سيدة عش آل محمد صلى الله عليه وآله

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: السيد أبو الحسن هاشم
النفوس الفاخرة



« قُم عُشُّ آلِ محمّد، ومأوى شيعتهم »

الإمام الكاظمعليه‌السلام        

تاريخ قم ص٩٨          

عنه بحار الأنوار ج٦٠ ص٢١٤، ح٣١



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، وصلّ اللهم على خير خلقك أجمعين، محمدٍ سيّد المرسلين، وخاتم النبيين، وعلى أهل بيته الأئمة الهادين، العلماء الصادقين، الأبرار المتقين، دعائم دينك، وأركان توحيدك، وتراجمة وحيك، وحججك على خلقك، وخلفائك في أرضك، الذين اخترتهم لنفسك، واصطفيتهم وارتضيتهم لدينك، وخصصتهم بمعرفتك، وجلّلتهم بكرامتك، وغشّيتهم برحمتك، وربّيتهم بنعمتك، وغذيتهم بحكمتك، وألبستهم نورك، ورفعتهم في ملكوتك، وحففتهم بملائكتك، وشرّفتهم بنبيك صلواتك عليه وآله. والعن اللهم أعداءهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.


هذا الكتاب ...

أيها القارئ الكريم:

هذه صفحاتٌ متلألئةٌ بذكر حياة سيدةٍ جليلةٍ عابدة زاهدة من فرع الشجرة المباركة، ومن أطهر أُسرة على وجه الأرض.

هي ابنة إمام وأختُ إمام وعمّة إمام إلاّ وهي سيدتنا ومولاتنا فاطمة المعصومة بنت الإمام موسى بن جعفر أختُ الإمام الرضا عمّة الإمام الجواد، عليهم جميعاً أفضل الصلاة وأزكى السّلام.

***

سيدتي ومولاتي:

هل تأذنين لي - أن أكتبَ عنكِ هذه الصفحات ...؟

إني لأتجاوزُ قَدْري إذا زَعَمتُ أو تَوهَّمتُ أنني قادرٌ على إيفاء حَقِّكِ وحقِّ أبائِك وأبنائهمعليهم‌السلام .

وأنْ أبلغَ القصدَ كلَّهُ - فأكتبُ عن بياض ذلك الطُّهْر بسواد هذه اليَد - مَطمَحٌ أستحي أنْ أزعُمَه.

ولكن إيماناً بقداسة الواجب، واعترافاً بالجميل، وتعبيراً عن الحب والولاء، أقدّم هذه الصفحات، راجياً منكم الصفحَ والقبول.




المقدمة

كثيرون هم الذين يأتون إلى هذا العالم ويذهبون إلى ذاك العالم ويذهبون كما جاءوا لم يخلّفوا سوى خمول ذكر، وخمود اسم ..

وكثيرون هم الذين خلٌفوا لعائن الأجيال والأمم، وإن بحثت عنهم فلا تجدهم إلاّ في مزابل التاريخ.

وسادةُ هذه القلّة القليلة وأشرافهم هم محمد المصطفى، وأهل بيته سادات الورى - ولا يُقاس بآل محمد أحد -، وما أنجب هذا البيت الطاهر من شخصيات فريدة مثل السيدة زينب، والسيدة سُكينة، وأبي الفضل العباس، وعلي الأكبر، ومسلم بن عقيل، وغيرهم، صلوات الله عليهم أجمعين.

ومن الذين أنجبهم هذا البيت المبارك السيدة الجليلة فاطمة بنت الإمام موسى الكاظمعليهما‌السلام .

وأهل بيت الوحي وأولادهم الطاهرون هم أعظم شأناً من أن تحويهم قوالب الألفاظ أو مرابع الأفكار، بل إنّ الألفاظ والأفكار لتنحسر مبهوتةً من أنوارهم، خجلى من عظمتهم. ولكن ما لا يُدرك كله لا يُترك كله.


ومن شديد الأسف أنّ التاريخ ظلم هذه السيدة الطاهرة كما ظلم آباءها وأبناءهم - سلام الله عليهم - فلم يكتب عنهم إلاّ القليل القليل. ولذا كنت استنطق التاريخ، وأبحث واُنقّب في الكتب علٌني أجد كلمة أو قصة تزيدنا معرفة بهذه السيدة المباركة. ومما تجمٌعَ عندي من معلومات - على قلّتها - كان هذا الكتاب.

ولا يفوتني أن أشكر كل من آزرني بمشورة، أو ساعدني في فكرة أو إبداء ملاحظة، فشكراً جزيلاً لهم، ولكل من ساهَمَ في إخراج هذا الكتاب إلى عالم النور.

لماذا (عش آل محمد)؟

قبل أن نشرع في هذه الرحلة الممتعة والقصيرة ..

فهي ممتعة لأنها عن حياة إحدى بنات الوحي والإمامة ..

وهي قصيرة لأنّ التاريخ بخل علينا فظلمها فلم يذكر عنها إلاّ النزر اليسير، كما هو ديدنه مع سائر أهل ذلك البيت الطاهر.

قبل ذلك كلّه نطرح هذا السؤال:

لماذا سمّيت ( قم ) بـ (عش آل محمد)؟

الجواب: العش في اللغة هو المكان الذي تصنعه الطيور، فتضع فيه بيضها ليفقس عن أفراخ صغار، تظل ترعاهم وتزقّهم الطعام حتى يكبروا، وعندها تستطيع الأفراخ الطيران والتحليق في الجو.

كذلك ( قم ) بالنسبة لـ (آل محمد) فهي المكان الذي كان ولا يزال يحتضن شيعة أهل البيت ويزقّهم العلم الصحيح فيتربون فيها على


تعاليم أهل البيتعليهم‌السلام ، ويترعرعون عليها حتى يتخرّجوا من هذه المدرسة المقدّسة، عندها ينتشرون في أنحاء الأرض وأرجائها، فيبثّون ما تعلّموه من علوم آل محمد، وينشرونها. ولذلك تخرٌج من مدينة ( قم ) الكثير الكثير من العلماء والمحدّثين ونحوهم.

فكانت ( قم ) - حقيقةً - عشاً ومأوى لهذه البذور الطيبة.

فلعلّ هذا هو وجه تسميتها بـ (عش آل محمد).

وكانت السيدة الطاهرة فاطمة المعصومةعليها‌السلام سيدة هذا العش وراعيته والقائمة عليه والمأوى والملاذ فيه، ولذلك كان عنوان هذا الكتاب الذي بين أيديكم:

(سيدة عش آل محمد).



١ - ولادتها ونشأتها

أ - الإمام الكاظمعليه‌السلام ينتخب أم أولاده.

ب - السيدة تُكتم.

ج - متى ولدت السيدة المعصومة؟

د - إخوتها.



(أ) الإمام الكاظمعليه‌السلام ينتخب أم أولاده

كانت السيدة المعصومة أختاً للإمام الرضا لامه، فأمّهما واحدة(١) .

فمن كانت أمهما؟ وكيف اختارها الإمام الكاظم لتكون أمّاً لأولاده؟

هذا ما ستقرؤه في الحديث التالي: -

قال الإمام الكاظمعليه‌السلام لهشام بن احمد(٢) :« هل علمت أحداً من أهل المغرب قدم » ؟

قال: لا.

فقالعليه‌السلام :« بلى، قد قدم رجل أحمر (٣) ، فانطلق بنا » .

قال هشام: فركب وركبنا معه حتى انتهينا إلى الرجل، فإذا رجل من أهل المغرب معه رقيق(٤) .

____________

(١) دلائل الإمامة: ص ٣٠٩.

(٢) هشام بن أحمد: من أصحاب الإمام الكاظمعليه‌السلام ولعلّه هشام بن أحمر وصُحف كما في أصول الكافي: ج١ ص ٤٨٦ ح١، حيث ذكر نفس هذا الحديث.

(٣) أي رجل أحمر البشرة، وهو عادة لون بشرة بعض أهل المغرب وما والاها من أوربا.

(٤) أي عبيد أو جواري أو كليهما.


فقالعليه‌السلام :« أعرض علينا » (١) .

فعرض علينا تسع جوار، كل ذلك وأبو الحسن يقول له:« لا حاجة لي فيها » .

ثم قال له:« اعرض علينا » .

قال: ما عندي شيء.

فقالعليه‌السلام :« بلى، اعرض علينا » .

قال: لا والله! ما عندي إلاّ جارية مريضة.

فقال له:« ما عليك أن تعرضها » ؟

فأبى عليه صاحب الرقيق، ثم انصرفعليه‌السلام .

قال هشام: ثم إنّهعليه‌السلام أرسلني من الغد إليه ..

وقال لي:« قل له كم غايتك فيها؟ فإذا قال: كذا وكذا. فقُل: قد أخذتها » . قال هشام:

فأتيته ...

قلتُ: كم غايتُك فيها؟

فقال: ما أريد أن أُنقصها من كذا(٢) .

فقلت: قد أخذتها.

فقال: هي لك، ولكن مَن الرجل الذي كان معك بالأمس؟

فقلت: رجل من بني هاشم.

فقلت: من نقبائهم(٣) .

____________

(١) أي أعرض علينا ما عندك من الرقيق.

(٢) أي لا أريد أن تنقص قيمة الجارية عن المبلغ الكذائي.

(٣) فلما سمع النخاس ذلك طمع في مزيد من المال.


فقال: أريد أكثر.

فقلت: ما عندي أكثر من هذا.

فقال: أخبرك عن هذه الوصيفة(١) ؟ إنّي اشتريتها من أقصى بلاد المغرب، فلقيتني امرأة من أهل الكتاب

فقالت: ما هذه الوصيفة معك؟

فقلت: اشتريتها لنفسي.

فقالت: ما ينبغي أن تكون هذه الوصيفة عند مثلك!! إنّ هذه الجارية ينبغي أن تكون عند خير أهل الأرض، فلا تلبث عنده إلاّ قليلاً حتى تلد منه غلاماً يدين له شرق الأرض وغربها.

قال هشام: فأتيت الإمامعليه‌السلام بالجارية(٢) .

وكانت لهذه الجارية عدة أسماء منها: نجمة وتكتم(٣) .

وقد كانت بكراً حين شرائها(٤) .

والظاهر أنّ الإمامعليه‌السلام اشتراها - ابتداءً - لامّه حميدة المصفّاة.

وكانت السيدة تُكتم من أفضل النساء في عقلها ودينها وإعظامها لمولاتها حميدة حتى أنها ما جلست بين يديها إجلالاً لها(٥) .

____________

(١) قد يكون بمعنى الاستفهام وقد يكون بمعنى الإخبار ولعل الثاني اظهر. أي: أريد أن أخبرك عن هذه الوصيفة. والوصيفة هنا أي الجارية.

(٢) عيون أخبار الرضا: ج١ بص ١٧.

(٣) المصدر السابق: ج١ ص ١٦، ص ١٧.

(٤) المصدر السابق: ج١ ص ١٧.

(٥) عيون أخبار الرضا: ج١ بص ١٤.


ثم إنّ السيدة حميدة ذكرت أنّها رأت في المنام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول لها:« يا حميدة، هبي نجمة لابنك موسى، فإنّه سيولد له منها خير أهل الأرض » (١) .

فقالت لابنها موسىعليه‌السلام : يا بني، إنّ تُكتم جارية ما رأيت جارية قط أفضل منها وقد وهبتها لك(٢) .

فقالت لابنها موسىعليه‌السلام - لمّا أتى بها - قد جمع أصحابه وأخبرهم بأنّه ما اشتراها إلاّ بأمر من الله ووحيه

قالعليه‌السلام :« بينا أنا نائم، إذ أتاني جدّي رسول الله وأبي عليهما‌السلام ومعهما شقّة حرير (٣) ، فنشراها فإذا قميص وفيه صورة هذه الجارية.

فقالا: يا موسى! ليكونّن لك من هذه الجارية خير أهل الأرض بعدك. ثم أمراني أن أسمّه عليّاً.

وقالا لي: إنّ الله تعالى يظهر به العدل والرأفة، طوبى لمن صدّقه وويل لمن عاداه وجحده » (٤) .

ولما ولدت (السيدة تكتم) الإمام الرضاعليه‌السلام قالت: أعينوني بمرضعة!! فقيل لها: انقص الدر(٥) ؟

____________

(١) عيون أخبار الرضا: ص ١٧.

(٢) المصدر السابق: ص ١٤.

(٣) أي قطعة حرير.

(٤) إثبات الوصيّة: ص ١٧٠.

(٥) أي: هل نقص لبن الرضاع؟


قالت: ما أكذب. ما نقص الدّر، ولكن عليّ ورد(١) من صلاتي وتسبيحي. وقد نقص منذ ولدت(٢) .

وهذا مما يدل على حرصها على عبادتها ووردها وانقطاعها إلى الله تعالى.

____________

(١) الورد: أي المندوب والمستحب في مقابل الواجب، وجمعه أوراد.

(٢) عيون أخبار الرضا: ج١ ص١٥.



(ب) السيدة تكتم

قد ذكرت للسيدة تكتم أسماء أخرى، منها: نجمة، أروى، سمان، سكن أو سكنى(١) ..

وتكتم هو ما استقرّ عليه اسمها حين ملكها أبو الحسن موسى بن جعفرعليه‌السلام (٢) .

فلما ولدت له الإمام الرضاعليه‌السلام سمّاها الطاهرة(٣) .

وكانت تكنّى: أم البنين(٤) .

والمستفاد من الروايات أنّ لها أسماء أخرى نذكرها فيما يلي:

١ - نجمة:

روي عن أبي بصير، قال: لمّا حضر أبا جعفر - محمد بن علي الباقرعليهما‌السلام - الوفاة، دعا بابنه الصادقعليه‌السلام ليعهد إليه عهداً ثم دعا بجابر بن عبد الله الأنصاري.

____________

(١) عيون أخبار الرضا: ج١ ص ١٦، ص ١٧.

(٢) المصدر نفسه: ص ١٤.

(٣) المصدر نفسه: ص ١٥، ص ١٧.

(٤) أصول الكافي: ج١ ص ٤٨٦، وعيون أخبار الرضا: ج١ ص ١٦.


فقال:« يا جابر! حدّثنا بما عاينت من الصحيفة » ؟

فقال له جابر: نعم يا أبا جعفر. دخلتُ على مولاتي فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأهنئها بولادة الحسينعليه‌السلام ، فإذا بيدها صحيفة بيضاء من درّة.

فقلت: يا سيدة النسوان! ما هذه الصحيفة التي أراها معك.

قالت:« فيها أسماء الأئمة من ولدي » .

قلت لها: ناوليني لأنظر فيها!

قالت:« يا جابر! لولا النهي لكنت افعل، ولكنّه قد نهي أن يمسّها إلاّ نبي أو وصي نبي أو أهل بيت نبي، ولكنّه مأذون لك أن تنظر إلى باطنها من ظاهرها » .

قال جابر: فقرأت، فإذا فيها:

أبو القاسم محمد بن عبد الله المصطفى، أمه: آمنة.

أبو الحسن علي بن أبي طالب المرتضى، أمه: فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف.

أبو محمد الحسن بن علي البر.

أبو عبد الله الحسين بن علي، أمهما: فاطمة بنت محمد.

أبو محمد علي بن الحسين العدل، أمه: شهر بانو (يه) بنت يزدجر.

أبو جعفر محمد بن علي الباقر، أمّه: أم عبد الله بنت الحسن بن علي بن أبي طالب.

أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق، وأمه: أم فروة بنت القاسم ابن محمد بن أبي بكر.


أبو إبراهيم موسى بن جعفر، أمه جارية اسمها: حميدة المصفاة.

أبو الحسن علي بن موسى الرضا، أمه جارية اسمها: نجمة )(١) الحديث.

فالسيدة نجمة، نجمة تألّقت في سماء بيت الإمامة حيث إنها ولدت الإمام الرضاعليه‌السلام .

٢ - طاهرة:

عندما اشترت أم الإمام موسى بن جعفرعليهما‌السلام هذه الجارية - نجمة -، ذكرت حميدة أنها رأت في المنام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول لها:« يا حميدة! هبي نجمة لابنك موسى، فإنّه سيولد له منها خير أهل الأرض » فلمّا ولدت له الرضاعليه‌السلام سمّاها الطاهرة(٢) .

ومن قبلها كانت سيدتنا ومولاتنا فاطمة الزهراءعليها‌السلام تسمّى بالطاهرة، كما وأنّ أمها خديجةعليها‌السلام كانت أيضاً تدعى بالطاهرة.

٣ - تُكْتَم:

وتكتم آخر أسمائها، وعليه استقرّ اسمها حين ملكها أبو الحسن موسى بن جعفرعليهما‌السلام (٣) .

____________

(١) عيون أخبار الرضا: ج١ ص ٤٠، وإكمال الدين: ج١ ص ٣٠٥.

(٢) عيون أخبار الرضا: ج١ ص ١٦.

(٣) المصدر السابق: ج١ ص١٤، ص ١٧.


قال الصولي: والدليل على أنّ اسمها تكتم قول الشاعر يمدح الرضاعليه‌السلام :

ألا إنّ خير الناس نفساً ووالداً

ورهطاً وأجداداً (عليُّ) المعظم

أتتنا بـه للعلم والحلم ثامنـاً

إمامـاً يؤدي حجة الله تُكتم(١)

ولا بأس بصرف عنان الكلام إلى البحث في معنى كلمة (تكتم)، ووجه تسمية السيدة بهذا الاسم الجميل: -

طاف الخيالان فهاجا سقماً

خيال تُكنى وخيال تكتما(٢)

وفي القاموس المحيط: (تكتم: - على ما لم يسم فاعله(٣) - امرأة، واسم بئر زمزم)(٤) .

وفي لسان العرب: (في حديث زمزم: أنّ عبد المطلب رأى في المنام قيل له: احفر تكتم بين الفرث والدم؛ تكتم: اسم بئر زمزم، سمّيت بذلك لأنها كانت اندفنت بعد (جرهم)(٥) فصارت مكتومة حتى أظهرها عبد المطلب)(٦) .

____________

(١) (تكتم): فاعل (أتتنا)، والمعنى: أتننا تكتم به. عيون أخبار الرضا: ج١ ص ١٥.

(٢) أي مبني للمجهول، فيضم أوله ويفتح ما قبل آخره، وهو علم على وزن الفعل.

(٣) أي مبني للمجهول، فيضم أوله ويفتح ما قبل آخره، وهو على وزن الفعل.

(٤) القاموس المحيط: ج٤ ص ٢٣٩ باب الميم فصل الكاف.

(٥) أي قبيلة جرهم: إحدى القبائل العربية.

(٦) لسان العرب: ج١٢ ص ٥٠٨ باب الميم فصل الكاف.


فلماذا سميّت السيدة بهذا الاسم؟

هل - يا ترى - من مناسبة لذلك؟

إنّ التسمية - عادة - إنما تكون لسبب أو مناسبة، فمثلاً: الإمامان الحسن والحسينعليهما‌السلام ابنا وصي نبي الإسلام سمّيا باسم ابني هارون وصي موسىعليهما‌السلام ، وسيدتنا ومولاتنا الزهراء سمّيت بفاطمة لأنّ الله فطمها وولدها ومحبيهم من النار، وهكذا فما هي المناسبة في تسمية السيدة نجمة بـ (تكتم)؟

وهل هناك وجه شبه بين تسمية السيدة بـ (تكتم) وبين تسمية بئر زمزم بهذا الاسم؟

الجواب: يمكن أن يكون السبب أحد الأوجه التالية:

الوجه الأوّل:

عن أمير المؤمنينعليه‌السلام أنه قال:« ماء زمزم خير ماء على وجه الأرض » (١) .

وفي حديث آخر:« خير ماء ينبع على وجه ا لأرض ماء زمزم » (٢) .

وقد مرٌ عليكم الخبر المروي عن الإمام الكاظمعليه‌السلام أنه رأى في المنام جدّه رسول الله وأباه (صلوات الله عليهما) يقولان له:« يا موسى ليكوننّ لك من هذه الجارية خير أهل الأرض بعدك » (٣) .

والسيدة حميدة المصفّاة ذكرت أنّها رأت في المنام رسول الله

____________

(١) وسائل الشيعة: ج٢٥ كتاب الأطعمة والأشربة: ص ٢٦٠ باب ١٦ ح١.

(٢) مستدرك الوسائل: ج١٧ كتاب الأطعمة والأشربة: ص ١٨ باب ١٣ ح٣.

(٣) إثبات الوصية: ص ١٧٠.


صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول لها:« يا حميدة هبي نجمة لابنك موسى فإنّه سيولد له منها خير أهل الأرض » (١) .

