أعاجيب الأكاذيب في رد النصارى

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: محمد جواد البلاغي
أديان وفرق

أعاجيب الأكاذيب في رد النصارى

محمد جواد البلاغي



بسم الله الرحمن الرحيم



مقدمة المركز:

المؤلف

الشيخ محمد جواد بن حسن بن طالب بن عباس بن إبراهيم بن حسين بن عباس بن حسن بن عباس بن محمد علي بن محمد البلاغي النجفي الربعي.

ولد في العراق في النجف الأشرف سنة ١٢٨٢هـ. في بيت من أقدم البيوتات النجفية وأعرقها في العلم والفضل والأدب.

نشأ في مدينة النجف الأشرف، ودرس المقدمات فيها، ثمّ سافر إلى مدينة الكاظمية سنة ١٣٠٦هـ ليستمر في طلبه للعلم فيها.

وفي سنة ١٣١٢هـ عاد إلى النجف الأشرف، فحضر على الشيخ محمد طه نجف والشيخ آقا رضا الهمداني والشيخ الآخوند محمد كاظم الخراساني والسيد محمد الهندي.

هاجر إلى سامراء عام ١٣٢٦هـ فحضر درس الميرزا محمد تقي الشيرازي - زعيم الثورة العراقية - عشر سنين، وألف فيها عدّة كتب، وغادرها عند احتلالها من قبل الجيش الانجليزي إلى الكاظمية، فمكث بها سنتين، مؤازراً للعلماء في الدعاية للثورة ومحرّضاً لهم على طلب الاستقلال.

ثمّ عاد إلى النجف الأشرف، وواصل نشاطه في التأليف، فكان من أولئك الندرة الأفذاذ الذين أوقفوا حياتهم وكرّسوا أوقاتهم لخدمة الدين، فلم يُرَ إلاّ وهو يجيب على سؤال، أو يحرّر رسالة يكشف فيها ما التبس على المرسِل من شك. أو يؤلّف كتاباً.


وقف قبال النصارى وأمام تيار الغرب الجارف، فمثّل لهم سمّو الإسلام على جميع الملل والأديان، حتى أصبح له الشأن العظيم والمكانة المرموقة بين علماء النصارى وفضلائها.

كما تصدّى للفرقة المنحرفة - كالبابية والقاديانية والوهابية والإلحادية وغيرها - فكتب في ردّهم ودحض شبهاتهم عدّة رسائل.

بلغ في خلوص نيّته بمكان، حتى أنه كان لا يرضى أن يوضع اسمه على تأليفه عند طبعها، وكان يقول: إني لا أقصد إلاّ الدفاع عن الحق، لا فرق عندي بين أن يكون باسمي أو باسم غيري.

وما كان لله ينمو، حيث شاءت الإرادة الإلهية أن يكون اسمه ناراً على علم، وبلغت شهرته أقاصي البلاد، حتى أن أعلام أوربا كانوا يفزعون إليه في المسائل العويصة.

كان يجيد اللغات العبرانية والفارسية والانجليزية، بالإضافة إلى لغته العربية، ولذلك برع في الرد على أهل الكتاب ودحض أباطيلهم وكشف خفايا دسائسهم.

وكان مع عظيم مكانته في العلم وتفقّهه في الدين، أديباً كبيراً وشاعراً مبدعاً، له نظم سلس ومتين أكثره في أهل البيت(عليهم السلام) ورثائهم، وبعضه في الردود الدينية.

ومع كل هذه المكانة العلمية، فإنه كان متواضعاً للغاية، يقضي حاجاته بنفسه، ويختلف إلى الأسواق بشخصه لابتياع ما يلزمه.

ألف الكثير من الكتب والرسائل في مختلف العلوم، حيث اشتهرت مؤلّفاته بالدقة والعمق، نذكر المطبوع منها:

١ - الهدى إلى دين المصطفى في الرد على النصارى.

٢ - الرحلة المدرسية، في الرد على اليهود والنصارى.

٣ - التوحيد والتثليث، في الرد على النصارى.


٤ - المسيح والأناجيل، في الرد على النصارى.

٥ - نور الهدى، في الرد على شبهات وردت من لبنان.

٦ - البلاغ المبين، في الإلهيات.

٧ - أنوار الهدى، في الرد على الطبيعيين والماديين وشبهاتهم الإلحادية.

٨ - نصائح الهدى، في الرد على البابية.

٩ - دعوى الهدى إلى الورع في الأفعال والفتوى، في إبطال فتوى الوهابيين بهدم قبور البقيع.

١٠ - رسالة في الرد على الوهابية.

١١ - قصيدة في معارضة قصيدة ابن سينا العينية في النفس.

١٢ - قصيدة في جواب القصيدة البغدادية في إثبات وجود الإمام المهدي(عليه السلام).

١٣ - داروين وأصحابه.

١٤ - نسمات الهدى.

١٥ - أجوبة المسائل البغدادية، في أصول الدين.

١٦ - آلاء الرحمن في تفسير القرآن.

١٧ - رسالة في وضوء الإمامية وصلاتهم وصومهم، طبعت باللغة الانجليزية فقط.

١٨ - تعليقه على مباحث البيع من كتاب المكاسب.

١٩ - العقود المفصّلة في حلّ المسائل المشكلة، وهي ١٤ عقداً في الفقه وأصوله.

٢٠ - رسالة في البداء.

توفي رضوان الله عليه ليلة الاثنين ٢٢ من شعبان سنة ١٣٥٢هـ، ودفن في الحجرة الثالثة الجنوبية من طرف مغرب الصحن الشريف لمرقد الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام).


الكتاب

سفر قيّم على صغر حجمه إلاّ أن محتواه يغني الباحث والمتتبع، فهو يعدّ مصدراً أساسياً لكل من يريد أن يقتحم هذا الميدان وهو ثمرة ناضجة مدلاّة لمن رام قطافها.

صنّف أساساً للرد على أربعة كتب وضعها النصارى مشحونة بالافتراءات على الإسلام فدحضها، وعرض في ثاني فقراته تحريفات العهدين الرائجين، ومخالفتهما للشرع والعقل.

كل ذلك بأسلوب قوي متين، فهو على اختصاره سهل ممتنع يبرز مقام المؤلّف الشامخ.

طبع هذا الكتاب لأول مرّة في المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف سنة ١٣٤٥هـ، وترجم إلى اللغة الفارسية وطبع في مدينة النجف الأشرف أيضاً سنة ١٣٤٦هـ، وطبع في مدينة قم المقدسة سنة ١٤١٢هـ، بإعداد السيد محمد علي الحكيم.

هذا وقد اعتمدنا في طبعتنا هذه على نفس الطبعة التي قام بتحقيقها السيد محمد علي الحكيم. مع الاقتصار على متن الكتاب، وإضافة العناوين في المتن ووضعها بين قوسين ( ). كما استفدنا في مقدمتنا هذه من مقدمة السيد محمد علي الحكيم لكتاب التوحيد والتثليث للبلاغي.

مركز الأبحاث العقائدية

فارس الحسون    


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله محقّ الحقّ الهادي إلى الصواب، والصلاة والسلام على رسوله الصادق الأمين نبيّ الهدى، والداعي إلى سبيل ربّه بالحكمة الموعظة الحسنة، وعلى آله الطيبين، وصحبه المنتجبين، والعاقبة للمتّقين.

وبعد،

فإني في هذه السنين وجدت جِدّ المبشرين من النصارى واجتهادهم بالدعوة ونشر الكتب في جميع النواحي، مستمدين من نشاط أمّتهم في بذل الأموال الطائلة في هذا السبيل.

فحداني حب العلم إلى النظر في هذه الدعوة وهذه الكتب المنثورة كقطر المطر، لكي أرى قيمتها في هذا الجدّ وذاك النشاط;


وحصل لي من كتب المبشرين:

كتاب الهداية، بمجلّداته الأربعة المطبوعة في مصر بمعرفة المرسلين الأمريكان، كما هو مكتوب عليها.

وكتاب هاشم العربي.

وكتاب رحلة الغريب بن العجيب.

وكتاب ثمرة الأماني.

وحصل لي معها كتب العهدين، وهي:

كتب العهد القديم التي ينسبها اليهود والنصارى إلى الوحي الإلهي والنبوّات.

وكتب العهد الجديد التي ينسبها النصارى إلى الوحي الإلهي والنبوّات.

ومجموع العهدين يكون ستة وستّين كتاباً.

فأخذت بكلتا يديّ التحقيق والإنصاف، ومشيت بينهما جنباً لجنب، فتصفّحت كتب المبشرين، وأمعنت النظر في كتب العهدين، مرّة بعد مرّة، فاعترضني في ذلك مواقف موحشة، ومناظر مدهشة، فبعثني حبّ الخير للبشر، والتشرّف بخدمة الهدى والاستقامة، على أن أجرّد من كل صنّف من تلك المواقف والمناظر كُتيّباً صغيراً، أقدّمه لطالبي الاطلاع على أعمال البشر


والنظر في الأمور التاريخية وأحوال الإنسان.

وبدأت مما فيها بما يعود إلى الكذب، وسمّيت هذا الكتُيب المخصّص لذلك: أعاجيب الأكاذيب، فاقرأ فيه وتعجّب..



استلفات

هل يخفى على أحد ما في الكذب من المنقصة الخسيسة، والسقوط الرذيل، والوبال والخزي( وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى ) (١) .

قال الله تعالى في سورة النحل، في الآية الخامسة بعد المائة:( إِنّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ ) المعتادون بخيانتهم على الكذب وإن كنت لا تلتفت إلاّ إلى قليل من كذبهم وافترائهم.

وفي سورة الزمر، في الآية الثانية والثلاثين:( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمّن كَذَبَ عَلَى اللّهِ وَكَذّبَ بِالصّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ ) .

وفي الآية الستّين:( وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللّهِ وُجُوهُهُم مُسْوَدّةٌ ) .

____________________

١- سورة فصلت ٤١: ١٦. (م).


وفي التوراة الرائجة: ( لا تكذبوا )(١) وفي كتاب الأمثال لسليمان: (المتكلّم بالأكاذيب يهلك)(٢) ( كراهة الله شفتا كذب )(٣) .

وفي الإصحاح الثامن من إنجيل يوحنّا، في العدد الرابع والأربعين، في وصف إبليس، ما هذا نصّه: (لأنّه كذّاب وأبو الكذّاب ).

إذن فاقرأ - ويا للأسف - ما نذكره هنا في الأعداد من الأكاذيب المهولة الفظيعة، وانظر مصادرها الموحشة فيما ذكرنا من الكتب، وقد تركنا كثيراً من ذلك حبّاً للاختصار.

وها هي الأكاذيب المشار إليها في ضمن أعداد، فانظر واعتبر يا ذا الرشد والشرف..

____________________

١- لا [أي: سفر اللاويّين] ١٩: ١١.

