ثمّ كان في حال شقوة حوّله الله عزّوجلّ الى سعادة يقول :


* وأن يصلي الصلاة الواردة في يوم الأحد من ذي القعدة(١) .

* والمداومة على هذا الذكر الشريف :

( رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ) (٢) .

__________________

أنت اللهُ لا اله إلاّ أنتَ ربُّ العاليمن : أنت الله لا إله إلاّ أنت الرحمن الرحيم ، أنت الله لا اله إلا أنت العزيز [العلي] الكبير أنت الله لا إله أنت مالك يوم الدين ، أنت الله لا إله إلاّ أنت الغفور الرحيم ، أنت الله لا إله إلاّ أنت العزيز الحكيم ، أنت الله لا إله إلاّ أنت منك بُدِأ الخلق [بَدءُ كُلِّ شيءٍ خ. ثواب الأعمال] وإليك يعود ، أنت الله [الذي] لا إله إلاّ أنت لم تزل ولا تزل ، أنت [الذي] لا إله إلاّ أنت خالِق الخير والشرّ ، أنت الله لا إله إلاّ أنت خالق الجنّة والنار ، أنت الله لا إله إلاّ أنت احدُ صمدٌ لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحدٌ ، أنت الله لا إله إلاّ أنت الملك القدوس السّلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عمّا يشركون ، هو الله الخالق البارىء المصوّر له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم الى آخر السورة (في الكافي ولكن لا يوجد في ثواب الأعمال. والظاهر أن ما في ثواب الأعمال أصح لأن آخر السورة ( العزيز الحكيم) الحشر الآية ٢٤ ) ، أنت الله لا إله إلاّ أنت الكبير [المتعال خ. ل ثواب الأعمال] والكبرياء رداوُك ».

(١) أقول : روى السيّد ابن طاووسرحمه‌الله في الاقبال : ص ٣٠٨ عن أنس بن مالك ، قال : خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم الأحد في شهر ذي القعدة فقال : يا أيّها الناس مَن كان منكم يريد التوبة؟

قلنا : كلنا نريد التوبة يا رسول الله.

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اغتسلوا وتوضأ واوصلّوا أربع ركعات واقرأوا في كل ركعة فاتحة الكتاب مرّة وقل هو الله أحد ثلاث مرّات والمعوذتين مرّة ، ثمّ استغفروا سبعين مرّة ثمّ اختموا بلا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم ثمّ قولوا : يا عزيز يا غفار اغفر لي ذنوبي وذنوب جميع المؤمنين والمؤمنات فانّه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت.

ثم قال صلى الله عليه وآله : ما مِن عبد مِن امتي فعلها إلاّ نودي من السماء يا عبدالله استأنف العمل فانّك مقبول التوبة مغفور الذنب وينادي ملك من تحت العرش أيها العبد بورك عليك وعلى أهلك وذريتك. وينادي مناد آخر أيها العبد تُرضي خصماؤك يوم القيامة ، وينادي ملك آخر أيها العبد تموت على الإيمان ، ولا اسلب منك الدين ويفسح في قبرك وينوّر فيه ، وينادي مناد آخر : أيها العبد يرضى أبواك وإن كانا ساخطين وغفر لأبويك ذلك ولذريتك وأنت في سعة من الرزق في الدنيا والآخرة. ينادي جبرئيل عليه السلام أنا الذي آتيك مع ملك الموت عليه السلام أن يرفق بك ولا يخدشك أثر الموت انّما تخرج الروح من جسدك سلاًّ الحديث.

(٢) سورة آل عمران : الآية ٨.


* والمواعظة على تسبيح الزهراءعليه‌السلام (١) .

* والتختم بخاتم عقيق ، وبالخصوص اذا كتب عليه (محمّد نبي الله وعليّ ولي الله)(٢) .

__________________

روى العياشي في تفسيره : ج ١ ، ص ١٦٤ ، عن سماعة بن مهران قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : (اكثروا من أن تقولوا « ربَنا لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا » لا تأمنوا الزيع).

أي أن الخبر يأمر بالمداومة على هذا الذكر الشريف لأجل أن يدفع عن أن يأمن السالك من الزيع. فانّه معرض دائماً للزيغ ، فقوله عليه السلام « لا تأمنوا الزيغ » نهي عن الاطمئنان بالنفس والإيمان المحصل من عدم الزيغ.

(١) أقول : ورد في الأخبار الشريفة متواتراً في فضل تسبيح الزهراء صلوات الله وسلامه عليها عقيب الصلاة وقبل النوم ، وإليك بعض ذلك :

روى الكليني بإسناد صحيح عن الباقر عليه السلام قال : « ما عبد الله بشيء من التحميد افضل من تسبيح فاطمة عليها السلام ولو كان شيء أفضل منه لنحله رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام ». الكافي : ج ٣ ، ص ٣٤٣ ، ح ١٤ ، التهذيب للطوسي : ج ٢ ، ص ١٠٥ ، ح ١٦٦ ، باب ٢٣. وفيه أيضاً بإسناد صحيح ، عن أبي خالد القماط قال : سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول : تسبيح فاطمة عليها السلام في كل يوم في دبر كل صلاة أحبّ إليّ من صلاة ألف ركعة في كل يوم « الكافي : ج ٣ ، ص ٣٤٣ ، ح ١٥.

الوسائل : كتاب الصلاة ، أبواب التعقيب ، باب ٩ ح ١ ، ح ٢.

وروي عن أبي عبد الله عليه السلام انّه قال : « مَن بات على تسبيح فاطمة عليها السلام كان من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات » الوسائل : كتاب الصلاة ، أبواب التعقيب ، باب ١١ ، ح ٤.

(٢) في مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب : ج ٣ ، ص ٣٠٢ ، باب (في أحوالهعليه‌السلام ) أي أمير المؤمينعليه‌السلام (في لوائه وخاتمه) ونقله المجلسي في البحار : ج ٤٢ ، ص ٦٢ ، عن موسى بن جعفر عن آبائهعليهم‌السلام قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لمّا كلّم الله موسى بن عمران على جبل طور سيناء اطلع على الأرض اطلاعة فخلق من وجهه العقيق ، وقال : أقسمتُ على نفسي أن لا أعذّب كفَّ لا بسك اذا تولّى علياًعليه‌السلام بالنار ».

وروى الكلينيرحمه‌الله في الكافي الشريف بإسناد صحيح عن الرضاعليه‌السلام قال : العقيق ينفي الفقر ولبس العقيق ينفي (النفاق).

وروى أيضاً بالاسناد عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « تختموا بالعقيق فانّه مبارك ومن تختّم بالعقيق يوشك أن يقضى له بالحسنى ».

وروى ; : شكا رجل الى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انّه قطع عليه الطريق فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « هلاّ تختمت


* وقراءة سورة ( قد أفلح المؤمنون ) في كلّ جمعة(١) .

* وقراءة سبع مرّات بعد صلاة الصبح وصلاة المغرب ( بسم الله الرحمن

__________________

بالعقيق فانّه يحرس من كل سوء » الكافي : ج ٦ ، ص ٤٧٠ ، ٤٧١.

وروى المؤلّف القمّي رحمه الله في السفينة : ج ١ ، ص ٣٧٦ الطبعة الحجرية : انّه أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بأن ينقش في خاتمه محمّد بن عبدالله فنقش النقاش فأخطأت يده فنقش عليه محمّد رسول الله ، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وآله وتختم به ، فلما أصبح النبي صلى الله عليه وآله فإذا تحته منقوش (علي ولي الله).

وروى الشيخ الطوسي في الأمالي : ص ٧١٤ ، بالإسناد عن ابن عباس قال : اعطى رسول الله صلى الله عليه وآله علياً عليه السلام فقال : يا علي اعط هذا الخاتم لينقش عليه محمّد بن عبدالله ، فأخذه أمير المؤمنين عليه السلام فأعطاه النقاش ، فقال له انقش عليه محمّد بن عبدالله عليهم السلام فنقش النقاش وأخطأت يده فنقش عليه محمّد رسول الله ، فجاء أمير المؤمنين عليه السلام فقال : ما فعل الخاتم؟ فقال هو ذا فأخذه ونظر الى نقشه ، فقال ما أمرتك بهذا.

فقال : صدقت ، ولكنَّ يدي أخطأت.

فجاء به الى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال يا رسول الله ما نقش النقاش ما أمرت به ، ذكر أن يده أخطأت.

فأخذه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونظر اليه ، فقال : يا علي أنا محمّد بن عبدالله ، وأنا محمّد رسول الله وتختم به. فلما أصبح النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نظر الى خاتمه فإذا تحته منقوش علي ولي الله.

فتعجب من ذلك النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فجاء جبرئيل فقال : يا جبرئيل كان كذا وكذا؟

فقال : يا محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كتبت ما أرت وكتبنا ما أردنا.

ونقله العلاّمة المجلسي في البحار : ج ١٦ ، ص ٩١ عن أمالي الشيخ الطوسي بإسناده الى زيد بن علي عن آبائه : قال ، قال : « رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي » ونقله في البحار : ج ٤ ، ص ٣٧ ، ح ٧٢.

وروي في جامع الأخبار : ص ١٣٤ ، طبعة النجف الأشرف.

عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « مَن صاغ خاتماً من عقيق فنقَش فيه محمّد نبي وعلي ولي [هكذا في المطبوعة ولعل لفظ الجلالة ساقط كما هو الظاهر من ملازمات المقال] وقاه الله ميتة السوء ولم يمت إلاّ على الفطرة ».

(١) أقول : روى الشيخ الصدوقرحمه‌الله في ثواب الأعمال ص ١٣٥ بالإسناد الى أبي عبداللهعليه‌السلام قال : « مَن قرأ سورة المؤمنين ختم الله له بالسعادة [و] اذا كان يدمن قراءتها في كل جمعة كان من منزله في الفردوس الأعلى مع النبيين والمرسلين ».


الرحيم ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم )(١) .

* وأن يصلي في ليلة الثاني والعشرين من رجب ثمانية ركعات يقرأ في كلّ ركعة الحمد مرّة وقل يا أيها الكافرون سبعة مرّات وبعد الفراغ يصلي على محمّد وآل محمّد عشرة مرّات ، ويستغفر الله تعالى عشرة مرّات(٢) .

* وروى السيّد ابن طاووس عن الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انّه قال :

« ومَن صلّى في الليلة السادسة من شعبان أربع ركعات يقرأ في كلّ ركعة فاتحة الكتاب مرّةً ، وخمسين مرّة قل هو الله أحد ، قبض الله روحه على السعادة ، ووسع عليه في قبره ويخرج من قبره ووجهه كالقمر وهو يقول : اشهد ان لا إله إلاّ الله وانّ محمّداً عبده ورسوله »(٣) .

* يقول المؤلّف : إن هذه الصلاة هي بعينها صلاة أمير المؤمنينعليه‌السلام وانّ لها فضل كثير.

وقد رأيت من المناسب في هذا المقام أن أذكر حكايتين :

الحكاية الاُولى :

حكي ان تلميذاً من تلاميذ الفضيل بن عياض(٤) ـ وهو أحد رجال الطريقة ـ

__________________

(١) روى الشيخ الكلينيرحمه‌الله في الكافي الشريف بإسناد معتبر بقوة الصحيح عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال :

« اذا صلّيت المغرب والغداة فقل : بسم الله الرحمن الرحيم لا حول لا قوة إلاّ بالله العلي العظيم سبع مرّات فانّه من قالها لم يصبه جذام ولا برص ولا جنون ولا سبعون نوعاً من أنوع البلاء ». الكافي : ج ٢ ، ص ٥٢٨.

(٢) قال السيّد ابن طاووس في اقبال الأعمال : ص ٦٦٦ ، بعد أن ذكر هذه الصلاة المروية عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فإذا فعل ذلك لم يخرج من الدنيا حتّى يرى مكانه في الجنّة ويكون موته على الاسلام ويكون له أجر سعبين نبيّاً.

(٣) اقبال الأعمال : ص ٦٩٠ ـ ٦٩١ ، الطبعة الحجرية.

(٤) قال المؤلّفرحمه‌الله في سفينة البحار : ج ٧ ، ص ١٠٣ الطبعة الحديثة :

(الفضيل بن عياض الزاهد بصري أو كوفي عاميّ ثقة روى عن أبي عبدالله عليه السلام ، له نسخة يرويها النجاشي وكان من زهدة عصره ، ذكر الصوفية له كرامات وماقات ويحكى انّه


وكان يعدّ من أعلم تلاميذه لمّا حضرته الوفاة دخل عليه الفضيل وجلس عند رأسه وقرأ سورة ياسين.

فقال التلميذ المحتضر : يا استاذ لا تقرا هذه السورة. فسكت الاستاذ ، ثمّ لقنه فقال له : قل لا إله إلاّ الله.

فقال : لا اقولها ، لأني بريء منها.

ثمّ مات على ذلك.

فاضطرب الفضيل من مشاهدة هذه الحالة اضطراباً شديداً. فدخل منزله ولم يخرج منه. ثمّ رآه في ا لنوم وهويسحب به الى جهنّم.

فسأله الفضيل : بأي شيء نزع الله المعرفة منك ، وكنت اعلم تلاميذي.

فقال : بثلاثة أشياء :

أولها : النميمة فانّي قلت لأصحابي بخلاف ما قلت لك.

والثاني : بالحسد ، حسدت أصحابي.

والثالث : كانت بي علة فجئت الى الطبيب فسألته عنها فقال تشرب في كل سنة قدحاً من الخمر ، فانّ لم تفعل بقيت بك العلة.

فكنت اشرب الخمر تبعاً لقول الطبيب.

ولهذه الأشياء الثلاثة التي كانت فيّ ساءت عاقبتي ومت على تلك الحالة(١) .

__________________

كان في أوّل أمره يقطع الطريق بين ابيورد وسرخس وعشق جارية فبينما يرتقي الجدران إليها سمع تالياً يتلوا :( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ) سورة الحديد : الآية ١٦. فقال : يارب قد آن ، فرجع وآوى الى خربة فإذا فيها رفقة فقال بعضُهم : نرتحل ، وقال بعضهم : حتّى نُصبح فانّ فضيلاً على الطريق يقطع علينا ، فتاب الفضيل وامنهم ، وحكي انّه جاور الحرم حتّى مات وكانت وفاته يوم عاشوراء سنة (١٨٧). وله كلمات منها : ثلاثةً لاينبغي أن يُلاموا على سوء الخلق والغضب : الصائم والمريض والمسافر ؛ وقال ثلاث خصال يقسين القلب : كثرة الأكل وكثرة النوم وكثرة الكلام ، قيل : كان لفضيل ولد اسمه عليّ وكان أفضل من أبيه في الزهد والعبادة الاّ أنّه لم يتمتع بحياته كثيراً وكان سبب موته انّه كان يوماً في المسجد الحرام واقفاً بقرب ماء زمزم فسمع قارئاً يقرأ( وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ النَّارُ ) سورة ابراهيم / الآية ٤٩ ـ ٥٠. فصعق ومات ).

(١) راجعنا في ترجمة القصة ما نقله المؤلّفرحمه‌الله في كتابه سفينة البحار : ج ٢ ، ص ٧٢٧ الطبعة


يقول المؤلّف : رأيت من المناسب أن اذكر في ذيل هذه الحكاية هذا الخبر : روى الشيخ الكليني عن أبي بصير انّه قال :

دخلت ام خالد العبديّة على أبي عبداللهعليه‌السلام وأنا عنده فقالت : جعلت فداك انّه يعتريني قراقر في بطني وقد وصف لي أطبّاء العراق النبيذ بالسويق ، وقد وقفت وعرفت كراهتك له ، فاحببتُ أن أسألك عن ذلك؟

فقال لهاعليه‌السلام : وما يمنعك عن شربه؟

قالت : قد قلدتك ديني ، فألقى الله عزّوجلّ حين ألقاه فاخبره انّ جعفر بن محمّدعليهما‌السلام أمرني ونهاني.

فقال : يا أبا محمّد ألا تسمع الى هذه المرأة ، وهذه المسائل. لا والله لا آذن لك في قطره منه ، ولا تذوقي منه قطرة ؛ فانّما تندمي اذا بلغت نفسك ها هنا ـ واومأ بيده الى حنجرته ـ يقولها ثلاثاً : أفهمتِ؟

قالت : نعم(١) .

الحكاية الاُخرى :

ذكرالشيخ البهائي عطر الله مرقده في الكشكول :

احتضر بعض المترفين وكان كلما قيل له قل : لا إله إلاّ الله ، يقول هذا البيت :

يا رُبَّ قائلةٍ يوماً وقد تَعِبَت

أين الطريق الى حَمّامِ منجابِ

وسبب ذلك أن امرأةً عفيفةً حسناء خرجت الى حمام معروف بحمام بنجاب ، فلم تعرف طريقه وتعبت من المشي ، فرأت رجلاً على باب دار ، فسألته عن الحمام.

فقال : هو هذا ، وأشار الى باب داره.

فلما دخلت ، اغلق الباب عليها ؛ فلما علمت بمكره أظهرت كمال الرغبة والسرور ، وقالت : اشتر لنا شيئاً من الطيب ، وشيئاً من الطعام ، وعجل بالعود إلينا.

فلما خرج واثقاً بها وبرغبتها ، خرجت وتخلصت منه.

__________________

الحديثة ، وقد حاولنا أن نجمع ما في السفينة وما نقله هنا بالفارسية ، وإن شئت فراجع السفينة.

(١) رواه الشيخ الكليني في الكافي الشريف : ج ٦ ص ٤١٣.


فانظر كيف منعته هذه الخطيئة عن الاقرار بالشهادة عند الموت ، مع انّه لم يصدر منه إلاّ ادخال المرأة بيته وعزمه على الزنا فقط من دون وقوعه منه(١) .

والحكايات من هذا القبيل كثيرة.

واعلم انّ الشيخ الكليني روى عن الامام الصادقعليه‌السلام انّه قال :

« مَن منع قيراطاً من الزكاة فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً »(٢) .

يقول الفقير : القيراط واحد وعشرون ديناراً.

وورد قريباً من هذا المضمون في حقّ من استطاع أن يحج ولم يحج حتّى مات(٣) .

لطيفة :

نقل عن بعض العارفين انّه حضرعند محتضر الحاضرون منه أن يلقّن المحتضر. فلقّنه هذه الرباعية :

كر من گنه جمله جهان گردستم

لطف تو اميد است كه گيرد دستم

گوئي كه به وقت عجز دستت كيرم

عاجزتر از اين مخواه كاكنون هستم

يعني :

إن ارتكبت معاصي الدنيا كلّها

فرجائي أن يأخذ لطفك يدي

فانّك وعدتني باخذ يدي عندما أعجز

لا تشأ أن أعجز أكثر من عجزي الحالي

__________________

(١) الكشكول : ج ١ ، ص ٢٤٨ ـ ٢٤٩.

(٢) الكافي : ج ٣ ، ص ٥٠٧.

(٣) أقول : روى الصدوق في ثواب الأعمال : ص ٢٨١ ـ ٢٨٢ ، بالإسناد عن أبي عبداللهعليه‌السلام :

« من مات ولم يحج حجّة الاسلام ولم تمنعه من ذلك حاجة تجحف به أو مرض لا يطيق الحجّ من أجله أو سلطان يمنعه فليمت إن شاء يهودياً وإن شاء نصراياً ».


أحدُ منازِلُ الآخرة المهولة

القَبر



أحدُ منازِلُ الآخرة المهولة

القَبر

فانّه في كل يوم يقول : أنا بيت الغربة ، أنا بيت الوحشة ، أنا بيت الدود(١) .

ولهذا المنزل عقبات صعبة جداً ، ومنازل ضيقة ومهولة ، ونحن نشير هنا

__________________

(١) روى الكليني في الكافي : ج ٣ ، ص ٢٤٢ بالإسناد عن أبي عبدالله الصادقعليه‌السلام قال : « انّ للقبر كلاماً في كل يوم يقول : أنا بيت الغربة ، أنا بيت الوحشة ، أنا بيت الدود ، أنا القبر ، أنا روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران ».

وروى أيضاً في ج ٣ ، ص ٢٤١ ، بالإسناد عنه عليه السلام قال : « ما من موضع قبر إلاّ وهو ينطق كل يوم ثلاث مرّات : أنا بيت التراب ، أنا بيت البلاء ، أنا بيت الدود.

قال : فاذا دخله عبدٌ مؤمنٌ قال : مرحباً وأهلاً ، أما والله لقد كنت أحبّك وأنت تمشي على ظهري ، فكيف اذا دخلت بطني ، فسترى ذلك.

قال : فيفسح له مدّ البصر ، ويفتح له باب يرى مقعدة من الجنّة.

قال : ويخرج من ذلك رجل لم تر عيناه شيئاً قط أحسن منه فيقول : يا عبدالله ما رأيت شيئاً قط أحسن منك.

فيقول : أنا رأيك الحسن الذي كنت عليه ، وعملك الصالح الذي كنت تعمله.

قال : ثمّ تؤخذ روحه ، فتوضع في الجنّة حيث رأى منزله ، ثمّ يقال له : نَم قرير العين ، فلا يزال نفحة من باب الجنّة تصيب جسده يجد لذتها وطيبها حتّى يبعث.

قال : وإذا دخل الكافر ، قال : لا مرحباً بك ، ولا أهلاً ، اما والله لقد كنت ابغضك وأنت تمشي على ظهري ، فكيف اذا دخلت بطني سترى ذلك.

قال : فتضمَّ عليه ، فتجعله رميماً ، ويعاد كما كان ، ويفتح له باب الى النار فيرى مقعدة من النار الحديث ».


الى عدّة عقبات منها :

العَقَبَةُ الأُولى

وحشةُ القبر

* في كتاب ( من لا يحضره الفقيه ) :

( وإذا حمل الميت الى قبره فلا يفاجأ به القبر لأنّ للقبر أهوالاً عظيمة. ويتعوذ حامله الله مِن هول المطلع. ويضعه قرب شفير القبر. ويصبر عليه هنيئة ثمّ يقدّمه قليلاً ويصبر عليه هنيئة ليأخذ اهبته ، ثمّ يقدمه الى شفير القبر )(١) .

وقال المجلسي الأول في شرح هذا الحديث :

( ولو انّ الروح قد فارقت البدن ، وانّ الروح الحيوانية قد ماتت ، أما النفس الناطقة فحية. وانّ تعلقها بالبدن يزول على نحو الكلية. وانّ الخوف مِن ضغطة القبر وسؤال منكر ونكير ورومان « فتان القبور » ، والخوف من عذاب البرزخ موجود ليكن عبرة للآخرين ليفكروا انّ ذلك واقع بهم في المستقبل.

وفي حديث حسن(٢) عن يونس قال : حديث سمعته عن أبي الحسن موسىعليه‌السلام ما ذكرته وأنا في بيت إلاّ ضاق عليّ. يقول : اذا أتيت بالميت الى شفير قبره فامهله ساعة ، فانّه يأخذ أهبته للسؤال(٣) .

وروي عن البراء بن عازب ـ أحد الصحابة المعروفين قال :

بينما نحن مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اذا بَصَرَ بجماعة فقال : علامَ اجتمع عليه هؤلاء؟

__________________

(١) مَن لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق : ج ١ ، ص ١٧٠.

(٢) أي ان سند الحديث حسن.

(٣) لم نجده في الشرح العربي المطبوع باسم ( روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه ) ولعله في الشرح الفارسي فان المجلسي الأول شرحان على الفقيه.

وأما الرواية فموجودة في الشرح العربي ونقلناها منه : روضة المتقين : ج ١ ، ص ٤٥٠.

وقد رواها الكليني في الكافي : ج ٣ ، ص ١٩١ ، كتاب الجنائز ـ باب ( في وضع الجنازة دون القبر ) ـ ح ٢.


قيل : على قبر يحفرونه.

قال : ففزع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فبدر بين يدي أصحابه مسرعاً حتّى انتهى الى القبر فجثا عليه.

قال : فاستقبلته من بين يديه لانظر ما يصنع. فبكى حتّى بلَّ الثَّرى من دموعه ، ثمّ اقبل علينا ، قال : أي اخواني لمثل اليوم اعدوا(١) .

__________________

(١) مسند أحمد بن حنبل : ج ٤ ، ص ٢٩٤ وروى الشهيد في : مسكن الفؤاد ، ص ١٠٧ ، الطبعة الحجرية عن البراء بن عازب باختلاف يسير ، ونقله الشيخ النوري في المستدرك : ج ٢ ، ص ٤٦٥ ، باب ٧٤ ، ح ٢٤٧٦ ، الطبعة الحديثة.

ومما يناسب المقام ما رواه أحمد بن حنبل أيضاً عن البراء بن عازب انّه قال :

(خرجنا مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في جنازة رجل من الانصار ، فانتهينا الى القبر ولمّا يلحد ، فجلس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وجلسنا حوله ، وكأنّ على رؤوسنا الطير ، وفي يده عود ينكت في الأرض فرفع رأسه ، فقال :

استعيذوا بالله من عذاب القبر. (مرّتين ، أو ثلاثاً) ثمّ قال :

إنّ العبد المؤمن اذا كان في انقطاع من الدنيا ، واقبال من الآخرة ، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه ، كأن وجوههم الشمس ، معهم كفن من أكفان الجنّة ، وحنوط من حنوط الجنّة ؛ حتّى يجلسوا منه مدّ البصر ، ثمّ يجيء ملك الموتعليه‌السلام حتّى يجلس عند رأسه فيقول : أيتها النفس الطيبة اخرجي الى مغفرة من الله ، ورضوان.

قال : فتخرج تسيل ، كما تسيل القطرة من في السقاء ، فيأخذها. فإذا أخذها يدعوها في يده طرفة عين حتّى يأخذوها فيجعلونها في ذلك الكفن ، وفي ذلك الحنوط ، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض.

قال : فيصعدون بها ، فلا يمرون ـ يعني بها ـ على ملأ من الملائكة إلاّ قالوا : ما هذا الروح الطيب؟

فيقولون : فلان ، بن فلان ؛ بأحسن اسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا.

حتّى ينتهوا بها الى السماء الدنيا ، فيستفتحون له ؛ فيفتح لهم ، فيشيعه من كل سماء مقربوها الى السماء التي تليها حتّى ينتهى به الى السماء السابعة ، فيقول الله عزّوجلّ اكتبوا كتاب عبدي في عليين ، واعيدوه الى الأرض ، فانّي منها خلقتهم وفيها اعيدهم ومنها اخرجهم تارة اُخرى.

قال : فتعاد روحه في جسده ، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له : مَن ربك؟ فيقول ربّي الله.


* ونقل الشيخ البهائي عن بعض الحكماء انّه رُئيَ في ساعة موته يتحسر ويتأسف.

فقيل له : ما هذا الذي يرى منك؟

فقال : ما يُظَنُّ بِمَن يسافر سفراً بعيداً بدون زاد ولا مؤونة ، ويسكن في قبر موحش بلا مؤنس ، ويرد على حاكم عادل بدون حجّة؟!

* وروى القطب الراوندي أنّ عيسى نادى امه مريمعليهم‌السلام بعد ما دفنت فقال : يا امّاه هل تريدين أن ترجعي الى الدنيا؟

قالت : نعم لأُصلي لله في ليلة شديدة البرد واصوم يوماً شديد الحر ، يا بني فانّ الطريق مخوف(١) .

* وروي : انَّ فاطمةعليها‌السلام لمّا احتضرت أوصت علياًعليه‌السلام فقالت : « اذا أنا مت فتول أنت غسلي وجهزّني ، وصلّ عليَّ وانزلني قبري والحدني ، وسوّ التراب عليّ ، واجلس عند رأسي قبالة وجهي ، فأكثر من تلاوة القرآن والدعاء فانّها ساعة يحتاج الميت فيها الى أُنس الأحياء »(٢) .

* وروى السيّد ابن طاووسرحمه‌الله عن الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انّه قال :

__________________

فيقولان له : ما دينك؟ فيقول : ديني الاسلام.

فيقولان له : ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟

فيقول : هو رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فيقولان له : وما علمك؟ فيقول : قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت.

فياندي مناد من السماء : إن صدق عبدي فافرشوه من الجنّة والبسوه من الجنّة وافتحوا له باباً الى الجنّة. قال : فيأتيه من روحها وطيبها ، ويفسح له في قبره مدّ بصره الحديث) مسند أحمد : ج ٤ ، ص ٢٨٧.

(١) رواها النوري في مستدرك الوسائل : ج ١ ، ص ٥٩١ ، الطبعة الحجرية ، كتاب الصيام ، أبواب الصوم المندوب ، باب ٢ ، ح ٦ ، عن لب اللباب للراوندي.

(٢) راجع البحار : ج ٨٢ ، ص ٢٧ ، ح ١٣ ، عن مصباح الأنوار ، ونقله عنه الشيخ النوريرحمه‌الله في المستدرك : ج ٢ ، ص ٣٣٩ ، باب ٣٢ ، ح ٢١٣٣. ونقله أيضاً في المستدرك : ج ٢ ، ح ٤٧٧ ، باب ٧٩ ، ح ٢٥٠٩. وتجده في مصباح الأنوار : ص ٢٥٧.


« لا يأتي على الميت ساعة أشدّ من أول ليلة فارحموا موتاكم بالصدقة ، فان لم تجدوا فليصل أحدكم ركعتين يقرا فيهما فاتحة الكتاب مرّة وآية الكرسي مرّة ، وقل هو الله احد مرّتين ، وفي الثانية فاتحة الكتاب مرّة والهاكم التكاثر عشر مرّات وسلم ويقول :

اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد وابعث ثوابها الى قبر ذلك الميت فلان بن فلان ، فيبعث الله مِن ساعته الف ملك الى قبره مع كل ملك ثوب وحلة ويوسع في قبره من الضيق الى يوم ينفخ في الصور ويعطى المصلي بعدد ما طلعت عليه الشمس حسنات ويرفع له أربعون درجة »(١) .

صلاة اُخرى :

يصلى لرفع وحشة الليلة الاُولى في القبر ركعتين ، يقرا في الركعة الاولى الحمد وآية الكرسي ، ويقرا في الركعة الثانية الحمد وانّا انزلناه عشر مرّات ، فإذا سلم يقول :

« اللّهم صلّ على محمّد وآل محمّد وابعث ثوابها الى قبر فلان »(٢) .

ويذكر اسم الميت عوضاً عن « فلان ».

حكاية :

نقل شيخنا ثقة الاسلام النوري ( نوّرالله مرقده ) في ( دار السلام ) عن شيخه معدن الفضائل والمعالي مولانا الحاجّ ملا فتح علي السلطان آبادي

__________________

(١) فلاح السائل للسيّد ابن طاووس : ص ٨٦ ـ ٨٧.

(٢) في المصباح للشيخ الكفعمي : ص ٤١١ الطبعة الحجرية. قال : « وصلاة هدية الميت ليلة الدفن ركعتان ، في الاُولى الحمد ، وآية الكرسي ، وفي الثانية الحمد والقدر عشراً ، فإذا سلّم قال : اللّهمّ صلي على محمّد وآل محمّد ، وابعث ثوابها الى فلان ».

وذكرها الشيخ الكفعمي في : البلد الأمين : ص ١٦٤ ، ونقلها عنه الحر العاملي في الوسائل : ج ٥ ، ص ٢٨٥ ، كتاب الصلاة : أبواب بقية الصلوات المندوبة باب ٤٤ ، ح ٢.

ونقلها المجلسي في البحار : ج ٩١ ، ص ٢١٩ ، ح ٥.


( عطر الله مضجعه ) قال :

كان من عادتي وطريقتي أن اصلي ركعتين لكل مَن سمعته مات في ولاء أهل البيتعليهم‌السلام في ليلة دفنه سواءاً عرفته أو جهلته. ولم يكن أحداً مطلعاً على ذلك ، الى أن لقاني يوماً في الطريق بعض الأصدقاء فقال :

انّي رأيت البارحة فلاناً في المنام ـ وقد توفي في هذه الايّام ـ فسألتُه عن حاله ، وما جرى عليه بعد الموت.

فقال : كُنتُ في شدة وبلاء وآل أمري الى العقاب عند الجزاء إلاّ أن الركعتين اللتين صلاهما فلان ـ وسمّاك ـ انقذتني من العذاب ، ودفعت عني مضاضة العقاب ، فرحم الله أباه(١) لهذا الاحسان الذي وصل منه اليَّ(٢) .

ثمّ سألني عن تلك الصلاة فاخبرته بطريقتي المستمرّة ، وعادتي الجارية(٣) .

* ومنَ الأشياء النافعة أيضاً لوحشة القبر اتمام الركوع كما روي عن الامام محمّد الباقرعليه‌السلام انّه قال :

« مَن أتَمَّ ركوعه لم تدخله وحشة القبر »(٤) .

* وورد في الخبر أيضاً :

« مَن قال مائة مرّة ( لا إله إلاّ الله الملك الحقّ المبين ) اعاذه الله العزيز الجبار مِنَ الفقر وأنسَ وحشة قبره واستجلب الغنى واستقرع باب الجنّة »(٥) .

__________________

(١) في المصدر المطبوع : اياه.

(٢) هكذا في المصدر بدل (وصلني منه) كما هو الصحيح.

(٣) دار السلام : ج ٢ ، ص ٣١٥.

(٤) الدعوات للقطب الراوندي : ص ٢٧٦ الطبعة الحديثة ، قال : « وعن سعيد بن جناح قال :

كنت عند أبي جعفر عليه السلام فقال مبتدءاً الخبر) ونقله عنه المجلسي رحمه الله في البحار : ج ٦ ، ص ٢٤٤ ، ٧١ ، وفي ج ٨٢ ، ص ٦٤ ، ح ٨ ، ورواه الصدوق في ثواب الأعمال : ص ٥٥ (باب من أتم ركوعه) ، ح ١. ونقله عن البحار : ج ٨٥ ، ص ١٠٧ ، ح ١٥.

(٥) ثواب الأعمال : الشيخ الصدوق : ص ٢٢ ( ثواب من قال لا إله إلاّ الله الملك الحقّ المبين مائة مرّة ) ح ١.


* وكذلك قراءة سورة يس قبل النوم(١) .

وكذلك صلاة ليلة الرغائب ، وقد ذكرت هذه الصلاة مع بعض فضائلها في مفاتيح الجنان في أعمال شهر رجب(٢) .

__________________

وذكره القطب الراوندي في الدعوات : ص ٢١٧.

ونقله في البحار : ج ٨٦ ، ص ١٦١ ح ٤٠ ، عن (البلد الأمين) وفي ج ٨٧ ـ ص ٨ ، ح ١٣ ، وفي ج ٩٣ ، ص ٢٠٧ ، ح ٧.

كما رواه الشيخ الطوسي في الأمالي : ص ٢٨٥.

(١) روى الصدوقرحمه‌الله في ثواب الأعمال : ص ١٣٨ عن الامام الصادقعليه‌السلام انّه قال :

« انَّ لكل شيء قلباً وانّ قلب القرآن يس ، مَن قرأها قبل أن ينام أو في نهاره قبل أن يمسي كان في نهاره من المحفوظين والمرزوقين حتّى يمسي. ومَن قرأها في ليلة قبل أن ينام وكّل الله به ألف ملك يحفظونه من شر كل شيطان رجيم ، ومن كل آفة. وإن مات في يومه ادخله الله به الجنّة ، وحضر غسله ثلاثون ألف ملك كلهم يستغفرون له ، ويشيعونه الى قبره بالاستغفار له. فاذا دخل في لحده كانوا في جوف قبره يعبدون الله ، وثواب عبادتهم له ، وفسح له في قبره مدّ بصره ، وأُومن من ضغطة القبر ، ولم يزل له في قبره نورٌ ساطع الى عنان السماء الى أن يخرجه الله من قبره الحديث ».

وفي البحار : ج ٧٦ ، ص ٢٠٠ ، عن الامام الصادق عليه السلام انه قال : « من قرأ يس ، في ليلته قبل أن ينام وكّل الله به ألف ملك يحفظونه من كل شيطان رجيم ومن كل آفة ».

لا يخفى أن هذه الرواية هي قطعة من الرواية المتقدمة.

(٢) قال المؤلّف في كتابه مفاتيح الجنان المعرب : ص ١٣٩ :

(واعلم انّ أوّل ليلة من ليالي الجمعة من رجب تسمّى ليلة الرغائب ، فيها عمل مأثور عن النبي صلى الله عليه وآله ذو فضل كثير. ورواه السيّد في الاقبال والعلامة المجلسي رحمه الله في اجازة بني زهرة.

ومن فضله : أن يغفر لمن صلاّها ذنوب كثيرة ، وانّه اذا كان أول ليلة نزوله الى قبره بعث الله إليه ثواب هذه الصلاة في أحسن صورة ، بوجه طلق ، ولسان ذلق ، فيقول : يا حبيبي ابشر فقد نجوت من كل شدة.

فيقول : من أنت ، فما رأيت أحسن وجهاً منك ، ولا سمعت كلاماً أحلى من كلامك ، ولا شممت رائحة اطيب من رائحتك؟

فيقول : يا حبيبي انا ثواب تلك الصلاة التي صليتها ليلة كذا ، في بلدة كذا ، في شهر كذا ، في سنة كذا ، جئت الليلة لاقضي حقك وآنس وحدتك ، وأرفع عنك وحشتك ؛ فإذا نفخ في الصور ظلت في عرصة القيامة على رأسك ، فافرح فانّك لم تعدم الخير أبداً.


__________________

وصفة هذه الصلاة :

أن يصوم أول خميس من رجب ثمّ يصلي بين صلاتي المغرب والعشاء اثنتي عشرة ركعة يفصل بين كل ركعتين بتسليمة يقرأ في كل ركعة فاحتة الكتاب مرّة ، وانّا انزلناه ثلاث مرّات ، وقل هو الله أحد اثني عشرة مرّة.

فإذا فرغ من صلاته قال سبعين مرّة : اللّهمّ صلّ على محمّد النبي الاُمّي وعلى آله [وفي نسخة بدل اللّهمّ صل على محمّد وآل محمّد] ثمّ يسجد ويقول سبعين مرّة : ربّ اغفر وارحم وتجاوز عمّا تعلم انّك أنت العليُّ الأعظم. ثمّ يسجد سجدة اُخرى فيقول فيها سبعين مرّة : سبوح قدوس ربّ الملائكة والروح.

ثمّ يسأل حاجته ، فانّها تقضى إن شاء الله) انتهى كلامه رفع مقامه.

وقد نقل العلاّمة المجلسيرحمه‌الله في بحاره : ج ٩٨ ، ص ٣٩٥ باب (عمل خصوص ليلة الرغائب) : عن العلاّمة في اجازته الكبيرة عن الحسن بن الدّربي ، عن الحاج صالح مسعود بن محمّد وأبي الفضل الرازي المجاور بمشهد مولانا أمير المؤمنينعليه‌السلام قرأها عليه في محرَّم سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة عن الشيخ عليِّ بن عبد الجليل الرّازي عن شرف الدين الحسن بن علي ، عن سديد الدّين عليّ بن الحسن عن عبد الرحمن بن أحمد النيسابوري ، عن الحسن بن علي ، عن الحاج مسموسم عن أبي الفتح نورخان عبد الواحد الاصفهاني ، عن عبد الواحد بن راشد الشيرازي ، عن أبي الحسن الهمداني عن عليّ بن محمّد بن سعيد البصري ، عن أبيه ، عن خلف بن عبدالله الصنّعاني ، عن حميد الطوسي ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما معنى قولك : رجب شهر الله؟ قال : لأنه مخصوص بالمغفرة ، فيه تحقن الدماء ، وفيه تاب الله على أوليائه وفيه انقذهم من نزاعه ثمَّ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من صامه كلّه استوجب على الله ثلاثة أشياء :

مغفرة لجميع ما سلف من ذنوبه ، وعصمة فيما يبقى من عمره ، وأماناً من العطش يوم الفرغ الأكبر.

فقام شيخ ضعيف فقال : يا رسول الله صلى الله عليه وآله إنّي عاجز عن صيامه كلّه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : صم أوَّل يوم منه ، فانَّ الحسنة بعشر أمثالها وأوسط يوم منه وآخر يوم منه ، فانّك تعطى ثواب صيامه كلّه. ولكن لا تغفلوا عن ليلة أوَّل خميس منه ، فانّها ليلة تسمّيها الملائكة ليلة الرغائب ، وذلك أنّه إذا مضى ثلث اللّيل لم يبق ملك في السّموات والأرض إلاّ ويجتمعون في الكعبة وحواليها ويطّلع الله عليهم اطّلاعة فيقول لهم :

يا ملائكتي اسألوني ما شئتم فيقولون : حاجاتنا إليك أن تغفر لصوّام رجب ، فيقول


__________________

الله عزَّوجلَّ قد فعلت ذلك.

ثم قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما من أحد يصوم الخميس أوَّل خميس من رجب ثمَّ يصلي ما بين العشاءين العتمة اثني عشرة ركعة يفصل بين كلّ ركعتين بتسليم يقرأ في كلِّ ركعة فاتحة الكتاب مرَّة واحدة وإنّا أنزلناه في ليلة القدر ثلاث مرّات وقل هو الله أحد اثني عشرة مرَّة ، فإذا فرغ من صلاته صلّى عليَّ سبعين مرَّة ، ويقول « اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آله ، ثمّ يسجد ويقول في سجوده سبعين مرّة : رب اغفر وارحم وتجاوز عمّا تعلم إنّك أنت العلي الأعظم ، ثمَّ يسجد سجدة أُخرى فيها ما قال في الأولى ثمَّ يسأل الله حاجته في سجوده ، فانّها تقضى.

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : والّذي نفسي بيده لا يصلّي عبد أو أمة هذه الصّلاة إلاّ غفر الله جميع ذنوبه ، ولو كان ذنوبه مثل زبد البحر وعدد الرّمل ووزان الجبال وعدد ورق الأشجار ويشفع يوم القيامة في سبعمائة من أهل بيته ممّن قد استوجب النار ، فاذا كان أوَّل ليلة في قبره بعث الله إليه ثواب هذه الصلاة في أحسن صورة فيجيئه بوجه طلق ولسان ذلق فيقول : يا حبيبي أبشر فقد نجوت من كلِّ سوء فيقول : من أنت فوالله ما رأيت وجهاً أحسن من وجهك ، ولا سمعت كلاماً أحسن من كلامك ، ولا شممت رائحة أطيب من رائحتك ، فيقول : يا حبيبي أنا ثواب تلك الصلاة الّتي صلّيتها في ليلة كذا من شهر كذا ، جئتك هذه الليلة لاقضي حقك واُونس وحدتك ، وأرفع وحشتك ، فإذا نفخ في الصّور ظلت في عرصة القيامة على رأسك فابشر فلن تعدم الخير أبداً).

وقال السيّد ابن طاووس في اقبال الاعمال : ص ٦٣٢ ، الطبعة الحجرية : (لا تغفلوا عن أوّل ليلة جمعة فيه فانّها ليلة تسميها الملائكة ليلة الرغائب وذلك انّه اذا مضى ثلث الليل لم يبق ملك في السماوات والأرض إلاّ يجتمعون في الكعبة وحواليها ويَطلّع الله عليهم إطلاعة فيقول لهم يا ملائكتي سلوني ما شِئتم فيقولون ربّنا حاجتنا اليك أن تغفر لصّوام رجب فيقول الله تبارك وتعالى قد فعلت ذلك ثمّ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما من أحد صام يوم الخميس أوّل خميس من رجب ثمّ يصلي بين العشاء والعتمة اثنتي عشرة ركعة يفصل بين كل ركعيتن بتسليمة يقرأ في كلّ ركعة فاتحة الكتاب مرّة وانّا انزلناه في ليلة القدر ثلاث مرّات وقل هو الله أحد اثنتي عشرة مرّة فاذا فرغ من صلاته صلى عليّ سبعين مرّة يقول اللّهم صلّ على محمّد النبي الاُمّي الهاشمي وعلى آله ثمّ يسجد ويقول في سجوده سبعين مرّة سُبُوح قُدُّوسٌ رَبُ الملائكة والرّوحِ ثمّ يرفع رأسه ويقول رَبِّ اغفر وارحم وتجاوز عمّا تعلم إنّك أنت العلي الأعظم ثمَّ يسجدُ سجدة اُخرى فيقول فيها ما قال في السجدة الاُولى ثمَ يسأل الله حاجته


* وروي :

« ومَن صام اثني عشر يوماً من شعبان زاره في قبره كلّ يوم سبعون ألف ملك الى النفخ في الصور »(١) .

* ومَن عاد مريضاً أوكل الله تعالى به ملكاً يعوده في قبره الى محشره(٢) .

__________________

في سجوده فانّه تقضى إن شاءَ الله تعالى ثمّ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والذي نفسي بيده لا يصلي عبد أو امة هذه الصلاة إلاّ غفر الله له جميع ذنوبه ولو كانت ذنوبه مثل زبد البحر وعدد الرّمل ووزن الجبال وعدد أوراق الأشجار ويشفع يوم القيامة في سبع مائة من أهل بيته ممّن قد استوجب النار فإذا كان اوّل ليلة نزوله الى قبره بعث الله إليه ثواب هذه الصلاة في أحسن صورة بوجه طلق ولسان ذلق فيقول يا حبيبي ابشر فقد نجوت من كل شدّة فيقول من أنت فما رأيت أحسن وجها مِنك ولا شممت رائحة اطيب من رائحتك فيقول يا حبيبي أن ثواب تلك الصلاة التي صلّيتها ليلة كذا في بلدة كذا في شهر كذا في سنة كذا جئت الليلة لا قضي حقك وانس وحدتك وارفع عنك وحشتك فإذا نفخ في الصُّور ظللت في عرصة القيامة على رأسك وانّك لن تعدم الخير من مولاك أبداً).

(١) روى ذلك الشيخ الصدوق في ثواب الأعمال : ص ٨٧ ، ورواه في فضائل الأشهر الثلاثة ص ٤٧ ، ح ٢٤.

ورواه في الأمالي : ص ٢٩ ، المجلس ٧ ، ح ١ ونقله المجلسي في البحار : ج ٩٧ ، ص ٦٩ ، ح ٧.

(٢) أقول : روى الصدوق في ثواب الأعمال : ص ٢٣١ ، بإسناد صحيح عن أبي جعفرعليه‌السلام قال :

« كان فيما ناجى الله به موسىعليه‌السلام ربّه إن قال : يا ربّ اعلمني ما بلغ من عيادة المريض من الأجر؟

قال عزّوجلّ : أوكل به ملكاً يعوده في قبره الى محشره ».

وفي : قصص الانبياء / القطب الراوندي : ص ١٦٣ ، ح ١٨٥ (قال موسى عليه السلام : يارب ما لمن عاد مريضاً؟ قال : أوكل به ملكاً يعوده في قبره الى محشره ). ونقله عنه المجلسي في البحار : ج ١٣ ، ص ٣٥٤ ، ح ٥٢. وروى الكليني في الكافي : ج ٣ ، ص ١٢٠ ، كتاب الجنائز باب (ثواب عيادة المريض) ، ح ٤ ، عن الامام الصادق عليه السلام انّه قال : « ايّما مؤمن عاد مؤمناً في الله عزّوجلّ في مرضه وكّل الله به ملكاً من العواد يعوده في قبره الى يوم القيامة ».

وفي ج ٣ ، ص ١٢٠ ح ٥ : بسند صحيح عن الامام الصادق عليه السلام قال : « من عاد مريضاً من المسلمين وكّل الله به أبداً سبعين ألفاً من الملائكة يغشون رحله ويسبحون فيه ، ويقدسون ، ويهللون ، ويكبرون الى يوم القيامة نصف صلاتهم لعائد المريض ».

وروى أيضاً في ج ٣ ، ص ١٢١ ، ح ٧ بإسناده عن الامام الصادق عليه السلام انّه قال : « من


* وروي عن أبي سعيد الخدري انه قال :

سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : يا علي! بشر وبشر فليس على شيعتك(١) حسرة(٢) عند الموت ، ولا وحشة في القبور ، ولا حزن يوم النشور(٣) .

العقبة الثانية

ضَغطَةُ القَبرِ

وهذه العقبة صعبة جداً وبتصورها تضيق على الانسان الدينا.

* قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : « يا عِباد الله ما بَعدَ المَوتِ لمَن لا يُغفَر له أشدُّ مِنَ المَوتِ القبر فاحذروا ضيقَةُ وضَنكَهُ وظُلمَتَهُ وَغُربتَهُ ، إنَّ القَبرَ يقولُ كُلَّ يَومٍ أنا بَيتُ الغربة انا بيتُ الوَحشَةِ أنا بَيتُ الدّودِ ، وَالقَبرُ روضَةٌ من رياض الجنّة أو حُفرهٌ من حُفرِ النّار الى أن قالَ : وَإنَّ مَعيشَةَ الضَّنكِ الَّتي حَذَّرَ اللهُ مِنها عَدُوَّهُ عذابُ القبر ، إنَّه يُسلّطُ على الكافرِ في قَبِره تِسعةً وتسعين تنيناً فَينهشنَ لحَمهُ ويَكسِرنَ عظمهُ يَتردَّدنَ عليه كذلك الى يوم يبعث ؛ لَو انَّ تنيناً مِنها نَفَخَ في الأرض لَم تُنبِت زَرعاً.

__________________

عاد مريضاً وكّل الله عزّوجلّ به ملكاً يعوده في قبره ».

(١) في نسخة من المصدر (لشيعتك) بدل (على شيعتك).

(٢) في نسخة من المصدر (كرب) بدل (حسرة).

(٣) تفسير فرات : ص ٣٤٨ ، ح ٣٧٥. وفي البحار : ج ٧ ، ص ١٩٨ ، ح ٧٣ ، وتكملة الحديث (ولكأنّي بهم يخرجون من جدث القبور ينفضون التراب عن رؤوسهم ولحاهم ، يقولون : الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن انّ ربّنا لغفور شكور الذي احلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب).

وفي البحار أيضاً : ج ٣٩ ، ص ٢٢٨ ، عن عائشة ، قال النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام : « حسبك ما لمحبّك حسرة عند موته ، ولا وحشة في قبره ، ولا فزع يوم القيامة ».

وفي البحار : ج ٦ ، ص ٢٠٠ :

عن ام سلمة (رضي الله عنها) قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام :

« يا علي انَّ محبيك يفرحون في ثلاثة مواطن : عند خروج انفسهم وأنت هناك تشهدهم ، وعند المساءلة في القبور وأنت هناك تلقنهم ، وعند العرض على الله وأنت هناك تعرفهم ».


* يا عباد الله إنَّ انفسَكُمُ الضَّعيفة وأجسادكُمُ الناعمة الرّقيقة التي يكفيها اليسيرُ تَضعُفُ عن هذا »(١) .

* وروي بأنه كان أبو عبد اللهعليه‌السلام اذا قام الليل يرفع صوته حتّى يسمع أهل الدار ويقول :

« اللّهمَّ أَعِنِّي على هَولِ المُطَّلَع وَوَسِع عَلَيَّ ضيق المضجَعِ وارزُقني خَيرَ ما قَبلَ الموتِ وارزُقني خَيرَ ما بَعدَ المَوتِ »(٢) .

* ومن أدعيتهعليه‌السلام :

« اللّهمّ بارِك لِي في الموتِ ، اللّهُمّ أعِنِّي على سَكراتِ المَوتِ اللّهُمَّ أَعني على غمِّ القَبرِ ، اللّهُمَّ أَعِنِّي على ضيقِ القَبرِ اللَّهُمَّ أعِنِّي على وَحشَةِ القَبرِ القَبرِ اللّهُمَّ زَوِّجني مِن الحور العينِ »(٣) .

* واعلم أن العمدة في عذاب القبر تأتي من عدم الاحتراز من البول ، والاستخفاف به ، يعني استسهاله ، ومن النميمة ونقل الأقوال والأخبار والاستغابة وابتعاد الرجل عن أهله(٤) .

* ويستفاد من رواية سعد بن معاذ انّ من أسباب ضغطه القبر سوء خلق

__________________

(١) الأمالي ، الطوسي : ص ٢٧ ، ح ٣١ ، ونقله عنه المجلسي في البحار : ج ٦ ، ٢١٨ ، ح ١٣.

(٢) اصول الكافي : ج ٢ ، ص ٥٣٩ ، بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج عن الامام الصادقعليه‌السلام . وفي ( من لا يحضره الفقيه ) ج ١ ، ص ٤٨٠ ، ح ١٣٨٩.

(٣) أقول روى هذا الدعاء السيّد ابن طاووس في اقبال الأعمال : ص ١٧٨ ، الطبعة الحجرية ، في ضمن أعمال الليلة التاسعة عشرة من شهر رمضان المبارك ، وقد رواه عن الامام الصادقعليه‌السلام ، وفيه : « اللّهمّ أعني على الموت ، اللّهمّ أعني على سكرات الموت اللّهمّ أعني على وحشة القبر ، اللّهمّ أعني على ظلمة القبر اللّهمّ أعني على أهوال يوم القيامة ، اللّهمّ بارك لي في طول يوم القيامة ، اللّهمّ زوجني من الحور العين ». ونقله في البحار : ج ٩٨ ، ص ١٣٥.