فكما أنّ بئر زمزم - التي كانت تسمى تكتم - خير نبع على وجه الأرض لأنّه ينبعُ منها خير ماء وهو شفاء من كل داء(٢) ، ودواء لما شرب له(٣) .

كذلك السيدة نجمة سمّيت بـ (تكتم) لأنّها ستلد خير أهل الأرض بعد أبيه، ومنه سيولد أربعة من أنوار أهل بيت العصمة والطهارة، آخرهم إمامنا وسيدنا صاحب العصر والزمان - عجل الله ظهوره الشريف -، والخير كل الخير يكون ممن:« بيمنه رزق الورى، وبوجوده ثبتت الأرض والسما » .

الوجه الثاني:

إنّ زمزم كانت خافية ومكتومة عن الجميع فأظْهَرَها عبد المطَّلبعليه‌السلام ، كذلك السيدة نجمة كانت مكتومة وخافية فأظهَرَها الإمامعليه‌السلام ، إذ البائع كَتَمَ أمرها، وأراد أن يدخرَها لنفسه لولا أنّ الإمامعليه‌السلام أظهرها.

الوجه الثالث:

قد تكون تسميتها بـ ( تكتم ) كناية عن العفّة والطهارة، فهي امرأة مكتومة وخافية عن الرجال، ويؤيد هذا الوجه ما ذكره الشيخ الصدوق في عيون أخبار الرضا: ( كانت نجمة بكراً لما

____________

(١) عيون أخبار الرضا: ج١ ص ١٧.

(٢) فعن الإمام الصادقعليه‌السلام :« ماء زمزم شفاءٌ من كل داء ».

(٣) قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :« ماء زمزم دواء مما شرب له ».


اشترتها حميدة)(١) .

ولا مانع من الوجوه كلّها.

***

نعم هذه السيدة تكتم والدة السيدة فاطمة المعصومةعليها‌السلام وقد عرفتم كيفية انتخاب الإمام الكاظمعليه‌السلام لها لتكون أماً لأولاده، فولدت له خير أهل الأرض بعده، وهو الإمام الرضاعليه‌السلام .

____________

(١) عيون أخبار الرضا: ج١ ص ١٧.



(ج) متى ولدت السيدة المعصومةعليها‌السلام

إنّ السيدة فاطمة بنت الإمام الكاظمعليه‌السلام هي أختُ الإمام الرضا لأمّه، فأمّهما واحدة، وهي من قد عرفت فضلها وعقلها ودينها.

وأبوها مثله كمثل الشمس في وسط السماء، فهو:« مَعدن التنزيل، وصاحب التأويل، وحامل التوراة والإنجيل » (١) ،« وصي الأبرار، وإمام الأخيار، وعيبة (٢) الأنوار، ووارث السكينة والوقار، والحكم والآثار، الذي كان يحيي الليل بالسّهر إلى السٌحر بمواصلة الاستغفار، حليف السجدة الطويلة، والدموع الغزيرة، والمناجاة الكثيرة، والضرّاعات المتصلة. ومقر النهي والعدل، والخير والفضل، والندى والبذل، ومألف البلوى والصبر » (٣) .

فالسيدة المعصومةعليها‌السلام قد وُلدت في بيت لا يتنفس فيه إلاّ عبير التقى، ولا يُرتضعُ فيه إلاّ بلبان الإيمان، ولا يتربى فيه إلاّ بتربية القرآن، ولا ينهل فيه إلاّ من رواء العلم، ولا يُطعم فيه إلاّ من رياض

____________

(١) هذا شطر من زيارة للإمام الكاظمعليه‌السلام .

(٢) عيبة الشيء خاصته وموضع سره.

(٣) شطر من زيارة أخرى للإمام الكاظمعليه‌السلام .


الخلق والأدب والطهر والعفة.

وأمّا تاريخ ولادتها: ذكروا أنّها (سلام الله عليها) قد ولدت في المدينة المنورة في غرّة ذي القعدة من سنة ١٧٣ هـ(١) .

وعلى هذا التاريخ يكون عمرها الشريف حين وفاتها ثمان وعشرين سنة حيث توفيت في عام ٢٠١ هـ.

وعلى كل تقدير لا يمكن أن يتصور عمرها الشريف أقل من اثنين وعشرين عاماً، أي ولادتها لا تتصور بعد عام ١٧٩ هـ.

لماذا؟ وكيف؟

الجواب: في أصول الكافي: ( قبضعليه‌السلام (٢) ببغداد في حبس السندي بن شاهك، وكان هارون حمله من المدينة لعشر ليال بقين من شوال سنة تسع وسبعين ومائة، وقد قدم هارون المدينة منصرفة من عمرة شهر رمضان، ثم شخص هارون إلى الحج وحمَله معه، ثم انصرف على طريق البصرة فحبسه عند عيسى بن جعفر(٣) ، ثم أشخصه إلى بغداد، فحسبه عند السندي بن شاهك، فتوفيعليه‌السلام في حبسه )(٤) .

فالإمام الكاظمعليه‌السلام قد فارق بيته ومدينة جدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في شوال سنة ١٧٩ هـ. وعليه فولادة السيدة

____________

(١) مستدرك سفينة البحار: ج٨ ص ٢٥٧ مادة ( فَطَم ).

(٢) أي الإمام الكاظمعليه‌السلام .

(٣) أي عيسى بن جعفر المنصور الدوانيقي والي هارون على البصرة، وهو الذي حبس الإمامعليه‌السلام لمدة سنة. راجع الإرشاد: ج٢ ص ٢٣٩.

(٤) أصول الكافي: ج١ ص ٤٧٦.


المعصومةعليها‌السلام كان قبل هذا التاريخ(١) ، فيكون عمرها الشريف - على أقل التقادير - حين وفاتها اثنتين وعشرين سنة، ولكن الأقرب أنّ عمرها كان أكثر من ذلك، وخاصة إذا عرفنا أنها كبرى الفاطمتين أو الفواطم(٢) ، فالظاهر أنّ عمرها الشريف ثمان وعشرون سنة.

____________

(١) وعلى هذا فلا يصح ما ذكر من أنّ ولادتهاعليها‌السلام كانت في المدينة المنورة سنة ١٨٣ هـ - أي سنة وفاة أبيهاعليه‌السلام الذي كان رهين السجون -.

(٢) ذكر سبط بن الجوزي في تذكرة الخواص: ص ٣٥١ أنّ للإمامعليه‌السلام أربعاً كل منهن تسمى فاطمة.



(د) إخوتها

ذكر الشيخ المفيد في الإرشاد أنّه كان لأبي الحسن موسىعليه‌السلام سبعة وثلاثون ولداً ذكراً وأنثى.

فالذكور: الإمام الرضاعليه‌السلام ، وإبراهيم، والعباس، والقاسم، لأمّهات أولاد(١) .

وإسماعيل، وجعفر، وهارون، والحسين لأم ولد.

وأحمد، ومحمّد، وحمزة، لأمّ ولد.

وعبد الله، وإسحاق، وعبيد الله، وزيد، والحسن، والفضل، وسليمان، لأمهات أولاد.

والإناث:

فاطمة الكبرى، وفاطمة الصغرى، ورقيّة، ورقيّة الصغرى، وأم أبيها، وحكيمة وكلثم، وأم جعفر، ولبابة، وزينب، وخديجة، وعليّة، وآمنة، وحسنة، وبريهة، وعائشة، وأم سلمة، وميمونة، وأم كلثوم لأمهات أولاد(٢) .

____________

(١) أم ولد: هي الجارية التي أولدها مالكها، فتصبح حرة وتعتق من نصيب ولدها.

(٢) الإرشاد: ج٢ ص٢٤٤.


وذكر النوبختي أنّ للإمامعليه‌السلام ثلاثة وثلاثين ولداً: ثمانية عشر ذكراً وخمس عشرة بنتاً(١) .

وفي تاريخ اليعقوبي أنّ لهعليه‌السلام واحداً وأربعين ولداً: ثمانية عشر ذكراً، وثلاث وعشرين بنتاً(٢) .

وفي عمدة الطالب أنّ لهعليه‌السلام ستين ولداً: ثلاثة وعشرين إبنا، وسبع وثلاثين بنتاً(٣) .

فهذه أربعة أقوال، ولعلّ الأقرب هو المروي عن الإمام الكاظمعليه‌السلام نفسه في الخبر الذي ذكره الشيخ الصدوق في عيون الأخبار، الموافق لما ذكره الشيخ المفيد والنوبختي، أنّ هارون العباسي سأل الإمام الكاظمعليه‌السلام عن عياله فقال:« أما الولد فلي نيف (٤) وثلاثون » (٥) .

____________

(١) فرق الشيعة: ص ٨٧.

(٢) تاريخ اليعقوبي: ج٢ ص ٤١٥.

(٣) عمدة الطالب في انساب آل أبي طالب: ص ٢٢٦.

(٤) نيف: هو ما زاد على العشرات من أعداد الآحاد، فيشمل من واحد إلى تسعة.

(٥) عيون أخبار الرضا: ج١ باب ٧ الحديث ١١ ص ٨٩.


٢ - ألقابها



للسيدة فاطمة بنت الإمام الكاظمعليهما‌السلام عدة ألقاب، منها:

(أ) المعصومة:

وهي أكثر ما تعرف به، وقد نقل عن الإمام الرضاعليه‌السلام أنّه قال:« من زار المعصومة بقم - كان - كمن زارني » (١) .

(ب) كريمة أهل البيت:

ينقل عن آية الله السيد محمود المرعشي (قدّس سره) أنّه كان قد توسل بالأئمة الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم)، كي يبينوا له موضع قبر الصديقة الطاهرة سيدة النساء فاطمة الزهراء (سلام الله عليها).

وبعد توسّلات كثيرة تلّقى الجواب منهم (صلوات الله عليهم)أن:« لا تطلب منّا هذا الشيء فإنّه ليس من المقدّر أن نظهر قبرها المخفي، لكن لأجل أن لا تُحرم شيعتنا ومحبونا من فيض زيارة قبرها عليكم بزيارة كريمة أهل البيت »

فاستفسر السيد: ومن هي كريمة أهل البيت؟

____________

(١) ناسخ التواريخ: ج٧ ص ٣٣٧.


أجابوه:« فاطمة بنت موسى بن جعفر عليهما‌السلام المدفونة بقم ».

فهذه وإن كانت رؤيا صالحة، ولكنٌ الواقع الخارجي يصدّقها، فما نسمعه ونراه من كبير كرم، وحسن استضافة هذه السيدة الجليلة لدليل واضح على ذلك، ولا عجب فهي سليلة أصل الجود والكرم.

ويكفي في كرمها احتضانها لحوزة التشيع في العصر الأخير، بل منذ العصور الغابرة، حيث كانت قم بلد التشيع، ومركز حفظة أحاديث وعلوم أهل البيتعليهم‌السلام . حتى أنّه دفن في جوارها مائة ألف محدِّث كما هو المعروف.

فببركة التمسك بحبل ولائهمعليهم‌السلام أفاضوا على قم وأهلها ما أفاضوا، وذلك عبر سليتهم الكريمة، فاطمة المعصومة.

(ج) أخت الرضا:

... قال أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي(١) للإمام الجوادعليه‌السلام : إنّ قوماً من مخالفيكم يزعمون أباك إنّما سمّاه المأمون الرضا لما رضيه بولاية عهده.

فقالعليه‌السلام :« كذبوا والله وفجروا، بل الله تبارك وتعالى سمّاه الرضا، لأنّه كان رضى لله عزّ وجل في سمائه، ورضى لرسوله والأئمة من بعده (صلوات الله عليهم) في أرضه ».

____________

(١) أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي: من أصحاب الإمام الكاظمعليه‌السلام ، وكان من خواص أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام ، كما وأنّه أدرك الإمام الجوادعليه‌السلام و(بزنط) موضع في العراق.


قال الراوي: ألم يكن كل واحد من آبائك الماضينعليهم‌السلام رضى لله تعالى ولرسوله والأئمةعليهم‌السلام ؟

فقالعليه‌السلام :« بلى » .

قال الراوي: فلم سمي أبوك من بينهم الرضا؟

قال:« لأنّه رضي به المخالفون من أعدائه كما رضي به الموافقون من أوليائه، ولم يكن ذلك لأحد من آبائه عليهم‌السلام ، فلذلك سمي من بينهم الرضا عليه‌السلام » (١) .

فلأن الإمام رضي به المخالف والمؤالف، كان كل من يتصل به نسباً يُنسب إليه، فالإمام الجوادعليه‌السلام عرف بابن الرضا، وكان من ألقابه(٢) ، كما أن الإمام الهادي والعسكريعليهم‌السلام كان يعرف كل منهما في زمانه بابن الرضا(٣) .

ولذلك أيضاً كانت السيدة المعصومةعليها‌السلام تعرف بـ (أخت الرضا).

وهذا وإن لم يذكر في كتاب معتبر، ولكن الشواهد السالفة كافية لإثبات هذا اللقب لها. فهي كانتعليه‌السلام أخت الرضا حقيقة، كما عرفت به القبا.

____________

(١) عيون أخبار الرضا: ج١ ص١٣.

(٢) مناقب آل أبي طالب: ج٤ ص ٣٧٩.

(٣) المصدر السابق: ج٤ ص ٤٢١.



٣ - هل تزوجت السيدة المعصومةعليها‌السلام ؟



حتى نحصل على إجابة هذا السؤال، لا بدّ لنا من قراءة متأنّية في وصيٌتين لأبيها الإمام الكاظمعليه‌السلام وفي روايات أخرى.

فتعالوا نستطلع الروايات والتأريخ لنحصل على الجواب، ونعرف حقيقة الأمر.

قال اليعقوبي - المؤرِّخ -: (أوصى موسى بن جعفر ألاّ تتزوج بناته، فلم تتزوّج واحدة منهن إلاّ أم سلمة، فإنها تزوجت بمصر، تزوجها القاسم بن محمد بن جعفر بن محمد، فجرى في هذا بينه وبين أهله شيء شديد حتى حَلَف أنّه ما كشف لها كنفاً، وأنّه ما أراد إلاّ أن يحج بها(١) )(٢) .

ولكن عند الرجوع إلى وصية الإمام الكاظمعليه‌السلام التالية نرى أنّ الإمام لم يوص بذلك وإنّما أوصى أن يكون أمر زاجهن بيد أخيهن الإمام الرضاعليه‌السلام حيث إنّه قال:« وإلى علي أمر نسائي دونهم (٣) ... وإن أراد رجل منهم (٤) أن يزّوج أخته فليس له

____________

(١) أي، الظاهر أن يكون لها محرماً فيستطيع أن يحجٌ بها - وليس بواجب عندنا -.

(٢) تاريخ اليعقوبي: ج٢ ص ٤١٥.

(٣) أي دونه بقية إخوته.

(٤) أي من إخوته.


أن يزوجها إلاّ بإذنه وأمره، فإنّه أعرف بمناكح قومه » (١) .

ثم إنّهعليه‌السلام يؤكد على ذلك في موضع آخر من نفس الوصية:« ولا يزوّج بناتي أحد من إخوتهن من أمهاتهن، ولا سلطان، ولا عمّ، إلاّ برأيه ومشورته (٢) ، فإن فعلوا غير ذلك فقد خالفوا الله ورسوله، وجاهدوه في ملكه، وهو أعرف بمناكح قومه، فإن أراد أن يزوِّج زوّج، وإن أراد أن يترك ترك » (٣) .

فالإمام - بحسب الوصية - لم يمنع بناته من الزواج - كما ادّعى اليعقوبي - وإنما جعل أمر زواجهن بيد أخيهن الإمام الرضاعليه‌السلام .

وفي وصية أخرى لهعليه‌السلام لتعيين أوقافه وصدقاته وكيفيّة تقسيمها، قال:« يقسِّم في مساكين أهل القرية من ولد موسى بن جعفر للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن تزوجت امرأة من ولد موسى بن جعفر فلاحق لها في هذه الصدقة حتى ترجع إليها بغير زوج، فإن رجعت كان لها مثل حظ التي لم تتزوج من بنات موسى » (٤) .

ويبدوا أنّ هذه الوصيّة هي التي جعلت اليعقوبي يقول بأنّ الإمام أوصى أن لا تتزوج بناته من بعده، ولكن الظاهر منها أنّ التي تتزوج تكون في كفالة زوجها، وهو ينفق عليها، فإن مات أو طلقها رجعت وكان لها مثل حظ التي لم تتزوج.

____________

(١) أصول الكافي: ج١ ص ٣١٦، وعيون إخبار الرضا: ج١ ص٣٣.

(٢) أي إلاّ برأي ومشورة الإمام الرضاعليه‌السلام .

(٣) أصول الكافي: ج١ ص ٣١٧.

(٤) عيون أخبار الرضا: ج١ ص٣٧.


ومع ذلك كله فإنّه لقائل أن يقول: يُشم من هذه الوصية ومن سابقتها عدم رغبة الإمام في تزويج بناته، بل إنّ الواقع الخارجي يصدّق ذلك، فلا الإمام الكاظم نفسه في زمان حياته زوّج واحدة منهن، ولا الإمام الرضا، بل كان هذا سائراً في بناتهم، وقد أوقف الإمام الجوادعليه‌السلام عشر قرى في المدينة أوقفها على أخواته وبناته اللاتي لم يتزوجن، وكان يرسل نصيب الرضائية(١) من منافع هذه القرى من المدينة إلى قم(٢) .

فيستوقفنا - هنا - سؤال وهو: -

رغّب الشرع المقدس في الزواج المقدس وحثّ عليه ونفّر من العزوبة وحذّر منها، وقد وردت في ذلك روايات كثيرة فكيف أوصى الإمام الكاظمعليه‌السلام بعدم زواج بناته مع العلم أنّ الزواج سُنّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن المستحبات الأكيدة؟

قد يجاب عن هذا السؤال بأحد الأوجه التالية:

الوجه الأول:

أنّ العزوبة وإن كانت مكروهة عند الشرع المقدس، لكنها قد ترجح في بعض الأزمنة.

فعن ابن مسعود قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :« ليأتين على الناس زمان لا يسلم لذي دينه إلاّ من يفرّ من شاهق، ومن جُحر إلى جُحر كالثعلب بأشباله » .

قالوا: ومتى ذلك الزمان؟

____________

(١) أي بنات وحفيدات الإمام الرضاعليه‌السلام ، فهنٌ ينسبن إليه فيقال: الرضائية.

(٢) تاريخ قم - المترجم - ص ٢٢١.


قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :« إذا لم تنل المعيشة إلاّ بمعاصي الله، فعند ذلك حلٌت العزوبة » (١) .

فالعزوبة تحلّ في بعض الأزمنة، وعليه قد يكون الإمامعليه‌السلام قد مرّ بما يماثل تلك الأزمنة، فلا تنافي بين ترغيب الإسلام في الزواج، وبين عدم تزويج الإمامعليه‌السلام لبناته.

فالحكم الأولي للعزوبة هو الكراهة، ولكنّ الحكم الثانوي المستفاد من هذه الرواية هو حليّة العزوبة في بعض الأوقات.

الوجه الثاني:

أنّهعليه‌السلام لم يزوجهن لعدم الكفؤ لهن، فإنّهن ودائع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكريماته، فينبغي أن لا يزوّجن إلاّ بمؤمن تقي يعرف مكانتهن، ويقدّر منزلتهن، فقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :« أنكحوا الأكفّاء وانكحوا فيهم واختاروا لنطفكم » (٢) .

فلو أنّ الإمامعليه‌السلام قد زوّجهن من غير الأكفّاء لما عرفت مكانتهن، ولهدرت حقوقهن، وما في ذلك من المهانة والإذلال لودائع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وحاشا الإمام أن يفعل ذلك.

بل قد يكون تزويجهن من غير الأكفَّاء عامل ضغط على الإمامعليه‌السلام تمارسهُ الحكومة العباسيّة لتكبيل أشد للإمام، وتقييد أكثر لحريّته.

____________

(١) بحار الأنوار: ج١٤ ص ٣٥١.

(٢) فروع الكافي: ج٢ ص٥.


ولذا نجد أنّ الإمامعليه‌السلام في وصيته قد جعل أمر تزويج بناته بيد الإمام الرضاعليه‌السلام معللاً ذلك بأنّه أعرف بمناكح قومه.

الوجه الثالث:

ما أجاب به الإمامعليه‌السلام هارون عندما سأله: قال: فلم لا تزوّج النسوان من بني عمومتهن وأكفائهن؟ قال:« اليد تقصر عن ذلك » .

قال: فما حال الضيعة(١) ؟

قال:« تعطي في وقت، وتمنع في آخر » (٢) .

