عقيلة قريش
آمنة بنت الحسين عليه السلام
عقيلة قريش
أمنة بنت الحسين عليه السلام
تأليف
السيد محمى علي الحلو
بسم الله الرحمن الرحيم
الإهداء
إلى الحجة المهدي المنتظرعجل الله تعالى فرجه الشريف
بين يديك
إحدى حقائقكم المضيّعة ..
فاقبلوها ـ سيدي ـ شاهداً
على مظلومياتكم ..
محمد علي
كلمة المؤسسة
المواجهة بين الحق والباطل :
المواجهة بين الخير والشر بين الحق والباطل بين أهل الله وأوليائهم وأهيل الشياطين وأتباعهم المواجهة بين هذين التيارين ، كانت على وجه البسيطة منذ سرت نزعة العدوان والشر إلى مسارب النفس الإنسانية وتأصلت فيها ، ومنذ داخلتها الوساوس الشيطانية ، ونسجت حول صفاء النفس ورحمانيتها غشاوة الكدورة والعداوة والبغضاء فراح تيار الشر والباطل يتلون في التصدي للخير والحق ، ويتعسف في ظلمه ومواجهته لتيار الحق.
وفي كل زمان ومكان تجد أن التاريخ أثبت لنا ألوانا ، وصورا شتى من هذه المواجهة وهذا التعدي والجور والتنكيل بالحق وأهله ، باعتبار أن أهل الحق وأتباعه ثلة قليلة ، على طول التاريخ. وأن أتباع التيار الآخر المقابل لهم هم الكثرة الكاثرة ، وتشير إليه البداهة ، وهو ما أقره الذكر الحكيم بقوله :( وأكثرهم للحق كارهون ) .
ولذلك كان الأنبياء وأوصياؤهم وأهلوهم وذرياتهم ، على طول سلسلة النبوات المتعاقبة على البشرية ، باعتبار أنهم أصدق مصاديق الحق والخير ، بل هم منبع إشعاع الحقائق والخيرات ، وإليهم تعود كل مكرمة وفضيلة ؛ لذلك كانوا أشد بلاء ، وأكثر عرضة للطعون والمواجهة من قبل تيار الشر والباطل ، فكانوا ـ وهم المنزهون ـ يوصفون بأقبح الأوصاف ، وينعتون بأشنع النعوت. هذا في أحسن حالات الصراع ، ناهيك عن التشريد والمطاردة والتقتيل ، وهو السبب الذي حدى بالسماء أن ترسل هذا العدد الضخم والكبير من الأنبياء والمصلحين منذ بدء الخليقة ، وحتى النبي الخاتمصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ونبينا المصطفى الأقدسصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأهل بيته الأطهار ، وأوصياؤه الكرام البررة الذين اختارتهم السماء بعنايتها ، لم يكونوا بدعا من الرسل وأوصيائهم في أن تحيط بهم دوائر الشر والطغيان ، وأن تكال إليهم ظلما وعدوانا أنواع التهم ، وأن يطاردوا في أوطانهم ، ويلاحقوا في أصقاع منافيهم ، وجحور تواريهم ، وأن تجري عليهم صنوف البلاء ، وشدائد المحن ، وفظيعات الرزايا ، مما لم يجر له نظير في التاريخ أحيانا.
وعقيلة قريش ، كما أطلق عليه البعض وهي آمنة بنت الحسينعليهماالسلام ، لم تنفرد في قصة صراع الحق والباطل والخير والشر بل ، انفردت في أسلوب المواجهة هذه المرة بالشكل الذي لفق له المبطلون ، وزور حقائق التاريخ بعض أشرار التزوير ، ورواد الرذيلة والباطل ، فراحوا يغرون الأمة والبسطاء والسذج بأقاويل وتلفيقات زوروها من جربان سفاسفهم ، اتهموا بها وألصقوها بخيار هذه الأمة وسادتها ، يحدوهم الأمل في إسقاطهم من
أعين الناس ، وإبعاد الأمة عنهم ؛ لأنهم رأوا أفئدة الناس تهوي إليهم ، وفي ذلك تبديد لأحلامهم ومطامحهم الدنيوية.
هذا الكتاب :
والكتاب الذي بين يديك هو نموذج من نماذج الصراع والمواجهة التي أشرنا إليها ، وهو يعد محاولة علمية جديدة في مضمار رد الزيف والباطل ضمن إطار المواجهة بين الخير والشر ، والحق والباطل. فلقد بذل المؤلف حفظه الله جهدا علميا ملحوظا ومتميزا في إخراج كتابه هذا مستعينا بمهمات المصادر التاريخية والحديثية والأدبية ، وبين بشكل جلي تهافت الشبهات التي لم يُحبك صناعها صياغتها وتدبيجها ، وأبان عوارها ، وعدم انطباقها على من أرادوها غرضا لسهامهم الصفراء المسمومة.
ومؤسستنا دفاعا عن حريم آل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأداء لوظيفتها التي أنشئت من أجلها ، حينما عرض عليها المؤلف كتابه ، وجدت فيه أحد أسباب الدفاع عن أهل البيتعليهمالسلام الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، ومحاولة جيدة لتنزيههم عما ألحقه بهم أعداؤهم ، بل أعداء المذهب الحق ، والدين القويم. كما وجدت فيه فرصة ومادة علمية لإماطة اللثام عن خبط وخلط في كتب التاريخ والأدب في حق السيدة الجليلة آمنة بنت الحسين سلام الله عليهما ، والملقبة بسكينة. ولغلبة لقبها عليها ، فقد تعارف على تسميتها بسكينة بين العام والخاص ، الأمر الذي أتاح فرصة ذهبية للمتصيدين في الماء العكر ، ولأصحاب المطامع والأغراض المشؤومة في استغلال هذا الاسم الكريم لإفراغ جام حقدهم ، وعدائهم لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وآله الأطهارعليهمالسلام .
وتؤمن مؤسسة السبطينعليهماالسلام العالمية بأن المنافحة عن أهل الحق ، إنما تعني إعلاء كلمة الحق ، ولذا فقد سلكت هذا السبيل ، متخطية العقبات والصعاب من أجل الوصول إلى الأهداف المنشودة التي رسمتها في نظامها.
وكان لها أثارة في هذا الطريق من ذي قبل وهو كتاب «المولى في الغدير» ، والذي لقي استقبالا حافلا من العلماء والفظلاء ، وثناء جميلا للصياغة التي خرج بها الكتاب لأول مرة ، فهو فصل مستل من الجزء الأول من كتاب «الغدير» للعلامة الأميني ، وقد حوى هذا الفصل أهم أبحاث الغدير ، بل محورها الذي دارت عليه مجلداته الأحد عشر ، كما كانت للمؤسسة إصدارات أخر على هذا الطريق ، طريق الدعوة إلى تعقل الحق ، ونبذ العصبية المذهبية ، وقراءة التاريخ والتراث الإسلامي قراءة جديدة أكثر اتزانا وموضوعية ، ثم تلمس مواقع الحق والعدل ومعرفتها ؛ لغرض معرفة أهله ، ثم قبول الحق وإن كان فيه مرارة وشجا في الحلق. فإن في ذلك إراحة الضمير ، ورضا الرب تعالى.
وبعد عرض الكتاب على المؤسسة تمت مطالعته بدقة ، وأضافت إليه ما رأته ضروريا ، وما كان فات المؤلف ذكره من موارد ونكات مهمة ، كما عمدت إلى تدوين ثبت بالمصادر ، حتى خرج الكتاب بحلته النهائية هذه التي بين يديك.
والمؤسسة إذ تقدم هذا الإصدار إلى الطليعة المسلمة والمؤمنة ، يحدوها الأمل من حملة الأقلام ، والقراء الأعزاء ، التوجه إلى النتيجة التي أسفر عنها الكتاب ، من التأكيد على الاسم الحقيقي للسيدة الجليلة عقيلة قريش والطالبيين آمنة بنة الحسينعليهماالسلام ، والملقبة بسكينة ، وأن كل ما قيل من
شعر فيها ، فهو في الحقيقة يعود على سكينة بنت خالد بن مصعب الزبيري ، ثم التحذر من نقل الروايات ، وخاصة روايات الأغاني ، التي أريد منها الطعن على أهل البيتعليهمالسلام عموما ، والتقليل ـ باعتقادنا ـ من آثار واقعة الطف الدامية والأليمة ، والتي أخذت تلتهب وتأخذ طريقها في ضمائر الناس ، وتؤثر في النفوس ، باعتبار أن ابنة الحسينعليهالسلام ، شهيد الطف ، وصريع الغدر الأموي ، هذه حالها وهذه سيرتها.
فضائل «سكينة» في سطور :
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الكتاب ليس بصدد التعرض لحياة السيدة الكريمة آمنة بنة الحسينعليهماالسلام ، وإلا لكان له معها موقف آخر ، إنما الكتاب بصدد رد الشبهات المحمومة التي دسها أعداء أهل البيتعليهمالسلام في تضاعيف الكتب والمؤلفات ، وفي معرض وضع النقاط على الحروف لروايات طالما تناقلها المؤرخون والكتاب بين غافل عنها ، ومتغافل يريد الوقيعة في جانب أهل البيتعليهمالسلام ، كما يهيب بالأقلام المؤمنة والنزيهة الترفع عن نقل أكاذيب الأخبار وإلصاقها بأقدس البيوت وأشرفها.
فإنه لم يعرف عن البيت النبوي الطاهر ، خاصة في أولاد الأئمة الأطهار ، وبالخصوص بين النساء ، من عرف بالميوعة والتهتك والابتذال إلى الحد الذي وصفوا به ابنة الإمام الحسينعليهالسلام ، السبط الشهيد ، ريحانة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وسيد شباب أهل الجنة. ومن ينتقص من الإمام الحسينعليهالسلام في ابنته ، إنما ينتقص من الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فإنه قال : «حسين مني وأنا من حسين» ، والسيدة آمنة ـ سلام الله عليها ـ هي بضعة الحسينعليهالسلام ، والذي كان يحبها حبا جما ، كانعليهالسلام يظهر حبه لها ولأمها الرباب ـ رضوان الله عليها.
والحسينعليهالسلام معصوم ، والمعصوم لا يحب ولا يبغض إلا في الله ، والذي يحبه الإمام الحسينعليهالسلام إنما هو من أحباء الله وأوليائه. فهل سمعت أذن الدنيا أن الله يحب المتخلعين المرحين الفرحين ، وتلك آياته تنهى عن المرح ، كما أنه تعالى لا يحب الفرحين.
ورد في الخبر أن الحسن المثنى بن الحسن السبطعليهالسلام أتى عمه الحسينعليهالسلام يخطب إحدى ابنتيه فاطمة وسكينة ، فقال له أبو عبداللهعليهالسلام :«أختار لك فاطمة ، فهي أكثر شبها بأمي فاطمة بنت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم . أما في الدين : فتقوم الليل كله ، وتصوم النهار ، وفي الجمال : تشبه الحور العين ، وأما سكينة فغالب عليها الاستغراق مع الله تعالى فلا تصلح لرجل» (١) .
يالله يالله ما أعظمها من كلمة بحق هذه السيدة العظيمة المستغرقة في جميع أوقاتها في ذات الله. فالمستغرق في الله ، هو الذي راح يسبح في الفناء ونزعت نفسه إلى الغاية القصوى من القداسة ، وابنة النبوة جديرة في الفناء في الذات الإلهية ، ولم لا وهي سليلة فاطمة وعلي والحسينعليهمالسلام ، وتتصل بانبوة ينبوع السماء بواسطة جدتها الزهراءعليهاالسلام ، بل حسبها أن يقال : ابنة الحسين السبطعليهالسلام . فهي بهذا الوصف الذي وصفها به أبوها ، لم تبق في قوس اللقاء الربوبي منزعا ، حتى بلغت الغاية في الاندفاع نحو القدس الذي لا يتناهي. وبعد هذا ، فمن أين يكون لها لفتة إلى ما حولها من نواميس الحياة؟! ومن أين يتأتي لها ـ بعد ذلك الاستغراق ـ الانعطاف إلى لوازم معاشرة الناس ، وعوارض الدنيا الفانية؟!
لقد شغلتها الآخرة عن الاولى ، فهي بين عبادةوزهادة ، وتذكير
_________________
(١) إسعاف الراغبين لمحمد بن الصبان المصري المطبوع بهامش نور الأبصار : ٢١٠.
وتفكير ، وتسبيح وتقديس ، ونظر دائم إلى نور الملكوت ، مما لا ترى معه شيئا يدور حولها ، هذا معنى الاستغراق مع الله.
ولا شك أن ابنة النبوة قد حازت أرقى وأعلى مراتب الاستغراق ، فالإمامعليهالسلام يصف حالاتها بقوله : (غالب عليها). ومن هنا جاء حب الإمام الحسينعليهالسلام الشديد لها ، وقد أخذت بمجامع قلبه ، وتركته قداستها وطهرها يزداد حنوا عليها ، حتى وصفهاعليهالسلام بأنها : (خيرة النساء) ، لما وقف عليها يوم الطف ، ورآها باكية نادبة ، فقال :
سيطول بعدي يا سكينة فاعلمي |
منك البكاء إذا الحمام دهاني |
|
لا تحرقي قلبي بدمعك حسرة |
ما دام مني الروح في جثماني |
|
فإذا قتلت فأنت أولى بالذي |
تأتينه يا خيرة النسوان |
ولاندري كيف تكون منزلة من يصفها الإمام المعصوم من السمو والعظمة ، وهو حجة الله على عباده ، بأنها من خيرة النساء؟!
والسيدة آمنةعليهاالسلام علاوة على ذلك ، عاشت في كنف إمامين كان الجهال والأبعدون والمتسكعون وأهل اللهو ، فضلا عن العلماء وأصحاب النفوذ ، يهتدون بكلمة واحدة منهم ، ويصلحون بموقف بسيط ، أو إشارة عابرة ، والتاريخ شهيد على ذلك. فأخوها الإمام زين العابدينعليهالسلام وسيد الساجدين ، ذلك الذي تعرف البطحاء وطأته ، والبيت يعرفه والحل والحرم ، وحسبك به مربيا وهاديا ومرشدا. وابن أخيها الإمام الباقرعليهالسلام ، باقر علوم آل محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ذلك الذي كانت علماء الدنيا وما زالت تنحني إجلالا له ، وخضوعا بما عنده من علوم الرسالة المحمدية الخالدة ، وبخوعا وتسليما له هيبة وفرقا من قوة الحجة وسطوع البرهان.
فهل يقبل منطق ، أو يرتضي لك عقل ، أن تعيش تلك السيدة الجليلة في ظلهما وفي بيوتهما ، وهي تدخل المغنين عليها وتستمع إليهم ، وتساهر الشعراء والمتخلعين حتى الصباح؟ ماهذا الهراء والنعيق؟! ولقد أحسن من قال : حدث العاقل بما لا يليق ، فإن صدق فلا عقل له.
فالسيدة سكينة ما فارقت المدينة منذ عادت إليها بعد واقعة كربلاء ، بل ولم تتخلف ـ بما توحي إليه الشواهد ـ عن بيت أخيها السجادعليهالسلام ، الذي كان دائم البكاء والحزن على أبيه الحسينعليهالسلام ، فلا غرو أن ورثت السيدة آمنة عن أخيها الحزن السرمدي على أبيها ، خاصة وقد أدركت هي حادثة الطف الأليمة ووعتها ، فهي يومذاك قد جاوزت سن التكليف قليلا ، ومع عدم وجود خبر قطعي يركن إليه في تحديد عمرها ، فإنه يمكن الاستنتاج من بعض القرائن والشواهد التاريخية أنها كانت بين (١١ ـ ١٤) عاما. ولعلنا نستطيع أن نستقرب تاريخ ولادتها بين سنتي ٤٧ و ٤٨ هـ.
وبعد الإمام السجادعليهالسلام لاذت في كنف ابن أخيها الإمام الباقرعليهالسلام ، فهي امرأة وحيدة تحتاج إلى من يكفلها ، خاصة مع انقطاعها إلى العبادة ، وتبتلها لله عز وجل. وتاريخ الإمامين الهمامين بين يديك ، فهل تجد فيه أن بيوتهم كانت محتشدا للشعراء؟( كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا ) .
وهل تجد شيئا من هذا يتوافق مع ما زوره آل الزبير ، ونشره آل مروان ، وروج له من هو في الميل والهوى مع آل أمية ، والجميع هم أعداء الله وأعداء الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأعداء أهل بيتهعليهمالسلام ؟
فالكذاب الأشر زبيري ، والمروج البطر أموي ، وناهيك بهما من مبغضين وعدوين لدودين لأهل البيتعليهمالسلام بالخصوص ، ولبني هاشم
عموما بما فيهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . ولا نريد الدخول ـ هنا ـ في أبحاث تاريخية جانبية ، فتاريخ الأسرتين الأسود يشهد على سوء فعالهم ، وعدائهم للدين. لكن المهم الذي يجب أن يعرفه القارئ مسبقا ، أن رائد وضع الأحاديث والأخبار الطاعنة في أهل البيتعليهمالسلام هو مصعب الزبيري ، ثم تلاه الزبير بن بكار ، بعد أن أخزتهم ابنتهم سكينة بنت خالد بن مصعب بن الزبير ، بما شاع من ملاحمها ، ومغامراتها مع شعراء الخلاعة والمجون والمغنين ، في مجالس لهو وطرب وسكر يندى لها الجبين الحر والحيي ، ولكن من أين تخجل أوجه سكبت بلذات الفجور حياءها؟! وبدل أن يدفنوا عارهم ، راحوا فزحزحوه إلى أشرف البيوت التي تقف في مواجهة باطلهم ، وانحرافهم عن الدين.
ووجد المدائني ، رفيق مصعب ، ومن بعده المبرد والزجاجي وأبو علي القالي في هذه الأخبار مادة جيدة لمؤلفاتهم أولا ، وليحققوا بعض أغراضهم في النيل من البيت العلوي الطاهر ثانيا ؛ لما جبلوا عليه من نزعة أموية. وأخيرا جاء أبو الفرج الإصفهاني متوجا أعمال أولئك بكتابه «الأغاني» عيبة السفاسف ، وجراب الهزال ، وجعبة الضلال ، ويكفيك قول ابن الجوزي فيه عن غيره من الأقوال الكثيرة : ومن تأمل كتاب الأغاني رأى كل قبيح ومنكر(١) .
فهل يتصور عاقل ـ بعد هذا ـ أن أهل بيت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، والذين أمر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بمودتهم ، وآمنة بنت الحسينعليهماالسلام ـ سكينة ـ من ذوي القربى قطعا وجزما ،
_________________
(١) المنتظم١٨٥ : ١٤ رقم ٢٦٥٨ وفيات سنة ٣٥٦.
يصدر منهم مثل هذه القبائح والمنكرات؟!( أنظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا ) .
وهكذا جازى آل الزبير رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في عترته وذريتهعليهمالسلام ؟ ومن قبل ترك زعيمهم وكبيرهم خلف ابن الزبير بن العوام ، ونجعة السوء ، الصلاة على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في خطبه في الجمعة والجماعة.
وجانب آخر من حياتها يعطينا عنه خبرا ما جاء في الخبر من أن الحسن المثنى بن الحسن السبط لما اختار فاطمة بنت الحسين على اختها سكينة ، كان يقال : إن امرأة تختار على سكينة لمنقطعة القرين. وقد علمت من ذي قبل قول الإمام الحسينعليهالسلام في ابنته فاطمة من أنها تقوم الليل كله ، وتصوم النهار. فإذا كان هذا حال فاطمة وهي مع ذلك تصلح لرجل ، فما ظنك بأختها ، التي لا تصلح لرجل ، من حال التبتل والعبادة؟
وبعد هذا وذاك ، فأين تكون تلك المخاريق التي ألصقوها بابنة النبوة من مقيل الحق والصدق؟ ألا إنها أهلك من ترهات البسابس. لا جرم أنهم جاءوا بأذني عناق ، فهذه سجية القوم تجاه أهل البيتعليهمالسلام وشيعتهم ، شنشنة نعرفها من (أخزم) ، وقد ملؤوا حشفا بسوء كيلة ، وسيعلم الذين ظلموا محمدا وآل محمد أي منقلب ينقلبون ، والعاقبة لأهل التقوى.
وأخيرا وليس آخرا رواية سهل بن سعد الساعدي الصحابي الشهير ، وقد صادف دخوله الشام يوم وصول سبايا كربلاء إليها ، وصادف أن سأل سكينة عن جاجتها ، بعد أن عرفها نفسه ، وعرفها باستحفائها السؤال ، فقالت له : قل لصاحب الرأس ـ تعني رأس الحسينعليهالسلام ـ أن يقدم الرأس أمامنا ، حتى يشتغل الناس بالنظر إليه ، ولا ينظروا إلى حرم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
مثل هذا الموقف من هذه السيدة العلوية الجليلة ، تستشعر منه مدى حرص ابنة النبوة ، وسليلة الإباء ، وغيرتها أنها لا ترضى بالنظر إليها وإلى حرم آل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كبارا وصغارا. وتتجلى من ذلك الموقف الغاية التي بلغتها «سكينة» ـ سلام الله عليها ـ من العفة والطهر والقداسة ، والروح الملائكية.
أو يصدر منها ـ بعد ذلك ـ ما نقلوا من أفائك ، من كانت هذه نشأتها وسلوكها وسيرتها حتى وفاتها؟!( والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغيرما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا ) .
والنتيجة التي نخلص إليها حول إيمان وتقوى وزهد ابنة النبوة ، وربيبة الرسالة ، وصاحبة الخلق المحمدي ، والنهج العلوي ، والشمائل الحسينة ، هي ما نجمله في النقاط التالية :
١ ـ عاشت وتوفيت تحت ظلال الإيمان ، وفي بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه. جوار جدها المصطفىصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وفي ظل أخيها وابن أخيهاعليهماالسلام .
٢ ـ كان غالب عليها الاستغراق مع الله تعالى.
٣ ـ كانت من خير نساء زمانها.
٤ ـ إنها من ذوي القربى الذين أوجب الله مودتهم.
٥ ـ إنها من أشرف وأرفع بيوت العرب ، بل الدنيا بأسرها.
٦ ـ إنها لم تكن تصلح لزوج لعزوفها عن الدنيا كلية.
٧ ـ كان الإمام الحسينعليهالسلام يحبها حبا جما ، وله بها تعلق شديد ؛ لكثرة عبادتها وتبتلها لله تعالى. والمعصوم لا يحب ولا يبغض إلا في الله ، ولمن
هو مع الله في المبدأ والمنتهى.
٨ ـ كانت شديدة الغيرة على بنات رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، مع عفافها وشدة حفاظها على حجابها.
٩ ـ ورثت إباء أبيها الإمام الحسينعليهالسلام وشجاعته ، حيث ردت على طاغية زمانها وفرعونه يزيد بن معاوية ، واعترضت عليه ، وهي الصبية الصغيرة ، وقد عرفت أنها في أكثر التقادير كانت بنت(١٤) سنة.
وفي الختام نقدم جزيل شكرنا للمحقق المفضال السيد عدنان علي الحسيني حفظه الله ؛ فأنه قد بذل غاية المجهود في تحقيق وتدقيق الكتاب بما لا مزيد عليه فجزاه الله خير الجزاء.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
عباس الساويز الكاشاني عيد الغدير ١٤٢٣ |
المقدمة
تبقى الكتابات التاريخية محبوسة الأنفاس بين ما احتكره أهل الصنعة من التزوير ، وبين ما استحسنه الحكام من كتابته ، بما ينسجم وتطلعاتهم في إلغاء مسلمات الواقع ، أو فرض تخيلات القصاصين على كاهل تاريخ يمتد بعطاءاته منذ بزوغ فجر الرسالة إلى ما شاء الله له أن يقوم.
وإذا أردنا أن نحسن الظن بما سطره هؤلاء وأولئك من مروياتهم ، فلا ينبغي أن نتعامل معها بحسن ظن يفقدنا مصداقيتنا في الرغبة إلى معرفة الحق ومجرياته ، وشؤون الواقع وتطلعاته.
وهكذا تبقى المرويات التاريخية مكتمة ، لا يحق لها أن «تتفوه» عما أضافته يد الوضع عليها ، أو تلك النابعة من تخيلات القصاصين مجاراة لوضع سياسي قائم ، أو مدارة لنزعات تكتل معين ، أو تنفيذا لرغبة نفسية جامحة في الانتقاص من هذا ، وسلب محاسنه لتزويق صورة ذاك ، أو رمي هذا بداء ذاك دون وازع من دين ، أو تحرج من عرف ، أو حتى لو تعارض مع مبتنيات علمية ، أو أسس منطقية ، بل ومبادئ أخلاقية ، استجابة لمصالح
شخصية عارمة ، أو طموحات سياسية هائجة ، تسحق معها كل مبدأ ، وتقتل من خلالها كل فضيلة ، وتوأد بسببها كل مكرمة. وليس في منطق هؤلاء غير استدرار رضا أسيادهم ، وإشباع حاجات أوليائهم من «نهم» الوضع والتزوير ، ونزعة الكذب والتضليل.
وهكذا يبقى الصراع قائما بين توجهات هؤلاء ، وأسس المنطق العلمي الذي من خلاله يقرأ الواقع التاريخي دون تزلف لعصبة ، أو مراء في حقيقة أو تجن على واقع.
والذي بين أيدينا نموذج مما جنته الأهواء في كتابة التاريخ ، وما فرضته المصالح من تزوير ، وما أفرزته صراعات التكتلات السياسية من تضليل ، فخال لهم ما وضعوه «مسلمة» أجورها على ألسن السذج من الناس ، وأوهموا بها الحمقى من القصاصين ؛ ليستظرفوا بها كتبهم ، ويستملحوا بها قراءهم.
وكان نصيب هؤلاء من تخيلاتهم في مروياتهم ، وطعونهم على أهل البيتعليهمالسلام ، أن صوروا السيدة آمنة بنت الحسينعليهماالسلام ، الملقبة بسكينة ، أنها من أهل الظرافة والبطر.
فهي تتعاطى الغناء ، كما هي تتعاطى التحكيم بين الشعراء والمغنين ، وتترامى في أحضان أزواجها الأمويين والزبيريين دون وازع من دين أو مانع من عرف ، وكأنها «موقوفة» لبني مروان وآل الزبير. فبين مفارق لها ، وبين كاره ، وبين خاطب ، وبين مطلق ، وكأن لم يكن من بني هاشم كفء يتولى أمرها ، أو ولي يحسن منعها عما ترتكبه مما يخالف الدين وينافي العرف.
في خضم هذه «الأهوال» التي تحدثها زوابع ثقافية ، يتسكع أصحابها على أبواب السلطان ، ويعيشون في دهاليز البلاط ، ويدفع بها هؤلاء ، ويتجاذبها أولئك ليحاولوا إقحامها في مرتكزات العامة ، ويدعوها لسذج الناس.
لم تدم هذه المحاولات الخائبة طويلا حتى قيض الله لذلك من يبطل أحدوثتهم ، ويرد مكائدهم ، ليطالعنا الحجة المحقق السيد عبدالرزاق المقرم قدس سره ، الذي عرف بالدفاع عن أهل بيت العصمة والطهارةعليهمالسلام ، فيثبت دجل الوضاعين ، مما ادعوه من وصمة الظرافة واللهو ، وتعدد الأزواج التي يلصقونها بالسيدة آمنة بنت الحسينعليهماالسلام الملقبة «بسكينة» ، فأثبت براءتها عن كل تهمة وشائنة ، بكتابه الرائع «سكينة بنت الحسينعليهماالسلام ».
وكتابنا هذا هو حلقة مكملة لجهود العلامة المقرم رضوان الله تعالى عليه ، وليميط اللثام عما ارتكبه هؤلاء القصاصين ؛ من تخيلات ترضي أهواء أسيادهم ، وتنتقص من مقامات آل البيتعليهماالسلام .
ولسوف يرى قراؤنا ما أحدثته السياسة من فجوة بين الحق الباطل ، وبين الحقيقة والخيال ، حرصا منا على تحرير القارئ من أسر توجهات الكتابات التاريخية المنفلتة عن قيم الدين ومبادئ العقل ، ومسلمات الوجدان.
وكان لمؤسسة السبطينعليهماالسلام العالمية التي يشرف عليها آية الله السيد مرتضى الموسوي الإصفهاني «حفظه الله تعالى» ، الأثر الكبير في إنجاز هذا المشروع ورعايته ، وقد لمست الجد والإخلاص في إنجاز هذا العمل من لدن فضلائها الأخيار ، وأخص بالذكر سماحة العلامة الشيخ
عباس الساويز الكاشاني الذي بذل جهده في مراجعة الكتاب ، والأستاذ السيد عدنان الحسيني في إخراجه ، ولجميع فريق عمل هذه المؤسسة الخيرة كل تقدير وإكبار ، سائلا المولى التسديد لهم لتقديم المزيد من مشاريع الدفاع عن أهل البيتعليهمالسلام .
ذكرى شهادة الصديقة فاطمة الزهراءعليهاالسلام ٣ جمادى الثانية ١٤٢٣ هـ السيد محمد علي السيد يحيى الحلو قم المقدسة |
تنوية
اسمها آمنة ، وقيل : أمينة ، وقيل : أميمة ،
وسكينة لقب لقبتها به أمها
ابن خلكان في وفيات الأعيان ١ : ٣٧٨ |
ورد في الكتاب اسم السيدة آمنة بنت الحسينعليهماالسلام ، بدل سكينة بنت الحسينعليهماالسلام ، توخيا لإثبات اسمها الصحيح ، وربما أشرنا إلى إثبات اسم السيدة آمنة إلى جانب اسم سكينة بنت الحسين ، إشارة إلى مسايرة بعض الأخبار الموضوعة بما تقتضيه سيرة البحث ، إمعانا في إرشاد القارئ وتنبيهه إلى استخدام اسم السيدة «آمنة» بدل «سكينة» ، وحرصا منا على تداول الاسم الصحيح وهو :
السيدة آمنة بنت الحسينعليهماالسلام
وراثة نبوية
«وأما الحسين فله جودي وشجاعتي»(١)
هكذا كان ميراثهصلىاللهعليهوآلهوسلم لولديه ، فورث الحسينعليهالسلام جوده وشجاعته ، وورث الحسنعليهالسلام هيبته وسؤدده. كان هذا الإرث النبوي يتقاسمه الوريثان من قبل ومن بعد ، فقبل وفاة جدهما كانت بوادر الإرث النبوي قد بدت على الغلاميين الهاشميين ، وهما يرفلان في عناية إلهية ما انفكت عنهم وعن أبويهما يوم جللهما بالكساء اليماني ، وقال :«اللهم هؤلاء آلي فصل على محمد وعلى آل محمد» وأنزل الله عز وجل :( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) (٢)(٣) . ولطالما كان يقولصلىاللهعليهوآلهوسلم :«أنا حرب لمن حاربكم
__________________
(١) الإرشاد للمفيد ٧ : ٢ ، إعلام الورى بأعلام الهدى للطبرسي : ٢١٠ ، الخصال للصدوق٧٧ : ١ وفيه : جرأتي وجودي وفي رواية أخرى : سخائي وشجاعتي ، بحار الأنوار ٢٩٣ : ٤٣ ، مقتل الحسين للخوارزمي ١٠٥ : ١ ، الإصابة لا بن حجر ٣١٦ : ٤ رقم ٤٨١ ترجمة زينب بنت أبي رافع ، أسد الغابة١٣٠ : ٧ رقم ٦٩٥٥ ، البداية والنهاية ١٦١ : ٨ ، ذخائرالعقبى لمحب الدين الطبري : ١٢٩ ، المعجم الأوسط للطبراني ١٣٦ : ٧ ح ٦٢٤١ وفيه : كرامتي وجودي ، مجمع الزوائد ١٨٥ : ٩ ، وأخرجه ابن منده ، وابن عساكر في تاريخه ، والمتقي الهندي في كنز العمال ، وأبو نعيم وغيرهم.
(٢) الأحزاب ٣٣ : ٣٣.
(٣) المستدرك على الصحيحين ١٦٠ : ٣ ح ٤٧٠٩ ، دار الكتب العلمية.
وسلم لمن سالمكم» (١) .
ولكم كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ينوه عن حبه لابنيه هذين حتى أنهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما ترك مناسبة إلا وأشهد المسلمين على حبه إياهما.
فما رواه أسامة بن زيد قال : طرقت باب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ذات ليلة لبعض الحاجة ، فخرج إلي وهو مشتمل على شيء لا أدري ماهو ، فلما فرغت من حاجتي قلت : ما هذا الذي أنت مشتمل عليه؟ فكشف فإذا حسن وحسين على وركيه فقال :«هذان ابناي وابنا ابنتي ، اللهم إني أحبهما فأحبهما ، وأحب من يحبهما» (٢) .
ولم يكن ذلك التنويه مقتصرا لأصحابه بل خص أهله وعمومته وأقرهم على حبهما وعظيم منزلتهما حتى صار ذلك مركوزا لدى الهاشميين من أهله كما هو مركوز عند المسلمين طرا.
وعن مدرك بن عمارة قال : رأيت ابن عباس آخذا بركاب الحسن والحسين فقيل له : أتأخذ بركابهما وأنت أسن منهما؟ فقال : إن هذين ابنا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أوليس من سعادتي أن آخذ بركابهما(٣) ؟!
هذه عناية الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم لولديه ، ولم تنقطع هذه الرعاية الخاصة بانقطاع الوحي ، عند رحيلهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى ملكوت الله الأعلى ؛ ليكون قرير العين بسبطيه هذين وأبويهما ، وهم يحملون عيبة علمه ومكنون حكمته ، وضن عليهم من التخلف عنهم وتركهم ، فقال :«يا أيها الناس إني تارك فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدي ، أمرين أحدهما أكبر من الآخر : كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض
__________________
(١) المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٦١ ح ٤٧١٣.
(٢) سنن الترمذي ٥ : ٦٥٦ ح ٣٧٦٩ كتاب المناقب ، ب٣١ مناقب الحسن والحسين.
(٣) ترجمة الإمام الحسين لابن عساكر من تاريخ دمشق ، تحقيق المحمودي : ١٤٦ ح١٨٨.