(٤) روى الشيخ الصدوق في علل الشرائع : ص ٣٠٩ ، باب ٢٦٢ ، بالإسناد عن عليعليه‌السلام قال :

« عذاب القبر يكون من النميمة ، والبول ، وعزب الرجل عن أهله » ، ونقله عنه المجلسي في البحار : ج ٦ ، ص ٢٢٢ ، ح ٢١ ، وفي ج ٧٥ ، ص ٢٦٥ ، ح ٢١٠ ، وفي ج ١٠٣ ، ص ٢٨٦ ، ح ١٦.


الرجل مع أهله ، وغلظته مع عياله أيضاً(١) .

* وورد في رواية عن الامام الصادقعليه‌السلام :

« ليس مِن مؤمن إلاّ وله ضَمَّةٌ »(٢) .

__________________

(١) وروى الصدوقرحمه‌الله في علل الشرائع : ص ٣١٠ ، باب ٢٦٢ ، ح ٤ ، وفي الأمالي : ص ٣١٤ ، المجلس ٦١ ، ح ٢ ، وروى الشيخ الطوسي في الأمالي : ص ٤٣٩ ، ح ١٢ ونقله في البحار : ج ٦ ، ٢٢٠ ، ح ١٤ ، وفي ج ٢٢ ، ص ١٠٧ ، ح ٦٧ ، وفي ج ٧٣ ، ص ٢٩٨ ، ح ١١ ، وفي ج ٨٢ ، ص ٤٩ ، ح ٣٩.

« أًتي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقيل له : انّ سعد بن معاذ قد مات.

فقام رسول الله صلى الله عليه وآله ، وقام أصحابه معه. فأمر بغسل سعد ، وهو قائم على عضادة الباب. فلمّا إن حنّط وكفّن ، وحمل على سريره ، تبعه رسول الله صلى الله عليه وآله بلا حذاء ولا رداء. ثمّ كان يأخذ يمنة السرير ، ويسرة السرير مرّة حتّى انتهى به الى القبر.

فنزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى لحدّه ، وسوّى اللبن عليه. وجعل يقول : ناولوني حجراً ، ناولوني تراباً رطباً ، يسدّ به ما بين اللبن.

فلمّا إن فرغ ، وحثا التراب عليه ، وسوّى قبره ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله : انّي لأعلم انّه سيبلى ويصل البلى إليه ، ولكنّ الله يحب عبداً اذا عمل عملاً أحكمه ، فلمّا إن سوّى التربة عليه قالت ام سعد : يا سعد! هنيئاً لك الجنّة.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا امّ سعد! مه ، لا تجزمي على ربّك ، فانّ سعداً قد اصابته ضمة ، قال : فرجع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ورجع الناس فقالوا له : يارسول الله لقد رأيناك تصنعه على سعد ما لم تصنعه على أحد ، انّك تبعت جنازته بلا رداء ، ولا حذاء.

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ان الملائكة كانت بلا رداء ولا حذاء فتأسيت بها.

قالوا : وكنت تأخذ يمنة السرير مرّة ، ويسرة السرير مرّة.

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كانت يدي في جبرئيل آخذ حيث يأخذ.

قالوا : أمرت بغسله وصليت على جنازته ولحدته في قبره ، ثمّ قلت : انّ سعداً قد أصابته ضمة.

قال : فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : نعم انّه كان في خلقه مع أهله سوء ».

(٢) كتاب الزهد للحسين بن سعيد الاهوازي : ص ٨٨ ، ح ٢٣٥ ، ونقله عنه المجلسي في البحار : ج ٦ ، ص ٢٢١.

وروى الحسين بن سعيد الاهوازي في كتابه الزهد : ص ٨٧ ـ ٨٨ ، ح ٢٣٤ ، وقال


* وفي رواية اُخرى :

« ضغطة القبر للمؤمن من كفّارة لما كان منه مِن تضييع النِعَم »(١) .

* وروى الشيخ الصدوقرحمه‌الله عن الامام الصادقعليه‌السلام قال :

« اقعد رجل من الأخيار(٢) في قبره ، قيل له : إنّا جالدوك مائة جلدة من عذاب الله ».

فقال : لا اطيقها.

فلم يزالوا به حتّى انتهوا الى جلدة واحدة.

فقالوا : ليس منها بد.

قال : فبما تجلدونيها؟

قالوا : نجلدك لأنّك صليت يوماً بغير وضوء ، ومررت على ضعيف فلم تنصره.

قال : فجلدوه جلدةً من عذاب الله عزوجلّ فامتلأ قبره ناراً »(٣) .

* وروي عنهعليه‌السلام :

« ايّما مؤمن سأله أخوه المؤمن حاجةً وهو يقدر على قضائها ولم يقضها له

__________________

أبو بصير : سمعت أبا عبداللهعليه‌السلام يقول : « ان رقية بنت رسول اللهعليه‌السلام لما ماتت قام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على قبرها ، فرفع يده تلقاء السماء ودمعت عيناه. فقالوا : يا رسول الله انا قد رأيناك رفعت رأسك الى السماء ، ودمعت عيناك؟ فقال : اني سألت ربي ان يهب لي رقية من ضمة القبر ». ونقله المجلسي في البحار : ج ٦ ، ص ٢١٧.

(١) رواه الصدوق في الأمالي : المجلس ٨٠ ، ح ٢ ، ص ٤٣٤ ، وفي علل الشرائع : ص ٣٠٩ ، الباب ٢٦٢ ، ح ٣ ، وفي ثواب الأعمال : ص ٢٣٤ (ثواب ضغطة القبر) ، ح ١ ، ونقله في البحار : ج ٦ ، ص ٢٢١ ، وفي : ج ٧١ ، ص ٥٠ ، ح ٦٨.

(٢) قد أثبت المؤلّفرحمه‌الله (احبار) ثمّ قال في الهامش : (احبار جمع حبر يعني عالم اليهود. ومن المحتمل أن يكون اخيار بالخاء المعجمة والياء المثناة بنقطتين). وقد اثبتنا ما في المصدر.

(٣) ثواب الأعمال للشيخ الصدوق : ص ٢٦٧ ، علل الشرائع : ص ٣٠٩ ، ح ١ ، وفيه (اقعد رجلاً من الاحبار) ، ونقله في البحار : ج ٦ ، ص ٢٢١ ، ح ١٨ ، وفي ج ٧٥ ، ص ١٧ ، ح ٤ ، وفي ج ٨ ، ص ٢٣٣ ، ح ٦ ، وفيها جميعاً (الاخيار) بالمعجمة.


سلط الله شجاعاً(١) في قبره ينهش أصابعه »(٢) .

* وفي رواية اُخرى :

« ينهش ابهامه في قبره الى يوم القيامة مغفوراً له أو معذَّباً »(٣) .

المُنجيات من ضَغطَةِ القَبرِ :

وأما الاُمور التي تنجي من ضغطة القبر وعذابه فكثيرة نكتفي هنا بذكر عدة منها :

* الأول : روي عن أمير المؤمنينعليه‌السلام قال :

« مَن قرأ سورة النساء في كل جمعة أُومِنَ مِن ضغطة القبر »(٤) .

* الثاني : روي :

« مَن أَدمَنَ قراءة حم الزخوف آمنه الله في قبرهِ من هَوامِّ الأرض وضغطة القبر »(٥) .

__________________

(١) ذكر المؤلّفرحمه‌الله في ترجمة الحديث الشريف (سلط الله عليه حية تسمّى شجاعاً) وليس في الخبر ذلك. بل أنّ شجاع معناه اللغوي الحية قال الشيخ الطريحي في كتابه (مجمع البحرين) ج ٤ ، ص ٣٥١ (في الحديث سلط الله عليه شجاعاً اقرع ، الشجاع بالكسر والضم الحية العظيمة التي تواثب الفارس والرجل وتقوم على ذنبها وربما قلعت رأس الفارس تكون في الصحارى. والشجاع الأقرع حية قد تمعط فرورة رأسها لكثرة سمها) انتهى كلامه رفع مقامه.

(٢) في عدة الداعي لابن فهد الحلي : ص ١٧٧ ، ص ١٧٩ ، وقريب منه في الكافي : ج ٢ ص ١٩٣ ، ح ٥ ، وفي ج ٢ ، ص ١٩٦ ، ح ١٣ ، وفي ج ٢ص ٣٦٧ ، ح ٤. وفي ثواب الأعمال وعقاب الأعمال للشيخ الصدوق : ص ٢٩٦ ، (عقاب من اتاه أخوه في حاجة فلم يقضها له) ، ح ١ ، وفي الاختصاص للمفيد : ص ٢٥٠ ، وفي الأمالي للشيخ الطوسي : ص ٦٧٦ ، ح ٣٦ ونقلها في البحار : ج ٧٤ ، ص ٣١٩ ، ح ٨٣ ، وفي : ج ٧٤ ، ص ٣٢٤ ، ح ٩٤ ، وفي : ج ٧٤ ، ص ٣٣٠ ، ح ١٠٢. وفي : ج ٧٥ ، ص ١٧٤ ، ح ٥ ، وفي ج ٧٥ ، ص ١٧٦ ، ح ١١ ، وفي ج ٧٥ ، ص ١٧٧ ، ح ١٣ ، وفي : ج ٧٥ ، ص ١٧٧ ، ح ١٤ ، ج ٧٥ ، ص ١٧٩ ، ح ١٩.

(٣) المصادر السابقة.

(٤) ثواب الأعمال للصدوق : ص ١٣١ ، تفسير العياشي : ج ١ ، ص ٢١٥ ، ح ١. ونقله في البحار : ج ٩٢ ، ص ٢٧٣ ، ح ١.

(٥) ثواب الأعمال للصدوق : ص ١٤١ ، ونقله في البحار : ج ٨٧ ، ص ٢ ، ح ٣. وفي : ج ٩٢ ،


* الثالث : روي :

« مَن قرأ سورة ن والقلم في فريضة أو نافلة(١) وأعاذه الله اذا مات مِن ضمة القبر »(٢) .

* الرابع : روي عن الامام الصادقعليه‌السلام :

« مَن مات ما بين زوال الشمس من يوم الخميس الى زوال الشمس من يوم الجمعة اعاذه الله من مِن ضغة القبر »(٣) .

* الخامس : روي عن الامام الرضاعليه‌السلام انّه قال :

« عليكم بصلاة الليل ، فما من عبد يقوم آخر الليل فيصلي ثمان ركعات ، وركعتي الشفع ، وركعة الوتر ، واستغفر الله في قنوته سبعين مرّةً إلاّ أجير مِن عذاب القبر ومِن عذاب النار ، ومُدَّ له في عمره ، ووسع عليه في معيشته »(٤) .

* السادس : روي عن الرسول الاكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

« مَن قرا الهكم التكاثر عند النوم وقي مِن فتنة القبر »(٥) .

* السابع : قراءة دعاء :

« اعددتُ لكل هول لا إله إلاّ الله الى اخره » عشر مرّأت.

__________________

ص ٢٩٩ ، ح ١.

(١) أسقط المؤلف قوله ـ المروي ـ عنهعليه‌السلام :

« آمنه الله عزّوجلّ من أن يصيبه فقر ابداً » من الخبر للاختصار لأن هذه العبارة لا تدخل تحت عنوان الموضوع.

(٢) ثواب الأعمال : ص ١٤٧ ، والرواية مروية عن الامام الصادقعليه‌السلام ، ونقلها عنه في البحار : ج ٩٢ ، ص ٣١٦ ، ح ١.

(٣) رواه الصدوقرحمه‌الله في الأمالي : ٢٣١ ، المجلس ٤٧ ، ح ١١ ، ثواب الأعمال وعقاب الأعمال ، ص ٢٣١. ونقله عنه في البحار ، ج ٦ ، ص ٢٢١ ، ح ١٧. وفي : ج ٦ ، ص ٢٤٢ ، ح ٦٣ ، وفي ج ٨٩ ، ص ٢٦٥ ، ح ١.

(٤) روضة الواعظين للفتال النيسابوري : ج ٢ ، ص ٣٢٠ ، (مجلس في فضائل صلاة الليل) ، ح ٢. ونقله المجلسي في البحار : ج ٨٧ ، ص ، ١٦١.

(٥) ثواب الأعمال للصدوق : ص ١٥٣. ونقله عنه المجلسي في البحار : ج ٧٦ ، ص ٢٠٠ ح ١٤. وفي : ج ٩٢ ، ص ٣٣٦ ، ح ٢.


وقد تقدم هذا الدعاء في عقبة سكرات الموت(١) .

* الثامن : الدفن في النجف الأشرف ، فمن خواص هذه التربة الشريفة انّها تُسقط عذاب القبر وحساب منكر ونكير عَن مَن يدفن فيها(٢) .

__________________

(١) تقدّمت مصادر هذا الدعاء في ص ١٢٥.

(٢) أقول : في ارشاد القلوب للشيخ الديلمي : ص ٤٣٩ ، قال : (وفي فضل المشهد الغروي الشريف على مشرفه أفضل الصلاة والسلام ، وما لتربته والدفن فيها من المزية والشرف.

روي عن ابن عباس انّه قال : الغري قطعة من الجبل الذي كلم الله جلّ شأنه موسى تكليماً ، وقدس عليه تقديساً ، واتخذ ابراهيم عليه السلام خليلاً ، واتخذ محمّد صلى الله عليه وآله حبيباً وجعله للنبين مسكناً.

وروي انّ أمير المؤمنينعليه‌السلام نظر الى ظهر الكوفة فقال : ما أحسن منظرك ، وأطيب قعرك ، اللّهم اجعل قبري بها.

ومن خواص تربته اسقاط عذاب القبر وترك محاسبة منكر ونكير للمدفون هناك كما وردت الأخبار الصححية عن أهل البيتعليهم‌السلام .

وقال الشيخ الديلمي فيه ص ٤٤٠ :

(روي عن أمير المؤمنين عليه السلام انّه كان اذا أراد الخلوة بنفسه ، اتى الى طرف الغري. فبينما هو ذات يوم هناك مشرف على النجف ، وإذا برجل قد أقبل من البرية راكباً على ناقة وقدامه جنازة فحين رأى علياً عليه السلام قصده حتّى وصل اليه وسلّم عليه ، فردّ علي عليه السلام ، وقال له : من أين؟

قال : من اليمن.

قال : وما هذه الجنازة التي معك؟

قال جنازة أبي أتيت لادفنها في هذه الارض.

فقال له عليعليه‌السلام : لمَ لا دفنته في أرضكم؟

قال : أوصى اليّ بذلك ، وقال : (انّه يدفن هناك رجل يدخل في شفاعته مثل ربيعة ومضر).

فقال له عليعليه‌السلام : أتعرف ذلك الرجل؟

قال : لا.

فقالعليه‌السلام : أنا والله ذلك الرجل ، أنا والله ذلك الرجل. قم فادفن أباك.

فقام ، فدفن اباه).

ومن خواص ذلك الحرم الشريف انّ جميع المؤمنين يحشرون فيه) انتهى من ما نقلناه من الارشاد.


* التاسع : من الاُمور النافعة لرفع عذاب القبر وضع جريدتين رطبتين مع الميت :

وروي :

__________________

روى الكليني في الكافي الشريف : ج ٣ ، ص ٢٤٣ ، باب في أرواح المؤمنين ، بالإسناد الى حبّة العرني قال :

(خرجت مع أمير المؤمنينعليه‌السلام الى الظهر ـ أي ظهر الكوفة ، وهو النجف الأشرف كان يسمّى بذلك لوقوعه بظهر الكوفة ـ فوقف بوادي السلام كأنّه مخاطب لأقوام. فقمت بقيامه حتّى أعييت ، ثمّ جلست حتّى مللت ، ثمَّ قمت حتّى نالني مثل ما نالني أولاً ، ثمَّ جلست حتّى مللت ، ثمّ قمت وجمعت ردائي فقلت : يا أمير المؤمنين إني قد أشفقت عليك من طول القيام فراحة ساعة.

فقال لي : يا حبّة إن هو إلاّ محادثة مؤمن أو مؤانسته.

قال : قلت : يا أمير المؤمنين ، وانّهم لكذلك؟

قال : نعم ، ولو كشف لك لرأيتهم حلقاً حلقاً محتبين يتحادثون.

فقلت : أجسام أم أرواح؟

فقال : أرواح. وما من مؤمن يموت في بقعة من بقاع الأرض إلاّ قيل لروحه : الحقي بوادي السلام وانّها لبقعة من جنّة عدن).

وروى أيضاً بالإسناد الى أبي عبداللهعليه‌السلام قال : (قلت له : انّ أخي ببغداد ، وأخاف أن يمرت بها.

فقال : ما تبالي حيثما مات ، أما انّه لا يبقى مؤمن في شرق الأرض وغربها إلاّ حشر الله روحه الى وادي السلام.

قلت له : واين وادي السلام؟

قال : ظهر الكوفة. أما إنّي كانّي بهم حلق حلق قعود يتحدثون).

وقال الديلمي في ارشاده ص ٤٤٠.

(وروى جماعة من صلحاء المشهد الشريف الغروي انّه رأى : انّ كلّ واحد من القبور التي في المشهد الشريف ، وظاهره : قد خرج منه حبل ممتد متصل بالقبة الشريفة صلوات الله على مشرفها).

وفي دار السلام للعلاّمة المرحوم الشيخ النوري قدس سرهم صاحب مستدرك الوسائل ، قصة غريبة عجيبة ذكرها في المجلد ٢ ، ص ٦٨ ـ ٦٩ ، تحت عنوان (رؤيا فيها معجزة وفضيلة عظيمة للدفن في وادي السلام) ، فراجعها واستفد.


 « انّه يتجافى عنه العذاب ما دامت رطبة »(١) .

وروي أيضاً :

« مرّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على قبر يُعَذَّب صاحبه ، فدعا بجريدة فشقها نصفين ، فجعل واحدةً عن رأسه ، والاُخرى عند رجليه ، وانّه قيل له : لم وضعتها؟

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : انّه يخفف عند العذاب ما كانتا خضراوين »(٢) .

ومن النافع أيضاً صبّ الماء على القبر لما ورد أن العذاب يرفع عن الميت ما دام القبر رطباً(٣) .

* العاشر : في أول يوم من رجب.

« تصلّي عشر ركعات تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرّة ، وقل هو الله أحد ثلاث مرّات وقاك الله فتنة القبر وعذاب يوم القيامة »(٤) .

__________________

(١) الكافي : ج ٣ ، ص ١٥٣ ، ح ٧ ، التهذيب : ج ١ ، ص ٣٢٧ ، ح ١٢٣ ونقله الحر في وسائل الشيعة : كاتب الطهارة ، أبواب التكفين ، باب ٧ ح ، ح ٦.

(٢) الفقيه : ج ١ ، ص ١٤٤ ، ح ٤٠٢ ، ونقله الحر في وسائل الشيعة / كتاب الطهارة ، أبواب التكفين باب ١١ ، ح ٤.

(٣) أقول : ورد في أخبار كثيرة استحباب رش القبر بالماء فمن ذلك ما رواه الشيخ الطوسي في التهذيب : ج ١ ، ص ٣٢٠ ، ح ٩٩ ، بالإسناد عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال :

« السنّة في رش الماء على القبر أن تستقبل القبلة وتبدأ من عند الرأس الى عند الرجل ، ثمّ تدور على القبر من الجانب الآخر ثمّ يرش على وسط القبر فكذلك السنّة ».

وروى الكليني بإسناد معتبر كالصحيح عن أبي عبدالله عليه السلام « في رش الماء على القبر قال : يتجافى عنه العذاب ما دام الندى في التراب ». الكافي : ج ٣ ، ص ٢٠٠ ، ح ٦.

الوسائل / كتاب الطهارة : أبواب الدفن ـ باب ٣٢ ، ح ١ ـ ٢.

(٤) روى السيّد ابن طاووس في الاقبال : ص ٦٣٧ قال : (رواه سلمان الفارسيرضي‌الله‌عنه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا سلمان ألا اعلمك من غرائب الكنز؟

قلت : بلى يا رسول الله.

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اذا كان أول يوم من رجب تصلي عشر ركعات تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرّة وقل هو الله أحد ثلاث مرّات غفر الله لك ذنوبك كلها من اليوم الذي جرى عليك القلم الى هذه الليلة ، ووقاك فتنة القبر وعذاب يوم القيامة ، وصرف عنك الجذام والبرص ، وذات الجنب).


« ويصلي في الليلة الاُولى من رجب بعد صلاة المغرب عشرين ركعة بالحمد والتوحيد ، فانّها نافعة في رفع عذاب القبر »(١) .

* الحادي عشر : أن تصوم أربعة أيّام من شهر رجب(٢) .

* وكذلك صوم اثني عشر يوم من شعبان(٣) .

__________________

(١) روى السيّد ابن طاووسرحمه‌الله في اقبال الأعمال : ص ٦٢٩ ، الطبعة الحجرية :

عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

« مَن صلَّى المغرب أول ليلة من رجب ثمّ يصلي بعدها عشرين ركعة يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد مرّة ويسلم بين كل ركعتين.

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أتدرون ما ثوابها؟

قالوا : الله ورسول أعلم.

قال : فانّ الروح الأمين علمني ذلك وحسر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن ذراعيه ، وقال : حُفِظَ والله في نفسه واهله وماله وولده واجير من عذاب القبر وجاز على الصراط كالبرق الخاطف من غير حساب ».

(٢) روى رئيس المحدّثين الشيخ الصدوق أعلى الله تعالى مقامه في ثواب الأعمال : ص ٧٩ ، ورواه في الأمالي : ص ٤٣٠ ، المجلس ٨٠ ، ح ١. ورواه في فضائل الأشهر الثلاثة : ص ٢٥ ، ح ١٢ ، أيضاً بالإسناد الى أبي سعيد الخدري ، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انّه عدّ ثواب صوم كل يوم مِن أيّام شهر رجب الأصبّ الى أن قال :

(ومن صام من رجب أربعة أيّام عوفي من البلايا كلها من الجنون والجذام والبرص وفتنة الدجال.

واجير من عذاب القبر.

وكتب له مثل اُجور اُولى الألباب التوابين الأوابين.

واعطي كتابه بيمينه في أوائل العابدين).

(٣) روى الصدوق أعلى الله تعالى مقامة في ثواب الأعمال : ص ٨٧. ورواه في الأمالي ص ٣٠ ، المجلس ٧ ، ح ١ ، وفيه (تسعون) بدل (سبعون) ورواه في فضائل الأشهر الثلاثة ص ٤٧ ، ح ٢٤ ، بالإسناد عن ابن عباس عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انّه ذكر ثواب صوم كل يوم من أيّام شهر شعبان المعظم ، وفي تلك الرواية الشريفة ، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

(ومن صام اثني عشر يوماً من شعبان زاره في قبره كل يوم سبعون ألف ملك الى النفخ في الصور).


* الثاني عشر : ومن الاُمور الموجبة للنجاة من عذاب القبر قراءة سورة الملك فوق قبر الميت كما روى ذلك القطب الراوندي عن ابن عباس قال :

« انّ رجلاً ضرب خباءه على قبر ولم يعلم انّه قبر ، فقرأ تبارك الذي بيده الملك ، فسمع صائحاً يقول : هي المنجية.

فذكر ذلك لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال : هي المنجية من عذاب القبر »(١) .

* وروى الشيخ الكليني عن الامام محمّد الباقرعليه‌السلام انّه قال :

« سورة الملك هي المانعة تمنع من عذاب القبر »(٢) .

* الثالث عشر : في دعوات الراوندي نقل عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انّه قال :

« ما من أحد يقول عند قبر ميت اذا دفن ثلاث مرّات :

(اللّهمَّ إنِّي أسألكَ بحق محمدٍ وآل محمدٍ أن لا تُعَذِبَ هذا المَيِتَ) الاّ دفع الله عنه العذاب الى يوم ينفخ في الصور »(٣) .

* الرابع عشر : روى الشيخ الطوسي في (مصباح المتهجد) عن

__________________

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

(ومن صام تسعة أيّام من شعبان عطف عليه منكر ونكير عندما يسألانه. ومن صام من شعبان عشرة أيّام وسع الله عليه قبره سبعين ذراعاً في سبعين ذراع. ومن صام أحد عشر يوماً من شعبان ضرب على قبره احدى عشرة منارة من نور).

(١) الدعوات للقطب الراوندي : ص ٢٧٩ ، ح ٨١٧ ، الطبعة الحديثة. ونقله المجلسي في البحار : ج ٨٢ ، ص ٦٤ ، وفي : ج ٩٢ ، ص ٣١٣ ، ح ٢ ، وفي ج ١٠٢ ، ص ٢٩٦ ، ح ٨.

(٢) الكافي : ج ٢ ، ص ٦٣٣ ، ح ٢٦. بإسناد صحيح عن أبي جعفرعليه‌السلام قال :

« سورة الملك هي المانعة تمنع من عذاب القبر ، وهي مكتوبة في التوراة سورة الملك ومن قرأهافي ليلة فقد أكثر واطاب ، ولم يكتب بها من الغافلين. وانّي لأركع بها بعد عشاء الآخرة وأنا جالس. وانّ والدي عليه السلام كان يقرؤها في يومه وليلته. ومَن قرأها اذا دخل عليه فية قبره ناكر ونكير من قِبَل رجليه قالت رجلاه لهما : ليس لكما الى ما قبلي سبيل ، قد كان هذا العبد يقوم عليّ ، فيقرأ سورة الملك في كل يوم وليلة. واذا أتياه من قِبَلِ جوفه قال لهما : ليس لكما الى ما قبلي سبيل ، قد كان هذا العبد أوعاني سورة الملك. واذا أتياه من قِبَل لسانه قاله لهما : ليس لكما الى ما قبلي سبيل قد كان هذا العبد يقرا بي في كل يوم وليلة سورة الملك ».

(٣) الدعوات للقطب الراوندي : ص ٢٧٠ ، ح ٧٧٠. ونقله في البحار : ج ٨٢ ، ص ٥٤ ، ح ٤٣.


الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انّه قال :

« مَن صَلّى ليلة الجمعة ركعتين يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب واذا زلزلت الأرض زلزالها خمس عشرة مرّة آمنه الله من عذاب القبر ومن أهوال يوم القيامة »(١) .

* الخامس عشر : ومن النافع فعله لرفع عذاب القبر صلاة ثلاثين ركعة في ليلة النصف مِن رجب يقرأ في كل ركعة الحمد مرّة والتوحيد عشرة مرّات(٢) .

* وكذلك في الليلة السادسة عشرة(٣) والليلة السابعة عشرة(٤) من رجب.

* وكذلك أن يصلي في الليلة الاُولى مِن شعبان مائة ركعة بالحمد والتوحيد ، وبعد أن يفرغ من الصلاة يقرأ التوحيد خمسين مرّةً(٥) .

__________________

(١) مصباح المتهجد : ص ٢٢٨.

(٢) قال السيّد ابن طاووسرحمه‌الله في اقبال الأعمال : ص ٦٥٢ الطبعة الحجرية :

رأينا ذلك من جملة حديث عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما معناه :

« انّ مَن صلّى فيها ثلاثين ركعة بالحمد وقل هو الله أحد عشر مرّات لم يخرج من صلاته حتّى يعطى ثواب سبعين شهيداً ويجيء يوم القيامة ونوره يضيء لأهل الجمع كما بين مكة والمدينة واعطاه الله براءة من النار ، وبراءة من النفاق ويرفع عنه عذاب القبر ».

(٣) قال السيّد ابن طاووسرحمه‌الله في اقبال الأعمال : ص ٦٦٤ ، ( مروياً عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ومن صلّى في الليلة السادسة عشرة من رجب ثلاثين ركعة بالحمد وقل هو الله أحد عشر مرّات لم يخرج من صلاته حتّى يعطى ثواب سبعين شهيداً ، ويجيء يوم القيامة ونوره يضيء لأهل الجمع كما بين مكّة والمدينة ، واعطاه الله براءة من النار وبراءة من النفاق ، ويرفع عنه عذاب القبر.

(٤) قال السيّد ابن طاووس في اقبال الاعمال : ص ٦٦٥ ( مروياً عنا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : ومن صلّى في الليلة السابعة عشرة من رجب ثلاثين ركعة بالحمد [مرّة. خ ل] وقل هو الله أحد عشر مرّات لم يخرج من صلاته حتّى يعطى ثواب سبعين شهيداً ويجيء يوم القيامة ونوره يضيء لأهل الجمع كما بين مكّة والمدينة واعطاه الله براءة من النار وبراءة من النفاق ويرفع عنه عذاب القبر).

(٥) قال السيّد ابن طاووس في اقبال الأعمال : ص ٦٨٣ ، ( وجدنا في مواهب السماح ومناقب أهل الفلاح مرويّاً عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : مَن صلى أول ليلة من شعبان مائة ركعة يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرّة ، وقل هو الله أحد مرّة ، فاذا فرغ من صلاته قرأ فاتحة الكتاب خمسين مرّة ، والذي بعثني بالحق نبيّاً انّه اذا صلّى هذا الصلاة ، وصام العبد دفع الله تعالى


* وكذلك يصلي في الليلة الرابعة والعشرين من شعبان ركعتين يقرأ في كل ركعة الحمد مرّة ، وإذا جاء نصر الله عشرة مرّات(١) .

* وورد ليوم النصف من رجب صلاة خمسين ركعة بالحمد والتوحيد والفلق والناس ، فانّها نافعة لرفع عذاب القبر(٢) .

ومثلها صلاة مائة ركعة ليلة عاشوراء(٣) .

__________________

عنه شرّ أهل السماء ، وشرّ أهل الأرض ، وشرّ الشياطين ، وشرّ السلاطين ، ويغفر له سبعين الف كبيرة ويرفع عنه عذاب القبر ، ولا يروعه منكر ونكير ، ويخرج من قبره ووجهه كالقمر ليلة البدر ويمرّ على الصراط كالبرق ويعطى كتابه بيمينه.

(١) قال السيّد ابن طاووس في اقبال الأعمال : ص ٧٢٢ ، ( وجدناه مرويّاً عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : مَن صلّى في الليلة الرابعة والعشرين من شعبان ركعتين يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وإذا جاء نصر الله والفتح عشر مرّات ، اكرمه الله تعالى بالعتق من النار ، والنجاة من العذاب ، وعذاب القبر ، والحساب اليسير ، وزيارة آدم ونوح والنبيين والشفاعة).

(٢) قال السّيد ابن طاووس في اقبال الأعمال : ص ٦٥٨ ، ( وجدتها في عمل رجب باسناد متصل الى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : انّ مَن صلّى في النصف من رجب يوم الخامس عشر عند ارتفاع النهار خمسين ركعة يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرّة وقل هو الله أحد مرّة وقل اعوذ برب الفلق مرّة ، وقل أعوذ برب الناس مرّة ، خرج من ذنوبه كيوم ولدته امّه ، وحشر من قبره مع الشهداء ويدخل الجنّة مع النبيين ، ولا يعذب في القبر ، ويرفع عنه ضيق القبر وظلمته ، وقام من قبره ووجهه يتلألأ).

(٣) قال السيّد ابن طاووس في اقبال الأعمال : ص ٥٥٥ ـ ١٥٥٦ ، (ومن ذلك ما رأيناه أيضاً في كتاب دستور المذكرين بإسناده المتصل عن أبي امامة قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :

مَن صلّى ليلة عاشوراء مائة ركعة بالحمد مرّة ، وقل هو الله أحد ثلاث مرّات ، ويسلّم بين كل ركعتين ، فإذا فرغ من جميع صلاته قال (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم) سبعين مرّة.

قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من صلّى هذه الصلاة من الرجال والنساء ملأ الله قبره اذا مات مسكاً وعنبراً ، ويدخل الى قبره في كل يوم نور الى أن ينفخ في الصور ، وتوضع له مائدة منها نعيم يتنعم به أهل الدينا منذ يوم خلق الى أن ينفخ في الصور ، وليس من الرجال والنساء اذا وضع في قبره إلاّ يتساقط شعورهم إلاّ من صلى هذه الصلاة ، وليس أحد يخرج من قبره إلاّ أبيض الشعر إلاّ من صلى هذه الصلاة. والذي بعثني بالحق انّه من صلّى هذه الصلاة


العقبة الثالثة

مساءَلة منكر ونكير في القبر

* روي عن الامام الصادقعليه‌السلام انه قال :

« مَن أنكر ثلاثة أشياء فليس من شيعتنا : المعراج ، المساءَلة في القبر ، والشفاعة »(١) .

* وروى انّه يجيئه الملكان بهيئة مهولة اصواتهما كالرعد القاصف ، وابصارهما كالبرق الخاطف ، فيسألانه : مَن ربّك؟ ومَن نبيّك ، وما دينك؟ ويسألانه أيضاً عن وليه وامامه.

وفي ذلك الحال يصعب على الميت أن يجيب وانّه يحتاج الى الاعانة على ذلك(٢) فلا جرم أنهم قد ذكروا مقامين لتلقين الميت :

__________________

فإن الله عزّوجلّ ينظر اليه في قبره بمنزلة العروس في حجلته الى أن ينفخ في الصور فإذا نفخ في الصور يخرج من قبره كهيئته الى الجنان كما يزف العروس الى زوجها).

أقول مع ضعف سند هذه الرواية ضعفاً تاماً فإن السيّد رحمه الله اشعر ما ينوه بضعف ما في المتن وانّما ذكرها تسامحاً بأدلة السنن ولقاعدة من بلغ.

(١) الأمالي للشيخ الصدوق : ص ٢٤٢ ، المجلس ٤٩ ، ح ٥. ونقلها عنه المجلسي في البحار : ج ٦ ، ص ٢٢٣ ، ح ٢٣ ، وفي : ج ٨ ، ص ٣٧ ، ح ١٣ ، وفي : ج ١٨ ، ص ٣٤٠ ، ح ٤٤.

(٢) وقد وردت في شرح تلك الأحوال المهولة كثير من الروايات الشريفة نذكر لك بعضاً منها لزيادة عبرة ولجلاء صدء القلب :

١ ـ روى الحسين بن سعيد الاهوازي الكوفي في الزهد : ص ٨٩ ، ح ٢٣٨ ، ونقله عنه المجلسي في البحار : ج ٦ ، ص ٢١٥ عن النبي صلى الله عليه وآله انّه قال لبعض اصحابه : كيف أنت اذا أتاك فتّانا القبر؟

فقال : يا رسول الله وما فتّانا القبر؟

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ملكان فظّان غليظان ، أصواتهما كالرعد القاصف ، وأبصارهما كالبرق الخاطف يَطآن في أشعارهما ، ويحفران في أنيابهما فيسألانك ، الخبر).

٢ ـ وفي رواية اُخرى في (اليقين باختصاص مولانا علي بامرة المؤمنين) للسيّد ابن طاووس : ص ٤١٠ ، الطبعة المحققة ، في حديث عن النبي صلى الله عليه وآله قال في آخره :

( فلا يبقى ميت في شرق ولا غرب ، ولا في برّ ولا في بحر ؛ إلاّ ومنكر ونكير يسألانه


__________________

عن ولاية أمير المؤمين بعد الموت ، يقولان للميت : من ربّك؟ وما دينك؟ ومن نبيّك؟ ومن إمامك؟).

ونقله العلاّمة المجلسي في البحار : ج ٦ ، ص ٢١٦ ، ح ٦.

٣ ـ في بصائر الدرجات للصفار : ص ١٤٥ ـ ١٤٦ الطبعة الحجرية بالإسناد عن زر بن جبيش قال :

سمعت علياًعليه‌السلام يقول : انّ العبد اذا اُدخل حفرته أتاه ملكان اسمهما منكر ونكير. فأوّل ما يسألانه عن ربّه ، ثمّ عن نبيّه ، ثمّ عن وليه ، فإن أجاب نجا ، وإن عجز عذّباه.

فقال له رجل : ما لمن عرف ربّه ونبيّه ولم يعرف وليّه؟

فقال : مذبذب لا الى هؤلاء ، ولا الى هؤلاء ، ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ، ذلك لا سبيل له.

وقد قيل للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : من الولي يا نبي الله؟

قال : وليكم في هذا الزمان علي. ومن بعده وصيه ، ولكل زمان عالم يحتج الله به لئّلا يكون كما قال الضُلاّل قبلهم حين فارقتهم انبياؤهم (ربّنا لولا ارسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى) الحديث).

٤ ـ روى القمّي في تفسيره : ج ٢ ، ص ١٤٣ ، ونقله المجلسي في البحار : ج ٦ ، ٢٢٤ ، ح ٤٥ بسند صحيح عن الامام الصادقعليه‌السلام .

إن العبد اذا اُدخل قبره أتاه منكر ففزع منه يسأل عن النبي صلى الله عليه وآله ، فيقول له : ما تقول في هذا الرجل الذي كان بين اظهركم؟

فإن كان مؤمناً قال : اشهد انّه رسول الله جاء بالحقّ.

فيقال له : ارقد رقده لا حلم فيها.

ويتنحى عنه الشيطان ، ويفسح له في قبره سبعة أذرع ، ويرى مكانه من الجنّة.

قال : واذا كان كافراً قال : ما أدري.

فيضرب ضربةً يسمعها كل مَن خلق الله اِلاّ الانسان ، وسلّط عليه الشيطان ، وله عينان من نحاس أو نار كالبرق الخاطف ، فيقول له : انا اخوك ؛ ويسلط عليه الحيات والعقارب ؛ ويُظلم عليه قَبرُه ، ثمّ يضغطه ضغطة يختلف اضلاعه عليه ، ثمّ قال بأصابعه فشرجها.

٥ ـ وفي أمالي الصدوق : ص ٢٣٩ ، المجلس ٤٨ ، ح ١٢ بالإسناد عن موسى بن جعفر عن أبيهعليه‌السلام قال : اذا مات المؤمن شيّعه سبعون ألف ملك الى قبره ، فإذا ادخل قبره أتاه منكر ونكير فيقعدانه ، ويقولان له : مَن ربّك؟ وما دينك؟ ومن نبيّك؟ فيقول : ربي الله ، ومحمّد


أولهما : عندما يضعونه في القبر.

والأفضل ان يمسك ويحرك المنكب الأيمن باليد اليمنى ، والمنكب الأيسر باليد اليسرى.

والمقام الآخر : بعد دفنه.

ومن السنّة أن يجلس وليّ الميت ـ يعني أقرب أقربائه ـ عن رأس الميت بعد انصراف الناس عن قبره ، ويلقنه بصوت رفيع. ويحسن أن يضع يديه على القبر ويقرب فمه من القبر(١) .

__________________

نبييّ ، والاسلام ديني ، فيفسحان له في قبره مدّ بصره ، ويأتيانه بالطعام من الجنّة ويدخلان عليه الروح والريحان وذلك قوله عزّوجلّ( فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ ) الحديث ).

(١) أقول : ورد ذلك بعدة روايات منها :

روى الشيخ الصدوق رحمه الله في من لا يحضره الفقيه : ج ١ ، ص ١٠٨ ـ ١٠٩ ، رقم الحديث العام ٥٠٠.

وقد روى سالم بن مكرم عن أبي عبدالله عليه السلام انه قال :

( يجعل له وسادة من تراب ، ويجعل خلف ظهره مدرة لئلاّ يستلقي. ويحل عقد كفنه كلها ، ويكشف عن وجهه ، ثمّ يدعى له ويقال : « اللّهمّ عبدك ابن عبدك وابن أمتك نزل بك وأنت خير منزول به ، اللّهمّ افسح له في قبره ، ولقنه حجته ، والحقه بنبيه ، وقه شرَّ منكير ونكير ».

ثمّ تدخل يدك اليمنى تحت منكبه الأيمن ، وتضع يدك اليسرى على منكبه الأيسر وتحركه تحريكاً شديداً ، وتقول : « يا فلان بن فلان الله ربّك ، ومحمّد نبيّك ، والاسلام دينك ، وعليّ وليّك وإمامك ، وتسمّي الأئمة عليهم السلام واحداً واحداً الى آخرهم ـ أئمتك ائمة هدى أبرار ».

ثمّ تعيد عليه التلقين مرّة اُخرى.

وإذا وضعت عليه اللبن فقل : « اللّهمّ ارحم غربته ، وصل وحدته ، وآنس وحشته ، وآمن روعته ، واسكن إليه من رحمتك رحمة يستغني بها عن رحمة مَن سواك واحشره مع من كان يتولاه » ومتى زرت قبره فادع له بهذا الدعاء وأنت مستقبل القبلة ويداك على القبر ، فإذا خرجت من القبر فقل وأنت تنفض يديك من التراب( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) ثمّ احث التراب عليه بظهر كفيك ثلاث مرّات وقل ( اللّهمّ ايماناً بك وتصديقاً بكتابك هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله ) فانّه من فعل ذلك وقال هذه الكلمات كتب الله له بكل ذرة حسنة الخبر ).


ولا بأس أن يستنيب شخصاً آخر لذلك.

* وورد : ( فإذا قال ذلك قال منكر لنكير انصرف بنا عن هذا فقد لقن بها حجته )(١) .

* وفي كتاب ( مَن لا يحضره الفقيه ) :

( ولما مات ذر بن أبي ذررحمه‌الله وقف أبو ذر على قبره ، فمسح القبر بيده ، ثمّ قال :

رحمك الله ياذر ، واللهِ إن كُنتَ بي لبرّاًَ ، ولقد قُبِضتَ وانّي عنك لراضٍ ، والله ما بي فَقدكَ وما عَلَيَّ من غَضاضَةٍ ، ومالي الى أحَدٍ سِوى الله مِن حاجَةٍ ، ولولا هول المطلع لسرني أن أكون مكانك. ولقد شغلني الحزن لك عن الحزن عليك. واللهِ ما بكيت لك ولكن بكيت عليك ، فليت شعري ما قلتَ؟ وما قيل لك؟

اللّهُمَّ انّي قد وَهبتُ له ما افترضت عليه مِن حقّي فهب له ما افترضت عليه مِن حقك فأنت أحقّ بالجود مني والكرم(٢) .

* وروي عن الامام الصادقعليه‌السلام :

« اذا دخل المؤمن في قبره ، كانت الصلاة عن يمينه ، والزكاة عن يساره ، والبرّ

__________________

(١) ورد في عدة أخبار منها ما رواه الشيخ الصدوقرحمه‌الله في من لا يحضره الفقيه : ج ١ ، ص ١٧٣ ، ح ٥٠١ عن يحيى بن عبدالله انّه قال :

سمعت أبا عبداللهعليه‌السلام يقول : « ما على أهل الميت منكم أن يدرؤوا عن ميتهم لقاء منكر ونكير؟

فقلت : وكيف نصنع؟

فقالعليه‌السلام : اذا أفرد الميت فليتخلف عنده أولى الناس به ، فيضع فاه على رأسه ، ثمّ ينادي بأعلى صوته : يا فلان بن فلان ، أو يا فلانه بنت فلان هل أنت على العهد الذي فارقناك [خ. ل. فارقنتنا] عليه من شهادة ان لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ؛ وانّ محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عبده ورسوله سيد النبيين ، وانّ علياً أمير المؤمنين وسيد الوصيين ، وأن ما جاء به محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حق وانّ الموت حق والبعث حق وانّ الساعة آتية لا ريب فيها ، وانّ الله يبعث مَن في القبور.

فإذا قال ذلك ، قال منكر لنكير : انصرف بنا عن هذا فقد لقن بها حجته ».

وراجع الكافي : ج ٣ ، ص ٢٠١ ، ح ١١. والتهذيب للطوسي : ج ١ ، ص ٣٢١ ، ح ١٠٣.

(٢) الفقيه : ج ١ ، ص ١٨٥. وروي في الكافي أيضاً : ج ٣ ، ص ٢٥٠ ، كتاب الجنائز ، باب النوادر ، ح ٤.


مظلّ عليه ، ويتنحى الصبر ناحية ، فإذا دخل عليه الملكان اللذان يليان مساءلته ، قال : الصبر للصلاة والزكاة والبرّد دونكم صاحبكم ، فإن عجزتم عنه فانا دونه »(١) .

* وقال العلاّمة المجلسيرحمه‌الله :

* روي في المحاسن بسند صحيح عن احدهماعليهما‌السلام ـ يعني الامام الصادق أو الامام الباقر ـ قال :

« اذا مات العبد المؤمن دخل معه في قبره ستة صور ، فيهنّ صورة أحسنهنّ وجهاً ، وأبهاهنّ هيئة ، وأطيبهنَّ ريحاً ، وأنظفهنّ صورة.

قال : فتقف صورة عن يمينه واُخرى عن يساره واُخرى بين يديه ، واُخرى خلفه ، واُخرى عند رجله.

وتقف التي هي أحسنهنّ فوق رأسه.

فإن اُوتي عن يمينه منعته التي عن يمينه ، ثمّ كذلك الى أن يؤتى من الجهات الست.

قال : فتقول أحسنهنّ صورة : ومن أنتم جزاكم الله عنّي خيراً؟

فتقول التي عمن يمين العبد : أنا الصلاة.

وتقول التي عن يساره : أنا الزكاة.

وتقول التي بين يديه : أنا الصيام.

وتقول التي خلفه : أنا الحجّ والعمرة.

وتقول التي عند رجليه : أنا برّ مَن وصلت من اخوانك.

ثمّ يقلن : مَن أنت؟ فأنت أحسننا وجهاً وأطيبنا ريحاً ، وأبهاناً هيئة.

فتقول : أنا الولاية لآل محمّد صلوات الله عليهم أجمعين »(٢) .

__________________

(١) الكافي : ج ٢ ، ص ٩٠ ، ح ٨.

(٢) رواه البرقي في المحاسن : ص ٢٨٨ ، كتاب (مصابيح الظلم) باب ٦٤ (الشرائع) ، ح ٤٣٢ ونقله المجلسي في بحار الانوار : ج ٦ ، ص ٢٣٤ ـ ٢٣٥ ، والسند صحيح كما ذكر في مقدمة المتن أعلاه ، ولكن العبارة غير موجودة في البحار.


* وروى الصدوق في فضل صيام شعبان :

« ومَن صام تسعة أيّام من شعبان عطف عليه منكر ونكير عندما يسألانه »(١) .

* وورد عن الامام الباقرعليه‌السلام في احياء ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان وصلاة مائة ركعة فيها فضل كثير فمن جملته :

« ودفع عنه هول منكر ونكير وخرج من قبره ونوره يتلألأ لأهل الجمع »(٢) .

* وروي عن الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الخضاب أربعة عشر خصلة ، وعدّ منها :

« ويستحي منه منكر ونكير »(٣) .

* وقد علمت فيما مضى انّ من خواص تربة النجف الطاهرة انّها تسقط حساب منكر ونكير عمّن يدفن فيها.

ولأجل تأييد ذلك نقول :

حكاية :

نقل العلامة المجلسيرحمه‌الله في التحفة(٤) عن ارشاد القلوب ، وفرحة الغري : انَّ رجلاً صالحاً مِن أهل الكوفة قال :

كنت في جامع الكوفة ، وكانت ليلة ممطرةً ، فدق باب مسلم جماعة ، ففتح لهم.

__________________

(١) ثواب الأعمال : ص ٨٧. ورواه في فضائل الأشهر الثلاثة : ص ٤٧ ، ح ٢٤. وفي الأمالي : ص ٣٠ ، المجلس ٧ ، ح ١.

(٢) اقبال الأعمال للسيّد ابن طاووس : ٢١٤.

(٣) رواه الكليني في الكافي : ج ٦ ، ص ٤٨٢ ، ح ١٢. ورواه الصدوق في ثواب الأعمال : ص ٣٨. وفي من لا يحضره الفقيه : ج ١ ، ص ١٢٣ ، ح ٢٨٥ والرواية كما في الفقيه : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعليعليه‌السلام : « يا علي درهم في الخضاب أفضل من ألف درهم في غيره في سبيل الله عزّوجلّ ، وفيه أربع عشرة خصلة : يطرد الريح من الاُذنين ، ويجلو البصر ، ويلين الخياشم ، ويطيب النكهة ، ويشد اللثة ، ويذهب بالضنى ، ويقل وسوسة الشيطان ، وتفرح به الملائكة ويستبشر به المؤمن ، ويقبض به الكافر ، وهو زينة ، وطيب ، ويستحي منه منكر ونكير ، وهو براءة له في قبره ».

ورواه الشيخ الكليني رحمه‌الله في الكافي باختلاف بعض العبارات.

(٤) أحد مؤلفات العلامة المجلسي (تحفة الزائر) وهو باللغة الفارسية.


وذكر بعضهم انّ معهم جنازة ، فأدخلوها ، وجعلوها على الصفّة التي تجاه باب مسلم بن عقيلرضي‌الله‌عنه .

ثمّ انّ احدهم نعس فنام فرأى في منامه قائلاً يقول للآخر :

ما نبصره حتّى نبصر هل لنا معه حساب أم لا؟

فكشف عن وجه الميت ، وقال لصاحبه : بل لنا معه حساب ، ويبغي أن نأخذه منه عجلاً قبل أن يتعدى الرصافة فما يبقى لنا معه طريق.

فانتبه وحكى لهم المنام.

قال : فأخذوا ومضوا به الحال الى المشهد الشريف(١) .

قلت : ولله درّ مَن قال :

اذا متُّ فادفني الى جنبٍ حيدرٍ

أبي شبر اكرم به وشبير

فلست أخاف النار عند جواره

ولا أتقي مِن منكر ونكير

فعارٌ على حامي الحمى وهو في الحمى

ذا ضاع في المرعى عقال بعير(٢)

حكاية

نقل عن الاستاذ الأكبر المحقّق البهبانيرحمه‌الله انّه قال :

رأيت في الطيف أبا عبدالله الحسينعليه‌السلام ، فقلت له : يا سيدي ومولاي هل يسئل أحد يدفن في جواركم؟

فقال : أي ملك له جرءة لئن يسأله(٣) .

__________________

(١) فرحة الغري للسيّد عبد الكريم بن طاووس : ص ٣٥ ـ ٣٦. وفي ارشاد القلوب للديلمي : ج ٢ ، ص ٤٣٩ ـ ٤٤٠ والظاهر أن الترجمة لما في ارشاد القلوب.

(٢) الأبيات في ارشاد القلوب : ص ٤٤٠.

(٣) روى هذه الحكاية الشيخ النوري في دار السلام : ج ٢ ، ص ١٤٨ ، قال :

(وقال العالم الفاضل الجليل المولى محمّد كاظم الهزارجريبي رحمه الله في كتاب تحفة المجاور : سمعت عن جناب الاغا محمّد باقر البهباني وهو الاستاذ الأكبر قدس الله تربته يقول ثمّ نقل الطيف المذكور ).

أقول : نقلت المنام من دار السلام بتصرف.


* يقول المؤلّف : يقال في أمثال العرب ( احمى من مجير الجراد ) وقصته هي : انَّ رجلاً من أهل البادية من قبيلة طي اسمه مدلج بن سويد ، انّه خلا ذات يومٍ في خيمته ، فإذا هو بقومٍ من طي ومعهم أوعيتهم. فقال : ما خطبكُم؟

قالوا جراد وقع بفنائك فجئنا لنأخذه.

فركب فرسه ، وأخذ رمحه ، وقال : والله لا يتعرض له أحدٌ منكم إلاّ قتلته ، أيكون الجراد في جواري ثمّ تريدون أخذه.

ولم يزل يحرسه حتّى حميت الشمس ، فطار ، فقال : شأنكم الآن به فقد تحول عن جواري(١) .

حكاية :

نقل عن كتاب الحبل المتين(٢) انّ المير معين الدين أشرف ، من صلحاء خدام الروضة الرضوية قال :

رأيت في المنام في دار الحفاظ ـ أي في بيت الحرس ـ انّي خرجت من الروضة لتجديد الوضوء ، فلمّا أتيت عند صفّة مير على شير ، رأيت جماعة كثيرة دخلوا في الصحن المقدّس يقدمهم شخص نوراني صبيح الوجه ، عظيم الشأن ، وبيد جماعة من خلفه المعاول. فلمّا توسطوا الصحن قال لهم :

انبشوا هذا القبر ، واخرجوا هذه الخبيث. وأشار الى قبر خاص.

فلما شرعوا في النبش سألت أحد الأشخاص : مَن هذا الأمير؟

فقال : أمير المؤمنينعليه‌السلام .

فبينما نحن كذلك اذ خرج الامام الثامنعليه‌السلام من الروضة ، وأتى إليهعليه‌السلام ، فسلّم عليه ، فردّ عليه.

فقال : يا جداه اسألك أن تعفو عنه ، وتهبني تقصيره.

فقالعليه‌السلام : تعلم انّ هذا الفاسق الفاجر كان يشرب الخمر.

