شبابنا ومشاكلهم الروحية

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: السيد كامل الهاشمي
كتب الأخلاق

شبابنا ومشاكلهم الرّوحية

السيد كامل الهاشمي

دار القرآن الكريم


- اسم الكتاب: شبابنا ومشاكلهم الروحيّة.

- تأليف: السيّد كامل الهاشمي.

- الناشر: دار القرآن الكريم.

- الصفّ والإخراج الفني الكمبيوتري: دار القرآن الكريم.

- الفلم والألواح الحساسة: حميد - قم.

- تعداد: ٢٠٠٠ نسخة.

- التاريخ: ٢٧ / رجب / ١٤١٣ هـ.

حقوق الطبع والنشر محفوظة لدار القرآن الكريم - قم


فهرست الكتاب

المقدّمة: ٥

الكلمة الأولى: تحليل دوافع النزوع الرّوحي عند الشباب وبيان حد الاعتدال الذي لا يصح للشاب تجاوزه      ١٠

الكلمة الثانية: نقد وتوجيه لمظاهر النزوع الروحي عند الشباب............................ ٢٢

الكلمة الثالثة: تصحيح الدوافع الخاطئة في التوجه الروحي عند الشباب  ٣٢

الكلمة الرابعة: حقائق لابدّ أن يعيها الشباب في سيرهم التكاملي  ٤٢

الكلمة الخامسة: حقائق مهمّة للشباب عن عالم الغيب وقضايا الرّوح  ٥٢


النقطة الأولى: ضرورة الإيمان بالغيب  ٥٤

النقطة الثانية: حقيقة العالم الغيبي  ٥٧

النقطة الثالثة: حقيقة الاتصال بالعالم الغيبي وصوره  ٦٦

النقطة الرابعة: مخاطر الاتصال بالعالم الغيبي  ٨١

الكلمة السادسة: الشباب وعلم العرفان والقراءات الرّوحية والغيبية  ٨٥

الكلمة السابعة: الشباب وعالم الأحلام والرؤى  ٩٥

النقطة الأولى: حقيقة الرؤى والمنامات  ٩٩

النقطة الثانية: حقيقة عالم المثال ١١٠

النقطة الثالثة: عوامل صواب الرؤيا وخطئها  ١١٦

النقطة الرابعة: حاجة الرؤيا إلى التعبير  ١٢٨

النقطة الخامسة: الموقف العملي من الرؤيا  ١٣٤

النقطة السادسة: شبابنا والموقف من الرؤيا في قضية المهدي (عليه السلام) ١٤٢

الخاتمة: ١٥٠

مصادر الكتاب: ١٥٣


بسم الله الرّحمن الرّحيم

المقدمة

أخي الشاب المسلم كتابي هذا الّذي بين يديك هو نتاج شاب مسلم مثلك، وربما يكبرك في العمر وربّما يصغرك! إلاّ أنه يعيش معك مرحلة الشباب بكلّ همومها ومعاناتها وآلامها وآمالها، نعيش معاً نستلهم من ماضينا الرسالي الإسلامي ثباتاً وقوةَ، ومن حاضرنا معاناة تدفعنا للحركة وتطرد عنا السكون، ومن مستقبلنا الموعود أملاً لا نعرف معه اليأس والقنوط.

أخي الشاب المسلم أكتب إليك كتابي هذا لا لتقرأه في أوقات الفراغ لتملأ به فراغاً تستشعره، ولا في أوقات الملل لتطرد به مللاّ تستبطنه، وإنّما أريدك أن تقرأه كما تقرأ مشروع عمل يطالبك بالنهوض والسعي لتغيير واقعك وواقع أمتك المسلمة مشروع عمل يطالبك بتوفير كلّ مستلزمات النهضة ومتطلبات الحركة مشروع


عمل يقدم لك صفحات لوقت العمل لا صفحات لأوقات الفراغ.

فكلّنا يعي تمام الوعي ويدرك تمام الإدراك القيمة الكبيرة التي يوليها كلّ مجتمع لشبابه؛ إذ أن المجتمع - أيّ مجتمع كان - إنّما يعقد أماله ويعلّق طموحاته على هِمم شبابه وسواعدهم، وبكلمة مختصرة: إن حياة المجتمع تقاس بحيوية شبابه واندفاعهم في ميادين الحياة المختلفة، يفكِّرون ويغيِّرون ويبنون، وإذا ما قدر لأمة ما أن تموت هِمم شبابها وتضعف سواعدهم فإن الأمة سرعان ما تنطفئ شمعة عمرها وتذبل زهرة حياتها.

والأمة التي تفكِّر في النهوض وتسعى إليه هي الأمة التي تفكر أوّل ما تفكر في شبابها وتؤسس الطرق التي من خلالها تتمكن أن تستثمر طاقات وقدرات شبابها أفضل استثمار وأحسنه. وتُناقِضُ حركةُ النهوض ومقتضياته تلك الأمة التي لا تفكِّر في شبابها ولا تسعى لتأسيس قواعد نهضتها على سواعد شبابها، أو تجعل الاهتمام بشؤون شبابها ومشاكلهم في آخر اهتماماتها وأولويات حركتها وانطلاقتها.

وممّا لا ينبغي السكوت عنه ولا يصح التغافل عنه هو طريقة التعامل التي تعتمدها مجتمعاتنا الإسلامية مع شبابها، فهم لا يعطون الاهتمام الكافي، لا على مستوى التفكير بصورة جدية ومتعمّقة في واقعهم، ولا على مستوى التأسيس العملي لمجالات الإنماء والاستثمار لقدراتهم المخزونة وطاقاتهم المودعة في ذواتهم.

إن مجتمعاتنا الإسلامية متهمة - لحد اليوم - بأنّها تفرِّط في


شبابها، ولا أحد يدرك هذا التفريط تمام الإدراك ويستشعره كلّ الاستشعار إلاّ الشباب أنفسهم، فهم يستشعرون الحاجة إلى الموجِّه والمرشد، ويرغبون في من يأخذ بأيديهم إلى الطريق الصحيح، ويتمنون التعامل مع من يحترم عقولهم ويقدِّر أحاسيسهم ويعايش مشاكلهم الصغيرة والكبيرة، ويبحث لهم ومعهم عن حل لمصاعب الحياة الاجتماعية والأخلاقية والروحية، وهي المصاعب التي تضغط على الشاب بشكل كبير في هذه المرحلة الحساسة من حياته.

ولكن الشاب في أكثر الأحيان لا يجد من يقرأ المشكلة التي يعانيها في وجهه قبل أن يضطر الشاب إلى الإفصاح عن مشكلته ومعاناته، ولذا لا يجد الشاب بداً من كتمان مشكلته النفسية أو الروحية أو الاجتماعية أو حتى السياسية، ويبدأ في معالجة مشكلته بنفسه بما يمتلك من خبرات قليلة وأفكار مبتدئة لم تُنضجها تجارب الحياة بعد، ولم تنمّيها حصيلة العمر والفكر بالقدر الكافي للتغلب على مشاكل الحياة المتنوّعة. وفي هذا النوع من الحل الذاتي الّذي يسعى الشاب من خلاله لحلّ مشاكله بنفسه يواجه الشاب في غالب الأحيان إخفاقات وانتكاسات قد لا يراها هو كذلك ويحسبها بشكل من الأشكال حلاً لمشكلته، ولكنها سرعان ما تظهر بصورة سلبية على حركاته وسكناته، وهذه الصورة السلبية التي تعكس تأثيراتها على حركة الشاب وسكونه هي التي تكشف لنا في وقت متأخر أن الشاب قد كان يعاني مشكلة ما لم نستطع الوقوف عليها في بداية نشوئها.


وقد يصاب الشاب بإحباط أكبر حينما يضطر لسبب أو آخر لعرض مشكلته الخاصة والإفصاح عنها إلى من يثق فيه ويعتقد أنه سيدلّه على طريق الحلّ، ولكنه يصدم بالطريقة الباردة التي يتعامل بها الطرف الآخر مع مشكلة الشاب.

وممّا يؤسف له كل الأسف أنّنا حينما هبّت رياح التغيير الفكري والثقافي والعقيدي على مجتمعاتنا الإسلامية بسبب حركة الصحوة الإسلامية المعاصرة التي تركت بصماتها واضحة على سلوك شبابنا المسلم وطريقة تفكيرهم في كلّ أرجاء العالم الإسلامي وحتى خارج هذا العالم، لم نتوقع أن شبابنا سيواجهون مشاكل وإثارات مستجدة هي إفرازات طبيعية لابد من نشوئها نتيجة التغير المفاجئ والقفزة النوعية في حركة الشاب العملية ونظرته الفكرية والعقيدية. ولذا لم نبادر إلى استباق المشكلة التي يفترض أن الشاب المسلم سيواجهها ويعانيها، بالتفكير في بلورة حلّ متكامل وشامل لمشاكل شبابنا في مرحلة ما بعد الصحوة وهكذا قدر للمشاكل والصعاب المختلفة أن يواجهها شبابنا في مرحلة النهوض من دون استعداد مسبق للتغلب عليها ومجاوزتها، وكان من الطبيعي حينئذٍ أن يصعب على كثير من شبابنا المسلم أن لا يقع ضحية هذه الإثارات والمشاكل التي لم يعهدها من قبل في حياته ولو على مستوى القراءة والإطلاع.

وأهم تلك المشاكل التي واجهها وما زال يواجهها شبابنا المسلم في الوقت الراهن هي المشاكل الرّوحية التي ترتبط من قريب أو بعيد


بقضايا غيبية وما وراء طبيعية، ويمكننا أن نعتبر هذه المشاكل؛ بالنظر إلى أثارها الفردية والاجتماعية والدينية والدنيوية التي تلازمها، من أخطر المشاكل الحياتية التي يواجهها الشاب المسلم على الإطلاق.

ومن الواضح أنّ المشاكل الرّوحية لا تبرز في حياة شبابنا كقضايا فكرية يراد معالجتها على ضوء ما تثيره من إشكالات عقلية فلسفية، بل إنها تبرز وتنمو كقضايا نفسية ترتبط أشد الارتباط بالبعد الوجداني الروحي عند الإنسان، وعلى هذا الأساس تتحول المشاكل الروحية عند شبابنا المسلم إلى مشاكل وأزمات نفسية، يُهدِّد أي خطأ في التعامل معها بتحوّل الشاب إلى مريض نفساني يصعب علاجه وربّما استحال.

وإدراكي لخطورة المشاكل الروحية على شخصيات شبابنا المسلم في حاضرهم ومستقبلهم هو الّذي دفعني لمحاولة التعرّف على هذه المشاكل والإلمام بها ومن ثم محاولة معالجتها، فكان هذا الكتاب الّذي أرجو من الله سبحانه أن ينفع به شبابنا وأن يعرِّفهم من خلاله أن الإسلام دين الإنسان السليم في فكره وروحه وعمله وجميع شؤونه.


الكلمة الأولى:

تحليل دوافع النزوع الروحي عند الشباب وبيان حد الاعتدال الذي لا يصح للشاب تجاوزه

مما لا ينبغي التأكيد عليه هو القول بأن الإنسان منذ اللحظة الأُولى التي يعي فيها عالم الحياة ويبدأ بالتفاعل مع ما يحيط به من أشياء وموجودات يستثيره كل الاستثارة التعرّف على عالم الغيب، وبعبارة أخرى: التعرّف على غير ما يبصره ويسمعه ويدركه بصورة مباشرة.

وهذا النزوع لمعرفة ما وراء عالم الطبيعة والحس يتعمق بصورة أكبر وشكل أوسع في نفسية الفرد الذي ينشأ وينمو في بيئة دينية متمسكة بمفاهيم الدين وأعرافه، وإنْ كان الواقع يثبت أن النزوع الروحي يولد مع كل إنسان وهو مغروس في فطرته، غاية الأمر أن هناك عوامل ذاتية وموضوعية تؤثر في تنميته وتوجيهه، أو تؤثر في تخفيف حدّته وحرفه عن وجهته.

وهناك بعض النفوس التي تمتاز بدرجة عالية من الرغبة في التعرّف على ما وراء الطبيعة والظواهر والارتباط بعالم الغيب بصورة مباشرة، ولا يهمُّنا البحث في الدوافع الخاصة التي تدفع بعض النفوس البشرية للتفاعل والتعامل مع القضايا الغيبية بمستوى يفوق المستوى المتعارف


بين عامة الناس في الاهتمام بالقضايا الغيبية، ولكن ما نريد قوله هو: إن الإنسان كلما أزداد تمسكه بالدين وتعلّقه به كلما ازداد تعلقه بعالم الغيب وما وراء الحس، وربّما أثّرت بعض الأمور والأحداث التي يمر بها الفرد، ولا سيَّما الشاب، في رفع حدة التفاعل بينه وبين عالم الغيب، ولا سيَّما حينما تترك الأحداث آثاراً نفسية قوية في شخصية الفرد وقرارة نفسه، وربما يُقدَّر لهذه الآثار أن تتحول في الكثير من الأحيان إلى أزمات نفسية تترك اختلالات واهتزازات واسعة في تفكير الفرد وشعوره وسلوكه، وهذه الأزمات النفسية تولد عند الإنسان، ولا سيَّما المتدين، إحساساً مضاعفاً بضرورة الالتجاء إلى عالم الغيب والاستنجاد به في حل هذه الأزمات النفسية والروحية، أو على أقل تقدير التخفيف من حدتها.

ولجوء الإنسان إلى الله في أوقات الأزمات والصعاب أمر مشاهد حتى في سلوك من لا يعتقد بالله ولا يؤمن به، وهذا ما يؤكده القرآن الكريم في العديد من آياته، كقوله تعالى:( وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً ) (يونس: ١٢). وقوله تعالى:( وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ) (الروم: ٣٣) إلى غيرها من الآيات التي تشير إلى هذه الحقيقة، والتي تعطينا انطباعاً عاماً بأن الإنسان من شأنه حينما يبتلى بالمشاكل والتعقيدات اللجوء إلى خالقه وربه، يبثُّ إليه همومه وآلامه، ويستعين به على الثبات في وجه تلك المشاكل والتعقيدات.

ومن المؤكد أن هذا الشعور بالرغبة في الارتباط بالمطلق جَلَّ شأنه


والالتصاق بعالم الغيب يقوى عند الإنسان المتدين الذي يجد في نفس الدين حثاً أكيداً على تأصيل هذا الارتباط بين الخالق والمخلوق، وبين العبد وربه. وليس من الضروري أن يعكس هذا الشعور رغبة خفيفة في الفرار من عالم الواقع إلى عالم الخيال، كما يحلو للبعض أن يفسر الأمر بهذه الطريقة؛ لأن عالم الغيب وما وراء الحس والطبيعة غيب بالنسبة لنا وخيال ووهم للذين في قلوبهم مرض وزيغ. وأما بالنسبة إلى الواقع والحقيقة المطلقة، لا النسبية، هو عالم واقعي وجودي بتمام معنى الواقعية والموجودية. وحينما نريد البحث في الدوافع والبواعث التي تأصل النزعة الروحية عند الشاب المسلم فإننا سنجد أمامنا دوافع وبواعث عامة تؤسس لها حضوراً فعالاً في كيان أكثر الشباب المتدين، وسنجد أيضاً دوافع وبواعث خاصة توجدها وتنميها الظروف والملابسات الخاصة التي تكتنف الشاب المسلم في بعض مقاطع حياته ومسيرته.

والخطوة تنشأ في واقع الأمر في النوع الثاني من الدوافع والبواعث التي يراد من خلالها تأكيد وترسيخ حالة النزوع الروحي عند الشاب المسلم، لأننا نرى غالبية الشباب المسلم المتدين والملتزم يزاولون العديد من مظاهر الارتباط الروحي في كل يوم وليلة، وربما بمستوى يفوق المستوى المطلوب كحد واجب لا يجوز الإخلال به والتخلف عنه، ولكننا مع ذلك لا نرى أن هذا المستوى الواجب أو المستحب من الارتباط الروحي يفرز مظاهر مرضية أو سليبة في تفكير الفرد العقلي،


أو في مشاعره وأحاسيسه النفسية، أو في سلوكه العملي الفردي والاجتماعي.

إذن، الخطورة لا تكمن في النوع الأول من الدوافع والبواعث العامة التي تربط الإنسان بخالقه وربه، وإنما الخطر كل الخطر يكمن في النوع الآخر من الدوافع والبواعث الخاصة التي غالباً ما ينقص الشاب المسلم التعامل معها بوعي وثبات. وربما كانت هناك أسباب عديدة تقف وراء التعامل المشوه مع القضايا الروحية من قبل الشباب المسلم الذي يعاني مشاكل حياتية خاصة:

أولها: الطبيعة النفسية والذاتية للشباب، فهو في أكثر الأحيان يتعامل مع القضايا والإثارات التي تواجهه في حياته الشخصية والاجتماعية بصورة انفعالية، تضخِّم بعداً معيناً في القضية أو المشكلة وتتناسى أو تتغافل الأبعاد الأخرى على مستوى التفكير أو العمل، وربما كان الأمر في مواجهة القضية أو المشكلة يستدعى اهتماماً معكوساً، أي ما يضخِّمه الشباب ينبغي أن لا يولى اهتماماً متزايداً، وما يتغافله ويتناساه يلزمه أن يوليه أهمية أكبر واعتناءً أكثر.

ثانيها: أن الشباب غالباً ما يفتقد الواقعية في التعامل مع قضايا الحياة ويجنح إلى الخيال، فيسعى للبحث عن حلول غير واقعية، وربما غير ممكنة أصلاً، لحلحلة مشاكله الذاتية والموضوعية. وهذا الجنوح الخيالي واللاواقعي يجعل الشاب ييأس من عالم الواقع؛ لأنه لا يجد فيه الحل المستعجل والجاهز لكل أزمة يعانيها،


ويدفعه إلى أن يسافر إلى عالم الخيال يستنزل منه حلولاً جاهزة ولكنها خيالية لمشاكل وإثارات واقعه الحياتي.

ومن المعلوم أن الإنسان - أي إنسان كان - كلما أسرف في التعامل مع الخيال فإن الخيال ينقلب عنده في نهاية المطاف إلى واقع، كما أنه كلما أسرف في تجاهل الواقع فإن الواقع يتبدل عنده في نهاية المطاف إلى خيال، وهنا تبرز مشكلة الإنسان في تأسيس الحد الفاصل بين الواقع والخيال، وهي مشكلة الناس، فيها بين إفراط وتفريط، إلا القليل ممن وُفِّق لاكتشاف وعي الحد الفاصل بين العالمين: عالم الواقع وعالم الخيال.

ثالثها: الأحكام والتصورات المسبَّقة التي يكوِّنها الشاب لنفسه عن حقائق عالم الغيب. ومما لا يخفى أن هذه التصورات مملؤة بالكثير من الأخطاء والاشتباهات التي ربما ساعد في تأسيسها نفس معطيات الدين الغيبية، ولكن لا لذاتها، وإنما بسبب التصور المغلوط الذي يكوِّنه الشاب لنفسه تجاه تفسير وتحليل هذه المعطيات والظواهر الغيبية والروحية.

وفي الحقيقة والواقع إننا نجد في نفس الدين الإشارة إلى عدد كبير من الظواهر التي ترتبط بشكل أو بآخر بعالم الغيب، وهو ما اصطلح على تسميته بـ "المعجزة" أو"الكرامة" أو غير ذلك من التسميات التي تشير إلى نوع من الفعل الخارق للعادة والذي يتجاوز فيه الإنسان المستوى العادي لقدرة البشر، ويؤكد من خلاله اتصاله وارتباطه بعالم


آخر غير هذا العالم المحسوس، وقد حكى لنا القرآن الكريم، المصدر الأساس لمعارفنا الدينية، العديد من قصص الأنبياء والصالحين التي تبيِّن قدراتهم على القيام بعدد من الممارسات الخارقة للعادة، ويكفينا في هذا المقام التذكير بقصص موسى وعيسى وسليمان (ع) التي أوردها القرآن في أكثر من موقع. أضف إلى هذا العديد من القصص والحكايات الغيبية التي نجد لها حضوراً مؤثراً في الجو الديني العام. ومما يؤسف له أن فكرنا الديني الإسلامي، أعني نتاجات علماء الدين والمفكرين الإسلاميين والخطباء والوعَّاظ، كان يتعامل في الكثير من الأحيان مع هذه القصص الدينية بأسلوب يستثير السامع أو القارئ من دون أن يلحظ التأثيرات المتوقعة من وراء هذه الاستثارة، وهذا ما سنشير إلى خطورته على تفكير الشباب ونفسيته في بعض الكلمات القادمة.

ومن الطبيعي أن يُوجِد مجموع هذه العوامل الثلاثة، وغيرها مما لم نستطيع اكتشافه، حالة نفسية عند الشاب تقوِّي وتنمِّي توجُّهه ونزوعه الروحي ورغبته في الاتصال بالغيب والمغيبات ولو بأدنى مستويات الاتصال. ومن هنا تبدأ المشاكل الروحية تبرز وتظهر في حياة الشاب عبر تصعيده لمستوى التفكير في القضايا الروحية وزيادة وتيرة الارتباط العبادي بالله سبحانه وتعالى، وهذان الأمران يرهقان الشاب فكرياً وجسدياً، ويجتمع الإرهاق الفكري والإرهاق الجسدي لينتجان حالة معقدة من الإرهاق النفسي، لا يستطيع الشاب، في كثير من الأحيان،


تحمل ضغوطاتها وإسقاطاتها، وهذا الأمر كفيل بأن يحوِّل الاتصال الروحي الذي كان ينشده الشاب إلى انفصام عقلي ونفسي واجتماعي يقضي على استعداد الشاب وحيوتيه وحركته ويحيله إلى حطام جسدي يفتقد الروح والحياة.

ولقد أدرك البعض من العلماء خطورة إرهاق الإنسان نفسه بالعبادات في مرحلة الشباب، فقال بعد أن أورد عدداً من الأحاديث المشيرة إلى هذا الأمر: (ويستفاد من هذه الأحاديث وأحاديث أخرى أدب آخر، وهو أيضاً من المهمات في باب الرياضة(١) ، وهو:أدب الرعاية . وكيفيته: أن يراعي السالك في أي مرتبة هو فيها - في الأعم من الرياضات والمجاهدات العلمية أو النفسانية أو العملية - حاله، ويتعامل مع نفسه بالرفق والمدارات، ولا يحملها أزيد من طاقته وحاله. ورعاية هذا الأدب بالنسبة إلى الشباب وحديثي العهد من المهمات؛ فإنه إذا لم يعامل الشباب أنفسهم بالرفق والمداراة، ولم يؤدُّوا الحظوظ الطبيعية إلى أنفسهم بمقدار حاجتها من الطرق المحللة، يوشك أن يوقعوا(٢) في خطر عظيم لا يتيسر لهم جبره، وهو أن النفس ربما تصير؛ بسبب الضغط عليها وكفِّها عن مشتهياتها بأكثر من العادة، مطلِقةً للعنان في شهواتها، ويخرج زمام الاختيار من يد صاحبها. واقتضاءات الطبيعة إذا

____________________

(١) أي رياضة النفس ومجاهدتها.

(٢) هكذا في المصدر والصحيح: أن يقعوا.


تراكمت، ونار الشهوة الحارة إذا وقعت تحت ضغط الرياضة خارجة عن الحد، لاشتعلت - لا محالة - وأحرقت المملكة. وإذا صار سالك مطلق العنان أو زاهد بلا اختيار، فإنه يقع في مهلكة لا يرى وجه النجاة أبداً، ولا يعود إلى طريق السعادة والفلاح وقتاً ما. فعلى السالك أن يتملك نفسه في أيام سلوكه كطبيب حاذق ويعاملها على حسب اقتضاءات الأحوال وأيام السلوك، ولا يمنع نفسه الطبيعية في أيام اشتعال نار الشهوة وغرور الشباب من حظوظها بالكلية. وعليه أن يخمد نار الشهوة بالطرق المشروعة؛ فإن في إطفاء الشهوة بطريق الأمر الإلهي إعانة كاملة على سلوك طريق الحق، فلينكح وليتزوج فإنه من السنن الكبيرة الإلهية، ومضافاً إلى أنه مبدأ البقاء للنوع الإنساني فإن له دوراً واسعاً أيضاً في سلوك طريق الآخرة)(١) .

وقال نفس هذا العالم العارف أيضاً: (وبالجملة: يلزم لسالك طريق الآخرة رعاية أحوال إدبار النفس وإقبالها، فكما أنه لا يجوز له الكف عن الحظوظ مطلقاً؛ فإنه منشأ لمفاسد عظيمة، [ كذا ] لا ينبغي له أن يزعج نفسه في العبادات والرياضات العملية وألَّا يجعلها تحت الضغط، خصوصاً في أيام الشباب وابتداء السلوك؛ فإنه أيضاً يكون منشأ لانزعاج النفس ونفورها، وربما ينصرف الإنسان به عن ذكر الحق. والإشارة إلى هذا المعنى [ وردت ] في أحاديث كثيرة، ففيالكافي الشريف عن أبي عبد الله (ع) قال:اجتهدت في العبادة وأنا شاب،

____________________

(١) الإمام الخميني، الآداب المعنوية للصلاة: ٥٨ - ٥٩. [ هناك إرباك في صياغة السطرين الأولين؛ لذا نقترح أن يُقرأا بالنحو التالي: ونار الشهوة الحارة إذا وقعت تحت ضغطِ رياضةٍ خارجةٍ عن الحد، أشعلت - لا محالة - وأحرقت المملكة. وإذا صار السالك مطلق العنان، أو الزاهد بلا اختيار، فإنه  ...]"شبكة الإمامين الحسنين للفكر والتراث الإسلامي" .


فقال لي أبي: يا بني، دون ما أراك تصنع! فإن الله عَزَّ وجَلَّ إذا أحب عبداً رضى منه باليسير. وعن أبي جعفر قال:قال رسول الله: إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، ولا تكرهوا عبادة الله فتكونوا كالراكب المنبت الذي لا سفراً قطع ولا ظهراً أبقى . وفي حديث آخر: ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله (١) .

وفي الحديث الثاني الذي هو عن أبي جعفر الباقر (ع) نجد بياناً واعياً لحالة الإنسان الذي يكلّف نفسه في العبادة فوق حدودها وقدرتها، فهو يشبه بالراكب الذي يسافر فينقطع به الطريق ويضل مقصوده فيظل يدور ويدور باحثاً عن الطريق إلى مقاصده من دون نتيجة، وفي النهاية يُتعب نفسه بكثرة دورانه وبحثه من دون أن يصل إلى مطلوبه، وهذا ما أشار إليه الإمام (ع) بقوله:(لا سَفَراً قطع ولا ظهراً أبقى) .

ولقد شاهدتُ في حياتي بعضاً من شبابنا المسلم الذي انعكس هذا التردي والسقوط على مساره الحياتي نتيجة تحميل نفسه من العبادات والطاعات فوق قدرته، ولم يصل إلى مطلوبه في القرب من الله، والنتيجة الوحيدة التي استطاع الحصول عليها من وراء سعيه اللاواعي، هذا هي التأزم النفسي في علاقته مع ذاته، والتأزم الروحي في علاقته مع ربه، والتأزم الاجتماعي في علاقته مع الآخرين.

____________________

(١) نفس المصدر: ٦٠.


وعلى هذا الأساس تبقى مسألة الارتباط الروحي بالله سبحانه وتعالى في الوقت الذي تكون أمراً مطلوباً ومراداً، مسألة لها خطورتها على أكثر من مستوى حينما يراد لها أن تتحرك في مسارات خاطئة لا يلتفت إليها من يقع فيها إلا بعد فوات الأوان.

ونجد في روايات وأخبار أهل بيت العصمة والطهارة (ع) ما يدل على أن الإنسان المتدين كثيراً ما تعترضه حالات نفسية معينة يستشعر فيها الرغبة الجامحة في تكثيف حالة الارتباط الروحي بالله سبحانه وتعالى، فيكثر من العبادات والطاعات، ويقوم بالعديد من الممارسات التي يعتقد أنها تقربه إلى الله، ولكن الحال لا يمكن أن تدوم على هذا المنوال إذ سرعان ما يشعر الإنسان بالتعب والإرهاق نتيجة الضغط المتزايد على نفسه فيبدأ يسكن ويقلل من حدة توجهه الروحي عبر تقليلة لممارساته العبادية والروحية، وحينئذٍ تتبين النتيجة الإيجابية أو السلبة التي خرج بها الإنسان من سعيه وجده واجتهاده في العبادة، وليس من المحتم أن تكون نتيجة هذا السعي نتيجة إيجابية لأنه - وكما ذكرنا سابقاً - قد يولد التوجه الروحي المكثف والذي يرهق النفس والجسد بالعبادات والطاعات نتائج سلبية وخطيرة في الوقت نفسه، وهذا ما تفصح عنه روايات كثيرة عن أئمة أهل البيت (ع) نذكر منها ما يلي:

قال رسول الله (ص):(ألا أن لكل عبادة شِرَّةً، ثم تصير إلى فترة، فمن صارت شِرَّةُ عبادته إلى سُنَّتي فقد اهتدى، ومن خالف سنتي فقد


ضلَّ، وكان عمله في تباب أما أنى أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأضحك وأبكي، فمن رغب عن منهاجي وسنتي فليس مني) (١) . والشِرَّة بمعنى الرغبة، وهي بكسر الشين وتشديد الراء، والفَتْرَة بمعنى السكون والتوقف.

قال الصادق (ع):(لكل أحد شِرَّة، ولكل شِرَّة فترة، فطوبى لمن كانت فترته إلى خير) (٢) .

قال العلامة المجلسي في شرح هذا الخبر: (الحاصل أن لكل أحد شوقاً ونشاطاً في العبادة، في أول الأمر، ثم يعرض له فترة وسكون، فمن كانت فترته بالاكتفاء بالسنن وترك البدع، أو ترك التطوعات الزائدة، فطوبى له، ومن كانت فترته بترك السنن أيضاً، أو بترك الطاعات رأساً وارتكاب المعاصي، أو بالاقتصار على البدع، فويل له)(٣) .

وتبرز بعض الأخبار الجانب السلبي في الضغط على النفس وإكراهها على العبادة بالقول:(إن للقلوب شهوة، وإقبالاً وإدباراً، فأتوها من قبل شهواتها وإقبالها، فإن القلب إذا أكره عمى) (٤) .

وفي قبال هذا المنحى السلبي الذي يكون همُّ صاحبه الإكثار من الأعمال والعبادات نرى الإسلام يؤكد على أن العمل القليل الذي

____________________

(١) المجلسي، بحار الأنوار: ٧١ / ٢٠٩، حديث ١.

(٢) نفس المصدر: ٢١١، حديث ٢.

(٣) نفس المصدر.

(٤) نفس المصدر: ٢١٧.


يستمر عليه الإنسان خير من العمل الكثير الذي يكون مآله إلى الانقطاع والضجر والملل، وفي ذلك يقول الإمام أبو جعفر الباقر (ع):(أحب الأعمال إلى الله عَزَّ وجَلَّ ما داوم عليه العبد وإن قل) (١) .

وقال علي (ع):(قليل من عمل مدوم عليه خير من عمل كثير مملول منه) (٢) .

وقال الباقر (ع):(ما من شيء أحب إلى الله عَزَّ وجَلَّ من عمل يداوم عليه وإن قل) (٣) .

والعلامة المجلسي بعد أن أورد بعضاً من هذه الأخبار قال: (وكأن في أكثر هذه الأخبار إشارة إلى أن السعي في زيادة كيفية العمل أحسن من السعي في زيادة كميته، وأن السعي في تصحيح العقائد والأخلاق أهم من السعي في كثرة الأعمال)(٤) .

وسنتكلم بتفصيل أكثر عن دوافع النزوع الروحي عند الإنسان بصورة عامة، وموقف الإسلام منها وكيفية توجيهها في المسارات الصحيحة في الكلمة الثالثة من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى.

____________________

(١) نفس المصدر: ٢١٩، حديث ٢٥.

