القرآن في الاسلام
الأستاذ العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي
تعريب السيد أحمد الحسيني
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على النبي الكريم ، محمد الذي انزل عليه القرآن العظيم ، وعلى آله الغر الميامين ، الهداة الدالين على الصراط القوي.
مقدمة الناشر:
يسر مركز اعلام الذكرى الخامسة لانتصار الثورة الإسلامية في ايران ان يقدم هذا الكتاب راجيا ان يجد فيه القراء رؤية صادقة اصيلة وفكراً اسلامياً نيراً ، داعياً المولى العلي القدير ان يمن على امام الامة الخميني العظيم دام ظله العالي بالرعاية والنصر المؤزر وعلى مسيرتنا الإسلامية بالتقدم المطرد ، وعلى نهضة المسلمين جميعاً بالتوفيق ، لتنال اهدافها العليا وتحكم شريعة الإسلام في الارض.
والله الموفق
تقديم
تمتاز بحوث الاستاذ العلامة المغفور له السيد محمد حسين الطباطبائي ودراساته القرآنية ، بانها تستمد قبل كل شيء من القرآن نفسه في معرفة مقاصده واستكشاف مفاهيمه وتبيان معانيه.
ان كثيراً من المفسرين والباحثين في العلوم الإسلامية ـ قديماً وحديثاً ـ لهم مسبقات ذهنية ورواسب فكرية ، جاءتهم من طريق الغور العقلي في المسائل او من التعرف على بعض المدارس الفلسفية والآراء الكلامية او من التعبد بمذاهب عقائدية وفقهية خاصة ثم يحاولون بكل ما رزقوا من وسائل علمية في حمل تلك المسبقات والرواسب على الآيات الكريمة والتمحل في صرف مفاهيمها الى ما يرونه من النظريات الخاصة بهم.
اما التفكير في ان يستنطقوا القرآن الكريم قبل ان يحاولوا تطبيق آياته على ما يرتأونه من النظريات والآراء الشخصية ، فهذا شيء لم نجده في كثير من التفاسير والبحوث القرآنية الواصلة الينا.
هذا تفسير يطغى عليه الفكر المعتزلي ، لان مؤلفه من المنتمين الى مدرسة الاعتزال ..
وذاك تفسير ظاهر فيه الفكر الظاهري ، لان المفسر يرى رأي الظاهرية
وذلك تفسير بث في مطاويه الفكر الفلسفي البحت ، لانه مدبج بقلم فيلسوف يعتنق آراء الفلاسفة ..
وآخر تفسير اهتم بالمسائل التجريبية المادية ، لان كاتبه يريد ان يتظاهر بالمعرفة التامة في العلوم العصرية.
وهكذا دواليك في حمل الاتجاهات الفكرية والنظرية والفقهية والذوقية ـ في كثير من الاحيان ـ على القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
والعجب من بعض هؤلاء المفسرين والباحثين حيث يقطعون على رأي في آية من الآيات كأنه اصل مسلم لا يقبل اي نقاش ولا يتسرب اليه اي شك او ترديد ، مع انهم ان يمنعوا النظر في آيات اخرى مشابهة لها سيجدون ما يناقض رأيهم ويهدم كل ما بنوه عليه من المعتقدات والآراء. كأن هؤلاء يعيشون مع كل آية وحدها ، حتى من دون التروي في السياق والجو الذي يقرأون فيه تلك الآية ..
* * *
من هذا المنطلق نعرف قيمة ابحاث العلامة الطباطبائي ومدى اهميتها في دراسة القرآن الكريم.
انه لم يتعصب لنظرية خاصة اختمرت في ذهنه ونمت في فكره حتى رسخت فلم يمكنه التخلي عنها ، بل يقرأ الآيات المناسبة لكل موضوع بامعان وترو ليعرف على ماذا تدل وماذا يمكن الاستفادة منها ، ثم تصبح دراسته المعمقة رأيه الخاص من دون التفات الى ما ارتآه من لم يمعن في تفهم الآيات امعانا يليق بالبحث العلمي المجرد.
وليس معنى كلامنا هذا انه لم يدرس بتاتا الآراء والنظريات التفسيرية المختلفة ، بل نريد ان نقول انه لم يتأثر بها الى حد يفرضها على القرآن فرضاً ويذهب بكل جهده في صرف الآيات عن وجوهها الصحيحة الى ما لا تتحملها.
هذا منهج صحيح يتجلى في تفسيره الكبير « الميزان في تفسير القرآن » ، وهذا منهجه ايضا في هذا الكتاب الذي خصه بدراسة بعض مسائل من « علوم القرآن » ، فهو يقول في مقدمته : من هنا نهدف في بحثنا هذا الى التعريف باهمية القرآن الكريم كما يدل عليه هو بنفسه لا كما نعتقده ونتصوره نحن ، وواضح ان بين هذين الموضوعين فروقا كثيرة لمن امعن النظر ».
* * *
واننا حينما قرأنا هذا الكتاب ، وجدناه جديداً في اسلوبه العلمي بالرغم من عدم جديد فيه في فصوله وابحاثه ، فهو اذ يتحدث في موضوع من موضوعاته لا يلجأ الى سرد ما قاله علماء التفسير والباحثون في علوم القرآن ، بل يلجأ الى آيات القرآن ويستنتج النتيجة المطلوبة منها.
ولهذا وجدنا في تعريبه محاولة لاشراك قراء العربية في هذه البحوث المعروضه بأسلوبها الجديد : ونعتقد ان في هذا العلم فائدة كبرى سيلمسها القارىء الكريم عندما يمر على صفحات الكتاب.
والله تعالى هو الهادي الى طريق الحق والصراط المستقيم. قم ـ ايران
السيد احمد الحسيني
ـ مقدمة المؤلف ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الكتاب الذي بين يدي القارىء الكريم ، يبحث عن اهم مصدر للشريعة الإسلامية وهو القرآن الكريم الدستور الرباني الاول لمعتنقي الإسلام. والموضوع الذي يتناوله في فصوله وابحاثه ، هو « اهمية القرآن » في العالم الإسلامي ، فيتحدث بايجاز عن :
ما هو القرآن؟
ما قيمته لدى المسلمين؟
القرآن كتاب عالمي دائم.
القرآن وحي سماوي وليس من ابداع الفكر البشري.
القرآن والعلوم.
صفات القرآن.
وفي الحقيقة سنتحدث في فصول هذه الرسالة عن كتاب لا يتردد في احترامه وقدسيته ومكانته الكبيرة اي واحد من المسلمين ، مع ما مني به الإسلام ـ كبقية الاديان المشهورة في العالم ـ من الاختلافات الداخلية والتفرق المذهبي وتشتت آراء المتدينين به.
من هنا نهدف في بحثنا هذا التعريف بأهمية القرآن الكريم كما يدل عليه هو بنفسه لا كما نعتقده ونتصوره نحن ، وواضح ان بين هذين الموضوعين فروقاً كثيرة لمن امعن النظر.
وبلغة اجلى : ان الاهمية التي نتصورها نحن ـ كان عليها دليل ام لم يكن ـ لا تخلو من احد امرين لا ثالث لهما : اما ان تكون مناقضة ومخالفة لما في الآيات القرآنية فليس لها قيمة في عالم الحق والحقيقة ، وإما ان تكون مما لم نجد عليه في القرآن دليلاً فلا يمكن اقناع كل المسلمين به لانهم مختلفون فيما بينهم فاذا لا بد من معرفة اهميته من آياته والدلائل الموجودة فيه.
وعليه ، فلا محيص من الاجابة على هذا السؤال : ماذا يقول القرآن في الموضوع؟ لا الاجابة على : ماذا نقول نحن الذين من اتباع مذهب كذا
الفصل الاول
قيمة القرآن لدى المسلمين
* القرآن ، دستور الحياة الافضل
* أهداف الإنسان في أعماله
* القرآن وضع مناهج الحياة للانسان
* القرآن سند النبوة
القرآن ، دستور الحياة الافضل
الدين الإسلامي الذي يشتمل على اكمل المناهج للحياة الإنسانية ويحتوي على ما يسوق البشرية الى السعادة والرفاه ، هذا الدين عرفت اسسه وتشريعاته من طريق القرآن الكريم ، وهو ينبوعه الاول ومعينه الذي يترشح منه.
والقوانين الإسلامية التي تتضمن سلسلة من المعارف الاعتقادية والاصول الاخلاقية والعملية ، نجد منابعها الاصيلة في آيات القرآن العظيم.
قال تعالى :( ان هذا القرآن يهدي للتي هي اقوم ) (١) .
وقال تعالى :( ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء ) (٢) .
وواضح كل الوضوح ان في القرآن كثيراً من الآيات التي نجد فيها اصول العقائد الدينية والفضائل الاخلاقية وكليات القوانين العملية ، ولا نرانا بحاجة الى سرد كل هاتيك الآيات في هذا المجال الذي لا نجد سعة لاطالة القول فيه.
ــــــــــــــــــ
(١) سورة الاسراء : ٩.
(٢) سورة النحل : ٨٩.
وبشيء من التفصيل نقول : دقة النظر في النقاط التالية توضح لنا مدى اشتمال القرآن الكريم على المناهج الحياتية التي لا بد من توفرها للانسان :
١ ـ لا يهدف الإنسان من حياته الا السعادة والهناء والوصول الى الاماني التي يتمناها. السعادة والهناء لون خاص من الوان الحياة ، يتمناها الإنسان ليدرك في ظلها الحرية والرفاه وسعة العيش وما اشبه هذا.
والذي نراه في حالات شاذة ان اناسا يديرون وجوههم عن السعادة والرغد بما يفعلون بأنفسهم ، كالانتحار وجرح الابدان وبتر الاعضاء وبعض الرياضات الشاقة غير المشروعة بحجة الاعراض عن الدنيا ، وما اشبه هذه الاشياء مما يسبب حرمان النفس عن كثير من وسائل الرفاه والعيش الهانىء هكذا انسان مبتلى بعقد نفسية يرى ـ نتيجة لتأصلها في نفسه ـ ان السعادة تتحقق فيما يقوم به من الاعمال المضادة للسعادة.
فمثلاً يصيب البعض انواع من متاعب الحياة ولا يتمكن من حملها فيلجأ الى الانتحار لانه يرى الراحة في الموت ، او يتزهد بعضهم ويجرب انواع الرياضات البدنية ويحرم على نفسه اللذائذ المادية لانه يرى السعادة في هكذا حياة نكدة.
اذاً ، الجهد الذي يبذله الإنسان ليس الا لدرك تلك السعادة المنشودة التي يسعى في تحقيقها ونيلها.
نعم ، تختلف الطرق المتبعة للوصول الى الهدف المذكور ، فبعضهم يسلك السبيل المعقول الذي تقره الإنسانية وتجوزه الشريعة ، وبعضهم يخطأ المسالك الصحيحة فيقع في متاهات الضلال والانحراف عن صراط الحق.
٢ ـ الاعمال التي تصدر من الإنسان لا تكون الا في اطار خاص من الانظمة والقوانين. هذا بديهي لا يقبل الانكار ، ولو ذلك في بعض الحالات فليس الا لشدة الوضوح والظهور.
ذلك لان الإنسان الذي له نصيب من العقل لا يعمل شيئا الا بعد ان يريده ، فعمله صادر عن ارداة نفسية يعملها هو ولا تخفى عليه. ومن جهة اخرى انما يعمل ما يعمل لاجل نفسه ، ونعني انه يحس بضرورات حياتية لا بد من توفرها ، فيعمل ليوفر تلك الضرورات على نفسه. فبين اعماله كلها ربط وثيق يربط بعضها ببعض.
ان الاكل والشرب والنوم واليقظة والجلوس والقيام والذهاب والمجيء هذه الاعمال وغيرها من الاعمال الكثيرة التي تصدر من الإنسان ، هي ضرورية له في بعض الحالات وغير ضرورية في حالات اخرى ، نافعة له حيناً وتضره في احيان اخرى. فكل ما يعلمه الإنسان نابع من قانون يدرك كلياته في نفسه ويطبق جزئياته على اعماله وافعاله.
ان اي شخص في اعماله الفردية يشبه حكومة كاملة لها قوانيها وسننها آدابها ، والقوى الفعالة في تلك الحكومة عليها ان تقيس اعمالها مع تلك القوانين اولاً ثم تعمل.
والاعمال الاجتماعية الجارية في مجتمع ما تشبه الاعمال الفردية ، فتحكم فيها مجموعة من القوانين والآداب التي تواضع عليها اكثر افراد ذلك المجتمع ، والا فسوف يسود الفوضى في اقرب وقت وينفصم عراهم الاجتماعي.
نعم تختلف صبغة المجتمعات في قوانينها السارية فيها والحاكمة عليها ، فلو كان المجتمع مذهبيا جرت فيه احكام المذاهب وقوانينه ، ولو كان غير مذهبي الا انه يتمتع بالمدنية اخذت افعاله لون القانون المدني ، اما اذا كان المجتمع متوحشا ليس له نصيب من المدنية حكمت عليه الآداب والقوانين الفردية المستبدة او القوانين التي وجدت من جراء احتكاك مختلف العقائد والآداب بصورة فوضى غير منظمة.
فاذاً ، لا بد للانسان من هدف خاص في افعاله الفردية والاجتماعية ، للوصول الى ذلك الهدف المنشود لا محيص فيه من تطبيق اعماله بقوانين وآداب خاصة موضوعة من قبل دين او مجتمع او غيرهما.
والقرآن الكريم نفسه يؤيد هذه النظرية حيث يقول :( ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات ) (١) .
ــــــــــــــــــ
(١) سورة البقرة : ١٤٨.
والدين في عرف القرآن يطلق على الآداب والقوانين بصورة عامة ، فان المؤمنين والكافرين ـ وحتى المنكرين لله تعالى ـ لا يخلون من دين ما ، لان كل انسان يتبع قوانين خاصة في اعماله ، كانت تلك القوانين مستندة الى نبي ووحي او موضوعة من قبل شخص او جماعة ما ، يقول تعالى في اعداء الدين :( الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً ) (١) .
٣ ـ ان احسن واثبت الآداب التي يليق بالإنسان متابعتها هي الآداب التي توحيها اليه الفطرة السليمة ، لا النابعة من العواطف والاندفاعات الفردية او الاجتماعية.
ولو امعنا النظر في كل جزء من اجزاء الكون ، نرى ان له هدفا خاصا وجهته من اول يوم خلقته تحقيق ذلك الهدف من اقرب الطرق واحسنها ، وهو يشتمل على ما لا بد منه لتحقيق هدفه من الوسائل والالات. هذا شأن كل مخلوق في الكون ذي روح ام غير ذي روح.
مثلاً حبة الحنطة من اول يوم توضع في بطن الارض
ــــــــــــــــــ
(١) سورة الاعراف : ٤٥. وجه دلالة الآية الكريمة على ما قلناه ان جملة « سبيل الله » تطلق في عرف القرآن على الدين ، والآية تدل على ان الكافرين بما فيهم المنكرين لله تعالى ـ يحرفون دين الله ( دين الفطرة ) ، فالآداب التي يتبعونها في حياتهم هي دينهم.
تسير في طريق التكامل فتخضر وتنمو حتى تكون لها سنابل تحمل طياتها حبات كثيرة من الحنطة ، وهي مجهزة بوسائل خاصة تستفيد بواسطتها من العناصر التي لا بد من توفرها في سيرها التكاملي ، فتجذب الى نفسها من اجزاء الارض والهواء وغيرهما بنسب معلومة ، فتنشق عنها الارض وتخضر وتنمو يوماً فيوماً وتتحول من شكل الى آخر حتى يكون لها سنابل في كل سنبلة حبات ، وحينئذ تكون الحبة الاولى المزروعة في الارض قد وصلت الى هدفها المنشود وكمالها الذي كانت تسير نحوه.
وهكذا شجرة الجوز لو دققنا النظر فيها لنرى انها تسير ايضاً نحو هدف خاص من اول خلقتها ، وللوصول الى ذلك الهدف جهزت بآلات خاصة تناسب سيرها التكاملي وقوتها وضخامتها ، وهي في مسيرتها لا تتبع الطريقة التي اتبعتها الحنطة ، كما ان الحنطة في مدارجها التكاملية لم تسر سير الجوزة ، ولكل منهما تطوره الخاص به لا يتعداه في طول الخط.
ان جميع ما نشاهده في الكون يتبع هذه القاعدة المطردة ، وليس لدينا دليل ثابت على ان الإنسان شاذ عنها في مسيرته الطبيعية الى هدفه الذي جهز بآلالات اللازمة للوصول اليه. بل الاجهزة المودعة فيه احسن دليل على انه
مثل بقية ما في الكون ، له هدف خاص يضمن سعادته وقد توفرت فيه الوسائل للوصول اليه.
وعليه فخلقة الإنسان ـ بل خلقة الكون الذي ليس الإنسان الا جزءاً منه ـ تسوقه الى السعادة الحقيقية ، وهي توحي اليه اهم واحسن واثبت القوانين التي تضمن سعادته.
يقول الله تعالى :( ربنا الذي اعطى كل شيء خلقه ثم هدى ) (١) .
ويقول :( الذي خلق فسوى *والذي قدر فهدى ) (٢) .
ويقول :( ونفس وما سواها *فألهمها فجورها وتقواها *قد افلح من زكاها *وقد خاب من دساها ) (٣) .
ويقول :( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ) (٤) .
ويقول :( ان الدين عند الله الإسلام ) (٥) .
ــــــــــــــــــ
(١) سورة طه : ٥٠.
(٢) سورة الاعلى : ٢ ـ ٣.
(٣) سورة الشمس : ٧ ـ ١٠.
(٤) سورة الروم : ٣٠.
(٥) سورة آل عمران : ١٩.
ويقول :( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه ) (١) .
ومحصل هذه الآيات وآيات اخرى بهذا المضمون لم نذكرها ـ اختصاراً ـ ان الله تعالى يسوق كل واحد من مخلوقاته ـ بما فيهم الإنسان ـ الى الهدف والسعادة الاسمى التي خلقهم لاجلها ، والطريقة الصحيحة للانسان هي التي تدعوه اليه خلقته الخاصة. فيجب ان يتقيد في اعماله بقوانين فردية واجتماعية نابعة من فطرته السليمة ، ولا يتبع مكتوف اليد هواه وعواطفه وما تمليه عليه ميوله وشهواته. ومقتضى الدين الفطري ( الطبيعي ) ان لا يهمل الإنسان الاجهزة المودعة في وجوده ، بل يستعمل كل واحد منها في حدوده وفيما وضع له لتتعادل القوى الكامنة في ذاته ولا تغلب قوة على قوة.
وبالتالي يجب ان يحكم على الإنسان العقل السليم البعيد عن الشوائب ، لا مطاليب النفس النابعة من العواطف المخالفة للعقل ، كما يجب ان يكون الحاكم على المجتمع هو الحق وما هو الصالح له حقيقة ، لا انسان قوي مستبد يتبع هواه وشهواته ، ولا الاكثرية التي تخالف الحق والمصالح العامة.
ونستخلص من البحث الذي مضى نتيجة اخرى ،
ــــــــــــــــــ
(١) سورة آل عمران : ٨٥.
هي : ان تشريع الاحكام ووضع القوانين راجع الى الله تعالى وحده ، وليس يحق لاحد ان يشرع القوانين ويضع المقررات ويتحكم في الشؤون ، لاننا عرفنا من البحث السابق ان الآداب والقوانين التي تفيد الإنسان في حياته العملية هي المستوحاة من خلقته الطبيعية ، ونعني بها القوانين والآداب التي تدعو اليها العلل والعوامل الداخلية والخارجية الكامنة في خلقته. وهذا يعني ان الله تعالى يريدها ، ومعنى « يريدها » انه عز شأنه اودع في الإنسان العلل والعوامل التي تقتضي تلك القوانين والآداب.
نعم ، الارادة تنقسم الى قسمين : منها ما يجبر على ايجاد الشيء كالحوادث الطبيعية التي تقع كل يوم ، وهي المسماة بـ « الارادة التكوينية » ، ومنها ما يقتضي ايجاد الشيء من طريق الاختيار لا الجبر كالاكل والشرب وامثالهما ، وهي التي تعارفوا على تسميتها بـ « الارادة التشريعية ».
يقول تعالى :( ان الحكم الا لله ) (١) .
القرآن وضع مناهج الحياة للانسان
وبعد وضوح هذه المقدمات يجب ان يعلم : ان القرآن الكريم مع رعايته للمقدمات الثلاث المذكورة ـ وهي ان للانسان هدفاً يجب ان يصل اليه في مسيرة حياته بجهوده
ــــــــــــــــــ
(١) سورة يوسف : ٤٠ ، ٦٧.
واعماله ، ولا يمكن الوصول الى هدفه المنشود الا باتباع قوانين وآداب خاصة ، ولا بد من تعلم تلك القوانين والآداب من كتاب الفطرة والخليقة الذي نعني به التعليم الالهي ـ مع رعاية القرآن الكريم هذه المقدمات الثلاث وضع مناهج الحياة للانسان كما يلي :
جعل اساس المنهج على معرفة الله تعالى ، كما جعل الاعتقاد بوحدانيته أول الأصول الدينية ومن طريق معرفة الله دله على الميعاد والاعتقاد بيوم القيامة ، اليوم الذي يجازي فيه المحسن باحسانه والمسيء باساءته ، وجعل المعاد اصلاً ثانياً ثم من طريق الاعتقاد بالمعاد دله على معرفة النبي ، لان الجزاء على الاعمال لا يمكن الا بعد معرفة الطاعة والمعصية وما هو حسن وما هو سيء ، ولا تتأتى هذه المعرفة الا من طريق الوحي والنبوة ـ كما سنفصله فيما بعد ـ وجعل هذا اصلا ثالثاً.
واعتبر القرآن الكريم هذه الاصول الثلاثة ـ الاعتقاد بالتوحيد والنبوة والمعاد ـ اصول الدين الإسلامي.
وبعد هذا بين اصول الاخلاق المرضية والصفات الحسنة التي تناسب الاصول الثلاثة والتي لا بد ان يتحلى بها كل انسان مؤمن ، ثم شرع له القوانين العملية التي تضمن سعادته الحقيقية وتنمي فيه الاخلاق الفاضلة والعوامل التي توصله الى العقائد الحقة والاصول الاولية.
وهذا لاننا لا يمكن ان نصدق ان انسانا يتصف بعفة النفس ثم ينهمك في المسائل الجنسية المحرمة ويسرق ويخون الامانة ويختلس في معاملاته ، كما اننا لا يمكن ان نعترف بسخاء شخص يفرط في حب المال وجمعه وادخاره ويمنع حقوق الاخرين او يبخسهم فيها ، وكذلك لا نعتبر رجلا مؤمناً بالله تعالى واليوم الاخر وهو لا يعبد الله ولا يذكره في ايامه ولياليه. فالاخلاق الفاضلة لا تبقى حية في الإنسان الا اذا قورنت بأعمال تناسبها.
ومثل هذه النسبة التي ذكرناها بين الاعمال والاخلاق توجد ايضا بين الاخلاق والعقائد ، فان اي انسان مغمور بالكبر والغرور وحب الذات لا يمكن ان يعتقد بالله تعالى ويخضع لعظمته ، ومن لم يعلم طول حياته معنى الانصاف والمروءة والعطف على الضعفاء لا يدخل في قلبه الايمان بيوم القيامة والحساب والجزاء.
يقول تعالى بصدد ربط العقائد الحقة بالاخلاق المرضية :( اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) (١) .
ويقول تعالى في ربط الاعتقاد بالعمل :( ثم كان عاقبة الذين اساؤا السوأى ان كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون ) (٢) .
ــــــــــــــــــ
(١) سورة فاطر : ١٠.
(٢) سورة الروم : ١٠.
ونتيجة القول : ان القرآن الكريم يحتوي على منابع اصول الإسلام الثلاثة التي هي :
١ ـ اصول العقائد. وهي تنقسم الى اصول الدين الثلاثة التوحيد والنبوة والمعاد ، وعقائد متفرعة عنها كاللوح والقلم والقضاء والقدر والملائكة والعرض والكرسي وخلق السماوات والارضين واشباهها.
٢ ـ الاخلاق المرضية.
٣ ـ الاحكام الشرعية والقوانين العملية التي بين القرآن اسسها واوكل بيان تفاصيلها الى النبيصلىاللهعليهوآله ، وجعل النبي بيان اهل بيتهعليهمالسلام بمنزلة بيانه ، كما يعرف ذلك من حديث الثقلين المتواتر نقله عن السنة والشيعة(١) .
القرآن سند النبوة :
يصرح القرآن الكريم في عدة مواضع انه كلام الله المجيد ، اي انه موحى من الله تعالى بعين هذه الالفاظ التي نقرأها ، وقد تلقاها النبيصلىاللهعليهوآله بهذه
ــــــــــــــــــ
(١) راجع كتاب « عبقات الانوار » مجلد حديث الثقلين ، فقد ذكر فيه مئات اسانيد وطرق للعامة والخاصة الى الحديث المذكور.
الالفاظ بواسطة الوحي الذي كان يتلقاه من الله عز شأنه.
ولا ثبات انه كلام الله تعالى وليس من صنع الإنسان تحدى القرآن في آيات منه كافة الناس في ان يأتوا ولو بآية من مثله ، وهذا يدل على انه معجز لا يمكن ان يأتي بمثله اي واحد من الناس.
قال تعالى :( أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون *فليأتوا بحديث مثله ان كانوا صادقين ) (١) .
وقال :( قل لئن اجتمعت الانس والجن على ان يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً ) (٢) .
وقال :( ام يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ) (٣) .
وقال :( ام يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله ) (٤) .
وقال :( وان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ) (٥) .
ــــــــــــــــــ
(١) سورة الطور : ٣٣ ، ٣٤.
(٢) سورة الاسراء : ٨٨.
(٣) سورة هود : ١٣.
(٤) سورة يونس : ٣٨.
(٥) سورة البقرة : ٢٣.
وتحدياً لهم بخلو القرآن من الاختلاف قال :( افلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند الله لوجدوا فيه اختلافا كثيراً ) (١) .
القرآن الكريم الذي يثبت بهذه التحديات انه كلام الله تعالى ، يصرح في كثير من آياته بأن محمداً رسول مرسل ونبي من الله ، بهذا يكون القرآن سنداً للنبوة يدعمها في دعواها.
ومن هنا امر النبيصلىاللهعليهوآله في عض الآيات بأن يستند لاثبات نبوته بشهادة الله عز شأنه له بذلك ، ويعني بها تصريح القرآن بنبوته ، فيقول :( قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ) (٢) .
وفي موضع آخر يزيد على شهادة الله شهادة الملائكة له بذلك ، فيقول :( لكن الله يشهد بما انزل اليك انزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيداً ) (٣) .
ــــــــــــــــــ
(١) سورة النساء : ٨٢.
(٢) سورة الرعد : ٤٣.
(٣) سورة النساء : ١٦٦.
الفصل الثاني
كيف يُعلّم القرآن الكريم
* القرآن كتاب عالمي دائم
* القرآن مستقل في دلالته
* ظاهر القرآن وباطنه
* محكم القرآن ومتشابهه
* التأويل والتنزيل في القرآن
* القرآن والناسخ والمنسوخ
* الجري والانطباق في القرآن
* التفسير وظهوره وتطوره
* نموذج من التفسير بالقرآن
القرآن كتاب عالمي :
لا يختص القرآن الكريم في موضوعاته بأمة من الامم كالامة العربية مثلاً ، كما لا يختص بطائفة من الطوائف كالمسلمين ، بل يوجه خطابه الى غير المسلمين كما يتكلم مع المسلمين. ودليلنا على هذا ، الخطابات(١) الكثيرة الموجهة في القرآن الى الكفار والمشركين واهل الكتاب واليهود وبني اسرائيل والنصارى احتج مع كل طائفة من هذه الطوائف ودعاهم الى معارفه الحقة والتدبر في آياته الكريمة.
القرآن احتج مع كل هذه الطوائف ودعاهم الى الدين من دون ان يخصص الخطاب بالعرب وحدهم ، فقال لعباد الاصنام :( فان تابوا واقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فاخوانكم في الدين ) (٢) .
وقال لاهل الكتاب :( قل يا أهل الكتاب تعالوا الى
ــــــــــــــــــ
(١) وردت هذه الخطابات والاحتجاجات في آيات كثيرة جداً لا نرانا بحاجة الى سردها هنا.
(٢) سورة التوبة : ١١.
كلمة سواء بيننا وبينكم الا نعبد الاّ الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضا اربابا من دون الله ) (١) .
فاننا نرى ان الله تعالى لم يوجه الخطاب في هذه الآيات الكريمة وما اشبهها بقوله « فان تاب مشركو العرب » او « يا اهل الكتاب من العرب » وامثال ذلك مما يختص بفئة معينة.
نعم في بدء الإسلام ـ حيث لم تنتشر بعد الدعوة الإسلامية ولم تخرج من اطار الجزيرة العربية ـ كانت الخطابات موجهة الى العرب ، اما من السنة السادسة للهجرة حيث انتشرت الدعوة وتجاوزت الجزيرة العربية فلم يبق مجال لتوجيه الخطاب الى أمة خاصة.
بالاضافة الى الآيات السابقة ، فهناك آيات اخرى تدل على عموم الدعوة ، كقوله تعالى :( واوحي الي هذا القرآن لانذركم به ومن بلغ ) (٢) .
وقوله :( وما هو الا ذكر للعالمين ) (٣) .
وقوله :( ان هو الا ذكر للعالمين ) (٤) .
ــــــــــــــــــ
(١) سورة آل عمران : ٦٤.
(٢) سورة الانعام : ١٩.
(٣) سورة القلم : ٥٢.
(٤) سورة ص : ٨٧.
وقوله :( انها لاحدى الكبر *نذيراً للبشر ) (١) .
ومن الوجهة التاريخية نرى ان كثيراً من عبدة الاصنام واليهود والنصارى لبى دعوة الإسلام كما اسلم ايضا جماعة من قوميات غير عربية كسلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي واضرابهم.
القرآن كتاب كامل :
القرآن الكريم يحتوي على الغاية الاسمى التي تهدفها الإنسانية ، وهو يدل على تلك الغاية بأتم الدلائل واحسن الشواهد ، وذلك لان الوصول اليها لا يمكن الا بالنظرات الواقعية للكون والعمل بالاصول الاخلاقية والقوانين العملية ، وهذا ما يتولى شرحه القرآن بصورة كاملة حيث يقول :( يهدي الى الحق والى طريق مستقيم ) (٢) .
ويقول في موضع اخر بعد ذكر التوراة والانجيل :( وانزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً ) (٣) .
ــــــــــــــــــ
(١) سورة المدثر : ٣٥ ، ٣٦.
(٢) سورة الاحقاف : ٣٠.
(٣) سورة المائدة : ٤٨.
وبياناً لاشتماله على حقيقة شرائع الانبياء يقول :( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي اوحينا اليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى ) (١) .
وفي احتوائه على سائر الاشياء يقول :( ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء ) (٢) .
ومختصر ما في الآيات السابقة : ان القرآن يحتوي على الحقائق المبينة في الكتب السماوية وزيادة ، وفيه كل ما يحتاج اليه الناس في سيرهم التكاملي نحو السعادة المطلوبة ، كانت من الاسس العقائدية او الاصول العملية.
القرآن كتاب دائم :
الفصل السابق يثبت ان القرآن الكريم كتاب دائم ابدي مع مر العصور والازمان ، وذلك لان اي كلام لو كان صحيحا تاماً بصورة مطلقة لا يمكن تحديده بوقت من الاوقات او زمان من الازمنة. والقرآن ينص على تمامية كلامه وكماله ، فيقول :( انه لقول فصل وما هو بالهزل ) (٣) .
ــــــــــــــــــ
(١) سورة الشورى : ١٣.
(٢) سورة النحل : ٨٩.
(٣) سورة الطارق : ١٣ ـ ١٤.
وهكذا تكون المعارف الحقة ، حقيقة خالصة وواقع محض ، والاصول الاخلاقية والقوانين العملية التي بينها القرآن العظيم هي نتيجة تلك الحقائق الثابتة ، ولا يتطرق اليها البطلان ولا تزول بمضي الاعوام والقرون ، يقول تعالى :( وبالحق انزلناه وبالحق نزل ) (١) .
ويقول :( فماذا بعدَ الحقّ إلا الضّلال ) (٢) .
ويقول :( وانه لكتاب عزيز ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ) (٣) .
ولا يخفى ان ابحاثا كثيرة كتبت حول احكام القرآن وانها ثابتة دائمة لا تختص بوقت من الاوقات ، الا انها خارجة عن موضوع بحثنا الذي نحاول فيه معرفة مكانة القرآن عند المسلمين كما يدل عليها القرآن نفسه.
القرآن مستقل في دلالته :
القرآن الكريم كلام كسائر ما يتكلم به الناس ، ويدل دلالة واضحة على معانيه المقصودة وما يرومه من بيان المفاهيم
ــــــــــــــــــ
(١) سورة الاسراء : ١٠٥.
(٢) سورة يونس : ٣٢.
(٣) سورة فصلت : ٤١ ـ ٤٢.
والمعطيات ، وليس فيه خفاء على المستمعين لآياته.
ولم نجد دليلاً على انه يقصد من كلماته غير المعاني التي ندركها من الفاظه وجملة.
اما وضوحه في دلالته على معانيه فلأن اي انسان عارف باللغة العربية بامكانه ان يدرك معنى الآيات الكريمة كما يدرك معنى كل قول عربي.
وبالاضافة الى هذا نجد في كثير من الآيات خطابات الى طوائف خاصة كبني اسرائيل او المؤمنين او الكفار ، وفي آيات منه يخاطب عامة الناس(١) ويحاجهم ويتحداهم ليأتوا بمثله لو كانوا في شك انه من عند الله تعالى. وبديهي انه لا يصح التكلم مع الناس بما لا مفهوم واضح عندهم ، كما لا يصح التحدي بما لا يفهم معناه.
وزيادة على هذا يقول تعالى :( افلا يتدبرون القرآن ام على قلوب اقفالها ) (٢) .
ويقول :( افلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيراً ) (٣) .
ــــــــــــــــــ
(١) أمثال « يا ايها الذين كفروا » و « يا اهل الكتاب » و « يا بني اسرائيل » و « يا ايها الناس ».
(٢) سورة محمد : ٢٤.
(٣) سورة النساء : ٨٢.
تدل الآيتان على ضرورة التدبر في القرآن الذي هو بمعنى التفهم ، والتدبر فيه يرفع ما يترائى بالنظرة الاولى من الاختلاف بين الآيات ومن البديهي الواضح ان الآيات لو لم تكن لها دلالة ظاهرة على معانيها لما كان معنى للأمر بالتدبير والتأمل فيها ، كما لم يبق مجال لحل الاختلافات الصورية بين الآيات بواسطة التدبر والتأمل.
