الإمام جعفر الصادق عليه السلام الجزء 2
مؤلف: العلامة الجليل الشيخ محمد الحسين المظفرالإمام الصادق عليه السلام
بسِمِ اللّهِ الرّحَمنِ الرَّحيَمِ
الحمد للّه الذي منّ علينا بالإسلام، وعرّفنا خيرته من الأنام، وصلاته وسلامه على خاتم الأنبياء وعلى آله الأئمة الأوصياء.
المختار من كلامه
إِن كلام أبي عبد اللّهعليهالسلام لا تنزفه الدلاء، ولا تلمّ به صحائف، وما اكثر اُصوله، وأوفى فروعه، وإِنما نريد ههنا أن نذكر منه فصولاً أربعة، هي : الخطب، والعِظات، والوصايا، والحِكم، فإن بها نجعة الرائد ورواء الظمآن، وحياة النفس، إِجتهدتُ في جمعها واختيارها من خيرة الكتب وصفوة المؤلّفات.
١ - خُطبه
لم يعرف عنه أنه رقى الأعواد للإرشاد ولم تكن ظروفه تواتيه أن يخطب على الجماهير، ومع ذلك فقد عثرت قدر الوسع في التنقيب على خطبتين إِحداهما طويلة، والاُخرى قصيرة.
أمّا الاُولى فهي على فصلين : (الأوّل) في صفة النبيّ خاصّة وهو قوله(١) : فلم يمنع ربّنا لحلمه وأناته وعطفه ما كان من عظيم جرمهم وقبيح أفعالهم أن انتجب لهم أحبّ أنبيائه اليه واكرمهم عليه، محمّد بن عبد اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، في
______________________
(١) لا يصلح أن يكون هذا الكلام ابتداء الخطبة، فلا بدّ أن يكون لها ابتداء غير هذا، ولقد تتبّعت أبواب الكافي فلم أجد فيها زيادة على ما أوردناه.
حومة العزّ(١) مولده، وفي دومة الكرم محتده(٢) غير مشوب حسَبه، ولا ممزوج نسَبه، ولا مجهول عند أهل العلم صفته، بشّرت به الأنبياء في كتبها، ونطقت به العلماء بنعتها، وتأمّلته الحكماء بوصفها، مهذّب لا يدانى، هاشميّ لا يوازى، أبطحيّ لا يسامى، شيمته الحياء وطبيعته السخاء، مجبول على أوقار(٣) النبوَّة وأخلاقها، مطبوع على أوصاف الرسالة وأحلامها الى أن انتهت به أسباب مقادير اللّه الى أوقاتها وجرى بأمر اللّه القضاء فيه الى نهاياتها، أدّى محتوم قضاء اللّه الى غاياتها يبشّر به كلّ اُمّة من بعدها، ويدفعه كلّ أب الى أب من ظهر الى ظهر، لم يخلط في عنصره سفاح، ولم ينجسه في ولادته نكاح، من لدن آدم إِلى أبيه عبد اللّه في خير فرقة، واكرم سبط، وأمنع رهط، وأكلأ حمل، وأودع حجر، اصطفاه اللّه وارتضاه واجتباه، وآتاه من العلم مفاتيحه، ومن الحِكم ينابيعه، ابتعثه رحمةً للعباد، وربيعاً للبلاد، وأنزل اللّه اليه الكتاب، فيه البيان والتبيان، قرآناً عربيّاً غير ذي عوج لعلّهم يتّقون، قد بيّنه للناس ونهجه بعلم قد فصّله، ودين قد أوضحه، وفرائض قد أوجبها، وحدود حدّها للناس وبيّنها، واُمور قد كشفها لخلقه وأعلنها، فيها دلالة الى النجاة ومعالم تدعو الى هداة، فبلّغ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما اُرسل به، وصدع بما اُمر به، وأدَّى ممّا حمّل من أثقال النبوّة، وصبر لربّه، وجاهد في سبيله، ونصح لاُمّته، ودعاهم الى النجاة، وحثّهم على الذِّكر، ودلّهم على سبيل الهدى، بمناهج ودواع أسّس للعباد أساسها، ومنازل رفع لهم أعلامها، كي لا يضلّوا من بعده، وكان بهم رؤوفاً
______________________
(١) أي في أرفع موضع من العز.
(٢) الدومة - بالضم - الشجرة، والمحتد - بفتح الميم وكسر التاء - الأصل.
(٣) أثقال.
رحيماً(١) .
(الفصل الثاني) ما كان منها في صفة الأئمةعليهمالسلام ، ذكره الكليني طاب ثراه في الكافي، كتاب الحجّة، باب نادر جامع في فصل الإمام وصفاته، وذكره المسعودي علي بن الحسين(٢) في كتاب الوصيّة ص ١٣٩، قال : ولمّا أفضى أمر اللّه عزّ وجل اليه - يعني الصادقعليهالسلام - جمع الشيعة وقام فيها خطيباً، فحمد اللّه وأثنى عليه وذكّرهم بأيّام اللّه، ثمّ ذكر الفصل الذي سنذكره، وبين رواية الكليني ورواية المسعودي اختلاف قليل، ونحن نورده على رواية الكليني لأن فيها زيادات.
قالعليهالسلام : إِن اللّه تعالى أوضح بأئمة الهدى من أهل بيت نبّنا عن دينه، وأبلج(٣) بهم عن سبيل منهاجه، وفتح بهم عن باطن ينابيع علمه، فمن عرف من اُمّة محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم واجب حقّ إِمامه وجد طعم حلاوة إِيمانه، وعلم فضل طلاوة(٤) إِسلامه، لأن اللّه تعالى نصب الإمام علَماً لخلقه، وجعله حجّة على اهل مواده(٥) وعالمه، وألبسه تعالى تاج الوقار، وغشاه من نور الجبّار، يمدّ بسبب من السماء لا ينقطع عنه مواده(٦) ولا ينال ما عند اللّه إِلا بجهة
______________________
(١) الكافي، باب مولد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال بعد أن ذكر السند عن أبي عبد اللّهعليهالسلام : في خطبة له خاصّة يذكر فيها حال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم والأئمةعليهمالسلام وصفاتهم، فذكر ههنا ما اختصّ بالنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وذكر في باب فضل الإمام وصفاته ما اختص بالإمام.
(٢) أبو الحسن الهذلي البغدادي صاحب التآليف القيّمة ومن أشهرها مروج الذهب وهو إِماميّ المذهب ويعتمد عليه الفريقان، ولم تضبط سنة وفاته، وقيل : إِنه كان حيّاً الى عام ٣٤٥.
(٣) أوضح وأنار.
(٤) الطلاوة - مثلثة الطاء - الحسن والبهجة والقبول.
(٥) جمع مدة - بالضم - البرهة من الدهر، أي أهل زمانه.
(٦) جمع مادة.
أسبابه، ولا يقبل اللّه أعمال العباد إِلا بمعرفته(١) فهو عالم بما يرد عليه من ملتبسات الدجى، ومعميات السنن، ومشتبهات الفتن، فلم يزل اللّه تعالى مختارهم لخلقه من ولد الحسينعليهالسلام من عقب كلّ إِمام إِماماً، يصطفيهم لذلك ويجتبيهم، ويرضى بهم لخلقه ويرتضيهم، كلّما مضى منهم إِمام نصب لخلقه من عقبه إِماماً، عَلماً بيّناً، وهادياً نيّراً، وإِماماً قيّماً، وحجّة عالماً، أئمة من اللّه يهدون بالحقّ وبه يعدلون، حجج اللّه ودعاته ورعاته على خلقه، يدين بهداهم العباد وتستهلّ بنورهم البلاد، وينمو ببركتهم التلاد(٢) جعلهم اللّه حياة للأنام، ومصابيح للظلام، ومفاتيح للكلام، ودعائم للاسلام، جرت بذلك فيهم مقادير اللّه على محتومها، فالامام هو المنتجب المرتضى، والهادي المنتجى(٣) والقائم المرتجى(٤) اصطفاه اللّه بذلك واصطنعه على عينه في الذرّ حين ذرأه، وفي البريّة حين برأه، ظلاً قبل خلق الخلق نسمة عن يمين عرشه، محبواً بالحكمة في عالم(٥) الغيب عنده، اختاره بعلمه، وانتجبه لطهره، بقيّة من آدمعليهالسلام ، وخيرة من ذرّيّة نوح، ومصطفى من آل إِبراهيم، وسلالة من إِسماعيل، وصفوة من عترة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لم يزل مرعيّاً بعين اللّه يحفظه ويكلأه بستره، مطروداً عنه حبائل إِبليس وجنوده، مدفوعاً عنه وقوب الغواسق(٦) ونفوث كلّ فاسق(٧) ،
______________________
(١) كما قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : من مات ولم يعرف إِمام زمانه مات ميتة جاهلية، أي كأنه لم يسلم ولم يعمل عملاً في الاسلام عبادة أو غيرها.
(٢) أي النتاج المتأخّر.
(٣) بالبناء للمفعول أي المنتخب أو المخصوص بالسرّ من الانتجاء الاختصاص بالمناجاة.
(٤) المرتضى في نسخة.
(٥) علم «خ».
(٦) الوقوب : الدخول، والغواسق : جمع غاسق الظلام، ويراد منه كلّ ما يطرق بالليل من سوء من الهوام والسباع والفسّاق.
(٧) النفث : السحر.
مصروفاً عنه قوارف السوء(١) مبرأً من العاهات، معصوماً من الفواحش كلّها، معروفاً بالحلم والبرّ في يفاعه(٢) منسوباً الى العفاف والعلم والفضل عند انتهائه، مسنداً اليه أمر والده، صامتاً عن المنطق في حياته، فاذا انقضت مدّة والده الى أن انتهت به مقادير اللّه الى مشيّته، وجاءت الإرادة من اللّه فيه الى محبّة(٣) وبلغ منتهى مدّة والده صلّى اللّه عليه فمضى وصار أمر اللّه اليه من بعده، وقلّده دينه وجعله الحجّة على عباده، وقيّمه في بلاده وأيّده بروحه وآتاه علمه وأنبأه فصل بيانه، ونصبه عَلماً لخلقه، وجعله حجّةً على أهل عالمه، وضياءً لأهل دينه، والقيّم على عباده، رضي(٤) اللّه به إِماماً لهم، استودعه سرّه، واستحفظه علمه، واستخبأه حكمته، واسترعاه لدينه، وانتدبه لعظيم أمره، وأحيى به مناهج سبيله، وفرائضه وحدوده، فقام بالعدل عند تحيّر أهل الجهل، وتحيير أهل الجدل، بالنور الساطع، والشفاء النافع، بالحقّ الأبلج، والبيان اللائح من كل مخرج، على طريق المنهج الذي مضى عليه الصادقون من آبائهعليهمالسلام ، فليس يجهل حقّ هذا العالم إِلا شقي، ولا يجحده إِلا غوي، ولا يصدّ عنه إِلا جريء على اللّه تعالى.
أقول : لعلّك تخال بأن هذه النعوت كبيرة على الإنسان بحكم العادة، وأين من يحمل هذه الصفات ولكنّك لو نظرت الى أن الإمامة خلافة الرسول، وأن خليفته يجب أن يقوم بوظائفه، مرشداً لاُمّته، مصلحاً للناس عامّة، لايقنت أن هذه النعوت لا تنفكّ عنه، وأنه لا بدّ أن يكون في الاُمّة من يتحلّى بهذه
______________________
(١) قوارف السوء : أعماله ومقارباته.
(٢) شبابه.
(٣) حجّته «خ» حجبه «خ».
(٤) جواب «فاذا انقضت».
السمات(١) .
(الخطبة الثانية) هي المرويّة في مناقب ابن شهراشوب «١/ ١٨٣ - ١٨٤» قال : لمّا دخل هشام بن الوليد المدينة أتاه بنو العبّاس وشكوا من الصادقعليهالسلام أنه أخذ تركات ماهر الخصي دوننا، فخطب أبو عبد اللّهعليهالسلام فكان ممّا قال :
إِن اللّه لمّا بعث رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان أبونا أبو طالب المواسي له بنفسه والناصر له، وأبوكم العبّاس وأبو لهب يكذبان ويوليان عليه شياطين الكفر وأبوكم يبغي له الغوائل، ويقود اليه القبائل في بدر، وكان في أوّل رعيلها وصاحب خيلها ورجلها، المطعم يومئذٍ، والناصب له الحرب، ثمّ قال :
فكان أبوكم طليقنا وعتيقنا، وأسلم كارهاً تحت سيوفنا، ولم يهاجر إِلى اللّه ورسوله هجرة قط، فقطع اللّه ولايته منّا بقوله :( الذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء ) (٢) ثمّ قال :
مولى لنا مات فخرنا تراثه، إِذ كان مولانا ولأنّا ولد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، واُمّنا فاطمة أحرزت ميراثه.
أقول : إِن الصادق أرفع من أن يواقف بني العبّاس من جراء المال، ولكن إِخال أنه يريد أن يكشف حالاً للعبّاس كانت مجهولة، لأن المُلك سوف يوافي بنيه فيعلم الناس شأن من يملك منهم الرقاب.
وهذه الكلمات على وجازتها تفيد التاريخ فوائد جمّة، ولا أحسب أن التاريخ يذكر للعبّاس تلك المواقف.
______________________
(١) سبق في الطليعة صدر الكتاب برهاننا على الإمامة، واستوفينا ما يجب أن يتصف به الإمام مع البرهان عليه في رسالتنا «الشيعة والإمامة».
(٢) الأنفال : ٧٢.
وقد سبق أن قلت : إِني لم أجد حسب الجهد في التتبّع خُطَباً لصادق أهل البيت غير ما ذكرنا، نعم إِلا أن يكون وقوفه في وجه شيبة بن عفال والي المنصور على المدينة يعدّ من الخطب، فتكون ثلاثاً، وقد أوردناها في مواقفه مع المنصور وولاته في الجزء الأول.
٢ - عِظاته
ما زال إِمامناعليهالسلام ينشر مواعظه الخالدة بين الناس لتهذيبهم وإِرشادهم الى طريق اللّه تعالى اللاحب، وحرصاً على سعادتهم في الدارين، والذي وصل الينا منها الشيء الكثير الذي يفوت الحصر وهو مبثوث في غضون الكتب التي بين أيدينا.
وقد رأينا أن نورد أهمّ ما وصل الينا من هذه المواعظ مرتّباً على الأبواب على نحو ما يأتي :
المعرفة
معرفة اللّه تعالى أوّل الواجبات، وأساس الفضائل والأعمال، بل هي غاية الغايات، ومنتهى كمال الانسان، وعلى قدر التفاضل فيها يكون التفاضل بين الناس، ولأجله جعلناها في طليعة مواعظه، وكفى من كلامه فيها أن نورد هذه الشذرات الآتية التي يدعو فيه الى المعرفة، ويحثّ عليها كاشفاً عن جليل آثارها وعظيم لذّتها، فقالعليهالسلام :
«لو يعلم الناس ما في فضل معرفة اللّه عزّ وجل ما مدّوا أعينهم الى ما متّع اللّه به الأعداء من زهرة هذه الحياة الدنيا ونعيمها، وكانت دنياهم أقلّ عندهم ممّا يطؤونه بأرجلهم، ولنعموا بمعرفة اللّه عزّ وجل وتلذّذوا به تلذّذ من لم يزل في روضات الجنّات مع أولياء اللّه، إِن معرفة اللّه عزّ وجل أنس من كلّ وحشة، وصاحب من كلّ وحدة، ونور من كلّ ظلمة، وقوّة من كلّ ضعف، وشفاء من كلّ سقم» .
ثمّ قالعليهالسلام :«قد كان قبلكم قوم يقتلون ويحرقون وينشرون بالمناشير، وتضيق عليهم الأرض برحبها فما يردهم عمّا عليه شيء ممّا هم فيه، من غير ترة وتروا من فعل ذلك بهم ولا أذى، بل ما نقموا منهم إِلا أن يؤمنوا باللّه العزيز الحميد، فاسألوا درجاتهم، واصبروا على نوائب دهركم تدركوا سعيهم» (١) .
إِنّهعليهالسلام يصف المعرفة كمن ذاقها، فيحبّذ هذا الطعم الشهي للناس، ونحن لاسترسالنا في الغفلة لا نعرف ذلك المذاق، سوى أننا نفقه أن من اتّجه الى معرفة اللّه تعالى ودنا من حظيرة القدس شبراً بعدُ عن متاع هذا الوجود ميلاً، وكلّما تجرّد عن زخرف هذا الوجود استزهد ما دون معرفة واجب الوجود.
الخوف والرجاء
إِنَّ اللّه سبحانه جمع بين العظمة والرأفة، وبين الغضب والرضى، فعلى سعة رحمته عظيم سخطه، وعلى جزيل ثوابه كبير عقابه، ومن كانت رحمته واسعة كان الأمل بشمولها للمجرم قريباً، ومن كان عقابه شديداً كان الخوف من سخطه أكيداً، فلا بدَّ للمؤمن إِذن أن يكون دائماً بين الخوف والرجاء، لأنه لا يدري بأيّة زلّة يُؤخذ فيكتب في ديوان المجرمين، ولا يعلم على أيّة حسنة يُثاب فيُحسب من المحسنين، فيجب عليه أبداً أن يحذر الزلّة فيتّقيها، ويرعى الحسنة فيوافيها، وتعاليم الصادقعليهالسلام الواردة عنه هي من أعظم ما ورد في هذا الباب تشرح حقيقة الخوف والرجاء وكيف يجتمعان وضرورة اجتماعهما في المؤمن وأثر انعدامهما على الانسان، وما الى ذلك، فقال في الخوف:
______________________
(١) الكافي : ٨/٢٠٧/٣٤٧.
«خف اللّه كأنك تراه وإِن كنت لا تراه فانّه يراك، وإِن كنت ترى أنه لا يراك فقد كفرت، وإِن كنت تعلم أنه يراك ثمّ بدرت له بالمعصية فقد جعلته من أهون الناظرين عليك» .(١)
أقول : أمّا الكفر بإنكار رؤيته للناس فلأن معناه إِنكار علمه بالموجودات وهو يساوق إِنكار خلقه بل إِنكار وجوده.
وأمّا أنه يكون أهون الناظرين فواضح لأن المرء إِذا أحسّ أن أحداً ذا شأن وبطش وقوّة مشرف على عمله ساخط عليه قادر على الفتك به، فإنه لا محالة يكفّ عن العصيان خجلاً أو حذراً وخوفاً، وإِنما يكون التهاون بالناظر والمطّلع إِذا كان ممّن لا يتّقى أو يخشى أو كان ممّن يستهان برضاه وغضبه وثوابه وعقابه، فالمبادر بالمعصية مع علمه بأنه تعالى لا يراه لا محالة قد جعله أهون الناظرين.
وقالعليهالسلام أيضاً : من عرف اللّه خافه، ومن خاف اللّه سخت نفسه عن الدنيا(٢) .
وقالعليهالسلام : إِن من العبادة شدة الخوف من اللّه عزّ وجل، يقول اللّه عزّ وجل :( إِنما يخشى اللّهَ من عباده العلماء ) (٣) وقال جلّ ثناؤه :( فلا تخشَوا الناس واخشَونِ ) (٤) وقال تبارك وتعالى :( ومن يتّقِ اللّه يجعل له مخرجاً ) (٥) ، إِن
______________________
(١) الكافي، باب الخوف والرجاء : ٢/٦٧/٢.
(٢) نفس المصدر : ٢/٦٨/٤.
(٣) الملائكة : ٢٨.
(٤) المائدة : ٤٤.
(٥) الطلاق : ٢.
حُبّ الشرف والذكر لا يكونان في قلب الخائف الراهب(١) .
وقالعليهالسلام في قوله عزّ وجل :( ولمن خاف مقام ربّه جنّتان ) (٢) : من علمَ أن اللّه يراه ويسمع ما يقول، ويعلم ما يعمله من خير أو شرّ فيحجزه ذلك عن القبيح من الأعمال فذلك الذي خاف مقام ربّه، ونهى النفس عن الهوى.
وقالعليهالسلام : المؤمن بين مخافتين، ذنب قد مضى لا يدري ما صنع اللّه فيه، وعُمر قد بقي لا يدري ما يكتسب فيه من المهالك، فهو لا يصبح إِلا خائفاً ولا يصلحه إِلا الخوف(٣) .
أقول : كذلك صلاح المؤمن يكون بالخوف أبداً، لأنه إِذا خاف اتجه بكلّ جارحة وجانحة لدفع ما يخاف منه، فينصرف عن العصيان ويقبل على الطاعة.
وقالعليهالسلام : من خاف اللّه أخاف اللّه منه كلّ شيء ومن لم يخف اللّه أخافه من كلّ شيء(٤) .
وقالعليهالسلام في الخوف والرجاء معاً : ينبغي للمؤمن أن يخاف اللّه تعالى خوفاً كأنه مُشرِف على النارِ، ويرجو رجاءً كأنه من أهل الجنّة - ثمّ قال - : إِنّ اللّه تعالى عند ظنّ عبده إِن خيراً فخيراً، وإِن شرّاً فشرّاً(٥) .
أقول : كذلك ينبغي للمؤمن أن يكون بين الخوف والرجاء كما قال تعالى :( يدعون ربّهم خوفَاً وطمعاً ) (٦) لأن الخوف وحده قد يبعث على اليأس والقنوط، واليأس من رحمة اللّه مذموم يثبّط العبد عن العمل الصالح، والرجاء وحده قد يدفع بالعبد على الأمن من مكر اللّه وهو ضلال وخيبة يقعد بالعبد عن النشاط للعبادة، وأمّا المراد من أن اللّه تعالى عند ظنّ عبده فلا يبعُد أن يكون أنه في رعاية العبد ومكافاته على حسب ما يظن، لا أنه يكون كذلك بمجرّد الظن وإِن عمل ما لا يرتضيه اللّه تعالى من السوء وهو يظنّ فيه الخير، كما سينبّه عليه.
______________________
(١) الكافي، باب الخوف والرجاء : ٢/٦٩/٧.
(٢) الرحمن : ٤٦.
(٣) الكافي : ٢/٧١/١٢.
(٤) مجالس الشيخ الطوسي، المجلس /٤٢، والكافي : ٢/٦٨/٣.
(٥) الكافي : ٢/٧٢/٣.
(٦) السجدة : ١٦.
وقالعليهالسلام : لا يكون المؤمن مؤمناً حتّى يكون خائفاً راجياً، ولا يكون خائفاً راجياً حتّى يكون عاملاً لما يخاف ويرجو(١) .
أقول : لأن العمل مظهر الخوف والرجاء فإن لم يعمل كان كاذباً في دعوى الخوف والرجاء، وعليه الوجدان، فإن من خاف أحداً على نفسه أو نفيسه اجتهد في الحيطة والحذر، ومن رجا توسّل بالذرائع التي تقرّبه من المرجو.
وقالعليهالسلام : حسن الظنّ باللّه ألا ترجو إِلا اللّه ولا تخاف إِلا ذنبك(٢) .
أقول : لأن رجاء غير اللّه لا يكون إِلا عن شكّه في قدرة اللّه ورحمته لعباده أو عن توهّم أن غير اللّه له قدرة مستغنية عنه تعالى وهذا سوء ظنّ بالقادر الرحيم، وكذلك خوف غير الذنب من نحو الخوف من الموت والانسان والمخلوقات الاُخرى فإنه يستلزم الشكّ في قدرة اللّه ورحمته.
وقيل له : قوم يعملون بالمعاصي ويقولون نرجو، فلا يزالون كذلك حتّى يأتيهم الموت، فقالعليهالسلام : هؤلاء يترجّحون(٣) في الأماني، كذبوا ليسوا
______________________
(١) الكافي، باب الخوف والرجاء : ٢/٧١/١١.
(٢) الكافي، باب حسن الظن باللّه : ٢/٧٢/٤.
(٣) يتذبذبون.
براجين، من رجا شيئاً طلبه ومن خاف من شيء هرب منه(١) .
أقول : فإن المرجو لا ينال بغير السعي والطلب إِلا صدفة، والمخاف لا يسلم منه بغير الهرب إِلا صدفة، وهل يتَّكل العاقل الرشيد في أمريه على الصدف.
الورع والتقوى
إِن من آثار معرفته تعالى والخوف منه تقواه والورع عن محارمه، ولذلك حذَّرَ أبو عبد اللّهعليهالسلام من التورّط في المخالفة ورَغّبَ في الإحاطة بالتقوى، والورع في الدين.
فيقول مرّة :«اتقوا اللّه وصونوا دينكم بالورع» واُخرى بعد أن رَغَّب في الزُّهد :«عليكم بالورع» (٢) وثالثة :«من أشدّ ما فرضَ على خلقه ذكر اللّه كثيراً، ولا أعني سبحان اللّه والحمد للّه ولا إِله إِلا اللّه واللّه اكبر، وإِن كان منه، ولكن ذكر اللّه عند ما أحلَّ وحرَّم، فإن كان طاعة عمل بها، وإِن كان معصية تركها» (٣) .
أقول : حقّاً أنّ موقف الإنسان لشديد أمام الواجب والمحرّم، بأن يجعل اللّه نصب عينيه عندهما، فيعمل ما يجب، ويرفض ما حرّم، وان الورع ليعلم في هذه المواقف حين لم يكن القاهر غير النفس والدين.
وسُئل مرَّة عن تعريف الورع من الناس ليعرفوا بذلك حقيقة الورع فقالعليهالسلام : الذي يتورّع عن محارم اللّه عزّ وجل(٤) .
______________________
(١) الكافي، ٢/٦٨/٥.
(٢) الكافي، باب الورع : ٢/٧٦/٣.
(٣) الكافي، باب اجتناب المحارم : ٢/٨٠/٤.
(٤) الكافي، باب الورع : ٢/٧٧/٨.
وسُئلَ عن قوله اللّه عزّ شأنه :( وقدمنا الى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءاً منثوراً ) (١) فقالعليهالسلام : أما واللّه إِن كانت أعمالهم أشدّ بياضاً من القباطي(٢) ولكن اذا عرض لهم حرام لم يَدعوه(٣) .
وقال المفضّل بن عمر(٤) يوماً : أنا ما أضعف عملي، فقالعليهالسلام له : مَه إِستغفر اللّه، إِن قليل العمل مع التقوى خير من كثير بلا تقوى، فقال له : كيف يكون كثيراً بلا تقوى ؟ قالعليهالسلام : نعم مثل الرجل يطعم طعامه، ويرفق جيرانه، ويوطئ رحله(٥) فاذا ارتفع له الباب من الحرام دخله(٦) .
وهذا نظير قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : إِن من قال لا إِله إِلا اللّه غرست له شجرة في الجنّة، فقال له بعض أصحابه : إِذن إن شجرنا في الجنّة لكثير، فقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ولكن لا ترسلوا عليها ناراً فتحرقوها.
______________________
(١) الفرقان : ٢٣.
(٢) الثياب المنسوبة الى قبط مصر.
(٣) الكافي، باب اجتناب المحارم : ٢/٨١/٥.
(٤) الجعفي الكوفي ممّن أخذ عن الصادق والكاظمعليهماالسلام وكان من وكلاء الصادق في الكوفة وسنذكره في ثقات المشاهير من رواته.
(٥) كناية عن استعداده لقبول الأضياف وغشيانهم داره.
(٦) الكافي، باب الطاعة : ٢/٧٦/٧.
الزهد
الزهد : هو الإعراض عن الدنيا بقلبه وجوارحه، رغبته في الآخرة وفي ما عند اللّه تعالى، وهو أحد منازل الدين وأعلى مقامات العارفين.
وحقّاً أن العارف باللّه لا ينبغي أن يعبأ بالدنيا إِن أقبلت عليه أو أدبرت عنه، لأن الإقبال عليها يشغله عن التماس تلك الرتب، التي لا يحسّ بحلاوتها إِلا من تجرّد عن هذه الشواغل.
ولذلك يقول صادق أهل البيتعليهمالسلام : جعل الخير كلّه في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا.
ويروي هو لنا عن المرشد الاكبر جدّه النبي صلّى اللّه وآله قوله : لا يجد الرجل حلاوة الإيمان حتّى لا يبالي من أكل الدنيا.
ثمّ يقول الصادقعليهالسلام : حرام على قلوبكم أن تعرف حلاوة الإيمان حتّى تزهد في الدنيا.
ويقول مرّة ترغيباً في الزهد : ما أعجب رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم شيء من الدنيا إِلا أن يكون فيها جائعاً خائفاً.
ويقول تارة : اذا أراد اللّه بعبده خيراً زهّده في الدنيا، وفقّهه في الدين وبصّره عيوبها، ومن اُوتيهنّ فقد أوتي خير الدنيا والآخرة.
أقول : حقّاً أنّ الخير كلّه في هذه الثلاث، لأن فيها الراحة والطمأنينة والبصيرة، وهذا هو الخير في هذه العاجلة، والحظوة بالرتب العليّة في تلك الآجلة كما وعد اللّه.
ويقول أيضاً : لم يطلب أحد الحقّ بباب أفضل من الزهد في الدنيا، وهو ضدّ لما طلب أعداء الحقّ من الرغبة فيها، ألا مِن صبّار كريم، فإنما هي أيام قلائل.
أقول : إِن الذي يحول بين المرء وبين الحقّ هو الحبّ للدنيا والرغبة فيها، فإن الرغبة في وفرة المال تمنعه عن أداء حقّه، والحبّ للجاه يحجزه عن القول بالحقّ، والميل الى الراحة يصدّه عن القيام بالفرض، فلا يطيق المرء إِذن أن يقول الحقّ أو يعمله أو يبلغه إِن لم يعرض عن هاتيك الأماني النفسيّة، نعم إِن الإعراض عن هذه الرغائب يحتاج الى صبر وسخاء نفس، ومن ثمّ ندب الصادق الى هذا الصفح أرباب الصبر والكرم ثمّ أشار الى أن الصبر والكرم لا ينبغي أن يكونا عزيزين في الناس اذا انتبهوا الى أن البقاء في الدنيا لا يكون إِلا أياماً قلائل، لأن الانسان اذا عرف أن الشدّة لا تدوم وطّنَ نفسه على السخاء والصبر على تلك المكاره.
ثمّ أنهعليهالسلام رغّب في الزُّهد من طريق نفعه العاجل، وهو أحسن ذريعة للرغبة في الشيء، لأن المرء يريد أبداً أن يكون لعمله نتيجة عاجلة، فقال : ومن زهد في الدنيا أثبت اللّه الحِكمة في قلبه، وانطلق بها لسانه، وبصّره عيوب الدنيا داءها ودواءها وأخرجه اللّه سالماً الى دار السّلام(١) .
نعم يجب أن نعرف الزُّهد وحقيقته، لئلا نخبط في التلبّس به خبط عشواء، فقد سأله بعض العارفين من أصحابه عن حدّ الزهد في الدنيا، فقالعليهالسلام : فقد حدّه اللّه في كتابه، فقال عزّ من قائل :( لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ) (٢) ثمّ قال : إن أعلم الناس أخوفهم للّه، وأخوفهم له أعلمهم به، وأعلمهم به أزهدهم فيها(٣) .
أقول : إِن تحديده للزهد بما في الآية الكريمة يفهمنا أن الزهد في الدنيا ليس كما يتبادر الى بعض الأفهام من الجشوبة في العيش والخشونة في الملبس، وإِن كانتا من آثاره أحياناً، وإِنّما هو أعلى وأرفع من ذلك.
إِن المرء اذا كان مُعرِضاً عن الدنيا هانت عليه فلا يحزن بما فات، ولا يفرح بما هو آت، ولو كان مقبلاً عليها لأحزنه الفائت وأسرَّه الآتي، فأحسن كاشف عن حقيقة الزُهد في الدنيا هذا الحزن والفرح.
ولو كان الزُهد الصفح عن نعيم هذا الوجود وما فيه من ملذّات كما
______________________
(١) الكافي، باب ذمّ الدنيا والزهد فيها : ٢/١٢٨/١.
(٢) الحديد : ٢٣.
(٣) بحار الأنوار : ٧٨/١٩٣/٧.
تصنع المتصوَّفة لما خلق اللّه هذه الطيّبات منَّه على العباد، أفهل يا ترى يمنّ عليهم بشيء وهو الجواد ويكره أن ينالوا منه البلغة، فلمن إِذن خلَق تلك الطيّبات من الرزق( قُل مَن حرَّم زينة اللّه التي أَخرَج لِعبادِه والطيّباتِ مِن الرّزق ) (١) . ويكشف لنا عن جليّة الحال بقولهعليهالسلام :«فأمّا اذا أقبلت الدنيا فأحقّ أهلها بها أبرارها لا فجّارها، ومؤمنوها لا منافقوها، ومسلموها لا كفّارها» وقد قال ذلك عندما رأوه وعليه ثياب بيض وعابوا عليه تلك البزَّة وحسبوها من الرغبة في الدنيا، وكان شعار آبائه الزهد.
نعم إِنَّما يُراد من العبد ألا يكون شغله الطيّبات وهمّه هذه الحياة، بل أن يكون شغله ما هو أرفع، وهمّه فيما هو أبقى وأنفع.
إِن اللّه سبحانه قد فرض فرائض، وحدّد حدوداً لم يسأل العباد عمّا وراءها، ولذلك تجد الصادقعليهالسلام يرشدنا الى تلك الحقيقة فيقول : أورع الناس من وقف عند الشبهة، وأعبد الناس من أقام الفرائض، وأزهد الناس من ترَكَ الحرام، وأشدّ الناس اجتهاداً من ترَكَ الذنوب(٢) .
الدنيا :
ليست دُنيا الانسان إِلا نفسه وما فيها من غرائز وشهوات وأفكار واعتقادات، وكلّ شيء ما عدا نفسه فهو خارج عن ذاته أجنبيّ عنه، بل ليس من دُنياه في شيء، ولا يرتبط به إِلا بمقدار ما يرتبط في أفكاره وآرائه وإِشباع شهواته وتحقيق ما تدفع اليه الغرائز.
فاذا اُشبعت شهواته كلّها فقد حاز على كلّ ما في دنياه بحذافيرها وإِلا فهو محروم منها بمقدار بقاء بعض شهواته جائعة أو مكبوتة.
______________________
(١) الأعراف : ٣٠.
(٢) بحار الأنوار : ٧٨/١٩٢/٥.
غير أن إِشباع جميع الشهوات من المستحيل على الانسان في هذه الحياة الدنيا، ولنضرب مثلاً بشهوة حبّ الاستعلاء والسيطرة التي هي أشدّ الشهوات عرامة وقوّة، فإن الإنسان مهما بلغ من السلطان والاستطالة لا بدّ أن تكون هنا جهات اُخرى لم يشملها سلطانه أو تزاحمه عليه وتضايقه أو متمرّدة عليه، فشهوة السلطان والحال هذه لا تشبع أبداً مهما حاول صاحبها إِشباعها، على أنها كلّما غذيت تقوى وتشتدّ ولا تصل الى حدّ الإشباع، ومثلها أيضاً من هذه الناحية شهوة التملّك والحيازة، فإن كلّ ما تحقق لصاحبها التملّك من الأموال فإن الأموال - بطبيعة الحال - لا يحوزها كلّها بل الأكثر يبقى ممتنعاً عليه، وهو يزيد كلّما زادت أمواله شهوةً وحرصاً على جمعها.
مضافاً الى أن إِشباع مثل شهوة السيطرة والتملّك لا يتمّ حتّى بعضه إِلا بالتنازل عن كثير من الشهوات مثل شهوة الراحة والاستقرار والأمن لأن الاحتفاظ بالسيطرة والتملّك أو توسعتهما يستدعي كثيراً من مدافعة المزاحمين ومناهضة المتمرّدين، وكلّما زادت سيطرته وتملّكه زادت المزاحمة فتزيد محروميّته من اشباع كثير من الشهوات، وهكذا كلّما زاد الإنسان انغماراً في الشهوات وحرصاً على دُنياه زادت شهواته عرامة وقوّة وبقيت اكثر شهواته بلا إِشباع تلحُّ عليه وتؤلمه وتنغّص عليه عيشه وراحته حتّى يموت في سبيل ذلك.
وما أعظم تصوير هذه الناحية في الإنسان في كلمات إِمامناعليهالسلام إِذ يقول :«إِنَّ مثل الدنيا كمثل ماء البحر كلّما شرب منه العطشان ازداد عطشاً حتّى يقتله» (١) .
______________________
(١) الكافي، باب ذمّ الدنيا والزهد فيها : ٢/١٣٦/٢٤.
ويقولعليهالسلام :«مثل الحريص على الدنيا مثل دودة القزّ كلّما ازدادت من القزّ على نفسها لفّاً كان أبعد لها من الخروج حتّى تموت غمّا» (١) .
ويقولعليهالسلام في التحذير من الدنيا :«إِنَّ مثل الدنيا مثل الحيّة مسّها ليّن وفي جوفها السمّ القاتل، يحذرها الرجل العاقل، ويهوى اليها الفتيان بأيديهم» (٢) .
أقول : إِن الرجل العاقل هو المجرّب الذي خبر الدنيا فعرف أنها لا تصفو من الكدر وأنها تخبئ كثيراً من الآلام والآفات والنكبات، أما الغرّ غير المجرّب فهو كالطفل يرى حلاوتها ولم يشعر بمرارتها، فيغترّ بها كما يغترّ بلين مسّ الحيّة وإِن كان فيها السمّ القاتل، والامامعليهالسلام وجميع المصلحين يحذّرون من الاغترار بنعيم الدنيا، لأنه يسبّب طغيان الانسان وعتوّه ونسيان الآخرة وما يجب من العمل لها في فرصة الحياة الدنيا. وإن شئت أن تبعد غوراً في عرفانها فتبصّر بقوله في صفتها :
«إِن هذه الدنيا وإِن أمتعت ببهجتها، وغرّت بزبرجها، فإن آخرها لا يعدو أن يكون كآخر الربيع، الذي يروق بخضرته ثمّ يهيج (٣) عند انتهاء مدته، وعلى من نصح لنفسه وعرف ما عليه وله أن ينظر اليها نظر من عقل عن ربّه جلّ وعلا وحذر سوء منقلبه، فإن هذه الدنيا خدعت قوماً فارقوها أسرع ما كانوا اليها، وأكثر ما كانوا اغتباطاً بها، طرقتهم آجالهم بياتاً وهم نائمون، أو ضحَى وهم يلعبون، فكيف اُخرجوا عنها، والى ما صاروا بعدها، أعقبتهم الألم، وأورثتهم
______________________
(١) الكافي، باب حبّ الدنيا والحرص عليها : ٢/٣١٦/٧.
(٢) كتاب الزهد للثقة الجليل الحسين بن سعيد بن حمّاد بن مهران الأهوازي، باب ما جاء في الدنيا ومن طلبها : ٤٥/١٢١.
(٣) ينبس.
الندم، وجرعتهم مُرَ المذاق وغصّصتهم بكأس الفراق، فيا ويح من رضي عنها أو أقرّ عيناً، أما رأى مصرع آبائه، ومن سلف من أعدائه وأوليائه أطول بها حيرة، وأقبح بها كرّة، وأخسر بها صفقة، واكبر بها ترحة، اذا عاين المغرور بها أجله وقطع بالأماني أمله، وليعمل على أنه اُعطي أطول الأعمار وأمدَّها، وبلغ فيها جميع الآمال، هل قصاراه إِلا الهرم، وغايته إِلا الوهم (١) نسأل اللّه لنا ولك عملاً صالحاً بطاعته، ومآباً الى رحمته، ونزوعاً عن معصيته، وبصيرةً في حقّه، فإنما ذلك له وبه» (٢) .
وتأمّل قوله في نعتها ونعت ذويها :«كم من طالب للدنيا لم يدركها، ومدرك لها قد فارقها، فلا يشغلنّك طلبها عن عملك، والتمسها من مُعطيها ومالكها، فكم من حريص على الدنيا قد صرعَته، واشتغل بما أدرك منها عن طلب آخرته حتّى فُني عمره وأدركه أجله» (٣) .
وما أصدق قوله في تحليلها وأطوار الناس فيها :«ما الدنيا وما عسى أن تكون، هل الدنيا إِلا اكل اكلته، أو ثوب لبسته، أو مركب ركبته، إِن المؤمنين لم يطمئنوا في الدنيا ولم يأمنوا قدوم الآخرة، دار الديا دار زوال، ودار الآخرة دار قرار، أهل الدنيا أهل غفلة، إِن أهل التقوى أخفّ أهل الدنيا مؤونة واكثرهم معونة، إِن نسيت ذكّروك، وإِن ذكّروك أعلموك، فانزل الدنيا كمنزلٍ نزلته فارتحلت عنه، أو كمالٍ أصبته في منامك فاستيقظت وليس في يدك شيء منه، فكم من حريص على أمر قد شقي به حين أتاه، وكم
______________________
(١) الثقل والرداءة.
(٢) مهج الدعوات، في باب أدعية الصادق، وقد أشرنا اليها في فصل استدعاء المنصور له في أوّل مرّة.
(٣) إرشاد الشيخ المفيد طاب ثراه في أحوال الصادقعليهالسلام .
من تارك لأمر قد سعد به حين أتاه» (١) .
وانتبه الى قولهعليهالسلام :«ما انزلت الدنيا من نفسي إِلا بمنزلة الميتة، اذا اضطررت اليها اكلت منها، إِن اللّه تبارك وتعالى علم ما العباد عاملون والى ما هم اليه صائرون، فحلم عنهم عند أعمالهم السيّئة لعلمه السابق فيهم، فلا يغرّنك حسن الطلب ممّن لا يخاف الفوت» ثمّ تلا قوله تعالى :( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوّاً في الأرض ولا فساداً ) (٢) وجعل يبكي ويقول :«ذهبَت واللّه الأماني عند هذه الآية» ثمّ قالعليهالسلام :«فاز واللّه الأبرار، الذين لا يؤذون الذر، كفى بخشية اللّه علماً، وكفى بالاغترار جهلاً» (٣) .
أقول : أراد بقوله«ذهبَت واللّه الأماني» أماني أهل الأعمال السيّئة إِذ يحلم اللّه عنهم فيظنّون أنهم في نجاة من عذاب اللّه في الآخرة، ولكن الآية دالّة على أن الدار الآخرة مقصورة على هؤلاء الذين لا يريدون العلوّ ولا الفساد، إِذن فلا نصيب لغيرهم فيها، وأين تكون أماني أهل الآمال الذين ليسوا من اولئك، وقد قطعت الآية تلك الأماني من نفوسهم.
وشكا اليه رجل الحاجة، فقالعليهالسلام :«اصبر فإن اللّه سيجعل لك فرجاً» ثمّ سكت ساعة، ثمّ أقبل على الرجل فقال :«اخبرني عن سجن الكوفة كيف هو ؟ فقال : أصلحك اللّه، ضيق منتن، وأهله بأسوأ حال، فقال عليهالسلام : إِنما أنت في السجن فتريد أن يكون فيه سعة أما علمت أن الدنيا سجن المؤمن» .
وتأمّل قولهعليهالسلام .«من أصبح وأمسى والدنيا اكبر همّه جعل اللّه
______________________
(١) تحف العقول للحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني الحلبي الفقيه الجليل : ص ٢٠٨.
(٢) القصص : ٨٣.