وعترتي أهل بيتي ، وأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض» (١) .
ولم تكن أمته قد سمعت ما وعته بالأمس حتى تستعدي عليهم اليوم ، فهذا عليعليهالسلام يهجره المهاجرون ، ويخذله الأنصار ، ويحيلونه إلى مأمور بعد ما كان أميرهم في غدير خم ، تلك الواقعة التي أكحلت عيون قوم وزكمت أنوف آخرين. فما كان من هؤلاء إلا ويسوقون علياعليهالسلام إلى بيعتهم مكثورا ، يخذله قومه وأهل مودته ، إلا نفر ثبت رغم بريق السيوف وشروع الأسنة ، وليس للحسن بن عليعليهماالسلام شأن للنصرة عند هؤلاء القوم ، الذين آثروا ابن حرب على حربهم مع سبط الرسول فأسلموه عند الوقعة ، وأحبوا العافية عند نصرة الحق ، واختاروا الخضوع على العزة في ظل كتاب الله وعترة نبيهم ، ولم يحيلوا بينه وبين عدوه ، الذي جرعه غصص الفتن قبل أن يجرعه كأس المنون على يد زوجته جعدة بنت الأشعث ، فذهب صابرا محتسبا يشكو مالاقاه لربه ، ويبث ما عناه لجده.
وفي كربلاء موعد القوم مع آل الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، حيث يناجزون سبطه الحبيب بكل خسيسة حرب ودخيلة صدور ، فينكفئون على آله بسيوف الحقد وسهام الغدر ، يرمونهم من كل ناحية ؛ ليكون لرضيعه سهم المنون كما كان له نصيب من الظمأ ، وانهالوا على أهله قتلا وتنكيلا. فأحرقوا خيامهم ، وأركبوهم أسارى بغير وطاء ولا غطاء.
لم تنته واقعة الطف بعد ، بل كأنها بدأت منذ لحظة تسييرهم سبايا ، فهذا الإمام زين العابدينعليهالسلام يتصدى لخطط هؤلاء القوم ، الذين أذاعوا بين العامة أنهم أسرى خوارج ، فيقول عند دخوله الكوفة :«أيها الناس من عرفني
__________________
(١) المعجم الكبير للطبراني ٣ : ٦٥.
فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، أنا ابن من انتهكت حرمته وسلبت نعمته وانتهب ماله وسبي عياله ، أنا ابن المذبوح بشط الفرات من غير ذحل ولا تراث ، أنا ابن من قتل صبرا وكفى بذلك فخرا.
أيها الناس ناشدتكم الله هل تعلمون أنكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه وأعطيتموه من أنفسكم العهود والميثاق والبيعة وقاتلتموه ، فتبا لكم لما قدمتم لانفسكم ، وسوأة لرأيكم ، بأية عين تنظرون إلى رسول الله إذ يقول لكم : قتلتم عترتي ، وانتهكتم حرمتي ، فلستم من أمتي». فارتفعت الأصوات بالبكاء وقالو : هلكتم وما تعلمون(١) .
وهكذا يدأب الإمام على كشف الحقائق وفضح الأباطيل ، ثم هو بعد ذلك يتصدى لإحباط المحاولات في التمويه على الواقع ، ولم يقتصر الأمر على الإمام في جهده المقدس لكشف الحقائق ، فإن لربيبة الوحي دورا تلقيه ظروف الدعوة هذه.
بعد وصول الركب إلى الكوفة كانت زينب بنت عليعليهماالسلام تلملم جراحها ، وترنو إلى الإمام لئلا يصيبه مكروه ، وإلى العائلة لئلا تكترث من هول الوقعة ، وفجيعة المصاب ، ثم هي تقف ثابتة بثبات المبدأ ، شامخة بشموخ الرأس الشريف ، الذي علا على رمح عال يتطلع إلى ما يجري حوله من تخاذل القوم وصمود الآل.
كانت زينبعليهاالسلام صامدة رغم ما تعانيه من تتابع الأهوال ، وهي في هذا تتابع الأحداث ، والخطب جلل ، والجرح لما يندمل ، فقالت من خطبة لها :
«ويلكم يا أهل الكوفة أتدرون أي كبد لرسول الله فريتم؟ وأي كريمة له أبرزتم؟ وأي دم له سفكتم؟ وأي حرمة له انتهكتم؟ لقد جئتم شيئاً إداً ، تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق
__________________
(١) مقتل الحسين للسيد عبد الرزاق المقرم : ٣١٦ و ٣١٧.
الأرض وتخر الجبال هدّاً.
ولقد أتيتم بها خرقاء شوهاء ، كطلاع الأرض وملء السماء ، أفعجبتم أن مطرت السماء دماً ، ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون؟ فلا يستخفنكم المهل ، فإنه لا يحفزه البدار ، ولا يخاف فوت الثأر ، وإن ربكم لبالمرصاد»(١) .
كان أهل الكوفة على موعد مع صوت علي بن أبي طالبعليهالسلام صوت العدالة الهادر فهذه هي ابنته تفرغ عن لسان أبيها كل ما كان يجلجل في خطرات القلوب ، وحبس الضمائر على باطل جلي ، يتضور منه الحق ، وتندك من خذلانه العزائم.
وكان عليعليهالسلام كلما علا منبرا تطأطأت معه تلاع النفاق ، وخبت جذوة الفتن ، وأماط القناع عن أهل الضغائن ، وأطاح بمخلفات التحالف يوم كانت تتربص بالنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قعودا عن كل نجدة في الدفاع عن الدين الحنيف. فهزيمة الأصحاب في أحد يرثها المخلفون من أهل النفاق يوم تغص صفين بحربها الضروس ، ويرتد أهل الفتنة في حرب الجمل الهزيل عن كل حق ، والبطين بكل خسيسة ؛ ليحمل أمهم الخرقاء ، فتقودهم إلى مساومات السياسة وتجارة المناصب.
هذه هي زينبعليهاالسلام في وقفتها الكوفية ، نطقت فأخرست ألسن النفاق ، وتجلببت فمزقت حجب الزور وهي ترنو إلى قصر الإمارة الخاوي عن كل حقيقة ، وقد أسس على جرف هار عندما شيدت يد الغدر جدران السقيفة ، وعقدت سداسية الشورى بمؤامراتها الهزيلة ، وصرح الخضراء الشامي تعقد فيه ليال حمراء على خرافة زهد الشيخين ، اللذين بعثا بالطليق ليطلق
__________________
(١) مقتل الحسين للمقرم : ٣١٢.
كل غدر على آل الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ولم تدع ربات الحجال أن ينقطع صوت عليعليهالسلام ، حتى لا يبيغ الباطل بأهله ، وتلتبس على الجاهل سبل الحق بطرائق الأهواء. فتلتحف فاطمة بثبات فاطمة ، لتقف أمام القوم كما وقفت أمها من قبل ، تجلجل بصرختها ممزقة أستار دسائس الغدر في دياجير العقبة الدامسة ، حتى صبيحة السقيفة ، ولتكشف بخطبتها خطط القوم ، وهم مقنعون بلباس الصحبة البالي الذي راح يرتديه قطاع طرق الأحداث ، ومحترفو مساومات الجاه ، ومتسكعو المناصب البليدة.
كانت فاطمة بنت الحسينعليهماالسلام تحكي في خطبتها قصة تاريخ ملبد بالمكائد ، ومواقف النكوص. فبدأت في كلامها بحمد الله والثناء عليه ، والشهادة لمحمدصلىاللهعليهوآلهوسلم بالرسالة ، ثم عرفت القوم بأولاده حيث قالت :
«اللهم إني أعوذ بك أن أفتري عليك ، وأن أقول عليك خلاف ما أنزلت من أخذ العهود والوصية لعلي بن أبي طالب المغلوب حقه من غير ذنب ، كما قتل ولده بالأمس في بيت من بيوت الله تعالى ، فيه معشر مسلمة بألسنتهم ، تعسا لرؤوسهم ، ما دفعت عنه ضيما في حياته ولا عند مماته ، حتى قبضه الله إليه محمود النقيبة ، طيب العريكة ، معروف المناقب ، مشهور المذاهب ، لم تأخذه في الله لومة لائم ، ولا عذل عاذل ، هديته ـ اللهم ـ للإسلام صغيرا ، وحمدت مناقبه كبيرا ، ولم يزل ناصحا لك ولرسولك ، زاهدا في الدنيا غير حريص عليها ، راغبا في الآخرة ، مجاهدا لك في سبيلك ، رضيته فاخترته وهديته إلى صراط مستقيم.
أما بعد يا أهل الكوفة ، يا أهل المكر والغدر والخيلاء ، فإنا أهل بيت ابتلانا الله بكم ، وابتلاكم بنا ، فجعل بلاءنا حسنا ، وجعل علمه عندنا وفهمه لدينا ، فنحن عيبة علمه ، ووعاء فهمه وحكمته ، وحجته على الأرض في بلاده لعباده ، أكرمنا الله بكرامته ، وفضلنا بنبيه محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم على كثير ممن خلق الله تفضيلا.
فكذبتمونا وكفرتمونا ، ورأيتم قتالنا حلالا ، وأموالنا نهبا ، كأننا أولاد ترك أو كابل ، كما قتلتم جدنا بالأمس ، وسيوفكم تقطر من دمائنا أهل البيت لحقد متقدم ، قرت لذلك عيونكم ، وفرحت قلوبكم افتراء على الله ، ومكرا مكرتم ، والله خير الماكرين ، فلا تدعونكم أنفسكم إلى الجذل بما أصبتم من دمائنا ، ونالت أيديكم من أموالنا ، فإن ما أصابنا من المصائب الجليلة ، والرزايا العظيمة في كتاب من قبل أن نبرأها ، إن ذلك على الله يسير ، لكيلا تأسوا على ما فاتكم ، ولا تفرحوا بما آتاكم ، والله لا يحب كل مختال فخور» (١) .
هكذا كان آل الحسينعليهمالسلام بعد قفولهم من أرض الفداء كربلاء الشهادة ، يوضحون للأمة كل ما أخفاه حقد الأعداء وكيد أزلامهم ، فكانوا غصة في حلق هؤلاء ، وشجة في لسان نصرهم المزعوم. فلم يكد آل أمية يتبجحون بسوأتهم هذه حتى تصك أسماعهم واعية الحسينعليهالسلام على لسان زينب بنت علي ، وفاطمة بنت الحسينعليهمالسلام ، ولا زالت خطب الإمام السجادعليهالسلام تلعلع في خلوات الحق حينما ينطق كاظم الغاوين ، وينبغ خامل الأقلين ، ويهدر فنيق المبطلين ، كما شخصت ذلك سيدة النساء في ملحمتها الفدكية ، وسجلت بذلك ملاحم الفتن ، وموارد النكوص ، وبوائق الخذلان.
ولم يفتأ آل حرب عن حرب آل الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فبين قتيل أو طريد أو شريد ، يحصون عليهم أنفاسهم ، ويتحينون كل ما وسعهم في تنكيلهم والوقيعة فيهم ، فكلما أوقدوا للحرب نارا أطفأها الله ، وكلما أرادوا إطفاء نورهم أبى الله إلا أن يتم نوره ، ووجد آل حرب أن حربهم لآل الله لا يزيد قدرهم إلا علوا ، ولا شأنهم إلا سموا ، ولا ذكرهم إلا رفعة. فعكفوا على تزوير الحق ، والكذب ، والطعن ، واختلاق كل ما من شأنه أن يظهر منقصة
__________________
(١) مقتل الحسين للمقرم : ٣١٤.
يقتنصونها ، وقبيحة يستقبحون بها أهل الطهر والفضائل ؛ ليساووهم بأهل العهر والرذائل.
هكذا أراد آل أمية أن يحاربوا آل الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فراحوا إلى كل ما لصق بهم من مساوئ وبوائق الرذيلة ، عاكفين أن يجعلوها في آل الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فأبى الله إلا أن يظهر الحق ، ويميط النقاب عن كل إفك وكذب وتزوير ، فكانت قصة سكينة بنت الحسينعليهماالسلام جهدا أمويا خالصا ، حرصوا فيه على تشويه الحقائق وتزويرها ، فكان الله من ورائهم محيط.
قصة سكينة بنت الحسينعليهماالسلام
قلنا : إن آل الرسول صلوات الله عليهم ، لم ينهوا معركتهم مع الكفر والظلال بقتل الحسينعليهالسلام ، وسفك دماء آله الأطهار ، بل توهجت ثورتهم واشتد ضراها بعد رجوعهم من واقعة الطف الدامية ، فكان لعلي بن الحسينعليهماالسلام وقع في خطبه وبياناته ، وكان لسيدات بيت النبوة زينب وأم كلثوم وفاطة بنت الحسين أثر في بيان الحقائق ، وذاكرة الأمة قد سجلت كل شيء ، ووعت كل صغيرة وكبيرة ، وارتسمت في أذهانها صور الكفاح والجهاد لهذا الجمع العلوي المقدس ، وهم يهتفون بالحق ، ويميطون الأستار عن كل ما أخفاه آل أبي سفيان من حقائق وأحداث ، كما أن الأمة تحتفظ كذلك بقداسة هؤلاء أمناء الحق ، فهم قديسون كما هم مجاهدون ، وهم مظلومون كما هم مقارعون أقوياء ، يزلزلون الأرض تحت أقدام أعدائهم بصيحات الحق التي لا تقر ، فكيف بعد ذلك يتاح لأعدائهم أن يغمزوهم ، أويطعنوا عليهم ، أويسوموهم بما تأباه قداسة الطهر ، وكرائم النبوة؟!
لم يتح لسكينة الحسينعليهماالسلام ما أتيح لآل الحسين من الظهور على ساحة أحداث كربلاء ؛ لتلهب الأجواء بالخطب والبيانات ، فإن مهمة ذلك موكول إلى الكبار من أهل هذا البيت الطاهر. فمع وجود أخيها الإمام ، وعمتها العقيلة ، وأم كلثوم ، وأختها فاطمة ، فإن سكينة كانت في عداد الهاشميات الصغيرات ، والمخدرات اللواتي لم يتحملن مهمة التبليغ بعد ، ولم تظهر إلا بعد أن حط الآل ركبهم في المدينة ، وأخذت تستذكر فيما بعد أحداث الفاجعة ؛ لتروي لنا نتفا مما علقت بها ذاكرتها من محن وأحداث.
وإذا كانت سكينة بنت الحسينعليهماالسلام لم تسلط عليها أضواء أحداث الفاجعة ؛ يتعامل معها وجدان الأمة كأحد مظلومي هذا البيت الطاهر ، ولم تستطع الأمة أن تستعرض السيدة سكينة في ركب المظلومين من آل الحسينعليهمالسلام ، الذين شاهدوا مصارع ذويهم الأبرار ، كما أن اسم السيدة سكينة لم تتعاطف معه الضمائر والوجدانيات بعد ، مع الذين يعدهم الناس من آل الحسينعليهمالسلام المظلومين أمكن للدعايات الأموية ، والطعون الزبيرية ان تأخذ دورها في إدخال اسم «سكينة» ضمن مسلسل الأقاصيص ، التي تسيء الى أهل بيت الحسين الأقدس ، الذين ما فتأت الأمة تستذكر فيهم طهارة الرسالة ، وقداسة الحق العلوي ، ومن ثم تحتفظ في ذاكرتها صور المأساة التي أقدمت عليها يد البطش الأموي ، التي لم تحفظ لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حرمته في أهل بيته المطهرين من كل دنس ، والمبرئين من كل عيب.
عمدت الدعاية الأموية إلى تدنيس سمعة أهل هذا البيت الطاهر ؛ لتقلل من عبء وزر جناياتها ، وتخفف من ثقل ما ارتكبه الأمويون في حق أهل هذا البيت ، ولتصرف الأذهان عن مظلوميتهم إلى حياة ترفهم المزعوم ، التي كانت تمثله السيدة سكينة حسب دعواهم ، وبهذا يستطيع الأمويون
التقليل من شأن أهل هذا البيت ، وحجم مظلوميتهم ، وانصراف الناس إلى التحدث بما فعلته السيدة سكينة من مجالس اللهو ، ومنادمة الشعراء ، وما قيل فيها ، وما قالته ، ليستملح ذلك السذج من الناس ، وتلقى بذلك مظلوميتهم من أذهان هؤلاء ؛ لتنصرف إلى حياة خاصة يعيشها أهل هذا البيت كما يزعمون.
ولم يكن آل الزبير بأقل مما عمده الأمويون من الإساءة إلى أهل البيتعليهمالسلام ، فقد كان لآل الزبير طموح سياسي جامح ، ارتكبوا من خلاله أبشع المجازر من أجل الوصول إلى مناصب مؤقتة ، وإمارات محدودة ، كلفت الأمة فتنا ودماء وأموالا ، ثم هي لم تدم طويلا حتى قطع الله شأفتهم ، وأسكت عقيرة النفاق ، وأذهب عادية الشقاق ، وأطفأ الله نائرتهم من الجمل وما سفكوه من الدماء ، إلى مكة وما سببوه من هدم الكعبة وهتك حرمة البيت الحرام ، إلى الكوفة وما أباحوا فيها من حرم الآخذين بثأر الحسين ، والمنتقمين من أعداء الله ، وهم يجدون أن أهل البيتعليهمالسلام يعدون المنافسين الأقوياء لوجودهم ، وأن أية محاولة من آل الزبير لم تعد تلقى قبولا مع وجود الشرعية المتمثلة بأئمة آل البيتعليهمالسلام ، إضافة إلى ما لحقت آل الزبير سمعة الأحاديث السيئة لسكينة بنت خالد بن مصعب بن الزبير ، التي كانت تجتمع مع عمر بن أبي ربيعة في محافل الغناء ، ومجالس الشعراء ، وهم بذلك سيفقدون من سمعتهم الشيء الكثير ، فاولوا إحالة هذه التهمة إلى عقيلة بيت الوحي سكينة بنت الحسينعليهماالسلام وسيأتي مزيد تفصيل ذلك.
اسم ابنة الحسينعليهالسلام آمنة وليس سكينة
على أن المتتبع لكتب الأنساب والسير ليجد شيئا أغفلته كتابات السير
التي ترجمت للسيدة آمنة بنت الحسين ونسبتها إلى سكينة ، وهي غفلة متعمدة أكدتها مشاريع الزبيريين ، ومن ورائهم مشاريع الأمويين ، حتى صار ذلك أحد المرتكزات لدى العوام ، واستشرى ذلك إلى كتابات الآخرين ، فجعلوها من المسلمات غفلة منهم ، وقلة تحقيق لديهم في هذا المضمار.
إن الاسم الحقيقي للسيدة سكينة والتي اشتهرت على الألسن ، هو آمنة بنت الحسين ، وإنما سكينة لقب لقبته به أمها الرباب ، وذلك لسكينتها وهدوء في طبعها غلب عليها ، حتى كانت السكينة صفة لها.
اختلف المؤرخون في اسماها بين آمنة وأميمة ، واتفقوا على أن «سكينة» صفة لها ، وممن ذهب إلى ذلك :
١ ـ ابن عساكر في «تاريخ مدينة دمشق» :
قال : أخبرنا الحسين بن الفراء وأبو غالب وأبو عبدالله ابنا البناء قالوا : انا أبو جعفر ، انا أبو طاهر ، انا أحمد بن سليمان ، انا الزبير [ابن أخ مصعب بن الزبير] قال في تسمية ولد الحسين :
وسكينة ، واسمها آمنة ، وإنما سكينة لقب لقبتها أمها الرباب بنت امرئ القيس. وتزوج سكينة بنة الحسين عبدالله بن حسن بن علي ، أمه بنت الشليل بن عبدالله البجلي فقتل مع عمه الحسين بالطف قبل أن يبني بها(١) .
٢ ـ ابن تغري بردي في «النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة» :
قال : واسمها آمنة وأمها الرباب(٢) .
__________________
(١) تاريخ دمشق ، قسم تراجم النساء : ١٥٦ ، طبع دمشق ، تحقيق سكينة الشهابي.
(٢) النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ١ : ٢٧٦.
٣ ـ ابن الجوزي في «المنتظم في تاريخ الملوك والأمم»
قال : سكينة بنت الحسين واسمها آمنة ، وقيل : أميمة ، وسكينة لقب عرفت به(١) .
٤ ـ سبط ابن الجوزي في «تذكرة الخواص» :
اسمها آمنة ، وقيل : أميمة(٢) .
٥ ـ النديم في «الفهرست» :
كما نقله عن محمد بن السائب الكلبي النسابة ، قال محمد بن السائب الكلبي : سألني عبد الله بن حسن [بن حسن] عن اسم سكينة بنة الحسينعليهالسلام فقلت : أميمة(٣) ، فقال : أصبت.
قال النديم في ترجمة محمد بن السائب الكلبي :
من علماء الكوفة بالتفسير والأخبار وأيام الناس ، ويتقدم الناس بالعلم بالأنساب(٤) .
__________________
(١) المنتظم ٧ : ١٧٥ حوادث سنة ١١٧ هـ.
(٢) تذكرة الخواص : ٢٤٩.
(٣) لا نستبعد التصحيف في أميمة هنا ، وكونه في الأصل آمنة ، وذلك لما سيأتي بعد هذا من سؤال رجل لعبدالله ابن الحسن بن الحسن عن اسم سكينة ، وتخطئة عبدالله لابن الكلبي الذي كان يقول بأميمة ، كما في الشق الثاني من الرواية ، إذ كيف يصوب له أميمة هنا ، ولا يقبل منه أميمة هناك على قول نقل السائل؟
على أننا لا نستبعد أيضا التصحيف في صدر الرواية بقوله : أمينة ، والأظهر في الأصل آمنة ، واستظهارنا هذا تؤيده الرواية الأخرى الأتية في التسلسل (١١) عند نقل ما أورده صاحب الأعيان عن الأغاني من رواية ابن الكلبي ، عن أبيه ، وهي صريحة واضحة في هذا المعنى.
ثم أخيرا رواية المدائني ، عن أبي إسحاق المالكي التالية في الأغاني ، وتصحيح أبو الفرج الإصفهاني لاسم آمنة بعد الرواية مباشرة بقوله : وهذا هو الصحيح.
كل ذلك يدل صراحة أن أمية هنا مصحف عن آمنة.
وقوله : أصبت ، لآمنة لا أميمة. وإلا لزم التناقض في كلامه.
(٤) الفهرست : ١٠٧ في أخبار محمد بن السائب.
٦ ـ أبوالفرج الإصفهاني في «الأغاني» :
قال : اسم سكينة أميمة ، وقيل : أمينة ، وقيل : آمنة ، وسكينة لقب لقبت به(١) .
وقال أيضا : وروي أن رجلا سأل عبدالله بن الحسن [بن الحسن] عن اسم سكينة ، فقال : أمينة.
فقال له : إن ابن الكلبي يقول : أميمة. فقال : سل ابن الكلبي عن أمه ، وسلني عن أمي.
ونقل عن المدائني قوله : حدثني أبو إسحاق المالكي قال : سكينة لقب ، واسمها : آمنة.
ثم أردف الإصفهاني قوله : وهذا هو الصحيح(٢) .
وقال في مقاتل الطالبين : واسم سكينة أمينة ، وقيل : أميمة ، وإنما غلب عليها سكينة وليس اسمها(٣) .
٧ ـ ابن العماد الحنبلي في «شذرات الذهب» :
قال : اسمها أميمة ، وقيل : أمينة ، وسكينة لقب(٤) .
٨ ـ اليافعي في «مرآة الجنان» :
قال : قيل : اسمها أمينة ، وقيل : أميمة ، وهو الراجح ، وسكينة لقب لها(٥) .
__________________
(١) الأغاني ١٦ : ١٤٦.
(٢) المصدر السابق : ١٤٧.
(٣) مقاتل الطالبيين : ٩٤.
(٤) شذرات الذهب ٢ : ٨٢ وفيات سنة ١١٧.
(٥) مرآة الجنان ١ : ٢٥١.
٩ ـ ابن خلكان في «وفيات الأعيان» :
قال : اسمها آمنة ، وقيل : أمينة ، وقيل : أميمة ، وسكينة لقب لقبتها به أمها الرباب وأورد سوال عبدالله بن الحسن لمحمد بن السائب الكلبي المذكور آنفا(١) .
١٠ ـ عمر رضا كحالة في «أعلام النساء» :
قال : واسمها آمنة أو أميمة ، وسكينة لقبها(٢) .
١١ ـ السيد محسن الأمين العاملي في «أعيان الشيعة» :
عنونها هكذا :
أميمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب المعروفة بسكينة.
ثم نقل بعض الأقوال المتقدمة وقال :
روى في الأغاني بسنده ، عن ابن الكلبي(٣) ، عن أبيه ، قال : قال لي عبدالله بن الحسن [بن الحسن] : ما اسم سكينة بنت الحسين؟ فقلت له : سكينة ، فقال : لا ، اسمها آمنة(٤) (٥) .
والظاهر تعدد الحادثتين ، أحدها هذه ، ولعلها هي الأسبق زمانا ، والأخرى ما أوردناه عن النديم من أن محمد بن السائب الكلبي كان قد سأله عبدالله بن الحسن هذا عن اسم سكينة ، فقال : هي أميمة ، واستظهرنا هناك في التسلسل(٥) في تعليقتنا على أميمة ، من أنها تصحيف آمنة.
__________________
(١) وفيات الأعيان ١ : ٣٧٨ في ترجمة سكينة.
(٢) أعلام النساء ٢ : ٢٠٢.
(٣) ابن الكلبي ينصرف إلى هشام بن محمد بن السائب الكلبي ، وروايته عن أبيه أي عن محمد بن السائب الكلبي ، مما يدل أن الراوي واحد مع تعداد الحادثتين ، وهو الموافق لاستظهارنا.
(٤) الأغاني لأبي الفرج الإصفهاني ١٦ : ١٤٧.
(٥) أعيان الشيعة ٣ : ٤٩١.
واستظهارنا بتعدد الحادثتين ، كون رواية الأغاني هنا في صدد تصحيح ما علق بذهن محمد بن الكلبي ، وما اشتهر من لقبها بين الناس من أنها سكينة ، فصحح عبدالله اسمها بأنها آمنة.
ورواية النديم في الفهرست(١) أن عبدالله بن الحسن سأل محمد بن الكلبي عن اسم سكينة ، فلما ذكر أن اسمها آمنة صوب له ذلك وأقره عليه حينما قال : أصبت ، وكأنه في صدد تذكيره على ما صححه من قبل والتأكيد عليه بأن اسمها آمنة وليس سكينة.
وتأكيد عبدالله بن الحسن على محمد بن الكلبي له خصوصيته ، فأن ابن الكلبي كونه نسابة ، وعبدالله بن الحسن حريص على تصحيح الاسم بواسطة محمد بن الكلبي لرجوع الناس إليه.
١٢ ـ السيد عبدالرزاق الموسوي المقرم في «سكينة بنت الحسينعليهماالسلام » :
قال : وأما سكينة فقد ذكر المؤرخون أنه لقب من أمها الرباب ، وكأنه لسكونها وهدوئها ، وعليه فالمناسب فتح السين المهملة وكسر الكاف ، وهذا الرأي نسبه الصبان إلى المشهور. وأما اسمها ، فالذي اختاره ابن تغري بردي أنه آمنة(٢) .
١٣ ـ الشيخ محمد حسين الأعلمي في «تراجم أعلام النساء» :
قال : سكينة لقبها ، واسمها آمنة أو أمينة أو أميمة(٣) .
١٤ ـ المحدث الشيخ عباس القمي في «منتهى الآمال» :
قال : وكان اسم سكينة آمنة أو أميمة ، فلقبتها أمها رباب بسكينة ، فهي
__________________
(١) راجع صفحة (٣٩) لتقف على الرواية وتقارنها برواية الأغاني.
(٢) سكينة بنت الحسين : ١٤٠.
(٣) تراجم أعلام النساء ٢ : ٢٠٠.
عقيلة قريش ، وذات عقل ورأي صائب(١) .
هذا اتفاق أهل الأخبار والمحققين من الفريقين ، أن سكينة هو لقب آمنة أو أميمة بنت الحسين.
على أنا نرجح ما رجحه أهل التحقيق بأن اسمها آمنة بنت الحسين وميلهم إلى ذلك. بل هو الأقرب على ما في رواية أبي إسحاق المالكي ، كما نقله أبو الفرج الإصفهاني في الأغاني عن المدائني ، قال : حدثني أبو إسحاق المالكي قال : سكينة لقب ، واسمها آمنة ، ثم تصحيح الإصفهاني عقيب الرواية بقوله : وهذا هو الصحيح. وقد أشرنا إليه آنفا.
كما أن أبا الفرج نقل في موضع من الأغاني(٢) : قال مصعب فيما أخبرني به الطوسي ، عن زبير ، عنه : اسمها آمنة.
وهناك رواية أخرى للمدائني ، عن أبي إسحاق المالكي ، قال : قيل لسكينة ـ واسمها آمنة ، وسكينة لقب ـ : أختك فاطمة ناسكة ، وأنت تمزحين كثيرا؟ ثم جواب السيدة آمنة بأنكم :«سميتموني باسم جدتي التي لم تدرك الإسلام» ، تعني آمنة بنت وهب ، أم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم (٣) .
ومع مؤاخذاتنا على هذه الرواية ، إلا أن الذي يعنينا منها الآن هو ترجيح اسم آمنة على غيره من الأسماء.
وهذا ما حدى بالسيد محس الأمين العاملي في أعيان الشيعة(٤) إلى القول بعد إيراده لهذه الرواية في أخبارها :هذا يدل على أن اسمها آمنة . رغم
__________________
(١) منتهى الآمال ١ : ٨١٨.
(٢) الأغاني ١٦ : ١٤٦.
(٣) المصدر السابق : ١٤٩.
(٤) إعيان الشيعة ٣ : ٤٩٢.
أنه عنونها باسم أميمة ، ولعل اختياره كان مسايرة لما عليه الأكثر ليس إلا.
من هنا يتأكد لنا الاسم الحقيقي للقب سكينة وهو آمنة بنت الحسينعليهماالسلام ، لذا فالأمانة العلمية تدعونا إلى إثبات اسمها الصحيح ، والتعامل معه تعاملا جديا ، وذلك لغلق الطريق على الأكاذيب التي عهد إليها البعض للإساءة إلى بيت النبي الأطهر ، وتمحلات الآخرين الذين حسبوها أنها مرتكزات تاريخية ، دون أن يتكلفوا أدنى مطالب التحقيق في شأن هذه الحادثة الخطيرة ، لذا فإننا نأمل من ذوي التحقيق وأهل الإنصاف ، أن يرتكز في أذهانهم اسم آمنة بنت الحسين ، والتعامل معه تعاملا حقيقا ، والإعراض عن لقبها الذي استغله بعض أهل الأهواء ، والسذج من بسطاء العوام ، الذين لا خلاق لهم بتحقيق الوقائع ، ومعرفة الأحداث ، ومالهم بذلك إلا المطامع ، أو النعيق مع كل ناعق.
مصالح أموية ومطامع زبيرية
لم تزل الروايات التاريخية تحت مطرقة الأهواء والأغراض السياسية ، بل انجر ذلك حتى إلى رواية الحديث النبوي ، وقد أشرنا إلى ذلك بشيء من التفصيل في كتابنا «تاريخ الحديث النبوي بين سلطة النص ونص السلطة» ، ولا يزال تاريخنا مخبوءا خلف ظروف روائية أسهم في إيجادها رواة وظفتهم السياسة ؛ لإيجاد حبكات قصصيةٍ وروايات توهم الآخرين بأنها ضمن تراثنا التاريخي الإسلامي ، في حين لم تكد مدونات التاريخ تستعرض واقعة تاريخية ، أو تسبر سيرة شخصية ، إلا وتجد مشكلة الوضع تخترق الحدث ، وتحيله إلى قراءة لتوجهات سياسية ، تتحكم فيها أغراض الراوي الذي ينتسب إلى تلك الجهة المعنية ، أو تلك الرؤية المحسوبة ،
وهكذا تتدخل هذه التوجهات لتأسيس تاريخ مشوه ، أو روايات موضوعة ، أو حدث مفتعل تجيد صياغته تارة أو تضطرب أخرى ، فتبدو القضية متناقضة غير حقيقية ، بأدنى تأمل ودقة نظر.
من هنا يمكننا أن نستعرض لهذه الظاهرة نموذجين من الوضع والتزوير ، تتدخل فيها عدة توجهات سياسية معينة :
أحدها : المصالح الأموية التي ما برحت تكيد لآل عليعليهمالسلام منذ عهد معاوية بن أبي سفيان.
وثانيا : المطامع الزبيرية التي ما فتئت تلاحق المجد العلوي منذ حرب الجمل ، حتى ما ارتكبه آل الزبير من تأسيس مجدهم الزائل على جماجم شيعة عليعليهالسلام وأصحابه ، ولاننسى ما بذله عبدالله بن الزبير وآله من محاربة العلويين وملاحقتهم ، كنفي محمد بن الحنيفة ، أو إخراج عبدالله بن عباس ، ومثلهم من بني هاشم عن مكة ، وإعلان العداء لهم منذ قيام دولتهم يومذاك. بمعنى أن الزبيريين عرفوا بمنافستهم الشديدة لآل عليعليهالسلام ، وكانوا يحسدون ما يحرزه العلويون من تقدم في كل المجالات ، والأمة تتعامل مع العلويين بأنهم يمثلون الشرعية التي لا يمكن لأحد إغفالها أو تجاوزها ، وإذا لم تدم الجهود الزبيرية في تأسيس دولتهم يومذاك ، فلا بد أن يبحثوا عن مجد يحيلهم إلى أسياد الشرعية ، وقادة الأمة. حينئذ كيف يتم ذلك وملاحم العبث تملأ الأخبار؟ وقصص عمر بن أبي ربيعة وسكينة بنت خالد بن مصعب يتداولها الناس ، ويتغنى بها أهل المجون والغناء ، وهذه مشكلة يستشعر منها الزبيريون إحدى المعضلات التي تعرقل دعاواهم في شرعيتهم المدعاة. إلى جانب ذلك ترى الأمة قداسة آل عليعليهمالسلام ، وطهارة
بيتهم النبوي الذي لم تدنسه محاولات الأعداء ، فبقي مشعا بعطائه ، شاهدة الأمة لهم بالقداسة والإيمان ، وهذا يعني أن جهود منافسيهم سوف تعرقلها هذه النظرة المقدسة الزكية لآل عليعليهمالسلام .