(٢) نفس المصدر.

(٣) نفس المصدر.

(٤) نفس المصدر: ٢١٣.


الكلمة الثانية:

نقد وتوجيه لمظاهر النزوع الروحي عند الشباب

في الكلمة السابقة أكَّدنا على ضرورة التزام الشاب المسلم حد الاعتدال في تعامله مع القضايا الروحية والغيبية، وفي هذه الكلمة نريد أن نبيِّن وننقد بعض مظاهر النزوع الروحي التي يمارسها في مجال الارتباط الروحي بالله سبحانه وتعالى بعض شبابنا المسلم.

إذ من الملاحظ عند عدد كبير ممن يسعون لتوثيق ارتباطهم بعالم الغيب وبالله جَلَّ شأنه، أنهم يحوّلون قضية الارتباط الروحي بين الخالق والمخلوق إلى قضية مظاهر شكلية ينمو ويبرز فيها الشكل والمظهر ويخبو ويتلاشى المحتوى والمضمون. وعلى هذا الأساس تصير مسألة الارتباط الروحي مسألة تعلّق ساذج ومغفَّل بالشكليات والمظاهر، بحيث يغيب المقياس الحقيقي لدرجة الارتباط بالله وهو الورع والتقوى كما ينبهنا إليه قوله تعالى: ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) (الحجرات: ١٣)، ويؤسس في قبال هذا المقياس الواقعي مقياس وهمي هو حشو السلوك والحركات بمظاهر الخشوع والخضوع التي يراد من خلالها مخادعة الآخرين والإيحاء إليهم بأن من


يتلبس بهذه المظاهر والشكليات يمتلك رصيداً كبيراً من القرب إلى الله والارتباط به.

وفي قبال هذا التعامل المشوه مع قضايا الارتباط الروحي فإن الإسلام يؤكد على ما يلي:

أولاً: أن المحل الحقيقي والأول للخشوع والخضوع والخوف من الله هو قلب الإنسان وباطنه، لا سلوكه وظاهره، وهذا ما نلمحه في قوله تعالى حينما يصف عباده المؤمنين والصالحين:( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) (الأنفال: ٢). وهكذا في قوله تعالى:( وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ) (الحج: ٣٤ - ٣٥).

ومن هنا فإن الله يعاتب المؤمنين الذين يريدون لإيمانهم أن يتوقف عند حد المظاهر من دون أن ينفذ هذا الإيمان في قلوبهم فيصيرها قلوباً خاشعة خاضعة لله، بقوله جَلَّ شأنه:( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ) (الحديد: ١٦).

ثانياً: إن خشوع الجوارح ينبغي أن يكون انعكاساً لخشوع القلب والباطن، وإلا فإن المسألة تتحول إلى حالة مرضية لا يقرها ولا يصحِّحها الإسلام، وفي ذلك يقول رسول الله (ص):(ما زاد خشوع


الجسد على ما في القلب فهو عندنا نفاق) (١) .

وربما وقف الإسلام معترضاً على بعض مظاهر الخشوع التي يمارسها البعض من الناس، والتي تسيء إلى الصورة الحقيقية التي يريد الإسلام رسمها للإنسان في علاقته بخالقه ومعبوده، ففي الكافي عن جابر عن أبي جعفر (ع)، قال: قلت: إن قوماً إذا ذكروا شيئاً من القرآن أو حدَّثوا به صعق أحدهم حتى يرى أن أحدهم لو قطعت يداه أو رجلاه لم يشعر بذلك؟ فقال:سبحان الله! ذاك من الشيطان!! ما بهذا نعتوا، إنما هو اللين والرقة والدمعة والوجل (٢) .

ثالثاً: إن الإسلام لا يحصر التقرب إلى الله ونيل رضوانه في عدد من الأعمال والممارسات العبادية، بل هو يعطي مفهوماً وسيعاً لأساليب التقرب إلى الله، وربما كانت هناك أمور يعطيها الإسلام أهمية أكبر وتقديراً أكثر من العبادات العملية. ولا يخفى على أحد الأهمية التي يوليها الإسلام للتفكّر والتدبّر واستحصال البصيرة في أمور الدنيا والدين، وتوفر هذه الأمور في شخصية الإنسان المسلم هو الذي يعطي لعباداته وأعماله قيمة ووزناً في نظر الشارع المقدس، ومن هنا كان الإمام الصادق (ع) يقول:(أفضل العبادة إدمان التفكُّر في الله وفي قدرته) (٣) .

____________________

(١) الكليني، أصول الكافي: ٢ / ٣٩٦، حديث ٦.

(٢) نفس المصدر: ٦١٦، حديث ١.

(٣) نفس المصدر: ٥٥، حديث ٣.


وعن الإمام الرضا (ع) انه قال:(ليس العبادة كثرة الصلاة والصوم، إنما العبادة التفكر في أمر الله عَزَّ وجَلَّ) (١).

وعلى هذا الأساس لم يكن الإسلام يحرص على أن تكون للإنسان أعمال كثيرة بقدر ما كان يحرص على أن يكون للإنسان يقين صادق وعقل راجح، ولذا قال الصادق (ع):(العمل الدائم القليل على اليقين أفضل عند الله من العمل الكثير على غير يقين) (٢) .

وفي بعض الأخبار يعطى التفكر قيمة لا تعطى لأي عبادة أخرى كما يدلنا على ذلك قول رسول الله (ص):(فكرة ساعة خير من عبادة سنة، ولا ينال منزلة التفكر إلا من قد خصّه الله بنور المعرفة والتوحيد) (٣).

ويبالغ الإسلام في تقييمه للتفكر وما ينتجه من علم ومعرفة إلى الحد الذي يفضل فيه العالم على العابد بمراتب من الفضل، فيقول الباقر (ع):(عالم ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد) (٤) .

وعن معاوية بن عمار قال: (قلت لأبي عبد الله (ع): رجل راوية لحديثكم يبث ذلك في الناس ويُشدِّده في قلوبهم وقلوب شيعتكم ولعل عابداً من شيعتكم ليس له هذه الرواية أيهما أفضل؟ قال:

____________________

(١) نفس المصدر: حديث ٤.

(٢) بحار الأنوار: ٧١ / ٢١٤، حديث ١٠.

(٣) نفس المصدر: ٣٢٦.

(٤) أصول الكافي: ١ / ٣٣، حديث ٨.


الراوية لحديثنا يشُدُّ به قلوب شيعتنا أفضل من ألف عابد )(١) .

رابعاً: إن الإسلام يؤكد على ضرورة تخليص الإنسان نيته من كل ما سوى الله، ويعتبر تخليص النية من الفساد أكبر مهمة تقع على عاتق الإنسان الذي يبغي القرب من الله، وفي الوقت نفسه أشق المهام وأعسرها، فقد قال الصادق (ع) في بيان قوله تعالى( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) (الملك: ٢):(ليس يعني أكثر عملاً، ولكن أصوبكم عملاً، وإنما الإصابة خشية الله والنية الصادق والحسنة . ثم قال:الإبقاء على العمل حتى يخلص أشد من العمل، والعمل الخالص الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا الله عَزَّ وجَلَّ، والنية أفضل من العمل) (٢) .

وفي تفسير قوله تعالى( إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) (الشعراء: ٨٩) قال (ع):(القلب السليم الذي يلقى ربه وليس فيه أحد سواه ، قال:وكل قلب فيه شرك أو شك فهو ساقط) (٣) .

وفي"البحار" روى المجلسي عن"مصباح الشريعة" المنسوب للإمام الصادق (ع) أنه قال:(الإخلاص يجمع حواصل الأعمال، وهو معنىً مفتاحه القبول، وتوقيعه الرضا. فمن تقبَّل الله منه ورضى عنه فهو المخلص وإن قلَّ عمله، ومن لا يتقبل الله منه فليس بمخلص وإن كثر عمله، اعتباراً بآدم (ع) وإبليس وعلامة القبول وجود

____________________

(١) نفس المصدر: حديث ٩.

(٢) نفس المصدر: ٢ / ١٦، حديث ٤.

(٣) نفس المصدر: حديث ٥.


الاستقامة ببذل كل المحاب مع إصابة علم كل حركة وسكون. فالمخلص ذائب روحه باذل مهجته في تقويم ما به العلم والأعمال، والعامل والمعمول بالعمل، لأنه إذا أدرك ذلك فقد أدرك الكل، وإذا فاته ذلك فاته الكل وهو تصفية معاني التنزيه في التوحيد كما قال الأول: هلك العاملون إلا العابدون، وهلك العابدون إلا العالمون، وهلك العالمون إلا الصادقون، وهلك الصادقون إلا المخلصون، وهلك المخلصون إلا المتقون، وهلك المتقون إلا الموقنون، وإن الموقنين لعلى خطر عظيم، قال الله لنبيه (ص): ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) (الحجر: ٩٩).وأدنى حد الإخلاص بذل العبد طاقته ثم لا يجعل لعمله عند الله قدراً فيوجب به على ربه مكافأة بعمله، لعلمه أنه لو طالبه بوفاء حق العبودية لعجز، وأدنى مقام المخلص في الدنيا السلامة من جميع الآثام، وفي الآخرة النجاة من النار والفوز بالجنة) (١) .

وروى معاذ بن جبل (رض) عن رسول الله (ص) أنه قال:(إن الله خلق سبعة أملاك قبل أن يخلق السموات، فجعل في كل سماء مَلَكاً قد جلَّلها بعظمته، وجعل على كل باب منها مَلَكاً بوَّاباً، فتكتب الحَفَظة عمل العبد من حين يصبح إلى حين يمسي، ثم يرتفع الحَفَظة بعمله، له نور كنور الشمس حتى إذا بلغ السماء الدنيا، فيزكيه ويكثره فيقول له: قف فاضرب بهذا العمل وجه صاحبه أنا ملك الغِيبة فمن

____________________

(١) بحار الأنوار: ٧٠ / ٢٤٥، حديث ١٨.


اغتاب لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري أمرني بذلك ربي.

قال:ثم يجيء من الغد ومعه عمل صالح فيمر به ويزكيه ويكثره حتى يبلغ السماء الثانية، فيقول الملك الذي في السماء الثانية: قف فاضرب بهذا العمل وجه صاحبه، إنما أراد بهذا العمل غرض الدنيا، أنا صاحب الدنيا لا أدع عمله يتجاوزني إلى غيري .

قال:ثم يصعد بعمل العبد مبتهجاً بصدقة وصلاة فتعجب به الحفظة ويجاوزه إلى السماء الثالثة فيقول الملك: قف فاضرب بهذا العمل وجه صاحبه وظهره، أنا ملك صاحب الكبر، فيقول: إنه عَمَل وتكبَّر فيه على الناس في مجالسهم، أمرني ربي أن لا أدع عمله يتجاوزني إلى غيري .

قال:وتصعد الحفظة بعمل العبد يزهر كالكوكب الدري في السماء له دوي بالتسبيح والصوم والحج فيمر به إلى ملك السماء الرابعة فيقول له: قف فاضرب بهذا العمل وجه صاحبه وبطنه، أنا ملك العُجُب فإنه كان يعجب بنفسه وإنه عمل وأدخل نفسه العجب، أمرني ربي لا أدع عمله يتجاوزني إلى غيري وأضرب به وجه صاحبه .

قال:وتصعد الحفظة بعمل العبد كالعروس المزفوفة إلى أهلها فتمر به إلى ملك السماء الخامسة بالجهاد والصلاة ما بين الصلاتين، ولذلك رنين كرنين الإبل، عليه ضوء كضوء الشمس، فيقول الملك: قف أنا ملك الحسد، فاضرب بهذا العمل وجه صاحبه وتحمله على عاتقه؛ إنه كان يحسد من يتعلم ويعمل لله بطاعته، فإذا رأى لأحد فضلاً


في العمل والعبادة حسده ووقع فيه فيحمله على عاتقه ويلعنه عمله .

قال:وتصعد الحفظة فيمر بهم إلى ملك السماء السادسة فيقول الملك: قف أنا صاحب الرحمة، اضرب بهذا العمل وجه صاحبه، واطمس عينيه؛ لأن صاحبه لم يرحم شيئاً إذا أصاب عبد من عباد الله ذنباً للآخرة أو ضراً في الدنيا يشمت به. أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري .

وقال:وتصعد الحفظة بعمل العبد، أعمالاً بفقه واجتهاد وورع، له صوت كالرعد وضوء كضوء البرق، ومعه ثلاثة آلاف ملك، فيمر بهم إلى ملك السماء السابعة فيقول الملك: قف واضرب بهذا العمل وجه صاحبة، أنا ملك الحجاب، أحجب كل عمل ليس لله؛ إنه أراد رفعة عند القواد، وذكراً في المجالسة، وصوتاً في المدائن. أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري ما لم يكن خالصاً.

قال:وتصعد الحفظة بعمل العبد مبتهجاً به من خلق حسن، وصمت وذكر كثير، تشيعه ملائكة السماوات السبعة بجماعتهم، فيطئون الحجب كلها حتى يقوموا بين يديه فيشهدوا له بعمل صالح ودعاء، فيقول الله: أنتم حفظة عمل عبدي وأنا رقيب على ما نفسه عليه، لم يردني بهذا العمل، عليه لعنتي، فيقول الملائكة: عليه لعنتك ولعنتنا) (١) .

وهذا الحديث الأخير يجعلنا نعي كل الوعي مقولة أمير المؤمنين (ع)

____________________

(١) نفس المصدر: ٢٤٦ - ٢٤٨، حديث ٢٠.


حينما قال:(تخليص النية من الفساد أشد على العاملين من طول الاجتهاد) (١) .

وعلى هذا الأساس فإن مجاهدة النفس وتزكيتها بالأعمال والطاعات إنما ينفع حينما تكون النفس واعية تمام الوعي ومدركة لكل الأخطار والمداخل التي يمكن للشيطان أن يدخل منها إلى مجاهدة الإنسان فيفسدها، وهذا ما يفصح عنه أمير المؤمنين (ع) حينما يقول:(لا تنجع الرياضة إلا في نفس يقظة) (٢) .

فاليقظة والوعي والعلم والبصيرة شروط أساسية لأن تثمر العبادة وتنتج إنساناً صالحاً متأدباً بآداب الله ومتخلقاً بأخلاق رسول الله (ص)، وإلا فإن عبادة الإنسان حينما تخلو من هذه الأمور ربما أبعدت الإنسان عن الله وصارت بينه وبين الله حجاباً، وهذه الرواية التي تروى عن رسول الله (ص) تبين لنا هذه المسألة بكل وضوح، إذ يقول (ص):(قال الله تعالى: أنا أعلم بما يصلح به أمر عبادي. وإن من عبادي المؤمنين لمن يجتهد في عبادته فيقوم من رقاده ولذيذ وساده، فيجتهد ويتعب نفسه في عبادتي، فأضربه بالنعاس الليلة والليلتين نظراً مني له، وإبقاء عليه، فينام حتى يصبح، فيقوم ماقتاً لنفسه زارياً عليها، ولو أخلى بينه وبين ما يريد من عبادتي لدخله من ذلك العجب بأعماله فيأتيه ما فيه هلاكه لعجبه بأعماله، ورضاه عن نفسه، حتى

____________________

(١) الآمدي، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: رقم ١٦١٧.

(٢) نفس المصدر: رقم ٤٨١٢.


يظن أنه قد فاق العابدين، وجاز في عبادته حد التقصير فيتباعد مني عند ذلك، وهو يظن أنه تقرب إليَّ) (١) .

وخلاصة ما نريد قوله في ختام هذه الكلمة: إن على الشباب المسلم أن يتَّبع الدين في كل صغيرة وكبيرة، وأن يكون اهتمامه بتطهير باطنه بإخلاص نيته لله سبحانه وتعالى وتطهيرها عما سواه أكثر من اهتمامه بتجميل ظاهره بشكليات الخضوع والخشوع والتهجّد والتعبّد، وليعلم شبابنا المسلم: بأن الإسلام دين العلم والعمل ودين المعرفة والعبادة معاً.

____________________

(١) بحار الأنوار: ٧٢ / ٣٢١، حديث ٣٧.


الكلمة الثالثة:

تصحيح الدوافع الخاطئة في التوجه الروحي عند الشباب

حينما يتوجه الإنسان للقضايا الروحية والغيبية يبحث فيها ويتعامل مع ظواهرها المختلفة الواقعية والوهمية، فإنه يدفعه إلى ذلك أحد أمور أربعة:

أولاً: المشاكل الحياتية المستعصية والمعقدة والتي تولّد أزمات نفسية لا يجد الإنسان لها حلاً إلا بالتجاء إلى الله والتضرع إليه، ولقد أشارت العديد من آيات الذكر الحكيم إلى هذه الحقيقة واعتبرتها دليلاً دامغاً يقف في مواجهة كل إنسان يغالط نفسه حينما يحاول التنكر لخالقه ومبدعه في حالات الفرح والنعمة والرخاء ثم يناقض نفسه ويخادع ربه بالالتجاء إليه في حالات الضر والشدة التي ما أن تنجلي حتى يعود من جديد يتناسى ربه وولي نعمته ويتغافل كل الحقائق التي اعترف بها من قبل، وفي ذلك يقول تعالى:( وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (يونس: ١٢). ويقول عزَّ شأنه:( وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ


فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ * ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشـْرِكُونَ ) (النحل: ٥٣ - ٥٤). ويقول جَلَّ جلاله: ( وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُوراً ) (الإسراء: ٦٧).

ثانياً: رغبة الإنسان في التعرف على الأمور الغيبية والاحتكاك بها من قرب وبصورة مباشرة، وهذه الرغبة إما أن تنطلق بدافع ديني؛ باعتبار وجود الحقائق الغيبية في كل الأديان حتى التي كانت من اختراع البشر أنفسهم، والتعامل مع هذه الحقائق كمسلمات غيبية مفروضة لا تقنع البعض من المتدينين فيسعى لتحصيل اليقين بهذه الحقائق الغيبية عبر محاولة إثباتها بصورة شهودية وحضورية. وإما أن تنطلق الرغبة في التعرّف على حقائق عالم الغيب بدافع علمي محض؛ باعتبار أن بعض الظواهر الروحية والغيبية تشغل بال وتفكير الكثير من الناس ممن يدفعهم حب الاستطلاع والمعرفة إلى محاولة تفسير هذه الظواهر والوصول إلى عللها الخفية وأسبابها الحقيقة، فيندفع البعض للتعرف عليها بصورة علمية كما هو الشأن في علم "الباراسيكولوجي" الذي يعني بدراسة الظواهر الغيبية الخفية. وإما أن ينطق الإنسان بدافع فضولي عبثي تتحكم فيه رغبة البعض في ممارسة السحر والشعوذة واستحضار الجن والأرواح لمصالح ذاتية معينة.

ثالثاً: شفافية بعض النفوس وتعلقها الفطري بعالم الغيب وما وراء المادة منذ بداية نشوئها وبلا تعمد وتكلُّف منها، وقد عنى البعض من


عرفاء الإسلام بالإشارة على هذه الشفافية والانجذاب إلى عالم الغيب التي تتمتع بها بعض النفوس البشرية، والعلل التي تكمن وراء هذه الحالات الاستثنائية، وفي عصرنا الحديث اهتم علم "الباراسيكولوجي" بدراسة واستقصاء وتفسير هذه الحالات ووصل إلى نتائج متفقة جداً مع نتائج واستخلاصات العرفاء الإسلاميين، وربما نوفّق لاستعراض بعض هذه النتائج في بعض كلماتنا القادمة.

رابعاً: الرغبة في السمو الروحي وتطهير النفس من خبائث وتعلُّقات عالم المادة، وهي المهمة التي جاءت الأديان الإلهية لتدعو الإنسان لانجازها والقيام بها، قال تعالى: ( مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (المائدة: ٦). وقد تبنى التوكيد على هذه المهمة والتنظير لها بصورة أساسية في تاريخنا الإسلامي المتصوفة والعرفاء الإسلاميون، ينطلقون في ذلك من اعتقادهم الراسخ بأن المهمة الأساسية للدين هي هذه.

ومع هذه الأمور أو الدوافع الأربعة لا ينبغي التغافل عن أن الإنسان خلق بأصل فطرته منشداً إلى العالم الغيبي والغيبيات، ولاسيَّما مسألة الخلق والخالق التي يمكن اعتبارها أول مسألة غيبية تستجذب تفكير الإنسان واهتمامه.

وبعد بيان واستعراض هذه الدوافع الأربعة التي تدفع الإنسان للتفكير في المسائل الغيبية والتعامل بصورة أو بأخرى مع القضايا


الروحية، فإننا نود التأكيد على أن الدافع الصحيح والسليم الذي جاءت الأديان الإلهية عموماً والإسلام خصوصاً لتجعله منطلقاً في التعامل مع العالم الغيبي هو الدافع الرابع، فالأديان السماوية إنما جاءت لتؤسس وتقوِّي وتهذِّب الرغبة التي فطر عليها الإنسان في الانشداد إلى ما وراء الحس والطبيعة، وهذا لا يعني أن الرسالات الإلهية جاءت لتقطع وتفصم العلاقة بين الإنسان وعالمه المادي الدنيوي بصورة كلية، بل هي إنما جاءت لترسم الحدود مضبوطة في علاقة الإنسان بعالم الغيب وعلاقته بعالم المادة، وهذا ما نعتقد أن القرآن عكسه بصورة جلية حينما خاطب الإنسان قائلاً:( وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) (القصص: ٧٧). وعكسه أيضاً حينما علم الإنسان المؤمن بأن يدعو ربه قائلاً:( رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) (البقرة: ٢٠١).

وأما اندفاع الإنسان نحو التقرب من الله والتضرع إليه في حالات الضر والشدة وتناسيه في حالات الرخاء، فهي صورة من التعامل لا يستسيغها الإسلام ولا يرتضيها؛ لأنها تستبطن مستوى غير يسير من النفاق القلبي الذي لا يقره الإسلام في أي مستوى من مستوياته.

وأما محاولة الاندفاع في التعامل مع القضايا الغيبية والروحية من أجل تحقيق منافع شخصية ومصالح ذاتية تتنافى والغايات التي يرسمها الإسلام للإنسان في علاقته بالله وبعالم الغيب، كما هو الشأن


عند السحرة والمشعوذين ومن يستحضرون الأرواح والجان لإخبارهم بالمغيبات أو تسخيرهم في بعض الأعمال والمهام، فهي صورة من التعامل المشوَّه مع الغيبيات حرَّمها الإسلام وأعطى رأيه الصريح في ضرورة الابتعاد عنها، وقد بحث الفقهاء ما يرتبط بهذه المسألة من قريب أو بعيد في كتبهم الفقهية الاستدلالية، فيلزم من أراد التعرف على الرأي الإسلامي المفصل فيها أن يراجع هذه الكتب الفقهية.

وأما الذين يتميزون بفطرتهم وأصل خلقتهم ومزاجهم الطبيعي بارتباط قوي بعالم الغيب، فهم يمثِّلون حالة استثنائية كما ذكرنا يلزم توجيهها ووضعها في مسارها الصحيح، وتجنُّب الخروج بها عن الإطار الشرعي الذي يرسمه ويحدِّده الإسلام للإنسان في تعامله مع العالم الغيبي.

وتبقى عندنا محاولة التعامل مع الظواهر الغيبية بمنهج علمي مجرد لا يهمّه إلا اكتشاف الظاهرة وإثباتها ومن ثم محاولة تفسيرها والوصول إلى أسبابها الحقيقية وعللها الطبيعية، كما هو الأمر عند علماء الباراسيكولوجي في عصرنا الحديث، فهي صورة من التعامل مع الغيبيات لا نرى فيها بأساً مادامت لا تتجاوز حدود الشريعة ولا تسعى لتوظيف معطيات العلم ونتائجه في أغراض تتنافى والقيم والمصالح الإنسانية العامة.

وإلى حد الآن ربما كانت معطيات ونتائج العلم المذكور تؤكد واقعية وصواب التفسير الديني للظواهر الغيبية، وبوجه من الوجوه ربما


أمكننا اعتبار تأسيس هذا العلم واستحداثه في عالمنا الحديث وما يلقاه من اهتمام يتزايد يوماً بعد يوم، عودة قهرية للتفسير الديني في وقت كان يعتقد الكثيرون أن التفسير الديني لكثير من القضايا الإنسانية هو تفسير خرافي يناقض العلم والمنطق، وأن زمانه قد انتهى وولي إلى غير رجعة، وهذا الاعتقاد كان هو الدافع الأساس في محاولة استبدال الدين بعلوم النفس والاجتماع والتربية التي أريد من خلالها أن يلجأ الإنسان إليها في حل مشاكله الإنسانية النفسية والاجتماعية والتربوية بدلاً من أن يلجأ إلى دين يبحث فيه عن حل لمشاكله هذه.

ولكننا نشهد من خلال مسيرة هذه العلوم وبالأخص مسيرة علم النفس وما انتهت إليه من تأسيس علم "الباراسيكولوجي" في وقت متأخر، وهو العلم الذي يعتبر الحلقة الأكثر تطوراً في تخصصات علم النفس، أن العلوم الإنسانية، ولا سيَّما هذه العلوم الثلاثة، قد عادت وارتمت من جديد في أحضان الدين مقرة بعجزها في الوصول إلى تفسيرات واقعية لكثير من حقائق النفس الإنسانية وهكذا كان سعي الإنسان وراء علوم النفس والاجتماع والتربية سعياً وراء السراب الذي يحسبه الظمآن ماء فلا يجده ويجد الله عنده وأمامه، ولقد صدق عَزَّ شأنه حينما قال:( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) (النور: ٣٩).

وبعد أن بينا دوافع التعامل الإنساني مع القضايا الروحية والغيبية،


والصحيح والسقيم من هذه الدوافع، نريد أن نقول لشبابنا المسلم: إن عليهم أن ينطلقوا في علاقتهم بالله سبحانه وتعالى وبالغيب من الأمور التالية التي يلزمهم تأسيسها في سعيهم التكاملي نحو المطلق جَلَّ شأنه، وهي:

أولاً: طلب السمو الروحي والقرب من الله في الاتصال بالعوالم الغيبية والسعي بكل إصرار لتجريد النفس من كل رغبة أخرى، ومن المؤكد أن من يجعل هدفه وغايته في كل مراحل سيره وسلوكه الله جَلَّ شأنه فإن الله لن يضيع عمله وسيهديه صراطه المستقيم، قال تعالى:( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) (العنكبوت: ٦٩)، وقال عزَّ شأنه: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ) (البقرة: ١٤٣).

ولا بأس أن نؤكد مرة أخرى على ضرورة وأهمية تحصيل الإخلاص في السعي إلى الله،، فإنه لا ينجو من كيد الشيطان إلا عباد الله المخلَصون (بفتح اللام) كما أظهر ذلك الشيطان اللعين نفسه حينما طلب من الله أن يمهله إلى يوم الدين فقال:(  ... رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) (الحجر: ٣٦ - ٤٠).

والعبد المخلَص (بفتح اللام) هو الذي أخلص لله في كل شأن من شؤونه فاستخلصه الله لنفسه، ومنع عدوه الشيطان من الوصول إليه.


ثانياً: ضرورة الإيمان بالغيب، ما علمنا به وما لم نعلم به، إيماناً مطلقاً، والإيمان بالغيب هي الصفة التي يلزم المؤمن التحلِّي بها على الدوام، قال تعالى: ( ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) (البقرة: ٢ - ٣).

ثالثاً: في الوقت الذي يلزم الإنسان المؤمن بالله سبحانه الإيمان والاعتقاد بالغيب فإنه يلزمه أيضاً تقوية إيمانه هذا باستحصال الأدلة العقلية البرهانية على مسائل العقيدة؛ لأن الإيمان درجات، وكلما ازداد علم الإنسان وتفهمه لمسائل العقيدة كلما أزداد رسوخه في الإيمان وثباته في اليقين، قال تعالى: ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ) (المجادلة: ١١)، وقال سبحانه:( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) (فاطر: ٢٨).

رابعاً: إن على الإنسان أن يشعر نفسه بالجهل والقصور في معرفة الكثير من أسرار الكون وخفايا الوجود، وأنه مهما آتاه الله من العلم والمعرفة فإن علمه كلَا شيء بالنسبة إلى علم الله الذي هو بكل شيء محيط، ولقد ذكرّنا القرآن بهذه الحقيقة التي ينبغي أن تظل ماثلة أمام أعيننا وفي أذهاننا حينما قال لنا: إنكم تعجزون عن معرفة حقيقة الروح التي هي من أقرب الأشياء إليكم، فقال:( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ) (الإسراء: ٨٥).

خامساً: إن على الإنسان أن يرتبط بالله سبحانه وتعالى في سيره إلى عالم الغيب، وأن يستعين به في كل أموره ويستهديه، وأن لا يرى


لنفسه حولاً وقوة إلا بالله، قال تعالى:( وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ) (الأحزاب: ٢٤)، وأن على الإنسان أن يلتمس الهدى والنور من الله جَلَّ شأنه؛ لأن الله يقول:( وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ) (النور: ٤٠)

سادساً: إن على الإنسان، ولا سيَّما الشاب في بداية طريقه وسلوكه إلى الله، أن يتوجه إلى حيل الشيطان ومكائده، وأنه يقف له بالمرصاد يريد صدّه عن السبيل، وأن هذا العدو اللعين لا يخلص الإنسانُ من كيده إلا بالاستعانة التامة والاستعاذة الكاملة بالله سبحانه وتعالى، وبدوام المراقبة لجميع حركاته وسكناته، بحيث لا يدع للشيطان فرصة ولو يسيرة لنفوذه إلى باطنه أو التصرف في ظاهره، وهذا ما يوصينا به أحد العرفاء الذين وفَّقهم الله في السير والسلوك إليه ببصيرة نافذة ووعي تام حينما يقول: (فعلى سالك طريق الآخرة لزوماً حتماً أن يخلّص معارفه ومناسكه من تصرف الشيطان والنفس الأمارة مهما بلغ من الجهد، وأن يغوص في حركاته الباطنية، وتغذياته الروحية، ولا يغفل عن حيل النفس والشيطان وحبائل النفس الأمَّارة وإبليس، وأن يسوء ظنه سوء الظن الكامل في جميع حركاته وأفعاله، ولا يخلّي نفسه على رسلها آناً ما، فربما تتغلب على الإنسان وتصرعه إذا تسامح معها وتسوقه إلى الهلاك والفناء، لأن الأغذية الروحانية إذا لم تكن خالصة من تصرف الشيطان وتدخلت يده في إعدادها فمضافاً إلى أنه لا تتربى بها الأرواح والقلوب ولا تصل إلى الكمال اللائق بها، يحصل لها


النقصان الفاحش أيضاً، ولعلها تجعل صاحبها منسلكاً في سلك الشياطين والبهائم والسباع، وما هو السبب للسعادة ورأس المال لكمال الإنسانية والوصول إلى المدارج العالية ليعطي النتيجة المعكوسة ويسوق الإنسان إلى الهاوية المظلمة للشقاوة كما رأينا في بعض أهل العرفان الاصطلاحي أشخاصاً انتهت بهم هذه الاصطلاحات والغور فيها إلى الضلالة وجعلت قلوبهم منكوسة وبواطنهم مظلمة وصارت الممارسة في المعارف موجبة لقوة أنانيتهم وإنِّيتهم وصدرت منهم الدعاوى غير اللائقة والشطحات غير المناسبة. وكذلك رأينا في أرباب الرياضات والسلوك أفراداً أوجبت رياضتهم واشتغالهم بتصفية النفس جعل قلوبهم أكدر وباطنهم أظلم، وما جاءهم ذلك كله إلا من قبل أنهم لم يتحفظوا على سلوكهم المعنوي ومهاجرتهم إلى الله وكان سلوكهم العلمي وارتباطهم بتصرف الشيطان والنفس وإلى الشيطان والنفس)(١) .

____________________

(١) الآداب المعنوية للصلاة: ٥٣ - ٥٤.