(٣) بحار الأنوار : ٧٨/١٩٣/٧.
الفقر بين عينيه، وشتّت أمره ولم ينل من الدنيا إِلا ما قسم له، ومن أصبح وأمسى والآخرة اكبر همّه جعل الغنى في قلبه وجمع أمره» (١) .
أقول : لأن من كان همّه الدنيا فإن شهواته تلحُّ عليه وهو لا يستطيع إشباعها أبداً فهو دائماً في حاجة، وما يزال الفقر نصب عينيه، ويكون همّه متشعّباً، لتشعّب شؤون هذه الحياة، فيتشتّت عندئذٍ أمره، ومع ذلك لا ينال من الدنيا الواسعة إِلا ما قسم له، وأمّا من كان همّه الآخرة فيجعل اللّه القناعة في قلبه، ومن قنع استغنى، فلا يكون همّه عندئذٍ متشعّباً بتشعّب جهات الحياة، وبهذا يكون اجتماع أمره وهدوء فكره.
ويمثل لك حسرة طلاب هذه الفانية أيضاً فيقولعليهالسلام :«من كثر اشتباكه في الدنيا كان أشدّ لحسرته عند فراقها» (٢) .
وأحسن ما مثل فيه المنهمكين بالدنيا في قوله :«من تعلّق قلبه بالدنيا تعلّق قلبه بثلاث خصال : همّ لا يفنى، وأمل لا يُدرك، ورجاء لا يُنال» (٣) .
أقول : هذا نموذج من كلامه عن الدنيا والمغرورين بها، أرسلهعليهالسلام إِيقاظاً للغافلين، وتحذيراً من زخارفها الخدَّاعة.
الرياء
الرياء : طلب المنزلة في قلوب الناس بخصال الخير أو ما يدلّ من الآثار عليها باللباس والهيئة والحركات والسكنات ونحوها.
وهو من الكبائر الموبقة والمعاصي المهلكة، وقد تعاضدت الآيات والأخبار على ذمّه. وقد ورد عن الصادقعليهالسلام الكثير من الأحاديث في ذمّه وتنقص صاحبه، فقال مرّة:
______________________
(١) الكافي، باب حبّ الدنيا والحرص عليها : ٢/٣١٩/١٥.
(٢) نفس المصدر السابق : ٢/٣٢٠/١٦.
(٣) نفس المصدر : ٢/٣٢٠/١٧.
كلّ رياء شرك(١) إنه من عمل للناس كان ثوابه على الناس، ومن عمل للّه كان ثوابه على اللّه(٢) .
وقال اُخرى في قوله تعالى :( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربّه أحداً ) (٣) : الرجل يعمل شيئاً من الثواب لا يريد به وجه اللّه، إِنما يطلب تزكية الناس، يشتهي أن تسمع به الناس، فهذا الذي أشرك بعبادة ربّه. ثمّ قالعليهالسلام : ما من عبد أسرّ خيراً فذهبت الأيام حتّى يظهر اللّه له خيراً، وما من عبد يسرّ شرّاً فذهبت به الأيام حتّى يظهر اللّه له شرّاً»(٤) .
وقال طوراً :«ما يصنع أحدكم أن يظهر حسناً ويسرّ سيّئاً، أليس يرجع الى نفسه فيعلم أن ليس كذلك، واللّه عزّ وجلّ يقول : ( بل الانسان على نفسه بصيرة ) (٥) إِن السريرة اذا صحّت قويت العلانية» (٦) .
أقول : ما أغلاها كلمة، لأن المرائي يرجع الى نفسه فيعرف أنه يُظهر غير ما يُضمر، فيظهر ذلك على أعماله من حيث يدري ولا يدري، لأنه بالرجوع الى نفسه يشعر بهذا الضعف والخداع ولا بدّ أن يبدو الضعف على عمله فيختلج فيه.
______________________
(١) إِذ أن من قصد بعبادة اللّه التقرّب الى الناس فلا يقصد ذلك إِلا حيث يظن أن من قصد التقرّب اليه له الحول والقوّة والنفع والضرّ من دون اللّه تعالى، وهذا هو الشرك بعينه.
(٢) الكافي، باب الرياء : ٢/٢٩٣/٣.
(٣) الكهف : ١١٠.
(٤) الكافي : ٢/٢٩٥/١٢.
(٥) القيامة : ١٤.
(٦) الكافي : ٢/٢٩٥/١١.
أمّا الذي توافق عنده السرّ والعلن في الصلاح فإنه يكون قويّاً في عمله لأنه مطمئنّ من نفسه شاعر بقوّتها، والشعور بالقوَّة يسيطر على أقوال الإنسان وأفعاله.
وقال أيضاًعليهالسلام : من أراد اللّه بالقليل من عمله أظهر اللّه له اكثر ممّا أراد، ومن أراد الناس بالكثير من عمله في تعب من بدنه، وسهر من ليله، أبى اللّه عزّ وجلّ إِلا أن يقلّله في عين مَن سمَعه.
وقال أيضاً : ما يصنع الانسان أن يعتذر بخلاف ما يعلم اللّه منه، إِن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يقول : من أسرّ سريرة ألبسه اللّه رداها إِن خيراً فخيراً، وإِن شرّاً فشرّاً.
وقالعليهالسلام : إِيّاك والرّياء، فإنه مَن عمل لغير اللّه وكّله اللّه الى مَن عمل له(١) .
أقول : هذه شذرات من كلامه في الرياء، أبان فيها عن سوء هذه النيّة الفاشلة، وخيبة من يريد منها رضى الناس، فتفضحه الأيام فلا عمله زكّاه ولا حصل على ما راءت لأجله.
الظلم
قبح الظلم بمعنى الجور والاعتداء على الغير من أشهر ما تطابقت عليه آراء العقلاء وتسالمت عليه العقول، وهو من الواضحات التي لا يشكُّ فيها واحد، ولذا أنّ اللّه تعالى لمّا أراد ذمّ الشرك واستهجانه ذمّه لأنه ظلم فقال :( إن الشرك لظلم عظيم ) (٢) .
______________________
(١) الكافي : ٢/٢٩٣/١.
(٢) لقمان : ١٣.
وقد وردت الآيات والآثار الكثيرة في ذمّه وحُرمته ومنها ما سيأتي عن إِمامنا الصادقعليهالسلام .
غير أنه يختلف كثرةً وقلّةً، وشدةً وضعفاً، كما دلّت عليه الآية، ولذلك يقولعليهالسلام : ما من مظلمة أشدّ من مظلمة لا يجد صاحبها عليها عوناً إِلا اللّه(١) .
أقول : وآية ذلك أن الضعيف عاجز عن الانتصاف لنفسه، فيكون اللّه تعالى نصيره والآخذ بحقّه، وكيف حال مَن كان اللّه خصمه والمنتصف منه، وهذا مثل ما يروى عن زين العابدينعليهالسلام من قوله : إِيّاك وظلم من لا يجد عليك ناصراً إِلا اللّه(٢) .
ولا تحسبنّ أن الظالم هو المباشر فقط، بل كما قال أبو عبد اللّهعليهالسلام : العامل بالظلم، والمعين له، والراضي به، كلّهم شركاء ثلاثتهم(٣) .
بل زاد على هؤلاء الثلاثة بقولهعليهالسلام : من عذر ظالماً بظلمه سلّط اللّه عليه من يظلمه، إِن دعا لم يستجب له، ولم يؤجره اللّه على ظلامته.
ولشدّة قبح الظلم يكون من لا ينوي الظلم مأجوراً، كما قالعليهالسلام : مَن أصبح لا ينوي ظلم أحد غفر اللّه له ما أذنب ذلك اليوم، ما لم يسفك دماً أو يأكل مال يتيم حراماً.
ودخل عليه رجلان في مداراة(٤) بينهما ومعاملة، فلم يسمع لهما كلاماً بل قالعليهالسلام :«أما إِنه ما ظفر أحد بخير من ظفر بالظلم، أما إِن المظلوم يأخذ من دَين الظالم اكثر ممّا يأخذه الظالم من مال المظلوم» ثمّ قالعليهالسلام :«مَن يفعل الشرّ بالناس فلا ينكر الشرّ إِذا فعل به، أما إِنه إِنما يحصد ابن آدم ما يزرع، وليس يحصد أحد من المرّ حلواً، ولا من الحلو مرّاً» فاصطلح الرجلان قبل أن يقوما.
______________________
(١) الكافي : ٢/٣٣١/٤.
(٢) الكافي : ٢/٣٣١/٥.
(٣) الكافي، باب الظلم : ٢/٣٣٣/١٦.
(٤) منازعة.
أقول : ما أبلغها عظة وما أصدق التمثيل، غير أن النفوس طبعت على السوء وحبّ الاعتداء والغلبة فتعمى عن مثل هذه الآثار، وإِلا كيف يأمل أحد أن يحصد الحلو من المرّ والخير من الشرّ، وهو نفسه لا يجازي المسيء بالإحسان والظلم بالصفح، فكيف يرجو أن يُكافأ وحده بغير ما يعمل دون الناس ؟
ودخل عليه زياد القندي(١) فقالعليهالسلام له : يا زياد ولّيت لهؤلاء ؟ قال : نعم يا ابن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم لي مروّة، وليس وراء ظهري مال، وإِنّما اُواسي اخواني من عمل السلطان، فقالعليهالسلام : يا زياد أما اذا كنت فاعلاً ذلك، فاذا دعتك نفسك الى ظلم الناس عند القدرة على ذلك فاذكر قدرة اللّه عزّ وجلّ على عقوبتك، وذهاب ما أتيت اليهم عنهم، وبقاء(٢) ما أتيت الى نفسك عليه والسلام(٣) .
أقول : إِن الوالي معرّض للظلم، ولكن اللّه تعالى أقدر على عقوبة الظالم والانتصاف منه، ويستطيع أن يذهب عن المظلوم الظلامة وإِرجاعها على الظالم، فلو أن الانسان ساعة يريد الظلم يخطر هذه الحقائق بباله لكفَّ عمّا أراد، وهذه أجمل الوسائل للارتداع عن الظلم.
______________________
(١) ابن مروان القندي الأنباري بقي الى أيام الرضاعليهالسلام وذهب الى الوقف، كان وكيلاً للكاظمعليهالسلام وتخلّفت عنده أموال كثيرة بسبب حبس الكاظم فطالبه الرضا بالمال بعد أبيه كما طالب علي بن أبي حمزة وعلي بن عيسى فقالوا بالوقف طمعاً بالمال على أن زياداً ممّن روى النصّ على الرضا وهو ثقة في الرواية.
(٢) ذهاب وبقاء معاً معطوفان على عقوبتك، فالتقدير وعلى ذهاب وعلى بقاء.
(٣) مجالس الشيخ الطوسي طاب ثراه، المجلس /١١.
ولعظم جريمة الظلم عند اللّه سبحانه يستجيب دعوة المظلوم على ظالمه كما قال أبو عبد اللّهعليهالسلام : اتقوا الظلم، فإن دعوة المظلوم تصعد الى السماء(١) .
أقول : إِن صعود الدعوة الى السماء كناية عن الإجابة وعدم الردّ.
المؤمن
الإيمان بكلّ شيء هو تمكّن العقيدة من النفس، فيخلص لها ويتفانى في سبيلها، لأن العقيدة اذا تمكّنت من الانسان تكون جزءاً لا يتجزأ من نفسه لا ينفكّ عنها، بل هي نفسه حقيقة، فاذا جاز أن يتخلّى الانسان عن نفسه ولا يخلص لها، جاز أن يتخلّى عن عقيدته ولا يخلص لها.
والعقيدة الدينيّة خاصّة - بالاستقراء - ولا سيّما الإيمان باللّه أقوى من كلّ عقيدة تمكّناً من النفس، فاذا عرف الانسان ربّه مؤمناً بقدرته وتدبيره وعدله لا بدّ أن يكون مستهيناً بجميع شهوات الدنيا غير حافل بحوادثها، ولا بدّ أن يتّصف بالخصال التي سنقرؤها عن الصادقعليهالسلام التي ينبغي أن يتّصف بها المؤمن.
ومَن رأيته لا يتحلّى بها فاعلم أنه ليس بمؤمن حقاً، أو أنه ضعيف الإيمان لم تتمكّن العقيدة من نفسه.
قال أبو عبد اللّهعليهالسلام في صفة المؤمن : ينبغي للمؤمن أن يكون فيه ثمان خصال : وقوراً عند الهزاهز، صبوراً عند البلاء، شكوراً عند الرخاء، قانعاً بما رزقه اللّه، لا يظلم الأعداء، ولا يتحامل للأصدقاء، بدنه منه في تعب، والناس منه في راحة.
______________________
(١) الكافي، باب من تستجاب دعوته : ٢/٥٠٩/٤.
ثمّ قال : إِن العلم خليل المؤمن، والحلم وزيره، والصبر أمير جنوده، والرفق أخوه، واللين والده(١) .
أقول : إِن الانسان إِلا ما ندر يجد نفسه على جانب كبير من فاضل الصفات من أجل حبّه لذاته ورضاه عن نفسه فيتعامى عن عيوبها.
وفي الحقيقة إِنَّ هذا أوّل الرذائل، بل مبدأ كلّ رذيلة، ولكنه اذا قرأ أمثال هذه الكلمات عن صادق أهل البيت في صفة المؤمن متدبّراً فيها وفاحصاً بحّريّة وإِخلاص عمّا عليه ذاته من الأخلاق والصفات لا بدَّ أن يتطامن ويسخط على نفسه بعد عرفانها، ثمّ لا بدَّ أن يعرف لماذا قال اللّه تعالى :( وما اكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) (٢) .
وقالعليهالسلام أيضاً : المؤمن له قوّة في دين، وحزم في لين، وإِيمان في يقين، وحرص في فِقه، ونشاط في هُدى، وبرّ في استقامة، وعلم في حلم، وكيس في رفق، وسخاء في حق، وقصد في غنى، وتجمُّل في فاقة، وعفو في مقدرة، وطاعة للّه في نصيحة، وانتهاء في شهوة، وورع في رغبة، وحرص في جهاد، وصلاة في شغل، وصبر في شدَّة، في الهزاهز وقور، وفي الرخاء شكور، لا يغتاب، ولا يتكبّر، ولا يقطع الرحم، وليس بواهن، ولا فظ، ولا غليظ، ولا يسبقه بصره، ولا يفضحه بطنه، ولا يغلبه فرجه، ولا يحسد الناس، ولا يُعيِّر(٣) ولا يُعيِّر(٤) ، ولا يسرق، ينصر المظلومِ، ويرحم المسكين، نفسه منه في عناء، والناس
______________________
(١) الكافي، باب المؤمن وصفاته، وباب نسبة الاسلام : ٢/٢٣٠/٢.
(٢) يوسف : ١٠٣.
(٣) بتضعيف الياء وكسرها.
(٤) بتضعيف الياء وفتحها.
منه في راحة، لا يرغب في عزّ الدنيا، ولا يجزع من ذلّها، للناس همّ قد أقبلوا عليه، وله همّ قد شغله، لا يُرى(١) في حكمه نقص، ولا في رأيه وهن، ولا في دينه ضياع، يرشد من استشاره، ويساعد من ساعده، ويكيع(٢) عن الخناء والجهل(٣) .
أقول : أترى أن إِمام المؤمنين الصادقعليهالسلام يعني بهذا الوصف الأئمة من أهل البيت، وإِلا فأين يوجد مثل هذا المؤمن الكامل ؟ وهل عُرف مؤمن من المسلمين على مثل هذه الصفة وإِن كان الأحرى بكلّ من يدَّعي الايمان باللّه ورسوله حقّاً أن يكون متحلّياً بهذه الخصال الحميدة، ولكن( وما اكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) (٤) .
وقالعليهالسلام أيضاً : لا يكون المؤمن مؤمناً حتّى يكون كامل العقل، ولا يكون كامل العقل حتّى تكون فيه عشر خصال : الخير منه مأمول، والشرّ منه مأمون، يستقلّ كثير الخير من نفسه، ويستكثر قليل الخير من غيره، ويستكثر قليل الشرّ من نفسه، ويستقلّ كثير الشرّ من غيره، ولا يتبرّم(٥) بطلب الحوائج قِبَله(٦) ، ولا يسأم من طلب العلم عمره، الذلّ أحبّ اليه من العز(٧) ، والفقر أحبّ اليه من الغنى، حسبه من الدنيا القوت، والعاشرة وما العاشرة لا يلقى أحداً إِلا
______________________
(١) بالبناء للمفعول.
(٢) يجبن.
(٣) الكافي، باب المؤمن وصفاته : ٢/٢٣١/٤.
(٤) يوسف : ١٠٣.
(٥) يتضجّر.
(٦) بكسر القاف وفتح الباء واللام أي اليه.
(٧) لعلّه يريد أن الذلّ في الطاعة أحبّ اليه من العزّ في المعصية، لأن الكتاب صريح بقوله «العزّة للّه ولرسوله وللمؤمنين» أو يريد من الذلّ عدم نباهة الذكر ومن العزّ الظهور ونباهة الشخصيّة تجوّزاً فيهما.
قال هو خير مني وأتقى، إِنما الناس رجلان، رجل خير منه وأتقى، ورجل شرّ منه وأدنى، فإذا لقي الذي هو خير منه تواضع له ليلحق به، وإِذا لقي الذي هو شرّ منه وأدنى قال لعلّ شرّ هذا ظاهر وخيره باطن فاذا فعل ذلك علا وساد أهل زمانه(١) .
عِظاته في اُمور شتّى
ومن بليغ عِظاته الجميل وقُعها في النفس قولهعليهالسلام وقد سأله رجل أن يعلّمه موعظة :
«إِن كان اللّه قد تكفّل بالرزق فاهتمامك لماذا، وإِن كان الرزق مقسوماً فالحرص لماذا، وإِن كان الحساب حقاً فالجمع لماذا، وإِن كان التواب عن اللّه حقاً فالكسَل لماذا، وإِن كان الخلف من اللّه عزّ وجلّ حقاً فالبُخل لماذا، وإِن كان العقوبة من اللّه عزّ وجلّ النار فالمعصية لماذا، وإِن كان الموت حقاً فالفرح لماذا، وإِن كان العرض على اللّه حقاً فالمكر لماذا، وإِن كان الشيطان عدوّاً فالغفلة لماذا، وإِن كان الممرّ على الصراط حقاً فالعجب لماذا، وإِن كلّ شيء بقضاء وقدر فالحزن لماذا، وإِن كانت الدنيا فانية فالطمأنينة اليها لماذا» .(٢)
أقول : كلّ هذا إِنكار على الانسان في اتصافه بتلك الصفات غير المحمودة من الاهتمام والحرص والجمع والكسل الى آخرها مع علمه ومعرفته بأن اللّه تعالى متكفّل بالرزق وأنه مقسوم وأن الحساب حقّ... إِلى آخر ما ذكره الامامعليهالسلام .
ولكن الذي أوقع الناس في تلك السيّئات مع علمهم ومعرفتهم هو حبّهم لنفوسهم وتغلّب شهواتهم على عقولهم.
______________________
(١) مجالس الشيخ الطوسي، المجلس /٥.
(٢) كتاب التوحيد للصدوق طاب ثراه، باب الأرزاق والأسعار والآجال، وكتاب الخصال : ٢/٦١ باب العشرة.
ومن بديع مواعظه قولهعليهالسلام : إِنكم في آجال مقبوضة وأيام معدودة، والموت يأتي بغتة، من يزرع خيراً يحصد غبطة، ومن يزرع شرّاً يحصد ندامة، ولكلّ زارع زرع، لا يسبق البطيء منكم حظّه، ولا يدرك حريص ما لم يقدر له، من اُعطي خيراً فاللّه أعطاه، ومن وقي شراً فاللّه وقاه(١) .
و(منها) قولهعليهالسلام : تأخير التوبة اغترار، وطول التسويف حيرة، والاعتلال على اللّه هلكة، والإصرار على الذنب أمن لمكر اللّه، ولا يأمن مكر اللّه إِلا القوم الخاسرون(٢) .
و(منها) قولهعليهالسلام : من اتقى اللّه وقاه، ومن شكره زاده، ومن أقرضه جزاه(٣) .
و(منها) قوله لأبي بصير : أما تحزن ؟ أما تهتم ؟ أما تتألّم ؟ قال : بلى، قالعليهالسلام : اذا كان ذلك منك فاذكر الموت ووحدتك في قبرك، وسيلان عينيك على خدّيك، وتقطّع أوصالك، وأكل الدود من لحمك، وبلاك وانقطاعك عن الدنيا، فإن ذلك يحثّك على العمل ويردعك عن كثير من الحرص على الدنيا(٤) .
أقول : إِن هذه الفكرة لو تمثلها الانسان في نفسه لكانت اكبر رادع عن ارتكاب الموبقة، وأعظم دافع على اكتساب الطاعة، وكيف يحرص على الدنيا ويقترف السيّئة ولا يأتي بالحسنة من يتمثل له تلك الحال الفظيعة في قبره التي لو شاهدها المرء لجزع من هذه الحياة، ولمقت حتّى نفسه.
______________________
(١) إِرشاد المفيد طاب ثراه في أحوال الصادقعليهالسلام .
(٢) المصدر السابق : ٢٨٣.
(٣) بحار الأنوار : ٧٨/١٩٩/٢٤.
(٤) مجالس الشيخ الطوسي طاب ثراه، المجلس /٥٥.
و(منها) قولهعليهالسلام : ليس من أحد وإِن ساعدته الاُمور بمستخلص غضارة عيش(١) إِلا من خلال مكروه، ومن انتظر بمعاجلة الفرصة مؤاجلة الاستقصاء سلبته الأيام فرصته، لأن من شأن الأيام السلب وسبيل الزمن الفوت(٢) .
أقول : إِن هذا الكلم من أبلغ الجمل الحكيمة المعبّرة عن حقائق الكون الواقعيّة، أمّا القسم الأول وهو غضارة العيش فإن كلّ منّا يستطيع أن يُجرّب في نفسه وفي غيره أن الدعة والغضارة لا تتمّ لنا خالصة من النكد والتنغيص مهما بلغت سُلطتنا أو مقدرتنا الماليّة، والسرّ أن الإنسان يعجز أبداً من اشباع كلّ شهواته، وان واتته الحياة الدنيا، وكذلك«الجنّة حُفّت بالمكاره» .
وأمّا فيما يتعلّق بالقسم الثاني وهو «الفرصة» فإنها لا تمرُّ على الإنسان إِلا باجتماع آلاف الأسباب الخارجة عن اختياره فاذا مرّت وانتظر استقصاءها ففاتت عليه أي أنه لم يعمل السبب الأخير وهو اختياره وإرادته الجازمة فإنه على الأغلب لا يواتيه اجتماع الأسباب مرَّة اُخرى في نظام الكون وجمعها ثانياً ليس تحت اختياره، ولأجل هذا سُمّيت فرصة، فعلى الحازم الكيّس أن ينتهزها عند سنوحها.
و(منها) قولهعليهالسلام : إِن المنافق لا يرغب فيما سعد به المؤمنون، فالسعيد
______________________
(١) غضارة العيش طيبه وخصبه وخيره.
(٢) تحف العقول : ٢٨١.
يتّعظ بموعظة التقوى، وإِن كان يراد بالموعظة غيره(١) .
هذه عقود من نفائس عِظاته حلينا بها هذا السفر عسى أن يسعدنا الحظّ بالأخذ بها والعمل بنصائحها، ومن هذه العِظات تعرف موقفهعليهالسلام من النصح للاُمّة واهتمامه بحملهم على المحجّة البيضاء إِصلاحاً لهم وتزكية لنفوسهم.
٣ - وصاياه
إِن قيمة المرء الاجتماعيّة بما يصنعه للمجتمع من خير، كما أن قيمته الذاتيّة بما يحسنه، ولو لم يكن للصادقعليهالسلام إِلا ما اخترناه من كلامه لكفى به دلالة على مقامه العلمي الإلهي وعلى اهتمامه بإصلاح الاُمّة، وقد قرأت شطراً من مواعظه، وهنا نقرئك شيئاً من وصاياه، وستجد فيها جهد ما يبلغه رُعاة الاُمم الربّانيّون وهداتها من الإرشاد الى مواطن الخير والرفق في الدعوة والإخلاص في التوجيه.
وصيّته لابنه الكاظم
دخل عليه بعض شيعته وموسى ولده بين يديه وهو يوصيه، فكان ممّا أوصاه به أن قال:
______________________
(١) روضة الكافي.
يا بُني إِقبل وصيَّتي، واحفظ مقالتي، فإنّك إِن حفظتها تعِش سعيداً، وتمُت حميداً، يا بُني إِنَّ من قنعَ استغنى، ومن مدَّ عينيه إِلى ما في يد غيره مات فقيراً، ومن لم يرضَ بما قسمَه اللّه لهُ اتَّهم اللّه في قضائه، ومَن استصغر زلّة نفسه استكبر زلّة غيره، يا بُني من كشف حِجاب غيره انكشف عورته، ومن سلَّ سيف البغي قُتل به، ومن احتفر لأخيه بئراً سقط فيها، ومن داخَل السُفهاء حُقّر، ومن خالط العُلماء وُقّر، ومن دخلَ مداخِل السوء اتُّهم، يا بُني قُل الحقّ لك أو عليك، وإِيّاك والنّميمة فإنَّها تزرع الشحناء في قُلوب الرجال، يا بُني إِذا طلبت الجُود فعليكَ بمعادنه، فإنّ للجود معادِن، وللمعادِن اُصولاً، وللاُصول فروعاً، وللفروع ثمراً، ولا يطيبُ ثمر إِلا بفرع، ولا أصل ثابت إِلا بمعدن طيّب، يا بُني إِذا زرت فزُر الأخيار، ولا تزُر الأشرار، فإنَّهم صخرة صمّاء لا ينفجر ماؤها، وشجرة لا يخضّر ورقها، وأرض لا يظهر عشبها(١) .
أقول : وقد جاء بعض هذه الفقرات في نهج البلاغة، ولا بدع فّإن علمهم بعضه من بعض، ولعلّ الصادقعليهالسلام ذكرها استشهاداً أو اقتباساً.
وصيّته لأصحابه
بعد البسملة : أمّا بعد فاسألوا اللّه ربّكم العافية، وعليكم بالدعة والوقار والسكينة، وعليكم بالحياء والتنزّه عمّا تنزّه عنه الصالحون قبلكم، واتقوا اللّه وكفّوا ألسنتكم إلا من خير، وإِيّاكم أن تذلقوا(٢) ألسنتكم بقول الزور والبهتان والإثم والعدوان، فإنكم إِن كففتم ألسنتكم عمّا يكرهه اللّه ممّا نهاكم عنه كان خيراً لكم عند ربّكم من أن تذلقوا ألسنتكم به، فإن ذلق اللسان فيما يكرهه اللّه وفيما ينهى عنه مرداة للعبد عند اللّه، ومقت من اللّه، وصمم وبكم وعمي يورثه اللّه إِيّاه يوم القيامة، فتصيروا كما قال اللّه :( صمٌّ بكمٌ عميٌ فهم لا يعقلون ) (٣) يعني لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون، وعليكم بالصمت إِلا فيما ينفعكم اللّه به من أمر آخرتكم ويؤجركم عليه، اكثروا من أن تدعوا اللّه فإن
______________________
(١) نور الأبصار للشبلنجي : ١٦٣، وحلية الأولياء للحافظ أبي نعيم : ٣/١٣٥.
(٢) تحدّوا وتذربوا.
(٣) البقرة : ١٧١.
اللّه يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه، وقد وعدَ عباده المؤمنين الاستجابة، واللّه مصيّر دعاء المؤمنين يوم القيامة عملاً يزيدهم في الجنّة، فاكثروا ذكر اللّه ما استطعتم في كلّ ساعة من ساعات الليل والنّهار، فإن اللّه أمر بكثرة الذكر له، واللّه ذاكر من ذكره من المؤمنين، واعلموا أن اللّه لم يذكره أحد من عباده المؤمنين إِلا ذكره بخير، فاعطوا اللّه من أنفسكم الاجتهاد في طاعته، فإن اللّه لا يدرَك شيء من الخير عنده إِلا بطاعته واجتناب محارمه التي حرَّم اللّه في ظاهر القرآن وباطنه، قال في كتابه وقوله الحق :( وذروا ظاهر الإثم وباطنه ) (١) واعلموا أن ما أمر اللّه به أن تجتنبوه فقد حرّمه.
ولا تتبعوا أهواءكم وآراءكم فتضلّوا، فإن أضلّ النّاس عند اللّه من اتبع هواه ورأيه بغير هدىً من اللّه، وأحسنوا الى أنفسكم ما استطعتم، فإن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وان أسأتم فلها، واعلموا أنه لن يؤمن عبد من عبيده حتّى يرضى عن اللّه فيما صنع اللّه اليه وصنع به على ما أحبّ وكره، ولن يصنع اللّه بمن صبر ورضي عن اللّه إِلا ما هو أهله، وهو خيرٌ له ممّا أحبّ وكره.
وعليكم بالمحافظة على الصلوات والصلاة الوسطى، وقوموا للّه قانتين كما أمر اللّه به المؤمن في كتابه من قبلكم.
وإِيّاكم والعظمة والكِبر، فإن الكِبر رداء اللّه عزّ وجلّ، فمن نازع اللّه رداءه قصمه اللّه وأذلّه يوم القيامة، وإِيّاكم أن يبغي بعضكم على بعض، فإنها ليست من خِصال الصالحين، فإن من بغى صيّر اللّه بغيه على نفسه، وصارت نصرة اللّه لمن بغى عليه، ومن نصَره اللّه غلب، وأصابَ الظفر من اللّه، وإِيّاكم أن يحسد بعضكم بعضاً، فإن الكفر أصله الحسد(٢) ، وإِيّاكم أن تعينوا على مسلم مظلوم،
______________________
(١) الأنعام : ١٢.
(٢) أحسب أنه إِشارة الى ما كان من إِبليس مع آدمعليهالسلام .
فيدعو اللّه عليكم فيستجاب له فيكم، فإن أبانا رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يقول : إِن دعوة المسلم المظلوم مُستجابة، ولِيَعِن بعضكم بعضاً، فإن أبانا رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يقول : إِن معاونة المسلم خيرٌ وأعظم أجراً من صيام شهر واعتكافه في المسجد الحرام.
واعلموا إِنّ الاسلام هو التسليم، والتسليم هو الاسلام، فمن سلَّمَ فقد أسلم، ومَن لم يُسلّم فلا إِسلام له، ومَن سَرَّه أن يبلغ الى نفسه في الإحسان فليطع اللّه، فإن من أطاع اللّه فقد أبلغ إِلى نفسه في الإحسان، وإِيّاكم ومعاصي اللّه أن ترتكبوها، فإنه من انتهك معاصي اللّه فركبها فقد أبلغ في الإساءة إِلى نفسه، وليس بين الإحسان والإساءة منزلة، فلأهل الإحسان عند ربهم الجنّة ولأهل الإساءة عند ربّهم النار، فاعملوا لطاعة اللّه واجتنبوا معاصيه.
أقول : وهذه الوصيّة طويلة وقد اقتطفنا منها هذه الزهر النفّاحة، وهي مرويّة في بدء روضة الكافي للكليني طاب ثراه، وقال : وقد كتب بها الصادقعليهالسلام إِلى أصحابه، وأمرهم بمدارستها والنظر فيها، وتعاهدها والعمل بها، فكانوا يضعونها في مساجد بيوتهم، فاذا فرغوا من الصلاة نظروا فيها.
أجل هكذا يجب أن نتعاهد مثل هذه الوصيّة فإن فيها جماع مكارم الأخلاق العالية.
وصيّته لعبد اللّه بن جندب
عبد اللّه بن جندب البجلي الكوفي صحب الصادق والكاظم والرضاعليهمالسلام ، وتوكّل للكاظم والرضا، وكان عابداً رفيع المنزلة عندهما، روى الكشي في رجاله أنه قال لأبي الحسنعليهالسلام : ألست عنّي راضياً ؟ قال : اي واللّه، ورسول اللّه واللّه راض.
وقد أوصاه الصادق بوصيّة جمعت نفائس من العِظات والنصائح، التقطنا منها الشذرات الآتية، قالعليهالسلام :
يا ابن جندب، يهلك المتّكل على عمله، ولا ينجو المجتري على الذنوب برحمة اللّه، قال : فمن ينجو ؟ قال : الذين هم بين الخوف والرجاء كأن قلوبهم في مخلب طائر، شوقاً إِلى الثواب وخوفاً من العذاب.
يا ابن جندب، مَن سرَّه أن يزوّجه اللّه من الحور العين ويتوجّه بالنور فليُدخل على أخيه المؤمن السرور.
يا ابن جندب، إِن للشيطان مصائد يصطاد بها، فتحاموا شباكه ومصائده، قال : يا ابن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وما هي ؟ قال : أمّا مصائده فصّد عن برّ الاخوان، وأمّا شباكه فنوم عن أداء الصلاة التي فرضها اللّه، أما أنه ما يعبد اللّه بمثل نقل الأقدام الى برّ الاخوان وزيارتهم، ويلٌ للساهين عن الصلاة النائمين في الخلوات المستهزئين باللّه وآياته في القرآن، اولئك الذين لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلّمهم اللّه يوم القيامة ولا يزّكيهم ولهم عذاب أليم.
يا ابن جندب، الساعي في حاجة أخيه كالساعي بين الصفا والمروة، وقاضي حاجته كالمتشحّط بدمه في سبيل اللّه يوم بدر واُحد، وما عذّب اللّه اُمّة إِلا عند استهانتهم بحقوق فقراء إخوانهم.
يا ابن جندب، إِن أحببت أن تجاور الجليل في داره، وتسكن الفردوس في جواره، فلتهن عليك الدنيا، واجعل الموت نُصب عينيك، ولا تدّخر لغد، واعلم أنَّ لك ما قدَّمت، وعليك ما أخّرت.
يا ابن جندب، من حرَم نفسه كسبه فإنما يجمع لغيره، ومن أطاع هواه فقد أطاع عدّوه، ومن يتّقِ اللّه يكفِه ما أهمّه من أمر دُنياه وآخرته، ويحفظ له ما غاب عنه، وقد عجز مَن لم يعدّ لكّل بلاءٍ صبراً، ولكلّ نعمةٍ شكراً، ولكلّ عُسرٍ
يُسرا، اصبر نفسك عند كلّ بليّة، وفي ولد أو مال أو ذريّة، فإنما يقبض عاريته، ويأخذ هبته، ليبلو فيهما شكرك وصبرك، وارج اللّه رجاءً لا يجرّيك على معصيته، وخِفهُ خوفاً لا ييؤسك من رحمته ولا تغترّ بقول الجاهل ولا بمدحة فتكبر وتجبر وتغترّ بعملك، فإن أفضل العمل العبادة والتواضع، ولا تضيع مالك وتصلح مال غيرك ما(١) خلفته وراء ظهرك، واقنع بما قسمه اللّه لك، ولا تنظر إِلا ما عندك، ولا تتمنّ ما لست تناله، فإن مَن قنع شبع، ومَن لم يقنع لم يشبع، وخُذ حظّك من آخرتك، ولا تكن بطراً في الغنى، ولا جزِعاً في الفقر، ولا تكن فظَّاً غليظاً يكره الناس قُربك، ولا تكن واهناً يحقرك من عرفك، ولا تشارَّ(٢) من فوقك، ولا تسخر بمن هو دونك، ولا تنازع الأمر أهله، ولا تطع السفهاء، وقف عند كلّ أمر حتّى تعرف مدخله ومخرجه قبل أن تقع فيه فتندم، واجعل نفسك عدّواً تجاهده، وإِن كانت لك يد عند إِنسان فلا تفسدها بكثرة المنّ والذكر لها، ولكن اتبعها بأفضل منها، فإن ذلك أجمل في أخلاقك وأوجب للثواب في آخرتك، وعليك بالصمت نعدّ حليماً، جاهلاً كنت أو عالماً، فإن الصمت زين عند العلماء وسترة لك عند الجهّال.
ومِن هذه الوصية حكايته لكلام عيسىعليهالسلام لأصحابه وهو قوله : وإِيّاكم والنظرة فإنها تزرع في القلب الشهوة، وكفى بها لصاحبها فتنة، طوبى لمن جعل بصره في قلبه، ولم يجعل بصره في عينه، لا تنظروا في عيوب الناس كالأرباب وانظروا في عيوبهم كهيئة العبيد، إِنما الناس مبتلى ومعافى، فارحموا المبتلى، واحمدوا اللّه على العافية.
______________________
(١) ما موصولة عطف بيان لقوله - مال غيرك - أي أن الذي تخلفه وراء ظهرك هو مال غيرك فلا تهتمّ لاصلاحه، وتضييع مالك الذي ينبغي أن تنفقه في وجوه الخير.
(٢) بتضعيف الراء - تخاصم.
ثمّ قالعليهالسلام : يا ابن جندب، صِل مَن قطعك، واعط مَن حرمَك، وأحسن الى مَن أساء اليك، وسلّم على مَن سبَّك، وانصف من خاصمك، واعف عمَّن ظلمك كما أنك تحبّ أن يعفى عنك، فاعتبر بعفو اللّه عنك، ألا ترى أن شمسه أشرقت على الأبرار والفجّار، وأن قطره ينزل على الصالحين والخاطئين.
يا ابن جندب، الاسلام عريان فلباسه الحياء، وزينته الوقار، ومروّته العمل الصالح، وعماده الورع، ولكلّ شيء أساس وأساس الاسلام حُبّنا أهل البيت(١) .
أقول : ما أجمع هذه الوصيّة لجلائل الحِكم ونفائس المواعظ، ولا تمرّ عليك وصيّة ولا عِظة إِلا وحسبت عندها منتهى البلاغة وأقصى التذكير والتنبيه، وتقول : هل وراءها من قول، وإِن أمثال هذه الوصايا جديرة بالتعليق والشرح إِلا انّ ذلك أبعد عن الغاية، فنوكل التدبّر بها الى القارئ الكريم.
وصيّته لعبد اللّه النجاشي في كتابه(٢)
قال عبد اللّه بن سليمان النوفلي : كنت عند جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام ، فاذا بمولى لعبد اللّه النجاشي وردَ عليه فسلّم وأوصل اليه كتاباً ففضّه وقرأه، فاذا أوّل سطر فيه:
بسم اللّه الرحمن الرحيم، أطال اللّه بقاء سيّدي وجعلني من كلّ سوء فِداه، إِني بُليت بولاية الأهواز فإن رأى سيّدي أن يحدّ لي حدّاً أو يمثل لي مثلاً لأستدلّ به على ما يقرّبني الى اللّه جلّ وعزّ والى رسوله، ويلخّص في كتابه ما يرى لي العمل به وفيما يبذله وأبتذله، وأين أضع زكاتي، وفيمن أصرفها، وبمن آنس، والى مَن أستريح، ومَن أثق وآمن وألجأ اليه في سرّي، فعسى أن يخلّصني اللّه بهدايتك ودلالتك، فإنك حُجّة اللّه على خلقه، وأمينه في بلاده لا زالت نعمته عليك.
______________________
(١) بحار الأنوار : ٧٨/٢٧٩/١.
(٢) في نفس الكتاب : ١/٢٦٠.
قال عبد اللّه بن سليمان : فأجابه أبو عبد اللّهعليهالسلام :
بسم اللّه الرحمن الرحيم، جامَلَكَ اللّه بصنعه، ولطف بك بمنّه، وكلأك برعايته، فإنه وليّ ذلك، أمّا بعد فقد جاء إِليّ رسولك بكتابك فقرأته وفهمت جميع ما ذكرته وسألت عنه وزعمت أنك بُليت بولاية الأهواز فسرَّني ذلك وساءني، فأمّا سروري بولايتك فقلت : عسى أن يغيث اللّه بك ملهوفاً من أولياء آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ويعزّ بك، وساءني من ذلك فإن أدنى ما أخاف عليك أن تعثر بوليّ لنا فلا تشمّ حظيرة القدس.
فإني ملخّص لك جميع ما سألت عنه إِن أنت عملت به ولم تجاوزه رجوت أن تسلم إِن شاء اللّه تعالى، أخبرني أبي عن آبائه عن علي بن أبي طالبعليهمالسلام عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال : من استشاره أخوه المؤمن فلم يمحضه النصيحة سلبه اللّه لُبَّه، واعلم أني سأشير عليك برأي إِن أنت عملت به تخلّصت ممّا أنت متخوّفه، واعلم أن خلاصك ونجاتك من حقن الدماء وكفّ الأذى من أولياء اللّه والرفق بالرعيّة والتأني وحسن المعاشرة، مع لين في غير ضعف، وشدَّة في غير عُنف، ومداراة صاحبك ومن يرد عليك من رُسله، وارتق فتق رعيّتك بأن توافقهم على ما وافق الحقّ والعدل إِن شاء اللّه.
إِيّاك والسعاة وأهل النمائم فلا يلتزقن منهم بك أحد، ولا يراك اللّه يوماً وليلة وأنت تقبل منهم صرفاً ولا عدلاً فيسخط اللّه عليك ويهتك سترك.
فأمّا من تأنس به وتستريح اليه وتلج اُمورك اليه فذلك الرجل الممتحن المستبصر الأمين الموافق لك على دينك، وميَّز عوامك وجرّب الفريقين فإن رأيت هنالك رشداً فشأنك وإِيّاه.
وإِيّاك أن تعطي درهماً أَو تخلع ثوباً أو تحمل على دابّة في غير ذات اللّه لشاعر أو مضحك أو ممتزح إِلا أعطيت مثله في ذات اللّه.
ولتكن جوائزك وعطاياك وخلعك للقوّاد والرُسل والأحفاد وأصحاب الرسائل وأصحاب الشرط والأخماس، وما أردت أن تصرفه في وجوه البرّ والنجاح والفتوّة والصدقة والحجّ والمشرب والكسوة التي تصلّي فيها وتصل بها والهديّة التي تهديها الى اللّه عزّ وجلّ والى رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم من أطيب كسبك.
يا عبد اللّه، اجهد ألا تكنز ذهباً ولا فضّة فتكون من أهل هذه الآية التي قال اللّه عزّ وجلّ :( الذين يكنزون الذهب والفضّة ولا ينفقونها في سبيل اللّه ) (١) .
ولا تستصغرن من حلو أو فضل طعام تصرفه في بطون خالية ليسكن بها غضب اللّه تبارك وتعالى، واعلم أني سمعت من أبي يحدَّث عن آبائه عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنه سمع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول يوماً : ما آمن باللّه واليوم الآخر من بات شبعاناً وجاره جايع، فقلنا : اُهلكنا يا رسول اللّه، فقال : من فضل طعاكم ومن فضل تمركم ورزقكم وخلقكم وخرقكم تطفون بها غضب الرب.
فخرج أمير المؤمنين من الدنيا وليس في عنقه تبعة لأحد حتّى لقي اللّه محموداً غير ملوم ولا مذموم، ثمّ اقتدت به الأئمة من بعده بما قد بلغكم، لم يتلطّخوا بشيء من بوائقها صلوات اللّه عليهم أجمعين وأحسن مثواهم.