فالأمويون عرفوا بعبث خلفائهم ، حتى صار ذلك من تشريفات البلاط الأموي ، وآل الزبير يقرأون ويشاهدون أمامهم ملاحم بطلة الغرام سكينة بنت خالد الزبيرية ، فيحالون إلى بيت عبث وغناء ، لا كما يدعون من أنهم أهل خلافة وإمرة وقيادة ، وفي مثل هذا الحال سيتاح لآل عليعليهمالسلام المنافس الأقوى لآل أمية وآل الزبير من التحرك بشكل طبيعي ؛ من أجل تمثيل شرعيتهم الإلهية المتمثلة بأئمة آل البيتعليهمالسلام .
إذن فعلى الأمويين والزبيريين أن يختلقوا قضية يرمون بها منافسيهم الأقوياء ، وقلنا من قبل : إن شخصية الإمام زين العابدينعليهالسلام لا يمكن أن تنالها دعايات الأعداء ، وقداسة بنات عليعليهمالسلام لا تدنسها محاولات الأقلام الجائرة والأهواء العابثة ، فلم يجدوا إذن إلا شخصية «آمنة» سكينة بنت الحسينعليهماالسلام ، التي لم تساهم ـ كما ذكرنا ـ في الإعلام العلوي يوم كان آل البيت يتولون مهمة التبليغ وبيان الحقائق ، وكان لصغر سنها أثر في تحجيم دورها يومذاك ، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى وجدت الدعايات الزبيرية ، والإعلام الأموي ، أن لتشابه اسمي سكينة بنت خالد بن مصعب صاحبة ملاحم عمر بن أبي ربيعة واسم سكينة بنت الحسينعليهماالسلام ، محاولة ناجحة في الخلط والتدليس ، واختراع القصص الماجنة ، ورمي شخص «آمنة» سكينة بنت الحسينعليهماالسلام ، ووجدت هذه المحاولة نجاحها على أيدي رواة متخصصين في صياغة
الحدث ، ووضع القضية موضعا يستسيغ تناقله العامة ، ويلهج به البسطاء ، ويتعامل معه السذج تعامل المسلمات.
وبهذا احتلت روايات «آمنة» سكينة بنت الحسينعليهماالسلام مساحة واسعة من كتب الحكايات ، وملاحم الغزل ، ووسائل القصاصين ؛ ليحيلوا قداسة البيت العلوي إلى دناسة أموية وعبث زبيري ، ويأبى الله إلا ظهور الحقائق والإطاحة بمحاولات الشرذمة من أهل الأهواء السياسية فيحيلها ، إلى ملاحم تحكي حقيقة هؤلاء الوضاعين من الأمويين والزبيريين.
أكـذوبتان :
الأكذوبة الأولى
سكينة ومجالسة الشعراء واستماع الغناء
النموذج الأول :
قال أبو الفرج : أخبرني علي بن صالح قال : حدثنا أبو هفان ، عن إسحاق ، عن أبي عبدالله الزبيري قال : اجتمع نسوة من أهل المدينة من أهل الشرف ، فتذاكرن عمر بن أبي ربيعة وشعره وظرفه وحسن حديثه ، فتشوقن إليه وتمنينه ، فقالت سكينة بنت الحسين : أنا لكن به ، فأرسلت إليه رسولا وواعدته الصورين ، وسمت له الليلة والوقت ، وواعدت صواحباتها. فوافاهن عمر على راحلته ، فحدثهن حتى أضاء الفجر وحان انصرافهن ، فقال لهن : والله إني لمحتاج إلى زيارة قبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والصلاة في مسجده ، ولكني لا أخلط بزيارتكن شيئا ، ثم انصرف إلى مكة من مكانه ، وقال في ذلك :
قالت سكينة والدموع ذوارف |
منها على الخدين والجلباب |
|
ليت المغيري الذي لم أجزه |
فيما أطال تصيدي وطلابي |
كانت ترد لنا المنى أيامنا |
إذ لا تُلام على هوى وتصابي(١) |
رجال الخبر :
علي بن صالح : قال الذهبي : قال ابن الجوزي ضعفوه.
قلت [أي الذهبي] : لا أدري من هو(٢) .
أبوهفان : قال الذهبي : أبو هفان الشاعر حدث عن الأصمعي بخبر منكر.
قال ابن الجوزي : لا يعول عليه(٣) .
إذن فالخبر ساقط عن الاعتبار لضعف رواته ومجهوليتهم.
يعد هذا الخبر في صدارة أخبار سكينة المنسوب لها في مجالسة الشعراء خصوصا عمر بن أبي ربيعة ، والخبر مع غض النظر عن سقوط سنده عن الاعتبار ، فأن محاولة الوضع بادية عليه ؛ إذ افتتح الخبر بأن «نسوة من أهل المدينة من أهل الشرف اجتمعن» ، ولم يتعرض الخبر إلى ذكر واحدة منهن ، واختص بذكر سكينة بنت الحسين ، وذلك دليل على أن صياغة الخبر بهذه الطريقة قصد منها التعرض للسيدة «آمنة» سكينة بنت الحسين ، ورتبت أحداثه لهذا الغرض ، والخبر في صدد ذكر ظرافة عمر بن أبي ربيعة ومحاولاته العبثية ، وهو ليس في صدد التعرض لسيرة أحد ، هكذا يعطي الخبر مسحة «البراءة» على ما يفتعله الوضاعون ، محاولين من خلاله الترسل لذكر وقائع أدبية صرفة ، وليس الغرض التعرض لسيرة أحد أو
__________________
(١) الأغاني١٧١ : ١.
(٢) ميزان الاعتدال ١٣٠ : ٣.
(٣) المصدر السابق ٥٤٠ : ٤.
الإساءة للبيت العلوي الطاهر. وبهذا يحاول الوضاعون بعد أن أعيتهم الحيل في النيل من الشرف العلوي ، إلى ارتكاب هذه المجازفات الروائية ، التي وقع الكثير من المغفلين في التصديق بكل ما تدسه مشاريع الوضع ، واختلاق روايات من هذا القبيل ، تستهدف خصومهم وتوهم البسطاء بذلك.
على أن اجتماع هذه النسوة من الليل حتى طلوع الفجر يتنافى والحالة الاجتماعية التي تعيشها المدينة ، فالالتزامات التي تعيشها المرأة المدنية فضلا عن تعففها عما يشين سمعتها لدى الآخرين ، تختلف كثيرا عن غيرها من الأنحاء الإسلامية. فالمدينة تجد من نفسها مصدر إشعاع إسلامي للسيرة النبوية ، التي يمثلها أهلها القاطنون وقتذاك ، وهم لايزالون يعتزون بانتمائهم الإسلامي والتزامهم الديني ، كما أنها لا تزال تحتفظ بقداستها النبوية ، فضلا عما عرفته المدينة من أن القاطنين فيها بين مهاجر أو أنصاري ، والخبر لا يعد إساءة لخصوص البيت العلوي بقدر ما هو إساءة لأهل الهجرة من المهاجرين ، وأهل النصرة من الأنصار ، مما يعني أن الخبر قد سطرته أيد يهودية ، تتربص بالدين الإسلامي الذي يعيش تحت مطرقة نظام أموي مهزوز ؛ ليظهر بذلك انحلال المجتمع الإسلامي وهو قريب عهد بالنبوة ، فكيف بمجتمع ابتعد عن العهد النبوي وتطاولت عليه الدهور ، مما يعني أن لهذا المجتمع الإسلامي الذي يدعي الالتزام حياته العبثية الخاصة ، وتوجهات ترفه كذلك ، خلاف ما يدعيه المسلمون ليتقدموا بذلك على المجتمعات الأخر ، وبذلك استهدف الخبر قداسة الالتزام الإسلامي وطهارة مجتمعه.
واختيار عمر بن أبي ربيعة ليكون بطل هذه القصة له مغزاه ؛ إذ أن عمر
ابن أبي ربيعة معروف بمجونه وخلعه ، حتى نقل ابن عبد ربه في العقد الفريد قولهم : ما عصي الله بشعر ما عصي بشعر عمر بن أبي ربيعة(١) .
ويصف ابن جريج خطورة مجونه وعبثه حتى قال : ما دخل العواتق في حجالهن شيء أضر من شعر ابن أبي ربيعة(٢) .
ويصف هشام بن عروة عواقب أشعار ابن أبي ربيعة وفحشها بقوله : لاترووا فتيانكم شعر عمر بن أبي ربيعة لئلا يتورطوا في الزنا تورطا(٣) . فكيف يستقيم هذا مع ما عرف من عفة البيت العلوي وطهارته وترفعه عن أدناس الجاهلية؟! فتخصيص عمر بن أبي ربيعة إذن في هذه القصة يستهدف قداسة البيت العلوي وكرامته وليس غير ذلك.
تهافت الوضاع :
على أنا لو أردنا الإعراض عن مناقشة سند ودلالة هذه القصة ، فإننا نقطع بكونها موضوعة من قبل القصاصين ، الذين يستملحون كل شاذ ، ويروون كل غريب.
فالتهافت في نقل القصة إذا استقصينا مواردها ، وجدنا أنها في مصدر واحد يتهافت الكاتب في نقولاته ، مما يدل على أن القصة موضوعة ، فضلا عن كونها مكذوبة في نسبتها للسيدة سكينة بنت الحسينعليهماالسلام ، وإليك تعدد القصة في كتاب «الأغاني» :
أولا : نقل أبو الفرج الإصفهاني حديث اجتماع عمر بن أبي ربيعة
__________________
(١) العقد الفريد ٦ : ١٩٩.
(٢) تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان ١ : ٢٨١.
(٣) المصدر السابق.
بالنسوة ، وكانت سكينة بنت الحسين هي التي واعدته ، فقصدهن واجتمع بهن ، كما ذكرنا ذلك فيما سبق.
ثانيا : نقل أبو الفرج الإصفهاني القصة في مورد آخر قبيل القصة الأولى بـ (٥٨) صفحة بعنوان سكينة ، وليس سكينة بنت الحسين.
فأي سكينة قصدها الراوي في قصته!
وكيف جزم أبو الفرج أن المقصود من سكينة في القصة الأولى ، هي سكينة بنت الحسين؟!
وقد أورد الخبر هكذا :
اجتمع نسوة فذكرن عمر بن أبي ربيعة وشعره وظرفه وحسن مجلسه وحديثه ، وتشوقن إليه وتمنينه ، فقالت سكينة : أنا لكن به إلى آخر الخبر(١) .
ثم أكد أبو الفرج القصة باسم «سكينة» دون نسبتها إلى الحسينعليهالسلام في موضع ثالث من كتابه(٢) .
وهذا التعدد في تكرار الرواية يزيدنا اطمئنانا أن «سكينة» دون أن ينسبها الراوي ، هي بطلة القصة التي رواها مصعب الزبيري ، ونسبها أبو هفان الشاعر إلى سكينة بنت الحسين ، وقد ذكرنا أبو هفان وترجمة الذهبي له برواية الحديث المنكر(٣) .
ثالثا : ذكر أبو الفرج الإصفهاني في مورد آخر الأبيات هكذا :
يا أم طلحة أن البين قد أفدا |
قل الثواء لئن كان الرحيل غدا |
__________________
(١) الأغاني ١ : ١١٣.
(٢) الأغاني ٢ : ٣٦٩.
(٣) راجع صفحة : ٥٠ من كتابنا هذا.
أمسى العراقي لا يدري إذا برزت |
من ذا تطوف بالأركان أو سجدا |
ثم ذكر القصة هكذا :
ولم يزل عمر ينسب بعائشة(١) أيام الحج ويطوف حولها ويتعرض لها(٢) .
رابعا : على أن الأبيات التي ذكرتها القصة هي إحدى قصائد عمر بن أبي ربيعة متغزلا بزينب الجمحية ، إحدى شخصيات ملاحمه الغزلية ، وقد تكرر ذكرها مرارا في قصائده منها :
طال من آل زينب الإعراض |
للتعدي وما بها الإبغاض(٣) |
وله كذلك :
أيها الكاشح المعبر بالصر |
م تزحزح فما لها الهجران |
|
لا مطاع في آل زينب فارجع |
أو تكلم حتى يمل اللسان(٤) |
من هنا فإن التهافت في رواية القصة والاضطراب في أبياتها يوقفنا على أمر مهم وهو :
وضع الرواية ونسبتها إلى السيدة سكينة بنت الحسينعليهماالسلام لدواع لا تخفي على القارئ اللبيب.
خامسا : والجدير ذكره أن أبا الفرج الإصفهاني حين ذكره لقصة اجتماع عمر بن أبي ربيعة بسكينة ، ذكر أبيات القصة في موضع آخر هكذا :
__________________
(١) عائشة بنت طلحة بن عبيد الله ، وأبو الفرج الإصفهاني هنا في صدد أخبار عمر بن أبي ربيعة مع عائشة بنت طلحة.
(٢) الأغاني ١ : ٢٠٥.
(٣) المصدر السابق : ١٠٨.
(٤) المصدر السابق : ١٠٩.
قالت سكينة والدموع ذوارف |
منها على الخدين والجلباب |
|
ليت المغيري الذي لم أجزه |
فيما أطال تصيدي وطلابي |
|
كانت ترد لنا المنى أيامنا |
إذ لا نلام على هوى وتصابي |
|
خبرت ما قالت فبت كأنما |
ترمي الحشا بنوافذ النشاب |
|
أسكين ما ماء الفرات وطيبه |
مني على ظمأ وفقد شراب |
|
بألذ منك وان نأيت وقلما |
ترعى النساء أمانة الغياب(١) |
إلا أنه ذكر نص الأبيات بعينها في موضع آخر هكذا :
قالت سعيدة والدموع ذوارف |
منها على الخدين والجلباب |
إلى أن قال :
أسعيدَ ما ماءُ الفراتِ وطيبُه |
مني على ظمأ وحب شرابِ(٢) |
وذكره للأبيات هنا في صدد ذكر سعدى بنت عبدالرحمن بن عوف ، والقصيدة منسوبة لهذه القصة(٣) ، فكيف ركب الخبر من قصة سكينة وأبيات سعدى بنت عبدالرحمن بن عوف؟!
وماذا يعني هذا الاضطراب والتهافت؟
والطريف أن أبا الفرج نفسه يعترف بعد ذكره خبر التشبيب بسعدى ، أن المغنين غيروا لفظ سعدى إلى سكينة ، وسوف نأتي على بيانه بعيد هذا(٤) .
وإذا أردنا أن نحسن الظن بأبي الفرج الاصفهاني ، فترجع المشكلة إلى
__________________
(١) الأغاني ١ : ١٧٢.
(٢) الأغاني ١٧ : ١٦٢.
(٣) يأتي في صفحة ٧٤ و ٧٥ ذكر أبيات تشبيبه بسعدى ، فراجع.
(٤) راجع صفحة ٩٢ من هذا الكتاب.
يد التحريف والتصحيف ، التي تدور في فلك الأنظمة والحكام ، الذين حاولوا فرض حالات العبث والتزييف في التراث الإسلامي ، فضلا عن التراث الأدبي ، الذي حاولوا تسخيره لتوجهاتهم ، دون أن تسلم مجالات الترويح الأدبي البريء ، الذي يستثمره القارئ دون أن تدخله القراءات الحاكمة ضمن دوائرها السياسية المقيتة.
النموذج الثاني :
أبو الفرج الاصفهاني ، أخبرني الحسن بن علي قال : حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال : أخبرني عيسى بن إسماعيل ، عن محمد بن سلام ، عن جرير المديني ، عن المدائني.
وأخبرني به محمد بن أبي الأزهر قال : حدثنا حماد بن إسحاق ، عن أبيه ، عن محمد بن سلام.
وأخبرني به أحمد بن عبدالعزيز الجوهري ، عن عمر بن شبة موقوفا عليه ، قالوا :
اجتمع في ضيافة سكينة بنت الحسينعليهماالسلام ، جرير والفرزدق وكثير وجميل ونصيب ، فمكثوا أياما ، ثم أذنت لهم فدخلوا عليها ، فقعدت حيث تراهم ولا يرونها وتسمع كلامهم ، ثم أخرجت وصيفة لها وضيئة وقد روت الأشعار والأحاديث ، فقالت : أيكم الفرزدق؟ فقال لها : ها أنذا ، فقالت : أنت القائل :
هما دلتاني من ثمانين قامة |
كما انحط باز أقثم الريش كاسره |
|
فلما استوت رجلاي في الأرض قالتا |
أحي فيرجى أم قتيل نحاذره |
|
فقلت ارفعوا الأمراس لا يشعروا بنا |
وأقبلت في اعجاز ليل أبادره |
أبادر بوابين قد وكلا بنا |
وأحمر من ساج تبص مسامره |
فقال : نعم ، فقالت : فما دعاك إلى إفشاء سرها وسرك؟ هلا سترتها وسترت نفسك؟ خذ هذه الألف ، والحق بأهلك(١) .
وفي رواية أخرى لأبي الفرج عن أبي الزناد : أن الفرزدق لما قال ها أنذا ، قالت : أنت الذي تقول :
أبيت أمني النفس أن سوف نلتقي |
وهل هو مقدور لنفسي لقاؤها |
|
فإن ألقها أو يجمع الدهر بيننا |
ففيها شفاء النفس منها وداؤها |
فقال : نعم ، قالت : قولك أحسن من منظرك ، وأنت القائل :
ودعتني بإشارة وتحية |
وتركتني بين الديار قتيلا |
|
لم أستطع رد الجواب عليهم |
عند الوداع وما شفين غليلا |
|
لو كنت أملكهم إذا لم يبرحوا |
حتى أودع قلبي المخبولا |
هال : نعم ، قالت : أحسنت أحسن الله إليك ، وأنت القائل :
هما دلتاني من ثمانين قامة |
كما انقض باز أقثم الريش كاسره |
|
فلما استوت رجلاي في الأرض قالتا |
أحي فيرجى أم قتيل نحاذره |
|
فقلت ارفعوا الأسباب لا يشعروا بنا |
ووليت في أعجاز ليل أبادره |
|
أحاذر بوابين قد وكلا بها |
وأحمر من ساج تبص مسامره |
|
فأصبحت في القوم العقود وأصبحت |
مغلقة دوني عليها دساكره |
قال : نعم ، قالت : سوأة لك فشيت السر ، فضرب بيده على جبهته وقال : نعم ، فسوأة لي.
ثم دخلت الجارية على مولاتها وخرجت وقالت : أيكم جرير؟ فقال :
__________________
(١) الأغاني ١٦ : ١٦٩ و ١٧٠.
ها أنذا ، قالت : أنت القائل :
رزقنا به الصيد الغزير ولم تكن |
كمن نبله محرومة وحبائله(١) |
|
فهيهات هيهات العقيق ومن به |
وهيهات حي بالعقيق نواصله |
قال : نعم ، قالت : أحسن الله إليك ، وأنت القائل :
كأن عيون المجلتين تعرضت |
وشمسا تجلى يوم دحين سحابها |
|
إذا ذكرت للقلب كاد لذكرها |
يطير إليها واعتراه عذابها |
قال : نعم ، قالت : أحسنت ، وأنت القائل :
سرت الهموم فبتن غير نيام |
وأخو الهموم يروم كل مرام |
|
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا |
وقت الزيارة فارجعي بسلام |
|
لو كان عهدك كالذي حدثتني |
لوصلت ذاك فكان غير لمام |
|
تجري السواك على أغر كأنه |
برد تحدر من متون غمام |
قال : نعم ، قالت : سوأة لك جعلتها صائدة القلوب حتى إذا أناخت ببابك جعلت دونها حجابها ، ألا قلت :
طرقت صائدة القلوب فمرحبا |
نفسي فداؤك فادخلي بسلام |
قال : نعم ، فسوأة لي ، قالت : فخذ هذه الألف دينار والحق بأهلك.
ودخلت الجارية وخرجت وقالت : أيكم كثير عزة؟ فقال : هاأنذا ، فقالت : أنت القائل :
وأعجبني يا عز منك خلائق |
حسان إذ عد الخلائق أربع |
|
دنوك حتى يطمع الصب في الصبا |
وقطعك أسباب الصبا حيث تقطع |
|
فوالله ما يدري كريم مطلته |
أيشتر إن قاضاك أم يتضرع |
__________________
(١) الأبيات وما بعدها أوردها عن الأغاني السيد محسن الأمين العاملي في أعيان الشيعة ٥ : ٣٤٥.
قال : نعم ، قالت : أعطاك الله مناك ، وأنت القائل :
هنيئا مريئا غير داء مخامر |
لعزة من أعراضنا ما استحلت |
|
فما أنا بالداعي لعزة في الورى |
ولا شامت إن فعل عزة زلتِ |
|
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة |
و رجل رمى فيها الزمان فشلتِ |
قال : نعم ، قالت : أحسن الله إليك ، وفي رواية قالت : كثير أنت القائل :
يقر بعيني ما يقر بعينها |
وأحسن شيء ما به العين قرت |
قال : نعم ، قالت : أفسدت الحب بهذا التعريض ، خذ ألف دينار وانصرف.
ثم دخلت الجارية وخرجت وقالت : أيكم نصيب؟ فقال : ها أنذا ، قالت : أنت القائل :
ولولا أن يقال صبا نصيب |
لقلت بنفسي النشأ الصغار |
|
ألا ياليتني قامرت عنها |
وكان يحل للناس القمار |
|
فصارت في يدي وقمرت مالي |
وذاك الربح لو علم التجار |
|
على الاعراض منها والتواني |
فإن وعدت فموعدها ضمار |
قال : نعم ، قالت : والله إن إحداهن لتقوم من نومتها فما تحسن أن تتوضأ فلا حاجة لنا في شعرك.
وفي رواية تذكرة الخواص(١) أنها قالت لنصيل : أنت القائل :
من عاشقين تواعدا وتراسلا |
حتى إذا نجم الثريا حلقا |
|
باتا بأنعم ليلة وألذها |
حتى إذا وضح الصباح تفرقا |
قال : نعم ، قالت : وهل في الحب تدانٍ ، خذ هذه ألف دينار وانصرف.
ثم دخلت الجارية وخرجت وقالت : أيكم جميل؟ قال : ها أنذا ،
__________________
(١) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي : ٢٧٩.
قالت : أنت القائل :
لقد ذرفت عيني وطال سفوحها |
وأصبح من نفسي سقيما صحيحها |
|
ألا ليتنا كنا جميعا وأنت نمت |
يجاور في الموتى ضريحي ضريحها |
|
أظل نهاري مستهاما ويلتقي |
مع الليل روحي في المنام وروحها |
إلى آخر الأبيات والقصة(١) .
رجال الخبر :
محمد بن القاسم بن مهرويه : مهمل لم تتعرض له كتب الرجال ، غير معروف.
عيسى بن إسماعيل : كذلك مهمل أهملته كتب الرجال ، لا يعرف.
محمد بن سلام : قال ابن حجر : لا يكتب حديثه(٢) .جرير المديني : لا يعرف ، مهمل ، تركته كتب الرجال.
محمد بن أبي الأزهر : غير معروف.
فالخبر ساقط لمجهولية بعض رواته ، وضعف غيرهم.
وأنت ترى ما للخبر من تكلف زائد وتهويلات مصطنعة ، تصاغ للحط من كرامة السيدة سكينةعليهماالسلام ، فاجتماع الشعراء على بابها يعطي صبغة عبثية تمارسها هذه السيدة الكريمة في حياتها الخاصة ، وكأنها لا ترتبط بنواميس دينية ، أو مقدسات اجتماعية تأبى هذه الحياة العبثية ، أو كأنها غير مرتبطة بأسرة أو زوج يأنف من هذه الحياة التي تمارسها زوجته ابنتهم ، وآية أسرة هي تلك التي كانت لها سيادة قريش ، وسلطنة الشرف والكرامة ،
__________________
(١) والقصة والأشعار أوردها أبو الفرج في الأغاني ٦ : ١٦٩ ـ ١٧٢ بنحو آخر.
(٢) لسان الميزان ٣ : ٥٤٢.
فكيف تسمح نفوسهم أن تخدش غيرتهم وكرامتهم بهذه القضايا؟!
أضف إلى أن اجتماع الفرزدق وجرير غير ممكن في ظروف الهجاء والتفاخر الذي شاع بينهما ، فالنفرة التي كانت بين الشاعرين تأبى التوفيق بينهما على باب واحدة يستعطفون رضا أحد ، وقد عرف ذلك الوقوف على باب خليفة أو وال يغدق بعطاء الشعراء ، ويستريح على تزاحم المادحين ، ويأنس لاجتماع المغنين ، وهو ديدن الامويين ومنهج الزبيريين ، ولم يعرف من آل عليعليهالسلام هذا.
وإذا أراد هؤلاء الوضاعون دفع هذه الوصمة عن أسيادهم إلى الهاشميين من آل عليعليهالسلام ، فإن الواقع يظهر لهم خلاف ذلك ، وأعطيات خلفاء بني أمية وبني العباس وغيرهم مشهورة ، وتسول الشعراء لمديحهم أشهر من أن تذكر له شواهد.
قال جرجي زيدان وهو يتحدث عن ملوك بني أمية : واقتضت سياستهم تألف الشعراء بالمال ، فضلا عن اضطرار الشعراء وغيرهم إلى استرضائهم خوفا من قطع العطاء عنهم ، والعطاء يومئذ رواتب الجند وسائر المسلمين ، وكان المسلمون في صدر الإسلام كلهم جندا ، ولكل منهم راتب يتناوله من بيت المال على شروط مذكورة في الديوان ، فمن قبض على بيت المال قبض على رقاب الرعية ، ويجدر بهم أن يتقربوا منه ويتزلفوا إليه ، فإذا كان القابض عليه حكيما يعرف كيف يعطي ولمن يعطي ، أغناه ذلك عن سائر الأسباب ، فيزيد العطاء أو ينقصه أو يقطعه على حسب الاقتضاء.
كذلك كان يفعل الدهاة من بني أمية وقدوتهم معاوية بن أبي سفيان ، أكبر دهاة العرب فلم يكن الشعراء يرون بدا من استرضاء بني أمية خوفا
من قطع أعطيتهم ، فضلا عما يرجونه من الجوائز إذا أحسنوا إرضاءهم(١) .
هذا هو ديدن بني أمية وأمثالهم ، وإذا أرادوا أن يدفعوا وصمة العطاء لموارد العبث والمجون من بيت المال وهو حال الخلفاء ، فإن آل عليعليهالسلام لم يعرفوا بذلك ، بل كان عطاؤهم لله تعالى غير متجاوزين على غيرهم ، ويرون أن التعدي في صرف الأموال في غير حقها خيانة للمسلمين ، لذا وجد أعداؤهم أن يلصقوا بهم هذه التهمة للتخفيف عما ارتكبه أسيادهم ، الذين عاثوا في أموال المسلمين ، ومنعوا خيارهم ووصلوا فساقهم ، وقد عرف عن آل عليعليهالسلام ورعهم في الأموال ، وزهدهم ومحاسبتهم في الأعطيات إلا لله تعالى.
النموذج الثالث :
روى أبو الفرج ، عن حماد ، عن أبيه ، عن أبي عبدالله الزبيري قال : اجتمع بالمدينة راوية جرير وراوية كثير وراوية جميل وراوية نصيب ورواية الأحوص فافتخر كل واحد منهم بصاحبه ، وقال : صاحبي أشعر فحكموا سكينة بنت الحسين(٢) .
والخبر كسابقه ، إلا أنهم استبدلوا الشعراء برواتهم ، وهو أضعف من غيره كما ترى.
النموذج الرابع :
قال الزبير : وحدثني عمي ، عن الماجشون قال :
قالت سكينة لعائشة بنت طلحة : أنا أجمل منك ، وقالت عائشة : بل أنا ،
__________________
(١) تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان ١ : ٢٢٩.
(٢) الأغاني ١٦ : ١٧٣.
فاختصمتا إلى عمر بن أبي ربيعة ، فقال : لأقضين بينكما ، أما أنت يا سكينة فأملح منها ، وأما أنت ياعائشة فأجمل منها(١) .
رجال الخبر :
الزبير بن بكار : قال ابن أبي حاتم : رأيته ولم أكتب عنه ، وقال أحمد بن علي السليماني في كتاب الضعفاء : كان منكر الحديث.
ثم ذكر ان سبب تضعيفه هو روايته عن الضعفاء ، مثل محمد بن حسن بن زبالة ، وعمرو بن ابي بكر المؤملي ، وعامر بن صالح الزبيري وغيرهم ، فإن في كتاب النسب عن هؤلاء أشياء كثيرة منكرة(٢) .
مصعب الزبيري عم الزبير بن بكار : الذي حدثه بالخبر.
نود التنويه إلى أن مصعب الزبيري هذا أساس روايات قصة سكينة بنت الحسين ، والتي أخذها منه أبو الفرج الإصفهاني المرواني ، وقد ضعفه أهل الجرح ولم يقروا له بوثاقة ، بل اتفقوا على ضعفه ، لذا فإن روايات سكينة مقطوعة الضعف لما أوردها مصعب الزبيري الضعيف المطعون بوثاقته ، وهذه جملة أقوالهم فيه :
قال النديم في الفهرست : [كان] راوية ، أديبا ، محدثا ، وهو عم الزبير ابن بكار ، وكان أبوه عبدالله من أشرار الناس ، متحاملا على ولد عليعليهمالسلام ، وخبره مع يحيى بن عبدالله معروف(٣) .
قال عنه في تقريب التهذيب : لين الحديث(٤) . وتوقف فيه مالك بن
__________________
(١) الأغاني ١٦ : ١٥٩.
(٢) تهذيب التهذيب ٣ : ٢٦٩.
(٣) تهذيب التهذيب ١١ : ٣٤.
(٤) تقريب التهذيب ١ : ٥٣٣.
أنس كما عن المغني في الضعفاء(١) .
وفي تهذيب الكمال : قال أبو حاتم : مصعب الزبيري لا يحمدونه وليس بقوي ، وقال محمد بن سعد : كان قليل الحديث ، وقال النسائي فيما قرأت بخطه : مصعب منكر الحديث ، وقال في موضع آخر : في حديثه شيء ، وروى له الجماعة سوى البخاري(٢) .
وفي الكامل في التاريخ لابن الأثير قال في مصعب الزبيري : وكان عالما فقيها ، إلا أنه كان منحرفا عن عليعليهالسلام (٣) .
وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب : قال عبدالله بن أحمد ، عن أبيه : أراه ضعيف الحديث ، لم أرَ الناس يحمدون حديثه. وقال عثمان الدارمي ، عن ابن معين : ضعيف. وقال معاوية بن صالح ، عن ابن معين : ليس بشيء. وقال النسائي : مصعب ليس بالقوي في الحديث. وقال ابن حبان في الضعفاء : تفرد بالمناكير عن المشاهير ، فلما كثر ذلك فيه استحق مجانبة حديثه. وقال ابن سعد : كان كثير الحديث يستضعف. وقال الدار قطني : مدني ليس بالقوي(٤) .
وقد ورث مصعب تحامله وعداءه لآل عليعليهالسلام من أبيه ، فأخذ يضع من الأخبار ما يحط به كرامة آل علي وقداستهم.
الماجشون : قال ابن حجر : الماجشون ، يعقوب بن أبي سلمة التميمي ، مولى آل المنكدر أبو يوسف المدني ، قال مصعب الزبيري : إنما
__________________
(١) المغني في الضعفاء ٢ : ٦٦٠.
(٢) تهذيب الكمال ٢٨ : ٣٦.
(٣) الكامل في التاريخ ٥ : ٢٨٨ حوادث سنة ٢٣٦.
(٤) تهذيب التهذيب ١٠ : ١٥٩.
سمي الماجشون لكونه كان يعلم الغناء ويتخذ القيان ، وكان يجالس عروة ابن الزبير وعمر بن عبدالعزيز في إمرته ، وكان عمر يأنس إليه ، فلما استخلف عمر قدم عليه فقال له : إنا تركناك حين تركنا لبس الخز ، فانصرف عنه(١) .
فالماجشون إذن صاحب لهو ومجون ، فكيف يؤخذ بخبره لا سيما هو صنيعة زبيرية وأموية؟! فاحتفاء عروة بن الزبير ومصاحبته له ، أو مجالسته لعمر بن عبد العزيز الأموي أيام إمارته ، يغني عن حاله في الضعف واللامبالاة وعدم التحرج ، وهو يجاري توجهات بني أمية وآل الزبير في الحط من كرامة آل علي صلوات الله عليهم.
فالخبر ضعيف برجاله.
على أن الخبر يتنافى والمسلمات الشرعية التي نهت الشرعية عن الإتيان بها ومزاولتها ، كتعرض المرأة إلى الأجنبي وكشف وجهها وبيان محاسنها.
حرمة نظر الأجنبي للأجنبية في الشريعة الإسلامية
نهى الإسلام عن النظر إلى الأجنبية ، وكذلك نظرها إلى الأجنبي ، وذلك لقوله تعالى :( ولا يبدين زينتهن ) وقد فسرت الآية بأن الزينة هي مواضع الزينة ، فالآية تحث على وجوب الستر وعدم إبداء مواضع الزينة ، واحتج قوم بالإجماع ، وقد عرفت حاله ، فإن المنقول غير حجة ، والمحصل غير حاصل.
واستدل بوجوب غض النظر بما رواه سعد الإسكاف في معتبرته عن
__________________
(١) تهذيب التهذيب ١١ : ٣٤٠.
أبي جعفرعليهالسلام قال :«استقبل شاب من الأنصار امرأة بالمدينة وكان النساء يتقنعن خلف آذانهن فنظر إليها وهي مقبلة ، فلما جازت نظر إليها ودخل في زقاق قد سماه ببني فلان فجعل ينظر خلفها ، واعترض وجهه عظم في الحائط أو زجاجة فشق وجهه ، فلما مضت المرأة نظر فإذا الدماء تسيل على ثوبه وصدره فقال : والله لآتين رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ولأخبرنه ، فأتاه فلما رآه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال : ما هذا؟ فأخبره ، فهبط جبرئيل عليهالسلام بهذه الآية ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون ) (١) » (٢) .