٢- أم [أي: أمثال سليمان] ١٩: ٩.

٣- أم [أي: أمثال سليمان] ١٢ ٢٢.


(رد أكذوبة أنّ القرآن يقول:إن هارون عبد العجل)

في كتاب (ثمرة الأماني) المطبوع بالمطبعة الإنگليزية الأمريكانية ببولاق مصر سنة ١٩١١، قال في صحيفة ٧٩:

(إنّ القرآن يقول: إن هارون عَبَدَ العجلَ حينما كان أخوه موسى على الجبل) انتهى.

ويا للعجب! أين يقول القرآن ذلك؟! وأي قرآن يقول ذلك؟!

أليس القرآن يقول في الآية التسعين والحادية والتسعين من سورة طه:( وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ (١) مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنّ رَبّكُمُ الرّحْمنُ فَاتّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي. قَالُوا لَن نّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ ) .

فانظر كيف يبرّئ القرآن هارون من عبادة العجل والمساعدة عليها، واعرف مقدار التقحّم في الكذب في كتاب " ثمرة الأماني ".

____________________

١- أي: قال هارون لعبدة العجل.


ولعل الأيام قد خبّأت - لمصادمة الحقائق بالكذب - كتاباً آخر ينسب إلى التوراة ما ذكرناه من القرآن في براءة هارون من شرك العجل، وينسب بأمانته للقرآن ما ذكرته التوراة في سفر الخروج في الإصحاح الثاني والثلاثين، من العدد الأوّل إلى السابع، ما حاصله:

إن بني إسرائيل قالوا لهارون: اصنع لنا آلهة؛ فأخذ منهم أقراط الذهب وصنعها لهم عجلا مسبوكاً، فقالوا: هذه آلهتك يا إسرائيل؛ فلما رأى هارون إقبالهم على عبادة العجل بنى أمامه مذبحاً لعبادته بالقرابين والمحرّقات ونادى: غداً حجّ للرب، فبكّروا في الغد وأصعدوا في عبادة العجل محرّقات، وقدّموا ذبائح سلامة.


(رد أُكذوبة أن القرآن يقول:إنّ داود أخذ نعجة أخيه)

وقال أيضاً كتاب (ثمرة الأمانيّ) في صحيفة ٨٧:

( إنّا نقرأ في القرآن أنّ داود أخذ نعجة أخيه) انتهى.

ويا للعجب! أين يذكر القرآن ذلك؟!

وها هو القرآن يذكر مسألة النعجة بين الخصمين اللّذين اختصما إلى داود، فقال من الآية الحادية والعشرين إلى الثالثة والعشرين من سورة ص:( وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُا الْخَصْمِ إِذْ تَسَوّرُوا الْمِحْرَابَ. إِذْ دَخَلُوا عَلَى‏ دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لاَ تَخَفْ خَصْمانِ بَغَى‏ بَعْضُنَا عَلَى‏ بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقّ وَلاَ تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى‏ سَوَاءِ الصّرَاطِ. إِنّ هذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزّنِي فِي الْخِطَابِ ) .

فالقرآن يقول: إن أحد الخصمين سأل من الذي له نعجة واحدة أن يعطيها إيّاه، ولم يقل: إن أحد الخصمين أخذها؛ فكيف يقال: إنّا نقرأ في القرآن أن داود أخذ نعجة أخيه؟! فيا للعجب ما هو ذنب الصدق والأمانة؟!

وإنا نشكر كتاب (ثمرة الأماني) حيث لم ينسب للقرآن ما


ذكرته كتبهم التي ينسبونها إلى الوحي الإلهي كما في الإصحاح الحادي عشر من سفر صموئيل الثاني، إذ ذكر ما حاصله:

إن داود عشق امرأة أوريا الحثيّ المجاهد الناصح، وأتى بها وهو يعرف أنها محصنة وأمرأة أوريّا، فزنى بها وحملت منه، فأرسل على أوريا لكي يدخل على امرأته ويواقعها فيلتصق به ذلك الحمل الزنائي. ولكن أوريا ذلك المؤمن الكامل المجاهد، أبى أن يستريح إلى بيته مع أن المؤمنين في متاعب الجهاد، بل رجع إلى الجهاد فسعى داود في قتله، فقتل مجاهداً صابراً، فأخذ داود امرأته!!

حاشا أنبياء الله من ذلك.


(ردّ أُكذوبة أنّ القرآن يقول:إن إبراهيم كان عابد وثن)

وقال أيضاً كتاب (ثمرة الأمانيّ) صحيفة ٧٨، فيما ادّعى أنه يقرأ من القرآن:

(وإن إبراهيم كان عابد وثن) انتهى ويا للعجب! ولا عجب من بعض الناس، أين يذكر القرآن ذلك؟!

أو ليس قد تكرر في القرآن أن إبراهيم ما كان من المشركين، فانظر إلى سورة البقرة الآية ١٣٥(١) ، وآل عمران ٦٧ و٩٥(٢) ، والأنعام ١٦١(٣) ، والنحل ١٢٠ و ١٢٣(٤) .

____________________

١- ونصّها:( وَقَالُوا كُونُوا هُودَاً أَوْ نَصَارَى‏ تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) . (م).

٢- ونصهما:( مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلكِن كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) . و( قُلْ صَدَقَ اللّهُ فَاتّبِعُوا مِلّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) .(م).

٣- ونصها:( قُلْ إِنّنِي هَدَانِي رَبّي إِلَى‏ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) .

٤- ونصّهما:( إِنّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمّةً قَانِتاً للّهِ‏ِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) و( ثُمّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتّبِعْ مِلّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) .

وانظر: صفحة ١٢٥ في فصل: (ملحق من بعض ما تركناه) فهناك تتمة هذا الموضوع. (م).


(ردّ النهي عن الإكثار من ذكر الله وتسبيحه وتمجيده وتهليله)

وإن كتاب (ثمرة الأمالي) في صحيفة ٨٣ و٨٤ يعيب على المسلمين إكثارهم لذكر الله، وينسب إلى التوراة النهي عن تكرار اسم الله في عبادته، وتشبّث لذلك بقول بعض التراجم في العدد السابع من الإصحاح العشرين من سفر الخروج:

(لا تنطق باسم الله إلهك باطلا، لأن الله لا يبرّئ من نطق باسمه باطلا).

والترجمة الصحيحة هكذا: (لا تقصد اسم الله إلهك بسوء فإن الله لا يبرّئ من قصد اسمه بسوء).

ويا للعجب! هل في هذا الكلام نهي عن الإكثار من ذكر الله وتسبيحه وتمجيده وقول لا إله إلاّ الله؟! وهل ينسب ذلك إلى هذا الكلام إلاّ من يتعمّد الكذب؟ فلماذا يكّذب (ثمرة الأماليّ) على التوراة لغرضه الفاسد؟!


(ردّ مزعمة أن القرآن ودين الإسلام أُمور صبيانية وخرافات)

ويقول كتاب (ثمرة الأمانيّ) أيضاً في الصحيفة الثالثة معرضاً بالقرآن ودين الإسلام، زاعماً أنها:

(أمور صبيانية، وخرافات وضلالات منسدلة على أصل التوحيد، وملتفّة عليه منذ اثني عشر قرناً) انتهى.

ويا للعجب! أيها القارئ، هلّم واحضر العهد القديم والجديد والقرآن، لنقرؤها ونجعل الحكم للوجدان الحرّ، والتوحيد الحقيقي المعقول، والأخلاق الفاضلة، والمدنية، والتعاليم الكريمة ثمّ ننظر هل في القرآن خرافات صبيانية وضلالات؟!

نعم، فيه قوله تعالى في سورة النساء، الآية ١٧١:( وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنّمَا اللّهُ إِلهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ) وفي هذه الآية أنوار من الحقيقة ساطعة يعشو عنها التثليث البرهميّ والبوذي، وما هناك من أوهام الأقانيم وتجسد الإله وتعدد الآلهة والأرباب، ودع كتاب (ثمرة الأماني) يكذب على دين الإسلام ويفتري!


(كشف التلاعب والتحريف في التوراة العبرانية وزيادة لفظتي (أتى) و(أياماً) فيها)

وهذا هاشم العربي، في الصحيفة الحادية عشر من الطبعة الأولى، في تذييله المستقلّ لتعريبه لمقالة (سايل) في الإسلام... وهذا الغريب بن العجيب، في الصحيفة السابعة والتسعين من كتاب رحلته الحجازية; كلاهما قالا فيما أشرنا إليه من كتابيهما ما نصّه ولفظه:

(وأيضاً ورد في التكوين أن إسماعيل لمّا مات أبوه أتى فدفنه).

فهذان الداعيان إلى الديانة النصرانية قد زادا على التوراة لفظ (أتى) لكي يتشبثّا بهذه الزيادة الكاذبة لترويج غرض لهما فاسد، مع أن هذه الزيادة لا تساعدهما على غرضها!

وهل يخفى أن لفظ (أتى) لا يوجد في هذا المقام، ولا هو ولا ما في معناه، لا في التوراة العبرانية ولا في تراجمها!

وهذا نصّ الموجود في الأصل العبراني، في العدد الثامن والتاسع مع الإصحاح الخامس والعشرين من سفر التكوين، المسمى في العبرانية: ( برئشيت ): ( ويمت إبراهام بشيبه طوب


زقن وشبع وياسف آل عميو وبقبر واتّو يصحق ويشمعئل بنيوال معرت همكفلة) انتهى.

وترجمته الحرفية: (ومات إبراهيم بشيبة صالحة وشبعان وانضم إلى قومه وقبره إسحاق وإسماعيل ابناه في مغارة المكفلة).

ولعل القارئ يقول: إن كل الذي رأيناه من تراجم التوراة تقول في هذا المقام: ( شيخاً وشبعان أيّاماً ) مع أنه لا يوجد في الأصل العبراني ولا حواشيه لفظ (أيّاماً) فلماذا لا تجعل زيادة لفظ (أياماً) من الكذب العام على التوراة؟

فنقول: إنه يمكن أن تكون التراجم زادت لفظ (أيّاماً) من أجل سوء الفهم للتوراة، وقصداً لإصلاح خللها، ولم يفطن المترجمون إلى أن المعنى أن إبراهيم مات شيخاً وشبعان، أي مثرياً ليس بفقير..

ولعل القارئ يقول أيضاً: كيف يتصرّفون بتوراتهم بالإصلاح؟! فهل يقولون: إنها نزلت على موسى ناقصة معيبة وهم يصلحونها؟!!

فنقول: قد وقع منهم مثل هذا في كتب وحيهم كثيراً، وزادوا في التراجم على خصوص أسفار التوراة الخمسة مقدار ستين كلمة، وطبعت هذه الزيادات في بعض الطبعات بحرف صغير إشارة إلى زيادتها على الأصل...