__________________

(١) القصة رواها المؤلّف في سفينة البحار : ج ١ ، ص ١٥١ ، الطبعة الحجرية.

(٢) تأليف السيّد الفاضل شمس الدين محمّد بن بديع الرضوي من رؤساء خدام الروضة المقدّسة.


فقال : نعم لكنه أوصى عند وفاته أن يدفن في جواري ، فنرجو منك العفو عنه.

فقال : وهبتك جرائمه.

ثمّ مضىعليه‌السلام .

فانتبهت خائفاً ، وايقظت بعض الخدام ، وأتيت معه الى الموضع المذكور ، فرأيت قبراً جديداً قد طرح منه بعض ترابه. فسألت عن صاحبه ، فقال : لرجل من الأتراك دفن فيه بالأمس(١) .

يقول الفقير : نُقِل في حكاية تشرّف الحاج علي البغدادي بلقاء إمام العصر أرواحنا فداه وسؤاله منهعليه‌السلام انّه قال :

قلت له : سيدنا! هل أنه صحيح ما يقال مَن زار الحسينعليه‌السلام في ليلة الجمعة فهو أمان له؟

قال نعم والله. ودمعت عيناه وبكى.

قلت : سيدنا! مسألة.

قال : اسأل.

قلت : زرنا الامام الرضاعليه‌السلام سنة ١٢٦٩ والتقينا في (درود)(٢) بأحد الاعراب الشروقيين من سكان البادية التي بالجانب الشرقي من النجف الأشرف ، فاضفناه ، وسألناه : كيف هي ولاية الرضاعليه‌السلام ؟

فقال : هي الجنّة ، فانا الآن لي خمسة عشر يوماً آكل من مال مولاي الامام الرضاعليه‌السلام ، فكيف يجرَأُ منكر ونكير أن يدنيا مني في القبر ، فانّ دمي ولحمي قد نبت من طعامهعليه‌السلام في مضيفه.

فهل هذا صحيح ، انّ علي بن موسى الرضا يأتي ويخلصه من منكر ونكير؟

قال : نعم والله انّ جدي هو الضامن(٣) .

* * *

__________________

(١) دار السلام : ج ١ ، ص ٢٦٧ ـ ٢٦٨.

(٢) إحدى المدن الايرانية قريبة من بروجرد.

(٣) راجع النجم الثاقب للشيخ النوري : ج ٢ ، ص ١٥٦ ، ترجمة وتقديم وتحقيق وتعليق السيّد ياسين الموسوي ، الطبعة الاُولى ١٤١٥ هـ قم.


مِن المنازل المَهوُلة

البَرزَخ



مِن المنازل المَهوُلة

البَرزَخ

وقد ذكره الحقّ تعالى في سورة ( المؤمنون ) :

( وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) (١) .

* وقال الامام الصادقعليه‌السلام في حديث :

« ولكني والله اتخوف عليكم من البرزخ.

قلت(٢) : وما البرزخ؟

قال : القبر منذ حين موته الى يوم القيامة »(٣) .

* ونقل عن لبّ اللباب للقطب الراوندي قال :

وفي الخبر كان الموتى يأتون في كل جمعة من شهر رمضان فيقفون ، وينادي كلّ واحد منهم بصوت حزين باكياً : يا أهلاه! يا ولداه! وياقرابتاه! اعطفوا علينا بشيء يرحمكم الله ، واذكرونا ولا تنسونا بالدعاء وارحموا(٤) علينا وعلى غربتنا ، فانّا قد بقينا في سجن ضيق ، وغمّ طويل وشدّة ، فارحمونا ، ولا تبخلوا بالدعاء والصدقة لنا لعل الله يرحمنا قبل أن تكونوا مثلنا.

__________________

(١) سورة المؤمنون : الآية ١٠٠.

(٢) الضمير للراوي وهو عمر بن يزيد.

(٣) رواه الكليني في الكافي : ج ٣ ، ص ٢٤٢ ، ح ٣. ونقله عنه المجلسي في البحار : ج ٦ ، ص ٢٦٧ ، ح ١١٦. ونقله المؤلّف في سفينة البحار : ج ١ ، ص ٧١ ، الطبعة الحجرية.

(٤) الظاهر العبارة مصحفة ( وترحموا ).


فواحسرتاه(١) قد كنّا قادرين مثل ما أنتم قادرون.

فياعباد الله : اسمعوا كلامنا ولا تنسونا فانّكم ستعلمون غداً فانّ الفضول التي في ايديكم كانت في أيدينا فكنّا لاننفق في طاعة الله ، ومنعنا عن الحقّ ، فصار وبالاً علينا ومنفعةً(٢) لغيرنا. اعطفوا علينا بدرهم أو رغيف أو بكسرة.

ثم ينادون ما أسرع ما تبكون على انفسكم ولا ينفعكم كما نحن نبكي ولا ينفعنا فاجتهدوا قبل أن تكونوا مثلنا(٣) .

* ونقل في جامع الأخبار عن بعض الصحابة انّه قال :

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « اهدوا لموتاكم.

فقلنا : يا رسول! وما هدية الأموات؟

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : الصدقة والدعاء.

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

انّ ارواح المؤمنين تأتي كل جمعة الى السماء الدنيا بحذاء دورهم وبيوتهم ينادي كل واحد منهم بصوت حزين باكين :

يا أهلي ويا ولدي ويا أبي ويا امي ويا أقربائي! اعطفوا علينا يرحمكم الله بالذي كان في ايدينا والويل والحساب علينا والمنفعة لغيرنا.

وينادي كل واحد منهم الى أقربائه : اعطفوا علينا بدرهم ، أو برغيف ، أو بكسوة يكسوكم الله من لباس الجنّة.

ثمّ بكى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبكينا معه ، فلم يستطع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يتكلم من كثرة بكائه. ثمّ قال :

اولئك اخوانكم في الدين ، فصاروا تراباً رميماً بعد السرور والنعيم ، فينادون

__________________

(١) في المستدرك الطبعة الحديثة : ( فواحسرتا ).

(٢) في المستدرك الطبعة الحديثة : ( ومنفعته ).

(٣) مستدرك الوسائل ، النوريرحمه‌الله : ج ٢ ، باب ٣٩ ، ح ١٦٩٧ ، وعنه المؤلّفرحمه‌الله في سفينة البحار : ج ٢ ، ص ٥٥٦ ، الطبعة الحجرية.


بالويل والثبور على انفسهم ، يقولون : ياولينا لو انفقنا ما كان في أيدينا في طاعة الله ورضائه ما كنا نحتاج إليكم.

فيرجعون بحسرة وندامة ، وينادون : اسرعوا صدقة الأموات »(١) .

* وروي في هذا الكتاب أيضاً انّه قال :

« ما تصدقت لميت فيأخذها ملك في طبق مِن نور ساطع ضوؤها يبلغ سبع سماوات. ثمّ يقول على شفير الخندق فينادي :

السلام عليكم يا أهل القبور ، أهلكم اهدوا إليكم بهذه الهدية ، فيأخذها ويدخل بها في قبره ، فيوسع عليه مضاجعه.

فقالعليه‌السلام : ألا مَن اعطف لميت بصدقة فله عند الله من الأجر مثل أُحد ، ويكون يوم القيامة في ظل عرش الله يوم لا ظلَّ إلاّ ظل العرش.

وحيٌّ وميتٌ نجى بهذه الصدقة(٢) .

* وحكي عن أمير خراسان انّه رأى في المنام بعد موته وهو يقول : ابعثوا اليَّ ما ترمونه الى الكلاب فانّي محتاج إليه(٣) .

* وقال العلاّمة المجلسيرحمه‌الله في زاد المعاد(٤) .

ولابدّ أن لا يُنسى الأموات لأن ايديهم تقصر عن أعمال الخير ، فانّهم يأملون من أبنائهم وأقربائهم واخوانهم المؤمنين ويترقبون منه احسانهم. خصوصاً في أدعيتهم في صلاة الليل ، ومن بعد الصلاة المكتوبة ، وفي المشاهد المشرفة. ولابدّ أن يدعى للأب وللأم أكثر من الآخرين ، وأن يعمل أعمال الخير لهم.

وفي الخبر : انّ العبد ليكون بارّاً بوالديه في حياتهما ، ثمّ يموتان فلا يقضي عنهما دينهما ولا يستغفر لهما ، فيكتبه الله عزّوجلّ عاقاً ، وانّه ليكون عاقاً لهما

__________________

(١) جامع الأخبار : ص ١٦٩ ، طبعة النجف.

(٢) جامع الأخبار طبعة النجف : ص ١٦٩.

(٣) سفينة البحار : ج ٢ ، ص ٥٥٧.

(٤) زاد المعاد باللغة الفارسية من مؤلفات العلاّمة الشيخ محمّد باقر المجلسي5 صاحب موسوعة (بحار الأنوار).


في حياتهما غير بارٍ بهما فإذا ماتا قضى دينهما واستغفر لهما فيكتبه الله عزّوجلّ باراً(١) .

وأهم الخيرات للأب وللأم وسائر أقربائه أداء دينهم وأن يبرئهم من حقوق الله والخلق ، وأن يسعى في قضاء ما فاتهم من الحجّ وسائر العبادات إما بالإجارة أو بالإجارة أو بالتبرع.

* وروي في الحديث الصحيح أن الامام الصادقعليه‌السلام كان يصلي عن ولده في كل ليلة ركعتين وعن والديه في كل يوم ركعتين وكان يقرأ في الركعة الاُولى انا انزلناه ، وفي الركعة الثانية انا اعطيناك الكوثر(٢) .

* ونقل بسند صحيح عن الامام الصادقعليه‌السلام : « انّه(٣) يكون في ضيق فيوسع الله عليه ذلك الضيق ثمَّ يؤتى ، فيقال له : خفف عنك هذا الضيق لصلاة

__________________

(١) رواه الكلينيرحمه‌الله في الكافي : ج ٢ ، ص ١٦٣ ، ح ٢١. ورواه الحسين بن سعيد الاهوازي الكوفي في الزهد : ص ٣٣ ، ح ٨٧. ونقله المجلسي في البحار : ج ٧٤ ، ص ٥٩ ، ح ٢١ ، ج ٧٤ ، ص ٨١ ، ح ٨٥.

(٢) يبدو انّ المؤلّفرحمه‌الله نقل الرواية بالمعنى ، وإليك نصها :

في التهذيب للشيخ الطوسي : ج ١ ، ص ٤٦٧ ، ح ١٧٨ ، باب ٢٣ ، بإسناده عن عمر بن يزيد ، والرواية مضمرة :

(قال : كان أبو عبداللهعليه‌السلام يصلي عن ولده في كل ليلة ركعتين ، وعن والديه في كل يوم ركعتين.

قلت : له : جعلت فداك! كيف صار للولد الليل؟

قالعليه‌السلام : لأن الفراش للولد.

قال : وكان يقرأ فيهما (انا انزلناه في ليلة القدر) و (انا اعطيناك الكوثر).

ونقلها الحر في : وسائل الشيعة ، كتاب الطهارة. أبواب الاحتضار ، باب ٢٨ ، ح ٧. ونقلها المجلسي في البحار : ج ٨٢ ، ص ٦٣ ، ح ٥. وفي : ج ٨٨ ، ص ٣١٤ ، ح ٣. وفي ج ٩١ ، ص ٢٢٠ ، ح ٦.

(٣) انّ الرواية ابتدأت :

(وقال عمر بن يزيد : قلت لأبي عبداللهعليه‌السلام أيصلي عن الميت؟

قال : نعم انّه يكون في ضيق الرواية).


فلان أخيك عنك.

قال : فقلت له : فاشرك بين رجلين في ركعتين؟

قال : نعم.

فقالعليه‌السلام : انَّ الميت ليفرح بالترحم عليه والاستغفار له كما يفرح الحي بالهدية تهدى إليه »(١) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يدخل على الميت في قبره الصلاة والصوم والحجّ والصدقة والبر والدعاء ويكتب أجره للذي يفعله وللميت(٢) .

* وفي حديث آخر قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

« مَن عمل مِنَ المسلمين عن ميت عملاً صالحاً اضعف له أجره ونفع الله به الميت »(٣) .

* وورد في رواية :

(اذا تصدّق الرّجل بنية الميت امر الله جبرئيل أن يحمل الى قبره سبعين ألف ملك في يد كل ملك طبق فيحملون الى قبره ويقولون :

« السلام عليك يا وليَّ الله هذه هدية فلان بن فلان إليك ».

« فيتلألأ قبره ، واعطاه الله ألف مدينة في الجنّة ، وزوجه ألف حوراء ، وألبسه ألف حلّة ، وقضى له ألف حاجة »(٤) .

* يقول المؤلّف :

من المناسب هنا أن انقل عدة حكايات نافعة من المنامات الصادقة.

__________________

(١) من لا يحضره الفقيه : ج ١ ، ص ١١٧ ، ح ٥٥٤. وعنه في البحار : ج ٨٢ ، ص ٦٢ ، ح ١.

(٢) من لا يحضره الفقيه : ج ١ ، ص ١١٧ ، ح ٥٥٧. وعنه في البحار : ج ٨٢ ، ص ٦٢ ، ح ٢ ، وفي ج ٨٨ ، ص ٣٠٨ ، وفي ج ٨٨ ، ص ٣١١ ، ح ٣.

(٣) من لا يحضره الفقيه : ج ١ ، ص ١١٧ ، ح ٥٥٦. وفي البحار : ج ٨٢ ، ص ٦٢ ، ح ٢ ، وفي ج ٨٨ ، ص ٣٠٨ ، ح ٣ ، وفي ج ٨٨ ، ص ٣١٤ ، ح ٣.

(٤) وسائل الشيعة كتاب الطهارة : أبواب الاحتضار ، باب ٢٨ ، ح ٩. وفي البحار : ج ٨٢ ، ص ٦٣ ، ح ٧.


واحذرك من عدم الاعتناء بها ، وتتصور انّها من اضغاث الأحلام أو من الأساطير التي تنقل للصبيان ؛ بل تأمّل فيها جيداً ، فالتأمل فيها يوقض المرء ويسلب النوم من العين.

فسانه ها همه خواب آورد ، فسانه من

زجشم ، خواب ربايد فسانه عجبي است

يعني :

جميع الأساطير تنعس واسطورتي

تسلب النوم من عيني ، فيا عجباً من اسطورة!

حكاية :

نقل شيخنا ثقة الاسلام النوري (عطر الله مرقده) في دار السلام :

حدثني السيّد المؤيد الفاضل الأرشد الورع العالم التقي الأمير سيد علي ابن العالم الجليل والفقيه النبيل قدوة أرباب التحقيق ومَن إليه كان يشد الرواحل من كل فج عميق المبرأ من كل شين ودرن الأمير سيد حسن ابن الأمير سيد علي ابن الأمير محمّد باقر ابن الأمير اسماعيل الواعظ الحسني الاصفهاني البسه الله حلل الأمان وحشرهُ مع سادات الجنان قال :

لمّا توفي الوالد العلاّمة كنتُ بالمشهد الغروي مشغولاً بتحصيل العلوم ، وهو الآن فيه وكانت اُمورهرحمه‌الله بيد بعض الاخوان ولم يكن لي علم بتفاصليها ولما مضت من وفاته سبعة أشهر توفيت امي ، وحملوا جنازتها الى النجف.

فلما كانت بعض تلك الأيّام رأيت في المنام : كأنّي قاعد في بيتي الذي كنت ساكناً فيه ، اذ دخل عليّ الوالدرحمه‌الله فقمت وسلّمت. فجلس في صدر المجلس ، وتلطف بي في السؤال وتبيّن لي انّه ميت.

فقلت : إنّك توفيت باصفهان ، واراك في هذا المكان؟

فقال : نعم ، انزلونا بعد الوفاة في النجف ومكاننا الآن فيه.


فقلت : انّ الوالدة عندكم؟

فقال : لا.

فتوحشت لذلك؟ فقال : هي أيضاً بالنجف ولكن في مكان آخر.

فعرفت حينئذٍ وجه ذلك ، وانّ العالم محله أرفع من مكان الجاهل.

ثم سألته عن حاله ، فقال : كنت في ضيق ، والآن فالحمد لله في حال حسن ، وخرج ما كان بي من الضيق والشدة.

فتعجبت من ذلك ، فقلت متعجباً : أنت كنت في ضيق؟!

فقال : نعم ، إن الحاج رضا بن آغا بابا الشهير(١) بـ (نعلبند) يطلبني. ومن أجل طلبه ساءت حالي. فزاد تعجبي ، فانتبهت من النوم فزعاً متعجباً ، وكتبت الى أخي الذي كان وصيهرحمه‌الله صورة المنام. وسألته أن يكتب لي : انّ للرجل ديناً عليه ، أم لا؟ فكتب انّي تفحصت في الدفتر فما وجدت اسمه في خلال الديانين ، فكتبت إليه ثانياً : أن اسأله نفسه ، فأجاب بانّي سألته عن ذلك فقال : نعم كان لي عليه ثمانية عشر توماناً لا يعلمه إلاّ الله ، وبعد وفاته سألتك هل وجدت اسمي في الدفتر فأنكرت.

فقلتُ : لو أظهرته لم اقدر على اثباته فضاق صدري لأنّي أقرضته بلا حجّة ولا بينة وثوقاً بانّه يثبته في الدفتر. وانكشف لي انّه تسامح في ذلك ، فرجعت مأيوساً.

فذكر له أخي صورة المنام ، وأراد وفاء دينه ، فقال : انّي قد أبرأت ذمته لأجل اخابره بذلك(٢) .

حكاية :

ونقل أيضاً الشيخ الأجل المحدّث المتبحر ثقة الاسلام النوري نور الله مرقده

__________________

(١) يقصد (معروفاً) وفي القصص المذكورة ـ والتي نقلناها مباشرة من دار السلام ـ اخطاء في التعبير لم نغير منها إلاّ تلك التي لا مناص من تغييرها كضمير المؤنث بدل المذكروالضمير المنفصل بدل المتصل.

(٢) دار السلام : ج ٢ ، ص ١٦٤.


في دار السلام عن العالم الفاضل الصالح الورع التقي الحاجّ الملاّ أبي الحسن المازندراني قال :

كان لي صديق فاضل تقي عالم ، وهو المولى جعفر ابن العالم الصالح المولى محمّد حسين من أهل طبرستان من قرية يقال لها (تيلك).

وكانرحمه‌الله في بلده ، فلمّا جاء الطاعون العظيم الذي عمّ البلاد ولهم العباد اتفق انّ خلقاً كثيراً ماتو قبله وجعلوه وصياً على أموالهم ، فجباها كلها ، ومات بعدهم بالطاعون قبل أن يصرف الأموال في محلها. فضاعت كلها.

ولما وفقني الله تعالى لزيارة العتبات ومجاورة قبر مولانا أبي عبداللهعليه‌السلام رأيت ليلة في المنام كأنَّ رجلاً في عنقه سلسلة تشتعل ناراً. وطرفيها بيد رجلين ، وله لسان طويل قد تدلى على صدره ، فلما رأني من بعيد قصدني. فلما دنا مِنّي ظهر انّه المولى المزبور.

فتعجّبت : فلّما هَمَّ أن يكلمني ويستغيث بي جرّا السلسلة الى الخلف ، فرجع القهقرى ، ولم يتمكن من الكلام.

ثمّ دنا ثانياً ففعلا به مثل الاُولى ، وكذلك في المرّة الثالثة. ففرعت من مشاهدة صورته وحالته فزعاً شديداً ، وصحت صيحة عظيمة انتبهت منها ، وانتبه مَن كان نائماً في جانبي من العلماء.

فقصصت عليه رؤياي وكان وقت النداء ، وإعلام فتح أبواب الصحن والحرم الشريفين. فقلت : ينبغي أن نقوم وندخل الحضرة ونزور ونستغفر له ، لعل الله يرحمه إن كانت الرؤيا صادقة.

فقمنا وفعلنا ذلك.

ومضى زمان طويل يقرب من عشرين سنة ولم يتبين لي مِن حاله شيئاً ، وكان في زعمي انّ تلك الحالة للتقصير الذي وقع منه في أيّام الطاعون في أموال الناس.

ولما مَنَّ الله تعالى عليَّ بزيارة بيته وقضيت المناسك ، وقربنا من الرجوع الى المدينة المشرّفة مرضت مرضاً شديداً منعني عن الحركة والمشي. فلما نزلنا قلت


لأصحابي : غسلوني ، وبدلوا ثيابي واحملوني الى الروضة المطهرة لعلّ الموت يحول بيني وبين الوصول إليها. ففعلوا ، ولما دخلت الحضرة أُغمِيَ عليَّ ، فتركوني في جانب ومضوا لشأنهم. فلما افقت حملوني وأتو بي الى قرب الشباك ، فزرت. ثمّ ذهبوا بي الى الخلف عند بيت الصديقة الطاهرةعليها‌السلام ، أحد المواضع التي تزار فيها فجلست وزرت بما بدا لي ، ثمّ طلبت منها الشفاء. وقلت لها : بغلنا مِنَ الآثار كثرة محبتك لولدك الحسينعليه‌السلام ، وانّي مجاور قبره الشريف ، فبحقّه عليك ألا ما شافيتني.

ثمّ خاطبت الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وذكرت ما كان لي من الحوائج منها الشفاعة لجتملة من رفقائي الذين حلُّو أطباق الثرى ومزقتهم البلوى ، وعدّدت اسماءَهم الى أن بلغتُ الى المولى جعفر المتقدم ذكره. فذكرت الرؤيا ، فتغيّرت حالي ، فألححتُ في طلب المغفرة له وسؤال الشفاعة منهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وقلت : انّي رأيته قبل ذلك بعشرين سنة في المنام حال سوء ، لا أدري كان صادقاً أم كان من الاضغاث؟

وذكرتُ ما سنح لي مِنَ التضرع والدعاء في حقّه. ثمّ رأيتُ في نفسي خفة ، فقمت ورجعت الى المنزل بنفسي ، وذهب ما كان بي مِنَ المرض من بركة البتول العذراءعليها‌السلام .

ولما اردنا الخروج من البلد اقمنا في (اُحُد) يوماً وكان أول منازلنا. فلمّا نزلنا فيه ، وفرغنا من زيارة الشهداء رقدت فرأيت المولى جعفر المذكور مقبلاً عليّ في زيٍّ حَسَنٍ وعليه ثياب بيض كغرقىء(١) البيض وعلى رأسه عمامة محنّكة وبيده عصاً ، فلما دنا مني سلّم وقال : مرحباً بالأخوة والصداقة ، هكذا ينبغي أن يفعل الصديق بصديقه ، وكنت في تلك المدّة في ضيق وشدة وبلاء ومحنة ، فما قُمتَ مِنَ الحضرة إلاّ وخلصتني منها ، والآن يومان أو ثلاثة ارسلوني الى الحمام وطهروني من الأقذار والكثافات. وبعث اليّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بهذه الثياب والصديقة

__________________

(١) الغرقى بكسر الغين المعجمة : بياض البيض.


الطاهرةعليها‌السلام بهذا العباء ، وصار أمري بحمد الله الى حَسَنٍ وعافية. وجئتُ إليك مشيعاً لك ومبشراً. فطب نفساً انّك ترجع الى اهلك سالماً صحيحاً وهم سالمون.

فانتبهت شاكراً فرحاً(١) .

قال الشيخ المرحوم : وعلى الفطن الخبير أن يتأمّل في دقائق تلك الرؤيا فانّ فيها ما يزيل عن القلب العمى وعن البصر القذى(٢) .

حكاية :

وفي دار السلام أيضاً نقل الشيخ الأجل الاورع الأكرم الحاجّ ملاّ علي عن والده الماجد الحاجّ ميرزا خليل الطهرانيرحمه‌الله قال :

كنتُ في مشهد الحسينعليه‌السلام وامي كانت في مدينة طهران ، فرأيت ليلةً في ما يراه النائم : انّ والدتي جاءت إليّ ، وقالت لي : يا بني انيّ متّ ، وجاؤوا بي إليك ، وهشموا انفي.

فانتبهت من النوم فزعاً مرعوباً. فبقيت كذلك الى أن جاءني كتاب من بعض الاخوان : انّ والدتك توفيت وأرسلناها مع الجنائز :

فلما اتى الجنازون قالوا : خلَّفنا تلك الجنازة في رباط قريب من ذي الكفل لانّا زعمنا(٣) انّك في بلد المشهد (النجف الأشرف).

فبقيت متحيراً في معنى هشموا أنفي.

فلما أتوا بنعش والدتي كشفت عنها ، فرأيت أنفها مكسوراً ، فسألت عن ذلك ، فقالوا : انّ هذه الجنازة كانت موضوعة فوق الجنائز ، فتصادمت الخيول في الرباط ، فطرحتها من أعلى الجنائز ، ولم نعلم غير هذا.

فجئت بها الى ساحة أبي الفضل العباس ابن أمير المؤمنينعليها‌السلام ، فقلت : يا أبا الفضل انّ والدتي لم تحسن الصلاة والصيام وهي دخيلتكَ ، فادفع عنها الأذى

__________________

(١) دار السلام : ج ٢ ، ص ١٥٣ ، ١٥٥ ، وقد عالجنا بعض الكلمات أيضاً.

(٢) دار السلام : ج ٢ ، ص ١٥٥.

(٣) لعلّه يقصد (لانّا توهمنا أو ظننا).


يا سيدي ، وعليّ بضمانك خمسين سنة صوم وصلاة استنيب عنها.

فدفنتها ، وبقيت مدة من الزمان ، فبينا أنا نائمٌ في ليلة من الليالي ، وإذا اسمع ضوضاءاً(١) في باب داري ، فخرجت من الدار ، فرأيت والدتي موثوقة بشجرة وتضرب بالسياط.

فقلت : ما بالها ، وأي ذنب لها حتّى تضرب؟

فقالوا : أمرنا أبو الفضل أن نضربها حتّى تدفع مبلغاً مقدّراً.

فذهبت الى داخل الدار ، وأتيتُ بالدراهم ، وأطلقت والدتي ، وأتيت بها الى داخل الدار ، واشتغلت بخدمتها فلما انتبهت رأيت المقدار الذي أخذوه مني هو مقدار خمسين سنة عبادة.

فأخذتُ ذلك المبلغ وذهبت الى السيّد صاحب الرياضرحمه‌الله وقلت : هذه قيمة خمسين سنة عبادة عن والدتي ، والأمر كيت وكيت(٢) .

قال شيخنا الأجل صاحبُ دار السلام (احلَّهُ الله دار السلام) وفي هذه الرؤيا من عِظّم الأمر وخَطَرِ العاقبة وعدَمِ جواز التَّهاونِ بما عاهد الله على نفسه وعلوّ مقام أوليائه المُخبتين ما لا يخفى على مَن تأمّلها بعين البصيرة وَنَظرِ الاعتبار(٣) .

حكاية :

ونقل هذا الأجل أيضاً عن والده الصالح :

انّ رجلاً كان في مدينة طهران خادماً في الحمام في مسلخه(٤) ، وكان لا يصلي ولا يصوم ، وجاء يوماً الى المعمار ، وقال : اريد أن أبني حماماً.

فقال له المعمار : أنت بهذه الحالة ، من أين لك الدراهم.

فقال له : خذ ما شئت.

فبنى له حماماً معروفاً باسمه ، وكان اسمه (علي طالب).

__________________

(١) في المصدر : (واذا بضوضاء اسمع).

(٢) دار السلام. ج ٢ ، ص ٢٤٥ ـ ٢٤٦.

(٣) دار السلام. ج ٢ ، ص ٢٤٦.

(٤) أي المنزع.


قال والدي :

كنت في النجف الأشرف ، فرأيت فيما يراه النائم انّ علي طالب جاء الى النجف في وادي السلام.

فتعجبت من ذلك.

وقلت له : ما جاء بك الى هذا المكان وأنت لا تصلي ولا تصوم؟

فقال لي : يا هذا ، أنا مت ، فأخذوني بالاغلال ليأخذوني الى العذاب. لكن جزى الله الحاجّ الملاّ محمّد الكرمانشاهي خير الجزاء حيث انّه استأجر فلان نائباً للحجّ ، وهو فلان ، واستأجر فلان للصوم ، والصلاة ، ودفع عني الزكاة والمظالم على يد فلان وفلان. ولم يبق شيء عليَّ الاّ أدّاه. فخلصني من العذاب ، فجزاه الله عني خير جزاء المحسنين.

فاستيقظت من نومي فزعاً ، وتعجبت من تلك الرؤيا ، فتربصت مدة فجاء أُناسٌ من طهران ، فسألت عن أحوال علي طالب ، فاخبروني كما رأيت في الرؤيا بأسماء الرجال وما جرى بعد موته.

فتعجب من صدق تلك الرؤيا ومطابقتها للواقع(١) .

(وفي هذه الرؤيا تصديق لما استفاض عن أهل العصمة من وصول ثواب الصوم والصلاة والحجّ وسائر الخيرات والمبرات الى الميت ، وانّه قد يكون في ضيق فيفرج عنه.

وتصديق لما ورد : من انّه ما من مؤمن يموت في شرق الأرض وغربها إلاّ وحشر الله روحه في وادي السلام.

وفي بعضها : أما كأنّي بهم خلق قعود يتحدثون.

والحاج المولى أحمد المذكور من علماء طهران الأخيار والصلحاء الأبرار)(٢) .

__________________

(١) دار السلام : ج ٢ ، ص ٢٤٤ ـ ٢٤٥.

(٢) دار السلام : ج ٢ ، ص ٢٤٥.


حكاية :

ونقل عن أربعينات العالم الفاضل والعارف الكامل القاضي سعيد القمّيرحمه‌الله انّه قال :

وصل إلينا من أحد الثقات ومحل الاعتماد عن استاذ اساتيذنا الشيخ بهاء الملة والدين العاملي5 :

انّه ذهب في أحد الأيّام لزيارة بعض أصحاب الحال ، وكان يأوى في مقبرة من مقابر اصفهان ، فقال ذلك الشيخ العارف للشيخ :

شاهدت قبل هذا اليوم في هذه المقبرة أمراً غريباً. فقد رأيت جماعة جاؤوا بجنازة ودفنوها في هذه المقبرة في الموضع الفلاني. وبعد مضي ساعة شممت رائحة طيبة لم تكن من روائح هذه النشأة ، فبقيت متحيراً ، فنظرت الى يميني وشمالي لاعرف من أين جاءت هذه الرائحة ، فرأيت شاباً جميل الصورة في لباس الملوك وهو يذهب الى ذلك القبر حتّى وصل عنده ، فتعجبت كثيراً مِن مجيئه الى ذلك القبر.

فعندما جلس عند ذلك القبر رأيته قد غاب وكأنّه صار داخل القبر.

فلم يمض زمن من تلك الحادثة حتّى شممت رائحة كريهة انتن من كل رائحة ، فنظرت فرأيت كلباً يذهب بأثر الشاب حتّى وصل الى ذلك القبر واختفى.

فتعجبت لذلك وما كاد تعجبي ينقضي حتّى خرج ذلك الشاب بحال سيئة وهيئة قبيحةٍ وبدن مجروح ، وقد رجع من حيث أتى.

فذهبت وراءه ، ورجوته أن يخبرني بحقيقة الأمر فقال : أنا العمل الصالح لهذا الميت ، وكنت مأموراً أن اصير معه في قبره ، فإذا بذلك الكلب ـ الذي رأيته ـ أتى وهو عمله غير الصالح ؛ فأردت أن اخرجه من القبر لأَفيَ بصحبته فعضني ذلك الكلب بأنيابه ، وجرحني ومزق لحيتي كما ترى ، ولم يتركني أبقى مع ذلك الشاب ، فلم أقدر بعد ذلك أن أبقى معه في قبره ، فخرجت ، وتركته لوحده.

فعندما نقل العارف المكاشف هذه الحكاية للشيخ ، قال الشيخ :

ما قلتَهُ صحيح ؛ فنحن قائلون بتجسم الأعمال وتصورها بالصورة المناسبة


بحسب الأحوال.

* يقول المؤلّف :

ويصدق هذه الحكاية الخبر الذي رواه الشيخ الصدوق في أول أماليه وملخصه :

انّ قيس بن عاصم وفد مع جماعة من بني تميم الى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وطلب منه موعظةً نافعة فوعظهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ومن جملة ما قال(١) :

« لابدّ لك يا قيس من قرينِ يدفن معك وهو حي وتدفن معه وأنت ميت ، فإن كان كريماً اكرمك وإن كان لئيماً اسلمك ، ثمّ لا يحشر إلاّ معك ولا تبعث إلاّ معه ، ولا تسأل إلاّ عنه ، فلا تجعله إلاّ صالحاً ، فانّه إن صلح أنَستَ به ، وإن فسد لا تستوحش إلاّ منه ، وهو فعلك.

فقال : يا نبي الله احبّ أن يكون هذا الكلام في أبيات من الشعر نفخر به على مَن يلينا من العرب ، وندّخره :

فأمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مَن يأتيه بحسان.

قال :(٢) فأقبلت افكر فيما اشبِّه هذه العظة من الشعر ، فاستتب لي القول قبل

__________________

(١) صدر الحديث هو :

(قال قيس بن عاصم : وفدت مع جماعة من بني تميم الى النبي صلى الله عليه وآله ، فدخلت وعنده الصلصال ابن الدلهمس ، فقلت : يا نبي الله عظنا موعظة ننتفع بها فإنا قوم نعبر [نعمر خ. ل] في البرية.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا قيس انّ مع العز ذلاً وانّ مع الحياة موتاً ، وان مع الدنيا آخرة ، وانّ لكل شيء حسيباً ، وعلى كل شيء رقيباً ، وانّ لكل حسنةٍ ثواباً ولكل سيئةٍ عقاباً ولكل أجل كتاباً الحديث).

(٢) أقول : في ترجمة الحديث نسب المؤلّفرحمه‌الله القول الى الصلصال وكذا أبيات الشعر ، ولكن في الأمالي المطبوع ليست فيه هذه النسبة. نعم وجدنا ذلك في كتاب (الاصابة في تمييز الصحابة) لابن حجر العسقلاني : ج ٢ ، ص ١٩٣ قال :

(الصلصال بن الدلهمس بن جندلة المحتجب بن الاغر بن الغضنفر بن تيم بن ربيعة بن نزار ؛ أبو الغضنفر ...

وقال المرزباني : يقال انّه انشد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شعراً.


مجيء حسان. قلت : يا رسول الله ، قد حضرتني أبيات احسبها توافق ما تريد ، فقلت :

تَخَيَّر خليطاً من فِعالِكَ اِنَّما

قَرينُ الفتى في القَبرِ ما كان يَفعَلُ

وَلابدّ بَعدَ المَوتِ مِن أن تعٍدَّهُ

لِيَوم يُنادى المَرءُ فيه فَيُقبلُ

فإن كُنتَ مَشغُولاً بِشَيءٍ فلا تكُن

بِغَير الَّذي يَرضى بِهِ الله تَشغَلُ

فَلَن يَصحَبَ الانسانَ مِن بعد مَوتِه

وَمِن قَبلِهِ إلاّ الَّذي كانَ يَعمَلُ

فَلَن يَصحَبَ الانسانَ مِن بعد مَوتِه

وَمِن قَبلِهِ إلاّ الَّذي كانَ يَعمَلُ

اَلا اِنَّما الانسانُ ضَيفٌ لاِهلهِ

يُقيمُ قليلاً بَينهُمُم ثُمَّ يَرحَلُ(١)

* وروى الشيخ الصدوق5 عن الامام الصادقعليه‌السلام ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

« مرّ عيسى بن مريمعليه‌السلام بقبر يُعَذَّبُ صاحبه ثمَّ مرَّ به مِن قابل فإذ هو ليس يعذّب.

فقال : يا ربّ مررتُ بهذا القبر عام أول فكان صاحبه يعذّب ، ثمّ مررت به العام ، فإذا هو ليس يعذّب؟

فاوحى الله عزّ وجلّ اليه :

يا روح الله انّه ادرك له ولد صالح. فأصلح طريقاً وآوى يتيماً فغفرت له بما عمل ابنه »(٢) .

* * *

__________________

وذكر ابن الجوزي : ان الصلصاح قدم مع بني تميم وانّ النبي صلى الله عليه وآله أوصاهم بشيء فقال قيس بن عاصم : وددت لو كان هذا الكلام شعراً نعلِّمه أولادنا ، فقال الصلصال : انا انظمة يا رسول الله ، فانشده أبياتاً. واوردها ابن دريد في أماليه عن أبي حاتم السجستاني عن العتبي عن أبيه قال : قال قيس بن عاصم وفدت مع جماعة من بني تميم ، فدخلت عليه وعنده الصلصال بن الدلهمس ، فقال قيس : يا رسول الله عظنا عظة ننتفع بها ، فوعظهم موعظة حسنة ، فقال قيس : احبّ أن يكون هذا الكلام أبياتاً من الشعر نفتخر به على من يلينا وندخرها ، فامر من يأتيه بحسان ، فقال الصلصال : يا رسول الله قد حضرتني أبيات أحسبها توافق ما أراد قيس فقال هاتها فقال : الخ).

(١) الأمالي للشيخ الصدوق : ص ١٢ ـ ١٣.

(٢) الأمالي للصدوق : ص ٤١٤.



من منازل الآخرة المهولة

القيامة



من منازل الآخرة المهولة

القيامة

فانّ هولها عظيم ، بل هي أعظم من كل هول. وفزعها الفرع الأكبر.

قال تعالى في وصفها :

( ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ) (١) .

* وروى القطب الراوندي عن الامام الصادقعليه‌السلام انّه قال :

« قال عيسىعليه‌السلام لجبرئيل : متى قيام الساعة؟ فانتفض جبرئيل انتفاضة أُغمي عليه منها ، فلما أفاق قال : يا روح الله! ما المسؤول أعلم بها من السائل وله من في السماوات والأرض لا تأتيكم إلاّ بغتة »(٢) .

* وروى الشيخ الجليل علي بن ابراهيم القمّيرحمه‌الله عن الامام محمّد الباقرعليه‌السلام :

« بينما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جالس وعنده جبرئيل اذ حانت من جبرئيلعليه‌السلام نظرةً قِبَل السماء ، فامتقع لونه حتّى صار كأنه كركمة ، ثمَّ لاذ برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فنظر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الى حيث نظر جبرئيل ، فإذا شيءٌ قد ملأ ما بين الخافقين

__________________

(١) سورة الأعراف : الآية ١٨٧.

(٢) قصص الانبياء للراوندي : ص ٢٧١ ، باب ١٨ ، فصل ٥ ، ح ٣١٩. ونقله المجلسي في البحار : ج ٦ ، ص ٢١٢ ، ح ١١. وفي : ج ٧ ، ص ٦١. وفي : ج ١٤ ، ص ٣٢٣ ، ح ٣٥.


مقبلاً حتّى كان كقاب من الأرض.

ثمّ قال : يا محمّد انّي رسول الله اليك اخبرك أن تكون ملكاً رسولاً احبًّ إليك ، أو تكون عبداً رسولاً؟

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : بل أكون عبداً رسولاً.

فرفع الملك رجله اليمنى فوضعها في كبد السماء الدينا ، ثمَّ رفع الاُخرى فوضعها في الثانية ، ثمَّ رفع اليمنى فوضعها في الثالثة ثمَّ هكذا حتّى انتهى الى السماء السابعة ، كل سماء خطوة ، وكلما ارتفع صغر حتّى صار آخر ذلك مثل الذر(١) .

فالتفت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال : لقد رأيتك ذعراً ، وما رأيتُ شيئاً كان أذعر لي مِن تغير لونك؟!

فقال : يا بني الله لا تلمني ، أتدري من هذا؟

قال : لا.

قال : هذا اسرافيل حاجب الرب ، ولم ينزل من مكانه منذ خلق الله السماوات والأرض(٢) ، فلما رأيتُه منحطاً ظننت انّه جاء لقيام الساعة ، فكان الذي رأيتهُ مِن

__________________

(١) هكذا في المصدر المطبوع (مثل الذر).

وفي نسخة بدل من المصدر ، وفي البحار (مثل الصر).

قال الطريحي في مجمع البحرين : (والصَرّ) عصفور أو طائر في قده أصفر اللون ، سمّي به لصوته من صَرَر : اذا صاح.

ومنه الحديث (اطلع عليّ عليُ بن الحسينعليه‌السلام وأنا انتف صَرّاً) ج ٣ ، ص ٣٦٥ ، الطبعة الحديثة.

وفي مجمع البيان : ج ٣ ، ص ٦٠٣ ـ ٣٠٧ :

(والذّرة بتشديد الراء : النملة الصغيرة التي لا تكاد ترى ويقال انّ المائة منها زنة حبة شعير ، وقيل هي جزء من أجزاء الهباء الذي يظهر في الكوه من أثر الشمس.

(٢) قال المؤلّفرحمه‌الله في الحاشية :

(لعل مراده أنّه لم يأتي لوحده وبدون خبر بهذا النحو الذي جاء به ، حتّى لا يتنافى مع مجيئه مع جبرئيل وميكائيل لاهلاك قوم لوط أو نحو ذلك والله العالم).


تغير لوني لذلك ، فلما رأيت ما اصطفاك الله به رجع اليَّ لوني ونفسي(١) .

* وفي رواية :

( ما من ملك مقرَّب ، ولا سماء ولا أرض ولا رياح ولا جبال ولا برّ ولا بحر إلاّ وهنّ يشفقن من يوم الجمعة أن تقوم فيه الساعة )(٢) .

* يقول الفقير : لعلّ ما ذكر من خوف السماء والأرض وكل شيء هو خوف أهلها والموكلين بها كما قاله المفسرون في معنى الآية الشريفة ( ثقلت في السماوات والأرض ).

* وروى انّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان (اذا ذكر الساعة اشتد صوته واحمرّت وجنتاه)(٣) .

__________________

(١) تفسير الشيخ الثقة الأقدم علي بن ابراهيم القمّيرحمه‌الله من مشايخ الشيخ الكلينيرحمه‌الله ج ٢ ، ص ٢٧ ـ ٢٨ وتكملة الحديث :

(أما رأيته كلما ارتفع صغر انّه ليس شيء يدنو من الرّب إلاّ صغر لعظمته.

انّ هذا حاجب الرب ، وأقرب خلق الله منه ، واللوح بين عينيه من ياقوته حمراء. فإذا تكلم الرب تبارك وتعالى بالوحي ضرب اللوح جبينه ، فنظر فيه ، ثمّ يلقيه إلينا ، فنسعى به في السماوات والأرض. انّه لادنى خلق الرحمن منه وبينه وبينه سبعون حجاجاً من نور تقطع دونها الابصار ما لا يُعَد ولا يوصف ، وانّي لأقرب الخلق منه وبيني وبينه مسيرة ألف عام) انتهت الرواية الشريفة.

أقول : أما سند الرواية فصحيح.

وفي الصحيحة من الأسرار الالهية والحقائق الربانية والألطاف الخفية ما يعجز عنه إلاّ أهلها ومن خلق لها رزقنا الله تعالى وإياك من عذاب مائها وأوردنا سلسبيلها بمحمد وآله الطاهرين.

(٢) رواها رئيس المحدّثين الشيخ الصدوق في الخصال : ص ٣١٥ ـ ٣١٦ ، باب الخمسة (في يوم الجمعة خمس خصال) ح ٩٧ ، ونقله المجلسي في البحار : ج ٧ ، ص ٥٨ ، ح ١ ، ج ٨٩ ص ٢٦٧ ، ح ٥. الطبعة الحديثة بإسناده الى أبي لبابة بن عبد المنذر عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

واسم (أبي لبابة) بشير.

(٣) رواه الطوسي في الأمالي : ٣٤٧ ، ح ٢٦ ، ونقله في البحار : ج ٢ ، ص ٣٠١ ، ٣١ ، وفي ج ٧٧ ، ص ١٢٤ ، ح ٢٣. وروى الشيخ المفيد في الأمالي : ص ٢١١ ، المجلس ٢٤ ، ح ١ بإسناده عن الامام الصادقعليه‌السلام عن أبيه عن جدهعليهم‌السلام قال : « كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اذا خطب حمد الله


* ونقل الشيخ المفيد في الارشاد :

« لما عاد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من تبوك الى المدينة ، قدم إليه عمرو بن معد يكرب ، فقال له النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يا عمرو ، يؤمنك الله من الفزع الأكبر.

فقال : يا محمّد! وما الفزع الأكبر ، فانّي لا أفزع؟ ».

* يقول المؤلّف : من هذا الكلام تعرف شجاعة وقوة قلب عمرو ، ونقل انّه كان من شجعان العالم المشهورين وكان أكثر فتوح العجم على يديه ، ويعرف سيفه بالصمصامة التي قطع بضربة منها جيمع قوائم جزور.

وانّ عمر بن الخطاب سأله في أيّام خلافته أن يريه سيفه ذلك ، فاحضره عمرو له.

__________________

واثنى عليه ، ثمّ قال : أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وأفضل الهدي هدي محمّد وشر الاُمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة ، ويرفع صوته ، وتحمرُّ وجنتاه ، ويذكر الساعة وقيامها حتّى كأنه منذر جيش ، يقول : صبحتكم الساعة ، مسّتكم الساعة ، ثمّ يقول : بعثت أنا والساعة كهاتين ، ويجمع بين سبابتيه ، مَن ترك مالاً فلأهله ، ومن ترك ديناً فعلي واليّ ».

ونقله في البحار : ج ١٦ ، ص ٢٥٦ ، ح ٣٦ ، وفي : ج ٧٧ ، ص ١٣٣ ، ح ٤٠.

ونقل في البحار : ج ١٠٣ ، ص ١٥٣ ، ح ٢٥ عن كتاب (الغايات) عن جابر انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خطب الناس فقال بعد حمد الله والثناء عليه : أما بعد فان أصدق الحديث كتاب الله ، وانّ أفضل الهدى محمّد ، وشرّ الاُمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة ، ثمّ رفع صوته ـ وتحمر وجنتاه ويشتد غضبه اذا ذكر الساعة كأنه منذر جيش ، ثمّ يقول ـ : بُعثت والساعة كهاتين ، ثمّ يقول : اتتكم الساعة مصبحكم أو ممسيكم ».

ونقل الغزالي في احياء علوم الدين : ج ٤ ، ص ٤٥٩ ، عن جابر قال : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اذا خطب فذكر الساعة رفع صوته واحمرت وجنتاه الحديث) ونقله الفيض الكاشاني في المحجة البيضاء : ج ٨ ، ص ٢٥١ ، وقال محقق الاحياء في هامشه (اخرجه مسلم وابن أبي الدنيا في قصر الأمل واللفظ له).

وروى السيّد هاشم البحراني في (معالم الزلفى) ص ١٣٦ ، الطبعة الحجرية عن بستان الواعظين قال :

(وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان اذا هبت الريح تغيّر لونه وكان يخرج ويدخل مرّة بعد اُخرى من شدة خوف قيام الساعة).


فانتضاه (عمر) وضرب به ، فما حاك(١) ، فطرحة من يده ، وقال : ما هذا إذ سلّ بشيء.

فقال عمرو : يا أمير المؤمنين أنت طلبت مني السيف ولم تطلب مني الساعد الذي يضرب به(٢) .

فعاتبه ، وقيل انّه ضربه)(٣) .

فقال : يا عمرو! انه ليس كما تظن وتحسب.

انّ الناس يصاح بهم صيحةً واحدة فلا يبقى ميت إلاّ حشر ، ولا حي إلاّ مات ، إلاّ ما شاء الله ثمّ يصاح بهم صحية اُخرى فينشر مَن مات ، ويصفون جميعاً ، وتنشق السماء ، وتهد الأرض ، وتخرّ الجبال هدّاً وترمي النار ، بمثل الجبال شرراً ، فلا يبقى ذو روح إلاّ انخلع قلبه ، وذكر دينه وشغل بنفسه إلاّ ما شاء الله.

فأين أنت يا عمرو ومِن هذا؟

قال : إلاّ انّي اسمع أمراً عظيماً )(٤) .

انّ القيامة مهولة الى درجة بحيث انّ الأموات في عالم البرزخ والقبر يستوحشون من هولها بشكل انّه روئي انّ بعض الأموات بعدما اُحيي بدعاء بعض الأولياء قد صار شعره كله أبيضاً ، فعندما سألوه عن سبب بياض شعره قال لهم : عندما أمر باحيائنا ظننا انّ القيامة قد قامت ، ولذلك قد ابيّض شعرنا كله من وحشه وهول القيامة(٥) .

__________________

(١) أي لم يؤثر شيئاً ، أو لم يرسخ في المكان الذي ضربه.

(٢) ذكر المؤلّف في الهامش هذا البيت من الشعر :

وعادة السيف أن يزهو بجوهره

وليس يعمل إلاّ في يدي بطل

(٣) نقل هذه القصة المؤلّف في سفينة البحار : ج ١ ، ص ٦٩٠ ، الطبعة الحجرية.

(٤) الارشاد للشيخ المفيد : ٨٤.

(٥) أقول : روى الشيخ الكليني في الكافي الشريف : ج ٣ ، ص ٢٦٠ ـ ٢٦١ بسند صحيح عن أبي جعفر الباقرعليه‌السلام قال :

« انّ فتية من أولاد ملوك بني اسرائيل كانوا متعبدين وكانت العبادة في أولاد ملوك بني اسرائيل ، وانّهم خرجوا يسيرون في البلاد ليعتبروا فمروا بقبر على ظهر الطريق قد سفى


* ولنذكر هنا بعض الاُمور التي تنجي من شدائد القيامة ، وتؤمن من الفزع الأكبر ، وهي عشرة اُمور :

* الأول : روي انّه :

من قرأ سورة يوسف في كل يوم أو في كل ليلة بعثه الله تعالى يوم القيامة وجماله مثل جمال يوسفعليه‌السلام ، ولا يصيبه فزع يوم القيامة )(١) .

* وروي عن الامام محمّد الباقرعليه‌السلام :

« مَن قرأ سورة الدخان في فرائضه ونوافله بعثه الله مِنَ الآمنين يوم القيامة ، وأظلَّه تحت عرشه وحاسبه حساباً يسيراً وأعطاه كتابه بيمينه »(٢) .

__________________

عليه السافي ليس يبين منه إلاّ رسمه.

فقالوا : لو دعونا الله الساعة فينشر لنا صاحب هذا القبر فسألناه كي وجد طعم الموت.

فدعوا الله وكان دعاؤهم الذي دعوا الله به (أنت إلهنا يا ربّنا ليس لنا اِلهُ غيرك والبديع الدائم غير غافل والحيّ الذي لا يموت ، لك في كل يوم شأنٌ. تعلم كل شيءٍ بغير تعليم ، انشر لنا هذا الميت بقدرتك.

قال : فخرج من ذلك القبر رجلٌ أبيض الرأس واللحية ينفض رأسه من التراب فزعاً شاخصاً بصره الى السماء.

فقال لهم : يا يوقفكم على قبري؟

فقالوا : دعوناك لنسألك كيف وجدت طعم الموت؟

فقال لهم : لقد سكنت ]مكثت في. ل[ في قبري تسعة وتسعين سنة ما ذهب عنّي ألم الموت وكربه ولا خرج مرارة طعم الموت مِن حلقي.

فقالوا له : متَّ يوم متَّ وأنت على ما نرى أبيض الرأس واللحية؟

قال : لا ، ولكن لما سمعت الصيحة (اُخرُج) اجتمعت تربة عظامي الى روحي فنفست فيه ، فخرجت فزعاً شاخصاً بصري مهطعاً الى صوت الداعي ، فابيضّ لذلك رأسي ولحيتي).

(١) ثواب الأعمال للصدوق : ص ١٣٣ ، رواه عن الامام الصادقعليه‌السلام ، كما انّه رواه العياشي في تفسيره : ج ٢ ، ص ١٦٦ ، ح ١ ، باختلاف يسير ونقله في البحار : ج ٧ ، ص ٢٩٣ ، ح ٩ ، ج ٨٧ ، ص ٢ ، ح ٣ ، ج ٩٢ ، ص ٢٧٩ ، ح ١ ، ج ٩٢ ، ص ٢٧٩ ، ح ٢.

(٢) ثواب الأعمال للصدوق : ص ١٤١ ، ونقله في البحار : ج ٧ ص ٢٩٥ ، ح ٢٠. وفي ج ٩٢ ، ص ٢٩٩ ، ح ١.


* وروي عن الامام الصادقعليه‌السلام :

« مَن قرأ كل ليلة أو كل جمعة سورة الاحقاف لم يصبه الله بروعة في الحياة الدنيا ، وآمنه مِن فزع يوم القيامة إن شاء الله »(١) .

* ونقل عنهعليه‌السلام :

« مَن قرأ (والعصر) في نوافله بعثه الله يوم القيامة مشرفاً وجهه ، ضاحكاً سِنُّهُ قريراً عينه حتّى يدخل الجنّة »(٢) .

* الثاني : روى الشيخ الكليني عن الامام جعفر الصادقعليه‌السلام .

