بيت الأحزان في مصائب فاطمة الزهراء (سلام الله عليها)

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: عباس بن محمد رضا بن أبي القاسم القمي (المحدث القمي)
السيدة الزهراء سلام الله عليها

بيت الأحزان

في مصائب سيّدة النسوان

البتول الطاهرة فاطمة الزهراء

(سلام الله عليها)


بسم الله الرحمن الرحيم


بيت الأحزان

في مصائب سيّدة النسوان

البتول الطاهرة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها)

تأليف: الحاج الشيخ عبّاس القُمِّي (طاب ثراه)


بيت الأحزان

الشيخ عباس القُمِّي

كافة حقوق الطبع محفوظة ومسجّلة للناشر ومكتبة فدك

انتشارات فاروس

* الناشر: فاروس

* الكّمية: ٢٠٠٠ نسخة

* المطبعة: سرور

* الطبعة: الأُولى

* تاريخ الطبع: ٢٠٠٧ م - ١٤٢٨ هـ. ق

* القطع وعدد الصفحات: وزيري - ٢٠٨ صفحة

* شابك: ٢ - ٦ - ٩٤٢٤٢ - ٩٦٤ - ٩٧٨

مكتبة فدك


مقدّمة الناشر

قال الله تعالى في تنزيله العزيز:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) .

ذكر الله تعالى أهل البيت وخصّهم بالتكريم ورفيع المنزلة، ثمّ إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أرسل إلى فاطمة والحسن والحسينعليهما‌السلام فقال: هؤلاء أهل بيتي.

كانت فاطمة الزهراءعليها‌السلام أصغر بنات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأحبّهن إليه، وكانت سيدة نساء العالمين، وقد تحدّث عنها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: ( إنّما فاطمة بضعة منّي يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها ).

هذا بعض من رفيع مكانتها، فهي في أعلى درجات الشرف والسمو، ومناقبها وفضائلها كثيرة جداَ وعظيمة، وقد خاطبها أبوهاصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله: ( إنّ الله سيرضى لرضاك وسيغضب لغضبك ).

أما بعد،

فقد التزمت مؤسّستنا( دار التعارف ) نشر فضائل أهل البيت، والدعوة الجادّة والصادقة إلى الالتزام بالخط الجهادي لأهل البيت من خلال تقديمنا كل ما من شأنه أن يوضح مبادئ هذا الخط وأهدافه، ووضعه بين أيدي قرَّائنا الكرام ناصع البياض صادقاً، بعيداً عن التشويه والانحراف والتزمّت.

هذا الخط الذي حرص أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام على التفكير به والعمل من أجل أن يقدّموا الإسلام لمجموع الأُمّة الإسلامية، وأن يكونوا مناراً، وأن يكونوا أطروحة ويكونوا مثلاً أعلى. فعملوا على خطّين: خط بناء المسلمين الصالحين، وخط ضرب


مثل أعلى لهؤلاء المسلمين بقطع النظر عن انتماءاتهم وتوجّهاتهم.

وقد وقع إلينا كتاب( بيت الأحزان في مصائب سيّدة النسوان ) للعلاّمة الشيخ عباس القمّي (طاب ثراه) حيث توسّع مؤلفّه في ذكر فضل سيدة نساء العالمين فاطمةعليها‌السلام وجلالتها وزهدها وعبادتها وعلمها ومكارم أخلاقها، والأذى الذي لحق بها بعد وفاة أبيهاصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد عبّرت (سلام الله عليها) عن سخطها على القوم بصرختها التي لا تزال تدوّي بقولها: ( ويلكم! ما أسرع ما خنتم الله ورسوله فينا أهل البيت، وقد أوصاكم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله باتّباعنا ومودّتنا والتمسّك بنا، فقال الله تعالى:( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) ).

وقد انتبهنا إلى موضوعيّة الكتاب وأهميّته في وضع النقاط على الحروف، بعد أن استعرض مواقف فاطمة الزهراءعليها‌السلام الجريئة، فقرَّرنا وضعه بين أيدي قرَّائنا الكرام، فعمدنا إلى تحقيقه وثبت مصادره ورواياته وموضوعاته من مظانّها، وعكفنا على دراسته بما يتفق مع أهميّة وخطورة المواضيع التي تناولها بنظرة دقيقة بصيرة، بعيداً عن التعصّب الأعمى، فكان دأبنا أن نقدّم فاطمة الزهراءعليها‌السلام بشخصيتها الإسلامية الراقية، صاحبة الموقف الجريء في الردّ على الظلم، وقد عبّرت بخطابها للقوم: ( ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمَاً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) ؟! أفلا تعلمون، أفعلى عمْدٍ تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم، فنِعم الحكم الله، والموعد القيامة وعند الساعة يخسر المبطلون، ولا ينفعكم إذ تندمون( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) ).

نرجو أن يكون عملنا مقبولاً.

الناشر


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي ذلّت له رقاب الجبابرة، وخضعت لديه أعناق الأكاسرة، وصلّى الله على أشرف خلقه وأفضل بريته أبي القاسم المصطفى محمّد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين المعصومين، ولا سيّما على بقيّة الله في الأرضين الحجّة ابن الحسن العسكري ( عجّل الله تعالى فرجه الشريف ).

واللّعن على أعدائهم ومخالفيهم، ومعانديهم وغاصبي حقوقهم، ومنكري فضائلهم ومناقبهم، ومدّعي شؤونهم ومراتبهم أجمعين، من الآن إلى قيام يوم الدين، آمين ربّ العالمين.

جلالة المؤلِّف:

هو العلاّمة الحاج الشيخ عباس بن محمد بن أبي القاسم القمّي، جلالته وشهرته عند الخواص والعوام بالعلم والعمل والزهد والورع والمودّة لأهل بيت الوحي - عليهم أفضل صلاة المصلّين - وكثرة الحديث عنهم والافتخار بالمشي في طريقهم والإعلان بفضائلهم والإخلاص في جلّ أموره وكل أعماله: أظهر من أن يتفوّه بها وأعرف من أن تكتب، وكيف لا؟ ومؤلّفاته ( التي هي أعدل شاهد وأصدق ناطق ) قاضية بذلك؛ إذ قلّما يكون بيت من بيوت الشيعة الإمامية ولم يكن فيه واحد من تآليفه القيّمة، ولا أقل من كتابه ( المفاتيح ) الذي يتواجد في كل المشاهد المشرّفة، وذلك شاهد صدق على ولائه للمدفونين فيهاعليهم‌السلام .


فعلى هذا لا يسعنا في هذا المجال الضيّق سرد جميع أحواله، وضبط تمام خصائصه، ونحيل مَن أراد ذلك إلى محلّه في كتب التراجم، ونوصي إخواننا العجم بقراءة الكتاب المؤلّف بالفارسية في أحوال المؤلّف باسم: ( حاج شيخ عباس قمّي - مرد فضيلت وتقوى ) وهو من تأليفات الشيخ علي دواني ( وفيه مع تمثاله الشريف من خطة الجميل ).

وفي الختام نكتفي في هذه المقدّمة بضبط جميع مؤلّفات صاحب هذا الكتاب بحسب حروف الهجاء.


فهرس مؤلّفات المحدّث القمّي

( رضوان الله تعالى عليه )

مرتّبة على حروف الهجاء

مع ما استفدناه من كتابه المسمّى بـ ( الفوائد الرضويّة )

قال العالم النبيل والمحدّث الجليل، محيي الشريعة بتأليفاته وناشر حقائق الشيعة بتصنيفاته، والمتمسّك بأذيال العترة الطاهرة - عليهم صلوات الملك الجليل العلاّم - والجدير بأن يقال في وصفه: ( إنّه من حسنات الدهر وبركات الزمان ) الحاج الشيخ عباس بن محمّد رضا بن أبي القاسم القمّي حشرهم الله مع النبي وعترته - صلوات الله عليهم أجمعين - في كتابه الموسوم بـ (الفوائد الرضوية في أحوال علماء مذهب الجعفرية ) وهو من تأليفاته القيّمة باللغة الفارسية، وقد ألّفه المحدّث رحمه الله في جوار الروضة الرضوية المقدّسة المطّهرة، عند ترجمة نفسه، في ذيل الكتاب ما هذا تعريبه:

لما كان هذا الكتاب الشريف في بيان أحوال العلماء، لم أدرج ترجمة نفسي فيه جديراً وحقيقياً؛ لأنّي أحقر وأدنى من أن أعدّ في أعدادهم حتى أدرج فيهم أحوالي؛ ولذلك أنصرف عن ذلك وأكتفي بذكر مؤلّفاتي: ولادتي - على الظاهر - سنة ( ١٢٩٤ هـ. ق ) ومؤلّفاتي إلى الآن - الذي هو سنة ١٣٣٣ هجرية وقد بلغ عمري إلى حدود الأربعين عاماً - على أربعة أقسام:


القسم الأول: الكتب التي طبعت وانتشرت.

القسم الثاني: الكتب التي كتبت بحبر الطبع وستطبع عن قريب.

( ولا يخفى على القارئ الكريم أنّه قد طُبعت هذه الكتب بعد ذلك وانتشرت ).

القسم الثالث: الكتب التي أتممت تأليفها ولكن ليس في الوقت الحاضر أحد في صدد طبعها.

( ولا يخفى على القارئ الكريم أنّه قد طبع بعضها ثم انتشرت ).

القسم الرابع: الكتب التي لم يتم تأليفها وأرجو من الله تعالى أن يتفضّل عليّ بالتوفيق لإتمامها.

( ولا يخفى على القارئ الكريم أنّ المحدّث الجليل قال بعده ) وأكثر هذه الكتب الناقصة التأليف صارت مفقودة ).

لقد بلغ عدد مؤلّفات المحدّث الجليل القمّي ( رضوان الله تعالى عليه ) كما ذكر هو نفسه: السبعين كتاباً، ما بين صغير وكبير، ويبلغ مجموعها أربعة وسبعين مجلّداً، كما ترجم كتباً من العربية إلى الفارسية، ومن الفارسية إلى العربية، وقد ألّف هذه التآليف الكثيرة القيّمة ولم يتجاوز عمره الشريف الأربعين سنة.

وهذا ثبت بأسماء مؤلّفاته، رتّبناه بحسب حروف الهجاء ليكون أسهل تناولاً، وقد أوردنا فيه ما ذكره في الفوائد الرضوية وما ألّفه بعد هذا الكتاب:

( ألف )

١ - الأنوار البهيّة، في تاريخ النبي وآلهعليهم‌السلام ، مجلّد واحد باللغة العربية مطبوع.

٢ - الآيات البيّنات في أخبار أمير المؤمنينعليه‌السلام عن الملاحم والغائبات. لم يتمّه.


( ب )

٣ - بيت الأحزان في مصائب سيّدة النسوان، عربي مطبوع، ( وهو هذا الكتاب ).

٤ - الباقيات الصالحات في حاشية مفاتيح الجنان، فارسي، مطبوع مكرّراً مع المفاتيح.

( ت )

٥ - تحفهء طوسيه ونفحهء قدسية ( أو ): رسالة مشهد نامه. ( فارسي - مطبوع - وهو مختصر في شرح بناء الحرم الرضوي على صاحبه السلام وذكر أبنيته والأماكن المتعلّقة به، مع عدّة زيارات مهمّة ومعتبرة ).

٦ - تتمة المنتهى في وقائع أيام الخلفاء فارسي، وهو المجلد الثالث من كتابه: منتهى الآمال - مطبوع.

٧ - تحفة الأحباب في نوادر الأصحاب - وهو في أحوال صحابة الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأصحاب الأئمّةعليهم‌السلام - مطبوع.

٨- ترجمة: مصباح المتهجّد للشيخ الطوسي (رحمه الله) إلى الفارسية، مطبوع مع المصباح.

٩- ترجمة: جمال الأسبوع للسيد ابن طاووس (رحمه الله) إلى الفارسية، مطبوع مع جمال الأسبوع.

١٠ - ترجمة: المسلك الثاني من كتاب ( اللهوف ) للسيد ابن طاووس (رحمه الله) إلى الفارسية، طبع في هامش اللهوف.

١١ - ترجمة: ( زاد المعاد ) للعلاّمة المجلسي (رحمه الله) إلى العربية، والظاهر أنّه ناقص.


١٢ - ترجمة ( تحفة الزائر ) للعلاّمة المجلسي (رحمه الله) إلى العربية، والظاهر أنّه ناقص كذلك.

١٣ - تتميم تحيّة الزائر، لأستاذه المحدّث النوري (رحمه الله)، مطبوع.

١٤ - تتميم بداية الهداية، للشيخ الحرّ العاملي (رحمه الله) مخطوط، ولعلّه هو الكتاب المعروف بـ ( فصل ووصل ) الذي فصله من الشيخ الحرّ العاملي (رحمه الله) ووصله للمحدّث القمّي (رحمه الله).

( ج )

١٥ - جهل حديث، بالفارسية، طبع عدّة مرّات بإيران.

( ح )

١٦ - حكمة بالغة ومائة كلمة جامعة، شرح فارسي لمائة كلمة من كلمات أمير المؤمنينعليه‌السلام ، مطبوع تكراراً بإيران.

( د )

١٧ - الدرّة اليتيمة في تتمّات الدرّة الثمينة، وهو تتميم لشرح النصاب للفاضل اليزدي، مطبوع.

١٨ - دستور العمل، مطبوع.

١٩ - الدرّ النظيم في لغات القرآن العظيم، مطبوع.

٢٠ - دوازده أدعية مأثورة، فارسي، طبع مكرّراً مع جهل حديث.

( ذ )

٢١ - ذخيرة العقبي في مثالب أعداء الزهراءعليها‌السلام ، لم يتمّ.

٢٢ - ذخيرة الأبرار في منتخب أنيس التجار، لم يتم.


( س )

٢٣ - سبيل الرشاد في أصول الدين، مطبوع.

٢٤ - سفينة بحار الأنوار ومدينة الحكم والآثار، في مجلّدين - عربي - مطبوع تكراراً في إيران وغيرها، وهو فهرس موضوعي لكتاب بحار الأنوار للعلاّمة المجلسي (رحمه الله).

( ش )

٢٥ - شرح وجيزة الشيخ البهائي (رحمه الله) ( في علم دراية الحديث ).

٢٦ - شرح كلمات قصار لأمير المؤمنينعليه‌السلام أوردها السيد رضي الدين (رحمه الله) في آخر كتابه ( نهج البلاغة ) ( ناقص ).

٢٧ - شرح الصحيفة السجّادية ( ناقص ).

٢٨ - شرح أربعين حديثاً، مخطوط وغير تام، ونسخته موجودة.

( ص )

٢٩ - صحائف النور، في عمل الأيام والسنة والشهور ( ناقص ).

( ض )

٣٠ - ضيافة الإخوان ( ناقص ).

( ط )

٣١ - طبقات الرجال، والظاهر أنّه كتاب طبقات الخلفاء وأصحاب الأئمّةعليهم‌السلام والعلماء والشعراء، المطبوع في آخر تتمّة المنتهى بالفارسية.

( ع )

٣٢ - علم اليقين، وهو مختصر حق اليقين للعلاّمة المجلسي (رحمه الله).


( غ )

٣٣ - الغاية القصوى في ترجمة العروة الوثقى، للفقيه الفقيد السيد محمّد كاظم اليزدي ( قدّس سرّه ) في مجلّدين: المجلّد الأول: من ابتداء كتاب الطهارة إلى أحكام الأموات. والثاني: من كتاب الصلاة إلى بحث الستر والساتر ( فارسي - مطبوع ).

( ف )

٣٤ - الفوائد الرجبية فيما يتعلّق بالشهور العربية ( مشتمل على وقايع الأيام وفيه جملة من أعمال الشهور، وهذا أوّل تصانيفه (رحمه الله) كما قاله في الفوائد الرضوية، وأضاف بأنّ مخطوطته بخطّه الشريف موجودة عنده ).

٣٥ - الفصول العليّة في المناقب المرتضوية، مطبوع.

٣٦ - الفوائد الرضوية في أحوال علماء المذهب الجعفرية، مطبوع.

٣٧ - فيض العلاّم فيما يتعلّق بالشهور والأيام.

٣٨ - فيض القدير فيما يتعلّق بحديث الغدير، ( وهو تلخيص من مجلّدين كبيرين من كتاب عبقات الأنوار للسيد حامد حسين الهندي النيشابوري - عطّر الله مرقده الشريف - في حديث الغدير ).

٣٩ - الفوائد الطوسية وهو كشكول.

( ق )

٤٠ - قرّة الباصرة في تاريخ الحجج الطاهرة.

( ك )

٤١ - الكنى والألقاب - في ثلاث مجلّدات - مطبوع - عربي.

٤٢ - الكنى والألقاب - مختصر صغير، مطبوع.


٤٣- كلمات لطيفة، مطبوع.

٤٤ - كحل البصر في سيرة سيّد البشر، مطبوع.

( گ )

٤٥ - گناهان كبيرة وصغيرة، مطبوع - بالفارسية.

( ل )

٤٦ - اللئالي المنثورة في الأحراز والأذكار المأثورة، مطبوع.

( م )

٤٧ - مختصر الأبواب في السنن والآداب ( وهو تلخيص لكتاب حلية المتقين للعلاّمة المجلسي (رحمه الله) بالفارسية )، مطبوع.

٤٨ - مفاتيح الجنان في الأدعية والزيارات، فارسي، مطبوع كراراً، وهو من أشهر كتبه وأنفعها لعامّة الناس من الخواص والعوام وقد ترجم إلى لغات شتّى، رأيت إلى الآن تعريبه وترجمته إلى لغة الأردو.

٤٩ - منازل الآخرة ومطالب الفاخرة في أحوال البرزخ ومواقف القيامة - فارسي، مطبوع.

٥٠ - مقامات عليّة - وهو مختصر معراج السعادة للعالم الرباني الشيخ المولى أحمد النراقي - فارسي، مطبوع.

٥١ - منتهى الآمال في ذكر مصائب النبي والآل في مجلّدين، فارسي مطبوع، وهو أيضاً من أشهر كتبه بعد المفاتيح وأنفعها لعامّة الناس من الخواص والعوام.

٥٢ - مقاليد الفلاح في عمل اليوم والليلة.

٥٣ - مقلاد النجاح مختصر الكتاب السابق.


٥٤ - مختصر المجلد الحادي عشر من بحار الأنوار للعلاّمة المجلسي - عطّر الله مضجعه الشريف - مفقود.

٥٥ - مختصر ( الشمائل ) للترمذي - مفقود.

٥٦ - مسلي المصاب بفقد الإخوة والأحباب - مفقود.

٥٧ - مختصر دار السلام للمحدّث النوري، باسم: غاية المرام في تلخيص دار السلام، مفقود.

( ن )

٥٨ - نفس المهموم ونفثة المصدور، عربي مطبوع، وهو كتاب في مقتل الإمام أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام وأصحابه، وقد ترجم إلى الفارسية.

٥٩ - نزهة النواظر في ترجمة معدن الجواهر.

٦٠ - نقد الوسائل في الباب الوسائل، لا توجد نسخته.

( هـ )

٦١ - هديّة الزائرين وبهجة الناظرين. يشتمل على زيارات الحجج الطاهرةعليهم‌السلام والمقامات الشريفة وقبور العلماء التي في المشاهد وأعمال الأسبوع وأعمال اليوم والليلة، مطبوع.

٦٢ - هداية الأحباب في المعروفين بالكنى والألقاب، مطبوع.

٦٣ - هداية الأنام إلى وقايع الأيام، مختصر كتاب: فيض العلام، من تأليفه أيضاً المتقدّم ذكره، مطبوع.


وفاته ومدفنه وأولاده

توفّي المحدّث القمّي - أعلى الله درجته - في ليلة الثالث والعشرين من ذي الحجّة الحرام من سنة ( ١٣٥٩ هـ. ق ) وكان له من العمر خمساً وستين سنة على ما كتب ولده المغفور له: العالم الجليل والواعظ العزيز، محبوب قلوب الخواص والعوام الحاج ميرزا علي محدّث زاده، في ذيل الصحيفة ( ٢٢٢ ) من كتاب الفوائد الرضوية.

ودُفن (رحمه الله) في صحن مولى الموحّدين أمير المؤمنين أسد الله الغالب علي بن أبي طالبعليه‌السلام في الإيوان الثالث من جانب المشرق بجنب أستاذه الكبير العالم الربّاني والمحدّث الصمداني، شيخ الشيوخ، العلاّمة، الحاج الميرزا حسين النوري - صاحب مستدرك الوسائل وغيرها من الكتب المفيدة - رضوان الله تعالى عليهما وجمعهما وحشرهما مع أحبابهما، محمّد وعترته المظلومينعليهم‌السلام .

وقد ترك ولدين ذكرين خيّرين توفّي أحدهما وهو العالم الواعظ النبيل، محبوب قلوب الخواص والعوام، المحشّي على كتب أبيه: الحاج ميرزا علي محدّث زاده ودُفن بمزار ( شيخان ) بقم، والآخر: هو العالم الجليل جناب المستطاب ميرزا محسن محدّث زاده، القاطن في طهران حفظه الله تعالى. وله أيضاً بنتان.

هذا آخر ما أردنا إيراده هنا ونسأل الله العفو والقبول، وأن يمنّ علينا جميعاً بظهور الحجّةعليه‌السلام .



هذا كتاب

بيت الأحزان

في ذكر أحوال سيّدة نساء العالمين

وبضعة خاتم النبيّين، وأُمّ الأئمّة الطاهرين،

أطهر النساء، ووارثة سيّد الأنبياء، وقرينة سيّد الأوصياء،

الإنسيّة الحوراء، والبتول العذراء، فاطمة الزهراء (صلوات الله عليها)


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ناصر المظلومين، وقاصم الجبابرة، ومبير الظالمين، والصلاة والسلام على مَن أرسله رحمة للعالمين، محمّد سيّد الأوّلين والآخرين، وعلى آله وعترته هداة العالمين.

وبعد، فيقول راجي عفو ربّه الغني عباس بن محمّد رضا القمّي عاملهما الله بلطفه الخفّي، والجلّي، هذه رسالة مختصرة في ذكر أحوال سيّدة نساء العالمين، وبضعة خاتم النبيّين، وأُمّ الأئمّة الطّاهرين، أطهر النساء، ووارثة سيّد الأنبياء، وقرينة سيّد الأوصياء، الإنسيّة الحوراء، والبتول العذراء، السيّدة الشهيدة، المظلومة المقهورة، فاطمة الزهراء صلوات الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها، ما أظلّت الخضراء على الغبراء، وذكر ما جرى عليها من المصائب والأحزان، سمّيتها( بيت الأحزان في مصائب سيّدة النسوان ) ورتّبتها على أبواب وخاتمة.


الباب الأوّل

في ولادتها وأسمائها وكناها (صلوات الله عليها)



فصل

في ولادتهاعليها‌السلام

وُلدت فاطمة الزهراء (صلوات الله عليها) في جمادى الآخرة يوم العشرين منها، سنة خمس وأربعين من مولد النبيّ (صلوات الله عليه وآله) وكان بعد مبعثه بخمس وستين، كما روي عن الصادقَيْنعليهما‌السلام (١) وكان مبدأ حمل خديجة (رضي الله عنها) بها، أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما عُرج به إلى السماء، أكل من ثمار الجنّة، رطبها وتفّاحها، فحوّلها الله تعالى ماءً في ظهره، فلمّا هبط إلى الأرض واقَع خديجة، فحملت بفاطمةعليها‌السلام ، ففاطمة حوراء إنسيّة(٢) .

وكلّما اشتاق النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى رائحة الجنّة كان يشمّها، فيجد منها رائحة الجنّة ورائحة شجرة طوبى، وكان يكثر لذلك أيضاً تقبيلها وإن أنكرت عليه بعض نسائه لجهلها بشرف محلّها(٣) .

____________________

(١) البحار: ج٤٣ ص٧ ح٨. وقد ذكر ذلك أيضاً ثقة الإسلام الكليني في أصول الكافي: ١، ٥٣٠ تحقيق العلاّمة الشيخ محمد جعفر شمس الدين، دار التعارف، ورواه كثير من المؤرّخين. ولزيادة الاطلاع يراجع كتاب الصحيح من سيرة النبي للعلاّمة السيد جعفر مرتضى.

(٢) البحار: ج٤٣ ص٧ ح٢. كما يراجع كتاب نزهة الأبرار للمحدّث البحراني، وكتاب معاني الأخبار للشيخ الصدوق وروى بهذا المعنى الحافظ الطبري في ذخائر العقبى نقلاً عن عائشة وكذا فعل الملاّ في سيرته. كما أورد ذلك السيد ابن طاووس في الطرائف.

(٣) البحار: ج٤٣ ص٥ ح٤ - ٥، وأيضاً ص٦ح٦. كما يراجع المصدران الآخران السابقان =


فإن قلت: إنّ الإسراء برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان قبل الهجرة بستة أشهر، وقيل: كان في سنة اثنين من المبعث وكانت ولادة فاطمةعليها‌السلام بعده بثلاث سنين، فكيف يوافق ذلك؟

قلت: لم يكن معراجهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منحصراً في مرّة واحدة، حتى لا يوافق ذلك، بل روي عن الصادقعليه‌السلام أنه قال: عرج بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مائة وعشرين مرّة؛ ما من مرّة إلاّ وقد أوصى الله عزّ وجل فيها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بالولاية لعلي والأئمّةعليهم‌السلام ، أكثر ممّا أوصاه بالفرائض(١).

قال العلاّمة المجلسي (رحمه الله) في البحار(٢) : وقيل: بينا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جالس بالأبطح ومعه عمار بن ياسر، والمنذر بن الضحضاح، وأبو بكر، وعمر، وعلي بن أبي طالبعليه‌السلام ، والعباس بن عبد المطلب، وحمزة بن عبد المطلب (رحمه الله)، إذ هبط عليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جبرئيلعليه‌السلام في صورته العظمى، وقد نشر أجنحته حتى أخذت من المشرق إلى المغرب، فناداه: ( يا محمّد، العليّ الأعلى يقرأ عليك السلام، وهو يأمرك أن تعتزل عن خديجة أربعين صباحاً ).

فشقّ ذلك على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكان محبّاً لها وبها وامقاً(٣) قال: فأقام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أربعين يوماً، يصوم النّهار، ويقوم الليل، حتى إذا كان في آخر أيّامه تلك، بعث إلى خديجة بعمار بن ياسر وقال: قل لها: يا خديجة لا تظنّي أنّ انقطاعي عنك هجرة ولا قلى(٤)، ولكنّ ربي عزّ وجلّ أمرني بذلك لينفذ

____________________

= اللذان يذكران أنّ التي أنكرت عليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذلك عائشة. كما يراجع تفسير علي بن إبراهيم بن هاشم.

(١) البحار ج١٨ ص٣٨٢ ح ٩٦، وأيضاً خصال الصدوق ص٥٦٦. وورد بألفاظ قريبة في كتاب اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراءعليها‌السلام .

(٢) ج١٦ ص٧٨.

(٣) الوامق: المحب.

(٤) أي بغض وعداوة.


أمره، فلا تظنّي يا خديجة إلاّ خيراً فإنّ الله عزّ وجلّ ليباهي بك كرام ملائكته كل يوم مراراً. فإذا جنّك الليل فأجيفي(١) الباب، وخذي مضجعك من فراشك، فإنّي في منزل فاطمة بنت أسد (رضي الله عنها). فجعلت خديجة تحزن في كل يوم مراراً لفقد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فلّما كان في كمال الأربعين، هبط جبرئيلعليه‌السلام فقال: يا محمّد: العلّي الأعلى يُقرئك السلام، وهو يأمرك أن تتأهّب لتحيته وتحفته. قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا جبرئيل وما تحفة ربّ العالمين؟ وما تحيّته؟ قال: لا علم لي. قال: فبينا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كذلك، إذ هبط ميكائيل ومعه طبق مغّطى بمنديل سندس - أو قال: إستبرق - فوضعه بين يدي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأقبل جبرئيل على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال: يا محمّد، يأمرك ربّك أن تجعل الليلة إفطارك على هذا الطعام.

فقال علي بن أبي طالبعليه‌السلام : كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا أراد أن يفطر، أمرني أن أفتح الباب لمـَن يرد إلى الإفطار، فلمّا كان في تلك الليلة، أقعدني النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على باب المنزل وقال: يا ابن أبي طالب إنّه طعام محرّم إلاّ عليَّ قال عليعليه‌السلام : فجلست على الباب وخلا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالطعام وكشف الطبق فإذا عذق(٢) من رطب وعنقود من عنب. فأكل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منه شبعاً وشرب من الماء ريّا ومدّ يده للغسل، فأفاض الماء عليه جبرئيلعليه‌السلام وغسل يده ميكائيلعليه‌السلام وتمندله إسرافيلعليه‌السلام فارتفع فاضل الطعام مع الإناء إلى السماء. ثم قام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليصلّي فأقبل عليه جبرئيل، فقال: الصلاة محرّمة عليك في وقتك حتى تأتي إلى منزل خديجة فتواقعها، فإنّ الله عزّ وجلّ آلى(٣) على نفسه أن يخلق من صلبك في هذه الليلة ذريّة طيّبة؛ فوثب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى منزل خديجة.

____________________

(١) أجفت الباب: رددته. يقال بالفارسية درب را بروي خود به بند.

(٢) العذق بالكسر عنقود العنب والرطب. يقال بالفارسية ( خوشه ).

(٣) آلى: أي حلف.


قالت خديجة (رضوان الله عليها): وكنت قد ألفت الوحدة، فكان إذا جنّني اللّيل غطّيت رأسي وأسجفت(١) ستري وغلقت بابي وصلّيت وردي(٢) وأطفأت مصباحي وآويت إلى فراشي؛ فلمّا كان في تلك الليلة لم أكن بالنائمة ولا بالمنتبهة إذ جاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقرع الباب؛ فناديت: مَن هذا الّذي يقرع حلقة لا يقرعها إلاّ محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ - قالت خديجة: - فنادى النبّي بعذوبة كلامه وحلاوة منطقه: افتحي يا خديجة فإنّي محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قالت خديجة: فقمت فرحة مستبشرة بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وفتحت الباب ودخل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المنزل، وكانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا دخل المنزل دعا بالإناء فتطهّر للصلاة ثم يقوم فيصلّي ركعتين يوجز فيهما ثم يأوي إلى فراشه.

فلمّا كان في تلك الليلة، لم يدع بالإناء ولم يتأهّب للصلاة، غير أنّه أخذ بعضدي وأقعدني على فراشه، وداعبني، ومازحني، وكان بيني وبينه ما يكون بين المرأة وبعلها؛ فلا والّذي سمك السماء وأنبع الماء، ما تباعد عنّي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى أحسست بثقل فاطمةعليها‌السلام في بطني.

أقول: اعتزال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن خديجة (رضي الله عنها) أربعين يوماً كان للتأهّب لتحيّة ربّ العالمين وتحفته، والمراد بها فاطمة (صلوات الله عليها). كما أشير إلى ذلك في زيارتها و ( صلَّ على البتول الطاهرة، إلى قوله: فاطمة بنت رسولك، وبضعة لحمه وصميم قلبه وفلذّة كبده والتحيّة منك له والتحفة )(٣) .

وفي هذا الاعتزال دليل على جلالة فاطمة سيّدة النّسوان بما لا يطيق بتحرير بيانه البنان، ولعلّ(٤) تخصيص الرّطب والعنب، لكثرة بركتهما وما

____________________

(١) أسجفت الستر: أرسلته.

(٢) أي صلاتي ودعائي.

(٣) وقد ذكر هذه الزيارة وغيرها الشيخ الطوسي في المصباح، وفي بعضها: ( وصلِّ على البتول الطاهرة وتفاحة الفردوس والخلد ).

(٤) وردت الروايات في فضلهما وفضل التفاح وأنّه من ثمر الجنّة، وهي موجودة في فروع الكافي =


يتولّد منهما من المنافع، فإنّه ليس في الأشجار ما يبلغ نفعهما مع أنّهما خلقتا من فضلة طينة آدمعليه‌السلام ، ولا يبعد أن يكون في ذلك إشارة إلى كثرة نفع هذه النسلة الطاهرة المباركة، وكثرة ذريّتها، وبركاتها، كما قد نومئ إليها إنشاء الله تعالى في محلّها.

وأمّا قول جبرئيل للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( الصلاة محرّمة عليك في وقتك ) فالظاهر: أنّها الصلاّة النافلة دون الفريضة، فإنّه كان يقدّمها على الإفطار، والله أعلم بحقيقة الأحوال.

روى الشيخ الصدوق (رضي الله عنه) في الأمالي بسنده عن المفضل ابن عمر - قال: - قلت لأبي عبد الله الصادقعليه‌السلام : كيف كانت ولادة فاطمةعليها‌السلام ؟ فقال: نعم، إن خديجة (رضي الله عنها) لما تزوّج بها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هجرتها نسوان مكّة، فلم يدخلن عليها ولا يسلّمن عليها ولا يتركن امرأة تدخل عليها؛ فاستوحشت خديجة لذلك، وكان جزعها، وغمّها حذراً عليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلمّا حملت بفاطمة (سلام الله عليها) كانت فاطمةعليها‌السلام تحدّثها من بطنها، وتصبّرها، وكانت تكتم ذلك عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فدخل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوماً، فسمع خديجة تحدّث فاطمةعليها‌السلام ، فقال لها: يا خديجة لمـَن تحدّثين؟ قالت: الجنين الذي في بطني يحدّثني ويؤنسني، قال: يا خديجة هذا جبرئيل يخبرني أنّها أنثى، وأنّها النسلة الطاهرة الميمونة، وأنّ الله تبارك وتعالى سيجعل نسلي منها، وسيجعل من نسلها الأئمّة، ويجعلهم خلفاء في أرضه بعد انقضاء وحيه.

فلم تزل خديجة على ذلك إلى أن حضرت ولادتها، فوجّهت إلى نساء قريش وبني هاشم أن تعالين لتلين منّي ما تلي النّساء من النّساء، فأرسلن إليها: أنت عصيتنا ولم تقبلي قولنا وتزوّجت محمداً يتيم أبي طالب فقيراً لا مال له، فلسنا نجيء ولا نلي من أمرك شيئاً.

____________________

= وفي الوسائل، وفي المحاسن للبرقي، وغيرها.


فاغتمّت خديجةعليها‌السلام لذلك، إذ دخل عليها أربع نسوة سُمر(١) ، طوال، كأنهنّ من نساء بني هاشم ففزعت منهنّ، لما رأتهنّ، فقالت إحداهن: لا تحزني يا خديجة، فإنّا رسل ربّك إليك ونحن أخواتك، أنا سارة وهذه آسية بنت مزاحم وهي رفيقتك في الجنّة وهذه مريم بنت عمران وهذه كلثم أخت موسى بن عمران، بعثنا الله إليك لنلي ما تلي النساء من النساء، فجلست واحدة عن يمنها وأخرى عن يسارها، والثالثة بين يديها، والرابعة من خلفها، فوضعت فاطمة طاهرة مطهّرة.

فلما سقطت إلى الأرض، أشرق منها النور حتى دخل بيوتات مكّة، ولم يبق في شرق الأرض وغربها موضع إلاّ أشرق فيه ذلك النور، ودخل عشر من الحور العين كلّ واحدة منهنّ معها طست من الجنّة، وإبريق من الجنّة وفي الإبريق ماء من الكوثر، فتناولتها المرأة التي كانت بين يديها فغسّلتها بماء الكوثر، وأخرجت خرقتين بيضاوتين أشدّ بياضاً من اللبن وأطيب ريحاً من المسك والعنبر، فلفّتها بواحدة وقنّعتها بالثانية، ثمّ استنطقتها، فنطقت فاطمة بالشهادتين وقالت: ( أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ أبي رسول الله سيّد الأنبياء، وأنّ بَعلي سيّد الأوصياء، وولدي سادة الأسباط )، ثم سلّمت عليهن، وسمّت كل واحدة منهنّ باسمها، وأقبلن يضحكن إليها، وتباشرت الحور العين، وبشّر أهل السماء بعضهم بعضاً بولادة فاطمةعليها‌السلام ، وحدث في السماء نور زاهر لم تره الملائكة قبل ذلك، وقال النسوة: خذيها يا خديجة طاهرة، مطهّرة، زكيّة، ميمونة، بورك فيها، وفي نسلها، فتناولتها فرحة مستبشرة وألقمتها ثديها فدرّ عليها، فكانت فاطمةعليها‌السلام تنمو في اليوم كما ينمو الصبي في الشهر وتنمو في الشهر كما ينمو الصبيّ في السنة(٢) .

____________________

(١) سَمِرَ سُمرَة: كان لونه بين السواد والبياض. أقرب الموارد.

(٢) أمالي الصدوق: ص٧٦ بحار: ج٤٣ ص٢ ح١.


فصل

في عدد أسمائها ووجه تسميتها

عن يونس بن ظبيان قال: قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : لفاطمة تسعة أسماء عند الله عزّ وجلّ: فاطمة، والصدّيقة، والمباركة، والطاهرة، والزكيّة، والرّاضية، والمرضيّة، والمحدّثة، والزهراء، ثمّ قال: أتدري أي شيء تفسير فاطمة؟ قلت: أخبرني يا سيّدي، قال: فطمت من الشرّ، قال ثمّ قال: لولا أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام تزوّجها، لما كان لها كفؤ إلى يوم القيامة على وجه الأرض آدم فمن دونه(١) .

وفي جملة من الروايات: أنّها سُمّيت فاطمة لأنّها: فُطمت وشيعتها من النار، وإنّما فطمت بالعلم، وفطمت من الطمث، وأنّ الخلق فطموا من معرفتها، وأنّ الله فطمها وذرّيّتها من النار مَن لقي الله منهم بالتوحيد والإيمان برسوله، وأنّ الله فطم مَن أحبّها عن النار(٢) .

____________________

(١) البحار: ج٤٣ ص١٠ ح١. دلائل الإمامة ص١٠. وورد في أمالي الصدوق، وفي كتاب علل الشرائع أيضاً.

(٢) البحار: ج٤٣ ص١٢ - ١٣ ح٣ - ٤- ٨ - ٩ - ١٨، وأيضاً ص٦٥ ح٥٨، وأيضاً علل الشرائع ج١ ص١٧٨ - ١٧٩. وورد أيضاً في معاني الأخبار للصدوق، وكذا في كتاب عيون أخبار الرضا له أيضاً.


ورُوي: أنّ اسم فاطمة شقّ من اسم الله الفاطر، وسمّيت الطاهرة لطهارتها من كلّ دنس، وطهارتها من كلّ رفث، وما رأت قطّ يوماً حمرة، ولا نفاساً(١) .

وسمّيت الزهراء لأنّها تزهر لأمير المؤمنينعليه‌السلام في النّهار ثلاث مرّات بالنور(٢) .

روي عن أبي هاشم الجعفري قال: سألت صاحب العسكرعليه‌السلام لم سمّيت فاطمة الزهراء؟ فقال: كان وجهها يزهر لأمير المؤمنينعليه‌السلام من أوّل النهار كالشمس الضّاحية، وعند الزوال كالقمر المنير، وعند غروب الشّمس كالكوكب الدرّي(٣) .

وروي الصدوق عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام في حديث، قال: كانت فاطمةعليها‌السلام إذا طلع هلال شهر رمضان يغلب نورها الهلال، ويخفى، فإذا غابت عنه ظهر(٤) .

وعن الصادقعليه‌السلام ، قال: سمّيت الزهراء، لأنّ لها في الجنّة قبّة من ياقوتة حمراء، ارتفاعها في الهواء مسيرة سنة، معلّقة بقدرة الجبّار لا علاقة لها من فوقها، فتمسكها، ولا دعامة لها من تحتها، فتلزمها، لها مائة ألف باب على كل باب ألف من الملائكة، يراها أهل الجنّة كما يرى أحدكم الكوكب الدرّي الزاهر في أفق السماء فيقولون هذه الزهراء فاطمة (صلوات الله عليها)(٥) .

____________________

(١) البحار: ج٤٣ ص١٥ - ١٦ - ١٩ - ٢٠.

(٢) علل الشرائع: ص١٨٠.

(٣) البحار: ج٤٣ ص١٦، وعلل الشرائع للصدوق، وصاحب العسكر الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام .

(٤) البحار: ج٤٣ ص٥٦، وعلل الشرائع للصدوق.

(٥) البحار: ج٤٣ ص١٦.


ورُوي في خبر أيضاً أنّه: لما أراد الله عزّ وجلّ أن يبلو الملائكة أرسل عليهم سحاباً من ظلمة، وكانت الملائكة لا تنظر أوّلها من آخرها ولا آخرها من أوّلها، فسألوا الله سبحانه أن يكشف عنهم، فاستجاب الله تعالى لهم فخلق نور فاطمة الزهراء يومئذٍ كالقنديل، وعلّقه في قرطاء العرش، فزهرت السموات السبع والأرضون السبع فمن أجل ذلك سمّيت الزهراء. فكانت الملائكة تسبّح الله وتقدّسه، فقال الله: وعزّتي وجلالي لأجعلنّ ثواب تسبيحكم وتقديسكم إلى يوم القيامة لمحبِِّي هذه المرأة، وأبيها وبعلها، وبنيها(١) .

ومن أسمائها أيضاً الحصان، الحرّة، السيّدة، العذراء، الحوراء، مريم الكبرى، والبتول(٢).

ورُوي في معنى البتول، أنّها التي لم تر حمرة قط، أي لم تحض، وبها سمّيت مريم أم عيسىعليه‌السلام ، وقيل البتل القطع، وسمّيت فاطمة البتول، لانقطاعها عن نساء زمانها فضلاً وديناً وحسباً، وقيل لانقطاعها عن الدنيا إلى الله تعالى، وقيل لأنّها بتلت عن النظير(٣).

وقال ابن شهرآشوب في المناقب: وصحّ في الأخبار، لفاطمة عشرون اسماً كل اسم يدلّ على فضيلة، ذكرها ابن بابويه في كتاب مولد فاطمةعليها‌السلام (٤) .

____________________

(١) الإرشاد للديلمي: ص٤٠٣، بحار ج٤٣ ص١٧.

(٢) البحار: ج٤٣ ص١٦. وكذا ورد في المناقب لابن شهرآشوب.

(٣) البحار: ج٤٣ ص١٥ - ١٦. وكذا قريباً منه في كتاب علل الشرائع، وكتاب معاني الأخبار للصدوق، وذخائر العقبى لمحب الدين الطبري، وغيرها، والجزء الأوّل من كتاب النهاية لمجد الدين ابن الأثير الجزري.

(٤) المناقب: ص٣٦٠.


فصل

في كُناها

وأمّا كُناها(١) (صلوات الله عليها): فأُمّ الحسن وأُمّ الحسين، وأُمّ المحسن، وأُمّ الأئمة، وأُمّ أبيها، وأُمّ المؤمنين، وهذه الكنية تكون في زيارتها، وفي المناقب يُقال لها في السماء: النورية، السماوية، الحانية.

أقول: الحانية: المشفقة على زوجها وأولادها.

أمّا شفقتها على زوجها، فيكفي في ذلك أنّ ما وصل إليها من الضرب والإهانة وكسر الضلع وأثر السوط على عضدها كالدملج، ممّا يجيء تفصيله إنشاء الله تعالى.

كل ذلك كان في حماية زوجها إلى أن ماتت شهيدة، ومع ذلك لما حضرتها الوفاة بكت، فقال لها أمير المؤمنينعليه‌السلام : يا سيّدتي ما يبكيك؟ قالت: أبكي لما تلقى بعدي، قال لها: لا تبكي فو الله إنّ ذلك لصغير عندي في ذات الله تعالى(٢) .

وروي الشيخ المفيد في الإرشاد، أنّه لما بعث النبي أمير المؤمنينعليه‌السلام ، إلى غزوة ذات الرمل التي تسمّى بغزوة ذات السلسلة أيضاً، كانت

____________________

(١) راجع كشف الغمّة للإربلي، والمناقب لابن شهرآشوب.

(٢) البحار: ج٤٣ ص٢١٨.


لأمير المؤمنينعليه‌السلام عصابة لا يتعصّب بها حتى يبعثه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في وجه شديد، فمضى إلى منزل فاطمةعليها‌السلام ، فالتمس العصابة منها، فقالت: أين تريد وأين بعثك أبي؟ قال إلى وادي الرّمل، فبكت إشفاقاً عليه، فدخل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهي على تلك الحال، فقال لها: ما لك تبكين؟ أتخافين أن يُقتل بعلك؟ كلاّ إنشاء الله، فقال له عليعليه‌السلام : لا تَنْفَسْ عليّ بالجنّة يا رسول الله(١) .

وأمّا شفقتها على أولادها، فيكفي في ذلك، ما رواه الصدوق عن حماد عن الصادقعليه‌السلام قال: لا يحل لأحد أن يجمع بين ثنتين من ولد فاطمةعليها‌السلام ، ان ذلك يبلغها فيشق عليها، قلت يبلغها؟ قال: إي والله(٢) .

وقال صاحب عمدة الطالب في طيّ أحوال بني داود بن موسى الحسني ولبني داود بن موسى حكاية جليلة مشهورة بين النسّابين وغيرهم، مسندة، وهي مذكورة في ديوان ابن عنين: وهي أنّ أبا المحاسن نصر الله بن عنين الدمشقي الشاعر توجّه إلى مكّة، شرّفها الله تعالى، ومعه مال وأقمشة، فخرج عليه بعض بني داود، فأخذوا ما كان معه وسلبوه وجرحوه، فكتب إلى الملك العزيز ابن أيوب صاحب اليمن، وقد كان أخوه الملك الناصر أرسل إليه يطلبه ليقيم بالساحل المفتتح من أيدي الإفرنج، فزهّده ابن عنين في الساحل، ورغّبه في اليمن، وحرّضه على الأشرف الذين فعلوا به ما فعلوا.

أوّل القصيدة:

أعْيَتْ صفات نداك المصقع اللسنا

وجزت في الجود حدَّ الحسن والحسنا

ولا تقل ساحل الإفرنج أفتحه

فما تساوى إذا قايسته عدنا

وإن أردت جهاداً فارق سيفك من

قومٍ أضاعوا فروض الله والسننا

____________________

(١) إرشاد ص٦٠ - ٦١ قولهعليه‌السلام لا تنفس عليّ بالجنة: أي لا تبخل يعني: دعني حتى أقتل في سبيل الله واستشهد.

(٢) الوسائل: ج١٤ ص٣٧٨ باب ٤٠.


طهّر بسيفك بيت الله من دنسٍ

ومن خساسة أقوامٍ به وخنا

ولا تقل إنّهم أولاد فاطمةٍ

لو أدركوا آل حربٍ حاربوا الحسنا

قال: فلمّا قال هذه القصيدة، رأى في النوم فاطمة الزهراءعليها‌السلام وهي تطوف بالبيت، فسلّم عليها فلم تجبه، فتضرّع، وتذلّل وسأل عن ذنبه الذي أوجب عدم ردّ سلامه، فأنشدته الزهراءعليها‌السلام :

حاشا بني فاطمةٍ كلّهم

من خسّةٍ تعرض، أو من خنا

وإنّما الأيام، في عذرها

وفعلها السوء أساءت بنا

أئِنْ أسا من ولدي واحدٌ

جعلت كل السبّ عمداً لنا

فتب إلى الله، فمَن يقترف

ذنباً بنا، يغفر له ما جنى

أكرم لعين المصطفى، جدهم

ولا تهن، من آله أعينا

فكلّما نالك منهم، عنا

تلقى به، في الحشر منّا هنا

قال أبو المحاسن نصر الله بن عنين: فانتبهت من منامي فزعاً مرعوباً وقد أكمل الله عافيتي من الجرح والمرض، فكتبت هذه الأبيات، وحفظتها، وتبت إلى تعالى ممّا قلت وقطعت تلك القصيدة:

عذراً إلى، بنت نبيّ الهدى

تصفح عن ذنب مسيءٍ جنا

وتوبة تقبلها، من أخي

مقالة، توقعه في العنا

والله لو قطعني واحد

منهم، بسيف البغي أو بالقنا

لم أر ما يفعله سيّئاً

بل أره في الفعل قد أحسنا(١)

____________________

(١) عمدة الطالب: ص١٣١ - ١٣٣.