ولعل القارئ يسأل ويقول: ما حال هذه الزيادات؟

فنقول: إنّ بعضها إصلاح لغلط التوراة العبرانية، وبعضها من الخطأ في فهم المعنى!


(الردّ على قول النصارى أنّ الله لما يبارك ويقدّس اليوم السابع)

وهذه الجمعية التبشيرية، جمعية كتاب ( الهداية ) الذي طبع على أجزائه أنه طبع بمعرفة المرسلين الأمريكان، قد قالت في الجزء الرابع من ( الهداية ) في صحيفة ١٧٤، في السطر الرابع ما لفظه ونصّه هكذا:

(إنّ الله لم يقل في التوراة: وبارك الله اليوم السابع وقدّسه).

ويا للعجب من هذا اللفيف من المبشرين والمرسلين الأمريكان كيف يقولون هكذا؟! وكيف يقتحمون هذا الاقتحام؟! وها هي توراتهم تصيح في سفر التكوين، في الأصحاح الثاني في العدد الثالث، وتقول ما نصّه: (وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل، فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل، وبارك الله اليوم السابع وقدّسه)!

ولعلّ القارئ يقول: هذا اللفيف من الجمعية والمرسلين الأمريكان كيف أنكروا وجود هذا الكلام في التوراة؟! وكيف كتبوا إنكارهم هذا وطبعوه ونشروه بالحماسة والافتخار؟!

فأقول: لعلهم يظنّون أنه ليس في المسلمين من ينظر إلى توراتهم فيفطن إلى هذا الاختلاس!


(ردّ أُكذوبة مراعاة القرآن الكريم للسجع دون الحقائق)

وقالت أيضاً جمعية كتاب (الهداية) المطبوع بمعرفة المرسلين الأمريكان، في الجزء الثاني من كتاب (الهداية) في الصحيفة الثانية والأربعين من الطبعة الثانية ما هذا لفظه:

( ثمّ إنّ مراعاة القرآن للسجع مقدّمة عنده على الحقائق، فقال: (قابيل) لأنه على وزن هابيل )!!!

ويا للعجب من عدم المبالاة! أين يوجد في القرآن لفظ (قابيل) ولفظ (هابيل)؟!

أليس الأطفال يعلمون أنه لا وجود لهذين اللفظين في القرآن الكريم؟!

لماذا يكون في المبشرين مثل هذا التقحم في الافتراء؟! أين شرف الإنسانية؟! أين مجد الروحانية؟! أين أدب الكتابة؟! ما هو ذنب الصدق والأمانة؟؟!

لماذا يكون مثل هذا من لفيف من الروحانين المبشرين؟! هل لمثل هذا المجد وهذه الأمانة بذلت لهم الأموال الطائلة؟!

أما إنّ الناس يوبّخون الأوباش إذا كذبوا في أُمورهم


الشخصية الدنيوية، فكيف تصدر هذه الأكاذيب الافترائية من المبشر الديني في الأُمور الدينية؟! فيا للأسف!


(الكشف عن أن الحواريّين نسخواأحكام التوراة العملية)

لا يخفى أن التوراة الرائجة - التي أتفق النصارى واليهود على أنها كتاب وحي الله وكلامه لرسوله موسى عليه السلام - قد جاء فيها أحكام كثيرة، وواجبات كثيرة، ومحرّمات كثيرة، مثل أحكام الكهنة والعشور والسبت والأعياد والذبائح، وأحكام النجاسة في الحيض والنفاس ومسّ الميت، ونجاسة المشركين وحرمة الأكل من ذبائحهم، وتنجيس كثير من الحيوانات والطيور وتحريم أكلها، وتحريم أكل الدم والمخنوق وما ذبح للأوثان، وغير ذلك.

فانظر إلى بعض ذلك في الإصحاح ٢٠ و ٢٢ و ٢٣ من سفر الخروج، و١١ و ١٢ من سفر اللاويّين، و ١٤ ١٥ من سفر التثنية.

كما لا يخفى من الأناجيل أن المسيح كان عاملاً بهذه الأحكام، ويأمر بالعمل بها وعدم نقضها، كما في الإصحاح الخامس من إنجيل متّى، في العدد السابع عشر إلى العشرين; ويوصي بحفظها، كما في الإصحاح الثالث والعشرين من إنجيل متّى، من العدد الأوّل إلى الثالث.

هذا، وقد جاء في العهد الجديد عن بطرس والتلاميذ وبولس إبطال شرائع التوراة، في تحريم الأكل لكثير من الحيوانات،


كما في الإصحاح العاشر من كتاب أعمال الرسل، من العدد الحادي عشر إلى السادس عشر; وفي الإصحاح الحادي عشر، من العدد الخامس إلى الحادي عشر!!

كما جاء عنهم أنهم لمجرّد الاستحسان وجلب الناس للانقياد إلى التنصّر، رفعوا أحكام التوراة، وتحريم ما هو محرم فيها إلاّ تحريم أربعة أشياء، تحريم الزنا، وأكل الدم، والمخنوق، وما ذبح للأوثان، كما في الإصحاح الخامس عشر من كتاب الأعمال، في العدد التاسع عشر إلى الثلاثين!

ثمّ جاء في الرسائل المنسوبة إلى بولس إباحة أكل الدم والمخنوق وما ذبح للأوثان، وجرى على ذلك عمل النصارى إلى الآن.

ومن جملة ما جاء، هو ما في الإصحاح الرابع من رسالة تيموثاوس الأولى، في العدد الرابع، وهو هكذا: ( لأنّ كلّ خليقة الله جيّدة، ولا يرفض شيء إذا أخذ مع الشكر ).

وفي الإصحاح الأوّل من رسال تيطس، في العدد الرابع عشر والخامس عشر: ( لا يصغون إلى خرافات يهودية ووصايا أُناس مرتدين على الحق، كل شيء طاهر للطاهرين ).

وفي الإصحاح الثاني من رسالة كولوسي، من العدد العشرين إلى الثالث والعشرين: ( تفرض عليكم فرائض: لا


تمسّ، ولا تذق، ولا تجسّ؛ التي هي جميعها للفناء ).

وفي الإصحاح الثاني أيضاً، في العدد السادس عشر: ( فلا يحكم عليكم أحد في أكل ولا شرب، أو من جهة عيد أو سبت أو هلال ).

وفي الإصحاح العاشر من رسالة كورنتوش الأولى، في العدد التاسع والعشرين والعدد الثلاثين، في إباحته لأكل ما يذبح للأوثان، يقول: ( لماذا يحكم في حرّيتي من ضمير آخر، أنا أتناول بشكر فلماذا يفترى عليّ لأجل ما أشكر عليه ).

أيها القارئ، ولأجل ما ذكرنا لك من التوراة وكتب العهد الجديد قال صاحب (إظهار الحق)(١) في مبحث النسخ جدلا للنصارى: (إن الحواريين نسخوا أحكام التوراة العملية غير الأربعة، وإن بولس نسخ حرمة الثلاثة منها: يعني: حرمة أكل الدم، والمخنوق، وما ذبح للأوثان.

وإن شئت أن تعجب فاعجب، فإن جمعية كتاب (الهداية) والمرسّلين الأمريكان - الذين طبع الكتاب بمعرفتهم - هذا

____________________

١- لرحمة الله بن خليل الرحمن الهندي، والكتاب عبارة عن مناظرة في مسألتي النسخ والتحريف جرت بين المؤلف وبين قسيس، طبع في إسلامبول سنتي ١٢٨٤ و١٣٠٥هـ، وفي مصر سنتي ١٣٠٩ و ١٣١٧ هـ.

انظر: معجم المطبوعات العربية والمعرّبة - ليوسف إليان سركيس - ١/٩٢٩، وفهرست مشار: ٦٨. (م).


اللفيف المقدس! قد أنكر ما ذكرناه عن العهدين وما ذكره (إظهار الحق) فطبعوا في الجزء الرابع من كتاب (الهداية) في الصحيفة المائة وثلاث وتسعين، في السطر الحادي والعشرين بعد أن ذكروا كلام (إظهار الحق) وقالوا بلا مبالاة: ( قلنا: هذا إفك مبين، فأتوا ببرهانكم إن كنتم من الصادقين )!

فماذا تقول لهؤلاء إذا أنكروا ما يقرؤه كل قارئ من كتب وحيهم؟!

فهل بقي نوع من الكذب يخجل الإنسان منه؟! وهل بقي نوع من المكابرات وإنكار الحق المحسوس ما يصدّ عنه شرف الإنسانية؟! وأمّا الورع والدين فيقرئانك السلام!!


(الكشف عن أن النصارى يضعّفون ويعيبون الشريعة الموسوية)

وجاء في الرسائل المنسوبة إلى بولس في توهين التوراة وأحكامها، في الإصحاح السابع من الرسالة إلى العبرانييّن، في العدد الثامن عشر ( والتاسع عشر ):

( فإنه يصير إبطال الوصية السابقة(١) من أجل ضعفها وعدم نفعها، إذ الناموس(٢) لم يكمّل شيئاً ).

وفي الإصحاح الثامن، في العدد السابع: (فإنّه لو كان ذلك الأوّل بلا عيب لما طلب موضع لثان ).

وفي الإصحاح الرابع من الرسالة إلى أهل غلاطية، في العدد التاسع والعاشر والحادي عشر، في صرف أنظار الغلاطيّين عن أحكام التوراة: ( فكيف ترجعون أيضاً إلى الأركان الضعيفة الفقيرة التي تريدون أن تستعبدوا لها من جديد؟! أتحفظون أيّاماً وشهوراً وأوقاتاً وسنين؟! أخاف عليكم أن أكون قد تعبت فيكم عبثاً! ).

____________________

١- يعني التوراة.

٢- وهو التوراة.


أيها القارئ، وقد قرأت ما ذكرناه لك في العدد السابق ما هو في الإصحاح الأوّل من رسالة تيطس(١) ، وفي الإصحاح الثاني من رسالة كولوسي(٢) .

ولكن، قالت جمعية كتاب (الهداية) المطبوع بمعرفة المرسّلين الأمريكان، في الجزء الأوّل من الطبعة الثانية، في صحيفة ٢٧٣، ما لفظه ونصّه هكذا: ( قلنا: إنّ الرسول بولس لم يقل: إن الشريعة الموسوية ضعيفة معيبة غير نافعة ).

ولا يخفى عليك أن هؤلاء، وكل النصارى، يقولون: إن الرسائل المنسوبة إلى بولس في العهد الجديد كلّها من قول بولس، فقل: إذن فمن ذا هو الذي قال الأقوال التي ذكرناها من رسائل بولس؟! ولماذا يكون من هذا اللفيف التبشيري مثل هذا الجحود الكاذب، بمثل هذا الكذب الذي لا يخفى على كل من يقرأ في الكتب؟!!