الكلمة الرابعة:

حقائق لابد أن يعيها الشباب في سيرهم التكاملي

في كلمتنا السابقة أشرنا إلى أن السالك إلى الله تعترضه عقبات كثيرة في سيره التكاملي نحو الله، وأن عليه أن يكون واعياً وحذراً في كل مراحل تقربه إلى الذات المقدسة، وإلا ربما تحوّل تقربه إلى الله ابتعاداً عنه، واتصاله به احتجاباً عنه. وفي كلمتنا هذه نريد أن نذكّر شبابنا المسلم ببعض الحقائق المهمة التي يلزمهم أن يضعوها نصب أعينهم في سيرهم التكاملي نحو الحق والحقيقية، وأهم ما يلزمنا التذكير به هو:

أولاً: خطورة الخوض في المسلك الروحي والقضايا الغيبية من دون مرشد بصير، يرشد الشاب السالك إلى الله في كل مرحلة من مراحل جهاده في ذات الله إلى ما يلزمه التحفُّظ عليه وما يلزمه التحذُّر منه.

ومن الملاحظ أن الكثير من الشباب المتدين، ولا سيَّما من يتمتعون بحس ديني مرهف وارتباط قوي بالله، يواجهون مشاكل عدة في المجال الروحي، وهذه المشاكل إذا لم يستطع الشاب حلها من خلال


عرضها على من يمتلك الخبرة والبصيرة في القضايا الروحية فإنها مؤهلة لأن تكبر وتتفاقم وربما تؤدي في نهاية الأمر إلى عواقب وخيمة تفسد على الشاب حياته وتفكيره وسلوكه. ومن الخطأ أن يتصور الشاب أن مجاهدة النفس وتهذيبها وقطع تصرفات الشيطان اللعين عنها بالكلية مهمة يسيرة يتهيأ له انجازها والقيام بها شخصياً ومن دون الاستعانة بخبرات وتجارب الآخرين ممن وفقهم الله تعالى في الخروج بنتائج إيجابية في المجال الروحي.

ثانياً: من الأمور المهمة للغاية في حركة الإنسان وسعيه من أجل توثيق ارتباطه بخالقه ومعبوده، الاتزان والاعتدال في علاقته بالدنيا من جهة، وبالآخرة من جهة أخرى، إذ من اللازم على الإنسان أن لا يتصور إن الارتباط بالله سبحانه وتعالى والتقرّب إليه يعني قطع علاقته بالكلية مع الدنيا وعدم إعطاء نفسه حظوظها المباحة من متع الدنيا، وهذا ما نفهمه من قوله تعالى: ( يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) (الأعراف: ٣١ - ٣٢). وقال أمير المؤمنين (ع) في وصيته لابنه الحسن (ع):(يا بُني، للمؤمن ثلاث ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها بين نفسه ولذتها فيما يحل ويحمد، وليس للمؤمن بد من أن يكون شاخصاً في ثلاث: مرمة لمعاش، أو خطوة


لمعاد، أو لذة في غير محرم) (١) .

ولا يتصور أن الآيات أو الأحاديث التي تحث على لزوم إعطاء الإنسان نفسه حظوظها من الدنيا تتنافى وتلك الأخبار الكثيرة التي تذم الدنيا وتدعوا الإنسان لقطع علاقته بها والزهد في متاعها ولذتها، بل مجموع هذين القسمين من الآيات والأخبار إنما يريد حفظ اعتدال الإنسان واتزانه بحيث لا يحصل عنده إفراط في جانب ولا تفريط في جانب آخر. وهكذا الأمر بالنسبة على الأحاديث التي تأمر بالإكثار من العبادة وفي مقابلها الأحاديث التي تمدح الاقتصاد في العبادة، وفي الجمع بين هذه الأحاديث والأخبار يقول الإمام الخميني (قده): (وما ورد في الأحاديث الشريفة من الأمر بالجد والسعي في العبادة، وما ورد فيها من المدح للذين يجتهدون في العبادة والرياضة، وما ورد في عبادات أئمة الهدى (ع) من جهة، وما ورد في هذه الأحاديث الشريفة المادحة للاقتصاد في العبادة من جهة أخرى، مبنى على اختلاف أهل السلوك ودرجات النفوس وأحوالها، والميزان الكلي هو نشاط النفس وقوتها أو نفور النفس وضعفها)(٢).

ثالثاً: من المطبَّات الخطيرة التي يقع فيها البعض من جهلة المتظاهرين بالنسك والعبادة هو القول: بأن غاية العبادات والأعمال هو طهارة باطن الإنسان، فإذا طهر باطنه وصفى سره فلا حاجة به إلى

____________________

(١) بحار الأنوار: ٧٠ / ٦٥، حديث ٦.

(٢) الآداب المعنوية للصلاة: ٦٠ - ٦١.


العبادات.

ونجد هذا الفهم المعوج والخاطئ لدور العبادة في حياة الإنسان قد بدء في الظهور منذ العصر الأول للإسلام حينما كان البعض يستدل بقوله تعالى:( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (المائدة: ٩٣) على أن الإنسان المؤمن يصح له أكل وشرب الحرام وأنه ليس عليه جناح في ذلك كما تدل عليه الآية مادام يؤمن بالله ويعمل الصالحات.

ورأينا بعد ذلك هذا الفهم المنحرف يتبلور أكثر وأكثر عند جهلة المتصوفة الذين كانوا يدَّعون أن غاية العبادات والأعمال الصالحة وصول العبد إلى درجة اليقين فإذا وصل إلى درجة اليقين فلا حرج ولا إثم عليه في ما فعل، ومن أعظم البلايا على الإسلام وأهله أن يعد البعض تجاوزات الجهلة من المتصوفة على الشريعة ومقرراتها كرامة لهم ودلالة على عظم شأنهم وارتفاع درجاتهم، بحيث يتجاهر بذكر هذه التجاوزات المشينة في كتبه، كما هو الشأن في كتاب"روض الرياحين في حكايات الصالحين" لعفيف الدين أبي السعادات، والذي حفل بحكايات الطالحين من المتصوفة الذين ضل سعيهم في الحياة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ونكتفي بذكر هذه الحكاية من الكتاب المذكور مع الإشارة إلى التبريرات السخيفة والواهية التي يبرر بها صاحب الكتاب التجاوزات اللامشروعة التي كان يقوم بها علي


الكردي بطل الحكاية، فقد قال في الحكاية الثالثة والأربعين بعد الأربعمئة: (وقال الشيخ صفي الدين أيضاً (رضي الله تعالى عنه) في رسالته: لما جاء الشيخ الأجل شهاب الدين السهروردي (رضي الله تعالى عنه) إلى دمشق في رسالة الخليفة إلى الملك العادل بالخلعة والطوق وغير ذلك، قال لأصحابه: أريد أن أزور علياً الكردي، فقال له الناس: يا مولانا، لا تفعل أنت إمام الوجود، وهذا رجل لا يصلي ويمشي مكشوف العورة أكثر أوقاته، فقال: لابد لي من ذلك. قال: وكان الشيخ علي الكردي مقيماً أكثر أوقاته في الجامع، حتى دخل عليه مولىً له آخر يقال له: ياقوت، فساعة دخوله من الباب خرج الشيخ علي من دمشق وسكن جبانتها بالباب الصغير، وما دخلها بعد ذلك إلى أن مات، وياقوت فيها يتحكم، فقالوا للشيخ شهاب الدين: هو في الجبانة، فركب بغلته ومشى في خدمته [مع] من يعرِّفه موضعه، فلما وصل إلى قريب مكانه ترجل وأقبل يمشي إليه، فلما رآه علي الكردي قد قرب منه كشف عورته، فقال الشيخ شهاب الدين: ما هذا شيء يصدنا! وها نحن ضيفاك، ثم دنا منه وسلَّم عليه وجلس معه  ... إلخ) (١).

وهذه المخالفة الصريحة من ذا الولي لقوله تعالى: ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ) (النور: ٣٠)، تبرر عند صاحب الكتاب بالقول: (وهذا الوله المذكور عن الشيخ علي الكردي موجود في كثير من الأولياء مشهور، وقد زاد علي كثير منهم حتى نسبوا


إلي الجنون وهم المعروفون في الكتب بعقلاء المجانين، وكثير منهم قُيِّدوا وحُبِسوا، وقد ذكرتُ جماعة منهم في هذا الكتاب يحسب الناس أنهم مجانين وهم العقلاء والأولياء، ولكن محبة الله ومعرفته وعظيم ما شاهدوا من عظمته وجلاله وكماله حيّرهم وهيّمهم وشجاهم وتيّمهم،  ...)(١) .

ويبرِّر صاحب الكتاب هذا الانحراف والخروج عن حدود الشريعة في الفصل الأول من خاتمة كتابه حينما يتحدث عن زيارة السهروردي لعلي الكردي هذا، فيقول: (ولم يصده عنه ما قابله به من كشف عورته وما نسب إليه من ترك الصلاة وغير ذلك لما عرف فيه من الولاية التي سبقت بها العناية)(٢) .

وفي الحقيقة والواقع أن صدور مثل هذه الأفعال المخالفة للشرع من قبل المدعين للولاية والقرب من الله، وتبريرها من قبل البعض الآخرين من الجهلة، هو الذي أوجب التشنيع على العرفاء الإسلاميين ونسبتهم إلى التصوف والخروج عن الدين من قبل الفقهاء وعامة الناس، وعلى هذا الأساس تم الخلط، بلا وعي وإدراك، بين العرفان الصحيح والتصوف الباطل. وهي مسألة لا يسعنا بحثها بكل تفاصيلها في هذا المقام، وإنما أردنا فقط من خلال هذه الإشارة المختصرة إليها تنبيه شبابنا المسلم على ضرورة عدم الوقوع في هذه الاشتباهات

____________________

(١) نفس المصدر: ٣٣٦.

(٢) نفس المصدر: ٣٩١.


الخطيرة، وعدم الاقتناع بالتبريرات التي تقدم لها، ويكفي في إبطالها أننا لم نشاهد في سيرة رسول الله (ص) والأئمة من أهل بيته (ع) هذه المخالفات، بل كانوا حريصين كل الحرص على التمسك بأحكام الشريعة والتأدب بآدابها مع ما لهم من قدم صدق في الولاية والقرب من الله عَزَّ شأنه.

رابعاً: أن على الشاب المسلم وكل من يريد السلوك إلى الله والتقرب منه أن يعي أن التقرب إلى الله وتوثيق الاتصال بعالم الغيب لا يعني الانفصال عن هذا العالم الدنيوي، وعدم إحساس الإنسان بمشاكل المجتمع ومعايشته لهمومه، وهناك فرق بين أن نقول: إن الإسلام وكل الشرائع السماوية تدعوا الإنسان إلى الترفع عن عالم المادة والتوجه إلى العالم الغيبي، وبين أن نقول: إن الإسلام والأديان الإلهية تريد قطع صلة الإنسان بعالمه الدنيوي وجعله مترفعاً عن الإحساس بهموم الناس ومشاكلهم. فالأمر الأول صحيح وأما الأمر الثاني فلا؛ لأننا حينما نتفكر في نفس الغاية التي من أجلها شرع الله جَلَّ وعلا الدين وبعث الأنبياء والرسل (ع) نلحظ أنها ترتبط بالناس وبالمجتمع كل الارتباط، ويكفينا التأمل في الآيات القرآنية التالية:

الأولى: قوله تعالى: ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ) (الحديد: ٢٥).

الثانية: قوله تعالى:( قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ


آَيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ) (الطلاق: ١٠ - ١١).

الثالثة: قوله تعالى:( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ) (إبراهيم: ٥).

فهذه الآيات الكريمة وغيرها كثير تدلنا على أن الغاية من بعث الأنبياء والرسل (ع) هي إقامة العدل في المجتمع وإخراج الناس من ظلمات الوهم والجهل والشرك إلى نور العلم والحقيقة والتوحيد الخالص لله وسبحانه وتعالى. فهل كان بإمكان الرسل والأنبياء (ع) أن ينجزوا هذه المهمة ويقوموا بتلك الوظيفة وهم بعيدون عن الناس لا يدرون ما هي همومهم ولا يعون ما هي مشاكلهم؟‍!

ولقد سعى الإسلام لمحاربة هذه النظرة الانزوائية والانعزالية التي يريد البعض من خلالها حصر الإسلام في دائرة ضيقة تنصب كل اهتماماتها على تضخيم المعاناة الذاتية للشخص وتتغافل كل أنواع المعاناة التي يعيشها الآخرون، حينما اعتبر العديد من مظاهر السعي الاجتماعي التي تستهدف حل مشاكل الآخرين والتفاعل معهم أفضل بكثير من مظاهر السعي الفردي التي تتأطر بالتفكير الضيق في قضايا الذات وهمومها الشخصية، ففي الحديث عن الإمام الصادق (ع):(لقضاء حاجة امرئ مؤمن أحب إلى الله من عشرين حجة كل حجة


ينفق فيها صاحبها مئة آلف) (١) .

وحدّث إسحاق بن عمار عنه (ع) أنه قال:(من طاف بهذا البيت طوفاً واحداً كتب الله عَزَّ وجَلَّ له ستة آلاف حسنة ومحا عنه ستة آلاف سيئة، ورفع الله له ستة آلاف درجة حتى إذا كان عند الملتزم فتح الله له سبعة أبواب من أبواب الجنة، قلت له: جعلت فداك هذا الفضل كله في الطواف؟ قال:نعم وأخبرك بأفضل من ذلك، قضاء حاجة المسلم أفضل من طواف وطواف وطواف حتى بلغ عشراً) (٢) .

وعنه (ع) أيضاً:(لأن أمشي في حاجة أخ لي مسلم أحب إلي من أن أعتق ألف نسمة وأحمل في سبيل الله على ألف فرس مسرجة ملجمة) (٣) .

خامساً: من المهمات التي يلزم التوجه إليها أن لا تكون الغاية لسعي الإنسان الروحي شيئاً آخر غير الله سبحانه وتعالى، فهو الغاية التي ينبغي أن يجعلها الإنسان لكل أعماله الخيرة وقرباته الصالحة، ولذا لا ينبغي للإنسان أن يندفع في العبادة ويكثر منها بغرض نيل الكرامات التي نسمع بصدورها كثيراً من أولياء الله تعالى، وليعلم الإنسان الذي يريد السعي إلى الله بقدمي الإخلاص والعبودية أن نيل الكرامة ليس هدفاً في حد ذاته، وربما كان اشتغال الإنسان واهتمامه

____________________

(١) أصول الكافي: ٢ / ١٩٣، حديث ٤.

(٢) نفس المصدر: ١٩٤، حديث ٨.

(٣) نفس المصدر: ١٩٧، حديث ٤.


بالكرامات من الحجب التي تحجب الإنسان عن الوصول إلى مقصده الأصلي من سعيه الروحي.

يقول الإمام الخميني (قده): (وإذا كان السالك في سلوكه إلى الله طالباً لحظ من الحظوظ النفسانية ولو كان هو الوصول إلى المقامات، بل ولو كان هو الوصول إلى قرب الحق بمعنى وصول نفسه إلى الحق، فليس هذا السلوك سلوكاً إلى الحق ..، فالسفر إذا كان في مراتب النفس وللوصول إلى الكمالات النفسانية فليس بسفر إلى الله، بل هو سفر من النفس إلى النفس)(١) .

هذه خمسة أمور مهمة أردنا من شبابنا المسلم الذي يسعى إلى التكامل والقرب من الله أن يأخذها في حسبانه ولا يغفل عنها، لأن الغفلة عنها ربما أدت إلى أن يتحرك الشاب المسلم في اتجاه معاكس لما يريده الله منه في الوقت الذي يعتقد أن سعيه الروحي يقربه من الله.

____________________

(١) الآداب المعنوية للصلاة: ٢٩٥.


الكلمة الخامسة:

حقائق مهمة للشباب عن عالم الغيب وقضايا الروح

يستأثر التفكير في القضايا الروحية والغيبية اهتمام الكثير من الناس، بل يمكن القول إنه ما من أحد من الناس إلا وجال فكره وخاطره في ما وراء عالمنا المادي هذا من حقائق وموجودات، غاية الأمر أن اشتغال الإنسان بتدبير أمور حياته ومعاشه اليومي يصرفه عن إدامة النظر وإطالة التفكير في ما هو غائب عن حواسه الخمس، ولكن مع ذلك، فإن هذا الاشتغال والتعلق بالعالم المادي الدنيوي لم يمنع كثيراً من الناس من محاولة التعرف على ما وراء الغيب، وربما يدفع الإنسان إلى هذه المحاولة الرغبة في استكشاف المجهول، وهي رغبة تظل تلح على الإنسان وتؤرِّقه مادام المجهول مجهولاً بالنسبة إليه.

وإذا ما أردنا أن نستكشف العوامل التي تحفز الإنسان المؤمن بالغيب والمعتقد بوجود عالم آخر وراء هذا العالم المادي المحسوس للاهتمام بكل القضايا الغيبية والوجودات الماوراء طبيعية، فإننا لن نحتاج إلى مزيد عناء وتعب في التعرف على هذه العوامل ووضع اليد عليها، وذلك لأننا سنعثر بالإضافة إلى العوامل المشتركة بين عموم


الناس على عوامل خاصة ينميها ويأصلها نفس المعتقد الديني للشخص المؤمن بعالم الغيب وما وراء الحس والطبيعة، إذ من الملاحظ أن كل الأديان حتى التي كانت من صنع البشر وابتداعهم - باستثناء المعتقدات الإلحادية التي كانت تنكر وجود الخالق ووجود عالم آخر غير عالمنا المادي هذا، وهي نادرة تمثل حالات استثنائية من الشذوذ العقلي والفطري لا يمكن التعويل عليها والالتفات إليها - كان الإيمان بالغيب والغيبيات يحتل مجالاً واسعاً من أفقها الفكري والعقيدي.

إذن الاهتمام بالعنصر الغيبي - ونعني به ما لا يدرك بالحواس الخمس - سواء كان هو الله جَلَّ جلاله، أم الجن، أم الملائكة والأرواح، أم الجنة والنار، أم غير ذلك من الموجودات الغيبية، لم يكن وليد فترة زمنية معينة من حياة الإنسان وتاريخه، ولا سيَّما إذا أضفنا إلى ما تقدم الكثير من الظواهر الغيبية التي كان يشاهدها الإنسان أو يستشعر تأثيراتها من دون أن يستطيع العثور على أسبابها وعللها الحقيقة، كالسحر والمعجزات والحسد والعين والتخاطر من بعد وخوارق العادات، وغيرها من الظواهر التي قد ينكرها بعض الناس ولا يؤمنون بها، ولكن كثيراً من الناس - إن لم يكن أكثرهم - يؤمنون بها وبوقوعها، أو على أقل تقدير لا يستبعد إمكانية وقوعها وتحققها.

فهذه الظواهر وتلك الغيبيات كانت دائماً تشغل بال الإنسان وتسترعي انتباهه، وتدفعه لمحاولة التعرف عليها من قرب والتوصل إلى


مجاهيلها وأسرارها بطريق أو آخر، وهذا كان يدفع عدداً غير يسير من الناس للدخول في ممارسات عملية قد لا تكون مستقيمة ومتزنة تلبية للرغبة الجامحة التي تثيرها عند الإنسان فكرة الاتصال بالمجهول والارتباط بالعالم الغيبي.

وفي كلمتنا هذه نحاول أن نقدم لشبابنا المسلم بعض الحقائق والتصورات المهمة عن عالم الغيب وقضايا الروح، مستهدفين من ذلك رفع بعض الغموض الذي يلف القضايا الغيبية ويحولها إلى قضايا يتعامل معها الكثير من الناس من موقع التخبط والاهتزاز الفكريين والسلوكيين.

وسنحاول تقديم هذه الحقائق وتلك التصورات من خلال النقاط الأربع التالية:

النقطة الأولى: ضرورة الإيمان بالغيب

من السمات البارزة التي يذكرها القرآن الكريم للمؤمنين هي إيمانهم الراسخ بعالم الغيب فيقول تعالى:( الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ  ... ) (البقرة: ١ - ٣)، ويقول عَزَّ شأنه:( إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ) (يس: ١١)، ويقول سبحانه:( إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ) (الملك: ١٢).

وتذكيرنا بهذه الحقيقة يأتي من أجل لفت النظر والتنبيه على أن


الإنسان مادام في هذه الدنيا فإنه تبقى كثير من الأمور بالنسبة إليه في نطاق الغيب ومجاله، ومهما أوتي الإنسان من سعة علم ومعرفة فإن معرفته في أكثر الأحيان لا تتعدى حدود المعرفة الظاهرية والسطحية للأشياء، وهذا يستلزم من الإنسان أن لا يعجب بما وصل إليه من علوم ومعارف، وأن يعي كل الوعي أن فوق كل ذي علم عليم، وهذه الأمور هي التي يذكرنا بها القرآن حينما يقول:( وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) (البقرة: ٢١٦)، وحينما يقول: ( وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ) (يوسف: ٧٦)، وحينما يقول:( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) (الروم: ٧)، وحينما يقول:( وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ) (الإسراء: ٨٥)، وحينما كرر أكثر من مرة قوله تعالى:( وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) (يوسف: ٢١).

وهذه الآيات وغيرها تدفعنا لتفويض أمر الغيب والعلم به بكل تفاصيله إلى الله؛ لأنه:(  ... لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ) (النمل: ٦٥)، وقد أخبرنا جَلَّ شأنه بأنه لا يطلع أحداً على الغيب إلا من شاء من رسول أو نبي فقال:( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ ) (آل عمران: ١٧٩)؛ ولذا فإن عباد الله الصالحين يرجعون العلم بالغيب إلى الله، وهذا ما يحكيه القرآن حينما يقول:( يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ) (المائدة: ١٠٩).

وما نريده من إثارة هذه الأمور المتقدمة والتي ربما تكون معلومة


عند الكثير منا، هو تنبيه شبابنا المسلم على ضرورة التطلع إلى الغيب وما وراء عالم المادة والطبيعة، ولكن من موقع الرغبة في توثيق العلاقة بين العبد وربه، لا من موقع التفكير في الاستئثار بمعلومات ومعارف غيبية يشكل العلم بها امتيازاً نفسياً للإنسان؛ وذلك لأن الإسلام لا يعطي للعلم قيمة مجردة عن العمل، وإنما العلم يراد له أن يكون مقدمة للعمل ووسيلة لتحقق الإنسان بحقيقة العبودية، وكثيرون أولئك الذين حجبهم علمهم عن الله لأنهم لم يعوا أن العلم إنما هو المنزل الأول من منازل السلوك إلى الله، وأنه لا ينبغي للسالك إلى الله التوقف عنده والاكتفاء به، بل يلزمه تجاوزه إلى منازل القرب الأخر. وفي ذلك يقول الإمام الخميني (قده): (فسالك طريق الحقيقة ومسافر سبيل العبودية إذا قطع هذا المنزل بالسلوك العلمي وركب مركب السير الفكري يقع في حجاب العلم ويصل إلى المقام الأول للإنسانية، ولكن هذا الحجاب من الحجب الغليظة وقد قالوا: العلم هو الحجاب الأكبر، ولابد للسالك أن لا يبقى في هذا الحجاب وأن يخرقه، ولعله إذا اقتنع بهذا المقام وسجن قلبه في هذا القيد يقع في الاستدراج، والاستدراج في هذا المقام هو أن يشتغل بالتفريعات الكثيرة العلمية ويجول فكره في هذا الميدان، فيقيم لهذا المقصد براهين كثيرة فيحرم من المنازل الأخر ويتعلق قلبه بهذا المقام ويغفل عن النتيجة المطلوبة، وهي الوصول إلى الفناء في الله، ويصرف عمره في حجاب البرهان وشعبه وكلما كثرت الفروع يصير الحجاب والاحتجاب عن الحقيقة أكثر.


فللسالك أن لا يغتر بمكايد الشيطان في هذا المقام ولا يحتجب بكثرة العلم وغزارته، ولا بقوة البرهان عن الحق والحقيقة ويتأخر عن السير في الطلب وله أن يشمر الذيل بهمته، ولا يغفل عن الجد في طلب المطلوب الحقيقي حتى ينال المقام الثاني، وهو أن كل ما أدركه عقله بقوة البرهان والسلوك العلمي يكتبه بقلم العقل على صحيفة قلبه كي يوصل ذل العبودية وعز الربوبية إلى القلب ويفرغ من القيود والحجب العلمية).

النقطة الثانية: حقيقة العالم الغيبي

أكثر الناس تؤمن بوجود عالم غيبي يختلف في خصائصه ومميزاته عن عالمنا المادي الذي نعيش فيه ونشعر به بالفعل، ومنذ أن خلق الله تعالى الإنسان خلقه بجنبة روحية يتطلع من خلالها إلى العالمين الغيبي والروحي، وقد أشار تعالى إلى البعد الروحي الذي يتمتع به الإنسان حينما قال:( وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ) (السجدة: ٧ - ٩).

ومن خلال الجنبة الروحية كان الإنسان على الدوام يسعى للتعرف على حقيقة العالم الغيبي الذي يشعر الإنسان بأن روحه ونفسه تنتميان إليه وتشتاقان للارتباط به، وقد كانت مهمة الأديان السماوية هي ربط الإنسان بهذا العالم وتوثيق علاقته به من خلال الإفصاح عن بعض حقائق هذا العالم وموجوداته، وربما وُفِق البعض من الناس، كالفلاسفة

____________________

(١) المصدر السابق: ٣٦.


والحكماء الإلهيين، من خلال قدراتهم العقلية المتميزة من الوصول إلى بعض الأمور الغيبية والتعرف على حقيقتها، ولكن مع ذلك ظلت حاجة الإنسان شديدة إلى الأديان والرسالات السماوية من أجل وعي وإدراك حقيقة العالم الغيبي ولو بنحو الإجمال؛ لأن الوعي التفصيلي بكل حقائق عالم الغيب ربما لا يتيسر للإنسان مادام في هذه الدنيا. ولأنَّ أكثر الناس تعجز عن إدراك حقيقة العالم الغيبي فإن الشرائع قد أمرتهم أن يؤمنوا إيماناً إجمالياً بالغيب، وأن لا يسعوا لتكلّف التعرف والإحاطة بما لا يمكن لعقولهم الإحاطة به وإدراك حقيقته، ولذا حينما سئل أمير المؤمنين (ع) عن القدر قال:(طريق مظلم فلا تسلكوه، وبحر عميق فلا تلجوه، وسر الله فلا تتكلفوه) (١) .

ومما ينبغي الالتفات إليه بصورة أساسية أن حقيقة الحقائق، وهو الله سبحانه وتعالى، الذي هو المقصد الأصلي للإنسان في سيره التكاملي والروحي، مهما اقترب الإنسان منه وارتبط به فإنه يظل غيباً بالنسبة إليه، وليس بإمكان أي إنسان أن يحيط بحقيقة الذات المقدسة، وهذا المطلب مقرر بصورة واضحة وجلية في نصوص الشريعة وكلمات العرفاء. وكم هي جميلة كلمة الإمام السجاد (ع) حينما يناجي ربه قائلاً:(إلهي قصرت الألسن عن بلوغ ثنائك كما يليق بجلالك، وعجزت العقول عن إدراك كنه جمالك، وانحسرت الأبصار دون النظر إلى سبحات وجهك. ولمْ تجعل للخلق طريقاً إلى معرفتك

____________________

(١) نهج البلاغة: قصار الحكم / رقم ٢٨٧.


إلا بالعجز عن معرفتك) (١) .

يوصينا أمير المؤمنين (ع) بأن نرجع إلى القرآن في التعرف على صفات الباري سبحانه وتعالى وأن لا نتكلف ما وراء ذلك، لا لأنه لا يراد لنا أن نعلم بما وراء ذلك، بلا لأنه لا يوجد شيء وراء ذلك يمكن لعقولنا أن تصل إليه وتطلع عليه، فيقول (ع):(فانظر أيها السائل: فما دلَّك القرآن عليه من صفته فائتم به واستضئ بنور هدايته، وما كلَّفك الشيطان علمه مما ليس في الكتاب عليك فرضه، ولا في سنة النبي (ص) وأئمة الهدى أثره، فَكِلْ علمه إلى الله سبحانه، فإن ذلك منتهى حق الله عليك. واعلم أن الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن اقتحام السُّدَد المضروبة دون الغيوب، الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فمدح الله تعالى اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علماً، وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخاً، فاقتصر على ذلك، ولا تقدر عظمة الله سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين. هو القادر الذي إذا ارتمت الأوهام لتدرك منقطع قدرته، وحاول الفكر المبرَّأ من خطرات الوساوس أن يقع عليه في عميقات غيوب ملكوته، وتولَّهت القلوب إليه، لتجري في كيفية صفاته، وغمضت مداخل العقول في حيث لا تبلغه الصفات لتناول علم ذاته، ردعها وهي تجوب مهاوي سُدَف الغيوب، متخلصة إليه سبحانه، فرجعت إذ جبهت معترفة بأنه لا ينال

____________________

(١) الصحيفة الكاملة السجادية: مناجات العارفين.


بجور الاعتساف كنه معرفته، ولا تخطر ببال أولى الرَّوِيَّات خاطرة من تقدير جلاله عِزَّته) (١) .

وبعد أن وعينا هذه الحقيقة نريد أن نقدم لشبابنا المسلم بعض الحقائق الأساسية عن عالم الغيب بالمقدار الذي يتناسب والمستوى الفكري العام لهؤلاء الشباب، ولم يكن بإمكاننا أن نتوسع كثيراً في بيان حقائق عالم الغيب لأن الكثير من هذه الحقائق يتوقف فهمها واستيعابها على توفر مقدمات علمية وعملية للإنسان لا يمكن تحصيلها من دون كثير عناء وتعب؛ ولذا فإن ما سنقدمه لن يتجاوز أن يكون صورة إجمالية عن العالم الغيبي، نريد من خلالها رفع حالة الغموض والارتباط التي يعيشها الشاب المسلم في تصوراته عن عالم الغيب وما وراء الطبيعة.

فنقول: مما لا شك فيه أن هناك تقسيَّماً أولياً للوجود يدركه كل الناس بعقولهم البسيطة والساذجة، وهو تقسيم الوجود أو الموجودات بالأحرى إلى وجودات مادية نستشعرها ونحسها بحواسنا الخمس، ووجودات غير مادية نؤمن بها ولكننا لا نحسها، وأكثر الناس تعتقد أن العالم الغيبي هو وجود واحد يقابل العالم المادي، ولكن الحقيقة التي يهدينا إليها الشرع والدين وتوصل إليها العرفاء الإلهيون من خلال اتباعهم للشرع ومجاهدتهم لأنفسهم هي غير ذلك، وذلك لأن العالم الغيبي هو عالم ذو مراتب تخفى جميعها علينا، وقد اصطلح العرفاء

____________________

(١) نهج البلاغة: الخطبة ٩١.


الإسلاميون، ممن عنوا بالجانب الروحي في الإسلام واستطاعوا إدراك الكثير من حقائق عالم الغيب، على التسميات التالية التي تبين جميع مراتب الوجود وتنزلاته، فقالوا: (فأول العوالم في الوجود الخارجي هو عالم العقول والنفوس المجردة المسماة بعالم الجبروت، ثم عالم المثال المطلق الذي لكل من الموجودات المجردة وغير المجردة فيه صور مثالية مدركة بالحواس الباطنة، ويسمى بعالم الملكوت، ثم عالم المُلْك الذي هو العرش والكرسي والسماوات والعناصر وما يتركب منها. وهذه العوالم الثالث صور ما في العلم الإلهي من الأعيان الثابتة المسماة بالماهيات الممكنة، والحقائق وأمثالها، وهي عالم الغيب المطلق لاشتماله على غيوب كل ما في العالم.

والإنسان وإن كان من حيث صورته الظاهرة من عالم الملك، لكن لجامعيته وكونه مشتملاً على كل ما في العالم الخارجي فهو عالم آخر برأسه، فصارت العوالم الكلية والحضرات الأصلية خمساً: عالم الأعيان الثابتة، وهي عالم الغيب المطلق. عالم الجبروت. عالم الملكوت. عالم الملك. عالم الإنسان الكامل)(١) .