الباب الثاني

في فضلها وجلالتها، وزهدها وعبادتها، وعلمها ومكارم أخلاقها،

وحبّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إيّاها



فصل

في فضلها وجلالتها

كانت فاطمة (صلوات الله عليها) من أهل العباء والمباهلة والمهاجرة في أصعب وقت، وكانت فيمن نزلت فيهم آية التطهير، وافتخر جبرئيل بكونه منهم، وشهد الله لهم بالصدق، ولنا أُمومة الأئمّةعليهم‌السلام وعقب الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى يوم القيامة، وهي سيّدة نساء العالمين، من الأوّلين والآخرين. وكانت أشبه الناس كلاماً وحديثاً برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، تحكي شيمتها شيمته، وما تخرم مشيتها مشيته، وكانت إذا دخلت عليه، رحّب بها وقبّل يديها وأجلسها في مجلسه، فإذا دخل عليها قامت إليه فرحّبت به وقبّلت يديه.

وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يكثر تقبيلها، وكلّما اشتاق إلى رائحة الجنّة يشمّ رائحتها وكان يقول: ( فاطمة بضعة منّي مَن سرّها فقد سرّني، ومَن ساءها فقد ساءني، فاطمة أعزّ الناس إليّ )(١) ! إلى غير ذلك ممّا يكشف عن كثرة محبّتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لها، كندائه إيّاها بـ ( يا حبيبة أبيها ).

____________________

(١) البحار: ج٤٣ ص٢٣ ح١٧. وقد ورد بعبارات متفاوتة لكنّها متواترة المعنى فراجع مستدرك الحاكم ٣/ ١٥٣، والحافظ الطبراني في المعجم الكبير، وابن الأثير الجزري في أسد الغابة ٥/ ٥٢٢، وذخائر العقبى للطبري، والتذكرة لسبط ابن الجوزي، والإصابة لابن حجر ٤/ ٣٦٦، وغيرها كثير.


كما روى الطبري الإمامي عن جعفر بن محمد عن آبائهعليهم‌السلام ، عن فاطمةعليها‌السلام قالت: قال رسول الله: يا حبيبة أبيها كلّ مسكر حرام وكلّ مسكر خمر(١) . وليعلم أنّه قد حقق في محله أن محبّة المقرّبين لأولادهم وأقربائهم وأحبائهم ليست من جهة الدّواعي النفسانية والشهوات البشرية، بل تجردوا عن جميع ذلك، وأخلصوا حبهم وإرادتهم لله، فهم ما يحبون سوى الله تعالى، وحبّهم لغيره تعالى، إنّما يرجع إلى حبّهم له؛ ولذا لم يحب يعقوبعليه‌السلام من سائر أولاده مثل ما أحب يوسفعليه‌السلام ، وهم لجهلهم بسبب حبّه نسبوه إلى الضلال وقالوا: نحن عصبة ونحن أحق بأن نكون محبوبين له، لأنّا أقوياء على تمشية ما يريده من أمور الدنيا، ففرط حبه ليوسف إنّما كان لحبّ الله تعالى له واصطفائه إياه، ومحبوب المحبوب محبوب.

روى الشيخ الكليني عطّر الله مرقده عن محمد بن سنان قال: كنت عند أبي جعفر الثانيعليه‌السلام فأجريت اختلاف الشيعة، فقال: ( يا محمّد، إنّ الله تبارك وتعالى لم يزل متفرّداً بوحدانيته، ثم خلق محمّداً وعليّاً وفاطمة (صلوات الله عليهم) فمكثوا ألف دهر، ثم خلق جميع الأشياء فأشهدهم خلقها وأجرى طاعتهم عليها وفوّض أمورها إليهم، فهم يحلّون ما يشاؤون [ ويحرّمون ما يشاؤون ] ولن يشاؤوا إلاّ أن يشاء الله تبارك وتعالى، ثم قال: يا محمد هذه الدّيانة مَن تقدّمها مرق، ومَن تخلّف عنها محق، ومَن لزمها لحق، خذها إليك يا محمّد )(٢) .

أقول: فظهر من هذا الحديث الشريف، أنّ فاطمة (صلوات الله عليها) ممّن فوض الله تعالى أمور جميع الأشياء إليهم، فهي تحلّ ما تشاء وتحرّم ما تشاء.

____________________

(١) دلائل الإمامة: ص٣.

(٢) الكافي ج١ ص٤٤١ ح٥، البحار ج٢٥ ص٣٤٠.


وورد في الروايات الكثيرة عن الأئمّةعليهم‌السلام ( أنّ عندهم مصحف فاطمة (صلوات الله عليها) ).

ففي الصافي عن بصائر الدرجات، قال: وخلّفت فاطمة مصحفاً ما هو قرآن ولكنّه كلام من كلام الله أنزله عليها، إملاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وخط أمير المؤمنينعليه‌السلام (١) .

وعن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد اللهعليه‌السلام فقلت: جُعلت فداك، إنّي أريد أن أسئلك عن مسئلة [ جعلت فداك ليس ] ها هنا أحد يسمع كلامي؟ قال: فرفع أبو عبد اللهعليه‌السلام ستراً بينه وبين بيت آخر فاطلع فيه، ثم قال: يا أبا محمد سل عمّا بدا لك، قال: قلت جُعلت فداك، إنّ شيعتك يتحدّثون أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، علّم عليّاًعليه‌السلام باباً يفتح له ألف باب!

قال: فقال: يا أبا محمد: ( علّم والله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليّاًعليه‌السلام ألف باب، يفتح له من كل باب ألف باب ) قال: فقلت له هذا والله العلم! قال: فنكث ساعة في الأرض، ثم قال: إنّه لعلم وما هو بذلك، قال: ثم يا أبا محمد، وإنّ عندنا الجامعة، وما يدريهم ما الجامعة، قال: قلت: جُعلت فداك وما الجامعة؟ قال: صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإملائه من فلق فيه(٢) ، وخطّ عليعليه‌السلام بيمينه، فيها كل حلال وحرام، وكل شيء يحتاج إليه الناس حتى الأرش في الخدش، وضرب بيده إليّ وقال: تأذن لي يا أبا محمد؟ قال: قلت جُعلت فداك إنّما أنا لك، فاصنع ما شئت، قال فغمزني بيده إليّ، وقال: حتى أرش هذا، كأنّه مغضب، قال: قلت: جُعلت فداك هذا والله العلم! قال: إنّه لعلم وليس بذلك.

____________________

(١) بصائر الدرجات: ص١٥٦ ح١٤، ورد ضمن حديث صحيح في باب مولد الزهراءعليها‌السلام في المجلّد الأوّل من أُصول الكافي للكليني ج٨، وكذلك ضمن الحديث الأوّل من نفس الباب وهو حديث صحيح أيضاً.

(٢) أي شقّ فيه.


ثم قال: وإنّ عندنا الجفر، وما يدريهم ما الجفر، قال: قلت وما الجفر؟ قال: وعاء من أدم أحمر، فيه علم النبيّين والوصييّن، وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل، قال: قلت: إنّ هذا هو العلم، قال: إنّه لعلم وليس بذلك.

ثم سكت ساعة، ثم قال: ( وإنّ عندنا لمصحف فاطمةعليها‌السلام ، وما يدريهم ما مصحف فاطمةعليها‌السلام ) قال: قلت: وما مصحف فاطمةعليها‌السلام ؟ قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرّات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد،[ إنّما شيء أملاه الله وأوحى إليها ] قال: قلت: هذا والله العلم! قال: إنّه لعلم وما هو بذلك.

ثم سكت ساعة، ثم قال: ( إنّ عندنا لعلم ما كان وعلم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة ) قال: قلت: جُعلت فداك، هذا والله هو العلم! قال: إنّه لعلم وليس بذلك. قال: قلت: جُعلت فداك، فأيّ شيء هو العلم؟ قال: ( ما يحدث بالليل والنهار الأمر بعد الأمر، والشيء بعد الشيء إلى يوم القيامة )(١) .

وفي جملة من الروايات، أنّها سلام الله عليها إحدى الركبان الأربعة يوم القيامة، تركب ناقة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم العضباء(٢) .

روى ابن شهرآشوب، أنّه لما حضر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الوفاة، قالت النّاقة: لمـَن توصي بي بعدك؟ قال: يا عضباء، بارك الله فيك، أنت لابنتي فاطمة (صلوات الله عليها)، تركبك في الدنيا والآخرة. فلمّا قُبض النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أتت إلى فاطمةعليها‌السلام ليلاً فقالت: السلام عليك يا بنت رسول الله، قد حان فراقي الدنيا، والله ما تهنّأت بعلف ولا شراب بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وماتت بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بثلاثة أيام(٣) .

____________________

(١) بصائر الدرجات: ص١٥٢ الكافي: ج١ ص٢٣٩. والحديث صحيح.

(٢) خصال الصدوق (ره): ص١٨٦.

(٣) المناقب: ج١ ص٩٨.


وعن تفسير فرات بن إبراهيم، عن أمير المؤمنينعليه‌السلام قال: دخل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذات يوم على فاطمةعليها‌السلام وهي حزينة، فقال لها: وساق الحديث في أحوال القيامة، إلى أن قال: فإذا بلغت باب الجنّة تلقّتك اثنا عشر ألف حوراء لم يتلقّين أحداً قبلك ولا يتلقّين أحداً بعدك بأيديهم حراب من نور، على نجائب من نور حائلها ( جلّها خ ل ) من الذهب الأصفر والياقوت الأحمر، أزمّتها من لؤلؤ رطب، على كل نجيب أبرقة من سندس منضود، فإذا دخلت الجنّة تباشر بها أهلها، ووضع لشيعتك موائد من جوهر على عمد من نور، فيأكلون منها والناس في الحساب وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون، وإذا استقرّ أولياء الله في الجنّة زارك آدم، ومن دونه من النبييّن. الخبر(١) .

ورُوي عنها (سلام الله عليها)، قالت: لما نزلت( لا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضاً ) ، هِبْتُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن أقول له يا أبه، فكنت أقول يا رسول الله، فأعرض عنّي مرّة أو ثنتين أو ثلاثاً ثم أقبل عَليّ، فقال: يا فاطمة، إنّها لم تنزل فيك، ولا في أهلك، ولا نسلك، وأنت منّي وأنا منك، إنّما نزلت في أهل الجفاء والغلظة من قريش، أصحاب البذخ والكبر، قولي يا أبه، فإنّها أحيى للقلب، وأرضى للرب(٢) .

وعن مصباح الأنوار، عن أمير المؤمنينعليه‌السلام ، عن فاطمة (سلام الله عليها) قالت: قال لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( مَن صلّى عليك غفر الله تعالى له، وألحقه بي حيث كنت من الجنّة )(٣) .

الكليني، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يريد فاطمةعليها‌السلام ، وأنا معه، فلمّا انتهينا إلى الباب وضع يده عليه فدفعه، ثم قال: ( السلام عليكم ) فقالت فاطمةعليها‌السلام : عليك

____________________

(١) تفسير فرات: ص١٧٢ - ١٧١.

(٢) تفسير نور الثقلين: ج٣ ص٦٢٩، البرهان: ج٣ ص١٥٤.

(٣) بحار الأنوار: ج٤٣ ص٥٥.


السلام يا رسول الله قال: أدخل؟ قالت: ادخل يا رسول الله، قال: أدخل أنا ومَن معي؟ فقالت: يا رسول الله ليس عليّ قناع، فقال: يا فاطمة خذي فضل ملحفتك فقنّعي به رأسك، ففعلت، ثم قال: السلام عليكم، فقالت: وعليك السلام يا رسول الله قال: أدخل؟ قالت: نعم يا رسول الله، قال: أنا ومَن معي؟ قالت: أنت ومَن معك، قال جابر: فدخل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ودخلت أنا، وإذا وجه فاطمةعليها‌السلام أصفر، كأنّه بطن جرادة، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ما لي أرى وجهك أصفر؟ قالت: يا رسول الله، الجوع، فقال: ( اللّهمّ مشبع الجوعة، ودافع الضيعة، أشبع فاطمة بنت محمد الخ )(١) .

وعن أبي سعيد الخدري، قال: أصبح علي بن أبي طالبعليه‌السلام ذات يوم ساغباً، فقال: يا فاطمة، هل عندك شيء تغذينيه؟ قالت: لا والذّي أكرم أبي بالنبوّة وأكرمك بالوصيّة، ما أصبح الغداة عندي شيء، وما كان شيء أطعمناه مذ يومين إلاّ شيء كنت أؤثرك به على نفسي، وعلى ابنيّ هذين الحسن والحسين، فقال عليعليه‌السلام يا فاطمة ألا كنت أعلمتني، فأبغيكم شيئاً، فقالت يا أبا الحسن: إنّي لأستحي من إلهي أن أكلف نفسك ما لا تقدر عليه(٢) .

وعن قرب الإسناد، عن أبي عبد الله، عن أبيهعليه‌السلام قال: تقاضى علي وفاطمة (صلوات الله عليهما) إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في الخدمة، فقضىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على فاطمةعليها‌السلام بخدمة ما دون الباب، وقضى على عليعليه‌السلام بما خلفه، قال: فقالت فاطمة (صلوات الله عليها): فلا يعلم ما داخلني من السرور إلاّ الله بإكفائي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تحمّل رقاب الرجال(٣) .

____________________

(١) الكافي: ج٥ ص٥٣٨ كتاب النكاح باب الدخول على النساء: ح٥. وبمعناه روى العلاّمة الدولابي في كتاب الكنى والأسماء: ٢/ ١٢٢، عن عمران بن الحصين.

(٢) البحار: ج٤٣ ص٥٩ نقلاً عن تفسير فرات.

(٣) قرب الإسناد: ص٢٥.


عن الخرائج روي أنّ سلمان (رضي الله عنه)، قال: كانت فاطمةعليها‌السلام جالسة قدّامها رحى، تطحن بها الشعير وعلى عمود الرّحى دم سائل، والحسينعليه‌السلام في ناحية الدّار، يتضوّر من الجوع، فقلت: يا بنت رسول الله، دبرت كفّاك وهذه فضّة، فقالتعليها‌السلام : أوصاني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن تكون الخدمة لها يوماً فكان أمس يوم خدمتها، قال سلمان: قلت إنّي مولى عتاقه، إمّا أنا أطحن الشعير، أو أُسكت الحسينعليه‌السلام لك؟ فقالت: أنا بتسكينه أرفق، وأنت تطحن الشعير، فطحنت شيئاً من الشعير، فإذا أنا بالإقامة، فمضيت وصلّيت مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلمّا فرغت، قلت لعليعليه‌السلام ما رأيت، فبكى وخرج، ثم عاد، فتبّسم، فسأله عن ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قال: دخلت على فاطمة، وهي مستلقية لقفاها والحسين نائم على صدرها وقدّامها رحى تدور من غير يد، فتبسّم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال ( يا علي، أما علمت أنّ لله ملائكة سيّارة في الأرض يخدمون محمّداً وآل محمّد إلى أن تقوم الساعة )(١) .

وروي أنّه دخل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على عليعليه‌السلام ، فوجده هو وفاطمةعليها‌السلام يطحنان في الجاروس، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : أيكّما أعيى؟ فقال عليعليه‌السلام : فاطمة يا رسول الله، فقال لها: قومي يا بنيّة، فقامت وجلس النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم موضعها مع عليعليه‌السلام فواساه في الطحن(٢) .

وعن بعض كتب المناقب، عن جابر بن عبد الله: أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أقام أياماً لم يطعم طعاماً حتى شقّ ذلك عليه، وطاف في منازل أزواجه فلم يصب عند واحدة منهنّ شيئاً، فأتى فاطمةعليها‌السلام فقال: يا بنية هل عندك شيء آكله فإنّي جائع؟ فقالت: لا والله بأبي أنت وأُمّي. فلمّا خرج من عندها بعثت إليها

____________________

(١) البحار: ج٤٣ ص٢٨ الخرائج: ج٢ ص٥٣٠. ورُوي هذا الحديث الطبري في ذخائر العقبى، عن أنس، عن بلال مؤذِّن الرسول فراجع: ص٥١ منه.

(٢) البحار: ج٤٣ ص٥٠.


جارة لها برغيفين وقطعة لحم، فأخذته منها ووضعته في جفنة لها، وغطّت عليها وقالت: لأؤثرنّ بها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على نفسي ومَن عندي. وكانوا جميعاً محتاجين إلى شبعة طعام، فبعثت حسناً أو حسيناً إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فرجع إليها فقالت: بأبي أنت وأُمّي قد أتانا الله بشيء فخبّأته، قال: هلمّي، فأتته، فكشفت عن الجفنة فإذا هي مملوءة خبزاً ولحماً، فلما نظرت إليه بهتت، فعرفت أنّها كرامة من الله عزّ وجل، فحمدت الله، وصلّت على نبيّه فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من أين لك هذا يا بنيّة؟ فقالت: هو من عند الله إنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب. فحمد الله عزّ وجلّ وقال: الحمد لله الذي جعلك شبيهة بسيّدة نساء العالمين في نساء بني إسرائيل في وقتهم، فإنّها كانت إذا رزقها الله تعالى فسئلت عنه قالت: هو من عند الله إنّ الله يرزق مَن يشاء بغير حساب.

فبعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى عليعليه‌السلام ، ثم أكل رسول الله وعليّ وفاطمة والحسن والحسينعليهم‌السلام ، وجميع أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيته جميعاً وشبعوا، وبقيت الجفنة كما هي، قالت فاطمةعليها‌السلام : فأوسعت منها على جميع جيراني، وجعل الله فيها البركة والخير كما فعل الله بمريم(١) .

____________________

(١) البحار: ج٤٣ ص٢٧ ص٦٨. وروى جزءاً منه مع اختلاف في ألفاظه محب الدين الطبري في ذخائر العقبى: ص٤٦.


فصل

في كثرة عبادتها

قال الحسن البصري: ما كان في هذه الأُمّة أعبد من فاطمةعليها‌السلام كانت تقوم حتّى تورّم قدماها(١) .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لها: أيّ شيء خير للمرأة؟ قالت: ( أن لا ترى رجلاً ولا يراها رجل ) فضمّها إليه وقال: ذريّة بعضها من بعض(٢) .

وقال الحسن بن عليعليه‌السلام : رأيت أُمّي فاطمةعليها‌السلام قامت في محرابها ليلة جُمُعتها، فلم تزل راكعة ساجدة حتّى اتّضح عمود الصبح، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسمّيهم وتكثر الدعاء لهم، ولا تدعو لنفسها بشيء، فقلت لها: يا أُمّاه، لم لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟ فقالت: يا بنيّ، الجار ثم الدار(٣) .

وروى الصدوق عن فاطمة (صلوات الله عليها) قالت: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: إنّ في الجمعة ساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله عزّ وجلّ فيها خيراً إلاّ أعطاه إيّاه، قالت: فقلت يا رسول الله أيّة ساعة هي؟ قال: إذا تدلى نصف

____________________

(١) المناقب: ج٣ ص٣٤١. وقد روى بمعناه الحافظ أبو نعيم الأصفهاني في حلية الأولياء: ٢/ ٤٠ عن أنس. وراجع أيضاً في الحديث الأوّل كتاب ربيع الأبرار للزمخشري.

(٢) المصدر السابق.

(٣) علل الشرايع: ج١ ص١٨٢، البحار: ج٤٣ ص٨٢.


عين الشمس للغروب، قال: فكانت فاطمةعليها‌السلام تقول لغلامها: اصعد على الضراب، فإذا رأيت نصف عين الشمس تدلى للغروب فأعلمني حتّى أدعو(١) .

وروي أنّها (سلام الله عليها)، كانت إذا قامت في محرابها، زهر نورها لأهل السمّاء كما يزهر نور الكواكب لأهل الأرض(٢) .

وروي الصدوق (رحمه الله)، عن أمير المؤمنينعليه‌السلام أنه قال لرجل من بني سعد: ألا أحدِّثك عنّي وعن فاطمة، إنّها كانت عندي وكانت من أحبّ أهله إليه، وأنّها استقت بالقربة حتّى أثَّر في صدرها، وطحنت بالرحى حتّى مجلت يداها، وكسحت البيت حتّى اغبّرت ثيابها، وأوقدت النار تحت القدر حتى دكنت ثيابها، فأصابها من ذلك ضرر شديد.

فقلت لها: لو أتيت أباك فسألتيه خادماً يكفيك حر [ ضرّ - خ ] ما أنت فيه من هذا العمل، فأتت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فوجدت عنده حداثاً فاستحت فانصرفت. قال: فعلم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّها جاءت لحاجة،قال: فغدا علينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونحن في لفاعنا، فقال: السلام عليكم، فسكتنا واستحيينا لمكاننا، ثمّ قال: السلام عليكم، فسكتنا، ثمّ قال: السلام عليكم، فخشينا إن لم نردّ عليه أن ينصرف، وقد كان يفعل ذلك، يسلّم ثلاثاً فإن أذن له وإلاّ انصرف، فقلت: وعليك السلام يا رسول الله، ادخل، فلم يعدُ أن جلس عند رؤوسنا، فقال: يا فاطمة: ما كانت حاجتك أمس عند محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قالعليه‌السلام : فخشيت إن لم تجبه أن يقوم، قال فأخرجت رأسي، فقلت: أنا والله أُخبرك يا رسول الله، إنّها استقت بالقربة حتى أثّرت في صدرها، وجرت بالرحى حتى مجلت يداها، وكسحت البيت حتى اغبرّت

____________________

(١) وسائل الشيعة: ج٣ أبواب صلاة الجمعة وآدابها: ص٦٩. الضراب: الجبل الصغير، ولعلّ المراد هنا المكان المرتفع منه.

(٢) علل الشرايع: ص١٨٠. كما أورده (رضوان الله عليه) في كتاب معاني الأخبار عن أبي عبد اللهعليه‌السلام .


ثيابها، وأوقدت تحت القدر حتى دكنت ثيابها، فقلت لها: لو أتيتِ أباكِ فسألتيه خادماً يكفيك حر [ ضرّ - خ - البحار ] ما أنت فيه من هذا العمل.

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أفلا أعلّمكما ما هو خير لكما من الخادم؟ إذا أخذتما منامكما، فسبّحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبّرا أربعاً وثلاثين، قال: فأخرجتعليها‌السلام رأسها، فقالت: رضيت عن الله ورسوله، ثلاث دفعات(١) .

المناقب، عن كتاب الشيرازي، أنّهاعليها‌السلام لما ذكرت حالها وسألت جارية، بكى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: يا فاطمة، والذي بعثني بالحق إنّ في المسجد أربعمائة رجل، ما لهم طعام ولا ثياب، ولولا خشيتي خصلة لأعطيتك ما سألت، يا فاطمة، إنّي لا أريد أن ينفك عنك أجرك إلى الجارية الخ(٢) .

تفسير الثعلبي، عن جعفر بن محمدعليه‌السلام ، وتفسير القشيري، عن جابر الأنصاري، أنّه رأى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاطمةعليها‌السلام وعليها كساء من أجلة الإبل، وهي تطحن بيديها، وترضع ولدها، فدمعت عينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال: يا بنتاه، تعجّلي مرارة الدنيا بحلاوة الآخرة. فقالت: ( يا رسول الله: الحمد لله على نعمائه والشكر لله على آلائه )(٣) .

____________________

(١) علل الشرايع: ص٣٦٦، البحار: ج٤٣ ص٨٢، كما رواه الحافظ أبو داود السجستاني في كتاب السنن: ٢/ ٢٠٦، وأبو نعيم الأصفهاني في حلية الأولياء، وغيرهم، مع اختلاف يسير في بعض ألفاظه. مجلت يدها: أي ثخن جلدها من العمل. دكن الثوب إذا اتّسخ واغبرّ لونه. اللفاع: ثوب يجلّلُ به الجسد. حُدّاثاً أي جماعة يتحدّثون. ولم يَعْدُ أن جلس: أي لم يتجاوز عن الجلوس. وكذلك رواه محب الدين الطبري في ذخائر العقبى: ص٥٠. وقال بعده: خرّجه أبو داود.

(٢) المناقب: ج٣ ص٣٤٢، ورواه أيضاً العلاّمة شهاب الدين النوري في نهاية الأرب: ٥/ ٢٦٠، والعلاّمة الزبيدي الحنفي في إتحاف السادة المتّقين، والعلاّمة ابن حمزة في البيان والتعريف: ص١٠١. طبع حلب، مع اختلاف يسير في ألفاظه.

(٣) المصدر السابق.


فصل

في فضل فضّة خادمتها

أبو القاسم القشيري في كتابه، قال بعضهم: انقطعت في البادية عن القافلة فوجدت امرأة، فقلت لها: مَن أنت؟ فقالت:( وقل سلام فسوف يعلمون ) (١) ، فسلّمت عليها، فقلت: ما تصنعين ها هنا؟ قالت:( مَن يهدي الله فما له من مضلّ ) (٢) ، فقلت: أمن الجن أنت أم من الإنس؟ قالت: ( يا بني آدم خذوا زينتكم ) (٣) ، فقلت: من أين أقبلت؟ قالت:( ينادَوْنَ من مكانٍ بعيد ) (٤) ، فقلت: أين تقصدين؟ قالت:( ولله على الناس حج البيت ) (٥) ، فقلت: متى انقطعت؟ قالت: ( ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ) (٦) ، فقلت: أتشتهين طعاماً؟ فقالت: ( وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ ) (٧) ، فأطعمتها.

____________________

(١) الزخرف: ٨٩.

(٢) الزمر: ٣٧.

(٣) الأعراف: ٣١.

(٤) فصّلت: ٤٤.

(٥) آل عمران: ٩٧.

(٦) ق: ٣٨.

(٧) الأنبياء: ٨.


ثم قلت: هرولي وتعجّلي، فقالت:( لا يكلّف الله نفساً إلاّ وُسْعَها ) (١) فقلت: أردفك؟ فقالت: ( لو كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاّ اللهُ لَفَسَدَتَا ) (٢) ، فنزلت فأركبتها، فقالت:( سبحان الّذي سخّر لنا هذا ) (٣) ، فلما أدركنا القافلة، قلت: ألك أحد فيها؟ قالت:( يا داود إنّا جعلناك خليفة في الأرض ) (٤) ،( وما محمّد إلاّ رسول ) (٥) ،( يا يحيى خذ الكتاب ) (٦) ،( يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللهُ ) (٧) ، فصحت بهذه الأسماء، فإذا أنا بأربعة شباب متوجّهين نحوها، فقلت: مَن هؤلاء منك؟ قالت:( المال والبنون زينة الحياة الدنيا ) (٨) ، فلمّا أتوها، قالت( يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ ) (٩) ، فكافؤني بأشياء، فقالت: ( والله يضاعف لمـَن يشاء ) (١٠) ، فزادوا عليّ، فسألتهم عنها؟ فقالوا هذه أُمنّا فضّة جارية الزهراءعليها‌السلام ، ما تكلّمت منذ عشرين سنة إلاّ بالقرآن(١١) .

____________________

(١) البقرة: ٢٨٦.

(٢) الأنبياء: ٢٢.

(٣) الزخرف: ١٣.

(٤) ص: ٢٦.

(٥) آل عمران: ١٤٤.

(٦) مريم: ١٢.

(٧) طه: ١١ و ١٤.

(٨) الكهف: ٤٦.

(٩) القصص: ٢٦.

(١٠) البقرة: ٢٦١.

(١١) المناقب: ج٣ ص٣٤٣.


فصل

في فضيلتها وفضيلة شيعتها

روى الشيخ الأجلّ عماد الدين، أبو جعفر محمد بن أبي القاسم ابن محمد بن علي الطبري في بشارة المصطفى بإسناده عن همام أبي علي، قال: قلت لكعب الحبر: ما تقول في هذه الشيعة، شيعة علي بن أبي طالبعليه‌السلام ؟ قال يا همام: إنّي لأجد صفتهم في كتاب الله المنزل، إنّهم حزب الله، وأنصار دينه، وشيعة وليّه، وهم خاصّة الله من عباده، ونجباؤه من خلقه. اصطفاهم لدينه، وخلقهم لجنّته، مسكنهم الجنّة إلى الفردوس الأعلى في خيام الدر، وغرف ( غرفهم خ م ) اللؤلؤ وهم في المقرّبين الأبرار، يشربون من الرّحيق المختوم، وتلك عين يقال لها تسنيم، لا يشرب منها غيرهم، وإنّ تسنيماً(١) عين وهبها الله لفاطمة بنت محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم زوجة علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، تخرج من تحت قائمة قبّتها على برد الكافور وطعم الزنجبيل وريح المسك، ثم تسيل، فيشرب منها شيعتها وأحباؤها، وإنّ لقبّتها أربع قوائم، قائمة من لؤلؤ بيضاء تخرج من تحتها عين، [ تسيل في سبل أهل الجنّة يقال لها السلسبيل وقائمة من دُرّة صفراء تخرج من تحتها عين ] يقال لها طهور، [ وهي التي قال الله تعالى في كتابه:( وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً ) (٢) ] وقائمة من زمرّدة

____________________

(١) فإنّ التسنيم: خ م.

(٢) الإنسان: ٢١.


خضراء تخرج من تحتها عينان نضّاختان من خمر وعسل، فكل عين منها تسيل إلى أسفل الجنان، إلاّ التّسنيم فإنّها تسيل إلى عليّين، فيشرب منها خاصة أهل الجنذة وهم شيعة عليعليه‌السلام وأحبّاؤه، وتلك قول الله عزّ وجلّ في كتابه:( يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ - إلى قوله -المقرّبون ) (١) ، فهنيئاً لهم، ثمّ قال كعب: والله لا يحبّهم إلاّ مَن أخذ الله عزّ وجلّ منه الميثاق.

ثمّ قال المصنِّف (قدّس الله روحه): قال محمد بن أبي القاسم: لَحَريّ أن تكتب الشيعة هذا الخبر بالذهب لإنمائه(٢) ، وتحفظه وتعمل بما فيه بما تدرك به هذه الدرجات العظيمة، لا سيّما رواية روتها العامّة فتكون أبلغ في الحجّة، وأوضح في الصحّة، رزقنا الله العلم والعمل بما أدّوا إلينا الهداة الأئمّةعليهم‌السلام ( نقلته من البحار )(٣) .

وفيه أيضاً عن كنز، بإسناده عن أبي ذر (رضي الله عنه)، قال رأيت سلمان وبلالاً يقبلان إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ انكبّ سلمان على قدم رسول الله يقبّلها، فزجره النبيُّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن ذلك ثم قال له: يا سلمان لا تصنع بي ما تصنع الأعاجم بملوكها، أنا عبد من عبيد الله، آكل كما يأكل العبد، وأقعد كما يقعد العبد، فقال له سلمان: يا مولاي سألتك بالله إلاّ أخبرتني بفضل فاطمة يوم القيامة؟ قال: فأقبل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ضاحكاً مستبشراً، ثم قال: ( والذي نفسي بيده، إنّها الجارية التي تجوز في عرصة القيامة على ناقة رأسها من خشية الله، وعيناها من نور الله ) إلى أن قال: جبرئيل عن يمينها، وميكائيل عن شمالها، وعليّ أمامها، والحسن والحسين وراءها، والله يكلأها ويحفظها فيجوزون في عرصة القيامة فإذا النداء من قِبل الله جلّ جلاله: معاشر الخلايق، غضّوا أبصاركم ونكّسوا رؤوسكم، هذه فاطمة بنت محمّد نبيّكم، زوجة علي

____________________

(١) المطففين: ٢٥ - ٢٦ - ٢٧ - ٢٨.

(٢) لإيمانهم خ م.

(٣) بشارة المصطفى: ص٥٠.


إمامكم، أُمّ الحسن والحسين، فتجوز الصراط، وعليها ريطتان بيضاوان، فإذا دخلت الجنّة ونظرت إلى ما أعدّ الله لها من الكرامة، قرأت:( بسم الله الرّحمن الرّحيم * وَقَالُوا الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ) (١) ، قال: فيوحي الله عزّ وجلّ إليها: يا فاطمة سليني أعطك وتمنّي عليّ أرضك.

فتقول: إلهي أنت المنى وفوق المنى، أسألك أن لا تعذّب محبّي ومحبّي عترتي بالنار، فيوحي الله إليها: ( يا فاطمة، وعزّتي وجلالي وارتفاع مكاني، لقد آليت على نفسي من قبل أن أخلق السماوات والأرض بألفي عام، أن لا أعذّب محبّيك ومحبّي عترتك بالنار )(٢) .

____________________

(١) فاطر: ٣٤ - ٣٥.

(٢) تفسير البرهان: ج٣ ص٣٦٥، وقد روى بعض فقراته محب الدين الطبري في ذخائر العقبى: ص٤٨.


فصل

في زهدهاعليها‌السلام

السيد ابن طاووس من كتاب زهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأبي جعفر أحمد القمّي، أنّه لَمّا نزلت هذه الآية على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،( وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ ) (١) بكى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بكاءً شديداً وبكت صحابته لبكائه، ولم يدروا ما نزل به جبرئيل ولم يستطع أحد من صحابته أن يكلّمه، وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إذا رأى فاطمةعليها‌السلام فرح بها، فانطلق بعض أصحابه إلى باب بيتها فوجد بين يديها شعيراً وهي تطحن فيه وتقول:( وما عند الله خير وأبقى ) (٢) فسلّم عليها، وأخبرها بخبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبكائه، فنهضت والتفّت بشملة لها خَلِقة قد خيطت في اثني عشر مكاناً بسعف النخل، فلمّا خرجت نظر سلمان الفارسي إلى الشملة وبكى وقال: وا حزناه، إنّ بنات قيصر وكسرى لفي السندس والحرير، وابنة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليها شملة صوف خلقة قد خيطت في اثني عشر مكاناً! فلمّا دخلت فاطمةعليها‌السلام على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قالت: يا رسول الله: إنّ سلمان تعجّب من لباسي، فو الّذي بعثك بالحق، مالي وعليعليه‌السلام منذ خمس سنين إلاّ

____________________

(١) الحجر: ٤٣ - ٤٤.

(٢) القصص: ٦٠.


مسك كبش نعلف عليه بالنهار بعيرنا، فإذا كان الليل افترشناه، وإنّ مرفقتنا لمن أدم حشوها ليف. فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا سلمان، إنّ ابنتي لفي الخيل السوابق.

ثم قالت: يا أبتاه فديتك، ما الذي أبكاك؟ فذكر لها ما نزل به جبرئيل من الآيتين المتقدّمتين، قال: فسقطت فاطمةعليها‌السلام على وجهها وهي تقول: ( الويل ثم الويل لمن دخل النار )، فسمع سلمان، فقال: يا ليتني كنت كبشاً لأهلي، فأكلوا لحمي ومزّقوا جلدي، ولم أسمع بذكر النّار، وقال أبو ذر: يا ليت أمّي كانت عاقراً ولم تلدني ولم أسمع بذكر النار، وقال المقداد: يا ليتني كنت طائراً في القفار، ولم يكن عليَّ حساب ولا عقاب ولم أسمع بذكر النار، وقال عليعليه‌السلام : يا ليت السّباع مزّقت لحمي، وليت أُمّي لم تلدني ولم أسمع بذكر النار.

ثم وضع يده على رأسه وجعل يبكي ويقول: وا بعد سفراه، وا قلة زاداه في سفر القيامة، يذهبون في النّار ويتخطّفون، مرضى لا يعاد سقيمهم، وجرحى لا يداوى جريحهم، وأسرى لا يفكّ أسرهم، من النار يأكلون، ومنها يشربون، وبين أطباقها يتقلبون، وبعد لبس القطن مقطّعات النار يلبسون، وبعد معانقة الأزواج مع الشياطين مقرنون(١) .

كشف الغمّة من مسند أحمد بن حنبل، عن ثوبان مولى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا سافر آخر عهده بإنسان من أهله فاطمةعليها‌السلام ، وأوّل مَن يدخل عليه إذا قدم فاطمةعليها‌السلام ، قال: فقدم من غزاة فأتاها، فإذا هو بمسح على بابها، ورأى على الحسن والحسينعليهما‌السلام قُلبين من فضّة(٢) ، فرجع ولم يدخل عليها، فلمّا رأت ذلك، ظنّت أنّه لم يدخل عليها من أجل ما رأى، فهتكت الستر ونزعت القُلبين من الصبيّين فقطعتهما، فبكى الصبيّان

____________________

(١) البحار: ج٣ ص٨٧. تفسير البرهان: ج٢ ص٣٦٤.

(٢) القُلب بالضم: السوار.


فقسّمته بينهما، فانطلقا إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهما يبكيان، فأخذه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منهما، وقال: يا ثوبان اذهب بهذا إلى بني فلان - أهل بيت بالمدينة - واشتر لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج ( فإنّ هؤلاء أهل بيتي ولا أحبّ أن يأكلوا طيّباتهم في حياتهم الدنيا )(١).

روى الشيخ الجليل أبو جعفر بن جرير الطبري في الدلائل بإسناده إلى ابن مسعود، أنّه جاء إلى فاطمةعليها‌السلام ، فقال: يا ابنة رسول الله، هل ترك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندك شيئاً تطرفينيه؟ فقالت (سلام الله عليها): يا جارية هات ( هاتي ظ ) تلك الجريدة، فطلبتها فلم تجدها، فقالت (سلام الله عليها): ويحكِ اطلبيها فإنّها تعدل عندي حسناً وحسيناً، فطلبتها فإذا هي قد قمّمتها في قمامتها(٢) فإذا فيها:

قال محمّد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ليس من المؤمنين مَن لم يأمن جاره بوائقة، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو يسكت، إنّ الله تعالى يحبّ الخيّر الحليم المتعفّف، ويبغض الفاحش البذّاء السئّال الملحف، إنّ الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنّة، وإنّ الفحش من البذاء والبذاء في النار(٣) .

____________________

(١) البحار: ج٣٤ ص٨٩، وأورده محب الدين الطبري في ذخائر العقبى: ص٥١ - ٥٢ وقال: خرجه أحمد. والعصب: سن دابة بحرية تسمّى فرس فرعون ويكون أبيض.

(٢) القمامة: كناسة الدار وأشباهها.

(٣) دلائل الإمامة: ص١.


فصل

روى الشيخ الصدوق عن ابن عباس، في خبر طويل في إخبار النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بظلم أهل البيت، فمّما أخبر به أن قال: وأمّا ابنتي فاطمة فإنّها سيّدة نساء العالمين من الأوّلين والآخرين، وهي بضعة منّي، وهي نور عيني، وهي ثمرة فؤادي، وهي روحي التي بين جنبيّ، وهي الحوراء الأنسيّة، متى قامت في محرابها بين يدي ربّها جلّ جلاله، زهر نورها لملائكة السماء كما يزهر نور الكواكب لأهل الأرض، ويقول الله عزّ وجلّ لملائكته: ( يا ملائكتي انظروا إلى أمتي فاطمة سيّدة إمائي، قائمة بين يديّ ترتعد فرائصها من خيفتي، وقد أقبلت بقلبها إلى عبادتي، أشهدكم أنّي قد أمنت شيعتها من النار ).

أقول: ثم قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : وإنّي لَمّا رأيتها ذكرت ما يصنع بها بعدي، كأنّي بها وقد دخل الذّل بيتها، وانتهكت حرمتها وغصب حقّها، ومنعت إرثها، وكسر جنبها، وأسقطت جنينها، وهي تنادي: يا محمّداه فلا تُجاب، وتستغيث فلا تُغاث، فلا تزال بعدي محزونة، مكروبة، باكية، تتذكّر انقطاع الوحي عن بيتها مرّة، وتتذكّر فراقي أُخرى، وتستوحش إذا جنّها الليل لفقد صوتي الّذي كانت تستمع إليه إذا تهجّدتُ بالقرآن، ثم ترى نفسها ذليلة بعد أن كانت في أيّام أبيها عزيزة، فعند ذلك يؤنسها الله تعالى ذكره بالملائكة، فنادتها بما نادت به مريم بنت عمران فتقول: ( يا فاطمة، إنّ الله اصطفاك وطهرّك


واصطفاك على نساء العالمين، يا فاطمة اقنتي لربّك واسجدي واركعي مع الراكعين ).

ثم يبتدي بها الوجع فتمرض، فيبعث الله عزّ وجلّ إليها مريم بنت عمران تمرضها وتؤنسها في علّتها، فتقول عند ذلك: يا رب إنّي قد سئمت الحياة وتبرّمت بأهل الدنيا، فألحقني بأبي، فيلحقها الله عزّ وجلّ بي، فتكون أوّل مَن يلحقني من أهل بيتي، فتُقْدم عليّ محزونة مكروبة مغمومة، مغصوبة، مقتولة فأقول عند ذلك: ( اللّهمّ العن مَن ظلمها، وعاقب مَن غصبها، وأذلّ مَن أذلّها، وخلّد في نارك مَن ضرب جنينها حتّى ألقت ولدها ) فتقول الملائكة عند ذلك آمين(١) .

____________________

(١) الأمالي للصدوق: ص١١٣. كما رواه الديلمي في إرشاد القلوب، والمجلسي في البحار، والجويني في فرائد السمطين: ٢ / ٣٤ - ٣٥.


فصل

حديث تزويج فاطمة لعليٍّعليه‌السلام

في البحار عن أمالي الشيخ بسنده عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: لَمّا زوّج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاطمةعليها‌السلام عليّاًعليه‌السلام دخل عليها وهي تبكي، فقال لها: ما يبكيك، فو الله لو كان في أهل بيتي خير منه زوّجتك، وما أنا زوّجتك، ولكنّ الله زوّجك وأصدق عنك الخمس ما دامت السموات والأرض.

قال عليعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : قم فبع الدِّرع، فقمت فبعته وأخذت الثّمن ودخلت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فسكبت الدًّراهم في حجره، فلم يسألني كم هي ولا أنا أخبرته، ثم قبض قبضة ودعا بلالاً فأعطاه فقال: ابتع لفاطمة طيباً، ثم قبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من الدَّراهم بكلتا يديه فأعطاه أبا بكر وقال: ابتع لفاطمة ما يصلحها من ثياب وأثاث البيت، وأردفه بعمّار بن ياسر وبعدَّة من أصحابه.

فحضروا السوق، فكانوا يعترضون الشيء ممّا يصلح فلا يشترونه حتى يعرضوه على أبي بكر، فإن استصلحه اشتروه، قميص بسبعة دراهم، وخمار بأربعة دراهم، وقطيفة سوداء خيبريّة، وسرير مزمَّل(١)

____________________

(١) مزمّل أي ملفوف، والشريط خوص مفتول يشرط به السرير، والخيش: ثياب في نسجها رقّة وخيوطها غلاظ. قوله: من جزّ الغنم أي من الصوف الذي جزّ من الغنم.


بشريط، وفراشين من خيش مصر، حشو أحدهما ليف وحشو الأخر من جز الغنم، وأربع مرافق من أدم الطائف حشوها أذخر، وستر من صوف، وحصير هجري(١) ورحىّ لليد، ومِخْضَب(٢) من نحاس، وسقاء من أدم، وقعب(٣) للبن، وشنّ للماء، ومطهرة مزفَّتة، وجرة خضراء، وكيزان خزف، حتّى إذا استكمل الشراء، حمل أبو بكر بعض المتاع، وحمل أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الّذين كانوا معه الباقي، فلمّا عرض المتاع على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جعل يقلّبه بيده ويقول: بارك الله لأهل البيت.

قال عليعليه‌السلام : فأقمت بعد ذلك شهراً أُصلّي مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأرجع إلى منزلي ولا أذكر شيئاً من أمر فاطمةعليها‌السلام ، ثم قلن أزواج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ألاَ نطلب لك من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دخول فاطمةعليه‌السلام عليك؟ فقلت: افعلن، فدخلن عليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقالت أم أيمن: يا رسول الله، لو أن خديجة باقية لقرَّت عينها بزفاف فاطمة، وإنّ عليّاً يريد أهله، فقرَّ عين فاطمة ببعلها واجمع شملها، وقرَّ عيوننا بذلك، فقال: ما بال عليّ لا يطلب منّي زوجته، فقد كنّا نتوقّع ذلك منه، قال عليعليه‌السلام : فقلت الحياء يمنعني يا رسول الله.

فالتفت إلى النّساء فقال: مَن ها هنا، فقالت أُمّ سلمة: أنا أمُّ سلمة: وهذه زينب وهذه فلانة وفلانة، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : هيّئن لابنتي وابن عمّي في حُجري بيتاً، فقالت أُمّ سلمة: في أي حجرة يا رسول الله؟ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : في حجرتك، وأمر نساءه أن يزيَّن ويصلحن من شأنها.

قالت أُمّ سلمة: فسألت فاطمة، هل عندك طيب ادّخرتيه لنفسك؟ قالت: نعم. فأتت بقارورة فسكبت منها في راحتي، فشممت منها رائحة ما

____________________

(١) هَجَر محرّكة: بلدة باليمن، وقرية كانت قرب المدينة راجع هامش البحار.

(٢) المخصب كمنبر: المركن.

(٣) القعب: قدح من خشب.


شممت مثلها قطّ، فقلت: ما هذا؟ فقالت: كان يدخل دحية الكلبي على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيقول لي: يا فاطمة: هات الوسادة فاطرحيها لعمّك، فأطرح له الوسادة فيجلس عليها، فإذا نهض سقط من بين ثيابه شيء فيأمرني بجمعه، فسأل عليّعليه‌السلام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن ذلك؟ فقال هو عنبر يسقط من أجنحة جبرئيل.

قال عليعليه‌السلام : ثمّ قال لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا علي، اصنع لأهلك طعاماً فاضلاً، ثم قال: من عندنا اللّحم والخبز، وعليك التمر والسّمن، فاشتريت تمراً وسمناً، فحسر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن ذراعه وجعل يشدخ(١) التّمر في السّمن حتّى اتّخذه حيساً(٢) ، وبعث إلينا كبشاً سميناً فذُبح وخُبزَ لنا خبز كثير.

ثم قال لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ادع مُن أحببت، فأتيت المسجد وهو مشحن بالصّحابة، فحييت أن أشخص قوماً وأدع قوماً، ثمّ صعدت على ربوة هناك وناديت: أجيبوا إلى وليمة فاطمة، فأقبل الناس أرسالاً فاستحييت من كثرة الناس وقلّة الطعام، فعلم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما تداخلني، فقال: يا عليُّ، إنّي سأدعو الله بالبركة.

قال عليعليه‌السلام : فأكل القوم عن آخرهم طعامي، وشربوا شرابي، ودعوا لي بالبركة، وصدروا وهم أكثر من أربعة آلاف رجل ولم ينقص من الطعام شيء.