« مَن وقر ذا شيبة في الاسلام آمنه الله من فزع يوم القيامة »(٣) .

* الثالث : وروي عنهعليه‌السلام قال :

« مَن مات بطريق مكّة ذاهباً أو جائياً أمِنَ مِنَ الفرع الأكبر يوم القيامة »(٤) .

* وروى الشيخ الصدوق عنهعليه‌السلام قال :

« مَن مات في أحد الحرمين [ يعني حرم مكّة وحرم المدينة زادهما الله شرفاً وتعظيماً ](٥) بعثه الله من الآمنين »(٦) .

__________________

(١) ثواب الأعمال للصدوق : ص ١٤١. ونقله في البحار : ج ٨٩ ، ص ٣١٠ ، ح ١٤. وفي ج ٨٩ ، ص ٣٤٩ ، ح ٢٦. وفي ج ٩٢ ، ص ٣٠١ ، ح ١.

(٢) ثواب الأعمال للصدوق : ص ١٥٣ ، ١٥٤ ، ونقله في البحار : ج ٨٥ ، ص ٣٩ ، ح ٢٧. وفي : ج ٩٢ ، ص ٣٣٦ ، ح ١.

(٣) الكافي : ج ٢ ، ص ٦٥٨ ، ح ٣. ونقله في البحار : ج ٧ ، ص ٣٠٢ ، ح ٥٣. وفي : ج ٥٧ ، ص ١٣٧ ، ح ٥ ، عن نوادر الراوندي.

أقول وروى الصدوق رحمه الله في ثواب الأعمال : ص ٢٢٤ ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : « من عرف فضل شيخ كبير فوقوه لسنه آمنه الله من فزع يوم القيامة ».

(٤) رواه الكليني في الكافي : ج ٤ ، ص ٢٦٣ ، ح ٤٥. والطوسي في التهذيب : ج ٥ ، ص ٢٣ ، ح ١٤. والصدوق في (من لا يحضره الفقيه) ج ٢ ، ص ٢٢٩ ـ ح ٢٢٦٩ ، ونقله في البحار : ج ٧ ، ص ٣٠٢ ، ح ٥٥.

(٥) هذه الحاشية للمؤلف5 .

(٦) رواه الصدوق في الفقيه : ج ٢ ص ١٤٧ ، ح ٦٥٠.

وروى الكليني في الكافي : ج ٤ ، ص ٥٤٨ ، ح ٥ بإسناده عن الامام الصادق عليه السلام قال :


* الرابع : وروى الشيخ الكليني عن الامام الصادقعليه‌السلام قال :

« مَن دفن في الحرم(١) اُمِنَ من الفزع الأكبر »(٢) .

* الخامس : روى الشيخ الصدوق عن الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :

« مَن عرضت له فاحشة أو شهوة فاجتنبها من مخافة الله عزّوجلّ حرّم الله عليه النار وآمنه من الفزع الأكبر »(٣) .

* السادس : وروى عنه أيضاًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :

« مَن مَقَتَ نفسه دون ]مقت[(٤) الناس آمنه الله مِن فزع يوم القيامة »(٤) .

* السابع : روى الشيخ الأجل علي بن ابراهيم القمّي عن الامام

__________________

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « ومن مات في أحد الحرمين مكّة والمدينة لم يعرض ولم يحاسب ». وفي الفقيه : ج ١ ص ٨٤ ، ح ٣٨٠ ، عن الامام الصادقعليه‌السلام انّه قال : « من مات في أحد الحرمين اُمن من الفزع الأكبر يوم القيامة » ، ونقله الحر في الوسائل : ج ١ ، باب ٣ ، ص ٢٦١ ، ح ٣.

ونقله المجلسي في البحار : ج ٧ ، ص ٣٠٢ ، ح ٥٧ ، ج ٩٩ ، ص ٣٨٧ ، ح ٣ ، ج ١٠٠ ، ص ١٤٠ ، ح ٦ ، ورواه ابن قولويه في كامل الزيارات : ص ١٣ ، باب ٢ ، ح ٩. ورواه البرقي في المحاسن : ص ٧٠ ، كما رواه الصدوق في علل الشرائع : ص ٤٦٠ ، باب ٢٢١ ، ح ٧.

(١) قال المؤلّف : (يعني حرم مكة المعظمة).

(٢) الكافي : ج ٤ ، ص ٢٥٨ ، ح ٢٦. الفقيه ج ٢ ، ص ٢٢٩ ، ح ٢٢٧٢. المحاسن للبرقي : ص ٧٢ (كتاب ثواب الاعمال : باب ١٢١ ، ح ١٤٧) ونقله المجلسي في البحار : ج ٧ ، ص ٣٠٢ ، ح ٥٤. وفي ج ٩٩ ، ص ٣٧٨ ، ح ٢.

(٣) راها الصدوق في الفقيه : ج ٤ ، ص ٧ ، باب ١ ، (ذكر جمل من مناهي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) ح ١. وراه في الأمالي : ص ٣٤٩ ، المجلس ٦٦ ، ح ١. ونقله في البحار ج ٧ ، ص ٣٠٣ ، ح ٦٠. وفي ج ٧٠ ، ص ٣٧٨ ، ح ٢٥ ، وفي : ج ٧٦ ، ص ٢٣٣ ، ح ١. وقال المؤلّفرحمه‌الله في الحاشية : (الفاحشة يعني الزنا ، وكل ما تعدى حدود الله).

(٤) هذه الزيادة في نسخة بدل.

(٥) البحار : ج ٧ ، ص ٣٠٢. الخصال للصدوق : ص ١٥ ، باب (الواحد) « خصلة من فعلها آمنه الله عزّوجلّ من فزع يوم القيامة » ، ح ٥٤. ورواه في ثواب الأعمال : ص ٢١٦ (ثواب من مقت نفسه دون مقت الناس) ، ح ١. ونقله في البحار : ج ٢٧ ، ص ٣٠ ، ح ٥٩. وفي : ج ٧٥ ص ٤٦ ، ح ٣. وفي ج ٧٥ ، ص ٤٨ ، ح ١٠.


محمد الباقرعليه‌السلام :

« مَن كظم غيظاً وهو يقدر على امضائه حشا الله قلبه أَمناً وإيماناً يوم القيامة »(١) .

* الثامن : قال الله تعالى في سورة النمل :

( مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ) (٢) .

يعني : من جاء يوم القيامة بالحسنة فله أحسن منها(٣) وهو آمن من فزع ذلك اليوم.

* وروي عن أمير المؤمنينعليه‌السلام انّه قال :

« الحسنة معرفة الولاية وحبنا أهل البيت »(٤) .

* التاسع : روى الشيخ الصدوق عن الامام الصادقعليه‌السلام انّه قال :

« مَن أغاث أخاه المؤمن اللهفان اللهثان عند جهده فنفس كربته وأعانه على نجاح حاجته كانت له بذلك عند الله اثنتان وسبعون رحمة من الله يجعل له منها واحدة يصلح بها معيشته ويدّخر له احدى وسبعين رحمة لأَفزاعِ يوم

__________________

(١) تفسير القمّي : ج ٢ ، ص ٢٧٧ في تفسير الآية ٣٧ ، سورة الشورى ونقلها في البحار : ج ٧ ، ص ٣٠٣ ، ح ٦٢ وفي : ج ٧١ ، ص ٤١٠ ح ٢٤ ، ج ٧١ ، ص ٤١١ ، ح ٢٥ ، ج ٧١ ، ص ٤١٧ ، ح ٤٥ ، ورواه في الكافي ج ٢ ، ص ١١٠ ، ح ٧.

(٢) سورة النمل : الآية ٨٩.

(٣) روى المحدّث الجليل عبد علي بن جمعة العروسي الحويزي المتوفى سنة ١١١٢ هـ. ق في تفسير نور الثقلين ، عن اصول الكافي عن الصادقعليه‌السلام قال : « قال أبو جعفرعليه‌السلام : دخل أبو عبدالله الجدلي على أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فقال : يا أبا عبدالله ألا أخبرك بقول الله عزّوجل (مَن جاء بالحسنة فله خير منها وهم مِن فزع يومئذٍ آمنون ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلاّ ما كنتم تعملون) قال : بلى يا أمير المؤمنين جعلت فداك.

فقال : الحسنة معرفة الولاية وحبنا أهل البيت والسيئة انكار الولاية وبغضنا أهل البيت ، ثم قرأعليه‌السلام الآية ».

تفسير نور الثقلين : ج ٤ ، ص ١٠٤. وراجع الكافي : ج ١ ، ص ١٨٥ ، ح ١٤.

(٤) هذا المقطع من الخبر السابق.


القيامة وأهواله »(١) .

* يقول المؤلّف : قد رويت روايات كثيرة في ثواب قضاء حاجات الاخوة في الدين ، ومن جملتها ما روي عن الامام محمّد الباقرعليه‌السلام انّه قال :

« مَن مشى في حاجة أخيه المسلم أظلَّه الله بخمسة وسبعين ألف ملك ولم يرفع قدماً إلاّ كتب الله له حسنة ، وحطَّ عنه بها سئية ، ويرفع له بها درجة ، فاذا فرغ من حاجته كتب الله عزّوجلّ له بها اجر حاج ومعتمر »(٢) .

* وروي عن الامام الصادقعليه‌السلام قال :

« لَقضاءُ حاجة امرىء مؤمن أفضل من حجّة وحجّة وحجّة حتّى عدَّ عشر حجج »(٣) .

__________________

(١) ثواب الاعمال للصدوق : ص ١٧٩ ، وفي ص ٢٢٠. ورواه الكليني في الكافي : ج ٢ ، ص ١٩٩ ، ح ١.

ونقله المجلسي في البحار : ج ٧ ، ص ٢٢٩ ، ح ٤٩ ، وفي : ج ٧٤ ، ص ٣١٩ ، ح ٨٥. وفي : ج ٧٥ ، ص ٢٠ ، ح ١٨. وفي : ج ٧٥ ، ص ٢١ ، ح ٢٢ ، وفي : ج ٧٥ ، ص ٢٢ ، ح ٢٥.

(٢) الكافي : ج ٢ ، ص ١٩٧ ، باب السعي في حاجة المؤمن ، ح ٣ ، عن أبي عبيدة الحذاء.

(٣) الأمالي للشيخ الصدوق : ص ٣٩٩ ، ونقله في البحار ج ٧٤ ، ص ٢٨٤ ، ح ٤. وفي : ج ٩٩ ، ص ٣ ، ح ١. روى الصدوق بالإسناد عن مشمعل الأسدي قال : خرجت ذات سنة حاجّاً ، فانصرفت الى أبي عبدالله الصادق جعفر بن محمّد.

« فقال : مِن أين بك يا مشمعل؟

فقلت : جعلت فداك كنت حاجّاً.

أو ما تدري ما للحاج من الثواب؟

فقلت : وما أدري حتّى تعلّمني!

فقال : انّ العبد اذا طاف بهذا البيت اسبوعاً (اسبوعاً أي سبعاً ، والمقصود به سبعة أشواط حول البيت) وصلّى ركعتيه ، وسعي بين الصفا والمروة كتب الله له ستة آلاف حسنة ، وحط عنه ستة آلاف سيئة ورفع له ستة آلاف درجة. وقضى له ستة آلاف حاجة للدنيا كذا وادخر له للآخرة كذا (لعل الـ « كذا » الاولى زائدة من النساخ ، وأما الـ « كذا » الثانية يعني كذلك « ستة آلاف ».

فقلت له : جعلت فداك انّ هذا لكثير.


* وروي :

« انّ عابِدَ بني اسرائيل كان إذا بلغ الغاية من العبادة صار مشاءً في حوائج الناس ، عانياً بما يصلحهم »(١) .

* وروى الشيخ الجليل شاذان بن جبرئيل القمّي عن الرسول الاعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انه رأى على الباب الثاني من الجنّة مكتوباً :

« لا إله الا الله ، محمّد رسول الله ، علي ولي الله ، لكل شيء حيلة(٢) وحيلة السرور في الآخرة أربع خصال :

المسح على رؤوس اليتامى ، والتعطف على الأرامل ، والسعي في حوائج المسلمين ، ونفقد الفقراء والمساكين »(٣) .

الى غير ذلك(٤) .

__________________

فقال : ألا اخبرك بما هو أكثر من ذلك؟

قلت : بلى.

فقالعليه‌السلام : لقضاء الحديث ».

وهناك رواية اُخرى تشبهها في ثواب الأعمال للصدوق : ص ١٧٠ ، (ثواب الصدقة) ، ح ١٣ ، عن الامام الباقرعليه‌السلام قال : « لأن احج حجة أحبّ اليّ من أن اعتق رقبة ـ حتّى انتهى الى عشرة ـ ومثلها ومثلها حتّى انتهى الى سبعين. ولأن أعول أهل بيت من المسلمين واشبع جوعتهم ، واكسو عريهم ، وأكفّ وجوههم عن الناس أحبّ اليّ من أن احج حجّة وحجّة وحجّة حتّى انتهى الى عشرة ، ومثلها ومثلها حتّى انتهى الى سبعين ».

(١) الكافي ج ٢ ، ص ١٩٩.

(٢) كتب المؤلّفرحمه‌الله في الحاشية ( في نسخة بدل حلية ).

(٣) أقول رواه الشيخ شاذان بن جبرئيل في الفضائل : ص ١٥٢ ونقله عنه في البحار : ج ٨ ، ص ١٤٤ ، ح ٦٧. ورواه السيّد هاشم البحراني في معالم الزلفى : ص ٣١٦ ، الطبعة الحجرية ورواه النوري في المستدرك ، ج ٢ ، باب ٧٨ ، ص ٤٧٤ ، ح ٢٥٠١ ، وفي ج ٧ ، باب ٤٩ ، ص ٢٦٦ ، ح ٨٢٠٥ ، وفي ج ١٥ ، باب ١٠ ، ص ١٢٢ ، ح ١٧٧٢٨.

(٤) من الروايات الكثيرة التي وردت في فضل قضاء حوائج المؤمنين وقد عقد لها الشيخ الكليني في الكافي : فصولاً جليلة ، وجميع تلك الروايات الشريفة العلاّمة المجلسي في ج ٧٤ من البحار.


* ولهذا اهتمّ العلماء وعظماء الدين اهتماماً كبيراً في قضاء حوائج المؤمنين ، وقد نقل عنهم حكايات لا مجال لذكرها هنا.

* العاشر : روى الشيخ الكليني عن الامام الرضاعليه‌السلام انّه قال :

« مَن أتى قبر أخيه ثمّ وضع يده على القبر وقرأ انا انزلناه في ليلة القدر سبع مرّات أَمِنَ يوم الفزع الأكبر »(١) .

* يقول المؤلّف : وفي رواية اُخرى (المستقبل القبلة ووضع يده على القبر)(٢) .

فيمكن أن يكون هذا الامان من الفزع يوم القيامة يعود للقارىء كما هو ظاهر الخير.

ويحتمل أن يكون للميت كما يظهر من بعض الروايات.

* وقد رأى هذا الفقير في مجموعة الشيخ الأجل الأفقه أبي عبدالله محمّد بن مكي العاملي المعروف بالشيخ الشهيد انّه جاء الى قبر استاذه الشيخ الأجل العالم فخر المحققين نجل آية الله العلاّمة الحلي (رضوان الله عليهم أجمعين) وقال :

أروي عن صاحب هذا القبر ، وهو يروي عن والده الماجد بسنده الى الامام الرضاعليه‌السلام : « مَن زار قبر أخيه المؤمن وقرأ عند سورة القدر وقال : اللّهمّ جاف الأرض عَن جنوبهم ، وصاعد إليهم أرواحهم ، وزدهم منك رضواناً ، وأسكن إليهم مِن رحمتك ما تصل به وحدتهم وتؤنس وحشتهم انَّك على كل شيء قدير » أمِن القارىء والميت منَ الفزع الاكبر(٣) .

__________________

(١) رواه المجلسي في البحار : ج ٧ ، ص ٣٠٢ ، ورواه الكليني في الكافي : ج ٣ ، ص ٢٢٩ ، عن محمّد بن يحيى عن محمّد بن أحمد قال : كنت بفيد فمشيت مع عليّ بن بلال الى قبر محمّد بن اسماعيل بن بزيع ـ فقال علي بن بلال قال لي صاحب هذا القبر عن الرضاعليه‌السلام قال : « من أتى قبر الحديث ».

(٢) رواه ابن قولويه في كامل الزيارات : ص ٣٢٠ ، باب ١٠٥ ، ح ٤. ونقله في البحار : ج ١٠٢ ، ص ٢٩٥ ، ح ٤ ، ونقله الحر في الوسائل : كتاب الطهارة ، أبواب الدفن ، باب ٥٧ ، ح ٣ ، وفي هذا الباب روايات اُخرى لا بأس بمراجعتها.

(٣) لقد ترجمنا النص عن الكتاب فلم نجد الرواية بهذا الشكل بالمصادر التي راجعناها ،


* يقول المؤلّف : انّ قبر فخر المحققين ـ على ما يظهر من كلام المجلسي الأول في شرح الفقيه ـ في النجف الأشرف ولعله قريب قبر والده العلاّمةرحمه‌الله الذي يقع في الايوان المطهر.

* * *

__________________

وقد ورد المضمون في روايتين الاُولى تقدمت في رواية محمّد بن اسماعيل بن يزيع ، والثانية روى الصدوق في الفقيه بإسناده عن محمّد بن مسلم قال : قلت لأبي عبداللهعليه‌السلام : « الموتى تزورهم ؛ فقال : نعم ، قلت : فيعلمون بنا اذا اتيناهم؟ فقال : أي والله » ، والدعاء في فلاح السائل للسيّد ابن طاووس : ص ٨٥ ، عن كتاب مدينة العلم للشيخ الصدوق ، وهو من الكتب المهمّة بمنزلة التهذيب والفقيه وقد ضاع ، وقد روى الدعاء السيّد ابن طاووس في مصباح الزائر ، ونقله عنه الشيخ النوريرحمه‌الله في المستدرك : ج ١٠ ، باب ٨٠ ، ص ٣٨٣ ، ح ١٢٢٣٢ ، وفي ج ٢ ، باب ٤٩ ، ص ٣٧٢ ، ح ٢٢٢٢ ، ونقله المجلسي في البحار : ج ١٠٢ ، ص ٣٠٠ ، ح ٢٦.



من ساعات القيامة المهولة

ساعة خروج الانسان من قبره

وهذه الساعة هي احدى الساعات الثلاثة التي هي أصعب وأوحش الساعات على أبناء آدم(١) .

__________________

(١) روى الشيخ الصدوقرحمه‌الله في كتابه (الخصال) بإسناده عن (ياسر الخادم) قال :

سمعت أبا الحسن الرضاعليه‌السلام يقول : إنَّ أوحش ما يكون هذا الخلق في ثلاثة مواطن : يوم يولد ويخرج من بطن امّه فيرى الدنيا. ويوم يموت فيرى الآخرة واهلها ويوم يبعث فيرى أحكاماً لم يرها في دار الدنيا وقد سلّم الله عزّوجلّ على يحيى في هذه الثلاثة المواطن ، وآمن روعته فقال : (وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيّاً).

وقد سلم عيسى بن مريمعليه‌السلام على نفسه في هذه الثلاثة المواطن فقال : (والسلام عليَّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم اُبعث حيّاً).

الخصال للصدوق : ص ١٠٧ ، باب الثلاثة (أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن).

أقول : وروى الشيخ الصدوقرحمه‌الله في كتابه (الخصال) : باب الثلاثة (أشد ساعات ابن آدم ثلاث ساعات) ، ص ١١٩ ؛ وروى بالإسناد عن الزهري قال : قال علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالبعليهم‌السلام : أشدّ ساعات ابن آدم ثلاث ساعات : الساعة التي يعاين فيها ملك الموت ، والساعة التي يقوم فيها من قبره ، والساعة التي يقف فيها بين يدي الله تبارك وتعالى ، فاما الى الجنّة وإما الى النار.

ثمّ قال : إن نجوت يا بن آدم عند الموت فأنت أنت وإلاّ هلكت.

وإن نجوت يابن آدم حين توضع في قبرك فأنت أنت وإلاّ هلكت.

وإن نجوت حتّى يحمل الناس على الصراط فأنت وإلاّ هلكت.


يقول الله تعالى في سورة المعارج :

( فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ * يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَٰلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ ) (١) .

*روي عن ابن مسعود انّه قال :

كنت جالساً عند المؤمنينعليه‌السلام فقال : انّ في القيامة لخمسين موقفاً كل موقف ألف سنة :

فأوّل موقف خرج من قبره(٢) ، جبسوا ألف سنة عراة جياعاً عطاشا. فمن خرج مِن قبره مؤمناً بجنته وناره ، ومؤمنا بالبعث والحساب والقيامة ، مقرّاً بالله مصدقاًَ نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله وبما جاء من عند الله عزّوجلّ نجا من الجوع والعطش(٣) .

* وقال الامام أمير المؤمنينعليه‌السلام في نهج البلاغة :

« وذلك يومٌ يَجمَعُ الله فيه الأوّلين والآخرين لنقاش الحِساب وَجزاءِ الأعمال خُضُوعاً قياماً قد ألجَمَهُمُ العَرَقُ وَرَجَفَت بِهِمَ الأرض فاجسَنُهُم حالاً من وجَدَ

__________________

وان نجٍوت حتّى يقوم النٍاس لربّ العالمين فأنت أنت والاّ هلكت. ثمّ تلا( وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ )

قال : هو القبر وانّ لهم فيه لمعيشة ضنكا ، والله القبر لروضة من رياض الجنّة ، أو حفرة من حفر النار ، ثمّ اقبل على رجل من جلسائه فقال له : لقد علم ساكن الجنّة من ساكن النار ، فأيّ الرجلين أنت ، وأيّ الدارين دارك.

(١) سورة المعارج : الآية ٤٢ ـ ٤٤.

قال المؤلّف رحمه‌الله في ترجمة قوله تعالى كأنهم الى نصب يوفضون يوم يخرجون من قبورهم سراعاً ، كانهم يسرعون الى علم منصوب كالذين في الجيش عندما ينصبون علمهم يسرعون اليه ).

(٢) هكذا في نسخة البحار : وفي جامع الأخبار طبعة النجف وقد ترجمها المؤلف (الخروج من القبر) والله تعالى أعلم.

(٣) رواه في جامع الأخبار للشيخ محمّد الشعيري : ص ١٧٦ ، الفصل. ١٤ ، ح ١. ورواه عنه المجلسي في البحار : ج ٧ ، ص ١١١ ، ح ٤٢.


لِقَدَميهِ مَوضِعاً وَلِنَفسِهِ مَتَّسعاً ».(١)

* وروى الشيخ الكليني عن الامام الصادقعليه‌السلام :

« مثل الناس يوم القيامة اذا قاموا لرب العالمين مثل السهم في القِربَ ليس له من الأرض الاّ موضع قدمه كالسهم في الكنانة لا يقدر أن يزول هاهنا ولا هاهنا »(٢) .

* يعني انّه كما في موضع السهم في الكنانة لا يوجد مجال ليتحرك في كنانته لضيقها ، فكذلك ضيق الانسان في ذلك اليوم فلا يستطيع أن يتحرك عن موضع قدمه فيليست لديه القدرة على أن يغيّر موضع قدمه.

* وبالجمله فانّ هذا الموقف موقف عظيم.

ومن المناسب أن نذكر بعض الأخبار في أحوال بعض الأشخاص عندما يخرجون من قبورهم.

* الأول : روى الشيخ الصدوق عن ابن عباس قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله « الشاك في فضل علي بن أبي طالبعليه‌السلام يحشر يوم القيامة من قبره وفي عنقه طوق من نار فيه ثلاثمائة شعبة ، على كل شعبة منها شيطان يكلح في وجهه ويتفل فيه »(٣) .

*الثالني : روى الشيخ الكليني عن الامام محمّد الباقرعليه‌السلام انّه قال : « انّ الله تبارك وتعالى يبعث يوم القيامة ناساً مِن قبورهم مشدودة أيديهم

__________________

(١) نهج البلاغة : ج ١ ، ص ١٩٦ ، شرح محمّ عبدة ، وراجع شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ج ٧ باب ١٠١ ، ص ١٠٢ ، تحقيق محمّد أبي الفضل ابراهيم.

(٢) رواه الكليني في الكافي : ج ٨ ، ص ١٤٣ ، ح ١١٠. ونقله المجلسي في بحار الأنوار : ج ٧ ، ص ١١١.

(٣) أقول : رواه المفيد في الأمالي : ص ١٤٤ ، ١٤٥ ، المجلس ١٨ ، ح ٣. ورواه ابن شيرويه في الفردوس : ج ٥ ، ص ٤٧٧ ، ح ٨٨١٦ ، الطبعة الحديثة ونقله المجلسي في البحار : ج ٧ ، ص ١٩٢ ، ح ٥٣ ، وفي : ج ٣٨ ، ص ١٠ ، ح ١٤ ، وفي : ج ٣٩ ، ص ٣٠٤ ، ص ١٢٠.

وروي قريباً منه فرات بن ابراهيم في تفسيره ص ١٣٤ عن أبي ذر الغفاري عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله .


الى أعناقهم لا يستطيعون أن يتناولوا قيد انملة معهم ملائكة يعيرونهم تعييراً شديداً يقولون : هؤلاء الذين منعوا خيراً قليلاً مِن خير كثير. هؤلاء الذين اعطاهم الله فمنعوا حقّ الله في أموالهم »(١) .

* الثالث : روى الشيخ الصدوق في حديث طويل :

« ومَن مشى في نميمة بين اثنين سلط الله عليه في قبره ناراً تحرقه الى يوم القيامة واذا خرج مِن قبره سلط الله عليه تنيناً أسود ينهش لحمه حتّى يدخل النار »(٢) .

* الرابع : وروى عنهعليه‌السلام :

« ومَن ملأ عينيه من مرأة حراماً حشاهما الله عزّ وجلّ يوم القيامة بمسامير مِن نار ، وحشامها ناراً حتّى يقضى بين الناس ، ثمّ يؤمر به الى النار »(٣) .

* الخامس : وروى عنه صلوات الله عليه انّه قال :

« انّ شارب الخمر يجيئ يوم القيامة مسوداً وجهه ، مزرقةً عيناه ، مائلاً شدقيه ، سائلا لعابه ، دالعاً لسانه من قفاه »(٤) .

وفي (علم اليقين) للمحدّث الفيض :

« روي في الصحيح أن شارب الخمر يحشر والكوز معلّق في عنقه والقدح بيده ، وهو انتن من كل جيفة على وجه الأرض ، يلعنه كل مَن يمرّ به من الخلائق »(٥) .

* السادس : روى الشيخ الصدوق عن الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله انّه قال :

« يجيء يوم القيامة ذو الوجهين دالعاً لسانه في قفاه ، وآخر من قدامه يلتهبان

__________________

(١) الكافي : ج ٣ ، ص ١٤٢ ـ ١٤٣. وعنه البحار : ج ٧ ، ص ١٩٧.

(٢) ثواب الأعمال : ص ٣٣٥ ، عن ابن عباس عن النبي ، ونقله المجلسي في البحار : ج ٧ ، ص ٢١٣ ، ح ١١٦ ، وفي ج ٧٦ ، ص ٣٥٩ ، ح ٣٠.

(٣) ثواب الأعمال : ص ٣٣٨. ونقله في البحار : ج ٧٦ ، ص ٣٦٦ ، ح ٣٠. ونقل المؤلف في الحاشية ثلاثة ابيات من الشعر الفارسي.

(٤) رواه الصدوق فيث الأمالي : ص ٣٤٠ ، المجلسي ٥٦ ، ح ١. وفي البحار : ج ٧ ، ص ٢١٨ ، ح ١٢٥. وفي : ج ٧٩ ، ص ١٤٧ ، ح ٦٣.

(٥) علم اليقين : الفيض الكاشاني : ج ٢ ، ص ٩١٠. طبعة قم.


ناراً حتّى يلهبا جسده ثمّ يقال له : هذا الذي كان في الدنيا ذا وجهين وسانين يعرف بذلك يوم القيامة »(١) .

واعلم أنّ الاُمور النافعة لهذا الموقف كثيرة ، ونحن نشير الى عدة أشياء منها :

* الأول : ورد في حديث لمَن شيَّع جنازة أوكل الله به ملائكة معهم رايات يشيعونهم من قبورهم الى محشرهم(٢) .

* الثاني : وروى الشيخ الصدوق عن الامام الصادقعليه‌السلام :

« مَن نَفَّسَ عن مؤمن كربة نَفَّسَ الله عنه كرب الآخرة ، وخرج مِن قبره وهو ثلج الفؤاد »(٣) .

*الثالث : روى الشيخان الكليني والصدوق عن سدير الصيرفي في خبر طويل قال :

قال أبو عبد اللهعليه‌السلام :

٢ « اذا بعث الله المؤمن من قبره خرج معه مثال يقدمه امامه ، كلّما رأى المؤمن هولاً مِن أهوال يوم القيامة قال له المثال : لا تفزع ، ولا تحزن ، وابشر بالسرور والكرامة من الله عزّوجلّ ، حتّى يقف بين يدي الله عزّوجلّ فيحاسبه حساباً

__________________

(١) ثواب الأعمال للصدوق : ص ٣١٩. وفي الخصال : ص ٣٨ ، باب الاثنين ، ح ١٦. ونقله في البحار : ج ٧ ، ص ٢١٨ ، ح ١٣٠. وفي : ج ٧٥ ، ص ٢٠٣ ، ح ٥.

(٢) أقول : روى هذه الرواية رئيس المحدّثين الشيخ الصدوقرحمه‌الله في ثواب الأعمال : عن الباقرعليه‌السلام قال :

« كان فيما ناجى به موسىعليه‌السلام ربّه ان قال : يا ربّ ما لِمَن شيَّع جنازة؟

قال : أوكل به ملائكة من ملائكة من ملائكتي معهم رايات يشيعونهم من قبوهم الى محشرهم ».

رواه الصدوق ف ثواب الأعمال : ص ٢٣١ ، (ثواب عيادة المريض ، وغسل الموتى ، وتشييع الجنازة وتعزية الثكلى) ، ح ١. ونقله في البحار : ج ٧ ، ص ٢٠٩ ، ح ٩٨. وفي : ج ٨١ ، ص ٢٦٣ ، ح ١٦.

(٣) رواه الصدوقرحمه‌الله في ثواب الأعمال : ص ١٧٩ ، (ثواب نم نفس عن مؤمن كربة) ح ١. ورواه الكلينيرحمه‌الله في الكافي : ج ٢ ، ص ١٩٩ ، ح ٣.

ونقله المجلسي في البحار : ج ٧ ، ص ١٩٨ ، ح ٧١ ، وفي : ج ٧٤. ص ٣٢١ ، ح ٨٧. وفي ج ٧٥ ، ص ٢٢ ، ح ٢٣.


يسيراً ، ويأمر به الى الجنّة والمثال أمامه.

فيقول له المؤمن يرحمك الله نِعَم الخارج خرجت معي من قبري مازلت تبشرني بالسرور والكرامة من الله حتّى رأيت ذلك. فيقول مَن انتَ؟

فيقول : أنا السرور الذي كنت أدخلته لى أخيك المؤمن في الدنياء خلقني الله عزّوجل منه لا بشرك »(١)

*الرابع : روى الشيخ الكليني عن الامام الصادقعليه‌السلام انّه قال :

« مَن كسا أخاه كسوة شتاء أو صيف كان حقاً على يكسوه من ثياب الجنّة وأن يهوِّن عليه سكرات الموت ، وأن يوسع عليه في قبره وأن يلقى الملائكة اذا خرج من قبره بالبشرى وهو قول الله عزّوجلّ في كتابه :( وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ) (٢) »(٣) .

*الخامس : روى السيّد ابن طاووس فيكتاب الاقبال عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « ومَن قال فيشعبان ألف مرّة (لا اله الاّ الله ولا نعبد الاّ ايّاه مخلصين له الدين ولو كره المشركون » كتب الله له عبادة الف سنة محا عنه ذنب ألف سنة ويخرج مِن قبره يوم القيامة ووجهه يتلألأ مثل القمر ليلة البدر وكتب عند لله صديقاً)(٤) .

*السادس : قراءة دعاء الجوشن الكبير في أول شهر رمضان(٥) .

__________________

(١) رواه الكليني في الكافي : ج ٢ ، ص ١٩٠ ، ح ٨ ، والطوسي في المجالس : ص ١٩٩ ، المجلس ٧ ، ح ٣٥. والمفيد في الأمالي : ص ١٧٧ ، ١٧٨ ، المجلس ٢٢ ، ح ٨. والصدوق في ثواب الأعمال : ١٨٠ ، (ثواب ادخال السرور على الأخ المؤمن) ، ح ١. ونقله في البحار : ج ٧ ، ص ١٩٧ ، ح ٦٩. وفي : ج ٧٤ ، ص ٢٩٠ ، ح ٢١ ، وفي ج ٨٢ ، ص ١٧٦ ، ح ١٤.

(٢) سورة الانبياء : الأية ١٠٣.

(٣) الكافي : ج ٢ ، ص ٢٠٤ ، ح ١ ، ونقله عنه في البحار : ج ٧ ، ص ١٩٨ ، ح ٧٢.

(٤) الاقبال للسيّد ابن طاووس : ص ، ٦٨٥ ، الطبعة الحجرية.

(٥) روى الكفعميرحمه‌الله في المصباح ص ٢٤٦ ، الطبعة الحجرية.

دعاء الجوشن الكبير قال انّه (مروي عن السجاد عليه السلام عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ ذكر شيئاً كثيراً من فضل الدعاء الشريف الى أن قال :

(ومن دعا بنية خالصة في أول شهر رمضان رزقه الله تعالى ليلة القدر وخلق له سبعين


ختمٌ ذكرُهُ حتمٌ

من المناسب أن نذكر هنا أمراً يناسب المقام نقله الشيخ الأجل أمين الدين الطبرسيرحمه‌الله عليه في مجمع البيان عن البراء بن عازب ، وقال :

« كان معاذ بن جبل جالساً قريباً من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في منزل أبي أيوب الانصاري.

فقال معاذ : يارسول الله أرأيت قول الله تعالى :( يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا الْآيَاتِ ) .

فقال : يا معاذ! سألت عن عظيم من الامر ، ثمّ أرسل عينيه(١) ثمّ قال :

يحشر عشرة أصناف من امتي أشتاتاً قد ميزّهم الله من المسلمين ، وبدل صورهم ، بعضهم على صورة القردة ، وبعضهم على صورة الخنازير وبعضهم منكسون ارجلهم من فوق ووجوههم من تحت ثمّ يسحبون عليها ، وبعضهم عمي ، وبعضهم صم بكم لا يعقلون ، وبعضهم يعضون ألسنتهم فيسيل القيح من افواههم

__________________

ألف ملك يسبّحون الله ويقدسونه وجعل ثوابهم له ، وبعث الله له عند خروجه من قبره سبعين ألف ملك مع كل ملك نجيب من نور بطنه من اللؤلؤ وظهره من الزبرجد وقوائمه من الياقوت على ظهر كل نجيب قبة من نور لها اربعمائة باب على كل باب سبراً من السندس والاستبرق في كل قبة وصيفة على رأس كل وصيفة تاج من الذهب الأحمر يسطع منهن رائحة المسك. ثمّ يبعث الله اليه بعد ذلك سبعين ألف ملك مع كل ملك كأس من لؤلؤ بيضاء فيها شراب من شراب الجنّة مكتوب على رأس كل منها ( لا اله الاّ الله وحده لا شريك له) هدية الله لفلان ابن فلان ، وينادي الله تعالى : ياعبدي ادخل الجنّة بغير حساب.

ومن دعا به في شهر رمضان ثلاث مرّات حرّم الله تعال جسده على النار وأوجب له الجنّة ووكّل الله تعالى به ملكين يحفظانه من المعاصي ، وكان في أمان الله طول حياته الى أن قال : قال الحسينعليه‌السلام :

أوصاني أبي علي بن أبي طالبعليه‌السلام بحقظ هذا الدعاء وتعظيمه ، وأن اكتبه على كفنه ، وأن اُعلمه أهلي واحثهم عليه. وهو ألف اسم ، وفيه الاسم الأعظم).

(١) قال المؤلّف ; تعالى في الحاشية ما ترجمته (لعل مراده فبكى).

أقول : لا اشكال انّ معنى (ثمّ أرسل عينيه) انّه بكى صلى الله عليه وآله والاستعارة هذه مشهورة في لغة العرب.


لعاباً يتقذرهم أهل الجمع ، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم ، وبعضهم مصلبون على جذوع من نار ، وبعضهم أشدّ نتناً من الجيف وبعضهم يلبسون جباباً سابغة من قطران لا زقة بجودهم.

فأما الذين على صورة القردة فالقات(١) من الناس.

وأما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت.

وأما المنسكون على رؤؤسهم فآكلة الربا.

والعُمي الجائرون في الحكم.

والصم والبكم المعجبون بأعمالهم.

والذين يمضغون بألسنتهم فالعلماء والقضاة الذين خالف أعمالهم أقوالهم.

والمقطعة أيديهم وأرجلهم الذين يؤذون الجيران.

والمصلبون على دذوع من نار فالسعاة بالناس الى السلطان.

والذين هم أشدّ نتناً من الجيف فالذين يتمتعون بالشهوات واللذات ، ويمنعون حقّ الله في أموالهم.

والذين يلبسون الجباب فأهل الفخر والخيلاء(٢) .

* * *

__________________

(١) قال العلاّمة الطريحي في مجمع البحرين : ج ٢ ـ ٢١٤ : ( في الحديث (الجنة محرمة على القتات) والمراد به النمام ، من قتّ الحديث نمَّه واشاعه بين الناس.

ومنه (يقتّ الأحاديث) أي ينمها.

وفيه : (من بلغ بغض الناس ما سمع من بغض آخر منهم فهو القتات ، فلا ينبغي سماع بلاغات الناس بعضهم على بعض ولا تبليغ ذلك.

وقيل : النمام هو الذي يكون مع القوم يتحدثون فينمَّ عليهم ، والقتات هو الذي يتسمعّ على القوم ، وهم لا يعلمون فينم حديثهم.

وقولهعليه‌السلام : الجنة محرّمة على القتاتين المشائين بالنميمة ، هو بمنزلة التأكيد للعبارة الاُولى) انتهى كلامه رفع مقامه.

(٢) رواه الطبرسي في مجمع البيان : ج ٥ ، ص ٤٢٣ ـ ٤٢٤ ، طبعة طهران ـ المكتبة العلمية الاسلامية في تفسير( وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا ) من سورة النباء وذكره المجلسي في البحار ـ ج ٧ ، ص ٨٩.


 من مواقف القيامة المهولة

موقف الميزان ووزن الأعمال

قال الله تعالى في أوائل سورة الاعراف :

( وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (١) فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ) (٢) .

وقال تعالى في سورة القارعة :

( الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ * فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ ) (٣) .

__________________

(١) قال المؤلّف عليه الرحمة في الحاشية :

(قال المفسرون : انّ السبب في ذكر الله تعالى الميزان بصيغة الجمع ذلك لأن لكل نوع من أنواع الطاعات ميزان فيقام لكل منها هناك ميزان ، وكذلك انّه جمع موزون يعني وَزن اعماله).

(٢) سورة الاعراف : الآية ٨ و ٩.

(٣) سورة القارعة : وقد ترجم المؤلف في المتن الآيات الشريفة ، ولم يذكر من السورة المباركة الّا قوله تعالى (القارعة ما القارعة الى آخر الآيات) هكذا اثباتها في المتن.

فارتأينا أن نثبت السورة المباركة وننقل ما أورده في تفسير معاني الآيات الشريفة القارعة : يعني القيامة لانّها تقرع القلوب بالفزع والخوف.

يوم يكون الناس كالفراشات المبثوثة ، وتكو الجبال مثل القطن الذى ندف ونفش.


* واعلم أن لا يوجد عمل لأجل تثقيل ميزان الأعمال مثل الصلوات على محمّد وآله صلوات الله عليهم أجمعين ، ومثل حسن الخلق.

وأنا اُزيِّن الكتاب بذكر روايات هنا في فضل الصلوات ، وثلاث روايات مع عدّة حكايات في حُسن الخُلُق.

أما الأخبار في فضل الصلوات

* الأول : روى الشيخ الكلينيرحمه‌الله بسند معتبر عن الامام محمّد الباقر أو الامام الصادقعليها‌السلام .

قال :

« ما في الميزان شيء أثقل من الصلاة على محمّد وآل محمّد وانّ الرجل لتوضع أعماله في الميزان فتميل به فَيُخرِجصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الصلاة عليه فيضعها في ميزانه فيرجح به(١) .

* الثاني : عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :

« أنا عند الميزان يوم القيامة ، فمن ثقلت سيئاته على حسناته جئت بالصلاة عليّ حتّى أثقل بها حسناته »(٢) .

__________________

فأما الذين جاؤوا بموازين ثقيلة ـ يعني حسناتهم وخيراتهم ـ فهم في عيشة راضية.

وأما الذين جاؤوا بموازين خفيفة ، فانّ مأواهم الهاوية. وما ادراك ما الهاوية : تلك نار حامية وحارقة جداً.

(١) رواه الكليني في الكافي : ج ٢ ، ص ٤٩٤ ، باسناده عن علي بن ابراهيم عن أبه عن ابن أبي عمير عن أبي أيوب عن محمّد بن مسلم عن احدهماعليهما‌السلام والحديث صحيح السند. وأما توقف المؤلّفرحمه‌الله في القطع بصحته فناشىء من تصحيح (ابراهيم بن هاشم) أبو (علي بن ابراهيم) كما هو ديدن بعض الاجلة من الماضين والذين قالوا بحسنه لعدم وجود توثيق له في كتب الرجال ولكن الصحيح انّ توثيق علي بن ابراهيم في تفسيره لكل من يروي عنهمخ يكفي في اثبات الصحة.

(٢) رواه الصدوق في ثواب الأعمال : ص ١٨٦ ، (ثواب الصلاة على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) ، ح ١ ، وفي : جامع الأخبار للشعيري : ص ٦١ الفصل ٢٨طبعة النجف ، ونقله في البحار : ج ٧ ، ص ٣٠٤ ، ح ٧٢ ، وفي : ج ٩٤ ، ص ٥٦ ، ح ٣١ ، وفي ج ٩٤ ، ص ٦٥ ، ح ٥٢.


* الثالث : روى الشيخ الصدوق رَحمَة اللهُ عن الامام الرضاعليه‌السلام انّه قال :

« مَن لم يقدر على ما يُكَفِّر به ذنوبه فليكثرمن الصلاة على محمّد وآله ، فانّها تهدم الذنوب هداماً »(١) .

* الرابع : روي في دعوات الراوندي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :

« مَن صلّى عليّ كل يوم ثلاث مرّات ، وفي كل ليلة ثلاث مرّات حبّاً لي وشوقاً لي كان حقّاً على الله عزّوجلّ أن يغفر له ذيوبه تلك الليلة وذلك اليوم »(٢) .

* الخامس : وروى عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انّه قال :

« رأيت فيما يرى النائم عمي حمزة بن عبد المطلب وأخي جعفر بن أبي طالب وبين ايديهما طبق من نبق فأكلا ساعة ، فتحول النبق عنباً فكلا ساعة ، فتحول العنب لهما رطباً ، فأكلا ساعة ، فدوت منهما ، فقلت لهما : بأبي أنتما أي الأعمال وجدتما أفضل؟ »(٣)

قالا : فديناك بالآباء والامهات وجدنا أفضل الأعمال الصلاة عليك ، وسقي الماء ، وحب علي بن أبي طالبعليه‌السلام قال :

* السادس : وروي عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :

« مَن صلّى عليّ في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له مادام اسمي في ذلك الكتاب »(٤) .

* السابع : روى الشيخ الكليني عن الامام الصادقعليه‌السلام انّه قال :

« اذا ذكر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاكثروا الصلاة عليه فانّه مَن صلّّى على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صلاة واحدة صلّى الله عليه ألف صلاة في ألف صفّ من الملائكة ولم يبق

__________________

(١) رواه الصدوق في الأمالي : ص ٦٨ ، المجلس ١٧ ، ح ٤٤٤ ، ورواه في عيون اخبار الرضاعليه‌السلام : ج ١ ، ص ٢٩٤ ، باب ، ٢٨ ، ح ٢٨ ، ونقله المجلسي في البحار : ج ٩٤ ، ٤٧ ، ح ٢ ، وفي : ج ٩٤ ، ص ٦٣ ، ح ٥٢.

(٢) الدعوات للراوندي : ص ٨٩ ، الباب ، ٢٢٤ (صلوات النبي والأئمة) ح ٢٢٦.

(٣) الدعوات القطب الراوندي : ص ٩٠ ، باب ٢٢٤ (صلوات النبي والائمة) ح ٢٢٧.

(٤) منية المريد : ص ١٧٨ ، الباب ٤ (في آداب الكتابة والكتب التي هي آله العلم) ، المسألة ١٣ ، ونقله في البحار ، ج ٩٤ ، ص ٧١ ، ح ٦٥.


شيء مما خلق اله الاّ صلى على العبد لصلاة الله عليه ، وصلاة ملائكته. فمن لم يرغب في ثذا فهو جاهل مغرور قد برئ الله منه ورسوله وأهل بيته »(١) .

يقول الفقير : روى الشيخ الصدوق في معاني الأخبار عن الامام الصادقعليه‌السلام في معنى « انّ الله وملائكته يصلون على النبي » الآية ، انّهعليه‌السلام قال :

« الصلاة من الله عزّ وجلّ رحمة ومن الملائكة تزكية ومن الناس دعاء »(٢) . وروي في هذا الكتاب أن الراوي قال : فكيف نصلي على محمّد وآله؟

قال : « تقولون : صلوات الله وصلوات ملائكته وانبيائه ورسله وجميع خلقه على محمّد وآل محمّد والسلام عليه وعليهم ورحمه‌الله وبركاته ».

قال : فقلت : فما ثواب مَ ، الذيوب والله كهيئة يوم ولدته امه »(٣) .

* الثامن : روى الشيخ أبو الفتوح الرازي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انّه قال :

« اسري بي ليلة المعراج الى السماء فرأيت ملكاً له ألف يد ، لكل يد ألف اصبع وهو يحسب ويعد بتلك الأصابع فقلت لبرائيل : مَن هذا الملك ، وما الذي يحسبه؟

قال جبرائيل : هذا ملك موكل على قطر المطر يحفظها كم قطرة تنزل من السماء الى الأرض.

فقلت للملك : هل تعلم مذ خلق الله الدنيا كم قطرة نزلت من السماء الى الأرض؟

فقال : يا رسول الله! فوالله الذي بعثك بالحقّ الى خلقه غير انّي اعلم كم قطرة نزلت من السماء الى الأرض اعلم تفصيلاً كم قطرة نزلت على البحر ، وكم قطرة نزلت في الرن وكم قطرة نزلت في العمران ، وكم قطرة نزلت في البستان ، وكم قطرة

__________________

(١) الكافي : ج ٢ ، ص ٤٩٢.

(٢) معاني الأخبار للشيخ الصدوق : ص ٣٦٨ ، الطبعة الحديثة.

(٣) معاني الأخبار للشيخ الصدوق : ص ٣٦٨.


نزلت في السبخة ، وكم قطرة نزلت في القبور.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فتعجبت من حفظه وتذكره حسابه.

فقال : يارسول الله! حساب لا أقدر عليه بما عندي من الحفظ والتذكر والأيدي والأصابع.

فقال : أي حساب هو؟ فقال : قوم من امتك يحضرون مجمعاً فيذكر فيه اسمك عندهم فيصلون عليك فأنا لا أقدر على حصر ثوابهم »(١) .

* التاسع : روى الشيخ الكليني في ذيل هذه الصلوات التي تقرأ عصر يوم الجمعة :

( اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد الاوصياء المرضيين بأفضل صلواتك وبارك عليهم بأفضل بركاتك والسلام عليه وعليهم ورحمة الله وبركاته ).

انّ مَن قالها سبع مرّات ردّ الله عليه من كل عبد حسنة ، وكان عمله في ذلك اليوم مقبولاً ، وجاء يوم القيامة وبين عينيه نورٌ)(٢) .

* العاشر : وروي : ( مَن قال بعد صلاة الفجر ، وبعد صلاة الظهر اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد وعجل فرجهم ، لم يمت حتّى يدرك القائم من آل محمّدعليهم‌السلام )(٣) .

__________________

(١) روى الشيخ أبو الفتوح الرازي ، ج ٤ ، ص ٤٤٣ وهو باللغة الفارسية ، وذكره النوريرضي‌الله‌عنه عنه في المستدرك ، ج ٥ ، باب ٣٥ ، ص ٣٥٥ ، ح ٦٠٧٢ ، الطبعة الحديثة ، ويبدو انّه قام بترجمته حين نقله للحديث.

(٢) أقول رواه ثقة الاسلام الكليني في فروع الكافي : ج ٣ ، ص ٤٢٩.

وروى أيضاً في حديث قبلة : (اذ صَليت يوم الجمعة فقل ـ ثمّ ذكر الصلاة المذكورة ـ فانّه مَ ، قالها في دبر العصر كتب الله له مائة الف حسنة ومحا عنه مائة ألف سيئة وقضى بها مائة ألف حاجة ورفع له بها مائة ألف درجة.

(٣) جنة الأمان الواقية ، الشيخ الكفعمي : ص ٦٥ ـ ٦٦ ، الطبعة الحجرية ـ ونقله عنه في البحار ـ ج ٨٦ ، ص ٧٧ ، ح ١١ ، وفي سفينة البحار للقمّي ، ج ٥ ، ص ١٧٠ ، الطبعة الحديثة ، وفي ، ج ٢ ، ص ٤٩ ، الطبعة الحجرية.


و أما الروايات التي وردت في حُسن الخُلق

*الرواية الاُولى : روي عن انس بن مالك انّه قال :

« كنت مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعليه برد غليظ الحاشية ، فجبذه اعرابي بردائه جبذة شديدة حتّى أثرت حاشية البرد في صفحة عاتقهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ قال :

يا محمّد احمل لي على بعيري هذين من مال الله الذين عندك ، فانّك لا تحمل لي من مالك ولا مال أبيك.

فسكت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ قال المال مال الله ، وأنا عبده.

ثمّ قال : ويقاد منك يا اعرابي ما فعلت بي.

قال : لا. قال : ولم؟

قال : لانّك لا تكافئ بالسيئة السيئة.

فضحك النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ أمر أن يحمل له على بعير شعير ، وعلى الآخر تمر(١) . يقول المؤلّف : انّ ذكري لهذه الروايات في هذا المقام انّما هو للتبرك والتيمن وليس لبيان حسن خلق الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أو أئمة الهدىعليهم‌السلام ، وذلك لانّ الذي يذكّر الله تعالى في القرآن الكريم بخلقه العظيم ، ويكتب علماء القريقين كتباً في سيرته وخصاله الحميدة ومع ذلك فلم يحصوا معشار عشره حينئذٍ فما اكتبه هنا في هذا الباب انّما يعدّ تسامحاً.

ولقد أجاد من قال :

محمدٌ سيد الكونين والثقلين

والفريقين من عرب ومن عجمِ

فاق النبيين في خلق وفى خلقٍ ٌ

ولم يدانوه في علم ولا كرمِ

وكلهم من رسول الله ملتمس

غرفاً من البحر أو رشفامن الدّيمِ

__________________

(١) سفينة البحار : ج ١ ، ص ٤١٢ ، والرواية عامية تجدها في : الوفا بأحوال المصطفى : ج ٢ ، ص ٤٢١ ، وفي كتاب أخلاق النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وآدابه ، لابين حيان الصبهاني : ص ٨٠ ، ونقله المؤلّف في كحل البصر في سيرة سيد البشر : ص ٥٩ عن القاضي عياض في كتابه (الشفاء).


وهو الذي تم معناه وصورتُهُ

ثمّ اصطفاه حبيباً بارئُ النسم

منزهٌ عن شريكٍ في محاسنهِ

فجوهر الحسن فيه غيرُ منقسمِ

فمبلغ العلم فيه انّه بشٌر

وانّه خير خلق الله كلهم(١)

* الرواية الثانية : روي عن عصام بن المصطلق انّه قال :

دخلت المدينة فرأيت الحسين بن عليعليهما‌السلام فاعجبني سمته ورواؤه ، وأثار من الحسد ماكان يخفيه صدري لأبيه من البفض ، فقلت له : أنت ابن أبي تراب؟

فقال : نعم.

فبالغت في شتمه وشتم أبيه ..

فنظر اليّ نظرة عاطف رؤوف ، ثمّ قال :

اعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم.

( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ ) (٢) .

ثمّ قال لي : خفّض عليك ، استغفر الله لي ولك ، انّك لو استعنتنا لا عناك ، ولو استرفدتنا لرفدناك ، ولو استرشد تنا لرشدناك.