____________________

١ و ٢- راجع صفحة ٧٧. (م).


(الردّ على افترائهم على الرسول الأكرم محمد(صلى الله عليه وآله)بزواجه من امرأة ابنه المزعوم)

وأيضاً، إن جمعية كتاب ( الهداية ) المطبوع بمعرفة المرسّلين الأمريكان، قد كثر افتراؤهم على رسول الله صلى الله عليه وآله، وأفحشوا في الجرأة!!

ولنذكر بعض افترائهم المتكرّر، ونشير إلى جرأتهم الفاحشة، بالإشارة إلى محلها، لئلاّ تتدنّس الأوراق بذلك البذاء القبيح!!

فقالوا في الجزء الرابع، صحيفة ١٦٩:

( وماذا نقول فيمن ادّعى أن الله أجاز له أن يتخذ امرأة ابنه زوجة، وجعل ذلك قانوناً، ويا حبّذا لو نسخ هذا القانون، لأنه يسوغ الاقتران بزوجة الابن ).

وقال أيضاً في الجزء الثالث، صحيفة ٤٨ في قصّة تزوّجه صلى الله عليه وآله بزينب بنت جحش، ما هذا لفظه: ( وحاشا لله أن يسوغ للناس نكاح نساء أولادهم ).

وقالوا في الجزء الأوّل، صحيفة ٦٦، في العنوان، ما هذا لفظه: ( تزوّجه امرأة ابنه )...


وقالوا أيضاً في الصحيفة المذكورة: ( نعم، إنّ داود وقع في خطيئة الزنا، ولكن يوجد فرق جسيم بين الأمرين، فإن داود لم يأخذ امرأة ابنه ) انتهى.

وانظر في الكلمات المذكورة في الصحائف المشار إليها، وأعجب من جرأتهم القبيحة على قدس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، زيادة على ما ذكرناه من الافتراء المتكرر.

وقد توافقوا في هذه الجرأة وهذا الافتراء مع هاشم العربي في صحيفة ٦٥ من الطبعة الأولى لتذييله لمقالة (سايل) في الإسلام!

هذا، وإن الغافل من الاورباويّين والأمريكيّين وغيرهم ليغتّر بسمعه التبشير والمبشرين فيحب أن يسأل أن هذا الابن - الذي يذكره هذا اللفيف من المبشرين والكاتبين - هل هو ابن رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وولده البكر، أو هو المتوسط، أو الصغير؟! وهل أُمه خديجة أو غيرها من أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟!

ويا ليتهم يعلمون أن هذا الذي يذكر المبشرون أنه ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وولده، ويلهجون بذلك، إنما هو زيد بن حارثة، وهو عبد اشتراه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وجاء أبوه حارثة فخيّره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين المكث عنده وبين الرجوع مع أبيه، فاختار المقام عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فجزاه رسول الله صلى الله


عليه وآله وسلم بالعتق وزيادة البرّ والرأفة; فصار الناس يدعونه زيد بن محمد، مع أنهم يعلمون أنه عبده.

وإن جمعية الهداية والمرسلين الأمريكان والشرقيين في أجيالهم ليعرفون ذلك، ولكن المبشرين حملتهم بواعثهم أن يكذبوا ويقولوا مكرّراً أنه ابن رسول الله وولده، لكي يقوموا بحقّ القداسة والأمانة في التبشير، ولكن (لكلّ امرئ من دهره ما تعوّدا)(١) .

____________________

١- صدر بيت للمتنبّي، وتمامه:

...................................

وعاداتُ سيف الدولة الطعن في العِدا

انظر: ديوان المتنبّي ٢/٢٨١. (م).


(الردّ على مزعمة النصارى أن الله لم يعط اليهود أحكاماً صالحة)

وجاء في الإصحاح الثامن عشر من سفر اللاويّين، في العدد الخامس، عن قول الله لبني إسرائيل في تمجيد شريعة التوراة والأمر بحفظ أحكامها:

( فتحفظون فرائضي وأحكامي التي إذا فعلها الإنسان يحيا بها ).

وفي الإصحاح الرابع من سفر التثنية، في العدد الثامن: ( أي شعب هو عظيم له فرائض وأحكام عادلة مثل هذه الشريعة التي أنا واضع أمامكم ).

وفي المزور المائة والتاسع عشر، في العدد الثالث والتسعين: (إلى الدهر لا أنسى وصاياك لأنك بها أحييتني).

وفي الإصحاح العشرين من كتاب حزقيال، في العدد الحادي عشر، عن قول الله في شأن اليهود: (وأعطيتهم فرائضي وأحكامي التي إن عملها الإنسان يحيا ).

ونحوه في العدد الثالث عشر والحادي والعشرين.

وفي الإصحاح التاسع من كتاب نحميا، في العدد الثالث


عشر: ( وأعطيتهم أحكاماً مستقيمة، وشرائع صادقة، وفرائض ووصايا صالحة ).

وفي الإصحاح الثاني من كتاب ملاخي، في العدد الخامس، عن قول الله في تمجيد شريعة موسى عليه السلام: ( كان معه للسلام والحياة ).

فهذه كتب وحيهم تقول: إن شريعة موسى صالحة وعادلة للسلام والحياة، إذا عملها الإنسان يحيا بها.

ولكن عبد المسيح الكندي في رسالته(١) وجرجي سايل في مقالته في الإسلام، صحيفة ٢٢٦ من الطبعة الأولى، قالا ما هذا لفظه: ( إن الله تساهل مع اليهود فأعطاهم أحكاماً غير صالحة وفرائض لا يحيون بها ).

ولا يخفى عليك أن الذي ذكرناه من كتب وحيهم ليشهد بأن الكلام المنسوب لعبد المسيح وجرجي سايل إنما هو كذب وافتراء على الله وعلى شريعته، ودع عنك شهادة العقل وجلال الله على ذلك، تعالى الله عما يقولون.

دع هؤلاء، ولكن انظر وتحيّر واندهش من كتب العهدين

____________________

١- في صحيفة ١١٠ من رسالته المطبوعة مع رسالة عبد الله الهاشمي، في إحدى طبعاتها سنة ١٩١٢، في المطبعة الإنگليزية الأمريكانية بالقاهرة.


التي ينسبونها إلى الوحي الإلهيّ، ويدعون الناس إلى اتباعها!

انظر إلى هذه الكتب وما فيها من نسبة الكذب إلى من يزعمون أنهم أنبياء ورسل الله، مع زعمهم أن تلك الكتب المشتملة على الكذب هي كتب وحي إلهي!

فانظر كيف تنسب الكذب والتحريف إلى أنبياء الله ورسله الهداة المقدّسين، فتلوّث قدسهم برذيلة الكذب وخسة الافتراء والمخادعة.. أو تنسب الكذب والافتراء إلى من تزعم أنهم أنبياء ومرسلون، وأن المشتمل على الكذب هو كتاب وحي إلهي...

ويا ليت هذه الكتب لم تتعدّ إلى قدس الله وجلاله، وماذا يفيد التمنّي؟! وها هي الكتب المذكورة قد أفرطت في الجرأة، فنسبت الكذب والخداع والتعليم بالكذب إلى جلال الله، تعالى عمّا يقولون.


(ردّ مزعمة أن الله قال لعيسى: أنت ابني،أنا اليوم ولدتك)

هذا بولس الذي يعدّه النصارى من كبار الرسل الموحى إليهم; وعلى تعليمه اعتمادهم في النصرانية، وينسبون إليه كتاباً ورسائل يجعلونها من الوحي الإلهي؛ يذكر عنه في الإصحاح الثالث عشر من كتاب أعمال الرسل، في العدد الثالث والثلاثين، أنه قال هكذا:

( إذ أقام يسوع كما هو مكتوب في المزمور الثاني: أنت ابني، أنا اليوم ولدتك ).

ولا يخفى على القارئ أنّ هذه العبارة جاءت في العدد السابع من المزمور الثاني من قول داود، هكذا: ( أخبر الحقّ، الله قال لي: ابني أنت، أنا اليوم ولتك ) فداود يخبر في وحي المزامير أن الله قال هذا الكلام له، يعني أنه منحه النبوة والوحي؛ ولأجل ما حصل لحياته من مجد النبوة والوحي كان ذلك اليوم كأنه يوم ولادته، بل هو اللائق بأن يعدّ أوّل أيام حياته.

فيا للعجب من الانتهاب العلنيّ! هب أنّا فرضنا أنّ هذا الكلام غير صريح في كونه خطاياً لداود، ولكن متى كانت لعيسى ولادة حينما أوحي المزمور الثاني لداود؟! أليست ولادة عيسى من


مريم متأخرة عن وحي المزامير بأكثر من ألف سنة؟! وأن ولادته النبوية متأخرة أيضاً عن ولادته من مريم بثلاثين سنة على ما تقوله الأناجيل؟! فمن أين يكون كلام المزمور الثاني مقولا في المسيح؟!!

وجاء في رسالة العبرانيين، في الإصحاح الخامس، في العدد الخامس، ما نصّه: ( كذلك المسيح لم يمجّد نفسه ليصير رئيس كهنة، بل الذي قال له: أنت ابني، أنا اليوم ولدتك ).

وإن كاتب الرسالة يريد بذلك ما ذكرناه عن المزمور الثاني لكي يحتجّ به على اليهود.. وقد عرفت الكذب في انتهاب ذلك من داود للمسيح!

ولم تكتف رسالة العبرانيّين بهذا الانتهاب، بل قالت في الإصحاح الأول، في العدد الخامس، في الاحتجاج على اليهود لمجد المسيح وتفضيله على الملائكة بما جاء في كتبهم في العهد القديم، وهذا نصّ ما قالته: ( لمن من الملائكة قال فيما مضى: أنت ابني، أنا اليوم ولدتك؛ وأيضاً: أنا أكون له أباً، وهو يكون لي ابناً ).

فأما قول الرسالة إنّ قوله: (أنت ابني، وأنا اليوم ولدتك ) قد قيل في المسيح، فقد عرفت أنه كذب وانتهاب وغصب لحقّ داود وما قيل فيه.

وأما دعوى الرسالة أنه قيل في المسيح أيضاً في العهد القديم:


( أنا أكون له أباً، وهو يكون لي ابناً ) فهو أيضاً كذب وانتهاب من سليمان!

فقد تكرّر في نقل العهد القديم أن الله قال هذا القول في شأن سليمان بن داود، وهذا نصّه في الإصحاح الثامن والعشرين من أخبار الأيّام الأول، في العدد السادس من قول داود عن وحي الله: ( وقال لي: إن سليمان ابنك هو يبني بيتي ودياري، لأني أخترته لي ابناً، وأنا أكون له أباً ).