ولا بد من التنبيه في هذا المقام على أن معرفة الأمور والأشياء تارة

____________________

(١) رسائل قيصري: رسالة في التوحيد والنبوة والولاية / ١٤ - ١٥.


تكون بحدودها، وتارة بإدراكها على ما هي عليه من خلال انكشاف حقيقتها للإنسان بصورة مباشرة، وحينما نريد أن نوضح ذلك بمثال فإنه سيمكننا تشبيه النوع الأول من المعرفة بمن يستطيع أن يحد الحلاوة فيقول هي كذا وكذا، وهذا نوع معرفة بالشيء، والنوع الثاني من المعرفة يمكن تشبيهه بمن يعرف الحلاوة بتذوقها، والنوع الأول من المعرفة يسمى بالمعرفة العقلية لأنها تستند في معرفة حقيقة الأشياء إلى العقل والبرهان، والنوع الثاني من المعرفة يسمى بالمعرفة القلبية لأنها تستند في معرفة حقيقة الأشياء إلى القلب والعرفان، ولكل نوع من أنواع المعرفتين مناصرون ومؤيدون، واصطلح على تسمية مناصري المعرفة القلبية والذوقية بالإشراقيين أو العرفاء.

وفي هذا المجال توجد بحوث معرفية وفلسفية مطولة في ترجيح المعرفة العقلية البرهانية على المعرفة القلبية العرفانية أو بالعكس، وفي الإشكالات المعرفية التي ترد على كل نوع من أنواع المعرفتين، والبحث في هذه المسألة يعد من البحوث الفلسفية المهمة التي شغلت تفكير الكثير من الفلاسفة والعرفاء، ومازالت المسألة إلى يومنا هذا محل أخذ ورد، وقد بحثت بعضاً مما يرتبط بالمسألة مورد البحث في كتابي"القيمة المعرفية للكشف والشهود" .

وما أردته من ذكر هذا التنبيه هو فقط الإشارة إلى أن معرفة الحقائق الغيبية على وجهها الصحيح والتام قد لا تتيسر للإنسان بمجرد البحث


العلمي والتتبع الفكري، بل ربما يفتقر إدراكها إلى مجاهدات نفسية عملية؛ وذلك لأن الإسلام قد دلنا على أن العلم والعمل يرتبط كل منهما بالآخرة ويؤثر فيه، فالعلم يهدي إلى العمل، والعمل بالعلم يفتح للإنسان أبواباً أخر من العلم، وهذا ما أكده القرآن حينما قال:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً ) (الأنفال: ٢٩) وحينما قال:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (الحديد: ٢٨)، وحينما قال:( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) (العنكبوت: ٦٩).

ومن هنا نريد التأكيد على أن ما استعرضناه من حقائق عن عالم الغيب في هذه النقطة وما سنقوم باستعراضه في النقطة القادمة من حقائق وتصورات ترتبط بهذا العالم أيضاً قد لا تتضح كل الوضوح للقارئ، وكل ما نرجوه من القارئ أن يعي أن هناك حقائق كثيرة عن عالم الغيب قد يكون جاهلاً بها ولم يسمع عنها أبداً؛ مما يستدعي منه أن يكون دقيقاً في رفض أو قبول هذه الحقائق أو التصورات، وأن يكون أكثر دقة في التعامل مع القضايا والأمور الغيبية التي لم يسمح له الوقت بتكوين تصور معقول وواقعي عن حقيقتها وكنهها، لأننا نعي تمام الوعي أن التعامل مع القضايا الغيبية والروحية من دون استعداد علمي وعملي مسبقين عمل له خطورته الكبيرة على ذات الشخص وعلى الآخرين ممن يرتبطون به، وهذا ما سنقوم ببيانه في النقطة الرابعة من


هذه الكلمة.

وما قدمناه من تصوير عن عالم الغيب وتعدد وجوداته وتنزلاته فيما مر وسبق هو نتاج أفكار العرفاء الإسلاميين، وهناك تصوير آخر حاول العلماء الطبيعيون من خلاله تقديم بعض الحقائق عن العالم الغيبي، وأكثر هذه الحقائق ينسجم ولا يتعارض مع الحقائق التي استطاع عرفاء الإسلام التوصل إليها واكتشافها في هذا المجال، ومنذ بدايات القرن العشرين الميلادي توجهت أنظار الكثير من العلماء في أوربا وأمريكا والاتحاد السوفيتي السابق إلى البحث في القضايا الروحية والغيبية، وتوصلوا من خلال بحوثهم التجريبية والمختبرية إلى نتائج مهمة في المجالين الروحي والغيبي يمكننا اعتبارها أوليات البحوث الروحية والغيبية التي أهتم بها أشد الاهتمام في الوسط الإسلام علم العرفان.

ويقوم التصوير الذي يقدمه العلماء المحدثون عن العوالم الغيبية على الاعتقاد بانقسام العالم إلى عالمين: عالم فيزيقي وهو العالم المادي الذي نحسه ونشعر به وندرك موجوداته، وعالم أثيري هو بمثابة العالم الغيبي الذي لا نحسه ولا نشعر به ولا ندرك موجوداته إلا من خلال تأثيراته التي تنعكس في بعض الأحيان على عالمنا المادي الفيزيقي.

وفي مقام بيان وشرح بعض حقائق الإنسان الغيبية يقول جيمس آرثر فند لاي - وهو ممن توصلوا إلى نتائج مهمة وجيدة في البحث الروحي - في كتابه"على حافة العالم الأثيري": (إن الإنسان مكون من


جسم ونفس وروح، فالجسم ما نراه، والنفس هي العقل، والروح هي الجسم الأثيري الذي يطابق في الشكل الجسم الفيزيقي، وهي التي تجعل هذا الجسم الفيزيقي يتماسك. وما الموت إلا انفصال الجسم الأثيري عن الجسم المادي، ويحمل هذا الجسم الأثيري معه العقل أو النفس، وعندئذٍ ننظر إلى الكون من وجهة النظر الأثيرية لا وجهة النظر المادية، ويصبح العالم المادي أمراً تافهاً لا يعتد به. أما الأثيري، وهو ما نسميه نحن الفضاء، فليس إلا مادة حقيقية في صيغة أكثر تخلخلاً، وهو العالم الحقيقي الذي يعتد به، وهو ما عرفنا عن تكوينه كون مستقر ثابت، في حين أن الكون المادي دائب التغير سائر إلى الانحلال، ولا يوجد في الكون الأثيري أي أثر للانحلال، بل إن كل شيء فيه ثابت منتظم. أما عقل الإنسان فشيء فوق الأثيري، ولا يستطيع أي إنسان وهو في جسمه الفيزيقي أن يشرح العقل ويفسره، ولكنه لابد أن يكون شيئاً فوق الأثيري لأنه يعمل بعد الموت، فهو الذي يرشد الجسم الأثيري ويضبطه)(١) .

وعن الجسم الأثيري يقول فندلاي: (والجسم الأثيري هو الذي يحفظ كيان الجسم المادي فوق الأرض، ومن الجائز أن يكون لكل شيء في الوجود جسم أثيري، ولن يتغير العقل بالموت ولكنه يؤدي

____________________

(١) فندلاي، على حافة العالم الأثيري: ٢٥ - ٢٦.


وظائفه في أوساط أخرى مغايرة)(١) .

ورغم ما توصل إليه فندلاي من حقائق عن عالم الغيب والروح فإنه كان يقول عن الحياة: (والحياة شيء آخر غير المادة الفيزيقية، وهي من خصائص العالم الأثيري، أما لماذا أو متى امتزجت بالمادة الفيزيقية؟ فأمر لا نعرفه)(٢).

وهذه هي بعض ملامح العالم الغيبي، وهي لا تعدو أن تكون مجرد تصورات أولية عن حقيقة العالم الغيبي وموجوداته، وإلا فإن حقائق هذا العالم لا تنفذ ولا تتناهى ولا يمكن الإحاطة بها واستعراضها في كتاب، بل ولا في كتب كثيرة، ولقد صدق تبارك وتعالى حينما قال:( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ) (الإسراء: ٨٥).

النقطة الثالثة: حقيقة الاتصال بالعالم الغيبي وصوره

بعد أن تبين لنا في النقطة السابقة وجود العالم الغيبي وبعض حقائقه الأولية فإنه يهمنا في هذه النقطة الحديث بصورة إجمالية أيضاً عن حقيقة الاتصال بالعالم الغيبي وموجوداته، وصور هذا الاتصال وأشكاله. والحديث عن هذا الأمر حديث له أهمية خاصة لأننا نشعر أن الكثير من الناس يحملون تصورات مشوهة ومغلوطة عن كيفية الاتصال بالعالم الغيبي، وقبل ذلك عن حقيقة الارتباط بهذا العالم وإمكانية ذلك

____________________

(١) نفس المصدر.

(٢) نفس المصدر.


وعدمه.

وقبل بيان صور وأشكال اتصال الإنسان بالعالم الغيبي وموجوداته نريد أن نقدم المقدمة التالية، وهي: أن كل إنسان موحِّد يؤمن بالله ورسالاته لابد وأن يعتقد بإمكانية ارتباط الإنسان بالغيب ولو في حالات مخصوصة وعند أفراد مخصوصة من الناس، وعلى هذا الأساس يؤمن هذا الإنسان بدعوات الأنبياء والرسل (ع) لأنها لا تتأتى للأنبياء والرسل (ع) إلا من خلال ارتباطهم بالله سبحانه وتعالى ونزول الوحي عليهم بواسطة الملائكة أو القذف في القلب أو بأي واسطة أخرى، ومن خلال هؤلاء الرسل والأنبياء (ع) يوصل الله عَزَّ شأنه أوامره ونواهيه إلى عامة الناس، وليس من الممكن ولا بمقدور أي إنسان أن يكلمه الله بصورة مباشرة ويوحي إليه ما يشاء، لأن الارتباط بالله وتبليغ أحكامه إلى الناس مهمة ثقيلة لا يتوفر على شرائطها إلا القليل من الناس، ولذلك فإن الله سبحانه يقول: ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) (الشورى: ٥١).

والاتصال بالله سبحانه وتعالى وبعالم الغيب عن طريق النبوة والرسالة هو الطريق الوحيد الذي يطمئن الإنسان من خلاله إلى صحة وواقعية ما يصل إليه من عالم الغيب وما وراء المادة، وذلك لأن الحفظ والصيانة من الخطأ والاشتباه أمران مضمونان في هذا النوع من الارتباط بالعالم الغيبي، وهذا ما نلمحه من خلال تأكيد القرآن الكريم على


مقتضيات العصمة والحفظ في مبدأ ومنتهى وواسطة هذا الارتباط الغيبي بين الله تعالى وأنبيائه ورسله (ع). فالوحي ينزل من الله جَلَّ جلاله، والله لا يقول إلا الحق ولا يهدي إلا إلى الصراط المستقيم( قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ ) (يونس: ٣٥)،( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ ) (الحج: ٦)، ( وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ) (الأحزاب: ٤).

وواسطة هذا الاتصال هو الملك الذين ينزل على الرسل والأنبياء (ع) بالوحي من السماء، وقد وصف الله تعالى ملائكته بأنهم( لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) (التحريم: ٦)، ووصف الملك الذي ينزل على خاتم الأنبياء والرسل (ص) بالوحي والقرآن بالأمين فقال: ( وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ) (الشعراء: ١٩٢ - ١٩٣).

ومنتهى هذا الاتصال الغيبي هو النبي أو الرسول الذي يتلقى الوحي من الله بواسطة الملائكة، ومن يتلقى الوحي من الله ويبعثه الله بالنبوة والرسالة لا يمكن أن يكذب أو أن يحرف الكلام، وهو ما يثيره القرآن الكريم في العديد من آياته كقوله تعالى:( مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) (النجم: ٢ - ٤)، وقوله سبحانه:( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ) (الحاقة: ٤٠ - ٤٧) وكقوله تعالى على لسان نبيه


موسى (ع):( إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ) (الأعراف: ١٠٤ - ١٠٥).

وعلى هذا الأساس فإن جميع تنزلات الوحي على الأنبياء والرسل (ع) تكون بالحق، قال تعالى:( وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ) (الإسراء: ١٠٥) وقال سبحانه:( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ) (البقرة: ١٧٦)، وقال عَزَّ شأنه في شأن كل الأنبياء الذين أوحى إليهم:( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ) (البقرة: ٢١٣).

ومن المهم أن نشير في ختام حديثنا عن الوحي إلى أن الوحي في المصطلح القرآني لا يختص بالأنبياء والرسل (ع)، بل هو على أنواع وأشكال ومراتب وما يختص بالأنبياء والرسل (ع) هو المرتبة العالية من الوحي التي تستلزم حمل رسالة إلهية أو دعوة ربانية إلى الناس، وعدم اختصاص الوحي بالأنبياء والرسل (ع) دلت عليه الكثير من آيات القرآن الكريم كقوله تعالى:( وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ) (النحل: ٦٨)، وقوله تعالى:( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ) (القصص: ٧).

هذا ما أردنا بيانه بالنسبة إلى الطريق الأول من طريق الاتصال بالغيب. وأما الطرق الأخرى للاتصال بعالم الغيب والارتباط بما وراء الطبيعة فإن الحديث عنها يطول وسنحاول تقديم بعض الحقائق والتصورات عنها ضمن الخلاصة التالية:


يعتقد جل الفلاسفة والعرفاء من الإسلاميين وغيرهم بوجود عوالم غيبية يمكن للإنسان الارتقاء إليها والتوصل إلى اكتشاف حقائقها بطريق أو آخر، وأهم تلك العوالم هو عالم المثال، وهو عالم بين عالم الأجسام وعالم الأرواح المجردة (فهو من حيث أنه غير مادي شبيه بعالم الأرواح، ومن حيث أنه ذو صورة وشكل ومقدار شبيه بعالم الأجسام)(١) .

وهذا العالم توجد فيه حقائق الأشياء والموجودات وصورها المثالية ويمكن للإنسان من خلال تجريد نفسه أن يتصل بهذا العالم وأن يتعرف على ما فيه من حقائق وصور، (وجميع أرباب المكاشفة أكثر ما يكاشفون الأمور الغيبية يكون في هذا العالم وفيه يتجسد الأعمال والأفعال الإنسانية الحسنة والقبيحة كل بما يناسبها. ولكل إنسان فيه نصيب، وهو القوة الخيالية التي فيها يرى المنامات)(٢) .

وسنتحدث بعد قليل عن حقيقة المكاشفة التي يدعي أهل العرفان أنها طريق من طرق تحصيل المعارف الغيبية والإلهية. وما يلزم التنبيه عليه إن الإنسان حينما يتجرد وتسمو نفسه إلى الاتصال بالعالم العلوي، فإن أول ما يتعرّف عليه من عوالم الغيب هو هذا العالم المثالي، وفي ذلك يقول القيصري أحد أبرز علماء العرفان: (وأول ما ينفتح للإنسان عند غيبته من هذا العالم الجسماني هذا العالم

____________________

(١) رسائل قيصري: رسالة التوحيد والنبوة والولاية / ١٧.

(٢) نفس المصدر: ١٨.


المثالي، وفيه يشاهد أحوال العباد بحسن صفاء الباطن، وقوة الاستعداد. فإن من يشاهد أمراً يقع بعد سنة أقوى استعداداً ممن يشاهد ما يقع دون تلك المدة. وكل ما يشاهد في الخيال المقيد قد لا يكون محتاجاً إلى التعبير وهو القليل والأكثر ما يحتاج إليه، وذلك لأن المعاني إذا ظهرت بالصور إنما يظهر فيها بحكم المناسبة بينها وبين ما يظهر فيها من الصور، فلابد أن يعبر الرائي أو من يعبر له من تلك الصور إلى المعنى الظاهر فيها. وقد يكون أضغاث أحلام لا يلتفت إليه لسوء مزاج الدماغ، لذلك يصيب بعض المنامات ويخطأ بعضها)(١) .

وبعد أن أدركنا وجود هذا العالم وحقيقته فإنه سيتضح لنا أن اتصال الإنسان بعالم الغيب يعني قدرته على الاطلاع على ما في العوالم الغيبية وبالأخص عالم المثال من صور ومعلومات، ولا ينبغي الاعتقاد بأن اطلاع الإنسان على ما في عالم المثال من صور وحقائق ينحصر في طريقة واحدة وأسلوب معين، بل من المقرر بين علماء العرفان - وهم أكثر من اهتم وعنى بمثل هذه المسائل - أن تحصيل القدرة على الاطلاع على عالم الغيب يمكن من خلال عدة طرق، والبعض من هذه الطرق ربما لا يكون مكتسباً أصلاً، وإنما تتدخل بعض العوامل الوراثية والبيئية في وجوده وحصوله عند البعض من الناس، وعلى هذا الأساس فقد قسَّم العرفاء الكشف، والذي يعني

____________________

(١) نفس المصدر.


اطلاع الإنسان على ما وراء هذا العالم المادي من حقائق ومعلومات وصور، إلى قسمين:

الأول: الكشف الحقيقي المعنوي، وهو يعني ظهور المعاني العينية والحقائق الغيبية، وهو يحصل بسبب تزكية النفس ومجاهدتها بالمجاهدات الشرعية.

الثاني: الكشف الصوري غير الحقيقي، وهو يعني اطلاع الإنسان على المغيبات المختصة بالخلق، بالإضافة إلى اطلاعه على ما في عالم المثال عن طريق الحواس الخمس.

وهذا النوع من الكشف يحصل بعوامل ثلاثة:

الأول: المجاهدات الشرعية والتي تعني تهذيب الإنسان نفسه وتطهيرها من أوساخ التعلق بالمادة وانقطاعه إلى الحق جلَّ وعلا.

الثاني: المجاهدات غير الشرعية كما يفعله بعض أصحاب الرياضات النفسية والبدنية من أتباع الأديان والمذاهب الباطلة من كثرة الجوع وقلة النوم، فإن لهذه المجاهدات تأثيراً على نفسية الإنسان ولو كانت من غير طريق شرعي. وفي ذلك يقول بعض العرفاء: (وأما فراسة أهل الرياضة بالجوع والخلوة وتصفية البواطن من غير وصلة إلى جانب الحق، فلهم فراسة كشف الصور والأخبار بالمغيبات المختصة بالخلق، فهم لا يخبرون إلا عن الخلق، لأنهم محجوبون عن الحق)(١) .

____________________

(١) حيدر الآملي، جامع الأسرار ومنبع الأنوار: ٤٦٨.


الثالث: ما يحصل بسبب خاصية معينة تكون في النفس ترجع إما لعامل وراثي أو لوقت الولادة ومكانها أو لوضع البلد والبيئة الجغرافية. وقد اهتم علم (الباراسيكولوجي) في عصرنا الحديث باكتشاف هذه الخاصية التي تتمتع بها بعض النفوس البشرية ودراسة الظواهر الخارقة للعادة التي تتولد من وجود هذه الخاصية عند البعض من الناس.

ويهمنا قبل الدخول في بيان صور الكشفين الصوري والمعنوي أن ننبِّه شبابنا المسلم على أمر مهم للغاية، وهو أن حصول الكشف لإنسان ما لا يعني في تمام الأحوال استقامة هذا الإنسان واتباعه للشرع، لأننا قد بينا أن الكشف الصوري والذي يعني في بعض جوانبه اطلاع الإنسان على أسرار الناس وقضاياهم الخاصة قد يحصل في بعض الأحيان من خلال طرق غير شرعية، والمشكلة الكبرى هاهنا أن المخادعين وقطاع الطريق إلى الله ممن تحصل لهم هذه المكاشفات الصورية، يستغلون هذه المكاشفات لأغراضهم الدنيوية الخبيثة ويخدعون عامة الناس بأنهم أصحاب مقامات وقرب من الله، والناس لجهلها بهذه الأمور والحقائق تحسن الظن بهم وتعتقد أنهم في الواقع كذلك، وربما أعرضوا عن أصحاب الكشف المعنوي من العلماء والعرفاء الذين لا يرجون إلا الله ولا يخشون أحداً سواه لأنهم لا يخبرونهم عن مغيباتهم وأسرارهم الخاصة، ولم يعلموا أن العرفاء الحقيقيين الذين لا يبتغون من وراء سعيهم ومجاهدتهم لأنفسهم إلا الوصول إلى الحق جلَّ جلاله يعتبرون التفات الإنسان إلى الكشف


الصوري واشتغاله بالاطلاع على أسرار الخلق من الحجب التي تحجب الإنسان عن الوصول إلى الحق. وهذا ما يذكرنا به بعض العرفاء حينما يقول: (ولما كان العالم(١) أكثرهم أهل انقطاع عن الله واشتغال بالدنيا، مالت قلوبهم إلى أهل الكشف الصوري والأخبار عما غاب من أحوال المخلوقات فعظَّموهم واعتقدوا أنهم هم أهل الله وخاصته، وأعرضوا عن أهل الكشف الحقيقي، واتهموهم فيما يخبرون به عن الله، وقالوا: لو كان هؤلاء أهل الحق، كما يزعمون، لأخبرونا عن أحوالنا وأحوال المخلوقات، وإذا كانوا لا يقدرون على كشف أحوال المخلوقات، فكيف يقدرون على كشف أمور أعلى من هذه، فكذبوهم بهذا القياس الفاسد، وعميت عليهم الأنباء الصحيحة. ولم يعلموا أن الله تعالى قد حمي هؤلاء عن ملاحظة أهل الخلق وخصهم به، وشغلهم عما سواه، حماية لهم وغيرة عليهم. ولو كانوا ممن يتعرضون إلى أحوال الخلق، لما صلحوا للحق، فأهل الحق لا يصلحون للخلق، كما أن أهل الخلق لا يصلحون للحق)(٢) .

وأما بالنسبة إلى صور الكشفين الصوري والمعنوي فإنها كالتالي:

أولاً: صور الكشف الصوري: يذكر العارف الكبير السيد حيدر

____________________

(١) أي عامة الناس.

(٢) المصدر السابق ٤٦٩.


الآملي في كتابه(جامع الأسرار ومنبع الأنوار) صور الكشف الصوري فيقول بعد تقسيمه الكشف إلى معنوي وصوري: (وأعني بالصوري ما يحصل في عالم المثال من طريق الحواس الخمس، وذلك أما أن يكون على طريق المشاهدة، كرؤية المكاشفة صور الأرواح المتجسدة والأرواح الروحانية، وأما أن يكون على طريق السماع، كسماع النبي الوحي النازل منظوماً أو مثل صلصلة الجرس أو دوي النحل كما جاء في الحديث الشريف فإنه (ع) كان يسمع ذلك ويفهم المراد منه. أو يكون الكشف على سبيل الاستنشاق وهو التنسم بالنفحات الإلهية والتنشق بفوحات الربوبية. قال (ع):إن لله تعالى في أيام دهركم نفحات: ألا فتعرضوا لها . وقال:إني لأجد نفَس الرحمن من جانب اليمن . أو يكون الكشف عن سبيل الملامسة، وهي الاتصال بين النورين أو بين الجسدين المثاليين)(١) .

وبعد أن يستعرض الآملي صور الكشف الصوري هذه يوجه أنظارنا إلى أنواع الكشف الصوري من حيث تعلقها أو عدم تعلقها بالحوادث الدنيوية وكيف تصير هذه المكاشفات حجاباً لبعض الناس يحجبهم عن رؤية جمال الحق والإخلاص في الارتباط بالله سبحانه وتعالى، فيقول: (وأنواع الكشف الصوري إما أن تتعلق بالحوادث الدنيوية أولاً. فإن كانت متعلقة بها سميت رهبانية لاطلاعهم - أي أصحابها - على

____________________

(١) المصدر السابق ٤٦٢.


المغيبات الدنيوية بحسب رياضتهم. وأهل السلوك، لعدم توقف همهم العالية في الأمور الدنيوية، لا يلتفتون إلى هذا القسم من الكشف لصرفها عن الأمور الأخروية وأحوالها، ويعدونه من قبيل الاستدراج والمكر بالعبد، بل كثير منهم لا يلتفتون إلى القسم الأخروي أيضاً، وهم الذين جعلوا مقاصدهم الفناء في الله والبقاء به. والعارف المحقق لعلمه بالله ومراتبه وظهوره في مظاهر الدنيا والآخرة، واقف معه أبداً ولا يرى غيره، ويرى جميع ذلك تجليات إلهية، فينزل كلاً منها منزلته، فلا يكون ذلك النوع أيضاً من الكشف استدراجاً في حقه، لأنه حال المبعدين الذين يقنعون من الحق بذلك، ويجعلون ذلك سبب حصول الجاه والمنصب في الدنيا. وهو تعالى منزه في الحقيقة من القرب والبعد المثبتين للغيرية مطلقاً. وإن لم تكن أنواع الكشف الصوري متعلقة بها - أي بالحوادث الدنيوية - بأن كانت المكاشفات في الأمور الحقيقية الأخروية والحقائق الروحانية من الأرواح العالية والملائكة السماوية والأرضية، فهي مطلوبة معتبرة)(١) .

ثانياً: صور الكشف المعنوي: بعد أن يعرّف الآملي الكشف المعنوي بأنه (ظهور المعاني العينية والحقائق الغيبية)(٢) يشرع في بيان صوره ومراتبه فيقول: (وله أيضاً مراتب.أولها ظهور المعاني في القوة المفكرة من غير استعمال المقدمات وترتيب القياسات، بل بأن ينتقل

____________________

(١) نفس المصدر: ٤٦٥ - ٤٦٦.

(٢) نفس المصدر: ٤٦٩.


الذهن من المطالب إلى مبادئها، ويسمى بالحدس.

ثم ظهور المعاني في القوة العاقلة المستعملة للمفكرة، وهي قوة روحانية غير حالة في الجسم، ويسمى بالنور القدس، والحدس من لوامع أنوارها؛ وذلك لأن القوة المفكرة جسمانية، فتصير حجاباً للنور الكاشف عن المعاني الغيبية، فهي أدنى مراتب الكشف، ولذلك قيل: الفتح على قسمين فتح في النفس، وهي يعطي العلم التام نقلاً وعقلاً. وفتح في الروح، وهو يعطي المعرفة وجوداً، لا عقلاً ولا نقلاً.

ثم ظهور المعاني في مرتبة القلب، وقد يسمى ظهورها بالإلهام في هذا المقام، إن كان الظاهر معنى من المعاني الغيبية، لا حقيقة من الحقائق، أو روحاً من الأرواح المجردة، أو عيناً من الأعيان الثابتة؛ لأن تجلي هذه الأشياء في هذا الموطن يسمى مشاهدة قلبية.

ثم ظهور المعاني في مرتبة الروح، وينعت ظهورها بالشهود الروحي، وهو بمثابة الشمس المنورة لسماوات مراتب الروح وأراضي مراتب الجسد، فهو - أي المكاشف في مرتبة الروح - بذاته آخذ من الله العليم المعاني الغيبية من غير واسطة على قدر استعداده الأصلي، ويفيض على ما تحته من القلب وقواه الروحانية والجسمانية، إن كان من الكمل والأقطاب، وإن لم يكن منهم، فهو آخذ من الله بواسطة القطب على قدر استعداده وقربه منه، أو بواسطة الأرواح التي هي تحت حكمه من عالمي الجبروت والملكوت.


ثم ظهور المعاني في مرتبة السر، ثم ظهورها في مرتبة الخفى بحسب مقاميهما، وظهور المعاني في هذه المرتبة لا يمكن إليه الإشارة ولا تقدر على إعرابه العبارة، كما قيل: الحقيقة كشف سبحات الجلال من غير إشارة، وإذا صار هذا المعنى مقاماً أو ملكة للسالك، أتصل علمه بعلم الحق اتصال الفرع بالأصل، فحصل له أعلى المقامات من الكشف)(١) .

وهذه المعاني التي يذكرها العرفاء في بيان وإيضاح حقيقة الكشف ذكر ما يماثلها ويشابهها في الكثير من التفاصيل والجزئيات بعض من اهتموا بدراسة وتتبع الظواهر الروحية والغيبية، ولاسيَّما تلك الحالات التي حدثت لبعض من أصيبوا بالغيبوبة والموت المؤقت ثم عادوا إلى الحياة ليقصوا على الناس ما شاهدوه في أثناء غيبوبتهم أو موتهم المؤقت، ومن العجيب أن تتفق تلك المشاهدات التي شاهدها هؤلاء البعض مع تصورات العرفاء عن عالم الغيب وما يتمتع به من خصائص ومميزات، ويحكي الدكتور ريمون مودي في كتابه(أضواء حول الحياة بعد الحياة) بعض هذه التجارب فيقول: (لقد أكد لي العديد من الأشخاص أنهم في لحظة معينة من تجربتهم، كانوا يشعرون بأن لديهم نظراً بعيد المدى يرون به واقعاً مختلفاً تماماً، حيث فيه كل المعارف - المتعلقة بالماضي والحاضر والمستقبل - تجتمع كلها في حالة لا زمنية (حالة انعدام الزمن). فبالنسبة لبعض


الأشخاص، كان يتجلى ذلك في لحظة ضياء، كانوا يبلغون خلالها، كما يبدو لهم، المعرفة الشاملة، وإذا ما حاولوا وصف هذا الجانب من حادثتهم، كانوا يجتمعون على وصفه بأنه لا يمكن التعبير عنه. وقد اعترف الجميع، كذلك، بأن هذه المعرفة المطلقة كانت تتلاشى في لحظة عودتهم إلى الحياة الدنيوية، ولا يبقى لديهم من هذا العلم بكل شيء، أي شعور)(١) .

وحينما يسأل الدكتور مودي امرأة أصيبت بحالة موت مؤقت عن مشاهداتها في هذه الحالة عبر السؤال التالي: بأي شكل تمثلت لك تلك المعرفة؟ هل بشكلها العملي أو بالصور؟ فإنها كانت تجيب قائلة: (بكل الأشكال الممكنة: من صور، وأصوات، وأفكار. لقد كانت أي شيء، وكل شيء، كما أنه لم يبق شيء غير معروف. كل المعرفة كانت هناك، ليست فقط في هذه أوجهها، بل كلها)(٢) .

ويحكي عن رجل شاب ما رآه في ذلك العالم الغيبي فيقول: (والمرء في ذلك العالم يتنسم المعرفة  ... (مثلما يشم النسمات لتدخل إلى جسمه) فيعرف بها على حين غرة (فجأة) كل الأجوبة  ... وهذا يحدث كما لو أن المرء يركز انتباهه على ناحية ما من هذا العلم، وفي لمحة، تتدفق المعرفة من تلك الناحية بصورة ذاتية، وكأنه يستمع إلى

____________________

(١) ريمون مودي، أضواء حول الحياة بعد الحياة: ٢٩.

(٢) نفس المصدر: ٣١.


عشرة دروس معاً ذات قراءة سريعة)(١) .

ويحدثه رجل في الأربعين من عمره أصيب بتوقف في القلب قائلاً: (ثم رأيت نفسي وسط منظر ريفي تمر به الجداول، وفيه الأشجار والجبال العالية. ولكن عند ما نظرت حولي - إن صح القول - لم تكن أشجاراً حقاً، حتى ولا شيء مما أعرفه، بل إن الذي بدا لي كان أكثر غرابة؛ كان يوجد أناس، ليسوا بمظهرهم المادي والجسدي: الناس كانوا موجودين، وهذا كل ما هنالك)(٢) .

وفي ختام هذه النقطة لابد من الإشارة إلى أنه توجد طرق أخرى معروفة للاتصال بالعالم الغيبي والاطلاع على بعض المغيبات كاستحضار الأرواح والجان والكهانة وغيرها، وللإسلام موقف صريح تجاه التعامل معه هذه الطرق لا يمكننا التغافل عنه في علاقتنا مع الغيب والمغيبات، وهذا الموقف يهدينا إلى أن الاتصال بالغيب والاطلاع على الأسرار والمغيبات لا ينبغي أن يجعل غاية يتجاوز من خلالها على حدود الشريعة ومقررات الدين، ويشعر الفرد من خلالها بالتعالي والامتياز على الآخرين، بالإضافة إلى كون هذه الطرق كطريق الكشف قد تخطأ في بعض مطياتها ونتائجها مما لا يبرر الاعتماد المطلق عليها في التوصل إلى الحقيقة التي ينبغي للإنسان أن ينشدها في علاقته وارتباطه بعالم الغيب. وهذا ما سنقوم ببيانه في النقطة التالية.