قال عصام : فتوسم مني الندم على ما فرط مني.

فقال :( قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) (٣) أمن أهل الشام أنت؟

قلت : نعم.

فقال : ( شنشنة اعرفها من اخزم )(٤) حيّانا الله وايّاك ، انبسط إلينا في حوائجك ،

__________________

(١) سفينة البحار : ج ١ ، ص ٤١١.

(٢) سورة الاعراف : الآيات ١٩٩ ـ ٢٠٢.

(٣) سورة يوسف : الآية ٩٢.

(٤) قال ابن الاثير في النهاية ج ٢ ، ص ٥٠٤ : (الشنشنة : السجية والطبيعة. وقيل القطعة المضغة من اللحم. وهو مثل ، وأول مَن قاله أبو اخزم الطائي وذلك : انّ اخزم كان عاقلاً لأبيه ، فمات


وما يعرض لك تجدني عند أفضل ظنّك إن شاء الله تعالى.

قال عصام : فضاقت عليّ الأرض بما رحبت وودتُ لو ساخت بي ، ثمّ سللتُ منه لواذاً(١) وما على الأرض أحبّ إليّ منه ومن أبيه(٢) .

يقول المؤلّف : يقل صاحب الكشاف في ذيل الآية الشريفة :( لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ) (٣) التي تمثل بها سيّد الشهداء رواية في حسن خلق يوسف الصديق ، من المناسب ذكرها هنا ، والرواية هي :

(انّ اخوته لما عرفوه وارسلوا إليه : انّك تدعونا الى طعامك بكرةً وعشياً ، ونحن نستحي منك لما فرط(٤) منا فيك.

فقال يوسف : انّ أهل مصر وإن ملكتُ فيهم ، فانّهم ينظرون اليّ بالعين الاُولى ويقولون سبحان من بلغ عبداً بيع بعشرين درهماً ما بلغ ، ولقد شرفت الآن بكم وعظمت في العيون حيث علم الناس أنّكم اخوتي وانّي من حفدة ابراهيم(٥) .

* وروي أيضاً انّه لما اجتمع يعقوب مع يوسفعليهما‌السلام قال :

« يا بني حدثني بخبرك؟

فقال له : يا ابت لا تسألني عمّا فعل بي اخوتي ، واسألني عمّا فعل الله بي »(٦) .

* الرواية الثالثة : روى الشيخ المفيد وغيره :

« انّ رجلاً من ولد عمر بن الخطاب كان بالمدينة يؤذي أبا الحسن موسىعليه‌السلام ، ويسبه اذا رآه ، ويشتم علياً فقال بعض حاشيته يوماً : دعنا نقتل هذا

__________________

وترك بنين عقوا جدهم وضربوه وادموه فقال :

انّ بنيّ زمَّلوني بالدم

شِنشِنَةٌ أعرِفُها من أَخزَمِ

(١) ويستخدم (لواذاً) لشدة الاستخفاء والاستتار.

(٢) سفينة البحار : ج ١ ، ص ٤٢١. وفي : ج ٢ ، ص ٧٠٥ ، الطبعة الحديثة.

(٣) سورة يوسف : الآية ٩٢.

(٤) في سفينة البحار للمؤلف بدل (لما فرّطنا قبل).

(٥) تفسير الكشاف للزمخشري : ج ٢ ، ص ٥٠٣ ، طبعة مصر.

(٦) سفينة البحار : ج ١ ، ص ٤١٢ الطبعة الحجرية. وفي ج ٢ ، ص ٦٨٣ ، الطبعة الحديثة.


الفاجر. فنهاهم عن ذلك أشدّ النهي ، وزجرهم ، وسأل عن العمري ، فذكر انّه يزرع بناحية من نواحي المدينة ، فركب إليه ، فوجده في مزرعة له ، فدخل المزرعة بحماره ، فصاح به العمري : لا توطئ زرعنا.

فتوطاهعليه‌السلام بالحمار حتّى وصل إليه ، ونزل ، وجلس عنده ، وباسطه وضاحكه وقال له : « كم غرمت على زرعك هذا؟

قال : مائة دينار.

قال : فكم ترجو أن تصيب؟

قال : لست أعلم الغيب.

قال له : انّما قلت : كم ترجو أن يجيئك فيه؟

قال : ارجو أن يجيء مائتا دينار.

قال : فاخرج له أبو الحسنعليه‌السلام صرة فيها ثلاثمائة دينار ، وقال : هذا زرعك على حاله ، والله يرزقك فيه ما ترجو.

قال : فقام العمري فقبل رأسه ، وسأله أن يصفح عن فاطه.

فتبسم إليه أبو الحسن ، وانصرف.

قال : وراح الى المسجد ، فوجد العمري جالساً ، فلمّا نظر إليه ، قال « الله اعلم حيث يجعل رسالته ».

قالك فوثب أصحابه إليه ، فقالوا له : ما قضيتك قد كنت تقول غير هذا؟!

قال : فقال لهم : قد سمعتم ما قلتُ الآن.

وجعل يدعو لآبي الحسنعليه‌السلام فخاصموه وخاصمهم ، فلمّا رجع أبو الحسن الى داره قال لجلسائه الذين سألوه في قتل العمري : ايّما كان خيراً ، ما أردتم ، أم ما أردت؟! انّني أصلحت أمره بالمقدار الذين عرفتم وكفيت به شرَّه »(١) .

__________________

(١) البحار : ج ٤٨ ، ص ١٠٢ ـ ١٠٣. ورواه الشيخ المفيد في الارشاد : ص ٢٩٧ ، اعلام الورى ، الطبرسي : ص ٣١٦ ، ٣٠٧.


وأما الحكايات في حُسن الخُلق

* حكاية :

حكي انّ مالك الأشتررحمه‌الله كان مجتازاً بسوق وعليه قيسص خام ، وعمامة منه ، فرآه بعض السوقة فأزرى بزيّه ، فرماه ببندقة تهاوناً به ، فمضى ولم يلتفت.

فقيل له : ويلك أتعرف لمن رميت؟!

فقال : لا.

فقيل له : هذا مالك صاحب أمير المؤمنينعليه‌السلام .

فاتعد الرجل ، ومضى إليه ، وقد دخل مسجداً وهو قائم يصلي فلما انفتل انكب الرجل على قدميه يقبلهما.

فقال : ما هذا الأمر؟

فقال : اعتذر إليك بما صنعت.

فقال : لا بأس عليك ، والله ما دخلت المسجد إلاّ لاستغفر لك(١) .

يقول المؤلّف :

انظر كيف كسب هذا الرجل الأخلاق من أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فمع انّه من اُمراء جيش أمير امير المؤمنين ، وكان شجاعاً ، وشديد الشوكة وانّ شجاعته بلغت درجة بحيث قال ابن أبي الحديد :

(لو انّ انساناً يقسم انّ الله تعالى ما خلق في العربي ولا في العجم أشجع منه إلاّ استاذه علي بن أبي طالبعليه‌السلام لمّا خشيت عليه الاثم ، ولله درّ القائل ، وقد سئل عن الأشتر :

ما أقول في رجل هزمت حياته أهل الشام ، وهزم موته أهل العراق.

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام في حقه : كان الأشتر لي كما كنت لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٢) .

__________________

(١) سفينة البحار : ج ١ ، ص ٦٨٦ ، ورواه المجلسيرحمه‌الله في البحار : ج ٤٢ ، ص ١٥٧ ، ورواه الشيخ ورام بن أبي فراس في تنبيه الخواطر ونزهة النواظر : ج ١ ، ص ٢ ، طبعة قم.

(٢) سفينة البحار : للمؤلفرحمه‌الله : ج ١ ، ص ٦٨٧ ، الطبعة الحجرية ، شرح نهج البلاغة ـ لا بن أبي الحديد : ج ٢ ، ص ٢١٤ تحقيق محمّد أبي الفضل ابراهيم.


 وقال لأصحابه :

« وليت فيكم مثله اثنان ، بل ليت فيكم مثله واحد يرى في عدوي مثل رأيه »(١) .

وتُعلَم شدة شوكته على الأعداء بالتأمّل في هذه الأشعار المروية عنهرحمه‌الله :

بَقيتُ وفري(٢) وانحرَفتُ عَنِ العُلى

وَلَقَيتُ أضيافي بوجه عَبُوسٍ

إن لَم اَشُنّ على ابن هِندٍ غارة

لَم تُخلِ يوماً مِن نِهابِ نُفُوسٍ

خَيلاً كاَمثالِ السَّعالى شُزَّباً

تَغدو بِبيضٍ في الكَريهَةِ شُوسٍ

حَمِىَ الحَديدُ علَيهِمُ فَكاَنَّهُ

وَمضانُ بَرقٍ أو شعاع شُمُوسٍ(٣)

__________________

(١) شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد : ج ٢ ، باب ٣٥ ص ٢٤٠. سفينة البحار ، ج ١ ، ص ٦٨٧ ، الطبعة الحجرية.

أقول : قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج ١٥ ، ص ٩٨ (وكان فارساً شجاعاً رئيساً من أكابر الشيعة وعظمائها شديد التحقيق بولاء أمير المؤمنين عليِ عليه السلام ونصره الخ)

وفي شرح انهج قال أمير المؤمنينعليه‌السلام وقد جاءه نعي الأشترعليه‌السلام :

(مالِكٌ ، وما مالكٌ ، والله لو كان جبلاً لكان فِنداً ، ولو كان حَجَراً لكان صَلداً لا يرتقيه الحافِر ولا يوفي عليه الطائر). راجع شرح نثج البلاغة ـ لا بن أبي الحديد : ج ٦ ، ص ٧٧ ، تحقيق محمّد أبي الفضل ابراهيم.

ومن كتاب لهعليه‌السلام الى أهل مصر وقد ولّى عليهم الأشتر :

(أما بعد فقد بعثت إليكم عبداً من عباد الله لاينام أيام الخوف ، ولا نيكل عن الاعداء ساعات الروع ، أشدَّ على الفجار من حريق النار وهو مالك بن الحارث أخو مذحج فاسمعوا له واطيعوا أمره فيما طابق الحقّ فانّه سيف من سيوف الله لا كليل الظبَّة ولا نابي الضربة الخ). نهج البلاغة : ج ٣ ، ص ٦٣ ، شرح محمّد عبده ، وفي شرح نهج البلاغة ـ لا بن أبي الحديد : ج ١٦ ، ص ١٥٦.

(٢) قال المؤلّفرحمه‌الله في الحاشية (الوفر معناه التمكن وكثرة المال).

(٣) سفينة البحار : ج ١ ، ص ٦٨٧ الطبعة الحجرية ، ج ٤ ، ص ٣٨٧ الطبعة الحديثة ، وقد نقله عن كتاب (أنوار الربيع) للسيّد علي خان ، وهي موجودة فيه في ج ٣ ، ص ٢١٠ ، وفي الأمالي ، لأبي علي القالي : ج ١ ، ص ٨٦ ، وفي المناقب للموفق الخوارزمي : ص ١٥٨ ، وغيرها.


وبالجملة فمع هذه الجلالة والشجاعة والشدة والشوكة يصل به حسن خلقه الى أن يهينه رجل سوقي ويستهزئ به ، فلا يظهر في جاله أي تغيير وتبدل ، بل يذهب لاى المسجد ويصلي ، ويدعو ويستغفر له.

واذا تلاحظ جيداً فانّ هذه الشجاعة التي عنده وغلبه هوى أعلى مرتبة من شجاعة البدنية ، قال أمير المؤمنينعليه‌السلام :

« أشجع الناس من غلب هواه »(١) .

* حكاية :

نقل الشيخ المرحوم في خاتمة المستدر في ترجمة سلطان العلماء والمحقّقين وأفضل الحكماء والمتكلمين ، والوزير الأعظم ، استاذ مَن تأخر وتقدم ، ذي الفيض القدسي ، حضرة الخواجة نصير الطوسي5 :

انّ ورقة حضرت إليه من شخص ، من جملة ما فيها : ياكلب ابن الكلب.

(فكان الجواب أما قوله : ياكذا ، فليس بصحيح لأن الكلب من ذوات الأربع ، وهو نابح ، طويل الأظفار.

وأما أنا فمنتصب القامة ، بادي البشرة ، عريض الأظفار ، ناطق ، ضاحك فهذه الفصول والخواص غير الفصول والخواص)(٢) .

وبهذا النحو أجاب ورقته ، وأرداه في غياهب جب مهانته.

يقول المؤلّف : انّ هذا الخلق الشريف من المحقق الجليل ليس ببدع ممّن قال في حقّه آية الله العلاّمة الحلي رضوان الله عليه :

( وكان هذا الشيخ أفضل أهل عصره في العلوم العقلية والنقلية ، وله مصنفات كثيرة في العلوم الحكمية والأحكام الشريعة على مذهب الامامية وكان أشرف

__________________

(١) أقول : رواه الصدوق بإسناده عن الامام الصادقعليه‌السلام قال : « قال امير المؤمنينعليه‌السلام ( اشجع الحديث ) معاني الأخبار : ص ١٩٥ ، باب (معنى الغايات) ، ح ١ ، ورواه في الأمالي : المجلس ٦ ، ص ٢٧ ، ح ٤ ، ونقله في البحار : ج ٧٠ ، ص ٧٦ ، ح ٥ ، وفي : ج ٧٧ ، ص ١١٤ ، ح ٢.

(٢) مستجرك الوسائل للمحدّث النوري : ج ٣ ، ص ٤٦٤ الطبعة الحجرية.


مَن شاهدناه في الأخلاق نور الله مضجعه )(١) .

يقول هذا الفقير : من المناسب هنا الاستشهاد بهذا الشعر :

هر بوى كه از مشگ وقر نفل شنوى

كل طيب شممته من المسك والقر نفل

از دولت آن زلف چو سنبل شنوى

فانما ومن اريج تلك الغرة التي هي كالسنبل(٢)

وقد تعلم الخواجة هذا الخلق لعمله بارشادات وتوجيهات الأئمة الأطهار صلوات الله عليهم. ألَم تسمع انّ أمير المؤمنيعليه‌السلام سنمع رجلاً يشتم قنبراً وقد رام قنبر أن يرد عليه. فناداه أمير المؤمنينعليه‌السلام مهلاً ياقنبراً! دع شاتمك مهاناً ترضي الرحمان ، وتسخط الشيطان وتعاقب عدوك ، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أرضى المؤمن ربّه بمثل الحلم ، ولا اسخط الشيطان بمثل الصمت ، ولا عوقب الأحمق بمثل السكوت عنه(٣) .

وبالجملة فانّ المخالف والمؤالف مدحوا الخواجة واثنوا عليه ، قال جرجي زيدان في (آداب اللغة العربية) في ترجمته :

( انّه قد جمع في خزانة كتبه ما ينوف على اربعمائة ألف مجلّدن وانّه أقام المنجمين والفلاسفة ، ووقف عليهم الاوقلغ ، فزهى العلم في بلاد المغول على يد هذا الفارس كأنه قبة منيرة في ظلمة مدلهمة ).

وقد ترجمت لهذا العظيم في كتاب الفوائد الرضوية في تراجم علماء الامامية) بمقدار ما يناسب ذلك الكتاب.

__________________

(١) سفينة البحار : ج ١ ، ٤٢٣.

(٢) يمثل الشعر الفارسي لغرة المعشوق والمحبوب بالسنبل أما لجماله أو لأنّ السنبل نوع من النباتات التي فيها رائحة طيبة.

(٣) رواه الشيخ المفيد في الأمالي : ص ٧٧ طبعة النجف الأشرف ، ورواه عنه المجلسي في البحار : ج ٧١ ، ص ٤٢٤.


وانّ اصله من ( وشاره ) مِن ناحية ( جهرود ) عشرة فراسخ من قم ، ولكن ولادته المباركة كانت في طوس في الحادي عشر من جمادي الاُولى سنة ٥٩٧ ( خمسمائة وسبعة وتسعين ).

وكانت وفاته في آخر يوم الاثنين السابع عشر من ذي الحجّة سنة ٦٧٢ في بقعة الكاظمية المنورة سلام الله على ساكِنَيها ، ودفن هناك وكتب على لوح مزاره ( وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد ).

وقد نظم بعضهم تاريخ وفاته وقال :

نصير ملّت ودين بادشاه كشور فضل

يگانه اي كه چه او مادر زمانه نزاد

به سال ششصد وهفتاد ودوبه ذي الحجة

به روز هيجدهم در گذشت در بغداد(١)

يعني : نصير الملة والدين ملك دولة الفصل ، ووحيد ام الزمان الذي ولد فيه. توفي بغداد سنة اثنين وسبعين وستمائة في اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة.

*حكاية :

نقل انّه في أتحد الأيّام التي كان شيخ لافقهاء العظام المرحوم الحاجّ الشيخ جعفر خاحب ( كشف الغطاء ) موجوداً في ( اصفهان ) انّه قسم مرّة حقوقاً شرعية على الفقراء قبل شروعه بالصلاة.

فعند انتهائه من تلك الصلاة ، وقيامه للصلاة الاُخرى جاءَه أحد السادات الفقراء ـ الذين اخبروا بالأمر ـ بين الصلاتين ، وقال له : اعطني من مال جدي.

فقال له : لقد جئت متأخراً ، ولا يوجد عندي الآن شيء لا عطيك منه.

فغضب ذلك السيّد ، وبصق على لحية الشيخ المباركة.

فقام الشيخ من المحراب ، ورفع طرف ردائه وأخذ يدور في صفوف الجماعة

__________________

(١) وقد ذكر المؤلّفرحمه‌الله في كتابه الفوائد الرضوية : ص ٦٠٤ عن نخبة المقال في تاريخ وفاة الخواجة نصير الدين الطوسي :

ثم نصير جده الحسن

العالم النحرير قدوة الزمن

ميلاده يا حرز من لا حرزله

وبعد داع قد أجاب سائله


وهو يقول :

( من كان يحترم شيبة الشيخ فليساعد هذا السيّد ).

فملأ الناس طرف ثوبه بالأموال ، ثمّ اعطاها الشيخ للسيّد.

وبعد ذلك توجه لصلاة العصر.

فتأمّل ف يهذا الخلق الشريف بأي محل بلغ العظيم الذي كان رئيساً للمسلمين ، وحجّة الاسلام ، وفقيه أهل البيتعليهم‌السلام وقد وصلت فقاهته الى درجة بحيث انّه ألَّف كتاب (كشف الغطاء) في السفر ، ونقل عنه أنه كان يقول :

لو مسحتم كل الكتب الفقهية فانّي استطيع أن اكتب من الطهارة الى الديات.

وكان جميع أولاده فقهاءاً وعلماءاً اجلة.

يقول شيخنا ثقة الاسلام النوري رحمة الله عليه في أحواله :

(وان تأملت في مواظبته للسنن والآداب وعباداته ، ومناجاته في الأسحار ، ومخاطبته لنفسه بقوله : كنت جعيفراً ، ثمّ صرت جعفراً ، ثمّ الشيخ جعفر ، ثمّ شيخ العراق ، ثمّ رئيس الاسلام ، وبكائه تذلله ، لرايته من الذين وصفهم أمير المؤمنينعليه‌السلام من أصحابه للأحنف بن قيس)(١)

* يقول الفقير : هذا حديث طويل في ذكر أوصاف أصحاب قاله للأحنف بعد قتاله أهل الجمل ، ومن جملة فقراته :

(فلو رأيتهم في ليلتهم وقد نامت العيون وهدأت الأصوات وسكنت الحركات من الطير في الوكور وقد نهتهم(٢) هول يوم القيامة والوعيد عن الرقاد كما قال سبحانه :( أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ ) (٣) فاستيقظوا لها فزعين ، وقاموا الى صلاتهم معوّلين باكين تارة واُخرى مسبّحين يبكون

__________________

(١) خاتمة المستدرك : ج ٣ ، ص ٣٩٨ ، الطبعة الحجرية.

(٢) علّق المؤلّف في الترجمة ما تعريبه : ( يعني : منعتهم ) ، وفي البحار : ( نبههم ) وفي : ج ٦٨ ، ص ١٧١ ، ح ٣١ ( منههم ) وفي نسخة بدل ( نبههم خوف ).

(٣) سورة الاعراف : الآية : ٩٧.


في محاريبهم ويرنّون ، يصطفون ليلةً مظلمة بهماء يبكون ، فلو رأيتهم يا أحنف في ليلتهم قياماً على أطرافهم محنيةً(١) ظهورهم يتلون أجزاء القرآن لصلاتهم ، قد اشتدت أعوالهم ونحيبهم وزفيرهم ، اذا زفروا خِلتَ النار قد أخذت منهم الى حلاقيمهم ، واذا أعولوا حسبت السلاسل قد صفّدت في اعناقهم ، فلو رأنتهم في نهارهم اذن لرأيت قوماً( يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ) (٢) ويقولون للناس حسناً( وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ) (٣) ، ( وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ) (٤) قد قيدوا أقدامهم من التهمات ، وابكموا السنتهم أن يتكلموا في أعراض الناس ، وسجّموا أسماعهم أن يلجها خوض خائض ، وكحلوا أبصارهم بغض البصر عن المعاصي ، وانتحوا دار السلام التي من دخلها كان آمناً من الريب والأحزان)(٥)

* أقول : ويناسب هنا نقل كلام من راهب عظيم الشأن وهو مانقل عن قثم الزاهد قال : رأيت راهباً على باب بيت المقدسس كالواله فقلتُ له أوصني فقال : كن كرجل احتوشته الشباع فهو خائفٌ مذعورٌ يخافُ أن يسهو فتفترسه ويلهو فتنهشهُ ، فليله ليل مخافة اذا أمن فيه المفترون ، ونهاره نهار حزن اذا فرح البطالون).

ثمّ انّه ولى وتركني فقلت له : زدني.

فقال : إنّ الظمئان يقنع بيسير الماء(٦) .

*حكاية :

نقل انّ كافي الكفاة الصاحب بن عباد :

(استدعى في بعض الأيّام شراباً ، فاحضروا قدحاً ، فلما أراد أن يشربه ، قال بعض خواصه : لا تشربه ، فانّه مسموم.

__________________

(١) في نسخة بدل (منحنية).

(٢) سورة الفرقان : الآية ٦٣.

(٣) سورة الفرقان : الآية ٦٣.

(٤) سورة الفرقان : الآية ٧٢.

(٥) أقول : رواه الصدوق في صفات الشيعة : ص ١٢٠ ـ ١٢١ ، ونقله عن المجلسي في البحار : ج ٧ ، ص ٢٢٠ ، ح ١٣٢ ، وفي : ج ٦٨ ، ص ١٧١ ، ح ٣١.

(٦) كشكول الشيخ البهائي : ج ١ ، ص ٩٩.


وكان الغلام الذي ناوله واقفاً.

فقال للمحذّر : ما الشاهد على صحّة قولك؟

قال : تجربه في الذي ناولك إيّاه.

قال : لا استجيز ذلك ، ولا استحله.

قال : فجربه في دجاجة.

قال : التمثيل بالحيوان لا يجوز.

وردّ القدح ، وأمر بقلبه ، وقال للغلام انصرف عنّي ، ولا تدخل داري ، وأمر باقرار جارية وجراية عليه ، وقال : لا يدفع اليقين بالشك ، والعقوبة بقطع الرزق نذالة)(١) .

يقول المؤلّف : الصاحب بن عباد من وزراء آل بويه ، وكان ملجأً للعامّة والخاصّة ، ومرجعاً للامة والدولة ، ومن بنت شرف وعزة. وكان في الآداب والفضل والكمال وعلوم العربية اعجوبة الدهر ، ووحيد عصره.

يحكى انّه لمّا جلس للاملاء حضر عنده خلق كثير ، وكان المستملي الواحد لايقول بالاملاء حتّى انضاف إليه ستة ، كل يبلغ صاحبه. يعني يوصل كلامه الى الناس(٢) .

وكانت كتب اللغة التي عنده تحتاج الى ستين جَمَلاً لنقلها.

وكانت للعلويين ، والسادة والعلماء ، والفضلاء عنده محل منيع ، ومرتبة رفيعة. وكان يدعو للعلماء ويشجعهم على التصنيف والتأليف.

وقد ألف لأجله الشيخ الفاضل الخبير ، والماهر الحسن بن محمّد القمّي (تاريخ قم).

__________________

(١) سفينة البحار : ج ٢ ، ص ١٤.

(٢) يقصد أنه من كثرة الازدحام لايسمع الجميع كلامه ، فيوصل الأول الأقرب إليه الذي يسمع كلامه الى الجماعة التي خلفه ، فينقل ذلك عن الأول الى الجماعة الاُخرى التي لم تسمع الجماعة الاُولى وهكذا. وهذا يدل على شدة الازدحام بحيث لم يصل كلام المتكلم إليهم.


كما صنف لأحله الشيخ الأجل رئيس المحدّثين الصدوق رحمة الله عليه كتاب (عيون أخبار الرضا).

وجمع من أجله الثعالبي (يتيمة الدهر).

وانّ كثرة احسانه ، وافضاله على الفقهاء ، والعلماء ، والسادات ، والشعراء ، معروفة.

وكان يرسل في كل سنة خمسة آلاف أشرفي الى بغداد الى العلماء هناك.

وكان لا يدخل عليه في شهر رمضان بعد العصر أحدٌ كائناً من كان ، فيخرج من داره إلاّ بعد الافطار عنده.

وكانت داره لا تخلو في ليلة من ليالي شهر رمضان من ألف نفس مفطرة فيها.

وكانت صلاته وصدقاته ، وقرباته في هذا الشهر تبلغ مبلغ ما يطلق منها في جميع شهور السنة.

وقد انشد أشعاراً كثيرةً في مناقب أمير المؤمنينعليه‌السلام ومثالب اعدائه.

وكانت وفاته في ٢٤ صفر سنة ٣٨٥ في الري.

وحملت جنازته الى اصفهان وقبره مزار معروف في اصفهان.

* * *


من مواقف القيامة المهولة

موقف الحساب

قال الله تعالى في سورة الانبياء :

( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ ) (١) .

وقال تعالى في سورة الطلاق :

( وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ) (٢) .

ومن المناسب أن نذكر عدّة من الأخبار تبركاً :

* الأول : روى الشيخ الصدوق رحمة الله عليه : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

(لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتّى يسأل عن أربع :

عن عمره فيما أفناه.

وشبابه فيما أبلاه.

وعن ماله من أين كسبه ، وفيما انفقه.

وعن حبنا أهل البيت)(٣) .

__________________

(١) سورة الانبياء : الآية ١.

(٢) سورة لاطلاق : الآية ٨ ـ ١٠.

(٣) البحارك ج ٧ : ص ٢٥٨ ، ح ١ ، وفي ج ٣٦ ، ص ٧٩ ، ح ٥ ، وفي ج ٧١ ، ص ١٨٠ ، ح ٣٣ وفي الخصال للشيخ الصدوق : ص ٢٥٣ ، الأمالي للصدوق : ص ٤٢ ، المجلس ١٠ ، ح ٩.


* الثاني : روى الشيخ الطوسيرحمه‌الله عن الامام محمّد الباقرعليه‌السلام انّه قالك

(أول ما يحاسب به العبد الصلاة ، فان قبلت قبل ما سواها)(١) .

* الثالث : روى الشيخ الصدوق عن أحدهماعليهما‌السلام ، قال :

(يؤتى يوم القيامة بصاحب الدَّين يشكو الوحشة فإن كانت له حسنات أخذَ منها لصاحب الدَّين وإن لم تكن له حسنات اُلقي عليه من سيئات صاحب الدَّين(٢) .

* الرابع : روى الشيخ الكليني عن الامام علي بن الحسينعليه‌السلام :

(انّ أهل الشرك لا تنصب لهم الموازين ونَشرُ الدواوين لأهل الاسلام)(٣) .

* الخامس : روى الشيخ الصدوق عن الامام الصادقعليه‌السلام :

« اذا كان يوم القيامة وقف عبدان مؤمنان للحساب كلا هما من أهل الجنة : فقير في الدنيا ، وغني في الدنيا.

فيقول الفقير : يا ربّ على ما اوقف ، فوعزتك انّك لتعلم انّك لم تولني ولاية فأعدل فيها أو أجور ، ولم ترزقني مالاً فاؤدي منه حقاً أو امنع ، ولا كان رزقي يأتيني منها إلاّ كفافاً على ما علمت وقدرت لي.

فيقول الله جلّ جلاله : صدق عبدي خلوّا عنه يدخل الجنة.

ويبقى الآخر حتّى يسيل منه العرق مالو شربه أربعون بعيراً لكفاها ، لم يدخل الجنة.

فيقول له الفقير : ما حبسك؟

__________________

(١) البحار : ج ٧ ، ص ٢٦٧ ، وفي التهذيب للشيخ الطوسي : ج ٢ ، ص ٢٣٩ ، رقم الحديث العام (٩٦٤) رقم الحديث الخاص (١٥).

(٢) علل الشرائع للشيخ الصدوق : ص ٥٢٨ ، الباب : ٣١٢ ، ح ٦ ، البحار : ج ٧ ، ص ٢٧٤.

(٣) رواه الشيخ الكليني في الكافي الشريف : الروضة : ج ٨ : ص ٧٤ ـ ٧٥ ورواه المجلسي في البحار ج ٧ : ٢٥٠.


فيقول : طول الحساب. مازال الشيء يجيئني بعد الشيء يغفر لي ، ثمّ اسأل عن شيء آخر حتّى تغمدني الله عزّوجلّ برحمته ، والحقني بالتائبين.

فمن أنت؟

فيقول : أنا الفقير الذي كنت معك آنفاً.

* السادس : روى الشيخ الطوسي عنهعليه‌السلام :

(اذا كان يوم القيامة وكّلنا الله بحساب شيعتنا. فما كان لله سألنا الله أن يهبه لنا فهو لهم. وما كان لنا فهو لهم ، ثمّ قرأعليه‌السلام ) :

( إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم ) (٢) (٣) .

* السابع : روى الشيخ الكليني عن الامام محمّد الباقرعليه‌السلام : (انّما يداقّ الله العباد في الحساب يوم القيامة على قدر ما آتاهم من العقول في الدنيا)(٤) .

*حكاية :

نقل عن خط الشيخ الشهيد عليه الرحمة :

قال أحمد بن أبي الجواري : تمنّيت أن أرى أبا سليمان الداراني(٥) في المنام فرأيته بعد سنة ، فقلت له يا معلم! مافعل الله بك؟

__________________

(١) رواه الشيخ الصدوقي في الأمالي : ص ٢٩٤ و ٢٩٥ ـ المجلس (٥٧) : ح ١١ ، ورواه المجلسي في البحار : ج ٧ ، ص ٢٥٩ ، عنه.

(٢) سورة الغاشية : الآية ٢٥ و ٢٦.

(٣) بحار الأنوار للعلاّمة المجلسي : ج ٧ ، ص ٢٦٤ ، عن الأمالي للشيخ أبي جعفر الطوسي : ص ٤١٩ ، ج ٢ ، المجلس ١٥ ، ح ٥٩.

(٤) الكافي : ج ١ ، ص ١١ ، كتاب العقل والجهل : ح ٧.

(٥) قال المؤلّفرحمه‌الله تعالى في الحاشية (أبو سليمان الداراني عبد الرحمن بن عطية الزاهد المعروف توفي في (داريا ) من قرى (دمشق) وقبره هناك معروف وأحمد أبي الجواري من أصحابه ـ كذا في معجم البلدان).


فقال : يا أحمد جئت من باب الصغير فلقيت وسق شيح(١) ، وأخذت منه عوداً ما أدري تخللت به ، أورميت به ، فأنا في حسابه مذ سنة الى هذه الغاية(٢) .

يقول المؤلّف : لا استبعاد في هذه الحكاية ، بل تصدقها الآية الشريفة :

( يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ) (٣) .

وكذلك قول أمير المؤمنينعليه‌السلام في احدى خطبه :

« أليست النفوس عن مثقال حبّة من خردل مسؤولة؟!!(٤) .

وكتب في رسالة الى محمّد بن أبي بكر قال :

« واعلموا عباد الله انّ الله عزّوجلّ سائلكم عن الصغير من عملكم والكبير »(٥) .

__________________

(١) والشيح بالكسر نبت سهلي يتخذ من بعضه المكانس وهو من الأحرار له رائحة طيبة وطعم مرّ وهو مرعى للخيل والنعم ، ومنابته القيعان والرياض ، راجع تاج العروس للزبيدي : ج ٢ ، ص ١٧٤ ، (فصل الشين من باب الحاء).

(٢) سفينة البحار للمرحوم الشيخ عباس القمّي : ج ١ ، ص ٢٥٠.

(٣) سورة لقمان : الآية ١٦. قال المؤلّف في الحاشية :

(قال المفسرون : يعني يابني انذها إن تك من خصلة حسنة أو سيئة يأتي بها الله ـ ولو كان وزنها وزن خردلة سواءاً كانت في صخرة أو في السماء أو في ألارض ـ في موقف الحساب ويحاسبك عليها).

(٤) الأمالي للصدوق : ٤٩٦ ، المجلس : ٩٠ ، ح ٧ ، وعنه في البحارك ج ٤٠ ، ص ٣٤٨ ، ح ٢٩ ، وفي : ج ٧٧ ، ص ٣٩٦ ، ح ١٣.

(٥) نقله ابن الحديد في ضمن كتاب كتبه أمير المؤمنينعليه‌السلام الى محمّد بن أبي بكر وأهل مصر ، شرح نثج البلاغة : ج ٦ ، ص ٦٧٨ ، وفيه (فعلموا) بدل (واعلموا) ، وفيه (من أعمالكم) بدل (من عملكم) ، ونقله السيّد الرضي في نهج البلاغة : ج ٣ ، ص ٢٧ ، شرح محمّد عبدة (من عهدهعليه‌السلام الى محمّد بن أبي بكر حين قلده مصر) ، وفيه (فانّ الله تعالى يسائلكم معشر عباده عن الصغيرة من أعمالكم والكبيرة) ، ونقل الرواية الاُولى المجلسى في البحار : ج ٣٣ن ص ٥٤٣ ، ح ٧٢ ، عن ابن أبي الحديد ، ونقل ارواية الثانية في : ج ٧٧ ، ص ٣٨٧ ، ح ١١ ، ورواه الشيخ المفيد في الأماني : ص ٢٦٩ ، المجلس ٣١ ، ح ٣ ، ورواه الشيخ الطوسي في الأمالي : ج ١ ، ص ٢٤ ، المجلس ١ ـ ح ٣١.


وفي رسالة الى ابن عباس قال :

« أما تخاف نقاش الحساب »(١) .

واصل امناقشة من (نقش الشوكة) يعني اخراج الشوكة.

ويعني كما انّك تأخذ كمال الدقة والتفحص والمهارة في اخراج الشوكة من البدن فكذلك دقق في الحساب وتمهر فيه واعلم انّه قال بعض المحققين : انّه لا تحصل النجاة من خطر الميزان والحساب إلاّ اذا حاسب الانسان نفسه في الدنيا ووزن أعماله وأقواله وخطراته ولحظاته بميزان الشرع ـ كما ورد في الخبر ـ حيث قال : « زنوا أنفسكم من قبل أن توزنوا ، وحاسبوها من قبل أن تحاسبوا »(٢) .

* حكاية :

نقل عن أحد الأشخاص يقال له (توبة بن صمة) انّه كان يحاسب نفسه في أكثر أوقال الليل والنهار ، وفي أحد الأيّام حاسب نفسه عن ما مضى من أيّام عمره ، وكان قد مضى من عمره ستون سنة.

فحسب أيّامها فرأى انذها تصير (واحد وعشرون ألف وخمسمائه يوم).

فقال : الويل لي إذا لاقيت مالكاً بواحد وعشرين ألف وخمسمائه ذنب!

فعندما قال ذلك اُغمي عليه ، ومات في اغمائه ذلك.

يقول الفقير : روي ان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نزل بأرض قرعاء ، فقال لأصحاب : ائتونا بحطب.

فقالوا : يا رسول الله نحن بأرض قرعاء مالها من حطب. قال : فليأت كل انسان بما قدر عليه.

فجاؤوا به حتّى رموا بين يديه بعضه على بعض.

__________________

(١) نهج البلاغة : ج ٣ ، ص ٦٦ ، شرح محمّد عبده.

(٢) من خطبة لأمير المؤمنينعليه‌السلام الخطبة تحت رقم ٨٩ ، ج ١ ، ص ١٥٩ ، شرح محمّد عبده ، شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ج ٦ ، ص ٣٥٩.


فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : هكذا تحتمع الذنوب(١) .

فمن المعلوم انّه كان المقصود من أمره بذلكصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باحضار الحطب هو أن يلفت الأصحاب الى هذه الحقيقة. فكما انّ تلك الصحراء التي كانوا يحسبونها خالية من الحطب ولم يكن في بالهم انّهم لو فتشوا عنه وجدوه ، فكذلك الذنوب ، فلو فتش الانسان وحاسب نفسه فسوف يجمع ذنوباً كثيرة ، كما أنّ (توبة بن صمة) عند ما افترض انّه أذيب في كل يوم من أيّام عمره ذنباً واحداً ، فقد جمع انّه قد صدر منه واحد وعشرون ألفاً وخمسمائة ذنب.

* * *

__________________

(١) رواه الكليني في الكافي الشريف : ج ٢ ، ص ٢٨٨ ، ورواه عنه المجلسي في البحار : ج ٧٣ ، ص ٣٤٦.


من مواقف القيامة المهولة

نَشر الصحف

كما قال تعالى في أوصاف القيامة :

( وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ) (٢) .

وقال الله تعالى في سورة الانشقاق :

( فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا ) (٢) .

* روى العياشي عن الامام الصادقعليه‌السلام انّه قال :

اذا كان يوم القيامةدفع الى الانسان كتابه ، ثمّ قيل له اقرأه.

قلت(٣) : فيعرف ما فيه؟

فقال : انّه يذكره ، فما من لحظة ولا كلمة ولا نقل قدم ولا نقل قدم ولا شيء فعله الاّ ذكره ، كأنه فعله تلك الساعة ، فلذلك قالوا :

(يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الاّ احصاها)(٤)

* وروى ابن قولويه عن الامام الصادقعليه‌السلام قال :

__________________

(١) سورة التكوير : الآية ١٠.

(٢) سورة الانشقاق : الآيات من ٧ ـ ١٢.

(٣) الضمير عائد على الراوي وهو (خالد بن نجيح).

(٤) تفسير العياشي : ج ٢ : ص ٣٢٨.


( من زار قبر الحسينعليه‌السلام في شهر رمضان ومات في الطريق لم يعرض ولم يحاسب. ويقام له : ادخل الجنة آمناً )(١) .

* وقال العلاّمة المجلسيرحمه‌الله في التحفة :

روي بسندين(٢) معتبرين عن الامام الرضاعليه‌السلام انّه قال :

« مَن زارني على بعد داري أتيته يوم القيامة في ثلاث مواطن حتّى اخلصه من أهوالها :

اذا تطايرت الكتب يميناً وشمالاً.

وعند الصراط.

وعند الميزان)(٣) .

* وقال في (حق اليقين) : روى الحسين بن سعيد ف يكتاب (الزهد) عن الامام الصادقعليه‌السلام قال :

« انّ الله تبارك وتعالى اذا أراد أن يحاسب المؤمن اعطاه كتابه بيمينه وحاسبه فيما بينه وبينه ، فيقول : عبدي فعلت كذا وكذا ، وعملت كذا وكذا؟

فيقول : نعم يا رب قد فعلت ذلك.

فيقول : قد غفر تها لك ، وأبدلتها حسنات.

__________________

(١) كانل الزيارات : ص ٣٣٠ ـ ٣٣١.

(٢) أقول : رواه الصدوق في (عيون أخبار الرضا) : ج ٢ ص ٢٥٥ : بإسناده التالي : حدثنا علي بن أحمد بن محمّ بن عمران الدقاق ، ومحمّد بن أحمد السناني ، وعلي بن عبد الله الوراق ، والحسين بن ابراهيم بن هشام المكتب رضي الله عنهم قالوا :

حدثنا محمّد بن أبي عبد الله الكوفي الأسدي ، عن أحمد بن محمّد بن صالح الرازي ، عن حمدان الديواني قال : قال الرضا عليه السلام.

ورواه الصدوق في الخصان : ص ١٦٧ قال :

حدثنا علي بن أحمد بن موسى رضي الله عنه قال : حدثنا محمّد بن أبي عبد الله الكوفي عن أحمد بن أحمد بن محمّد بن صالح الرازي عن حمدان الديواني ...

ورواه في الأمالي : ص ١٠٦ ، المجلس ٢٥ ، ح ٩ ، بالإسناد المتقدم في الخصال.

(٣) ورواه العلاّمة المجلسي في البحار : ج ١٠٢ ، ص ٣٤ ـ عن الكتب الثلاثة التي قدّمنا ذكرها.


فيقول الناس : سبحان الله ، أما كان لهذا العبد سيئة واحدة؟!!

وهو قول اله عزّوجلّ :

( فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا ) .

قلت : أي أهل؟

قال : أهله في الدنيا هم أهله في الجنة إن كانوا مؤمنين.

قال : واذا أراد بعبد شراً حاسبه على رؤوس الناس وبكته ، واعطاه كتابه بشماله. وهو قول اله عزّوجلّ :

( وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا ) .

قلت : أي أهل؟

قال : أهله في الدنيا.

قلت قوله : (انّه ظنّ ان لن يحور).

قال : ظنّ انّه لن يرجع.)(١) .

وهذه اشارة الى انّ المنافقين والكفار تغلّ أيديهم ، ويعطون كتبهم من وراء رؤوسهم الى شمالهم ، وقد اشير الى هابين الحالتين في أدعية الوضوء عند غسل اليدين :

(اللهمّ اعطني كتابي بيميني والخلد في الجنان بيساري وحاسبني حساباً يسيراً).

و ( اللّهمّ لا تعطني كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري ، ولا تجعلها مغلولة الى عنقي) انتهى.

يقول المؤلّف : رأيت من المناسب في هذا المقام أن نتبرك بذكر رواية نقلها

__________________

(١) كتاب الزهد : للحسين بن سعيد الاهوازي : ٢٩ طبعة قم ، ونقله عنه المجلسي في البحار : ج ٧ ، ص ٣٢٤ ، ح ١٧.


السيّد ابن طاووس رضوان الله عليه انّه : (كان علي بن الحسينعليهما‌السلام اذا دخل شهر رمضان لا يضرب عبداً له ولا امةً.

وكان اذا أذنب العبد والأمة يكتب عنده : (أذنَبَ فُلانٌ. أذنَبَت فلانة يوم كذا وكذا) ولم يعاقبه. فيجتمع عليهم الادب ، حتّى اذا كان آخر ليلة من شهر رمضان دعاهم وجمعهم حوله ، ثمّ أظهر الكتاب ، ثمّ قال يا فلا فعلت كذا وكذا ، ولم أُؤدّبك اتذكر ذلك؟

فيقول : بلى يابن رسول الله.

حتّى يأتي على آخرهم ، فيقورهم جميعاً ، ثمّ يقوم وسطهم ، ويقول لهم : ارفعوا أصواتكم ، وقولوا : يا علي بن الحسين انّ ربك قد أحصى عليك كلما عملت ، كما أحصيت علينا كلما عملنا ، ولديه كتاب ينطق عليك بالحقّ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة مما أتيت إلاّ أحصاها ، وتجد كلما عملت لديه حاضراً كما وجدنا كلما عملنا لديك حاضراً ، فاعف عنا تجده عفوّاً ، ربّك رحيماً ، ولك غفوراً ، ولا يظلم ربك أحاً ، كما لديك بك كتاب ينطق علينا بالحقّ لا يغادر صغيرةً ولا كبيرة مما اتيناها إلاّ احصاها ، فاذكر يا علي بن الحسين ذلّ مقامك بين يدي ربّك الحكم العدل الذي لا يظلم مثقال حبّة من خردل ، ويأتي بها يوم القيامة ، وكفى بالله حسيباً وشهيداً ، فاعف واصفح يعفو عنك المليك ويصفح ، فانّه يقول :( وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (١) .

قال : وهو ينادي بذلك على نفسه ، ويلقنهم ، وهم ينادون معه ، ينادون معه ، وهو واقف بينهم يبكي وينوح ويقول : ربّ انّك أمرتنا أن نعفو عمّن ظلمنا فقد ظلمنا انفسنا ، فنحن قد عفونا عمّن ظلمنا كما امرت ، فاعف عنّا فانّك أولى بذلك منّا ومن المأمورين ، وأمرتنا أن لا نردّ سائلاً عن أبوابنا وقد اتيناك سؤّالاً ومساكين ، وقد أنخنا بفنائك وببابك نطلب نائلك ومعروفك وعطاءك فامنن بذلك علينا ولا تخيبنا فانّك

__________________

(١) سورة النور : الآية ٢٢.


أولى بذلك منّا ومن المأمورين ،

الهي كرمتُ فاكرمني اذ كنت من سؤّالك ، وجدتُ بالمعروف فاخلطني بأهل نوالك ياكريم.

ثمّ يقبل عليهم ، فيقول : قد عفوتُ عنكم ، فهل غفوتم عني ، ومماكان مني إليكم من سوء ملكة ، فانّني مليك سوء لئيم ظالم مملوك لمليك كريم جواد عادل محسن متفضل؟

فيقول : قد غفونا عنك يا سيدنا ، وما أسأت.

فيقول لهم : قولوا : اللهمّ اعف عن علي بن الحسين كما عفا عنا ، واعتقه من انار كما اعتق رقابنامن الرق.

فيقولون ذلك.

فيقول : اللّهمّ آمين لابّ العالمين. اذهبوا فقد غفوت عنكم ، واعتقت رقابكم رجاءاً للعفو عني ، وعتق رقبتي. فيعتقهم.

فإذا كان يوم الفطر اجازهم بجوائز تصونهم وتغنيهم عماّ في أيدي الناس.

وما من سنة إلاّ وكان يعتق فيها في آخر ليلة من شهر رمضان ما بين العشرين رأساً الى أقل أو أكثر ، وكان يقول :

انّ لله تعالى في كل ليلة من شهر رمضان عند الافطار سبعين ألف ألف عتيق من النار كلاً قد استوجب النار ، فإذا كان آخر ليلة من شهر رمضان اعتق فيها مثل ما اعتق في جميعه ، وانّي لأحب أن يراني الله وقد اعتقت رقاباً في ملكي في دار الدنيا رجاء أن يعتق رقبتي من النار)(١) .

* * *

__________________

(١) اقبال الأعمال : للسيّد ابن طاووس : ص ٢٦٠ ـ ٢٦١ ، الطبعة الحجرية طهران.



من معابر الآخرة المَهُولة

الصراط



من موارد الآخرة المَهولة

الصراط

وهو جسر ينصب على جهنم ، ولا يدخل أحدٌ الجنة إلاّ بالمرور عليه. وقد ورد في الروايات انّه أدق من اشعرة من وأحَدُّ من السيف(١) . وأشدّ حرارة من النار وانّ المؤمنين الخلّص يمرون عليه بسهولة جداً كالبرق الخاطف(٢) . وأنّ البعض

__________________

(١) أقول : روى الصدوق عن الصادقعليه‌السلام في خبر : (والصراط أدق من الشعر وأحدّ من السيف) رواه السيّد هاشم البحراني قدِّس سرُّه في معالم الزلفى : ص ٢٣٤ ، الطبعة الحجرية.

وروى علي بن ابراهيم بإسناده عن سعدان بن مسلم عن الصادق عليه السلام ، قالك سألته عن الصراط؟

قال : هو أدق من الشعر ، وأحدّ من السيف ، فمنهم من يمشي عليه مثل البرق ، ومنهم من يمرّ عليه مثل عدو الفرس ، ومنهم من يمرّ عليه ماشياً ، ومنهم من يمرّ عليه حبواً ، ومنهم من يمرّ عليه متعلقاً فتأخذ النار منه شيئاً وتترك بعضه).

رواه البحراني في معالم الزلفى : ص ٢٣٤.

ورواه المجلسي في البحار : ج ٨ : ص ٦٤ ـ ٦٥ وروى مثله الصدوق بإسناده عن أبي بصير عن الصادقعليه‌السلام قال (الناس يمرون على الصراط طبقات والصراط ) الحدث ، الأمالي : ص ١٤٩ المجلس ٣٣ ـ ح ٤.

(٢) وروى السيّد البحراني في معالم الزلفي : ص ٢٣٤ والمجلسي في البحار : ج ٢٧ ، ص ١١٤ ، ح ٨٩ ، وشاذان بن جبرئيل في المناقب : ص ٦٦ ، وغيرهم عن عبدالله بن عمر قال : سألنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، فغضبصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وذكر حديثاً جليلاً طويلاً الى أن قال :

(ألا ومن احبّ علياً مرّ على الصراط كالبرق الخاطف ولم ير مؤونة (صعوبة. خ. ل)


يمر بصعوبة فأما ينجو وأما يسقط في قعر جهنم(١) .

وهو في الآخرة مثال الصراط المستقيم في الدنيا الذي هو دين الحقّ وطريق ولاية ومتابعة أمير المؤمنين والأئمة الطاهرين من ذريته صلوات الله عليهم أجمعين(٢) .

__________________

إلاّ امرور).

(١) في تفسير علي بن ابراهيم القمّي بإسناده عن جابر عن جعفرعليه‌السلام قال ـ كما في مقدمة الخبر) أدق من الشعرة واحدّ من السيف ، عليها ثلاث قناطر.

فأما واحدة : فعليها الأمانة والرحم.

وأما ثانيها : فعليها الصلاة.

وأما الثلاثة : فعليها عدل ربّ العالمين لا اله غيره فيكلفون الممّر عليها ، فتحبسهم الرحم والأمانة ، فإن نجوا منها حبستهم الصلاة ، فإن نجوا منها كان المنتهى الى ربّ العالمين جل وعزّ ، وهو قوله تبارك وتعالى : (انّ ربك لمرصاد).

والناس على الصراط ، فمتعلق بيد وتزول قدم مستمسك بقدم.

والملائكة حولها ينادون : يا حليم اعف واصفح وعد بفضلك ، وسلم ، وسلم.

والناس يتهافتون في النار كالفراش فيها.

فإذا نجا برحمة الله مرّ بها ، فقال الحمد لله ، وبنعمته تتم الصالحات ، تزكو الحسنات ، والحمد لله الذي نجّاني منك بعد اليأس بمنّه وفضله ، انّ ربنا لغفور شكور).

تفسير القمّي ج ٢ : ص ٤٢١.

وفي خبر آخر عن ابن عباس قال رسول الله (ص) الى قوله ثمّ يامر الله تعال أن يعقد على الصراط سبع قناطر طول كل قنطرة سبعة عشر ألف فرسخ ، وعلى كل قنطرة سبعون ألف ملك يسألون هذه الامة ، رجالهم ونساءهم على القنطرة الاُولى : عن ولاية أمير المؤمنينعليه‌السلام وحبّ أهل بيت محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فمن أتى به جاز على القنظرة الاُولى كالبرق الخاطف ومن لا يحب أهل بيته سقط على ام رأسه في قعر جهنم ولو كان معه من أعمال البر عمل سبعين صديقاً الخبر) معالم الزلفى : ص ٢٣٤ ، والمجلسي في البحار : ج ٧ ص ٣٣١ ، ح ١٢ ، وفي : ج ٢٧ ، ص ١١٠ ، ح ٨٢ ، وتأويل الآيات الظاهرة ، للسيّد شرف الدين النجفي ، ج ٢ ، ص ٤٩٤.

(٢) أقول روى رئيس المحدّثين الشيخ الصدوق في معاني الأخبار : ص ٢٣ ، باب معنى الصراط ، ح ١ ، بالإسناد عن المفضل بن عمر قال :

سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الصراط :


ومن عدل عن هذا الصراط ومال الى الباطل بالقول أو العمل فانّه يزل من هذه العقبة(١) من صراط الآخرة ويسقط في جهنم.

و (والصراط المستقيم) في سورة الحمد إشارة الى الاثنين(٢) .

__________________

فقال : هو الطريق الى معرفة الله عزّوجلّ.

وهما صراطان : صراط في الدنيا ، وصراط في الآخرة.

وأما الصراط الذي في الدنيا فهو الامام المفترض الطاعة فمن عرفه في الدنيا واقتدى بهداه مرّ على الصراط الذي هو جهنم في الآخرة ومن لم يعرفه في الدنيا زلت قدمه عن الصراط في الآخرة فتردى في نار جهنم.

(١) في البحار : ج ٨ ، ص ٦٦ ، عن انس قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قوله تعالى :

(فلا اقتحم العقبة).

انّ فوق الصراط عقبة كؤوداً طولها ثلاثة آلاف عام :

ألف عام هبوط.

وألف عام شوك وحسك وعقارب وحيات ، وألف عام صعود الحديث).