فمورد نزول الآية هو النظر إلى المرأة ، وإطلاقها موجب إلى حرمة مورد النظر ، وإن ذهب بعضهم إلى أنّها خصّصت بالنظر الاستمتاعي بقرينة مورد النزول ، فإن الشاب الأنصاري كان نظره إلى المرأة بتلذذ ، إلا أن المورد لا يخصص الوارد كما هو معلوم.
نعم ، في رواية أحمد بن أبي عبدالله البرقي قال :
استأذن ابن أم مكتوم على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وعنده عائشة وحفصة فقال لهما :«قوما فادخلا البيت» ، فقالتا : إنه أعمى ، فقال :«إن لم يركما فانكما تريانه».
وغير ذلك من الأخبار ، والملازمة تدل على ثبوت الحكم في الرجل كما تدل على ثبوته في المرأة كذلك. كما أن إرادة الشارع في الغض عن النظر عدم الوقوع في الافتتان المقتضي للإتيان بالزنا ونحوه ، لذا شدد على عدم جواز النظر العمدي مع الريبة.
من هنا أمكن دفع هذا الخبر المنافي لقواعد حرمة النظر إلى الأجنبية ،
__________________
(١) النور ٢٤ : ٣٠.
(٢) الوسائل ٢٠ : ١٩٢ ، ب ١٠٤ من أبواب مقدمات النكاح ، ح ٤.
(٣) الوسائل ٢٠ : ٢٣٢ ، ب ١٢٩ من أبواب مقدمات النكاح ، ح١.
ومحادثتها بريبة ، فكيف بالسيدة «آمنة» سكينة بنت الحسين التي تربت في حجور العفة والورع والتقوى ، على أن تحكيم عمر بن أبي ربيعة «الخليع» والمشهور بالعبث في أيتها أجمل ، يتنافى وأحكام الشريعة ، فضلا عن سيرة المسلمين ، وأعراف المجتمع المدني وقتذاك.
رمتني بدائها وانسلت
وإذا أوعزنا أسباب هذه القصص التي وضعت في حق سكينة بنت الحسينعليهماالسلام ، لوجدنا أن دوافعها سياسية صرفة كما قدمنا. فإن بني أمية بحثوا عن كل أمر يشين آل عليعليهالسلام فلم يجدوا ، فانحازوا إلى أسلوب الشتم والسب ، فسبوا عليا على منابرهم ثمانين عاما ، وحرصوا على إظهار معائبه فلم يجدوا لذلك سبيلا ، فألصقوا تهمهم في قصص يستملحها العامة ويجعلوها من المسلمات ، ليقابلوا بذلك ما اشتهر عنهم من العبث والمجون ومنادمة المغنين ، وما عرف عن نسائهم في ارتكاب هذا المحذور ، من مجالسة الشعراء ، والاستماع إلى المغنين ، وما اشتهر عن الشعراء كذلك في التشبيب بالنساء الأمويات المتهتكات ، وسنذكر شواهد ذلك.
ومن جهة أخرى احتدم الصراع بين الزبيرين وبين منافسيهم من العلويين ، وعرف العلويون بقداستهم ، فضلا عن مشروعية خلافتهم الإلهية ، التي تحاصر كل مدع لها ، ولا يزال معارضوهم يضيقون ذرعا بذلك. فوجدوا أن محاولة التخفيف من قداسة البيت العلوي لدى الأمة ، هو أيسر السبل في اقتناص فرص النصر الزبيري المزعوم ، فضلا عما يعانيه تاريخهم من العبث ، ومنادمة الشعراء ، ومجالسة المغنين ، وما اشتهر من أمر
سكينة بنت خالد بن مصعب الزبيري ، ومجالسها المشهورة مع عمر بن أبي ربيعة. فأرادوا دفع هذ المنقصة وإلصاقها بمنافسيهم الأقوياء ، فاستغلوا تشابه الاسمين في إلصاق هذه التهمة ، وخلط ما وقع لسكينة بنت خالد الزبيرية ، مع سكينة بنت الحسين.
هذا كما أن الشعراء قد أكثروا من التشبيب بنساء الأمويين والزبيريين ، وتاريخ الأدب العربي سجل هذه الملاحم الشعرية ، فكانت وثائق دامغة تدين تصرفاتهم ، والتي عرف بها بنو أمية وآل الزبير ، فزحزحوا هذه التهم وألصقوها في السيدة «آمنة» سكينة بنت الحسين ، تلافيا لما أحدثه تاريخهم العبثي المشهور. وإليك من ملاحم عمر بن أبي ربيعة ، والعرجي ، والحارث بن خالد المخزومي ، وأبو دهبل الجمحي ، وحماد عجرد ، والأحوص ، وعبدالرحمن بن حسان بن ثابت وغيرهم من شعراء الغزل ، شواهد التشبيب ، وقصائد الغزل ، وما عرفوا من منادمتهم لنساء الأمويين والزبيريين :
عائشة بنت طلحة بن عبيدالله زوجة مصعب بن الزبير
١ ـ قال عمر بن أبي ربيعة مشببا بها :
لعائشة بنة التيمي عندي |
حمى في القلب ، لا يرعى حماها |
|
يذكرني ابنة التيمي ظبي |
يرود بروضة سهل رباها |
|
فقلت له وكاد يراع قلبي |
فلم أر قط كاليوم اشتباها |
|
سوى حمش بساقك مستبين |
وأن شواك لم يشبه شواها |
|
وأنك عاطل عار وليست |
بعارية ولا عطل يداها(١) |
__________________
(١) الأغاني ١ : ٢٠٤.
٢ ـ إن عمر بن أبي ربيعة لقي عائشة بنت طلحة بمكة وهي تسير على بغلة لها ، فقال لها : قفي حتى أسمعك ما قلت فيك ، قالت : أوقد قلت يا فاسق؟ قال : نعم ، فوقفت فأنشدها :
ياربة البغلة الشهباء هل لك في |
أن تنشري ميتا لا ترهقي حرجا |
|
قالت بدائك مت أو عش تعالجه |
فما نرى لك فيما عندنا فرجا(١) |
٣ ـ ومما يغني فيه من أشعار عمر بن أبي ربيعة في عائشة بنت طلحة ، قوله في قصيدته التي أولها :
من لقلب أمسى رهينا معنى |
مستكينا قد شفه ما أجنا |
|
إثر شخص نفسي فدت ذاك شخصا |
نازح الدار بالمدينة عنا(٢) |
٤ ـ كان ابن محرز أحسن الناس غناء ، فمر بهند بنت كنانة بن عبدالرحمن حليف قريش ، فسألته أن يجلس لها ولصواحب لها ، ففعل وقال : أغنيكن صوتا أمرني الحارث بن خالد بن العاص بن هشام أن أغنيه عائشة بنت طلحة بن عبيد الله في شعر له قاله فيها ، وهو يومئذ أمير مكة؟ قلن : نعم ، فغناهن :
فوددت إذ شحطوا وشطت دارهم |
وعدتهم عنا عواد تشغل |
|
أنا نطاع وأن تنقل أرضنا |
أو أن أرضهم إلينا تنقل(٣) |
٥ ـ حجت عائشة بنت طلحة بن عبيدالله ، فجاءتها الثريا وإخوتها ، ونساء أهل مكة القرشيات وغيرهن. وكان الغريض فيمن جاء ، فدخل النسوة عليها فأمرت لهن بكسوة وألطاف كانت قد أعدتها لمن يجيؤها ،
__________________
(١) الأغاني ٢٠٦ : ١ ـ ٢٠٧.
(٢) المصدر السابق : ٢٠٨.
(٣) المصدر السابق : ٣٦٦.
فجعلت تخرج كل واحدة ومعها جاريتها ومعها ما أمرت لها به عائشة ، والغريض بالباب حتى خرج مولياته مع جواريهن الخلع والألطاف ، فقال الغريض : فأين نصيبي من عائشة؟ فقلن له : أغفلناك وذهبت عن قلوبنا ، فقال : ما أنا ببارح من بابها أو آخذ بحظي منها ، فإنها كريمة بنت كرام ، واندفع يغني بشعر جميل :
تذكرت ليلى فالفؤاد عميد |
وشطت نواها فالمزار بعيد |
فقالت : ويلكم هذا مولى العبلات بالباب يذكر بنفسه هاتوه ، فدخل ، فلما رأته ضحكت وقالت : لم أعلم بمكانك ، ثم دعت له بأشياء أمرت له بها ، ثم قالت له : إن أنت غنيتني صوتا في نفسي فلك كذا وكذا فغناها في شعر كثير :
ومازلت من ليلى لدن طر شاربي |
إلى اليوم أخفي حبها وأداجن(١) |
٦ ـ قال الحارث بن خالد المخزومي متغزلا بعائشة بنت طلحة لما تزوجها مصعب بن الزبير ورحل بها إلى العراق :
ظعن الأمير بأحسن الخلق |
وغدا بلبك مطلع الشرق |
|
في البيت ذي الحسب الرفيع ومن |
أهل التقى والبر والصدق |
|
فظللت كالمقهور مهجته |
هذا الجنون وليس بالغسق |
|
أترجة عبق العبير بها |
عبق الدهان بجانب الحق |
|
ما صبحت أحدا برؤيتها |
إلا غدا بكواكب الطلق(٢) |
قال أبوالفرج : والحارث بن خالد أحد شعراء قريش المعدودين
__________________
(١) الأغاني ٣٧٢ : ٣ ، ٣٦٦ : ١.
(٢) تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان : ٢٨٣ ، الأغاني ٣١٦ : ٣ وراجع أيضا ١٢٢ : ١٥.
الغزليين ، وكان يذهب مذهب عمر بن أبي ربيعة لا يتجاوز الغزل إلى المديح ولا الهجاء ، وكان يهوى عائشة بنت طلحة بن عبيدالله ويشبب بها(١) .
٧ ـ حج الحارث بن خالد المخزومي بالناس ، وحجت عائشة بنت طلحة عامئذٍ ، وكان يهواها ، فأرسلت إليه أخر الصلاة حتى أفرغ من طوافي ، فأمر المؤذنين فأخّروا الصلاة حتى فرغت من طوافها ، ثم أقيمت الصلاة فصلى بالناس ، وأنكر أهل الموسم ذلك من فعله وأعظموه(٢) .
٨ ـ لما أن قدمت عائشة بنت طلحة أرسل إليها الحارث بن خالد ـ وهو أمير على مكة ـ أني أريد السلام عليك ، فإذا خف عليك أذنت ، وكان الرسول الغريض ، فقالت له : أنا حرم فإذا أحللنا إذناك. فلما أحلت سرت على بغلاتها ، ولحقها الغريض بعسفان أو قريب منه ، ومعه كتاب الحارث إليها : ما ضركم لو قلتم سددا
فلما قرأت الكتاب قالت : ما يدع الحارث باطله ، ثم قالت للغريض : هل أحدثت شيئا؟ قال : نعم فاستمعي ، ثم اندفع يغني في هذا الشعر ، فقالت عائشة : والله ما قلنا إلا سددا ، ولا أردنا إلا أن نشتري لسانه ، وأتى على الشعر كله ، فاستحسنته عائشة وأمرت له بخمسة آلاف درهم وأثواب ، وقالت : زدني ، فغناها في قول الحارث بن خالد أيضا(٣) .
٩ ـ نظر ابن أبي ذئب إلى عائشة بنت طلحة تطوف بالبيت ، فقال لها : من أنت؟ فقالت :
من اللاءِ لم يحجبن يبغين حسبة |
ولكن ليقتلن البريء المغفلا |
__________________
(١) الأغاني ٣٠٩ : ٣.
(٢) المصدر السابق : ٣١٥.
(٣) المصدر السابق : ٣١٧.
فقال لها : صان الله ذلك الوجه عن النار ، فقيل له : أفتتنتك أبا عبدالله؟
قال : لا ، ولكن الحسن مرحوم(١) .
ولا نريد التعليق على هذه الرواية ، بل نترك الأمر إلى القارىء ليحكم بنفسه.
فاطمة بنت عبدالملك بن مروان
قال عمر بن أبي ربيعة فيها :
كدت يوم الرحيل أقضي حياتي |
ليتني مت قبل يوم الرحيل |
|
لا أطيق الكلام من شدة الخو |
ف ودمعي يسيل كل مسيل |
|
ذرفت عينها وفاضت عيوني |
وكلانا يلفي بلب أصيل(٢) |
وفي قصة طويلة ذكرها أبوالفرج الأصفهاني ، أنها كانت ترسل جاريتها إليه ليأتي عندها ، فيغازلها ، ويتشبب بها ، ويبادلها الحديث وتبادله ، حتى شغف بها ، وطلب ملابسها التي تلي جسدها ، فأعطته ما أراد ، فزاده ذلك شغفا ، وظل يتابعها ليل نهار ، حتى قال فيها :
ضاق الغداة بحاجتي صدري |
ويئست بعد تقارب الأمر |
|
ذكرت فاطمة التي علقتها |
عرضا فيا لحوادث الدهر(٣) |
الثريا بنت علي بن عبدالله بن الحارث
قال فيها عمر بن أبي ربيعة حين تزوجت رجلا اسمه سهيل :
أيها المنكح الثريا سهيلا |
عمرك الله كيف يجتمعان |
__________________
(١) العقد الفريد ١٠٢ : ٧.
(٢) تاريخ آداب اللغة العربية ٢٨٢ : ١.
(٣) الأغاني ١٩٩ : ١.
هي شامية إذا ما استقلت |
وسهيل إذا استقل يماني(١) |
رملة بنت عبدالله بن خلف أخت طلحة الطلحات
وقد شبب بها عمر بن أبي ربيعة في شعر مذكور في الأغاني فليراجع(٢) .
عاتكة بنت معاوية بن أبي سفيان
وقد شبب بها أبو دهبل الجمحي ، حيث جاءت للحج فنزلت بذي طوى من مكة ، وقد اشتد الحر فأمرت جواريها فرفعن الستر ، فمر أبو دهبل فرأها وهي لا تعلم ، فما رأته ينظر إليها غضبت وشتمته وأمرت بارخاء الستر ، فقال أبو دهبل في ذلك :
إني دعاني الحين فاقتادني |
حتى رأيت الظبي بالباب |
|
يا حسنه إذ سبني مدبرا |
مستترا عني بجلباب |
وأنشد أبو دهبل هذه الأبيات لبعض إخوانه ، فشاعت وغنى بها المغنون ، فبلغت عاتكة ، فبعثت إليه بكسوة وجرت الرسل بينهما ، فلما صدرت عن مكة خرج معها إلى الشام ، فلما دخلت دمشق «جيرون» انقطعت عن لقائه في دمشق ، فنظم في ذلك قصيدة مطلعها :
طال ليلي وبت كالمحزون |
ومللت الثواء في جيرون(٣) |
رملة بنت معاوية بن أبي سفيان
شبب عبد الرحمن بن حسان برملة بنت معاوية ، فقال :
__________________
(١) تاريخ آداب اللغة العربية٢٨٢ : ١.
(٢) الأغاني ١ : ٢١٨ و ٢٢١.
(٣) تاريخ آداب اللغة العربية ٢٨٤ : ١.
رمل هل تذكرين يوم غزال |
إذ قطعنا مسيرنا بالتمني |
|
إذ تقولين عمرك الله هل شي |
ء وإن جل سوف يسليك عني |
|
أم هل أطمعت منكم بابن حسا |
ن كما قد أراك أطمعت مني(١) |
عاتكة بنت عبدالله بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان
قال الاصفهاني :
عاتكة التي يشبب بها الأحوص ، عاتكة بنت عبدالله بن يزيد بن معاوية(٢) .
زينب بنت عكرمة بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام
كان ابن رهيمة يشبب بها ، ويغني يونس بشعره فافتضحت بذلك ، فاستعدى عليه أخوها هشام بن عبدالملك فأمر بضربه خمسمئة سوط ، وأن يباح دمه إن وجد قد عاد لذكرها ، وأن يفعل ذلك بكل من غنى في شيء من شعره ، فهرب هو ويونس(٣) .
زينب بنت يوسف بن الحكم أخت الحجاج بن يوسف الثقفي
شبب ابن نمير الثقفي بزينب بنت يوسف بن الحكم ، فكان الحجاج يتهدده ويقول : لولا أن يقول قائل صدق لقطعت لسانه ، فهرب إلى اليمن(٤) .
سعدى بنت عبدالرحمن بن عوف
شبب بها عمر بن أبي ربيعة فقال :
__________________
(١) الأغاني ١٠٣ : ١٥.
(٢) الأغاني ١١٢ : ٢١.
(٣) الأغاني ٣٩٧ : ٤.
(٤) الأغاني ٢٠٩ : ٦.
قالت سعيدة والدموع ذوارف |
منها على الخدين والجلباب |
|
ليت المغيري الذي لم أجزه |
فيما أطال تصيدي وطلابي |
|
كانت ترد لنا المنى أيامنا |
إذ لا نلام على هوى وتصابي |
|
أسعيد ما ماء الفرات وطيبه |
مني على ظمأ وحب شراب |
|
بألذ منك وإن نأيت وقلما |
يرعى النساء أمانة الغياب(١) |
هند بنت كنانة بن عبدالرحمن بن نضلة بن صفوان بن أمية
كان ابن محرز أحسن الناس غناء ، فمر بهند بنت كنانة ، فسألته أن يجلس لها ولصواحب لها ، ففعل وقال : أغنيكن صوتا أمرني الحارث بن خالد بن العاص أن أغنيه(٢) .
سعدى بنت سعيد بن عمرو بن عثمان
كان الوليد بن يزيد بن عبدالملك يتعشق سعدى بنت سعيد بن عمرو ابن عثمان فقال فيها :
أسعدى ما إليك لنا سبيل |
ولا حتى القيامة من تلاق |
|
بلى ولعل دهرا أن يؤاتي |
بموت من حليلك أو فراق(٣) |
كما أن الوليد بن يزيد كان يتعشق سلمى بنت سعيد بن عمرو بن عثمان كذلك ، فقال فيها :
شاع شعري في سليمى وظهر |
ورواه كل بدو وحضر |
|
وتهادته الغواني بينها |
وتغنين به حتى انتشر |
__________________
(١) الأغاني ١٦١ : ١٧ و ١٦٢.
(٢) الأغاني ٣٦٦ : ١ ، وراجع أيضا ٣٧٢ : ٣.
(٣) العقد الفريد لا بن عبد ربه ١٨٦ : ٧.
لو رأينا من سليمى أثرا |
لسجدنا ألف ألف للأثر |
|
واتخذناها إماما مرتضى |
ولكانت حجنا والمعتمر |
|
إنما بنت سعيد قمر |
هل حرجنا أن سجدنا للقمر(١) |
أم البنين زوج الوليد بن عبدالملك
دخلت عزة صاحبة كثير على أم البنين زوج عبدالملك بن مروان(٢) ، فقالت لها : أخبريني عن قول كثير :
قضى كل ذي دين فوفى غريمه |
وعزة ممطول معنى غريمها |
ما هذا الدين الذي طلبك به؟ قالت : وعدته بقبلة فتحرجت منها ، قالت : أنجزيها وعلي إثمها(٣) .
وروى أبوالفرج الإصفهاني أن وضاحا كان يهوى امرأة من كندة يقال لها : روضة ، فلما اشتهر أمره معها ، خطبها فلم يزوجها ، وزوجت غيره ، فمكثت مدة طويلة ثم شبب بأم البنين بنت عبدالعزيز بن مروان زوجة الوليد بن عبد الملك ، فقتله الوليد لذلك(٤) .
زينب بنت سليمان بن علي
ذكر ابن حجر العسقلاني في لسان الميزان أن حماد عجرد كان يتغزل في زينب بنت سليمان بن علي ، على لسان محمد بن أبي العباس السفاح ، وكان عشقها ، ثم خطبها فمنعت منه ، فصار يتغزل فيها ، وحماد ينظم له
__________________
(١) العقد الفريد ١٨٦ : ٧.
(٢) كذا في المصدر. والصواب زوج الوليد بن عبدالملك.
(٣) العقد الفريد ١٣٤ : ٧.
(٤) الأغاني ٢٢٥ : ٦.
الشعر على لسانه ، فبلغ ذلك أخاها محمد بن سليمان فغصب. واتفقت وفاة محمد ، فطلب ابن سليمان حمادا فتغيب منه ، ثم بلغه أنه هجاه بأبيات منها :
جداك جدان لم تعب بهما |
وإنما العيب منك في البدن(١) |
عائشة بنت المهدي العباسي
قال ابن عبد ربه الأندلسي : خرج رسول عائشة بنت المهدي ـ وكانت شاعرة ـ إلى الشعراء ، فيهم صريع الغواني فقال : تقرؤكم سيدتي السلام ، وتقول لكم : من أجاز هذا البيت فله مئة دينار ، فقالوا : هاته ، فأنشدهم :
أنيلي نوالا وجودي لنا |
فقد بلغت نفسي الترقوه |
فقال صريع :
وإني كالدلو في حبكم |
هويت إذ انقطعت عرقوه(٢) |
ولادة بنت المستكفي الخليفة الأموي في الأندلس
كتبت على تاجها :
أنا ولله أصلح للمعالي |
وأمشي مشيتي وأتيه تيها |
|
وأمكن عاشقي من لثم ثغري |
وأعطي قبلتي من يشتهيها(٣) |
ولا نريد أن نسرد أكثر من هذه الشواهد ، فقد أعرضنا عن كثير مراعاة لحرمة قرائنا الكرام من أن نشين أسماعهم بعبث نساء هؤلاء ، ومجون شعرائهم ، وهذا فيما كتب ، وما خفي كان أعظم ، وقد توخينا في عرضنا هذا إلى الأسباب والدوافع التي دفعت هؤلاء المؤرخين من بني مروان ، كأبي
__________________
(١) لسان الميزان٤٢٦ : ٢ رقم ٢٩٤٢ في ترجمة حماد عجرد.
(٢) العقد الفريد ١٩٧ : ٦.
(٣) شرح رسالة ابن زيدون بهامش شرح لامية العجم ١١ : ١ ، عنه «سكينة بنت الحسين» للمقرم : ٦٠.
الفرج الإصفهاني صاحب الأغاني ، الذي استعرض أقاصيص وموضوعات حياة سكينة بنت الحسينعليهماالسلام ، وما أخذه من آل الزبير من اختلاق هذه الأكاذيب ، كالزبير بن بكار ، ومصعب الزبيري وأمثالهم ، الذين ما فتؤوا من التحري عما يشين البيت العلوي ، دفعا لما ابتلي به أسلافهم من النساء كسكينة بنت خالد الزبيرية ، وعائشة بنت طلحة بن عبيدالله زوج مصعب بن الزبير ، وغيرهن من اللواتي ملئت صحائف تاريخهن بفضائح العبث ، ومجالس الغزل والغناء ، وما اشتهر عن عاتكة بنت معاوية ، وأم البنين بنت عبدالعزيز زوجة الوليد بن عبدالملك ، وسعدى بنت عبدالرحمن بن عوف ، وأمثالهن من اللواتي آثرن حياة اللهو والغناء.
ومقابل هذا يرفل آل علي بقداسة الوحي ، وطهارة النبوة ، وهم المنافسون الأقوياء لأولئك الأمويين الذين سفكوا الدماء من أجل الإبقاء على دست الحكم ، والزبيريين الذين هتكوا الحرمات من أجل المنصب كذلك ، فمتى يستقيم لهؤلاء أمر ولا تزال الأمة تنظر إلى العلويين بكل إجلال وقداسة؟ من هنا أمكننا معرفة الدوافع السياسية لاختلاق قصة سكينة بنت الحسين ، وإقحامها ملاحم اللهو الأموي والترف الزبيري.
سكينة وابن سريج
روى أبو الفرج الإصفهاني قال : أخبرني الحسين بن يحيى ، عن حماد ، عن أبيه ، عن مصعب الزبيري قال : حدثني شيخ من المكيين قال :
كان ابن سريج قد أصابته الريح الخبيثة وآلى يمينا ألا يغني ، ونسك ولزم المسجد الحرام حتى عوفي ، ثم خرج وفيه بقية من العلة فأتى قبر النبي وموضع الصلاة ، فلما قدم المدينة نزل على بعض إخوانه من أهل النسك
والقراءة ، فكان أهل الغناء يأتونه مسلمين عليه فلا يأذن لهم بالجلوس والمحادثة ، فأقام بالمدينة حولا حتى لم يحس علته بشيء وأراد الشخوص إلى مكة ، وبلغ ذلك سكينة بنت الحسين فاغتمت اغتماما شديدا وضاقت به ذرعا ، وكان أشعب يخدمها ، وكانت تأنس بمضاحكته ونوادره وقالت لأشعب : ويلك أن ابن سريج شاخص! وقد دخل المدينة منذ حول ولم أسمع غناءه قليلا ولا كثيرا ، ويعز ذلك علي ، فكيف الحيلة في الاستماع منه ولو صوتا واحدا؟
فقال لها أشعب : جعلت فداك وأنى لك بذلك والرجل اليوم زاهد ولا حيلة فيه ، فارفعي طمعك والحسي تورك تنفعك حلاوة فمك. فأمرت بعض جواريها فوطئن بطنه حتى كادت تخرج أمعاؤه ، وخنقته حتى كادت نفسه أن تتلف ، ثم أمرت به فسحب على وجهه حتى أخرج من الدار إخراجا عنيفا ، فخرج على أسوأ الحالات ، واغتم أشعب غما شديدا وندم على ممازحتها في وقت لم ينبغ له ذلك ، فأتى منزل ابن سريج ليلا فطرقه فقيل : من هذا؟ فقال : أشعب ، ففتحوا له فرأى على وجهه ولحيته التراب والدم سائلا من أنفه وجبهته على لحيته, وثيابه ممزقة وبطنه وصدره وحلقه قد عصرها الدوس والخنق ومات الدم فيها ، فنظر ابن سريج إلى منظر فظيع هاله وراعه فقال له : ما هذا ويحك؟! فقص عليه القصة ، فقال ابن سريج : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ماذا نزل بك والحمدلله الذي سلم نفسك لا تعودن إلى هذه أبدا.
قال أشعب : فديتك هي مولاتي ولا بد لي منها ، ولكن هل لك حيلة في أن تصير إليها وتغنيها فيكون ذلك سببا لرضاها عني؟ قال ابن سريج : كلا
والله لا يكون ذلك أبدا بعد أن تركته.
قال أشعب : قطعت أملي ورفعت رزقي وتركتني حيران بالمدينة لا يقبلني أحد ، وهي ساخطة علي فالله الله في ، أنا أنشدك الله ألا تحملت هذا الإثم فيّ.
فأبى عليه ، فلما رأى أشعب أن عزم ابن سريج قد تم على الامتناع ، قال في نفسه : لا حيلة لي وهذا خارج وإن خرج هلكت ، فصرخ صرخة أذن أهل المدينة لها ، ونبه الجيران من رقادهم ، وأقام الناس من فرشهم ، ثم سكت فلم يدر الناس ما القصة عند خفوت الصوت بعد أن قد راعهم ، فقال له ابن سريج : ويلك ما هذا؟ قال : لئن لم تصر معي إليها لأصرخن صرخة أخرى لا يبقى إلا صار بالباب ، ثم لأفتحنه ولأريهم ما بي ، ولأعلمنهم كذا وكذا
فلما رأى ابن سريج الجد منه قال لصاحبه : ويحك أما ترى ما وقعنا فيه ـ وكان صاحبه الذي نزل عنده ناسكا ـ فقال : لا أدري ما أقول نزل بنا من هذا الخبيث إلى أن قال : فوقع ابن سريج فيما لا حيلة له فيه.
فقال : امضي لا بارك الله فيك ، فمضى معه فلما صار إلى باب سكينة قرع الباب فقيل : من هذا؟ فقال : أشعب إلى أن قال : ثم أندفع يغني :
أستعين الذي يكفيه نفعي |
ورجائي على التي قتلتني |
فقالت له سكينة : فهل عندك يا عبيد من صبر ، ثم أخرجت دملجا من ذهب كان في عضدها وزنه أربعون مثقالا فرمت به إليه(١) إلى آخر القصة ، وهي طويلة الذيل اقتصرنا على مورد الحاجة.
__________________
(١) الأغاني ٤٥ : ١٧ ـ ٥١.
رجال الخبر
الخبر مرسل ، فإن مصعب الزبيري رواه عن شيخ من المكيين لا يعرف من هو ، فالخبر مرسل لا اعتبار له من حيث الإرسال.
ومصعب الزبيري : ضعيف ، عرفت حاله.
والحسين بن يحيى : قال الذهبي في ميزان الاعتدال عن ابن الجوزي : يضع الحديث ، وكذلك ابن حجر في لسان الميزان(١) .
فالخبر مرسل وفي سنده ضعفاء فهو ساقط عن الاعتبار.
أين هم أزواج سكينة وبنو هاشم عن كل هذا؟
اعتمد الخبر على رواية المتناقضات فأظهر زهد ونسك ابن سريج المغني وعبث السيدة سكينة ، مع أن الخبر أظهر في مطاويه الإشارة إلى حرمة الغناء وتجنب ابن سريج عن ذلك ، إلا أن السيدة سكينة كانت تصر على مخالفة مناهي الشريعة ، وترتكب ما هو حرام إشباعا لرغبتها في الاستماع ، لا سيما الخبر سرد أحداث القصة عند وقت متأخر من الليل ، وأظهر أن السيدة سكينة لا ترتبط مع أية علقة زوجية يمكنها أن تحتشم زوجها ـ على الأقل ـ في ارتكاب ما ينافي الشرع ومن ثم الأخلاق السائدة ، مع ما هولوه من تعدد أزواج «آمنة» سكينة بنت الحسين ، وبلغ عدد أزواجها أكثر من سبعة ، ومع هذا فلا نرى لواحد من هؤلاء الأزواج دور في التصدي إلى ماترتكبه السيدة سكينة من مخالفات شرعية وعرفية ، يأنف من خلالها الغيور على حرمه ، ولا يرضى في انتهاك حرمته بما يقع من حليلته ، وهي بين أجانب خلعاء تعقد لهم مجالس الغناء في بيته دون وازع ولا من رادع.
__________________
(١) ميزان الاعتدال ٥٤١ : ١ ، لسان الميزان ٣٨٦ : ٢.
أي غيور يرضى لزوجته أن ترتكب مثل هذه الأفعال الشائنة بسمعته والمنافية لغيرته؟ وإذا لم يكن هناك دور للزوج في مثل هذه القصص ، فأين كان الإمام علي بن الحسينعليهماالسلام وهو يرى أخته ترتكب خلاف الشريعة وما ينافي قيم الإسلام؟ أين كان محمد بن علي الباقرعليهماالسلام عن هذه التصرفات؟ أين كان بنو هاشم وهم ـ على الأقل ـ يجابهون عدوا لدودا يصطنع لهم الأكاذيب والافتراءات؟ فكان عليهم مراعاة جانب أعدائهم إن لم يراعوا جانب حرمة الشريعة.
مما يكشف سذاجه هؤلاء الوضاعين وبلادتهم حينما يختلقون أكاذيبهم بما ينافي الشرع والعادة والأعراف ، وليتهم توسلوا بغير ذلك لئلا ينكشف غباؤهم ولعبتهم الطائشة.
إنه خراج بعض الكور
وإذا صور رواة الخبر بذخ سكينة وهي تعطي لأحد المغنين دملجا وزنه أربعين مثقالا ، فإن هذه التصرفات هي سمة خلفائهم الذين شهدت لياليهم الحمراء بذخهم وعبثهم بأموال المسلمين.
قال ابن عبد ربه الأندلسي في العقد الفريد : غنى إبراهيم الموصلي محمد بن زبيدة الأمين بقول الحسن بن هانئ فيه :
رشأ لولا ملاحته |
خلت الدنيا من الفتن |
قال : فاستخفه الطرب حتى قام من مجلسه وأكب على إبراهيم يقبل رأسه ، فقام إبراهيم من مجلسه يقبل أسفل رجليه وما وطئتا من البساط ، فأمر له بثلاثة آلاف درهم ، فقال إبراهيم : يا سيدي قد أجزتني إلى هذه الغاية بعشرين ألف ألف درهم [ أي عشرين مليون درهم].
فقال الأمين : وهل ذلك إلا خراج بعض الكور(١) ؟
هذه هي أعطيات الخلفاء في الليالي الحمراء ومن بيت مال المسلمين ، والمسلمون يعانون من الضيق في العيش والفقر والفاقة ، لذا فقد عمد هؤلاء الرواة إلى التستر على بذح أسيادهم ، وأتهام آل البيتعليهمالسلام بتصرفات أعدائهم ؛ ليدفعوا عنهم تهورات هؤلاء وعبثهم.
حكم الغناء في الشريعة المقدسة
ذهب علماؤنا ـ رضوان الله تعالى عليهم ـ إلى حرمة الغناء(٢) ، وادعوا الإجماع عليه ، بل عدوه من ضرورات المذهب للأدلة الواردة في حرمته من آيات وروايات لعلها متواترة. كما ذهب إلى ذلك بعضهم ، فمن ذلك تفسير قوله تعالى :( لا يشهدون الزور ) (٣) بالغناء كما في صحيحة محمد بن مسلم ، عن أبي عبدالله الصادقعليهالسلام (٤) .
وتفسير الغناء بالزور في قوله تعالى :( واجتنبوا قول الزور ) (٥) كما في صحيحة زيد الشحام ، ومرسلة ابن أبي عمير ، وموثقة أبي بصير(٦) .
وما ورد في تفسير لهو الحديث بالغناء كما في صحيحة محمد بن مسلم(٧) .
__________________
(١) العقد الفريد ٤٢ : ٧.
(٢) نقل الإجماع على ذلك السيد العاملي في مفتاح الكرامة ٥٢ : ٤ ، حيث قال : أما حكمه فلا خلاف ، كما في مجمع البرهان ، في تحريمه وتحريم الأجرة عليه وتعلمه وتعليمه واستماعه
(٣) الفرقان ٧٢ : ٢٥.
(٤) الوسائل ٣٠٤ : ١٧ ، ب ٩٩ من أبواب ما يكتسب به ، ح ٥.
(٥) الحج ٣٠ : ٢٢.