____________________

(١) نفس المصدر: ٣٣.

(٢) نفس المصدر: ٣٤.


النقطة الرابعة: مخاطر الاتصال بالعالم الغيبي.

قد يتصور الكثير من الناس أن مسألة الارتباط بالعالم الغيبي وقدرة البعض على التعرف على أسراره واكتشافها ولو كان هذا البعض نبياً أو رسولاً، مجرد مسألة تفضيل واختصاص من قبل الله سبحانه وتعالى، من دون أن تكون هناك مبررات أخرى جعلت الله جلَّ وعلا يختص هذا البعض من الناس دون غيرهم بإطلاعهم على الغيب وتعريفهم بحقائق العالم الآخر. ولكن الصحيح أن المسألة خلاف ذلك تماماً؛ لأن الله سبحانه وتعالى وإن كان له الحق المطلق في اختيار من يشاء من عباده لجعله نبياً أو رسولاً أو ولياً صالحاً يخبر الناس عما غاب وخفى عنهم من أسرار وحقائق عالم الغيب، إلا أن الله إنما يختار من عباده لهذه المهمة من علم منه الأمانة والصدق والإخلاص في تأدية رسالته عنه إلى الناس، وهذا ما نلمحه من إطلاق تأكيده تعالى على أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة يمتنع عليه أن يسير الناس في اتجاه مغاير لإرادة الله ومشيئته، وفي ذلك يقول تعالى: ( مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ) (آل عمران: ٧٩).

ونفس هذا المعنى نلحظه في قوله تعالى لنبيه عيسى (ع):( وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ


الْغُيُوبِ ) (المائدة: ١١٦).

ويؤكد عيسى (ع) على أنه لم يقل للناس إلا ما أمره الله به حينما يقول:( مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) (المائدة: ١١٧).

وعلى هذا الأساس نعي أن مسألة الارتباط بالغيب مسألة لها خطورتها الكبيرة التي تجعل منها مهمة ثقيلة لا ينهض بحمل أعبائها وتحمل مسؤوليتها إلا القليل من الناس ممن توفرت فيهم مؤهلات خاصة جعلت منهم أناساً قادرين على القيام بدورهم المطلوب في ربط الإنسان بخالقه وبعالم الغيب من دون أدنى تقصير أو إخلال بالواجب.

ولقد سعى علماء العرفان إلى بيان المخاطر التي يمكن أن تقع للإنسان في اتصاله بعالم الغيب عبر طريق الكشف والمشاهدة، مع تأكيدهم المسبق بإمكانية اتصال الإنسان بعالم الغيب من خلال هذا الطريق الذي يتأتى للإنسان من خلال تزكية النفس ومجاهدتها بآداب الشريعة ورسومها، بخلاف من أنكر إمكانية هذا الأمر ورأى في مكاشفات العرفاء ومشاهداتهم جنوحاً إلى الخيال وضرباً من الوهم، وسيأتينا الحديث مفصلاً عن العرفان وطريقة العرفاء في تحصيل المعرفة في بعض الكلمات القادمة.

وعلى كل حال فقد أدرك العرفاء إمكانية الاشتباه والخطأ في


ما يتوصل إليه أصحاب المكاشفات من نتائج معرفية عبر اتصالهم الروحي بعالم الغيب، ومن هنا بدأ العرفاء يؤكدون على قيود معينة لا يمكن لمكاشفة العارف أن تتجاوزها أو أن تحاول إسقاطها، وأهم تلك القيود أن لا تخالف المكاشفة الشريعة في مقرراتها وأحكامها، ومن هنا قال العرفاء: (إن الشريعة مقدمة على الحقيقة). وأكدوا في عدة مقامات على ضرورة اتباع الأنبياء والرسل (ع) فيما جاءوا به عن الله تعالى، وفي ذلك يقول القيصري: (فالاهتداء إليه تعالى إما بإخباره تعالى عن ذاته وصفاته وأسمائه، أو بتجليه لعباده وإشهاده نفسه لهم (وجلَّ جناب الحق عن أن يكون شريعة لكل وارد، أو يطلع عليه إلا واحد بعد واحد) فهم الأنبياء (ع) الذين هم خلاصة خاصة أهل الوجود والشهود، فواجب لطالب الحق اتباعهم والاهتداء به. قال تعالى:( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ) وبقدر متابعته للأنبياء والأولياء (ع) يظهر له الأنوار الإلهية والأسرار الربانية)(١) .

وبعد أن فرَّق الآملي في(جامع الأسرار ومنبع الأنوار) بين الإلهام الخاص والإلهام العام، وما يكون منه بسبب وما لا يكون بسبب، يصرح بضرورة الحاجة إلى النبي المرسل والإمام المعصوم (ع) في التمييز بين الإلهام الحقيقي وغير الحقيقي فيقول: (والتمييز بين هذين الإلهامين محتاج إلى ميزان كلمة ومحك رباني، وهو نظر الكامل المحقق والإمام المعصوم والنبي المرسل، المطلع على بواطن الأشياء على

____________________

(١) رسالة التوحيد والنبوة والولاية: ٢١.


ما هي عليه، واستعدادات الموجودات وحقائقها. ولهذا احتجنا بعد الأنبياء والرسل (ع) إلى الإمام المرشد، لقوله تعالى:( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) لأن كل واحد ليس له قوة التمييز بين الإلهاميين الحقيقي وغير الحقيقي، وبين الخاطر الإلهي والخاطر الشيطاني، وغير ذلك)(١) .

أضف إلى ذلك أن العرفاء طال ما نبهوا على ضرورة وأهمية كون الإنسان في بداية سلوكه إلى الله تحت نظر المرشد الخبير الذي يكشف له عما يمكن أن يلتبس عليه في أثناء مجاهدته لنفسه.

وخلاصة ما نريد قوله في ختام هذه النقطة وهده الكلمة أيضاً أن على شبابنا المسلم أن يكون دقيقاً في ارتباطه بعالم الغيب وتعامله مع مسائل الروح، وأن يعي تمام الوعي أنه مهما بالغ في العبادة والتقرب من الله فإن هناك الشيطان اللعين الذي يسعى لصده عن سبيل الله بكل وسيلة وألف حيلة، وأن عليه أن يستعين كل الاستعانة بالله سبحانه وتعالى في جميع مراحل جهاده مع النفس الأمَّارة بالسوء، وأن يسأل الله عَزَّ شأنه أن يبصره ما يكايد به الشيطان ويلهمه ما يعدو له، كما يقول زين العابدين وسيد الساجدين (ع) في دعائه عند ذكر الشيطان والاستعاذة منه:(اللَّهُم وما سوَّل لنا من باطل فعرِّفناه، وإذا عرَّفْتَناه فقناه، وبصرنا ما نكايده به، وألهمنا ما نعدُّه له، وأيقظنا عن سِنة الغفلة بالركون إليه، وأحسن بتوفيقك عوننا عليه، الله واشرب قلوبنا إنكار عمله، وألطف لنا في نقض حيله) (٢) .

____________________

(١) جامع الأسرار ومنبع الأنوار: ٤٥٥ - ٤٥٦.

(٢) الصحيفة الكاملة السجادية: الدعاء السابع عشر.


الكلمة السادسة:

الشباب وعلم العرفان والقراءات الروحية والغيبية

قلنا في الكلمة السابقة إننا سنتحدث عن علم العرفان وعن طريقة العرفاء في استحصال المعرفة، وحديثنا في هذه الكلمة عن العرفان بصورة خاصة وعن الكتابات والنتاجات الروحية والغيبية بصورة عامة ينطلق من إحساسنا المتزايد بضرورة تصحيح المسار الكلي الذي يتعامل شبابنا المسلم من خلاله مع القراءات الروحية والغيبية التي كثر الإقبال عليها ولاسيَّما من قبل الشباب في الفترة الأخيرة، وبالأخص بعد تنامي حركة الصحوة الإسلامية والعودة إلى الدين التي شهدتها مجتمعاتنا الإسلامية مع بدايات عقد الثمانينات من القرن العشرين الميلادي.

إذ مما يؤسف له أنه قد تولدت عند شبابنا المسلم رغبة جامحة في قراءة ومتابعة الكتابات الروحية والتي تعني بقضايا النفس والروح وكل ما يرتبط بالغيبيات من قريب أو بعيد، وموقع الخطأ في هذه القراءات الشابة أنها ما كانت تميز في كثير من الأحيان بين الغث والسمين في هذه الكتابات، ولا بين الكتابات التي تتعامل مع القضايا الروحية


والمسائل الغيبية بجد ووعي وإدراك لجميع أبعاد تلك القضايا والمسائل، والتأثيرات السلبية التي يمكن أن ينتجها التعامل الخاطئ مع هذه القضايا والمسائل وبين الكتابات التي تبتعد عن الواقعية والموضوعية في طرح ومعالجة قضايا الروح والنفس الإنسانية ولا تلتفت إلى الانعكاسات السلبية التي يمكن أن يولدها التصوير المشوه والمبتور لقضايا النفس والروح الذي تقدمه هذه الكتابات.

ومن المهم التنبيه على أن المسألة في واقعها كانت ذات بعدين، فمن جهة كانت هناك مثل هذه الكتابات الأخيرة التي لم يكن يهمها إلا أن تقدم ما يثير القارئ ويستجلب نظره من دون أن تحاول دراسة واستقصاء التأثيرات البعدية التي تتركها قراءة الكتاب على نفسية الشاب وتفكيره وطريقة تعامله مع الناس والحياة، والتي كانت في أغلب الأحيان تأثيرات سلبية وغير محمودة. ومن جهة أخرى كان الشاب المسلم يقبل على هذه الكتابات بشغف ونهم من دون أن يكون واعياً للمخاطر النفسية والفكرية والسلوكية التي يمكن أن يولدها التعامل الخيالي واللاواقعي مع القضايا الغيبية والروحية الذي يقع فيه الشاب نتيجة إقباله الكلي على قراءة ومتابعة هذه الكتابات.

ولا يتصور الشاب المسلم الذي يعشق هذه الكتابات ويقبل عليها لأنه يجدها تنسجم وغاية الإسلام في ربط الإنسان بخالقه وتوثيق علاقته الروحية به، إننا لا نريد أن نقلل من أهمية القراءات الروحية التي يمكن أن تساهم أو من المحقق أنها تساهم في بناء وتنشيط البعد


الروحي عند الإنسان في علاقته بالله وبالعالم الآخر، ولكن ما نريد قوله: إنه ليس كل الكتابات التي تتناول وتثير القضايا الغيبية والروحية ينبغي للشباب قراءتها، لأنه من الملاحظ أن هذه الكتابات على قسمين كما أشرنا إليه من قبل:

قسم يعالج قضايا الروح والغيب برؤية سحرية كما نشاهده في الكتابات التي تعني بقضايا الطلمسات والسحر واستحضار الأرواح والجن، وما شابه ذلك وشاكله، ومن الملاحظ والمجرب في سيرة الكثيرين ممن كانوا يقبلون على مثل هذه الكتابات الإغراق في الاهتمام بهذه القضايا ومحاولة تصييرها وسيلة للقفز على مشاكل الواقع الحياتي والتغاضي عن ضرورة حدها بالطرق الطبيعية والمتعارفة، ولا ننسي بالإضافة إلى ذلك الاستفادة السيئة التي يستفيدها البعض من المستغلين والانتهازيين من مثل التعامل مع الغيب والغيبيات بهذه الصورة وضمن هذا المجال.

وقسم آخر يعالج قضايا الروح والغيب باعتبارها أمور ترتبط كل الارتباط بالنفس الإنسانية في سيرها الصعودي والتكاملي إلى الله سبحانه وتعالى، وفي هذا المقام يبرز علمان في الوسط الإسلامي كان لهما الدور الأكبر في الاعتناء بالقضايا الروحية والمسائل الغيبية وهما علم العرفاء وعلم التصوف، ولأننا نشعر بحصول وتواجد الكثير من الملابسات عند شبابنا المسلم في فهم ووعي هذين العلمين، ولاسيَّما الأول منهم - أعني علم العرفان - الذي حظي باهتمام واسع من قبل الشباب على أثر انتصار الثورة الإسلامية


في إيران وانتشار الفكر العرفاني لقائدها العظيم الإمام الخميني (قدَّس اللهُ نفسه الزكية)، فإننا سنحاول أن نقدم لمحة مختصرة عن كلا العلمين مع إيضاح وبيان الملابسات الفعلية التي تكتنف التعامل مع هذين العلمين من قبل الكثير من الناس وبالأخص شبابنا المسلم، وسنسعى أيضاً لاكتشاف الرؤية الإسلامية في نقد وتقييم كلا العلمين، فنقول:

بالنسبة إلى علم العرفان فإنه علم اعتنى بالجانب الروحي في الإسلام باعتباره البعد الأساس الذي ما جاءت ونزلت الأديان الإلهية إلا من أجل تنميته وتركيزه وتذكير الإنسان به، وابتداءً يحدد العرفان موضوعه بأنه الله والمعرفة بذاته وصفاته وأفعاله معرفة شهودية لا تتم للإنسان إلا من خلال مجاهدة النفس وتزكيتها وتطهيرها وتأديبها بآداب الشريعة ورسومها.

وبعد ذلك يقسم العرفان إلى عرفان نظري وعرفان عملي، والقسم الأول يهتم ببحث ودراسة العديد من المسائل أهمها البحث في حقيقة التوحيد ومراتبه وانقساماته إلى توحيد ذاتي، وتوحيد صفاتي، وتوحيد أفعالي، والبحث في حقيقة النفس وتجردها، ومراتب السير والسلوك إلى الله، والبحث عن العلاقة بين الشريعة والطريقة والحقيقة وهي ثلاث تسميات يرمز بالأولى منها إلى الفقه والأحكام الشرعية، وبالثانية إلى الآداب التي يلزم مراعاتها من قبل السالك إلى الله، وبالثالثة إلى المعاني والمعارف التي يتوصل إليها الإنسان من خلال سعيه التكاملي والروحي، وربما عبر بعض العرفاء عن هذه التسميات الثلاث بالفقه


الأصغر والفقه الأوسط والفقه الأكبر. ويبحث في العرفان النظري أيضاً عن ظاهر الشريعة وباطنها وعن حدود العلاقة بين الظاهر والباطن.

وأما القسم الثاني من العرفان - وهو العرفان العملي - فهو يعني بتحديد البرنامج العملي للإنسان السالك إلى الله، من حيث الآداب التي ينبغي التزامها والوظائف والأذكار والأوراد التي يلزم مراعاتها.

ومن خلال ذلك يتبين لنا أن العرفان بقسميه النظري والعملي لا يعدو أن يكون في حقيقته وواقعه أكثر من جنبة من جنبات الدين، التي أوليت عناية خاصة ومتميزة من قبل علماء العرفان لكونها هي الجنبة الرئيسية في الخطاب الديني الإلهي الذي لا يبتغي من وراء تشريع الأحكام على الإنسان وتكليفه بها إلى تطهير ذاته من كل ما سوى الله وجعل الإنسان متحققاً بحقيقة العبودية المطلقة لله (عَزَّ وجَلَّ)، انطلاقاً من قوله تعالى: ( مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (المائدة: ٦)، وقوله تعالى: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُون ) الذاريات: ٥٦ - ٥٧.

وبعد هذا لابد أن نشير إلى أن العرفان يعتبر طريقاً من طرق المعرفة الدينية في مقابل العقل والوحي، إذ العرفان يقوم أساساً على الإيمان بأن الوصول إلى معرفة الحقائق الدينية على وجهها الواقعي والصحيح إنما يتيسر للإنسان بطريق المجاهدة وتزكية النفس، وهو ما يفهم من قوله تعالى: ( إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً ) (الأنفال: ٢٩)،


وقوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (الحديد: ٢٨).

أما العقل فهو طريق معرفي يعتمد الدليل البرهاني وسيلة أصلية لإثبات المطالب وتقرير الحقائق، والوحي طريق معرفي يعتمد التلقي المباشر من الله وسيلة لتقرير وإثبات الحقيقة الدينية، ومرادنا من الوحي في هذا المقام الوحي بمعناه الخاص الذي يعني الإنباء والإخبار عن الله تعالى.

وحينما نقول إن العرفان طريق معرفي يقابل العقل والوحي فهذا لا يعني - كما يتصور الكثيرون - أنه يضادهما ويخالفهما، بل يعني أنه رتبة من رتب استجلاء الحقيقة كما أن العقل والوحي كذلك، ومما لا خلاف فيه بين جميع أهل الديانات والرسالات السماوية أن الوحي هو المصدر الأول والأساس للتعرف على الحقائق الدينية والغيبية، وإنما حصل الخلاف بين الفلاسفة المشائين والحكماء الإشراقيين في تقديم الطريق البرهاني العقلي على الطريق العرفاني الذوقي أو العكس، فقال الفلاسفة العقليون بتقديم البرهان على العرفان وقال الحكماء الذوقيون بتقديم العرفان على البرهان، وصار لكل واحد منهم حججه وبراهينه، وهذا النزاع يعتبر من المشاكل المعرفية والمهمة في تاريخ الفلسفة، ولا نستطيع أن نستقصي الكلام عنه وفيه في هذا المقام لأنه يحتاج إلى بحث موسع مستقل ونحن إنما أردنا فقط أن


نقدم لشبابنا المسلم تعريفاً مختصراً عن موضوع علم العرفان وطريقة العرفاء في استحصال المعرفة.

وأما بالنسبة إلى كيفية إطلاع النفس على الحقائق الغيبية والمعارف الإلهية من خلال هذا الطريق فيوضحه لنا فيلسوف الإسلام الراحل العلامة الطباطبائي حينما يشرح الاختلاف الواقع في كيفية إيصال هذا الطريق إلى المعرفة بقوله: (فمنهم من قرَّره على أن العلوم الإنسانية فطرية بمعنى أنها حاصلة له، موجودة معه بالفعل في أول وجوده، فلا جرم يرجع معنى حدوث كل علم له جديد إلى حصول التذكر. ومنهم من قرَّره على أن الرجوع إلى النفس بالانصراف عن الشواغل المادية يوجب انكشاف الحقائق لا بمعنى كون العلوم عند الإنسان بالفعل، بل هي له بالقوة وإنما الفعلية في باطن النفس الإنسانية المفصولة عن الإنسان عند الغفلة الموصولة به عند التذكر، وهذا ما يقول به العرفاء وأهل الإشراق وأترابهم من سائر الملل والنحل. ومنهم من قرَّره على نحو ما قرَّره العرفاء غير أنه اشترط في ذلك التقوى واتباع الشرع علماً وعملاً كعدة من المسلمين ممن عاصرناهم وغيرهم زعماً منهم أن اشتراط اتباع الشرع يفرق ما بينهم وبين العرفاء والمتصوفة، وقد خفى عليهم أن العرفاء سبقوهم في هذا الاشتراط كما يشهد به كتبهم المعتبرة الموجودة)(١) .

ويؤكد العلامة الطباطبائي على أنه لا مجال لإنكار حصول

____________________

(١) الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن: ٥ / ١٦١ - ١٦٢.


المعارف الإلهية عن طريق مجاهدة النفس وتزكيتها، والذي يثمر قرب العبد من ربه ودخول الإنسان في حظيرة الولاية الإلهية، حينما يقول: (نعم، هاهنا حقيقة قرآنية لا مجال لإنكارها، وهو أن دخول الإنسان في حظيرة الولاية الإلهية، وتقربه إلى ساحة القدس والكبرياء يفتح له باباً إلى ملكوت السماوات والأرض يشاهد منه ما خفى على غيره من آيات الله الكبرى، وأنوار جبروته التي لا تطفأ، قال الصادق (ع):لولا أن الشياطين يحومون حول قلوب بني آدم لرأوا ملكوت السماوات والأرض ، وفيما رواه الجمهور عن النبي (ص) قال:لولا تكثير في كلامكم وتمريج في قلوبكم لرأيتم ما أرى ولسمعتم ما أسمع ، وقد قال تعالى: ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) (العنكبوت: ٦٩) ويدل على ذلك ظاهر قوله تعالى:( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) (الحجر: ٩٩) حيث فرع اليقين على العبادة، وقال تعالى:( وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) (الأنعام: ٧٥)، فربط وصف الإيقان بمشاهدة الملكوت، وقال تعالى:( كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ) (التكاثر: ٧)، وقال تعالى:( إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ) (المطففين: ١٨ - ٢١)(١) .

ومع اعتقاد العرفاء الراسخ بإمكانية توصل الإنسان إلى المعرفة من خلال هذا الطريق، إلا أنهم كانوا يؤكدون على صعوبة سلوك هذا

____________________

(١) نفس المصدر: ٢٧٠ - ٢٧١.


الطريق لكثرة المؤهلات والخصوصيات التي يحتاجها سالك هذا الطريق، بالإضافة إلى كثرة الاشتباهات التي تقع في سلوك هذا الطريق والتي قلَّ من ينجو منها ممن سلكوا هذا الطريق. ومن تلك الاشتباهات العظيمة التي يقع فيها الكثير ممن يميلون إلى العرفان، والتي طالما حذر من الوقوع فيها أكثر العرفاء، محاولة الاطلاع على كتب العرفان وقراءتها بصورة شخصية ومن دون الاستعانة في فهمها ودراستها بأهل هذا الفن، وهذا الخطأ والاشتباه قُدِّر لكثير من شبابنا المسلم الوقوع فيه نتيجة إقبالهم على قراءة هذه الكتب التي وضعت للمتخصصين من أهل هذا الفن، ولاسيَّما بعد انتصار الثورة الإسلامية المباركة في إيران وانتشار الكتابات العرفانية لزعيمها الراحل الإمام الخميني (رضوان الله تعالى عليه).

ومن هنا نريد أن نذكر شبابنا المسلم - في ختام حديثنا عن العرفان - على ضرورة الالتفات إلى هذا الأمر والرجوع إلى إنسان مطلع وخبير في ما ينبغي أن يقرأه الشباب وما لا ينبغي أن يقرأه، ولاسيَّما في مثل هذه الكتابات التي يولِّد الفهم الخاطئ لمقاصدها الكثير من المشاكل والأزمات الفردية والاجتماعية.

وأما بالنسبة إلى علم التصوف والذي يعتبره البعض من المفكرين الإسلاميين الجنبة الاجتماعية في العرفان، كما أن العرفان الجنبة النظرية للتصوف، فإن الحديث عنه لا يعدو أن يكون نفس الحديث المتقدم عن العرفان، غاية الأمر أن الملابسات التاريخية التي أحاطت


بعلمي العرفان والتصوف كانت أكثر ما تنشأ من الأفكار والسلوكيات المثيرة التي تبناها من تسموا بـ: (المتصوفة) أو (الصوفية).

وهذه الأفكار والسلوكيات المثيرة والتي كانت في كثير من الأحيان تصطدم بالشريعة ومشاعر المسلمين الدينية كان بعض المتصوفة يقع فيها نتيجة عدم نضوج واكتمال الجانب العلمي والمعرفي عند هؤلاء المتصوفة، وهو الجانب الذي أكد عليه أشد التأكيد بعد ذلك العرفاء من خلال تقييمهم ونقدهم لاشتباهات المتصوفة العلمية والعملية.

ومن خلال هذا الحديث السريع والمقتضب عن كل من العرفان والتصوف اتضح لنا أن هناك الكثير من الملابسات التاريخية والمعرفية والشرعية التي تحيط بهذين العلمين، والتي تجعل من مهمة التمييز بين الحق والباطل والصواب والخطأ فيهما مهمة عسيرة لا يقدر على القيام بها إلا القليل من الناس ممن استوعبوا كل المسائل والإثارات المرتبطة بهذين العلمين، وجميع المداخلات التي تتعلق بالمسارات المختلفة لهذين العلمين في أبعادهما وانعكاساتهما التاريخية والاجتماعية والدينية.


الكلمة السابعة:

الشباب وعالم الأحلام والرؤى

ابتليت مجتمعاتنا الإسلامية - وربما كل المجتمعات الدينية - بمشكلة التعامل مع الغيب والغيبيات، ومن أهم تلك الإثارات التي ترتبط بالجانب الغيبي هي مشكلة الأحلام والرؤى، إذ أن هذه المشكلة قُدِّر لها أن تُضخَّم وأن يتم التعامل معها إما من موقع الرفض المطلق لكل أسسها المعقولة واللامعقولة، أو من موقع القبول المطلق لكل أسسها المعقولة واللامعقولة أيضاً، وهكذا صار الناس في موقفهم من الأحلام والرؤى بين إفراط وتفريط.

وقبل أن نحاول معالجة المشكلة واستكشاف الموقف الشرعي والعقلي تجاهها، لابد أن نشير إلى حالة مؤسفة جداً تنتشر في أوساط مجتمعاتنا الإسلامية، ويسمح لها أن تؤسس البناء الفكري والعقيدي والسلوك الفردي والاجتماعي للإنسان المسلم، وهي حالة الاندفاع في التعامل مع الغيبيات بصورة تفتقد كل مقومات الوعي والإدراك، إذ من الملاحظ أن هناك الكثير من الارتباكات والتخبطات الفكرية والنفسية والروحية والسلوكية يعيشها عدد غير يسير من المسلمين ولاسيَّما من


الشباب المسلم المتدين نتيجة انعدام الرؤية الواضحة عندهم في ما يتعلق بالغيب والغيبيات.

وبصورة عامة فإن المشكلة الروحية للإنسان المسلم المعاصر تكمن في سماحه للغيب المختلَق والمتوهَم بأن يتدخل في حياته بشكل يفسد عليه كل ارتباطاته الغيبية واللاغيبية. وهذا الأمر ينتج من قصور أو تقصير في وعي وإدراك واستيعاب حقائق الإسلام ما يرتبط منها بالغيب والعالم الآخر الذي ينتظره المسلم، وما يرتبط منها بحاضره وعالمه الدنيوي الذي يعيشه بالفعل.

وحينما نقول بأن المشكلة الروحية للإنسان المسلم المعاصر في أساسها مشكلة تعامل مع غيب مختلق ومتوهم، فذلك لأننا ندرك بأن الكثير من التصورات والأفكار التي يحملها العديد من المسلمين عن عالم الغيب تصورات وأفكار لا تمت إلى الإسلام بصلة ولا ترتبط معه بأي رابط، وفوق ذلك فإن هذا التعامل يفسح له المجال أن يفسد ويدمر حياة الإنسان المسلم حتى في بعدها الروحي، وهذا ما نجزم بأن الإسلام ما كان يبتغيه وما كان يرتضيه من المسلم، ولقد دخل عليّ (ع) على العلاء بن زياد الحارثي يعوده فشكا إليه العلاء أمر أخيه عاصم (فقال له العلاء: يا أمير المؤمنين، أشكو إليك أخي عاصم بن زياد. قال:وما له؟ قال: لبس العباءة وتخلى عن الدنيا. قال:عليّ به ، فلما جاء قال:يا عدي نفسه، لقد استهام بك الخبيث، أما رحمت أهلك وولدك! أترى الله أحل لك الطيبات، وهو يكره أن تأخذها! أنت أهون


على الله من ذلك )(١) .

وما نريد إثارته من حديث عن الأحلام والرؤى في هذه الكلمة ننطلق فيه من محاولة تصحيح مظاهر التعامل اللاواعي والسلبي التي يمارسها الكثير من الأفراد المتدينين في أوساط مجتمعاتنا الإسلامية في موقفهم من الرؤى والأحلام، سواء التي يشاهدونها بأنفسهم أم التي يشاهدها غيرهم من الناس ويصل خبرها إليهم.

إننا نشعر أن هناك الكثير من السذاجة والبساطة واللاواقعية يتمتع بها المسلمون في نظرتهم للمسائل الغيبية وموقفهم منها، وأفضل دليل على ذلك الاستجابة السريعة والتأثيرات العميقة التي تجدها وتتركها كل ظاهرة تتعلق بالأمور الغيبية في نفوس أكثر المسلمين ولو كانت الظاهرة عاجزة عن إثبات نفسها بأي دليل مقنع، ويكفي أن يخترع أي إنسان - ولو كان فاسقاً وبعيداً كل البعد عن الدين - معجزة وكرامة وأي قصة ذات طابع غيبي وينسبها إلى شخصية مقدسة في الوسط الديني ليجد أكثر الناس تتباشر بنقلها وكأن الجميع قد شاهدها بأم عينيه، ومن يحاول التشكيك في حصولها وصدورها ولو لم يكن يحمل نية سيئة فإنه لن يواجه بأقل من النفور والاشمئزاز، وربما يتهم بمحاولة تشكيك الآخرين في حقائق الدين.

وعلى هذا الأساس يبرز لنا في الوسط الديني الإسلامي بين فترة وأخرى من يدعي أنه يطلع على قضايا غيبية بصورة أو أخرى، ومن

____________________

(١) نهج البلاغة: الخطبة ٢٠٩.


الطبيعي أن لا يعجز مثل هؤلاء المدعون عن الحصول على العديد من الأنصار والأتباع الذين يدافعون عنهم ويتبنون كل النتائج المتحصلة من مشاهداتهم الغيبية.

وخطورة هذه الدعاوى أنها تستطيع أن توجد قناعات قلبية ونفسية عند من يؤمنون بها ويصدقون مدعيها بحيث لا يمكن لأي دليل عقلي أو شرعي مهما كان محكماً وثابتاً أن يزلزل أو يزحزح تلك القناعات الثابتة. ومن المؤسف جداً أن تصير الرؤى والمنامات من الأمور التي يعتمد عليها بصورة كلية عند الكثير من المتدينين حتى في أمور لا مجال للرؤيا في إثباتها أو نفيها، وربما كان أحد أسباب هذا التعامل اللاواعي من قبل المتدينين مع قضايا الرؤى والمنامات هو تقصير أصحاب الفكر والعلماء في بيان وإيضاح حقيقة الرؤى والأحلام والاشتباهات التي يمكن أن تحيط بها وتلتبس على من يشاهدها مع كثرة ابتلاء المتدينين بمسائل الرؤى والمنامات، وانجرار الكثير منهم للتعامل معها بصورة لا واعية وسلبية.

ومع أن عدداً من العلماء والفلاسفة والعرفاء الإسلاميين تعرضوا في جملة من كتاباتهم لأبحاث مهمة وأساسية في الرؤى والأحلام إلا أن هذه الأبحاث كانت تتخذ في أكثر الأحيان منهجاً اختصاصياً وأسلوباً علمياً معقداً مما لا يوفر دواعي الاطلاع عليها ومحاولة هضم واستيعاب أفكارها من قبل عامة الناس. ولقد أفصح الشيخ المفيد (رض) في كلمة مختصرة له عن المنامات عن أهم مظاهر التعامل السلبي مع


أبعاد هذه القضية حينما قال: (إن الكلام في باب رؤيا المنامات عزيز، وتهاون أهل النظر به شديد، والبلية بذلك عظيمة، وصدق القول فيه أصل جليل)(١) .

وعلى هذا الأساس فإننا سنحاول أن نعالج مشكلة الموقف من الرؤى والأحلام في هذه الكلمة، وسنسعى لتقديم صورة واضحة وجلية عن حقيقة الرؤى والمنامات نأمل من خلالها أن تتلاشى مظاهر التعامل السلبي مع الرؤى والمنامات عند شبابنا المسلم الذي نخصه ونعنيه بالحديث قبل غيره من الناس.

وستتم معالجة المشكلة من خلال النقاط التالية:

النقطة الأولى: حقيقة الرؤى والمنامات.