وقد وجّهت اليك بمكارم الدنيا والآخرة، فإن أنت عملت بما نصحت لك في كتابي هذا ثمّ كانت عليك من الذنوب والخطايا كمثل أوزان الجبال وأمواج البحار رجوت اللّه أن يتحامى عنك جلّ وعزّ بقدرته.
يا عبد اللّه إِيّاك أن تُخيف مؤمناً فإن أبي محمّد حدّثني عن أبيه عن جدّه علي بن أبي طالبعليهمالسلام أنه كان يقول : مَن نظر إلى مؤمن نظرة ليخيفه بها أخافه اللّه يوم لا ظلَّ إِلا ظلّه، وحشره في صورة الذرّ لحمه وجسده وجميع أعضائه حتّى يورده مورده.
وحدّثني أبي عن آبائه عن علي عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال : مَن أغاث لهفاناً من المؤمنين أغاثه اللّه يوم لا ظلَّ إِلا ظلّه، وآمنه اللّه يوم الفزع الاكبر، وآمنه عن سوء المنقلب، ومَن قضى لأخيه المؤمن حاجة قضى اللّه له حوائج كثيرة إِحداها الجنّة، ومَن كسا أخاه المؤمن من عري كساه اللّه من سُندس الجنّة واستبرقها وحريرها، ولم يزل يخوض في رضوان اللّه مادام على المكسو منها سلك، ومَن أطعم أخاه من جوع أطعمه اللّه من طيّبات الجنّة، ومَن سقاه من ظمأ سقاه اللّه من الرحيق المختوم، ومَن أخدم أخاه أخدمه اللّه من الولدان المخلّدين وأسكنه مع أوليائه الطاهرين، ومَن حمل أخاه المؤمن من رحله حمله اللّه على ناقة من نوق الجنّة وباهى به الملائكة المقرّبين يوم القيامة، ومَن زوّج
______________________
(١) التوبة : ٣٤.
أخاه المؤمن امرأة يأنس بها وتشدّ عضده ويستريح اليها زوّجه اللّه من الحور العين، وآنسه بمن أحبّ من الصدّيقين من أهل بيته واخوانه وآنسهم به، ومَن أعان أخاه المؤمن على سلطان جائر أعانه اللّه على إِجازة الصراط عند زلزلة الأقدام، ومَن زار أخاه المؤمن الى منزله لا لحاجة منه اليه كُتب من زوّار اللّه، وكان حقيقاً على اللّه أن يكرم زائره.
يا عبد اللّه وحدّثني أبي عن آبائه عن عليعليهالسلام أنه سمع من رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول لأصحابه يوماً، معاشر الناس إِنه ليس بمؤمن مَن لعن بلسانه ولم يؤمن بقلبه(١) فلا تتبعوا عثرات المؤمنين، فإنه مَن اتبع عثرة مؤمن اتبع اللّه عثراته يوم القيامة وفضحه في جوف بيته.
وحدّثني أبي عن عليعليهالسلام قال : أخذ اللّه في ميثاق المؤمن ألا يُصدَّق(٢) في مقالته، ولا يُنتصف من عدوّه، ولا يُشفي غيظه إِلا بفضيحة نفسه، لأن كلّ مؤمن ملجم، وذلك لغاية قصيرة وراحة طويلة.
أخذ اللّه ميثاق المؤمن على أشياء أيسرها مؤمن مثله يقول بمقالته يتعبه ويحسده، والشيطان يغويه ويعينه، والسلطان يقفو أثره ويتبع عثراته، وكافر بالذي هو مؤمن به يرى سفك دمه دَيناً، وإِباحه حريمه غنماً، فما بقاء المؤمن بعد هذا.
يا عبد اللّه وحدّثني أبي عن آبائه عن عليعليهالسلام عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : نزل جبرئيلعليهالسلام فقال : يا محمّد إِن اللّه يقرأ عليك السلام ويقول : اشتققت للمؤمن اسماً من أسمائي سمّيته مؤمناً فالمؤمن منّي وأنا منه، من استهان بمؤمن فقد استقبلني بالمحاربة.
يا عبد اللّه وحدّثني أبي عن آبائهعليهمالسلام عن عليعليهالسلام عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال يوماً : يا علي لا تناظر رجلاً حتّى تنظر في سريرته، فإن كانت سريرته حسنة فانَّ اللّه عزّ وجلّ لم يكن ليخذل وليّه، وإِن كانت سريرته رديَّة فقد يكفيه مساويه، فلو جهدت أن تعمل به اكثر ممّا عمله من معاصي اللّه عزّ وجلّ ما قدرت عليه.
______________________
(١) يريد أنه من يذكر الناس بسوء بغير ما يعتقده فيهم.
(٢) بالبناء للمفعول.
يا عبد اللّه وحدّثني أبي عن آبائه عن عليعليهالسلام عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال : أدنى الكفر أن يسمع الرجل عن أخيه الكلمة ليحفظها عليه يريد أن يفضحه بها، اولئك لا خلاق لهم.
يا عبد اللّه وحدّثني أبي عن آبائه عن عليعليهالسلام أنه قال : مَن قال في مؤمن ما رأت عيناه وسمعت اُذناه ما يشينه ويهدم مروّته فهو من الذين قال اللّه عزّ وجلّ( إِنَّ الذين يحبّون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذابً أليم ) .
يا عبد اللّه وحدّثني أبي عن آبائه عن عليعليهالسلام أنه قال : من روى عن أخيه المؤمن رواية يريد بها هدم مُروّته وثلبه أوبَقهُ اللّه بخطيئته حتّى يأتي بمخرج ممّا قال، ولن يأتي بالمخرج منه أبداً، ومن أدخل على أخيه المؤمن سُروراً فقد أدخلَ على أهل البيتعليهمالسلام سُروراً، ومن أدخل على أهل البيت سُروراً فقد أدخل على رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم سُروراً، ومن أدخل على رسول اللّه سُروراً فقد سرَّ اللّه، فحقيق عليه أن يُدخِله الجنّة حينئذٍ.
ثمَّ إِنّي اُوصيك بتقوى اللّه وإِيثار طاعته والاعتصام بحبله، فإنه من اعتصم بحبل اللّه فقد هُدي الى صراطٍ مستقيم، فاتقِ اللّه ولا تؤثر أحداً على رضاه وهواه، فإنّه وصيّة اللّه عزّ وجلّ الى خلقه، لا يقبل منهم غيرها ولا يعظّم سواها، واعلم أن الخلائق لم يوكلوا بشيء أعظم من التقوى فإنّه وصيّتنا أهل البيت، فإن استطعت ألا تنال شيئاً من الدنيا تُسئل عنه غداً فافعل.
قال عبد اللّه بن سليمان : فلمّا وصل كتاب الصادقعليهالسلام الى النجاشي نظر فيه فقال : صدَق واللّه الذي لا إِله إِلا هو مولاي، فما عمل أحد بما في هذا الكتاب إِلا نجا فلم يزل عبد اللّه يعمل به في أيام حياته(١) .
______________________
(١) بحار الأنوار : ٧٨/٢٧١/١١٢.
فكّر أيها القارئ الكريم في هذه النصائح القدسيّة، وأعد النظر في فقراتها، وانظر ماذا سيبلغه البشر من نهاية السعادة لو وضع الاُمراء وأرباب الدولة هذا الكتاب نُصب أعينهم، ودرج عليه الناس في معاملاتهم بعضهم مع بعض، ولكن البشر لا يزال في سكرته لا يستيقظ لسماع مثل هذه المواعظ.
ومن وصاياه لشيعته
قال زيد الشَّحام : قال لي أبو عبد اللّهعليهالسلام : اقرأ من ترى أنه يطيعني منكم ويأخذ بقولي السلام، واوصيكم بتقوى اللّه عزّ وجلّ والورع في دينكم، والاجتهاد للّه، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وطول السجود، وحُسن الجوار، فبهذا جاء محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم .
أدّوا الأمانة الى من ائتمنكم عليها برَّاً أو فاجراً، فإن رسول اللّه كان يأمر بأداء الخيط والمخيط، صِلوا عشائركم، واشهدوا جنائزهم، وعُودوا مرضاهم، وأدّوا حُقوقهم، فإن الرجل منكم اذا ورع في دينه وصدقَ الحديث وأدَّى الأمانة وحسُنَ خُلقه مع الناس قيل : هذا جعفري، ويسرّني ذلك، ويُدخل عليّ منه السرور، وقيل : هذا أدب جعفر، وإِذا كان غير ذلك دخل عليَّ بلاؤه وعارُه وقيل : هذا أدب جعفر، فواللّه لحدّثني أبي أن الرجل كان يكون في القبيلة من شيعة عليعليهالسلام فيكون زينها، أدَّاهم للأمانة، وأقضاهم للحقوق، وأصدقهم للحديث، اليه وصاياهم وودائعهم، تُسئل العشيرة عنه، ويقولون : من مثل فلان ؟ إِنّه أدّانا للأمانة، وأصدقنا للحديث(١) .
______________________
(١) الكافي، كتاب العشرة، باب ما يجب من العشرة : ٢/٦٣٦/٥ .
وصيّته لمؤمن الطاق *
نقتطف من وصيّته لمؤمن الطاق زهراً غضة، قالعليهالسلام : يا ابن النعمان إِيّاك والمراء فإنه يحبط عملك، وإِيّاك والجدال فإنه يوبقك، وإِيّاك وكثرة الخصومات فإنها تبعد من اللّه، إِن من كان قبلكم يتعلّمون الصمت وأنتم تتعلّمون الكلام، كان أحدهم اذا أراد التعبّد يتعلّم الصمت قبل ذلك بعشر سنين، فإن كان يحسنه ويصير عليه تعبّد، وإِلا قال : ما أنا لِما أروم بأهل، إِنما ينجو من أطال الصمت عن الفحشاء، وصبر في دولة الباطل على الأذى، اولئك النجباء الأصفياء الأولياء حقاً وهم المؤمنون، واللّه لو قدّم أحدكم ملء الأرض ذهباً على اللّه ثمّ حسد مؤمناً لكان ذلك الذهب ممّا يُكوى به في النار.
يا ابن النعمان إِن أردت أن يصفو لك ودّ أخيك فلا تمازحنّه ولا تمارينّه ولا تباهينّه ولا تشارنّه(١) ولا تطلع صديقك من سرّك إِلا على ما لو اطّلع عليه عدوّك لم يضرّك، فإن الصديق قد يكون عدوّك يوماً.
يا ابن النعمان ليست البلاغة بحدَّة اللسان، ولا بكثرة الهذيان، ولكنها إصابة المعنى وقصد الحجّة(٢) .
______________________
(*) محمد بن النعمان الصيرفي الكوفي، وسنذكره في المشاهير، وقد كتبت فيه رسالة مستقلّة.
(١) تخاصمنه.
(٢) البحار : ٧٨/٢٩٢.
وصيّته لحمران بن أعين*
قالعليهالسلام : يا حمران انظر الى من هو دونك، ولا تنظر إِلى من هو فوقك في المقدرة فإن ذلك أقنع لك بما قُسم لك، وأحرى أن تستوجب الزيادة من ربّك، واعلم أن العمل الدائم القليل على اليقين أفضل عند اللّه من العمل الكثير على غير يقين، واعلم أنه لا ورع أنفع من تجنّب محارم اللّه والكفّ عن أذى المؤمنين واغتيابهم، ولا عيش أهنأ من حسن الخُلق، ولا مال أنفع من القنوع باليسير المجزي، ولا جهل أضرّ من العجب(١) .
______________________
(*) سنذكره في المشاهير من وراته.
(١) روضة الكافي، ٨/٢٠٤/٢٣٨.
وصيّته للمفضّل بن عمر*
قالعليهالسلام للمفضّل بن عمر : اوصيك ونفسي بتقوى اللّه وطاعته، فإن من التقوى الطاعة والورع والتواضع للّه والطمأنينة والاجتهاد والأخذ بأمره والنصيحة لرُسله، والمسارعة في مرضاته، واجتناب ما نهى عنه، فإن من يتّقِ اللّه فقد أحرز نفسه من النار بإذن اللّه وأصاب الخير كلّه في الدنيا والآخرة ومن أمر بتقوى اللّه فقد أفلح الموعظة جعلنا اللّه من المتّقين برحمته(١) .
______________________
(*) سيأتي ذكره في المشاهير أيضاً، وهو صاحب التوحيد الذي تقدم ذكره في الجزء الأول ص ١٤٩.
(١) بصائر الدرجات : ٥٢٦/١.
وصيّته لجميل بن درّاج*
قالعليهالسلام لجميل بن درّاج : خياركم سمحاؤكم وشراركم بخلاؤكم، ومن صالح الأعمال البرّ بالاخوان والسعي في حوائجهم، وذلك مرغمة للشيطان وتزحزح عن النيران، ودخول في الجنان، يا جميل اخبر بهذا الحديث غُرر أصحابك قال : فقلت له : جعلت فداك ومَن غُرر أصحابي ؟ قالعليهالسلام : هُم البارُّون بالاخوان في العُسر واليُسر.
قال : يا جميل أما أن صاحب الجميل يهون عليه ذلك، وقد مدح اللّه عزّ وجلّ صاحب القليل فقال :( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومَن يوقَ شحّ نفسه فاولئك هُم المفلحون ) (١) .
______________________
(*) سنذكره في المشاهير إِن شاء اللّه تعالى.
(١) خصال الصدوق رحمه اللّه، باب الثلاثة، والآية ٩ من سورة الحشر.
وصيّته للمعلّى بن خنيس
قال للمعلّى بن خنيس وقد أراد سفراً : يا معلّى أعزز باللّه يعززك، قال : بماذا يا ابن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ قالعليهالسلام : يا معلّى خف اللّه تعالى يخف منك كلّ شيء، يا معلّى تحبّب الى اخوانك بصلتهم، فإن اللّه تعالى جعل العطاء محبّة، والمنع مبغضة، فأنتم واللّه إِن تسألوني وأعطيكم أحبّ إِليّ من ألا تسألوني فلا أعطيكم فتبغضوني، ومهما أجرى اللّه عزّ وجل لكم من شيء على يدي فالمحمود هو اللّه تعالى ولا تبعدون من شكر ما أجرى اللّه لكم على يدي(١) .
وصيّته لسفيان الثوري*
قال سفيان : لقيت الصادق ابن الصادق جعفر بن محمّدعليهماالسلام ، فقلت : يا ابن رسول اللّه أوصني، فقال لي : يا سفيان لا مروَّة لكذوب، ولا أخٌ لملول، ولا راحة لحسود، ولا سؤدد لسيّئ الخُلق.
فقلت : يا ابن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم زدني، فقال لي : يا سفيان ثق باللّه تكن مؤمناً، وارض بما قسم اللّه لك تكن غنيّاً، وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلماً، ولا تصحب الفاجر يُعلّمك من فُجوره، وشاور في أمرك الذين يخشون اللّه عزّ وجل.
______________________
(١) مجالس الشيخ الطوسي، المجلس /١١.
(*) مرّ ذكره في مناظرته في الجزء الأول وفي زهده وسيأتي في الأعلام الذين رووا عنهعليهالسلام من السنّة.
فقلت : يا ابن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : زدني، فقال لي : يا سفيان من أراد عِزَّاً بلا عشيرة، وغِنىً بلا مال ، وهيبةً بلا سلطان فلينتقل من ذُلّ معصية اللّه إِلى عِزّ طاعته(١) .
وقال للصادق مرّة : لا أقوم حتّى تحدّثني، قال له : أنا اُحدّثك وما كثرة الحديث لك بخير، يا سفيان اذا أنعم اللّه عليك بنعمة فأحببت بقاءها ودوامها فاكثر من الحمد والشكر عليها، فإن اللّه عزّ وجلَّ قال في كتابه :( لئن شكرتم لأزيدنكم ) (٢) واذا استبطأت الرزق فاكثر من الاستغفار فإن اللّه تعالى قال في كتابه :( استغفروا ربّكم إِنه كان غفّاراً يُرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنّات ويجعل لكم أنهاراً ) (٣) .
يا سفيان إذا أحزنك أمرٌ من سلطان أو غيره فاكثر من : لا حول ولا قوّة إِلا باللّه، فإنها مفتاح الفرج وكنز من كنوز الجنّة، فعقد سفيان بيده وقال : ثلاث وأيّ ثلاث(٤) .
______________________
(١) بحار الأنوار : ٧٨/١٩٢/٦.
(٢) إِبراهيم : ٧.
(٣) البقرة : ١٧١.
(٤) حلية الأولياء لأبي نعيم : ٣/١٩٣.
وصيّته لعنوان البصري*
كان عنوان البصري يختلف الى مالك بن أنس فأحبّ أن يأخذ عن الصادقعليهالسلام فلمّا ورد عليه قال له الصادقعليهالسلام : إِني رجل مطلوب ومع ذلك لي أوراد في كلّ ساعة من آناء الليل والنهار فلا تشغلني عن وردي وخُذ عن مالك واختلف اليه كما كنت تختلف اليه، يقول : فاغتممت، فدخلت مسجد الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وسلّمت عليه ثمّ رجعت من الغد الى الروضة وصلّيت فيها ركعتين وقلت : أسألك يا اللّه يا اللّه أن تعطف عليّ قلب جعفر وترزقني من علمه ما أهتدي به الى صراطك المستقيم، ولمّا عِيلَ صبري وضاق صدري قصدت جعفراً فلمّا حضرت بابه استأذنت عليه فخرج خادم له فقال : حاجتك ؟ فقلت : السلام على الشريف، فقال : هو قائم في مصلاه، فجلست بحذاء بابه، فما لبثت إِلا يسيراً إِذ خرج خادم فقال : ادخل على بركة اللّه، فدخلت وسلّمت عليه فردَّ السلام وقال : اجلس غفر اللّه لك، فجلست فأطرق مليّاً ثمّ رفع رأسه وقال : أبو مَن ؟ قلت : أبو عبد اللّه، قال ثبّت اللّه كنيتك ووفّقك يا أبا عبد اللّه، ما مسألتك ؟ فقلت في نفسي لو لم يكن لي من زيارته والتسليم غير هذا الدعاء لكان كثيراً، ثمّ رفع رأسه وقال : ما مسألتك ؟ فقلت : سألت اللّه أن يعطف قلبك عليّ ويرزقني من علمك، وأرجو أن اللّه تعالى أجابني في الشريف ما سألته، فقال : يا أبا عبد اللّه ليس العلم بالتعلّم إِنما هو نور يقع في قلب من يريد اللّه تبارك وتعالى أن يهديه، فإن أردت العلم فاطلب أوّلاً في نفسك حقيقة العبوديّة واطلب العلم باستعماله واستفهم اللّه يفهمك، قلت :
______________________
(*) ليس له ذكر في كتب رجالنا.
يا شريف فقال : قُل يا أبا عبد اللّه، قلت : يا أبا عبد اللّه ما حقيقة العبوديّة ؟ قال : ثلاثة أشياء، ألا يرى العبد لنفسه فيما خوّله اللّه مُلكاً، لأن العبيد لا يكون لهم مُلك، يرون المال مال اللّه يضعونه حيث أمرهم اللّه به ولا يدبر العبد تدبيراً، وجملة اشتغاله فيما أمره اللّه تعالى به ونهاه عنه، فإذا لم يرَ العبد لنفسه فيما خوّله اللّه تعالى مُلكاً هانَ عليه الانفاق فيما أمره اللّه تعالى أن ينفق فيه، وإِذا فوّض العبد تدبير نفسه على مُدبّره هانت عليه مصائب الدنيا وإِذا اشتغل العبد بما أمره اللّه تعالى ونهاه لا يتفرّغ منهما الى المراء والمباهاة مع الناس، فإذا اكرم اللّه العبد بهذه الثلاث هانت عليه الدنيا وابليس والخلق، ولا يطلب الدنيا تكاثراً وتفاخراً، ولا يطلب ما عند الناس عزّاً وعلوّاً، ولا يدع أيامه باطلاً، فهذا أول درجة التقى، قال اللّه تبارك وتعالى :( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوّاً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين ) .(١)
قلت : يا أبا عبد اللّه أوصني، قال : اوصيك بتسعة أشياء، فإنها وصيّتي لمريدي الطريق الى اللّه تعالى، واللّه أسأل أن يوفّقك لاستعمالها، ثلاثة منها في رياضة النفس، وثلاثة منها في الحلم، وثلاثة منها في العلم، فاحفظها وإِيّاك والتهاون بها، قال عنوان : ففرَّغت قلبي له، فقال : أمّا اللواتي في الرياضة فإيّاك أن تأكل ما لا تشتهيه، فإنه يورث الحماقة والبله، ولا تأكل إِلا عند الجوع، واذا اكلت فكل حلالاً وسمّ اللّه واذكر حديث الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم «ما ملأ آدميّ وعاءً شرّاً من بطنه» ، فاذا كان ولا بدّ فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لِنَفسه، وأمّا اللواتي في الحلم، فمن قال لك : إِن قلت واحدة سمعت عشراً، فقل له : إِن قلت عشراً لم تسمع واحدة، ومن شتمك فقل له : إِن كنت
______________________
(١) القصص : ٨٣.
صادقاً فيما تقول فاسأل اللّه أن يغفر لي، وإِن كنت كاذباً فيما تقول فاللّه أسأل أن يغفر لك، ومَن وعدك بالخناء فعده بالنصيحة والرعاء، وأمّا اللواتي في العلم، فاسأل العلماء ما جهلت، وإِيّاك أن تسألهم تعنُّتاً وتجربةً، وإِيّاك أن تعمل برأيك شيئاً، وخُذ بالاحتياط في جميع ما تجد اليه سبيلاً، واهرب من الفُتيا هربَك من الأسد، ولا تجعل رقبتك للناس جسراً. قُم عنّي يا أبا عبد اللّه فقد نصحت لك ولا تفسد عليّ وردي فإني امرؤ ضنين بنفسي، والسلام على من اتبع الهُدى»(١) .
مِن ثمين وصاياه
ما اكثر الغالي من نصائحه والثمين من وصاياه، فإنه لم يترك نهجاً للنصح إِلا سلكه، ولا باباً للارشاد إِلا ولَجه، فتارةً يحثّنا على التقوى والورع والاجتهاد وطول السجود والركوع، ويقول : كونوا دُعاة الى انفسكم بغير ألسنتكم، وكونوا زيناً ولا تكونوا شيناً(٢) .
واُخرى يريد منّا أن نرتقي فوق تلك الرتب فنكون من أرباب الشكر والدعاء والتوكّل فيقول : من اُعطي ثلاثاً لم يمنع ثلاثاً، من اُعطي الدعاء اُعطي الاجابة، ومن اُعطي الشكر اُعطي الزيادة، ومن اُعطى التوكُّل اُعطي الكفاية، ثمّ قال : أتلوت كتاب اللّه عزّ وجلّ :( ومن يتوكّل على اللّه فهو حسبه ) (٣) وقال :( ولئن شكرتم لأزيدنكم ) (٤) وقال :( ادعوني أستجب لكم ) .(٥)
______________________
(١) بحار الأنوار : ١/٢٢٤/١٧.
(٢) الكافي، باب الورع.
(٣) الطلاق : ٣.
(٤) إِبراهيم : ٧.
(٥) المؤمن : ٦٠.
ويرشدنا الى الأرفع من هذا منزلة فيقول : اذا أراد أحدكم ألا يسأل اللّه شيئاً إِلا أعطاه فلييأس من الناس كلّهم، ولا يكون له رجاء إِلا عند اللّه، فإذا علم اللّه عزّ وجلّ ذلك من قلبه لم يسأل اللّه شيئاً إِلا أعطاه(١) .
وطوراً يرغّبنا في الأخلاق الكريمة والصفات الفاضلة فيشير الى التواضع ويصف لنا بعض مواضعه فيقول : من التواضع أن ترضى من المجلس دون المجلس، وأن تُسلّم على من تلقى، وأن تترك المراء(٢) وإِن كنت محقاً، ولا تحبّ أن تُحمد على التقوى(٣) .
ويذكر عدَّة خصال يزدان بها المرء ويسمو بها مرتقى عليّاً فيقول لأصحابه : اسمعوا منّي كلاماً هو خير من الدُهم الموقّفة(٤) لا يتكلّم أحدكم بما لا يُعنيه، وليدع كثيراً من الكلام فيما يعنيه، حتّى يجد له موضعاً، فرُبّ متكلّم في غير موضعه جنى على نفسه بكلامه، ولا يمارينّ أحدكم سفيهاً ولا حليماً، فإن من مارى حليماً أقصاه، ومن مارى سفيهاً أرداه، واذكروا أخاكم اذا غاب عنكم بأحسن ما تحبّون أن تذكروا به اذا غبتم، واعملوا عمل من يعلم أنه مجازى بالإحسان(٥) .
ويصف لنا حُسن الخُلق بما يدفعنا على المسارعة بالتخلّق به فيقول : اذا خالطت الناس فإن استطعت ألا تخالط أحداً منهم إِلا كانت يدك العليا عليه
______________________
(١) الكافي، باب الاستغناء عن الناس.
(٢) الجدال.
(٣) الكافي، باب التواضع.
(٤) الدهم : الخيل الشديدة السواد، والموقّفة - بتضعيف القاف جمع موقف كعظم - من الخيل الأبرش أعلى الاُذنين، كأنهما منقوشان بالبياض.
(٥) مجالس الشيخ الطوسي، المجلس /٢.
فافعل، فإن العبد يكون فيه بعض التقصير من العبادة ويكون له حُسن الخُلق، فيبلغه اللّه بخُلقه درجة الصائم القائم(١) .
وما اكثر ما يحثّ به على التجمُّل بلباس الخُلق الحسن، وقرينة السخاء ومن ذلك قوله : إِن اللّه ارتضى لكم الاسلام ديناً فاحسنوا صحبته بالسخاء وحُسن الخُلق(٢) .
وأوصانا على لسان المفضّل بن عمر الجعفي بخصال ست لا توزن بقيمة، قال له : اوصيك بستّ خِصال تبلغهنّ شيعتي، قال : وما هي يا سيّدي ؟ قالعليهالسلام :«أداء الأمانة الى من ائتمنك، وأن ترضى لأخيك ما ترضى لنفسك، واعلم أن للاُمور أواخر فاحذر العواقب، وأن للاُمور بغتات فكن على حذر، وإِيّاك ومرتقى جبل سهل اذا كان المنحدر وعراً، ولا تعِدنّ أخاك وعداً ليس في يدك وفاؤه» (٣) قُل لي برّبك أيّ خِصالٍ هذه !! وكم حملنا على أمثالها ممّا يجعلنا في مصافّ الملائكة المقرّبين ؟ ولكن أين السامع.
ونهانا عن خِصالٍ بارتكابها الضعة والسقوط، فقالعليهالسلام : لا تمزح فيذهب نُورك، ولا تكذب فيذهب بهاؤك. وإِيّاك وخِصلتين : الضجر والكسل، فإنك إِن ضجرت لا تصبر على حق، وإِن كسلت لم تؤدّ حقاً.
وقالعليهالسلام : وكان المسيحعليهالسلام يقول : من كثر همّه سقم بدنه، ومن ساء خُلقه عذَّب نفسه، ومن كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر كذبه ذهب بهاؤه، ومن لاحى الرجال ذهبت مروَّته(٤) .
______________________
(١) الكافي، باب حسن الخلق.
(٢) الكافي، باب كظم الغيظ، وباب المكارم.
(٣) بحار الأنوار : ٧٨/٢٥٠/٩٤.
(٤) بحار الأنوار : ٧٨/١٩٩/٢٦.
وممّا أوصى به أصحابه قوله : تزاوروا فإن في زيارتكم إِحياءً لقلوبكم وذكراً لأحاديثنا، وأحاديثنا تعطف بعضكم على بعض، فإن أخذتم بها رشدتم ونجوتم، وإِن تركتموها ظللتم وهلكتم، فخذوا بها وأنا بنجاتكم زعيم(١) .
أقل : حقّاً إِن الرشد والنجاة بالتمسّك بأقوالهم، والضلال والهلاك بالصفح عن نصائحهم، لأنهم لم يدَعوا سبيلاً للإرشاد إِلا دلّوا عليه، ولا طريقاً للإضلال إِلا نهوا عنه.
وقالعليهالسلام : اجعلوا أمركم هذا للّه(٢) ولا تجعلوه للناس، فإنه ما كان للّه فهو للّه، وما كان للناس فلا يصعد الى السماء، ولا تخاصموا بدينكم، فإن المخاصمة ممرضة للقلب، إِن اللّه عزّ وجل قال لنبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ( إِنّك لا تهدي من أحببت ولكنّ اللّه يهدي من يشاء ) (٣) وقال( أفأنت تكره الناس حتّى يكونوا مؤمنين ) (٤) ذروا الناس فإن الناس قد أخذوا عن الناس وإِنكم أخذتم عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعن عليعليهالسلام ولا سواء، وأني سمعت أبي يقول : اذا كتب اللّه على عبد أن يدخله في هذا الأمر كان أسرع اليه من الطير الى وكره(٥) .
أقول : فكم كانت محاججات مبتنية على اُصول صحيحة يفحم بها أحد الجانبين فلا ينقلب عمّا كان عليه مع وضوح الحقّ لديه وتجلّي الحقيقة، وكم من مُلحد أو كافر اعتنق دين الاسلام بأقلّ دلالة، وأدنى سبب.
______________________
(١) الكافي، باب تذاكر الاخوان.
(٢) أحسبه يريد به ولاء أهل البيت.
(٣) القصص : ٥٦.
(٤) يونس : ٩٩.
(٥) الكافي، باب ترك دعاء الناس.
وقالعليهالسلام وهو يريد من أصحابه التوطين والنظر الى الأمر من بعيد : اصبروا على الدنيا فإنما هي ساعة، فما مضى منه فلا تجد له ألماً ولا سروراً، وما لم يجئ فلا تدري ما هو، وإِنما هي ساعتك التي أنت فيها، فاصبر فيها على طاعة اللّه، واصبر فيها عن معصية اللّه(١) .
أقول : إِن هذه الكلمة تصوّر لك حال المرء في هذه الحياة، لأن الماضي منسى حزناً كان أو سروراً، والآتي مجهول لا يُدرى، وإِنما المرء ابن ساعته، وصبر ساعة سهل، سواء كانت طاعة فيأتي بها، أو معصية فيصفح عنها، فالإنسان في كلّ ساعة هو لتلك الساعة، والى هذا أشار الشاعر بقوله :
ما مضى فات والمؤمّل غيب |
ولك الساعة التي أنت فيها |
وقالعليهالسلام : اجعل قلبك(٢) قريباً برّاً، وولداً مواصلاً، واجعل عملك والداً تتبعه، واجعل نفسك عدوّاً تجاهده، واجعل مالك عارية تردها(٣) .
وقالعليهالسلام : إِن قدرت ألا تُعرف فافعل، ما عليك ألا يثني عليك الناس، وما عليك أن تكون مذموماً عند الناس اذا كنت محموداً عند اللّه(٤) .
وقال يحثُّ على الدعاء : الدعاء يردّ القضاء ما ابرم ابراماً، فاكثر من الدعاء فإنه مفتاح كلّ رحمة، ونجاح كلّ حاجة، ولا ينال ما عند اللّه عزّ وجل إِلا بالدعاء، وأنه ليس باب يكثر قرعه إِلا ويوشك أن يُفتح لصاحبه(٥) .
______________________
(١) بحار الأنوار : ٧٨/٣١١.
(٢) أحسب أنه يريد من القلب ههنا - العقل - فإنه جاء ذلك كثيراً في الأحاديث.
(٣) البحار، في أحواله ج ١١.
(٤) بحار الأنوار : ٧٨/٢٢٤/٩٥.
(٥) الكافي، باب الدعاء يردّ البلاء والقضاء.
وقال، وما أشرفها كلمة : لا تطعنوا في عيوب من أقبل اليكم بمودَّته ولا توقفوه على سيّئة يخضع لها، فإنها ليست من أخلاق رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولا من أخلاق أوليائه(١) .
وقالعليهالسلام ، وما أنفعها كلمة : احسنوا النظر فيما لا يسعكم جهله وانصحوا لأنفسكم، وجاهدوا في طلب ما لا عُذر لكم في جهله، فإن لدين اللّه أركاناً لا تنفع من جهلها شدَّة اجتهاده في طلب ظاهر عبادته، ولا يضرّ من عرفها فدان بها حسن اقتصاده، ولا سبيل الى أحد الى ذلك إِلا بعون من اللّه عزّ وجلّ(٢) .
العِشرة :
كان من الجميل النافع أن نجمع وصاياه ومواعظه حسب الموضوعات. ولئن فاتنا ذلك كلّه فلا يفوتنا بعضه، فنحن ذاكرون الآن نبذاً في بعض الموضوعات ممّا هو في متناول أيدينا. ونبتدئ بالعِشرة.
لا شكّ أن الانسان من غريزته المحاكاة والتقليد لمعاشريه وأقرانه، فإن كانوا أخياراً اقتبس منهم محاسنهم، وإِن كانوا أشراراً انطبع بمساوئهم وذلك طبعاً في الأكثر الغالب من البشر، ولأجله وجّه إِمامنا نصيحته الى الناس فقالعليهالسلام :
إِيّاكم وعِشرة الملوك وأبناء الدنيا ففي ذلك ذهاب دينكم ويعقبكم نفاقاً، وذلك داء ردي لا شفاء له، ويورث قساوة القلب ويسلبكم الخشوع.
وعليكم بالإشكال من الناس(٣) والأوساط من الناس فعندهم تجدون
______________________
(١) روضة الكافي.
(٢) إرشاد الشيخ المفيد طاب ثراه، في أحوالهعليهالسلام : ص ٢١٣.
(٣) أحسبه يريد بالإشكال الأمثال أي عليكم بأمثالكم من الناس دون الأعلون.
معادن الجواهر، وإِيّاكم أن تمدُّوا أطرافكم الى ما في أيدي أبناء الدنيا، فمن مدَّ طرفه الى ذلك طال حُزنه ولم يشفِ غيظه واستصغر نعمة اللّه عنده، فيقلّ شكره للّه، وانظر الى من هو دونك فتكون لأنعم اللّه شاكراً، ولمزيده مستوجباً، ولجوده ساكناً (١) .
الاستباق الى الخيرات :
إن تهيئة العمل الصالح فرصة لا ينبغي إِضاعتها، ولربّما كانوا تقويتها مدعاة للندم، وشؤون الحياة كلّها فُرص تمرُّ ليس في أيدينا إِعادتها، لأن آلاف الأسباب المهيّئة لظرف العمل اكثرها خارج عن قدرتنا وإِرادتنا، ولكن حثَّ أبو عبد اللّهعليهالسلام على انتهاز مثل هذه الفرص السوانح فقال :
«إِذا هممت بشيء من الخير فلا تؤخّره، فإن اللّه عزّ وجلّ ربّما اطّلَعَ على العبد وهو على شيء من الطاعة فيقول : وعزّتي وجلالي لا اُعذّبك بعدها أبداً» والكمات الواردة عنه في ذلك كثيرة.
وكما حَثَّ على المسارعة الى الخير عند العزيمة عليه نهى عن امضاء العزيمة اذا كانت في المعصية فقالعليهالسلام :
«واذا هممت بسيّئة فلا تعملها فإنه ربّما اطّلع على العبد وهو على شيء من المعصية فيقول : وعزّتي وجلالي لا أغفر لك بعدها أبداً» (٢) .
ووصاياه في مثل ذلك لا يحيط بها الحصر.
______________________
(١) كتاب زيد النرسي، وهو من الاصول المعتبرة، وما يزال مخطوطاً.
(٢) وسائل الشيعة : ١/١٨.
التفقّه في الدين
إِن التفقّه في الدين طريق لعبادته تعالى، وبه الاحتفاظ بنظام الشريعة الاسلاميّة وقوانينها، بل الدين الاسلامي إِنما يقوم ويدوم بفقهاء شريعته العالمين بأحكامه المناضلين عنه، ومن ههنا جاء عن الصادقعليهالسلام حديث جمّ عن التفقّه وقد سلف في (١ - ١٤٣) شيء من ذلك ونضيف هنا أحاديث اُخرى، قالعليهالسلام :
«العامل على غير بصيرة كالساير على السراب بقيعة لا يزيده سرعة سيره إِلا بُعداً» وقال :«لا خير فيمن لا يتفقّه من أصحابنا» وعنه«لا يسع الناس حتّى يسألوا ويتفقّهوا» (١) وقالعليهالسلام :«اذا أراد اللّه بعبد خيراً فقّهه في الدين» وقال :«الكمال كلّ الكمال : التفقّه في الدين، والصبر على النائبة، وتقدير المعيشة» (٢) .
ولعظم خطر الفقاهة وأثرها في الدين الاسلامي قالعليهالسلام عن شأن الفقيه وموته :«ما من أحد يموت من المؤمنين أحبّ إلى ابليس من موت فقيه» وعنه :«اذا مات المؤمن الفقيه ثلم في الاسلام ثلمة لا يسدّها شيء» (٣) .
______________________
(١) بحار الأنوار : ١/٢٢١/٦١.
(٢) الكافي، باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء.
(٣) بحار الأنوار : ١/٢٢٠/٥٦.
النِّعم وشكرها
ومن وصاياه في النِّعم والمحافظة عليها ابقاءً لها قولهعليهالسلام : احسنوا جوار النِّعم واحذروا أن تنتقل عنكم الى غيركم، أما أنها لم تنتقل عن أحد قط فكادت ترجع اليه، وكان أمير المؤمنينعليهالسلام يقول :«قلَّما أدبر شيء فأقبل» (١) .
وعلَّمهم كيف يحافظون على النِعم فقال لسدير الصيرفي : ما كثر مال رجل قط إِلا عظمت الحجّة للّه تعالى عليه، فإن قدرتم أن تدفعوها فافعلوا، فقال : يا ابن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بماذا ؟ قالعليهالسلام : بقضاء حوائج اخوانكم من أموالكم، ثمّ قال : تلقّوا النِّعم يا سدير بحسن مجاورتها، واشكروا من أنعم عليكم، وأنعموا على مَن شكركم، فإنكم اذا كنتم كذلك استوجبتم من اللّه الزيادة ومن إخوانكم المناصحة. ثمّ تلا قوله :«ولئن شكرتم لأزيدنكم» (٢) .
ومن طُرق الشكر أن يتظاهر العبد بما أفاض المولى سبحانه عليه من سوابغ النعِم، ومن ثمّ تجد الامام المرشد أبا عبد اللّهعليهالسلام يلفتنا الى هذه الخِلّة الحميدة فيقول : إِن اللّه يحبّ الجمال والتجمُّل، ويكره البؤس والتباؤس، فان اللّه عزّ وجلّ اذا أنعم على عبد نعمة أحبّ أن يرى عليه أثرها، قيل : وكيف ذلك ؟ قالعليهالسلام : ينظف ثوبه، ويطيب ريحه، ويكنس افنيته، ويجصّص داره حتّى أن السراج قبل مغيب الشمس ينفي الفقر، ويزيد في الرزق(٣) .
هذه بعض تلك الطرق التي هي مظهر للشكر ولإظهار النعم وفسّروا التحدّث بالنِّعم«وأما بنعمة ربّك فحدّث» بما أشار اليه الإمام وبأمثاله.
______________________
(١) مجالس الشيخ الطوسي المجلس /٩.
(٢) مجالس الشيخ الطوسي، المجلس / ١١، والآية ٧ من سورة إِبراهيم.
(٣) مجالس الشيخ الطوسي، المجلس /١٠.
حُسن الصحبة
ليس حُسن الصحبة أمراً يأتيك عفواً دون ترويض النفس وكبح جماحها، لأنها كثيراً ما تتطلّب منك التنازل لصاحبك عن بعض رغائبك وشهواتك، وإِيثاره ببعض ما عندك، ولذا قال أبو عبد اللّهعليهالسلام :
«وطّن نفسك على حُسن الصحابة لمن صحبت» .
ولمّا كان حُسن الصُّحبة كثير المسالك، وقد يجهل المرء أفضلها سلوكاً، علّمنا كيف نحسن صُحبة من نصحب، فقالعليهالسلام : حسِّن خلقك، وكفّ لسانك، واكظم غيظك، وأقل لغوك، وتغرس عفوك، وتسخو نفسك(١) .
بل أراد أن نجعل حُسن الصحبة شعاراً دائميّاً، مع كلّ من نصحبه فقال : يا شيعة آل محمّد ليس منّا من لم يملك نفسه عند غضبه، ومن لم يحسن صُحبة من صحبه(٢) . الى كثير من أمثال هذا.
وألزم بالتحرّي عن الصاحب بعد فراقه ومعرفة شأنه وحاله فقال للمفضّل بن عمر بعدما دخل عليه من سفر : مَن صَحبك ؟ فقال : رجل من اخواني، قال : فما فعل ؟ قال : منذ دخلت لم أعرف مكانه، فقال له : أما علمت أن مَن صحب مؤمناً أربعين خطوة سأله اللّه عنه يوم القيامة(٣) .
______________________
(١) الوسائل : ٨/٤٠٢/٢.
(٢) نفس المصدر : ٨/٤٠٢/٣.
(٣) الوسائل : ٨/٤٠٣/٨.
الصحبة في السفر
إن للسفر آداباً خاصّة لا تضارعها الآداب في الحضر وقد تجد عند أوّل نظرة أن من الفتوّة وشرف النفس وعلوّ الهمّة بل حُسن الصحبة أن تتوسّع في النفقة والإطعام بما يربو على رفاقك، ولكن الصادقعليهالسلام ينهى عن ذلك في السفر، لأنه تكليف للرفيق بما لا يقدر عليه إن أراد المباراة أو إِذلال له إِن أمسك عن المجاراة، وليس من الأدب وجميل العِشرة أن تكلّف رفيقك أو تذلّه، فيقول لشهاب بن عبد ربّه(١) : لا تفعل يا شهاب إِن بسطت وبسطوا أجحفت بهم، وإِن هم أمسكوا أذللتهم، فاصحب نظراءك، اصحب نظراءك.
هذا بعد أن قال شهاب للإمام : قد عرفت حالي وسعة يدي وتوسيعي على إخواني، فأصحب النفر منهم في طريق مكّة فأوسع عليهم(٢) .
أقول : وكما يذلّ المرء سواه اذا ربا عليه بالإنفاق، يذلّ نفسه اذا ربا عليه غيره، وكما نهى الإمام في الأوّل عن صحبة الأضعف حالاً، نهى في الثاني عن صُحبة الأقدر مالاً، فقال لأبي بصير : ما احبّ أن يذلّ نفسه، ليخرج مع مَن هو مثله.
وهذا بعد أن سأله أبو بصير عن الرجل يخرج مع القوم المياسير، وهو أقلّهم شيئاً فيخرج القوم النفقة، ولا يقدر هو أن يخرج مثلما أخرجوا.
وقال لهشام بن الحكم وقد سأله عن مثل ذلك : «إِصحب مثلك»(٣) فالإمام قد جعل المحور في الحالين صحبة النظير، لئلا يذلّ غيره أو يذلّ نفسه، وهذه إِحدى حكمه البليغة، ورغباته في حُسن الأدب للناس.
______________________
(١) الكوفي وهو من أصحاب الصادقعليهالسلام وثقات الرواة، وروى عنه الثقات أمثال ابن أبي عمير.