* * *
واما ما ذكرنا من انه لا دليل خارجي على نفي حجية ظواهر القرآن ، فلأننا لم نجد هكذا دليل لذلك الا ما ادعاه بعض من اننا ـ في فهم مرادات القرآن ـ يجب ان نرجع الى ما اثر عن الرسولصلىاللهعليهوآله او ما روي عن اهل بيته المعصومينعليهمالسلام .
ولكن هذا ادعاء فارغ لايمكن قبوله لان حجية قول الرسول والائمةعليهمالسلام يجب ان تفهم من القرآن الكريم ، فكيف يتصور توقف حجية ظواهره على اقوالهمعليهمالسلام . بل نزيد على هذا ونقول : ان اثبات اصل النبوة يجب ان نتشبث فيه بذيل القرآن الذي هو سند النبوة كما ذكرنا سابقا.
وهذا الذي ذكرناه لا ينافي كون واجب الرسول والائمةعليهمالسلام بيان جزيئات القوانين وتفاصيل احكام الشريعة
التي لم نجدها في ظواهر القرآن ، وان يكونوا مرشدين الى معارف الكتاب الكريم كما يظهر من الآيات التالية :
( وانزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم ) (١) .
( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) (٢) .
( وما ارسلنا من رسول الا ليطاع باذن الله ) (٣) .
( هو الذي بعث في الاميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ) (٤) .
ان الذي يفهم من هذه الآيات هو ان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم هو الذي يبين جزئيات وتفاصيل الشريعة وهو المعلم الالهي للقرآن المجيد. ويفهم ايضا مما جاء في حديث الثقلين ان الائمةعليهمالسلام هم خلفاء الرسول في ذلك.
وهذا لا ينافي ان يدرك مراد القرآن من ظواهر آياته بعض من تتلمذ على المعلمين الحقيقيين وكان له ذوق سليم في فهمه.
ــــــــــــــــــ
(١) سورة النحل : ٤٤.
(٢) سورة الحشر : ٧.
(٣) سورة النساء : ٦٤.
(٤) سورة الجمعة : ٢.
للقرآن ظاهر وباطن :
يقول الله تعالى في كلامه المجيد :( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ) (١) .
ظاهر هذه الآية الكريمة يدل على انها تنهى عن عبادة الاصنام كما جاء في قوله تعالى( فاجتنبوا الرجس من الاوثان ) (٢) ، ولكن بعد التأمل والتحليل يظهر ان العلة في المنع من عبادة الاصنام هي كونها خضوعا لغير الله تعالى. وهذا لا يختص بعبادة الاصنام ، بل عبر عز شأنه عن اطاعة الشيطان ايضا بالعبادة حيث قال :( الم اعهد اليكم يا بني آدم ان لا تعبدوا الشيطان ) (٣) .
ومن جهة اخرى يتبين انه لا فرق في الطاعة الممقوتة بين ان تكون للغير او للانسان نفسه ، فان إطاعة شهوات النفس ايضا عبادة من دون الله تعالى كما يشير اليه في قوله :( أفرأيت من اتخذ الهه هواه ) (٤) .
ــــــــــــــــــ
(١) سورة النساء : ٣٦.
(٢) سورة الحج : ٣٠.
(٣) سورة يس : ٦٠.
(٤) سورة الجاثية : ٢٣.
وبتحليل ادق نرى انه لا بد من عدم التوجه الى غير الله جل وعلا ، لان التوجه الى غيره معناه الاعتراف باستقلاله والخضوع له ، وهذا هو العبادة والطاعة بعينها ، يقول تعالى :( ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والانس ) الى قوله( اولئك هم الغافلون ) (١) .
عند التدبر في هذه الآيات الكريمة نرى بالنظرة البدائية في قوله( ولا تشركوا به شيئاً ) انه تعالى ينهي عن عبادة الاصنام ، وعندما نتوسع بعض التوسع نرى النهي عن عبادة غير الله من دون اذنه ، ولو توسعنا اكثر من هذا لنرى النهي عن عبادة الإنسان نفسه باتباع شهواتها ، اما لو ذهبنا الى توسع اكثر فنرى النهي عن الغفلة عن الله والتوجه الى غير اياً ما كان ذلك الغير.
ان هذا التدرج ـ ونعني به ظهور معنى بدائي من الآية ثم ظهور معنى اوسع من الاول وهكذا ـ جار في جميع الآيات الكريمة بلا استثناء.
وبالتأمل في هذا الموضوع يظهر معنى ما روي عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في كتب الحديث والتفسير من قوله : « ان للقرآن ظهراً وبطناً ولبطنه بطناً الى سبعة ابطن »(٢) .
ــــــــــــــــــ
(١) سورة الاعراف : ١٧٩.
(٢) الصافي المقدمة الثامنة ، وسفينة البحار « بطن ».
وعلى هذا للقرآن ظاهر وباطن او ظهر وبطن ، وكلا المعنيين يرادان من الآيات الكريمة ، الا انهما واقعان في الطول لا في العرض ، فان ارادة الظاهر لا تنفي ارادة الباطن وارادة الباطن لا تزاحم ارادة الظاهر.
لماذا تكلم القرآن بأسلوب الظاهر ، والباطن :
١ ـ الإنسان في حياته البدائية القصيرة الدنيوية يشبه الحباب(١) الذي يعلو الماء ، اذ ركز اوتاد خباء وجوده في مياه بحر المادية ، وكل ما يقوم به من المساعي والجهود اعطيت ازمتها بيد ذلك البحر المادي الهائج.
اشتغلت حواسه الظاهرية والباطنية بالمادة ، وافكاره انما تتبع معلوماته الحسية. فان الاكل والشرب والجلوس والقيام والتكلم والاستماع والذهاب والاياب والحركة والسكون وكل ما يقوم به الإنسان من الاعمال والافعال وضعت اسسها على المادة ولا يفكر الا فيها.
وما نرى منه في بعض الاحيان من الاثار المعنوية ـ كالحب والعداء وعلو الهمة ورفعة المقام وامثالها ـ انما يدركها بعض الافهام لانها تجسم مصاديق مادية ، فان الإنسان يقيس
ــــــــــــــــــ
(١) الحباب بفتح الحاء : الفقاقيع التي تعلو الماء.
حلاوة الغلب بحلاوة السكر وجاذبية الصداقة بجاذبية المغناطيس وبعلو الهمة بعلو مكان ما او علو نجوم السماء وعظم المقام ورفعته بعظم الجبل وما اشبه هذه الاشياء.
ومع هذا تختلف الافهام في ادراك المعنويات التي هي اوسع نطاقاً من الماديات ، فان بعض الافهام في غاية الانحطاط في درك المعنويات ، وبعضها تدرك ادراكا قليلا ، وهكذا تتدرج الى ان تصل بعض الافهام بسهولة الى درك اوسع المعنويات غير المادية.
وعلى كل حال فكلما تتقدم الافهام نحو ادراك المعنويات تقل تعلقها بالمظاهر المادية المغرية ، وكلما قل تعلقها بالمادة زادت في ادراكها ، ومعنى هذا ان كل انسان بطبيعته الإنسانية فيه الاستعداد الذاتي لهذا الادراك ، ولو لم يشبه بالشوائب العرضية لامكن تربيته وتقدمه.
٢ ـ نستنتج مما سبق انه لا يمكن حمل ما يدركه الإنسان الذي هو في المرتبة العليا من الفهم والعقل على الذي هو في المرتبة السفلى ، ولو حاولنا هذا الحمل لكانت نتجيته عكسية ، وخاصة في المعنويات التي هي اهم من المحسوسات المادية ، فانها لو القيت كما هي على العامة لأعطت نتيجته تناقض النتيجة الصحيحة المتوخاة.
ولا بأس ان نمثل ها هنا بالمذهب الوثني. فلو تأمل
الباحث في قسم « اوبانيشاد » من كتاب « ويدا » الكتاب البوذي المقدس ، لو تأمل الباحث فيه وقارن بين اقواله مقارنة صحيحة ليرى انه يهدف الى التوحيد الخالص. ولكنه مع الاسف يستعرض هدف بلا ستار وعلى مستوى افكار العامة ، فكانت النتيجة ان اتجه ضعفاء العقول من الهنود الى عبادة اوثان شتى.
اذن لا يمكن رفع الستار بصورة مكشوفة عن الاسرار الغيبية وما يتعلق بما وراء الطبيعة والمادة للماديين ومن لم يذعن بالحقائق.
٣ ـ بالرغم مما نجده في الاديان من حرمان العامة من كثير من المزايا الدينية ، كحرمان المرأة في البرهمية واليهودية والمسيحية وحرمان غير رجال الدين من ثقافة الكتاب المقدس في الوثنية والمسيحية بالرغم من كل ذلك فان ابواب الدين الإسلامي لم تغلق في وجه احد ، فان المزايا الدينية فيه للجميع وليست ملكاً لفئة خاصة ، فلا فرق بين العامة والخاصة والرجل والمرأة والابيض والاسود ، كلهم مساوون في نظر الإسلام وليس لاحد ميزة على احد.
قال تعالى :( اني لا اضيع عمل عامل منكم من ذكر او انثى بعضكم من بعض ) (١) .
ــــــــــــــــــ
(١) سورة آل عمران : ١٩٥.
وقال عز من قائل :( يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم ) (١) .
* * *
بعد تقديم هذه المقدمات الثلاث نقول : ان القرآن الكريم ينظر في تعاليمه القيمة الى الإنسانية بما انها انسانية ، ونعني انه يوسع تعاليمه على الإنسان باعتباره قابلاً للتربية والسير في مدارج الكمال.
ونظراً الى ان الافهام والعقول تختلف في ادراك المعنويات ولا يؤمن الخطر عند القاء المعارف العالية كما اسلفنا يستعرض القرآن الكريم تعاليمه بأبسط المستويات التي تناسب العامة ويتكلم في حدود فهمهم ومداركهم الساذجة.
ان هذه الطريقة الحكيمة نتيجتها ان تبث المعارف العالية بلغة ساذجة يفهمها عامة الناس ، وتؤدي ظواهر الالفاظ في هذه الطريقة عملية الالقاء بشكل محسوس او ما يقرب منه وتبقى الحقائق المعنوية وراء ستار الظواهر فتتجلى حسب الافهام ويدرك منها كل شخص بقدر عقله ومداركه.
يقول تعالى :( انا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون *
ــــــــــــــــــ
(١) سورة الحجرات : ١٣.
وانه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم ) (١) .
ويقول ممثلاً للحق والباطل ومقدار الافهام :( انزل من السماء ماءاً فسالت اودية بقدرها ) (٢) .
ويقول الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم في حديث مشهور : « انا معاشر الانبياء نكلم الناس على قدر عقولهم »(٣) .
ونتيجة اخرى لهذه الطريقة ان ظواهر الآيات تكون كأمثال بالنسبة الى البواطن ، يعني بالنسبة الى المعارف الالهية التي هي اعلى مستوى من افهام العامة ، فتكون تلك الظواهر كأمثال تقرب المعارف الممكورة الى الافهام ، يقول جل جلاله :( ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى اكثر الناس الا كفورا ) (٤) .
ويقول :( وتلك الامثال نضربها للناس وما يعقلها الا العالمون ) (٥) .
وفي القرآن الكريم كثير من الامثال ، الا ان الآيات المذكورة وما في معناها مطلقة لا تختص بأمثال قرآنية خاصة.
ــــــــــــــــــ
(١) سورة الزخرف : ٣ / ٤.
(٢) سورة الرعد : ١٧.
(٣) بحار الانوار ١ / ٣٧.
(٤) سورة الاسراء : ٨٩.
(٥) سورة العنكبوت : ٤٣.
فعليه لا بد من القول بأن الآيات كلها امثال بالنسبة الى المعارف العالية التي هي المقصد الاسمى للقرآن.
في القرآن المحكم والمتشابه :
يقول الله تعالى :( كتاب احكمت آياته ) (١) .
ويقول :( الله نزل احسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ) (٢) .
ويقول :( هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ام الكتاب واخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ) (٣) .
نرى في الآية الاولى تنص على ان القرآن كله محكم ، وتريد انه ثابت لا يدخل عليه اي خلل او بطلان. والآية الثانية تنص على ان القرآن كله متشابه ، وتريد ان آياته على وتيرة واحدة في الجمال والاسلوب وحلاوة اللهجة والاعجاز.
ــــــــــــــــــ
(١) سورة هود : ١.
(٢) سورة الزمر : ٢٣.
(٣) سورة آل عمران : ٧.
أما الآية الثالثة فتقسم القرآن الى قسمين محكم ومتشابه ، وملخص ما نفهم منها هو :
أولاً : المحكم ما كان ثابتاً في دلالته بحيث لا يشتبه مراده بمراده آخر ، والمتشابه ما كان غير ذلك.
وثانياً : على كل مؤمن راسخ الايمان ان يؤمن بالآيات المحكمة ويعمل بها ، وكذلك يؤمن بالآيات المتشابهة ولكن لا يعمل بها. والذين يتبعون الآيات المتشابهة ويعملون بما يوحيه عليهم التأويل فانهم منحرفون عن الحقائق ويبتغون الفتنة واغواء الناس.
معنى المحكم والمتشابه عند المفسرين والعلماء :
اختلف علماء الإسلام في معنى المحكم والمتشابه اختلافات كثيرة ربما تبلغ الاقوال في ذلك الى عشرين قولاً.
والذي جرى عليه علمهم من العصر الإسلامي الاول حتى العصر الحاضر وعليه الاعتماد هو :
١ ـ المحكم هو الآيات التي معناها المقصود واضح لا يشتبه بالمعنى غير المقصود ، فيجب الايمان بمثل هذه الآيات والعمل بها.
٢ ـ المتشابه هو الآيات التي لا تقصد ظواهرها ، ومعناها
الحقيقي الذي يعبر عنه بـ ( التأويل ) لا يعلمه الا الله تعالى ، فيجب الايمان بمثل هذه الآيات ولكن لا يعمل بها.
هذا قول مشهور عند اخواننا علماء السنة وهو المشهور ايضاً عند الشيعة ، الا انهم يعتقدون بأن النبي والائمةعليهمالسلام يعلمون تأويل الآيات المتشابهة ، وعامة المؤمنين حيث لا طريق لهم الى معرفة تأويلها فيرجعون علمها الى الله والرسول والائمة عليهم الصلاة والسلام.
وهذا القول بالرغم من ان عليه عمل اكثر المفسرين لا يوافق الآية الكريمة( هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ) الخ ، كما انه لا يطابق ما تدل عليه سائر الآيات لانه :
أولاً : اننا لا نعرف في القرآن آيات لا نجد طريقاً الى معرفة مداليلها ومعانيها المقصودة. هذا بالاضافة الى ان القرآن وصف نفسه بأوصاف كالنور والهادي والبيان ، وهذه الاوصاف لا تتفق مع عدم معرفة المداليل والمعاني.
ومن جهة اخرى تقول الآية( افلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) (١) ، فكيف يصح ان يكون التدبر في القرآن رافعاً لكل اختلاف مع ان
ــــــــــــــــــ
(١) سورة النساء : ٨٢.
فيه آيات متشابهة لا يمكن التوصل الى معرفة معناها كما عليه قول المشهور الذي نقلناه.
ويمكن ان يقال : ان المقصود من الآيات المتشابهة هي الحروف المقطعة التي في اوائل بعض السور كـ « الم ، الر ، حم » واشباهها ، حيث لا يمكن معرفة معانيها الحقيقية.
ولكن لا بد من الالتفات الى ان في الآية الكريمة وضعت الآيات المتشابهة مقابلا للايات المحكمة. ولازم هذه التسمية ان يكون المتشابه له مدلول من قبيل المدلول اللفظي الا ان هذا المدلول اللفظي الظاهر يشتبه بالمدلول الحقيقي ، والحروف المقطعة في اوائل السور ليس لها هكذا مدلول.
وبالاضافة الى هذا يدل ظاهر الآية على ان جماعة من اهل الزيغ ومبتغي الفتنة يسعون في الاضلال بواسطة الآيات المتشابهة ، ولم يسمع ان شخصا في المسلمين اضل الناس بالحروف المقطعة المذكورة ، بل الذين يضلون الناس انما يضلونهم بتأويل كلها لا بهذه الحروف خاصة.
وقال بعض : ان الآية تشير الى قصة ملخصها : ان اليهود حاولوا معرفة المدة التي يعيش فيها الإسلام بواسطة الحروف المقطعة في اوائل السور ، ولكن قرأ الرسول صلى الله
عليه وآله وسلم الفواتح واحدة بعد واحدة وابطل بهذا ما زعموه(١) .
وهذا الكلام غير صحيح ايضا ، لان القصة لو صحت تدل على ان اليهود كان لهم محاولة اجابهم النبي عليها في نفس المجلس ، وهي ليست من الاهمية بحيث تستدعي ذكر الآية « المتشابه » والزجر عن اتباعه. هذا مع العلم ان قول اليهود لم يكن فيه فتنة ، لان الدين لو كان حقاً لا يضره تحديد الزمن ـ ونعني به قبوله للنسخ ـ كما نراه في الاديان الحقة التي كانت قبل الإسلام.
ثانياً : لازم هذا القول ان تكون كلمة « التأويل » في الآية بمعنى المدلول خلاف الظاهر ، ويختص هذا المعنى بالآية المتشابهة. وكلا الموضوعين ليسا بصحيح ، فاننا سنذكر في البحث الذي وضعناه لمعرفة التأويل والتنزيل بأن « التأويل » في عرف القرآن ليس من قبيل المعنى والمدلول اللغوي ، كما نذكر بأن جميع الآيات المحكمة والمتشابهة لها تأويل ولا يختص ذلك بالآيات المتشابهة.
ثالثاً : وصفت الآية الكريمة جملة « آيات محكمات » بـ « هن ام الكتاب » ، ومعنى هذا ان الآية المحكمة تشتمل
ــــــــــــــــــ
(١) انظر : تفسير العياشي ١ / ٢٦ ، تفسير القمي اول سورة البقرة ، نور الثقلين ١ / ٢٢.
على امهات ما في الكتاب من الموضوعات وبقية الآيات متفرعة عنها. ولازم هذا ان الآيات المتشابهة ترجع الى الآيات المحكمة في مداليلها والمراد منها ، ونعني بذلك ارجاع المتشابهات الى المحكمات لمعرفة معناها الحقيقي.
وعليه ليس في القرآن آية لا نتمكن من معرفة معناها ، بل الآية اما محكمة بلا واسطة كالمحكمات نفسها ، او محكمة مع الواسطة كالمتشابهات. واما الحروف المقطعة في فواتح السور فليس لها مدلول لفظي لغوي ، فهي ليست من المحكم والمتشابه.
ويمكن معرفة ما قلناه من عموم قوله تعالى( افلا يتدبرون القرآن أم على قلوب اقفالها ) وقوله( افلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ).
أسلوب أئمة أهل البيت في المحكم والمتشابه :
ما نفهمه من ملخص ما أثر عن ائمة اهل البيتعليهمالسلام هو نفي وجود آية متشابهة لا يمكن معرفة مدلولها الحقيقي ، بل الآيات التي لم تستقل في مداليلها الحقيقة يمكن معرفة تلك المداليل بواسطة ايات اخرى ، وهذا معنى ارجاع المتشابه الى المحكم. فان ظاهر قوله تعالى :( الرحمن على
العرش استوى ) (١) وقوله( وجاء ربك ) (٢) يدل على الجسمية وان الله تعالى مادة ، ولكن لو ارجعناهما الى قوله( ليس كمثله شيء ) (٣) علمنا ان الاستواء والمجيء ليس بمعنى الاستقرار في مكان او الانتقال من مكان الى مكان اخر.
قال النبيصلىاللهعليهوآله وهو يصف القرآن الكريم : ( وان القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضاً ، ولكن نزل يصدق بعضه بعضاً ، فما عرفتم فاعملوا به وما تشابه عليكم فآمنوا به )(٤) .
وقال عليعليهالسلام : « يشهد بعضه على بعض وينطق بعضه ببعض »(٥) .
وقال الامام الصادقعليهالسلام : « المحكم ما يعمل به والمتشابه ما اشتبه على جاهله »(٦) . ونقل عن الامام الرضاعليهالسلام انه قال : « من رد متشابه القرآن الى محكمه
ــــــــــــــــــ
(١) سورة طه : ٥.
(٢) سورة الفجر : ٢٢.
(٣) سورة الشورى : ١١.
(٤) الدر المنثور ٢ / ٨.
(٥) نهج البلاغة ، الخطبة ١٣١.
(٦) تفسير العياشي ١ / ١٦٢.
هدي الى صراط مستقيم » ثم قال : « ان في اخبارنا متشابهاً كمتشابه القرآن فردوا متشابهها الى محكمها ولا تتبعوا متشابهها فتضلوا »(١) .
ان هذه الاحاديث وخاصة الاخير منها صريحة في ان الآيات المتشابهة هي الآيات التي لا تستقل في مدلولها بل لا بد من ردها الى الآيات المحكمة ، ومعنى هذا ـ كما اسلفنا ـ انه ليس في القرآن آية لا يمكن معرفة معناها بطريق من الطرق.
في القرآن التأويل والتزيل :
« تأويل القرآن » وردت في ثلاث آيات هي :
١ ـ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء تأويله وما يعلم تأويله الا الله ) (٢) .
٢ ـ( ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون *هل ينظرون الا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق ) (٣) .
ــــــــــــــــــ
(١) عيون الاخبار ١ / ٢٩٠.
(٢) سورة آل عمران : ٧.
(٣) سورة الاعراف : ٥٢ ـ ٥٣.
٣ ـ( وما كان هذا القرآن ان يفترى ) الى قوله تعالى( بل كذبوا بما لم يحبطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ) (١) .
التأويل مأخوذ من الاول بمعنى الرجوع ، ويراد من التأويل الشيء الذي ترجع الآية اليه. والتنزيل يقابل التأويل ، وهو المعنى الواضح للاية الذي لا يحتاج الى ارجاعه الى شيء آخر.
معنى التأويل عند المفسرين والعلماء :
اختلف المفسرون في معنى التأويل اختلافاً شديداً ، وبعد الفحص في اقوالهم يمكن ارجاعها الى اكثر من عشرة ، الا ان المشهور فيه قولان :
١ ـ قول القدماء ، ومحصل كلامهم ان التفسير والتأويل بمعنى واحد وهما مترادفان. وعليه فلكل الآيات القرآنية تأويل ، وبمقتضى قوله تعالى( وما يعلم تأويله الا الله ) يختص العلم بالآيات المتشابهة بالله عز شأنه.
ومن هنا ذهب جماعة من القدماء الى ان الآيات المتشابهة هي الحروف المقطعة التي في اوائل السور ، لانه لا تعرف آية
ــــــــــــــــــ
(١) سورة يونس ٣٩.
تخفى معناها على الناس الا هذه الحروف. ولكننا في فصول سابقة بحثنا عن هذا بشيء من التفصيل وذكرنا وجه عدم صحته.
وعلى اي حال لما نفى القرآن الكريم علم تأويل بعض الآيات عن غير الله تعالى ، وليس لنا آية لا يعرف تأويلها ـ اي يخفى معناها على الكل كما ذكروا ـ ولم تكن الحروف المقطعة التي في اوائل السور هي الآيات المتشابهة لهذه الوجوه ترك المتأخرون هذا القول الذي ذهب اليه القدماء.
٢ ـ قول المتأخرين ، وهو ان « التأويل » المعنى خلاف الظاهر الذي يقصد من الكلام. وعليه فليس لكل الآيات تأويل ، وانما يختص ذلك بالآيات المتشابهة التي لا يحيط بعلمها الا الله ، كالآيات الظاهرة في الجسمية والمجيء والاستواء والرضا والسخط والاسف وغيرها من الاوصاف المنسوبة اليه جل جلاله ، وكذلك الآيات الظاهرة في نسبة الذنب الى الرسل والانبياء المعصومينعليهمالسلام .
بلغ هذا القول من الاشتهار بحيث اصبحت لفظة « التأويل » كالحقيقة الثانية في المعنى خلاف الظاهر ، فان تأويل الآيات القرآنية في المباحث الكلامية والخصام العقائدي يعني هذا المعنى بالذات ، كما ان حمل الآية على خلاف ظاهر
معناها بدليل يسمونه « التأويل » موضوع دائر على الالسن مع انه لا يخلو من تناقض(١) .
هذا القول مع شهرته العظيمة ليس بصحيح ، ولا ينطبق على الآيات القرآنية ، لانه :
أولاً ـ الايتان المنقولتان في الفصل السابق( هل ينظرون الا تأويله ) و( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ) ظاهرتان ان للآيات كلها تأويلاً ولا يختص ذلك بالآيات المتشابهة كما يبدو من هذا القول.
وثانياً ـ لازم هذا القول وجود آيات في القرآن يشتبه الناس في فهم مدلولها الحقيقي ولا يعلمه الا الله تعالى. ومثل هذا الكلام الذي لا يدل على مدلوله لا يعد كلاماً بليغا فكيف بتحديه للبلغاء في بلاغته.
وثالثاً ـ بناء على هذا القول لا تتم حجية القرآن الكريم ، لانه حسب احتجاج الآية الكريمة( افلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) ، احدى الدلائل على ان القرآن ليس من كلام البشر عدم
ــــــــــــــــــ
(١) لان تأويل الآية مع الاعتراف بأن التأويل لا يحيط بعلمه الا الله تعالى عمل مناقض ، ولكن هؤلاء ذكروا ذلك بعنوان انه احتمال في الآية.
وجود اختلاف معنوي ومدلولي بين الآيات ـ مع بعد ازمان نزولها وتباين ظروف النزول واسبابه ـ وما يظهر من الاختلاف بين بعض الآيات في بادىء النظر يرتفع بالتفكير والتدبر في الآيات.
ولو فرضنا ان كمية كبيرة من الآيات المسماة بـ « المتشابهات » تختلف مع كمية اخرى تسمى بـ « المحكمات » ونرفع الاختلاف بينها بأن نذهب الى ان ظاهرها غير مراد وما يراد منها معان لا يعلمها الا الله تعالى هكذا رفع الاختلاف لا يدل على ان القرآن ليس من كلام البشر.
وهكذا لو رفعنا الاختلاف بصرف ظاهر كل آية يخالف مضمونها او يناقض الآيات المحكمة ، فأولناها ـ حسب اصطلاح المتأخرين ـ بأن حملناها على معنى خلاف الظاهر.
ورابعاً ـ لا دليل اطلاقاً على ان المراد من « التأويل » في آية المحكم والمتشابه هو المعنى خلاف الظاهر ، كما لم يقصد مثل هذا المعنى في الآيات التي ذكرت فيها لفظة التأويل ، فمثلاً : في قصة يوسفعليهالسلام عبر في ثلاثة مواضع(١)
ــــــــــــــــــ
(١) ذكر رؤيا يوسفعليهالسلام في الآية الرابعة من سورة يوسف « اذ قال يوسف لابيه يا ابت اني رأيت احد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ».
وذكر تأويل رؤياه في الآية ١٠٠ على لسان يوسف حينما رأى
عن تعبير الرؤيا بكلمة « التأويل » ، وظاهر ان تعبير الرؤيا ليس معنى خلاف الظاهر للرؤيا بل هو حقيقة خارجية ترى في النوم بشكل مخصوص ، كأن رأى يوسف تعظيم ابيه وامه واخوته بشكل سجدة الشمس والقمر والنجوم له ، ورأى ملك مصر سنوات القحط في صورة سبع بقرات عجاف يأكلن سبعاً سماناً ، ورأى صاحبا يوسف في السجن الصلب
ــــــــــــــــــ
أبيه وامه بعد سنين من الفراق « ورفع ابويه على العرش وخروا له سجداً وقال يا ابت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها رب حقا ».
ورؤيا ملك مصر مذكور في الآية ٤٣( وقال الملك اني ارى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر واخر يابسات ) .
وتأويله مذكور في الآية ٤٧ ـ ٤٩ على لسان يوسف( قال تزرعون سبع سنين دأباً فما حصدتم فذروه في سنبله إلاّ قليلا مما تأكلون * ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن الا قليلاً مما تحصنون * ثم تأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون ) .
ورؤيا صاحبي يوسف في السجن مذكور في الآية ٣٦( ودخل معه السجن فتيان قال احدهما اني اراني اعصر خمراً وقال الاخر اني اراني احمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه ) .
وتأويله مذكور في الآية ٤١ على لسان يوسف( يا صاحبي السجن اما احدكما فيسقي ربه خمراً واما الاخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضى الامر الذي فيه تستفتيان ) .
وخدمة الملك في صورة عصر الخمر وحمل الخبز على الرأس تأكل الطير منه.
وفي قصة موسى والخضر ، بعد ان يخرق الخضر السفينة ويقتل الغلام ويقيم الجدار ، يحتج عليه موسى في كل مرة فيذكر له السر الكامن وراء اعماله ويسميه « التأويل ». ومعلوم ان حقيقة الاعمال التي جرت على يد الخضر والنظر الحقيقي في انجازها التي هي كالروح لها قد سميت تأويلاً ، وليست هي المعنى خلاف الظاهر لها.
ويقول تعالى بشأن الوزن والكيل :( وأوفوا الكيل اذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير واحسن تأويلاً ) (١) .
وواضح انه يريد من التأويل في الكيل والوزن وضعاً اقتصاديا خاصا يوجد في السوق بواسطة البيع والشراء والنقل والانتقال. والتأويل بهذا المعنى ليس معنى خلاف الظاهر من الكيل والوزن ، بل هو حقيقة خارجية ، وروح اوجدت في الكيل والوزن تقوى وتضعف بواسطة استقامة المعاملة وعدم استقامتها.
ويقول تعالى في موضع آخر :( فان تنازعتم في شيء
ــــــــــــــــــ
(١) سورة الاسراء : ٣٥.
فردوه الى الله والرسول ذلك خير واحسن تأويلاً ) (١) . من الواضح ان المراد من التأويل في هذه الآية هو ثبات الوحدة واقامة علاقات روحية في المجتمع ، وهذه حقيقة خارجية وليست معنىً خلاف الظاهر لرد النزاع.
وهكذا المواضع الاخرى من القرآن الكريم الواردة فيها لفظة « التأويل » ، وهي بمجموعها ستة عشر موضعاً. ففي كل هذه المواضع لا يمكن اخذ التأويل بمعنى « المدلول خلاف الظاهر » ، بل هو معنى اخر يلائم ايضا مع التأويل الوارد في آية المحكم والمتشابه كما سنذكره في الفصل الاتي. ولهذا لا موجب لتفسير « التأويل » في الآية المذكورة بمعنى المدلول خلاف الظاهر ».
المعنى الحقيقي للتأويل في عرف القرآن :
ملخص ما نستفيده من الآيات الوارد فيها لفظ « التأويل » ـ وقد سبق ذكر بعضها ـ انه ليس من قبيل المعنى الذي هو مدلول اللفظ. فان من الواضح ان ما نقل في سورة يوسف من رؤياه وتأويله لا يدل اللفظ الذي يشرح الرؤيا على تأويله دلالة لفظية ، ولو كانت تلك الدلالة من قبيل خلاف الظاهر. وهكذا في قصة موسى والخضر عليهما
ــــــــــــــــــ
(١) سورة النساء : ٥٩.
السلام ، فان الفاظ القصة لا تدل على التأويل الذي ذكره الخضر لموسى. كما انه في آية( وأوفوا الكيل اذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ) لا تدل هاتان الجملتان دلالة لفظية على وضع اقتصادي خاص هو التأويل للأمر الوارد فيها. وفي آية( فان تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول ) لا تدل الآية دلالة لفظية على تأويله الذي هو الوحدة الإسلامية وهكذا دواليك في الآيات الاخرى لو امعنا النظر فيها.
بل في الرؤيا تأويله حقيقة خارجية رآها الراؤون في صورة خاصة ، وفي قصة موسى والخضر تأويل الخضر حقيقة تنبع منها اعماله التي عملها ، والامر في آية الكيل والوزن تأويله مصلحة عامة تنبع منه ، وآية رد النزاع الى الله والرسول ايضاً شبيهة بما ذكرناه.
فتأويل كل شيء حقيقة خارجية يتراءى ذلك الشيء منها وهو بدوره يحقق التأويل ، كما ان صاحب التأويل بقاؤه بالتأويل وظهوره في صاحبه.
وهذا المعنى جار في القرآن الكريم ، لان هذا الكتاب المقدس يستمد من منابع حقائق ومعنويات قطعت اغلال المادية والجسمانية ، وهي اعلى مرتبة من الحس والمحسوس واوسع من قوالب الالفاظ والعبارات التي هي نتيجة حياتنا المادية.
ان هذه الحقائق والمعنويات لا يمكن التعبير عنها بألفاظ محدودة ، وانما هي الفات للبشرية من عالم الغيب الى ضرورة استعدادهم للوصول الى السعادة بواسطة الالتزام بظواهر العقائد الحقة والاعمال الصالحة ، ولا طريق للوصول الى تلك السعادة الا بهذه الظواهر ، وعندما ينتقل الإنسان الى العالم الاخر تتجلى له الحقائق مكشوفة ، وهذا ما يدل عليه آيتا سورتي الاعراف ويونس المذكورتان.
والى هذا يشير ايضا قوله تعالى :( حّم *والكتاب المبين *انا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون *وانه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم ) (١) .
انطباق الآية على « التأويل » بالمعنى الذي ذكرناه واضح لا غبار عليه ، وخاصة لانه قال( لعلكم تعقلون ) ولم يقل « لعلكم تعقلونه » ، لان علم التأويل خاص بالله تعالى كما جاء في آية المحكم والمتشابه( وما يعلم تأويله الا الله ) ، ولهذا عندما تريد الآية ان تذكر المنحرفين الذين يتبعون المتشابهات ، تصفهم بأنهم يبتغون الفتنة والتأويل ولم تصفهم بأنهم يجدون التأويل.
فاذاً « التأويل » هو حقيقة او حقائق مضبوطة في ام
ــــــــــــــــــ
(١) سورة الزخرف : ١ ، ٢ ، ٣ ، ٤.
الكتاب ولا يعلمها الا الله تعالى وهي مما اختص بعالم الغيب.
وقال تعالى ايضاً في آيات اخرى :( فلا اقسم بمواقع النجوم *وانه لقسم لو تعلمون عظيم *انه لقرآن كريم *في كتاب مكنون *لا يمسه الا المطهرون *تنزيل من رب العالمين ) ؟(١) .
يظهر جلياً من هذه الآيات ان للقرآن الكريم مقامين : مقام مكنون محفوظ من المس ، ومقام التنزيل الذي يفهمه كل الناس.
والفائدة الزائدة التي نستفيدها من هذه الآيات ولم نجدها في الآيات السابقة ، هي الاستثناء الوارد في قوله( الا المطهرون ) الدال على ان هناك بعض من يمكن ان يدرك حقائق القرآن وتأويله. وهذا الاثبات لا ينافي النفي الوارد في قوله تعالى( وما يعلم تأويله الا الله ) ، لان ضم احداهما الى الاخرى ينتج الاستقلال والتبعية ، اي يعرف منها استقلال علمه تعالى بهذه الحقائق ولا يعرفها احد الا باذنه عز شأنه وتعليم منه.