في هذه النقطة سنحاول التعرف على حقيقة الرؤى والمنامات وكيف تحصل للإنسان عند نومه، وأول بيان عن حقيقة الرؤى والمنامات نقدمه للقارئ هو ما ينقله العلامة المجلسي في(بحار الأنوار) عن بعض الحكماء إذ يقول: (إن للنفوس الإنسانية اطلاعاً على الغيب في حال المنام وليس أحد من الناس إلا وقد جرب ذلك من نفسه تجارب أوجبته التصديق، وليس ذلك بسبب الفكر، فإن الفكر في حال اليقظة التي هو فيها أمكن يقصر عن تحصيل مثل ذلك، فكيف في حال النوم، بل بسبب أن النفوس الإنسانية لها مناسبة الجنسية إلى المبادئ العالية المنتقشة بجميع ما كان وما سيكون وما هو كائن في الحال، ولها أن تتصل بها

____________________

(١) الكراجكي، كنز الفوائد: ٢ / ٦٠.


اتصالاً روحانياً وأن تنتقش بما هو مرتسم فيها، لأن اشتغال النفس ببعض أفاعيلها يمنعها عن الاشتغال بغير تلك الأفاعيل، وليس لنا سبيل إلى إزالة عوائق النفس بالكلية عن الانتقاش بما في المبادئ العالية، لأن أحد العائقين هو اشتغال النفس بالبدن، ولا يمكن لنا إزالة هذا العائق بالكلية مادام البدن صالحاً لتدبيرها، إلا أنه قد يسكن أحد الشاغلين في حالة النوم، فإن الروح ينتشر إلى ظاهر البدن بواسطة الشرايين وينصب إلى الحواس الظاهرة حالة الانتشار ويحصل الإدراك بها، وهذه الحالة هي اليقظة فتشتغل النفس بتلك الإدراكات، فإذا انخنس الروح إلى الباطن تعطلت هذه الحواس وهذه الحالة هي النوم، وبتعطلها يخف إحدى شواغل النفس عن الاتصال بالمبادئ العالية والانتقاش ببعض ما فيها، فيتصل حينئذٍ بتلك المبادئ اتصالاً روحانياً، ويرتسم في النفس بعض ما انتقش في تلك المبادئ وما استعدت هي لأن تكون منتقشة به، كالمرايا إذا حوذي بعضها ببعض، والقوة المتخيلة جبلت محاكية لما يرد عليها، فتحاكي تلك المعاني المنتقشة في النفس بصور جزئية مناسبة لها، ثم تصير تلك الصور الجزئية في الحس المشترك فتصير مشاهدة، وهذه هي الرؤيا الصادقة.

ثم إن الصور التي تركبها القوة المتخيلة إن كانت شديدة المناسبة لتلك المعاني المنطبعة في النفس حتى لا يكون بين المعاني التي أدركتها النفس وبين الصور التي ركبتها القوة المتخيلة تفاوت إلا في


الكلية والجزئية، كانت الرؤيا غنية عن التعبير، وإن لم تكن شديدة المناسبة إلا أنه مع ذلك تكون بينهما مناسبة بوجه ما، كانت الرؤيا محتاجة إلى التعبير، وهو أن يرجع من الصورة التي في الخيال إلى المعنى الذي صورته المتخيلة بتلك الصورة. وأما إذا لم تكن بين المعنى الذي أدركته النفس وبين الصورة التي ركبتها القوة المتخيلة مناسبة أصلاً لكثرة انتقالات المتخيلة من صورة إلى صورة لا تناسب المعنى الذي أدركته النفس أصلاً، فهذه الرؤيا من قبيل أضغاث الأحلام، ولهذا قالوا: لا اعتماد على رؤيا الشاعر والكاذب، لأن قوتهما المتخيلة قد تعودت الانتقالات الكاذبة الباطلة)(١) .

وفي تعليقته على(بحار الأنوار) يعطى محمد تقي المصباح اليزدي بعض التصورات عن حقيقة الرؤيا فيقول: (لا ريب أن النائم عند ما يرى شيئاً من المنامات تحصل له إدراكات من غير طرق الحواس الظاهرة، وتسمية تلك الإدراكات بالخيالات لا تخرجها عن واقعها، فإن الخيال حتى الفاسد الباطل منه له حصول في الذهن ووجود علمي للنفس، وإنما فساده وبطلانه من ناحية عدم انطباقه على الخارج. ولا ريب في حكاية كثير من المنامات عن وقوع أشياء في الخارج في ما مضى أو ما يأتي مع عدم سبيل للرائي حتى في حال يقظته إلى الاطلاع على شيء منها، وهي أكثر من أن يمكن حملها على الصدفة والاتفاق، وخاصة منامات الأنبياء والأولياء المشتملة على الوحي والإلهام، كما

____________________

(١) بحار الأنوار: ٦١ / ١٩٦ - ١٩٧.


أنه لا ريب في أن كثيراً منها تمثيلات ذهنية لاميال وآمال وتركيبات وتحليلات لما اختزن من الصور في خزانة الخيال. وهذه النوع الأخير من الرؤيا - وإن أنقسم إلى أقسام مختلفة - يرجع إلى بروز ما كَمَن في النفس إلى ساحة الحواس الباطنة وإدراك النفس لها بتوسيط تلك الحواس مرة أخرى. ومعرفة علل هذه الأفاعيل النفسية ومدى ارتباطها بالحالات البدنية والروحية رهينة لتجارب كثيرة لا يزال علماء النفس مشتغلين بها.

أما النوع الأول منه فلا يمكن تعليله بأمثال تلك العلل فحسب كما لا يخفى.

وبعبارة أخرى حصول هذا النوع من الإدراكات للنفس ليس معلولاً لحالات فسيولوجية أو ظاهرات بسيكولوجية معينة. فأي حالة بدنية أو نفسية توجب العلم بوجود كنز على مقدار معين في مكان خاص أو بحدوث حادثة مشخصة في زمان خاص في المستقبل؟! وما هو الذي يمكن أن يجعل وجه الربط بين الظاهرات الجسمية والروحية في الإنسان وبين العلم بقضايا عازبة عن ذهنه بموضوعاتها ومحمولاتها؟! فهذه المعلومات ليست مما يستقل به النفس من الإدراك بصرف النظر عما هو خارج عن ذاتها رأساً، والغير الذي يمكن أن يشارك النفس في حصول هذه الإدراكات لها بوجه إما أن يكون أمراً عقلياً محضاً، أو مثالياً برزخياً، ولا يكون أمراً مادياً البتة، للقطع بعدم حصول ارتباط مادي بين الإنسان وبين موجود مادي آخر مما يقع تحت الحواس في


حال النوم بحيث يمكن إسناد تلك العلوم إليه بوجه، فعلى فرض جعل المشارك للنفس أمراً عقلياً يصير الرؤيا اتصالاً للنفس بموجود عقلي في المنام وتمثل ما تستفيد منه حسب استعدادها بصور جزئية في عالمها المثالي. وإن شئت قلت: في ساحة الحواس الباطنة ولوح الذهن، وعلى فرض جعل المشارك أمراً مثالياً يصير الرؤيا إشرافاً للنفس على عالم المثال ومشاهدة أمور هناك مباشرة. وكلاهما مما يصح فرضه عقلاً، ولا ينفيه دليل شرعي، بل يوجد في الأخبار ما يؤيدهما، بل يدل عليهما، فعليك بإجادة التدبر فيها)(١) .

ومن خلال هذين البيانين عن حقيقة الرؤى والمنامات وكيفية حصولها نعلم أن الأصل في ذلك هو تجرد النفس وعدم كونها جسمانية مادية وهذا الأمر مما تسالم عليه الفلاسفة الإلهيون والحكماء الربانيون وأقرته الشرائع السماوية وأكدت عليه، ومعنى كون النفس مجردة أنها تنتمي إلى عالم آخر غير عالم المادة والأجسام الصورية، ولتجردها تشتاق النفس والروح إلى عالمها الروحي والعقلي وتسعى للتواصل معه والاتصال به، ولكن لأن النفس مادامت في هذه الدنيا فهي منشغلة بتدبير أمور البدن ومهماته فلا تتوجه إلى عالمها العلوي الذي تنتسب إليه، إلا حينما تكون النفس قوية ومجذوبة بجذبة إلهية إلى عالمها الأصلي كما هو الشأن في نفوس الأنبياء والرسل والأولياء الذين لا يصرفهم الاشتغال بالأمور الدنيوية عن التوجه إلى عالم الأرواح

____________________

(١) نفس المصدر: ١٩٥ - ١٩٦.


والعقول والمجردات، وأما سائر الناس فلانهماكهم بتدبير أمورهم الدنيوية وتوجههم التام إلى هذا العالم الدنيوي الفاني، فإنهم لا يكادون يفكرون في العوالم الأخرى التي تغيب عن سمعهم وبصرهم، وحينما يخلد الإنسان إلى النوم وتنصرف حواسه الظاهرة والباطنة عن تدبير أمور بدنه وتنقطع علائقه مع عالمه الدنيوي، فإن الروح ربما سرحت ومرحت في عالمها الأصلي الذي تشتاق إليه بطبعها وطبيعتها، وحينئذٍ تطلع الروح على بعض صور وحقائق العالم العقلي ولاسيَّما عالم المثال الذي توجد فيه صور الأشياء مجردة من المادة، وحينما يستيقظ الإنسان فإنه ربما يبقى متذكراً لما شاهده في ذاك العالم وربما ينسى الكثير منه، وعلى هذا الأساس تحصل الرؤى والأحلام التي يشاهدها كل الناس، ولهذا فإن الإنسان في حال النوم يعيش حالة تشابه بعض الشيء حالة الموت التي ينقطع فيها الإنسان بالكلية عن هذا العالم الدنيوي وتصير روحه مع الأرواح وترجع إلى عالمها الأولى، ومن هنا جاءت المقارنة بين النوم والموت في قوله تعالى: ( اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) (الزمر: ٤٢).

وقد روي عن الإمام أبي جعفر الباقر (ع) في تفسير هذه الآية أنه قال:(ما من عبد ينام إلا عرجت نفسه إلى السماء وبقيت روحه في بدنه وصار بينهما سبب كشعاع الشمس فإذا أذن الله في قبض الأرواح


أجابت الروح النفس، وإن أذن الله في رد الروح أجابت النفس الروح، وهو قوله سبحانه: ( اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) فمهما رأت في ملكوت السموات فهو مما له تأويل، وما رأته بين السماء والأرض فهو مما يخيله الشيطان ولا تأويل له) (١) .

وهناك العديد من الأخبار التي تذكر بأن سبب الرؤيا والمنامات هو عروج الروح أو النفس في حال النوم إلى السماء والعالم العلوي واطلاعها على ما فيه، ففي(بحار الأنوار) أن علياً (ع) قال:(سألت رسول الله (ص) عن الرجل ينام فيرى الرؤيا فربما كانت حقاً، وربما كانت باطلاً، فقال رسول الله (ص): يا علي، ما من عبد ينام إلى عرجت بروحه إلى رب العالمين، فما رأى عند رب العالمين فهو حق، ثم إذا أمر الله العزيز الجبار برد روحه إلى جسده، فصارت الروح بين السماء والأرض، فما رأته فهو أضغاث أحلام) (٢) .

ومن المرويات التي رواها أهل السنة في حقيقة الرؤيا عن علي (ع): (أن عمر بن الخطاب قال: العجب من رؤيا الرجل أنه يبيت فيرى الشيء لم يخطر له على بال، فيكون رؤياه كأخذ باليد، ويرى الرجل الرؤيا فلا يكون رؤياه شيئاً. فقال علي بن أبي طالب (ع):أفلا أخبرك بذلك يا أمير المؤمنين؟ إن الله يقول: ( اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ

____________________

(١) السيد هاشم البحراني، البرهان في تفسير القرآن: ٤ / ٧٧.

(٢) بحار الأنوار: ٦١ / ١٥٨ - ١٥٩.


وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ) فالله يتوفى الأنفس كلها، فما رأت وهي عنده في السماء فهي الرؤيا الصادقة، وما رأت إذا أرسلت إلى أجسادها تلقتها الشياطين في الهواء فكذبتها وأخبرتها بالأباطيل فكذبت فيها . فعجب عمر من قوله)(١) .

ومن خلال هذا البيان الذي قدمناه عن حقيقة الرؤيا يتضح أن الرؤيا - الصادقة طبعاً - في حقيقتها وواقعها نحو من أنحاء اطلاع الإنسان على الغيب ولكن بصورة ضعيفة ومخففة، ومن هذه الجهة فهي تشابه نوع مشابهة النبوة التي تكون للأنبياء والتي من خلالها يتصلون بالعالم الغيبي، ولكن بصورة قوية وجلية لا يتطرق إليها الخطأ والزيغ ولا تؤثر أية مؤثرات خفية في حرفها عن وجهتها لأن الله يصون أنبيائه ورسله عن تأثيرات الشياطين وإلقاءاتهم كما أشار إلى ذلك بقوله تعالى:( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (الحج: ٥٢).

ومن هنا انطلقت الكثير من الروايات لتؤكد أن رؤيا المؤمن تقترب بنسبة يسيرة من النبوة لأنها تمثل صورة ضعيفة من صور اطلاع الإنسان على الغيب، ومن تلك الروايات ما رواه في(بحار الأنوار) عن الصادق (ع) أنه قال:(رأي المؤمن ورؤياه في آخر الزمان على سبعين جزء من أجزاء النبوة) (٢) .

____________________

(١) نفس المصدر: ١٩٣.

(٢) نفس المصدر: ١٧٧.


وروى عن النبي (ص) في قوله تعالى: ( لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) أنه قال:(الرؤيا الصالحة يُبشَّر بها المؤمن جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة) (١) .

وعنه (ص) أيضاً:(ألا أنه لم يبق من مبشّرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له) (٢) .

وعنه (ص) أيضاً:(لا نبوة بعدي إلا المبشرات. قيل: يا رسول الله! وما البشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة) (٣) .

وعنه (ص) أيضاً:(الرؤيا الصالحة بشرى من الله وهي جزء من أجزاء النبوة) (٤) .

إلى غير ذلك من الروايات التي تؤكد على أن الرؤيا الصالحة والصادقة هي من أجزاء النبوة، مما يعني أنها وسيلة يتعرف الإنسان من خلالها على بعض الأمور الغيبية، ولكن بمستوى دون مستوى النبوة الخاصة التي تنكشف فيها للنبي جميع حيثيات الغيب الذي أراد الله سبحانه وتعالى اطلاعه عليه، وعلى هذا الأساس تتفاوت صحة الرؤيا وصدقها من شخص إلى آخر بحسب القدرات الذاتية والمؤهلات الشخصية التي تتواجد في الأشخاص بصورة متفاوتة ومختلفة، وهذا ما

____________________

(١) نفس المصدر: ١٩١.

(٢) نفس المصدر: ١٩٢.

(٣) نفس المصدر.

(٤) نفس المصدر.


تصرح به بعض المرويات كالرواية التي يقول فيها الإمام الصادق (ع):(رأي المؤمن ورؤياه جزء من سبعين جزء من النبوة، ومنهم من يعطى على الثلث) (١).

ومعنى ذلك أن القدرات بين المؤمنين في الاطلاع على الغيب من خلال الرؤيا تكون متفاوتة وغير متساوية.

وهناك بعض الروايات التي تدخل الرؤيا الصالحة بكل صراحة تحت الوحي وتلحقها به، ومن تلك المرويات ما رواه في(بحار الأنوار) عن(جامع الأخبار) عن الأئمة (ع):(إن رؤيا المؤمن صحيحة لأن نفسه طيبة، ويقينه صحيح، وتخرج فتتلقى من الملائكة، فهي وحي من الله العزيز الجبار) (٢) .

ولأن الرؤيا الصادقة هي كشف للغيب بنسبة معينة فقد اعتبرها العرفاء أول باب من أبواب المكاشفة، وقالوا: إن الناس تتفاوت في مكاشفاتها الغيبية بحسب قوة الشخص واستعداده واعتدال مزاجه، وفي ذلك يقول الآملي: (ولما كان كل من الكشف الصوري والمعنوي(٣) على حسب استعداد السالك ومناسبات روحه وتوجه سره إلى كل من أنواع الكشف، ولما كانت الاستعدادات متفاوتة المناسبات، متكثرة، صارت مقامات الكشف متفاوتة بحيث لا تكاد

____________________

(١) نفس المصدر: ١٩١.

(٢) نفس المصدر: ١٧٦.

(٣) مر بيان معنى الكشفين "الصوري" و "المعنوي" في الكلمة الخامسة.


تنضبط.

وأصح المكاشفات وأتمها أنما تحصل لمن يكون مزاجه الروحاني أقرب إلى الاعتدال التام، كأرواح الأنبياء والكُمَّل من الأولياء (صلوات الله عليهم أجمعين) ثم لمن يكون أقرب إليهم نسبة)(١) .

ومن الأبحاث المهمة التي ترتبط بمسألة الرؤيا هو البحث في حقيقة عالم المثال باعتباره العالم الذي تترائى للإنسان فيه الصور والمشاهدات حال نومه، كما أنه العالم الذي يطَّلع العارف عليه من خلال كشفه وشهوده في حال اليقظة. وكما يقول القيصري فإن (  ... جميع أرباب المكاشفة أكثر ما يكاشفون الأمور الغيبية يكون في هذا العالم وفيه يتجسد الأعمال والأفعال الإنسانية الحسنة والقبيحة كل بما يناسبها)(٢) ، ثم يقول: (ولكل إنسان فيه نصيب، وهو القوة الخيالية التي فيها تُرى المنامات)(٣) .

وعلى هذا الأساس فسيكون حديثنا في النقطة الثانية عن عالم المثال، ونود أن نعتذر مسبقاً من القارئ الشاب إذا كان الخوض في مثل هذه الأبحاث العلمية يرهق تفكيره لأننا لم نجد بداً من الإسهاب في الحديث عنها بعد أن أصبح الكثير من شبابنا المسلم ينجذب

____________________

(١) جامع الأسرار ومنبع الأنوار: ٤٧١.

(٢) رسائل قيصري، رسالة التوحيد والنبوة والولاية: ١٨.

(٣) نفس المصدر.


للخوض في مثل هذه القضايا والمسائل المعقدة والتي نعلم أن أكثر الشباب لا يعي ولا يدرك الأكثر من أبعادها وجوانها، ومن هنا كنا مضطرين لأن نبحثها بشيء من التفصيل والتوسع.

النقطة الثانية: حقيقة عالم المثال.

بينا في النقطة الثانية من الكلمة الخامسة أن العوالم الوجودية خمسة، وهي عالم الأعيان الثابتة، وعالم الجبروت، وعالم الملكوت، وعالم الملك، وعالم الإنسان الكامل، ولما كان الحديث عن حقيقة كل عالم من هذه العوامل وخصائصه لا يسعه المجال أولاً، وربما لا تستوعبه الكثير من الأذهان ثانياً، فإننا لن نتحدث عن هذه العوالم من قريب أو بعيد، وما كان ينبغي لنا - في الواقع - أن نتطرق لذكر هذه الأمور في مثل هذا الكتاب لولا أننا وجدنا مسألة الرؤيا والمنامات تثار بشدة وبقوة في أوساط مجتمعاتنا الإسلامية، وتأصل مسارات غير صحيحة في التعامل مع القضايا الشرعية والمسائل الاجتماعية عند الكثير من المتدينين، من دون أن يكون هناك أدنى وعي للإثارات والأبحاث العلمية المعمقة التي تناولها الفلاسفة والعرفاء والعلماء في كتاباتهم وأبحاثهم عن الرؤيا والمنامات والأحلام.

وعلى كل حال فإننا سنتحدث - مضطرين - في هذه النقطة من الكلمة السابعة عن عالم من العوالم الغيبية الذي يرتبط الحديث عنه بقضايا الرؤيا أشد الارتباط، وهو عالم المثال الذي يعد من عالم الملكوت، وقد ذكرنا أن الرؤيا الصادقة للإنسان إنما تحصل بسبب


اطلاع الإنسان على هذا العالم وما فيه من حال النوم. فما هي حقيقة هذا العالم وكيف تتصل النفس أو الروح به وتطلع على أسراره وخفاياه؟

يقول القيصري: (اعلم أن بين عالم الأجسام وعالم الأرواح المجردة عالماً آخر يسمى برزخاً. وإليه الإشارة في قوله تعالى:( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ ) أي بين بحري عالم الأرواح والأجسام برزخ يمنع عن بغي أحدهما على الآخر. وللبرزخ(١) أن يكون نصيباً منهما، فهو من حيث إنه غير مادي شبيه بعالم الأرواح ومن حيث إنه ذو صورة وشكل ومقدار شبيه بعالم الأجسام)(٢) .

وقال عبد الرحمن جامي أحد العرفاء المشهورين: (ثم اعلم أن العالم المثالي هو عالم روحاني من جوهر نوراني شبيه بالجوهر الجسماني في كونه محسوساً مقدارياً، وبالجوهر المجرد العقلي في كونه نورانياً. وليس بجسم مركب مادي، ولا جوهر مجرد عقلي، لأنه برزخ وحد فاصل بينهما، وكل ما هو برزخ بين الشيئين، لابد وأن يكون غيرهما)(٣) .

وقال: (إنما سمي (العالم المثالي) لكونه مشتملاً على صور ما

____________________

(١) البرزخ في اللغة: ما يكون حاجزاً بين شيئين ومتوسطاً بينهما.

(٢) المصدر السابق: ١٧.

(٣) عبد الرحمن بن جامى، نقد النصوص في شرح نقش الفصوص: ٥٥.


في العالم الجسماني، ولكونه أول مثال صوري لما في الحضرة العلمية الإلهية من صور الأعيان والحقائق)(١) .

ويبين كيفية التأثير المتبادل بين هذا العالم والعالم الجسماني المادي فيقول: (اعلم أنه لما كان عالم الأرواح متقدماً بالوجود والمرتبة على عالم الأجسام، وكان الإمداد الرباني الواصل إلى الأجسام موقوفاً على توسط الأرواح بينهما وبين الحق سبحانه، وتدبيرها - أعني تدبير الأجسام - مفوَّض إلى الأرواح، وتعذر الارتباط بين الأرواح والأجسام للمباينة الذاتية الثابتة بين المركب والبسيط - فإن الأجسام كلها مركبة، والأرواح بسيطة، فلا مناسبة بينهما، فلا ارتباط، وما لم يكن ارتباط، لا يحصل تأثير ولا تأثر ولا إمداد ولا استمداد - فلذلك خلق الله سبحانه عالم المثال برزخاً جامعاً بين عالم الأرواح وعالم الأجسام ليصح ارتباط أحد العالمين بالآخر، فيتأتى حصول التأثر والتأثير ووصول الإمداد والتدبير)(٢) .

وبعد أن وعينا حقيقة هذا العالم فإن علينا أن ندرك بأن للإنسان القدرة على الاتصال بهذا العالم والاطلاع على ما فيه، وقد بينا هذا الأمر في النقطة المتقدمة من الكلمة، ونضيف هنا مزيداً من التوضيح فنقول: إن الارتباط بين عالم الغيب وعالم الشهادة وإن كان أمراً لا يستشعره أكثر الناس نتيجة احتجابهم عن العالم الغيبي وانصرافهم

____________________

(١) نفس المصدر: ٥٦.

(٢) نفس المصدر: ٥٤ - ٥٥.


بشكل كلي إلى العالم المادي واشتغالهم به، إلا أنه من المعلوم أن هناك جملة من الناس تستطيع أو استطاعت التوصل إلى نوع ارتباط بينهما وبين العالم الغيبي، ولا أقل من الأنبياء والرسل (ع) الذين اختارهم الله تعالى لتبليغ رسالاته، وهذا هو المستوى الأعلى والأتم من مستويات الارتباط بين الإنسان وعالم الغيب، ولكن اختصاص الوحي الخاص بالأنبياء والرسل (ع) لا يعني انسداد باب الارتباط بين بقية الناس وبين العالم الغيبي، بل هناك العديد من النصوص الشرعية التي تؤكد على أنه لولا اشتغال الإنسان بعالمه المادي وانغماسه فيه وتقلبه في الشهوات واللذات التي تحجبه عن الحق تعالى لكان يطلع على الغيب ويراه كما يرى ويحس هذا العالم المادي. وهذا ما نعيه في قوله تعالى:( كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ) فقد دلت هذه الآيات على أن الإنسان لو كان عنده علم اليقين لكان ينظر إلى الجحيم ويراها كما يرى ما سواها من أمور مادية محسوسة.

وروي عن رسول الله (ص) انه قال:(لولا أن الشياطين يحومون حول قلوب بني آدم لرأوا ملكوت السماوات والأرض) (١) .

وروى عنه (ص) أيضاً:(لولا تكثير في كلامكم وتمريج في قلوبكم لرأيتم ما أرى ولسمعتم ما أسمع) (٢) .

____________________

(١) محمد حسين الطهراني، رسالة لب اللباب: ٣٩.

(٢) نفس المصدر.


وعلى هذا الأساس نعي أن الارتباط بين الإنسان والعالم الغيبي لا ينحصر في ما يصطلح عليه بـ: (الوحي الخاص) الذي لا يكون إلا للأنبياء والرسل (ع)، وأن الإنسان لو توجه تمام التوجه إلى الله تعالى واستفرغ همه لعبادته وقطع عن نفسه العلائق الدنيوية التي تصرفه عن الحق تعالى، لكان من الممكن أن يطَّلع ويتعرَّف على أمور غيبية لا يطلع عليها ولا يعرفها سائر الناس، ومن هنا أكد العرفاء على أن الوحي الخاص بالأنبياء والرسل (ع) يعتبر الرتبة الأعلى والأتم والأكمل من مراتب الاطلاع على الغيب التي يعبر عنها العرفاء بمراتب الكشف، وأن هناك مراتب آخر للكشف كالمكاشفات والمشاهدات التي تحصل للعرفاء في حال اليقظة، وكالرؤى والمنامات الصادقة التي تحصل لكثير من الناس حال نومهم وسباتهم، وقد بينا الوجه والسبب في ذلك في النقطة السابقة من الكلمة. وهناك من الأخبار ما يعبر بالصراحة عن الرؤيا الصادقة بأنها اطلاع على ملكوت السماء، إذ يقول أحد أصحاب الإمام الصادق (ع): (قلت لأبي عبد الله الصادق (ع): المؤمن يرى الرؤيا فتكون كما رآها، وربما رأى الرؤيا فلا تكون شيئاً؟! فقال:إن المؤمن إذا نام خرجت من روحه حركة ممدودة صاعدة إلى السماء، فكلما رآه روح المؤمن في ملكوت السماء في موضع التقدير والتدبير فهو الحق، وكلما رآه في الأرض فهو أضغاث أحلام . فقلت له: وتصعد روح المؤمن إلى السماء؟ قال:نعم . قلت: حتى لا يبقى شيء في بدنه؟ فقال:لا، لو خرجت كلها


حتى لا يبقى منها شيء إذاً لمات . قلت. فكيف تخرج؟ فقال:أما ترى الشمس في السماء في موضعها وضوؤها وشعاعها في الأرض؟ فكذلك الروح أصلها في البدن وحركتها ممدودة )(١) .

ولأن مكاشفات الإنسان التي تحصل له في حال اليقظة أو حال النوم لا ترقى إلى مستوى المكاشفات التي تحصل للأنبياء والرسل (ع) بسبب الوحي الخاص من الله عَزَّ وجَلَّ، ولأنها - أي مكاشفات غير الأنبياء والرسل والمعصومين (ع) - ربما داخلتها بعض الملابسات التي تحول بين من يراها وبين معرفة المراد الحقيقي والواقعي منها؛ فإن العرفاء أكدوا أيَّما تأكيد على ضرورة اتباع المعصوم في كشفه، وإن كشفه مقدم على كشف العارف، وإننا لا نستغني بمكاشفاتنا عن رأى المعصوم (ع)، نبياً كان أم إماماً، حتى أن العرفاء كانوا يرون ضرورة الرجوع إلى المعصوم (ع) في التعرّف على أول رتبة من مراتب الكشف، وهي التمييز بين الإلهام الإلهي والإلهام الشيطاني، وفي ذلك يقول السيد حيدر الآملي: (والتمييز بين هذين الإلهامين محتاج إلى ميزان إلهي ومحك رباني، وهو نظر الكامل المحقق والإمام المعصوم والنبي المرسل، والمطلع على بواطن الأشياء على ما هي عليه، واستعدادات الموجودات وحقائقها.

ولهذا احتجنا بعد الأنبياء والرسل (ع) إلى الإمام والمرشد، لقوله تعالى:( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) لأن كل واحد

____________________

(١) بحار الأنوار: ٦١ / ٣٢ - ٣٣.


ليس له قوة التمييز بين الإلهامين الحقيقي وغير الحقيقي، وبين الخاطر الإلهي والشيطاني، وغير ذلك)(١) .

وسنتحدث في النقاط القادمة عن أسباب وعوامل صواب الرؤيا وخطئها وعن حاجة الرؤيا إلى التعبير الذي لا يتوفر لكل أحد القدرة عليه، وقد مَنَّ الله تعالى به على بعض عباده الصالحين كنبيه يوسف (ع) الذي قال تعالى فيه: ( وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (يوسف: ٦). وقال: ( وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ) (يوسف: ٢١). وشكر يوسف (ع) ربه على هذه النعمة وغيرها من النعم التي آتاها الله إياه فقال كما يحكى لنا القرآن ذلك: (رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (يوسف: ١٠١).

وتأويل الأحاديث إشارة إلى العلم بتعبير الرؤيا الذي أتاه الله سبحانه وتعالى نبيه يوسف (ع) كما أشارت إلى ذلك الروايات وأقوال مفسِّري القرآن.

النقطة الثالثة: عوامل صواب الرؤيا وخطئها.

لابد أن نقرر ابتداءً أن ما يراه الإنسان في حال نومه وحتى في حال يقظته كما هو شأن في

____________________

(١) جامع الأسرار ومنبع الأنوار: ٤٥٥ - ٤٥٦.


مكاشفات العرفاء ووحي الأنبياء (ع) من حقائق عالم المثال وصوره لابد وأن تكون كلها حقاً لا باطلاً؛ لأن صور الموجودات وحقائق الأشياء تتجلى في ذلك العالم على ما هي عليه، فحينما يطَّلع الإنسان على ذلك العالم بالوحي أو المكاشفة أو الرؤيا الصادقة فإنما يتعرف على حقائق الأمور وصور الأشياء كما هي، وقد أشار إلى هذا الأمر عدد كبير من الروايات، كما في قول رسول الله (ص) لعلي (ع):(يا علي، ما من عبد ينام إلا عرج بروحه إلى رب العالمين، فما رأى عند رب العالمين فهو حق  ...) (١). وفي رواية عن علي (ع) أنه قال حينما سأله عمر بن الخطاب عن حقيقة الرؤيا وسبب صدقها وكذبها:(فما رأت وهي عنده في السماء فهي الرؤيا الصادقة) (٢) .

إذا أدركنا هذا الأمر فلنتسائل عن سبب خطأ وعدم واقعية بعض الرؤى والمنامات لماذا يكون؟

يجيب الرازي في كتابه(المطالب العالية من العلم الإلهي) عن هذا السؤال قائلاً: (اعلم أن الصور التي تركبها المتخيلة قد تكون كاذبة، وقد تكون صادقة. أما الكاذبة فوقوعها على ثلاثة أوجه:

الأول: أن الإنسان إذا أحس بشيء وبقيت صورة ذلك المحسوس في خزانة الخيال فعند النوم ترتسم تلك الصورة في

____________________

(١) بحار الأنوار: ٦١ / ١٥٨.

(٢) نفس المصدر: ١٩٣.


الحس المشترك فتصير مشاهدة محسوسة.

والثاني: أن القوة الفكرية إذا ألفت صورة، ارتسمت تلك الصورة في الخيال، ثم في وقت النوم تنتقل تلك الصورة إلى الحس المشترك، فتصير محسوسة، كما أن الإنسان إذا تفكر في الانتقال من بلد إلى بلد، أو حصل في خاطره رجاء شيء، أو خوف من شيء، فإنه يرى تلك الأحوال في المنام.