فالإمامعليه‌السلام علّل عدم تزويجهن لقصر ذات اليد، وضعف الإمكانات الماديّة.

الوجه الرابع:

نتيجة الضغوطات العنيفة، والممارسات التعسفية التي كانت السلطة العبّاسية تنتهجها تجاه الإمامعليه‌السلام وشيعته، ما كان أحد ليجرأ أن يتقدم من الإمام ليطلب كريمته أو أخته.

بل إنّ الشيعة - في فترات مختلفة من الزمن - ما كانوا ليتقربوا من دار المعصومينعليهم‌السلام في إستفتائاتهم، ولذا كان بعضهم يلجأ إلى الحيلة فيلبس ثياب بائع خيار ويحمل سلة الخيار حتى يتمكن من دخول دار الإمام، فيستفتيه ويخرج.

فإذا كان أتباع أهل البيتعليهم‌السلام لا يستطيعون استفتاء

____________

(١) الضيعة: العقار، والأرض ذات الغلة.

(٢) عيون أخبار الرضا: ج١ ص ٨٨ ح١١.


الإمام، فما ظنك بمن يريد مصاهرة الإمام؟!

إنّ الراغبين لشرف مصاهرة الإمام - سواء أكانوا من أولاد العمومة أم من خيار الشيعة - كان أمرُهم دائراً بين مقتول بأيدي الغدر والعدوان، وبين معتقل معذّب في قعر السجون، وبين مطارد من جلاوزة السلطة قد استخفى عن أعينهم ...!!

فمن ذا الذي يجرأ - بعد هذا - أن يطلب الوصلة بالإمامعليه‌السلام ؟

النتيجة:

إنّ السيدة المعصومةعليها‌السلام - كسائر أخواتها - لم تتزوج، وعدم تزويج الإمام لهن لا ينافي الترغيب والأمر بالزواج.

وظاهرة عدم تزويج أكثر من إمام لبناته أو أخواته لهي ظاهرة تستحق دراسة أكثر، وبحثاً أعم، للتعرف على أسباب وملابسات هذه الظاهرة وتحليلها، فهي حلقة من حلقات معاناة ومعايشة المعصومينعليهم‌السلام لظروف عصيبة ومختلفة. فعسى الله أن يفيض من يبحثها ويكشف عن غوامضها.


٤ - معاناتها

أ - فقد أبيها.

ب - الجلودي يرعب ودائع آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ج - السيدة تعايش ترحيل أخيها.



(أ) فقد أبيها

سنة ١٨٣ هجرية

في شهر رجب في اليوم الخامس والعشرون(١) في بغداد، على الجسر وضعت جنازة الإمام الكاظمعليه‌السلام بعد أن دسّ له سجّانه السندي بن شاهك السم في طعامه بأمر من هارون العباسي.

المنادي ينادي: هذا إمام الرافضة فاعرفوه.

ونادى جماعة آخرون من أتباع الظلمة بنداء تقشعر منه النفوس الطيبة.

وعندما رأى سليمان بن أبي جعفر(٢) ذلك، خرج من قصره، وأمر غلمانه بأخذ نعش الإمامعليه‌السلام من أيدي الجلاوزة، فاشتبكوا معهم في عراك وضرب، ثم أخذوا النعش الشريف من

____________

(١) مصباح المتهجد: ص ٨١٢. وقيل في اليوم الخامس من رجب، وقيل في اليوم السادس منه.

(٢) سليمان بن أبي جعفر المنصور - عم هارون الرشيد -.


أيديهم، ووضعوه على مفترق أربع طرق، أمر سليمان المنادي بأن ينادي: ألا ومن أراد أن يرى الطيب بن الطيب موسى بن جعفرعليهما‌السلام فليخرج

ودفن الإمامعليه‌السلام في مقابر قريش حيث مرقده الآن في بغداد، رزقنا الله تعالى وإياكم زيارته.

وهكذا انطوت حياة ذلك الإمام العظيم بعد أن عانى ما عانى من ظلم واضطهاد، ونقل من سجن إلى سجن، ومن سجّان إلى آخر حتى قبضه الله تعالى إليه(١) .

وكان ذلك أوّل ما كابدته وعانته السيدة المعصومة في مقتبل حياتها، فقد حرمت عطف ورعاية أبيها وهي بعد في سن السادسة حيث أخرجه هارون من المدينة إلى بغداد وسجنه. وفي سن السادسة حيث أخرجه هارون من المدينة إلى بغداد وسجنه. وفي سن العاشرة صارت (سلام الله عليها) يتيمة الأب(٢) .

____________

(١) راجع عيون أخبار الرضا: ج١ ص ٩٩، والإرشاد ج٢ ص ٢٤٢.

(٢) وهذا بناء على أنّ ولادتها كان في سنة ١٧٣ هـ.


(ب) الجلودي يرعب ودائع آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

سنة ١٩٩ هجرية

المدينة المنوّرة

بعض العلويين يعلنون الخروج على حكم بني العباس في المدينة، وفي مكة، وفي اليمن.

وكان محمد بن جعفر قد خرج عليهم في مكة أيام حكومة المأمون، فأرسل إليه المأمون جيشاً للقضاء عليه بقيادة الجلودي، وأمره بضرب عنقه إن ظفر به.

ولم يقف أمر المأمون عند هذا الحد، بل أوعز إليه يغيّر ويهجم على دور آل أبي طالب في المدينة، ويسلب ما على نسائهم من ثياب وحلل، ولا يدع على واحدة منهن إلاّ ثوباً واحداً.

وحاول الجلودي أن ينفّذ الأمر بنفسه، فهجم على دار الإمام الرضاعليه‌السلام بخيله، فلمّا نظر إليه الإمام جعل النساء كلهنٌ في


بيت(١) واحد، وكانت السيدة المعصومةعليها‌السلام إحداهن(٢) . ووقف الإمام على باب البيت يمنع الجلودي وجنده من اقتحامه.

فقال الجلودي: لا بد من أن أدخل البيت فأسلبهنّ كما أمرني أمير المؤمنين.

فقالعليه‌السلام :« أنا أسلبهنّ لك، وأحلف أن لا أدع عليهنّ شيئاً إلاّ أخذته » .

وعلى نفس نهج أسياده العباسيين ظلّ الجلودي مصراً على سلب عقائل آل بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقد آثر الجلودي أن يكون ناصبياً(٣) من القَرن الأول الهجري يعيش على مشارف القرن الثالث، يحمل حقد وكراهية وحسد أولئك الذين هاجموا بيت الوحي والرسالة، واقتحموا على السيدة الزهراءعليها‌السلام دارها، وأسقطوا جنينها، وصنعوا مع ابنة صاحب الوحي ما تقشعرّ منه الأبدان، ويندى له جبين التأريخ(٤) .

____________

(١) أي في غرفة واحدة، وهذا يعني أنّ الجلودي دخل على الإمام بخيله في ساحة الدار، وما يواكب ذلك من إرعاب عقائل آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

(٢) حيث إنّ هذه الحادثة كانت قبيل وفاتها بعامين - كما سيأتي -.

(٣) الناصبي: هو من نصب العداوة لآل بيت محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتظاهر ببغضهم. بل قالوا: إنّ الناصبي هو الذي نصب العداوة لشيعتهم وتظاهر بالوقوع فيهم، وممن ذهب إلى ذلك الشهيد الثاني (قدّس سره) في مبحث الأسآر: ص ١٥٧ من كتابه روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان.

(٤) راجع إثبات الوصية: ص ١٢٤، وتاريخ اليعقوبي: ج٢ ص ١٢٦، والإمامة والسياسة: ص ٣٠ و٣١، كما وتراجع المصادر التالية: لسان الميزان، الملل والنحل، أنساب الأشراف، العقد الفريد، أعلام النساء، الوافي بالوفيّات، تاريخ أبو الفداء.


بهذه النفسية الحاقدة، وبهذه الروح الشريرة هاجم الجلودي دار الإمامعليه‌السلام ، فحقده على أهل البيت كان الهواء الذي يتنفّسه، ويحفظ عليه حياته ومقامه عند أسياده العباسيين.

ولكنّ الإمامعليه‌السلام يمنعه من اقتحام البيت. وليس الجلودي - وأشباهُهُ - جديراً ليستجيب للعواطف والتوسلات، أو ليخضع للمنطق والبرهان، فهو ممن ملئت قلوبهم بغضاً وحنقاً وحسداً لأهل بيت النبوة، ولا يعرفون إلاّ لغة السلاح ومنطق القوة والظلم والاضطهاد.

فلم يزل الإمام يطلب إليه ويحلف له، حتى سكن الجلودي ووافق على طلب الإمام.

فدخل الإمام فلم يدع عليهن شيئاً إلاّ أخذه منهن حتى أقراطهن وخلاخيلهن وأُزرهن، وجميع ما كان في الدار من قليل وكثير.

ويظهر أنّ هذه الحادثة هي من مسلسل ضغوط المأمون لإرغام الإمامعليه‌السلام وإخراجه من المدينة إلى خراسان حيث يكون تحت منظار المأمون ورقابته، إذ أنّ الحادثة كانت بعد سنة من تولّي المأمون للحكم، فقد خلص الأمر له سنة ١٩٨ هـ، وتوصّل تفكيره الشيطاني إلى القضاء على الإمامعليه‌السلام وتشويه سمعته بجلبه إلى خراسان، وتسليمه الخلافة أو ولاية العهد، وللضغط عليه لاستقدامه أنفذ إلى الجلودي بالإغارة على دار الإمام، وسلب عقائل آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإرعابهنٌ.

ولمّا رحل الإمام إلى خراسان واُدخل على المأمون قام فرحّب به واظهر المحبة والإخلاص له، وعرض عليه الخلافة فأبى الإمامعليه‌السلام ،


فعرض عليه ولاية العهد، فقبلها الإمام مرغماً بعد تهديد المأمون له(١) . عندها أمر المأمون القوّاد والحجّاب والقضاة وسائر الطبقات بمبايعة الإمامعليه‌السلام بولاية العهد، ولكن بعض قادة المأمون نقموا البيعة ولم يرضوا بها، فاعتقلهم المأمون. ثم أمر بإدخالهم عليه منفردين.

وكان الجلودي أحدهم، فلما اُدخل على المأمون ووقع نظر الإمام عليه قالعليه‌السلام للمأمون:« هب لي هذا الشيخ » (٢) !!

فقال المأمون: يا سيدي! هذا الذي فعل ببنات محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما فعل من سلبهنّ!!

فنظر الجلودي إلى الإمامعليه‌السلام وهو يكلّم المأمون ويسأله أن يعفو عنه ويهبه له، فظنّ أنّ الإمام يعين عليه لمّا كان قد فعله من اقتحامه دار الإمام وإرعابه أهل بيته.

فقال الجلودي: يا أمير المؤمنين! أسألك بالله وبخدمتي للرشيد أن لا تقبل قول هذا فيّ!!

فقال المأمون: يا أبا الحسن! قد استعفى، ونحن نبر قسمه.

ثم قال: لا والله لا أقبل فيك قوله. ألحقوه بصاحبيه(٣) .

____________

(١) راجع تفصيل مسألة ولاية العهد في كل مما يلي:

أصول الكافي: ج١ ص٤٨٨، الحديث السابع.

عيون أخبار الرضا: ج٢ ص ١٣٨.

الإرشاد: ج٢ ص٢٥٩.

(٢) أراد الإمام - مع كل ما أدخَلَهُ الجلوديّ من رعب على العقائل - أراد أن يكافئه على استجابته له وعدم سلبه لهن بنفسه.

(٣) أي علي بن أبي عمران وأبو يونس، اللذان ضربت عنقاهما قبل الجلودي.


فقدِّم فضربت عنقه(١) .

***

هذه الحادثة - أي حادثة اقتحام دار الإمام الرضاعليه‌السلام - انفرد بذكرها الشيخ الصدوق في كتابه (عيون أخبار الرضا) حيث يقول:

(وكان الجلودي في خلافة الرشيد لمّا خرج محمد بن جعفر بن محمد بالمدينة(٢) ، بعثه الرشيد وأمره إن ظفر به أن يضرب عنقه، وأن يغير على دور آل أبي طالب، وأن يسلب نساءهم، ولا يدع على واحدة منهن إلاّ ثوباً واحداً. ففعل الجلودي ذلك، وقد كان مضى أبو الحسن موسى بن جعفرعليه‌السلام ...)(٣) .

قد تتساءل - أيها القارئ الكريم -:

إذا كان الشيخ الصدوق قد انفرد بذكر الحادثة وأنّها كانت في عهد الرشيد، فكيف تنسب القضية إلى المأمون؟

استميح القارئ عذراً، وأرجوه أن يمهلني أسطراً حتى تتضح له حقيقة الأمر.

١ - أنّ الحادثة وقعت في زمان هارون.

٢ - أنّ الحادثة تزامنت مع خروج محمد بن جعفر.

____________

(١) لاحظ عيون أخبار الرضا: ج٢ ص ١٦١.

(٢) سيأتي من الشيخ الصدوق أنّ خروج محمد بن جعفر كان بمكة، وهذا ما ذكره غيره أيضاً.

(٣) عيون أخبار الرضا: ج٢ ص ١٦١.


ولكنّ أرباب السير والتاريخ من الفريقين اتفقوا على أنّ خروج محمد بن جعفر كان في عصر المأمون في سنة ١٩٩ هـ أو ٢٠٠ هـ.

فالشيخ المفيد (قدس سره) يقول في الإرشاد:

(وكان محمد بن جعفر شجاعاً سخياً، وخرج على المأمون في سنة تسع وتسعين ومائة بمكة، واتبعته الزيدية الجارودية، فخرج لقتاله عيسى الجلودي، ففرّق جمعه وأخذه وأنفذه إلى المأمون)(١) .

كما أنّ الطبري في تاريخه(٢) وابن الأثير في الكامل(٣) ذكرا خروج محمد بن جعفر في ضمن حوادث عام ١٩٩ - ٢٠٠ هـ، فراجع.

والجدير بالذكر أنّ نفس الشيخ الصدوق ذكر ما يوافق ذلك في كتابه (عيون أخبار الرضا) حيث نقل الرواية التالية:

الورّاق، عن سعد، عن ابن أبي الخطّاب، عن إسحاق بن موسى(٤) .

قال: (لمّا خرج عمي محمد بن جعفر بمكة، ودعا إلى نفسه، ودعي بـ (أمير المؤمنين)، وبويع له بالخلافة، دخل عليه الرضاعليه‌السلام وأنا معه.

فقال له:« يا عم، لا تُكذب أباك ولا أخاك، فإنّ هذا الأمر لا يتمّ » .

ثم خرج وخرجت معه(٥) إلى المدينة، فلم يلبث إلاّ قليلاً حتى

____________

(١) الإرشاد: ج ٢ ص ٢١١.

(٢) تاريخ الطبري: ج ٥ ص ١٢٩ في حوادث سنة ٢٠٠ هـ.

(٣) الكامل في التاريخ: ج ٤ ص ١٥٤ في حوادث سنة ٢٠٠ هـ.

(٤) ابن الإمام الكاظمعليه‌السلام .

(٥) أي خرج الإمام الرضاعليه‌السلام وخرج معه أخوه إسحق.


قدم الجلودي، فلقيه فهزمه، ثم استأمن إليه، فلبس السواد، وصعد المنبر فخلع نفسه.

وقال: إنّ هذا الأمر للمأمون، وليس لي فيه حق)(١) .

وهذه العبارة الأخيرة تدل بكل وضوح أنّ خروج محمد بن جعفر كان في عهد المأمون، فالشيخ الصدوق يذكر هنا بأنّ محمد بن جعفر قد خرج في زمان المأمون لا الرشيد(٢) .

فلماذا ذكر الشيخ الصدوق في رواية الاقتحام أنّ خروجه كان في زمان الرشيد؟

إنّ منشأ هذا الاشتباه قد يكون أحد أمرين:

الأمر الأول: الخلط بين هارون الرشيد وبين هارون بن المسيّب أحد قادة المأمون زمن حادثة الجلودي.

ففي الكافي: (لمّا أراد هارون بن المسيّب أن يواقع محمد بن جعفر )(٣) .

____________

(١) عيون أخبار الرضا: ج٢ ص ٢٠٧ ح٨.

(٢) قد يقال: إنّه لا مانع من كون خروج محمد بن جعفر في زمان الرشيد، وكون إلقاء القبض عليه في زمان المأمون.

والجواب:

أولاً: هذا مناف لما ذكره أهل السير والتاريخ من أنّ محمد بن جعفر خرج في حكومة المأمون.

ثانياً: هذا لا يتناسب مع نفس الحديث الأخير الذي ذكره الصدوق، إذ فيه: (فلم يلبث إلاّ قليلاً حتى قدم الجلودي)، وقد مات الرشيد في عام ١٩٣ هـ، وتولى المأمون الحكم في عام ١٩٨ هـ أي بعد ست سنوات، وهذا لا ينسجم مع قوله: (فلم يلبث إلاّ قليلاً).

(٣) أصول الكافي: ج١ ص ٤٩١ ح ٩.


وفي مقاتل الطالبيين: (أنّ جماعة من الطالبيين اجتمعوا مع محمد بن جعفر فقاتلوا هارون بن المسيّب بمكّة قتالاً شديداً )(١) .

وقال ابن قتيبة: (ووجّه الحسن بن سهل هارون بن المسيّب إلى الحجاز لقتال العَلوية، فاقتتلوا، فهزمهم هارون بن المسيّب، وظفر بمحمد بن جعفر، فحمله إلى المأمون مع عدة من أهل بيته ...)(٢) .

وقد مرّ علينا أيضاً(٣) أنّ الذي قاتل محمد بن جعفر هو الجلودي، والظاهر أنّه لا تنافي في ذلك، فالجلودي يكون قد نفّذ أمر المأمون بتوجيه من هارون بن المسيّب وتحت قيادته.

بل في شرح الأخبار ما يوضّح ذلك ويرفع التنافي: فقد جاء فيه:

(وقام جماعة من العلويين في سنة المائتين على المأمون، وكان من قام منهم عليه محمد بن جعفر بن محمد، قام بمكّة، فبايعه أهل الحجاز وتهامة على الخلافة فأنفذ (المأمون) إليه الحسن بن سهل، وهارون بن موسى المسيّب، وعيسى بن يزيد الجلودي، ورقا بن محمد الشيباني وهم من جملة قوّاد المأمون، وأوقعوا على أصحابه بالمدينة ومكّة وقتلوا منهم خلقاً كثيراً، وتفرّق عامتهم واستأمن (محمد بن جعفر)، واكذب نفسه فيما ادّعاه من الإمامة، فأومن وحمل إلى المأمون إلى خراسان، فمات بها)(٤) .

____________

(١) مقاتل الطالبيين: ص ٣٥٩.

(٢) المعارف: ص ٣٨٩.

(٣) من الإرشاد وتاريخ الطبري وتاريخ ابن الأثير.

(٤) شرح الأخبار: ج٣ ص ٣٣٦.


وعليه فقد يكون المصدر الذي استقى منه الشيخ الصدوق قد ذكر اسم هارون بن المسيّب مجرداً عن الاسم واللقب التالي، فتصوّره الرشيد، خاصّة وأنّ الجلودي كان قد خدم الرشيد كما مرّ عليك في ثنايا حادثة الاقتحام التي نقلها الشيخ الصدوق.

الأمر الثاني: أنّ الشيخ الصدوق قد خلط بين محمد بن جعفر الذي خرج في زمن الرشيد، وبين محمد بن جعفر الذي خرج في زمن المأمون فالذي خرج في زمن الرشيد هو محمد بن جعفر بن يحيى بن الحسن بن الحسن بن الحسن كما في مروّج الذّهب حيث يقول: (وقد كان محمد بن جعفر بن يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي (كرّم الله وجهه)، سار إلى مصر، فطلب، فدخل المغرب، واتصل ببلاد تاهرت السفلى، واجتمع إليه خلق من النّاس، فظهر فيهم بعدل وحسن استقامة، فمات هنالك مسموماً )(١) .

والذي خرج في زمن المأمون هو محمد بن جعفر بن محمد - كما مر آنفاً.

فنستنتج مما سبق: أنّ هذه الحادثة كانت في زمان المأمون، وقبيل وفاة السيدة المعصومةعليها‌السلام بسنتين:

وعلى فرض وقوعها في عهد هارون فالسيدة تكون أيضا قد عايشت الواقعة بكل تفاصيلها، فكما ذكر الشيخ الصدوق أنّ الحادثة وقعت وقد كان مضى أبو الحسن موسى بن جعفرعليه‌السلام ، أي بعد عام ١٨٣هـ.