(٦) الوسائل ٣٠٣ : ١٧ و ٣٠٥ ، ب ٩٩ من أبواب ما يكتسب به ، ح ٢ و ٨ و ٩.
(٧) المصدر السابق : ٣٠٤ ، ح ٦.
ومن الروايات ما تواتر من حرمة الغناء كما في رواية يونس قال : سألت الخراساني صلوات الله عليه عن الغناء وقلت : إن العباسي ذكر عنك أنك ترخص في الغناء ، فقال :«كذب الزنديق ما هكذا قلت له ، سألني عن الغناء فقلت له : إن رجلا أتى أبا جعفر عليهالسلام فسأله عن الغناء فقال : يافلان إذا ميز الله بين الحق والباطل فأين يكون الغناء؟ قال : مع الباطل ، فقال : حكمت» (١) .
وعن عبد الأعلى قال : سألت أبا عبداللهعليهالسلام عن الغناء وقلت : إنهم يزعمون أن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم رخص في أن يقال : حيونا حيونا نحييكم. فقال :«إن الله تعالى يقول : ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين * لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين * بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون ) (٢) ـ ثم قال ـ :ويل لفلان مما يصف ، رجل لم يحضر المجلس» (٣) .
وفي مرسلة المقنع عن الصادقعليهالسلام :«شر الأصوات الغناء» (٤) .
وفي الخصال بسنده عن الحسن بن هارون قال : سمعت أبا عبداللهعليهالسلام يقول :«الغناء يورث النفاق ويعقب الفقر» (٥) .
ويعضده الأخبار الدالة على تحريم الاستماع له كما في صحيحة مسعدة بن زياد قال : كنت عند أبي عبد اللهعليهالسلام فقال له رجل : بأبي أنت وأمي إني أدخل كنيفا ولي جيران ، وعندهم جوار يتغنين ويضربن بالعود ، فربما
__________________
(١) الوسائل ٣٠٦ : ١٧ ، ب٩٩ من أبواب ما يكتسب به ، ح ١٣.
(٢) الأنبياء ١٦ : ٢١ ـ ١٨.
(٣) الوسائل ٣٠٧ : ١٧ ، ح ١٥.
(٤) المصدر السابق : ٣٠٩ ، ح ٢١.
(٥) المصدر السابق : ٣٠٩ ، ح٢٣.
أطلت الجلوس استماعا مني لهن ، فقال :«لاتفعل» ، فقال الرجل والله ما أتيتهن وإنما هو سماع اسمعه بأذني ، فقال :«بالله أنت أما سمعت الله تعالى يقول : ( إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ) » ؟ فقال : بلى والله وكأني لم أسمع بهذه الآية من كتاب الله تعالى من عجمي ولا عربي ، لا جرم أني لا أعود إن شاء الله تعالى ، وأني أستغفر الله ، فقال له :«فاغتسل وصل مابدا لك ، فإنك كنت مقيما على أمر عظيم ما كان أسوأ حالك لو مت على ذلك ، إحمد الله وسله التوبة من كل ما يكره ، فإنه لا يكره إلا كل قبيح ، والقبيح دعه لأهله ، فإن لكلّ أهلا» (١) .
وعن عنبسة ، عن أبي عبداللهعليهالسلام قال :«استماع الغناء واللهو ينبت النفاق في القلب ، كما ينبت الماء الزرع» (٢) .
وما ورد في حرمة شراء المغنية وأن ثمنها سحت ، كما في الكافي عن الحسن بن علي الوشاء قال : سئل أبوالحسن الرضاعليهالسلام عن شراء المغنية؟ فقال :«قد تكون للرجل الجارية تلهيه ، وما ثمنها إلا ثمن الكلب ، وثمن الكلب سحت ، والسحت في النار» (٣) .
وعن سعيد بن محمد الطاطري ، عن أبيه ، عن أبي عبداللهعليهالسلام قال : سأله رجل عن بيع الجواري المغنيات ، فقال :«شراؤهن وبيعهن حرام ، وتعليمهن واستماعهن نفاق» (٤) .
إلى غير ذلك من الأخبار المتواترة ، وهي كما علمت مطلقة لا يمكن تخصيصها ، وإن التزم بعضهم ببعضها على أنها مخصصات للحرمة ، إلا أنها
__________________
(١) الوسائل ٣٣١ : ٣ ، ب١٨ من أبواب الأغسال المندوبة ، ح١.
(٢) الوسائل ٣١٦ : ١٧ ، ب ١٠١ من أبواب ما يكتسب به ، ح١.
(٣) المصدر السابق : ١٢٤ ، ب ١٦ ، ح٦.
(٤) المصدر السابق : ١٢٤ ، ح ٧.
لا تصلح للتخصيص حقيقة لا كما فهمه البعض ، ولا مجال لذكر ما احتجوا بأنها مخصصات ، وكون الحرمة مشروطة بانضمام بعض المحرمات كمجالس اللهو ، ودخول الرجال على النساء وغير ذلك ، على أن المعارضات التي ذكرها البعض لا تقوى على معارضة ما ذكرناه من أخبار التحريم ؛ لمخالفتها لكتاب الله وموافقتها للعلامة ، وهي مرجحات لا يختلف في العمل بها أحد ، فتبقى حرمة الغناء ذاتا على حالها غير معارضة بما توهمه البعض بأنها معارضات.
هذا حكم الغناء في الشريعة ، والقصة المذكورة منافية لضرورات الدين ، ولإجماع الطائفة الحقة منذ عهد أئمتهم ـ صلوات الله عليهم ـ حتى يومنا هذا ، فكيف ينسجم واقعهم مع هذه الموضوعات بعد ذلك؟!
حقيقة الأمر ما هي؟ ابن سريج نائحا أم مغنيا؟
وإذا أمعنا في بطلان هذه القصة وأمثالها ، فإن الإصفهاني يؤكد فيما يرويه في موضع آخر تنافي هذه القصة مع الواقع ، وتعارضها مع خبر النياحة الذي اشتهر بها ابن سريج.
فقد كان ابن سريج نائحا ، وكانت السيدة «آمنة» سكينة تتحرى موارد النياحة بما يساعدها على التخفيف من مصائبهم أهل البيتعليهمالسلام ، بل كانت النياحة أسلوبا جديرا في بيان ما أصاب أهل هذا البيت من فجائع ، وتصرفات الدهور وتقلبات الأيام ونوائبها ، لذا حرص أهل البيتعليهمالسلام على النياحة كأسلوب مهم من أساليب بيان مظلوميتهم ، ومشاركة العواطف والأحاسيس العامة مع مأساتهم التي سببتها الأنظمة السياسية الطامحة إلى سحق كل القيم من أجل الوصول إلى الحكم والسلطة ، لذا حرص الأئمة
الأطهارعليهمالسلام إلى أساليب النياحة حينما وجدوا أن أحاسيس الناس تشاركهم متى ما أظهروا مصائبهم.
فالإمام زين العابدينعليهالسلام طلب من الطرماح بن عدي أن يتقدم الركب الحسيني المفجوع عند دخوله المدينة ، وينعى الحسينعليهالسلام ، مما حدى بالناس إلى الاجتماع واستقبال الإمامعليهالسلام وعائلته بشكل يتناسب وعظم المصاب ، بل وإدانة النظام كذلك ، فكانت محاولة ناجحة للاحتجاج على السلطة بشكل لم يبق لاعتذار أزلامها في الإقدام على قتل سيد الشهداءعليهالسلام مجال.
وهكذا كان الإمام محمد بن علي الباقرعليهماالسلام يخصص مبلغا في كل عام للنياحة عليهعليهالسلام في منى إمعانا في إظهار مظلوميتهم ، وإشارة إلى ما بلغه النظام من تنكيل وتقتيل لأهل هذا البيت العلوي الطاهر ، حتى انهعليهالسلام أوصى بندبه عشر سنين في منى ، وهو موضع اجتماع الحجيج ؛ ليتسنى للمسلمين معرفة ماجرى على أهل هذا البيتعليهمالسلام من ظلم واضطهاد.
وهكذا كان الإمام جعفر بن محمد الصادقعليهماالسلام يقيم مجالس النياحة على جده الحسينعليهالسلام حينما ينشده السيّد الحميري ويأمر أهله بالجلوس.
والإمام علي بن موسى الرضاعليهماالسلام كان يأمر عياله بالاستماع إلى مراثي الإمام الحسينعليهالسلام عندما ينشدها دعبل الخزاعي ، فيبكون ويأمرون شيعتهم بذلك.
هذا هو ديدن الأئمة الأطهارعليهمالسلام ، يتحرون مواضع الندبة والبكاء على فجائعهم ، وليمعنوا في بيان مظلوميتهم ، لذا فإن السيدة «آمنة» سكينة بنت الحسينعليهماالسلام كانت تستشعر هذا الإحساس ، وقد حرصت على إبراز ما تكنه
نفوسهم الطاهرة من أحزان وآلام ، وهي لا تزال تعايش مصائب الطف ، وقتل إخوتها وأبيها بشكل مروع ، وتسييرهم أسارى من بلد إلى بلد ، وشعور الحزن والألم يتفاقم وهم لا يزالون مهضومي الحق ، مدفوعين عن مقامهم ، لذا فإنهاعليهماالسلام قريبة عهد بفجائع الطف ، والمناسب أن تتحرى ما يخفف من أحزانها ، ويعزز من موقف أهلها الميامين ببيان ما جرى عليهم ، والرواية التالية تؤكد هذا المنحى والاتجاه :
قال أبو الفرج الاصفهاني : إن سكينة بعثت إلى ابن سريج بمملوك لها يقال له : عبدالملك ، وأمرته أن يعلمه النياحة. فلم يزل يعلمه مدة طويلة ، ثم توفي عمها أبوالقاسم محمد بن الحنفية ، وكان ابن سريج عليلا بعلة صعبة ، فلم يقدر على النياحة ، فقال لها عبدها عبدالملك : أنا أنوح لك نوحا أنسيك نوح ابن سريج ، فقالت : أو تحسن ذاك؟ قال : نعم ، فأمرته فكان في الغاية(١) .
هذه الرواية إذا ما قارناها بخبر غناء ابن سريج للسيدة «آمنة» سكينة ، وجدنا أن مصعب الزبيري قد افتعل الخبر ونسجه على منوال نياحة ابن سريج ، فاستبدل الزبيري مفردات هذه الرواية بوضع خبر الغناء هكذا :
١ ـ استبدال النياحة بالغناء.
٢ ـ استبدال عبارة «أن سكينة بعثت إلى ابن سريج بمملوك لها يقال له : عبدالملك ، وأمرته أن يعلمه النياحة» بعبارة خبر أشعب كالآتي :
قالت لأشعب : ويلك أن ابن سريج شاخص! وقد دخل المدينة منذ حول ولم أسمع غناءه.
٣ ـ استبدال اسم عبدالملك وهو مملوكها باسم «أشعب» الخليع
__________________
(١) الأغاني ٢٤٩ : ١ و ٢٥٠.
الماجن ، مدعيا الخبر ملازمته للسيدة سكينة ؛ لمضاحكتها ومؤانستها على غرار ما كان يفعله مع خلفاء بني أمية وآل الزبير ، فقد عرف «أشعب» بولائه لآل الزبير ، وهو ابن حميدة سيئة السمعة والصيت ، فقد كانت مولاة لأسماء بنت أبي بكر زوجة الزبير ، ولها تاريخها الأسود بما ذكر عنها بأنها : كانت تدخل بيوت أزواج النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وتحرش بينهن ، فأمر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بتعزيرها ، وقيل : دعا عليها فماتت(١) .
وقال ابن حجر في لسان الميزان : كانت تنقل كلام أزواج النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بعضهن إلى بعض فتلقي بينهن الشر ، فدعا عليها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فماتت(٢) .
هذا هو أشعب الذي تربى في بيوت الزبيريين ، ونقل عنه ملاحم العبث معهم ما شهدت به مطولات التاريخ ، فمتى أتيح له أن يكون مع سكينة بنت الحسين لا يفارقها ، وهو حليف عدو الهاشميين الألداء آل الزبير ، الذين عرفوا بمنافستهم لآل عليعليهالسلام وعدائهم وبغضهم لهم ، وهو أمر لا يستقيم مع ماذكر من مرافقته للسيدة سكينة ، وفي الوقت نفسه فهو مولى لآل الزبير؟!
على أن مرافقة أشعب للسيدة سكينة «آمنة» ـ كما نقله الخبر ـ يتعارض مع القيم الإسلامية والأخلاقية التي عرف بها آل علي ، من ورع وقداسة وتقوى تأبى معها مخالطة الرجال الأجانب والاجتماع بهم ومؤانستهم.
وبهذا تنكشف جليا محاولات الوضع والتزوير على السيدة سكينة ،
__________________
(١) الإصابة في تمييز الصحابة ٢٧٥ : ٤.
(٢) لسان الميزان ٥٠٧ : ١.
وما بذله أعداء آل البيتعليهمالسلام من محاولات انتقاص هذا البيت الطاهر ، ودفع ما عرف به أعداؤهم من العبث والخلاعة ، وإلصاقها بهم ، ونسج مغامرات اللهو على منوال ما عرف به أعداء أهل البيت وشانئيهم.
محاولات وضع وتزوير أُخر
لم يكتف آل الزبير وأتباعهم في اختلاق القصص ووضعها ، بل أنهم حاولوا ابتداع أسلوب آخر من تزوير الحقائق ، حيث جعلوا بعض الأسماء الصريحة المعروفة بالخلاعة والعبث وادعوا أنها هي سكينة بنت الحسين ، وهو أمر يثير الاستغراب حقا ، فالأسماء الحقيقية لهذه الوقائع شخصيات أثبتها المؤرخون في مواقع عدة والأشخاص معروفين ، في حين تأتي الروايات الزبيرية فتلصقها بالسيدة سكينة بنت الحسين ظلما وعدوانا ، ونماذج من هذا الخرق الذي ارتكبه الزبيريون تبينه الأخبار التالية :
١ ـ روى ابن عبد ربه الأندلسي أن الأحوص قال يوما لمعبد : إمض بنا إلى عقيلة حتى نتحدث إليها ونسمع من غنائها وغناء جواريها ، فمضيا فألفيا على بابها معاذا الأنصاري وابن صياد ، فاستأذنوا عليها فأذنت لهم إلا الأحوص ، فإنها قالت : نحن على الأحوص غضاب ، فانصرف الأحوص وهو يلوم أصحابه على استبدادهم بها وقال :
ضنت عقيلة عنك اليوم بالزاد |
وآثرت حاجة الثاوي على الغادي(١) |
قال ابن عبد ربه في موضع آخر : إن عقيلة هذه هي جارية أبي موسى الأشعري ، وذكر قصتها منفردة.
__________________
(١) العقد الفريد ٢٢ : ٧.
إلا أن الإصفهاني لسذاجته نسب عقيلة هذه إلى أنها من ولد عقيل بن أبي طالب ، فقال : وللأحوص مع عقيلة هذه أخبار قد ذكرت في مواضع أخر ، وعقيلة امرأة من ولد عقيل بن أبي طالب(١) .
وأكذوبة الإصفهاني على أنها من ولد عقيل لم تكف آل الزبير ، حتى أمعنوا في التحريف فجعلوا عقيلة هذه هي سكينة بنت الحسينعليهماالسلام .
قال الإصفهاني في نفس الموضع : وقد ذكر الزبير ، عن ابن بنت الماجشون ، عن خاله أن عقيلة هذه هي سكينة بنت الحسين كنى عنها بعقيلة(٢) .
هكذا أمعن الزبيريون في تزوير الحقائق ، واتهام السيدة سكينة بأمور تتنافى وأبسط القيم الإسلامية ، ووسموها بأقبح الصفات من البذخ واللهو والعبث ، ولم يكتفوا حتى قرنوها بالأحوص الذي قال عنه الإصفهاني بأنه : كان قليل المروءة والدين ، هجاء للناس ، مأبونا فيما يروى عنه(٣) .
٢ ـ قال أبو الفرج الاصفهاني : كانت سعدى بنت عبدالرحمن بن عوف جالسة في المسجد الحرام ، فرأت عمر بن أبي ربيعة يطوف بالبيت ، فأرسلت إليه : إذا فرغت من طوافك فأتنا. فأتاها ، فقالت : لا أراك يابن ربيعة إلا سادرا في حرم الله ، أما تخاف الله؟ ويحك إلى متى هذا السفه؟! قال : أي هذه ، دعي عنك هذا من القول ، أما سمعت ماقلت فيك؟ قالت : لا ، فما قلت؟ فأنشدها قوله :
قالت سعيدة والدموع ذوارف |
منها على الخدين والجلباب |
__________________
(١) الأغاني ٢٥٨ : ٤.
(٢) المصدر السابق.
(٣) المصدر السابق : ٢٣١.
إلى آخر الأبيات(١) .
هذا ما ذكره الإصفهاني من الخبر وقصة الأبيات ، إلا أن المحرفين لم يرقهم ذلك فحرفوه ، وجعلوه على ألسنة المغنين بلفظ «سكينة» بدل «سعيدة» وقد اعترف الإصفهاني بهذه المشكلة فقال :
وهذا الشعر تغني فيه :
قالت «سكينة» والدموع ذوارف
وفي موضع :
«أسعيد» ما ماء الفرات وبرده
«أسُكين» ، وإنما غيره المغنون ، ولفظ عمر ما ذكر فيه في الخبر(٢) . أي الخبر المتقدم.
٣ ـ روى أبو علي القالي في أماليه قول عمر بن أبي ربيعة هكذا :
جددي الوصل يا قريب وجودي |
لمحب فراقه قد ألما(٣) |
فأبدلوا لفظة «قريب» بلفظ «سكين» أي ترخيم سكينة.
٤ ـ روى ابن قتيبة في المعارف : إن عائشة بنت طلحة تزوجها مصعب بن الزبير فأعطاها ألف ألف درهم ، فقال أنس بن زنيم الديلي لأخيه [ عبدالله بن الزبير ] :
أبلغ أمير المؤمنين رسالة |
من ناصح لك لا يريد خداعا |
|
بضع الفتاة بألف ألف كامل |
وتبيت سادات الجيوش جياعا |
__________________
(١) الأغاني ١٢ : ١٦. وقد مر الحديث حول القصة والأبيات ، فراجع صفحة : ٤٩ ـ ٥٢ و ٧٤.
(٢) المصدر السابق : ١٦٢.
(٣) أمالي أبو علي القالي ٣٠٥ : ٢.
لو لأبي حفص أقول مقالتي |
وأقص شأن حديثهم لا رتاعا(١) |
إلا أن الإصفهاني رواها عن مصعب ، عن محمد بن يحيى هكذا :
ولما تزوج مصعب سكينة على ألف ألف ، كتب عبدالله بن همام على يد أبي السلاس إلى عبدالله بن الزبير :
أبلغ أمير المؤمنين رسالة |
من ناصح لك لا يريد خداعا |
|
بضع الفتاة بألف ألف كامل |
وتبيت سادات الجيوش جياعا |
|
لو لأبي حفص أقول مقالتي |
وأقص شأن حديثهم لا رتاعا(٢) |
هذا هو دأب الوضاع ، يقلبون الحقائق ، ويحرفون الكلم ، طعنا منهم في مخالفيهم أو مخالفي أسيادهم ، ويجهدون في دفع كل قبيح عنهم ، ليوصمون به مخالفيهم ، كما فعل من قبل معاوية بن أبي سفيان في الطعن على علي عليه السلام ، ظنا منه إطفاء نوره ، ويأبي الله إلا أن يتم نوره.
__________________
(١) المعارف لابن قتيبة : ٢٣٣.
(٢) الأغاني ١٦٤ : ١٦.
الأكذوبة الثانية
سكينة وحديث الأزواج
هناك عدة قوائم دبجت في تعداد أزواج سكينة :
الأولى : قائمة أبي الفرج الاصفهاني
روى الإصفهاني قال : حدث الزبير بن بكار قال : حدثني عمي مصعب ، قال : تزوجت سكينة بنت الحسينعليهماالسلام عدة أزواج ، أولهم عبدالله ابن الحسن بن علي وهو ابن عمها وأبو عذرتها ، ومصعب بن الزبير ، وعبدالله بن عثمان الحزامي ، وزيد بن عمرو بن عثمان ، والأصبغ بن عبدالعزيز ولم يدخل بها ، وإبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف ولم يدخل بها(١) .
على أن الإصفهاني روى أن الذي تزوج سكينة هو عمرو بن حكيم بن حزام وهو عم والد عبدالله بن عثمان بن عبدالله بن حكيم بن حزام كما أورد ذلك ابن سعد وابن خلكان وسبط ابن الجوزي في قوائمهم مما يعني اضطراب خبر زواجها من عبدالله بن عثمان بن عبدالله ، فمرة يتزوجها
__________________
(١) الأغاني ١٥٨ : ١٦.
عبدالله بن عمرو ومرة يتزوجها عم أبيه ، فما الذي يعنيه هذا الاضطراب؟!
قال الاصفهاني : عن أبي الأزهر قال : حدثنا حماد بن اسحاق ، عن أبيه ، عن الهيثم بن عدي ، عن صالح بن حسان وغيره : إن سكينة كانت عند عمرو بن حكيم بن حزام ، ثم تزوجها زيد بن عمرو بن عثمان بن عفان ، ثم تزوجها مصعب بن الزبير ، فلما قتل مصعب خطبها إبراهيم بن عبدالرحمن ابن عوف إلى آخر الرواية(١) وسيأتي البحث فيها لاحقا.
الثانية : قائمة ابن سعد
قال : تزوجها مصعب بن الزبير بن العوام ، ابتكرها فولدت له فاطمة ، ثم قتل عنها ، فخلف عليها عبدالله بن عثمان بن عبدالله بن حكيم بن حزام بن خويلد فولدت له عثمان ـ الذي يقال له : قرين ـ وحكيما وربيحة ، فهلك عنها ، فخلف عليها زيد بن عمرو بن عثمان بن عفان فهلك عنها ، فخلف عليها إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف الزهري ، كانت ولته نفسها فتزوجها فأقامت معه ثلاثة أشهر ، فكتب هشام بن عبدالملك إلى واليه بالمدينة أن فرق بينهما ففرق بينهما ، وقال بعض أهل العلم : هلك عنها زيد بن عمرو ابن عثمان ، وتزوجها الأصبغ بن عبدالعزيز بن مروان(٢) .
الثالثة : قائمة ابن خلكان
قال : تزوجها مصعب بن الزبير فهلك عنها ، ثم تزوجها عبدالله بن عثمان بن عبدالله بن حكيم بن حزام فولدت له قرينا ، ثم تزوجها الأصبغ بن
__________________
(١) الأغاني ١٦١ : ١٦.
(٢) الطبقات الكبرى لابن سعد ٤٧٥ : ٨ في قسم النساء اللواتي لم يروين عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وروين عن أزواجه وغيرهن.
عبدالعزيز بن مروان وفارقها قبل الدخول ، ثم تزوجها زيد بن عمرو بن عثمان بن عفان ، فأمره سليمان بن عبدالملك بطلاقها ففعل(١) .
الرابعة : قائمة سبط ابن الجوزي
قال : وأما سكينة فتزوجها مصعب بن الزبير فهلك عنها ، فتزوجها عبدالله بن عثمان بن عبدالله بن حكيم بن حزام فولدت له عثمان الذي يقال له : قرير [ والظاهر أنه قرين كما عليه غيره ] ، ثم تزوجها الأصبغ بن عبدالعزيز بن مروان أخو عمر بن عبدالعزيز ، ثم فارقها قبل الدخول بها ، وماتت في أيام هشام بن عبدالملك
قال سبط ابن الجوزي :
وأول من تزوجها مصعب بن الزبير قهرا ، وهو الذي ابتكرها ثم قتل عنها وقد ولدت له فاطمة(٢) .
هذه قوائم أربع اخترناها لبيان مواضع الاختلاف في تعداد أزواج «آمنة» سكينة بنت الحسينعليهماالسلام ، ومصدر هذه القوائم أكثرها زبيرية يرويها الزبير بن بكار ، عن عمه مصعب الزبيري وقد عرفت حالهما ، فلا حاجة إلى أن نعيد ما ذكره علماء الرجال من ضعفهما وكذبهما وانحرافهما عن عليّ وعن آله ـ صلوات الله عليهم ـ لذا فهي ساقطة عن الاعتبار سندا ، كونها بين مرسلة وبين ضعيفة برجالها ، إلا أن ذلك لا يمنعنا من مناقشتها وبيان متناقضاتها ، حتى لا يخفى على ذوي الأبصار محاولات الوضع المتعمد على هذه الشخصية الطاهرة ، وكيف أن آل الزبير عمدوا إلى الانتقاص من
__________________
(١) وفيات الأعيان ٣٩٤ : ٢رقم ٢٦٨.
(٢) تذكرة الخواص سبط ابن الجوزي : ٢٤٩.
منافسيهم أهل البيتعليهمالسلام ، ووصموا كل شائنة فيهم وألصقوها بأهل هذا البيت الطاهر؟ ومن ذلك حديث الأزواج ، حيث اشتهر عن عائشة بنت طلحة تعدد الأزواج ، وكان أولهم مصعب ، فألصقوا هذه الحادثة بالسيدة «آمنة» سكينة بنت الحسينعليهماالسلام ، وأبعدوها عن أشخاصهم ، وسيأتي تفصيل ذلك قريبا إن شاء الله.
القائمة الموحدة
ويمكننا الآن أن نوحد هذه القوائم ليتسنى لنا مناقشة الجميع من خلال مناقشة هذه القائمة الموحدة ، وغرضنا من ذكر عدة قوائم ليتضح للقارئ الكريم اضطراب الرواة وتضاربهم في افتعال مثل هذه الحادثة ، والتي تقتضيها مصالح سياسية مقيتة ، أهمها : إلغاء الخلاف الفكري بين أهل البيتعليهمالسلام وبين هذه المجموعات السياسية ؛ وإعطائها مسحة من الشرعية ؛ وإلغاء ما يمكن أن يقال عن هؤلاء من تجاوزه على أهل البيتعليهمالسلام ، وتقدمهم عليهم وغصب حقوقهم. تماما كما وضعت قصة زواج عمر بن الخطاب من أم كلثوم ، وقد أبطلنا هذه الشبهة في كتابنا «كشف البصر»(١) . على أن هذه القوائم من الأزواج تتسم بتشكيلاتها السياسية ، فالأزواج المذكورين هم بين زبيريين إلى أمويين إلى مروانيين ، وهذا دليل وحده يكفي لإثبات أن القوائم الموضوعة رتبت على أساس منحى سياسي خاص ، يراد منه إلغاء الخلاف الفكري بين هذه التوجهات السياسية وبين أهل البيتعليهمالسلام ، والشطب على مبتنيات الخلاف بين المدرستين.
__________________
(١) كشف البصر عن زواج أم كلثوم من عمر للمؤلف ، يستعرض روايات الفريقين وعدم دلالة الجميع على واقعة الزواج ، فراجع.
وسيكون ترتيب هذه القائمة الموحدة هكذا :
١ ـ مصعب بن الزبير ، حسب رواية الإصفهاني وابن سعد وابن خلكان وسبط ابن الجوزي.
٢ ـ عبدالله بن عثمان بن عبدالله بن حكيم بن حزام ، حسب رواية الإصفهاني وابن سعد وابن خلكان وابن الجوزي.
٣ ـ الأصبغ بن عبدالعزيز بن مروان ، كما في رواية ابن سعد ، أما الإصفهاني وابن خلكان وسبط ابن الجوزي فقالوا : لم يدخل بها.
٤ ـ زيد بن عمرو بن عثمان بن عفان ، فهو برواية الإصفهاني وابن سعد وابن خلكان ، أما سبط ابن الجوزي فلم يذكره.
٥ ـ إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف ، لم يذكره غير الإصفهاني وابن سعد ، واتفقا أنه لم يدخل بها ، ولم يذكره ابن خلكان وسبط ابن الجوزي.
٦ ـ أما عبدالله بن الحسن بن علي ، فهو حسب رواية الإصفهاني فقط.
وبذلك فقد اشتملت القائمة الموحدة على مصعب بن الزبير وعبدالله ابن عثمان ، وهما الاسمان المشتركان في القوائم الأربع. وسيتم مناقشة هذين الاسمين بشيء من التفصيل ؛ ليمكننا تحديد الواقع من أحاديث الزواج هذه. ثم نأتي على بقية الأسماء ، كل بما يقتضيه البحث.
أولا : مصعب بن الزبير
ليتسنى لنا صحة دعاوى زواج مصعب بن الزبير من السيدة «آمنة» سكينة بنت الحسينعليهماالسلام ، علينا أن نلقي نظرة سريعة على الخط الزبيري منذ نشوئه ، للحصول على رؤية واقعية عن توجهات هذا البيت الزبيري وأتباعه. وهل بالإمكان سيتم ثمة تقارب بين الزبيريين المعروفين
بتوجهاتهم غير العلوية وبين الهاشميين؟
سؤال سيخرجنا من منعطفات مآزق الروايات الموضوعة من قبل رواة زواج السيدة «آمنة» سكينة بنت الحسينعليهماالسلام .
من هم آل الزبير؟
يعد الزبير بن العوام مؤسس الخط الزبيري ـ إذا صح التعبير ـ فهو الذي سن توجهات آله ، وألقى لهم آراءه في علاقاته على المستوى الديني ، وطموحاته على المستوى السياسي.
كان الزبير بن العوام حليفا لعليعليهالسلام يوم السقيفة ، وكان من الذين انظموا إلى عليعليهالسلام ، وممن أبوا بيعة أبي بكر ، بل كان من المعترضين الأشداء عليها. فهو لن يغمد سيفه ما لم تستقر البعية لعلي بن أبي طالب ، بعد ما سمع من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أحقية عليعليهالسلام في الخلافة ، لذا فإن ابن قتيبة في «الإمامة والسياسة» يصور لنا موقف الزبير المتصلب في رفض البيعة لأبي بكر ، وإصراره على أحقية عليعليهالسلام في البيعة قائلا :
وأما علي والعباس بن عبدالمطلب ومن معهما من بني هاشم فانصرفوا إلى رحالهم وعمهم الزبير بن العوام ، فذهب إليهم عمر في عصابة فيهم أسيد بن حضير وسلمة بن أسلم فقالوا : انطلقوا فبايعوا أبابكر ، فأبوا. فخرج الزبير بن العوام بالسيف ، فقال عمر : عليكم بالرجل فخذوه ، فوثب عليه سلمة بن أسلم فأخذ السيف من يده فضرب به الجدار(١) .
وقال الطبري : أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين فقال : والله لأحرقن عليكم أو لتخرجن إلى البيعة ،
__________________
(١) الإمامة والسياسة١٥ : ١.
فخرج عليه الزبير مصلتا بالسيف فعثر فسقط السيف من يده فوثبوا عليه فأخذوه(١) .
هذه الصورة تعطينا تصورا عن موقف الزبير إبان بيعة الشيخين.
ويبقى الزبير معارضا ملتزما جانب الرفض لنظام الشيخين ، إلا أن ذلك لا يكون بالضرورة موقفا مناصرا للإمام عليعليهالسلام ، حيث لم توقفنا النصوص التاريخية على مواقف النصرة للإمام بقدر ما كان معارضا معاندا ، لا يرى أهلية لشيخي تيم وعدي أن يتقدما على ابن صفية الذي عرف بأنه ابن عمة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فضلا عن مواصفات الخلافة؟! هذا ولم يكن للزبير إبان عهد الشيخين أية ميزات اجتماعية ، فضلا عن إلغاء دوره السياسي كذلك.
لذا فإن عهد عثمان بن عفان يعد متنفسا لتوجهات الزبير الاجتماعية ، فبنى القصور واقتنى الأموال كما ذكر المسعودي فقال : وفي أيام عثمان اقتنى جماعة من الصحابة الضياع والدور منهم الزبير بن العوام ، بنى داره بالبصرة وهي المعروفة وبلغ مال الزبير بعد وفاته خمسين ألف دينار ، وخلف الزبير ألف فرس وألف عبد وأمة(٢) .
أي سيجد الزبير حينئذ متنفسا يستطيع من خلاله أن يمارس دوره الاجتماعي باقتنائه الأموال والقصور ، إلا أنه يبقى محبوسا سياسيا ، أي لا يزال ملغى الدور السياسي الذي يطمح أن يصل إليه الزبير بعد إشباعه ماليا ، وسيكون دوره الاجتماعي منقوصا ما لم يكمله بحضوره السياسي في
__________________
(١) تاريخ الطبري ٤٤٣ : ٢.
(٢) مروج الذهب ٣٥٠ : ٢.
الأحداث العامة ، ولم يجد الزبير أفضل من فرصة يوم الدار ، يوم محاصرة عثمان تأليب الثوار عليه ، منضما بذلك إلى الحركة الثورية التي قررت إيقاف انتهاكات عثمان الدينية والاجتماعية وحتى السياسية ، فرأى الزبير أن مناورة الانضمام إلى الثوار ستعطيه فرصة سياسية ناجحة ، يستغلها من أجل تثبيت موطئ قدم له. وكان حليفه طلحة كذلك ، وكان طلحة شديدا على عثمان حتى قال عثمان : اللهم اكفني طلحة بن عبيدالله فإنه حمل عليّ هؤلاء وألبهم ، والله إني لأرجو أن يكون منها صفرا ، وأن يسفك دمه(١) .
كتاب طلحة والزبير في تحريض المسلمين على قتل عثمان
بل كان الزبير يعمل على قتل عثمان ، ولعل في ذلك أمنيته في انحياز الأمر إليه ، وهو ما كشفه الأشتر حين قرأ كتابه وكتاب طلحة في التحريض على قتل عثمان ، قال ابن قتيبة الدينوري : إن الأشتر قال لطلحة والزبير بعدما تظاهرا بعدم الرضا عن قتل عثمان ، وبعثوا إلى الأشتر في الكف عن محاصرته قال : تبعثون إلينا وجاءنا رسولكم بكتابكم وهاهو ذا ، فأخرج كتابا فيه : «بسم الله الرحمن الرحيم ، من المهاجرين الأولين وبقية الشورى ، إلى من بمصر من الصحابة والتابعين ، أما بعد : أن تعالوا إلينا وتداركوا خلافة رسول الله قبل أن يسلبها أهلها ، فإن كتاب الله قد بدل ، وسنة رسول الله قد غيرت ، وأحكام الخليفتين قد بدلت. فننشد الله من قرأ كتابنا من بقية أصحاب رسول الله والتابعين بإحسان إلا أقبل إلينا ، وأخذ الحق لنا وأعطاناه ، فأقبلوا إلينا إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ، وأقيموا الحق على المنهاج الواضح الذي فارقتم عليه نبيكم ، وفارقكم عليه الخلفاء. غلبنا على حقنا
__________________
(١) تاريخ الطبري ٤١١ : ٣.