وفي الإصحاح الثاني والعشرين من أخبار الأيام الأول أيضاً، من العدد السابع إلى الحادي عشر، في خطاب داود مع سليمان بكلام الله لداود في شأن سليمان، هكذا: (لأنّ اسمه يكون سليمان، فأجعل سلاماً وسكينة في إسرائيل في أيامه، هو يبني بيتاً لاسمي، وهو يكون لي ابناً، وأنا له أباً ).

ونحو هذا أيضاً جاء في الإصحاح السابع من سفر صموئيل الثاني، من العدد الثاني إلى الخامس عشر.

فراجع المقامات المذكورة تجد هذا الكلام صريحاً في شأن سليمان وبنائه لبيت المقدس.

ويا للعجب - مع هذه التصريحات - كيف يجترئ أحد من الناس وينتهب هذا الكلام من سليمان، ويجعله مقولا في المسيح عيسى بن مريم؟!


فأين ومتى تكون الأمانة والاجتناب عن الكذب والانتهاب؟!!


(ردّ مزعمة أن بولس وأهل كورنتوش لا يموتون)

في الإصحاح الخامس عشر من رسالة كورنتوش الأولى، في العدد الحادي والخمسين والثاني والخمسين، بعد ذكر قيامة الأموات، جاء عن قول بولس ووحيه ما هذا نصّه:

( هو ذا سرّ أقوله لكم، لا نرقد كلّنا (أو: كلّنا لا نرقد) في لحظة في طرفة عين عند البوق الأخير، فإنه سيبوّق ويقام الأموات عديمي فساد ونحن نتغيّر ).

والمراد: لا نموت كلّنا، أو: كلّنا لا نموت، كما تشهد به التراجم بغير العربية.

ويا للعجب! أين صار هذا الوعد السرّي الغيبي الذي قاله بولس بالوحي لأهل كورنتوش؟!

أليس قد مات بولس وأهل كورنتوش ورقدوا في مضاجع الأموات، وطحنهم البلى، ومضى على موتهم أكثر من ألف وثمان مائة سنة؟!

فيا للأسف على هذا الوعد والسرّ الغيبي الصادر عن الوحي!!


(ردّ مزعمة أن بولس وأهل تسالونيكي لا يموتون)

وفي الإصحاح الرابع من رسالة تسالونيكي الأولى، من أول العدد الخامس عشر إلى الثامن عشر، جاء ما هذا نصّه:

( فإنّا نقول لكم هذا بكلمة الربّ: إننا نحن الأحياء الباقين إلى مجيء الربّ، لا نسبق الراقدين، لأن الرب نفسه بهتاف بصوت رئيس ملائكة وبوق الله سوف ينزل من السماء، والأموات في المسيح سيقومون، ثم نحن الأحياء الباقين سنخطف جميعاً معهم في السحب لملاقاة الربّ في الهواء ).

ويا للأسف لأهل تسالونيكي وبولس! أي حيّ منهم بقي إلى مجيء المسيح وقيامة الأموات؟!

وأين الأحياء الباقون لكي يخطفون في السحب مع الأموات القائمين من الموت في القيامة؟!

نعم، ها هو بولس وأهل تسالونيكي، قد اختطفهم الموت بقبور البلا، فدُرِست رممهم؛ وها هم منذ ثمانية عشر قرناً إلى الآن يختطفهم الموت إلى البِلى والاندراس!

فيا للأسف على هذا القول المقول بكلمة الربّ، بل يا


للأسف لكلمة الله وشرفها إذ تلوّث بهذه الأقوال التي يظهر حالها بعد قليل من الزمان!


(الكشف عن أن بطرس يكذب ويرائي في دينه)

وفي الإصحاح الثاني من الرسالة إلى أهل غلاطية، من العدد الحادي عشر إلى نهاية الثالث عشر، عن قول بولس ما نصّه:

(ولمّا أتى بطرس إلى أنطاكية قاومته مواجهة، لأنه كان ملوماً، لأنه قبلما أتى قوم من عند يعقوب كان يأكل مع الأمم(١) ولكن لمّا أتوا كان يؤخر ويفرز نفسه(٢) ، وراءى معه اليهود أيضاً، حتى أن برنابا انقاد إلى ريائهم ) انتهى.

ويا للأسف إذا كان بطرس - خليفة المسيح عندهم - يكذب ويرائي في دينه!! وحاشاه.

____________________

١- أي: على خلاف شريعة التوراة. لأن الأمم كانوا وثنيّين.

٢- أي: يرائي ويظهر أنه يتنجس من الأمم ولا يأكل معهم.


(ردّ مزعمة أن يعقوب وجميع المشايخ أمروا بولس أن يرائي)

وفي الإصحاح الحادي والعشرين من كتاب أعمال الرسل، من العدد الثامن عشر إلى السابع والعشرين، ما حاصله:

إن يعقوب وجميع المشايخ(١) أمروا بولس أن يرائي ويعمل بأحكام التوراة رياءً لليهود وتمويهاً، لإبطال المشايخ والتلاميذ لشريعة التوراة.

فانظر هذا المقام من كتاب أعمال الرسل، ويا للأسف!!

____________________

١- يعني تلاميذ المسيح ورؤساء الديانة المسيحية.


(الكشف عن أن بولس استعمل الرياء وختن تيموثاوس)

وفي الإصحاح السادس عشر من كتاب أعمال الرسل، من العدد الأول إلى الرابع ما حاصله:

إن بولس استعمل الرياء وختن تيموثاوس على خلاف تعليمه، لكي يرائي ويظهر كذباً أنه يعمل بأحكام التوراة وخصوص الختان!


(الكشف عن أن بولس كذب وخالف وعده للمسيح)

تذكر الأناجيل أنه لما قبض اليهود على المسيح وأخذوه إلى رئيس الكهنة، تبعه بطرس، فقال بعض اليهود: إنّ هذا(١) من أصحاب المسيح؛ فأنكر بطرس بقسم قائلا: لست أعرف الرجل(٢) ...

ثم قيل له ثانياً، فابتدأ يلعن ويحلف: إني لا أعرف هذا الرجل..

وتقول الأناجيل: إن المسيح أنذره في تلك الليلة وأخبره بأنه ينكره ثلاث مرات، فقال له بطرس: ولو اضطررت إلى أن أموت معك لا أنكرك..

فانظر إلى ذلك في الإصحاح السادس والعشرين من إنجيل متّى في العدد ٣٤ و ٣٥ و٦٩ إلى آخر الإصحاح المذكور، وانظر إلى الإصحاح الرابع عشر من مرقس.

وليت كاتب الإنجيل يخبرنا صريحاً أنه لمن صار

____________________

١- يعني بطرس.

٢- يعني المسيح.


بطرس يلعن؟! ويا للعجب كيف صار بطرس هذا الرجل الكبير يحلف كذباً؟! وكيف خالف وعده للمسيح؟! أفلا تحاشى بطرس من ذلك؟!

دع هذا، ولكن هلّم الخطب فيما تنسبه الأناجيل من الكذب والتحريف إلى قدس المسيح!


(الردّ على مزعمة أن المسيح من المتنبّئين الكذبة)

في الإصحاح الثاني عشر من إنجيل متّى، في العدد الثامن والثلاثين إلى الحادي والأربعين، عن قول المسيح ما هذا نصّه:

( وقال(١) لهم: جيل شرير يطلب آية ولا تعطي له آية، إلاّ آية يونان النبيّ(٢) لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال، هكذا يكون ابن الإنسان(٣) في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال ).

والمراد: أن معجزته أن يموت ويدفن في القبر، ويبقى فيه ميتاً ثلاثة أيّام وثلاث ليال، ثم بعدها يحيا ويقوم من الموت ويخرج من القبر...

هذا، ولكن الأناجيل تكذّب هذا الخبر، وتصرّح بأنه عند المساء من يوم الجمعة - الذي يسمّيه اليهود يوم الاستعداد للسبت - جاء رجل وطلب جثّة المسيح من الحاكم، ودفنه ليلة السبت.

____________________

١- يعني المسيح.

٢- أي: يونس بن متّى.

٣- يعني نفسه.


وفي يوم الأحد قبل الفجر، جاءت مريم المجدليّة ومريم الأخرى، فوجدتا المسيح قد قام من الأموات وخرج من القبر!

فانظر إلى أواخر الإصحاح السابع والعشرين، وأوائل الثامن والعشرين من إنجيل متّى.

وإلى أواخر الإصحاح الخامس عشر، وأوائل السادس عشر من إنجيل مرقس.

وإلى أواخر الإصحاح الثالث والعشرين، وأوائل الرابع والعشرين من إنجيل لوقا.

وإلى آخر الإصحاح التاسع عشر، وأوّل العشرين من إنجيل يوحنا.

وحاصل الأمر: أنّ الأناجيل قد اتفقت على أنّ المسيح لم يبق في قلب الأرض إلاّ سواء ليلتين: ليلة السبت وليلة الأحد، مع بياض يوم واحد وهو يوم السبت.. فأين تكون الثلاثة أيام والثلاث ليالي؟!

وهل تدري ماذا فعلت الأناجيل في هذا المقام في قدس المسيح؟!

فإنها جعلت المسيح - وحاشاه - بحكم التوراة وعلامتها، وصيّرته من المتنبّئين الكذبة، الذي يقتلون لأجل كذبهم بطغيانهم على الله.


فإنّ التوراة تقوم عن كلام الله لموسى في الإصحاح الثامن عشر من سفر التثنية، من العدد العشرين إلى آخر الإصحاح، وتصرّح بما نصه: ( وأما النبيّ الذي يطغى فيتكلم باسمي كلاماً لم أوصه أن يتكلم به، أو الذي يتكلّم باسم آلهة أخرى، فذلك النبي يقتل، وإن قلت في قلبك: كيف نعرف الكلام الذي لم يتكلم به الله؛ فما تكلم به النبي باسم الله ولم يحدث ولم يصر فهو الكلام الذي لم يتكلم به الله، بل بطغيان تكلم به النبيّ )!

فالأناجيل تقول: إن المسيح أخبرنا باسم الله - في إعطائه للآية - أنه يبقى في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليالي؛ وتقول أيضاً: إنه لم يبق في بطن الأرض إلاّ بياض يوم واحد وسواد ليلتين!

وحاصل ذلك: أنه لم يقع ما أخبر به باسم الله، بل وقع خلافه، فيجري عليه ما أعطته التوراة من العلامة الموافقة لحكم العقل لكذب المتنبّئ!


(الردّ على افتراء تعدد الآلهة في الإنجيل)

جاء في المزمور الثاني والثمانين في توبيخ قضاة الجور، الذين يراعون وجوه الأشرار ما نصّه:

( حتى متى تقضون جوراً وترفعون وجوه الأشرار؟! إقضوا للذليل ولليتيم، أنصفوا المسكين والفقير، نجّوا الذليل والمسكين من يد الأشرار، لا يعلمون ولا يفهمون، في الظلمة يتمشون، تتزعزع كل أُسس الأرض؛ أنا قلت: إنّكم آلهة وبنو العليّ كلكم؟! لكن مثل الناس تموتون، وكأحد الرؤساء تهلكون، قم يا الله فاقض على الأرض ).