وعلم التأويل شبيه فيما ذكرنا بعلم الغيب الذي اختص بالله تعالى في كثير من الآيات ، وفي آية استثنى العباد
ــــــــــــــــــ
(١) سورة الواقعة : ٧٥ ـ ٨٠.
المرضيون فأثبت لهم العلم به ، وهي قوله تعالى :( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه احداً *الا من ارتضى من رسول ) (١) . فمن مجموع الكلمات في علم الغيب نستنتج انه بالاستقلال خاص بالله تعالى ولا يطلع عليه احدا الا باذنه عز وجل.
نعم ، المطهرون هم الذين يلمسون الحقيقة القرآنية ويصلون الى غور معارف القرآن ـ كما تدلنا عليه الآيات التي ذكرناها. ولو ضممنا هذه الى قوله تعالى( انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيراً ) (٢) .
الوارد حسب احاديث متواترة في حق اهل البيتعليهمالسلام نعلم ان النبي واهل بيته هم المطهرون العالمون بتأويل القرآن الكريم.
القرآن والناسخ والمنسوخ :
بضمن آيات الاحكام الواردة في القرآن الكريم آيات احتلت احكامها مكان احكام كانت موضوعة في آيات سابقة ، فأنهت الآيات اللاحقة مفعول الآيات السابقة ولم تعد
ــــــــــــــــــ
(١) سورة الجن : ٢٦ ـ ٢٧.
(٢) سور الاحزاب : ٣٣.
تلك الاحكام معمولاً بها. وتسمى الآيات السابقة بـ « المنسوخ » والآيات اللاحقة بـ « الناسخ ».
فمثلاً في بداية مبعث الرسول أمر المسلمون بمداراة اهل الكتاب في قوله تعالى :( فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره ) (١) . وبعد مدة انهي هذا الحكم وامروا بالقتال معهم في قوله( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين اوتوا الكتاب ) (٢) .
والنسخ الذي يدور على السنتنا حقيقته هي : وضع قانون لمصلحة ما والعمل به ثم ظهور الخطأ في ذلك والغاؤه ووضع قانون جديد مكانه.
لكن لا يمكن نسبة مثل هذا النسخ الدال على الجهل والخطأ الى الله تعالى المنزه عن كل جهل وخطأ ، ولا يوجد هكذا نسخ في الآيات الكريمة الخالية عن وجود اي اختلاف بينها.
بل النسخ في القرآن معناه : انتهاء زمن اعتبار الحكم المنسوخ. ونعني بهذا ان للحكم الاول كانت مصحلة زمنية محدودة واثر موقت بوقت خاص تعلن الآية الناسخة انتهاء
ــــــــــــــــــ
(١) سورة البقرة : ١٠٩.
(٢) سورة التوبة : ٢٩.
ذلك الزمن المحدود وزوال الاثر. ونظراً الى ان الآيات نزلت في مناسبات مختلفة خلال ثلاث وعشرون سنة ، من السهولة بمكان تصور اشتمالها على هكذا احكام.
ان وضع حكم موقت في حين لم تتم مقتضيات الحكم الدائم ، ثم وضع الحكم الدائم وابدال الحكم الموقت به ، شيء ثابت لا اشكال فيه. كما يفهم هذا ايضا مما ورد في القرآن الكريم حول فلسفة النسخ. قال تعالى :( واذا بدلنا آية مكان آية والله اعلم بما ينزل قالوا انما انت مفتر بل اكثرهم لا يعلمون *قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدىً وبشرى للمسلمين ) (١) .
الجري والانطباق في القرآن :
القرآن الكريم كتاب دائم لكل الازمان وتسري احكامه على كل الناس ، فيجري في الغائب كما يجري في الحاضر وينطبق على الماضي والمستقبل كما ينطبق على الحال. فمثلاً الآيات النازلة في حكم ما على احد المؤمنين بشروط خاصة في عصر النبوة يسري ذلك الحكم على غيره لو توفرت تلك الشروط في العصور التالية ايضاً ، والآيات التي تمدح او تذم
ــــــــــــــــــ
(١) سورة النحل : ١٠١ ـ ١٠٢.
بعض من يتحلى بصفات ممدوحة او مذمومة تشمل من يتحلى بها ممن لم يعاصر النبيصلىاللهعليهوآله .
فاذاً مورد نزول آية من الآيات لا يكون مخصصاً لتلك الآية نفسها. ونعني بذلك انه لو نزلت في شخص او اشخاص معينين آية لا تكون تلك الآية جامدة في ذلك الشخص او اولئك الاشخاص ، بل يسري حكمها في كل من يشترك مع اولئك في الصفات التي كانت مورداً لتلك الآية.
هذا هو الذي يسمى في السنة الاحاديث بـ « الجري ». قال الامام الباقرعليهالسلام ، في حديثه للفضيل بن يسار ، عندما سأله عن هذه الرواية « ما في القرآن آية الا ولها ظهر وبطن وما فيها حرف الا وله حد ولكل حد مطلع » ما يعني بقوله « ظهر وبطن »؟ قالعليهالسلام : ظهره تنزيله وبطنه تأويله ، منه ما مضى ومنه ما لم يكن بعد ، يجري كما يجري الشمس والقمر كلما جاء منه شيء وقع. الحديث(١) .
وفي بعض الاحاديث يعتبر بطن القرآن ـ يعني انطباقه بموارد وجدت بالتحليل ـ مثل الجري(٢) .
ــــــــــــــــــ
(١) تفسير العياشي ١ / ١٠.
(٢) انظر المصدر السابق ١ / ١١.
التفسير وظهوره وتطوره :
بدأ التفسير للآيات وبيان معاني الفاظ القرآن وعباراته من عصر الرسولصلىاللهعليهوآله ، وكان هو المعلم الاول للقرآن الكريم وتوضيح مقاصده وحل ما غمض من عباراته ، قال تعالى( وانزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم ) (١) .
وقال :( هو الذي بعث في الاميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ) (٢) .
وفي عصر النبي وبأمر منه اشتغل جماعة من الصحابة بقراءة القرآن وحفظه وضبطه ، وهم الذين يسمون بـ « القراء ». وبعد الصحابة استمر المسلمون في التفسير ولا زال حتى الان فيهم مفسرون.
علم التفسير وطبقات المفسرين :
اشتغل جماعة من الصحابة بالتفسير بعد ان ارتحل الرسولصلىاللهعليهوآله الى الرفيق الاعلى ، ومنهم
ــــــــــــــــــ
(١) سورة النحل : ٤٤.
(٢) سورة الجمعة : ٢.
أُبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله الانصاري وابو سعيد الخدري وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر وانس وابو هريرة وابو موسى ، وكان اشهرهم عبد الله بن عباس.
كان منهج هؤلاء في التفسير انهم ينقلون ما سمعوه من النبيصلىاللهعليهوآله في معاني الآيات بشكل احاديث مسندة(١) وبلغت هذه الاحاديث كلها الى نيف واربعين ومائتي حديث اسانيد كثير منها ضعيفة ومتون بعضها منكرة لا يمكن الركون اليها.
وربما ذكر هؤلاء تفسير بعض الآيات على انه تفسير منهم بدون اسناده الى الرسولصلىاللهعليهوآله ، فعد المفسرون من متأخري اهل السنة هذا القسم ايضا من جملة الاحاديث ، بحجة ان الصحابة اخذوا علم القرآن من النبي ويبعد ان يفسروا من عند انفسهم.
ولكن لا دليل قاطع على كلامهم هذا ، بالاضافة الى ان كمية كبيرة من الاحاديث المذكورة واردة في اسباب نزول الآيات وقصصها التاريخية ، كما ان فيها احاديث غير مسندة منقولة عن بعض علماء اليهود الذين اسلموا ككعب الاحبار وغيره.
ــــــــــــــــــ
(١) آخر كتاب الاتقان ، طبع القاهرة سنة ١٣٧٠ هـ.
وكان ابن عباس في اكثر الاوقات يستشهد بأبيات شعرية في فهم معاني الآيات ، كما نرى ذلك جلياً في مسائل نافع بن الازرق ، فان ابن عباس عند الاجابة عليها استشهد بالشعر في اكثر من مائتي مورد من الآيات ، وقد نقل السيوطي مائة وتسعين جواباً منها في كتابه الاتقان(١) .
ومن هنا لا يمكن اعتبار الاحاديث المنقولة عن الصحابة احاديث نبوية كما لا يمكن القول بأنهم لم يفسروا مطلقاً برأيهم.
ومفسرو الصحابة هم الطبقة الاولى من المفسرين.
( الطبقة الثانية ) هم التابعون ، وهم تلامذة مفسري الصحابة ، وهم مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وضحاك. ومن هذه الطبقة ايضا الحسن البصري وعطاء بن ابي رباح وعطاء بن ابي مسلم وابي العالية ومحمد بن كعب القرظي وقتادة وعطية وزيد بن اسلم وطاوس اليماني(٢) .
ــــــــــــــــــ
(١) الاتقان ص ١٢٠ ـ ١٣٣.
(٢) مجاهد ، مفسر مشهور ، توفي سنة ١٠٠ او سنة ١٠٣ ( تهذيب الاسماء للنووي ).
سعيد بن جبير مفسر معروف تلميذ ابن عباس ، قتله الحجاج الثقفي سنة ٩٤ ( التهذيب ).
عكرمة ، مولى ابن عباس وتلميذه وتلميذ سعيد بن جبير ،
( الطبقة الثالثة ) تلامذة الطبقة الثانية ، كربيع بن انس وعبد الرحمن بن زيد بن اسلم وابو صالح الكلبي ونظرائهم(١) .
ــــــــــــــــــ
توفي سنة ١٠٤ ( التهذيب ).
ضحاك ، من تلامذة عكرمة ( لسان الميزان ).
الحسن البصري ، زاهد ومفسر معروف ، توفي سنة ١١٠ ( التهذيب ).
عطاء بن ابي رباح ، فقيه ومفسر مشهور ، من تلامذة ابن عباس ، توفي سنة ١١٥ ( التهذيب ).
عطاء بن ابي مسلم ، من اكابر التابعين ، ومن تلامذة ابن جبير وعكرمة ، توفي سنة ١٣٣ ( التهذيب ).
ابو العالية ، من ائمة التفسير واكابر التابعين ، كان في المائة الاولى من الهجرة ( التهذيب ).
محمد بن كعب القرظي ، مفسر معروف ، وهو من اسرة يهودية من بني قريظة ، كان في المائة الاولى من الهجرة.
قتادة ، اعمى ، كان من اكابر المفسرين ، وهو من تلامذة الحسن البصري وعكرمة ، توفي سنة ١١٧ ( التهذيب ).
عطية ، ينقل عن ابن عباس ( لسان الميزان ).
زيد بن اسلم ، مولى عمر بن الخطاب ، فقيه ومفسر ، توفي سنة ١٣٦ ( التهذيب ).
طاوس اليماني ، من اعلام عصره ، وهو تلميذ ابن عباس ، توفي سنة ١٠٦ ( التهذيب ).
(١) عبد الرحمن بن زيد ، يعد من علماء التفسير.
وكان منهج التابعين في التفسير انهم ينقلونه احيانا بصورة احاديث عن الرسول الكريم او الصحابة ، واحيانا ينقلونه بشكل نظريات خاصة بلا اسنادها الى احد ، فعامل متأخرو المفسرين مع هذه الاقوال معاملة الاحاديث النبوية واعتبروها احاديث موقوفة(١) .
ويطلق على الطبقتين الاخرتين لفظة « قدماء المفسرين ».
( الطبقة الرابعة ) اوائل المؤلفين في علم التفسير ، كسفيان ابن عيينة ووكيع بن الجراح وشعبة بن الحجاج وعبد بن حميد وغيرهم. ومن هذه الطبقة ايضا ابن جرير الطبري صاحب التفسير المشهور(٢) .
ــــــــــــــــــ
ابو صالح الكلبي ، النسابة المفسر ، وهو من اعلام القرن الثاني.
(١) الاحاديث الموقوفة هي التي لم يذكر فيها المروي عنه.
(٢) سفيان بن عيينة ، مكي من طبقة التابعين الثانية ، وهو من علماء التفسير توفي سنة ١٩٨ ( التهذيب ).
وكيع بن الجراح ، كوفي من طبقة التابعين الثانية ، ومن مشاهير المفسرين توفي سنة ١٩٧ ( التهذيب ).
شعبة بن الحجاج البصري ، من طبقة التابعين الثانية ، وهو من مشاهير المفسرين ، توفي سنة ١٦٠ ( التهذيب ).
عبد بن حميد ، صاحب تفسير ، من طبقة التابعين الثانية ، كان في القرن الثاني من الهجرة.
ومنهج هذه الطبقة من المفسرين كان نقل اقوال الصحابة والتابعين بشكل احاديث في مؤلفاتهم التفسيرية بدون ذكر آرائهم الخاصة. الا ان ابن جرير في تفسيره قد يبدي رأيه في ترجيح بعض الاحاديث على بعضها وكيفية الجمع بينها. ومن هذه الطبقة تبدأ طبقات المفسرين المتأخرين.
( الطبقة الخامسة ) المفسرون الذين نقلوا الاحاديث في تفاسيرهم بحذف الاسانيد واكتفوا بنقل الاقوال والآراء.
قال السيوطي : فدخل من هنا الدخيل والتبس الصحيح بالعليل(١) .
الا ان المتدبر في الاحاديث المسندة يرى ايضا كثيرا من الوضع والدس ، ويشاهد الاقوال المتناقضة تنسب الى صحابي واحد ، ويقرأ قصصاً وحكايات يقطع بعدم صحتها ، ويمر على احاديث في اسباب النزول والناسخ والمنسوخ لا تتفق مع سياق الآيات. ومن هنا نقل ان الامام احمد بن حنبل قال : ثلاثة لا اصل لها المغازي والملاحم واحاديث التفسير. ونقل عن الامام الشافعي ان الثابت من الاحاديث المروية عن ابن عباس مائة حديث فقط.
ــــــــــــــــــ
ابن جرير الطبري ، محمد بن جرير بن يزيد ، من مشاهير علماء السنة ، توفي سنة ٣١٠ ( لسان الميزان ).
(١) الاتقان ٢ / ١٩٠.
( الطبقة السادسة ) المفسرون الذين كتبوا التفسير بعد ظهور العلوم المختلفة ونضجها ، فكتب كل منهم حسب اختصاصه وفي العلم الذي اتقنه : فالنحوي ادرج المباحث النحوية كالزجاج والواحدي وابي حيان(١) ، والاديب اورد المباحث البلاغية كالزمخشري في كشافه(٢) ، والمتكلم اهتم بالمباحث الكلامية كالفخر الرازي في تفسيره الكبير(٣) ، والصوفي غاص في المباحث الصوفية كابن العربي وعبد الرزاق الكاشاني في تفسيريهما(٤) ، والاخباري ملأ كتابه بالاحاديث كالثعلبي في تفسيره(٥) ، والفقيه جاء بالمسائل الفقهية
ــــــــــــــــــ
(١) الزجاج ، من علماء النحو ، توفي سنة ٣١٠ ( ريحانة الادب ).
الواحدي ، نحوي مفسر ، توفي سنة ٤٦٨ ( الريحانة ).
ابو حيان الاندلسي ، نحوي مفسر قارىء توفي في مصر سنة ٧٤٥ ( الريحانة ).
(٢) الزمخشري ، من مشاهير علماء الادب ، مؤلف تفسير الكشاف ، توفي سنة ٥٣٨ ( كشف الظنون ).
(٣) الامام فخر الدين الرازي ، متكلم مفسر مشهور ، صاحب تفسير مفاتيح الغيب ، توفي سنة ٦٠٦ ( كشف الظنون ).
(٤) عبد الرزاق الكاشاني ، من مشاهير علماء الصوفية في القرن الثامن الهجري ( ريحانة الادب ).
(٥) احمد بن محمد بن ابراهيم الثعلبي ، صاحب التفسير المشهور ، توفي سنة ٤٢٦ او ٤٢٧ ( الريحانة ).
كالقرطبي في تفسيره(١) . وقد خلط جماعة آخرون في تفاسيرهم بين العلوم المختلفة كما نشاهده في تفسير روح المعاني(٢) وروح البيان(٣) وتفسير النيسابوري(٤) .
والخدمة التي قدمتها هذه الطبقة الى علم التفسير هي اخراجه من جموده واخضاعه للدرس والبحث ، ولكن الانصاف يقتضي القول بأن كثيراً من المباحث التي كتبها هؤلاء حملت على القرآن حملاً ولا تدل عليها الآيات.
أسلوب مفسري الشيعة وطبقاتهم :
الطبقات التي ذكرناها هي طبقات المفسرين من السنة ، وقد رأينا ان لهم منهجاً خاصا في التفسير ساروا على ضوئه من حين نشأته ، فجعلوه احاديث نبوية واقوال للصحابة والتابعين ولم يجيزوا اعمال النظر فيها لانه يكون من قبيل الاجتهاد
ــــــــــــــــــ
(١) محمد بن احمد بن ابي بكر القرطبي ، توفي سنة ٦٦٨ ( الريحانة ).
(٢) تأليف الشيخ اسماعيل حقي ، توفي سنة ١١٣٧ ( ذيل كشف الظنون ).
(٣) تأليف شهاب الدين محمود الالوسي البغدادي ، توفي سنة ١٢٧٠ ( ذيل كشف الظنون ).
(٤) غرائب القرآن ، تأليف نظام الدين حسن القمي النيسابوري ، توفي سنة ٧٢٨ ( ذيل كشف الظنون ).
مقابل النص. ولكن لما ظهر التناقض والتضارب والدس والوضع فيها بدأت الطبقة السادسة تعمل رأيها فيها وتجتهد.
أما المنهج الذي اتخذته الشيعة في تفسير القرآن الكريم فيختلف مع منهج السنة ، ولذا يختلف تقسيم طبقاتهم مع الطبقات المذكورة.
تعتقد الشيعة ـ بنص من القرآن الكريم حجية اقوال النبيصلىاللهعليهوآله في التفسير ، وترى ان الصحابة والتابعين كبقية المسلمين لا حجية في اقوالهم الا ما ثبت انه حديث نبوي. وقد ثبت بطرق متواترة في حديث الثقلين ان اقوال العترة الطاهرة من اهل بيتهعليهمالسلام هي تالية لاقوال الرسول ، فهي حجة ايضا. ومن هنا اخذت الشيعة في التفسير بما اثر عن النبي واهل بيتهعليهمالسلام ، فكانت طبقات المفسرين منهم كما يلي :
( الطبقة الاولى ) : الذين رووا التفسير عن النبيصلىاللهعليهوآله وائمة اهل البيتعليهمالسلام ، وادرجوا الاحاديث في مؤلفاتهم المتفرقة ، كزرارة ومحمد بن مسلم ومعروف وجرير واشباههم(١) .
ــــــــــــــــــ
(١) زرارة بن اعين ومحمد بن مسلم من فقهاء الشيعة وخواص اصحاب الامامين الباقر والصادقعليهماالسلام .
معروف بن خربوذ وجرير من خواص اصحاب الامام الصادق عليه الصلاة والسلام.
( الطبقة الثانية ) : اوائل المؤلفين في التفسير ، كفرات بن ابراهيم الكوفي وابي حمزة الثمالي والعياشي وعلي بن ابراهيم القمي والنعماني(١) .
وطريقة هؤلاء في تفاسيرهم تشبه طريقة الطبقة الرابعة من مفسري اهل السنة ، فقد رووا الاحاديث المأثورة عن الطبقة الاولى وادرجوها مسندة في مؤلفاتهم ولم يبدوا آراءهم الخاصة في الموضوع.
ومن الواضح ان الزمن الذي كان يمكن الاخذ فيه عن الائمةعليهمالسلام كان طويلاً بلغ نحواً من ثلاثمائة سنة ،
ــــــــــــــــــ
(١) فرات بن ابراهيم الكوفي ، صاحب التفسير المشهور ، من مشايخ علي بن ابراهيم القمي ( ريحانة الادب ).
ابو حمزة الثمالي ، من فقهاء الشيعة وخواص اصحاب الامام السجاد والباقرعليهماالسلام ( الريحانة ).
العياشي ، محمد بن مسعود الكوفي السمرقندي ، من اعيان علماء الامامية في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري ( الريحانة ).
علي بن ابراهيم القمي ، من مشائخ الحديث الشيعي في اواخر القرن الثالث واوائل القرن الرابع الهجري.
النعماني ، محمد بن ابراهيم ، من اعيان علماء الامامية ، وهو تلميذ ثقة الإسلام الكليني ، كان في اوائل القرن الرابع الهجري ( الريحانة ).
فكان من الطبيعي ان لا يضبط الترتيب الزمني لهاتين الطبقتين بصورة دقيقة ، بل كانتا متداخلتين ومن الصعوبة بمكان التفريق الدقيق بينهما.
وقد قل عند اوائل مفسري الشيعة نقل احاديث التفسير بشكل روايات مرسلة في تفاسيرهم ، وكنموذج لنقل الاحاديث مروية بدون اسانيد نلفت الانظار الى تفسير العياشي الذي حذف بعض تلامذته اسانيده اختصاراً ، فاشتهرت نسخة التلميذ المختصرة وحلت محل نسخة الاصل.
( الطبقة الثالثة ) اصحاب العلوم المختلفة ، كالشريف الرضي في تفسيره الادبي والشيخ الطوسي في تفسيره الكلامي المسمى بالتبيان والمولى صدر الدين الشيرازي في تفسيره الفلسفي والميبدي الكونابادي في تفسيره الصوفي والشيخ عبد علي الحويزي والسيد هاشم البحراني والفيض الكاشاني في تفاسيرهم نور الثقلين والبرهان والصافي(١) .
ــــــــــــــــــ
(١) الشريف الرضي ، محمد بن الحسين الموسوي ، من اجلاء فقهاء الامامية ، اعلم اهل زمانه في الشعر والادب ، ومن تآليفه كتاب « نهج البلاغة » توفي سنة ٤٠٤ او ٤٠٦ ( ريحانة الادب ).
شيخ الطائفة ، محمد بن الحسن الطوسي ، من اعلام علماء الامامية ، من تآليفه « التهذيب » و « الاستبصار » اللذين هما اصلان من الاصول الاربعة الحديثية عند الشيعة ، توفي سنة ٤٦٠ ( الريحانة ).
وهناك جماعة جمعوا في تفاسيرهم بين العلوم المختلفة ، ومنهم الشيخ الطبرسي في تفسيره « مجمع البيان » الذي يبحث فيه عن اللغة والنحو والقراءة والكلام والحديث وغيرها(١) .
كيف يتقبل القرآن التفسير؟
الاجابة على هذا السؤال تتوضح من الفصول الماضية ، فان القرآن الكريم ـ كما ذكرنا ـ كتاب دائم للجميع ،
ــــــــــــــــــ
صدر المتألهين ، محمد بن ابراهيم الشيرازي ، الفيلسوف المشهور ، مؤلف كتاب « اسرار الآيات » و « مجموعة تفاسير » ، توفي سنة ١٠٥٠ ( روضات الجنات ).
الميبدي.
السيد هاشم البحراني ، صاحب تفسير « البرهان » في اربعة اجزاء كبار توفي سنة ١١٠٧ ( الريحانة ).
الفيض الكاشاني ، المولى محمد محسن بن المرتضى ، مؤلف كتاب « الصافي » و « الاصفى » ، توفي سنة ١٠٩١ ( الريحانة ).
الشيخ عبد علي الحويزي الشيرازي ، مؤلف كتاب « نور الثقلين » في خمسة اجزاء ، توفي سنة ١١١٢ ( الريحانة ).
(١) أمين الإسلام ، الفضل بن الحسن الطبرسي ، من اعيان علماء الامامية ، صاحب « مجمع البيان » في عشرة اجزاء ، توفي سنة ٥٤٨ ( الريحانة ).
يخاطب الكل ويرشدهم الى مقاصده وقد تحدى في كثير من آياته على الاتيان بمثله واحتج بذلك على الناس ، ووصف نفسه بأنه النور والضياء والتبيان لكل شيء ، فلا يكون مثل هذا الكتاب محتاجا الى شيء اخر.
يقول محتجاً على انه ليس من كلام البشر :( افلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) (١) .
ليس فيه اي اختلاف ، ولو وجد فيه اختلاف بالنظرة البدائية يرتفع بالتدبر في القرآن نفسه.
ومثل هذا الكتاب لو احتاج في بيان مقاصده الى شيء اخر لم تتم به الحجة ، لانه لو فرض ان احد الكفار وجد اختلافا في شيء من القرآن لا يرتفع من طريق الدلالة اللفظية للايات لم يقنع برفعه من طرق اخرى ، كأن يقول النبي مثلاً يرتفع بكذا وكذا ، ذلك لان هذا الكافر لا يعتقد بصدق النبي ونبوته وعصمته ، فلم يتنازل لقوله ودعاويه.
وبعبارة اخرى : لا يكفي ان يكون النبي رافعا للاختلافات القرآنية بدون شاهد لفظي من نفس القرآن لمن لا يعتقد نبوته وعصمته ، والآية الكريمة( أفلا يتدبرون
ــــــــــــــــــ
(١) سورة النساء : ٨٢.
القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) توجه الخطاب الى الكفار الذين لم يؤمنوا بالنبيصلىاللهعليهوآله ، فانهم لم يسلموا لاقواله لو لم يكن هناك شاهد قرآني صريح.
ومن جهة اخرى نرى ان القرآن نفسه يثبت حجية اقوال النبي وتفسيره ، كما ان النبي يثبت حجية اقوال اهل بيته وتفسيرهم.
ونستنتج من هاتين المقدمتين ان في القرآن آيات تفسر الآيات الاخرى ، ومكانة الرسول واهل بيته من القرآن كمرشد معصوم لا يخطأ في تعاليمه وارشاداته ، فما يفسرونه يطابق التفسير الذي يستنتج من ضم الآيات بعضها الى بعض ولا يخالفها في شيء
نتيجة البحث :
النتيجة التي توصلنا اليها في الفصل الماضي هي ان التفسير الواقعي للقرآن هو التفسير الذي ينبع من التدبر في الآيات الكريمة وضم بعضها الى بعض.
وبعبارة اوضح : يمكن ان نسلك في التفسير احدى طرق ثلاث :
١ ـ تفسير الآية لوحدها بالمقدمات العلمية وغير العلمية التي نملكها.
٢ ـ تفسير الآية بمعونة الاحاديث المأثورة عن المعصومينعليهمالسلام .
٣ ـ تفسير الآية بالتدبر والدقة فيها وفي غيرها والاستفادة من الاحاديث.
الطريقة الثالثة هي المنهج الذي توصلنا اليه في الفصل الماضي ، وهو المنهج الذي حث عليه النبي واهل بيتهعليهمالسلام فيما اثر عنهم. قالصلىاللهعليهوآله « وانما نزل ليصدق بعضه بعضاً » ، وقال عليعليهالسلام « ينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض ».
ومما ذكرنا يتوضح ان هذه الطريقة غير الطريقة المنهية في الحديث النبوي المشهور « من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار » ، لان الطريقة المذكورة تفسير للقرآن بالقرآن لا بالرأي.
والطريقة الأولى من الطرق الثلاث لا يمكن الاعتماد عليها ، وهي في الحقيقة من قبيل التفسير بالراي الذي لا يجوز الا ما وافق منه مع الطريقة الثالثة.
واما الطريقة الثانية فهي التي كان يتبعها علماء التفسير في الصدر الاول وكان العمل عليها عدة قرون ، وهي الطريقة
المعمولة حتى الان عند الاخباريين من الشيعة والسنة.
وهذه الطريقة محدودة لا تفي بالحاجات غير المحدودة ، لان ستة الاف وعدة مئات من الآيات التي نقرأها في القرآن الكريم تقابلها مئات الالوف من الاسئلة العلمية وغير العلمية ، فمن اين نجد الاجابة على هذه الاسئلة وكيف التخلص منها؟
هل نرجع فيها الى الرويات والاحاديث؟
ان ما يمكن تسميته بالحديث النبوي في التفسير ، المروي من طريق السنة لا يزيد على مائتين وخمسين حديثاً ، مع العلم ان كثيراً من هذه الاحاديث ضعيفة الاسانيد وبعضها منكرة.
نعم الاحاديث المروية عن اهل البيتعليهمالسلام من طريق الشيعة تبلغ عدة الاف حديث ، وفيها مقدار كثير من الاحاديث التي يمكن الاعتماد عليها ، الا انها مع هذا لا تكفي للاجابة على الاسئلة غير المحدودة التي نواجهها تجاه الآيات القرآنية الكريمة.
هذا ، بالاضافة الى ان هناك آيات لم يرد فيها حديث اصلاً لا من طريق السنة ولا من طريق الشيعة ، فكيف نصنع بها؟
ففي هذه المشاكل : اما ان نرجع الى الآيات المناسبة لما
نروم تفسيره ، وهذا ما تمنع عنه هذه الطريقة الحديثية. واما ان نمتنع عن البحث في الآية بتاتاً ونغض الطرف عن حاجاتنا العلمية التي تدعونا الى البحث.
اذاً ماذا نصنع مع ما تدل عليه الآيات الكريمة التالية الحاثة على البحث والتدبر والتبيين؟
قال تعالى :( ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء ) (١) .
وقال :( أفلا يتدبرون القرآن ) (٢) .
وقال :( كتاب انزلناه اليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر اولوا الالباب ) (٣) .
وقال :( أفلم يدبروا القول ام جاءهم ما لم يأت آباءهم الاولين ) (٤) .
وقد ورد في احاديث صحيحة عن النبي وائمة اهل البيتعليهمالسلام انهم حثوا على الرجوع الى القرآن
ــــــــــــــــــ
(١) سورة النحل : ٨٩.
(٢) سورة النساء : ٨٢.
(٣) سورة ص : ٣٩.
(٤) سورة المؤمنون : ٦٨.
الكريم عند حدوث الفتن وظهور المشاكل(١) ، فماذا نصنع بهذه الاحاديث؟
وقد ثبت ايضا عن طريق العامة في احاديث نبوية وعن طريق الخاصة في روايات متواترة عن النبي وائمة اهل البيتعليهمالسلام ضرورة عرض الاخبار على كتاب الله تعالى(٢) ، وبموجبها يجب عرضها على القرآن الكريم فما وافقه يؤخذ به وما خالفه يطرح.
من البديهي ان مضمون هذه الاحاديث يصح لو كانت الآيات تدل على مرادها ويكون لمدلولها ـ وهو التفسير ـ اعتبار ، فلو رجعنا لمعرفة محصل مدلول الآية ـ وهو التفسير ـ الى الحديث لم يبق موضع لعرض الحديث على القرآن.
ان هذه الاحاديث التي اشرنا اليها احسن شاهد على ان الآيات القرآنية كبقية ما يتكلم به المتكلمون لها مداليلها ، وهي في نفسها حجة مع غض النظر عن الاحاديث الواردة في التفسير.
قد تبين من البحوث السابقة ان واجب المفسر هو ملاحظة الاحاديث الواردة في التفسير عن النبي وائمة اهل البيتعليهمالسلام والغور فيها ليعرف طريقتهم ، ثم يفسر
ــــــــــــــــــ
(١) انظر اوائل تفسير العياشي والصافي والبرهان وبحار الانوار.
(٢) بحار الانوار ١ / ١٣٧ ، باب اختلاف الاخبار.
القرآن الكريم بالمنهج الذي يستفاد من الكتاب والسنة ويأخذ بالاحاديث التي توافق الكتاب ويطرح ما عداها.
نموذج من تفسير القرآن بالقرآن :
قال الله تعالى :( الله خالق كل شيء ) (١) .
تكرر مضمون هذه الآية الكريمة في اربعة مواضع من القرآن ، وبحسب هذا المضمون جميع المخلوقات الموجودة في الكون هي من خلق الله تعالى وصنعه.
ويجب ان لا تغرب عنا هذه النكتة ان في مئات من الآيات صدق موضوع العلية والمعلولية ، ونسب فيها فعل كل فاعل اليه ، واعتبرت الافعال الاختيارية من افعال الإنسان نفسه ، وخصت الاثار بالمؤثرات كالاحراق بالنار والنبات الى الارض والمطر الى السماء وغيرها.
والنتيجة ان صانع كل شيء وفاعله ينسب فعله وصنعه اليه ، الا ان مفيض الوجود والموجد الحقيقي للفعل هو الله تعالى ليس غيره.
ومن هنا نعرف التعميم الذي نجده في قوله تعالى( الذي
ــــــــــــــــــ
(١) سورة الزمر : ٦٢.
أحسن كل شيء خلقه ) (١) ، فلو انضمت هذه الآية الى الآية السابقة لرأينا الجمال والخلقة قرينين ، فكل ما وجد في عالم المخلوقات من خلق كان موصوفاً بالجمال.
ويجب ايضا ان لا تغرب عنا هذه النكتة ان الآيات القرآنية تعترف بالخير مقابل الشر والنفع مقابل الضرر والحسن مقابل السيء والجمال مقابل القبح ، وتعتبر كثيرا من الافعال والاقوال والافكار حسنة او سيئة ، ولكن هذه المساوىء والقبائح والشرور تبدو واضحة اذا ما قيست بما يقابلها ، فوجدوها نسبي وليس بنفسي.
مثلاً الحية والعقرب مؤذيان ، لكن بالنسبة الى الإنسان والحيوانات التي تتألم من سمهما لا بالنسبة الى الحجر والتراب والشيء المر والرائحة الكريهة منفوران ، لكن بالنسبة الى ذائقة الإنسان وشامته لا بالنسبة الى كل الحيوانات. وبعض الاعمال والاقوال تبدو شاذة ، لكن بالنسبة الى البيئة التي يعيش فيها الإنسان لا بالنسبة الى كل البيئات.
نعم لو لم نلاحظ النسبة والقياس وننظر الى الاشياء بنظرة مطلقة نراها في منتهى الجمال ونرى الوجود اخاذا يلفت النظر ولا يمكن وصف حسنه وجماله ، لان الوصف نفسه من الخلق الجميل الذي يحتاج بدوره الى وصف.
ــــــــــــــــــ
(١) سورة السجدة : ٧.
والآية المذكورة اعلاه تريد صرف الانظار عن وجوه الجمال والقبح النسبية والقياسية والاعتبارية لتوجهها الى الجمال المطلق وتجهز الافهام لادراك الكلي والعموم الذي هو الاهم.
اذا ما ادركنا النقاط المشروحة في مئات من الآيات القرآنية التي تصف عالم الوجود ـ بكل جزء جزء منه وبمجموعة مجموعة منه وبمختلف انظمته الكلية والجزئية ـ لنرى انه احسن دليل على التوحيد واعظم مرشد الى معرفة الله تعالى وكمال قدرته.