ثم دعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالصّحاف فمُلِئَت، ووجّه بها إلى منازل أزواجه، ثم أخذ صحفة وجعل فيها طعاماً وقال: هذا لفاطمة وبعلها، حتى إذا انصرفت الشمس للغروب، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا أُمّ سلمة، هلمّي فاطمة، فانطلقت فأتت بها وهي تسحب أذيالها، وقد تصبّبت عرقاً حياءً من

____________________

(١) الشدخ: كسر الشيء.

(٢) الحيس: هو تمر يخلط بسمن وأقط. وقد يجعل عوض الأقط الدقيق أو الفتيت.


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أقالك الله العثرة في الدنيا والآخرة، فلمّا وقفت بين يديه، كشف الرداء عن وجهها حتى رآها عليعليه‌السلام ، ثم أخذ يدها فوضعها في يد عليعليه‌السلام وقال: بارك الله لك في ابنة رسول الله، يا علي، نعم الزوجة فاطمة، ويا فاطمة، نعم البعل علي، انطلقا إلى منزلكما ولا تُحْدِثا أمراً حتى آتيكما.

قال عليعليه‌السلام : فأخذت بيد فاطمةعليها‌السلام وانطلقت بها حتى جلست في جانب الصفّة، وجلست في جانبها وهي مطرقة إلى الأرض حياءً منّي، وأنا مطرق إلى الأرض حياءً منها.

ثم جاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: مَن ها هنا؟

فقلنا: ادخل يا رسول الله، مرحباً بك زائراً وداخلاً، فدخل، فأجلس فاطمة من جانبه، ثم قال: يا فاطمة: إيتيني بماء، فقامت إلى قعب في البيت فملأته ماءً ثم أتته به، فأخذ جرعة فتمضمض بها، ثمَّ مجَّها في القعب، ثم صبَّ منها على رأسها، ثم قال: أقبلي، فلّما أقبلت نضح منه بين ثدييها، ثم قال: أدبري، فأدبرت، فنضح منه بين كتفيها، ثم قال: ( اللّهمّ اجعله لك وليّاً وأحبّ الخلق إليَّ، اللّهمّ وهذا أخي وأحبُّ الخلق إليّ اللهم اجعله لك وليّاً وبك حفيّاً، وبارك له في أهله، ثم قال: يا عليُّ ادخل بأهلك بارك الله تعالى لك ورحمة الله وبركاته عليكم أنّه حميد مجيد )(١) .

وفي رواية أخرى، قال عليعليه‌السلام : ومكث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد ذلك ثلاثاً لا يدخل علينا، فلمّا كان في صبيحة اليوم الرابع، جاءنا ليدخل علينا، فصادف في حجرتنا أسماء بنت عميس الخثعمية، فقال لها: ما يقفك ها هنا وفي الحجرة رجل؟ فقالت: فداك أبي وأُمّي، إنّ الفتاة إذا زُفّت إلى زوجها تحتاج إلى امرأة تتعاهدها وتوم بحوائجها، فأقمت هاهنا لأقضي حوائج

____________________

(١) أمالي الشيخ: ج١ ص٣٩. البحار: ج٤٣ ص٩٤.


فاطمةعليها‌السلام ، [ وأقوم بأمرها فتغرغرت عينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالدموع ]، قال: يا أسماء قضى الله لك حوائج الدنيا والآخرة.

قال عليعليه‌السلام : وكان غداة قرّة(١) ، وكنت أنا وفاطمة تحت العباء، فلمّا سمعنا كلام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأسماء ذهبنا لنقوم، فقال: بحقّي عليكما لا تفترقا حتى أدخل عليكما، فرجعنا إلى حالنا، ودخلصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجلس عند رأسينا وأدخل رجليه فيما بيننا، وأخذت رجله اليمنى فضممتها إلى صدري، وأخذت فاطمةعليها‌السلام رجله اليسرى فضمّتها إلى صدرها، وجعلنا نُدفئ رجليه(٢) من القرِّ حتى إذا دفئنا قال: يا علي، ائتني بكوز من ماء، فأتيته فتفل فيه ثلاثاً وقرأ فيه آيات من كتاب الله، ثم قال: يا علي اشربه واترك فيه قليلاً، ففعلت ذلك، فرشّ باقي الماء على رأسي وصدري، وقال: أذهب الله عنك الرّجس يا أبا الحسن وطهّرك تطهيراً.

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إيتني بماءٍ جديد، فأتيته به، ففعل كما فعل، وسلّمه إلى ابنته وقال لها: اشربي واتركي منه قليلاً، ففعلت، فرشّه على رأسها وصدرها وقال: أذهب الله عنك الرجس وطهّرك تطهيراً.

وأمرني بالخروج من البيت، خلا بابنته وقال: كيف أنت يا بنيّة؟ وكيف رأيت زوجك؟ قالت له: يا أبه، خير زوج، إلاّ أنّه دخل عليَّ نساءً من قريش وقلن لي: زوّجك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من فقير لا مال له، فقال لها يا بنيّة ما أبوك بفقير، ولا بعلك بفقير، ولقد عرضت عليَّ خزائن الأرض من الذهب والفضّة، فاخترت ما عند ربّي عزّ وجلّ، يا بنيّة: لو تعلمين ما علم أبوك لسمجت الدنيا في عينيك(٣) ، والله يا بنيّة، ما ألوتك نصحاً(٤) ، إنّ زوّجتك

____________________

(١) يوم قر: أي بارد، القرّ بالضم البرد.

(٢) ادفئه: أي أسخنه من البرد.

(٣) سمج: أي قبح.

(٤) أي ما نقصت النصح لك.


أقدمهم سلماً، وأكثرهم علماً، وأعظمهم حلماً، يا بنيّة: إنّ الله عزّ وجلّ اطّلع إلى الأرض اطلاعة فاختار من أهلها رجلين، فجعل أحدهما أباك والآخر بعلك، يا بنيّة: نِعْمَ الزوج زوجك، لا تعصي له أمراً.

ثم صاح بي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يا عليّ، فقلت: لبّيك يا رسول الله، قال: ادخل بيتك وألطف زوجتك وارفق بها، ( فإنّ فاطمة بضعة منّي، يؤلمني ما يؤلمها، ويسرُّني ما يسرُّها، أستودعكما الله وأستخلفه عليكما ).

قال عليعليه‌السلام : ( فو الله ما أغضبتها ولا أكرهتها على أمرٍ حتّى قبضها الله عزّ وجلّ إليه، ولا أغضبتني ولا عصت لي أمراً، ولقد كنت أنظر إليها فيكشف عنّي الهموم والأحزان ).

قال عليعليه‌السلام : ثمّ قام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لينصرف، فقالت له فاطمةعليها‌السلام : يا أبه، لا طاقة لي بخدمة البيت، فأخدمني خادماً تخدمني وتعينني على أمر البيت، فقال لها: يا فاطمة، أَوَلاَ تريدين خيراً من الخادم؟ فقال عليعليه‌السلام : قولي بلى: قالت: يا أبه خيراً من الخادم؟ فقال: تسبّحين الله عزّ وجلّ في كل يوم ثلاثاً وثلاثين مرّة، وتحمدينه ثلاثاً وثلاثين مرّة، وتكبّرينه أربعاً وثلاثين مرّة، فذلك مائة باللسان وألف حسنة في الميزان، يا فاطمة، إنّك إن قلتها في صبيحة كلِّ يوم كفاك الله ما أهمّك من أمر الدنيا والآخرة(١) .

قال في المصباح: في أوّل يوم من ذي الحجّة زوّج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاطمةعليها‌السلام من أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ورُوي أنّه كان في يوم السادس(٢) .

____________________

(١) كشف الغمّة: ج١ ص٣٦٢. البحار: ج٤٣ ص١٣٢، وروى بعض أجزائه محب الدين الخطيب في ذخائر العقبى عن المسوّر بن مخرَمَة وقال: خرجه الشيخان والترمذي وصحّحه، أو: وقال البخاري عن المسوّر.

(٢) بحار الأنوار: ج٤٣ ص٩٢.



الباب الثالث

في أخبار السقيفة، وما جرى عليها (صلوات الله عليها) بعد وفاة أبيها

من الظلم والأذى



فصل

قال الشيخ في تلخيص الشافي، والطبرسي في الاحتجاج، وابن أبي الحديد في شرح النهج، عن كتاب السقيفة لأحمد بن عبد العزيز الجوهري ما ملخّصه: إنّه لما قبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة وأخرجوا سعد بن عبادة ليولّوه الخلافة، وكان مريضاً، فخطبهم ودعاهم إلى إعطائه الرياسة والخلافة، فأجابوه بأجمعهم، ثم ترادَّوا الكلام فقالوا: [ إن أبت مُهاجرة قريش فقالوا ] نحن المهاجرون وصحابة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الأوّلون وعشيرته وأولياؤه فعلام تنازعوننا الأمر من بعده؟ قالت طائفة منهم: فإنّا نقول إذاً: منّا أمير ومنكم أمير، ولن نرضى بدون هذا أبداً. فقال سعد بن عبادة حين سمعها: هذا أوّل الوهن.

وسمع عمر الخبر، فأرسل إلى أبي بكر أن اخرج إليّ، فأرسل إليه أنّي مشتغل. فأرسل عمر ثانياً إليه أن قد حدث أمر لا بدّ لك من حضوره، فخرج إليه فقال: أما علمت أنّ الأنصار قد اجتمعت في سقيفة بني ساعدة، يريدون أن يولّوا هذا الأمر سعد بن عبادة، وأحسنهم مقالة مَن يقول: منّا أمير ومنكم أمير؟ ففزع أبو بكر أشدّ الفزع وخرجا مسرعين إلى السقيفة ومعهما أبو عبيدة بن الجرّاح، فجاءوا وفي السقيفة خلق كثير، فقال عمر بن الخطاب: أتيناهم وقد كنت زوّدت كلاماً أردت أن أقوم به فيهم، فلمّا اندفعت إليهم ذهبت لأبتدئ المنطق فقال لي أبو بكر: رويداً حتّى أتكلّم. ثم انطق بعد بما


أحببت، فنطق، فقال عمر: فما شيء كنت أريد أن أقول به إلاّ وقد أتى به، فبدأ أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

إنّ الله بعث محمّداً رسولاً إلى خلقه، وشهيداً على أُمّته ليعبدوا الله ويوحّدوه، وهم يعبدون من دونه آلهة شتّى، يزعمون أنّها لمن عبدها شافعة ولهم نافعة! وإنّما هي من حجر منحوت، وخشب منجور، ثم قرأ:( وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ ... الآية ) (١) فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم فخصّ الله المهاجرين الأوّلين من قومه بتصديقه، والإيمان به، والمواساة له، والصبر معه على شدّة أذى قومهم لهم وتكذيبهم إيّاه، فهم أوّل مَن عبد الله في الأرض، وآمن بالله وبالرسول؛ وهم أولياؤه وعشيرته، وأحق الناس بهذا الأمر من بعده، ولا ينازعهم في ذلك الأمر إلاّ ظالم.

وأنتم يا معشر الأنصار، مَن لا ينكر فضلهم في الدين، ولا سابقتهم العظيمة في الإسلام، رضيكم الله أنصاراً لدينه ورسوله، وجعل إليكم هجرته، وفيكم جلّة أزواجه وأصحابه، وليس بعد المهاجرين الأوّلين عندنا بمنزلتكم، فنحن الأُمراء وأنتم الوزراء!!! لا نفتئت عليكم(٢) بمشورة ولا نقضي دونكم الأمور.

فقام الحباب بن المنذر بن الجموح، فقال: يا معشر الأنصار، املكوا عليكم أمركم، فإنّ الناس في ظلكم، ولن يجتزئ مجترئ على خلافكم، ولا يصدر أحد إلاّ عن رأيكم، وأنتم أهل العزّة، والمنعة، وأولوا العدد والكثرة، وذوو البأس والنجدة، وإنّما ينظر الناس ما تصنعون، فلا تختلفوا فتفسد عليكم أموركم، فإن أبى هؤلاء إلاّ ما سمعتم، فمنّا أمير، ومنهم أمير، فقال: عمر هيهات، لا يجتمع سيفان في غمد، والله لا ترضى العرب أن تؤمركم ونبيّها من غيركم، ولا تمنع العرب أن تولّي أمرها من كانت النبوّة

____________________

(١) يونس: ١٨.

(٢) افتأت عليه، إذا تفرّد برأيه دونه في التصرّف. منه ره.


منهم، مَن ينازعنا سلطان محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونحن أولياؤه! وعشيرته!

فقال الحباب بن المنذر، يا معشر الأنصار، املكوا أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فان أبوا عليكم، فأجلوهم من هذا البلاد، فأنتم أحق بهذا الأمر منهم، فأنّه بأسيافكم دان الناس بهذا الدّين، أنا جُذَيلُها المحكّك وعُذَيقُها المرجّب، أنا أبو شبل في عريسه الأسد، والله إن شئتم لنعيدها جذعة، فقال عمر: إذن يقتلك الله، فقال: إيّاك يقتل(١).

فقال أبو عبيدة: يا معشر الأنصار، إنّكم أوّل مَن نصر فلا تكونوا أوّل مَن بدّل أو غيّر.

فقام بشير بن سعد والد النعمان بن بشير فقال: يا معشر الأنصار، ألا إنّ محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من قريش، وقومه أولى به، وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر.

فقال أبو بكر: هذا عمر وأبو عبيدة بايعوا أيّهما شئتم، فقالا: والله لا نتولّى هذا الأمر عليك، وأنت أفضل المهاجرين، وخليفة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الصلاة وهي أفضل الدين!!! ابسط يدك، فلمّا بسط يده ليبايعاه، سبقهما إليه بشير بن سعد فبايعه، فناداه الحباب بن المنذر: يا بشير عفتك عفاة ( عقتك عقاق خ ) أنفسْتَ على ابن عمك الإمارة(٢).

فقال أسيد بن حضير رئيس الأوس لأصحابه: والله لئن لم تبايعوا

____________________

(١) الجذل: عود ينصب للإبل الجرباء تحتك به فتستشفي، والمحكك: الذي كثر به الاحتكاك حتى صار مملساً. والعذق بالفتح: النخلة، والمرجب: المدعوم بالرجبة وهي خشبة ذات شعبتين وذلك إذا طال وكثر حمله؛ والمعنى: إنّي ذو رأي يستشفى بالاستضاءة به كثيراً في مثل هذه الحادثة، وأنا في كثرة التجارب والعلم بموارد الأحوال فيها وفي أمثالها ومصادرها كالنخلة الكثيرة الحمل. وملخّص المراد من هذا الكلام: إنّني الذي يُؤخذ برأيه ( البحار ).

(٢) والله ما اضطرّك إلى هذا الأمر إلاّ الحسد لابن عمّك. خ ابن أبي الحديد.


ليكوننّ للخزرج عليكم الفضيلة أبداً، فقاموا، فبايعوا أبا بكر، فانكسر على سعد بن عبادة والخزرج ما اجتمعوا عليه، وأقبل الناس يبايعون أبا بكر من كل جانب، وتكاثروا على ذلك وتزاحموا، فجعلوا يطأون سعداً من شدّة الزّحمة وهو بينهم على فراشه مريض، فقال: قتلتموني، قال عمر: اقتلوا سعداً قتله الله، فوثب قيس بن سعد فأخذ بلحية عمر وقال: والله يا ابن صهّاك، الجبان في الحروب الفرّار، الليث في الملأ والأمن، لو حركت منه شعرة ما رجعت وفي وجهك واضحة(١) .

فقال أبو بكر: مهلاً يا عمر، فإن الرفق أبلغ وأفضل، فقال سعد: يا ابن صهّاك، وكانت جدّة عمر حبشية، أما والله لو أنّ لي قوّة على النهوض لسمعتما منّي في سككها زئيراً يزعجك وأصحابك منها، ولألحقتكما بقوم كنتم فيهم أذناباً أذلاّء تابعين غير متبوعين، لقد اجترأتما، يا آل الخزرج احملوني من مكان الفتنة.

فحملوه فأدخلوه منزله، فلمّا كان بعد ذلك، بعث إليه أبو بكر أن قد بايع الناس فبايع، فقال: والله حتّى أرميكم بكل سهم في كنانتي، وأخضب سنان رمحي، وأضربكم بسيفي ما أقلت يدي، فأقاتلكم بمن تبعني من أهل بيتي وعشيرتي وأيم الله لو اجتمع الجنّ والإنس عليّ ما بايعتكما أيّها العاصيان ( الغاصبان خ ) حتى أعرض على ربّي وأعلم ما حسابي. فلمّا جاءهم كلامه، قال عمر: لا بدّ من بيعته.

فقال بشير بن سعد: إنّه قد أبى ولجّ، وليس بمبايع أو يقتل، وليس بمقتول حتّى يقتل معه الخزرج والأوس، فاتركوه وليس تركه بضائر، فقبلوا قوله وتركوا سعداً، وكان سعد لا يصلّي بصلاتهم، ولا يقضي بقضائهم، ولو وجد أعواناً لصال بهم ولقاتلهم، فلم يزل كذلك في ولاية أبي بكر حتّى هلك أبو بكر، ثم ولى عمر فكان كذلك، فخشي سعد غائلة عمر فخرج إلى الشام

____________________

(١) الواضحة: الأسنان التي تبدو عند الضحك.


فمات بحوران(١) في ولاية عمر ولم يبايع أحداً، وكان سبب موته أن رُمي بسهم في الليل فقتله، وزعم أنّ الجنّ رموه(٢) .

وعن أبي عبد البر وابن حجر العسقلاني، أنّهما قالا: إنّ سعداً لم يبلغ أحداً من أبي بكر وعمر ولم يقدروا على إلزامه كإلزامهم لغيره لكثرة أقوامه من الخزرج فاحترزوا على فتنتهم، ولَمّا وصل حكومة أهل الإسلام إلى عمر، مرّ ذات يوم سعد على سوق المدينة فوقع عليه نظر عمر وقال له: ادخل يا سعد في بيعتنا أو اخرج من هذا البلد.

فقال سعد: حرام عليّ أن أكون في بلد أنت أميره، ثم خرج من المدينة إلى الشام، وكانت له قبيلة كثيرة في نواحي دمشق، كان يعيش في كل أُسبوع عند طائفة منهم، ففي تلك الأيام كان يذهب يوماً من قرية إلى أخرى، فرموه من وراء بستان كان على طريقه بسهم فقُتل. انتهى.

وعن البلاذري: إنّ عمر بن الخطاب أشار إلى خالد بن الوليد ومحمّد بن مسلمة الأنصاري بقتله، فرماه كلّ منهم بسهم فقتل، ثم أوقعوا في أوهام الناس أنّ الجن قتلوه، ووضعوا هذا الشعر على لسانهم:

قد قتلنا سيّد الخزرج سعد بن عبادة

فرميناه بسهمين فلم نخطئ فؤاده

وروى ابن أبي الحديد، عن أبي بكر أحمد بن عبد العزيز، بإسناده عن القسم بن محمّد قال: لما توفّي النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، اجتمعت الأنصار إلى سعد ابن عبادة فأتاهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، فقال الحباب بن المنذر: منّا أمير ومنكم أمير، أنا والله لأتنفس هذا الأمر عليكم أيّها الرّهط، ولكنّا نساف ( نخاف خ ) أن يليه بعدكم مَن قتلنا أبناءَهم وآباءهم وإخوانهم. الخبر.

____________________

(١) حوران بالفتح: كورة واسعة من أعمال دمشق ذات قرى كثيرة.

(٢) شرح ابن أبي الحديد: ج٦ ص٥ - ١١. الاحتجاج للطبرسي: ج١ ص٨٩ - ١١٢. كما أورد فصولاً من ذلك في تاريخ الطبري: ٣ / ٢٠٨، وابن قتيبة في الإمامة والسياسة: ١ / ٥ وما بعدها.


قال ابن أبي الحديد: قرأت هذا الخبر على أبي جعفر يحيى بن محمّد العلوي، قال لقد صدقت فراسة الحباب بن المنذر، فإنّ الذي خفه وقع يوم الحرّة، وأخذ من الأنصار ثار المشركين يوم بدر.

ثم قال لي (رحمه الله): ومن هذا خاف أيضاً رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على ذريّته وأهله، فإنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد وَتَر الناس، وعلم أنّه إن مات وترك ابنته وولدها سوقة ورعية تحت أيدي الولاة، كانوا بعرَض خطر عظيم، فما زال يقرّر لابن عمه قاعدة الأمر بعده حفظاً لدمه ولدم أهل بيته، فإنّهم إذا كانوا ولاة الأمر، كانت دماؤهم أقرب إلى الصيانة والعصمة مما إذا كانوا سوقة تحت يد والٍ من غيرهم، فلم يساعده القضاء والقدر، وكان من الأمر ما كان، ثم أفضى أمر ذريته فيما بعد إلى ما علمت ...(١).

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد: ج٢ ص٥٣.


فصل

في طرف ممّا جرى في السقيفة

قال شيخنا المفيد في الإرشاد: واغتنم القوم الفرصة لشغل علي بن أبي طالبعليه‌السلام برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وانقطاع بني هاشم عنهم بمصابهم برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فتبادروا إلى ولاية الأمر، واتفق لأبي بكر ما اتفق لاختلاف الأنصار فيما بينهم، وكراهية الطلقاء والمؤلّفة قلوبهم من تأخّر الأمر حتّى يفرغ ( فرغ خ م ) بنو هاشم فيستقر الأمر مقرّه، فيبايعوا أبا بكر لحضوره المكان، وكانت أسباب معروفة تيسّر للقوم منها ما راموه، وليس هذا الكتاب موضع ذكرها، فنشرح القول فيها على التفصيل.

وقد جاءت الرّواية: أنّه لَمّا تمّ لأبي بكر ما تمّ وبايعه مَن بايع، جاء رجل إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام وهو يسوّي قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمسحاة في يده، فقال له: إنّ القوم قد بايعوا أبا بكر، ووقعت الخذلة للأنصار لاختلافهم، وبدر الطلقاء بالعقد للرجل خوفاً من إدراككم الأمر، فوضععليه‌السلام طرف المسحاة على الأرض ويده عليها، ثم قال:

( بسم الله الرحمن الرحيم الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا ... إلى قوله تعالىمَا يَحْكُمُونَ ) (١) ، وقد كان جاء أبو سفيان إلى باب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

____________________

(١) سورة العنكبوت آية: ١ - ٢- ٣- ٤.


وعليعليه‌السلام والعباس متوافران على النظر في أمره فنادى:

بني هاشم: لا تطمعوا الناس فيكم

ولا سيّما تيم بن مرّة أو عدي

فما الأمر إلاّ فيكم وإليكم

وليس لها إلاّ أبو حسنٍ علي

أبا حسنٍ فاشدد بها كفّ حازمٍ

فإنّك بالأمر الذي ترتجي ملي

ثم نادى بأعلى صوته: يا بني هاشم، يا بني عبد مناف، أرضيتم أن يلي عليكم أبو فصيل الرذل ابن الرذل! أما والله لو شئتم لأملأنّها عليهم خيلاً ورجالاً، فناداه أمير المؤمنينعليه‌السلام : ارجع يا أبا سفيان، فو الله ما تريد الله بما تقول، وما زلت تكيد الإسلام وأهله، ونحن مشاغيل برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعلى كل امرئٍ ما اكتسب وهو ولي ما احتقب(١) .

فانصرف أبو سفيان إلى المسجد، فوجد بني أُميّة مجتمعين فيه، فحرّضهم على الأمر ولم ينهضوا له، وكانت فتنة عمت، وبلية شملت، وأسباب سوء اتفقت، تمكّن بها الشيطان وتعاون فيها أهل الإفك والعدوان، فتخاذل في إنكارها أهل الإيمان، وكان ذلك تأويل قول الله عزّ وجلّ( وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خاصَّةً ) (٢) (٣) .

____________________

(١) احتقب: اكتسب.

(٢) الأنفال آية: ٢٥.

(٣) الإرشاد: ص١٠١. كما يراجع تاريخ اليعقوبي: ٢ / ٨٤.


فصل

قال الشيخ الإمام الفاضل العالم الأجل الأقدم عبيد الله بن عبد الله الأسد آبادي (رحمه الله) في كتاب المقنع في الإمامة:

فصل، فيه طرف ممّا جرى في أمر السقيفة ليعلم أيضاً كيف بني القوم أمرهم على دفع وليّ الأمر وصاحب الحق عن حقّه.

أجمع أصحاب السير، أنّه لَمّا قبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، اشتغل أمير المؤمنينعليه‌السلام بغسله وتجهيزه، وكان المهاجرون والأنصار وغيرهم من قريش ينتظرون ما يكون من أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فتصوّر لهم إبليس لعنه الله في صورة المغيرة بن شعبة أعور ثقيف، وقال لهم: ما تنتظرون؟ قالوا: ما يكون من بني هاشم، فقال لهم: امضوا ووسّعوها في قريش تتسع، فو الله لئن وقفتم إلى فراغهم لتصيرنّ فيهم وتصير قيصرانيّة وكسرويّة، هذا وقد كان نفر من قريش من قبل ذلك، كتبوا صحيفة بيعتهم [ بينهم خ ] وأودعوها أبا عبيد ابن الجراح، وضمّنوها بأنّه إن قبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو قتل؛ عدل بالإمامة عن بني هاشم حتّى لا تجمع لهم النبوّة والخلافة.

ثم جاء إبليس (لعنه الله)، وحثّهم وزيّن لهم ما أتوه، فنهضوا إلى سقيفة بني ساعدة، وساق كلامه إلى أن قال: وأنا أشرح بمشيئة الله تعالى وعونه طرفاً ممّا جرى في السقيفة لا بدّ منه ولا غنى عنه، حتّى يعلم كيف استهانوا بالدين، وكيف خُولف صاحب الشرع (صلوات الله عليه وآله).


أخبرني أبو الحسن ابن زنجي اللغوي البصري بها في سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة عن أبي عبد الله النمري، عن ابن دريد الأزدي، وأخبرني أبو الحسن علي بن المظفّر العلاّمة البندينجيني(١) بها، عن أبي أحمد بن عبيد الله بن سعيد العسكري، عن ابن دريد الأزدي، عن أبي حاتم السجستاني، عن الأصمعي، عن أبي عمرو بن العلاء، أنّه قال: قال أبو ذؤيب الهذلي:

بلغنا أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليل، فأوجسنا ذلك خيفة وأشعرنا جزعاً وغمّاً، فبت بليلة ثابتة النجوم طويلة الأناء، لا ينجاب ديجورها ولا يطلع نورها، فصرت أقاسي طولها ولا أفارق غولها، حتّى إذا كان دون المسفر وقرب السحر، هتف هاتف، فقال:

خطْبٌ جليلٌ فتّ في الإسلامِ

بين النخيل ومعقد الأصنامِ

قُبض النبيُّ محمّدٌ، فعيوننا

تذري الدموع عليه بالأسجامِ(٢)

قال أبو ذؤيب: فوثبت من نومي مذعوراً، فنظرت إلى السماء فلم أر إلاّ سعداً الذابح(٣) فتفألت، وقلت: ذبحاً وقتلاً يقع في العرب، فعلمت أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قُبض، أو هو مقبوض في علّته تلك، فركبت ناقتي وسرت حتّى إذا أصبحت، طلبت شيئاً ازجر عليه فعنّ لي شيهم(٤) قد لزم على صل(٥) وهو يتلوى والشيهم يقضمه حتّى أكله، فتفألت ذلك شيئاً همّاً، وقلت: تلّوي الصلّ انفتال الناس عن الحق إلى القائم بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثم تأوّلت قضم الشيهم قضمه الأمر وضمّه إليه، فحثثت راحلتي حتّى قدمت المدينة ولأهلها

____________________

(١) البندينجين بلدة مشهورة في طرف النهروان من ناحية الجبل بين أعمال بغداد.

(٢) سجم الدمع: سال قليلاً أو كثيراً.

(٣) سعد الذابح: هما كوكبان نيّران بينهما قدر ذراع وفي نحر أحدهما نجم صغير لقربه منه كأنه يذبحه وهو من منازل القمر: منه ره.

(٤) الشيهم: الأرنب الكبير.

(٥) الصلّ: حيّة صفراء دقيقة.


ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج إذا أهلّوا بالإحرام.

فقلت: مه؟ فقيل: قُبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فجئت إلى المسجد فوجدته خالياً، وأتيت بيت رسول الله فأصبت بابه مرتجاً. وقيل: هو مسجّى وقد خلا به أهله، فقلت: أين الناس؟!! فقيل هم في سقيفة بني ساعدة صاروا إلى الأنصار، فجئت إلى السقيفة، فأصبت أبا بكر وعمر والمغيرة بن شعبة وأبا عبيدة الجرّاح وجماعة من قريش، ورأيت الأنصار فيهم سعد بن دلهم(١) ومعه شعراؤهم وإمامهم حسّان بن ثابت، فأويت إلى قريش، وتكلّمت الأنصار، فأطالوا، ولم يأتوا بالصواب، ثم بايع الناس أبا بكر في كلامٍ طويل.

قال: ثم انصرف أبو ذؤيب إلى باديته ومات في أيام عثمان بن عفان.

وبهذا الإسناد أن النابغة الجعدي خرج من منزله وسأل عن حال الناس، فلقيه عمران بن الحصين، وقيس بن صرمة وقد عادا من السقيفة، فقال: ما وراكما؟ فقال عمران بن الحصين:

إن كنت أدري فعليَّ بدنة

من كثرة التخليط أنّي مَن أنا

قال قيس بن صرمة:

أصبحت الأُمّة في أمرٍ عجب

والملك فيهم قد غدا لمـَن غلب

قد قلت قولاً صادقاً غير كذب

إنّ غداً يهلك أعلام العرب

فقال النابغة: فما فعل أبو حسن عليعليه‌السلام ؟ فقيل: مشغول بتجهيز النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال:

قولا لأصلع هاشمٍ إن أنتما

لاقيتماه لقد حللت أرومها

وإذا قريش بالفخار تساجلت

كنت الجدير به، وكنت زعيمها

____________________

(١) سعد بن عبادة خ ل.


وعليك سلّمت الغداة بإمرة

للمؤمنين فما رعت تسليمها

نكثت بنو تيم بن مُرّة عهدها

فتبوّأت نيرانها وجحيمها

وتخاصمت يوم السقيفة والّذي

فيه الخصام غداً يكون خصيمها

وفي هذا اليوم قال النعمان بن زيد، صاحب راية الأنصار، يبكي على الإسلام وعلى خلافهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

يا ناعي الإسلام قم وانعه

قد مات عرف وأتى منكرُ

مثل عليٍّ مَن خفى أمره

عليهم، والشمس لا تسترُ

وليس يُطوى علمٌ باهرٌ

سامٍ يد الله له ينشرُ

حتّى يزيلوا صدع ملمومة

والصدع في الصخرة لا يجبرُ

كبش قريشٍ في وغا حربها

فاروقها صدّيقها الأكبرُ

وكاشف الكرب إذا خطبه

أعيى على واردها المصدرُ

كبّر لله وصلّى وما

صلّى ذوو العيث ولا كبّروا

تدبيرهم أدّى إلى ما أتوا

تبّاً لهم يا بئس ما دبّروا

وقال العباس بن عبد المطلب:

عجبت لقومٍ أَمّروا غير هاشمٍ

على هاشمٍ رهط النبيّ محمّدِ

وليس بأكفاءٍ لهم في عظيمةٍ

ولا نظراء في فعالٍ وسؤددِ

وقال عتبة بن أبي سفيان بن عبد المطلب:

وكان وليّ الأمر من بعد أحمدٍ

عليّ وفي كل المواطن صاحبه

وصيّ رسول الله حقّاً وعنهم(١)

وأوّل مَن صلّى ومَن لان جانبه

وقال عتبة بن أبي لهب بن عبد المطلب:

تولّت بنو تيمٍ على هاشمٍ ظلما

وذادوا عليّاً عن إمارته قدما

____________________

(١) وصهره خ ل.


ولم يحفظوا قربى نبيٍّ قريبه

ولم ينفسوا فيمَن تولاّهم علما

وقال عبدة بن الصامت يوم السقيفة:

ما للرجال أخّروا عليّا

عن رتبة كان لها مرضيّا

أليس كان دونهم وصيّا ( في أبيات )

وقال عبد الرّحمان بن حنبل حليف بني جمح:

لعمري لئن بايعتم ذا حفيظةٍ

على الدين معروف العفاف موفّقا

عفيفاً عن الفحشاء أبيض ماجد

صدوقاً وللجبّار قدماً مصدّقا

أبا حسن فارضوا به وتبايعوا

فليس كمَن فيه لذي العيب مرتقى

عليّاً وصيّ المصطفى ووزيره

وأوّل مَن صلّى لذي العرش واتقى

رجعتم إلى نهج الهدى بعد زيغكم

وجمعتم من شمله ما تمزّقا

وكان أمير المؤمنين بن فاطمٍ

بكم إن عرى خطبٌ أبَرَّ وأرفقا

وقال زفر بن الحارث بن حذيفة الأنصاري:

فحوطوا عليّاً وانصروه فإنّه

وصيّ وفي الإسلام أوّل أوّل

فإن تخذلوه والحوادث جمّة

فليس لكم في الأرض من متحوّل

وقال أبو سفيان صخر بن حرب بن أميّة يوم السقيفة:

بني هاشم ما بال ميراث أحمدٍ

تنقّل عنكم في لقيط وحابل(١)

أعبد منافٍ كيف ترضون ما أرى

وفيكم صدور المرهفات الأواصلِ

فدى لكم أُمّي اثبتوا وثقوا بنا

وبالنصر منّا قبل فوت المخاتلِ

متى كانت الأحساب تغدوا ببالكم

متى قُرنت تيمٌ بكم في المحافلِ

يحاذي بها تيمٌ عديّاً وأنتمُ

أحق وأولى بالأمور الأوائلِ

وقال أيضاً:

____________________

(١) خمل - خ.


وأضحت قريش بعد عزٍّ ومنعةٍ

خضوعاً لتيم لا بضرب القواضبِ

فيا لهف نفسي للذي ظفرت به

وما زال فيها فائزٌ بالرغائبِ

وقال أيضاً:

بني هاشمٍ لا تطمعوا الناس فيكم

ولا سيّما تيم بن مرّة أو عدي

فما الأمر إلاّ فيكم وإليكم

وليس لها إلا أبو حسنٍ علي

أبا حسنٍ فاشدد بها كفّ حازمٍ

فإنّك بالأمر الذي ترتجي ملي

وقال خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين (رضي الله عنه) يوم السقيفة:

ما كنت أحسب هذا الأمر منتقلاً

عن هاشمٍ، ثم منها، عن أبي حسنِ

أليس أوّل مَن صلّى بقبلتكم

وأعلم الناس بالقرآن والسننِ

وآخر الناس عهداً بالنبي ومَن

جبريل عوناً له في الغسل والكفنِ

ماذا الذي ردّكم عنه فنعرفه

ها إنّ بيعتكم من أغبن الغبنِ

وقد نُسبت هذه الأبيات إلى عتبة بن أبي لهب بن عبد المطلب.

ولخزيمة أيضاً يخاطب عائشة بنت أبي بكر:

أعائش خلّي عن عليٍّ، وعتبه

بما ليس فيه إنّما أنت والدة

وصيُّ رسول الله من دون أهله

وأنت على ما كان من ذاك شاهدة

وقال النعمان ابن عجلان الأنصاري في يوم السقيفة ويعرّض بعمرو ابن العاص:

وقلتم حرامٌ نصب سعدٍ ونصبكم

عتيق بن عمرو كان خلا أبا بكر

فأهل أبا بكر لها خير قائم

وإنّ عليّاً كان أجدر بالأمر

فكان هواناً في عليٍّ وإنّه

لأهل لها يا عمرو من حيث لا تدري

قال: لما استوثق الأمر لأبي بكر، ونزل من السقيفة على الصفة التي نزلها، تكلّم عمرو بن العاص في الأنصار، قادحاً فيهم، وواضعاً منهم،


ومصغراً لأمرهم، وأظهر ما كان يكتمه في نفسه ويستره من بغضهم في حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فبلغ ذلك أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فدخل المسجد وصعد المنبر، وذكر فضل الأنصار وما أنزله الله تعالى فيهم من القرآن، وما يجب على المسلمين من إكرامهم، ومعرفة حقوقهم، فقالوا لحسّان بن ثابت: يجب أن تذكر فضل عليعليه‌السلام وسبقته، وندموا على ما كان منهم يوم السقيفة، فقال حسان:

جزى الله خيراً والجزاء بكفّه

أبا حسنٍ عنّا، ومَن كأبي حسن

سبقت قريشاً بالذي أنت أهله

فصدرك مشروح، وقلبك ممتحن

تمنّت رجال من قريشٍ أعزّة

مكانك، هيهات الهزال من السّمن

وأنتَ من الإسلام في كلِّ موطنٍ

بمنزلة الدّلو البطين من الرسن

غضبت لنا إذ قام عمرو بخصلةٍ

أمات بها التقوى، وأحيى بها الإحن

وكنت المرجّى من لؤيّ بن غالبٍ

لما كان فيه، والّذي بعد لم يكن

حفظت رسول الله فينا وعهده

إليك، ومن أولى بها منك من ومَن

ألست أخاه في الهدى، ووصيّه

وأعلم فهراً بالكتاب، وبالسنن

ثم ساق صاحب المقنع الكلام إلى أن قال: وروى أصحاب السير عن أبي الأسود الدؤلي، أنّه قال: حدثني مَن سمع أم أيمن (رضي الله عنها)، تقول: سمعت في الليلة التي بُويع فيها أبو بكر هاتفاً يقول ولا أرى شخصه:

لقد ضعضع الإسلام فقدان أحمدٍ

وأبكى عليه فيكم كلَّ مسلمِ

وأحزنه حزناً تمالؤ صحبه

الغواة، على الهادي الرضي المكرّمِ

وصيّ رسول الله أوّل مسلمٍ

وأعلم مَن صلّى وزكّى بدرهمِ

أخي المصطفى دون الذين تأمّروا

عليه، وأن بزوه فضل التقدّمِ

قد أوردنا نظماً ونثراً ما يستدل به العاقل على أنّ القوم عاملوا أمير المؤمنينعليه‌السلام بما عمل بنو إسرائيل بهارون أخي موسى حذو النعل بالنعل؛ فصار حكم أمير المؤمنينعليه‌السلام وحكم هارون واحداً.


وما أحسن قول محمد بن نصر بن بسام الكاتب:

إنّ عليّا لم يزل محنة

لرابح الدين ومغبونِ

أنزله من نفسه المصطفى

منزلة علم تلت(١) بالدونِ

صيّره هارون في قومه

لعاجل الدنيّا وللدّينِ

فارجع إلى الأعراف حتى ترى

ما فعل القوم بهارونِ

____________________

(١) لم تك - خ.


فصل

فيما كتب أبو بكر إلى أُسامة بن زيد وجوابه

وممّا يدل على صحّة دعوى مَن يقول: إنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام مغصوب حقّه من إمامته، رسالةُ أبي بكر إلى أُسامة بن زيد، لَمّا نزل من السقيفة: من عبد الله أبي بكر خليفة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى أُسامة بن زيد: أمّا بعد، فإنّ المسلمين فزعوا إليّ واستخلفوني وأمّروني عليهم بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ! في كلامٍ طويل، فإذا قرأت كتابي هذا فادخل فيما دخل فيه المسلمون، وأذنْ لعمر بن الخطاب في خلفه ( تخلفه خ ) عنك، فإنّه لا غنى بي عنه، وتوجّه إلى الوجه الذي وجّهك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فكتب إليه أُسامة: من أُسامة بن زيد مولى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى أبي بكر ابن أبي قحافة، أمّا بعد، فقد أتاني كتاب منك ينقص آخره أوّله، ذكرت في أوّل كتابك أنّك خليفة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثم قلت: إنّ المسلمين استخلفوك، وفزعوا إليك وأمّروك عليهم، ولو كان ذاك كذلك لكانت بيعتهم في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا في سقيفة بني ساعدة!!!

وسألت أن آذن لعمر بن الخطاب في تخلّفه عنّي لحاجتك إليه، فقد أذن لنفسه قبل أن آذن له، ولا لأحدٍ أمره رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالشخوص معي إلى مَن أشخصني إليه، وما أمرك في تخلّفك، وأمر عمر في تخلّفة إلاّ واحد، وليس بينك وبينه فرق، ومَن عصى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد وفاته فهو بمنزلة مَن


عصاه في حياته، وقد علمت أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمرك وأمر عمر بالمسير معي، ورأيه لكما خير من رأيكما لأنفسكما، وما خفي عليه موضعكما، وقد ولاّني عليكما، ولم يولّكما عليَّ، وعصيانه نفاق.

في كلامٍ أضربت عنه هاهنا، وأوردته مستوفى في كتابي الموسم بعيون البلاغة في أنس الحاضر ونقلة المسافر، انتهى(١) .

____________________

(١) نقل تمامه السيد هبة الدين في المجموع الرائق في الباب الخامس منه: ص١٠٤ - ١٠٧ والنسخة مخطوطة راجع مكتبة آية الله النجفي (ره).


فصل

في عدم حضور أكثر الناس دفن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

قال ابن عبد البّر في محكي الاستيعاب: بويع لأبي بكر بالخلافة في اليوم الذي قُبض فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في سقيفة بني ساعدة، ثم بُويع البيعة العامّة يوم الثلاثاء من غد ذلك اليوم، وتخلّف عن بيعته سعد بن عبادة، وطائفة من الخزرج وفرقة من قريش، انتهى.

وقال شيخنا المفيد في الإرشاد: ولم يحضر دفن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أكثر الناس؛ لما جرى بين المهاجرين والأنصار من التّشاجر في أمر الخلافة، وفات أكثرهم الصلاة عليه لذلك، وأصبحت فاطمةعليها‌السلام تنادي: وا سوء صباحاه، فسمعها أبو بكر فقال لها: إنّ صباحك لصباح سوء، انتهى(١) .

وقال السيد ابن طاووس في كشف المحجّة لولده: ومن أعجب ما رأيته في كتاب المخالفين، وقد ذكره الطبري في تاريخه وما معناه، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم توفّي يوم الاثنين، وما دفن إلى ليلة الأربعاء

وفي رواية: أنّه بقي ثلاثة حتّى دُفن.

____________________

(١) الإرشاد: ص١٠١.


وذكر إبراهيم الثقفي في كتاب المعرفة في الجزء الرابع: تحقيقاً: أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقي ثلاثة أيّام حتّى دُفن لاشتغالهم بولاية أبي بكر والمنازعات فيها، وما كان يقدر أبوك عليعليه‌السلام أن يفارقه ولا أن يدفنه قبل صلاتهم عليه، ولا كان يؤمن أن يقتلوه إن فعل ذلك، أو ينبشوا النبّيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويخرجوه ويذكروا أنّه دفنه في غير وقت دفنه، أو في غير الموضع الذي يُدفن فيه، فأبعد الله جلّ جلاله من رحمته وعنايته نفوساً تركته على فراش منيّته، واشتغلت بولايةٍ كان هو أصلها بنبوّته ورسالته، لتخرجها من أهل بيته وعترته، والله يا ولدي ما أدري كيف سمحت عقولهم ومروّتهم ونفوسهم وصحبتهم - مع شفقته عليهم وإحسانه إليهم - بهذا التهوين.

ولقد قال زيد ابن مولانا زين العابدينعليه‌السلام (١) : والله لو تمكّن القوم إن طلبوا الملك بغير التعلّق باسم رسالته كانوا قد عدلوا عن نبوّته، وبالله المستعان.

وقال السيد أيضاً: وكان من جملة حقوقهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد وفاته وخاصة يوم الممات، أن يجلس المسلمون كلّهم على التّراب، بل على الرّماد، ويلبسوا أفضل ما يلبسه أهل المصاب من السّواد، ويشتغلوا ذلك اليوم خاصّة عن الطّعام والشراب، ويشترك في النياحة والبكاء والمصائب، الرجال والنساء، ويكون يوماً ما كان يوم مثله في الدنيا، ولا يكون، انتهى(٢) .

____________________

(١) ولقد قال مولانا زين العابدينعليه‌السلام في المصدر.

(٢) كشف المحجّة لابن طاووس: ص٧١ - ٧٢.


فصل

فيما أخذ عمر من بيعة الناس لأبي بكر

روى ابن أبي الحديد وسليم بن قيس عن البراء بن عازب، قال: لم أزل لبني هاشم محبّاً، فلمّا قُبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخذني ما يأخذ الوالهة العجول مع ما في نفسي من الحُزن لوفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكنت أتردّد إلى بني هاشم وهم عند النبيّ في الحجرة، وأتفقّد وجوه قريش، فإنّي لكذلك إذ فقدت أبا بكر وعمر، وإذا قائل يقول: القوم في سقيفة بني ساعدة، وإذا قائل آخر يقول: وقد بُويع أبو بكر، فلم ألبث وإذا أنا بأبي بكر قد أقبل ومعه عمر وأبو عبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة وهم محتجزون بالأُزر الصنعانيّة، لا يمرُّون بأحدٍ إلاّ خبطوه وقدّموه، فمدُّوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه، شاء ذلك أو أبى، فأنكرت عقلي وخرجت أشتدُّ حتّى أتيت بني هاشم(١) والباب مغلق عنهم، فضربت عليهم الباب ضرباً عنيفاً، وقلت: قد بايع الناس لأبي بكر ابن أبي قحافة، فقال العباس: تَرِبَتْ أيديكم إلى آخر الدهر(٢) .

قال صاحب الاحتجاج، وابن قتيبة الدينوري في الإمامة والسياسة، وغيرهما: فلمّا فرغ أمير المؤمنينعليه‌السلام من أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جلس في

____________________

(١) حتى انتهيت إلى بني هاشم خ م.

(٢) شرح ابن أبي الحديد: ج١ ص٢١٩. تربت أيديكم: أي افتقرت ولا أصابت خيراً.


المسجد حزيناً كئيباً من فراق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فاجتمع إليه بنو هاشم ومعه الزبير بن العوام، واجتمعت بنو أميّة إلى عثمان بن عفان، وبنو زهرة إلى عبد الرحمان بن عوف، فكانوا في المسجد مجتمعين، إذ أقبل أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ابن الجرّاح، فقالوا ما لنا نراكم حلقاً شتّى، قوموا فبايعوا أبا بكر فقد بايعه الأنصار والناس، فقام عثمان وعبد الرحمان بن عوف ومَن معهم فبايعوا، وانصرف عليعليه‌السلام وبنو هاشم إلى منزل عليّعليه‌السلام ومعهم الزبير، قال: فذهب إليهم عمر في جماعة ممّن بايع، فيهم: أسيد بن حضير، وسلمة بن سلامة، فألفوهم مجتمعين فقالوا لهم: بايعوا أبا بكر فقد بايعه الناس، فوثب الزبير إلى سيفه فقال: عمر: عليكم بالكلب العقور فاكفونا شرّه، فبادر سلمة بن سلامة فانتزع السيف من يده، فأخذه عمر، فضرب به الأرض فكسره، وأحدقوا بمَن كان هناك من بني هاشم ومضوا بجماعتهم إلى أبي بكر فلمّا حضروا، قالوا: بايعوا أبا بكر فقد بايعه الناس، وأيم الله لئن أبيتم ذلك لنحاكمنّكم بالسيف، فلمّا رأى ذلك بنو هاشم، أقبل رجل رجل فجعل يبايع الخ(١) .