والثالث: أن مزاج الروح الحامل للقوة المفكرة إذا تغير فإنه تتغير أفعال القوة المفكرة؛ ولهذا السبب فإن الذي يميل مزاجه إلى الحرارة يرى في النوم النيران والحريق والدخان، ومن مال مزاجه إلى الرطوبة يرى الثلوج، ومن مال مزاجه إلى الرطوبة يرى الأمطار، ومن مال مزاجه إلى اليبوسة يرى التراب والألوان المظلمة. فهذه الأنواع الثلاثة لا عبرة بها البتة، بل هي من قبيل أضغاث الأحلام)(١) .

وعلى هذا الأساس نعي أن الرؤيا هي نتاج القوة المتخيلة عند الإنسان، واتصال الإنسان بعالم المثال إنما يتم بتوسط هذه القوة التي تخطئ أحياناً في تصوير الصور الموجودة في العالم المثالي فتخطئ الرؤيا وتبتعد عن الصواب، وهذا لا ينافي أن يكون أصل ما شاهده الإنسان في عالم المثال حال الرؤيا حقيقياً وواقعياً، لأن الخطأ إنما يقع حينما تريد الحواس أن تصوَّر ما رأته القوة المتخيلة في عالم المثال بصورة محسوسة وهنا المبدء في خطأ الكثير من المنامات التي نراها؛ لأن

____________________

(١) فخر الدين الرازي، المطالب العالية من العلم الإلهي: ٨ / ١٢٩ - ١٣٠.


كل إنسان يجسد حسه المشترك ما يراه في عالم الخيال بحسب قوته واستعداده ومقامه، ومن هنا يمكن للمكاشفة التي يراها الإنسان في حال اليقظة أن يخطئ في تفسيرها فضلاً عن ما يراه من مكاشفات في حال نومه.

يقول عبد الرحمن جامي: (وهي - أي حضرة الخيال والصور المرتسمة فيه - كلها صدق، مطابقة للواقع، بشرط أن يكون انطباعها في الخيال من الجهة العلوية أو القلب النوراني، لا من الجهة السفلية، فإن المعنى الكلي العلمي ينزل من أم الكتاب إلى عالم اللوح المحفوظ - وهو بمثابة القلب للعالم - ومنه إلى عالم المثال، فيتجسد فيه، ثم إلى عالم الحس، فيتحقق في الشاهد: وهو المرتبة الرابعة من الوجود النازل من العالم العلوي إلى العالم السفلي ومن الباطن إلى الظاهر ومن العلم إلى الكون والخيال من الإنسان هو عالم المثال المقيد، كما أن عالم المثال هو الخيال المطلق أي خيال العالم. فللخيال الإنساني وجه إلى عالم المثال - لأنه منه؛ فهو متصل به - ووجه إلى النفس والبدن. وكلما انطبع فيه نقش من هذه الجهة السفلية، وتمثلت فيه صورة، كان ذلك محاكاة لهيئة نفسانية أو هيئة مزاجية، أو لبخار يرتفع إلى مصعد الدماغ، كما للمحرورين وأصحاب الماليخوليا، ولا حقيقة له، ويسمى أضغاث أحلام. وكلما انطبعت فيه صورة من الجهة العلوية، أي من عالم المثال أو من القلب النوراني الإنساني، فيتجسد فيه، كان حقاً، سواء كان في النوم


أو في اليقظة)(١) .

ومن هنا نعي أن القوة المتخيلة عند الإنسان لها جهتان جهة تتصل بالعالم العلوي وما رأته في النوم أو اليقظة من هذه الجهة فهو حق، وجهة تتصل ببدن الإنسان والعالم السفلي وما رأته  ... من هذه الجهة فهو باطل، وهذا ما نحتمل قوياً أن رسول الله (ص) أشار إليه بقوله:(يا علي، ما من عبد ينام إلا عرج روحه إلى رب العالمين، فما رأى عند رب العالمين فهو حق، ثم إذا أمر الله العزيز الجبار برد روحه إلى جسده، فصارت الروح بين السماء والأرض، فما رأته فهو أضغاث أحلام) (٢).

كما أن علياً (ع) ربما أشار إلى ذلك بقوله:(فما رأتْ وهي عنده في السماء فهي الرؤيا الصادقة، وما رأت إذا أُرسلت إلى أجسادها تلقتها الشياطين في الهواء فكذبتها وأخبرتها بالأباطيل فكذبت فيها) (٣) .

ونجد في روايات أهل بيت العصمة والطهارة (ع) تمييزاً واضحاً بين عوامل الصحة والخطأ في الرؤيا، فعن رسول الله (ص) أنه قال:(الرؤيا ثلاثة: بشرى من الله، وتخزين من الشيطان، والذي يحدِّث به الإنسان نفسه فيراه في منامه) (٤) .

____________________

(١) نقد النصوص في شرح نقش الفصوص: ١٥٧.

(٢) بحار الأنوار: ٦١ / ١٥٨.

(٣) نفس المصدر: ١٩٣.

(٤) نفس المصدر: ١٩١.


وعنه (ص) أيضاً:(الرؤيا على ثلاثة: منها تخويف من الشيطان ليحزن به ابن آدم، ومنها الأمر يحدِّث به نفسه في اليقظة فيراه في المنام، ومنها جزء من ستة وأربعين جزء  ... من النبوة) (١) .

وهذه المرويات وإن كانت في مقام تبيين عوامل ومبادئ الرؤيا إلا أنها في الوقت نفسه تطرح أسباب الصحة والخطأ في الرؤيا والمنامات، وما نستفيده من هذه الأخبار وأمثالها أن مرجع صحة الرؤيا وصوابها هو عامل واحد وهو كونها من الله، أي أن حدوثها يكون بعامل وتأثير إلهيين، لمصلحة تتعلق بالإنسان، وهذا ما نعيه من التعبير عن الرؤيا الصالحة بأنها بشارة أو بشرى من الله كما جاء ذلك في روايات كثيرة، منها ما روى من أن رسول الله (ص) أتاه رجل فقال: (يا رسول الله، أخبرني عن قول الله (عَزَّ وجَلَّ):( الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ ) فقال:أما قوله ( لَهُمُ الْبُشْـرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) فهي الرؤيا الحسنة يراها المؤمن فيبشَّر بها في دنياه )(٢).

وتبين بعض المرويات المصالح التي تكون من وراء الرؤيا التي يريها الله لعباده في نومهم، فتقول - كما عن الصادق (ع):(إذا كان العبد على معصية الله (عَزَّ وجَلَّ) وأراد الله به خيراً أراه في منامه رؤيا تروعه فينزجر بها عن تلك المعصية، وإن الرؤيا الصادقة جزء من

____________________

(١) نفس المصدر: ١٩٣.

(٢) نفس المصدر: ١٧٦ - ١٧٧.


سبعين جزء من النبوة) (١) .

كما أن تلك المرويات تدلنا على أن عوامل الخطأ وأسباب الرؤيا الكاذبة عاملان:عامل داخلي يتعلق بالإنسان نفسه، وهو إما أن يكون عاملاً نفسياً يرجع إلى تحديث الإنسان نفسه بشيء واشتغال فكره به، وإما أن يكون عاملاً بدنياً يرجع إلى كثرة الأكل أو غيره. وعامل خارجي يتعلق بإلقاءات الشياطين التي تمتلك تأثيراً بمستوى معين على رؤى الإنسان وأحلامه، وقد دل على ذلك ما روى عن الإمام الصادق (ع) في سبب نزول قوله تعالى: ( إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) (المجادلة: ١٠)، فقد قال (ع):(كان سبب نزول هذه الآية أن فاطمة (ع) رأت في منامها أن رسول الله همَّ أن يخرج هو وفاطمة وعلي والحسن والحسين (صلوات الله عليهم) من المدينة، فخرجوا حتى جازوا من حيطان المدينة، فعرض لهم طريقان فأخذ رسول الله ذات اليمين حتى انتهى إلى موضع فيه نخل وماء، فاشترى رسول الله (ص) شاة ذرعاء وهي التي في إحدى أذنيها نقط بيض، فأمر بذبحها، فلما أكلوا ماتوا في أماكنهم فانتبهت فاطمة باكية ذعرة فلم تخبر رسول الله (ص) بذلك، فلما أصبحت جاء رسول الله (ص) بحمار فاركب عليه فاطمة وأمر أن يخرج أمير المؤمنين والحسن والحسين (ع) من المدينة كما رأت فاطمة في نومها، فلما خرجوا من

____________________

(١) نفس المصدر: ١٦٧.


حيطان المدينة عرض لهم طريقان فأخذ رسول الله ذات اليمين كما رأت فاطمة (ع) حتى انتهوا إلى موضع فيه نخل وماء فاشترى رسول الله شاة كما رأت فاطمة فأمر بذبحها فذبحت وشويت فلما أرادوا أكلها قامت فاطمة وتنحت ناحية منهم تبكي مخافة أن يموتوا، فطلبها رسول الله حتى وقف عليها وهي تبكي، فقال: ما شأنك يا بنية؟ قالت: يا رسول الله، رأيت البارحة كذا وكذا في نومي وقد فعلت أنت كما رأيته فتنحيت عنكم لئلا أراكم تموتون، فقام رسول الله فصلى ركعتين ثم ناجى ربه فنزل عليه جبرئيل، فقال: يا محمد، هذا شيطان يقال له الرها، وهو الذي أرى فاطمة هذه الرؤيا، ويؤذي المؤمنين في نومهم ما يغتمون به، فأمر جبرئيل فجاءه إلى رسول الله فقال له: أنت الذي أريت فاطمة هذه الرؤيا؟ فقال: نعم يا محمد، فبزق عليه ثلاث بزقات (١) فشجه في ثلاث مواضع، ثم قال جبرئيل لمحمد: يا محمد، إذا رأيت في منامك شيئاً تكرهه، أو رأى أحد من المؤمنين فليقل: أعوذ بما عاذت به ملائكة الله المقربون وأنبياء الله المرسلون وعباده الصالحون من شر ما رأيت من رؤيا، ويقرء الحمد والمعوذتين وقل هو الله أحد، ويتفل عن يساره ثلاث تفلات، فإنه ما يضره ما رأى، فأنزل الله عَزَّ وجَلَّ على رسوله: ( إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ ) (٢) .

وهذا الإلقاء الذي يكون من الشياطين في رؤيا الإنسان ومناماته

____________________

(١) البزاق هو البصاق.

(٢) الحويزي، تفسير نور الثقلين: ٥ / ٢٦١ - ٢٦٢.


لا ينافي مقام العصمة والطهارة الثابت لأهل بيت النبوة (ع)، والذين منهم الزهراء (ع)، لأن الله تعالى يقول في آخر هذه الآية:( وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ) ، وهو على غرار ما يثبته تعالى من إلقاءات للشياطين في نفوس الأنبياء (ع) ينسخها الله تعالى ويثبت آياته، كما يرشدنا إلى ذلك قوله عَزَّ شأنه:( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (الحج: ٥٢).

ويبين بعض علماء العرفان أسباب الإصابة والخطأ في الرؤيا فيقول: (وللصدق والإصابة أسباب بعضها راجع إلى النفس، وبعضها إلى البدن، وبعضها إليهما جميعاً:

أما الأسباب الراجعة إلى النفس كالتوجه التام إلى الحق سبحانه والاعتقاد بالصدق وميل النفس إلى العالم الروحاني العقلي وطهارتها عن النقائص وإعراضها عن الشواغل البدنية واتصافها بالمحامد، لأن هذه المعاني توجب تنورها وتقويها. وبقدر ما قويت النفس وتنورت، تقدر على خرق العالم الحسي ورفع الظلمة الموجبة لعدم الشهود، وأيضاً تقوى المناسبة بينها وبين الأرواح المجردة لاتصافها بصفاتها. فيفيض عليها المعاني الموجبة للانجذاب إليها من تلك الأرواح، فيحصل الشهود التام، ثم إذا انقطع حكم ذلك الفيض ترجع إلى الشهادة متصفة بالعلم، منتقشة بتلك الصور بسبب انطباعها في الخيال.


والأسباب الراجعة إلى البدن: صحته واعتدال مزاجه الشخصي ومزاجه الدماغي.

والأسباب الراجعة إليهما: الإتيان بالطاعات والعبادات البدنية والخيرات واستعمال القوى وآلاتها بموجب الأوامر الإلهية وحفظ الاعتدال بين طرفي الإفراط والتفريط فيه ودوام والوضوء وترك الاشتغال بغير الحق دائماً بالاشتغال بالذكر وغيره خصوصاً من أول الليل إلى وقت النوم.

وأسباب الخطأ ما يخالف ذلك من سوء مزاج الدماغ واشتغال النفس باللذات الدنيوية واستعمال القوى المتخيلة في التخيلات الفاسدة والانهماك في الشهوات والحرص على المخالفات، فإن كل ذلك مما يوجب الظلمة وازدياد الحجب. فإذا عرضت النفس من الظاهر إلى الباطن بالنوم، يتجسد لها هذه المعاني، فتشغلها عن عالمها الحقيقي، فيقع مناماته أضغاث أحلام لا يوبه بها، أو يرى ما تخيلته المتخيلة بعينه)(١) .

وأما الفخر الرازي الذي نقلنا عنه في ما سبق أسباب خطأ الرؤيا وفساد المنامات، فإنه يبين أسباب صحة الرؤيا بقوله:

(وأما الرؤيا الصادقة. فالكلام في ذكر سببها، يتفرع على مقدمتين:

إحداهما: أن جميع الأمور الكائنة في هذا العالم الأسفل مما كان، ومما سيكون، ومما هو كائن موجود في علم الباري تعالى،

____________________

(١) نقد النصوص في شرح نقش الفصوص: ١٦٠ - ١٦١.


وعلم الملائكة العقلية، والنفوس السماوية.

والثانية: أن النفس الناطقة من شأنها أن تتصل بتلك المبادئ، وتنتقش فيها الصور المنتقشة في تلك المبادئ. وعدم حصول هذا المعنى ليس لأجل البخل من تلك المبادئ، أو لأجل أن النفس الناطقة غير قابلة لتلك الصور، بل لأجل أن استغراق النفس في تدبير البدن، صار مانعاً لها من ذلك الاتصال العام.

إذا عرفت هذا فنقول: النفس إذا حصل لها أدنى فراغ من تدبير البدن، اتصلت بطباعها بتلك المبادئ، فتنطبع فيها بعض تلك الصور الحاضرة عند تلك المبادئ، وهي الصورة التي هي أليق بتلك النفس. ومعلوم أن أليق الأحوال بها، ما يتعلق بأحوال ذلك الإنسان وبأصحابه وأهل بلده وإقليمه. وأما إن كان ذلك الإنسان منجذب الهمة إلى تحصيل علوم المعقولات، لاحت له منها أشياء. ومن كانت همته مصالح الناس رآها، ثم إذا انطبعت تلك الصور في جوهر النفس الناطقة أخذت المتخيلة التي من طباعها محاكاة الأمور، في حكاية تلك الصور المنطبعة في النفس، بصور جزئية تناسبها، ثم إن تلك الصور تنطبع في الحس المشترك فتصير مشاهدة. فهذا هو سبب الرؤيا في المنام)(١) .

والعلامة الطباطبائي في(الميزان في تفسير القرآن) قال في بحث له عن الرؤيا بعد أن قسم العوالم إلى ثلاثة عوالم هي: عالم الطبيعة،

____________________

(١) المطالب العالية من العلم الإلهي: ٨ / ١٣٠ - ١٣١.


وعالم المثال، وعالم العقل: (والنفس الإنسانية لتجردها لها مسانخة مع العالمين عالم المثال وعالم العقل فإذا نام الإنسان وتعطلت الحواس انقطعت النفس طبعاً عن الأمور الطبيعية الخارجية ورجعت إلى عالمها المسانخ لها وشاهدت بعض ما فيها من الحقائق بحسب ما لها من الاستعداد والإمكان، فإن كانت النفس كاملة متمكنة من إدراك المجردات العقلية أدركتها واستحضرت أسباب الكائنات على ما هي عليها من الكلية والنورية، وإلا حكتها حكاية خيالية بما تأنس بها من الصور والأشكال الجزئية الكونية كما نحكي نحن مفهوم السرعة الكلية بتصور جسم سريع الحركة، ونحكي مفهوم العظمة بالجبل، ومفهوم الرفعة والعلو بالسماء وما فيها من الأجرام السماوية، ونحكي الكائد المكار بالثعلب والحسود بالذئب والشجاع بالأسد إلى غير ذلك.

وإن لم تكن متمكنة من إدراك المجردات على ما هي عليها والارتقاء إلى عالمها توقفت في عالم المثال مرتقية من عالم الطبيعة فربما شاهدت الحوادث بمشاهدة عللها وأسبابها من غير أن تتصرف فيها بشيء من التغيير، ويتفق ذلك غالباً في النفوس السليمة المتخلقة بالصدق والصفاء، وهذه هي المنامات الصريحة.

وربما حكت ما شاهدته منها بما عندها من الأمثلة المأنوس بها كتمثيل الأزدواج بالاكتساء والتلبس، والفخار بالتاج والعلم بالنور والجهل بالظلمة وخمود الذكر بالموت. وربما انتقلنا من الضد إلى الضد كانتقال أذهاننا إلى معنى الفقر عند استماع الغني وانتقالنا عن


تصور النار إلى تصور الجمد ومن تصور الحياة إلى تصور الموت وهكذا. ومن أمثلة هذا النوع من المنامات ما نقل أن رجلاً رأى في المنام أن بيده خاتماً يختم به أفواه الناس وفروجهم فسأل ابن سيرين عن تأويل فقال: إنك ستصير مؤذناً في شهر رمضان فيصوم الناس بأذانك(١) .

النقطة الرابعة: حاجة الرؤيا إلى التعبير.

من الأمور المهمة في فهم حقيقة الرؤيا وتمييز صحيحها من باطلها هو العلم بتعبير وتفسير الرؤى والأحلام، وهو من العلوم التي لا يحظى بتمام مراتبها ولا يحيط بجميع جزئياتها إلا المعصوم من الأنبياء والأئمة (ع)، وذلك لأننا قلنا فيما سبق إن الرؤيا الصادقة هي رتبة من مراتب الكشف والاطلاع على الغيب، ومن المقرر بين العرفاء أن الكشف التام لا يكون إلا للمعصوم (ع)، وأما بقية الناس فإنّ مكاشفاتهم سواء كانت في اليقظة أم في المنام لا تخلو في كثير من الأحيان من نقص، ولذا فإن العرفاء يقولون لما سوى كشف المعصوم (ع) بأنه كشف ناقص، ومن هنا اشترط العرفاء في صحة كشف العارف أن لا يكون مخالفاً لكشف المعصوم - كما أشرنا إلى ذلك أكثر من مرة.

ويبين بعض العرفاء حقيقة علم التعبير فيقول: (وهذا العلم لا يحصل إلا بانكشاف رقائق الأسماء الإلهية والمناسبات التي بين الأسماء المتعلقة بالباطن وبين الأسماء التي تحت حيطة الظاهر، لأن

____________________

(١) نقد النصوص في شرح نقش الفصوص: ١٦١ - ١٦٢.


الحق سبحانه إنما يهب المعاني صوراً بحكم المناسبة الواقعة بينها، لا جزافاً - كما يظن المحجوبون أن الخيال يخلق تلك الصور جزافاً، فلا يعتبرون ويسمونها أضغاث أحلام - بل المصور هو الحق من وراء حجابية الخيال، ولا يصدر منه ما يخالف الحكمة. فمن عرف المناسبات التي بين الصور ومعانيها وعرف مراتب النفوس التي يظهر الصور في حضرة خيالاتهم بحسبها يعلم علم التعبير كما ينبغي. ولذلك يختلف أحكام الصورة الواحدة بالنسبة إلى أشخاص مختلفة المراتب. وهذا الانكشاف لا يحصل إلا بالتجلي الإلهي من حضرة الاسم الجامع بين الظاهر والباطن)(١) .

وقال نفسه في مقام آخر: (وأتم الأنوار التي تكشف ويكشف بها في الكاشفية، وأعظمها نفوذاً في الأشياء بالكشف عن حقائقها، هو النور التام العلمي الذي يكشف به ويدرك ما أراد الله بالصور المتخيلة المرئية في النوم، المتغيرة عما كانت عليه في عالم المثال، ويصير مشاهداً في عالم الحس بتصرف القوة المتصرفة، وهو - أي الكشف عما أراد الله بها هو - علم التعبير.

وإنما كان ذلك النور التام العلمي أتم الأنوار وأعظمها نفوذاً لأن الصورة الواحدة المتخيلة المرئية في النوم قد تظهر في خيال أشخاص متعددة بمعانٍ كثيرة مختلفة لتفاوت استعدادات تلك الأشخاص واختلافات أمزجتهم وتباين أمكنتهم وأزمنتهم وغير ذلك. لكن يراد منها،

____________________

(١) نقد النصوص في شرح نقش الفصوص: ١٦١ - ١٦٢.


أي من هذه الصورة، في حق صاحب الصورة، أي صاحب كان، معنى واحد من تلك المعاني الكثيرة. فمن كشفه، أي المعنى المراد، وميزه عن غيره وعبر الصورة المرئية به بذلك النور التام العلمي، فهو صاحب النور الأتم، ونوره أتم الأنوار لأنه يتميز به ما هو في غاية الالتباس ونهاية الاشتباه)(١) .

ويوضح هذا العارف بعد ذلك كيفية ظهور الصورة الواحدة بمعانٍ كثيرة لا يقدر على التمييز بينها جميعها إلا صاحب الكشف التام، فيقول: (وإنما قلنا إن الصورة الواحدة تظهر بمعانٍ كثيرة، فإن الشخص الواحد من جماعة قد يرى في النوم أنه يؤذن، فيحج في عالم الحس. وشخص آخر منهم يرى فيه أنه يؤذن، فيسرق في الحس. أما الحج، فمن قوله تعالى:( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ) . وأما السرقة، فمن قوله تعالى:( ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ) . وصورة الأذان واحدة، لكن التعبير مختلف لاختلاف الرئين. وكذلك شخص آخر يرى فيه أنه يؤذِّن، فيدعو إلى الله على بصيرة. وشخص آخر يرى أنه يؤذن، فيدعو إلى الضلالة، وذلك لاشتراك الأذان مع هاتين الدعوتين في مطلق الدعوة إلى أمر ما، وإنما اختلف المدعو إليه لاختلاف الرأي)(٢) .

إلى أن يقول في ختام كلامه: (ولا يُعرف هذا المقام إلا من

____________________

(١) نفس المصدر: ١٧٩ - ١٨٠.

(٢) نفس المصدر: ١٨٠.


يكاشف جميع المقامات العلوية والسفلية، فيرى الأمر النازل من الحضرة إلى العرش والكرسي والسموات والأرض ويشاهد في كل مقام صورته)(١) .

ومن هنا يتضح لنا أن حاجة الرؤيا إلى التعبير تنطلق من أن ما يراه الإنسان من صور في عالم المثال وما يطلع عليه من حقائق في عالم العقل تكون مجردة من المادة دون الصورة كما هو الشأن في عالم المثال، أو منهما معاً كما هو الأمر في عالم العقل، وحينما ترى النفس تلك الصورة وتطَّلع على تلك الحقائق في عالم النوم بفضل قوتها المتخيلة فإنها لابد وأن ترجعها إلى الحس المشترك الذي يقوم بتصويرها بصور مألوفة ومأنوسة عند الإنسان، فيصور معنى العظمة مثلاً بالجبل، وإذا لم يكن الإنسان مطلعاً تمام الاطلاع على تصرفات القوة المتخيلة وأفاعيلها وكيفية تأثيرها في الحس المشترك الذي يقوم بتجسيد المعاني المتخيلة وتصويرها في صورة حسية، فإنه لا يستطيع أن يعبر من الخيال إلى الحس وأن يدرك المعنى المراد من الصور الحسية التي يشاهدها الإنسان في رؤياه، وإذا لم يكن الإنسان صاحب كشف تام فإنه ربما أخطأ في التعبير وتصور ما ليس مراداً بأنه مراد، وهذه الرواية التي يرويها بعضهم عن الصادق (ع) تدل على أهمية التعبير وأن الانتقال فيه من الصورة الحسية إلى المعنى المراد ربما كان في غاية الغموض والإبهام بحيث لا يتيسر لكل أحد، فقد قال: (كنت عند أبي

____________________

(١) نفس المصدر.


عبد الله (ع) فجاءه رجل فقال: رأيتك في النوم كأني أقول لك: كم بقى من أجَلي؟ فقلت لي بيدك: هكذا - وأومأ(١) (أي أشار بيده) إلى خمس - وقد شغل ذلك قلبي. فقال (ع):(إنك سألتني عن شيء لا يعلمه إلا الله عَزَّ وجَلَّ، وهي خمسة تفرد الله بها ( إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) (لقمان: ٣٤)) (٢) .

وفي قصة يوسف (ع) التي يحكيها القرآن المجيد في سورة كاملة نجد أن يوسف (ع) يعبِّر رؤيا الملك بتعبير لا تجد الأذهان بينه وبين الرؤيا مناسبة، وحينما يعجز المفسِّرون والمعبرون للرؤيا عن إدراك معناها فإنهم يقولون للملك: إنها أضغاث أحلام، في الوقت الذي يعترفون بأنهم لا يعلمون بتأويل الأحلام وتفسير الرؤى، وهذا ما حكاه لنا القرآن الكريم في قوله تعالى: ( وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ * قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ * وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ * يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ * قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا

____________________

(١) أي أشار بيده.

(٢) بحار الأنوار: ٦١ / ١٦٠ - ١٦١.


حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ) (يوسف: ٤٣ - ٤٩).

ويبيِّن العلامة الطباطبائي انقسام المنامات الصادقة إلى منامات صريحة لا تحتاج إلى التعبير ومنامات غير صريحة تحتاج إليه ويتوقف فهمها عليه فيقول: (وقد تبين مما قدمناه أن المنامات الحقة تنقسم انقساماً أولياً إلى منامات صريحة لم تتصرف فيها نفس النائم فتنطبق على مالها من التأويل من غير مؤنة، ومنامات غير صريحة تصرفت فيها النفس من جهة الحكاية بالأمثال والانتقال من معنى إلى ما يناسبه أو يضاده، وهذه هي التي تحتاج إلى التعبير بردها إلى الأصل الذي هو المشهود الأولى للنفس كرد التاج إلى الفخار، ورد الموت إلى الحياة والحياة إلى الفرج بعد الشدة ورد الظلمة إلى الجهل والحيرة أو الشقاء.

ثم هذا القسم الثاني ينقسم إلى قسمين أحدهما ما تتصرف فيه النفس بالحكاية فتنتقل من الشيء إلى ما يناسبه أو يضاده ووقفت في المرة والمرتين مثلاً بحيث لا يعسر رده إلى أصله كما مر من الأمثلة. وثانيهما ما تتصرف فيه النفس من غير أن تقف على حد كأن تنتقل من الشيء إلى ضده ومن الضد إلى مثله ومن مثل الضد إلى ضد المثل وهكذا بحيث يتعذر أو يتعسر للمعبر أن يرده إلى الأصل المشهود، وهذا النوع من المنامات هي المسماة بأضغاث الأحلام ولا تعبير لها


لتعسره أو تعذره.

وقد بان بذلك أن هذه المنامات ثلاثة أقسام كلية: وهي المنامات الصريحة ولا تعبير لها لعدم الحاجة إليها، وأضغاث الأحلام ولا تعبير فهيا لتعذره أو تعسره، والمنامات التي تصرفت فيها النفس بالحكاية والتمثيل وهي التي تقبل التعبير)(١) .

النقطة الخامسة: الموقف العملي من الرؤيا

يسرف البعض من المتدينين في الاعتماد على الرؤى والمنامات، وقد تجاوز هذا الإسراف الحد المعقول عند البعض فباتت كل مواقفه العملية وأفكاره النظرية تؤسس على ضوء الرؤى والأحلام وكأنها وحي أنزل عليه من السماء، ووصل الأمر عند بعض الجهلة من الناس أن يسمح لنفسه بإلغاء وتجاوز المقررات الشرعية الثابتة بالدليل والنص اعتماداً على ما يراه من رؤى وأحلام يراها مبررة لتجاوزه هذا على أحكام الشريعة.

وفي الحقيقة والواقع أن مثل هذا التعامل المنحرف واللامشروع مع مسألة الرؤيا لم يعدم وجوده على الدوام في الأوساط الدينية الجاهلة واللاواعية التي كانت تحدِّث نفسها على الدوام بضرورة وجود رابط مباشر بينها وبين العالم الغيبي تستطيع من خلاله التوصل إلى حل مشاكلها وإشكالياتها التي تعجز عن حلها بالطرق الطبيعية المتعارفة بين الناس، ولما كانت تعجز عن العثور على هذا الرابط المباشر في عالم اليقظة فإنها كانت تختلقه في عالم النوم بتأثير الإيحاء المستمر

____________________

(١) الميزان في تفسير القرآن: ١١ / ٢٧٢ - ٢٧٣.


والتحديث الدائم للنفس بهذا الأمر، وقد أشارت العديد من الأخبار والمرويات عن أهل بيت النبوة (ع) أن من أسباب الرؤيا الكاذبة هو حديث النفس الذي يضغط على الإنسان باتجاه خلق الصور الخيالية التي ترتبط بما يحدث الإنسان به نفسه، ومن الملاحظ والمجرب أن الإنسان إذا حدث نفسه بشيء تشتهيه نفسه وتعجز عن تحقيقه في الخارج بالوسائل والإمكانيات المتوفرة لديها فإنها ترى تحقيقه وإنجازه في عالم الرؤيا الذي لا يعجز الإنسان عن تحقيق كل آماله وطموحاته من خلاله.

ونجد في مقولة الإمام الصادق (ع) للمفضل توضيحاً جامعاً للموقع الذي ينبغي أن لا تتجاوزه الناس في تعاملها مع الرؤيا وموقفهم منها، إذ يقول:(فكِّر - يا مفضَّل - في الأحلام كيف دبر الأمر فيها فمزج صادقها بكاذبها، فإنها لو كانت كلها تصدق لكان الناس كلهم أنبياء، ولو كانت كلها تكذب، لم يكن فيها منفعة، بل كانت فضلاً لا معنى له، فصارت تصدق أحياناً فينتفع بها الناس في مصلحة يهتدى لها، أو مضرة يُتَحذَّر منها، وتكذب كثيراً لئلَّا يُعتمد عليها كل الاعتماد) (١) .

ومن الروايات الكثيرة التي ذكرنا بعضها في ما سبق والتي تعبر عن الرؤيا الصادقة - لا مطلق الرؤيا - بأنها (بشارة) أو (بشرى) من الله نعي أن الرؤيا لا يمكن لها أن تتجاوز هذا الحد لتصير مصدراً ومقياساً

____________________

(١) توحيد المفضل: ٨٤ - ٨٥.


لإثبات أو نفس حقيقة من الحقائق الدينية أو حكم من أحكام الله الشرعية، وهذا ما نعيه في موقف الإمام الصادق (ع) ممن يرى الله في المنام، إذ يقول إبراهيم الكرخي: (قلت للصادق جعفر بن محمد (ع): إن رجلاً رأى ربه عَزَّ وجَلَّ في منامه فما يكون ذلك؟ فقال:ذلك رجل لا دين له، إن الله تبارك وتعالى لا يرى في اليقظة ولا في المنام ولا في الدنيا ولا في الآخرة )(١) .