ومعناه: أيها القضاة الجائرون، الذين لا يعلمون ولا يفهمون، وفي الظلمة يتمشّون، ماذا غرّكم؟! وبماذا أمنتم بطش الله؟! هل أنا قلت: إنكم آلهة وبنو العلي كلّكم، فأمنتم بذلك من سخطي وزوال النعمة وحسرة الموت؟! لكن لا تغترّوا بالحياة، فإنكم مثل الناس تموتون، ولا تغرّنكم الرئاسة، فإنكم كأحد الرؤساء تهلكون..

ولا يخفى أن كل من يفهم الكلام يفهم ما ذكرناه من المزمور المذكور.


لكن جاء في الإصحاح العاشر من إنجيل يوحنا، في العدد الثالث والثلاثين إلى السادس والثلاثين، في مكالمة اليهود مع المسيح أنهم قالوا له: ( فإنك وأنت إنسان تجعل نفسك إلهاً؟! أجابهم يسوع: أليس مكتوب في ناموسكم أنا قلت: إنكم آلهة. إن قال آلهة لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله، ولا يمكن أن ينقض المكتوب، فالذي قدّسه الأب وأرسله إلى العام أتقولون له: إنك تكفر، لأنّي قلت: إنّي ابن الله؟! ).

ولا يخفى أن الكلام المذكور في إنجيل يوحنا قد افترى على الحقيقة بدعوى تعدد الآلهة: وافترى على المزمور المتقدّم بحمل كلامه على الإخبار بأن قضاة الجور آلهة، مع أنه مسوق للإنكار والتوبيخ؛ وافترى أيضاً بوصف قضاة الجور بأنهم صارت إليهم كلمة الله، أي نزل عليهم الوحي، مع أن المزمور المذكور يصفهم بقضاة الجور، وأنهم لا يفهمون ولا يعلمون، وفي الظلمة يتمشون.

ويا للعجب من كلام هذا الإنجيل! فإنّه في افترائه بتعدد الآلهة يقول: لا يمكن أن ينقض المكتوب، أي لا يمكن أن يخالف؛ فإذن فلماذا خالف ما هو مكتوب مكرّراً في التوراة، وباقي كتب العهدين، من توحيد الإله، والنهي عن الشرك، وذكر اسم آلهة غير الله؟!!

أفلا تنظر إلى هذا الكلام كم حوى في الافتراء والشرك والغلط؟!


(الردّ على افتراء أنّ المسيح قال: قال الربّ لربّي)

في الإصحاح الثاني والعشرين من إنجيل متّى، من العدد الثاني والأربعين إلى السادس والأربعين؛ وفي الإصحاح الثاني عشر من إنجيل مرقس، من العدد الخامس والثلاثين إلى الثامن والثلاثين؛ وفي الإصحاح العشرين من لوقا، من العدد الحادي والأربعين إلى الخامس والأربعين، ما نصه من الأناجيل الثلاثة:

( قال يسوع: كيف يقولون: إنّ المسيح ابن داود، وداود نفسه يقول: بالروح القدس في كتاب المزامير قال الربّ لربّي: اجلس عن يميني حتى أجعل أعداءك موطئاً لقدميك، فإذا كان داود يدعوه ربّا فكيف يكون ابنه؟! ).

وهذه الأناجيل الثلاثة تنسب إلى المسيح الكذب على المزامير والتحريف لها، فإنه ليس في الأصل العبراني ما معناه: ( قال الرب لربّي ) وليس فيه تكرار لفظ (الربّ) وإنما الموجود في المزمور العاشر بعد المائة ما تعريبه: ( وحي الله لسيّدي ) ولفظه في الأصل العبراني هكذا: ( نأم يهوه لأدناي )... فإنّ (أدناي) بمعنى (سيدي).


فيا للأسف لوقوع هذا الكذب وهذا التحريف، وأشنع من ذلك أنه وقع هذا الكذب وهذا التحريف لأجل غرض فاسد إشراكىّ وثنيّ، وهو القول بتعدّد الأرباب وجعل البشر ربّاً!!


(الردّ على افتراء أنّ داود قال: قال الربّ لربّي)

ولم يكتف العهد الجديد بنسبة الأناجيل لقدس المسيح هذا الكذب وهذا التحريف الوثنيّ، بل جاء مثل ذلك في كتاب أعمال الرسل، ونسب مثل هذا الكذب والتحريف لبطرس، فذكر في الإصحاح الثاني، في العدد الرابع والثلاثين عن قول بطرس ما هذا نصّه:

( لأن داود لم يصعد إلى السماوات وهو يقول: قال الربّ لربّي: اجلس عن يميني )!


( الردّ على مزعمة الأناجيل أنّ المسيح أنكر كونه ابن داود)

جاء في الإصحاح الأول من إنجيل لوقا، في العدد الحادي والثلاثين والثاني والثلاثين، عن قول جبرئيل لمريم أُمّ المسيح:

( وها أنت ستسحبلين وتلدين ابناً وتسمّينه يسوع(١) هكذا يكون عظيماً، وابن العليّ يدعى، ويعطيه الله الإله كرسيّ داود أبيه )..

وذكر إنجيل متّى نسب المسيح في الإصحاح الأول وقال: ( كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود ) ثم ذكر داود في سلسلة النسب!!..

وجاء في الإصحاح الثاني من كتاب أعمال الرسل، في العدد التاسع والعشرين والثلاثين، عن قول بطرس ما حاصله: أن الله حلف بقسم لداود أنه من ثمرة صلبه يقيم المسيح ليجلس على كرسيّه...

وفي الإصحاح الثالث عشر، في العدد الثاني والعشرين والثالث والعشرين، عن قول بولس ما حاصله: أنه من نسل

____________________

١- أي: عيسى.


داود أقام الله لإسرائيل مخلّصاً يسوع(١) ..

وجاء في الإصحاح الأول من الرسالة إلى رومية، في العدد الأوّل والثاني (والثالث)، ما حاصله: أن عيسى المسيح صار من نسل داود...

وجاء في الإصحاح الثاني من الرسالة الثانية إلى تيموثاوس، في العدد الثامن، عن قول بولس: ( أُذكر يسوع المسيح المقام من الأموات من نسل داود ).

هذا، وقد تقدّم في الكذب الثاني والعشرين(٢) عن ثلاثة من أناجيلهم أنها تذكر أن المسيح أنكر كونه ابن داود وقال: كيف يكون ابنه؟! وذكرنا لك هنا عن أربعة من كبار أنبيائهم ورسلهم، وخمسة من كتب وحيهم، صراحتها بأنّ المسيح عيسى هو ابن داود، فانظر وقل: من هو الكاذب؟! وأين يكون الكذب في هذه المتناقضات؟!! وكم كذبة كبيرة صدرت؟!!

____________________

١- أي: عيسى.

٢- راجع ص ١٠٥. (م).


(الردّ على مزعمة الأناجيل أنّ المسيح يكذب على تلاميذه)

في الإصحاح السابع من إنجيل يوحنّا، من العدد الثاني إلى الحادي عشر، ما حاصله:

أن المسيح كان في الجليل، وكان الوقت قريباً من عيد المظالّ، فقال له إخوته أن يذهب إلى اليهوديّة(١) لكي يرى تلاميذه أعماله، فقال لهم المسيح: اصعدوا أنتم إلى هذا العيد، أنا لست أصعد بعد إلى هذا العيد، قال لهم هذا ومكث في الجليل، ولما كان إخوته قد صعدوا صعد هو أيضاً إلى العيد.

فكيف يكون الكذب مع قول القائل: لا أصعد بعد إلى هذا العيد، ثم يصعد؟!!

____________________

١- أي: بلاد بيت المقدس.


(الردّ على نسبة الأناجيل الكذب إلى المسيح ويحيى)

وفي الإصحاح الحادي عشر من إنجيل متّى، في العدد الرابع عشر، عن المسيح في شأن يوحنّا المعمدان(١) ما هذا نصه:

( وإن أردتم أن تقبلوا فهذا إيليّا المزمع أن يأتي ).

وفي الإصحاح الأوّل من إنجيل يوحنا، في العدد الحادي والعشرين، أن رؤساء اليهود سألوا من يوحنّا وقالوا له: ( إيليّا أنت؟ فقال: لست أنا ).

وينتج من هذين الإنجيلين: إما نسبة الكذب إلى المسيح - وحاشاه - بقوله: إنّ يوحنّا(٢) هو إيليّا المزمع أن يأتي؛ وإما نسبة الكذب إلى يوحنا - وحاشاه - بقوله: لست أنا إيليّا.

ولنكتف بهذا المقدار من نسبة الكذب إلى الأنبياء في العهد الجديد وننتقل إلى العهد القديم.

____________________

١- أي: يحيى بن زكريّا.

٢- أي: يحيى بن زكريّا.


(الردّ على نسبة الكذب إلى اليسع النبيّ)

جاء في سفر الملوك الثاني، في الإصحاح الثامن، في العدد السابع إلى آخر العاشر ما حاصله:

أنّ بنهدد ملك آرام(١) كان مريضاً فأمر حزائيل أن يسأل من اليسع النبيّ عن شفائه فسأله.. ونصّ العدد العاشر هكذا: ( فقال له اليسع: اذهب وقل له شفاء تشفى، وقد أراني الله أنه موتاً يموت ).

فنسبت كتبهم إلى اليسع النبيّ أنه كذب على خلاف ما أخبره الله به!

____________________

١- أي: مملكة دمشق.


( الردّ على نسبة الكذب إلى يعقوب على أبيه إسحاق)

وجاء في التوراة الرائجة، في الإصحاح السابع والعشرين من سفر التكوين (ما حاصله):

أنّ إسحاق لمّا شاخ وذهب بصره قال لابنه عيسو: أخرج وتصيّد صيداً، واصنع لي أطعمة كما أحبّ لكي آكل، حتى تباركك نفسي؛ فذهب عيسو إلى الصيد.

وكانت رفقة أمّ عيسو ويعقوب سمعت كلام إسحاق مع عيسو، وكانت تحب يعقوب، فأرادت أن تسرق ليعقوب بركة الله من إسحاق، فقالت ليعقوب: خذ من الغنم جديين من المعزى فاصنعهما أطعمة لأبيك كما يحب، لكي يباركك؛ فقال يعقوب: كيف ينخدع أبي وعيسو رجل أشعر وأنا أملس؟!

فأخذت رفقة ثياب عيسو وألبستها ليعقوب، وألبست يديه وملاسة عنقه من جلود الجديين، وأعطته الأطعمة، فدخل يعقوب إلى أبيه وقال: أنا عيسو، بكرك! قد فعلت كما كلّمتني! كُل من صيدي!