(٢) الوسائل، باب أنه يستحب للمسافر أن يصحب نظيره : ٨/٣٠٢/١.
(٣) المصدر السابق : ٨/٣٠٣/٥.
حُسن الجوار
مِن أدب المرء ورجحان نهاه حُسن الجوار، وهو خُلق فاضل يدعو اليه العقل، وكانت العرب تتفاخر فيه وتناضل عن الجار ما استطاعت، وقد أقرَّ الاسلام تلك السجيّة النبيلة، وزاد في تقديرها والحثّ عليها، فكانت وصايا النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم متوالية فيه، حتّى قال أمير المؤمنينعليهالسلام : ما زال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوصينا بالجار حتّى ظننا أنه سيورّثه.
وعلى هذا المنوال نسج بنوه فقال صادقهمعليهالسلام في وصيّة له : عليكم بتقوى اللّه - إِلى أن قال - وحُسن الخُلق وحُسن الجوار(١) .
وتكرّرت منه هذه الوصيّة في عدَّة مواطن حتّى عَيّر تاركيه، فقالعليهالسلام : أما يستحي الرجل منكم أن يعرف جارُه حقّه ولا يعرف حقّ جاره(٢) .
بل أخرج عنهم من لم يُحسن مجاورة جاره، فقالعليهالسلام من حديث : وليس منّا من لم يُحسن مجاورة من جاوره(٣) .
قبول النصح
إِن رجاحة عقل الفتى تُعرف بالإصغاء للنُّصح، والأخذ بقول الناصح، لأن الجاهل تأخذه الحميّة فلا يستمع للنُّصح، ظنّاً منه أن الناصح يكشف له عن عيوبه، ولا يرضى الجاهل أن يقف على نقص في نفسه، وقد فاته أن انكشاف عيوبه لديه يحثّه على سترها بالإصلاح، ولذا قال الصادقعليهالسلام - تعليماً لنا وإِلا فهو المنزَّه عن النقص - :
أحبّ اخواني إِليّ من أهدى إِليّ عيوبي (٤) .
______________________
(١) الوسائل، باب وجوب عشرة الناس : ١١/١٥٦/٨.
(٢) المصدر السابق : ٨/٣٩٩/٤.
(٣) الوسائل، باب استحباب حسن المعاشرة : ٨/٤٨٩/٥.
(٤) الوسائل، باب استحباب قبول النصح : ٨/٤١٣/٢.
أقول : وكيف لا يكون أحبّهم اليه، وهو يريد به أن يتخلّى عن الرذيلة ويتحلّى بالفضيلة، والحُسن تلك الخِلّة من الأخ جعل ذلك الكشف عن العيوب هديّة، وهذه هي الغاية القصوى بالترغيب في هذه الخلّة للاخوان وتبادلها بينهم.
وقد جعل قبول النُّصح للمؤمن أمراً لا غنى عنه، فقالعليهالسلام : لا يستغني المؤمن عن خِصلة به، والحاجة الى ثلاث خِصال : توفيق من اللّه عزّ وجلّ، وواعظ من نفسه، وقبول من ينصحه(١) .
المشاورة
إِن مَن يشاور ذوي البصائر تتجلّى له أوجه المداخل والمخارج، وينكشف له الحجاب عن سُبُل النجاح، وينحاد عن مزالق الأخطار، وقد كشف لنا أبو عبد اللّهعليهالسلام عن هذه الحقيقة فقال :«لن يهلك امرؤ عن مشورة» (٢) وأرشدنا الى المستشار في الغوامض من العوارض فقال :«ما يمنع أحدكم اذا ورد عليه ما لا قِبل له به أن يستشير رجلاً عاقلاً له دين وورع» (٣) .
وزاد في شروط الاستشارة والمستشار فقالعليهالسلام : إِن المشورة لا تكون إِلا بحدودها فمن عرفها بحدودها وإِلا كانت مضرَّتها على المستشير اكثر من منفعتها، فأوّلها أن يكون الذي تشاوره عاقلاً، والثانية أن يكون حُرّاً متديّناً، والثالثة أن يكون صديقاً مواخياً، والرابعة أن تطلعه على سرّك فيكون علمه به كعلمك بنفسك، ثمَّ يسرّ لك ويكتمه، فإنه اذا كان عاقلاً انتفعت بمشورته،
______________________
(١) الوسائل : ٨/٤١٣/٣.
(٢) الوسائل، باب استحباب مشاورة أهل الرأي ٨/٤٢٤/٤.
(٣) نفس المصدر، باب استحباب مشاورة التقيّ العاقل الورع : ٨/٤٢٦/٧.
واذا كان حُرّاً متديّناً أجهد في النصيحة لك، واذا كان صديقاً مواخياً كتم سرّك اذا اطلعته عليه، واذا اطلعته على سرّك فكان علمه به كعلمك به، تمّت المشورة، وكملت النصيحة(١) .
وحذَّرعليهالسلام من مخالفة المستشار اذا كان جامعاً للشروط فقال : استشر العاقل من الرجال الورع، فإنه لا يأمر إِلا بخير، وإِيّاك والخلاف فإن مخالفة الورع العاقل مفسدة في الدين والدنيا(٢) .
وألزم المستشار بالنصح وحذَّره المغبّة إِن لم ينصح فقالعليهالسلام : من استشار أخاه فلم ينصحه محض الرأي سلبه اللّه عزّ وجلّ رأيه(٣) .
وهذه طُرف ممّا اتحف به المستشير والمستشار، اكتفينا بها عن الكثير من كلامه في هذا الباب.
الإكثار من الاخوان
إِن المرء كثير بأخيه، لأنه عون في النوائب، ومُواسٍ في البأساء وأنيسٌ في الوحشة، وأليفٌ في الغربة، ومُشيرٌ عند الحيرة، ومسدّد عند السقطة، حافظْ عند الغيبة، الى ما يعجز القلم عن العدّ لفوائده، ولهذا أمر الصادقعليهالسلام بالإكثار منهم، وأشار الى الجدوى من اتخاذهم، فقالعليهالسلام :
اكثر من الأصدقاء في الدنيا فإنهم ينفعون في الدنيا والآخرة، أمّا الدنيا فحوائج يقومون بها، وأمّا الآخرة فإن أهل جهنم قالوا : فما لنا من شافعين ولا صديق حميم(٤) .
______________________
(١) الوسائل : ٨/٤٢٦/٨.
(٢) الوسائل : ٨/٤٢٦/٥.
(٣) الوسائل، باب وجوب نصح المستشير ٨/٤٢٧/٢.
(٤) الوسائل، باب استفادة الاخوان والأصدقاء : ٨/٤٠٧/٥.
ولعلّ قصدهعليهالسلام من النفع في الآخرة أن الصديق في اللّه صاحب العقل والدين لا يرشد صديقه إِلا إِلى صالح الدارين، فيستنقذه بالهداية والنُّصح من العطب، وأيّ نفع في الآخرة اكبر من هذا.
أو لأنه يستفيد من دعائه لاُخراه كما قال في حديث آخر : استكثروا من الاخوان فإن لكلّ مؤمن دعوة مستجابة.
أو لأنه يستشفع به كما قالعليهالسلام : استكثروا من الاخوان فإن لكلّ مؤمن شفاعة، وقالعليهالسلام : اكثروا من مؤاخاة المؤمنين فإن لهم عند اللّه يداً يكافيهم بها يوم القيامة(١) .
بل إِن الأخ المؤمن جدير بأن يجمع هذه الخلال كلّها في هذه الدانية وتلك الباقية.
الإغضاء عن الاخوان
إِن العصمة لا تكون في البشر كلّهم، فمَن الذي لا يخطأ ولا يسهو ولا يغفل ولا ينسى، فيستحيل أن تظفر بصديقٍ خالٍ من عيب أو رفيقٍ منزَّه عن سقطة، فمَن أراد الاكثار من الأصدقاء لا بدّ له من أن يتغاضى عن عيوبهم ويتغافل عن مساوئهم ومن هنا قالعليهالسلام : وأنّى لك بأخيك كلّه أيّ الرجال المهذب(٢) وقال : من لم يواخ من لا عيب فيه قلّ صديقه(٣) .
واذا أراد المرء بقاء المودّة من أخيه فلا يستقص عليه كما قالعليهالسلام :
______________________
(١) الوسائل : ٨/٤٠٨/٧.
(٢) الوسائل، باب استحباب الإغضاء عن الاخوان : ٨/٤٥٨/١.
(٣) بحار الأنوار : ٧٨/٢٧٨.
الاستقصاء فرقة(١) وكما قال : لا تفتّش الناس فتبقى بلا صديق(٢) .
بل يجب على ذي الخبرة والتجارب أن يقنع من أخيه بما دون ذلك إِبقاءً للودّ، كما قالعليهالسلام : ليس من الإنصاف مطالبة الاخوان بالإنصاف، ومَن لم يرض من صديقه إِلا بإيثاره على نفسه دام سخطه(٣) .
نعم إِن العتاب لا يخدش في بقاء الاُلفة والوداد، بل ربّما جلا درَن الصدور، وأزاح الحقد الكامن في القلوب، إِلا أن يكثر فينعكس الحال فلذلك قالعليهالسلام : من كثر تعتيبه قلّ صديقه، وقال : ومن عاتب على كلّ ذنب دام تعتيبه(٤) .
حقوق الاخوان
إِن للاخوان حقوقاً جمّة يفوت حصرها، ولا نريد الاستقصاء لما جاء عنها في هذا الصدد، ولكن نذكر حديثاً واحداً فحسب، وبه الكفاية لو عمل به الأخ في شأن أخيه، قال للمعلّى بن خنيس بعد أن ذكر أن له سبع حقوق : أيسر حقّ منها : أن تحبّ له ما تحبّ لنفسك وتكره له ما تكره لنفسك، والحقّ الثاني : أن تجتنب سخطه، وتتّبع مرضاته، وتطيع أمره، والحقّ الثالث : أن تعينه بنفسك ومالك ولسانك ويدك ورجلك، والحقّ الرابع، أن تكون عينه ودليله ومرآته، والحقّ الخامس، ألا تشبع ويجوع، ولا تروى ويظمأ، ولا تلبس ويعرى، والحقّ السادس : أن يكون لك خادم وليس لأخيك خادم فواجب أن
______________________
(١) بحار الأنوار : ٧٨/٢٥٣/١٠٩.
(٢) الوسائل، باب استحباب الاغضاء عن الإخوان : ٨/٤٥٨/٢.
(٣) نفس المصدر : ٨/٤٥٨/٣.
(٤) بحار الأنوار : ٧٨/٢٧٨.
تبعث خادمك فتغسل ثيابه وتصنع طعامه وتمهد فراشه، والحقّ السابع : أن تبرّ قسَمَه، وتجيب دعوته، وتعود مريضه، وتشهد جنازته، وإِذا علمت أنّ له حاجة تبادر إِلى قضائها، ولا تلجئه الى أن يسألكها، ولكن تبادره مبادرة، فاذا فعلت ذلك وصلت ولايتك بولايته، وولايته بولايتك(١) .
أقول : وأنّى لنا بالقيام بهذه الحقوق، ولئن كنّا قادرين على أدائها وعلى العمل بها فإن النفوس لأمّارة بالسوء، وحبّ الذات والأنانيّة تحول دون الشعور بمثل هذه الفضائل فضلاً عن فعلها.
مواساة الاخوان
ذكرنا في العنوان السالف حقوق الاخوان ومنها المواساة، غير أنه جاء لها ذكر خاصّ في أحاديثه فقالعليهالسلام : انظر ما أصبت فعد به على اخوانك(٢) وقالعليهالسلام : تقرّبوا الى اللّه بمواساة إخوانكم(٣) .
ولمّا كانت المواساة شديدة على النفوس جدّاً قال أبو عبد اللّهعليهالسلام : وإِن من أشدّ ما افترض اللّه على خلقه ثلاثاً : إِنصاف المؤمنين من نفسه حتّى لا يرضى لأخيه المؤمن من نفسه إِلا بما يرضى لنفسه، ومواساة الأخ المؤمن في المال، وذكر اللّه على كلّ حال، وليس سبحان اللّه والحمد للّه، ولكن عندما حرّم اللّه عليه فيدعه(٤) .
أقول : وحقاً أن تكون هذه الثلاث من أشقّ الأعمال على المرء، لأنها تصادم أشدّ الغرائز والشهوات النفسيّة صرامة وقوّة، من نحو حبّ الذات وحبّ المال والاستعلاء، ولعظم الانصاف والمواساة جعلهما من الفرائض تنزيلاً، وإِن كانا ليسا من الفرض حقيقة.
______________________
(١) الوسائل، باب وجوب اداء حقّ المؤمن ٨/٥٤٤/٧.
(٢) الوسائل، باب استحباب مواساة الاخوان : ٨/٤١٥/٤.
(٣) خصال الصدوق طاب ثراه، باب الواحد.
(٤) الوسائل، باب استحباب مواساة الاخوان ٨/٤١٥/٥.
البرّ بالإخوان
إِن البرّ غصن من دوحة المواساة، وقد جاء عن الصادقعليهالسلام الحثّ الكثير عليه فقال في وصيّته لجميل بن درّاج : ومن خالص الايمان البرّ بالإخوان، والسعي في حوائجهم، وأن البارّ بالإخوان ليحبّه الرحمن - الى أن يقول - يا جميل اخبر بهذا غرر أصحابك، قال : قلت : جعلت فداك ومَن غرر أصحابي ؟ قال : هم البارّون بالإخوان في العسر واليسر(١) .
ويقول في وصيّة لعبد اللّه بن جندب السالفة : أما أنه ما يعبد اللّه بمثل نقل الأقدام الى برّ الإخوان.
ولعظم البرّ بالإخوان عند اللّه تعالى يجهد الشيطان في الحيلولة دونه، قالعليهالسلام في هذه الوصيّة : يا ابن جندب إِن للشيطان مصائد يصطاد بها فتحاموا شباكه ومصائده، قال : يا ابن رسول اللّه وما هي ؟ قال : أمّا مصائده فصدّ عن برّ الاخوان.
وما اكثر ما جاء عنه في برّ الإخوان والحثّ عليه وبما ذكرناه كفاية.
صدق الحديث وأداء الأمانة
كان أبو عبد اللّهعليهالسلام يوصي مَن دخل عليه من أصحابه ومن فارقه بصدق الحديث وأداء الأمانة، وقد سبق بعضه.
______________________
(١) الوسائل، باب استحباب البرّ بالإخوان.
وهاتان الخِلّتان وإِن كانتا من أفضل الصفات بذاتيهما إِلا أن لهما أثراً في الدين جليّاً، وهو المحبوبيّة في النفوس وكثرة التعامل وثقة الناس به وفي ذلك الغنى والثروة، ونذكر لذلك حادثة واحدة وكفى.
قالعليهالسلام لعبد الرحمن بن سيابة وقد دخل على الصادق بعد موت أبيه وهو شاب : ألا اوصيك ؟ فقال : بلى جعلت فداك، قال : عليك بصدق الحديث وأداء الأمانة تشرك الناس في أموالهم هكذا - وجمع بين أصابعه - قال : فحفظت الحديث فزكّيت ثلاثمائة الف درهم(١) .
أقول : وهذا آخر ما أردت جمعه من وصايا الصادق ونصائحه في شتّى الشؤون التي أرادها لسعادة الناس في الدارين، وفوزهم في الحياتين.
______________________
(١) بحار الأنوار : ٤٧/٣٨٤/١٠٧.
٤ - حِكَمُه
إِن لهعليهالسلام من طرائف الحِكم وشوارد الكلمات ما يسمو بالنفوس الخيّرة الى صفوف الملائكة ويجلب الناس الى الفضيلة والسعادة وذلك لمن عمل بها وتدبّرها، وقد جمعت شطراً منها مجاهداً في الجمع والانتقاء، قالعليهالسلام :
١ : العقل ما عُبد به الرحمن واكتسب به الجنان.
٢ : إِن الثواب على قدر العقل.
٣ : أكمل الناس عقلاً أحسنهم خُلقاً.
٤ : دعامة الإنسان العقل.
٥ : العقل دليل المؤمن(١) .
٦ : كمال العقل في ثلاث : التواضع للّه، وحُسن اليقين، والصمت إِلا من خير.
٧ : الجهل في ثلاث : الكبر، وشدَّة المراء(٢) والجهل باللّه.
٨ : أفضل طبايع العقل العبادة، وأوثق الحديث له العلم، وأجزل حظوظه
______________________
(١) الكافي، باب العقل.
(٢) الجدال.
الحكمة(١) .
٩ : كثرة النظر في العلم يفتح العقل(٢) .
١٠ : العلم جنّة، والصدق عزّ، والجهل ذلّ، والفهم مجد، والجواد نجح، وحُسن الخُلق مجلبة للمودّة، والعالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس، والحزم مساءة الظن.
١١ : إِن شئت أن تكرَم(٣) فلِن، وإِن شئت أن تُهان فاخشن.
١٢ : من كرم أصله لان قلبه، ومن خشن عنصره غلظ كبده.
١٣ : من فرّط تورّط، ومَن خاف العاقبة تثبّت عن الدخول فيما لا يعلم.
١٤ : من هجم على أمر بغير علم جدع أنف نفسه(٤) .
١٥ : العلماء اُمناء، والأتقياء حصون، والأوصياء سادة(٥) .
١٦ : إِن هذا العلم عليه قفل ومفتاحه المسألة(٦) .
١٧ : العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق، لا يزيده سرعة السير إِلا بُعداً.
١٨ : لا يقبل اللّه عملاً إِلا بمعرفة، ولا معرفة إِلا بعمل، فمن عرف دلّته المعرفة على العمل، ومن لم يعمل فلا معرفة له، ألا إِن الايمان بعضه من بعض.
١٩ : لا يتمّ المعروف إِلا بثلاثة : بتعجيله، وتصغيره، وستره(٧) .
______________________
(١) بحار الأنوار : ١/١٣١/٢٤.
(٢) بحار الأنوار : ١/١٥٩/٣٢.
(٣) بالبناء للمفعول.
(٤) الكافي، باب العقل.
(٥) الكافي، باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء.
(٦) الكافي، باب سؤال العلم وتذاكره.
(٧) حلية الأولياء، عن سفيان الثوري : ٣/١٩٨.
٢٠ : ما كلّ من رأى شيئاً قدر عليه، ولا كلّ من قدر على شيء وفّق له، ولا كلّ من وفّق له أصاب موضعاً، فإذا اجتمعت النيّة والمقدرة والتوفيق والإصابة فهناك السعادة.
٢١ : أربعة أشياء القليل منها كثير : النار، والعداوة، والفقر، والمرض.
٢٢ : صحبة عشرين يوماً قرابة.
٢٣ : من لم يستحِ عند الغيب، ويرعوِ عند الشيب، ويخش اللّه بظهر الغيب فلا خير فيه.
٢٤ : من اكرمك فاكرمه، ومن استخفّ بك فأكرم نفسك عنه.
٢٥ : منع الجود سوء ظنّ بالمعبود.
٢٦ : إِن عيال المرء اُسراؤه، فمن اُنعم عليه فليوسّع على اُسرائه، فإن لم يفعل يوشك أن تزول تلك النعمة عنه.
٢٧ : ثلاثة لا يزيد اللّه بها الرجل المسلم إِلا عزّاً : الصفح عمّن ظلمه، والإعطاء لمن حرمه، والصلة لمن قطعه.
٢٨ : المؤمن إِذا غضب لم يخرجه غضبه عن حقّ، وإِذا رضي لم يدخله رضاه في باطل.
٢٩ : للصداقة خمسة شروط، فمن كانت فيه فانسبوه اليها، ومن لمن تكن فيه فلا تنسبوه الى شيء منها، وهي أن يكون زين صديقه زينه، وسريرته له كعلانيّته، وألا يغيره عليه مال، وأن يراه أهلاً لجميع مودّته، ولا يسلمه عند النكبات(١) .
٣٠ : أربع لا ينبغي لشريف أن يأنف منها : قيامه من مجلسه لأبيه،
______________________
(١) نور الأبصار، للشبلنجي : ١٤١.
وخدمته لضيفه، وقيامه لدابّته ولو أن له مائة عبد، وخدمته لمن يتعلّم منه.
٣١ : العلماء اُمناء الرُسل ما لم يأتوا أبواب السلاطين(١) .
٣٢ : وكان يتردّد عليه رجل من أهل السواد فانقطع عنه، فسأل عنه، فقال بعض القوم : إِنّه نبطي، يريد أن يضع منه، فقالعليهالسلام : أصل الرجل عقله، وحسبه دينه، وكرمه تقواه، والناس في آدم مستوون(٢) .
٣٣ : المكارم عشر، فإن استطعت أن تكون فيك فلتكن فإنها تكون في الرجل ولا تكون في ولده، وتكون في الولد ولا تكون في أبيه، وتكون في العبد ولا تكون في الحر قيل : وما هي ؟ قالعليهالسلام : صِدق الناس، وصدق اللسان، وأداء الأمانة، وصِلة الرحم، وإقراء الضيف، وإِطعام السائل، والمكافاة على الصنائع، والتذمّم للجار، والتذمّم للصاحب، ورأسهنّ الحياء(٣) .
٣٤ : من صحّة يقين المرء المسلم ألا يُرضي الناس بسخط اللّه، ولا يلومهم على ما لم يؤته اللّه، فإن الرزق لا يسوقه حرص حريص، ولا يردّه كراهة كاره، ولو أن أحدكم فرّ من رزقه كما يفرُّ من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت.
٣٥ : إِن اللّه بعدله وقسطه جعل الروح والراحة في اليقين والرضا، وجعل الهمّ والحزن في الشكّ والسخط(٤) .
٣٦ : رأس طاعة اللّه الصبر والرضا عن اللّه فيما أحبّ اللّه للعبد أو كره، ولا يرضى عبد عن اللّه فيما أحبّ أو كره، إِلا كان له خيراً فيما أحبّ أو كره.
______________________
(١) لواقح الأنوار، للشعراني : ١/٢٨.
(٢) تذكرة الخواص، لسبط ابن الجوزي : ٣٤٣.
(٣) الكافي، باب المكارم.
(٤) الكافي، باب فضل اليقين.
٣٧ : إِن أعلم الناس باللّه أرضاهم لقضاء اللّه(١) .
٣٨ : لا تغتبّ فتُغتب(٢) ، ولا تحفر لأخيك حُفرة فتقع فيها، فإنك كما تَدين تُدان(٣) .
٣٩ : إِيّاكم والمزاح فإنه يذهب بماء الوجه ومهابة الرجال.
٤٠ : لا تمار فيذهب بهاؤك، ولا تمزح فيُجترأ عليك(٤) .
٤١ : إِيّاكم والمشارَّة(٥) فإنها تورث المعرَّة(٦) وتظهر العورة(٧) .
٤٢ : من لم يستحِ من طلب الحلال خفّت مؤونته، ونعِم أهله(٨) .
٤٣ : عجبت لمن يبخل بالدنيا وهي مقبلة عليه، أو يبخل عليها وهي مُدبرة عنه، فلا الإنفاق مع الاقبال يضرّه، ولا الإمساك مع الإدبار ينفعه(٩) .
٤٤ : المسجون من سجنته دنياه عن آخرته(١٠) .
٤٥ : لا تشعروا قلوبكم الاشتغال بما قد فات، فتشغلوا أذهانكم عن الاستعداد لما لم يأت(١١) .
٤٦ : استنزلوا الرزق بالصدقة، وحصّنوا أموالكم بالزكاة، وما عال من
______________________
(١) الكافي، باب الرضا بالقضاء.
(٢) الفعل الأول بالبناء للفاعل، والثاني للمفعول.
(٣) مجالس الصدوق، المجلس /٦٥.
(٤) الكافي، باب الدعابة والضحك.
(٥) المخاصمة.
(٦) الأمر القبيح المكروه.
(٧) الكافي، باب المماراة والخصومة والمعاداة.
(٨) مجالس الشيخ الطوسي، المجلس /٤٢.
(٩) مجالس الصدوق، المجلس /٣٢.
(١٠) إرشاد الشيخ المفيد طاب ثراه، في أحوالهعليهالسلام .
(١١) الكافي، باب حبّ الدنيا والحرص عليها.
اقتصد، والتدبير نصف المعيشة، والتودّد نصف العقل، وقلّة العيال أحد اليسارين، ومن أحزن والديه فقد عقّهما، والصنيعة لا تكون صنيعة إِلا عند ذي حسب ودين، واللّه تعالى منزل الصبر على قدر المصيبة، ومنزل الرزق على قدر المؤونة، ومن قدر معيشته رزقه اللّه تعالى، ومن بذر معيشته حرمه اللّه تعالى(١) .
أقول : وبعض هذه الفقرات منسوبة الى أمير المؤمنين في نهج البلاغة ولعلّ الصادقعليهالسلام ذكرها استشهاداً.
٤٧ : أغنى الغنى من لم يكن للحرص أسيراً(٢) .
٤٨ : لا شيء أحسن من الصمت، ولا عدوّ أضرّ من الجهل، ولا داء أدوى من الكذب(٣) .
٤٩ : ثلاثة لا يضرّ معهنّ شيء : الدعاء عند الكرب، والاستغفار عند الذنب، والشكر عند النعمة(٤) .
٥٠ : المؤمن مألوف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف(٥) .
٥١ : قيل : ما حدّ حُسن الخُلق ؟ فقالعليهالسلام : تلين جناحك، وتطيب كلامك، وتلقى أخاك ببشر.
٥٢ : مَن صدق لسانه زكا عمله، ومَن حسنت نيّته زِيدَ في رزقه، ومَن حَسن برّه بأهل بيته مُدَّ له في عمره(٦) .
______________________
(١) حلية الأولياء : ٣/١٩٤.
(٢) الكافي، باب حبّ الدنيا والحرص عليها.
(٣) حلية الأولياء : ٣/١٦٩.
(٤) الكافي، باب الشكر.
(٥) الكافي، باب حسن الخلق.
(٦) الكافي، باب الصدق وأداء الامانة.
٥٣ : الحياء من الايمان.
٥٤ : من رقّ وجهه رقّ علمه.
٥٥ : لا إِيمان لمن لا حياء له(١) .
٥٦ : ثلاث من مكارم الدنيا والآخرة : تعفو عمّن ظلمك، وتصل من قطعك، وتحلم اذا جهل عليك(٢) .
٥٧ : أيّما أهل بيت اعطوا حظّهم من الرفق فقد وسّع اللّه عليهم في الرزق، والرفق في تقدير المعيشة خير من السعة في المال، والرفق لا يعجز عنه شيء، والتبذير لا يبقى معه شيء، إِن اللّه عزّ وجلّ رفيق يحبّ الرفق.
٥٨ : من كان رفيقاً في أمره نال ما يريد من الناس(٣) .
٥٩ : من قنع بما رزقه اللّه فهو أغنى الناس.
٦٠ : وشكا اليه رجل أنه يطلب فيصيب ولا يقنع، وتنازعه نفسه الى ما هو اكثر منه، وقال : علّمني شيئاً أنتفع به، فقال أبو عبد اللّهعليهالسلام : إِن كان ما يكفيك يغنيك فأدنى ما فيها يغنيك، وإِن كان ما يكفيك لا يغنيك فكلّ ما فيها لا يغنيك(٤) .
٦١ : العدل أحلى من الماء يصيبه الظمآن.
٦٢ : ما أوسع العدل وإِن قلّ.
٦٣ : من أنصف الناس من نفسه رضي به حكماً لغيره(٥) .
______________________
(١) الكافي، باب الحياء.
(٢) الكافي، باب العفو.
(٣) الكافي، باب الرفق.
(٤) الكافي، باب القناعة.
(٥) الكافي، باب الانصاف والعدل.
٦٤ : شرف المؤمن قيام الليل، وعزّه استغناؤه عن الناس.
٦٥ : طلب الحوائج الى الناس استلاب للعزّ ومذهبة للحياء، واليأس ممّا في أيدي الناس عزّ للمؤمن في دينه، والطمع هو الفقر الحاضر(١) .
٦٦ : صِلة الأرحام تحسن الخُلق، وتطيب النفس، وتزيد في الرزق وتنسئ في الأجل(٢) .
٦٧ : كفى بالحلم ناصراً.
٦٨ : إِذا لم تكن حليماً فتحلَّم(٣) .
٦٩ : من كفّ يده عن الناس فإنما يكفّ يداً واحدة ويكفُّون أيدي كثيرة(٤) .
٧٠ : كفى بالمرء اعتماداً على أخيه أن ينزل به حاجته(٥) .
٧١ : صدقة يحبّها اللّه : إِصلاح بين الناس اذا تفاسدوا، وتقارب بينهم اذا تباعدوا(٦) .
٧٢ : من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدّثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، كان ممّن حرمت غيبته، وكملت مروّته، وظهر عدله، ووجبت اخوّته(٧) .
______________________
(١) الكافي، باب الاستغناء عن الناس.
(٢) الكافي، باب صلة الرحم.
(٣) الكافي، باب الحلم، وهذه الكلمة موجودة في النهج هكذا : إن لم تكن حليماً فتحلّم فانه قلّ من تشبه بقوم إِلا أوشك أن يكون منهم.
(٤) الكافي، باب المداراة.
(٥) الكافي، باب السعي في حاجة المؤمن.
(٦) الكافي، باب طلب الاصلاح بين الناس.
(٧) الكافي، باب المؤمن وعلاماته وصفاته.
٧٣ : من طلب الرياسة هلك(١) .
٧٤ : من زرع العداوة حصد ما بذر(٢) .
٧٥ : الغضب مفتاح كلّ شر.
٧٦ : الغضب ممحقة(٣) الحكيم.
٧٧ : من لم يملك غضبه لم يملك عقله(٤) .
٧٨ : إِن الحسد يأكل الايمان كما تأكل النار الحطب.
٧٩ : آفة الدين الحسد، والعجب، والفخر(٥) .
٨٠ : ما من أحد يتيه إِلا من ذلّة يجدها في نفسه(٦) .
٨١ : ما أقبح بالمؤمن تكون له رغبة تذلّه(٧) .
٨٢ : إِن السفه خُلق لئيم، يستطيل على من دونه، ويخضع لمن فوقه(٨) .
٨٣ : إِن ممّا أعان اللّه على الكذّابين النسيان(٩) .
٨٤ : إِيّاك وسقطة الاسترسال فإنها لا تقال.
______________________
(١) الكافي، باب طلب الرياسة.
(٢) الكافي، باب المماراة والخصومة والمعاداة.
(٣) مهلكة.
(٤) الكافي، باب الغضب.
(٥) الكافي، باب الحسد.
(٦) الكافي، باب الكبر، وما أعظمها من كلمة فيها سبر لغور النفوس، فإن من يشعر في دخيلة نفسه بالذلّ والنقص يريد أن يستر هذا النقص بالتيه والكبر، على عكس من يشعر بكمالها وكرامتها فإنه غنيّ بنفسه عن الكبرياء والتعاظم، فكلّ من رأيته يتيه تجبّراً فاعلم أن في نفسه مركّب النقص يدفعه الى ذلك.
(٧) الكافي، باب الطمع.
(٨) الكافي، باب السفه.
(٩) الكافي، باب الكذب.
٨٥ : إِن خير العباد من يجتمع فيه خمس خصال : أذا أحسن استبشر، واذا أساء استغفر، واذا اُعطي شكر، واذا ابتلي صبر، واذا ظُلم غفر.
٨٦ : وقال له أبو حنيفة : يا أبا عبد اللّه ما أصبرك على الصلاة، فقالعليهالسلام : ويحَك يا نعمان أما علمت أن الصلاة قربان كلّ تقي، وأن الحجّ جهاد كلّ ضعيف، ولكلّ شيء زكاة وزكاة البدن الصيام، وأفضل الأعمال انتظار الفرج من اللّه، والداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر، فاحفظ هذه الكلمات يا نعمان.
٨٧ : ثلاثة اُقسم باللّه إِنها لحق، ما نقص مال من صدقة ولا زكاة، ولا ظُلم أحد بظلامة بقدر أن يكافئ بها فكظمها إِلا أبدله اللّه مكانها عزّاً، ولا فتح عبد على نفسه باب مسألة إِلا فتح اللّه عليه باب فقر.
٨٨ : مروّة المرء في نفسه نسب لعقبه وقبيلته(١) .
٨٩ : سبعة يفسدون أعمالهم : الرجل الحليم ذو العلم الكثير لا يُعرف بذلك ولا يُذكر به، والحكيم الذي يدير(٢) ماله كلّ كاذب منكر لما يؤتى اليه، والرجل الذي يأمن ذا المكر والخيانة، والسيّد الفظّ الذي لا رحمة له، والاُمّ التي لا تكتم عن الولد السرّ وتفشي عليه، والسريع الى لائمة إخوانه، والذي لا يزال يجادل أخاه مخاصماً له(٣) .
٩٠ : لا يطمع ذو الكبر في الثناء الحسن، ولا الخبّ(٤) في كثرة الصديق، ولا السّيئ الأدب في الشرف، ولا البخيل في صِلة الرحم، ولا المستهزئ بالناس في
______________________
(١) كشف الغمّة في أحوالهعليهالسلام عن ابن الجوزي.
(٢) ولعلّها - يدبر -.
(٣) خصال الصدوق، باب السبعة.
(٤) بفتح وتشديد - الخداع.
صدق المودّة، ولا القليل الفقه في القضاء، ولا المغتاب في السلامة، ولا الحسود في راحة القلب، ولا المعاقب على الذنب الصغير في السؤدد، ولا القليل التجربة المعجب برأيه في رياسة(١) .
٩١ : مَن كان الحزم حارسه، والصدق جليسه، عظمت بهجته، وتمّت مروّته.
٩٢ : جاهل سخيّ أفضل من ناسك بخيل.
٩٣ : مَن سأل فوق حقّه استحقّ الحرمان.
٩٤ : أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة، وأنقص الناس عقلاً من ظلم من دونه، ولم يصفح عمّن اعتذر اليه.
٩٥ : لا تكوننّ أول مشير، وإِيّاك والرأي الفطير(٢) .
٩٦ : الاستقصاء فرقة.
٩٧ : الانتقاد عداوة.
٩٨ : قلّة الصبر فضيحة.
٩٩ : إِفشاء السرّ سقوط.
١٠٠ : السخاء فطنة.
١٠١ : اللؤم تغافل.
١٠٢ : ثلاثة مَن فرَّط فيهنّ كان محروماً : استماحة جواد، ومصاحبة عالم، واستمالة سلطان.
١٠٣ : ثلاثة تورث المحبّة : الدين والتواضع والبذل.
______________________
(١) الخصال، باب العشرة.
(٢) بحار الأنوار : ٧٨/٢٢٨/١٠٥.
١٠٤ : مَن برئ من ثلاثة نال ثلاثة : مَن برئ من الشرّ نال العزّ، ومَن برئ من الكبر نال الكرامة، ومَن برئ من البخل نال الشرف.
١٠٥ : ثلاثة مكسبة للبغضاء : النفاق، والعجب، والظلم.
١٠٦ : مَن لم يكن فيه خصلة من ثلاث لم يُعد نبيلاً، من لم يكن له عقل يزينه، أو جدّة تعينه، أو عشيرة تعضده.
١٠٧ : ثلاثة تزري بالمرء : الحسد، والنميمة، والطيش.
١٠٨ : ثلاثة لا تُعرف إِلا في ثلاثة مواطن : لا يُعرف الحليم إِلا عند الغضب، ولا الشجاع إِلا عند الحرب، ولا أخ إلا عند الحاجة.
١٠٩ : ثلاثة من كنّ فيه فهو منافق وإِن صام وصلّى : مَن إِذا حدَّث كذب، وإِذا وعد أخلف، وإِذا اؤتمن خان.
١١٠ : إِحذر من الناس ثلاثة : الخائن، والظلوم، والنمّام، لأن من خان لك خانك، ومن ظلم لك سيظلمك، ومن نمَّ اليك سينمُّ عليك.
١١١ : لا يكون الأمين أميناً حتّى يؤتمن على ثلاثة فيؤدّيها : على الأموال، والأولاد، والفروج، وإِن حفظ اثنين وضيّع واحدة فليس بأمين.
١١٢ : لا تشاور أحمق، ولا تستعن بكذّاب، ولا تثق بمودَّة مَلول، فإن الكذّاب يقرّب لك البعيد ويبعّد لك القريب، والأحمق يجهد نفسه ولا يبلغ ما يريد، والملول أوثق ما كنت به خذلك، وأوصل ما كنت له قطعك.
١١٣ : أربعة لا تشبع من أربعة : أرض من مطر، وعين من نظر، واُنثى من ذكر، وعالم من علم.
١١٤ : أربعة تهرم قبل أوان الهرم : أكل القديد(١) ، والقعود على النداوة،
______________________
(١) اللحم اليابس المجفَّف.
والصعود في الدرج، ومجامعة العجوز.
١١٥ : النساء ثلاث : واحدة لك، وواحدة لك وعليك، وواحدة عليك لا لك، فأمّا التي لك فالمرأة العذراء، وأمّا التي لك وعليك فالثيب، وأمّا التي عليك فهي المتبع(١) التي لها ولد من غيرك.
١١٦ : ثلاثة من كنّ فيه كان سيّداً : كظم الغيظ، والصفح عن المسيء، والصلة بالنفس والمال.
١١٧ : ثلاثة فيهنّ البلاغة : التقرُّب من معنى البُغية، والتبعُّد من حشو الكلام، والدلالة بالقليل على الكثير.
١١٨ : الجهد في ثلاثة : في تبدّل الإخوان، والمنابذة بغير بيان، والتجسّس عمّا لا يعني.
١١٩ : ثلاثة يحجزن عن طلب المعالي : قصر الهمّة، وقلّة الحياء، وضعف الراي.
١٢٠ : الحزم في ثلاثة : الاستخدام للسلطان، والطاعة للوالد، والخضوع للمولى.
١٢١ : الاُنس في ثلاثة : في الزوجة الموافقة، والولد البارّ، والصديق المصافي.
١٢٢ : من رُزق ثلاثاً نال الغنى الأكبر : القناعة بما اُعطي، واليأس ممّا في أيدي الناس، وترك الفضول.
١٢٣ : ثلاثة لا يعذر المرء فيها : مشاورة ناصح، ومداراة حاسد، والتحبّب إِلى الناس.
______________________
(١) بضم الميم وكسر الباء.
١٢٤ : من لم يرغب في ثلاث ابتلي بثلاث : من لم يرغب السلامة ابتلي بالخذلان، ومن لم يرغب في المعروف ابتلي بالندامة، ومن لم يرغب في الاستكثار من الاخوان ابتلي بالخسران.
١٢٥ : ثلاث يجب على كلّ إِنسان تجنّبها : مقارنة الأشرار، ومحادثة النساء، ومجالسة أهل البدع.
١٢٦ : ثلاثة تدلًّ على كرم المرء : حُسن الخلق، وكظم الغيظ، وغضّ الطرف.
١٢٧ : من وثق بثلاثة كان مغروراً : من صدَّق بما لا يكون، وركن الى من لا يثق به، وطمع فيما لا يملك.
١٢٨ : ثلاثة من استعملها أفسد دينه ودُنياه : من ساء ظنّه، وأمكن من سمعه، واعطى قياده حليلته(١) .
١٢٩ : أفضل الملوك من اُعطي ثلاث خصال : الرأفة، والجود، والعدل.
١٣٠ : وليس يجب للملوك أن يفرّطوا في ثلاثة : في حفظ الثغور، وتفقّد المظالم، واختيار الصالحين لأعمالهم.
١٣١ : العاقل لا يستخفّ بأحد، وأحقّ من لا يُستخفّ به ثلاثة : العلماء، والسلطان، والاخوان، لأنه من استخفّ بالعلماء أفسد دينه، ومن استخفّ بالسلطان أفسد دنياه، ومن استخفّ بالاخوان أفسد مروّته.
١٣٢ : ثلاثة أشياء يحتاج اليها الناس طرّاً، الأمن، والعدل، والخصب.
١٣٣ : ثلاثة تكدر العيش : السلطان الجائر، والجار السوء، والمرأة البذيّة.
١٣٤ : لا تطيب السكنى إِلا بثلاثة : الهواء الطيّب، والماء الغزير،
______________________
(١) زوجته.
والأرض الخوّارة(١) .
١٣٥ : ثلاث خِصال من رزقها كان كاملاً : العقل، والجمال والفصاحة.
١٣٦ : ثلاثة تورث الحرمان : الإلحاح في المسألة، والغيبة، والهزء.
١٣٧ : من طلب ثلاثة بغير حقّ حُرم من ثلاثة بحقّ : من طلب الدنيا بغير حقّ حُرم الآخرة بحقّ، ومَن طلب الرياسة بغير حقّ حُرم الطاعة له بحقّ، ومن طلب المال بغير حقّ حُرم بقاءه له بحقّ.
١٣٨ : ثلاثة لا ينبغي للمرء الحازم أن يقدم عليها : شرب السمّ للتجربة وإِن نجا منه، وإِفشاء السرّ للقرابة الحاسد وإِن نجا منه، وركوب البحر وإِن كان الغنى فيه.
١٣٩ : لا يستغني أهل كلّ بلد عن ثلاثة يفزع اليهم في أمر دنياهم وآخرتهم، فإن عدموا ذلك كانوا همجاً : فقيهٌ عالم وَرِع، وأمير خيّر مُطاع، وطبيب بصير ثقة.
١٤٠ : إِن يسلم الناس من ثلاثة أشياء كانت سلامة شاملة : لسان السوء، ويد السوء، وفعل السوء.
١٤١ : إِذا لم يكن في المملوك خِصلة من ثلاث فليس لمولاه في إِمساكه راحة : دين يرشده، أو أدب يسوسه، أو خوف يردعه.
١٤٢ : إِن المرء يحتاج في منزله وعياله الى ثلاث خِلال يتكلّفها وإِن لم يكن في طبعه ذلك : معاشرة جميلة، وسعة بتقدير، وغيرة بتحصّن.
١٤٣ : ثلاثة من ابتلي بواحدة منهنّ كان طائح العقل : نعمة مولّية، وزوجة فاسدة، وفجيعة بحيبب.
______________________
(١) السهلة اللّيّنة.
١٤٤ : جُعلت الشجاعة على ثلاث طبائع، لكلّ واحدة منهنّ فضيلة ليست للاُخرى : السخاء بالنفس، والأنفة من الذلّ، وطلب الذكر، فإن تكاملت في الشجاع كان البطل الذي لا يقام في سبيله، والموسوم بالاقدام في عصره، وإِن تفاضلت بعضها على بعض كانت شجاعته في ذلك الذي تفاضلت في اكثر.
١٤٥ : يجب للوالدين على الولد ثلاثة أشياء : شكرهما على كلّ حال، وطاعتهما فيما يأمرانه به وينهيانه عنه في غير معصية اللّه، ونصيحتهما في السرّ والعلانية.
١٤٦ : ويجب للولد على والده ثلاث خِصال : اختيار والدته، وتحسين اسمه، والمبالغة في تأديبه.
١٤٧ : السرور في ثلاث خِلال : في الوفاء، ورعاية الحقوق، والنهوض في النوائب.
١٤٨ : ثلاثة يستدلّ بها على إِصابة الرأي : حُسن اللقاء، وحُسن الاستماع، وحُسن الجواب.