واستولي على فيئنا ، وحيل بيننا وبين أمرنا ، وكانت الخلافة بعد نبينا خلافة نبوة ورحمة ، وهي اليوم ملك عضوض ، من غلب على شيء أكله». أليس هذا كتابكم إلينا؟ فبكى طلحة ، فقال الأشتر : لما حضرنا أقبلتم تعصرون أعينكم ، والله لا نفارقه حتى نقتله(١) .
فكان الزبير ممن يحث الناس على قتل عثمان ، بل خاذلا له مؤلبا عليه ، خارجا عن المدينة حتى لا يشهد قتله ويطالب بنصرته.
قال ابن الأثير في كامله : إن الزبير خرج من المدينة قبل أن يقتل عثمان(٢) أي أيام حصاره في الدار.
وهكذا حصل الزبير على مكسبه السياسي بعد قتل عثمان ، وتحول الأمر إلى عليعليهالسلام ظنا منه أن الفرص السياسية قد سنحت له بعد أن قاد معارضته السياسية ضد نظام نقم عليه المسلمون ، وحسب أن سيكون له موطئ قدم في العهد الجديد حينئذ.
قال اليعقوبي في تاريخه : وأتى عليا طلحة والزبير فقالا : إنه قد نالتنا بعد رسول الله جفوة فأشركنا في أمرك ، فقال : أنتما شريكاي في القوة والاستقامة وعوناي على العجز والأود(٣) .
ومعنى ذلك أن علياعليهالسلام لم يشركهما في الأمر ، فسارا إلى البصرة يطالبان بدم عثمان ومعهما عائشة وهم من خلال ذلك يطمحون للوصول إلى مآربهم السياسية ، فكانت وقعة الجمل التي ذهب ضحيتها آلاف المسلمين ولقي طلحة والزبير حتفهما في مغامرة سياسية فاشلة ، ولعبة لم
__________________
(١) الامامة والسياسية ٣٤ : ١.
(٢) الكامل في التاريخ ٨٧ : ٣.
(٣) تاريخ اليعقوبي ٧٧ : ٢.
يحكما أمرها بعد. فقتلا على يد من خرجا معهم. ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله.
آل الزبير تقليدية عداء ومنافسات سياسية محمومة
وضعت الحرب أوزارها بعد هزيمة حلفاء الجمل عائشة وطلحة والزبير ، إلا أن العداء لآل علي لم ينته بعد ، والمنافسات السياسية لم تحط رحالها ، ورواد مدرسة الجمل قد بدأ نشاطهم توا ، فهذا عبدالله بن الزبير يتربص الأحداث ، ويتحين الفرص ، ولم يكن في همه إلا الحصول على مبادرات المناصب التي ستتركها أحداث ما بعد يزيد. فبنو مروان احتلبوا تقلبات ماتركته خطبة معاوية بن يزيد ، الذي أعلن عن عدم أهليته للخلافة مع وجود الشرعية الإلهية المتمثلة بالإمام زين العابدينعليهالسلام ، فتركها منصرفا إلى حيث اختار له بنو أبيه من الموت قبل أن تكون تلك سُنّة يشيع أمرها فيخرج الملك من أيديهم. ويتسابق على الخلافة من لا خلاق له فيها من بني مروان وآل الزبير ، فيغلب بنون مروان على آل الزبير الذين حصلوا على مكة مقرا له ومكنوا عبدالله بن الزبير من أمرهم.
عرف آل الزبير بعدائهم لبني هاشم ، وقد مثل ذلك بأبشع صوره عبدالله بن الزبير.
قال اليعقوبي : وتحامل عبد الله بن الزبير على بني هاشم تحاملا شديدا ، وأظهر لهم العداوة والبغضاء حتى بلغ ذلك منه أن ترك الصلاة على محمد في خطبته ، فقيل له : لم تركت الصلاة على النبي؟ فقال : إن له أُهيل سوء يشرئبون لذكره ، ويرفعون رؤوسهم إذا سمعوا به. وأخذ ابن الزبير محمد بن الحنفية وعبدالله بن عباس وأربعة وعشرين رجلاً من بني هاشم
ليبايعوا له فامتنعوا ، فحبسهم في حجرة زمزم ، وحلف بالله الذي لا إله إلا هو ليبايعن أو ليحرقنهم بالنار(١) .
حدث المسعودي أن عبدالله بن الزبير تجاوز في عدائه لآل عليعليهالسلام حتى إنه كان ينال من عليعليهالسلام في خطبه ، قال : خطب ابن الزبير فنال من علي(٢) .
على أن عبدالله بن الزبير يفضح دخيلته في عدائه لبني هاشم في محاورته مع ابن عباس ، فقد ذكر المسعودي عن سعيد بن جبير أن عبدالله ابن عباس دخل على ابن الزبير ، فقال له ابن الزبير : أنت الذي تؤنبني وتبخلني؟ قال ابن عباس : نعم ، سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : ليس المسلم يشبع ويجوع جاره ، فقال ابن الزبير : إني لأكتم بغضكم أهل هذا البيت منذ أربعين سنة(٣) .
فضلا عما كان يتظاهر به من الزهد والعبادة دجلا ومراء في كسب قلوب الناس والحرص على الملك قال المسعودي : وأظهر ابن الزبير الزهد في الدنيا والعبادة مع الحرص على الخلافة ، وقال : إنما بطني شبر فما عسى أن يسع ذلك من الدنيا ، وأنا العائذ بالبيت والمستجير بالرب ، وكثرت أذيته لبني هاشم مع شحه بالدنيا على سائر الناس(٤) .
__________________
(١) تاريخ اليعقوبي ١٧٨ : ٢.
(٢) مروج الذهب ٨٩ : ٣.
(٣) المصدر السابق. وأنت جد عليم بالخير الصحيح عن جابر بن عبدالله الأنصاري ، وأبي ذر ، وابن عباس ، أنهم كانوا يقولون : ما كنا نعرف المنافقين إلا بتكذيبهم الله ورسوله ، والتخلف عن الصلوات ، والبغض لعلي بن أبي طالب. بل ، أنهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال :« بغض بني هاشم والأنصار كفر » . أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١١٨ : ١١ ، ح ١١٣١٢. وأحاديث الباب في الصحاح والمسانيد المعتمدة كثيرة ، فراجعها في مظانها.
(٤) المصدر السابق : ٨٧.
هذا حال آل الزبير ، وهذه سيرة شيخهم عبدالله ، فما ظنك بغيره؟ وماذا عسى أن يكون مصعب بن الزبير في عدائه لبني هاشم ومخالفته لهم؟!
مصعب بن الزبير يؤوي قتلة الحسينعليهالسلام
مثل مصعب بن الزبير نموذجا سيئاً في الانتهاكات المرتكبة بحق أهل البيتعليهمالسلام ، فهو لم يكتف بملاحقة شيعتهم فحسب ، بل بلغ من عدائه انضمام قتلة أهل البيتعليهمالسلام إليه ؛ ليشكلوا قادة جيشه ، ورؤوس أنصاره.
ومصادر التاريخ تحدثنا أن مصعب بن الزبير استقطب قتلة الحسينعليهالسلام وأهل بيته ، وجعلهم قادة جيشه ؛ لإحباط محاولات المختار بن أبي عبيد الثقفي ، الذي تصدى لملاحقة قتلة الحسين وأهل بيتهعليهمالسلام .
فإن المختار لما بعث غلاما له في طلب شمر بن ذي الجوشن ، لحق الغلام بشمر ، وكان قد خرج من الكوفة في جمع من أصحابه ، ثم كان ما كان من قتل شمر غلام المختار ، ونزوله قرية الكلتانية ، ومنها بعث بكتاب إلى مصعب بن الزبير يعلمه الالتحاق به عنوانه : للأمير المصعب بن الزبير من شمر بن ذي الجوشن.
لكن إرادة الله لم تمهل اللعين بالالتحاق بابن الزبير ، إذا عثر على الكتاب ، وعرف مكان شمر فحوصر ، وجرت معركة قتل فيها شمر(١) .
وكان سراقة بن مرداس البارقي قد اسره المختار ، فلما أحس القتل ، عمل حيلة للنجاة ، فنجا بها ، وقال : ما كنت في أيماني هذه حلفت لهم ـ يعني المختار وأصحابه ـ بها قط أشد اجتهادا ولا مبالغة في الكذب مني في أيماني هذه التي حلفت لهم بها أني قد رأيت الملائكة تقاتل معهم. فخلوا سبيله ،
__________________
(١) تاريخ الطبري ٥٢ : ٦.
فهرب ، فلحق بعبد الرحمن بن مخنف عند المصعب بن الزبير بالبصرة(١) .
وقال ابن خلدون : وبحث ـ أي المختار ـ عن مرة بن منقذ بن عبد القيس قاتل علي بن الحسين ، فدافع عن نفسه ، ونجا إلى مصعب بن الزبير وطلب سنان بن أنس الذي كان يدعي قتل الحسين ، فلحق بالبصرة وأرسل في طلب محمد بن الأشعث وهو في قريته عند القادسية ، فهرب إلى مصعب ، وهدم المختار داره. وطلب آخرين كذلك من المتهمين بأمر الحسين ، فلحقوا بمصعب ، وهدم دورهم(٢) .
قال الطبري : وطلب ـ يعني المختار ـ رجلا من خثعم يقال له : عبدالله ابن عروة الخثعمي ـ كان يقول : رميت فيهم باثني عشر سهما ضيعة ـ ففاته ولحق بمصعب ، فهدم داره(٣) .
مصعب بن الزبير تركة العداء الزبيري لآل علي وشيعته
قال المسعودي : فكان جملة من أدركه الإحصاء ممن قتله مصعب مع المختار سبعة آلاف رجل ، كل هؤلاء طالبون بدم الحسين وقتلة أعدائه ، فقتلهم مصعب وسماهم الخشبية ، وتتبع مصعب الشيعة بالقتل بالكوفة وغيرها ، وأتى بحرم المختار فدعاهن إلى البراءة منه ففعلن إلا حرمتين له : إحداهما بنت سمرة بن جندب الفزاري ، والثانية ابنة النعمان بن بشير الأنصاري ، وقالتا : كيف نتبرأ من رجل يقول ربي الله؟! كان صائم نهاره قائم ليله ، قد بذل دمه لله ولرسوله في طلب قتلة ابن بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهله
__________________
(١) تاريخ الطبري ٥٥ : ٦.
(٢) تاريخ ابن خلدون ٣٤ : ٣ ، الكامل في التاريخ ٢٤٣ : ٤ ، ٢٤٤.
(٣) تاريخ الطبري ٦٥ : ٦ ، الكامل في التاريخ ٢٤٤ : ٤.
وشيعته ، فأمكنه الله منهم حتى شفى النفوس.
فكتب مصعب إلى أخيه عبدالله بخبرهما وماقالتاه فكتب إليه : إن هما رجعتا عما هما عليه وتبرأتا منه وإلا فاقتلهما ، فعرضهما مصعب على السيف ، فرجعت بنت سمرة ولعنته وتبرأت منه وقالت : لو دعوتني إلى الكفر مع السيف لكفرت ، أشهد أن المختار كافر ، وأبت ابنة النعمان بن بشير وقالت : شهادة أرزقها فأتركها؟ كلا انها موتة ثم الجنة والقدوم على رسول الله وأهل بيته ، والله لا يكون ، آتي مع ابن هند فأتبعه وأترك ابن أبي طالب؟ اللهم اشهد أني متبعة لنبيك وابن بنته وأهل بيته وشيعته ، ثم قدمها فقتلت صبراً. ففي ذلك يقول الشاعر :
إن من أعجب الأعاجيب عندي |
قتل بيضاء حرة عطبول |
|
قتلوها ظلماً على غير جرم |
إن لله درها من قتيل |
|
كتب القتل والقتال علينا |
وعلى الغانيات جرُ الذيول(١) |
هذا هو مصعب بن الزبير بصورته البشعة ، يؤوي قتلة الحسينعليهالسلام ويسالمهم ، ويعدهم من قادة جيشه وحملة لوائه ، فضلا عما فعله بشيعته وأنصاره والآخذين بثأره ، مما يكشف عن مدى ما يحمله من حقد وعداء لأهل هذا البيت الطاهر ، واختلافه الشديد بينه وبينهم ، بل الفجوة بين أطروحتين متغايرتين ، الأطروحة الزبيرية التي تدين بالعداء لأهل البيت ، ودفعهم عن مقامهم ، بل محاولة تصفيتهم ، وبين توجهات الأطروحة العلوية المعروفة.
__________________
(١) مروج الذهب ١١٣ : ٣ ، وروى اليعقوبي في تاريخه ١٨٢ : ٢ ، الحادثة بإضافات أخر ، ونسب الأبيات إلى عمر بن أبي ربيعة ، ومثله ابن عبد ربه الأندلسي في العقد الفريد ١٥٥ : ٥ في ذكر دولة بني مروان ، خبر المختار ابن أبي عبيد ، مع اختلاف في ألفاظ البيتين الأولين.
فأين التقارب إذن؟
وإذا كان هذا حال مصعب بن الزبير ومواقفه من أهل البيتعليهمالسلام ، فمتى يتاح له التقارب مع بني هاشم ، الذين لا يزالون يحتفظون بمواقف التنكيل والتشريد التي ارتكبها عبدالله بن الزبير ، وقد عزم على إحراقهم وإفنائهم. ومصعب بن الزبير هو إحدى الصنائع الزبيرية التي ما فتأت تعمل على إنجاح الأطروحة الزبيرية بالتنكيل والتقتيل لأهل البيت وأشياعهم ، فهل يمكننا بعد هذه المقدمات التاريخية من استعراض حال آل الزبير ، أن يجد علي بن الحسينعليهماالسلام مبررا لزواج مصعب بن الزبير من أخته «آمنة» سكينة بنت الحسين؟!
وإذا اعترض أحدهم قائلا : بأن الزواج ـ خصوصا في ذلك الوقت ـ لا علاقة له بالمواقف الشخصية ، وأن مسألة المصاهرة لا تعدو عن اقتران بين زوجين ، لا يمثلان كل منهما توجها سياسيا أو فكريا يناقض أو يوافق الطرف الآخر.
فإن ذلك المقول غير دقيق ؛ إذ بالعكس فقد كان الزواج ـ خصوصا في ذلك الوقت ـ يمثل حالات تقارب سياسي ، واستقطاب اجتماعي ، يحصل من خلاله الشخص على تأييد أصهاره أو محاولة منه لتأمين جانبهم وتخفيف احتمال الوقيعة به ، وهذا دأب ذي الشأن منهم. وما زواج النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من تشكيلات متعددة إلا صورة لهذه الحالة السائدة لدى المجتمع القبلي ، الذي يعيش تحت وطأة التعصبات القبائلية ، والأعراف العربية الملتزمة وقتذاك. فقد كانصلىاللهعليهوآلهوسلم يستقطب في مصاهراته المتعددة بيوتات لها خطرها في التيارات السياسية المتربصة بالدين الحنيف.
إذن ففي خضم أحداث التنافس الزبيري لبني هاشم وعدائهم إياهم ، بل وفي هذه الأحداث السياسية الهائجة المتوترة ، لا يمكننا قبول حكاية زواج مصعب بن الزبير لسكينة «آمنة» بنت الحسينعليهماالسلام ، فإن ذلك محاولة قصصية يراد من وضعها وافتعالها إلغاء ما عرف من تقليدية العداء الزبيري ـ العلوي ، وإظهار التوافق بين البيتين ، ومحاولة إسباغ الشرعية على حركة آل الزبير ، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى ، محاولة إضفاء الشبه بين تصرفات عائشة بنت طلحة زوجة مصعب بن الزبير المعروفة بلهوها وترفها ، وبين السيدة آمنة بنت الحسينعليهماالسلام المعروفة بورعها وتقواها ، ومحاولة سلخ صفة التقوى هذه عن السيدة آمنة ، والتعامل معها على أساس ما يتعامل به مع نساء الزبيريين والأمويين ، والتقليل من شأن مسحة الاحتشام والتعفف على نساء أهل هذا البيت الطاهر ، وخلط ما يقع لنساء الزبيريين والأمويين من انتهاكات شعرية ومخالفات عرفية ورميها على أهل البيتعليهمالسلام .
محاولات زبيرية للطعن على أهل البيتعليهمالسلام
ولم يكتف آل الزبير من أكذوبة زواج مصعب بن الزبير من السيدة آمنةعليهاالسلام ، بل أمعنوا في الانتقاص من مكانة أئمة أهل البيتعليهمالسلام ، والازدراء بهم ، ورفع شأن مخالفيهم كما في الرواية الزبيرية التالية :
روى الاصفهاني : قال مصعب : وحدثني مصعب بن عثمان : أن علي ابن الحسين أخاها حملها إليه فأعطاه أربعين ألف دينار(١) .
هكذا يصور الزبيريون ما يحلو لهم من انتقاص قدر أهل البيتعليهمالسلام ،
__________________
(١) الأغاني ١٥٩ : ١٦.
وحاجتهم إلى آل الزبير ، فيستعطون أرزاقهم ويتقربون لهم للحصول على أعطياتهم ، وقد تنكر الراوي إلى حقائق تاريخية تظهر شأن علي بن الحسينعليهماالسلام وقدره حتى من أعدائه ، وهوعليهالسلام كان يعيش بعد واقعة الطف في أخطر ظرف سياسي يتربص لتحركاته ، ومع هذا فقد هيمنعليهالسلام على قلوب أعدائه ، فضلا عن شيعته ومريدية. فقد كانت وقعة الحرة في المدينة شاهدا على تعظيم علي بن الحسينعليهماالسلام في أعين أعدائه فضلا عن أتباعه ، وكان مسرف بن عقبة حين دخل المدينة لم يتعرض لعلي بن الحسينعليهماالسلام ، بل قال حين رأي الإمامعليهالسلام : إن أمير المؤمنين أوصاني بك خيرا.
وروى ابن سعد في الطبقات أن مروان بن الحكم ، وعبدالملك بن مروان كانا يحبان علي بن الحسينعليهماالسلام ويجللانه(١) .
على أن هذا التجليل لا يعني الاعتقاد ، بقدر ما يعني رضوخهما لواقع الأمر مما كان عليه الإمامعليهالسلام ، من الهيمنة على قلوب المسلمين وتعظيمهم له ، بل كان له سيرته المعروفة في البر والعطاء ، وكان موفور المال غير محتاج إلى أحد ، بل كانعليهالسلام يعطي للمحتاجين.
فقد روى ابن الجوزي أن علي بن الحسينعليهماالسلام دخل على محمد بن أسامة بن زيد في مرضه فجعل محمد يبكي ، فقال علي : ماشأنك؟ قال : عليّ دين ، قال : كم هو؟ قال : خمسة عشر ألف دينار ، قال : فهو عليّ.
وما رواه أيضا من أن رجلا كان يتعرض لعلي بن الحسينعليهماالسلام ، فأمر له الإمام بألف درهم وألقى عليه خميصة كانت عليه ، فكان الرجل بعد ذلك يقول : أشهد أنك من أولاد الرسول(٢) .
__________________
(١) الطبقات الكبرى ٤٢١ : ٣.
(٢) صفة الصفوة ٣٩٣ : ١.
إلى غير ذلك من كرائم صفاته وجليل عطاياه ، فهل كان بعد ذلك يحتاج إلى عطايا آل الزبير ليحمل أخته إلى مصعبهم فيعطيه ألف ألف درهم؟! ومتى عرف آل الزبير بالعطاء؟ إذ لم ير منهم سوى الشح والضيق على الرعية ، حتى ضج الناس من بخل آل الزبير ، فقال قائلهم وهو أبو وجزة مولى الزبير :
إن الموالي أمست وهي عاتبة |
على الخليفة تشكو الجوع والحربا |
|
ماذا علينا وماذا كان يرزؤنا |
أي الملوك على ما حولنا غلبا(١) |
وقال الضحاك بن فيروز الديلمي :
تخبرنا أن سوف تكفيك قبضة |
وبطنك شبرا أو أقل من الشبر |
|
وأنت إذا ما نلت شيئا قضمته |
كما قضمت نار الغضى حطب السدر |
|
فلو كنت تجزي إذ تبيت بنعمة |
قريبا لردتك العطوف على عمرو(٢) |
وعمرو هذا هو أخو عبدالله بن الزبير ، قتله حرصا على الملك دون تحرج في سفك دماء حتى إخوته ومقربيه.
فروايات آل الزبير في الطعن على أئمة آل البيتعليهمالسلام ، ورفع منزلة ذويهم ، تكذبها وقائع التاريخ ، وتناقضها شواهد أخر أعرضنا عن ذكرها.
والنتيجة : بعد استعراضنا لمقدمات تاريخية مهمة تشير إلى مواقف آل الزبير من أهل البيتعليهمالسلام ، وعدائهم لهم ، وعدم توافقهم ، فإن حكاية زواج مصعب بن الزبير من السيدة آمنة بنت الحسينعليهماالسلام تمنعها مقتضيات دينية واجتماعية عدة.
__________________
(١) مروج الذهب ٨٨ : ٣.
(٢) المصدر السابق.
أما المقتضيات الدينية
فقد عرفنا عداء مصعب لأهل البيتعليهمالسلام ، وعدم توافقه معهم ، حيث لاحق شيعتهم وقتلهم تبعا لأخيه عبدالله بن الزبير ، فقد نكل ببني هاشم وأراد تحريقهم. فعداؤهم لآل البيتعليهمالسلام يكشف عن انحرافهم عن ولايتهم ، ويدل على مخالفتهم لما أمر به الله ورسوله من الطاعة لهم والالتزام بنهجهم ، وبذلك فأي تخلف عنهم ـ صلوات الله عليهم ـ يعد تخلفا عن طاعة الله ورسوله ، فطاعة الله ورسوله تدور مدار ولاية علي وطاعته ، والإيمان مرهون بالتمسك بنهج أهل البيتعليهمالسلام .
أخرج الحاكم في مستدركه عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :«من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن أطاع عليا فقد أطاعني ، ومن عصى عليا فقد عصاني» (١) .
أخرج بسند صحيح عن أبي عبدالله الجدلي أنه دخل على أم سلمة زوج النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في الموسم مع جماعة من الناس ليسلموا عليها ، فسمعها تقول : ياشبث(٢) بن ربعي ، فأجابها رجل جلف جاف : لبيك يا أمتاه ، قالت : أيسب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في ناديكم؟ قال : وأنى ذلك! قالت : فعلي بن أبي طالب؟ قال : إنا لنقول أشياء نريد عرض الدنيا. قالت : فإني سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول :«من سب عليا فقد سبني ، ومن سبني فقد سب الله تعالى» (٣) .
__________________
(١) المستدرك على الصحيحين ١٣١ : ٣ ، ح ٤٦١٧ وصححه الذهبي في التلخيص.
(٢) في المصدر : شبيب ، وأحسبه تصحيفا. فالأوصاف التي وصف بها لا تنطبق إلا على شبث بن ربعي الرياحي التميمي اليربوعي.
(٣) المستدرك على الصحيحين ١٣٠ : ٣ ، ح ٤٦١٦. سكت عنه الذهبي في التلخيص ؛ لأنه صحح الحديث الذي قبله ، وهو : «من سب عليا فقد سبني ». ولا يبعد أنه أراد تصحيحه ، لكن نفسه لم تطاوعه.
وأخرج عن أبي ذر رحمه الله كذلك قال : قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم :«ياعلي من فارقني فقد فارق الله ، ومن فارقك يا علي فقد فارقني» (١) .
وإذا استعرضنا تاريخ آل الزبير ، وما كانوا عليه من المفارقة لعلي وانحرافهم عنه ، والنيل منه وسبه ، اتضح لنا جليا مدى عدائهم وعدم توافقهم مع آل علي بعد ذلك ، على أن الإمام زين العابدينعليهالسلام يتحرى مواطن الاتفاق والالتزام بولاية عليعليهالسلام دون موارد الانحراف والضلال. هذا هو مقتضى سيرة المؤمنين ، فكيف بالإمام زين العابدينعليهالسلام يتصاهر مع بيوت مخالفيه دون مراعاة جانب الإيمان والورع والتقوى؟! مما يكشف لنا عن عدم إمكانية وقوع زواج مصعب من آمنة حسب المقتضيات الدينية التي كان يراعيها الإمام علي بن الحسينعليهماالسلام .
أما المقتضيات الاجتماعية
وهي التي تشمل المقتضيات السياسية كذلك ، فالزبيريون طلاب منصب وإمارة كما هو معروف ، وهم المنافسون لخصومهم السياسيين من بني مروان ، الذين انكفؤوا في استغلال الفرص السياسية بعد انعزال معاوية ابن يزيد عن السلطة ، وخلو الساحة السياسية عمن يشغل منصبه ، فتسارع مروان إلى اقتناص الفرصة السياسية هذه كونه الوريث السياسي للأمويين ، فنصب نفسه لرأس نظام أموي مرواني جديد ، وهو ما حدى بمنافسيه السياسيين إلى استغلال هذه الظروف السياسية ، فوثب عبدالله بن الزبير على مكة بعد صراعات دموية عنيفة ، مقتطعا بذلك مكة وما والاها ، وضاما إلى إمارته البصرة وما حاذاها ، حتى طمع في الكوفة ، فكانت وقعة مصعب مع
__________________
(١) المستدرك على الصحيحين ١٣٣ : ٣ ، ح ٤٦٢٤. قال الحاكم : صحيح الإسناد.
المختار ، وما نجم عنها من سفك دماء شيعة عليعليهالسلام ، وإعلانها إمارة زبيرية بعد ذلك.
لم يكن هذا الوضع الزبيري قد أراح عبدالملك بن مروان الذي يعد موطد الحكم الأموي المرواني فعلا ، فابن الزبير قد امتد نفوذه في أرجاء البلاد الإسلامية وشاع أمره ، وحيل ذلك بين نفوذ بني أمية المهدد كيانهم من آل الزبير ، وبين طموحاتهم المستقبلية التي ترنو إلى السيطرة على جميع الأنحاء الإسلامية دون منافس عسكري أو معارض سياسي له سطوته وآثاره. وطبيعي أن يكون لهذا المنافس القوي في حسابات الأمويين الأولوية في تصفيته ، وانتزاع ما في يده من الإمارة ، وقد رافق ذلك تحسبا حذرا من تحركات الإمام علي بن الحسينعليهماالسلام الذي فرغ توّاً من واقعة الطف ، وقد رأى مصارع أبيه وآل بيته أمامه ينفذه الأمويون بأبشع صوره ، ولا بد أن يكون علي بن الحسينعليهماالسلام متربصا لآل أمية متحينا فرص الثأر والانتـقام ، فأية حركة مناقضة لبني أمية ستكون فرصة علي بن الحسينعليهماالسلام بعد ذلك ، هكذا كان ظن الأمويين ، فكانوا يراقبون مواقف الإمامعليهالسلام من الأحداث الجارية ، وكانوا يحسبون التأييد لآل الزبير ـ إن حصل ـ إسباغا للشرعية على آل الزبير ، لذا فهم في وجل من أية تحركات ينجم عنها تأييد علي بن الحسينعليهماالسلام لمنافسيهم الأقوياء ، إلا أن الإمامعليهالسلام لم يتوافق مع الحركة الزبيرية أبدا ، وذلك لما ذكرنا من عداء عبدالله بن الزبير لبني هاشم عموما ، وللإمام خصوصا. هذا من جهة.
ومن جهته علم الإمامعليهالسلام ـ بغض النظر عما يكنه علمه اللدني المقدس ـ من عدم مصير الخلافة لآل الزبير ، فإن الأحداث السياسية الهائجة
كانت توحي بفشل حركة آل الزبير ، وعدم رغبة الناس فيهم. والإمامعليهالسلام لم يجازف في تأييد حركة ابن الزبير التي ستؤول إلى السقوط ، وما سيتحمل من تبعات ذلك من قبل بني أمية ، وهوعليهالسلام انعزل عن هذه الأحداث ليترك الأمور تنقشع وشيكا عن هزيمة ابن الزبير وغلبة عبدالملك بن مروان ، ومن ثم فإن الفريقين غير جديرين للنصرة والمبايعة ، وكلاهما طلاب مناصب وأتباع دنيا ، والدين لعق على ألسنتهم ، فأي توافق سيبديه الإمام زين العابدينعليهالسلام مع آل الزبير حتى على مستوى المصاهرة ، يعد توافقا سياسيا وتأييدا شرعيا في حسابات النظام الأموي القادم ، فهل يبقى أدنى احتمال لإمكانية التقارب بين الإمامعليهالسلام حتى يعمد إلى مصاهرة مصعب بن الزبير المغامر السياسي النزق؟!
فالإمام علي بن الحسينعليهماالسلام يتجنب التقارب الظاهري مع الزبيريين ، خوفا من عواقب ذلك المزامن لأفول النجم الزبيري وشيكا ، لذا فاحتمال زواج السيدة آمنة من مصعب بن الزبير غير ممكن تبعا لهذه الظروف الآنفة ، والأبعد من ذلك أن يكون الزواج قد تم دون رغبة الإمامعليهالسلام كما سيأتي مناقشة ذلك لاحقا.
مناقـشتان
المناقشة الأولى :
ذكر سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص ما نصه :
وأول من تزوجها ـ أي سكينة ـ مصعب بن الزبير قهرا(١) .
يثبت النص الذي أمامنا عدم وقوع الزواج ، وهو إحدى القرائن
__________________
(١) تذكرة الخواص : ٢٤٩.
المؤيدة إلى ما نذهب إليه. وذلك لأمرين :
الأمر الأول : يستبعد النص وجود أي توافق بين بني هاشم وبين الزبيريين ، أي أن الفجوة القائمة بين البيتين يؤكدها هذا النص ، وذلك فإن وقوع الزواج قهراً لا يعني إلا عدم التوافق وقبول أحد الطرفين بالآخر ، وهو الأمر الذي كنا نؤكده سابقا من عدم وجود أي تقارب وتفاهم بين البيتين ، وبالتالي أية رغبة في التفاهم ، بل حالة العداء والكراهية ظاهرة على تصرفات أحدهما للآخر.
الأمرالثاني : إننا نتوقف في مسألة وقوع هذا الزواج القهري ، فإن عبدالله بن الزبير لم يحكم سيطرته على المدينة بعد ، حتى يتسنى لأخيه مصعب قهر بني هاشم على الزواج من آمنة ، فالهاشميون رفضوا البيعة لعبدالله بن الزبير كما مر ، وعرفت ما اتخذه عبدالله من إجراءات مشددة في إجبار الهاشميين على بيعته ، وهددهم بتحريقهم إن لم ينصاعوا بعد ذلك ، ومع هذا فلم يستطع عبدالله بن الزبير مع سطوته أن يفرض بيعته على الهاشميين ، فإن لبني هاشم قوتهم النابعة من احترام المسلمين لهم ، مع ما عانوه من جور حكامهم إلا أن هيبتهم لا تزال تطغى على قلوب الناس ، وعلي بن الحسينعليهالسلام يمثل الأنموذج الأمثل في هيمنته على القلوب وحبه وتكريمه ، وحادثة انفراج الحجيج له لاستلام الحجر بمرأى من هشام بن عبدالملك إحدى الشواهد التي تؤكد محبة الناس له ، فهو لا يزال يمثل واقعة الطف بكل فصولها الفجيعة.
والإمامعليهالسلام لم يبتعد عما نزل في ساحة آله من القتل والأسر والتنكيل ، فهو لا يزال يستذكر ما حصل لأبيه الشهيدعليهالسلام ولآل بيته من الذبح وسفك
الدماء وكان الناس يرون مظلومية الإمام الحسينعليهالسلام شاخصة في ولده علي ابن الحسينعليهماالسلام الذي لم يبعد أذهان الأمة عن مجريات ذلك اليوم الرهيب ، وما فعله بنو أمية بأهل هذا البيت الطاهر ، والناس وإن لم يقدموا النصرة لآل البيتعليهمالسلام وقتذاك وما أظهروه من تخاذل ونكوص ، فإن المأساة تعيش في وجدانهم ، وفصولها تستعيدها ذاكرتهم ، ولا يزال الأشخاص الذين حضروا المأساة يعيشون بين ظهرانيهم ، كعلي بن الحسينعليهماالسلام والسيدة آمنة وأخواتها الطاهرات ، حتى إن بني مروان تحاشوا في بادئ الأمر سفك دماء الهاشميين ، وأظهروا الورع في أول أمرهم من اضطهاد العلويين ، وذلك لما أحسوه من خطر المجازفة في دمائهم بعد واقعة الطف التي تحفظها ذاكرة الأمة ، ومظلومية أهل البيتعليهمالسلام شاخصة لديهم ، لذا فإن عبدالملك بن مروان يبدي تحفظه في دماء آل أبي طالب لا عن قناعته في حرمة دمائهم ، بل عن خوفه على مستقبل دولته الفتية المحاطة بمعارضات سياسية قوية تهدد كيانه.
قال اليعقوبي في تاريخه : وكان عبدالملك قد كتب إلى الحجاج وهو على الحجاز : جنبني دماء آل أبي طالب ، فإني رأيت آل حرب لما تهجموا بها لم ينصروا(١) .
وهو ما يعكس شعور المسلمين في نظرتهم لآل البيتعليهمالسلام ، فيترجمها عبدالملك بن مروان في كتابه هذا وتحفظه على سفك دماء آل أبي طالب حتى حين.
هذه مكانة آل البيتعليهمالسلام في قلوب الأمة ، فمتى يتاح لمصعب وأمثاله
__________________
(١) تاريخ اليعقوبي ٢٣٠ : ٢.