***

____________

(١) مروج الذهب: ج٣ ص ٣٥٣.


كانت هذه صورة من صور المحن والآلام التي عاشتها سيدتنا ومولاتنا المعصومةعليه‌السلام .

ويكفيك أن تتخيل وتتصور أجنبياً يروم دخول دارك، فيكشف عرضك ليسلب أمّك أو زوجتك أو أختك. فما هو حالك إذا علمت أنّ المراد سلبهنّ هنّ بنات أهل بيت العصمة والطهارة؟

يكفيك تصوّر ذلك حتى تعلم عظم الحادثة وفجاعتها.


(ج) السيدة تعايش ترحيل أخيها

سنة٢٠١ هـ

يوم ١٠ جمادي الآخر

مدينة مرو

الإمام الرضاعليه‌السلام وأخوه إسماعيل، وعمّه محمد بن جعفر، وعلي بن الحسن بن زيد، وابن الأرقط، ومجموعة ممن كان قد خرج على المأمون، يقدم بهم رجاء بن الضحّاك على مرو، ويدخلهم على المأمون لعشر خلون من جمادي الآخر سنة إحدى ومائتين، فقد أمر المأمون بإشخاصهم وإشخاص من كان قام عليه من الطالبيين، فحملهم الجلودي وأخذ بهم على طريق البصرة - الأهواز(١) في المفاوز والبراري لا في العمران، لئلاّ يراه الناس فيرغبوا فيه، فما من منزل من منازل إلاّ وله فيه معجزة(٢) .

وصاروا إلى فارس حيث لقيهم رجاء بن الضّحاك وتسلّمهم من

____________

(١) شرح الأخبار: ج٣ ص ٣٣٩.

(٢) العوالم: ج ٢٢ ص ٢٢٩ ح ٣ من المستدركات.


الجلوديّ(١) .

وبذلك يكون الإمام قد فارق مدينة جده رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكانعليه‌السلام قبل إخراجه قد دخل المسجد النبوي الشريف ليودّع جده، فودّعه مراراً، كل ذلك (وهو) يرجع إلى القبر، ويعلو صوته بالبكاء والنحيب. فتقدّم إليه مخول السجستاني وسلٌم عليه، فردّ السلام.

وقالعليه‌السلام :« زرني، فإنّي أخرج من جوار جدي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأموت في غربة » (٢) .

كل هذا في منظر ومسمع من السيدة المعصومة وإخوتها وأخواتها حيث إنّ الإمامعليه‌السلام حينما أرادوا الخروج به من المدينة جمع عياله، وأمرهم بالبكاء عليه، ثم فرّق فيهم اثني عشر ألف دينار.

ثم قال:« أما إني لا أرجع إلى عيالي أبداً » (٣) .

وهكذا أُخرِج الإمامعليه‌السلام من مدينة جدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أمام أخته المصونة وسائر عياله، وعيونهم عبرى، وقلوبهم مملوءة بالحزن والأسى.

____________

(١) شرح الأخبار: ج٣ ص ٣٣٩.

(٢) عيون الأخبار: ج٢ ص ٢١٧ ح ٢٦.

(٣) عيون أخبار الرضا: ج٢ ص ٢١٧ ح ٢٨.


٥ - هجرتها

(أ) هجرة إخوتها إلى (شيراز) .

(ب) ركب السيدة يحاصر في (ساوة) :

(ا / ب) لماذا سميت هذه البلدة بـ ( قم )؟

(٢ / ب) في فضل ( قم ) وأهلها.

(٣ / ب) ( قم ) تستقبل السيدة المعصومة.

(٤ / ب) السيدة المعصومة تفارق الحياة.

(٥ / ب) المأمون يعترف.



وتمضي الأيام والأيام على مفارقة السيدة المعصومة لأخيها الإمام الرضا، فتتسلم منه كتاباً يأمرها أن تلحق به، فقد كانت أثيرة عنده، وعزيزة عليه، ولمّا انتهى الكتاب إليها تجهّزت للسفر إليه(١) .

وليست الهجرة مسألة جديدة في حياة أهل البيت وأولادهم ومواليهم، فقد سعى العباسيّون ومن قبلهم الأمويون لتشتيتهم في البلدان وإبادتهم، حتى أنّ أبا الفرج الأصفهاني كتب كتابه (مقاتل الطالبيين لبيان ذلك، وكتب المسعودي أيضاً كتابه (حدائق الأذهان في أخبار أهل بيت النبي وتفرّقهم في البلدان).

وحتى قال دعبل الخزاعي:

____________

(١) ترجمة تاريخ قم ص ٢١٣، وحياة الإمام الرضاعليه‌السلام : ج٢ ص ٣٥١ نقلاً عن جوهرة الكلام: ص ١٤٦.


لا اضحك الله سن الدهر إن ضحكت

وآل أحمـد مظلمـون قـد قهـروا

مشردون نفـوا عـن عقـر دارهم

كأنهم قـد جـنوا مـا ليس يغـتفر

يخرج ركب السيدة المعصومة مع بعض إخوتها

ويخرج بعض آخر من إخوتها في ركب ثانٍ باتجاه طوس

ركبان عظيمان يتّجهان نحو طوس لللقاء بإمامهمعليه‌السلام :

أحدهما يتجه إليها عن طريق الري وساوة

والآخر يتجه إليها عن طريق شيراز.

فالإمام الرضاعليه‌السلام قد استأذن المأمون في قدومهم عليه(١) .

____________

(١) شبهاي بيشاور: ص ١١٥.


(أ) هجرة إخوتها إلى شيراز

كان إخوة الإمام الرضاعليه‌السلام : أحمد، ومحمد، وحسين، على رأس هذا الركب الذي ضمّ عدداً كبيراً من بني أعمامهم وأولادهم وأقاربهم ومواليهم ووصل عددهم إلى ثلاثة آلاف(١) .

وفي الطريق انضمّ إليهم جمع كثير من موالي ومحبي أهل البيتعليهم‌السلام ، فصار عددهم ما يقرب من خمس عشرة ألف نسمة رجالاً ونساء(٢) ، يتجهون إلى طوس عن طريق شيراز ليحظوا برؤية الإمامعليه‌السلام ، ويرفلوا بأثواب البركة في جواره(٣) .

ولمّا وصل خبر القافلة وهذا التجمع الكبير إلى المأمون، خشي على ملكه وسلطانه من التزلزل إذا ما وصلت هذه القافلة العظيمة إلى خراسان، فأمر ولاته بمنع زحف هذا الركب وإرجاعهم إلى

____________

(١) أعيان الشيعة: ج٣ ص ١٩٢.

(٢) شبهاي بيشاور: ص ١١٧.

(٣) وما نُقل عن كتاب لباب أو لبّ الأنساب من أنّهم خرجوا لطلب الثار لأخيهم، هذا لا يساعده التاريخ، كما أنّه لا يناسب خروج قافلة مسالمة، وإلاّ لتعرّض لها كل ولاة وأتباع المأمون قبل شيراز.


المدينة(١) .

فجّهز حاكم شيراز - آنذاك - جيشاً جراراً من أربعين ألف جندي وتوجّه إلى الركب، فالتقى بهم في (خان زينان) على ثمانية فراسخ(٢) من شيراز.

فتوقفت قافلة بني هاشم تستطلع الأمر.

قال الحاكم لهم: إنّ الخليفة يأمر بإرجاعكم من حيث أتيتم.

فقال أمير الركب أحمد بن موسى: إننا لا نريد سوى زيارة أخينا الإمام الرضا. وما قصدناه إلاّ بعد استئذان وإجازة المأمون نفسه.

قال الحاكم: قد يكون ما ذكرت، ولكنّه أصدر الأمر إلينا بمنعكم من إكمال سيركم.

فتشاور الإخوة فيما بينهم، واتفقوا على إكمال مسيرتهم، واحتاطوا لذلك بجعل النساء في آخر القافلة ..

في الصباح تحرّكوا من جديد

ولكن حاكم شيراز وجنده الأربعين ألفاً قطعوا الطريق عليهم

فبدأت معركة دامية، أبدى فيها إخوة الإمام وسائر أفراد القافلة شجاعة فائقة، ولا عجب في ذلك فهم من بني هاشم أصل الشجاعة ومنبت البطولة، وعلى أثر ذلك انكسر جيش الأعداء، وتفرّقوا فلجئوا حينئذٍ إلى المكر والخديعة.

____________

(١) ولعلّ سبب استقدام الإمام لإخوته هو كشف النوايا الخبيثة للمأمون - كما سيظهر لك، فليست هجرتهم مجرد لقاء إخوة بأخيهم، وليست العواطف هي الباعث عليها وإنما الأمر فوق ذلك.

(٢) أي على بعد ٤٤ كيلومتراً من شيراز (الفرسخ الشرعي = ٥ | ٥ كيلومتر).


فنادى رجل منهم: إن كان تريدون ثمّة الوصول إلى الرضا فقد مات!!

فسرت هذه الشائعة بين أفراد القافلة كالبرق، وهدّت أركانهم، وكيف لا؟ إنهم يسمعون خبر وفاة إمامهمعليه‌السلام .

وكان ذلك سبباً لتفرّق أفراد القافلة عن الإخوة الكرام.

فتوجّه الإخوة الثلاثة إلى شيراز ليلاً بعد أن غيّروا ألبستهم حتى لا يعرفوا، وتفرّقوا فيها وتفرّغوا للعبادة، ولبثوا مدة دون أن يعرفهم أو يتوصل إليهم أحد.

ولكن على أثر انتشار الجواسيس توصّلوا إلى مكان أحمد بن موسى.

فأرسل الحاكم جيشاً كبيراً لاعتقاله. وكان أحمد بن موسى قد اختفى في دار أحد الموالين لهم، فخرج من الدار يقاتلهم قتالاً مستميتاً دفاعاً عن نفسه.

فماذا يا ترى يفعل فرد واحد أمام بلدة مخالفة وجيش كبير؟!

إنّه أظهر شجاعة عظيمة، وكان بين فترة وأخرى يدخل الدار فيستريح. وعندما لم يتمكنوا منه لجأوا إلى الجيران، وأحدثوا فجوة إلى تلك الدار عبر دار الجيران ثم غافلوه وقتلوه في الموضع الذي نراه الآن والمعروف بـ (شاه جراغ).

كما أنّهم قتلوا أخاه ُ حسيناً بالقرب من بستان، وله مزار أيضاً في شيراز ويُعرف بالسيد (علاء الدين حسين).

وأما السيد محمد فلم يتمكنوا منه، وعُرِف بكثرة العبادة، ولذا


كان يلقّب بـ (محمد العابد)، وتوفي ودفن في بقعته الشريفة من شيراز(١) .

***

بعد أن عرفنا ما حدث لهذا الركب، تعالوا بنا نستطلع ما يجري على ركب السيدة المعصومة وإخوتها الآخرين.

____________

(١) شبهاي بيشاور: ص ١١٥ - ١٢٢، تحفة العالم: ج٢ ص ٢٨.


(ب) ركب السيدة يحاصر في (ساوة)

كانت هذه القافلة تضم اثنين وعشرين علوياً، وعلى رأسها السيدة فاطمة المعصومةعليها‌السلام وإخوتها: هارون(١) ، وفضل، وجعفر، وهادي(٢) ، وقاسم، وبعض من أولاد إخوتها، وبعض الخدم(٣) .

فأرسل المأمون شرطته إلى هذه القافلة أيضاً، فقتل، وشرّد كل من فيها، وجرحوا هارون المذكور، ثم هجموا عليه وهو يتناول الطعام فقتلوه(٤) .

وكان ذلك نهاية أليمة ومفجعة لهذا الركب من بني هاشم، فقدت فيها السيدة المعصومةعليها‌السلام سائر إخوتها، فشابهت مصيبتها بفقدهم مصيبة عمّتها زينبعليه‌السلام في كربلاء.

وخارت قواها وضعفت، فسألت من حولها:

- كم بيننا وبين قم؟

____________

(١) الحياة السياسية للإمام الرضاعليه‌السلام : ص ٤٢٨.

(٢) لم يذكر أحد أنّ للإمام ولداً باسم هادي ولعلّه هارون وصحف.

(٣) زندگاني حضرت معصومة، نقلاً عن رياض الأنساب ومجمع الأعقاب.

(٤) الحياة السياسية للإمام الرضاعليه‌السلام : ص ٤٢٨.


قالوا: عشرة فراسخ(١) .

فقالت: إحملوني إليها(٢) .

وقبل أن نواصل معايشتنا مع السيدة المعصومةعليها‌السلام نتوقف قليلاً لنعرف شيئاً مما ذكره المعصومونعليهم‌السلام في فضل قم وأهلها.

(١ / ب) لماذا سمّيت هذه البلدة بـ ( قم )؟

في معجم البلدان: - قم - (قرية اسمها كمندان، فأسقطوا بعض حروفها فسميت بتعريبهم(٣) قما)(٤) .

وفي دائرة المعارف الإسلامية الشيعية: أنّ أصل اسمها ( كم ) - بمعنى قليل بالفارسية - إذ كانت عبارة عن قرية صغيرة ثم عربت بعد الفتح الإسلامي فصارت ( قم )(٥) .

فهذان قولان مختلفان في سبب تسميتها بـ ( قم )، ولكن نفس

____________

(١) أي خمسة وخمسون كيلومتراً تقريباً.

(٢) ترجمة تاريخ قم: ص ٢١٣.

(٣) أي بتعريب الأشعريين الشيعة الذين نزلوا بها في عام ٨٣ هـ، وهم غير الأشعريين أصحاب المذهب الكلامي.

(٤) معجم البلدان: ج٤ ص ٣٩٧.

(٥) دائرة المعارف الإسلامية الشيعية: ج٣ ص٢٢٩ و٢٣٠.


التاريخ لا يوافقهما، إذ أنّ تسميتها بذلك كان معروفاً قبل الفتح الإسلامي، ومنذ زمن كسرى (أنوشروان).

ففي الأخبار الطوال: ( ثم قسّم كسرى أنوشروان المملكة أربعة أرباع، وولّى كل ربع رجلاً من ثقاته، فأحد الأرباع: خراسان، وسجستان، وكرمان، والثاني إصبهان، وقم، إلخ)(١) .

وفي موقعة (جلولاء) التي كان من قادتها الصحابي الجليل حجر بن عدي، هزم يزدجر فتحمل بحرمه وحشمه وما كان مع من أمواله وخزائنه حتى نزل قم(٢) .

فتسميتها بـ ( قم ) كان معروفاً قبل الفتح الإسلامي، وعلى هذا فليس (الأشعريون) هم الذين سمّوها بـ ( قم ) كما ادعاه صاحب معجم البلدان.

فما هو سبب تسميتها إذن؟

وباستعراض روايات المعصومينعليهم‌السلام - الذين هم ملاذنا وملجأنا دائماً وفي كل شيء - نجد ثلاث روايات في سبب هذه التسمية: -

الرواية الأولى:

عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال:« حدّثني أبي، عن جدي، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : لمّا اُسري بي إلى السماء حملني جبرئيل على كتفه الأيمن، فنظرت إلى بقعة بأرض الجبل حمراء

____________

(١) الأخبار الطوال: ص ٦٧.

(٢) المصدر السابق: ص ١٢٨.


أحسن لوناً من الزعفران، وأطيب ريحاً من المسك، فإذا فيها شيخ على رأسه برنس (١) .

فقلت لجبرئيل: ما هذه البقعة الحمراء التي أحسن لوناً من الزعفران، وأطيب ريحاً من المسك؟

قال: بقعة شيعتك وشيعة وصيك علي.

فقلت: من الشيخ صاحب البرنس؟

قال: إبليس.

قلت: فما يريد منهم؟

قال: يريد أن يصدهم عن ولاية أمير المؤمنين، ويدعوهم إلى الفسق والفجور.

فقلت: يا جبرئيل، أهوِ بنا إليهم.

فأهوى بنا إليهم أسرع من البرق الخاطف والبصر اللامح.

فقلت: قم يا معلون، فشارك أعداءهم في أموالهم وأولادهم ونسائهم، فإنّ شيعة علي ليس لك عليهم سلطان ».

فسميّت ( قم )(٢) .

والرواية الثانية:

عن عفّان البصري، عن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام :

قال:« أتدري لم سميّت ( قم )؟

قلت: الله ورسوله أعلم.

____________

(١) البرنس: قلنسوة طويلة.

(٢) علل الشرائع ص ٥٧٢ باب ٣٧٣.


قال:إنّما سميّت ( قم ) لأنّ أهلها يجتمعون مع قائم آل محمد (صلوات الله عليه)، ويقومون معه، ويستقيمون عليه، وينصرونه » (١) .

وأما الرواية الثالثة فهي:

عن أبي مقاتل الديلمي نقيب الري.

قال: سمعت أبا الحسن علي بن محمدعليه‌السلام يقول:

« إنّما سميت قم به لأنّه لمّا وصلت السفينة إليها في طوفان نوح عليه‌السلام قامت » (٢) .

(٢ / ب) في فضل ( قم ) وأهلها:

إضافة إلى ما مرّ من الروايات، هناك روايات أخرى في فضل ( قم ) وأهلها، نقلت عن أهل بيت العصمة والطهارة، وإليكم باقة منها: -

عن الإمام الصادق جعفر بن محمدعليهما‌السلام قال:

« إنّ لعَلى ( قم ) ملَكاً يرفرف عليها بجناحيه، لا يريدها جبّار بسوء إلاّ أذابه الله كذوب الملح في الماء » (٣) .

وعنهعليه‌السلام أنّه قال:

« إذا أصابتكم بليّة وعناء فعليكم بـ ( قم )، فإنّها مأوى الفاطميين، ومستراح المؤمنين، وسيأتي زمان ينفر أولياؤنا ومحبونا عنّا، ويبعدون

____________

(١) ترجمة تاريخ قم: ص ١٠٠، والبحار: ج٦٠ ص ٢١٦ ح٣٨.

(٢) ترجمة تاريخ قم: ص ٩٦، والبحار: ج٦٠ ص ٢١٣ ح٢٤.

(٣) ترجمة تاريخ قم: ص ٩٩، والبحار: ج٦٠ ص ٢١٧ ح٣٦.


منّا وذلك لمصلحة لهم، لكي لا يعرفوا بولايتنا، ويحقنوا بذلك دماءهم وأموالهم. وما أراد أحد بـ ( قم ) وأهلها سوءاً إلاّ أذلّه الله، وأبعده من رحمته » (١) .

وعن الإمام الكاظمعليه‌السلام أنّه قال:

« قم عش آل محمد، ومأوى شيعتهم، ولكن سيهلك جماعة من شبابهم بمعصية آبائهم، والاستخفاف والسخريّة بكبرائهم ومشايخهم، ومع ذلك يدفع الله عنهم شرّ الأعادي وكل سوء » (٢) .

وعن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال:

« ما أرادهم - يعني أهل قم -جبّار من الجبابرة إلاّ قصمه الله » (٣) .

عن الإمام الرضاعليه‌السلام أيضاً:

« إذا عمّت البلدان الفتن فعليكم بقم وحواليها ونواحيها، فإنّ البلاء مرفوع عنها » (٤) .

كما روي عنهم أنّه:« لولا القُميّون لضاع الدين » (٥) .

حيث إنّ الكثير من الرواة والمحدّثين هم من أهل ( قم ).

وكل ما ذكر في فضل ( قم ) وأهلها إنما هو بشرطها وشروطها، والحديث التالي يبين ذلك.

فقد روي عن الإمام الصادقعليه‌السلام :

____________

(١) ترجمة تاريخ قم: ص ٩٨، والبحار: ج٦٠ ص ٢١٤ ح٣٢.

(٢) ترجمة تاريخ قم: ص ٩٨، والبحار: ج٦٠ ص ٢١٤ ح٣١.

(٣) اختيار معرفة الرجال: ص ٣٣٣ ح ٦٠٨.

(٤) ترجمة تاريخ قم: ص ٩٧، والبحار: ج٦٠ ص ٢١٧ ح٤٤.

(٥) بحار الأنوار: ج٦٠ ص ٢١٧ ح٤٣.


« تربة قم مقدّسة، وأهلها منٌا ونحن منهم، لا يريدهم جبّار بسوء إلاّ عجّلت عقوبته ما لم يخونوا إخوانهم، فإذا فعلوا ذلك سلّط الله عليهم جبابرة سوء » (١) .

وهذا غيض من فيض روايات المعصومينعليهم‌السلام في شأن ( قم ) وأهلها.

إذن ليس غريباً أن تختار السيدة المعصومة مدينة ( قم )، خاصة وأنها كانت من قبل قد سمعت عن جدها الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال:« وإنّ لنا حرماً وهو بلدة قم، وستدفن فيها امرأة من أولادي تسمى فاطمة » (٢) .