لو تأملنا في الايتين المذكورتين سابقاً وامعنا النظر فيما سبق من الكلام ، نعلم ان هذا الجمال المحير الذي ملأ عالم الوجود كله انما هو لمعة من الجمال الالهي ندركه نحن بواسطة الآيات السماوية والارضية ، وكل جزء من العالم كوة ننظر منها الى القدرة اللامتناهية لنعرف ان ليس لهذه الاجزاء شيء من القدرة الا ما افيض عليها.
ولهذا نرى في آيات قرآنية كثيرة نسبة انواع الجمال والكمال الى الله تعالى ، فتقول :( هو الحي لا اله الا هو ) (١) .
ــــــــــــــــــ
(١) سورة غافر : ٦٥.
و( ان القوة لله جميعاً ) (١) .
و( فان العزة لله جميعاً ) (٢) .
و( هو العليم القدير ) (٣) .
و( هو السميع البصير ) (٤) .
و( الله لا اله الا هو له الاسماء الحسنى ) (٥) .
فبمقتضى هذه الآيات كل جمال وكمال نراه في عالم الوجود هو في الحقيقة من الله تعالى وليس لغيره الا المجاز والعارية.
وتأكيداً لما مضى ذكره يوضح القرآن الكريم بأسلوب آخر ان الجمال والكمال المودع في مخلوقات العالم انما هو محدود متناهي ، وهو عند الله تعالى غير محدود وليس له نهاية ، قال عز من قائل :( انا كل شيء خلقناه بقدر ) (٦) .
ــــــــــــــــــ
(١) سورة البقرة : ١٦٥.
(٢) سورة النساء : ١٣٩.
(٣) سورة الروم : ٥٤.
(٤) سور الاسراء : ١.
(٥) سورة طه : ٨.
(٦) سورة القمر : ٤٩.
وقال :( وان من شيء الا عندنا خزائنه وما ننزله الا بقدر معلوم ) (١) .
عندما يتقبل الإنسان هذه الحقيقة القرآنية يرى نفسه امام الجمال والكمال اللامتناهي ، يحيط به من كل جانب وليس فيه خللاً اصلاً ، ينسى كل جمال وكمال في العالم ، وحتى نفسه التي هي من تلك الآيات ينساها وينجذب الى خالق الجمال والكمال قال تعالى :( والذين آمنوا اشد حباً لله ) (٢)
عند هذا يسلم العبد ارادته واستقلاله الى الله تعالى كما هو من شؤون الحب والعبودية الخالصة ، فينضوي تحت لواء الحق ويدخل في ولايته ، كما يقول عز وجل( والله ولي المؤمنين ) (٣) ( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور ) (٤) .
فيجد حينئذ روحاً اخرى ويحيا حياة جديدة ويشرق في قلبه نور الحقيقة ، فتتفتح له طرق السعادة ليشق مسيرته الكريمة بين المجتمع قال تعالى( أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس ) (٥) ، وقال :( اولئك كتب في قلوبهم الايمان وايدهم بروح منه ) (٦) .
ــــــــــــــــــ
(١) سورة الحجر : ٢١.
(٢) سورة البقرة : ١٦٥.
(٣) سورة آل عمران : ٦٨.
(٤) سورة البقرة : ٢٥٧.
(٥) سورة الانعام : ١٢٢.
(٦) سورة المجادلة : ٢٢.
وفي آية اخرى يزمع تعالى الى كيفية حصول هذا النور فيقول( يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وأمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به ) (١) .
وقد فسر الايمان بالرسولصلىاللهعليهوآله في آية اخرى بالتسليم له واتباعه ، فقال( قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) (٢) .
ووضح الاتباع في آية اخرى ، فقال( الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم اصرهم والاغلال التي كانت عليهم ) (٣) .
واوضح من هذا نجد معنى الاتباع في آية اخرى ايضا حيث يقول :( فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ) (٤) .
فبمقتضى هذه الآية الكريمة البرنامج الكامل الإسلامي هو المتطلبات التي يحتاج اليها من يعيش في الكون ، ونعني
ــــــــــــــــــ
(١) سورة الحديد : ٢٨.
(٢) سورة آل عمران : ٣١.
(٣) سورة الاعراف : ١٥٧.
(٤) سورة الروم : ٣٠.
بها القوانين والشرائع التي تدل عليها الفطرة الإنسانية ، الحياة غير المعقدة التي يحياها الإنسان المستقيم ، كما يقول تعالى في موضع اخر( ونفس وما سواها *فألهمها فجورها وتقواها *قد افلح من زكاها *وقد خاب من دساها ) (١) .
القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي يساوي بين الحياة الإنسانية السعيدة والحياة الفطرية النزيهة ، وهو بعكس جميع الكتب والمناهج الاخرى يجمع بين البرامج الدينية والبرامج الحياتية ، فله رأيه الخاص في الفرد والمجتمع وله كلمته في كل الشؤون ، ودستوره ينظر الى الحقائق الثابتة ( معرفة الله تعالى ـ النظرة الشاملة الى الكون ) بأعمق النظرات.
ان القرآن يصف اولياء الله تعالى وعباده المخلصين بكثير من النعوت والخواص الصورية والمعنوية التي يتحلون بها نتيجة لايمانهم الخالص ويقينهم الثابت ، ويؤسفنا ان هذا الفصل القصير لا يسع لسردها بصورة مفصلة.
معنى حجية اقوال النبي والائمة :
قد ذكرنا فيما سبق ان القرآن نفسه يثبت حجية
ــــــــــــــــــ
(١) سورة الشمس : ٧ ـ ١٠.
اقوال النبيصلىاللهعليهوآله والائمةعليهمالسلام في التفسير.
هذه الحجية واضحة في اقوال النبي والائمة الصريحة والاحاديث قطعية الصدور ، اما الاحاديث غير قطعية الصدور ( المسماة بأخبار الاحاد والتي اختلف المسلمون في حجيتها وعدم حجيتها ) فأمرها يرجع الى المفسر نفسه.
ان السنة يعملون مطلقا بالخبر الواحد الصحيح ، واما الشيعة فالذي ثبت تقريبا عندهم في علم اصول الفقه حجية الخبر الواحد الموثوق الصدور في الاحكام الشرعية ولا يعتبر في غيرها.
ولمزيد التحقيق في الموضوع لا بد من الرجوع الى اصول الفقه.
تنبيه :
على فرض ان يكون « التفسير » بيان محصل مدلول الآية ، تدخل في علم التفسير البحوث التي له تأثير في تفسير الآية. اما البحوث التي لا يكون لها تأثير في معرفة محصل مدلول الآية ـ كبعض البحوث اللغوية والقراءة والبديع وما اشبهها ـ لا تكون هذه البحوث من تفسير القرآن في شيء.
الفصل الثالث
وحي القرآن الكريم
* المسلمون ووحي القرآن
* كتاب العصر والوحي والنبوة
* رأي القرآن في الوحي والنبوة
* حول الملائكة والشيطان والجن
* الإنسان في مسالك الحياة
* ضرورة القانون لرفع الخلافات
* كيفية وحي القرآن
المسلمون ووحي القرآن :
تحدث القرآن الكريم عن الوحي ومنزل الوحي اكثر من غيره من الكتب السماوية المقدسة كالتوراة والانجيل ، وحتى نجد فيه آيات تتحدث عن كيفية الوحي نفسه.
ويعتقد عامة المسلمين(١) في وحي القرآن : ان القرآن بلفظه كلام الله تعالى انزله على النبي محمدصلىاللهعليهوآله بواسطة احد الملائكة المقربين.
هذا الملك الوسيط يسمى بـ « جبرائيل » و « الروح الامين » جاء بكلام الله تعالى الى الرسول في فترات مختلفة بلغت ثلاثاً وعشرين سنة. وكان على الرسول ان يتلو الآيات على الناس ويوقفهم على معانيها ويدعوهم الى ما فيها من المعارف الاعتقادية والآداب الاجتماعية والقوانين المدنية والوظائف الفردية.
وقام الرسول بأداء ما كان عليه نصاً بدون ان يتصرف في مواد الدعوة الالهية او يضيف عليها او ينقص منها او يقدم او يؤخر شيئاً من موضعه الذي وضعه الله تعالى فيه.
ــــــــــــــــــ
(١) هذه العقيدة ناشئة مما يفهم من ظواهر الفاظ القرآن الكريم.
كتاب العصر والوحي والنبوة :
أما الباحثون وكتاب العصر الذين لهم بحوث حديثة في الاديان والمذاهب ، فيعتقدون في وحي القرآن والنبوة انه :
كان نبي الإسلام نابغة عارفاً بالاوضاع الاجتماعية ، وسعى في خلاص البشرية من مهوى الوحشية والانحطاط الخلقي ورفعها الى اوج المدنية والحرية ، فدعا الناس الى اعتناق آرائه الطاهرة التي تجلت بشكل دين جامع كامل.
يقولون : كان النبي يحمل روحاً نزيهة وهمة عالية ، عاش في بيئة يسودها الظلام وتتحكم فيها القوة والاراجيف والهرج الاجتماعي ، وتتسم بحب الذات والسيطرة غير المشروع على الاموال ، وتتجلى فيها كل مظاهر الوحشية المقيتة.
كان النبي في ألم نفسي دائم من هذه البيئة الفاسدة ، فكان كلما بلغت الالام في نفسه الكريمة مبلغها يأوي الى غار في احدى جبال تهامة ، فيبقى فيه اياماً يخلو الى نفسه ، وكان يتوجه بكل حواسه الى السماء والارض والجبال والبحار والاودية والآجام وما وضعته الطبيعة تحت تصرف البشرية من سائر النعم ، وكان يأسف على الإنسان المنهمك في الغفلة
والجهل ، الذي قد ابدل حياته السعيدة الهانئة بحياة نكدة تضاهي حياة الحيوانات الوحشية.
كان النبي الى حوالي اربعين سنة من عمره يدرك تلك المفاسد الاجتماعية ويتألم من جرائها بالالام النفسية ، فلما بلغ الاربعين من عمره وفق الى كشف طريق للاصلاح يمكن بواسطته ابدال تلك الحياة الفاسدة بحياة سعيدة فيها كل معاني الخير ، وذلك الطريق هو « الإسلام » الذي كان يتضمن ارقى الدساتير التي كانت تناسب مزاج ذلك العصر.
كان النبي يفرض ان افكاره الطاهرة هي كلام الهي ووحي سماوي يلقيها الله تعالى في روعه ويتكلم بها معه. كما كان يفرض روحه الخيرة التي تترشح منها هذه الافكار لتستقر في قلبه هي « الروح الامين » و « جبرائيل » والملك الذي ينزل الوحي بواسطته.
وسمى النبي بشكل عام القوى التي تسوق الى الخير وتدل على السعادة بـ « الملائكة » ، كما سمى القوى التي تسوق الى الشر بـ « الشياطين » و « الجن ». وقد سمى ايضا واجبه الذي املاه عليه وجدانه بـ « النبوة » و « الرسالة ».
* * *
الرأي الذي ذكرناه باختصار هو للباحثين المعتقدين بالله تعالى وينظرون الى الدين الإسلامي بنظرة فيها شيء من
الانصاف والتقييم. اما الملحدون الذين لا يعتقدون بالله تعالى فانهم يعتبرون النبوة والوحي والتكاليف الالهية والثواب والعقاب والجنة والنار سياسات دينية بحتة ، وهم يذهبون الى ان هذه كلها اكاذيب قيلت لمصالح خاصة ضرورية في حينها.
يقولون : ان الانبياء كانوا مصلحين جاؤا ببرامج اصلاحية في اطار ديني. ونظرا الى ان الناس كانوا في العصور السالفة منهمكين في الجهل والظلمة والخرافات ، وضع لهم الانبياء النظم الدينية في ظل سلسلة من العقائد الخرافية تتمثل في مسائل المبدأ والمعاد.
ماذا يقول القرآن في الموضوع :
تفسير الوحي والنبوة بالشكل الذي بيناه انما هو لاولئك الباحثين الذين اشتغلوا بالعلوم المادية الطبيعية ، فهم يرون ان ما يوجد في الكون لا بد ان يفسر بالتفسير المادي الطبيعي ، وتنتهي جميع الحوادث والاحداث عندهم الى الاسباب الطبيعية البحتة. ومن هنا فسروا التعاليم السماوية بتفاسير اجتماعية تتفق واتجاههم الطبيعي ، ونظروا الى تلك التعاليم كأحداث ظهرت لتفاعلات اجتماعية خاصة.
فهي أذا تشبه الاحداث التي ظهرت على ايدي بعض
النوابغ امثال الملك كورش وداريوش والاسكندر المقدوني ، فكما لا تفسير لاعمال لو نسبوها الى الله تعالى والاوامر السماوية الا ما مضى فكذا لا تفسير لاعمال الانبياء الا ما ذكروه.
نحن لا نريد هنا البحث عما يتعلق بما وراء الطبيعة ، كما لا نريد ان نقول لهؤلاء الباحثين : ان لكل علم ان يبحث فيما يدخل في اطاره من مسائله الخاصة ، ولا يحق للعلوم المادية التي تختص بشؤون المادة وخواص آثارها ان تبحث عما يتعلق بما وراء الطبيعة نفيا او اثباتا.
لا نريد هذا ، ولكننا نقول : ان التفسير المذكور للوحي والنبوة يجب أن يعرض على الآيات القرآنية التي هي سند نبوة النبي الكريم ، لنرى هل يلتقيان معا أم لا يلتقيان؟
القرآن الكريم صريح في عكس التفسير السابق للوحي والنبوة ولا يلتقي معه في شيء من آياته. ولا بأس ان نقارن هنا مقاطع ذلك التفسير الموهوم مع ما جاء في القرآن ، فنقول :
١ ـ كلام الله تعالى :
يقول التفسير السابق : كان النبيصلىاللهعليهوآله يسمي افكاره الطاهرة التي كانت تنقدح في ذهنه بـ « كلام الله ».
ومعنى هذا التفسير ان تلك الافكار كبقية افكار النبي كانت نتيجة لما تدور في خلده ، ولكنها لما كانت طاهرة ومقدسة نسبت الى الله تعالى ، فيه منسوبة الى النبي بالنسبة الطبيعية ومنسوبة الى الله بالنسبة التشريفية.
ولكن القرآن الكريم يصرح في آيات التحدي بنفي كونه من كلام النبي او اي انسان اخر ، فيقول :( ام يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله ان كنتم صادقين ) (١) .
ويقول :( أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله ان كنتم صادقين ) (٢) .
ويقول :( قل لئن اجتمعت الانس والجن على ان يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً ) (٣) .
ويقول :( وان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا
ــــــــــــــــــ
(١) سورة يونس : ٣٨.
(٢) سورة هود : ١٣.
(٣) سورة الاسراء : ٨٨.
بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله ان كنتم صادقين ) (١) .
ويقول :( أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيراً ) (٢) .
من الواضح البديهي ان هذه التصريحات لا تناسب كون القرآن من كلام الرسول وقد نسب الى الله تشريفا ، بل تثبت قطعا انه من كلام الله تعالى لا غير.
وبالاضافة الى هذا يسرد القرآن في مئات من اياته ما ظهر من المعاجز وخوارق العادة على يد الانبياءعليهمالسلام اثبتوا بواسطتها نبوتهم واستدلوا بها على رسالتهم. فلو كانت النبوة ذلك النداء الوجداني والوحي تلك الافكار الطاهرة ـ كما يقول التفسير المذكور ـ لما احتاج القرآن الى اقامة الحجة تأكيدها على نبوة الانبياء بسرد قصص المعاجز والكرامات.
وقد اوّل بعض الكتاب هذه المعاجز الصريحة بشكل مضحك ، الا ان كل واحد من القراء عندما يراجع ما قالوه في تأويلاتهم يرى ان مدلول الآيات القرآنية لا يتفق مع ما ذهبوا اليه من الآراء الخاطئة.
لا نريد في هذا البحث اثبات امكان تحقق المعجزة
ــــــــــــــــــ
(١) سورة البقرة : ٢٣.
(٢) سورة النساء : ٨٢.
وخوارق العادة ، او التأكيد على صحة القصص القرآنية. بل نحاول القول بأن القرآن اثبت صريحا للانبياء السابقين كصالح وابراهيم وموسى وعيسىعليهمالسلام معاجز خاصة ، ولا يمكن حمل هذه القصص الا على خوارق للعادة. ولا نحتاج ـ كما قلنا ـ الى المعاجز في اثبات النداء الوجداني والفكر الطاهر.
٢ ـ جبرائيل والروح الامين :
يسمى التفسير السابق روح الرسول الطاهرة التي كان دأبها طلب الخير والاصلاح الاجتماعي بـ « الروح الامين » ، ويسمى ما تلقيه الروح الزكية في روعه المبارك بـ « الوحي ».
ولكن القرآن الكريم لا يؤيد ما ذهب اليه هؤلاء ، لانه يصرح بأن وسيط الوحي يسمى بـ « جبرائيل » ، وعلى التفسير المذكور لا موجب لهذه التسمية بتاتاً. يقول تعالى :( قل من كان عدواً لجبريل فانه نزله على قلبك باذن الله ) (١) .
نزلت هذه الآية في اليهود الذين سألوا الرسولصلىاللهعليهوآله عمن يأتيه بالوحي ، فأجابهم انه جبرائيل الملك ، قالوا : ذاك عدونا من الملائكة ولو كان ميكائيل لاتبعناك(٢) .
ــــــــــــــــــ
(١) سورة البقرة : ٩٧.
(٢) الدر المنثور ١ / ٩٠ ، ونور الثقلين ١ / ٨٧ ـ ٨٩ ، وغيرهما.
يرد الله تعالى في هذه الآية على اليهود ، ويؤكد بأن جبرائيل انما جاء بالوحي باذن منه عز شأنه ، فيثبت بأن القرآن من كلام الله تعالى وليس من كلام جبرائيل.
وواضح بأن اليهود كانوا اعداءاً لملك سماوي كان يأتي بالوحي من السماء ، وكان ذلك الملك غير موسى بن عمران ومحمد بن عبد الله صلى الله عليهما ، كما انه لم يكن روحيهما الطاهرة.
والقرآن نفسه الذي صرح في الآية المذكورة ان وسيط الوحي هو جبرائيل ، صرح في آية اخرى انه الروح الامين فقال :( نزل به الروح الامين على قلبك ) (١) .
ويقول تعالى في موضع اخر بصدد التعريف بوسيط الوحي :( انه لقول رسول كريم *ذي قوة عند ذي العرش مكين *مطاع ثم امين *وما صاحبكم بمجنون *ولقد رآه بالافق المبين ) (٢) .
وهذه الآيات تدل دلالة واضحة على ان جبرائيل من الملائكة المقربين عند الله تعالى ، وهو ذو قوة عظيمة ومنزلة رفيعة وهو المطاع الامين.
ــــــــــــــــــ
(١) سورة الشعراء : ١٩٣.
(٢) سورة التكوير : ١٩ ـ ٢٣.
ويصف الملائكة المقربين في موضع آخر بقوله :( الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ) (١) .
تدل الآية على ان الملائكة موجودات لهم ارادتهم ومداركهم واستقلالهم ، لان الاوصاف المذكورة فيها ـ كالايمان بالله والتسبيح له واستغفار للمؤمنين ـ لا تتوفر الا فيمن يتم له الاستقلال الكامل والمدارك التامة والارادة الخاصة.
ويقول تعالى في الملائكة المقربين ايضا :( لن يستنكف المسيح ان يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم اليه جميعاً ) الى ان يقول :( واما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذاباً اليماً ولا يجدون لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً ) (٢) .
ان المسيح والملائكة المقربين لا يعصون الله طرفة عين ، ولكن مع ذلك هددهم تعالى بالعذاب الاليم لو تلبسوا بالمعصية ، والتهديد من عذاب يوم القيامة المتفرع على ترك نوع من التكليف لا يصح الا بالاستقلال واردة.
ويتضح من الآيات المذكورة ان الروح الامين ـ الذي
ــــــــــــــــــ
(١) سورة المؤمن : ٧.
(٢) سورة النساء : ١٧٣.
يسمى جبرائيل ايضا وهو الذي يأتي بالوحي الالهي ـ له استقلاله وارادته ومداركه ، بل يستفاد من خلال آيات سورة التكوير « مطاع ثم امين » انه يأمر وينهي في الملأ الاعلى وتطيعه الملائكة المقربون ، بل نرى في بعض الاحيان ان الوحي ربما يأتي على يد ملائكة يأتمرون بأوامره ، كما تشير الى ذلك الآيات الواردة في سورة عبس( كلا انها تذكرة *فمن شاء ذكره *في صحف مكرمة *مرفوعة مطهرة *بأيدي سفرة *كرام بررة ) (١) .
٣ ـ الملائكة والشياطين :
يؤكد التفسير السابق ان « الملائكة » اسم للقوى الطبيعية الداعية الى الخير والسعادة ، « والشياطين » اسم للقوى الطبيعية الداعية الى الشر والشقاء.
ولكن المستفاد من القرآن الكريم خلافه ، فانه يعتبر الملائكة والشياطين مخلوقات لا تدرك بالحواس الظاهرية الا ان لها وجودا خارجيا وهي ذات اداراك واردة مستقلة.
اما الملائكة فقد نرى التصريح في الآيات الماضية بأنها موجودات مستقلة مؤمنة تصدر منها اعمال تحتاج الى الارادة والادراك ، وفي القرآن كثير من امثال هذه الآيات لا يسع البحث سردها كلها
ــــــــــــــــــ
(١) سورة عبس : ١١ ـ ١٦.
واما الشياطين فقصة ابليس وعدم سجوده لادمعليهالسلام والمحاورات التي جرت بينه وبين الله تعالى مذكورة في عدة مواضع من القرآن ، فقد قال بعد ان اخرج من صفوف الملائكة( لاغوينهم اجمعين *الا عبادك منهم المخلصين ) ، فقال تعالى له :( لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم اجمعين ) (١) .
وغير خفي ان الجزاء والعقاب لا يصح الا للمريد الذي يدرك الحسن والقبح ، ومعنى هذا ان الشياطين لها كامل الادراك والارادة.
وفي آية اخرى نرى ان الله تعالى وصف ابليس بالظن الذي هو من مصاديق الادراك ، فقال :( ولقد صدق عليهم ابليس ظنه فاتبعوه الا فريقا من المؤمنين ) (٢) .
ويصرح في آية اخرى بأن ابليس يدفع اللوم عن نفسه ، وهذا لا يكون الا ممن يدرك ، وله الارادة التامة ، فيقول تعالى :( وقال الشيطان لما قضي الامر ان الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان الا ان دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا انفسكم ) (٣) .
ــــــــــــــــــ
(١) سورة ص : ٨٣ ـ ٨٥.
(٢) سورة سبأ : ٢٠.
(٣) سورة ابراهيم : ٢٢.
ان هذه الآيات الكريمة وآيات اخرى بمضمونها تثبت للشيطان صفات لاتتم الا مع الادراك والاستقلال في الارادة ، وهي لا تتفق مع القوى الطبيعية التي لا تتوفر فيها هذه الصفات البتة.
الجن :
وردت آيات كثيرة في القرآن الكريم حول الجن اكثر مما ورد حول الملائكة والشياطين ، ففي آية يصف الله تعالى فيها اولئك الذين لم يستمعوا الى دعوة آبائهم وامهاتهم ونسبوا الدين الى الاساطير يقول :( اولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والانس انهم كانوا خاسرين ) (١) .
ويقول تعالى في موضع اخر :( واذ صرفنا اليك نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا انصتوا فلما قضي ولوا الى قومهم منذرين *قالوا يا قومنا انا سمعنا كتاباً انزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي الى الحق والى طريق مستقيم *يا قومنا اجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب اليم *ومن لا يجب داعي الله
ــــــــــــــــــ
(١) سورة الاحقاف : ١٨.
فليس بمعجز في الارض وليس له من دونه اولياء اولئك في ضلال مبين ) (١) .
تدل هذه القصة على ان الجن كالانس لهم وجود مستقل وارادة وتكليف ونجد ايضا في الآيات التي تصف احوال القيامة ما يدل على ما نستفيده من هذه الآيات الكريمة.
٤ ـ صرخة الضمير :
يستفاد من التفسير المذكور سابقا ان النبوة والرسالة هي صرخة الضمير للاصلاح الاجتماعي العام الشامل ، والسعي في رفع المساوىء الاجتماعية وابدالها بما يضمن للمجتمع السعادة والرفاه.
ولكن المستفاد من القرآن الكريم خلاف هذا المعنى ، فانه يقول :( ونفس وما سواها *فألهما فجورها وتقواها ) (٢) .
ومعنى هذا ان كل انسان يعرف اعماله الحسنة والسيئة بما اوتي من صفاء الضمير فيدرك به صرخة الوجدان الاصلاحية ، الا ان هناك من يهتم بهذه الصرخة فيصبح من السعداء ومن لا يعتني بها فيعود من الاشقياء ، كما قال تعالى :
ــــــــــــــــــ
(١) سورة الاحقاف : ٢٩ ـ ٣٢.
(٢) سورة الشمس : ٧ ـ ٨.
( قد افلح من زكاها *وقد خاب من دساها ) (١) .
فلو كانت النبوة والرسالة اثراً من تلك الصرخة لكانت عامة في الناس مودعة في كل الضمائر ، وكان جميع الناس انبياء رسلاً ، مع العلم انا نجد ان الله تعالى يختص بعض عباده بهما فيقول :( واذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما اوتي رسل الله الله اعلم حيث يجعل رسالته ) (٢) .
تدل الآية الكريمة على ان الكفار كانوا يشترطون لايمانهم عمومية الرسالة ليكون لهم حصة منها ، فيرد عز شأنه عليهم مثبتاً ان الرسالة خاصة بفئة مختارة.
٥ ـ حول التفسير الثاني :
لقد كررنا القول اننا لا نحاول في هذه البحوث المختصرة اثبات ان الدين الإسلامي حق ودعاوى الرسولصلىاللهعليهوآله صدق ، بل نريد ان نذكر ان تفسير اولئك الباحثين الوحي والنبوة والرسالة بما فسروه به خاطىء لا يطابق ما جاء في القرآن العظيم ، فنقول بصدد التفسير الثاني :
ــــــــــــــــــ
(١) سورة الشمس : ٩ ـ ١٠.
(٢) سورة الانعام : ١٢٤.
يحاول التفسير الثاني ان يفسر الاصول الاعتقادية التي اتى بها الرسول بأنها مجموعة من العقائد الخرافية التي القيت على الناس بشكل دين سماوي ، ذلك لان الناس كانوا في جهل وامية ولو تتوفر فيهم الثقافة والعلم فلم يمكن اصلاحهم الا من هذا الطريق. كانت هذه التعاليم الخرافية من صالح الناس ، وكان من الضروري ان يلقى عليهم بهذا اللون العقائدي الذي يحفه الخوف من الله ورجاء الجزاء في العالم الاخر ووجود الجنة والنار والحساب والكتاب ، ولولا هذا اللون المزيج بالخرافة لما امكن اصلاحهم بما ينجيهم من واقعهم الاليم.
نقول : اننا لا نعلم الشيء الكثير عن حياة الانبياء الماضينعليهمالسلام ، الا ان حياة الرسولصلىاللهعليهوآله مدروسة بصورة واضحة جلية ، ويتبين من خلالها للمراجع الدقيق انه عليه الصلاة والسلام كان شديد الايمان بدعوته وكان يطمئن الى صحتها كامل الاطمئنان. فلو كانت العقائد الإسلامية خرافية ـ كما يزعمون ـ لم يكن هناك حاجة الى مثل هذه الادلة الكثيرة التي يقيمها القرآن الكريم عليها ، كأدلة اثبات الصانع وتوحيده تعالى وبقية الصفات الالهية وسائر العقائد العائدة الى موضوع النبوة والمعاد وغيرهما.
٦ ـ ماذا يقول القرآن في الوحي والنبوة :
ملخص ما نستفيده من الآيات الكريمة انها تعتبر القرآن
كتاباً سماوياً ألقي الى الرسول من طريق الوحي ، والوحي هو كلام سماوي ( غير مادي ) ليس للحواس الظاهرية والعقل ان تصل اليه ، بل ربما يوجد في بعض من يختاره الله تعالى ما يدرك بواسطة قوى ربانية الاوامر الالهية والدستور الغيبي ( غير المحسوس بالعقل والحواس الاخرى ) ، وهذه الحالة هي من حالات النبوة وبها يتلقى النبي الشريعة الالهية.
ولزيادة توضيح هذا الموضوع يجب ان ندرس النقاط التالية :
أ ـ الهداية العامة وهداية الإنسان :
لقد ذكرنا في مباحث سابقة بصورة موسعة ان لكل موجود في هذا الكون ـ من الاحياء والجمادات وغيرهما ـ هدفاً يتوجه الى تحقيقه منذ اول خلقته ، وقد اودع فيه ما يناسب تحقيق هدفه من الالات والمعدات ، ولا بد ان يجتهد حتى يصل الى ذلك الهدف ويناله ، قال تعالى :( ربنا الذي اعطى كل شيء خلقه ثم هدى ) (١) وقال :( الذي خلق فسوى *والذي قدر فهدى ) (٢) .
وقد ذكرنا ايضاً ان هذا القانون الكلي ( قانون الهداية
ــــــــــــــــــ
(١) سورة طه : ٥٠.
(٢) سورة الاعلى : ٢ ـ ٣.
العامة ) يشمل الإنسان كما يشمل غيره ، فله في حياته هدفه الخاص الذي يسعى الى تحقيقه ضمن الاطار العام ، وقد اودع فيه ما يمكّنه من الوصول اليه والحصول عليه ، ونجاحه في مسيرته الطويلة في اطار هذا القانون هو الوصول الى الكمال والسعادة ، كما ان اخفاقه في هذه المسيرة هو الانزلاق في مهوى الشقاء الابدي. وخلقته والاسرار المودعة فيه هي التي تدله على طريق الوصول الى ذلك الهدف السامي ، قال تعالى :( انا خلقنا الإنسان من نطفة امشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيراً *انا هديناه السبيل اما شاكراً واما كفوراً ) (١) .
وقال عز من قائل :( من نطفة خلقه فقدره *ثم السبيل يسره ) (٢) .
ب ـ ميزة الإنسان في قطع مسالك الحياة :
تمتاز الحيوانات على غيرها من سائر الموجودات ان اعمالها علمية تصدر عن فهم وادراك ، والإنسان مع انه يشارك الحيوانات في هذه الناحية يمتاز عنها بما اوتي من العقل فان الاعمال التي ينجزها تنبع من العقل ، وهو يميز الخير من
ــــــــــــــــــ
(١) سورة الدهر : ٢ ـ ٣.
(٢) سورة عبس : ١٩ ـ ٢٠.
الشر والنافع من الضار ، ويعملها بعد ان يتأكد من رجحان كفة المنافع فيها ، ويتبع فيها ما يدركه عقله ويرى ان فيه مصلحة له ، فما يراه العقل نافعا ليس فيه ما يضر يحكم بلزوم القيام به ، وما يراه ضارا ليس فيه ما ينفع يحكم بوجوب الاجتناب عنه(١) .
ج ـ كيف يكون الإنسان اجتماعياً؟
لا شك ان الإنسان كان ولا يزال يعيش بصورة جماعية ويشكل مع الاخرين مجتمعاً مرتبطاً بعضه ببعض ويقضي حوائجه بالتعاون مع اخيه الإنسان ، ولكن هل هذا التعاون والترابط الاجتماعي هو مقتضى طبيعته الاولية وسجيته الساذجة التي تدفعه الى ان لا يعيش وحده بل يتعاون مع بني نوعه؟
لقد نرى ان للانسان حاجات حسب طبيعته البشرية ، وله عواطف ومدارك خاصة تدفعه الى ان ينجز ما يحتاج اليه
ــــــــــــــــــ
(١) نريد من حكم العقل ادراك ضرورة الفعل او الترك ، اما الدعوة الى فعل ما او تركه انما هو من عمل العاطفة التي يسوقها العقل اليه ، وهو الذي يميز بين النفع والضرر. نعم لما كانت هذه الادراكات اعتبارية فالحكم فيها واحد لا يختلف ـ فليلاحظ ملاحظة دقيقة.
بالاجهزة التي جهز بها ، وفي هذه الحاجة لا يشعر بما يحتاج اليه الاخرون ايضا.
يستخدم الإنسان كل شيء للوصول الى مآربه وما يحتاج اليه ، فيستعين بكل بسيط ومركب لقضاء ما لا بد منه ، يستفيد من النباتات والاشجار الصغيرة والكبيرة ، ويسيطر على الحيوانات وما تدره من الخيرات كل ذلك ليرفع بها ما يشعر به من النواقص الحياتية ويسد بها ما يتجدد من الخلل في عيشه.
الإنسان الذي هذا دأبه ويستخدم كل ما يجده لمصالحة هل يستفيد من نتائج وجوده. هذا الإنسان الذي يحترم اخاه الإنسان في الظاهر هل يخلص التعاون معه ويصرف نظره عن مصالحه الشخصية للمصالح الإنسانية العامة؟
لا ، ليس هكذا
بل الإنسان يحس بما تطلبه الحياة منه من الحاجات المعاشية الكثيرة ، ويعلم انه وحده لا يتمكن من انجازها ، بل يعلم انه بحاجة الى من يساعده في قضاء حوائجه من ابناء نوعه
ولكن من جهة اخرى يلاحظ ان الاماني التي تدور في خلده تراود اذهان الاخرين ايضا ، فيسعون في تحقيق مصالحهم كما يسعى هو في تحقيق مصالحه.
ههنا وعندما يحس بهذه الحقيقة يرضخ للتعاون الاجتماعي ، فيتنازل عن بعض منافع جهده لرفع ما يحتاج اليه بنو نوعه كما انه يستفيد من جهة اخرى من جهد غيره لمصالحه الخالصة. وفي الحقيقة يدخل في سوق الاخذ والعطاء الاجتماعي القائم في كل الاعصار والادوار ليأخذ منه ما يحتاج اليه في مسيرته الحياتية
ان ما ينتج من الجهد الاجتماعي والعمل المشترك كأنه يختلط بعضه ببعض ، فيأخذ كل واحد من افراد المجتمع حسب وزنه الاجتماعي ، اي بمقدار قيمة العمل الذي يقوم به ، له حصة من تلك النتيجة يصرفها فيما يحتاج اليه من الحاجات المعاشية.
* * *
يتضح مما سبق ان الإنسان بمقتضى طبيعته في طلب مصالحه الشخصية ، يستخدم الاخرين لاستثمارهم فيما يعود اليه بالنفع ، ولا يرضخ للتعاون الاجتماعي الا اذا اضطر اليه اضطراراً.