إذن، نجد في هذا الموقف تثبيتاً لمعتقد ديني يحكم به العقل والنقل ويرقى عن أن يكون مجالاً للإثبات أو النفي من خلال الرؤيا والحلم، ونلحظ هذا النحو من التفكير المتزن والموقف المعقول من الرؤيا في كلام ينقله الكراجكي في(كنز الفوائد) عن شيخه المفيد (رضي الله عنه) إذ يقول: (وقد كان شيخي (رحمه الله) يقول: إذ جاز من بشر أن يدعي في اليقظة أنه إله كفرعون ومن جرى مجراه، مع قلة حيلة البشر وزوال اللبس في اليقظة، فما لا مانع من أن يدعي إبليس عند النائم بوسوسته له أنه نبي، مع تمكن إبليس بما لا يتمكن منه البشر وكثرة اللبس المعترض في المنام. ومما يوضح لك أن من المنامات التي يتخيل للإنسان أنه قد رأى فيها رسول الله والأئمة (صلوات الله عليهم) منها ما هو حق ومنها ما هو باطل أنك ترى الشيعي يقول: رأيت في المنام رسول الله (ص) ومعه

____________________

(١) بحار الأنوار: ٦١ / ١٦٧ - ١٦٨.


أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) يأمرني بالاقتداء به دون غيره، ويعلمني أنه خليفته من بعده. ثم ترى الناصبي يقول: رأيت رسول الله (ص) في النوم، ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، وهو يأمرني بمحبتهم، وينهاني عن بغضهم، ويلعمني أنهم أصحابه في الدنيا والآخرة، وأنهم معه في الجنة، ونحو ذلك. فتعلم - لا محالة - أن أحد المنامين حق والآخر باطل، فأولى الأشياء أن يكون الحق منهما ما ثبت بالدليل في اليقظة على صحة ما تضمنه. والباطل ما أوضحت الحجة عن فساده وبطلانه. وليس يمكن للشيعي أن يقول للناصبي: إنك كذبت في قولك: رأيت رسول الله (ص)، لأنه يقدر أن يقول له مثل هذا بعينه)(١) .

ومن هنا يتضح لنا أنه لا يمكن للرؤية أن تكون وسيلة يعوَّل عليها في إثبات الحقائق الدينية والأحكام الشرعية، وفي ذلك يقول العلامة المجلسي (قده): (قد ورد بأسانيد صحيحة عن الصادق (ع) في حديث الأذان:أن دين الله تبارك وتعالى أعز من أن يرى في النوم )(٢) .

وكلامه هذا إشارة إلى ما يزعمه أهل السنة من أن أصل الأذان رؤيا رآها عبد الله بن زيد وأخبر بها النبي (ص) فأخذ بها وشرَّع الأذان على

____________________

(١) كنز الفوائد: ٢ / ٦٤.

(٢) بحار الأنوار: ٦١ / ٢٣٧.


أساس منها.

وقال في(كتاب الصلاة) من(بحار الأنوار): (ثم اعلم أن الأصحاب اتفقوا على أن الأذان والإقامة إنما شُرِّعا بوحي من الله، وأجمعت العامة على نسبة الأذان إلى رؤيا عبد الله بن زيد في منامه ونقلوا مواقفه عمر له في المنام، وفي رواية الكليني ما يدل على أنهم كانوا يقولون إن أبيَّ بن كعب رآه في النوم، وهو باطل عند الشيعة، قال ابن أبي عقيل: أجمعت الشيعة على أن الصادق (ع) لعن قوماً زعموا أن النبي (ص) أخذ الأذان من عبد الله بن زيد، فقال:ينزل الوحي على نبيكم، فيزعمون أنه أخذ الأذان من عبد الله بن زيد . انتهى، والأخبار في ذلك كثيرة في كتبنا)(١) .

ورواية الكليني التي يشير إليها المجلسي (رض) في كلامه هذا هي ما رواه في الكافي عن ابن أذينة، عن أبي عبد الله (ع) قال: (قال:ما تروى هذه الناصبة؟ فقالت: جعلت فداك في ماذا؟ فقال:في أذانهم وركوعهم وسجودهم، فقلت: إنهم يقولون: إن أبيّ بن كعب رآه في النوم، فقال:كذبوا فإن دين الله عَزَّ وجَلَّ أعز من أن يرى في النوم  ... )(٢) .

وعلى هذا الأساس لا يبقى مجال لأحد لأن يتمسك بحديث (من

____________________

(١) نفس المصدر: ٨٤ / ١٢١ - ١٢٣.

(٢) الكافي: ٣ / ٤٨٢.


رآني في نومه فقد رآني، لأن الشيطان لا يتمثل في صورتي)(١) لإثبات أو نفي قضايا ومسائل ترتبط بدين الله وأحكامه، مع ما يرد على هذا الحديث من إشكالات علمية كثيرة أهمها عدم ثبوته بسند معتبر وكونه ضعيفاً حتى قال فيه السيد المرتضى (قده): (هذا خبر واحد ضعيف من أضعف أخبار الآحاد، ولا معوَّل على مثل ذلك)(٢).

أضف إلى ذلك إننا قد أمرنا من قبل أئمتنا (ع) بأخذ الأحكام الشرعية من قبل رواة أحاديثهم حينما يتعذر علينا الوصول إليهم، ولم يشر الأئمة (ع) إلى الاعتماد على الرؤيا في التوصل إلى أحكام دين الله، ولو كانت الرؤيا حجة في مثل هذا لما كان من المعقول أن يسكت الأئمة (ع) عن بيان ذلك، بل كان بيانهم على خلاف ذلك كما تصرح بذلك الرواية المتقدمة التي تقول:(فإن دين الله عَزَّ وجَلَّ أعز من أن يرى في النوم).

ومن الأحاديث التي دلت على لزوم الرجوع في معرفة الأحكام الشرعية إلى رواة أحاديثهم (ع)، ما رواه الحر العاملي في(وسائل الشيعة) عن أبي خديجة قال: (بعثني أبو عبد الله (ع) إلى أصحابنا فقال:قل لهم: إياكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تدارى في شيء من الأخذ والعطاء أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفسَّاق! اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا، فإني قد جعلته عليكم قاضياً. وإياكم

____________________

(١) بحار الأنوار: ٦١ / ٢٣٤.

(٢) الشريف المرتضى، أمالي المرتضى: ٢ / ٣٩٤.


أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر )(١) .

وروي عن الإمام صاحب العصر والزمان (عج) أنه قال:(وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله) (٢) .

وحتى في مقام التنازع والمخاصمة قد أمرنا بالرجوع إلى رواة أحاديثهم ومن نظر في حلالهم وحرامهم (ع)، فقد روى عن عمر بن حنظلة أنه قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة(٣) أيحل ذلك؟ قال:من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنما يأخذ سحتاً وإن كان حقاً ثابتاً له، لأنه أخذه بحكم الطاغوت وما أمر الله أن يكفر به، قال تعالى: ( يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ) قلت: فكيف يصنعان؟ قال:ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فإني قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا رد، والراد علينا كالراد على الله، وهو على حد الشرك بالله )(٤) .

____________________

(١) وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة: ١٨ / ١٠٠.

(٢) نفس المصدر: ١٠١.

(٣) المراد من القضاة قضاة العامة.

(٤) المصدر السابق: ٩٩.


وعلى هذا الأساس لم يعول علماؤنا وفقهاؤنا على الرؤيا في استنباط الأحكام الشرعية، وقد كان هذه سيرتهم منذ زمن الأئمة (ع) إلى يومنا هذا، وقد سأل بعضهم العلامة الحلي (قده) فقال: (ما يقول سيدنا في من رأى في منامه رسول الله (ص) أو بعض الأئمة (ع) وهو يأمره بشيء أو ينهاه عن شيء، هل يجب عليه امتثال ما أمر به أو اجتناب ما ينهاه عنه أم لا يجب ذلك مع ما صح عن سيدنا رسول الله (ص) أنه قال: (من رآني في منامه فقد رآني فإن الشيطان لم يتمثل بي) وغير ذلك من الأحاديث المروية عنه (ص)؟ وما قولكم لو كان ما أمر به أو نهى عنه على خلاف ما في أيدي الناس من ظاهر الشريعة، هل بين الحالين فرق أم لا).

فأجاب (رض) قائلاً: (ما يخالف الظاهر فلا ينبغي المصير إليه، وأما ما يوافق الظاهر فالأولى متابعته من غير وجوب، ورؤيته (ص) لا يعطي وجوب اتباع المنام)(١).

ولا ينافي كل هذا ما توحيه بعض أخبار الأئمة (ع) من اعتماد بعض الناس في زمان وجودهم (ع) على الرؤيا التي كانوا يرون فيها أحد الأئمة (ع) يأمرهم بشيء أو ينهاهم عنه أو يجيبهم على حكم مسألة شرعية، كما في هذه الرواية التي يرويها بشير الدهان عن الإمام الصادق (ع) إذ يقول: (قلت له: إني رأيت في المنام أني قلت لك: إن

____________________

(١) العلامة الحلي، أجوبة المسائل المهنائية: ٩٧ - ٩٨.


القتال مع غير الإمام المفروض طاعته حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير، فقلت لي: هو كذلك؟ فقال أبو عبد الله (ع):هو كذلك هو كذلك )(١) .

لأننا نقول - وكما أشرنا إليه سابقاً - إن الرؤية الصادقة هي رتبة من رتب معرفة الغيب والاطلاع على الحقائق، ولكن تمييز الرؤيا الصادقة ومعرفتها وفهم تعبيرها لا يكون في بعض الأحيان إلا للمعصوم (ع)، وفي هذه الرواية قد أقر المعصوم (ع) الجواب الذي أجابه عن حكم المسألة في الرؤيا، ومع وجود المعصوم (ع) الذي تعرض عليه الرؤى والمكاشفات فيميز صحيحها من سقيمها لا يبقى مجال للتردد والإبهام في ما يراه الإنسان من مكاشفات يعرضها على الإمام المعصوم (ع) فيميز بينها ويكشف حقها من باطلها سواء كانت المكاشفات حصلت  ... في اليقظة أم في المنام، وبالتالي يكون المرجع الأصلي في إثبات أو نفي الحقيقة الدينية والحكم الشرعي ليست هي المكاشفة أو الرؤيا وإنما هو إقرار الإمام المعصوم (ع) وتصديقه.

وإلى هنا ننتهي من البحث عن الرؤيا وما يرتبط بها من أبحاث علمية، ونختم هذه الكلمة بالحديث عن قضية ترتبط بالرؤيا وملابساتها، وهي النقطة الأخيرة من هذه الكلمة.

النقطة السادسة: شبابنا والموقف من الرؤيا في قضية المهدي (ع)

نود في ختام هذا البحث أن نتعرض لقضية ترتبط في

____________________

(١) الكافي: ٥ / ٢٣.


واقعها الفعلي عند البعض من الناس، ولاسيَّما الشباب المسلم، بمسألة الرؤى والمنامات، وهي قضية الإمام المهدي (ع)، إذ إن هذه القضية واجهت على مر التاريخ الإسلامي عدة محاولات لاستغلالها لمصالح شخصية وطموحات ذاتية، وقد عرف تاريخنا الإسلامي منذ عهد الغيبة الصغرى للإمام المهدي (ع) التي أعقبت وفاة أبيه الإمام الحسن العسكري (ع) العديد من الأشخاص الذين أدعوا البابية والوكالة والسفارة عن صاحب العصر والزمان (ع)، وتنوعت أشكال هذه الدعاوى واختلفت أساليبها، ولكنها كانت على الدوام تسقط وتتلاشى في نهاية المطاف، وتبقى اللعنات هي التي تصاحب مدعيها ومن ينخدع لهم إلى يوم القيامة، وفي زماننا هذا تتخذ هذه الدعاوي المنحرفة شكل الارتباط بالمهدي (ع) من خلال الرؤيا والأحلام، وادعاء السفارة أو الوكالة أو البابية من خلال التنصيب في عالم الرؤيا، ونحن وإن كنا نعتقد بأن مثل هذه الدعاوي لا تعدوا أن تكون مجرد ترهات وسخافات سرعان ما يرفضها الواقع ويكذبها من ينخدعون بها في أول أمرها، إلا إننا أحببنا في ختام حديثنا أن نقدم لشبابنا المسلم كلمة مختصرة عن الإمام المهدي (ع) وقضيته الكبرى، فنقول: إن من الخصائص والميزات التي يتمتع بها الفكر الإسلامي الشيعي ما يمتلكه من رؤية مستقبلية واضحة ومفصلة في ما يرتبط بقضية الإمام المهدي (عج)، إذ إننا نلحظ إن هناك تصوراً واضحاً عن كثير من الجزئيات والتفاصيل التي تتحدث عن صاحب العصر والزمان (ع)


وما يتعلق بحركته الإصلاحية والتغييرية التي يحقق الله سبحانه وتعالى من خلالها انجاز وعده في نصر المستضعفين وجعلهم أئمة يرثون الأرض ويقيمون حكم الله فيها، كما يرشدنا إلى ذلك قوله تعالى:( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) (القصص: ٥)، وقوله تعالى:( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) (الأنبياء: ١٠٥).

ولقد جاءت الروايات الكثيرة جداً جداً عن أهل البيت (ع) في التأكيد على ضرورة ظهوره (ع) وأنه من المحتوم الذي لا تبديل فيه ولا تغيير، فعن الإمام الرضا (ع) عن آبائه (ع) أن رسول الله (ص) قال:(لا تقوم الساعة حتى يقوم القائم الحق منا وذلك حين يأذن الله (عَزَّ وجَلَّ) له، ومن تبعه نجا ومن تخلف عنه هلك: الله الله عباد الله فأتوه ولو على الثلج فإنه خليفة الله (عَزَّ وجَلَّ) وخليفتي) (١).

وعنه (ص) أيضاً:(لا تذهب الدنيا حتى يقوم بأمر أمتي رجل من ولد الحسين يملأها عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً) (٢).

وعن أبي أيوب الأنصاري (رض) قال:(قال رسول الله (ص) لفاطمة في مرضه: والذي نفسي بيده لابد لهذه الأمة من مهدي وهو والله من ولدك) (٣) .

____________________

(١) بحار الأنوار: ٥١ / ٦٥.

(٢) نفس المصدر: ٦٦.

(٣) نفس المصدر: ٦٧.


وعن ابن عباس أنه قال: (قال رسول الله (ص):إن خلفائي وأوصيائي وحجج الله على الخلق بعدي أثنا عشر أولهم أخي وآخرهم ولدي ، وقيل: يا رسول الله (ص) ومن أخوك؟ قال:علي بن أبي طالب ، قيل: فمن ولدك؟ قال:المهدي يملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً. والذي بعثني بالحق نبياً لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لأطال الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه ولدي المهدي فينزل روح الله عيسى بن مريم (ع) فيصلي خلفه وتشرق الأرض بنور ربها ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب )(١).

ومع أن قضية الإمام المهدي (ع) - التي كانت تمثل في واقعها قضية الاستضعاف والمظلومية والاصرار على حمل معاناة الإنسان والدفاع عن حقه في عيشة كريمة حرة - اعتبرت أكبر وأوضح وأعظم رؤية دينية في استشراف المستقبل وتحديد ورسم معالم المسار النهائي للإنسان في عالمه الدنيوي، إلا أنها قدر لها أن تواجه على مر التاريخ الإسلامي العديد من التشويهات المقصودة وغير المقصودة، ومما يؤسف له أن أكثر هذه التشويهات لقضية المهدي (ع) جاءت وصدرت من أناس يؤمنون كل الإيمان بالقضية ويتحمسون لها أشد التحمس.

وأهم تلك التشويهات التي واجهتها قضيته (ع) - وكان لها الأثر الشيء على تصورات ومواقف الرأي العام الإسلامي في ما يرتبط بقضيته (ع) - محاولة التسطيح لأبعاد القضية وحرفها عن مسارها

____________________

(١) نفس المصدر: ٧١.


الصحيح الذي يراد من خلاله تحسيس الإنسان المسلم بمسؤوليته الخطيرة في ما يتخذه من مواقف ترتبط بماضيه وحاضره ومستقبله.

نعم  ... لقد عمل البعض من العلماء والمفكرين الإسلاميين - من دون وعي وإدراك - على حرف القضية عن مساراتها الصحيحة التي تبتغي تأصيلها وتجذيرها في حركة الإنسان المسلم، فبدلاً من أن تصور القضية - كما يريد لها الإسلام - قضية إنسان يعيش كل معاناة الإنسانية وهمومها ويتحمل طوال سنين عديدة صرخات المظلومين وأنات المضطهدين والمعذبين من بني البشر، وإذا بها تختلق لها التصورات الخيالية من هنا وهناك لتبتعد شيئاً فشيئاً عن واقع الإنسان المعذب، وتتحول - على خلاف إرادتها - إلى قضية رؤى وأحلام وقصص خيالية يلهث وراءها الإنسان الذي يريد الابتعاد عن واقعة والعيش في عالم الخيال.

ولسنا بحاجة إلى أن نضرب الأمثال ونذكر بالمصاديق التي أنتجها وأسسها هذا المنحى في التعامل مع قضية الإمام المهدي (ع)، إذ يكفينا أننا نعلم أن قضية خيالية مثل قصة (الجزيرة الخضراء) صارت ترتبط أشد الارتباط في أذهان المسلمين بقضيته (ع)، وهي توحي لكل من يسمعها أو يقرؤها بكثير من الاطمئنان والاستقرار واللامبالاة وتناسي هموم الإنسانية ومعاناتها التي يعيشها الإمام (ع) في أجواء جزيرته المختلقة، والتي تشابه في إيحاءاتها أجواء قصور الملوك والطواغيت الذين لا يحملون أية قضية ولا يستشعرون أية معاناة إنسانية.


وللأسف استطاع هذا الفهم المغلوط أن يتعمق في أذهان الكثير من المتدينين ولاسيَّما الشباب المسلم حتى صار الكثير من شبابنا المسلم يبحث في قضية المهدي (ع) أبعاداً وجوانب تضفي على القضية الكثير من لمسات السطحية واللاوعي وتبتعد بها عن آفاقها الأصيلة التي تحفز المسلم على التفكير والحركة والسعي والتغيير في كل لحظة وفي كل آن.

ولا نستطيع - إذا ما أردنا أن نكون منصفين - أن نحمل الشباب المسلم المسؤولية كاملة في ما يتخذه ويؤسسه من أساليب ومواقف خاطئة تجاه قضية المهدي (ع)، لأننا ندرك أن النتاج الفكري الإسلامي في ما يختص بالقضية مورد البحث، كان يبتعد في كثير من معطياته عن مقتضيات الواقعية ومستلزمات الموضوعية في طرح ودراسة وتحليل قضية المهدي (ع)، وكان يجنح في كثير من الأحيان إلى الخيال واللاواقعية ويستنجد بهما إذا أعيته الحيلة عن إثبات أو نفي فكرة معينة ترتبط من قريب أو بعيد بقضيته (ع)، ومن الطبيعي أن يولد مثل هذا النتاج الذي يقبل عليه شبابنا المسلم بشغف وشوق شخصيات تهرب من الواقع وترفض التعامل معه بمنطقه، وتلجأ إلى الأحلام والرؤى والتنبؤات وشواذ الأخبار وضعاف الروايات ومختلقات القصص لتكون من خلال ضم بعضها إلى بعض نسيجاً متكاملاً عن واقع القضية وأبعادها، ولكنه نسيج خيالي ووهمي إلا أنه له من القوة ما يحطم به كل ثوابت الواقع شرعية كانت أم عقلية أم اجتماعية.


وكلامنا هذا ليس مجرد فرض وتوهم يعجز الواقع عن إثباتهما وتقديم المصاديق والدلائل عليهما، بل أن الأمر بات واضحاً وضوح الشمس ولم يعد مجتمع من مجتمعاتنا الإسلامية يخلو من قضية مثيرة ينتجها ويؤسسها الفهم اللاواعي والموقف اللامتزن من قضية الإمام المهدي (ع)، فلقد صار الكثير من الجهلة والنفعيين يستغلون قضيته (ع) ليحولوها إلى قضية أحلام ورؤى تثبت من خلالها وعن طريقها اعتقادات ومقولات تستهدف في نهاية المطاف ضرب الوجودات الإسلامية بعضها ببعض وتحطيم بنائها الداخلي بنفس يدها.

ولسنا نريد هنا أن ندخل مع الشباب في بحوث دينية وعلمية حول من يرى صاحب الزمان (ع) في الرؤيا، وصحة مثل هذه الرؤى أو عدم صحتها، وجواز الاعتماد عليها أو عدم جوازه، ومحاولة تفنيد دعاوي من يدعون النيابية الخاصة والسفارة عنه (ع) في زمن الغيبة أما عن طريق الرؤيا أو عن طريق المشاهدة، لأننا نعتقد أن مثل هذه البحوث قد وجدت كل الإجابات المقنعة عنها، ومنذ زمن بعيد والعلماء يؤلفون الكتب والمقالات في إبطال وتزييف قول من يدعي النيابة الخاصة عنه (ع) بعد انتهاء فترة الغيبة الصغرى. بل ما نريده من شبابنا المسلم أن يعي كل الوعي أن قضية المهدي (ع) أسمى من أن تتحول إلى قضية أحلام ورؤى يراها أناس ينتحلون الإسلام كذباً وزوراً ونفاقاً، ويبتغون من وراء أحلامهم الكاذبة أن يثبتوا لأنفسهم مقامات عند السذج من الناس، يعجزون عن اكتسابها بطريق الجد والسعي والعمل والإخلاص


لله تعالى.

ونحن نرجوا في ختام هذه الكلمة - والتي ستكون الكلمة الأخيرة من الكتاب - أن يكون شبابنا المسلم قد وعى من خلال ما قدمناه له من بحث مطول ومفصل عن "الرؤيا" الموقعَ المناسب الذي تستحقه مثل هذا الدعاوي الباطلة والمنحرفة، وأن يتعامل معها بوعي ودراية، ونحن على ثقة تامة بأن شبابنا المسلم سيفعل ذلك، وأنه يمتلك من البصيرة والفهم ما يجعله قادراً على التمييز بين الحق والباطل( وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ) (الأحزاب: ٤).


الخاتمة

بعد هذه الرحلة الطويلة مع(شبابنا ومشاكلهم الروحية) نصل إلى خاتمة الكتاب، ونأمل أن يكون شبابنا المسلم قد استفاد مما قرأه من كلمات الكتاب التي ربما كانت بعضها مرهقة لتفكيره لاشتمالها على مطالب علمية ومباحث فلسفية وعرفانية قد لا يستطيع الشاب أن يهضمها ويستوعبها بسهولة، ولكن ليعلم شبابنا المسلم إننا كنا نرفض أن نعالج قضايا شبابنا المسلم، ولاسيَّما قضاياه الروحية، بالسطحية التي يرغب فيها الكثير من الناس، والتي لا يهمها أن تعالج المشكلة علاجاً حاسماً بقدر ما يهمها أن تقدم للآخرين أفكاراً تدغدغ عواطفهم وتثير مشاعرهم وربما كانت سبباً في تجذير المشكلة وتعميق أبعادها.

نعم  ... لقد ابتعدنا باختيارنا عن مثل هذا النوع من المعالجات التبسيطية للقضايا والمشاكل، وحاولنا أن نخلص لشبابنا النصيحة بدراستنا لمشاكلهم الروحية دراسة موضوعية تستقطب جميع أبعاد المشكلة وجوانبها المختلفة، وإن كان ذلك يستدعي من الشاب الذي يقرأ الكتاب مزيداً من التوجه والانتباه، وكان عذرنا الوحيد في ذلك أننا


نريد أن نكون مخلصين في ما نقدمه للشباب من كلمات ومعالجات وتوجيهات، ولقد نصح أمير المؤمنين (ع) ابنه الحسن فقال:(أي بني، إني وإن لم أكن عمرت عمر من كان قبلي، فقد نظرت في أعمالهم، وفكَّرت في أخبارهم، وسرت في آثارهم، حتى عدت كأحدهم، بل كأني بما انتهى إلي من أمورهم قد عمَّرت مع أولهم إلى آخرهم، فعرفت صفو ذلك من كدره، ونفعه من ضره، فاستخلصت لك من كل أمر نخيله (١) ،وتوخيت (٢) لك جميله، وصرفت عنك مجهوله) (٣) .

وهكذا أردنا من كتابنا هذا أن يتمثل في ما طرحه وصية أمير المؤمنين (ع) فيقدم للشاب المسلم الرأي النافع والكلمة الواعية فيحببها إليه ويحثّه عليهما، ويحذره من الوقوع في المطبات التي تستهلك شبابه وقدراته فيما لا ينفعه ولا يعود على أمته بالمصلحة.

وهذه المحاولة في معالجة مشاكل الشباب الروحية التي جسدتها كلمات هذا الكتاب لا تزعم أنها متكاملة وتامة، وما كنا نرجوه من ورائها هو فتح الباب لعلمائنا ومفكرينا وكتابنا من أجل أن يتوجهوا إلى شبابهم المسلم ويعتنوا بقضاياهم ومشاكلهم المختلفة، ويفكروا بصورة جدية في واقع الشباب وما يكتنف هذا الواقع من إثارات يواجهها الشباب المسلم على مختلف المستويات. ونأمل أن تكون هذه

____________________

(١) النخيل: المختار المصفى.

(٢) توخيت: أي تحريت.

(٣) نهج البلاغة: باب الرسائل / رقم ٣١.


الكلمات حافزاً ومشجعاً للآخرين على دراسة ومعالجة بقية مشاكل الشباب التي لم نوفق لطرحها وإثارتها في هذا الكتاب من أجل أن تبقى قضايا شبابنا المسلم تحتل الصدراة والأولوية في تفكيرنا وتوجهاتنا.

ونحن نأمل أن يكون هذا الكتاب قد بصَّر الشاب المسلم بموقعه الحقيقي الذي ينبغي أن يتخذه في النهضة الجديدة للإسلام التي يشهدها عصرنا الراهن، وأن يدرك أن أمته الإسلامية الكبيرة تعقد آمالها وطموحاتها في مستقبل مزهر ومشرق عليه وعلى غيره من شباب عالمنا الإسلامي، ومازالت أمتنا الإسلامية تنظر إلى شبابها المسلم الملتزم وترى فيه الأيدي الأمينة التي لا يستطيع غيرها أن يحقق للأمة نهضتها المرجوة. ولن يستطيع شبابنا المسلم أن يحققوا هذا الأمل إلا إذا تمكنوا من تجسيد الإسلام الأصيل في كل حياتهم وقدموا للبشرية النماذج الإنسانية الصالحة والمتكاملة في سعيها العملي، والبعيدة كل البعد عن كل مظاهر الاختلال في الفكر والسلوك.

وآخر كلمة نقولها لشبابنا المسلم: إنكم أيها الشباب ملك لله وللإسلام وللأمة فلا يحق لكم أن تفرِّطوا في عمركم الشريف ولا أن تضيعوا ولا لحظة واحدة في غير ما يخدم دينكم ويرضى ربكم ويعلي شأن أمتكم الإسلامية.

والحمد لله رب العالمين وسلام على عباده الصالحين.


مصادر الكتاب

- القرآن الكريم.

- نهج البلاغة للإمام علي(ع).

١ - الأمدي: عبد الواحد بن محمّد بن التميمي.

تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، مكتب الإعلام الإسلامي الطبعة الأولى، إيران.

٢ - الآملي: سيد حيدر.

جامع الأسرار ومنبع الأنوار، شركت انتشارات علمى وفرهنگى و انجمن إيران شناسى فرانسه، الطبعة الثانية، إيران.

٣ - البحراني: سيد هاشم.

البرهان في تفسير القرآن، مؤسسة مطبوعاتى اسماعيليان، إيران.

٤ - جامى: عبد الرحمن بن أحمد.

نقد النصوص في شرح نقش الفصوص، مؤسسة مطالعات وتحقيقات فرهنگى، الطبعة الثانية، إيران.

٥ - الحلي: الحسن بن يوسف بن المطهر.

أجوبة المسائل المهنائية، مطبعة الخيام، ١٤٠١ هـ، إيران.

٦ - الحويزي: عبد علي بن جمعة.

تفسير نور الثقلين، مؤسسة مطبوعاتى اسماعيليان، إيران.


٧ - الخميني: روح الله.

الآداب المعنوية للصلاة، طلاس للدراسات والترجمة والنشر، الطبعة الأولى، ١٩٨٤ م، دمشق.

٨ - الرازي: فخر الدين.

المطالب العالية من العلم الإلهي، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٩٨٧ م.

٩ - السجاد: علي بن الحسين (ع).

الصحيفة الكاملة السجادية، مؤسسة النعمان، بيروت.

١٠ - الصادق: جعفر بن محمد (ع).

توحيد المفضل، مكتبة الداوري، الطبعة الثالثة، إيران.

١١ - الطباطبائي: محمّد حسين.

الميزان في تفسير القرآن، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، الطبعة الثانية، ١٩٧٤ م.

١٢ - الطهراني، محمد حسين. رسالة لب اللباب، انتشارات حكمت، الطبعة الرابعة، إيران.

١٣ - العاملي: محمد بن الحسن. وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

١٤ - فندلاي، جـ، آرثر.

على حافة العالم الأثيري، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، الطبعة الثانية، ١٩٤٥ م.


١٥ - القيصري: داود بن محمود.

رسائل قيصري، انتشارات انجمن اسلامى حكمة وفلسفة إيران، إيران.

١٦ - الكراجكي: محمد بن على.

كنز الفوائد، انتشارات دار الذخائر، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ، إيران.

١٧ - الكليني: محمد بن يعقوب.

الكافي، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثانية، إيران.

١٨ - المجلسى: محمد باقر.

بحار الأنوار، منشورات المكتبة الإسلامية، الطبعة الثانية، إيران.

١٩ - المرتضى، علي بن الحسين.

أمالي المرتضى، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثانية، ١٩٧٦ م.

٢٠ - مودى: ريمون.

أضواء حول الحياة بعد الحياة، دار قتيبة، دمشق، الطبعة الأولى، ١٩٨٤ م.

٢١ - اليافعي: عبد الله بن أسعد.

روض الرياحين في حكايات الصالحين، دار الأنبار للطباعة والنشر، بغداد، الطبعة الأولى، ١٩٨٩ م.


الفهرس

فهرست الكتاب.. ٣

المقدمة ٥

الكلمة الأولى: تحليل دوافع النزوع الروحي عند الشباب وبيان حد الاعتدال الذي لا يصح للشاب تجاوزه ١٠

الكلمة الثانية: نقد وتوجيه لمظاهر النزوع الروحي عند الشباب   ٢٢

الكلمة الثالثة: تصحيح الدوافع الخاطئة في التوجه الروحي عند الشباب   ٣٢

الكلمة الرابعة: حقائق لابد أن يعيها الشباب في سيرهم التكاملي  ٤٢

الكلمة الخامسة: حقائق مهمة للشباب عن عالم الغيب وقضايا الروح  ٥٢

النقطة الأولى: ضرورة الإيمان بالغيب.. ٥٤

النقطة الثانية: حقيقة العالم الغيبي. ٥٧

النقطة الثالثة: حقيقة الاتصال بالعالم الغيبي وصوره ٦٦

النقطة الرابعة: مخاطر الاتصال بالعالم الغيبي. ٨١

الكلمة السادسة: الشباب وعلم العرفان والقراءات الروحية والغيبية ٨٥

الكلمة السابعة: الشباب وعالم الأحلام والرؤى  ٩٥

النقطة الأولى: حقيقة الرؤى والمنامات. ٩٩

النقطة الثانية: حقيقة عالم المثال. ١١٠

النقطة الثالثة: عوامل صواب الرؤيا وخطئها. ١١٦

النقطة الرابعة: حاجة الرؤيا إلى التعبير. ١٢٨

النقطة الخامسة: الموقف العملي من الرؤيا ١٣٤

النقطة السادسة: شبابنا والموقف من الرؤيا في قضية المهدي (ع) ١٤٢

الخاتمة ١٥٠

مصادر الكتاب.. ١٥٣


شبابنا ومشاكلهم الروحية

شبابنا ومشاكلهم الروحية

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: السيد كامل الهاشمي
الناشر: دار القرآن الكريم
تصنيف: كتب الأخلاق
الصفحات: 156