فتقدّم يعقوب لإسحاق، وجسّه إسحاق، فقال: الصوت صوت يعقوب، ولكن اليدين يدا عيسو! وقال له: هل


أنت ابني عيسو؟! فقال يعقوب: أنا هو!

فقدّم له الطعام فأكل، وأحضر له خمراً فشرب، وباركه ببركة الله، وأعطاه الرئاسة والسيادة.

فقل: كم كذبة تدوّي في هذا الكلام بالخديعة والغشّ!! ويا للعجب أن بركة الله كيف تؤخذ من نبيّ الله بهذا الكذب والخداع! يأخذها بذلك من يكون بهذه البركة نبيّ الله وإسرائيل الله، عجباً عجباً للرشد والعقول!!


(الكشف عن الكفر في كتاب (أرميا) )

تعالوا واسمعوا الداهية الكبرى، والخرافة الشنعاء، والكفر العظيم، وانظروا في كتاب ( إرميا ) الذي يعدّونه من كتب الوحي إلى الأنبياء الكبار، فقد جاء في الإصحاح الرابع، في العدد العاشر، ما نصّه:

( فقلت: أه يا سيّدي الله، حقّاً إنّك خداعاً خادعت هذا الشعب وأورشليم قائلا: يكون سلام؛ وقد بلغ السيف النفس ) انتهى.

فأعجب واندهش يا من له رشد، وقل: كيف يكون الكفر؟!!


(الكشف عن كذب التوراة بنسبة الكذب إلى الله تعالى على آدم)

وأدهى وأشنع من ذلك أنه جاء في سفر التكوين من التوراة، في ابتداء كتب وحيهم، في الإصحاح الثاني، في العدد السادس عشر والسابع عشر، ما هذا نصّه:

( وأوصى الله الآلهة(١) آدم قائلا: من جميع شجر الجنة تأكل أكلا، وأما شجرة معرفة الحسن والقبيح فلا تأكل منها، لأنك يوم تأكل منها موتاً وتموت ) انتهى.

ثم جاء في الإصحاح الثالث، من أوله إلى العدد الثامن، ما حاصله:

إن الحيّة (وفي الإصحاح العشرين من رؤيا يوحنّا، في العدد الثاني، أن الحيّة القديمة هو الذي يسمّى إبليس والشيطان) فهذه الحية أو إبليس جاءت فقالت لحواء امرأة آدم: أحقّاً قال الله: لا تأكلا من كل شجر الجنّة؟!

فقالت حواء: من ثمر شجر الجنة نأكل، وأما ثمر الشجرة

____________________

١- في الأصل العبراني (ألهيم) معناه: (الآلهة) ويترجمونه تمويهاً: (الإله) ويا للعجب!!


التي في وسط الجنة فقال الله: لا تأكلا منه ولا تمسّاه لئلا تموتا.

فقالت الحيّة لحوّاء: لا تموتان، بل الله عالم بأنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما، وتكونان كالله عارفين للحسن والقبيح!

فأكل آدم وحواء من الشجرة فانفتحت أعينهما بمعرفة الحسن والقبيح، وعلما أنّهما عريانان.

وفي العدد الثاني والعشرين من هذا الإصحاح ما نصّه:

( وقال الله الآلهة(١) : هو ذا آدم صار كواحد منّا، عارفاً للحسن والقبيح، والآن يمدّ يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضاً ويأكل ويحيا إلى الأبد، فأخرجه الله الآلهة(٢) من الجنة وأقام على شجرة الحياة حراسة ومحافظة ) انتهى.

فانظر إلى هذه التوراة التي تقول: إن الشيطان أو الحية قد صدقت ونصحت في قولها، ووقع الأمر على ما قلت، فلم يمت آدم يوم أكله من الشجرة، بل فاز بمعرفة الحسن والقبيح، وصار كالله وكواحد من الآلهة، وظهر من ذلك أن قول الله لآدم: ( يوم تأكل من الشجرة موتاً تموت ) لم يكن صدقاً، بل كان

____________________

١- في الأصل العبراني (ألهيم) معناه: (الآلهة) ويترجمونه تمويهاً: (الإله) ويا للعجب!!

٢- في الأصل العبراني (ألهيم) معناه: (الآلهة) ويترجمونه تمويهاً: (الإله) ويا للعجب!!


خديعة ومحاذرة لئلاّ يكون آدم كواحد من الآلهة، الذين منهم الله!!

غفرانك اللهمّ من ذكر هذه الكلمات، فإنك تعلم أني أردت بها تنبيه البعض من عبادك من رقدة الضلال.


(الردّ على مزعمة العهد القديم أن الله جل وتقدّس شأنه يعلّم بالكذب)

وأيضاً تكرّر في العهد القديم أنّ الله جل وتقدّس شأنه يعلّم بالكذب ليكون وسيلة لما يريده.

فقد جاء في سفر الملوك الأول، في الإصحاح الثاني والعشرين، من العدد الرابع عشر إلى الثالث والعشرين؛ وفي سفر الأيام الثاني، في الإصحاح الثامن عشر، من العدد الثالث عشر إلى الثاني والعشرين ما حاصله:

أن ميخا بن يملة نبي الله، أرسل إليه يهوشافاط ملك يهوذا وأخاب ملك إسرائيل لكي يسألاه عمّا يقول الله في حربهما لملك دمشق؟ وأنهما هل يغلبانه كما قال أنبياء أخاب؟

فحلف ميخا وقال: حيّ هو الله، إنّ كل ما يقوله لي الله به أتكلّم.

فسأله الملك قائلا: يا ميخا، هل نصعد للقتال؟

فقال ميخا له: اصعد وافلح، فيدفع الله بلاد الأعداء ليدك.

فتحقق منه الملك؛ فقال ميخا: اسمع إذن كلام الله، قد


رأيت الله جالساً على كرسيّه، وكل جند السماء وقوف عن يمينه ويساره، فقال الله: من يغوي أخاب لكي يصعد إلى الحرب ويسقط؛ فاختلفت الآراء في المشورة، فقال هذا هكذا، وقال ذاك هكذا، ثم خرج الروح ووقف أمام الله وقال: أنا أغويه؛ فقال له الله: بماذا؟ فقال: أخرج وأكون روح كذب في أفواه جميع أنبيائه؛ فقال الله: أنت تغويه وتقدر، فاخرج وافعل هكذا! انتهى.

ويحصل من هذا أن ميخا في أوّل الأمر كذب في قوله: (اصعد وافلح وتفتح ) على خلاف ما رآه من مجلس الله للمشورة!

دع ميخا، فإن كذبه يهون بالنسبة لما بعده! ولكن تعال وانظر في حكاية مجلس الله وما حاصله، واستغفر الله أن الله عقد مجلس المشورة العامّ لأجل الاهتداء إلى الحيلة في إغواء أخاب، ولكن أهل المجلس لم يهتدوا للحيلة حتى جاء الروح وتعهّد بإغوائه بالكذب بلسان الأنبياء، فاستحسن الله هذا الرأي ورضي بهذه الكرامة لقدسه وقدرته، وللروح وللأنبياء! ووجّه الروح إلى هذه الوظيفة، فعمل الروح ونجح في إغوائه!

ولكن ميخا النبي أراد أن يبطل الفائدة لهذه المشورة، حيث شهر هذا المجلس السرّي وإرسال الروح في مأموريته الخفيّة؛ ومع ذلك فقد نجح الروح، وحصل ما هو


المقصود من مجلس المشورة!

تعالى الله عمّا يقولون علوّاً كبيراً.


(الكشف عن مزعمة التوراة بنسبة الكذب إلى موسى وهارون)

جاء في سفر الخروج من التوراة، في الإصحاح الثالث، من العدد الثالث إلى آخر السابع عشر ما حاصله:

إن الله كلّم موسى في جبل حوريب حينما كان موسى يرعى الغنم وحده، فقال الله له: قد رأيت مذلّة بني إسرائيل فنزلت لأنقذهم من أيدي المصرّيين، وأصعدهم من تلك الأرض إلى أرض جيّدة وواسعة تفيض لبناً وعسلا، إلى مكان الكنعانيّين والحثيّين والأموريّين والفرزّيين والحويّين واليبوسيّين، وأعطى موسى علامة على أنه أرسله، وهو أنه حينما يخرجون من مصر يعبدون الله على جبل حوريب الذي هو جزء من جبل سينا.

ولا يخفى أن الأمكنة المذكورة إذا قسناها إلى منازل بني إسرائيل في رعمسيس من أرض مصر، فإن أقربها إليهم يبعد عنهم نحو طريق سبعة أيام أو ثمانية بالسير الحثيث، سيّما إذا كان السائرون مشاة مع عيالاتهم وأطفالهم وغنمهم؛ وإن المسافة إلى أواسط الأمكنة المذكورة تبلغ طريق اثني عشر يوماً؛ وإلى أطرافها تبلغ طريق خمسة عشر يوماً!

وأيضاً أن حوريب يبعد عن منازل بني إسرائيل في مصر


بطريق ثمانية أيام أو أكثر، والتوراة تقول: إنّ بني إسرائيل قطعوه بثلاثة عشر منزلا في أكثر من شهرين، كما يعرف ذلك من الإصحاح التاسع عشر من سفر الخروج، والثالث والثلاثين من سفر العدد.

فإذا عرفت أن وعد الله لموسى هو إخراجهم إلى أرض فلسطين وشرقي الأردن، وعرفت المسافات التي ذكرناها، فاعلم أن التوراة تذكر أيضاً في الإصحاح الثالث، في العدد الثامن عشر، على أثر الكلام المتقدّم ذكره، أنّ الله قال لموسى ما نصّه: ( فإذا سمعوا لقولك(١) تدخل أنت وشيوخ بني إسرائيل إلى ملك مصر وتقولون له: إله العبرانيّين التقانا، فالآن نمضي طريق ثلاثة أيام ونذبح لله إلهنا ).

وإذا عرفت أنّ الله قد كلّم هذا الكلام موسى وحده في حوريب ولم يلق شيوخ بني إسرائيل فكيف يقول لموسى: ( تدخل أنت وشيوخ بني إسرائيل إلى ملك مصر وتقولون له: إله العبرانيّين التقانا ).. متى التقى الله شيوخ بني إسرائيل؟!

وإذا عرفت أن وعد الله لموسى هو إدخال العبارانيّين إلى أرض فلسطين، وعرفت المسافات المذكورة، فكيف يأمر الله موسى وبني إسرائيل أن يكذبوا ويقولوا: ( نمضي طريق ثلاثة أيام )؟!

____________________

١- يعني بني إسرائيل.