١٤٩ : الرجال ثلاثة : عاقل، وأحمق، وفاجر، فالعاقل إِن كُلّم أجاب، وإِن نطق أصاب، وإِن سمع وعى، والأحمق إِن تكلّم عجل، وإِن حُدِّث ذهل، وإِن حُمل على القبيح فعل، والفاجر إِن ائتمنته خانك، وإِن حدَّثته شانك.
١٥٠ : ثلاثة ليس معهنّ غربة : حُسن الأدب، وكفّ الأذى، ومجانبة الريب.
١٥١ : الأيّام ثلاثة : فيوم مضى لا يُدرك، ويوم الناس فيه فينبغي أن يغتنموه، وغداً إِنما في أيديهم أمله.
١٥٢ : من لم يكن فيه ثلاث خِصال لم ينفعه الايمان : حلم يردّ جهل الجاهل، وورع يحجزه عن طلب المحارم، وخُلق يداري به الناس.
١٥٣ : الاخوان ثلاثة : مواس بنفسه، وآخر بماله، وهما الصادقان في الإخاء، والآخر يأخذ منك البلغة، ويريدك لبغض اللذَّة، فلا تعدّه من أهل الثقة.
١٥٤ : لا يستكمل عبد حقيقة الايمان حتّى تكون فيه خِصال ثلاث : الفقه في الدين، وحُسن التقدير في المعيشة، والصبر على الرزايا(١) .
١٥٥ : اشكر من أنعم عليك، وأنعم على من شكرك، فإنه لا إِزالة للنعم اذا شكرت، ولا إِقالة(٢) لها اذا كفرت.
١٥٦ : وقيل له : ما المروَّة ؟ فقالعليهالسلام :ألا يراك اللّه حيث ينهاك، ولا يفقدك حيث أمرك .
١٥٧ : فوت الحاجة خير من طلبها من غير أهلها، وأشدّ من المصيبة سوء الخلف منها.
١٥٨ : قد عجز من لم يعدّ لكلّ بلاءٍ صبراً، ولكل نعمةٍ شكراً، وكلّ عُسرٍ يُسراً.
١٥٩ : لم يستزد بمحبوب بمثل الشُّكر، ولم يستنقص من مكروه بمثل الصبر.
١٦٠ : أنفع الأشياء للمرء سبقه الناس الى عيب نفسه، وأشدَّها مؤونة إِخفاء الفاقة، وأشدّ الأشياء عناءً النصيحة لمن لا يقبلها، ومجاورة الحريص، وأروح الروح اليأس من الناس.
______________________
(١) كلّ ذلك ابتداءً من الكلمة رقم «٩٦» أخذناه من كتاب «تحف العقول» عند ذكره لما ورد عن إِمامتهعليهالسلام ، وقال في طليعة ما أوردناه عنه «ومن كلامه الذي سمّاه بعض الشيعة نثر الدرر».
(٢) ولا اقامة في نسخة.
١٦١ : مَن وقف نفسه موقف التهمة فلا يلومنّ من أساء الظنّ به.
١٦٢ : مَن كتم سرّه كانت الخيرة في يده، وكلّ حديث جاوز اثنين فاشٍ.
١٦٣ : ضع أمر أخيك على أحسنه، ولا تظننّ بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً.
١٦٤ : عليك بإخوان الصدق، فإنهم عدّة عند الرخاء، وجنّة عند البلاء.
١٦٥ : من زين الايمان الفقه، ومن زين الفقه الحلم، ومن زين الحلم الرفق، ومن زين الرفق اللين، ومن زين اللين السهولة.
١٦٦ : الصفح الجميل ألا تعاتب على الذنب، والصبر الجميل الذي ليس فيه شكوى.
١٦٧ : وسأله المفضّل بن عمر عن الحسَب، فقالعليهالسلام : المال، قال : فالكرم، قالعليهالسلام : التقوى، قال : فالسؤدد، قالعليهالسلام : السخاء، ويحَك أما رأيت حاتم طيّ كيف ساد قومه وما كان بأجودهم موضعاً.
١٦٨ : المعروف زكاة النعم، والشفاعة زكاة الجاه، والعلل زكاة الأبدان والعفو زكاة الظفر، وما اُدّي زكاته فهو مأمون السلب.
١٦٩ : من أخلاق الجاهل الإجابة قبل أن يسمع، والمعارضة قبل أن يفهم، والحُكم بما لا يعلم.
١٧٠ : سرّك من دمك فلا تجره في غير أوداجك.
١٧١ : صدرك أوسع لسرّك.
١٧٢ : مَن لم يواخِ مَن لا عيب فيه قلَّ صديقه، ومَن لم يرض من صديقه إِلا بايثاره على نفسه دام سخطه، ومَن عاتب على كلّ ذنب دام تعتيبه.
١٧٣ : لو علم السَيّئ الخُلق أنه يعذّب نفسه لتسمَّح في خلقه.
١٧٤ : ما أرتجّ على امرئ، واُحجم عليه الرأي، واُعيت به الحيل إِلا كان الرفق مفتاحه.
١٧٥ : ثلاثة لا يصيبون إِلا خيراً : اُولو الصمت، وتاركو الشرّ، والمكثرون ذكر اللّه عزّ وجلّ، ورأس الحزم التواضع.
١٧٦ : امتحن أخاك عند نعمة تجدّد لك، أو نائبة تنوبك.
١٧٧ : مَن ظهر غضبه ظهر كيده، ومن قوي هواه ضعف حزمه.
١٧٨ : مَن لم يقدّم الامتحان قبل الثقة، والثقة قبل الانس، أثمرت مودَّته ندماً.
١٧٩ : لحظ الانسان طرف من خبره.
١٨٠ : المستبدّ برأيه موقوف على مداحض(١) الزلل(٢) .
١٨١ : مَن لم يسأل اللّه من فضله افتقر(٣) .
١٨٢ : إِن الدعاء أنفذ من السنان(٤) .
١٨٣ : وكان عنده قوم يحدّثهم، إِذ ذكر رجل منهم رجلاً فوقع فيه وشكا منه، فقال له أبو عبد اللّهعليهالسلام : وأنّى لك بأخيك كلّه، أيّ الرجال المهذب(٥) .
١٨٤ : التواصل بين الاخوان في الحضر التزاور، وفي السفر التكاتب(٦) .
١٨٥ : جبلت القلوب على حبّ من ينفعها، وبُغض من أضرّها(٧) .
______________________
(١) مزالق.
(٢) البحار، ج ١٧ ابتداءً من رقم ١٥٥.
(٣) الكافي، باب فضل الدعاء والحث عليه.
(٤) الكافي، باب ان الدعاء سلاح المؤمن.
(٥) الكافي، باب الاغضاء.
(٦) الكافي، باب التكاتب.
(٧) روضة الكافي.
١٨٦ : الدَّين غمُّ بالليل وذلًّ بالنهار.
١٨٧ : برّوا آباءكم يبرّكم أبناؤكم، وعفّوا عن نساء الناس تعفّ نساؤكم.
١٨٨ : المرء كثير بأخيه، ولا خير في صحبة مَن لم ير لك مثل الذي ترى لنفسه.
١٨٩ : وتخاصم رجلان بحضرته، فقالعليهالسلام لهما : أما إِنه لم يظفر بخير من ظفر بالظلم، ومن يفعل السوء بالناس فلا ينكر السوء إِذا فعل به.
١٩٠ : لا عيش أهنأ من حُسن الخُلق، ولا مال أنفع من القناعة باليسير المجزي، ولا جهل أضرّ من العجب.
١٩١ : تصافحوا فإنها تذهب السخيمة(١) .
١٩٢ : اتّقِ اللّه بعض التُقى وإِن قَل، ودع بينك وبين اللّه ستراً وإِن رق.
١٩٣ : كثرة النظر بالحكمة تلقح العقل.
١٩٤ : وسئل عن صفة العدل من الرجل، فقالعليهالسلام : إِذا غضَّ طرفه عن المحارم، ولسانه عن المآثم، وكفّه عن المظالم.
١٩٥ : مَن لا يعرف لأحد الفضل فهو المعجب برأيه.
١٩٦ : خِصلتان لا يجتمعان في منافق : سمت حسن، وفقه في سنّة.
١٩٧ : ليس من أحد وإِن ساعدته الاُمور بمستخلص غضارة عيش(٢) إِلا من خِلال مكروه، ومن انتظر بمعاجلة الفرصة مؤاجلة الاستقصاء سلبته الأيام فرصته، لأن من شأن الأيام السلب، وسبيل الزمن الفوت(٣) .
______________________
(١) الحقد.
(٢) غضارة العيش : طيبه وسعته وخصبه.
(٣) تحف العقول، وهذا غير ما سمّاه بنثر الدرر : ٢٨١.
١٩٨ : كم من مغرور بما قد أنعم اللّه عليه وكم من مستدرج بستر اللّه عليه، وكم من مفتون بثناء الناس عليه(١) .
١٩٩ : العافية نعمة خفيّة : اذا وجدت نسيت، واذا فقدت ذكرت.
٢٠٠ : العافية نعمة يعجز الشكر عنها(٢) .
٢٠١ : الشؤم في ثلاثة : في المرأة، والدابّة، والدار، فأمّا الشؤم في المرأة فكثرة صداقها وعقوق زوجها، وأمّا الدابّة فسوء خلقها ومنعها ظهرها، وأمّا الدار فضيق ساحتها وشرّ جيرانها وكثرة عيوبها(٣) .
٢٠٢ : وقيل له : أيّ الخِصال بالمرء أجمل ؟ فقالعليهالسلام : وقار بلا مهابة، وسماح بلا طلب مكافاة، وتشاغل بغير متاع الدنيا.
٢٠٣ : خمس مَن لم تكن فيه لم يكن فيه كثير مستمتع، قيل : وما هي يا ابن رسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ فقالعليهالسلام : الدين، والعقل، والحياء، وحُسن الخُلق، وحُسن الأدب. وخمس من لم تكن فيه لم يَهنَ بالعيش : الصحّة، والأمن، والغنى، والقناعة، والأنيس الموافق(٤) .
٢٠٤ : كم من صبر ساعة قد أورثت فرحاً طويلاً، وكم من لذّة قد أورثت خزناً طويلاً(٥) .
٢٠٥ : ليس من الإنصاف مطالبة الاخوان بالإنصاف(٦) .
______________________
(١) روضة الكافي.
(٢) مجالس الصدوق، المجلس / ٤٠.
(٣) مجالس الصدوق، المجلس / ٤٢.
(٤) مجالس الصدوق، المجلس / ٤٨.
(٥) مجالس الشيخ الطوسي، المجلس / ٦.
(٦) مجالس الشيخ الطوسي، المجلس / ١٠، والوسائل : ٨/٤٥٨/٣.
٢٠٦ : ليس لحاقن رأي، ولا لملول صديق، ولا لحسود غنى، وليس بحازم من لم ينظر في العواقب، والنظر في العواقب تلقيح القلوب.
٢٠٧ : عليك بالسخاء وحُسن الخُلق، فإنهما يزينان الرجل كما تزين الواسطة القلادة.
٢٠٨ : ثلاثة من السعادة : الزوجة المواتية، والولد البارّ، والرجل يرزق معيشته يغدو على اصلاحها ويروّح الى عياله(١) .
٢٠٩ : النوم راحة للجسد، والنُطق راحة للروح، والسكوت راحة للعقل(٢) .
٢١٠ : لا تُسمّ الرجل صديقاً سمة معرفة حتّى تختبره بثلاثة : تغضبه فتنظر غضبه يخرجه من الحقّ الى الباطل، وعند الدينار والدرهم، وحتّى تسافر معه(٣) .
٢١١ : كم من نعمة اللّه عزّ وجلّ على عبده في غير عمله، وكم من مؤمّل أملاً والخيار في غيره، وكم من ساع الى حتفه وهو مبطئ عن حظه(٤) .
٢١٢ : من الجَور قول الراكب للراجل : الطريق.
٢١٣ : من حبّ الرجل دينه حبّه إِخوانه.
٢١٤ : شرف المؤمن صلاته بالليل، وعزّه كفّ الأذى عن الناس(٥) .
٢١٥ : تقرّبوا الى اللّه بمواساة إِخوانكم.
٢١٦ : ضمنتُ لمن اقتصد ألا يفتقر.
٢١٧ : اصبر على أعداء النعم، فإنك لن تكافئ من عصى اللّه فيك بأفضل من أن تطيع اللّه فيه.
______________________
(١) مجالس الشيخ الطوسي، المجلس /١١.
(٢) مجالس الصدوق، المجلس /٦٨.
(٣) مجالس الشيخ الطوسي، المجلس /٣٢.
(٤) بحار الأنوار : ٧٨/١٩١/٤.
(٥) مرّت هذه الكلمة مع بعض التغيير.
٢١٨ : من رضي القضاء أتى عليه القضاء وهو مأجور، ومن سخط القضاء أتى عليه القضاء وأحبط اللّه عمله.
٢١٩ : تهادوا تحابّوا، فإن الهديّة تذهب بالضغائن(١) .
٢٢٠ : ما عُبد اللّه بأفضل من الصمت والمشي الى بيته.
٢٢١ : أنهاك عن خِصلتين فيهما هلك الرجال : أن تدين اللّه بالباطل، أو تُفتي الناس بما لا تعلم.
٢٢٢ : من حقيقة الايمان أن تؤثر الحقّ وإِن ضرَّك، على الباطل وإِن نفعك، وألا يجوز منطقك عملك.
٢٢٣ : حرم الحريص خِصلتين ولزمته خِصلتان : حرم القناعة فافتقد الراحة، وحرم الرضا فافتقد اليقين(٢) .
٢٢٤ : مع التثبّت تكون السلامة، ومع العجل تكون الندامة.
٢٢٥ : من ابتدأ بعمل في غير وقته كان بلوغه في غير حينه.
٢٢٦ : الرجال ثلاثة : رجل بماله، ورجل بجاهه، ورجل بلسانه، وهو أفضل الثلاثة.
٢٢٧ : لا تصلح المسألة إِلا في ثلاث : في دم مقطع(٣) أو غرم مثقل(٤) أو حاجة مدقعة(٥) .
______________________
(١) الخصال للصدوق، باب الواحد.
(٢) الخصال للصدوق، باب الاثنين.
(٣) الظاهر أنه اسم مفعول أي أنه بازائه مال يودي به.
(٤) الغرم : الدين، مثقل اسم فاعل.
(٥) مفقرة شديد فقرها.
٢٢٨ : إِن أحقّ الناس أن يتمنّى للناس الغنى البخلاء، لأن الناس إِذا استغنوا كفّوا عن أموالهم، وأحقّ الناس أن يتمنّى للناس الصلاح أهل العيوب، لأن الناس اذا صلحوا كفّوا عن تتبّع عيوب الناس، وأحقّ الناس أن يتمنّى للناس الحلم أهل السفه، الذين يحتاجون الى أن يعفى عن سفههم، فأصبح أهل البخل يتمنّون فقر الناس، وأصبح أهل العيوب يتمنّون معايب الناس، وأصبح أهل السفه يتمنّون سفه الناس، وفي الفقر الحاجة الى البخيل، وفي الفساد طلب عورة أهل العيوب، وفي السفه المكافاة بالذنوب.
٢٢٩ : ثلاثة من عاداهم ذلّ : الوالد، والسلطان، والغريم(١) .
٢٣٠ : مطلوب الناس في الدنيا الفانية أربعة : الغنى، والدَعَة، وقلّة الاهتمام، والعزّ، فأمّا الغنى فهو موجود في القناعة، فمن طلبه في كثرة المال لم يجدها، وأمّا قلّة الاهتمام فموجودة في قلّة الشغل، فمن طلبها مع كثرته لم يجدها، وأمّا العزّ فموجود في خدمة الخالق، فمن طلبه في خدمة المخلوق لم يجده.
٢٣١ : وجدت علم الناس كلّهم في أربعة : أوّلها أن تعرف ربّك، والثاني أن تعرف ما صنع بك، والثالث أن تعرف ما أراد منك، والرابع أن تعرف ما يخرجك من دينك.
٢٣٢ : اذا فشت أربعة ظهرت أربعة : اذا فشا الزنا ظهرت الزلازل، وإِذا اُمسكت الزكاة هلكت الماشية، وإِذا جار الحاكم في القضاء اُمسك القطر من السماء، وإِذا خفرت الذمّة نصر المشركون على المسلمين.
٢٣٣ : إِن الصبر والبرّ والحلم وحُسن الخُلق من أخلاق الأنبياء.
٢٣٤ : أربعة تذهب ضياعاً : الأكل بعد الشبع، والسراج في القمر، والزرع في السبخة، والصنيعة عند غير أهلها.
______________________
(١) الخصال، للصدوق، باب الثلاثة.
٢٣٥ : أربعة تذهب ضياعاً : مودَّة تمنحها من لا وفاء له، ومعروف عند من لا شكر له، وعلم عند من لا استماع له، وسرّ تودعه من لا حصانة له(١) .
٢٣٦ : خمس من خمسة محال : النصيحة من الحاسد محال، والشفقة من العدوّ محال، والحرمة من الفاسق محال، والوفاء من المرأة محال، والهيبة من الفقر محال.
٢٣٧ : خمس هنَّ كما أقول : ليست لبخيل راحة، ولا لحسود لذَّة، ولا لملول وفاء، ولا لكذَّاب مروَّة، ولا يسود سفيه.
٢٣٨ : خمسة لا ينامون : الهام بدم يسفكه، وذو المال الكثير لا أمين له، والقائل في الناس الزور والبهتان عن عرض من الدنيا يناله، والمأخوذ بالمال الكثير ولا مال له، والمحبّ حبيباً يتوقّع فراقه(٢) .
٢٣٩ : مَن لم يكن له واعظ من قبله، وزاجر من نفسه، ولم يكن له قرين مرشداً، استمكن عدوّه من عنقه(٣) .
٢٤٠ : لن يهلك امرؤ عن مشورة(٤)
٢٤١ : مجاملة الناس ثلث العقل(٥) .
٢٤٢ : من التواضع أن تُسلّم على من لقيت(٦) .
______________________
(١) الخصال للصدوق، باب الأربعة ابتداء من الكلمة رقم ٢٣٠.
(٢) الخصال للصدوق، باب الخمسة ابتداء من رقم ٢٣٦.
(٣) وسائل الشيعة، باب استحباب مشاورة التقي العاقل : ٨/٤٢٥/١.
(٤) وسائل الشيعة، باب استحباب مشاورة أصحاب الرأي : ٨/٤٢٤/٤.
(٥) وسائل الشيعة، باب استحباب مجاملة الناس : ٨/٤٣٤/١.
(٦) وسائل الشيعة، باب استحباب افشاء السلام : ٨/٤٣٨/١.
٢٤٣ : المنّ يهدم الصنيعة(١) .
٢٤٤ : المعروف ابتداء، فأمّا ما أعطيته بعد المسألة فإنما كافيته بما بذل لك من وجهه(٢) .
٢٤٥ : أفضل الصدقة ابراد كبد حرّاء(٣) .
٢٤٦ : من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان يومه الذي هو فيه خيراً من أمسه الذي ارتحل عنه فهو مغبوط(٤) .
٢٤٧ : المؤمن يداري ولا يماري(٥) .
٢٤٨ : من لم يتفقَد النقص في نفسه دام نقصه، ومن دام نقصه فالموت خير له.
٢٤٩ : من أذنب من غير عمد كان للعفو أهلاً(٦) .
٢٥٠ : الخشية ميراث العلم، والعلم شعاع المعرفة وقلب الايمان، ومَن حرم الخشية لا يكون عالماً وإِن شقّ الشعر في متشابهات العلم(٧) .
٢٥١ : إِن مَن أجاب عن كلّ ما يسأل لمجنون(٨) .
٢٥٢ : من لاحى الرجال ذهبت مروّته(٩) .
______________________
(١) من لا يحضره الفقيه : ٢/٤١/٣٣.
(٢) بحار الأنوار : ٤٧/٦١/١١٨.
(٣) وسائل الشيعة، ٣/٥٨.
(٤) وسائل الشيعة، كتاب زيد الزراد.
(٥) يجادل.
(٦) بحار الأنوار : ١٧/٢٦٥/٢٦٦.
(٧) بحار الأنوار : ٢/٥٢/١٨.
(٨) بحار الأنوار : ٢/١١٧/١٥.
(٩) بحار الأنوار : ٢/١٢٨/٧.
٢٥٣ : لا تفتش الناس فتبقى بلا صديق.
٢٥٤ : مَن لم يرض بصديقه إِلا بايثاره على نفسه دام سخطه(١) .
٢٥٥ : كفى بخشية اللّه علماً وكفى بالاغترار جهلاً.
هذا آخر ما تيسّر لي جمعه واختياره من طرائف حِكمه، وجوامع كلمه وعساني توفّقت لإيقاف القارئ على كنز من الحِكم لا يعادل بثمن، ولا يساوى بقيمة.
ولادته ووفاته (ولادته)
المعروف بين أهل الحديث والتأريخ أن ولادتهعليهالسلام كانت في السابع عشر من ربيع الأوّل، إِمّا عام ٨٠ للهجرة، أو ٨٣، وكلا القولين مشهوران بينهم.
ولكن تقدم أنهعليهالسلام قال في بعض وقفاته أمام المنصور : «وها أنذا قد ذرفت على السبعين» أي زدت عليها، وروى عن محمّد بن الربيع حاجب المنصور لمّا جاء بالصادق ليلاً الى المنصور وقال عنه : وكان قد جاوز السبعين، وذكر المجلسي طاب ثراه في أحوالهعليهالسلام رواية عن محمّد بن سعيد أنهعليهالسلام قُبض وهو ابن إِحدى وسبعين سنة، وهذا كما ترى لا يتفق مع القول الثاني، ولا الأوّل، لأنهم متّفقون على أن وفاته كانت عام ١٤٨، فعليه تكون ولادته قبل الثمانين بثلاث سنين أو اكثر.
وبهذا تكون الروايات في سنة وفاته ثلاثاً، وأوسطها رواية الثمانين، ولعلّها أولاها.
وفاته
وقيل : كانت وفاتهعليهالسلام في الخامس والعشرين من شّوال.
وقيل : في النصف من رجب، والأوّل هو المشهور، واتّفق المؤرّخون من الفريقين على أن وفاته كانت عام ١٤٨ كما قلنا.
كما اتّفق مؤلفو الشيعة على أن المنصور اغتاله بالسمّ على يد عامله بالمدينة، وقيل أن السّم كان في عنب كما ذكر ذلك الكفعمي في المصباح.
وذكر بعض أهل السنّة أيضاً موته بالسمّ، كما في «إِسعاف الراغبين» و«نور الأبصار» و«تذكرة الخواص» و«الصواعق المحرقة» وغيرها.
______________________
(١) وسائل الشيعة : ٢/٢١٣.
عند الموت
ولمّا كاد أن يلفظ النفس الأخير من حياته أمر أن يجمعوا له كلّ مَن بينه وبينهم قرابة، وبعد أن اجتمعوا عنده فتح عينيه في وجوههم فقال مخاطباً لهم : إِن شفاعتنا لا تنال مستخفّاً بالصلاة(١) .
وهذا يدلّنا على عظم اهتمام الشارع الأقدس بالصلاة، فلم تشغل إِمامناعليهالسلام ساعة الموت عن هذه الوصيّة، وما ذاك إِلا لأنه الإمام الذي يهمّه أمر الاُمة وإِرشادها الى الصلاح حتّى آخر نفس من حياته، وكانت الصلاة أهم ما يوصي به ويلفت اليه.
وأحسب إِنما خصّ أقرباءه بهذه الوصيّة، لأن الناس ترتقب منهم الإصلاح والإرشاد فيكون تبليغ هذه الوصيّة على ألسنتهم أنفذ، ولأنهم عترة الرسول فعسى أن يتوهّموا أن قربهم من النبي وسيلة للشفاعة بهم وإِن تسامحوا في بعض أحكام الشريعة، فأراد الصادق أن يلفتهم الى أن القرب لا ينفعهم ما لم يكونوا قائمين بفرائض اللّه.
______________________
(١) بحار الأنوار : ٤٧/٢/٥، محاسن البرقي : ١/٨٠.
وكانت زوجته اُمّ حميدة(١) تعجب من تلك الحال وأن الموت كيف لم يشغله عن الاهتمام بشأن هذه الوصيّة، فكانت تبكي اذا تذكّرت حالته تلك(٢) .
وأمر أيضاً وهو بتلك الحال لكلّ واحد من ذوي رحمه بصلة، وللحسن الأفطس(٣) بسبعين ديناراً، فقالت له مولاته سالمة : أتعطي رجلاً حمل عليك بالشفرة يريد أن يقتلك ؟ قال : تريدين ألا أكون من الذين قال اللّه عزّ وجل فيهم :( والذين يصلون ما أمر اللّه به أن يوصل ويخشون ربّهم ويخافون سوء الحساب ) (٤) نعم يا سالمة إِن اللّه خلق الجنّة فطيّب ريحها، وإِن ريحها ليوجد من مسيرة ألفي عام، ولا يجد ريحها عاقّ ولا قاطع رحم(٥) .
وهذا أيضاً يرشدنا الى أهميّة صِلة الأرحام بعد الصلاة وقد كشف في بيانه عن أثر القطيعة.
وما اكتفىعليهالسلام بصِلة رحمه فقط بل وصل من قطعه منهم بل مَن همّ بقتله، تلك الأخلاق النبويّة العالية.
بعد الموت
ولمّا قُبضعليهالسلام كفّنه ولده الكاظمعليهالسلام في ثوبين شطويين(٦)
______________________
(١) هي اُمّ الكاظمعليهالسلام .
(٢) محاسن البرقي : ١/٨٠/٦.
(٣) أشرنا الى شيء من حاله في تعليقة ج ١ ٢٢٩.
(٤) الرعد : ٢١.
(٥) المناقب : ٤/٢٧٣، والغيبة للشيخ الطوسي : ١٢٨.
(٦) شطا : اسم قرية في مصر تنسب اليها الثياب الشطويّة.
كان يحرم فيهما، وفي قميص من قمصه، وفي عمامة كانت لعلي بن الحسينعليهالسلام ، وفي بُرد اشتراه بأربعين ديناراً(١) .
وأمر بالسراج في البيت الذي كان يسكنه أبو عبد اللّهعليهالسلام الى أن اُخرج الى العراق كما فعل أبو عبد اللّهعليهالسلام من قبل في البيت الذي كان يسكنه أبوه الباقرعليهالسلام (٢) .
وقال أبو هريرة(٣) لمّا حُمل الصادقعليهالسلام على سريره واُخرج الى البقيع ليُدفن :
أقول وقد راحوا به يحملونه |
على كاهل من حامليه وعاتق |
|
أتدرون ماذا تحملون الى الثرى |
ثبير ثوى(٤) من رأس علياء شاهق |
|
غداة حثا الحاثون فوق ضريحه |
تراباً وأولى كان فوق المفارق |
|
أيا صادق ابن الصادقين إِليه |
بآبائك الأطهار حلفة صادق |
|
لحّقاً بكم ذو العرش أقسم في الورى |
فقال تعالى اللّه رب المشارق |
|
نجوم هي اثنا عشرة كن سبقا |
الى اللّه في علم من اللّه سابق |
ودُفنعليهالسلام في البقيع مع جدّه لاُمّه الحسن وجده لأبيه زين العابدين، وأبيه الباقر عليهم جميعاً صلوات اللّه، وهو آخر من دُفن من الأئمة في البقيع، فإن أولاده دُفنوا بالعراق إِلا الرضا في خراسان.
______________________
(١) الكافي، باب مولد الصادقعليهالسلام : ١/٤٧٥/٨.
(٢) نفس المصدر.
(٣) الظاهر أنه العجلي وقد عدّه ابن شهراشوب في شعراء أهل البيت المجاهدين، وروي أن الصادقعليهالسلام ترحّم عليه، وهذا يقتضي أن يكون موته قبل الصادق، إِلا أن يكون الترحّم عليه وهو حي، أو أن الكاظم هو المترحّم ونسب الى الصادق خطأً.
(٤) الأنسب أن يكون - هوى - ولعلّ الخطأ من النسّاخ.
كناه وألقابه
كان يُكنَّى بأبي عبد اللّه، وأبي إِسماعيل، وأبي موسى، وأوّلها أشهرها، ويُلقَّب بالصادق، والفاضل، والقائم، والكافل، والمنجي، وغيرها وأوّلها أيضاً أشهرها.
لقَّبه بالصادق أبوه رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، كما في الخرائج والجرائح، وكما في البحار ج ١١ في أحوالهعليهالسلام عن علل الشرائع، وكما في كفاية الأثر لعلي بن محمّد بن علي الخزاز عند ترجمة الصادقعليهالسلام مسنداً عن أبي هريرة عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في حديث طويل، ومنه أنه قالصلىاللهعليهوآلهوسلم وسلّم : ويخرج اللّه من صُلبه - أي صُلب محمّد الباقر - كلمة الحق، ولسان الصدق، فقال له ابن مسعود : فما اسمه يا نبيّ اللّه ؟ قال : يقال له جعفر، صادق في قوله وفعله، الطاعن عليه كالطاعن عليّ، والرادّ عليه كالرادّ عليَّ، الحديث.
وبلغ من شهرته بهذا اللقب أنه صار كالاسم له، حتّى أنه ليُستغنى به عن ذكر اسمه، ويُعرف به اذا اُطلق، ومن ثمّ جعلناه عنوان كتابنا.
وكذلك كنيته بأبي عبد اللّه صارت كالاسم له يُستغنى بها عن اسمه ولقبه لا سيّما في الأحاديث.
صفته
قال ابن شهراشوب في المناقب في أحواله : وكانعليهالسلام ربع القامة أزهر الوجه، حالك الشعر جعده(١) أشمّ الأنف(٢) أنزع(٣) رقيق البشرة(٤) على خدّه خالٌ اسود على جسده خيلان حمرة(٥) .
______________________
(١) الجعد في الشعر خلاف البسط.
(٢) الشمم : ارتفاع قصبة الأنف وحسنها وارتفاع في أعلاها وانتصاب الأرنبة - طرف الأنف، ويكنّى به عن الإباء.
(٣) النزع : انحسار الشعر عن جانبي الجبهة.
(٤) وفي نسخة : دقيق المسربة، والمسربة : الشعر وسط الصدر الى البطن.
(٥) أي يخال أن على جسده حمرة، هذا اذا قرئ بفتح الخاء المعجمة، وأما اذا قرئ بالكسر فهي جمع خال، ومعناه أن الخال الذي على جسده هو من الحمرة، وفي نسخة حبلان حمرة، بحاء مهملة وباء موحّدة.
زيارته
إِن لزيارة المؤمن في اللّه حيّا وميّتاً من الفضل ما لا يبلغ مداه، كما يشهد به النقل، فكيف بإمام المؤمنين، على أن في زيارة مراقد الأنبياء والأوصياء إِحياء لذكرهم واشادة بفضلهم، وجمعاً للقلوب عليهم، وترغيباً للناس على الاقتداء بأعمالهم، وذلك ما تحبّذه جميع عقلاء الاُمم لإحياء مآثر العظماء وتجديد ذكرى فضلهم والتشجيع على الاحتذاء بهديهم، مضافاً الى أن في زيارة مراقد النبيّ والأئمة تعظيماً لشعائر اللّه تعالى وهو من تقوى القلوب.
والنقل في فضل زيارتهعليهالسلام من وجهين، الأوّل : ممّا جاء في فضل زيارة قبورهم عامّة، الثاني : ممّا جاء في فضل زيارة قبره خاصّة.
أمّا الأوّل فكثير جداً، ومنه قول الرضاعليهالسلام : إِن لكلّ إِمام عهداً في عنق أوليائه وشيعته، وإِن من تمام الوفاء بالعهد زيارة قبورهم، فمن زارهم رغبةً في زيارتهم وتصديقاً بما رغبوا فيه كان أئمتهم شفعاءهم يوم القيامة(١) .
وقول أمير المؤمنينعليهالسلام : أتمّوا برسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم اذا خرجتم الى بيت اللّه الحرام، فإن تركه جفاء، وبذلك اُمرتم، واُتمّوا بالقبور التي ألزمكم اللّه حقّها وزيارتها واطلبوا الرزق عندها(٢) .
وقول الصادقعليهالسلام : من زار إِماماً مُفترض الطاعة وصلّى عنده أربع ركعات كتب اللّه له حجّة وعمرة(٣) الى ما لا يحصى من أمثال هذه الأحاديث، وقد ذكرت كثيراً منها كتب المزارات.
وأمّا الثاني فمثل قول الصادقعليهالسلام : من زارني غُفرت له ذنوبه ولم يمت فقيراً(٤) .
وقول العسكريعليهالسلام : من زار جعفراً أو أباه لم تشتك عينه، ولم يصبه سقم، ولم يمت مبتلى(٥) ، الى كثير سواها.
______________________
(١) وسائل الشيعة : ٥/٢٥٣/٥.
(٢) وسائل الشيعة : ٥/٢٥٥/١٠.
(٣) وسائل الشيعة، كتاب المزار من كتاب الحج : ٥/٢٦٠/٢٥.
(٤) المُقنعة للشيخ المفيد : ص ٧٣.
(٥) وسائل الشيعة ٥/٤٢٦/٢.
أولاده
إِختلفوا في عدد أولاده والمشهور فيهم ما ذكره الشيخ المفيد طاب ثراه في الإرشاد، قال : وكان أولاد أبي عبد اللّهعليهالسلام عشرة : إِسماعيل وعبد اللّه وامّ فروة امّهم فاطمة بنت الحسين بن الحسن بن عليعليهماالسلام وموسىعليهالسلام وإِسحاق ومحمّد لاُمّ ولد(١) والعبّاس وعليّ وأسماء وفاطمة لاُمّهات شتّى.
إِسماعيل
كان إِسماعيل اكبر أولاد الصادقعليهالسلام ، وكان شديد المحبّة له والبرّ به والاشفاق عليه(٢) .
حتّى أنهعليهالسلام قال للمفضّل بن عمر وهو من وكلائه وخواصّ أصحابه الثقات وأبو الحسن موسىعليهالسلام غلام : هذا المولود - يعني موسى الكاظم - الذي لم يولد فينا مولود أعظم بركة على شيعتنا منه، ثمّ قال : لا تجفُ
______________________
(١) وتكنى اُمّ حميدة.
(٢) إرشاد الشيخ المفيد طاب ثراه : ٢٨٤.
إِسماعيل(١) .
إِن هذا الكلام يدلّ على صرف الإمامة عن إِسماعيل الى موسى، ولكن لمّا خشي أن يكون ذلك أيضاً صارفاً عن اكرامه قال : لا تجفُ إِسماعيل.
وقالعليهالسلام : كان القتل قد كتب على إِسماعيل مرّتين فسألت اللّه تعالى في رفعه عنه فرفعه(٢) ، وأقواله وأعماله التي كانت تنبئ عن ذلك الحبّ والعطف كثيرة، وحتّى ظنّ قوم من الشيعة أنه القائم بعد أبيه بالإمامة لذلك البرّ وتلك الرعاية ولأنه اكبر اخوته سنّاً، واكبر الاخوة سنّاً أحد علائم الإمامة، ولكن موته أيام أبيه أزال ذلك الظن.
وأظهر الصادقعليهالسلام بموت إِسماعيل عجباً، فإنه بعد أن مات وغطّي أمر بأن يكشف عن وجهه وهو مسجّى، ثمّ قبَّل جبهته وذقنه ونحره، ثمّ أمر به فكشف وفعل به مثل الأوّل، ولمّا غُسّل واُدرج في اكفانه أمر به فكشف عن وجهه ثمّ قبّله في تلك المواضع ثالثاً، ثمّ عوَّذه بالقرآن، ثمّ أمر بإدراجه.
وفي رواية اُخرى أنه اُمر المفضّل بن عمر فجمع له جماعة من أصحابه حتّى صاروا ثلاثين، وفيهم أبو بصير وحمران بن أعين وداود الرقي، فقال لداود : اكشف عن وجهه، فكشف داود عن وجه إِسماعيل، فقال : تأمّله يا داود فانظره أحيّ هو أم ميّت ؟ فقال : بل هو ميّت، فجعل يعرض على رجل رجل حتّى أتى على آخرهم، فقال : اللّهمّ اشهد، ثمّ أمر بغسله وتجهيزه، ثمّ قال : يا مفضّل احسر عن وجهه، فحسر عن وجهه، فقال : حيّ هو أم ميّت ؟ انظروه
______________________
(١) الكافي، كتاب الحجّة، باب النصّ على الكاظمعليهالسلام : ١/٣٠٩/٨.
(٢) رجال الشيخ أبي علي.
جميعكم، فقالوا : بل هو يا سيّدنا ميّت، فقال : شهدتم بذلك وتحققتموه ؟ قالوا : نعم، وقد تعجّبوا من فعله، فقال : اللّهمّ اشهد عليهم، ثمّ حُمل الى قبره فلمّا وُضع في لحده قال : يا مفضّل اكشف عن وجهه، فكشف فقال للجماعة : انظروا أحيّ هو أم ميّت ؟ فقالوا : بل ميّت يا وليّ اللّه، فقال : اللّهمّ اشهد، ثمّ أعاد عليهم القول في ذلك بعد دفنه، فقال لهم : الميّت المكفّن المحنّط المدفون في هذا اللحد من هو ؟ فقالوا : إِسماعيل ولدك، فقال اللّهمّ اشهد(١) .
قد يعجب المرء من إِصرار الإمام على أن يعرف الناس موت إِسماعيل حتّى لا تبقى شبهة ولا ريب بموته، ولكن لا عجب من أمر الإمام العالم بما سيحدث في هذا الشأن، إِنه يعلم أن قوماً سيقولون بإمامته لأنه الأكبر زعماً منهم أنه لم يمت، فما فعل ذلك إِلا ليقيم الحجّة عليهم، وقد كشف بنفسهعليهالسلام عن هذا السّر، فإنه قال بعد أن وُضع إِسماعيل في لحده وأشهد القوم على موته : فإنه سيرتاب المبطلون، يريدون إِطفاء نور اللّه، ثمّ أومى الى موسىعليهالسلام ، ولمّا أن دُفن إِسماعيل وأشهدهم أخذ بيد موسى فقال : هو حقّ والحقّ معه الى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها(٢) .
وظهر على الصادق الحُزن الشديد حين حضر إِسماعيل الموت وسجد سجدة طويلة، ثمّ رفع رأسه فنظر الى إِسماعيل قليلاً ونظر الى وجهه، ثمّ سجد اُخرى أطول من الاُولى، ثمّ رفع رأسه فغمضه وربط لحييه وغطّى عليه ملحفته، ثمّ قام ووجهه قد دخله شيء عظيم حتّى أحسّ ذلك منه من رآه، وعلى أثر ذلك دخل المنزل فمكث ساعة، ثمّ خرج على القوم مدهناً مكتحلاً وعليه ثياب
______________________
(١) بحار الأنوار : ٤٧/٢٥٤.
(٢) بحار الأنوار : ١/١٨٨.
غير التي كانت عليه، ووجهه قد تسرّى عنه ذلك الأثر من الحزن فأمر ونهى، حتّى اذا فرغ من غسله دعا بكفنه فكتب في حاشيته : إِسماعيل يشهد أن لا إِله إِلا اللّه(١) .
فتعجّب الناس من انقلاب حاله وذهاب ذلك الحُزن الشديد فبدر اليه بعض أصحابه قائلاً : جعلت فداك لقد ظننا أننا لا ننتفع بك زماناً لما رأيناه من جزعك، فقالعليهالسلام : إِنّا أهل بيت نجزع ما لم تنزل المصيبة فاذا نزلت صبرنا.
وقدّم لأصحابه المائدة وعليها أفخر الأطعمة وأطيب الألوان ودعاهم الى الأكل وحثّهم عليه، ولا يرون للحزن أثراً على وجهه، فقيل له في ذلك، فقال : وما لي لا اكون كما ترون وقد جاء في خبر أصدق الصادقين : إِنّي ميّتٌ وإِيّاكم.
ولكنه لمّا حُمل ليدفن تقدم سريره بغير حذاء ولا رداء، وهذا أعظم شعار للحزن، وكان يأمر بوضع السرير على الأرض يكشف عن وجهه يريد بذلك تحقيق موته لدى الناس، فعل ذلك مراراً الى أن انتهوا به الى قبره(٢) .
ولمّا فرغ من دفنه جلس والناس حوله وهو مُطرق، ثمّ رفع رأسه فقال : أيها الناس إِن هذه الدنيا دار فراق، ودار التواء، لا دار استواء على أن لفراق المألوف حرقة لا تُدفع، ولوعة لا تُرد، وإِنما يتفاضل الناس بحسن العزاء وصحّة الفكرة، فمن لم يثكل أخاه ثكله أخوه، ومن لم يقدم ولداً كان هو المقدم دون الولد، ثمّ تمَثل بقول أبي خراش الهذلي :
ولا تحسبن أني تناسيت عهده |
ولكن صبري يا اميم جميل(٣) |
______________________
(١) وما زال الناس يكتبون الشهادة على اكفان الموتى من ذلك اليوم، اقتداءً بعمل الإمام، وقد بلغني عن بعض أهل الجمود أنهم يكتبون لكل ميّت منهم : إِسماعيل يشهد...
(٢) ارشاد الشيخ المفيد طاب ثراه : ٢٨٥.
(٣) اكمال الدين : ١/١٦٣، والأمالي للشيخ الصدوق : ٢٣٧.
ولمّا مات إِسماعيل استدعى الصادقعليهالسلام بعض شيعته وأعطاه دراهم وأمره أن يحجّ بها عن ابنه إِسماعيل، وقال له : إِنك اذا حججت عنه لك تسعة أسهم من الثواب ولإسماعيل سهم واحد(١) .
ومات إِسماعيل بالعريض(٢) وحُمِل على الرقاب الى المدينة(٣) وقبره فيها معروف، وهدمه ابن السعود كما هدم قبور آبائه الأئمة في البقيع والى اليوم لم يسمح بإعادة البناء عليها.
فتلك الأعمال من الصادقعليهالسلام مع ابنه إِسماعيل تدلّنا على كبير ما يحمل له من الحبّ والبرّ والعطف، وعلى ما كان عليه إِسماعيل من التقوى والفضل، ولكن هناك أحاديث قدحت في مقامه ووصمت قدسيّ ذاته، وإِني لا أراها تعادل تلك الأحاديث السالفة، بل إِن بعض الأخبار كشفت لنا النقاب عن كذب هذه الأخبار القادحة، أو انها صدرت لغايات مجهولة لنا، فمن تلك الأحاديث الكاشفة، ما رواه في الخرائج والجرائح عن الوليد بن صبيح(٤) قال : جاءني رجل فقال لي : تعال حتّى اُريك ابن إِلهك(٥) فذهبت معه فجاء بي الى قوم يشربون، فيهم إِسماعيل بن جعفر، فخرجت مغموماً فجئت الى الحجر فاذا إِسماعيل بن جعفر متعلّق بالبيت يبكي قد بَلَّ أستار الكعبة بدموعه، فرجعت أشتد فاذا إِسماعيل جالس مع القوم، فرجعت فاذا هو آخذ بأستار الكعبة قد بَلَّها بدموعه، قال : فذكرت ذلك لأبي عبد اللّهعليهالسلام ، فقال : لقد ابتلي ابني بشيطان يتمثّل على صورته.