وبهذا الزخم التاريخي تخرج ( قم ) لاستقبالها، وكان قدومها إيذاناً بعهد جديد لمدينة ( قم ) ولأهلها.

(٣ / ب) ( قم ) تستقبل السيدة المعصومة:

عندما وصلتعليها‌السلام إلى (ساوة)، ومرضت فيها بعد فقد إخوتها، كان خبرها قد وصل إلى ( قم )، فخرج أشرافها لاستقبالها، يتقدمهم موسى بن خزرج الأشعري، فلمّا وصل إليها أخذ بزمام ناقتها وقادها إلى منزله(٣) ، تحفّ بها إماؤها وجواريها.

____________

(١) ترجمة تاريخ قم: ص ٩٣، البحار: ج٦٠ ص ٢١٨ ح ٤٩.

(٢) ترجمة تاريخ قم: ص ٢١٥، وعنه في البحار: ج٦٠ ص ٢١٦ ح٤١، ومستدرك الوسائل: ج١٠ ص ٣٦٨ ح١.

(٣) ترجمة تاريخ قم: ص ٢١٣.


(٤ / ب) السيدة المعصومة تفارق الحياة:

بقيتعليها‌السلام في دار موسى الأشعري سبعة عشر يوماً، فما لبثت إلاّ هذه الأيام القليلة وتوفيت(١) .

ولا يبعد أن يكون سبب وفاتها أنها قد دُسّ السُم إليها في (ساوة)(٢) .

وأمر موسى بن خزرج بتغسيلها وتكفينها، وحملوها إلى مقبرة (بابلان) ووضعوها على سرداب حفر لها، فاختلفوا في من ينزلها إلى السرداب.

ثم اتفقوا على خادم لهم صالح كبير السن يقال له (قادر) فلمّا بعثوا إليه رأوا راكبين مقبلين من جانب الرملة وعليهما لثام، فلما قربا من الجنازة نزلا السرداب وأنزلا الجنازة، ودفناها فيه، ثم خرجا ولم يكلمّا أحداً، وركبا وذهبا ولم يدر أحد من هما(٣) .

ونقل أنّها (سلام الله عليها) توفيت في الثاني عشر من ربيع الثاني عام ٢٠١ هـ(٤) .

ولكن هذا لا ينسجم مع ما نقله صاحب دعائم الإسلام في كتابه (شرح الأخبار) من أنّ الإمام الرضاعليه‌السلام ادخل على المأمون

____________

(١) ترجمة تاريخ قم: ص ٢١٣.

(٢) الحياة السياسية للإمام الرضا: ص ٤٢٨، عن قيام سادات علوي: ص ١٦٨.

(٣) ترجمة تاريخ قم: ص ٢١٣ و٢١٤.

(٤) مستدرك سفينة البحار: ج ٨ ص ٢٥٧.


في العاشر من جمادي الآخر سنة ٢٠١ هـ(١) ، ومن المعلوم أنّ الإمامعليه‌السلام أرسل في طلب أخته المعصومةعليها‌السلام بعد وصوله، وما نقل من تاريخ وفاتها يكون قبل وصولهعليه‌السلام إلى (خراسان)، وهذا معناه أنّ الإمامعليه‌السلام لم يطلبها، وأنّها لم تهاجر قاصدة أخاها، وهذا مما تنفيه الأخبار والتاريخ. وبناءً على ذلك يمكن أن يكون تأريخ وفاتها هو الثامن من شعبان سنة ٢٠١ هـ، كما نقله الشيخ المنصوري في (حياة الست) نقلاً عن كتاب مخطوط باسم (رياض الأنساب ومجمع الأعقاب) الذي نقله بدوره عن (الرسالة العربية العلوية) للشيخ الحرّ العاملي صاحب كتاب (وسائل الشيعة).

وعلى كل حال فقد فارقت روح السيدة المعصومة الحياة بعد أن كابدت صنوف الألم والمشقة والعذاب فسلام عليها يوم ولدت ويوم ماتت ويوم تبعث حية.

( ٥ / ب ) المأمون يعترف ...!!

ذكرنا احتمال أن يكون وفاة السيدة المعصومةعليه‌السلام بسبب سم دُسّ إليها في (ساوة)، إما من أهلها المتعصبين، وإما من أتباع وشرطة المأمون بأمرٍ منه، وكان من قبل قد قتل إخوتها في (ساوة) و (شيراز)، ثم قتل الإمام الرضاعليه‌السلام فيما بعد.

وللمأمون اعتراف بجناياته وظلمه لأهل البيتعليهم‌السلام وأولادهم ومواليهم، نسجله للتأريخ والأجيال بياناً لحقيقة المأمون.

____________

(١) شرح الأخبار: ج٣ ص ٣٤٠.


يقول المأمون في كتاب له في الجواب عن بني هاشم:

( حتى قضى الله تعالى بالأمر إلينا، فأخفناهم، وضيّقنا عليهم، وقتلناهم أكثر من قتل بني أمية إياهم.

ويحكم! إنّ بني أميّة إنّما قتلوا منهم من سلّ سيفاً، وإنّا معشر بني العباس قتلناهم جملاً.

فلتسألن أعظم الهاشمية بأيّ ذنبٍ قتلت؟!

ولتسألن نفوس أُلقيت في (دجلة) و (الفرات).

ونفوس دُفنت بـ (بغداد) و (الكوفة) أحياء.

هيهات إنّه من يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره، ومن يعمل مثال ذرةٍ شرّاً يره )(١) .

فهل كانت الغلبة لبني العبّاس والمأمون بقتلهم هذه النفوس الزكيّة ..؟

إنٌ الحقيقة تأبى إلاّ أن تسفر عن وجهها

فهذا قبر السيدة المعصومة وقبر أخيها الإمام الرضا محجّة ومزار

... أعدائهم لا تعرف، لا تزل

بل تصب عليهم اللعائن مدى الأيام والأعصار

____________

(١) بحار الأنوار: ج٤٩ ص ٢١٠، عن صاحب الطرائف عن ابن مسكوية.


٦ - الجنة لمن زارها



ثلاثة من المعصومينعليهم‌السلام يبشّرون من زارها بالجنة.

١ - فهذا الإمام الصادقعليه‌السلام يبشّر زوارها بالجنة قبل ولادتها.

قال عليه‌السلام : « إنّ لله حرماً وهو مكة، وإنّ للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله حرماً وهو المدينة، وإنّ لأمير المؤمنين عليه‌السلام حرماً وهو الكوفة، وإنّ لنا حرماً وهو بلدة قم. وستدفن فيها امرأة من أولادي تسمى فاطمة، فمن زارها وجبت له الجنة » (١) .

٢ - وعن سعد بن سعد، قال: سألت أبا الحسن الرضاعليه‌السلام عن زيارة فاطمة بنت موسىعليه‌السلام .

فقال:« من زارها فله الجنة » (٢) .

٣ - وعن الإمام الجوادعليه‌السلام أنّه قال:

____________

(١) ترجمة تاريخ قم: ص ٢١٥، وعنه في البحار: ج٦٠ ص ٢١٦ ح٤١، ومستدرك الوسائل: ج١٠ ص ٣٦٨ ح١.

(٢) كامل الزيارات: ص ٣٢٤ ح١، وثواب الأعمال: ص ٩٨، وعيون أخبار الرضا: ج٢ ص ٢٦٧.


« من زار عمتي بقم فله الجنة » (١) .

والسؤال الآن: هل كل من زارها تجب له الجنة حتى لو كان فاسقاً فاجراً مخالفاً؟

يجيب الإمام الرضاعليه‌السلام على ذلك فيقول:

« يا سعد! عندكم لنا قبر (٢)

قال سعد: جعلت فداك، قبر فاطمة بنت موسىعليهما‌السلام .

قال: نعم، من زارها عارفاً بحقها فله الجنة » (٣) .

فليس كل من زارها تجب له الجنة، وإنما العارف بحقها وحق آبائها وأبنائهم الطاهرين تجب له بزيارتها الجنة. وأنّى يكون ذلك للمخالف لهم في العقيدة والعمل؟!

وقد قال الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

« والذي نفسي بيده لا ينتفع عبد بعمله إلاّ بمعرفة حقنا » (٤) .

____________

(١) كامل الزيارات: ص ٣٢٤ ح٢.

(٢) أي: هل عندكم لنا قبر في قم؟ فسؤالهعليه‌السلام طلب للتقرير فلحن السؤال يدل على أنه ليس استفهاماً حقيقياً بل إخبار وتقرير.

(٣) بحار الأنوار: ج١٠٢ ص ٢٦٥ ح٤، ومستدرك الوسائل: ج١٠ ص ٣٦٨ ح٣.

(٤) المحاسن: ج١ ص ١٣٥ ح١٦٩.


٧ - يا فاطمة إشفعي لي في الجنة



هذه جملة شريفة من زيارة السيدة المعصومةعليها‌السلام (١) ، تشهد بشفاعتها يوم القيامة، فهي تشفع كشافعة آبائها في شيعتهم.

ولكي نعرف عظمة الشفاعة ودرجة الشفيع يوم القيامة لا بدّ لنا من التحدث عن الشفاعة ولو قليلاً، حتى يتسنّى لنا معرفة شيء من عظمة السيدة المعصومةعليها‌السلام : -

الآيات القرآنية المباركة التي تتحدّث عن الشفاعة يمكن تقسيمها إلى مجموعات ثلاثة.

المجموعة الأولى: آيات ترفض الشفاعة بشكل مطلق، كقوله تعالى:( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقْنَاكُم مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ ) (٢) .

وقوله تعالى:( وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ ) (٣) .

المجموعة الثانية: آيات تحصر الشفاعة في الله تعالى، كقوله سبحانه:( مَا لَكُم مّن دُونِهِ مِن وَلِيّ وَلاَ شَفِيعٍ ) (٤) .

____________

(١) زيارة السيدة المعصومةعليها‌السلام مذكورة في آخر الكتاب.

(٢) سورة البقرة: الآية (٢٥٤).

(٣) سورة البقرة: الآية (٤٨).

(٤) سورة السجدة: الآية (٤).


وقوله تعالى:( قُل للّهِ‏ِ الشّفَاعَةُ جَمِيعاً ) (١) .

والمجموعة الثالثة: آيات تثبت الشفاعة لغير الله تعالى، ولكنها منوطة بإذنه، كقوله تعالى:( وَلاَ تَنفَعُ الشّفَاعَةُ عِندَهُ إِلّا لِمَنْ إِذِنَ لَهُ ) (٢) .

وقوله سبحانه: ( مَن ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلّا بِإِذْنِهِ ) (٣) .

وهذه الآية الأخيرة تشتمل على رفض وقبول.

فجملة المستثنى منه ترفض شفاعة كل أحد.

ولكن جملة المستثنى تقبل الشفاعة المقترنة بإذن من الله تعالى.

فالشفاعة أمر لا ينكر في القرآن المجيد، إذ فيه آيات متعددة تدل أو تصرح بها.

ولا توجد أي شائبة شرك في الشفاعة، فلسنا كأهل الجاهلية:( وَالّذِينَ اتّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلّا لِيُقَرّبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَى ) (٤) ، فهم قد عبدوا أصنامهم بزعمهم أنّها تقربهم إلى الله تعالى، ونحن لا نعبد الشفيع، وإنّما نجعل الشفيع المأذون من قبل الله تعالى، نجعله وسيلة لنا عند الله وإلى الله تعالى، لمكانته ووجاهته عنده، وفرق بين جعل الولي والشفيع معبوداً - كما عليه أهل الجاهلية - وبين جعله وسيلة إلى الله وحده لا شريك له.

فالشفاعة لا تكون إلاّ بإرادة منه تعالى، ومنوطة بإذنه، وليس

____________

(١) سورة الزمر: الآية (٤٤).

(٢) سورة سبأ: الآية (٢٣).

(٣) سورة البقرة: الآية (٢٥٥).

(٤) سورة الزمر: الآية (٣).


لأحد أن يجعل من مخلوق شفيعاً لمخلوق آخر في حضرة الله عزّ وجلّ، وما من شفيعٍ يحق له أن يتشفع بغير إذنٍ من الله تعالى. فقل لي بربك: أين الشرك في ذلك؟

ولا تستلزم الشفاعة تغييراً في حكم وإرادة الله تعالى كما هو حال (المشفوع عنده) من الناس، كالسلطان الذي يحكم بقتل شخص، فيريد قتله، فيأتي المقرّب عنده ويشفع له، فيقبل شفاعته، ويغيّر حكمه من القتل إلى العفو، فليس الأمر كذلك في محكمة العدل الإلهي.

وللتوضيح نبسط القول أكثر.

لدينا ثلاثة أمور:

١ - المشفوع عنده: وهو الله سبحانه وتعالى.

٢ - الشفيع: كالرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأهل بيته الكرامعليهم‌السلام .

٣ - المشفوع له: وهو المذنب.

وموضوع الشفاعة هو ذلك المذنب الذي يستحق العقوبة بذنبه، فيأتي الشفيع فيشفع له عند الله تعالى فيعفوا عنه. فهل يتغير حكم الله تعالى وعلمه كما يتغير حكم سلاطين أهل الدنيا؟ حاشا لله ذلك.

إنّ الشفيع عند السلطان يغير ويؤثر في إرادة وحكم السلطان، ولكن الشفيع عند الله تعالى لا يغير ولا يؤثر في إرادة وعلم الله تعالى، بل يكون تأثير الشفيع على المذنب - الذي هو موضوع علم الله وإرادته -، فالمذنب حكمه العقوبة قبل الشفاعة، ولكنّه بضميمة شفاعة الشفيع يصير حكمه العفو، فالذي تغيّر هو الموضوع، وحكم الله وإرادته لم تتغير، إذ إنّ إرادته كانت منذ البداية هي عقوبة المذنب غير المشفوع له،


وهذا مشفوع له فلا يعاقب، كالتّائب المقبولة توبته، فهو قبل التوبة مستحق للعقوبة، وبالتوبة يشمله العفو والغفران الإلهي، فالمذنب لم يغير بتوبته علم الله تعالى ولا إرادته، بل غيّر نفسه وبدّل سلوكه وصار كمن لا ذنب له، فتغيّر لذلك الحكم الإلهي بتغيّر الموضوع، فالحكم الإلهي ثابت لم يتغير وإنما تغيّر الموضوع، ولكل موضوع حكمه الخاص.

وبكلمة موجزة:

شفاعة الشَّفيع عند السلطان تغيّر الموضوع، وتغيّر حكم السلطان، ولكن شفاعة الشفيع عند الله تعالى تغيّر الموضوع فقط، وحكمه تعالى وإرادته وعلمه، كل ذلك ثابت لا يتغير.

ثم إنّ الشفاعة أمر متعارف بين الناس، وعليه سيرة العقلاء، وهي ما تسمى اليوم بـ (الوساطة)، فالضعيف يجعل القوي يتوسط له في قضاء حاجته عند الحاكم والسلطان وفي الدوائر الحكومية، ولكن هناك فرق بين شفاعة أهل الدنيا وشفاعة الأولياء الصالحين.

فالشفاعة في عالم الناس اليوم قد تكون وسيلة إصلاحية تربوية، يعود بها المشفوع له إلى جادة الصواب، وقد تكون وسيلة لارتكاب المزيد من المعاصي والتشجيع عليها.

ولكنّ الشفاعة بمفهومها الديني لا تكون إلاّ وسيلةً إصلاحية تدعو إلى الخير وعدم اليأس من رحمة الله بارتكاب معصية قد سوّلت له نفسه جنايتها في وقت من الأوقات.

فالشفاعة عامل إيجابي يدفع الخلق إلى الصلاح، ولا يجرئهم على ارتكاب المزيد من المعاصي.


وعند استعراض روايات أهل بيت العصمة والطهارة تبرهن لك إيجابية الشفاعة، فإنّ أصنافاً من الناس لا تنالهم الشفاعة، وإنّ بعض الأعمال لتحجب الشفاعة.

وأما الأصناف التي لا تنالهم الشفاعة فمنها:

١ - السلطان الظالم.

٢ - المغالي في الدين.

٣ - الناصبي.

فقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :

« صنفان لا تنالهما شفاعتي: سلطان غشوم عسوف. وغالٍ في الدين مارق منه غير تائب ولا نازع » (١) .

وقال الإمام الصادقعليه‌السلام :

« ولو أنّ الملائكة المقرّبين والأنبياء والمرسلين شفعوا في ناصب (٢) ما شفعوا » (٣) .

وسمع الإمام الباقرعليه‌السلام أنّه قال:

« من أبغض علياً دخل النار، ثم جعل الله في عنقه اثنتي عشرة ألف شعبة، على كل شعبة منها شيطان يبزق في وجهه ويكلح (٤) » (٥) .

____________

(١) قرب الإسناد: ص ٦٤ ح٢٠٤.

(٢) لقد مر عليك معنى الناصبي في ص ٥٤ فراجع.

(٣) يكلح: يكشر في عبوس.

(٤) المحاسن: ص ٢٩٧ ح٢٠٢.


وأما الأعمال التي تحجب الشفاعة، ويُحرَم فاعلها نعمة الشفاعة فمنها:

١ - عدم الإيمان بالشفاعة:

فعن الإمام الرضا عن أبيه عن أمير المؤمنينعليه‌السلام قال: « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « من لم يؤمن بشفاعتي فلا أناله الله شفاعتي »(١) .

٢ - التعرض لذرية الرسول الأقدسصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأذىً وغيره:

« والله لا تشفعت فيمن آذى ذريتي » (٢) .

٣ - الاستخفاف بالصلاة:

عن الإمام الباقرعليه‌السلام ، قال:« قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا ينال شفاعتي من استخف بصلاته، ولا يرد عليٌ الحوض لا والله » (٣) .

وعن أبي بصير، قال: دخلت على (أم حميدة)(٤) أعزيها بأبي عبد اللهعليه‌السلام ، فبكت وبكيت لبكائها.

____________

(١) أمالي الصدوق، المجلس الثاني: ص ١٦ ح ٤.

(٢) أمالي الصدوق، المجلس التاسع والأربعون ب ص ٢٤٢ ح٣.

(٣) المحاسن: ج١ ص ١٥٩ ح٦.

(٤) الظاهر أنّ المراد السيدة (حميدة المصفاة) زوجة الإمام الصادقعليه‌السلام ، بقرينة تعزيتها بشهادة الإمامعليه‌السلام .


ثم قالت: يا أبا محمد لو رأيت أبا عبد اللهعليه‌السلام عند الموت لرأيت عجباً. فتح عينيه، ثم قال: إجمعوا إليٌ كل من كان بيني وبينه قرابة.

قالت: فما تركنا أحداً إلاّ جمعناه.

قالت: فنظر إليهم.

ثم قال:« إنّ شفاعتنا لا تنال مستخِّفاً بصلاته » (١) .

٤ - شرب المسكر:

عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال: « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :

( لا والله لا ينال شفاعتي من شرب المسكر ولا يرد عليٌ الحوض لا والله) (٢) .

أيها القارئ الكريم: تلك بعض الأصناف التي تحرم الشفاعة، وهذه كانت بعض الأعمال التي تحجب الشفاعة. ففيمن تكون الشفاعة إذن؟

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :

« إنّما شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي » (٣) .

ولكن كيف يستحق أهل الكبائر(٤) الشفاعة؟ وبماذا يستوجبونها؟

إنّما استحقوها واستوجبوها بإتيانهم عملاً أهّلهم للشفاعة.

فمن ذلك:

____________

(١) المحاسن: ج١ ص ١٥٩ ح٨.

(٢) الكافي: ج٦ ص ٤٠٠ ح١٩.

(٣) من لا يحضره الفقيه: ج٣ ص ٥٧٤ ح٤٩٦٣.

(٤) يستثنى منهم ما استثنته الروايات كشارب الخمر - مثلاً - والسلطان الظالم.


١ - زيارة المعصومينعليهم‌السلام :

فعن الإمام أبي عبد اللهعليه‌السلام قال:« قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

من أتاني زائراً كنت شفيعه يوم القيامة » (١) .

وقال الإمام الحسينعليه‌السلام لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :« يا أبتاه، ما لمن زارك؟

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله :يا بني، من زارني حيّاً أو ميتاً، أو زار أباك، أو زار أخاك، أو زارك، كان حقاً عليٌ أن أزوره يوم القيامة، وأخلّصه من ذنوبه » (٢) .

وروى البزنطي عن الإمام الرضاعليه‌السلام قال:

« ما زارني أحد من أوليائي عارفاً بحقي، إلاّ شفعت فيه يوم القيامة » (٣) .