مع أن التوراة ذكرت في الإصحاح الثالث والثلاثين من سفر العدد، في العدد الثامن، أن ما بين معبر بني إسرائيل من البحر وبين (مارّة) هو طريق ثلاثة أيام، ولا يخفى أنه لا يزيد على العشرين فرسخاً، فأين يكون طريق الثلاثة أيام، فيما يزيد على الثمانين فرسخاً، إلى أن يبلغ في أرض فلسطين وعبر الأردن نحو مائة وخمسين فرسخاً؟! فيا للعجب!!

أفليست هذه التوراة تقول: إنّ الله افتتح إرساله إلى موسى بالتعليم بالكذب الصريح مرّتين؟!

وتقول التوراة في الإصحاح الخامس من سفر الخروج، في العدد الثالث: إن موسى وهارون قالا لفرعون: إنّ إله العبرانيّين التقانا، فنذهب طريق ثلاثة أيام في البرّية، ونذبح للربّ إلهنا لئلاّ يصيبنا بالوباء أو بالسيف ).

فتقول التوراة: إن موسى عمل بالتعليم بالكذب بطريق الثلاثة أيام وزاد من عنده قوله: لئلاّ يصيبنا بالوباء أو بالسيف؛ وكذا هارون، مع أن الله لم يلتقه حينما أمر موسى بالذهاب إلى فرعون!!


( ملحق من بعض ما تركناه )

قال عبد الله الهاشمي(١) في صحيفة ١٢، في ذكر إبراهيم النبي عليه السلام: ( ملّة أبينا إبراهيم، فإنه كان حنيفاً مسلماً ) وذكر في صحيفة ٦ قول الله تعالى في سورة آل عمران:( مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلكِن كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (٢) .

فقال عبد المسيح، صحيفة ٣٠: إن إبراهيم إنما كان نازلا بحرّان مع آبائه تسعين سنة، لم يعبد إلاّ الصنم المسمّى بالعزّى.

ثم قال: فكان إبراهيم يعبد الصنم حنيفاً مع آبائه وأجداده وأهل بلده، كما أقررت به أنت أيها الحنيف وشهدت به، إلى أن

____________________

١- هو عبد الله بن إسماعيل الهاشمي، من أعلام القرن الرابع الهجري، أرسل رسالة إلى عبد المسيح بن إسحاق الكندي يدعوه بها إلى الإسلام، طبعت في لندن سنة ١٨٨٥م، وفي مصر ١٩١٠م، ومرّات أخرى في مطبعة النيل الإنگليزية.

انظر معجم المطبوعات العربية والمعرّبة - ليوسف إليان سركيس - ٢/١٨٨٩. (م).

٢- سورة آل عمران ٣: ٦٧. (م).


تجلّى الله له.

ثم قال: لأنّا نجد الحنيفيّة في كتب الله المنزلة اسماً لعبادة الأصنام.

فليت شعري من أين ينسب عبادة الأصنام لإبراهيم ولم يجئ لهذا ذكر في توراته ولا كتب وحيه؟!

وأما قوله: ( إن إبراهيم إنما كان نازلا بحرّان مع آبائه تسعين سنة، لم يعبد إلاّ الصنم المسمّى بالعزّى ).. فإنه قد اشتمل على أكاذيب عديدة:

١- إنّ توراتهم تكذّب قوله هذا، فإنها تذكر في أواخر الإصحاح الحادي عشر من سفر التكوين أن إبراهيم كان ساكناً في أرض ميلاده، أور الكلدانيّين فيما بين النهرين(١) وبقي فيها إلى أن تزوّج وهو أخوه الأصغر منه هاران، وولد لهاران ولده لوط، ثم خرج من أور الكلدانيين ليذهبوا إلى أرض كنعان فأتى إلى حاران.. فأين نزوله تسعين سنة مع آبائه في حاران؟!

وأيضاً في الإصحاح الثاني عشر من التكوين، في العدد الرابع: أن إبراهيم لما خرج من حاران وأتى إلى أرض كنعان كان عمره خمساً وسبعين سنة.. فأين تكون التسعين سنة في حاران؟!

____________________

١- أي: دجلة والفرات، والمظنون أنه يكون في مثل نواحي ذي قار (المگيّر).


وبمقتضى دلالة التوراة وتواريخهم: أن إبراهيم لم يسكن في حاران إلاّ سنين قليلة؛ وتواريخهم المعلّقة على توراتهم تذكر أن خروجه من بلاده - أرض الكلدانيّين - كان سنة ١٩٢٣ قبل المسيح، وخروجه من حاران كان سنة ١٩٢١ قبل المسيح، فيكون مكثه في حاران سنتين.. فأين التسعون سنة؟!

٢- إن إبراهيم لم يكن له آباء وأجداد في حاران.

٣- إن عبد الله الهاشمي لم يعترف ولم يشهد بأن إبراهيم كان عابد وثن، وإنما ذكر من القرآن الكريم أنه كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين، فما هذه الأكاذيب المتتابعة؟!

وأيضاً، أين عبد المسيح عن مقدّسه كتاب العهد الجديد؟ فإنه يذكر في أعمال الرسل، في الإصحاح السابع، في العدد الثاني: أنّ الله ظهر لإبراهيم وهو فيما بين النهرين قبلما سكن في حاران، وأمره بالخروج إلى الأرض التي يريه الله إيّاها وهي أرض كنعان، فخرج بأمر الله ووحيه.

فإبراهيم دخل حاران وسكن فيها وهو نبي موحى إليه.. فأين تكون عبادته للأصنام في حاران؟!

هب أن في الكذب للكاذب شرفاً وديناً، ولكن ما ذنب إبراهيم مع عبد المسيح - الشخصي أو النوعي - حتى يرمي قُدسه بعبادة الأصنام، ويكذب عليه بهتاناً وزوراً؟!


ومن الظرائف قول عبد المسيح: لأنّا نجد الحنيفيّة في كتب الله المنزلة اسماً لعبادة الأصنام!

وياللعجب! هذه الكتب التي يزعم عبد المسيح وأصحابه أنها منزلة من الله بين أيدينا، وليضمّوا إليها أيضاً ما رفضته المجامع، وما رفضه البروتستنت من كتبهم، ويرونا أين يوجد فيها أن الحنيفية اسم لعبادة الأصنام؟!

أفلا يعلمون أن في المسلمين من قرأ كتبهم حرفاً حرفاً؟! ولكن ماذا نقول؟!!

لا تنتهي الأنفسُ عن غيِّها

ما لم يكن منها لها زاجر


أيها القارئ، ما هو حالك في الدهشة والأسف عن الصدق والأمانة والشرف والاستقامة والدين؟!!

هب أن الناس يتسامحون في الكذب في الأمور الدنيوية ومعاملات المعيشة، ولكن الدايانة المطلوب بها الهدى والصلاح والاستقامة كيف يُبنى أمرها على الكذب الصريح المتسلسل من رجال الدعوة إلى الدين، ومن الكتب المنسوبة إلى الوحي الإلهي؟!

فأين الشرف والأمانة والصلاح؟! وأين الدين والتقوى؟! وما هذه الجرأة على قدس الرسل والأنبياء والصالحين؟!

وما هذه الجرأة القبيحة على جلال الله وقدسه؟!!

ويا للعجب المدهش من أناس يدعوننا بمثل ما ذكرناه من الكذب، إلى مثل ما ذكرناه من الكذب والجرأة على جلال الله وقدسه!! ويا للأسف!

وحسبنا الله ونعم الوكيل، وسبحان ربّك ربّ العزّة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

سنة ١٣٤٥


الفهرس

مقدمة المركز: ٥

(رد أكذوبة أنّ القرآن يقول:إن هارون عبد العجل) ١٥

(رد أُكذوبة أن القرآن يقول:إنّ داود أخذ نعجة أخيه) ١٧

(ردّ أُكذوبة أنّ القرآن يقول:إن إبراهيم كان عابد وثن) ١٩

(ردّ النهي عن الإكثار من ذكر الله وتسبيحه وتمجيده وتهليله) ٢٠

(ردّ مزعمة أن القرآن ودين الإسلام أُمور صبيانية وخرافات) ٢١

(كشف التلاعب والتحريف في التوراة العبرانية وزيادة لفظتي (أتى) و(أياماً) فيها) ٢٢

(الردّ على قول النصارى أنّ الله لما يبارك ويقدّس اليوم السابع) ٢٥

(ردّ أُكذوبة مراعاة القرآن الكريم للسجع دون الحقائق) ٢٦

(الكشف عن أن الحواريّين نسخواأحكام التوراة العملية) ٢٨

(الكشف عن أن النصارى يضعّفون ويعيبون الشريعة الموسوية) ٣٢

(الردّ على افترائهم على الرسول الأكرم محمد(صلى الله عليه وآله)بزواجه من امرأة ابنه المزعوم) ٣٤

(الردّ على مزعمة النصارى أن الله لم يعط اليهود أحكاماً صالحة) ٣٧

(ردّ مزعمة أن الله قال لعيسى: أنت ابني،أنا اليوم ولدتك) ٤٠

(ردّ مزعمة أن بولس وأهل كورنتوش لا يموتون) ٤٤

(ردّ مزعمة أن بولس وأهل تسالونيكي لا يموتون) ٤٥

(الكشف عن أن بطرس يكذب ويرائي في دينه) ٤٧

(ردّ مزعمة أن يعقوب وجميع المشايخ أمروا بولس أن يرائي) ٤٨

(الكشف عن أن بولس استعمل الرياء وختن تيموثاوس) ٤٩

(الكشف عن أن بولس كذب وخالف وعده للمسيح) ٥٠

(الردّ على مزعمة أن المسيح من المتنبّئين الكذبة) ٥٢

(الردّ على افتراء تعدد الآلهة في الإنجيل) ٥٥


(الردّ على افتراء أنّ المسيح قال: قال الربّ لربّي) ٥٧

(الردّ على افتراء أنّ داود قال: قال الربّ لربّي) ٥٩

( الردّ على مزعمة الأناجيل أنّ المسيح أنكر كونه ابن داود) ٦٠

(الردّ على مزعمة الأناجيل أنّ المسيح يكذب على تلاميذه) ٦٢

(الردّ على نسبة الأناجيل الكذب إلى المسيح ويحيى) ٦٣

(الردّ على نسبة الكذب إلى اليسع النبيّ) ٦٤

( الردّ على نسبة الكذب إلى يعقوب على أبيه إسحاق) ٦٥

(الكشف عن الكفر في كتاب (أرميا) ) ٦٧

(الكشف عن كذب التوراة بنسبة الكذب إلى الله تعالى على آدم) ٦٨

(الردّ على مزعمة العهد القديم أن الله جل وتقدّس شأنه يعلّم بالكذب) ٧١

(الكشف عن مزعمة التوراة بنسبة الكذب إلى موسى وهارون) ٧٤

( ملحق من بعض ما تركناه ) ٧٧


أعاجيب الأكاذيب في رد النصارى

أعاجيب الأكاذيب في رد النصارى

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: محمد جواد البلاغي
تصنيف: أديان وفرق
الصفحات: 83