______________________
(١) بحار الأنوار : ٤٧/٢٥٥.
(٢) بضمّ أوله وفتح ثانيه، من أعمال المدينة.
(٣) إرشاد الشيخ المفيد : ٢٨٥.
(٤) أبي العباس الكوفي، كان من رواة الصادقعليهالسلام وثقاتهم وله كتاب رواه الحسن بن محبوب عن ابنه العباس عنه.
(٥) يعني بالاله الصادقعليهالسلام زعماً من هؤلاء أن الشيعة ترى الوهيّة الأئمة، ما اكبرها فريّة عليهم، وقد سبق منا «١/٥٤» ما كتبناه عن معتقد الاماميّة في الامام، وهذا سوى رسالتنا «الشيعة والامامة» نعم توجد بعض الفِرق الغالية ولكن الاماميّة بل والفِرق الاُخرى الشيعية تبرأ منهم.
فهل يا ترى زكاة لإسماعيل أفضل من هذا الحديث، فلا بدّ إِذن من طرح الأحاديث القادحة أو حملها على غايات غير ما دلّت عليه بظاهرها، ولو كان إِسماعيل كما قدحت فيه تلك الأحاديث لما لازمه الصادقعليهالسلام في الحضر والسفر، ولنحّاه كما نحّى ابنه عبد اللّه.
ولمّا مات إِسماعيل انصرف عن القول بإمامته من كان يظنّ أن الإمامة فيه بعد أبيه وحدث القول بإمامته بعد أبيه الصادق، والقائلون بإمامته يسمّون بالاسماعيليّة، وقد أشرنا الى هذه الفرقة في ١ : ٥٢.
وذكر هنا الشيخ المفيد طاب ثراه في الإرشاد أن الذين أقاموا على حياته شرذمة لم تكن من خاصّة أبيه ولا من الرواة عنه وكانوا من الأباعد والأطراف، ولمّا مات الصادقعليهالسلام انتقل فريق منهم الى القول بإمامة موسىعليهالسلام بعد أبيه، وافترق الباقون فريقين، ففريق منهم رجعوا عن حياة إسماعيل، وقالوا بإمامة ابنه محمّد بن إِسماعيل، لظنّهم أن الامامة كانت في أبيه، وأن الإبن أحقّ بمقام الأب من الأخ، وفريق ثبتوا على حياة إِسماعيل، وهم اليوم شذّاذ لا يعرف منهم أحد يومى اليه، وهذان الفريقان يسمّيان بالاسماعيليّة، والمعروف منهم الآن من يزعم أن الامامة بعد إِسماعيل في ولده وولد ولده الى آخر الزمان.
عبد اللّه الأفطح
كان عبد اللّه اكبر ولد الصادقعليهالسلام بعد إِسماعيل، ومن ثمّ اشتبه الأمر على فئة فقالوا بإمامته، لأن الإمامة في الأكبر وجهلوا أنها في الأكبر ما لم يكن ذا عاهة، وعبد اللّه كان أفطح الرجلين، ولذا سُمي الأفطح، والقائلون بإمامته - الفطحيّة -.
وكان متّهماً في الخلاف على أبيه في الاعتقاد، ويقال أنه يخالط الحشويّة ويميل الى مذهب المرجئة، ولذلك لم تكن منزلته عند أبيه كمنزلة غيره من ولده في الإكرام(١) .
ولربّما عاتبه أبوه ولامَه ووعظه، ولكن ما كان ليجدي معه ذلك الوعظ والعتب، وقد قال له يوماً: ما منعك أن تكون مثل أخيك فواللّه إِني لأعرف النور في وجهه، فقال عبد اللّه : لِمَ أليس أبي وأبوه واحداً ؟ واُمّي واُمّه واحدة، فقال له الصادقعليهالسلام : إِنه من نفسي وأنت ابني(٢) .
أحسب أنه أراد الصادقعليهالسلام من قوله - أخيك - إِسماعيل خاصّة ولذا أجابه عبد اللّه بقوله: أليس أبي أبوه واحداً ؟ واُميّ واُمّة واحدة ؟ لأن أخاه من الأبوين هو إِسماعيل لا موسى.
وكفى بهذا الحديث دلالة على فضل إسماعيل وعلوّ مقامه عند اللّه وعند أبيه، وعلى جهل عبد اللّه وانحطاط منزلته عند اللّه وعند أبيه.
وادّعى عبد اللّه الإمامة بعد أبيه محتجّاً بأنه اكبر اخوته، ولقد أنبأ الصادق ولده الكاظمعليهماالسلام بأن عبد اللّه سوف يدَّعي الإمامة بعده ويجلس مجلسه، وأمره ألا ينازعَهُ ولا يكلّمه لأنه أول أهله لحوقاً به، فكان الأمر كما أنبأعليهالسلام (٣) .
______________________
(١) إرشاد الشيخ المفيد : ٢٨٥.
(٢) الكافي، كتاب الحجّة، باب النصّ على الامام الكاظمعليهالسلام : ١/٣١٠/١٠.
(٣) بحار الأنوار : ٤٧/٢٦١/٢٩، والكشي : ١٦٥.
ولما ادّعى الإمامة تبعه جماعة من أصحاب الصادقعليهالسلام رجع اكثرهم بعد ذلك الى القول بإمامة موسى الكاظمعليهالسلام ، لمّا تبيّنوا ضعف دعواه، وقوَّة الحجّة من أبي الحسنعليهالسلام ودلالة إِمامته(١) .
وممّن دخل عليه مستعلماً صحّة دعواه هشام بن سالم ومؤمن الطاق، والناس مجتمعون حوله محدقون به، فسألاه عن الزكاة في كم تجب ؟ فقال : في مائتين خمسة، قالا : ففي مائة ؟ قال : درهمان ونصف، فقالا له : فواللّه ما تقول المرجئة هذا، فرفع يده الى السماء فقال : لا واللّه ما أدري ما تقول المرجئة، فعلما أنه ليس عنده شيء، فخرجا من عنده ضلالاً لا يدريان أين يتوجّهان فقعدا في بعض أزقّة المدينة باكيين حيرانين وهما يقولان : لا ندري الى من نقصد الى من نتوجّه الى المرجئة، الى القدريّة، الى الزيديّة، الى المعتزلة، الى الخوراج، فبينا هما كذلك إِذ رأى هشام شيخاً لا يعرفه يؤمي اليه بيده، فخاف أن يكون من عيون المنصور، لأنه كان له جواسيس وعيون بالمدينة ينظرون على من اتّفق شيعة جعفرعليهالسلام فيضربون عنقه، فقال لمؤمن الطاق : تنحَّ عني فإني أخاف على نفسي وعليك، وإِنما يريدني ليس يريدك، فتنحَّ عني لا تهلك وتعين على نفسك، فتنحّى أبو جعفر غير بعيد، وتبع هشام الشيخ، فما زال يتبعه حتّى أورده باب أبي الحسن موسىعليهالسلام ، ثمّ خلاه ومضى، فاذا خادم بالباب، فقال له : ادخل رحمك اللّه، فلمّا دخل قال له أبو الحسنعليهالسلام ابتداءً : إِليّ إِليّ إِليّ، لا إِلى المرجئة، ولا الى القدريّة، ولا الى الزيديّة، ولا الى المعتزلة، ولا الى الخوارج.
ثمّ خرج هشام من عند الكاظمعليهالسلام ولقي أبا جعفر مؤمن الطاق
______________________
(١) إرشاد الشيخ المفيد : ٢٨٥، والكشي : ١٦٥.
فقال له : ما وراك ؟ قال : الهدى، فحدّثه بالقصّة، ثمّ لقي المفضّل بن عمر وأبا بصير فدخلوا عليه وسلّموا وسمعوا كلامه وسألوه ثمّ قطعوا عليه، ثمّ لقي هشام الناس أفواجاً فكان كلّ من دخل عليه قطع عليه إِلا طائفة مثل عمّار الساباطي وأصحابه، فبقي عبد اللّه لا يدخل عليه إِلا قليل من الناس، فلمّا علم عبد اللّه أن هشاماً هو السبب في صدّ الناس عنه أقعد له بالمدينة غير واحد ليضربوه(١) .
وبقي عبد اللّه مصرّاً على دعوى الإمامة الى أن مات، وما كانت أيامه بعد أبيه إِلا سبعين يوماً، فلمّا مات رجع الباقون الى القول بإمامة أبي الحسنعليهالسلام إِلا شاذاً منهم(٢) وهم الذين لزمهم لقب الفطحيّة، وإنما لزمهم هذا اللقب لقولهم بإمامة عبد اللّه وهو أفطح الرجلين(٣) أو أفطح الرأس، وانقطع أثر هذه الطائفة بعد ذلك العهد بقليل، وكان آخرهم بنو فضال.
إسحاق
كان من أهل الفضل والصلاح، والورع والاجتهاد، وروى عنه الناس الحديث والآثار، وكان ابن كاسب(٤) اذا حدّث عنه يقول :
حدَّثني الثقة الرضي إِسحاق بن جعفر، وكان يقول بإمامة أخيه موسىعليهالسلام ،
______________________
(١) رجال الكشي : ١٦٥.
(٢) رجال الكشي : ١٦٥.
(٣) إرشاد الشيخ المفيد طاب ثراه : ٢٨٦.
(٤) لم أجد قدر الوسع في التتبّع ذكراً لابن كاسب في كتب الرجال وجعل الطريحي والكاظمي تمييز إِسحاق برواية ابن كاسب عنه ولم يذكرا اسمه ولا شيئاً من حاله، وهذه الكلمة في حقّ إِسحاق تنسب الى سفيان بن عيينة أيضاً وليس هو ابن كاسب.
وروى عن أبيه النصّ على أخيه موسىعليهالسلام ، كما روى النصّ بها عليه من اخوته علي بن جعفر أيضاً، وكانا من الفضل والورع على ما لا يختلف فيه إِثنان(١) .
وكان إِسحاق من شهود الوصيّة التي أوصى بها الكاظمعليهالسلام الى ابنه الرضاعليهالسلام ، وممّا يشهد لفضله وورعه مدافعته عن الرضاعليهالسلام ، فإنه لمّا مضى الكاظمعليهالسلام قدَّم أبناء الكاظم أخاهم الرضا الى القاضي فقال العبّاس بن موسىعليهالسلام : أصلحك اللّه وأمتع بك إِن في أسفل الكتاب كنزاً وجوهراً، ويريد أن يحتجبه، ويأخذه هو دوننا، ولم يدع أبونا رحمه اللّه شيئاً إِلا ألجأه اليه وتركنا عالة، ولولا أني اكفّ نفسي لأخبرتك بشيء على رؤوس الملأ، فوثب اليه إِبراهيم بن محمّد(٢) فقال : إِذن واللّه تخبر بما لا نقبله منك، ولا نصدقك عليه، ثمّ تكون عندنا ملوماً مدحوراً، نعرفك بالكذب صغيراً وكبيراً، وكان أبوك أعرف بك لو كان فيك خير، وإِن كان أبوك لعارفاً بك في الظاهر والباطن، وما كان ليأمنك على تمرتين، ثمّ وثب اليه عمّه إِسحاق بن جعفر هذا فأخذ بتلبيبه فقال له : إِنك لسفيه ضعيف أحمق، أجمع هذا مع ما كان بالأمس منك، وأعانه القوم أجمعون(٣) .
وممّن روى عنه غير ابن كاسب وابن عيينة جماعة : منهم بكر بن محمّد الأزدي، ويعقوب بن جعفر الجعفري، وعبد اللّه بن إِبراهيم الجعفري، والوشا(٤) .
______________________
(١) إرشاد الشيخ المفيد في أحوال الصادق والكاظمعليهماالسلام : ٢٨٩.
(٢) الظاهر أنه ابن اسماعيل بن الصادقعليهالسلام .
(٣) الكافي، كتاب الحجّة، باب النصّ على الرضاعليهالسلام : ١/٣١٨.
(٤) أما بكر فهو ممّن روى عن الصادق والكاظم والرضاعليهمالسلام وكان من ثقات الرواة وروى عن الثقات، وأمّا يعقوب فهو يروي عن إسحاق وروى عنه الكليني في باب مولد أبي الحسن الكاظمعليهالسلام وفي باب السحاق من أبواب النكاح، وهذا مما يشهد لوثاقته، ولكن أرباب الرجال لم يذكروا له ترجمة مستقلّة، وما اكثر من أهملوه، وهو ابن جعفر بن إبراهيم بن محمّد بن علي بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب، وأما عبد اللّه فهو عمّ يعقوب المتقدم، وهو أبو محمّد الثقة الصدوق وأمّا الوشا فهو الحسن بن علي بن زياد من أصحاب الرضاعليهالسلام ورواته الثقات.
محمّد
كان محمّد سخيّاً شجاعاً، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وقالت زوجته خديجة بنت عبد اللّه بن الحسين(١) : ما خرج من عندنا محمّد يوماً قط في ثوب فرجع حتّى يكسوه، وكان يذبح كلّ يوم كبشاً لأضيافه(٢) وكان يسمّى الديباجة لحسن وجهه وجماله(٣) .
وكان يرى رأي الزيديّة في الخروج بالسيف، وخرج على المأموان في سنة ١٩٩ بمكّة واتبعته الزيديّة الجاروديّة(٤) .
ولمّا بويع له بالخلافة ودعا لنفسه، ودُعي بأمير المؤمنين، دخل عليه الرضاعليهالسلام فقال له : يا عم لا تُكذّب أباك وأخاك، فإن هذا الأمر لا يتمّ، ثمّ لم يلبث قليلاً حتّى خرج لقتاله عيسى الجلودي فلقيه فهزمه، ثمّ استأمن اليه، فلبس السواد(٥) وصعد المنبر فخلع نفسه وقال : إِن هذا الأمر للمأمون وليس لي فيه حق(٦) .
______________________
(١) ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهمالسلام .
(٢) إرشاد الشيخ المفيد في أحواله : ٢٨٦.
(٣) كتب الرجال في ترجمته.
(٤) الارشاد : ٢٨٦.
(٥) وهو شعار العبّاسيّين، فكأنه أراد أن يجعل شعاره كشعارهم، أمّا العلويّون فكان شعارهم الخضرة.
(٦) بحار الأنوار : ٤٧/٢٤٦/٥.
ولمّا أراد الموافقة مع جيش الجلودي أرسل الرضا اليه مولاه مسافراً وقال له : قل له لا تخرج غداً فإنك إِن خرجت غداً هُزمت وقُتل أصحابك، وإِن قال لك من أين علمت غداً فقل رأيت في النوم، فلمّا أتاه ونهاه عن الخروج وسأله عن سبب علمه بذاك وقال له رأيت في النوم، قال محمّد : نام العبد فلم يغسل استه، فكان الأمر كما أعلمه به مسافر عن الامام(١) .
ولمّا خلع نفسه وتخلّى عن الأمر أنفذه الجلودي الى المأمون ولمّا وصل اليه اكرمه المأمون وأدنى مجلسه منه، ووصله وأحسن جائزته، فكان مقيماً معه بخراسان يركب اليه في موكب من بني عمّه، وكان المأمون يحتمل منه ما لا يحتمله السلطان من رعيّته.
وأنكر المأمون يوماً ركوبه اليه في جماعة من الطالبيّين، الذين خرجوا على المأمون في سنة ٢٠٠ فأمنهم، فخرج التوقيع اليهم : لا تركبوا مع محمّد بن جعفر واركبوا مع عبد اللّه بن الحسين، فأبوا أن يركبوا ولزموا منازلهم، فخرج التوقيع : اركبوا مع من أحببتم، فكانوا يركبون مع محمّد بن جعفرعليهالسلام اذا ركب الى المأمون وينصرفون بانصرافه(٢) .
ولمّا خرج على المأمون جفاه الرضاعليهالسلام وقال : إِني جعلت على نفسي ألا يظلّني وإِيّاه سقف بيت، ويقول عمر بن يزيد وكان حاضراً عند أبي الحسنعليهالسلام : فقلت في نفسي هذا يأمر بالبّر والصِلة، ويقول هذا لعمّه، فنظر إِليَّ فقال : هذا من البِرّ والصِلة، إنه متى يأتيني ويدخل عليَّ فيقول فيَّ فيصدقه الناس، واذا لم يدخل عليَّ ولم أدخل عليه لم يُقبل قوله اذا قال(٣) .
______________________
(١) الارشاد : ٣١٤.
(٢) الارشاد : ٢٨٦.
(٣) بحار الأنوار : ٤٧/٢٤٦/٤.
ومن معاجز أبي الحسن الرضاعليهالسلام في شأن محمّد أن محمّداً مرض فأخبروا الرضاعليهالسلام أنه قد ربط ذقنه، فمضى اليه ومعه بعض أصحابه، واذا لحياه قد ربطا واذا إِسحاق أخو محمّد وولده وجماعة آل أبي طالب يبكون، فجلس أبو الحسن عند رأسه ونظر في وجهه فتبسّم، فنقم من كان في المجلس على أبي الحسن، فقال بعضهم : إِنما تبسّم شامتاً بعمّه، ولمّا خرج ليصلّي في المسجد قال له أصحابه : جعلنا فداك قد سمعنا فيك من هؤلاء ما نكرهه حين تبسّمت، قال أبو الحسنعليهالسلام : إِنما تعجّبت من بكاء إِسحاق وهو واللّه يموت قبله ويبكيه محمّد، فبرئ محمّد ومات إِسحاق(١) .
ولمّا كانت خراسان دار مقرّه لم تخضع نفسه لوجود ذي الشوكة والتاج فيها - أعني المأمون - فكان إِباؤه يأبى له من الرضوخ وإِن كان سجين البلد ومغلوباً على أمره، فإنه أخبر يوماً بأن غلمان ذي الرياستين(٢) قد ضربوا غلمانه على حطب اشتروه، فخرج مُتَّزراً ببُردين ومعه هراوة(٣) يرتجز ويقول : - الموت خير لك من عيش بِذُلّ - وتبعه الناس حتّى ضرب غلمان ذي الرياستين وأخذ الحطب منهم، فرفعوا الخبر الى المأمون، فبعث الى ذي الرياستين فقال : ائتِ محمّد بن جعفر فاعتذر اليه وحكِّمه في غلمانك، فخرج ذو الرياستين الى محمّد، فقيل لمحمّد : هذا ذو الرياستين قد أتى، فقال : لا يجلس إِلا على الأرض، وتناول بساطاً كان في البيت فرمى به هو ومن معه ناحية، ولم يبق في البيت إِلا وسادة جلس عليها محمّد، فلمّا دخل عليه ذو الرياستين وسّع له محمّد على الوسادة فأبى أن يجلس عليها وجلس على الأرض فاعتذر اليه وحكَّمه في غلمانه.
______________________
(١) عيون أخبار الرضاعليهالسلام : ٢/٢٠٦/٧.
(٢) هو الفضل بن سهل وزير المأمون، وسمّي ذا الرياستين لجمعه بين رياستي السيف والقلم.
(٣) عصا.
وتوفي محمّد بن جعفر في خراسان فركب المأمون ليشهده فلقيهم وقد خرجوا به، فلمّا نظر الى السرير نزل فترجّل ومشى حتّى دخل بين العمودين فلم يزل بينهما حتّى وضع، فتقدّم وصلّى عليه، ثمّ حمله حتّى بلغ به القبر، ثمّ دخل قبره فلم يزل فيه حتّى بُني عليه، ثمّ خرج فقام على القبر حتّى دُفن، فقال له عبد اللّه بن الحسين ودعا له : يا أمير المؤمنين إِنك قد تعبت اليوم فلو ركبت، فقال المأمون : إِن هذه رحم قُطعت من مائتي سنة.
وكان عليه دَين كثير فأراد إِسماعيل بن محمّد اغتنام هذه الفرصة من المأمون ليسأله قضاء دَينه، فقال لأخيه وهو الى جنبه والمأمون قائم على القبر : لو كلّمناه في دَين الشيخ، فلا نجده أقرب منه في وقته هذا، فابتدأهم المأمون فقال : كم ترك أبو جعفر من الدَين ؟ فقال له إِسماعيل : خمسة وعشرين ألف دينار، فقال له : قد قضى اللّه عنه دَينه، الى مَن أوصى ؟ فقالوا له : الى ابن له يقال له يحيى بالمدينة، فقال : ليس هو بالمدينة هو بمصر، وقد علمنا بكونه فيها ولكن كرهنا أن نعلمه بخروجه من المدينة لئلا يسوءه ذلك، لعلمه بكراهتنا لخروجه عنها(١) .
علي
بلغ علي بن جعفر من الجلالة شأواً لا يلحق، ومن الفضل محلاً لا يسبق، وأمّا حديثه وثقته فيه، فهو ممّا لا يختلف فيه اثنان، ومن سبَر كتب الحديث عرف ما له من أخبار جمّة يرويها عن أخيه الكاظمعليهالسلام تكشف عن علم ومعرفة.
وقال فيه الشيخ المفيد طاب ثراه في إِرشاده : وكان علي بن جعفر راوية للحديث، سديد الطريق، شديد الورع، كثير الفضل، ولزم أخاه موسىعليهالسلام ، وروى عنه شيئاً كثيراً من الأخبار، وقال في النصّ عليه، وكان شديد التمسّك به، والانقطاع اليه، والتوفّر على أخذ معالم الدين منه، وله مسائل مشهورة عنه، وجوابات سماعاً عنه، والنصّ على أخيه الكاظمعليهالسلام روى من أخويه إِسحاق وعلي ابني جعفر، وكانا من الفضل والورع على ما لا يختلف فيه إِثنان.
______________________
(١) إرشاد الشيخ المفيد طاب ثراه : ٢٨٧.
ومن شدّة ورعه اعترافه بالأئمة بعد أخيه الكاظمعليهالسلام مع كبر سنّه وجلالة قدره، وكبير فضله، ولم تثنه هذه الشؤون عن الاعتراف بالحقّ والعمل به، بل زادته بصيرة وهدى.
كان رجل يظنّ فيه علي بن جعفر أنه من الواقفة سأله عن أخيه الكاظم فقال له علي : إِنه قد مات، فقال له السائل : وما يدريك بذلك ؟ قال له : اقتسمت أمواله، ونكحت نساؤه، ونطق الناطق بعده، قال : ومن الناطق بعده ؟ قال علي : ابنه، قال : فما فعل ؟ قال له : مات، قال : وما يدريك أنه مات ؟ قال علي : قسّمت أمواله، ونكحت نساؤه، ونطق الناطق من بعده، قال : ومن الناطق من بعده ؟ قال علي : ابنه أبو جعفر، فقال له الرجل : أنت في سنّك وقدرك وأبوك جعفر بن محمّدعليهماالسلام ، تقول هذا القول في هذا الغلام، فقال له علي : ما أراك إِلا شيطاناً، ثمّ أخذ علي بلحيته فرفعها الى السماء ثمّ قال : فما حيلتي إِن كان اللّه رآه أهلاً لهذا ولم يرَ هذه الشيبة لهذا أهلاً(١) .
هذا لعمر الحقّ هو الورع، ورضوخ النفس للحق، وعدم الاغترار بشؤون التقدم من الفضل والسنّ والجلالة، التي قد تغترّ النفس الأمّارة بما دونها من الخصال العالية.
______________________
(١) الكشي : ص ٤٢٩/٨٠٣.
وكان يعمل أبداً مع أبي جعفر عمل المأموم العارف بمنزلة الإمام، دون أن يحجزه عن هذا أنه عمّ أبيه، بل ربّما تمنّى أن يفديه بنفسه، أراد أبو جعفرعليهالسلام ليفتصد ودنا الطبيب ليقطع له العرق، فقام علي بن جعفر فقال : يا سيّدي يبدأني لتكون حدَّة الحديد فيَّ قبلك، ثمّ أراد أبو جعفرعليهالسلام النهوض فقام علي بن جعفر فسوّى له نعليه حتّى يلبسهما(١) .
ودخل أبو جعفرعليهالسلام يوماً مسجد الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم فلمّا بصر به علي بن جعفر وثب بلا حذاء ولا رداء فقبَّل يده وعظَّمه فقال له أبو جعفر : يا عمّ اجلس رحمك اللّه، فقال : يا سيّدي كيف أجلس وأنت قائم، فلمّا رجع أبو جعفر الى مجلسه جعل أصحابه يوبّخونه ويقولون : أنت عمّ أبيه، وأنت تفعل به هذا الفعل، فقال : اسكتوا اذا كان اللّه عزّ وجل - وقبض على لحيته - لم يؤهّل هذه الشيبة وأهل هذا الفتى ووضعه حيث وضعه أنكر فضله، نعوذ باللّه ممّا تقولون، بل أنا له عبد(٢) .
هذه هي النفس القدسيّة التي عرفت الحقّ فاتّبعته، وما اقتفت أثر الحميّة والعصبيّة، واغترّت بالنفس، بل كان من حُبّ النفس أن يطيع المرء خالقه جلّ شأنه في أوليائه واُولي الأمر من عباده.
هذه بعض حال علي بن جعفر التي تكشف عمّا انطوى عليه ضميره من القدس والنسك والطاعة والعلم باللّه وبالحجج من خلقه.
______________________
(١) الكشي : ٤٢٩/٨٠٤.
(٢) الكافي، كتاب الحجّة، باب النصّ على أبي جعفر الثانيعليهالسلام ، ولا يراد من العبوديّة في مثل المقام الرقية والملكيّة، بل الطاعة والإمتثال : ١/٣٢٢/١٢.
وكان رضوان اللّه عليه يسمّى بالعريضي، نسبة الى العريض - بضم وفتح - محلّ قرب المدينة كان يسكنه، وبه مات إِسماعيل، ولعلي أولاد ينسبون اليه بعنوان العريضي.
العبّاس
قال الشيخ المفيد رحمه اللّه في إرشاده : وكان العبّاس بن جعفر رحمه اللّه فاضلاً نبيلاً(١) .
قلت : ولم أظفر بشيء من أحواله غير هذه النبذة التي أوردها الشيخ المفيد طاب رمسه.
موسى الكاظمعليهالسلام
وهو الامام بعد أبيه الصادقعليهالسلام على رأي الاماميّة وعسى أن نتوفّق يوماً لتأليف كتاب في حياته، ومنه تعالى نستمدّ المعونة والتوفيق.
______________________
(١) إرشاد الشيخ المفيد : ٢٨٧.
رواته
كان رواة أبي عبد اللّهعليهالسلام أربعة آلاف أو يزيدون كما أشرنا اليه غير مرّة، قال الشيخ المفيد طاب ثراه في الإرشاد : فإن أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه من الثقات على اختلافهم في الآراء والمقامات، فكانوا أربعة آلاف رجل(١) ، وذكر ابن شهراشوب أن الجامع لهم ابن عقدة وزاد غيره أن ابن عقدة ذكر لكلّ واحد منهم رواية، وأشار الى عددهم الطبرسي في أعلام الورى، والمحقق الحلّي في المعتبر، وذكر أسماءهم الشيخ الطوسي طاب رمسه في كتاب الرجال.
ولا يزيده كثرة الرواة عنه رفعة وجلالة قدر، وإِنما يزداد الرواة فضلاً وعلوّ شأن بالرواية عنه، نعم إِنما يكشف هذا عن علوّ شأنه في العلم وانعقاد الخناصر على فضله من طلاب العلم والفضيلة على اختلافهم في المقالات والنِحل.
أعلام السنّة
أخذ عنه عدَّة من أعلام السنّة وأئمتهم، وما كان أخذهم عنه كما يأخذ التلميذ عن الاُستاذ، بل لم يأخذوا عنه إِلا وهم متّفقون على إِمامته وجلالته وسيادته، كما يقول الشيخ سليمان في الينابيع، والنووي في تهذيب الأسماء واللغات، بل عدّوا أخذهم عنه منقبة شرّفوا بها، وفضيلة اكتسبوها كما يقول الشافعي في مطالب السؤل، ونحن اولاء نورد لك شطراً من اولئك الأعلام.
______________________
(١) الارشاد للمفيد : ٢٧١.
أبو حنيفة :
منهم أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي من الموالي وأصله من كابل ولد بالكوفة، وبها نشأ ودرس، وكانت له فيها حوزة وانتقل الى بغداد وبها مات عام ١٥٠، وقبره بها معروف، وهو أحد المذاهب الأربعة عند أهل السنّة، وحاله أشهر من أن يُذكر.
وأخذه عن الصادقعليهالسلام معروف، وممّن ذكر ذلك الشبلنجي في نور الأبصار، وابن حجر في الصواعق، والشيخ سليمان في الينابيع، وابن الصبّاغ في الفصول، الى غير هؤلاء، وقال الآلوسي في مختصر التحفة الاثني عشريّة ص ٨ : وهذا أبو حنيفة وهو هو بين أهل السنّة كان يفتخر ويقول بأفصح لسان : «لولا السنتان لهلك النعمان» يريد السنتين اللتين صحب فيها - لأخذ العلم - الامام جعفر الصادقعليهالسلام .
مالك بن أنس :
ومنهم مالك بن أنس المدني أحد المذاهب الأربعة أيضاً، قال ابن النديم في الفهرست : هو ابن أبي عامر من حمير وعداده في بني تيم بن مرَّة من قريش، وحمل به ثلاث سنين، وقال : وسعي به الى جعفر بن سليمان العبّاسي وكان والي المدينة فقيل له : إِنه لا يرى ايمان بيعتكم. فدعى به وجرَّده وضربه أسواطاً ومدّده فانخلع كتفه وتوفي عام ١٧٩ عن ٨٤ سنة، وذكر مثله ابن خلكان.
وأخذه عن أبي عبد اللّهعليهالسلام معلوم مشهور، وممّن أشار الى ذلك النووي في التهذيب، والشبلنجي في نور الأبصار، والسبط في التذكرة، والشافعي في المطالب، وابن حجر في الصواعق، والشيخ سليمان في الينابيع، وأبو نعيم في الحلية، وابن الصبّاغ في الفصول، الى ما سوى هؤلاء.
سفيان الثوري :
ومنهم سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، ورد بغداد عدّة مرّات، وروى عن الصادقعليهالسلام جملة أشياء، وأوصاه الصادق باُمور ثمينة مرَّت في الوصايا، وناظر الصادق في الزُهد كما سلف، وارتحل الى البصرة وبها مات عام ١٦١، وولادته في نيف وتسعين، قيل شهد وقعة زيد الشهيد وكان في شرطة هشام بن عبد الملك.
جاء أخذه عن الصادقعليهالسلام في التهذيب، ونور الأبصار، والتذكرة، والمطالب، والصواعق، والينابيع، والحلية، والفصول المهمة، وغيرها، وذكره الرجاليّون من الشيعة في رجالهعليهالسلام .
سفيان بن عيينة :
ومنهم سفيان بن عيينة بن أبي عمران الكوفي المكّي ولد بالكوفة عام ١٠٧ ومات بمكّة عام ١٩٨، ودخل الكوفة وهو شاب على عهد أبي حنيفة.
ذكر أخذه عن الصادقعليهالسلام في التهذيب، ونور الأبصار، والمطالب، والصواعق، والينابيع، والحلية، والفصول، وما سواها، وذكر ذلك الرجاليّون من الشيعة أيضاً.
يحيى بن سعيد الأنصاري :
ومنهم يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري من بني النجّار تابعي، كان قاضياً للمنصور في المدينة، ثمّ قاضي القضاة، مات بالهاشميّة عام ١٤٣.
انظر المصادر المتقدّمة في روايته عن الصادقعليهالسلام وما عداها كما ذكر ذلك الرجاليّون من الشيعة.
ابن جريح :
ومنهم عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح المكّي، سمع جمعاً كثيراً من العلماء، وكان من علماء العامّة، الذين يرون حلّيّة المتعة كما رأى حلّيتها آخرون منهم، وجاء في طريق الصدوق في باب ما يُقبل من الدعاوى بغير بيّنة، وجاء في الكافي في باب ما أحلَّ اللّه من المتعة سؤال أحدهم من الصادقعليهالسلام عن المتعة فقال : الق عبد الملك بن جريح فاسأله عنها فإن عنده منها علماً، فأتاه فأملى عليه شيئاً كثيراً عن المتعة وحلّيّتها.
وقال ابن خلكان : عبد الملك أحد العلماء المشهورين، وكانت ولادته سنة ٨٠ للهجرة وقدم بغداد على أبي جعفر المنصور، وتوفى سنة ١٤٩ وقيل ١٥٠، وقيل ١٥١.
وذكرت المصادر السابقة أخذه عن الصادقعليهالسلام ، كما ذكرته رجال الشيعة.
القطّان :
ومنهم أبو سعيد يحيى بن سعيد القطّان البصري، كان من أئمة الحديث بل عُدَّ محدّث زمانه، واحتجّ به أصحاب الصحاح الستة وغيرهم، توفي عام ١٩٨، وحكي عن ابن قتيبة عداده في رجال الشيعة، ولكن الشيعة لا تعرفه من رجالها.
ذكره في رجال الصادقعليهالسلام التهذيب، والينابيع، وغيرهما من السنّة، والشيخ، وابن داود، والنجاشي، وغيرهم من الشيعة.
محمّد بن إسحاق :
ومنهم محمّد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي والسير، مدنيّ سكن مكّة، أثنى عليه ابن خلكان كثيراً، وكان بينه وبين مالك عداء، فكان كلّ منهما يطعن في الآخر، قدم الحيرة على المنصور فكتب له المغازي.
وقدم بغداد وبها مات عام ١٥١ على المشهور، ذكر أخذه عن الصادق في التهذيب، والينابيع، وغيرهما من السنّة، والشيخ في رجاله، والعلامة في الخلاصة، والكشي في رجاله، وغيرهم من الشيعة.
شعبة بن الحجّاج :
ومنهم شعبة بن الحجّاج الأزدي كان من أئمة السنّة وأعلامهم وكان يفتي بالخروج مع إِبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن، وقيل كان ممّن خرج من أصحاب الحديث مع إبراهيم بن عبد اللّه.
وعَدَّه في أصحاب الصادقعليهالسلام جماعة من السنّة منهم صاحب التهذيب، والصواعق، والحلية، والينابيع، والفصول، والتذكرة وغيرها، وذكرته كتب الشيعة في رجاله أيضاً.
أيوب السجستاني :
ومنهم أيوب بن أبي تميمة السجستاني البصري، وقيل السختياني، والأول أشهر، مولى عمّار بن ياسر وعدُّوه في كبار الفقهاء التابعين، مات عام ١٣١ بالطاعون بالبصرة عن ٦٥ سنة.
عدَّه في رجال الصادقعليهالسلام في نور الأبصار، والتذكرة، والمطالب، والصواعق، والحلية، والفصول، وغيرها، وذكرته كتب رجال الشيعة في أصحابه أيضاً.
وهؤلاء بعض من نسبوه الى تلمذة الصادقعليهالسلام من أعلام السنّة وفقهائهم البارزين، وقد عدّواً غير هؤلاء فيهم أيضاً، انظر في ذلك حلية الأولياء، على أن غير أبي نعيم أشار الى غير هؤلاء بقوله وغيرهم، أو ما سوى ذلك ممّا يؤدّي هذا المفاد.
مشاهير الثقات من رواته من الشيعة
اذا كان الرواة الثقات الذين أحصتهم كتب الرجال أربعة آلاف أو يزيدون فليس من الصواب أن نذكرهم جميعاً ههنا، على أن كتب الرجال قد استقصت اكثرهم ذكراً وترجمة، كما أنه ليس من الصحيح إِهمالهم فإن استطراد ذكرهم دخيل في القصد، فرأينا أن نذكر المشاهير عن ثقاتهم خاصّة فإن به إِيراداً لناحية من نواحي حياتهعليهالسلام ، وبُعداً عن السعة المملّة.
أبان بن تغلب :
أبو سعد أبان بن تَغِلب الكبري الجريري، روى عن السجّاد والباقر والصادقعليهمالسلام ومات أيام الصادقعليهالسلام ١٤١، وقيل عام ١٤٠، ولمّا بلغ نعيه أبا عبد اللّهعليهالسلام قال :«أما واللّه لقد أوجع قلبي موت أبان» وهذا ينبيك عن كبير مقامه لديه، وعظيم منزلته عنده، يا ترى ما شأن من يوجع موته قلب الصادقعليهالسلام ؟
وكان غزير العلم قويّ الحجّة، ويشهد لذلك قول الباقرعليهالسلام له : اجلس في مسجد المدينة وافتِ الناس فإني احبّ أن يُرى في شيعتي مثلك. وقول الصادقعليهالسلام له : ناظر أهل المدينة فإني احبّ أن يكون مثلك من رجالي.
فلو لم يكن بتلك الغزارة من الفضل، والقوّة في الحجّة، لما عرَّضاه لتلك المآزق والمخاطر، فإن فشله فشل لهما.
وقد روى عن الصادق فحسب ثلاثين ألف حديث، كما أخبر عن ذلك الصادق نفسه، وأمر أبان بن عثمان أن يرويها عنه.
وما كان متخصّصاً بالحديث والكلام فحسب بل كان متضلّعاً في عدّة علوم جليلة، كالتفسير والأدب واللغة والنحو والقراءة، وسمع من العرب وحكى عنهم وصنَّف كتاب الغريب في القرآن، وذكر شواهده من الشعر.
ومن سموّ مقامه اتّفاق الفريقين على وثاقته، فقد وثّقه جهابذة القوم في الحديث مع اعترافهم بتشيّعه، منهم أحمد ويحيى وأبو حاتم والنسائي وابن عدي وابن عجلان والحاكم والعقيلي وابن سعد وابن حجر وابن حيّان وابن ميمونة والذهبي في ميزان الاعتدال، وعدُّوه في التابعين، وكفى بهذا دلالة على بلوغه من الوثاقة والفضل حدّاً لا يسع أحداً إِنكاره.
أبان بن عثمان :
أبان بن عثمان الأحمر البجلي الكوفي، كان يسكن الكوفة مرّة، والبصرة اُخرى، وقد أخذ عنه أهل البصرة أمثال أبي عبيدة معمّر بن المثنى، وأبي عبد اللّه محمّد بن سلام، واكثروا الحكاية عنه في أخبار الشعراء والنسب والأيام.
روى عن الصادق والكاظمعليهماالسلام ، وله كتاب كبير حسن يجمع المبتدأ والمغازي والوفاة والردّة، هكذا قال النجاشي.
وهو من الستة أصحاب أبي عبد اللّهعليهالسلام ، الذين أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم والإقرار لهم بالفقه، وهم جميل بن درّاج، وعبد اللّه بن مسكان، وعبد اللّه بن بكير، وحمّاد بن عيسى، وحمّاد بن عثمان، وأبان بن عثمان هذا.
إِسحاق الصيرفي :
إِسحاق بن عمّار بن حيّان الصيرفي الكوفي، كان من الثقات الذين رووا الحديث عن الصادق وابنه الكاظمعليهماالسلام ، واخوته يونس ويوسف وإِسماعيل، وهو بيت كبير من الشيعة، وابنا أخيه علي وبشير ابنا إِسماعيل كانا من وجوه من روى الحديث، وكان الصادق اذا رآه ورأى أخاه إِسماعيل قال :«وقد يجمعهما لأقوام» يعني الدنيا والآخرة، لأنهما كانا من ذوي الثروة والمال الوافر ويصلان به أصحابهما وينيلان منه، ورويت فيه مدائح اُخرى.
السكوني :
إِسماعيل بن أبي زياد السكوني، والسكون حيّ من عرب اليمن، قيل إِنه كان قاضياً في الموصل، وكان ثقة في الرواية وقد أجمع أصحابنا على العمل بروايته وذكر بعض الرجاليّين أنه عامّي ولم يثبت، وله حديث كثير في الفقه، وكلّه معمول به اذا صحّت الرواية اليه.
إِسماعيل الصيرفي :
إِسماعيل بن عمّار بن حيّان الصيرفي الكوفي، أخو إِسحاق المتقدّم الذكر، وقد سبق في إِسحاق قول الصادقعليهالسلام اذا رآهما :«وقد يجمعهما لأقوام» والذي يزيد في علوّ شأنه ما رواه في الكافي في باب البرّ بالوالدين في الصحيح عن عمّار بن حيّان أبي إِسماعيل هذا، قال : أخبرت أبا عبد اللّهعليهالسلام ببرّ إِسماعيل ابني فقالعليهالسلام :«لقد كنت أحبّه ولقد ازددت له حبّاً» وكفاه هذا فضلاً وعلوّاً.
بريد العجلي :
بريد بن معاوية العجلي، كان ممّن روى عن الباقر والصادقعليهماالسلام معاً، ومات في أيام الصادقعليهالسلام ، وقد بلغ من الجلالة وعظم الشأن عند أهل البيت حدّاً فوق الوثاقة، وارتقى مقاماً لديهم يعجز القلم عن وصفه، وكيف ترى منزلة من يقول الصادقعليهالسلام في حقّه :«أوتاد الأرض وأعلام الدين أربعة : محمّد بن مسلم، وبريد بن معاوية، وليث بن البختري المرادي، وزرارة بن أعين» ، ويقول في حديث :«إِن أصحاب أبي كانوا زيناً أحياءً وأمواتاً، أعني زرارة بن أعين، ومحمّد بن مسلم، ومنهم ليث المرادي، وبريد العجلي، هؤلاء القوَّامون بالقسط، هؤلاء القوَّامون بالصدق، هؤلاء السابقون السابقون اولئك المقرّبون» وقال فيهم في حديث آخر :«أربعة نجباء اُمناء اللّه على حلاله وحرامه» ويقول في آخر :«هؤلاء حفّاظ الدين واُمناء أبي على حلال اللّه وحرامه، وهم السابقون الينا في الدنيا والسابقون الينا في الآخرة» الى كثير أمثال هذا من التقريظ والمدح، وهو من أصحاب الباقرعليهالسلام الذين أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم والإقرار لهم بالفقه.
بكير بن أعين :
بكير بن أعين الشيباني أخو زرارة، روى عن الباقر والصادق معاًعليهماالسلام ، ومات في حياة الصادق، ولمّا بلغه خبر موته قال كما رواه الكشي ص ١٢٠«أما واللّه لقد أنزله اللّه بين رسول اللّه وأمير المؤمنين صلوات اللّه عليهما وعلى آلهما الطاهرين» وذكره الصادقعليهالسلام يوماً فقال :«رحم اللّه بكيراً وقد فعل» يقول عبيد اللّه بن زرارة : فنظرت اليه وقد كنت يومئذٍ حديث السن، فقالعليهالسلام : اني أقول إِن شاء اللّه، وكفى هذا شهادة له بعلوّ الدرجة، وسموّ المقام، وهو من ثقات أولاد أعين وصلحائهم وما اكثر فيهم الثقات الصلحاء، وقد روى عنه عدّة من الثقات.
أبو حمزة الثمالي :
أبو حمزة الثمالي ثابت بن دينار، روى عن السجّاد والباقر والصادقعليهمالسلام ، وبقي الى زمن الكاظمعليهالسلام ، قيل مات عام ١٥٠، فتكون وفاته بعد مضي سنتين من إِمامة الكاظم وقيل أدرك موت المنصور عام ١٥٨.