وفي البحار : ج ٨ : ص ٦٧ ـ ٦٨ عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله قال : اذا كان يوم القيامة ونصب الصراط على جهنم لم يجز عليه الاّ من كان معه جواز فيه ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام الحديث).

(٢) ورد هذا المعنى في روايات شريفة كثيرة وصلت حدّ الاستفاضة إن لم يدع التواتر ، نعم التواتر مقطوع به في تفسيره الولاية بعليّ بن أبي طالبعليه‌السلام من الطرفين.

ومن جملة تلك الروايات :

ـ مارواه الشيخ الثقة الجليل القمّي في تفسيره : ج ١ : ص ٢٨ ، في قوله تعالى ( اهدنا الصراط المستقيم) :

(قال : الطريق معرفة الامام).

ـ وروى بأسناد صحيح عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في قوله (الصراط المستقيم) قال : هو أمير المؤمنينعليه‌السلام ومعرفته.

ـ وفي معاني الأخبار ص ٣٥ بالأسناد عن أبي حمزة الثمالي عن سيّد العابدين علي بن الحسينعليهما‌السلام قال :

ليس بين الله وبين حجته حجاب ، فلا لله دون حجته ستر ، نحن أبواب الله ، ونحن الصراط المستقيم ، ونحن عيبة علمه ، ونحن تراجمة وحيه ، ونحن أركان توحيده ، ونحن موضع سرّه.

ـ وروى الصدوق بإسناده عن سعد بن طريف عن أبي جعفر عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله


* ونقل العلاّمة المجلسي ( رحمة الله عليه ) في حقّ اليقين عن كتاب عقائد الشيخ الصدوقرحمه‌الله انّه قال :

اعتقادنا في العقابات التي على المحشر أن كل عقبة منها اسمها اسم فرض وأمر ونهي ، فمتى انتهى الانسان الى عقبة اسمها فرض ، وكان قد قصّر في ذلك الفرض حبس عندها وطولب بحقّ الله فيها ، فان خرج منها بعمل صالح قدّمه ، أو برحمة تداركه ، نجا منها الى عقبة اُخرى ، فلا يزال يدفع من عقبة الى عقبة ، ويحبس عند كل عقبة ، فيسأل عما قصّر فيها من معنى اسمها ، فإن سلم من جميعها انتهى الى دار البقاء فيحيا حياةً لاموت فيها أبداً ، وسعد سعادة لا شقاوة معها أبداً وسكن في جوار الله مع انبيائه وحججه والخديقين والشهداء والصالحين من عباده.

وإن حبس على عقبة فطولب بحق قصّر فيه فلم ينجه عمل صالح قدمه ، ولا أدركته من الله عزّوجلّ رحمة زلت به قدمه عن العقبة فهوى في جهنم نعوذبالله منها.

وهذه العقبات كلها على الصراط. اسم عقبة منها الولاية. يوقف جميع الخلائق عندها ، فيسألون عن ولاية أمير المؤمنين والأئمة من بعدهعليهم‌السلام ، فمن أتى بها نجا وجاز ، ومن لم يأت بها بقي فهوى ، وذلك قول الله عز وجلّ( إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ) (١) .

ويقول عزّ جلّ ( وعزتي وجلالي لا يجوزني ظلم ظالم )(٢) .

__________________

يا علي اذا كان يوم القيامة اقعد أنا وأنت وجبرائيل على الصراط ، فلم يجز أحد ألاّ من كان معه كتاب فيه براءة بولايتك).

ـ وفي تفسير العياشي : ج ١ : ص ٢٤ : عن داود بن فرقد ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) تعني أمير المؤمنين صلوات الله عليه.

(١) سورة الفجر : الآية ١٤.

(٢) ورد هذا الحديث القدسي في الحديث (١٨) من باب (الاشكال والقرائن) من كتاب المحاسن للبرقي : ص ٧.


واسم عقبة منها الرحم ، واسم عقبة منها الأمانة ، واسم عقبة منها الصلاة ، وباسم كل فرض ، أو أمر ، أو نهي عقبة يحبس عندها العبد فيسأل)(١) .

* وروي عن الامام محمّد الباقرعليه‌السلام قال :

لما نزلت هذه الآية( وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ) سئل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : بذلك أخبرني الروح الأمين أنّ الله لا اله غيره اذا ابرز الخلائق وجمع الأولين والآخرين اُتي بجهنم تقاد بألف زمام مع كل زمام مائة ألف ملك من الغلاظ الشداد لها هدة وغضب وزفيز وشهيق وانّها لتزفر الزفرة فلولا انّ الله أخّرهم للحساب لاهلكت الجميع.

ثمّ يخرج منها عنق ، فيحيط بالخلائق البر منهم والفاجر ، فما خلق الله عبداً من عباد الله ملكاً ولا نبياً الاّ ينادي نفسي نفسي ، وأنت يانبي الله تنادي امتي امتي.

ثمّ يوضع عليها الصراط من حد السيف ، عليها ثلاث قناطر : فأما واحدة فعليها الأمانة والحم ، والثانية فعليها الصلاة ، وأما الثالثة قناطر : فأما واحدة فعليها الأمانة والرحم ، والثانية فعليها الصلاة ، وأما الثالثة فعليها عدل ربّ العالمين لا اله غيره ، فيكون بالممر عليها ، فيحبسهم الرحم والأمانة ، فإن نجوا منهما جستهم الصلاة فإن نجوا منها كان المنتهى الى رب العالمين وهو قوله( إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ) .

والناس على الصراط : فمتعلق بيد ، وتزول قدم ، ومستمسك بقدم ، والملائكة وحوالها ينادون :

يا حليم اعف ، واصفح ، وعد بفضلك وسلم وسلم.

والناس يتهافتون في النار كالفراش فيها ، فإذا نجاناج برحمة الله مرّبها فقال : الحمد لله وبنعمته تتم الصالحات ، تزكو الحسنات ، والحمد لله الذي نجاني منك بعد اليأس بمنّه وفضله انّ ربّنا لغفور شكور(٢) .

__________________

(١) البحار : ج ٧ ، ص ١٢٨ ـ ١٢٩.

(٢) تفسير القمّي : ج ٢ ، ص ٤٢١ ، ورواه الصدوق في الأمالي : المجلس ٣٢ ، ح ٣ ، ص ١٤٨ ، ونقله المجلسي في البحار : ج ٧ ، ١٢٥ ، ح ١ ، وفي : ج ٢ ، ص ٢٩٣ ، ح ٣٦.


* وروى الثقة الجليل الحسين بن سعيد الاهوازي عن الامام محمّد الباقرعليه‌السلام :

اتى(١) أباذر رجلٌ ، فبشره بغنم له قد ولدت ، فقال : يا أباذر ابشر ولدت غنمك وكثرت.

فقال : ما يسرني كثرتها ، فما أحب ذلك ، فما قلّ منها وكفى أحبّ اليّ مما كثر والهى ، انّي سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : « على حافتي الصراط بوم القيامة الرحم والأمانة فإذا مرّ عليه الموصل للرحم والمؤدي للأمانةلم يتكفّأبه في النار »(٢) .

* وفي رواية اُخرى : واذا مرّ الخائن للأمانة ، والقطوع للرحم لم ينفعه معها عمل ، ويكفأ به الصراط في النار(٣) .

*حكاية :

نقل السيّد الأجل الأكمل المؤيد العلاّمة النحرير بهاء الدين السيّد علي ابن السيّد عبد الكريم النيلي النجفي ـ صاحب المنزلة والشأن العظيم والمناقب التي لا تحصى ، وهو تلميذ الشيخ الشهيد ، وفخر المحققين ـ في كتاب الأنوار المضيئة في أبواب فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام بمناسبة قال : حكاية عجيبة حكاها والديرحمه‌الله تعالى ووافقه عليها جماعة أصحابنا أن رجل كان يقال له محمّد بن أبي أذينة كان تولى مسبحة (مسجدظ) قرية لنا تسمّى قرية نيلة انقطع يوماً في بيته فاستحضروه فلم يتمكن من الحضور فسألوه عن السبب ، فكشف لهم عن بدنه

__________________

(١) ابتدأت الرواية (سمعته يقول ) والضمير في (سمعة) يعود للراوي وهو الثقة الجليل جابر الجعفي رضي الله تعلى عنه.

(٢) كتاب الزهد للحسين بن سعيد الاهوازي : ص ٤٠ ـ ٤١ ، طبعة ـ قم.

(٣) عدة الداعي لابن فهد : ص ٨١ ـ الباب الثاني عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : حافتا الصراط يوم القيامة الأمانة والحم فإذا مرّ الوصول للرحم والمؤدي للأمانة نفذ الى الجنة واذا مرّ الخائن الحديث ، ورواه الكليني في الكافي : ج ٢ ، ص ١٥٢ ، ح ١١ ، باختلاف يسير ، ورواه المجلسي في البحار : ج ٨ ، ص ٦٧ ، ح ٩ ، وفي : ج ٧٤ ـ ص ١٠٥ ، ح ٦٨ ، وفي : ج ٧٤ ، ص ١١٧ ، ح ٨٠.


فإذا هو الى وسطه ما عدا جانبي وركيه الى رفي ركبته محرق بالنار ، وقد أصابه من ذلك ألم شديد لا يمكنه معه القرار ، فقالوا له : متى حصل لك ذلك؟ قال : اعلموا انّي رأيت في نومي كأن الساعة قد قامت والناس في حرج عظيم وأكثرهم يساق إلى النار والأقل إلى الجنة ، وفكنت مع من سيق الى الجنة ، فانتهى بنا المسير الى قنطرة عظيمة في العرض والطول ، فقيل : هذا الصراط ، فسرنا عليها فإذا هي كلما سلكنا فيها قلّ عرضها وبعد طولها فلم نبرح كذلك ونحن نسير عليها حتّى عادت كحد السيف ، وإذا تحتها وادٍ عظيم أوسع ما يكون من الأودية ، تجري فيه نار سوداء يتقلقل فيها جمر كقلل الجبال والناس ما بين ناج وساقط ، فلم أزل أميل من جهة إلى اُخرى حتّى انتهيت إلى قريب من آخر القنظرة فلم أتمالك حتّى سقطت مِن عليها ، فخضت في تلك النار حتّى انتهيت إلى الجرف ، فجعلت كلما اتشبث به لم يتماسك منه شيء في يدي ، والنار تحدرني بقوة جريانها ، وأنا أستغيث وقد انذهلت وطار عقلي وذهب لبّي فالهمت فقلت يا علي بن أبي طالب ، فنظرت فإذا رجل واقف على شفير الوادي ، فوقع في روعي أنّه الامام عليعليه‌السلام ، فقلت : ياسيدي يا أمير المؤمنين :

فقال : هات يدك.

فمددت يدي ، فقبض عليها ، وجذبني ، وألقاني على الجرف ، ثمّ أماط النار عن وركي بيده الشريفة فانتبهت مرعوباً وأنا ترون فإذا هو لم يسلم من النار إلاّمامسه الإمامعليه‌السلام ، ثمّ مكث في منزله ثلاثة أشهر يداوي ما أحرق منه بالمراهم حتّى يرئ ، وكان بعد ذلك قلّ أن يذكر هذه الحكاية لأحد الاّ اصابته الحمى(١) .

ذكر عدة أعمال لتسهيل المرور على هذه العقبة

سوى صلة الرحم وأداء الأمانة التي مضت

* الأول : روى السيّد ابن طاووس في كتاب (الاقبال) : « من صلّى أول ليلة

__________________

(١) الكنى والألقاب للقمّي : ج ٢ ، ٩٥ ـ ٩٦.


من شهر رجب بعد صلاة المغرب عشرين ركعة بالحمد والتوحيد ، ويسلم بين كل ركعتين ليحفظ في نفسه وأهله وماله وولده ، واجير من عذاب القبر ، وجاز على الصراط كالبرق الخاطف »(١)

* الثاني : روي من صام من رجب ستة أيّام بعث من الآمنين يوم القيامة حتّى يمرّ على الصراط بغير حساب(٢) .

* الثالث : روى السيّد :

مَن صلّى في الليلة التاسعة والعشرين من شعبان عشر ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرّة والهاكم التكاثر عشر مرّات ، والمعوذتين عشر مرّات ، وقل هو الله أحد عشر مرّات اعطاه الله تعالى ثواب المجتهدين ، وثقل ميزانه ، ويخفف عنه الحساب ، ويمرّ على الصراط كالبرق الخاطف(٣) .

* الرابع : مرّ في الفصل السابق من زار الامام الرضاعليه‌السلام على بعد قبره الشريف ، فانّه يأتي عنده يوم القيامة في ثلاثة مواطن ليخلصه من أهوالها ، وانّ أحدها عند الصراط(٤) .

* * *

__________________

(١) اقبال الأعمال للسيّد ابن طاووس : ص ٦٢٩.

(٢) ثواب الأعمال للصدوق : ص ٧٩ وقريب منه في فضائل الأشهر الثلاثة للصدوق : ص ٢٥ : ح ١٢ ، وفي الأمالي : ص ٤٢٩ ، المجلس : ٨٠ ، ح ١ ، ونقله في البحار : ج ٧ ، ص ٣٠١ ، ح ٥٢ ، وفي : ج ٩٧ ، ص ٢٧ ، ح ١.

(٣) الاقبال : ص ٧٢٤.

(٤) أقول : روى الصدوق رحمه اللهُ في الخصال : ص ١٦٨ ، ح ٢٢٠ بإسناده عن الامام الرضاعليه‌السلام قال : « من زارني على بعد داري أتيته يوم القيامة في ثلاثة موطن حتّى اخلصه من أهوالها : اذا تطايرت الكتب يميناً وشمالاً ، وعند الصراط وعند الميزان ». ورواه الصدوق في الأمالي : ص ١٠٦ ، المجلس ٢٥ ، ح ١٤. وروى الشيخ الأقدام ابن قولويه في : كامل الزيارات بإسناده عن الامام الرضاعليه‌السلام قال : « من زارني على بعد داري وشطون مزاري أتيته يوم القيامة في ثلاثة مواطن حتّى اخلصه منم أهوالها : اذا تطايرت الكتب يميناً وشمالاً ، وعند الصراط ، وعند الميزان ».

كامل الزيارات : ص ٣٠٤ ، باب ١٠١ ، ح ٤.


 خاتمة

في ذِكر عِدّة أخبار في شدّة عذاب جهنّم

(أعاذنا الله تعالى منها)

وجملة من قصص الخائفين

وبعض الأمثال من « بلوهر ويوزاسف »

وغيره ممّا ينبّه المؤمنين



أما الأخبار

* الأول : روي بسند صحيح(١) عن أبي بصير عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال :

قلت له : يابن رسول الله خوفني فانّ قلبي قدقسى.

فقال : يا أبا محمّد استعدّ للحياة الطويلة ، فانّ جبرئيل جاء الى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو قاطب ، وق كان قبل ذلك يجيء وهو مبتسم ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا جبرائيل جئتي اليوم قاطباً؟

فقال : يا محمّد قد وُضعت منافخ النار.

فقال : وما منافخ النار يا جبرئيل؟

فقال : يا محمّد انّ الله عزوجلّ أمر بالنار فنفخ عليها ألف عام حتّى اسودت فهي سوداء مظلمة.

لو انّ قطرة من الضريع قَطَرت في شراب أهل الدنيا لمات اهلها من نتنها.

ولو انّ حلقة واحدة من السلسلة التي طولها سبعون ذراعاً وضعت على الدنيا لذابت الدنيا من حرّها.

__________________

(١) السند هو : علي بن ابراهيم عن محمّد بن أبي عمير عن أبي بصير عن أبي عبدالله عليه‌السلام فالسند بحسب الاصطلاح صحيح عال.


ولو انّ سربالاًَ من سرابيل أهل النار علّق بين السماء والأرض لمات أهل الدنيا من ريحه.

قال : فبكى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبكى جبرئيل ، فبعث الله إليها ملكاً ، فقال لهما : انّ ربّكما يقرؤكما السلام ويقول : قد أمنتكما أن تذيبا ذنباً اعذبكما عليه.

فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام : فما رأى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جبرئيل مبتسماً بعد ذلك ثمّ قال : انّ أهل النار يعظمون النار وانّ أهل الجنة يعظمون الجنة والنعيم ، وانّ جهنم اذا دخلوها هووا فيها مسيرة سبعين عاماً ، فإذا بلغوا أعلاها قمعوا بمقامع الحديد ، والعيدوا في دركها ، فهذا حالهم ، وهو قول الله عزّوجلّ :( كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ) (١) .

ثمّ تبدل جلودهم غير الجلود التي كانت عليهم.

قال : أبو عبد اللهعليه‌السلام : حسبك؟

قلت : حسبي ، حسبي(٢) .

* الثاني : وروي في حديث عن الامام الصادقعليه‌السلام (٣) انّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال في خبر المعراج :

... حتّى دخلت سماء الدنيا ، فما لقيني ملك إلاّ كان ضاحكاً مستبشراً حتّى لقيني ملك من الملائكة لم أر أعظم خلقاً منه كريه المنظرن ظاهر الغضب. فقال لي مثل ما قالوا من الدعاء إلاّ انّه لم يضحك ولم أر فيه من الاستبشار ، وما رأيت ممن ضحك من الملائكة.

فقلت : مَن هذا يا جبرئيل؟ فانّي قد فزعت.

فقال : يجوز أن تفرع منه ، وكلنا نفزع منه ، وهذا مالك خازن النار ، لم يضحك

__________________

(١) سورة الحجّ : الآية ٢٢.

(٢) تفسير القمّي : ج ٢ ، ص ٨١ ، وعنه المجلسي في البحار : ج ٨ ، ص ٢٨٠.

(٣) روى الشيخ الجليل علي بن ابراهيم عن أبيه عن محمّد بن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللهعليه‌السلام والسند صحيح عال ـ بحسب الاصطلاح.


قط ، ولم يزل منذ ولاّه الله جهنم يزداد كل يوم غضباً وغيظاً على ِأعداء الله وأهل معصيته ، فينتقم الله به منهم ، ولو ضحك الى أحد قبلك ، أو كان ضاحكاً لأحد بعدك ، لضحك إليك ، ولكنه لا يضحك.

فسلمت عليه فرضَّ علي السلام ، وبشرني بالجنة.

فقلت لجبرئيل ـ وجبرئيل بالمكان الذي وصفه الله ـ( مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ) (١) ألا تأمره أن يريني النار؟

فقال له جبرئيل : يا مالك! أر محمّداً النار.

فكشف عنها غطاءها ، وفتح باباً منها ، فخرج منها لهب ساطع في السماء ، وفارت فارتعدت حتّى ظننت ليتناولني مما رأيت.

فقلت له : يا جبرائيل! قل له ، فليرد عليها غطاءها.

فأمرها. فقال لها : ارجعي.

فرجعت الى مكانها الذي خرجت منه(٢) .

* الثالثُ : روي بسند معتبر عن الامام الصادقعليه‌السلام :

قال : ما خلق الله خلقاً إلاّ جعل له في الجنة منزلاً ، وفي النار منزلاً ، فإذا سكن أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار؟ نادى مناد : يا أهل الجنة اشرفوا.

فيشرفون على النار ، وترفع لهم منازلهم في النار.

ثمّ يقال لهم : هذه منازلكم التي لو عصيثتم ربّكم دخلتموها.

قال : فلو انّ أحداً مات فرحاً ، لمات أهل الجنة في ذلك اليوم فرحاً لما صرف عنهم من العذاب.

ثمّ ينادي منادٍ يامعشر أهل النار ارفعوا رؤوسكم ، فانظروا الى منازلكم في الجنة.

فيرفعون رؤوسهم ، فينظرون الى منازلهم في الجنة ، وما فيها من النعيم.

__________________

(١) سورة التكوير : الآية ٢١.

(٢) تفسير القمّي : ج ٢ : ص ٥ ، وعنه في البحار : ج ٨ ، ص ٢٩١.


فيقال لهم : هذه منازلكم التي لو اطعتم ربّكم دخلتموها.

قال : فلو انّ أحداً مات حزناً لمات أهل النار ذلك اليوم حزناً.

فيورث هؤلاء منازل هؤلاء ، وهؤلاء منازل هؤلاء! وذلك قول الله عزّوجلّ :( يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (١) (٢) .

* الرابع : وروي عنهعليه‌السلام :

ينادي منادٍ من عند الله وذلك بعدما صار أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في النار : يا أهل الجنة! ويا أهل النار! هل تعرفون الموت في صورة من الصور؟

فيقولون : لا.

فيؤتى بالموت في صورة كبش أملح ، فيوقف بين الجنة والنار ، ثمّ ينادون جميعاً : اشرفوا ، وانظروا الى الموت.

فيشرفون ، ثمّ يأمر الله به فيذبح. ثمّ يقال : يا أهل الجنة! خلود فلا موت أبداً. ويا أهل النار! خلود فلاموت أبداً. وهو قوله( وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ ) (٣) .

أي قضي على أهل الجنة بالخلود. وعلى أهل النار بالخلود فيها(٤) .

__________________

(١) المؤمنون : الآية : ١١.

(٢) أقول روى هذا الخبر الشريف الشيخ القمّي بالسناده عن أبيه ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة ، عن أبي بصير. في تفسير الآية الشريفة : ج ٢ ، ص ٨٩.

ورواه أيظاً الشيخ الصدوق في ثواب الأعمال : ص ٣٠٧ ـ ٣٠٨ ، بإسناده عن أبيه ، عن سعد ابن عبد الله عن أحمد بن الحسين أبي سعيد عن عثمان بن عيسى عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله عليه‌السلام . والسنتد معتبر على كل حال غاية الأمر إما صحيح مع عدم ثبوت وقف عثمان بن عيسى وعدم ثبوت وقف سماعة بن مهران. إما موثّق على القول بوقف سماعة او القول بوقف عثمان ـ كما عليه الأكثر ـ بعكس سماعة فانّ الأكثر قائلين بعدم وقفه بل لا دليل على وقفه إلاّ ما ذكره الصدوق قدس الله نفسه.

(٣) سورة مريم : الآية ٣٩.

(٤) تفسير القمّي : ج ٢ ، ص ٥١. بإسناده عن أبيه عن الحسن بن محبوب عن أبي ولاد الحناط عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال : سئل عن قوله (وانذرهم يوم الحسرة) الآية ، قالك ينادي مناد من عند الله الحديث ، ونقله عنه المجلسي في البحار : ج ٨ ، ص ٣٤٦ ، ح ٤.


* الخامس : روي عن أمير المؤمنينعليه‌السلام أنه قال :

وأما أهل المعصية فخلدوا(١) في النار ، وأوثق منهم الاقدام ، وغل منهم الأيدي الى الاعناق ، وألبس اجسادهم سرابيل القطران ، وقطعت لهم منها مقطعات من النار ، وهم في عذاب قد اشتد حرّه ، ونار قد اطبق على أهلها ، فلا يفتح عنهم أبداً ولايدخل عليهم ريح أبداًَ ، ولا ينقضي منهم عمر أبداً ، العذاب أبتداً شديد ، والعقاب أبداً جديد ، لا الدار زائله فتفنى ، ولا آجال القوم تقضى ، ثمّ حكى نداء أهل النار ، فقال :( وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ) قال : أي نموت ، فيقول مالك( إِنَّكُم مَّاكِثُونَ ) (٢) (٣) .

* السادس : روي بسند معتبر(٤) عن الامام الصادقعليه‌السلام :

انّ في النار لناراً(٥) يتعوذ منها أهل النار ما خلقت إلاّ لكل متكبر جبار عنيد ، ولكل شيطان مريد ، ولكل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب ، ولكل ناصب العداوة لآل محمّد.

وقال : انّ أهون الناس عذاباً يوم القيامة لرجل في ضحضاح من نار عليه نعلان من نار ، وشراكان من نار ، يغلي منها دماغ كما يغلي المرجل ، ما يرى انّ في النار أحداً أشدّ عذاباً منه ، وما في النار أحد أهون عذاباً منه(٦) .

* * *

__________________

(١) هكذا في المصدر ، وأما في البحار : (فخذلهم) وفي نسخة بدل منه (فخلّدهم) ، وأما المؤلّف فترجم العبارة (فخدّلهم ). وعلى كل حال فالعبارة لم تخلو من التصحيف.

(٢) سورة الزخرف : الآية ٧٧.

(٣) تفسير القمّي : ج ٢ ، ص ٢٨٩. وعنه في بحار الأنوار : ج ٨ ، ص ٢٩٢ ، ح ٣٤.

(٤) رواه القمّي في تفسيره : ج ٢ : ص ٢٥٧ بإسناده عن أبيه عن ابن أبي عمير عن منصور بن يونس عن أبي عبد اللهعليه‌السلام .

ومنشأ القول بالاعتبار ما وقع في حال منصور بن موسى فانّ الشيخ اتهمه بالوقف وروى الكشي في رجاله رواية تنص على وقفه ورواها أيضاً الصدوق في (عيون أخبار الرضا). ومع ذلك فالكلام في وقفه محل تأمّل بل كلام.

(٥) هكذا في المصدر وفي البحار ولكن المؤلّف رَحمه اللهُ ترجم العبارة (انّ في جهنّم لبئراً ).

(٦) تفسير القمّي : ج ٢ ، ص ٢٥٧ ـ ٢٥٨.

ورواه المجلسي في البحار : ج ٨ : ص ٢٩٥ ح ٤٤ ، والإسناد إما صحيح أو موثق. فهو معتبر على كل حال.



في ذِكر قصص الخائفين

* القصة الاُولى :

روى الشيخ الكليني بسند معتبر(١) عن الامام علي بن الحسينعليه‌السلام :

انّ رجلاً ركب البحر بأهله فكسر بهم ، فلم ينج ممن كان في السفينة إلا امرأة الرجل ، فانّها نجت على لوح من ألواح السفينة حتّى ألجأت على جزيرة من جزائر البحر ، وكان في تلك الجزيرة رجلٌ يقطع الطريق ، ولم يدع لله حرمة إلاّ انتهكها ، فلم نعلم إلاّ والمرأة قائمة على رأسه ، فرفع رأسه إليها ، فقال : إنسية أم جنية؟

فقال : إنسية.

فلم يكلما كلمة حتّى جلس منها مجلس الرجل من أهله ، فلما إن همّ بها ، اضطربت ، فقال لها : مالك تضطربين؟

فقالت : أفرق من هذا ـ وأومأت بيدها الى السماء.

قال : فصنعت من هذا شيئاً؟

__________________

(١) الكافي : ج ٢ ، ص ٦٩ بإسناده عن علي بن ابراهيم عن أحمد بن محمّد بن خالد عن الحسن بن الحسين عن محمّد بن سنان عن أبي سعيد المكاري عن أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين عن محمّد بن سنان عن أبي سعيد المكاري عن أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين صلوات الله عليهما (قال) : الحديث والسند صحيح على الظاهر فانّ الحسن بن الحسين هن اللؤلؤي الوحيد البهبهاني وغيره ، وقد خدش به البعض ولهذا توقف المؤلّف في تصحيح السند واكتفى باعتباره.


قالت : لا ، وعزّته ، قال : فأنت تفقي منه هذا القرق ولم تصنعي من هذا شيئاً ، وانّما استكرهك استكراهاً ، فأنا والله أولى بهذا الفرق والخوف ، وأحق منك.

قال : فقام ، ولم يحدث شيئاً ، ورجع الى أهله ، وليست له همّة إلاّ التوبة والمراجعة فبينما هو يمشي اذ يظلنا بغمامة فقد حميت علينا الشمس.

فقال الشباب : ما اعلم انّ لي عند ربي حسنة فاتجاسر على أن أسأله شيئاً.

قال : فادعو أنا ، وتؤمّن أنت ، قال : نعم.

فأقبل الراهب يدعو والشابّ يؤمنّ ، فما كان بأسرع من أن اظلتهما غمامة ، فشيا تحتها ملياً من النهار ، ثمّ تفرقت الجادة جادتين فأخذ الشاب في واحدة ، وأخذ الراهب في واحدة ، فإذا السحابة مع الشاب ، فقال الراهب : أنت خير مني ، لك استجيب ولم يستجب لي ، فاخبرني ما قصتك؟

فأخبره بخبر المرأة ، فقال : غُفر لك ما مضى ، حيث دخلك الخوف ، فانظر كيف تكون فيما تستقبل(١) .

* القصة الثانية :

روى الشيخ الصدوق :

دخل معاذ بن جبل على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باكياً فسلم ، فردصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ قال :

ما يبكيك يا معاذ؟

فقال : يا رسول الله انّ بالباب شاباًَ طري الجسد نقي اللون ، حسن الصورة يبكي على شبابه بكاء الثكلى على ولدها يريد الدخول عليك.

فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ادخل عليّ الشباب يامعاذ.

فادخله عليه ، فسلّم فردصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ قال : ما يبكيك يا شاب؟

قال : كيف لا أبكي وقد ركبت ذنوباً إن أخذني الله عزّوجلّ ببعضها ادخلني

__________________

(١) الكافي : ج ٢ ص ٦٩.


 نارجهنم ، ولا أراني إلاّ سيأخذني بها ، ولا يغفر لي أبداً.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هل أشركت بالله شيئاً؟

قال : أعوذ بالله أن أشرك بربي شيئاً.

قال : أقتلت النفس التي حرم الله؟

قال : لا.

فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يغفر الله لك ذنوبك وإن كانت مثل الجبال الرواسي.

قال الشباب : فانّهم أعظم من الجبال الرواسي.

فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يغفر الله لك ذيوبك وإن كانت مثل الأرضين السبع وبحارها ورمالها وأشجارها وما فيها من الخلق.

قال : فانّها أعظم من الأرضين السبع وبحارها ورمالها وأشجارها وما فيها ومن الخلق.

فقال : النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يغفر الله لك ذنوبك وإن كانت مثل السماوات ونجومها ومثل العرش والكرسي.

قال : فانّها أعظم من ذلك.

قال : فنظر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كهيئة الغضبان ، ثمّ قال ، ويحك يا شاب اذنوبك أعظم ، أم ربك؟

فخرّ الشاب لوجهه وهو يقول : سبحان الله ربي ، ما شيء أعظم من ربي ، ربي أعظم يا نبي الله من كل عظيم.

فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهل يغفر الذنب العظيم إلاّ الرب العظيم؟

ثمّ سكت الشاب : فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويحك يا شاب ألا تخبرني بذنب واحدمن ذنوبك؟

قال : بلى ، اخبرك ، انّي كنت أنبش القبور سبع سنين ، أخرج الأموات ، وانزع الأكفان ، فماتت جارية من بعض بنات الأنصار ، فلما حملت الى قبرها ودفنت


وانصرف عنها أهلها ، وجنّ عليهم الليل أتيت قبرها ، فنبشتها ، ثمّ استخرجتها ، ونزعت ما كان عليها من أكفانها ، وتركتها متجردها على شفير قبرها ، ومضيت منصرفاً ، فأتاني الشيطان ، فأقبل يزينها لي ويقول : أما ترى بطنها وبياضها ، أما ترى وركيها ، فلم يزل يقول لي هذا ، حتّى رجعت عليها ، ولم أملك نفسي حتّى جامعتها ، وتركتها مكانها ، فإذا بصورت من ورائي يقول : يا شاب!ويل لك من ديّان يوم الدين ، يوم يقفني وإياك ، كما تركتني عريانة في عساكر الموت ، ونزعتني من حفرتي ، وسلبتني أكفاني ، وتركتني أقوم جنبة الى حسابي ، فويل لشبابك من النار.

فما اظنّ انّي اشمّ ريح الجنة أبداً ، فما ترى لي يا رسول الله؟

فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تنح عني يا فاسق ، انّي أخاف أن احترق بنارك ، فما أقربك من النار.

ثمّ لم يزلصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول ، ويشير إليه حتّى أمعن من بين يديه.

فذهب فأتى المدينة ، فتزود منها ، ثمّ أتى بعض جبالها ، فتعبد فيها ، ولبس مسحاً ، وغلّ يديه جميعاً الى عنقه ونادي : يا رب هذا عبدك بهلول بين يديك مغلول يا ربّ أنت الذي تعرفني ، وزل مني ما تعلم سيدي يا ربّ انّي أصبحت من انادمين ، وأتيت نبيك تائباً فطردني ، وازادني خوفاً ، فاسألك باسمك وجلالك ، وعظمة سلطانك أتن لا تخيب رجائي : سيدي ولا تبطل دعائي ، ولا تقنظني من رحمتك فلم يزل يقول مذلك أربعين يوماً وليلة تبكي له السباع والو حوش. فلما تمت له أربعون يوماً وليلة رفع يديه لاى السماء وقال اللهمّ ما فعلت في حاجتي ، إن كنت استجبت دعائي ، وغفرت خطيئتي ، فاوح الى نبيك. وإن لم تستجب لي دعائي ، ولم تغففر لي خطيئتي ، واردت عقوبتي فعجل بنار تحرقني ، وأو عقوبة في نالدنيا تهلكني ، وخلصني من فضيحة يوم القيامة.

فانزل الله تبارك وتعالى على نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا


الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) (١) .

فلما نزلت هذه الآية على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خرج وهو يتلوها ويبتسم. فقال لأصحابه :

من يدلني على ذلك الشاب التائب؟

فقال معاذ يا رسول الله بلغنا انّها في موضع كذا وكذا ، فمضى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأصحابه حتّى انتهوا الى ذلك الجبل ، فصعدوا إليه يطلبون الشاب ، فإذا هم بالشاب قائم بين خصرتين مغلولةً يداه الى عنقه ، وقد اسود وجه ، وتساقطت أشفار عينيه من البكاء ، وهو يقول : سيدي قد أحسنت خلقي ، وأحسنت صورتي ، فليت شعري ماذا تريد بي أفي النار تحرقني ، أم في جوارك تسكنني؟

اللهمّ انّ خطيئتي أعظم من السماوات والأرض ومن كرسيك الواسع وعرشك العظيم ، فليت شعري تغفر خطيئتي ، أم تفضحني بها يوم القيامة.

فلم يزل يقول نحو هذا ، وهو يبكي ، ويحثو التراب على رأسه ، وقد أحاطت به السباع ، وصفت قوقه الطير ، وهم يبكون لبكائه. فدنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأطلق يديه من عتقه ، ونفض التراب عن رأسه وقال :

يا بهلول! أبشر فانّك عتيق الله من النار.

ثمّ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأصحابه : هكذا تداركوا الذنوب ، كما تداركها بهلول.

ابشر فانّك عبيق الله من النار.

ثمّ تلا عليه ما انزل الله عزّوجل فيه ، وبشره بالجنة)(٢) .

__________________

(١) سورة آل عمران : الآية ١٣٥ ـ ١٣٦. وفي المصدر وردت ألفاظ الآيتين الشريفتين مع التفسير ، ويبدو انّ التفسير من الراوي ، وقد تركه المؤلفرحمه‌الله تعالى ، وبما انّ التفسير ورد عن غير المعصومينعليهم‌السلام رأينا تركه أسلم.

(٢) رواه الصدوق في لا أمالي : ص ٤٥ ـ ٤٧ ، المجلس ١١ ، ح ٣. ورواه عنه المجلسي في البحر : ج ٦ ، ص ٢٣ ـ ٢٦.


* يقول المؤلّف : قال العلاّمة المجلسيرحمه‌الله في (عين الحياة) في ذيل هذا الخبر ما ملخصه :

ليعلم انّ للتوبة شروطاً ودوافع :

الأول : من الأشياء التي تحرك الانسان للتوبة هو أن يفكر في عظمة الله تعالى الذي عصاه وكذلك في كبر تلك المعاصي التي ارتكبها ، وفي عقوبات تلك الذنوب وآثارها السيئة في الدنيا والآخرة التي وردت في الآيات والأخبار ، ومن ثمّ سوف يكون هذا التفكير باعثاً لندامته ، وسوف تصير هذه الندامة باعثاً له على ثلاثة أشياء تتركب منها التوبة :

الأول منها : مرتبطة بحاضره وهو أن يترك تلك الذيوب التي ارتكبها بالحال. الثاني : متعلق بالمستقبل وهو أن يعزم جازماً على لا يعود الى تلك الذنوب الى آخر العمر.

والثالث : متعلق بالماضي ، وهو أن يندم على ما مضى ويتدارك ما فات منه اذا كان مما يتدارك.

واعلم انّ الذنوب التي يتاب منها على عدّة أقسام :

الأول : أن يكون ذنباً لا يستلزم حكماً آخر غير العقوبة الاخروية كلبس الحريز ولبس خاتم الذهب للرجل فانّه يكفي للتوبة منها نفس الندم والعزم على عدم العود وبهما يدفع العقاب الاخروي.

الثاني : أن يستلزم حكماً آخر وهو على عدّة أقسام : فأما أن يكون حقاً لله ، أو حقّاً للخلق.

وأما حقّ الله ، فهو إما ماليّ : مثل أن يذنب ما يلزمه عتق رقبة فانّه اذا كان قادراً عليه ، فلا يرفع عنه العذاب بمجرد الندم ، بل يجب عليه أن يؤدي تلك الكفارة.

أو حقّ غير ماليّ : مثل الصلاة أو الصيام الذي يفوته فانّه يجب عليه أن يقضي ما فاته.


أو أن يعمل عملاً قد شرع الله تعالى له حدّاً مثل شرب الخمر ، فما لم يثبت عند الحاكم الشرعي فهو مختار إن شاء ستره بينه وبين الله ولا يظهر ذلك لأحد.

وإن شاء أن يقرّ عند الحاكم ليقيم عليه الحدّ ، وعدم الاظهار أحسن(١) .

__________________

(١) أقول روى الشيخ الكلينيرحمه‌الله تعالى في الكافي الشريق عن امير المؤمنينعليه‌السلام ، انّه أتاه رجل بالكوفة ، فقال : يا أمير المؤمنين انّي زنيب فطهرني.

قال : ممّن أنت؟

قال : من مزينة.

قال : اتقرأمن القرآن شيئاً؟

قال : بلى.

قال : فاقرأ.

فقرأ ، فاجاد.

فقال : أبك جنّة؟

قال : لا.

قال : فاذهب حتّى نسأل عنك.

فذهب الرجل ، ثمّ رجع إليه بعد ، فقال : يا أمير المؤمنين عليه السلام فذثب وقال : حتّى يسأل عنك. فبعث الى قومه فسأل عن خيره ، فقالوا : يا أمير المؤمنين صحيح العقل.

فرجع إليه الثالثة ، فقال له مثل مقالته.

فقال : له اذهب حتّى نسأل عنك.

فرجع إليه الرابعة ، فلما أقرَّ قال : أمير المؤمنين عليه السلام لقنبر : احتفظ به. ثمّ غضب ، ثمّ قال : ما أقبح بالرجل منكم أن يأتي بعض هذه الفواحش فيفضح نفسه على رؤوس الملأ ، أفلا تاب في بيته ، فوالله لتوبته فيما بينه وبين الله أفضل من إقامتي عليه الحدّ الحديث.

الكافي الشريف : ج ٧ ، ص ١٨٨ ، ح ٣.

وروى أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله في رجل أقر على نفسه الزنا في حديث قال صلى الله عليه وآله في ذيله : ( لو استتر ثمّ تاب كان خيراً له).


وأما لو كان حقاً للناس :

فإن كان حقاً مالياً فيجب عليه أن يوصله لصاحب الحقّ ، أو وارثه.

وأما اذا لم يكن حقاً مالياً ، فإن كان قد أضلّ انساناً فيجب عليه هدايته.

وإن كان حدّاًَ مثل قول الفحش فإن كان ذلك الشخص عالماً باهانته له ، فعليه أن يمكّنه من الحدّ من نفسه.

وإن لي يكن عالماً ففيه خلاف بين العلماء ، ويرى الأكثر إن كان اخباره يوجب أذاه واهانته ، فلا يلزم الإخبار لذلك.

وكذلك الحكم اذا استغاب انساناً ، انتهى(١) .

__________________

الكافي : ج ٧ ، ص ١٨٥ ، ورواه الشيخ الطوسي في التهذيب : ج ١٠ ، ص ٨ ، ح ٢٢.

(١) أقول : من المناسب في هذا المقام جداً أن انقل الرواية الشريفة التي رواها السيّد الرضي رضي الله تعالى عنه في (نهج البلاغة) في باب المختار من قصار كلماتهعليه‌السلام : ج ٤ ، تحت رقم ٤٠٢ ، ص ٩٧ ، شرح محمّد عبده.

وقالعليه‌السلام لقائل قال بحضرته ، استغفر الله ثكلتك امك أتدري ما الاستغفار؟!

الاستغفار درجة العليين وهو اسم واقع على ستة معانٍ :

أولها : الندم على مامضى. والثاني : العزم على ترك العود إليه أبداً.

والثالث : أن تؤدي الى المخلوقين حقوقهم حتّى تلقى الله أملس ليس عليك تَبِعَةٌ.

والرابع : أن تَعمِدَ الى كل فريضة عليك ضَيَّعتَها فتؤدي حقها.

والخامس : أن تَعمِدَ الى اللحم الذي نبت على السُّحت فتذيبه بالأحزان حتّى تُلصِقَ الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد.

والسادس : أن تذيق الجسم أَلم الطاعة كما اذقته حلاوة المعصية ، فعند ذلك تقول استغفر الله.

وقد عقد الميرزا العارف الكامل العامل آية الله الشيخ جواد الملكي التبريزي ـ قدس الله روحهه الطاهرة ـ فصلاً جليلاً في كتابه الشريف (السير الى الله) حول المعصية ، نحيلك عليه لما حوى ذلك الفصل من الآداب المهمّة والمطالب الجليلة.

السير الى الله ، تأليف الميرزا الملكي التبريزي ، ترجمة وشرح صاحب هذه السطور : ص ١ي٤٧ ـ ١٧٧ ، الطبعة الاُولى ، دار التعارف بيروت.

كذلك يستحسن مراجعة ما كتبه الشيخ السالك العارف الواصل الشيخ البهاري


* القصة الثالثة :

روى ابن بابويه قال :

بينما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مستظل بظل شجرة في يوم شديد الحرّ ، اذ جاء رجل فنزع ثيابه ، ثمّ جعل يتمرغ في الرمضاء يكوي ظهره مرّة ، وبطنه مرّة ، وجبهته مرّة ، ويقول :

يا نفس! ذوقي فما عند الله عند عزّوجلّ أعظم مما صنعت بك ، ورسول الله ييظر الى ما يصنع ، ثمّ انّ الرجل لبس ثيابه ، ثمّ اقبل ، فأومأ إليه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بيده ، ودعاه ، فقال له : ياعبدالله! لقد رأيتك صنعت شيئاً ما رأيت أحداً من الناس صنعه ، فيما حملك على ما صنعت؟!!

فقال الرجل : حملني على ذلك مخافة الله عزّوجلّ ، وقلت لنفسي : يانفس ذوقي ، فما عند الله أعظم مما صنعت بك.

فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لقد خفت ربّك حقّ مخافته ، وانّ ربّك ليباهي بك أهل السماء. ثمّ قال لأصحابه : يامعاشر من حضر ادنوا من صاحبكم حتّى يدعولكم.

فدنوا منه ، فدعا لهم ، وقال لهم : « الّلهمّ اجمع أمرنا على الهدى ، واجعل التقوى زادنا والجنة مآبنا »(١) .

* القصة الرابعة :

روي عن الامام محمّد الباقرعليه‌السلام قال :

خرجت امرأة بغيّ على شباب من بني اسرائيل فأفتنتهم. فقال بعضهم ك لو كان العابد فلاناً رآها افتنته.

__________________

الهمداني قدس الله روحه الطاهرة في كتابه (تذكرة المتقين).

ويستحسن أن تقرأ ما كتبه الخواجه نصير الدين الطوسي في كتاب ( أوصاف الأشراف).

فراجعها واستفد.

(١) رواه الصدوقرحمه‌الله في الأمالي : ص ٢٧٩ ـ ٢٨٠ ، المجلس ٥٤ ، ح ٢٦ ، ورواه عنه المجلسي في البحار : ج ٧٠ ، ص ٣٧٨ ، ح ٢٣.


وسمعت مقالتهم ، فقالت : والله لا أنصرف الى منزلي حتّى أفتنه.

فمضت نحوه تفي الليل ، فدقّت عليه.

فقالت : آوي عندك ، فأبي عليها.

فقالت : انّ بعض شباب بني اسرائيل راودوني عن نفسي ، فإن ادخلتني ، وإلاّ لحقوني وفضحوني. فلمّا سمع مقالتها فتح لها ، فلمّا دخلت عليه ، رمت بثيابها ، فلما رأى جمالها ، وهيئتها وقعت في نفسه.

فضرب يده عليها ، ثمّ رجعت إليه نفسه ، وقد كان يوقد تحت قدر له ، فأقبل حتّى وضع يده على النار.

فقالت : أي شيء تصنع؟

فقال : احرقها لأنها عملت العمل.

فخرجت حتّى أتت جماعة بني اسرائيل ، فقالت ، الحقوا فلاناً ، فقد وضع يده على النار.

فاقبلوا ، فلحقِِهوه وقد احترقت يده(١) .

* القصة الخامسة :

روى ابن بابويه عن عروة بن الزبير انّه قال :

كنّا جلوساً في مجلس في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فتذكرنا أعمال أهل بدر ، وبيعة الرضوان.

فقال أبو الدرداء : يا قوم ألا اخبركم بأقل القوم مالاً ، وأكثرهم ورعاً ، وأشدهم اجتهاد في العبادة؟

قالوا : من؟

__________________

(١) رواه الراوندي في قصص الأنبياء : ص ١٨٣ ، الباب ٩ ، الفصل ٣ ، ح ٢٢٢ ، ونقله عنه المجلسي في البحار : ج ١٤ ، ص ١١ ، وفي ج ٧٠ ، ص ٣٨٧ ، ح ٥٢.


قال : علي بن أبي طالبعليه‌السلام .

قال : فو الله إن كان في جماعة أهل المجلس إلاّ معرض عنه بوجهه ، ثمّ أنتدب له رجل من الأنصار؟ فقال له : يا عويمر لقد تكلمت بكلمة ما وافقك عليها أحد منذ أتيت بها.

فقال أبو الدرداء : يا قوم انّي قائل ما رأيت ، وليقل كل قوم منكم مارأوا.

شهدت علي بي أبي طالبعليه‌السلام بشويحطات النجار وقد اعتزل عن مواليه ، واختفى ممن يليه ، واستتربمغيلات النخل فافتقدته ، وبعد علي مكانه ، فقلت لحق بمنزله. فإذا أنا بصورة حزين ، ونغمة شجيّة ، وهو يقول :

إلهي كم من موبقة حلمت عني فقابلتها بنعمتك ، وكم منم جريرة تكرمت عن كشفها بكرمك.

الهي إن طال في عصيانك عمري ، وعظم في الصحف ذنبي ، فما أنا مؤملٌ غير غفرانك ، ولا أنا براج غير رضوانك.

فشغلي الصوت ، واقتفيت الأثر ، فإذا هو علي بن أبي طالبعليه‌السلام بعينه ، فاستترت له ، وخملت الحركة ، فركع ركعات في جوف الليل الغابر ، ثمّ فزع الى الدعاء والبكاء ، والبث والشكوى ، فكان مما به الله ناجى ان قال :

الهي افكر في عفوك فتهون عليّ خطيئتي ، ثمّ اذكر العظيم منم اخذك فتعظم عليّ بليتي.

ثمّ قال :

آه إن انا قرأت في الصحف سيئة أنا سيئة أنا ناسيها وأنت محصيها ، فتقول خذوه ، فباله من مأخوذ لا تنجيه عشيرته ، ولا تنفعه قبيلته يرحمه الملأ إذا أُذن فيه بالنداء.

ثمّ قال :

آه من نار تنضج الأكباد والكلى ، آه من نار نزاعة للشوى ، آه من غمرةٍ من ملهبات لظى.


قال : ثمّ انغمر في البكاء فلم أسمع له حساً ولا حركة ، فقلت : غلب عليه النوم لطول السهر ، اوقظه لصلاة الفجر.

قال أبو الدرداء : فأتيته ، فإذا هو كالخشبة الملقاة ، فحركته فلم يتحرك ، وزويته فلم ينزو ، فقلت : إنا إليه راجعون ، مات والله علي بن أبي طالبعليه‌السلام .

قال : فاتيت منزله مبادراً انعاه إليهم.

فقالت فاطمةعليهما‌السلام : يا أبا الدرداء ما كان من شأنه ، ومن قصته؟

فأخبرتها الخبر ، فقالت : هي والله ـ يا أبا الدرداء ـ الغشية التي تأخذه من خشية الله.

ثمّ أتوه بماء فنضحوه على وجهه ، فأفاق ، ويظر اليّ وأنا أبكي ، فقال : مما بكاؤك يا أبا الدرداء؟

فقلت : مما اراه تنزله بنفسك.

فقال : يا أبا الدرداء! فكيف لو رأيتني ، ودعي بي الى الحساب ، وايقن أهل الجرائم بالغذاب ، واحتوشتني ملائكة غلاظ ، وزبانية فظاظ ، فوقفت بين يدي الملك الجبار ، قد اسلمني الاحباء ، ورحمني أهل الدنيا لَكُنت َ أشدّ رحمة لي بين يدي مَن لا تخفى عليه خافية.

فقال أبو الدراداء : فو الله ما رايت ذلك لأحد من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١) .

يقول المؤلّف : رأيت من المناسب أن انقل هذه المناجاة عنهعليه‌السلام بنفس الفاظها التي كان يقرأها ، ليقرأها من شاء في قلب الليل في وقت التهجد ، كما عمل ذلك شيخنا البهائيرحمه‌الله في كتاب (مفتاح الفلاح).

* وهذه المناجاة الشريفة هي :

« اِلهي كَم مِن موبِقَةٍ حَلُمتَ عَن مُقابَلَتهِا بِنِقمَتِكَ(٢) وَكَم مِن جَريَرةٍ تَكَرَّمتَ عَن

__________________

(١) رواه الصدوق بالإسناد الى عروة بن الزبير في الأمالي : ص ٧٢ ـ ٧٣ ، المجلس ١٨ ، ح ٩ ، ورواه عنه المجلسي في البحار : ج ٤١ ، ص ١١ ـ ١٢ ، ح ١ ، وفي : ج ٨٧ ، ص ١٩٤ ، ح ٢.

(٢) بنعمتك : خ ، ل.


 كَشفِها بِكَرَمِكَ اِلهي إن طالَ في عِصيانِكَ عُمري وَعَظُمَ فِي الصُّحُفِ ذَنبي فَما اَنَا مُؤَمِّلٌ(١) غَيرَ غُفرانِكَ ، وَلا اَنَا بِراجٍ(٢) غَيرَ رِضوانِكَ * اِلهي اُفَكّرُ في عَفوِكَ فَتَهُون عَلَيَّ خَطيئَتي ، ثُمَّ اَذكُرُ العَظيمَ مِن اَخذِكَ فَتَعظُم عَلَيَّ بَليَّتي * آه اِن قَرَأتُ فِي الصُّحُف(٣) سَيّئَةً اًَنَا ناسيها وَاَنتَ مُحصيها فَتَقُولَ : خُذُوهُ ، فَيالَهُ مِن مَأخُوذٍ لا تُنجيهِ عَشيرَتُهُ وَلا تَنفَعُهُ قَبيلَتُهُ * آه مِن نارٍ تُنضجُ الاَكبادَ وَالكلِى * آه مِن نارٍ نَزّاعَة لِلشَّوى * آه مِن غَمرَةٍ مِن لَهَبابٍ لَظى(٤) .

* القصة السادسة :

روي عن الامام الصادقعليه‌السلام انّه قال :

انّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صلّى بالناس الصبح ، فنظر الى شاب من الأنصار(٥) وهو في المسجد يخفق ، ويهوي رأسه ، مصفر لونه ، نحيف جسمه ، وغارت عيناه في رأسه.

فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كيف أصبحت يافلان.

فقال : أصبحت يا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم موقناً.

فقال : فعجب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من قوله ، وقال له : انّ لكل شيء حقيقة ، فما حقيقة يقينك؟

قال : انّ يقيني يا رسول الله هو أحزنني ، وأسهر ليلي ، وأظمأ هواجري. فعزفت نفسي عن الدنيا وما فيها ، حتّى كأني انظر الى عرش ربّي وقد نصب الحساب ، وحشر الخلائق لذلك وأنا فيهم.

وكأني انظر الى أهل الجنّة يتنعمون فيها ، ويتعارفون ، على الارائك متكئين.

__________________

(١) بمؤمل : خ ، ل.

(٢) راج : خ ، ل.

(٣) الصحيفة : خ ، ل.

(٤) مفتاح الفلاح للشيخ البهائي ، ص ٣٠٧.

(٥) روى البرقيرحمه‌الله في المحاسن رواية اُخرى وقال (استقبل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حارثه بن مالك بن النعمان فقال له : كيف أنت يا حارثة الحديث ) المحاسن : ص ٢ب٤٦ ، (كتاب مصابيح الظلم من المحاسن) ، باب ٢٩ ، ح ١٤٧.