أن يقهروا أهل هذا البيت على أمر غير راضيه ؛ ليتعاملوا معهم على أساس القهر والقوة ، وإذا كانت حادثة آمنة بنت الحسينعليهماالسلام يمكن قبولها ، فإن ذلك تكذبه واقعة السيدة فاطمة بنت الحسينعليهماالسلام التي حاول عبدالرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري أن يخطبها قهراً ، فأبت وشكت أمرها إلى يزيد بن عبد الملك ، فلنر ما حل بعبدالرحمن هذا في رواية اليعقوبي وغيره ، وما آل إليه مصيره بمجرد محاولة التجرؤ على قهر السيدة فاطمة بنت الحسينعليهماالسلام من الزواج منه.
قال اليعقوبي : وخطب عبدالرحمن فاطمة بنت الحسين بن علي ، فأرسل إليها رجالا يحلف بالله لئن لم تفعلي ليضربن أكبر ولدها بالسياط ، فكتبت إلى يزيد بن عبدالملك كتابا ، فلما قرأ كتابها سقط عن فراشه وقال : لقد ارتقى ابن الحجام مرتقى صعبا ، من يسمعني ضربه وأنا على فراشي هذا؟ فكتب إلى عبدالواحد بن عبدالله بن بشر النضري وكان بالطائف أن يتولى المدينة ، ويأخذ عبدالرحمن بن الضحاك بأربعين ألف دينار ، ويعذبه حتى يسمعه ضربه ، ففعل ذلك ، فرئي عبدالرحمن وفي عنقه خرقة صوف يسأل الناس(١) .
هذا مصير من حاول أن يقهر أهل البيت على أمر غير راضين به ، ولا يقل عبدالرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري شرفا عن مصعب بن الزبير ، فهو ابن أبي بحر حليم العرب وسيدها ، كما كان يلقبه معاوية بن أبي سفيان ، ومع هذا فلم يتحمل يزيد بن عبدالملك أن يتجرأ عبدالرحمن على قهر السيدة فاطمة بنت الحسين من الزواج. فاحتمال وقوع الزواج قهرا من قبل
__________________
(١) تاريخ اليعقوبي ٢٤٠ : ٢.
مصعب بن الزبير للسيدة آمنة أمر غير مقبول من خلال ماذكرناه من قرائن.
المناقشة الثانية :
روى ابن عبد ربه أنه : لما قتل مصعب خرجت سكينة بنت الحسين تريد المدينة ، فأطاف بها أهل العراق وقالوا : أحسن الله صحابتك يا ابنة رسول الله ، فقالت : لا جزاكم الله عني خيرا ، ولا أخلف عليكم بخير من أهل بلد ، قتلتم أبي وجدي وعمي وزوجي ، أيتمتموني صغيرة وارملتموني كبيرة(١) .
يشير الخبر إلى مصاحبة سكينة بنت الحسين لمصعب بن الزبير عند وروده الكوفة ، والخبر رغم إرساله إلا أن مؤرخي مقتل مصعب بن الزبير أرسلوه إرسال المسلمات دون مناقشته سندا ودلالة.
أما سنده : فقد ذكرنا إرساله فهو ساقط عن الاعتبار.
وأما دلالته : فإنه يريد إثبات قضيتين أشغلت الكثير ممن نحى المنحى الزبيري في كتابة التاريخ.
أما القضية الأولى
فهي محاولة تأكيد زواج آمنة من مصعب بن الزبير ، وكونه جاء بأهله إلى الكوفة فقتل هناك.
والحق أن هؤلاء خلطوا بين «آمنة» سكينة بنت الحسين التي أوردتها روايات مصعب بن الزبير حتى ارتكز في أذهانهم أن سكينة هذه التي ترافق مصعب في مسيره إلى الكوفة هي بنت الحسينعليهالسلام ، إلا أن الحق في ذلك أن
__________________
(١) العقد الفريد ١٥٠ : ٥.
سكينة التي رافقت مصعبا في مسيره هي سكينة ابنته وليست زوجته ، فهي بنت مصعب من زوجته فاطمة بنت عبدالله بن السائب.
قال ابن كثير في البداية والنهاية : وكان لمصعب من الولد عكاشة وعيسى الذي قتل معه ، و «سكينة» وأمهم فاطمة بنت عبدالله بن السائب(١) .
فسكينة التي رافقت مصعبا هي ابنته وليست بنت الحسين كما اختلط على رواة الخبر ، وليس لـ «آمنة» سكينة بنت الحسين في أحداث مصعب أية دخالة.
القضية الثانية
محاولة الخبر التأكيد على نظرة أموية مختلقة ، مفادها أن الذين قتلوا الحسين بن عليعليهماالسلام هم شيعة الحسينعليهالسلام وليس لبني أمية دخل في ذلك ، محاولة منهم لإبعاد المسؤولية عن الأمويين ، وإلقائها على عاتق الشيعة الذين راسلوا الحسينعليهالسلام وأقنعوه بالمسير إليهم ، فوثبوا عليه وقتلوه. وبهذا يحاولون أن يجردوا الأمويين عن وصمة عار ما ارتكبوه في حق سبط الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهي محاولات خاسرة كما ترى. فالشيعة لا يمكن أن يتحملوا مسؤولية سفك دماء آل البيت الأطهارعليهمالسلام ، والكوفة عرفت بولائها لهذا البيت الطاهر ، فهم حملة أخبارهم ورواة حديثهم وأجلة أصحابهم ، ومأساة الطف إحدى نزعات بني أمية في محاولة استئصال أهل هذا البيتعليهمالسلام ، ولا يمكن للتاريخ أن يتنكر ما ارتكبه هؤلاء من سفك دماء الأطهرين منافسة لهم وخشية على سلطانهم ، والذين ناصروا بني أمية هم خوارج هذه الأمة وشذاذها من شاميين ومرتزقة يقتاتون على موائد
__________________
(١) البداية والنهاية ٨ : ٣٢٢.
الأمويين ، ولا يمكن بعد ذلك للشيعة أن يلتقوا مع أعدائهم التقليديين الأمويين ، ليتحالفوا معهم على محاربة أهل البيتعليهمالسلام وسفك دمائهم.
وبهذا حاول الخبر التأكيد على قضيتي زواج آمنة من مصعب بن الزبير ، ومحاولة إلقاء مسؤولية شهادة الحسين بن عليعليهماالسلام على عاتق شيعته ، وبراءة الأمويين من عار ما جنوه حرصا منهم على الملك والسلطان.
والنتيجة : عدم وقوع زواج السيدة «آمنة» بنت الحسينعليهماالسلام من مصعب بن الزبير ؛ لعدم تمامية الأخبار الزبيرية الضعيفة الواردة في هذا الشأن ، فضلا عن قرائن تمنع من وقوع مثل هذا الزواج الذي صورته روايات زبيرية فقط ، رواها الزبير بن بكار ومصعب الزبيري وعروة بن الزبير ، وقد عرفت حالهم فلا نعيد.
ثانيا : عبدالله بن عثمان ابن حزام
وهو ضمن القائمة الثانية من أزواج «آمنة» سكينة بنت الحسينعليهماالسلام التي روتها الأخبار ، وسنكتفي في رد الرواية لضعفها ، وذلك إذا ما علمنا أن رواة الخبر هما الزبيريان المعروفان ، الزبير بن بكار وعبدالله بن مصعب الزبيري ، وتقدم شرح حالهما من الضعف ورد أحاديثهما ، وكونهما يرويان المناكير ويكثران عن الضعفاء ، إلى غير ذلك من الطعون التي ذكرها أهل الجرح وطعنوا في وثاقتهما ، هذاأولا.
وثانيا : أن خبر زواج عبدالله بن عثمان ابن حزام أكده الزبيريون ؛ لكون أمه رملة بنت الزبير بن العوام ، فخؤولته الزبيرية تدفع بالرواة الزبيريين إلى إثباته ، محاولة منهم للحصول على موقف التوافق بين البيتين ، آل علي وآل الزبير ، وتصوير حالة من التقارب والتفاهم بينهما ، تغطية منهم على أحداث
الجمل ، وما كان من خروج الزبير بن العوام في تلك المعركة الخاسرة على إمام زمانه علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وأن آل البيتعليهمالسلام لا يزالون ينظرون إلى الزبير وآله بعين الرضا والقبول ، وهذا ما لا يمكن قبوله فعلا ؛ إذ لا يزال الزبير وآله من الخارجين على إمام زمانهم ، ومواقف عبدالله بن الزبير العدائية لآل البيتعليهمالسلام يشهد بها تاريخه المعروف بمغامراته ، ومحاولات التقارب المفتعلة لاسباغ الشرعية على البيت الزبيري موهونة لا يمكن قبولها ، ولا زال التباعد بين هذين البيتين ظاهرا على مواقف الفريقين ، فلا يمكن تحسين صورة الزبيريين بحالات الزواج المتعددة من السيدة آمنة ، وتبقى الفجوة بين الأطروحتين عميقة لا يمكن إلغاؤها ، وفي ضمن نظرة العداء والخلاف بين آل علي وآل الزبير لا يمكن أن نتصور صحة خبر زواج عبدالله بن عثمان من السيدة آمنة فضلا عن ضعف سنده وسقوطه عن الاعتبار.
ومما يثير الشك في صحة هذه الدعوى ، ما رواه أبو منصور البغدادي ، عن المدائني ، عن مجالد ، عن الشعبي : أن سكينة نشزت على زوجها عبدالله ابن عثمان ابن حزام فشكتها أمه رملة بنت الزبير بن العوام إلى عبدالملك(١) .
ولا ندري مكان عبدالملك من قضية النشوز هذه ، مع وجود أخيها الإمام علي بن الحسينعليهماالسلام ، الذي بإمكانه حل هذه القضية الخاصة بأخته آمنة وزوجها ، وهي ليست من الأهمية بمكان حتى تلجأ أم عبدالله إلى رفع أمر ابنها وزوجته إلى عبدالملك ، وكان يومئذ خليفة يقيم في الشام ، ورملة بنت الزبير في المدينة ، فما الذي دعا رملة إلى أن تشكو كنتها إلى الخليفة؟!
__________________
(١) بلاغات النساء : ١٤٦.
وهل تقتضي هذه الحادثة الخاصة ـ التي لا علاقة لها بشؤون الخلافة ـ أن يستمع الخليفة إلى دعاوي نشوز امرأة على زوجها؟!
ثم إن الحادثة معلومة دوافعها ، وهي محاولة تصوير السيدة آمنة بنت الحسينعليهماالسلام بارتكاب مخالفات الشريعة ، والخروج عن طاعة الزوجية دون مراعاة الأحكام ، وبهذا سيحصل رواة هذا الخبر إلى تصوير أهل البيتعليهمالسلام المعروفين بقداستهم وورعهم ، إلى أهل بيت من عامة الناس يرتكبون ما يرتكبه الآخرون من مخالفة أحكام الدين ومحظورات الشريعة.
أما رواة الخبر مثل مجالد والشعبي فليسا بشيء.
أما مجالد : فقد عده ابن عدي في الضفعاء.
قال علي بن المديني : قلت ليحيى بن سعيد : فمجالد؟ قال : في نفسي منه(١) .
وعن بشر بن آدم ، قلت لخالد بن عبدالله الواسطي : دخلت الكوفة وكتبت عن الكوفيين ولم تكتب عن مجالد؟ قال : لأنه كان طويل اللحية. [وهي كناية عن استخفاف الواسطي بمجالد].
وعن يحيى قال : مجالد بن سعيد ، ضعيف.
وفي موضع آخر : مجالد وحجاج لا يحتج بحديثيهما.
وقال ابن عدي : سمعت ابن حماد يقول : قال السعدي : مجالد بن سعيد يضعف حديثه.
وعن عبدالرحمن بن مهدي يقول : سمعت سفيان يقول : أشعث ـ يعني ابن سوار ـ أثبت من مجالد ، وكان يحيى يضعف حديث مجالد بن
__________________
(١) الكامل في الضعفاء لابن عدي ١٦٨ : ٨.
سعيد وكان ابن مهدي لا يروي عنه.
وعن ابن مهدي : لا يروى عنه.
وعن ابن أبي عصمة ، عن أبي طالب : سألت أحمد بن حنبل عن مجالد ، فقال : ليس بشيء ، يرفع حديثا منكرا لا يرفعه الناس وقد احتمله الناس.
وقال النسائي : مجالد بن سعيد ، كوفي ضعيف(١) .
أما الشعبي : فهو عامر بن شراحيل بن عبد ، أبو عمرو الهمداني ، أنموذج من نماذج العداء والبغض لعلي وشيعته ، فكان لا يروي عن علي بن أبي طالبعليهالسلام على الرغم من روايته وحفظه ، واعترف بذلك ابن حجر في تهذيب التهذيب فقال : وقال الدار قطني في العلل : لم يسمع الشعبي من علي إلا حرفا واحدا ما سمع غيره(٢) .
وهو يعني رواية الشعبي عن علي رواية واحدة على الرغم مما عرف به من حفظه. ولم يقتصر الأمر على ذلك ، بل أوغل في عدائه لعليعليهالسلام بحجة أن الشيعة كانوا السبب في تجنبه مروياته عنهعليهالسلام فقال : لقد بغضوا إلينا حديث علي بن أبي طالب(٣) .
وإذا كان هذا حال الشعبي في عدائه وبغضه لعليعليهالسلام ، فمتى يتم لنا قبول مروياته خصوصا ما يتعلق بأهل البيتعليهمالسلام ، والرواية واضحة الطعن والتوهين لأهل البيت وهي من موارد الخلاف والشك في صحة الحادثة
__________________
(١) الكامل في الضعفاء ١٦٩ : ٨ ـ ١٧٠.
(٢) تهذيب التهذيب ٦٢ : ٤.
(٣) العقد الفريد لابن عبد ربه ٢٢٣ : ٢. وراجع ما ذكره ابن عبد ربه من كلام الشعبي في الشيعة ، وكونهم يهود هذه الأمة.
وعدم وقوعها.
أما ما رووه عن ولادة السيدة آمنة من عبدالله بن عثمان ابن حزام ولدا اسمه قرين(١) فغير صحيح ، فإن قرينا المعروف هو قرين بن المطلب بن السائب بن أبي وداعة وأمه زبيبة(٢) . وليس لقرين بن عبدالله بن عثمان من وجود ، ولم تشر إلى ذلك المصادر الرجالية ، ولعل مقتضيات الواقعة أجبرت رواتها إلى اختلاق مثل هذه الشخصية الموهومة.
إذن لم يثبت زواج السيدة «آمنة» بنت الحسينعليهماالسلام من عبدالله بن عثمان ابن حزام لضعفها سندا ، وعدم تماميتها دلالة.
ثالثا : الأصبغ بن عبدالعزيز بن مروان
وهو ممن أشارت إليه روايات الإصفهاني وابن خلكان وسبط ابن الجوزي ، واتفقت على عدم الدخول بها ـ إن صح وقوع ذلك ـ إلا خبر ابن سعد في الطبقات فقال : تزوجها. ولعله أشار إلى الأعم من الدخول وعدم الدخول ، واتفاقهم على عدم الدخول يشير إلى ما قصده ابن سعد من عدم الدخول كذلك.
والخبر لا يمكن قبوله بقرينة مهمة ، وهي : أن الأصبغ بن عبدالعزيز كان واليا لعبد الملك بن مروان في مصر ، والسيدة آمنة بنت الحسين إقامتها في المدينة ، وهي لم تغادرها أبدا ، فكيف يتسنى لهذا المرواني من زواجها؟ بل كيف ومتى وقع العقد ولم يدخل بها؟ وما هي أسباب عدم الدخول؟
__________________
(١) وجاء في الأغاني ١٦١ : ١٦ أن سكينة ولدت من هذا الحزامي بنتا. وقبلها في صفحة ١٥٩ ذكر أبوالفرج أن هذه البنت لمصعب بن الزبير. وأما قرين فهو المسمى بعثمان ولد زيد بن عمرو بن عثمان ، كما قال في الأغاني ١٦٣ : ١٦. روايات الواحدة تلو الأخرى متهافتة ، وكل رواية تنقض الأخرى ، والكل في تناقض وتهافت.
(٢) راجع الطبقات الكبرى لابن سعد ١٢٧ : ٤.
كل هذه الاستفهامات وغيرها ، التي نضعها على الخبر توجب توهينه وعدم قبوله ، مما يعني عدم وقوع الزواج ، وما ذكرت من أخبارها أكثرها مرسلة ، وما أسند منها فضعيف ؛ لروايته من قبل الزبير بن بكار ومصعب الزبيري ، من أبطال وضع روايات وقصص سكينة ، وقد عرفت حالهما ، وقد أشرنا في مطاوي البحث إلى أن أخبار الزواج هي تشكيلات زبيرية ـ مروانية واضحة القصد ومعلومة الإرادة.
وعلى هذا فخبر زواج الأصبغ بن عبدالعزيز من السيدة آمنة بنت الحسين غير تام.
رابعا وخامسا : زيد بن عمرو بن عثمان وإبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف
وهما المشتركان في قائمتي أبي الفرج الإصفهاني وابن سعد ، بل هما المشتركان في حدث واحد هكذا :
قال ابن سعد : فخلف عليها إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف الزهري. كانت ولته نفسها ، فتزوجها ، فأقامت معه ثلاثة أشهر ، فكتب هشام ابن عبدالملك إلى واليه بالمدينة أن فرق بينهما ففرق بينهما(١) .
قال ابن خلكان : تزوجها زيد بن عمرو بن عثمان بن عفان ، فأمره سليمان بن عبد الملك بطلاقها ففعل(٢) .
يضعانا هذين النصين أمام تساؤلات مهمة :
الأول : اشتراك الاسمين في حدث واحد.
الثاني : ما الذي دفع هشام بن عبدالملك وسليمان بن عبدالملك أن
__________________
(١) الطبقات الكبرى لابن سعد ٣٢٠ : ٦.
(٢) وفيات الأعيان ٣٧٨ : ١.
يأمرا إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف ، وعمرو بن عثمان من طلاقهما للسيدة «آمنة» سكينة بنت الحسين؟
الثالث : هل كان لهذين الأمويين هشام وسليمان ولاية على نساء آل أبي طالب ، مع وجود الإمام علي بن الحسينعليهماالسلام وآل علي وآل عقيل ، حتى يتوليا أمر طلاقهن وتسريحهن؟!
الرابع : ذكر الخبر أن السيدة آمنة ولت أمر نفسها إلى إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف فتزوجها فأين كان أولياء أمورها كأخيها الإمام زين العابدينعليهالسلام ، أو ابن أخيها الإمام محمد الباقرعليهالسلام ، حتى تولي أمر نفسها إلى أبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف الذي كان معروفا باختلاف موقفه من أهل البيتعليهمالسلام ، وتباينه عنهم ، كما كان عليه أبوه من قبل؟!
هذه التساؤلات نضعها أمام خبري زواج السيدة آمنة من إبراهيم بن عبدالرحمن ، وزيد بن عمرو بن عثمان ، فهل نجد الإجابة الوافية لهذه التساؤلات حتى يتم لنا قبول الخبر أو رفضه؟
أحسب أن الإجابة لذلك غير وافية ، ويبقى خبر زواج السيدة آمنة من إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف ، وزيد بن عمرو بن عثمان مردودا؛ إذ لم تكن هناك قرائن على صحة قيام مثل هذين الزواجين ، بل القرائن على خلافهما ، ومن هذه القرائن :
أولا : صرح الإصفهاني في خبر خطبة أبراهيم بن عبدالرحمن أن سكينة بعثت إليه : أبلغ من حمقك أن تبعث إلى سكينة بنت الحسين بن فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم تخطبها؟ فامسك عن ذلك(١) .
__________________
(١) الأغاني ١٦١ : ١٦.
والخبر يشير إلى عدم وجود كفاءة بين الطرفين ، وإقدام إبراهيم على ذلك أمر مخالف لما ارتكز في أذهان الناس من عدم كفئه لبني هاشم ، ولسكينة بالخصوص ، فكيف يتم الزواج بعد ذلك؟!
ثانيا : أن ابن عساكر يروي أنها تزوجت الحسن بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف من غير ولي ، في حين تذكر بقية الأخبار أن إبراهيم ابن عبد الرحمن قد تزوجها.
قال ابن عساكر : نكحت سكينة بنت الحسين الحسن بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف بغير ولي ، فكتب عبدالملك إلى هشام بن إسماعيل أن فرق بينهما(١) .
وبهذا فإن الخبر يذكر مرة أنه تزوجها إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف ، وأخرى أنه تزوجها ولده الحسن بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف ، فما معنى هذا الاضطراب؟
إذن فخبر زواج السيدة آمنة من إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف مضطرب أشد الاضطراب ، فمرة أنها تزوجته بعد أن ولته نفسها ، ومرة لم يدخل بها ، وأخرى رفضته كونه غير كفء لها ، وتارة أنها تزوجت من ولده الحسن بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف ، وهذا الاضطراب يؤكد عدم وقوع الحادثة لتناقضاتها الواضحة واضطرابها البين.
ثالثا : أن خبر زواجها من زيد بن عمرو بن عثمان ثم طلاقها من قبل سليمان بن عبدالملك أمر يثير السخرية ، فهو يصور السيدة آمنة بأنها امرأة خرقاء ، ترتكب أعمالا لا يقدم عليها إلا الأحمق ، فما معنى خروجها إلى
__________________
(١) تاريخ دمشق لابن عساكر ، تراجم النساء : ١٥٨.
مكة ثم عودتها إلى المدينة ثم خروجها إلى مكة ، وهكذا لا يقر لها قرار ، حتى إن ذلك أثار حفيظة الخليفة الأموي فأمر العثماني بطلاقها؟!
قال الاصفهاني : بعد طلاق سكينة من الأصبغ المرواني فخلف عليها العثماني ، وشرطت عليه ألا يطلقها ولا يمنعها شيئا تريده ، وأن يقيمها حيث خلتها أم منظور ، ولا يخالفها في أمر تريده ، فكانت تقول له : يا بن عثمان أخرج بنا إلى مكة ، فإذا خرج بها فسارت يوما أو يومين قالت : ارجع بنا إلى المدينة ، فإذا رجع يومه ذاك قالت : أخرج بنا إلى مكة ، فقال له سليمان بن عبدالملك : اعلم أنك قد شرطت لها شروطا لم تف بها فطلقها فطلقها(١) .
وهذا التصرف الأهوج الذي صوره الخبر لا ينسجم مع امرأة سوية عاقلة ، بل هو يحكي عن تصرفات امرأة حمقاء لا هم لها إلا الخروج من المدينة ، ثم عودتها إليها ، ثم خروجها منها ، وهكذا دون طائل ، فكيف يمكننا قبول مثل هذا الهوس وحكايات الحمقى لامرأة توصف بأنها من عقائل قريش؟! مما يعني أن خبر الزواج أمر موضوع يراد منه المس بكرامة هذا البيت العلوي الطاهر.
رابعا : ومن القرائن المهمة على بطلان الخبر ، أن راويه هو أشعب ، وأشعب هذا متروك الحديث ضعيف ، يتعاطى الغناء واللهو ، ويكذب من أجل إضحاك الآخرين.
قال الأزدي : لا يكتب حديثه ، ونقل ابن حجر عنه في لسان الميزان أنه قال : أخذت الغناء عن معبد(٢) .
__________________
(١) الأغاني ١٦٢ : ١٦ ، ١٦٣.
(٢) لسان الميزان ٥٠٣ : ١.
هذا هو أشعب ، فهو ليس راوية ولا يؤخذ عنه ، بل عمد إلى التهريج واللهو ، وتكسب على موائد الخلفاء فأضحكهم دون تحرج في ارتكاب ما يخالف الشريعة من الكذب والتزوير ، وهذه إحدى مفترياته متقربا بذلك الى بني امية ، ومحاولاً تصوير التقارب بينهم وبين آل عليّعليهالسلام بهذه المصاهرة الكاذبة ، ومن جهة أخرى محاولا الإساءة إلى آل البيتعليهمالسلام إرضاء لنزعة الأمويين في تزوير الحقائق وانتقاصهمعليهمالسلام .
هذه القرائن تؤكد دون أدنى شك على عدم وقوع الزواج من إبراهيم ابن عبدالرحمن بن عوف ، وزيد بن عمرو بن عثمان ، فهي محض اختلاق وتزوير.
على أنه يجب التنويه ، إلى أن المؤرخين وأصحاب الأنساب أكدوا أن عبدالله بن عمرو بن عثمان بن عفان ، وهو أخو زيد بن عمرو ، كان قد تزوج بأخت سكينة ـ فاطمة بنت الحسين ـ وكان عبدالله هذا موالا لأهل البيتعليهمالسلام حافظا لعهدهم كما ذكروه. ولعلهم خلطوا في ذلك فجعلوا زواج سكينة بنت الحسين من زيد بن عمرو بن عثمان ، بدل زواج فاطمة بنت الحسين من عبدالله بن عمرو بن عثمان ، وهذه إحدى قرائن اضطراب الحادثة.
سادسا : عبدالله بن الحسن السبط
وهو المذكور في قائمة واحدة ، وهي قائمة أبي الفرج الإصفهاني فقط ، أما بقية القوائم فلم تذكره.
وانفراد أبو الفرج الإصفهاني في ذكر عبدالله بن الحسن من أزواج السيدة آمنة يفيدنا قرينة مهمة في صحة الزواج دون غيره ، فإن أبا الفرج الإصفهاني في صدد ذكر أزواج السيدة آمنة ، وذلك لتوجهاته في متابعة
أنساب آل أبي طالب ، ونزعته في دراسة الأنساب ـ مع ما تلاحظ عليه من المؤاخذات في هذا المجال ـ فهو حينما يذكر أزواج السيدة آمنة ، يأخذ بنظر الاعتبار تعداد أزواجها بغض النظر عن مدة مكوثه معها وإقامته.
أما غير أبي الفرج الإصفهاني فإنهم يأخذون بالاعتبار أحوال أزواج «آمنة» سكينة بنت الحسين ، وما صاحب ذلك من وقائع وسير وملاحم وتراجم أزواجها ، وليس من اهتمامهم تعداد أزواجها بقدر ما يحاولون ذكر أحوالهم وتراجمهم وما وقع لها معهم ، وهو كما عرفت تأكيد لنزعتهم في متابعة مغامرات الغزل والتشبيب ، وملاحم العبث ومجالس اللهو والغناء ، دون الاهتمام في معرفة أنساب المترجم لهم ، بقدر اهتمامهم في التفكه بما وقع لهؤلاء واستملاح قصصهم ومغامراتهم ، وفي الوقت نفسه إمعانا في نزعة هؤلاء من أتباع توجهات أسيادهم من زبيريين ومروانيين ، وطرح ما يصبو إليه هؤلاء من الانتقاص بمقام أهل البيت الطاهرعليهمالسلام ورمي ما «أصيبوا» به غيرهم.
ويؤيد زواجها من عبدالله بن الحسن ، ما ذهب إليه أكثر مؤرخي الفريقين وجعلوه من المسلمات الثابتة ومن هؤلاء :
١ ـ أبو علي الطبرسي في «إعلام الورى»(١) .
٢ ـ أبو الحسن العمري في كتاب «المجدي في أنساب الطالبيين»(٢) .
٣ ـ السيد محسن الأمين العاملي في «أعيان الشيعة»(٣) .
__________________
(١) اعلام الورى : ١٢٧.
(٢) المجدي في أنساب الطالبيين : ١٩ في باب أولاد الحسن بن عليعليهماالسلام ، وعنه مقتل الحسينعليهالسلام للسيد عبدالرزاق المقرم : ٢٦٤.
(٣) أعيان الشيعة ٣٤٣ : ٥.
٤ ـ الشيخ عباس القمي في «منتهى الآمال»(١) .
٥ ـ السيد عبدالرزاق المقرم في «سكينة بنت الحسينعليهماالسلام » وفي «مقتل الحسينعليهالسلام »(٢) .
٦ ـ الشيخ محمد الصبان في «إسعاف الراغبين»(٣) .
٧ ـ أبو الفرج الإصفهاني في «الأغاني»(٤) .
٨ ـ المدائني في «المترادفات»(٥) .
هذا هو اتفاق أهل النسب والتاريخ ، من أن زوج السيدة آمنة بنت الحسينعليهماالسلام هو «عبدالله بن الحسن» الأكبر الملقب «بأبي بكر» وهو الذي استشهد في واقعة الطف ، أمه رملة ، وهي أم القاسم بن الحسنعليهالسلام .
على أن عبد الله بن الحسن هذا هو غير عبدالله بن الحسن الأصغر ، الذي لم يبلغ الحلم ، استشهد وله إحدى عشرة سنة.
قال السيد المقرم في شهادة عبدالله الأصغر : فنظر عبدالله بن الحسن السبطعليهالسلام وله إحدى عشرة سنة إلى عمه ، وقد أحدق به القوم فأقبل يشتد نحو عمه ، وأرادت زينب حبسه فأفلت منها ، وجاء إلى عمه وأهوى بحر بن كعب ليضرب الحسين فصاح الغلام : يا ابن الخبيثة أتضرب عمي؟ فضربه واتقاها الغلام بيده فأطنها إلى الجلد فإذا هي معلقة ، فصاح الغلام : يا عماه! ووقع في حجر الحسين فضمه إليه ، وقال : يا ابن أخي اصبر على ما
__________________
(١) منتهى الآمال ٦٨٣ : ١ كما حكاه عن بعض مشجرات الأنساب.
(٢) سكينة بنت الحسين : ١١٠ ، ومقتل الحسينعليهالسلام : ٢٦٤.
(٣) إسعاف الراغبين على هامش نور الأبصار : ٢٠٢.
(٤) الأغاني ١٥٨ : ١٦ و ١٦٠ و ١٦٢.
(٥) المترادفات : ٦٤.
نزل بك واحتسب في ذلك الخير ، فإن الله تعالى يلحقك بآبائك الصالحين ورمى الغلام حرملة بن كاهل بسهم فذبحه وهو في حجر عمه(١) .
والنتيجة : فعبدالله بن الحسن اثنان : أحدهما عبدالله الأكبر الملقب بأبي بكر وهو زوج السيدة آمنة بنت الحسين ، والثاني هو عبدالله الأصغر الذي لم يبلغ الحلم.
إذن عبدالله بن الحسن الأكبر هو زوج السيدة آمنة لم يعقب ، كما أنها لم تتزوج بعده فبقيتعليهاالسلام دون زواج حتى ماتت ـ رضوان الله عليها ـ في سنة (١١٧ هـ) في المدينة ، وهذا خلاف ما اختلقه بعضهم من تعدد أزواجهاعليهاالسلام . ولا غرابة في أن السيدة آمنة بنت الحسينعليهماالسلام لم تتزوج بعد شهادة زوجها عبدالله بن الحسن السبط ، فكان هذا ديدن البعض من نساء أهل الشرف ، والمنسوبات للبيوتات المعروفة وقتذاك ، فأمها الرباب لم تتزوج بعد الحسينعليهالسلام ، ورفضت أن تستجيب لخاطب من الخطاب ، وهذه نائلة بنت الفرافصة زوجة عثمان بن عفان لما قتل زوجها رفضت خطبة معاوية كما ذكر ذلك ابن عبد ربه الأندلسي ، بل زاد في خبرها أنها قالت : إني رأيت الحزن يبلى كما يبلى الثوب ، وقد خفت أن يبلى حزن عثمان في قلبي ، فدعت بفهر(٢) فهشمت فاها وقالت : والله لا قعد مني رجل مقعد عثمان أبدا(٣) .
وقال بعضهم : إنها جدعت أنفها مخافة أن يخطبها خاطب ، فما
__________________
(١) مقتل الحسين للسيد المقرم : ٢٨٠.
(٢) الفهر ، والفهرة : حجر رقيق تسحق به الأدوية.
(٣) العقد الفريد لا بن عبد ربه ١٧٤ : ٣. وفي طبعة دارالكتاب بتحقيق الأبياري ورفقائه : ٢٤٢.
حسبك بمن رأت مصارع أهلها مجزرين على أرض كربلاء؟ فالسيدة آمنةعليهاالسلام عاشت مأساة المجزرة الدامية التي نالت أباها الحسينعليهالسلام وأخوتها ، خصوصا ما حدث لأخيها الرضيع عبدالله ، وزوجها عبدالله بن الحسن وأبناء عمومتها ، وما شاهدته من الأسر والسبي حيث يساقون هي وأهلها العقائل من بلد إلى بلد.
حزن الفاطميات
ومن السذاجة أن يتغافل هؤلاء المؤرخون الحمقى عن قضية لا يمكن إلغاؤها عن الواقع ، وهي فداحة الفاجعة التي أصابت آل البيتعليهمالسلام في كربلاء ، وقد حضر المأساة وشاهد فصولها كاملة نساء آل عليعليهالسلام ، وما تركته هذه الأحداث في نفوسهن الطاهرة من الحزن والبكاء الدائم على شهداء الواقعة ، وما عانينهن من ذل الأسر وسبيهن ووقوفهن في مجالس أعدائهن ، ومساءلتهن بشماتة ألغت معها كل معايير الشريعة ، وما تعارف عند المسلمين من كرامة أهل هذا البيتعليهمالسلام واحتشامه ، فهل يبقى بعد ذلك احتمال لعاقل وغيور أن يقبل قصص تعدد الأزواج ، وحياة اللهو التي تمارسها السيدة آمنة كما صورها هؤلاء السذج؟ بغض النظر عن الموانع الدينية التي عرف بها أهل هذا البيت رجالاً ونساءً. فإن الحالة النفسية التي يعيشها الفرد منهم يستحيل قبول سلوك مثل هذه الحياة العبثية ، والانتقال بين أحضان الأزواج ، من زبيريين إلى مروانيين وأمويين ، ولو كانت أكذوبة تعدد الأزواج قد صورتها هذه الأخبار الموضوعة أنهم من بني هاشم ، أمكن تصديقها لتوفر الكفاءة الدينية ، ومن ثم العرفية في هكذا زواج ، فما حسبك وهؤلاء الأزواج من أعداء أهل البيتعليهمالسلام ؟
على أن الإمام الصادقعليهالسلام صور حزن الفاطميات بقوله :«ما اكتحلت هاشمية ولا اختضبت ، ولا رؤي الدخان في بيت هاشمي خمس حجج إلى أن قتل عبيدالله بن زياد» (١) .