وكان أبو حمزة من جلالة القدر وعظم المنزلة بالمحلّ الأرفع حتّى قال فيه الرضاعليهالسلام «أبو حمزة في زمانه كلقمان في زمانه، وذلك أنه خدم أربعة منّا : علي بن الحسين، ومحمّد بن علي، وجعفر بن محمّد، وبرهة من عصر موسى ابن جعفر عليهمالسلام » وفي اخرى«كسلمان الفارسي في زمانه» .
وأرسل اليه الصادقعليهالسلام وكان أبو حمزة بالبقيع فقال له بعد أن جاء :«إني لأستريح اذا رأيتك» وقال فيه أبو الحسن موسىعليهالسلام :«كذلك يكون المؤمن اذا نوّر اللّه قلبه» الى ما سوى هذه من كلمات الأئمة فيه، التي دلّت على تقديرهم له وإِعجابهم به.
وهو الراوي للدعاء الطويل العظيم الشأن في بلاغته ومقاصده العالية عن زين العابدينعليهالسلام الذي يُقرأ في سحر شهر رمضان، المعروف بدعاء أبي حمزة. وقد وثّقه أهل السنّة أيضاً ورووا عنه.
جابر الجعفي :
جابر بن يزيد الجعفي الكوفي، روى عن الباقر والصادقعليهماالسلام وقضى نحبه أيام أبي عبد اللّهعليهالسلام عام ١٢٨ وقيل عام ١٣٢، وقد روى عن الباقر خاصّة سبعين ألف حديث، ومن تتبّع أحاديثه عرف أنه كان ممّن يحمل أسرارهما، ويروي الكرامات الباهرة لهما.
أمره الباقرعليهالسلام بإظهار الجنون فأظهره، فكان يدور في رحبة مسجد الكوفة والصبيان حوله وهو يقول : أجد منصور بن جمهور أميراً غير مأمور، فما مضت الأيام حتّى ورد من هشام بن عبد الملك الى واليه بالكوفة أن انظر رجلاً يقال له جابر بن يزيد الجعفي فاضرب عنقه وابعث إِليّ برأسه، فالتفت الى جلسائه وسألهم عن جابر، فقالوا : كان رجلاً له فضل وعلم وحديث وحجّة فجن، وهو ذا في الرحبة مع الصبيان على القصب فأشرف عليه فاذا هو مع الصبيان يلعب على القصب، فقال : الحمد للّه الذي عافاني مِن قتله، ومن ثمّ انكشف السرّ في أمر الباقرعليهالسلام له بإظهار الاختلاط، ثمّ لمّا اطمأنّ عاد الى حالته الاُولى، ولم تمضِ الأيام حتّى كان ما قاله في منصور بن جمهور.
وذكر اليعقوبي في تاريخه (٣ : ٨١) حديثاً عن جابر وإِخباره عمّا سيقع من أمر بني العبّاس والدعوة لهم وشأن قحطبة فيها، وكان قحطبة بالقرب منهم يستمع فأشار اليه جابر، وقال : لو أشاء أن أقول هو هو لقلت.
ومن هذا ومثله تعرف أنه كان مستودع الأسرار، وجاءت فيه مدائح جمّة وترحّم عليه الصادقعليهالسلام ، وقيل إِنه ممّن انتهى اليه علم الأئمةعليهمالسلام ، ولذلك ترى أرباب الحديث والرجال من العامّة بين موثّق له وطاعن فيه بأنه رافضي غال يقول بالرجعة، مع اعتراف الذهبي بأنه من اكبر علماء الشيعة.
جميل بن درّاج :
جميل بن درّاج بن عبد اللّه النخعي روى عن الصادق والكاظمعليهماالسلام ، وكفّ بصره آخر عمره، ومات أيام الرضاعليهالسلام وهو من الستة أصحاب الصادقعليهالسلام الذين أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم والإقرار لهم بالفقه، وسبق في أبان بن عثمان عدّهم وقيل إِن جميلاً كان أفقههم.
وجاءت فيه مدائح تكشف عن علوّ في الدرجة، منها أن الصادقعليهالسلام تلا هذه الآية :( فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكّلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين ) (١) ثمّ أهوى بيده الى جماعة كانوا عنده وفيهم جميل بن درّاج، فقالوا : أجل جعَلنا اللّه فداك لا نكفر بها، وكان معروفاً بالعبادة وطول السجود.
الحارث بن المغيرة النصري :
الحارث بن المغيرة النصري، روى عن الباقر والصادق والكاظم عليهم سلام اللّه، وكان من ذوي الدرجات الرفيعة، كما شهدت بذلك عدة أحاديث، منها قول الصادقعليهالسلام لجماعة منهم يونس بن يعقوب :«أما لكم من مستراح تستريحون اليه، ما يمنعكم من الحارث بن المغيرة النصري» على أن يونس بن يعقوب كان من ذوي المنازل العالية، ومع علوّ شأنه أمره الصادق بالرجوع الى الحارث، والشواهد على جلالته وعلوّ منزلته كثيرة.
______________________
(١) الأنعام : ٨٩.
حريز :
حريز بن عبد اللّه الأزدي الكوفي السجستاني، ونسب الى سجستان لإكثاره السفر والتجارة اليها فعرف بها، وكان من فقهاء الرواة وله عدّة كتب في الفقه وقد روى عن الصادقعليهالسلام مشافهة وبالواسطة أخباراً كثيرة، وقيل إِنه لم يروِ عن الصادقعليهالسلام مشافهة إِلا حديثين، ولكن هذا الزعم يخالف ما هو مرويّ عنه في كتب الفقه بلا واسطة، ومن سبَر كتب الحديث عَرف أنه كثير الرواية عنه مشافهة، وكتبه تُعدّ من الاُصول، وقد قتل في سجستان في جماعة من الشيعة، وسبب ذلك أن له أصحاباً يقولون بمقالته، وكان الغالب على أهل سجستان الشراة - الخوارج - وكان أصحاب حريز يسمعون منهم ثلب أمير المؤمنينعليهالسلام وسبّه، فيخبرون حريزاً ويستأمرونه في قتل من يسمعون منه ذلك فيأذن لهم، فلا يزال الشراة يجدون منهم القتيل بعد القتيل، فلا يتوهّمون على الشيعة لقلّة عددهم، ويطالبون المرجئة ويقاتلونهم، وما زال الأمر هكذا حتّى وقفوا على الأمر فطلبوا الشيعة، فاجتمع أصحاب حريز اليه في المسجد، فهدموا عليهم حيطان المسجد وقلبوا أرضه عليهم، رحمة اللّه عليهم.
حفص بن سالم :
أبو ولاد الحنّاط حفص بن سالم الجعفي مولاهم الكوفي، كان ممّن روى عن الصادقعليهالسلام ، وله أصل رواه عنه عدّة من الثقات، وهو متّفق على وثاقته، ولم يغمز فيه أحد بشيء.
وقيل : خرج مع زيد وصوّب خروجه الصادقعليهالسلام وليس تصويبه بمستغرب، وإِنما كان يدع أمر زيد لئلا ينسب اليه فيكون هدفاً لبلاء نبي اُميّة.
حفص بن غياث القاضي :
حفص بن غياث النخعي الكوفي القاضي، ولّي القضاء لهرون الرشيد ببغداد الشرقيّة، ثمّ ولاه قضاء الكوفة، وبها مات عام ١٩٤ كما ذكر ذلك النجاشي، وذكر أن كتابه الذي يرويه عن جعفر بن محمّدعليهماالسلام مائة وسبعون حديثاً أو نحوها.
وهو على الأشهر عامّي المذهب ثقة في الرواية، وقد أجمعت الطائفة على العمل برواية جماعة ليسوا من الشيعة، وحفص أحدهم وليس التشيّع السبب الوحيد لقبول الرواية، وإِنما المدار على وثاقة الراوي مهما كان مذهبه.
وربّما استظهر بعضهم من رواياته أنه شيعي إِمامي، ولكن العاميّة عنه أشهر، وكان اذا حدّث عن الإمام الصادقعليهالسلام يقول :«حدّثني خير الجعافرة جعفر بن محمّد» ولا يخفى عليك أن مثل هذا البيان من الراوي يرشدنا الى عدم تشيّعه، إِلا أن يريد إِخفاء تشيّعه.
حماد بن عثمان :
حمّاد بن عثمان بن زياد الرواسي الكوفي الملقّب بالناب، روى عن الصادق والكاظم والرضاعليهمالسلام ، مات بالكوفة عام ١٩٠ وله كتاب يرويه عنه عدّة من الثقات، وهو من أصحاب الصادقعليهالسلام الذين أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم، والإقرار لهم بالفقه، وقد مرَّ عدُّهم في أبان بن عثمان، ولحمّاد اخوان وهما الحسين وجعفر ولدا عثمان، وهما أيضاً من الرواة الثقات الأخيار الأفاضل.
حمّاد بن عيسى :
أبو محمّد حمّاد بن عيسى الجهني البصري غريق الجحفة، روى عن الصادق والكاظمعليهماالسلام وعاش الى زمن الجوادعليهالسلام ولم تعرف له رواية عن الرضا والجوادعليهماالسلام ، وهو من الستّة أصحاب الصادقعليهالسلام الذين أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم والإقرار لهم بالفقه كما سلف في أبان بن عثمان، وكان صدوقاً متحرّزاً في حديثه، فقد روي عنه أنه قال : سمعت من أبي عبد اللّهعليهالسلام سبعين حديثاً فلم أزل أدخل الشكّ على نفسي حتّى اقتصرت على هذه العشرين، وقد سبق في استجابة دعائهعليهالسلام «ج ١ : ٢٥٤» أن حمّاداً سأله في أن يدعو له بكثرة الحجّ، وأن يرزقه ضياعاً حسنة وداراً حسنة، وزوجة من أهل البيوتات صالحة، وأولاداً أبراراً، فدعا له الصادق بما طلب، وقيّد الحجّ بخمسين حجّة، فاستجاب اللّه دعاء الصادقعليهالسلام له، فكان حاله كما طلب، ولما حجّ في الحادية والخمسين أيام الجوادعليهالسلام ووصل الى الجحفة وأراد أن يحرم دخل وادي قناة ليغتسل ويحرم، وهو وادٍ يسيل من الشجرة فأخذه السيل ومرّ به، فتبعه غلمانه وأخرجوه من الماء ميّتاً، فمن ثمّ سمّي غريق الجحفة.
وقيل : إِن الذي دعا له بتلك الطلبات هو الامام الكاظمعليهالسلام وكان غرقه عام ٢٠٩.
حمران بن أعين :
حمران بن أعين الشيباني مولاهم أخو زرارة، روى عن الباقر والصادقعليهماالسلام ، منزلته عندهم لا يضارعه فيها من رجالهم إِلا نادر، وكيف ترى مقام من يقول له الباقرعليهالسلام :«أنت من شيعتنا في الدنيا والآخرة» ويقول فيه :«حمران من المؤمنين حقاً لا يرجع أبداً» ويقول فيه الصادقعليهالسلام :«مات واللّه مؤمناً» ويقول فيه : «حمران مؤمن من أهل الجنّة لا يرتاب أبداً، لا واللّه لا واللّه» ويقول فيه :«ما وجدت أحداً أخذ بقولي، وأطاع أمري، وحذا حذو أصحاب آبائي غير رجلين رحمهما اللّه، عبد اللّه بن أبي يعفور، وحمران بن أعين، أما إِنهما مؤمنان خالصان من شيعتنا» ويقول فيه :«حمران مؤمن لا يرتدّ أبداً» ويقول فيه :«نِعم الشفيع أنا وآبائي لحمران بن أعين يوم القيامة نأخذه بيده ولا نزايله (١) حتّى ندخل الجنّة جميعاً» الى نظائر هذه الكلمات الواردة فيه عنهماعليهماالسلام ، وهذه كما ترى تنبئ عن ارتفاع مقامه عندهم درجة لا يشاركه فيها إِلا قليل، على كثرة رجالهم، وكثرة أهل الورع والهُدى فيهم، كما قرأت وستقرأ، وكما دلّت هذه الكلم على ارتفاع منزلته لديهم دلّت على رسوخ إِيمانه، وثبات يقينه، الى حدّ يؤمن من تضعضعه، وإِن مرَّت عليه العواصف وساورته المحن ونهشته النوائب، على أن عصره من أهمّ العصور التي اختبرت المحن والفتن فيها سرائر الرجال، لا سيّما أهل العلم والفضيلة منهم لما لهم من المكانة بين الناس يوم ذاك.
وما كان حمران فقيهاً فحسب، بل كان من علماء الكلام، وحملة الكتاب، ويذكر اسمه في أهل القراءات، وكان أيضاً من علماء اللغة والنحو فهو جامع لجهات الفضل.
حمزة بن الطيّار :
حمزة بن الطيّار كان ثقة عظيم الشأن، من رجال الفقه والكلام، مات أيام الصادقعليهالسلام ، وجاءت فيه أحاديث تعرب عن إِيمان راسخ، وولاء ثابت لأهل البيتعليهمالسلام ، وقوَّة دفاع عنهم، وحجّة قاطعة، مثلما رواه الكشي ص ٢٢٣ عن هشام بن الحكم «قال : قال لي أبو عبد اللّهعليهالسلام : ما فعل ابن الطيّار ؟ قال : قلت : مات، فقالعليهالسلام : رحمه اللّه ولقّاه نضرة وسروراً فقد كان شديد الخصومة عنّا أهل البيت».
______________________________
(١) نفارقه.
ومثله ما رواه عن مؤمن الطاق أيضاً، وما رواه عن أبان الأحمر عن الطيّار«قال : قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : بلغني أنك كرهت مناظرة الناس وكرهت الخصومة، فقال : أما كلام مثلك فلا يكره، من اذا طار أحسن أن يقع، وان وقع أحسن أن يطير، فمن كان هكذا فلا نكره كلامه» .
والطيّار لقب له ولأبيه محمّد بن عبد اللّه مولى فزارة، وكان من أصحاب الباقرعليهالسلام وكان الباقر يفاخر به، روى الكشي ص ٢٢ عن حمزة ابنه«قال : سألني أبو عبد اللّه عليهالسلام عن قراءة القرآن، فقلت : ما أنا بذلك، قال : لكن أبوك، قال : وسألني عن الفرائض، فقلت : وما أنا بذلك، فقال : لكن أبوك، ثمّ قال : إِن رجلاً من قريش كان لي صديقاً وكان عالماً قارياً فاجتمع هو وأبوك عند أبي جعفر عليهالسلام ، وقال : ليقبل كلّ واحد منكما على صاحبه، ويسأل كلّ واحد منكما صاحبه، ففعلا، فقال القرشي لأبي جعفر عليهالسلام : قد علمت ما أردت، أردت أن تعلمني أن في أصحابك مثل هذا، قال : هو ذاك، فكيف رأيت» .
فكيف ترى من يحمله الباقرعليهالسلام على المناظرة ؟ ومن يحمله الصادقعليهالسلام على المخاصمة ؟ فهما إِذن من ذوي الحجج النواصع، والقوّة في الخصومة.
داود بن فرقد :
داود بن فرقد الأسدي الكوفي، روى عن الصادق والكاظمعليهماالسلام ، وله كتاب يرويه عنه عدّة من الثقات، وله كلام مع بعض الزيديّة دلّ على اشتهاره بالتشيُّع وسرعة جوابه وحسنه حتّى ضحك منه أبو عبد اللّهعليهالسلام ، وذلك ما رواه الكشي ص ٢٢١ عنه«قال : قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : إِن رجلاً خلفي حين صلّيت المغرب في مسجد رسول اللّه عليه وآله فقال : ( ما لكم في المنافقين فئتين واللّه أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضلّ اللّه ) (١) فعلمت أنه يعنيني، فالتفتُّ اليه وقلت : ( إِن الشياطين ليوحون الى أوليائهم ليجادلوكم ) (٢) فاذا هو هرون بن سعد (٣) قال : فضحك أبو عبد اللّه عليهالسلام ، ثمّ قال : أصبت الجواب قبل الكلام بإذن اللّه، وقال داود : جعلت فداك لاجرم واللّه ما تكلّم بكلمة، فقال أبو عبد اللّه عليهالسلام : ما أحد أجهل منهم، إِن في المرجئة فتيا وعلما وفي الخوارج فتيا وعلما، وما أحد أجهل منهم» .
______________________
(١) النساء : ٨٨.
(٢) الأنعام : ١٢١.
(٣) الكوفي الزيدي، وقد جاء عن الصادقعليهالسلام ذمّه سوى ما ذكر ههنا.
داود الرقي :
داود بن كثير الرقي الكوفي الأسدي مولاهم، روى عن الصادق والكاظمعليهماالسلام وعاش الى أيام الرضاعليهالسلام ، وله حديث كثير لا سيّما في الكرامات والفضائل، وله أصل رواه عنه جماعة من الثقات، ولكثرة ما رواه من كراماتهم نسبوه الى الغلوّ وهو سهو.
وجاء فيه حديث كثير يدلّ على علوّ منزلته مثلما رواه الكشي ص ٢٥٤ عن أبي عبد اللّهعليهالسلام قال :«أنزلوا داود الرقي مني بمنزلة المقداد من رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهوسلم » ونظر الى داود الرقي وقد ولّى فقال :«مَن سرَّه أن ينظر الى رجل من أصحاب القائم عليهالسلام فلينظر الى هذا» وفي موضع آخر : «أنزلوه فيكم بمنزلة المقداد» فهذا ومثله يرشدنا الى سموّ منزلته في الدين واليقين سوى الوثاقة في الرواية.
زرارة
زرارة بن أعين الشيباني مولاهم، روى عن الباقر والصادقعليهماالسلام ، ومات عام ١٥٠، فأدرك من أيام الكاظمعليهالسلام سنتين.
وماذا يقول القائل في زرارة ؟ وهل يستطيع ذو براعة ويراعة أن يأتي بكلمة تجمع فضل زرارة ؟ وكفى عن بيان مقامه، ورفيع شأنه، ما جاء فيه عن أئمة الهدىعليهمالسلام ، وكفى منه ما سبق ذكره في بريد العجلي، بيد أننا نذكر ههنا شيئاًلم يسبق ذكره هناك، فإن الصادقعليهالسلام قال له مرّة :«يا زرارة إِن اسمك في اسامي أهل الجنّة بغير ألف» قال :«نعم جعلت فداك اسمي عبد ربه ولكني لقّبت زرارة» وقال :«لولا زرارة لظننت أن أحاديث أبي ستذهب» وقال للفيض بن المختار(١) :«فاذا أردت حديثنا فعليك بهذا الجالس واومأ بيده الى زرارة» وقال في حديث آخر :«رحم اللّه زرارة (٢) لولا زرارة ونظراؤه لاندرست أحاديث أبي» وقال الرضاعليهالسلام :«أترى أن أحداً أصدع بحقّ من زرارة» الى أمثال هذه الأحاديث، وهذه الأحاديث تغنيك عن قول كلّ فصيح يريد أن يترجم زرارة معرباً عمّا له من فضل وعلم ومقام لدى أهل البيت.
______________________
(١) الجعفي الكوفي، روى عن الباقر والصادقعليهماالسلام وهو من ثقات رواتهم.
(٢) ظاهر هذا الحديث أن زرارة مات أيام الصادقعليهالسلام ، إِلا أن يكون الصادق ترحّم عليه وهو حي.
وما كان زرارة فقيهاً فحسب بل كان يجمع عدّة فضائل حتّى قال ابن النديم في الفهرست في شأنه : زرارة أكبر رجال الشيعة فقهاً وحديثاً ومعرفة بالكلام والتشيّع.
وقال النجاشي : شيخ أصحابنا في زمانه ومتقدّمهم، وكان قارئاً فقيهاً متكلّماً شاعراً أديباً، قد اجتمعت فيه خلال الفضل والدين، وقال أبو غالب الزراري كما حكي عنه : روي أن زرارة كان وسيماً جسيماً أبيض، فكان يخرج الى الجمعة وعلى رأسه برنس أسود وبين عينيه سجادة وفي يده عصاً فيقوم الناس سماطين ينظرون اليه لحسن هيئته فربما رجع من طريقه، وكان خصماً جدلاً لا يقوم أحد بحجّته صاحب إلزام وحجّة قاطعة إِلا أن العبادة أشغلته عن الكلام، والمتكلّمون من الشيعة تلاميذه.
فزرارة قد جمع الفضل كلّه ولكن شهرته في الفقه غلبت على فضائله الاُخر، ومن غاض في بحر الفقه عرف ما لهذا الرجل من حديث، حتّى لتكاد لا تجد باباً من أبواب الفقه إِلا وله فيه حديث أو أحاديث، وهو أحد الستة الاُول أصحاب أبي جعفرعليهالسلام الذين أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم، والإقرار لهم بالفقه، ولا غرو لو عدّ زرارة أفقههم.
وكان زرارة معروفاً بالعلم والفضيلة والقرب من أهل البيت وهذا اكبر جرم عند أعدائهم، فما زال في خطر من جراء ذلك، فكان الإمام ينال منه أحياناً ليدفع بذلك عنه الخطر، ومن ثمّ جاءت أحاديث تطعن فيه، وقد كشف عن سبب ذلك القدح الصادق نفسه، فقال في حديث طويل رواه الكشي ص ٩١ : إِني أنا أعيبك دفاعاً مني عنك فإن الناس والعدوّ يسارعون الى من قرّبناه وحمدنا مكانه لإدخال الأذى في من نحبّه ونقرّبه - الى أن قال - فأحببت ان أعيبك ليحمدوا أمرك في الدين بعيبك ونقصك ويكون بذلك منّا دافع شرّهم عنك، الحديث، فمن ههنا نعرف مكانة زرارة لديهم وشأن تلك الأحاديث القادحة.
زيد الشحّام :
أبو اُسامة زيد الشحّام الازدي الكوفي، روى عن الباقر والصادقعليهماالسلام ، وقيل : وعن الكاظم أيضاً، وهو من الوثاقة وجلالة القدر بمكان رفيع، وقد حكي عن الشيخ المفيد طاب رمسه قوله فيه: إِنه من فقهاء أصحاب الصادقينعليهماالسلام الأعلام المأخوذ عنهم الحلال والحرام والفتيا وأحكام الدين.
وجاءت فيه أحاديث تشهد له بعلوّ الدرجة، منها ما رواه الكشي ص ٢١٦ عن زيد نفسه «قال : قلت لأبي عبد اللّهعليهالسلام : اسمي في تلك الأسامي ؟ - يعني في كتاب أصحاب اليمين - قال : نعم» وما رواه أيضاً عنه :«قال : دخلت على أبي عبد اللّه عليهالسلام فقال لي : يا زيد جدّد التوبة واحدث عبادة، قال : قلت : نعيت إِليَّ نفسي، قال : فقال : يا زيد ما عندنا لك خير وأنت من شيعتنا - الى أن قال - : يا زيد كأني أنظر اليك في درجتك في الجنّة، ورفيقك فيها الحارث بن المغيرة النصري» (١) الى غير هذا ممّا يرشدنا الى علوّ مقامه ورفيع درجته.
زيد الشهيد :
زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهمالسلام ، روى عن أبيه السجّادعليهالسلام وكفى من روايته عنه روايته للصحيفة السجّادية التي جمعت فنوناً من العلم والأدب والفصاحة والبلاغة والتي تعرّفك كيف الخضوع للمولى في دعائه ومسألته والتي هي وحدها دلالة واضحة على إِمامة الأئمة من أهل البيت، لأن ديباجتها تدلّك على أن الناطق بها ليس من أمثال البشر، الذين يقع عليهم البصر.
وروى عن أخيه الباقر وابن أخيه الصادق أيضاًعليهماالسلام وكان يرى إِمامة الصادق ويدعو له في السرّ، وما ادَّعى الإمامة لنفسه أيام حياته وجهاده قط، وإنما ادّعيت فيه بعد وفاته، وقد استشهد في الكوفة عام ١٢١ فبكاه الصادقعليهالسلام وترحّم عليه، وأنفق على عيال من قُتل معه، وقد جمع زيد صفات فاضلة قّلما تجتمع برجل سوى المعصومين، كالفقه والورع والسخاء والشجاعة والزهادة والعبادة وغيرها، ولكن بأعلى مراتب هذه الصفات، وقد سبقت الاشارة الى شيء من حاله «١ : ٤٨».
______________________
(١) هذا الحديث دالّ على أن موته كان أيام الصادقعليهالسلام فلا يكون ممّن روى عن الكاظمعليهالسلام .
سدير الصيرفي :
سدير بن حكيم بن صهيب الصيرفي الكوفي مولى، روى عن ثلاثة من الأئمةعليهمالسلام السجّاد والباقر والصادق، وروى عن كثير من الثقات، وبعض منهم من أصحاب الإجماع، جاء فيه مدائح وتقدير له مثل قول الصادقعليهالسلام لزيد الشحّام :«يا شحّام إِني طلبت إِلهي في سدير وعبد السلام ابن عبد الرحمن وكانا في السجن فوهبهما اللّه لي وخلّى سبيلهما» وقوله وكان عنده سدير :« إِن اللّه اذا أحبّ عبداً غته (١) بالبلاء غتاً، وإِنا وإِيّاكم يا سدير لنصبح به ونمسي» فاستيهابه من اللّه دلالة على كبر منزلة عنده وتقدير له، وكفى بعلوّ درجته أنه ممّن يحبّه اللّه ويغمره بألطاف بلائه، الى ما سوى ذلك من الأحاديث.
الأعمش :
أبو محمّد سليمان بن مهران الاعمش الأسدي الكوفي، اتفقت الخاصّة والعامّة على وثاقته وفضله وجلالته، وقد أثنى العامّة عليه الثناء الجميل، واعترفوا له بالمزايا الحميدة مع اعترافهم بتشيّعه، فهذا الذهبي في ميزان الاعتدال يقول : «أبو محمّد أحد الأئمة الثقات عداده في صغار التابعين» ويقول : «فالأعمش عدل صادق ثبت، صاحب سُنّة وقرآن» الى غيره من مؤلّفي الرجال والتراجم.
وكان راوية لفضائل أمير المؤمنينعليهالسلام ، حتّى أن الخاصّة والعامّة روت أن المنصور سأله: كم تحفظ من الحديث في فضائل عليعليهالسلام ؟ قال له : عشرة آلاف حديث، وفي بعض الروايات على بعض النسخ أو ألف حديث، ولعلّ هذا الترديد منه كان حذراً من المنصور لعلمه بما يحقده على أولاد عليعليهالسلام ، ولمّا انتبه المنصور لقصد الأعمش من الترديد أراد أن يطمئنّه عمّا اختلج في نفسه، فقال له : بل عشرة آلاف كما قلت أوّلاً.
قيل : إِن ولادته كانت سنة قتل الحسينعليهالسلام وهي سنة ٦١، ووفاته في الخامس والعشرين من ربيع الأول عام ١٤٨، وهي سنة وفاة الصادقعليهالسلام .
______________________
(١) الغت يأتي لمعان أظهرها في المقام - الغط.
سماعة
سماعة بن مهران الحضرمي الكوفي، روى عن أبي عبد اللّه وأبي الحسنعليهماالسلام ، مات بالمدينة، وله حديث كثير في الفقه وروى كثيراً من زيارات الأئمة ومن دعاء الصادقعليهالسلام ، وله كتاب رواه عنه ثقات الرواة، ومنهم جماعة ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم، وقد نسبوه الى الوقف ولم يثبت، وعلى أيّ حال فهو ثقة في الرواية من دون ريب.
صفوان الجمّال :
صفّوان بن مهران الجمّال الأسدي الكاهلي الكوفي، روى عن الصادق والكاظمعليهماالسلام ، وكان جمّالاً فلزمه هذا اللقب، وكان شديد التمسّك بأهل البيتعليهمالسلام ، عاملاً بأوامرهم، مواظباً على القيام بخدماتهم وقد سبق في عنوان - الصادق في العراق - (١ : ١٢٩) ما يشهد لذلك كما يدلّ عليه بيعه لجماله امتثالاً لأمر الكاظمعليهالسلام ، وأنّبه الرشيد على ذلك وقال له : إِني لأعلم من أشار اليك بهذا، أشار عليك موسى بن جعفر، فواللّه لولا حسن صحبتك لقتلتك.
وكفى هذا العمل منه استماعاً لأمر إِمامه وإِن عرّض نفسه للهلاك، وكان من أجلّة الرواة وأعلامهم الثقات، وحديثه جمّ كثير يرويه عنه الثقات الأعلام، وله كتاب رواه عنه رجال الوثاقة والإجماع.
عبد الرحمن بن الحجّاج :
عبد الرحمن بن الحجّاج البجلي الكوفي، روى عن الصادق والكاظمعليهماالسلام وعاش حتّى لقي الرضاعليهالسلام ، ومات في أيامه، وكان من شيوخ أصحاب أبي عبد اللّهعليهالسلام وخاصّته وبطانته وثقاته الفقهاء الصالحين، وجاء الشيء الكثير في إِطرائه والثناء عليه من الأئمةعليهمالسلام وقد بشّروه بالموت بالمدينة وبحسن المنقلب، وله كتب يرويها عنه الثقات الأعلام، وبعضهم من أهل الإجماع، وكان من رجال الكلام البارزين ذوي الحجّة اللازمة والقوَّة في العارضة، حتّى قال له أبو عبد اللّهعليهالسلام :«يا عبد الرحمن كلّم أهل المدينة فإني أحبّ أن يرى في رجال الشيعة مثلك» على أنه ما كان ليسمح بالكلام لأصحابه إِلا لقليل منهم أمثال أبان بن تغلب والطيّار ونفر سواهما، حذراً من العثار والخروج عن ربقة التقيّة، فلا يسمح لأحد إِلا لمن يعتمد على حُجّته وحُسن أدبه في المناظرة.
عبد السلام بن سالم :
عبد السلام بن سالم البجلي الكوفي، روى عن أبي عبد اللّهعليهالسلام وله كتاب يرويه ثقات الرواة، وكان من فقهاء أصحاب الصادقينعليهماالسلام والرؤساء الأعلام والمأخوذ عنهم الحلال والحرام والفتيا والأحكام، والذين لا يطعن عليهم، ولا طريق الى ذمّ أحد منهم، كما عن الشيخ المفيد طاب ثراه.
عبد السلام بن عبد الرحمن :
عبد السلام بن عبد الرحمن بن نعيم الأزدي، عدّه ابن شهراشوب في المناقب من خواصّ الصادقعليهالسلام ، وقد سبق في سدير قول الصادقعليهالسلام لزيد الشحّام ودموعه تجري على خدّيه : يا شحّام إِني طلبت الى إِلهي في سدير وعبد السلام بن عبد الرحمن وكانا في السجن فوهبهما لي وخلّى سبيلهما، وهذا ممّا ينبئ عن تقدير أبي عبد اللّهعليهالسلام وحبّه لهما، وعطفه عليهما وكفاهما هذا شأناً وعلوّ منزلة.
عبد اللّه بن أبي يعفور :
عبد اللّه بن أبي يعفور العبدي الكوفي، كان من أصحاب الصادقينعليهماالسلام ، ومات زمن أبي عبد اللّه، ولا تحضرني كلمة تفرغ عن علوّ مقامه، وتفصح عن جلالة قدره، وما كان عليه من صلابة الايمان، وقوّة اليقين، والاستقامة في العقيدة، ولنترك ذلك الى مخرّجه ومثقّفه الإمام الصادقعليهالسلام ليعرب لنا عن حاله، فإنه أعلم بشأنه وبسيرته وسريرته فإنه كتب الى المفضّل بن عمر الجعفي حين مضى لربّه عبد اللّه بن أبي يعفور : «يا مفضّل عهدت اليك عهدي، كان الى عبد اللّه بن أبي يعفور، فمضى رضي اللّه عنه موفياً للّه جلّ وعزّ ولرسوله ولإمامه بالعهد المعهود للّه، وقُبض صلوات اللّه على روحه محمود الأثر، مشكور السعي، مغفوراً له، مرحوماً برضى اللّه ورسوله وإِمامه عنه، بولادتي من رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما كان في عصرنا أحد أطوع للّه ولرسوله ولإمامه منه، فما زال كذلك حتّى قبضه اللّه برحمته، وصيّره الى جنّته، ساكناً فيها مع رسول اللّه وأمير المؤمنين صلوات اللّه عليهما، أنزله اللّه بين المسكنين، مسكن محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ومسكن أمير المؤمنينعليهالسلام وإن كانت المساكن واحدة، والدرجات واحدة فزاده اللّه رضىً من عنده ومغفرةً من فضله برضاي عنه».
لولا أن الصادقعليهالسلام هو المخبر عن عبد اللّه وعمّا كان عليه من تقوى وطاعة لما كنا نعتقد بأن أحداً من البشر يبلغ تلك المرتبة وذلك الرضى.
ولقد جاء فيه من الإطراء والإفصاح عن علوّ مقامه وثبات يقينه ما لم يجئ في أحد سواه إِلا القليل، وقد سبق شيء منه في حمران، وهو القائل لإمامه الصادق : لو فلقت رمّانة بنصفين، فقلت هذا حلال وهذا حرام لشهدتّ أن الذي قلت حلال حلال، وأن الذي قلت حرام حرام، فقال : رحمك اللّه، رحمك اللّه.
وهذا التسليم والتفويض والطاعة والامتثال هو الذي صيّره بتلك الرتبة الرفيعة، وإِن كان من عرف إِمامه وجب أن يكون كما كان عليه عبد اللّه ولكن أنّى لنا بتلك النفوس الزكيّة المطيعة.
عبد اللّه بن بكير :
عبد اللّه بن بكير بن أعين الشيباني مولاهم، روى عن الباقر والصادقعليهماالسلام وهو من الستة أصحاب الصادق الذين أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم كما سبق في أبان بن عثمان، وعُدَّ في أجلّة الفقهاء والعلماء، ومن أصحاب الاُصول المدوَّنة والمصنّفات المشهورة، وقد رُمي بالفطحيّة، فإن صحَّ فلا يضرّ فساد عقيدته في وثاقته في روايته، وعلى أيّ حال فهو ثقة في الرواية من دون ريب، وقد سبق ذكر أبيه بكير وجلالة شأنه.
عبد اللّه بن سنان :
عبد اللّه بن سنان بن طريف الكوفي مولى قريش أو بني هاشم خاصّة، روى عن الصادقعليهالسلام ، وقيل : وعن الكاظم أيضاً وهو غير بعيد لأنه قد عاصره، وكان خازناً للمنصور والمهدي والهادي والرشيد، ومع ذلك فقد كان من شيعة أهل البيت والفقهاء الصلحاء، والثقات الأجلاء، الذين لا يطعن عليهم بشيء، ولقد قال فيه الصادقعليهالسلام :«أما أنه يزيد على السنّ خيراً» .
وقد شاهد من الصادقعليهالسلام كرامة باهرة دلّت على كريم مقامه عند أبي عبد اللّهعليهالسلام ، وأنه من حملة أسراره، وله كتب يرويها عنه أجلّة الرواة ومشاهير الثقات.
عبد اللّه بن شريك :
أبو المحجل عبد اللّه بن شريك العامري، صحب الباقر والصادقعليهماالسلام ، وكان عندهما وجيهاً مقدماً، وعَدُّوه في حواريهما، وروي عن الصادقعليهالسلام أنه يخرج لنصرة القائم المهدي عجّل اللّه فرجه، وهذا هو الفضل والفوز، والرفعة والجلال، نسأله جلّ شأنه أن نكون ممّن يخفق على رأسه لواؤه المنصور.
عبد اللّه بن مسكان :
عبد اللّه بن مسكان الكوفي مولى، روى عن الصادق والكاظمعليهماالسلام وهو من الستة أصحاب الصادقعليهالسلام الذين أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم والإقرار لهم بالفقه كما مرَّ في أبان بن عثمان، ويعدّ من أجلّة الفقهاء العظام والرؤساء الأعلام، والمأخوذ عنهم الحلال والحرام والفتيا والأحكام، الذين لا طريق للطعن عليهم بشيء، وله كتب عديدة يرويها عنه أجلّة الثقات وأعلام الرواة.
عبد اللّه بن النجاشي :
أبو بحير عبد اللّه النجاشي الأسدي، كان زيديّاً ثمّ عدل الى القول بإمامة الصادقعليهالسلام حين شاهد كرامة منه، انظر ذلك في «١ : ٢٦٠»، وكان والياً على الأهواز من قبل المنصور، وكتب الى الصادقعليهالسلام يسأله عن السيرة في العمل، وعمّا يصنعه في أمواله وعن غير ذلك من شؤون ولايته، وأجاب الصادق بكتاب طويل وهي الرسالة المعروفة برسالة عبد اللّه النجاشي، وقد اقتطفنا منها فقرات ثمينة، ذكرناها في وصاياه من هذا الجزء ص ٤٤، وكان محمود السيرة في ولايته مرضيّاً عند الإمام، موثقاً عند العلماء الأعلام، حتّى أن شيخ الطائفة الطوسي طاب ثراه في التهذيب كتاب المكاسب منه عدّه من الزُهاد على أنه عامل المنصور على الأهواز.
عبد اللّه الكاهلي :
عبد اللّه بن يحيى الكاهلي الكوفي، روى عن الصادق والكاظمعليهماالسلام ، وكان ابو الحسن يرعاه ويحبّه، حتى قال لعلي بن يقطين : اضمن لي الكاهلي أضمن لك الجنّة، فضمن للإمام ما أراد، حتّى أن نعمته كانت تعمّ الكاهلي وقراباته، وكانت يجري عليهم النفقات مستغنين حتّى بعد موت الكاهلي.
وقد بشّره أبو الحسنعليهالسلام بحسن المآل، فقد قال له يوماً : اعمل خيراً في سنتك هذه فإن أجلك قد دنا، فبكى الكاهلي، فقال له أبو الحسنعليهالسلام : ما يبكيك ؟ قال له : جعلت فداك
نَعيتَ إِليّ نفسي، قال : ابشر فإنك من شيعتنا وأنت الى خير، ثمّ ما لبث بعدها إِلا يسيراً حتّى مات.
فمن هذا ومثله تعرف كرامة الكاهلي عليهم وارتفاع محلّه عندهم، وله كتاب رواه عنه أعيان الثقات وبعض أهل الإجماع.
عبد الملك بن أعين :
أبو ضريس عبد الملك بن أعين الشيباني مولاهم أخو زرارة وحمران، روى عن الباقر والصادقعليهماالسلام ، ومات أيام الصادق، ولمّا بلغه خبر وفاته وهو بمكّة رفع يده ودعا له واجتهد في الدعاء وترحّم عليه، ولمّا قدم المدينة زار قبره بالمدينة مع أصحابه، وقال زرارة : قال أبو عبد اللّهعليهالسلام بعد موت عبد الملك : اللّهمّ إِن أبا الضريس كنّا عنده خيرتك من خلقك فصيّره في ثقل محمّد صلوات اللّه عليه وآله يوم القيامة، الى غير هذا ممّا ورد في حقّه، وهذا كما ترى يرشدك الى علوّ درجته، ورفيع محلّه، كما يرشد الى معرفته بأئمته.
وأمّا ابنه ضريس الذي يكنّى به فكان من رواة الصادق أيضاً وثقاتهم وروى عنه الثقات، وكانت تحته ابنة عمّه حمران.
عبيد بن زرارة :
عبيد بن زرارة بن أعين الشيباني مولاهم، ممّن أخذ عن أبي جعفر وأبي عبد اللّهعليهماالسلام ، وله كتاب رواه عنه أجلّة الرواة، وبعض أهل الإجماع، وهو من عيون الثقات الذين لا لبس فيهم ولا شك، ومن الفقهاء البارزين، والأعلام الرؤساء الذين اُخذ عنهم الحلال والحرام، ومن أرباب الاُصول المدوَّنة، والمصنّفات المشهورة.
عبيد اللّه الحلبي :
عبيد اللّه بن علي بن أبي شعبة الكوفي الحلبي، وآل أبي شعبة بيت معروف من الشيعة بالكوفة كان متجرهم الى حلب فنسبوا اليها، وقد روى جدّهم أبو شعبة عن الحسن والحسينعليهماالسلام وكانوا جميعهم ثقات، وكان عبيد اللّه هذا كبيرهم ووجههم، واذا اُطلق الحلبي فعلى الغالب يراد به عبيد اللّه هذا، وإِن كان قد يراد به أحياناً أخوه محمّد، وهو أوّل من صنّف من أصحاب أبي عبد اللّهعليهالسلام ، ولما صنَّف كتابه المعروف في الفقة عرضه على أبي عبد اللّهعليهالسلام فاستحسنه وصحّحه، وقال عند قراءته له : أترى لهؤلاء مثل هذا ؟ وقد رواه عنه عدّة من أعلام الرواة وثقاتهم جزاهم اللّه عن الدين وأهله خير جزاء المحسنين.
العلاء بن رزين :
العلاء بن رزين القلا الكوفي مولى ثقيف، روى عن الصادقعليهالسلام وكان وجهاً جليل القدر ضبطاً متقناً لم يرد غمز فيه من أحد، بل متّفق على جلالته ووثاقته، صحب محمّد بن مسلم وتفقَّه عليه، وله كتب رواها عنه أعيان الثقات من الرواة، وبعضهم من أصحاب الإجماع.
علي بن يقطين :
علي بن يقطين بن موسى الكوفي البغدادي، روى عن الصادق والكاظمعليهماالسلام ، وشأنه في الوثاقة والوجاهة والجلالة معروف، ومقامه عند الرشيد لا يجهل، وأخباره معه مسطورة، وما اكثر ما جاء فيه من الثناء والإطراء والبشارة بحسن العقبى، والانقلاب الى رضوانه وجنانه، مثل قول أبي الحسنعليهالسلام : ضمنت لعلي بن يقطين الجنّة وألا تمسّه النار، وقولهعليهالسلام وقد أقبل علي بن يقطين : من سرَّه أن يرى رجلاً من أصحاب رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فلينظر الى هذا المقبل، فقال له رجل من القوم : هو إِذن من أهل الجنّة، فقال أبو الحسن : أمّا أنا فأشهد أنه من أهل الجنّة، وقوله : من سعادة علي بن يقطين أنه ذكرته في الموقف، وقوله : إِني استوهبت علي بن يقطين من ربي جلّ وعزّ فوهبه لي، إِن علي بن يقطين بذل ماله ومودّته، فكان لذلك مستوجباً، الى كثير من أمثال هذه الأحاديث.
وأعماله الصالحة، وخدماته لأهل البيت، وقضاؤه لحوائج أوليائهم لا تحصر بحساب، كان ينيب في كلّ سنة من يحجّ عنه واُحصي له بعض السنين ثلاثمائة مُلبّ له، وكان يعطي بعضهم عشرين ألف وبعضهم عشرة آلاف للحج، مثل الكاهلي وعبد الرحمن بن الحجّاج وغيرهما، ويعطي أدناهم ألف درهم، وكان يحمل الأموال في كلّ سنة لأبي الحسنعليهالسلام من مائة ألف الى ثلاثمائة ألف درهم، وزوَّج أبو الحسن ثلاثة أو أربعة من بنيه منهم أبو الحسن الرضاعليهالسلام ، فكتب له علي
بن يقطين : وإِني قد صيّرت مهورهم اليك وزاد عليه ثلاثة آلاف دينار للوليمة، فبلغ ثلاثة عشر ألف دينار في دفعة واحدة(١) .