ان هذه حقيقة تتجلى واضحة في دراسة حياة الاطفال ، فان الطفل يريد الحصول على ما يشتهيه جزافاً وبدون قبول اي توجيه ، ويؤكد طلبه بالبكاء والالحاح لو لم يوفق الى الحصول عليه. وكلما تقدم في السن يقترب الى الحياة
الاجتماعية ويتعرف على ما يفرضه عليه الخضم الاجتماعي ، فيبتعد تدريجا عن القول جزافا والطلب غير الوجيه ، وهكذا تتبدل به الاحوال حتى ينسى الى حد ما مطاليبه الجزافية.
وشاهد آخر : اننا نرى ان انسانا ما لو اوتي قدرة فوق قدرة المجتمع المحيط به لم يلتزم بما يتطلبه منه من التعاون الاجتماعي ، بل يحاول بكل امكاناته استخدام الناس ليستثمر جهدهم بدون اي تعويض.
يشير تعالى الى التعاون الاجتماعي المذكور بقوله :( نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخرياً ) (١) .
الآية الكريمة تشير الى حقيقة التعاون الاجتماعي ، وان كل واحد من افراد البشر يفوق على غيره في جانب من الجهد المشترك ، فكل فرد من المجتمع له قابلية خاصة يستثمر الاخرين بواسطتها ، فهم وحدة اجتماعية متشابكة كالسدى واللحمة بالنسبة الى الثوب.
ويقول تعالى :( ان الإنسان لظلوم كفار ) (٢) .
ويقول أيضا :( انه كان ظلوماً جهولاً ) (٣) .
ــــــــــــــــــ
(١) سورة الزخرف : ٣٢.
(٢) سورة ابراهيم : ٣٤.
(٣) سورة الاحزاب : ٧٢.
الايتان تشيران الى الغريزة الطبيعية المودعة في الإنسان الذي يستخدم بواسطتها اخاه الإنسان ويظلمه ويبتز منه ثمرات جهده واتعابه.
د ـ الاختلافات وضرورة القانون :
اضطر الإنسان ان يتقبل النظام الاجتماعي لاغراضه التي لا يمكن الوصول اليها بدونه ، ولذا ربما يتنازل عن بعض ما له من الحرية لضمان حريات الاخرين. ولكن لا يكفي مجرد وجود التعاون الاجتماعي مع ما نراه من الاختلافات الطبقية وعدم التوازن في الاستغلال والاستثمار وشدة الفروق الكبيرة في القوى الروحية والجسدية. وقد نرى ايضا ان المنافع التي ينتظر ان تكون سببا لاصلاح الفرد والمجتمع ، اصبحت هي بنفسها سببا لظهور انواع الخلافات والمشاجرات.
من هنا يعلم الحاجة الى سلسلة من المقررات المشتركة التي يتفق افراد المجتمع على اقرارها والتسليم لها ، فان من البديهي المسلم ان معاملة ما ـ مهما كانت صغيرة وبسيطة ـ لا بد فيها من مقررات مشتركة بين البائع والمشتري حتى تتحقق المعاملة بالشكل المرضي على ضوء تلك المقررات.
فاذن لا محيص من قوانين خاصة ، يسري مفعولها على
كل الافراد ، ليبقى المجتمع متماسكاً لا يتسرب اليه التفكك وليحفظ بها المنافع والمصالح.
ولهذا نجد المشرع الاول الذي يريد هداية الإنسان الى الصراط المستقيم وما فيه الحق ، وضع القوانين التي تضمن للمجتمع الإنساني سعادة الدنيا والاخرة ، ودعا الناس الى اتباعها وتحقيقها في حياتهم اليومية.
قال تعالى :( من نطفة خلقه فقدره *ثم السبيل يسره ) (١) .
هـ ـ لا يكفي العقل في هداية الإنسان الى القانون :
مهما كانت هذه الهداية وكيفما تحققت فهي من الفيض الرباني ، لانه تعالى هو الذي خلق الخلق وجعل له هدفا في مسيرته الحياتية تضمن سعادته ، وهو الذي ارشده الى الهداية العامة التي من ضمنها هدايته.
وواضح انه لا يسري الخطأ والتناقض في افعال الله عز وجل ، فلو لم ينتج سبب الهدف الخاص به او ينحرف عنه فليس ذلك من ذنب السبب ، بل هو مستند الى تأثير السبب او الاسباب الاخرى التي منعت الوصول الى ذلك الهدف او الانحراف عنه ، فان السبب الواحد لا يصدر منه الامور
ــــــــــــــــــ
(١) سورة عبس : ١٩ ـ ٢٠.
المتضادة والمتناقضة ولا يخطأ ولم ينحرف لولا مزاحمة الاسباب.
من هنا يتبين ان العقل وحده لا يمكنه هداية الانسان الى القانون ، لانه هو الذي يدعو في بعض الاحيان الى الاختلاف ، وهو الذي يوقظ غريزة الاستثمار وجلب النفع بصورة مطلقة وبحرية كاملة ، وهو الذي يضطر الى ان يتقبل المجتمع المجتمع المتوازن ، كل ذلك لما يحس به من المزاحم الذي يزاحمه.
ومن البديهي ان القوة الواحدة لا يصدر عنها اثرين متناقضين ـ احداث الاختلافات ورفعها.
ان ما يحدث من سحق الحقوق وعدم الوفاء بالوعود وما اشبه هذا من الامور ، انما يحدث من العقلاء الذين لهم الادراك الكامل ، ولولا العقل لما صح عدما يفعلونه ذنباً ولما صح العقاب عليه. فلو كان العقل يدل حقا على القوانين الرافعة للاختلاف ولم يكن يتخلف عن واجبه ، لما كان يرضى بما يصدر عن الانسان مما ذكرناه ، بل كان يمنع منه اشد المنع.
العامل الاصلي في التخلي عن الواجب مع وجود العقل ، هو ان العقل يضطر الى الحكم بقبول مجتمع يحافظ على التوازن ويرعى القوانين المتضمنة للعدالة الاجتماعية ، ويوجد هناك مزاحم يحد من الحرية الكاملة في العمل ، ولولا وجود
المزاحم لما كان العقل يحكم برعاية التعاون والعدالة الاجتماعية.
المتخلفون عن القانون هم الذين يملكون قدرة فوق القدرة المجربة لذلك القانون ، فيتخلفون عنه بلا وجل ولا خوف ، او الذين يلجأون الى مخبأ يصعب الوصول اليهم لبعدهم عن القوة المجرية ، او كونهم في مكان حريز غفل عنهم المراقبون ، او يتخلفون عنه لاعذار تخيلوها في اذهانهم ليظهر اعمالهم بمظاهر قانونية ، او ينتهزون ضعف من يستثمرونه لمصالحهم وعلى كل حال لا يجدون من يزاحمهم او يضايقهم ، او يزاحمهم ويضايقهم من هو اضعف منهم ولا يملك القوة الكافية لمقاومتهم وسحقهم. ففي هذا الموضوع ليس للعقل حكم خاص ، وهو لا يجد شيئا من الحرية المطلقة ، ويدع غريزة الاستخدام والاستمثار بحالها.
فاذن ليس في نطاق العقل وحده ان يرشد الى قانون اجتماعي تام يضمن نفع المجتمع والفرد بشكل عادل ، لان العقل يدفع الى رعاية مثل هذا القانون لو لم يجد مزاحماً ، فاذا وجد مزاحما يمنعه عن حريته المطلقة ، يمتنع هو بدوره عن هذا الدفع ، بل ربما يحكم بخلافه.
قال تعالى :( كلا ان الانسان ليطغى *ان رآه استغنى ) (١) .
ــــــــــــــــــ
(١) سورة العلق : ٦ ـ ٧.
من انواع الاستغناء ، الاستغناء عن التعاون الاجتماعي ورعاية القانون في حفظ حقوق الاخرين.
و ـ لا تكون الهداية الا بالوحي :
لقد علمنا من المباحث السابقة ان الانسان كبقية الموجودات له هدف ذاتي خاص يضمن سعادته ، ولما كان حسب تكوينه محتاجا الى الحياة الاجتماعية فسعادته وشقاؤه في سعادة المجتمع وشقائه ، وهو جزء واحد من الهيكل الاجتماعي ولا بد ان يجد سعادته وحسن عاقبته في سعادة المجتمع.
وعلمنا ايضا ان الطريق الوحيد للحصول على ضالته المنشودة هو ( القانون المشترك ) الذي فيه السعادة الاجتماعية التي بضمنها سعادة الفردية.
وتبين ايضا ضرورة هداية الانسان كسائر الاشياء الى ذلك الهدف الذي يشتمل على سعادته ، وارشاده الى المقدمات الموصلة اليه. ومعنى هذا انه يجب ان يدل الى القانون المشترك الذي يلزم مراعاته.
من كل هذه المقدمات نستنتج انه لا بد للانسان من ادراك يدله على هدفه غير الادراك العقلي والطريق الوحيد الذي نعرفه
غير طريق العقل هو ما نجده في اشخاص يسمونهم بـ « الانبياء » ومبعوثي الاله ، وهو الذي يسميه الانبياء بـ « الوحي السماوي » ويقيمون على اثبات مدعاهم الادلة والحجج.
قال تعالى :( كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ) (١) .
ويقول :( انا اوحينا اليك كما اوحينا الى نوح والنبيين من بعده ) الى ان يقول( رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) (٢) .
الاية الاولى تصرح بأن لا يمكن حل الاختلافات الا من طريق الوحي والنبوة ، والاية الثانية تعتبر الوحي والنبوة الدليل الوحيد لاتمام الحجة على العباد. ولازم هاتين الايتين ان العقل لا يكفي لان يكون دليلاً للهداية واتمام الحجة. بمعنى ان الانبياء لو لم يبعثوا ولم يبلغوا الاحكام الالهية ، لم
ــــــــــــــــــ
(١) سورة البقرة : ٢١٣.
(٢) سورة النساء : ١٦٥.
يكن مجرد ان الناس عقلاء يدركون قبح الظلم والفساد موجبا للعقاب في العالم الاخر بدون بعث الانبياء وبيان الاحكام الالهية.
ز ـ اشكال وجواب :
الاشكال : انكم جردتم العقل عن قابلية وضع القوانين والارشاد الى السعادة النوعية بحجة انه لا يمكنه منع الناس عن المخالفات التي تصدر منهم ، وسلمتم القياد الى الوحي والنبوة لوضع الدستور الصالح الذي يتكفل اسعاد البشرية. ولكن نرى ان قوانين الوحي ايضا لا تتمكن من السيطرة التامة على الانسان وضبطه ، بل نرى انه يبتعد عن الاديان والشرائع اكثر مما يبتعد عن القوانين الوضعية؟!.
الجواب : اراءة الطريق والهداية الى السعادة شيء ومتابعة الناس لتلك الهداية واتباعهم ذلك الطريق او عدم متابعتهم واتباعهم شيء اخر. فان الذي يقتضيه قانون الهداية العامة هو ارشاد الناس وهدايتهم الى وسيلة توصلهم الى دستور يضمن سعادتهم ، وليس من واجبها الالزام العملي بالاتباع.
والذي استدللنا به على عدم كفاية العقل من التخلفات القانونية التي تنجم عن الحرية التامة في التصرف ، لمن يكن هذا الاستدلال لان العقل لم يحد بعض هذه الحرية في قضايا
خاصة ، بل لانه ليس له حكم بات في هذه الحرية المطلقة ، ولم يدع الى التعاون الاجتماعي التام واتباع القانون ، لان ما قام به من بعض التحديد والدعوة الى اتباع القانون انما كان نتيجة الضغط والضرورة المتأتية من المزاحم الذي يمنع عن حرية التصرف ، وهو علمه بأن مساوىء الحرية المطلقة في التصرف اكثر من محاسنها. وبديهي ان العقل لو لم يقع تحت هذا الضغط ولم يكن هناك مزاحم ومانع عن الحرية في التصرف ، لم يحد عن الحرية المطلقة ولم يدع الى اتباع القانون الذي هو بدوره تحديد للحرية.
فاذا لاننا لا نرى العقل دائما يدعو الى اتباع القانون نقول بأنه وحده لا يكفي للهداية ، بل نقول بضرورة اتباع الانبياء والرسل ، لان الوحي دائم الدعوة الى السير على ضوء القانون الالهي الذي يراقب الانسان في كل حالاته ، فيثيب المحسن على احسانه ويعاقب المسيء على اساءته بدون تمييز بعض على بعض.
قال تعالى :( ان الحكم الا لله ) (١) .
وقال :( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره *ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ) (٢) .
ــــــــــــــــــ
(١) سورة يوسف : ٤٠.
(٢) سورة الزلزال : ٧ ـ ٨.
وقال :( ان الله يفصل بينهم يوم القيامة ان الله على كل شيء شهيد ) (١) .
وقال :( اولا يعلمون ان الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ) (٢) .
وقال :( وكان الله على كل شيء رقيباً ) (٣) .
ومن هنا يتبين ان الدين السماوي الذي يؤخذ من طريق الوحي هو اقدر من القوانين الوضعية في تحديد المتخلفين عن الاتباع ، لان آخر ما يتشبث به القانون الوضعي انه يجعل مراقبين على اعمال الناس الظاهرة ويضع للمجرم منهم مواد جزائية يعاقبون بها.
اما الدين فله : اولا مراقبون على الاعمال الظاهرة كما القانون الوضعي ، وثانيا فريضة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر التي تجعل كل واحد من الناس مكلفا بمراقبة اعمال البقية ، وثالثاً من العقائد الدينية ان الاعمال كلها تحفظ وتضبط ليوم يجمع الناس في مجمع عام ويحاسبون عليها الحساب الدقيق ، ورابعاً ـ وهو اهمها واعظمها ـ الاعتقاد بأن
ــــــــــــــــــ
(١) سورة الحج : ١٧.
(٢) سورة البقرة : ٧٧.
(٣) سورة الاحزاب : ٥٢.
الله تعالى محيط بالكون وما فيه وهو يعلم ويرى كل الاعمال الصادرة من الانسان.
وبالاضافة الى المواد الجزائية التي يجازى بها المجرمون في الدنيا ، فان من جملة العقائد الدينية ان في الاخرة ايضا موادا جزائية وضعت للمتخلفين عن الاوامر الالهية ، ولا يستثنى منها احد ابداً.
قال تعالى :( اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم ) (١) .
وقال :( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) (٢) .
وقال :( وان عليكم لحافظين *كراماً كاتبين *يعلمون ما تفعلون ) (٣) .
وقال :( وربك على كل شيء حفيظ ) (٤) .
* * *
اشكال آخر : نستنتج مما مضى ان العقل لا يحكم دائماً
ــــــــــــــــــ
(١) سورة النساء : ٥٩.
(٢) سورة التوبة : ٧١.
(٣) سورة الانفطار : ٩ ـ ١١.
(٤) سورة سبأ : ٢١.
بضرورة رعاية القانون واجتناب التخلف عنه ، وهذا ينافي ما ورد عن ائمة اهل البيتعليهمالسلام في احاديث ان لله تعالى على العباد حجتين ظاهرية وباطنية هما النبي والعقل ، لان العقل ليس له حكم قاطع في موارد تخلف الانسان عن بعض واجباته فكيف يكون حجة عليه؟.
الجواب : العقل العملي يدعو دائما الى ما ينفع والاجتناب عما يضر ، ولكن الانسان المستثمر عندما يرضخ للتعاون الاجتماعي وتبادل الجهد المشترك انما يفعل ذلك اضطراراً ، ومنشأ الاضطرار هو القدرة التي يملكها ويستثمر بها بحرية تامة جهود الاخرين او القوة التي تقع في يد من يضع القوانين. وغير ذلك من الاسباب التي فصلناها قبل هذا. في هذه الحالة لو لم تكن قوانين خاصة تحد من هذه القوة والقدرة ، لا يحكم العقل في نفسه بلزوم اتباع القوانين ، كما لا ينهي عن تخلف الانسان عن القوانين ونقضه لها.
ولكن لو رجعنا الى نظرية الوحي ، وكان منشأ الاضطرار المذكور هو الحكم الالهي ومراقبة الاعمال والعقيدة بالثواب والعقاب والجزاء وانها كلها بيد الله تعالى المنزه عن الغفلة والجهل والعجز. في هذا الوقت لم يكن مكان للعقل حتى يتخلى عن الحكم لعدم احساسه بالاضطرار ، فلا بد ان يتبع العقل الوحي في احكامه.
قال تعالى :( افمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ) (١) .
وقال :( ان كل نفس لما عليها حافظ ) (٢) .
وقال :( كل نفس بما كسبت رهينة ) (٣) .
ح ـ لا يتسرب الخطأ الى الوحي :
لقد سبق ان من سنن الكون تعليم برامج الحياة الاجتماعية من طريق الوحي ، وتبين ايضا ان الخلقة لا تخطأ في اعمالها ، فالمواد الدينية السماوية التي علم الانسان بها من طريق الوحي لا يتسرب اليها الخطأ على طول الخط. قال تعالى :( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً *الا من ارتضى من رسول فانه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً *ليعلم ان قد ابلغوا رسالات ربهم واحاط بما لديهم واحصى كل شيء عدداً ) (٤) .
من هنا نعرف ان الانبياء رسل الله يجب ان يكونوا
ــــــــــــــــــ
(١) سورة الرعد : ٣٣.
(٢) سورة الطارق : ٤.
(٣) سورة المدثر : ٣٨.
(٤) سورة الجن : ٢٦ ـ ٢٨.
معصومين اي لا يخطأون في تلقي الوحي من العالم العلوي وفي ابقاء وفي تبليغ ما تعلموه. لانهمعليهمالسلام الواسطة في الهداية العامة التي يسير الخلق اليها بطبيعة خلقتهم ، فلو اخطأوا في التلقي او الابقاء او التبليغ او خانوا لوسائس شيطانية او نفسية او اذنبوا ذنبا ما ، فيكون نتيجة كل هذا الخطأ منعكسة في سنة الكون الدالة على الهداية العامة ، وهذا لا يكون ابداً. قال تعالى :( وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ) (١) .
ط ـ حقيقة الوحي مخفية علينا :
ما استنتجناه من الابحاث السابقة هو ان حياة الانسان مقدمة للوصول الى سعادته النوعية ، ووظيفة الارشاد اليها على عاتق الخلقة ولا يمكن الوصول اليها من طريق العقل ، فلا بد من طريق غير العقل يتمكن الانسان من معرفة واجبه في الحياة بدلالته ، وهذه الدلالة هي دلالة الوحي.
ان ما يقتضيه الدليل هو هذا القدر من وجود التنبه الخاص في نوع الانسان ، ولا نقول ان هذا الالتفات والتنبه يجب ان يكون في جميع الناس ، لانهم يختلفون كثيراً في صفاء الضمائر وخبثها ، والتنبه المذكور لا يكون الا في من بلغ
ــــــــــــــــــ
(١) سورة النحل : ٩.
الغاية في الصفاء والاستقامة ، وهو نادر يتحقق في الاوحدي من الناس. ولذا نرى القرآن الكريم يذكر جماعة على انهم رسل الله وانبياؤه ولا يذكر اعدادهم كاملة ، كما لم يصرح الا باسم اربعة وعشرين منهم(١) .
اما نحن حيث لم ندرك هذه المنزلة لم نعرف حقيقتها وماهيتها ، لم نعرف الا بعض النزر اليسير الذي منه القرآن الكريم وبعض الاوصاف التي علمناها بواسطة النبوة ، ومع هذا لا يمكن ان نقول انها هي التي علمناها نحن ، بل يمكن ان يكون هناك اوصاف وخواص وطرق اخرى لم تشرح لنا.
ي ـ كيفية وحي القرآن :
مختصر ما نفهمه من القرآن الكريم في كيفية وحيه هو :
ــــــــــــــــــ
(١) آدم ، نوح ، هود صالح ، ابراهيم ، لوط ، اسماعيل ، اليسع ، ذو الكفل ، الياس ، يونس ، اسحاق ، يعقوب ، يوسف ، شعيب ، موسى ، هارون ، داود ، سليمان ، ايوب ، زكريا ، يحيى ، اسماعيل صادق الوعد عيسى ، محمد.
هؤلاء الانبياء المذكورين في القرآن بأسمائهم ، وهناك بعض الانبياء اشير اليهم فيه كالاسباط في سورة النساء الاية ١٦٣ ، والنبي الذي اشار على بني اسرائيل بانتخاب لوط للملك في سورة البقرة آية ٢٤٦ ، والنبي المشار اليه في سورة البقرة آية ٢٥٨ ، والانبياء المشار اليهم في سورة يس آية ١٤.
كان وحي هذا الكتاب السماوي بشكل التكليم ، كلم الله تعالى مع الرسول الكريم وتلقى الرسول ذلك الكلام بكل وجوده ( لا بأذنه فقط ).
قال تعالى :( وما كان لبشر ان يكلمه الله الا وحياً او من وراء حجاب او يرسل رسولاً فيوحي باذنه ما يشاء انه علي حكيم *وكذلك اوحينا اليك روحا من امرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وانك لتهدي الى صراط مستقيم ) (١) .
ذكروا في تكليم الله تعالى انه ثلاثة اقسام ، بقرينة الترديد الموجود في الاية الاولى وان الوحي في القسم الاول لم ينسب الى مكان خاص وفي القسم الثالث نسب الى الرسول ، والاقسام الثلاثة هي :
١ ـ التكليم الذي لم يكن فيه واسطة بين الله والبشر.
٢ ـ التكليم الذي يكون من وراء الحجاب ، كشجرة طور حيث كان موسىعليهالسلام سمع كلام الله من تلك الناحية.
٣ ـ التكليم الذي يحمله الملك ويبلغه الى الانسان ، فيسمع كلام الملك وحياً وهو يحكي كلام الله.
ــــــــــــــــــ
(١) سورة الشورى : ٥١ ـ ٥٢.
واما الاية الثانية فانها تدل على ان القرآن اوحى الى النبي بهذا الشكل ، ومنه يعلم ان وحي القرآن كان من طريق التكليم والخطاب الشفوي.
وقال تعالى :( نزل به الروح الامين *على قلبك لتكون من المنذرين *بلسان عربي مبين ) (١) .
وقال :( من كان عدواً لجبريل فانه نزله على قلبك ) (٢) .
يستفاد من هذه الايات ان القرآن كله او بعضاً منه انزل بواسطة ملك الوحي جبرائيل وروح الامين ( وهو القسم الثالث من التكليم ) كما يستفاد منها ان النبيصلىاللهعليهوآله كان يتلقى الوحي من ذلك الملك بأعماق وجوده(٣) . لا باذنه فقط.
وقال تعالى :( فأوحى الى عبده ما أوحى *ما كذب الفؤاد ما رأى *افتمارونه على ما يرى ) (٤) .
ــــــــــــــــــ
(١) سورة الشعراء : ١٩٣ ـ ١٩٥.
(٢) سورة البقرة : ٩٧.
(٣) بدليل ان الايتين قد صرحتا بتنزيل القرآن على قلب الرسول ، وفي عرف القرآن يراد من القلب النفس ، كما نرى في عدة من الايات نسبت الادراك والشعور والمعصية الى القلب وهي من النفس.
(٤) سورة النجم : ١٠ ـ ١٢.
وفي مكان آخر عبر عن الوحي بالتلاوة في الالواح ، فقال :( رسول من الله يتلو صحفا مطهرة ) (١) .
* * *
وقبل ان نختم البحث نود ان نقول : في اقسام الوحي وصفاته وخواصه مباحث اخرى تستفاد من القرآن الكريم ، الا ان الالتزام بالاختصار في فصول هذا الكتاب لم يدع المجال للتحدث عنها طويلاً وبسط القول فيها.
ــــــــــــــــــ
(١) سورة البينة : ٢.
( الفصل الرابع )
القرآن والعلوم
* تعظيم القرآن مكانة العلم
* العلوم التي يدعو القرآن الى تعلمها
* العلوم الخاصة بالقرآن
* العلوم التي كان القرآن عاملا في ظهورها
تعظيم القرآن مكانة العلم والحث على طلبه :
عظم القرآن الكريم مكانة العلم تعظيما لم يسبق له مثيل في الكتب السماوية الاخرى ، ويكفي انه نعت العصر العربي قبل الاسلام ، بـ « الجاهلية » ، وفيه مئات من الايات يذكر فيها العلم والمعرفة وفي اكثرها ذكرت جلالة العلم ورفيع منزلته.
قال تعالى ممتنا على الانسان :( علم الانسان ما لم يعلم ) (١) .
وقال :( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات ) (٢) .
وقال :( هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) (٣) .
الى غير ذلك من الايات الكثيرة التي تنادي بعظمة العلم. وفي احاديث الرسول واهل بيتهعليهمالسلام التالية
ــــــــــــــــــ
(١) سورة العلق : ٥.
(٢) سورة المجادلة : ١١.
(٣) سورة الزمر : ٩.
للقرآن الكريم شواهد لا تحصر في الحث على طلب العلم واهميته وعظيم شأنه.
العلوم التي يدعو القرآن الى تعلمها :
يدعو القرآن الكريم في كثير من آياته ( لم ننقلها هنا لوفرتها ) الى التفكر في الايات السماوية والنجوم المضيئة والاختلافات العجيبة في اوضاعها والنظام المتقن الذي تسير عليه.
ويدعو الى التفكر في خلق الارض والبحار والجبال والاودية وما في بطون الارض من العجائب واختلاف الليل والنهار وتبدل الفصول السنوية.
ويدعو الى التفكر في عجائب النبات والنظام الذي يسير عليه وفي خلق الحيوانات وآثارها وما يظهر منها في الحياة.
ويدعو الى التفكر في خلق الانسان نفسه والاسرار المودعة فيه ، بل يدعو الى التفكر في النفس واسرارها الباطنية وارتباطها بالملكوت الاعلى. كما يدعو الى السير في اقطار الارض والتفكر في آثار الماضين والفحص في احوال الشعوب والجوامع البشرية وما كان لهم من القصص والتواريخ والعبر.
بهذا الشكل الخاص يدعو الى تعلم العلوم الطبيعية
والرياضية والفلسفية والادبية وسائر العلوم التي يمكن ان يصل اليها الفكر الإنساني ، يحث على تعلمها لنفع الإنسانية واسعاد القوافل البشرية.
نعم ، يدعو القرآن الى هذه العلوم شريطة ان تكون سبيلاً لمعرفة الحق والحقيقة ومرآة لمعرفة الكون التي في مقدمتها معرفة الله تعالى.
واما العلم الذي يشغل الإنسان عن الحق والحقيقة فهو في قاموس القرآن مرادف للجهل ، قال تعالى :( يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا هم عن الاخرة هم غافلون ) (١) .
وقال :( افرأيت من اتخذ الهه هواه واضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله ) (٢) .
القرآن الكريم بترغيبه الى تعلم مختلف العلوم ، يعلم دورة كاملة من المعارف الالهية وكليات الاخلاق والفقه الإسلامي.
ــــــــــــــــــ
(١) سورة الروم : ٧.
(٢) سورة الجاثية : ٢٣.
العلوم الخاصة بالقرآن :
يتدارس المسلمون علوما موضوعها القرآن الكريم نفسه. ويرجع تاريخ ظهور هذه العلوم الى اوائل عصر النزول ، وقد نضجت مسائلها وبلغت المرحلة المطلوبة لطول البحث فيها واصبحت بحيث وضع لها المحققون الرسائل والكتب الكثيرة(١) .
وهذه العلوم بصورة عامة تنقسم الى فئتين : ما يبحث فيه عن الالفاظ ، وما يبحث فيه عن المعاني.
العلوم الباحثة في الفاظ القرآن هي فنون التجويد والقراءة : وهي :
فن في كيفية تلفظ الحروف والعوارض التي تطرأها عند الافراد والتركيب ، كالادغام والابدال واحكام الوقف والابتداء ونظائرها.
ــــــــــــــــــ
(١) وضعنا فهرساً عاماً باسم « معجم المؤلفات القرآنية » للكتب والرسائل التي دونت حول القرآن وعلومه على ترتيب العلوم ، يعرف من خلاله الجهد الكبير المبذول حول هذا الكتاب السماوي الذي عني به من شتى الجهات عناية فائقة لم تنلها سائر كتب الاديان ، المترجم.
وفن في ضبط وتوجيه القراءات السبع والقراءات الثلاث الاخرى وقراءات الصحابة وشواذ القراءات الاخرى.
وفن في عدد السور والآيات والكلمات والحروف ، وضبط اعداد جميع السور والآيات والكلمات والحروف.
وفن في خصوص ضبط رسم القرآن وما فيه من الاختلاف مع رسم الخط المعروف المعمول به.
واما العلوم التي تبحث في معاني القرآن فهي :
فن يبحث عن كليات المعاني كالتنزيل والتأويل والظاهر والباطن والمحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ.
وفن يبحث في آيات الاحكام ، وهو في الحقيقة فرع من الابحاث الفقهية.
وفن يبحث عن معاني القرآن ، وهو المعروف بـ « التفسير ».
وقد الف علماء الإسلام والمحققين في كل هاتيك العلوم كتبا ورسائل كثيرة.
العلوم التي كان القرآن عاملاً في ظهورها :
لا شك ان العلوم الدينية التي يتداولها المسلمون اليوم
انما يرجع تاريخ نشأتها الى عصر البعثة النبوية ونزول القرآن الكريم.
لقد تداول الصحابة والتابعون هذه العلوم في القرن الاول الهجري بصورة غير منظمة بسبب المنع الذي واجه تدوين العلم بكل فروعه ، وكانت طريقة التلقي والمدارسة هي الحفظ والاخذ الشفوي ، الا مدونات قليلة جداً في الفقه والتفسير والحديث.
وفي اوائل القرن الثاني الهجري عندما ارتفع المنع(١) بدأ المسلمون بتدوين الحديث اولا ، ثم وضعوا المؤلفات في بقية فروع العلم واوجدوا الانظمة الخاصة للتأليف والتصنيف ، فكانت نتيجة المساعي : فن الحديث ، وعلم الرجال والدراية ، وفن اصول الفقه ، وعلم الحديث ، وعلم الكلام ، وغيرها.
وحتى الفلسفة المنقولة من اليونانية الى العربية في بداية امرها والتي بقيت على شكلها اليوناني لفترة غير قصيرة ، فان البيئة اثرت فيها مادة وصورة ، وتحولت من شكلها البدائي الى شكل يغايره كل المغايرة. واحسن شاهد لذلك المسائل الفلسفية المتداولة بين المسلمين اليوم ، فانك لا ترى مسألة فلسفية في المعارف الالهية الا ويمكن ان تجد متنها وبراهينها
ــــــــــــــــــ
(١) ارتفع المنع باجماع المؤرخين على يد الخليفة الاموي عمر بن عبد العزيز بين سنتي ٩٩ ـ ١٠١.
وادلتها المقامة لها في طيات الآيات القرآنية والاحاديث المروية.
ويمكن اعادة هذا القول في العلوم الادبية ايضا ، فان امثال الصرف والنحو والمعاني والبيان والبديع واللغة وفقهها والاشتقاق بالرغم من انها تشمل اللغة العربية بصورة عامة ، الا ان الذي دفع الناس الى مدارستها والبحث فيها والفحص عنها انما هو كلام الله المجيد الذي له الحلاوة التامة وحسن الاسلوب في التعبير والاعجاز في الفصاحة والبلاغة ، فانجذبت اليه القلوب وكان السبب في السير وراء معرفة خصائصه والفحص عن الشواهد والنظائر له ومعرفة وجوه الفصاحة والبلاغة فيه والاسرار الكامنة تحت جمله والفاظه ، وبالتالي لهذه العوامل وجدت العلوم اللسانية التي ذكرناها.
كان ابن عباس من كبار مفسري الصحابة ، وكان يستشهد في التفسير بالشعر العربي ، وكان يأمر بجمع الشعر وحفظه ويقول : الشعر ديوان العرب.
بمثل هذه العناية والاهتمام ضبط النثر العربي وشعره ، وبلغت الحالة الى ان العالم الشيعي خليل بن احمد الفراهيدي البصري(١) الف في اللغة كتاب العين ووضع علم العروض
ــــــــــــــــــ
(١) الخليل بن احمد ، ابو عبد الرحمن الفراهيدي ، من ائمة اللغة والادب ، وهو واضع علم العروض واستاذ سيبويه النحوي ،
لمعرفة الاوزان الشعرية. وهكذا وضع العلماء الاخرون في هذين العلمين ايضا المؤلفات القيمة.
وعلم التاريخ ايضا من مشتقات علم الحديث ، ففي اوله كان مجموعة من قصص الانبياء والامم ، وبدأ من سيرة الرسولصلىاللهعليهوآله ، ثم اضيف اليه تاريخ صدر الإسلام ، وفيما بعد اصبح بصورة تاريخ عام للعالم ، وكتب المؤرخون امثال الطبري والمسعودي واليعقوبي والواقدي ، مؤلفاتهم التاريخية.
ويمكن القول بصراحة بأن القرآن هو الدافع الاول لاشتغال المسلمين بالعلوم العقلية من طبيعية ورياضية بشكل النقل والترجمة من اللغات الاخرى في البداية ، ثم استقلوا في الاشتغال بها والابتكار في موضوعاتها والتفريغ في مسائلها والتحقيق في مباحثها الهامة.
ترجمت العلوم بتشجيع من الخلافة في ذلك اليوم من اليونانية والسريانية والهندية الى العربية ، ثم وضعت تلك العلوم المترجمة في متناول ايدي المسلمين بمختلف جالياتهم ، واخذت دائرة التحقيق العلمي تتسع حتى اصبحت بشكل عميق ودقيق جداً.
ــــــــــــــــــ
وكتابه « العين » مشهور في اللغة ، مات بالبصرة سنة ١٧٠ ( الاعلام للزركلي ).
ان مدنية الإسلام التي شملت قطعة عظيمة من المعمورة بعد رحلة الرسول ، وكان لها الحكم المطلق ، والتي امتدت حتى هذا اليوم الذي يعيش فيه اكثر من ستمائة مليون مسلم ، هذه المدنية هي اثر واحد من آثار القرآن الكريم ( مع العلم اننا نحن الشيعة نعارض دائماً سياسة الخلفاء والملوك حيث تساهلوا في نشر التعاليم الدينية وتطبيق قوانين الإسلام تطبيقا كاملا ، مع هذا نعتقد ان ضوء الإسلام المنتشر بهذا المقدار في ارجاء المعمورة انما هو اشراقة من اشراقات القرآن العظيم ).
من الواضح البديهي ان هذا التحول العظيم الذي هو حلقة مهمة من حلقات حوادث العالم ، سيؤثر تأثيراً مباشراً في الحلقات المستقبلة. ومن هنا يأتي الاعتقاد بأن احدى علل التحول العلمي الهائل الذي نشاهده اليوم هي من تأثير القرآن الكريم.
ان تجلية هذا الموضوع بشكل اوضح واعمق يحتاج الى دراسة واسعة ، ولكن طريقة الاختصار التي التزمنا بها في هذا الكتاب لا تعطينا الفرصة الكاملة لهذه الدراسة فإلى الكتب المعنية بذلك ...