بل إن السيدة آمنةعليهاالسلام حينما وصلت المسجد النبوي في المدينة صاحت : يا جداه إليك المشتكى مما جرى علينا ، فوالله ما رأيت أقسى من يزيد ، ولا رأيت كافرا ولا مشركا شرا منه ولا أجفى وأغلظ ، فلقد كان يقرع ثغر أبي بمخصرته وهو يقول : كيف رأيت الضرب يا حسين(٢) .
هكذا عبرت السيدة آمنة عن لوعتها وتفجعها للمصاب ، فكيف تنسى بعد ذلك وترتكب حياة تعدد الأزواج؟!
والسيدة الرباب أمها بكت على أبي عبدالله حتى جفت دموعها ، فأعلمتها بعض جواريها بأن السويق يسيل الدمعة ، فأمرت أن يصنع لها السويق لاستدرار الدموع(٣) .
والإمام زين العابدينعليهالسلام يدعو إلى الحزن على أبي عبداللهعليهالسلام ويتعجب ممن لا يحزن من أجله ، ولا يبكي على مأساة ، فقال في خطبته حين وصول المدينة بعد أن حمد الله وأثنى عليه قال :
«أيها القوم ، إن الله تعالى وله الحمد ابتلانا بمصائب جليلة ، وثلمة في الإسلام عظيمة ، قتل أبو عبدالله الحسين عليهالسلام وعترته ، وسبيت نساؤه وصبيته وداروا برأسه في البلدان ، من فوق عامل السنان ، وهذه الرزية التي لا مثلها رزية.
أيها الناس ، فأي رجالات منكم يسرون بعد قتله؟ أم أي فؤاد لا يحزن من أجله؟ أم أية
__________________
(١) مقتل الحسين للقرم : ٣٧٦.
(٢) المصدر السابق.
(٣) المصدر السابق.
عين منكم تحبس دمعها وتضن عن انهمالها؟ فلقد بكت السبع الشداد لقتله ، وبكت البحار بأمواجها ، والسماوات بأركانها ، والأرض بأرجائها ، والأشجار بأغصانها ، والحيتان في لجج البحار ، والملائكة المقربون ، وأهل السماوات أجمعون.
أيها الناس ، أي قلب لا ينصدع لقتله؟ أم أي فؤاد لا يحن إليه؟ أم أي سمع يسمع بهذه الثلمة التي ثلمة في الإسلام ولا يصم؟ أيها الناس ، أصبحنا مشردين مطرودين مذودين شاسعين عن الأمصار كأننا أولاد ترك وكابل ، من غير جرم اجترمناه ، ولا مكروه ارتكابناه ، ولا ثلمة في الإسلام ثلمناها ، ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين أن هذا إلا اختلاق ، والله لو أن النبي تقدم إليهم في قتالنا كما تقدم اليهم الوصية بنا لما زادوا على ما فعلوا بنا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون من مصيبة ما أعظمها وأفجعها وأكظها وأفظها وأمرها وأفدحها ، فعند الله نحتسب ما أصابنا ، وما بلغ بنا ، فإنه عزيز ذو انتقام» (١) .
هذه هي وصية الإمامعليهالسلام لشيعته بملازمة الحزن وتجدده عند ذكر سيد الشهداءعليهالسلام ، وما ينبغي لهم ، فكيف بحال أخته الطاهرة السيدة آمنةعليهاالسلام وغيرهن من الفاطميات؟!
محاولة تشويه الحقائق إذن
إذا عرفنا أحزان أهل البيتعليهمالسلام وتفجعهم من وقع المأساة ، علمنا أن حزنهم هذا إدانة للأمويين ولمن نحى منحاهم ، والحزن الدائم الذي رفعه أهل البيتعليهمالسلام شعارا لمظلوميتهم ، حاول أعداؤهم مسخه وتغييره إلى حالات من التوافق والانسجام بينهم وبين أعدائهم ، بل إلغاء أحزانهمعليهمالسلام وإحالتها إلى قضية وقتية ، شعر بها أهل البيتعليهمالسلام بالانقباض إبان واقعة الطف ، وانتهى الأمر بنسيانها وإسدال ستار العلاقات الطيبة بين أهل
__________________
(١) مقتل الحسينعليهالسلام للمقرم : ٣٧٤.
البيتعليهمالسلام وبين الأمويين ، وأن المسألة لم تكن كما تصورها شيعتهم ، بل هي لا تعدو عن منازعة على سلطان انتهت بغلبة أحدهما وإعادة التفاهم بين الطرفين ، وجعلوا دلالة ذلك علاقات الزواج بين السيدة «آمنة» سكينة وبين أزواجها الزبيريين والأمويين ، وبذلك شطبوا على كل الأحداث التي مرت ، من خلال تحسين العلاقات بين الطرفين ، إضافة إلى إلغاء طابع المأساة الذي طبع به أهل البيتعليهمالسلام حياتهم ، احتجاجا على ظالميهم.
في حين أن السيدة آمنة تبدو خلاف ذلك ، فهي في سعةٍ من العيش ، تمارس حياة طبيعية لا تشوبها ذكريات الطف. هذا حال المرأة التي من شأنها أن تستذكر أبدا أحزانها وتستعيد آلامها ، تعيش حياتها الطبيعية ، فكيف برجالهم؟ فهم أولى بممارسة الحياة الطبيعية ، وإقامة العلاقات الطيبة بينهم وبين الأمويين والزبيريين ، وما هذا التباعد بين الطرفين إلا تخيلات الذين يحاولون تصوير عدم الرضا والتفاهم بين الطرفين.
هكذا سعى وضاع أخبار السيدة «آمنة» سكينةعليهاالسلام إلى إلغاء حالات التظلم التي اظهرها أهل البيتعليهمالسلام إدانة لأعدائهم ، وكشفا عن مظلوميتهم النابعة عن إبعادهمعليهمالسلام عن حقوقهم ، واستيلاء أعدائهم على مقاماتهم التي رتبها الله لهم ، فإذا ارتكزت أخبار زواج السيدة سكينة من تشكيلات أموية وزبيرية ، وإظهار حياتها مظهر اللهو والعبث ، فمتى يبقى بحال لقداسة مظلومية أهل البيت وسمو مقامهم في الأذهان ، إذا ما انفتح القارئ عل رؤية جديدة تحاول تطبيع العلاقات بين بيتين لم يتوافقا؟ اختلفا في الله وافترقا في الله ، أي لا يزال أهل البيتعليهمالسلام لم يتفقوا مع أطروحة أعدائهم ، مهما حاول الوضاع تصوير العلاقة بين الفريقين إلى حالة طبيعية منسجمة.
وحينما تزور الحقائق
يصل الأمر بهؤلاء الوضاعين أن يرووا روايات تخالف العقل والوجدان ، إمعانا منهم في الطعن بكرامة أهل البيتعليهمالسلام والوصول إلى أهدافهم وغاياتهم.
فقد روى الإصفهاني عن أبي الأزهر قال : حدثنا حماد بن إسحاق ، عن أبيه ، عن الهيثم بن عدي ، عن صالح بن حسان وغيره : أن سكينة كانت عند عمرو بن حكيم بن حزام ، ثم تزوجها بعده زيد بن عمرو بن عثمان بن عفان ، ثم تزوجها مصعب بن الزبير ، فلما قتل مصعب خطبها إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف فبعثت إليه : أبلغ من حمقك أن تبعث إلى سكينة بنت الحسين بن فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم تخطبها؟ فامسك عن ذلك.
قال : ثم تنفست يوما بنانة جارية سكينة وتنهدت ، حتى كادت أضلاعها تتحطم ، فقالت لها سكينة : ما لك ويلك! قالت : أحب أن أرى في الدار جلبة ـ تعني العرس.
فدعت مولى لها تثق به ، فقالت له : إذهب إلى إبراهيم بن عبدالرحمن ابن عوف فقل له : إن الذي كنا ندفعك عنه قد بدا لنا فيه ، أنت من أخوال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فاحضر بيتك.
قال : فجمع عدة من بني زهرة ، وأفناء قريش من بني جمح وغيرهم ، نحوا من سبعين رجلا أو ثمانين ، ثم أرسل إلى علي بن الحسين ، والحسن ابن الحسن وغيرهم من بني هاشم. فلما أتاهم الخبر اجتمعوا وقالوا : هذه السفيهة تريد أن تتزوج إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف ، فتنادى بنوهاشم واجتمعوا وقالوا : لا يخرجن أحد منكم إلا ومعه عصا ، فجاؤوا وما بقي إلا
الكلام ، فقال : اضربوا بالعصي ، فاضطربوا هم وبنو زهرة ، حتى تشاجوا ، فشج بينهم يومئذ أكثر من مئة إنسان ، ثم قالت بنو هاشم : أين هذه؟ قالوا : في هذا البيت ، فدخلوا إليها فقالوا : أبلغ هذا من صنعك؟ ثم جاؤوا بكساء فبسطوه ثم حملوها ، فأخذوا بجوانبه ـ أو قال : بزواياه الأربع ـ فالتفتت إلى بنانة فقالت : يا بنانة أرأيت في الدار جلبة؟ قالت : أي والله إلا أنها شديدة(١) .
هكذا يروي هؤلاء أساطير دون وازع من دين ، ولا رادع من عقل.
الخلاصة
وخلاصة بحثنا أن السيدة سكينة بنت الحسينعليهماالسلام اسمها «آمنة» ، وسكينة لقب لقبت به ، وكل ما قيل من شعر في سكينة فهي ليست سكينة بنت الحسين التي هي آمنة ، بل هناك سكينة بنت خالد بن مصعب الزبيري ، التي كانت معروفة بملاقاتها واجتماعها مع عمر بن أبي ربيعة الشاعر ، الذي تغزل بها وشبب بغيرها ، أمثال عائشة بنت طلحة بن عبيد الله زوجة مصعب ابن الزبير ، وسعدى بنت عبدالرحمن بن عوف ، وبأم البنين بنت عبدالعزيز ابن مروان زوجة الوليد بن عبدالملك ، وغيرهن من النساء الأمويات والمروانيات ، وكانت سيرتهن مجالسة شعراء عصرهن وقتذاك ، ومسامرتهن لهم وتحرشهن بهم ، حتى عرفت فيهن ملاحم اللهو والعبث ، وهذا لعمري إحدى الانتقاصات التي وجهتها المعارضة العلوية الشيعية ، التي كانت تنظم بين الحين والآخر ضد النظام الأموي ، وما ماثلته من حركات زبيرية وأطروحات مخالفة لأهل البيتعليهمالسلام ، وكانت هذه المعارضة تستعرض الانتهاكات الشرعية التي كانت ترتكبها هذه الأنظمة ، وما صاحبها
__________________
(١) الأغاني ١٦ : ١٦١.
من حياة عابثة على مستوى نساء هذه التكتلات ، التي لا تقيم وزنا للمحاذير الشرعية وهي ترفع شعار الخلافة الإسلامية ، فهي لم تبق حرمة إلا انتهكتها ، ولا محذور إلا مارسته.
وبالمقابل تجد أهل البيتعليهمالسلام لا يزالون يمثلون الخلافة الإلهية حقا ، بالرغم من إبعادهم عن ممارسة مهامهم ، وإقصائهم عن مناصبهم. فالأمة كلما نظرت إلى هؤلاء وأولئك تجد الفرق واضحا ، فهؤلاء أهل بيت الوحي ، ومعدن النبوة ، ومختلف الملائكة ، وأهل التقوى والورع. وأولئك الأمويون وغيرهم يرتكبون كل ما حرم الله.
أما قضية تعدد الأزواج ، فهي إساءة أخرى لهذا البيت الأقدس ، فضلا عما حاوله هؤلاء من التقريب بين آل عليعليهالسلام وبين أعدائهم ، وإلغاء العداء التقليدي بينهم وبين مخالفيهم ، والحال أن أخبار الزواج بعد مناقشتها لم تصمد عدا ما ذكر من أن السيدة آمنة بنت الحسين تزوجت من عبدالله بن الحسن السبط الذي استشهد في واقعة الطف ، ولم تتزوج بعده حتى ماتت رضوان الله عليها من عفيفة الطالبيين ، وعقيلة القرشيين.
إنها آمنة بنت الحسين بن عليعليهمالسلام ، وحسبك بذلك فخرا وشرفا وعزا ، وأحبط الله محاولات الظالمين الذين أرادوا تشويه تاريخ أهل البيتعليهمالسلام ؛ ليضيفوا إلى مظلومياتهم ، مظلومية أخرى ، والله من ورائهم محيط. وسيعلم الذين ظلموا آل محمد أي منقلب ينقلبون ، والعاقبة للمتقين. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ثبت المصادر
١ ـ الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد :
أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي (ت / ٤١٣ هـ) ، تحقيق : مؤسسة آل البيتعليهمالسلام لإحياء التراث ـ قم ، الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ.
٢ ـ أسد الغابة في معرفة الصحابة :
أبو الحسن علي بن محمد عزالدين ابن الأثير الجزري (ت / ٦٣٠ هـ) ، تحقيق محمد إبراهيم البنا ، ومحمد أحمد عاشور ، ومحمود عبدالوهاب ، دار الشعب ـ القاهرة ١٩٧٠ م.
٣ ـ إسعاف الراغبين في سيرة المصطفى وفضائل أهل بيته الطاهرين :
أبو العرفان محمد بن علي الصبان المصري (ت / ١٢٠٦ هـ) ، المطبوع بهامش نور الأبصار للشبلنجي ، دار الكتب العلمية ، ودار إحياء التراث العربي ـ بيروت ، بدون تاريخ.
٤ ـ الإصابة في تمييز الصحابة :
أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر شهاب الدين العسقلاني (ت / ٨٥٦ هـ) ، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ، بدون تاريخ ، أفست على الطبعة الأولى لسنة ١٣٢٨ هـ.
٥ ـ أعلام النساء في عالمي العرب والإسلام :
عمر رضا كحالة (ت / ١٩٨٧ م) ، مؤسسة الرسالة ـ بيروت ، الطبعة العاشرة ١٤١٢ هـ / ١٩٩١ م.
٦ ـ إعلام الورى بأعلام الهدى :
أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي (ت / ٥٤٨) ، تحقيق : علي أكبر الغفاري ، دار المعرفة ـ بيروت ١٣٩٩ هـ / ١٩٧٩ م.
٧ ـ أعيان الشيعة :
السيد أبو محمد باقر محسن بن عبدالكريم بن علي الأمين العاملي الشقرائي (ت / ١٣٧١ هـ ـ ١٩٥٢ م) ، تحقيق : حسن الأمين ، دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت ١٤٠٢ هـ / ١٩٨٣ م.
٨ ـ الأغاني :
أبو الفرج علي بن الحسين الإصفهاني القرشي الأموي (ت / ٣٥٦ هـ) ، تحقيق : الأستاذ عبد علي مهنا ، والأستاذ سمير جابر ، دار الفكر ـ بيروت ، الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ / ١٩٨٦ م.
٩ ـ الأمالي :
أبو علي إسماعيل بن القاسم القالي البغدادي (ت / ٣٥٦ هـ) ، تصحيح محمد عبدالجواد الأصمعي بدار الكتب المصرية ، دار الكتب العلمية ـ بيروت ، أفست على طبعة دار الكتب المصرية ـ القاهرة ، وكتب في نهاية الكتاب كان الفراغ من تصحيحه في ١٣٤٤ هـ / ١٩٢٦ م.
١٠ ـ الإمامة والسياسة :
أبو محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت / ٢٧٦ هـ) ، تحقيق : طه محمد الزيني ، مؤسسة الحلبي وشركاءه للنشر والتوزيع ـ القاهرة ١٣٧٨ هـ / ١٩٦٧ م.
١١ ـ بحارالأنوار :
محمد باقر بن محمد تقي المجلسي (ت / ١١١١ هـ) ، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ، الطبعة الثالثة ١٤٠٣ هـ / ١٩٨٣ م.
١٢ ـ البداية والنهاية :
أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي (ت / ٧٧٤ هـ) ، تحقيق : مكتب تحقيق التراث في دار إحياء التراث العربي ، دار إحياء التراث العربي ومؤسسة التاريخ العربي ـ بيروت ١٤١٣ هـ / ١٩٩٣ م.
١٣ ـ بلاغت النساء :
أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر طيفور (ت / ٢٨٠ هـ) ، طبعة الشريف الرضي ـ قم ، بدون تاريخ ، أفست على طبعة دار النهضة الحديثة.
١٤ ـ تاريخ آداب اللغة العربية :
جرجي زيدان (ت / ١٩١٤ م) ، منشورات دار ومكتبة الحياة ـ بيروت ، الطبعة الثانية ١٩٧٨ م.
١٥ ـ تاريخ ابن خلدون :
أبو زيد عبدالرحمن بن محمد ابن خلدون الحضرمي الإشبيلي (ت / ٨٠٨ هـ) ، تحقيق : خليل شحادة ومراجعة سهيل زكار ، دارالفكر ـ بيروت ، الطبعة الثانية ١٤٠٨ هـ / ١٩٨٨ م.
١٦ ـ تاريخ الطبري (وهو تاريخ الأمم والملوك) :
أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت / ٣١٠ هـ) ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، دار التراث ـ بيروت ، الطبعة الثانية ١٣٨٧ هـ / ١٩٦٧ م.
١٧ ـ تاريخ مدينة دمشق / تراجم النساء :
أبو القاسم علي بن الحسن ابن عساكر الشافعي الدمشقي (ت / ٥٧١ هـ) ، تحقيق : سكينة الشهابي ، دار الفكر ـ دمشق ١٤٠٢ هـ / ١٩٨١ م.
١٨ ـ تاريخ اليعقوبي :
أحمد بن إسحاق بن جعفر اليعقوبي (ت / بعد٢٩٢ هـ) ، دار صادر ـ بيروت ، بدون تاريخ.
١٩ ـ تذكرة الخواص :
أبو المظفر : يوسف بن عبدالله شمس الدين قزأ وغلي سبط ابن الجوزي الحنفي (ت / ٦٥٤ هـ) ، تقديم السيد محمد صادق بحر العلوم ، مكتبة نينوى الحديثة ـ طهران ، بدون تاريخ.
٢٠ ـ تراجم أعلام النساء :
محمد حسين الأعلمي الحائري (ت / ١٣٩١ هـ) ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت ، الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ / ١٩٨٧ م.
٢١ ـ ترجمة الإمام الحسين بن علي عليهالسلام من تاريخ مدينة دمشق :
أبو القاسم علي بن الحسن ابن عساكر الشافعي الدمشقي (ت / ٥٧١ هـ) ، تحقيق : محمد باقر المحمودي ، مؤسسة المحمودي للطباعة والنشر ـ بيروت ، الطبعة الأولى ١٣٩٨ هـ / ١٩٧٨ م.
٢٢ ـ تقريب التهذيب :
أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر شهاب الدين العسقلاني (ت / ٨٥٢ هـ) ، تحقيق : عبدالوهاب عبداللطيف ، دار المعرفة ـ بيروت ١٣٨٠ هـ.
٢٣ ـ تهذيب التهذيب :
أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر شهاب الدين العسقلاني (ت / ٨٥٢ هـ) ، تحقيق : محمد شريف الدين ، وأبو الحسن ، دارالفكر ـ بيروت ١٤٠٤ هـ / ١٩٨٤ م.
٢٤ ـ تهذيب الكمال في أسماء الرجال :
أبو الحجاج جمال الدين يوسف بن عبدالرحمن المزي (ت / ٧٤٢ هـ) ، تحقيق : الدكتور بشار عواد معروف ، مؤسسة الرسالة ـ بيروت ، الطبعة الرابعة ١٤٠٦ هـ / ١٩٨٥ م.
٢٥ ـ الجامع الصحيح (وهو سنن الترمذي) :
أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة (ت / ٢٧٩ هـ) ، تحقيق : أحمد محمد شاكر للجزأين الأول والثاني ، ومحمد فؤاد عبدالباقي للجزء الثالث ، وإبراهيم عطوه عوض للجزأين الرابع والخامس ، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ، الطبعة الأولى بين سنة ١٣٥٧ هـ / ١٩٣٨ م ـ ١٣٨١ هـ / ١٩٦٢ م.
٢٦ ـ الخصال :
أبو جعفر محمد بن علي ابن بابويه القمي (ت / ١٣٨١ هـ) ، تحقيق : علي أكبر الغفاري ، مركز النشر الإسلامي التابع لجماعة المدرسين بالحوزة العلمية ـ قم ، الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ.
٢٧ ـ ذخائر العقبي في مناقب ذوي القربى :
أبو العباس محب الدين الطبري أحمد بن عبدالله بن محمد (ت / ٦٩٤ هـ) ، دار المعرفة ـ بيروت ، أفست على طبعة مطبعة القدسي ، ومطبعة السعادة ـ القاهرة ، بدون تاريخ.
٢٨ ـ السيدة سكينة :
عبدالرزاق بن محمد بن عباس الموسوي المقرم (ت / ١٣٩١ هـ) ، طبعة في ١٢٤ صفحة مع الفهرس وإصلاح الأخطاء ، بدون تاريخ ولا أي معلومة.
٢٩ ـ شذرات الذهب في أخبار من ذهب :
أبو الفلاح عبدالحي بن أحمد شهاب الدين ابن العماد الحنبلي الدمشقي (ت / ١٠٨٩ هـ) ، تحقيق : محمود الأرناؤوط ، دار ابن كثير ـ دمشق ، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ / ١٩٨٦ م.
٣٠ ـ صفة الصفوة :
أبو الفرج جمال الدين عبدالرحمن بن علي ابن الجوزي (ت / ٥٩٧ هـ) ، تحقيق : محمود فاخوري ، دار المعرفة ـ بيروت ، الطبعة الرابعة ١٤٠٦ هـ / ١٩٨٦ م.
٣١ ـ الطبقات الكبرى :
أبو عبدالله محمد بن سعد بن منيع البصري الزهري (ت / ٢٣٠ هـ) ، تحقيق : إحسان عباس ، دار بيروت للطباعة والنشر ـ بيروت ١٤٠٥ هـ / ١٩٨٥ م ، أفست على طبعة دار صادر.
٣٢ ـ العقد الفريد :
أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي (ت / ٣٢٨ هـ) ، تحقيق أحمد أمين ، وأحمد الزين ، وإبراهيم الأبياري ، دار الكتاب العربي ـ بيروت ١٤٠٦ هـ / ١٩٨٦ م.
٣٣ ـ الفهرست :
أبو الفرج محمد بن إسحاق بن محمد النديم (ت / ٣٨٠ هـ) ، تحقيق : رضا تجدد بن علي الحائري المازندراني ، مطبعة المروي ـ طهران ، الطبعة الأولى ١٣٩١ هـ / ١٩٧١ م.
٣٤ ـ الكامل في التاريخ :
أبو الحسن عز الدين علي بن محمد الشيباني ابن الأثير الجزري (ت / ٦٣٠ هـ) ، تحقيق : المستشرق كارلوس يوهنس تورنبرغ مع فريق من العلماء ، وإضافات لدار صادر ، دار صادر ـ بيروت ١٤٠٢ هـ / ١٩٨٢ م.
٣٥ ـ الكامل في ضعفاء الرجال :
أبو أحمد عبدالله بن عدي الجرجاني (ت / ٣٦٥ هـ) ، تحقيق : الدكتور سهيل زكار ومراجعة يحيى مختار غزاوي ، دار الفكر ـ بيروت ، الطبعة الثالثة ١٤٠٩ هـ / ١٩٨٨ م.
٣٦ ـ لسان الميزان :
أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر شهاب الدين العسقلاني (ت / ٨٥٢ هـ) ، دار الفكر ـ بيروت ، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ / ١٩٨٨ م.
٣٧ ـ المجدي في أنساب الطالبيين :
أبو الحسن علي بن محمد بن علي نجم الدين العمري النسابة (كان حيا بعد : ٤٤٣ هـ) ، تحقيق : الدكتور أحمد المهدوي الدامغان ، مطبعة سيد الشهداء ـ قم ، الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ.
٣٨ ـ مجمع الزوائد ومنبع الفوائد :
أبو الحسن نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي ( ت / ٨٠٧ هـ) ، دار الكتب العلمية ـ بيروت ، ١٤٠٨ هـ / ١٩٨٨ م.
٣٩ ـ مرآة الجنان وغبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان :
أبو محمد عبدالله بن أسعد بن علي اليافعي اليمني المكي ( ت / ٧٦٨ هـ) ، دار الكتاب الإسلامي ـ القاهرة ، الطبعة الثانية ١٤١٣ هـ / ١٩٩٣ م.
٤٠ ـ مروج الذهب ومعادن الجوهر :
أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي (ت / ٣٤٦ هـ) ، تحقيق : محمد محيي الدين عبدالحميد ، دار الفكر ـ بيروت ، الطبعة الخامسة ١٣٩٣ هـ / ١٩٧٣ م.
٤١ ـ المستدرك على الصحيحين :
أبو عبدالله محمد بن عبدالله الحاكم النيسابوري (ت / ٤٠٥ هـ) ، تحقيق : مصطفى عبدالقادر عطا ، دار الكتب العلمية ـ بيروت ، الطبعة الأولى ١٤١١ هـ / ١٩٩٠ م.
٤٢ ـ المعارف :
أبو محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت / ٢٧٦ هـ) ، تحقيق : الدكتور ثروت عكاشة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة ، الطبعة السادسة ١٩٩٢ م.
٤٣ ـ المعجم الأوسط :
أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (ت / ٢٧٦ هـ) ، تحقيق : الدكتور محمد الطحان ، مكتبة المعارف ـ الرياض ، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ / ١٩٨٥ م.
٤٤ ـ المعجم الكبير :
أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (ت / ٣٦٠ هـ) ، تحقيق : حمدي عبدالمجيد السلفي ، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ، الطبعة الثانية ١٤٠٤ هـ / ١٩٨٤ م.
٤٥ ـ المغني في الضعفاء :
أبو عبدالله محمد بن أحمد بن عثمان شمس الدين الذهبي ( ت / ٧٤٨ هـ) ، تحقيق : أبو الزهراء حازم القاضي ، دارالكتب العلمية ـ بيروت ، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ / ١٩٩٧ م.
٤٦ ـ مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة :
محمد جواد الحسيني العاملي (ت / ١٢٢٨ هـ) ، دارإحياء التراث العربي ـ بيروت ، أفست على طبعة المطبعة الرضوية ـ القاهرة لسنة ١٣٢٤ هـ.
٤٧ ـ مقاتل الطالبيين :
أبو الفرج علي بن الحسين الإصفهاني القرشي الأموي (ت / ٣٥٦ هـ) ، تحقيق : أحمد صقر ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت ، الطبعة الثانية ١٤٠٨ هـ / ١٩٨٧ م.
٤٨ ـ مقتل الحسين :
ابو المؤيد الموفق بن أحمد المكي أخطب خوارزم (ت / ٥٦٨ هـ) ، تحقيق : الشيخ محمد السماوي ، منشورات مكتبة المفيد ـ قم ، أفست على طبعة النجف ١٣٦٧ هـ.
٤٩ ـ مقتل الحسين :
عبدالرزاق بن محمد بن عباس الموسوي المقرم ( ت / ١٣٩١ هـ) ، نشر قسم الدراسات الإسلامية في مؤسسة البعثة ـ طهران ، بدون تاريخ.
٥٠ ـ المنتظم في تاريخ الملوك والأمم :
ابو الفرج عبدالرحمن بن علي ابن الجوزي (ت / ١٣٩١ هـ) ، تحقيق : محمد عبدالقادر عطا ، ومصطفى عبدالقادر عطا ، دار الكتب العلمية ـ بيروت ، الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ / ١٩٩٢ م.
٥١ ـ منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل :
عباس بن محمد رضا النجفي القمي (ت / ١٣٥٩ هـ) ، تحقيق : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ـ قم ، مطبعة المؤسسة ، الطبعة الثانية ١٤١٦ هـ.
٥٢ ـ ميزان الاعتدال :
أبو عبدالله محمد بن أحمد بن عثمان شمس الدين الذهبي (ت / ٧٤٨ هـ) ، تحقيق : علي محمد البجاوي ، دار الفكر ـ بيروت ، أرخ مقدمة التحقيق في مصر الجديدة ـ القاهرة ١٣٨٢ هـ / ١٩٦٣ م.
٥٣ ـ النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة :
أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي الأتابكي (ت / ٨٧٤ هـ) ، تحقيق : المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة ، وزارة الثقافة والإرشاد القومي ـ القاهرة ١٣٨٣ هـ / ١٩٦٣ م.
٥٤ ـ وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة :
محمد بن الحسن الحر العاملي (ت / ١١٠٤ هـ) ، تحقيق : مؤسسة آل البيتعليهمالسلام لإحياء التراث ـ قم ، الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ.
٥٥ ـ وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان :
أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان (ت / ٦٨١ هـ) ، تحقيق : الدكتور إحسان عباس ، دار الثقافة ـ بيروت ١٩٧٠ م ، أفست على طبعة دار صادر.
المحتويات
عقيلة قريش آمنة بنت الحسين عليه السلام.................................... ١
كلمة المؤسسة.............................................................. ٩
المقدمة................................................................... ٢١
المقدمة................................................................... ٢١
تنوية...................................................................... ٢٥
تنوية...................................................................... ٢٥
وراثة نبوية................................................................. ٢٧
قصة سكينة بنت الحسين عليهماالسلام............................................ ٣٥
اسم ابنة الحسين عليهالسلام آمنة وليس سكينة.................................... ٣٧
مصالح أموية ومطامع زبيرية................................................. ٤٤
أكـذوبتان :................................................................ ٤٩
الأكذوبة الأولى........................................................... ٤٩
سكينة ومجالسة الشعراء واستماع الغناء...................................... ٤٩
النموذج الأول :.......................................................... ٤٩
رجال الخبر :.......................................................... ٥٠
تهافت الوضاع :................................................. ٥٢
النموذج الثاني :.......................................................... ٥٦
رجال الخبر :.......................................................... ٦٠
النموذج الثالث :......................................................... ٦٢
النموذج الرابع :.......................................................... ٦٢
رجال الخبر :.......................................................... ٦٣
حرمة نظر الأجنبي للأجنبية في الشريعة الإسلامية............................. ٦٥
رمتني بدائها وانسلت...................................................... ٦٧
عائشة بنت طلحة بن عبيدالله زوجة مصعب بن الزبير....................... ٦٨
فاطمة بنت عبدالملك بن مروان.......................................... ٧٢
الثريا بنت علي بن عبدالله بن الحارث..................................... ٧٢
رملة بنت عبدالله بن خلف أخت طلحة الطلحات......................... ٧٣
عاتكة بنت معاوية بن أبي سفيان........................................ ٧٣
رملة بنت معاوية بن أبي سفيان.......................................... ٧٣
عاتكة بنت عبدالله بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان........................ ٧٤
زينب بنت عكرمة بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام....................... ٧٤
زينب بنت يوسف بن الحكم أخت الحجاج بن يوسف الثقفي............... ٧٤
سعدى بنت عبدالرحمن بن عوف........................................ ٧٤
هند بنت كنانة بن عبدالرحمن بن نضلة بن صفوان بن أمية.................. ٧٥
سعدى بنت سعيد بن عمرو بن عثمان................................... ٧٥
أم البنين زوج الوليد بن عبدالملك......................................... ٧٦
زينب بنت سليمان بن علي............................................. ٧٦
عائشة بنت المهدي العباسي............................................. ٧٧
ولادة بنت المستكفي الخليفة الأموي في الأندلس........................... ٧٧
سكينة وابن سريج........................................................ ٧٨
رجال الخبر............................................................ ٨١
أين هم أزواج سكينة وبنو هاشم عن كل هذا؟............................ ٨١
إنه خراج بعض الكور................................................... ٨٢
حكم الغناء في الشريعة المقدسة.......................................... ٨٣
حقيقة الأمر ما هي؟ ابن سريج نائحا أم مغنيا؟............................ ٨٦
محاولات وضع وتزوير أُخر............................................... ٩٠
الأكذوبة الثانية............................................................ ٩٥
سكينة وحديث الأزواج..................................................... ٩٥
الأولى : قائمة أبي الفرج الاصفهاني....................................... ٩٥
الثانية : قائمة ابن سعد................................................. ٩٦
الثالثة : قائمة ابن خلكان............................................... ٩٦
الرابعة : قائمة سبط ابن الجوزي.......................................... ٩٧
القائمة الموحدة......................................................... ٩٨
أولا : مصعب بن الزبير.................................................... ٩٩
من هم آل الزبير؟.................................................... ١٠٠
كتاب طلحة والزبير في تحريض المسلمين على قتل عثمان.................. ١٠٢
آل الزبير تقليدية عداء ومنافسات سياسية محمومة..................... ١٠٤
مصعب بن الزبير يؤوي قتلة الحسين عليهالسلام................................ ١٠٦
مصعب بن الزبير تركة العداء الزبيري لآل علي وشيعته.................. ١٠٧
فأين التقارب إذن؟................................................... ١٠٩
محاولات زبيرية للطعن على أهل البيت عليهمالسلام............................. ١١٠
أما المقتضيات الدينية................................................. ١١٣
أما المقتضيات الاجتماعية............................................. ١١٤
مناقـشتان............................................................ ١١٦
المناقشة الأولى :................................................ ١١٦
المناقشة الثانية :................................................ ١٢٠
أما القضية الأولى............................................... ١٢٠
القضية الثانية.................................................. ١٢١
ثانيا : عبدالله بن عثمان ابن حزام......................................... ١٢٢
ثالثا : الأصبغ بن عبدالعزيز بن مروان...................................... ١٢٦
رابعا وخامسا : زيد بن عمرو بن عثمان وإبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف....... ١٢٧
سادسا : عبدالله بن الحسن السبط........................................ ١٣١
حزن الفاطميات...................................................... ١٣٥
محاولة تشويه الحقائق إذن.............................................. ١٣٧
وحينما تزور الحقائق ١٣٩
الخلاصة............................................................. ١٤٠
ثبت المصادر............................................................ ١٤٣
المحتويات.............................................................. ١٥١