وروى صاحب الاحتجاج عن عبد الله بن عبد الرّحمان أنّه قال: ثمّ إنّ عمر احتزم بإزاره وجعل يطوف بالمدينة وينادي: ألا إنّ أبا بكر قد بُويع له، فهلمّوا إلى البيعة، فينثال(٢) الناس فيبايعون، فعرف أنّ جماعة في بيوت مستترون، فكان يقصدهم في جمع فيكبسهم ويحضرهم في المسجد فيبايعون، حتّى إذا مضت أيام أقبل في جمع كثير إلى منزل علي ابن أبي طالبعليه‌السلام فطالبه بالخروج فأبى، فدعا عمر بحطب ونار، وقال: والّذي نفس عمر بيده ليخرجنّ أو لأحرقنّه على ما فيه.

فقيل له: إنّ فيه فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وولد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

____________________

(١) الاحتجاج: ج١ ص٩٤.

(٢) انثال الناس: انصبوا واجتمعوا.


وآثار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيه، فأنكر الناس ذلك من قوله، فلمّا عرف إنكارهم قال: ما بالكم أتروني فعلت ذلك، إنّما أردت التهويل، فراسلهم عليعليه‌السلام : أن ليس إلى خروجي حيلة؛ لأنّي في جمع كتاب الله الذي قد نبذتموه وألهتكم الدنيا عنه، وقد حلفت أن لا أخرج من بيتي ولا أضع ردائي على عاتقي، حتّى أجمع القرآن.

قال: وخرجت فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليهما وآلهما) إليهم، فوقفت على الباب(١) ، ثم قالت: لا عهد لي بقوم أسوأ محضراً منكم، تركتم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جنازة بين أيدينا وقطعتم أمركم فيما بينكم، فلم تؤامرونا(٢) ولم تروا لنا حقنا؟(٣) كأنّكم لم تعلموا ما قال يوم غدير خم، والله لقد عقد له يومئذٍ اللواء ليقطع منكم بذلك منها الرجاء، ولكنّكم قطعتم الأسباب بينكم وبين نبيّكم، والله حسيب بيننا وبينكم في الدنيا والآخرة(٤) .

____________________

(١) فوقفت خلف الباب: ح م.

(٢) ولم تؤمرونا: خ المصدر.

(٣) ولم تروا لنا حقاً، في المصدر.

(٤) الاحتجاج: ج١ ص١٠٥.


فصل

في امتناع عليعليه‌السلام عن بيعة أبي بكر

قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري - وهو من أعاظم علماء الجمهور - وكان في الغيبة الصغرى وتوفّي سنة اثنتين وعشرين بعد ثلاثمائة، في كتاب الإمامة والسياسة ما هذا لفظه: إباء علي (كرّم الله وجهه) عن بيعة أبي بكر (رضي الله عنهما)، ثم إنّ عليّاً (كرّم الله وجهه) أُتي به إلى أبي بكر وهو يقول: أنا عبد الله وأخو رسول الله، فقيل له: بايع أبا بكر، فقال: أنا أحق بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتأخذونه منّا أهل البيت غصباً، ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم، لِمكان محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منكم، فأعطوكم المقادة وسلّموا إليكم الإمارة، فأنا احتجّ عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار:

نحن أولى برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيّاً وميتاً، فأنصفونا إن كنتم تؤمنون وإلاّ فبوؤا بالظّلم وأنتم تعلمون.

فقال له عمر: إنّك لست متروكاً حتّى تبايع، فقال له عليعليه‌السلام : احلب حلباً لك شطره واشدد له اليوم يردّه عليك غداً، ثم قال


والله يا عمر لا أقبل قولك، ولا أبايعه، فقال له أبو بكر: فإنْ لم تبايع فلا أكرهك، فقال أبو عبيدة بن الجرّاح لعليعليه‌السلام : يا ابن عم إنّك حديث السنّ وهؤلاء مشيخة قومك ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور، ولا أرى أبا بكر إلاّ أقوى على هذا الأمر منك، وأشدّ احتمالاً واستطلاعاً(١) فسلِّم لأبي بكر هذا الأمر، فإنّك تعيش ويطل بك بقاء، فأنت لهذا الأمر خليق وبه حقيق في فضلك ودينك، وعلمك وفهمك وسابقتك، ونسبك وصهرك، فقال عليّ (كرّم الله وجهه): الله الله يا معشر المهاجرين، لا تخرجوا سلطان محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في العرب عن داره، وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم وتدفعون أهله عن مقامه في الناس وحقّه(٢) .

فو الله يا معشر المهاجرين: لنحن أحق الناس به لأنّا أهل البيت، ونحن أحق بهذا الأمر منكم. وساق الكلام إلى أن قال: وخرج عليّ (كرّم الله وجهه) يحمل فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على دابّة ليلاً في مجالس الأنصار، تسألهم النصرة فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو أنّ زوجك وابن عمّك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به.

فيقول عليّ (كرّم الله وجهه): أفكنت أدع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بيته، لم أدفنه وأخرج أنازع الناس سلطانه، فقالت فاطمة: ما صنع أبو الحسن إلاّ ما كان ينبغي به، وقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم.

ثم قال ابن قتيبة: كيف كانت بيعة علي بن أبي طالب (كرّم الله وجهه) قال: وإنّ أبا بكر (رضي الله عنه)، تفقّد قوماً تخلّفوا عن بيعته عند علي (كرّم الله وجهه)، فبعث إليهم عمر، فجاء فناداهم وهم في دار عليعليه‌السلام فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب.

____________________

(١) واضطلاعاً به خ المصدر.

(٢) ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقّه. خ المصدر.


وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجنّ أو لأحرقنّها على مَن فيها، فقيل له: يا أبا حفص، إنَّ فيها فاطمة، فقال: وإنْ، فخرجوا فبايعوا إلاّ عليّاً فإنّه زعم أنّه قال: حلفت أن لا أخرج، ولا أضع ثوبي على عاتقي، حتّى أجمع القرآن، فوقفت فاطمةعليها‌السلام على بابها، فقالت: لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضراً منكم، تركتم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جنازة بين أيدينا، وقطعتم أمركم بينكم لم تستأمرونا ولم تردّوا لنا حقاً، فأتى عمر أبا بكر فقال له: ألا تأخذ هذا المتخلّف عنك بالبيعة، فقال أبو بكر لقنفذ وهو مولىً له: اذهب فادع لي عليّاً، قال: فذهب إلى علي، فقال له: ما حاجتك؟ فقال: يدعوك خليفة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم !!!

فقال عليعليه‌السلام : لسريع ما كذبتم على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فرجع، فأبلغ الرسالة قال: فبكى أبو بكر طويلاً!!! فقال عمر الثانية: أن لا تمهل هذا المتخلّف عنك بالبيعة، فقال أبو بكر (رضي الله عنه) لقنفذ: عد إليه فقل له: أمير المؤمنين(١) يدعوك لتبايع، فجاءه قنفذ، فأدّى ما أُمر به، فرفع عليٌّ صوته فقال: سبحان الله، لقد ادّعى ما ليس له، فرجع قنفذ فأدّى الرسالة(٢)، فبكى أبو بكر طويلاً!!! ثم قام عمر فمشى مع جماعة حتّى أتوا باب فاطمة، فدقّوا الباب، فلمّا سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها: يا أبتِ يا رسول الله، ماذا لقينا بعدك من أبن الخطاب وابن أبي قحافة.

فلمّا سمع القوم صوتها وبكاءها، انصرفوا باكين، وكادت قلوبهم تتصدّع وأكبادهم تتفطّر، وبقي عمر ومعه قوم فأخرجوا عليّاً فمضوا به إلى أبي بكر، فقالوا له: بايع، فقال: إن أنا لم أفعل فَمَهْ، قالوا: إذاً والله الذي لا إله إلاّ هو نضرب عنقك، قال: إذاً تقتلون عبد الله وأخا رسوله، قال عمر، أمّا عبد الله فنعم!! وأمّا أخو رسوله فلا، وأبو بكر ساكت لا يتكلّم، فقال عمر:

____________________

(١) خليفة رسول الله خ المصدر.

(٢) فأبلغ الرسالة. خ المصدر.


ألا تأمر فيه بأمرك؟ فقال: لا أكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه.

فلحق عليعليه‌السلام بقبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصيح ويبكي وينادي: ( يا ابن أُم إنّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ) فقال عمر لأبي بكر: انطلق بنا إلى فاطمة فإنّا قد أغضبناها، فانطلقا جميعاً فاستأذنا على فاطمةعليها‌السلام فلم تأذن لهما، فأتيا عليّاًعليه‌السلام فكلّماه، فأدخلهما عليها، فلمّا قعدا عندها حوّلت وجهها إلى الحائط، فسلّما عليها فلم تردّ عليهما السلام، فتكلّم أبو بكر فقال:

يا حبيبة رسول الله إنّ قرابة رسول الله أحبّ إليّ من قرابتي، وإنّك لأحبّ إليّ من عائشة ابنتي، ولوددت يوم مات أبوك أنّي متّ ولا أبقى بعده!! أفتراني أعرفك وأعرف فضلك وشرفك وأمنعك حقّك وميراثك من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إلاّ أنّي سمعت أباك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: لا نورث!!! ما تركناه فهو صدقة.

فقالت: أرأيتكما إن حدّثتكما حديثاً عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تعرفانه وتفعلان به. قالا: نعم، قالت: نشدتكما الله، ألم تسمعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: رضا فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من سخطي، فمَن أحبّ فاطمة ابنتي أحبّني، ومَن أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومَن أسخط فاطمة فقد أسخطني، قالا: نعم سمعناه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قالت: فإنّي أُشهد الله وملائكته أنّكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبيّ لأشكونّكما إليه، فقال أبو بكر: أنا عائذ بالله من سخطه وسخطك يا فاطمة، ثم انتحب أبو بكر يبكي حتّى كادت نفسه أن تزهق، وهي تقول: والله لأدعونّ الله عليك في كل صلاة أُصلّيها، ثم خرج باكياً!!

فاجتمع إليه الناس، فقال لهم: يبيت كل منكم معانقاً حليلته مسروراً بأهله، وتركتموني وما أنا فيه، لا حاجة لي في بيعتكم، أقيلوني بيعتي، قالوا يا خليفة رسول الله إنّ هذا الأمر لا يستقيم، وأنت أعلمنا


بذلك!!! إنّه إن كان هذا لم يقم لله دين، فقال: والله لولا ذلك وما أخافه من رخاوة هذه العروة ما بتّ ليلة ولي في عنق مسلم بيعة بعدما سمعت ورأيت من فاطمة، قال: فلمّا يبايع علي (كرّم الله وجهه) حتى ماتت فاطمة (رضي اله عنها)، ولم تمكث بعد أبيها إلاّ خمساً وسبعين ليلة. انتهى موضع الحاجة من كلام ابن قتيبة(١) .

وقال أبو عمرو أحمد بن محمد القرطبي المرواني المالكي المشهور بابن عبد ربه الأندلسي، المتوفّى سنة ثمانية وعشرين بعد ثلاثمائة، وهو من أكابر علماء السنّة، في المجلّد الثاني من كتاب العقد الفريد - وهو من الكتب الممتعة - ما هذا لفظه: الذين تخلّفوا عن بيعة أبي بكر، فأمّا علي والعباس والزبير، فقعدوا في بيت فاطمةعليها‌السلام حتى بعث إليهم أبو بكر عمر ابن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمةعليها‌السلام ، فقال له: إنْ أبوا فقاتلهم، فأقبل بقبس من نار على أن يُضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمةعليها‌السلام فقالت: يا ابن الخطاب: أجئت لتحرق دارنا؟ قال نعم، أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأُمّة، فخرج عليعليه‌السلام حتى دخل على أبي بكر فبايعه. انتهى(٢).

وذكر المسعودي في مروج الذّهب في أخبار عبد الله بن الزبير: أنّه عمد إلى مَن بمكّة من بني هاشم، فحصرهم في الشِّعب وجمع لهم حطباً عظيماً، لو وقعت فيه شرارة من نار لم يسلم من الموت أحد، وفي القوم محمد ابن الحنفية، ثم ذكر مجيء أبي عبد الله الجدلي في أربعة آلاف من الكوفة من قبل المختار، واستخراجهم بني هاشم من الشّعب.

قال المسعودي: وحدّث النوفلي في كتابه في الأخبار عن ابن عائشة، عن أبيه، عن حماد بن سلمة، قال: كان عروة بن الزبير يعذر أخاه إذا جرى ذكر بني هاشم وحصره إيّاهم في الشِّعب، وجمعه الحطب لتحريقهم ويقول: إنّما

____________________

(١) الإمامة والسياسة: ص١٢ - ١٣ - ١٤ - ط - ١٣٨٨.

(٢) العقد الفريد: ج٣ ص٦٤ ط - مصر.


أراد بذلك إرهابهم ليدخلوا في طاعته كما أرهب بني هاشم وجمع لهم الحطب لإحراقهم؛ إذ هم أبوا البيعة فيما سلف، وهذا خبر لا يحتمل ذكره هنا، وقد أتينا على ذكره في كتابنا في مناقب أهل البيت وأخبارهم المترجم بكتاب حدائق الأذهان. انتهى(١) .

قال سيّدنا المرتضى علم الهدى (قُدِّس سرِّه) في الشّافي في رد كلام قاضي القضاة في خبر الإحراق ما هذا لفظه عليه الرحمة: خبر الإحراق قد رواه غير الشيعة ممّن لا يتهم على القوم، وإنّ دفع الروايات من غير حجّة لا يجدي شيئاً(٢) .

فروى البلاذري وحاله في الثقة عند العامّة عن مقاربة الشيعة والضبط لما يرويه معروفة عن المدائني، عن سلمة بن محارب، عن سلمان الليثي(٣) ، عن ابن عون: أنّ أبا بكر أرسل إلى عليعليه‌السلام ، يريده الجبر على البيعة فلم يبايع، فجاء عمر ومعه قَبَس، فلقيته فاطمة على الباب فقالت: يا ابن الخطّاب، أتراك محرقاً عليَّ داري؟ قال: نعم. وذلك أقوى فيما جاء به أبوك، وجاء عليّ فبايع(٤) .

وهذا الخبر قد روته الشيعة من طرق كثيرة، وإنّما الطّريف أن يرويه شيوخ محدّثي العامّة.

وروى إبراهيم بن سعيد الثقفي بإسناده، عن جعفر بن محمّدعليه‌السلام قال: والله ما بايع عليعليه‌السلام حتّى رأى الدخان قد دخل بيته(٥) .

____________________

(١) مروج الذهب: ج٢ ص١٠٠ ط - مصر. وقد قال المسعودي في إثبات الوصية ص / ١٢٣: وهو يتحدّث عن ذلك الحدث: فهجموا عليه واحرقوا بابه.

(٢) الشافي: ص٢٤٠ ط القديم ط الجديد: ج٤ ص١١٢.

(٣) عن سليمان التّيمي - في البحار.

(٤) البحار: ج٢٨ ص٤١١.

(٥) المصدر السابق.


وقال السيد ابن طاووس في كشف المحجّة في ذكر أبي بكر وتخلّفه عن جيش أُسامة: وغصبه الخلافة يوم السّقيفة، وأقول: وما كفاه ذلك حتّى بعث عمر إلى باب أبيك علي وأمّك فاطمةعليها‌السلام ، وعندهما العباس وجماعة من بني هاشم وهم مشغولون بموت جدّك محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمآتم والمصائب العظام فأمر أن يحرقوا بالنار إن لم يخرجوا للبيعة على ما ذكره صاحب كتاب العقد الفريد في الجزء الرابع منه، وجماعة ممّن لا يتّهم في روايتهم، وهو شيء لم يبلغ إليه أحد فيما أعلم قبله ولا بعده، من الأنبياء والأوصياء ولا الملوك المعروفين بالقوّة، والجفاء ولا ملوك الكفّار، أنّهم بعثوا مَن يحرقوا الذين تأخّروا عن بيعتهم بحريق النار، مضافاً إلى تهديد القتل والضرب.

أقول: ولا بلغنا أنّ أحداً من الملوك كان لهم نبي أو ملك كان لهم سلطان قد أغناهم بعد الفقر، وخلّصهم من الذل والضرّ، ودلّهم على سعادة الدنيا والآخرة، وفتح عليهم بنبوّته بلاد الجبابرة، ثم مات وخلّف فيهم بنتاً واحدة من ظهرة، وقال لهم: إنّها سيّدة نساء العالمين، وطفلين معها منها لهما دون سبع سنين أو قريب من ذلك، فتكون مجازاة ذلك النبيّ أو الملك من رعيته، أنّهم ينفذون ناراً ليحرقوا ولديه ونفس ابنته وهما في مقام روحه ومهجته. انتهى(١) .

روى صاحب الاحتجاج عن أحمد بن همام، قال: أتيت عبادة ابن الصّامت في ولاية أبي بكر، فقلت يا أبا عمارة(٢) ، كان الناس على تفضيل أبي بكر قبل أن يستخلف؟ فقال: يا أبا ثعلبة، إذا سكتنا عنكم فأسكتوا ولا تبحثوا(٣) ، فو الله لَعليّ بن أبي طالب كان أحق بالخلافة من أبي بكر، كما كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحق بالنبوّة من أبي جهل، قال: وأزيدك، إنّا كنّا ذات يوم

____________________

(١) كشف المحجّة: ص٦٧.

(٢) يا عبادة. خ الاحتجاج.

(٣) ولا تبحثونا - خ م.


عند رسول الله، فجاء علي وأبو بكر وعمر إلى باب رسول الله، فدخل أبو بكر، ثم دخل عمر، ثم دخل عليعليه‌السلام على أثرهما فكأنّما سفي(١) على وجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الرّماد، ثم قال: يا علي أيتقدّمانك هذان وقد أمّرك الله عليهما، قال أبو بكر: نسيت يا رسول الله، وقال عمر: سهوت يا رسول الله.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما نسيتما ولا سهوتما، وكأنّي بكما قد استلبتما ملكه وتحاربتما عليه، وأعانكما على ذلك أعداء الله وأعداء رسوله، وكأنّي بكما قد تركتما المهاجرين والأنصار بعضهم يضرب وجوه بعض بالسيف على الدنيا.

ولكأنّي بأهل بيتي، وهم المقهورون المتشتّتون في أقطارها وذلك لأمر قد قُضي، ثم بكى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى سالت دموعه، ثم قال: يا علي، الصبر الصبر حتّى ينزل الأمر، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم، فإنّ لك من الأجر في كل يوم ما لا يحصيه كاتباك، فإذا أمكنك الأمر، فالسيف السيف، فالقتل القتل، حتّى يفيئوا إلى أمر الله وأمر رسوله، فإنّك على الحق، ومَن ناواك على الباطل، وكذلك ذرّيتك من بعدك إلى يوم القيامة(٢).

____________________

(١) سفت الريح التراب: إذا ذرته.

(٢) الاحتجاج: ج١ ص٢٩١.


فصل

في كلامٍ قاله أمير المؤمنينعليه‌السلام لابن عبّاس (رضي الله عنه)

روى الشيخ الصدوق بسنده عن ابن عباس، فقال: ذكرت الخلافة عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام فقال: والله لقد تقمّصها أخو تيم، الخطبة ونحن نوردها بما في نهج البلاغة:

قال عليعليه‌السلام : أما والله لقد تقمّصها فلان، وإنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرّحى، ينحدر عنّي السّيل ولا يرقى إليّ الطّير، فسدلت دونها ثوباً وطويت عنها كشحاً، وطفقت أرتأي بين أن أصول بيدٍ جذّاء، أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير ويكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربّه.

فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجى، أرى تراثي نهباً، حتّى مضى الأوّل لسبيله، فأدلى بها إلى فلان بعده(١) ، ثم تمثّل بقول الأعشى:

شتّان ما يومي على كورها

ويوم حيّان أخي جابرِ

____________________

(١) هكذا في النسختين من الكتاب لكن في نهج البلاغة المطبوع: إلى ابن الخطاب بعده.


فيا عجباً، بينا هو يستقيلها في حياته، إذ عقدها لآخر بعد وفاته، لشدّ ما تشطّرا ضرعيها، فصيّرها في حوزة خشناء، يغلظ كلمها ويخشن مسّها، ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة، إن أشنق لها خرم، وإن أسلس لها تقحّم، فمني الناس لعمر الله بخبط وشماس، وتلوُّنٍ واعتراض، فصبرت على طول المدّة، وشدّة المحنة.

حتّى إذا مضى لسبيله، جعلها في جماعةٍ زعم أنّي أحدهم، فيا لله وللشورى، متى اعترض الرّيب فيّ مع الأوّل منهم، حتّى صرت أُقرن إلى هذه النظائر، لكنّي أسففت إذ أسفّوا، وطرت إذ طاروا، فصغى رجل منهم لضغنه، ومال الآخر لصهره، مع هَنٍ وهَن.

إلى أن قام ثالث القوم نافجاً حضنيه، بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع، إلى أن انتكث عليه فتله، وأجهز عليه عمله، وكبت به بطنته.

فما راعني إلاّ والنّاس كعرف الضّبع إليّ، ينثالون عليّ من كلِّ جانب حتّى لقد وطئ الحسنان، وشقّ عطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم، فلمّا نهضت بالأمر نكثت طائفة ومرقت أُخرى وقسط آخرون، كأنّهم لم يسمعوا كلام الله سبحانه حيث يقول:( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (١) بلى والله لقد سمعوها ووعوها، ولكنّهم حليت الدنيا في أعينهم، وراقهم زبرجها.

أما والذي فلق الحبّة، وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجّة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أوّلها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز.

____________________

(١) القصص: ٨٣.


قالوا: وقام إليه رجل من أهل السواد عند بلوغه إلى هذا الموضع من خطبته فناوله كتاباً، فأقبل ينظر فيه، فلمّا فرغ من قراءته، قال له ابن عباس (رحمه الله): يا أمير المؤمنين لو اطّردت مقالتك من حيث أفضيت، قال: هيهات يا ابن عباس، تلك شقشقة هدرت ثم قرّت، قال ابن عباس: فو الله ما أسفت على كلامٍ قطّ كأسفي على هذا الكلام أن لا يكون أمير المؤمنينعليه‌السلام بلغ منه حيث أراد(١) .

قال ابن أبي الحديد: وأمّا قول ابن عباس: ما أسفت على كلام الخ، فحدّثني شيخي أبو الخير مصدّق بن شبيب الواسطي في سنة ثلاث وستمائة، قال: قرأت على الشيخ أبي محمد عبد الله بن أحمد المعروف بابن الخشّاب هذه الخطبة، فلمّا انتهيت إلى هذا الموضع، قال لي: لو سمعت ابن عباس يقول هذا، لقلت له: وهل بقي في نفس ابن عمّك أمر لم يبلغه في هذه الخطبة لتتأسّف أن لا يكون بلغ من كلامه ما أراد، والله ما رجع عن الأوّلين ولا عن الآخرين(٢) .

وفي البحار، عن كشف اليقين، عن ابن عباس، قال: كنت أتتبّع غضب أمير المؤمنينعليه‌السلام إذا ذكر شيئاً، أو هاجه خبرٌ، فلمّا كان ذات يوم، كتب إليه بعض شيعته من الشام يذكر في كتابه أنّ معاوية، وعمرو بن العاص، وعتبة ابن أبي سفيان، والوليد بن عقبة، ومروان، اجتمعوا عند معاوية فذكروا أمير المؤمنينعليه‌السلام فعابوه، وألقوا في أفواه الناس أنّه ينتقص أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويذكر كل واحد منهم بما هو أهله، وذلك لَمّا أمرعليه‌السلام أصحابه بالانتظار له بالنخيلة فدخلوا وتركوه، فغلظ ذلك عليه.

وجاء هذا الخبر فأتيت بابه في الليل، فقلت: يا قنبر، أيّ شيء خبر

____________________

(١) نهج البلاغة: ص٣٧ - ٤٤ ج١. نهج البلاغة صبحي الصالح: ص٤٨.

(٢) شرح ابن أبي الحديد: ج ص٢٠٥.


أمير المؤمنينعليه‌السلام قال: هو نائم فسمععليه‌السلام كلامي، فقال: مَن هذا؟ قال ابن عباس يا أمير المؤمنين قال: ادخل، فدخلت، فإذا هو قاعد ناحية عن فراشه في ثوب، جالس كهيئة المهموم فقلت: ما لك يا أمير المؤمنين الليلة؟ فقال: ويحك يا ابن عباس، وكيف تنام عينا قلب مشغول، يا ابن عباس، ملك جوارحك قلبك، فإذا أرهبه طار النوم عنه، ها أنا ذا كما ترى مذ أوّل اللّيل اعتراني الفكر والسهر لما تقدّم من نقض عهد أول هذه الأمّة المقدّر عليها نقض عهدها.

إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أمر مَن أمر من أصحابه بالسلام عليَّ في حياته بإمرة المؤمنين، فكنت أؤكّد أن أكون بعد وفاته، يا ابن عباس، أنا أولى الناس بالناس بعده، ولكنّ أمور اجتمعت على رغبة الناس في الدنيا وأمرها ونهيها، وصرف قلوب أهلها عنّي.

أقول: وساق كلامهعليه‌السلام في الشكاية عمّن تقدّمه إلى أن قالعليه‌السلام : فالآن يا ابن عباس قرنت بابن آكلة الأكباد، وعمرو، وعتبة، والوليد، ومروان، وأتباعهم، فمتى اختلج في صدري، وألقي في روعي، أن الأمر منقاد إلى دنيا يكون هؤلاء فيها رؤساء يطاعون، فهم في ذكر أولياء الرّحمان يثلبونهم(١) ويرمونهم بعظائم الأمور، من إفك مختلق وحقد قد سبق.

وقد علم المستحفظون ممّن بقي من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أنّ عامّة أعدائي ممّن أجاب الشيطان عليّ، وزهد الناس فيّ، وأطاع هواه فيما يضرّه في آخرته، وبالله عزّ وجلّ الغنى وهو الموفّق للرشاد والسّداد، يا ابن عباس، ويل لمـَن ظلمني ودفع حقّي وأذهب عظيم منزلتي، أين كانوا أُولئك؟ وأنا أُصلّي مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله صغيراً، لم يكتب عليَّ صلاة، وهم عبدة الأوثان وعصاة الرّحمان، وبهم توقد النّيران.

____________________

(١) ثلبه: تنقّصه.


فلمّا قرب إصعار الخدود(١) وإتعاس الجدود، أسلموا كرهاً، وأبطنوا غير ما أظهروا، طمعاً في أن يطفئوا نور الله، وتربّصوا انقضاء أمر الرّسول، وفناء مدّته، لما أطمعوا أنفسهم في قتله، ومشورتهم في دار ندوتهم قال الله عزّ وجلّ:( وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) (٢) . وقال:( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (٣) .

يا ابن عباس، ندبهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حياته بوحي من الله يأمرهم بموالاتي، فحمل القوم ما حملهم ممّا حقد على أبينا آدم من حسد اللّعين له، فخرج من روح الله ورضوانه، وألزم اللّعنة لحسده لولّي الله، وما ذاك بضاري إن شاء الله شيئاً، يا ابن عباس، أراد كل امرئٍ أن يكون رأساً مطاعاً يميل إليه الدنيا وإلى أقاربه فحمله هواه، ولذة دنياه، واتباع الناس إليه أن يغصب ما جعل لي، ولولا اتقائي على الثّقل الأصغر أن ينبذ فتنقطع شجرة العلم وزهرة الدنيا وحبل الله المتين، وحصنه الأمين، وولد رسول ربّ العالمين؛ لكان طلب الموت والخروج إلى الله عزّ وجلّ عندي ( أهون ) من شربة ظمآن ونوم وسنان، ولكني صبرت وفي الصدر بلابل، وفي النفس وساوس( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ) .

ولقديماً ظلم الأنبياء وقتل الأولياء إلى أن قال:( وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ) وأذّن المؤذّن فقال: الصلاة يا ابن عباس لا تفت، أستغفر الله لي ولك وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم، قال ابن عباس: فغمّني انقطاع الليل وتلهّفت على ذهابه(٤) .

____________________

(١) صعّر خده تصعيراً وصاعره وأصعره: أماله عن النظر إلى الناس تهاوناً.

التعس: الهلاك. والجدود جمع الجد بالفتح وهو الحظ.

(٢) آل عمران: ٥٤.

(٣) التوبة: ٣٢.

(٤) بحار الأنوار كتاب الفتن والمحن: ط القديم ص١٦٢ ( مكالمة ابن عباس مع أمير المؤمنينعليه‌السلام ).


فصل

إنكار اثني عشر رجلاً من المهاجرين والأنصار على أبي بكر ما جرى بعده

روى جماعة من أصحابنا في مصنّفاتهم، أنّه لَمّا استتم الأمر لأبي بكر وصعد المنبر، وجلس في مجلس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أنكر ذلك على أبي بكر أثنا عشر رجلاً، ستة من المهاجرين، وهم خالد بن سعيد بن العاص وكان من بني أميّة، وسلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، والمقداد بن الأسود، وعمار بن ياسر، وبريدة الأسلمي، وستة من الأنصار، وهم: أبو الهيثم ابن التّيهان، وسهل وعثمان ابنا حنيف، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وأُبي بن كعب، وأبو أيّوب الأنصاري.

قال: فلمّا صعد أبو بكر المنبر، تشاوروا بينهم، فقال بعضهم لبعض: والله لنأتينّه ولننزلنّه عن منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقال الآخرون منهم: والله لئن فعلتم ذلك إذاً لأعنتم على أنفسكم، وقد قال الله عزّ وجلّ:( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) (١) ، فانطلقوا بنا إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام ، لنستشيره ونستطلع رأيه، فانطلق القوم إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام بأجمعهم، فقالوا:

____________________

(١) البقرة: ١٩٥.


يا أمير المؤمنين، تركت حقّاً أنت أحق به وأولى به، لأنا سمعنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول:

( عليٌ مع الحق والحق مع علي، يميل مع الحق كيف مال )

ولقد هممنا أن نصير إليه فننزله عن منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فجئناك نستشيرك ونستطلع رأيك فيما تأمرنا، فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : وأيم الله، لو فعلتم ذلك ما كنتم إلاّ حرباً لهم، ولا كنتم إلاّ كالكحل في العين أو كالملح في الزاد، وقد اتفقت عليه الأمة، التاركة لقول نبيّها، والكاذبة على ربّها، ولقد شاورت في ذلك أهل بيتي فأبوا إلاّ السكوت لما يعلمون من وغر(١) صدور القوم وبغضهم لله عزّ وجلّ، ولأهل بيت نبيّه، وإنّهم يطالبون بثارات الجاهلية، إلى أن قالعليه‌السلام : ولكن ائتوا الرّجل فأخبروه بما سمعتم من نبيّكم، ولا تدعوه في الشبهة من أمره؛ ليكون ذلك أعظم للحجّة عليه، وأبلغ في عقوبته إذا أتى ربّه وقد عصى نبيّه، وخالف أمره، فانطلقوا حتّى حفوا بمنبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكان يوم الجمعة.

فلمّا صعد أبو بكر المنبر، ذكر كلّ واحد منهم كلاماً في حق عليعليه‌السلام وفي فضله، وما قال فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، طوينا كشحاً عن ذكره روماً للاختصار، وأوّل من بدأهم بالقول خالد بن سعيد بن العاص، ثم باقي المهاجرين، ثم بعدهم الأنصار، فروي أنّهم لما فرغوا من مقالتهم، أفحم أبو بكر على المنبر حتّى لم يُحِرْ جواباً ثم قال:

ولِّيتكم ولست بخيركم، أقيلوني أقيلوني، فقال عمر بن الخطاب: انزل عنها يا لكع، إذا كنت لا تقوم بحجج قريش لِمَ أقمتَ نفسك هذا المقام، والله لقد هممت أن أخلعك وأجعلها في سالم مولى أبي حذيفة، قال: فنزل، ثم أخذ بيده وانطلق إلى منزله، وبقوا ثلاثة أيّام لا يدخلون مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

____________________

(١) الوغر: الحقد والعداوة.


فلمّا كان في اليوم الرابع، جاءهم خالد بن الوليد ومعه ألف رجل، وقال لهم: ما جلوسكم؟ فقد طمع فيها والله بنو هاشم، وجاءهم سالم مولى أبي حذيفة ومعه ألف رجل، وجاءهم معاذ بن جبل ومعه ألف رجل، فما زال يجتمع رجل رجل حتى اجتمع أربعة آلاف رجل، فخرجوا شاهرين أسيافهم يقدمهم عمر بن الخطاب حتّى وقفوا بمسجد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال عمر: والله يا صحابة علي، لئن ذهب الرّجل منكم يتكلّم بالذي تكلّم به بالأمس لنأخذنّ الذي فيه عيناه.

فقام إليه خالد بن سعيد بن العاص وقال: يا ابن صهّاك الحبشية، أبأسيافكم تهدّدوننا، أم بجمعكم تفزعوننا؟ والله إنّ أسيافنا أحدّ من أسيافكم، وإنّا لأكثر منكم وإن كنّا قليلين؛ لأنّ حجّة الله فينا، والله لولا أنّي أعلم أنّ طاعة إمامي أولى به لشهرت سيفي ولجاهدتكم في الله إلى أن أبلي عذري(١) ، فقال له أمير المؤمنينعليه‌السلام : اجلس يا خالد، فقد عرف الله مقامك وشكر لك سعيك، فجلس.

وقام إليه سلمان الفارسيّ (رضي الله عنه) وقال: الله أكبر الله أكبر، سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإلاّ صمّتا يقول: بينا أخي وابن عمّي جالس في مسجدي مع نفر من أصحابه، إذ يكسبه جماعة من كلاب أهل النار يريدون قتله وقتل مَن معه، ولست أشكّ، ألا وإنّكم هم، فهمَّ به عمر بن الخطاب، فوثب إليه أمير المؤمنينعليه‌السلام وأخذ بمجامع ثوبه، ثمّ جلد به الأرض، ثم قال: يا ابن صهّاك الحبشية، لولا كتاب من الله سبق وعهد من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تقدّم، لأريتك أيّنا أضعف ناصراً وأقل عدداً، ثم التفت إلى أصحابه فقال: انصرفوا رحمكم الله، فو الله لا دخلت المسجد إلاّ كما دخل أخواي موسى وهارون، إذ قال له أصحابه:( فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) (٢) والله لا أدخل

____________________

(١) أبلاه عذراً: أي أدّاه إليه.

(٢) المائدة: ٢٤.


إلاّ لزيارة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو لقضية أقضيها؛ فإنّه لا يجوز لحجّة أقامه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يترك النّاس في حيرة(١) .

____________________

(١) الاحتجاج: ج١ ص٩٧ بحار الأنوار: ج٢٨ ص١٨٩.


فصل

في ذكر خطبةٍ خطبها للناس(١)

روى الشيخ الكليني في الروضة، بإسناده عن أبي الهيثم بن التّيهان، أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام خطب الناس بالمدينة فقال: الحمد لله الذي لا إله إلاّ هو، كان حيّاً بلا كيف، ولم يكن له كان، فذكر كلامهعليه‌السلام في التحميد لله، والصلاّة على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى أن قال مخاطباً للناس: أما والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، لو اقتبستم العلم من معدنه، وشربتم الماء بعذوبته، وادّخرتم الخير من موضعه، وأخذتم من الطّريق واضحه، وسلكتم من الحق نهجه لَنَهَجتْ(٢) بكم السبل، وبدت لكم الأعلام، وأضاء لكم الإسلام، فأكلتم رغداً، وما عال فيكم عائل، ولا ظلم منكم مسلم ولا معاهد، ولكن سلكتم سبيل الظلام، فأظلمت عليكم دنياكم برحبها(٣) ، وسُدّت عليكم أبواب العلم، فقلتم بأهوائكم واختلفتم في دينكم، فأفتيتم في دين الله بغير علم، واتّبعتم الغواة فأغوتكم، وتركتم الأئمّة فتركوكم فأصبحتم تحكمون بأهوائكم، إذا ذكر الأمر سألتم أهل الذِّكر، فإذا أفتوكم قلتم: هو العلم بعينه، فكيف وقد تركتموه ونبذتموه وخالفتموه، رويداً، عمّا قليل تحصدون

____________________

(١) وتسمّى بالطالوتية؛ قيل سمّيت بذلك لاشتمالها على ذكر طالوت وأصحابه.

(٢) نهج: أي وضح.

(٣) الرُحب بالضم: السعة.


جميع ما زرعتم، وتجدون وخيم ما اجترمتم(١) ، وما أجلبتم ( اجتلبْتم - خ ل ).

والّذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، لقد علمتم أنّي صاحبكم، والّذي به أُمرتم، وأنّي عالمكم، والّذي بعلمه نجاتكم، ووصيُّ نبيكمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وخيرة ربّكم، ولسان نوركم، والعالم بما يصلحكم، فعن قليل رويداً ينزل بكم ما وعدتم، وما نزل بالأمم قبلكم ويسألكم الله عزّ وجلّ عن أئمّتكم، معهم تحضرون، وإلى الله عزّ وجلّ غداً تصيرون.

أما والله لو كان لي عدَّة أصحاب طالوت(٢) أو عدَّة أهل بدر وهم أعدادكم، ( أعداؤكم خ م ) لضربتكم بالسيف حتّى تؤولوا إلى الحق، وتنيبوا للصدق، فكان أرتق للفتق وآخذ بالرفق، اللّهمّ فاحكم بيننا بالحق وأنت خير الحاكمين.

قال: ثم خرجعليه‌السلام من المسجد فمرّ بصيرة(٣) فيها نحو من ثلاثين شاة، فقال: والله لو أنّ لي رجالاً ينصحون لله عزّ وجلّ ولرسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعدد هذه الشياه، لأزلت ابن آكلة الذبان(٤) عن ملكه.

قال: فلمّا أمسى بايعه ثلاثمائة وستون رجلاً على الموت، فقال لهم أمير المؤمنينعليه‌السلام : اغدوا بنا إلى أحجار الزيت(٥) محلّقين، وحلق أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فما وافى من القوم محلقاً إلاّ أبو ذر، والمقداد،

____________________

(١) أي ما اكتسبتم من خذلانكم لولي الأمر الحق واتباعكم للطاغوت.

(٢) قيل كان عدة أصحاب طالوت ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً. وقيل غير ذلك.

(٣) الصيرة: حظيرة تتخذ من الحجارة وأغصان الشجر للغنم والبقر.

(٤) الذبّان بالكسر والتشديد: جمع ذباب وكنّى بابن آكلتها عن سلطان الوقت فإنهم كانوا في الجاهلية يأكلون من كل خبيث نالوه.

(٥) أحجار الزيت: موضع داخل المدينة. ومحلقين: أي لابسين للحلقة وهي السلاح مطلقاً وقيل هي الدروع خاصة.


وحذيفة بن اليمان، وعمّار بن ياسر، وجاء سلمان في آخر القوم.

فرفععليه‌السلام يديه إلى السماء فقال: اللّهمّ إنّ القوم استضعفوني كما استضعف بنو إسرائيل هارون، اللّهمّ فإنّك تعلم ما نخفي وما نعلن، وما يخفى عليك شيء في الأرض ولا في السماء، توفّني مسلماً وألحقني بالصالحين، أما والبيت والمفضي(١) إلى البيت، ( وفي نسخة ): والمزدلفة والخفاف إلى التجمير، لولا عهد عهده إليّ النبيُّ الأُمّيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لأوردت المخالفين خليج المنيّة، ولأرسلت عليهم شآبيب(٢) صواعق الموت، وعن قليل سيعلمون(٢).

____________________

(١) والمفضي إلى البيت: أي ماسه بيده.

(٢) جمع شؤبوب وهو الدفعة من المطر وغيره، وهو هنا على نحو الاستعارة.

(٣) روضة الكافي لثقة الإسلام الكليني: ص٣٠ ح٥ تعليق سماحة الشيخ محمد جعفر شمس الدين، ط دار التعارف.


فصل

في روايةٍ رواها ابن أبي الحديد

روى ابن أبي الحديد من كتاب السقيفة بإسناده إلى أبي جعفر الباقرعليه‌السلام : أنّ عليّاً حمل فاطمة (صلوات الله عليهما) على حمار، وسار بها ليلاً إلى بيوت الأنصار يسألهم النصرة وتسألهم فاطمة الانتصار، فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله، قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، لو كان ابن عمك سبق إلينا أبا بكر ما عدلناه به. فقال عليعليه‌السلام : أكنت أترك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ميّتاً في بيته لا أجهّزه وأخرج إلى الناس أنازعهم في سلطانه. وقالت فاطمة: ما صنع أبو الحسن إلاّ ما كان ينبغي له، وصنعوا هم ما الله حسيبهم عليه(١).

وقال أيضاً:

ومن كلام معاوية المشهور إلى عليعليه‌السلام : وعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلاً على حمار ويداك في يدي ابنيك الحسن والحسين يوم بويع أبو بكر، فلم تدع أحداً من أهل بدر والسوابق إلاّ دعوتهم إلى نفسك، ومشيت إليهم بامرأتك، وأدليت إليهم بابنيك، واستنفرتهم(٢) على صاحب رسول الله!!! فلم يجبك منهم إلاّ أربعة أو خمسة، ولعمري لو كنت محقّاً

____________________

(١) شرح النهج: ج٦ ص١٣، بحار الأنوار: ج٢٨ ص٣٥٢.

(٢) نسخة النهج: واستنصرهم.


لأجابوك، ولكنك ادّعيت باطلاً، وقلت ما لا يعرف، ورمت ما لا يدرك، ومهما نسيت فلا أنسى قولك لأبي سفيان لَمّا حرّكك وهيّجك: لو وجدت أربعين ذوي عزم لناهضت القوم فما يوم المسلمين منك بواحد(٢) .

____________________

(١) شرح النهج: ج٢ ص٤٧. وإنّما أورد المصنّف (رحمه الله) هذه الرواية ليدلّل على أنّ عليّاًعليه‌السلام لم يتنازل عن حقّه ولا سكت بداية عنه، وإنّما سكت بعد مدّة؛ لعدم وجود الناصر، وامتثالاً لأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وحفظاً للإسلام وحفاظاً على الأُمّة.


فصل

فيما قاله مالك بن نويرة لأبي بكر وما خدع به خالد

قال بعض المحقّقين، فيما لخّصه من كتاب التهاب نيران الأحزان، ما هذا لفظه: فلمّا بُويع لأبي بكر، دخل مالك بن نويرة المدينة لينظر مَن قام بالأمر بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكان يوم الجمعة، فلمّا دخل المسجد أبا بكر يخطب على منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلمّا نظر إليه قال: هذا أخو تيم؟! قالوا: نعم، قال: فما فعل وصيّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي أمرني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باتباعه وموالاته، فقال له المغيرة بن شعبة: إنّك غبت وشهدنا، والأمر يحدث بعده الأمر، فقال مالك: والله ما حدث شيء ولكنّكم خنتم الله ورسوله.

ثم تقدّم إلى أبي بكر، فقال: يا أبا بكر، لماذا رقيت منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ووصيّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جالس؟ فقال أبو بكر: أخرجوا الأعرابي البوّال على عقبيه من المسجد، فقام إليه عمر وخالد وقنفذ، فلم يزالوا يكزون في ظهره حتّى أخرجوه من المسجد كرهاً بعد إهانة وضرب فركب مالك راحلته وهو ينشد ويقول:

أطعنا رسول الله ما كان بيننا

فيا قوم ما شأني وشأن أبي بكرِ


إذا مات بكرٌ قام بكرٌ مكانه(١)

فتلك وبيت الله قاصمة الظّهرِ

بدبّ ويغشاه العشار(٢) كأنّما

يجاهد جمّاً(٣) أو يقوم على قبري

فلو قام بالأمر الوصيّ عليهم(٤)

أقمنا ولو كان القيام على الجمرِ

قال الراوي: فلمّا توطّأ الأمر لأبي بكر، بعث خالد بن الوليد في جيش وقال له: وقد علمت ما قال ابن نويرة في المسجد على رؤوس الأشهاد، وما أنشد من شعره، ولسنا نأمن أن ينفتق علينا منه فتق لا يلتئم، والرأي أنّك تخدعه وتقتله وتقتل مَن كان يبارزك دونه، وتسبي حريمهم، فإنّهم قد ارتدّوا ومنعوا الزكاة.

فسار خالد إليهم، فلمّا رأى مالك بن نويرة الجيش قد أقبل نحوه، لبس لامة حربه واستوى على متن جواده، وكان مالك شجاعاً من شجعان العرب يعدّ بمائة فارس، فلمّا رآه خالد قد برز، خاف منه وهابه وأعطاه العهود والمواثيق على الأمان، فلم يركن إليه، فحلف له بالإيمان المغلّظة أنّه لا يغدر به، فرجع مالك ونزع لامة حربه وأضافهم تلك الليلة.

فلمّا نام القوم، دخل خالد بمَن معه على مالك في بيته وقتله غدراً، ودخل بامرأته في ليلته وأخذ رأسه فوضع في قدر فيه لحم جزور لوليمة العرس، وأمر أصحابه بأكله، ثم سباهم وسمّاهم أهل الردّه، افتراءً على الله وعلى رسوله(٥) .

____________________

(١) إذا مات بكر قام عمرو أمامه، في البحار.

(٢) العشار بالكسر: جمع العشراء وهي الناقة التي مضى لحملها عشرةُ أشهر، ولعلّ تشبيه القوم بالعشار لما أكلوا من الأموال المحرّمة وطمعوا من الولايات الباطلة، ونفي كونها جمّاً تهديد بأنّه وقومه كاملوا الإرادة والسلاح. بحار الأنوار.

(٣) والجم جمع الجمّاء وهي الشاة التي لا قرن لها، الأجَمّ الرجل بلا رمح.

(٤) فلو طاف فينا من قريش عصابة ( خ ل ).

(٥) بحار الأنوار: ج٨ ط القديم ص٢٣٠. كما ذكر قصّة مقتل مالك بن نويرة وتزويج خالد لامرأته في نفس الليلة وموقف كل من أبي بكر وعمر من خالد وسكوتهما عنه وعدم إقامة =


فلمّا سمع أمير المؤمنينعليه‌السلام قتل مالك بن نويرة وسبي حريمه، اغتمّ لذلك غماً شديداً وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون.

اصبر قليلاً فبعد العسر تيسير

وكلّ أمرٍ له وقتٌ وتقديرُ

وللمهيمن في حالاتنا نظرٌ

وفوق تدبيرنا لله تدبيرُ

( تقدير خ ل ) انتهى(١) .

أقول(٢) : وهذه القصّة ممّا نقلها المخالف والمؤالف، وروي أنّه لما قتل خالد مالكاً ونكح امرأته، كان في عسكره أبو قتادة الأنصاري، فركب فرسه ولحق بأبي بكر وحلف أن لا يسير في جيش تحت لواء خالد أبداً، فقصّ على أبي بكر القصّة، فقال أبو بكر: لقد فتنت الغنائم العرب وترك خالدٌ ما أمرته، وإنّ عمر لما سمع ذلك تكلّم فيه عند أبي بكر فأكثر، وقال: إنّ القصاص قد وجب عليه، فلمّا أقبل خالد بن الوليد غافلاً، دخل المسجد وعليه قباء له عليه صدأ الحديد معتجراً بعمامة له، قد غرز في عمامته أسهما، فلمّا أن دخل المسجد قام إليه عمر فنزع الأسهم عن رأسه فحطمها.