وكأني انظر الى أهل انار فيها معذبون يصطرخون.

وكأني أسمع الآن زفير النار نعزفون في مسامعي(١) .

قال : فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأصحابه : هذا عبد نوّر الله قلبه للإيمان.

ثمّ قال : الزم ما أنت عليه.

قال : فقال له الشاب : يا رسول الله! ادع الله لي أن اُرزق الشهادة معك.

فدعا له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بذلك.

فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاستشهد بعد تسعة نفر ، وكان هو العاشر(٢) .

__________________

(١) في الكافي بدل ( يعزفون في مسامعي ) (يدور في مسامعي).

(٢) رواه الكليني رضي اللهُ عنه في الكافي : ج ٢ ، ص ٥٣ ، ح ٢ ورواه البرقي في المحاسن : ص ٢٥٠ ، ح ٢٦٥ ( كتاب مصابيح الظلم من المحاسن) ، باب ٢٩. ونقله المجلسي في البحار : ج ٢٢ ، ص ١٤٦ ، ح ١٣٩ ، عن (نوادر الراوندي) ، وفي ج ٦٧ ، ص ٢٩٩ ، ح ٢٥ ، وفي ج ٦٧ ، ص ٣١٣ ، ح ٤٦ ، وفي ج ٧٠. وراجع معاني الأخبار للصدوق : ص ١٨٧ ، باب معنى الاسلام والإيمان ، وفي ج ٥ ص ١٥٩ ، ح ١٧ وفي ج ٧٠ ، ص ١٧٤ ، ح ٣٠.

ولا يكاد ينقضي عجبي من قوم دخلاء على أحاديث بيت العصمة والطهارة يتجرّؤون ويتجاسرون على أهل البيت عليهم السلام ، وهم يدّعون انّهم من شيعتهم فينسبون لأهل البيت عليهم السلام ما يعجبهم من الاخبار ويرون عنهم ما لا يفهمون ولا يفقهون ، وكأنهم أولياء عليهم لا أولياء لهم. اعاذنا الله تعالى من أقوالهم. وعليه فيصححون بعض الأخبار بحسب عقولهم وسليقتهم ، وينفون غيرها بذلك ، كما عمل ذلك بعذ مَن علّق على بحار العلاّمة المجلسي أعلى الله تعالى مقامه فهم :

أولاً : لا يعرفون انّ السند اذا صحّ كان حجّة على العباد لأن خبر الثقة حجّة.

وإن لم يصح لا يجوز ردّه لاحتمال أن يكون قد صدر عن أهل البيت عليهم السلام فيكون ردّاً عليهم كما ورد في الخبر الشريف عن الامام الباقر عليه السلام الذي رواه الكليني في الكافي الشريف في باب اكتمان عن أبي عبيدة الحذّا ء قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : (والله ان احبّ أصحابي اليّ اورعهم وافقههم واكتمهم لحديثنا وان أسوأهم عندي حالاً وامقتهم الذي اذا سمع الحديث ينسب إلينا ويروى عنا فلم يعقله اشمأز منه وجحدهِ ، وكفر من دان به ، وهو لا يدري لعلّ الحديث منم عندنا خرج وإلينا اسند ، فيكون بذلك خارجاً من ولا يتنا).

وفي البصائر روى الشيخ الثقة محمّد بن الحسين الصفار بإسناده عن أحدهماعليهم‌السلام


__________________

قال : (لا تكذبوا بحديث اتاكم به أتحتد فانّكم لا تدرون لعلّه من الحقّ تكذّبوا الله فوق عرشه).

والروايات في هذا المعنى قد بلغت استفاضتها حدّ التواتر.

وثانياً : انّ التدين لا يقاس بعقول الرجال كما ورد في الاخبار المسفيضة إن لم يد التواتر على النهي بالعمل بالرأي والقياس والاستحسان حتّى صار ذلك من ضروريات لامذهب كمما ادّعاغه كثير من الأساطين أهل التحقيق ، وهو الصحيح ، فمنها ما رواه المفيد بإسناد صحيح عن زرارة بن أعين قال : قال لي أبو جعفر بن علي عليهم السلام : يا زرارة إياك وأصحاب القياس في الدين فانّهم تركوا علم ماوكلوّا به ، وتكلفوا ما قد كفوه ، يتأوّلون الأخبار ويكذّبون على الله عزّوجلّ ) « الوسائل : كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، باب ٦ ، ح ٤٣ ».

وفي رواية عبد الرحمان بن الحجاج عن الصادق عليه السلام قال : ( إيّاك عن خصلتين تهلك فيهما الرجال : أن تين بشيء من رأيك ، أ, تفتي الناس بغير علم « الوسائل كتاب القضاء : أبواب صفات القاضي ، باب ٤ ، ح ٢٩.

وانّما أوجب الأئمةعليهم‌السلام الرجوع إليهم والعمل برواياتهم وقد بحث علماؤنا ذلك في علوم خاصّة.

وثالثاً : بطلان حجّة اولئك الذين لم يفهموا شيئاً من الأخبار ، وإليك المثال هذا ، حيث علّق على هذا الحديث الشريف بقوله :

( الظاهر أن هذا الحديث من سفاسف المتصوفة المتزهدة ، خصوصاً بملا حظة ما في بعضها انّه كان في امسجد يخفق ويهوي برأسه ، فانّه من شعار المتصوفة).

هامش البحار : ج ٧٠ ، ص ١٧٥ ، ١٧٦.

ويحاب عليه ـ ولو انّي لا أرى حاجة للجواب لولا تكرر هذه الخزعبلات منه في عدّة مواضع من الكتاب الشريف ـ بعدة ادوبة منها :

أولاً : متى كان الخفق من شعار المتصوفة؟ وفي أي كتاب يوجد هذا الشعار؟!

وهو أمر طبيعي لمن يقضي ليله بالعبادة وسهر التهجد أن تخفق عينه بالنهار.

نعم الذين لم يعرفوا التهجد ، ولم يرزقوا الحياء الليل في العبادة ، يعتبرون ذلك أمراً غريباً.

وثانياً : ما هو تحديد معنى الصوفي؟ فهل أن كل عابد زاهد فهو صوفي في رأية؟ أم انّ الصوفية مذهب خاص له افكاره وآراؤه ونظكرياته في الوجود والواجب والمعاد والسير الى الله تعالى والسلوك إليه ، والوسيلة إليه وغير ذلك.


__________________

وهل أن كل ما عند الصوفية فهو قبيح سيء غير مقبول ، حتّى لو كان السهر في العبادة.

انّه لأمر غريب من اولئك الدخلاء. ولكن الأعجب منه ما يفعله بعض التجار بطبع تلك الخزعبلات وترويجها. والله تعالى هو المنجي الخلق من جهل الجاهلين وانتحال الضالين. وثالثاً : أليست تلك الحقائق التي ذكرها الشباب العارف مذكورة في خطبة أمير المؤمنينعليه‌السلام في أوصاف المتقين؟

وإليك الخطبة لتعرف مطابقتها لمضامين الخبر :

(فالمتقون فيها هم أهل الضائل. منطقهم الصواب ، وملبسهم الاقتصاد ، ومشيهم التواضع ، غضوا أبصارهم عمّا حرّم الله عليهم. ووقفوا اسماعهم على العلم النافع لهم.

نزلت انفسهم منهم في البلاء كالتي نزلت ف يارخاء. ولولا الأجل الذي كتب لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقاً لاى الثواب ، وخوفاً من العقاب ، عظم الخالق في انفسهم فصغر مادونه في أعنيهم فهم والجنّة كمن قد رآها فهم فيها منعمون ، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون. قلوبهم محزونة ، وشرورهم مأمونة ، وأجسادهم نحيفة ، وحاجاتهم خفيفة ، وانفسهم عفيفة.

صبروا أيّاماً قصيرة اعقبتهم راحة طويلة ، تجارة مربحة يسرها لهم ربّهم. ارادتهم الدنيا فلم يريدوها ، واسرتهم ففدوا انفسهم منها. أما الليل فصافون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتلونه ترتيلاً يحزِّنون به انفسهم ويستثيرون به دواء دائهم فإذا مرّوا بآية فيها تشويق ركنوا اليها طمعاً ، وتطلعت نفوسهم إليهاشوقاً ، وظنّوا انّها نصب اعينهم ، وإذا مرّوا بآية فيها تخويف اصغوا اليها مسامع قلوبهم وظنوا انّ زفير جهنم وشهيقها في اصول آذانهم ، فهم حانون على أوساطهم ، مفترشون لجباههم واكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم يَطَّلِبُونَ الى الله تعلى في فكاك رقابهم.

وأما النهار فحلماء علماء أبرار اتقياء قد برأهم الخوف بري القدّاح ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض ، ويقول قد خولطوا ولقد خالطجهم أمرٌ عظيم ، لا يرضون من أعمالهم إلاّ القليل ولا يستكثرون الكثير الخطبة الشريفة).

ورابعاً : هل يحق لكل أحد أن يستظهر ما يشاء كيف يشاء وما يشاء كما يذهب إليه ذلك القائل دون أن يحاسب عن الدليل والسبب.

انذ الاستظهار ( وهو أن يقول القائل : الظاهر ، والأظهر وما شابهها من العبارات ) لابدّ وأن يكون مبتنياً على أساس علمي ودليل منطقي.

* * *


في ذكر بعض الأمثال لتنبّه المؤمنين

* المثال الأول :

قال بلوهر : بلغنا انّ رجلاً حمل عليه فيل مغتلم ، فانطلق مولياً هارباً ، واتبعه اليل حتّى غشيه ، ، فاضطره الى بئر ، فتدلى فيها ، وتعلق بغصنين نابتين على شفير البئر ، ووقعت قدماه على رؤوس حيات.

فلما نظر الى قعر البئر اذا بنيّين فاعر نحوه يريد التقامه.

فلما رفع رأسه الى أعلى الغصنين اذا عليهما شيء من عسل النحل ، فتطعم من ذلك العسل فالهاه ما طعم منه ، وما نال من لذة العسل وحلاوته عن الفكر ف يأمر الأفاعي اللواتي لا يدري متى يبادرنه ، والهاه عن التنّين الذي لا يدري كيف بصير مصيره بعد وقوعه في لهواته.

أما البئر فادنيا مملوَّة آفات وبلايا وشرور ، وأما الغصنان فالعمر ، وأما الجرذان فالليل والنهار يسرعان في الأجل ، وأما الأفاعي الأربعة فالاخلاط الأربعة التي هي السموم القاتلة من المرّة والبلغم والريح والدم لا يدري صاحبها متى تهيج به.

وأما التنّين الفاغر فاه ليلتقمه فالموت الراصد الطالب.


وأما العسل الذي اغترّ به المغرور فما ينال الناس من لذة الدنيا وشواتها ونعيمها ودعتها من لذة المطعم والمشرب والشمّ واللمس والسمع والبصر(١) .

يقول المؤلّف : لم يذكر مثل أحسن من هذا في انطباقه على المُمَثَّل لغفلة الانسان عن الموت والأهوال التي بعده واشتغاله بلذّات الدنيا العاجلة الفانية ، فليتأمّل فيه جيداً فلعله يصير سبب التنبه عن نومة الغفلة.

* وفي الخبر عن أمير المؤمنينعليه‌السلام لما دخل (سوق البصرة فنظر الى الناس يبيعون ويشترون ، فبكىعليه‌السلام نبكاءاً شديداً ، ثمّ قال :

« ياعبيد الدنيا وعمّال أهلها ، اذا كنتم بالنهار تحلفون ، وبالليل في فرشكم تنامون ، وفي خلال ذلك عن الآخرة تغفلون ، فمتى تجهزون(٢) الزاد ، وتفكرون في المعاد؟!!(٣) ».

يقول المؤلّف : ورأيت من المناسب أن اذكرهنا عدّة أبيات من الشعر :

اي به غفلت گذرانيده همه عمر عزيز

تا چه دارى وچه كردى عملت كو وكدام

توشه آخرتت چيست در اين راه دراز

كه توراموى سفيد از اجل آورد پيام

مى توانى كه فرشته شوى از علم وعمل

ليك از همّت دون ساخته اى بادد ودام

چون شوى همره حوران بهشتى كه تو را

همه در آب وگياه است نظر چون انعام

جهد آن كه نمانى ز سعادت محروم

كارخودسازكه اينجا دو سه روزيست مقام

يعني :

١ ـ يامن قضيت عمرك العزيز بالغفلة ، فأيّ عمل عندك ، وما الذي فعلته ، وماهو ، وأين هو؟.

٢ ـ ماهو زاد آخرتك في هذا الطريق؟ وقد أتاك الشيب برسالة من الأجل

__________________

(١) كمال الدين للشيخ الصدوق : ص ٥٩٣ ـ ٥٩٤.

(٢) في نسخة (تحرزون).

(٣) الأمالي : لشيخ المفيد ، ص ١١٩ ، المجلس : ١٤ ، ح ٣ ونقله عنه في البحار : ج ٧٧ ، ص ٤٢٤ ، ح ٤١ وفي ج ١٠٣ ، ص ٣٢ ، ح ٦٠.


(الموت)(١) .

٣ ـ كنت قادراً أن تصير مَلاكاً بالعلم والعمل ، ولكنك لو ضاعة همتك عايشت الحيوانات المفترسة وغير المفترسة.

٤ ـ كيف تكون مصاحباً لحواري الجنّة؟ مع أنّك تفكر دائماً باماء والعلف كالانعام.

٥ ـ فاجهد أن لا تبقى محروماً من السعادة ، واصلح عملك ، فانّ مكثك هناليومين أو ثلاث.

وقال شيخ الشيوخ النظامي الگنجوي(٢) :

__________________

(١) أقول : روى الصدوق بإسناده عن ابراهيم بن محمّد الحسني قال : بعث المأمون الى أبي الحسن الرضاعليه‌السلام جارية ، فلما ادخلت إليه اشمأزت من الشيب ، فلما رأى كراهيتها ردّها الى المأمون ، وكتب إليه بهذه الأبيات شعرا :

نعى نفسي الى نفسي المشيب

وعند الشيب يتعظ اللبيب

... الخ). عيون أخبار الرضا : ج ٢ ، ص ١٧٨ ، باب ٤٣ ، ح ٨.

وروى القطب الراوندي في دعواته : انّه لما دنا وفاة ابراهيمعليه‌السلام ، قال : هلا أرسلت إليّ رسولاً حتّى أخذت اهبة الموت؟

قال له : (أو ما علمت انّ الشيب رسولي).

دعوات الراوندي : ص ٢٣٩ ، ح ٦٧٠. وعنه في البحار : ج ٨٢ ، ص ١٧٢ ، ح ٦.

(٢) هو الشيخ أبو محمّد الشاعر جمال الدين المشهوربالنظامي والحكيم النظامي الگنجوي ، اختلفت كتب الانساب في اسمه ونسبه وهو من ناحية (تفريش) أو (فراهان) من توابع قم من بلاد ايران وكان حكيماً عارفاً عالماً عابداً زاهداً متقياً وكان يجتنب من ملازمة السلاطين وصحبتهم من بداية شبابه ، مع ما كانوا يظهرونه له من الاحترام والاهتمام به ، ولم يمدح أحداً منهم ، وتنسب إليه بعض الكرامات.

وله شعر كثير باللغة الفارسية معروف ويعدّ من أركان الأدب الفارسي ، وله دواوين خمسة معروفة (مخزن الأسرار ـ خسرو وشيرين ـ ليلى ومجنون ـ هفت پيكر ـ اسكندر نامه ومجموعها : ثلاث آلاف وأربعمائة وثمانين بيت. أضافة الى ديوان شعر مفقود. راجع ترجمته في الكنى والألقاب ـ للمؤلّفك ج ٣ ص ٢٥٩. ريخحانة الأدب : ج ٦ ، ٢١١ ـ ٢١٥ ، وقد لخصنا ترجمته عنه وهو باللغة الفارسية.


حديث كودكى وخود پرستى

رها كن كان خمار بود ومستى

چوعمر از سى گذشت ويا كه از بيست

نمى شايد دگر چون غافلان زيست

نشاط عمر باشد تا چهل سال

چهل رفته فروريزد پروبال

پس از پنجه نباشد تندرستى

بصر كندى پذيرد پاى سستى

چو شصت آمد نشست آمد پديدار

چو هفتاد آمخد افتاد آلت از كار

به هشتاد ونود چون در رسيدى

بسا سختى كه از گيتى كشيدى

از آنجا گربه صد منزل رسانى

بود مرگى به صورت زندگانى

سگ صيّاد كاهو گير گردد

بگيرد آهويش چون پير گردد

چو در موى سياه آمد سفيدى

پديد آمد نشان نا اميدى

زپنبه شد بنا گوشت كفن پوش

هنوز اين پنبه بيرون نارى از گوش

يعني :

١ ـ اترك حديث الطفولة والأنانية فانّها حالة السكر وامخمورية.

٢ ـ فعندما تنقضي ثلاثون سنة من العمرأ أو حتّى عشرين فلا يليق بعد ذلك ان تعيش كالغافلين.

٣ ـ فانّ قوة (حيوية) العمر الى أربعين سنة ، فإذا انقضت الأربعون فقد وقع الريش والجناح.

٤ ـ فلا تبقى بعد الخمسين صحّىة وعافية ن ويعشو البصر ، وتخور القدم.

٥ ـ فإذا جاءت الستون فسوف تظهر جلياً امارات الاقعاد ، فإذا جاء السبعون عجز عن العمل.

٦ ـ فإذا وصت الى أبواب الثمانين والتسعين فما أكثر المصاعب التي سوف تواجهها من هذا العالم.

٧ ـ وإذا تجاوزت التسعين الى المائة فهو اموت بصورة الحياة.

٨ ـ فكلب الصياد الذي يصطاد الغزال ، فانّ الغزل سوف يصطاده عندما يشيب.


٩ ـ فاذا جاء الشيب في الشعر الأسود فقد جاءت علامات انقطاع الأمل.

١٠ ـ وقد لبست شحمة اُذنك من القطن كفناً وأنت بَعدُ لم تخرج هذه القطنة من الاذن.

وقال آخر :

از روش لين فلك سبز فام

عمر گذشته است مرا شصت عام

در سر هر سالى از اين روزگار

خورده ام افسوس خوشيهاى پار

باشدم از گردش دوران شگفت

كانچه مرا داد همه پس گرفت

قوّتم از زانو وبازو برفت

آب زرخ رنگ هم از مو برفت

عقد ثريّاى من از هم گسيخت

گوهر دندان همه يك يك بريخت

آنچه بجا ماند ونيابد خلل

بار گناه آمد وطول امل

زنگ رحيل آمد از اين گوچگاه

همسفران روى نهاده به راه

آه زبى زادى روز معاد

زاد كم وطول مسافت زياد

بارگران بر سر دوشم چه كوه

كوه هم زبار من آمد ستوه

اى كه بَرِ عفو عظيمت گناه

در جلو سيل بهار امت كاه

فضل تو گر دست نگيرد مرا

عصمتت ار باز گذرد مرا

جز به جهنّم نرود راه من

در سقر انداخته بنگاه من

بنده شر منده نادان منم

غوطه زن لجّه عصيان منم

خالق وبخشنده احسان توئى

فرد ونوازنده به غفران توئى

يعني :

١ ـ بحركة هذا الفلك الأخصر قد انقطعت من العمر ستون سنة.

٢ ـ وعلى رأس كلّ سنة من هذا الدهر تأسفت على طيّبات العام الماضي.

٣ ـ وانّي لا عجب من التفاف الدهر حيث استردّ منّي كل ما أعطانيه.

٤ ـ وراحت مني قوتي من الساق والساعد ، وذهب الماء من وجنتي ، واللون من شعري.


٥ ـ وانفرط عقد ثرياي وتناثر جوهر أسناني الواحد تلو الآخر.

٦ ـ والذي بقي سالماً بدون اختلال هو حمل الذنب وطول الأمل.

٧ ـ وحان جرس رحيل هذا الزعن المسافر وتقدّم رفقاء السفر.

٨ ـ آه من فقدان زاد يوم المعاد ، فازاد قليل والمسافة طويلة.

٩ ـ والحل الثقيل على كتفي كالجبل ، بل يكلّ الجبل عن حمل ثقلي أيضاً.

١٠ ـ فيامن الذنب أمام عفوك العظيم مث٣ل التبن أمام سيل اربيع.

١١ ـ اذا لم يأخذ فضلك بيدي وكذا لو تركتني عصمتك أيضاً :

١٢ ـ فسوف لا ينتهي طريقي إلاّ الى جهنم ، ويكون مستقري في سقر.

١٣ ـ أنا العبد النادم الجاهل الغريق في لجّة عصياني.

١٤ ـ وأنت الخالق المحسن بالعفو الفرد واللطيف بمغفرتك.

* قال رسول اللهعليه‌السلام ك « أبناءُ الاربعين زَرعٌ قد دنا حصاده أبناء الخمسينَ ماذا قدمتم وماذا أخرتُم ، أبناءُ الستين هلموا إلى الحِساب أبناء السبعينَ عدوا انفسكم في الموتى »(١) .

* وفي الخبر : إن الديك يقول : اذكروا الله يا غافلين(٢) .

__________________

(١) جامع الأخبار : ص ١٢٠ ، الفصل ٧٦ ، وعنه في البحار ، ج ٧٣ ، ص ٣٩٠ ، ح ١٢ ، وفي سفينة البحار ، ج ٢ ، ص ٢٥٧ الطبعة الحجرية.

(٢) راجع قصص الأنبياء للقب الراوندي : ص ٢٥٦ ، الباب ١٧ن فصل ٨ ، ح ٣٠٠. والرواية مروية عن أمير المؤمنينعليه‌السلام .

وفي ك مناقب آل أبي طالب : لا بن شهر آشوب ، ج ٢ ، ص ٥٥ ، (فصل في المسابقة بالعلم) وفيه : (ابن مجال قال : قال عليعليه‌السلام : نقيق الديك اذكر وا الله ياغافلين).

وفي : الاختصاص ، للشيخ المفيد ، ص ١٣٦ ، (حديث منطق بعض الحيوانات) ، فقال عليعليه‌السلام : (ويقول الديك في نعيقه بالاسحار : اذكروا الله ياغافلين).

سفينة البحار : ج ١ ، ص ٤٧٥ الطبعة الحجرية. وقد نقلها المجلسي في البحار : ج ١٤ ، ص ٤١٢ ، ح ١ ، وفي : ج ٤٠ ، ص ١٧٠ ، ح ٤ ، وفي : ج ٦٤ ، ص ٣٥ ، ح ١٢ ولكنه نقل عن أصل قديم من خط التلعكبريرحمه‌الله ، بإسناده عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (وأما الديك فيقول : سبوح قدوس رب الملائكة والروح ، وأما الضفدع فيقول اذكروا الله ياغافلين) ، ج ٦٤ ، ص ٤٦ ، ح ٢٢.


هنگام سفيده دم خروس سحرى

داني كه چراهمى كند گرى

يعني كه نمودند در آئينه صبح

كز عمر شبى گذشت وتوبى خبرى

يعني :

١ ـ هل تدري لماذا ينوح دائماً ديك السحر عندما يضيء الفجر ويتنفس؟

٢ ـ يعني ظهر في مرآة الصبح انّه انقضى من عمرك ليلة وأنت غافل.

وَلنعم ما قال الشيخ الجامي :

دلا تا كى در اين كاخ مجازى

كنى مانند طفلان خاكبازى

توئى أن دست پرور مرغ گستاخ

كه بوتدت آشيان بيرون از اين كاخ

چرا زان آشيان بيگانه گشتى

چو دونان مرغ اين ويراه گشتى

بيفشان بال وپر زاميزش خاك

بپرتا كنگره ايوان افلاك

ببين در قصر ازرق طيلسانان

رداى نور بر عالم فشانان

همه دور جهان روزى گرفته

به مقصد راه فيروزى رفته

خليل آسا درِ ملك يقين زن

نداى لا اُحبّ الآفلين زن

يعني :

١ ـ ألا يا نفس الى متى تعمل في هذا القصر المجازي كالأطفال يلعبون بالتراب.

٢ ـ أنت ذلك الطائر المربّي الجريء ، الذّي كان وَكرُك خارج هذا القصر.

٣ ـ لماذا تركت وَكرك ذاكن وصرت طير هذه الخرائب؟

٤ ـ انفض جناحك وريشك مما عليه من تراب ، وحلّق الى أعلى مكان من ايوان الافلاك.

٥ ـ انظر في القصر ذوي الطيالسة(١) الذّين ينشرون رداء النور على العالم.

٦ ـ والكل آخذ برزقه من هذا العالم ، منخذ طريق الفوز والنجاح.

__________________

(١) الطيالسة : مفرده طيلسان ، وهو كساء أخضر (ازرق) يلبسه الخواص من المشائخ والعلماء ، وهو من لباس العجم.


٧ ـ فاطرق باب ملك اليقين كابرهيم الخليل ، ونادِ بنداء لا اُحبّ الآفلين(١) .

* المثال الثاني :

لأهل الدنيا الذين خدعتهم الدنيا وتعلقت قلوبهم بها.

قال بلوهر :

كان أهل مدينة يأتون الرجل الغريب الجاهل بأمرهم فيملّكونه عليهم سنة ، فلا يشكّ انّ ملكه دائم عليهم لجهالته بهم ، فاذا انقضت السنة اخرجوه من مدينتهم عرياناً مجرداً سليباً ، فيقع في بلاء وشقاء لم يحدّث به نفسه ، فصار ما مضى عليه من ملكه وبالاً وحزناً ومصيبة وأذىً(٢) .

ويصير مصداق هذا الشعر :

اى كرده شراب حبّ دنيا مستت

هشيار نشين كه چرخ سازد پستت

مغرور جهان مشوكه چون مثل حنا

بيش از دو سه روزى نبود در دستت

يعني :

يامن أسكرته خمرة حبّ الدنيا

انتبه! فانّ الفلك يدور بك إلى الأسفل

ولا تغتر بالدنيا لأنّها كالحناء لا يبقى لونها

في يديك أكثر من يومين أو ثلاث

ثمّ انّ أهل تلك المدينة أخذوا رجلاُ آخر ، فملّكوه عليهم ، فلمّا رأى الرجل غربته فيهم ، لم يستأنس بهم ، وطلب رجلاً من أهل أرضه خبيراً بأمرهم حتّى وجده ، فأفضى إليه بسرِّ القوم ، وأشار إليه أن ينظر الى الأموال التي في يديه فيخرج منها ما استطاع ، الأوّل فالأوّل : حتّى يحرزه في امكان الذي يخرجونه إليه فإذا اخرجه القوم صار الى الكفاية والسعة بما قدّم واحرز.

ففعل ما قال له الرجلا ولم يضيّع وصيته(٣) .

__________________

(١) وهو نداء ابراهيم الخليلعليه‌السلام كما في قوله تعالى :( لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ) من سورة الانعام الآية ٧٦.

(٢) كمال الدين للشيخ الصدوق : ص ٥٩٥.

(٣) كمال الدين للشيخ الصدوق : ص ٥٩٥.


يقول المؤلّف : يقول الله تعالى في القرآن المجيد :

( وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ) (١) .

* وقال الامام الصادقعليه‌السلام :

إن العمل الصالح ليسبق صاحبه الى الجنّة فيمهد له كما يمهد لأحدكم خادمه فراشه(٢) .

* ويقول أمير المؤمنينعليه‌السلام في كلماته القصار :

يابن آدم كن وَصيَّ نفسك ، واعمل في مالك ما تؤثر أن يُعمَلَ فيه من بعدك(٣) .

فيا عزيزي!

برگ عيشى به گور خويش فرست

كس نيارد زپس توپيش فرست

خور وپوش وبخشاى وراحت رسان

نگه مى چه دارى زبهر كسان

زر ونعمت اكنون بده كان تست

كه بعد از تو بيرون زفرمان تست

توبا خود ببر توشه خويشتن

كه شفقت نيايد زفرزند وزن

__________________

(١) سورة الروم : الآية ٤٤.

(٢) راجع مجمع البيان للطبرسي : ج ٤ ، ص ٣٠٧ ، قال : (وروى عن منصور بن حازم عن أبي عبد اللهعليه‌السلام الحديث) ، ونقله عنه الشيخ عبد علي الحويزي ، في تفسير نور الثقلين ، ج ٤ ، ص ١٩١.

وفي كتاب الزهد ، للحسين بن سعيد الاهوازي الكوفي : عن الامام الصادق عليه السلام قال : (انّ العمل الصالح ليذثب الى الجنّة فيسهل لصاحبه كما يبعث الرجل غلاماً فيفرش له ) ، ص ٢١ ، باب ٢ ، ح ٤٦.

وروى الشيخ أحمد بن فهد الحلي في عدة الداعي ص ٢١٧ عن الامام الصادق عليه السلام قال : إنّ العمل الصالح ليمهد لصاحبه في الجنّة كما يرسل الرجل غلاماً بفراشه فيفرش له ).

وفي الأمالي للشيخ المفيد : ص ١٩٥ ، ح ٢٦ قريباً منه.

ونقله في البحار : ج ٨ ، ص ١٩٨ ، ح ٨٩ ، وفي : ج ٧١ ، ص ١٨٥ ، ح ٤٦ ، وفي : ج ٧١ ، ص ١٨٧ ، ح ٤٩ ، وفي : ج ٧١ ، ص ١٩١ ، ح ٥٨.

(٣) نهج البلاغة : ج ٤ ، ص ٥٦ ، شرح محمّد عبده ـ تحت رقم ٢٤٦ ، باب المختار من حكمهعليه‌السلام ، شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد : ج ١٩ ، ص ٩٥.


غم خويش در زندگى خور كه خويش

به مرده نپردازد از حرص خويش

به غمخوارگى چون سر انگشت تو

نخارد كسى در جهان پشت تو

يعني :

١ ـ ابعث بزادٍ الى قبرك ، فليس هناك من يبعثه إليك بعدك.

٢ ـ كل ، والبس ، وهب ، وتنعم ، فلِمَ تبقي ما عندك لغيرك؟!

٣ ـ أنفق الذهب والنعمة وأموالك الآن ، فانّها سوف تخرج من سلطتك من بعدك.

٤ ـ خذ زادك معك بنفسك فسوف ، لا يشفق عليك ابنك ، ولا زوجتك.

٥ ـ اغتم لنفسك وأنت حيّ ، فانّ الأقارب لا يؤدون شيئاً للميت بسبب حرصهم.

٦ ـ فاغتم لنفسك ، فانّه ليس في الدنيا أحد يحك ظهرك مثل ظفرك.

* قال رسولُ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « واعْلَموَا أنَّ كُلّّ امْرئٍ عَلى ما قَدّّمَ قادِمٌ عَلى ما خَلََّّفَ نادِمٌ »

* ونقل عن أمالي المفيد النيشابوري ، وتاريخ بغداد انّه :

رأى أميير المؤمنينعليه‌السلام الخضر في المنام فسأله نصيحة قال : نصيحةً قال : فأراني كفّه فإذا فيها مكتوب بالخضرة :

قد كنت ميتاً فصرت حيّاً

وعن قليل تعود ميتاً

فابن لدار البقاء بيتاً

ودع لدار الفناء بيتاً(٢)

* المثال الثالث :

وقد بلغنا انّ ملكاً من الملوك كان عاقلاً قريباً من الناس ، مصلحاً لامورهم ،

__________________

(١) أعلام الدين للديلمي : ص ٣٤٠ ـ ٣٤١ ، الاربعون حديثاً التي رواها ابن ودعان ، الحديث ٢٧ ، ونقله في البحار : ج ٧٧ ، ص ١٨٥ ، ح ١٠.

(٢) سفينة البحار : ج ١ ، ص ٣٩١ ، الطبعة الحجرية. ج ٢ ، ص ٦١٠ ، الطبعة الحديثة ، مناقب آل أبي طالب ، ابن شهر آشوب ، ج ٢ ، ص ٢٤٨ ، البحار : ج ٣٩، ص ١٣٣.


حسن النظر والانصاف لهم ، وكان له وزير صق صالح يعينه على الاصلاح ويكفيه مؤونته ، ويشاوره في اُموره ، وكان الوزير أديباً عاقلاً ، له دين ، وورع ، ونزاهة عن الدنيا ، وكان قد لقي أهل الدين ، وسمع كلامهم ، وعرف فضلهم ، فأجابهم ، وانقطع اليهم بأخائه وودّه.

وكانت له من الملك منزلة حسنة وخاصّة. وكان الملك لا يكتمه شيئاً من أمره. وكان الوزير أيضاً له بتلك المنزلة ، إلاّ انّه لم يكن ليطلعه على أمر الدين ، ولا يفاوضه أسرار الحكمة.

فعاشا بذلك زماناً طويلاً. وكان الوزير كلما دخل على الملك سجد للاصنام(١) وعظمها وأخذ شيئاً في طريق الجهالة والضلالة تقية له.

فأشفق الوزير على الملك من ذلك ، واهتمّ به ، واستشار في ذلك أصحابه واخوانه ، فقالوا له : انظر لنفسك وأصحابك فإن رأيته موضعاً للكلام فكلمه وفاوضه ، وإلاّ فانّك انّما تعينه على نفسك ، وتهيجه على أهل دينك ، فانّ السلطان لا يغتربه ، ولا تؤمن سطوته.

فلم يزل الوزير على اهتمامه به ، مصافياً له ، رفيقاً به رجاء أن يجد فرصة فينصحه ، أو يجد للكلام موضعاً فيفاوضه.

وكان الملك ـ مع ضلالته ـ متواضعاً ، سهلاً ، قريباً ، حسن السيرة في رعيته ، حريصاً على اصلاحهم ، متفقداً لا مورهم.

فاصطحب الوزير الملك على هذا برهة من زمانه.

ثمّ انّ الملك قال للوزير ذات ليلة من الليالي بعدما هدأت العيون : هل لك أن تركب فيسير في المدينة ، فننظر الى حال الناس ، وآثار الأمطار التي اصابتهم في هذه الأيّام؟

فقال الوزير : نعم.

فركبا جميعاً يجولان في نواحي المدينة. فمرّا في بعض الطريق على مزبلة

__________________

(١) هكذا في المصدر المطبوع وفي البحار.


تشبه الجبل ، فنظر الملك الى ضوء النار تبدو في ناحية المزبلة. فقال للوزير : انّ لهذه لقصة ، فانزل بنا نمشي حتّى ندنومنها ، فنعلم خبرها.

ففعلا ذلك. فلما انتهيا الى مخرج الضوء وجدا نقباً شبيهاً بالغار ، وفيه مسكين من المساكين.

ثمّ نظرا في الغار من حيث لا يراهما الرجل ، فإذا الرجل مشوّه الخلق ، عليه ثياب خلقان من خلقان المزبلة ، متكئ على متكاء قد هيّأه من الزبل ، وبين يديه ابريق فخار فيه شراب وفي يده طنبور يضرب بيده. وامرأته في مثل خلقه ولباسه قائمة بين يديه تسقيه إذا استسقى منها ، وترقص له إذا ضرب ، وتحييه بتحية الملوك كلما شرب. وهو يُسميها سيدة النساء وهما يصفان انهفسهما بالحسن والجمال ، وبينهما من السرور والضحك والطرب مالا يوصف.

فقام الملك على رجليه ملياً ، والوزير ينظر كذلك ، ويتعجبان من لذتهما واعجابهما بما هما فيه.

ثمّ انصراف الملك والوزير.

فقال الملك : ما أعلمني وإيّاك اصابنا الدّهر من اللذة والسرور والفرح مثل ما أصاب هذين الليلة هذين الليلة ، مع انّي اظنّهما يصنعان كل ليلة مثل هذا.

فاغتنم الوزير ذلك منه ، ووجده فرصة ، فقال له : أخاف ـ أيّها الملك ـ أن تكون دنيانا هذه من الغرور ، ويكون ملكك وما نحن من البهجة والسرور في أعين مَن يعرف الملكوت الدائم مثل هذه المزبلة ، ومثل هذين الشخصين اللذين رأيناهما ، وتكو مساكننا وا شيّدنامنها عند من يرجو مساكن السعادة وثواب الآخرة مثل هذا الغار في اعيننا ، وتكون أجسادنا عند مَ ، يعرف الطهارة والنضارة والحسن والصحّة مثل جسد هذه المشوّه الخلق في أعيننا ، ويكون تعجبهم عن اعجابنا بما نحن فيه كتعجبنا من اعجاب هذين الشخصين بما فيه. قال الملك : وهل تعرف لهذه الصفة أهلاً؟

قال الوزير : نعم.


قال الملك : مَن هم؟

قال الوزير : أهل الدين الذين عرفوا ملك الآخرة ونعيمها فطلبوه.

قال الملك : وما ملك الآخرة؟

قال الوزير : هون النعيم الذي لا بؤس بعده ، والغنى الذي لا فقر بعده ، والفرح الذي لا ترح بعده ، والصحّة التي لا سقم بعدها ، والرضا الذي لا سخط بعده ، والأمن الذي لا خوف بعده ، والحياة لاتي لا موت بعدها ، والملك الذي لا زوال له. هي دار البقاء ودار الحيوان التي لا انقطاع لها ، ولا تغيير فيها ، رفع الله عزّوجلّ عن ساكنيها فيها السقم والهرم والشقاء ، والنصب ، والمرض ، والجوع ، والظمأ ، والموت.

فهذه صفة ملك الآخرة ، وخبرها أيّها الملك.

قال الملك : وهل تدركون الى هذه الدار طلباً ، والى دخولها سبيلاً؟

قال الوزير : نعم! هي مهيّأة لمن طلبها من وجه مطلبها. ومن أتاها من بابها ظفربها.

قال الملك : ما منعك أن تخبرني بهذا قبل اليوم؟

قال الوزير : منعني من ذلك اجلالك ، والهيبة لسلطانك.

قال الملك : لئن كان هذا الأمر الذي وصفت يقيناً فلا ينبغي لنا أن نضيّعه ، ولا نترك العمل به في اصابته. ولكنّا نجتهد حتّى يصحّ لنا خبره.

قال الوزير : أفتأمرني أيّها الملك أن او اظب عليك في ذكره ، والتكوير له؟

قال الملك : بل آمرك أن لا تقطع عني ذكره ليلاً ولا نهاراً ، ولا تريحني ، ولا تمسك عني ذكره ، فانّ هذا أمر عجيب لا يتهاون به ، ولا يغفل عن مثله.

وكان سبيل ذلك املك والوزير الى النجاة(١) .

* يقول المؤلّف : رأيت من المناسب في هذا المقام لأجل زيادة بصيرة

__________________

(١) كمال الدين للشيخ الصدوق : ص ٦٠٤ ـ ٦٠٦ ، طبعة طهران.


المؤمنين أن اتبرك بذكر عدّة فقرات من أحدى خطب أمير المؤمنينعليه‌السلام الشريقة : قال :

« احذروا هذه الدنيا الخداعة الغدارة التي قد تزينت بحليها ، وفتنت بغرورها ، وعزت بآمالها ، وتشوفت لخطابها ، فأصبحت كالعروس المجلوة والعيون إليها ناظرة والنفوس بها مشغوفة ، والقلوب اليها تائقة ، وهي لا زواجها كلهم قاتلة. فلا الباقي بالماضي معتبر ، ولا الآخر بسوء أثرها على الأول مزدجر »(١) .

الى أن قالعليه‌السلام :

« ومما يدلك على دناءَة الدنيا ان الله جلّ ثناؤه زواها عن أوليائه واحبائه نظراً واختياراً ، وبسطها لا عدائه فتنة واختباراً.

فاكرم محمّداً نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين عصب على بطنه من الجوع.

وحماها موسى نجيّه المكلم ، وكانت ترى خضرة البقل من صفاق بطنه من الهزال »(٢) .

وساقعليه‌السلام الكلام في زهد الأنبياءعليهم‌السلام وتنزّههم عنها وانّهم :

« انزلوا الدنيا من انفسهم كالميتة التي لا يحلّ لأحد أن يشبع منها إلاّ في حال الضرورة إليها ، واكلوا منها بقدر ما أبقى لهم النفس ، وامسك على فيه ، فهم يتبلّغون بأدنى البلاغ ولا ينتهون الى الشبع من النتن ويتعجبون من الممتلي منها شبعاً ، والراضي بها نصيباً.

اخواني والله لهي في العاجلة والـآجلة لِمَن ناصَح نَفسَهُ في النظر ، واخلص لها الفكر أنتَن مِنَ الجيفة ، واكره من الميتة ، غير انّ الذي نشأ في دباغ الاهاب لا يجد نتنه ، ولا يؤذيه رائحته ما تؤذي المارّبه ، والجالس عنده »(٣) .

__________________

(١) سفينة البحار : ج ١ ، ص ٤٦٦ ، الطبعة الحجرية. البحار : ج ٧٣ ، ص ١٠٨ ، ح ١٠٩.

(٢) سفينة البحار : ج ١ ، ص ٤٦٦ ، الطبعة الحجرية. البحار : ج ٧٣ ، ص ١١٠ ، ح ١٠٩.

(٣) سفينة البحار : ج ١ ، ص ٤٦٦ الطبعة الحجرية ، البحار : ج ٧٣ ، ص ١١١ ، ح ١٠٩.


ويقولعليه‌السلام :

وإياك أن تغتر بما ترى من اخلاد أهلها وتكالبهم عليها فانّهم كلابٌ عاوية وسباع ضاريةٌ ، يهرُّ بعضها على بعض ، يأكل عزيزها ذليلها ، ويقهر كثيرها قليلها(١) . يقول : الفقير : قد أخذ الحكيم السنائي(٢) هذا المعنى ونظمه شعراً فقال :

اين جهان برمثال مردارى است

كركسان گرد أو هزار هزار

اين ، مر آن همى زند مخلب

آن مر اين راهمى زند منقار

آخر الامر بگذرند همه

وزهمه بازماند اين مردار

__________________

وروي عن الامام الصادقعليه‌السلام انّه قال : « تمثلت الدنيا لعيسىعليه‌السلام في صورة امرأة زرقاء.

فقال لها : كم تزوجت؟

قالت : كثيراً.

قال : فكلّ طلّقك؟

قالت : بل كلّاً قتلت.

قال : فويح لازواجك الباقين كيف لا يعتبرون بالماضين » من المؤلّفرحمه‌الله .

أقول : رواه الحسين بن سعيد الاهوازي الكوفي ، في الزهد ن باب ٨ ، ح ١٢٩ ، ص ٤٨ ، ونقله في البحار : ج ١٤ ، ص ٣٣٠ ، ح ٦٧ ، وفي : ج ٧٣ ، ص ١٢٥ ، ح ١٢٠.

(١) رواه الشيخ ورام في تنبيه الخواطر ونزهة النواظر : ج ١ ، ص ٧٧. ونقله عن المجلسي في البحار : ج ٧٣ ، ص ١٢٣ ، ح ١١١ ، وفي : ج ٧٧ ، ص ٢٠٧ ، ح ١. كشف المحجة لثمرة المهجة للسيّد ابن طاووس : الفصل ١٥٤ ، ص ١٦٦ ، باختلاف يسير.

(٢) الحكيم السنائي : أبو المجد ن مجدود بن آدم ، الحكيم الغزنوي العالم العارف الشاعر الكامل الذي يستشهد بأشعاره المتقنة ، وكان على مذهب أهل البيتعليهم‌السلام وكان في بداية أمره من رجال بلاط الحاكم الغزنويين ، وكان من مدّاحي السلطان ابراهيم الغزنوي ، ثمّ تاب وأناب وصار من أهل السير والسلوك ، وكان الملا الروحي مع فضله ومقامه ـ فانّه كان قطب وقته وسر سلسلة الشعراء العرفانيين ـ يعد نفسه من اتباع الحكيم السنائي.

ومن شعره وآثاره : الهي نامه ـ حديقة الحقيقة ـ بهروز وبهرام ـ حديقة الحقيقة وشريعة الطريقة ـ ديوان قصائد وغزل ـ رموز الأنبياء وكنوز الأولياء ـ زاد السالكين ـ طريق التحقيق ـ سير العباد الى المعاد وغير ذلك.

راجع في ترجمة : روضات الجنات : ج ٧ ، ص ٢٣٦ ـ ٢٤٢. ريحانة الأدب : ج ٣ ، ص ٧٩ ـ ٨٧. الكنى والألقابك ج ٢ ، ص ٢٩١ ـ ٢٩٢ ، وغير ذلك.


اى سنائي نداى مرگ رسيد

گوشه اى گير از اين جهان هموار

هان وهان تا تورا چه خود نكند

مشتى ابليس ديده طرّار

يعني :

١ ـ هذه الدنيا مثل الجيفة ، والغربان تحوم حولها آلافاً وآلافاً.

٢ ـ فهذا ينشب مخالبه في الآخر ، وذاك ينقر بمنقاره فيه.

٣ ـ وفي النهاية يذهبون ، ويتركون الجيفة على حالها.

٤ ـ ياسنائي : قد وصل نداء الموت ، فتنحى جانباً في زاوية من هذه الدنيا.

٥ ـ فاحذر كلّ الحذر من شرذمة أبالسة أن يجعلوك مثلهم.

* يقول الفقير :

وقالَ أميرُ المُؤمنينَعليه‌السلام : واللهِ لَدُنياكُم هذِه اَهوانُ في عَيني مِن عُراقِ خِنزيرٍ في يَدِ مَجذُوم(١) .

وهذا منتهىى التحقير للدنيا ، فانّ العظم أحقر من كل حقير بلا قيمة وبالخصوص إذا كان عظم خنزير وبالخصوص اذا كان في يد مجذوم فانّه في تلك الحالة سوف يكون أقذر من كل شيء.

* المثال الرابع :

وهو للذين قضوا عمرهم بنعمة الحقّ تعالى ، فإذا ابتلوا أو امتحنوا كفروا بالنعمة ، فاعرضوا عن المنعم الحقيقي واسرعوا الى غير الله ، وارتكبوا

__________________

(١) نهج البلاغة : ج ٤ ، ص ٥٢ ، شرح محمّد عبدة تحت رقم ٢٣٠ن باب المختار من حكمهعليه‌السلام ، شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد : ج ١٩ ، ص ٦٧ ، تحت رقم (٢٣٣). وقال :

(العُراق : جمع عَرق وهو العظم عليه شيء من اللحم ، وهذا من الجموع النادرة نحو رَخل ورُخال ، وتَوأم وَتُؤام. ولا يكون شيء أحقر ولا ابغض الى الانسان من عُراق خنزير في يد مجذوم ، فانّه لم يَرضَ بأن يجعله في يد مجذوم ـ وهو غاية ما يكون من التنفير ـ حتّى جعله عُراق خنزيز.

ولعَمري لقد صدق ـ وما زال صادقاً ـ ومن تأمّل سيرته في حالتي خلوِّه من العمل وولايته الخلافة عرف صحّة هذا القول). انتهى كلام ابن أبي الحديد.


ما لا يليق بهم.

* وقد ذكر الشيخ البهائي هذا المثال في الكشكول.

وجاء به منظوماً(١) .

روي انّه كان في جبل لبنان رجل من العباد منوزوياً عن الناس في غار في ذلك الجبل ، وكان يصوم النهار ويأتيه كل ليلة لاغيف يفطر على نصفه ويتسحر بالنصف الآخر ، وكان على ذلك الحال مدة طويلة لا ينزل من ذلك الجبل أصلاً ، فاتفق أن انقطع عنه الرغيف ليلة من الليالي ، فأشتد جوعه وقل هجوعه فصى العشاء ين وبات في تلفك الليلة في انتظار شيء يدفع به الجوع فلم يتيسر له شيء ، وكان في أسفل ذلك الجبل قرية سكانها نصارى فعندما أصبح العابد نزل إليهم واسصتطعم شيخاً منهم فأعطاه رغيفين من خبز الشعير ، فأخذهما وتوجه الى الجبل وكان في دار ذلك الشيخ كلب جرب مهزول ، فلحق العابد ونبح عليه وتعلق بأذياله فألقى عليه العابد رغيفاً من ذينك الرغيفين ليشتغل به عنه ، فأكل الكلب ذلك الرغيف ولحق العابد مرّة اُخرى وأخذ في انباح والهرير فألقى إليه العابد الرغيف الآخر فأكله ولحقه تارة ثالثة واشتد هريره وتشبذ بذيل العابد ومزقه فقال العابد سبحان الله! انّي لم أركلباً أقل حياءً منك أن صاحبك لم يعطني إلاّ رغيفين وقد أخذتهما مني ماذا تطلب بهريرك وتمزق ثيابي ، فأنطق الله تعالى الكلب فقال : لست أنا قليل الحياء اعلم انّي ربيت في دار ذلك النصراني احرس غنمه واحفظ داره واقنع بما يدفعه إلي من خبز أو عظام ، وربما نسيني فأبقى أيّاماً لا أكل شيئاً بل ربما تمضي أيّام لا يجد هو لنفسه شيئاً ولا لي ومع ذلك لم افارق داره منذ عرفت نفسي ولا توجهت الى باب غيره ، بل كان دأبي انّه إن حصل شيء شكرت

__________________

(١) قال المؤلفرضي‌الله‌عنه (وانا اكتفي هنا بيظمه ونقله من الكشكول).

ولكننا اكتفينا بنقل المثال بما ذكره الشيخ البهائي نثراً وذلك لأن ترجمة القصيدة سوف تفقد غرضها الموسيقي والأدبي فلذلك فالا فضل الاقتصار على معنى القصيدة باللفظ العربي لاذي كتبه صاحب القصيدة ، وقد ذكره في : الكشكول ـ الشيخ البهائي : ج ١ ، ص ٣٤ ـ ٣٥ ، وأما القصيدة فقد ذكرها في الكشكول : ج ١ ، ص ٢٢٠ ـ ٢٢١.


وإلاّ صبرت ، وأما أنت فبانقطاع اللاغيف عنك ليلة واحدة لم يكن عندك صبر ، ولا كان لك تحمل حتّى توجهت من باب رزاق العباد الى باب نصراني ، وطويت كشحك عن الحبيب ، وصالحت عدوه المريب فقل ايّنا أقل حياءً أنا أم أنت؟

فلما سمع العابد ذلك ضرب بيديه على رأسه وخر مغشياً عليه.

* يقول المؤلّف : كم هو جميل في هذا المقام نقل ما قاله الشيخ سعدي حيث قال :

أجلُّ الكائنات من حيث الظاهر الانسان ، وأذلّ الموجودات الكلب ، وباتفاق العقلاء انّ الكلب الوفيّ خير من الانسان غير الشاكر للنعمة.

سگى را لقمه اى هر گز فراموش

نگردد گرزنى صد نوتبش سنگ

وگر عمرى نوازى سفله اى را

به كمتر چيزى آيد باتو در جنگ

يعني : لو اعطيت لكلب لقمة فانّه سوف لا ينساها أبداً ، حتّى لو رميته بالحجر مائة مرّة.

ولو تلطفت عُمراً على سافل فانّه سوف يحاربك لأجل أقلّ الأشياء.

* ومن المناسب جداً أن نذكر هذا الخبر الشريف هنا لينير القلب ويقرّ العين : روي انّ أبا عبداللهعليه‌السلام كان عنده غلام يمسك بغلته اذا هو دخل المسجد ، فبينما هو جالس ومعه البغلة اذا اقبلت رفقة من خراسان ، فقال له رجل من الرفقة : هل لك يا غلام أن تسأله ان يجعلني مكانك ، وأكون له مملوكاً ، واجعل لك مالي كله ، فانّي كثير المال من جميع الصنوف ، اذثب فاقبضه ، وأنا أقيم معه مكانك؟

فقال : اسأله ذلك.

فدخل على أبي عبد اللهعليه‌السلام فقال : جُعلت فداك تعرف خدمتي ، وطول صحبتي ، فان ساق الله اليّ خيراً تمنعنيه؟

قال : اعطيك من عندي ، وامنعك من غيري.

فحكى له قول الرجل ، فقال : إن زهدت في خدمتنا ورغب الرجل فينا ، قبلناه ، وأرسلناك.


فلما ولّى عنه عاه ، فقال له : انصحك لطول الصحبة ولك الخيار ، فإذاكان يوم القيامة كان رسول الله متعلقاً بنور الله ، وكان أمير المؤمنين متعلقاً برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكان الأئمة متعلقين بأمير المؤمنينعليه‌السلام ، وكان شيعتنا متعلقين بنا يدخلون مدخلنا ، ويردون موردنا.

فقال الغلام : بل اقيم في خدمتك ، واوثر الآخرة على الدنيا.

وخرج الغلام الى الرجل ، فقال له الرجل : خرجت اليَّ بغير الوجه الذي دخلت به؟!

فحكى له قوله ، وأدخله على أبي عبد اللهعليه‌السلام . فقبل ولاءه وأمر للغلام بألف دينار(١) .