( الفصل الخامس )
نزول القرآن وانتشاره
* كيف نزلت الآيات؟
* حول اسباب النزول
* ترتيب نزول السور
* جمع القرآن في مصحف
* اهتمام المسلمين بالقرآن
* القرآن مصون من التحريف
* قراءة القرآن وحفظه وروايته
* طبقات القراء
* عدد الآيات
* اسماء السور
* خط القرآن واعرابه
كيف نزلت الآيات؟
لم تنزل سور القرآن واياته دفعة واحدة. وبالاضافة الى اتضاح الموضوع من التاريخ الذي يشهد بالنزول طيلة ثلاث وعشرين سنة ، فان الآيات نفسها شاهدة على ذلك ، قال تعالى :( وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلاً ) (١) .
وفي القرآن الناسخ والمنسوخ بلا شك ، وفيه ايضا ايات تدل على قصص واحداث لا يمكن جمعها في زمن واحد لنذهب الى وحدة زمن النزول.
والآيات والسور القرآنية لم تنزل قطعاً على الترتيب الذي نقرآه في القرآن اليوم ، بأن تكون اولاً سورة الفاتحة ثم سورة البقرة ثم سورة آل عمران ثم سورة النساء وهكذا لانه بالاضافة الى الشواهد التاريخية على ذلك فان مضامين الآيات نفسها تشهد عليه ، لان بعض السور والآيات لها مضامين تناسب اوائل زمن البعثة وهي واقعة في اواخر القرآن كسورة العلق والنون ، وبعضها تناسب ما بعد الهجرة واواخر عصر الرسول وهي واقعة في اواخر القرآن كسورة البقرة وآل عمران والنساء والانفال والتوبة.
ــــــــــــــــــ
(١) سورة الاسراء : ١٠٦.
ان اختلاف مضامين السور والآيات وارتباطها الكامل بالاحداث والحوادث التي وقعت طيلة ايام الدعوة ، يفرض علينا القول بأن القرآن نزل في ثلاث وعشرين سنة عصر الدعوة النبوية.
فمثلاً الآيات التي تدعو المشركين الى الإسلام ونبذ عبادة الاوثان تناسب مع عصر قبل هجرة الرسول من مكة حيث ابتلي الرسول بالوثنيين ، واما ايات القتال وآيات الاحكام فقد نزلت في المدينة المنورة حيث اخذ الإسلام ينتشر واصبحت المدينة تشكل حكومة اسلامية كبرى.
بعد البحث السابق :
بناءً على البحث السابق تنقسم الآيات والسور القرآنية الى اقسام حسب اختلاف محل النزول وزمانه واسبابه وشروطه ، وهي :
١ ـ بعض السور والآيات مكية وبعضها مدنية ، فان ما نزل قبل هجرة الرسول من مكة يعتبر مكياً ، وهو القسم الاكبر من السور وعلى الاخص السور القصيرة ، وما نزل بعد هجرة الرسول يسمى مدنياً ولو كان نزولها خارج المدينة وحتى لو كان في مكة نفسها.
٢ ـ بعض السور والآيات نزلت في السفر وبعضها في
الحضر ، وهكذا تنقسم الى ما نزل بالليل او النهار ، او ما نزل في الحرب او في السلم ، او ما نزل في الارض او في السماء ، او ما نزل بين الناس او في حال الانفراد. وسنبحث عن فائدة معرفة هذه الاقسام في فصل « اسباب النزول ».
٣ ـ نزلت بعض السور مكرراً كما يقال في سورة الفاتحة حيث نزلت في مكة والمدينة ، كما ان بعض الآيات نزلت مكرراً كآية( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) حيث تكررت في سورة الرحمن ثلاثون مرة ، وآية( ان في ذلك لاية وما كان اكثرهم مؤمنين وان ربك لهو العزيز الرحيم ) حيث كررت في سورة الشعراء ثمان مرات. وقد تكررت بعض الآيات في اكثر من سورة واحدة كآية( ويقولون متى هذا الوعد ان كنتم صادقين ) حيث كررت في ست سور مختلفة.
وهكذا نجد جملة خاصة هي آية كاملة في مكان وجزء آية في مكان آخر ، نحو( الله لا اله الا هو الحي القيوم ) فجعلت في اول سورة آل عمران آية كاملة ، وفي سورة البقرة جزء من آية الكرسي.
ولكن مع هذا كله اكثر السور والآيات نزلت مرة واحدة فقط.
وعلة هذا الاختلاف هي اختلاف ما يقتضيه البيان ، ففي موضع يقتضي تكرار الجملة للتنبيه مثلا ، وفي موضع لا يقتضي ذلك.
ويشبه هذا الاختلاف الاختلاف الموجود بين السور والآيات في الطول والقصر ، فإلى جانب سورة الكوثر اقصر السور نجد سورة البقرة اطولها ، كما نرى آية( مدهامتان ) اقصر آية الى جانب آية الدين ـ وهي الآية ٢٨٢ من سورة البقرة ـ اطول آية في القرآن.
كل هذه الاختلافات لمقتضيات بيانية ، وربما نجدها في آيتين متصلتين ايضا ، كالايتين ٢٠ و ٢١ من سورة المدثر مثلا ، فان الاولى جملة واحدة والثانية اكثر من خمس عشرة جملة.
ومن وجوه الاختلاف ايضا ما نجده عند المقارنة بين السور والآيات في الايجاز والاطناب ، كما يتبين ذلك عند مقابلة امثال سورة الفجر وسورة الليل بأمثال سورة البقرة والمائدة ، والغالب في السور المكية الايجاز كما ان الغالب في السور المدنية الاطناب.
ومن هذا القبيل ما يقال بأن اول ما نزل على الرسولصلىاللهعليهوآله هو سورة العلق او خمس ايات الاولى منها بالقياس الى آخر ما نزل عليهصلىاللهعليهوآله ، وهو قوله تعالى :( واتقوا يوماً ترجعون فيه الى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ) (١) .
ــــــــــــــــــ
(١) سورة البقرة : ٢٨١.
أسباب النزول :
لقد قلنا ان كثيراً من السور والآيات ترتبط بالحوادث والاحداث التي وقعت ايام الدعوة كسورة البقرة والحشر والعاديات(١) ، او نزلت لحاجات ضرورية من الاحكام والقوانين الإسلامية كسورة النساء والانفال والطلاق واشباهها(٢) .
هذه القضايا التي سببت نزول السور او الآية هي المسماة بــ « اسباب النزول » ، ومعرفتها تساعد الى حد كبير في معرفة الآية المباركة وما في معرفة الآية المباركة وما فيها من المعاني والاسرار.
ومن هنا اهتم جماعة من محدثي الصحابة والتابعين
ــــــــــــــــــ
(١) نزلت سورة البقرة في السنة الاولى من الهجرة ، وكثير من آياتها في تقريع اليهود الذين كانوا يقفون دون التقدم الإسلامي ، وبقية آياتها في تشريع بعض الاحكام كتغير القبلة وتشريع الصوم والحج وغيرها. وسورة الحشر نزلت في خصوص جلاء يهود بني النضير ، وسورة العاديات نزلت في خصوص اعراب وادي يابس او غيرهم.
(٢) سورة النساء تتحدث عن احكام الزواج وارث المرأة ، وسورة الانفال تتحدث عن غنائم الحرب والاسراء ، وسورة الطلاق تتحدث عن خصوص احكام الطلاق.
بأحاديث اسباب النزول ، فنقلوا احاديث كثيرة من هذا القبيل.
هذه الاحاديث من طرق اهل السنة كثيرة جدا ربما تبلغ عدة الاف حديثا ، واما من طريق الشيعة فهي قليلة وربما لا تبلغ الا عدة مئات. ويلاحظ ان كل هذه الاحاديث ليست مسندة وصحيحة ، بل فيها المرسل الضعيف ايضا ، والنظر والتأمل فيها يدعو الإنسان الى الشك فيها ، لانها :
اولاً ـ سياق كثير منها يدل على ان الراوي لا ينقل السبب من طريق المشافهة والتحمل والحفظ ، بل ينقل قصة ما ثم يحمل الآيات عليها حملاً ويربطها ربطاً ، وفي الحقيقة سبب النزول الذي يذكره انما هو سبب اجتهادي نظري وليس بسبب شاهده بالعيان وضبطه بحدوده الدقيقة.
والشاهد على ما نقول التناقض الكثير في هذه الاحاديث ، ونعني به ان الآية الواحدة يذكر فيها عدة احاديث في اسباب النزول يناقض بعضها بعضا ولا يمكن جمعها بشكل من الاشكال ، حتى في بعض الآيات يذكر عن شخص واحد ـ كابن عباس مثلاً ـ اسباباً للنزول لا يمكن الجمع بينها.
ان ورود هذه الاحاديث المتناقضة المتهافتة لا يمكن حمله الا على احد محملين : اما ان نقول ان اسباب النزول هذه نظرية اجتهادية وليست بنقلية وكان كل محدث يحاول ان
يربط بين قصة ما والآية ربطاً لا حقيقة له في الخارج ، او نقول بأن هذه الاحاديث كلها او جلها مدسوسة ليس لها نصيب من الواقع.
مع ورود هذه الاحتمالات تسقط احاديث أسباب النزول عن الاعتبار ، ولهذا لا يمكن الاطمئنان حتى على الاحاديث التي اسانيدها صحيحة ، لان صحة السند يرفع الكذب عن رجال السند او عدم تضعيفهم ، ولكن احتمال الدس او اعمال النظر الخاص يبقى بحاله.
وثانياً ـ ثبت تاريخياً ان الخلافة كانت تمنع عن كتابة الحديث ، وكلما كانوا يعثرون على ورقة او لوحة كتب فيها الحديث كانت تحرق ، وبقي هذا المنع الى اخر القرن الاول الهجري ، اي لمدة تسعين سنة تقريباً.
هذا المنع فتح للرواة طريق النقل بالمعنى ، وكان نصيب الحديث تغييرات كلما حدث راو الى راو اخر حتى اصبحت الاحاديث تروى على غير وجوهها. وهذا واضح بين لمن راجع قصة ورد فيها احاديث بطرق مختلفة ، فان الإنسان ربما يشاهد حديثين في قصة واحدة لا يمكن اجتماعها في نقطة من النقاط. وشيوع النقل بالمعنى بهذا الشكل المريب هو احد الاشياء التي تسبب عدم الوزن لاحاديث اسباب النزول وقلة اعتبارها.
ان شيوع الدس في الحديث والكذب على الرسول ودخول الاسرائيليات في الروايات وما صنعه المنافقون وذوو الاغراض بالاضافة الى النقل بالمعنى وما قيل في الوجه الاول كل هذه العوامل قللت من قيمة احاديث اسباب النزول واسقطها عن الاعتبار.
المنهج الذي لا بد ان يتخذ في اسباب النزول :
لقد ذكرنا في الفصول السابقة ان الحديث يحتاج الى التأييد القرآني ، وعلى هذا يجب عرض الحديث على القرآن كما ورد في احاديث عن الرسول واهل بيتهعليهمالسلام .
وعليه سبب النزول الوارد حول آية من الآيات لو لم يكن متواتراً او قطعي الصدور يجب عرضه على القرآن ، فما وافق مضمونه مضمون الآية يؤخذ به ويعمل عليه وما خالف يطرح. ومعنى هذا ان الحديث هو الذي يعرض دائما على القرآن لا القرآن يعرض على الحديث.
وهذه الطريقة تسقط اكثر احاديث اسباب النزول عن الاعتبار ، الا ان الباقي منها يكسب كل الاعتبار والوثوق.
وليعلم ان الاهداف القرآنية العالية التي هي المعارف
العالمية الدائمة ( كما سنفصل ذلك فيما سيأتي ) لا تحتاج كثيراً او لا تحتاج ابدا الى اسباب النزول.
ترتيب نزول السور :
لا شك ان السور والآيات القرآنية لم تثبت في القرآن على ترتيب نزولها على الرسولصلىاللهعليهوآله . وعلماء الإسلام الماضون وخاصة اهل السنة منهم ـ كانوا يعتمدون في ترتيب السور والآيات على ما جاء في الاثر ، ومن جملة الاثار المذكورة بهذا الشأن حديث مروى عن ابن عباس انه قال :(١) .
كانت اذا نزلت فاتحة سورة بمكة كتبت بمكة ثم يزيد الله فيها ما شاء ، وكان او ما نزل من القرآن :
١ ـ اقرأ باسم ربك
٢ ـ ثم « ن »
٣ ـ ثم ايها المزمل
٤ ـ ثم يا أيها المدثر
٥ ـ ثم تبت يدا ابي لهب
٦ ـ ثم اذا الشمس كورت
ــــــــــــــــــ
(١) الاتقان ١ / ١٠ ، نقلاً عن فضائل القرآن لابن ضريس
٧ ـ ثم سبح اسم ربك الاعلى
٨ ـ ثم والليل اذا يغشى
٩ ـ ثم والفجر
١٠ ـ ثم والضحى
١١ ـ ثم الم نشرح
١٢ ـ ثم والعصر
١٣ ـ ثم والعاديات
١٤ ـ ثم انا اعطيناك
١٥ ـ ثم الهاكم التكاثر
١٦ ـ ثم أرأيت الذي يكذب
١٧ ـ ثم قل يا أيها الكافرون
١٨ ـ ثم الم تر كيف فعل ربك
١٩ ـ ثم قل اعوذ برب الفلق
٢٠ ـ ثم قل اعوذ برب الناس
٢١ ـ ثم قل هو الله أحد
٢٢ ـ ثم والنجم
٢٣ ـ ثم عبس
٢٤ ـ ثم انا انزلناه في ليلة القدر
٢٥ ـ ثم والشمس وضحاها
٢٦ ـ ثم والسماء ذات البروج
٢٧ ـ ثم والتين
٢٨ ـ ثم لايلاف قريش
٢٩ ـ ثم القارعة
٣٠ ـ ثم لا اقسم بيوم القيامة
٣١ ـ ثم ويل لكل همزة لمزة
٣٢ ـ ثم والمرسلات
٣٣ ـ ثم « ق »
٣٤ ـ ثم لا اقسم بهذا البلد
٣٥ ـ ثم والسماء والطارق
٣٦ ـ ثم اقتربت الساعة
٣٧ ـ ثم ( ص )
٣٨ ـ ثم الاعراف
٣٩ ـ ثم قل اوحى
٤٠ ـ ثم يس
٤١ ـ ثم الفرقان
٤٢ ـ ثم الملائكة
٤٣ ـ ثم كهيعص
٤٤ ـ ثم طه
٤٥ ـ ثم الواقعة
٤٦ ـ ثم طسم الشعراء
٤٧ ـ ثم طس
٤٨ ـ ثم القصص
٤٩ ـ ثم بني اسرائيل
٥٠ ـ ثم يونس
٥١ ـ ثم هود
٥٢ ـ ثم يوسف
٥٣ ـ ثم الحجر
٥٤ ـ ثم الانعام
٥٥ ـ ثم الصافات
٥٦ ـ ثم لقمان
٥٧ ـ ثم سبأ
٥٨ ـ ثم الزمر
٥٩ ـ ثم حم المؤمن
٦٠ ـ ثم حم السجدة
٦١ ـ ثم حمعسق
٦٢ ـ ثم حم الزخرف
٦٣ ـ ثم الدخان
٦٤ ـ ثم الجاثية
٦٥ ـ ثم الاحقاف
٦٦ ـ ثم الذاريات
٦٧ ـ ثم الغاشية
٦٨ ـ ثم الكهف
٦٩ ـ ثم النحل
٧٠ ـ ثم انا ارسلنا نوحاً
٧١ ـ ثم ابراهيم
٧٢ ـ ثم الانبياء
٧٣ ـ ثم المؤمنين
٧٤ ـ ثم تنزيل السجدة
٧٥ ـ ثم الطور
٧٦ ـ ثم تبارك ـ الملك
٧٧ ـ ثم الحاقة
٧٨ ـ ثم سأل
٧٩ ـ ثم عم يتساءلون
٨٠ ـ ثم النازعات
٨١ ـ ثم اذا السماء انفطرت
٨٢ ـ ثم اذا السماء انشقت
٨٣ ـ ثم الروم
٨٤ ـ ثم العنكبوت
٨٥ ـ ثم ويل للمطففين
قال ابن عباس : فهذا ما انزل الله بمكة ، ثم انزل بالمدينة :
٨٦ ـ سورة البقرة
٨٧ ـ ثم الانفال
٨٨ ـ ثم آل عمران
٨٩ ـ ثم الاحزاب
٩٠ ـ ثم الممتحنة
٩١ ـ ثم النساء
٩٢ ـ ثم اذا زلزلت
٩٣ ـ ثم الحديد
٩٤ ـ ثم القتال
٩٥ ـ ثم الرعد
٩٦ ـ ثم الرحمن
٩٧ ـ ثم الإنسان
٩٨ ـ ثم الطلاق
٩٩ ـ ثم لم يكن
١٠٠ ـ ثم الحشر
١٠١ ـ ثم اذا جاء نصر الله
١٠٢ ـ ثم النور
١٠٣ ـ ثم الحج
١٠٤ ـ ثم المنافقون
١٠٥ ـ ثم المجادلة
١٠٦ ـ ثم الحجرات
١٠٧ ـ ثم التحريم
١٠٨ ـ ثم الجمعة
١٠٩ ـ ثم التغابن
١١٠ ـ ثم الصف
١١١ ـ ثم الفتح
١١٢ ـ ثم المائدة
١١٣ ـ ثم البراءة
نظرة في الحديث والاحاديث الاخرى :
يحدد الحديث المنقول عن ابن عباس عدد السور القرآنية في (١١٣) سورة كما رأيت ، ولم يذكر سورة الفاتحة من ضمنها.
وفي حديث رواه البيهقي(١) عن عكرمة يحدد عدد السور في (١١١) سورة ولم يذكر فيه سورة الفاتحة والاعراف والشورى ، كما انه روى حديثا اخر عن ابن عباس ذكر فيه (١١٤) سورة ، الا ان الروايتين : اعتبرتا اولا سورة المطففين من السور المدنية بخلاف الحديث السابق الذي ذكر سورة المطففين انها مكية ، اختلف ثانيا ترتيب السور فيها مع ما ذكرناه سابقا.
وروي حديث اخر عن علي بن ابي طلحة(٢) يقول فيه : نزلت بالمدينة سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والانفال والتوبة والحج والنور والاحزاب والذين كفروا والفتح والحديد والمجادلة والحشر والممتحنة والحوريين يريد الصف والتغابن ويا ايها النبي اذا طلقتم النساء ويا ايها النبي لم تحرم والفجر
ــــــــــــــــــ
(١) الاتقان ١ / ١٠.
(٢) المصدر السابق.
والليل وانا انزلناه في ليلة القدر ولم يكن واذا زلزلت واذا جاء نصر الله ، وسائر ذلك بمكة.
الظاهر ان هذا الحديث يريد التفرقة والتمييز بين السور المكية والمدنية من دون النظر الى ترتيب النزول ، لان سورتي المائدة والتوبة بلا شك تقعان في الترتيب بعد ما هو مذكور بكثير ، وقد عدد سورة الفجر والليل والقدر من السور المدنية بينما الاحاديث السابقة عدتها من السور المكية ، كما انه جعل سورة الرعد والرحمن والإنسان والجمعة والحجرات مكية وهي مدنية في الاحاديث السابقة.
وفي حديث عن قتادة(١) انه قال : نزل في المدينة من القرآن البقرة وآل عمران والنساء والمائدة وبراءة والرعد والنحل والحج والنور والاحزاب ومحمد والفتح والحجرات والحديد والرحمن والمجادلة والحشر والممتحنة والصف والجمعة والمنافقون والتغابن والطلاق ويا ايها النبي لم تحرم الى رأس العشر. واذا زلزلت واذا جاء نصر الله ، وسائر القرآن نزل بمكة.
هذا الحديث يخالف الاحاديث السابقة وخاصة ـ حديث اخر مروي عن قتادة نفسه ـ في سورة المطففين والإنسان ولم يكن.
ــــــــــــــــــ
(١) الاتقان ١ / ١١.
والذي يمكن ان يقال في هذه الاحاديث : انه لا يمكن الاعتماد عليها بوجه من الوجوه ، لانه ليس لها قيمة الاحاديث الدينية ولا قيمة النقول التاريخية. اما انها ليس لها قيمة الاحاديث الدينية فلأنها لم يتصل سندها بالنبيصلىاللهعليهوآله ، ولم يعلم ان ابن عباس مثلا تعلم الترتيب من النبي او من انسان اخر او هو اجتهادي نظري. واما من الوجهة التاريخية فلأن ابن عباس مثلا ادرك مدة قصيرة من حياة الرسول لو لم يكن معه دائما حتى يشاهد كيفية نزول كل السور والآيات ، فلو لم يكن اجتهد في هذا الترتيب فلا بد انه نقله من انسان اخر لم نعلم شخصه ، فهذا نقل تاريخي لم يذكر فيه المصدر فليس له قيمة في سوق التحقيق.
وعلى فرض صحة هذه الاحاديث واستقامتها فهي من قبيل الخبر الواحد ، وقد ثبت في اصول الفقه ان الخبر الواحد غير حجة في ما عدا الفقه.
فاذاً الطريقة الوحيدة لمعرفة المكي والمدني ، هو التدبر في الآيات والنظر في مدى موافقتها لما جرى قبل الهجرة او بعدها هذه الطريقة مفيدة الى حد ما للتمييز بين المكي والمدني فان مضامين سورة الإنسان والعاديات والمطففين تشهد بأنها مدنية بالرغم من انها ذكرت في بعض الاحاديث على انها مكية.
جمع القرآن في مصحف :
الحديث حول جمع القرآن الكريم لا بد ان يكون في مرحلتين هما :
( أ ) القرآن قبل الرحلة :
كان القرآن ينزل آية آية وسورة سورة ، ولما كان يتمتع بالفصاحة الخارقة والبلاغة الفائقة كان ينتشر بسرعة مذهلة ، وكان العرب عشاق الفصاحة والبلاغة ينجذبون اليه فيأتون من بلاد بعيدة لاستماع بعض آياته من شفة الرسولصلىاللهعليهوآله .
وعظماء مكة واهل النفوذ من قريش كانوا عباد الاوثان وألدْ الاعداء الدعوة الإسلامية ، وكانت محاولاتهم شديدة في ابعاد الناس عن النبي وعدم اعطاء الفرصة لاستماع القرآن بحجة انه سحر يلقى عليهم.
ومع هذا كله كانوا يأتون خفية في الليالي المظلمة الى قرب بيت النبي ويستمعون الى الآيات التي كان يقرأهاصلىاللهعليهوآله .
وجدّ المسلمون ايضا في حفظ القرآن وضبطه ، لان النبي
امر بتعليم القرآن اياهم(١) ، ولانهم كانوا يعتقدون انه كلام الله تعالى ، وهو السند الاول لعقائدهم الدينية ، ويفرض عليهم في الصلاة قراءة سورة الفاتحة ومقدار اخر من القرآن.
ولما هاجر النبي الى المدينة وانتظمت امور المسلمين امر الرسول جماعة من اصحابه بالاهتمام في شأن القرآن وتعليمه وتعلمه ونشر الاحكام الدينية وما ينزل عليه من الوحي، فكانت تسجل هذه يوما فيوما حتى لا تضيع، واعفي هؤلاء عن الحضور في جبهات الجهاد كما هو صريح القرآن الكريم(٢) .
ونظراً الى ان الصحابة المهاجرين من مكة الى المدينة كان اكثرهم اميين لا يعرفون القراءة والكتابة ، استفاد الرسول من الاسراء اليهود ، فأمر كل واحد من الاسراء ان يعلم عددا من اصحابه ، وبهذه الطريقة وجد في الصحابة جماعة متعلمون يعرفون الكتابة والقراءة.
ومن هؤلاء الجماعة اناس اشتغلوا بقراءة القرآن وحفظه وضبط سوره واياته ، وهم الذين عرفوا فيما بعد بـ « القراء » ومنهم استشهد في واقعة بئر معونة اربعون او سبعون شخصا(٣) .
ــــــــــــــــــ
(١) سورة النحل : ٤٤ ، وايات كثيرة اخرى.
(٢) سورة التوبة : ١٢٢.
(٣) الاتقان ١ / ٧٢.
وكان كل ما نزل من القرآن او ينزل تدريجا ، يكتب في الالواح او اكتاف الشاة او جريد النخل ويحفظ.
والذي لا يقبل الشك ولا يمكن انكاره هو ان اكثر السور القرآنية كانت منتشرة دائرة على ألسنة الصحابة قبل رحلة الرسول ، وقد وردت اسماء كثير من السور في احاديث جمة منقولة من طرق الشيعة والسنة تصف كيفية تبليغ النبي الدعوة الإسلامية والصلوات التي كان يصليها وسيرته في قراءة القرآن.
وهكذا نجد في الاحاديث اسماء خاصة قبل رحلة الرسول لطائفة من السور كالطوال والمئين والمثاني والمفصلات.
( ب ) بعد رحلة الرسول :
بعدما ارتحل النبيصلىاللهعليهوآله الى الرفيق الاعلى ، جلس عليعليهالسلام ـ الذي كان بنص من النبي اعلم الناس بالقرآن ـ في بيته(١) حتى جمع القرآن في مصحف على ترتيب النزول ، ولم يمض ستة اشهر من وفاة الرسول الا كان علي قد فرغ من عمل الجمع وحمله للناس على بعير(٢) .
ــــــــــــــــــ
(١) الاتقان ١ / ٥٩.
(٢) المصاحف للسجستاني.
وبعد رحلة الرسول الاعظم ( ص ) بسنة واحدة(١) حدثت حرب اليمامة التي قتل فيها سبعون من القراء ، ففكرت الخلافة حينذاك في جمع السور والآيات في مصحف واحد ، خوفا من حدوث حرب اخرى وفناء القراء وذهاب القرآن على اثر موتهم.
امرت الخلافة جماعة من قراء الصحابة تحت قيادة زيد بن ثابت الصحابي بالجمع ، فجمعوا القرآن من الالواح وجريد النخل والاكتاف التي كانت في بيت النبي بخطوط كتاب الوحي والتي كانت عند بقية الصحابة. وعندما كملت عملية الجمع استنسخوا عدة من النسخ ووزعت في الاقطار الإسلامية.
وبعد مدة علم الخليفة الثالث(٢) ان القرآن مهدد بالتحريف والتبديل على اثر المساهلة في امر الاستنساخ والضبط ، فأمر بأخذ مصحف حفصة ـ وهي اول نسخة من نسخ الخليفة الاول ـ وامر خمسة من الصحابة منهم زيد بن ثابت ان يستنسخوا من ذلك المصحف ، كما امر ان تجمع كل النسخ الموجودة في الامصار وترسل الى المدينة ، فكانت تحرق عندما تصل نسخة من تلك النسخ.
ــــــــــــــــــ
(١) الاتقان ١ / ٥٩ ـ ٦٠.
(٢) المصدر السابق ١ / ٦١.
كتبوا خمس نسخ من القرآن ، فجعلوا نسخة منها في المدينة وارسلوا نسخة الى مكة ونسخة الى الشام ونسخة الى الكوفة ونسخة الى البصرة. ويقال ان غير هذه النسخ الخمس ارسلت نسخة ايضا الى اليمن ونسخة الى البحرين. وهذه النسخة هي التي تعرف بـ « مصحف الامام » ، وجميع نسخ القرآن مكتوبة على احدى هذه النسخ.
وليس بين هذه النسخ والمصحف الذي كتب بأمر الخليفة الاول من الاختلاف الا في شيء واحد ، وهو ان سورة البراءة من مصحف الخليفة الاول كانت بين المئين وسورة الانفال كانت في المثاني ، وفي مصحف الامام وضعت سورة الانفال والبراءة في مكان واحد بين سورة الاعراف وسورة يونس.
اهتمام المسلمين بالقرآن :
لقد قلنا ان الآيات والسور كانت موزعة عند المسلمين قبل الجمع الاول والثاني ، وكانوا يهتمون بشأنها بالغ الاهتمام. وبالاضافة الى هذا كان جماعة من الصحابة والتابعين من القراء ، وجمع القرآن تم بحضور هؤلاء ، وهم
ــــــــــــــــــ
(١) الاتقان ١ / ٦٢.
كلهم قد قبلوا المصحف الذي وضع تحت تصرفهم واستنسخوا بلا رد ولا ايراد.
وحتى في الجمع الثاني ( جمع عثمان ) ارادوا حذف الواو من آية( والذين يكنزون الذهب والفضة ) (١) فمنعوهم من هذا وهددهم اُبي بن كعب الصحابي باعمال السيف لو لم يثبتوا الواو فأثبتوها(٢) .
قرأ الخليفة الثاني(٣) في ايام خلافته جملة( والذين اتبعوهم باحسان ) من آية( والسابقون الاولون من الهاجرين والانصار والذين اتبعوهم باحسان ) (٤) بدون واو العطف فخاصموه حتى الزموه بقراءتها مع الواو.
والامام امير المؤمنينعليهالسلام بالرغم من انه كان اول من جمع القرآن على ترتيب النزول وردوا جمعه ولم يشركوه في الجمع الاول والثاني ، مع هذا لم يبد اي مخالفة او معارضة ، وقبل المصحف ولم يقل شيئا عن هذا الموضوع حتى في ايام خلافته.
وهكذا ائمة اهل البيتعليهمالسلام اولاد علي
ــــــــــــــــــ
(١) سورة التوبة : ٣٤.
(٢) الدر المنثور ٣ / ٢٣٢.
(٣) الدر المنثور ٣ / ٣٦٩.
(٤) سورة التوبة : ١٠٠.
وخلفاؤه لم يخالفوا في الموضوع ولم يقولوا شيئا حتى لأخص اصحابهم ، بل كانوا دائما يستشهدون بما في هذا المصحف ويأمرون الشيعة بالقراءة كما يقرأ الناس(١) .
ويمكننا القول بجرأة ان سكوت عليعليهالسلام الذي كان مصحفه يخالف في الترتيب المصحف المنتشر ، كان لان ترتيب النزول لم يكن ذا اهمية في تفسير القرآن بالقرآن الذي يهتم به اهل البيتعليهمالسلام ، بل المهم فيه هو ملاحظة مجموع الآيات ومقارنة بعضها ببعض ، لان القرآن الذي هو الكتاب الدائم لكل الازمان والعصور والاقوام والشعوب لا يمكن حصر مقاصده في خصوصية زمنية او مكانية او حوادث النزول واشباهها.
نعم ، بمعرفة هذه الخصوصيات يمكن استفادة بعض الفوائد ، كالعلم بتاريخ ظهور بعض المعارف والاحكام والقصص التي كانت مقارنة لنزول الآيات ، وهكذا معرفة كيفية تقدم الدعوة الإسلامية في ثلاث وعشرين سنة وامثالها ولكن المحافظة على الوحدة الإسلامية التي كانت الهدف الدائم لاهل البيت هي اهم من هذه الفوائد الجزئية.
ــــــــــــــــــ
(١) الوافي ٥ / ٢٧٣.
القرآن مصون من التحريف
تاريخ القرآن واضح بيّن من حين نزوله حتى هذا اليوم ، كانت الآيات والسور دائرة على ألسنة المسلمين يتداولونها بينهم. وكلنا نعلم ان هذا القرآن الذي بأيدينا اليوم هو القرآن الذي نزل تدريجا على الرسول قبل اربعة عشر قرنا.
فاذا لا يحتاج القرآن في ثبوته واعتباره الى التاريخ مع وضوح تاريخه ، لان الكتاب الذي يدعي انه كلام الله تعالى ويستدل على دعواه بآياته ويتحدى الجن والانس على ان يأتوا بمثله ، لا يمكن لاثباته ونفي التغيير والتحريف عنه التثبت بالادلة والشواهد او تأييد شخص او فئة لاثبات مدعاه.
نعم ، اوضح دليل على ان القرآن الذي هو بأيدينا اليوم هو القرآن الذي نزل على النبي الكريم ولم يطرأ عليه اي تحريف او تغيير ، ان الاوصاف التي ذكرها القرآن لنفسه موجودة في اليوم كما كان في السابق.
يقول القرآن : انني نور وهداية وارشد الناس الى الحق والحقيقة.
ويقول : انني ابين ما يحتاج اليه الإنسان ويتفق مع فطرته السليمة.
ويقول : انني كلام الله تعالى ، ولو لم تصدقوا فليجتمع الانس والجن للاتيان بمثله ، او ليأتوا بمثل ما اتى به محمد الامي الذي لم يدرس طيلة حياته ولم يقل لهم مثل ما نطق به محمد ، او انظروا في هل تجدون اختلافا في اسلوبي او معارفي او احكامي.
ان هذه الاوصاف والمميزات باقية في القرآن الكريم.
اما الارشاد الى الحق والحقيقة ، ففي القرآن الذي بأيدينا بيان تام للاسرار الكونية بأدق البراهين العقلية ، وهو الملجأ الوحيد لدستور الحياة السعيدة الهانئة ، ويدعو الإنسان بمنتهى الدقة الى الايمان طالبا خيره وحسن مآله.
واما بيان ما يحتاج اليه الإنسان في حياته ، فان القرآن بنظراته الصائبة جعل التوحيد الاساس الاصلي له ، واستنتج بقية المعارف الاعتقادية منه ولم يغفل في هذا عن اصغر نكتة ، ثم استنتج منه الاخلاق الفاضلة وبينها بطرق واضحة جلية ، ثم بين اعمال الإنسان وافعاله الفردية والاجتماعية وذكر وظائفه حسب ما تدل عليه الفطرة الإنسانية ، محيلا التفاصيل الى السنة النبوية.
ومن مجموع الكتاب والسنة نستحصل على الدين الإسلامي بأبعاده البعيدة ، الدين الذي حسب لكل الجهات الفردية والاجتماعية في كل الازمان والعصور حسابها الدقيق
المتقن واعطى حكمها خاليا عن التضاد والتدافع في اجزائه ومواده.
الإسلام الدين الذي يعجز عن تصور فهرس مسائله اكبر حقوقي في العالم طيلة حياته.
واما اعجاز القرآن في اسلوبه البياني ، فان اسلوب القرآن البياني كان من سنخ اللغة العربية في عصرها الذهبي الذي كانت الامة العربية تتمتع فيه بالفصاحة والبلاغة ، واسلوب القرآن كان شعلة وهاجة تسطع في ذلك العصر. والعرب فقدت الفصاحة والبلاغة في القرن الاول الهجري على اثر الفتوحات الإسلامية وخلط العرب بغيرهم من الاعاجم والبعيدين عن اللغة ، واصبحت لغة التخاطب العربية كبقية اللغات فاقدة ذلك الاشراق البلاغي وتلك اللمعة المضيئة. ولكن اعجاز القرآن ليس في اسلوبه الخطابي اللفظي فقط ، فانه يتحدى الناس في اسلوبه اللفظي والمعنوي.