ثم قال: يا عديّ نفسه، أعدوت على امرئٍ مسلم فقتلته ثم نزوت على امرأته، والله لنرجمنّك بأحجارك، وخالد لا يكلّمه، ولا يظنّ إلاّ أنّ رأي أبي بكر مثل رأي عمر فيه، حتّى دخل إلى أبي بكر واعتذر إليه فعذره وتجاوز عنه، فخرج خالد، وعمر جالس في المسجد، فقال: هلمّ إليّ يا ابن أمّ شملة فعرف عمر أنّ أبا بكر قد رضي عنه، فلم يكلّمه ودخل بيته.

____________________

= الحد عليه الطبري: ط أوروبا ١ / ١٩٢٧ - ١٩٢٨، والإصابة: ٣ / ٣٣٧، وتاريخ اليعقوبي: ٢ / ١١٠، وكنز العمّال: ط الأُولى: ٣ / ١٣٢، وغيرهم.

(١) علم اليقين: ج٢ ص٦٨٣ إلى ٦٨٥.

(٢) راجع ذلك في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ١٧ / ٢٠٥ وما بعدها، وتاريخ الطبري: ٣ / ٢٧٩ - ٢٨٠.

واعتجر العمامة: لبسها.


قال العلاّمة المجلسي (قُدِّس سرّه): إنّ معاتبة عمر وغيظه على خالد في قتل مالك بن نويرة، لم يكن مراقبة للدين ورعاية لشريعة سيد المرسلين، وإنّما تألّم من قتله لأنّه كان حليفاً له في الجاهلية، وقد عفى عن خالد لما علم أنّه هو قاتل سعد بن عبادة(١) .

رُوي عن بعض أصحابنا عن أهل البيتعليهم‌السلام : أنّ عمر استقبل في خلافته خالد بن الوليد يوماً في بعض حيطان المدينة، فقال له: يا خالد، أنت الّذي قتل مالكاً؟ قال يا أمير المؤمنين: إنْ كنت قتلت مالك بن نويرة لهَنَاتٍ كانت بينكم وبينه، فقد قتلت لكم سعد بن عبادة لهَنَاتٍ كانت بينكم وبينه، فأعجب عمر قوله، وضمّه إلى صدره وقال له: أنت سيف الله وسيف رسوله. انتهى(٢) .

____________________

(١) بحار الأنوار كتاب الفتن والمحن: ص٢٥٧.

(٢) بحار الأنوار: ج٨ ص٢٥٧. وقد قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: ١٧ / ٢٢٤ بعد ذكر مقتل سعد بن عبادة بالشام ما نصّه: وما ذلك من أفعال خالد ببعيد.


فصل

في عرضهعليه‌السلام القرآن على الناس وما قالوا في جوابه

روى سليم بن قيس، عن سلمان حديث السقيفة، وساق الكلام إلى أن قال: فلمّا أن رأى عليعليه‌السلام غدرهم وقلّة وفائهم له؛ لزم بيته وأقبل على القرآن يؤلفّه ويجمعه، فلم يخرج من بيته حتّى جمعه، وكان في الصحف والشّظاظ والأكتاف والرقاع، فلمّا جمعه كلّه وكتبه بيده تنزيله وتأويله، والناسخ منه والمنسوخ؛ بعث إليه أبو بكر: اخرج فبايع، فبعث إليه عليّعليه‌السلام : إنّي لمشغول وقد آليت على نفسي يميناً أن لا أرتدي برداء إلاّ للصلاّة، حتّى أؤلّف القرآن وأجمعه؛ فسكتوا عنه أيّاماً فجمعه في ثوب واحد وختمه(١) .

وروي عن غيره أنّهعليه‌السلام جاء به إلى قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فتركه وصلّى ركعتين وسلّم على رسوله اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثم خرج إلى الناس وهم مجتمعون مع أبي بكر في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فنادى عليعليه‌السلام بأعلى صوته: أيّها الناس، إنّي لم أزل منذ قُبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مشغولاً بغسله، ثم بالقرآن حتّى جمعته كلّه في هذا الثوب الواحد، فلم ينزل الله على رسوله آية

____________________

(١) سليم بن قيس: ص٨١.


منه إلاّ وقد جمعتها، وليست منه آية إلاّ وقد أقرأنيها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلمني تأويلها، ثم قال عليعليه‌السلام : لئلاّ تقولوا غداً إنّا كنّا عن هذا غافلين، ثم قال لهم عليعليه‌السلام : لا تقولوا يوم القيامة إنّي لم أدعُكم إلى نصرتي، ولم أذكّركم حقّي، ولم أدعكم إلى كتاب الله من فاتحته إلى خاتمته. فقال له عمر: ما أغنانا بما معنا من القرآن عمّا تدعونا إليه(١) .

وفي رواية أُخرى، فقال عمر: اتركه وامض لشأنك، فقالعليه‌السلام لهم: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أوصاكم فقال: إنّي مخلّف فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فإن قبلتموه فاقبلوني معه أحكم بينكم بما أنزل الله فيه، فإنّي أعلم منكم بتأويله وبناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه، وحلاله وحرامه. فقال عمر: فانصرف به معك حتّى لا يفارقك ولا تفارقه، فلا حاجة لنا فيه ولا فيك.

فانصرفعليه‌السلام إلى بيته والقرآن معه، فجلسعليه‌السلام على مصلاّه، ووضع القرآن في حجره وجعل يتلوه، وعيناه تهملان بالدّموع، فدخل عليه أخوه عقيل بن أبي طالب فرآه يبكي، فقال يا أخي: ما لك تبكي؟ لا أبكى الله عينيك، فقالعليه‌السلام : يا أخي، بكائي والله من أمر قريش وتركاضهم في ضلال، وتجاولهم ( تجوالهم خ ل ) في الشقاق وجماحهم في التيه، فإنّهم قد أجمعوا على حربي كإجماعهم على حرب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبلي، فجزت قريشاً عنّي الجوازي(٢)، فقد قطعوا رحمي وسلبوني سلطان ابن عمّي، ثم انتحب باكياً، ثم استرجع وقال متمثّلاً:

فان تسأليني كيف أنت فإننّي

صبورٌ على ريب الزّمان صليبُ

يعزّ عليّ أن ترى بي كآبة

فيشمت عادٍ أو يُساء حبيبُ(٣)

____________________

(١) بحار الأنوار: ج٨ ص٥١ ط. ق.

(٢) فجزت قريش عن الجوازي. خ علم اليقين.

(٣) علم اليقين للمحدّث الكاشاني ( ره ): ص٦٨٦ ج٢.


رجعنا إلى رواية سليم، ثم دخل عليعليه‌السلام بيته، وقال عمر لأبي بكر: أرسل إلى علي فليبايع، فإنّا لسنا في شيء حتّى يبايع، ولو قد بايع أمنّاه، فأرسل إليه أبو بكر: أجب خليفة رسول الله، فأتاه الرّسول، فقال له ذلك، فقال له عليٌّعليه‌السلام : سبحان الله، ما أسرع ما كذبتم على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إنّه ليعلم ويعلم الذين حوله، أنّ الله ورسوله لم يستخلفا غيري.

وذهب الرّسول فأخبره بما قال له، فقال: اذهب فقل له: أجب أمير المؤمنين أبا بكر، فأتاه فأخبره بما قال، فقال عليعليه‌السلام : سبحان الله، ما والله طال العهد فينسى، والله إنّه ليعلم أنّ هذا الاسم لا يصلح إلاّ لي، ولقد أمره رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو سابع سبعة فسلّموا عليَّ بإمرة المؤمنين، فاستفهم هو وصاحبه من بين سبعة فقالا: أمن الله ورسوله، فقال لهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( نعم حقّاً من الله ورسوله إنّه أمير المؤمنين وسيد المسلمين، وصاحب لواء الغرّ المحجّلين، يقعده الله عزّ وجلّ يوم القيامة على الصراط، فيدخل أولياءَه الجنّة وأعداءَه النار ). فانطلق الرسول فأخبره، بما قالعليه‌السلام ، فسكتوا عنه يومهم ذلك.

قال: فلمّا كان الّليل، حمل عليٌّعليه‌السلام فاطمةعليها‌السلام على حمار، وأخذ بيد الحسن والحسينعليه‌السلام ، فلم يَدَعْ أحداً من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلاّ أتاه في منزله، فناشدهم الله حقّه ودعاهم إلى نصرته، فما استجاب منهم رجل غير أربعة، هم: سلمان وأبو ذر والمقداد والزبير بن العوام(١) فإنّا حلَقنا رؤوسنا وبذلنا له نصرتنا، وكان الزبير أشدنّا بصيرة في نصرته.

____________________

(١) أقول: لعلّ جملة هم: سلمان وأبو ذر والمقداد والزبير بن العوام بيان من المصنّف ( ره )، وإلاّ فإنّ نسخة المصدر والبحار خالية عنها.


فصل

إضرام النار على بيت فاطمةعليها‌السلام

فلمّا أن رأى عليّعليه‌السلام خذلان الناس إيّاه، وتركهم نصرته، واجتماع كلمتهم مع أبي بكر، وتعظيمهم إيّاه؛ لزم بيته، فقال عمر لأبي بكر: ما يمنعك أن تبعث إليه فيبايع، فإنّه لم يبق أحد إلاّ وقد بايع غيرَه وغيرَ هؤلاء الأربعة. وكان أبو بكر أرقّ الرّجلين وأرفقهما وأدهاهما وأبعدهما غوراً، والآخر أفظّهما وأغلظهما وأجفاهما، فقال له أبو بكر: مَن نرسل إليه؟ فقال عمر: نرسل إليه قنفذاً فهو رجل فظّ غليظ جاف من الطلقاء أحد بني عدي بن كعب، فأرسله وأرسل معه أعواناً، وانطلق فاستأذن على عليّعليه‌السلام ، فأبى أن يأذن لهم، فرجع أصحاب قنفذ إلى أبي بكر وعمر وهما جالسان في المسجد، والناس حولهما فقالوا: لم يؤذن لنا، فقال عمر: اذهبوا فإن أذن لكم وإلاّ فادخلوا بغير إذن.

فانطلقوا فاستأذنوا، فقالت فاطمةعليها‌السلام أُحَرّجُ عليكم أن تدخلوا عليَّ بيتي بغير إذن. فرجعوا وثبت قنفذ الملعون، فقالوا: إنّ فاطمة قالت كذا وكذا فتحرجنا أن ندخل بيتها بغير إذن، فغضب عمر وقال: ما لنا وللنّساء، ثم أمر أناساً حوله بتحصيل الحطب، وحملوا الحطب وحمل معهم عمر، فجعلوه حول منزل علي وفيه علي وفاطمة وابناهماعليهم‌السلام ، ثم نادى عمر حتّى أسمع عليّاً وفاطمةعليهما‌السلام .


والله لتخرجنّ يا علي ولتبايعنّ خليفة رسول الله، وإلاّ أضرمت عليك النّار، فقامت فاطمةعليها‌السلام فقالت: يا عمر ما لنا و لك؟ فقال: افتحي الباب وإلاّ أحرقنا عليكم بيتكم، فقالت: يا عمر، أما تتقي الله تدخل عليّ بيتي. فأبى أن ينصرف ودعا عمر بالنّار فأضرمها في الباب، ثم دفعه(١) فدخل، فاستقبلته فاطمةعليها‌السلام وصاحت: أبتاه يا رسول الله، فرفع عمر السيف وهو في غمده فوجأ به جنبها، فصرخت يا أبتاه، فرفع السوط فضرب به ذراعها، فنادت: يا رسول الله، لبئس ما خلفك أبو بكر وعمر.

فوثب عليّعليه‌السلام فأخذ بتلابيبه فصرعه، ووجأ أنفه ورقبته، وهمّ بقتله، فذكر قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وما أوصاه به، فقال: والّذي كرّم محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالنبوّة يا ابن صهّاك، لولا كتاب من الله وعهد عهده إليّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لعلمت أنّك لا تدخل بيتي. فأرسل عمر يستغيث، فأقبل الناس حتّى دخلوا الدار، وثار عليعليه‌السلام إلى سيفه، فرجع قنفذ إلى أبي بكر وهو يتخوّف أن يخرج عليعليه‌السلام بسيفه لما قد عرف من بأسه وشدّته، فقال أبو بكر لقنفذ: ارجع فإن خرج وإلاّ فاقتحم عليه بيته، فإن امتنع فأضرم على فأضرم على بيتهم النار، فانطلق قنفذ الملعون فاقتحم هو وأصحابه بغير إذن، وثار عليعليه‌السلام إلى سيفه، فسبقوه إليه وكاثروه وهم كثيرون، فتناول بعض سيوفهم فكاثروه، فألقوا في عنقه حبلاً، وحالت بينهم وبينه فاطمةعليها‌السلام عند باب البيت، فضربها قنفذ الملعون بالسوط، فماتت حين ماتت وإنّ في عضدها مثل الدملج من ضربته لعنه الله.

ثم انطلقوا بعليعليه‌السلام يتلّ(٢) حتى انتهى به إلى أبي بكر، وعمر قائم

____________________

(١) قال المسعودي في إثبات الوصيّة: ص١٢٣: فهجموا عليه وأحرقوا بابه. وقال الشيخ المفيد في الاختصاص: ص١٨٥ - ١٨٦: فلمّا انتهوا إلى الباب ضرب عمر الباب برجله فكسره ...

(٢) في المصدر: يعتل عتلاً يعني يجذب جذباً.

واتلّه: أي أوثقه وجرّه.


بالسيف على رأسه، وخالد بن الوليد، وأبو عبيدة بن الجراح، وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، والمغيرة بن شعبة، وأسيد بن حضير، وبشير بن سعد، وسائر الناس حول أبي بكر عليهم السلاح(١) .

احتجاج فاطمةعليها‌السلام مع أبي بكر

وفي رواية العياشي: فخرجت فاطمةعليها‌السلام فقالت: يا أبا بكر، أتريد أن ترمّلني من زوجي؟ والله لئن لم تكفّ عنه لأنشرنّ شعري ولأشقّنَّ جيبي ولآتينّ قبر أبي ولأصيحنّ إلى ربّي، فأخذت بيد الحسن والحسين وخرجت تريد قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال عليعليه‌السلام لسلمان: أدرك ابنة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإنّي أرى جنبتي المدينة تُكفئان(٢) ، والله إن نشرت شعرها، وشقّت جيبها وأتت قبر أبيها وصاحت إلى ربّها، لا يناظر بالمدينة أن يخسف بها وبمَن فيها، فأدركها سلمان (رضي الله عنه) فقال: يا بنت محمد، إنّ الله إنّما بعث أباك رحمة فارجعي، فقالت: يا سلمان، يريدون قتل عليعليه‌السلام وما عليَّ صبر، فدعني حتّى آتي قبر أبي، فأنشر شعري وأشقّ جيبي وأصيح إلى ربيّ، فقال سلمان: إنّي أخاف أن يخسف بالمدينة، وعليٌّ بعثني إليك يأمرك أن ترجعي له إلى بيتك وتنصرفي، فقالتعليها‌السلام : إذاً أرجع وأصبر وأسمع له وأطيع(٣) .

الاحتجاج: روي عن الصادقعليه‌السلام أنّه قال: لما استُخْرجَ أمير المؤمنينعليه‌السلام من منزله، خرجت فاطمةعليها‌السلام فما بقيت هاشمية إلاّ خرجت معها، حتى انتهت قريباً من القبر، فقالت لهم: خلّوا عن ابن عمّي، فو الذي بعث محمداً بالحق، لئن لم تخلوا عنه لأنشرنّ شعري ولأضعنّ

____________________

(١) كتاب سليم بن قيس: ص٨٣ - ٨٤، بحار الأنوار: ج٢٨ ص٢٦٩.

(٢) قوله تكفئان: أي تضطربان وتنقلبان.

(٣) العيّاشي: ج٢ ص٦٧، وبحار الأنوار: ج٢٨ ص٢٢٧.


قميص رسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على رأسي، ولأصرخنّ إلى الله تبارك وتعالى، فما صالح بأكرمَ على الله من أبي، ولا الناقة بأكرم منّي، ولا الفصيل بأكرمَ على الله من ولديّ، قال سلمان (رضي الله عنه): كنت قريباً منها، فرأيت والله أساس حيطان المسجد، مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تقلعت من أسفلها، حتّى لو أراد رجل أن ينفذ من تحتها لنفذ، فدنوت منها، فقلت: يا سيّدتي ومولاتي، إنّ الله تبارك وتعالى بعث أباك رحمة فلا تكوني نقمة، فرجعت، ورجعت الحيطان حتّى سطعت الغبرة من أسفلها فدخلت في خياشيمنا(١) .

وروى الشيخ الكليني (قُدِّس سرّه) عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهما‌السلام قالا: إنّ فاطمةعليها‌السلام لما أن كان من أمرهم ما كان، أخذت بتلابيب عمر فجذبته إليها ثم قالت: أما والله يا ابن الخطاب، لولا أنّي أكره أن يصيب البلاء مَن لا ذنب له، لعلمت أنّي سأقسم على الله، ثم أجده سريع الإجابة(٢) .

وروي أيضاً أنّه: لما أخرج بعليعليه‌السلام ، خرجت فاطمة (صلوات الله عليها) واضعة قميص رسول الله على رأسها، آخذة بيدي ابنيها، فقالت: مالي وما لك يا أبا بكر؟ تريد أن تؤتم ابنيَّ وترمّلني من زوجي؟ والله لولا أن تكون سيئة، لنشرت شعري، ولصرخت إلى ربّي، فقال رجل من القوم: ما تريد إلى هذا؟ ثم أخذت بيده فانطلقت به(٣) .

وفي رواية أخرى، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: والله لو نشرت شعرها ماتوا طرّاً(٤) .

____________________

(١) الاحتجاج: ج١ ص١١٣.

(٢) أُصول الكافي: ج١ ص٥٣٢. تحقيق وتعليق سماحة الشيخ محمد جعفر شمس الدين. ط دار التعارف.

(٣) روضة الكافي: ص١٩١. تحقيق وتعليق سماحة الشيخ محمد جعفر شمس الدين. ط دار التعارف.

(٤) روضة الكافي: ن. م ص١٩٢. طرّاً: أي جميعاً.


في أنَّ عمر وخالداً أتيا بعلي (ع) والزبير للبيعة عنوة

روى ابن أبي الحديد عن كتاب السقيفة للجوهري، بإسناده عن الشعبي قال: قال أبو بكر: يا عمر، أين خالد بن الوليد؟ قال هو هذا، فقال: انطلقا إليهما يعني: عليّاً والزبير، فأتياني بهما، فدخل عمر ووقف خالد على الباب من خارج، فقال عمر للزبير: ما هذا السيف؟ قال أعددته لأبايع عليّاً، قال: وكان في البيت ناس كثير منهم المقداد بن الأسود وجمهور الهاشميين، فاخترط عمر السيف فضرب به صخرة في البيت فكسره، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه، ثم دفعه فأخرجه، وقال: يا خالد دونك هذا، فأمسكه خالد وكان في خارج البيت مع خالد جمع كثير من الناس أرسلهم أبو بكر رِداءاً لهما، ثم دخل عمر فقال لعليعليه‌السلام : قم فبايع، فتلكّأ واحتبس، فأخذه بيده فقال: قم، فأبى أن يقوم، فحمله ودفعه كما دفع الزبير، ثم أمسكهما خالد وساقهما عمر ومَن معه سوقاً عنيفاً، واجتمع الناس ينظرون وامتلأت شوراع المدينة بالرّجال.

ورأت فاطمةعليها‌السلام ما صنع عمر، فصرخت وولوت، واجتمعت معها نسوة كثيرة من الهاشميات وغيرهنّ، فخرجت إلى باب حجرتها ونادت: يا أبا بكر، ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله، والله لا أكلّمه حتى ألقى الله، قال: فلمّا بايع عليّعليه‌السلام والزّبير، وهدأت تلك الفورة، مشى إليها أبو بكر بعد ذلك فشفع لعمر وطلب إليها فرضيت عنه.

قال ابن أبي الحديد: والصحيح عندي، أنّها ماتت وهي واجدة على أبي بكر وعمر، وأنّها أوصت أن لا يصلّيا عليها، وذلك عند أصحابنا من الصغائر(١) المغفورة لهما، وكان الأولى بهما إكرامها واحترام منزلتها، لكنّهما خافا الفرقة وأشفقا من الفتنة، ففعلا ما هو الأصلح بحسب ظنّهما،

____________________

(١) من الأمور - خ م.


وكان ( كانا - ل ) من الدِّين وقوّة اليقين بمكان مكين، ومثل هذا لو ثبت كونه خطأ لم تكن كبيرة، بل كان من باب الصغائر التي لا تقتضي التبرِّي، ولا توجب التولّي. انتهى كلام ابن أبي الحديد عليه ما يستحقّه ويريد(١) .

____________________

(١) شرح النهج: ج٦ ص٤٩ - ٥٠. والذي يدل على كذب الجوهري فيما نقله عنه ابن أبي الحديد في كتاب السقيفة من أنّها رضيت عنهما قبل موتها ما رواه المؤرّخون من أنّها عليها‌السلام صرّحت بغضبها عليهما في حضورهما، وأنّها خاطبت أبا بكر بقولها: والله لأدعون عليك في كل صلاة أصلّيها؛ فخرج باكياً. فراجع كتاب الإمامة والسياسة لابن قتيبة ١ / ١٤، ومنتخب كنز العمّال ٤ / ٣٦١، والطبري ٢، وكنز العمّال أيضاً / ٥.


فصل

قصّة اقتحام بيت فاطمةعليها‌السلام وضربها وإلقاء جنينها

قال العلاّمة المجلسي في البحار: وجدت في كتاب سليم بن قيس الهلالي برواية أبان ابن أبي عيّاش عن سلمان وعبد الله بن العبّاس، قالا: وتوفّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم توفّي، فلم يوضع في حفرته حتّى نكث الناس وارتدُّوا، واجتمعوا على الخلاف، واشتغل عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى فرغ من غسله وتكفينه وتحنيطه ووضعه في حفرته.

ثم أقبلعليه‌السلام على تأليف القرآن، وشُغل عنهم بوصيّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال عمر لأبي بكر: يا هذا إنّ النّاس أجمعين قد بايعوك، ما خلا هذا الرّجل وأهل بيته، وهؤلاء النفر، فابعث إليه، فبعث إليه ابن عمّ لعمر يقال له قنفذ وأبى عليعليه‌السلام أن يأتيهم، فوثب عمر غضبان، ونادى خالد بن الوليد وقنفذاً فأمرهما أن يحملا حطباً وناراً، ثم أقبل حتّى انتهى إلى باب علي وفاطمةعليهما‌السلام وفاطمةعليها‌السلام قاعدة خلف الباب: قد عصبت رأسها ونحل جسمها في وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فأقبل عمر حتى ضرب الباب، ثم نادى: يا ابن أبي طالب افتح الباب، فقالت فاطمةعليها‌السلام : يا عمر، ما لنا ولك، ألا تدعنا وما نحن فيه؟ قال


افتحي الباب وإلاّ أحرقنا عليكم، فقالت: يا عمر، أما تتقي الله عزّ وجلّ، تدخل عليّ بيتي وتهجم عليّ داري؟ فأبى أن ينصرف، ثم دعى عمر بالنّار فأضرمها في الباب، فأحرق الباب ثم دفعه عمر، فاستقبلته فاطمةعليها‌السلام وصاحت: يا أبتاه يا رسول الله، فرفع عمر السيف وهو في غمده، فوجأ به جنبها، فصرخت، فرفع السوط فضرب به ذراعها فصاحت: يا أبتاه، فوثب عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام فأخذ بتلابيب عمر، ثم هزّه فصرعه، ووجأ أنفه ورقبته وهمّ بقتله، فذكر قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وما أوصاه به من الصبر والطّاعة.

فقال: والّذي كرّم محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالنبوّة، يا ابن صهّاك، لولا كتاب من الله سبق لعلمتَ أنّك لا تدخل بيتي. فأرسل عمر يستغيث، فأقبل الناس حتّى دخلوا الدّار فكاثروه، وألقوا في عنقه حبلاً، فحالت بينهم وبينه فاطمةعليها‌السلام عند باب البيت، فضربها قنفذ الملعون بالسوط، فماتت حين ماتت، وإنّ في عضدها كمثل الدّملج من ضربته لعنه الله، فألجألها إلى عضادة بيتها ودفعها فكسر ضلعها من جنبها فألقت جنيناً من بطنها، فلم تزل صاحبة فراش حتى ماتت (صلوات الله عليها) من ذلك شهيدة(١) .

أقول: ورُوي أيضاً عن كتاب سليم، أنّه أغرم عمر بن الخطاب في بعض سنين جميع عمّاله أنصاف أموالهم سوى قنفذ. قال سليم: انتهيت إلى حلقة في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليس فيها إلاّ هاشمي غير سلمان، وأبي ذر، والمقداد، ومحمّد ابن أبي بكر، وعمر ابن أبي سلمة، وقيس بن سعد بن عبادة، فقال العباس لعليّعليه‌السلام : ما ترى عمر منعه أن يغرم قنفذاً كما غرم جميع عمّاله؟ فنظر عليعليه‌السلام إلى مَن حوله، ثم اغرورقت عيناه، ثم قال:

____________________

(١) بحار الأنوار: ج٢٨ ص٢٩٧ - ٢٩٩، وأيضاً ٢٧٠. وكذا رواه بألفاظ مختلفة في الوافي بالوفيات ٥ / ٥٤٧، والملل والنحل للشهرستاني: ١/ ٥٧، وميزان الاعتدال للذهبي الشافعي: ١ /١٣٩، ولسان الميزان لابن حجر: ١/ ٢٦٨، والمسعودي في إثبات الوصية: ١٢٣، وغيرهم.


شكر له ضربة ضربها فاطمةعليها‌السلام بالسوط فماتت وإنّ في عضدها أثره كأنّه الدّملج(١) .

وروى في الاحتجاج: احتجاجَ الحسن بن عليعليه‌السلام على معاوية وأصحابه في حديث طويل، أنّه قال للمغيرة بن شعبة في جواب افترائه على أمير المؤمنينعليه‌السلام ووقوعه فيه (سلام الله عليه): وأمّا أنت يا مغيرة بن شعبة، فإنّك لله عدو، ولكتابه نابذ، ولنبيّه مكذّب، إلى أن قال له: وأنت ضربت بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى أدميتها، وألقت ما في بطنها، استذلالاً منك لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومخالفة منك لأمره، وانتهاكاً لحرمته، وقد قال لها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( يا فاطمة أنت سيّدة نساءِ أهل الجنّة ) والله مصيَّرُك إلى النّار وجاعل وبال ما نطقت به عليك(٢) .

____________________

(١) كتاب سليم: ص١٣٤.

(٢) الاحتجاج: ج١ ص٤١٤. وقد ذكر الشيخ الطوسي في تلخيص الشافي: ٣ / ١٥٦ فقال: والمشهور الذي لا خلاف فيه بين الشيعة أنّ عمر ضرب على بطنها حتى أسقطت فسمّى السقط محسناً. والرواية بذلك مشهورة عندهم.

أقول: والظاهر أنّ الضرب لم يقتصر على عمر وحده، وراجع أيضاً الاختصاص للشيخ المفيد: ص١٨٥.


فصل

إقبال فاطمةعليها‌السلام إلى قبر أبيها وما قالت

قال صاحب كتاب علم اليقين، نقلاً عن كتاب التهاب نيران الأحزان ما هذا لفظه: ثم إنّ عمر جمع جماعةً من الطلقاء والمنافقين، وأتى بهم إلى منزل أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فوافوا بابه مغلقاً، فصاحوا به: أخرج يا علي فإنّ خليفة رسول الله يدعوك، فلم يفتح لهم الباب.

فأتوه بحطب فوضعوه على الباب، وجاؤوا بالنار ليضرموه فصاح عمر وقال: والله لئن لم تفتحوا لنضرمنّه بالنار، فلمّا عرفت فاطمةعليها‌السلام أنّهم يحرقون منزلها قامت وفتحت الباب، فدفعها القوم قبل أن تتوارى عنهم، فاختبت فاطمةعليها‌السلام وراء الباب، فدفعها عمر حتّى ضغطها بين الباب والحايط(١) ، ثم إنّهم تواثبوا على أمير المؤمنينعليه‌السلام وهو جالس على فراشه، واجتمعوا عليه حتّى أخرجوه سحباً من داره ملبّباً بثوبه يجرّونه إلى المسجد، فحالت فاطمةعليها‌السلام بينهم وبين بعلها، وقالت: والله لا أدعكم تجرّون ابن عمّي ظلماً، ويلكم، ما أسرع ما خنتم الله ورسوله فينا أهل البيت، وقد أوصاكم

____________________

(١) ويقول المسعودي في إثبات الوصيّة: ص١٢٣: فهجموا عليه وأحرقوا بابه وضغطوا سيّدة النساء بالباب حتى أسقطت محسناً.


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باتباعنا ومودّتنا والتمسّك بنا، فقال الله تعالى:( قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (١) . قال: فتركه أكثر القوم لأجلها، فأمر عمر قنفذاً ابن عمه أن يضربها بسوطه، فضربها قنفذ بالسوط على ظهرها وجنبيها إلى أن أنهكها وأثّر في جسمها الشريف، وكان ذلك الضرب أقوى ضرر في إسقاط جنينها، وقد كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سمّاه محسناً، وجعلوا يقودون أمير المؤمنينعليه‌السلام إلى المسجد حتّى أوقفوه بين يدي أبي بكر، فلحقته فاطمةعليها‌السلام إلى المسجد لتخلّصه فلم تتمكّن من ذلك، فعدلت إلى قبر أبيها، فأشارت إليه(٢) بحرقة ونحيب وهي تقول:

نفسي على زفراتها محبوسة

يا ليتها خرجت مع الزّفراتِ

لا خير بعدك في الحياة، وإنّما

أبكي، مخافة أن تطول حياتي

ثم قالت: وا أسفاه عليك يا أبتاه، وا ثكل حبيبك أبو الحسن المؤتمن وأبو سبطيك الحسن والحسين، ومَن ربيّته صغيراً وواخيته كبيراً، وأجلّ أحبّائك لديك، وأحبّ أصحابك إليك، أوّلهم سبقاً إلى الإسلام، ومهاجرة إليك يا خير الأنام، فها هو يساق في الأسر كما يقاد البعير.

ثم إنّها أنّت أنّة، وقالت: وا محمّداه، وا حبيباه، وا أباه، وا أبا القاسماه، وا أحمداه، وا قلّة ناصراه، وا غوثاه، وا طول كربتاه، وا حزناه، وا مصيبتاه وا سوء صباحاه، وخرّت مغشيّة عليها، فضجّ الناس بالبكاء والنحيب، وصار المسجد مأتماً، ثم إنّهم أوقفوا أمير المؤمنينعليه‌السلام بين يدي أبي بكر وقالوا له: مدّ يدك فبايع!!! فقال: والله لا أبايع، والبيعة لي في رقابكم.

فروي عن عدي بن حاتم، أنّه قال: والله ما رحمت أحداً قط رحمتي على علي بن أبي طالبعليه‌السلام حين أتى به ملبّباً بثوبه، يقودونه إلى أبي بكر، وقالوا: بايع!! قال: فإن لم أفعل؟ قالوا: نضرب الذي فيه عيناك، قال: فرفع

____________________

(١) الشورى: ٢٣.

(٢) أي إلى القبر الشريف.


رأسه إلى السماء، وقال: اللّهمّ إنّي أُشهدك أنّهم أتوا أن يقتلوني، فإنّي عبد الله وأخو رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقالوا له: مدّ يدك فبايع!!! فأبى عليهم، فمدوا يده كرها فقبضعليه‌السلام على أنامله، فراموا بأجمعها فتحها فلم يقدروا، فمسح عليها أبو بكر وهي مضمومة، وهوعليه‌السلام يقول وينظر إلى قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( يا ابن عم إنّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ).

قال الراوي: إنّ علياًعليه‌السلام خاطب أبا بكر بهذين البيتين:

فإن كنتَ بالشورى ملكتَ أُمورَهم

فكيف بهذا والمشيرون غُيَّبُ

وإن كنتَ بالقربى حججتَ خصيمَهم

فغيرُك أولى بالنبيّ وأقربُ

وكانعليه‌السلام كثيراً ما يقول: ( وا عجباً، تكون الخلافة بالصحابة، ولا تكون بالقرابة والصحابة ) انتهى(١) .

____________________

(١) علم اليقين: ج٢ ص ٦٨٦ - ٦٨٨.


فصل

ما قاله عمر في كتاب عهده إلى معاوية

في كتاب عهد عمر إلى معاوية: فأتيت داره مستشيراً لإخراجه منها، فقالت الأمَةُ فِضّة، وقد قلت لها: قولي لعليّ يخرج إلى بيعة أبي بكر، فقد اجتمع عليه المسلمون، فقالت: إنّ أمير المؤمنين عليّاً مشغول، فقلت: خلّي عنك هذا وقولي له يخرج وإلاّ دخلنا عليه وأخرجناه كرهاً، فخرجت فاطمة فوقفت من وراءِ الباب فقالت: أيّها الضالّون المكذِّبون ماذا تقولون؟ وأيّ شيءٍ تريدون؟ فقلت: يا فاطمة، فقالت: ما تشاء يا عمر؟ فقلت: ما بال ابن عمّك قد أوردك للجواب وجلس من وراء الحجاب؟

فقالت لي: طغيانك يا شقي أخرجني، وألزمك الحجّة وكلّ ضالّ غويّ، فقلت: دعي عنك الأباطيل وأساطير النساء وقولي لعليّ يخرج، فقالت: لا حبّ ولا كرامة، أبحزب الشيطان تخوّفني يا عمر؟ وكان حزب الشيطان ضعيفاً، فقلت: إن لم يخرج جئت بالحطب الجزل وأضرمتها ناراً على أهل هذا البيت، وأحرق مَن فيه، أو يقاد عليّ إلى البيعة، وأخذت سوط قنفذ فضربتها وقلت لخالد بن الوليد: أنت ورجالنا هلمّوا في جمع الحطب فقلت: إنّي مضرمها، فقالت: يا عدوّ الله وعدوّ رسوله وعدوّ أمير المؤمنين، فضربت فاطمة يديها من الباب تمنعني من فتحه، فرمته، فتصعّب عليّ،


فضربت كفيها بالسوط فآلمها، فسمعت لها زفيراً وبكاء فكدت أن ألين وأنقلب عن الباب.

فذكرت أحقاد علي، وولوغه في دماء صناديد العرب، وكيد محمّد وسحره، فركلت الباب، وقد ألصقت أحشاءها بالباب تترسه، وسمعتها وقد صرخت صرخة حسبتها قد جعلت أعلى المدينة أسفلها وقالت: يا أبتاه يا رسول الله، هكذا كان يفعل بحبيبتك وابنتك، آه يا فضّة إليك فَخُذيني، فقد والله قتل ما في أحشائي من حمل، وسمعتها تمخض وهي مستندة إلى الجدار، فدفعت الباب ودخلت، فأقبلت إليّ بوجه أغشى بصري، فصفقتُ صفقة على خديها من ظاهر الخمار فانقطع قرطها، وتناثرت إلى الأرض، الخبر بطوله(١) .

وعن إرشاد القلوب، عنهاعليها‌السلام قالت: فجمعوا الحطب الجزل على بابنا وأتوا بالنار، ليحرقوه ويحرقونا، فوقفت بعضادة الباب وناشدتهم بالله وبأبي أن يكفّوا عنّا وينصرونا، فأخذ عمر السّوط من يد قنفذ مولى أبي بكر، فضرب به عضدي فالتوى السوط على عضدي حتّى صار كالدّملج، وركل الباب برجله، فردّه عليَّ وأنا حامل فسقطت لوجهي، والنار تسعر وتسفع وجهي، فضربني بيده حتّى انتثر قرطي من أذني، وجاءني المخاض، فأسقطت محسناً قتيلاً بغير جرم.

____________________

(١) بحار الأنوار: ج٨ ط القديمة ص٢٢٢ بحار الأنوار: ج٨ ط القديم ص٢٣١. وقد قال الشيخ المفيد في كتاب الاختصاص: ص١٨٥: عندما كتب الأوّل لها كتاباً بفدك فلقيها الثاني خارجة وعندما عرف ما في الكتاب نازعها إيّاه بعدما أبت أن تعطيه له فرفسها برجله وكانت حاملة بابن اسمه المحسّن فأسقطه من بطنها، ثم أخذ الكتاب فحرقه فمضت ومكثت خمسة وسبعين يوماً مريضة ممّا ضربها عمر.

ويذكر الشهرستاني في الملل والنحل: ١ / ٥٧ وهو يعيب على النظام أنّه كان يقول: إنّ عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت الجنين من بطنها. كما يراجع ميزان الاعتدال للذهبي: ١ /١٣٩، ولسان الميزان لابن حجر.


فصل

ما أخبر الله تعالى ليلة المعراج نبيّه بظلم ابنته وأخذ حقّها

وكان ممّا أخبر الله تعالى نبيّه ليلة المعراج أن قال: وأمّا ابنتك فتُظلم وتُحرم، ويُؤخذ غصباً حقّها الذي تجعله لها، وتُضرب وهي حامل، ويدخل على حريمها ومنزلها بغير إذن، ثم يمسّها هوان وذلّ، ثم لا تجد مانعاً، وتطرح ما في بطنها من الضرب وتموت من ذلك الضرب، قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّا لله وإنّا إليه راجعون، قبلت يا ربّ وسلّمت ومنك التوفيق والصبر(١) .

وروي أنّ أول ما يحكم فيه محسن بن عليعليه‌السلام في قاتله ثم في قنفذ، فيؤتيان هو وصاحبه فيضربان بسياط من نار، لو وقع سوط منها على البحار لغلت من مشرقها إلى مغربها، ولو وضعت على جبال الدنيا لذابت حتّى تصير رماداً فيضربان بها(٢) .

وروى المفضل بن عمر، عن الصادقعليه‌السلام في خبر طويل: ويأتي محسن تحمله خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت أسد أُمّ أمير المؤمنينعليه‌السلام

____________________

(١) بحار الأنوار: ج٢٨ ص٦٢.

(٢) بحار الأنوار: ج٢٨ ص٦٤.


وهنّ صارخات وأمّه فاطمة (صلوات الله عليها) تقول:( هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ) (١) الـ ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ ) الآية(٢) . قال فبكى الصادقعليه‌السلام حتّى أخضلّت لحيته بالدّموع، ثم قال: لا قرّت عين لا تبكي عند هذا الذكر(٣) .

قال الشيخ الصدوق في معنى قول النبيّ لعليّعليه‌السلام : إنّ لك كنزاً في الجنّة أنت ذو قرنيها، سمعت بعض المشايخ يذكر أنّ هذا الكنز هو ولده المحسن وهو السقط الذي ألقته فاطمة (صلوات الله عليها) لما ضغطت بين البابين واحتجّ على ذلك بما روي في السقط أنّه يكون محبنطاً على باب الجنّة، يُقال له: ادخل الجنّة، فيقول: لا، حتّى يدخل أبواي قبلي، الخ(٤) .

ذكر السيّد الأجلّ مولانا المير حامد حسين الهندي (عطّر الله مرقده) في عبقات الأنوار، عن الوافي بالوفيات لصلاح الدين الصفدي، أنّه ذكر في ترجمة النظّام أُستاذ الجاحظ أنّه قال النظّام: نصّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على أنّ الإمام عليّعليه‌السلام ، وعيّنه، وعرفت الصحابة ذلك، ولكن كتمه عمر لأجل أبي بكر (رضي الله عنهما) وقال: إنّ عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتّى ألقت المحسّن من بطنها. انتهى(٥) .

مقولة ابن أبي الحديد في شرح النهج

وذكر ابن أبي الحديد في شرح النهج خبر هبار بن الأسود: أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أباح دمه يوم فتح مكّة؛ لأنّه روّعَ زينب بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالرّمح وهي في الهودج وكانت حاملاً، فرأت دماً وطرحت ذا بطنها، قال:

____________________

(١) الأنبياء: ١٠٣.

(٢) آل عمران: ٣٠.

(٣) بحار الأنوار: ج٥٣ ص٢٣.

(٤) معاني الأخبار: ص١٩٨.

(٥) الوافي بالوفيات: ج ٦ ص١٧.


قرأت هذا الخبر على النقيب أبي جعفر، فقال: إذا كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أباح دم هبار؛ لأنّه روّع زينب فألقت ذا بطنها، فظاهر الحال أنّه لو كان حيّاً لأباح دم مَن روّع فاطمة حتّى ألقت ذا بطنها، فقلت: أروي عنك ما يقوله قوم: أنّ فاطمة رُوّعت فألقت المحسن؟ فقال: لا تروه عنّي ولا ترو عنّي بطلانه، فإنّي متوقّف في هذا الموضع لبعض الأخبار عندي فيه(١) .

قلت: ولنعم ما قال السيد الجزوعي:

جرّعاها من بعد والدها الغيظ

مراراً فبئس ما جرّعاها

أغضباها وأغضبا عند ذاك

الله ربّ السّماءِ إذ أغضباها

بنتُ مَن أُمُّ مَن حليلة مَن

ويلٌ لمـَن سنّ ظلمها وأذاها

ذكر ما تأسّفوا وتأثّرواعليهم‌السلام على مصيبة فاطمةعليها‌السلام

روي عن دلائل الطبري، بسنده عن زكريا بن آدم عليه الرحمة قال: إنّي لعند الرضاعليه‌السلام إذ جيء بأبي جعفرعليه‌السلام وسنّه أقل من أربع سنين، فضرب بيده الأرض ورفع رأسه إلى السماء فأطال الفكر، فقال له الرضاعليه‌السلام : بنفسي فلم طال فكرك؟ فقالعليه‌السلام : فيما صُنع بأُمّي فاطمةعليها‌السلام ، أما والله لأخرجنّهما، ثم لأحرقنهما، ثم لأذرّينّهما، ثم لأنسفنّهما في اليمّ نسفاً، فاستَدْناه وقبّل عينيه ثم قال: بأبي أنت وأُمّي، أنت لها، يعني الإمامة(٢) .

وعن أبي جعفر الباقرعليه‌السلام أنّه إذا وُعِكَ(٣) استعان بالماءِ البارد، ثم ينادي حتّى يسمع صوته على باب الدار: يا فاطمة بنت محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٤).

____________________

(١) شرح النهج: ج١٤ ص١٩٢.

(٢) دلائل الإمامة: ص٢١٢.

(٣) الوعك: الحمّى، وقيل: ألم الحمّى.

(٤) بحار الأنوار: ج٦٢ ص١٠٢، وروضة الكافي للكليني: ح٨٧.


قال العلاّمة المجلسي (رحمه الله): لعلّ النداء كان استشفاعاً بها (صلوات الله عليها) للشفاء.

أقول: إنّي أحتمل قويّاً كما أنّه أثرّت الحمّى في جسده اللطيف، كذلك أثّر كتمان حزنه على أُمّه المظلومة في قلبه الشريف، فكما أنّه يطفي حرارة جسده بالماء، يطفي لوعة وَجْده بذكر اسم فاطمة سيّدة النساء، وذلك مثل ما يظهر من الحزين المهموم من تنفّس الصعداء، فإنّ تأثير مصيبتها (صلوات الله عليها) على قلوب أولادها الأئمّة الأطهار آلم من حزّ الشفار، وأحرّ من جمرة النار، فإنّهم (صلوات الله عليهم) من باب التقيّة لما كانوا بانين على كتمانها غير قادرين على إظهارها، فإذا ذكرت فاطمة (صلوات الله عليها) يبدو منهم (سلام الله عليهم) ممّا كتموه ما يستدلّ به الأريب الفطن بما في قلوبهم الشريفة من الحزن والمحن.

كما رُوي عن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام أنّه قال للسكوني - وكان قد رزقه الله تعالى بنتاً -: ما سمّيتها؟ قال قلت: فاطمة، قال: آه آه، ثم وضع يده على جبهته الخ(١) .

وذكرت سابقاً أنّ العباس لما قال لأمير المؤمنينعليه‌السلام : ما منع عمر من أن يغرم قنفذاً كما غرّم جميع عماله؟ فنظر عليعليه‌السلام إلى مَن حوله، ثم أغرورقت عيناه، ثم قال: شكر له ضربةً ضربها فاطمةعليها‌السلام بالسوط فماتت، وإنّ في عضدها أثره كأنّه الدُّمْلج(٢) .

____________________

(١) الكافي: ج٦ باب حق الأولاد. ح٦. ترتيب وتعليق سماحة الشيخ محمد جعفر شمس الدين، ط دار التعارف، وفي آخره: أما إذا سمّيتها فاطمة فلا تسبّها ولا تلعنها ولا تضربها.

(٢) سليم بن قيس: ص١٣٤.

والدُّمْلج كقنفذ: شيء يشبه السوار تلبسه المرأة في عضدها.


ومَن تأمّل فيما حكي عنهم من شفقتهم ورأفتهم ورقّة قلوبهم الشريفة ورحمتها؛ يصدّق ما ذكرت.

انظر إلى ما رواه المشايخ عن بشّار المكاري، أنّه قال: دخلت على أبي عبد اللهعليه‌السلام بالكوفة وقد قُدِّم له طبق رطب طبرزد وهو يأكل، فقال لي: يا بشّار ادن فكل، قلت: هنّأك الله وجعلني فداك، قد أخذتني الغيرة من شيء رأيته في طريقي أوجع قلبي وبلغ منّي، فقال لي: بحقي، لما دنوت فأكلت، قال: فدنوت فأكلت، فقال لي: حديثَك، قلت، رأيت جلوازاً(١) يضرب رأس امرأة يسوقها إلى الحبس وهي تنادي بأعلى صوتها: المستغاث بالله ورسوله، ولا يغيثها أحد، قالعليه‌السلام : ولم فعل بها ذلك؟ قال: سمعت الناس يقولون إنّها عثرت فقالت: لعن الله ظالميك يا فاطمة، فارتكب منها ما ارتكب، قال: فقطععليه‌السلام الأكل، ولم يزل يبكي حتّى ابتلّ منديله ولحيته وصدره بالدّموع، ثم قال: يا بشّار، قم بنا إلى مسجد السّهلة فندعو الله ونسأله خلاص هذه المرأة، الخ(٢) .

فإذا كان حال الصادقعليه‌السلام كذلك عند استماع واقعة، جرت على امرأة من شيعة فاطمةعليها‌السلام ، فكيف يكون حالهعليه‌السلام إذا حكى هو ما جرى على أمّه فاطمةعليها‌السلام ؟ ويقول: ثمّ لطمها، فكأنّي أنظر إلى قرطٍ في أُذنها حين نقف أي كسر من اللطّم.

وممّا ذكرنا، ظهر شدّة مصيبة أمير المؤمنينعليه‌السلام وعظم صبره، بل يمكن أن يقال: إنّ بعض مصائبه أعظم ممّا يقابله من مصيبة ولده الحسينعليه‌السلام الذي تصغر عند مصيبته المصائب.

فقد ذكرت في كتابي المترجم بنفس المهموم في وقايع عاشوراء عن

____________________

(١) الجلواز: الشرطي.

(٢) بحار الأنوار: ج١٠٠ ص٤٤١.