* يقول هذا الفقير لصاحب الذات القدسية : يا سيدي انّي مذ عرفت نفسي وجدتها على عتبة بابك ، ونبت لحمي وجلدي من نعمتك. املاً وأنا في أواخر عمري أن تتلطف عليّ بالحفظ ، ولا تبعدني عن هذه الباب ولي طلب اقدمه بلسان الذل والفاقة :

عن حماكم كيف انصرف

وهواكم لي به شرف

سيدي لا عشتُ يوم أُرى

في سوى أبوابكم اقف

* المثال الخامس :

(لبيان دناءة وخسة الجهل والحث على العلم والمعرفة).

ذكر أبو القاسم الراغب الاصفهاني في كتاب (الذريعة) :

(دخل حكيم على رجل فرأى داراً منجّدة ، وفرشاً مبسوطةً ، ورأى صاحبها خلوّاً من الفضيلة ، فبزق في وجهه.

فقال له : ما هذا السفه أيّها الحكيم؟

__________________

(١) الخرائج والجرائح للقب الراوندي : ج ١ي ، ص ٣٩٠ ـ ٣٩١ ، الباب ١٠ ، (في معجزات الامام الجواد عليه‌السلام) ح ١٧. ونقله في البحار : ج ٥٠ ، ص ٨٧ ، ح ٣.


قال : بل هذه حكمة. انّ البصاق لير مى في أخس مكان في الدار ، ولم أر في دارك أخس منك)(١) .

* يقول المؤلّف : فنبّه هذا الرجل الحكيم بذلك على قباحة ودناءة الجهل ، وانّ القبح والدناءة لا تزول بمجرد اقتناء المنزل الجيد ولبس الألبسة الفاخرة.

ولكن لا يخفى انّ الفضيلة للعلم تكون باقتران العلم فانّ هذه الفضيلة توأم مع تلك الخصلة الشريفة.

ولقد أجاد من قال :

نيست از بهر آسمان ازل

نردبان پايه به زعلم وعمل

علم سوى دَرِ اله برد

نه سوى ملك ومال وجاه برد

هركه را علم نيست گمراه است

دست او زانسراى كوتاه است

كاربى علم تخم در شور است

علم بى كارزنده در گور است

حجّت ايزدى است در گردن

خواندن علم وكار ناكردن

آنچه دانسته اى به كار در آر

خواندان علم جوى از پى كار

تا تو در علم باعمل نرسى

عالمى فاضلى ولى نه كسى

علم در مزبله فرونايد

كه قدم باحدث نمى پايد

چند از اين ترّهات ومحتالى

چشمها درد ولاف كحّالى

دانش آنة خوبتر زبهر بسيج

كه بدانى كه مى دانى هيچ

يعني :

١ ـ ليس هناك سلّم يرتقى به الى سماء الأزل خير من العلم والعمل.

٢ ـ العلم يوصل بك الى الله ، ولا يوصلك الى المُلك والمال والجاه.

٣ ـ كل من ليس له علم فهو ضالّ ويده قاصرة عن الوصول إلى دار الآخرة.

٤ ـ والعمل بلا علم مثل البذر في أرض سبخة ، والعلم بلا كالحي في القبر.

__________________

(١) الذرية الى مكارم الشريعة للراغب الاصفهاني : ص ٤ طبعة مصر.


٥ ـ حجّة الله قمت على من تعلّم العلم ولم يعمل به.

٦ ـ كلّ تعلّمته من العلم فاعمل به واطلب العلم بقصد العمل به.

٧ ـ مالم تواصل العلم بالعمل ، فانّك سوف تكون عالماً فاضلاً ، ولكنك لست بشخصيّة.

٨ ـ لا ينزل العلم في المزبلة ، فانّ القدم والحدوث لا يجتمعان.

٩ ـ كم من ثذه السخائف والحيل ، والاّدعاء بطبابة العيون مع كونك أرمداً.

١٠ ـ أحسن العلوم علم يهيّئك با ، تعلم بأنّك لا تعلم شيئاً.

* قال عيسى بن مريمعليهم‌السلام : أشقى الناس مَن هو معروف عند الناس بعلمه مجهول بعمله(١) .

وقال الحكيم السنائي :

اي هواهاي تو خدا انگيز

وى خدايان تو خدا آزار

ره رها كرده اى از آنى گم

عزّ ندانسته اى از آنى خوار

علم كز تو تورانه بستاند

جهل از آن علم به بود صد بار

غول باشد نه عالم آنكه از او

شنوى گفت ونشنوى كردار

عالمت غافل است وتو غافل

خفته را خفته كى كند بيدار

كى دلا آيد فرشته تانكنى

سگ ز در دور وصورت از ديوار

ده بود آن نه دل كه اندروى

گاو وخر باشد وضياع وعقار

سائق وقائد وصراط إله

به ز قرآن مدان وبه زاخبار

يعني :

١ ـ يامن اتّخذ آلهته هواه والله بريء منك ومن آلهتك!.

٢ ـ تركت الطريق فضلت عنه ، ولم تعرف اعزّ فصرت ذليلاً.

٣ ـ العلم الذي لا يأخذ الأنانية منك فالجهل أفضل من ذلك العلم مائة مرّة.

__________________

(١) مصباح الشريعة : ص ٢٠ ـ ٢١ ، الباب ٨ (في آفة العلماء) ، ح ٢. ونقله في البحار : ج ٢ ، ص ٥٢ ، ح ١٩.


٤ ـ وانّ ذلك الذي تسمع منه القول ، ولا تسمع عنه العمل انّما هو غول وليس عالماً.

٥ ـ عالِمُكَ غافل ، وأنت غافل ، فمتى كان النائم يوقظ النائم؟

٦ ـ فمتى تدخل عليك الملائكة اذا لم تبعد الكلب عن الباب تمحُ الصورة عن الحائط؟(١) .

٧ ـ انّ ذلك الذي في داخله بقر وحمار وضياع وعقار انّما هو قرية وليس قلباً.

٨ ـ ليس هناك سائق وقائد وصراط إلى الله أفضل من القرآن والسنّة.

تمّ ماكان مقداراً إثباته في هذه الرسالة الشريفة في النصف من شهر رمضان المبارك يوم ذكرى المولد السعيد للسبط الجليل لخير الورى الامام الحسن المجتبىعليه‌السلام سنة ١٣٤٧.

وبما انّ هذه الرسالة تمت في الشهر الشريف فمن المناسب ختمها بهذين الدعاء الشريفين :

* الأول :

روى الشيخ المفيد في كتاب (المقنعة) عن الثقة الجليل القدر علي بن مهزيار

__________________

(١) أقول : ورد في مجموعة من الروايات الشريفة انّ الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب أو صورة ، من ذلك مارواه الكليني في الكافي الشريف : ج ٣ ، ص ٣٩٣ ، ح ٢٧ ، بإسناد عن الامام الصادقعليه‌السلام قال :

« قال رسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انّ جبرئيلعليه‌السلام أتاني فقال : إنّا معاشر الملائكة لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا تمثال جسد ولا إناء يبال فيه ».

وروى الكليني في الكافي : ج ٣ ، ص ٣٩٣ ، ح ٢٦ عن الامام الباقر عليه السلام انّه قال :

« قال جبرئيلعليه‌السلام : يارسول الله! لا ندخل بيتاً فيه صورة انسان ولا بيتاً يبال فيه ، ولا بيتاً فيه كلب ».

وفي الكافي : ج ٦ ، ص ٥٢٧ ، ح ٣ ، بالإسناد عن الامام الصادق عليه السلام قال :

« انّ الجبرائيلعليه‌السلام قال : انّا لاندخل بيتاً فيه صورة ، ولا كلب ».

يعني : صورة الانسان ، ولا بيتاً فيه تمثال.


عن الامام أبي جعفر الجوادعليهم‌السلام انّه قال :

يستحب أن تكثر من أن تقول في كل وقت من الليل أو النهار من أول الشهر الى آخره :

« ياذَا الَّذي كانَ قَبلَ كُلِّ شَيءٍ ، ثُمَّ يَبقى وَيَغنى كُلُّ شَيء ، ياذَا الَّذي لَيسَ كَمِثله شَيءٌ ، وَياذَا الَّذي لَيسَ فِي السَّماواتِ العُلى وَلا فِي الأَرَضينَ السُّفلى ، وفَوقَهُنَّ وَلا تَحتَهُنَّ ولا تَحتَهُنَّ وَلابَينُهنَّ إله يُعبَدُ غَيرُهُ ، لَكَ الحَمدُ حَمداً لا يَقوى عَلى إحصائه إلاّ أنتَ ، فَصَلِّ عَلى مُحمَّدٍ صَلاةً لا يَقوى عَلى إحصائِها إلاّ أنتَ »(١) .

* الثاني :

روى الشيخ الكليني وغيره عن الامام جعفر الصادقعليه‌السلام هذا الدعاء الذي علّمه زرارة وأمره أن يدعو به زمان الغيبة وامتحان الشيعة :

« اللّهُمّ عَرِّفني نَفسَكَ فَإنَّكَ إن لَم تُعَرِّفني نَفسَكَ لَم أعرِف يَبِيَّكَ ، اللّهم عَرِّفني رَسُولَكَ فإنَّكَ إن لَم تُعَرِّفني رَسولكَ لَم أعرِف حُجَّتَ : ، اللّهم عَرِّفني حُجَّتَك فَإنَّكَ إن لَم تُعرِّفني حُجَّتَك ضَلَلتُ عَن ديني »(٢) .

* واعلم انّ العماء قد ذكروا في كتبهم انّ منم تكاليف العباد في زمن الغيبة الدعاء لصاحب الزمانعليه‌السلام والتصدّق عن وجوده المقدّس.

* ومن جملة تلك الأجعية الواردة تقول دائماً بعد تمجيد الله تعالى والصلاة على النبي الأكرم وآلهعليهم‌السلام :

« اللّهُمَّ كُن لِوَليّكَ الحُجَّة ِ بنِ الحَسَنِ صَلَواتُك عَلَيه وعَلى آباِئه في هذِهِ السَّاعَةِ وَفي كُلّ ساعَةٍ وَليّاً وَحافِظاً وَناصراً وَدَليلاً وَعَيناً حَتّى تُسكِنَهُ أرضَكَ طَوعاً وَتُمَتِّعَهُ بِها طَويلاً »(٣) .

__________________

(١) المقنعة للشيخ المفيد : ص ٥١ ، الطبعة الحجرية طبعة قم.

(٢) الكافي : ج ١ ، ص ٣٣٧ ، كتاب الحجّة ، باب في الغيبة ، ح ٥.

(٣) أقول في الكافي : ج ٤ ، ص ١٦٢ ، ح ٤ ، في حديثه عن محمّد بن عيسى بإسناده عن


كتبه العبد عباس القمّي

في سنة سبع وأربعين بعد ألف وثلاثمائة

في جوار الروضة الرضويّة لا زالت مهبطاً للفيوضات الربّانية

والحمد لله أوّلاً آخراً ، وصلّى الله على محمّد وآله.

* * *

__________________

الصالحينعليهم‌السلام ( ومتى حضرك من دهرك تقول بعد تحميد الله تبارك وتعالى ، والصلاة على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اللهمّ كن لوليك فلان بن فلان في هذه الساعة وفي كل ساعة ولياً وحافظاً ، وناصراً ، ودليلاً وقائداً وعوناً وعيناً حتّى تسكنه أرضك طوعاً وتمتعه فيه طويلاً).

ورواه الشيخ الطوسي في التهذيب : ج ٣ ، ص ١٠٢ باب ١٣ ، ح ٢٦٥ ، باختلاف يسير بالدعاء : (اللّهمّ كن لوليك فلان بن فلان في هذه الساعة وفي كل ساعة ولياً وحافظاً وقائداً وناصراً ودليلاً وعيناًَ حتّى تسكنه أرضك طوعاً وتمكنه فيها طويلاً).

ونقله الشيخ الكفعمي في المصباح : ص ٥٨٦ ، الطبعة الحجرية ممع ذكر اسم الامام الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف بدل فلان بن فلان ( م ح م د بن الحسن المهدي).

ونقل في مستدرك الوسائل للشيخ النوري : ج ٧ ، ص ٤٨٣ ، كتاب الصيام ، أبواب أحكام شهر رمضان ، باب ٢٥ ، ح ٥ ، عن كتاب ابن أبي قرة بإسناده عن الصالحين عليهم السلام ، قال : (وكرر في ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان قائماً وقاعداً وعلى كل حال ، والشهر كله ، وكيف امكنك ، ومتى حضرك في درك تقول بعتد تمجيد الله تعالى والصلاة على النبي وآله عليهم السلام « اللّهمّ كُن لِوَليّكَ القائم بامرك محمّد بن الحسن المهدي عليه وعلى آبائه أفضل الصلاة والسلام في هذه الساعة وفي كل ساعة ولياً وحافظاً ، وقائداً وناصراً ، ودليلاً ومؤيداً حتّى تسكنه أرضك طوعاً وتمتعه فيها طولاً وعرضاً الخ).

وقد الفراغ من ترجمة هذه الرسالة الشريفة وتحقيقها والتعليق عليها في ٢٧ شهر ذي القعدة من سنة ١٤١٠ للهجرة النبوية على يد العبد المحتاج الى رحمته تعالى ياسين الموسوي عفا الله تعالى عنه وعن والديه والصلاة على محمّد وآله الطاهرين أولاً وآخراً.


ذكر عدّة أخبار في وصف الجنّة ونعيمها

(رزقنا تعالى وإيّاك منها)

أضفنا هذا الفصل إلى الكتاب للسبب المتقدّم الّذي ذكرناه في التقديم.

السيّد ياسين الموسوي



أبواب الجنّة :

* روى الصدوق بإسناده عن الامام الصادقعليه‌السلام ، عن أبيه ، عن جده عن عليعليه‌السلام قال :

انّ للجنّىة ثمانية أبواب :

باب يدخل منه النبيّون والصدّيقون.

وباب يدخل منه النبيّون والصدّيقون.

وباب يدخل منه الشهداء والصالحون.

وخمسة أبواب يدخل منها شيعتنا ومحبّونا ، فلا أزال واقفاً على الصراط ادعو ، وأقول : ربّ سلّم شيعتي ومحبي ، ومن تولاني في دار الدنيا ، فإذا النداء من بطنان العرش : قد اجيبت دعوتك وشفعت في شيعتك.

ويشفع كل رجل من شيعتي ومن تولاني ، ونصرني ، وحارب مَن حاربني بفعل أوقول ، في سبعين ألفاً من جيرانه وأقربائه.

وباب يدخل سائر المسلمين ممّن يشهد ان لا إله إلاّ الله ولم يكن في قلبه مقدار ذرّة من بغضنا أهل البيت(١) .

__________________

(١) الخصال : باب الثمانية ، ح ٦. ونقله في البحار : ج ٨ ، ص ٣٩ ، ح ١٩. وفي : ج ٨ ، ص ١٢١ ، ح ١٢. وفي : ج ٧٢ ، ص ١٥٨ ، ح ٥.


* وروى عن الامام الباقرعليه‌السلام انّه قال :

أحسنوا الظنّ بالله ، واعلموا أنّ للجنّة ثمانية أبواب ، عرض كل باب منها مسيرة أربعين سنة(١) .

مكتوب على باب الجنّة :

* روى الصدوق بإسناده عن جابر بن عبد الله الانصاري قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

مكتوب على باب الجنّة : لا اله إلاّ الله ، محمّد رسول الله ، علي أخو رسول الله ، قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بألفي عام »(٢) .

* وروي عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

لما اُسري بي الى السماء قال لي جبرئيلعليه‌السلام : قد امرت الجنّة والنار أن تعرض عليك.

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فرأيت الجنّة وما فيها من النعيم ، ورأيت النار وما فيها من العذاب.

والجنّة فيها ثمانية أبواب ، على كل باب منها أربع كلمات ، كل كلمة خير من الدنيا وما فيها لمن يعلم ويعمل بها ...

فقال لي جبرئيلعليه‌السلام : اقرأ يا محمّد ما على الأبواب.

فقرأت ذلك. أمّا أبواب الجنّة ، فعلى أول باب منها مكتوب : لا إله إلاّ الله ، محمّد رسول الله ، عليّ وليّ الله ، لكل شيء حيلة ، وحيلة العيش أربع خصال القناعة ، وبذل الحقّ ، وترك الحقد ، ومجالسة أهل الخير. وعلى الباب الثاني مكتوب : لا إله إلاّ الله ، محمّد رسول الله ، عليّ وليّ الله ، لكل شيء حيلة وحيلة

__________________

(١) الخصالِ : ص ٤٠٨ ، باب الثمانية ، ح ٧. ونقله في البحار : ج ٨ ، ص ١٣١ ، ح ٣٢.

(٢) الأمالي للصدوق : ص ٧٠ ، المجلس ١٨ ، ح ١. الخصال : ص ٦٣٨ ، باب ( ما بعد ، الألف) ، ح ١١. ونقله في البحار : ج ٨ ، ص ١٣١ن ح ٣٤. وفي : ج ٢٧ ، ص ٢ ، ح ٢.


السرور في الآخرة أربع خصال : مسح رؤوس اليتامى ، والتعطّف على الأرامل ، والسعي في حوائج المؤمنين ، والتفقد للفقراء والمساكين.

وعلى الباب الثالث مكتوب : لا إله إلاّ الله ، محمّد رسول الله ، عليّ وليّ الله ، لكل شيء حيلة وحيلة الصحّة في الدنيا أربع خصال : قلّة الكلام ، وقلّة المنام ، وقلّة المشي ، وقلة الطعام.

وعلى الباب الرابع مكتوب : لا إله إلاّ الله ، محمّد رسول الله ، علي ولي الله ، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم والديه ، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو يسكت.

وعلى الباب الخامس مكتوب : لا إله إلا الله ، محمّد رسول الله ، عليّ وليّ الله ، من أراد لا يُظلم فلا يَظلم ، ومن أراد أن لا يُشتم فلا يَشتم ، ومن أراد أن لا يذلّ فلا يُذلّ ، ومن أراد أن يستمسك بالعروة الوثقى في الدنيا والآخرة فليقل : لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله ، عليّ ولي الله.

وعلى الباب السادس مكتوب : لا إله إلا الله ، محمدّ رسول الله ، عليّ وليّ الله ، من أراد أن يكون قبره وسيعاً فسيحاً فليبن المساجد ، ومن أراد أن لا تأكله الديدان تحت الأرض فليسكن المساجد ، ومن أحبّ أن يكون طريّاً مطّراًَ لا يبلى فليكنس المساجد ، ومن أحب أن يرى موضعه في الجنّة فليكس المساجد بالبسط.

وعلى الباب السابع مكتوب : لا إله إلاّ الله ، محمّد رسول الله ، عليّ وليّ الله ، بياض القلب من أربع خصالِ : عيادة المريض ، واتباع الجنائز ، وشراء الأكفان ، وردّ القرض.

وعلى الباب الثامن مكتوب : لا إله إلاّ الله ، عليّ وليّ الله ، من


أراد الدخول من هذه الأبواب فليتمسك بأربع خصال : السخاء ، وحسن الخلق ، والصدقة ، والكف عن أذى عباد الله تعالى(١) .

ملاط (٢) الجنّة :

*روى علي بن ابراهيم في تفسيره بالإسناد ع الامام زين العابدينعليه‌السلام انّه قال :

عليك بالقرآن ، فإن الله خلق الجنّة بيده لبنة من ذهب ولبنة من فضة ، وجعل ملاطها المسك ، وترابها الزعفران ن وحصباءها(٣) اللؤلؤ ، وجعل درجاتها على قدر آيات القرآن ، فمن قرأ القرآن قال له : اقرأ وارق ، ومن دخل منهم الجنّة لم يكن في الجنّة أعلى درجة منه ما خلا النبيّون والصديقون(٤) .

حلقة باب الجنّة :

* روي عن ابن عباس عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :

انّ حلقة باب الجنّة من ياقوته حمراء على صفائح على صفائح الذهب ، فإذا دقّت الحلقة على الصفحة طنت وقالت : يا علي(٥) .

غرفة الجنّة :

*روى الشيخ علي بن ابراهيم في تفسيره والشيخ الكليني في الكافي

__________________

(١) البحار : ج ٨ ، ص ١٤٤ ، ح ٦٧.

(٢) الملاط : الطين الذي يجعل بين سافي البناء يملط به الحائط.

(٣) في المصدر المطبوع (وحصاها) بدل.

(٤) تفسير علي بن ابراهيم : ج ٢ ، ص ٢٥٩ ـ ٢٦٠. ونقله في البحار : ج ٨ ، ص ١٣٣ ، ح ٣٩. وفي مستدرك الوسائل : ج ٤ ، ص ٢٥٦ن كتاب الصلاة ، أبواب قراءة القرآن ، باب ١٠ ، ح ١.

(٥) الأمالي للصدوق : ص ٤٧١ن المجلس ٨٦ن ح ١٣. المناقب لا بن شهر آشوب : ج ٢ ، ص ١٦١ باب ( في انّه جواز الصراط وقسيم الجنّة والنار ). ونقله في البحار : ج ٨ ، ص ١٢٢ ، ح ١٣. وفي : ج ٣٩ ، ص ٢٠٦ ، ح ٢٣. وفي ج ٣٩ ، ص ٢٣٥ ، ح ١٨.


بسند معتبر عن الامام الباقرعليه‌السلام في تفسير قوله تعالى :( غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ ) (١) فقال عليعليه‌السلام :

بماذا بنيت يارسول الله؟

فقال : يا علي تلك غرف بناها الله عزّ وجلّ لأوليائه بالدر والياقوت وازبرجد ، سقوفها الذهب محبوكة بالفضة ، لكلّ غرفة منها ألف باب من الذهب ، على كل باب منها ملك موكّل به(٢) .

أرض الجنّة :

* وروي عن الامام الباقرعليه‌السلام :

انّ أرض الجنّة رخامها فضة ، وترابها الورس(٣) والزعفران ، وكنسها(٤) المسك ، ورضراضها(٥) الدار والياقوت(٦) .

أسرّة الجنّة :

* وروي عن الامام الباقرعليه‌السلام انّه قال في وصف أسرّة الجنّة :

انّ أسرّتها من در وياقوت ، وذلك قول الله( عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ ) يعني :

__________________

(١) سورة الزمر : الآية ٢٠. قال تعالى :( لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ ) .

(٢) الكافي : ج ٨ ، ص ٩٥ ، ح ٦٩. تفسير علي بن ابراهيم القمّي : ج ٢ ، ص ٢٤٦ ، في تفسير الآية الشريفة ، ٢٠ من سورة الزُّمر.

ونقله في البحار : ج ٨ ، ص ١٥٨ ، ح ٩٨. وفي : ج ٨ ، ص ١٢٨ ، ح ٢٩.

(٣) الورس : نبات كالسمسم أصفر يصبغ به وتتخذ منه الغمرة أي الزعفران.

(٤) الكناس : موضع في الشجر يستتر فيه الظباء.

والكناسة بالضم : القمامة.

(٥) الرضراض : ما صغر ، ودقّ من الحصى.

(٦) الاختصاص : للشيخ المفيد : ص ٣٥٧ ، الطبعة المحققة. ونقله في البحار ، ج ٨ ، ص ٢١٨ ، ح ٢٠٩.


أوساط السرر من قضبان الدر والياقوت ، مضروبة عليها الحجال(١) والحجال من در وياقوت ، أخفّ من الريش ، وألين من الحديد. وعلى السرور من الفرش على قدر ستين غرفة من غرف الدنيا ، بعضها فوق بعض ، وذلك قول الله( وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ ) ( عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ ) يعني بالارائك : السرر الموضونة عليها الحجال »(٢) .

فرش الجنّة :

* وروى الكليني بإسناد معتبر عن الامام الباقرعليه‌السلام انّ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لعليعليه‌السلام في وصف فرش الجنة :

فيها فرش مرفوعة بعضها فوق بعض من الحرير والديباح بألوان مختلفة ، وحشوها المسك والكافور ، والعنبر ، وذلك قول عزّوجلّ( وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ ) (٣) .

لباس الجنة :

* وروي عن الامام الباقرعليه‌السلام عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في وصف لباس الجنة :

اذا ادخل المؤمن الى منازله في الجنة ، ووضع على رأسه تاج الملك والكرامة ألبس حلل الذهب والفضة والياقوت والدر المنظوم في الاكلين تحت التاج ، قال : وألبس سبعين حُلة حرير بألوان مختلفة ، وضروب مختلفة ، منسوجة بالذهب والفضة واللؤلؤ والياقوت الأحمر ، فذلك قوله عزّوجلّ :( يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ

__________________

(١) الحجاج : جمع الحجلة ، وهو ستر يضرب للعروس في جوف البيت ، والبيت الذي يزيّن للعروس.

(٢) الاختاص للمفيد : ص ٣٥٧ ، وعنه في البحار : ج ٨ ، ص ٢١٨ ، ح ٢١٠.

(٣) الكافي : ج ٨ ، ص ٩٥ ، ح ٦٩. تفسير علي بن ابراهيم : ج ٢ ، ص ٢٤٦ ، ٢٤٧. ونقله في البحار : ج ٨ ، ص ١٢٨ ، ح ٢٩. وفي : ج ٨ن ص ١٥٨ ، ح ٩٨.


مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ) (١) .

نخل الجنّة :

* روى الشيخ المفيد عن الامام الباقرعليه‌السلام قال :

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّ نخل الجنّة جذوعها ذهب أحمر ، وكربها زبرجد أخضر ، وشماريخها درّ أبيض ، وسعفها حلل خضر ، ورطبها أشدّ بياضاً من الفضة ، وأحلى من العسل ، وألين من الزبد ، ليس فيه عجم وطول العذق اثنا عشر ذراعاً ، منضودة من أعلاه الى أسفله ، لا يؤخذ منه شيء إلاّ أعاده الله كما كان ، وذلك قول الله :( لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ ) وانّ رطبها لأمثال القلال ، وموزها ورمّانها أمثال الدليّ ، وأمشاطهم الذهب ومجامرهم الدرّ(٢) .

فاكهة الجنّة :

قال تعالى :( لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ ) (٣) .

وقال تعالى :( مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ ) (٤) .

وقال تعالى :( لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ ) (٥) .

وقال تعالى :( فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ) (٦) .

وقال تعالى :( فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ) (٧) .

وقال تعالى :( وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ ) (٨) .

وقال تعالى :( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ * وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ ) (٩) .

__________________

(١) الكافي : ج ٨ ، ص ٩٥ ، ح ٦٩. تفسير القمّي : ج ٢ ، ص ٢٤٧. ونقله في البحار : ج ٨ ، ص ١٢٨ ، ح ٢٩. وفي ج ٨ ، ص ١٥٨ ، ح ٩٨.

(٢) الاختصاص للمفيد : ص ٣٥٧. وعنه في البحار ، ج ٨ ، ص ٢١٩ ، ح ٢١٢.

(٣) سورة يس : الآية ٥٧.

(٤) سورة ص : الآية ٥١.

(٥) سورة الزخرف : الآية ٧٣.

(٦) سورة الرحمن : الآية : ٥٢.

(٧) سورة الرحمن : الآية ٦٨.

(٨) سورة الواقعة ك الآية ٣٢ و ٣٣.

(٩) سورة المرسلات : الآية ٤١ و ٤٢.


* روى الصدوق بإسناده عن الامام الباقرعليه‌السلام عن جابر بن عبد اله قال :

قيل : يا رسول الله انّك تلثم فاطمة ، وتلزمها ، وتدنيها منك ، وتفعل بها ما لا تفعله بأحدٍ من بناتك؟

فقال : انّ جبرئيلعليه‌السلام أتاني بتفاحة من تفاح الجنّة فأكلتها فتحولت ماء في صلبي ثمّ واقعت خديجة فحملت بفاطمة فأنا أشم منها رائحة الجنة(١) .

* وروى عنه أنس بن مالك :

لما خرج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الى غزوة الطائف فبينما نحن بغمامة ، فأدخل يده تحتها فأخرج رماناً ، فجعل يأكل ويطعم علياً ، ثمَّ قال لقوم رمقوه بأبصارهم :

هكذا يفعل كلُّ نبي بوصيه ، وفي رواية الباقرعليه‌السلام :

انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ك إنه يذوقها الاّ يذوقها الاّ نبي وصيّ نبيّ(٢) .

* وعن محمّد بن أبي عمير ومحمّد بن مسلم وزرارة عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : نزل جبرئيل على محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم برمانتين من الجنة فأعطاهما إياه ، فأكل واحدة وكسر الاُخرى وأعطى علياً نصفها فأكله ، ثمّ قال : الرمانة التي أكلتها فهي النبوة ليس لك فيها شيء ، وأما الاُخرى فهي العلم فأنت شريكي فيها(٣) .

* وعن عيسى بن الصلت عن الصادقعليه‌السلام في خبر :

فأتوا جبل ذباب(٤) فجلسوا عليه فرفع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رأسه فإذا برمانة مدلاّة ، فتناولها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ففلقها فأكل وأطعم علياً منها ، ثمّ قال : يا أبا بكر

__________________

(١) علل الشرائع للصدوق : ج ١ ، ص ١٨٣. باب ١٤٧ ، ح ١. وعنه في البحارك ج ٤٣ ، ص ٥ ، ح ٤.

(٢) المناقب لابن شهر آشوب : ج ٢ ، ص ٢٣٠ ، باب (في تحف الله عزّوجلّ لهعليه‌السلام ). وعنه في البحار : ج ٣٩ ، ص ١١٨ ، ح ١.

(٣) المناقب لا بن شهر آشوب : ج ٢ ، ص ٢٣٠ ، باب ( في تحف الله عزّوجلّ لهعليه‌السلام ). وعنه في البحار : ج ٣٩ ، ص ١١٨ ، ح ١.

(٤) بكسر أوله جبل في المدينة.


هذه رمانة من رمّان الجنة ، لا يأكلها في الدنيا إلاّ نبي أو وصي نبي(١) .

* وروى السيّد ابن طاووس في مهج الدعوات روايةً ظريفة بالاءسناد الى عبد الله بن سلمان الفارسي عن أبيه قال :

خرجت من منزلي يوماً بعد وفاة رسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعشرة أيّام فلقيني علي ابن أبي طالبعليه‌السلام ابن عم الرسول محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال لي : يا سلمان جفوتنا بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال لي : ياسلمان جفو تنا بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقلت : حبيبي أبا الحسن مثلكم لا يجفى غير أنّ حزني على رسول الله بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طال فهو الذي منعني من زيارتكم فقالعليه‌السلام ك يا سلمان ائت منزل فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فانّها إليك مشتاقة تريد أن تتحفك بتحفة قد أُتحفت بها من الجنة ، قلت لعليعليه‌السلام : قد أُتحفت فاطمةعليهما‌السلام بشيء من الجنة بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قال : نعم بالأمس.

قال سلمان الفارسي : فهرولت إلى منزل فاطمةعليهما‌السلام بنت محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإذا هي جالسة وعليها قطعة عباء إذا خمرت رأسها انجلى ساقها وإذا غطت ساقها انكشف رأسها ، فلما نظرت إليَّ اعتجرت ثمّ قالت : يا سلمان جفوتني بعد وفاة أبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قلت : حبيبتي أأجفاكم؟ قالت : فمه ، اجلس واعقل ما أقول لك.

إنّي كنت جالسة بالأمس في هذا المجلس وباب الدار مغلق وأنا أتفكر في انقطاع الوحي عنا وانصراف الملائكة عن منزلنا ، فإذا انفتح الباب من غير أن يفتحه أحد ، فدخل علي ثلاث جوار لم ير الرّاؤون بحسنهن ولا كهيئتهنّ ولا نضارة وجوههنّ ولا أزكى من ريحهن ، فلما رأيتهن قمت إليهن متنكرة لهن فقلت : بأبي أنتن من أهل مكّة أم من أهل المدينة؟ فقلن : يابنت محمّد لسنا من أهل مكّة ولا من أهل المدينة ولا من أهلا الأرض جميعاً أننا جوارٍ من الحور العين من دار السلام أرسلنا رب العزة إليك يابنت محمّد إنا إليك مشتاقات.

__________________

(١) المناقب لابن شهر آشوب : ج ٢ ، ص ٢٣٠ ، باب ( في تحف الله عزّوجلّ له عليه‌السلام). وعنه في البحارك ج ٣٩ ، ص ١١٨ ، ح ١.


فقلت للتي أظن أنها أكبر سناً : ما اسمك؟ قالت :

اسمي مقدودة ، قلت : ولم سمّيت مقدودة؟ قالت : خلقت للمقداد بن الأسود الكندي صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فقلت للثانية : ما اسمك؟ قالت ذرّ الغفاري صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فقلت للثاثة : ما اسمك؟ قالت : سلمى ، قلت : ولم سميت سلمى؟ قالت : أنا لسلمان الفارسي مولى أبيك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قالت فاطمة : ثمّ أخرجن لي رطباً أزرق كأمثال الخشكنانج(١) الكبار أبيض من الثلج وأزكى ريحاً من المسك الأذفر فأحضرته فقالت لي : يا سلمان أفطر عليه عشيتك فإذا كان غداً فجئني بنواه أو قالت : عجمه.

قال سلمان : فأخذت الرّطب فما مررت بجمع من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلاّ قالوا : يا سلمان أمعك مسك؟ قلت : نعم ، فلما كان وقت الافطار أفطرت عليه فلم أجد له عجماً ولا نوى ، فمضيت إلى بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في اليوم الثاني فقلت لها : إنّي أفطرت على ما أتحفتيني به فما وجدت له عجماً ولا نورى ، قالت :

يا سلمان ولن يكون له عجم ولا ونورى وإنّما هو نخل غرسه في دار السلام بكلام علمنيه أبي محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كنت أقوله غدوة وعشية.

قال سلمان : قلت ، علّميني الكلام ياسيّدتي ، فقالت إن سرك لا يمسك أذى الحمى ما عشت في دار الدنيا فواظب عليه. ثمّ قال سلمان : علّميني هذا الحرز فقالت :

بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله النور ، بسم الله نور النور ، بسم الله نور على نور ، بسم الله الذي هو مدبر الأُمور بسم الله الذي خلق النور من النور ، الحمد الله

__________________

(١) خشكنانج معرّب خشكنانه وهو الخُبز السكري الذي يختبز مع الفُستُق واللّوز.


الذي خلق النور من النور ، وأنزل النور على الطور ، في كتاب مسطور ، في زقّ منشور ، بقدر مقدور ، على نبي محبورن الحمد لله الذي هو بالعز مذكور وبالفخر مشهور ، وعلى السرَّاء والضرَّاء مشكور ، وصلى الله على سيدنا محمّدنا وآله الطاهرين.

قال سلمان : فتعلّمتهن فوالله لقد علمتهن أكثر من ألف نفس من أهل المدينة ومكّةممن بهم الحمى فكلٌّ برئ من مرضه باذن الله تعالى(١) .

شجرة طوبى :

*روى الكليني والصدوق رَحمهما الله ُ بإسنادهما عن الامام الصادقعليه‌السلام عن آبائهعليهم‌السلام قال :

قال أمير المؤمنين : طوبى شجرة في الجنّة أصلها في دار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وليس من مؤمن إلاّ وفي داره غصن منها ، لا تخطر على قلبه شهوة شيء إلاّ أتاه به ذلك الغصن ، ولو انّ راكباً مجدّاً سار في ظلها مائة عام ما خرج منها ، ولو طار من أسفلها غراب ما بلغ أعلاها حتّى يسقط هرماً ، ألا ففي هذا فارغبوا(٢) .

* وروى علي بن ابراهيم في تفسيره عن انبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :

لما دخلت الجنة رأيت فيها شجرة طوبى ، أصلها في دار عليّ ، وما في الجنة قصرولا منزل إلاّ وفيها فتر(٣) منها وأعلاها أسفاط(٤) حلل من سندس واستبرق

__________________

(١) مهج الدعوات للسيّد ابن طاووس : ص ٦ ـ ٨. الطبعة الحجرية. ونقله عنه في البحار : ج ٤٣ ، ص ٦٦ ، ح ٥٩. وفي : ج ٩٥ ، ص ٣٧ ، ح ٢٢.

(٢) الأمالي للصدوق : ص ١٨٣ ، المجلس ٣٩ ، ح ٧. وفي الخصال للصدوق : ص ٤٨٣ ، أبواب الاثني عشر ، ح ٥٦. الكافي للكليني : ج ٢ ، ص ٢٣٩ ، ح ٣٠. ونقلها في البحار : ج ٨ ، ص ٨٧ ، باب ٢٣. وفي : ج ٨ ، ص ١١٧ ، ح ٢. وفي : ج ٨ ، ص ١٣١ ، ح ٣٣ ، وفي : ج ٦٧ ، ص ٢٨٩ ، ح ١١. وفي : ج ٦٩ ، ص ٣٦٤ ، ح ١ ، وفي : ج ٧ ، ص ٢٧٢ ، ح ٢.

(٣) الفتر : ما بين طرف الابهام وطرف السبابة إذا فتحها ، وهي وحدة قياسية للاطوال قديمية أقل من الشبر وف يالمصدر المطروع : فرع.

(٤) سفاط : جمع سفط ، وعاء يعبا فيه الطيب ومن اشبهه من أدوات النساء.


يكون للعبد امؤمن ألف ألف سفط في كل سفط مائة ألف حلة ما فيها حلّة تشبه الاُخرى على مالألوان مختلفة وهو ثياب أهل الجنة ، وسطها ظلّ ممدود ، عرض الجنة كعرض السماء والأرض أُعدت للذين آمنوا بالله ورسوله ، يسير الراكب في ذلك الظل مسيرة مائة عام فلا يقطعه ، وذلك قوله :( وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ ) وأسفلها ثمار أهل الجنة وطعامهم متذلّل في بيوتهم ، يكون في القضيب منها مائة لون من الفاكهة مما رأنتم في دار الدنيا ، ومما لم تروه ، وما سمعتم به ، وما لم تسمعوا مثلها ، وككلما يجتنى منها شيء نبتت منها اُخرى( لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ ) ويجري نهر في أصل تلك الشجرة تنفجر منها الأنهار الأربعة( أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ) (١) .

أنهار الجنّة :

نهر جعفر :

* روى الكليني بإسناده عن الامام موسى بن جعفرعليه‌السلام انّه قال :

قال لي أبي : أنّ في الجنة نهراً يقال له جعفر ، على شاطئه الأيمن درة بيضاء فيها ألف قصر ، في كل قصرٍ ألف قصر لمحمدٍ وآل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٢) .

نهر خير :

* وروى الكليني في الكافي بإسناده عن الحسين بن أعين قال :

سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن قول الرجل للرجل : جزاك الله خيراً ، ما يعني به؟

قال أبو عبد اللهعليه‌السلام أن (خيراً) نهر في الجنة مخرجه من الكوثر ، والكوثر ، مخرجه من ساق العرش عليه منازل الاوصياء وشيعتهم الحديث(٣) .

__________________

(١) تفسير علي بن ابراهيم : ج ٢ ، ص ٣٣٧. ونقله عنه في البحار : ج ٨ ، ص ١٣٧ ، ح ٤٩ ، والآية هي (١٥) من سورة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ولكن في المصدر المطبوع (نهر) بدل أنهار في جميعها.

(٢) الكافي : ج ٨ ، ص ١٥٢ ، ح ١٣٨. ونقله في البحار : ج ٨ ، ص ١٦١ ، ح ٩٩.

(٣) الكافي : ج ٨ ، ص ٢٣٠ ، ح ٢٩٨. نقلها في البحار : ج ٨ ، ص ١٦٢ ، ح ١٠١.


نهر رجب :

* وروى الصدوق بإسناده عن أبي الحسنعليه‌السلام قال :

رجب نهر في الجنة أشد بياضاً من اللبن ، وأحلى من العسل ، من صام يوماً من رجب سقاه الله من ذلك النهر(١) .

وصف أنهار الجنّة :

* وروى الشيخ المفيد بالإسناد عن الامام الباقرعليه‌السلام قال :

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إن أنهار الجنة تجري في غيرأ خدود ، أشدبياضاً من الثلج ، وأحلى من العسل ، وألين من الزَّبد ، طين النهر مسك أصفر ، وخصاه الدرّ والياقوت ، تجري في عيونه وأنهاره حيث يشتهي ويريد في جناته وليّ الله ، فلو أضاف من في الدنيا من الجن والانس لأوسعه طعاماً وشراباً وحلياً لا ينقصه من ذلك شيء(٢) .

باب المجاهدين :

* روى الصدوق عن الامام الصادقعليه‌السلام عن أبيه عن جدهعليه‌السلام قال :

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : للجنة باب يقال له باب المجاهدين يمضون إليه فإذا هو مفتوح وهم متقلدون سيوفهم ، والجمع في الموقف ، الملائكة ترحب بهم ، فمن ترك الجهاد ألبسه الله ذلاً في نفسه وفقراً معيشة ومحقاً في دينه أن الله تبارك وتعالى أعزّ امتي بسنابك خيلها ، ومراكرز رماحها(٣) .

المجاهدون قادة أهل الجنّة :

* عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :

حملة القرآن عرفاء أهل الجنة ، المجاهدون في سبيل الله تعالى قوّاد أهل

__________________

(١) ثواب الأعمال للصدوق : ص ٧٨ ، باب ثواب صوم رجب ، ح ٢ فضائل الأشهر الثلاثة ، ص ٢٣ ، ح ١٠. ونقلها في البحار : ج ٨ ، ص ١٧٥ ، ح ١٢٦. وفي : ج ٩٧ ، ص ٣٧ ، ح ١٩.

(٢) الاختصاص للمفيد : ص ٣٥٧. وعنه في البحار : ج ٨ ، ص ٢١٩ ، ح ٢١١.

(٣) الأمالي للصدوق : ص ٤٦٢ ، المجلس ٨٥ ، ح ٨. ونقله في البحار : ج ٨ ، ونقله في البحار : ج ٨ ، ١٨٦ ، حم ١٥٣ ، وفي : ج ١٠٠ ، ص ٨ ، ح ٦.


الجنة ، والرسل سادات أهل الجنة(١) .

منزلة الشهداء في الجنّة :

* روى الحسين بن سعيد بسند موثق عن زيد بن علي عن آبائهعليهم‌السلام قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : انّ ادنى أهل الجنة منزلةٌ من الشهداء من له اثنى عشر ألف زوجة من الحور العين ، وأربعة آلاف بكر ، واثنا عشر ألف ثيِّب ، تخدم كل زوجة من الحور العين ، وأربعة آلاف بكر ، واثنا عشر ألف ثيِّب ، تخدم كل زوجة منهن سبعون ألف خادم ، غير ان الحورالعين يضعّفلهن ، يطوف على جماعتهن في كل اسبوع ، فإذا جاء يوم إحداهن ، أو ساعتها ، اجتمعن إليها يصوتن بأصوات لا أصوات أحلى منها ولا أحسن حتّى مايبقى في الجنة شيء إلاّ اهتز لحسن اصواتهن ، يقلن : ألا نحن الخالدات فلا يموت أبداً ، ونحن الناعمات فلا نبأس أبداً ، ونحن الرضيات فلا نسخط أبداً(٢) .

الحور العين :

روى علي بن ابراهيم في تفسيره والشيخ الكليني في الكافي بالإسناد عن الامام الباقرعليه‌السلام عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حديث طويل قال :

فإذا استقرت بولي الله عزّوجلّ منازله في الجنان استأذن عليه الملك الموكّل بجنانه ليهنّئه بكرامة الله عزّولّ إياه ، فيقول له خدام المؤمن من الوصفاء والوصائف مكانك فانّ وليّ الله قد اتكأ على أريكته وزوجته الحوراء تهيّأ له فاصبر لولي الله.

قال : فتخرج عليه زوجة الحوراء من خيمة لها تمشي مقبلة وحولها وصائفها وعليها سبعون حلة منسوجة بالياقوت واللؤلؤ والزبرجد صبغن بسمك وعنبر ،

__________________

(١) النوادر للسيّد فضل الله الراوندي ك ص ٢٠ ، طبعة النجف الأشرف سنة ١٩٥١. ونقلها في البحار : ج ٨ ، ص ١٩٩ ، ح ٢٠٢.

(٢) كتاب الزهد للحسين بن سعيد الاهوازي : ص ١٠١ و ١٠٢ ، ح ٢٧٦. ونقله في البحار : ج ٨ ، ص ١٩٨ ، ح ١٩٦.


وعلى رأسها تاج الكرامة ، وفي رجليها نعلان من ذهب بالياقوت واللؤلؤ ، شراكهما ياقوت أحمر ، فإذا دنت من ولي الله فهم يقوم إليها شوقاً ، فتقول : له : ياوليّ الله ليس هذا يوم تعب ولا نصب ، فلا تقم ، أنا لك وأنت لي.

فيعتنقان مقدار خمسمائة عام من أعوام الدنيا لا يملها ولا تمله الحديث(١) .

وصف عام للجنّة :

* روى علي بني ابراهيم بسند صحيح عن أبي بصير قال :

قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : جعلت فداك يا بن رسول الله شوقني.

فقالعليه‌السلام : يا أبا محمّد انّ من ادنى نعيم الجنّة يوجد ريحها من مسيرة ألف عام من مسافة الدنيا. وانّ ادنى نعيم الجنّة منزلاًَ لو نزل به أهل الثقلين الجن والانس لو سعهم طعاماً وشراباً ولا ينقص مما عنده شيء.

وانّ أيسر أهل الجنّة منزلاً لو نزل به أهل الثقلين الجن والانس لو سعهم طعاماً وشراباً ولا ينقص مما عنده شيء.

وانّ أيسر أهل الجنّة منزلةً من يدخل الجنّة فيرفع له ثلاث حدائق ، فإذا دخل ادناهن رأى فيهامن الازواج والخدم والأنهار والاثمار ماشاء الله مما يملأ عينه قرة ، وقلبه مسرّةً ، فإذا شكر الله وحمده قيل له : ارفع رأسك الى الحديقة الثانية ففيها ماليس في الاُخرى.

فيقول : يا ربِّ اعطني هذه.

فيقول الله تعالى : ان اعطيتك إياها ، سألتني غيرها.

فيقول : ربِّ هذه ، هذه.

فإذا هو دخلها شكر الله وحمده.

قال : فيقال : افتحوا له باب الجنّة ، ويقال له : ارفع رأسك ، فإذا قد فتح له باب من الخلد ، ويرى أضعاف ماكان فيما قبل ، فيقول عند تضاعف مسراته : ربِّ لك الحمد الذي لا يحصى اذ مننت عليّ بالجنان ونجيتني من النيران.

__________________

(١) الكافي : ج ٨ ، ص ٣ ٩٧ ، ح ٦٩. وفي تفسير علي بن اراهيم القمّيك ج ٢ ن ص ٢٤٧. وعنهما في البحار : ج ٨ ، ص ١٢٨ ـ ١٢٩ ، ح ٢٩ ، وفي : ج ٨ ، ص ١٥٨ ـ ١٥٩ ، ح ٩٨.


قال أبو بصير : فبكيت ، قلت له : جعلت فداك زدني.

قال : يا أبا محمّد انّ في الجنّة نهراً في حافته جوار نابتات اذا مرَّ المؤمن بجارية أعجبته قلعها ، وأنبت الله مكانها اُخرى.

قلت : جعلت فداك زدني.

قال : المؤمن يزود ثمانمائة عذراء ، وأربعة آلاف ثيِّب ، وزودتني من الحور العين.

قلت : جعت فداك ، ثمانمائة عذراء؟!

قال : نعم ما يفرش فيهنَّ شيئاً وجدها كذلك.

قلت : مجعلت فداك ، من أي شيء خلقن الحور العين؟

قال : من تربة الجنّة النورانية ، ويرى مخ ساقيها من وراء سبعين حُلة ، كبدها مرآته ، وكبده مرآتها.

قلت : جعلت فداك ، ألهنَّ كلام يكلمنَّ به أهل الجنّة؟

قال : نعم. كلام يتكلمنَّ به لم يسمع الخلائق بمثله.

قلت : ماهو.

قال : يقلن نحن الخالدات فلا نموت ، ونحن الناعمات فلا نبوس ، ونحن المقيات فلا نظعن ، ونحن الراضيات فلا نسخط ، طوبى لمن خلق لنا ، وطوبى لمن خُلقنا له ، نحن اللواتي لو أن قرن أحدانا عُلق في جو السماء لا غشى نوره الأبصار(١) .

* * *

__________________

(١) تفسير علي بن ابراهيم : ج ٢ ص ٨٢ ـ ٨٣. ونقلها في البحار : ج ٨ ، ص ١٢٠ ، ح ١١.

أقول : والظاهر أنّ هذه الرواية هي تتمة للرواية التي رواها المؤلّف رحمه الله في (منازل الآخرة) عن أبي بصير حينما قال للامام الصادق عليه السلام : خوفني الخ.


محتويات الكتاب

الإهداء

٥

العقبة الثانية : ضغطة القبر

١٣٧

مقدمة التحقيق والتعريب

٧

المُنجيات من ضَغطَةِ القَبرِ

١٤١

حول موضوع الكتاب

١١

العقبة الثالثة : مساءلة منكر ونكير

١٥٠

حياة الؤلّف ١

٤٣

ذكر حكايات

١٥٥

مقدمة المؤلّف ١

١٠١

مِن المنازل المَهوُلة : البرزخ

الأول منازل : الموت

الآية ، وبعض الروايات الواردة فيه

١٦١

وفيه عقبتان :

كلام من العلّامة المجلسي ١

١٦٣

العقبة الاُولى : سكرات الموت وشدّة نزع الروح

١٠٧

ذكر عدّة حكايات نافعة من المنامات الصادقة

١٦٥

الأشياء التي تهوِّن سكرات الموت

١٠٩

من منازل الآخرة المهولة : القيامة

العقبة الثانية : العديلة عند الموت

١١٥

وصف القيامة

١٧٩

الاُمور النافعة لهذه العقبة

١١٦

بعض الاُمور التي تنجي من شدائد القيامة

١٨٤

ذكر حكايتين مناسبتين

١٢١

ساعة خروج الإنسان من قبره

لطيفة

١٢٤

الآيات والروايات

١٩٤

من منازِلُ الآخرة المهولة : القبر

ذكر بعض الأخبار في أحوال بعض الأشخاص عند خروجهم من قبورهم

١٩٥

وفيه عقبات :

لعَقَبَةُ الأُولى : وحشة القبر

١٢٨


بعض الاُمور النافعة لهذه الساعة

١٩٧

أسماء عقبات الصراط

٢٣٦

ختمٌ ذكرُهُ حتمٌ

١٩٩

حكاية

٢٣٨

موقف الميزان

ذكر عدة أعمال لتسهيل المرور على الصراط

٢٣٩

الآيات

٢٠١

خاتمة

الأخبار في فضل الصلوات

٢٠٢

ذكر عدّة أخبار في شدّة عذاب جهنّم

٢٤٣

روايات في حُسن الخُلق

٢٠٦

جملة من قصص الخائفين

٢٤٩

حكايات في حُسن الخُلق

٢١٠

ذكر بعض الأمثال لتنبّه المؤمنين

٢٦٥

موقف الحساب

ختم الرسالة بدعاءين شريفين

٢٨٦

الآيات والأخبار

٢١٩

من تكاليف العباد في زمن الغيبة : الدعاء لصاحب الزمان عجّل الله تعالى فرجه الشريف

٢٨٧

حكايتان مناسبتان

٢٢١

ملحَقُ للمترجم

موقف نشر الصحف

ذكر عدّة أخبار في وصف الجنّة ونعيمها

٢٩١ ـ ٣٠٦

الآيات والروايات

٢٢٥

التبرّك بذكر رواية نقلها السيّد ابن طاووس

٢٢٨

من موارد الآخرة المَهولة : الصراط

وصف الصراط

٢٣٣


الفهرس

منازل الآخرة والمطالب الفاخرة ١

الإهداء ٥

مقدمة التحقيق والتعريب : ٧

موضوع الكتاب.. ١١

حياة العلاّمة الشيخ القمّي رحمه‌الله.. ٤٣

فصل : ١٠٧

العَقبَةُ الثانِيَةُ ١١٥

العَقَبَةُ الأُولى. ١٢٨

العقبة الثالثة ١٥٠

مِن المنازل المَهوُلة ١٥٩

القيامة ١٧٩

من مواقف القيامة المهولة ٢٠١

موقف الميزان ووزن الأعمال. ٢٠١

و أما الروايات التي وردت في حُسن الخُلق. ٢٠٦

وأما الحكايات في حُسن الخُلق. ٢١٠

من مواقف القيامة المهولة ٢١٩

موقف الحساب.. ٢١٩

من مواقف القيامة المهولة ٢٢٥

من موارد الآخرة المَهولة ٢٣٣

الصراط. ٢٣٣

أما الأخبار ٢٤٣

في ذكر بعض الأمثال لتنبّه المؤمنين. ٢٦٥

أبواب الجنّة : ٢٩١

الفهرس. ٣١١