وكفى من قضائه لحوائج أوليائهم قيامه بنفقات الكاهلي وعيالاته وقراباته، وقيامه بحوائج كلّ من يأتيه من اولئك الأولياء.
وكفى علوّ شأنه ورفيع قدره قول أبي الحسنعليهالسلام له : يا علي إِن للّه تعالى أولياء مع أولياء الظلمة ليدفع بهم عن أوليائه وأنت منهم يا علي، قال له ذلك حين قدم أبو ابراهيم موسى العراق، وقال له علي بن يقطين : أما ترى حالي وما أنا فيه(٢) .
وجملة القول أن علي بن يقطين كان عيناً للّه وملجأً لأولياء اللّه بين أعدائه، يقوم بأداء حقوقهم، ويدفع عادية السوء عنهم، هذا سوى صلاحه في أعماله الاُخر، وروايته لأحكام الدين، وإِن مثله ليعجز القلم عن استيفاء محاسنه وجميل خِصاله.
كانت ولادة علي بالكوفة عام ١٢٤، وكان أبو يقطين من وجوه الدُّعاة للدولة الهاشميّة، فطلبه مروان الحمار فهرب، وهربت زوجته بولديها علي وعبيد من الكوفة الى المدينة، الى أن ظهرت الدولة العبّاسيّة، فلمّا قامت ظهر يقطين، فلم يزل بخدمة السفّاح والمنصور، وهو مع ذلك كان يتشيَّع ويقول بالإمامة، وكذلك كان ولده، وكان يقطين يحمل الأموال الى الصادقعليهالسلام ونما خبره الى المنصور والمهدي فصرف اللّه كيدهما عنه.
وتوفي علي بن يقطين بمدينة السلام - بغداد - عام ١٨٢، وصلّى عليه وليّ العهد محمّد الأمين بن الرشيد، وتوفي أبوه يقطين من بعده عام ١٨٥ فرحمة اللّه عليهما.
______________________
(١) الكشي : ٤٣٣/٨١٩.
(٢) نفس المصدر : ٤٣٣/٨١٧.
عمّار الدهني :
أبو معاوية عمّار بن خباب البجلي الدهني الكوفي، ودهن حيّ من بجيلة، كان من عيون أصحاب الصادقعليهالسلام الثقات وبيته من بيوتات الشيعة المعروفة في الكوفة في يومهم، وقيل : إِن أباه يسمّى بمعاوية أيضاً.
قيل للصادقعليهالسلام :إِن عمّاراً الدهني شهد اليوم عند ابن أبي ليلى (١)
قاضي الكوفة شهادة فقال له القاضي : قُم يا عمّار فقد عرفناك، لا نقبل شهادتك لأنك رافضي، فقام عمّار وقد ارتعدت فرائصه، وقد استغرقه البكاء، فقال له ابن أبي ليلى : أنت رجل من أهل العلم والحديث إِن كان ليسوؤك أن يقال لك رافضي فتبرّأ من الرفض وأنت من اخواننا، فقال له عمّار : ما ذهبت واللّه حيث ذهبت، ولكن بكيت عليك وعليّ، أمّا بكائي على نفسي فنسبتني الى مرتبة شريفة لست من أهلها، زعمت أني رافضي، ويحَك لقد حدّثني الصادقعليهالسلام إِن أوّل من سمّي السحرة الذين شهدوا أنه موسى في عصاه، ثمّ آمنوا به واتّبعوه ورفضوا أمر فرعون واستسلموا لكلّ ما نزل بهم، فسمّاهم فرعون الرافضة لما رفضوا دينه، فالرافضي من رفض كلّ ما كرهه اللّه، وفعل كلّ ما أمره اللّه، وأين في الزمان هذا، فإنما بكيت عليَّ خشية أن يطبع على قلبي وقد تقبّلت هذا الاسم الشريف على نفسي، فيعاتبني ربّي ويقول : يا عمّار كنت رافضاً للأباطيل ؟ عاملاً للمطاعات كما قال لك ؟ فيكون ذلك مقصّراً لي في الدرجات أن يسامحني، موجباً لشديد العقاب على أن ناقشني، إِلا أن يتداركه مولى بشفاعتهم، وأمّا بكائي عليك فلعظم كذبك في تسميتي بغير اسمي وشفقتي الشديدة عليك عذاب اللّه تعالى إِن صرفت أشرف الأسماء إِليّ أن جعلتها أرذلها، كيف تصبر بذلك على عذاب كلمتك هذه، فقال الصادقعليهالسلام «لو أن على عمّار من الذنوب ما هو أعظم من السموات والأرضين لمحيت عنه بهذه الكلمات، وأنها لتزيد في حسناته عند ربّه» الحديث.
وهذا كما ترى كاشف عن صلابة إِيمانه، وثباته في عقيدته وأن العواصف لم تمل به، وله كتاب يرويه جماعة من الثقات.
______________________
(١) هو محمّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي، تولّى محمّد هذا قضاء الكوفة ثلاثاً وثلاثين سنة، ولي أولاً لبني اُميّة ثمّ لبني العبّاس، كانت ولادته عام ٧٤، ووفاته بالكوفة عام ١٤٨ وهو على القضاء، وعدّه الشيخ رحمه اللّه من أصحاب الصادقعليهالسلام إِلا أن الظاهر أنه ممّن يحارب الصادق في أعماله.
وروى عن جماعة من أعلام السنّة، كما روى عنه منهم جماعة ومن ثمّ وثّقوه مع اعترافهم بتشيّعه، وذكره ابن النديم في الفهرست وعدّه من فقهاء الشيعة، وذكر في القاموس في - دهن - بني دهن وقال : بالضم حي منهم معاوية بن عمّار، فقال في التاج : أبوه عمّار يكنّى أبا معاوية روى عن مجاهد وأبي الفضل وعدّة، وعن شعبة والسفيانان، وكان شيعيّاً ثقةً مات سنة ١٣٣.
عمّار الساباطي :
أبو اليقظان عمّار بن موسى الساباطي، كوفي سكن المدائن، روى عن أبي عبد اللّه وأبي الحسنعليهماالسلام ، وقد نسب إِلى الفطحيّة فإن صحّ فلا يخدش ذلك في وثاقته في الرواية، لا سيّما بعد أن ورد فيه عن الكاظمعليهالسلام قوله :«استوهبت عمّاراً من ربي فوهبه لي» وقد ذكر ذلك الكشي في ثلاثة مواطن ص ١٦٤ و٢٥٦ و٣١٣، وقد عدّوه في الرؤساء الأعلام المأخوذ عنهم الحلال والحرام، وقد عمل الأصحاب بأحاديثه، وهو كثير الرواية، ومن سبَرَ كتب الحديث عرف كثرة روايته، وقال الشيخ في الفهرست : له كتاب كبير جيّد معتمد.
وإِن له أخوين هما قيس وصباح، وقد رويا عن الصادق والكاظمعليهماالسلام وهما من ثقات رواتهما أيضاً.
عمرو بن أبي المقدام :
عمرو بن أبي المقدام ثابت بن هرمز العجلي الكوفي، روى عن السجاد والباقر والصادقعليهمالسلام ، وعداده في التابعين، وقد سبق (١ :١٣٦) قوله : قال لي أبو عبد اللّهعليهالسلام في أول دخلة دخلت عليه«تعلّموا الصدق قبل الحديث» . وهو القائل : اذا نظرت الى جعفر بن محمّدعليهماالسلام علمت أنه من سلالة النبيّين، وقد روى الفريقان عنه هذه الكلمة، وله مقام معروف عند الفرقتين، وجاء عن الصادقعليهالسلام فيه قول يدلّ على صلاحه وارتفاع مقامه عند اللّه تعالى، فقد قيل والصادق قاعد بفناء الكعبة : ما اكثر الحاجّ، فقالعليهالسلام : ما أقل الحاجّ، فمرَّ عمرو بن أبي المقدام فقال : هذا من الحاجّ، انظر الكشي ص ٢٤٨. وله كتاب يرويه عنه الثقات، قال النجاشي : وله كتاب لطيف، ثمّ ذكر سنده اليه.
ابن أبي نصر السكوني :
عمرو بن أبي نصر الأنماطي السكوني الشرعبي، كان من الثقات الذين لا غمز فيهم بوجه، وله كتب يرويها عنه جماعة من الثقات وبعضهم من أصحاب الإجماع، وعداده في أصحاب الصادقعليهالسلام .
عمر بن اُذينة :
عمر بن اُذينة، روى عن الصادقعليهالسلام مكاتبة، وروى عن الكاظمعليهالسلام سماعاً، وكان شيخ أصحابنا البصريّين ووجهم كما قال النجاشي، وكان قد هرب من المهدي ومات باليمن، ولذا لم يروِ عن الكاظمعليهالسلام كثيراً.
وقال الكشي ص ٢١٥ : ويقال اسمه محمّد بن عمر بن اُذينة غلب عليه اسم أبيه، غير أنه ذكر أنه كوفي وهو ينافي ما ذكره النجاشي إِلا أن يكون كوفي الأصل سكن البصرة وله كتاب الفرائض رواه عنه جماعة من الثقات.
عمر بن حنظلة :
أبو صخر عمر بن حنظلة العجلي البكري الكوفي، روى عن الباقر والصادقعليهماالسلام ، وله عند أهل البيت منزلة رفيعة دلّت على علوّ كعبه في الايمان والوثاقة، وقد قال فيه الصادقعليهالسلام : إِذن لا يكذب علينا هذا حين قال للصادقعليهالسلام يزيد بن خليفة(١) أن عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت، كما في فروع الكافي، باب وقت الصلاة، وقال له الصادق أيضاً يا أبا صخر أنتم واللّه على ديني ودين آبائي لنشفعنّ واللّه، ثلاث مرّات، حين يقول عدوُّنا :«فما لنا من شافعين ولا صديق حميم» الى ما سوى ذلك ممّا جاء فيه، فهو كما ترى وتقرأ صادق عند الصادقعليهالسلام ، وعلى دينه ودين آبائه، وهم الشفعاء له ولأمثاله، وأيّ مقام أرفع من هذا ؟
وله عن الصادقينعليهماالسلام حديث كثير، رواه عنه أعيان الثقات ومنهم بعض أصحاب الإجماع.
عمر بن علي بن الحسينعليهماالسلام :
عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهمالسلام مات وله ٦٥ سنة، وقيل ٧٠، قال الشيخ المفيد في إِرشاده : كان فاضلاً جليلاً، ولّي صدقات النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وصدقات أمير المؤمنينعليهالسلام وكان ورعاً
______________________
(١) الحارثي، عداده في أصحاب الصادق والكاظمعليهماالسلام ونسب الى الوقف، وروي فيه عن الصادقعليهالسلام مدح.
سخيّاً وعن الباقرعليهالسلام أنه قال : عمر بصري الذي أبصر به، وهو جدّ الشريفين المرتضى والرضي من قبل الاُم، وعن علَم الهدى في شرح المسائل الناصريّة عند ترجمة أجداده من قِبل اُمّة : وأمّا عمر بن علي بن الحسينعليهماالسلام ولقبه الأشرف فإنه كان فخم السيادة، جليل القدر والمنزلة في الدولتين معاً الاُمويّة والعبّاسيّة، وكان ذا علم وقد روي عنه الحديث، الى غير هذا ممّا جاء في تقريظه وإِطرائه.
الفضيل بن يسار :
الفضيل بن يسار النهدي عربي بصري، روى عن الباقر والصادقعليهماالسلام ، ومات في أيام الصادقعليهالسلام ، وهو ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم، والإقرار لهم بالفقه من الستة أصحاب أبي جعفرعليهالسلام ، وكان أبو عبد اللّه اذا نظر اليه مقبلاً قال : بشّر المخبتين، وكان يقول : إِن فضيلاً من أصحاب أبي، وإني لأحبّ الرجل أن يحبّ أصحاب أبيه، والأحاديث في فضله وصلاحه كثيرة حتّى قال الصادقعليهالسلام : رحم اللّه الفضيل بن يسار وهو منّا أهل البيت، وذلك حين أخبروه أن يده لتبقى الى عورته عند غسله، ودلّت بعض الأحاديث أنه مستودع أسرار له، وهل بعد هذا من كرامة وجلالة ووثاقة ؟ رضوان اللّه عليه.
أبو بصير :
ليث بن البختري أبو بصير المرادي الكوفي، روى عن الباقر والصادقعليهماالسلام ، ومقامه أرفع من أن يطرى، وكان من المقدّمين عند الصادقينعليهماالسلام ، وللصادق فيه كلمات تكشف عن محلّ لا يُنال، ودرجة لا يساوقه فيها إِلا قلائل من نخبة رجالهم، وقد تقدّم البعض منها في بريد العجلي مثل قوله : أوتاد الأرض وأعلام الدين أربعة، وعدَّ منهم ليثاً هذا، وقوله : أصحاب أبي كانوا زيناً أحياءً وأمواتاً، وعدَّ منهم ليثاً هذا، وقوله : بشّر المخبتين بالجنّة، وعدَّه منهم، الى كثير سوى هذا، وقد رأى في نفسه كرامات من الصادقعليهالسلام ، منها مسحه على عينيه حتّى أبصر ثمّ إِعادته الى حاله الاُولى، ومنها نهيه عن دخوله عليه جُنباً، وكان قد دخل عليه وهو جُنب اختباراً.
وصفوة القول أن الرجل كان من أعاظم المحدّثين، وأعيان الفقهاء، ومن نظر في كتب الحديث عرف كثرة ما له من الحديث، وهو من الستة أصحاب الباقرعليهالسلام الذين أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم والإقرار لهم بالفقه، وشأنه اكبر من أن يذكر بوثاقة وجلالة قدر.
مؤمن الطاق*
محمّد بن علي بن النعمان أبو جعفر والأحول الصيرفي الكوفي، الملقّب بمؤمن الطاق عند الخاصّة، وبشيطان الطاق عند العامّة، ومن عرف مواقفه في مناظرات أعلامهم في الإمامة اتضح له المنشأ في تلقيبهم إِيّاه بهذا اللقب، وبغضهم له، فإن الحقّ ثقيل على النفس.
وهو يروي عن الصادقينعليهماالسلام ، وجاء فيه ثناء جميل وتقريظ ومدح من إِمامه ومثقفه الصادقعليهالسلام ، منها قوله : زرارة بن أعين، ومحمّد بن مسلم، وبريد بن معاوية العجلي، والأحول أحبّ الناس إِليّ أحياءً وأمواتاً، الى ما سوى ذلك.
وحديثه شائع في كتب الحديث، ومن نظر في مناظراته عرف كيف كان قويّ الحجّة، شديد العارضة، سريع الجواب، نبيه الخاطر، ذكيّ القلب، وكان في طليعة متكلّمي الاماميّة، على أن له القدح المعلّى في الفقاهة.
وشأنه أرفع من أن يطنب في إِطرائه، وأعرف من أن يكثر الكلام في تعريفه.
محمّد بن مسلم :
محمّد بن مسلم الثقفي الكوفي القصير، روى عن الصادقينعليهماالسلام وأدرك زمن الكاظمعليهالسلام ، وكان من الأفذاذ الذين لا يأتي بهم الدهر إِلا صدفة، وقد كان المثل الأعلى في الصلاح والطاعة لأئمّته، والامتثال لأوامرهم، والاقتداء بسيرتهم، والأمين عند جماعة الناس، فكان فضله وصلاحه معروفين حتّى عند مَن يخالفه في سيرته وسريرته، غير أنهم طعنوا فيه بالرفض، الذي كان يراه وأهل طريقته سِمَة جميلة، ومفخرة سامية، ولربّما رجعوا اليه فيما أشكل عليهم أمره، وجهلوا الحكم فيه، ولولا الإطالة لأوردنا من ذلك أمثلة.
______________________
(*) وقد توفّقت بلطفه سبحانه لإفراد رسالة فيه غير مطبوعة.
وقد عُدَّ فقيه عصره، الذي هو خيرة العصور في الفقه والفقهاء حتّى قال فيه عبد الرحمن بن الحجّاج، وحمّاد بن عثمان، وهما مَن علمت : ما كان أحد من الشيعة أفقه من محمّد بن مسلم، وأن فقهاء عصره هم الذين حفظوا شرع أحمد المختارصلىاللهعليهوآلهوسلم كما قال ذلك إمامهم الصادقعليهالسلام ، وكيف لا يكون الفقيه الأوحد وقد سمع من أبي جعفرعليهالسلام ثلاثين ألف حديث، ومن أبي عبد اللّهعليهالسلام ستة عشر ألف حديث، ومن ألقى نظرة على كتب الحديث عرف كيف بلغت روايته كثرة ووفرة.
وأمّا ثناء أئمته عليه فهو جمّ كثير، وقد سبق بعضه في بريد العجلي، ولو أردنا استيفاء ما جاء فيه لخرجنا عن الصدد، وهو من الستة أصحاب أبي جعفرعليهالسلام الذين أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم والإقرار لهم بالفقه.
وكانت وفاته عام ١٥٠، وله نحو من سبعين سنة، فيكون قد أدرك من عصر أبي الحسنعليهالسلام سنتين، فرضوان اللّه عليه.
مرازم :
مرازم بن حكيم الأزدي المدائني، روى عن الصادق والكاظمعليهماالسلام ، وقتل أيام الرضاعليهالسلام ، وكان مرازم هذا مع الصادق هو ومصادف مولى الصادق لمّا بعث عليه المنصور الى الحيرة، ولمّا سمح له بالعودة سار من الحيرة في أوّل الليل فعارضه عاشر، وحال بينه وبين المسير فطلب مصادف من الإمام أن يستعين هو ومرازم هذا على قتله، فأبى عليه الإمام، وما زال الإمام بالعاشر حتّى رضي بعد أن ذهب اكثر الليل، وهذا يدلّنا على اختصاصه بالإمام وشدّة حبّه وولائه له، وامتثاله لأمره.
وقال النجاشي وغيره : إِنه ممّن بلي باستدعاء الرشيد له وأخوه(١) أحضرهما الرشيد مع عبد الحميد بن غواص(٢) فقتله وسَلمِا، فرحمة اللّه عليه وألحقه اللّه بالرفيق الأعلى مع أئمته الاطهار.
______________________
(١) إِن لمرازم أخوين هما محمّد وجرير، وقيل إِن جريراً مصحف وإِنما هو حديد، على أيّ حال فهما معاً ثقتان ومن أرباب الكلام، وإِن الكاظمعليهالسلام كان يرتضي كلام محمّد ويأمره أن يناظر، ولا أدري أيّ الاخوين المعني ههنا.
(٢) قيل : إِن في غواص ثلاث لغات اعجام العين والصاد، واعجام الاولى وإِهمال الثانية، وبالعكس، وهو من أصحاب الكاظمعليهالسلام وقيل : ومن أصحاب الصادقينعليهماالسلام أيضاً وهو من ثقات الرواة.
مسمع كردين :
مسمع كردين أبو سيار بن عبد الملك، عربي صميم من بكر بن وائل ومسمع اسمه وكردين لقبه، قال النجاشي ص ٢٩٨ : شيخ بكر بن وائل بالبصرة ووجهها وسيّد المسامعة، وروى عن أبي جعفرعليهالسلام رواية يسيرة وروى عن أبي عبد اللّهعليهالسلام واكثر واختصّ به، وقال له أبو عبد اللّهعليهالسلام : إِني لأعدّك لأمر عظيم يا أبا سيار، وروى عن أبي الحسن موسىعليهالسلام وله نوادر كثيرة، انتهى.
وله أخبار كثيرة تشهد بتمسّكه الشديد بأهل البيتعليهمالسلام وإِطاعته لإمامه، وإِخراجه لحقوق أمواله على كثرتها، بل أراد أن يجمع كلّ ماله ويحمله الى الإمام ولكن الإمام أبى عليه ذلك، بل سمع له بحقّ ماله الذي حمله اليه.
معاوية بن عمّار :
معاوية بن عمّار بن خباب البجلي الدهني الكوفي، وقد سبق ذكر أبيه عمّار، وكان معاوية وجهاً من أصحابنا مقدّماً كبير الشأن، فوق عظم المحلّ والوثاقة، وفي الوسائل كتاب النكاح باب نظر المملوك الى مالكه قول الصادقعليهالسلام له : «يا بني» وهذا ممّا يرشدك الى عطفه عليه وحبّه له وعنايته به، وهل اكبر مقاماً من إِحلاله له هذا المحل.
وقد سبق في عمّار ذكر صاحب القاموس له في - دهن - وصاحب التاج لأبيه عمّار، وهذا ممّا يدلّ على معروفيّة معاوية وأبيه عمّار، وشهرتهم بالتشيّع.
معروف بن خربوذ :
معروف بن خربوذ المكّي، روى عن السجّاد والباقر والصادقعليهمالسلام ، وهو من الستة أصحاب أبي جعفر الذين أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم والإقرار لهم بالفقه، وقد جاءت فيه أحاديث دلّت على جلالته وكبير مقامه، بل وكونه من أهل الأسرار، وكان من العبّاد الطويل سجودهم.
المعلّى بن خنيس :
المعلّى بن خنيس مولى أبي عبد اللّهعليهالسلام ، إِن من تتبع أحاديثه عرف أنه من أهل الفقه والمعرفة بمنزلة الإمام، ومن أعيان الأصحاب، والذي يدلّ على علوّ مقامه عند الإمام حُزن الإمام على قتله، وخروجه من داره مغضباً يجرّ رداءه وإِسماعيل ابنه خلفه، وهو يقول«إِن المرء يصبر على الثكل ولا يصبر على الحرب» حتّى دخل على قاتله داود بن علي العبّاسي والي المنصور، وقال له : يا داود قتلت مولاي وأخذت مالي، وما هدأ حاله حتّى اقتصّ ممّن قتله، وهو السيرافي صاحب شرطة داود، ولمّا قدّموه لأن يقتل اقتصاصاً جعل يصيح : يأمروني أن أقتل لهم الناس ثمّ يقتلونني.
وقال الصادقعليهالسلام لمّا قُتل المعلّى : أما واللّه لقد دخل الجنّة، وقال : اُفٍّ للدنيا، سلّط اللّه فيها عدوّه على وليّه، الى ما سوى ذلك ممّا يشهد له بالمنزلة الرفيعة، وما قتله داود إِلا لأنه كان من قوام أبي عبد اللّهعليهالسلام ، وبعث عليه ليدلّه على شيعة الصادق وأصحابه، فأبى عليه المعلّى فهدّده بالقتل إِن لم يخبره فأصرَّ على الكتمان، وهذا شاهد على تحرّجه في الدين، وسخائه بنفسه دون تلك الصفوة المنتجبة، فرضوان اللّه عليه وعليهم، وقد سبق ذكره في «١ : ١٢٢ و٢٥٩».
المفضّل بن عمر :
أبو عبد اللّه المفضّل بن عمر الجعفي الكوفي، روى عن الصادق والكاظمعليهماالسلام وجمعَ من فواضل الخصال ما قلَّ أن يجمعه سواه من فقهاء الرواة وأعيان الثقات، فهو قد جمع الى العلم الجم، والفضل الغزير، والصلاح والورع، الوكالة عن الإمامينعليهماالسلام ، يجمع لهما حقوق الأموال، ويصلح ما بين الناس من أموالهما، ويداري الضعفاء امتثالاً لأمرهما، الى غير هذا من كريم الصفات، وكفى به نبلاً ومعرفةً أن يعتمدا عليه في هذه المهمّة الكبرى، التي يحتاج القائم بها الى سعة صدر، وعلوّ همّة، وجدّ في قضاء حوائج إِخوانه، وإِيمان كامل، وأن أعماله لتشهد بكفاءته للاعتماد، وقد جعله الصادق وكيله بعد مضي عبد اللّه بن أبي يعفور كما سلف في عبد اللّه، وكيف ترى أهليّة من يكون خلَفاً عن مثل ذلك السلف، وما زال مضطلعاً بأعباء هذه الوكالة مع كثرة رجالهما في الكوفة الى أن وافاه القدر المحتوم، وهو محمود السيرة زكيّ السريرة.
وكفى من رفيع مقامه أن يقول فيه أبو عبد اللّهعليهالسلام «نِعمَ العبد واللّه الذي لا إِله إِلا هو المفضّل بن عمر الجعفي» حتّى اُحصي عليه بضعاً وثلاثين مرّة يقولها ويكرّرها، ويقول فيه أبو الحسنعليهالسلام بعد موته«إِن المفضّل كان اُنسي ومستراحي» وقال أيضاً«رحم اللّه المفضّل قد استراح» الى كثير من أمثال هذا البيان، وجملة القول إِن الرجل أرفع شأناً من أن يذكر بتوثيق، وأجلّ مقاماً من أن يزان بثناء.
وله كتب رواها عنه جملة من الثقات، واليه تنسب رواية التوحيد والاهليلجة عن الصادقعليهالسلام ، كما سبق «١ : ١٤٩ و١٦٤».
ميسر بن عبد العزيز :
ميسر بن عبد العزيز النخعي الكوفي المدائني، روى عن الصادقينعليهماالسلام ، وروى عنه عدّة من أعيان الثقات، وكثير منهم من أصحاب الإِجماع، وعدَّه ابن شهراشوب في المناقب من خواصّ الصادقعليهالسلام وقيل إِنه توفي أيام الصادق عام ١٣٦.
والثناء عليه كثير كقول أبي جعفرعليهالسلام «يا ميسر أما أنه قد حضر أجلك غير مرّة ولا مرّتين، كلّ ذلك يؤخّر اللّه بصلتك لقرابتك» وجاء مفاد هذا الحديث مكرّراً، وكقوله أيضاً له«إِني لأحبّ ريحكم وأرواحكم، وإِنكم على دين اللّه ودين ملائكته» الى ما سوى هذه الأحاديث الشاهدة له بالكرامة والجلالة.
هشام بن الحكم :*
أبو محمّد هشام بن الحكم مولى كندة، وقد يكنّى بأبي الحكم، روى عن أبي عبد اللّه وأبي الحسنعليهماالسلام ، وله كتب كثيرة ذكرها الرجاليّون في ترجمته.
وكان سابقاً في الكلام لا يشقّ غباره، ومجلياً قد أمن فيه عثاره، ومناظراته في فنونه ترشدك الى تلك القوّة في الحجّة، وفلّه لحجج مناظريه، وكان الصادقعليهالسلام يمنع أصحابه من المناظرة والخصام إِلا شاذاً منهم، وكان هشام في طليعة من سمح له، وكان الصادقعليهالسلام يحترمه ويقدّمه وهو شاب على
______________________
* توفّقت بحمده تعالى الى تأليف رسالة مستقلة فيه.
شيوخ أصحابه ذوي الرتب العليّة ويقول فيه«هذا ناصرنا بقلبه ولسانه ويده» ويقول فيه أيضاً«هشام بن الحكم رائد حقّنا، وسائق قولنا، المؤيّد لصدقنا، والدامغ لباطل أعدائنا، من تبعه وتبع أثره تبعنا، ومن خالفه وألحد فيه فقد عادانا وألحد فينا» الى كثير سوى ذلك.
وقد اثنى عليه غير الصادقعليهالسلام من أئمة أهل البيت كالرضاعليهالسلام في قوله«كان عبداً صالحاً» وكالجوادعليهالسلام في قوله :«رحمه اللّه ما كان اذبّه عن هذه الناحية» الى كثير من أمثال هذا.
وإِن أمثال هذه الكلمات من أئمة أهل البيت في شأنه لتغني الفطن اليقظ عن تنميق كلّ ثناء، ونسج كلّ مدح، وإِن هذه الكلم الفارطة تريك موقف الرجل في الذبّ عن الحقّ، ومحاربة الباطل، وإِن صارم مقوله في الدفاع عن الإمامة أمضى من مائة ألف سيف، كما يقول الرشيد، وهل هو إِلا الرجل الفرد الذي فتق الكلام في الإمامة وهذّب المذاهب بالنظر، وقد أسرع اليه الموت من جرّاء تلك المناظرات في الإمامة، وذلك حين علم بمكانه الرشيد وخافه على نفسه، فهرب الى الكوفة فزع القلب، فمات بهذا الفزع، وقيل إِن موته كان عام ١٧٩.
وجاءت فيه بعض المطاعن، ومثله بتلك المنزلة في الذبّ عن أهل البيت ذلك الذبّ الذي ما زال أثره حيّاً حتّى اليوم، كيف لا يحتال حسّاده وأعداؤه في إِنقاصه، وهدم ما بناه، على أنه قد يطعن فيه الإمام نفسه ليدفع بذلك عنه السوء.
هشام بن سالم :
هشام بن سالم الجواليقي الجعفي العلاف، روى عن أبي عبد اللّه وأبي الحسنعليهماالسلام ، وكان من المجلين في الكلام، الذين أشرقوا أعداءهم بالريق، وألزموهم الحجّة، وأوضحوا للناس المحجّة، وكان ممّن سمحوا له بالمناظرة والكلام، ولو كان يخشى من عثاره، ويخاف من سقوطه، ما سمحوا له بتلك المخاصمات في يوم فيه العلم قد حلَّق بأعلى الجو، والسلطة عدوّة أهل البيت ونصيرة مخاصميهم في الإمامة، بل وفي كلّ فنّ وعلم.
وما كان متخصّصاً بالكلام فحسب، بل كان من أجلّة الفقهاء الكرام وجاءت فيه مدائح دلّتنا على علوّ مقامه، ورفيع قدره.
وجاءت فيه مطاعن كما جاءت في غيره من أجلّة أنصار أهل البيت وأصحابهم الثقات، والجواب عنها عامّة مفهوم، كما أنهم يذكرون الجواب عن كلّ طعنٍ طعن، وكيف يصحّ في أمثال هؤلاء الأعاظم قدح، وهل قام دين الحق، وظهر أمر أهل البيت إِلا بصوارم حُججهم، وقواطع براهينهم، فهم من المجاهدين في اللّه الذين لا تنهض لمواضي ألسنتهم وأدلّتهم الجيوش والعساكر، والسلطان والإرهاب.
يونس بن يعقوب :
يونس بن يعقوب البجلي الدهني الكوفي، روى عن الصادق والكاظمعليهماالسلام ، ومات في عهد الرضاعليهالسلام بالمدينة، فبعث اليه بحنوطه وكفنه وجميع ما يحتاج اليه، وأمر مواليه وموالي أبيه وجدّه أن يحضروا جنازته، وأمر بدفنه بالبقيع، وأيّ كرامة أعظم من هذه.
وكان من أعلام الفقهاء ورؤسائهم الذين يؤخذ عنهم الحلال والحرام وكان وكيلاً لأبي الحسن موسىعليهالسلام وذا حظوة عند الأئمةعليهمالسلام ، ووردت فيه عنهم عدّة أحاديث تدلّ على جليل منزلته عندهم، وكبير عنايتهم به، مثل قول الكاظمعليهالسلام «فنحن لك حافظون» وقول الصادق أو الكاظمعليهماالسلام «إِنما أنت منّا أهل البيت، فجعلك اللّه مع رسوله وأهل بيته، واللّه فاعل ذلك إِن شاء اللّه» الى ما سوى هذه، فبهذا ومثله تتجلى حاله من الجلالة وعظم المقام، فضلاً عن الوثاقة في الرواية.
وبهذا نختم الكلام عن المشاهير من ثقات الرواة لأبي عبد اللّهعليهالسلام ، الذين أخذوا عنه معالم الدين ومكارم الأخلاق وسائر العلوم، ومن ذلك تعرف قدر الرواة والرواية عنه، ومبلغ العلوم والفنون المرويّة عنه، والمأخوذة منه.
مواليه
كان لأبي عبد اللّهعليهالسلام موال كثيرة، ولكن الذي جاء في ترجمة معتب الآتي ذكره أنهم عشرة وقالعليهالسلام «وفيهم خائن فاحذروه وهو صغير» ولم يضبط أنه بالفاء، أو بالعين المهملة فيكون اسماً، أو بالغين المعجمة فيكون وصفاً، على أنه يحتمل أن يكون اسماً أيضاً، وعلى أيّ حال فإن الذي وجدته منهم يتجاوز العشرة، ولعلّهم كانوا عشرة في وقت من الأوقات، ونحن نستطرد ذكر من عثرنا عليه منهم :
١ - المعلّى بن خنيس :
كان المعلّى بن خنيس من موالي أبي عبد اللّهعليهالسلام الذين يعتمد عليهم في تدبير شؤونه، ومن الثقات الذين قد يفضي اليهم بسرّه، وكان من مشاهير الثقات من رواته، كما ذكرناه فيهم.
٢ - معتب*
ومنهم معتب، وقد عدّه الرجاليّون في أصحاب الصادق والكاظمعليهماالسلام ، وعن الصادق أن مواليه عشرة، وأن خيرهم وأفضلهم معتب وقال : وفيهم خائن فاحذروه، وهو صغير، وفي آخر قالعليهالسلام : مواليّ عشرة خيرهم معتب، وما يظن معتب إِلا أني أحقّ الناس.
وروى عنه من مشاهير الثقات وأعيانهم أمثال يونس بن يعقوب والمعلّى بن خنيس، وإِسحاق بن عمّار، وغيرهم، ومن هذا ومثله تعرف أنه من أهل المعرفة والفضيلة، والوثاقة في الحديث، وقد وثّقه العلامة في الخلاصة من دون ريب وتوقّف.
______________________
(*) بضمّ الميم وفتح العين المهملة وتشديد التاء المثناة الفوقانيّة المكسورة وباء موحّدة كما في الخلاصة للعلامة الحلّي طاب ثراه.
٣ - مسلم :
ومنهم مسلم، وعن أبي الحسنعليهالسلام أن مسلماً سندي، وأن الصادق جعفرعليهالسلام قال له«أرجو أن تكون وفّقت الاسم» وعنهعليهالسلام «إن مسلماً عُلّم القرآن في النوم وأصبح قد علمه» ، وروي عن الرضاعليهالسلام مثله، وبعض الأحاديث تدلّ على موالاته للإمام بل ومن أهل سرّه.
٤ - مصادف :
ومنهم مصادف، وعدّه أرباب الرجال في أصحاب الصادق والكاظمعليهماالسلام ، وروى عنه من أعلام الثقات أمثال الحسن بن محبوب، وعلي بن رئاب وغيرهما، وهذا شاهد على وثاقته وعرفانه بالحديث ومقام الإمامة.
وهو الذي أرسله الصادقعليهالسلام الى مصر ببضاعة قدرها ألف دينار، وعاد وربحها ألف دينار، فاستكثر الصادق الربح، فأعلمه مصادف أن المتاع الذي معهم ليس منه شيء في مصر، فحلفوا ألا يبيعوه إِلا بربح دينار ديناراً، فأنكر الصادقعليهالسلام هذا الحلف وهذا الربح وعدَّه حراماً، فأخذ الأصل وترك الربح، وقال له : يا مصادف مجالدة السيوف أهون من طلب الحلال، وقد ذكرنا هذا في عطفه «١ : ٢٣٣».
وهو الذي كان مع الإمامعليهالسلام ومرازم معهما لمّا استدعاه المنصور الى الحيرة، ولمّا سمح له المنصور بالرجوع الى المدينة خرج ليلاً فمنعه عاشر هناك عن الذهاب فحاول مصادف ومرازم أن يقتلاه فأبى عليهما الإمام، وما زال الإمام بالعاشر حتّى اقتنع فخلا عن السبيل، وقد مضى اكثر الليل فقال الصادق : يا مرازم هذا خير أم الذي قلتماه، وقد ذكرنا ذلك في حلمه «١ : ٢٣٢» وفي مرازم من هذا الجزء.
٥ - سعيد الرومي :
ومنهم سعيد الرومي، وعدَّه الشيخ طاب ثراه في رجاله من أصحاب الصادقعليهالسلام ، وروى عنه ابن مسكان وأبان وحمّاد وهؤلاء ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم والإقرار لهم بالفقه، كما سبق في تراجمهم، وهذا دليل واضح على وثاقته في الرواية، واعتماد هؤلاء الأعيان الثقات عليه، وعلى معرفته بالحديث والأحكام، وأخذه عن الإمام.
٦ - صباح :
ومنهم صباح، والظاهر أنه بتخفيف الباء الموحدة، وكان عداده في أصحاب الصادقعليهالسلام ، وهذا يدلّ أن له رواية عنه، وحظّاً للأخذ منه، ودلالة على المعرفة بالإمام وكفى بها توفيقاً وسعادةً، زيادة على السعادة بخدمة الإمامعليهالسلام ، والقيام بحوائجه.
٧ - طاهر :
ومنهم طاهر، ولم يذكر في ترجمته غير أنه من أصحاب الصادقعليهالسلام ، وهذا كما ذكرناه في صباح كاشف عن أخذه عن سيّده وروايته عنه وهو سعادة وحظوة، ودلالة على المعرفة.
والظاهر أن طاهراً الذي روى عتاب الصادقعليهالسلام لابنه عبد اللّه الأفطح وتوبيخه على ما لا يرضاه الإمام من فعله، هو طاهر هذا مولى الصادقعليهالسلام .
٨ - عباس بن زيد :
ومنهم عباس بن زيد وهو مدني، وعداده في أصحاب الصادقعليهالسلام ، وأن له أحاديث، ولم يذكر فيه اكثر من هذا.
وإِن خدمة الإمام حظوة كبرى، والنظر الى وجهه الكريم كلّ حين من أسعد الطوالع، والأخذ عنه والانتهال من نميره من أفضل الباقيات الصالحات، لو كان يفعله المرء عن بصيرة ومعرفة وقصد وإِرادة، منتبهاً الى هذه الكرامة العظمى، شاكراً اللّه على بلوغ هذه النعمة السابغة.
٩ - الفضيل :
ومنهم الفضيل، وعداده أيضاً في أصحاب الصادق، وقد وقع في طريق الصدوق في باب نوادر الوصايا، ولم يذكر بشيء اكثر من هذا.
١٠ - المغيرة
ومنهم المغيرة، وعدّوه في أصحابهعليهالسلام وأن له رواية وهذا كلّ ما يذكر فيه.
١١ - موسى
ومنهم موسى، وعداده في أصحابهعليهالسلام ، وهذا كلّ ما يذكر فيه، وهذا كما عرفت حظّ سعيد، وتوفيق رفيع يسوقه وليّ التوفيق جلّ شأنه.
١٢ - نصر بن ساعد
ومنهم نصر بن ساعد، وقد ذكروا فيه أن له رواية عن أبي عبد اللّهعليهالسلام وهو كسوابقه ممّن حظي بالكرامة والتوفيق.
١٣ - سالمة
ومنهم سالمة، وقد عدّها الشيخ طاب ثراه في رجاله من أصحاب الصادقعليهالسلام ، وهي التي روت أنها كانت عند أبي عبد اللّهعليهالسلام حين حضرته الوفاة وقد اُغمي عليه، ولمّا أفاق قال«اعطوا الحسن الأفطس سبعين ديناراً، واعطوا فلاناً كذا، وفلاناً كذا» فقلت : أتعطي رجلاً حمل عليك بالشفرة يريد أن يقتلك، قال : أتريدين ألا اكون من الذين قال اللّه عزّ وجلّ فيهم :( والذين يَصِلون ما أمر اللّه به أن يوصل ويخشون ربّهم ويخافون سوء الحساب ) (١) وقد سبق ذلك في هباته السرّية «١ : ٢٢٩» وفي حاله عند الموت من هذا الجزء ص ١٠٤.
ومن هذه الرواية يستفاد أن سالمة كانت مقرّبة لدى الإمامعليهالسلام يصغي لكلامها، ويجيب عنه من دون زجر وردع بل بالتعليم والوعظ.
هذا آخر ما توفّقت له من التحبير عن شخصية الإمام الصادقعليهالسلام ، راجياً منه جلّ شأنه أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم وأن يعفو عمّا زلّ به القلم، ويسمح لي ما خالط قصدي فيه ما لا يرتضيه.
كما أرجو من سيّدي أبي عبد اللّهعليهالسلام أن يغمرني بألطاف قبوله لهذه الهديّة المزجاة التي أرفعها لمقامه الكريم، فإن الهدايا على مقدار مهديها.
وله الحمد كما بدأ يعود، والصلاة والسلام على خيرته من العباد، محمّد المصطفى، وعترته الأطايب الأمجاد.
______________________
(١) الرعد : ٢١.
الى القارئ الكريم
لعلّك تجد - كما أجد - هذه الصحائف غير كافلة بالابانة عن تلك الشخصيّة الفذَّة الكريمة - الإمام الصادق - ولا بدع فإن المرتقى ليس بسهل فالقصور عذري الذي سجّلته واُسجله على نفسي أبداً، ولا أدفع التقصير.
وأرجو أن تتحفني - بعد أن تجيل الطرف فيها - بما يحضرك من ملاحظات، فإن أحبّ اخواني من أهدى إِليَّ عيوبي، لنتدارك ذلك في طبعة اُخرى.
محمّد الحسين المظفّر
الفهرست
المختار من كلامه ٢
١ - خُطبه ٢
٢ - عِظاته ٨
المعرفة ٨
الخوف والرجاء ٩
الورع والتقوى. ١٣
الزهد. ١٥
الرياء ٢٢
الظلم. ٢٤
المؤمن. ٢٧
عِظاته في اُمور شتّى. ٣٠
٣ - وصاياه ٣٣
وصيّته لابنه الكاظم. ٣٣
وصيّته لأصحابه ٣٤
وصيّته لعبد اللّه بن جندب.. ٣٦
وصيّته لعبد اللّه النجاشي في كتابه(٢) ٣٩
ومن وصاياه لشيعته ٤٤
وصيّته لمؤمن الطاق * ٤٥
وصيّته لحمران بن أعين* ٤٦
وصيّته للمفضّل بن عمر* ٤٧
وصيّته لجميل بن درّاج* ٤٨
وصيّته للمعلّى بن خنيس.. ٤٩
وصيّته لسفيان الثوري* ٤٩
وصيّته لعنوان البصري* ٥١
مِن ثمين وصاياه ٥٣
التفقّه في الدين. ٦٠
النِّعم وشكرها ٦١
حُسن الصحبة ٦٢
الصحبة في السفر ٦٣
حُسن الجوار ٦٤
قبول النصح. ٦٤
المشاورة ٦٥
الإكثار من الاخوان. ٦٦
الإغضاء عن الاخوان. ٦٧
حقوق الاخوان. ٦٨
مواساة الاخوان. ٦٩
البرّ بالإخوان. ٧٠
صدق الحديث وأداء الأمانة ٧٠
٤ - حِكَمُه ٧٢
ولادته ووفاته (ولادته) ٩٨
وفاته ٩٨
عند الموت.. ٩٩
بعد الموت.. ١٠٠
كناه وألقابه ١٠٢
صفته ١٠٢
زيارته ١٠٣
أولاده ١٠٤
إِسماعيل. ١٠٤
عبد اللّه الأفطح. ١٠٩
إسحاق. ١١٢
محمّد. ١١٤
علي. ١١٧
العبّاس. ١٢٠
موسى الكاظم عليهالسلام.... ١٢٠
رواته ١٢١
أعلام السنّة ١٢١
مشاهير الثقات من رواته من الشيعة ١٢٥
مواليه ١٥٦
الى القارئ الكريم. ١٦٠