الطيري: أنّه حمل شمر بن ذي الجوشن حتّى طعن فسطاط الحسينعليه‌السلام برمحه، ونادى عَليَّ بالنار حتّى أحرق هذا البيت على أهله، قال: فصاح النساء وخرجن من الفسطاط، فصاح به الحسينعليه‌السلام : يا ابن ذي الجوشن، أنت تدعو بالنار لتحرق بيتي على أهلي؟ أحرقك الله بالنار.

قال أبو مخنف: حدّثني سليمان ابن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قال: قلت لشمر بن ذي الجوشن: سبحان الله إنّ هذا لا يصلح لك، أتريد أن تجمع على نفسك خصلتين؟ تُعذِّب بعذاب الله وتقتل الولدان والنساء، والله إنّ في قتلك الرّجال لما ترضي به أميرك، قال: فقال مَن أنت؟ قلت لا أخبرك مَن أنا، قال: وخشيت والله لو أن عرفني أن يضرّني عند السلطان، قال: فجاء رجل كان أطوع له منّي شبث بن ربعي، فقال: ما رأيت مقالاً أسوأ من قولك، ولا موقفاً أقبح من موقفك، أمُرعباً للنساء صرت؟ قال: فأشهد أنّه استحيى فذهب لينصرف(١).

أقول: هذا شمر، مع أنّه كان جلفاً جافّاً قليل الحياء استحيى من قول شبث ثم انصرف!! وأمّا الذي جاء إلى باب أمير المؤمنين وأهل بيتهعليهم‌السلام وهدّده بتحريقهم، وقال: والذي نفس عمر بيده ليخرجنّ أو لأحرقنّه على مَن فيه، فقيل له: إنّ فيه فاطمة بنت رسول الله، وولد رسول الله، وآثار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٢) ؛ فأشهد أنّه لم يستح ولم ينصرف بل فعل ما فعل.

ولم يكن لأمير المؤمنينعليه‌السلام مَن ينصره ويذبّ عنه إلاّ ما رُوي عن الزبير، أنّه لما رأى القوم أخرجوا عليّاًعليه‌السلام من منزله ملبّباً، أقبل مخترطاً سيفه وهو يقول: يا معشر بني عبد المطلب، أيفعل هذا بعلي وأنتم أحياء، وشدّ على عمر ليضربه بالسيف، فرماه خالد بن الوليد بصخرة، فأصابت قفاه وسقط السيف من يده، فأخذه عمر وضربه على صخرة فانكسر(٣) .

____________________

(١) مقتل أبي مخنف: ص١٤١.

(٢) الاحتجاج: ج١ ص ١٠٥.

(٣) البحار: ج٢٨ ص٢٢٩.


وروى الشيخ الكليني، عن سدير قال: كنّا عند أبي جعفرعليه‌السلام ، فذكرنا ما أحدث الناس بعد نبيّهم، واستذلالهم أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فقال رجل من القوم: أصلحك الله، فأين كان عِزُّ بني هاشم، وما كانوا فيه من العدد؟ فقال أبو جعفرعليه‌السلام : ومَن كان بقي من بني هاشم؟ إنّما كان جعفر وحمزة فمضيا، وبقي معه رجلان ضعيفان ذليلان حديثا عهدٍ بالإسلام، عباس وعقيل، وكانا من الطلقاء، أما والله لو أنّ حمزة وجعفراً كانا بحضرتهما، ما وصلا إلى ما وصلا إليه، ولو كانا شاهداها لأتلفا نفسيهما(١) ؛ فلذلك رُوي عن أمير المؤمنينعليه‌السلام : أنّه لم يقم مرّة على المنبر إلاّ قال في آخر كلامه قبل أن ينزل: ( ما زلت مظلوماً منذ قبض الله نبيّه )(٢) .

وقال مسيب بن نجية قال: بينما عليّعليه‌السلام يخطب وأعرابي يقول: وا مظلمتاه، فقال عليعليه‌السلام : ادن فدنا، فقالعليه‌السلام : لقد ظُلمت عدد المدر والوبر(٣) .

وجاء أعرابي يتخطّى، فنادى: يا أمير المؤمنين، مظلوم، قال عليعليه‌السلام : ويحك، وأنا مظلوم ظُلمت عدد المدر والوبر(٤) .

وكان أبو ذر يعبّر عنهعليه‌السلام بالشيخ المظلوم المضطهد حقّه(٥).

وروى الكليني فيما يقال عند قبر أمير المؤمنينعليه‌السلام ، عن أبي الحسن الثالثعليه‌السلام قال: يقول: ( السلام عليك يا ولي الله، أنت أوّل مظلوم وأوّل مَن غُصب حقّه، صبرت واحتسبت حتّى أتاك اليقين، فأشهد أنّك لقيت الله وأنت شهيد، عذّب الله قاتلك بأنواع العذاب وجدّد عليه العذاب )(٦).

____________________

(١) الكافي: ج٨ ص١٨٩.

(٢) البحار: ج٨ ط القديم ص٧٠.

(٣) وأيضاً: ص٧٠.

(٤) المصدر السابق.

(٥) المصدر السابق.

(٦) الكافي: ج٤ باب ما عند قبر أمير المؤمنينعليه‌السلام ح١، تصحيح وتعليق سماحة الشيخ =


أقول: وهذه نفثة مصدور، ونبذ من الرزايا التي تذوب منها الصّخور، ولنختم الكلام بأشعار الشيخ صالح الحلّي (رحمه الله):

أشعار الشيخ صالح الحلّي ( ره )

الواثبين لظلمِ آل محمّدٍ

ومحمّدٌ ملقىً بلا تكفينِ

والقائلين لفاطمٍ آذيتِنا

في طول نَوْحٍ دائمٍ وحنينِ

والقاطعين أراكةً كَيْما تقيل

بظلّ أوراقٍ لها وغصونِ

ومجمّعي حطبٍ على البيت الذي

لم يجتمع لولاه شملُ الدينِ

والهاجمين على البتول ببيتها

والمسقّطين لها أعزّ جنينِ

والقائدين إمامهم بنجاده

والطّهر تدعو خلفه برنينِ

خلّوا ابن عمّي أو لأكشف للدعا

رأسي وأشكو للإله شجوني

ما كان ناقة صالحٍ وفصيلها

بالفضل عند الله إلاّ دوني

ورنت إلى القبر الشريف بمقلةٍ

عبرى وقلبٍ مكمَدٍ محزونِ

قالت وأظفار المصاب بقلبها

غوثاه قلَّ على العداة معيني

أبَتاه هذا السامريُّ وعِجْلُهُ

تُبعا وَمَالَ الناسُ عن هارونِ

أيّ الرّزايا أتّقي بتجلّدي

هو في النوائب مذ حييت قريني

فقدي أبي أم غصب بَعْلَيَ حقّه

أم كسر ضلعي أم سقوط جنيني

أم أخذهم إرثي وفاضل نِحْلتي

أم جهلهم حقّي وقد عرفوني

قهروا يتيميك الحسين وصنوه

وسألتهم حقّي وقد نهروني

____________________

= محمد جعفر شمس الدين. ط دار التعارف. كما رواه الشيخ الطوسي في التهذيب: ٦، باب زيارتهعليه‌السلام ح٢، والصدوق في مَن لا يحضره الفقيه: ٢، باب موضع قبرهعليه‌السلام ، تصحيح وتعليق سماحة الشيخ محمد جعفر شمس الدين، ط دار التعارف.


فصل

نقل كلام المسعودي في كتاب إثبات الوصيّة

قال المسعودي في كتاب إثبات الوصيّة: قام أمير المؤمنينعليه‌السلام بأمر الله جلّ وعلا وعمره خمس وثلاثون سنة، واتّبعه المؤمنون، وقعد عنه المنافقون، ونصبوا للملك وأمر الدنيا رجلاً اختاروه لأنفسهم دون مَن اختاره الله عزّ وجلّ، ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فروي أنّ العباس (رحمه الله) صار إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وقد قُبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال له: امدد يدك أبايعك، فقال: ومَن يطلب هذا الأمر؟ ومَن يصلح له غيرنا؟ وصار إليه ناس من المسلمين، منهم [ فيهم ] الزبير وأبو سفيان صخر بن حرب فأبى، واختلف المهاجرون والأنصار، فقالت الأنصار: منّا أمير ومنكم أمير، فقال قوم من المهاجرين، سمعنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: الخلافة في قريش، فسلّمت الأنصار لقريش بعد أن داسوا [ ديس ] سعد بن عبادة، ووطئوا بطنه، وبايع عمر بن الخطاب أبا بكر وصَفَقَ على يديه، ثم بايعه قوم ممّن قدم المدينة ذلك الوقت من الأعراب والمؤلّفة قلوبهم، وتابعهم على ذلك غيرهم.

واتصل الخبر بأمير المؤمنينعليه‌السلام بعد فراغه من غسل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتحنيطه وتكفينه وتجهيزه ودفنه، بعد الصّلاة عليه، مع مَن حضر من بني هاشم، وقوم من صحابته مثل: سلمان، وأبي ذر، والمقداد،


وعمّار، وحذيفة، وأُبَيّ بن كعب، وجماعة نحو أربعين رجلاً، فقام خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن كانت الإمامة في قريش فأنا أحقّ [ من ] قريش بها، وإن لا تكن في قريش، فالأنصار على دعواهم، ثم اعتزلهم ودخل بيته، فأقام فيه ومن اتبعه من المسلمين.

وقال: إنّ لي في خمسة من النبيّين أُسوة، نوح إذ قال:( إنّي مغلوب فانتصر ) (١) وإبراهيم إذ قال:( واعتزلكم وما تدعون من دون الله ) (٢) ، ولوط إذ قال:( لو أنّ لي بكم قوّة أو آوي إلى ركنٍ شديد ) (٣) ، وموسى إذ قال:( ففررت منكم لما خفتكم ) (٤) وهارون إذ قال: ( إنّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ) (٥) .

ثم ألّفعليه‌السلام القرآن، وخرج إلى النّاس، وقد حمله في إزار معه وهو ينط(٦) من تحته.

فقال لهم: هذا كتاب الله قد ألّفته كما أمرني وأوصاني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما أُنزل، فقال له بعضهم: اتركه وامضِ، فقال لهم: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لكم: إنّي مخلّف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي، لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فإن قبلتموه فاقبلوني معه أحكم بينكم بما فيه من أحكام الله، فقالوا: لا حاجة لنا فيه ولا فيك فانصرف به معك لا تفارقه ولا يفارقك، فانصرف عنهم، فأقام أمير المؤمنينعليه‌السلام ومَن معه من شيعته في منازلهم [ منزله ] بما عهده إليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

____________________

(١) القَمَر: ١٠.

(٢) مريم: ٤٨.

(٣) هود: ٨٠.

(٤) الشُعَرَاء: ٢١.

(٥) الأعراف: ١٥٠.

(٦) نطّه: أي مدّه، أو شدّه.


فوجّهوا إلى منزله، فهجموا عليه وأحرقوا بابه واستخرجوه منه كرهاً، وضغطوا سيّدة النّساء بالباب حتّى أسقطت محسناً، وأخذوه بالبيعة فامتنع وقال: لا أفعل، فقالوا: نقتلك، فقال: إن تقتلوني فإنّي عبد الله وأخو رسوله. وبسطوا يده فقبضها، وعسر عليهم فتحها، فمسحوا عليها وهي مضمومة.

ثم لقي أمير المؤمنينعليه‌السلام بعد هذا الفعل بأيام أحد القوم، فناشده الله وذكّره بأيّام الله وقال له: هل لك أن أجمع بينك وبين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى يأمرك وينهاك، فقال له: نعم، فخرجا إلى مسجد قبا فأراه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قاعداً فيه، فقال له: يا فلان، على هذا عاهدتموني في تسليم الأمر إلى عليعليه‌السلام وهو أمير المؤمنين؟ فرجع وقد همّ بتسليم الأمر إليه، فمنعه صاحبه من ذلك، فقال: هذا سحر مبين، معروف من سحر بني هاشم، أو ما تذكر يوماً كنّا مع ابن أبي كبشه؟ فأمر شجرتين فالتقتا فقضى حاجته خلفهما، ثم أمرهما فتفرّقتا وعادتا إلى حالهما.

فقال له: أمّا إن ذكّرتني هذا، فقد كنت معه في الكهف فمسح يده على وجهي، ثم أهوى برجله فأراني البحر، ثم أراني جعفراً وأصحابه في السقيفة تعوم في البحر، فرجع عمّا كان عزم عليه، وهمّوا بقتل أمير المؤمنينعليه‌السلام وتواصوا وتواعدوا بذلك، وأن يتولّى قتله خالد بن الوليد، فبعثت أسماء بنت عميس إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام بجارية لها، فأخذت بعضادتي الباب ونادت:( إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ) (١)، فخرج مشتملاً بسيفه، وكان الوعد في قتله أن يسلم إمامهم(٢) ، فيقوم خالد إليه بسيفه، فأحسّوا بأسه، فقال الإمام قبل أن يسلّم: لا تفعلنّ خالد ما أمِرتَ به، ثم كان من أقاصيصهم ما رواه الناس(٣) .

____________________

(١) القصص: ٢٠.

(٢) [ ينتهي إمامهم من صلاته بالتسليم ] خ م المطبوع.

(٣) إثبات الوصيّة: ص١٤٢ - ١٤٤.


فصل

بعث أبي بكر في إخراج وكيل فاطمةعليها‌السلام من فدك

روى صاحب الاحتجاج، والشيخ الأجلّ علي بن إبراهيم القمّي، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: لما بُويع أبو بكر واستقام له الأمر على جميع المهاجرين والأنصار؛ بعث إلى فدك من أخرج وكيل فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم [ منها ].

فجاءت فاطمةعليها‌السلام إلى أبي بكر فقالت: لِم تمنعني ميراثي من أبي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ وأخرجتَ وكيلي من فدك، وقد جعلها لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأمر الله تعالى؟ فقال: هاتي على ذلك بشهود، فجاءت بأُمّ أيمن، فقالت: لا أشهد يا أبا بكر حتّى احتجّ عليك بما قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، [ فقالت ] أنشدك بالله، ألست تعلم أنّ رسول الله قال: إنّ أمّ أيمن امرأة من أهل الجنّة؟ فقال: بلى، قالت: فأشهد أنّ الله عزّ وجلّ أوحى إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( فآت ذا القربى حقّه ) (١) ، فجعل فدك لفاطمة بأمر الله(٢) ، وجاء عليعليه‌السلام فشهد

____________________

(١) الروم: ٣٨.

(٢) راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ١٦ / ٢٢٠، وشواهد للتنزيل للحافظ الحسكاني، والاحتجاج للطبرسي: ١ / ٩٠.


بمثل ذلك، فكتب لها كتاباً ودفعه إليها.

فدخل عمر، فقال: ما هذا الكتاب؟ فقال: [ أبو بكر ]: إنّ فاطمةعليها‌السلام ادّعت في فدك، وشهدت لها أُمّ أيمن وعليّ فكتبته(١) ، فأخذ عمر الكتاب من فاطمة فمزّقه، وقال: هذا فيء المسلمين، وقال: مالك بن أوس بن الحدثان وعائشة وحفصة يشهدون على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنّه قال: إنّا معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة، فإنّ علياًعليه‌السلام يجرّ إلى نفسه، وأمّ أيمن فهي امرأة صالحة، لو كان معها غيرها لنظرنا فيه.

احتجاج عليعليه‌السلام مع أبي بكر في أمر فدك

فخرجت فاطمة (صلوات الله عليها) من عندهما باكية حزينة، فلمّا كان بعد ذلك [ هذا ] جاء عليّعليه‌السلام إلى أبي بكر وهو في المسجد، وحوله المهاجرون والأنصار فقال: يا أبا بكر، لِمَ منعتَ فاطمة ميراثها من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد ملكته في حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ فقال أبو بكر: هذا فيء للمسلمين، فإن أقامت شهوداً أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جعله لها، وإلاّ فلا حق لها فيه، فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : يا أبا بكر، تحكم فينا بخلاف حكم الله في المسلمين؟ قال: لا، قال: فإنْ كان في يد المسلمين شيء يملكونه ثم ادّعيت أنا فيه، من تسأل البينة؟ قال: إيّاك كنت أسأل البيّنة، قال: فما بال فاطمةعليها‌السلام سألتها البيّنة على ما في يدها وقد ملكته في حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبعده، ولم تسأل المسلمين البيّنة على ما ادّعوها شهوداً كما سألتني على ما ادّعيت عليهم، فسكت أبو بكر، فقال عمر: يا علي دعنا من كلامك، فإنّا لا نقوى على حجّتك، فإن أتيت بشهود عدول وإلاّ فهو فيء للمسلمين لا حق لك ولا لفاطمة فيه.

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : يا أبا بكر تقرأ كتاب الله؟ قال: نعم، قال:

____________________

(١) فكتبت لها بفدك خ م.


أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ:( إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً ) (١) فينا نزلت أم في غيرنا؟ قال: بلى فيكم، قال: فلو أنّ شهوداً شهدوا على فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بفاحشة، ما كنت صانعاً بها؟ قال: كنت أقيم عليها الحد كما أقيم على سائر نساء المسلمين، قال: إذاً كنت عند الله من الكافرين، قال: ولِمَ؟ قال: لأنّك رددت شهادة الله لها بالطّهارة، وقبلت شهادة الناس عليها، كما رددت حكم الله وحكم رسول الله، إذ جعل لها فدك وقبضته(٢) في حياته، ثمّ قبلت شهادة أعرابي بائل على عقبيه عليها، وأخذت منها فدك وزعمت أنّه فيء للمسلمين.

وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : البيّنة على المدّعي واليمين على المدّعى عليه، فرددت قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : البيّنة على مَن ادّعى واليمين على مَن اُدّعي عليه. قال: فدمدم الناس وأنكر بعضهم(٣) وقالوا: صدق والله عليّ، ورجع عليعليه‌السلام إلى منزله، قال: ودخلت فاطمةعليها‌السلام المسجد فطافت على قبر أبيها وهي تقول:

قد كان بعدك أنباءٌ وهنبثةٌ(٤)

لو كنت شاهدها لم تكثر الخطبُ

الأبيات.

التوطئة لقتل عليعليه‌السلام

قال: فرجع أبو بكر وعمر إلى منزلهما، وبعث أبو بكر إلى عمر فدعاه، ثم قال له: أما رأيت مجلس عليّ منّا في هذا اليوم، لئن قعد مقعداً مثله

____________________

(١) الأحزاب: ٣٣.

(٢) قد قبضته خ ج.

(٣) في الاحتجاج: فدمدم الناس فأنكروا ونظر بعضهم إلى بعض.

(٤) الهنبثة: الصوت الخفي. وهذا بيت من ثلاثة يُنسب لهند بنت أثاثة تمثّلت بهاعليها‌السلام في ذلك الموقف. وفي بعض النسخ: وهينمة، وهي بنفس المعنى.


ليفسدنّ أمرنا، فما الرأي؟ قال عمر: الرأي أن نأمر بقتله، قال: فمَن يقتله؟ قال: خالد بن الوليد.

فبعثنا إلى خالد فأتاهم، فقالا له: نريد أن نحملك على أمرٍ عظيم، فقال: احملوني على ماشئتم ولو على قتل علي بن أبي طالب، قالا: فهو ذاك، قال خالد: متى أقتله؟ قال أبو بكر: احضر المسجد وقم بجنبه في الصلاة، فإذا سلّمت قم إليه واضرب عنقه، قال: نعم.

فسمعت أسماء بنت عميس وكانت تحت أبي بكر، فقالت لجاريتها: اذهبي إلى منزل علي وفاطمةعليهما‌السلام وأقرأيهما السلام وقولي لعليعليه‌السلام :( إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ) (١) ، فجاءت الجارية إليهما فقالت لعليعليه‌السلام : إنّ أسماء بنت عميس تقرأ عليك السلام وتقول:إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ ، ( الآية ) فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : قولي لها: ( إنّ الله يحول بينهم وبين ما يريدون ).

ثم قام وتهيّأ للصلاة وحضر المسجد، وصلّى لنفسه خلف أبي بكر، وخالد بن الوليد [ يصلّي ] بجنبه ومعه السيف، فلمّا جلس أبو بكر للتشهّد، ندم على ما قال وخاف الفتنة، وعرف شدّة عليعليه‌السلام وبأسه، فلم يزل متفكّراً لا يجسر أن يسلّم حتّى ظنّ الناس أنّه سها، ثم التفت إلى خالد، وقال: يا خالد لا تفعلنّ ما أمرتك [ به ] السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : يا خالد، ما الذي أمرك به؟ قال: أمرني بضرب عنقك، قال: أو كنت فاعلاً؟ قال: إي والله، لولا أنّه قال لي لا تفعله قبل التسليم لقتلك.

قال: فأخذه عليّعليه‌السلام فجلد به الأرض، فاجتمع الناس عليه، فقال

____________________

(١) القصص: ٢٠.


عمر: يقتله وربّ الكعبة، فقال الناس: يا أبا الحسن، الله الله بحق صاحب القبر، فخلّى عنه(١) .

ورواية أبي ذر (رحمه الله): إنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام أخذ خالداً بأصبعه السبّابة والوسطى في ذلك الوقت فعصره عصراً، فصاح خالد صيحة منكرة ففزع النّاس وهمّتهم أنفسهم، وأحدث خالد في ثيابه، وجعل يضرب برجليه ولا يتكلّم، فقال أبو بكر لعمر: هذه مشورتك المنكوسة، كأنّي كنت أنظر إلى هذا وأحمد الله على سلامتنا، وكلّما دنا أحد ليخلّصه من يدهعليه‌السلام لحظه لحظة، تنحّى عنه راجعاً، فبعث أبو بكر عمر إلى العباس، فجاء وتشفّع إليه وأقسم عليه، فقال: بحق القبر ومَن فيه، وبحق ولديه وأُمّهما إلاّ تركته، ففعل ذلك، وقبّل العبّاس بين عينيه(٢) .

وفي روايةٍ أُخرى: ثمّ إنّ عليّاًعليه‌السلام قام إلى عمر وأخذ بتلابيبه وقال: يا ابن صهّاك الحبشية، لولا كتاب من الله سبق وعهد من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلمت أيّنا أضعف وأقلّ عدداً، وحال الحاضرون بينهعليه‌السلام وبين القوم، وخلّصوا عمر من يد أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فعندها قام وتقدّم العباس إلى أبي بكر وقال: أما والله لو قتلتموه ما تركنا تيميّاً يمشي على وجه الأرض(٣) .

في البحار، قال ابن أبي الحديد: سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن زيد، فقلت له: إنّي لأعجب من عليعليه‌السلام كيف بقي تلك المدّة الطويلة بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : وكيف ما اغتيل وفتك به في جوف منزله مع تلظّي الأكباد عليه، فقال: لولا أنّه أرغم أنفه بالتراب ووضع خدّه في حضيض الأرض لقُتل، ولكنّه أخمل نفسه واشتغل بالعبادة والصّلاة والنظر في القرآن،

____________________

(١) تفسير القمّي: ج٢ - ١٥٥ - ١٥٩ الاحتجاج: ج١ ص١١٩ - ١٢٧.

(٢) البحار: ج٨ ط القديمة ص٩٣.

(٣) علم اليقين للمحدّث الكاشاني (ره): ج٢ ص٦٩٨.


وخرج عن ذلك الزي الأوّل وذلك الشعار ونسي السيف وصار كالفاتك، يتوب ويصير سايحاً في الأرض أو راهباً في الجبال، فلمّا أطاع الذين وُلّوا الأمر وصار أذلّ لهم من الحذاء تركوه وسكتوا عنه، ولم تكن العرب لتقدم عليه إلاّ بمواطاة من متولّي الأمر وباطن في السرّ منه، فلمّا لم يكن لولاة الأمر باعث وداعٍ إلى قتله وقع الإمساك عنه، ولولا ذلك لقتل، ثمّ الأجل بعدُ معقل حصين.

فقلت: أحقُّ ما يقال في حديث خالد؟ فقال: إنّ قوماً من العلوية يذكرون ذلك، وقد رُوي أنّ رجلاً جاء إلى زفر بن الهذيل، صاحب أبي حنيفة، فسأله عمّا يقول أبو حنيفة في جواز الخروج من الصلاة بأمر غير التسليم، نحو الكلام والفعل الكثير أو الحدث، فقال: إنّه جائز، قد قال أبو بكر في تشهده، [ ما قال ] فقال الرجل: وما الذي قاله أبو بكر؟ قال: لا عليك، قال: فأعاد عليه السؤال ثانية وثالثة، فقال: أخرجوه أخرجوه، قد كنت أحدث أنّه من أصحاب أبي الخطاب، قلت: فما الذي تقوله أنت؟ قال: أنا أستبعد ذلك وإنّه روته الإمامية، الخ(١) .

رسالة أمير المؤمنينعليه‌السلام إلى أبي بكر

الاحتجاج، رسالة أمير المؤمنينعليه‌السلام إلى أبي بكر، لما بلغ عنه كلام بعد منع الزّهراءعليها‌السلام فدك:

شقّوا متلاطمات أمواج الفتن بحيازيم سفن النّجاة، وحطّوا تيجان أهل الفخر بجمع أهل الغدر، واستضيئوا بنور الأنوار، واقتسموا مواريث الطّاهرات الأبرار، واحتقبوا(٢) ثقل الأوزار بغصبهم نِحْلة النبيّ المختار، فكأنّي بكم تتردّدون في العمى كما يتردّد البعير في الطّاحونة.

____________________

(١) البحار: ج٨ ط القديمة ص ٩٣ - ٩٤.

(٢) احتقبوا: أي حملوا على ظهورهم.


أما والله لو أذن لي بما ليس لكم به علم، لحصدت رؤوسكم عن أجسادكم كحبّ الحصيد بقواضب من حديد، ولقلعت من جماجمكم شجعانكم ما أقرح به آماقكم وأوحش به محالكم، فإنّي منذ عرفتموني مردي العساكر، ومفني الجحافل، ومبيد خضرائكم، ومخمد ضوضائكم وجزار الدوارين، إذ أنتم في بيوتكم معتكفون، وإنّي لصاحبكم بالأمس لَعَمْر أبي وأُمّي، لن تحبّوا أن تكون فينا الخلافة والنبوّة، وأنتم تذكرون أحقاد بدر وثارات أُحُد.

أما والله لو قلت ما سبق من الله فيكم، لتداخلت أضلاعكم في أجوافكم كتداخل أسنان دوارة الرحا، فإن نطقت تقولون: حسد، وإن سكتّ فيقال: جزع ابن أبي طالب من الموت، هيهات هيهات، أنا الساعة يقال لي هذا وأنا الموت المميت(١) ، خوّاض المنيّات في جوف ليل خامد(٢) حامل السيفين الثقيلين والرمحين الطويلين، ومكسّر الرايات في غطامط(٣) الغمرات ( ومفرّج الكربات عن وجه خيرة البريّات ).

فو الله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل إلى محالب أُمّه، هبلتكم الهوابل، لو بحت بما أنزل الله فيكم في كتابه، لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوى البعيدة، ولخرجتم من بيوتكم هاربين وعلى وجوهكم هائمين، ولكنّي أهوّن وجدي حتى ألقى ربّي بيدٍ جذّاء، صفراء من لذّاتكم، خلواً من طحنائكم، فما مثل دنياكم عندي إلاّ كمثل غيمٍ علا فاستعلى، ثم استغلظ فاستوى، ثم تمزّق فانجلى، رويداً فعن قليل ينجلي لكم القسطل(٤) ، فتجدون(٥) ثمر فعلكم

____________________

(١) في المصدر: وأنا المميت المائت خوّاض المنايا.

(٢) ( حالك خ م ).

(٣) غطامط: عظيم الأمواج.

(٤) القسطل: الغبار الساطع في الحرب.

(٥) فتجنون خ م.


مرّاً، أم تحصدون غرس أيديكم ذعافاً(١) ممزّقاً(٢) ، وسمّاً قاتلاً، وكفى بالله حكماً وبرسوله خصيماً وبالقيامة موقفاً، ولا أبعد الله فيها سواكم، ولا أتعس فيها غيركم، والسلام على مَن اتبع الهدى.

فلمّا أن قرأ أبو بكر الكتاب، رعب من ذلك رعباً شديداً، وقال: يا سبحان الله ما أجرأه عليّ وأنكله على(٣) غيري.

معاشر المهاجرين والأنصار، تعلمون أنّي شاورتكم في ضياع فدك بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقلتم: إنّ الأنبياء لا يورّثون، وإنّ هذه أموال يجب أن تضاف إلى مال الفيء، وتصرف في ثمن الكراع والسلاح وأبواب الجهاد ومصالح الثغور، فأمضينا رأيكم، ولم يمضه مَن يدّعيه، وهو ذا يبرق وعيداً ويرعد تهديداً إيلاءً بحق نبيّه أن يمضخها دماً ذعافاً.

والله لقد استقلت منها فلم أُقل، واستعزلتها عن نفسي فلم أُعزل، كلّ ذلك احترازاً من كراهية ابن أبي طالب وهرباً من نزاعه، ومالي ولابن أبي طالب هل نازعه أحد ففلج عليه؟

فقال عمر: أبيت أن تقول إلاّ هكذا، فأنت ابن مَن لم يكن مقداماً في الحروب، ولا سخيّاً في الجدوب، سبحان الله ما أهلع(٤) فؤادك وأصغر نفسك!!! صفيت لك سجالاً(٥) لتشربها، فأبيت إلاّ أن نظمأ كظمائك، وأنخت لك رقاب العرب، وثبّت لك إمارة أهل الإشارة والتدبير.

ولولا ذلك، لكان ابن أبي طالب قد صيّر عظامك رميماً، فاحمد الله على ما قد وهب لك منّي، واشكره على ذلك، فإنّه مَن رقى منبر

____________________

(١) الذعاف: السمّ الذي يقتل من ساعته.

(٢) نسخة المصدر ممقراً: وهو المرّ.

(٣) عن غيري خ م.

(٤) الهلع: الجبن.

(٥) السجال: دلو عظيم.


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان حقيقاً عليه أن يحدث لله شكراً، وهذا علي بن أبي طالب، الصخرة الصمّاء التي لا ينفجر ماؤها إلاّ بعد كسرها، والحيّة الرقشاء التي لا تجيب إلاّ بالرقى، والشجرة المرّة التي لو طليت بالعسل لم تنبت إلاّ مرّاً، قتل سادات قريش فأبادهم وألزم آخرهم العار ففضحهم، فطب نفساً، فلا تغرّنك صواعقه ولا يهولنّك رواعده وبارقه، فإنّي أسدّ بابه قبل أن يسدّ بابك، فقال له أبو بكر: ناشدتك الله يا عمر لما أن تركتني من أغاليطك وتربيدك.

فو الله لو همّ [ ابن أبي طالب ] بقتلي وقتلك لقتلنا بشماله دون يمينه، ما ينجينا منه إلاّ ثلاث خصال، إحداها: أنّه واحد لا ناصر له، والثانية: أنّه يتبع(١) فينا وصيّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والثالثة: فما من هذه القبائل أحد إلاّ وهو يتخضمه كتخضم ثنيّة الإبل أوان الربيع، فتعلم لولا ذلك لرجع الأمر إليه ولو كنّا له كارهين، أما إنّ هذه الدنيا أهون عليّ من لقاء أحدنا الموت الخ(٢) .

ذكر خطبة فاطمة الزهراءعليها‌السلام في مسجد أبيها (ص)

الاحتجاج، روى عبد الله بن الحسن بإسناده عن آبائهعليه‌السلام ، أنّه لما أجمع أبو بكر [ وعمر ] على منع فاطمةعليها‌السلام فدكاً وبلغها ذلك، لاثت(٣) خمارها على رأسها، واشتملت بجلبابها(٤) وأقبلت في لمّة من حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم.

____________________

(١) ينتهج خ م.

(٢) الاحتجاج: ج١ ص١٢٧ - ١٣١ - ١٤٥، وأيضاً أخرجه العلاّمة المجلسي ( ره ) في البحار: ج٨ ط ق ص٩٤ مع مزيد بيان منه في عباراته فراجع هناك.

(٣) لاثت خمارها: أي لفّته.

(٤) والجلباب: الرداء والإزار.


فنيطت(١) دونها ملاءة فجلست، ثم أنّت أنّة أجهش(٢) القوم لها بالبكاء فارتجّ المجلس، ثم أمهلت هنيئة حتّى إذا سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم، افتتحت الكلام بحمد الله والثناء عليه، والصلاة على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ فعاد القوم في بكائهم، فلمّا أمسكوا عادت في كلامها، فقالت (صلوات الله عليها):

الحمد لله على ما أنعم، وله الشكر على ما ألهم، والثناء بما قدّم من عموم نعم ابتداها، وسبوغ آلاء أسداها، وتمام منن أولاها، جمّ عن الإحصاء عددها، ونأى عن الجزاء أمدها، وتفاوت عن الإدراك أبدها، وندبهم لاستزادتها بالشكر لاتصالها، واستحمد إلى الخلائق بإجزالها، وثنّى بالندب إلى أمثالها.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كلمة جعل الإخلاص تأويلها، وضمّن القلوب موصولها، وأنار في الفكر معقولها، الممتنع من الأبصار رؤيته، ومن الألسن صفته، ومن الأوهام كيفيّته، ابتدع الأشياء لا من شيء كان قبلها، وأنشأها بلا احتذاء أمثلة امتثلها، إلى أن قالت (سلام الله عليها):

أيّها الناس، اعلموا أنّي فاطمة، وأبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أقول عوداً وبدواً، ولا أقول ما أقول غلطاً، ولا أفعل ما أفعل شططاً،( لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) (٣) ، فإن تعزوه وتعرفوه: تجدوه أبي دون نسائكم، وأخا ابن عمي دون رجالكم، ولنعم المـُعزى إليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

____________________

(١) نيطت: علقت والملاءة: الإزار.

(٢) أجهش القوم: أي تهيّئوا.

(٣) التوبة: ١٢٨.


فبّلغ الرسالة صادعاً بالنذارة، مائلاً عن مدرجة(١) المشركين، ضارباً ثبجهم(٢) ، آخذاً بأكظامهم(٣) ، داعياً إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة، يكسر الأصنام وينكث الهام، حتّى انهزم الجميع وولّوا الدّبر، حتّى تفرّى(٤) الليل عن صبحه وأسفر الحق عن محضه، ونطق زعيم الدّين وخرست شقاشق(٥) الشياطين، وأطاح وشيظ النفاق(٦) ، وانحلّت عُقَدُ الكفر والشقاق، وفُهتُم بكلمة الإخلاص في نفرٍ من البيض الخماص(٧) .

وكنتم على شفا حفرة من النار، مذقة الشارب ونهزة الطامع(٨) وقبسة العجلان، وموطئ الأقدام، تشربون الطًَّرَق(٩) ، وتقتاتون الورق، أذلّة خاسئين، تخافون أن يتخطّفكم النّاس من حولكم، فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد اللّتيا والتي، وبعد أن مُني بُبهم(١٠) الرجال، وذؤبان العرب، ومردة أهل الكتاب.

كلّما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله، أو نَجَم قرن للشيطان، وفغرت فاغرة(١١) من المشركين، قذف أخاه في لهواتها(١٢) ، فلا ينكفئ حتّى يطأ

____________________

(١) المدرجة: المسلك والمذهب.

(٢) الثبج: معظم الشيء.

(٣) الكظم بالتحريك مخرج النفس من الحلق.

(٤) تفرّى الليل: أي انشق حتى ظهر وجه الصباح.

(٥) شقاشق: جمع شقشقة وهي شيء كالرية يخرجها البعير من فيه إذا هاج.

(٦) طاح: هلك. والوشيظ: السفلة والرذل من الناس.

(٧) البيض الخماص: المراد بهم أهل البيتعليه‌السلام .

(٨) مذقة الشارب: شربته. نهزة الطامع: الفرصة أي محل نهزته وفرصته.

(٩) الطَّرَق: بالفتح ماء السماء الذي تبول فيه الإبل.

(١٠) بُهم الرجال: أي شجعانهم.

(١١) فغر فاه: أي فتحه.

(١٢) واللهوات: جمع لهات: وهي اللحمة التي في أقصى الفم.


صماخها بأخمصه(١) ويخمد لهبها بسيفه، مكدوداً في ذات الله مجتهداً في أمر الله، قريباً من رسول الله، سيّداً في أولياء الله، مشمّراً ناصحاً مُجِدّاً كادحاً، وأنتم في رفاهية من العيش وادعون(٢) فاكهون آمنون، تتربّصون بنا الدوائر، وتتوكَّفون الأخبار(٣) ، وتنكصون عند النزال، وتفرّون عند القتال.

فلمّا اختار الله لنبيّه دار أنبيائه ومأوى أصفيائه؛ ظهر فيكم حسيكة النفاق، وسمل(٤) جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الأقلين، وهدر فنيق(٥) المبطلين، فخطر في عرصاتكم، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه هاتفاً بكم، فألقاكم لدعوته مستجيبين وللغرة فيه ملاحظين، ثم استنهضكم فوجدكم خفافاً، وأحمشكم(٦) فألفاكم غِضاباً، فوسمتم غير إبلكم وأوردتم غير مشربكم.

هذا، والعهد قريب، والكَلْم رحيب، والجرح لما يندمل، والرسول لما يقبر، ابتداراً زعمتم خوف الفتنة،( أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ) .

فهيهات منكم، وكيف بكم، وأنّى تؤفكون، وكتاب الله بين أظهركم، أُموره ظاهرة وأحكامه زاهرة، وأعلامه باهرة، وزواجره لايحة، وأوامره واضحة، قد خلّفتموه وراء ظهوركم، أرغبةً عنه تريدون، أم بغيره تحكمون،( بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً ) ،( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) .

____________________

(١) ينكفئ: يرجع. والأخمص: مالا يصيب الأرض من باطن القدم.

(٢) وادعون: ساكنون.

(٣) أي تتوقّعون.

(٤) حسيكة النفاق: أي عداوته. سمل: أي صار خَلِقاً بالياً.

(٥) الهدير: ترديد البعير صوته في حنجرته. والفنيق: الفحل المكرم من الإبل.

(٦) أحمشكم: أي حملكم. أو حَمّسكم.


ثمّ لم تلبثوا إلاّ ريث أن تسكن نفرتها ويسلس قيادها، ثمّ أخذتم تورون وقدتها وتهيجون جمرتها، وتستجيبون لهتاف الشيطان الغوي، وإطفاء أنوار الدين الجلي، وإخماد سنن النبيّ الصّفيّ، تسرّون حسواً في ارتغاء(١) ، وتمشون لأهله وولده في الخَمَر والضرّاء، ويصير منكم على مثل حزّ المـُدى(٢) ووخز السنان(٣) في الحشاء، وأنتم الآن تزعمون: أن لا إرث لنا، أفحكم الجاهليّة تبغون ومَن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون؟!! أفلا تعلمون؟ بلى قد تجلّى لكم كالشمس الضاحية أنّي ابنته، أيّها المسلمون أأغلب على ارثيه؟!

يا ابن أبي قحافة، أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي؟ لقد جئت شيئاً فريّاً، أفعلى عمدٍ تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم إذ يقول:

( وورث سليمانُ داود ) (٤) ، وقال فيما اقتصّ من خبر يحيى بن زكريا إذ قال:( فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) (٥) وقال:( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) (٦) ، وقال: ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأُنثيين ) (٧) وقال:( إن ترك خيراً الوصيّة للوالدين والأقربين بالمعروف حقّاً على المتقّين ) (٨) وزعمتم أن لا حظوة(٩)

____________________

(١) والارتغاء هو شرب الرغوة وهي اللبن المشوب بالماء يضرب به مثلاً، والحسو: هو الشرب شيئاً بعد شيء. والخَمَر: ما يترك من الشجر وغيره. والضرّاء: الأرض المنخفظة.

(٢) الحَزّ: القطع. والمـُدى: السكّين.

(٣) ووخز السنان: أي جراحته في الأحشاء.

(٤) النمل: ١٦.

(٥) مريم: ٥ - ٦.

(٦) الأنفال: ٧٥.

(٧) النساء: ١١.

(٨) البقرة: ١٨٠.

(٩) الحظوة: المكانة.


لي ولا وارث من أبي ولا رحم بيننا، أفخصّكم الله بآيةٍ أخرج منها أبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أم هل تقولون إنّ أهل ملّتين لا يتوارثان، أوَلست أنا وأبي من أهل ملّةٍ واحدة؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمّي؟ فدونكما مخطومة مرحولة(١) تلقاك يوم حشرك. فنِعمَ الحكم الله، والزعيم محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون ولا ينفعكم إذ تندمون، ولكلّ نبأ مستقرّ وسوف تعلمون مَن يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم.

ثم رنت (سلام الله عليها) بطرفها نحو الأنصار فقالت:

يا معشر النقيبة وأعضاد الملّة وأنصار الإسلام، ما هذه الغميزة في حقّي والسِّنَة(٢) عن ظلامتي؟! أما كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبي يقول: ( المرء يُحفظ في ولده ) سرعان ما أحدثتم وعجلان ذا إهالةٍ(٣) ، ولكم طاقة بما أحاول، وقوّة على ما أطلب وأزاول.

وساقت (سلام الله عليها) الخطبة الشريفة إلى قولها:

ألا وقد قلت ما قلت على معرفة منّي بالخذلة(٤) التي خامرتكم، والغدرة التي استشعرتها قلوبكم، ولكنّها قبضة النفس ونفثة الغيظ وخَوَر القناة(٥) وبثّة الصدر وتقدمة الحجّة، فدونكموها فاحتقبوها دبرة الظهر، نقبة الخف، باقية العار، موسومة بغضب الله وشنار الأبد، موصولة بنار الله الموقدة

____________________

(١) مخطومة: من الخطام بالكسر وهو كل ما يدخل في أنف البعير ليقاد به. والرحل بالفتح: هو للناقة كالسرج للبعير.

(٢) السُنة: النوم الخفيف.

(٣) وسرعان ذا إهالة: مثل يضرب لمن يخبر بكينونة الشيء قبل وقته.

(٤) الخذلة: ترك النصر. خامرتكم: خالطتكم.

(٥) الخور: الضعف. والقناة: السنان.


التي تطّلع على الأفئدة، فبعين الله ما تفعلون، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون.

وأنا ابنة نذيرٍ لكم بين يدي عذاب شديد، فاعملوا إنّا عاملون وانتظروا إنّا منتظرون(١) .

ولقد أجاد الشيخ الأزري (رحمه الله) في هذا المقام في قوله:

نقضوا عهدَ أحمد في أخيه

وأذاقوا البتولَ ما أشجاها

يومَ جاءت إلى عديٍّ وتيمٍ

ومن الوجد ما أطال بكاها

فدعت واشتكت إلى الله شجوى

والرواسي تهتزّ من شكواها

لست أدري إذ رُوِّعت وهي حسرى

عاند القوم بعلها وأباها

تعظ القوم في أتمّ خطابٍ

حكت المصطفى به وحكاها

هذه الكتب فاسألوها تروها

بالمواريث ناطقاً فحواها

وبمعنى ( يوصيكم الله ) أمرٌ

شاملٌ للأنام في قرباها

فاطمأنّت لها القلوب وكادت

أن تزول الأحقاد ممّن طواها

أيّها القوم راقبوا الله فينا

نحن من روضة الجليل جناها

واعلموا أنّنا مشاعر دين الله

فيكم فأكرموا مثواها

ولنا من خزائن الغيب فيضٌ

ترد المهتدون منه هداها

أيّها الناس أيّ بنتِ نبيٍّ

عن مواريثه أبوها زواها

كيف يزوي عنّي تراثي عتيقٌ

بأحاديث من لدنه افتراها

كيف لم يوصنا بذلك مولانا

وتيماً من دوننا أوصاها

هل رآنا لا نستحق اهتداءً

واستحقّت تيم الهدى فهداها

أم تراه أضلّنا في البرايا

بعد علمٍ لكي نصيب خطاها

أنصفوني من جائرَين أضاعا

حرمة المصطفى وما رعياها

____________________

(١) الاحتجاج: ج١ ص١٣١ - ١٤٩.


عود إلى بدءٍ

فأجابها أبو بكر عبد الله بن عثمان، فقال: يا بنت رسول الله، لقد كان أبوك بالمؤمنين عطوفاً كريماً، رؤوفاً رحيماً، وعلى الكافرين عذاباً أليماً وعقاباً عظيماً، فإن عَزَوناه وجدناه أباك دون النساء، وأخاً لبعلك دون الأخلاّء(١) ( الإخاء خ ل ) آثره على كل حميم، وساعده في كلّ أمر جسيم، لا يحبكم إلاّ كل سعيد، ولا يبغضكم إلاّ كل شقي، فأنتم عترة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الطيّبون، والخيرة المنتجبون، على الخير أدَلّتُنا، وإلى الجنّة مسالكنا، وأنتِ يا خيرة النساء وابنة خير الأنبياء، صادقة في قولك، سابقة في وفور عقلك، غير مردودة عن حقّك ولا مصدودة عن صدقك.

ووالله ما عدوت رأي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولا عملت إلاّ بإذنه، وإنّ الرائد لا يكذب أهله!! وإنّي أُشهِد الله وكفى به شهيداً، أنّي سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: نحن معاشر الأنبياء لا نورث ذهباً ولا فضة ولا داراً ولا عقاراً، وإنّما نورث الكتب ( والكتاب خ ل ) والحكمة والعلم والنبوّة.

وما كان لنا من طعمة فلوَليّ الأمر بعدنا أن يحكم فيه بحكمه، وقد جعلنا ما حاولته في الكُراع(٢) والسلاح يقاتل به المسلمون، ويجاهدون الكفّار، ويجالدون المردة الفجّار، وذلك بإجماع من المسلمين!! لم أتفرّد به وحدي، ولم أستبدّ بما كان الرأي فيه عندي، وهذه حالي ومالي، هي لك وبين يديك!!! لا تُزوى عنك ولا تُدّخَرُ دونك، وأنت سيّدة أُمّة أبيك، والشجرة الطيّبة لبنيك، لا يدفع مالَكِ من فضلك ولا يوضع من فرعك وأصلك، حكمك نافذ فيما ملكت يداي!!! فهل ترين أن أخالف في ذلك أباكصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فقالتعليها‌السلام : سبحان الله، ما كان أبي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن كتاب الله صادفاً، ولا لأحكامه مخالفاً، بل كان يتّبع أثره ويقفو سوره، أفتجمعون إلى

____________________

(١) وأخا إلفك دون الأخلاّء: خ م.

(٢) الكراع: الأنعام مثل الإبل والخيل.


العذر [ الغدر ] اعتلالاً عليه بالزّور، وهذا بعد وفاته شبيه بما بغي له من الغوائل في حياته، هذا كتاب الله حكماً عدلاً وناطقاً فصلاً يقول:

( يرثني ويرث من آل يعقوب ) (١) ، ويقول:( وورث سليمان داود ) (٢) ، فبيّن عزّ وجلّ فيما وزّع عليه من الأقساط، وشرع من الفرائض والميراث، وأباح من حظّ الذّكران والإناث، ما أزاح به علّة المبطلين وأزال التظنّي والشّبهات في الغابرين، كلاّ بلا( سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ) .

فقال أبو بكر: صدق الله وصدق رسوله، وصدقت ابنته، أنت معدن الحكمة وموطن الهدى والرحمة، وركن الدّين وعين الحجّة، لا أُبعد صوابك ولا أُنكر خطابك، هؤلاء المسلمون بيني وبينك، قلّدوني ما تقلّدت، وباتفاق منهم أخذت ما أخذت، غير مكابر ولا مستبدُّ ولا مستأثر، وهم بذلك شهود.