ومع ذلك فان الذين لهم المام باللغة العربية شعرها ونثرها لا يمكنهم الشك في ان لغة القرآن لغة في منتهى العذوبة والفصاحة ، تتحير فيها الافهام ولا يمكن وصفها بالالسن. ليس القرآن بشعر ولا نثر ، بل اسلوب خاص يجذب جذب الشعر الرفيع وهو سلس سلاسة النثر العالي ، لو وضعت آية من آياته او جملة من جمله في خطبة من خطب البلغاء او
صفحة من كتابة الفصحاء لاشرق كاشراق المصباح في الارض المظلمة.
ومن الجهات المعنوية غير اللفظية احتفظ القرآن على اعجازه ، فان البرامج الإسلامية الواسعة الشاملة للمعارف الاعتقادية والاخلاقية والقوانين العملية الفردية والاجتماعية ، والتي نجد اسسها واصولها في القرآن الكريم خارجة عن نطاق قدرة الإنسان ، وخاصة في انسان عاش كحياة النبي محمدصلىاللهعليهوآله وبيئته وامته.
محال نزول كتاب كالقرآن على وتيرة واحدة ومتشابهة الاجزاء في مدة ثلاث وعشرين سنة في ظروف مختلفة واحوال متفاوتة ، في الخوف والاضطراب والامن والسلامة ، في الحرب والسلم ، في الخلوة والوحدة والازدحام والاجتماع ، في السفر والحضر تنزل سورة سورة وآية آية ولا يوجد بينها اختلاف وتناقض وتهافت.
والخلاصة ان الاوصاف التي كانت متوفرة في قرآن محمد كلها موجودة في هذا القرآن بلا تغيير ولا تحريف ولا تبديل ، بالاضافة الى ان الله تعالى اخبر ان القرآن مصون عن كل تغيير فقال :( انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون ) (١) .
ــــــــــــــــــ
(١) سور الحجر : ٩.
وقال :( وانه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) (١) .
بمقتضى هذه الآيات ، فان القرآن مصون عن كل ما يخدش بكرامته والله تعالى هو الحافظ له ، وخاصة انه الهادي الى المعارف الحقة فيجب ان يكون مصونا كذلك ولان الله تعالى وعد بحفظه نجده محفوظا عن كل عيب ونقص بالرغم من مرور اربعة عشر قرنا من نزوله وترصد ملايين الاعداء الالداء للحط من كرامته ، وهو الكتاب السماوي الوحيد الذي دام هذا الزمن الطويل ولم يطرأ عليه التغيير والتبديل.
قراءة القرآن وحفظه وروايته :
سبق القول منا مكررا ان جماعة خاصة في حياة الرسول اشتغلوا بقراءة القرآن وتعليمه وتعلمه ، كانوا يستمعون الى الآيات التي تنزل على النبي تدريجا فيحفظونها ، وفي بعض الاحيان كانوا يقرأونها عنده ليستمع اليهم.
كان بعضهم مصدرا للتعلم ، وكان الذين يأخذون منهم
ــــــــــــــــــ
(١) سورة السجدة : ٤١ ـ ٤٢.
القراءة يروونها عنهم بصورة مسندة ، وكثيرا ما كانوا يحفظون القراءة المروية عن الاستاذ.
كان مثل هذا الحفظ والرواية هو مقتضى طبع العصر ، لان الخط المعمول في ذلك الزمن هو الخط الكوفي الذي كانت الكلمة تقرأ فيه بعدة وجوه ، فكان لا بد من التلقي من الاستاذ والحفظ والرواية عنه.
ومنه جهة اخرى كانت العامة تعيش في امية لا تقرأ ولا تكتب ، وليس لهم طريق للضبط الا الحفظ والرواية ، وبقيت هذه السنة متبعة في العصور التالية ايضا.
طبقات القراء :
الطبقة الاولى من القراء هم قراء الصحابة الذين اشغلوا بالتعليم والتعلم في حياة الرسولصلىاللهعليهوآله ، وكان جماعة منهم قد جمع القرآن كله ، ومنهم امرأة تسمى بأم ورقة بنت عبد الله بن حارث(١) .
( يراد بالجمع المنسوب في الاحاديث الى اربعة من الانصار او خمسة او ستة او اكثر انهم تعلموا وحفظوا القرآن
ــــــــــــــــــ
(١) الاتقان ١ / ٧٤.
كله لا التأليف وترتيب السور والآيات في مصحف ، والا لم يبق مجال للتأليف والترتيب في زمن الخليفة الاول والثالث. وما نراه في بعض الاحاديث من ان النبي كان بنفسه يعين ويشخص موضع الآيات والسور ومكان وضعها ، فهذا شيء تكذبه عامة الاحاديث المروية عن الرسولصلىاللهعليهوآله ).
وعلى ما يقوله بعض العلماء اشتهر جماعة من هذه الطبقة بتعليم قراءة القرآن ، وهم عثمان وعليعليهالسلام واُبي بن كعب وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود ، وابو موسى الاشعري(١) .
الطبقة الثانية : تلامذة الطبقة الاولى ، وهم من التابعين والمعروفين منهم الذين كانت لهم حلقات تعليم القرآن في مكة والمدينة والكوفة والبصرة والشام ، وهي المدن التي ارسل اليها مصحف الامام كما ذكرنا سابقاً.
ففي مكة عبيد بن عمير وعطاء بن ابي رياح وطاوس ومجاهد وعكرمة وابن ابي مليكة وغيرهم.
وفي المدينة ابن المسيب وعروة وسالم وعمر بن عبد العزيز
ــــــــــــــــــ
(١) الطبقات المذكورة في هذا الفصل هي التي ذكرها السيوطي في كتابه الاتقان ، ويراجع في الكتب الرجالية لمعرفة تراجم هؤلاء تفصيلاً.
وسليمان بن يسار وعطاء بن يسار ومعاذ القاري وعبد الله بن الاعرج وابن شهاب الزهري ومسلم بن جندب وزيد بن اسلم.
وفي الكوفة علقمة والاسود ومسروق وعبيدة وعمرو بن شرحبيل وحارث بن القيس وربيع بن خيثم وعمرو بن ميمون وابو عبد الرحمن السلمي وزر بن حبيش وعبيد بن نفلة وسعيد بن جبير والنخعي والشعبي.
وفي البصرة ابو عالية وابو الرجاء ونصر بن العاصم ويحيى ابن يعمر وحسن البصري وابن سيرين وقتادة.
وفي الشام مغيرة بن ابي شهاب من اصحاب عثمان وخليفة بن سعد من اصحاب ابي الدرداء الصحابي.
الطبقة الثالثة : التي تنطبق تقريبا على النصف الاول من القرن الثاني ، وهم جماعة من مشاهير ائمة القراء اخذوا من الطبقة الثانية :
في مكة عبد الله بن كثير احد القراء السبعة وحميد بن قيس الاعرج ومحمد بن ابي محيصين.
وفي المدينة ابو جعفر يزيد بن القعقاع وشيبة بن النفاح ونافع بن نعيم احد القراء السبعة.
وفي الكوفة يحيى بن وثاب وعاصم بن ابي النجود احد
القراء السبعة وسليمان الاعمش وحمزة احد القراء السبعة والكسائي احد القراء السبعة.
وفي البصرة عبد الله بن ابي اسحاق وعيسى بن عمر وابو عمرو بن العلاء احد القراء السبعة وعاصم الجحدري ويعقوب الحضرمي.
وفي الشام عبد الله بن عامر احد القراء السبعة وعطية بن قيس الكلابي واسماعيل بن عبد الله بن مهاجر ويحيى بن حارث وشريح بن يزيد الحضرمي.
الطبقة الرابعة : تلامذة الطبقة الثالثة والرواة عنهم كابن عياش وحفص وخلف ، وسنذكر المشهورين منهم في الفصل الاتي.
الطبقة الخامسة : طبقة اهل البحث والتأليف ، وهم كما قيل : اول من الف في القراءة(١) ابو عبيد قاسم بن سلام ثم احمد بن جبير الكوفي ثم اسماعيل بن اسحاق المالكي من اصحاب قالون الراوي ثم ابو جعفر بن جرير الطبري ثم مجاهد. وبعد هؤلاء اتسعت دائرة البحوث والتحقيقات حتى كتب امثال الداني والشاطبي(٢) رسائل كثيرة نظما ونثرا.
ــــــــــــــــــ
(١) ريحانة الادب ٢ / ١٤١ ، والاتقان ١ / ٧٥.
(٢) ابو عمرو عثمان بن سعيد الداني الاندلسي ، من مشاهير القراء ، صاحب التآليف الكثيرة ، توفي سنة ٤٤٤ هـ.
القراء السبعة :
اشتهر كثيرا سبعة من قراء الطبقة الثالثة واصبحوا المرجع في علم القراءة وغطوا على القراء الاخرين ، وهكذا اشتهر لكل واحد من هؤلاء السبعة راويان من بين الرواة الذين لا يعدون حصرا ، والقراء السبعة مع الراويين عنهم هذه اسماؤهم :
١ ـ ابن كثير ، مكي(١) والرواي عنه قنبل وبزي يرويان عنه بواسطة واحدة.
٢ ـ نافع ، مدني(٢) ، والراوي عنه قالون وورش.
٣ ـ عاصم ، كوفي(٣) ، والراوي عنه ابو بكر شعبة بن
ــــــــــــــــــ
الشاطبي من معاريف القراء والحفاظ ، له القصيدة الشاطبية في القراءة وهي في ١١٢٠ بيت ، توفي في القاهرة سنة ٥٩٠ هـ.
(١) عبد الله بن كثير المكي ، اخذ القراءة من عبد الله بن الصائب الصحابي ، ومجاهد عن ابن عباس عن امير المؤمنين عليعليهالسلام ، توفي في مكة سنة ١٢٠ هـ.
(٢) نافع بن عبد الرحمن بن نعيم الاصفهاني المدني ، اخذ القراءة عن يزيد بن القعقاع القاري وابي ميمونة مولى ام سلمة ، توفي في المدينة سنة ١٥٩ او ١٦٩ هـ.
(٣) عاصم بن ابي النجود ، كوفي مولى بني حذيفة ، اخذ القراءة عن
العياش وحفص ، والقرآن الموجود عند المسلمين اليوم هو بقراءة عاصم هذا برواية حفص.
٤ ـ حمزة ، كوفي(١) ، والراوي عنه خلف وخلاد ويرويان عنه بواسطة.
٥ ـ الكسائي ، كوفي(٢) ، والراوي عنه دوري وابو الحارث.
٦ ـ ابو عمرو بن العلاء ، بصري(٣) ، والراوي عنه دوري وسوسي يرويان عنه بواسطة.
ــــــــــــــــــ
سعد بن أياس الشيباني وزر بن حبيش ، توفي في الكوفة سنة ١٢٧ ـ ١٢٩ هـ.
(١) حمزة بن حبيب الزيات التميمي ، كوفي فقيه قارىء ، اخذ القراءة عن عاصم واعمش والسبيعي ومنصور بن المعتمر ، واخذ ايضا عن الامام السادس الامام الصادقعليهالسلام وكان من اصحابه ، وله تآليف كثيرة وهو اول من الف في متشبهات القرآن ، توفي سنة ١٥٦ هـ.
(٢) علي بن حمزة بن عبد الله بن فيروز الفارسي ، كوفي بغدادي من ائمة النحو والقراءة ، استاذ الامين والمأمون ومؤدبهما ، اخذ النحو عن يونس النحوي والخليل بن احمد الفراهيدي ، واخذ القراءة عن حمزة وشعبة بن عياش ، توفي سنة ١٧٩ ـ ١٩٣ قرب الري عندما كان بصحبة هارون في سفره الى طوس.
(٣) ابو عمرو زبان ـ بفتح الزاي وتشديد الباء ـ بن العلاء البصري
٧ ـ ابن عامر(١) ، والراوي عنه هشام(٢) وابن ذكوان يرويان عنه بواسطة.
ويتلو القراءات السبع في الشهرة القراءات الثلاث المروية عن ابي جعفر ويعقوب وخلف(٣) .
وهناك قراءات اخرى غير مشهورة ، كالقراءات المذكورة عن بعض الصحابة والقراءات الشاذة التي لم يعمل بها ،
ــــــــــــــــــ
ابي عبد الرحمن عن أمير المؤمنين عليعليهالسلام ، وعن البغدادي ، من مشاهير علماء الادب واساتذة القراءة ، اخذ القراءة من التابعين توفي في الكوفة سنة ١٥٤ ـ ١٥٩.
(١) عبد الله بن عامر الشافعي الدمشقي ، اخذ القراءة عن ابي الدرداء الصحابي واصحاب عثمان ، توفي في دمشق سنة ١١٨ هـ.
(٢) اختلفوا في الرواة عن القراء السبعة ، والذي ذكرناه هنا مطابق لما ذكره السيوطي في كتابه « الاتقان » ـ فلاحظ.
(٣) ابو جعفر يزيد بن القعقاع ، مدني مولى ام سلمة ، يروي قراءته عن عبد الله بن عياش المخزومي وابن عباس وابي هريرة عن النبي ، توفي في المدينة سنة ١٢٨ ـ ١٣٣ هـ.
يعقوب بن اسحاق البصري الحضرمي ، من ائمة الفقه والادب ، يروي قراءته عن سلام بن سليمان عن عاصم عن السلمي عن امير المؤمنين علي عليه السلام ، توفي سنة ٢٠٥ هـ.
خلف بن هشام البزاز ، من ائمة القراءة ، وهو ايضا راوي قراءة حمزة ، اخذ القراءة عن مالك بن انس وحماد بن زيد ، واخذ عنه ابو عوانة ، توفي سنة ٢٢٩ هـ.
وقراءات متفرقة توجد في احاديث مروية عن ائمة اهل البيتعليهمالسلام ، الا انهم امروا اصحابهم باتباع القراءات المشهورة.
ويعتقد جمهور علماء السنة بتواتر القراءات السبع ، حتى فسر بعضهم الحديث المروي عن النبيصلىاللهعليهوآله « نزل القرآن على سبعة احرف »(١) بالقراءات السبع ، وقد مال الى هذا القول بعض علماء الشيعة ايضا ، ولكن صرح بعض بأن هذه القراءات مشهورة وليست بمتواترة.
قال الزركشي في البرهان : والتحقيق انها متواترة عن الائمة السبعة ، اما تواترها عن النبيصلىاللهعليهوآله ففيه نظر ، فان اسنادهم بهذه القراءات السبع موجود في كتب القراءات وهي نقل الواحد عن الواحد(٢) .
وقال مكي : من ظن ان قراءة هؤلاء القراء كنافع وعاصم هي الاحرف السبعة التي في الحديث فقد غلط غلطا عظيما. قال : ويلزم من هذا ايضا ان ما خرج عن قراءة هؤلاء السبعة مما ثبت عن الائمة غيرهم ووافق خط المصحف
ــــــــــــــــــ
(١) بحار الانوار مجلد القرآن ، والصافي في مقدماته ، وقد روي في الاتقان ١ / ٤٧ هذا الحديث عن واحد وعشرين صحابيا ، وقد ادعى بعض تواتر هذا الحديث ايضا.
(٢) الاتقان ١ / ٨٢.
ان لا يكون قرآنا ، وهذا غلط عظيم ، فان الذين صنفوا القراءات من الائمة المتقدمين كأبي عبيد القاسم بن سلام وابي حاتم السجستاني وابي جعفر الطبري واسماعيل القاضي قد ذكروا اضعاف هؤلاء.
وكان الناس على رأس المائتين بالبصرة على قراءة ابي عمرو ويعقوب وبالكوفة على قراءة حمزة وعاصم وبالشام على قراءة ابن عامر وبمكة على قراءة ابن كثير وبالمدينة على قراءة نافع واستمروا على ذلك ، فلما كان على رأس الثلاثمائة اثبت ابن مجاهد اسم الكسائي وحذف يعقوب.
قال : والسبب في الاقتصار على السبعة مع ان في ائمة القراء من هو اجل منهم قدرا او مثلهم اكثر من عددهم ان الرواة عن الائمة كانوا كثيرا جدا ، فلما تقاصرت الهمم اقتصروا مما يوافق خط المصحف على ما يسهل حفظه وتنضبط القراءة به ، فينظروا الى من اشتهر بالثقة والامانة وطول العمر في ملازمة القراءة به والاتفاق على الاخذ عنه فأفردوا من كل مصر اماما واحدا ، ولم يتركوا مع ذلك نقل ما كان عليه الائمة غير هؤلاء من القراءات ولا القراءة به كقراءة يعقوب وابي جعفر وشيبة وغيرهم.
قال : وقد صنف ابن جبير المكي مثل ابن مجاهد كتابا في القراءات ، فاقتصر على خمسة اختار من كل مصر اماما ، وانما اقتصر على ذلك لان المصاحف التي ارسلها عثمان كانت
خمسة الى هذه الامصار ، ويقال انه وجه بسبعة هذه الخمسة ومصحفا الى اليمن ومصحفا الى البحرين ، لكن لما لم يسمع لهذين المصحفين خبرا وأراد ابن مجاهد وغيره مراعاة عدد المصاحف استبدلوا من مصحف البحرين واليمن قارئين كمل بهما العدد ، فصادف ذلك موافقة العدد الذي ورد الخبر فيه فوقع ذلك لمن لا يعرف اصل المسألة ولم تكن له فطنة فظن ان المراد بالاحرف السبعة القراءات السبع ، والاصل المعتمد عليه صحة السند في السماع واستقامة الوجه في العربية موافقة الرسم(١) .
وقال القراب في الشافي : التمسك بقراءة سبعة من القراء دون غيرهم ليس فيه اثر ولا سنة ، وانما هو من جمع بعض المتأخرين ، فانتشر وأوهم انه لا تجوز الزيادة على ذلك ؛ وذلك لم يقل به احد(٢) .
عدد الآيات :
عدد الآيات القرآنية ينتهي الى زمن الرسولصلىاللهعليهوآله ، فقد روي عنه بعض الاحاديث التي يذكر
ــــــــــــــــــ
(١) الاتقان ١ / ٨٢.
(٢) الاتقان ١ / ٨٣.
فيها عدد خاص من آيات سورة كآيات عشر من سورة آل عمران مثلا ، وحتى روي عنه عدد آيات بعض السور ايضا كسورة الفاتحة سبع آيات(١) وسورة الملك ثلاثون آية(٢) .
واختلفوا في عدد مجموع الآيات على ستة اقوال ذكرها الداني :
فقيل ستة آلاف آية ، وقيل ستة آلاف ومئتان واربع آيات وقيل ستة آلاف ومائتان واربع عشرة آية ، وقيل ستة آلاف ومائتان وتسع عشرة آية ، وقيل ستة آلاف ومائتان وخمس وعشرون / ـ آية ، وقيل ستة آلاف ومائتان وست وثلاثون آية(٣) .
قولان من هذه الاقوال الستة لاهل المدينة ، واربعة اقوال لاهل بقية المدن التي ارسل اليها مصحف عثمان ، وهي مكة والكوفة والبصرة والشام.
وكل صاحب قول من هذه الاقوال يسند رأيه الى بعض الصحابة ، ثم يعتبرونها روايات موقوفة فينسبونها الى النبيصلىاللهعليهوآله ، ومن هنا اعتبر الجمهور عدد الآيات والتمييز بينها توقيفيا.
ــــــــــــــــــ
(١) الاتقان ١ / ٦٨.
(٢) الاتقان ١ / ٦٨.
(٣) الاتقان ١ / ٦٩.
لاهل المدينة عددان كما ذكرنا(١) احدهما لابي جعفر يزيد بن القعقاع وشيبة بن نصاح ، والثاني عدد اسماعيل بن جعفر بن ابي كثير الانصاري.
وعدد اهل مكة هو عدد ابن كثير عن مجاهد عن ابن عباس عن اُبي بن كعب.
وعدد اهل الكوفة عدد حمزة والكسائي وخلف ، ويرويه حمزة عن ابن ابي ليلى عن ابي عبد الرحمن السلمي عن عليعليهالسلام .
وعدد اهل البصرة عدد عاصم بن العجاج الجحدري.
وعدد اهل الشام عدد ابن ذكوان وهشام بن عمار وينسب الى ابي الدرداء. والاختلاف في عدد مجموع الآيات اتى من قبل الاختلاف في عدد آية كل سورة. وقد ذكروا ايضا عدد حروف وكلمات سور القرآن وعدد المجموع ، ولكن لا يهمنا الان ذكر التفاصيل هنا.
أسماء السور :
تقسيم القرآن الكريم الى السور تقسيم قرآني كتقسيمه الى ايات ، وقد صرح تعالى في مواضع بلفظة « السورة » ،
ــــــــــــــــــ
(١) نقله في الاتقان ١ / ٦٩ عن ابي عبد الله الموصلي.
فقال( سورة انزلناها ) (١) و( اذا انزلت سورة ) (٢) ( فأتوا بسورة من مثله ) (٣) .
وتسمية السور تناسب مع موضوع ذكر فيها او جاء الاسم نفسه فيها كسورة البقرة وسورة آل عمران وسورة الاسراء وسورة التوحيد ، وفي نسخ القرآن القديمة كثيرا ما كانوا يكتبون « سورة تذكر فيها البقرة » و « سورة يذكر فيها آل عمران ».
وربما تكون جملة من سورة معرفا لها كسورة اقرأ باسم ربك وسورة انا انزلناه وسورة لم يكن واشباهها.
واحيانا يكون وصف السورة معرفا لها كسورة فاتحة الكتاب(٤) وسورة ام الكتاب والسبع المثاني وسورة الاخلاص(٥) وسورة نسبة الرب وامثالها.
ــــــــــــــــــ
(١) سورة النور : ١.
(٢) سورة التوبة : ٨٦.
(٣) سورة البقرة : ٢٣.
(٤) سورة الحمد تسمى « فاتحة الكتاب » بمناسبة وقوعها اول القرآن وتسمى « السبع المثاني » بمناسبة انها سبع آيات.
(٥) سورة قل هو الله احد تسمى بـ « الاخلاص » بمناسبة اشتمالها على التوحيد الخالص وتسمى « نسبة الرب » بمناسبة انها تصف الله تعالى ، لان النسبة هنا بمعنى الوصف.
ان هذه الاسماء والنعوت كانت موجودة في الصدر الاول بشهادة الاثار والتاريخ ، وحتى اسماء بعض السور جاءت في الاحاديث النبوية كسورة البقرة وسورة آل عمران وسورة هود وسورة الواقعة. ولهذا يمكن القول بأن كثيرا من هذه الاسماء تعيينية من زمن الرسول نتيجة لكثرة الاستعمال ، وليس شيء منها توقيفيا شرعيا.
خط القرآن واعرابه :
كانوا يكتبون القرآن الكريم في زمن الرسولصلىاللهعليهوآله والقرآن الاول والثاني الهجري بالخط الكوفي ، وللابهام الموجود في كثير من كلمات الخط الكوفي تداول الصحابة وغيرهم الحفظ والرواية والقراء كما ذكرنا ، ومع هذا بقي شيء من الالتباس والابهام للعامة واختص الحفاظ والرواة بالقراءة الصحيحة فقط ، فلم يكن من الميسور فتح المصحف وقراءته بصورة صحيحة.
ومن هنا وضع ابو الاسود الدؤلي(١) اسس علم العربية بارشاد من الامام امير المؤمنينعليهالسلام ، كما وضع فيما بعد نقط الحروف بأمر الخليفة الاموي عبد الملك بن مروان.
ــــــــــــــــــ
(١) الاتقان ٢ / ١٧١.
وهكذا قل الالتباس وارتفع شيء من الابهام ، الا انه لم يزل بالكلية ، حتى وضع الخليل بن احمد الفراهيدي(١) مكتشف علم العروض اشكالا لكيفية تلفظ تلك الحروف : المد ، التشديد ، الفتحة ، الكسرة ، الضمة ، السكون ، التنوين مع احدى الحركات الثلاث ، الروم ، الاشمام. وبهذا ارتفع الالتباس تماما.
وكان قبل وضع الفراهيدي(٢) تلك العلامات يشيرون بالنقاط الى الحركات : فعوضا عن الفتحة نقطة في اول الحرف ، وعوضا عن الكسرة نقطة تحته ، وعوضا عن الضمة نقطة على الحرف في آخره. ولكن هذه الطريقة كانت تزيد في الالتباس في بعض الحالات.
ــــــــــــــــــ
( ١ ـ ٢ ) الاتقان ٢ / ١٧١.
فهارس الكتاب
١ ـ الآيات الكريمة
٢ ـ نصوص الأحاديث
٣ ـ اسماء الاعلام
٤ ـ دليل الموضوعات
الآيات الكريمة
( سورة البقرة )
٢٣ ـ( وان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ) : ٢٧ ، ١٠٢ ، ١٩٢.
٧٧ ـ( اولا يعلمون ان الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ) : ١٢٧.
٩٧ ـ( قل من كان عدواً لجبريل فانه نزله على قلبك ) : ١٠٤ ، ١٣٤.
١٠٩ ـ( فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره ) : ٦٥.
١٤٨ ـ( ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات ) : ١٨.
١٦٥ ـ( والذين آمنوا اشد حبا لله ...ان القوة لله جميعا ) : ٨٩ ، ٩٠.
٢١٣ ـ( كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا ) : ١٢٤.
٢٥٧ ـ( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور ) : ٩٠.
٢٨١ ـ( واتقوا يوماً ترجعون فيه الى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ) : ١٥٤.
( سور آل عمران )
٧ ـ( هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ام الكتاب واخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ) : ٤٦ ، ٤٨ ، ٥٣.
١٩ ـ( ان الدين عند الله الإسلام ) : ٢١.
٣١ ـ( قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) : ٩١.
٦٤ ـ( قل يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم الا نعبد الا الله ولا نشرك به شيئا ولايتخذ بعضنا بعضاً ارباباً من دون الله ) : ٣٢.
٦٨ ـ( والله ولي المؤمنين ) : ٩٠.
٨٥ ـ( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه ) : ٢٢.
١٩٥ ـ( اني لا اضيع عمل عامل منكم من ذكر او انثى بعضكم من بعض ) : ٤٣.
( سورة النساء )
٣٦ ـ( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ) : ٣٩.
٥٩ ـ( اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم ) : ١٢٨.
٦٠ ـ( فان تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول ...ذلك خير وأحسن تأويلا ) : ٦٠.
٦٤ ـ( وما ارسلنا من رسول الا ليطاع باذن الله ) : ٣٨.
٨٢ ـ( افلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) : ٢٨ ، ٣٦ ، ٤٨ ، ٥١ ، ٨٠ ، ٨١ ، ٨٤ ، ١٠٣.
١٣٩ ـ( فان العزة لله جميعاً ) : ٨٩.
١٦٥ ـ( انا اوحينا اليك كما اوحينا الى نوح والنبيين من بعده رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) : ١٢٤.
١٦٦( لكن الله يشهد بما انزل اليك انزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيداً ) : ٢٨.
١٧٣ ـ( لن يستنكف المسيح ان يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته فسيحشرهم اليه جيمعا ) : ١٠٦.
( سور المائدة )
٤٨( وانزل اليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً ) : ٣٣.
( سورة الانعام )
١٩ ـ( واوحي الي هذا القرآن لانذركم به ومن بلغ ) : ٣٢.
١٢٢ ـ( أومن كان ميتأ فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس ) : ٩٠.
١٢٤ ـ( واذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما اوتي رسل الله اعلم حيث يجعل رسالته ) : ١١١.
( سورة الاعراف )
٤٥ ـ( الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً ) : ١٩.
٥٢ ـ( ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون هل ينظرون الا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق ) : ٥٣.
١٥٧ ـ( الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم اصرهم والاغلال التي كانت عليهم ) : ٩١.
١٧٩ ـ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والانس ) : ٤٠.
( سورة التوبة )
١١ ـ( فان تابوا واقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فاخوانكم
في الدين) : ٣١.
٢٩ ـ( قاتلوا الذين لايؤمنون بالله ولا باليوم الاخر ولا يحرّمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين اوتوا الكتاب ) : ٦٥.
٣٤ ـ( والذين يكنزون الذهب والفضة ) : ١٧٣.
٧١ ـ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) : ١٢٨.
٨٦ ـ( اذا انزلت سورة ) : ١٩٢.
١٠٠ ـ( والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم باحسان ) : ١٧٣.
( سورة يونس )
٣٢ ـ( فماذا بعد الحق الا الضلال ) : ٣٥.
٣٨ ـ( ام يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله ) : ٢٧ ، ١٠٢.
٣٩ ـ( وما كان هذا القرآن ان يفترى ) : ٥٤.
( سور هود )
١ ـ( كتاب احكمت آياته ) : ٤٦.
١٣ ـ( ام يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ) : ٢٧ ، ١٠٢.
( سورة يوسف )
٣٦ ـ( ودخل معه السجن فتيان قال احدهما اني اراني اعصر خمرا وقال الاخر اني اراني احمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه ) : ٥٨.
٤٠ ـ( ان الحكم الا لله ) : ٢٣ ، ١٢٦.
٤١ ـ( يا صاحبي السجن اما احدكما فيسقي ربه خمراً واما الاخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الامر الذي فيه تستفتيان ) : ٥٨.
٤٣ ـ( وقال الملك اني ارى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر واخر يابسات ) : ٥٨.
٤٧ ـ( قال تزرعون سبع سنين دأباً فما حصدتم فذروه في سنبله الا قليلا مما تأكلون *ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن الا قليلا مما تحصنون *ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون ) : ٥٨.
١٠٠ ـ( ورفع ابويه على العرش وخروا له سجداً وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً ) : ٥٨.
( سورة الرعد )
١٧ ـ( انزلنا من السماء ماءاً فسالت اودية بقدرها ) : ٤٥.
٣٣ ـ( أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ) : ١٣٠.
٤٣ ـ( قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ) : ٢٨.
( سورة ابراهيم )
٢٢ ـ( وقال الشيطان لما قضي الامر ان الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان الا ان دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا انفسكم ) : ١٠٨.
٣٤ ـ( ان الإنسان لظلوم كفار ) : ١١٨.
( سورة الحجر )
٩ ـ( انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون ) : ١٧٨.
٢١ ـ( وان من شيء الا عندنا خزائنه وما ننزله الا بقدر معلوم ) : ٩٠.
( سورة النحل )
٩ ـ( وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ) : ١٣١.
٤٤ ـ( وانزلنا اليك الذكر لتبين للناس مانزل اليهم ) : ٣٨ ، ٦٨.
٨٩ ـ( ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء ) : ١٥ ، ٣٤ ، ٨٤.
١٠١ ـ( واذا بدلنا آية مكان آية والله اعلم بما ينزل قالوا انما انت مفتر بل اكثرهم لا يعلمون *قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين ) : ٦٦.
( سورة الاسراء )
١ ـ( وهو السميع البصير ) : ٨٩.
٩ ـ( ان هذا القرآن يهدي للتي هي اقوم ) : ١٥.
٣٥ ـ( واوفوا الكيل اذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خيراً واحسن تأويلاً ) : ٥٩ ، ٦١.
٨٨ ـ( قل لئن اجتمعت الانس والجن على ان يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً ) : ٢٧ ، ١٠٢.
٨٩ ـ( ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى اكثر الناس الا كفوراً ) : ٤٥.
١٠٥ ـ( وبالحق انزلناه وبالحق نزل ) : ٣٥.
١٠٦ ـ( وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا ) : ١٥١.
( سورة طه )
٥ ـ( الرحمن على العرش استوى ) : ٥٢.
٨ ـ( الله لا اله الا هو له الاسماء الحسنى ) : ٨٩.
٥٠ ـ( ربنا الذي اعطى كل شيء خلقه ثم هدى ) : ٢١ ، ١١٣.
( سورة الحج )
١٧ ـ( ان الله يفصل بينهم يوم القيامة ان الله على كل
شيء شهيد ) : ١٢٧.
٣٠ ـ( فاجتنبوا الرجس من الاوثان ) : ٣٩.
( سورة المؤمنون )
٦٨ ـ( افلم يدبروا القول ام جاءهم مالم يأت آباءهم الاولين ) : ٨٤.
( سورة النور )
١ ـ( سورة انزلناها ) : ١٩٢.
( سورة الشعراء )
١٩٣ ـ( نزل به الروح الامين *على قلبك لتكون من المنذرين *بلسان عربي مبين ) : ١٠٥ ، ١٣٤.
( سورة العنكبوت )
٤٣ ـ( وتلك الامثال نضربها للناس وما يعقلها الا العالمون ) : ٤٥.
( سورة الروم )
٧ ـ( يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الاخرة هم غافلون ) : ١٤١.
١٠ ـ( ثم كان عاقبة الذين اساؤا السوأى ان كذبوا
بآيات الله وكانوا بها يستهزئون ) : ٢٥.
٣٠ ـ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ) : ٢١ ، ٩١.
٥٤ ـ( وهو العليم القدير ) : ٨٩.
( سورة السجدة )
٧ ـ( الذي احسن كل شيء خلقه ) : ٨٧.
٤١ ـ( وانه لكتاب عزيز *لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) : ١٧٩.
( سورة الاحزاب )
٣٣ ـ( انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيراً ) : ٦٤.
٥٢ ـ( وكان الله على كل شيء رقيباً ) : ١٢٧.
٧٢ ـ( انه كان ظلوماً جهولا ) : ١١٨.
( سورة سبأ )
٢٠ ـ( ولقد صدق عليهم ابليس ظنه فاتبعوه الا فريقا من المؤمنين ) : ١٠٨.
٢١ ـ( وربك على كل شيء حفيظ ) : ١٢٨.
( سورة فاطر )
١٠ ـ( اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) : ٢٥.
٦٥ ـ( هو الحي لا اله الا هو ) : ٨٨.
( سورة يس )
٦٠ ـ( الم اعهد اليكم يا بني آدم ان لا تعبدوا الشيطان ) : ٣٩.
( سورة ص )
٣٩ ـ( كتاب انزلناه اليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكروا اولوا الالباب ) : ٨٤.
٨٥ ـ( لاملأن جهنم منك وممن تبعك منهم اجمعين ) : ١٠٨.
٨٧ ـ( ان هو الا ذكر للعالمين ) : ٣٢.
( سورة الزمر )
٩ ـ( هل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون ) : ١٣٩.
٢٣ ـ( الله نزل احسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ) : ٤٦.
٦٢ ـ( الله خالق كل شيء ) : ٨٦.
( سورة فصلت )
٤١ ـ( وانه لكتاب عزيز *لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ) : ٣٥
( سورة الشورى )
١١ ـ( ليس كمثله شيء ) : ٥٢
١٣ ـ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا اليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ) : ٣٤
٥١ ـ( وما كان لبشر أن يكلمه الله الاّ وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى باذنه ما يشاء انه علي حكيم ) : ١٣٣
( سورة الزخرف )
١ ـ( حم *والكتاب المبين *انا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون *وانه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم ) : ٤٥ ، ٦٢
٣٢ ـ( نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ) ، ١١٨
(سورة الجاثية )
٢٣ ـ( أفرأيت من اتخذ الله هواه ) : ٣٩ ، ١٤١
( سورة الاحقاف )
١٨ ـ( اولئك الذين حق عليهم القول في امم قد خلت من قبلهم من الجن والانس انهم كانوا خاسرين ) : ١٠٩.