٢ - مودة وإكرام ذرية الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

فعن الإمام أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام قال:« قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (إنّي شافع يوم القيامة لأربعة أصناف لو جاءوا بذنوب أهل الدنيا:

رجل نصر ذريتي.

____________

(١) الكافي: ج٤ ص ٥٤٨ ح٣.

(٢) المصدر السابق: ج٤.

(٣) من لا يحضره الفقيه: ج٢ ص ٥٨٣ ح٣١٨٤.


ورجل بذل ماله لذريتي عند المضيق.

ورجل أحب ذريتي باللسان والقلب.

ورجل سعى في حوائج ذريتي إذا طُردوا أو شرِّدوا »(١) .

٣ - صنع المعروف:

عن الإمام أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام . قال:

« إنّ المؤمن منكم يوم القيامة ليمرّ عليه بالرجل وقد أُمر به إلى النار. فيقول له: يا فلان أغثني، فقد كنت أصنع إليك المعروف في الدنيا.

فيقول المؤمن للمَلك: خلِّ سبيله.

فيأمر الله المَلك أن أجز قول المؤمن.

فيخلّي الملك سبيله »(٢) .

وتارة يدخل المشفوع له الجنة بسبب ذلك العمل الذي رجح على معصيته من دون أن يرى العذاب، وتارة لا تناله الشفاعة حتى يدخل جهنم ويذوق ألم العذاب.

فعن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال:

« شفاعة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وشفاعتنا تحيط بذنوبكم يا معشر الشيعة، فلا تعودوا، ولا تتّكلوا على شفاعتنا، فو الله لا ينال أحد شفاعتنا إذا فعل هذا(٣) حتى يصيبه ألم العذاب،

____________

(١) الكافي: ج٤ ص ٦٠ ح٩.

(٢) المحاسن: ص ٢٩٤ ح ١٩٤.

(٣) فعل هذا: أي إذا زنى وفجر بجارية أخيه، ولم يتب، ولم يتحلل من صاحب الجارية - كما في الرواية -.


ويرى هول جنهم » (١) .

فبعض العصاة لا تطهرهم إلاّ جنهم، ثم تنالهم الشفاعة.

وبعد هذا كله، هل يبقى شك أو ريب في أنّ الشفاعة عامل إيجابي يدعو إلى الصلاح، ويحّفز على ترك الذنوب والمعاصي؟

واتضح أنّ الشفاعة فيها إظهار لعظمة الخالق، وعظمة الشافع، وعظمة العمل المشفوع به، فهي:

١ - إظهار لعظمة الخالق جلّ وعلا:

أرأيت الملك كيف يُنصّب الوزراء والقوّاد والحجّاب، فيقومون بالوظائف والأعمال، وتكون له جهة الإشراف والمراقبة؟

فكذلك الأمر مع ملك الملوك والملك الحقيقي، فهو تعالَ اسمه أوكل الوحي إلى جبرائيل، وقبض الأرواح إلى عزرائيل، وأمرْ الرياح والأمطار إلى ملائكة آخرين، وأوكل هداية الناس إلى الرسل، مع قدرته تعالى على كل ذلك بمجرد إرادة منه فيقول كن فيكون. ومن ذلك أن جعل الشفاعة لرسله وأوليائه، وكله إظهاراً لعظمته، وتجلّياً لقدرته، وتبييناً لجلالته.

٢ - وإظهار لعظمة العمل المشفوع به:

وقد مرّ عليكم مثل تلك الأعمال كزيارة المعصومينعليهم‌السلام ، وإكرام ذراريهم.

٣ - وإظهار لعظمة الشافع:

درجة الشفاعة درجة سامية، وكلمّا تعاظمت منزلة الشفيع عند الله، كلما كانت شفاعته أكبر. فالشفعاء يوم القيامة على درجات ومراتب.

____________

(١) من لا يحضره الفقيه ج٤ ص ٣٩ ح٥٠٣٤.


فمنهم من يشفع في جاره وحميمه.

قال الإمام الصادقعليه‌السلام :

« إنّ الجار يشفع لجاره، والحميم لحميمه »(١) .

وسئل الإمام الصادقعليه‌السلام عن المؤمن هل يشفع في أهله؟

قال:« نعم المؤمن يشفع فيُشفّع » (٢) .

وعن الإمام الباقرعليه‌السلام :

« وإنّ أدنى المؤمنين شفاعة ليشفع لثلاثين إنساناً، فعند ذلك يقول أهل النار:( فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ ) (٣) »(٤) .

ومنهم من تصل منزلته ليشفع في مثل ربيعة ومضر.

قال أمير المؤمنينعليه‌السلام :

« من مات يوم الخميس بعد زوال الشمس إلى يوم الجمعة وقت الزوال، وكان مؤمناً، أعاذه الله عزّ وجل من ضغطة القبر، وقبل شفاعته في مثل ربيعة ومضر » (٥) . إلى أن تصل المنزلة إلى منزلة المقام المحمود، وهي منزلة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهي أعلى منزلة.

____________

(١) المحاسن: ص ٢٩٤ ح١٩٢.

(٢) المصدر السابق: ح ١٩٣،آق.

(٣) سورة الشعراء، الآية ( ١٠٠ و١٠١ ).

(٤) الكافي: ج٨ ص ١٠١ ح٧٢.

(٥) من لا يحضره الفقيه: ج٤ ص ٤١١ ح٥٨٩٦، وقوله (في مثل ربيعة ومضر): أي بمثل عدد قبيلتي ربيعة ومضر.


قال الإمام الباقرعليه‌السلام :

« إنّ لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شفاعةً في أُمته » (١) .

بل عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال:

« ما أحد من الأولين والآخرين إلاّ وهو يحتاج إلى شفاعة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم القيامة » (٢) .

وأما السيدة المعصومة، حفيدتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هي الأخرى لها درجة مرموقة من الشفاعة.

فقد روي عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال:

« ألا إنّ قم الكوفة الصغيرة، ألا إنّ للجنة ثمانية أبواب، ثلاثة منها إلى قم، تقبض فيها امرأة من ولدي، اسمها فاطمة، بنت موسى، وتدخل بشفاعتها شيعتي الجنة بأجمعهم » (٣) .

وهذا مما يدل على مدى عظمة السيدة المعصومةعليها‌السلام ، وعلوّ شأنها عند الله تعالى.

____________

(١) المحاسن: ص ٢٩٤ ح ١٩٠.

(٢) المصدر السابق: ص ٢٩٣ ح ١٨٨.

(٣) بحار الأنوار: ج٦٠ ص ٢١٦ ح٤١.


٨ - المعصومة تحدثنا



إنّ التمسك بأهل البيتعليهم‌السلام تمسك بالثقل الثاني بعد الكتاب المجيد، فقد قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

« إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبداً، ألا وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض » (١) .

والتمسك بهم أي التمسك بأحاديثهم الشريفة، فهي المصدر التشريعي الثاني بعد القرآن الكريم، والمفسّرة لمبهماته، والمبيّنة لمجملاته.

ولا نكون متمسكين بهمعليهم‌السلام وبأحاديثهم إلاّ بأن نتخلّق بأخلاقهم، ونترجم أقوالهم إلى أفعال، وإلى واقع ملموس في حياتنا اليومية.

فإذا كنا كذلك فالرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله يضمن لنا عدم الضلالة أبداً حيث قال:« لن تضلوا أبداً » ، فكلمة ( لن ) تفيد النفي إلى الأبد.

____________

(١) حديث الثفلين نقلته العامة، والخاصة حتى كاد أن يتجاوز حد التواتر، وممن نقله ورواه: مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، وابن حجر في صواعقه، والقندوزي في ينابيع المودة، والحافظ الطبري في ذخائر العقبى، والترمذي وابن ماجه والطبراني والثعلبي وغيرهم.


وهذا حفيده الإمام الصادقعليه‌السلام كفيل بنجاتنا يوم القيامة حيث إنّه قال:« وأحاديثنا تعطف بعضكم على بعض، فإن أخذتم بها رشدتم ونجوتم، وإن تركتموها ضللتم وهلكتم، فخذوا بها وأنا بنجاتكم زعيم » (١) .

ومن هنا ندرك مدى ما تحمّله نقلة الحديث والرواة، وما كابدوه من أعباء ثقال حتى تصل إلينا هذه الكنوز المذكورة عبر الأجيال والقرون.

وفي بيان فضل الرواة قال الإمام الصادقعليه‌السلام :

« الرّاوية لحديثنا يشدّ به قلوب شيعتنا أفضل من ألف عابد » (٢) .

وإنّ القلوب لترين كما يرين السيف، وجلاؤها الحديث(٣) ، وخير الحديث أحاديث أهل بيت العصمة والطهارةعليهم‌السلام .

وهذه سيدتنا ومولاتنا فاطمة المعصومةعليها‌السلام تحدثنا عن أمها سيدة نساء العالمين بأحاديث يجدر أن تكتب بأحرف من نور، فهي خير من الدنيا وما فيها، فعن الإمام الصادقعليه‌السلام قال:

« حديث في حلال وحرام تأخذه من صادقٍ خير من الدنيا وما فيها من ذهبٍ أو فضّة » (٤) .

ومما حفظت لنا الكتب من أحاديث السيدة المعصومةعليها‌السلام ، حديثها: -

____________

(١) الكافي: ج٢ ص ١٨٦ ح٢.

(٢) الكافي: ج١ ص ٣٣ ح٩.

(٣) مضمون حديث نقله في الكافي: ج١ ص ٤١ ح٨، والرين: أي الصدأ والدنس.

(٤) بحار الأنوار: ج١ ص ٢١٤ ح١٣.


(أ) عن يوم الغدير

 ...(١) حدّثتنا فاطمة بنت علي بن موسى الرضاعليهم‌السلام .

حدّثتني فاطمة وزينب وأم كلثوم بنات موسى بن جعفرعليهم‌السلام ، قلنَ: حدّثتنا فاطمة بنت جعفر بن محمد الصادقعليهم‌السلام .

حدّثتني فاطمة بنت محمد بن عليعليهم‌السلام .

____________

(١) قال في أسنى المطالب: ص ٤٩ فألطف طريق وقع بهذا الحدث (أي حديث الغدير) وأغربه، ما حدّثنا به شيخنا خاتمة الحفاظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن المحب المقدسي مشافهةً، (قال:) أخبرتنا الشيخة أم محمد زينب ابنة أحمد بن عبد الرحيم المقدسية، عن أبي المظفر محمد بن فتيان بن المسيني، أخبرنا أبو موسى محمد بن أبي بكر الحافظ، أخبرنا ابن عمّة والدي القاضي أبو القاسم عبد الواحد ابن محمد بن عبد الواحد المديني بقرائتي عليه، أخبرنا ظفر بن داعي العلوي بإستراباد، أخبرنا والدي، وأبو أحمد بن مطرف المطرفي، قالا: حدّثنا أبو سعيد الإدريسي إجازةً - فيما أخرجه في تاريخ إستراباد - حدثني محمد بن محمد بن الحسن أبو العباس الرشيدي - من ولد هارون الرشيد بسمرقند، وما كتبناه إلاّ عنه -، حدثنا أبو الحسن محمد بن جعفر الحلواني، حدثنا علي بن محمد بن جعفر الأهوازي، مولى الرشيد، حدّثنا بكر بن أحمد القصري، حدّثتنا فاطمة بنت علي بن موسى الرضاعليه‌السلام ...


حدّثتني فاطمة بنت علي بن الحسينعليهم‌السلام .

حدّثتني فاطمة وسكينة ابنتا الحسين بن عليعليهم‌السلام .

عن أم كلثوم بنت فاطمة بنت النبي (صلّى الله عليه (وآله) وسلم) ورضي عنها، قالت: أنسيتم قول رسول الله (صلى الله عليه (وآله) وسلم) يوم غدير خم:« من كنت مولاه فعلي مولاه » .

وقوله (صلى الله عليه (وآله) وسلم):

« أنت مني بمنزلة هارون من موسى عليهما‌السلام » .


 (ب) بشائر لشيعة عليّعليه‌السلام

وكذلك تحدّثنا السيدة فاطمة المعصومةعليها‌السلام (١) - بنفس السند السابق - عن جدتها فاطمة الزهراءعليها‌السلام أنّها قالت:« سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: لمّا اُسري بي إلى السماء، دخلت الجنة فإذا أنا بقصر من درّة بيضاء مجوّفة، وعليها باب مكلّل بالدرّ والياقوت، وعلى الباب ستر، فرفعت رأسي فإذا مكتوب على الباب: لا إله إلاّ الله، محمدٌ رسول الله، عليٌ ولي القوم، وإذا مكتوب على الستر: بخٍ بخٍ (٢) من مثل شيعة علي عليه‌السلام ؟

فدخلته فإذا أنا بقصر من عقيق أحمر مجوّف، وعليه باب من

____________

(١) حدّثنا محمد بن علي بن الحسين، قال: حدّثني أحمد بن زياد بن جعفر، قال: حدّثني أبو القاسم جعفر بن محمد العلوي العرضي، قال: قال أبو عبد الله أحمد بن محمد بن خليل، قال: أخبرني علي بن محمد بن جعفر الأهوازي، قال: حدّثني بكير بن أحنف، قال: حدّثتنا فاطمة بنت علي بن موسى الرضاعليهم‌السلام ، قالت: حدّثتني فاطمة وزينب وأم كلثوم بنات موسى بن جعفرعليهم‌السلام

(٢) بخ بخ: كلمة تقال عند الإعجاب بشيء.


فضّة مكلّل بالزبرجد الأخضر، وإذا على الباب ستر، فرفعت رأسي فإذا مكتوب على الباب: محمد رسول الله، علي وصيُ المصطفى، وإذا على الستر مكتوب: بشِّر شيعة علي بطيب المولد .

فدخلته فإذا بقصرٍ من زُمرّد أخضر مجوّف لم أر أحسن منه، وعليه باب من ياقوته حمراء مكلّلة باللؤلؤ وعلى الباب ستر، فرفعت رأسي فإذا مكتوب على الستر: شيعة علي هم الفائزون.

فقلت: حبيبي جبرئيل، لمن هذا؟

فقال: يا محمد، لابن عمك ووصيك علي بن أبي طالبعليه‌السلام . يحشر الناس كلّهم يوم القيامة حفاة عراة إلاّ شيعة عليعليه‌السلام ، ويدعى الناس بأسماء أمهاتهم إلاّ شيعة عليعليه‌السلام ، فإنّهم يُدعون بأسماء آبائهم.

فقلت: حبيبي جبرئيل، وكيف ذاك؟

قال: لأنّهم أحبّوا علياً عليه‌السلام فطاب مولدهم » (١) .

____________

(١) كتاب المسلسلات: ص ٢٥٠ (ضمن مجموعة كتب أخرى).


(ج) الموت على حب آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

عن فاطمة بنت موسى بن جعفرعليهما‌السلام (١) .

عن فاطمة بنت الصادق جعفر بن محمدعليهما‌السلام .

عن فاطمة بنت الباقر محمد بن عليعليهما‌السلام .

عن فاطمة بنت السجّاد علي بن الحسين زين العابدينعليه‌السلام .

عن فاطمة بنت أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام .

عن زينب بنت أمير المؤمنينعليه‌السلام .

عن فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قالت:

____________

(١) عن فاطمة بنت الحسين الرضوي، عن فاطمة بنت محمد الرضوي، عن فاطمة بنت إبراهيم الرضوي، عن فاطمة بنت الحسن الرضوي، عن فاطمة بنت محمد الموسوي، عن فاطمة بنت عبد الله العلوي، عن فاطمة بنت الحسن الحسيني، عن فاطمة بنت أبي هاشم الحسيني، عن فاطمة بنت محمد بن أحمد بن موسى المبرقع، عن فاطمة بنت أحمد بن موسى المبرقع، عن فاطمة بنت موسى المبرقع، عن فاطمة بنت الإمام أبي الحسن الرضاعليه‌السلام ، عن فاطمة بنت موسى بن جعفرعليهما‌السلام ، ...


« قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

ألا من مات على حبّ آل محمد مات شهيداً » (١) .

وروى الزمخشري في الكشّاف هذا الحديث بسند آخر وتفصيل أكثر، نذكره إتماماً للفائدة.

قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

« من مات على حبّ آل محمد مات شهيداً.

ألا ومن مات على حبّ آل محمد بشّره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير.

ألا ومن مات على حبّ آل محمد يُزف إلى الجنة كما تُزف العروس إلى بيت زوجها.

ألا ومن مات على حبّ آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة.

ألا ومن مات على حبّ آل محمد مات على السُنّة والجماعة.

ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة (مكتوباً) بين عينيه آيس من رحمة الله.

ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافراً.

ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنّة » (٢) .

____________

(١) عوالم العلوم: ج٢١ ص ٣٥٤.

(٢) الكشّاف: ج ٤ ص ٢٢٠ في تفسير آية:( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) .


٩ - معجزاتها وكراماتها



فرّقَ بعض بين المعجزة والكرامة بأنّ المعجزة تختص بالانبياء، والكرامة بالاولياء.

وفرّقَ آخرون بينهما بأنّ المعجزة هي ما ظهرت على وجه التحدي، والكرامة ما ليس فيها تحد.

والظاهر أنّه لا فرق بينهما، والشاهد على ذلك أنّه ربما يأتي الولي بما يأتي به النبي من المعجزة، كشفاء المرضى.

فلماذا تسمى إحداهما معجزة، والأخرى كرامة؟!

وقد يأتي النبي بمعجزة ليس فيها تحدي، ولم نقرأ أو نسمع أحداً سمّاها كرامة.

فيبدو أنّ كلمة (كرامة) ليست سوى اصطلاحاً مخترعاً(١) ، ولا تفترق عن المعجزة في معناها.

فما هي المعجزة؟ ولماذا يؤتى بها؟

المعجز في اللغة عبارة عمّا يعجز الغير، كالمقدر فإنّه عبارة عمّن يجعل الغير قادراً.

(وأما في العُرف: فهو الخارق للعادة، الذي يظهر من جهة الله تعالى، الدّال على صدق من ظهر عليه)(٢) .

____________

(١) ولعلّها من مخترعات الصوفية، نحلوها أولياءهم، ثم تسرّبت منهم إلى غيرهم.

(٢) المنقذ من التقليد والمرشد إلى التوحيد: ص ٣٨٤.


١ - فهو خارق للعادة، فلا يشمل الحيل والسحر وما أشبه من وسائل التلبيس والتمويه، إذ هي ليست خرقاً للعادة، وإنما المعجز هو كل ما كان ممتنعاً عادة ممكناً ذاتاً، كطلوع الشمس من المغرب، والخلق من غير ذكر وأنثى، إذ لم تجر العادة بطلوع الشمس من المغرب، ولا بخلق ولد من غير ذكر وأنثى.

وقد يهب الله تعالى لأحد ما قدرةً ليست موجودة عند عامة الناس فيتوهم أنّها خارقة للعادة، كالتي ادّعت النبوة(١) ، واتخذت من قدرة إبصارها القوية لتوهم الناس بنزول الوحي عليها، فقد كانت حادة البصر بحيث ترى لمسافة ثلاثة أيام من الطريق، فترى القافلة والأشخاص التي فيها، تخبر الناس بمجيئهم بعد ثلاثة أيام، وتخبرهم بما معهم من المتاع.

فهذا ليس إعجازاً وخرقاً للعادة، وإن كانت العادة أن الإنسان لا يرى إلى هذه المسافة، ولكن يمكن ذلك إذا امتلك قدرة حادة على الإبصار، كالقدرة التي كانت عند هذه المرأة.

ولزيادة إيهام الناس اتخذت من شبيب بن ربعي مؤذناً لها، إذ كان يسمع نداؤه على بعد فرسخ.

وهذا العباس بن عبد المطلب كان يسمع نداؤه على بعد ثمانية أميال(٢) ، ولذا كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بعض المواطن، يطلب من عمّه العبّاس أن يعينه بصوته.

____________

(١) وهي سجاح التميمية، مثل قولك حذام.

(٢) عيون الأخبار - لابن قتيبة -: ج١ ص ١٨٦.


وإلى غير ذلك من أمثال هذه القدرات مما يظن أنّها من خوارق العادات.

بل إنّ الله تعالى قد أودع أمثال هذه القدرات في بعض الحيوانات.

هل رأيت النسور كيف تحّلق في السماء فترى فريستها على أبعاد شاهقة قد تبلغ مئات الأقدام؟(١) .

أم هل رأيت النعّام كيف يبتلع الجمر ولا يبالي؟(٢) .