فالتفتت فاطمة (صلوات الله عليها) [ إلى الناس ] وقالت:

معاشر الناس المسرعة إلى قيلٍ باطل، المغضِية على الفعل القبيح الخاسر،( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) ؟ كلاّ بل ران على قلوبكم ما أسأتم من أعمالكم، فأخذ بسمعكم وأبصاركم، ولبئس ما تأوّلتم، وساء ما به أشرتم، وشر ما منه اغتصبتم، لتجدن والله محمله ثقيلاً، وغبّه وبيلاً، إذا كشف لكم الغطاء، وبان ما وراء الضرّاء، وبدا لكم من ربّكم ما لم تكونوا تحتسبون، وخسر هناك المبطلون.

ثم عطفت على قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقالت:

قد كان بعدك أنباءٌ وهنبثةٌ

لو كنتَ شاهدها لم تكثر الخطبُ

إنّا فقدناك فقدَ الأرض وابلَها

واختلّ قومك فاشهدهم وقد نكبوا

____________________

(١) مريم: ٦.

(٢) النمل: ١٦.


وكلّ أهلٍ له قُربى ومنزلةٌ

عند الإله على الأَدنين مقتربُ

أبدَتْ رجالٌ لنا نجوى صدورهم

لمّا مضيت وحالت دونك التربُ

تجهَّمتنا رجالٌ واستُخفَّ بنا

لمّا فُقِدتَ وكلُّ الأرض مغتصبُ

وكنتَ نوراً وبدراً يُستضاء به

عليك تُنزل من ذي العزّة الكتبُ

وكان جبريل بالآيات يؤنسنا

فقد فُقِدتَ وكلّ الخير محتجبُ

فليت قبلك كان الموت صَادفنا

لمّا مضيت وحالت دونك الكثبُ

إنّا رزئنا بما لم يُرْزَ ذو شجنٍ

من البريّة لا عُجمٌ ولا عربُ(١)

وفي الدّر النظيم، قال: ووصلت ذلك بأن قالت:

قد كنت ذا حمية ما عشت لي

أعشى البراح وأنت كنت جناحي

فاليوم أخضع للذليل وأتّقي

منه وأدفع ظالمي بالراحِ

وإذا بكت قمريّةٌ شجناً لها

ليلاً على غصنٍ بكيت صباحي

وروى الشيخ بسنده، عن زينب بنت علي بن أبي طالبعليهما‌السلام ، قالت: لما اجتمع رأي أبي بكر على منع فاطمةعليها‌السلام فدك والعوالي، وأيست عن إجابته لها؛ عدلت إلى قبر أبيها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فألقت نفسها عليه وشكت إليه ما فعله القوم بها، وبكت حتّى بلّت تربتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بدموعها وندبته، ثم قالت في آخر ندبها: قد كان بعدك أنباءٌ وهنبثةٌ، الأبيات(٢) .

وفي رواية الاحتجاج، ثم انكفأتعليها‌السلام وأمير المؤمنين (صلوات الله عليه) يتوقّع رجوعها إليه ويتطلّع طلوعها عليه، فلمّا استقرت بها الدّار قالت لأمير المؤمنينعليه‌السلام : يا ابن أبي طالب، اشتملت شملة الجنين، وقعدت حُجرة الظنين(٣) نقضت قادمة الأجدل(٤) ، فخانك ريش الأعزل، هذا ابن أبي

____________________

(١) الاحتجاج: ج١ ص١٤٥.

(٢) الأمالي للشيخ المفيد ( ره ): ص٤٠ ط الغفاري.

(٣) قال العلاّمة المجلسي ( ره ): والمعنى: اختفيت عن الناس كالجنين، وقعدت عن طلب الحق، ونزلت منزلة الخائف المتّهم.

(٤) الأجدل: الصقر. والأعزل من الطير: ما لا يقدر على الطيران.


قحافة يبتزّني نِحْلة أبي وبلغة ابنيّ، لقد أجهر [ أجهد خ ] في خصامي وألفيته ألدّ في كلامي، حتّى حبستني قيلة(١) نصرها، والمهاجرة وصلها، وغضّت الجماعة دوني طرفها، فلا دافع ولا مانع.

خرجتُ كاظمة، وعدتُ راغمة، أضرعتَ(٢) خدك يوم أضعت حدّك [ يوم اغصب حقك خ ]، افترست الذئاب وافترشتَ التراب، ما كففت قائلاً ولا أغنيت باطلاً [ طائلاً - خ ل ] ولا خيار لي، ليتني متّ قبل هنيئتي ودون ذلتي، عذيري الله منك عادياً(٣) ومنك حامياً، ويلاي في كل شارق، ويلاي في كل غارب، مات العَمَدُ ووهت العضد، شكواي إلى أبي وعدواي إلى ربّي، اللّهمّ أنت أشدّ قوّةً وحولاً، وأشدّ بأساً وتكيلاً.

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : لا ويل عليك بل الويل لشانئك، نهنهي عن وجدك(٤)، يا ابنة الصفوة وبقية ّالنبوّة، فما ونيت عن ديني ولا أخطأت مقدوري، فإن كنت تريدين البلغة، فرزقك مضمون وكفيلك مأمون، وما أُعِدَّ لَكِ أفضل ممّا قُطع عنك، فاحتسبي الله، فقالت: حسبي الله، وأمسكت(٥) .

____________________

(١) قيلة نصرها: اسم قبيلة، للأنصار ينسبون إلى أُمّهم قيلة.

(٢) ضرع: خضع وذل.

(٣) العذير: بمعنى أي والله قابل عذري عادياً ومتجاوزاً.

(٤) نهنهي عن وجدك: أي كفّي عن حزنك.

(٥) الاحتجاج: ج١ ص١٤٥ - ١٤٤. ولا بأس بالإشارة هنا إلى ما ذكر ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ١٦ / ٢٨٤، قال: وسألت علي ابن الفارقي مدرّس المدرسة الغربية ببغداد فقلت له: أكانت فاطمة صادقة؟ قال: نعم. قلت: فلمـَ لم يدفع إليها أبو بكر فدك وهي عنده صادقة؟ فتبسّم، ثم قال كلاماً لطيفاً مستحسناً مع ناموسه وحرمته وقلّة دعابته، قال: لو أعطاها اليومَ فدك بمجرّد دعواها لجاءت إليه غداً وادعت لزوجها الخلافة وزحزحته عن مقامه، ولم يكن يمكنه الاعتذار والموافقة بشيء؛ لأنّه يكون قد سجّل على نفسه أنّها صادقة فيما تدّعي كائناً ما كان من غير حاجة إلى بيّنةٍ ولا شهود.


فصل

كلام أبي بكر للناس بعد مقولة فاطمةعليها‌السلام

روى ابن أبي الحديد في سياق أخبار فدك، عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري، أنّ أبا بكر لما سمع خطبة فاطمةعليها‌السلام في فدك، شقّ عليه مقالتها فصعد المنبر فقال:

أيّها الناس، ما هذه الرِعة إلى كل قالة: أين كانت هذه الأمانيّ في عهد رسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ ألا مَن سمع فليقل ومَن شهد فليتكلَّم، إنّما هو ثعالة شهيده ذنبه، مُرِبٌّ لكلّ فتنة، هو الذي يقول كرّوها جذعة بعدما هرمت تستعينون بالضعفة وتستنصرون بالنساء، كأمّ طحال أحبّ أهلها إليها البغي، ألا إنّي لو أشاء أن أقول لقلت، ولو قلت لبُحت إنّي ساكت ما تركت، ثمّ التفت إلى الأنصار، فقال:

قد بلغني يا معاشر الأنصار مقالة سفهائكم، وأحق مَن لزم عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنتم، فقد جاءكم فآويتم ونصرتم، ألا وإنّي لست باسطاً يداً ولساناً على مَن لم يستحق ذلك منّا، ثم نزل، فانصرفت فاطمةعليها‌السلام إلى منزلها.

ثم قال ابن أبي الحديد: قرأت هذا الكلام على النقيب يحيى ابن أبي


زيد البصري فقلت له: بمَن يعرِّض؟ فقال: بل يصرّح، قلت: لو صرّح لم أسأل، فضحك وقال: بعليّ بن أبي طالبعليه‌السلام قلت: أهذا الكلام كلّه لعليّعليه‌السلام يقوله؟ قال: نعم إنّه الملك يا بنيّ، قلت: فما مقالة الأنصار؟ قال: هتفوا بذكر عليعليه‌السلام ، فخاف من اضطراب الأمر عليه فنهاهم. فسألته عن غريبه؟ فقال: أمّا الرِّعة بالتخفيف، أي الاستماع والإصغاء، والقالة: القول، وثعالة: اسم للثعلب علم غير مصروف مثل ذؤالة للذئب، وشهيده ذنبه: أي لا شاهد له على ما يدعي إلاّ بعضه وجزء منه، وأصله مَثَلٌ قالوا: إنّ الثعلب أراد أن يغري الأسد بالذئب فقال: إنّه أكل الشاة التي كنت أعددتها لنفسك وكنتُ حاضراً، قال: فمَن يشهد بذلك؟ فرفع ذنبه وعليه دم، وكان الأسد قد افتقد الشاة فقبل شهادته وقتل الذئب. ومَرَبّ: ملازم أرِبَّ بالمكان، وكرّوها جَذَعة: أعيدوها إلى الحال الأُولى يعني الفتنة والهرج، وأُمّ طحال: امرأة بغيّ في الجاهلية ويضرب بها المثل، يقال: أََزنى من أُمّ طحال، انتهى(١).

أقول: وفي كتاب الدّر النظيم لجمال الدين يوسف بن حاتم الفقيه الشامي، تلميذ المحقق الحلّي، أنّه قال: قالت أُمّ سلمة حيث سمعت ما جرى لفاطمةعليها‌السلام : ألمِثل فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يُقال هذا القول؟ هي والله الحوراء بين الإنس، والنفس للنفس، رُبّيت في حجور الأتقياء، وتناولتها أيدي الملائكة، ونمت في حجور الطّاهرات، ونشأت خير نشاءِ، وربيت خير مربّى.

أتزعمون أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حرّم عليها ميراثه ولم يُعْلمها؟!!! وقد قال الله تعالى:( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) (٢) ، أفأنذرها وخالفت متطلّبه؟

____________________

(١) شرح النهج: ج١٦ ص٢١٤ - ٢١٥.

(٢) الشعراء: ٢١٤.


وهي خيرة النسوان، وأُمّ سادة الشبّان، وعديلة ابنة عمران، تمّت بأبيها رسالات ربّه، فو الله لقد كان يشفق عليها من الحر والقر، ويوسّدها بيمينه، ويلحفها بشماله، رويداً، ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمرأى منكم، وعلى الله تَرِدون، واهاً لكم فسوف تعلمون؛ فحُرِمت أم سلمة عطاءَها في تلك السنة، انتهى.

وروى ابن أبي الحديد أيضاً، عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري، عن هشام بن محمد، عن أبيه، قال: قالت فاطمةعليها‌السلام لأبي بكر: إنّ أُمّ أيمن تشهد لي أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعطاني فدك، فقال لها: يا ابنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والله ما خَلَقَ الله خلقاً أحبّ إليّ من رسول الله أبيك، ولوددت أنّ السماء وقعت على الأرض يوم مات أبوك!!! والله لئن تفتقر عائشة أحبّ إليّ من أن تفتقري!! أتراني أعطي الأسود والأحمر والأبيض حقّه وأظلمك حقّك!! وأنت بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إنّ هذا المال لم يكن للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإنّما كان مالاً من أموال المسلمين، يحمل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم به الرجال، وينفقه في سبيل الله، فلمّا تُوفّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وليته كما كان يليه.

قالت: والله لا كلّمتك أبداً، قال: والله لا هجرتك أبداً، قالت: والله لأدعونّ الله عليك، قال: والله لأدعون الله لك، فلمّا حضرتها الوفاة، أوصت أن لا يصلّيَ عليها، فدُفنت ليلاً وصلّى عليها العباس بن عبد المطلب، وكان بين وفاتها ووفاة أبيها اثنتان وسبعون ليلة(١) .

نقل كلام للجاحظ

أقول: قال أبو عثمان الجاحظ على ما حكى عنه علم الهدى المرتضى (رضي الله عنه) وقد زعم ناس أنّ الدليل على صدق خبرهما يعني أبا بكر وعمر في منع الميراث، وبراءة ساحتهما ترك أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم النكير عليهما، ثم قال: فيقال لهم: لئن كان ترك النكير دليلاً على صدقهما، ليكونن

____________________

(١) شرح النهج: ج١٦ ص٢١٤.


ترك النكير على المتظلّمين منهما والمحتجّين عليهما والمطالبين لهما [ بدليل ]، دليلاً على صدق دعواهم واستحسان مقالتهم، لا سيّما وقد طالت المشاحات [ المحاجات خ م ] وكثرت المراجعة والملاحاة، وظهرت الشكيّة واشتدّت المـَوْجدة، وقد بلغ ذلك من فاطمةعليها‌السلام ، حتّى أوصت أن لا يصلّي عليها أبو بكر.

ولقد كانت قالت له، حين أتته طالبة بحقّها ومحتجّة برهطها: مَن يرثك يا أبا بكر إذا متّ؟ قال: أهلي وولدي، قالت فما بالنا لا نرث النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلمّا منعها ميراثها، وبخسها حقّها، واعتلّ عليها وجَلَجَ(١) في أمرها، وعاينت التهضّم، وأيست من النزوع، ووجدت مسّ الضعف وقلّة الناصر، قالت: والله لأدعونّ الله عليك، قال: والله لأدعون الله لك. قالت: والله لا أكلمّك أبداً، قال: والله لا أهجرك أبداً، فإن يكن ترك النكير على أبي بكر دليلاً على صواب منه، كان في ترك النكير على فاطمةعليها‌السلام دليلاً على صواب طلبها، وأدنى ما كان يجب عليهم في ذلك، تعريفها ما جهلت، وتذكيرها ما نسيت، وصرفها عن الخطأ ورفع قدرها عن البذاء، وأن تقول هُجراً، أو تجوّز عادلاً أو تقطع واصلاً، فإذا لم نجدهم أنكروا على الخصمين جميعاً، فقد تكافأت الأمور واستوت الأسباب، والرجوع إلى أصل حكم الله في المواريث أولى بنا وبكم، وأوجب علينا وعليكم.

ثم قال: فإن قالوا كيف تظن به ظلمها والتعدّي عليها، وكلما ازدادت فاطمةعليها‌السلام عليه غلظة ازداد لها ليناً ورقّة، حيث تقول: والله لا أكلّمك أبداً، فيقول: والله لا أهجرك أبداً، ثم تقول: والله لأدعون عليك، فيقول: والله لأدعون الله لك.

ثم يحتمل هذا الكلام الغيظ والقول الشديد في دار الخلافة وبحضرة قريش والصّحابة، مع حاجة الخلافة إلى البهاء والتنزيه، وما يجب لها من

____________________

(١) جَلَج: جاهز.


الرفعة والهيبة، ثم لم يمنعه ذلك أن قال معتذراً ومتقرّباً، كلام المعظِّم لحقّها، المكبر لمقامها، والصاين لوجهها، والمتحنّن عليها: ما أحد أعزّ عليّ منك فقراً، ولا أحب إليّ منك غناً، ولكن سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: إنّا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه فهو صدقة.

قيل لهم: ليس ذلك بدليل على البراءة من الظلم، والسلامة من الجور ( العمد خ م ) وقد يبلغ من مكر الظالم ودهاء الماكر إذا كان أريباً، وللخصومة معتاداً، أن يُظهر كلام المظلوم وذلّة المنتصف وجدة [ وحَدَب ] الوامق المحق، انتهى(١) .

روي أنّ الطبري والثقفي قالا في تاريخيهما: جاءت عائشة إلى عثمان فقالت: أعطني ما كان يعطيني أبي وعمر، قال: لا أجد له موضعاً في الكتاب ولا في السنّة، ولكن كان أبوك وعمر يعطيانك عن طيبة أنفسهما وأنا لا أفعل، قالت: فأعطني ميراثي من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: أولم تجئ فاطمة تطلب ميراثها من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فشهدت أنت ومالك بن أوس البصري: أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يورِّث، وأبطلت حقّ فاطمةعليها‌السلام ، وجئت تطلبينه؟ لا أفعل.

وزاد الطبري، وكان عثمان متكئاً فاستوى جالساً، وقال: ستعلم فاطمة أيّ ابن عمّ لها منّي اليوم، ألستِ وأعرابي يتوضأ ببوله، شهدتِ عن أبيك(٢) .

____________________

(١) الشافي: ج١ ص٢٣٣ ط الحجري.

(٢) البحار: ج٨ ط ق ص٣٢٠.


فصل

إقامة الشهود لطلب حقّهاعليها‌السلام

عن الاختصاص، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: لما قُبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجلس أبو بكر مجلسه، بعث أبو بكر إلى وكيل فاطمةعليها‌السلام فأخرجه من فدك، فأتته فاطمةعليها‌السلام فقالت: يا أبا بكر، ادّعيت أنّك خليفة أبي وجلست مجلسه، وأنت بعثت إلى وكيلي فأخرجته من فدك، وقد تعلم أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صدّق بها عليّ وأنّ لي بذلك شهوداً، فقال: إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لا يورّث.

فرجعت إلى عليعليه‌السلام فأخبرته فقال: ارجعي إليه وقولي له: زعمت أنّ النبيّ لا يورّث، وورث سليمان داود، وورث يحيى زكريا، وكيف لا أرث أنا أبي؟ فقال عمر: أنتِ معلَّمة، قالت: وإن كنت معلّمة فإنّما علّمني ابن عمّي وبعلي، فقال أبو بكر: فإنّ عائشة تشهد وعمر أنّهما سمعا!!! رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يقول: النبيّ لا يورّث فقالت: هذه أوّل شهادة زور شهدا بها في الإسلام.

ثم قالت: فإنّ فدك إنّما هي صدق بها عليَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولي بذلك بيِّنة، فقال لها؛ هلمي بيِّنتك.

قال: فجاءت بأُمّ أيمن وعليعليه‌السلام ، فقال أبو بكر: يا أُمّ أيمن، إنّك


سمعت من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول لفاطمة؟ فقالا: سمعنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: إنّ فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة، ثم قالت أُمّ أيمن: فمَن كانت سيدة نساء أهل الجنة تدّعي ما ليس لها؟ وأنا امرأة من أهل الجنّة ما كنت لأشهد بما لم أكن سمعت من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال عمر: دعينا يا أُمّ أيمن [ من ] هذه القصص، بأي شيء تشهدين؟

فقالت: كنت جالسة في بيت فاطمةعليها‌السلام ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جالس حتّى نزل جبرئيل فقال: يا محمّد قم، فإن الله تبارك وتعالى أمرني أن أخطّ لك فدكاً بجناحي، فقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع جبرئيل فما لبث أن رجع، فقالت فاطمةعليها‌السلام : يا أبة أين ذهبت؟ فقال: خط جبرئيلعليه‌السلام لي فدكاً بجناحه وحدّ لي حدودها. فقالت: يا أبة إنّي أخاف العيلة والحاجة من بعدك، فصدّق بها عليّ، فقال: هي صدقة عليك، فقبضتها.

قالت: نعم، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا أم أيمن، اشهدي، ويا علي اشهد، فقال عمر: أنتِ امرأة ولا نجيز شهادة امرأة وحدها، وأمّا علي فيجرّ إلى نفسه، قال: فقامت مغضبة، وقالت: إنّهما ظلما ابنة نبيّك حقّها، فاشدد وطأتك عليهما، ثم خرجت، وحملها عليعليه‌السلام على أتان عليه كساء له خمل(١) ، فدار بها أربعين صباحاً في بيوت المهاجرين والأنصار: انصروا الله وابنة نبيكم، إلى أن قال:

فقال عليعليه‌السلام لها: ايتي أبا بكر وحده، فإنّه أرقّ من الآخر وقولي له: ادّعيت مجلس أبي، وأنّك خليفته، وجلستَ مجلسه، ولو كانت فدك لك ثم استوهبتها منك لوجب ردّها عليّ، فلمّا أتته وقالت له ذلك، قال: صدقت، قال فدعا بكتاب فكتبه لها بردّ فدك، فخرجت والكتاب معها، فلقيها عمر فقال: يا بنت محمّد ما هذا الكتاب الذي معك؟

____________________

(١) الخمل بالتحريك: هدب القطيفة ونحوها.


فقالت: كتاب كتب لي أبو بكر بردّ فدك، فقال: هلمّيه إليّ، فأبت أن تدفعه إليه، فرفسها برجله فكانت حاملة بابن اسمه المحسّن، فأسقطت المحسنعليه‌السلام من بطنها، ثم لطمها فكأنّي أنظر إلى قرط في أذنها حين نُقف [ نقفت ](١) ، ثم أخذ الكتاب فخرقه، فمضت ومكثت خمسة وسبعين يوماً مريضة ممّا ضربها عمر، ثم قُبضت.

فلمّا حضرتها الوفاة، دعت عليّاً (صلوات الله عليه)، فقالت: إمّا تضمن وإلاّ أوصيت إلى ابن الزبير، فقال عليعليه‌السلام : أنا أضمن وصيّتك يا بنت محمّد، فقالت: سألتك بحقّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إذا أنا مت، أن لا يشهداني، ولا يصلّيا عليّ، قال: فلك ذلك، فلمّا قبضت (صلوات الله عليها) دفنها ليلاً في بيتها، الخ(٢) .

أقول: هذا الخبر ليس عندي في درجة اعتبار سائر الأخبار المذكورة، إلاّ أنّه لما كان العلاّمة المجلسي (رحمه الله) نقله في البحار، أحببت أن لا أخلي كتابي منه فاقتديت به ونقلته منه، وقولها (صلوات الله عليها): وإلاّ أوصيت إلى ابن الزبير، أظنّ أن لفظة ابن زيد من النساخ، وكان الأصل أوصيت إلى الزّبير، هذا إذ صدق الظنّ، وأما إذ كان لفظ ابن صحيحاً، فالمراد به عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب أحد التسعة الهاشميين الذي ثبتوا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم حنين، وفرّ جميع أصحابه ولم يبق منهم سوى هولاء، وأيمن بن أُمّ أيمن وكان عاشرهم، فقتل أيمن، وبقي هؤلاء التسعة، حتى تاب إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مَن كان انهزم، وكان (رحمه الله) شجاعاً جريئاً، قتل يوم أجنادين في خلافة أبي بكر.

وأمّا عبد الله بن الزبير بن العوام، فليس المراد به قطعاً؛ لأنّه كان طفلاً صغيراً غير قابل للإشارة والتوجّه إليه، فضلاً عن أن توصي فاطمة (صلوات الله

____________________

(١) قوله حين نقف: على بناء المجهول أي كسر من لطم اللعين. البحار.

(٢) الاختصاص: ص١٧٩ - ١٨٠.


عليها إليه، فإنه كانت ولادته في السنة الأولى من الهجرة، وقيل في السنة الثانية في شوال كما قال ابن الأثير، مع أنه كان منحرفاً عن أهل البيتعليهم‌السلام ، قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : ما زال الزبير رجلاً منا أهل البيت حتى نشأ ابنه المشوم(١) ، والله العالم.

____________________

(١) بهجة الآمال في شرح زبدة المقال: ج٥ ص٢٢٧.


فصل

بعث زينب بنت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) بفداءٍ لأبي العاص زوجها

رُوي عن أرباب السِيَر ونقلة الآثار، أنّه لما سارت قريش إلى بدر، سار أبو العاص ابن أخت خديجة زوج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم معهم، فأُصيب في الأسرى يوم بدر، فأُتي به النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكان عنده مع الأُسارى، فلمّا بعث أهل مكّة في فداء أُساراهم، بعثت زينب في فداء أبي العاص - بعلها - بمال، وكان فيما بعثت به قلادة كانت لخديجة أُمّها (رضي الله عنها)، أدخلتها بها على أبي العاص ليلة زفافها عليه، فلمّا رآها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رقّ لها رقّةً شديدة وقال للمسلمين: إن رأيتم أن تطلقوا أسيرها وتردّوا عليها ما بعثت به من الفداء فافعلوا، فقالوا: نعم يا رسول الله، نفديك بأنفسنا وأموالنا، فردّوا عليها ما بعثت به وأطلقوا لها أبا العاص بغير فداء(١) .

قال ابن أبي الحديد: قرأت على النقيب أبي جعفر يحيى ابن أبي زيد البصري العلوي هذا الخبر فقال: أترى أبا بكر وعمر لم يشهدا هذا المشهد؟!! أما كان يقتضي التكرّم والإحسان أن يطيّب قلب فاطمةعليها‌السلام بفدك ويستوهب لها من المسلمين؟ أتقصر منزلتها عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من

____________________

(١) بحار الأنوار: ج١٩ ص٣٤٩.


منزلة زينب أُختها؟!! وهي سيّدة نساء العالمين!!! هذا إذا لم يثبت لها حقّ لا بالنِحْلة ولا بالإرث، فقلت له: فدك بموجب الخبر الّذي رواه أبو بكر، قد صار حقّاً من حقوق المسلمين فلم يجز له أن يأخذه منهم، فقال: وفداء أبي العاص قد صار حقاً من حقوق المسلمين وقد أخذه رسول الله منهم، فقلت: رسول الله صاحب الشّريعة، والحكم حكمه، وليس أبو بكر كذلك.

فقال: ما قلت: هلاّ أخذه أبو بكر من المسلمين قهراً فدفعه إلى فاطمةعليها‌السلام وإنّما قلت هلاّ استنزل المسلمين عنه واستوهب منهم لها كما استوهب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فداء أبي العاص، أتراه لو قال: هذه بنت نبيّكمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد حضرت تطلب هذه النخلات، أفتطيبون عنها نفساً، كانوا منعوه ذلك؟ فقلت له: قد قال قاضي القضاة أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد نحو ذلك، قال: إنّهما لم يأتيا بحسن في شرع التكرّم، وإن كان ما أتياه حسناً في الدّين. انتهى(١) .

ولنعم ما قال السيد الخدوعي ولله درّه:

وأتت فاطمٌ تطالب بالإرث

من المصطفى فما ورّثاها

ليت شعري لِم خالفا سنن

القرآن فيها والله قد أبداها

نُسخت آية المودّة منها

أم هما بعد فرضها بدّلاها

أم ترى آية المودّة لم

تأتِ بودّ الزهراء في قرباها

ثم قالا أبوك جاء بهذا

حجّة من عنادهم نصباها

قال للأنبياء حكم بأن لا

يُورِثُوا في القديم وانتهراها

أفبنتُ النبيّ لم تدر إن كا

ن نبَيّ الهدى بذلك فاها

بضعة من محمّدٍ خالفت ما

قال حاشا مولاتنا حاشاها

سمعته يقول ذاك وجاءت

تطلب الإرث ضلةً وسفاها؟!

هي كانت لله أتقى وكانت

أفضل الخلق عفّةً ونزاها

____________________

(١) شرح النهج: ج١٤ ص١٩٠ - ١٩١ بحار الأنوار: ج١٩ ص٣٤٩.


سَلْ بإبطال قولهم سورةَ النمل

وسَلْ مريمَ التي قبل طه

فهما ينبآن عن إرث يحيى

وسليمان مَن أراد انتباها

فدعت واشتكت إلى الله من ذا

ك وفاضت بدمعها مقلتاها

ثم قالت فنِحْلة ليَ من

والدي المصطفى ولم ينحلاها

فأقامت بها شهوِداً فقالوا

بعلها شاهدٌ لها وابناها

لم يجيزوا شهادة ابنَي رسول

الله هادي الأنام إذ ناصباها

لم يكن صادقاً عليّ ولا فا

طمة عندهم ولا ولداها

أهل بيتٍ لم يعرفوا سنن الجور

التباساً عليهمُ واشتباها

كان أتقى لله منهم عتيق

قبح القائل المحال وشاها

جرّعاها من بعد والدها

الغيظَ مراراً فبئس ما جرّعاها

ليت شعري ما كان ضرّهما

حفظاً لعهد النبيّ لو حفظاها

كان إكرام خاتم الرسل الها

دي البشير النذير لو أكراماها

ولكان الجميل أن يعطياها

فدكاً لا الجميل أن يقطعاها

أترى المسلمين كانوا يلومو

نهما في العطاء لو أعطياها؟!

بنت مَن أُمُّ مَن حليلة مَن

ويلٌ لمـَن سنّ ظلمها وأذاها


الباب الرابع

في كثرة حزنها وبكائها على أبيها ( صلّى الله عليه وعليها )

وبدءِ مرضها، ومدّة مكثها في الدنيا بعد أبيها،

وإخفاء أمير المؤمنينعليه‌السلام قبرها بوصيّةٍ منهاعليها‌السلام



فصل

لما قُبضَ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، افتجع له الصغير والكبير، والرجال والنساء، وكثر عليه العويل والبكاء، فصارت المدينة ضجّة واحدة تذري الدموع عليه بالأسجام(١) ، ولأهلها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج إذا أهلّوا بالإحرام، فلم يكن إلاّ باكٍ وباكية، ونادبٍ ونادبة، وعظم رزؤه على أهل بيته الطيّبين، سيّما عليّ ابن عمّه وأخيه أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فنزل به من وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما لم يكن يظنّ الجبال لو حملته كانت تنهض به، وكان أهل بيته ما بين جازعٍ لا يملك جزعه، ولا يضبط نفسه، ولا يقوى على حمل فادح ما نزل به؛ قد اذهب الجزع صبره، وأذهل عقله، وحال بينه وبين الفهم والإفهام والقول والاستماع.

وساير الناس - من غير بني عبد المطلب - بين معزٍّ يأمر بالصبر، وبين مساعدٍ باكٍ لبكائهم، جازعٍ لجزعهم، ولم يكن بين الجميع أشدّ حزناً من مولاتنا فاطمة الزّهراء (صلوات الله عليها)، فقد دخل عليها من الحزن ما لا يعلمه إلاّ الله عزّ وجلّ، وكان حزنها يتجدّد وبكاؤها يشتد، فلا يهدأ لها أنين، ولا يسكن منها الحنين، وكلّ يوم جاء كان بكاؤها أكثر من اليوم الأوّل.

____________________

(١) سجم: أي سال.


قال الراوي: فجلسَتْ سبعة أيام، فلمّا كان اليوم الثامن، خرجت لزيارة قبر أبيها، فأقبلت نادبةً وهي تتعثّر في أذيالها، وهي لا تبصر شيئاً من عبرتها ومن تواتر دمعتها، حتّى دنت من القبر الشريف فأُغمي عليها، فتبادرت النسوان إليها فنضحن الماء عليها حتّى أفاقت، فلمّا أفاقت من غشيتها؛ قالت: رفعت قوَّتي، وخانني جلدي، وشمت بي عدوّي، والكمد قاتلي، يا أبتاه، بقيت والهةً وحيدة، وحيرانةً فريدة، فقد انخمد صوتي وانقطع ظهري، وتنغّص عيشي وتكدَّر دهري، فما أجد يا أبتاه بعدك أنيساً لوحشتي، ولا رادّاً لدمعتي، ثم نادت: يا أبتاه:

إنّ حزني عليكَ حزنٌ جديد

وفؤادي والله صبٌّ عنيدُ

كلّ يومٍ يزيد فيه شجوني

واكتئابي عليك ليس يبيدُ

يا أبتاه مَن للأرامل والمساكين، ومَن للأمة إلى يوم الدين، يا أبتاه أمسينا بعدك من المستضعفين، يا أبتاه أصبحت الناس عنّا معرضين، فأيّ دمعة لفراقك لا تنهمل، وأيّ حزن بعدك لا يتّصل، وأيّ جفنٍ بعدك بالنوم يكتحل، رميت يا أبتاه بالخطب الجليل، ولم تكن الرزيّة بالقليل، فمنبرك بعدك مستوحش، ومحرابك خالٍ من مناجاتك، وقبرك فرح بمواراتك، فوا أسفاه عليك إلى أن أقدم عليك. ثمّ زفرت زفرة وأنّت أنّة كادت روحها أن تخرج، ثم قالت:

قلّ صبري وبان عنّي عزائي

بعد فقدي لخاتمِ الأنبياءِ

عين يا عين اسكبي الدمع سحّاً(١)

وَيْكِ لا تبخلي بفيض الدماءِ

يا رسول الإله يا خيرة الله

وكهف الأيتام والضعفاءِ

لو ترى المنبر الذي كنت تعلو

ه علاه الظلام بعد الضياءِ

____________________

(١) السّح: الصب الكثير.


يا إلهي عجّل وفاتي سريعاً

قد تنغّصت الحياة يا مولائي

قال الراوي: ثم رجعت إلى منزلها وأخذت بالبكاء والعويل ليلها ونهارها، وهي لا ترقأ دمعتها ولا تهدأ زفرتها، فاجتمع شيوخ أهل المدينة وأقبلوا إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام فقالوا له: يا أبا الحسن، إنّ فاطمة تبكي اللّيل والنهار، فلا أحد منّا يتهنّأ بالنوم في الليل على فراشنا، ولا بالنهار لنا قرار على أشغالنا، وطلب معايشنا، وإنّا نخبرك أن تسألها إمّا أن تبكي ليلاً أو نهاراً، فقالعليه‌السلام : حبّاً وكرامة.

فأقبل أمير المؤمنينعليه‌السلام حتّى دخل على فاطمة (صلوات الله عليها) وهي لا تفيق من البكاء، ولا ينفع فيها العزاء، فلمّا رأته سكتت هنيئة له، فقال لها: يا بنت رسول الله، إنّ شيوخ المدينة يسألونني أن أسألك إمّا تبكين أباك ليلاً وإمّا نهاراً، فقالت يا أبا الحسن:

ما أقلَّ مكثي بينهم، وما أقرب مغيبي من بين أظهرهم، فو الله لا أسكت ليلاً ولا نهاراً، أو ألحق بأبي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فقال لها عليعليه‌السلام : افعلي يا بنت رسول الله ما بدا لك، ثم إنّهعليه‌السلام بنى لها بيتاً في البقيع نازحاً عن المدينة يُسمّى (بيت الأحزان ) وكانتعليها‌السلام إذا أصبحت قدّمت الحسن والحسينعليهما‌السلام أمامها، وخرجت إلى البقيع باكية، فلا تزال بين القبور باكية، فإذا جاء اللّيل، أقبل أمير المؤمنينعليه‌السلام إليها وساقها بين يديه إلى منزلها(١) .

____________________

(١) بحار الأنوار: ج٤٣ ص ١٧٥ - ١٧٨. وقد ورد في الروايات عن شدّة بكائهاعليها‌السلام على أبيهاصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فراجع الباب ٨٧ من أبواب الدفن من كتاب الطهارة من وسائل الشيعة، كما أنّ ابن جبير ( أوائل القرن السابع ) ذكر بيت الأحزان هذا في رحلته فقال:

ويلي القبّة العباسية بيت فاطمة الزهراء بنت رسول الله ويُعرف ببيت الأحزان، ويقال إنّه هو البيت الذي أوت والتزمت فيه منذ وفاة أبيها إلى أن لحقت به.

ويقول الإمام شرف الدين في النص والاجتهاد: ص٣٠٢: وكنّا سنة ١٣٣٩ تشرّفنا بزيارة هذا البيت.


فصل

أشعارها عند قبر أبيها ( صلّى الله عليه وآله )

رُوي أنّه لما قُبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ونال فاطمةعليها‌السلام ، من القوم ما نالها، لزمت الفراش، ونحل جسمها، وذاب لحمها، وجفّ جلدها على عظمها وصارت كالخيال(١).

ورُوي أيضاً أنها (صلّى الله عليها) ما زالت بعد أبيها معصّبة الرأس، ناحلة الجسم، منهدَّة الركن، باكية العين، محترقة القلب، يغشى عليها ساعة بعد ساعة، وتقول لولديها: أين أبوكما الذي كان يكرمكما ويحملكما مرّة بعد مرّة، أين أبوكما الذي كان أشدّ الناس شفقةً عليكما؟ فلا يدعكما تمشيان على الأرض، ولا أراه يفتح هذا الباب أبداً، ولا يحملكما على عاتقه كما لم يزل يفعل بكما(٢) .

فكانت (سلام الله عليها) كما أخبر أبوها عن يومها ذلك محزونة مكروبة باكية، تتذكّر انقطاع الوحي عن بيتها مرّة، وتتذكّر فراق والدها أُخرى، وتستوحش إذا جنّها الليل لفقد صوته الذي كانت تستمع إليه إذا تهجّد

____________________

(١) والخيال: ما تشبّه لك في اليقظة والحلم من صورة، وكساء أسود يُنصب على عودٍ يخيّلُ به للبهائم.

(٢) المناقب: ج٣ ص٣٦٢.


بالقرآن، ثم ترى نفسها ذليلةً بعد أن كانت في أيام أبيها عزيزة.

وكانت ترثي أباها وتقول:

ماذا على مَن شمّ تربة أحمدٍ

أن لا يشمّ مدى الزمان غواليا

صُبّت عليَّ مصائبٌ لو أنّها

صُبّت على الأيّام صرن لياليا(١)

وتقول أيضاً:

إذا مات يوماً ميّتٌ قلَّ ذكره

وذكر أبي مذ مات والله أزيد

تذكّرت لما فرّق الموتُ بيننا

فعزّيت نفسي بالنبيّ محمّد

فقلت لها إنّ الممات سبيلنا

ومَن لم يمت في يومه مات في غد

وتقول أيضاً:

إذا اشتدّ شوقي زرت قبرك باكياً

أنوح وأشكو لا أراك مجاوبي

فيا ساكن الصحراءِ(٢) علّمتني البكا

وذكرك أَنساني جميع المصائبِ

فإن كنت عنّي في التراب مُغَيَّباً

فما كنتَ عن قلبي الحزين بغائبِ

وكان أمير المؤمنينعليه‌السلام اغتسل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قميصه، فكانت فاطمةعليها‌السلام تقول: أرني القميص، فإذا شمّته غشي عليها، فلمّا رأى ذلك أمير المؤمنينعليه‌السلام غيّبه(٣) .

بكاؤها عند استماع ذكر أبيهاصلى‌الله‌عليه‌وآله في الأذان

وروي أنّها قالت ذات يوم: إنّي أرغب أن أسمع صوت مؤذّن أبي

____________________

(١) وفي هامش نسخة المطبوع من الكتاب عن المؤلِّف ( ره ): قال قال المحقّق في المعتبر والشهيد في الذكرى: رُوي أنّها أخذت قبضة من تراب قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فوضعته على عينها وقالت: ماذا الخ.

(٢) ( الغبراء - خ ل ).

(٣) البحار: ج٤٣ ص١٥٧.


بالأذان، فبلغ ذلك بلالاً، - وكان امتنع من الأذان بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - فأخذ في الأذان، فلّما قال: الله أكبر، الله أكبر، ذكرت أباها وأيّامه فلم تتمالك من البكاء، فلما بلغ إلى قوله ( أشهد أنّ محمّداً رسول الله ) شهقت فاطمةعليها‌السلام وسقطت لوجهها وغشي عليها، فقال الناس لبلال: أَمْسِك يا بلال، فقد فارقت ابنة رسول الله الدنيا، وظنّوا أنّها قد ماتت، فقطع أذانه ولم يتمّه، فأفاقت فاطمةعليها‌السلام فسألته أن يتمّ الأذان، فلم يفعل وقال لها: يا سيّدة النسوان، إنّي أخشى عليك ممّا تنزلينه بنفسك إذا سمعت صوتي بالأذان، فأعفته عن ذلك(١) .

وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنّه قال: عاشت فاطمةعليها‌السلام بعد أبيها خمسة وسبعين يوماً، لم تُرَ كاشرةً ولا ضاحكة، تأتي قبور الشهداء في كلّ جمعة مرّتين، الاثنين والخميس، فتقول: هاهنا كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هاهنا كان المشركون(٢).

وفي رواية أُخرى: كانت تصلّي هناك وتدعو حتّى ماتت (صلوات الله عليها)(٣).

وروي عن محمود بن لبيد قال: لما قُبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كانت فاطمةعليها‌السلام تأتي قبور الشهداء، وتأتي قبر حمزة وتبكي هناك، فلمّا كان في بعض الأيام أتيت قبر حمزة ( ره ) فوجدتها تبكي هناك، فأمهلتها حتّى سكنت، فأتيتها وسلّمت عليها وقلت: يا سيّدة النّسوان، قد والله قطعت نياط قلبي(٤) من بكائك، فقالت: يا أبا عمر، ويحقّ لي البكاء، فلقد أُصِبت بخير الآباء

____________________

(١) البحار: ج١ ص١٥٧.

(٢) الكافي: ج٣ باب زيارة القبور، ج٣، تعليق سماحة محمد جعفر شمس الدين. ط دار التعارف.

(٣) البحار: ج٤٣ ص١٥٩.

(٤) نياط: عرق غليظ ينط به القلب.


رسول الله، وا شوقاه إلى رسول الله، ثم أنشأت تقول:

إذا مات يوماً ميّت قلّ ذكْرُهُ

وذِكْرُ أبي مذ مات والله أكثرُ(١)

وعن أبي جعفرعليه‌السلام قال: إنّ فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مكثت بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ستين يوماً، ثم مرضت فاشتدّت علّتها، فكان من دعائها في شكواها: يا حيّ يا قيوم، برحمتك أستغيث فأغثني، اللّهمّ زحزحني عن النار وأدخلني الجنّة، وألحقني بأبي محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكان أمير المؤمنينعليه‌السلام يقول لها: يعافيك الله ويبقيك، فتقول: يا أبا الحسن، ما أسرع اللحاق بالله، وأوصته أن يتزوج أُمامة بنت أبي العاص وقالت: بنت أختي، وتحنو [ وتحنّن في البحار ] على ولديّ(٢) .

وصيتها لعلّيعليهما‌السلام

وفي رواية أُخرى قالت لأمير المؤمنينعليه‌السلام : إنّ لي إليك حاجة يا أبا الحسن، قال: تُقضى يا بنت رسول الله، فقالت: نشدتك بالله وبحق محمّد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن لا يصلّي عليّ أبو بكر وعمر، فإنّي لا كتمتك حديثاً. فقالت: قال لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا فاطمة، إنّك أوّل مَن يلحق بي من أهل بيتي، فكنت أكره أن أسوءك(٣) .

وعن أبي جعفرعليه‌السلام قال: بدو مرض فاطمةعليها‌السلام بعد خمسين ليلة من وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فعلمت أنّها الوفاة، فاجتمعت لذلك تأمر عليّاًعليه‌السلام بأمرها، وتوصيه بوصيّتها، وتعهد إليه عهودها، وأمير المؤمنينعليه‌السلام يجزع لذلك ويطيعها في جميع ما تأمره، فقالت: يا أبا الحسن إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عهد إليّ وحدثني أنّي أوّل أهله لحوقاً به، ولا بدّ ممّا لا بدّ

____________________

(١) كفاية الأثر: ص١٩٨.

(٢) البحار: ج٤٣ ص٢١٧.

(٣) البحار: ج٨، ط قم، ص٩٠.


منه، فاصبر لأمر الله وارض بقضائه. قال: وأوصته بغسلها وجهازها ودفنها ليلاً، ففعل(١).

وعن ابن عباس، قال: رأت فاطمةعليها‌السلام في منامها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قالت: فشكوت إليه ما نالنا من بعده، قالت: قال لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لكم الدّار الآخرة الّتي أُعدّت للمتقين، وإنّك قادمة عليَّ عن قريب(٢) .

____________________

(١) البحار: ج٤٣ ص٢٠١.

(٢) البحار: ج٤٣ ص٢١٨.


فصل

استيذان الشيخين لعيادتهاعليها‌السلام

لما مرضت فاطمةعليها‌السلام مرضها الذي ماتت فيه، وصّت إلى علي بن أبي طالبعليه‌السلام أن يكتم أمرها، ويخفي خبرها، ولا يؤذن أحداً بمرضها، ففعل (سلام الله عليه) ذلك، وكان يمرِّضها بنفسه، وتعينه على ذلك أسماء بنت عُميس على استسرار بذلك كما وصّت به(١) .

وقد أخبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن مرضها ذلك، وقال بعد أن ذكر ما يصيبها من الظلم والضيم، ثم يبتدي بها الوجع فتمرض، فيبعث الله إليها مريم بنت عمران تمرضها وتؤنسها في علتها، الخبر(٢) .

فلمّا ثقلت، وعلم الرجلان بذلك، أتياها عايدين، واستأذنا عليها فأبت أن تأذن لهما، فأتى عمر عليّاًعليه‌السلام فقال له: إنّ أبا بكر شيخ رقيق القلب، وقد كان مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الغار، فله صحبته، وقد أتيناها غير هذه المرّة مراراً نريد الإذن عليها وهي تأبى أن تأذن لنا، فإن رأيت أن تستأذن لنا عليها فافعل، قال: نعم، فدخل عليّعليه‌السلام على فاطمةعليها‌السلام فقال: يا بنت رسول الله قد كان من هذين الرجلين ما قد رأيت، وقد تردَّدا مراراً كثيرة

____________________

(١) أمالي المفيد: ص٢١٨، البحار: ج٤٣ ص٢١١.

(٢) أمالي الصدوق: ص١١٤، ط الإسلامية.


ورددتهما ولم تأذني لهما، وقد سألاني أن أستأذن لهما عليك.

فقالت: والله لا آذن لهما، ولا أكلمّهما كلمة من رأسي حتّى ألقى أبي فأشكوهما إليه بما صنعاه وارتكباه منّي، قال عليعليه‌السلام : فإنّي ضمنت لهما ذلك، قالت: إنْ كنت ضمنت لهما شيئاً، فالبيت بيتك، والنساء تتبع الرِّجال، لا أُخالف عليك بشيء، فإذن لمـَن أحببت، فخرجعليه‌السلام فأذن لهما.

فلمّا وقع نظرهما على فاطمة (صلوات الله عليها)، سلّما عليها فلم تردَّ عليهما، فحوَّلت وجهها عنهما، فتحولاّ واستقبلا وجهها، حتّى فعلت مراراً وقالت: يا علي، جاف الثوب، وقالت لنسوة حولها: حوّلن وجهي، فلمّا حوَّلن وجهها حوَّلا إليها، وسألا أن ترضى عنهما وتصفح عمّا كان منهما إليها، فقالت فاطمةعليها‌السلام :

أنشدكما بالله، أتذكران أنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم استخرجكما في جوف الليل بشيءٍ كان حدث من أمر عليٍّعليه‌السلام ؟ فقالا: اللّهمّ نعم، فقالت: أُنشُدكُما بالله، هل سمعتما النبيَّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: فاطمة بضعة منّي وأنا منها، مَن آذاها فقد آذاني ومَن آذاني فقد آذى الله، ومن آذاها بعد موتي كمَن آذاها في حياتي، ومَن آذاها في حياتي كمَن آذاها بعد موتي؟ قالا: اللّهمّ نعم، فقالت: الحمد لله، ثم قالت:

اللّهمّ إنّي أُشهدك فاشهدوا يا مَن حضرني، أنَّهما قد آذياني في حياتي وعند موتي، والله لا أُكلّمكما من رأسي كلمةً حتّى ألقى ربّي فأشكوكما إليه بما صنعتما بي وارتكبتما منّي(١) .