٣٠ ـ( يهدي الى الحق والى طريق مستقيم ) : ٣٣.
( سورة محمد )
٢٤ ـ( افلا يتدبرون القرآن ام على قلوب اقفالها ) : ٣٦ ، ٥١.
( سورة الحجرات )
١٣ ـ( يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم ) : ٤٤.
( سورة الطور )
٣٣ ـ( ام يقولون تقوله بل لايؤمنون *فليأتوا بحديث مثله ان كانوا صادقين ) : ٢٧.
( سورة النجم )
١٠ ـ( فأوحى الى عبده ما اوحى *ما كذب الفؤاد ما رأى *افتمارونه على ما يرى ) : ١٣٤.
( سورة القمر )
٤٩ ـ( انا كل شيء خلقناه بقدر ) : ٨٩.
( سورة الواقعة )
٧٥ ـ( فلا اقسم بمواقع النجوم *وانه لقسم لو تعلمون عظيم *انه لقرآن كريم *في كتاب مكنون *لايمسه الا المطهرون *تنزيل من رب العالمين ) : ٦٣.
( سورة الحديد )
٢٨ ـ( يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به ) : ٩١.
( سورة المجادلة )
١١ ـ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات ) : ١٣٩.
٢٢ ـ( اولئك كتب في قلوبهم الايمان وايدهم بروح منه ) : ٩٠.
( سورة الحشر )
٧ ـ( وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) : ٣٨.
( سورة الجمعة )
٢ ـ( هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ) : ٣٨ ، ٦٨.
( سورة القلم )
( وماهو الا ذكر للعالمين ) : ٣٢.
( سورة الجن )
٢٦ ـ( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه احداً *الا من ارتضى من رسول فانه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً *ليعلم ان قد ابلغوا رسالات ربهم واحاط بما لديهم واحصى كل شيء عدداً ) : ٦٤ ، ١٣٠.
( سورة الاحقاف )
٢٩ ـ( واذ صرفنا اليك نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا انصتوا فلما قضي ولوا الى قومهم منذرين ) : ١٠٩ ، ١١٠.
( سورة الدهر )
انا خلقنا الإنسان من نطفة امشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيراً *انا هديناه السبيل اما شاكراً واما كفوراً ) : ١١٤.
( سورة المدثر )
٣٥ ـ( انها لاحدى الكبر *نذيراً للبشر ) : ٣٣.
٣٨ ـ( كل نفس بما كسبت رهينة ) : ١٣٠.
( سورة عبس )
١١ ـ( كلا انها تذكرة *فمن شاء ذكره *في صحف مكرمة *مرفوعة مطهرة *بأيدي سفرة *كرام بررة ) : ١٠٧.
١٩ ـ( من نطفة خلقه فقدره *ثم السبيل يسره ) : ١١٤ ، ١٢٠.
( سورة التكوير )
١٩ ـ( انه لقول رسول كريم *ذي قوة عند ذي العرش مكين *مطاع ثم امين *وما صاحبكم بمجنون *ولقد رآه بالافق المبين ) : ١٠٥.
( سورة الانفطار )
٩ ـ( وان عليكم لحافظين *كراماً كاتبين *يعلمون ما تفعلون ) : ١٢٨.
( سورة الطارق )
٤ ـ( ان كل نفس لما عليها حافظ ) : ١٣٠.
١٣ ـ( انه لقول فصل *وما هو بالهزل ) : ٣٤.
( سورة الاعلى )
٢ ـ( الذي خلق فسوى *والذي قدر فهدى ) : ٢١ ، ١١٣.
( سورة الفجر )
٢٢ ـ( وجاء ربك والملك صفاً صفاً ) : ٥٢.
( سورة الشمس )
٧ ـ( ونفس وما سواها *فألهمها فجورها وتقواها *قد افلح من زكاها *وقد خاب من دساها ) ٢١ ، ٩٢ ، ١١٠ ، ١١١.
( سورة العلق )
٥ ـ( علم الإنسان مالم يعلم ) : ١٣٩
٦ ـ( كلا ان الإنسان ليطغى *ان رآه استغنى ) : ١٢٢
( سورة البينة )
٢ ـ( رسول من الله يتلو صحفا مطهرة ) : ٢.
( سورة الزلزال )
٧ ـ( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره *ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ) : ١٢٦.
نصوص الاحاديث
ان في أخبارنا متشابهاً كمتشابه القرآن ، فردوا متشابها الى محكمها ولاتتبعوا متشابها فتظلوا ٥٣
ان للقرآن ظهراً وبطناً لبطنه الى سبعة أبطن ٤٠
انا معاشر الانبياء نكلم الناس على قدر عقولهم ٤٥
ظهرة (القرآن) تنزيله وبطنه تأويله ، منه ما مضى ومنه مالم يكن بعد ، يجري كما يجري الشمس والقمر كلما جاء منه شيء وقع ٦٧
مافي القرآن آية الاولها ظهر وبطن وما فيها حرف الاوله حد ولكل حد مطلع ٦٧
المحكم ما يعمل به والمتشابه ما اشتبه على جاهلة ٥٢
من رد متشابه القرآن الى محكمة هدي الى صراط مستقيم ٥٢
من فسر القرآن برأيه فليتبوَّأ مقعده من النار ٨٢
نزل القرآن على سبعة أحرف ١٨٧
وان القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضاً ولكن نزل يصدق بعضه بعضاً ، فما عرفتم فاعملوا به وما تشابه عليكم فآمنوا به
٥٢ ، ٨٢
يشهد بعضه على بعض وينطق بعضه ببعض ٥٢ ، ٨٢.
اسماء الاعلام
١ ـ آدمعليهالسلام ١٠٨ و ١٣٢. |
١٦ ـ ابن عباس ٧٠ ، ٧١ ، ٧٣ ، ١٥٦ ، ١٦٣ ، ١٦٧ ، ١٨٤ ، ١٨٦ ، ١٩١. |
|
٢ ـ آل عمران ٢١ ، ٢٢ ، ٣٢ ، ٤٣ ، ٤٦ ، ٥٣ ، ٩٠ ، ٩١ ، ١٥١ ، ٦٣ ، ١٦٥ ، ١٦٦ ، ١٩٠ ، ١٩٢ ، ١٩٣. |
١٧ ـ ابن العربي ٧٤. |
|
١٨ ـ ابن عياش ١٨٣. |
||
٣ ـ الالوسي البغدادي ٧٥. |
١٩ ـ ابن كثير ١٨٤ ، ١٨٨ ، ١٩١. |
|
٤ ـ ابراهيمعليهالسلام ٣٤ ، ١٠٤ ، ١٠٨ ، ١١٨ ، ١٣٢ ، ١٦٢. |
٢٠ ـ ابن مجاهد ١٨٨ ، ١٨٩. |
|
٥ ـ ابليس ١٠٨. |
٢١ ـ ابن المسيب ١٨١. |
|
٦ـ ابن ابي ليلي ١٩١. |
٢٢ ـ ابوالأسود الدؤلي ١٩٣. |
|
٧ ـ ابن ابي مليكة ١٨١. |
٢٣ ـ ابو جعفر الطبري ١٨٨. |
|
٨ ـ ابن جبير ٧١. |
٢٤ ـ ابو جعفر ابن القعقاع ١٨٦ ، ١٩١. |
|
٩ ـ ابن ابي جبير المكي ١٨٨. |
٢٥ ـ ابو حاتم السجستاني ١٨٨. |
|
١٠ ـ ابن جرير الطبري ٧٢ ، ٧٣ ، ١٨٣. |
٢٦ ـ ابوالحارث ١٨٥. |
|
١١ ـ ابن ذكوان ١٨٦ ، ١٩١. |
٢٧ ـ ابو حمزة الثمالي ٧٧. |
|
١٢ ـ ابن سيرين ١٨٢. |
٢٨ ـ ابوحيان الاندلسي ٧٤. |
|
١٣ ـ ابن شهاب الزهري ١٨٢ |
٢٩ ـ ابوالدرداء ١٨٢ ، ١٩١. |
|
١٤ ـ ابن ضريس ١٥٩. |
٣٠ ـ ابوالرجاء ١٨٢. |
|
١٥ ـ ابن عامر ١٨٦ ، ١٨٨. |
٣١ ـ ابوسعيد الخدري ٦٩. |
|
٣٢ ـ ابو صالح الكلبي ٧١ ، ٧٢. |
٣٣ ـ ابو العالية ٧٠ ، ٧١ ، ١٨٢. |
١٨٣. |
|
٣٤ ـ ابوعبدالرحمن السلمي ١٨٢ ، ١٨٦ ، ١٩١. |
٥٤ ـ الاسود ١٨٢. |
|
٣٥ ـ ابو عبدالله الموصلي ١٩١. |
٥٥ ـ اعمش ١٨٥. |
|
٣٦ ـ ابوعبيدالقاسم بن سلام ١٨٣ ، ١٨٨. |
٥٦ ـ الياسعليهالسلام ١٣٢. |
|
٣٧ ـ ابو عمر بن العلاء ١٨٣ ، ١٨٥ ، ١٨٨. |
٥٧ ـ اليسععليهالسلام ١٣٢. |
|
٣٨ ـ ابوعوانة ١٨٦. |
٥٨ ـ ام سلمة ١٨٤ ، ١٨٦. |
|
٣٩ ـ ابولهب ١٥٩. |
٥٩ ـ امير المؤمنينعليهالسلام ١٧٣ ، ١٨٤ ، ١٨٦ ، ١٩٣. |
|
٤٠ ـ ابوموسى الاشعري ٦٩ ، ١٨١. |
٦٠ ـ الامين ١٨٥. |
|
٤١ ـ ابو ميمونة ١٨٤. |
٦١ ـ انس بن مالك ٦٩. |
|
٤٢ ـ ابوهريرة ٦٩ ، ١٨٦. |
٦٢ ـ اهل بيتعليهمالسلام ٢٦ ، ٣٧ ، ٥١ ، ٦٤ ، ٧٦ ، ٨١ ، ٨٢ ، ٨٣ ، ٨٤ ، ٨٥ ، ١٢٩ ، ١٥٨ ، ١٧٣ ، ١٧٤ ، ١٨٧. |
|
٤٣ ـ أبي بن كعب ٦٩ ، ١٧٣ ، ١٨١ ، ١٩١. |
٦٣ ـ ايوبعليهالسلام ١٣٢. |
|
٤٤ ـ احمد بن جبير الكوفي ١٨٣. |
٦٤ ـ الباقرعليهالسلام ٦٧ ، ٧٦ ، ٧٧. |
|
٤٥ ـ احمد بن حنبل ٧٣. |
٦٥ ـ بزي ١٨٤. |
|
٤٦ ـ اسحاقعليهالسلام ١٣٢. |
٦٦ ـ البغدادي ١٨٥. |
|
٤٧ ـ اسكندر المقدوني ١٠١. |
٦٧ ـ بلال الحبشي ٣٣. |
|
٤٨ ـ اسماعيلعليهالسلام ١٣٢. |
٦٨ ـ بنو آدم ٣٩. |
|
٤٩ ـ اسماعيل حقي ٧٥. |
٦٩ ـ بنو اسرائيل ٣١ ، ٣٦ ، ١٣٢ ، ١٦١. |
|
٥٠ ـ اسماعيل القاضي ١٨٨. |
٧٠ ـ بنو حذيفة ١٨٤. |
|
٥١ ـ اسماعيل بن اسحاق المالكي ١٨٣. |
٧١ ـ بنو قريضة ٧١. |
|
٥٢ ـ اسماعيل بن جعفر الانصاري ١٩١. |
٧٢ ـ بنو النضير ١٥٥. |
|
٥٣ ـ اسماعليل بن عبدالله بن مهاجر |
٧٣ ـ البيهقي ١٦٥. |
٧٤ ـ الثعلبي ٧٤. |
٩٤ ـ ذو الكفلعليهالسلام ١٣٢. |
|
٧٥ ـ جابر بن عبدالله ٦٩. |
٩٥ ـ ربيع بن انس ٧١. |
|
٧٦ ـ جبرائيل ٩٧ ، ٩٩ ، ١٠٤ ، ١٠٥ ، ١٠٧ ، ١٣٤. |
٩٦ ـ ربيع بن خيثم ١٨٢. |
|
٧٧ ـ جرير ، من أصحاب الصادق ٧٦. |
٩٧ ـ الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ٣٧ ، ٣٨ ، ٤٥ ، ٤٨ ، ٤٩ ، ٦٠ ، ٦٨ ، ٦٩ ، ٧٢ ، ٩١ ، ٩٧ ، ١٠٣ ، ١٠٤ ، ١١١ ، ١١٢ ، ١١٣ ، ١٣٣ ، ١٤٦ ، ١٤٧ ، ١٥٢ ، ١٥٤ ، ١٥٨ ، ١٥٩ ، ١٦٨ ، ١٧٠ ، ١٧١ ، ١٧٥ ، ١٨٠ ، ١٨١ ، ١٨٩ ، ١٩٣. |
|
٧٨ ـ حارث بن القيس ١٨٢. |
٩٨ ـ الرضاعليهالسلام ٥٢. |
|
٧٩ ـ الحجاج الثقفي ٧٠. |
٩٩ ـ الروح الامين ٩٧ ، ٩٩ ، ١٠٤ ، ١٠٥ ، ١٠٦ ، ١٣٤. |
|
٨٠ ـ الحسن البصري ٧٠ ، ٧١ ، ١٨٢. |
١٠٠ ـ روح القدس ٦٦. |
|
٨١ ـ حفص ١٨٣ ، ١٨٥. |
١٠١ ـ الروم ٢٥ ، ٩١ ، ١٦٣. |
|
٨٢ ـ حماد بن زيد ١٨٦. |
١٠٢ ـ الزجاج ٧٤. |
|
٨٣ ـ حمزة بن حبيب الزيات ١٨٣ ، ١٨٥ ، ١٨٦ ، ١٨٨ ، ١٩١. |
١٠٣ ـ زربن حبيش ١٨٢ ، ١٨٥. |
|
٨٤ ـ حميد بن قيس الاعرج ١٨٢. |
١٠٤ ـ زرارة بن اعين ٧٦. |
|
٨٥ ـ الخضر ٥٩ ، ٦٠ ، ٦١. |
١٠٥ ـ الزركشي ١٨٧. |
|
٨٦ ـ خلاد ١٨٥. |
١٠٦ ـ زكرياعليهالسلام ١٣٢. |
|
٨٧ ـ خلف ١٨٣ ، ١٨٥ ، ١٨٦ ، ١٩١. |
١٠٧ ـ الزمخشري ٧٤. |
|
٨٨ ـ خليفة بن سعد ١٨٢. |
١٠٨ ـ زيد بن اسلم ٧٠ ، ٧١ ، ١٨٢. |
|
٨٩ ـ الخليل بن احمد الفراهيدي ١٤٥ ، ١٨٥ ، ١٩٤. |
١٠٩ ـ زيد بن ثابت ١٧١ ، ١٨١. |
|
٩٠ ـ داريوش ١٠١. |
١١٠ ـ زيد بن القعقاع ١٨٤. |
|
٩١ ـ الداني ، ابو عمرو ١٨٣. |
١١١ ـ سالم ١٨١. |
|
٩٢ ـ داودعليهالسلام ١٣٢. |
||
٩٣ ـ دوري ١٨٥. |
١١٢ ـ السبيعي ١٨٥. |
٧٦ ، ١٨٥. |
|
١١٣ ـ السجادعليهالسلام ٧٧. |
١٣٥ ـ صالحعليهالسلام ١٠٤ ، ١٣٢. |
|
١١٤ ـ السجستاني ١٧٠. |
١٣٦ ـ صدر الدين الشيرازي. |
|
١١٥ ـ سعد بن اياس الشيباني ١٨٥. |
١٣٧ ـ صهيب الرومي ٣٣. |
|
١١٦ ـ سعيد بن جبير ٧٠ ، ١٨٢. |
١٣٨ ـ ضحاك ٧٠ ، ٧١. |
|
١١٧ ـ سفيان بن عيينة ٧٢. |
١٣٩ ـ طاووس اليماني ٤٠ ، ٧١ ١٨١. |
|
١١٨ ـ سلام بن سيمان ١٨٦. |
١٤٠ ـ طه ٢١ ، ٥٢ ، ٨٩ ، ١١٣ ، ١٦١. |
|
١١٩ ـ سلمان الفارسي ٣٣. |
١٤١ ـ الطبرسي ٧٩. |
|
١٢٠ ـ السلمي ١٨٦. |
١٤٢ ـ الطوسي ، محمد بن الحسن ٨٧. |
|
١٢١ ـ سليمان الاعمش ١٨٣. |
١٤٣ ـ عاصم بن ابي النجود ١٨٢ ، ١٨٤ ، ١٨٥ ، ١٨٦ ، ١٨٧ ، ١٨٨. |
|
١٢٢ـ سليمان بن يسار ١٨٢. |
١٤٤ ـ عاصم الجحدري ١٨٣ ، ١٩١. |
|
١٢٣ ـ سوسي ١٨٥. |
١٤٥ ـ عبد بن حميد ٧٢. |
|
١٢٤ ـ السيوطي ٧٠ ، ٧٣ ، ١٨٦. |
١٤٦ ـ عبد الرحمن بن زيد بن اسلم ٧١. |
|
١٢٥ ـ الشاطبي ١٨٣. |
١٤٧ ـ عبد الرزاق الكاشاني ٧٤. |
|
١٢٦ ـ الشافعي ٧٣. |
١٤٨ ـ عبد علي الحويزي ٧٩ ، ٧٩. |
|
١٢٧ ـ شريح بن يزيد الحضرمي ١٨٣. |
١٤٩ ـ عبد الله بن ابي اسحاق ١٨٣. |
|
١٢٨ ـ الشريف الرضي ٧٨. |
١٥٠ ـ عبدالله بن الاعرج ١٨٢. |
|
١٢٩ ـ شعبة بن الحجاج ٧٢. |
||
١٣٠ ـ شبعة بن العياش ، ابوبكر ١٨٤ ، ١٨٥. |
||
١٣١ ـ الشعبي ١٨٢. |
||
١٣٢ ـ شعيبعليهالسلام ١٣٢. |
||
١٣٣ ـ شيبة بن النفاخ ١٨٢ ، ١٨٨ ، ١٩١. |
||
١٣٤ ـ الصادقعليهالسلام ٥٢ ، |
١٥١ـ عبدالله بن الحارث ١٨٠. |
١٧٢ ـ علقمة ١٨٢. |
|
١٥٢ ـ عبدالله بن الزبير ٦٩. |
١٧٣ ـ علىعليهالسلام ٥٢ ، ٨٢ ، ١٧٠ ، ١٧٤ ، ١٨١ ، ١٨٤ ، ١٨٦ ، ١٩١. |
|
١٥٣ ـ عبدالله بن الصائب ١٨٤. |
١٧٤ ـ على بن ابي طلحة ١٦٥. |
|
١٥٤ ـ عبدالله بن بن عامر ١٨٣ ، ١٨٦. |
١٧٥ ـ علي بن حمزة الفارسي الكسائي ١٨٥. |
|
١٥٥ ـ عبدالله بن عباس ٦٩. |
١٧٦ ـ عمر بن الخطاب ٧١. |
|
١٥٦ ـ عبدالله بن عمر ٦٩. |
١٧٧ ـ عمر بن عبد العزيز ١٤٤ ، ١٨١. |
|
١٥٧ ـ عبدالله بن عياش المخزومي ١٨٦. |
١٧٨ ـ عمروبن شرحبيل ١٨٢. |
|
١٥٨ ـ عبدالله بن كثير ١٨٢. |
١٧٩ ـ عمرو بن ميمون ١٨٢. |
|
١٥٩ ـ عبدالله بن مسعود ٦٩ ، ١٨١. |
١٨٠ ـ العياشي ٥٠ ، ٥٢ ، ٦٧ ، ٧٧ ، ٧٨ ، ٨٥. |
|
١٦٠ ـ عبدالملك بن مروان ١٩٣. |
١٨١ ـ عيسىعليهالسلام ٣٤ ، ١٠٤ ، ١٣٢. |
|
١٦١ ـ عبيد بن عمير ١٨١. |
١٨٢ ـ عيسى بن عمرو ١٨٣. |
|
١٦٢ ـ عبيد بن نفلة ١٨٢. |
١٨٣ ـ الفخر الرازي ٧٤. |
|
١٦٣ ـ عبيدة ١٨٢. |
١٨٤ ـ فرات بن ابراهيم الكوفي ٧٧. |
|
١٦٤ ـ عثمان بن عفان ١٧٣ ، ١٨١ ، ١٨٢ ، ١٨٦ ، ١٨٨ ، ١٩٠. |
١٨٥ ـ الفضيل بن يسار ٦٧. |
|
١٦٥ ـ عروة ١٨١. |
١٨٦ ـ الفيض الكاشاني ٧٨ ، ٧٩. |
|
١٦٦ ـ عطاء بن ابي رباح ٧٠ ، ٧١ ، ١٨١. |
١٨٧ ـ قالون الراوي ١٨٣ ، ١٨٤. |
|
١٦٧ ـ عطاء بن ابي مسلم ٧٠ ، ٧١. |
١٨٨ ـ قتادة ٧٠ ، ٧١ ، ١٦٦ ، ١٨٢. |
|
١٦٨ ـ عطاء بن يسار |
١٨٩ ـ القراب ١٨٩. |
|
١٦٩ ـ عطية ٧٠ ، ٧١. |
١٩٠ ـ القرطي ، محمد بن ابي بكر ٧٥. |
|
١٧٠ ـ عطية بن قيس الكلابي ١٨٣. |
||
١٧١ ـ عكرمة ٧٠ ، ٧١ ، ١٦٥ ، ١٨١. |
١٩١ ـ قريش ١٦٠ ، ١٦٨. |
٢١١ ـ معاذ القاري ١٨٢. |
|
١٩٢ ـ القمي ، علي بن ابراهيم ٥٠ ، ٧٧. |
٢١٢ ـ معروف بن خربوذ ٧٦. |
|
١٩٣ ـ قنبل ١٨٤. |
٢١٣ ـ مغيرة بن ابي شهاب ١٨٢. |
|
١٩٤ ـ الكسائي ١٨٣ ، ١٨٥ ، ١٨٨ ، ١٩١. |
٢١٤ ـ مكي ١٨٧. |
|
١٩٥ ـ كعب الأحبار ٦٩. |
٢١٥ ـ ملك مصر ٥٨. |
|
١٩٦ ـ اكليني محمد بن يعقوب ٧٧. |
٢١٦ ـ منصور بن المعتمر ١٨٥. |
|
١٩٧ ـ كورش ١٠١. |
٢١٧ ـ موسىعليهالسلام ٣٤ ، ٥٩ ، ٦٠ ، ٦١ ، ١٠٤ ، ١٠٥ ، ١٠٩ ، ١٣٢ ، ١٣٣. |
|
١٩٨ ـ الكونابادي ٧٨. |
٢١٨ ـ الميبدي ٧٨. |
|
١٩٩ ـ لقمان ١٦٢. |
٢١٩ ـ ميكائيل ١٠٤. |
|
٢٠٠ ـ لوطعليهالسلام ١٣٢. |
٢٢٠ ـ نافع المدني ١٨٤. |
|
٢٠١ ـ المأمون ١٨٥. |
٢٢١ ـ نافع بن الارزق ٧٠. |
|
٢٠٢ ـ مالك بن انس ١٨٦. |
٢٢٢ ـ نافع بن نعيم ١٨٢ ، ١٨٧ ، ١٨٨. |
|
٢٠٣ ـ مجاهد ٧٠ ، ١٨١ ، ١٨٣ ، ١٨٤ ، ١٩١. |
٢٢٣ ـ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ٢٦ ، ٢٨ ، ٣٨ ، ٤٠ ، ٥٠ ، ٥٢ ، ٦٤ ، ٦٧ ، ٦٨ ، ٦٩ ، ٧٦ ، ٨١ ، ٨٢ ، ٨٤ ، ٨٥ ، ٩١ ، ٩٣ ، ٩٧ ، ٩٨ ، ٩٩ ، ١٠١ ، ١٠٢ ، ١٣٤ ، ١٦٧ ، ١٦٩ ، ١٧٠ ، ١٧٨ ، ١٨٦ ، ١٨٧ ، ١٩٠. |
|
٢٠٤ ـ محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ٣٦ ، ٩٨٧ ، ١٠٥ ، ١٣٢ ، ١٦٦ ، ١٧٦ ، ١٧٨. |
٢٢٤ ـ النخعي ١٨٢. |
|
٢٠٥ ـ محمد بن ابي محيصين ١٨٢. |
٢٢٥ ـ نصر بن العاصم ١٨٢. |
|
٢٠٦ ـ محمد بن كعب القرطبي ٧٠ ، ٧١. |
٢٢٦ ـ نظام الدين الحسن القمي النيسابوري ٧٥. |
|
٢٠٧ ـ محمد بن مسلم ٧٦. |
||
٢٠٨ ـ مسروق ١٨٢. |
||
٢٠٩ ـ مسلم بن جندب ١٨٢. |
||
٢١٠ ـ المسيح ١٠٦. |
٢٢٧ ـ النعماني محمد بن ابراهيم ٧٧. |
٢٣٩ ـ يحيى بن حارث ١٨٣. |
|
٢٢٨ ـ نوحعليهالسلام ٣٤ ، ١٢٤ ، ١٣٢ ، ١٦٢. |
٢٤٠ ـ يحيى بن وثاب ١٨٢. |
|
٢٢٩ ـ النووي ٧٠. |
٢٤١ ـ يحيى بن يعمر١٨٢. |
|
٢٣٠ ـ الواحدي ٧٤. |
٢٤٢ ـ يزيد بن القعقاع ١٨٢ ، ١٨٦ ، ١٩١. |
|
٢٣١ ـ ورش ١٨٤. |
٢٤٣ ـ يعقوبعليهالسلام ١٣٢. |
|
٢٣٢ ـ وكيع بن الجراح ٧٢. |
٢٤٤ ـ يعقوب الحضرمي ١٨٣ ، ١٨٦ ، ١٨٨. |
|
٢٣٣ ـ هارونعليهالسلام ١٣٢. |
٢٤٥ ـ يوسفعليهالسلام ٢٣ ، ٥٧ ، ٥٨ ، ٦٠ ، ١٢٦ ، ١٣٢ ، ١٦٢. |
|
٢٣٤ ـ هارون الرشيد ١٨٥. |
٢٤٦ ـ يونسعليهالسلام ٢٧ ، ٣٥ ، ٥٤ ، ١٠٢ ، ١٣٢ ، ١٦١. |
|
٢٣٥ ـ هاشم البحراني ٧٨ ، ٧٩. |
٢٤٧ ـ يونس النحوي ١٨٥. |
|
٢٣٦ ـ هشام ١٨٦ ، ١٩١. |
||
٢٣٧ ـ هودعليهالسلام ٢٧ ، ٤٦ ، ١٠٢ ، ١٣٢ ، ١٦٢. |
||
٢٣٨ ـ يحيىعليهالسلام ١٣٢. |
الامكنة والبقاع
١ ـ الاحقاف ٣٣ ، ١٠٩ ، ١١٠ ، ١٦٢. |
١٢ ـ طوس ١٨٥. |
|
٢ ـ الاعراف ٤٠ ، ٥٣ ، ٩١ ، ١٦١ ، ١٧٢. |
١٣ ـ القاهرة ١٨٤. |
|
٣ ـ البحرين ١٧٢ ، ١٨٩. |
١٤ ـ الكوفة ١٧٢ ، ١٨١ ، ١٨٢ ، ١٨٥ ، ١٨٦ ، ١٨٨ ، ١٩٠ ، ١٩١. |
|
٤ ـ البصرة ١٤٦ ، ١٧٢ ، ١٨١ ، ١٨٢ ، ١٨٣ ، ١٨٨ ، ١٩٠ ، ١٩١. |
١٥ ـ المدينة ١٥٢ ، ١٥٣ ، ١٦٥ ، ١٦٦ ، ١٦٩ ، ١٧١ ، ١٧٢ ، ١٨١ ، ١٨٢ ، ١٨٤ ، ١٨٦ ، ١٨٨ ، ١٩٠ ، ١٩١. |
|
٥ ـ تهامة ٩٨. |
١٦ ـ مصر ٥٨. |
|
٦ ـ الجزيرة العربية ٣٢. |
١٧ـ مكة ١٥٢ ، ١٥٣ ، ١٥٩ ، ١٦٣ ، ١٦٥ ، ١٦٦ ، ١٦٨ ، ١٧٢ ، ١٨١ ، ١٨٢ ، ١٨٤ ، ١٨٨ ، ١٩٠ ، ١٩١. |
|
٧ ـ دمشق ١٨٦. |
١٨ ـ وادي يابس ١٥٥. |
|
٨ ـ الروم ٢١ ، ٢٥ ، ٨٩ ، ٩١. |
١٩ ـ اليمامة ١٧١. |
|
٩ ـ الري ١٨٥. |
٢٠ ـ اليمن ١٧٢ ، ١٨٩. |
|
١٠ ـ الشام ١٧٢ ، ١٨١ ، ١٨٢ ، ١٨٣ ، ١٨٨ ، ١٩٠ ، ١٩١. |
||
١١ ـ طور ٢٧. |
دليل الموضوعات
الموضوع |
الصفحة |
القرآن في الاسلام........................................................... ١
مقدمة الناشر:............................................................. ٥
تقديم..................................................................... ٧
ـ مقدمة المؤلف ـ.......................................................... ١١
الفصل الاول.............................................................. ١٣
قيمة القرآن لدى المسلمين................................................. ١٣
القرآن ، دستور الحياة الافضل.............................................. ١٥
القرآن وضع مناهج الحياة للانسان.......................................... ٢٣
القرآن سند النبوة :....................................................... ٢٦
الفصل الثاني.............................................................. ٢٩
كيف يُعلّم القرآن الكريم................................................... ٢٩
القرآن كتاب عالمي :..................................................... ٣١
القرآن كتاب كامل :..................................................... ٣٣
القرآن كتاب دائم :...................................................... ٣٤
القرآن مستقل في دلالته :................................................. ٣٥
للقرآن ظاهر وباطن :..................................................... ٣٩
لماذا تكلم القرآن بأسلوب الظاهر ، والباطن :................................ ٤١
في القرآن المحكم والمتشابه :................................................ ٤٦
معنى المحكم والمتشابه عند المفسرين والعلماء :................................. ٤٧
أسلوب أئمة أهل البيت في المحكم والمتشابه :................................. ٥١
في القرآن التأويل والتزيل :................................................. ٥٣
معنى التأويل عند المفسرين والعلماء :........................................ ٥٤
المعنى الحقيقي للتأويل في عرف القرآن :...................................... ٦٠
القرآن والناسخ والمنسوخ :................................................. ٦٤
الجري والانطباق في القرآن :............................................... ٦٦
التفسير وظهوره وتطوره :................................................... ٦٨
علم التفسير وطبقات المفسرين :............................................ ٦٨
أسلوب مفسري الشيعة وطبقاتهم :.......................................... ٧٥
كيف يتقبل القرآن التفسير؟............................................... ٧٩
نتيجة البحث :.......................................................... ٨١
نموذج من تفسير القرآن بالقرآن :........................................... ٨٦
معنى حجية اقوال النبي والائمة :............................................ ٩٢
تنبيه :.................................................................. ٩٣
الفصل الثالث............................................................. ٩٥
وحي القرآن الكريم......................................................... ٩٥
المسلمون ووحي القرآن :................................................... ٩٧
كتاب العصر والوحي والنبوة :.............................................. ٩٨
ماذا يقول القرآن في الموضوع :............................................ ١٠٠
١ ـ كلام الله تعالى :.................................................... ١٠١
٢ ـ جبرائيل والروح الامين :.............................................. ١٠٤
٣ ـ الملائكة والشياطين :................................................. ١٠٧
الجن :................................................................. ١٠٩
٤ ـ صرخة الضمير :.................................................... ١١٠
٥ ـ حول التفسير الثاني :................................................ ١١١
أ ـ الهداية العامة وهداية الإنسان :......................................... ١١٣
ب ـ ميزة الإنسان في قطع مسالك الحياة :.................................. ١١٤
ج ـ كيف يكون الإنسان اجتماعياً؟....................................... ١١٥
د ـ الاختلافات وضرورة القانون :......................................... ١١٩
هـ ـ لا يكفي العقل في هداية الإنسان الى القانون :.......................... ١٢٠
و ـ لا تكون الهداية الا بالوحي :.......................................... ١٢٣
ز ـ اشكال وجواب :..................................................... ١٢٥
ح ـ لا يتسرب الخطأ الى الوحي :.......................................... ١٣٠
ط ـ حقيقة الوحي مخفية علينا :........................................... ١٣١
ي ـ كيفية وحي القرآن :................................................. ١٣٢
( الفصل الرابع )......................................................... ١٣٧
القرآن والعلوم........................................................... ١٣٧
تعظيم القرآن مكانة العلم والحث على طلبه :............................... ١٣٩
العلوم التي يدعو القرآن الى تعلمها :....................................... ١٤٠
العلوم الخاصة بالقرآن :.................................................. ١٤٢
العلوم التي كان القرآن عاملاً في ظهورها :.................................. ١٤٣
( الفصل الخامس )...................................................... ١٤٩
نزول القرآن وانتشاره..................................................... ١٤٩
كيف نزلت الآيات؟.................................................... ١٥١
بعد البحث السابق :.................................................... ١٥٢
أسباب النزول :........................................................ ١٥٥
المنهج الذي لا بد ان يتخذ في اسباب النزول :............................. ١٥٨
ترتيب نزول السور :..................................................... ١٥٩
نظرة في الحديث والاحاديث الاخرى :..................................... ١٦٥
جمع القرآن في مصحف :................................................ ١٦٨
( أ ) القرآن قبل الرحلة :.............................................. ١٦٨
( ب ) بعد رحلة الرسول :............................................ ١٧٠
اهتمام المسلمين بالقرآن :................................................ ١٧٢
القرآن مصون من التحريف............................................... ١٧٥
قراءة القرآن وحفظه وروايته :.............................................. ١٧٩
طبقات القراء :......................................................... ١٨٠
القراء السبعة :.......................................................... ١٨٤
عدد الآيات :.......................................................... ١٨٩
أسماء السور :.......................................................... ١٩١
خط القرآن واعرابه :.................................................... ١٩٣
فهارس الكتاب......................................................... ١٩٥
الآيات الكريمة....................................................... ١٩٧
نصوص الاحاديث................................................... ٢١٤
اسماء الاعلام........................................................ ٢١٧
الامكنة والبقاع....................................................... ٢٢٥