أم هل سمعت أو رأيت السمندل كيف يدخل النار فلا تحرقه؟(٣) .

أليس كل ذلك وكثير من أمثاله مما يعد في بادئ الرأي أنّه خرق للنواميس، مع أنّه واقع محسوس، ومعاين مشهود؟

٢ - وهذا الخارق للعادة يجب أن يكون من جهة الله تعالى،( وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ (٤) إِلّا بِإِذْنِ اللّهِ ) (٥) .

فقد يؤتى بأمر خارق للعادة ولكنّه ليس من قبل الله تعالى.

كخوارق العادات التي يأتي بها المرتاضون على أثر تقوية النفس بالرياضة والزهد في الدنيا، والكف عن الملاذ من المآكل والمشارب والمناكح والملابس.

____________

(١) في سبيل موسوعة علمية: ص ١٧٨.

(٢) حياة الحيوان الكبرى: ج٢ ص ٣٦٣.

(٣) المعجم الزولوجي الحديث: ج٣ ص ٤٣٩، وحياة الحيوان الكبرى: ج١ ص ٥٧٣.

(٤) بآية: أي بمعجزة.

(٥) سورة غافر: الآية ٧٨.


وهؤلاء لا حظّ لهم في الدين ولا ثواب، إذ هكذا رياضات تخالف جوهر الدين، وإنما الرياضة الروحية الوحيدة في الإسلام هي التقوى، يعني عدم إتباع هوى النفس، والعمل على طبق الأوامر الإلهية، فبالتقوى تسمو وتقوى الروح، وترتقي مدارج الكمال، فتكون مورد العناية الربّانية.

٣ - وقد يكون الأمر خارقاً للعادة، ويكون من قبل الله تعالى، ولكنّه ليس على وجه يبين صدق دعوى المدعي، بل يأتي تكذيباً لما ادعاه.

مثل ما روي أنّه قيل لمسيلمة الكذاب(١) : إنّ محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تفل في بئر فكثّر الله ماءه القليل، فاتفل أنت في بئر قليل الماء!!

فتفل فغار ما كان فيه من الماء.

وقيل له أيضاً: إنّ محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دعا لأعور فردّ الله عينه الأخرى إليه، فافعل أنت مثله!!

فدعا لأعور فذهبت عينه الأخرى الصحيحة(٢) .

فهذه وإن كانت خرقاً للعادة، ومن قبله تعالى، ولكنّها نقيض ما التمسه مسيلمة المدّعي للنبوة، وذلك مبالغة في تكذيبه وتقريراً لنبوة نبياًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتصديقاً له.

فالمعجز إنّما يدل على صدق دعوى تطابقه، فإن ادعى مدّع

____________

(١) الذي ادّعى النبوة في زمان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

(٢) المنقذ من التقليد والمرشد إلى التوحيد: ص ٤١٣.


النبوة فالمعجز دال على نبوته، وإن ادعى الإمامة فهو دال على إمامته، وإن ادعى صلاحاً وعفة وفضلاً دلّ على صدقه في ذلك(١) .

فالمعجز يظهر على الأولياء كما يظهر على الأنبياء.

ذلكم القرآن الكريم شاهدُ صدقٍ على ذلك، فقد ذكر أمثلة متعددة لذلك، كحمل السيدة مريم بلا دنس، وكقصّة أصحاب الكهف الذين لبثوا في كهفهم أكثر من ثلاثمائة سنة، وإتيان آصف بن برخيا بعرش بلقيس حيث قال لسليمان النبيعليه‌السلام (أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ...)(٢) وما إلى ذلك من خوارق العادات التي صدرت من غير الأنبياء، وجاء ذكرها في القرآن المجيد وسائر الكتب السماوية.

الخلاصة:

إنّ المعجزة (فعل ربوبي، وآية إلهية، وحجّة قاطعة، يعجز عنها البشر، وتنحط دونها القوى والقدر وتنحسم بها بواعث الشك والارتياب، وعوابث الوسوسة والاضطراب)(٣) .

وبعد أن عرفنا المعجزة وشرائطها، وكيف نميّز بينها وبين ما ليس بمعجز، بعد هذا كله يأتي السؤال التالي:

لماذا أعطى الله تعالى المعجزة لأنبيائه وأوليائه؟

هذا أبو بصير أحد أصحاب سيدنا ومولانا الإمام الصادق (عليه

____________

(١) الذخيرة في علم الكلام: ص ٣٢٢.

(٢) سورة النمل، الآية (٤٠).

(٣) الدين والإسلام: ج ٢ ص ٢٧٥.


السلام) يسأل من الإمام عن سبب إعطاء الله تعالى المعجزة لهم وللأنبياء.

قال: قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام لأي علّة أعطى الله عزّ وجل أنبياءه ورسله، وأعطاكم المعجزة؟(١) .

فقال:« ليكون دليلاً على صدق من أتى به والمعجزة علامة الله لا يعطيها إلاّ أنبياءه ورسله وحججه، ليعرف به صدق الصادق من كذب الكاذب » (٢) .

فيؤيد الله سبحانه وتعالى أولياءه والصالحين من عباده بالمعجزة، تصديقاً لهم، وإصحاراً بحقيقة أمرهم، وحثّاً للملأ على اقتفاء آثارهم.

والتعجب من هذه الخوارق والمعاجز أو الاستنكار لها، إنّما هو بسبب غرابتها عن المشاهدة والمألوف.

ولكن لا تلبث أن تنفشع سحابة الغرابة إذا عرفنا أنّ هؤلاء بالطاعة اكتسبوا رضى الخالق عزّ وجل، فخلقَ الأشياء لأجلهم، وتحت تصرفهم، فوهبهم الدنيا والآخرة.

ففي الحديث القدسي:« عبدي، خلقت الأشياء لأجلك،

____________

(١) ملاحظة حول تسمية الخوارق بالمعجزة أو الكرامة: جاء في كلام: جاء في كلام أبي بصير: (وأعطاكم المعجزة)، فيشمل لفظ المعجزة الأنبياء والأئمةعليهم‌السلام ، ولم يردّه الإمام بأنّ المعجزة تختص بالأنبياء فقط، والكرامة لغيرهم. فتقرير الإمام دليل آخر على أنّ المعجزة لا تختص بالأنبياء.

(٢) علل الشرائع: ج١ ص ١٢٢ ح١.


وخلقتك لأجلي. وهبتك الدنيا بالإحسان، والآخرة بالإيمان » (١) .

كما و« إنّ لله عباداً أطاعوه فيما أراد، فأطاعهم فيما أرادوا، يقولون للشيء كن فيكون » (٢) .

وفي حديث قدسي ثالث:

« يا بن آدم، أنا أقول للشيء كن فيكون. أطعني فيما أمرتك، أجعلك تقول للشيء كن فيكون » (٣) .

وفي حديث قدسي آخر:

« عبدي، أطعني أجعلك مثلي أنا مهما أشاء يكون، أجعلك مهما تشاء يكون » (٤) .

فمفتاح ظهور هذه المعاجز على العباد هو الطاعة التامة لله وحده وحينئذٍ لا يبقى مجال لأي تعجب أو استغراب.

ومن تلك المعاجز ما نراه عند مشاهد أهل بيت العصمة والطهارة، وقباب وأضرحة أولادهم وذراريهمعليهم‌السلام .

ومن سيدات ذلك البيت الطاهر، والمنبع الزاكي، سيدتنا ومولاتنا فاطمة المعصومةعليها‌السلام ، حيث نجد حرمها الشريف مزدلف أرباب الحوائج، ومأوى كل مهموم ومغموم، وحمى كل مستجير ومضطهد.

____________

(١) الجواهر السنيّة في الأحاديث القدسية: ص ٣٦١.

(٢) المصدر السابق: ص ٣٦١.

(٣) المصدر السابق: ص ٣٦٣.

(٤) المصدر نفسه: ص ٣٦١.


فلا ينكفئ المحتاج إلاّ ثلج الفؤاد، ولا يرجع القاصد إلاّ قرير العين، ولا يلبث المريض إلاّ وقد شفي.

والآيات والمعجزات التي ظهرت عند مرقدها المبارك - على مدى الأيام والأزمان - كثيرة لا تعد ولا تحصى، وفيما يلي نذكر بعضاً منها، على سبيل التيمن والتبرّك(١) : -

____________

(١) وللمزيد راجع كتاب (كريمة أهل البيت) - فارسي -، فقد ذكر فيها مائة من معاجزها وكراماتهاعليها‌السلام .


(١)

الناس يجتمعون عند ضريح السيٌدة المعصومةعليها‌السلام ، ويلتفّون حول امرأة قد التصقت يداها بالضريح، ولا تستطيع فكاكهما.

إنّها امرأة فاجرة كانت تُمسك بأطراف الضريح وتغرر بشابةٍ لتسوقها إلى الحرام.

فهي تهتك حرمة المكان الشريف، فكان أن عاقَبتها السيدة المعصومةعليها‌السلام بإلصاق يديها بشبّاك الضريح.

ولحل المشكلة لجأوا إلى أحد مراجع ذلك العصر(١) .

فأمرهم بوضع شيء من تربة الإمام الحسينعليه‌السلام في الماء، ثم يصب على يدي تلك المرأة.

فصنعوا ما أمرهم به. وما أن صبّوا ذلك الماء الممزوج بتربة سيد الشهداء على يديها إلاّ وانفكّتا عن الضريح.

ولكنّ هذه الفاجرة على أثر تلك الحادثة كانت قد فقدت عقلها، ولهذا كانت تجوب الشوارع والأسواق والأزقّة هائمة على وجهها، فكانت بذلك عبرةً لمن يعتبر.

إلى أن جاء يوم دهستها فيه سيارة، فختمت حياتها السوداء بذلك(٢) .

____________

(١) المرحوم آية الله السيد محمد الحجٌة المتوفى في عام ١٣٧٢ هـ.

(٢) كريمة أهل البيت، المعجزة رقم (٧٠) ص ٢٨٨، بتصرف في العبارة فقط.


(٢)

السيد محمد الرضوي الذي كان أحد خدّام الحرم الشريف يقول: كنت ذات ليلة نائماً، فرأيت في عالم الرؤيا السيدة المعصومةعليها‌السلام تأمرني قائلة:

قم، وأنر منارات الحرم!!

وكان قد بقي لأذان الصبح أربع ساعات، مما جعلني أغط في نومي مرّة أخرى.

وإذا بالسيدة المعصومةعليها‌السلام تأتيني للمرّة الثانية، وتأمرني بنفس الأمر، فأرجع فأنام.

ولكنّها في المرّة الثالثة صاحت بي مغضبة:

ألم آمرك بإنارة المنارات!!

فنهضت مسرعاً وأسرجت الضياء منفّذاً أمرها.

وكانت تلك الليلة ليلة شديدة البرودة، وقد غمرت الثلوج الأبنية والأزقّة والطرق، فألبستها ثوباً أبيض.

ولكن اليوم التالي كان مشمساً.

وحينما كنت واقفاً عند باب الحرم الشريف، سمعت مجموعة من الزوّار يتحدّثون ويقول أحدهم للآخر:


كيف نشكر السيدة المعصومة على حسن صنيعها معنا ليلة البارحة؟

إنّه لو تأخرت إضاءة المنائر لدقائق لكنّا من الهالكين.

فتبيّن أنّهم قد ضيّعوا الطريق لانغمارها بالثلوج التي أخفت كل أثر لها، فلم يشخّصوا اتجاه البلدة، فتاهوا.

وعندما أضيئت المنارات بأمر السيدة المعصومةعليها‌السلام عرفوا الطريق إلى البلدة، ونجوا من هلاك محقّق، تحت وطأة الثلوج والبرد الشديد(١) .

____________

(١) كريمة أهل البيت، المعجزة رقم (٥٣) ص ٢٧٣.


(٣)

بعد انحلال النظام الشيوعي في دويلات (الاتحاد السوفيتي) وانفتاح هذه الدويلات على العالم الإسلامي، تتجه هيئة من الحوزة العلمية في ( قم ) إلى (أذربيجان) لانتخاب مجموعة من الأفراد المؤهّلين لتحمل مسؤولية التبليغ في بلدهم، وأخذهم إلى ( قم ) لدراسة العلوم الدينية.

وكان شاب من (أذربيجان) اسمه (حمزة) يرغب في دراسة العلوم الدينية إلاّ أنّ الهيئة رفضت قبوله لعيب في إحدى عينيه، فلم تتوفر فيه إحدى شرائط القبول، فالطالب - في نظر تلك الهيئة - يلزم أن يكون سالماً من العيوب الخلقية حتى لا يعاب وينتقص.

فيبكي (حمزة) لحرمانه من ذلك الهدف الذي كان يسعى إليه.

فيبادر أبوه ويصرّ على المسئولين في تلك الهيئة ليقبلوه حتى لا ينعكس ذلك على نفسيّة ابنه وحياته المستقبليّة.

ومراعاة لعواطف الأب، ونفسية الابن توافق الهيئة على قبول (حمزة) في ضمن أكثر من مائة شاب أُرسلوا إلى (إيران).

وفي (طهران) يتم استقبال الشباب الأذربيجاني استقبالاً حافلاً اشتركت فيه الإذاعة والتلفيزيون، حيث أخذت لهم الصور والأفلام.


وكان أحد مصوّري الأفلام يسلط عدسة التصوير على عين (حمزة) المعيوبة مكرراً.

وأهديت نسخة من هذا الفيلم إلى المدرسة التي استقبلت هؤلاء الشباب في ( قم ) المقدّسة.

وذات يوم، وفي صالون المدرسة، يعرض ذلك الفيلم عليهم، كنوع من الترفيه وتغيير الأجواء.

وفي كل مرّة كانت تظهر عين (حمزة) المعيوبة، كانت تتصاعد صيحات الضحك من رفاقه.

إظلمّت الدنيا في عيني (حمزة) وضاقت عليه الحياة

فقرّر الرجوع إلى بلده حتى لا يكون مورد استهزاء وتحقير رفاقه.

ولذلك توجّه إلى الحرم الشريف حتى يودّع السيدة المعصومةعليها‌السلام ويبثّها ألمه وأحزانه.

وبقلبٍ منكسر، وعين تدمع بغزارة، يتوجه إلى السيدةعليها‌السلام قائلاً: يا بنت باب الحوائج!

قد جئتك من على بعد مئات الأميال حتى أدرس تحت ظلّك ورعايتك، فأكون مبلغاً

ولكنني لا استطيع تحمّل كل هذا التحقير والاستهزاء

ولذا قرّرت الرجوع إلى بلدي، فاُحرَم مجاورة حرمك الشريف.

وبعد أن بثّ (حمزة) أحزانه وآلامه لكريمة أهل البيتعليها‌السلام ، خرج من أحد أبواب الحرم الشريف، وإذا به يلتقي بأحد رفاقه، فيسلّم عليه، فيردّ رفيقهعليه‌السلام دون أن يعرفه.

فيناديه: (حمزة) باسمه.


فيلتفت إليه رفيقه قائلاً - وقد أمعن النظر إليه -:

ـ هذا أنت يا (حمزة)!

ـ نعم، أنا (حمزة)، ولكن لماذا تنظر إليّ هكذا، وكأنّك لا تعرفني؟

(حمزة)! ماذا حدث لعينك؟ كيف أصبحت سالمة؟

عندها يتوجه (حمزة) إلى أن عينه المعيوبة قد شفيت ببركة السيدة المعصومةعليها‌السلام .

فلا تحقير ولا استهزاء بعد اليوم.

فكان من أسعد الطلاب لأنّه وقع مورد عناية هذه السيدة الجليلة، وصار مظهراً من مظاهر معجزات أهل بيت العصمة والطهارة في (أذربيجان)(١) .

____________

(١) كريمة أهل البيت، المعجزة رقم (٤) ص ٢١٣.


١٠ - الشعراء في رحاب السيدة المعصومةعليها‌السلام



في مدح السيدة الجليلة فاطمة المعصومةعليها‌السلام (١)

مــلأ الـكون بـالثناء الـمعطّر

هـلّل الـشعر فـي الـمديح وكبر

مـن صـميم الولاء أصلاً ومصدر

طـفحت مـوجة الـشعور انطلاقاً

كـــلّ آن أقــول الله أكـبـر

فـبـذكر الإلــه يـشدو لـساني

وبــآل الـنـبي مـازلت أفـخر

وبــطـه وفــاطـم وعـلـي

وبـنـور الــولاء قـلبي تـنوّر

ولـهم فـي الـحياة أخلصت حبي

عـظـماء فـلـم ولـن أتـصوّر

مـا تـصوّرت في الوجود سواهم

فـيـهم ومـجـدهم لـيس يـنكر

فازدهت كل بقعة من بقاع الأرض

وبـمـثوى مـحمد هـي تـزهر

طـيّـبة طـاب اسـمها وثـراها

إنـهـا أطـيب الـبقاع وأطـهر

وقـبـور الـبـقيع تـنفح طـيباً

____________

(١) للشاعر الخطيب الشيخ محمد باقر الإيرواني.


وزيــن الـعـباد خـير مـوفر

فـبقبر الـزهراء والـحسن السبط

صـادق الـقول والصدوق المقدّر

وكــذا بـاقـر الـعـلوم يـليه

اسـمـها خـالـد لـيوم الـمحشر

ثــم أمّ الـبـنين بـنت حـزام

والـوفا شـأنها وأحـرى وأجـدر

واســت الـطُّهرَ فـاطم بـبنيها

قـد تـفانوا وقـاتلوا شـرّ عسكر

فـلـدين الإســلام دون حـسين

وفــدوا ديـنهم بـقطع الـمنحر

جـاهدوا كـالأسود حـتى أبـيدوا

ومـثال الـفخار فـي كل محضر

ذكـرهم مـفخر إلـى كـل جـيل

لــك يـا بـقعة الـبقيع وأكـثر

فـسـلام وألــف ألـف سـلام

________

قـامع الـشرك قـالع بـاب خيبر

والـغري ازدهـى بـمثوى عـلي

إنــه أشــرف الـبلاد وأشـهر

نـجـف أشـرف إذا قـيل حـقاً

وبـهـود وصـالح بـعد حـيدر

يـتـبـاهى بـــآدم وبـنـوح

وغـداً فـي الـمعاد ساقي الكوثر

هـو حـامي الـجوار حـيّاً ومَيْتاً

________

والـشـهيدين أكـبر ثـم أصـغر

قـدّست كـربلا بـمثوى حـسين

بـأخيه الـعباس شـبل الـغضنفر

كـربلا زادهـا الـحسين فـخاراً


لـلـتفادي ولـلوفا خـير مـظهر

حـبيب نـجل الـمظاهر أضحى

شـهداء ثـاروا على الظلم والشر

وقـبور الأنـصار ضـمّت ثراها

________

أرض بـغداد طـيب مسك وعنبر

وبـقـبرين لـلـجوادين طـابت

________

واعـتـزازاً بـالعسكريين تـفخر

وازدهـت سـرّ من رأى وتسامت

________

قـد تـعالت مجداً على البحر والبر

وبمثوى المولى الرضا أرض طوس

________

ولـهـا الـفخر والـثناء الـمكرّر

ولـتـباهي بـفـاطم أرض قــم

عـش آل الرسول في الدهر تذكر

أصـبحت جـنة الـحياة وتـدعى

وبـالأساطين والـمراجع تـزخر

حـوزة الـعلم فـي حـماها تجلّت

وبـهـا كــل مـعـسر يـتيسر

قـبـرها صـار مـوئلاً ومـلاذا

وبـها صـفو كـل عـيش مكدّر

والـكـرامات لا تـعدّ وتـحصى

عـنـدها كــل حـاجة تـتعسّر

كـأبيها بـاب الـحوائج تـقضى

وعـطـاياها لا تـحـدّ وتـحصر

عـمّـها الـمـجتبى إمـام كـريم

وعـلى فـضلها الـكريمةُ تُـشكَرْ

وهـي تـدعى كـريمة دون شـكٍّ

ولـهـا يـنـظم الـمديح ويـنثر

واسـمها شـاع فـي الأنـامِ بفخر


وقـدراً واجتباها الإله من عالم الذر

شـأنـها قــد سـمـى جـلالاً

وجـميل الـعقبى لـمن قد تصبّر

وحـبـاها حـلماً وقـلباً صـبوراً

فـهي كـالنور واضـح ليس ينكر

شـأنها شـان فـاطم بـنت طـه

ولـدت والـبشير صـاح وبـشّر

فـبـذي قـعـدة بــأول يــوم

وأبـوها الإمـام مـوسى بن جعفر

هـي أخت الرضا علي بن موسى

***


ما رأت والد الجواد أخاها

الـدهر كـأساً فـزاد مـنه بـلاها

لـهف نـفسي لبنت (موسى) سقاها

حـاربـت عـينها عـليه كـراها

فـارقـت والـداً شـفيقاً عـطوفاً

أنـكرت ربّـها الـذي قـد براها

أودعـته قـعر الـسجون أُنـاس

تـثكل الـناس فـي شـديد بكاها

وإلـى أن قـضى سـميماً فراحت

حـين فـي (مـرو) أسكنته عداها

وأتــى بـعـده فــراق أخـيها

مـثل عـام فـأسرعت في سراها

كــل يـوم يـمر، كـان عـليها

لأخـيها الـرضا وحـامي حـماها

أقـبلت تـقطع الـطريق اشـتياقاً

أرض قــم وذاك كــان مـناها

ثــم لـمّا بـها الـظعينة وافـت

إذ ولاء الـرضـا أخـيها ولاّهـا

قـام (موسى)(١) لها بحسن صنيع

مــن خـدمـة لـهـا أسـداهـا

نـزلت بـيته فـقام بـما استطاع

____________

(١) موسى بن خزرج الأشعري هو كبير قومه في قم حينذاك.