وفي رواية أُخرى: فرفعت يدها إلى السماء فقالت: اللّهمّ إنّهما قد آذياني فأشكوهما إليك وإلى رسولك، ولا والله لا أرضى عنكما أبداً حتّى ألقى

____________________

(١) البحار: ج٤٣ ص٢٠٣ - ٢٠٤.


أبي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأخبره بما صنعتما، فيكون هو الحاكم فيكما، قال: فعند ذلك دعا أبو بكر بالويل والثّبور وقال: ليت أُمّي لم تلدني(١) .

فقال عمر: عجباً للناس كيف ولّوك أمورهم؛ وأنت شيخ قد خرفت، تجزع لغضب امرأة وتفرح برضاها، وما لمن غضب امرأة، وقاما وخرجا(٢) .

فلمّا خرجا، قالت فاطمةعليها‌السلام لأمير المؤمنينعليه‌السلام : قد صنعت ما أردت؟ قال: نعم، قالت: فهل أنت صانع ما آمرك؟ قال: نعم، قالت: فإنّي أنشدك الله أن لا يصلّيا على جنازتي ولا يقوما على قبري(٣) .

وروي أنّها قالت لأسماء بنت عميس: إنّي قد استقبحت ما يصنع بالنساء أن يطرح على المرأة الثوب فيصفها لمـَن رأى، وقالت: إنّي نحلت وذهب لحمي، ألا تجعلين لي شيئاً يسترني، قالت أسماء: إنّي إذ كنت بأرض الحبشة رأيتهم يصنعون شيئاً، أفلا أصنع لك، فإن أعجبك أصنع لك؟ قالت: نعم، فدعت بسرير فاكبَّته لوجهه ثم دعت بجرائد فشدّته على قوائمه، ثم جلّلته ثوباً، فقالت هكذا رأيتهم يصنعون، فقالت (سلام الله عليها): اصنعي لي مثله أُستريني، سترك الله من النّار(٤).

ورُوي أنّها لما رأت ما صوّرته أسماء تبسّمت. وما رؤيت مبتسمة إلاّ يومئذٍ، وقالت: ما أحسن هذا وأجمله لا تُعرف به المرأة من الرجل(٥) .

عيادة نساء المهاجرين والأنصار لها وما قالت في جوابهن

في الاحتجاج، قال سويد بن غفلة: لما مرضت سيّدتنا فاطمةعليها‌السلام

____________________

(١) ن. م: ج٤٣ ص١٩٩.

(٢) البحار: ج٤٣ ص٢٠٤.

(٣) لم يوجد في البحار والعوالم عبارة المتن بعينها ولكن مضمونه موجود متواتر.

(٤) العوالم: ج٦ ص٢٩١. البحار: ج٤٣ ص٢١٣.

(٥) كشف الغمّة: ج١ ص٥٣ - ٥٤، وذخائر العقبى لمحب الدين الطبري: ص٥٣.


المرضة التي تُوفّيت فيها، دخلت عليها نساء المهاجرين والأنصار لِيَعِدنها، فقلن لها: كيف أصبحت من علّتكِ يا ابنة محمّد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ فحمدت الله وصلّت على أبيها وقالت:

أصبحت والله عائفة لدنياكن، قالية لرجالكن، لفظتهم بعد أن عجمتهم، وشنأتهم بعد أن سبرتهم، فقبحاً لفلول الحد واللعب بعد الجد، وقرع الصفاة، وصدع القناة، وخطل الآراء، وزلل الأهواء، وبئس ما قدّمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون، لا جرم لقد قلّدتهم ربقتها، وحملتهم أوقتها، وشنت عليهم غاراتها، فجدعاً وسحقاً وعقراً وبعداً للقوم الظالمين، ويحهم، أنّى زعزعوها عن رواسي الرّسالة، وقواعد النبوّة والدلالة، ومهبط الوحي ( خ ) والرّوح الأمين والطَّبين بأُمور الدنيا والدين، ألا ذلك هو الخسران المبين، وما الذي نقموا من أبي الحسن، نقموا منه واللهِ نكيرَ سيفه، وقلّة مبالاته بحتفه، وشدّة وطأته، ونكال وقعته، وتنمّره في ذات الله.

وتالله لو مالوا عن المحجّة اللائحة، وزالوا عن قبول الحجّة الواضحة، لردّهم إليها وحملهم عليها، ولسار بهم سيراً سُجُحاً، لا يكلم خشاشه، ولا يكلّ سائره، ولا يملّ راكبه، ولأوردهم منهلاً نميراً صافياً رويّاً، تطفح ضفّتاه، ولا يترنّق جانباه. إلى أن قالت (سلام الله عليها):

استبدلوا والله الذُّنَابى بالقوادم، والعَجُز بالكاهل، فرغماً لمعاطس قوم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً، ألا إنّهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون، ويحهم( أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لا يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (١) . أما لعمري لقد لقحت فنظرة ريثما تنتج، ثم احتلبوا مِلْءَ القعب دماً عبيطاً وذُعافاً مبيداً، هنالك يخسر المبطلون، ويعرف التالون غبَّ ما أسّس الأوّلون، ثم طيبوا عن دنياكم أنفساً، واطمأنّوا للفتنة جأشاً،

____________________

(١) يونس: ٣٥.


وأبشروا بسيفٍ صارمٍ وسطوة معتدٍ غاشم، وهرجٍ شامل، واستبدادٍ من الظالمين، يدع فيئكم زهيداً وجمعكم حصيداً، فيا حسرة لكم، وأنّى بكم وقد عميت عليكم أن لزمكموها وأنتم لها كارهون.

قال سويد بن غفلة: فأعادت النساء قولها على رجالهن؛ فجاء إليها قوم من وجوه المهاجرين والأنصار معتذرين وقالوا: يا سيّدة النساء، لو كان أبو الحسنعليه‌السلام ذكر لنا هذا الأمر من قبل أن نبرم العهد ونحكم العقد، لما عدلنا عنه إلى غيره. فقالتعليها‌السلام : إليكم عنّي فلا عذر بعد تعذيركم، ولا أمر بعد تقصيركم(١) .

وفي البحار عن العيّاشي: قال: دخلت أُمّ سلمة على فاطمةعليها‌السلام فقالت لها: كيف أصبحت عن ليلتك يا بنت رسول الله؟ قالت: قالت: أصبحت بين كمدٍ وكرب، فقد النبي وظلم الوصيّ، هتك والله حجابه مَن أصبحت إمامته مقيّضة(٢) على غير ما شرع الله في التنزيل، وسنّها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في التأويل، ولكنّها أحقاد بدريّة وترات أُحُدية كانت عليها قلوب النفاق مكمنة [ مكتمنة ] لإمكان الوشاة، فلمّا استهدف الأمر، أرسلت علينا شآبيب الآثار من مخيلة الشّقاق، فيقطع وتر الإيمان من قسيِّ صدورها، ولبئس على ما وعد الله مَن حفظ الرِّسالة وكفالة المؤمنين، أحرزوا عائدتهم غرور الدنيا بعد استنصار ممن فتك بآبائهم في مواطن الكرب ومنازل الشهادات(٣) .

____________________

(١) الاحتجاج: ج١ ص١٤٧.

(٢) في البحار مقبضة [ مقتبضة ].

(٣) البحار: ج٤٣ ص١٥٦، عوالم العلوم: ج٦ ص٢٥٠، والحديث موجود في المناقب ج٢ ص٢٠٣ قولهاعليها‌السلام : ( عائفة ) أي كارهة، و ( القالية ): المبغضة. ( لفظتهم ) أي رميتهم وطرحتهم. ( والعَجْم ): العضّ. و( شنأه ): كمنعه أبغضه. و ( سبرتهم ) أي اختبرتهم. و( الفلول ) بالضمّ: جمع فلّ بالفتح وهو الثلمة والكسر في حد السيف. و ( الخور ) بالفتح: الضعف. و ( القناة ) الرمح. و ( الخطل ): المنطق الفاسد ( وقرع الصفاة ): الصفاة الحجر الأملس أي جعلتم أنفسكم مقرعاً لخصامكم حتى قرعوا صفاتكم. و( صدع القناة ): شقّها. =


____________________

= ( الأوق ): الثقل ( شنّت ): أي فرّقت. الجدع: قطع الأنف. العقر: الجرح، والطّبين: الفطن الحاذق. والسُجح بضمّتين: اللّين السهل. والكَلم: الجرح. والخشاش بالكسر: ما يجعل في أنف البعير. النمير: الماء النامي يعني عين لا ينقطع ماؤها، وضفتا النهر: جانباه. وتطفح: أي تمتلئ حتى تفرض.

والترنوق: الطين الذي في الأنهار والمسيل، والمعنى أنّه لا ينقص الماء حتى يظهر الطين والحمأ من جانبي النهر. الذنابي: ذنب الطائر. ذعاف: داء قاتل. غبّ ما أسّس الأوّلون: يعني عاقبته. الجأش: الارتفاع والاضطراب. غشم أي ظلم.

أقول: توضيح الكلمات الغامضة في كلامهاعليها‌السلام أكثرها من البحار للعلاّمة المجلسي ( ره ).


فصل

وصيّتها لعليٍّعليهما‌السلام لإخفاء قبرها

عن روضة الواعظين، وغيره: مرضت فاطمةعليها‌السلام مرضاً شديداً، ومكثت أربعين ليلة في مرضها إلى أن توفّيت (صلوات الله عليها)، فلمّا نُعيت إليها نفسها، دعت أُمّ أيمن وأسماءِ بنت عميس، ووجّهت خلف عليعليه‌السلام وأحضرته، فقالت: يا ابن عم، إنّه قد نُعيت إليَّ نفسي، وإنّني لا أرى ما بي إلاّ أنّني لاحقة بأبي ساعة بعد ساعة، وأنا أُوصيك بأشياء في قلبي. قال لها عليعليه‌السلام : أوصيني بما أحببت يا بنت رسول الله، فجلس عند رأسها وأخرج مَن كان في البيت، ثم قالت:

يا ابن عمّ، ما عهدتني كاذبة ولا خائنة، ولا خالفتك منذ عاشرتني، فقال: معاذ الله، أنت أعلم بالله وأبرّ وأتقى وأكرم، وأشدّ خوفاً من الله أن أوبّخك بمخالفتي، قد عزّ عليّ مفارقتك وتفقّدك ( فقدك - خ ل )، إلاّ أنّه أمر لا بدّ منه، واللهِ جدّدت عليَّ مصيبة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد عظمت وفاتك وفقدك، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون من مصيبة ما أفجعها وآلمها وأمضّها وأحزنها، هذه والله مصيبة لا عزاء لها، ورزيّة لا خلف لها، ثم بكيا جميعاً ساعة، وأخذ عليعليه‌السلام رأسها وضمّها إلى صدره، ثم قال: أوصيني بما شئت فإنّك تجديني أمضي فيها كما أمرتني به، وأختار أمرك على أمري، ثم


قالت: جزاك الله عنّي خير الجزاء يا ابن عمّ رسول الله(١) .

ثمّ أوصته بأن يتزوّج بعدها أُمامة بنت أُختها زينب، وأن يتخذ لها نعشاً، وأن لا يشهد أحد جنازتها من الّذين ظلموا وأخذوا حقّها، وأن لا يصلّي عليها أحد منهم ولا من أتباعهم، وأن يدفنها بالليل إذا هدأت العيون ونامت الأبصار.

وعن مصباح الأنوار، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، عن آبائهعليهم‌السلام قال: إنّ فاطمةعليها‌السلام لما احتضرت أوصت عليّاًعليه‌السلام فقالت: إذا أنا متّ فتولّ أنت غسلي، وجهّزني، وصلّ عليّ، وأنزلني في قبري، وألحدني وسوّ التراب عليَّ، واجلس عند رأسي قبالة وجهي فأكثر من تلاوة القرآن والدّعاء، فإنّها ساعة يحتاج الميت فيها إلى أُنس الأحياء، وأنا أستودعك الله تعالى وأوصيك في ولديّ خيراً، ثم ضمّت إليها أُمّ كلثوم، فقالت له: إذا بلغت فلها ما في المنزل، ثم الله لها، فلمّا تُوفّيت فعل ذلك أمير المؤمنينعليه‌السلام ، الخ(٢) .

وروي أنّها قالت لأمير المؤمنينعليه‌السلام : إذا توفّيت، لا تُعلم أحداً إلاّ أُمّ سلمة وأُمّ أيمن وفضّة، ومن الرجال ابنيَّ والعباس [ وعبد الله بن عباس خ ل ] وسلمان وعماراً والمقداد وأبا ذر وحذيفة، وقالت: إنّي قد احللتك من أن تراني بعد موتي فكن مع النسوة فيمن يغسلنني، ولا تدفنّي إلاّ ليلاً ولا تعلم أحداً قبري(٣) .

وعن جعفر بن محمد، عن آبائهمعليهم‌السلام قال: لما حضرت فاطمة الوفاة بكت، فقال لها أمير المؤمنينعليه‌السلام : يا سيّدتي ما يبكيك؟ قالت: أبكي لما تلقى بعدي، قال لها: لا تبكي، فو الله إنّ ذلك لصغير عندي في ذات الله، قال: وأوصته أن لا يؤذن بها الشيخين، ففعل(٤) .

____________________

(١) البحار: ج٤٣ ص١٩١. روضة الواعظين: ج١ ص١٥١. عوالم العلوم: ج٦ ص٢٧٤.

(٢) البحار: ج٨٢ ص٢٧.

(٣) دلائل الإمامة: ص٤٤.

(٤) البحار: ج٤٣ ص٢١٨.


وروى شيخ الطائفة: إنّه لما ثقلت فاطمةعليها‌السلام جاءها العباس بن عبد المطلب عائداً، فقيل له: إنّها ثقيلة وليس يدخل عليها أحد، فانصرف إلى داره وأرسل إلى عليعليه‌السلام فقال لرسوله: قل له ابن أخ عمّك يقرئك السلام ويقول لك: لله قد فجأني من الغمِّ بشكاة حبيبة رسول الله، وقرّة عينيه وعيني فاطمةعليها‌السلام ما هدّني، وإنّي لأظنّها أوَّلنا لحوقاً برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والله يختار لها ويحبوها ويزلفها لديه، فإن كان من أمرها ما لا بدّ منه، فاجمع - أنا لك الفداء - المهاجرين والأنصار حتّى يصيبوا الأجر في حضورها والصلاة عليها، وفي ذلك جمال للدين.

فقال عليعليه‌السلام لرسوله، قال الرّاوي وهو عمّار أنا حاضر عنده: أبلغ عمّي السلام وقل: لا عدمت إشفاقك وتحنّنك، وقد عرفت مشورتك، ولرأيك فضله، إنّ فاطمة بنت رسول الله لم تزل مظلومة، من حقّها ممنوعة، وعن ميراثها مدفوعة، لم تُحفظ فيها وصيّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولا رُعي فيها حقّه ولا حقُّ الله عزّ وجلّ، وكفى بالله حاكماً ومن الظالمين منتقماً، وأنا أسألك يا عم، أن تسمح لي بترك ما أشرت به، فإنّها وصّتني بستر أمرها، الخ(١) .

وروى الفريقان عن أُمّ سلمى امرأة أبي رافع، قالت: اشتكت فاطمةعليها‌السلام شكواها الّتي قُبضت فيها، وكنت أمرّضها، فأصبحَتْ يوماً أسكنَ ما كانت، فخرج عليعليه‌السلام إلى بعض حوائجه، فقالت: اسكبي لي غُسلاً، فسكبت، فقامت واغتسلت أحسن ما يكون من الغسل، ثم لبست أثوابها الجدد، ثم قالت: افرشي لي فراشي وسط البيت، ثم استقبلت القبلة ونامت وقالت: أنا مقبوضة وقد اغتسلت، فلا يكشفَنّي أحد، ثم وضعت خدّها على يدها وماتت (صلوات الله عليها)(٢) .

____________________

(١) أمالي الشيخ: ج١ ص١٥٥. البحار: ج٤٣ ص٢٠٩.

(٢) عوالم العلوم فاطمة الزهراء: ج٦ ص٢٧٦. البحار: ج٤٣ ص ١٨٣، وذخائر العقبى للطبري: ص٥٣ - ٥٤ مع تفاوت في بعض الألفاظ.


سلامها (ع) على جبرئيل والنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله حين نزلا عليها

ورُوي أنّها ماتت ما بين المغرب والعشاء، وأنّها لما احتضرت نظرت نظراً حادّاً، ثم قالت: السلام على جبرئيل، السلام على رسول الله، اللّهمّ مع رسولك، الّلهمّ في رضوانك وجوارك ودارك دار السلام، ثم قالت: أترون ما أرى؟ فقيل لها: ما ترين؟ قالت: هذه مواكب أهل السماوات، وهذا جبرئيل، وهذا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويقول: يا بنية أقدمي فما أمامك خير لك(١) .

وعن زيد بن علي، أنّها (سلام الله عليها) لما احتضرت، سلّمت على جبرئيل، وعلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعلى ملك الموت، وسمعوا حسّ الملائكة، ووجدوا رائحة طيب كأطيب ما يكون من الطّيب(٢) .

وعن أسماء بنت عميس، قالت: لما حضرت فاطمةعليها‌السلام الوفاة قالت لي: إنّ جبرئيل أتى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما حضرته الوفاة بكافور من الجنّة فقسّمه أثلاثاً، ثلثاً لنفسه، وثلثاً لعليّعليه‌السلام وثلثاً لي، وكان أربعين درهماً، فقالت: يا أسماء ايتيني ببقيّة حنوط والدي من موضع كذا وكذا، فضعيه عند رأسي، ثم تسجّت بثوبها وقالت: انتظريني هنيهة، ثم ادعني، فإن أجبتك، وإلاّ فاعلمي أنّي قد قدمت على أبي ( ربي - خ ل ).

قال الراوي: فانتظرتها أسماء هنيهة، ثم نادتها فلم تجبها، فنادت يا بنت محمّد المصطفى، يا بنت أكرم مَن حملته النّساء، يا بنت خير مَن وطأ الحصى، يا بنت مَن كان من ربّه قاب قوسين أو أدنى، قال: فلم تجبها، فكشفت الثوب عن وجهها فإذا بها قد فارقت الدّنيا، فوقعت عليها تقبّلها وهي تقول: يا فاطمة، إذا قدمت على أبيك رسول الله فاقرأيه عن أسماء بنت عميس السّلام، ثم شقّت أسماء جيبها وخرجت فتلقّاها الحسن والحسينعليهما‌السلام

____________________

(١) البحار: ج٤٣ ص٢٠٠.

(٢) المصدر السابق.


فقالا: أين أُمّنا، فسكتت، فدخلا البيت فإذا هي ممتدّة، فحركّها الحسنعليه‌السلام فإذا هي ميّتة، فقال: يا أخاه، آجرك الله في الوالدة، فوقع عليها الحسنعليه‌السلام يقبّلها مرّة، ويقول: يا أُمّاه كلّميني قبل أن تفارق روحي بدني، قالت: وأقبل الحسينعليه‌السلام يقبّل رجليها، ويقول: يا أُمّاه أنا ابنك الحسين كلميني قبل أن يتصدّع قلبي فأموت، قالت لهما أسماء: يا ابنا رسول الله انطلقا إلى أبيكما عليعليه‌السلام فأخبراه بموت أُمّكما، فخرجا يناديان: يا محمّداه يا أحمداه، اليوم جُدِّد لنا موتك إذ ماتت أُمّنا، ثم أخبرا عليّاًعليه‌السلام وهو في المسجد، فغشي عليه حتّى رُشّ عليه الماء ثمَّ أفاق، وكانعليه‌السلام يقول: بمَن العزاء يا بنت محمّد؟ كنت بك أتعزّى، ففيما العزاء من بعدك؟(١) .

قال المسعودي: ولما قُبضتعليها‌السلام جزع عليعليه‌السلام جزعاً شديداً، واشتدّ بكاؤه، وظهر أنينه وحنينه، وقال في ذلك:

لكلّ اجتماعٍ من خليلين فرقة

وكلّ الذي دون الممات(٢) قليلُ

وإنَّ افتقادي واحداً بعد واحدٍ(٣)

دليلٌ على أن لا يدوم خليلُ

قال الراوي: فحمل عليعليه‌السلام الحسنينعليهما‌السلام حتّى أدخلهما بيت فاطمةعليها‌السلام ، وعند رأسها أسماء تبكي وتقول: وا يتامى محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كنّا نتعزّى بعدك، فكشف عليعليه‌السلام عن وجهها فإذا برقعة عند رأسها، فنظر فيها، فإذا فيها: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصت به فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أوصت وهي تشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عبده ورسوله، وأنّ الجنّة حقّ، والنّار حق، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث مَن في القبور، يا علي، أنا فاطمة بنت محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم زوّجني الله منك لأكون ذلك في الدنيا والآخرة، أنت أولى بي من غيري، حنّطني وغسّلني

____________________

(١) كشف الغمّة: ص٥٠٠. البحار: ج٤٣ ص٢١٤ - ١٨٦ - ١٨٧.

(٢) ( الفراق - خ ل ).

(٣) ( فاطمة بعد أحمد - خ ل ).


وكفنّي وصلِّ عليّ وادفنّي باللّيل ولا تُعلم أحداً، وأستودعك الله، وأقرأ على ولديّ السلام إلى يوم القيامة(١) .

كفّنها وغسّلهاعليها‌السلام ليلاً

قال الراوي: فصاح أهل المدينة صيحةً واحدة، واجتمعت نساء بني هاشم في دارها فصرخن صرخةً واحدةً كادت المدينة أن تتزعزع لصراخهن، وهنّ يقلن: يا سيّدتاه يا بنت رسول الله، وأقبل الناس مثل عرف الفرس إلى عليعليه‌السلام وهو جالس، والحسن والحسينعليهما‌السلام بين يديه يبكيان، فبكى الناس لبكائهما، وخرجت أُمّ كلثوم وعليها برقعة وتجرّ ذيلها متجلّلة بردائها عليها نشيجها [ تسبّجها خ ](٢) وهي تقول: يا أبتاه يا رسول الله، الآن حقّاً فقدناك فقداً، لا لقاء بعده أبداً.

واجتمع الناس فجلسوا وهم يضجّون وينتظرون أن تخرج الجنازة فيصلّون عليها، فخرج أبو ذر ( ره ) وقال: انصرفوا فإنّ ابنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أُخّر إخراجها في هذه العشيّة، فقام النّاس وانصرفوا، فلمّا جنّ اللّيل، غسّلها أمير المؤمنينعليه‌السلام ولم يحضرها غيره، والحسن والحسين، وزينب وأُمّ كلثومعليهم‌السلام ، وفضّة جاريتها، وأسماء بنت عميس (رحمة الله عليها)(٣) .

وقالت أسماء: أوصت إليّ فاطمةعليها‌السلام أن لا يغسّلها إذا ماتت إلاّ أنا وعليعليه‌السلام ، فأعنت عليّاً على غسلها(٤) .

ورُوي أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام كان يقول حين غسّل فاطمةعليها‌السلام : اللّهمّ إنّها أمتك وابنة رسولك وصفيّك وخيرتك من خلقك، اللّهمّ لقّنها

____________________

(١) البحار: ج٤٣ ص٢١٤. عوالم العلوم: ص٢٧٨.

(٢) تسّبج الرجل بالسبجة: لبسها، والسبجة كساء أسود وفي العوالم: تسحبها.

(٣) البحار: ج٤٣ ص١٧١ - ١٩٢.

(٤) البحار: ج٤٣ ص١٨٤.


حجّتها، وأعظم برهانها، وأَعل درجتها، واجمع بينها وبين أبيها محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وروي أنّها نشفت بالبردة الّتي نشف بها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلمّا غَسّلَها عليّعليه‌السلام وضعها على السرير، وقال للحسنعليه‌السلام : ادع لي أبا ذر فدعاه، فحملاها إلى المصلّى ومعه الحسن والحسين فصلّى عليها(١) .

وفي رواية ورقة قال عليعليه‌السلام : والله لقد أخذت في أمرها وغسّلتها في قميصها ولم أكشفه عنها، فو الله لقد كانت ميمونة طاهرة مطهّرة، ثم حنّطتها من فضلة حنوط رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكفّنتها وأدرجتها في أكفانها، فلمّا هممت أن أعقد الرداء ناديت: يا أُمّ كلثوم، يا زينب، يا سكينة، يا فضّة، يا حسن، يا حسين، هلمّوا تزوّدوا من أُمّكم فهذا الفراق واللقاء في الجنّة، فأقبل الحسن والحسينعليهما‌السلام ، وهما يناديان:

وا حسرتا لا تنطفي أبداً من فقد جدّنا محمّد المصطفى، وأُمّنا فاطمة الزهراء، يا أُمّ الحسين إذا لقيت جدّنا محمّداً المصطفى فاقرأيه منّا السلام وقولي له: إنّا قد بقينا بعدك يتيمين في دار الدنيا، فقال أمير المؤمنين عليعليه‌السلام : إنّي أُشهد الله أنّها قد حنّت وأنّت ومدَّت يديها وضمّتهما إلى صدرها مليّاً، وإذا بهاتفٍ من السماء ينادي: يا أبا الحسن ارفعهما عنها، فلقد أبكيا والله ملائكة السّموات، فقد اشتاق الحبيب إلى المحبوب، قالعليه‌السلام : فرفعتهما عن صدرها(٢) .

ورُوي أنّ كثير بن عباس كتب في أطراف كفن سيّدة النساء: ( فاطمةعليها‌السلام ): تشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٣) .

____________________

(١) البحار: ج٤٣ ص٢١٥.

(٢) البحار: ج٤٣ ص١٧٩.

(٣) البحار: ج٤٣ ص٣٣٥.


ويظهر من رواية مصباح الأنوار، أنّ أثواب كفنها كانت غلاظاً خشنة، فإنّه روي أنّه لما حضرت فاطمةعليها‌السلام الوفاة، دعت بماء فاغتسلت، ثم دعت بطيب فتحنّطت به، ثم دعت بأثواب كفنها فأتيت بأثواب غلاظ خشنة فتلفّقت بها، الخ(١) .

وروي أيضاً أنّها كُفّنت في سبعة أثواب(٢) .

وفي رواية روضة الواعظين قال: فلمّا أن هدأت العيون ومضى شطرٌ من اللّيل، أخرجها علي والحسن والحسينعليهم‌السلام وعمّار والمقداد وعقيل والزبير وأبو ذر وسلمان وبريدة ونفر من بني هاشم وخواصّه، صلّوا عليها ودفنوها في جوف اللّيل، وسوّى عليعليه‌السلام حواليها قبوراً مزوّرَة مقدار سبعة حتّى لا يُعرف قبرها(٣).

وعن مصباح الأنوار، عن جعفر بن محمدعليه‌السلام أنّه سُئل: كم كبّر أمير المؤمنين على فاطمةعليها‌السلام ؟ فقال: كان يكبّر أمير المؤمنين تكبيرة فيكبّر جبرئيل تكبيرة والملائكة المقرّبون، إلى أن كبّر أمير المؤمنينعليه‌السلام خمساً، فقيل له: وأين كان يصلّي عليها؟ قال: في دارها ثم أخرجها(٤).

إرجاع عليعليه‌السلام الوديعة وشكواه عند قبر النبّي ( صلّى الله عليه وآله )

وروى الشيخ أبو جعفر الطوسي (رحمه الله) أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام لما دفن فاطمة (صلوات الله عليها)، وعفا موضع قبرها، ونفض يده من تراب القبر، هاج به الحزن، فأرسل دموعه على خدّيه، وحوّل وجهه إلى قبر

____________________

(١) البحار: ج٨١ ص٣٣٥.

(٢) المصدر السابق .

(٣) روضة الواعظين: ج١ ص١٥٢.

(٤) البحار: ج٨١ ص٣٩٠.


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك عن ابنتك وحبيبتك وقرّة عينك وزائرتك والبائتة في الثرى ببقعتك [ ببقيعك ]، المختار الله لها سرعة اللّحاق بك، قلّ يا رسول الله عن صفيتك صبري، وضعف عن سيّدة النساء تجلّدي، إلاّ أنّ في التأسّي لي بسنّتك، والحزن الذّي حلّ بي لفراقك، لموضع التعزّي، ولقد وسّدتك في ملحود قبرك بعد أن فاضت نفسك على صدري، وغمّضتك بيدي، وتولّيت أمرك بنفسي.

بلى وفي كتاب الله أنعم القبول، إنّا لله وإنّا إليه راجعون، قد استُرجعت الوديعة، وأُخذت الرّهينة، واختُلست الزّهراء، فما أقبح الخضراء والغبراء يا رسول الله، أمّا حزني فَسَرْمَد، وأمّا ليلي فَمُسَهَّد، وهم لا يبرح من قلبي أو يختار الله لي دارك التي أنت فيها مقيم، كمد(١) مقيّح وهمّ مهيّج، سرعان ما فُرِّقَ بيننا وإلى الله أشكو، وستُنبئك ابنتك بتظافر أُمّتك عليَّ وعلى هضمها حقّها، فاستخبرها الحال، فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثّه سبيلاً، وستقول: ( ويحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين ). والسلام عليكما سلام مودّع لا سَئِم ولا قالٍ، فإن أنصرف فلا عن ملالة، وإن أقم فلا عن سوء ظنّ بما وعد الله الصّابرين واهاً واهاً، والصبر أيمن وأجمل، ولولا غلبة المستولين، لجعلت المقام عند قبرك لزاماً، والتلبّث عنده معكوفاً، ولأعولت إعوال الثكلى على جليل الرزيّة، فبعين الله تدفن ابنتك سرّاً، ويهتضم حقّها، ويمنع إرثها جهراً، ولم يطل العهد، ولم يَخْلَق منك الذّكر، وإلى [ فإلى ] الله يا رسول الله المشتكى، وفيك أجمل العزاء صلّى الله عليك، وعليها الرحمة والرضوان(٢) .

ولقد أجاد مَن قال:

____________________

(١) كمد مقيّح: أي مرض مع قيح، قيّح الجرح صار ذا قيح.

(٢) أمالي الشيخ: ج١ ص١٠٧، والعلاّمة المجلسي في البحار: ٤٣ /١٩٣ و٢١١، وفي أمالي الشيخ المفيد أيضاً.


ولأي الأمور تدفن سرّاً

بضعة المصطفى ويعفى ثراها

فمضت وهي أعظم الناس شجواً

في فم الدهر غصّة [ عضّة ] من حواها

وثوت لا ترى لها الناس

مثوىً أيّ قدسٍ يضمّه مثواها

وعن مصباح الأنوار، عن أبي عبد الله عن آبائهعليهم‌السلام : أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام لما وضع فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليهما وآلهما في القبر قال: بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله وبالله وعلى ملّة رسول الله محمّد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، سلّمتكِ أيتها الصديقة إلى من هو أولى بك منّي، ورضيت لك بما رضي الله تعالى لك: ثم قرأ: ( منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى )، فلمّا سوّى عليها التراب، أمربقبرها فرشّ عليه الماء، ثم جلس عند قبرها باكياً حزيناً، فأخذ العباس بيده فانصرف به(١) .

مناقشة عمر مع عليعليه‌السلام

قال الراوي: وأصبح البقيع ليلة دُفنت (سلام الله عليها) وفيه أربعون قبراً جدداً، وإنّ المسلمين لما علموا وفاتها، جاؤوا إلى البقيع فوجدوا فيه أربعين قبراً، فأشكل عليهم قبرها من سائر القبور، فضجّ الناس ولامَ بعضهم بعضاً وقالوا: لم يخلّف نبيّكم فيكم إلاّ بنتاً واحدة تموت وتُدفن، ولم تحضروا وفاتها والصلاة عليها، ولا تعرفوا قبرها، ثم قال ولاة الأمر منهم: هاتم من نساء المسلمين من ينبش هذه القبور حتى نجدها فنصلّي عليها ونزور قبرها.

فبلغ ذلك أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فخرج مغضباً قد احمرّت عيناه، ودرّت أوداجه، وعليه قباؤه الأصفر الذي كان يلبسه في كلِّ كريهة، وهو متّكئ على سيفه ذي الفقار حتّى ورد البقيع، فسار إلى النّاس النذير وقالوا: هذا عليُّ بن أبي طالب قد أقبل كما ترونه يقسم بالله لئن حوِّل من هذه القبور حجر ليضعنّ السيف على غابر الآخر.

____________________

(١) بحار الأنوار: ج٨٢ ص٢٨.


فتلقّاه عمر ومن معه من أصحابه وقال له: ما لك يا أبا الحسن؟ والله لننبشنّ قبرها ولنصلينَّ عليها، فضرب عليعليه‌السلام بيده إلى جوامع ثوبه فهزَّه، ثم ضرب به الأرض وقال له: يا ابن السوداء، أمّا حقّي فقد تركته مخافة أن يرتدّ الناس عن دينهم، وأمّا قبر فاطمةعليها‌السلام ، فو الّذي نفس عليّ بيده، لئن رمت وأصحابك شيئاً من ذلك لأسقينَّ الأرض من دمائكم، فإن شئت فأعرض يا عمر، فتلقاه أبو بكر فقال: يا أبا الحسن، بحق رسول الله، وبحقّ من فوق العرش، إلاّ خلّيت عنه، فإنّا غير فاعلين شيئاً تكرهه، قال: فخلاّ عنه، وتفرّق الناس ولم يعودوا إلى ذلك(١) .

وفي الصافي المروي من علل الشرايع، بعد أن ذكر أنّه أخرج عليعليه‌السلام الجنازة، واشتعل النار في جريد النّخل، ومشى مع الجنازة بالنار حتّى صلّى عليها ودفنها بالليل، قال: فلمّا أصبح أبو بكر وعمر، عاودوا عايدين فاطمةعليها‌السلام ، فلقيا رجلاً من قريش فقالا له: من أين أقبلت؟ قال عزّيت عليّاً بفاطمة، قالا: وقد ماتت؟ قال: نعم، ودُفنت في جوف اللّيل، فجزعا جزعاً شديداً، ثم أقبلا إلى عليّعليه‌السلام فلقياه وقالا له: والله ما تركتَ شيئاً من غوائلنا ومساءتنا، وما هذا إلاّ من شيء في صدرك علينا، هل هذا إلاّ كما غسّلت رسول الله دوننا، ولم تدخلنا معك، وكما علّمت ابنك أن يصيح بأبي بكر: انزل عن منبر أبي.

فقال لهما عليعليه‌السلام : أتصدّقاني إن حلفت لكما؟ قالا: نعم، فحلف فادخلهما عليّعليه‌السلام المسجد فقال: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أوصاني وقد تقدّم إليّ، أنّه لا يطلع على عورته أحد إلاّ ابن عمّه، فكنت أغسّله والملائكة تقلّبه، والفضل بن العباس يناولني الماء وهو مربوط العينين بالخرقة، ولقد أردت أن أنزع القميص فصاح بي صائح من البيت سمعت الصوت ولم أر الصورة، لا تنزع قميص رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولقد سمعت الصوت يكرّره عليَّ،

____________________

(١) البحار: ج٤٣ ص١٧١، والظاهر أنّه مأخوذ عن دلائل الإمامة للطبري.


فأدخلت يدي من بين القميص فغسّلته، ثم قدّم إليّ الكفن فكفّنته، ثم نزعت القميص بعد ما كفّنته.

وأمّا الحسن ابني فقد تعلمان ويعلم أهل المدينة أنّه كان يتخطّى الصفوف حتى يأتي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو ساجد، فيركب على ظهره، فيقوم النبّيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويده على ظهر الحسن والآخر على ركبته حتّى يتم الصلاة، قالا: نعم قد علمنا ذلك، ثم قال: تعلمان ويعلم أهل المدينة أنّ الحسن كان يسعى إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويركب على رقبته، ويدلّي الحسن رجليه على صدر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى يُرى بريق خلخاليه من أقصى المسجد، والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يخطب ولا يزال على رقبته حتّى يفرغ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من خطبته، والحسن على رقبته، فلمّا رأى الصبي على منبر أبيه غيره، شقّ عليه ذلك، والله ما أمرته بذلك، ولا فعله عن أمري.

وأمّا فاطمة فهي المرأة الّتي استأذنتُ لكما عليها، فقد رأيتما ما كان من كلامها لكما، والله لقد أوصتني أن لا تحضرا جنازتها، ولا الصّلاة عليها، وما كنت الذي أخالف أمرها ووصيّتها إليّ فيكما، فقال عمر: دع عنك هذه الهمهمة، أنا أمضي إلى المقابر فأنبشها حتّى أصلّي عليها.

فقال له عليعليه‌السلام : والله لو ذهبت تروم من ذلك شيئاً، وعلمت أنّك لا تصل إلى ذلك حتّى يندر عنك الذي فيه عيناك، فإنّي كنت لا أعاملك إلاّ بالسيف قبل أن تصل إلى شيء من ذلك، فوقع بين علي وعمر كلام، حتّى تلاحيا واستبّا، واجتمع المهاجرون والأنصار فقالوا: والله ما نرضى بهذا أن يقال في ابن عمّ رسول الله وأخيه ووصيّه، وكادت أن تقع فتنة، فتفرّقا(١) .

عن علي بن عيسى الإربلي، قال: أنشدني بعض الأصحاب للقاضي أبي بكر قريعة:

____________________

(١) علل الشرايع: ج١ ص١٨٨.


يا مَن يُسائل دائباً

عن كلِّ معضلةٍ سخيفة

لا تكشفنّ مغطّئاً

فلربّما كشّفت جيفة

ولربَّ مستورٍ بدا

كالطّبل من تحت القطيفة

إنّ الجواب لَحَاضِرٌ

لكنّني أخفيه خيفة

لولا اعتداء رعيّةٍ

ألقى سياستها الخليفة

وسيوف أعداءٍ بها

هاماتنا أبداً نقيفة(١)

لنشرتُ من أسرار آل محمّدٍ

جملاً طريفة

تغنيكمُ عمّا رواه

مالكٌ وأبو حنيفة

وأريتكم(٢) أنّ الحسينَ

أُصيب في يوم السقيفة

ولأيّ حالٍ لُحّدَت

بالليل فاطمة الشريفة

ولما حمت شيخيكم

عن وطي حجرتها المنيفة

آهٍ لبنت محمّدٍ

ماتت بغصّتها أسيفة(٣)

روى الشّيخ الكليني (قُدِّس سرّه) عن أبي بصير قال: قال أبو جعفرعليه‌السلام : ألا أقرئك وصيّة فاطمةعليها‌السلام ؟ قال: قلت: بلى، فأخرج حُقّاً(٤) أو سفطاً فأخرج منه كتاباً، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصت به فاطمة بنت محمّد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أوصت بحوائطها السبعة: العواف، والدّلال، والبُرقة، والمـَيْثَب، والحسنى، والصافية، وما لأُم إبراهيم إلى علي بن أبي طالبعليه‌السلام فإن مضى عليٌّعليه‌السلام ، فإلى الحسن، فإن مضى الحسن فإلى الحسين، فإن مضى الحسين فإلى الأكبر من ولدي شهد الله على ذلك والمقداد بن الأسود والزبير بن العوامّ، وكتب عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام (٥) .

____________________

(١) نقيفة: من نقف هامة الرجل كسرها عن الدّماغ.

(٢) وأريكم - خ م.

(٣) كشف الغمّة: ج١ ص٥٠٥.

(٤) الحُق: نوع من الوعاء.

(٥) الكافي: ج٧ كتاب الوصايا، باب صدقات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفاطمة و ج٥، وفي التهذيب: =


قال السيّد ابن طاووس في كشف المحجّة في كلام له في أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأمير المؤمنينعليه‌السلام لم يكونا فقيرين، وأنّ الزهد لا يشترط فيه أن يكون مع الفقر، ما هذا لفظه: وقد وهب جدّك محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمّك فاطمةعليها‌السلام فَدَكاً والعوالي من جملة مواهبه، وكان دَخْلُها في رواية الشيخ عبد الله بن حمّاد الأنصاري أربعة وعشرين ألف دينار في كل سنة، وفي رواية غيره سبعين ألف دينار، انتهى(١) .

مدّة مكثهاعليها‌السلام بعد أبيها

أقول : اختلفت الأقوال في مدّة مكث فاطمة (صلوات الله عليها) بعد وفاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فالمكثر يقول: ستة أشهر، والمقلّل يقول: أربعين يوماً، والذّي أختاره: أنّها مكثت بعد أبيها (صلوات الله عليهما وآلهما) خمسة وتسعين يوماً، وقُبضت في ثالث جمادي الآخرة.

وروى محمد بن جرير الطبري الإمامي، بسندٍ معتبرٍ عن أبي بصير، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال: قُبضت فاطمةعليها‌السلام في جمادى الآخرة يوم الثلاثاء لثلاث خلون من سنة إحدى عشرة من الهجرة، وكان سبب وفاتها أنّ قنفذاً مولى عمر نكزها(٢) بنعل السيف بأمره، فأسقطت محسّناً ومرضت من ذلك مرضاً شديداً، ولم تدع أحداً ممّن آذاها يدخل عليها، الخ(٣) .

____________________

= ٩، ٣ باب الوقوف والصدقات: ج٥٠، ومَن لا يحضره الفقيه: ٤، باب الوقف والصدقة الخ.

كلّها تصحيح وتعليق سماحة الشيخ محمد جعفر شمس الدين، ط دار التعارف.

(١) كشف المحجّة: ص١٢٤.

(٢) في المصدر: لكزها، وهو أيضاً بمعنى ضربها.

(٣) دلائل الإمامة: ص٤٥.


الفهرس

مقدّمة الناشر ٥

جلالة المؤلِّف: ٧

فهرس مؤلّفات المحدّث القمّي. ٩

وفاته ومدفنه وأولاده ١٧

الباب الأوّل: في ولادتها وأسمائها وكناها (صلوات الله عليها) ٢١

فصل: في ولادتها عليها‌السلام.... ٢٣

فصل: في عدد أسمائها ووجه تسميتها ٢٩

فصل: في كُناها ٣٢

الباب الثاني: في فضلها وجلالتها، وزهدها وعبادتها، وعلمها ومكارم أخلاقها، وحبّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله إيّاها ٣٥

فصل: في فضلها وجلالتها ٣٧

فصل: في كثرة عبادتها ٤٥

فصل: في فضل فضّة خادمتها ٤٨

فصل: في فضيلتها وفضيلة شيعتها ٥٠

فصل: في زهدها عليها‌السلام.... ٥٣

فصل. ٥٦

فصل: حديث تزويج فاطمة لعليٍّ عليه‌السلام.... ٥٨

الباب الثالث: في أخبار السقيفة، وما جرى عليها (صلوات الله عليها) بعد وفاة أبيها من الظلم والأذى  ٦٥

فصل. ٦٧

فصل: في طرف ممّا جرى في السقيفة ٧٣

فصل. ٧٥

فصل: فيما كتب أبو بكر إلى أُسامة بن زيد وجوابه ٨٣

فصل: في عدم حضور أكثر الناس دفن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.... ٨٥


فصل: فيما أخذ عمر من بيعة الناس لأبي بكر ٨٧

فصل: في امتناع علي عليه‌السلام عن بيعة أبي بكر ٩٠

فصل: في كلامٍ قاله أمير المؤمنين عليه‌السلام لابن عبّاس (رضي الله عنه) ٩٨

فصل: إنكار اثني عشر رجلاً من المهاجرين والأنصار على أبي بكر ما جرى بعده ١٠٣

فصل: في ذكر خطبةٍ خطبها للناس. ١٠٧

فصل: في روايةٍ رواها ابن أبي الحديد. ١١٠

فصل: فيما قاله مالك بن نويرة لأبي بكر وما خدع به خالد. ١١٢

فصل: في عرضه عليه‌السلام القرآن على الناس وما قالوا في جوابه ١١٦

فصل: إضرام النار على بيت فاطمة عليها‌السلام.... ١١٩

احتجاج فاطمة عليها‌السلام مع أبي بكر ١٢١

في أنَّ عمر وخالداً أتيا بعلي (ع) والزبير للبيعة عنوة ١٢٣

فصل: قصّة اقتحام بيت فاطمة عليها‌السلام وضربها وإلقاء جنينها ١٢٥

فصل: إقبال فاطمة عليها‌السلام إلى قبر أبيها وما قالت.. ١٢٨

فصل: ما قاله عمر في كتاب عهده إلى معاوية ١٣١

فصل: ما أخبر الله تعالى ليلة المعراج نبيّه بظلم ابنته وأخذ حقّها ١٣٣

مقولة ابن أبي الحديد في شرح النهج. ١٣٤

ذكر ما تأسّفوا وتأثّروا عليهم‌السلام على مصيبة فاطمة عليها‌السلام.... ١٣٥

أشعار الشيخ صالح الحلّي ( ره ) ١٤٠

فصل: نقل كلام المسعودي في كتاب إثبات الوصيّة ١٤١

فصل: بعث أبي بكر في إخراج وكيل فاطمة عليها‌السلام من فدك. ١٤٤

احتجاج علي عليه‌السلام مع أبي بكر في أمر فدك. ١٤٥

التوطئة لقتل علي عليه‌السلام.... ١٤٦

رسالة أمير المؤمنين عليه‌السلام إلى أبي بكر ١٤٩

ذكر خطبة فاطمة الزهراء عليها‌السلام في مسجد أبيها (ص) ١٥٢

عود إلى بدءٍ ١٥٩


فصل: كلام أبي بكر للناس بعد مقولة فاطمة عليها‌السلام.... ١٦٣

نقل كلام للجاحظ. ١٦٥

فصل: إقامة الشهود لطلب حقّها عليها‌السلام.... ١٦٨

فصل: بعث زينب بنت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) بفداءٍ لأبي العاص زوجها ١٧٢

الباب الرابع: في كثرة حزنها وبكائها على أبيها ( صلّى الله عليه وعليها ) وبدءِ مرضها، ومدّة مكثها في الدنيا بعد أبيها، وإخفاء أمير المؤمنين عليه‌السلام قبرها بوصيّةٍ منها عليها‌السلام.... ١٧٥

فصل. ١٧٧

فصل: أشعارها عند قبر أبيها ( صلّى الله عليه وآله ) ١٨٠

بكاؤها عند استماع ذكر أبيها صلى‌الله‌عليه‌وآله في الأذان. ١٨١

وصيتها لعلّي عليهما‌السلام..... ١٨٣

فصل: استيذان الشيخين لعيادتها عليها‌السلام.... ١٨٥

عيادة نساء المهاجرين والأنصار لها وما قالت في جوابهن. ١٨٧

فصل: وصيّتها لعليٍّ عليهما‌السلام لإخفاء قبرها ١٩١

سلامها (ع) على جبرئيل والنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله حين نزلا عليها ١٩٤

كفّنها وغسّلها عليها‌السلام ليلاً. ١٩٦

إرجاع علي عليه‌السلام الوديعة وشكواه عند قبر النبّي ( صلّى الله عليه وآله ) ١٩٨

مناقشة عمر مع علي عليه‌السلام.... ٢٠٠

مدّة مكثها عليها‌السلام بعد أبيها ٢٠٤


بيت الأحزان في مصائب فاطمة الزهراء (سلام الله عليها)

بيت الأحزان في مصائب فاطمة الزهراء (سلام الله عليها)

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: عباس بن محمد رضا بن أبي القاسم القمي (المحدث القمي)
الناشر: فاروس
تصنيف: السيدة الزهراء سلام الله عليها
الصفحات: 207