فـاعتراها مـن الأسى ما اعتراها

مـا مـضت غير برهة من زمان

مـنـهـا وثـقـلـه أظـنـاهـا

والـى جـنبه سـقام أذاب الـجسم

بـعـدما قـطع الـفراق حـشاها

فـقـضت نـحـبها غـريبة دار

مـا رأت والـد الـجواد أخاها(١)

أطـبقت جـفنها إلـى الموت لكن

***

____________

(١) القصيدة للخطيب الشيخ محمد سعيد المنصوري - ديوان ميراث المنبر.


زيارة السيدة المعصومةعليها‌السلام

في بعض كتب الزيارات: حدّث علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن سعد، عن علي بن موسى الرضاعليهما‌السلام قال: قال:« يا سعد، عندكم لنا قبر؟ قلت له: جعلت فداك، قبر فاطمة بنت موسىعليهما‌السلام .

قال:نعم، من زارها عارفاً بحقّها فله الجنّة. فإذا أتيت القبر فقم عند رأسها مستقبل القبلة، وكبّر أربعاً وثلاثين تسبيحة، وسبّح ثلاثاً وثلاثين تسبيحة، واحمد الله ثلاثاً وثلاثين تسبيحة، وسبّح ثلاثاً وثلاثين تسبيحة، واحمد الله ثلاثاً وثلاثين تحميدة، ثم قل:

السَّلامُ عَلَىٰ آدَمَ صَفْوَةِ الله السَّلامُ عَلَىٰ نُوحٍ نَبِيِّ الله السَّلامُ عَلَىٰ إِبْراهِيمَ خَلِيلِ الله السَّلامُ عَلَىٰ مُوسىٰ كَلِيمِ الله السَّلامُ عَلَىٰ عِيسىٰ رُوحِ اللهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ الله السَّلامُ عَلَيْكَ يا خَيْرَ خَلْقِ الله السَّلامُ عَلَيْكَ يا صَفِيَّ الله السَّلامُ عَلَيْكَ يا مُحَمَّد بْنَ عَبْدِ الله خاتَمِ النَّبِيِّينَ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طالِبٍ وَصِيَّ رَسُولِ اللهِ ،


السَّلامُ عَلَيْكِ يا فاطِمَةُ سَيِّدَةَ نِساءِ الْعالَمِينَ، السَّلامُ عَلَيْكُما يا سِبْطَيْ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ وَسَيِّدَيْ شَبابِ أَهْلِ الجَنَّةِ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا عَلِيَّ بْنَ الحُسَيْنِ سَيِّدَ الْعابِدِينَ وَقُرَّةَ عَيْنِ النَّاظِرِينَ السَّلامُ عَلَيْكَ يا مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ باقِرَ الْعِلْمِ بَعْدَ النَّبِيِّ السَّلامُ عَلَيْكَ يا جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصَّادِقَ البارَّ الْأَمِينَ السَّلامُ عَلَيْكَ يا مُوسىٰ بْنَ جَعْفَرٍ الطَّاهِرَ الطُّهْرَ السَّلامُ عَلَيْكَ يا عَلِيَّ بْنَ مُوسىٰ الرِّضا الْمُرْتَضىٰ السَّلامُ عَلَيْكَ يا مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ التَّقِيَّ السَّلامُ عَلَيْكَ يا عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ النَّقِيَّ النَّاصِحَ الْأَمِينَ السَّلامُ عَلَيْكَ يا حَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ السَّلامُ عَلىٰ الوَصِيِّ مِنْ بَعْدِهِ اللّهُمَّ صَلِّ عَلىٰ نُورِكَ وَسِراجِكَ وَوَلِيِّ وَلِيِّكَ وَوَصِيِّ وَصِيِّكَ وَحُجَّتِكَ عَلىٰ خَلْقِكَ، السَّلامُ عَلَيْكِ يا بِنْتَ رَسُولِ الله السَّلامُ عَلَيْكِ يا بِنْتَ فاطِمَةَ وَخَدِيجَةَ السَّلامُ عَلَيْكِ يا بِنْتَ أَمِيرِ الْمُوْمِنِينَ السَّلامُ عَلَيْكِ يا بِنْتَ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ، السَّلامُ عَلَيْكِ يا بِنْتَ وَلِيِّ الله السَّلامُ عَلَيْكِ يا أُخْتَ وَلِيِّ الله السَّلامُ عَلَيْكِ يا عَمَّةَ وَلِيِّ الله السَّلامُ عَلَيْكِ يا بِنْتَ مُوسىٰ بْنَ جَعْفَرٍ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكاتُهُ .


السَّلامُ عَلَيْكِ عَرَّفَ الله بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ فِي الجَنَّةِ وَحَشَرَنا فِي زُمْرَتِكُمْ وَأَوْرَدَنا حَوْضَ نَبِيِّكُمْ وَسَقانا بِكَأْسِ جَدِّكُمْ مِنْ يَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالِبٍ صَلَواتُ الله عَلَيْكُمْ .

أَسْأَلُ الله أَنْ يُرِيَنا فِيكُمُ السُّرُورَ وَالفَرَجَ وَأَنْ يَجْمَعَنا وَإِيَّاكُمْ فِي زُمْرَةِ جَدِّكُمْ مُحَمَّدٍ صَلّىٰ الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَأَنْ لا يَسْلُبَنا مَعْرِفَتَكُمْ إِنَّهُ وَلِيُّ قَدِيرٌ، أَتَقَرَّبُ إِلىٰ الله بِحُبِّكُمْ وَالْبَرائةِ مِنْ أَعْدائِكُمْ وَالتَّسْلِيمِ إِلىٰ الله راضِياً بِهِ غَيْرَ مُنْكِرٍ وَلا مُسْتَكْبِرٍ وَعَلىٰ يَقِينٍ ما أَتىٰ بِهِ مُحَمَّدٌ وَبِهِ راضٍ نَطْلُبُ بِذلِكَ وَجْهَكَ يا سَيِّدِي، اللّهُمَّ وَرِضاكَ وَالدَّارَ الْآخِرةَ يا فاطِمَةُ اشْفَعِي لِي فِي الجَنَّةِ فَإِنَّ لَكَ عِنْدَ الله شَأْناً مِنَ الشَّأْنِ، اللّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تَخْتِمَ لِي بِالسَّعادَةِ فَلا تَسْلُبْ مِنِّي ما أَنا فِيهِ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِالله الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، اللّهُمَّ اسْتَجِبْ لَنا وَتَقَبَّلْهُ بِكَرَمِكَ وَعِزَّتِكَ وَبِرَحْمَتِكَ وَعافِيَتِكَ وَصَلّىٰ الله عَلىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ أَجْمَعِينَ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ . (١)

____________

(١) بحار الأنوار: ج١٠٢ ص ٢٦٥ ح٤.



ثبت ببعض المصادر والمراجع

القرآن الكريم

***

١ - إثبات الوصيّة

المسعودي: أبو الحسن علي بن الحسين (ت(١) ٣٤٦ هـ).

المطبعة الحيدرية - النجف الأشرف.

٢ - الأخبار الطوال

الدينوري: أبو حنيفة أحمد بن داود (ت ٢٨٢ هـ).

دار إحياء الكتب العربية - الطبعة الأولى - القاهرة ١٩٦٠ م.

٣ - اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي)

الطوسي: أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي (شيخ الطائفة ت ٤٦٠ هـ).

تعليق حسن المصطفوي - مركز تحقيقات ومطالعات جامعة مشهد.

____________

(١) ت: اختصار لكلمة (توفي).


٤ - الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد

المفيد: أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان (ت ٤١٣ هـ).

تحقيق مؤسسة آل البيتعليهم‌السلام لإحياء التراث - قم - الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ.

٥ - أسنى المطالب في مناقب سيدنا علي بن أبي طالب

الجزري الشافعي: أبو الخير شمس الدين محمد بن محمد (ت ٨٣٣ هـ).

تقديم وتحقيق وتعليق محمد هادي الأميني - مكتبة الإمام أمير المؤمنين العامة - أصفهان.

٦ - أعيان الشيعة

الأمين: محسن.

دار التعارف - بيروت ١٤٠٦ هـ.

٧ - أمالي الصدوق

الصدوق: أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (ت ٣٨١ هـ).

مؤسسة الأعلمي - بيروت - ١٤٠٠ هـ.

٨ - الإمامة والسياسة

ابن قتيبة: أبو محمد عبد الله بن مسلم (ت ٢٧٦ هـ).

تحقيق علي شيري - بيروت.


٩ - بحار الأنوار

المجلسي: محمد باقر (ت ١١١١ هـ).

طبعة بيروت.

١٠ - تاريخ الأمم والملوك

الطبري: أبو جعفر محمد بن جرير (ت ٣١٠ هـ).

دار الكتب العلمية - بيروت ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م.

١١ - تاريخ قم

القمي: حسن بن محمد بن حسن (من علماء القرن الرابع).

ترجمة: حسن بن علي بن حسن بن عبد الملك القمي في سنة ٨٠٦ هـ.

١٢ - تاريخ اليعقوبي

اليعقوبي: أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح.

دار صادر - بيروت.

١٣ - تحفة العالم في شرح خطبة المعالم (١)

آل بحر العلوم: جعفر بن محمد بن محمد باقر بن علي بن رضا بن محمد مهدي مكتبة الصادق - طهران - الطبعة الثانية ١٤٠١ هـ.

____________

(١) أي كتاب معالم الدين للشيخ حسن بن الشهيد الثاني.


١٤ - تذكرة الخواص

سبط بن الجوزي: يوسف بن فرغلي بن عبد الله البغدادي (ت ٦٥٤ هـ).

مكتبة نينوى الحديثة - طهران.

١٥ - الجواهر السنيّة في الأحاديث القدسيّة

الحر العاملي: محمد بن الحسن بن علي بن الحسين (ت ١١٠٤ هـ).

انتشارات طوس - مشهد.

١٦ - حياة الإمام الرضاعليه‌السلام

القرشي: باقر شريف.

انتشارات سعيد بن جبير - قم - الطبعة الأولى ١٣٧٢ هـ ش.

١٧ - حياة الحيوان الكبرى

الدَّميري: كمال الدين محمد بن موسى (ت ٨٠٨ هـ).

شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي - مصر.

١٨ - الحياة السياسية للإمام الرضاعليه‌السلام

العاملي: جعفر مرتضى.

دار الأضواء - بيروت ١٤٠٦ - ١٩٨٦ م.


١٩ - دائرة المعارف الإسلامية الشيعيّة

٢٠ - دلائل الإمامة

الطبري: أبو جعفر محمد بن جرير بن رستم (من أعلام القرن الخامس الهجري).

تحقيق قسم الدراسات الإسلامية - مؤسسة البعثة - قم - الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ.

٢١ - الدين والإسلام

كاشف الغطاء: محمد الحسين.

دار المعرفة للطباعة والنشر - بيروت.

٢٢ - ديوان ميراث المنبر

المنصوري: محمد سعيد.

منشورات الشريف الرضي - قم ١٤١٤ هـ.

٢٣ - الذخيرة في علم الكلام

المرتضى: علي بن الحسين (ت ٤٣٦ هـ).

منشورات الشريف الرضي - قم ١٤١٤ هـ.


٢٤ - روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان

العاملي: زين الدين الجبعي (الشهيد الثاني ت ٩٦٥ هـ).

مؤسسة آل البيت لإحياء التراث - قم.

٢٥ - زندگانى حضرة معصومةعليها‌السلام

المنصوري: مهدي.

٢٦ - سفينة البحار

القمي: عباس.

دار الأسوة - إيران ١٤١٤ هـ.

٢٧ - شبهاى بيشاور در دفاع از حريم تشيع

الشيرازي: سلطان الواعظين.

دار الكتب الإسلامية الطبعة ٣٥.

٢٨ - شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار

المغربي التميمي: القاضي أبو حنيفة النعمان بن محمد (ت ٣٦٣ هـ) مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرَّفة ١٤١٢ هـ.


٢٩ - علل الشرائع

الصدوق: أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (ت ٣٨١ هـ).

مؤسسة الأعلمي - بيروت ١٤٠٨ هـ.

٣٠ - عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب

ابن عنبة: جمال الدين أحمد بن علي الحسيني (ت ٨٢٨ هـ).

دار مكتبة الحياة - بيروت.

٣١ - عوالم العلوم

البحراني: عبد الله بن نور الله.

تحقيق ونشر مدرسة الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف.

٣٢ - عيون أخبار الرضاعليه‌السلام

الصدوق: أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه (ت ٣٨١ هـ).

عنى بتصحيحه السيد مهدي اللاجوردي - قم.

٣٣ - عيون الأخبار

الباهلي: ابن قتيبة أبو محمد عبد الله بن مسلم (ت ٢٧٦ هـ) مطبعة دار الكتب المصرية ١٣٤٣ هـ - ١٩٢٥ م.


٣٤ - فِرق الشيعة

النوبختي: الحسن بن موسى (من أعلام القرن الثالث الهجري).

دار الأضواء - بيروت - الطبعة الثانية ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م.

٣٥ - في سبيل موسوعة علمية

أحمد زكي.

دار الشروق - بيروت ١٣٩٧ هـ - ١٩٧٧ م.

٣٦ - القاموس المحيط

الفيروزآبادي: مجد الدين محمد بن يعقوب (ت ٨١٧ هـ).

دار إحياء التراث - بيروت.

٣٧ - قرب الإسناد

الحميري: أبو العباس عبد الله بن جعفر (من أعلام القرن الثالث الهجري).

تحقيق مؤسسة آل البيتعليهم‌السلام لإحياء التراث - قم ١٤١٣ هـ.

٣٨ - الكافي

الكليني: أبو جعفر محمد بن يعقوب (ت ٣٢٩ هـ).

دار الكتب الإسلامية - طهران - الطبعة الثالثة ١٣٨٨ هـ.


٣٩ - كامل الزيارات

ابن قولويه: أبو القاسم جعفر بن محمد (ت ٣٦٧ هـ).

صحّحه وعلّق عليه العلاّمة الشيخ عبد الحسين الأميني - المطبعة المرتضوية - النجف الأشرف ١٣٥٦ هـ.

٤٠ - الكامل في التاريخ

ابن الأثير: عزّ الدين أبو الحسن علي بن أبي الكرم الشيباني.

تحقيق علي شيري - دار إحياء التراث العربي - بيروت ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٩ م.

٤١ - كريمة أهل البيت

علي أكبر مهدي بور.

مؤسسة نشر ومطبوعات حاذق - قم ١٤١٥ هـ.

٤٢ - الكشّاف

الزمخشري: جاد الله محمود (ت ٥٢٨ هـ).

دار الكتاب العربي - بيروت.

٤٣ - لسان العرب

ابن منظور: أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكتوم (ت ٧١١ هـ).


٤٤ - المحاسن

البرقي: أبو جعفر أحمد بن محمد بن خالد (ت ٢٧٤ هـ أو ٢٨٠ هـ).

تحقيق السيد مهدي الرجاء - المجمع العالمي لأهل البيتعليهم‌السلام - قم ١٤١٣ هـ).

٤٥ - مروّج الذهب

المسعودي: أبو الحسن علي بن الحسين بن علي (ت ٣٤٦ هـ).

تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد - الطبعة الرابعة ١٣٨٤ هـ - ١٩٦٤ م - طبعة مصر.

٤٦ - مستدرك سفينة البحار

الشاهرودي: علي نمازي.

مؤسسة البعثة - طهران ١٤٠٦ هـ.

٤٧ - مستدرك الوسائل

النوري: حسين.

تحقيق مؤسسة آل البيتعليهم‌السلام لإحياء التراث - قم.

٤٨ - المسلسلات (في ضمن مجموعة كتب أخرى)

القمي: أبو محمد جعفر بن أحمد بن علي القمي (من علماء القرن الرابع الهجري).

مجمع البحوث الإسلامية - مشهد - الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ.


٤٩ - مصباح المتهجد

الطوسي: أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي بن الحسن (ت ٤٦٠ هـ).

مؤسسة فقه الشيعة - بيروت - الطبعة الأولى ١٤١١ هـ.

٥٠ - معجم البلدان

الحمودي: شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله.

دار إحياء التراث - بيروت - ١٣٩٩ هـ.

٥١ - المعجم الزولوجي الحديث

الملكي: محمد كاظم.

مطبعة النعمان - النجف الأشرف - الطبعة الأولى (١٣٧٦ هـ ١٩٥٨ م).

٥٢ - مقاتل الطالبيين

الأصفهاني: أبو الفرج علي بن الحسين.

المطبعة الحيدرية - النجف الأشرف - (١٣٨٥ هـ - ١٩٦٥ م).

٥٣ - المنقذ من التقليد والمرشد إلى التوحيد

الرازي: سديد الدين محمود الحمصي (توفي في أوائل القرن السابع الهجري).

تحقيق مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدّسة.


٥٤ - من لا يحضره الفقيه

الصدوق: أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (ت ٣٨١ هـ).

دار الكتب الإسلامية - طهران.

٥٥ - ناسخ التواريخ

عباس قليخان سبهر (ت ١٢٩٧ هـ).

المكتبة الإسلامية - طهران - ١٣٥٣ شمسي.

٥٦ - وسائل الشيعة

الحر العاملي: محمد بن الحسن (ت ١١٠٤ هـ).

تحقيق مؤسسة آل البيتعليهم‌السلام لإحياء التراث - قم.


الفهرس

المقدمة ٩

١ - ولادتها ونشأتها ١٣

(أ) الإمام الكاظم عليه‌السلام ينتخب أم أولاده ١٥

(ب) السيدة تكتم. ٢١

(ج) متى ولدت السيدة المعصومة عليها‌السلام.... ٢٩

(د) إخوتها ٣٣

٢ - ألقابها ٣٥

٣ - هل تزوجت السيدة المعصومة عليها‌السلام؟ ٤١

٤ - معاناتها ٤٩

(أ) فقد أبيها ٥١

(ب) الجلودي يرعب ودائع آل محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم...... ٥٣

(ج) السيدة تعايش ترحيل أخيها ٦٣

٥ - هجرتها ٦٥

(أ) هجرة إخوتها إلى شيراز ٦٩

(ب) ركب السيدة يحاصر في (ساوة) ٧٣

(١ / ب) لماذا سمّيت هذه البلدة بـ ( قم )؟ ٧٤

(٢ / ب) في فضل ( قم ) وأهلها: ٧٧

(٣ / ب) ( قم ) تستقبل السيدة المعصومة: ٧٩

(٤ / ب) السيدة المعصومة تفارق الحياة: ٨٠

( ٥ / ب ) المأمون يعترف ...!! ٨١

٦ - الجنة لمن زارها ٨٣

٧ - يا فاطمة إشفعي لي في الجنة ٨٧


٨ - المعصومة تحدثنا ١٠١

(أ) عن يوم الغدير ١٠٥

(ب) بشائر لشيعة عليّ عليه‌السلام.... ١٠٧

(ج) الموت على حب آل محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم...... ١٠٩

٩ - معجزاتها وكراماتها ١١١

١٠ - الشعراء في رحاب السيدة المعصومة عليها‌السلام.... ١٢٧

زيارة السيدة المعصومة عليها‌السلام.... ١٣٥

ثبت ببعض المصادر والمراجع. ١٣٩


سيدة عش آل محمد صلى الله عليه وآله

سيدة عش آل محمد صلى الله عليه وآله

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: السيد أبو الحسن هاشم
تصنيف: النفوس الفاخرة
الصفحات: 152